######OpenITI# #META# URI: 1450CatiyatAbuSucud.HasadFalsafi.Hindawi29480383 #META# Tags: philosophy #META# ID: 29480383 #META# Title: الحصاد الفلسفي للقرن العشرين : وبحوث فلسفية أخرى #META# AuthorID: 75058162 #META# Author: عطيات أبو السعود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # الحصاد الفلسفي للقرن العشرين‏ # تطور العقل النقدي‏ # نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس‏ # دور الفلسفة في الثقافة المعاصرة‏ # الوعي التاريخي بين الماضي والمستقبل‏ # المفارقة التاريخية عند نيتشه‏ # البيئة والمسئولية نحو نموذج معرفي وأخلاقي جديد للخروج من أزمة الإنسان مع بيئته‏ # تقديم‏ # الحصاد الفلسفي للقرن العشرين‏ # تطور العقل النقدي‏ # نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس‏ # دور الفلسفة في الثقافة المعاصرة‏ # الوعي التاريخي بين الماضي والمستقبل‏ # المفارقة التاريخية عند نيتشه‏ # البيئة والمسئولية نحو نموذج معرفي وأخلاقي جديد للخروج من أزمة الإنسان مع بيئته‏ # | الحصاد الفلسفي للقرن العشرين # | الحصاد الفلسفي للقرن العشرين # | وبحوث فلسفية أخرى # تأليف # عطيات أبو السعود # | تقديم # يضم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة التي نشر بعضها في ~~مجلات ثقافية متنوعة على فترات زمنية مختلفة، وما زال البعض الآخر - حتى كتابة هذا التقديم ~~- قيد النشر. وقد كانت بعض هذه الدراسات مساهمة في مناسبات خاصة؛ فالدراسة الأولى التي ~~جعلناها العنوان الرئيسي لهذا الكتاب «الحصاد الفلسفي للقرن العشرين» تمت في إطار المشروع ~~الكبير الذي تبنته مؤسسة عبد الحميد شومان الأردنية عن «حصاد القرن العشرين»، وهو المشروع ~~الذي رصد كل ألوان المعرفة من علوم وفنون وآداب على مدى قرن من الزمان، واختصت هذه الدراسة ~~بالحصاد الفلسفي للقرن العشرين. # وكانت الدراسة الخاصة ب «المفارقة التاريخية عند نيتشه» مشاركة في احتفال العالم بمرور ~~مائة عام على رحيل نيتشه. وقد كنت في ذلك العام في مهمة علمية بالولايات المتحدة الأمريكية، ~~وعاصرت هذه الاحتفالات التي تمثلت في إقامة عدد كبير من المؤتمرات والندوات التي اهتمت ~~بإعادة إحياء فكر نيتشه واكتشافه من جديد، ومحاولة تقييمه، وإعادة الاعتبار له. وفي هذه ~~الفترة الزمنية نفسها - أي فترة وجودي بالولايات المتحدة الأمريكية - تعرفت عن قرب على فكر ~~الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي عندما حضر إلى ولاية فرجينيا حيث كنت أقيم - وقد كان يعمل ~~بجامعتها أستاذا للعلوم الإنسانية قبل انتقاله إلى ولاية كاليفورنيا - وذلك للمشاركة في ~~احتفال قسم الفلسفة بجامعة فرجينيا التكنولوجية ببلوغ إحدى عضوات هيئة التدريس فيه عامها ~~التسعين. وينظر ms001 الأمريكيون إلى ريتشارد رورتي على أنه الفيلسوف الأول للدولة ومجدد ~~البراجماتية. وقد دفعتني هذه المناسبة إلى التعرف على فكر هذا الفيلسوف، وتمكنت من الحصول ~~على مؤلفاته، فكانت الدراسة الخاصة ب «دور الفلسفة في الثقافة المعاصرة، بحث في آراء فيلسوف ~~البراجماتية الجديدة ريتشارد رورتي». # وعلى الرغم من تنوع موضوعات هذا الكتاب وانتمائها إلى الفكر الغربي، إلا أن ما يربطها ~~جميعا هو التوجه النقدي لهذا الفكر الذي لم نكتف بعرضه، والتعريف به، والإطلال عليه فحسب، ~~بل تناولناه تناولا نقديا في محاولة للحوار مع هذا الفكر والوقوف منه مواقف تحليلية ~~وتقييمية يمكن أن تفيد في تفعيل نشاطنا الفلسفي في العالم العربي. ولعل النقد - بعد العرض ~~والتعريف الضروريين - أن يكون هو إسهامنا الحقيقي والإيجابي في الفكر العالمي - على الأقل ~~في مرحلتنا الحالية - الأمر الذي يمكن أن يبلور لدينا نظريات ومدارس فلسفية ما زلنا نفتقر ~~إليها في حياتنا الفكرية المعاصرة. # في النهاية أرجو أن يساعد هذا الكتاب على إعطاء القارئ فكرة عن بعض ما يدور في الساحة ~~الفلسفية الغربية من دراسات وحوارات ومشكلات وقضايا لا مفر لنا من الإلمام بها، والتعرف ~~عليها، واتخاذ المواقف النقدية المناسبة منها، بحيث يؤدي ذلك كله إلى إثراء حياتنا الفكرية ~~وحفز طموحاتنا إلى التقدم والنهضة الحقيقية. # الإسكندرية، في أغسطس 2002م # | الحصاد الفلسفي للقرن العشرين # مقدمة # يعيش العالم الآن الأيام الأخيرة من القرن العشرين. ومع اقتراب النهاية التي أصبحت ~~قاب قوسين أو أدنى تعالت صيحات بعض المفكرين، فمنهم من يتنبأ بنهاية العالم، ومنهم من ~~يقول بنهاية التاريخ، وآخرون يعلنون نهاية الفلسفة، ولكن أين الحقيقة من الأوهام في ~~هذه المزاعم؟ # إذا تناولنا الزعم القائل بنهاية الفلسفة، وحاولنا فحصه للوقوف على حقيقة الأمر فيه، ~~فلا بد ونحن على مشارف الألف الثالثة للميلاد أن نتخذ موقف المراجعة النقدية لكل ~~الاتجاهات الفلسفية التي سادت القرن العشرين، وأن نرصد حركة التفكير الفلسفي - وهو ~~موضوع هذا البحث - حتى نتبين هل أفضت هذه الحركة إلى وضع نهاية لهذا التفكير بالفعل ~~أم لا؟ وكيف تجلت الروح النقدية بأشكال وصور ms002 مختلفة في جميع التيارات الفلسفية التي ~~سنتعرض لها بالرصد والمتابعة والتقييم؟ وأخيرا هل استطاعت الفلسفة طوال مائة عام - وهي ~~الحقبة الزمنية التي يتناولها البحث بالتقييم - أن تواكب احتياجات المجتمع المتغيرة في ~~تلك الفترة التاريخية التي تميزت بالاحتجاج والتمرد على كل ما هو مألوف ومعتاد؟ # وإذا كان الرد على هذا السؤال بالإيجاب، فما هي السمات العامة للتفكير الفلسفي التي ~~ميزت القرن العشرين عن القرون الماضية؟ وهل استطاعت الفلسفة أن تلحق بركب التطورات ~~السريعة للتقدم العلمي والاجتماعي، بحيث أصبح وجودها لازمة ضرورية مصاحبة لهذا التطور؟ ~~أم أن الطفرات التي حققها التقدم المذهل في العلوم الطبيعية قد أزاح دورها الريادي؟ ~~وإذا كان الأمر كذلك فهل تراجعت الفلسفة بالفعل عن مكانتها بما يسمح للبعض بإعلان ~~نهايتها؟ وهل النهاية المقصودة في هذا المقام تعني المعنى الحرفي للكلمة، أم هي إعلان ~~بنهاية المشكلات التقليدية للفلسفة ومنع طغيانها على الفلسفة المعاصرة؟ أم هي إيذان ~~بتحولات جديدة في التفكير الفلسفي وفي طرح مشكلاته كما تمثلت في الثلث الأخير من القرن ~~العشرين؟ وإذا كانت الفلسفة تقف الآن في مفترق الطرق بين التقدم الهائل للعلوم من ~~ناحية، وعصر يموج بالمتغيرات والمتناقضات والتحولات في ظل ثورة المعلومات والاتصالات من ~~ناحية أخرى، فما هي الوظيفة الموكلة إليها في خضم الهجوم الشديد عليها من قبل بعض ~~الاتجاهات - كالماركسية والبراجماتية والوضعية المنطقية والوجودية - بهدف التقليص من ~~مهمتها؟ وإذا كانت الفلسفة جزءا من الحياة وعليها مسئولية تاريخية لا ينبغي التهوين من ~~شأنها، فماذا تبقى لها؟ وما مصيرها؟ وماذا ينبغي على كل فيلسوف حي الضمير أن يفعل؟ ~~وما هي مهمته؟ # يحاول هذا البحث الرد على هذه التساؤلات التي تستلزم الإجابة عليها الرجوع إلى الوراء ~~قليلا لرصد حصاد التفكير الفلسفي منذ بدايات القرن العشرين، وحتى نهايته بقدر ~~الاستطاعة، فكثرة الفلسفات المتنوعة والمختلفة بشكل مذهل ومحير في آن واحد، تجعل مهمة ~~محاولة إيجاد وحدة تربط هذا التنوع مهمة مشكوكا فيها، طالما كنا نحن أنفسنا ننتمي إلى ~~هذا العصر، وغارقون فيه حتى آذاننا. وربما ترجع صعوبة تقديم صورة كلية ms003 ونظرة بانورامية ~~شاملة على التيارات الفلسفية في القرن العشرين إلى عدة عوامل نحاول إجمال أهمها في ~~النقاط التالية: # أولا: # أن التنوع الهائل للتيارات الفلسفية في القرن العشرين يجعل مهمة ~~رصدها من الأمور الشاقة العسيرة. فلم يشهد أي قرن من القرون الماضية ~~مثل هذا الكم الضخم من الاتجاهات الفلسفية المتشابهة أحيانا ~~والمتباينة أحيانا أخرى كثيرة كما شهد القرن العشرون. وإذا كنا نستطيع ~~أن نصف القرون الماضية بأن نقول إن القرن السابع عشر هو عصر المذاهب ~~العقلية والتجريبية، وإن القرن الثامن عشر هو عصر التنوير، والقرن ~~التاسع عشر هو عصر الفلسفات المادية بأنواعها المختلفة، فإننا لا ~~نستطيع أن نفعل هذا مع القرن العشرين الذي تميز بتيارات فلسفية متنوعة ~~تنوعا مبالغا فيه مما يجعل من غير الممكن تحديد خصائص عامة لكل هذه ~~التيارات. # ثانيا: # أن التفكير الفلسفي في القرن العشرين ليس مقطوع الصلة بفلسفات القرن ~~التاسع عشر ولا بالقرون السابقة عليه. فهناك بعض التيارات - خاصة في ~~النصف الأول من القرن - التي تعد امتدادا وتطويرا للأفكار ~~الأساسية التي سادت في القرن الماضي أو حتى القرن الذي سبقه. وإذا كان ~~هذا التأثير لا ينفي عن هذه التيارات جدتها وأصالتها، فهذه هي طبيعة ~~التفكير الفلسفي الذي يتميز بأنه فكر متصل ومستمر وفي حالة جدل وحركة ~~دائمين. كما تتميز بعض اتجاهاته بأنها تكاد أن تكون مقطوعة الصلة بكل ~~ما سبقها، فهناك تيارات ومذاهب - في النصف الثاني من القرن - جديدة ~~ووليدة القرن العشرين، وتكاد أن تكون في زعم أصحابها بداية جديدة كل ~~الجدة، ومختلفة عن التيارات السابقة عليها، وبين هذا الاتصال والانقطاع ~~يقع الراصد لحركة الفكر في نوع من الحيرة والذهول معا تجعل من الصعب ~~عليه أن يلم بهذه الحركة في نظرة واحدة موحدة. # ثالثا: # يتميز القرن العشرون بأنه عصر يموج بالمتناقضات والمتقابلات ويحفل ~~بالتغيرات والتحولات السريعة. وتنتاب الباحث في سمات التفكير الفلسفي ~~في القرن العشرين وحصاده النهائي مشاعر متناقضة ومتباينة بسبب تشابك ~~الفلسفة في هذا القرن مع علوم أخرى كثيرة، وعلى الرغم من انفصال العلوم ~~عن الفلسفة ms004 قبل قرنين من الزمان، وعلى الرغم أيضا من أن الفلسفة لم ~~تعد هي أم العلوم ولا المشرع لها ولا الحاكم المطلق في أمرها، إلا ~~أنها عادت وتشابكت مع العلوم الطبيعية والرياضية والإنسانية مرة أخرى ~~بصور مختلفة، كما تداخلت مع كل آداب العصر وفنونه. وبالإضافة إلى هذا ~~الشعور المتناقض والمتباين يحس الباحث أيضا بالاغتراب كلما توغل بحثه ~~واقترب من نهاية القرن، فهناك نوع من الانشطار بين بداية القرن ~~ونهايته، فالتطور والتحول السريع الذي حدث في التفكير الفلسفي في النصف ~~الثاني - أو إذا توخينا الدقة في بداية السبعينيات من هذا القرن - هو ~~المسئول عن الإحساس بهذا التغريب، حتى ليخيل للمرء أن انتقاله من النصف ~~الأول من القرن إلى نصفه الثاني أشبه بالخروج من عباءة العصر الوسيط ~~إلى عصر جديد كل الجدة. إن النظرة العامة إلى المشكلات التقليدية ~~للفلسفة من ميتافيزيقيا ومعرفة ومنطق وأخلاق قد اهتزت من أساسها؛ إذ ~~«أصبحت الميتافيزيقا والمعرفة مجرد أيديولوجيا، والأيديولوجيا نفسها قد ~~ساءت سمعتها بشكل متزايد. لم يعد أحد يجرؤ على التساؤل عن العناصر ~~الأساسية للوجود، كما فعل الميتافيزيقيون القدامى، ولم يعد باستطاعة ~~أحد أن يعلمنا المبادئ الأساسية للمعرفة الإنسانية، كما فعل ~~الإبستمولوجيون القدامى، ولم يعد المنطق موضوعا فلسفيا، بل أصبح ~~معظم المناطقة أعضاء في أقسام الرياضيات. كذلك الأمر في فلسفة الأخلاق ~~التي تحولت إلى الدراسات الفلسفية التحليلية، وانتهت إلى ما بعد ~~الأخلاق # meta-ethics # وهي الدراسة التي ~~يفترض أنها ستجد مكانها الصحيح في علم اللغويات الجديد.» # 1 ~~(1) خصائص التفكير الفلسفي في القرن العشرين # للأسباب السابقة يصعب أن تتوحد فلسفات القرن العشرين تحت تصنيف واضح، كما يصعب وضع ~~خصائص للتفكير الفلسفي لهذا القرن يمكن أن تنطبق على كل تياراته المتنوعة. ومع ذلك يمكن ~~إجمال سمات التفكير الفلسفي في القرن العشرين في النقاط التالية: ~~(1) # يتصف التفكير الفلسفي - خاصة في النصف الأول من القرن - بالاستمرارية ~~والاتصال مع فكر القرن التاسع عشر بالإضافة أيضا إلى الجدة، فقد «حاول ~~تقديم إجابات متطورة عن أسئلة أو تساؤلات طرحها الإنسان في نهاية القرن ~~التاسع عشر، ms005 بل وفيما قبل ذلك القرن. إلا أن سمة الحياة الجديدة بوجه عام ~~أدت إلى طرح أسئلة جديدة كذلك، فالسؤال عما إذا كان سوء استخدام اللغة ~~يؤدي إلى كثير من مشكلات الفلسفة بعامة، والميتافيزيقا بخاصة؛ سؤال جديد في ~~فلسفة التحليل المعاصر.» # 2 ~~(2) # اختفت المذاهب والأنساق الفلسفية الكبرى التي تميز القرون الماضية، «ولا ~~نكاد نجد لدى أغلب الفلاسفة المعاصرين هذه الأنساق أو التركيبات الفكرية ~~الهائلة أو المذاهب الفلسفية الضخمة التي نجدها في الفلسفات التقليدية. ~~وإنما نجد نزعات تحليلية يتوخى أصحابها الاهتمام بالمنهج، ويحرصون حرصا ~~شديدا على الوضوح في الفكر والمعنى، وكذا الدقة البالغة في استخدام اللغة ~~وأساليب التعبير.» # 3 ~~(3) # التمرد على النزعة المثالية هي السمة المميزة للعقل الفلسفي في القرن ~~العشرين. وقد عبر هذا التمرد عن نفسه في أشكال عديدة من التفكير سادت في ~~الفلسفة المعاصرة: الماركسية، والوضعية، والفلسفة التحليلية الإنجليزية، ~~والبراجماتية والوجودية. تمرد الماركسيون على النزعات المثالية لإغفالها ~~الظروف المادية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع، كما تمرد الوضعيون عليها، ~~واعتبروا عباراتها فارغة من المعنى، وتمرد التحليليون الإنجليز على ~~المثالية على أساس من نزعتهم الواقعية، وتمردت الوجودية عليها أيضا؛ لأنها ~~لم تكترث بالقلق الإنساني والتاريخ والزمان، وهذا التمرد على المثالية هو ~~في حقيقة الأمر ثورة على النزعة العقلية بوجه عام. ~~(4) # تحول الهجوم على الميتافيزيقا العقلية التقليدية إلى هجوم على الفروض ~~المنهجية للنزعة العقلية، «لم تكن البراجماتية ولا الوجودية وحدهما في نقد ~~النزعة العقلية الكلاسيكية. فالحقيقة أن الهجوم عليها جاء من كل الاتجاهات، ~~وكان إحدى العلامات المميزة والسائدة في القرن العشرين، فكل فيلسوف منذ ~~كانط جعل جزءا كبيرا من مهمته - سواء بشكل ضمني أو صريح - مواصلة نقد ~~العقل الذي استهله كانط نفسه، وقد أعلن هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا الحديثة ~~أن مهمة الفلسفة هي إعادة تأسيس أو تكوين العقل # reconstitution of reason ~~.» # 4 # وهذا يدلنا على أن النقد الجذري هو القاسم المشترك لا بين هذين ~~الفيلسوفين الأصليين فحسب، بل بين جميع الاتجاهات التي سنتوقف عندها بعد ~~قليل. ~~(5) # ترتب على رفض الفلسفة المثالية «أن أصبح الاتجاه إلى الواقع ms006 وإلى الإنسان ~~أمرا طبيعيا، فنزع كثير من الفلاسفة المعاصرين إلى الواقعية، وترتب على ~~نقد فكرة المطلق لدى معظم الفلاسفة المعاصرين ازدياد الاهتمام بالإنسان ~~الفرد، بذلك عادت أصداء دعوة سقراط إلى معرفة الإنسان لنفسه تتردد من جديد، ~~وبخاصة عند بعض الوجوديين.» # 5 ~~(6) # أصبحت الفلسفات المعاصرة أكثر ارتباطا بالعلم، وإن لم تعد قائمة على ~~العلم ونتائجه بشكل مباشر كما كان الحال في القرن التاسع عشر. وانعكس هذا ~~التأثير على استخدام المنهج العلمي والاستعانة بنتائج العلوم الطبيعية ~~والنظريات العلمية في أغلب التيارات الفلسفية السائدة في القرن العشرين، ~~حتى أصبح يطلق عليه اسم عصر المنهج والتحليل. وإذا كان الاهتمام بالمنهج ~~يعود إلى عهد ديكارت وهيوم ... إلخ، إلا أن هذا القرن نجح نجاحا كبيرا في ~~تحليل المفاهيم وتصنيف أشكال التفكير والتحرر من الميتافيزيقا ~~التقليدية. ~~(7) # كانت العقود الأولى من القرن العشرين فترة فحص نقدي، وامتدت الدراسة ~~النقدية طوال القرن لتشمل كل مناحي الحياة والعقل والعلم والأخلاق والفن ~~والدين، بل والفلسفة ذاتها. صحيح أن التحليل النقدي هو جوهر الفلسفة على ~~امتداد تاريخها، لكن الدراسات النقدية في القرن العشرين اتخذت أبعادا ~~مختلفة وشملت كل شيء في حياة الإنسان في المجتمعات الرأسمالية والصناعية ~~المتقدمة، حتى تبلورت في مدرسة فلسفية حاولت أن تؤسس نظرية نقدية كان لها ~~تأثيرها على أغلب فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، وهي مدرسة ~~فرانكفورت ونظريتها النقدية الاجتماعية. ~~(8) # يوصف القرن العشرين بأنه عصر الكلمات والرموز بقدر ما هو عصر مضاد ~~للميتافيزيقا. وينطبق هذا بوجه خاص على النصف الثاني من القرن وهي ~~الفترة الزمنية التي ظهرت فيها تيارات فلسفية يمكن القول بأنها جديدة ~~ومقطوعة الصلة بما سبقها، ومفرطة في طموحها. فقد انشغل الفلاسفة المعاصرون ~~في إنجلترا وأمريكا بتحليل المفاهيم والبحث عن الدلالة والمعنى في ~~الاستخدامات اللغوية، وحدث نوع من التحول في التفكير الفلسفي في تلك ~~الحقبة، وتطورت الفلسفة التحليلية الإنجليزية، «وتحولت إلى دراسة اللغة ~~العادية في كل تنوعها وكان فيتجنشتين هو المهندس الرئيسي لهذا التحول، ~~حينما أكد أننا نكتشف اللغة من خلال استعمالها في مختلف مجالات النشاط ms007 ~~الإنساني في حياتنا اليومية، وليس فحسب في استخدامها العلمي، فالكلمة لها ~~معنى فقط داخل تيار الحياة.» # 6 # وهكذا سادت تيارات فلسفية طالبت العقل بالتريث وآمنت بأن الجهل باللغة ~~وسوء استخدامها هو المسئول عن الإخفاق العقلي والفوضى الروحية التي سادت ~~التفكير الغربي، وأصبحت اللغة هي أحدث ملاذ للفلسفة والمأوى الآمن من ~~الهجوم الضار عليها. وتطورت هذه النوعية من الدراسات على أيدي الفلاسفة ~~الفرنسيين بوجه خاص، كما سنرى في تحليلات البنيويين والتفكيكيين. ~~(9) # ظهرت في الثلث الأخير من القرن العشرين بعض التيارات الفلسفية المعروفة ~~باسم فلسفات ما بعد الحداثة، وشهدت فرنسا على وجه التحديد تحولا جديدا في ~~الفكر الفلسفي يتسم بشيء من الأفول النسبي لفلسفات الوجود. وظهرت البنيوية ~~ثم التفكيكية وغيرهما من فلسفات ما بعد الحداثة التي تعد رد فعل بنهاية ~~الحداثة أو هي التجربة الأخيرة بالحداثة، كما أنها رد الفعل العقلي ~~والأخلاقي والجمالي لنهاية الحداثة. ~~(10) # واجه التفكير الفلسفي في نهاية القرن مأزقا شديدا، فبعد أن تطورت ~~العلوم الطبيعية الحديثة تطورا هائلا أبعدت مجالات كثيرة عن سلطة التفكير ~~الفلسفي، ولم تعد الفلسفة تستطيع أن تزعم أنها تسيطر على كل جوانب ~~المعرفة، كما وجدت نفسها - أي الفلسفة - في مفترق طرق ونقطة تحول، وتعالت ~~الصيحات بأنها أصبحت عديمة النفع، وكان لا بد من التفكير: ماذا بعد ~~الفلسفة؟ وظهرت بعض التيارات التي تؤكد أن «استمرار الفلسفة لا يكون إلا من ~~خلال تحولها إلى هيرمنيوطيقا فلسفية أي التأويل الفلسفي»، # 7 # كما في مشروع جادامر وريكور، أو في تحطيم «أو تجاوز وتفكيك» ~~الميتافيزيقا الغربية كما عند دريدا، أو في نقد الأيديولوجيا المتجذرة في ~~الظلم الاجتماعي عند هابرماس، أو في استمرارها عند البعض في السيمانطيقا ~~(علم الدلالة)، وعند البعض الآخر في النظرية العامة للاتصال اللغوي. # وفي كل الأحوال كان التحول البارز الذي تعين على الفلسفة أن تتجه إليه هو التحولات ~~اللغوية التي انطلقت بشكل أساسي من فلسفة كل من هيدجر وفيتجنشتين. وينتهي القرن بطرح ~~التساؤل عن مصير الفلسفة! فقد رأى البعض علامات النهاية ونذرها الزاحفة، ورأى البعض ~~الآخر أن ms008 هناك حاجة ماسة لمفهوم نسقي جديد للفلسفة، ورأى آخرون أنها «ليست في العلم ولا ~~الفن ولا هي نظام معرفي # Discipline ~~، ولا يمكن لها أن ~~تقدم أي شيء، بل هي دائما وللأبد نشاط وفعالية للروح الإنسانية»، # 8 # وإن اختلفت الآراء كذلك حول طبيعة هذه الفاعلية وموضوعها وأدواتها ... ~~(2) تصنيف التيارات الفلسفية في القرن العشرين # تعددت المدارس الفلسفية، وتنوعت في القرن العشرين - كما سبق القبول - إلى حد اختلاف ~~الباحثين والفلاسفة أنفسهم حول تقسيمها، فيقول رسل: «بثلاث فرق أساسية، الأولى اتباع ~~الفلسفة الكلاسيكية (فلسفة كانط وهيجل)، والثانية تتكون من البراجماتيين وبرجسون، ~~والثالثة ممن يتصلون بالعلم.» # 9 # وقدم «وولف» ستة اتجاهات: «المذهب المادي، المذهب المثالي المطلق، مذهب ~~الكثرة الروحية، مذهب التجربة الجديد (الظاهريات)، فلسفة الحياة ومذهب الواقع.» # 10 # أما بوشنسكي فقد ميز أهم النظم الفلسفية في النصف الأول من القرن العشرين ~~من حيث المحتوى إلى ست مجموعات «المذهب التجريبي أو فلسفة المادة، وهو خليفة المذهب ~~الوضعي (وهما يمتدان من مذاهب القرن التاسع عشر)، والمثالية في صورتيها الهيجلية ~~والكانطية. ثم يأتي مذهبان قطعا كل حبال الاتصال مع القرن التاسع عشر؛ وهما فلسفة ~~الحياة وفلسفة الماهيات أو الفينومينولوجيا. وأخيرا تأتي مجموعتان تعبران عن المحاولات ~~الأصيلة والمعبرة عن القرن العشرين، وهما مجموعة الفلسفة الوجودية ومجموعة ميتافيزيقا ~~الوجود الجديدة.» # 11 # أما تصنيف هذه المذاهب حسب المنهج فيرده بوشنسكي إلى «التحليل الرياضي ~~المنطقي من جهة، وإلى العمليات الفينومينولوجية من جهة أخرى.» # 12 # ومما لا شك فيه أن تصنيف المذاهب - كما يعترف بوشنسكي نفسه - لا يخلو من تعسف؛ لأن ~~هناك فروقا كبيرة تفصل بين فلسفات تم وضعها تحت عنوان واحد، ومع ذلك فالتصنيف ضرورة من ~~أجل تقديم صورة كلية ونظرة شاملة. وسنعرض الآن لأهم التيارات الفلسفية في القرن ~~العشرين، ولكن هذا العرض أيضا لا يخلو من تعسف، فالمساحة المتاحة لهذا البحث لا تسمح ~~بعرض كل الاتجاهات؛ لذلك سنقتصر على أكثر التيارات تأثيرا في فلسفة القرن العشرين، ~~وسيتم اختيار الفلاسفة الذين نظن أن لهم وجهات نظر ثاقبة، أو لهم إسهام مميز وتأثير ms009 ~~واضح في مناهج أو نظريات أو تأملات فلسفية أخرى، والذين أصبح لهم تأثير على عقول فلاسفة ~~واعدين الآن . # سنبدأ أولا بعرض التيارات الفلسفية التي سادت الفكر الغربي في النصف الأول من القرن ~~العشرين، والتي كانت رد فعل أو امتدادا لتيارات القرن التاسع عشر، ولكننا سنستثني ~~من هذا العرض الفلسفة الماركسية، وعلى الرغم من أنها تنتمي إلى مذاهب القرن التاسع عشر، ~~فقد كان لها تأثير على بعض الفلاسفة في القرن العشرين، لا سيما بعض الفلاسفة ~~الماركسيين الذين اجتهدوا في تجديد الفكر الماركسي من الداخل - مثل بلوخ وأصحاب التيار ~~النقدي الاجتماعي من مدرسة فرانكفورت - وحاولوا تحذير العالم مما سيئول إليه الفكر ~~العقائدي المتزمت بعد أن شهد النصف الأول من القرن العشرين أهوالا عديدة، فقد سيطرت ~~حكومات شمولية استبدادية على النظم السياسية في العديد من بلدان أوروبا كالفاشية ~~الإيطالية والشيوعية السوفيتية والنازية الألمانية، وشهد أيضا ملايين الضحايا في ~~حربين عالميتين انتهتا بأن تركتا العالم في حالة فوضى، بعد أن وصلت ذروته بإلقاء ~~القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي. لذلك ظهرت الدعوة إلى تجديد الفكر الماركسي ~~والوقوف في وجه النظم الشمولية، ولكن لم تكن هناك آذان صاغية لهذا التجديد، ولسنا في ~~حاجة إلى الإشارة إلى المصير المأساوي الذي انتهت إليه الماركسية، فالانهيار العظيم ~~يشهد عليه. ومع ذلك سنكتفي بالإشارة إلى تيار واحد حاول تجديد الفكر الماركسي من حيث ~~المنهج، وإن كان قد تخلى عن معظم مقولاته الفلسفية الأساسية، وهو التيار النقدي ~~لمدرسة فرانكفورت، والذي سنعرض له في حينه. ونبدأ العرض بالتيارات التي سادت في النصف ~~الأول من القرن العشرين مثل البرجسونية والبراجماتية والفلسفة التحليلية. وقد كانت ~~فلسفة برجسون الحيوية مناهضة للمذهب المثالي والفلسفة الوضعية المنتمين للقرن الماضي، ~~كما عرضت لأول مرة مفهوم الديمومة. وقدم برجسون نظريته في التطور، وكانت دفعة كبيرة ~~للأبحاث الفلسفية اللاحقة لها. # وكانت البراجماتية امتدادا للتيار التجريبي باعتبارها شكلا من أشكال الفلسفة ~~التجريبية، ثم أصبح لها تأثير عميق على المسار اللاحق لها، «ليس فقط على الفلسفة ~~التكنولوجية، بل أيضا على ازدهار نظم ms010 معرفية لم تكن مستقلة بنفسها تمام الاستقلال # half-independent disciplines # مثل علم الدلالة، ~~وعلم النفس، والسوسيولوجيا والتشريع والتعليم.» # 13 # هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تعتبر البراجماتية بمثابة حركة انتقالية أو ~~الحلقة المفقودة بين عصر الأيديولوجيا وعصر التحليل. # ثم نعرض للفلسفة التحليلية وللوضعية المنطقية التي صدمت الحياة الفلسفية، وكانت الطفل ~~المرعب لفلسفة القرن العشرين، فلم تكن تسعى كغيرها من التيارات إلى تجديد الفلسفة، بل ~~دعت إلى تدميرها، بزعم أنها تبحث في موضوعات لا معنى لها. وبذل الوضعيون المناطقة كل ~~جهودهم لوضع حد حاسم بين الميتافيزيقا والعلم الطبيعي، وجعلوا مهمتهم الأولى هي حذف ~~الميتافيزيقا، ثم توضيح لغة العلم وتحديدها. وعلى الرغم من الصخب الذي أحدثه أصحاب هذا ~~الاتجاه في بدايته المبكرة، إلا أن نجمهم قد أفل وانخفض صوتهم، وتحول اتجاههم الفلسفي ~~إلى تيارات علمية وتجريبية أخرى متطورة. # ثم يعرض البحث لأكثر التيارات تأثيرا في القرن العشرين - والتي لم تكتشف في رأينا ~~كل كنوزها حتى الآن - وهي فلسفة الظاهريات أو الفينومينولوجيا ومؤسسها هوسرل، أو هو ~~بالأحرى مؤسس فلسفة الوعي، الذي كانت مهمته إعادة بناء نقدي للمعرفة، وربما لا نبالغ ~~إذا قلنا إن الظاهريات هي بحق العباءة التي خرجت منها معظم التيارات الفلسفية اللاحقة ~~لها في هذا القرن، وإن لم يكن لها تلك الشعبية التي حظيت بها هذه التيارات (مثل ~~الوجودية على سبيل المثال). والظاهريات هي الفلسفة التي تنتمي عن أصالة لفكر القرن ~~العشرين، وهي التي يصفها مؤلفها بأنها «عالم البحث المحايد الذي تنبت منه جذور شتى العلوم.» # 14 # ثم ننتقل إلى الوجودية وهي من أكثر الفلسفات انتشارا في منتصف القرن العشرين. وهي ~~أيضا من أكثر الفلسفات التي تأثرت - بكل تياراتها المختلفة - بظاهريات هوسرل. عادت ~~الوجودية بتاريخ الفلسفة إلى جذور السؤال عن الوجود والماهية، كما عبرت عن أزمة الإنسان ~~الأوروبي في مرحلة ما بين الحربين العالميتين. وإذا كانت الوجودية قد انحسرت منذ ما ~~يقرب من ربع قرن، إلا أنها امتدت في تيارات أخرى انتشرت في الثلث الأخير من القرن ~~العشرين، وهي التي تسمى بفلسفات ms011 «ما بعد الحداثة»، والتي انبثقت من فلسفة هيدجر على ~~التحديد. # ثم نعرض لتيار آخر اجتاح الفكر الفلسفي الأوروبي منذ أواخر الربع الأول من القرن ~~العشرين، لكنه لم يتبلور في شكل نظرية إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو التيار ~~النقدي الاجتماعي الذي أرسى دعائمه أعضاء مدرسة فرانكفورت، وصاغوا له النظرية التي ~~عرفت باسم «النظرية النقدية». وشكلت هذه المدرسة تيارا فلسفيا داخل الفكر المعاصر، ~~مستعينة بالأدوات التحليلية والطاقة النقدية للماركسية، لتحليل المجتمع الصناعي ~~والرأسمالي. وإن كان يؤخذ على أصحاب النظرية النقدية أنهم لم يقيموا نسقا منهجيا ~~محكما، إلا أنهم يمثلون تيارا فلسفيا لا يمكن تجاهله، فقد حاول أن يعيد للفلسفة ~~دورها في المجتمع، وخاصة على يد أحد أهم أعلام جيلها الثاني وهو يورجين هابرماس. # ثم نعرض للبنيوية، ذلك التيار الذي سيطر على الفكر الفرنسي في الستينيات، بعد أن هدأ ~~الصراع الفكري بين الوجودية السارترية وأنصار الماركسية، ذلك الصراع الذي سيطر على ~~الساحة الثقافية الفرنسية في تلك الفترة الزمنية. والبنيوية ليست مذهبا فلسفيا ~~جديدا بقدر ما هي منهج في المعرفة العلمية، احتذى بالنجاح الذي حققته علوم اللغة بهدف ~~الوصول إلى مرتبة العلم المنضبط على نمط العلوم الطبيعية. وقد أثارت البنيوية، فكرا ~~ومنهجا، الكثير من الجدل بين الحماس لها من ناحية وبين الغضب عليها من ناحية ~~أخرى. # ويعرض البحث للفلسفات الجديدة التي ظهرت في مطلع السبعينيات، وتركز معظمها في الفكر ~~الفرنسي على وجه التحديد. ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر فلسفات «المابعدية» - إذا صح هذا ~~التعبير - أعني تلك التيارات التي اتخذت شعار: «ما بعد التجريبية»، «ما بعد العصر ~~الصناعي»، «ما بعد الميتافيزيقا»، «ما بعد الأخلاق»، «ما بعد الحداثة»، «ما بعد ~~الفلسفة»، «ما بعد النقد»، «ما بعد البنيوية»، «ما بعد الحكاية». ولا غرابة في أن تظهر ~~هذه الاتجاهات في الثقافة الفرنسية التي اشتهرت «بالبدع» أو «الموضات» الثقافية ~~والفكرية بنفس القدر الذي اكتسبت به شهرتها في «تقليعة» أو «موضة» الأزياء. تعبر كل هذه ~~«المابعدات» عن التغيرات الأساسية التي طرأت على الثقافة والمجتمع الغربي في أخريات ~~القرن العشرين، ms012 وظهرت بوضوح في مجالات الآداب والفنون، ثم انتقلت إلى مجالات الفلسفة ~~والنظريات الاجتماعية. ومن أهم هذه التيارات التي سنعرض لها في هذا البحث فلسفة التأويل ~~(الهرمنيوطيقا) والتفكيكية. ~~(3) أهم التيارات الفلسفية في القرن العشرين # قبل أن نعرض لأهم تيارات هذا القرن لا بد أن نؤكد أن الغالبية العظمى من فلاسفة القرن ~~العشرين انتابتهم رغبة جامحة للإتيان بأفكار وتيارات جديدة، واقتلاع القديم من جذوره، ~~ولهذا السبب كانت الروح النقدية هي الدافع الأول في هذه التيارات. وإذا كانت هذه الرغبة ~~مشروعة في الحياة بصفة عامة، فهي بغير شك أكثر مشروعية في الفكر الفلسفي الذي يعد النقد ~~جوهره وأهم سمة من سماته، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا بد من التأكيد أيضا أنه ليس ~~هناك بداية مطلقة من الصفر، كما يستحيل على أي جديد أن يتبرأ تماما من دينه نحو ~~الأسلاف، ولا يمكن على الإطلاق أن تكون هناك جدة مطلقة لا تتصل على نحو من الأنحاء - ~~ولو على سبيل الرفض والقطعية - بما سبقها من أشكال الفكر ومضامينه. ~~(3-1) فلسفة الحياة # نبدأ هذه البانوراما الفلسفية للقرن العشرين بالتيار المسمى بفلسفة الحياة، ~~وسنكتفي منه بالفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941م)، ولن نقف عنده كثيرا، لا ~~لعدم أهميته ولكن لأنه - من بين فلاسفة قلائل - حظي باهتمام كبير في الفكر العربي، ~~حيث ترجمت معظم مؤلفاته إلى اللغة العربية، وصدرت في عدة طبعات مختلفة، وتجاوبت ~~معه الرومانسية العربية. لقد كان لبرجسون تأثير قوي ليس على الحياة الفكرية ~~الفلسفية فحسب، بل على الحياة الفكرية والأدبية أيضا في النصف الأول من القرن ~~العشرين، لما كان يتمتع به من أسلوب أدبي مرهف ودقة في التعبيرات الفلسفية، فذاعت ~~شهرته وراجت كتبه. وعلى الرغم من أن آراء برجسون ليست جديدة تماما على الفكر ~~الفلسفي الغربي - حيث نجد فيها أصداء هرقليطس وأفلوطين وهيجل وشيلنج ومين دي بيران ~~- إلا أنه «يعد أكبر فيلسوف في فرنسا منذ عهد بعيد لما بذله من براعة في الجمع ~~بين هذه الآراء والتجديد في عرضها، وقد أذاع لونا من التفكير وأسلوبا ms013 في التعبير ~~طغيا على سائر فروع المعرفة العلمية وتجاوزاها إلى الأدب.» # 15 # واجهت فلسفة برجسون الحيوية كلا من النزعة الآلية الميكانيكية والنزعة المادية ~~مواجهة نقدية حاسمة. وقدم برجسون فلسفة للحياة من خلال نظرية التطور في إطار ~~حدده هو لنفسه واتخذه أساسا لاتجاهه الفلسفي، وليس في الإطار الذي حدده كل ~~من اسبنسر ودارون، فقد عرض لتطور الحياة في لغة شعرية وأدبية بعيدة عن اللغة ~~العلمية التي استخدمها علماء البيولوجيا. وقد اتخذ من «الوثبة الحيوية» أصلا ~~للتطور، كما عرضها في كتابه «التطور الخالق» عام 1907م، ولم يكشف العقل عن هذه ~~الدفعة أو الوثبة الحيوية، بل هناك ملكة أسمى منه - في رأي برجسون - وهي الحدس التي ~~نتعرف من خلالها على ما بداخلنا من صيرورة مستمرة وديمومة حقيقية، وهي الملكة ~~الوحيدة القادرة على فهم الحياة، وإدراك كل ما هو حي ومتغير ومتحرك وجديد في ~~الزمان. # وفي كتابه «المعطيات المباشرة للشعور» يؤكد برجسون أن الحياة النفسية «تيار غير ~~منقطع من الظواهر المتنوعة، أي تقدم متصل من الكيفيات المتداخلة، بخلاف الظواهر ~~المادية التي هي كثرة من الأحداث المتمايزة المتعاقبة.» # 16 # وإذا كان برجسون يرفض المنهج العقلي كمنهج للفلسفة، فهو لا ينكره في ~~ميدان العلم؛ لأنه هو القادر على القياس والتحليل والتركيب، ولكنه لا يستطيع النفاذ ~~إلى داخل الأشياء، بل يعرفها من الخارج فحسب. أما الزمان الشعوري أو الباطني فلا ~~يمكن إدراكه إلا بالحدس، وهو ضرب من الإدراك المباشر لحياتنا الباطنية ولمجرى ~~شعورنا الداخلي. وقد حاول برجسون بذلك «تجاوز التفرقة بين الذات والموضوع بوصفهما ~~قطبين متضادين، ولكنه نظر إلى هذا التجاوز نظرة مثالية، مقدما العالم الداخلي ~~للإنسان، حدسه وحريته، بوصفهما بديهيات أساسية في الفلسفة.» # 17 # لقد كان الإسهام الأكبر الذي قدمه برجسون للفلسفة في بداية القرن العشرين هو ~~إنقاذ فلسفة الروح من النزعة الوضعية، وقصد إلى «إنقاذ القيم التي أطاحها المذهب ~~المادي، فهو واحد من أولئك الذين يقومون في الإنسانية ليعلنوا إيمانهم بالروح.» # 18 # ولقد كانت فلسفة برجسون بأكملها دفاعا عن الروح والحرية، والتأكيد على ~~أن لكل ms014 إنسان شخصيته الحية المتميزة، وأن «كل خط للتطور ينتهي إلى تحرير الوعي عند ~~الإنسان، ويظهر الإنسان وكأنه الغاية النهائية من تنظيم الحياة على كوكب الأرض»، # 19 # ولكن فلسفة برجسون انحسرت مع نهاية الحرب العالمية الثانية - على الرغم ~~من انتشارها السريع والشهرة التي حظيت بها في معظم بلدان أوروبا، وامتدت إلى الشعوب ~~الشرقية - ويعزو البعض هذا الانحسار إلى اهتمامها المبالغ فيه بالزمان الشعوري، ~~باعتبار أنه وحده هو الزمان الحقيقي، وتجاهلها للزمان المكاني. وربما يعود السبب ~~الحقيقي لهذا الانحسار هو اكتساح الوجودية للساحة الفلسفية والفكرية في فرنسا في ~~تلك الفترة وخاصة الوجودية السارترية. ~~(3-2) البراجماتية # تعد البراجماتية من بين فلسفات القرن العشرين التي أدت دورا هاما في الفكر ~~المعاصر، واشتهرت بأنها شديدة الإحساس بالمصالح الإنسانية. وهي الفلسفة التي ترجمت ~~الأفكار إلى فعل وعمل؛ فالحقيقي في الفلسفة البراجماتية هو ما يمكن التحقق من صدقه ~~في الواقع الموضوعي، وأن المنفعة والقيمة والنجاح هي المعيار الوحيد للحقيقة. ولا ~~نستطيع القول إن البراجماتية مذهب فلسفي بقدر ما هي منهج يتتبع النتائج العملية ~~للأفكار. وعلى الرغم من ردود الأفعال المتباينة التي تشكك في قيمة وأصالة ~~البراجماتية، إلا أنها تعبر عن فلسفة حضارة جديدة، فبدون تشارلز بيرس ووليم جيمس، ~~وجون ديوي (وهم أعلام هذا التيار) يصعب تخيل الحياة العقلية في القرن العشرين ~~وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية معقل هذا التيار. وعادة «ما ينظر إلى بيرس على ~~أنه سقراط النزعة البراجماتية، وجيمس على أنه أفلاطونها أما ديوي فهو أرسطو.» # 20 # في حضارة القارة الجديدة. # تشارلز بيرس (1839-1914م) «أول فيلسوف أمريكي يخرج على العالم بفكر جديد يبلور فيه ~~الحياة العقلية كما تمثلت في القارة الجديدة، فهو الذي خلق الفلسفة البراجماتية ~~خلقا، ثم هو الذي بلغ بها غاية كمالها، حتى إذا ما جاء بعده التابعان الكبيران ~~اللذان سارا على نهجه، وهما وليم جيمس وجون ديوي لم يسعهما إلا أن يتحركا في ~~الإطار نفسه.» # 21 # وأهم ما يميز فلسفة بيرس هي أنها فلسفة علمية وليست تأملية، وأنها ~~بعيدة عن الرطانة الفلسفية الأكاديمية. ms015 ويعتبره البعض «أكبر مفكر أنجبته أمريكا، ~~له إسهاماته المتميزة في المنطق، وفلسفة العلم، والميتافيزيقا، والإبستمولوجيا، ~~وفروع أخرى من الفلسفة بجانب اشتغاله بالعلم.» # 22 # والفكرة الأساسية عند بيرس هي أن الوظيفة الوحيدة للفكر تنحصر في ~~النتيجة العملية المثمرة التي يتمخض عنها الفكر. ويشترك وليم جيمس (1842-1910م) مع ~~بيرس في هذه الفكرة الأساسية، وهي أن الفكر لا يكون مفيدا وله معنى يمكن فهمه، ولا ~~يكون له مصداقية إلا من خلال علاقته بغاياته، فالمعرفة بالنسبة لهما ليست تأملا ~~ولا حدسا، بل هي فعل وعمل. # وربما كان بيرس ووليم جيمس هما أول من «عرض بوضوح الاتجاه المميز للقرن العشرين ~~في النظر بعين الاعتبار للمعنى، ووضعه في قلب الفلسفة، ففي اعتقادهما أن الفكرة ~~الموجودة في العقل لها وظيفة تكيفية تتجلى في الفلسفة وفي نظرية المعنى»، # 23 # وهذه هي إحدى آثار نظرية دارون التطورية. ولوليم جيمس إسهاماته في ظهور ~~البراجماتية على الساحة الفلسفية، على الرغم من أنه ليس مؤسس هذه النزعة (مثل ~~بيرس)، ولا هو الذي قدمها بشكل محدد (مثل جون ديوي)، ولكن قوة شخصيته ونشاطه لعبا ~~دورا حاسما في الأثر الذي طبعته البراجماتية على معاصريه. ومحاضراته عن ~~البراجماتية يؤرخ بها لبداية هذا التيار الفلسفي كحركة واضحة المعالم، خاصة في بحثه ~~عن مفهوم الصدق، فبعد أن اختلف الفلاسفة طويلا حول طبيعة الصدق، جاء جيمس ليؤكد أن ~~الفكرة الصادقة هي التي تتلاءم مع غيرها من الأفكار التي تثبت صحتها عمليا. وتصبح ~~الفكرة حقيقية عندما تثبت التجربة أنها صالحة ومفيدة. # ثم يأتي جون ديوي (1859-1952م) أحد الفلاسفة الثلاثة الذين طوروا البراجماتية بما ~~له من وعي عميق بالبعد الاجتماعي للفكر الفلسفي. فقد أدرك أكثر من أسلافه ليس فحسب ~~قيمة التفاعل بين الفلسفة والأنشطة الثقافية الكبرى، بل أيضا قيمة الفلسفة ذاتها ~~ومواجهتها المستمرة مع السياسة والتعليم. مما جعل لفلسفته تأثيرا عظيما على ~~الحياة الأمريكية، فقد «ذاعت شهرة جون ديوي على الأخص باعتباره مفكرا تربويا ~~يروم إصلاح مناهج التربية على أساس آراء اجتماعية متشددة في شأن الطابع الاجتماعي ~~للتربية. وقد كانت ms016 فلسفته لمدة طويلة أقوى قوة عقلية في تلك البلاد التي تعبد ~~التكنولوجيا، ولم تعرف خبرة التقدم العلمي على النحو الذي عرفته أوروبا.» # 24 # لقد شارك جون ديوي زميليه بيرس وجيمس في المبدأ العام للبراجماتية، ~~وهو أن الفكرة خطة عمل ، وأنها - أي الفكرة - لن تكتسب أية قيمة إلا حين تثبت أنها ~~قابلة للعمل، وقادرة على تحقيق نجاح تلك الخطة، ولكن لفلسفة ديوي مفتاح آخر ~~مختلف وهو مفهومه عن الخبرة وتأثره بالنزعة السلوكية، والخبرة عنده هي خبرة ~~بالطبيعة؛ لأنه لا توجد - في رأيه - معرفة حقيقية غير التي يأتي بها منهج العلوم ~~الطبيعية؛ ولذلك فهو يرفض كل الأفكار التي تتعالى على الطبيعة، ويتجه مباشرة إلى ~~الخبرة. # ولعل أهم إسهام قدمه ديوي في تطور البراجماتية هو نظريته في التربية ورفعه شعار ~~التعليم بالممارسة؛ فالتربية الواعية هي إعادة بناء مستمر للخبرة، وأن الأفكار لا ~~تكون أفكارا حقيقية إلا إذا كانت أدوات أو ذرائع نستعين بها في حل المشكلات التي ~~تواجه الفرد والمجتمع على حد سواء. ولا غرابة في أن تنشأ الفلسفة البراجماتية ~~وتجد صدى لها - بل وتحقق نجاحا باهرا أيضا - في مجتمع يحكمه منطق القوة والنجاح ~~كالمجتمع الأمريكي، ولكنه ليس بالضرورة هو أفضل المجتمعات. وربما لهذا السبب أيضا ~~لم تجد البراجماتية رد فعل إيجابي في المجتمعات ذات القيم المثالية العريقة؛ لأن ~~ربط الأفكار الحقيقية والصادقة بآثارها العملية سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ~~استدعى استبعاد كل القضايا الأخلاقية وأحكام القيمة، بل وبعض قضايا العلم أيضا من ~~دائرة الحق والصدق. كما يحصر الفكر الفلسفي في الجانب العملي الذي يحقق منفعة ~~مباشرة، ويزعم بغير حق أن الحقيقة مساوية للنجاح والتأثير العملي. والأبعد من هذا ~~أن البراجماتية بهذا المفهوم تهدم الهدف الأسمى للفلسفة، وهو البحث عن الحقيقة ~~ذاتها، أي البحث المنزه والمجرد من كل غاية أو هدف أو منفعة عملية، وربما كان هذا ~~هو الجانب السلبي من المنهج البراجماتي، لكن هناك بغير شك جانبا إيجابيا ~~يتمثل في نزعتها النقدية للمطلقات المثالية والميتافيزيقية، كما تتمثل أيضا في ~~ترجمتها للأفكار ms017 إلى فعل وسلوك عملي، وتوجهها بوجه خاص نحو آفاق المستقبل. ~~(3-3) الفلسفة التحليلية # أحدثت الفلسفة التحليلية ثورة في تاريخ الفكر الفلسفي - كما يقول آير - بانتقاله ~~على أيدي التحليليين من البحث في مجال الموضوعات والأشياء إلى مجال آخر يبحث في ~~الألفاظ والعبارات التي يستخدمها العلماء والفلاسفة. ولم تكن الفلسفة التحليلية ~~مذهبا، بل هي منهج في البحث اهتم اهتماما شديدا بالتحليل اللغوي بهدف إضفاء ~~الوضوح والدقة على لغة الفلسفة، والكشف عن حقيقة الكثير من مشكلاتها، وجورج مور ~~(1873-1958م) هو رائد النزعة التحليلية في الفلسفة المعاصرة، وهو يمثل مع رسل ~~وفيتجنشتين المدرسة التحليلية التي يطلق عليها اسم الواقعية الجديدة. والتحليل عند ~~مور ينصب على التصورات أو الأفكار والمفاهيم، وليس على الألفاظ أو العبارات ~~اللغوية. كما اصطنع رسل منهجا للتحليل للوصول إلى المكونات الأساسية التي يتألف ~~منها الفكر عن طريق التحليل اللغوي، وأيضا عن طريق تحليل المفاهيم والتصورات ~~الرياضية وتحويلها إلى مفاهيم منطقية. وقد حصر رسل مهمته في أن «يمنطق الفلسفة ~~كلها، من أجل أن تقلع الفلسفة عن دراسة الوجود الكلي، وأن تقنع بدراسة الوجود ~~العام، وهو الوجود المنطقي الذي أراد أن يحصر فيه الفلسفة كلها»، # 25 # فالمعروف أن السمة الأساسية التي تجمع بين فلاسفة التحليل هو عداؤهم ~~الشديد للفلسفة المثالية والميتافيزيقا بوجه خاص. # تتحول الفلسفة كلها على يد فيتجنشتين - الذي يحتل مكانة عظيمة الشأن، في النزعة ~~التحليلية - إلى تحليل للغة. وقد تجاوز تأثيره الفلسفة التحليلية ليتبوأ موقعا ~~هاما في الفلسفة المعاصرة، ففلسفته المتأخرة وخاصة في كتابة «بحوث فلسفية» فتحت ~~«آفاقا جديدة أفاد منها علم اللغة والعلوم المتصلة به، ولم يقتصر الأمر على اكتشاف ~~الفروق الأساسية بين لغة العلم ولغة الفلسفة ولغة كل يوم، وإنما تعداه إلى ~~الاختلافات المتنوعة بين اللغات، واختلاف العناصر المكونة داخل كل لغة على حدة، ~~وتعدد الألعاب اللغوية حسب القواعد المستخدمة في كل لعبة بمفردها.» # 26 # ولا ترجع أهمية فيتجنشتين إلى تأسيسه لمنهج جديد للتحليل المنطقي للغة، ~~بل تمتد أيضا إلى إثارته للقضايا «بطريقة نقدية أصيلة أخرجتها من دائرة «التسليم»، ms018 ~~ووضعتها في دائرة «الإشكال»، وبذلك استحقت أن تكون رافدا هاما من روافد النزعة ~~النقدية الغالبة على التفكير الفلسفي المعاصر.» # 27 ~~(3-4) الوضعية المنطقية # ظهرت الوضعية المنطقية حوالي عام 1922م بالتقاء مجموعة عرفت باسم حلقة فيننا، ~~وكان لكتاب فيتجنشتين «رسالة منطقية فلسفية» أثر كبير على أعضاء هذه الحلقة، كما ~~كان أيضا لمنطق رسل وطريقته الفنية في التحليل أثرها العميق عليهم، ولقد «اختار ~~الوضعيون المناطقة لفظة «منطقي» ليشير إلى اهتمامهم بالتحليل المنطقي للمعرفة، ولكل ~~نتائج العلم والحياة اليومية لإضفاء الوضوح عليها، وشرح العلاقة التي تربط هذه النتائج.» # 28 # وللوضعية المنطقية بعض السمات الخاصة التي أثارت حولها الكثير من الجدل ~~والخلاف في النصف الأول من القرن العشرين منها: رفض الفلسفة التقليدية بما في ذلك ~~رفض الفلسفات المثالية والميتافيزيقا لحساب العلم والتفكير العلمي. ويرجع رفض ~~الوضعيين المناطقة للمثالية إلى أنهم ورثة بيرس من ناحية، ورسل من ناحية أخرى، وقد ~~حصروا الفلسفة في وضع أسس التفكير العلمي أو خدمة العلم الوضعي، وربطوا التراث ~~التجريبي بالتطور الجديد في المنطق. # من أهم المشكلات التي أثارتها الوضعية المنطقية مشكلة «مبدأ ~~التحقق» Principle of ~~Verification ~~، ويقوم هذا المبدأ على أن الأحكام أو العبارات التي «لا ~~نستطيع إثباتها بالإدراك التجريبي هي بالمعنى الحرفي للكلمة مجرد لغو؛ إذ لا يوجد ~~أي معنى أو دلالة يمكن أن تنسب إليهما ... فما يمكن إثباته عن طريق الوقائع # facts # هو وحده ما يمكن أن يكون له معنى ... ولقد ~~طبق الوضعيون المناطقة هذا المبدأ على رفضهم للميتافيزيقا»، # 29 # باعتبار أن قضاياها هي من قبيل ما لا معنى له. وينسب أعضاء حلقة فيينا ~~هذا المبدأ إلى فيتجنشتين، والذي كان له أكبر تأثير عليهم خاصة في كتابه «رسالة ~~منطقية فلسفية» - وهو الكتاب الذي كان نقطة تحول في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر ~~- والذي انتهى فيه إلى أن «مشكلات الميتافيزيقا والفلسفة التقليدية قد نشأت عن ~~إساءة فهم منطق اللغة، وأن تحليل لغة العبارات والقضايا قد بين أن معظمها ليس ~~كاذبا، وإنما هو خال من المعنى.» # 30 # يعد كارناب (1891-1970م) أبرز ms019 ممثلي الفلسفة الوضعية، وصار المتحدث باسم حلقة ~~فيينا إلى أن فقدت الحركة زخمها من الناحية الفلسفية عام 1936م، وتشتت أعضاؤها بموت ~~بعض روادها ومقتل شليك، وهجرة بعض أعضائها إلى بريطانيا، والبعض الآخر إلى الولايات ~~المتحدة الأمريكية، ويمكن القول إن المرحلة الأولى من الوضعية المنطقية قد خبت ~~وانطفأت شعلتها للأسباب السابقة، وبسبب انصراف الحركة الفلسفية عنها - بعد أن كانت ~~تشغل مكانا متميزا في فلسفة القرن العشرين - كنوع من الاحتجاج على دوجماطيقية ~~أعضائها، ولكن هذا لا يعني أن الوضعية المنطقية قد انقرضت أو انتهت تماما، وإنما ~~تطورت عند كارناب أفضل ممثليها وأنشطهم، وخاصة في دراساته في السيمانطيقا أو علم ~~المعاني، التي يتجاوز فيها التحليلي المنطقي للغة. # وربما يكون الدرس الوحيد المستفاد من غلو هذه المدرسة في مرحلتها الأولى أنه ليس ~~هناك رأي قاطع وحاسم في الفلسفة، وكما أن هناك مبدأ التحقق من الصدق؛ فهناك أيضا ~~مبدأ التكذيب - الذي قال به بوبر - والذي يعني أن القضية أو النظرية تظل صادقة، حتى ~~تظهر قضية أو نظرية أخرى تكذبها. وإذا كان للوضعية المنطقية تأثير إيجابي في ~~الحياة الفلسفية المعاصرة، فهو بلا شك أنها دفعت الدراسات المنطقية دفعة هائلة نحو ~~التجديد، كما أنها برفضها للميتافيزيقا نبهت الفلاسفة إلى ضرورة إعادة النظر في ~~استخدامهم للعبارات الفلسفية الفضفاضة، وأن عليهم أن يقدموا نماذج للأفكار تتسم ~~بالدقة والوضوح، وأن يصوغوا عباراتهم الفلسفية صياغة لغوية دقيقة. ~~(3-5) فلسفة الظاهريات (الفينومينولوجيا) # كان للفلسفة التحليلية عند مور ورسل وفيتجنشتين أثر كبير على فلاسفة البلدان ~~الناطقة بالإنجليزية، بينما ساد في أوروبا نظام من التفلسف برز في الوجودية ~~الألمانية، والوجودية الفرنسية وكلاهما تأثر إلى حد كبير بفينومينولوجيا هوسرل - ~~وهي مفتاح تطور الوجودية المعاصرة - فكان الاختلاف شاسعا بين الفلاسفة التحليليين ~~من ناحية، والفلاسفة المهتمين بالتراث الأوروبي المعاصر من ناحية أخرى، بحيث يصعب ~~على كلا الفريقين الاتصال بالآخر. ورفضت الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة أن تنظر ~~للفلسفة باعتبارها علما تجريبيا، وكان هوسرل (1859-1938م) أحد حاملي لواء هذا ~~الاعتراض، الذي بدأ فلسفته بالهجوم الشرس على علم النفس، بل ms020 جعل هدفه تدمير النزعة ~~السيكولوجية في المنطق، والهجوم على المثالية والوضعية التجريبية، وقدم منهجه في ~~الظاهريات. # الظاهريات هي أحد التيارات الهامة في فلسفة القرن العشرين التي سادها الاعتقاد ~~بأن الفلسفة ليست كالعلوم الطبيعية أو الواقعية، وأنها لا يمكن أن تستخدم مناهج تلك ~~العلوم. ولذلك فإن أهم سمتين أساسيتين من سمات الفينومينولوجيا هي أنها منهج في ~~المقام الأول «ينحصر في وصف الظاهرة أي ما هو معطى مباشرة ... ومن جهة أخرى فإن ~~موضوعها - أي الفينومينولوجيا - هو الماهية # essence # أي المضمون العقلي المثالي للظواهر، الذي يدرك في إدراك ~~مباشر، هو رؤية الماهيات.» # 31 # وقد عارض هوسرل بهذا الفلسفة الكانطية التي تنكر معرفة الماهيات. ~~واستطاع أن يؤسس فلسفة جديدة في الفكر الغربي في القرن العشرين، يمكن القول بأنها ~~فلسفة البدايات الأولى التي لا تفترض مسبقا معرفة قبلية بالأشياء، بل تقوم بتجربة ~~الأشياء في الشعور كظواهر محضة. الفينومينولوجيا - إذن - هي علم دراسة الظواهر أو ~~المعطيات التي تتكشف في الوعي، وجعل هوسرل مهمته إيجاد المنهج الفلسفي الذي يستطيع ~~رؤية الماهيات أو حقيقة الموضوعات العينية. # والماهيات ليست ماثلة أمام الذهن أو الوعي، ولكن بلوغها لن يكون إلا من خلال ~~مراحل متدرجة هي مراحل المنهج الفينومينولوجي الذي ليس استنباطيا ولا تجريبيا، ~~بل هو منهج استبطاني ليس بالطريقة السيكولوجية، وإنما يتم من خلال عمليات ثلاث تبدأ ~~بالاستغناء عن كل المعلومات السابقة عن الشيء، وبالتوقف عن الحكم، ووضع بعض عناصر ~~المعطى - وهي العناصر التي لا تهتم بها الذات، بحيث لا يبقى لها إلا ما هو معطى من ~~الموضوع - بين قوسين واستبعادها من التأمل، أي تقويس العالم، والانصراف بالوعي إلى ~~الماهية الخالصة، وهذا ما يسميه هوسرل بالرد الترنسندنتالي، ولكن الوعي لا يكون إلا ~~وعيا بشيء ما، أي أن للوعي طابعا قصديا، ونشاطاته نشاطات قصدية. والقصدية هي ~~الفكرة الأساسية في فلسفة الظاهريات. ويتجاوز الوعي الصفات العارضة وينفذ إلى ~~الماهية، وهو ما يسميه هوسرل بالرد الماهوي، بمعنى الوصول إلى ماهية الشيء، ثم ~~البحث عن معنى أو دلالة الظاهرة. بمعنى آخر يمكن أن نقول ms021 إنه تتم عملية حفر للوعي ~~أو - إذا استعنا بتعبير فوكو - أركيولوجيا الوعي. # مهمة الفيلسوف الفينومينولوجي إذن هي بحث الظاهرة الماثلة أمام الوعي أو الشعور ~~الذي يتوجه إليها، ويقصدها «بأفعاله القصدية، وغدت رؤية الماهيات وتحليلات المعنى ~~هي أدواته في البحث.» # 32 # ولعل ما أسفر عنه هذا المنهج هو نوع جديد من المثالية، أطلق عليه ~~المثالية الذاتية المتعالية. إن الحقيقة الوحيدة والمطلقة في هذا المنهج هي الذاتية ~~المتعالية التي يعتمد عليها كل وجود آخر في العالم، بحيث يمكن أن نقول إنها ذروة ~~الذاتية بعد ديكارت، بل هي تعميق للذاتية والارتفاع بها. فإذا ما اندثر كل شيء في ~~العالم سيبقى الوعي صانع الماهيات والحقائق. وربما لهذا السبب أيضا تعرضت فلسفة ~~الظاهريات للنقد كشكل من أشكال المثالية الذاتية، فهي كفلسفة للباطن قد أكدت «عجز ~~كل الفلسفات المثالية الذاتية عن التأثير في حركة الواقع التاريخي والاجتماعي»، # 33 # ولكنها من ناحية أخرى كانت شهادة بإفلاس العقل الغربي، وعودة إلى ~~الشعور الفردي الحي؛ فقد أيقظت الوعي بالأشياء والعالم والتجربة الحية. وبرؤية ~~الماهيات من خلال الوعي أو الشعور تصبح الحقائق حية. # إن أثر الفينومينولوجيا على الفلسفات الأخرى يؤكد الجانب الإيجابي منها، فهي ~~كمنهج - أكثر منها فلسفة - تعد منهجا خصبا أثر على العديد من فلسفات العصر، ~~وطبق تطبيقات مثمرة في مجالات مختلفة؛ لقد أعطى هوسرل إشارة البدء من جديد لعلوم ~~كثيرة منها «علم النفس، دراسة العقل، والمنطق، وفلسفة الرياضيات، والقانون، والعلوم ~~الاجتماعية، وفلسفة الفن والأخلاق وفلسفة الدين.» # 34 # هذا بالإضافة أيضا إلى تأثيرها العميق - كما سبقت الإشارة - على ~~الفلسفات الوجودية، وفلسفة اللغة، وفلسفة التأويل أو الهرمنيوطيقا، وتأثيرها غير ~~المباشر على أعضاء مدرسة فرانكفورت. وعلى الرغم من تأثير فلسفة الظاهريات في تيارات ~~متعددة وبعثها للحياة في حقول بحثية جديدة، إلا أنها تعد أقل الفلسفات حظا من ~~الانتشار والفهم أيضا. وربما يعود هذا إلى غموضها من ناحية، وصعوبة التعامل مع ~~مفاهيمها المخالفة للنظم الفلسفية السائدة حينذاك من ناحية أخرى. فهي ما تزال غير ~~معروفة معرفة كافية بالمقارنة مع التيارات الفلسفية المعاصرة ms022 لها، والتي حظيت ~~بانتشار واسع ودراسات وافية، وإن لم تكن تفوقها عمقا وقدرة على التأثير. وعلى ~~الرغم مما تحتويه كتابات هوسرل من تحليلات دقيقة وعميقة إلا أن «المؤرخين لم يضعوا ~~أيديهم بعد على كل ما يشكل قيمة هذه الكتابات التي تعد نبعا عظيما للمعرفة، ~~ولم يحددوا بعد مدى قوة فائدتها، ويظهر أن كتابات هوسرل (التي ما زالت تنشر ~~تباعا حتى اليوم) في طريقها إلى أن تصبح مصدرا أساسيا معتمدا من مصادر الفلسفة ~~الغربية ترجع إليها الأجيال القادمة في الحضارة الغربية.» # 35 # هكذا فتح البحث الفينومينولوجي آفاقا جديدة جعلته أحد المنابع الرئيسية للتفكير ~~الفلسفي للحضارة الغربية في القرن العشرين. وكما جاءت الظاهريات ببعض وجهات النظر ~~النقدية - الجذرية - للفلسفات السابقة عليها، وزعمت أنها فلسفة البدايات، وكانت ~~صيحتها على لسان هوسرل بالرجوع إلى الشيء نفسه، وكما وجه نقده اللاذع للوعي ~~الأوروبي وأزماته، محاولا البدء من الوعي - تعميقا لفلسفة ديكارت - وكما وجهت ~~الفينومينولوجيا نقدها للمثالية والتجريبية والنزعة النفسية في المنطق، فإن هناك ~~بعض الانتقادات التي وجهت إلى الظاهريات نفسها وعرضتها للنقد لاستغراقها في ~~استبطان الوعي وإغفالها إلى حد كبير للبعد الاجتماعي، وتحويلها للفلسفة إلى نوع من ~~الاستبطان المنطقي المعرفي الذي انتهى إلى مثالية ذاتية متعالية بعكس الهدف الأصلي ~~لهذه الفلسفة. ~~(3-6) الفلسفة الوجودية # كان للمنهج الفينومينولوجي أكبر الأثر على الفلسفة الوجودية التي كان لها حظ ~~كبير من الشهرة والانتشار - خاصة فيما بعد الحرب العالمية الثانية - يفوق بكثير ~~الأصول التي نهلت منها. لقد كانت رد فعل قوي على المذاهب العلمية والفلسفات ~~التي حاولت أن ترسخ في الأذهان فكرة المطلق. وإذا كان نيوتن «قد وضع أساس المطلق في ~~العلم. وجاء هيجل ليؤكد فكرة المطلق في الفلسفة، فقد جاء عدد من المفكرين وركزوا ~~على التجربة الإنسانية الفردية الحية التي تتمتع باستقلال ذاتي.» # 36 # ونقطة البدء في الفلسفة الوجودية هي الإنسان الفرد بمفارقاته الفردية، ~~والمواقف التي يخوضها مع الحياة، وتحليل الوجود الإنساني إنما يبرهن على أن الموجود ~~(الإنساني) هو الذي يتساءل عن الوجود. # تتعدد تيارات الفلسفة الوجودية وتتباين ms023 فيما بينها، على الرغم من أنها نبعت ~~جميعا من مصادر واحدة، وإلى جانب تأثير المنهج الظاهرياتي على جميع فلاسفة الوجود ~~- بصفة عامة - فقد كانت لفلسفة الحياة بصماتها أيضا، بالإضافة إلى انتساب جميع ~~فلاسفة الوجود إلى كيركيجورد الأب الروحي للفلسفة الوجودية. وأهم أعلام التيار ~~الوجودي هم جابريل مارسيل، وكارل ياسبرز، ومارتن هيدجر وجان بول سارتر، ويمثل ~~ياسبرز وهيدجر تيار الوجودية الألمانية وهما اللذان تأثرا بكيركيجورد، وأضافا ~~إليه وأخرجا فلسفته الوجودية من الوجود الذاتي بمعناه الضيق إلى الوجود العام. ~~وهناك أيضا الوجودية الفرنسية بشقيها المؤمن والملحد، يمثل جابريل مارسيل التيار ~~الأول، ويمثل كل من سارتر وميرلونتي التيار الثاني. وهناك اختلافات أساسية فيما ~~بين أعلام هذه الاتجاهات تجعل من الصعب الحديث عنهم جميعا تحت مسمى واحد. ومع ذلك ~~نستطيع أن نجمل بعض الخصائص المشتركة بين الفلاسفة الوجوديين: ~~(1) # تنبع الفلسفة الوجودية من تجربة حية معاشة تسمى تجربة وجودية، تحمل ~~طابعا شخصيا. ~~(2) # الوجود هو الموضوع الرئيسي للبحث الفلسفي عند الوجوديين. ~~(3) # يتصور الوجوديون الوجود على نحو فاعلي نشط فلا «يكون» الوجود، بل ~~«يصير». ~~(4) # أن الوجوديين يفهمون «الذاتية» بمعناها الخلاق؛ فالإنسان يخلق نفسه ~~بنفسه. ~~(5) # يقول كل المفكرين الوجوديين بالتبعية المزدوجة، تبعية الإنسان للعالم ~~وتبعيته للبشر. ~~(6) # يرفض كل الوجوديين التمييز بين الذات والموضوع، بل ينبغي التعامل مع ~~الواقع الذي يتم في تجربة القلق، وفيه يدرك الإنسان أنه محدود قاصر. ~~وبالرغم من هذه السمات المشتركة بين الفلسفات الوجودية، فإنه توجد ~~اختلافات عميقة بين ممثلي الوجودية، إذا أخذ كل منهم بمفرده. # 37 # حظيت الوجودية الفرنسية - وخاصة السارترية - بشهرة واسعة ليس في أوساط المثقفين ~~فقط، بل أيضا على المستوى الجماهيري والشعبي، ويليها حظا من هذه الشهرة وجودية ~~هيدجر، وإن كان انتشار هذه الأخيرة على المستوى الأكاديمي أكثر منها على المستوى ~~الجماهيري. وعلى الرغم من هذا يعد كارل ياسبرز (1883-1969م) - الأقل شهرة ~~وانتشارا - من بين «الفلاسفة الوجوديين المعاصرين أغزرهم إنتاجا، وأوضحهم ~~تفكيرا، وأوسعهم اهتماما، وأقربهم إلى التفكير العام. ليس فيه غموض هيدجر ولا ~~جفاف لغته، وليس فيه عبث سارتر.» # 38 # ويؤكد ياسبرز ms024 - كسائر الوجوديين - أن الإنسان هو الحقيقة الأساسية التي ~~يمكن إدراكها في العالم، وأنه موجود في مواقف عينية واقعية في الحياة. وأن الوجود ~~«انفتاح على العالم، ولن يتحقق - أي الوجود - إلا في الفعل والسلوك، ونقابل هذا ~~الانفتاح في المواقف الحدية (مثل الموت والألم والصراع والخطيئة)، وفي الوعي ~~التاريخي، وفي الحرية، وفي التواصل مع الآخرين.» # 39 # يتحقق وجود الإنسان إذن في لحظة خروجه من حال الإمكان إلى حال التحقق، ~~وهو بهذا يحقق معنى الحرية التي هي جوهر الوجود الماهوي عند ياسبرز. # ثم يأتي مارتن هيدجر (1889-1976م) الممثل الآخر للوجودية الألمانية، والأكثر شهرة ~~من سلفه، ويعلن أن نقطة البدء في فلسفته هي الموجود - هناك # Dasein # ليبدأ مرحلة جديدة في فهم الإنسان. ~~ويبدأ أيضا بحثه عن «الوجود الأصيل» مسقطا بذلك مشكلة وجود العالم الخارجي؛ لأن ~~الموجود هناك بطبيعته موجود في العالم، وبحثه عن وجوده الخاص يرتبط ببحثه عن الوجود ~~العام. وينطلق هيدجر في «تحليلاته الأنطولوجية للوجود الإنساني من الحياة اليومية ~~أو «الموقف الطبيعي» الذي نحياه جميعا. وهذه التحليلات للوجود-في-العالم، ~~والوجود بالقرب من الأشياء والمعية والأداتية ... إلخ تعد من أثمن ما قدم هيدجر ~~للحياة الفلسفية.» # 40 # مما جعله يمثل تحولا بارزا في الفكر المعاصر خاصة في كتابه «الوجود ~~والزمان» الذي يعتبره بعض الباحثين بداية عصر جديد من التفلسف كان له أكبر الأثر ~~على بعض التيارات الفلسفية في القرن العشرين. # يؤكد هيدجر أن المنهج الوحيد الملائم للتحليل الوجودي هو المنهج الفينومينولوجي، ~~ولكنه لم يأخذ بمفهوم هوسرل للظاهريات «كفلسفة ترانسندنتالية تصل في مراحلها ~~التكوينية الأخيرة إلى رد كل شيء إلى الأنا (الذات أو الوعي) الخالص الذي يبقى ~~ولو فني العالم كله ... ولكنه يعلن تنصله من الظاهريات فلسفة واتجاها، واستفادته ~~منها منهجا وطريقا للكشف عن أشكال الوجود.» # 41 # وكأن فلسفة الظاهريات تقوم عند هيدجر بدور عمل التأويل، وهي تدرس ~~الكينونة من أجل تفسير تركيبها وتكوينها، وتصبح الفلسفة نظرية أنطولوجية ~~فينومينولوجية عامة، تنتج عن تأويل «الموجود-هناك». # 42 # مهمة التحليل الأنطولوجي إذن عند هيدجر هي الكشف عن الوجود الإنساني ~~بصفة ms025 عامة، أي وجوده-في-العالم، بمعنى أنه يمضي من تحليل الموجود إلى تحليل ~~الوجود. # والوجود - في - العالم عند هيدجر يعني أن الوجود البشري قذف به على غير إرادته ~~في عالم ليس من صنعه، وفي محاولته - أي الموجود البشري - المستمرة للخروج من ذاته ~~يصطدم بعالم الأشياء والأدوات ليحقق إمكانياته، ويكون ما لم يكنه، والموجود البشري ~~لا يوجد في العالم فقط، بل أيضا مع الآخرين. والقلق الوجودي - وليس السيكولوجي - ~~هو ما يميز حياة «الموجود-هناك»، وهو الحالة الانفعالية التي تتكشف فيها حقيقة ~~الوجود، وأنه وجود للموت، وأن الموت هو أعلى إمكانيات «الموجود-هناك» وهي إمكانية ~~انتهائه وموته. ومفهوم هيدجر عن الموت يفترض كذب المفهوم الأفلاطوني، المسيحي، ~~بمعنى انفصال الجسد الفاني عن الروح الخالدة، فالموت عدم مطلق، سقوط في اللاشيء. ~~وكما ألقي الإنسان في العالم بدون هدف أو معنى، فهو يلقى به أيضا للموت وبدون ~~أن يكون لمجيئه أو رحيله معنى. # 43 # فالإنسان محكوم عليه بالموت، والموت هو عبور «الموجود-هناك» إلى حيث لم ~~يعد هناك وجود. # كانت الوجودية الفرنسية هي التيار الآخر للفلسفة الوجودية، وقد انقسم هذا التيار ~~نفسه - كما سبق القول - إلى تيارين متعارضين، أحدهما ديني كاثوليكي ويمثله جابريل ~~مارسيل (1889-1973م)، والآخر ملحد ويتزعمه سارتر. لن نقف عند الأول، أعني جابريل ~~مارسيل؛ لأنه لم يؤسس نظاما فلسفيا، ولم يترك سوى تأملات على شكل يوميات، وهو ~~أقرب إلى كيركيجورد من كل ممثلي الفلسفة الوجودية، ولم يكن له شهرة ولا تأثير ~~سارتر، القطب الآخر للوجودية الفرنسية، الذي تجاوز تأثيره ساحة الفكر الفرنسي إلى ~~بلدان أخرى كثيرة، ومنها بعض البلدان العربية التي حظي فيها باهتمام كبير وحركة ~~ترجمة واسعة لأعماله. # تطورت فلسفة سارتر (1905-1980م) على مراحل ثلاث تأثر فيها بثلاثة فلاسفة هم هوسرل ~~وهيدجر وماركس. كانت المرحلة الأولى من هذا التطور سيكولوجية ظاهرية، والمرحلة ~~الثانية أنطولوجية، ثم المرحلة الثالثة وجودية ذات ميول ماركسية. وأثمر هذا التطور ~~الأخير ما يعد أهم كتب سارتر وهو «نقد العقل الجدلي» الذي أدرك فيه البعد ~~التاريخي للوجود الإنساني مما أتاح الفرصة لإقامة فلسفة أساسها ms026 عقل جدلي يدرك أن ~~حقيقة الإنسان متغيرة، ولن تتوقف عن الصيرورة. # وإذا كان الإنسان عند هيدجر هو الكائن المحكوم عليه بالموت، فهو عند سارتر محكوم ~~عليه بالحرية؛ لأنه هو الذي يختار أن يصبح أو يصير. وكما يقول سارتر في الوجودية ~~والنزعة الإنسانية، أن الإنسان مسئول عن وجوده ونوعه، وكذلك مسئول عن كل البشر في ~~كل اختيار أو قرار له. ومبدأ الوجود عنده، الإنسان هو ما يصنعه بنفسه! الإنسان مشروع # Man is Project ~~. # 44 # والإنسان يوجد بقدر ما يحقق ذاته وإمكاناته في أفعال ملموسة، بمعنى آخر ~~أن الإنسان هو مجموع أفعاله. # يعود الانتشار الواسع للفلسفة الوجودية في منتصف القرن العشرين - إلى الحد الذي ~~أصبحت معه «موضة العصر» - إلى أنها تعبر عن أزمة مبادئ وقيم مرحلة ما بين الحربين ~~العالميتين، لقد وضعت المبادئ الأساسية للفلسفة التقليدية بكل قيمها وحقائقها موضع ~~التساؤل، معتبرة مشكلة الإنسان المشكلة الأساسية. فقد عاد الفلاسفة الوجوديون ~~بتاريخ الفلسفة إلى السؤال عن مصير وماهية الإنسان، والسؤال عن معنى الوجود أو ~~حقيقته بعد أن طغى الطابع العلمي على فلسفات القرن التاسع عشر، واختزلت الوجود ~~الإنساني وقصرته على الوجود المادي، فجاءت الفلسفة الوجودية لتبحث عن ماهية الوجود ~~الإنساني من حيث وجوده - في - العالم، ووجوده مع الآخرين ومن أجلهم. وربما كان هذا ~~سببا قويا في انحسار الفلسفة الوجودية - فيما بعد - واتهامها بإهمال الجانب ~~العقلي في الإنسان باعتباره عصب الثقافة الأوروبية القائمة على العلم. # حدث نوع من الانحسار للفكر الوجودي بعد موت كل من هيدجر وسارتر، وبقيت قيمة ~~فلسفة هذا الأخير في كونها أعمالا أدبية. أما عن فلسفة هيدجر فنستطيع أن نقول إنها ~~من النوع الذي يتم اكتشاف كنوزها، وتزداد أهميتها بعد موت أصحابها، فعلى الرغم من ~~انحسار التفكير في الوجودية كفلسفة، بقيت قيمة فلسفة هيدجر في أنها تولدت عنها ~~فلسفات أخرى أثارت الكثير من الجدل، وأحدثت تغييرا جذريا في مسار التفكير ~~الفلسفي في الثلث الأخير من القرن العشرين، وأقصد بوجه خاص تأثير فلسفة هيدجر - لا ~~سيما في تحليلاته لبعض نصوص الفلاسفة قبل ms027 سقراط والنصوص الشعرية لهيلدرلن وغيره - ~~على كل من فلسفة التأويل أو الهرمنيوطيقا والنزعة التفكيكية. وفيما بين التأثير ~~الفعال والتراجع والانحسار تعرضت الفلسفة الوجودية للكثير من النقد، على الرغم من ~~أنها قامت في الأساس لتوجيه النقد للفلسفات السابقة عليها، وعلى الرغم أيضا من زعم ~~أحد روادها (أعني هيدجر) أنه تجاوز الميتافيزيقا الغربية، وأنه يؤسس فكرا جديدا ~~للوجود. على الرغم من كل هذا فإن الوجودية نفسها لم تسلم من سهام النقد الموجه ~~إليها باعتبارها نزعة معادية للعلم. وكانت فلسفة هيدجر في بعض جوانبها مرتعا ~~خصبا لهذا النقد، خاصة في إغفالها البعد الاجتماعي والسياسي في حياة الموجود ~~الفرد، وانغلاق فلاسفة الوجود بصفة عامة في الفردية الذاتية - باستثناء سارتر - إلى ~~حد تجاهل الواقع الجدلي المتحرك حولهم. وقد كان هذا الجانب هو الأساس الذي ارتكز ~~عليه نقد أعضاء مدرسة فرانكفورت لفلسفات الوجود. ~~(3-7) النظرية النقدية # امتد تأثير بعض أفكار فلسفة الظاهريات وفلسفة الحياة وفلسفات الوجود إلى تيار آخر ~~ساد في أواخر الثلاثينيات من هذا القرن أطلق عليه اسم التيار النقدي، وانطلق من ~~«معهد البحوث الاجتماعية» بمدينة فرانكفورت، ومن هنا أطلق على هذا التيار اسم ~~«مدرسة فرانكفورت»، واحتفظ بهذا الاسم حتى بعد أن هاجر أعضاؤه - في فترة الحكم ~~النازي - إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ثم بعد عودتهم مرة أخرى إلى بلادهم عام ~~1951م. اتخذ أعضاء هذه المدرسة من التحليل النقدي منهجا لهم فعرفت باسم «النظرية ~~النقدية»، وقد تطورت هذه النظرية على مرحلتين أساسيتين، تمت المرحلة الأولى على يد ~~الجيل الأول من المؤسسين وهم هوركهيمر وأدورنو وماركوز وإريك فروم وغيرهم، وتطورت ~~المرحلة الثانية على يد الجيل الثاني الذي يعد هابرماس أحد أشهر أعلامها. # إن السمة الأساسية التي جمعت أعضاء «مدرسة فرانكفورت» بجيلها الأول والثاني هو ~~«نقد» العقلانية التقنية التي سادت الفكر الغربي في ظل الحضارة الصناعية والنظام ~~الرأسمالي. إنها تعبير عن رفض العقلانية العلمية، وعقل التنوير بكل ما نتج عنه، وقد ~~تبنى أعضاء المدرسة المنهج التحليلي النقدي للماركسية دون مقولاتها التقليدية. ~~«وبلغت هذه المدرسة ذروة تأثيرها على الحياة ms028 الفلسفية والعقلية وعلى تفكير الرأي ~~العام المثقف في أوروبا وألمانيا الغربية في النصف الثاني من عقد السبعينيات عندما ~~تبنت حركة الطلاب المعروفة بعض أفكار النظرية النقدية وأدمجتها في أيديولوجيتها ~~اليسارية الجديدة الرافضة لكل أشكال السلطة والتسلط.» # 45 # اكتفى الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت بنقد سلبيات المجتمع الأوروبي في ~~ذلك الحين التي ذكرنا بعضها، ولكنها لم ترق إلى وضع نظرية نقد نسقية، ولم تقدم ~~بديلا عما قامت بتوجيه النقد إليه. ولعل الدور الهام الذي لعبته هذه النظرية في ~~مرحلتها الأولى هو تأكيدها على الدور النقدي للفلسفة. وأخيرا «تشتت أبناء الجيل ~~الأول للمدرسة مع بداية الثمانينيات، وبقيت أفكارهم الثورية بغير أثر علمي ملموس، ~~وانفضت عنهم حركة الطلاب المتمردين، وأحكمت الدولة قبضتها، وراحت تطارد اليسار ~~الجديد وعلى رأسه رواد المدرسة وتلاميذهم، لكن المدرسة ظلت حية في الجيل التالي ~~الذي ما يزال ممثلوه ممسكين بالخيوط التي نسجها الرواد، عاكفين على مواصلة تراثها ~~النقدي الثوري وبلوة نظريتها النقدية.» # 46 # ويعد يورجين هابرماس (1929م-...) أهم ممثلي الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت. أفاد ~~كثيرا من تطور العلوم الاجتماعية، وتعمق في مشكلات نظرية المعرفة وفلسفة اللغة، ~~وبعض اتجاهات الفلسفة المعاصرة كالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا الفلسفية، وانعكست كل ~~هذه التيارات على تطويره للنظرية النقدية، أو بمعنى آخر إعادة بنائها وتزويدها ~~بدماء جديدة، وساهمت كل اتجاهات الفلسفة المعاصرة - بالإضافة إلى التراث النقدي ~~الذي ينحدر منه هابرماس نفسه: بدءا من كانط، وانتهاء بالجيل الأول من مؤسس ~~النظرية - في تكوين القاعدة النقدية لفلسفة هابرماس، بحيث مكنته من «تأسيس منطلقات ~~جديدة لنظرية نقدية خاصة به تتميز بمتانتها المعرفية والمنهجية، وتتسم بالامتداد ~~والتواصل مع متغيرات المستقبل.» # 47 # وإذا كان الجيل الأول من مؤسسي النظرية النقدية قد هاجم عقل التنوير ~~وكل ما تمخضت عنه أفكار الحداثة، فإن هابرماس دافع عن العقل، ونظر إلى الحداثة على ~~أنها مشروع لم يكتمل بعد. وعندما نادى بعض المحدثين بأن تتخلى الفلسفة عن دور ~~المرشد أو القاضي الذي يعين للعلوم مكانها ومناهجها ووظيفتها، وحاولوا تبرير قولهم ~~بخلع الفلسفة عن عرشها بزعم أن الأفكار ms029 الأساسية (مثل الحقيقة والمطلق) ليست شروطا ~~ضرورية للحياة البشرية، بل من الممكن أن تسقطها البشرية من حسابها؛ أقول عندما ~~نادوا بذلك، تصدى هابرماس للدفاع عن دور الفلسفة وضرورة ارتباطها بالعقل، ولكنها ~~عنده ليست دليلا للعلوم أو المعرفة، وإنما تشغل مكانها داخل العلوم، بمعنى أن ~~الفلسفة لا تضع حدودا للعلوم ومناهجها، بل تكون هي نفسها منخرطة في هذه العلوم ~~ومفسرة لها. # أكد هابرماس - إذن - على دور الفلسفة «باعتبارها منخرطة # Stand-in # في المجتمع، وأكد على علاقتها ~~بالأبحاث التجريبية العينية، فلم تعد وظيفة الفلسفة أنها الحاكم المطلق في العلم ~~والثقافة، بل دخلت في علاقة مع العلوم الإنسانية وتاريخ العلم، ومع فلسفة اللغة ~~واللغويات التجريبية.» # 48 # ويمكن القول إن محاولة هابرماس الأساسية - منذ كتابه «المعرفة ~~والمصلحة»، وحتى «نظرية الفعل التواصلي» - هي وضع إطار عمل شامل للعقلانية والتعقل. ~~إن التفكير الفلسفي يبدأ بتأمل العقل المتمثل في المعرفة، والكلام والفعل، ويحتفظ ~~بدوره الرئيسي «كحارس للعقل»، وبذلك يقدم هابرماس نوعا من «الخطاب المهجن» الذي ~~يدمج الأفكار الفلسفية في سياق البحث التجريبي معارضا بذلك التصورات والمفاهيم ~~التقليدية للفلسفة. # وإذا كان الجيل الأول من مؤسسي «النظرية النقدية» قد اقتصر على نقد أفكار ~~وعقلانية الحداثة، واكتفوا بتوجيه سهام النقد إلى كل أوجه الحياة الفلسفية المحيطة ~~بهم، فإنهم لم ينجحوا في بلورة نظرية نقدية نسقية، ولم يقدموا في النهاية غير نظرة ~~تشاؤمية إلى الوجود والتاريخ عندما عجزوا عن إمكانية التغيير، فإن هابرماس يؤكد أن ~~الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، ولكنه يؤكد من ناحية أخرى أن «فلسفة الوعي وفلسفة ~~الذات قد استنفدت كل طاقاتها، ويتعين إدخال مسألة التفاهم والتواصل لتنشيط التفكير ~~الفلسفي في اللغة والزمن والذات والحداثة والعقل.» # 49 # ولذلك أسس هابرماس نظرية فلسفية أطلق عليها اسم «نظرية الفعل التواصلي» ~~تتخذ من النقد مرتكزا لها، وتستند إلى صياغة جديدة للعقلانية قائمة على التواصل ~~بين الذوات الفاعلة في المجتمع. ويقدم هابرماس مفهوما للتفاعل يقوم على الممارسة ~~الاجتماعية التي تصاغ باللغة العادية. وتقوم على أخلاقيات الحوار بين أفراد ~~المجتمع، ويتم توظيف اللغة من أجل ms030 التفاهم للتوصل إلى نوع من الاتفاق بين ~~الذوات. ~~(3-8) البنيوية # بعد أن انحسرت الوجودية كفلسفة من الساحة الثقافية في الغرب الأوروبي، ظهرت ~~«موضة» البنيوية في الساحة الثقافية الفرنسية على وجه الخصوص، واكتسحت ميادين شديدة ~~التنوع، منها ما يختص بمجال اللغويات وأهم أعلامه جاكوبسون وشومسكي، ومنها ما ينتمي ~~إلى علم النفس ويمثله لا كان، ومنها ما يختص بالنقد الأدبي الذي يهتم بالبنية ~~الفنية للنص، مثلما فعل رولان بارت الذي انتقد سيطرة أيديولوجية المؤلف سواء في ~~الأدب أو الفلسفة باعتبار أن سلطة المؤلف تعبر عن تاريخ ومجتمع وتحيل إليهما، وبارت ~~يريد إلغاء هذه السلطة لفهم النص الأدبي بعيدا عنها. أما في ميدان الفلسفة، فيعد ~~فوكو أحد أشهر أعلام البنيوية، على الرغم من تنكره أحيانا من الانتماء إليها. ~~وكان ألتوسير بنيويا في تأويله للماركسية، ثم يأتي ليفي شتراوس مؤسس ~~الأنثروبولوجيا البنيوية. وكان للتطور المعاصر للعلوم والممارسة الاجتماعية فضل ~~كبير في ظهور البنيوية، كما كان علم اللغة أحد مصادرها. # تعتبر البنيوية منهجا علميا أكثر منها مذهبا فلسفيا، وعداؤها للنزعة ~~التجريبية والنزعة التاريخية هي أهم ما يميزها. أثارت البنيوية ردود أفعال متباينة ~~- كما أشرنا في المقدمة - بين الحماس العاطفي لها والرفض الغاضب عليها. أنكرت الذات ~~واهتمت بالنسق «اللغوي»، كنسق منطقي لا يتوافق مع الواقع؛ فأصبح البحث البنيوي لا ~~يتجه نحو الموضوع، بل نحو نسق الدلالات؛ بمعنى آخر أصبحت الدلالة اللغوية من ~~المفاهيم الأساسية في النزعة البنيوية بمختلف أشكالها، وأصبحت اللغة هي الحقيقة ~~الموضوعية التي لا تظهر إلا باختفاء الذات. # كانت الأنثروبولوجيا البنيوية هي ميدان بحث ليفي شتراوس (1908م-...)، وقد كان ~~«للبحوث اللغوية دور عظيم الأهمية في تحديد الاتجاه الذي سارت فيه بنيوية ليفي ~~شتراوس، وفي صبغ أبحاثه الأنثروبولوجية بطابعها المميز.» # 50 # لم يكتف شتراوس - في أبحاثه - بالوقوف على ثقافة بعينها، بل سعى إلى ~~الوصول للمبادئ الأساسية التي يشترك فيها العقل البشري في كل زمان ومكان، وتكون ~~البنية العامة للفكر البشري. وقد كان دي سوسير (1857-1913م) هو الذي أوحى لشتراوس ~~بذلك؛ ففي الوقت الذي كان فيه ms031 علماء اللغة يربطون بين تطور اللغة وتطور المجتمع، ~~فإن دي سوسير «لم يعد يهتم بالبحث التكويني التاريخي، وقلب العلاقة بين النسق ~~والتاريخ، وقد ميز عالم اللغة بين اللغة باعتبارها مجموعة من المواضعات المتفق ~~عليها، والتي تتيح استخدام اللغة وممارستها عند الأفراد وبين الكلام الذي يمثل تلك ~~الممارسة نفسها.» # 51 # أي أن هناك اتساقا يحد العلاقة بين عناصر اللغة بدون أن يكون لها ~~علاقة بالعالم الخارجي الذي تعبر عنه أو تدل عليه. # يعد ميشيل فوكو (1915-1980م) من أكثر البنيويون شهرة. وكان كتابه «الكلمات ~~والأشياء» من أكثر كتبه التي أثارت ضجة كبرى، ولكن بعض الباحثين رأى أن هذه الضجة ~~مؤقتة. «إذ إن الكتاب بعد مضي عشر سنوات على نشره، لم يثبت قدرته على الصمود ~~للزمن»، وقد طبق فوكو منهجه الحفري (الأركيولوجي) على دراسته للعلوم الإنسانية؛ ففي ~~هذا الكتاب يعرض «صور العقل الأوروبي في القرن العشرين منذ عصر النهضة، وفيه يحاول ~~أن يهتدي في كل عصر إلى عناصر الثبات وراء التحول الظاهري، وأن العناصر الثابتة هي ~~الأساسية والجوهرية، وأن العناصر المتحولة والمتغيرة سطحية عرضية.» # 52 # واهتم فوكو - في المراحل الأخيرة من تطور تفكيره - اهتماما كبيرا ~~بتحليل الأشكال المختلفة من الممارسات الخطابية لإبراز التمايزات والاختلافات التي ~~تنشأ في الأشكال الخطابية. وعلى الرغم من استمراره في تحليلاته الأركيولوجية، إلا ~~أنه ابتعد إلى حد كبير عن البنيوية، واقترب من أفكار فلاسفة التأويل، فبدأ البحث ~~عن الدلالة في الأشكال الخطابية المتنوعة. # وعلى الرغم من أن فوكو يصف نمط تفكيره بأنه فلسفة نقدية، إلا أن البنيوية نفسها ~~تعرضت للكثير من النقد بحجة أنها أنكرت الفاعلية الإنسانية، وتصورت إمكانية بناء ~~أنساق تجريدية ثابتة وساكنة بعيدا عن حرية الإنسان وفاعليته، وعلى الرغم من محاولة ~~بعض البنيويين الدفاع عن أنفسهم من تهمة معاداة النزعة الإنسانية، وإن أنساقهم التي ~~توصف بأنها مجردة وتستبعد الذات والتاريخ هي ثمرة دراسات عميقة لفترات تاريخية هامة ~~في حياة الجنس البشري، وهي التي تمثلت في المجتمعات البدائية الأولى، كما أن ~~دراساتهم أيضا هي التي أضفت على الأساطير ms032 نوعا من المعقولية بعد أن ظلت حقبة ~~طويلة من الزمان خارج نطاق العقل والمعقول. على الرغم من كل هذا الدفاع، فإن التطور ~~التاريخي نفسه قد أثبت أن البنيوية لم تستطع الصمود طويلا أمام عالم يموج ~~بالمتغيرات، وأن فاعلية الإنسان بإمكانها التدخل في مجريات الأمور لزعزعة كل ~~الأنساق الثابتة والمستقرة، ولذلك سرعان ما انحسرت البنيوية بأسرع مما توقع روادها ~~وعارضتها تيارات أخرى أطلقت على نفسها اسم «ما بعد البنيوية» أو «ما بعد الحداثة» ~~تركت أثرا كبيرا على الفكر الفرنسي المعاصر. ~~(3-9) ما بعد الحداثة # هكذا حدث نوع من الانتقال من البنيوية الحداثية إلى تيارات «ما بعد البنيوية» أو ~~«ما بعد الحداثة» التي استندت إلى نقدها للبنيوية، وأكدت على «التفاعل المتبادل بين ~~القارئ والنص، ولا ترى ما بعد البنيوية أن ثمة شيئا قائما خلف اللغة مثلما كانت ~~تذهب البنيوية، وبذلك فهي إعلان بنهاية التفكير البنيوي في العلوم الإنسانية.» # 53 # وربما لا نبعد عن الحقيقة إذ قلنا إن فلسفات «المابعدية» على اختلافها ~~وتنوعها - وهي التي أشرنا إليها في المقدمة - كانت تعبيرا عن السخط والتمرد على ~~التقدم التكنولوجي في المجتمعات الصناعية والرأسمالية، وعلى العقلانية الأداتية ~~التي أتت بها الحداثة الأوروبية منذ عصر النهضة، وازدادت بشكل مذهل في الفترة من ~~1850م حتى 1950م. إن ما بعد الحداثة تقدم نفسها تاريخيا ونقديا في علاقتها ~~بالحداثة، وكانت نتيجة انهيار ألوان مختلفة من اليقين التقليدي أو التاريخي بحيث ~~انتهت الحداثة، أو أصبحت في حكم المنتهية (على الرغم من إيمان البعض - كهابرماس - ~~بأن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد)، بمعنى آخر نستطيع أن نقول إن «ما بعد الحداثة» هي ~~الوعي بنهاية الحداثة. وكانت هذه هي النظرة الأساسية لمن يسمون فلاسفة ما بعد ~~الحداثة، والتي أدت بهم إلى الموقف النقدي من الحداثة، وتمثلت في تجربة جديدة تظهر ~~في شكل التحدي للتقاليد والسلطة، ومراجعة وفحص المفاهيم الأساسية في الميتافيزيقا ~~وتفكيكها لبيان نزعتها المنطقية المركزية، وفي تبني كل ما هو جديد أو غير مألوف. ~~كما تتجلى أيضا في الكشف عن المسلمات والقوى التي ms033 كانت فاعلة في الرؤيا الحداثية، ~~وإخضاع هذه القوى الأيديولوجية والتقنية للتحليل النقدي الدقيق، # 54 # أو بالأحرى للتحطيم أو التفكيك. # تميزت تيارات «ما بعد الحداثة» بسمات خاصة أولها ارتباطها بعلوم اللغة وعلم ~~الدلالة والمعنى. كما حدث نوع من الامتزاج - في هذه النوعية من الدراسات - بين ~~الفلسفة والنقد الأدبي؛ فكان هذا الأخير هو الميدان الرئيسي الذي شهد التطبيقات ~~العملية لهذه التيارات. وأخيرا تقوم هذه الدراسات على المناهج النقدية أو التفكيك ~~بمعناه الإيجابي والسلبي معا. لقد قامت فلسفة التأويل (الهرمنيوطيقا) على نقد ~~وتفكيك النصوص الأدبية من أجل الفهم والوقوف على المعنى والدلالة والقيمة التي ~~ينطوي عليها النص ، أي أنه تفكيك من أجل البناء. بينما تقوم التفكيكية على المعنى ~~السلبي للكلمة والهادف إلى نقد وتفكيك النص للوقوف على التناقض والاختلاف بداخله، ~~أي أنه نقد لا يتجاوز مرحلة الهدم. تمثلت أفكار ما بعد الحداثة - إذن - في عقلانية ~~التأويل والتفكيك وفلسفة الاختلاف. ~~(3-10) فلسفة التأويل (الهرمنيوطيقا) # تمتد جذور التأويل كمنهج نقدي إلى العصور الوسطى عندما تمثلت في تفسير وتأويل ~~النصوص الدينية واستنكاه المعنى الكامن في النص من الداخل، ولكنها تميزت في الربع ~~الأخير من القرن العشرين بأن أصبحت اتجاها فلسفيا يهدف إلى نظرة جديدة إلى ~~العالم وإلى الوجود عن طريق تفسير النصوص وتأويلها، وانفتاح الذات على الآخر من ~~خلال عملية الفهم التي ترتكز في المقام الأول على اللغة والكلمة كرمز لهذه اللغة. ~~كما أعادت الهرمنيوطيقا للذات التاريخية مكانتها بعد أن أنكرتها البنيوية. وفلسفة ~~التأويل هي نتاج امتزاجات فلسفات عديدة كالفلسفة الوجودية والمنهج الظاهرياتي ~~والمنهج البنيوي. لقد أخذت من هيدجر فكرة أن وجود الإنسان أسبق من بحثه عن المعرفة، ~~أي أن الإنسان ككائن موجود أسبق منه ككائن عارف. وبذلك تحولت الفلسفة في ~~الهرمنيوطيقا إلى دراسة انخراط الإنسان في العالم، كيف يفهم العالم ويفهم نفسه من ~~خلال العالم، أي كيف يتحول من كائن معرفي إلى كائن يصنع وجودا جديدا، وبذلك تحولت ~~الفلسفة إلى فهم الإنسان لنفسه بشكل جديد بتأسيس عقلانية جديدة. # يتفق فلاسفة التأويل على أن التشكلات المختلفة ms034 للغة وممارستها وتحولات آفاق ~~المعنى فيها ليست خالية من الأغراض والمصالح والرغبات والبحث عن القوة والسلطة، ~~فليس هناك معنى للقول ببراءة اللغة؛ لأن تشكلات اللغة والمعنى دائما تنطوي على ~~مصالح وأهداف وصراعات ورغبات ... إلخ، وبذلك يؤكد فلاسفة التأويل مسألة الفهم ~~التأويلي الأصيل في سبيل بحث مشترك عن موضوعية الموضوع، والكشف عن التحيزات ~~والأحكام المسبقة والكامنة في بناءات الهيمنة والسيطرة، # 55 # أي رفع الأقنعة عن مفاهيم القوة والسيطرة الكامنة في اللغة ~~واستخداماتها، وكأن أزمة اللغة المعاصرة ليست شيئا آخر سوى «التأرجح بين إزالة ~~الحجب التي يختفي المعنى وراءها، واستعادة المعنى الحقيقي.» # 56 # ولما كانت الهرمنيوطيقا منفتحة على كل ألوان المذاهب الفلسفية ~~والاجتماعية والعلوم الإنسانية بصفة عامة، وكانت أيضا ذات روابط وعلاقات وثيقة ~~بمختلف مناهج النقد الأدبي، فلا نستطيع بطبيعة الحال أن نتتبع تطبيقاتها على جل ~~هذه المجالات المعرفية، لذلك سنعرض باختصار للمنهج الهرمنيوطيقي عند اثنين من أشهر ~~أعلامه وهما بول ريكور وجادامر. # يعرف بول ريكور (1913م-...) بأنه فيلسوف المعنى الذي يهتم بالدرجة الأولى بتنظير ~~المنهج الهرمنيوطيقي من أجل الوقوف على المضامين الدلالية للنصوص. ويختلف بول ريكور ~~عن رواد الهرمنيوطيقا «بالقدر الذي يتجاوز فيه المجال المعرفي الضيق للنصوص ~~التراثية في علاقتها بتطور فقه اللغة الكلاسيكية والعلوم التاريخية، وبالقدر الذي ~~يطرح فيه قضية التفسير وفهم التاريخ كجزء من مجال أوسع هو مجال الفهم مرتكزا في ~~ذلك على الجوانب النفسية والحياتية والتاريخية واللغوية التي تتجاذب النص في علاقته ~~الحية المتجددة بضمير المفسر.» # 57 # وحديث ريكور عن العلاقة الحية بين النص والمفسر يجعله قريبا من المنهج ~~الفينومينولوجي إلى حد كبير، كما يقربه أيضا من هيدجر أكبر فلاسفة الوجود ~~المعاصرين عندما رأى أن اللغة هي تجلي الوجود في العالم، «ومن ثم فإن تفسير النصوص ~~هو تفسير للوجود، ومهمة تفسير النصوص هي مهمة الوعي بالوجود، وهكذا ارتبط المبحث ~~اللغوي في النصوص بالمبحث الأنطولوجي في الفلسفة؛ فتفسير النصوص هو قراءة للغة ~~الوجود وسماع صوته كما تتجليان فيها.» # 58 # ويحاول ريكور «تأسيس الفهم على اكتشاف المستويات الدلالية والرمزية ~~للغة ms035 التي تتيح للذات المدركة أو العارفة فهم نص من النصوص أو تفسير التاريخ ~~انطلاقا من رؤية معينة للحياة»، # 59 # لكن محاولة ريكور - تأسيس معرفة بالوجود - تختلف عن محاولة فهم حقيقة ~~الوجود العام المباشر الذي يقصده هيدجر؛ لأن الوجود الذي يعنيه فيلسوف التأويل هو ~~الوجود الدال والمرموز. # إذا كان للبنيوية تأثير على المنهج الهرمنيوطيقي، فهي - أي البنيوية - تعد ~~عند ريكور البداية التي ينطلق منها، وهي كمنهج علمي تتطلب الانفصال التام بين ذاتية ~~الباحث وموضوع بحثه، وبالتالي تختلف عن التفسير الرمزي الذي ينتهجه، ولأنه مدرك ~~للفرق الجوهري بين المنحى البنيوي الظاهري وبين المنحى الهرمنيوطيقي التأملي، أخذ ~~يبحث عن «العلاقة التي يمكن أن تربط بينهما كقطبين متوازيين من أقطاب المعرفة ~~والوجود: القطب الموضوعي للمدخل البنيوي من جهة، والقطب الوجودي أو الأنطولوجي ~~للمدخل الهرمنيوطيقي من جهة أخرى.» # 60 # وعكف بول ريكور على تطبيق منهجه التأويلي على النصوص الأدبية بكل ~~أشكالها في محاولة لإثبات كيف أن الرمز والاستعارة والمجاز ليست فحسب أشكالا أدبية ~~أو محسنات بديعية لإضفاء الجانب الجمالي على العمل الأدبي، بل إنها تتحول من خلال ~~التأويل إلى نوع من الوعي بالوجود، أو نوع من تحقيق الذات لذاتها وكينونتها الحرة ~~ووعيها بنفسها وإمكاناتها. # وننتقل إلى القطب الآخر من أعلام فلاسفة التأويل وهو هانز جورج جادامر (1900م-...) ~~الذي أعطى للهرمنيوطيقا بعدا أشمل وأكثر عمقا عندما اعتبرها استمرارا للفلسفة ~~العملية بأساليب مختلفة. ويصر جادامر على أن «الوعي هو دائما وجود أكثر من أن ~~يكون وعيا، وأن وجودنا التاريخي سابق على أي فصل تجريدي بين الذات والموضوع في ~~المعرفة، كما أنه هو أساس هذا الفصل. ومهمة الهرمنيوطيقا الفلسفية أن ترفع إلى ~~مستوى الوعي التأملي تلك القدرة الإنسانية الأساسية على التواصل المعقول مع ~~الموجودات التي تعيش معنا. وذلك لتحقيق الفهم المتبادل من خلال اللغة، وهي بهذه ~~المثابة - أي الهرمنيوطيقا - تظل سابقة على نوع معين من الفعل العملي، كما تظل كذلك ~~مرتبطة به.» # 61 # والموضوع الأساسي للتأويل الفلسفي عند جادامر هو الدور الرئيسي الذي تقوم به ~~الأخطاء والأحكام المسبقة ms036 في الفهم: «إن التحيزات Prejudices # غير العادلة ليست بالضرورة خاطئة ~~وغير مبررة، بحيث تشوه الحقيقة بشكل لا يمكن تجنبه. فالواقع أن تاريخية وجودنا ~~تستلزم أن يشكل التحيز، بالمعنى الحرفي للكلمة (أي الأحكام المسبقة) التوجه الأصلي ~~لقدرتنا الكلية على التجربة. التحيز إذا هو أساس انفتاحنا على العالم.» # 62 # وهو أيضا أساس فهمنا له، فالفهم «ليس أسلوبا ذاتيا على الإطلاق ~~تجاه الأشياء المعطاة، وإنما يختص بالتاريخ المؤثر لما يفهم، أي أنه بمعنى آخر ~~فهم متعلق بوجود ذلك الذي يفهم.» # 63 # وهكذا يكون الفهم عند جادامر أسلوبا في الوجود التاريخي. # ويؤكد جادامر، مصداقا لهيدجر أو استمرارا له، أنه لا يمكن الوصول إلى حقيقة ~~موضوعية في التاريخ؛ لأنها - أي الحقيقة - أسلوب في الوجود التاريخي قبل أن تكون ~~معرفة يمكن أن تصبح موضوعية. ويمكن أن ننظر إلى «الدلالة الأنطولوجية للهرمنيوطيقا ~~من خلال التحدي الذي تقدمه للمنظور الفلسفي الذي يفرض الانقسام الواضح بين الذات والموضوع.» # 64 # ويؤكد جادامر الطابع الأنطولوجي لوجودنا ولأسلوب فهمنا للعالم في واحد ~~من أهم إنجازاته وهو كتابه «الحقيقة والمنهج» محاولا إثبات أن الهرمنيوطيقا - التي ~~هي فن الفهم - لها «دلالة وجودية عامة، فلم تعد تشير ببساطة إلى آلية تفسيرية ~~تستخدم داخل أنظمة خاصة مثل اللاهوت والتشريع، وإنما المسألة الأساسية هي كيف يكون ~~الفهم بصفة عامة ممكنا.» # 65 # ولذلك ينسب جادامر الأخطاء إلى إمكانية الفهم، وأن الوصول إلى المثل ~~الأعلى للتنوير، وهو المعرفة الكاملة - أي المعرفة المتحررة من كل وجهات النظر ~~الخاصة أو من كل التحيزات - هو أمر مستحيل، بل محض وهم باعتبارها تصورا حديا أو ~~نهائيا؛ لأننا في الأصل كائنات موجودة وفاعلة في التاريخ، والوعي نفسه هو أحد ~~أساليب وجودنا التاريخي؛ أي أن الوعي نفسه محدود ومحدد بالتاريخ. # لقد أعطى جادامر للهرمنيوطيقا بعدا أعمق عندما جعل للفهم دورا أساسيا في ~~فلسفته التأويلية، وعلى الرغم من أن مقولة الفهم قديمة في تاريخ الفلسفة، إلا أن ~~جادامر توسع في إمكانيات الفهم توسعا لا حد له؛ فالهرمينوطيقا لديه هي مفتاح لفهم ~~البشرية وفهم الآخرين: «الفهم حدث ms037 يتم بشكل متبادل بين كل من المفسر والنص، الذات ~~والموضوع. ولهذا فإن البحث عن معنى موضوعي، في ذاته، غير ملائم لاستيعاب الفهم ~~بوصفه ذاتا شفافة تحتوي المضمون في ذاتها أو تتحكم تحكما نهائيا كاملا في موضوعها.» # 66 # وربما تتضح أهمية مفهوم أو نظرية الفهم عند جادامر في الأزمة التي ~~واجهها العالم في العصر الحديث والمتعلقة بالقدرة على فهم الماضي وفهم الثقافات ~~الأخرى، ويريد جادامر أن يقيم نوعا من التواصل اللغوي بين البشر لفهم أنفسهم وفهم ~~الآخرين بحرية وتعاطف. وقد دافع جادامر عن الذاتية، وكيفية انصهار الذات في النص ~~والتحامها بأفقه، فوعيه التاريخي الفعال يتضمن من الوجود أكثر مما يتضمن من ~~الوعي. # هكذا حدث عن جادامر نوع من التحول من التأمل في الذات على الطريقة الديكارتية إلى ~~نظرة جديدة تماما: إن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بتعامله مع العالم وبقصديته ~~المتجهة نحو الآخرين من خلال اللغة، ومن خلال سلوكه مع الأشياء والأحداث. وهذه نظرة ~~مختلفة تماما إلى الإنسان الذي لا يعرف نفسه - كما يرى جادامر - ولا يقوم بعملية ~~المعرفة عن طريق الفصل بين الذات والموضوع؛ لأن وجود الإنسان التاريخي أسبق من بحثه ~~عن المعرفة أو من معرفته لنفسه. لقد تحولت الفلسفة الآن إلى التأمل في الشروط التي ~~لا غنى عنها للقصدية (باعتبارها ماهية الوعي عند هوسرل)، ويكشف هذا التأمل أننا قبل ~~كل شيء كائنات فاعلة ومجسدة في العالم، وأن معرفتنا للعالم تقوم على تعاملنا معه، ~~وأنه ليس هناك مجال «لموضعة» سيطرتنا على العالم باعتبارنا كائنات فاعلة فيه. # 67 # وقد أصبحت مهمة الفلسفة هي توضيح هذه الخلفية أو هذا الموقف، وبيان ما ~~ينطوي عليه ومراجعته باستمرار بحيث نصل إلى فهم أفضل للإنسان ككائن فاعل وعارف ~~ومنفتح على العالم وعلى الآخرين انفتاحا حرا. # هكذا تحول المثل القديم من معرفة الذات إلى صنع الذات بحدوث تحول في التراث ~~العقلي الذي كان يرتكز على النقد الذاتي، فلم تعد المعرفة من خلال معرفة الذات ~~فقط. بل من خلال التعامل مع الآخرين والأشياء من حولنا عبر اللغة. ms038 بذلك تحولت ~~الفلسفة إلى بحث في اللغة، ولهذا السبب نفسه ينتظر الكثير من فلاسفة التأويل لتأسيس ~~فلسفة حرية وانفتاح عن طريق لغة مشتركة يكشف فيها عن جذور الهيمنة والكذب والخطأ ~~والسيطرة؛ لكي تستهدف الوصول إلى لغة إنسانية وعقلانية تجمع بين البشر على أساس ~~الثقة المتبادلة والحوار المفتوح، ومن ثم يبحث فلاسفة التأويل في الأيديولوجيات في ~~محاولة لرفع الأقنعة عن بعض المفاهيم المستخدمة مثل السلطة، والمعنى والأيديولوجيا ~~... إلخ. ~~(3-11) التفكيكية # ننتقل الآن من القراءة الهرمنيوطيقية - التي تفضي إلى «المعنى الحقيقي» أو إلى ~~دلالة النص الفلسفي أو حقيقة الموضوع الذي يطرحه النص - إلى نوع آخر من فلسفة قراءة ~~وتفسير النصوص وهي التفكيكية التي يحلو للبعض أن يصفها بأنها تعبر عن أفكار ~~لنهايات: نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة. والتفكيكية هي آخر الفلسفات أو التيارات ~~التي ظهرت في الربع الأخير من القرن العشرين في محاولة لتفكيك ثوابت الفكر الفلسفي ~~الغربي من أنساق ومذاهب ومفاهيم منطقية وعقلية، أنها بمعنى آخر خطاب نقدي - في ~~نهايات القرن العشرين - لكل إبداعات الحضارة الغربية وثوابتها العقلية المستقرة. ~~وجاك دريدا (1931م-...) هو أحد أقطاب هذا الخطاب التفكيكي، وقد احتل مركز الدائرة في ~~المسرح الفلسفي الفرنسي عام 1967م بنشر ثلاثة كتب كانت بداية مشروعه لتفكيك ~~الميتافيزيقا الغربية أو ما سماه مركزية ~~اللوجوس # Logo centrism ~~. # اكتفى هذا الخطاب التفكيكي بالنقد والهدم بغير أن يتجاوزه إلى مرحلة البناء، أو ~~إيجاد خطاب بديل، أي أنه لم يتجاوز الجانب السلبي من النقد، واستخدم كل الأدوات ~~النقدية بدون أن يحاول بناء صرح خاص به، أو نظرية جديدة بديلة. تبحث القراءة ~~التفكيكية عن التوتر بين الإيماءة والتعبير في النص، وقد قدم دريدا - لأول مرة - ~~لفظة جديدة للقاموس الفلسفي وهي الاختلاف # différance ~~، أي أنه لا يبحث في النصوص عن التساوق والتكامل، بل ~~يلقي الضوء على التعارضات والمفارقات التي تميز سلسلة الأضداد المشهورة التي تختص ~~بها «متقابلات الحضارة الغربية: كالعقل والأسطورة، والمنطق والبلاغة، والعقلاني ~~والحسي، والكلام والكتابة، والحرفي والتصوري أو المجازي، والطبيعة والثقافة، والحد ~~والدلالة. ويزعم دريدا أن هذه التصورات ms039 المتضادة ليست من طبيعة الأشياء، وإنما تعكس ~~استراتيجيات الاستبعاد والقمع التي لم تستطع المذاهب الفلسفية الغربية الإبقاء ~~عليها إلا على حساب ما يشوبها من تناقضات داخلية ومفارقات كامنة فيها.» # 68 # ومهمة التفكيك هي إظهار هذه المتناقضات إلى النور. # ليست التفكيكية نوعا من القراءة الجدلية، وليست قراءة تأويلية تقصد الدلالة ~~والمعنى، ولكنها قراءة تهدف إلى تفتيت النص من الداخل، وإظهار أوجه الاختلاف ~~والتناقض داخله، بحيث تتكاثر القراءات، ويحيلنا النص إلى نصوص أخرى كامنة فيه # Interteatuality ~~(أو التناص كما يطلق عليه ~~المشتغلون عندنا بالنقد الأدبي). التفكيكية إذن قراءة تلقي الضوء على التصورات ~~المتضادة، ومن ثم تضع مفاهيم الوجود التي كانت مسئولة عنها موضع السؤال. لقد فسر ~~دريدا القراءات الإنسانية لكل من هيجل وهوسرل وهيدجر التي احتلت مكانة أساسية في ~~الحياة العقلية في فرنسا بعد الحرب، سواء كانت فكرة ال «نحن في ظاهريات هيجل أو ~~التوجه إلى بداهة المعنى عند هوسرل، أو حتى محاولة هيدجر للوصول إلى حقيقة الوجود ~~العام عن طريق تحليلاته الوجودية للموجود الإنساني الملقى به هناك أو ال # Dasein ~~. كل هذا يدل على أن النزعة المنطقية ~~العقلية ما زالت مسيطرة على الفكر الغربي، ومعنى هذا أننا جميعا لم نتخل عن ~~البحث عن غاية أو هدف نهائي.» # 69 # وهذا ما جعل هدف دريدا محاولة اكتشاف إمكانية وجود فلسفة خالية من ~~المركز، وخالية من أي ذات متعالية وبغير هدف أو غاية. # يتميز دريدا بنزعة شكية ترتاب في كل الأوليات التي سادت التراث الفلسفي الغربي ~~مثل: «تقديم الحضور على الغياب، والكلام على الكتابة، والتشابه على الاختلاف، ~~والأبدية على الزمن المتناهي»، وهو ببرنامجه في التفكيك يحاول أن «يتحدى هذه ~~الأوليات، وأن يحدد الإطار النقدي لكل النصوص الأساسية في هذا التراث الغربي، ~~فيتساءل عما أظهرته وعما سكتت عنه.» # 70 # لم يهدف دريدا إذن بمنهجه التفكيكي لوضع نظرية بديلة، ولكنه اكتفى فقط ~~بفحص أدوات ومواد واستراتيجيات الآخرين دون أن يحاول أن يبني بناء خاصا به، ولقد ~~كان هو نفسه على وعي بذلك، و«يعلم تماما أن التفكيك ms040 لا يمكن أن يصبح هو النموذج ~~السائد الذي يجب أن يحل محل جميع النماذج الأخرى، وإلا فإنه يكون قد استبدل بنموذج ~~عقلي مركزي نموذجا عقليا مركزيا آخر.» # 71 # ولكنه أراد فقط وقف التصورات الميتافيزيقية المتوارثة في خطابنا ~~الفلسفي، وكأنما أراد أن يذكرنا بأننا «لم نفهم شوق نيتشه في زرادشت إلى ذلك ~~الإنسان الذي يرقص فرحا خارج بيت الوجود»، فأراد أن يتحدى بمنهجه التفكيكي كل ~~الأفكار المسبقة أو القبلية التي سادت الخطاب الفلسفي الغربي، ولكنه منهج لم يتجاوز ~~- كما قلنا - مرحلة النقد والهدم إلى مرحلة التأسيس والبناء. # بعد هذا العرض لأهم تيارات الفلسفة الغربية في القرن العشرين، وبعد أن وضع ~~الفلاسفة أسس نقدهم للميتافيزيقا وتحليلاتهم للمعنى والأشكال اللغوية، وبعد أن كادت ~~الفلسفة أن تتحول إلى منطق وفلسفة للغة، فهل صدق الشعار الذي أعلنه البعض عن نهاية ~~الفلسفة؟ وإذا لم يكن هذا الزعم صحيحا، فما هي إذن الوظيفة الباقية للفلسفة؟ إذا ~~كان من الصحيح أن الفلسفة لم تعد تدعي أنها تضع مذاهب شاملة، وعلى الرغم من أنها ~~سلبت الكثير من وظائفها التقليدية، إلا أنه من الصحيح أيضا القول إنه حدث نوع من ~~التحول للتفكير الفلسفي يشهد عليه تاريخ الفلسفة طوال القرن العشرين، بحيث يظل ~~السؤال عما يبقى لها مشروعا، ولعله قد اتضح من العرض السابق أن الدور المهم الذي ~~يكفل فرصتها في البقاء هو وظيفتها النقدية، بمعنى أنها وسيلة أو أداة نقدية سواء ~~للعلم الوضعي أو للمجتمع البشري وتنظيم حياة الإنسان فيه. ولا عجب في هذا، فقد ~~رأينا أن هذا هو الدور الذي حدده لها الفكر الغربي الذي طبع على النقد الذاتي ~~المستمر. ولا حاجة بنا لأن نذكر القارئ بأن ما عرضناه من اتجاهات فلسفية ليس ~~كافيا ولا شاملا، بسبب ما فرضته ظروف هذا البحث. ~~(4) الإسهام الفلسفي العربي بين الترديد والتجديد # والآن علينا أن ننتقل إلى الجانب العربي لنتعرف على إسهام الفلسفة العربية في ~~التيارات الفكرية التي اجتاحت الساحة الغربية في القرن العشرين، وحقيقة الأمر أن طرح ~~هذه القضية بهذه الصيغة يغلب ms041 عليه طابع المبالغة والتفاؤل معا، فلا نستطيع بطبيعة ~~الحال أن نقول إن هناك فلسفة عربية خالصة بالمعنى الدقيق لكلمة فلسفة، أو إن هناك مذاهب ~~ومدارس فلسفية عربية بالمعنى المتعارف عليه في الفكر الغربي، ولكن هناك بالتأكيد ~~محاولات للتفلسف متأثرة بالتيارات المتنوعة للفلسفة الغربية. وإذا توخينا الدقة قلنا ~~إنه نوع من التلقي أو الاستقبال بأشكال مختلفة لتلك التيارات تمثلت في حركة نشطة لترجمة ~~وتقديم وتعريف وعرض المذاهب الفلسفية الغربية على تنوعها، كما أن هناك أيضا محاولات ~~لمفكرين عرب لتأصيل بعض الاتجاهات الفلسفية داخل الواقع الثقافي العربي. وسوف نعرض الآن ~~نماذج منها بقدر ما تسمح به المساحة المتاحة لهذا البحث. # بالعودة إلى فلسفات بداية القرن نجد صدى أفكار كل من برجسون وفلسفة الحياة على ~~الساحة الأدبية العربية على وجه الخصوص. وعلى الرغم من ترجمة أغلب أعمال برجسون إلى ~~العربية، إلا أننا لم نجد لها انعكاسا من الناحية الفلسفية الدقيقة خارج أسوار ~~المؤسسات الأكاديمية (وذلك باستثناء جوانية عثمان أمين التي بقيت شذرات متفرقة لم تكتمل ~~في بناء متكامل)، بل انحصر تأثيرها على الأدب والأدباء، وخاصة في نظرتها الحيوية إلى ~~الإنسان، واستعادة الاهتمام بالشعور الحي المتدفق والحرية والطاقة الروحية، وربما يكون ~~هذا هو السبب في انجذاب المفكرين العرب إلى فلسفة برجسون بسبب ما وجدوا فيها من نزعة ~~رومانسية تناسب العقلية العربية إلى حد كبير، وإن كانت هذه النزعة قد انحسرت عنها ~~الأضواء كما انحسرت عنها في موطنها الأصلي تماما. ~~••• # غلب على الفكر العربي التيار الوجودي، وخاصة فلسفة سارتر التي حظيت خلال الخمسينيات ~~والستينيات بالقسط الأكبر من الاهتمام لا سيما بعد ترجمة جل أعمال سارتر إلى العربية، ~~وليس هذا بالأمر الغريب، فقد رأينا كيف انتشر هذا التيار في البلدان الغربية انتشار ~~النار في الهشيم. وعلى الرغم من أن تأثير الوجودية كان أعظم على الشعراء والقصاصين ~~العرب، فقد حاول بعض المشتغلين بالفلسفة تأصيل التيار الوجودي في الفكر العربي بالعودة ~~إلى التراث، ومحاولة تطبيق الوجودية، وبخاصة مفهوم القلق، على الفكر العربي كما فعل عبد ~~الرحمن بدوي في ms042 كتابيه «الإنسانية والوجودية في الفكر العربي»، و«شخصيات قلقة في ~~الإسلام»، وحتى لقد رأى البعض أنه «مفكر وجودي أضاف إلى الفكر الوجودي إضافات إبداعية ~~ترتفع به فوق حدود النقل والتقليد والاتباع.» # 72 # وعبد الرحمن بدوي هو المفكر الوحيد في الفكر العربي المعاصر الذي وصف نفسه ~~بأنه فيلسوف وعرف اتجاهه الفكري بأنه «الفلسفة الوجودية في الاتجاه الذي بدأه هيدجر.» ~~وقد أسهم في تكوين الوجودية بكتابه «الزمان الوجودي»، وتمتاز وجوديته - على حد قوله - ~~من وجودية هيدجر وغيره من الوجوديين بالنزعة الديناميكية التي تجعل للفعل الأولوية على ~~الفكر، وتستند في استخلاصها لمعاني الوجود إلى العقل والعاطفة والإرادة معا، وإلى ~~التجربة الحية، وهذه بدورها تعتمد على ملكة الوجدان بوصفها أقدر ملكات الإدراك على فهم ~~الوجود الحي. # 73 # وعلى الرغم من أن عبد الرحمن بدوي زعم أنه وضع الخطوط العامة لمذهب جديد في ~~الوجود، ووعد بأنه سيجعل مهمته في الحياة تفصيل أجزائه، # 74 # إلا أنه لم يكمل محاولته فقط، بل وانصرف عنها أيضا انصرافا تاما. ويعزو ~~بعض المفكرين توقف المشروع الوجودي عند بدوي إلى تغير الأوضاع السياسية والاجتماعية ~~والموضوعية من حوله، بالإضافة إلى تراجع المشروع الوجودي في الفكر الفلسفي المعاصر في ~~العالم بصفة عامة، وإن لم يمنع ذلك بدوي من التمسك بالوجودية كفلسفة له. # 75 ~~••• # إذا انتقلنا إلى الوضعية المنطقية وجدنا أنها أكثر التيارات التي حاول المهتمون بها ~~ترسيخ أسسها العلمية في المجتمع العربي الذي كان - وما يزال - يعاني من التردي في ~~الخرافات والغيبيات من ناحية، والابتعاد عن الروح العلمية في طرح قضاياه من ناحية أخرى. ~~وكان زكي نجيب محمود هو الذي أخذ على عاتقه هذه المهمة، ويمكن اعتباره «أحد المفكرين ~~العرب القلائل الذين صاغوا موقفا فلسفيا واضحا، داعيا إلى الأخذ بالتفكير العلمي، ~~مطالبا بسيادة منطق العقل. أما طريق ذلك فكان الوضعية المنطقية التي نذر نفسه لشرحها ~~وتفصيلها وتبسيطها.» # 76 # وكما كانت الوضعية المنطقية هي الطفل المرعب في تاريخ الفلسفة المعاصرة في ~~أوروبا، كانت كذلك عند محاولة ترسيخها في الفكر العربي. وتعرض زكي نجيب محمود للنقد ms043 ~~والهجوم من كل حدب وصوب، في مرحلة من أهم مراحل الفكر العربي للتخلص من اللاعقلانية ~~التي سادته، ومواصلة طرح مشروع التنوير طرحا علميا جديدا، لقد حاول زكي نجيب محمود ~~الخروج بمشروعه التنويري من داخل أسوار الجامعة إلى عامة الناس بدعوته التي «تكاد ترقى ~~عنده إلى مرتبة الرسالة المقدسة، إلى قيمتي الدقة والنقد. فكتابته كلها كفاح في معركة ~~واحدة طويلة متصلة، هي معركة الدعوة إلى الانضباط في الأفكار، والتدقيق في الأقوال، ~~وإخضاع الأحكام الشائعة للفحص والاختبار.» # 77 # كانت مهمة زكي نجيب محمود في حقيقتها مهمة تحررية، أي تحرير الحياة الثقافية العربية ~~من بعض جوانبها اللاعقلانية، وتحرير العقل من مسلمات موروثة وبديهيات غير قابلة للنقاش، ~~ومحاولة وضعه - أي العقل - على أولى درجات المنهج العلمي. ولتحقيق هذا الهدف لم يكن ~~أمامه من سبيل - في معركته للتنوير - غير التحليل اللغوي المنطقي ، واستخدام السلاح ~~النقدي للوضعية المنطقية لمراجعة كل المسلمات والبديهيات الموروثة وغير المدروسة في ~~آن واحد. ويمكن القول أيضا بأن زكي نجيب محمود بقدر ما كان وضعيا منطقيا، كان ~~أيضا براجماتيا من حيث إيمانه بأن الفكرة هي خطة عمل، ودعوته إلى إصلاح الفكر بأن ~~يكون «عالم الكلام» هو جانب «التخطيط» لعالم العمل والتطبيق، أنه لم يكن مصادفة أن أصبح ~~«التخطيط» علامة من أبرز العلامات المميزة لعصرنا؛ لأن التخطيط تحليله هو أن «الفكر» ~~خطة لعمل نؤديه أو هو لا يكون فكرا. # 78 # وربما انتهى البعض لذلك السبب إلى أن خلاصة تعريفات العقل والعقلانية عند ~~زكي نجيب محمود «أنها عملية إجرائية خالصة بصرف النظر عن مبادئها وغاياتها ... فالعقل إذن ~~مجرد سلوك عملي يبدأ من مقدمات مبدئية مفروضة أو قيم أخلاقية مطلقة، وينتهي إلى أهداف ~~مبتغاة ... ولهذا فهو إلى جانب طابعه الإجرائي الخالص له طابع نفعي كذلك، وهو وسيلة أو ~~أداة عملية لتحقيق غاية. وسلامته وصحته في مدى دقته في الوصول إلى هذه الغاية، إنها إذن ~~دقة براجماتية نفعية.» # 79 ~~••• # وننتقل إلى تأثير تيار آخر على الفكر العربي ألا وهو البنيوية، وكان ميشيل فوكو هو ~~أكثر أقطابها ms044 حظا من الانتشار في الفكر العربي الحديث. وربما يكون هذا الانتشار هو ~~سبب أو نتيجة «الترجمات المختلفة لنصوصه وعدد الدراسات المختلفة التي تناولت الفيلسوف، ~~والتي تعادل اهتمام العرب بفلاسفة غربيين أمثال ديكارت وسارتر وماركس، أي أولئك ~~الفلاسفة الذين يشكلون توجها فكريا أو تيارا فكريا وحدثا ثقافيا.» # 80 # وقد قام بعض المفكرين العرب بتوظيف الفكر البنيوي وتطبيقه على بعض نصوص ~~الأدب العربي القديم والحديث. وربما تكون أوضح محاولات هذا التوظيف هي انعكاسات تطبيق ~~المنهج البنيوي على النقد الأدبي بين المتحمسين والمعارضين له، فقد تحمس له بعض ~~المشتغلين بالنقد الأدبي (مثل جابر عصفور، وحكمت الخطيب، وكمال أبو ديب)، وعارضه بنفس ~~القدر من الحماس البعض الآخر من النقاد (مثل شكري عياد وعبد العزيز حمودة)، وذلك ~~لرفضهم لفكرة نقل مدارس نقدية تنتمي إلى مناخ ثقافي وفكر فلسفي محددين إلى مناخ ثقافي ~~وفكر فلسفي مغايرين تماما. ويرى هذا الأخير أن الحداثيين العرب عندما ينقلون المصطلح ~~النقدي الجديد، ويعزلونه عن خلفيته الفكرية والفلسفية، فإنه «يفرغ من دلالته، ويفقد ~~القدرة على أن يحدد معنى. فإذا نقلناه بعوالقه الفلسفية أدى إلى الفوضى والاضطراب؛ إذ ~~إن القيم المعرفية القادمة مع المصطلح تختلف، بل تتعارض أحيانا مع القيم المعرفية التي ~~طورها الفكر العربي المختلف.» # 81 # وإذا صح قول هذا الناقد، فإن النتيجة المترتبة عليه هي أن ما ينطبق على ~~النقد الأدبي يمكن أن ينسحب بطبيعة الحال على سائر المجالات المعرفية الأخرى، أي محاولة ~~نقل فلسفات ومناهج بحث غربية وإدماجها في بنية الثقافة العربية التي تتسم بطبيعتها ~~بسياق اجتماعي وتاريخي ومعرفي مغاير؛ مما يثير الكثير من الجدل والتساؤلات حول مدى صدق ~~ومشروعية هذه المحاولات. وهذه حجج مردود عليها، ولكننا سنرجئ الرد قليلا. # وكما حاول نقاد الأدب العربي تطبيق المنهج البنيوي على النصوص الأدبية العربية، حاول ~~أيضا بعض المفكرين العرب توظيف هذا المنهج في بحث التراث الفلسفي العربي، كتلك ~~المحاولات التي قام بها العديد من مفكري المغرب العربي (أمثال محمد عابد الجابري، ومحمد ~~أركون، والتريكي، وصفدي، وغيرهم)، ولا نستطيع بطبيعة الحال تتبع ms045 المشروعات الفكرية ~~التي طرحها أصحابها، ولكن سنكتفي بالحديث المقتضب عن مثال واحد فقط، وليكن هو المشروع ~~الذي طرحه محمد عابد الجابري لنقد العقل العربي، وقد قدم الجابري مشروعا في نقد العقل ~~العربي، وتحليل المكونات الثقافية العربية التي ساهمت بدورها في تكوين العقل العربي ~~ذاته، واستهل هذه الدراسة بكتابه «تكوين العقل العربي»، الذي بدأ به مشروعه النقدي على ~~أساس من التحليل الإبستمولوجي: «إن وجهتنا هي تحليل الأساس الإبستمولوجي للثقافة ~~العربية التي أنتجت العقل.» # 82 # واستأنف هذا النقد في كتابه «بنية العقل العربي» الذي قدم فيه دراسة ~~تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية على أساس من التحليل البنيوي. وينقسم ~~المشروع إلى «جزأين منفصلين، ولكن متماثلين: جزء يتناول تكوين العقل العربي، وجزء ~~يتناول تحليل بنية العقل العربي؛ الأول يهيمن فيه التحليل التكويني، والثاني يسود فيه ~~التحليل البنيوي.» # 83 # وقد حدد الجابري الهدف من مشروعه النقدي للعقل العربي في «تبيان مكونات ~~الثقافة العربية الإسلامية وفحصها ونقدها وصولا إلى إعادة بناء الذات العربية على أسس ~~جديدة قوامها التخلص من رواسب النماذج السلبية الماضية.» # 84 # ومما لا شك فيه أن هذا المشروع هو جزء متميز من مشروع أكبر بدأه رواد النهضة ~~العربية في أواخر القرن الماضي، وأوائل القرن العشرين، لخوض معركة التنوير التي شغلت ~~أذهان كبار مفكري ومثقفي العالم العربي، ولكن مشروع النهضة أصيب بنكسة نتيجة زحف التيار ~~السلفي الإسلامي، ولأسباب تاريخية وسياسية واجتماعية عديدة. وربما لهذا السبب أخذ ~~الجابري على عاتقه مهمة تحرير العقل العربي من سلطة التفكير السلفي الرجعي المتزمت، ومن ~~كل السلطات الموروثة التي قيدت انطلاقه إلى الحرية والتقدم. وقد تراوح تقييم مشروع ~~الجابري ما بين الإعجاب به من ناحية، والمعارضة له من ناحية أخرى، فاعتبره البعض «من ~~أبرز وأعمق المفكرين العرب الذين يتبنون النقد الإبستمولوجي للفكر العربي.» # 85 # وبينما استقبلت بعض الأوساط العربية مشروع الجابري على أنه «فتح جديد»، ~~وأنه استطاع أن يرسم خريطة تضبط منطق التراث العربي الإسلامي ورؤيته، «رأت أوساط ثقافية ~~عربية أخرى في ذلك الفتح والإنجازات التي ترتبت ms046 عليه تراجعا إلى وراء، ووجها مكرورا ~~من أوجه إشكالية قديمة مأزومة، أو دعوة إلى صياغة أنساق مغلقة قد تفصح عن لا تاريخية ~~فاضحة، في حين أعلن البعض أن الجابري لم يقدم أكثر من «تصنيف أكاديمي» لما قاله سابقوه، ~~مع إفادته من المناهج الغربية»، # 86 # التي حاول زرعها في الواقع العربي وتكييفها مع بعض مفاهيم تراثه. ~~••• # أما عن تلقي الفكر العربي لفلسفات ما بعد البنيوية أو ما بعد الحداثة كما بدت في ~~توظيف المنهج التأويلي (أو الهرمنيوطيقي) والمنهج التفكيكي، فقد كشفت عن عجز العقل ~~العربي - في ظروفه الراهنة - عن استيعاب هذه التيارات كما تمثلت في المنهج التأويلي، ~~ومحاولة تطبيقه على بعض النصوص التراثية. وربما يعود السبب في هذا إلى أن الروح النقدية ~~لم تتأصل بعد في الفكر العربي، هذا بالإضافة إلى أن السمة الأساسية التي تميز العقلية ~~العربية - وهي أنها عقلية نصية - مرتبطة أشد الارتباط بالنص الديني ، ولا تستطيع الفكاك ~~منه، ويكفي الإشارة هنا إلى محاولات نصر حامد أبو زيد، وكيف تلقت السلفية العربية ~~المتزمتة هذه المحاولات، وكيف تعاملت معها، عندما سعى إلى «إعادة قراءة الفكر الديني ~~برؤية جديدة مختلفة عن أغلب القراءات السابقة بما يعيد بناءه بناء جديدا ... قراءة تقوم ~~على التحليل العلمي النقدي التاريخي للنصوص.» # 87 # كان هذا الجهد الجاد - من بين جهود أخرى كثيرة - محاولة للخروج من أزمة ~~العقل العربي التي تواجه معركة التنوير العربي، لا سيما عندما تستند هذه المحاولة في ~~تحليلها للنصوص لاستخراج دلالتها إلى «عدة أسس منهجية ومفهومية لعل من أبرزها تسلحه ~~بالمناهج العلمية الحديثة في إنتاج دلالة هذه النصوص مثل الألسنية والهرمنيوطيقا وعلم ~~الاجتماع. والحرص على إنتاج الدلالة من داخل النصوص نفسها، دون أن يفرض عليها أي رؤية ~~أيديولوجية من خارجها»، # 88 # ولكن تم إجهاض هذه المحاولة في مهدها من قبل التيارات السلفية الرجعية ~~الرافضة للنقد والحوار والتغيير، والتي غلبت - للأسف الشديد - على الساحة الثقافية ~~العربية. # وربما أيضا بسبب ارتباط العقلية العربية بالنصوص التراثية، تجد محاولات تطبيق المنهج ~~التفكيكي من قبل بعض المفكرين والمثقفين ms047 العرب إعراضا، بل واعتراضا شديدا خاصة إذا ~~ما تعرضت لتفكيك النصوص الوثيقة الصلة بالتراث الديني الإسلامي، كما في محاولة محمد ~~أركون قراءة الفكر الإسلامي قراءة علمية، وتقديم مشروع لنقد العقل الإسلامي، «وتبني ~~نمط التحليل البنيوي كمرحلة لازمة اعتمد مقاييس التاريخ الحفري في رسم حركية المفاهيم ~~ونظام المعارف، وكانت منهجيته القائمة على الأنثربولوجيا والتحليل اللساني، السيميائي ~~تتلخص في إخضاع القرآن الكريم لمحك النقد التاريخي المقارن، والتحليل الألسني التفكيكي، ~~وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وانهدامه.» # 89 ~~••• # يمكننا أن نسأل الآن: ما مدى إسهام تلقي واستقبال هذه التيارات في إثراء الفكر ~~الفلسفي العربي؟ إن ما يثبته الواقع الفعلي حتى الآن أن كل هذه الجهود المشكورة لم ~~تؤت ثمارها المرجوة، ولم تساهم في ازدياد وعينا بالحاضر كما يتجلى هذا بوضوح في ~~محاولات قراءة بعض نصوص التراث قراءة جديدة من منظور عصري ومغايرة للقراءات السائدة ~~والمألوفة، ومسلحة بمناهج تحليلية ونقدية لاستلهام الجوانب المضيئة من التراث وتجديدها ~~أو تطويرها وفق متطلبات العصر. وبقدر ما كانت هذه الجهود محاولة للخروج بالعقل العربي ~~من أزمته، بقدر ما كانت صدمة له في نفس الوقت. وبدلا من أن تستخدم العقلية العربية هذه ~~القراءات الجديدة كأحد الأسلحة الهامة في معركة التنوير العربي، استخدمتها العقلية ~~السلفية المتزمتة في إحداث نوع من النكوص الفكري والارتداد إلى قرون طويلة مضت. وبدلا ~~من البحث عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الإخفاق، نجد الأصوات تتعالى بعدم ~~مشروعية نقل مناهج وفلسفات غربية ومحاولة زرعها في واقع ثقافي مغاير بحجج كثيرة. فهناك ~~من وجد أن هذه الاجتهادات مجرد محاولات ل «زرع بذور أفكار جديدة في تربة جديدة دون ~~البحث في الشروط الملائمة لنمو هذا الزرع الجديد، فقد تجاهلوا ظروف المجتمع العربي ~~التاريخية والثقافية، حيث يهيمن التفكير الديني والغيبي، فكانوا بذلك أوفياء لأفكارهم ~~ومذاهبهم الجديدة أكثر مما هم أوفياء لمجتمعهم وثقافته وحاجاته ومتطلباته.» # 90 # والغريب أن يظهر على الساحة الثقافية العربية أيضا ليس فقط من يطعن في مشروعية ~~التلقي من تيارات غربية، بل أيضا من يشكك في فهم ms048 العقلية العربية لهذه التيارات، وذلك ~~مثلا عندما يطرح هذا السؤال: هل استطاع الواقع الثقافي العربي أن يعي التجربة ~~الغربية بكل غناها وأحداثها المنظورة وغير المنظورة، وهل يملك الأدوات المعرفية التي ~~تؤهله لاكتشاف هذه التجربة، # 91 # ثم تطرح إجابة على هذه التساؤلات تنطوي على صيغ إنكارية. إن هذه الانتقادات ~~والاعتراضات قد تكون مصيبة في بعض جوانبها، ولكنها أيضا مخطئة في جوانبها الأخرى. ~~فالتراث الفكري الإنساني ليس له وطن محدد أو هو بالأحرى وطن لكل إنسان يفكر، كما أن ~~الإبداع البشري بكل تجلياته الفكرية والعلمية والمنهجية الفكرية هو ملك للجميع، وماذا ~~يمنع المشتغلين بالثقافة العربية من التسلح بأدوات ومناهج العصر ما داموا يطوعونها ~~لمتطلبات مجتمعاتهم؟ وما هو المبرر أن تنفصل الثقافة العربية عن ثقافة العصر بحجة أنها ~~ثقافة وافدة أو مناهج عربية؟ إن هذه الأدوات والمناهج تلقي المزيد من الضوء على تراثنا ~~لاكتشاف الجوانب الحية منه، والتي تستحق أن تتطور لتواكب الحاضر المتغير ، ولكي تتخلص ~~أيضا من الجوانب الميتة التي تعوق تطورنا، فالبديل هو الاعتكاف على ذواتنا وتراثنا دون ~~الالتفات إلى أهمية الوعي بمعرفة عصرنا وثقافته المتطورة. ثم لماذا ننقل آخر مناهج ~~ومدارس ومنجزات العلم والتكنولوجيا ولا ننقل الأفكار والمناهج الفكرية؟ # حقيقة الأمر أن السؤال عن صحة ومشروعية التلقي أو عن نجاحها أو إخفاقها يجب أن يسبقه ~~البحث عن الأسباب الحقيقية التي عوقت التفكير الفلسفي العربي، وعرقلت أيضا كل ~~المشروعات الطموحة لتجديد الفكر العربي المعاصر. كما يجب أن يسبقه أيضا السؤال الأكثر ~~أهمية وهو: لماذا اقتصرت الساحة الفلسفية العربية على تلقي تيارات ومناهج غربية ولم ~~تبدع بذاتها فلسفاتها الخاصة النابعة من عمق مشكلاتها، فاقتصرت على التأثر دون ~~التأثير، وارتضت أن تكون مفعولا وليست فاعلا؟ وإلى متى سنظل منفعلين ولسنا فاعلين؟ ~~الإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى دراسة عميقة لملابسات الظروف العربية التي تحول ~~دون قيام فلسفة عربية خاصة بها، وليس هذا البحث مجالها على أية حال، ولكن لعل أهم ~~الأسباب جميعا هو أن الفلسفة لا تزدهر إلا في مجتمع بلغ درجة معينة ms049 من التقدم الثقافي، ~~وتوفرت له بيئة ملائمة ترعى الفكر الفلسفي، وتوفر مناخ الحرية الذي يسمح بالتفلسف. فأين ~~نحن من كل هذا، وما زلنا نحيا في ظل تيار سلفي متزمت يضع ثوابت فكرية يحذر الاقتراب ~~منها، ونعيش في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية لا تعوق التفكير الفلسفي وحده، بل ~~والبحث العلمي أيضا، ويكفي أن نقول صراحة إن السلطة السياسية في معظم بلدان العالم ~~العربي لا تسمح بممارسة الديمقراطية ممارسة حقيقية، ولا تعرف منها غير قشورها وإطارها ~~الخارجي دون مضمونها الحي. # إن المشكلة الحقيقية التي تواجه المثقف أو المفكر العربي - ولا أقول الفيلسوف فما زلنا بعيدين عن أن يكون لدينا فلاسفة بالمعنى الحقيقي - هي كيف يصبح المجتمع المدني ~~مجتمعا ديمقراطيا قائما على الحرية. ويبقى التحدي الحقيقي للفكر العربي في لحظتنا ~~الراهنة هو أن يمارس النقد بمناهجه ومدارسه المختلفة، وأن يفكك أغلال التقاليد التي ~~تكبله، وأن يتحرر من الأفكار الموروثة التي لا تؤمن بحق الاختلاف والمغايرة، بل تخشى ~~المخاطرة بتغيير القيم الثقافية البالية والجامدة، وتتهم المشتغلين بالفلسفة بالتجريد ~~والمروق والتجديف. لكل هذه الأسباب لم تسهم المحاولات التي تحدثنا عنها إسهاما ~~حقيقيا وملموسا في إثراء فكر فلسفي عربي، ولم تؤسس الروح الفلسفية الأصلية أو جوهر ~~الروح الفلسفي وهو النقد الذاتي على مستوى الفرد والمجتمع، هذا النقد الذي قام عليه ~~الفكر الغربي وشكل أساس وعيه وتطوره. ولذلك فإنه بصرف النظر عن التأييد أو الاعتراض ~~على مشروعية التلقي من حضارة غربية، فالشيء الجدير بالتقدير والذي يجب وضعه موضع ~~الاعتبار هو الجهد المشكور الذي بذله من أخذوا على عاتقهم تأصيل وتوظيف تلك التيارات ~~الغربية في واقع الثقافة العربية من أجل تنمية الوعي العربي وتحرير العقل والفكر من ~~ركام اللامعقول الذي يثقل كاهل الثقافة العربية. # يكفي المحاولات التي تحدثنا عنها أنها تعد بمثابة المراحل التمهيدية للنهضة ~~الحقيقية (أعني بذلك الترجمات الواسعة والشرح والتعليق والتحقيق ... إلخ)، وهي مراحل ~~ضرورية وسابقة لمرحلة الإبداع الفكري الحقيقي. فالتاريخ يشهد بأن كل الأمم والشعوب التي ~~سبقتنا على طريق النهضة مرت بهذه المراحل الأساسية. وإذا ms050 كنا نأمل في ظهور تيارات ~~فلسفية عربية تنبع من واقع مجتمعاتنا ومشكلاتنا التي لا يتعرض لها الغرب، أو التي ~~تجاوزها خلال مسيرته منذ عصر النهضة حتى الآن، فإن هذا لا يمنعنا من الاهتداء بمناهج ~~وأدوات البحث المعروفة لدى الآخرين دون خشية على ثقافتنا أو هويتنا من تلقي تيارات ~~غربية أو غيرها. فنحن أيضا لسنا قادمين من فراغ، ولكننا منحدرون من تراث ثقافي طويل، ~~كما أن الهوية العربية بتاريخها الحضاري ليست بهذه الهشاشة، حتى نخشى عليها من رياح ~~التغيير، فمن حقنا أن ننهل من الإبداع البشري أيا كان موطنه، ومن حقنا أن نتعرف على ~~كل التيارات الفكرية، ثم من حقنا أيضا بعد ذلك أن نقبلها أو نرفضها وفقا لمعيارين؛ ~~الأول: براجماتي بمعنى أن نأخذ منها ما يثبت مع الزمن نفعه لنا ونجاحه في زيادة وعينا ~~بأنفسنا وحاضرنا وتراثنا، والآخر معرفة أصوات العصر لنكون معاصرين، حتى لا ينظر إلينا ~~على أننا بقايا متخلفة من عصور ماضية، نجتر الماضي ونعيش فيه مكتفين بهذا الاجترار. ~~وإذا كنا نتطلع إلى أن تنبع الفلسفة أو الفلسفات التي نأمل في تبلورها في مجتمعنا ~~الثقافي من أزماتنا العربية، فإننا نأمل أيضا في استعادة الروح النقدية الحرة في الفكر ~~العربي دون أن يمنعنا هذا بطبيعة الحال من تلقي فلسفات غربية وتوظيف مناهجها النقدية ~~على مشاكل مجتمعاتنا، على أن نكون مشاركين في ثقافة العصر لا تابعين لها. فبدون النقد ~~المرتبط بواقعنا، وبدون الحرية والديمقراطية التي لا غنى عنها لازدهار الروح النقدية، ~~سنظل تابعين متأثرين مجترين لما ينتجه الغرب، وسنقتصر على التفاخر بما نعلم فحسب، ولن ~~نكون أنفسنا أبدا، لا مبتكرين ولا مبدعين. # | تطور العقل النقدي # من كانط إلى هابرماس # نشأ التفكير الفلسفي من دهشة الإنسان وحيرته أمام الكون وظواهره المتغيرة من حوله. وقام ~~هذا التفكير منذ بداياته على افتراض أصل ثابت وراء هذه الظواهر الكونية المتغيرة. واختلف ~~هذا الأصل الثابت من فيلسوف إلى آخر، ومن عصر إلى عصر. هكذا كان الحال منذ أفلاطون الذي ~~تبلورت فلسفته في نظرية المثل القائمة ms051 على وجود عالم ثابت هو عالم المعقولات الذي يتصف ~~بالثبات والضرورة والكلية، وانعكس هذا التصور - أي تصور الأصل الثابت وراء الظواهر المحسوسة ~~المتغيرة - على الإنسان نفسه، مما أدى إلى القول بأن في الطبيعة البشرية أيضا جانبا ~~ثابتا أبديا لا يتغير وهو العقل، فكان تصور عقل إنساني عام وكلي ليس للبيئة الاجتماعية ~~أو السياسية أو الاقتصادية أي أثر عليه؛ فالعقل هو الطبيعة الثابتة الوحيدة وسط الظواهر ~~التي تموج بالمتغيرات. # هكذا نجد أنفسنا منذ بداية تاريخ الفلسفة أمام فكر يفترض جوهرا ثابتا للأشياء، بحيث إن ~~كل «ما يطرأ عليها من تغيرات ظاهرة، فهي أعراض لذلك الجوهر ... أي إن الخلفية الثقافية ~~والفكرية كانت دائما وعلى امتداد التاريخ تفترض للأشياء طبائع ثابتة، تغمرها موجات ~~الظواهر المتغيرة، ثم تنحسر لتجيء سواها، فإذا استطعنا أن نعرف هذه الحقائق الثابتة بما ~~يحددها ويعين قوانينها كنا بذلك قد أمسكنا بناصية الطبيعة كلها.» # 1 # واستمر الحال كذلك مع أعلام الفكر الفلسفي الحديث بدءا من ديكارت (1595-1650م) الذي أطلق ~~عبارته الشهيرة «إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، وأقام مذهبه العقلي على أساس أن ~~الحقيقة قائمة في العقل ولا وجود لها خارج الفكر، وأن الوضوح والتميز هما معيار هذا الفكر، ~~إلى جون لوك (1632-1704م) - وهو الفيلسوف التجريبي - الذي أقر أيضا بطبيعة ثابتة للعقل، ~~وجعل منه صفحاء بيضاء تنقش التجربة عليها حروفها الأولى، ثم جاء فيكو (1668-1744م)، وعارض ~~بفلسفته التاريخية النزعة العقلية الديكارتية، وتحولت الذات العاقلة إلى ذات تاريخية، أي ~~إلى ذات عاقلة ومعقولة في آن واحد؛ فالعقل الإنساني هو صانع التاريخ، وهو موضوعه أيضا. ~~بذلك يكون فيكو هو أول من قدم نظرية تاريخية عن حقيقة التغيير من خلال تفسيره للتاريخ ~~بوصفه عملية عقلية منظمة خلاقة. فالتاريخ الذي يتألف من أحداث ووقائع ومؤسسات اجتماعية تعبر ~~عن أحوال العقل، قد جعل هذا العقل نفسه موضوعا للمعرفة. وإذا كان بعض الباحثين ينسبون إلى ~~هيجل أنه أول من أدخل العقل في التاريخ، فنحن نؤكد في هذا المجال أن فيكو سبق هيجل، وكان ~~بحق ms052 أول من أطلق العقل في التاريخ؛ لأن التطور التاريخي الاجتماعي للعقل عند فيكو مختلف كل ~~الاختلاف عن تصور هيجل الذي لا شك أنه تصور ميتافيزيقي متعال على التاريخ، ويكفي أن نقول ~~إن الدور الذي يقوم به العقل مختلف تمام الاختلاف عند فيكو عنه عند هيجل؛ فالعقل المطلق عند ~~هذا الأخير يتطور - كما هو معروف - تطورا ذاتيا نحو الوعي بذاته، أما عند فيكو فهو لا ~~يتطور إلا داخل ظروف تاريخية اجتماعية محددة يكون مشروطا بها؛ لأنه لم يتصور العقل كماهية ~~مستقلة، ولم ينسب له أي قدرة ذاتية على التطور، وبذلك يكون قد قدم نقدا للعقل التاريخي ~~يذكرنا من بعض الوجوه بنقد العقل الخالص الذي قدمه كانط فيما بعد، # 2 # وإن كان من الضروري القول بأن هذا النقد الأخير معرفي محض وغير تاريخي على ~~الإطلاق. # لقد قام كانط (1724-1804م) بتحليل العقل نفسه، ورسم صورة جديدة لطبيعة العقل الذي يقوم ~~بنقد ذاته بذاته، ووضع «الشروط القبلية» التي تجعل التجربة ممكنة ؛ فالعقل - كما يقول كانط ~~نفسه في المدخل إلى نقد العقل الخالص - هو «الملكة التي تمدنا بمبادئ المعرفة ... وهذا ~~العقل لن تكون وظيفته هي التوسع في معرفتنا، بل سيقتصر على تطهير عقلنا وتخليصه من الأخطاء.» # 3 # ولهذا كانت فلسفة كانط عقلية نقدية شارطة (ترنسندنتالية)؛ لأنها لا تهدف إلى ~~التوسع في المعرفة، بقدر ما تهدف إلى تصحيحها، واختيار قيمة المعارف القبلية. إن العقل عنده ~~لا يبحث في طبيعة الأشياء الخارجية، وإنما هو الذي يشرع لها، ولم يقدم كانط كما أعلن بنفسه ~~«إلا نقد ملكة العقل الخالص نفسها، ومتى أصبح هذا النقد هو الأساس صار لدينا المحك أو ~~المعيار الأكيد الذي نقدر به القيمة الفلسفية للمؤلفات القديمة والحديثة.» # 4 # والمنهج الذي يستخدمه العقل في نقده لنفسه هو المنهج الشارطي (الترانسندنتالي) ~~الذي يضع الشروط التي تجعل التجربة ممكنة، ليؤدي نقد العقل في نهاية الأمر إلى المعرفة ~~العلمية الموثوق بها. # والحقيقة أن التفكير الترانسندنتالي عند كانط في شروط وإمكان المعرفة لا يعطي للفلسفة ~~دورا واحدا، بل «دورين متميزين ms053 كما قال ريتشارد رورتي: الأول باعتبارها محكمة العقل؛ أي ~~الذات العارفة التي من خلالها نفهم العالم ونفهم أنفسنا بشكل عقلاني. وبناء على هذا الدور ~~الأول يتحدد دورها الثاني، وهو أنها لا تستطيع أن تحكم على نتائج العلوم الأخرى فقط، بل ~~تقوم أيضا بتنظيمها وتحديد المكان الصحيح لكل منها، ومجال مصداقيتها ومنهجها السليم.» # 5 # وترتب على هذا الدور الذي نسبه كانط للفلسفة ثلاثة مفاهيم رئيسية، وهي: مفهوم ~~العقل العام، والذات المستقلة، ومفهوم المعرفة التصورية (أو المعرفة من خلال تصورات ومفاهيم ~~عقلية) مما دفع الفلاسفة بعد كانط - وبخاصة هيجل وأصحاب النزعة البراجماتية وفلسفة التأويل - ~~إلى انتقاد فكرته عن العقل بتقويض زعمه باكتشاف بناءات عقلية عامة وضرورية للشروط التي تجعل ~~التجربة ممكنة. أضف إلى هذا «أن تطور العلوم الاجتماعية والتاريخية جعل هذه المزاعم نسبية ~~وليست مطلقة، وأظهر الروابط التجريبية المعقدة التي تربط العقل باللغة والفعل كما تربطه ~~بنسيج الاتصالات اليومية داخل أشكال الحياة المتنوعة ثقافيا وتاريخيا.» # 6 # ارتبط هذا النقد للعقل بنقد الذات العاقلة من حيث سيادتها على نفسها وعلى العالم، وهو ما ~~افترضه التراث الديكارتي والكانطي. «فالذات هنا هي التي تشكل الطبيعة الخارجية وهي المهيمنة ~~على الطبيعة الداخلية - على الأقل بالنسبة لكانط - وهذه السيادة المنسوبة للذات قد انتقدها ~~كل من فرويد وماركس ودارون، الذين بينوا بطرق مختلفة دور الرغبات والانفعالات والمصالح ~~في تكوين وتوجيه العقل نفسه»، # 7 # وأوضحوا أن الذات لا تشكل العالم، وإنما هي عنصر واحد من عناصر العالم المكتشف ~~لغويا وتاريخيا واجتماعيا. # امتدت هذه الخلفية الثقافية والفكرية التي افترضت أن العقل طبيعة ثابتة في الإنسان - وذلك ~~باستثناء الآراء الجديدة التي أتى بها فيكو كما أسلفنا القول - عبر قرون طويلة من تاريخ ~~الفكر الفلسفي، إلى أن جاء هيجل (1770-1831م) ليعبر عن تصور عصر جديد انطلق مع بدايات القرن ~~التاسع عشر، عصر يحمل ثقافة وفكرا جديدين، ويستعيد صيرورة هيراقليطس لتصبح هي طبيعة ~~الأشياء، ويحل «التطور» و«التغير» محل «الثبات» و«التحدد». وأصبحت طبيعة العقل عند هيجل ~~مختلفة عنها عند كل من ديكارت وكانط، فإذا ms054 كان ديكارت قد أقام مذهبه العقلي على أساس ~~الكوجيتو أو اليقين الذاتي كمعيار للوضوح والتميز، وكان كانط قد أقام فلسفته النقدية لتمييز ~~المعرفة العلمية الصحيحة عن المعرفة الميتافيزيقية التي تؤدي إلى وقوع العقل في التناقض، ~~فإن هيجل قد جعل من هذا التناقض جوهرا لفلسفته ومنهجه الجدلي. ها هو ذا يقول في مقدمة ~~«ظاهريات الروح» مشيرا إلى المذاهب العقلية السابقة عليه: «إن العقل قد جاوز الحياة ~~الجوهرية التي كان يحياها في عنصر الفكر: جاوز إيمانه الأول المباشر، جاوز الرضا والأمن ~~اللذين كان يكفلهما للوعي الوفاق بين العقل والماهية ... وما جاوز العقل تلك الحالة وحدها ~~إلى الطرف النقيض، إلا للرجوع بنفسه على نفسه دونما جوهر. فلم يقف الأمر عند فقدان حياته ~~الجوهرية، وإنما أصبح أيضا وعيا بهذا الفقدان.» # 8 # كما يقول في موضع آخر من مقدمة الظاهريات: «إن العقل إنما يغدو موضوعا؛ لأنه ~~تلك الحركة القائمة في مغايرته نفسه، أي في صيرورته موضوعا لذاته.» # 9 # وبفضل منطق هيجل الجدلي دخل العقل في الوعي وفي الطبيعة نفسها، ثم تجلى في التاريخ، وأصبح ~~هو جوهر التاريخ ومحركه، بل أصبحت العملية المعرفية نفسها تنمو في مراحل متعددة، والوصول ~~للمطلق لا يكون إلا في ختام هذه المراحل: «الكل ليس إلا الماهية في تحقيقها واكتمالها عن ~~طريق نموها. فالمطلق يجب القول عنه: إنه في جوهره نتيجة، أي هو لا يصير ما هو إياه حقيقة ~~إلا في الختام. في هذه الصيرورة تقوم طبيعته من حيث هو دخول فعلي في الواقع.» # 10 # هكذا هاجم هيجل المعرفة العقلية الخالصة التي فصلت الفكر عن الوجود، كما هاجم ~~الفلسفة التجريبية الخالصة التي أغفلت السمات العقلية للواقع، وأقام منهجه الجدلي الذي ~~وحد فيه بين الفكر والوجود، حتى ليمكن القول: «إن العقل يدرس من نواح ثلاث: فهو يدرس في ~~حالة كونه مجردا، وذلك في المنطق، ويدرس من حيث تحققه في الكون وذلك في فلسفة الطبيعة، ~~ويدرس من حيث إنه يتحقق عن طريق الفكر والنشاط الإنساني، وذلك في فلسفة الروح»، # 11 # ولكن يظل السؤال قائما ms055 وهو: هل استمر تطور العقل النقدي في هذا المنهج الجدلي ~~الهيجلي أم توقف عند مرحلة بعينها وهي على وجه التحديد عصر هيجل نفسه؟ لقد بقي هذا ~~التساؤل موضع إشكال وجدل، واختلفت حوله الآراء، # 12 # ولم تزل مختلفة بين شراح هيجل وأصحاب المنهج الجدلي على اختلاف تصوراتهم له بما ~~لا يسمح بمناقشته في هذا المجال المحدود. # وإذا كانت الثورية هي طابع المنطق الجدلي الهيجلي، فإنها لم تنطلق بشكل واقعي على يد هيجل ~~نفسه، وإنما أطلقها ماركس (1818-1883م) - الذي زعم أنه أوقف جدل هيجل على قدميه - من ~~مكمنها، ولم يقصر دور العقل على التفسير، بل تخطاه إلى التغيير. ولا شك أن فلسفة كل من ~~كانط وهيجل كانت أسبق من المحاولة الماركسية لتغيير دور الفلسفة (وبالتالي تغيير الدور الذي ~~يلعبه العقل في العملية المعرفية)، إلا أنهما قدما حلا للمشكلة أعطى للفلسفة دورا ~~يمكن وصفه بأنه غير تاريخي ولا واقعي-نقدي؛ فقد حولتها الكانطية إلى فلسفة ذاتية، وحاول ~~هيجل أن يتحاشى هذا العجر ويتجاوزه، فقدم حلا محوطا بافتراضات ميتافيزيقية يتعذر ~~الدفاع عنها، لكن مهمة العقل عند ماركس تحولت إلى نقد الواقع وتغيير العالم، وله يعود ~~الفضل في هبوب عاصفة النقد والتغيير التي اجتاحت كل التيارات الفلسفية التي جاءت بعده، ~~فمنذ أن أعلن في بيانه الشيوعي المبكر عام 1844م عن الحاجة إلى «نقد قاس لكل شيء موجود» ~~كان هذا إيذانا بميلاد نظرية نقدية للمجتمع تعد نموذجا لخطاب علمي اجتماعي في منتصف ~~القرن التاسع عشر، «ووجد ماركس في فلسفة هيجل المفهوم الذي احتاجه ليحول دور الفلسفة إلى ~~نظرية نقدية، ألا وهو مفهوم «الرفع»، # 13 # وظل هذا المفهوم قابلا للتطور والتحديد الذاتي في النظرية النقدية المعاصرة من ~~لوكاتش حتى هابرماس.» # 14 # لقد ظل مفهوم المعرفة التصويرية التي تفترض وجود الذات في مقابل عالم الموضوعات المستقل، ~~ظل سائدا حتى الجيل الثاني من فلاسفة القرن التاسع عشر، على الرغم من نقد هيجل له في الفصل ~~الخاص بالإدراك الحسي في كتابه «ظاهريات الروح». ولذلك كانت تفرقة هوركهيمر الحاسمة بين ~~النظريات النقدية ms056 والنظريات التقليدية هي إحدى الصياغات الهامة في القرن العشرين لنقد ~~المعرفة التصويرية وذاتها التأملية وغير التاريخية عند كانط؛ إذ أكد هوركهيمر (الذي يعد ~~رأيه تعبيرا عن رأي أصحاب النظرية النقدية جميعهم) أن كلا من الذات والعالم قد تطورا ~~معا في صيرورة المجتمع كما سنرى بعد قليل بشيء من التفصيل. # ومع تطور الدراسات الاجتماعية التي شهدت طفرة هائلة في غضون القرن التاسع عشر وأوائل ~~القرن العشرين، ذهب عالم الاجتماع ماكس فيبر (1864-1920م) - وهو أحد منظري العقلانية ~~الحديثة - إلى أن التقدم التقني قد أفرز نوعا من العقلانية العلمية التي لها منهجها ~~ووسائلها، أي إنها بمعنى آخر هي عقلانية المنهج والوسائل من أجل تحقيق غايات، ولكن التقدم ~~العلمي غير مسئول عن تطبيقاته، وبالتالي فإن العقلانية غير مسئولة عن الغايات التي أصبحت ~~فيما بعد لا عقلانية. ولذلك طالب ماكس فيبر بالفصل بين مجالي العلم والسياسة، والنظرية ~~والتطبيق، والوسيلة والغاية، مؤكدا أن أحكام القيمة لا يمكن أن تزعم لنفسها الصدق ~~الموضوعي، كما أنه «لم يثق في أحكام القيمة والسياسة التي تنبع من رومانسية الأمل الثوري .» # 15 # لذلك طالب بفصل مجالات البحث، «فالبحث العلمي التجريبي يمكن أن يوضح الوسائل ~~الضرورية للوصول إلى غايات معينة، كما يمكنه أن يكشف عن النتائج المترتبة على السياسات ~~المختلفة التي لا يمكن الكشف عنها بطريقة أخرى. كذلك يستطيع البحث الفلسفي أن يكشف عن ~~البناء التصوري للنظم المعيارية المختلفة، وأن يحدد مكانها بالنسبة للقيم الأخرى الممكنة ~~كما يحدد مجالات صلاحيتها، غير أن مثل هذه الدراسات لا يمكنها أن تبين صحة أي إجابات ~~تقدم على المسائل المعيارية.» # 16 # هكذا استبعد فيبر أحكام القيمة كشروط مسبقة للعلم؛ لأن كل العلوم الطبيعية في رأيه «تحاول ~~الإجابة على هذا السؤال: ماذا ينبغي علينا أن نفعل إذا أردنا أن نسيطر على حياتنا بشكل ~~تقني؟ وسواء أردنا بالفعل أن نسيطر عليها تقنيا، أو كان لهذا الكلام معنى فهو لم يوضع ~~موضع الاختبار والفحص.» # 17 # إن العالم الذي لا يقصر جهوده على تحديد الوقائع والحقائق، وإنما يسأل نفسه عن ms057 ~~قيمتها، يجب أن يعرف على حد قول ماكس فيبر: «إن النبي والداعية لا يتسع لهما منبر واحد.» # 18 # وإذا كان فيبر قد رأى أن العقلانية هي قانون العلم، فإنه ظل واعيا بحدود هذه العقلانية ~~وأخطارها. وإذا كانت مهمة العقل عنده هي «حساب العلاقة بين الوسائل والغايات، فلن يكون بوسع ~~البشر أن يتنصلوا من مسئولية اختيارهم، وأن قدرا ضخما من المسئولية قد يتجاوز الطاقة ~~الأخلاقية للأفراد، وقد يجرفهم إلى خضم اللاعقلانية.» # 19 # وإذا كانت هناك «فئتان من الأفعال تتميزان بالعقلانية إحداهما تستخدم الوسائل ~~الملائمة لتحقيق الأهداف العقلية المختارة، والثانية تستعين بوسائل مشابهة لإشباع قيم ~~مطلقة وأهداف أخلاقية»، # 20 # فإن العقل مسئول عن هذا الاختيار، أي إن مهمته تكمن في اختيار وتدبير الوسائل ~~للسلوك العقلاني الهادف المحسوب. فالاختيار المعياري كما بين فيبر «لا يعتمد فحسب على ~~الاعتبارات التقنية المستخدمة منه للوصول إلى أهداف معينة، بل إن الاختلاف حول المعايير ~~أمر ممكن وضروري، وهو كامن في طبيعة هذه المعايير المستخدمة لمناقشة مثل هذه المسائل. ~~والقول بأن مثل هذا الاختلاف في الآراء يمكن أن يسوى تسوية نهائية، هو قول متناقض »، # 21 # لذلك كانت مهمة الاختيار بالغة الصعوبة، وتفوق طاقة البشر، وقد تجرفهم إلى ~~اللاعقلانية كما نرى اليوم في الأزمات التي تواجهها البشرية نتيجة التطور المذهل في ~~التقنية. # وقد تابع ماكس فيبر المعركة الدائرة بين الفريق الذي يوجه العلم لهدف محدد، والفريق الذي ~~يحيط الفعل بهالة سحرية، بين الصرامة والأصالة في الحياة العقلية والسياسية. لقد كان ~~عقلانيا تجريبيا، ولكنه يرفض تجريد العلم من سحره، وكثيرا ما كان يشكو من أن العقلانية ~~نزعت كل أستار السحر التي تحيط بالمعرفة، أي إنها عقلانية جافة وليست عقلانية إنسانية ~~بالقدر الكافي، ولم تضع في اعتبارها العلاقة الحميمة بين الإنسان والطبيعة. إن العقلانية ~~التي كانت غايتها تحرير الإنسان قد وضعته في زنزانة خانقة واستعبدته بدلا من أن تحرره. ~~ولقد أدرك فيبر - على الرغم من إيمانه بتجريبية العلم - أخطار العقلانية العلمية، ولكنه ~~أبرز الفارق الكبير بين تحديد الأهداف والوسائل عن طريق ms058 العلم وبين الأصالة السياسية التي ~~تنطوي على هالة سحرية. ولذلك هاجم ماركيوز في مؤتمر هايدلبرج عام 1965م، ما اعتبره الجانب ~~السلبي في فلسفة فيبر كعالم اجتماع تجريبي، واتهمه بأنه يدعم الوضع القائم، وفي هذا تناقض ~~مع كونه سياسيا إلى جانب كونه اجتماعيا، ولكن ماركيوز أغفل بلا شك أن فيبر برغم ~~عقلانيته وإيمانه بتجريبية العلم كان يتخوف من التغير المفزع الذي تحولت به الوسائل ~~الاقتصادية والتقنية إلى غايات في ذاتها بعد أن كانت في الأصل تستهدف تحرير الإنسان، ~~«فالتغيير الذي يتم بوسائل اقتصادية وتقنية كان غايته تحرير البشر، وقد كان يأمل - كما يقول ~~- لاندمان أن يتحطم هذا السجن الاقتصادي التقني في الثورة الروسية عام 1905م، ولكن لم يحدث ~~هذا مما جعله يتساءل: أيهما يلوح في أفق المستقبل: ميلاد جديد أم تحجر آلي؟» # 22 # وسادت في مطلع القرن العشرين بدايات اتجاه نقدي ارتبط إلى حد كبير بالفكر الماركسي، وأخذ ~~منه فهمه النقدي التحليلي للواقع، فكانت أفكار كل من جورج لوكاتش وارنست بلوخ تمهيدا ~~لميلاد تيار نقدي أكثر تنظيما فيما بعد، وهو ما أطلق عليه اسم «النظرية النقدية». وقد ~~استمر نقد العقلانية الغربية - كما تمثلت في العلم والتقنية والحضارة الرأسمالية والصناعية ~~الحديثة - من وجهة نظر ماركسية متزمتة عند جورج لوكاتش (1885-1971م) الذي انطلق في مقولته عن ~~التشييء (وهو الأساس الموضوعي للشعور الذاتي تشييء بالاغتراب) من المقولات الماركسية عن ~~الاغتراب، وهي التي ترى أن العقلانية الاقتصادية للنظام الرأسمالي أدت إلى «تشييء» الإنسان، ~~وجعله جزءا خاضعا لقوانينه الآلية، أي جزءا من عملية الإنتاج لا طرفا فيه. «هذه ~~العقلانية لم تحرر الإنسان بل «شيأت» علاقاته بكل الأشياء من حوله، وكان ذلك نتيجة ضرورية ~~للتشذر وانفصال الأجزاء عن الكل المعاش.» # 23 # لقد جاءت العقلانية الاقتصادية لتفرغ الكل الموضوعي للحضارة من وحدته الداخلية ~~مما أفقد الواقع كليته؛ ففي ظل التقدم الهائل للعلوم الجزئية، وانحصار كل علم في مجال تخصصه ~~الدقيق، فقدت هذه العلوم السياق الكلي لمجالاتها. أضف إلى هذا أن العقلانية قامت بتقسيم ~~صيرورة العمل الموحد إلى وظائف ms059 جزئية منعزلة بشكل مصطنع، «وتطور كل علم بشكل مستقل ومنعزل ~~عن بقية العلوم الأخرى في الهدف والمنهج، وتحرك كل علم في نظام عقلي جزئي يعمل بدون ~~معوقات، ولكنه يفتقد «المقولة الحقيقية للواقع» أي الكلية»، # 24 # التي تقتضي أن يعلو المجتمع ككل على هذا الواقع المتكثر أو المبعثر أو ~~المتشذر. إن الكلية هي المبدأ البديهي للمجتمع، ويجب أن تكون العقلانية هي القاعدة الأساسية ~~لنقد الواقع الموجود وهدف التاريخ، ولكن «العقلانية العلمية تجاهلت السمات النوعية الفردية، ~~ولم تنتبه لها إلا كلما أزعجت الحسابات المسبقة لمسار تقدم العمل.» # 25 # لقد قام مشروع لوكاتش النقدي على رفض النظرة الأحادية للجدل؛ أي رفض جدل العقل عند هيجل، ~~ورفض جدل المادة عند ماركس، والمزج بينهما في ثنائية تتفاعل مع حركة المجتمع. وربما يكون ~~الجديد في فلسفة لوكاتش النقدية هو «التعامل مع معضلة الفكر والممارسة التي ستمتد داخل ~~النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت ... وتتسم هذه المحاولة الفلسفية النقدية لجورج لوكاتش ~~باسترجاع الطاقة الكامنة في نقد الاقتصاد السياسي، ليس بصفته نقدا يتوقف عند حدود الاقتصاد ~~السياسي فقط، بل بصفته نقدا يمتد داخل العلاقات الاجتماعية»، # 26 # لذلك كان له تأثير كبير على أصحاب النظرية النقدية فيما بعد من خلال نظرته ~~الفلسفية للثنائية الجدلية وارتباطها بالمجال الاجتماعي والسياسي، وكذلك من خلال انفتاحه ~~على الحياة الثقافية والأدبية ومعطيات الواقع. فقد رأى «أن التشيؤ هو العملية التي بها ~~تصبح منتجات العمل البشري أشياء مستقلة، أو ظواهر معطاة تتحكم في الناس عن طريق قوانين ~~تبدو وكأنها لا ترد، فيتحولون من الناحيتين الذاتية والموضوعية إلى مشاهدين سلبيين بدلا من ~~أن يكونوا ذوات فاعلة مبدعة، ويخضعون نشاطهم الإنساني الخلاق لقوى لا شخصية غريبة عنهم ~~ومدمرة لطبيعتهم وماهيتهم الأصلية. ويتضح تجريد الإنسان من إنسانيته في التنظيم الداخلي ~~للمصنع الذي يمثل صورة عالم مصغر من عالم المجتمع الرأسمالي الأكبر الذي نفذ بتخصصه في ~~تقسيم العمل وبعقليته الصناعية والاستهلاكية، حتى في صميم الحياة الحميمة للإنسان.» # 27 # ويشغل أرنست بلوخ (1885-1977م) مكانة خاصة بين نقاد العقل المعاصرين، كما يعد «حلقة ms060 هامة ~~في تطور الفكر النقدي، حيث كشف عن جذوره الأولى في التراث الفلسفي والبشري على السواء. لقد ~~قدم يوتوبيا نقدية معارضة للنزعة الوضعية التي تتعلق بالوقائع القائمة والحقائق غير ~~المتعالية، وقدم نقدا للواقع السائد بعقلانية جديدة يمكن أن نطلق عليها اسم العقلانية ~~اليوتوبية. فالواقع الراهن في تصوره يموج بالإمكانات وبقلق الصيرورة ولم يكتمل بعد، مما ~~يجعل اليوتوبيا عنده حقيقة مسلما بها تسير جنبا إلى جنب الواقع، بل وتصاحبه، وهي - أي ~~اليوتوبيا - تتحدث باسم الليس-بعد أو المستقبل، وتحاول تشكيل نماذج لوجود حقيقي ممكن لم ~~يتحقق بعد.» # 28 # وقد قامت نظرية بلوخ النقدية على تفتيت بنية الواقع، واستخلاص شعاع أمل جديد كامن في ~~أعماق واقع مظلم، بل وأحيانا ميئوس منه، أي إن نقده مفعم بخلفية متفائلة على خلاف ~~الخلفية المتشائمة التي اجتاحت التيار النقدي اللاحق. وقدم بلوخ يوتوبيا ترتبط بالتاريخ ~~العقلي الذي ما زال يحقق نفسه بأن يظهر للنور الجوهر اليوتوبي والحقيقة أو الماهية ~~الجوهرية للشيء. وتساعد اليوتوبيا هذه الحقيقة على أن تبرز إلى الواقع ومن خلاله أيضا، ~~فتكشف عن كيفيات جديدة في الطبيعة عن طريق العقل الخيالي أو اليوتوبي الذي يستخلص الممكن من ~~الواقع اليومي العيني، ولا يتم هذا إلا بالاعتراف بالواقع، ورفضه في آن واحد، كما أنه ليس ~~هناك حد فاصل بين الممكن والواقع؛ لأن الواقع كان ممكنا في الماضي، وما زال ممكنا في المستقبل. # 29 # وبتأثير من النزعة النقدية عند كل من لوكاتش وبلوخ - مع مؤثرات أخرى لا يتسع هذا المجال ~~المحدود لذكرها - ظهرت مجموعة من المفكرين النقديين الشبان الذي ركزوا جهودهم على الاهتمام ~~بالأبحاث الاجتماعية النقدية وبلورتها في نظرية مستقلة وتوجيهها من كونها مجرد جهود فردية ~~متفرقة إلى تيار نقدي مستقل، هو الذي أشرنا إليه من قبل، وعرف باسم مدرسة فرانكفورت ~~«وهو الاسم الذي عرف به أعضاء المدرسة بعد الحرب العالمية الثانية. أما من ناحية المنهج ~~الذي اتبعوه في النظر والتطبيق فقد استندوا فيه إلى روح الفلسفة الماركسية مع الابتعاد عن ~~معظم مقولاتها الأساسية، ومن ثم عرفوا باسم ms061 أصحاب النظرية النقدية»، # 30 # وكان أدورنو (1903-1969م) - وهو من أهم أعضاء الجيل الأول لهذه المدرسة - قد ~~انتقد العقل الذي أشادت به حركة التنوير وأعلت من شأنه، فعرض في كتابه «جدل التنوير» - الذي ~~اشترك في تأليفه مع صديقه هوكهيمر - فكرة التدمير-الذاتي للتنوير، وأكد أن الفلسفة ~~الوضعية قد أصابته بالانتكاس أو النكوص. فالتنوير الذي مجد العقل وآمن به إيمانا لا حد ~~له، وكان «هدفه هو تحرير الإنسان من التعصب والخوف ومن السلطة المطلقة وتجريد العالم من ~~سحره القديم لصالح المعرفة العلمية التجريبية»، # 31 # هذا التنوير قد أصابته انتكاسة ترجع إلى مصدرين: «الأول هو النزعة العلمية أو ~~الوضعية التي حددت العلم بوقائع معينة، واستبدلت الصيغ الرياضية بالمفاهيم، وحولت الكيفيات ~~إلى وظائف، ورفضت أي شيء يمكن اعتباره وهما أو خيالا أو بلا معنى. والثاني هو العقل ~~الأداتي غير النقدي للعلم الذي اعتمد على الشكلانية (النزعة الشكلية). فالعلم كمنهج تحليلي ~~لا يستطيع أن يضفي معنى أو قيمة على أي شيء غير قابل للقياس وغير خاضع للصيغة الرياضية.» # 32 # والأداتية محددة أو مشروطة بالواقع؛ لأن العلم يتعلق بالقوة (أو بالسلطة ~~المهيمنة)؛ ولذلك ينتج فكرا «مشيئا» خاليا من المضمون، بل هو المنهج والفاعلية والتنظيم ~~والتقنية، وبالتالي انحدر التنوير من الوعي بالثورة إلى مجرد وسائل لتحقيق تلك ~~الغاية. # إن التنوير الذي كان هدفه الأصلي هو تحرير العقل البشري من الأسطورة تحول هو ذاته إلى ~~أسطورة تخفي الهيمنة والسيطرة والتسلط، وسعى إلى تأييد الواقع السائد، ولم يعد يخدم قضية ~~الحرية، بل حرص على إخضاع كل شيء متفرد تحت لوائه، وجعل حرية السيطرة الكامنة فيه تسود ~~الأشياء، ثم ترتد إلى وجود الإنسان نفسه ووعيه. وأنتجت النزعة العقلية غير الثورية تسلطية ~~جديدة، وأصبح الهدف النهائي للعقل «المستنير» هو السيطرة على الطبيعة عن طريق التكنولوجيا. ~~«فالعقل الذي حرر الإنسان من سلطة الطبيعة، يبرر الآن سيطرته على الإنسان نفسه باعتباره ~~جزءا من الطبيعة التي يسيطر عليها، بل ويقوم بعملية «تكيف» مع حضارة لا إنسانية» # 33 # اعتمدت على الجانب التقني فقط، وهيأت «العامة» لتحمل ms062 الاستبداد وأنواع القيود ~~التي يفرضها على الأشياء والإنسان. ولم يتم هذا بفعل المناوئين للعقل، بل بفعل التنوير ~~نفسه. # ولكن كيف صار التنوير ضد الحقيقة؟ «عن طريق التجريد الرياضي الشامل للواقع، وهو التجريد ~~الذي صار مرادفا للحقيقة.» # 34 # لقد تحول الفكر إلى آلة رياضية تتحرك بذاتها، بحيث يمكن أن تحل الآلة ~~محله، وتم هذا كله على حساب الواقع المعطى وعلى حساب الفن، وبغرض السيطرة والهيمنة ~~عليهما، والنتيجة هي «عدم فهم الواقع الحي ونفي أو استبعاد كل واقع فردي مباشر. هكذا ~~تحول التنوير - كما سبق القول - إلى الأسطورة التي لم ينجح أبدا في تفاديها»، # 35 # وأصبحت الوحدة العلمية أو التوحيد (أي توحيد الطبيعة وموضعتها، بمعنى جعلها ~~موضوعية تخدم أهداف الإنسان العملية فقط)، والتجريد والتسوية هو هدف التنوير النهائي بصرف ~~النظر عن تعقد الواقع وخصوصيته وكيفياته المختلفة. # 36 # إن إخضاع العقل للتجربة الحسية الحية بالانفصال عنها «وتكميمها» أدى إلى إفقار كل من ~~التجربة والعقل معا. وكان هذا مظهرا من مظاهر انتصار العقل الأداتي وسعيه للسيطرة على كل ~~شيء بما في ذلك العقل والتفكير نفسه ... وهكذا اغترب الناس في المجتمع الشمولي الحديث، سواء ~~كان رأسماليا أو شيوعيا، وبرزت الوحشية واللاإنسانية التي أراد التنوير في الأصل أن ~~يحاربهما، فتحول التقدم إلى تراجع، # 37 # وأصبحت لعنة التقدم المتواصل هو النكوص المتواصل. وتعاظم اغتراب الجماهير التي ~~تموضعت وتشيأت ووقعت، مثلها مثل حكامها ومديريها، في نفس الشبكة المخيفة التي تثبت الوضع ~~القائم. # وازداد رفض أدورنو للعقلانية العلمية في كتابه «الجدل السلبي» الذي تأثر فيه بالنزعة ~~الاجتماعية لدور كايم، وعارض تسلطية المؤسسات الاجتماعية التي تخنق الفرد، ورأى «أن العلاقة ~~بين سيطرة الإنسان على الطبيعة وسيطرة الإنسان على الإنسان ترجع بشكل أساسي إلى علاقة ~~المفهوم أو التصور العام بالموجودات الجزئية غير التصورية، فعندما يغلف تصور عقلي عام ~~الموضوع، ويهيمن عليه، يتلاشى ما يتسم به هذا الموضوع من تفرد عيني لكي ينضوي تحت ذلك ~~التصور العام.» # 38 # ولا تدرك الذات أنها تحولت إلى موضوع؛ لأن عملية الهيمنة الأصلية بدأت منها. ~~كما ms063 أنها غفلت عن هذا التحول تحت تأثير النشوة التي استشعرتها نتيجة انتصارها على الواقع ~~الخارجي أو تحررها منه. # وليس العقل هو السلطة البشرية التي يمكن الاحتكام إليها عند مواجهة تسلط لا إنساني؛ لأنه ~~(أي العقل) «هو المسئول عن هذه اللاإنسانية. ولأنه هو نفسه قد نبع من إرادة التسلط، فالصلة ~~الحميمة التي تربط العقل بالتسلط ليست هي السمة المميزة للعقل الأداتي أو التقني أو العلمي ~~فقط، وإنما هي سمة تميز كل عقل، حتى لو حاول المقاومة كما في العقل الحدسي أو الجدلي. ~~ومثلما انطبع العقل بالتسلط، فإن الوعي بل وبنية أنفسنا أيضا، قد انطبعت بالتسلط»، # 39 # وليس لهذا الفساد أو الإفساد الذي أصاب الذات بداية تاريخية، بل نما من داخلها ~~بشكل متزايد. إنه نزوع أو ميل طبيعي في العقل، وبالتالي من الصعب الاعتقاد بأن الذات تستطيع ~~بما لها من قدرة تنويرية أن تلغي الظروف المغتربة التي خضعت لها. لقد وعد العقل أن يحرر ~~الإنسان (بوصفه ذاتا) من سيطرة الطبيعة، إلا أنه استعبده بوصفه موضوعا لسيطرته، وهذا ~~الانقلاب من الذات إلى الموضوع يصعب إدراكه بالعقل. # ويواصل أدورنو هجومه على المعرفة التصورية، فيؤكد أن التصور يعزل الشيء عن ذاته، أي يلغي ~~فرديته، وأن ارتباط التصور بالشيء هو من قبيل ارتباط القوي بالضعيف. وواقع الأمر أن اعتراض ~~أدورنو على العقل التصوري ليس بالفكرة الجديدة، وإنما يرجع له الفضل في أنه أوضح أن النزعة ~~التعميمية هي نزعة تؤدي إلى الشمولية والهيمنة، ولكن هل يصدق زعمه هذا في كل الأحوال؟ إننا ~~إذا أمعنا النظر وجدنا أن المعرفة التصورية لم تنظر دائما للموضوع العيني (المدرج تحت ~~تصور ما)، وكأنه قد عرف معرفة تامة، يدل على هذا أن الفكر في نهاية القرن الثامن عشر تمرد ~~على استبداد المعرفة التصورية، أي على النزعة التصورية الكلية؛ لأنه وجد «أن الشيء المدرج ~~تحت التصور الكلي ليس مجرد عينة مساوية لكل العينات الأخرى تحت سقف التصور، بل أن هذا الشيء ~~العيني له خصوصيته الفردية التي تميزه عن غيره. ولم يكن هذا بديلا ms064 عن الفكر التصوري»؛ # 40 # لأن الرجوع للحسي أو العيني المباشر ليس عدولا عن المعرفة العقلية المنهجية، ~~كما أن المعرفة التصورية ليست كلها هيمنة وسيطرة على الأشياء، بل هي على العكس من ذلك تتيح ~~لنا أن ننفذ إلى الخصائص النوعية للشيء، وتمهد الطريق المؤدي إلى إدراك فرديته ~~وخصوصيته. # إن علاقة التصور بالشيء - كما يقول لاندمان - «ليست كما يراها أدورنو هي علاقة الأقوى ~~بالأضعف، بل هي علاقة العام بالخاص، فهو لا يفسده ولا يحتقره ولا يقلل من شأنه، ولا يخضعه ~~إخضاع العبيد، ولا يجرده من قيمته، وإنما يحاول أن يفهمه ويجد له مكانا في النظام العقلي ~~المتسق. ولو صح أن هذا الاحتواء التصوري للشيء هو في ذاته جريمة يرتكبها عدوانيون أو نخبة ~~من العدوانيين المتوحشين (ويقصد بهم العلماء) لو صح هذا لكان على البشرية أن تتوقف عن ~~استخدام اللغة جنبا إلى جنب مع توقفها عن استخدام العقل ... لماذا؟ لأن الكلمات نفسها أنواع ~~من الاحتواء.» # 41 # مهما يكن من شيء فلا بد من الإشادة بالدور الذي قام به أدورنو في نقد العقل، فقد وضعه ~~داخل السياق الاجتماعي كله، وأثبت أن بعض المذاهب الفلسفية - مثل البراجماتية والوضعية - قد ~~جعلته أداة في خدمة الإنتاج الصناعي، ووظفته لخدمة مصالح معينة، وعزلته تماما عن مجال ~~القيم كالعدالة والتسامح ... إلخ، وقد ترتب على ذلك أن العقل عندما استخدم هذا الاستخدام ~~الأحادي نظر أيضا إلى موضوعاته نظرة أحادية هي نظرة السيد للمسود، فكرس بذلك اغتراب ~~الموضوع عن الذات واغتراب الذات عن الموضوع، وترجمت العقلانية المتسلطة إلى نظم شمولية ~~متسلطة بدورها. والسؤال الحقيقي الآن هو: كيف نعيد للعقل شموليته أو كليته الاجتماعية، أي ~~كيف نعيد وضعه في السياق الاجتماعي الشامل ليكون عقلا اجتماعيا تاريخيا، وليس معرفيا ~~فحسب؟ الإجابة هي من خلال فلسفة أكثر إنسانية، فلم يعد العقل ملكة ذاتية مستقلة، بل إنه ~~يتطور تاريخيا واجتماعيا، ويتغير هو نفسه وفق الأنظمة السياسية والاجتماعية ~~والاقتصادية. # ويمكن الرد على ملاحظة أدورنو عن توظيف العقل لمصالح معينة بأن ما حدث هو استغلال ثمار ~~العقل ms065 من المعرفة لأجل أسباب وأهداف غير عقلانية وغير إنسانية، ولو أدركنا العقل في مختلف ~~وظائفه، ونظرنا له نظرة كلية حية، لوجدنا أنه لا يمكن توجيه الاتهام للعقل التصوري الذي ~~يقوم بعملية معرفية بحتة، بل يوجه الاتهام إلى توظيف العقل من جهات مختلفة لتحقيق مصالح ~~ربما تكون سياسية أو اقتصادية لا تتصل بالمعرفة الخالصة. والواقع أن أدورنو خلط بين المعرفة ~~واستخداماتها، وخلط أيضا بين السياسي والمعرفي، مما أدى إلى سوء فهم العملية المعرفية ~~نفسها. ولا يمكن إنكار فوائد العلم العقلانية في الفهم الأفضل للواقع المادي وتشكيله؛ ولذلك ~~انتصرت النزعة الآلية. أضف إلى هذا أن القدرة على التصنيف والقياس الكمي لا غبار عليها؛ ~~لأنها إنجازات عقلية أصيلة، وإن كانت تكشف عن جانب واحد فقط من الموجود الفردي، ولا يصح أن ~~تحجب عنا الجانب العيني الحي منه ما دام كلاهما يساعدنا على إدراك الواقع. والحقيقة أن ~~ما يريده أدورنو هو أن الفكر التطبيقي لا ينبغي أن يكون شموليا، ولا أن يطبق بغير ~~استثناء، وذلك إذا أردنا إنقاذ الموجود الفردي، واحترام تفرده. ولا تقتصر هذه الفكرة على ~~أدورنو فحسب، بل اتجهت الفلسفة المعاصرة في مجموعها ضد الهوية لكي تحرر التعدد أو ~~الكثرة، وترد إليها فرديتها الحميمة، ولكن الدفاع عن خصوصية الكائن واحترام فردانيته ~~التاريخية ، وحمايته من هيمنة وشمولية العقل لا يعني إبطال الفكر العقلاني التصوري؛ إذ لا ~~يمكن توقف الإبداع لمجرد أن يماره توظف توظيفا لا إنسانيا. # والمشكلة في حقيقة أمرها ليست في العقل نفسه الذي يقدم أساسا محايدا لتطبيقاته، وإنما ~~تكمن في استخدامه استخداما سيئا، وخاصة من قبل أولئك الذين يبتغون المصلحة والهيمنة ~~فقط. وأدورنوليس ضد العقلانية التصورية أو التصنيفية في ذاتها، بل ضد استخدامها لتحقيق ~~مصالح تفضي بها إلى اللاعقلانية. ويجب التأكيد من ناحية أخرى على أنه إذا كان العقل يمارس ~~السيطرة فهو لا يمارسها على البشر والأشياء، وإنما يمارسها على القوى غير العاقلة داخل ~~الوعي المعرفي. لقد أوجد العقل الغربي حضارة قوامها التقدم العلمي، ولكن توظيف هذا العقل ~~توظيفا خاطئا وانفصاله ms066 عن الحياة نفسها، وتصوره أنه النموذج الأوحد جعله يثمر حضارة ~~عقلانية غير إنسانية، أوقعته في أزمات اللاعقلانية بصور وأشكال مختلفة (منها ما يطلق ~~عليه اليوم اسم ما بعد الحداثة). # ولكن هل يريد أدورنو العودة إلى النزعة الحدسية المباشرة دون وسيط عقلي أو تصوري؟ الواقع ~~أن كل كتاباته تنفي هذا؛ لأنه يؤسس عقلانية جديدة يصفها بأنها عقلانية نقدية، أي تنقد هيمنة ~~عقلانية الفكر الغربي الذي يزعم بعض أعضاء النظرية النقدية - مثل ماركيوز - أنها بدأت من ~~منطق أرسطو الذي اتجه لتثبيت هوية الأشياء، وتعريفها، وتحديدها تمهيدا للسيطرة عليها ~~بمختلف أنواع السيطرة. وإذا رجعنا إلى السؤال السابق عن العودة للنزعة الحدسية، سنجد أن ~~برجسون ذاته - وهو فيلسوف الحدس بغير منازع - لم يلغ التفكير العقلاني، بل وجد أن العقل ~~ينصب على مجال العمل فهو يصنف، ويقيس قياسا كميا ... إلخ، ويوظف الموجودات في المصالح ~~العملية، وإن كان الوصول لروح الأشياء وكنهها لا يتم إلا عن طريق الحدس. وإذن فالعقل في ~~حد ذاته محايد لا يخضع الأشياء، ولكنه ينحرف فقط عندما يوظف لتحقيق مصالح معينة. # ويؤكد ماكس هوركهيمر (1895-1973م) في كتابه «نقد العقل الأداتي» - ما سبق أن أكده ~~بالاشتراك مع صديقه أدورنو في جدل التنوير - أي هجومه على المعرفة التصورية، وهجومه على ~~العقل الذي يرى «أنه لا يمكن أن يعود إلى صوابه إلا عندما يعترف بأنه ليس عقلا مطلقا، ~~وإنما هو نسبي متغير. فمنذ العصور القديمة وحتى ليبنتز لم يكن العقل ملكة ذاتية فقط، بل كان ~~أيضا ملكة تتجه لمعرفة العالم الموضوعي، أي أن العقل الذاتي هو المسئول عن معرفة طبيعة ~~الأشياء في العالم الموضوعي»، # 42 # لذلك كانت الأهداف إنسانية؛ لأنها تنشد انسجام العقل مع العالم الخارجي. وقد ~~عرضنا في الصفحات السابقة كيف هاجم هوركهيمر الفلسفة الترانسندنتالية الكانطية في إطار نقده ~~للمعرفة التصورية في محاولة منه لتنقية دور العقل؛ ولذلك رأى أن التنوير المضاد للدين ~~والميتافيزيقا دمر انسجام العقل (أو الإنسان) مع العالم الخارجي مما ترتب عليه ظهور نمطين ~~للعقل؛ أحدهما: عقل تنويري غايته التحرر والعدالة ms067 وإلغاء التشيؤ، والآخر: عقل أداتي غايته ~~التسلط والسيطرة، ويؤدي إلى المادية والعدمية، وكلا النمطين متعارضان وغاية هوركهيمر هي ~~توحيد التجريبية والعقلية في منهج ترنسندنتالي (أو شارطي لإمكان كل معرفة ضرورية وعامة ~~الصدق). # وعلى الرغم من أن العقل الأداتي أو التقني له مزاياه، إلا أن النزعة الوضعية والبراجماتية ~~ألحقتا به الضرر، فقد أصبح التقدم الفكري يعني تقدما صناعيا، وانفصلت المفاهيم ~~والتصورات عن مصدرها العقلي، ولم يعد العقل هو قانونها ولا عادت قادرة على تحقيق أهداف ~~الحياة. فالعدالة والحرية لا يمكن لهما أن يتحققا بالوضعية العلمية التي سلبت العقل كل ~~علاقة بهما ولم تهتم إلا بالوقائع، وأصبحت خادمة لأدوات الإنتاج الموجودة، وانفصلت عن ~~السياق الاجتماعي فلم تثمر غير الاغتراب. # ويرى هوركهيمر أن مهمة العقل الآن هي نقد ما يسمى بالعقل، أي أن تواجه النظرية النقدية ~~العقل بالعقل نفسه؛ وذلك بأن يضع نفسه في خدمة الكل أو المجموع الاجتماعي القائم. إنها - أي ~~النظرية النقدية - «تعارض العقل الذي تهيمن عليه أية سلطة خارجية، كما تعارض العقل الذي ~~يصر في صراعه من أجل البقاء على أن يخضع الآخر، وينكر عليه حريته، وذلك حتى تستعيد ~~النظرية النقدية المفهوم أو التصور المثالي للعقل الذي يهتم بإلغاء الظلم الاجتماعي.» # 43 # ويأتي هربرت ماركوز (1898-1979م) ليقدم نظرية نقدية موجهة بشكل أساسي ضد المجتمع الصناعي - ~~ذي البعد الواحد - في النظام الرأسمالي. وهو يحدد دور العقل فيها بتفتيت بنية هذا المجتمع ~~ومؤسساته السياسية، ثم يوكل إليه أيضا مهمة تغيير واقع المجتمع بالثورة عليه، والبحث عن ~~قوى جديدة لم تنخرط بعد في تروس الآلة الصناعية. وعلى الرغم من وجود قدرات عقلية في ~~المجتمع الرأسمالي، إلا أن النظام السياسي يتسم بأنه لا عقلاني؛ ولذلك يتم توظيف العقل في ~~الحضارة الصناعية لإخفاء هذه اللاعقلانية. كما تؤدي لا عقلانية العقل إلى إنتاجية متزايدة، ~~فتقوم أجهزة الإعلام عن طريق الإيحاء بخلق احتياجات جديدة للبشر من أجل زيادة الإنتاج، أو ~~على الأقل من أجل المحافظة على معدله. لم تعد الاحتياجات البشرية تنشأ من داخل الفرد، بل ~~صارت ms068 تنشأ لأسباب تقنية واقتصادية، فالنظام الرأسمالي يقوم بتلبية الاحتياجات اللاعقلية ~~للبشر من أجل زيادة العمل والإنتاج، وليس من أجل تحقيق سعادتهم. ولكن كيف تحولت العقلانية ~~التقنية إلى لا عقلانية؟ لقد أمنت التقنية مستوى معيشة الفرد وراحته، ولكنها فرضت عليه من ~~القيود ما سلبه حريته، مما جعل العقل لا يحقق غرضه الأصيل في توفير حياة إنسانية متطورة ~~بشكل حر، بل فرضت الحضارة اللاعقلانية حصارا حول الوعي والوجود المغترب. «إن عقلانية ~~المجتمع المعاصر وتقدمه وتطوره هي في مبدئها لا عقلانية»، # 44 # وأصبحت الحضارة نظاما ليس هدفه التغيير العقلي - الذي يعني تغيير النظام نفسه ~~- بل هدفه تعقيل اللاحرية التي تجعل من استعباد الإنسان شيئا لا مفر منه. هكذا سيطر العقل ~~الأداتي على الحياة الإنسانية؛ فالمنهج العلمي الذي مد سيطرته على الطبيعة، نجح الآن في ~~السيطرة على الإنسان نفسه. وإذا كان عقل التنوير قد انتقد السيطرة وسعى لإلغائها، فقد سمح ~~بالعقل التقني الذي أفرز «المجتمع الشمولي العقلاني»، وقد نجح هذا العقل في ترسيخ الخضوع ~~للتسلط بشكل لا يمكن ملاحظته، بحيث تحولت التقنية إلى أيديولوجيا؛ لأن القيود التي تفرضها ~~تظهر على أنها خاضعة للعقل الذي رتب ونظم كل شيء على نحو أفضل عن طريق تلبية وإشباع ~~الحاجات والرغبات المادية بشكل أفضل مما كان في السابق. وبذلك يتم تسكين الرغبة في التحرر، ~~ويتقبل البشر هذا الكبت بدون احتجاج، ويتأسس هذا الرضا في وعيهم وتصورهم؛ إذ وجدوا سعادتهم ~~في السلع التي يستهلكونها، بينما هي تستهلكهم. «إن التكنولوجيا المعاصرة تضفي صيغة عقلانية ~~على ما يعانيه الإنسان من نقص في الحرية، وتقيم البرهان على أنه يستحيل تقنيا أن يكون ~~الإنسان سيد نفسه، وأن يختار أسلوب حياته ... إن الإنسان بات خاضعا لجهاز تقني يزيد من رغد ~~الحياة ورفاهيتها كما يزيد من إنتاجية العمل.» # 45 # وإذا كانت السيطرة في الماضي «يفرضها أفراد وضعوا أنفسهم فوق قمة تراتبية، فإنها تفرض ~~اليوم من النظام الكلي نفسه؛ ففي ظل هذا النظام توجد مجموعات لها سلطة إدارية تجد مصلحتها ~~في حفظ النظام، ولكن هؤلاء ليس ms069 لديهم الشجاعة أن يعلنوا أن الاحتياجات التي يحققها زائفة، ~~وأن النظام المسيطر يعمل على خلق احتياجات جديدة، وخلق وسائل جديدة لتلبية هذه الاحتياجات.» # 46 # إن العقل الكمي الخاضع للقياس الذي يفصل ما هو كائن عما ينبغي أن يكون، ويقدم ~~نفسه باعتباره متحررا من القيمة، هو نفسه العقل الذي لا يفهم الواقع المعاصر؛ فنزعة ~~الفعالية في العلوم الطبيعية، والنزعة السلوكية في العلوم الاجتماعية، لم يرتفعا فوق الوضع ~~القائم، ونجد على سبيل المثال أن «علم الاجتماع التجريبي يبحث الظواهر الاجتماعية بمعزل تام ~~عن سياقها الاجتماعي التاريخي الذي نشأت فيه؛ ولذلك تأتي قياساته غامضة وغير دقيقة؛ لأن ~~السياق الاجتماعي هو الذي يحدد الواقع وبدونه لن يكون الواقع مفهوما، وقد أدى هذا - في رأي ~~لاندمان - إلى أن المجتمع الحديث يمارس التسلط، ويبرع في جعله غير مرئي وغير محسوس، فنشأ ~~بطبيعة الحال علم اجتماع غير قادر على التعرف على التسلط، بل أصبح عاملا مساعدا على حفظ ~~النظام، وباعثا على الطمأنينة.» # 47 # ويشارك ماركوز كلا من هوركهيمر وأدورنو الرأي في أن العقل لا هو مطلق ولا ثابت، بل هو ~~نسبي متغير ينتمي إلى اللحظة التاريخية، وأن التطور التاريخي والواقع المتغير قدما عقلانية ~~تحولت إلى لا عقلانية. والعقلانية المعاصرة تريد أن تؤيد الوضع القائم، وتزعم أنها تقدم ~~نظريات تعارض اللاعقلانية الموجودة. وإذا كانت وظيفة الفلسفة دائما هي التعرف على لا ~~عقلانية الواقع، ورفضه رفضا عينيا، فإنها قصرت وظيفتها اليوم في رأي ماركوز على ما يسمى ~~بعقلانية ما بعد التقنية، على حين أنه يمكن للفلسفة أن تقدم وظيفة بديلة عندما لا تجد حرجا ~~من العودة إلى أحكام القيمة، وتتجاوز النظام الموجود، وتعلو عليه بشكل نقدي، ولكن تزداد ~~صعوبة هذه المهمة عندما تزداد فعالية هذا النظام بأن يرفع من مستوى معيشة أفراده، ويمارس ~~مهارته في التعتيم على الاعتراضات الداخلية، بحيث يبدو البحث عن بديل لهذا النظام شيئا غير ~~عقلاني، «إن البنية التقنية وفعالية جهاز التدمير والإنتاج قد ساهمتا في إخضاع السكان ~~لتقسيم العمل ... والرقابات التقنية غدت اليوم تعبيرا عن ms070 ذات العقل الذي أصبح خادما لكل ~~الجماعات ولكل المصالح الاجتماعية، بحيث إن كل تناقض يبدو لا عقلانيا وكل معارضة مستحيلة.» # 48 # إن تدعيم هذه العقلانية الزائفة لا يولد سوى الكبت والتدمير، بحيث لا يجدي ~~معها إصلاحات أو تحسينات، بل لا بد من تغيير جذري وثوري للنظام بأكمله. وهذا يعني تحطيم ~~العقلانية التقنية السائدة. # هل يفهم مما سبق أن ماركوز يعارض التقدم التقني؟ حقيقة الأمر أنه يطالب بتقنية تحت سيطرة ~~البشر، تقنية غير موجهة وغير مستبدة ولا متحكمة في الإنسان، وأن تتم سيطرة الغايات على ~~الوسائل، وأن تعاود التقنية الظهور من أجل خدمة الإنسان وتحقيق سعادته. كما يجب أن يرفض ~~الوعي الأخلاقيات التي قام عليها العمل من أجل تحقيق أهداف اقتصادية عملية، وأن تتحول ~~المعرفة البرجوازية التي تخدم المصلحة إلى معرفة خالية من المنفعة. # ونلاحظ عند ماركوز نمطين من النقد؛ أحدهما: «محافظ»، والآخر: «ماركس». لقد أراد لنظريته ~~النقدية أن تكون ثورية بالمعنى الماركسي، ولكن الثورة الحقيقية عنده غير ممكنة؛ لأن ثورته ~~هي ثورة الهامشيين والمنبوذين. لذلك فهو لا يحسب في جانب الفوضوية الشاذة، ولا في جانب ~~التغيير الاجتماعي الجذري، ولذلك أيضا ظل محافظا رغم ادعائه للثورية. وعلى أية حال فمهما ~~كان الرأي في أصالة فكر ماركوز، فهو قد أثر تأثيرا عميقا على الفكر السياسي في أواخر ~~الستينيات من هذا القرن خاصة في ثورة الطلاب التي اندلعت في أواخر الستينيات. # هنا يحسن بنا أن نقف وقفة نقدية من أصحاب النظرية النقدية، فمع أن الفكر الفلسفي المعاصر ~~قد تجاوز التفكير الميتافيزيقي الكانطي والهيجلي، إلا أنه ما زال هو التأمل العقلي الذي ~~يؤصل الجوانب المعرفية والسلوكية والأخلاقية. وعلى الرغم من زعم أصحاب النظرية النقدية ~~بأنهم قد تخلصوا من التأثير الكانطي والهيجلي معا، إلا أن بدايات النظرية نفسها تؤكد عكس ~~ذلك، فهي لم تستطع أن تتخلص تماما من تناقضاتهما، ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يلعبه ~~هابرماس (1929م) أبرز أعضاء الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت لكي تتجنب النظرية النقدية أخطاء ~~الفلسفة الترانسندنتالية الكانطية والجدل الشمولي الهيجلي، ms071 على الرغم من اعترافه بأهميتهما، ~~وبأن هيجل «وضع أساس النزعة المطلقة الفلسفية التي تطمح أو تستهدف دورا أكبر للفلسفة من ~~ذلك الذي طمح إليه كانط»، فقد التقط نظرية الحداثة الكامنة عند كانط، وأبرزها وطورها من نوع ~~من النقد المعرفي إلى نوع من النقد للأشكال المتناقضة للحداثة، وهذه الانعطافة الهامة هي ~~التي أعطت للفلسفة قيمة تاريخية عالمية في علاقتها بالثقافة ككل. # 49 # وإذا كان هابرماس يعترف بأن الفلسفة تساهم بدور هام في تحليل الأسس العقلية للمعرفة ~~والفعل والقول، فهو يقر أيضا بأنها تكتسب علاقة قوية بالكل ويتساءل: «لكن هل هذا يكفي؟ ~~وماذا عن النافذة التي فتحها كانط وهيجل على كلية الثقافة بتصوراتهما ومفاهيمهما التأسيسية ~~والافتراضية للعقل؟» # 50 # لم تعد الفلسفة في رأي هابرماس هي القاضي الذي تمثل أمامه مختلف العلوم ~~والثقافات لكي يعين لكل منها مكانه، ولهذا نجده يتساءل: «ماذا يحدث لو تنازلت الفلسفة عن ~~دور القاضي في شئون العلم تماما كما في شئون الثقافة؟ هل يعني هذا أن علاقة الفلسفة ~~بالكلية قد انقطعت؟ وهل يعني أنها لم تعد حارسة للعقلانية؟» # 51 # يحاول هابرماس الإجابة على هذه الأسئلة ببيان أن موقف الثقافة ككل لا يختلف عن موقف العلم ~~ككل، فهما ليسا بحاجة إلى تأسيس أو تبرير من جانب الفلسفة: «فمنذ فجر الحداثة في القرن ~~الثامن عشر أوجدت الثقافة تلك البناءات العقلانية التي حددها كل من ماكس فيبر وامبل لاسك ~~بوصفها مجالات القيم الثقافية، ووجود هذه المجالات يستدعي الوصف والتحليل وليس التأسيس الفلسفي»، # 52 # فانقسام العقل عند ماكس فيبر إلى مجالات ثلاثة - على سبيل المثال - وهي العلم ~~الوضعي، والمشروعية الأخلاقية والمعايير الجمالية، لم يكن للفلسفة فيه إلا دور قليل. # ويرى هابرماس أن الإنقاذ الوحيد للمضمون العقلي للتراث الفلسفي يكمن في فهم العلوم ~~الأخرى، بحيث تصبح مهمة النظرية النقدية هي تحويل دور العقل من وظيفته المتعالية التي تحدد ~~لكل علم مكانه، إلى وظيفة التفاعل والحوار مع العلوم الأخرى. لقد أراد أن يعيد تشكيل ~~النظرية عن طريق إعادة بناء العقلانية الاجتماعية فقدم ما أطلق ms072 عليه «العقلانية التواصلية» ~~في مقابل «العقلانية الأداتية» التي هاجمها الجيل الأول من أصحاب النظرية النقدية، وبذلك ~~انطلق هابرماس إلى خطوات أوسع، ووضع معايير نقدية جديدة من أجل تأسيس نظرية للمجتمع تستهدف ~~عقلنة الحياة الاجتماعية، أو بمعنى آخر إقامة حياة اجتماعية حرة على أسس عقلانية. هكذا نجد ~~أن النقد عند هابرماس قد أخذ أبعادا أخرى، فهو «يعتقد أن العقل الحديث لم يستنفد كل ~~إمكاناته للقيام بمراجعة ذاته، ومحاكمة نتاجاته اللاعقلانية، ومن ثم يتعين إيجاد تصور ~~مختلف للعقلانية إذا أردنا عدم السقوط في الأسطورة كما حدث لمعظم الفلاسفة الذين اعترضوا ~~على عالم التقنية مثل هيدجر.» # 53 # وقد تأثرت النزعة النقدية عند هابرماس إلى حد كبير بعقلانية ماكس فيبر، فهي عند هذا ~~الأخير - كما سبق القول - في مجالات ثلاثة: مجال الوقائع الموضوعية العلمية، ومجال المعايير ~~والمشروعية، وأخيرا مجال القيم والدلالات الرمزية. وقد حاول هابرماس إعادة صياغة هذا ~~البناء العقلاني الاجتماعي، فأصبحت شروط السلوك العقلاني في رأيه «لا تقتصر على المستوى ~~المعرفي الأداتي، بل تمتد أيضا إلى مجال الأخلاق العملية.» # 54 # ومعنى هذا أنه لا يغفل أهمية العقلانية الأداتية الموجهة لهدف ولا دورها في ~~تلبية المتطلبات المادية في المجتمع، ولكنه أيضا يؤكد على جانب آخر على قدر كبير من ~~الأهمية، وهو فهم التفاعل الداخلي بين الذوات، والتفاعل اللغوي في الحوار لتصبح العقلانية ~~عنده في نهاية الأمر بمثابة استعداد خاص لذوات لديها القدرة على القول والفعل، ولكي يصل ~~إلى «فهم العالم المعيش، فإن الأمر لا يقتصر على ثمار العلم والتقنية، وإنما يتعلق ~~بالفلسفة التي عليها أن تقوم بدور المؤول (أو المفسر)، وأن تجدد صلتها بالكلية، وأن ~~تكون قادرة على المساهمة في حركة التفاعل بين الأبعاد المعرفية الأداتية، والممارسة ~~الأخلاقية والتعبير الجمالي ... وبذلك تتخلى الفلسفة عن دور القاضي الثقافي، وتلعب دورا آخر ~~هو دور المؤول الوسيط.» # 55 # ولم ينكر هابرماس الدور الكانطي والهيجلي في مشروعه الفلسفي، بل رأى «أن أساليب التفكير ~~الترانسندنتالي والجدلي ما زالت صالحة؛ لأنها تستطيع أن تقدم الأسس والفروض النظرية التي ~~تقوم عليها ms073 ميادين الفعل والتجربة والتواصل اللغوي. وتقديم أمثلة عن التعاون والتكامل ~~الناجحين بين الفلسفة والعلم يمكن أن يتم من خلال معرفة تطور النظرية العقلانية بدون أي ~~مطامح ذات نزعات تأسيسية أو أخلاقية على طريقة كانط أو هيجل ... ومن خلال تجاربي واهتماماتي ~~البحثية بدا أن هناك تعاونا بين فلسفة العلم وتاريخ العلم، بين نظرية أفعال الكلام ~~والدراسات التجريبية للتداول اللغوي»، # 56 # وبذلك دخلت الفلسفة في شكل من أشكال التعاون مع العلوم الإنسانية. # بهذه النظرة إلى رفع الفلسفة إلى علم إنساني فلسفي يتحول التفكير العقلي الفلسفي إلى ~~نظرية نقدية لا يمكن لها أن تعمل مستقلة عن العلوم التجريبية، أو ما يسميه هابرماس علوم ~~إعادة البناء الاجتماعي، على ألا تكون وظيفتها بحث نتائج العلوم خاصة بعد تزايد مجالات ~~التخصص الدقيق في فروع العلوم المختلفة، بل تكون وظيفتها هي عمل نوع من الحوار، ووضع بعض ~~الفروض التجريبية التي تنصب على المشاكل العملية مثل ممارسات الحياة اليومية والكلام ~~والسلوك والتعاون مع العلوم المختلفة، وذلك كله دون أن تفقد ما يميز الفلسفة دائما، وهو ~~الطابع الكلي، بل تمارس هذه الوظيفة الواقعية الجديدة في إطار العقلانية والحرية. # هكذا قام هابرماس بإعادة بناء النظرية النقدية، وجعل لها دورا أكثر تواضعا، وأدمجها ~~داخل الحياة العملية والعلوم الاجتماعية والتجريبية. وتحتفظ الفلسفة عنده بدورها التقليدي ~~كحارسة للعقل واستقلاله، ولكنها تستطيع الآن - كما يرى بومان - أن توظف المعارف التي تتوصل ~~إليها العلوم الاجتماعية والتجريبية في نقد الحياة بالطريقة التي قام بها الإغريق ولأداء ~~الدور السقراطي العريق في نقد الحياة. # 57 # إن للفلسفة دورا تؤديه من خلال التأمل في المعرفة والكلام والفعل، ومن خلال ~~هذا التأمل تستطيع الفلسفة أن تساعد في تحديد أو إبراز بعض الشروط اللازمة لإقامة شكل من ~~أشكال الحياة العقلانية، سواء استطاعت المجتمعات بعد ذلك أن تحققه أم خرجت عليه، بمعنى أن ~~تساعدنا على فهم وتفسير ونقد التقاليد والمؤسسات التي نتوارثها باعتبارنا أعضاء في مجتمعات ~~معينة، ونعيش في ظروف تاريخية محددة. وبهذا يختلف هابرماس اختلافا صريحا عن النظرة ~~السلبية للتاريخ التي ms074 ذهبت إليها مدرسة فرانكفورت في مرحلتها المتأخرة. فنظريته النقدية ~~تحاول أن تفتح نافذة الأمل - مهما يكن هذا الأمل متواضعا - في تحقيق بعض الشروط اللازمة ~~لإقامة حياة اجتماعية على أسس عقلانية. ولعل ماركس - في رأي بومان - قد شارك في هذا الأمل ~~في أحلك أيام نشأة الرأسمالية. وتصبح النظرية النقدية نظرية عملية كلما استطاعت أن تزود ~~المتطلعين للتغير الاجتماعي بنظرات تدلهم على إمكان العثور على حلول للمشاكل التي تواجههم ~~بطريقة عقلانية ومستقلة كلما تهيأت الظروف والشروط التي تسمح بذلك. وقد سبق أن قامت النظرية ~~النقدية دائما بهذه الأدوار المعيارية والتفسيرية والعملية منذ أن حاول ماركس أن يحول ~~الفلسفة إلى أداة للتغير والتحرر. # 58 # وأخيرا نسأل: ماذا قدم لنا نقد العقل الذي امتد من كانط وهيجل وماركس إلى أصحاب ~~النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت عبر أجيالها المختلفة؟ ماذا قدم لنا بعد أن نزل العقل، أو ~~بمعنى آخر أجبر على النزول عن عرشه المتوج إلى قلب المجتمع والتاريخ؟ وإلام أدى تطور ~~مفهوم العقل منذ الإغريق وعصر التنوير وتطور آلياته ومناهجه المعبرة عنه حتى الآن؟ هل ~~استطاع أن يحقق وضعا وحياة أفضل للإنسان الذي هو هدف التاريخ وغايته؟ وهل أمكنه أن يحرره ~~من القوى التي استعبدته عبر عصور طويلة سواء أكانت قوى طبيعية أو سياسية، ومن الظروف ~~والقيود التي كبلته على مدى تاريخه الطويل؟ # لقد رأينا أن العقل تطور إلى لا عقل كما أثبت ذلك أعضاء مدرسة فرانكفورت في نظرياتهم ~~النقدية التي تعد آخر حلقة من حلقات تطور العقل النقدي، وقد بينوا بطرق مختلفة أن ~~العقلانية المعاصرة ربطت بين العقلانية والتكنولوجيا الأداتية، أي عقلانية السيطرة عن طريق ~~التقنية كما ركزوا نقدهم على العقل الأداتي الذي اتخذ العقل أداة منهجية للسيطرة على ~~الطبيعة والتاريخ معا، ومما لا شك فيه أن نقد العقل في مدرسة فرانكفورت يختلف اختلافا ~~أساسيا عن النقد السابق له منذ نقد كانط للعقل، وحتى نيتشه، ومن جاء بعده؛ إذ يتميز بأنه ~~نقد ذو بعد اجتماعي، وأنه يدور في المقام الأول حول نقد نظرية الحقيقة ms075 أو الهوية عند هيجل ~~لإقامة بناء نقدي على أساس اجتماعي، فكان لا بد من دحض نظرية الهوية لإظهار واقع البشر كما ~~رأينا عند أدورنو في دعوته إلى «اللاهوية». # إن اتخاذ أصحاب النظرية النقدية من النقد أداة لتغيير المجتمع من جذوره، وللكشف عن ~~اللاعقلانية التي تمخضت عن العقل نفسه، لم يكن رفضا للعقلانية - كما قد يبدو ذلك من ~~القراءة السطحية لأفكارهم - بل كان في الحقيقة دعوة إلى مزيد من العقلانية التي تدرك ~~التغاير والاختلاف بدلا من الوحدة والتوحد. وإذا كان مفهوم العقل أو العقلانية في نقد ~~مدرسة فرانكفورت قد عجز عن إقامة نسق عقلي متكامل، ولم يركز على شكل واحد من أشكال العقل ~~الذي أثبتوا أن له أشكالا متعددة، فهو لا يصدر أيضا عن مفهوم متعال على الواقع وخارج عن ~~التاريخ، بل يسعى إلى تحليل نقدي للواقع، ومواجهة لا عقلانيته للكشف عن كل ما يعوق ~~العقلانية الإنسانية، أي أنهم يسعون باختصار إلى تغيير الواقع ليصبح أكثر إنسانية. # وإذا كانت النظرية النقدية تنتمي إلى التراث الماركسي كأحد الروافد الأساسية في تكوينها ~~كمنهجية علمية ونقدية مع تأويل جديد للمادية التاريخية بطبيعة الحال قام به أعضاء المدرسة ~~بأشكال مختلفة، إلا أنها - أي النظرية النقدية - قد ارتفعت - في تقديرنا - من منهجية نقدية ~~إلى فلسفة تاريخ جديدة، أي أن البعد الحقيقي للنظرية النقدية هو فلسفة التاريخ. فهي تعيد ~~تقييم الذات التاريخية نفسها، وتحلل علاقة العقل بالتاريخ ، الأمر الذي يفضي إلى إعادة ~~تقييم التاريخ وغاية الحضارة، بحيث يمكن القول بأن النظرية النقدية في حقيقتها الأخيرة هي ~~تعبير عن فلسفة مدرسة فرانكفورت في التاريخ؛ فالعقل الذي قضى على الأسطورة، قد تحول هو ذاته ~~إلى أسطورة، ودخل في أزمة مع نفسه في قلب التاريخ حين جعل العقل الأداتي من الإنسان سيدا ~~على الطبيعة، ثم أصبح الإنسان نفسه مجرد أداة إلى آخر ما عرضنا له سابقا، بالإضافة إلى عدم ~~فصل العقل والتنوير عن الجذور الاجتماعية والسياسية ولا عن تطور العقل التاريخي من أجل ~~تغيير الواقع، وهذا كله ليس سوى فلسفة ms076 تاريخ جديدة لإنسانية جديدة. # ونعيد طرح السؤال السابق: ماذا قدمت مدرسة فرانكفورت؟ لا بد قبل محاولة الإجابة أن ننوه ~~هنا بأن هذا البحث ليس بحثا عن هذه المدرسة بوجه خاص ولا هو تعريف بأعضائها الذين ~~يحتاجون بغير شك إلى دراسات مستفيضة، ولكننا نتعرض لها فقط من حيث إنها تمثل آخر حلقة من ~~حلقات تطور العقل النقدي الذي هو موضوع هذا البحث. وفي هذه الحدود نعيد طرح السؤال بصورة ~~أخرى: ماذا قدمت النظرية النقدية للخروج من اللاعقلانية؟ هل بالتخلي عن العقلانية وإزالة ~~العقل؟ لا، بل بمزيد من العقلانية بإعادة إدخال العقل في التاريخ، وبتعقيل العقل لذاته، ~~فلا يكفي نقد العقل للواقع فحسب، بل آن الأوان لينقد العقل ذاته لإنقاذه من نفسه، ويعيد ~~التفكير في علاقة الإنسان بالطبيعة، وفي علاقة الناس فيما بينهم كما بين هابرماس في نظرية ~~«الفعل التواصلي»، أي الانتقال من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي الذي يفترض أن يسترد ~~دوره الخلاق في الحياة الإنسانية الحرة الواعية. # وأخيرا يلح السؤال: هل استطاعت النظرية النقدية بالفعل إنقاذ العقل من نفسه؟ وهل ~~استطاعت أن تقترب من هدفها الأساسي وهو تحرير إنسانية الإنسان وتأكيد فرديته المقهورة، ~~وإبعاد أشباح اللاعقلانية الزاحفة عليه في عصرنا الحاضر بأشكال مختلفة؟ الواقع أن بعض أعضاء ~~المدرسة - مثل أدورنو وماركيوز - لم يجدوا هذا الإنقاذ إلا في الفن. # 59 # وفيما عدا ذلك فقد غلب التشاؤم على معظم أعضاء المدرسة، ومع ذلك تظل أهمية ~~النظرية النقدية كامنة في سلاحها النقدي، وفي تعبيرها عن صرخة العقل في مواجهة تناقضاته. ~~وإذا كانت هذه الصرخة قد بقيت حتى الآن على مستوى الفكر الفلسفي والتأملي، ولم تستطع أن ~~تشكل نظرية متكاملة وقادرة على توجيه الفعل الإنساني على أرض الواقع، فإنها تظل تعبيرا ~~حيا وصادقا عن أزمة العقل التاريخي والنقدي في الحياة الفلسفية المعاصرة في ~~الغرب. # | نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس # مقدمة # يورجين هابرماس # Jürgen Habermas ~~(1929م-...) # فيلسوف وعالم اجتماع ألماني، وواحد من أهم أعضاء الجيل الثاني من مدرسة ~~فرانكفورت، وقد اعتاد الباحثون على التأريخ لهذه ms077 المدرسة بأنها تطورت على مرحلتين ~~أساسيتين: تمت المرحلة الأولى على أيدي الجيل الأول من المؤسسين وعلى رأسهم ~~هوركهيمر وأورنو وإيريك فروم وغيرهم. ثم جاءت المرحلة الثانية متمثلة في الجيل ~~الثاني، ويعد هابرماس اليوم بغير شك أكبر الشخصيات المرموقة المعبرة عن هذا ~~الجيل، وهو شخصية مثيرة للخلاف والجدل في المناقشات الفلسفية والنقدية الاجتماعية ~~في ألمانيا وخارجها، وقد حقق شهرة واسعة في البلدان الأوروبية والإنجلوسكسونية على ~~السواء. # تأثر هابرماس بأستاذه أدورنو في بداية حياته الفكرية، ثم تحرر من هذا التأثير ~~وانتقده، ونهج نهجا مخالفا، وهب حياته للدفاع عن عقل التنوير الذي انتقده أدورنو ~~وهوركهيمر وأدانه سائر أعضاء الجيل الأول من مؤسسي مدرسة فرانكفورت. وعلى الرغم من ~~تأثر هابرماس بالنزعة النقدية لهذه المدرسة، إلا أنه لم يقف عند حدودها، بل ~~تجاوزها واستعان - بجانب تراث الفلسفة الألمانية - بمختلف العلوم الإنسانية وشتى ~~الاتجاهات الفلسفية المعاصرة، كفلسفة اللغة وفلسفة التأويل والأنثروبولوجيا ~~الفلسفية، «علاوة على الكانطية والهيجيلية والماركسية والتيارات الفلسفية الألمانية ~~في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن المصادر الأساسية لنظرية هابرماس النقدية ~~بدأت أولا عبر تأثره العميق بفلسفة مارتن هيدجر، ثم بالفلاسفة الألمان المعاصرين، ~~وبخاصة رواد مدرسة فرانكفورت، أو أولئك الذين جمعوا بين الفلسفة والسوسيولوجيا ~~والمنظور السياسي في دراسة الواقع.» # 1 # وبالإضافة إلى دراسته للتاريخ وعلم النفس والاقتصاد السياسي والأدب الألماني، فقد ~~أفاد هابرماس - على وجه الخصوص - إفادة هائلة من تطور علم اللغة في عصره، وربما ~~لهذا السبب ينظر له بعض الباحثين على أنه يمثل تيارا مختلفا عن التيار الذي ~~انطلقت منه النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، مما جعلهم ينكرون انتماءه للجيل ~~الثاني، ويزعمون أنه مؤسس نظرية نقدية جديدة. والواقع أن قولهم هذا فيه إجحاف ~~وتجاوز للحقيقة، فعلى الرغم من أن هابرماس أمد النظرية النقدية بدماء جديدة استقاها ~~من مختلف العلوم الإنسانية التي نهل منها، ووضع أسسا نقدية جديدة محاولا «الخروج ~~من دائرة النظرية النقدية بطرحه نظرية اجتماعية أكثر اتساقا وتنظيما، ليضع بذلك ~~نسقا تحليليا شبيها بعض الشيء في خطوطه العريضة بنسق بارسونز النظري»، # 2 # فليس هذا ms078 بالشيء الغريب على فيلسوف هو سليل تراث نقدي طويل، بدءا من ~~كانط وهيجل إلى ماركس ونيتشه وهيدجر وحتى الجيل الأول من مؤسسي مدرسة فرانكفورت ~~أنفسهم. لكل هذا يعد تفكير هابرماس تطويرا للنظرية النقدية وممثلا لجيلها ~~الثاني؛ فمنطق التطور التاريخي والفكري يقضي بألا يأتي الجيل الثاني نسخة مكررة ~~من الجيل الأول، ومرددا لنفس الأفكار. هذا بالإضافة إلى أنه - أي هابرماس - استفاد ~~من تطور العلوم المعاصرة مما جعله يوسع آفاق النظرية النقدية إلى حد بعيد، ويضعها ~~في نسق اجتماعي شامل، حتى امتدت شهرته إلى سائر أنحاء أوروبا وأمريكا لأصالة ما ~~طرحه من إشكالات فلسفية واجتماعية عديدة. # تطور فكر هابرماس على مرحلتين؛ اتسمت المرحلة الأولى بالطابع التحليلي ~~الإبستمولوجي، وتمثلت في أعماله عن «التقنية والعلم كأيديولوجيا» و«الرأي العام»، ~~كما كان كتابه «المعرفة والمصلحة» (عام 1965م) أول كتبه المهمة في هذه المرحلة التي ~~تبني فيها منهجا نقديا متأثرا بفلسفة كانط وماركس، وحاول في هذا الكتاب أن ~~«يعيد بناء تسلسل جينالوجي للعلوم الطبيعية والإنسانية الحديثة؛ وذلك بالرجوع إلى ~~الظروف الاجتماعية والتاريخية والمعرفية التي نشأت في ظلها، وقد كشف هذا البحث ~~الاستقصائي - في رأيه - عند تزايد التخصص في مجالات المعرفة التكوينية المختلفة، ~~بحيث بلغت مرحلة تعذر فيها الحوار النقدي بين هذه المجالات، ونتج عن ذلك أن وقع ~~التفكير - لا سيما في الفلسفة والعلوم الإنسانية - تحت تأثير أشكال مختلفة من ~~التفكير الذاتي النسبي أو حتى غير العقلاني»، # 3 # وقد كشفت المرحلة التحليلية من تفكيره عن الخلط بين المجالات ~~والمستويات المعرفية التي انتهت إلى فصل النظر عن العمل. # تحرر هابرماس بعد ذلك من أسر فلسفة التأمل الذاتي التي طغت على تفكيره المبكر في ~~مرحلة الشباب، وتحول - بدءا من كتابه «منطق العلوم الاجتماعية» - إلى مرحلة أخرى ~~يمكن أن نطلق عليها اسم المرحلة التأسيسية، كما تمثلت في «نظرية الفعل التواصلي» ~~بجزأيه، و«الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي»، و«الخطاب الفلسفي للحداثة»، وهي ~~الأعمال التي توجت مشروعه الفلسفي. وتحول هابرماس من مفكر يهتم بالموضوعات ~~والأشياء إلى مفكر يهتم بقضايا التفاهم والتواصل بين الذوات. وسعى إلى ms079 تأسيس نظرية ~~نقدية جديدة تهدف إلى هدم فلسفة الذات وفلسفات الوعي المتمركزة حول العقل من ناحية، ~~وإلى وضع الأسس النظرية لفلسفة تدور حول التواصل من خلال اللغة من ناحية أخرى «ما ~~أنهك هو نموذج فلسفة الوعي، ولئن كان الأمر كذلك، فإنه لا بد من أن تختفي أعراض ~~الإنهاك فعلا بالانتقال إلى نموذج التفاهم.» # 4 # ومنذ ذلك الحين يعمل هابرماس على تغيير اتجاه الفكر الفلسفي، من فلسفة ~~تدور حول الذات إلى فلسفة تدور حول التواصل الإنساني، بل وينبغي أن يستبدل «بنموذج ~~معرفة الأشياء نموذج الوفاق بين ذوات قادرة على الكلام والعمل.» # 5 # إن الذي دفع هابرماس إلى التحول اللغوي هو عجز التيارات السابقة عليه ~~عن إنتاج الأسس المعيارية لنظرية نقدية للمجتمع. وقد تبلور هذا الاتجاه في مشروع ~~فلسفي انتهى بوضع «نظرية الفعل التواصلي». فما هي الملامح الأساسية لمشروع هابرماس ~~الفلسفي؟ وماذا يعني بالفعل التواصلي؟ وما هي الأسس النظرية التي استند إليها هذا ~~التواصل؟ # سنحاول فيما يلي التعرف على الملامح الأساسية لهذا المشروع الضخم، ولما كانت ~~التفاصيل الدقيقة لنظرية الفعل التواصلي تفوق حدود هذا البحث، فقد رأينا إجمال ~~الأفكار الأساسية أو الخطوط العريضة لهذه النظرية في النقاط الآتية التي سنعرض لها ~~تباعا: ~~(1) # المؤثرات الفكرية في مشروع هابرماس، ونتناول أهم الأفكار التي انطلق ~~منها، والتيارات الفلسفية التي ساعدت على بلورة نظرية الفعل ~~التواصلي. ~~(2) # العقلانية التواصلية، وتتناول مفهوم هابرماس عن العقلانية كما حددها ~~ماكس فيبر، ومحاولة تأسيس عقلانية جديدة يعد البعد التواصلي أحد ~~أبعادها الأساسية. ~~(3) # شروط تحقق التجربة التواصلية، وتتناول أهم الشروط التي يجب توافرها - ~~في رأي هابرماس - ومراعاتها في الحوار بين المتحاورين من أجل تحقيق ~~تواصل غير مشوه. ~~(4) # نظرية الفعل التواصلي، وتتناول النماذج الأربعة للفعل الاجتماعي ~~(الفعل الغائي - الفعل الموجه بالمعايير - الفعل الدرامي - ثم أخيرا ~~الفعل التواصلي)، ثم نعرض بشيء من التفصيل لفلسفة اللغة التي تعد هي ~~الوسيط الذي يتم التواصل من خلاله، وذلك لبلوغ نوع من التفاهم بين ~~المشاركين في التجربة التواصلية. ~~(5) # عقلنة العالم المعيش، وتتناول مكونات العالم المعيش، وإمكان إعادة ~~بنائه ms080 بناء عقلانيا باعتباره السياق الاجتماعي الذي تتم فيه أفعال ~~التواصل. # وننهي هذا البحث بخاتمة تلقي نظرة تقييمية عامة على أبعاد المشروع الفلسفي ~~لهابرماس. ~~(1) المؤثرات الفكرية في مشروع هابرماس # يعد هابرماس - كما سبق القول - ممثلا للجيل الثاني من النظرية النقدية التي أخذت على ~~عاتقها نقد عقل التنوير، وتجلى هذا النقد بصورة واضحة في «جدل التنوير» لهوركيمر ~~وأدورنو، الذي عبرا فيه عن الانتكاسة التي أصابت التنوير والنكوص الذي أصاب العقل ~~عندما تم توظيفه كأداة لخدمة الإنتاج الصناعي في المجتمعات الرأسمالية، وما ترتب على ~~ذلك من اغتراب الذات عن الموضوع، وتحول عقل التنوير إلى ما أطلق عليه اسم «العقل الأداتي». وقد شارك هابرماس أعضاء الجيل الأول في نقدهم للعقل الأداتي، وكان بإمكانه أن ~~يسير في «الجدل السلبي» الذي سار فيه أدورنو، ولكنه لم يجد فيه عاملا مساعدا على بناء ~~نظرية نقدية متناسقة منهجيا، وذلك على الرغم من أن الفرصة لذلك كانت مواتية عندما بحث ~~كل من هوركهيمر وماركوزة أوائل الثلاثينيات في بدايات الفلسفة البراجوازية العقلية، ~~ووجدا فيها إمكانات عقلية كان من الممكن تنميتها على يد الطبقة العاملة والطبقات ~~الهامشية، ولكن «جدل التنوير» كشف عن انهيار العقل، وبدأت الشكوك تحوم حول هذا الأمر، ~~وخاصة أن أدورنو كشف عن تناقضات النظرية النقدية، وأظهر التنوير في شكل معاد للحقيقة ~~والصدق، فرأى هابرماس أنه لا بد أن يخرج من دائرة الجدل السلبي الذي لم يتبن سوى جانب ~~الهدم. # وسرعان ما تحول هابرماس إلى ناقد للنظرية النقدية نفسها وجيلها الأول - في المرحلة ~~الثانية من تطوره الفكري - وتصدى لما اعتبره نقاط ضعف في بنية النظرية، بل إن الأمر ~~على حد قوله: «لم يكن ثمة نظرية نقدية (هكذا أجاب في إحدى مقابلاته على سؤال عما يراه ~~من أوجه القصور في النظرية النقدية) لم يوجد مذهب متماسك ... لأن نظرية المجتمع ينبغي أن ~~تكون نسقية، وبدا لي أن أوجه الضعف في النظرية النقدية يمكن أن تجمع تحت عنوان «الأسس ~~المعيارية» وفي «مفهوم الحقيقة وعلاقتها بالأنظمة العلمية» و«التقليل من قيمة التراث ~~الديمقراطي والدولة ms081 الدستورية».» # 6 # هكذا كان افتقار النظرية النقدية إلى الأسس المعيارية للنقد، واقتصارها على ~~نقد مفهوم العقل الأداتي بغير أن تتجاوزه إلى نظرية نسقية، وتبنيها - في رأي هابرماس - ~~لمفهوم الحقيقة عند هيجل مع أنه لا يتفق مع قابلية البحث العلمي للخطأ. وعدم أخذها - ~~على مستوى النظرية السياسية - الديمقراطية مأخذا جادا، كل هذا دفعه - أي هابرماس - ~~إلى البحث عن دماء جديدة تغذي النظرية النقدية، وتتلافى أوجه القصور فيها بوضع نظرية في ~~الفعل التواصلي تكون «بديلا عن فلسفة التاريخ التي عولت عليها النظرية النقدية ~~المبكرة، والتي يعد الدفاع عنها ممكنا.» # 7 # ومن أجل هذا جمع بين الهرمينوطيقا (فلسفة التأويل) وفلسفة اللغة، بحيث يمكن ~~القول إنه مدين بنظريته عن الفعل التواصلي لحدوث استقاها من اللغويين ~~والتحليليين. # انطلق هابرماس من سد الثغرات التي وجدها في النظرية النقدية، ونصب نفسه مدافعا عن ~~العقل والعقلانية التي وجد فيها أساسا لنظرية اجتماعية نقدية جديدة، ومن أجل هذا الهدف ~~وجد نفسه في مواجهة مع مشكلات الحداثة، وما آل إليه العقل الحديث، كما وجد نفسه أيضا ~~في حالة مواجهة مع كل التيارات الفلسفية المضادة للحداثة، وتيارات ما يسمى ب «ما ~~بعد-الحداثة» ونزعاتها التفكيكية للعقل. وكان عليه أن يتصدى للمطالبين بتحجيم دور العقل ~~والمحتجين على هيمنته، داعيا لتفعيله لا لتحجيمه، ورافعا شعاره الشهير «إن الحداثة ~~مشروع لم يكتمل بعد.» ولكن نقد العقل من قبل التيارات الفلسفية المعاصرة هو الذي دفع ~~هابرماس لإعادة صياغة نظرية عقلانية جديدة. كما دفعته فلسفة هيدجر بتحليلاتها ~~الأنطولوجية - التي ركزت على وجود الإنسان في العالم ووجوده مع الآخرين ... إلخ، ولم ~~تنطلق من الوعي - إلى «الاهتمام بالوعي الفردي والوعي الجماعي، ومحاولة الكشف عن درة ~~هذا الوعي على تحديد نمط الوجود ... فتأسست لديه البدايات الأولى التي قادته إلى التطلع ~~نحو التحرر الاجتماعي من منظور سوسيولوجي وهو المنظور الغائب في فلسفة هيدجر»، # 8 # ولذلك كان هدف هابرماس هو تحرير الوعي الاجتماعي وتأسيس نظرية تقوم على ~~التواصل الإنساني. # كان علم الاجتماع أيضا أحد المكونات الأساسية في مشروع هابرماس الفلسفي؛ لارتباطه ~~بمشكلة ms082 العقلانية والمشكلات التي نجمت عن تحديث المجتمع، وأهمية دور النظرية الاجتماعية ~~في تحولات القيم الموجهة لمؤسسات المجتمع من اقتصادية وسياسية واجتماعية. كما أن ~~تأسيس نظرية للمجتمع تطلب منه إعادة بناء تاريخي للنظريات الاجتماعية الكلاسيكية. ومن ~~هنا كان اهتمامه بعلماء الاجتماع أمثال ماكس فيبر ودور كايم وتالكوت بارسونز، والتفاته ~~بوجه خاص لنظرية الفعل عند هذا الأخير الذي اتخذ منه نموذجا وشرع في العمل على ~~صياغة نظريته في الفعل التواصلي. فقد حاول هابرماس تقديم نظرية بها نوع من التداخل بين ~~منطلقات مختلفة، فقام بالتأليف بين النزعة الوظيفية عند تالكوت بارسونز وبين النظرية ~~العقلانية عند ماكس فيبر مستندا إلى التحليل الماركسي من أجل تأسيس نظرية للمجتمع ~~الحديث محاولا كذلك حل أزمة العلوم الاجتماعية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف قام هابرماس ~~بتطوير أفكاره بتناول: «(أ) نظرية دور كايم عن تطور القانون، ووضع التطور القانوني في ~~سياق الأشكال المتغيرة للتكامل الاجتماعي التي انتبه إليها. (ب) منطق هذا التغير في ~~الشكل يمكن أن يتضح من خلال تجربة فكرية تقوم على أساس فكر دور كايم، كما يعتمد تفسيرها ~~أو شرحها - أي التجربة الفكرية - على أفكار ميد حول أخلاق الخطاب، وتشخيص ميد عن التطور ~~الحتمي للفردية سيتيح لنا أن نتوسع في بحث الهوية والتفرد.» # 9 # وكانت النظرية العقلانية عند ماكس فيبر مرجعا أساسيا في مشروع هابرماس الفلسفي ~~والخلفية التي قام عليها والتي تحددت في إعادة بناء العقلانية الاجتماعية عند ماكس فيبر ~~بعد أن قام بتحليل المفهوم العقلي عنده: «ينظر ماكس فيبر إلى مفهوم العقلانية العملية ~~من ثلاث منظورات: استخدام الوسائل، ووضع الغايات، والتوجه نحو القيم. وتقاس العقلانية ~~الأداتية لفعل ما بالتخطيط الفعال لتطبيق الوسائل في سبيل الوصول إلى أهداف معينة، ~~وتقاس عقلانية اختيار الفعل بالتقدير الصحيح للغايات والأهداف في ضوء قيم محددة ووسائل ~~ممكنة وظروف معينة. وتقاس العقلانية المعيارية للفعل بالقدرة على التوحيد والتنظيم ~~المنهجي والنفاذ إلى مستويات القيمة. والمبادئ التي يخضع لها اختيار الأفعال، ويطلق ~~فيبر على هذه الأفعال التي تحقق شروط عقلانية الوسائل والاختيار اسم «العقلانية ms083 ~~الغائية» كما أطلق على تلك الأفعال التي تحقق الشروط المعيارية العقلية اسم «عقلية ~~القيم»، وهذان الجانبان يمكن أن يختلفا بعضهما عن بعض.» # 10 # هكذا قسم فيبر النشاط العقلي إلى ثلاثة مجالات: مجال الواقعية الموضوعية العلمية أو ~~العلم الوضعي، ومجال المعايير والمشروعية أو المشروعية الأخلاقية، ومجال القيم ~~والدلالات الرمزية أو المعايير الجمالية. وقد فصل فيبر بين المجالات الثلاثة: «فالتقدم ~~الذي نحرزه على مستوى العقلانية الغائية يمكن أن يكون في صالح نموذج عقلاني غائي، وإن ~~كان يحيط به الشك من الناحية الأخلاقية، وبذلك يكون على حساب الفعل المرتبط بعقلانية ~~القيم، والواقع أن الثقافة الغربية العقلانية قد تطورت في هذا الاتجاه، ولكن هناك ما ~~يدل أيضا على الاتجاه المعاكس، فتعقيل الاتجاهات القيمية يمكن أن يقوم على تعطيل الفعل ~~العقلاني الهادف أو الغائي في نفس الوقت، ويضرب فيبر مثلا على ذلك بالبوذية المبكرة ~~التي يعتبر أنها قامت على أسس أخلاقية عقلانية بمعنى أنها مكنت معتنقيها من التحكم في ~~كل الدوافع الغريزية، وإن كانت في الوقت نفسه قد أدت بهم إلى الفشل في السيطرة على ~~العالم بشكل منهجي منظم.» # 11 # أعاد هابرماس النظر في هذه المجالات الثلاثة من أجل وضع نظرية عقلانية للمجتمع أو من ~~أجل عقلنة العالم المعيش، وذلك بدمج هذه المجالات (العلم-الأخلاق-الفن) التي فصلها ماكس ~~فيبر عن بعضها: إن السلوك العقلاني المنهجي في الحياة يتميز بأنه يقوم ببناء ذلك ~~النموذج من الفعل المركب الذي يهدف إلى العقلانية والاستزادة منها أو تفعيلها في كل ~~الجوانب الثلاثة السابقة الذكر، بحيث يجمع بين هذه البناءات العقلانية ويدمجها بعضها في ~~بعض؛ لكي تتعاون لإحداث نوع من الاستقرار مما يجعل النجاح في أحد هذه المستويات يفترض - ~~وإلى حد ما يشجع على - النجاح في المستويين الآخرين؛ فالسلوك العقلاني المنهجي في ~~الحياة يشجع على نجاح الفعل على النحو التالي: ~~(1) # من زاوية العقلانية الأداتية، وذلك بإيجاد حل لقضايا التقنية وإيجاد ~~الوسائل الفعالة. ~~(2) # من زاوية عقلانية الاختيار، وذلك بالاختيار الصائب بين البدائل المختلفة ~~للفعل (فنحن نتحدث عن العقلانية الاستراتيجية عندما نضع في ms084 اعتبارنا ~~القرارات العقلية التي يتخذها الخصوم). ~~(3) # وأخيرا من زاوية العقلانية المعيارية، وذلك بإيجاد حلول للمهام ~~الأخلاقية العلمية داخل إطار أخلاق تقوم على المبادئ. # 12 # حاول هابرماس تحليل البنية الاجتماعية للعقل، ووضع الشروط اللازمة لإقامة حياة ~~اجتماعية على أسس عقلية؛ فإذا كان كل نشاط عقلي عند ماكس فيبر هو نشاط موجه لغاية ~~بعينها. ومن ثم فهناك ارتباط ضروري بين العقلانية والتقدم العلمي والتقني، فإن ~~هابرماس في سياق إعادة صياغته للعقلانية، يحلل النشاط العقلي في كل أبعاده، ليس فقط من ~~المنظور المعرفي-الأداتي، بل أيضا بإدخال الأبعاد الأخلاقية - العملية والجمالية - ~~التعبيرية. وبعد أن أكدت عقلانية ماكس فيبر على النشاط العملي في الفعل العقلي، جاء ~~هابرماس ليؤكد - إلى جانب هذا المفهوم العملي للعقلانية - على النشاط التواصلي. # كانت فلسفة اللغة أيضا أحد - بل أهم - الروافد الأساسية في تكوين نظرية الفعل ~~التواصلي؛ فقد اهتم هابرماس اهتماما خاصا بأعمال اللغويين وفلاسفة اللغة خاصة عند ~~كل من جون أوستن # John Austin # وجون سورل # John Searle # في نظرية «أفعال الكلام»، وهي النظرية ~~التي تنطلق مما يسمى بفلسفة اللغة الطبيعية، والتي طرحها فيتجنشتين في كتابه «بحوث ~~فلسفية»، وفي فكرته الأساسية عن «ألعاب اللغة» واستحالة الفصل بين الدلالة والتركيب ~~والتداول (أي الاستخدام الفعلي الحي للغة)، والتي تختلف جميعا من لعبة إلى أخرى، ولكن ~~جون أوستن هو المؤسس لهذه النظرية التي انطلقت عنده من نقده لزعم فلسفي يدعي أن قول ~~شيء ما هو دوما إثبات شيء ما، أي أن دور اللغة يقتصر على الإخبار عن العالم. وبالتالي ~~فالقضايا النافعة هي التي تقبل الصدق أو الكذب، وما عداها ليس سوى أحكام خالية من ~~المعنى. ولدحض هذا الرأي يقدم أوستن نماذج من عبارات لها صيغة الجمل الإخبارية، ولكنها ~~لا تصف ولا تثبت حدثا أو واقعا، بل يتم بها إنجاز فعل ما (مثال ذلك جملة «بعتك ~~سيارتي» عند التلفظ بهذه العبارة يقوم القائل بفعل البيع ولا يصف حال البيع) بهذا ~~المعنى، فإن المتكلم يقوم بإنجاز فعل ما عند التلفظ بأي تعبير. وقد تابع الفيلسوف ~~الأمريكي ms085 جون سورل تطور «نظرية أفعال الكلام»، واقترح معايير جديدة لتصنيف أفعال ~~الكلام، وقد لاقت النظرية - أي نظرية أفعال الكلام - اهتماما كبيرا من جانب الفلاسفة ~~واللغويين على السواء. ~~(2) العقلانية التواصلية # انطلق هابرماس من مفهوم جديد للعقلانية، فإذا كانت الحداثة الأوروبية قد انتهت إلى ما ~~يعرف بالعقل الأداتي، فقد أدانته كل التيارات الفلسفية المضادة للحداثة، وتعالت ~~صيحات التخلي عن العقل، وعن الفلسفة التي يعتبر العقل موضوعها الأساسي. ومن هنا جاءت ~~دعوة هابرماس لتفعيل دور الفلسفة والتأكيد على أهمية العقل باعتباره المنطلق الأساسي ~~لأي نظرية في المجتمع. ولذلك أراد هابرماس تفجير الطاقة الإبداعية لعقل التنوير باعتبار ~~أن الحداثة - في رأيه - مشروع لم يكتمل بعد. وإذ كان التطور الحديث - كما سبق القول - ~~كشف عن سلبيات العقلانية الأداتية، فإن هذا ليس مبررا كافيا للتخلي عن مشروع الحداثة، ~~بل لا بد أن تواصل المجتمعات الحديثة تطورها باستكمال هذا المفهوم الأداتي بإدخال البعد ~~التواصلي في مفهوم العقلانية. # يحدد هابرماس مفهوم العقلانية بقوله: «إن ما نسميه «عقلانية» هو أولا الاستعداد الذي ~~تبرهن عليه ذوات قادرة على الكلام والعمل وعلى اكتساب وتطبيق معرفة قابلة للخطأ.» # 13 # وإذا كانت الحداثة قد انتهت بما يسميه هابرماس بالتمايز بين العلم والأخلاق ~~والفن، فإن قصر مفهوم العقل على فلسفات الوعي مؤكدا أنه - أي الوعي - يمثل جانبا ~~واحدا فقط من النشاط العقلي، وأراد وضع العقل في إطار أشمل؛ لهذا قام بإدخال البعد ~~التواصلي في مفهومه الجديد عن العقلانية. وهذا البعد هو الذي يحقق التفاعل بين الناس من ~~خلال التواصل اللغوي الهادف إلى التفاهم المتبادل وفق قواعد أخلاقية تحكم العملية ~~التواصلية حسب معايير متفق عليها، ومن خلال هذا نصل - في رأيه - إلى العقلانية ~~التواصلية. # ولكن ما هل العقلانية التواصلية التي حاول هابرماس أن يقدم من خلالها تفسيرا لبنية ~~المجتمع المعاصر؟ يجيب الفيلسوف على هذا السؤال بتحديد أبعاد ثلاثة ينطوي عليها مفهوم ~~العقلانية التواصلية: «أولها: علاقة الذات العارفة بعالم الأحداث والوقائع، ثانيها: ~~علاقتها بعالم اجتماعي يتميز بالفاعلية وبالانخراط الشخصي في التفاعل مع الآخرين، ~~وأخيرا علاقة شخص ms086 يعاني أو شخص عاطفي - بتعبير فويرباخ - علاقته بطبيعته الباطنة أو ~~بذاتيته وذاتية الآخرين.» # 14 # تلك هي الأبعاد الثلاثة التي تتضح للمرء عندما يحلل عمليات التواصل. # ويهدف هابرماس من العقلانية التواصلية إلى وضع نظرية نقدية لمجتمع يقوم على أسس ~~عقلانية: «أريد أن أبين أنه من الممكن تطوير نظرية الحداثة باستخدام مفاهيم نظرية ~~تواصلية تملك دقة تحليلية تحتاجها الظاهرة الاجتماعية المرضية التي يسميها التراث ~~الماركسي بالتشيؤ.» # 15 # ولن يكون هذا إلا بإعادة توظيف أو تحديد دور الفلسفة في المجتمع، عندما ~~تقوم - أي الفلسفة - بدور التفسير أو التأويل، وأيضا عندما تتحول وظيفتها من وظيفة ~~المرشد أو القاضي للعلوم الأخرى إلى الانخراط في المجتمع بإقامة نوع من التعاون والحوار ~~بينها وبين مختلف العلوم. «إن مفهوم العقل التواصلي المتأصل في الممارسة اللغوية ~~والموجه للتفاهم يتطلب من الفلسفة أن تأخذ على عاتقها من جديد إنجاز مهام نسقية، وفي ~~هذه الحالة يمكن للعلوم الاجتماعية الدخول في علاقة تعاونية مع الفلسفة التي تضطلع ~~بمهمة العمل على تأسيس نظرية عقلانية.» # 16 # على أن تمارس هذه الوظيفة الجديدة في إطار العقلانية والحرية. هذا من جانب، ~~ومن جانب آخر يساهم علم الاجتماع أيضا في تحقيق هذا المفهوم الجديد للعقلانية ~~التواصلية باعتباره - أي علم الاجتماع - العلم الذي يبحث في التحولات التي تطرأ على ~~الحياة الاجتماعية، والأمراض الاجتماعية التي نجمت عن عمليات التحديث ~~والعقلانية. # وقد نظر هابرماس إلى الحياة اليومية على أنها وسيط واعد بإعادة الوحدة المفقودة ~~للعقل، وأن «التفسيرات المعرفية والتوقعات الأخلاقية وأشكال التعبير والتقييم لا تستغني ~~خلال التواصل اليومي عن أن تتداخل وتتفاعل، والوصول إلى فهم العالم المعيش يتطلب تراثا ~~حضاريا يتخلل المنظور كله، ولا يقتصر على ثمار العلم والتكنولوجيا.» # 17 # المشكلة إذن هي كيف يتحقق التوازن من جديد بين عناصر العقل المنفصلة؟ رأى ~~هابرماس أن الحل لن يكون إلا من خلال التواصل في الحياة اليومية، وأن للفلسفة دورا في ~~«تحريك التفاعل بين الأبعاد المعرفية الأداتية، والأخلاقية-العملية، ~~والجمالية-التعبيرية التي كادت أن تتوقف اليوم ... والقضية هي كيف يتم التغلب على عزلة ~~الثقافة ms087 العلمية والأخلاقية والفنية. وكيف يمكن ربطها بالعالم المعيش، وكيف يتم ذلك كله ~~بغير انتقاص من عقلانيتها الخاصة، أي العلوم والأخلاق والفن.» # 18 # ويؤكد هابرماس أن هذا لن يتحقق إلا من خلال الفلسفة باعتبارها «حارسة ~~للعقلانية»، وأنها لا تأخذ بالممارسات العادية كما هي في الحياة اليومية، بل تحفز ~~للوصول إلى مبرراتها العقلية وأسبابها الحقيقية، فهناك أسباب وراء أفعال التواصل سواء ~~بين الناس أو بين العلوم المختلفة. # ويتضمن مفهوم العقلانية التواصلية كل ما يتعلق بالنشاط العقلي، ولما كان هذا النشاط ~~العقلي يدور حول المعرفة وتطبيقاتها، فقد قسمه هابرماس إلى نوعين: (1) نشاط عقلي ~~معرفي-أداتي، وهو النشاط الموجه إلى غاية، ويحقق النفع، وتسخر فيه المعرفة من أجل ~~النجاح، ويستخدم الإنسان هذا النوع من النشاط لمعرفة البيئة المحيطة به. ويحدد هابرماس ~~العلاقة بين العقلانية والمعرفة بأنها - أي العقلانية - «لا تهتم كثيرا بامتلاك ~~المعرفة بقدر ما تهتم بالطريقة التي تستخدم بها الذوات القادرة على الكلام والفعل هذه ~~المعرفة وكيف تعمل على تطبيقها.» # 19 ~~(2) نشاط عقلي وتواصلي وتمارسه ذوات قادرة على الكلام والفعل. فإذا كانت ~~غاية النشاط الأداتي هو تحقيق المنفعة والنجاح عن طريق التقنية للسيطرة على البيئة ~~الطبيعية والإنسانية على السواء، فإن غاية النشاط التواصلي - باعتباره معنيا بما يجري ~~في الحياة الاجتماعية - هو التوجه نحو التفاهم بين الذوات. بمعنى آخر ينظر هابرماس إلى ~~النشاط العقلي من منظورين؛ أحدهما هو المنظور الأداتي أو الاستخدام الأداتي للمعرفة، ~~والآخر هو المنظور التواصلي، وهو نوع من المعرفة التعبيرية اللغوية. # من هذين النوعين من النشاط العقلي يصوغ هابرماس مفهوما تركيبيا لعقلانية تواصلية ~~جديدة تجمع بين المجالات الثلاثة للعقل عند كانط، أي العقل النظري والعملي وملكة الحكم، ~~كما يقول هابرماس نفسه في إحدى مقابلاته: «ينبغي أن يكشف العقل عن وحدة لحظات العقل ~~المتفرقة في نقد كانط الثلاثي: وحدة العقل النظري مع البصيرة الأخلاقية والحكم الجمالي.» # 20 # وقد انطلق هابرماس من هذا المفهوم الجديد للعقلانية إلى تحليل البنية الاجتماعية ~~للعقل، وهو التحليل الذي أفضى به إلى وضع نظريته في الفعل التواصلي. وقد بدأت ms088 بوادر هذه ~~النظرية في كتابه «المعرفة والمصلحة» قبل أن يتوجها في كتاب ضخم من جزأين. ففي هذا ~~المؤلف (أي المعرفة والمصلحة) صنف هابرماس المعرفة العلمية في ثلاثة أنواع مرتبطة ~~ارتباطا وثيقا بالمصالح البشرية، أي أنها ليست معرفة محايدة ولا منزهة عن الغرض، كما ~~أنها تربط الإنسان ببيئته الطبيعية من ناحية، وبالطبيعة الاجتماعية من ناحية أخرى، وأول ~~هذه الأنواع هي المعرفة التجريبية-التحليلية المتمثلة في العلوم الوضعية، والمصلحة ~~المرتبطة بهذا النوع هي المصلحة التقنية. وتنمو هذه المعرفة من خلال العمل، وهي التي ~~سادت في المجتمعات الحديثة، وأطلق عليها اسم العقل الأداتي. # وعلى الرغم من عدم رفض هابرماس لهذا النوع الأول من المعرفة، بل واعترافه بأهميته ~~الشديدة، إلا أنه يؤكد أن العمل وحده ليس كافيا لتمكين الإنسان من تحويل بيئته، بل إن ~~القدرة على استخدام اللغة والرموز والعلامات من أجل تحقيق التواصل بين البشر لا تقل ~~أهمية عن العمل. فإذا كانت القدرة على هذا الأخير قد أفضت إلى ظهور «المصلحة التقنية»، ~~فإن القدرة على التواصل تفضي إلى ظهور «المصلحة العملية» المتمثلة في العلوم ~~التاريخية-التأويلية، وهي معرفة تتجه إلى تحليل النصوص وتأويلها وتحددها مصلحة عملية ~~تهدف إلى حفظ وتوسيع مجال الفهم الممكن بين الكائنات البشرية وتحسين عملية ~~الاتصال. # وينصب اهتمام المصلحة العملية على «التفاعل البشري؛ أي على طريقة تأويل أفعالنا ~~تجاه بعضنا البعض، وطريقة فهمنا لبعض، والسبل التي نتفاعل بها في إطار التنظيمات ~~الاجتماعية ... وتهدف إحدى أفكار هابرماس الأساسية إلى الكشف عن الوسيلة التي بموجبها ~~تقوم البنى الاجتماعية بتشويه عملية التفاعل، وتثير فيها الاضطراب والبلبلة؛ إذ إن ~~سوء الفهم وارد بين البشر، ويمكن خداعهم وتضليلهم بشكل منظم.» # 21 # ثم يظهر النوع الثالث والأخير من المعرفة والمتمثل في العلوم والفلسفات ~~التي يغلب عليها الطابع النقدي، والمصلحة المرتبطة بهذا النوع هي التحرر من كل أشكال ~~الاغتراب، و«من العلوم التي تسعى إلى هذا الهدف نقد الأيديولوجيات والتحليل النفسي ~~والنظرية النقدية ذاتها، وكلها علوم تعمل على كشف القوى والمصالح الخاصة التي تشوه فعل ~~التواصل، وتبحث الشروط اللازمة للتوصل ms089 إلى إجماع حقيق لا يعوقه قهر أو قمع داخلي أو ~~خارجي، والتحرر من كل أشكال السيطرة وأبنيتها.» # 22 # أي أن هذا النوع الأخير من المعرفة مرتبط أيضا باللغة، ويسعى إلى تخليص ~~التفاعل والتواصل من العناصر التي تشوهه. ~~(3) شروط تحقق التجربة التواصلية # لا يريد هابرماس للنشاط التواصلي أن يتخبط في العشوائية، وحتى لا يصبح تواصلا مشوها ~~لا بد أن تحكمه شروط يجب أن تتوافر في المشاركين في التفاعل. فإذا كانت نظرية الفعل ~~تبتعد عن فلسفة الوعي، فالنشاط التواصلي لا يكون مجرد فعل تقوم به ذات منعزلة، ولكنه ~~مناقشة أو حوار يتم بين مختلف الذوات الفاعلة أو بين ذاتين فاعلتين على الأقل. وتنتقل ~~نظرية الفعل التواصلي من نموذج حوار الذات مع نفسها إلى حوار يتم بين الذوات المشاركة ~~في التواصل. أي أنه بمعنى آخر ليس حوارا فرديا للفاعل مع ذاته، وإنما هو حوار ~~ومناقشة تدور بين ذوات فاعلة مختلفة، وهو حوار تحكمه شروط أهمها: # أن النشاط التواصلي لن يتم إلا من خلال علاقة تفاعل بين فردين أو أكثر ~~داخل سياق العالم المعيش؛ ولذلك فمن حق كل شخص له القدرة على الكلام والفعل ~~أن يشارك في التجربة التواصلية، على أن يعلن اعترافه بمزاعم أو مطالب ~~الصدق المتفق عليها. # أن تتم عملية التواصل من خلال اللغة التي يتم بواسطتها علاقة بين ~~المشاركين في التفاعل وبين العالم الخارجي، وبينهم وبين الذوات الأخرى، ~~باعتبارها - أي اللغة - الوسيط الأساسي في النشاط التواصلي، وعن طريقها يتم ~~الوصول إلى نوع من التفاهم بتوظيف الجمل والعبارات أو التعبيرات التي يتلفظ ~~بها أعضاء الجماعة المشاركة في التواصل سواء كانوا متحدثين أو ~~مستمعين. # أن تهدف التجربة التواصلية للوصول إلى اتفاق بين الذوات المشاركة في ~~التفاعل، ويفترض هذا الاتفاق وجود معرفة مشتركة بينهم، أو على الأقل وجود ~~نوع من التقارب في وجهات النظر، وأن يتم الاعتراف المتبادل على مزاعم الصدق ~~(التي سنشير إليها بعد قليل) من أجل الوصول إلى إجماع. # إذا تشكك أحد المشاركين في التواصل في الدقة المعيارية لتعبير ما، أو إذا ms090 ~~تعرض أحد مزاعم الصدق للشك، أو لم يستطع المشاركون في التواصل تبريره أو ~~الدفاع عنه بالحجج العقلية، فإن مزاعم الصدق نفسها تصبح موضع سؤال، وربما ~~يختل التواصل أو يتوقف، وفي هذه الحالة لا بد للمشاركين في التواصل من ~~إعادة فحص تلك المزاعم من جديد، ومراجعتها مراجعة نقدية لتصحيح أخطائها، ~~ومعنى هذا أن العملية التواصلية تخضع لما يسمى بديمقراطية الحوار. # يفترض المشاركون في التواصل أن الحوار له «قواعده الأخلاقية التي من ~~أهمها توافر ظروف تضمن الإجماع الذي لن يتم الوصول إليه إلا عن طريق قوة ~~الأطروحة الأفضل.» # 23 # وبهذا يخضع الحوار لمعايير مفهومة يمكن تبريرها، والبرهنة ~~عليها بحجج عقلانية معترف بها من قبل أطراف التواصل. # أن يتحرر الحوار من كل أشكال الضغط والقهر التي يمكن أن تمارس عليه من ~~الخارج، أي أن يكون حوارا حرا بين ذوات حرة ومتكافئة في المكانة ~~والمستوى لضمان موقف مثالي للحديث. # أن يتاح لكل مشارك في الحوار فرصة مساوية لسائر المشاركين، وأن يتمتع ~~كل منهم بحق التأكيد أو الدفاع أو التساؤل حول ما يراه من قبول أو رفض ~~لمزاعم الصدق وفق المعايير المعترف بها، مع الاعتراف بإمكانية الوقوع في ~~الخطأ، وإمكانية تصحيحه أيضا فلا شيء يعلو على النقد، ولا نمارس أي سلطة ~~على الحوار سوى سلطة العقل. # أن يعبر كل مشارك في التواصل عن مزاعم الصدق والقدرة على تبريرها ~~للمشاركة في عملية التفاهم المتبادل بأن: «يختار تعبيرا معقولا لكي يتمكن ~~المتكلم والمستمع من تفهم الواحد للآخر، والمتكلم يجب أن تكون له نية ~~توصيل مضمون قضوي (من القضية) حقيقي لكي يتمكن المستمع من مشاطرة معرفته، ~~وعلى هذا المتكلم أيضا أن يعبر عن مقاصده بصدق، لكي يتمكن المستمع من ~~تصديق تلفظ المتكلم (والثقة به)، وأخيرا يتعين على المتكلم اختيار تلفظ ~~دقيق بالقياس إلى المعايير والقيم الجاري بها العمل، لكي يتمكن المستمع ~~من قبول هذا التلفظ بطريقة تجعل المتكلم والمستمع في وضعية القدرة على ~~الاتفاق على التلفظ ذي الخلفية المعيارية.» # 24 # بذلك حدد هابرماس شروط التواصل والمطالب الأساسية المفترضة ms091 لفهم الأقوال والتعبيرات، ~~وهي نفس المطالب الأربعة التي تستلزمها أفعال الكلام: «قابلية التعبير اللغوي للفهم، ~~وحقيقة مضمونه أو صدق محتواه، ومصداقية مقاصد المعبر عنه أو إخلاصها، والمشروعية ~~المعيارية للقول أو التعبير، أي المطالبة بأن يكون صحيحا أو ملائما بالنظر إلى علاقته ~~بمضمون قيمي أو معياري يقربه المتكلم والسامع معا.» # 25 # وهذه هي الشروط الأساسية للحوار أو المناقشة الحرة التي تضمن تحقيق تواصل ~~غير مشوه، فإذا ما توافرت هذه الشروط أمكن صياغة نظرية محكمة للفعل التواصلي. ~~(4) نظرية الفعل التواصلي # يدين هابرماس في نظريته عن الفعل التواصلي إلى فلسفة اللغة كما صرح هو نفسه بذلك في ~~إحدى مقابلاته: «أنا مدين لكل من النزعات التداولية والتحليلية للنظرية اللغوية ... إن ~~غاية الفهم المتبادل مغروسة في الاتصال اللغوي.» # 26 # كما استمد أيضا بعض عناصرها - أي نظرية الفعل التواصلي - من نظرية أفعال ~~الكلام بوجه خاص، ومن علم اللغة الاجتماعي «إن مفهوم الفعل التواصلي يفترض اللغة بوصفها ~~الوسط الذي يمكن أن يتحقق فيه نوع من التفاهم، ومن خلاله يستطيع المشاركون في التفاعل ~~أن يثيروا مزاعم الصدق التي يمكن الاتفاق عليها أو الاختلاف حولها.» # 27 # كما طور هابرماس نظريته من بعض الأفكار المتعلقة بالمضامين التي ينطوي ~~عليها الحوار أو المحادثة كما طورها مفكرون من أمثال بول جرايس. # 28 # وقد كان أحد الأسباب التي دفعت هابرماس إلى هذا التحول نحو اللغة هو بغير ~~شك ذلك «الرفض المنتشر على نطاق واسع لما يسمى بالحجج التأسيسية في كل أشكالها ومظاهرها.» # 29 # وقد كان من أسباب هذا التحول أيضا اقتناع هابرماس المتزايد بأن التفكير ~~التنويري (أو مشروع الحداثة) قد قام بالتحديد بمثل هذا النقد، وذلك بتركيزه الشديد على ~~النموذج المعرفي المتمركز حول الذات. لهذا كان هدفه هو إعادة صياغة هذا المشروع ~~التنويري أو الحداثي من خلال ما سماه بالبراجماطيقا (أو التداول اللغوي). # لقد صاغ هابرماس من مفهومه الجديد عن العقلانية نظرية في الفعل التواصلي تنشئ «علاقة ~~داخلية بين البراكسيس (الممارسة) وبين العقلانية وتدرس المتضمنات العقلية التي تفترضها ~~ممارسة تواصلية يومية، وتتيح للمضمون ms092 المعياري المرتبط بالفاعلية الموجهة نحو الفهم ~~المتبادل التوصل إلى مفهوم عقلانية تواصلية.» # 30 # وتدخل نظرية الفعل التواصلي ضمن إطار مشروع هابرماس الأكبر، وهو تأسيس ~~نظرية نقدية للمجتمع الحديث، ويمكن إجمال مشروعه في مراحل ثلاث: يرى في المرحلة الأولى ~~ضرورة التحرر من «فلسفة الوعي»، وهي الفلسفة التي ترى أن العلاقة بين اللغة والفعل ~~كالعلاقة بين الذات والموضوع، بينما يؤكد هابرماس أن العلاقة في الفعل التواصلي تكون ~~بين ذات وذات. ويرى في المرحلة الثانية ضرورة أن يتخذ الفعل صورتين: الفعل الاستراتيجي، ~~ويتضمن الفعل العقلاني الغائي، وفعل التواصل الذي يرمي للوصول إلى الفهم. ويرى في ~~المرحلة الثالثة ضرورة إعطاء فعل التواصل الأولوية مما يترتب عليه أمور ثلاثة؛ أولا: ~~أن العقلانية - بهذا المعنى - تستلزم نسقا اجتماعيا ديمقراطيا يشمل الجميع، ولا ~~يستبعد أحدا، وهدفه ليس الهيمنة، بل الوصول إلى تفاهم. ثانيا: ثمة نظام أخلاقي - ~~يحاول هابرماس الكشف عنه - يتوجه إلى التوصل لمعايير عبر نقاش عقلاني حر، تبحث فيه ~~نتائج كل معيار من تلك المعايير الأخلاقية، أي نظام يلقى القبول والرضا عن طريق ~~الإقناع العقلي، وليس عن طريق القوة أو القسر. ثالثا: فكرة وجود مجتمع ديمقراطي بحق، ~~يكون فيه للجميع فرص متكافئة لاستخدام أدوات العقل، كالمساهمة في الحوار، ويكون لكل فرد ~~فيه صوت مسموع يحسب حسابه عند اتخاذ القرار النهائي. # 31 # ويمثل مفهوم الفعل التواصلي - كما حدده هابرماس نفسه في تصديره للكتاب الذي يحمل نفس ~~العنوان - مدخلا لثلاثة موضوعات متشابكة؛ أولا: مفهوم العقلانية التواصلية الذي هو ذو ~~طابع شكي، وإن كان في نفس الوقت يقاوم الاقتصار على معالجة العقل من الناحية المعرفية ~~معالجة أداتية. ثانيا: مفهوم ثنائي المستوى عن المجتمع يربط بن العالم المعيش ونماذج ~~المنظومات (أو المؤسسات) في شكل ليس إنشائيا فحسب. ثالثا وأخيرا: نظرية عن الحداثة ~~تفسر نمط الأمراض الاجتماعية المتزايدة في عصرنا الحديث. # 32 # والمقصود - إذن - بنظرية الفعل التواصلي هو وضع سياق الحياة الاجتماعية ~~التي نجمت عن مفارقات الحداثة في إطار تصوري عقلي أو مفهومي، ومعنى هذا بعبارة أخرى أن ~~هابرماس أراد إحكام ms093 البناء التصوري العقلي للبناءات الاجتماعية التي يتم فيها ~~التواصل. # يعرض هابرماس أربعة نماذج للفعل استقاها من نظريات العلوم الاجتماعية: ~~(1) # النموذج الغائي للفعل، ويطلق عليه اسم النموذج الاستراتيجي، وغالبا ما ~~يفسر تفسيرا نفعيا؛ فالفاعل يفترض أنه يختار ويحسب الوسائل والغايات من ~~وجهة نظر تحقيق أكبر قدر من المنفعة. وهذا النموذج هو الذي يكمن وراء كل ~~مناهج البحث النظرية التي تحتاج إلى اتخاذ قرار في الاقتصاد والاجتماع وعلم ~~النفس الاجتماعي. ~~(2) # مفهوم نموذج الفعل الذي توجهه وتنظمه المعايير، وهذا النموذج لا يشير إلى ~~سلوك أفراد منعزلين يلتقون مصادفة بأفراد آخرين في محيطهم، وإنما يشير إلى ~~سلوك أعضاء في جماعة اجتماعية يوجهون أفعالهم نحو قيم مشتركة. فالفاعل ~~الفرد يعمل وفق معيار معين (أو يخرق هذا المعيار) عندما تتوافر في موقف ~~معين شروط معينة يمكن أن ينطبق فيها ذلك المعيار. والمعايير تعبر عن اتفاق ~~يتم التوصل إليه في داخل جماعة اجتماعية معينة. وجميع أعضاء الجماعة الذين ~~يعتقدون بصدق معيار معين ينتظر منهم أن يتوقعوا من كل واحد منهم أن يقوم ~~بتنفيذ الأفعال المطلوبة أو الامتناع عنها عندما تحكم بذلك مواقف معينة. ~~والمفهوم الأساسي للموافقة على المعيار معناه الوفاء بتوقع سلوك معين. وهذا ~~السلوك الأخير لا يحمل المعنى المعرفي بتوقع حدث متنبأ به، وإنما يحمل ~~المعنى المعياري الكامن في توقع الأعضاء لسلوك معين. إن هذا النموذج ~~المعياري للفعل يكمن وراء نظرية الدور المعروفة في علم الاجتماع. ~~(3) # مفهوم الفعل الدرامي لا يحيل في المقام الأول إلى فاعل منفرد أو عضو في ~~جماعة اجتماعية، وإنما يحيل إلى المساهمين في فعل مشترك، بحيث يكونون ~~جمهورا يعرضون أنفسهم أمامه. والفاعل هنا يثير في جمهوره صورة معينة أو ~~إحساسا معينا عنه هو نفسه. وذلك بالكشف عن ذاتيته كشفا متعمدا أو غير ~~متعمد (بشكل مباشر أو غير مباشر). ففي الفعل الدرامي يستغل المساهمون هذا، ~~ويحركون أفعالهم المشتركة بإتاحة الفرصة للتعرف على عوالمهم الذاتية. وهكذا ~~فإن مفهوم تقديم الذات لا يعني السلوك التعبيري التلقائي، بل التعبير ~~المنظم عن التجارب الشخصية بالنظر إلى جمهور ms094 يراقب هذا التعبير. إن النموذج ~~الدرامي للفعل يستخدم قبل كل شيء في الوصف الفينومينولوجي للأفعال المشتركة ~~«بين الذوات»، ولكنه لم يتطور حتى الآن، بحيث يصبح منهجا نظريا ~~عاما. ~~(4) # أخيرا نصل إلى مفهوم الفعل التواصلي الذي يحيل إلى الفعل المشترك ~~لذاتين على الأقل قادرين على الكلام والفعل وإقامة علاقات شخصية مشتركة ~~(سواء كانت علاقات لغوية أو غير لغوية)، إن الفاعلين هنا يسعون إلى تفهم ~~موقف الفعل، وفهم خططهما للفعل؛ وذلك لكي ينسقا أفعالهما بالتراضي أو ~~الاتفاق بينهما. والمفهوم الأساسي عن التفسير يشير في المقام الأول إلى ~~السعي إلى تعريفات أو تحديدات للموقف، بحيث يمكن التوصل فيه إلى إجماع، ~~وكما سنرى فإن اللغة لها مكان متميز في هذا النموذج. # 33 # تلعب اللغة إذن دورا أساسيا في نظرية الفعل التواصلي باعتبارها - أي اللغة - ~~الوسيط الأساسي للتواصل بين الذوات. وحجة هابرماس في هذا هو أن قدرتنا على التواصل ذات ~~بنية وقواعد أساسية لا توجد إلا في اللغة التي تتعلمها وتتحدث بها كل الذوات. فالتجربة ~~التواصلية ليست هي القدرة على إنتاج جمل لها قواعد، وليست اللغة مجرد «نسق من الرموز له ~~تركيبه النحوي ومعجمه وصوتياته ... أو له خصائصه الدلالية فقط، بل يهتم هابرماس باللغة من ~~منظور خصائصها التداولية، فاللغة تشكل عنده نسقا من القواعد تساعد على توليد تعبيرات ~~لدرجة أن كل تعبير مصاغ بشكل صحيح يعتبر عنصرا من عناصر هذه اللغة. ومن ثم فإن ~~الذوات القادرة على استعمال هذه التعبيرات تشارك في عمليات التواصل؛ لأنها تستطيع ~~التعبير وفهم الجمل والجواب عليها»، # 34 # تتشكل اللغة إذن من خلال التفاعل بين الذوات، والحديث بين المشاركين في ~~التفاعل يربطهم بالعالم المعيش حولهم، وبالذوات الأخرى، ويربطهم أيضا بمشاعرهم ~~ورغباتهم ومقاصدهم. ولذلك ترتبط نظرية الفعل التواصلي عند هابرماس بنظرية أفعال ~~الكلام. # وتقدم أفعال الكلام «بنية تلتقي فيها ثلاثة مكونات: (1) مكون جملي مهمته تصور (أو ~~ذكر) أحوال الشيء. (2) مكون فعل منطوق مهمته عقد علاقات بين الأشخاص. (3) وأخيرا مكون ~~لساني يعبر عن قصد المتكلم. # 35 # واستنادا إلى هذه الوظائف الثلاث للغة يمكن ms095 استخلاص ثلاثة جوانب مختلفة ~~للمصداقية يتسنى وفقا لها رفض المستمع لعبارة المتكلم إذا رفض إما «حقيقة» ما أكد في ~~العبارة (أو أيضا حقيقة الافتراضات الوجودية التي تشرف على مضمون العبارة)، «صحة» فعل ~~اللسان نظرا للسياق المعياري، للصياغة (أو أيضا شرعية السياق المفترض ذاته)، وإما ~~أخيرا «صدق» القصد الذي عبر عنه المتحدث (أي التطابق المفترض بين ما أراد قوله وبين ما قاله).» # 36 # هكذا تقضي نظرية الفعل التواصلي إلى مبدأ يقر بأننا نفهم قضية أو عبارة ~~ما عندما نعرف شروط صحتها. # إن الأفعال التي تخضع للمعايير، مثلها مثل التأكيدات أو الأفعال الكلامية التقريرية، ~~لها طابع التعبيرات الدالة على معنى وتكون قابلة للفهم في سياقها الخاص، كما أنها ~~مرتبطة بمزاعم الصدق القابلة للنقد، فهي تحيل إلى معايير وتجارب ذاتية أكثر مما تحيل ~~إلى وقائع خالصة. والفاعل في هذه الحالة يؤكد أن سلوكه صحيح بالنسبة إلى سياق معياري ~~مشروع، أو أن أقواله بضمير المتكلم عن تجربة شخصية مارسها هي أقوال صادقة وأمينة. بيد ~~أن هذه التعبيرات يمكن أن يسري عليها الخطأ كما يسري على الأفعال الكلامية التقريرية، ~~ذلك «أن إمكانية اعتراف الذوات فيما بينها بمزاعم الصدق القابلة للنقد هو عنصر أساسي من ~~عناصر عقلانيتها، والمعرفة الكامنة في الأفعال الخاضعة للمعايير أو في التعبيرات ~~الذاتية، هذه المعرفة لا تحيل إلى حالات واقعية للأشياء، بل تحيل إلى صدق المعايير أو ~~إلى التعبير عن التجارب الذاتية. إن المتكلم الذي يفصح عن هذه التعبيرات لا يحيلنا إلى ~~شيء من أشياء العالم الموضوعي، وإنما يحيلنا إلى شيء موجود في العالم الاجتماعي ~~المشترك أو في عالمه الذاتي الخاص به.» # 37 # أراد هابرماس وضع نظرية تحافظ على الالتزام بقيم الحقيقة والنقد والإجماع العقلي، ~~ولكنها مع ذلك تؤكد ثقتها بإمكان التوصل إلى موقف لغوي مثالي، أي إلى مجال عام للمناقشة ~~أو الحوار الحر الخالي من كل قمع. والتحرر الحقيقي يكون في «العودة إلى البراكسيس ~~(الممارسة) كمقولة متضمنة في المشاركة الفعالة لكل فرد في التحكم في الظاهرة ~~الاجتماعية، بمعنى آخر أن يكون ms096 الناس ذوات وليسوا موضوعات، ولهذا الغرض يجب، في رأي ~~هابرماس، تحسين الاتصال الإنساني والمناقشة الحرة»، # 38 # فعندما تقوم الذات (أو الأنا) بفعل من أفعال الكلام، وعندما تتخذ ذات أخرى ~~(أو الآخر) موقفا من هذا الفعل، فإنهما - أي الأنا والآخر - يعترف كل منهما بالآخر ~~وينسجان أو يقيمان علاقة تواصلية بين الذوات الذين دمجوا اجتماعيا عبر التواصل، وهي ~~علاقة مختلفة عن تلك الموجودة بينهم وبين العالم المادي. # لقد حاول هابرماس استخلاص المحتوى المعياري لفكرة الفهم الموجودة في اللغة والتواصل، ~~وأدى هذا إلى مفهوم مركب لا يتضمن فحسب أن نفهم معنى الأفعال الكلامية، بل يتضمن كذلك ~~التفاهم المتبادل بين المشاركين في التواصل، ليس فقط التفاهم حول معرفة تخص أمرا ما في ~~العالم الموضوعي، بل تخص الوقائع والمعايير أيضا، وكذلك التجارب الشخصية: «إن المتحدث ~~في كل فعل من أفعال كلامه يرجع في آن واحد إلى شيء ما يخص العالم الموضوعي وعالم ~~الطائفة الاجتماعية، وإلى عالمه الذاتي»، # 39 # فهذا النموذج من الفعل التواصلي «يفترض أن المشاركين في التفاعل يمكن أن ~~يعبئوا إمكاناتهم العقلية - التي تتركز وفقا للتحليل السابق في العلاقات الثلاث للقائم ~~بفعل التواصل بالعالم - بحيث يكون ذلك معبرا عن الرغبة الصريحة في التوصل إلى التفاهم.» # 40 # لكن ماذا يعني هابرماس على وجه التحديد بالتفاهم؟ أنه ذلك الاتفاق الحادث بين ~~المشاركين في عملية التواصل، بمعنى أن يحيل التفاهم إلى اتفاق مبرر عقليا بين الذوات ~~القادرة على الكلام والفعل للوصول إلى إجماع، ولتحقيق هذا الغرض يكون للفهم «مستويات ~~ثلاثة يكون على كل مشارك في التفاعل أن يحترمها لتحقيق غرض الفهم؛ ولهذا فإن المستمع ~~يفهم التعبير أولا، أي يدرك دلالة ما يقال ، ثم يتخذ هذا المستمع موقفا بالإيجاب أو ~~بالسلب، بالقياس إلى ادعاء معلن من فعل الكلام ثانيا، أي أنه يقبل أو يرفض العرض الذي ~~يقترحه فعل الكلام. ونتيجة اتفاق ما يوجه المستمع فعله حسب المتطلبات القائمة بشكل ~~توافقي ثالثا.» # 41 # وبهذا المعنى لن يتحقق الفهم إلا بتوافر مستويات ثلاثة أو اتباع خطوات ثلاث ~~وهي أولا أن ms097 يفهم المستمع التعبير فهما جيدا ويدرك دلالته، ثانيا أن يتخذ موقفا ~~إيجابيا أو سلبيا من هذا التعبير، أي يقبل أو يرفض ما تقترحه أفعال الكلام - ~~بالمعنى السابق شرحه - وهو القول الذي لا يصف أو يثبت واقعا، بل يتطلب إنجاز فعل ما ~~عند سماعه. ثم ثالثا وأخيرا يقوم المستمع بإنجاز الفعل بشكل يتوافق مع فعل ~~الكلام. # إن مفتاح فكرة هابرماس عن التوصل إلى التفاهم تنطوي على اتفاق يقاس بما سماه بمزاعم ~~الصدق # Validity Claims ~~، ففي الفعل التواصلي «تتوقف ~~حصيلة التفاعل نفسه على إمكانية توصل المشاركين فيه إلى اتفاق فيما بينهم على تقييم ~~مشترك لعلاقاتهم، وحسب هذا النموذج من الفعل، فإن النجاح الوحيد الممكن لتفاعل ما يتمثل ~~في توصل المشاركين إلى إجماع عام بنعم أو لا لمزاعم الصدق المرتكزة على أسس عقلية.» # 42 # يتوقف إذن نجاح الفاعلية التواصلية على أن يتوصل المشاركون إلى اتفاق ~~متبادل حول تحديد علاقتهم بالعالم. ونموذج نجاح التفاعل هو الوصول إلى إجماع بين مختلف ~~المشاركين على مزاعم الصدق المدعمة بالحجج والبراهين العقلية. # لكن ما هي المقاييس التي يجب على أطراف التواصل مراعاتها لتحقيق هذا الهدف؟ أنها - ~~كما حددها هابرماس - الحقيقة والدقة والصدق، أي على المشاركين في التفاعل توخي حقيقة ~~العبارة ودقتها وصدقها واستنادها إلى الحجج والبراهين العقلية. وإذن فبإمكانية الوصول ~~إلى التفاهم تكمن في «إمكان استخدام الأسباب أو الحجج التي تساعد على الحصول على اعتراف ~~الذوات فيما بينها # Intersubjective # بمزاعم أو مطالب ~~الصدق القابلة للنقد»، # 43 # هذا الإمكان موجود في الأبعاد الثلاثة السابقة، وليست مزاعم الصدق أو ~~مطالبة مقصورة فحسب على صدق القضايا أو على فاعلية الوسائل التي تمكن من التوصل إلى ~~نتائج يمكن نقدها، والدفاع عنها بأسباب عقلية ، بل يضاف إلى هذا أيضا المطلب القائل ~~بأنه فعل صحيح أو ملائم، وذلك في علاقته بسياق معياري معين، أو أن مثل هذا السياق يستحق ~~أن يعترف به كسياق مشروع. كل هذا يمكن أن يناقش بالحجج العقلية، بل يمكن أيضا أن ~~يناقش المطلب الذي يلح على أن أية عبارة من ms098 العبارات هي تعبير صادق وأصيل عن تجارب ~~الفرد الذاتية من عكس ذلك. والشاهد أنه في كل هذه الأبعاد يمكنه الوصول إلى اتفاق حول ~~المطالب المختلف عليها عن طريق الحجة والاستبصار أو البصيرة، وبغير الرجوع إلى القوة ~~والبطش، أي بالرجوع إلى الأسباب والحجج العقلية وحدها. وفي كل بعد من هذه الأبعاد ~~الثلاثة يوجد ثمة وسط تأملي يتيح معالجة أساليب الحجاج العقلي أو النقد التي تساعدنا ~~على إثبات صحة المزاعم المختلف عليها، ومحاولة الدفاع عنها، أو حتى نقدها، ولأن مزاعم ~~الصدق يمكن أن تنتقد، فهناك إمكانية لتصحيح الأخطاء والتعلم منها. ومن الطبيعي أن تخضع ~~هذه المزاعم للاختبار والنقد والمراجعة. وهناك طرق عديدة لمناقشة وتنفيذ هذه المزاعم: ~~«إن المعقولية التي تميز الممارسة التواصلية في الحياة اليومية إنما تشير أو تحيل إلى ~~ممارسة الحجاج العقلي، وكأنه هو محكمة الاستئناف التي تمكن من استمرار الفعل التواصلي ~~بوسائل أخرى عندما يصل الاختلاف في الآراء إلى حد لا يمكن تجاوزه عن طريق الأساليب ~~الروتينية، بل لا يمكن أيضا فضه (أي الاختلاف) عن طريق الاستخدام المباشر أو ~~الاستراتيجي للقوة.» # 44 # هكذا تعد الحياة اليومية أحد الأبعاد المهمة في فلسفة هابرماس التواصلية، وترتبط ~~نظرية الفعل التواصل بالعالم المعيش ارتباطا أساسيا باعتباره - أي العالم المعيش - ~~الخلفية الكامنة وراء كل مشارك في التواصل، وباعتباره أيضا السياق الذي يمكن أن يساعد ~~على حل مشكلات الفهم، فأعضاء أي تجمع اجتماعي يشاركون في العالم المعيش الخاص ~~بهم. فما هي إذن مكونات هذا العالم؟ ~~(5) عقلنة العالم المعيش # يحاول هابرماس أن يشرح مفهوم العالم المعيش في الجزء الثاني من مؤلفه عن نظرية الفعل ~~التواصل مستعينا في ذلك بما سبق أن شرحه في الجزء الأول من المؤلف نفسه عن النظرية ~~التواصلية وعن أفعال الكلام؛ وذلك لأن مفهوم العالم المعيش بمكوناته المختلفة يمثل ~~السياق الذي يشكل عملية التفاهم بين الذوات، كما أن أية نظرية عن المجتمع - وهو الهدف ~~النهائي عند هابرماس - لا يمكن لها أن تقتصر على نظرية الفعل التواصلي دون أن تستمد ~~شرعيتها من العالم المعيش. ويبين ms099 هابرماس كيف «أن هذا العالم المعيش - بوصفه الأفق الذي ~~تتحرك فيه الأفعال التواصلية بصفة مستمرة - عرضة للتغير من خلال تحول بنية المجتمع ككل.» # 45 # إن فكرة العالم المعيش ليست فكرة جديدة ابتدعها هابرماس، لقد سبقه هوسرل في تحليل ~~العالم المعيش تحليلا ظاهراتيا، كما أن فيتجنشتين قد تناوله من خلال تحليله لأشكال ~~الحياة، إلا أنهما في رأي هابرماس لم يكن لهما هدف منهجي: «إذا طرحنا جانبا المشاكل ~~الفلسفية للوعي التي تعامل بها هوسرل مع مشكلة العالم المعيش، فبإمكاننا أن نفكر في ~~العالم المعيش كما يتمثل في مجموعة من النماذج التفسيرية نقلت عن طريق الثقافة ~~الموروثة، ونظمت من خلال اللغة. عندئذ لا نحتاج إلى فكرة السياق المرجعي الذي يربط بين ~~عناصر الموقف الواحد بعضها ببعض، كما يربط الموقف نفسه بالعالم المعيش، ولا نحتاج أيضا ~~أن نفسر هذا كله في إطار فلسفة الظاهريات ولا في إطار سيكولوجية الإدراك.» # 46 # وترتب على ما سبق أن اتجه هابرماس إلى البحث في بناءات العالم المعيش بحثا ~~تداوليا شكليا، بحيث يبرز البناءات التي تظل ثابتة على الرغم من تغير صور العالم ~~المعيش وأشكال الحياة. # وإذا كان هابرماس قد ركز جهده في المجلد الأول من كتابه «نظرية الفعل التواصلي» على ~~إعادة صياغة عقلانية ماكس فيبر من أجل تأسيس عقلانية جديدة، فإنه قد ركز جهده في المجلد ~~الثاني من مؤلفه على إعادة عقلنة العالم المعيش. بمعنى آخر أنه - أي هابرماس - قدم ~~فكرة العالم المعيش باعتبارها مكملة لمفهوم العقل التواصلي؛ لأنها مرتبطة أيضا بمفهوم ~~المجتمع، بل وتشكل سياق الفعل الاجتماعي. وقد تناول هابرماس في المجلد الثاني أربع نقاط ~~أساسية يقوم عليها هذا الجزء، وحاول شرحها في البداية: ~~(1) # أن يوضح أن العالم المعيش مرتبط بالعوالم الثلاثة «الثقافة والمجتمع ~~والشخص»، وهي التي تقيم عليها الذوات - التي تهدف إلى التفاهم المتبادل - ~~تحديداتها المشتركة للمواقف المختلفة. ~~(2) # أن يطور مفهوم العالم المعيش بوصفه السياق الذي يتم فيه العفل التواصلي، ~~ويربطه بمفهوم دور كايم عن الوعي الجمعي. ~~(3) # أن يربط مفاهيم العالم المعيش التي تستخدم عادة في ms100 علم الاجتماع التفسيري ~~بمفاهيم الحياة اليومية التي لا تصلح إلا للعرض السردي للأحداث التاريخية ~~والظروف الاجتماعية. ~~(4) # أن يبحث في الوظائف التي يقوم بها الفعل التواصلي لإقامة عالم متنوع ~~الأبنية. ويتم هذا البحث في أفق العالم المعيش، بحيث يمكن بالاستناد إلى ~~هذه الوظائف توضيح الشروط الضرورية لعقلنة العالم المعيش. ويؤدي هذا إلى ~~آخر حدود البحوث النظرية التي توحد بين المجتمع والعالم المعيش. # 47 # وفي هذه الحالة يقترح هابرماس أن نفهم المجتمع بوصفه نسقا ~~وعالما معيشا في وقت واحد. # لقد أكد لنا التراث المنحدر من مدرسة دور كايم أن النظرية الاجتماعية تقوم على مفهوم ~~العالم المعيش الذي يدور حول مسألة التكامل الاجتماعي. وقد اختار بارسونز تعبير # Societal Community ~~(أي الجماعة المنتمية إلى مجتمع ~~أو الجماعة الاجتماعية) لكي يبين أن العالم المعيش بوصفه جماعة اجتماعية يشكل قلب ~~المجتمع. مع العلم بأن مفهومه عن المجتمع هو أنه الجهة التي تحدد الحقوق والواجبات ~~لأعضاء الجماعة عن طريق العلاقات الشخصية المشروعة المتبادلة بينهم. ومن ثم تكون ~~الثقافة والشخصية مجرد إضافات وظيفية للجماعة الاجتماعية. فالثقافة تزود المجتمع ~~بالقيم التي يمكن أن تصبح قيما مؤسساتية، كما أن الأفراد الذين أصبحوا منتمين إلى ~~المجتمع يشاركون في الحياة بشكل يلائم التوقعات المعيارية. # وفي مقابل ما سبق نجد أن مدرسة ميد تقيم النظرية الاجتماعية على مفهوم عالم معيش ~~مختزل ومقتصر على إضفاء الطابع الاجتماعي على الأفراد. وعلماء هذه المدرسة يفهمون ~~العالم المعيش بوصفه الوسط الاجتماعي والثقافي للفعل التواصلي الذي يتصورونه في شكل دور ~~محدد يقوم به الأفراد المنتمون إلى المجتمع. وهكذا نرى أن هذه المدرسة لا تلتفت إلى ~~الثقافة التراثية والمجتمع إلا باعتبارهما وسائط يتم من خلالها العمليات التي ينخرط ~~فيها لاعبو الأدوار طوال حياتهم. ومن الواضح أن هذه النظرة لا تعد نظرة متسقة إلا ~~إذا تقلصت النظرية الاجتماعية، بحيث تتحول إلى علم نفس اجتماعي. ولو أخذنا في مقابل ما ~~سبق مفهوم التفاعل الرمزي الذي جعله ميد نفسه مفهوما مركزيا، وتناولناه بالطريقة ~~التي طرحناها من قبل (أي كمفهوم للتفاعل الذي يتم ms101 من خلال اللغة كما توجهه المعايير) ~~لاستطعنا عندئذ أن ندخل من باب التحليلات الفينومينولوجية للعالم المعيش، بحيث نكون في ~~هذه الحالة في وضع يسمح لنا بالإحاطة بالترابط المركب لكل هذه العمليات الإنتاجية. # 48 # لقد أشار بارسونز إلى النموذج النظري للنسق الاجتماعي إلا أنه فشل في الجمع بينه وبين ~~العالم المعيش كمجال للفعل الاجتماعي، وتعذر عليه تحقيق التكامل بينهما في مفهومه عن ~~مجتمع ذي مستويين يربط النسق بالعالم المعيش. بل إن تاريخ النظرية الاجتماعية منذ ~~ماركس لم ينجح في رأي هابرماس في الجمع بين النسق والعالم المعيش؛ ولهذا كله حاول - أي ~~هابرماس - أن يؤلف بينهما بالتأكيد على ضرورة الجمع بين الجانب النظري - الذي يحدد ~~التصورات النسقية للمجتمع المتكامل - وبين نظرية الفعل لمجتمع مترابط من خلال أفعاله ~~التواصلية: «إن نقطة انطلاقي إذن هي أن المشكلة النظرية المتعلقة بكيفية الجمع بين ~~المفاهيم الأساسية للاتساق ونظرية الفعل الاجتماعي هي مشكلة حقيقية وأصلية. والصيغة ~~المؤقتة التي اقترحها، والتي يمكن على أساسها تصور المجتمعات بوصفها كائنات نسقية مركبة ~~لفعل مجموعات متكاملة اجتماعيا، هذه الصيغة تحتوي على هذين الجانبين معا.» # 49 # لقد توصلنا - كما سبق القول - إلى أن أية نظرية للمجتمع لا ينبغي أن تكتفي ~~بالعقلانية الغائية فحسب، ولن تستقيم بالعقلانية التواصلية وحدها، بل بالجمع بينهما ~~باعتبارهما يمثلان قطبي العقلانية الجديدة. فعلى الرغم من أن العقلانية الأداتية ~~تستجيب للمتطلبات المادية بشكل يصعب معه التخلي عن دور التقنية في التنظيم المادي ~~للمجتمع، إلا أنها غير قادرة على حل مشكلات متعلقة بالأخلاق أو الثقافة؛ لذلك تأتي ~~العقلانية التواصلية لتهتم بالمشكلات والقضايا الرمزية والمقومات الثقافية المتعلقة ~~بالمعايير الأخلاقية. والنتيجة المترتبة على هذا كله هو أن كلا من النشاط الغائي ~~والأداتي والنشاط التواصلي يشارك في إعادة عقلنة العالم المعيش، عن طريق إعادة الإنتاج ~~المادي للعالم المعيش بواسطة النشاط الغائي، وأيضا عن طريق إعادة الإنتاج الرمزي له - ~~أي العالم المعيش - بواسطة النشاط التواصلي، باعتبار أن الأساس المادي للعالم هو الشرط ~~الضروري للبنية الرمزية له، وباعتبار أيضا أن الفعل الأداتي هو أحد مكونات ms102 الفعل ~~التواصلي. هكذا تمتزج خيوط مختلفة - يكشف عنها التواصل اليومي - من عناصر المعرفة ~~الأداتية والعناصر الأخلاقية العملية بالإضافة إلى العنصر اللغوي، تمتزج جميعا في ~~إعادة بناء العالم المعيش. # لم يتوقف هابرماس عند الإنتاج المادي للعالم الذي يتحقق عن طريق النشاط الغائي أو ~~الأداتي، لا لعدم أهميته، بل لأنه الجانب الوحيد الذي أثمرته الحداثة الغربية. ولذلك ~~أسهب في تفاصيل ما اعتبره الجانب المهمل في المشروع الحداثي، وهو النشاط التواصلي وما ~~يفترضه من معايير وقيم أخلاقية. ويؤكد على ممارسة الفعل التواصلي في الحياة اليومية ~~التي هي الوسط الذي يتم فيه إعادة الإنتاج الرمزي. إن المشاركين في التواصل يوجدون في ~~تراث ثقافي يستخدمونه وفي نفس الوقت يجددونه، ولكي ينسقوا أفعالهم عن طريق اعتراف ~~الذوات فيما بينهم بصحة مزاعم الصدق، فإنهم يحرصون على أن يصبحوا أعضاء في جماعات ~~اجتماعية، كما يعملون في نفس الوقت على تدعيم هذه الجماعات وتحقيق تكاملها «إن الأفعال ~~التواصلية ليست مجرد عمليات تفسيرية يتم فيها اختيار المعرفة الثقافية التراثية ... وإنما ~~هي في الوقت نفسه عمليات تكامل اجتماعي وإضفاء للطابع الاجتماعي على الأشخاص المنتمين ~~لمجتمع معين»، # 50 # ومن خلال التفاعل مع الأشخاص الأكفاء يستوعب الناشئون في وعيهم توجهات ~~القيم للجماعة الاجتماعية التي ينتمون إليها، ويكتسبون القدرات العامة على ~~الفعل. # كيف يمكن - إذن - عقلنة العالم المعيش؟ إن هذه المهمة كما تصورها هابرماس تقتضي ~~القيام بثلاث عمليات لا ينفصل بعضها عن بعض من أجل تأسيس مجتمع عقلاني حديث: تتطلب ~~العملية الأولى إعادة التحليل النقدي للمعرفة، وتقتضي الثانية تأسيس قيم ومعايير ~~مجتمعية جديدة، أما الثالثة والأخيرة فهي تهتم بتنشئة ذات إنسانية قادرة على تحمل ~~مسئوليتها، وعلى تأسيس هويتها الذاتية: «إذا نظرنا إلى التفاهم المتبادل نظرة وظيفية ~~وجدنا أن الفعل التواصلي يعمل على نقل وتجديد المعرفة الثقافية التراثية، وإذا نظرنا ~~إليه كفعل تنظيمي أو تنسيقي وجدنا أنه يساعد أو يعمل على التكامل الاجتماعي، وإقامة ~~وترسيخ التضامن. وأخيرا فإننا لو نظرنا إليه من وجهة نظر إضفاء الطابع المجتمعي، فإن ~~الفعل التواصلي يساعد في تكوين الهويات الشخصية. ms103 وهكذا نجد أن إنتاج البناءات الرمزية ~~للعالم المعيش يتم عن طريق مواصلة المعرفة الصحيحة، وترسيخ التضامن الجمعي، وإضفاء ~~الطابع الاجتماعي على الذوات المسئولة والفاعلة.» # 51 # وتمثل هذه العمليات السابقة العناصر البنائية للعالم المعيش - وهي الثقافة والمجتمع ~~والشخص - بحيث يعاد بناؤه - أي العالم المعيش - بالاستخدام الأمثل للمعرفة وباستقرار ~~المجتمع وتحقيق الاندماج بين أفراده، وبتكوين أفراد أو فاعلين يملكون القدرة على الكلام ~~والفعل وقادرين أيضا على تحمل مسئولياتهم وتحقيق ذواتهم وتأكيد هوياتهم، هكذا نرى أن ~~عقلنة العالم المعيش هو أحد المظاهر الإيجابية للحداثة أو المجتمع الحديث التي يجب ~~المحافظة عليها، والتي تتم فيها مراجعة دائمة للتراث الثقافي، وكذلك إنتاج قيم ومبادئ ~~أخلاقية وقانونية جديدة في المجتمع مغايرة للقديمة. ويتكفل النشاط التواصلي المدعم ~~بالحجج والبراهين العقلية بوضع معايير لها أو تبريرها. وفي ظل هذا الإطار الثقافي ~~والمعياري الجديد ينشأ الفرد الذي يسعى للدفاع عن ذاته، وتحمل مسئولية كلامه وأفعاله، ~~أي الشخص القادر على المناقشة والحوار والقادر على الإجابة بنعم أو لا التي يتمرس عليها ~~خلال التنشئة الاجتماعية، بحيث يصبح شخصا مستقلا، ولكنه مندمج اجتماعيا في جماعة ~~تربطه بها علاقات اجتماعية ومصالح. # هكذا نجد أن العناصر البنائية المكونة للعالم المعيش (وهي الثقافة والمجتمع والشخصية) ~~تتطابق معها عمليات إعادة الإنتاج (إعادة إنتاج ثقافي - تكامل اجتماعي - انتماء ~~للجماعة)، وكلها ترتكز على الوجوه المختلفة للفعل التواصلي (التفاهم - التنسيق - الفعل ~~الاجتماعي)، وكلها ممتدة الجذور في العناصر البنائية المكونة لأفعال الكلام (القضايا ~~التقريرية - أفعال القول - الأقوال التعبيرية). # 52 # هذه التطابقات البنائية تتيح للفعل التواصلي أن يؤدي وظائفه المختلفة، ~~وأن يصبح وسيطا دائما لإعادة الإنتاج الرمزي للعالم المعيش، فإذا حيل بين هذه ~~الوظائف وبين التحقق ظهرت الاضطرابات في عملية إعادة الإنتاج كما نشأت كذلك مظاهر ~~الأزمة مثل فقدان المعنى، واضطراب التوجهات، وغياب المشروعية، وسقوط القيم، والاغتراب، ~~والأمراض النفسية وانهيار التراث. # خاتمة # كان هذا عرضا سريعا للمفاهيم الأساسية لنظرية الفعل التواصلي عند هابرماس بالقدر ~~الذي سمحت به حدود هذا البحث. وإذا كان يصعب الإحاطة - في هذا المقام - بالجوانب ~~التفصيلية الدقيقة لهذا ms104 المشروع الذي يحتاج إلى دراسة طويلة مستفيضة، فإن الأمر الأكثر ~~صعوبة هو محاولة تقييمه، خاصة وأن صاحبه ما زال يواصل العطاء، مما يعني أن هذا المشروع ~~يمكن الإضافة إليه، كما أنه يقبل التعديل أو التغيير، أي أنه بمعنى آخر مشروع ما زال في ~~طور التطور والاكتمال، كما أقر هابرماس نفسه في بداية المجلد الأول من مؤلفه أنه لم ~~يقدم نظرية نهائية أو تامة بشكل كامل، مما يعني أنه قدم فقط إطارا نظريا، وتوجهات ~~أساسية للانتقال من فلسفة الوعي إلى فلسفة التواصل هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن ~~أن نقول إن نظرية الفعل التواصلي ليست نظرية بعدية، بل هي نظرية اجتماعية تحاول أن تصحح ~~مقاييسها النقدية. يضاف إلى هذا أن هابرماس من أكثر الفلاسفة المعاصرين الذين تثار ~~حولهم الخلافات، لكل هذه الأسباب يصعب تقييم هذا المشروع تقييما نهائيا، كما يصعب ~~أيضا الحكم عليه بآراء قاطعة، ولكن يمكن إجمال بعض وجهات النظر حول هذا المشروع ~~الضخم. # يرى بعض الباحثين أن هابرماس اهتم بالتعليق النقدي على معظم الفلاسفة وعلماء الاجتماع ~~أكثر من اهتمامه بتقديم الأدوات المنهجية والنظرية الخاصة بنظريته عن الفعل التواصلي، # 53 # وإذا كان هذا النقد صحيحا في مجمله، إلا أنه أثبت في نفس الوقت قدرة ~~هابرماس الهائلة على عرض وتقديم وتحليل نظريات وأفكار الآخرين. كما أن اهتمامه - أي ~~هابرماس - بالتواصل والنظرية الاجتماعية للحقيقة جعل بعض الباحثين يذهب إلى أن نظريته ~~تحتوي على بعد يوتوبي واضح؛ إذ إنه - أي هابرماس - يحيل في الغالب إلى مشروع أكثر مما ~~يشير إلى واقع بعينه، ويتحدث عن أخلاق يتطلع أن تصاغ في معايير وعلاقات. # 54 # وربما كان هذا أيضا صحيحا إلى حد كبير؛ فالشروط التي وضعها هابرماس ~~للحوار، والأخلاقيات التي رأى ضرورة الالتزام بها في النشاط التواصلي، والمعايير التي ~~يجب أن تخضع لها أفعال التواصل، كل هذا أضفى على مشروعه بعدا يوتوبيا من ناحية، ~~وبعدا مثاليا من ناحية أخرى، وإن كان هذا البعد اليوتوبي لم يحصر المشروع في دائرة ~~المستحيل، أو عدم قابليته للتحقق، بل ms105 إن ملامسته للواقع المعيش تجعله في دائرة ~~الممكن. # وعلى الرغم من اختلاف المفسرين اختلافا كبيرا في آرائهم حول مشروع هابرماس ومدى ~~قدرته على الصمود في وجه الشكوك الكثيرة التي تثار حوله، إلا أن هناك شيئا واحدا على ~~الأقل يتفق عليه المعلقون والشراح، وهو أن هابرماس قد حاول على الدوام أن يجمع بين هذه ~~الاهتمامات الفلسفية المتخصصة وبين التزام حقيقي فعال بتنمية أو تدعيم المناقشة ~~المستنيرة للقضايا الملحة بالنسبة للرأي العام، ولعله أن يكون أحد الفلاسفة القليلين ~~الذين يلتزمون بالتمسك بالتراث النقدي في البحث المبدئي عن الحقيقة، وهو في هذا كله ~~يقدم مثلا رائدا للفكر المستنير. # وربما ترجع أهمية الدور الذي يقوم به هابرماس في الفكر الفلسفي المعاصر إلى أنه ما ~~زال متمسكا بدور الفلسفة، وإعادة توظيفها، وضرورة انخراطها في أي نظرية للمجتمع ~~الحديث. هذا إلى جانب إيمانه بأن مشروع الحداثة لم يكتمل بعد، وتمسكه بإعادة الطاقة ~~النقدية لعقل التنوير في عصر ارتفعت فيه الأصوات مطالبة بتخلي الفلسفة عن عرشها والعقل ~~عن صولجانه، إلى جانب تيارات أخرى مضادة للتنوير والحداثة، ومن ثم وقف هابرماس مدافعا ~~عن التنوير، وتصدى للظواهر المرضية التي ولدتها الحداثة وما بعد الحداثة، وربما لهذا ~~السبب أيضا يحتاج الفكر العربي إلى دراسة هذا المشروع الفلسفي الكبير بشيء من التفصيل، ~~وإلقاء المزيد من الضوء على جوانبه المختلفة من أجل تأسيس مجتمع يقوم على أسس عقلانية، ~~ويسود بين أعضائه حوار حر خال من كل أشكال القمع والسيطرة، وإذا كان هابرماس يرى أن ~~شروط الحوار الديمقراطي الحر لم تتوافر بعد في المجتمعات الغربية بكل ما تكفله هذه ~~المجتمعات لأفرادها من حريات، وبقدر ما تسمح من مراجعات نقدية للتراث العقلي والديني، ~~ولكل جوانب المجتمع والحياة على أوسع نطاق، فما أحوجنا نحن العرب إلى التفكير في هذه ~~الشروط، وإلى صياغة مشروع للحداثة يقوم على أسس عقلانية ونقدية وليست غيبية أو خرافية ~~متسلطة. # مصادر البحث # Towards a Rational Society (including Technology and ~~science as ideology), Boston: Beacon Press, ~~1971 ~~. # Knowledge and Human Interests, Boston: ms106 Beacon Press, ~~1972 ~~. # Legitimation Crisis, Boston: Beacon Press, ~~1973 ~~. # Theory and Practice, Boston: Beacon Press, ~~1973 ~~. # Communication and the Evoluation of Society, Boston: ~~Beacon Press, 1979 ~~. # Theory of Communicative Action 2 vols, Boston: Beacon Press, 1984, 1987. Autonomy and Solidarity (interviews) London-Verso ~~1986 ~~. # The Philosophical Discourse of Modernity, Cambridge, ~~Mass: MIT Press 1987 ~~. # On the Logic of the Social Sciences, Cambridge, Mass: ~~MIT Press, 1988 ~~. # The New Conservativism, Cambridge, Mass: MIT Press, ~~1989 ~~. # The Structural Transformation of the Public Sphere. ~~Cambridge, Mass: MIT Press, 1989 ~~. # Moral Consciousness and Communicative Action Cambridge, ~~Mass: Mit Press, 1990 ~~. Postmetaphysical Thinking, Cambridge, Mass: MIT Press, ~~1992 ~~. # Justification and Application/Cambridge, Mass: MIT Press, 1993 ~~. # | دور الفلسفة في الثقافة المعاصرة # بحث نقدي في آراء فيلسوف البراجماتية الجديدة ريتشارد رورتي # مقدمة # لم يشهد عصر من العصور تنوعا في الاتجاهات الفكرية كما شهد القرن العشرون. وإذا كنا ~~نستطيع أن نصف القرن السابع عشر بأنه عصر المذاهب الكبرى، وأن القرن الثامن عشر هو عصر ~~التنوير، وأن القرن التاسع عشر هو عصر ازدهار العلوم الطبيعية والفلسفات الوضعية، فلا ~~يمكننا أن نفعل هذا مع القرن العشرين الذي تنوعت فيه الاتجاهات الفكرية إلى حد التضارب ~~والتناقض والبلبلة، ولكن إذا تطلب الأمر أن نطلق مصطلحا ما على هذا القرن، فيمكننا أن ~~نقول إنه عصر «النهايات»: نهاية التاريخ (على حد زعم أحد المفكرين وهو فوكوياما)، نهاية ~~اليوتوبيا ... إلخ. كما يمكننا أن نطلق عليه اسم عصر «السقوط»: سقوط العقل، سقوط ~~الحداثة، سقوط الأيديولوجيا ... إلخ. ومن ناحية أخرى يمكننا أن نطلق عليه أيضا اسم عصر ~~«الما بعديات»، أي العصر الذي يسوده الشعور بالقلق وعدم القدرة على تحديد تلك الاتجاهات ~~التي تحوم حول تعريفاتها شكوك كثيرة مثل: ما بعد الحداثة، ما بعد الأخلاق، ما بعد ~~الفلسفة ... إلخ. # ومن بين الفلاسفة الذين زعموا أنهم جاءوا بتصور جديد لثقافة ما بعد الفلسفة نجد ~~المفكر الأمريكي ريتشارد رورتي # Richard Rorty ~~(1931م-...) ~~وهو فيلسوف يهتم بمشكلات العقل وماهية الإنسان، وناقد لمبادئ نظرية المعرفة ms107 التقليدية. ~~وقد حصر على درجته العلمية الأولى من جامعة شيكاغو، وعلى الدكتوراه من جامعة ييل، وقام ~~بالتدريس في جامعة برنستون بين عامي 1961م، 1982م، وهو نفس العام الذي انتقل فيه إلى ~~جامعة فرجينيا ليشغل منصب أستاذ للعلوم الإنسانية، ثم انتقل إلى جامعة كاليفورنيا التي ~~ما يزال يعمل بها. بدأ رورتي حياته الفكرية فيلسوفا تحليليا عاديا إلى أن نشر في ~~عام 1979م كتابه «الفلسفة ومرآة ~~الطبيعة» Philosophy and the Mirror of Nature # الذي رفض فيه بشدة فكرة إمكان الحكم على معتقداتنا من وجهة ~~نظر موضوعية ومتعالية، فأثار رأيه هذا اهتماما واسعا في الدوائر الفلسفية الأمريكية، ~~وأطلق عليه بعض المفكرين لقب «نبي وشاعر البراجماتية الجديدة». # والبراجماتية الجديدة حركة فلسفية حديثة «تعتنق بشكل جذري أشكال التداخل والتفاعل بين ~~السياقات الاجتماعية والعملية المختلفة، وتنفي إمكان قيام تصور كلي شامل عن الحقيقة أو ~~الواقع. وقد ظهرت البراجماتية الجديدة كرد فعل نقدي للفلسفة التقليدية والفلسفة ~~التحليلية. ولما كانت هذه الفلسفة تعتمد أساسا على آراء جون ديوي، وفيتجنشتين وكواين ~~وسيلرز، فإن ريتشارد رورتي في كتابه «الفلسفة ومرآة الطبيعة» قد بدأ طريق العودة إلى ~~الفلسفة البراجماتية.» # 1 # إن الفكرة المحورية عند رورتي في خطوطها العريضة هي تكرار للاعتراض الذي وجهه ~~الفلاسفة المثاليون في القرن التاسع عشر إلى نظرية الواقعيين عن الحقيقة، أي نظرية ~~التطابق (وهي النظرية التي تقول بأن الحقيقة هي تطابق ما في العقل مع ما في الواقع ~~والعكس). وليس هناك سبيل - في رأي رورتي - لمعرفة الوقائع التي يفترض أن يتسق معها صدق ~~معتقداتنا إلا من خلال معتقدات أخرى. وقد اعتمد في رفضه لوجود أي أساس وطيد للمعرفة على ~~التراث البراجماتي، ثم على بعض الاتجاهات الحديثة التي سارت في الاتجاه نفسه، كما ألح ~~على نقده لفكرة وجود أسس ثابتة يمكن أن تصدر فيها نظرية المعرفة أحكاما على المعتقدات ~~بوجه عام، بل وأنكر أيضا أن يكون أي معتقد أكثر أهمية من أي معتقد آخر. ويخلص رورتي ~~إلى نتيجة - تشكل المضمون العام لتفكيره - مفادها أن الفلسفة عاجزة عن أن ms108 تؤسس أو ~~تقيم شيئا. ولذلك شرع في هدم التصور الذي تواضع الفلاسفة - طوال تاريخ الفلسفة - على ~~أن يفهموا به النشاط الفلسفي ودور الفلسفة، واعتمد في هدمه للتصورات التقليدية - التي ~~درج الفلاسفة على الأخذ بها عن تطور الفلسفة وفاعليتها - على فلاسفة ثلاثة هم: هيدجر ~~وفيتجنشتين وديوي، واستلهم أفكارهم وكأنهم مجمع الخالدين الذين عملوا على تقويض المفهوم ~~التقليدي الذي تبناه الفلاسفة التقليديون في نشاطهم الفلسفي. # هل كان نقد رورتي للفلسفة التأسيسية بمثابة دعوة للتخلي عن الفلسفة، أم دعوة - ~~بالإضافة إلى دعوات أخرى سابقة - لتحويل دور الفلسفة في الفكر المعاصر؟ وإذا كانت ~~الإجابة عن هذا السؤال بنعم، فما هو تصوره لثقافة ما بعد الفلسفة؟ سوف نحاول الإجابة ~~على هذه التساؤلات من خلال محورين أساسيين: الأول هو نقد رورتي للفلسفة التأسيسية. ~~ويتضمن هذا المحور: (1) تقويض المفهوم التقليدي للفلسفة. (2) نقد النزعة التحليلية. ~~ويدور المحور الثاني حول ثقافة ما بعد الفلسفة، ويتناول: (1) تصور رورتي للدور الجديد ~~للفلسفة في الفكر المعاصر، وذلك بأن يجعل المنظور التاريخي المتغير للمشكلات الفلسفية ~~بديلا عن المنظور الأبدي لها. (2) دور اللغة في الفلسفة المعاصرة. (3) استبدال معرفة ~~إبداع الذات بالمعرفة التقليدية. ~~(1) نقد رورتي للفلسفة التأسيسية ~~(1-1) تقويض المفهوم التقليدي للفلسفة # على الرغم من أن رورتي بدأ حياته الفلسفية كفيلسوف تحليلي، إلا أنه تحول منذ أن ~~نشر كتابه «الفلسفة ومرآة الطبيعة» الذي يعتبره بعض المفكرين أهم وأجرأ كتاب نشره ~~فيلسوف أمريكي في العقود الأخيرة: «لم نجد منذ وليم جيمس وجون ديوي مثل هذا النقد ~~المدمر للفلسفة المهنية أو الحرفية # professional ~~»، # 2 # تحول منذ نشره هذا الكتاب إلى مهاجم للنزعة التحليلية التي هي النتاج ~~الشرعي - في رأيه - للفلسفة التأسيسية التي انحدرت إلينا من التراث ~~الديكارتي-الكانطي. وركز رورتي هجومه على الفلسفة التحليلية المعاصرة وأصولها ~~التاريخية والجذور التي استمدت منها أفكارها الأساسية، وخاصة نظريات القرن السابع ~~عشر وما عرف عنها من اهتمام بنظرية المعرفة أو الإبستمولوجيا. ويبين رورتي منذ ~~البداية أن هناك خطأ في فهمنا للفلسفة بوصفها نظاما معرفيا يتعامل مع مشكلات ~~أساسية ثابتة، تدل على هذا ms109 أول عبارة استهل بها كتابه السالف الذكر: «يعتقد ~~الفلاسفة عادة أن نظامهم المعرفي يناقش مشكلات دائمة وأبدية، مشكلات تظهر بمجرد تأملها.» # 3 # يفسر رورتي في مقدمة كتابه لماذا اختار «الفلسفة ومرآة الطبيعة» عنوانا لمؤلفه ~~بأنه يقدم صورا أكثر مما يقدم قضايا، ويطرح استعارات ولا يطرح عبارات تقريرية من ~~النوع الذي يحدد طابع معتقداتنا الفلسفية. وهو يؤكد على أن الصورة التي تأسر ~~الفلسفة التقليدية وتقيدها بأغلالها هي صورة العقل كمرآة كبيرة تحتوي على تمثلات ~~متنوعة بعضها دقيق وبعضها غير دقيق، وهي في مجموعها قابلة لأن تدرس وتفحص عن طريق ~~المناهج غير التجريبية. ولولا فكرة العقل كمرآة لما وجدت فكرة المعرفة - بوصفها ~~تمثلات دقيقة - ولولا هذه الفكرة الأخيرة (أي المعرفة) لما كان هناك ثمة معنى لجهود ~~ديكارت وكانط في الوصول إلى تمثلات دقيقة أو واضحة متميزة - بتعبير ديكارت - عن ~~طريق فحص المرآة والعكوف على صقلها. وبدون فكرة العقل كمرآة أيضا ما كان هناك ثمة ~~معنى للمزاعم الحديثة بأن الفلسفة هي «تحليل تصوري» أو «تحليل فينومينولوجي» أو ~~«تفسير للمعاني» أو «اختبار لمنطق لغتنا» أو «بناء تكويني لنشاط الوعي»، وهي ~~المزاعم التي تهكم عليها فيتجنشتين في بحوثه الفلسفية. # 4 # لقد قام فيتجنشتين بتفكيك هذه الصور المرآوية، ولكنه كان يفتقر إلى الوعي ~~التاريخي، ومن هنا تأتي عظمة إسهام هيدجر الذي أعاد النظر في تاريخ الفلسفة كله ~~ليبين الجذور التاريخية المرآوية للفلسفة ابتداء من أفلاطون حتى أعلام الفلسفة ~~الحديثة، ولكن كلا الفيلسوفين عجز - في رأي رورتي - عن توضيح مدى سيطرة الصور ~~المرآوية البصرية على العقل الغربي في إطار منظور اجتماعي. لقد اهتم كلاهما ~~بالأفراد أكثر من اهتمامهما بالمجتمع. وفي الجانب الآخر نجد ديوي يستنبط حججه ضد ~~الصور المرآوية من داخل رؤيته لمجتمع جديد، وعلى الرغم من افتقاده لمنطق فيتجنشتين ~~الدقيق وللنظرة التاريخية الشاملة عند هيدجر، فلم تعد الثقافة في المجتمع المثالي ~~الجديد الذي رسمه ديوي معرفة موضوعية، بل أصبحت خبرة جمالية. صحيح أن ديوي قد ~~اتهم بالوقوع في النسبية واللاعقلانية، ولكن هذه الاتهامات لن يكون لها ms110 وزن - في ~~رأي رورتي - إذا أخذنا نقد ديوي وفيتجنشتين وهيدجر مجتمعين للنزعة المرآوية في ~~الفلسفة التقليدية. # 5 # يبدأ رورتي نقده للنماذج المختلفة لنظرية المعرفة التي أقرتها الفلسفة الحديثة ~~بقوله: «يمكن للفلسفة أن تكون تأسيسية بالنسبة لبقية الثقافة # culture ~~؛ لأن الثقافة هي حشد لمزاعم المعرفة، والفلسفة تحكم على ~~هذه المزاعم. إنها تفعل هذا لأنها تفهم أسس المعرفة، وتجد هذه الأسس في دراسة ~~الإنسان ككائن عارف للعمليات العلمية، أو في فاعلية التمثل # activity of representation # التي تجعل ~~المعرفة ممكنة، فأن تعرف هو أن تتمثل على نحو دقيق ما هو خارج العقل، ومن ثمة فلكي ~~تفهم إمكانية وطبيعة المعرفة معناه أن تفهم الوسيلة التي يكون بها العقل قادرا على ~~تشكيل أو بناء مثل هذه التمثلات . إن ما تهتم به الفلسفة بشكل أساسي هو أن تكون ~~نظرية عامة التمثلات. وهناك نظرية تقسم الثقافة إلى مجالات تتمثل الواقع بشكل جيد، ~~وأخرى تتمثله بشكل أقل جودة، وثالثة لا تتمثله على الإطلاق (على الرغم من تظاهرها ~~بأنها تفعل هذا)»، # 6 # وهذا المفهوم للفلسفة الذي يبدو أنه حدسي وواضح كل الوضوح، هو في ~~الحقيقة في رأي رورتي مفهوم معقد ومحرف للفلسفة، وهو المفهوم الذي أحال الفلسفة ~~كلها إلى نظرية للمعرفة. ويعود الفضل في هذا المفهوم إلى مؤسسي الفلسفة الحديثة ~~ديكارت ولوك وكانط: «نحن ندين بفكرة نظرية المعرفة القائمة على فهم العمليات ~~العقلية إلى القرن السابع عشر - وخاصة للوك - وندين بفكرة العقل، بوصفه كيانا # entity # منفصلا تحدث فيه هذه العمليات العقلية، ~~إلى نفس القرن - وخاصة لديكارت - كما ندين بفكرة الفلسفة بوصفها محكمة للعقل الخالص ~~الذي بإمكانه أن يؤيد أو يدين مزاعم الثقافة إلى القرن الثامن عشر - وخاصة لكانط - ~~لكن هذه الفكرة الكانطية تفترض مسبقا تصديقا عاما لأفكار لوك عن العمليات ~~العقلية وأفكار ديكارت عن الجوهر العقلي.» # 7 # ويرفض رورتي - شأنه شأن سائر البراجماتيين - فكرة أن تكون هناك طبيعة جوهرية ~~للإنسان، أو أن تكون هناك طبيعة باطنة للأشياء غير معروفة لنا، تمثلت في تاريخ ~~الفلسفة على صورة «الروح» عند أفلاطون، ms111 و«الشيء في ذاته» عند كانط، بل ويرى أن ديفيدسون # 8 # ساعدنا على أن: «ننحي جانبا فكرة أن كلا من الذات والواقع ~~ينطويان على طبيعة باطنة، طبيعة بعيدة تنتظر أن نعرفها»، # 9 # فإذا سلمنا بما يقوله رورتي بأنه لا توجد طبيعة جوهرية ثابتة للإنسان، ~~فإنه يترتب على هذا أن على كل شخص مهمة إبداع ذاته، وكما أننا لا نحتاج أن نقتحم ~~الطبيعة ونفهم لغتها الخاصة لكي نفسر الظاهرة الطبيعية، فكذلك نحن في غنى عن البحث ~~عن طبيعة بشرية جوهرية نسعى لاكتشافها لكي نعرف أنفسنا ونعرف الآخرين معرفة صادقة، ~~فلسنا كائنات معدة سلفا، وإنما نسعى لاكتشاف أنفسنا، بل نحن نبدع أنفسنا من خلال ~~محاولاتنا للتكيف مع التجربة، كما نطور خاصيتنا الفردية كما تظهر في التجربة. ~~ولذلك فإن هدف المعرفة عند رورتي هو إيجاد أفضل الطرق للتوافق مع أنفسنا ومع العالم ~~والأشياء، وهو بهذا المعنى يلتزم بالدور الوظيفي للمعرفة في الفلسفة البراجماتية، ~~والذي يؤكد لا على الأشياء الموجودة سلفا أو على نسخ صور منها، بل على إعادة ~~تشكيلها بشكل خلاق وبناء، بما يعني أن للمعرفة وظيفة عملية أكثر منها ~~أبستمولوجية، وأنها أداة للتغيير والتعديل وسبيل إلى الإبداع لعالم ما زال في طور ~~التكوين، ولم يتشكل بعد بصورة نهائية، بل إنه عالم مفتوح، وفي عملية صيرورة دائمة، ~~كما يؤكد وليم جيمس أحد أقطاب النزعة البراجماتية، وكما يؤكد أيضا جون ديوي الذي ~~يمثل قطبها الآخر على وظيفة الفلسفة التي لا تتعدى أن تكون خطة للسلوك نحو تغيير ~~العالم الموجود. # ويرفض رورتي أيضا اختزال الإنسان في ملكة واحدة أساسية هي ملكة العقل، أو أن ~~تكون هذه الملكة بمثابة محكمة لأفكارنا ورغباتنا واعتقاداتنا وموجه لاختياراتنا؛ إذ ~~إننا نعرف أنفسنا من خلال ميولنا واتجاهاتنا وإمكاناتنا. ويؤكد رورتي بهذا نزعته ~~البراجماتية التي تتمحور حول إمكانية البشر تنمية نشاطهم ومؤسساتهم وإبداع مبادئهم ~~التي تنظم سلوكهم؛ فالخبرة الإنسانية في الفلسفة البراجماتية هي المنبع الأساسي لكل ~~معرفة. وبهذا المعنى السابق لا تتم معرفة الذات عند رورتي إلا من خلال إبداع الذات، ~~ولا ms112 تكون معرفة العالم الخارجي إلا من خلال محاولاتنا العديدة المتكررة للتكيف أو ~~التلاؤم مع الواقع الخارجي. فالمعرفة - كما عند جيمس وديوي وفيتجنشتين - نشاط ~~متجدد، وليست مجرد تأمل. إن المفهوم التقليدي للفلسفة لا يساعدنا على التوصل إلى ~~شيء ما حقيقي في بحثنا عن ماهية الحقيقة، ولا يساعدنا على فعل الخير من خلال بحثنا ~~عن ماهية الخير؛ لذلك تحاول البراجماتية أن تتجاوز التفرقة - التي انحدرت إلينا من ~~التراث الأفلاطوني - بين الحقيقة # truth # والظن # doxa ~~، وهي التفرقة التي تمثلت في خطين ~~متوازيين بين الفلسفة المثالية والفلسفة الوضعية. كما ترفض البراجماتية أيضا فكرة ~~أن الحقيقة هي «التطابق مع الواقع»؛ لأن مئات السنين فشلت في إيجاد معنى لفكرة ~~التطابق. ولذلك فإن الحقيقة أو الفكرة الصادقة هي التي تساعدنا - في رأي رورتي - ~~على التلاؤم أو التوافق - وليس التطابق - مع الواقع. وهو في هذا يعبر تعبيرا ~~صادقا عن المذهب البراجماتي الذي يؤكد على أن «الأفكار هي أساسا خطط ومناهج ~~لإحداث تغييرات معينة في الأشياء الموجودة من قبل. وهذه النظرة تعارض المذهب ~~العقلي وما يقول به من نظرية النسخ # copy theory ~~؛ ~~فالأفكار من حيث هي كذلك تظل عديمة الفعل وعاجزة ما دامت تعني أنها تعكس حقيقة كاملة»، # 10 # ومن هنا تدور فكرة رورتي الأساسية حول رفضه للأفكار كصورة طبق الأصل من ~~حقيقة ثابتة كما تنعكس صورة شخص في المرآة عنه؛ فالحقيقة ليست ثابتة وليست نظاما ~~كاملا، بل هي تغير دائم ومستمر. # هكذا يدين رورتي الأفكار التي انحدرت إلينا من القرنين السابع عشر والثامن عشر. ~~ولعله أراد بنقده هذا أن يعيد بناء الفلسفة الحديثة، وهي البيئة التي ظهرت فيها ~~الفلسفة التحليلية. ويعتمد نقد رورتي على فكرة مفادها أن النموذج الفلسفي الذي ساد ~~في تلك الفترة التاريخية لم يعد يصلح الآن لمعالجة مشكلات فلسفية جديدة. وربما ~~كانت حجته في هذا هي أن التفكير الفلسفي في مطلع العصر الحديث قد جاء بنموذج مخالف ~~تمام الاختلاف للنموذج الفلسفي الذي كان سائدا في التراث المدرسي، مما جعل هذا ~~الأخير ينهار في فترة زمنية ms113 ليست بالقصيرة، ولكنها أيضا ليست ممتدة. ويفهم من هذا ~~أن التطور أو التغير التاريخي عادة ما يأتي مصحوبا بنموذج مختلف، كالنموذج ~~الإرشادي المصاحب للمجتمع العلمي عند كون. ويعني رورتي بهذا أننا نعتقد خطأ أننا ~~نتعامل مع نفس المشكلات الفلسفية الأساسية التي كان يتعامل معها أسلافنا، في حين ~~أنها في واقع الأمر مشكلات مختلفة فرضتها الظروف التاريخية المتغيرة، وربما كان ~~النموذج الجديد يتعامل مع المشكلات الأساسية بشكل أفضل. ولكي نفهم سير الحركة ~~التاريخية لتراث الفلسفة الحديثة، علينا أن نكشف عن مجموعة الاستعارات والمشكلات ~~التي ميزت اللغة وأشكال الحياة ووضعت نماذج التفلسف، أي علينا باختصار أن نتتبع ~~تاريخ نشأة وسقوط العقل. ~~(1-2) نقد النزعة التحليلية # يعود رورتي للوراء للبحث في تاريخ الحدوس الفلسفية التي سبقت الفلسفة التحليلية، ~~تلك الحدوس التي نشأت بمجرد التفكير فيها ، فكانت مشكلة العقل والجسم - على سبيل ~~المثال - هي المشكلة الأساسية للفلسفة التي نتجت عن التفرقة الحاسمة بين ما هو عقلي ~~وما هو جسدي، ولكن من أين نشأ هذا الحدس؟ يجيب رورتي: «من وجهة نظري - التي أتفق ~~فيها مع فيتجنشتين - أن الحدس ليس شيئا أكثر أو أقل من الاعتياد أو الألفة مع لعبة ~~اللغة التي وجدنا أنفسنا نلعبها.» # 11 # فلو نظرنا إلى مشكلة العقل والجسم في تاريخ الفلسفة، لاتضح لنا كيف ~~اختلفت المشكلة قبل ديكارت وبعده، ولتبين لنا أن ما نعرفه الآن على أنه حدوس أو ~~أفكار واضحة ومتميزة لم تكن معروفة قبل اختراع ديكارت للعقل، فمنذ ذلك الحين أصبحت ~~مشكلة الوعي هي المشكلة الأساسية في كل الفلسفات بعد ديكارت. لقد كان تأكيد ديكارت ~~على العقل كجوهر مفكر لا يمكن الشك في وجوده، إيذانا بخلق الثنائية في تاريخ ~~الفلسفة، كما أدى إلى صياغة مشكلة العقل والجسم صياغة أبستمولوجية. # لقد بدت المهمة الأولى في التراث الفلسفي هي حل المشكلات الإبستمولوجية، وكأن ~~الفلسفة قد تحولت إلى مجرد نظام معرفي. وظهرت محاولات متأخرة لإنقاذ الإبستمولوجيا ~~مما آلت إليه، تمثلت في إيجاد نظم معرفية جديدة، تحل محل المعرفة التقليدية، كعلم ~~النفس التجريبي وفلسفة ms114 العقل، أو تسعى من ناحية أخرى للاستجابة للمشكلات الحقيقية ~~التي حاولت الإبستمولوجيا التراثية التعامل معها. وقد وصف رورتي هذه المحاولات ~~بأنها مضللة؛ لأنها لا تخرج - في رأيه - عن إعادة بناء تاريخي للأبستمولوجيا، بل ~~إنها تمثل «الصورة الكانطية لاتحاد التصورات أو المفاهيم مع الحدوس الحسية لإنتاج المعرفة»، # 12 # ويستبدل رورتي ما يسميه السلوك المعرفي أو الإبستمولوجي بحدوس وتصورات ~~كانط: «إنني أفسر العقلانية والسلامة المعرفية أو صحة المعرفة، أفسرها بالإحالة إلى ~~ما أدعوه «السلوكية المعرفية»، وهي اتجاه مشترك بين ديوي وفيتجنشتين.» # 13 # بهذا المعنى يصبح بإمكاننا أن نفسر معقولية المعرفة وصحتها من خلال ما ~~يعتبره المجتمع صوابا وخطأ وليس العكس، أي أن اللغة سلوك اجتماعي له قواعده التي ~~تختلف باختلاف اللعبة اللغوية المتعلقة بها كما قال فيتجنشتين في مرحلة تطوره ~~المتأخرة التي اتجه فيها اتجاها سلوكيا في فهم اللغة. ويترتب على ما سبق أن الحق ~~والصحيح لا يقومان على أساس أنطولوجي، بل يتحددان بما هو موجود في المجتمع: «إن ~~القول بأن الحق والصدق هما مسألتان تتعلقان بالممارسة الاجتماعية يمكن أن يؤدي إلى ~~الحكم علينا بالوقوع في النسبية التي هي في ذاتها نوع من رد المدخل السلوكي إما ~~إلى المعرفة أو إلى الأخلاق.» # 14 # ولكن صورة الفلسفة التقليدية من أفلاطون إلى كانط هي التي صورت لنا أن ~~هناك أسسا خالدة يستند إليها الصدق والصواب، وأن المعرفة والأخلاق تقومان على هذه ~~الأسس، وهذا هو الوهم الذي عاش عليه ما يسمى بالفلسفة منذ أفلاطون إلى كانط ~~والاتجاه المثالي كله. # يعتقد رورتي «أن الفلسفة التحليلية بلغت ذروتها عند كواين # 15 ~~⋆ # وفيتجنشتين - في مرحلته المتأخرة - وسيلرز # 16 ~~⋆ # وديفيدسون، بحيث يمكن القول إنها تجاوزت ذاتها وألغتها. إن هؤلاء ~~المفكرين زعزعوا التفرقة الوضعية بين ما هو دلالي وما هو براجماتي، وبين التحليلي ~~والتأليفي، وبين اللغوي والتجريبي، وبين النظرية والملاحظة ... فالنزعة الكلية عند ~~ديفيدسون تبين كيف تبدو اللغة بمجرد أن نتخلص من الافتراض الأساسي للفلسفة، ألا ~~وهو أن الجمل الصادقة تنقسم إلى قسمين، أعلى وأدنى، أي إلى تلك الجمل التي ms115 تتطابق ~~مع شيء ما وتلك التي لا تكون صادقة إلا عن طريق المواضعة والاتفاق.» # 17 # وبهذا المعنى يكون الحق والصدق مسألة مرتبطة بمعتقداتنا ومشاعرنا ~~ولغتنا، أي أنهما - الحق والصدق - لا يكونان إلا في حدود معتقداتنا وفي حدود ما ~~نقبله أو ما نرفضه، وفي حدود تعبيراتنا اللغوية أيضا. أما عن مدخل كواين وسيلرز ~~إلى نظرية المعرفة فيتبين في قولهما إن الصدق والمعرفة لا يمكن الحكم عليهما إلا ~~من خلال المعايير التي يتخذها الباحثون في أيامنا. وهذا المدخل ليس معناه - في رأي ~~رورتي - التقليل من المكانة الرفيعة للمعرفة البشرية أو من أهميتها، وليس معناه ~~القول بأنها مقطوعة الصلة بالعالم كما يتصور البعض. فالواقع أنهما يريدان أن يقولا ~~أي تبرير - وهو المعيار الذي يبحث في الفلسفة التقليدية عن أساس عقلي متسق - لا ~~يكون له معنى إلا بالإحالة إلى ما نوافق عليه، أو ما نتقبله بالفعل، وأنه ليس هناك ~~من سبيل للخروج من دائرة معتقداتنا أو لغتنا للبحث عن معيار آخر غير التماسك أو ~~الاتساق. ومعنى هذا أنهما - أي كواين وسيلرز - لا يريدان للصدق أو المعرفة أن يكون ~~لهما طابع أبدي، ولا أن يؤسسا على أساس الاتساق فقط. وهنا تلعب المعتقدات دورا ~~هاما لدى أصحاب هذا الاتجاه؛ فاتخاذنا معتقدا ما يعني تمسكنا بصدق هذا المعتقد، ~~أي استعدادنا لأن نسلك وفقا له، بحيث تصبح كلمة العالم مرادفة لمجموع معتقداتنا ~~الموثوق بها، والتي تتألف منها خبراتنا، أي أن مجموعة معتقداتنا هي التي تعطينا ~~العالم. # أضف إلى هذا أن نظرة ديفيدسون إلى اللغة تجعلنا نتحاشى تعيين اللغة (بمعنى إضفاء ~~صورة عينية عليها) على طريقة التراث الديكارتي، وخاصة على طريقة التراث المثالي ~~الذي قام على فلسفة كانط؛ وذلك لأن وجهة نظر ديفيدسون: «لا تجعلنا ننظر إلى اللغة ~~كشيء ثالث بين الذات والموضوع، ولا كوسط نحاول فيه أن نكون صورا للواقع، وإنما ~~نجعلها جزءا لا يتجزأ من سلوك الجنس البشري. ومن هذا المنطلق، يكون النطق بالجمل ~~أو العبارات هو أحد التصرفات التي يقوم بها البشر لكي يتلاءموا مع بيئتهم. ms116 وفي هذا ~~الصدد تعتبر فكرة ديوي عن اللغة كأداة فكرة صحيحة إلى حد بعيد، لكن هذا لا يفترض ~~أن نفصل الأداة أو اللغة عن مستخدميها، بل يجعلنا نتساءل ونبحث فقط عن مدى كفايتها ~~لتحقيق أغراضنا.» # 18 # لقد كان هجوم فيتجنشتين وسيلرز وكواين على التمييزات المختلفة بين فئات الجمل أو ~~أصناف العبارات هو الإسهام الكبير للفلسفة التحليلية، كما كان تأكيدا للإصرار على ~~كلية اللغة أو على الوجود الكلي للغة - وذلك على خلاف النزعة الأفلاطونية - وهذا ~~الإصرار هو الذي يميز البراجماتية، بل والفلسفة الأوروبية الحديثة. ويورد رورتي بعض ~~العبارات من نصوص الفلاسفة كأمثلة على هذا، منها قول هيدجر: «إن الكلام عن اللغة ~~يكاد بالضرورة أن يجعل منها موضوعا، عندئذ تتلاشى حقيقة اللغة»، وعبارة بيرس التي ~~ينص فيها على أن: «الإنسان يصنع الكلمة، والكلمة لا تعني إلا ما أراد الإنسان أن ~~يقصده بها ، وذلك فحسب بالنسبة لإنسان آخر. ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يفكر إلا ~~بواسطة كلمات أو من خلال رموز أخرى، فإن هذه الكلمات أو الرموز يمكن أن تستدير إليه ~~وتقول: إنك لا تعني شيئا لم نعلمك إياه، وذلك فحسب بقدر ما توجه كلمة تعبر عن ~~تفكيرك ... إن الكلمة أو العلامة التي يستخدمها الإنسان هي الإنسان نفسه ... وهكذا، فإن ~~لغتي هي المجموع الكلي لذاتي؛ ذلك لأن الإنسان هو الفكر.» وربما يلخص نص بيرس هذا ~~مجمل فلسفته البراجماتية التي تقوم على أن الدلالة العقلية للفظ، أو العبارة تكمن ~~في أثرها في السلوك. ثم يورد رورتي نص دريدا الذي يقول فيه: «إن بيرس يتوغل ~~بعيدا في الاتجاه الذي وصفته بأنه تفكيك لشارطية المعنى، وهو الذي يمكنه من حين ~~لآخر أن يضع نهاية مؤكدة للإحالة من علامة إلى علامة.» ويستشهد أيضا بنص من سيلرز ~~عن: «أن النزعة الاسمية السيكولوجية - التي يترتب عليها كل وعي بالأنواع ~~والتشابهات والوقائع أي باختصار كل وعي بالكيانات المجردة، بل كل وعي بالجزئيات - ~~هي مسألة لغوية.» وقول فيتجنشتين: «في اللغة وحدها يستطيع الإنسان أن يعني شيئا عن ~~طريق شيء آخر.» ms117 وقول جادامر أيضا: «أن الخبرة البشرية هي في جوهرها خبرة لغوية.» # 19 # وجميع العبارات السابقة - في رأي رورتي - لا يصح أن تجعلنا نتصور أن هناك شيئا ~~جديدا ومثيرا قد تم اكتشافه عن اللغة، بحيث يؤكد أنها أهم مما كان يعتقد من قبل. ~~فهو يرى أن عبارات الفلاسفة السابقين قد اكتفت بإبداء ملاحظات سلبية، وأنهم يقولون ~~إن كل المحاولات التي بذلت لتجاوز اللغة إلى شيء يمكن أن يؤسسها، أو شيء تعبر به ~~عن نفسها، أو تأمل في أن تكون مكافئة له، ويقولون إن كل هذه المحاولات قد باءت ~~بالفشل. # ويؤكد رورتي على أن «شمولية اللغة مسألة تتعلق باللغة التي تتحرك في فراغات تسبب ~~فيها فشل كل الفروض التي أخذت بنقط بداية طبيعية للتفكير، أي نقط بداية سابقة ~~على الطريقة التي تتكلم بها ثقافة معينة ومستقلة عنها. ومن أمثال هذه الفروض ~~والاقتراحات المرفوضة : الأفكار الواضحة المتميزة عند ديكارت، المعطيات الحسية عند ~~التجريبيين، ومقولات الفهم الخالص عند كانط، وبناءات الوعي السابقة للغة وما أشبه ذلك.» # 20 # فالفلسفة التحليلية - إذن - تمثل تحولا لغويا من جهة أنها ساعدت ~~على طرح أسئلة كانطية بدون أن تتكلم بلغة كانط عن التجربة ولا عن الوعي، أي أن ~~فلسفة التحليل اللغوي قد استطاعت أن تتجاوز الكانطية وتتبنى توجها طبيعيا ~~وسلوكيا في اللغة. وهذا الاتجاه أو التوجه قد أدى بها إلى نفس النتيجة التي انتهى ~~إليها رد الفعل الذي تمثل في فلسفة نيتشه وهيدجر. وهكذا تنتهي الفلسفة إلى نفس ~~النتيجة التي انتهى إليها تراث نيتشه وهيدجر ودريدا الذي يبدأ بنقد النزعة ~~الأفلاطونية، وينتهي بنقد الفلسفة ذاتها. بمعنى آخر، إن حصيلة الفلسفة التحليلية ~~التي تخطت النزعة الوضعية المنطقية تشبه الحصيلة التي انتهى إليها تراث نيتشه ~~وهيدجر ودريدا، مما يعني أن كلا التراثين «التحليلي والأوروبي» يوجدان الآن في ~~مرحلة الشك في وضعهما، وكلاهما يعيش حائرا بين ماض مرفوض، ومستقبل غامض لفكر ما ~~بعد الفلسفة. # هكذا يكون رورتي قد وضعنا في مأزق شديد بعد أن رسم صورة قاتمة للفلسفة في نهايات ~~القرن العشرين، ms118 فبعد أن بخس المشكلات الفلسفية قدرها، أصبح هناك نوع من الفراغ في ~~المشهد الثقافي الذي اختفت منه الفلسفة كنظام معرفي، وانطفأت وخبت شعلتها بالطريقة ~~التي خبا بها اللاهوت. وإذا كان هذا هو تصور رورتي لوضع الفلسفة في الثقافة، فما هو ~~تصوره لثقافة ما بعد الفلسفة؟ هل ينتج عن هذا ثقافة لا عقلانية بعد أن فقدت الفلسفة ~~زعمها التقليدي بأنها علمية؟ هل ستتحول الفلسفة إلى مجرد تاريخ يقوم المشتغلون ~~بالفلسفة بتدريسه في قاعات الدرس في أعداد قليلة من أقسام الفلسفة؟ أم ستتحول ~~الفلسفة إلى نوع من فلسفة اللغة، خاصة وأن البراجماتية التي ينتمي إليها رورتي ~~تؤمن بأن المشكلات الفلسفية نشأت في الأساس من فكرة كلية وجود اللغة التي أدت إلى ~~عدم قدرتنا على معرفة أن هذه المشكلات الفلسفية نشأت على وجه التحديد من أن اللغة ~~غير ملائمة للوقائع؟ وإذا كان هذا صحيحا فهل قامت البراجماتية على سوء فهم للعلاقة ~~بين اللغة والعالم؟ ~~(2) ثقافة ما بعد الفلسفة ~~(2-1) دور الفلسفة في الفكر المعاصر # أراد رورتي من نقده للفلسفة التقليدية أن يتخلص من الحصار الديكارتي الذي طوق ~~تاريخ الفلسفة، والذي يتلخص في عبارة إما/أو التي عبرت عن الثنائية التي اتسم بها ~~العصر الديكارتي والعصور التالية له، ووضعت الإنسان أمام خيارين لا بديل لهما، إما ~~أن يسلم بوجود أسس ثابتة، أو أن يواجه بالفوضى العقلية. لذلك كان هدف رورتي من ~~نقده للتراث الفلسفي هو أن يحرره من هذه الثنائية، بحيث نحتاج - لكي نفهم الأمور ~~التي أراد لنا ديكارت أن نفهمها - نحتاج أن «نتحول إلى الخارج بدلا من الداخل، وأن ~~نتجه إلى السياق الاجتماعي للتبرير ( # justification ~~) ~~العقلي أكثر مما نتجه إلى تمثلات داخلية، وتشجع على اتخاذ هذا الموقف تطورات فلسفية ~~ظهرت في العقود الحديثة للقرن العشرين، ومن أهمها المحاولات التي ظهرت عند ~~فيتجنشتين في بحوثه المنطقية، وعند كون في بنية الثورات العلمية»، # 21 # فإذا ما أخذنا في الاعتبار رأي هذا الأخير - أعني توماس كون - في أن ~~كل ثورة علمية لا بد أن يصاحبها نموذج إرشادي ms119 مغاير للمعرفة العلمية السابقة على ~~هذه الثورة، فإنه يترتب على هذا - وطبقا لما يعنيه رورتي - أنه ليس هناك نظام ~~معرفي تأسيسي واحد تتمركز حوله الثقافة في أي مجتمع ويهيمن على كل تجلياتها، لا ~~الفلسفة ولا التاريخ ولا العلم ولا أي نظام آخر، فليس هناك جزء من الثقافة أكثر ~~تميزا من الأجزاء الأخرى، بما يعني أن كل فترة زمنية لها نموذج إرشادي مخالف ~~للفترة السابقة عليها، وأنه ليست هناك أسس أبدية وثابتة تفرضها الفلسفة على ~~الثقافة. وهذا النموذج الإرشادي المتغير يفرضه السياق الاجتماعي والاعتقادات ~~والممارسات الاجتماعية واللغوية في كل فترة تاريخية. # قد يفهم مما سبق أنه من الممكن أن تتشكل الثقافة في أي مجتمع معاصر بدون فلسفة. ~~وإذا كان يصعب علينا أن نتخيل المشهد الثقافي بدون فلسفة، فإنه من الصعب أيضا أن ~~نتخيل ما يمكن أن تكون عليه الفلسفة بدون الإبستمولوجيا التي وجه رورتي لها سهام ~~النقد، كما يصعب أيضا أن نصف نشاطا ما بأنه فلسفي ما لم يتضمن طريقة أو منهجا ~~للمعرفة. إذن فما هو تصور رورتي للدور الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة في الثقافة ~~المعاصرة؟ # ربما كانت نقطة البداية عنده هي التخلي عن الفكرة الأساسية في الفلسفة التقليدية، ~~وهي أن للإنسان جوهرا تنعكس على مرآته بدقة كل معرفتنا عن العالم الخارجي: ~~«علينا أن نخلص خطابنا تماما من كل الاستعارات البصرية، وبخاصة الاستعارات التي ~~تعكس شيئا داخليا أو خارجيا»، # 22 # ولكن التخلي عن فكرة المرآة يؤدي إلى التخلي عن الفلسفة بوصفها نظاما ~~معرفيا، مما يترتب عليه التخلي أيضا عن فكرة الفلسفة المتمركزة حول ~~الإبستمولوجيا؛ ولذلك تكون «السلوكية المعرفية» التي يقول بها رورتي ضد فكرة ~~«الكيانات العقلية» أو العمليات السيكولوجية، وضد الصورة التي تؤكد أن للإنسان ~~ملكات أسمى، وهي الصورة التي اشترك في تكوينها كل من ديكارت ولوك، ولكن آثار هذه ~~الصورة تم محوها في رأي رورتي من قبل عدد من الفلاسفة مثل ديوي وأريل وأوستن ~~وفيتجنشتين وسيلرز وكواين. ومن ثم تكون «السلوكية المعرفية» هي رد الفعل على ~~نظرية المعرفة التي ms120 حصرت نفسها في إطار أسس ثابتة وتمثلات عقلية (فلكي نكون ~~عقلانيين وأبستمولوجيين لا بد أن نبحث عن أسس مشتركة ومتفق عليها بيننا وبين ~~الكائنات البشرية الأخرى)، ويفترض رورتي أن سيلرز وكواين على وجه التحديد «جعلانا ~~نملك نوعا جديدا وأفضل من الإبستمولوجيا السلوكية، ولكن بعد التخلي عن ~~الإبستمولوجيا التأسيسية بدا هناك نوع من الفراغ بحاجة إلى أن يملأ.» # 23 # كان من الطبيعي أن تظهر بعض العلوم البديلة التي تحاول ملء هذا الفراغ. وقد ~~كانت الهرمنيوطيقا أحد هذه العلوم. ويوضح رورتي أنها - أي الهرمنيوطيقا -: «ليست ~~اسما لنظام معرفي، ولا هي منهج يحقق نوعا من النتائج التي فشلت الإبستمولوجيا في ~~تحقيقها، ولا هي برنامج للبحث، ولكنها على العكس من ذلك تعبير عن الأمل الذي خلفه ~~الفضاء الثقافي ولا تملؤه الإبستمولوجيا»، # 24 # وهذا هو الذي أكده جادامر أيضا في كتابه «الحقيقة والمنهج» حيث قال ~~إنها - أي الهرمنيوطيقا -: «ليست منهجية للعلوم الإنسانية ، بل محاولة لفهم ما هي ~~العلوم الإنسانية على حقيقتها وما وراء وعيها الذاتي بشكل منهجي، وماذا يربط هذه ~~العلوم بتجربتنا في العالم»، # 25 # وإذا كان تاريخ الفلسفة قد تشكل من خلال البحث عن القياسية أو ~~المعيارية، وهي التي تبلورت في الفلسفة الحديثة وميزت الإبستمولوجيا، فإن رورتي ~~برفضه لهذا التراث ولكل ما هو قياسي لا يفهم الهرمنيوطيقا بوصفها منهجا جديدا أو ~~نظاما معرفيا أو وسيلة جديدة لتحقيق القياسية. # يعيب رورتي على الفلاسفة التقليديين هروبهم من التاريخ، بمعنى أنه يعيب عليهم ~~تناولهم للمشكلات الفلسفية من منظور غير تاريخي، ويأخذ عليهم رؤيتهم للعالم «من ~~منظور الأبدية» على حد تعبير اسبينوزا، وينظر للمشكلات الفلسفية من منظور زماني ~~تاريخي متغير. إنه لا يريد إيجاد بديل للنظم المعرفية الإبستمولوجية - على الرغم من ~~أنه لا ينكر الدور الهام الذي قامت به الإبستمولوجيا في التقدم العلمي وفي المشهد ~~الثقافي في الفلسفة الأوروبية - بل يريد تحويلا أو تغييرا في اتجاه الفلسفة ذاتها ~~في الفكر المعاصر. إن ما «يريد رورتي أن يقوله لنا هو أن تاريخ الفلسفة، مثله مثل ~~كل ثقافة، هو سلسلة ms121 من المصادفات أو العرضيات، هو تاريخ نشأة وزوال ألعاب اللغة ~~المختلفة وأشكال الحياة»، # 26 # كما أن فهمه للفلسفة يسقط الفكرة الأساسية التي تزعم أن الفلاسفة هم ~~الصفوة العارفة بأشياء لا يعرفها غيرهم من البشر، أي أنه يسقط زعم الفلاسفة بأنهم ~~ملاك الحقيقة. # والواقع أن رورتي يقسم الفلاسفة إلى قسمين: فلاسفة نسقيين، وهم الذين يزخر بهم ~~تاريخ الفلسفة، وفلاسفة يطلق عليهم اسم فلاسفة الهداية. وهو يفضل استخدام هذه ~~الكلمة عن كلمة التربية # education # التي يجدها ~~شديدة التسطح، وعن كلمة # Bildung ~~(التي تعني التثقيف ~~أو التكوين) التي تبدو شديدة الغرابة: «سوف استخدم كلمة # edification ~~(الهداية أو الإرشاد) لكي تعبر عن ~~مشروع إيجاد طرق أفضل وأكثر جدة وأكثر تشويقا وأكثر نفعا في الكلام # speaking ~~. إن محاولة الإرشاد لأنفسنا وللآخرين ربما ~~تساعدنا بالمعنى الهرمنيوطيقي أو التأويلي على إقامة روابط بين ثقافتنا وثقافة أخرى ~~غريبة، أو بينها وبين مرحلة تاريخية معينة، أو في محاولة إقامة صلة بين نظامنا نحن ~~(في القول والتفكير) وبين نظام آخر يبدو أنه يترسم أهدافا أو غايات بعيدة بلغة غير مألوفة»، # 27 # أعود فأقول إن هؤلاء الفلاسفة الهداة أخذوا على عاتقهم الشك في الفلسفة ~~القائمة على القواعد القياسية، ومن هؤلاء الفلاسفة ديوي وفيتجنشتين وهيدجر الذين ~~يعتبرهم رورتي من أعظم فلاسفة القرن العشرين: «في عصرنا ثلاثة من كبار المفكرين ~~الهداة # edifying # هم ديوي وفيتجنشتين وهيدجر، لقد ~~بذلوا أقصى جهدهم لكي يجعلوا من الصعب علينا أن نعتبر فكرهم تعبيرا عن المشكلات ~~الفلسفية التقليدية، وأن نتصور خطأ أنهم يقيمون اقتراحات بنائية للفلسفة.» # 28 # ومحاولة الهداية أو الإرشاد لأنفسنا يمكن أيضا أن تقوم على فعل لغوي يبدع ~~أهدافا جديدة وكلمات جديدة وأنظمة جديدة مخالفة لما هو متبع في المنهج التأويلي، ~~أي محاولة تفسير كل ما يحيط بنا وما هو مألوف لنا من خلال المصطلحات غير المألوفة ~~لابتكاراتنا أو إبداعاتنا الجديدة. وفي الحالتين (أي في حالة الموافقة أو المخالفة ~~مع المنهج التأويلي) تقوم هذه العملية بالهداية أو الإرشاد بغير أن تكون إنشائية، ~~على الأقل إذا كان ms122 المقصود بما هو إنشائي أو بنائي هو ذلك النوع من التعاون لإنجاز ~~برامج بحثية على نحو ما يتم في الخطاب العادي أو الكلام العادي. ذلك لأن الخطاب ~~الإرشادي يفترض فيه أن يكون غير مألوف، وأن يأخذنا بعيدا عن ذواتنا القديمة بفضل ~~ما فيه من غرابة شديدة، وأن يساعدنا على أن نصبح كائنات جديدة. فإذا كان الفلاسفة ~~النسقيون العظام - شأنهم شأن العلماء العظام - يبنون نظمهم من أجل الأبدية، فإن ~~الفلاسفة الهداة يقومون بالهدم، أو يمارسون عمليات الهدم لصالح جيلهم الحاضر، وهم ~~يفزعون من تصور أن لغتهم يمكن أن تصبح مؤسسية أو أن كتاباتهم يمكن أن تقاس على ~~الكتابات التراثية: «إن الفلاسفة النسقيين العظام هم فلاسفة إنشائيون ويقدمون حججا ~~وبراهين، أما الفلاسفة الهداة العظام فهم فلاسفة رد فعل، ويقدمون ألوانا من ~~السخرية والتهكم ومن الحكم الموجزة، وهم يعلمون أن أعمالهم ليست أبدية، وأنها قد ~~تنتهي بانتهاء العصر الذي كانوا يقاومونه. إنهم يبدون وكأنهم يتعمدون أن يكونوا ~~فرعيين أو هامشيين ومختلفين عن الفلاسفة النسقيين العظام الذين يبنون للأبدية. إنهم ~~- أي الفلاسفة الهداة - يهدمون من أجل جيلهم الذي يعيشون فيه ولا يهدفون كما يفعل ~~الفلاسفة النسقيون أن يضعوا فلسفاتهم على طريق العلم المأمون. إنهم يريدون أن ~~يفتحوا كل السبل أمام الإحساس بالدهشة الذي يستطيع الشعراء في بعض الأحيان أن ~~يحدثوه. وهي الدهشة أو العجب من أن هناك شيئا جديدا تحت الشمس، شيء ليس مجرد ~~تمثيل دقيق لما كان موجودا من قبل، شيء لا يمكن تفسيره ولا يكاد يوصف وصفا دقيقا.» # 29 # لم يقرر الفلاسفة الهداة الذين يمجدهم رورتي حقائق نهائية، ولم يسيروا في الفلسفة ~~على طريق العلم الموضوعي المأمون. قد يفهم من هذا أن رورتي ضد الحقيقة الموضوعية، ~~وربما يكون هذا صحيحا إلى حد كبير، ولكن لا بد من توضيح أنه - شأنه شأن بعض ~~الفلاسفة الوجوديين - ليس ضد الحقيقة الموضوعية كما هي في العلوم الطبيعية وفي ~~التاريخ، ولكنه يقر بأنها طريقة واحدة من بين طرق أخرى عديدة يمكن أن توصلنا إلى ~~وصف أنفسنا، وإن ms123 كان من الممكن أن تخدعنا وتحول دون إتمام عملية الهداية أو ~~الإرشاد. وتعود أهمية الرأي الذي يقر بأننا لا نملك ماهية ثابتة إلى أنه «يسمح ~~لنا بأن ننظر إلى أوصافنا لأنفسنا كما نجدها في واحد من العلوم الطبيعية أو فيها ~~مجتمعة، كما يسمح لنا بأن نعتبر هذه الأوصاف متكافئة مع الأوصاف البديلة المتعددة ~~التي يقدمها الشعراء والروائيون وعلماء النفس التحليلي والنحاتون وعلماء ~~الأنثروبولوجيا والمتصوفة. والخلاصة أن هذه الأوصاف أو التمثلات لا يصح أن نعتبرها ~~تمثلات تفوق غيرها بحجة أن العلوم يتم الإجماع فيها أكثر مما يتم في الفنون ~~والآداب، فالواقع أنها مجرد أوصاف ضمن رصيد كبير من الأوصاف الذاتية الممكنة.» # 30 # بهذا المعنى السابق يجب أن ننظر إلى الفلسفة الإرشادية باعتبارها حبا للحكمة، ~~ودعوة للحوار، أو «محاولة للحيلولة دون تحول الحوار إلى بحث. إن الفلاسفة الهداة ~~لا يمكنهم أن ينهوا الفلسفة، ولكنهم يساعدون على منعها من أن تسير على طريق العلم ~~الموضوعي والنهائي.» # 31 # بهذا المعنى يدخل الفلاسفة الهداة في محادثة، وينظرون للفلسفة على أنها ~~حكمة عملية ضرورية للمشاركة في الحوار، ولا يقرون حقائق نهائية ثابتة. وهذا هو ما ~~يعنيه رورتي على وجه التحديد، فإذا نظرنا إلى عملية المعرفة لا باعتبارها تحصيلا ~~لماهية يمكن أن يصفها العلماء أو الفلاسفة، «فإننا نكون قد وضعنا أنفسنا بذلك على ~~طريق النظر إلى الحوار أو المحادثة باعتبارها السياق النهائي الذي يمكن أن تفهم ~~المعرفة من خلاله. ومن ثم يتحول اهتمامنا من التركيز على العلاقة بين البشر ~~والموضوعات التي يبحثونها إلى التركيز على العلاقة القائمة بين المعايير المختلفة ~~للتبرير، ومن ثم إلى التغيرات الفعلية التي تعتري هذه المعايير التي تصنع التاريخ العقلي.» # 32 # ومع ذلك فإن التقابل بين الرغبة في الهداية (التي هي هدف فلاسفة رورتي المفضلين)، ~~والرغبة في الحقيقة (التي هي هدف الفلاسفة النسقيين) لا يعد في رأي رورتي - وهو ~~الرأي الذي يتفق فيه مع جادامر - تعبيرا عن توتر يحتاج إلى حل أو توفيق. وإذا كان ~~هناك ثمة صراع بين الضدين فهو صراع بين ms124 النظرة الأفلاطونية - الأرسطية التي ترى ~~الطريق الوحيد للهداية «إلى الحقيقة» هو أن نعرف ما يوجد في الخارج، أي نعكس ~~الوقائع بدقة ونحقق ماهيتنا عن طريق معرفة الماهيات، وبين وجهة النظر التي ترى أن ~~البحث عن الحقيقة هو أحد الطرق الكثيرة التي يمكن أن توجهنا وترشدنا. ويرى رورتي أن ~~جادامر كان محقا عندما أشاد بنجاح هيدجر في استخلاص طريقة في البحث عن المعرفة ~~الموضوعية (التي بدأها الإغريق واستخدموا فيها الرياضيات كنموذج) باعتباره مشروعا ~~بشريا من بين مشاريع أخرى كثيرة. # هكذا يفترض رورتي - كسائر البراجماتيين - أنه لا يجب السؤال عن طبيعة الحقيقة أو ~~الخير أو الدخول في مثل هذه الموضوعات الغامضة. إنه يريد تغيير موضوع الفلسفة، ~~وبمعنى أكثر دقة يريد أن تنفتح الفلسفة على ميادين ونظم أخرى غير فلسفية، ولكن ~~ليس معنى هذا أنه يطالب الفلاسفة بأن يتخلوا عن صرامة التفكير أو دقته، بل إن اتساع ~~دائرة الفلسفة بالتفاعل مع الأنظمة والميادين الأخرى ومع علوم أخرى مختلفة، سيجعلها ~~تؤسس علاقة حميمة بين الفكر والحياة وخلق نوع من التوازن بينهما يساعد على إيجاد ~~أفضل الطرق للتعامل مع التجربة، بحيث يكون للنشاط العقلي نتائج عملية متصلة ~~بالسلوك. من هنا كان هجومه (أي رورتي) على البعد الإبستمولوجي للتفكير الفلسفي الذي ~~تجاهل الأبعاد الأخرى لمظاهر التجربة الإنسانية. وعندما تتخلى الفلسفة عن انشغالها ~~التقليدي بالبحث عن الحقيقة، وتهدم مفرداتها البالية القديمة التي لم تعد تخدم ~~الحاضر، عندئذ سيبرز الدور الجديد للفلسفة الذي يتلخص في اختراع نظريات ومفردات ~~جديدة، وهو دور ليس مقصورا على الفلاسفة وحدهم، بل من الممكن أن يشارك فيه باحثون ~~من ميادين ونظم أخرى. والسؤال الآن: ما هي سمات الدور الجديد للفلسفة كما يتصوره ~~رورتي؟ وما هي علاقة هذا الدور الجديد بالواقع؟ ~~(2-2) دور اللغة في الفلسفة المعاصرة # يربط رورتي بين الدور الجديد للفلسفة في الفكر المعاصر وبين اللغة، وهو في رأيه ~~هذا يساير الاتجاه إلى فلسفة اللغة الذي ساد جل الفلسفات المعاصرة، والذي لا يرى ~~أهمية ولا قيمة لأي موضوع فلسفي سوى فلسفة اللغة ms125 بما تتضمنه من البحث في مشكلات ~~لغوية ونحوية تهم علماء اللغة، ومشكلات فلسفية تهتم بوضع نظريات في المعنى. ويؤكد ~~رورتي أن التحرر من أسر الفلسفة التراثية يساعدنا إلى حد كبير على إدراك دور ~~الفلسفة في التعامل اللغوي أو التخاطب مع الجنس البشري؛ فالتغير التاريخي يأتي ~~بواقع جديد يصاحبه معرفة جديدة بمفردات جديدة. ولا يتم هذا على مستوى الظروف ~~التاريخية والاجتماعية للمجتمع البشري فحسب، بل على مستوى المجتمع العلمي أيضا؛ ~~فالاكتشافات العلمية الجديدة لا يتم شرحها بمفردات نظريات سابقة، بل تستحدث مفردات ~~جديدة كتلك المفردات التي فرضتها النظريات العلمية الحديثة - مثل الذرة، الجزيء ~~... إلخ - لأن الحقائق الجديدة ولدت أوصافا ونظريات جديدة. من هنا تأتي أهمية اللغة ~~المصاحبة لنمو المعرفة، مما يترتب عليه أن التغيرات الجديدة يصحبها تغير لغوي، بل ~~إن هذه التغيرات هي التي توسع آفاق المعرفة. ومن هنا فإن اللغة تؤدي دورا هاما ~~في ثقافة ما بعد الفلسفة. # والواقع إن ما يسمى بالتحول اللغوي في الفلسفة جاء على أيدي العديد من الفلاسفة. ~~فقد ظهرت بوادره الأولى عند بيرس في نظريته عن العلامات، ثم كان فيتجنشتين هو نقطة ~~التحول والمنعطف الجديد في الفلسفة المعاصرة عندما رد الفكر إلى اللغة ورد العالم ~~الخارجي إلى وقائع، وسار في اتجاه التحول اللغوي الذي تابعه بعد ذلك رايل وأوستن. ~~وقد كان لفيتجنشتين - في فلسفته المتأخرة - تأثير كبير على الفكرة الأساسية عند ~~رورتي التي تدور حول ربط الفكر بالحياة أو الواقع عن طريق اللغة، فهذه الأخيرة - أي ~~اللغة - تساعدنا على التلاؤم أو التوافق مع العالم عن طريق الاستخدام الناجح لها. ~~وهذا هو الدور الجديد الذي على الفلسفة أن تضطلع به في الفكر المعاصر. كما كان ~~الاتجاه السلوكي في فهم فيتجنشتين للغة ووظيفتها الذي تبينه هذه العبارة: «إننا ~~في الواقع نفعل أشياء كثيرة بالجمل التي نقولها»، # 33 # أقول كان لهذا الاتجاه السلوكي أثره على رورتي عندما أكد على المكانة ~~التي تحتلها اللغة في الفكر المعاصر وكيف تتحول إلى ما يمكن أن نسميه بالسلوكية ~~اللغوية. لقد كان فيتجنشتين ms126 هو أحد الفلاسفة الذين ساعدوا رورتي على السير في هذا ~~الاتجاه؛ فتقرير فيتجنشتين عن كيفية حصولنا على الكلمات الدالة على الألوان تشير ~~إلى طريقة أخرى في وصف علاقتنا بالواقع. إنه يرى أن معرفتنا بالألوان تتجلى في ~~السلوك الذي نقوم به تجاه الألوان، وجزء من هذا السلوك لغوي، أي أنه يقوم على تحديد ~~الألوان وتصنيفها، والقدرة على التقاط الأشكال الملونة والإشارة إليها بشكل صحيح، ~~ورؤيتنا للألوان بشكل واقعي تتجلى في الأداء الناجح للأنشطة مصحوبة بالكلمات ~~الملائمة. وهذا هو السبب الذي جعل فيتجنشتين يقول بصورة حادة إن الإجابة الصحيحة ~~على السؤال كيف تعرف أن هذا اللون أحمر؟ هي أنني تعلمت اللغة الإنجليزية. # 34 # والمغزى من هذه العبارة السابقة هو أن اللغة هي المرجع والمدخل الذي ~~نثق به للولوج إلى الواقع، وعندما نقول إن الواقع هو ذلك الذي نعتمد عليه أو نثق ~~به، فإننا بهذا القول نعترف بأننا نؤدي الوظيفة اللغوية بشكل صحيح؛ فكينونة العالم ~~الواقعي أو واقعية العالم تتكشف من خلال الاستخدام الناجح للغة. # ويؤكد رورتي وجه نظر فيتجنشتين التي يقرر فيها أننا لا نستطيع أبدا أن نهرب من ~~متاهة اللغة فيقول: «إن العالم هناك في الخارج، أما أوصافنا للعالم فليست كذلك؛ لأن ~~العالم لا يتكلم، ولكننا نفعل ذلك.» # 35 # يفهم من هذه العبارة أن أوصاف العالم ليست سوى سلوك لغوي نقوم نحن به. ~~وربما كان هدف رورتي من هذه العبارة هو معارضته لكل محاولة للربط بين أي تعبير ~~لغوي أو أية فكرة وبين شيء آخر غير لغوي في إطار نظرية الصدق أو التطابق المزعومة. ~~فنحن لا نستطيع - في رأيه - أن نتبين ما تحيل إليه عبارة أو فكرة أو مفهوم إلا ~~من خلال تعبير لغوي آخر، وليس ثمة سبيل آخر يجعل الفكر يتلمس الواقع: «إن القول ~~بأن الحقيقة أو الصدق ليست في الخارج هو القول ببساطة أنه حيث لا توجد عبارات لغوية ~~فلا توجد حقيقة، وأن العبارات هي عناصر مكونة للغة البشرية، وأن اللغات البشرية هي ~~إبداعات بشرية»، # 36 # إن العبارات الصادقة ms127 ليست مجرد إحالات إلى شيء وراءها، وإنما هي تعرض ~~علينا الواقع الذي يتكون منه نسيج تجربتنا، فهي لا تعطينا شكل أو صورة الواقع، ~~وإنما تمدنا كذلك بجوهر هذا الواقع. بهذا المعنى تربط اللغة بين التجربة البشرية ~~والواقع. وبمعنى أكثر وضوحا إن علاقة اللغة بالواقع تعبر في الحقيقة عن ~~معتقداتنا وآمالنا ورغباتنا وخبراتنا في هذا الواقع. # إن اللغة - كما يقر بهذا فيتجنشتين وأوستن - ليست مجرد لغة فقط؛ لأن الممارسات ~~اللغوية هي ظواهر جوهرية في حياتنا تمدنا بمعتقدات صادقة نوجه سلوكنا وفقا ~~لها. فمن المعروف أن الاعتقاد - إذا ما استبعدنا المدلول الديني لهذه الكلمة - هو ~~اقتناع الإنسان بفكرة أو معتقد أو قضية ما لأسباب يراها المعتقد بهذه الفكرة مبررة ~~ومقبولة لديه، حتى لو لم تكن كذلك بالنسبة للآخرين، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى السلوك ~~وفقا له. بمعنى آخر إن إيماننا بصدق معتقداتنا يحرك سلوكنا ويعطي لحياتنا معنى، ~~وبذلك تصبح المعرفة جزءا من العملية السلوكية وليست مسألة ميتافيزيقية. والاعتقاد ~~في صدق القضايا اللغوية يقوم إلى حد كبير على الاتفاق الجمعي على معاني الكلمات. ~~فالكلمة الدالة على لون من الألوان، أو عضو من أعضاء الجسد، لا تفهم إلا في ضوء ~~اتفاق مجتمع لغوي ما على معنى محدد لها، وترتيب حياته وسلوكه وفقا لذلك. معنى ~~هذا أن اللغة أيضا - مثلها مثل كل الإبداعات البشرية - هي نتاج الزمن والتغير، لم ~~تظهر اللغة لتتلاءم مع بناءات سابقة الوجود، بل يمكننا أن نقول: «إن اللغات أيضا ~~عرضية # contingent # بمعنى أن العلاقة التي تربط بين ~~الأصوات والعلامات التي يصنعها مستخدمو اللغة، وما يصاحب هذه الاستخدامات هي مخترعة ~~وغير طبيعية # non-natural ~~، أي أن الصوت ~~المستخدم لكي يشير إلى الماء - على سبيل المثال - هو صوت اعتباطي # arbitrary ~~، وهذا الصوت وليس صوتا آخر قد تم ~~تداوله في هذا المجتمع. وربما يكون هذا الصوت مختلفا في مجتمع لغوي آخر، وهو في ~~حقيقة الأمر مختلف، حتى على الرغم من أنه يشير إلى نفس الجسم وهو الماء.» # 37 # أصبحت المعرفة عند رورتي - مثله في ذلك مثل ms128 سائر البراجماتيين الذين يعد ~~امتدادا لهم - خبرة حيوية نافعة تعرفنا بأنفسنا والواقع من حولنا. ولذلك فهو لا ~~يفهم العالم بوصفه مجموعة من المعاني التي لها وجود مسبق، والتي تكتشف من خلال ~~الفكر؛ لأنه يريد أن يفسح المجال للاكتشافات والمعارف الجديدة والمساهمات الخلاقة ~~من خلال الاستعارات والنظريات الجديدة. فنحن لا نجد العالم سلسلة من الظواهر التي ~~نعبر عنها باللغة، وإنما نحن الذين نصنع العالم من خلال اللغة، وما تمسك به اللغة ~~ليس شيئا وهميا؛ لأن الاستخدام اللغوي الناجح يقاس بإضفاء الواقعية والموضوعية ~~على خبراتنا. وبهذا المعنى تكون الظواهر التي نتلاءم معها، والتي تنعكس في سلوكنا ~~قد أحسن صنعها أو إبداعها عندما نجد طريقنا في العالم، ونفهم كل ما يحيط بنا. ~~بذلك يفهم رورتي اللغة فهما براجماتيا وسلوكيا مجاريا في ذلك ديوي ~~وفيتجنشتين، حيث أصبحت اللغة عندهما صورة من الحياة يطورها الإنسان وفق أغراضه ~~ونشاطه الحيوي. وتكشف اللغة أيضا - كما نرى عند فيتجنشتين - عن تشكيلات لغوية ~~لألعاب متنوعة تستخدم فيها الكلمات والجمل استخدامات تفرض عليها معانيها، بحيث ~~يتغير هذا المعنى إذا ما اختلفت اللعبة التي ترد فيها: «هناك عدد لا يحصى من ~~الأنواع المختلفة لاستخدام ما نسميه «بالرموز» أو «الكلمات» أو «الجمل». وهذه ~~الكثرة المتنوعة ليست ثابتة بحيث نعرفها مرة واحدة وإلى الأبد، بل يمكننا القول بأن ~~هناك أنماطا جديدة للغة، وألعابا - لغوية جديدة تستحدث، بينما يكون قد توقف ~~استخدام أنماط وألعاب - لغوية أخرى أصبحت مهملة وفي عداد النسيان.» # 38 # إن محاولة رورتي التي تتبعناها فيما سبق للتخلص من الصور المرآوية في تاريخ ~~الفلسفة أو من فكرة المعرفة كمرآة جعلته يستخدم كلمة التلاؤم أو التوافق مصحوبة ~~بحرف الجر «مع» # coping with # التي لا يقصد بها ~~التلاؤم مع شيء محدد، بل التلاؤم المفتوح على إمكانات كثيرة كالتلاؤم أو التوافق مع ~~النفس ومع الآخر، ومع المشكلات، أو مع التجربة والعالم. وربما يكون الهدف من فكرة ~~«المعية» - التي تحمل دلالات الأنصار أو الاندماج أو الارتباط المباشر بالموضوع - ~~هو تجنب التفرقة الثنائية الشهيرة في تاريخ الفلسفة ms129 بين الذات والموضوع، والعارف ~~والمعروف، والظاهرة والشيء في ذاته. وعملية التلاؤم مع غير المألوف مهمة شاقة ~~وعسيرة تتطلب منا استحداث أدوات ومفردات جديدة، ونماذج إرشادية جديدة، واستعارات ~~جديدة، ونظريات واعتقادات لم يفسح لها المجال بعد. ويعتبر رورتي أن الكتابة هي أحد ~~العوامل الأساسية التي تساعدنا على التلاؤم، وإن كان يرفض تصنيف الكتابة إلى أجناس ~~مختلفة (أدبية أو فلسفية ... إلخ)، وينظر إلى كل كتابة إبداعية على أساس أنها نوع من ~~الأدب بما في ذلك الأعمال الفلسفية، وربما تكون حجته في هذا هي اختفاء الحدود ~~الفاصلة بين النظم المعرفية في عصرنا، وتداخل هذه النظم في بعضها البعض يقلل من شأن ~~التصنيف الحاد لأجناس الكتابة. وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه في الرأي المثير للجدل ~~والخلاف، فإن الكتابة هي أحد أشكال الإبداع البشري التي تساهم بشكل فعال في عملية ~~تلاؤم الإنسان أو توافقه مع نفسه ومع العالم والتجربة. ~~(2-3) استبدال إبداع-الذات بالوعي-الذاتي # يتضح من كل ما سبق رفض رورتي للمعرفة التقليدية التي تتم بين ذات عارفة موضوع ~~للمعرفة، بل وذهابه إلى أبعد من هذا عندما وصف الوعي - الذاتي في التراث الديكارتي ~~بأنه نوع من خداع - الذات. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يثور السؤال. كيف يمكن ~~إذن معرفة الذات؟ إنها في رأي رورتي معرفة تتم عن طريق إبداع - الذات ولكن كيف يمكن ~~أن يكون إبداع - الذات نوعا من المعرفة؟ وما الهدف منها؟ وكيف تتم؟ # يتفق رورتي مع فرويد في اقتناعه بأن الإبداع الذاتي هو الذي يميز الكائنات ~~البشرية عن غيرها من الكائنات الأخرى، كما يتفق معه أيضا في إعطائه العوامل ~~العرضية أهمية خاصة في عملية إبداع - الذات. إن صنع أو إبداع - الذات هو صراع ~~إنساني هدفه تدبير وسيلة للوجود، وإضفاء المعنى والقيمة عليه. فالإنسان ليس جوهرا ~~أو ماهية ثابتة سابقة التجهيز، بل إن «حياة الإنسان تشبه قصيدة غير منتهية»، # 39 # كما أن شبكة اعتقاداته ورغباته وآماله وطموحاته لا يمكن أن تكون مسيرة ~~مكتملة بشكل نهائي. إن اعتقادات ورغبات ومصالح وسلوك الكائنات البشرية تسمح ms130 ~~بالتغيرات والتقلبات التي لا يمكن التنبؤ بها، فكما «أن معرفتنا عن العالم تتغير في ~~ضوء الإسهامات العرضية للغتنا المتغيرة، كذلك يتغير مفهومنا عن أنفسنا.» # 40 # وليست الذات الإنسانية مجموعة محكمة من الملكات - كما هي عند كانط - ~~ولكنها تتشكل أيضا من العديد من العرضيات والمصادفات والمواقف غير المتوقعة أو ~~المتنبأ بها. وهذه الصدفة أو هذه العرضية ليست على مستوى الكائنات البشرية فحسب، بل ~~هي أيضا على مستوى العالم كما يؤكد وليم جيمس: «إن تشبثت بعالم كامل الصنع، فإني ~~لا أزال أعتقد أن عالما به صدفة أفضل وأحسن من عالم خال منها»؛ # 41 # لأن ما يستحق المعرفة هو ما ليس مكتملا وما يزال مفتوحا على الصدفة ~~غير المتوقعة. وفي هذه الحالة يصعب أن نتصور وجود نموذج لكائنات بشرية ثابتة، وقد ~~أسهم فرويد في هدم هذه الصورة - أعني صورة وجود شيء بشري حقيقي معد مسبقا - ~~عندما بين تأثير الخيال غير الواعي أو اللاشعوري والدور الذي يلعبه في تشكيل ~~الذات الإنسانية، هذا بالإضافة إلى الوعي والتفكير، إلى جانب ردود الأفعال غير ~~المتنبأ بها للاوعي والجوانب الغريزية الغائرة في الكائنات البشرية. الصدفة أو ~~العرضية إذن تلعب دورا هاما في عملية إبداع-الذات، والأفراد المبدعون فقط هم ~~الذين لديهم القدرة والمهارة الكافية للتعرف على - بل وتحديد - العرضيات والإمساك ~~بها وتحويلها إلى وقائع هامة «إذا أمسكنا بالعرضيات الخاصة الحاسمة في ماضينا فسوف ~~نصبح قادرين على صنع شيء ذي شأن لأنفسنا، وإبداع ذوات حاضرة نستطيع أن نحترمها.» # 42 # إن المصادفات والعرضيات تقتحم حياتنا، وبما أننا لا نستطيع التأثير في مجرى هذه ~~المصادفات فعلينا مواجهتها. وإذا كانت حياتنا في بعض جوانبها محكومة بالصدفة التي ~~لا يحكمها قانون، وفي بعضها الآخر بظروف سياسية وتاريخية مفروضة علينا، فإن «الكثير ~~من الأحداث الهامة في حياتنا تنبع من ردود أفعالنا لمواجهات عرضية مع أناس آخرين ~~ومواقف غير متوقعة. فنحن نحدد أنفسنا في مواجهة التحديات التي وضعتها في طريقنا ~~ظروف بشرية وغير بشرية، أو نحن نفشل في مواجهتها. وهكذا تكون الشخصية الإنسانية ~~شيئا يصنع، عملا ms131 فنيا.» # 43 # ولا مهرب لنا من أن نأخذ في حسابنا المصادفات أو العرضيات والأخطار، بل ~~والفروض التي تظهر في حياتنا على غير توقع، وإذا كنا لا نستطيع أن نتجنب مثل هذه ~~الأمور فإن مهمتنا هي الوعي بها ومواجهتها كما سبق القول. # لكن هل يملك جميع الناس هذا الوعي بعرضيات الحياة؟ حقيقة الأمر أن الأفراد ~~الأقوياء فقط هم القادرون على إدراك مثل هذه العرضيات والإمساك بها لتساعدهم على ~~إبداع ذواتهم، ومن هؤلاء - في رأي رورتي - نيتشه والشعراء النوابغ الذين استطاعوا ~~أن يحولوا حياتهم إلى إبداعات أدبية، وأن يبدعوا استعارات وأوصافا جديدة، ~~ويحولونها من السياق الخاص إلى السياق العام: «إن التقدم الشعري، والفني، والفلسفي، ~~والعلمي أو السياسي ينتج من الصدفة العرضية لهاجس خاص مع حاجة عامة.» # 44 # وعملية إبداع الذات هي مهمة كل فرد وليست مقصورة فحسب على الشعراء ~~الموهوبين الذين يملكون القدرة على خلق استعارات ومفردات جديدة. وإذا كنا قد أكدنا ~~من قبل أن اللغة متغيرة، وأنها نتاج الزمن والظروف التاريخية، فإنه يترتب على ذلك ~~أن كل تغير تاريخي يصاحبه تحول لغوي، وأن الاكتشافات غير المتوقعة تساعد على ~~إيجاد مفردات جديدة، حيث تصبح المفردات الموجودة بالفعل بالية وغير كافية. كما أن ~~وضع نظريات جديدة يستدعي التغلغل في جوانب غير معروفة للظاهرة موضوع البحث، بحيث ~~تنمو المعرفة من صراع المفردات الجديدة مع القديمة، وتنمو المعرفة وتتطور مع نمو ~~وتطور الجنس البشري. # بهذا المعنى السابق نكون نحن جميعا شعراء في إبداع الذات، ولكن بعضنا فقط هم ~~الشعراء العظام، أي أن كلا منا يبدع ذاته بشكل مختلف. ومعنى هذا أن رأي ~~رورتي في الذات الإنسانية ليس رأيا نخبويا، أي أنه لا يتحدث عن نخبة أو صفوة من ~~البشر لديهم مواهب أو قدرات خاصة لإبداع-الذات، وحديثة عن إبداع مفردات واستعارات ~~جديدة ليس مقصورا على فئة الشعراء فحسب - باعتبارهم الفئة التي تربطها باللغة ~~علاقة خاصة تساعدهم على إبداع مفردات واستعارات جديدة - بل إن كل الكائنات البشرية ~~قادرة على إبداع استعارات جديدة في ردود أفعالهم على عرضيات ms132 الحياة ومصادفات ~~التجربة. ولذلك يؤكد رورتي أن ما يفعله الشعراء بكلماتهم، يمكن للآخرين أن يفعلوه ~~بحياتهم، بزواجهم وأطفالهم، بتجارتهم، وحسابات أعمالهم وما يمتلكون في بيوتهم، ~~بالموسيقى التي يسمعونها، والرياضة التي يمارسونها أو يشاهدونها، والأشجار التي ~~يمرون عليها في طريقهم إلى العمل، وأيضا في كل نظرية علمية جديدة ... وهكذا. # لا شك أن كلمة إبداع تحمل مدلولا إيجابيا لدى السامع، فعندما نتحدث عن ~~إبداع-الذات ينصرف الذهن إلى التفكير في شيء له قيمة، أو هدف ينطوي على شيء خير، ~~ولكن ليس هناك ضمان أن يتحرك إبداع-الذات دائما في هذا الاتجاه، وهذا ما بينه ~~رورتي في تحليله للرواية اليوتوبية لجورج أورويل # 45 ~~⋆ ~~(1984م). وقد ألقى هذا التحليل # 46 # الضوء على عملية إبداع أوبرين (أحد شخصيات الرواية) لذاته التي أثمرت ~~كائنا يستمتع ويبتهج بقدرته على تدمير عقل (ونستون) بطل الرواية، وينتهي من هذا ~~التحليل إلى أن التاريخ البشري يكتظ بمثل هذه النماذج. هنا يأتي ما نسميه ~~بالاعتبارات الأخلاقية في عملية إبداع-الذات. فهل ينطوي هذا الإبداع على تلبية ~~احتياجات ومصالح الذات المبدعة نفسها، أم لا بد أن ينطوي اختيار فعل الإبداع على ~~تلبية وتحقيق مصالح الآخرين أيضا؟ بمعنى آخر هل ما يختاره الفرد من أفعال يبدع من ~~خلالها ذاته ويحقق الخير لنفسه تحقق بالضرورة الخير للآخرين؟ مرة أخرى ليس هناك ~~ضمان لأن تسير العملية الإبداعية في هذا الاتجاه، فما يختاره الشخص لنفسه ليس من ~~الضروري أن يكون خيرا للآخرين، والعكس أيضا صحيح؛ أي أن ما يختاره الفرد ليحقق ~~الخير لنفسه ليس بالضرورة ضارا بالآخرين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ربما يكون ~~شيء ما خيرا للفرد بدون أن يكون بالضرورة خيرا ولا شرا للآخرين، فهذه مسألة ~~خلافية ولا يمكن حسمها بسهولة في هذا المجال، ولكنها تؤكد أن الجانب الأخلاقي هو ~~أحد الجوانب الهامة في عملية إبداع-الذات؛ لأنها تحدد العلاقة النهائية بين الذات ~~المبدعة والآخرين. كما أن هذه العلاقة أيضا تساهم من جانب آخر في عملية الإبداع ~~ذاتها؛ فعلى الرغم من أن الكائنات البشرية محكومة بوحدة طبيعية ms133 مشتركة (كالوحدة ~~البيولوجية) إلا أنها تتسم بالتنوع الثقافي الهائل الذي يسمح بوجود سياقات اجتماعية ~~مختلفة، تساهم بشكل كبير في إثراء عملية إبداع-الذات. # ولا شك أيضا أن عملية إبداع-الذات تنطوي في النهاية على محاولات الذوات البشرية ~~لصنع شيء ذي قيمة لأنفسهم، ولإضفاء المعنى على وجودهم، ولكن ما هي الظروف التي يجب ~~أن تتوافر لكي تؤتي هذه المحاولات ثمارها، ولكي تتم عملية صنع-الذات بصورة أفضل؟ ~~إن عملية إبداع-الذات تستمد مادتها الأساسية من الظروف والأوضاع السياسية ~~والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان الذي ألقيت على عاتقه مهمة ~~إبداع-ذاته. فإذا كانت هذه الظروف صارمة وتفرض قيودها الظالمة على مواطنيها، فإن ~~مثل هذه الظروف والنظم تجلب المعاناة على أفرادها، بينما نجد في المقابل أن ~~المجتمعات التي يسودها قيم كالحرية والتسامح والديمقراطية تفسح المجال للأفراد ~~لإبداع-الذات بصورة أفضل. وتلعب الحرية دورا خاصا في صنع-الذات، والحرية كما ~~يقول رورتي هي «إدراك أو التعرف على العرضية # Freedom as recognition ~~of contingency ~~» # 47 # فلكي نستجيب لعرضيات الحياة علينا أن نحسب حساب القيود المفروضة علينا ~~من قبل الظروف الاجتماعية والسياسية؛ فالتعصب السياسي والقيود الاجتماعية الصارمة ~~تشكل عقبة في طريق نمو وتطور الأفراد، وهي أحد العوائق التي تحول بين الفرد وبين ~~إبداع-ذاته، لا سيما أن هذه العملية الأخيرة (أي إبداع-الذات) ليست بالمهمة ~~اليسيرة، بل هي عمل شاق يتطلب أن يتمتع الفرد بقوة الشخصية لتكون لديه القدرة على ~~مواجهة الظروف المعاكسة والمعوقة لتحقيق ذاته. ومما لا شك فيه أن توافر مناخ خاص ~~مثل الحرية والتسامح والديمقراطية في مجتمع ما هو من الأمور الأساسية التي تفسح ~~مجالا لعملية إبداع-الذات. ~~••• # والآن وبعد أن عرضنا - بالقدر الذي تسمح به حدود هذا البحث - نقد رورتي للفلسفة ~~التقليدية، وتصوره للمشهد الثقافي لمرحلة ما بعد الفلسفة، ما هي الخلاصة التي ~~يمكننا أن نخرج بها من الجانبين؛ أعني جانب هدمه للتراث الفلسفي من ناحية وتصوره ~~للحياة الفلسفية بعد أن أعلن نهاية الفلسفة من ناحية أخرى؟ بمعنى آخر ما هو المشروع ~~الفلسفي الذي يريد رورتي تقديمه من خلال هذا الهدم ms134 وذلك التصور؟ # لن نبالغ إذا وصفنا مشروع رورتي الفلسفي - إذا جاز لنا أن نطلق كلمة مشروع على ~~التصور الذي وضعه - بأنه يغلب عليه جانب الهدم والنقد أكثر مما يقدم بديلا لكل ما ~~تناوله بالنقد، وأنه لم يؤسس مشروعا فلسفيا بديلا عن الفلسفة التراثية. لقد ~~أسهب طويلا في نقد التراث الفلسفي من أفلاطون حتى كانط والفلسفة التحليلية، بحيث ~~لم يفسح مجالا كبيرا لجانب البناء على الأقل حتى الآن (لا يغيب عنا أننا نتحدث ~~عن فيلسوف معاصر، تنظر إليه الأوساط الثقافية الأمريكية الآن على أنه الفيلسوف ~~الأول فيها)، فهو ما زال يواصل العطاء، وما زال قادرا على استكمال جوانب النقص ~~والقصور في تفكيره - ولا أقول فلسفته تمشيا مع رأيه بأنه لم يعد هناك ما يمكن أن ~~نسميه فلسفة بالمعنى التقليدي للكلمة. إن قولنا بإخفاق رورتي في وضع تصور متكامل ~~لمشروع فلسفي بديل قول ليس فيه تجني عليه، فقد اعترف هو نفسه بذلك في نهاية كتابه ~~«الفلسفة مرآة الطبيعة» عندنا قال: «لقد حاولت أن أبين أن محاولة الفلاسفة للوصول ~~إلى الأصل أو المبدأ الأول للخطاب تمد جذورها في اهتمامهم بأن ينظروا إلى الممارسات ~~الاجتماعية للتبرير على اعتبار أنها أكثر كثيرا من أن تكون مجرد ممارسات. وقد ركزت ~~بشكل أساسي على التعبيرات التي تمت في كتابات الفلسفة التحليلية، والنتيجة أنني لم ~~أقدم إلا مقدمة، مجرد مقدمة أو تمهيد والمعالجة التاريخية بالمعنى الدقيق تقتضي ~~اطلاعا ومهارات، وربما لا أملكها، ولكن ربما كانت هذه المقدمة كافية لكي تجعلنا ~~نرى أن الموضوعات المعاصرة للفلسفة هي أحداث تدخل في مرحلة معينة من الحوار، وهو ~~حوار لم يكن يعرف شيئا عن هذه الموضوعات أو القضايا، وربما لا يعود في المستقبل ~~إلى معرفة شيء عنها.» # 48 # إن دعوة رورتي لتحول دور الفلسفة في الفكر المعاصر ليست جديدة كل الجدة، فهو في ~~هذا يتسق مع تراثه البراجماتي الذي يحاول تغيير موضوع الفلسفة والغاية منها، بل ~~ويسعى لوضع أفكار مضادة للفلسفة وبلغة غير فلسفية؛ لأن اللغة الفلسفية - في زعم ~~البراجماتيين - تجسد الافتراضات ms135 الأفلاطونية التي لا تقر البراجماتية ~~بنتائجها. وبذلك تصبح الفلسفة موضوعا شائكا ومعقدا، بل وغامضا أيضا، وربما ~~لهذا السبب انتهى الأمر برورتي إلى الدعوة إلى اختفاء ما يسميه بطبقة الفلاسفة أو ~~الصفوة، وإلى التوقف عن التفكير في المشكلات الفلسفية الخالصة، ووقف التعامل ~~بالمصطلحات الفلسفية المألوفة. فقوله بالسلوكية المعرفية ورفضه للصور المرآوية ~~يستلزم بالضرورة التخلي عن فكرة احتراف الفلسفة، بل يصل به الأمر إلى اعتبار أن ~~غاية التفلسف هي عدم ممارسة الفلسفة على الإطلاق ... أراد رورتي للفلسفة إذن أن تكون ~~صوتا في محادثة أو مخاطبة الجنس البشري، وأن تنصرف عن كونها موضوعا لبحث مهني أو ~~حرفي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تتسق دعوته لتحول دور الفلسفة مع تيارات أخرى ~~مختلفة خاصة بعد أن ألقت الفلسفة المعاصرة الضوء على الاهتمام الشديد بالحياة ~~اليومية واللغة العادية مما جعل فكرة التحول اللغوي التي ينشدها لا تنطوي في ~~الحقيقة على طرح جديد في الفكر المعاصر. ذلك أن الاتجاه السائد في معظم فلسفات ~~النصف الثاني من القرن العشرين، قد أكد على أهمية فلسفة اللغة، فظهرت نظريات ~~وتفسيرات وتيارات متنوعة في هذا المجال. هذا بالإضافة إلى أن كل ما قدمه رورتي من ~~آراء وأفكار عن أهمية دور اللغة في الفلسفة المعاصرة مستمد بشكل أو بآخر من ~~فيتجنشتين (وبصفة خاصة من فكرته عن ألعاب اللغة)، ومن كواين وديفيدسون وسيلرز ~~وغيرهم من فلاسفة اللغة. # يتفق رورتي مع تراثه البراجماتي - وخاصة مع ديوي - الذي يقر بأنه ليس هناك ~~مشكلات أبدية للفلسفة، وأن الفلاسفة ليست لديهم معرفة خاصة ولا هم صفوة الحكماء؛ ~~ولذلك دعا إلى تحول دور الفلسفة في الفكر المعاصر. وإذا صح أن رورتي محق في ~~دعوته هذه، أي في هدمه للتراث الفلسفي كفكر متعال على الواقع، فلا شك أن هذا حدث ~~في فترات معينة من تاريخ الفلسفة مما جعلها تنفصل عن الواقع، ولا تؤثر فيه تأثيرا ~~كبيرا، الأمر الذي دعا رورتي إلى المطالبة بتطوير دورها في التفاعل مع الحياة ~~والنظم المعرفية الأخرى. وقد حالفه الصواب في هذه الدعوة الأخيرة، ms136 فلم يعد من ~~الممكن الحديث عن المشاكل التقليدية في الفلسفة دون النظر في نتائج العلوم الأخرى ~~في عصر يموج بمتغيرات هائلة على جميع المستويات. أقول إذا كان هذا صحيحا، فإنه من ~~الصحيح أيضا أن رورتي قد جانبه الصواب عندما تصور أنه يستطيع أن يخلع الفلسفة عن ~~عرشها، كتأمل ونظرة كلية شمولية تعد أهم سمات الفلسفة، كما أننا نشك في أنه ~~استطاع أن يجردها من مهمتها الأزلية التي هي السؤال عن الأساس والجوهر، وأن ينزع ~~عنها تفردها بالبحث عن الجذور وعن المعنى والحقيقة. # وإذا كان رورتي بدعوته إلى تحول دور الفلسفة يعارض المذاهب والبناءات الشامخة، ~~فإن هذه المذاهب ذاتها إنما تعبر عن تحولات فلسفية للمشكلات الأبدية للفلسفة مع ~~الاحتفاظ بماهية الفلسفة. وإذا كان يطالب بتحول دور الفلسفة في الفكر المعاصر، بحيث ~~تتعاون مع مختلف العلوم والنظم المعرفية الأخرى، مما قد يفهم منه أن الفلسفة لا ~~وجود لها بغير هذه العلوم وتلك النظم، فإن العلوم الأخرى بدورها لا غنى لها عن ~~الفلسفة، ولا عن أسئلة الفيلسوف التي من الممكن أن تبدأ بها مرحلة جديدة من مراحل ~~التطور العلمي لا ليحدد بها الحاضر فقط، بل المستقبل أيضا، وإذا كانت العلوم ~~الأخرى ممعنة في التخصص ويستغرقها البحث في الجزئيات، فلا غنى لهذه العلوم عن ~~النظرة الكلية الشاملة للفلسفة؛ فالفلسفة هي التي تحدد فائدة العلوم لمسيرة الجنس ~~البشري، خاصة بعد التقدم العلمي الهائل وما أحدثه من تدمير للبيئة الطبيعية ~~والحياة الإنسانية على السواء، وما أحدثته التكنولوجيا من تطبيقات غير إنسانية، وما ~~أحدثته الحروب من دمار، وكلها مشكلات تصدى لها الفلاسفة (تلك الفئة التي يريد لها ~~رورتي أن تختفي) بما استحدثوه من علوم مثل الأخلاق الطبية وفلسفة البيئة وغيرها ~~لمواجهة الأخطار الناجمة عن استخدامات العلم وتطبيقاته، بحيث يصدق قول أفلاطون عن ~~الفلسفة بأنها حارسة المدينة؛ إذ تواجه كل الأخطار اللاعقلانية والأساطير المدمرة، ~~تماما كما واجه الفلاسفة النظم الفاشية والنازية؛ لأن مهمة الفلسفة ستبقى في ~~النهاية هي المحافظة على العقل البشري وكرامة الإنسان أيضا. # لقد أراد رورتي ms137 من هجومه على الإبستمولوجيا استبدال الممارسة الاجتماعية بنظرية ~~المعرفة؛ فقوله: «أن الحق والصدق مسألتان تتعلقان بالممارسة الاجتماعية»، هو تعبير ~~عما يسميه السلوكية المعرفية، ولكن ألا تحتاج الممارسة الاجتماعية إلى تنظير يعرف ~~ماهية الخير والشر؟ وهل هناك ممارسة اجتماعية لا يهديها النظر ويحول بينها وبين ~~التحول إلى ما يمكن أن يكون ممارسات عشوائية. ووفق التفسير الذي يتبعه رورتي، فإن ~~هذه الممارسات الاجتماعية تخضع أيضا للتغير التاريخي؛ ففي كل فترة تاريخية تظهر ~~مجموعة من الممارسات الاجتماعية تتنافس وتتصارع، فكيف يتم التمييز بين أفضل هذه ~~الممارسات وأسوأها؟ وكيف نحكم على ما يحتاج منها - أي الممارسات - إلى الإبقاء عليه ~~وما يتطلب التخلص منه أو التخلي عنه؟ إن الفيلسوف هو الشخص الذي تقع هذه المهمة على ~~عاتقه، أي أن جوهر عمله هو متابعة نمو واستمرار وزوال أو بقاء هذه الممارسات ~~وتناولها بالنقد، هذا النقد نفسه هو لب وجوهر التفكير الفلسفي الذي أعلن رورتي ~~نهايته. # لقد أراد رورتي للفلسفة أن تتحول إلى ما أطلقنا عليه اسم اللغوية السلوكية، أي أن ~~تكون صوتا في محادثة أو مخاطبة الجنس البشري. بهذا المعنى تصبح اللغة هي وسيلتنا ~~للدخول إلى الواقع، وتكون أوصاف العالم هي السلوك اللغوي الذي نقوم به نحن، مما ~~يترتب عليه أن الاستخدام الصحيح للغة يزيد من خبرتنا بالعالم. ولا جدال في أن ما ~~نفهمه من الواقع هو ذلك الكم الهائل من الوقائع المألوفة المعترف بها في عبارات لا ~~خلاف حولها، ولكن هل يعني هذا أن تتحول الفلسفة إلى مجرد سلوك لغوي أو مسألة لغوية ~~فقط؟ إن هذا بطبيعة الحال غير كاف؛ فإذا كانت الفلسفة بصفة عامة تمثل رؤية ~~الإنسان الكلية الشاملة للعالم أو الكون، فإن اللغة هي أحد جوانب هذه الرؤية فقط، ~~وليست هي الرؤية كلها. # وأخيرا فلعل فكرة إبداع-الذات أن تكون من أكثر أفكار رورتي أهمية وجاذبية. ومع ~~أن هذه الفكرة مسبوقة بصورة أو أخرى عند فلاسفة الوجود من نيتشه وكيركيجورد إلى ~~هيدجر وسارتر، فإن ذلك لا ينفي أن لرورتي الفضل في إلقاء المزيد من ms138 الضوء على هذه ~~الفكرة الهامة وتعميمها وإعطائها أبعادا اجتماعية وإنسانة أكثر بكثير من فلاسفة ~~الوجود. والواقع أن تأكيد رورتي على أننا لسنا ذوات سابقة التجهيز نسعى لاكتشاف ~~ذاتها من خلال الوعي الذاتي، ورفضه لفكرة أن العالم له وجود مسبق نكتشفه من خلال ~~الفكر؛ يعني أننا نحن الذين نبدع أنفسنا، ونحن الذين نبدع العالم أيضا. وبقدر ما ~~تحثنا هذه الفكرة على العمل الخلاق بقدر ما تنم عن تمجيد لقدرات الكائن البشري ~~على الإبداع والابتكار. # وأخيرا لا يضيف نقد رورتي للفلسفة التراثية أو التأسيسية إلا القليل لنزعات ~~نقدية أخرى سابقة؛ فمحاولته للنفاذ إلى القشرة الصلبة للفلسفة التقليدية سبقه إليها ~~فلاسفة آخرون (مثل نيتشه وهيدجر وغيرهما)، ولا يغيب عن بالنا أن تلك النزعات ~~النقدية نفسها هي نوع من الممارسة الفلسفية - سواء أراد رورتي ذلك أو لم يرد - وأن ~~الهجوم على التراث الفلسفي لا يهدمه بقدر ما يثريه ويحدثه، ويصحح مساره ويجدد ~~قضاياه ومشكلاته، وإلا أصبح حاضرنا معلقا في الهواء. ومع ذلك فإن أهمية نزعته ~~النقدية التي تعلن نهاية الفلسفة تأتي من أنها تضع حدودا للدور الأبدي القديم ~~للفلسفة الذي لم يعد يواكب عصر الاتصالات والمعلومات الآن. هذا من ناحية، ومن ~~ناحية أخرى لعل دعوته - التي تؤكدها نزعته النقدية - لتحول دور الفلسفة في اتجاه ~~مغاير تماما لدورها التقليدي ومشاركتها في الحوار الثقافي والاجتماعي والعلمي ~~العام، وانخراطها في السياق الاجتماعي والممارسات العملية واللغوية، لعلها أن تكون ~~أكثر أفكاره تميزا، لا سيما إذا تذكرنا أن كثيرين غيره قد سبقوه للدعوة إلى نقد ~~التراث الفلسفي التقليدي، بل والمطالبة بتجاوزه. # | الوعي التاريخي بين الماضي والمستقبل # النهضة الأوروبية نموذجا # مقدمة # يتأرجح الفكر العربي هذه الأيام بين تيارين فكريين متعارضين، يهيب بنا أحدهما أن ~~نعود إلى الماضي، حيث الجذور والأصول والبدايات الأولى بكل ما تحمله من قيم تراثية ~~كان لها نتائجها المثمرة في الزمن الماضي متمثلا في حضارة شعت أضواؤها حقبة طويلة من ~~الزمان. ويدعونا التيار الآخر لأن ننشد المستقبل ونتطلع إليه، وخاصة في ظل التغيرات ~~العالمية المتلاحقة والتحولات الشديدة ms139 الأهمية في تاريخ البشرية، ويتحمس كلا التيارين ~~تحمسا شديدا لوجهة نظره وحججه التي يسوقها، ولكن أين واقعنا الحاضر بين هذين ~~التيارين المتعارضين؟ بمعنى آخر ما هو الموقف من الحاضر كنقطة انطلاق ومنعطف رئيسي ~~إما للارتداد للخلف أو للتطلع إلى الأمام؟ وبمعنى ثالث أكثر وضوحا ما هو الدور الذي ~~يقوم به الوعي التاريخي بالحاضر، والذي يتحدد وفقا له موقفنا من الماضي والمستقبل على ~~السواء؟ # يحاول هذا البحث تحسس الطريق للإجابة على هذه التساؤلات التي تدور حول ثلاثة محاور ~~رئيسية هي الماضي والمستقبل والوعي التاريخي بهما، ولكن المحور الغائب الحاضر دوما في ~~هذا البحث هو الزمن الحاضر الذي هو نقطة الاتصال بين البعدين الآخرين للزمان، وهما ~~الماضي والمستقبل. ولذلك لا بد أن تكون البداية هي مناقشة الحجة التي يستند إليها ~~أصحاب التيار الأول في دعوته للعودة إلى الجذور، أي العودة للعصور الذهبية الأولى ~~لاستعادة لحظات زمنية بعينها، ومحاولة إحيائها في الزمن الحاضر، ومدى ما في هذه الحجة ~~من وعي تاريخي بالماضي من ناحية، وبالحاضر من ناحية أخرى، وطرح الأسباب التاريخية ~~الكامنة وراء هذا التفكير الذي يجتاح عالمنا العربي هذه الأيام. ثم يعرض البحث لكيفية ~~التوجه إلى المستقبل بوصفه الإمكانية الوحيدة للتغير الإيجابي لأي مجتمع من المجتمعات ~~عندما يعي الحدود الفاصلة بين أبعاد الزمان المختلفة من ماض وحاضر ومستقبل، أي عندما ~~يعي جدلية الزمان والتاريخ، وعندما يفهم التاريخ من خلال فكرته عن الزمان، وكيف تنطوي ~~رؤيته للعالم على رؤيته للزمان، ومن ثم ينتهي البحث إلى إشكالية إغفال كلا التيارين ~~السابقين للزمن الحاضر عندما قهره أصحاب التيار الأول لحساب الزمن الماضي، وعندما ~~تجاهله أصحاب التيار الثاني لحساب المستقبل. ويختتم البحث بعرض نموذج للوعي التاريخي ~~بزمن الماضي والمستقبل انطلاقا من البعد الغائب في التيارين السابقين ألا وهو الزمن ~~الحاضر، متمثلا هذا النموذج في عصر النهضة الأوروبية. ~~(1) تحديد المفهوم # بداية لا يمكننا أن نتحدث عن الوعي التاريخي بدون أن نكون رؤية واضحة عن مفهوم ~~الزمان، وما دامت أحداث التاريخ لا تدور إلا في الزمان، فإننا لا ms140 نتعرف على الزمان إلا ~~من خلال أحداث التاريخ. والإنسان من بين الكائنات الحية جميعا هو الذي يصنع تاريخه، ~~وهو الكائن الوحيد الذي لديه الوعي بالزمان. وإذا كان من الصحيح أن الكائنات الأخرى لها ~~تاريخ، فإنه من الصحيح أيضا أنها لا تعي زمانها ولا تاريخها الطبيعي، والإنسان وحده هو ~~صاحب التاريخ البشري وصانعه عن جدارة؛ ولذلك فهو القادر على فهم جدل الزمان والتاريخ. ~~وبالرغم من أهمية الزمان في موضوعنا إلا أننا لن نتوقف أمام الزمان كإشكالية ~~ميتافيزيقية وهي اللغز المحير الذي استعصى على كبار الفلاسفة قبل صغارها، فلن نطرح ~~السؤال عن ماهية الزمان - التي تخرج بالبحث عن النطاق المرسوم له - ولن نحاول التعرف ~~على بداياته أو نهاياته، ولن نسعى للبحث عما إذا كان أبديا سرمديا أم أنه حادث ~~مخلوق مع العالم، فهذه قضايا يطول الاسترسال فيها ولا يحسمها التاريخ الطويل للفلسفة ~~ولا نظنه سيحسمها في يوم من الأيام، ولن نتساءل أيضا إن كان وجود الزمان لا ينفصل عن ~~الظواهر الطبيعية والأحداث التاريخية أم أن له وجودا موضوعيا؟ فهذه المشكلة لها ~~جذورها الفلسفية والعلمية التي يشهد عليها تاريخ التفكير الفلسفي من ناحية، وتطور ~~علم الطبيعة أو الفيزياء من ناحية أخرى، وهي المشكلة التي أثيرت على مستويين: ~~(أ) # مستوى التنظير العقلي الفلسفي. ~~(ب) # ومستوى العلم الطبيعي الفيزيائي. # ولن نعرض أيضا للزمان النفسي - على الرغم من أهميته - الذي دارت حوله تأملات وبحوث ~~العديد من فلاسفة القرن العشرين، وهو ما أطلق عليه زمان الذاتية الفردية، أو زمن ~~التجربة الحية. ولهذا سوف نقتصر على الزمان التاريخي - الذي يتداخل مع الزمان الطبيعي ~~الكمي وزمان الوجدان الكيفي - وهو الزمان الذي تتفاوت سرعته وكثافته وفق ما يمتلئ به من ~~مضمون يشكل التاريخ البشري. # لا بد أيضا من التنويه بأن ما نعنيه بالزمان التاريخي هنا يختلف عن الزمان التاريخي، ~~الذي يهتم بأحداث الماضي المنظمة أو المنظومة في تتابع تاريخي للوقائع؛ أي تقسيم الزمان ~~إلى أحقاب تاريخية من عصور قديمة ووسيطة وحديثة؛ فهذا التحقيب لا يجعل من الزمان زمانا ~~تاريخيا، بل ms141 يظل زمانا تأريخيا. وعلى الرغم من أن تعاقب حالات الوعي هو الذي يؤكد ~~تدفق الزمان؛ لأن الوعي «مصنوع على نحو لا يستطيع معه إلا أن يدرك تتابعا للحظات ~~حاضرة، أو بالأحرى نقاطا في المكان والزمان»، # 1 # إلا أن الزمان ليس هو فحسب الزمان المتتابع في خط واحد، بل هناك أيضا ~~الزمان التاريخي الذي تتفاوت سرعته وكثافته من ناحية الامتلاء بالمضمون، فنجد في الزمان ~~التاريخي عصورا تاريخية متميزة من حيث بنيتها الممتلئة بمضامين التطور والتجدد، كما ~~نجد عصورا شديدة التسطح، تماما كما مر الزمان الكوني بمراحل تطور تأرجحت بين ~~التجانس والتفجر؛ فالزمان كالهيكل العظمي، والبنية الزمنية لا قيمة لها في حد ذاتها، ~~بل تستمد قيمتها مما تحتويه من مضمون؛ ولذلك فبنية الزمان التاريخي لا تسير على وتيرة ~~واحدة؛ لأنه يتغير حسب مضمونه التاريخي، كما أن تقييم الأبنية الزمنية نفسها يتم وفق ما ~~تحمله من مضمون. # والزمان في سياقه الواقعي لا يمكن أن نفصله عن بنية الحياة الاجتماعية؛ ولذلك فهو ~~يتميز بالانفصال وعدم التجانس حتى بين لحظاته المتزامنة أو المتعاصرة، بحيث نجد مستويات ~~وصورا مختلفة للتزامن من النواحي التقنية والاقتصادية والاجتماعية والروحية تنطوي في ~~ذاتها على صور أخرى من عدم التزامن، ولتوضيح هذا يمكن أن نتصور أزمنة مختلفة متعاصرة في ~~أماكن مختلفة، فالحياة في قرية بسيطة في دولة من دول العالم الثالث تختلف في إيقاعها ~~الزمني عن الحياة في مدينة صناعية أوروبية من دول العالم المتقدم. ونستطيع أن نقول إن ~~الفترات الزمانية المتعاصرة من الناحية التاريخية تنطوي في نفس الوقت على اختلافات ~~كيفية في داخل العصر الواحد، فاليوم الذي سقطت فيه القنبلة الذرية على هيروشيما ينتمي ~~لنظام تاريخي مختلف عن نفس اليوم الذي عاشت فيه الولايات المتحدة بعيدة عن تلك الكارثة ~~المدمرة؛ أي أن هناك عدم تعاصر في داخل التعاصر. # 2 # وإذا كان الحاضر التاريخي يتميز بمستويات وطبقات مختلفة، كما يتميز الزمان ~~التاريخي بمستويات وطبقات مختلفة داخل المجتمع الواحد، فإننا نلاحظ تعدد أصوات الزمن ~~بتعدد المستويات الاجتماعية، وأيضا بتعدد وتطور النشاط البشري، ms142 بحيث يختلف الزمان ~~المصاحب لكل مستوى اختلافا أساسيا عن سائر المستويات الأخرى. فالإيقاع الزمني للفلاح ~~- على سبيل المثال - يختلف عن الإيقاع الزمني للعامل قدر اختلاف هذا الأخير عن الحاكم، ~~بحيث يمكن أن نقول إن «دراسة الأزمنة المختلفة داخل المجتمع الواحد هي من الأهمية ~~بمكان. وأن أي مفهوم للزمن لا يضع في حسبانه تعدد هذه الأزمنة وتعقدها إنما يدخل في ~~صعوبات لا يمكن التغلب عليها.» # 3 # وهكذا يصاحب مستوى التطور الاجتماعي وسماته واتجاهاته وما يترتب عليه من ~~تنوع النشاط البشري؛ يصاحبه تعدد أصوات الزمن وإيقاعاته. # ويسمح التصور الجدلي للزمان بتصور العمليات المتطورة والمتغيرة فيه؛ لأنه يدور في ~~مستويات زمنية متداخلة ومتقاطعة، بحيث يمكن تصوره ذا اتجاه وقابلا للانحناء والانكماش ~~أو الامتداد وفق ما يمتلئ به من مضمون. ولا تختلف بنية الزمان باختلاف المستويات ~~الاجتماعية فحسب، بل تختلف أيضا داخل الفئة الاجتماعية الواحدة: «إنه زمن قابل للقياس، ~~خاضع للميكنة، ذلك هو زمن التاجر، ولكنه أيضا زمن متقطع، تتخلله فترات توقف ولحظات ~~ميتة، زمن يرتبط بالإيقاعات السريعة أو البطيئة.» # 4 # بهذا يمكن أن نجد في التاريخ البشري نفسه، وفي داخل المستويات الاجتماعية ~~نفسها أزمانا تميزت بالتجانس الشديد وأزمانا أخرى تميزت بطفرات حاسمة، وكما أن هناك ~~عصورا مفرغة من المضمون والمعنى، فهناك عصور تاريخية أخرى متميزة من حيث بنيتها ~~الممتلئة بالتطور والتجدد بمعانيهما المختلفة، ومن هنا يختلف بناء الزمان التاريخي، أي ~~زمان الأحقاب والعصور الممتلئ عن زمان الساعة المتجانس المحايد الرتيب المفرغ من أي ~~مضمون. ~~(2) حدود الماضي والحاضر والمستقبل # بعد أن حددنا مفهوم الزمان التاريخي الذي سيدور حوله طرح قضايا هذا البحث، نعود إلى ~~حجة أصحاب التيار الفكري الأول الداعي إلى العودة إلى الجذور، أي إلى الماضي. وقبل ~~الخوض في تفاصيل هذه الحجة، نواجه تساؤلا ربما يبدو مألوفا، بل قد يكون ساذجا للوهلة ~~الأولى: ما هي الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل؟ وكما يبدو السؤال مألوفا، ~~تبدو الإجابة أيضا مألوفة ومطروحة في تاريخ الفلسفة. فالماضي هو ما حدث ولم يعد ~~موجودا. والحاضر هو ما ms143 يحدث في الآن الهاربة دوما، والمستقبل هو ما لم يحدث أو لم ~~يوجد بعد، ولكن يبدو أن هذه الحدود ليست واضحة بشكل كاف، و«الفشل في المعرفة المحددة ~~لكلمات مثل الماضي والحاضر والمستقبل يمكن أن يؤدي إلى التفكير الخاطئ.» # 5 # فوفقا للتعريف السابق تكون الأحداث غير المعاصرة لنا في الحاضر، والتي تمت ~~في فترة زمنية ماضية هي ما نطلق عليه الماضي. وحقيقة الأمر أن هذه - في رأينا - نظرة ~~تغلب عليها السطحية، ولا تدل إلا على أننا نستخدم تصورات غير محددة عن الحاضر الذي ~~يفهمه كل إنسان بدون أن يتساءل عنه أو يضعه موضع السؤال؛ لأن «التمييز بين حدود القمة ~~والقاعدة للحاضر له مشاكله، والأحداث التي لم يعد لها دلالة للأحياء - وذلك بصرف ~~النظر عن دلالتها المعرفية الخالصة - من الممكن أن تنسب إلى الماضي، فهي من جميع ~~النواحي الأخرى خالية من أية قيمة، وبتبني هذا المنهج أو الاتجاه، فإن الحد الفاصل ~~بين الحاضر والماضي يمكن أن يكون متعدد المسالك؛ إذ يمكن أن يحدد بنقاط مختلفة على ~~مستويات زمنية مختلفة.» # 6 # بهذا المعنى يمكن أن نفسر لماذا ننظر إلى التراجيديا اليونانية أو الموسيقى ~~الكلاسيكية على أنها تخص الزمن الحاضر، بينما ننظر إلى بصريات ابن الهيثم أو نيوتن - ~~على سبيل المثال - على أنها تخص الزمن الماضي؟ لا بد أن تكون الإجابة أن هناك أحداثا ~~تعلو على ارتباطاتها الاجتماعية والمعرفية وأخرى ليست كذلك. هناك أحداث أثارت اهتماما ~~معرفيا في الماضي، وارتبطت بعصرها، ولكنها لا تستطيع أن تتجاوزه إلى عصر تال، ~~اللهم إلا أن تتحول إلى تراكم تاريخي تنحصر قيمته في أنه يصبح المادة التي يعمل عليها ~~الباحثون للعصور التاريخية القديمة. وهناك أيضا أحداث أثارت اهتماما معرفيا ~~بمستقبل عصرها، أعني بهذا أن هناك أعمالا لا تمثل لعصرها قيمة حقيقية، بل تنتمي ~~دلالتها المعرفية إلى زمن المستقبل، وبمعنى أكثر وضوحا لم تكتشف القيمة الحقيقية لها ~~في عصرها؛ لأن دلالتها المعرفية تعلو على هذا العصر، ويتم اكتشاف جوهرها الحقيقي في ~~عصور تالية، فإلى أي عصر تنتمي هذه الأعمال؟ ms144 هل هي تنتمي إلى الزمن الماضي - بحكم ~~نشأتها في عصر تاريخي بعينه - أم تنتمي إلى زمن اكتشافها، أي إلى الزمن الحاضر؟ من هذه ~~الناحية تكون هذه الأعمال منتمية إلى زمن المستقبل بالنسبة إلى عصرها (مستقبل عصرها). ~~ومن هذا المنطلق أقول إن الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل شديدة التعقيد، ~~وذلك إذا وضعنا في اعتبارنا مفهوم الزمن التاريخي الذي أوضحناه سلفا. # نواجه نفس الإشكالية بالنسبة للحدود الفاصلة بين الحاضر والمستقبل، فهذا الأخير يتم ~~توقعه من استقراء الحاضر، واكتشاف الإمكانات الكامنة بداخله، والتي من الممكن أن تتحقق ~~في زمن المستقبل؛ أي أن توقع المستقبل عادة ما يقوم على أساس معرفة معاصرة بالظروف ~~الحاضرة، ولكن قد يأتي المستقبل برؤية تختلف جذريا عن التوقعات السابقة عليها، بل ~~وأحيانا تعارضها، وبذلك يصبح المستقبل معارضا لزمن الحاضر الذي يكون قد أصبح بالفعل ~~ماضيا. فإلى أي زمن ينسب هذا الجديد سواء كان منسجما مع توقعاتنا أو كان مخالفا لها؟ ~~وما هي اللحظة الزمنية الفاصلة بين الحاضر (الهارب دوما) والمستقبل الذي بمجرد تبلوره ~~يصبح حاضرا، ثم سرعان ما يذوب في الماضي؟ لا شك أن المشكلة أعقد من هذا بكثير، وربما ~~لا تحسمها النظرة الواقعية ولا النظرة الميتافيزيقية لأبعادها، ولكننا نخلص من هذا ~~كله إلى أننا لا نملك غير الحاضر الفعلي، فإلى أي حد يكون وعينا بهذا البعد الزمني ~~الذي لا نملك سواه كما اتضح مما سبق؟ ~~(3) جدل الماضي والحاضر # لا شك أن هناك علاقة جدلية بين الماضي والحاضر، فإذا كان الوعي التاريخي بالحاضر هو ~~الذي يحدد - كما سبق القول - موقفنا من الماضي والمستقبل، فإن النظرة إلى الماضي تحدد ~~هي أيضا الموقف من الحاضر، وترسم ملامح المستقبل، وإذا كان الماضي هو أنطولوجيا ~~«الوجود الذي لم يعد موجودا»، والمستقبل هو «الوجود الذي لم يأت بعد»، وكلاهما ~~«غير موجود هنا والآن»، أو هما «اللاوجود في الحاضر»، فالفرض المعرفي لوجودهما يكمن فقط ~~في أن العقل يتذكر الماضي، ويتوقع المستقبل. أما الحاضر فهو أنطولوجيا الوجود الحقيقي. ~~أو وجود الموجود الفعلي، والقادر على استدعاء ms145 الماضي وتوقع المستقبل. والحاضر باعتباره ~~استمرارا للوجود والوعي معا هو المنعطف التاريخي الذي يحدد نقطة البداية لاتجاه حركة ~~التاريخ إما تقهقرا إلى الخلف أو تقدما إلى الأمام. # إذا كان الأمر كذلك، فما مدى وعي أصحاب التيار الفكري الأول بالحاضر؟ وكيف انعكس على ~~رؤيتهم للماضي؟ وما هي طبيعة نظرتهم إلى الماضي التي حددوا من خلالها موقفهم من الحاضر ~~وتوجههم نحو المستقبل؟ إن نظرة أصحاب هذا التيار تفتقر إلى الوعي التاريخي بالحاضر ~~والماضي على السواء؛ فقد رسموا صورا غير واقعية عن العصر الذهبي لزمن الماضي، وتصوروا ~~إمكانية استحضاره في الحاضر ليصبح قوة فعالة فيه، متجاوزين بذلك المسافة الزمنية ~~الشاسعة التي تفصلنا عن الماضي، ومتغافلين أيضا عن متطلبات الحاضر التي هي بطبيعة ~~الحال متغيرة ومختلفة عما كانت تتطلبه الظروف التاريخية لزمن الماضي، بينما «النظرة ~~التاريخية إلى الماضي هي التي تضعه في سياقه الفعلي، وتتأمله من منظور نسبي، بوصفه ~~مرحلة انتهى عهدها، وتلاشت في مراحل لاحقة تجاوزتها بالتدريج حتى أوصلتنا إلى الحاضر.» # 7 # ربما يوحي هذا النص بأن الماضي يتم تجاوزه تماما، وأن الحاضر يتخطاه إلى ~~مرحلة جديدة كل الجدة ، ولكن المقصود بتجاوز الماضي في الكلام السابق هو تواجد الماضي في ~~الحاضر بشكل أو بآخر من خلال التواصل مع العناصر الحية والخلاقة والفاعلة فيه، وليس ~~بالانقطاع عنه انقطاعا تاما. فهذا التواصل هو الذي يسمح بتجاوز الماضي إلى مرحلة ~~أعلى وصولا إلى الحاضر الذي يحمل الجديد المغاير والذي تتطلبه ظروف الحاضر ~~المتغيرة. # لا شك أن الواقع الحاضر هو لحظة زمنية تتصف بالإلغاز والغموض، ولكونها تتوسط الماضي ~~والمستقبل، فإن ما يلقي عليها الضوء هو عمق الإحساس بالواقع التاريخي الذي يجعلنا ~~نستقرئ الماضي بأكمله من منظور مستقبلي؛ لأن الوعي التاريخي هو الذي يمدنا بالقدرة ~~على نفاذ الرؤية في الماضي. وإذا كان من الصحيح أن الزمن الماضي لا رجعة له من الناحية ~~التاريخية، فمن الصحيح أيضا أن الماضي ليس مجرد تراكم نوعي وكمي لأحداث تمت في ~~زمانها، وارتبطت بظروفها التاريخية، بل هو ماضي ينطوي على لحظات وعي؛ ولذلك ms146 أصبح تراثا ~~ثقافيا يحمل قيما يمكن أن تدفع مسيرة التاريخ إلى الأمام، هذا من ناحية، ومن ناحية ~~أخرى فإن الماضي - إذا نظرنا إليه وفق مفهوم الزمن التاريخي السابق شرحه - ينطوي أيضا ~~على فترات زمنية خالية من المعنى، ومفرغة من القيمة، بحيث يمكن أن تدفع حركة التاريخ لا ~~إلى الأمام، بل إلى الخلف (لا بالمعنى المكاني للكلمة فحسب، بل تفضي أيضا إلى التخلف ~~بالبعد الزماني للكلمة). وبهذا تصدق عبارة: «من التراث ما يعرقل ومنه ما يحرك ويدفع.» # 8 # وكما أسلفنا القول، فإن الوعي التاريخي بالحاضر هو الذي يحدد توجهنا إما إلى الماضي ~~أو إلى المستقبل. فإذا كان الحاضر مثمرا ومبدعا وملهما دخل في علاقة جدلية مع ~~المستقبل وفتح الطريق إليه. ودخل كذلك مع الماضي في علاقة جدلية، وأخذ منه ما يدفعه ~~لإغناء الحاضر والتوجه للمستقبل، ولكن إذا كان الحاضر عقيما وبائسا وخاليا من ~~الأفعال المبدعة، فإنه يتخذ من الماضي بديلا عن الحياة في الحاضر. بعبارة أخرى لن يكون ~~هناك أي معنى يمكن إضفاؤه على الحاضر إلا بالرجوع - أو إذا شئنا القول بالهروب - إلى ~~الماضي، أي أن «الماضي يعزز الحاضر بدلا من أن يكون موضوعا للبحث النزيه المجرد عن الهوى.» # 9 # وبفراغ الحاضر من القيمة يفقد ديناميكيته ويستمد مقوماته من الماضي، وتفقد ~~تجربة الزمن الحاضر معناها. فإذا توقف «أحد وجوه الزمان عن الوجود سيتوقف جريان الزمان. ~~ولن تكون هناك إذن حياة طبيعية، أي يفسد الزمان وتفسد معه الحياة.» # 10 # وهنا تظهر محاولات استدعاء الماضي، وغرسه في بنية الزمن الحاضر؛ فالشعوب ~~والحضارات «التي لا تعيش حياة أرضية فعالة، ولا تملأ حاضرها بأعمال لها تأثيرها تعيش في ~~مقبرة # Cemetry # أو تعيش في الماضي.» # 11 # ولكننا سلمنا من قبل أن الزمان في حد ذاته حيادي القيمة، فكيف تم إضفاء ~~المثالية والقيمة على الزمن الماضي لبعثه من جديد ليحيا في الحاضر؟ # تحتفظ كل المجتمعات قديمها وحديثها بتصورات محددة عن ماضيها البعيد، ويغلب على هذه ~~التصورات نوع من التقييم الإيجابي، وربما يتضح هذا في أسطورة العصر الذهبي ms147 المفقود ~~الذي أضفت عليه المجتمعات الأولى نوعا من المثالية. فما هي العوامل التي ساهمت - سواء ~~بشكل مباشر أو غير مباشر - في وضع الأسس الراسخة لهذه النظرة التي أحاطت العصور الماضية ~~بهالة من القداسة؟ وكيف تم خلع القيمة وإضفاء المثالية على الماضي التاريخي؟ # أسهمت بعض العوامل في تمجيد الماضي منها أن الثقافة الميثولوجية للشعوب رسمت صورا ~~خيالية مثالية للأزمان الماضية، كما أن «الذكريات والأساطير في معظم الحضارات تفسد ~~وتشوه التسلسل الزمني الدقيق. فهي تسلم بما لديها من شواهد دون نقد أو تمحيص. كما ~~أنها تخلط الأسطورة بالتاريخ، والبشر بالآلهة والأبطال، والواقع بالخيال، والحقيقة ~~بالمأثور الأدبي.» # 12 # فقد قامت الأسطورة بدور أساسي في إضفاء الحياة والديناميكية على الأسلاف ~~الذين ظلوا حاضرين دائما في ذاكرة الشعوب على الرغم من غيابهم، وبعدهم الزمني ~~والتاريخي. وترسخ التفكير الميثولوجي في الوعي الاجتماعي للشعوب - وإن كان بدرجات ~~متفاوتة - وتوارثته الأجيال بحيث أصبح الماضي مشاركا في الحاضر، وأصبح الأسلاف الموتى ~~- حتى من لم يدفعوا منهم حركة التاريخ في الماضي - هم الذين يتحكمون ويسيطرون ويديرون ~~دفة الزمن الحاضر كنماذج يتوجب احتذاؤها. # 13 # بوسعنا أيضا إدراك العلاقة بين إضفاء المثالية على الماضي التاريخي وبين التجربة ~~الاجتماعية، فعلى الرغم من أنها علاقة معقدة، ولكن لا يصعب التدليل عليها من الشواهد ~~التاريخية. فقد ارتبطت عملية تقييم الماضي بظروف اجتماعية وتاريخية معينة، وارتبط ~~تذكر العصور المثالية في الماضي البعيد «بالطبقات الاجتماعية الدنيا في المجتمع. وهي ~~الطبقات غير القادرة على التعرف على رموز التقدم في التاريخ أو اكتشاف أية قيمة إيجابية ~~في مساره تفتح الطريق أمامهم إلى مستقبل أفضل. وفي هذه الحالة تكون عملية التقدم في ~~التاريخ هي في طريق العودة إلى عصر سابق. حيث كان يعيش كل الناس متساوين وسعداء. ~~ويكون المستقبل في هذه الحالة هو التطلع إلى عودة الجنة المفقودة للحياة الطبيعية الأولى.» # 14 # وإذا كانت الطبقات الدنيا من المجتمع، وكذلك الشعوب في مراحل تدهور حضارتها ~~تضع قيمة عليا لماضيها أكثر من حاضرها، وترسم صورة مبالغا فيها إلى حد لا تخطئه ~~عين ms148 الدارسين للعصور التاريخية القديمة، فمن المفارقة أن تجد فئات اجتماعية أخرى تنظر ~~إلى نفس الحقبة التاريخية نظرة يغلب عليها الازدواج، وأصحاب هذه الفئة هم الطبقات ~~الاجتماعية الثورية الصاعدة في المجتمع التي تتصور أنها تأتي بفكر جديد مخالف للفكر ~~السائد في مجتمعاتها بغرض التغيير ومثل هذه الطبقات إما أن تنظر إلى الماضي نظرة ازدراء ~~واحتقار من منطلق أنه مخالف لأفكارهم الجديدة، فتنتقص من قدره وتبخسه حقه، وتتهمه ~~بالتخلف أو الرجعية، وتحاول بقدر طاقتها نزع أية قيمة مثالية عنه، أو أن تسعى هذه ~~الطبقات إلى البحث عن أسلاف لها في الماضي لتعطي حركاتها الاجتماعية الجديدة نوعا من ~~الشرعية، ولتضفي عليها نوعا من الإجلال والعظمة المستمدة من الصور الخيالية للقداسة ~~التي رسمتها عقول الشعوب لأحقابها الماضية. وفي كل الأحوال السابقة التي حصرت الزمن ~~الماضي بين التقييم والتحطيم (أو التحقير) حدث نوع من التزييف للماضي، وعندئذ تصدق ~~العبارة التي تنص على أن: «من الصعب النظر إلى الماضي بغير تزييفه؛ لأن الحاضر يغمر ~~الماضي ويشوهه. إنه ليس هو الحاضر ولا الماضي، ولكنه نوع من الزمن المزيف.» # 15 # وتضفي الشعوب نوعا من المثالية والقداسة كذلك على بعض اللحظات التاريخية في الماضي ~~متمثلة في زمن البدايات الأولى، سواء كانت بدايات دينية أم سياسية أم اجتماعية. ففي ~~الحركات الدينية الكبرى يتم إضفاء قيمة خاصة على زمن ميلاد المبشرين بهذه الديانات، ~~فيصبح زمنا مقدسا باعتباره لحظة تاريخية تختلف تماما عن كل الفترات الأخرى للتاريخ، ~~وهي اللحظة التي شهدت ميلاد الحقيقة الأسمى، والتي ترتب عليها تطور المجتمع أو ميلاده ~~من جديد. ثم يظهر من حين لآخر حركة إصلاحية دينية تزعم محاولة استعادة القيم المفقودة ~~والحقائق السامية التي كانت سائدة في العصور الأولى للبدايات الدينية المقدسة، والتي ~~أفسدتها فترات تاريخية لاحقة، وما يحدث مع مؤسسي الديانات، يحدث أيضا مع مؤسسي الحركات ~~الثورية الاجتماعية والسياسية، حيث يضفي عليهم أتباع هذه الحركات هالة من القداسة ~~ربما لإجبار أتباعهم على الانصياع لأفكارهم، كما يجعلون قيمة خاصة على اللحظات الزمنية ~~التي انطلقت فيها هذه الحركات، ms149 باعتبارها اللحظات التي وضعت فيها المبادئ الأساسية، ~~ويحاول أنصار هذه الحركات استدعاءها في الحاضر متذرعين بحجة المحافظة على الأفكار ~~الأصلية والإخلاص والوفاء لها. # 16 # وربما يفضي أيضا أتباع هذه الحركات تلك المثالية على مولد حركاتهم في ~~محاولة منهم للدفاع عن أفكارهم وتوجهاتهم ضد مساعي التعبير من ناحية، وأيضا لمحاربة ~~أية أفكار جديدة أو مغايرة تعارض مصالحهم وأهدافهم، وللوقوف في وجه التهديدات التي ~~تتعرض لها معتقداتهم من ناحية أخرى، فيتخذون من قداسة اللحظات التاريخية الأولى حجة ~~قوية لتدعيم مواقفهم السكونية وتثبيتها عند محطات بعينها في مسار التاريخ، وفي سبيل هذه ~~الغاية يلجئون في أحيان كثيرة إما إلى إخفاء الظواهر السلبية المرتبطة بزمن البدايات في ~~محاولة لمحوها من ذاكرة التاريخ، أو يلجئون إلى تحويلها بحنكة شديدة إلى ظواهر إيجابية ~~يحيطونها بهالة المجد والعظمة، وتاريخ الثورات في العالم يشهد على هذا. # يوجد أيضا في المجتمعات البدائيات الأولى والحضارات القديمة نوع من التقييم ~~الإيجابي لزمن الماضي، والقيمة الخاصة التي نسبت إلى هذا الزمان تعود إلى أن بدايات ~~البشرية هي اللحظات التي تم فيها وضع أسس كل المعتقدات وأشكال التنظيم الاجتماعي، # 17 # وهي أيضا الفترة التاريخية التي عاشتها الإنسانية بشكل تلقائي عفوي طبيعي، ~~وفي حرية تامة قبل وضع القوانين المدنية التي تنظم المجتمع تنظيما فرض على الإنسان ~~أنواعا عديدة من القيود، وأفقده حريته الطبيعية وحياته الفطرية التلقائية التي عاشها ~~في ظل حياته البدائية. كل هذا على الرغم من أن الإنسان خلال هذه الحقبة الزمنية لم ~~يكن على وعي بالتاريخ ولا بالماضي التاريخي، لكن هذا التقييم الإيجابي للمراحل البدائية ~~الطبيعية الأولى في حياة الجنس البشري نجده أيضا في كتابات بعض المفكرين المتأخرين ~~الذين عاصروا فترة ازدهار العلم والفن والفكر، ولكن راودهم الحنين الدائم للعصور ~~البدائية الأولى، نجد هذا في كتابات روسو المبكرة، ونجده أيضا في الموقف التقييمي ~~للعصور القديمة في عصر النهضة. وإذا كنا قد وسمنا العصور البدائية الأولى بأنها خالية ~~من الوعي التاريخي أو من الماضي التاريخي، فإن العصر الأخير - أي عصر النهضة - هو نموذج ms150 ~~لهذا الوعي التاريخي عندما بدأ الباحثون الأوربيون «يدركون لأول مرة كيف كانت أزمانهم ~~متميزة عن الأيام السابقة، وأكبر رجال عصر النهضة مجتمعات الإغريق والرومان القديمة، ~~وراودهم الأمل في محاكاتها، غير أنهم كلما توغلوا في دراسة تلك الحضارات، وجدوا أنها ~~غير قابلة للمحاكاة أساسا. ذلك أن أوروبا الحديثة كانت تمتلك مزايا تكنولوجية لم تكن ~~معروفة حينذاك ... واكتشاف هذه الفوارق الجوهرية القائمة بين الأزمنة الماضية وبين الحاضر ~~هو لب البحث التاريخي الحديث. إذ تمخض لأول مرة عن الوعي بالمفارقة الزمنية.» # 18 # وسنرجئ الحديث عن هذه المفارقة الزمنية وعن الوعي التاريخي في عصر النهضة ~~إلى الجزء الأخير من البحث. # لقد كشفت النظرة التاريخية للماضي - كما عرضنا لها على الصفحات السابقة - عن عدم ~~اكتشاف مواطن القوة والضعف فيه. والفكر الذي يدعو إلى تمجيد الماضي على إجماله بدون ~~مراجعته مراجعة جذرية هو فكر يتجاوز «المفارقة الزمنية» - المشار إليها في النص السابق ~~- بين الماضي والحاضر، ويقتصر على الاستعانة بمقومات الماضي لمواجهة المتغيرات المستجدة ~~في زمن الحاضر. هذا الفكر غالبا ما يغيب عنه الرؤية النقدية للتراث الثقافي فلا يستطيع ~~اكتشاف الإمكانات الكامنة في رحم الماضي، والتي من الممكن إلقاء الضوء عليها وتطويرها ~~في الحاضر وفق متطلبات العصر لدفعه إلى الأمام، فيختلط الغث بالثمين، ويصبح «التطلع ~~إلى الوراء» هو أمل الحاضر، وبذلك يضيع الماضي ويضيع معه الحاضر. فمتى يموت التراث ومتى ~~يحيا؟ نستعين بالنص التالي للإجابة عن هذا السؤال: «لو شئنا أن نلخص في كلمة واحدة ~~التضاد بين النظرة إلى التراث التي تؤدي إلى تقدم فكري، وتلك التي لا يترتب عليها سوى ~~التخلف، لقلنا إن التراث في الأولى، يحيا من خلال موته، أما في الثانية فإنه يموت من ~~خلال حياته. في الأولى يكون التراث متصلا، لا يطرأ عليه انقطاع، فتكون النتيجة أن كل ~~مرحلة قديمة تمهد الطريق لمرحلة جديدة تعلو عليها، وتستوعبها في ذاتها، ولكن مع تجاوزها ~~وتفنيدها ... أما في الثانية، حين يحدث انقطاع في التراث، وحين تتم محاولة الإحياء دون ~~إدراك لمقتضيات العصر الجديد الذي طرأ بعد ms151 الانقطاع الطويل، فإن هذا الإحياء ذاته موت ~~للتراث؛ لأنه يبعثه من جديد في غير وقته، ويزرعه - كالقلب الغريب - في جسم عصر لا بد أن يرفضه.» # 19 # من كل ما سبق يتضح أن النظرة التاريخية إلى الماضي تستوجب رؤيته في سياقه الخاص، وأن ~~تعامل كل فترة زمنية بوصفها كيانا مستقلا، وذات دلالة في ذاتها. وبهذا المعنى يكون ~~للحاضر أيضا كيانه الخاص، ودلالته التي تتجاوز الماضي، وقد يفهم من هذا الدعوة أو ~~محاولة الفصل بين الأزمان التاريخية، أي فصل زمن الماضي عن الحاضر، وحقيقة الأمر أن هذا ~~غير ممكن لأسباب تند عن محاولاتنا؛ لأن الماضي متضمن في الحاضر بشكل أو بآخر، وفي ضوء ~~ما سبق شرحه، فإنه ليس هناك حدود فاصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، لكن العلاقة ~~بينهما علاقة جدلية وبقدر ما يوجد فيها انقطاع، كذلك يوجد اتصال بنفس القدر. ~~(4) جدل الحاضر والمستقبل # إذا كنا قد رأينا في جدل الماضي والحاضر أن افتقار الحاضر للقيمة والمعنى يفضي بحركة ~~التاريخ إلى العودة إلى الماضي والتشبث به، فلا بد أن يكون العكس صحيحا، أي عندما يكون ~~الحاضر خلاقا ومبدعا ومثمرا، فإنه يفتح لنا الطريق إلى البعد الثالث والأخير من ~~أبعاد الزمان ألا وهو المستقبل. فالمستقبل بهذا المعنى يستخلص من الحاضر، ويتم التنبؤ ~~به على أساس المعرفة الموضوعية المحيطة بكل ظروف الحاضر. ومع ذلك فإن المستقبل عندما ~~يأتي إلى النور قد يتبين أنه مختلف اختلافا جذريا عن التنبؤات والتوقعات التي تمت ~~عنه، وقد يكون في بعض الأحيان متناقضا معها. فإلى أي حد يمكن أن يكون هذا صحيحا؟ ~~الإجابة عن هذا السؤال تعود بنا إلى إشكالية الحد الفاصل بين الحاضر والمستقبل، والذي ~~لا يمكن تحديده أو تعيينه بشكل ثابت، كأن تكون سنة معينة حدا فاصلا بين حقبتين ~~زمنيتين. وربما تزداد الإشكالية صعوبة إذا ما أخذنا في الاعتبار فكرة عبور الزمن؛ لأن ~~«فكرة الزمن الذي يعبر مرتبطة بفكرة الأحداث التي تتحول باستمرار من مستقبل إلى ماضي، ~~فنحن نفكر في الأحداث باعتبار أنها تقربنا من المستقبل، بينما الواقع ms152 أننا نمسك بها في ~~الحاضر اللحظي، ثم تذوب أو تتراجع إلى الماضي»، # 20 # ولكن لو تجاوزنا هذه الإشكالية التي يصعب الفصل فيها، ونظرنا إلى القضية من ~~زاوية العلاقة الجدلية بين الحاضر والمستقبل، لوجدنا أن توقعات المستقبل وتحققاتها ~~تتوقف على شدة الوعي بالزمن الحاضر، ودراسة الواقع التاريخي دراسة متأنية لاستنباط ما ~~بداخله من بذور يمكن أن تتطور في زمن المستقبل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن أن ~~تنتهي إلى أن الحاضر يضم كل الأحداث المستقبلية التي ستكون بدورها مجرد تكرار له - أي ~~للحاضر - ومجرد نتائج مستخلصة منه، أو ربما تأتي أحداث المستقبل على صورة غير متوقعة ~~نتيجة تطورات أو اكتشافات مفاجئة تجعل امتداد الحاضر في المستقبل أمرا مستحيلا، ومن ~~هنا يصبح المستقبل شيئا جديدا كل الجدة بالنسبة لما سبقه. # والحقيقة أن للعلاقة الجدلية بين الحاضر والمستقبل أبعادا أخرى يشهد عليها التاريخ ~~الإنساني، ويحددها موقف البشر من الحاضر نفسه. فعندما يستحوذ الحاضر على رضا الناس، ~~فإنه يقلل من اهتمامهم لا بالمستقبل فحسب، بل بالماضي أيضا. ولعل عبارة نيتشه التالية ~~أصدق تعبير عن حالة الوفاق مع اللحظة الحاضرة: «إنني طوال عمري لم أعرف الصراع، لم أرغب ~~في شيء، ولم أتطلع لأي شيء . أنظر للمستقبل كبحر لامع السطح، لا أتمنى لأي شيء أن يكون ~~غير ما هو عليه، ولا أتمنى لنفسي شيئا، لا أصارع في سبيل شيء.» # 21 # أما إذا كان الحاضر لا يرضى عنه الناس بأي شكل من الأشكال، بل يزودهم ~~بالوسائل والإمكانات القادرة على التغلب على مشاكل هذا الحاضر، فإنه يفتح آفاق المستقبل ~~بدون أن يجعل الحاضر منفرا لهم؛ لأن هذا الحاضر هو الأساس الذي يقوم عليه المستقبل. من ~~ناحية أخرى، إذا نظر الناس إلى الحاضر بغير رضا واعتبروه غير محتمل، ولا يمكن التغلب ~~على مصاعبه، فهذا الحاضر يجعلهم ينظرون إلى المستقبل نظرتهم إلى شيء غريب عنهم كما هم ~~غرباء عنه. وهذه النظرة المغتربة إلى المستقبل تعتبر نفيا لهذا الحاضر نفسه. إنهم ~~يحلمون في هذه الحالة بمستقبل أفضل مقترن بالرفض الكامل ms153 لأي محاولة لبنائه على أسس ~~الحاضر، والدليل على ذلك أن الروابط القائمة بين المستقبل الأخروي وبين الحاضر تكون ~~روابط سلبية ورمزية فحسب. # 22 # ومع أن الإيمان بالأخرويات جزء لا يتجزأ من التدين الصحيح، فإن الحلم ~~الأخروي الذي يتشبث به الناس خصوصا في أوقات المحن وعندما ييأسون يأسا مطلقا من ~~الحاضر، هو نوع من الهروب من العيش في الحاضر، أو هو بمعنى آخر تعبير عن حالة عدم ~~الوفاق مع الواقع الحاضر، فيلتمسون العزاء في واقع آخر لا زماني، وفي عالم آخر ما ورائي ~~وغير موجود في هذا العالم، وفي هذه الحالة تنفصم عرى العلاقة الجدلية بين الحاضر ~~والمستقبل، ليس هذا فحسب، بل يغترب الحاضر ويغيب المستقبل تماما. # يتضح مما سبق أن الحاضر هو نقطة الانطلاق إما إلى الماضي أو إلى المستقبل، بحيث ~~يمكننا أن نردد مع القديس أوغسطين في اعترافاته: «أن الإنسان لا يستطيع أن يقول إن هناك ~~أزمانا ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ولكن ربما يكون من الجائز أن يصيب عندما يقول ~~بأن هناك ثلاثة أزمان، هي حاضر المجريات الماضية وحاضر الوقائع الحاضرة وحاضر الأحداث ~~المقبلة. والواقع أن هذه الأشياء الثلاثة حاضرة في الذهن، وأنني لا أراها في أي مكان ~~آخر، حاضر الماضي أو الذاكرة وحاضر الحاضر أو الحدس وحاضر المستقبل أو الترقب.» # 23 # قد يفهم من هذه العبارة التي اختزلت كل أبعاد الزمان في بعد واحد، أنه ~~يتعين علينا أن نعيش في الحاضر، الذي لا نملك سواه، ولكن تواجهنا مشكلة الحاضر المتغير ~~دوما، والذي سرعان ما يذوب في الماضي، فاللحظة الحاضر هاربة، فأين المخرج من فناء ~~اللحظة؟ لن يتعرض هذا البحث لهذه الإشكالية الميتافيزيقية التي لم يحسمها التاريخ ~~الطويل للفكر الفلسفي، ولا نظنه سيحسمها على الإطلاق، ولكن لما كانت «العلاقة المتبادلة ~~بين الآتي والمنقضي تتعانق في الحاضر»، # 24 # فإننا سنعرض لزمن الحاضر بشكل أكثر واقعية طالما قدر علينا العيش ~~فيه. # تفرض علينا كل التحليلات السابقة أن نمسك باللحظة الحاضرة، وأن نملأها بما يضفي ~~عليها القيمة والمعنى على الرغم من تعرضها ms154 الدائم للهروب والزوال، ولعل الفناء السريع ~~لها هو الذي يمنحها هذه الأهمية. وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد تفاوتا في الوعي بالزمن ~~الحاضر بين الأفراد والشعوب أيضا، بحيث تختلف تجربة الزمن اختلافات متباينة. ووفقا ~~لما تناوله هذا البحث في بدايته من عدم تجانس الزمان التاريخي حتى بين لحظاته ~~المتزامنة، وعن تعدد أصوات الزمن ليس في داخل العصر الواحد فحسب، بل أيضا بتعدد ~~المستويات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، فهل يصح لنا بعد كل هذا أن نساوي بين ~~الأبنية الزمنية، بحيث نصدر حكما مطلقا بأن على البشر جميعا أن يحيوا في زمن ~~الحاضر الذي رأينا - وفق التحليلات السابقة - أنه لم تحسم الحدود الفاصلة بينه وبين ~~بعدي الزمان الآخرين «الماضي والمستقبل»؟ بطبيعة الحال لا نستطيع القول بهذا، وإلا ~~وضعنا كل الفروض الأساسية لهذا البحث في مهب الريح. لكن يمكن التأكيد على أن هناك مواقف ~~متعددة للتعامل مع تجربة الزمن لا على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الشعوب أيضا، ~~بحيث يعيش الفرد (أو الأمة) زمن الحاضر بأسلوب أو بطريقة مغايرة لسائر أفراد مجتمعه، ~~كأن يتخذ الإنسان موقف العيش في اللحظة. ويكون شعاره أن الإبداع في اللحظة أكثر أهمية ~~من الماضي والمستقبل. فالماضي قد حدث ولا حيلة له في تغييره، والمستقبل يتطلب منه ~~التضحية بالعيش في اللحظة من أجل إنجازات لم توجد بعد. بالإضافة إلى عدم تيقنه من أنه ~~سيأتي وفق التصورات المرسومة له. ونجد نموذج هذا الموقف في عبارة نيتشه السابقة الذكر، ~~وكذلك في بعض الأعمال الأدبية، فنجد عند جوته «فن التركيز على اللحظة الحاضرة والإحاطة ~~الواعية بقيمة اللحظة»؛ إذ يقول على لسان فاوست: # عندئذ لا تتطلع الروح إلى الأمام وإلى الوراء؛ # إذ الحاضر وحده عندنا هو السعادة والهناء. # 25 # ونجدها أيضا في نداء فاوست للحظة بالتريث والوقوف في محاولة لإيقاف عجلة الزمان عند ~~لحظة السعادة القصوى، فيخاطبها قائلا: # توقفي إذن، فأنت رائعة الجمال. # إن أثر أيامي على الأرض، # لا يمكن أن يغيب في الدهور، # وفي استشعار سابق بمثل هذه السعادة، # فإني أستمتع ms155 الآن بأسمى اللحظات. # 26 # ولا يكون هذا الموقف على مستوى الأفراد (لا سيما المبدعين) فحسب، بل نجده أيضا في ~~الحضارات التي يغلب عليها العيش في أزمنة محددة، وربما كان عصر النهضة مثالا على العيش ~~في اللحظة، وإن كان الوعي التاريخي بهذا العصر على وجه التحديد جعله نموذجا لكل أبعاد ~~الزمان كما سنرى في ختام هذا البحث. # وهناك أيضا نماذج من البشر تجعل من حاضرها نقطة انطلاق للعيش في المستقبل، وذلك ~~بتنظيم الحياة الحاضرة تنظيما صارما قد يتضمن بعض التضحيات بلحظات الحاضر من أجل ~~التخطيط لمشروعات المستقبل. ويبدو في هذا النموذج أنه من الأشياء العادية والطبيعية ~~للإنسان أن يعيش من أجل المستقبل. فالإنسان بطبيعته كائن مستقبلي، ودائما ما يضع ~~أمامه هدفا محددا يسعى ويخطط للوصول إليه، فالصبي - على سبيل المثال - يعيش حاضره في ~~حالة استعداد نفسي وعلمي ليستقبل مرحلة الشباب، والشباب أيضا يخطط مستقبله ليكون رجلا ~~ناضجا، وهكذا في مراحل العمر المختلفة يرسم الفرد دائما صورة للمستقبل، وينظم حياته ~~الحاضرة وفقا لها. ومن ثم تصبح الحياة وفقا للنموذج السابق - أي العيش في اللحظة ~~فحسب - علامة على التراخي والتقاعس وقصر النظر. كما أنها تعد دليلا على أن ~~صاحبها يعيش على المستوى الحيواني الذي لا يتجاوز الاستمتاع باللحظة الحاضرة دون أن ~~يفكر فيما يسبقها أو يلحقها، ومعنى هذا أنه يعيش لحظة حيوانية بدون العلو فوق الوجود ~~في الزمن الحاضر. إننا نميل بحكم ماهيتنا البشرية إلى عدم الاستغراق في الزمن الحاضر، ~~بل نحاول أن نتجاوزه إلى ما هو باق ودائم. بل إن الأمر لا يقف عند الفرد وحده، فهناك ~~عصور تاريخية بأكملها وجهت حركة التاريخ ناحية المستقبل، ويمثل عصر التنوير هذا التوجه ~~خصوصا مع انتشار فكرة التقدم، والإيمان غير المحدود بقدرة الجنس البشري على تحقيق ~~التقدم في المستقبل. # والنموذج الثالث لتجربة الزمن الحاضر يتجلى في محاولة العلو على الزمن للوصول إلى ~~الأبدية، ويمكن أن يتحقق هذا بطريقتين: فإما أن يتخذ شكل البقاء بالمعنى الديني ~~والميتافيزيقي، وإما أن يتخذ شكلا إنسانيا وتاريخيا في التسليم ببقاء ms156 الجنس ~~البشري. وهذه الأشكال الإنسانية من الدوام هي التي تتجاوز تيار الأحداث المتغيرة. ومن ~~هذه الوجهة لا يكون التاريخ مجرد تاريخ للأحداث الماضية، وإنما يكون تاريخا للحقائق ~~الإنسانية والقيم الإنسانية الباقية، أو التي لها صفة الدوام. والنظام الذي نفرضه على ~~أنفسنا في هذا النموذج الثالث هو قبول ما تمليه علينا القيم الأخلاقية والدينية ~~الثابتة التي لا تتغير. والحياة في هذه الحالة تنظمها قيم أبدية أو لا زمانية، وقد ~~قدمها أخلاقيون وفلاسفة مع تسليمهم بطابع الإحكام الشديد الذي تحمله القيم الأخلاقية. ~~وفي هذا الموقف الذي تتسع فيه المسافة بين الإنسان والقيم الأبدية المتعالية عليه، ~~يسود الاعتقاد بأننا لا ننتمي واقعيا إلى هذا العالم الأبدي للقيم، وإنما يشارك فيه ~~بالتطلع إليه والكفاح لأجل تحقيق قيمه الأخلاقية أو الدينية أو السياسية أو ~~الاجتماعية. ومع ذلك تظل هناك فجوة لا يستهان بها بيننا وبينه، قد يكون فوقنا أو ~~وراءنا، ولكننا نحاول الوصول إليه وهذا يتطلب منا نوعا من الزهد. # 27 # هناك أيضا نموذج رابع لتجربة الإنسان مع الزمن الحاضر يتعارض مع النموذج السابق، ~~وتختفي فيه المسافة أو الفجوة المميزة له، وهو موقف يصبح فيه الإنسان مشاركا في عالم ~~القيم كما يصبح أساس مشاركته في هذا العالم هو مقولة الحب التي تتغلب على الزمن، ~~وتشارك في العالم الأبدي، وتحل محل الأخلاق الصارمة المنظمة بإحكام كما في النموذج ~~السابق. ويمثل جويو (1854-1888م) هذا المفهوم الأخلاقي في كتابه «الأخلاق بلا إلزام ولا ~~جزاء» الذي يقرر فيه أن الأخلاق هي فعل مباشر للإنسان، ولا يصح أن يرتبط بما ينبغي ولا ~~بأي نوع من الرهبة والخوف والتهديد (كما في أخلاق الواجب الصورية عند كانط)، بل تصبح - ~~أي الأخلاق - مفهوما أسمى للتعاون والحب. وهذا الموقف يمكن تشبيهه بالموقف الديونيسي # 28 # من الحياة الذي يتعارض مع موقف النموذج السابق الذي هو أقرب إلى الموقف ~~الأبوللي القائم على العقل والاتزان والحكمة. وتظهر نفس الفكرة أيضا في ثقافات أخرى، ~~وهي فكرة أن الحب يرتفع بنا فوق الزمن، ويخلق واقعا لا تقيده المعايير والجزاءات ms157 ~~والقوانين المحكمة، ولا حتى الزهد في الحياة. وفكرة الحب هذه عبر عنها الحكيم الصيني ~~لاوتزو: «عندما يذهب الحب يأتي العدل، وعندما لا يكون هناك عدل يظهر القانون. القانون ~~هو إعلان بالافتقار إلى الإرادة الخيرة وبداية الفوضى # Chaos ~~. بالتخلي عن القانون، والتخلي عن العدل، ~~ستعود الجماعة إلى الأخوة والحب المتبادل.» # 29 # نجد فكرة الحب أيضا من الأفكار الأساسية عند عدد كبير من فلاسفة العصر ~~الحاضر، ومن أهمهم فيلسوف القيم ماكس شيلر (1874-1928م) الذي أكد بأخلاقه المادية - ~~في مقابل الأخلاق الصورية عند كانط - الجانب الانفعالي والوجداني في الإنسان، وقد كان ~~للمنهج الفينومينولوجي تأثير بالغ في تحليلاته للانفعالات النفسية مفضلا منطق القلب ~~الذي دعا إليه باسكال. # تبدو الحياة في الزمن الحاضر في كل النماذج السابقة غير محققة لرغباتنا ولا معبرة عن ~~وعينا الصحيح بالزمن. فإذا كنا لا نستطيع إيقاف اللحظة، فما فائدة العيش فيها؟ وما ~~فائدة العيش في المستقبل إذا كان يأتي أحيانا مخالفا التصورات المحددة له سلفا؟ وما ~~فائدة العيش من أجل قيم أخلاقية جامدة وصارمة إذا كانت تطيح بكل المتع بعيدا عنا، ~~وتجعلنا معلقين بقيم نكتفي بالتطلع إليها دون العيش الحقيقي فيها؟ ثم ما فائدة ~~الاعتقاد بوهم أننا مشاركون في عالم القيم الأبدية من خلال الحب؟ ألا يمكن أن يكون ~~هذا الحب مجرد وهم من اختراعنا؟ كيف إذن نحيا زمن الحاضر إذا كنا لا ننتمي إلى أي ~~عالم آخر، بل نحن قوة دافعة في هذا العالم الذي وجدنا فيه؟ هل يكون الحل هو الموقف الذي ~~قدمه برجسون وعبر عنه بمفهومه عن الديمومة بمعنى التدفق الدائم للزمان في مجرى ~~الحياة الباطنة، أي زمن التجربة الحية وهو الزمان النفسي والكيفي المدرك بالحدس؟ وهل ~~الديمومة - التي هي في مفهوم برجسون تقدم مستمر للماضي، ونفاذ له في المستقبل. أي ~~أنها امتداد الماضي في الحاضر، واختراق هذا الأخير في المستقبل - هي اتصال وتواصل بين ~~أبعاد الزمن، ويتحقق فيها الجديد دوما، كما يؤكد برجسون «كلما تعمقنا في فحص طبيعة ~~الزمن فهمنا أن الديمومة تدل على الاختراع وخلق ms158 الصور، والإعداد المستمر للجديد على وجه الإطلاق»، # 30 # أتكون الديمومة بهذا هي الحل السحري لمشكلة الزمن الحاضر، وتكون موقفا من ~~الزمان يختلف تمام الاختلاف عن المواقف السابقة؟ # يبدو أننا ما زلنا بعيدين عن الحل الأمثل لتجربة الزمن في الحاضر، فلا هو العيش في ~~اللحظة وحدها، ولا هو العيش في المستقبل فحسب، ولا في الأخلاق المنظمة، ولا في الأمل ~~المشارك في مملكة سماوية، ولا في الديمومة الخالصة التي تنحصر في النهاية في الزمان ~~النفسي. مع اليقين بأننا كأنماط بشرية متفردة يمكن أن نعيش في حاضرنا بكل هذه اللحظات ~~السابقة بدرجات متفاوتة، تماما كما تعيش الشعوب أيضا حاضرها - كأنماط ثقافية متنوعة - ~~أزمانا مختلفة، ولكننا ونحن نسعى للوصول إلى التجربة الصحيحة للعيش في الزمن الحاضر ~~ينبغي علينا ألا نغفل الجوانب النفسية للتوجه الزمني. فمن الناحية النفسية يمكن النظر ~~إلى الزمان بمستويات مختلفة؛ لأن مشكلة الزمان التاريخي ليست هي الوعي بالزمان فحسب، ~~فالتوجه أو التكوين النفسي للشخصية يحدد التوجه ناحية أحد أبعاد الزمن وهي الماضي أو ~~الحاضر أو المستقبل التي غالبا ما يحكمها التغيرات التي تطرأ على الشخصية. «فالشخص ~~العصابي - على سبيل المثال - يتوجه غالبا ناحية الماضي في كل أفعاله ويعيش فيه. ~~وبطبيعة الحال لا نشير هنا إلى التوجه للماضي الناتج عن اهتمام الشخص بالتاريخ، فهذا ~~شيء مختلف تماما، بل وضروري لتحديد وضع الفرد بين الماضي والمستقبل. كما أن الانصراف ~~إلى الاهتمام بالحاضر فحسب غالبا ما يعوق تطور الشخصية، ويؤدي إلى تغيرات سلبية نتيجة ~~عدم استخدامها - أي الشخصية - لكل إمكانياتها مما يعرضها للتدمير وفقا للمبدأ القائل ~~بأن العضو غير المستخدم يذبل ويذوي. ومع ذلك فإن التوجه للحاضر ليس دائما ميلا أو ~~مزاجا شخصيا، ولكنه في أحيان أخرى يكون توجه مجتمع بأكمله، كما نجد في المجتمعات ~~الصناعية الكبيرة التي تمارس ضغوطا قوية على شعوبها - من خلال نظام التعليم أو وسائل ~~الإعلام - لتنفيذ سياستها الرأسمالية، وإثارة شهوة النزعة الاستهلاكية في حاضر ~~مجتمعاتها أو في الهنا والآن. وهكذا تظهر التغيرات الإيجابية للشخصية فقط عند الاتجاه ~~نحو المستقبل.» ms159 # 31 # هنا قد يلوح الحل الأمثل للتوجه الصحيح نحو الزمن الحاضر، وبمعنى أكثر دقة ~~عندما يعيش الشخص بشكل مؤقت في الماضي أو الحاضر في الوقت الذي يهيمن عليه الاتجاه ~~ناحية المستقبل. # إذا ما عدنا أدراجنا إلى بداية هذا البحث لمناقشة أصحاب التيار الأول (في ضوء ما ~~توصلنا إليه من حل لإشكالية التعامل مع الزمن الحاضر)، وتفنيد دعوتهم للعودة إلى ~~الجذور، فهل تصدق دعواهم التي تجتر الماضي وتتوهم سعادة العيش فيه والاكتفاء به، وتتصور ~~خطأ أن هذا وحده هو الزمان الحقيقي؟ وهل تصدق دعوى التيار الثاني الذي يتطلع للمستقبل ~~مطالبا بقطع كل الجسور مع الماضي؟ من كل ما سبق يتضح زيف الدعوتين وافتقارهما معا ~~للوعي التاريخي بزمن الحاضر. فلا يمكن بطبيعة الحال الالتفات إلى الماضي، واعتباره ~~حاضرا أبديا، فنحيا في واقع لا زماني. كما يستحيل بنفس القدر أن نقطع كل الخيوط مع ~~الماضي؛ لأنه - أي الماضي - حي ولا يزال حيا بيننا على نحو ما، حتى وإن لم تلحظه ~~عين الراصد لحركة الواقع. # نعود إلى حيث انتهينا من كلامنا عن جدل الحاضر والمستقبل الذي خلصنا منه إلى أننا لا ~~نملك سوى الواقع المعيش. فإذا كان «الواقع المعيش ... أو الحياة الحاضرة مبدعة فهي تنفتح ~~على المستقبل، ومن خلال هذا الانفتاح على المستقبل نتحول إلى الماضي لنحصل منه على ~~التجارب الضرورية للحاضر. وفي هذه الحالة يدخل الماضي حياتنا بشكل مباشر، وبطريقة ~~أداتية كتجربة ضرورية لحياتنا الحاضرة الخلاقة.» # 32 # هنا تكون العودة إلى الماضي ضرورة ملحة للاستعداد للمستقبل، ولكن هذه ~~العودة إلى الخلف أو إلى الماضي هي فقط لشحذ القوى، «كمن يقفز فوق خندق، فلا بد له أن ~~يتحرك للخلف قليلا كي يحفز قواه ويستجمع سرعته.» # 33 # وبهذا المعنى وحده يمكننا أن نقول في النهاية إننا نعي الحاضر تمام الوعي ~~عندما ينفذ فيه الماضي والمستقبل بالصورة التي أوضحناها. وعصر النهضة الأوروبية هو ~~الفترة التاريخية التي وقع عليها اختيارنا لتكون نموذجا للوعي التاريخي بالزمن ~~الحاضر، فهي العصر الذي تبلورت فيه النظرة الصحيحة الواعية للزمن، والتي انطلقت ms160 من ~~الحاضر، وبدأت بداية جديدة كل الجدة مع عدم إغفال بعدي الماضي والمستقبل. ~~(4-1) النهضة الأوروبية نموذجا للوعي التاريخي # ما دمنا قد اتخذنا من عصر النهضة الأوروبية نموذجا للوعي التاريخي، فلا بد أولا ~~من التذكير بالمعنى الاشتقاقي للكلمة في أصلها الأجنبي، وفي ترجمتها العربية، لنؤكد ~~من خلاله موقف الوعي في تلك الحقبة الزمنية من الماضي والمستقبل معا. فالكلمة ~~الأصلية # Renaiss ance # تعني حرفيا الميلاد الجديد ~~أو الميلاد الثاني. وقد اصطلح على ترجمتها في العربية بالنهضة التي تعني البعث أو ~~النهوض من جديد بعد ركود طويل. وهي حركة ثقافية بدأت في إيطاليا منذ القرن الرابع ~~عشر، وامتدت إلى بقية الدول الأوروبية، وسادتها حركة إحياء واسعة، وبعث للتراث ~~اليوناني والروماني القديم، ولكنه لم يكن بعثا لشيء ماضي أو إحياء لعصر قديم، بل ~~كان في جوهره ولادة جديدة لتراث قديم، بمعنى آخر كانت عودة نقدية فاحصة للماضي، ~~ومؤسسة للمستقبل. فقد نظر الأوروبيون «إلى تراثهم، في عصر نهضتهم، نظرة ناضجة، لا ~~تخجل من الاعتراف بالاختلاف الجذري بينه وبين حاضرهم الجديد، وكانت بذلك عاملا ~~حاسما في القضاء السريع على تخلفهم الفكري.» # 34 # لقد تم توظيف رؤية الماضي بشكل نقدي وواع من أجل الحاضر، بأن وضع ~~الأوروبيون تراثهم الماضي في سياقه التاريخي، وكانوا على وعي بأنه مضى، وأدركوا ~~بحس تاريخي صادق تلك الفجوة الزمنية التي تفصل بين الماضي والحاضر، ومع اعترافهم ~~بالقيمة الحقيقية لتراثهم الثقافي وتقييمه في إطار عصره، إلا أن هذا لم يمنعهم من ~~الوعي بالحاضر الذي يعيشون فيه وإدراك متغيراته، فتملكتهم رغبة جامحة في البدء ~~من جديد. # تميز عصر النهضة بنظرة جديدة للإنسان والكون؛ فقد كان في مفهومه العام «عصر ~~الإنسانية، تميزه روح جديدة تفيض بالحرية وشعور جديد ومهيب بالفرد، وواقعية جديدة ~~في تصور الطبيعة» # 35 # أنه أيضا عصر الاكتشافات الكبرى، وعصر الإصلاح الديني، ونمو الدول ~~القومية، وبداية انطلاق الاقتصاد الرأسمالي والتجاري مصحوبا بنهضة فنية شملت كل ~~ميادين الفنون والآداب. كما كانت النهضة فترة توهج فكري شمل الروح والمعرفة ~~والفلسفة والسياسة والاجتماع، بحيث يمكن ms161 أن نقول إنها - أي النهضة - وضعت أوروبا ~~على عتبة العصر الحديث. # وصف المؤرخ الفرنسي المشهور ميشليه النهضة بعبارة شهيرة قال فيها «إنها اكتشاف ~~للعالم والإنسان»، أي أنها العصر الذي فتح «كتاب الطبيعة» و«كتاب التاريخ» معا. ~~فقد انفتحت الطبيعة أمام الإنسان ليمعن النظر فيها، وساد العصر «الشعور بالاتساع ~~واللامحدودية الذي يستولي على البشر.» # 36 # أي الشعور بلا محدودية الأرض الذي تجلى في الكشوف الجغرافية ورحلات ~~كولمبوس وماجلان، ورحلات الدوران الأولى حول الكرة الأرضية. وأيضا الشعور بلا ~~محدودية السماء، واكتشاف أن الأرض ليست هي مركز الكون، وأن هناك العديد من الأكوان ~~الأخرى، الأمر الذي أدى إلى التخلي عن وجهة نظر مركزية الأرض لصالح مركزية الشمس. ~~لقد كان الشعور باللامحدودية هو التعبير الحقيقي عن أهم الظواهر المميزة لعصر ~~النهضة، وهي روح الجرأة والمخاطرة والمغامرة إلى ما وراء كل الحدود، حدود الأرض ~~والسماء والعقل على السواء. الأمر الذي شجع العقل الأوروبي على طرح أسئلة كانت ~~محرمة عليه، وأن يطوف في بلاد وشعوب نائية ويجوب عالما لم يجبه أحد من قبل. ويطأ ~~أراضي وميادين جديدة بعقلية الرائد والفاتح والمغامر الذي يستمتع بمتعة الكشف ولذة ~~المغامرة. # وكما انفتح «كتاب الطبيعة» انفتح أيضا «كتاب التاريخ»، واستعاد الإنسان «كرامته ~~الإغريقية»، ولم يعد العالم متمركزا حول الشمس فقط، بل حول الإنسان أيضا. ~~فالنهضة التي كانت في المقام الأول من أجل الإنسان لم يصنعها سوى الإنسان نفسه، ~~فكان «الإنسان الصانع» الذي ابتدع فنونا عديدة، ووعت المخيلة دورها في مسار ~~التاريخ، فانطلق الفنان باعتباره شخصية فردية خلاقة متحررا من روابط التقاليد ~~إلى حد كبير، وكان اكتشاف المنظور الذي فتح الفن على عالم لا نهائي. لقد كانت ~~الإنسانية الواعية بذاتها هي مفتاح عصر النهضة، فتم تفسير كل شيء بمصطلحات ~~إنسانية معبرة عن الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض، الإنسان الذي أكد فرديته، ~~وامتلك ذاته، واتسعت معرفته وتطورت ملكاته النقدية الواعية. وكشفت النهضة عن ميلاد ~~جديد لإنسان جديد، ومجتمع يحمل قيما جديدة، كما كانت عصر رفع لواء الفاعلية ~~كشعار لإنسان حقق ذاته من ms162 خلال العمل، فكان الإنسان وإبداعاته الخلاقة هما الشحنة ~~الهائلة التي دفعت النهضة إلى الأمام كحركة تاريخية في اتجاه المستقبل. # لقد كانت القضية الأساسية في عصر النهضة، هي خلق رابطة جديدة بين الإنسان ~~والطبيعة، رابطة يتم فيها النظر إلى الكون نظرة جديدة غير سكونية، فكانت الطبيعة ~~الفاعلة عند جوردانو برونو، أي الطبيعة المبدعة التي تشكل العالم، والتي بفضلها ~~يشكل العالم ذاته بذاته، فكل من الإنسان والطبيعة يسيران جنبا إلى جنب، وكلاهما ~~لم يكتمل بعد، بل ما زالت أمامهما إمكانية عيانية لعقد تحالف جديد، وكلاهما في ~~صيرورة متجددة على حد تعبير باراسيلزوس # 37 # أن العالم يسقط في العدم إذا لم «يخلق ثانية» في كل لحظة. وأن الإنسان ~~المسلح بخيال خلاق وذكاء مبدع مكلف بإنضاج إنسان أفضل وعالم أفضل. فالطبيعة لا ~~تنتج شيئا كاملا منذ البداية، ولكن على الإنسان أن ينجز ويتمم كل شيء. # 38 # ومع هوبز يتحول العمل والإنتاج - اللذان كان المجتمع الأرستقراطي قد ~~لفظهما نهائيا - إلى أداة لتقييم العالم. فكانت النهضة هي اللحظة التاريخية التي ~~توقفت فيها الرؤية الأفلاطونية التي تهتم بتأمل الأفكار أو المثل، وازدرت العمل ~~وترفعت عنه. # إذا كنا قد اتخذنا من عصر النهضة - على وجه التحديد - نموذجا للوعي التاريخي، ~~فإن هذا يعني أن العصر الذي سبقه - أي العصر الوسيط - لم يكن كذلك. فهل يعني هذا أن ~~العصر الذي يعنيه يمثل حالة انقطاع عن العصر السابق له؟ وهل يحق لنا أن نقول ~~إنه عصر بداية جديدة كل الجدة ومقطوعة الصلة بما قبلها؟ وإذا كان هذا صحيحا، فهل ~~يمكن لنا أن نحدد عصر النهضة تحديدا زمنيا دقيقا يبدأ من تاريخ هذه القطيعة؟ ~~حقيقة الأمر أن الحدود الفاصلة بين حقبتين تاريخيتين - كما بينا سلفا - غير ~~ممكنة من الناحية العملية، بالإضافة إلى أنها شديدة الصعوبة في عصر النهضة؛ لأن عصر ~~النهضة - كما يرى جورج سارتون - قد مر «بفترتين إحيائيتين، بدأت أولى هاتين ~~الفترتين في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، وبلغت أوجها في القرن الثالث عشر ~~بحافز من المعارف الإغريقية العربية التي ms163 تلقاها غرب أوروبا «عن طريق العرب». وأما ~~الفترة الثانية التي شهدت تقدم المنهج التجريبي فلم تبدأ قبل القرن السابع عشر. ~~وكانت أولى هاتين الفترتين الإحيائيتين في جوهرها إقرارا للصلات بمعين الحياة ~~الثقافية الأساسي، أي كتابات الإغريق كما نقلها وصححها الباحثون من أبناء الضاد ... ~~أما فترة الإحياء الثانية، فكانت في الواقع بداية جديدة ... باعتبارها بداية العلم الحديث.» # 39 # يتضح من النص السابق استمرارية واتصال تراث الماضي بحاضر النهضة، مما يوحي بنفي ~~فكرة القطيعة المعرفية بين زمن النهضة والأزمان السابقة عليها، ولكن حقيقة الأمر ~~أنه حدث في هذا العصر «بلا ريب انقطاع، ولكنه في نفس الوقت اتصال وتواصل؛ انقطاع ~~بالنسبة لما قبله، ولكنه انقطاع لا يتحدد بسنة ولا بعقد ولا حتى بنصف قرن، كما أنه ~~انقطاع لا يلغي ما قبله، وهو بالنسبة إلى ما بعده شيء بارز ومذهل.» # 40 # بهذا المعنى لم تكن النهضة الأوروبية مجرد تطور نوعي وكمي للتراث ~~والتاريخ الثقافي، ولا كانت مجرد ميلاد جديد لتراث قديم فحسب، بل هي ولادة شيء لم ~~يحدث أن تصوره إنسان في زمن من أزمنة الماضي، فكانت بحق انطلاقا وبعثا أو ميلادا ~~جديدا كل الجدة، و«كأية حركة تاريخية كبرى، فإن لعصر النهضة ينابيع أصيلة عميقة، ~~فالسياسة والدين والتجارة والصناعة والشغف بتحليل معرفة علمية جديدة، وروح المخاطرة ~~... قد أسهمت جميعا في حفز الحركة.» # 41 # لقد كانت النهضة لحظة امتلاك الوعي وتحديده لذاته، لحظة إدراك الواقع العيني ~~واكتشاف الإمكانات الثورية الكامنة فيه، والتصميم الإرادي على نقلها من حالة ~~الإمكان إلى حالة التحقق، أي اللحظة القادرة على استشراف المستقبل. ومع أنه «لم يكن ~~في عصر النهضة نهضة علمية كبيرة، فقد كان مرحلة لازمة للتطور، إنه بمثابة إحدى ~~المعارك التي ينبغي للبشر خوض غمارها لكي يصلوا إلى مستوى أرفع»، # 42 # ومع ذلك فقد كشفت النهضة العلمية عن بداياتها في هذا العصر متمثلة في ~~بعض الكتابات التي تميزت بشدة وعيها بالواقع التاريخي لحاضرها مثل «أطلنطا الجديدة» ~~لفرنسيس بيكون، و«مدينة الشمس» لتوماسو كامبلانيلا، وهما المؤلفان اللذان كشفا عن ~~إمكانات هائلة ms164 للتطور التقني بفضل قراءة مؤلفيهما لواقع عصرهما ودراسته بالعلم، ~~فاستطاعا أن يستخرجا إمكاناته الكامنة التي أمكن تحقيقها في المستقبل. وقدما ~~صورا لاختراعات علمية عديدة اهتمت بها، وحققتها القرون التالية لهما، كما حقق ~~التقدم العلمي والثورة الصناعية بعد ذلك الكثير من هذه الصور. ولا تخلو كل إبداعات ~~النهضة من إلقاء هذا الضوء على إمكانات الواقع الكامنة ولا من استشراق الجديد ~~القادم في المستقبل. # كان عصر النهضة - إذن - لحظة (إذا جاز لنا استخدام هذه اللفظة) تتوسط بين الماضي ~~بكل ما فيه من تراث ثقافي يحمل قيما يمكن أن تدفع مسيرة التاريخ إلى الأمام، وبين ~~المستقبل بكل ما يحمله من إمكانات لم تتحقق بعد. وهي لحظة يمكن أن توصف بالغموض ~~والنقص وعدم الاكتمال، وعلى الرغم من كل ذلك فهي اللحظة التي وضعت العقل الأوروبي ~~على طريق المستقبل، كما كانت بمعنى آخر لحظة خروج من الكهف الوسيط إلى الوعي بحرية ~~السؤال والبحث بغير حدود. إنها الميلاد الجديد الذي شمل كل ميادين الفكر والروح ~~والعلم والكشف والمعرفة، وتأسس معه «حاضر» حمل في أحشائه المستقبل الذي ما يزال ~~مستمرا ومتجددا إلى اليوم، بحيث نستطيع أن نقول إن حاضر أوروبا الآن والتقدم ~~الذي نعيش فيه هو الابن الشرعي للأسس التي وضعها عصر النهضة. لقد كان - أي حاضر ~~أوروبا الآن - هو المستقبل الذي حملته النهضة في أحشائها. ولقد امتزج التراث ~~الثقافي والعلمي للزمن الماضي بالذات المكونة والفعالة والمبدعة في هذه النهضة، أي ~~الإنسان، مما أدى إلى انطلاق النهضة في مجالات عديدة شكلت في مجموعها الكل الحضاري ~~للبشرية الغربية الواعية الفعالة؛ ففي مجال الفلسفة كان جورداتو برونو وكامبانيلا ~~وباراسيلزوس وياكوب بوهمه وفرنسيس بيكون. وفي مجال العلوم الطبيعية كان جاليليو ~~وكيبلر ونيوتن. وفي فلسفة الحق والقانون والدولة والتاريخ كان ألتوسيوس وماكيافيلي ~~وبودان وجروسيوس وتوماس هوبز وفيكو. وكل هذه الإبداعات الحضارية على تنوعها واختلاف ~~مستوياتها والموجهة من أجل الإنسان لم يخلقها سوى الإنسان نفسه. الإنسان المزود ~~بالوعي التاريخي بالمستقبل، وبالإرادة القادرة على تحقيق أحلامه المستقبلية في ~~الواقع المتغير والمتحول باستمرار. وبهذا ms165 يمكن القول إن أعظم ما أبدعته النهضة ~~الأوروبية أو أنتجته هو هذا الإنسان الجديد نفسه، وأن أعظم ما في هذا الإنسان هو ~~وعيه الجديد أو بالأحرى وعيه التاريخي والجدلي بماضيه وحاضره ومستقبله. # | المفارقة التاريخية عند نيتشه # إرادة الحياة بين الحس التاريخي والحس اللاتاريخي # مقدمة # يثير عنوان هذا البحث العديد من علامات الاستفهام أولها: ما هي المفارقة التاريخية؟ ~~وثانيها: كيف تتأرجح دراسة التاريخ بين الحس التاريخي - وهو الأساس الذي تستند إليه أية ~~دراسة موضوعية وجادة للأحداث التاريخية - وبين الحس اللاتاريخي وما يثيره من علامات ~~تعجب لم تألفها الدراسات التاريخية؟ وثالث هذه التساؤلات وأهمها: لماذا نيتشه الآن؟ وهو ~~سؤال لا يثيره عنوان هذا البحث فقط، بل هو مطروح في الدوائر الثقافية العالمية منذ ~~فترة طويلة مضت وحتى أيامنا هذه. فعلى الرغم من مرور مائة عام على رحيل نيتشه، إلا أنه ~~ما زال الفيلسوف الذي تدور حوله الدراسات في أنحاء عديدة من العالم، ليس فقط لأنه من ~~كبار الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر، وليس فحسب لتفرد شخصيته في تاريخ الفكر ~~وأهميته الكبرى في تاريخ الفلسفة وتعامله مع أصعب المسائل تعقيدا، بل لأهمية أفكاره ~~الفلسفية في ميادين عديدة من البحث المعاصر. وعالمية فكر نيتشه يتوقع لها أن تستمر ~~وتزدهر في المستقبل في شكل سلسلة من الدراسات لتحليل وتفسير وتقييم الجوانب العديدة من ~~فكره. وربما يكون الهدف من هذه الدراسات - على تنوعها - هو الإسهام في مراجعة فكر نيتشه ~~الذي تعرض لسوء الفهم وسوء الاستخدام ما يقرب من قرن من الزمان، وتم التجني عليه ~~وإخضاعه قسرا وظلما لأفكار ونظم سياسية - كالنازية والفاشية - ربطت اسمه بأكبر كارثة ~~في التاريخ الحديث. # يعود سوء الفهم الذي تعرض له فكر نيتشه إلى أسباب عديدة، ساهم فيها بغير شك الفيلسوف ~~نفسه بتناقضاته ومفارقاته الشهيرة، وتخفي كتاباته وراء أقنعة مجازية تستعصي على الفهم ~~في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى صعوبة التعامل مع المادة الضخمة لأعماله التي اتسمت ~~بالتشدر واللانسقية والنسيج غير المترابط - حتى داخل العمل الواحد - في شكل أمثال ~~وحكم وجمل ms166 متقطعة. وقد تعرضت فلسفة نيتشه لسوء الفهم من قبل المتحمسين والمعارضين ~~لها على السواء؛ تعامل البعض مع فلسفته الأخلاقية بشكل يغلب عليه الانفعال والتبسيط ~~المخل الذي أساء فهم هذه الفلسفة على حقيقتها، كما فسر البعض الآخر فلسفته تفسيرات تدعم ~~الأيديولوجية النازية مما نتج عنه كره الناس لنيتشه أكثر من كرههم للنازيين أنفسهم، أو ~~الذين أساءوا استخدام أفكاره، وربما يكون غنى وثراء وتناقضات أفكار نيتشه وشاعرية ~~أسلوبه الغني بالصور والاستعارات والرموز هي التي أثارت هذه المواقف المتباينة. # لكل الأسباب السابقة تأتي أهمية الدراسات المعاصرة التي تسهم في مراجعة نقدية متطورة ~~لفلسفة نيتشه التي أثبتت قضايا عصرنا الحاضر أنها ما زالت حية بيننا، وأن نيتشه بكل ~~المقاييس معاصر لنا، وأنه من طراز من الفلاسفة الذين لا يمكن أن نتجاهلهم، بل ويتحتم ~~علينا أن نقدرهم حق قدرهم، حتى لو وجدنا أنفسنا في مواجهات خلافية معهم. لم يكن نيتشه ~~مجرد فيلسوف صاغ وجهات نظر فلسفية حول بعض قضايا عصره، ولم يكن يسعى لفهم الفلسفة ~~وتحليلها فحسب، بل تحدى تراثها تحديا نقديا ومارسها وعايشها معايشة باطنية، بل كان ~~أيضا مهموما بماضي الفلسفة وحاضرها ومستقبلها، وهو الذي وضع «مصير الفلسفة ومستقبلها» ~~موضع سؤال وشك، ووضع نبوءة للتاريخ لمائتي عام قادمة محذرا ومنذرا بمستقبل الفلسفة ~~ومستقبل البشرية. وبفضله ما زال السؤال عن مستقبل الفلسفة والبشرية مطروحا حتى اليوم. ~~والآن وبعد مرور مائة عام، هل صدقت نبوءة نيتشه في التاريخ عندما أطلق صيحته: «الآن ~~ستفنى الأخلاق بالتدريج: هذه رؤية كبرى في مائة فصل للقرنين القادمين في أوروبا، وهي ~~الأكثر رعبا، والأكثر شكا، وربما الأكثر أملا من كل الرؤى.» # 1 # هل ستظل صرخة التحذير التي أطلقها قائمة لمائة عام أخرى؟ وهل كان نيتشه ~~فيلسوفا متعاليا على التاريخ، أم أن رؤيته لم تتجاوز التاريخ؟ وهل صدق استقراؤه لواقع ~~حاضره الثقافي؟ وهل بلورة نيتشه لمشكلة الزمن الحاضر بوضعها في إطار أوسع، وهو مشكلة ~~الحضارة الأوروبية ومصيرها ينم عن وعي وحس تاريخي أم أنه يكشف عن الحس اللاتاريخي - ~~بكل ما تحمله الكلمة ms167 من مفارقة - أم أنه جمع بين الوعي التاريخي واللاتاريخي معا؟ وهل ~~هذه الرؤية النكوصية للتاريخ - التي تفسر تاريخ الحضارة الغربية في عصره بأنه ارتداد ~~ونكوص من عصور بطولية إلى عصر تدهور وانحطاط تجوس فيه العدمية - كانت من أجل الهدم فقط، ~~أم من أجل إثارة التفكير في المستقبل في ضوء قلقه على المستقبل الإنساني؟ ثم أخيرا هل ~~الهدف النهائي لنقد نيتشه وهدمه للحضارة الغربية هو تدمير أم إبداع؟ بمعنى آخر، هل هو ~~آلام احتضار أم مخاض ميلاد؟ # سيحاول هذا البحث الإجابة عن هذه التساؤلات التي تدور في محورين أساسيين: يدور المحور ~~الأول حول: فلسفة نيتشه التاريخية، ويتناول مفهوم نيتشه عن التاريخ، وكيف يكون في خدمة ~~الطاقة المبدعة للحياة انطلاقا من نقده لمفهوم الحقيقة. وينقسم هذا المحور إلى ثلاث ~~نقاط: (1) أنواع التاريخ، ويعرض للأنواع الثلاثة للتاريخ التي حددها نيتشه، وكيفية ~~ارتباط كل منها بالحياة. (2) المفارقة التاريخية، وهي التي تتضح معالمها في تأكيد ~~نيتشه على الحس التاريخي والحس اللاتاريخي معا، كما تتأكد أيضا في فكرة العود الأبدي ~~عندما يصبح الماضي مستقبلا، ويصبح المستقبل ماضيا. (3) الرؤية النكوصية للتاريخ، ~~وتعرض لرؤية نيتشه لتدهور التاريخ من عصور بطولية نبيلة تعبر عن أخلاق السادة، إلى عصور ~~متدهورة تتحكم فيها أخلاق العبيد. # أما عن المحور الثاني فيدور حول كشف قناع الزمن الحاضر، ويعرض لرؤية نيتشه النقدية ~~التي تدين تدهور الحضارة في العصر الحديث، وتؤكد رؤية نيتشه النكوصية للتاريخ والحضارة، ~~وهي التي سيدور حولها المحور الأول. وينقسم هذا المحور أيضا إلى ثلاث نقاط: (1) الرؤية ~~النقدية للعصر الحديث بين نيتشه وروسو، وقد اقتصرنا في هذه النقطة على تفسير كل منهما ~~لمشكلة التدهور الحضاري، وبحثهما عن العلل التاريخية لفساد زمنهما الحاضر. (2) أصول ~~المجتمع البشري، التي تتناول الرؤيتين المتعارضتين عند كلا المفكرين لتلك الأصول، وهنا ~~ننتهي إلى النقطة الثالثة والأخيرة من هذا البحث وهي (3) مأساوية الوجود التاريخي ~~للإنسان، ويتناول كيف واجه كلاهما تلك المأساة. وينتهي البحث بخاتمة قصيرة عن ضرورة ~~الاهتمام بفلسفة نيتشه التي يمكن أن تساعدنا على تجاوز المحنة الحاضرة للوجود ms168 والتاريخ ~~العربي. ~~(1) فلسفة نيتشه التاريخية # قد يتوقع القارئ أن نتحدث تحت هذا العنوان عن نوع المعرفة التي اتبعها نيتشه في دراسة ~~التاريخ، أو عن المنهج الذي سلكه لنفس الغرض، وهي الأمور التقليدية التي تتعرض لها ~~أغلب دراسات فلسفة التاريخ، لكن الأمر يختلف عندما نتحدث عن فيلسوف غير تقليدي مثل ~~نيتشه؛ فالتاريخ بالنسبة له ليس موضوعا للقراءة، ودراسته لا تنحصر في جمع وثائق وحقائق ~~عن أحداث الماضي وشخصياته، ولا أهمية عنده للترتيب الزماني أو المكاني لأحداث التاريخ، ~~بل لا يعنيه منه تلك المسيرة الأخلاقية التي رسمها الله للإنسان على الأرض للوصول في ~~النهاية إلى المملكة النهائية أو مملكة الله. إن التاريخ بالنسبة لنيتشه مشكلة فلسفية ~~وجودية عينية، وقيمته تكمن في توظيفه «للزمن القادم»، وغايته الكبرى هي الوصول لنماذجه ~~الأسمى. # تنطلق فلسفة نيتشه بأكملها - لا فلسفته التاريخية فقط - من مشروع طموح لإعادة تقييم ~~كل القيم الموروثة. وهو يستهل مشروعه بطرح السؤال: «بماذا نؤمن؟ من هنا يجب أن تحدد ~~أهمية كل الأشياء من جديد.» # 2 # وقد جعل نيتشه من النقد أساس هذا التقييم ونقطة بدايته، وحدد لمشروعه ~~جانبين يمثل الجانب الأول العنصر الإيجابي لإعادة التقييم كما ظهر في «هكذا تكلم ~~زرادشت»، وتمثل مؤلفاته المتأخرة العنصر السلبي منه: «والآن بعد أن تم الجزء الإيجابي ~~من مهمتي، فقد جاء دور الرفض، دور إطلاق صوت: «اللا» في القول والفعل، إعادة تقييم ~~القيم الموجودة نفسها، تلك الحرب الكبرى، الإهابة بيوم القرار الحاسم.» # 3 # وقد طرح نيتشه بحثه النقدي للقيم في خمسة تساؤلات حول القيم الأساسية التي ~~قام عليها جوهر التراث الغربي: «ما قيمة المعرفة؟ ما قيمة الأخلاق؟ ما قيمة الدين؟ ما ~~قيمة الفن؟ ما قيمة الدولة؟» # 4 # ولأن كلا من هذه الأسئلة يستلزم بحثا أو بحوثا مستقلة خاصة عندما نعرف ~~أن إعادة تقييم القيم هي المشروع الأساسي لكل أعمال نيتشه منذ كتاباته الأولى الخصبة، ~~وحتى مؤلفاته المتأخرة الأكثر نضجا، وأن مشكلات القيمة هي المهمة التي وهب حياته ~~الفلسفية من أجلها، فلن نتناول في هذا المجال سوى السؤال ms169 الأول الذي يندرج هذا البحث في ~~إطاره لما يتضمنه من أسئلة أخرى: «ما قيمة الحقيقة؟ ما قيمة العقل؟ ما قيمة الموضوعية؟ ~~وما قيمة العلم؟ ما قيمة التاريخ؟ وهل الحقيقة شيء يمكن الوصول إليه؟» # 5 # لم يطرح نيتشه تساؤله عن طبيعة المعرفة، ولم يهتم بطبيعة الحقيقة - كما فعل سائر ~~الفلاسفة - وإنما حصر دائرة بحثه في قيمة المعرفة، وقيمة الحقيقة، فكان هجومه على ~~التراث الفلسفي الغربي هو بداية هذا المشروع النقدي. فإذا كان أفلاطون «قد وضع في ~~محاورة «الجمهورية» أسس التاريخ الغربي، فإن نيتشه قد دمر في «هكذا تكلم زرادشت» هذا ~~التاريخ الذي وهن وفسد بعد أن أضنته المسيحية تاريخيا.» # 6 # وإذا كان هناك العديد من الفلاسفة الذين اهتموا بطبيعة الحقيقة، فإن القليل ~~منهم هو الذي شك في قيمة الحقيقة، فاتخذ نيتشه من هذا الإغفال نقطة بدايته، وجعل قيمة ~~الحقيقة - وليست طبيعتها - محورا لفلسفته في إطار نقده للقيم. ولا شك أن عملية إعادة ~~تقييم القيم أدت إلى رفضها بالكامل. فقد رفض نيتشه رفضا نهائيا نظرية المثل أو الصور ~~الأفلاطونية، وأخذ على عاتقه تدمير تلك النزعة. وإذا كان أفلاطون قد أسس قديما ما أطلق ~~عليه «العالم الحق»، فقد أكد نيتشه في «هكذا تكلم زرادشت» أن العالم الحقيقي محض خرافة، ~~وبدأ نقده للتاريخ من نقده للفكرة الأفلاطونية-المسيحية عن الحقيقة مدينا تمييز الفكر ~~الأوروبي بين «ماهية الشيء» و«ما يبدو منه»، مؤكدا أن روح الاستياء والمرارة التي تميز ~~تاريخ الميتافيزيقا الغربية كله من أفلاطون حتى كانط، إنما كانت نتيجة المقابلة بين ~~عالمين متعارضين «العالم الماورائي» الذي تم تصويره على أنه العالم الحق، وعالم ~~الصيرورة (الهنا والآن) الذي تم تصويره على أنه العالم الظاهر فحسب. وهي الفكرة التي ~~جعلت مفكري التراث الغربي يخلقون «عالما ميتافيزيقيا» كان عند أفلاطون هو «العالم ~~المثل» وكان في المسيحية هو «ملكوت الرب». # نظرت الحضارة الغربية إلى القيم على أنها الحقيقة التي تستحق التبجيل، فهذه القيم ~~هي التي وضعت الخير في مقابل الشر، والصدق في مقابل الكذب. وأخذ نيتشه على عاتقه ~~اقتفاء آثار ms170 سلالة تلك القيم ليؤكد عدم وجود قيمة بدون تقييم «أيا كانت القيم في ~~عالمنا الآن فليس لها قيمة في حد ذاتها، ولا وفق طبيعتها - الطبيعة دائما بلا قيمة، ~~ولكنها تكتسب القيمة في بعض الأحيان لكونها موجودة - لكننا نحن الذين أضفينا عليها هذه القيمة.» # 7 # وقد اضطلع نيتشه بهذه المهمة النقدية في كتابه «جينالوجيا الأخلاق»، وهي ~~المهمة التي تطلبت دراسة الظروف التي نشأت فيها القيم الأخلاقية - كيف نمت وتطورت ~~وتغيرت - وتطلبت أيضا دراسة الأشكال المختلفة التي ظهرت فيها تلك القيم الأخلاقية. ~~وقد ظهر اهتمام نيتشه بسلالة الأخلاق «في وقت مبكر في سن الثالثة عشر، فكرس جهده ~~الفلسفي للبحث عن أصل الشر، وعلى الرغم من أنه نسبه - أي الشر - في هذه المرحلة إلى ~~الله، إلا أنه فصل في سن متأخرة بين اللاهوت والأخلاق، وتوقف عن النظر إلى الشر ~~فيما وراء العالم. فكانت دراسته للتاريخ وعلم اللغة واهتمامه بعلم النفس قد حولت ~~إشكاليته وصاغتها بشكل أكثر نضجا تحت أية ظروف ورث الإنسان أحكام القيمة عن الخير ~~والشر؟ وهل أحكام القيمة تعد ازدهارا للإنسانية أم علامة على تدهورها؟» # 8 # للأسباب السابقة قدم نيتشه تحليلا تاريخيا وسيكولوجيا لنشأة القيم وتطورها في ~~محاولة لإقناعنا بالتخلي عن كل أشكال النزعة الأفلاطونية-المسيحية التي وضعت القيم في ~~عالم الخلود أو في السماء، وهو ما يشجعنا على إيجاد قائمة جديدة من القيم تتصدى للتدهور ~~العدمي الذي غرق فيه التراث الأوروبي . ويناشدنا نيتشه «بتغيير مكان القيم من السماء إلى ~~الأرض، من الأبدية إلى التاريخ، ويتطلب هذا التغيير إثبات الوجود الأرضي والتاريخي؛ ~~لأنه إذا تم إنكار أو إغفال أي جزء من الوجود الإنساني، فإن هذا سيفسح مجالا ~~للمثالية أو يسمح بعودتها وعودة فكرة «ما ينبغي أن يكون» لتعود معها الثنائية التراثية ~~بين الوجود الإنساني الناقص الخالي من القيم واليوتوبيا المتخطية أو المتجاوزة للتاريخ # transhistorical Utopia # كما عند أفلاطون أو المسيحية.» # 9 # ويرى نيتشه أن مشكلتنا هي أننا ما زلنا نؤمن بقيم مطلقة وغير مشروطة ~~للحقيقة، وذلك بغير أن نتحقق منها، وأن «ما ms171 نحتاجه هو الشك المطلق في كل المفاهيم الموروثة.» # 10 # يهاجم نيتشه التأريخ الحديث الذي يقف أمام ما يسميه «حقائق» موقفا رافضا للتقييم ~~سواء كان هذا التقييم بإقرارها أو برفضها. ويتساءل في كتابه «جينالوجيا الأخلاق»: «هل ~~يعلن التأريخ الحديث موقفا أكثر تأكيدا للحياة والمثل؟ إن زعمه الأمثل هذه الأيام ~~أنه مرآة: يرفض كل غائية، ولا يرغب في إثبات أي شيء.» # 11 # ويرجع نيتشه هذا الموقف السلبي - في رأيه - لأصحاب النزعة التاريخية إلى ~~نموذج الزهد الذي ساد كل الفلسفات السابقة التي نظرت إلى الله كحاكم أسمى ننشده ~~ونحتكم إليه، والذي يطالبنا نيتشه بالتخلي عنه؛ ولذلك تبحث المقالة الثالثة من ~~«جينالوجيا الأخلاق» عن تحرير الإنسان وإرادته من ذلك النموذج، ولا يتم هذا إلا بالبحث ~~في أصول الأخلاق لنكتشف في النهاية أننا نفقد الثقة به (أي بالنموذج)، وينفض الإنسان عن ~~نفسه الخوف ليكتسب الشجاعة: «وبصرف النظر عن المثل الأعلى للزهد # ascetic ~~ideal ~~، فإن الجنس البشري لم يكن له معنى، وجوده على الأرض بلا هدف: ~~لماذا الإنسان على الإطلاق؟ كان سؤالا بلا إجابة، إرادة الإنسان والأرض كانت محتجبة ~~وراء القدر الإنساني الأعظم ... ما يعنيه المثل الأعلى للزهد هو أن شيئا ما مفتقد، أن ~~الإنسان كان محاطا بفراغ مخيف، لا يعرف كيف يبرر ويؤكد نفسه، وأنه يعاني من مشكلة أن ~~يجد لنفسه معنى، ولكن مشكلته ليست في المعاناة نفسها، ولكن في عدم وجود إجابة عن صرخته ~~المتسائلة: لماذا أعاني؟» # 12 # وقد عمقت المسيحية في رأي نيتشه من معاناة الإنسان عندما أنزلت اللعنة على الجنس ~~البشري من منظور فكرة الذنب والخطيئة الأولى، وجعلتهما عمق جوهرها لتدمير الحياة. فأصبح ~~الزهد وما يصاحبه من معاناة نوعا من العقاب والتطهير معا، وكان أيضا هو الذي «قدم ~~للإنسان المعنى، بل كان هو المعنى الوحيد الذي قدم حتى الآن أي معنى هو أفضل من لا شيء ~~على الإطلاق، فيه فسرت المعاناة، وبد الفراغ الهائل وكأنه امتلأ ... معاناة مدمرة من ~~منظور الذنب، مع كل هذا تم إنقاذ الإنسان، امتلك المعنى، ولكن لم يعد ms172 بالإمكان أن ~~نخفي عن أنفسنا أن الإرادة التي أخذت وجهتها من المثل الأعلى للزهد: هي هذه الكراهية ~~للبشر ... هذا الفزع من الحواس، من العقل نفسه، الخوف من السعادة والجمال، هذا التوق إلى ~~الهروب بعيدا عن كل ظهور وتغير وصيرورة والموت والتمني والتوق نفسه - كل هذا يعني - ~~أنها إرادة اللاشيء # nothingness ~~، كراهية الحياة، ~~التمرد على الفروض الأساسية للحياة، ولكنها تبقى إرادة! والإنسان يفضل إرادة اللاشيء ~~على ألا تكون هناك إرادة.» # 13 # يتضح من تحليل النص أن المعاناة التي يعانيها إنسان نيتشه تختلف - بغير شك ~~- عن معاناة الإنسان المسيحي، وإن كان لا يفهم من الأولى هل يمارس الإنسان المعاناة من ~~أجل ذاتها، أم من أجل البحث عن المعنى؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو المعنى الذي يقصده ~~إنسان نيتشه؟ لكن المعاناة في الحالة الثانية «المسيحية» هي كما سبق القول نوع من ~~العقاب والخنوع للتطهر من الذنب الذي ألقت به الديانة المسيحية على عاتق البشر؛ ولذلك ~~يعتقد نيتشه أن البحث في أصول الأخلاق وتسلسلها هو المسئول عن موت المسيحية كعقيدة، وهو ~~أيضا المسئول عن ضعف وهلاك الأخلاق المرتبطة بها. يرفض نيتشه إذن نظرية الحقيقة التي ~~تقر بأن الحقيقة ثابتة، وهي النظرية التي تأسس عليها التراث الفلسفي، والتي استندت ~~إلى نموذج الزهد العازف عن الحياة، ويرفض أيضا الإرادة المفارقة والمنحرفة - في رأيه - ~~لهذا النموذج، فما هي إذن الحقيقة التي ينشدها نيتشه؟ وما هي الإرادة المصاحبة ~~لها؟ # تشكل فكرة الحقيقة محورا أساسيا في فلسفة نيتشه ، ولكننا لا نستطيع أن نخوض في هذه ~~المشكلة الكبرى التي تضمنت موقفه من نظريات الحقيقة. فقد تناولت دراسات عديدة مشكلة ~~الحقيقة عند نيتشه وعرضت تفسيرات كثيرة لها منها ما اعتبره بعض الباحثين تفسيرات ~~تقليدية للمشكلة كتلك التي قدمها كل من هيدجر وكاوفمان، ومنها ما أطلق عليه تفسيرات ~~غير تقليدية كما عند دي مان # De man ~~، والدراسات التي ~~وردت في كتاب«نيتشه ~~الجديد» # New ~~Nietzsche ~~، وهناك بعض الدراسات التي تؤكد تطور فكرة نيتشه نفسه من موقفه ~~من الحقيقة خاصة في أعماله المتأخرة ms173 التي ربط فيها بين الحقيقة والعلم، وعلاقة الحقيقة ~~بإرادة القوة وإرادة الحقيقة. وللأسباب السابقة لن نتعرض لجوهر هذه المشكلة التي من ~~الممكن أن تجرف هذا البحث عن الإطار المرسوم له، ولكننا سنشير فقط إلى هجوم نيتشه ~~الشديد على المثل الأعلى للزهد لاعتقاده أن الإيمان بالحقيقة هو التعبير الأخير عن هذا ~~المثل الأعلى. # ربط نيتشه مبدأ الزهد بالفلسفة، فإذا كانت الروح الفلسفية قد نشأت لظروف طارئة من ~~المثل الأعلى للزهد، فهو يحاول من جانبه تحرير الفيلسوف من الزهد وتحرير الحقيقة من ~~العبودية. فقد درج الفلاسفة على النظر إلى الحقيقة على أنها ثابتة، وبذلك تم عزلها عن ~~الحياة، في حين يرى نيتشه أن الحقيقة متغيرة، وتخضع لتقلبات الحياة وتغيراتها. ولذلك ~~يطرح سؤاله «الجينالوجي»: ماذا تريد إرادة الفيلسوف للحقيقة؟ لتأتي الإجابة بأنها إرادة ~~محافظة، كل ما تنشده هو المحافظة على الذات. فالفيلسوف يفضل التحديد على عدم التحديد، ~~الثابت على المتغير، الواحد على المتعدد، لقد كان الدافع الأخلاقي في تاريخ الفلسفة هو ~~دافع الإبقاء على نموذج محدد من الحياة. # ويرفض نيتشه - بطبيعة الحال - إرادة الفيلسوف للحقيقة بالمعنى السابق شرحه؛ لأنه يرى ~~أن الفيلسوف ممثل لإرادة القوة، ولاقتناعه أيضا بأنه لا يمكن لأي شيء أن ينشأ ~~مستقلا عما حوله، ولا يمكن له أن يحيا بعيدا عن علاقته بالأشياء الأخرى، فهذه ~~العلاقة هي التي تشكل ظروف وجوده واستمراره لقد نشأت كل القيم والأفكار والمفاهيم في ~~الزمان وفي صور متعددة؛ ولذلك كانت مهمة نيتشه في بحثه عن أنساب الأخلاق هي أن يبرز تلك ~~الظروف العينية والتاريخية إلى النور. كذلك انحصرت مهمته في تقديم تحليل أو تشخيص ~~تاريخي للحاضر، وتقويضه ليفتح إمكانيات تدعيم أو تعزيز الحياة، فالتقييم الأخلاقي إذن ~~هو أساس البحث عن الحقيقة. وتصبح الحقيقة في رأي نيتشه «قيمة تستحق الاحترام فقط عندما ~~ترتبط بالتقييم»، أي عندما ترتبط بفعل الإرادة. فالحقائق ليست في عالم المثل الأفلاطوني ~~ولا في طبيعة الأشياء، وإنما في الإرادة التي تعبر عن نفسها في هذا العالم، عالمنا ~~الأرضي، وبهذا المعنى فقط تكون «جينالوجيا ms174 الأخلاق» عند نيتشه هي المنهج الذي بفضله ~~نكتشف أصل الأفكار والمثل في فعل الإرادة. وتركز الجينالوجيا على نوعية خاصة للإرادة، ~~فعلى سبيل المثال يعيد نيتشه تفسير عبارة «الحقيقة قيمة» أو «الحقيقة تستحق التبجيل» ~~في عبارة أكثر دقة «أنا أريد الحقيقة بدلا من الخطأ. الجينالوجيا إذن دراسة للطريقة ~~التي تريدها الإرادة، هل هي إرادة ضعيفة أم قوية؟ هل هي إرادة نبيلة أم تابعة؟ هل هي ~~فعل مبدع أم رد فعل انتقامي؟ هل هي إثبات للحياة أم إنكار للإرادة؟» # 14 # لذلك كله جاء بحث نيتشه في أنساب الأخلاق على مرحلتين، في المرحلة الأولى بحث الظروف ~~التي نشأت في ظلها أحكام القيمة، وفي المرحلة الثانية طرح التساؤل عن قيمة أحكام ~~القيمة. بعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن المرحلة الأولى كانت بمثابة المرحلة التمهيدية ~~للمرحلة الأخرى النقدية؛ ولذلك كانت الوظيفة الأساسية لجينالوجيا نيتشه هي وظيفة نقدية. ~~«إن البحث في أصول تقييماتنا وقوائم الخير ليس متطابقا على الإطلاق مع النقد الموجه ~~لها على الرغم من أن الإحساس بنوع من الأصل المخجل يجلب معه شعورا بتناقص قيمة الشيء ~~الذي نشأ بهذه الطريقة، كما يمهد السبيل لموقف نقدي منه. ما هي على الحقيقة قيمة ~~تقييماتنا وقوائمنا الأخلاقية؟ ما هي محصلة سطوتها؟ وبالنسبة لأي شيء؟ الإجابة من أجل ~~الحياة»، لكن ما الذي يعنيه نيتشه بالحياة التي طرح من أجلها كل تلك الأسئلة؟ يتساءل ~~هو نفسه، ثم يجيب: «لكن ما هي هذه الحياة؟ تشتد الحاجة إلى صيغة جديدة أكثر تحديدا ~~لمفهوم الحياة، إن مفهومي عنها هو: الحياة هي إرادة القوة.» # 15 # يبدو تعريف نيتشه للحياة في هذه العبارة غير محدد تماما - كما تصور هو ذلك - ولن نجد ~~في كتاباته - على كثرتها - تعريفا جامعا مانعا لمفهومه عن الحياة. وليس ما يهمنا هنا ~~هو البحث عن مفهوم محدد لفكرة الحياة، بل إن ما يهمنا هو تأكيد نيتشه على أن الوجود ~~كله ليس إلا الحياة، وليست هذه الحياة إلا إرادة، ولكن هذه الإرادة ليست فحسب إرادة ~~حياة كما يقول شوبنهور، بل هي ms175 إرادة القوة التي لا تعني سوى التسامي والعلو. ولذلك فإن ~~الحقيقة عند نيتشه هي ما يساعدنا على الاستمرار في الحياة، وهي في كلمة واحدة ما ينفع ~~الحياة، وبهذا المعنى تكون الحقيقة مرتبطة بالحياة ومتقلبة معها، وليست ثابتة ولا ~~مطلقة، بل هي وسيلة غايتها نفع الحياة. ~~(1-1) أنواع التاريخ # امتد هجوم نيتشه على القيم إلى الهجوم على التاريخ والنزعة التاريخية - هذه ~~النزعة التي رأت أنها حققت غايتها في عصره - فطرح سؤاله عن قيمة التاريخ وليس عن ~~نوع المعرفة التي تسلم بها الدراسات التاريخية، ولم يعنه مدى صدق معرفتنا ~~التاريخية عن الماضي، بل جاء سؤاله عن قيمة التاريخ؛ لأنه كان على وعي كامل بمخاطر ~~استخدام التاريخ؛ لذلك جاء تأمله الثاني في كتابه تأملات في غير أوانها تحت عنوان ~~يحمل دلالات هذا الوعي «استخدامات ومساوئ التاريخ بالنسبة للحياة» # On the Uses and Disadvantage of History ~~for life ~~. لا يبحث هذا التأمل ~~عن الترتيب الزماني لما حدث في التاريخ، بل يحاول أن يفضح زيف ما يسميه التاريخيون ~~في عصره بالوعي التاريخي ليثبت أنه إحدى العلامات الأساسية للوضع المتفسخ للعصر ~~الحاضر: «سأحاول أن أنظر من جديد لأشياء يفخر بها عصرنا أي دراسته للتاريخ لكشف ما ~~به من ضرر وخلل وعجز ... إن الحس التاريخي المتضخم - كما هو في عصرنا - بإمكانه أن ~~يدمر الأمة.» # 16 # كما حدد نيتشه هدفه بوضوح من دراسة التاريخ، ولماذا نحتاجه: «أي فائدة ~~من التاريخ إذا انحصر في كونه تعليما عقيما بغير حيوية، ومعرفة لا ترتبط بالفعل، ~~ألا يصبح التاريخ بذلك شيئا كماليا لا جدوى منه ... نحن نحتاج التاريخ ، لكن لأسباب ~~مختلفة عن تلك الأسباب التي يحتاجها المتسكع في بستان المعرفة ... نحن نحتاج التاريخ ~~من أجل الحياة والفعل، لا لكي ندير ظهورنا للحياة والفعل ... نحن نخدم التاريخ ~~بالقدر الذي يخدم به الحياة.» # 17 # هكذا لم يبحث نيتشه في التاريخ إلا باعتباره مجالا يخدم الحياة، الحياة على هذه ~~الأرض وفي هذا العالم وليس في عالم آخر. ولذلك أنزل نيتشه القيم من عالم السماء إلى ms176 ~~عالم الأرض، لا للهبوط بها إلى أدنى المستويات، بل لتغدو متعلقة بالحياة الأرضية ~~ومرتبطة بها. إن عودة القيم إلى الأرض وإلى الإنسان لا يعني سوى تمجيد قدرة الإنسان ~~على الخلق والإبداع، والتأكيد على أن الحياة هي القوة الدافعة وراء هذا الخلق ~~والإبداع، كما أن الحياة هي العنصر الكامن وراء كل قيمة، وكل معرفة. وعلى الرغم مما ~~في الحياة من قوى دافعة، إلا أنها مليئة بالفظائع أيضا، فإذا كانت الحياة هي إرادة ~~القوة، فإن هذه القوة - بالمعنى السابق أي التسامي والعلو - تتجلى في قدرة الإنسان ~~على الوعي بهذه الفظائع ومواجهتها بشجاعة، وبقدرته أيضا على إثراء نفسه بالعلم ~~والمعرفة والسيطرة على الطبيعة، ومقدرته على الفعل الخلاق، وشجاعته في الانتصار ~~على نفسه. كل هذا من أجل تمجيد الحياة وإعلائها، وكل هذا النشاط الخلاق لا يتم إلا ~~من خلال التاريخ الذي يتحول إلى مجال يخدم الحياة. # وإذا وضع التاريخ في خدمة الطاقة المبدعة للحياة، فنحن نحتاج - في رأيه - إلى أن ~~نتعرف على ثلاثة أشكال رئيسية لدراسة وكتابة التاريخ: النوع الأول يسميه نيتشه ~~التاريخ التذكاري # monumental history ~~، والنوع ~~الثاني أطلق عليه اسم التاريخ ~~العتيق # Antiquarian ~~history ~~، والنوع الثالث والأخير هو التاريخ النقدي # Critical history ~~. وتتعلق هذه الأشكال ~~الثلاثة «بحياة الكائن البشري؛ فالتاريخ التذكاري يتعلق بالإنسان ككائن فاعل ~~ومناضل، ويتعلق التاريخ العتيق به ككائن محافظ ومنطو، أما التاريخ النقدي فيرتبط ~~بالإنسان باعتباره كائنا يعاني ويسعى إلى التحرر. # 18 # فالنوع الأول لدراسة التاريخ يتطلب إنسانا مفعما بالقوة، وقادرا على ~~الفعل، إنسانا لا يستوقفه من التاريخ سوى اللحظات الكبرى في حياة الجنس البشري، ~~ليعرف من خلال التاريخ أن الأفعال المجيدة كانت ممكنة في يوم ما، وأن هذا المجد من ~~الممكن أن يعود مرة أخرى؛ لأن مثل هذا التاريخ هو نوع من تأكيد الحياة وتعزيزها، ~~يجنب الإنسان اليأس ويساعده على الفعل. وهذا التاريخ التذكاري يكشف الماضي النبيل ~~المنسي عندما يتعرف فيه الإنسان على المجد البشري في فترات الفعل البطولي الذي يخلق ~~الأبدية في مواجهة صيرورة الزمن، بحيث لم يعد ms177 الوجود الإنساني في تلك اللحظات ~~الكلاسيكية النادرة لعبة يلهو بها الزمن، أو يبتلعه تدفق الصيرورة بلا رحمة. ولذلك ~~لا بد من الوقوف أمام لحظات الوجود الإنساني النبيل الذي تمثل في المجد والأفعال ~~البطولية، ولا بد من تقدير حياة العظماء الذين استطاعوا فرض الأبدية على تدفق ~~الصيرورة من خلال أعمال مجيدة، فتغلبوا بذلك على الزوال والفناء الذي هو طبيعة كل ~~الأشياء.» # ومع ذلك لم يغفل نيتشه مخاطر استخدام هذا النوع من التاريخ. فعندما يكون الدارسون ~~له من البشر الذين يتسمون بالقوة ويمتلكون إرادة الفعل، أي عندما يتناوله بشر ~~عظماء، فإنهم يستلهمون منه الشجاعة، ويتعلمون من آثار الماضي، ويحولون هذا التعلم ~~إلى ممارسة من أجل تعزيز الحياة، أي من أجل أن يصبح الماضي في خدمة الحاضر. أما إذا ~~تناول هذا النوع من التاريخ بشر يتصفون بالضعف، فإنهم يحولون آثار الماضي إلى ~~أصنام جامدة، ويخنقون قوته المبدعة ولا يوظفونه لتعزيز حياة الحاضر زاعمين أن عظمة ~~الماضي ومجده لا يمكن أن يعودا، رافعين شعارهم «انظر، هذا هو الفن الحقيقي، لا ~~تعر اهتماما لهؤلاء الذين يريدون شيئا جديدا»، # 19 # وفي هذه الحالة يصبح التاريخ التذكاري «زيا تنكريا لكراهيتهم للمجد ~~والقوة في عصرهم، كراهية تتخفى وراء إعجابهم المتخم بمجد وقوة العصور الماضية، ~~وبهذا يقلبون المعنى الحقيقي لهذا النوع من التاريخ سواء كانوا على وعي بهذا أو لم ~~يكونوا، ويعملون وفق شعارهم: دع الميت يدفن الحي»، # 20 # مثل هؤلاء البشر يتعرفون على العظمة، ولكنهم لا يستطيعون أن يأتوا ~~بمثلها؛ ولذلك يخنقون الحاضر بالتوقف عن استلهام مجد وعظمة لحظات بعينها من الماضي، ~~ناظرين إلى هذا الماضي على أنه موضوع ثابت وغير قابل للتغيير، رافضين تجربته ~~ومعايشته من جديد. # يتميز النوع الثاني من التاريخ - وهو التاريخ العتيق - بنوع من التبجيل والطاعة ~~والاعتراف بفضل الأسلاف على الوجود، ويميل الباحث في هذا التاريخ إلى المحافظة على ~~جذوره وميراثه متصورا أنه يخدم الحياة «بالاهتمام بما كان موجودا في الماضي، ~~ويريد المحافظة على الظروف التي أتى هو نفسه للوجود في ظلها لمن يأتون ms178 بعده، وهكذا ~~يخدم الحياة.» # 21 # يقع المؤرخ لهذا النوع من التاريخ أسيرا لكل ما ينحدر إليه من الماضي، ~~وهنا تكمن خطورة استخدام هذا التاريخ في رأي نيتشه؛ لأن «كل شيء ماضي وقديم ... يستحق ~~في النهاية التبجيل، بينما كل شيء جديد يرفض ويستبعد.» # 22 # ويفقد المؤرخ لهذا النوع من التاريخ التوتر المبدع بين الماضي والحاضر ~~برفضه الانفتاح على الحاضر والجديد، وبهذا يميل إلى تحنيط الحياة، بل وإلى إفنائها ~~أيضا، ظنا منه أنه يحافظ عليها «عندما تخدم حياة الماضي ... عندما لا يعود الحس ~~التاريخي يحافظ على الحياة، بل يحنطها، تموت الشجرة إذن بالتدريج من قمتها إلى ~~جذورها، وفي النهاية تفنى الجذور نفسها. إن التاريخ العتيق نفسه يفسد منذ اللحظة ~~التي لم يعد فيها ينشط ويوحي بحياة الحاضر.» # 23 # وفي هذا النوع من التاريخ تستمد الشعوب مقومات وجودها من اجترار الماضي ~~والعيش فيه، بل وتتخذ منه بديلا عن الحياة في الحاضر. ونجد نموذجا على هذا النوع ~~من التاريخ في واقعنا العربي لدى أصحاب الدعوة للعودة إلى جذور وأصول الحضارة ~~العربية في زمانها الماضي بدون نقد أو تمحيص لاستخلاص أفضل عناصرها وتوظيفها وفق ~~متطلبات زمننا الحاضر، واستبعاد ما لم يعد يصلح لمتغيرات الواقع الجديد. وبذلك ~~يفرغون الحاضر من القيمة، ويكتفون بالوقوف أمام إنجازات الماضي، وكأن التقدم في ~~نظرهم هو في طريق العودة إلى الوراء، بحيث يصبح الأسلاف هم الذين يتحكمون في ~~التاريخ. # من هذا الموقف الذي انتهى إليه كل من النوعين الأول والثاني من التاريخ ~~وموقفهما من الماضي تظهر ضرورة النوع الثالث، أي النوع النقدي: «إذا أراد الإنسان ~~أن يحقق شيئا ما عظيما، فإنه يحتاج أن يسيطر على الماضي من خلال التاريخ ~~التذكاري ، ومن يصر في الجانب الآخر على ما هو تقليدي ومبجل، فإنه يهتم بالماضي ~~كنوع من التاريخ العتيق، أما من هو مهموم ومحزون ببؤس الحاضر، ويريد أن يلقي ~~بالعبء بعيدا بأي ثمن، فهو وحده بحاجة إلى التاريخ النقدي، ذلك الذي يحاكم التاريخ ويدينه»، # 24 # ويشكل التاريخ النقدي الوجه السلبي من التاريخ التذكاري. ms179 فإذا كان هذا ~~الأخير يمتلك الماضي ويستحوذ عليه؛ فعلى التاريخ النقدي أن يمتلك القوة لتحطيم هذا ~~الماضي وتدميره. ولكي يعيش الإنسان عليه أن يستخدم القوة من حين لآخر ليحطم جزءا ~~من الماضي، ويفعل هذا «بأن يحضره - أي الماضي - أمام محكمة تفحصه بنوع من الشك ~~وأخيرا تدينه: كل ماض يستحق أن يدان؛ لأن تلك هي طبيعة الكائنات البشرية، فالعنف ~~والضعف الإنساني قد لعبا دورا عظيما في حياة البشر.» # 25 # وإذا كان الماضي قد أدى دورا خطيرا في إضعاف الجنس البشري، فقد حدد ~~نيتشه الوسيلة المثالية - في رأيه - للتعامل مع هذا الماضي أو مع ذلك التاريخ: «إن ~~أفضل ما نفعله هو مواجهة تراثنا وطبيعتنا الموروثة بمعرفتها، ومن خلال طبيعة أخرى ~~جديدة، نفجر الصراع المنظم ضد ميراثنا الفطري أو الموروث، ونغرس في أنفسنا عادات ~~جديدة، غريزة جديدة، طبيعية جديدة تطرح طبيعتنا الأولى بعيدا.» # 26 # هكذا يدعونا نيتشه إلى التعامل بقسوة مع الماضي الذي نحن نتاج له، فنحن ~~نتاج جرائم الأجيال السابقة وحصيلة أخطائها. وعلى الرغم من أن هذا واقع لا يمكن ~~تغييره، فإن بإمكاننا أن نعيد تفسير ماضينا بشكل نقدي، وأن نبدع تاريخا آخر ~~بديلا نبتكره نحن بأنفسنا بخلق طبيعة أخرى للجنس البشري. # ويعد هذا النوع الثالث من التاريخ - أعني التاريخ النقدي - أصلح أنواع التاريخ ~~لتعزيز الحياة، وهو الذي يحاكم الماضي وينقده ويستمد منه أفضل إمكاناته وعناصره ~~ليطورها في الحاضر، ولينطلق بها إلى المستقبل. ويدعو نيتشه كل من يمارس التاريخ ~~النقدي أن يخلق طبيعة جديدة إذا أراد تأكيد الحياة وتعزيزها. وقد كان نيتشه على وعي ~~بما قد يثيره قوله هذا من التساؤلات أو - إذا تحرينا الدقة - من المخاوف حول تلك ~~الطبيعة الثانية، التي قد يفهم منها أنها طبيعة تابعة للأولى؛ ولذلك يسارع بتبديد ~~تلك المخاوف بقوله: «لهؤلاء الذين يستخدمون التاريخ النقدي من أجل الحياة، هناك شيء ~~جدير بالملاحظة وهو معرفة أن هذه الطبيعة الأولى كانت في يوم ما طبيعة ثانية، وأن ~~كل طبيعة ثانية منتصرة ستصبح طبيعة أولى.» # 27 # ولكن إذا كان نيتشه ms180 يحثنا على ممارسة التاريخ النقدي الذي يحاكم ~~الماضي ويدينه ويدمره لخلق تاريخ جديد، فإن خطورة استخدام التاريخ سواء كان ~~تذكريا أم عتيقا أم نقديا تكمن في أنه يظل دائما مرتبطا بالماضي، وكأن مشكلة ~~التاريخ تتلخص في كيفية التعامل مع الماضي؛ فكيف إذن يرتبط الوجود التاريخي ~~بالماضي؟ إن ما يعني نيتشه من الماضي هو تأثيره على الوجود التاريخي وليس الزمان ~~الذي مضى ويتعذر رجوعه. أي أن المشكلة تتحول إلى علاقة التاريخ بالحياة، فكيف يرتبط ~~كل منهما بالآخر؟ يؤكد نيتشه في تأمله الثاني في كتابه «تأملات في غير أوانها» ~~على الطبيعة التاريخية واللاتاريخية معا، وضرورة كليهما لصحة الحياة والفرد والشعب ~~والثقافة، ولكن كيف يعيش الإنسان بشكل تاريخي وغير تاريخي في آن واحد؟ ~~(1-2) المفارقة التاريخية عند نيتشه # قبل أن نتكلم عن المفارقة التاريخية عند نيتشه، لا بد أن نتوقف عند مفهوم ~~المفارقة نفسه # paradox ~~، وهي كلمة مشتقة من الكلمتين ~~اليونانيتين # para ~~(أي ضد) # doxa ~~(أي الرأي أو الظن)، والكمة تعني في ~~مجموعها ما يكون ضد المسلم به والمعتقد فيه أو المنتظر. أما المفارقة في المنطق ~~فتعني العبارة غير الواضحة بذاتها، وإن كانت تعبر عن حقيقة ما عكس المتوقع منها. ~~وقد آثرنا استخدام مفهوم المفارقة في الحديث عن فلسفة نيتشه لما تعنيه الكلمة من ~~معنى ما وراء العقل أو متجاوز للعقل. ويجب ألا يجزع القارئ من هذه المفارقة، ~~فعندما نتحدث عن فيلسوف مثل نيتشه، فإننا لا نستطيع أن نفهمه من خلال المفاهيم ~~والتصورات العقلية المألوفة في تاريخ الفلسفة، ولا أن نتعامل مع أفكاره من خلال ~~قواعد وقوانين المنطق؛ لأن نيتشه فيلسوف لم يعتكف - كسائر الفلاسفة - في برج عال ~~ليصوغ نظرية فلسفية أو نسقا فكريا، بل عاش الفلسفة وتألم بها، وكتب بقلم شاعر ~~وتحدث بصوت نبي، مبشرا بحضارة جديدة وتاريخ جديد وإنسان جديد، فلا عجب إذن أن تتسم ~~كتاباته بالمفارقات وهو صاحب العبارة الشهيرة: «العالم تناقض كبير.» # إذا عدنا إلى الرؤية تاريخية لزمن نيتشه وجدنا أن أصحاب النزعة التاريخية ~~يدعوننا إلى التمسك بالحس أو ms181 الوعي التاريخي، بينما يدعونا نيتشه - هذا الفيلسوف ~~السابق لأوانه على حد تعبيره! - إلى الحس اللاتاريخي جنبا إلى جنب مع الحس ~~التاريخي. وهنا تكمن المفارقة النيتشوية التي يحملها هذا البحث عنوانا له ~~والمتمثلة في السؤال الذي طرحناه منذ قليل: كيف يعيش الإنسان بشكل تاريخي وغير ~~تاريخي في آن واحد؟ تتأكد هذه العلاقة الجدلية بين الطبيعة التاريخية واللاتاريخية ~~للإنسان في التفرقة التي أقامها نيتشه بين الإنسان والحيوان من حيث علاقة كل ~~منهما بالزمن. فإذا كان الأخير يعيش بشكل غير تاريخي - لا يعرف معنى الأمس أو اليوم ~~أو الغد - وتتميز حياته بالنسيان السلبي، فإن الإنسان يتأكد وجوده الحقيقي في قدرته ~~على النسيان، ولكنه ليس النسيان السلبي كما في حالة الحيوان، بل هو نسيان من النوع ~~الإيجابي، ووجود الإنسان هو فحسب في «قدرته على النسيان في الوقت المناسب والتذكر ~~في الوقت المناسب، في غريزته المفعمة بالقوة لأن يحيا بشكل تاريخي عندما يكون ذلك ~~ضروريا، وأن يحيا بشكل لا تاريخي عندما يكون ذلك ضروريا، فاللاتاريخي والتاريخي ~~ضروريان بنفس القدر لصحة الفرد والناس والثقافة»، # 28 # والقدرة على النسيان هي الشرط الأساسي والجوهري لسعادة الجنس البشري. ~~فإذا كانت دراسة التاريخ تتطلب التذكر الفعال للحظات الكبرى في تاريخ الإنسانية، ~~فهي تتطلب أيضا النسيان الفعال «النسيان أساسي لأي فعل، تماما كما أنه ليس النور ~~فقط، بل الظلام أيضا أساس لحياة كل كائن حي. والإنسان الذي يريد أن يحيا بشكل ~~تاريخي فحسب سيكون مثل من حرم قسرا من النوم، أو الحيوان الذي اضطر أن يعيش قط ~~بالاجترار وسيظل يعيد الاجترار.» # 29 # ومهمة الإنسان إذن هي تطوير قدرته على النسيان من أجل الحياة؛ لأن ~~النسيان الإيجابي الفعال له قوة مبدعة. التذكر والنسيان إذن ضروريان بنفس القدر في ~~التعامل مع التاريخ ليكون في خدمة الحياة. # وبقدر ما تتوقف قيمة دراسة التاريخ على تأكيد الحياة وتدعيمها، تتوقف أيضا على ~~تأكيد قوة الوعي اللاتاريخي وتدعيمه. فالتاريخ في رأي نيتشه ليس عالما خالصا ~~كالرياضيات، ولذلك فهو يرفض الحجج «العلمية» التي تزعم أن التاريخ علم موضوعي ms182 متعلق ~~بالحقائق التجريبية، ويؤكد أن الظاهرة التاريخية ليست ظاهرة معرفية فحسب، بل يجب ~~توظيفها من أجل الحياة. ويتجلى العنصر اللاتاريخي في قوة توظيف الماضي لأغراض ~~الحياة. وهو بهذا يشير إلى العلاقة بين الماضي والمستقبل التي لا يحكمها الصراع، بل ~~إن الماضي يصبح مستقبلا؛ فالعنصر اللاتاريخي بالمعنى السابق هو الذي يوجه الماضي ~~ناحية المستقبل، وحتى الذين يتصورون أنهم يتمتعون بالحس التاريخي فقط، فإن «النظر ~~إلى الماضي يفرض عليهم الاتجاه للمستقبل، ويشجعهم على الاستمرار في العيش، وتحقيق ~~آمالهم التي يريدونها ... ويعتقد هؤلاء التاريخيون أن معنى الوجود سيأتي للنور أكثر ~~فأكثر في مسار تقدمهم، وهم يسيرون وراءهم فقط ليتعلموا فهم الحاضر وتمني ~~المستقبل. هؤلاء ليس لديهم أية فكرة - على الرغم من انشغالهم بالتاريخ - عن أنهم في ~~الواقع يفكرون ويعملون بشكل غير تاريخي، وأن انشغالهم بالتاريخ لا يتوقف على ~~المعرفة الخالصة، بل على خدمة الحياة.» # 30 # هكذا يكون الإحساس باللاتاريخية هو الأساس الذي يقوم عليه استخدام ~~التاريخ من أجل الحياة عندما يظهر معنى جديد للماضي، إنه يعود - أي الماضي - ~~للإنسان مرة أخرى، ويجعله كائنا مستقبليا قادرا على أن يظهر للنور تاريخا ~~جديدا مختلفا عما قد ظهر بالفعل. # هكذا يصبح الماضي - بالمعنى السابق - نموذجا إرشاديا مبدعا للمستقبل، فالنفاذ ~~إلى المستقبل لن يكون إلا من خلال الماضي، بمعنى آخر ليس بإمكاننا الوصول إلى ~~الماضي إلا عندما ندخل في المستقبل، وهي الفكرة الملغزة والمحيرة في فلسفة نيتشه، ~~أعني فكرة العود الأبدي التي عبر عنها بلغة ميتافيزيقية غامضة. وتؤكد هذه الفكرة ~~على أن كل اللحظات التي انقضت في حياة الإنسان ستعود مرة أخرى. وأن كل الأشياء ~~والوقائع التي حدثت في الماضي ستعود لتحدث مرة أخرى في المستقبل. وكأن هذه النظرية ~~تقر بأبدية الزمان أو دورية التاريخ، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يتسق هذا مع رفض ~~نيتشه للأبدية في صورتها الأفلاطونية؟ هل قال نيتشه بالعود الأبدي للهرب من تناهي ~~الوجود الإنساني؟ وهل العود الأبدي إنكار للأبدية وتأكيد لمفهوم الوجود التاريخي؟ ~~أم هو تأكيد لها، أي للأبدية؟ # يصعب في حقيقة ms183 الأمر تحليل البنية الداخلية لفكرة العود الأبدي على أنها مجموعة ~~من الحجج العقلية، علمية كانت أم فلسفية. فالفكرة في جوهرها بقدر ما تلخص غموض ~~فلسفة نيتشه ومفارقاتها بصفة عامة، فهي تؤكد أيضا البناء الزمني للعود الأبدي من ~~خلال تأكيدها على أن كل شيء سيعود، أي أن هناك عودة لكل لحظات الإنسانية، فهل هي ~~إذن بحث في طبيعة الزمن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن الفكرة في مضمونها تعني أن جوهر ~~الزمن هو التكرار الأبدي، مما يجعل الباحث لفكرة العود الأبدي يعتقد أن الفروق ~~الموجودة بين الأبعاد الزمانية محض وهم، فإما أن تتلاشى - في هذه الحالة - المسافة ~~التي تفصل بين الماضي والمستقبل، أو أن الأبعاد الزمانية تتداخل في بعضها البعض، ~~ويفقد الزمن وجهته الصحيحة، ومسيرته المألوفة لنا (من الماضي إلى الحاضر، ثم التقدم ~~في المستقبل) على نحو يثير الحيرة والارتباك، مما جعل بعض الباحثين يقول بتعدد ~~الأبنية الزمنية المتشابكة عند نيتشه: «(1) فالوجود التاريخي في جوهره متوجه نحو ~~المستقبل، إنه يرى معنى الوجود في مسار عملية تقدمه. والوجود التاريخي يحوي داخله ~~بذرة المستقبل، التي تتوجه بالضرورة إلى الأمام بصورة حتمية. وكل نمو أو تطور هو ~~كامن بالقوة في هذه البذرة كما أنه يتوق باستمرار لكي يفض نفسه. (2) ومع ذلك ففي ~~تفسير الوجود التاريخي المتجه للمستقبل، هناك دائما صدى لتحديد الصيرورة ~~باعتبارها تحررا من الوجود الأبدي بصورة قابلة للعقاب، وقد تم التعبير عن هذا ~~بوضوح في وصف الحياة اللاتاريخية بأنها تلك القوة المظلمة المندفعة، والتي لا تشبع ~~من الرغبة في ذاتها. الوجود التاريخي هو ذلك الوجود الذي يعاني أو يحرك هذه القوة ~~المظلمة المندفعة إلى الماضي، ويواجهها باعتبارها قيدا على زماننا، وهو قيد يشلنا ~~ويعلمنا في نفس الوقت، وذلك على التحديد في سعيها واندفاعها نحو المستقبل. هكذا ~~ينشأ تناقض بين زمن الصيرورة الذي يتلاشى في الماضي وزمن الوجود التاريخي الذي يتجه ~~نحو المستقبل بوصفه هدف تقدمه. وينشأ السؤال المتعلق بالوجود التاريخي: كيف ينبغي ~~أن تكون علاقته بهذه الحياة، وهي التي يقابلها باعتبارها كانت موجودة ms184 دائما ~~أمامه، أو كيف تكون علاقته بالماضي بأوسع معانيه. وهكذا يواجه الوجود التاريخي ~~بالسؤال عما إذا كان عليه أن يكون ماضيا لم ينقطع، أو أن يكون قادرا على أن ~~يعيد صنع التاريخ مما قد حدث بالفعل. (3) ويتضح مما سبق أن الزمن لا يختفي ~~ببساطة في الماضي ولا يتلاشى فيه، وإنما يرجع ثانية للإنسان ويتحداه أن يقيم ~~علاقة معه. هذه العودة للماضي هي إلى أقصى حد البنية الأساسية والبنية الإشكالية ~~في نفس الوقت. والتفكير فيها (أي العودة للماضي) مع التفكير في اتجاه زمني معين لا ~~ينساب من المستقبل إلى الماضي، وكذلك لا ينمو ولا يتجه من الماضي إلى المستقبل ~~يسقط أي فكرة عن توجه زمني ذي بعد واحد من حيث تقاطع كل العوامل التي يتحدد بها ~~هذا التوجه الزمني أن الماضي يعود.» # 31 # وتضعنا فكرة العود الأبدي في مفارقة أخرى، فمن ناحية يكون الماضي مستقبلا، كما ~~يصبح المستقبل ماضيا، ومن ناحية أخرى تصبح الزمانية والأبدية شيئا واحدا، وكأن ~~الفكرة تعتمد في أساسها على أبدية دورة الزمن، التي تعني أزلية الماضي وأبدية ~~المستقبل معا، عندما تصبح النهاية عودة إلى البداية، ولكن الفكرة في مجموعها تضعنا ~~في إشكالية التعرف على - أو تحديد - الأبعاد الزمنية الثلاثة. وربما نجد في ~~«اللحظة» الحل الوحيد لهذا اللغز المحير، فهي - أي اللحظة - تجمع كل الأبعاد ~~الزمنية في «آن» واحدة، وهي جوهر الزمن. وتأكيد اللحظة هو تأكيد لطبيعة الزمن ~~نفسه: «وإذا كان لدى الإنسان القوة والشجاعة ليؤكد اللحظة التي تشكل الزمن، ~~فسيكون الإنسان - إذن - قادرا على تأكيد طبيعة الزمن نفسه، تماما مثل تأكيد ~~الوجود الإنساني كله باعتباره غير منفصل عن قدره أو مصيره، مثل هذا التأكيد يعتمد ~~على أن نعرف أن حياة الإنسان كلية ومصيرية، وأن اللحظة ليست مكتفية بذاتها ولا ~~منعزلة عن كل اللحظات الأخرى؛ لأن تجربة اللحظة باعتبارها أبدية تكشف كل وجود الإنسان.» # 32 # يفهم من كل هذا أن كلية الوجود مفهوم يتضمن تفسير الأبدية، فكل لحظة هي ~~كلية الوجود، وكلية الوجود هي في كل لحظة، إذن ms185 «لا يستطيع أي من الماضي أو المستقبل ~~أن يأتي بأي شيء ... النتيجة هي نوع من اللاحركة في العلاقة بين لحظات الزمن. لكي ~~تتحقق كلية الوجود، ليس من الضروري أن تتحرك من الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل، ~~طالما أن كل شيء حاضر في كل لحظة.» # 33 # ربما يفهم مما سبق أن في كلية الوجود إنكارا للحركة، هذا بالإضافة إلى أنها تبدو ~~كما لو كانت أبدية تتقنع بالزمانية التي تعارض الأبدية، ولكن لكي نفهم نيتشه - هذا ~~الفيلسوف غير التقليدي - يجب أن نتحرر من المضامين التقليدية لمفهوم كل من ~~الأبدية والزمانية اللذين وفقا لهما تعني الأبدية الوجود غير المتحرك الذي يعلو ~~على الصيرورة، بمعنى آخر أن الأبدية تعني الواحد، والزمانية تعني التعدد؛ وذلك لأن ~~نيتشه يفهم علاقة الواحد بالكثرة كوحدة قائمة على التعدد. ولهذا فإن الأبدي والزمني ~~عنده ليسا متعارضين. وكما أن الوجود ليس معارضا للصيرورة، فإن الأبدية أيضا ~~ليست معارضة للزمانية. لم يفصل نيتشه إذن الأبدي عن الزمني، بل أوجد علاقة متداخلة ~~بينهما بما يعني أن اللحظة الحاضرة تتضمن لحظات الزمن الماضي وزمن المستقبل. ويتشكل ~~موقف الإنسان من الحياة بأن يتعلم كيف يعيش اللحظة، وكيف أن الكائن الإنساني الأعلى ~~ممكن في كل العصور - كما كان كذلك في الماضي - وهو الذي يشكل ثقافة العصر، وهو عند ~~نيتشه الإنسان المبدع المتجاوز للتاريخ، المبدع للقيم. وإذا كان للتاريخ هدف، فإنه ~~لن يكون شيئا آخر سوى عمل تلك الشخصيات المتجاوزة للتاريخ التي تعيش اللحظة وتبدع ~~من أجل الأبدية. ويمتدح نيتشه الفرد المتجاوز للتاريخ، الذي لا يرى الخلاص في ~~صيرورة التاريخ، وإنما يراه في العالم الذي يكتمل ويصل لنهايته في كل لحظة. # لقد رأى البعض أن فكرة العود الأبدي لا يمكنها أن تأتي بإبداع متفرد، وأنها غير ~~منسجمة مع فكرة الاختيار الحر، بالإضافة إلى أنها تعطل شرعية الإبداع الإنساني، ~~ولكن كيف يكون ذلك وكل فلسفة نيتشه تتجه إلى إبداع الجديد؟ ربما يزول هذا اللبس ~~عندما نعرف أن فكرة العود الأبدي تؤكد أن على الإنسان أن يعمل أو ms186 يبدع أفضل ما ~~عنده في اللحظة؛ وذلك لأنه على وعي بأنها ستعود إليه ثانية. هذا من ناحية، ومن ~~ناحية أخرى تؤكد الفكرة على عنصر المسئولية الملقاة على عاتق الإنسان إزاء أفعاله ~~وإبداعه في اللحظة التي سترتد إليه ثانية في دورة تالية. ربما تكون هذه أيضا هي ~~إحدى مفارقات نيتشه التاريخية «إن إرادة العودة إلى الوراء لا يمكن لها أن تتحقق ~~إلا بالإرادة المتجهة إلى الأمام. ويكون خلاص الماضي أو إنقاذه كامنا في الإرادة ~~المبدعة للمستقبل. فالمستقبل هو الذي يتم فيه إبداع الجديد من القديم من الماضي»، # 34 # هكذا تتشكل من الماضي إرادة مبدعة جديدة في «اللحظة البريئة» الكامنة ~~في المستقبل، والتي تضمن وصول الجديد والمتفرد. كل شيء سيصير، لذلك فليس هناك حقائق ~~أبدية وليس هناك قيم مطلقة. وسواء كانت فكرة العود الأبدي إنكارا للأبدية أم ~~تأكيدا للصيرورة، ولتدفق الزمن، فإنها مما لا شك فيه تأكيد للمفهوم الصحيح للوجود ~~التاريخي. وإذا كان الوجود هو الصيرورة، فكل شيء يتغير. وبما أن الصيرورة في حد ~~ذاتها ليست خيرا ولا شرا، ليست حسنة ولا سيئة، فنحن نستطيع إذن أن نفرض عليها - ~~أي على حركاتها العشوائية - ما نريد من القيم؛ ولهذا فإن الإبداع لا يمكن تمييزه عن ~~العماء # Chaos ~~. وبذلك تكون الحياة - في اعتقاد نيتشه ~~- مرادفة للعماء، أي أنها في ذاتها بلا قيمة؛ لأن المعنى والقيمة إبداع إنساني، ومن ~~ثم يعتمد الإبداع الإنساني على العماء. # هكذا نجد أن نيتشه، وبعد أن صدمنا بفراغ الحياة من القيمة، حاول ملء فراغ القيم ~~من خلال مفاهيمه وتصوراته عن العود الأبدي. وإذا لم يكن الوجود الإنساني سوى ~~تفسيرات للعماء أو تقلبات له، فإنه يترتب عليه أن الإبداع الإنساني الذي يتم في ~~اللحظة البريئة هو ما وراء الخير والشر، و«مهمة الصيرورة - أي أن نصير نحن أنفسنا - # to become what we are # هي مهمة مزدوجة ومفارقة ~~تتطلب قدرة الفرد المبدع على حفظ التوتر بين البراءة والتجربة، بين الجهل والمعرفة، ~~أن يعرف متى يتذكر ومتى ينسى ... هي أيضا مهمة اتحاد غريب للعماء ms187 والبصيرة.» # 35 # بهذا المعنى السابق يصبح الهدف الأسمى لنيتشه من فكرة العود الأبدي هو ~~إضفاء القيمة والمعنى على وجود الإنسان في العالم الأرضي الذي يحيا فيه؛ ليس هذا ~~فحسب، بل إن الفكرة في ذاتها هي بمثابة دعوة للتعلق بالحياة والارتباط بها وليس ~~إنكارها أو الزهد فيها. إن فكرة الفناء أو التناهي الذي يهدد حياة الفرد، قد تدعو ~~الإنسان للإعراض عن هذه الحياة الفانية التي مآلها إلى زوال، وربما تكون هذه الفكرة ~~- الفناء أو التناهي - قد شغلت نيتشه كثيرا، فأراد أن يخلص الإنسان منها بأن جعل ~~الفناء أو التناهي مرحلة من مراحل حياة أبدية متكررة دوما؛ بحيث إن ارتباط فكرة ~~التناهي بالعالم الأرضي لا يصرف النظر عنه. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن صيرورة ~~العالم لا تنفي عنه صفة الدوام. من هنا جاء تأكيد نيتشه على فكرة العود الأبدي ~~كمحاولة لإضفاء الخلود والأبدية على الحياة، وسد الفجوة بين ثنائيات أرقت الإنسان ~~طوال تاريخه كالتناهي واللاتناهي، والصيرورة والثبات، والفناء والخلود، فلم تعد ~~هذه الثنائيات تتصادم، بل أصبحت مرحلة من مراحل حياة أبدية يتعلق بها الإنسان وينشد ~~المزيد منها. كما تقضي الفكرة أيضا - أي فكرة العود الأبدي - على إحساس الإنسان ~~باستعباد الزمن، بحيث لا يصبح أسيرا للماضي، بل مسيطرا عليه، وذلك عندما يعود ~~إليه مرة أخرى ويخضعه لإرادته، على الرغم من أن الفكرة في ذاتها تتسم بالقدرية، ~~وهذه أيضا من مفارقات نيتشه التاريخية. # تكشف فكرة العود الأبدي عند نيتشه عن كيفية خضوع الإنسان للضرورة بحريته، وما دام ~~العود الأبدي يعتمد على وحدة اللحظة والصيرورة، فإننا إذا أردنا اللحظة فلا بد أن ~~نتقبل ما تفضي إليه تلك اللحظة بنوع من القدرية العمياء، بل أيضا بنوع من «حب ~~القدر» # Amor # Fati ~~، فكل ما يحدث في حياتنا الإنسانية مجرد ~~تغيرات عشوائية للعماء # Chaos # تحدث بطريقة قدرية ~~متفردة، ولكن ماذا تعني هذه القدرية عند نيتشه؟ هل ستجعلنا نعزف عن الحياة ونعرض ~~عنها، ما دامت تفرض علينا تقلباتها العشوائية التي ربما تأتي على غير إرادتنا؟ ~~الواقع أن ms188 فكرة نيتشه عن حب القدر لا تزيدنا إلا إقبالا على الحياة وتمسكا بها، ~~فعلى الرغم مما نتعرض له من معاناة وآلام في هذه الحياة، فعلينا أن نتقبلها بكل حب ~~وشجاعة، أي أن حب القدر لا يزيد الإنسان إلا تعلقا بالحياة وإقبالا عليها. # وتدور فكرة العود الأبدي حول إثبات اللحظة التي هي في نفس الوقت إثبات للصيرورة ... ~~جوهر الزمن. والعود الأبدي يتمثل عند نيتشه في العبء الذي يحمله الإنسان بحريته، ~~وهو القادر على التغلب على الاستياء والحقد على الحياة من خلال تأكيد مأساة وجوده ~~في كل لحظة. ولهذا يدعونا نيتشه إلى أن نتخيل شيطانا يهبط إلينا في ساعة وحدتنا ~~الموحشة، ويخبرنا بأن الحياة التي نعيشها الآن، والتي عشناها ستتكرر أكثر من مرة، ~~بل ستتكرر عددا من المرات لا حصر له، وفي تتابع بدون نقص أو زيادة. «ويعني هذا أنه ~~ليس هناك أي شيء جديد في هذه الحياة المعادة، وكل ألم، كل بهجة، كل شيء سوف يعود ~~إلينا مرة ومرات، كيف نستجيب لهذا الشيطان؟ هل نلقي بأنفسنا على الأرض ونلعنه، أم ~~نجرب الألم المروع عندما نعرف أن المقدس يتحدث إلينا؟» # 36 # والواقع أن تساؤل نيتشه السابق يؤكد على المفارقة التاريخية، فهو يدعونا إلى ~~الإمساك باللحظة والعيش فيها، فلا معنى - إذن - للنظر إلى الماضي في ندم إذا كان ~~سيعود مرة أخرى، كما أنه ليس هناك ما يدعو للجزع من المستقبل ما دام سيعود أيضا ~~في دورة أبدية، في صيرورة اللحظة التي يلتقي فيها الماضي بالمستقبل، فيصبح المستقبل ~~ماضيا كما يصبح الماضي مستقبلا، ويتخلق الجديد من القديم ويتحول القديم إلى إبداع ~~جديد، ولكن هل سيحقق التاريخ تقدما في هذه الصيرورة الأبدية على ما تحمله هذه ~~العبارة من مفارقة أيضا؟ وكيف نظر فيلسوف «الإبداع في اللحظة» إلى مسار التاريخ؟ ~~بمعنى آخر كيف سيكون مسار التاريخ في ظل هذه العودة الأبدية للأحداث؟ ~~(1-3) الرؤية النكوصية للتاريخ # نظر نيتشه إلى التاريخ نظرة تختلف عن رؤية عصر التنوير له، فقد ساد هذا الأخير ~~فلسفة تحدوها ثقة مطلقة في ms189 العقل البشري، وإيمان بأن مسار التاريخ ينطلق في خط ~~مستقيم نحو التقدم. بينما نظر نيتشه إلى ذلك المسار نظرة نكوصية. ولا بد أن ننوه ~~إلى أن النكوص المقصود في هذا المقام ليس هو المصطلح المستخدم في علم النفس، والذي ~~يعني النكوص إلى مرحلة تخلف مضت؛ لأن ما نعنيه هو ارتداد العصور التاريخية ~~وانتكاسها من عصور بطولية إلى عصر فساد وانهيار، مما جعل نيتشه يثور ثورة عارمة على ~~زمنه الحاضر، أي على عصره. وفي الوقت الذي اعتقد فيه المجتمع الأوروبي الحديث أنه ~~خطا خطوات هائلة في التقدم إلى الأمام، قام نيتشه بكشف قناع التنوير، فكان هو ~~المشخص الأمين والصريح لتدهور الحضارة الغربية وانحدارها. وقد رأى # Stanley Rosen # أن ثورة نيتشه على عصره مرت ~~بمرحلتين: المرحلة التشخيصية، ثم المرحلة الثورية، وتتكون هذه الأخيرة من مرحلتين ~~فرعيتين: الأولى تدميرية، والأخرى مبدعة أو متنبئة بإبداع جديد. في المرحلة الأولى ~~يجب أن نتحرر من الماضي بالعدمية الفعالة أو التدميرية، وفي الثانية يجب أن نقهر ~~هذا البعد العدمي بفعل مبدع. # 37 # قدم نيتشه في المرحلة التشخيصية لثورته على الحضارة الغربية تحليلا تاريخيا ~~وسيكولوجيا دقيقا لتدهور هذه الحضارة، وسلط الضوء على الظلام الكامن فيها، ثم ~~تحول في المرحلة الثانية ولبس - في رأي ستانلي روزن - قناع الأيديولوجية الثورية، ~~واستخدم ما يسمى بالبلاغة ~~المزدوجة # Double rhetoric # في المرحلتين التدميرية والإبداعية للأيديولوجيا ~~الثورية؛ فلكي يدمر كان على نيتشه أن ينشد العدمية، ولكي يبدع كان عليه أن يقهرها. # 38 # اتخذ نيتشه الخطوة الأولى الجريئة والخطيرة من أجل الخطوة الثانية. ~~والأولى هي تدمير كل الأسس الطبيعية والمتعالية للقيم التراثية، والثانية هي تحرير ~~الإنسانية من كل القيود المفروضة على الإبداع. وربما كان التدمير هو الجانب الحقيقي ~~الأصيل في فلسفة نيتشه، والتدمير الذي يعنيه هو التحريض على الإبداع، التحريض على ~~ظهور الإنسان الجديد أو «السوبر مان». قام نيتشه بالتدمير على أمل أن ينهض من رماد ~~الحاضر طفل مبدع لقائمة جديدة من القيم، ويمكن أن نقول إن التدمير هو القاعدة ~~الأساسية التي ابتدعها نيتشه لهدم ms190 المرحلة المتدهورة لزمنه الحاضر. # عندما أعلن نيتشه ثورته على التراث الفلسفي كان واعيا باللحظة التاريخية ~~المختلفة التي يعيشها، وكان على معرفة كاملة بما أثمرته الحداثة المتأخرة؛ بحيث ~~يمكن أن نقول إن تدمير نيتشه للتراث كان إيحاء بمرحلة جديدة من الوجود التاريخي، ~~وإن تحليله لزمنه الحاضر قد استند إلى الرؤية النقدية التي استنكرت قراءة كانط ~~الأخلاقية للتاريخ، وأعلنت عداءها لتأثير النزعة الهيجيلية في دراسة وكتابة ~~التاريخ. الأولى صورت التاريخ على أنه حلقات للصراع بين الطبيعة والأخلاق، وأنه - ~~أي التاريخ - وسيلة الإنسان الوحيدة للوصول إلى غايته ككائن أخلاقي يعيش في مملكة ~~الغايات، أي أن التاريخ بالنسبة لكانط هو الساحة التي يتم فيها تسوية الخصومة أو ~~التضاد بين الطبيعة والأخلاق. وقد عارض نيتشه «وجهة نظر كانط الأخلاقية وانتقد بشدة ~~- خاصة في كتاباته التي تركها وراءه، ولم تنشر إلا بعد موته - ما سماه «ممارسات ~~العقل الثوري» و«ثورة العقل العملي» التي تكشف عن كراهية للطبيعة والصيرورة. ~~فالتاريخ عند كانط لا يمثل سوى مرحلة تطور أخلاقي للإنسان باعتباره غاية في ذاته # End-in-itself ~~، ولا تتعلق فلسفة التاريخ ~~بتاريخ الأخلاق، بل بتحقيق الإنسان لجوهره الأخلاقي باعتباره كائنا عقلانيا»، # 39 # إذ يصبح الإنسان أخلاقيا من خلال ممارسته لإرادته العقلية. # أما عن هيجل فقد أعلن نيتشه عداءه لفلسفته التاريخية، هذا على الرغم من أن بعض ~~الباحثين - مثل برنشتاين - قد فسر نيتشه تفسيرا يفهم منه أنه قدم فلسفة للتاريخ ~~نصف هيجيلية، وقام بعقد مقارنات بين «جينالوجيا الأخلاق» لنيتشه و«ظاهريات الروح» ~~لهيجل باعتبارهما رصدا للحركة التاريخية للفكر الأوروبي، وباعتبار أن فلسفة هيجل ~~كشفت بالتدريج عن الحق في الفلسفة والدين؛ فالحالات المعرفية التي صورها نيتشه في ~~معالجته لهذا الموضوع أشارت إلى وجود نوع من الضرورة الجدلية التي تنتمي إلى شكل أو ~~نموذج التحليل التاريخي عند هيجل، ومع ذلك فقد كان نيتشه أكثر اهتماما بنقد ~~المراحل الأولى أكثر من اهتمامه بتوضيح أن كل مرحلة تفترض مسبقا المرحلة السابقة ~~عليها، وأن المرحلة الأخيرة تتضمن في داخلها كل المراحل السابقة. # 40 # كما وجد البعض الآخر من ms191 الباحثين - مثل روزن - أن في فكرة العود الأبدي ~~عند نيتشه أثرا لمذهب هيجل عن عودة الوعي الجدلي المتطور، ففي كليهما تكمن البداية ~~والنهاية لهذا التاريخ. كما يرى أيضا أن مذهب نيتشه في العود الأبدي قد يذكرنا ~~بمذهب هيجل في دورية التصور والمفهوم المتطور تطورا كاملا. بمعنى أن نيتشه يستعيد ~~تاريخ الفلسفة الأوروبية في كل من البداية والنهاية لهذا التاريخ. إن دورية ~~التاريخ هي عودة كل المواقف الفلسفية الممكنة، وما يسميه نيتشه ~~المنظورات الشاملة # Comprehensive persectives # أو الألواح الأساسية للقيم، ولكن السلب ~~عند هيجل أو العماء # Chaos # الباطن في حركة التاريخ ~~ينظم نفسه لكي يتمخض عنه كلية الصيرورة. أما عند نيتشه فإن العماء ينظم نفسه في ~~منظورات # perspectives # أو عوالم # worlds # تعود بشكل دائم. الصعوبة عند هيجل هي ~~كيف يتواءم المطلق مع الإنسان، والأبدي مع الزمني، وكيف يمكن للوعي المتناهي أو ~~الوعي الذاتي أن يتحد مع المطلق، في الوقت الذي يحتفظ فيه بهويته الذاتية ~~المتناهية. وهناك صعوبة مشابهة عند نيتشه أيضا، فعلى فيلسوف المستقبل أو الروح ~~الحر أن يصبح خالقا لنموذج جديد للجنس البشري، ولكي يفعل هذا لا بد أن يعلم أن ~~الذاتية والوعي الذاتي هي أشياء وهمية أو منظوران للمطلق الأساسي الذي يسميه «إرادة ~~القوة»، لكن في قاع العماء يكون الحل عند هيجل في وحدة المتناهي واللامتناهي ~~باعتبارهما «حقيقة الكلية الشاملة». أما عند نيتشه فيبدو أنه لا يوجد حل ما دام ~~العماء يلغي معنى وأهمية كل إبداع أو منظور متناه، # 41 # ولكن هل صحيح - كما يقول روزن - أن العماء يلغي معنى كل إبداع؟ لقد سبق ~~الإجابة عن هذا السؤال في معرض حديثنا عن العود الأبدي، حيث أكدنا الفكرة النيتشوية ~~عن أن الحياة صيرورة، وهذه الأخيرة مرادفة للعماء، وأننا نستطيع أن نفرض على ~~حركاتها العشوائية ما نشاء من المعنى والقيمة في «اللحظة البريئة» أي أن الفعل ~~الإبداعي الحر، هو الذي يحيل اللحظة إلى أبدية متجددة في كل لحظة، وذلك بأن يحقق ~~فيها إرادة القوة، ويضفي عليها القيم المعبرة عن هذه الإرادة. ms192 # وعلى الرغم من هذه المحاولات التي تقرب فلسفة نيتشه من جدلية هيجل، فقد هاجم ~~نيتشه فلسفة هيجل التاريخية هجوما عنيفا، وخاصة في فكرة التقدم، فبينما وجد هيجل ~~أن التاريخ العالمي في تقدم نحو الحرية، وأنه بلغ ذروته في عصر هيجل نفسه، نرى على ~~العكس أن نيتشه يعلن تدهور التاريخ وانهياره، بل يرى فيه ارتدادا ونكوصا. ففي ~~عرض هيجل للتطور التاريخي نجد أنه سلب كل إنجازات الإمبراطورية الرومانية في ~~التاريخ وانتقدها بلا رحمة لكي يمجد المسيحية باعتبارها احتجاجا مشروعا على روما ~~وعلى كل العالم الذي يحكم حكما مطلقا مستبدا. وعلى الرغم من أن طبيعة منهج هيجل ~~تحتم عليه أن يشير إلى الإسهام الحقيقي لكل قوة سياسية كبيرة في الماضي لعبت دورا ~~هاما في التطور التاريخي بما في ذلك العالم الروماني، إلا أنه قدم الإنجازات ~~الرومانية على أنها أخطاء بغيضة ليبرهن بذلك على تقدم مسار التاريخ. أما نيتشه فقد ~~ذهب إلى عكس موقف هيجل عندما أعلى من شأن الإمبراطورية الرومانية التي وجد فيها، ~~وفي العصر اليوناني الكلاسيكي (خاصة عصر ما قبل سقراط) فترات بطولة وحيوية، وإن كان ~~لا يعفي بعض حكام روما من النقد خاصة الذين تسببوا في أعظم كارثة في التاريخ - في ~~رأي نيتشه - عندما سمح انحطاطهم وفساد حكمهم بانتشار الديانة المسيحية في العالم: ~~«إن انحطاط الحكام والطبقة الحاكمة هما علة الأذى الأعظم في التاريخ، بدون قياصرة ~~الرومان، والمجتمع الروماني، لم يكن لجنون أو حماقة المسيحية أن تصل إلى السلطة أبدا.» # 42 # لم يقر نيتشه بأن نيرون أو غيره كانوا حكاما عظماء، ولكنه أنكر أن ~~الجنس الروماني كله كان منحطا، بل امتدح الحصاد الإيجابي في العصور البطولية ~~للإمبراطورية الرومانية القديمة بلا تحفظ، وأكد أنه في اللحظة التي انتصرت فيها ~~المسيحية بدأ التاريخ في الارتداد والنكوص. # لقد فسر نيتشه التاريخ في كتابه «جينالوجيا الأخلاق» بأنه صراع بين نوعين من ~~الأخلاق: أخلاق السادة وأخلاق العبيد. تمثل النوع الأول في الحضارات الكبرى ~~الأرستقراطية كالحضارة اليونانية والرومانية والجرمانية، وهي في رأيه العصور ~~البطولية التي تميزت ms193 بالقوة والحيوية والسيادة. ويمثل النوع الثاني العصر المسيحي ~~وما صاحبه من قيم تعبر عن أخلاق العبيد. وما التاريخ البشري إلا محاولة كل من ~~هذين النوعين السيطرة والسيادة على الآخر، وعقد نيتشه مقارنة بين صحة وقوة ~~الإمبراطورية الرومانية وبين ضعف ومرض الديانة اليهودية-المسيحية عبر القرون، فبعد ~~الصراع الميلودرامي التاريخي بين الإمبراطورية الرومانية والدين المسيحي، انتصرت ~~المسيحية واكتسبت شعبيتها الكبيرة، وازداد توهجها بشكل لا يمكن تجاهله، وانتصرت ~~معها قيم العبيد، إلى أن جاء عصر النهضة الذي تألق بعودة النموذج الكلاسيكي - وهو ~~النموذج النبيل في رأي نيتشه - لتقييم كل الأشياء، ومن ثم عاد مجد روما من جديد، ~~وبدت الإمبراطورية الرومانية وكأنما استيقظت من الموت، وبدأت المثل والقيم ~~الأرستقراطية تنهض من جديد، واستعادت أخلاق السادة، ولكن سرعان ما انتصرت الروح ~~العبودية للديانة اليهودية-المسيحية مرة أخرى في حركة الإصلاح الديني التي قام بها ~~مارتن لوثر، ودبت الروح في الكنيسة مرة أخرى، كما انتصرت أخلاق العبيد ثانية مع ~~الثورة الفرنسية، وانهارت معها آخر النظم النبيلة في أوروبا في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر: «مع الثورة الفرنسية انتصرت اليهودية مرة أخرى على النموذج ~~الكلاسيكي، وفي هذا العصر كان المغزى الأكثر عمقا وأهمية هو انهيار آخر نبالة ~~سياسية في أوروبا، انهارت في القرنين الفرنسيين السابع عشر والثامن عشر تحت تأثير ~~غرائز العامة التي اتصفت بروح الانتقام والحقد، وسادت البهجة الكبرى، أي سادت نزعة ~~حماسية صاخبة لم يسمع بها على الأرض من قبل.» # 43 # ولكن مع ظهور نابليون عادت قيم السادة الأرستقراطية مرة أخرى، ولكن ~~سرعان ما سقطت وزالت بسقوط نابليون الذي اعتبره نيتشه آخر شعاع نور لقيم السادة في ~~أوروبا. وهكذا وصل نيتشه إلى إدانة واتهام العصر الحديث الذي نتج عن دين العبودية، ~~وعندما صرح بأن آخر النظم النبيلة في أوروبا قد انهار مع الثورة الفرنسية، فقد أعطى ~~للصراع بعدا سياسيا، وواصل رؤيته النكوصية للتاريخ التي امتدت من هجومه على ~~الإنسان الذي روضته الديانة المسيحية وأضعفته ، إلى الهجوم على الإنسان الحديث - ~~الذي هو امتداد لتلك الديانة - وعلى عصره ms194 الحديث الذي يمثل سيادة قيم العبيد ~~المتدهورة. # ولكن كيف يمكننا - في ضوء نظرية نيتشه عن العود الأبدي السابق شرحها - أن نفسر ~~هذه الرؤية النكوصية للتاريخ؟ ألا تمثل هذه الرؤية نوعا من التناقض في فكر نيتشه؟ ~~ألا يمكن - وفق الدورة الأبدية للتاريخ - أن تعود العصور البطولية مرة ومرات أخرى ~~كثيرة؟ هذه التساؤلات وأخرى غيرها عديدة لا نجد لها إجابة شافية عند نيتشه، وهذه ~~أيضا إحدى مفارقاته؛ إذ يصعب تصور رؤيته النكوصية للتاريخ في ضوء نظريته عن العود ~~الأبدي، وهي النظرية التي تنهار تماما إذا ما حاولنا تحليلها تحليلا منطقيا ~~دقيقا، وذلك بسبب افتقادها إلى المعقولية، وإن لم يكن هذا غريبا على فيلسوف هو ضد ~~إعمال العقل. ~~(2) كشف قناع الزمن الحاضر (العصر الحديث) بين نيتشه وروسو # يمثل الزمن الحاضر مفترق طرق حاسما في كل فلسفة للتاريخ: فكيف نظر نيتشه إلى زمنه ~~الحاضر؟ وهل اختلفت رؤيته التاريخية أم تشابهت مع من سبقوه من فلاسفة التاريخ؟ في واقع ~~الأمر إن رؤية نيتشه للزمن الحاضر اختلفت عن أوغسطين - على سبيل المثال - الذي اجتمعت ~~كل أبعاد الزمن عنده في الحاضر، فالإنسان عنده لا يتحكم في التاريخ؛ لأنه محدد سلفا ~~من قبل العناية الإلهية، كما اختلفت أيضا عن هيجل الذي رأى - كما شرحنا فيما سبق - ~~في مسار التاريخ تقدما بلغ ذروته في عصره، ولم يكن متشابها مع ماركس الذي كان انتصار ~~التاريخ عنده مضمونا بحكم الحتمية التاريخية ووفق تصوره للتطور الحتمي للتاريخ. كما ~~اختلفت رؤيته أيضا عن فلاسفة التاريخ في عصر التنوير الذين آمنوا إيمانا مطلقا ~~بتقدم وازدهار التاريخ في عصرهم. في حين نرى عند نيتشه هجوما عنيفا على زمنه الحاضر ~~واتهاما لإنسان العصر الحديث بالضعف عبر عنه تعبيرا شاعريا في كتابه «هكذا تكلم ~~زرادشت». # يصعد نيتشه كراهيته ونفوره من زمنه الحاضر إلى درجة التحذير من المستقبل، بحيث ~~نستطيع أن نقول إن فلسفته في التاريخ تطورت في ضوء قلقه على المستقبل الإنساني، كما ~~تطورت من تأمل الماضي بجانبيه، جانب التدهور وأسبابه، وجانب الأمل الذي يؤسس أحد أركان ms195 ~~فلسفته التاريخية، وهي أنها فلسفة أرادت أن تحدث نوعا من إثارة التفكير والتحريض على ~~الفعل لترتقي بالمستقبل الإنساني عندما أكد بشكل مثير ومحرض الاحتياج الإنساني للسيطرة ~~على التاريخ: «ما هو إذن منتهى آمالنا هو أن نتوجه نحو إيجاد فلاسفة جدد وليس هناك ~~اختيار، نحو أرواح قوية وأصيلة بالقدر الذي يزودنا بالدوافع التي تجعلنا نقيم تقييمات ~~مضادة، ونعيد التقييم ونقلب ما يسمى بالقيم الأبدية نحو رواد، رجال مستقبل يشغلون ~~أنفسهم في الوقت الحاضر بربط العقدة التي تضطر إرادة العامة إلى السير في طرق جديدة، ~~نحو تعليم الإنسان أن مستقبل الإنسان هو إرادته، وأن مستقبله متوقف على الإرادة ~~الإنسانية، وأن نعد لمخاطرات عظمى ومحاولات شاملة لإحلال النظام والتهذيب عن طريق وضع ~~نهاية للهيمنة المرعبة للاعقل والمصادفة التي سميت حتى الآن باسم التاريخ.» # 44 # وإذا كانت رؤية نيتشه التاريخية قد اختلفت عن رؤى فلاسفة التاريخ السابق ~~ذكرهم، فهي قد تشابهت إلى حد ما مع رؤية جان جاك روسو (1712-1778م)، حيث نظر كلاهما ~~إلى الزمن الحاضر نظرة نقدية فاحصة عبرت عن رؤية نكوصية للتاريخ. ~~(2-1) الرؤية النقدية للعصر الحديث بين نيتشه وروسو # لقد شهد العصر الحديث مفكرين كبيرين قدما تحليلا وافيا لتدهور الحضارة ~~الغربية والإنسان الحديث، هما نيتشه وروسو، فعبرا عن أكبر تيارين نقديين ~~للحضارة التي أنتجها العصر الحديث. إن أفكارهما ما زالت تخضع لتفسيرات متنوعة، كما ~~أن كليهما قد وضع مشكلة التاريخ والإنسان في نطاق أوسع وهو مشكلة الحضارة. لقد ~~قدما تحليلا سيكولوجيا لإنسان الزمن الحاضر، وبحثا عن العلل التاريخية التي ~~أصابته - في رأيهما - بالاضطراب العصبي. وعلى الرغم من هجوم نيتشه على روسو، إلا أن ~~هذا الأخير لعب دورا هاما في تفكير نيتشه السياسي، هذا برغم المحاولات العديدة ~~لنزع الصفة السياسية عن فلسفة نيتشه، وحصرها في مجال الأخلاق فحسب. اهتم كلا ~~الفيلسوفين بانحلال الحضارة الإنسانية، واتفقا في نقدهما للثقافة الحديثة ~~المتدهورة. وقدم كلاهما تاريخ التطور الأخلاقي والسياسي للإنسان، وبحثا في أصول ~~المجتمع البشري، كما فسرا مصير الإنسان من خلال الطبيعة المتناقضة للحياة السياسية ms196 ~~والأخلاقية في العصر الحديث. وإذا كان كل من نيتشه وروسو قد سعى إلى تحويل ~~الطبيعة البشرية في سياق حضارة متدهورة، فإن ما يفرق بينهما هو تفسير كل منهما ~~لمشكلة التدهور التي يمكن رؤيتها في مفاهيمهما المتعارضة لكيفية وصول إنسانية ~~المستقبل إلى ذروتها. # كان نيتشه على وعي بأن التأثير الهائل لروسو على الثقافة والفلسفة الألمانية ~~مشابه تماما لتأثير الثورة الكوبرنيقية على كانط في فلسفته المعرفية والأخلاقية. ~~وربما يعود هذا إلى أن روسو في رأي البعض هو «أول مفكر يبين تناقضات الحياة ~~السياسية الحديثة «بين الفرد والمجتمع، الإنسان والمواطن، الاستقلال والتسلط، ~~الحرية والضرورة ... إلخ» والتفكير في التناقضات هو الموضوع الرئيسي في الفلسفة ~~الألمانية منذ كانط»، # 45 # لذلك كان لفكر روسو السياسي تأثير كبير على الفلسفة الألمانية، وبخاصة ~~على كانط وهيجل وماركس، حيث فسره البعض بأن ليبرالي، وفسره البعض الآخر بأنه شمولي. ~~وقد سمحت تعارضات ومفارقات فكر روسو بهذه التفسيرات المتنوعة، خاصة في العلاقة بين ~~الفرد والمجتمع، عندما أقر في كتابه «أصول التفاوت الاجتماعي» (عام 1755م) بحقوق ~~الفرد، ثم عاد في العقد الاجتماعي (عام 1762م)، وأخضع كل هذه الحقوق للدولة. وكان ~~نيتشه على وعي أيضا بالدور الذي أداه روسو في تشكيل الحداثة، وكيف ألهمت كتاباته ~~الثورة الفرنسية. وعلى الرغم من معارضة نيتشه لروسو، إلا أن من الممكن أن نعتبر هذا ~~الأخير هو مفتاح فلسفة نيتشه - كخصم له - في تفسير الحداثة، حتى لقد ذهب البعض إلى ~~القول بأن نيتشه كناقد للحضارة الغربية في القرن التاسع عشر يمثل ما كان يمثله روسو ~~في القرن الثامن عشر في نقده النافذ لتلك الحضارة. لقد أثار كلاهما التفكير في ~~العديد من القضايا والأسئلة المتعلقة بقيمة الحضارة التي ما زالت أصداؤها تتردد حتى ~~الآن. فما أثاره روسو عن آثار الحضارة الصناعية لم يفقد معناه في عصرنا الإيكولوجي ~~الآن، بينما تشخيص نيتشه للعدمية وانقلاب القيم والحالة المتدهورة للحضارة ~~الإنسانية ما يزال - ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين - كابوسا لم نستيقظ منه ~~بعد. # تعرضت أفكار كل من نيتشه وروسو لقراءة سياسية ms197 وأخلاقية مزدوجة، فقد اتهم كل ~~منهما بأن له نزعة فردية أخلاقية، كما كان لأفكارهما صدى لدى بعض النظم الشمولية ~~في القرن العشرين، عندما ربط البعض فكر روسو بالأحداث الدامية والمفزعة للثورة ~~الفرنسية، وربط البعض الآخر فكر نيتشه بالمحاولة النازية للسيطرة على العالم، ثم ~~الأحداث الدامية للحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من إعلان نيتشه أنه ضد روسو، ~~وأنه تحدى نزعته الرومانسية وتشاؤمه التاريخي، إلا أن هناك أوجه تشابه بينهما، كما ~~أن هناك أيضا مسافة تفصل بينهما واختلافات في توجهاتهما. # لقد اختزل روسو مشكلة الحضارة في مشكلة الأصالة، أي البحث عما هو أصيل، وما هو ~~صناعي في طبيعة الإنسان، وحصر المشكلة في التنظيمات الاجتماعية الفاسدة التي تقف في ~~طريق طبيعتنا الأخلاقية الحقيقية، فبحث عن الطبيعة الخيرة للإنسان التي لم تعد ~~موجودة، وربما لم توجد أبدا بعد أن أفسدها التطور التاريخي للبشرية. بينما المشكلة ~~بالنسبة لنيتشه هي في الحقيقة مشكلة التاريخ وطبيعة الزمن، بحيث تكمن مشكلة الحضارة ~~الإنسانية لديه في إخفاقها في تأسيس علاقة أصيلة بالماضي. فالإنسان لا يمكنه وقف ~~صيرورة الزمن، ولكنه يشاهد فقط هذه الصيرورة دون أن يشارك فيها ليرى نفسه في ~~النهاية وقد أصبح ضحية الزمن مما يؤدي به إلى النقمة على الحياة، ومحاولة الانتقام ~~منها. وبما أنه ليس بإمكاننا العودة إلى الوراء بسبب تعاقب الحياة وأنفسنا والآخرين ~~- إذ ليس بإمكاننا وقف عجلة الزمن ولا تغيير ما قد حدث بالفعل - فإن المشكلة التي ~~تواجهنا كبشر محددين بالوعي التاريخي هي كيف نقيم علاقة أصيلة مع الماضي، وذلك بأن ~~نصبح تاريخيين، حتى ولو تحقق هذا عن طريق المفارقة التاريخية - التي تحدثنا عنها ~~من قبل - أي بأن نتعلم أيضا كيف نصبح لا تاريخيين. # هذه المفارقة التاريخية نجدها أيضا عند روسو - وإن كانت بشكل آخر مختلف - فإذا ~~كان البعض يطلق على روسو وصف «نبي التاريخ»، فإنه لم يجد في التاريخ ما يفسر أو ~~يحل له اللغز الغامض، وهو إصلاح ما فسد من الأخلاق، لا يمكن العودة إلى البراءة ~~الطبيعية الأولى، إلى العصر الذهبي، ولهذا ms198 السبب لا يمكننا استحضار الماضي، فليس ~~أمامنا إذن سوى المستقبل الذي يكمن فيه الأمل في الإصلاح، بل إنه الفرصة الوحيدة ~~لتحقيق السعادة الإنسانية الحقيقية والعدل والمساواة والانسجام في العلاقات ~~الاجتماعية، ولكن قانون التطور الذي بين أنه لا عودة بالزمن إلى الوراء، قد بين ~~أيضا أن المستقبل قد حطم القيم الإنسانية. وهكذا وجد روسو نفسه في مصيدة الزمن! ~~فسخط على الحضارة التي أثمرتها الصيرورة الزمنية، وأصبح عدوا للزمن الذي لا يمثل ~~بالنسبة له سوى التغير والانحدار والتدهور، ومن ثم يئس روسو تماما من التاريخ، ~~ونقم على كل ما يأتي به التطور التاريخي الذي حطم بساطة الإنسان وسعادته وشفافيته. ~~وسواء كان روسو على وعي بما يواجهه تفكيره من مشكلة الحضارة أم على غير وعي، فإن ~~تفكيره كان مصحوبا بيأس عميق. لقد وضع روسو نفسه - ووضعنا معه - في مواجهة مع ~~الطبيعة من جانب والمجتمع المدني من جانب آخر. # أما عن نيتشه فقد وضع مشكلة الحضارة لا في داخل الحضارة نفسها، بل في الأخلاق. ~~وإذا كان روسو يرى أن الحضارة الحديثة لم تجلب معها غير الشر، فإن نيتشه أحال ~~المشكلة إلى إعادة تقييم ما نسميه بالخير والشر، أي إعادة تقييم كل القيم. إن مسألة ~~الحضارة لا تتوقف في رأيه على الخيرية الطبيعية للإنسان التي أفسدتها أمراض المجتمع ~~الحديث، وليست في إصلاح أصول الأخلاق الإنسانية، بل هي في إعادة تقييم تلك الأخلاق ~~إلى حد تجاوزها لنفسها. وحقيقة الأمر أن المشكلة في إطارها الأوسع هي مشكلة ~~التاريخ، وهي الفكرة المهيمنة على كل فلسفة نيتشه، والتي تعبر في أعماقها عن القلق ~~على مصير الإنسانية، بحيث يصبح التجاوز الذاتي للأخلاق هو في الحقيقة التغلب على ~~مشكلة التاريخ والميتافيزيقا والحضارة والتراث. # 46 ~~(2-2) أصول المجتمع البشري بين نيتشه وروسو # لم يتفق نيتشه وروسو في نقدهما للحضارة الغربية فحسب، وإنما اتفقا أيضا في ~~تأكيدهما أن أصول المجتمع البشري تكمن في أن الإنسان كائن تاريخي، وإن كانا قد ~~اختلفا في النتائج التي توصلا إليها في بحثهما في هذه الأصول. وليست فكرة ms199 البحث ~~عن الأصول غريبة عن تاريخ الفلسفة، ولكن «السمة غير المألوفة لجينالوجيا نيتشه في ~~بحثه عن الأصول تفترض أنه لا يوجد شيء في هذه الأصول، فبينما يبحث الآخرون لإيجاد ~~شيء ما في نقائه الأصلي، شيء ما لم تفقده الثقافة ولا التاريخ بريقه، ينكر نيتشه ~~فكرة البنية الأساسية التي وجدت في تاريخ الفلسفة بكل أشكالها (الجوهر - الذات - ~~الروح - الشيء في ذاته) وإذن فلا يوجد ما يسمى بالأخلاق الطبيعية. لقد بحث كل من ~~نيتشه وروسو عن أصول النظام الاجتماعي ومشكلة الحضارة، وعلى الرغم من بدايتهما من ~~فرضيات متشابهة أهمها أن الإنسان كائن تاريخي، فقد توصل كل منهما إلى نتائج ~~متباينة. انتقد نيتشه مبدأ الخيرية الأصلية لطبيعة الإنسان التي تغنى بها روسو، ~~ووصفه بأنه مبدأ مضلل، فليست التنظيمات الاجتماعية الفاسدة هي التي دمرت هذه ~~الطبيعة الخيرة، وعندما تسقط تلك التنظيمات أو عندما يتم إصلاحها، فلن تظهر من جديد ~~تلك الطبيعة الخيرة المختفية أو المكبوتة. إن هذه الطريقة في البحث عن الأصول - في ~~رأي نيتشه - تمثل بحثا مضللا لمعرفة أنفسنا، بل إن النزعة الأخلاقية الطبيعية ~~والإيمان بالخيرية الطبيعية عند روسو هي التي منعته من إيجاد حل للغز مشكلة ~~الحضارة التي عبر عنها بلغة متشائمة.» # لذلك جاءت جينالوجيا الأخلاق لنيتشه ولم تنظر لمشكلة التاريخ على أنه بحث عن ~~الأصول فحسب، ولم تكن هجوما على قيم العصر الحديث فقط، بل كانت أيضا ضد طريقة ~~معينة لتفسير أصول ومعنى وأنساب تلك القيم. ولم تهدف الجينالوجيا إلى اكتشاف جذور ~~الهوية الإنسانية، ولكنها سعت لإقامة نماذج مختلفة لما أبدعه الكائن البشري كفرد؛ ~~ولذلك تؤكد الجينالوجيا على خصوصية وتفرد الأحداث التاريخية. وقام نقد نيتشه ~~الجينالوجي على أساس منهجه في التاريخ، وهو أنه ليس هناك حقائق تاريخية، بل هناك ~~تفسيرات أخلاقية لما نسميه حقائق. لذلك فهو يحاول كشف معنى التاريخ من بحثه ~~الجينالوجي في أصول وتطور الأخلاق. # كان العدل هو الفرضية الأساسية التي ميزت بدايات الجنس البشري عند روسو، بينما ~~كان الظلم هو البديهية الأساسية لتلك البدايات عند نيتشه. فقد مجد ms200 الأول الحالة ~~البدائية الأولى للإنسان التي تمثل بالنسبة له مرحلة ما قبل الاضطراب العصبي الذي ~~أصاب الإنسان في العصر الحديث. وتطلع روسو إلى العصور الأولى عندما كان البشر - على ~~الرغم من أن طبيعتهم الإنسانية لم تكن أفضل مما هي عليه في العصر الحديث - يتمتعون ~~بوجود آمن، وبوضوح كل منهم للآخر، وكانت هذه الشفافية في العلاقات الإنسانية تمنع ~~تطور الرذائل كالغرور والتكبر التي أفسدت الإنسان الحديث. وبالغ روسو في هذه الصورة ~~ليسلط الضوء على شرور ومساوئ العصر الحاضر، ويرثي حالة الخداع والعبودية التي سادت ~~العادات الحديثة. أعلن روسو في خطابه عام 1750م بمناسبة حصوله على جائزة بحثه عن ~~تقدم العلوم والفنون «أن أناس العصر الحديث هم «قطيع من البشر» أطلق عليهم اسم ~~«العبيد السعداء» الذين يتجاهلون فقرهم وبؤسهم، بحيث أصبحوا كتلة من البشر ليس لها ~~ملامح وصورهم بشكل منفر وكريه.» # 47 # نظر نيتشه إلى روسو على أنه فيلسوف سياسي للمرارة والحقد والنقمة في العصر ~~الحديث، وعلى أنه أول رجل حداثي صور الحضارة بشكل يوحي بالشفقة على الإنسان مما ~~يؤدي إلى الشعور بالاحتقار والاشمئزاز منه، خاصة عندما أعلن للناس في تصدير خطابه ~~الثاني عن أصول التفاوت الاجتماعي بأنه «ساخط على وضعكم الحاضر، بسب ما يهدد ~~سلالتكم التعيسة، ربما تتمنون لو كانت لديكم القوة للعودة إلى الوراء، وسيكون هذا ~~الشعور إطراء لأسلافكم، ونقدا لمعاصريكم، ورعبا لسيئي الحظ الذين سوف يأتون بعدكم.» # 48 # ويرى نيتشه أن المرارة والاستياء الواضح في فكر روسو هما نتيجة النزعة ~~الأخلاقية التي وجهت كل تفكيره. # وأخيرا فقد قدم كل من نيتشه وروسو صورة متعارضة عن أصول المجتمع البشري ~~وأزمة الإنسان الحديث التي ردها روسو إلى المنافسة والاغتراب الذاتي، وافتقاد ~~حالة المساواة الطبيعية الأولى؛ ولذلك لم توجد عنده سلالة أنساب للسيد والعبد (التي ~~نجدها عند نيتشه)؛ لأنها لم تكن من السمات الطبيعية الأولى للجنس البشري، وإنما ظهر ~~هذا التقسيم التراتبي للمجتمع مع تطور التنظيمات الاجتماعية التي سببت اغتراب ~~الإنسان عن نفسه، فتدهورت أحواله بدلا من أن يرتقي بطبيعته، وظهرت المنافسة ms201 التي ~~أثمرها التطور التاريخي، وانتهت إلى تحقيق سعادة الفرد على حساب الآخرين. بينما نجد ~~عند نيتشه أن أزمة الإنسان الحديث أعمق بكثير من تلك المنافسة والاغتراب- الذاتي ~~اللذين يتحدث عنهما روسو، بل ذهب نيتشه إلى العكس من هذا عندما رأى ضرورة الحفاظ ~~عليهما، وأيضا على النظام التراتبي للمجتمع؛ ولذلك نجد عنده جينالوجيا السيد ~~والعبد، حيث إن السيادة هي السمة الطبيعية، والسيد هو الشكل الطبيعي للإنسان، وكما ~~أن هناك سادة، فهناك أيضا عبيد. وكانت مهمة نيتشه في الجينالوجيا أن يقدم هؤلاء ~~السادة باعتبارهم تمثلات عليا للوجود. وإذا كان روسو يؤكد أن التراتبية والتنافس ما ~~هما إلا متغيرات تاريخية، فإن نيتشه يؤكد من جانب آخر أن المجتمع التراتبي هو ~~المجتمع الطبيعي. وإذا كان روسو ينشد العودة إلى الخيرية الطبيعية التي افترض أنها ~~كانت الفطرة الطبيعية للبشر، فإن نيتشه ينشد العودة إلى العدوانية أو السلوك الشرس ~~الذي يحقق السيادة. وبينما يتمنى روسو أن تحقق البشرية «خيريتها الطبيعية» يدعو ~~نيتشه البشرية أن تتعلم كيف تصبح «أكثر شرا». ~~(2-3) مأساوية (تراجيدية) الوجود التاريخي # كان نيتشه على وعي تام بالغموض الذي يميز علاقة روسو بالتاريخ. كما كان على ~~اقتناع بأن الوجود التاريخي مأساة، ولكنه رأى أنه مأساة ضرورية، وأن على الكائنات ~~البشرية أن تكون قوية وشجاعة بقدر كاف لتؤكد السمة المأساوية لوجودها، وإلا فلن ~~يبقى أمامها سوى الهروب من هذا الوجود للبحث عما وراء هذا العالم، فيصبحون ناقمين ~~على الحياة، منكرين واقعها القاسي والمتغير والفاني، لا هروب من الزمن إذن، فهو ~~قانون الحياة حيث كل شيء يفنى ويموت، ولكن كيف يتغلب الإنسان على المأساوية التي ~~وجد نيتشه أنها طابع الوجود الإنساني؟ هل بروح الاستياء أو الانتقام أو الضغينة ~~التي زعم - أي نيتشه - أنها هي الحل الذي هرب إليه روسو في مواجهة هذه ~~المأساة؟ # تؤدي فكرة الضغينة # resentment # دورا هاما في ~~فلسفة نيتشه؛ إذ يفسر من خلالها تاريخ الأخلاق كله بوصفه تاريخا تتميز فيه أخلاق ~~السادة عن أخلاق العبيد؛ ولذلك تسعى فلسفة نيتشه بأكملها إلى تحرير الأرواح الحرة ms202 ~~من هذه الروح الانتقامية التي تولدت من المعاناة. ويصف نيتشه روسو بأنه فيلسوف ~~المرارة والاستياء الذي أضفى على حياته الشخصية، ومعاناته معنى كليا، فبدلا من ~~أن يبحث عن مصدر معاناته ألقى باللوم والمسئولية على عاتق المجتمع: «رجال مثل روسو ~~يعرفون كيف يوظفون ضعفهم. إن عجزهم ورذائلهم تبدو كما لو كانت سمادا لمواهبهم، ~~فإذا كان روسو قد نعى فساد وانحلال المجتمع باعتباره نتيجة باعثة على الأسى على ~~الحضارة، فهو قد فعل هذا على أساس تجربة شخصية. إن المرارة التي نتجت من هذه ~~التجربة أعطت لإدانته الحافة الحادة وسموم السهام التي أطلقها، إنه يفضي بهمومه ~~كفرد أولا وقبل كل شيء، ويعتقد أنه يبحث عن الشفاء الذي يؤثر بشكل مباشر على ~~المجتمع، ولكنه سيكون من خلال المجتمع، وبشكل غير مباشر فائدة أو منفعة له هو نفسه»، # 49 # ويعبر موقف الاستياء عن نفسه بشكل سلبي يتكشف - في رأي نيتشه - في ~~أخلاق العبيد: «ليس هناك أكثر رعبا من طبقة العبيد البرابرة الذين ينظرون لوجودهم ~~على أنه ظلم، ويستعدون الآن ليثأروا ليس فقط لأنفسهم، بل لكل الأجيال، # 50 # فبدلا من أن ينتصر الفرد الذي يشعر بمأساة الوجود على طبيعته المدمرة ~~لذاته وللآخرين، وبدلا من أن يثبت نفسه ووجوده بروح نبيلة، وبدلا من أن يقهر روح ~~المرارة والاستياء المؤذية، نجده يسعى للتعويض عن ذلك بالانتقام، ويدافع عن نفسه ~~بالأخلاق السلبية - التي هي نموذج لوعي العبيد - بأن يعلن أن الآخرين (السادة أو ~~المجتمع) هم الأشرار، ويزعم لنفسه العكس من ذلك بأن يفترض الطيبة والنقاء في ~~طبيعته.» # لقد أضفى روسو على الطبيعة السمة الأخلاقية بأن صور الحالة الطبيعية الأولى ~~على أنها بريئة وغير فاسدة. بينما يرى نيتشه أن الطبيعة في حد ذاتها دورة صماء ~~تتسم باللامبالاة، الطبيعة في نفسها عبث، تدور دورتها بلا هدف، وبدون عدل ولا ~~رحمة؛ ولهذا لا يمكن أن نسم دورتها العمياء بالسمة الأخلاقية، ولا أن نسلبها ~~إياها فنقول إنها لا أخلاقية. ولذلك يسخر نيتشه من الفلسفة الرواقية التي تطالبنا ~~أن نعيش وفقا للطبيعة، أي أن ms203 نعيش وفق المبدأ الكلي الكامن في الطبيعة، أي وفق ~~التجانس والحكمة الكلية. # 51 # فإذا كانت الطبيعة في أعماقها - عند نيتشه - هي التعريف السابق شرحه، ~~فكيف نعيش وفقا له؟ إننا بهذا المعنى لن يكون بإمكاننا أن نفكر في الوجود الإنساني ~~باعتباره نتيجة تصميم أو إرادة أو هدف خاص، لن يمكننا أن نتصور الإنسان خاضعا ~~لمحاولة تحقيق نموذج للسعادة أو الأخلاق، فنحن الذين اخترعنا مفهوم الهدف، والواقع ~~أنه ليس هناك هدف للوجود الإنساني أي أن الهدف مفتقد. كما أنه ليس هناك من يفرض ~~على الإنسان صفاته: لا الله ولا المجتمع ولا الأسلاف أو الآباء، ولا يوجد من يفرض ~~عليه أفعاله؛ لأن على الإنسان أن يصبح نفسه. # لا توجد إذن إنسانية طبيعية في رأي نيتشه، ولكن الإنسان يصل إلى الطبيعة بعد صراع ~~طويل، وقد وجد ذلك في إنسان القرن التاسع عشر: «إن هناك علامات على أن الإنسان ~~الأوروبي في القرن التاسع عشر أقل خجلا من غرائزه، لقد خطا خطوة نحو السماح ~~لنفسه بنزعة طبيعية غير مشروطة، أي لا أخلاقية (بالمعنى التقليدي للأخلاق)، وبدون ~~أن يزداد إحساسه بالمرارة. يخيل لبعض من يسمعون هذا كأن الفساد قد تقدم واستشرى. ~~من المؤكد أن الإنسان لم يقترب من الطبيعة التي يتكلم عنها روسو، لكنه حقق خطوة ~~أخرى نحو التقدم في الحضارة التي احتقرها أو مقتها روسو.» # 52 # لا يمكن لنا إذن - في رأى نيتشه - أن نعيش وفقا للطبيعة، بل أن نعيش ~~وفقا للحياة، وكأنه استبدل الحياة بالطبيعة، أي أن نعيش وفقا لأعماق الحياة ~~وإرادة الحياة. # قد يفهم مما سبق أن نيتشه ينكر فكرة العودة إلى الطبيعة، بينما حقيقة الأمر أنه ~~ينشد العودة إلى الطبيعة، ولكن مفهومه عن تلك العودة مختلف ومعارض لمفهوم روسو، ~~فهو يصرح في نص له بعنوان التقدم في نظري: «أنا أيضا أتكلم عن العودة إلى ~~الطبيعة على الرغم من أنها ليست عملية رجوع إلى الوراء، بل انطلاق أو صعود إلى ~~أعلى، نحو طبيعة ونزعة طبيعية عالية حرة، بل مرعبة، طبيعة قادرة على أن تقوم ms204 ~~بالمهام العظمى كما هي قادرة على أن تلعب معها. على سبيل المثال نابليون كان مثلا ~~للعودة إلى الطبيعة، أما روسو فلا.» # 53 # ويميز نيتشه بين ثلاثة نماذج للإنسان يحدد من خلالها نوع «العودة إلى ~~الطبيعة» الذي نشده ووجده في أحد هذه النماذج: النموذج الأول يمكن أن نطلق عليه ~~نموذج إنسان روسو، فقد رسم نيتشه صورة له انتهت بتصوير روسو نفسه على أنه حالم ~~يوتوبي وثوري اجتماعي وفي نفس الوقت له موقف من الحياة يتسم بالمرارة والنقمة؛ ~~فصرخة روسو للعودة إلى الحيوية الطبيعية إنما تنم عن احتقار الإنسان لنفسه وتوقه ~~للعودة إلى الوراء. أما عن النموذج الثاني فهو إنسان جوته، وهو النموذج المضاد ~~للنوع الأول، فقد مجد نيتشه جوته باعتباره تجسيدا لهذا النموذج الثاني الذي أطلق ~~عليه وصف النموذج الديونيسي. ويتحدث نيتشه عن شمولية جوته، بمعنى التأليف بين العقل ~~والحساسية، بين المشاعر والإرادة: «ليس جوته مجرد ألماني، بل هو حدث أوروبي محاولة ~~رائعة لتجاوز القرن الثامن عشر، أو التغلب عليه عن طريق العودة إلى الطبيعة، ~~والصعود إلى النزعة الطبيعية لعصر النهضة، لقد استطاع أن يقهر ذاته ويتجاوزها # Self-overcoming ~~، وأن يحمل في صدره أقوى غرائز ~~هذا القرن: عاطفيته، تعبده للطبيعة وروحه المضادة للتاريخ، ومثاليته وعدم واقعيته وثوريته.» # 54 # فالعودة إلى الطبيعة التي يفضلها نيتشه، ووجدها متجسدة في جوته نفسه - ~~وهي بالطبع مختلفة عن العودة إلى الطبيعة كما هي عند روسو - تتمثل في رمز الانتصار ~~على الرومانسية أو قهرها وتجاوزها، كما تؤكد السمة اللاأخلاقية للوجود، والتي تعني ~~أن الوجود في حد ذاته ليس وجودا أخلاقيا، ولكننا نحن الذين نضفي عليه التقييم ~~الأخلاقي، كما تؤكد أيضا تبني موقف من الحياة فيما وراء الخير والشر، موقف تأكيد ~~وتعزيز للحياة وليس احتقارها، ويأتي أخيرا إنسان شوبنهور الذي يرفضه نيتشه لسبب ~~بسيط وهو رفضه - أي شوبنهور - للحياة وعزوفه عنها. # ويعود هجوم نيتشه على روسو إلى تفسير هذا الأخير لمشكلة الحضارة التي زعم أنها ~~أفسدت الوجود التاريخي للإنسان، فقد كتب نيتشه تحت عنوان ضد روسو: «لسوء الحظ لم ms205 ~~يعد الإنسان شريرا بما فيه الكفاية؛ إن خصوم روسو الذين يقولون إن الإنسان حيوان ~~مفترس هم لسوء الحظ مخطئون. إن لعنة الإنسان لا تكمن في فساده، بل في مدى ما وصل ~~إليه من الرقة والأخلاقية.» # 55 # ويتضح من هذا النص هجوم نيتشه على الفهم التقليدي للتقدم الحضاري، ~~وإعادة تقييمه لمشكلة الحضارة من جديد، فهو لم يدحض الحجة القائلة بأن الحضارة قد ~~أفسدت الإنسان، بل هو يصرح بأنها لم تفسده بما فيه الكفاية، الأمر الذي يفهم منه ~~أن التدهور أو الانحلال هو أحد المظاهر الضرورية للحياة واللازمة لنموها وبقائها، ~~وربما كان أيضا هو أحد الأسباب التي تضفي المأساوية على الوجود الإنساني. وبذلك ~~لا يمكن لنا أن نفسر العدمية بأنها هي علة التدهور، وإنما هي النتيجة المنطقية له: ~~«إن كل حركة مثمرة ومفعمة بالقوة تحدثها الإنسانية تبدع أيضا، وفي نفس الوقت ~~حركة عدمية.» # 56 # يتصور نيتشه إذن النزعة العدمية كشرط تاريخي أو حالة تاريخية، لا كحالة ~~شاملة للعقل، إنها حالة غامضة يمكن تفسيرها بطريقتين: فيمكن أن تفسر على أنها ~~علامة على القوة المتزايدة للروح، وهي التي يسميها نيتشه بالعدمية الفعالة # Active Nihilism ~~، كما يمكن أن تفسر ~~على أنها انحدار ونكوص لقوة الروح، وهي التي يسميها بالعدمية السلبية Passive Nihilism ~~. # 57 # بذلك يكون نيتشه قد وضع مشكلة الحضارة في إطار تاريخ النزعة العدمية ~~الأوروبية. ومن ثم قام بمحاولته الجريئة لإعادة تقييم كل القيم بما في ذلك قيمة ~~الحضارة نفسها. # إن الوعي التراجيدي بالحياة يكمن في فلسفة نيتشه. وقد عبر نيتشه نفسه عن ذلك ~~بشجاعة نادرة بأن أعلن أنه أول فيلسوف تراجيدي يقبل على الحياة بكليتها أو في ~~مجموعها. إنه يقول نعم لطبيعتها المتنوعة والمتعارضة، نعم للبهجة والألم معا، ~~وربما كان هذا أبلغ تعبير عن قوة إرادة الحياة التي تبتهج حتى بالكوارث والمآسي: ~~«إن قول نعم للحياة - بما في ذلك أغرب وأفظع مشاكلها، وإرادة الحياة المبتهجة ~~بقدرتها التي لا تنفد على التضحية بأسمى نماذجها - ذلك هو الذي وصفته بأنه ديونيسي، ~~وهو الذي رجحت أنه ms206 هو الجسر الموصل إلى نفسية الشاعر التراجيدي.» # 58 # يتغلب الإنسان إذن على مأساوية وجوده التاريخي بالمزيد من إرادة ~~الحياة، فالحياة والألم لا ينفصلان. وإذا كانت الأخلاق التقليدية أو الموروثة هي ~~نسق من التفكير يحاول - في رأي نيتشه - أن يفرض مستوى مطلقا من الصواب والخطأ، ~~والخير والشر على الوجود، فإنها - أي الأخلاق - تقطع التجربة الإنسانية المفعمة ~~بوفرة الحياة، وهي محاولة لإدانة الوجود، كما هي محاولة لإدانة وإنكار إرادة القوة، ~~وهي عند نيتشه الغريزة الأساسية للإنسان التي من خلالها ينمو يتطور. # ماذا بعد عرض فلسفة نيتشه التاريخية وما تحمله من مفارقة بين الوعي التاريخي ~~والوعي اللاتاريخي؟ هل ساهمت هذه الرؤية النقدية للتاريخ في حل مشكلة التاريخ أو ~~مشكلة الحضارة التي وصلت أزمتها إلى متفرق طرق لم يظهر فيه بارقة أمل لإصلاح ما ~~أفسده التطور الثقافي والحضاري؟ ربما يكون الإسهام الحقيقي لهذه الرؤية النقدية ~~لمشكلة التاريخ (التي ألقينا عليها الضوء بقدر ما سمحت به الخطوط العريضة لهذا ~~البحث) هو إعادة النظر في الموروث الثقافي، ومراجعة اعتقادات ظل الإيمان راسخا في ~~الأذهان فترات طويلة من الزمن، وذلك فضلا عن إسهامها في إعادة تقييم كل ما أثمرته ~~الحضارة الإنسانية. لقد كان نيتشه رائدا جسورا لتيارات عديدة جاءت بعده، وأخذت ~~على عاتقها مراجعة التراث الغربي، وزعزعة الثقة في الميراث الحضاري. واستمرت هذه ~~التيارات - التي أخذت وجهتها من نيتشه - في فلسفات هيدجر، ومن يطلق عليهم اسم ~~فلاسفة الاختلاف وتيار ما يسمى الآن بفلسفة «ما بعد الحداثة»، وعلى رأسها التيار ~~التفكيكي الذي يتزعمه جاك دريد - على الرغم من رفض هذا الأخير إدراج منهجه التفكيكي ~~تحت ما يسمى ب «ما بعد الحداثة» - فمنذ إطلاق نيتشه صرخته الأولى وإعلانه «موت ~~الإله» كحد أوروبي - وهي الفكرة التي قصد بها تحطيم الميتافيزيقا الغربية ~~وتدميرها وإعلان موتها وزلزلة الأسس التي يستند إليها التراث الحضاري الغربي - منذ ~~ذلك الحين ما زالت تتوالى التيارات والرؤى النقدية من أجل إعادة التقييم. لم يكن ~~هدم نيتشه للتاريخ وللحضارة إلا من أجل بناء هذا التاريخ وتلك الحضارة من ms207 جديد، ولم ~~يكن هجومه على إنسان العصر الحديث إلا من أجل ظهور إنسان آخر جديد سماه «السوبر ~~مان» أو الإنسان الأعلى. وبفضل دعوة نيتشه لتدمير التاريخ والحضارة الغربية، يعيد ~~الغرب الآن حساباته من جديد لتأسيس مفاهيم جديدة تستند إليها حضارة غريبة ~~جديدة. # وإذا كانت الدوائر العالمية الآن - من خلال الاهتمام الشديد بمرور مائة عام على ~~رحيل نيتشه - تعبر عن احتياجها إلى فكره، وتقدم الدراسات والتحليلات والتفسيرات ~~التي لا حصر لها عن السؤال المطروح في بداية هذا البحث، لماذا نيتشه الآن؟ فأحسب ~~أننا نحن العرب أشد احتياجا من الغربيين إلى رؤية نيتشه النقدية للتاريخ والحضارة، ~~كما أننا أشد احتياجا من الغرب إلى أن يكون لدينا الوعي التاريخي والوعي ~~اللاتاريخي معا، أي أن تكون لدينا القدرة على التذكر والقدرة على النسيان بنفس ~~القدر، أي القدرة والشجاعة على الفحص النقدي للماضي، لا لكي نعيش في الماضي ~~فنعرض حاضرنا للخطر، بل أن يكون فحصا نقديا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ~~فنستحضر من الماضي لحظات مجده بالقدرة على التذكر، ونغفل ظروفا ولحظات من الماضي ~~لا يجب التمسك بها بالقدرة على النسيان، حتى نتمكن من أن نعيش الحاضر بالكامل ونتجه ~~بقوة وشجاعة نحو المستقبل المأمول. # ما أحوجنا نحن العرب إلى أن تكون لدينا جسارة نيتشه وشجاعته في الهدم والتدمير، ~~حتى نستعيد القدرة على البناء والإبداع من جديد. أما إذا طرحنا السؤال السابق - ~~لماذا نيتشه الآن؟ - في عالمنا العربي، فالإجابة في جملة واحدة؛ لأنه ما أحوجنا ~~اليوم إلى نيتشه «عربي» يحطم الأوثان، ويصرخ داعيا إلى حضارة جديدة، ووعي وإرادة ~~حياة جديدة، وتاريخ جديد، وحاضر جديد يتمخض - بالإرادة والوعي والقيم الجديدة - عن ~~مستقبل جديد. # | البيئة والمسئولية نحو نموذج معرفي وأخلاقي جديد للخروج من أزمة الإنسان مع بيئته # مقدمة # تتعالى الأصوات في العقود الأخيرة بالشكوى تارة والتحذير تارة أخرى من مشكلات بيئية ~~ستواجه البشرية في مستقبل ليس بالبعيد، ومن كوارث وشيكة الحدوث، وأزمات بدأ الإنسان ~~يعاني من عواقبها الوخيمة بفعل تدمير البيئة الطبيعية التي طالتها يد التقنية الحديثة ms208 ~~بالاستغلال والتخريب، مما جعل فلاسفة الأخلاق المهتمين بشئون البيئة يعيدون النظر في ~~علاقة الإنسان بالبيئة الطبيعية، التي ارتبطت بتاريخ الفكر البشري منذ أن خلق الله ~~سبحانه وتعالى الإنسان، وبصفة خاصة منذ بدايات الفلسفة الشرقية والفلاسفة قبل ~~سقراط. # وقد مرت العلاقة بين الإنسان والبيئة بتحولات تاريخية كبيرة عبر تاريخ البشرية ~~بأكمله، ولكن هذا البحث سيلقي الضوء على هذه العلاقة من الناحية الفلسفية. وقد استخدم ~~الفلاسفة مصطلح الطبيعة بمعناه الأعم والأشمل للتعبير عن البيئة التي لم تظهر كمصطلح ~~إلا في نهاية القرن التاسع عشر مع بداية ظهور الأزمة. ولذلك سيعرض البحث لتحولات ~~العلاقة بين الإنسان والطبيعة عبر تاريخ الفكر الفلسفي، والتي انتهت في الآونة الأخيرة ~~إلى سيطرة الطرف الأول في هذه العلاقة (وهو الإنسان) سيطرة شبه كاملة على الطرف الثاني ~~(وهو الطبيعة) بفضل التفوق التقني، ولكن هل ما يصيبنا الآن من كوارث طبيعية وبيئية هو ~~رد فعل وصرخة احتجاج من الطبيعة على ما تعرضت له من ظلم وعدوان؟ أم هي إشارات تحذير ~~للإنسان بأنه لن تكون له الكلمة الأخيرة في الدراما الكونية التي هو مجرد جزء ضئيل ~~منها؟ أم هو إعلان من الطبيعة بأنها هي الأخرى لها ذات وقيمة مستقلة عن البشر الذين ~~توهموا أنهم الكائنات الوحيدة الحاملة للقيمة والقادرة على التقييم؟ وإذا كان الأمر ~~كذلك فأين وكيف المخرج من هذا المأزق البيئي البشري؟ # هدف البحث: سيحاول هذا البحث الإجابة عن هذه الأسئلة التي يستلزم الرد على السؤال ~~الأول منها تتبع العلاقة بين الإنسان والطبيعة من الناحية الفلسفية، وكيف تدرجت من ~~علاقة حميمة آمنة إلى علاقة هيمنة وسيطرة، وذلك من خلال نموذج معرفي أفضى إلى إخضاع ~~البيئة بالكامل لسطوة التقنية. وتقتضي الإجابة عن السؤال الثاني إثارة المشكلة الأساسية ~~التي أدت إلى مثل هذه السيطرة، وهي النزعة المركزية الإنسانية التي وضعت الإنسان في ~~مركز السيطرة والسطوة، ومنحته حق إخضاع سائر الكائنات والعناصر البيئية الأخرى ~~لمصلحته، وكيف ساهمت عدة علوم حديثة في إنهاء هذه المركزية الإنسانية بإثبات أن الإنسان ~~ليس إلا جزءا ضئيلا من ms209 كون لا نهاية له. وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن تنتهي ~~مزاعم الإنسان التي صورت له أنه هو الكائن الوحيد الحامل للقيمة والسيد المسيطر على كل ~~شيء؟ من هنا تأتي الإجابة عن السؤال الثالث بمحاولة البحث عن القيمة الباطنة في ~~الطبيعة، ودلالات هذه القيمة على وجود كائنات وعناصر أخرى تحمل قيمة في ذاتها، وطبيعية ~~الموقف البشري الذي ينبغي اتخاذه منها. # ويعرض البحث في النهاية محاولات إيجاد مخرج من أزمة الإنسان مع بيئته من خلال ~~المسئولية الأخلاقية تجاه البيئة، كما يدعو إلى مواصلة الجهود المشتركة للبحث عن ~~أخلاقيات بيئية رشيدة تستند على نموذج معرفي جديد، أي نموذج يقوم على تنمية الوعي ~~الأخلاقي والجمالي بالبيئة، ولفت الأنظار إلى المسئولية العالمية المشتركة في ظل أخلاق ~~كوكبية جديدة تضع في اعتبارها بالدرجة الأولى حماية البيئة وصيانتها من منطلق كونها ~~ميراث البشرية ورصيدها الذي ينبغي صيانته والمحافظة عليه. # مصطلحات بيئية: قبل التعرض لهذه الأسئلة والإشكاليات يجدر بنا أن نقف عند المصطلحات ~~الأساسية التي يتناولها البحث: الطبيعة # Nature ~~، ~~والبيئة الطبيعية # Natural Environment ~~، وعلم ~~الأيكولوجيا # Ecology ~~، وهي مصطلحات تبدو كأنها ~~مترادفة أو ذات مضمون واحد. والواقع أن هناك اختلافات بين هذه المصطلحات، وإن كانت في ~~حقيقة الأمر اختلافات طفيفة، ولكنها دقيقة. ففي الموسوعات الفلسفية تعني الطبيعية ~~بالمعنى الأشمل «الموجودات في مجموعها، أي أنها نوع من الجرد لكل ما هو موجود في الكون، ~~كما أنها تشير أيضا إلى مبادئ وقوانين البنية التي تتحكم في سلوك الكائنات والأشياء، ~~وهذان المعنيان لا ينفصلان عن بعضهما.» # 1 # ويتم تعريف الطبيعة أيضا باستخدام الصفة من الاسم، أي تعريف شيء ما بأنه ~~طبيعي من خلال التناظر والتضاد، بحيث نقصد بهذا الشيء أنه الفطري في مقابل المكتسب، # 2 # والتلقائي في مقابل الإرادي، والعفوي في مقابل المتروي والمقصود، والطبيعي ~~في مقابل الوضعي والمفتعل أو الصناعي، كما أننا نقول كذلك بالطبيعي في مقابل المعجز أو ~~الخارق للطبيعة، لننتهي من هذا كله إلى أنها (أي الطبيعة) تجمع بين الموجودات الطبيعية ~~التي تعبر عن الإرادة الإلهية الفاعلة ms210 في الطبيعة، والتي لا تتدخل فيها الإرادة البشرية ~~وبين المصنوعات الإنسانية أي ما قام به الإنسان محاولة منه للتدخل في تغيير مسار ~~الطبيعة سواء كان هذا بقصد منه أو عن غير قصد. # أما مصطلح البيئة الطبيعية # Natural Environment ~~، ~~فيدل على «ظروف المكان الذي يعيش فيه الكائن الحي بكل ما فيه من عناصر أو مكونات طبيعية ~~يتأثر بها ويؤثر فيها.» وتصف البيئة الطبيعية تلك الخصائص الطبيعية (مثل المناخ أو ~~الجيولوجيا وغيرها من عناصر البيئة الطبيعية) التي هي ليست من صنع الإنسان ولا يستطيع ~~تغييرها، بينما تشتمل البيئة الجغرافية على البيئة الطبيعية بجانب أي تغيير أو تعديل ~~قام به البشر على هذه البيئة (مثل التصنيع أو تحويل المناطق الريفية إلى مناطق حضارية) ~~أما علم الأيكولوجيا # Ecology ~~، فهو العلم الذي يقوم على ~~«دراسة تفاعل الكائنات العضوية الحية مع بيئتها الطبيعية»، # 3 # أي أنه العلم الذي يدرس العلاقات بين عناصر الكائنات الحية وغير الحية. وقد ~~أكدت قضية التوازن الأيكولوجي منذ الستينيات أن الناس يجب أن تعيش في حدود الموارد ~~البيئية المحدودة، وليس ثمة شك أن المحافظة على البيئة هو الموضوع الأساسي الذي يهتم به ~~علم الأيكولوجيا، ويحذر مما تتعرض له مناطق واسعة من البيئة الطبيعية من سوء الاستخدام ~~والإسراف. # هناك أيضا مصطلحات بيئية خاصة مع تطور علم الأيكولوجيا الحديث، ولكن هذا البحث يقتصر ~~على هذه المصطلحات الثلاثة فقط؛ لأنها - في رأينا - تعبر عن المراحل التاريخية للعلاقة ~~بين الإنسان والبيئة الطبيعية، حيث يعبر المصطلح الأول (أي الطبيعة) عن الرؤية الفلسفية ~~التي تطورت من خلالها علاقة الإنسان بالمحيط البيئي حوله. فقد كان مصطلح الطبيعة هو ~~المفهوم الأساسي الذي يعبر عن نظرة الإنسان للعالم طوال تاريخ الفلسفة، في حين أن مفهوم ~~البيئة الطبيعية بالمعنى المعاصر لم يكن من مصطلحات الفلاسفة لا في العصر اليوناني ولا ~~حتى في العصور الحديثة. والواقع أن المصطلح «البيئة الطبيعة» وهو المصطلح الثاني إنما ~~يعبر عن بداية أزمة الإنسان مع بيئته الطبيعية، تلك الأزمة التي بدأت بوادرها في أواخر ~~القرن التاسع عشر مع ms211 تطور التقدم العلمي والتقني. ثم ظهر مصطلح الأيكولوجيا، وهو ~~المصطلح الثالث والأخير، في الآونة الأخيرة بعد أن استفحلت أزمة الإنسان مع البيئة. ~~فجاء علم الأيكولوجيا كأحد وسائل الإنقاذ من الأزمة. ومما لا شك فيه أن أزمة الإنسان مع ~~بيئته الطبيعية لها جانب علمي وتكنولوجي، وتتداخل فيها عناصر كثيرة وتعالجها مجالات ~~مختلفة تخرج عن نطاق هذا البحث، وتدخل في دوائر متخصصة وبعيدة عن المجال الفلسفي الذي ~~سيقتصر البحث عليه. ~~(1) رؤية تاريخية تقييمية للعلاقة بين الإنسان والطبيعة # العلاقة التاريخية بين الإنسان والطبيعة في تاريخ الفكر الفلسفي علاقة قديمة قدم ~~الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط، وإن كانت جذورها تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك التاريخ في ~~الفلسفات الشرقية القديمة، ولكننا سنصرف النظر عن هذه الأخيرة، ليس لعدم أهميتها، بل ~~لجدارتها بأن يفرد لها بحث أو بحوث أخرى مستقلة. كما سنقتصر في هذا الجزء التاريخي على ~~أهم المحطات الرئيسية التي تلقي الضوء على تحولات الموقف الفلسفي من الطبيعة، وهي التي ~~بدأت بسؤال الفلاسفة الأيونيين (أو الطبيعيين) عن ماهية الطبيعة، وكأن السؤال كان يتطلب ~~البحث عن المادة الأولى التي يتكون منها العالم الطبيعي، فقال طاليس بالماء، وحددها ~~انكسيمينيس بالهواء، وردها أنكسيماندر إلى «الأبيرون» الذي يفتقد إلى كل تحدد أو ~~تعين، ثم تحول السؤال عند الفيثاغوريين فلم يعد بحثا عن ماهية الطبيعة، بل عن بنائها ~~ووجودها في الشكل الهندسي لتصبح مادة العالم قادرة على استقبال الأشكال ~~الرياضية. # أما عالم الطبيعة عند أفلاطون فهو عالم ناقص بالضرورة؛ لأن الزمان يسري عليه، فهو غير ~~ثابت، كما أنه نتاج الخلق الديني أو بالأحرى الصنع الإلهي؛ إذ تم إيجاده وفقا لنماذج ~~الأشكال الأبدية الثابتة. والألوهية لا تحول بين أي شيء وبين أن يوجد؛ لأن كل شيء تتجلى ~~فيه قدرتها العظيمة على الإبداع، وقد كانت هذه أول فكرة تقرر أن الطبيعة سلسلة كبرى من ~~الموجودات المتفاوتة في ترتيبها على سلم الوجود، وهو ما وضحه أرسطو بفكرته عن المحرك ~~الأول الذي لا يتحرك والذي هو العلة الغائية الأخيرة للطبيعة. باختصار كانت نظرة ms212 فلاسفة ~~اليونان إلى الطبيعة تتسم بالحيوية والعضوية، كما تنطوي على مفهوم الكون المنظم العاقل؛ ~~إذ «اعتقد المفكرون اليونانيون أن وجود العقل في الطبيعة هو مصدر الانتظام القائم في ~~العالم الطبيعي أو مبدأ اتساقه.» # 4 # والنتيجة التي نستخلصها من هذا العرض الشديد الإيجاز أن الكون الذي يتصف ~~بالانسجام والاتساق وله عقل يسيره ويضفي عليه مثل هذا النظام لا بد أن تكون له قيمة ~~باطنة فيه، ولم يستمدها من شيء آخر سوى العقل الباطن في الطبيعة. # اختفت النظرة العضوية والحيوية من عالم الطبيعة بدءا من العصر الوسيط بسبب سيادة ~~التصور الديني وفكرة الخلق من العدم. لم يعد عقل الطبيعة هو الذي يسيرها، بل العقل ~~الإلهي الذي أخرج العالم من ظلام العدم إلى نور الوجود، مما جعل الطبيعة بل الكون ~~بأكمله مرهونا بالإرادة الإلهية. لقد رأت مشيئة الله - التي هي خيرة في ذاتها - أنه من ~~الأفضل أن يخلق العالم من أن يظل عدما، فكانت هذه هي فلسفة الطبيعة التي سادت العصور ~~الوسطى وتبناها المفكرون المسيحيون أمثال أوغسطين وتوما الأكويني، ثم جاء فكر عصر ~~النهضة ليؤكد المفهوم المسيحي لخلق العالم، وليرسم صورة للطبيعة باعتبارها آلة لا عقل ~~فيها. و«اعتمد العلم الطبيعي لعصر النهضة على تشبيه الطبيعة بوصفها شيئا من صنع ~~الإرادة الإلهية، بالآلات التي تعد من صنع الإنسان.» # 5 # وهكذا بدأ تجريد الطبيعة من سحرها ومن مغزاها الإنساني شيئا فشيئا إلى أن ~~تفككت العلاقة بين الإنسان والطبيعة مع بدايات الفلسفة الحديثة ونشأة العلم ~~الحديث. # اتسعت الفجوة بين الإنسان والطبيعة بشكل لا تخطئه عين مع الثنائية التي اتسم بها ~~الفكر الديكارتي وطبعت العصر الحديث - والعصور التالية له - بطابعها عندما وضع الذات في ~~مقابل عالم الأشياء، وبذلك عزل الإنسان عن الطبيعة عزلا تاما، وسار كل منهما في ~~طريق مواز للآخر دون أن يلتقيا. وعلى الرغم من أنه حفظ للطبيعة استقلالها، إلا أنه ~~جردها من طابعها السحري وقوتها الذاتية، وقدم نظرية للمعرفة قوامها العقل وغايتها «أن ~~نجعل أنفسنا سادة ومسخرين للطبيعة.» # 6 # وبذلك أكد ديكارت صيحة بيكون ms213 - المبشر بالمنهج التجريبي في العصر الحديث - ~~الذي نادى بأن المعرفة قوة يجب إخضاعها لمنفعة الإنسان وفائدته، ودعا إلى استخدام ~~الملاحظة والتجربة لمعرفة قوانين الطبيعة من أجل السيطرة عليها، وممارسة السلطة على ~~الأشياء والسيادة على العالم لتحقيق سعادة البشرية. # هكذا صاغ ديكارت في مستهل العصر الحديث نموذجا معرفيا عقليا تزامن مع نشأة العلم ~~الحديث، وتأسيس مناهج دقيقة للسيطرة العلمية على الطبيعة بفضل جاليليو وكبلر وغيرهما ~~لإقامة علم طبيعي رياضي، ثم جاء إسحاق نيوتن الذي كان له الفضل في تفسير قوانين كبلر، ~~ووضع أهم كتبه «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» عام 1687م الذي تعود أهميته في تاريخ ~~الفلسفة إلى أنه كان بداية انفصال العلم الطبيعي عن دائرة العلوم الفلسفية على عكس ما ~~يوحي به العنوان. وانحصرت فلسفة الطبيعة منذ ذلك التاريخ في فرعين من فروع الدراسات ~~الفلسفية: أحدهما فلسفة العلم الذي قصر اهتمامه على دراسة المناهج والمفاهيم والنظريات ~~العلمية، والآخر علم الجمال الذي اختزل الطبيعة في إطار التجربة الفنية والجمالية، دون ~~أن يركز أي منهما على مفهوم الطبيعة ذاته. بينما تحولت علوم أخرى مثل السياسة ~~والأخلاق والاجتماع إلى الاهتمام بدراسة البيئة الاجتماعية دونما اهتمام بالبيئة ~~الطبيعية. # أما على مستوى العلم الطبيعي الذي تطور بصورة هائلة في خط مستقيم بدءا من الثنائية ~~الديكارتية - التي أعلت من شأن العقل - فقد كان هذا إيذانا باختفاء المفاهيم الكيفية ~~للطبيعة التي طالما تغنى بها جوردانو برونو، وبداية اتفاق غير معلن على أن ما يمكن ~~التعرف عليه هو ما ينتج رياضيا فحسب، وأن ما يفهم بشكل آلي هو فقط المفهوم عليا، ~~وحجبت القوانين الآلية للعلم الطبيعي والميكانيكا الكلاسيكية في القرن الثامن عشر ~~العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة، وأصبح العقل الإنساني نفسه هو المشرع لقوانين ~~الطبيعة عند كانط، وارتبطت النزعة الآلية الطبيعية ارتباطا وثيقا بالتقنية، ولكن هذه ~~الآلية زادت الطبيعة فقرا، فقد وقف العلم «عاجزا عن تفسير الطبيعة بمصطلحات العلل الغائية.» # 7 # وصار العلم والتقنية اللذان تطورا منذ بدايات العصر الحديث والثورة ~~الصناعية «غريبين غربة تامة عن خصائص الطبيعة، وعن ms214 معناها الحقيقي، كما أن الفكر ~~الحسابي الذي يتجه إلى تكميم كل شيء قد حجر وشيأ كل شيء لمسته يداه»، # 8 # ومما لا شك فيه أنه قد تم منذ عصر التنوير تجريد الطبيعة من سحرها وبلغت ~~ذروة هذا الجريد في عصرنا الحاضر. # ثبت عصر التنوير فكرة أساسية مفادها أن الإنسان هو محور الكون، وهي الفكرة التي ورثها ~~من العصر المسيحي الوسيط، وعلى الرغم من أن عصر التنوير قد ثار على الفكر الديني، وحاول ~~أن يتحرر من أسره، إلا أنه استبقى الفكرة التي تقر بأن للإنسان وضعا خاصا بين ~~المخلوقات الأخرى في الطبيعة. لقد رسخت الديانة المسيحية في الأذهان أن الله خلق البشر ~~على صورته ليكونوا حالة خاصة بين الكائنات الأخرى غير الشبيهة بالله. وأكدت الديانة ~~الإسلامية أيضا هذا التميز للإنسان على سائر المخلوقات الأخرى في قوله تعالى: # ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ~~ممن خلقنا تفضيلا ~~. # 9 # وورث عصر التنوير هذه الفكرة لا ليؤكد جانبها الديني، وإنما للتدليل على ~~تميز الإنسان وتفوقه العقلي على سائر الكائنات. ولعل عبارة كانط التالية تلخص فكر ~~التنوير بأكمله. «أن الإنسان هو الكائن الوحيد على الأرض الذي يملك العقل أو الفهم، وهو ~~على يقين سيد الطبيعة بلا نزاع، وإذا نظرنا إلى الطبيعة باعتبارها نسقا غائيا ~~متكاملا، فقد ولد الإنسان ليكون الغاية النهائية لها.» # 10 # وهذا النص يؤكد ارتباط ثلاثة عوامل أساسية رسخت المركزية البشرية ألا وهي ~~العقل، والسيادة أو السيطرة، والغائية. فقد استطاع الإنسان بفضل العقل أن يسيطر على ~~الطبيعة ليصبح هو محور الكون وغايته، أو محور الدائرة ومركزها. وكانت هذه أيضا هي ~~الفكرة التي أكدها فرويد في معرض كلامه عن التسامي بالعدوان البشري بالتوجه ناحية ~~المجال الحيوي، وبعيدا عن البشر الآخرين، فلكي «يصبح الإنسان عضوا في المجتمع البشري، ~~عليه أن يتوجه - بمساعدة التقنية المسترشدة بالعلم - لمهاجمة الطبيعة وإخضاعها للإرادة البشرية.» # 11 # إن فكرة استخدام القوة العقلية للعلم لقهر الطبيعة وغزوها بالحرب أو الإخضاع - كما ~~ترى ماري ميدجلي ms215 - ظلت فكرة عادية تماما عند العديد من المفكرين، على الأقل في كل من ~~العالمين الرأسمالي والشيوعي، ولعل النص الذي أوردته يؤكد هذا الرأي: «يسهل التنبؤ بأنه ~~في المستقبل، عندما يبلغ العلم والتقنية الكمال الذي لا يمكن تخيله، ستصبح الطبيعة ~~كالشمع الطيع في يد الإنسان، حيث سيكون قادرا على أن ينطلق في أي شكل يختار»، # 12 # وليست الإنجازات العلمية والتقنية هي وحدها التي ساعدت على السيطرة على ~~الطبيعة، وإنما التقدم في الدراسات التاريخية، التي مجدت الإنسان باعتباره صانع التاريخ ~~ومحقق الإنجازات البشرية، قد ساعد أيضا على اتساع الفجوة بين الإنسان والطبيعة. ولعل ~~كل هذه المظاهر أو السمات المعبرة عن المركزية الإنسانية هي وليدة فلسفات الذات ~~والنموذج المعرفي الذي وضعه ديكارت - كما سبق القول - وجعل الذات في مقابل عالم ~~الأشياء، بحيث انتهى هذا النموذج العقلي بعد سلسلة طويلة من التطورات إلى عقلانية ~~أداتية، وإلى نوع من التقنية المدمرة التي قال عنها هيدجر في مقاله الشهير عن التقنية ~~«إن التقنية أو الصنعة هي الفاعلية العنيفة للمعرفة»، ولقد أدت التقنية طبقا لهذا ~~النموذج إلى غزو وحشي للواقع، وأصبحت الذات «متجردة من كل دور أخلاقي وسياسي وجمالي؛ ~~لأن دورها مقصور على الملاحظة «المحضة» والقياس والحساب المحض»، # 13 # كنتيجة طبيعية لسيادة النظر إلى الطبيعة نظرة كمية مكنت من السيطرة عليها. ~~ومع أننا بطبيعة الحال لا نرفض هذا الجانب الكمي الذي ساعد على تقدم العلوم الطبيعية ~~تقدما هائلا، إلا أن من الضروري ألا يغيب عن بالنا أنه جانب واحد فقط من جوانب ~~الواقع، ولا يستوعب كل جوانبه. # هكذا «ازداد الاعتراف بعظمة الإنسان، لا بمعنى قدرته على الإحساس بالوعي الذاتي، ولكن ~~بوجه خاص لما عنده من قدرة عقلانية وقدرة على السيطرة على الطبيعة» # 14 # إلى الحد الذي أفضى إلى تدمير البيئة الطبيعية وخلق مشكلات بيئية ناجمة عن ~~سوء استغلال الإنسان للطبيعة ومواردها. وإذا بالتقنية - التي كانت تهدف في البداية إلى ~~سعادة الإنسان ورفاهيته - تتحول إلى عامل مدمر يهدد حياة الإنسان وبقاءه. وإذا بالتقدم ~~العلمي نفسه يلقي بشكوكه حول ms216 طريقة التفكير نفسها، كما أن وجهات النظر العلمية التي ~~كانت تؤكد النزعة المركزية الإنسانية أصبحت هي نفسها موضع شك، كما أصبحت فكرة الغاية ~~النهائية للكون غريبة على العلم الحديث شأنها في هذا شأن الفكرة الأخرى التي تثبت ~~الإنسان في مركز الكون. ومن مفارقات العلم أن تأتي العلوم الحديثة لتحذرنا وتثبت خطأ ~~المركزية الإنسانية التي تزعم أن الإنسان هو الهدف الأول من خلق العالم؛ فعلم الفلك ~~يثبت أن الكون ليس له مركز فيزيقي وليس هناك ما نطلق عليه فوق أو تحت، وإنما هناك كون ~~أشبه بالمسرح العظيم الاتساع في مكان وزمان لا متناهيين تتحرك فيه الكائنات البشرية ~~بشكل غير مدرك بالحس مثل الحشرات والبكتريا على أحسن تقدير. # ويعلمنا علم الأحياء أن الكائنات البشرية من بين الكائنات الحية التي ظهرت على مسرح ~~الكون، ولكن ظهورها كان متأخرا، وربما تكون قد وصلت إلى خشبة المسرح بالمصادفة البحتة، ~~بمعنى أنه ربما لم يكن الإنسان - كما يفهم من بعض العلوم الحديثة - هو الغاية النهائية ~~للطبيعة أو تاج الخليقة كما هو مأثور في التراث الديني وفلسفة العصر الوسيط، ولم تكن ~~هذه الكائنات البشرية أبدا على صورة الله كما تقول المسيحية. ثم يضيف علم الجغرافيا أن ~~القارات التي اعتدنا التفكير فيها على أنها ثابتة وراسخة في مسرح الكون إنما هي متحركة. ~~وفي الآونة الأخيرة يأتي علم الأيكولوجيا ليخبرنا أننا لا نشكل الشمع في أمان كما تفعل ~~الطبيعة ليلبي احتياجاتنا، ومن المرجح ألا نتمكن من ذلك أبدا، بل على العكس من ذلك ~~فإننا دائبون على تحطيم فروع الشجرة التي نجلس عليها، ولن نتوقف عن هذا إلا إذا استجبنا ~~للمبادئ الداخلية التي تحكم الطبيعة بدلا من محاولة تدميرها بأدوات ابتكرناها بأنفسنا. ~~والمفارقة التي قد تبدو كوميدية أو تراجيدية - حسبما تنظر إليها - هي أن العلم الذي ~~طالما بدا لؤلؤة أو جوهرة متألقة في تاج سيد الطبيعة بلا نزاع، قد انقلب إلى فأس يضرب ~~الأرض تحت عرشه ويهدمها. # 15 # هذه المفارقة العلمية وضعت الإنسان في مأزق، وولدت مشاعر متضادة بين شعوره ms217 المتضخم ~~بأهميته الهائلة على مسرح الحياة من ناحية، وضآلته وتفاهته في الكون من ناحية أخرى، كما ~~أحدثت فجوة عميقة بين نزعة إنسانية ركز أصحابها كل جهودهم لجعل الإنسان هو كل شيء بزعم ~~أهمية النوع البشري وتبوئه مركزا أساسيا بين المخلوقات الأرضية، وبين علوم ودراسات ~~حديثة لا ترى الكائنات البشرية سوى دمى مرتعشة أو أسراب نمل أو بكتريا ظهرت صدفة أو ~~اتفاقا على خشبة المسرح الكوني. وربما لن يستطيع الإنسان سد هذه الفجوة في الحالين. ~~إذا أصر من ناحية على أن يكون كل شيء، أو إذا استسلم من ناحية أخرى لنتائج العلوم ~~الحديثة، فأصبح لا شيء. فكيف الخروج من هذا المأزق. # لن يكون الخروج من هذا المأزق إلا إذا تحرر الإنسان من الفكر الذي أفضى به إلى هذا ~~التضاد، وتبنى فكرا جديدا يضع الإنسان في حجمه الصحيح، وينظر إلى الطبيعة بوصفها ~~ذاتا مستقلة، لا مجرد وسيلة لإشباع رغباتنا وتلبية احتياجاتنا. ومعنى هذا أنه لن يكون ~~لنا خلاص من هذا المأزق إلا برؤية راشدة جديدة للعالم، بمعنى آخر هناك حاجة ملحة لإيجاد ~~نموذج معرفي جديد يمكن أن يهتدي بالنموذج المصاحب للثورة العلمية عند توماس كون، الذي ~~يؤكد أن كل ثورة علمية لا بد أن يصاحبها نموذج إرشادي Paradigm # مغاير للمعرفة العلمية السابقة على هذه ~~الثورة. وعلى الرغم من أن كون قد استخدم مصطلح النموذج الإرشادي بمعان عديدة ومختلفة، ~~إلا أنه أكد على المعنى السوسيولوجي للمصطلح، وهو أنه: «يعبر عن جماع المعتقدات والقيم ~~المتعارف عليها والتقنيات المشتركة بين أعضاء مجتمع بذاته.» # 16 # مما يتيح للجماعة العلمية الملتزمة بهذه النماذج الإرشادية حل بعض المشكلات ~~التي تواجه المجتمع العلمي. ذلك أنه «عندما تتغير النماذج الإرشادية يتغير معها العالم ~~ذاته ... إن التحولات التي طرأت على النماذج الإرشادية تجعل العلماء بالفعل يرون العالم ~~الخاص بموضوع بحثهم في صورة مغايرة. وطالما أن تعاملهم مع هذا العالم لا يكون إلا من ~~خلال ما يرونه ويفعلونه، فقد تحدونا رغبة في القول بأنه عقب حدوث ثورة علمية يجد ~~العلماء أنفسهم يستجيبون ms218 لعالم مغاير.» # 17 # إن المجتمع الذي يقصده كون هو المجتمع العلمي، وما يسري على العلم باعتباره ~~فرعا من فروع المعرفة، لا بد أن يسري بالضرورة على مجالات أو فروع المعرفة الأخرى، ~~وبهذا المعنى يمكن لنا أن نتلمس الطريق إلى نموذج معرفي جديد يساعدنا على تغيير جذري في ~~الوعي لإعادة تقييم موقفنا من الطبيعة. وإذا كان النموذج المعرفي السابق قد تمخض عن جعل ~~البشر الكائنات الوحيدة القادرة على التقييم، بمعنى أنه جعلهم يقيمون البيئة الطبيعية ~~تقييما أداتيا خالصا لتلبية مصالحهم الذاتية، فإن هذا النموذج قد وضع أسسا معرفية ~~كان لها أثر سلبي على البيئة الطبيعية، وجردها من أية قيمة خاصة بها، كما قطع العلاقة ~~الحميمة والمتوازنة التي كانت تربط الإنسان بالطبيعة في العصور الماضية. ~~(2) نموذج معرفي جديد للخروج من أزمة الإنسان مع بيئته # ليس هدفنا من الكلام السابق أن يجرنا إلى الحديث عن ذاتية القيم أو موضوعيتها، فهذا ~~أمر لم يحسمه التاريخ الطويل لعلم الجمال، وإنما نريد أن نؤكد النقطة الهامة في هذا ~~الموضوع، وهي أن الإنسان هو الكائن الذي باستطاعته إدراك قيمة الأشياء بصرف النظر عما ~~إذا كانت هذه القيمة نابعة من الذات المدركة (أي الإنسان) أو من الشيء المدرك (أي ~~البيئة الطبيعية). وإذا صح أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا بلا قيمة، فمن الصحيح أيضا أن ~~الأشياء الطبيعية لا يمكن أن تحيا بدون أن يكون لها قيمة في ذاتها. بمعنى آخر إذا كان ~~الكائن البشري له قيمة، وهو جزء من إبداعات هذه الأرض، فإن الأرض بكل ما فيها وما عليها ~~ينطق بالقيمة. وإذا لم يكن هذا صحيحا، فكيف يثمر ما هو عديم القيمة (الأرض) كائنا ~~(كالإنسان) له قيمة في ذاته، بل وله القدرة على التقييم. وما دمنا نعيب على النموذج ~~المعرفي السابق أنه أدى في نهاية الأمر إلى إخضاع البيئة الطبيعية وقهرها بالعلم، ~~ونطالب بنموذج آخر جديد ينصت إلى صوت الطبيعة، ويعيد الاعتبار لقوانينها ونواميسها ~~الداخلية، فلا بد أن يتخذ هذا النموذج موقفا أكثر إنصافا من البيئة الطبيعية، وأعمق ms219 ~~إيمانا بأن لها قيمة كامنة فيها وليست متوقفة على الإدراك كما يقول باركلي على سبيل ~~المثال. # وربما يكون هذا الموقف الجديد قد عبر عنه أصدق تعبير عنوان كتاب بول تيلور Paul W. Taylor ~~«احترام الطبيعة» الذي يؤكد أنه ~~الموقف الوحيد الملائم لنظرة الإنسان إلى الطبيعة. فإذا كان النموذج السابق ينطلق من ~~الاعتقاد في «النزعة المركزية الإنسانية»، فلا بد أن يأتي النموذج الجديد باعتقاد مختلف ~~يقوم على «النظرة الحيوية إلى الطبيعة» التي ترتكز على احترام البيئة الطبيعية باعتباره ~~«الموقف الأخلاقي الأساسي». هذه النظرة الحيوية المركزية إلى البيئة الطبيعية - من ~~كونها رصيد البشرية وميراثها الذي ينبغي صيانته - هي التي تفسر وتبرر اتخاذ الإنسان ~~لذلك الموقف الأخلاقي الذي ينعكس إيجابا عليه. ويثير هذا الموقف قضية هامة، وهي ~~مسئولية الإنسان الأخلاقية تجاه البيئة الطبيعية، وضرورة أن يأتي النموذج المعرفي ~~الجديد متضمنا نزعة أخلاقية متمركزة من حول البيئة الطبيعية في مقابل النزعة الأخلاقية ~~السابقة المتمركزة من حول الإنسان، لإيجاد نوع من التناغم والانسجام بين الأخلاق ~~البيئية (أي المتعلقة بتقييم القدرات البيئية وإمكاناتها) والأخلاق الإنسانية التي ~~ينبغي أن تقنن بيئيا. # وبطبيعة الحال، فإن الحديث عن الأخلاق البيئية يفترض بشكل مسبق أن للطبيعة أو للمحيط ~~البيئي بصفة عامة قيمة باطنة، من هنا يتبين لنا أن مشكلة النموذج المعرفي الجديد تعبر ~~عن أزمة قيم، وأن بقاء البيئة الطبيعية وقدراتها على العطاء المتواصل مرتبط بتغير ~~قيمنا تجاه البيئة من ناحية، والاعتراف من ناحية أخرى بأن للبيئة الطبيعية أيضا قيمة ~~باطنة مستقلة عن العقل الذي يقيمها. وقد تبدو هذه نظرة رومانسية إلى الطبيعة باعتبارها ~~ذاتا أو آخر، خاصة وأن هناك من ينكر أن يكون للبيئة الطبيعية قيمة خارج العقل. فها ~~هو وليم جيمس يعلن في بداية القرن العشرين: «أن العالم بدون عقل المدرك ليس فيه جزء ~~واحد يفوق في أهميته أي جزء آخر. وبدون عقل المدرك يبدو كل شيء سلبا ومواتا. وأيا ~~كانت القيمة التي تبدو مشحونة بها عوالمنا، فما هي في الواقع إلا هدايا خالصة أضفاها ~~عليها المدرك.» # 18 ms220 # ثم هناك أيضا في نهاية القرن العشرين من يعتقدون «أن علماء الأخلاق ~~المهتمين بشئون البيئة قد ضلوا طريقهم بالبحث عن القيمة في الكائنات الحية مستقلة عن ~~التقييم البشري، فقد أغفل هؤلاء الفكرة الأساسية في عملية تقييم أي شيء وهي حدوثها من ~~وجهة نظر الشخص الذي يقوم بالتقييم، وأن البشر وحدهم هم الذي يخلعون القيمة على الأشياء.» # 19 # والحقيقة أن المشكلة ليست في النظرة الرومانسية إلى الطبيعة، ولا في النظرة ~~الذاتية التي تجعل الإنسان مصدرا للقيمة؛ لأن كليهما سيجعل الإشكالية محصورة في دائرة ~~محورها الإنسان. ولهذا يتعين علينا الآن أن نوضح أن القيمة كامنة في البيئة الطبيعية ~~نفسها، وفي الكائنات الطبيعية ذاتها. # وقبل أن نتطرق للحديث عن هذا الجانب المتعلق بالقيم، فمن الضروري أن نؤكد أنه لا خلاف ~~حول أهمية القيمة الموضوعية للعالم الطبيعي؛ لأن معرفة العالم معرفة موضوعية تساعدنا ~~على اكتشاف ما فيه من قيم وإبداعات خلاقة، وبدون دراسة هذا الإبداع أو الجوانب الخلاقة ~~في البيئة، سنصبح كمن يطلق قيما على عالم لم نعرف قيمته معرفة كافية. ولكيلا نضفي ~~على العالم قيما ذاتية أو قيما تمليها الصدفة، لا بد أن نعرف العالم نفسه معرفة ~~موضوعية. وتبدأ معرفتنا بالعالم الطبيعي من خلال عمليتين أساسيتين: الأولى هي تطور ~~الكائنات ومحافظتها على نفسها، وهي العملية التي تنم عن قيمة إبداعية، والثانية هي ~~إدراك البشر لتلك القيم الموضوعية للطبيعة، والوعي بأن من يدركون هذه القيم هم أنفسهم ~~جزء من نماذج الأرض المبدعة وثمرة نتاجها الطبيعي. # يؤكد القيمة الباطنة في البيئة الطبيعية ثلاث فرضيات أساسية: (1) فرضية نفي الغائية. ~~(2) فرضية الاستقلال. (3) فرضية اللاتناسق. تقر الفرضية الأولى «أن الأرض (الطبيعة) لم ~~تأت للوجود وتستمر فيه من أجل خدمة الأغراض البشرية، وبهذا المعنى ليس هناك غائية.» # 20 # وعلى الرغم من أن هناك جوانب في البيئة الطبيعية تمثل قيمة أداتية للجنس ~~البشري مثل الطعام والملبس والمأوى، كما أن هناك جوانب أخرى من البيئة الطبيعية تمثل ~~قيمة أداتية أيضا للكائنات غير البشرية «النباتات يمكن أن تستفيد من الطبيعة غير الحية ms221 ~~لتدعيم كمالها الوظيفي، وبهذا المعنى يكون ثاني أكسيد الكربون، والماء والحرارة والضوء ~~المستمد من الشمس ... إلخ ذات قيمة أداتية بالنسبة للنبات.» # 21 # كما يحدث أيضا نفس الشيء بالنسبة للحشرات التي تمثل أوراق النبات بالنسبة ~~لها قيمة أداتية. فهل يعني هذا أن البيئة الطبيعية غير الحية وجدت من أجل تحقيق هذه ~~الأغراض؟ لا شك في أنه سيكون من الخطأ القول إن الطبيعة وجدت أو ظهرت إلى الوجود من أجل ~~تحقيق قيمة نفعية أو أداتية للحياة البشرية أو غير البشرية. # وتعبر فرضية الاستقلال عن القيمة الباطنة في البيئة الطبيعية من خلال بعض الخصائص ~~الطبيعية التي يؤكدها تاريخ التطور الطبيعي الطويل ومنها: (1) أن الأرض نشأت مستقلة ~~تماما عن البشر، وسابقة على وجودهم بما لا نهاية له من الدهور، بينما لم تظهر الحياة ~~البشرية على مسرح الطبيعة إلا منذ ما يقرب من مائة ألف سنة. (2) يمكن للنوع البشري أن ~~يفنى لسبب أو آخر، بينما تبقى الأرض ومجالها الحيوي وتمتلئ بأنواع أخرى جديدة من الوجود ~~(أو الموجودات). (3) قدرة المجال الحيوي على أداء وظيفته بشكل كامل وسليم بغير عون أو ~~مساعدة من البشر. # 22 # ويترتب على هذا أن نشأة البيئة الطبيعية واستمرارها في الوجود لا يعتمد على ~~الوجود البشري، وأن كمال وسلامة أدائها الوظيفي مستقل تماما عن الإنسان، بل إن هذا ~~الأخير قد عرض تلك السلامة للتدمير عندما شرع في التدخل في البيئة الطبيعية دون مراعاة ~~نواميسها وقوانينها الداخلية، ويعني هذا أن الأرض ومجالها الحيوي لهما القدرة على ~~الوجود والاستمرار، وأداء وظيفتهما بدون الاعتماد على البشر. # أما الفرضية الثالثة والأخيرة فهي التي تقر بأنه «ليس هناك تناسق في الارتباط العلي ~~بين البشر والطبيعة، فبينما يعتمد البشر على الطبيعة، بحيث لا يمكنهم أن يحيوا بمنأى ~~عنها، فإن وجود الطبيعة وسلامة وظيفتها مستقلان عن الوجود البشري.» # 23 # ولدينا أيضا في الفكر العربي ما يؤكد هذه الفرضية بشكل غير مباشر في تعريف ~~ابن سينا للطبيعة: «الطبيعة هي المبدأ الفعلي أو الانفعالي الأول الدائم لحركة الجسم ~~وسكوناته، من حيث إن ms222 الموجودات تتحرك وتسكن على نسق واحد، فتدل على أن فيها علة الحركة ~~والسكون، وعلة اطرادهما، فالفعل الباطن واطراده (القانون) علامتان على الطبيعة.» # 24 # وربما يدل هذا التعريف على القيمة الباطنة في الطبيعة باعتبار أنها علة ~~ذاتها، وتعتمد اعتمادا ذاتيا لبلوغ كمالها الوظيفي. بهذا المعنى فإن البيئة الطبيعية ~~غير الحية توجد من أجل ذاتها، وليس من أجل الإنسان وخدمة أغراضه، تماما كما وجد ~~الإنسان من أجل ذاته، وليس من أجل الطبيعة، وإذا اعترفنا بأن للإنسان قيمة في ذاته؛ ~~لأنه مخلوق لذاته، فلا بد أن نمنح البيئة الطبيعية نفس الحق ونعترف بأن لها قيمة كامنة ~~في باطنها ما دامت قد وجدت لذاتها، ولا ينفي هذا ولا يقلل منه أن يجد فيها الإنسان ~~منفعة له، ويكتشف فيها قيمة أداتية تحقق أغراضه. # ويؤدي الإيمان بالقيمة الباطنة في الطبيعة - من الناحية الفلسفية - إلى فكرة مفادها ~~وضع الذات الطبيعية في مقابل الذات الإنسانية، وقد تبدو هذه الفكرة متشابهة مع النموذج ~~المعرفي المتوارث من ديكارت، والذي وضع الذات في مقابل عالم الأشياء. وهو النموذج الذي ~~نطالب بتغييره الآن، ولكن لا بد من التذكير بأن النموذج المعرفي الديكارتي إذا كان قد ~~اعترف للعالم الطبيعي بوجوده المستقل عن عالم الذات، فهو لم يفعل هذا إلا لإثبات التفوق ~~العقلي للإنسان والبرهنة على قدرة العقل على السيطرة على العالم الطبيعي - كما ورد في ~~بداية هذا البحث - وهي الرؤية الفلسفية التي استمرت حتى هيجل عندما رفض الحركة الداخلية ~~للطبيعة، ومنح للإنسان القدرة على التحكم في قوانينها عن طريق الدهاء، بحيث يحيل ~~أعمالها العمياء إلى أعمال هادفة بعكس ما كانت تريده الطبيعة نفسها. ولا شك أن هذه ~~الرؤية تعبر عن فلسفة الأنا والسيطرة المطلقة، وتسخير كل شيء للأنا البشرية. بينما تشكل ~~فكرة ذات الطبيعة هنا موقفا مختلفا من الطبيعة، ليس نابعا من السيطرة أو الهيمنة ~~عليها. بل إن النظر إلى الطبيعة بوصفها ذاتا يمكن أن يكون منطلقا لرؤية ثورية جديدة ~~للعالم تستمد غذاءها من تراث صوفي طويل، وتحدوها الرغبة والشوق لإعادة السحر إلى ms223 ~~العالم (كما في التراث الشرقي القديم الذي يتميز بانسجام الإنسان وتناغمه مع الطبيعة)، ~~وربما تستند هذه الرؤية أيضا إلى تراث رومانسي لا ينتقص من شأنها، فعندما فقد الإنسان ~~رومانسيته فقد معها توازنه مع البيئة الطبيعية من حوله، وتحولت علاقة الانسجام مع ~~الطبيعة إلى نوع من التعالي عليها. إن فكرة ذات الطبيعة تولد لدى الذات الإنسانية ~~الشعور بالآخر، أي أن الطبيعة هي «الآخر» المختلف عنها. و«فكرة أخرية الطبيعة # Otherness ~~، أي انفصالها وتميزها عن المخلوقات ~~البشرية أو عن المخلوقات التي تنتج الثقافة والتقنية، يؤكد فكرة القيمة الباطنة ~~الموجودة في الطبيعة، كما أن إحساسنا بآخرية الطبيعة هو الذي يثير فينا الاستجابة التي ~~تمكننا من إضفاء القيمة عليها.» # 25 # من الصحيح إذن أن للطبيعة قيمة باطنة في ذاتها، ومستقلة عن الإنسان، ومن ~~الصحيح أيضا أن البشر وحدهم هم القادرون على التقييم، ولكنهم لا يقيمون عالما بلا ~~قيم، بل إن البيئة الطبيعية تعرض عليهم بغير شك ما يستوجب التقييم. # إن فكرة النظر إلى الطبيعة باعتبار أنها «الآخر» تتطلب تجاوز النظرة الإنسانية الضيقة ~~التي تتمركز حول الإنسان وتضعه على قمة سلم الموجودات (أو التسلسل الهرمي للموجودات)، # 26 ~~«فآخرية» الطبيعة التي تحدثنا عنها هي الأساس الوطيد لما يكمن فيها من ~~قيمة باطنة. هذا بالإضافة إلى قيمتها الجمالية التي تدعم أيضا قيمتها الباطنة؛ ففي ~~الطبيعة خصائص (مثل التنوع والثبات، الجلال والجمال، الانسجام والرقة، الإبداع والتنظيم ~~... إلخ) نلمس فيها القيمة الجمالية للطبيعة، والتي تساعدنا على إدراكها، وربما تكون هذه ~~الخصائص ذاتها هي التي تساعدنا على إقناع الرافضين للقيمة الباطنة في الطبيعة، أي ~~إقناعهم بقيمتها الجمالية الإيجابية التي هي الأساس الوطيد لما يكمن فيها من قيمة ~~باطنة، ولعل أهم ما يميز القيمة الجمالية للطبيعة هي أنها تحققت بغير تصميم قصدي، وبدون ~~تدخل هادف، وتنبع قيمة الطبيعة من أنها تطورت تطورا طبيعيا بدون تدخل تكنولوجي. ~~ويكشف علم الأيكولوجيا عن هذا التطور والعمليات الطبيعية المختلفة التي تؤدي إلى ~~التنظيم الذي نلاحظه في الطبيعة، والذي هو أحد أسباب قيمتها الباطنة. # إن الإشكالية الحقيقية ms224 في علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية هي أن نقول إن البيئة ~~الطبيعية غير الحية يمكن أن يكون لها قيمة باطنة، وربما تقترب هذه الإشكالية من الحل ~~عند الإقرار أو الاعتراف بأن البيئة الطبيعية الحية وغير الحية متداخلان، فكل منهما ~~يتضمن الآخر بشكل لا مفر منه، فإذا ما اعترفنا بأن لأحدهما قيمة في ذاته ، فلا بد أن ~~ينسحب هذا الاعتراف - بطبيعة الحال - على الآخر، فكل ما حولنا له قيمة باطنة، ينطبق هذا ~~على الطبيعة الحية وغير الحية على السواء، ولعل هذا هو الذي جعل بول تيلور يميز بين ~~ثلاثة أنواع من القيمة. ~~(1) القيمة الباطنة # Intrinsic Value # وهي القيمة ~~الإيجابية التي يضفيها البشر على حدث أو تجربة ما من حيث إمكان الاستمتاع بها في ذاتها ~~ولذاتها. (2) القيمة الملازمة لشيء ما أو لمكان ما أو المتضمنة في طبيعة الشيء نفسه # Inherent Value ~~، والتي تجعلنا نعتقد أن هذا الشيء ~~أو هذا المكان ينبغي الحفاظ عليه لا بسبب قيمته النفعية أو التجارية، بل ببساطة لأنه ~~جميل في ذاته أو له أهمية تاريخية أو دلالة ثقافية أو حضارية. (3) الجدارة الكامنة في ~~الشيء # Inherent Worth ~~، وهي التي لا تنبع فحسب من قيم ~~يستمدها أو يضيفها عليه من يقوم بتقييمه، بل تقوم على حرية الشيء نفسه، ويكون هذا ~~الشيء أو الكائن خيرا إذا أمكن أن يوصف بالخير بغير إحالة إلى أي شيء آخر. ومعنى هذا ~~أن كون الشيء موجودا يعطي له الجدارة أو الخيرية، وأن أي كائن سواء كان نباتا أو ~~حيوانا، وباعتباره فردا هو في الحقيقة يمثل غائية الحياة. وعلى هذا فإن «كل الأشخاص ~~أو الكائنات الأخلاقية الذين لديهم وعي أخلاقي عليهم واجب أولي في تنمية الحفاظ على ~~خيرية الشيء، وتنميتها باعتبارها خيرا في ذاته.» # 27 # وقد استطاع بول تيلور وفقا للتحليل السابق لأنواع القيمة أن يحسم الصراع بين ما يمكن ~~أن نطلق عليه خير البشر، وخير ما هو غير بشري. فلكل شيء، حتى لو كان حزمة أعشاب - وفق ~~القيمة الثالثة من التحليل السابق - جدارة كامنة فيه، ويستحق ms225 الاعتبار الأخلاقي، وكل ~~إنسان يتخذ هذا الموقف الأخلاقي - وهو احترام الطبيعة - فإنما «يقر بمجموعة من المبادئ ~~المعيارية، ويلزم نفسه بالتقيد بقواعد السلوك الصحيح ومستويات الخلق الطيب التي تتسق مع ~~اتخاذ موقف الاحترام من الطبيعة.» # 28 # هكذا أصبح «الاحترام» هو الموقف الأخلاقي الجديد الذي ينبغي أن ينظر إليه ~~بعين الاعتبار عندما نكون بصدد تأسيس أخلاق بيئية، وذلك بعد أن أوهمنا التقدم العلمي ~~والتقني بأننا يمكن أن نتحكم في الطبيعة بالسيطرة عليها، مما جعل العلاقة بين الإنسان ~~والبيئة الطبيعية تتسم لفترة طويلة من الزمن بنوع من التكبر والغطرسة من قبل الطرف ~~الأول (الإنسان) تجاه الطرف الثاني (البيئة الطبيعية) بزعم المكانة المتميزة للنوع ~~البشري، ولكن التطور قد أثبت - كما رأينا - عدم شرعية هيراركية (تراتبية) الموجودات. ~~كما أن نشأة البيئة الطبيعية واستمرار وجودها وسلامة أدائها الوظيفي دون الاعتماد على ~~البشر - كما سبقت الإشارة - يجب أن يحول موقف الإنسان منها من التكبر والغطرسة إلى ~~التواضع والتهيب؛ لأنه في حضور الطبيعة «يجب أن تمتلئ نفوس البشر بالإجلال مع الهيبة ~~والدهشة، الدهشة من أن ما نشاهده هو إلى حد كبير نوع من الإعجاز، والتهيب ليس فقط ~~لأن الطبيعة معجزة، بل لأنها تملك قوة تفوقنا وعليها يعتمد وجودنا.» # 29 # فكيف يتكبر الإنسان، ويترفع على من لا يعتمد عليه في وجوده وبقائه! هذا ~~الشعور بالإجلال والاتضاع أمام البيئة الطبيعية هو الذي يملي علينا أن نسلك حيالها ~~السلوك الملائم، ألا وهو الاحترام. # ربما تصور البعض أن النظام الأخلاقي المتمركز حول البيئة يتضمن التزامات مختلفة عما ~~يتضمنه النظام الأخلاقي المتمركز حول الإنسان، بينما لا يوجد في حقيقة الأمر تعارض ~~أساسي كما رأينا في موقف تيلور المتمثل في إيمانه بضرورة تناسق أو انسجام الأخلاق ~~البيئية مع الأخلاق الإنسانية. ولعل هذا الموقف أن يكون مشابها إلى حد كبير للموقف ~~الأخلاقي الكانطي الذي طالما اتهم بأنه معاد للقيم الخاصة بالبيئة. وحجة القائلين ~~بذلك «إن كانط يعلي من قيمة الكائن الإنساني العاقل، بينما ينكر على الكائنات غير ~~العاقلة أي اعتبار أخلاقي.» # 30 # ولقد أثير هذا ms226 الاتهام بحجة أن كانط يقصر المواقف الأخلاقية على البشر ~~باعتبارهم الفاعلين الأخلاقيين أو القادرين على الفعل الأخلاقي مما يترتب عليه أن يقتصر ~~على الكائنات القادرة على أداء الواجب، وتستثنى منه الكائنات غير العاقلة. # ويحاول أحد الباحثين الرد على هذا الاتهام بقوله إن المهتمين بأخلاق البيئة لم ~~يتدبروا هذا الأمر بشكل كاف؛ لأنهم «فهموا من الواجبات المباشرة أنها متضايفة مع ~~الحقوق، ومن ثم يكون الاعتراض على الأخلاق الكانطية هو أنها تنفي عن الكائنات غير ~~العاقلة أي حقوق طالما أنها عاجزة عن القيام بأي واجبات.» # 31 # وحقيقة الأمر أن الاتهامات الموجهة إلى الأخلاق الكانطية المتمركزة حول ~~الإنسان أثارت تساؤلات هامة عن معنى الموقف أو الاعتبار الأخلاقي نفسه، فلم تركز ~~الأخلاق الكانطية على من يقع عليهم الفعل الأخلاقي في مقابل الفاعل الأخلاقي ~~العاقل. # ولكن هل يعني عدم وجود التزام أخلاقي نحو الكائنات غير العاقلة - مثل الحيوانات على ~~سبيل المثال - هل يعني هذا أن نؤذيها أو نظلمها؟ الواقع أن كانط لم يقصد ذلك على ~~الإطلاق؛ لأنه كما يقول في محاضراته في الأخلاق: «إن واجباتنا تجاه الحيوانات هي مجرد ~~واجبات غير مباشرة تجاه الإنسانية»، ثم يستطرد بذكر هذا المثال: «إذا ضرب رجل كلبا ~~بالرصاص، فإنه لم يخطئ في واجبه نحو الكلب؛ لأن الكلب لا يستطيع أن يحكم، ولكن فعله (أي ~~القتل) غير إنساني، ويدمر في نفسه أو ذاته تلك الإنسانية التي من واجبه أن يبديها نحو البشر.» # 32 # وهناك من يستشهد بهذه العبارة لإثبات تحيز الأخلاق عند كانط، وتمركزها حول ~~الإنسان. ومما لا شك فيه أن هذا الرأي صحيح إلى حد كبير؛ فالأخلاق الكانطية هي ذروة ~~المركزية الإنسانية التي يعارضها هذا البحث، حتى لو انتهت عنده بما يوحي بأنها إرهاصات ~~بأخلاق بيئية، فهذا ما لم يقصده كانط صراحة أو بشكل مباشر (على الإطلاق). وإيمانه بأن ~~واجباتنا تجاه الحيوانات هي واجبات غير مباشرة تجاه الإنسانية لم يكن إلا من منطلق هذه ~~المركزية الإنسانية التي لم يحاول إخفاءها أو الالتفاف حولها. فالأخلاق الكانطية هي ~~بلورة لأفكار عصر ms227 التنوير بأكمله، وإن كان هذا الموقف لم يمنعه من الوقوف من الطبيعة ~~موقف التواضع والاحترام، وإذا كان هذا هو الموقف الذي نسعى إليه في تأسيس أخلاق بيئية، ~~فلا نزعم أن كانط كان معنيا بتأسيس تلك الأخلاق التي ننشدها؛ لأنه لسبب بسيط لم تكن ~~في زمنه مشكلة للإنسان مع بيئته؛ إذ لم تظهر بوادر هذه الأمة إلا في نهاية القرن التاسع ~~عشر وبدايات القرن العشرين إلى أن تفجرت في العقود الأخيرة منه. وأيا كان الرأي في ~~الأخلاق الكانطية تجاه الكائنات غير العاقلة، فلا يمكننا أن نتغافل عن شعور كانط ~~بالرهبة والإجلال أمام الطبيعة، وليس أدل على ذلك من العبارة المحفورة على قبره، # 33 # والتي تعني أن الطبيعة لها قيمة باطنة في ذاتها، وإن كانت واجباتنا ناحيتها ~~غير مباشرة؛ لأننا إذا دمرنا الطبيعة، فهذا يعني تدمير طبيعتنا البشرية ذاتها التي هي ~~جزء من الطبيعة ككل. # والواقع أن التاريخ قد أثبت صدق فكرة كانط - بدون أن نشغل أنفسنا بالحاملين للاعتبار ~~الأخلاقي عنده - عما يعنيه تدمير البيئة الطبيعية من تدمير للطبيعة البشرية ذاتها. ومما ~~لا شك فيه أن المشكلات البيئية المعاصرة التي نجمت عن سوء استغلال الإنسان للبيئة ~~ومواردها الطبيعية قد تمخض عنه تدمير مقومات الحياة الإنسانية ذاتها. أضف إلى ذلك ~~المخاطر التي أصبحت تهدد كوكب الأرض، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في علاقتنا بهذا ~~الكوكب الذي تتوقف عليه حياتنا؛ لأن البشرية «منذ فجر التاريخ تواجه حقيقة مفادها أننا ~~نعيش على الكوكب الوحيد الذي يستطيع أن يعول الحياة.» # 34 # ويفسر هذا علاقة التبعية المتبادلة بين البشر وكوكب الأرض، وكيف انعكست ~~عواقب النشاط البشري على البيئة الطبيعية، وكيف أثرت التغيرات الطبيعية بدورها على ~~المجتمع البشري. # يبدو مما سبق أن إدراك القيمة الباطنة في البيئة الطبيعية ينصب على كوكب الأرض، ربما ~~لأن الأنظمة الأرضية لها نوع من التميز والتفرد لارتباطها بالحياة الإنسانية التي نشأت ~~فوقها، وربما لا تكون الأرض هي الكوكب الوحيد الذي يحتوي على أشياء لها قيمة، ولكنها ~~بغير شك الكوكب الوحيد الذي نعلم حتى ms228 الآن أن به بيئة ومجالا حيويا وحياة عضوية تسمح ~~بالحياة عليه، ولكن تقييم الإنسان للأرض عادة ما يكون تقييما أداتيا وفق مصلحته ~~الذاتية، ومن منطلق أن الأشياء والأحداث الطبيعية تسهم في إشباع الرغبات والمصالح ~~الإنسانية. ولذلك فإن الاعتقاد بأن للأرض قيمة باطنة يبدو كأنه نوع من البرهنة على ~~المحال؛ فالأرض ليس لها قيمة في حد ذاتها، ولكنها استمدت هذه القيمة من اندماجها في ~~نظام بيئي متكامل سمح بنشأة الإنسان من جزئها العضوي، وظهر على سطحها عندما أثمرت ~~الأرض أكثر ثمراتها تعقيدا وهو الإنسان العاقل. كما أنها - أي الأرض - لم تستمد قيمتها ~~من ارتباط تاريخها الطبيعي بالتاريخ البشري الذي جاء متأخرا عنها بآلاف السنين. بهذا ~~المعنى فإن البرهنة على القيمة الباطنة للأرض ونظامها البيئي ليس نوعا من البرهنة على ~~المستحيل، لكن ماذا بعد أن أثبت العلم أن الكونيات الحديثة برهنت على أننا نحيا في كون ~~لا نهائي لا مركز له أو محيط؟ وبعد أن أصبح واضحا «أننا لا نسكن في مركز متميز من ~~الكون، بل في كوكب ضئيل على أطراف مجرة متواضعة تضم مائة ألف مليون مجرة على الأقل في ~~القطاع الذي نسكنه من الكون، أو ما يعرف بالكون المنظور أو المرصود؛ إذ لا يمكننا أن ~~نلم بحجم الكون كله.» # 35 # فهل يحق لنا الآن أن نعطي كل هذه الأهمية لكوكب الأرض وهو مجرد جزء ضئيل ~~من الكون اللانهائي؟ وهل يوجد في الكون جزء له أهمية أكثر من أي جزء آخر؟ إذا صح ما ~~سبق قوله بأن كل ما يوجد لذاته، وينشأ ويستمر بشكل مستقل، وبدون الاعتماد على شيء آخر، ~~له قيمة باطنة، فكل ما في الكون ينطوي على قيمة داخلية أو كامنة فيه. # ولكن الأرض ومجالها الحيوي هي الكوكب الوحيد الذي يوفر أو تتوافر فيه بيئة صالحة ~~للحياة، وهذه البيئة ليست مجرد نظام بيئي، بل مجموعة ضخمة من النظم البيئية التي تتداخل ~~فيها الطبيعة الحية وغير الحية، ولا تبدو الطبيعة «كركام تنتشر داخله أنواع عديدة ~~منهمكة في التنافس بضراوة أو ms229 يلتهم بعضها البعض الآخر، بل كمكان رمزي منظم وعامر ~~بالمعاني التي تتيح لكل نوع إمكانية الحياة في أحسن ظروف ممكنة»، # 36 # من هنا تأتي أهمية تأسيس أخلاق بيئية مرتبطة بالأرض، ولا بد أن تكون هذه ~~الأخلاق هي الركيزة الأساسية في النموذج المعرفي الذي أصبح مطلبا ملحا يستحق أن ~~تتضافر الجهود لوضعه. # إن مفهوم البيئة # Environment # باعتبارها الوسط أو ~~المحيط الذي ينشأ فيه الكائن، يشير إلى المجال الذي يضفي على حياتنا الدلالة والمعنى # a field of Significance ~~، كأن يشعر شخص ما (أو ~~حيوان) بالألفة والانتماء إلى الوطن أو إلى موضع معين من البيئة. # 37 # ويفرض هذا المفهوم على الإنسان التزاما أخلاقيا تجاه بيئته التي تمثل له ~~ميدانا ذا دلالة ومعنى، ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل يفرض عليه أيضا نفس ~~الالتزام الأخلاقي تجاه المجالات الأخرى التي تحمل دلالة ومعنى للكائنات الأخرى من أجل ~~توفير بيئة ملائمة للعيش، بعد أن غدت البيئة ملكا مشتركا لجميع أعضائها، مما جعل ~~صيانة المحيط البيئي أو المجال الحيوي مطلبا أساسيا لاستمرار الحياة الإنسانية، ~~خاصة بعد أن أصبحت البشرية تواجه مشكلات حرجة مع بيئتها كاتساع ثقب الأوزون، وتركز ~~ثاني أكسيد الكربون في الجو، وارتفاع درجة حرارة الأرض، وجرف التربة وما ترتب عليه من ~~تدهور الأراضي الزراعية وما نتج عنه من مجاعات في أنحاء كثيرة من المعمورة، وتغير ~~المناخ الذي أدى إلى فيضانات عارمة في أنحاء من العالم يقابله الزحف الصحراوي أو التصحر ~~في أماكن أخرى، وفناء العديد من الأنواع والسلالات النباتية والحيوانية، وتدمير ~~الغابات، واستنفاذ موارد الطاقة، والتلوث الذي طال الماء والهواء على السواء، والنمو ~~السكاني المتزايد الذي يهدد التوازن الطبيعي وغيرها من كوارث بيئية عديدة. # إن هذه الكوارث البيئية العديدة والمتنوعة التي حدثت في أنحاء متفرقة من العالم خاصة ~~في النصف الثاني من القرن العشرين بفضل التقدم العلمي والتقني. هذه الكوارث قد لفتت ~~الانتباه إلى أهمية المسئولية الأخلاقية عن البيئة؛ لأنه عندما تخلى الإنسان عن ~~مسئوليته تجاه الطبيعة أصبح قوة مدمرة لها بدلا من أن ms230 يكون قوة معمرة. ومن ثم فإن ~~«اتخاذ القرار بشأن صيانة المحيط الحيوي لا يمكن تأجيله أو تجاهله أمام هذه المشكلات»، # 38 # والمعايير التي نحتاجها لإنقاذ الجنس البشري هي نفس المعايير المطلوبة ~~لإنقاذ بقية المجال الحيوي، إذ لا يوجد قارب نجاة يمكن أن ينقذ الجنس البشري وحده. ~~فالبشر ليسوا أسمى من الكائنات التي تشاركهم نفس البيئة. ولذلك نجد أنه من الضروري ~~الأخذ بالمبادئ الأربعة الأساسية التي أقرها تيلور في هذا الشأن، وتستحق أن نعود ~~لتأكيدها بشيء من التفصيل: ~~(1) # الاعتقاد بأن البشر أعضاء في مجتمع الحياة الأرضية بنفس المعنى ونفس ~~الظروف والشروط التي تكون بها بقية الكائنات الحية أعضاء في نفس ~~المجتمع. ~~(2) # الاعتقاد بأن أفراد النوع من الكائنات الحية الأخرى هي عناصر مكملة في ~~نظام يعتمد كل عنصر فيه على الآخر، بحيث إن بقاء كل كائن حي على قيد الحياة ~~أو رضاءه أو شقاءه لا يتحدد فقط بشروط البيئة الطبيعية، وإنما يتحدد كذلك ~~بعلاقاته بغيره من الكائنات الحية. ~~(3) # الاعتقاد بأن كل الكائنات العضوية هي غايات في ذاتها، وأن كلا منها ~~كيان متفرد، ويسعى إلى تحقيق خيره الخاص بوسائله الذاتية. ~~(4) # لا لزوم للاعتقاد بأن الجنس البشري أسمى من غيره من الكائنات الحية الأخرى. # 39 # من كل ما سبق يتضح أنه ليس أمام المجتمع البشري سوى طريقين لا ثالث لهما، إما إنقاذ ~~وحماية وصيانة البيئة الطبيعية كمتطلب لاستمرار الحياة البشرية، أو مواجهة الكارثة ~~المحققة إذا أغفلنا أو تغافلنا عن إدراك الحجم الحقيقي لمشكلات البيئة. فالحفاظ عليها ~~(أي البيئة) أصبح مسئولية عامة ومشتركة بين الأفراد والدول والحكومات والمنظمات غير ~~الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات أو العابرة للقارات؛ لأن هذه المؤسسات لا تتعامل ~~مع بيئتها التنظيمية الداخلية فحسب، بل مع البيئة الطبيعية ذاتها، ولأن مثل هذه الأمور ~~الداخلية والخارجية يجب التعامل معها كأمور متعلقة «بالوعي المشترك الذي يتطلب تخطيطا ~~طويل الأجل يقوم على العناصر الأخلاقية والاجتماعية التي تعتمد عليها العقلانية ~~والاحترام، وهما اللذان يؤلفان العنصرين الفلسفيين اللذين يتكون منهما الوعي المشترك. ~~فالعقلانية عنصر أخلاقي موجه توجيها ذاتيا ms231 تحدد أي جماعة من خلاله أهدافها وسبل ~~تحقيق هذه الأهداف عن طريق الاختيارات العقلية المحسوبة بدقة (...) أما الاحترام فهو - ~~كما رأينا من قبل - عنصر أخلاقي موجه نحو الآخرين، ومن خلاله تحدد الجماعة علاقتها ~~برؤى الآخرين وحاجاتهم في نطاق قدراتها التنظيمية.» # 40 # ويمثل العنصران السابقان أساس المسئولية المشتركة. ~~(3) الوعي البيئي والمسئولية الأخلاقية # إن الوعي البيئي هو الذي يحدد المسئولية الأخلاقية المشتركة تجاه البيئة الطبيعية من ~~ناحية، والمجتمع البشري من ناحية أخرى. فمما لا شك فيه أن الأخلاق هي أحد الأبعاد ~~الأساسية - التي لا يمكن الاستخفاف بها - في مشكلة الإنسان مع بيئته الطبيعية، فالأخلاق ~~هي جزء من البيئة الاجتماعية أو النسيج الاجتماعي الذي يعمل فيه الفاعلون الأخلاقيون ~~الذين لديهم وعي بالقواعد والممارسات الأخلاقية المسموح بها، مما يترتب عليه أن ~~الأخلاق جزء من المجتمع البشري ومرتبطة أشد الارتباط بما يفعله البشر، وما ينتج عن هذا ~~الفعل من تأثير على حياتهم البشرية من ناحية، وعلى المحيط البيئي من حولهم من ناحية ~~أخرى. ولكي تغدو البيئة الملائمة للعيش - التي تحدثنا عنها سابقا - ليست فقط كلاما ~~نظريا، بل إجراءات عملية لحماية الإنسان من الهواء الملوث الذي يتنفسه، ومن المؤثرات ~~السرطانية في الماء الذي يشربه ... إلخ، فإن حماية البيئة من أجل بقاء الجنس البشري تتضمن ~~«عملية إنقاذ لها ثلاثة أبعاد: البعد الأول هو إنقاذ الكوكب من الكوارث البيئية ~~المتعددة. والبعد الثاني هو إنقاذ الجنس البشري من الأشكال المختلفة من التدمير الذاتي ~~الذي أصبح ممكنا من خلال التطور التكنولوجي، أما البعد الثالث فهو تحقيق العدل ~~الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي بين كل أعضاء «العائلة البشرية».» # 41 # ومما يؤسف له أن حضارتنا العلمية والتقنية قد دمرت - وما زالت تدمر - توازن ~~البيئة الطبيعية، ونحن لا نقدر حتى الآن حجم الدمار الذي ألحقناه بكوكبنا، ولم ندرك ~~بشكل كاف أن بقاء وحماية محيطنا الحيوي الذي يستند إليه وجودنا البشري يتطلب أن نغير ~~قيمنا، وكما أن تغيير القيم نفسه يتطلب تغييرا جذريا للوعي إذا أردنا إيجاد مخرج ~~لأزمة البيئة التي نتحمل وحدنا المسئولية عنها، كما ms232 يجب أن تشمل الأخلاق البيئية ليس ~~فقط موقفنا من كوكب الأرض، بل كذلك موقفنا من الكواكب الأخرى. # ويبدو مما سبق أن هناك نوعا من التناقض والمفارقة بين العلم والأخلاق، ففي الوقت ~~الذي نتحدث فيه عن التقدم العلمي والتقني الهائل الذي وصل إليه العقل البشري في العقود ~~الأخيرة من القرن العشرين، نجد في الجانب الآخر تدنيا في السلوك البشري في التعامل مع ~~منجزات العقل إلى الحد الذي يمكن وصفه بأنه نوع من النكوص في الناحية الأخلاقية، مما ~~يستدعي التوقف لتحليل العلاقة بين التطور المعرفي (العلمي والتقني) وبين التطور ~~الأخلاقي. وقد استطاع لوارنس كولبرج - الأستاذ بجامعة شيكاغو - في دراسته عن الضمير الإنساني، # 42 # التي قام بها بين عامي 1963-1973م أن يكتشف نوعا من التضايف بين التطور ~~المعرفي والتطور الأخلاقي، وأظهرت العينات التي بحثها أن الأفراد يتقدمون في مراحل ~~سلوكهم الأخلاقي عن طريق الترابط المتبادل بينه وبين مستويات الوعي المعرفي أكثر بكثير ~~من ارتباطه بمستويات الطبقة الاجتماعية أو التقاليد الدينية والتوجهات الثقافية. والشيء ~~المهم بالنسبة لعملية التطور الأخلاقي للضمير المشترك، هو أن العكس من ذلك يبدو صحيحا. ~~فالسلوك الأخلاقي أو غير الأخلاقي المشترك يبدو أنه غير مرتبط ارتباطا أساسيا ~~بالمعرفة العلمية أو التقنية، بدليل أن هناك كثيرا من المؤسسات التي تملك هذا التطور ~~الأخير بدرجات شديدة التعقيد، ومع ذلك فهي تمثل مستويات متدنية للأخلاق ~~المشتركة. # وقد أثبتت دراسات كولبرج أن ضمير الفرد يتشكل من خلال عملية تطور أخلاقي في ست مراحل ~~عبر الزمان. ففي المرحلة الأولى يقوم الفرد بالفعل الأخلاقي بدافع من الخوف من العقوبة، ~~أو المرحلة الثانية فيمكن أن نطلق عليها اسم أخلاق المنفعة أو النسبية الأداتية، بمعنى ~~أن يتصرف الشخص وفق منفعته الخاصة، وهي تمثل مرحلة ما قبل الأخلاق الاصطلاحية أو ~~المتواضع عليها (وهي الأخلاق التي تمارس في دنيا المال والأعمال). في المرحلة الثالثة ~~تكون الأخلاق اجتماعية أي نابعة من قيم متفق عليها اجتماعيا. في المرحلة الرابعة ~~يتصرف الفرد أخلاقيا وفق قواعد ومعايير ينظمها القانون. وتقوم المرحلة الخامسة من ~~تطور الأخلاق ms233 على التعاقد القانوني، والسلوك في هذه المرحلة يعكس نوعا من الأخلاقية ~~يقوم على استعداد الإنسان للحفاظ على وعوده كما تنص عليها التعاقدات القانونية. أما ~~المرحلة السادسة والأخيرة فتقوم على المبادئ الأخلاقية الكلية. والأخلاقية في هذه ~~المرحلة متطورة إلى أقصى حد، وتظهر بشكل خلاق عند أولئك الأشخاص الذين يوجهون حياتهم من ~~خلال سلوك منظم وصارم طبقا للمبادئ الكلية للعدل والتعاون المشترك. # 43 # وينتهي كولبرج من دراسته إلى أن عددا قليلا من الناس هم الذين يصلون إلى ~~هذه المرحلة، بل يندر الوصول إليها ندرة شديدة. ~~(4) نتائج تقييم العلاقة بين الإنسان وبيئته # يتضح لنا من الدراسة السابقة لماذا تتصرف بعض الدول الكبرى بلا مسئولية من منطلق ~~التطور المعرفي العلمي المتقدم، بينما تكتفي من التطور الأخلاقي البيئي بمراحله ~~البدائية، وكيف وصلت البشرية إلى مفترق طرق يحتاج الأمر معه إلى التوقف طويلا للتأمل ~~فيما آلت إليه الحضارة الإنسانية. وهذا يؤكد من جانب آخر الحاجة الملحة إلى نموذج معرفي ~~أخلاقي جديد في مقابل النموذج (الديكارتي-البيكوني) الذي أفضى بنا على مدى ثلاثة قرون ~~إلى عقلانية أداتية خالصة. وربما يكون تغيير النموذج - بالمعنى الذي سبق أن أشرنا إليه ~~عند توماس بيكون - هو المعنى المقصود في هذا الصدد «عندما تتغير النماذج الإرشادية ~~يتغير معها العالم ذاته.» وبهذا المعنى نفسه لا بد أن يأتي النموذج المقترح بنظرة ~~جديدة إلى العالم وقيم أخلاقية مغايرة للقيم المصاحبة للنموذج السابق، نظرة وقيم تعيد ~~التصالح بين الإنسان ومحيطه البيئي، وتستعيد العلاقة الحميمة الآمنة بينهما بعد أن ~~تحولت إلى مجابهة وصراع انتهى بالسيطرة البشرية الكاذبة؛ لأنها سيطرة خادعة ومدمرة ~~لمقومات وجود الإنسان. ويرى بعض الباحثين - تعزيزا للفكرة السابقة - أن هذه الأزمة قد ~~أحدثتها القيم الغربية، وأن أسبابها تعود إلى «الفروض الفلسفية الخاطئة التي سلم بها ~~العالم الغربي الحديث، وتمتد جذورها وخيوطها في فكر كل من فرانسيس بيكون وديكارت وهوبز ~~ولوك وهيوم.» # 44 # ويتمثل أهم هذه الفروض الفلسفية التي أصبحت موضع شك في العصر الحديث في ستة فروض: ~~(1) # النزعة الذرية التي نظرت إلى الواقع على أنه ms234 أجزاء أو ذرات صغيرة غير ~~مترابطة، ولم تنظر إليه على أنه كل عضوي موحد مما ترتب عليه تحطيم مشاعر ~~الارتباط بالأرض خاصة بعد الثورة الصناعية، والإعلاء من الشعور بالنزعة ~~الفردية على حساب الدفء والمشاعر والعاطفة والألفة بين الكائنات البشرية، ~~وانهيار التعاطف بين البشر والحيوانات. ~~(2) # النظر بعين الاعتبار إلى الوضع الاقتصادي على حساب البيئة، وهو ما بدأ مع ~~التصنيع ونشأة الرأسمالية، وتقديس الربح، وتشجيع الحركة الاستهلاكية، ~~وتضليل الرأي العام، وخلق «حاجات» اصطناعية. ~~(3) # نبذ الأرض، وهي الفرضية التي تنظر للأرض على أنها مصدر للموارد الطبيعية ~~فحسب، وأن للبشر حق السيطرة عليها واستغلالها. ~~(4) # انتصار الجشع على مستوى الأفراد والمجتمعات على حد سواء. ~~(5) # سوء فهم السعادة الذي يسود المجتمعات الصناعية للعالم الأول على وجه ~~الخصوص، وتتمثل في فكرة خاطئة مضللة عن أن النقود والممتلكات المادية هي ~~التي تجلب السعادة للبشر. ~~(6) # تدعيم السيطرة، وهو الموقف الذي ساد، وكان له أكبر أثر تدميري في العصر ~~الحديث بفعل السيطرة التقنية على الكائنات الحية ومحيطها الحيوي، بل وعلى ~~كل شيء على سطح الأرض أو تحتها. # 45 ~~(5) سبل مواجهة الأمة # هذا الوضع غير المتوازن بين الإنسان وبيئته يفرض علينا أن نتساءل: ما هو المخرج إذن ~~من هذه الأزمة وكيف يمكن تصوره؟ إن الخروج من الأزمة البيئية لا بد أن يكون في رأي ~~البعض من خلال نظام جديد وقيم جديدة، أو فيما نطلق عليه الآن اسم النزعة الكوكبية # Globalism ~~؛ لأن هناك احتياجا شديدا إلى ~~«أخلاقيات كوكبية تتعلق بالتغير الجذري لطريقتنا في التفكير والإحساس وعلاقتنا بكوكب ~~الأرض وعلاقة بعضنا بالبعض، كما تتطلب إعادة تقييم موقفنا من الطبيعة واستهلاك الموارد ~~غير القابلة للتجديد ... والشخص المؤمن بالكوكبية هو الذي يشارك في صنع التغيير الثوري للوعي.» # 46 # هذه الأخلاقيات الجديدة تتطلب - كما ذكرنا من قبل - تنمية الوعي البيئي الكوني، الذي ~~يرتكز على تضافر العنصر البيئي والعنصر الإنساني، على أن يكون الاحترام هو العلاقة ~~القائمة بينهما؛ احترام الأرض وكل الكائنات الحية بشرية أو غير بشرية، أي أننا نحتاج ~~إلى الوعي بأننا أفراد مشاركون في دراما ms235 كونية هائلة، أو كما يقول هوايتهد: «نحن في ~~العالم والعالم فينا»، فليس هناك ما يدعو إلى ابتلاع الكائنات الأخرى أو السيطرة عليها؛ ~~لأن هذا الوعي البيئي الكوني الجديد يولد لدينا الإحساس بجماعية المصير، ويفرض علينا ~~شكلا جديدا من المسئولية ناحية البيئة، بحيث نتخذ إزاءها موقف الاحترام، هذه القيمة ~~الأخلاقية التي تلاشت أو كادت أن تتلاشى في القرن العشرين، وهكذا تتطلب «الجوهرية ~~المشتركة» للإنسان والبيئة الطبيعية فهما جديدا للعالم، وعلما آخر وتقنية أخرى ~~يعتمدان على طريقة الإنسان في النظر إلى البيئة الطبيعية والإحساس بها. # نعم ... نريد علما آخر وتقنية أخرى، علما يبتعد عن فلسفات الذات وتقنية تبتعد عما ~~يمكن أن نسميه بتقنية السيطرة والعنف وهما - أي العلم والتقنية - اللذان أفرزهما العلم ~~الحديث كمحصلة نهائية لنظرته إلى البيئة الطبيعية من الناحية الكمية فحسب، وإغفال ~~جوانبها الكيفية. وكثيرا ما ينظر إلى الكوارث البيئية كالفيضانات والجفاف والأوبئة ... ~~إلخ، على أنها نوع من الكوارث الطبيعية «كما لو لم يكن هناك أناس يمكن أن يكون لهم دخل ~~أو دور في صنعها. والحقيقة أن الطبيعة تعتبر بصفة عامة هي المانع أو المسكن لهذه ~~الكوارث، وأن زيادة أعداد الفيضانات وحدتها وانحباس الأمطار وغيرها من المآسي المشابهة ~~تحدث أو تتفاقم عادة نتيجة أسلوب العنف والقسوة الذي يتبعه الإنسان في حق بيئته الطبيعية.» # 47 # لذلك أدرك الأيكولوجيون خطورة تدهور المحيط الحيوي، وسيادة تقنية العنف في ~~العقود الأخيرة من القرن العشرين هي التي يمكن أن تفسر لنا أصالة المشروع الأيكولوجي ~~الذي ينظر إلى البيئة الطبيعية نظرة مختلفة، ويضعها في موضع مساو لوضع الإنسان، بحيث ~~يستعيد التعاطف معها في محاولة للتخلص من التطورات الشاذة للمشروع التقني. # إن النظر إلى البيئة الطبيعية باعتبارها ذاتا أو آخر يمكن اعتباره من جهة محاولة ~~لإعادة السحر إلى العالم، كما يمكن اعتباره من جهة أخرى محاولة لاستعادة النظرة الحيوية ~~إلى الأرض (أو جايا # Gaia # بالمعنى الديني القديم عند ~~الإغريق)، بوصفها الأم التي تحتضن كل الكائنات الحية أكثر منها مصدر موارد تستغل فحسب. ~~وهي نظرة تفضي إلى الاحترام ms236 والتبجيل، والاستعاضة عن ~~النزعة الذرية # Atomism # بالنزعة الكلية # Holism ~~... وقد يبدو من كل هذا أن تلك رؤية رومانسية ~~إلى البيئة الطبيعية مما يطرح السؤال عن مشروعية الخطاب الأيكولوجي، وهل هو صورة ~~يوتوبية خيالية أم مشروع جاد للمستقبل؟ إن الخطاب الأيكولوجي يمكن أن يتصوره البعض ~~«مجرد تعبير عن رغبات أو أماني لا يمكن تحقيقها أو عن خيالات (فانتازيا)، ولكنه من ~~ناحية أخرى يمكن أن يكون برنامجا معبرا عن التصميم على اكتشاف طبيعة جديدة تضفي ~~عليها الروح والمعنى»، # 48 # ولكن يجب أن يحذر هذا المشروع الضخم من الوقوع في خطرين متطرفين : «الوقوع ~~في الهيمنة الوحشية على القوى الطبيعية، والوقوع في نوع من الروحية أو الصوفية الجوفاء.» # 49 # خاتمة # نخلص من كل ما سبق إلى أن الإنسان والبيئة الطبيعية يمثلان قطبين في متصل واحد (مع ~~وجود مستويات أخرى بطبيعة الحال من العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية تتوسط المسافة ~~بين هذين القطبين). وقد بدأ المتصل بخوف الإنسان من قوة وبطش البيئة الطبيعية، عندما ~~نظر إليها على أنها شيء آخر مختلف عنه يثير فيه الرعب، فتحولت الحيرة وعدم فهم ما يحدث ~~حوله من ظواهر طبيعية تهدد حياته وبقاءه (من برق ورعد وأعاصير وفيضانات وبراكين ... ~~إلخ) تحولت إلى خوف مدمر للبيئة الطبيعية ذاتها، وذلك لحماية نفسه من أهوالها. وقد ~~انتهى هذا المتصل - كما رأينا - إلى تدمير الإنسان للبيئة الطبيعية إلى الحد الذي أصبح ~~يهدد حياته وبقاءه أيضا، مما جعل الأيكولوجيين يبذلون المزيد من الجهد في محاولة ~~لإنقاذ البيئة الطبيعية من قوة الإنسان وبطشه. # صحيح أن الإنسان هو الكائن الذي كتب عليه أن ينظم هذا العالم باعتباره الكائن العاقل ~~الوحيد على هذا الكوكب، ولكن من الصحيح أيضا أنه ليس سوى نوع واحد بين أنواع وكائنات ~~أخرى عديدة، وإذا كان العقل هو الملكة التي تميز الإنسان عن سائر المخلوقات، فإنها قد ~~تحولت (أي ملكة العقل) من نعمة ممنوحة له إلى نقمة عليه منذ أن رفع ديكارت لواء العقل، ~~ووضع أسس نموذج معرفي قائم على الثنائيات المتضادة، مما أدى ms237 في نهاية الأمر إلى السيطرة ~~الكاملة على البيئة الطبيعية وتدميرها، فكيف يكون المخرج؟ أي كيف نعود إلى البيئة وتعود ~~البيئة إلينا؟ بمعنى آخر كيف نحقق التوازن والتوازي بين إمكانيات البيئة الطبيعية ~~وقدراتها وبين احتياجات الإنسان الراشدة بما يسهم في استدامة التنمية من ناحية، وحماية ~~البيئة الطبيعية وصيانتها من ناحية أخرى؟ # لن يكون المخرج إذن إلا بالتخلي عن نموذج الثنائيات الضدية، أي لا بد أن تتحول ~~الثنائيات والازدواجيات المتضادة والحاسمة إلى قطبين في داخل نسق أكبر لا يكون التفكير ~~فيه قائما على هذا أو ذاك، بل يكون هذا وذاك، ولا يتأتى هذا - كما بينا في هذا البحث - ~~إلا من خلال نموذج معرفي جديد يجمع بين المتقابلات، ويقضي على التوتر القائم بين ~~الثنائيات المتضادة التي تفصل بين العقل والجسم، الطبيعة والحضارة، القيم الباطنة ~~والقيم الأداتية ... إلخ، نموذج يعلمنا أن نرى المفارقات والاختلافات بوضوح، وأن ننظر ~~إلى هذه الاختلافات لا على أنها مجرد متعارضات، بل كأقطاب متناقضة في تفاعل داخل ميادين ~~معقدة من العلاقات. وقد لا يرى البعض في مثل هذا النموذج الحل القاطع والسريع لمشكلة ~~تتفاقم آثارها بشكل مرعب ومخيف؛ لأن تغيير النموذج المعرفي في مجالات النظم الاجتماعية ~~والسياسية والأخلاقية لا يكون ثوريا، ولا يؤتي بثمار سريعة كما هو الحال عند توماس ~~كون في مجال النظريات العلمية، وغالبا ما يستغرق التغيير المصاحب للنموذج الجديد زمنا ~~إن لم يكن طويلا فهو ليس بالقصير، ولكن هذه من ناحية أخرى ليست بالحجة القوية بدليل ~~أنه قد تمت بعض التحولات في النظم الفكرية بشكل ثوري وفجائي، ولم تمر بتلك التطورات ~~البطيئة، بل أحدثت طفرة معرفية كالماركسية على سبيل المثال وغيرها. # لقد حاولنا تحسس الطريق إلى نموذج معرفي جديد لإعادة تقييم موقفنا من البيئة ~~الطبيعية، وهي محاولة أولية تحتاج إلى تكاتف جهود العلماء من مختلف الميادين والتخصصات ~~لكي يتحقق لها المزيد من التنسيق والوضوح، كما بينا أن هذا النموذج المعرفي يأخذ في ~~الاعتبار القيم البيئية؛ لأن المشكلة التي تتعلق بالمأزق البيئي - كما رأينا - هي في ~~المقام الأول ms238 مشكلة أخلاقية، فلا بد إذن أن يحاول النموذج المعرفي الجديد تأسيس أخلاق ~~بيئية جديدة تقوم على عناصر أساسية، يمكن أن نوجزها فيما يلي: ~~(1) # دحض النزعة المركزية الإنسانية التي تجعل الإنسان مصدر القيمة وموطنها ~~ومنبعها الوحيد. ~~(2) # الإيمان بمفهوم القيمة الباطنة في البيئة الطبيعية. ~~(3) # أن يكون «احترام البيئة الطبيعية» هو القيمة الأخلاقية الأساسية التي ~~ترتكز عليها الأخلاق البيئية. ~~(4) # تنمية الوعي الجمالي والوعي الكوني المشترك بأهمية عودة العلاقة الحميمة ~~بين الإنسان والبيئة الطبيعية. ~~(5) # النظرة الحيوية إلى البيئة باعتبارها الأم أو «الموطن» الذي تتوفر فيه ~~مقومات الحياة البشرية. ~~(6) # تنمية الإحساس بمبدأ المسئولية المشتركة تجاه البيئة ومحيطها الحيوي، وما ~~يستلزمه ذلك من التركيز على فكرة الضمير البيئي وإحيائها بالمعنى الشامل ~~الذي يضع «المصير الجماعي» نصب عينيه. ~~(7) # سن قوانين أخلاقية لحماية البيئة الطبيعية؛ فالبيئة الملائمة للعيش ~~باعتبارها حقا مشروعا هي مطلب أساسي من أجل بقاء واستمرار الجنس البشري ~~وسائر الكائنات الأخرى. ~~(8) # تحمل الشركات الكبرى مسئولية أفعالها؛ لأنها مسئولة عما تنتجه، وعن آثار ~~إنتاجها على الجنس البشري وبقية الكائنات الحية. ~~(9) # الاحتياج إلى تكاتف جهود العلماء في جميع التخصصات المختلفة لتنمية ~~التكنولوجيا، وإنتاج ما يمكن أن نطلق عليه تكنولوجيا نظيفة لا تدمر ~~البيئة. # ولكي يتحقق مثل هذا النموذج لا بد أن يتوقف العلم عن أن يكون عبدا تجره التقنية ~~والمصالح الأنانية من رقبته، وألا يقتصر دوره على خدمة الإنتاج والسلع المادية التي ~~تتجه إلى الربح فقط، بل لا بد أن يعود العلم كما كان معرفة بالحقيقة، أي معرفة غير ~~مرتبطة بمنفعة محددة. ولا بد أيضا أن يصاحب التطور العلمي تطور أخلاقي مماثل، حتى لا ~~يتحول - كما حدث في العقود الأخيرة - إلى فأس يحفر بيديه قبر الكائنات البشرية وغير ~~البشري على السواء. وإذا لم نسرع بالسيطرة على أزمة البيئة، فربما يرى العالم نهاية ~~التاريخ البشري في وقت أقرب بكثير مما نتصور. # ولعل الأبيات التالية للمتصوفة الألمانية هيلد جاردفون بنجين # 50 # أن تكون تعبيرا صادقا عما سيلحق الجنس البشري من جراء سوء استخدامه ~~لبيئته الطبيعية، ومع أنها تؤكد النزعة الإنسانية ms239 التي رفضناها، فهي من ناحية أخرى ~~تنبهنا إلى العلاقة الحميمة التي يجب أن تسود بين الإنسان والبيئة، وهي العلاقة التي ~~دعت إليها جميع الأديان السماوية والأرضية، كما حثت عليها الفلسفات الكبرى في الشرق ~~والغرب قبل الميلاد: إن الأعلى والأدنى/ والخلق جميعا/ أعطاها الله إلى الجنس البشري ~~وأودعها بين يديه لكي يتصرف فيها/ فإذا الإنسان أساء استخدام عطيته/ سمح العدل الرباني ~~لخلقه/ بمعاقبة الإنسان ... # ومن هذا المنطلق، فإن النموذج المعرفي الجديد ينبغي أن يرتكز - إلى جانب كل الأسس ~~التي سبق ذكرها - على أخلاقيات الأديان السماوية التي علمتنا أننا لم نخلق العالم ولا ~~نملكه حتى نعطي لأنفسنا حق التصرف فيه وفق إرادتنا ورغباتنا، ولكننا نستمتع بثماره ~~كهدية أو هبة لا يحق لنا امتلاكها، وبشرط أن نتركه - أي العالم - في حالة جيدة للآخرين، ~~وأن تكون عقيدتنا الحقيقية هي الرحمة والرفق بالكائنات الطبيعية الأخرى، والتواضع أمام ~~البيئة الطبيعية التي نخضع وإياها لإله واحد، وأن نحقق العدل بالشكل الذي يحفظ علاقة ~~التوازن بين الإنسان وبيئته بما يحقق مصلحة طرفي العلاقة، صيانة البيئة وحمايتها من ~~ناحية، وتحقيق احتياجات الإنسان الأساسية بصورة متواصلة من ناحية أخرى. ms240