######OpenITI# #META# URI: 1450CatiyyatAbuSucud.FalsafatTarikhCindaVico.Hindawi75951903 #META# Tags: history :: philosophy #META# ID: 75951903 #META# Title: فلسفة التاريخ عند فيكو #META# AuthorID: 75058162 #META# Author: عطيات أبو السعود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الباب الأول: أصول العلم الجديد‏ # 1 - مدخل إلى فلسفة فيكو وعصره‏ # 2 - أصول ومبادئ العلم الجديد‏ # الباب الثاني: قانون التطور‏ # 1 - قانون تطور الأمم‏ # 2 - مسار الأمم في ضوء الحكمة الشعرية‏ # الباب الثالث: المعرفة التاريخية وأثرها‏ # 1 - نظرية المعرفة التاريخية‏ # 2 - أثر فيكو في الفكر الفلسفي الغربي‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: أصول العلم الجديد‏ # 1 - مدخل إلى فلسفة فيكو وعصره‏ # 2 - أصول ومبادئ العلم الجديد‏ # الباب الثاني: قانون التطور‏ # 1 - قانون تطور الأمم‏ # 2 - مسار الأمم في ضوء الحكمة الشعرية‏ # الباب الثالث: المعرفة التاريخية وأثرها‏ # 1 - نظرية المعرفة التاريخية‏ # 2 - أثر فيكو في الفكر الفلسفي الغربي‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # | فلسفة التاريخ عند فيكو # | فلسفة التاريخ عند فيكو # تأليف # عطيات أبو السعود # | مقدمة # فلسفة التاريخ مبحث هام من المباحث الفلسفية الحديثة العهد في الفكر الفلسفي، فلم تتضح ~~كعلم مستقل إلا في القرن السابع عشر، ثم تحددت معالمها في القرن الثامن عشر الذي شهد ~~العديد من فلاسفة التاريخ أمثال فيكو ومونتسكيو وتورجو وفولتير وكوندورسيه وهردر وغيرهم. ~~وبلغ الاهتمام بالدراسات التاريخية ذروته في القرن التاسع عشر - حتى ليمكن أن نطلق عليه اسم ~~«عصر التاريخ» - على يد أعلام هذا القرن أمثال هيجل وكونت وماركس. وترجع أهمية فلسفة التاريخ ~~إلى حيوية موضوعها حيث تتناول بالدراسة حركة المجتمعات البشرية وتطورها وأسباب انهيارها ~~وسقوطها في مرحلة معينة من تاريخها، والقوانين التي تحكم حركة التاريخ وتطوره. # ولا تذكر فلسفة التاريخ إلا ويذكر معها اسم فيكو. وهو فيلسوف إيطالي ولد وعاش في ~~نابولي وعانى الفقر وتجاهل معاصريه ولم يبدأ الاهتمام الحقيقي به إلا منذ عهد قريب، وعلى ~~الرغم من هذا التجاهل الذي استمر طويلا فهو يعد المؤسس الحقيقي لفلسفة التاريخ في الفكر ~~الفلسفي الغربي. ويمكن القول إن مكانته في التراث الغربي تماثل مكانة ابن خلدون في التراث ~~العربي. حقا لقد ذكره بعض فلاسفة القرن الثامن عشر وربما اطلعوا على شيء من إنتاجه، وخاصة ~~على بعض أجزاء من العلم الجديد، ولكنه لم يكتشف اكتشافا حقيقيا إلا عندما ترجم إلى ms001 ~~اللغة الألمانية لأول مرة عام 1822م، ثم عندما ترجم «ميشليه» مختارات من العلم الجديد عام ~~1825م مع مقدمة كان لها أثرها في توجيه الأنظار إلى أهمية أفكاره وأصالتها، والتفت إليه ~~أبناء بلده بعد أن أغفلوه طويلا وخاصة مع حركة البعث القومي الإيطالي، إلى أن جاء فيلسوف ~~إيطاليا الأكبر بندتو كروتشه فأحيا فكره من جديد وأفرد له كتابا مستقلا. ثم توالت ~~الدراسات العلمية الدقيقة التي سلطت الأضواء على جوانب فكره المختلفة سواء في فلسفة التاريخ ~~بوجه عام أو فقه اللغة والقانون الروماني أو نظريته في اكتشاف حقيقة هوميروس. والواقع أن ~~فيكو ليس مجهولا في حياتنا العقلية والعلمية؛ فقد اهتم به بعض الأساتذة الذين يستحقون كل ~~التقدير والعرفان، فكتب عنه المرحوم الدكتور عبد العزيز عزت فصلا في كتابه «فلسفة التاريخ ~~وعلم الاجتماع»، # 1 # وحاول أن يقدمه كمفكر اجتماعي قبل كل شيء، ثم قدم الدكتور أحمد حمدي محمود ~~عرضا موجزا لحياته وكتابه الأساسي «العلم الجديد» في مجلة «تراث الإنسانية»، # 2 # وخصص المرحوم الأستاذ الدكتور محمد فتحي الشنيطي فصلا عنه في كتابه «دراسات في ~~الفلسفة الحديثة»، # 3 # كما كتب عنه الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي فصلا قيما في كتابه «فلسفة التاريخ» # 4 # أبرز فيه بإيجاز منهج فيكو ومذهبه ونظريته في التعاقب الدوري للحضارات. وكان ~~آخر هذه الجهود مقال الأستاذ الدكتور حسن حنفي في مجلة الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة فاس، # 5 # وقد قدم فيه عرضا وافيا - إلى حد كبير - للعلم الجديد ختمه بتقييم شامل ~~لتفكير فيكو وبيان حدوده وجوانب القصور فيه. # وعلى الرغم من أهمية هذه البحوث إلا أنها لم تستقص كل جوانب فلسفة فيكو ولم تقدم نظريته ~~في التاريخ بصورة وافية، ومع اعترافنا بقيمة هذه الدراسات فإن المكتبة العربية كانت وما ~~تزال في أشد الحاجة إلى بحوث متخصصة في فلسفة فيكو؛ ولهذا حاولنا في هذا البحث أن نقدم صورة ~~واضحة عن هذا الفيلسوف معتمدين في المقام الأول على نصوصه نفسها. والواقع أن هذا لم يكن ~~أمرا سهلا بسبب كثافة المادة التاريخية التي تناولها مما ms002 أعجزه عن تنظيمها والسيطرة ~~عليها؛ فقد كان ينتقل من موضوع إلى آخر - ربما دون أن يدري هو نفسه بهذا الانتقال - بحيث يصعب ~~الفصل بين هذه الموضوعات، ومما زاد من صعوبة البحث أن فيكو لم يشر إلى هوامش ولم يقم بعمل ~~إحالات للنصوص، بل حشد في النص الأصلي ما كان يجب أن يشير إليه في الهامش مما جعل العثور ~~على الأفكار الأساسية أمرا شاقا في خضم التفصيلات الجزئية الكثيرة والمتشابكة. # وقد حاولت أن ألتزم بالنصوص وأن أقدمها تقديما وافيا منظما مع الحرص على عدم إغفال أية ~~نقطة جوهرية في الكتاب كله، وقد كانت قراءة النص وحدها مسألة شائكة لأنه يفترض إلمام القارئ ~~بالثقافة الكلاسيكية (الثقافة اليونانية والرومانية) إلماما تاما، وكذلك معرفة تاريخ ~~القانون الروماني، كما يستلزم قدرا كافيا من الإلمام باللغة اللاتينية بوجه خاص والقدرة ~~على تتبع المؤلف في تحليلاته الاشتقاقية المرهقة التي جعل لها أهمية كبرى في تتبع تطور ~~التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية من خلال التطور اللغوي. # والمنهج المتبع في البحث هو المنهج التحليلي النقدي؛ فقد توخينا عرض النصوص عرضا أمينا ~~بحيث لا نغفل شيئا هاما منها مع الحرص على ترتيب وتنسيق ما وجدناه محتاجا إلى الترتيب ~~والتنسيق، وعلى سبيل المثال وجدنا أنه من الضروري تصنيف المسلمات إلى مجموعات رئيسية حسب ~~موضوعاتها ووضع عناوين مناسبة لها؛ إذ إن فيكو وضع مائة وأربع عشرة مسلمة في موضوعات متعددة ~~وتركها بغير تصنيف أو تنسيق، ومن الطبيعي أن عرض النصوص وحده لا يكفي، فكان لا بد من ~~تحليلها وتقييمها بعد ذلك. كما اتبعنا المنهج المقارن لبيان أثر فيكو على بعض فلاسفة ~~التاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. # وقد اعتمدنا على نصوص فيكو من خلال مؤلفاته الأصلية، وخاصة أهم مؤلفاته «العلم الجديد في ~~الطبيعة المشتركة للأمم»، وهو الذي شمل فلسفته بأكملها وفلسفته التاريخية بصفة خاصة ~~بجانبيها النظري الميتافيزيقي والتطبيقي التجريبي، كما اعتمدنا على الترجمة الإنجليزية ~~ل «العلم الجديد» التي قام بترجمتها العالمان # Fisch # و # Bergin # عن الطبعة الثالثة للنسخة ~~الإيطالية الصادرة عام 1744م، أما ms003 عن بقية مؤلفاته فقد كانت بمثابة إرهاصات لفلسفته التي ~~تبلورت في النهاية في المؤلف الكبير «العلم الجديد» الذي عكف على تأليفه وتعديله وتنقيحه ~~أكثر من ربع قرن من حياته، ومع ذلك فقد رجعنا إلى ما توفر من بقية مؤلفاته مترجما للغة ~~الإنجليزية ومن أهمها «السيرة الذاتية» و«مناهج الدراسة في عصرنا» الذي عارض فيه بوضوح ~~نظرية المعرفة الديكارتية. وأما عن مؤلفه «الحكمة الإيطالية القديمة» فقد تعذر الحصول على ~~ترجمة له بالإنجليزية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن موضوع هذا المؤلف لا يتعلق بالقضايا ~~الأساسية التي تناولناها في هذا البحث. أضف إلى هذا أن مضمون مؤلفات فيكو كلها - التي كتبها ~~باللغة اللاتينية قبل أن يتحول إلى اللغة الإيطالية في العلم الجديد - متضمنة في آخر مؤلفاته ~~وأهمها وهو «العلم الجديد»، فبعد اكتشافه علمه الجديد كرس البقية الباقية من حياته لتنقيحه ~~وإضافة فصول جديدة له؛ ولهذا اعتمد البحث في المقام الأول على النصوص الأصلية. # وقد قسمنا البحث إلى ثلاثة أبواب مترابطة يؤدي كل منها إلى الآخر؛ عرضنا في الباب الأول ~~أصول العلم الجديد، وحاولنا في الفصل الأول منه تتبع نشأة العلم الجديد وتبلوره في ذهن ~~مؤلفه، وكان لزاما علينا أن نعرض للظروف التاريخية والثقافية التي عاش في ظلها وأثرت على ~~تفكيره؛ فقد عاصر سيطرة الفلسفة الديكارتية العقلانية، وكان له موقف محدد منها جعله يميل ~~إلى تغليب منهج بيكون الاستقرائي، وإن كان في النهاية قد جمع بين الاثنين دون أن يشعر، ويقدم ~~الفصل الثاني أصول العلم الجديد ومبادئه ومنهجه. # ويتناول الباب الثاني قانون تطور الأمم، وقد أفردنا الفصل الأول لقانون تطور الأمم وبينا ~~كيف أنه قانون يحدد المراحل الثلاث التي مر بها تاريخ الأمم الأممية (وهي الأمم الوثنية)، ~~ثم انتقلنا إلى الفصل الثاني وعرضنا تطبيق هذا القانون على المسار الأول للأمم الأممية في ~~ضوء الحكمة الشعرية خاصة في الحضارتين اليونانية والرومانية، ثم تطبيقه على المسار الثاني ~~للأمم في العصور الوسطى الأوروبية. وبنهاية الباب الثاني نكون قد عرضنا منهج فيكو ومذهبه ~~عرضا مستفيضا، وتعاطفنا مع ms004 فكره إلى حد كبير، واقتربنا منه حتى يتسنى لنا فهم مذهبه فهما ~~صحيحا. وربما نكون بذلك قد عملنا بنصيحة فيكو نفسه للباحثين في التاريخ بألا يسقطوا ثقافة ~~عصرهم على فكر العصور القديمة، واستجبنا إلى دعوته لهم بالتعاطف الوجداني مع فكر القدماء ~~لكي يفهموا ما كان يدور في عقولهم. وهذا ما حاولناه في البابين الأول والثاني. وقد وجدنا من ~~الضروري أن نبتعد في الباب الثالث قليلا عن هذا المذهب لنتمكن من تقييمه، ورأينا أن نفرد ~~هذا الباب لنظرية المعرفة التاريخية وأثرها، فقدمنا في الفصل الأول تقييما وتحليلا لنظرية ~~المعرفة التاريخية انطلاقا من مبدأ فيكو الأساسي في المعرفة؛ وهو أن «الإنسان لا يعرف إلا ~~ما يصنعه بنفسه.» وقد وقفنا عند هذه النظرية لإلقاء الضوء على جوانبها المختلفة ومضمونها ~~الاجتماعي والتاريخي، وقد كان من الطبيعي أن نعرض لموقف فيكو من فلسفة عصر التنوير الذي عاش ~~فيه، فأوضحنا أن مفهوم التقدم عنده يختلف إلى حد كبير عنه عند فلاسفة هذا العصر، ثم انتقلنا ~~في الفصل الثاني من هذا الباب إلى بيان أثر نظرية المعرفة التاريخية على أهم فلاسفة التاريخ ~~الذين جاءوا بعده ومن أهمهم هردر وكونت وماركس. وأخيرا بلورنا الرؤية الكلية للبحث في ~~خاتمة قدمنا فيها تقييما للأفكار الأساسية العامة في مذهب فيكو، وهي الأفكار التي وردت في ~~ثنايا البحث، أما عن بعض التفاصيل الجزئية فقد عقبنا عليها أثناء عرضها في ثنايا الفصول، ~~ورأينا أن نتناولها في موضوعها حتى يكون التقييم النهائي للبحث منصبا على الأفكار ~~الرئيسية واستخلاص أهم النتائج التي أمكننا التوصل إليها. # وأخيرا نقول لعل أهمية فيكو تكمن في أنه يعد بحق أحد آباء الوعي التاريخي في وقت كان ~~فيه الضمير الأوروبي في حاجة إلى هذا الوعي، ولما كنا، نحن العرب، نمر بمرحلة تشتد فيها ~~حاجاتنا إلى الوعي التاريخي لإدراك دورنا في التاريخ المعاصر وتوجيه خطانا من التمزق إلى ~~الوحدة ومن الغيبوبة إلى الوعي، فما أحوج أمتنا العربية - في مرحلتها الراهنة - إلى هذه ~~الدراسات، وعسى أن يكون هذا البحث مساهمة متواضعة في ms005 إيقاظ وعينا التاريخي وتوجيه خطانا نحو ~~التقدم والمشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية. # الباب الأول # | أصول العلم الجديد # الفصل الأول # | مدخل إلى فلسفة فيكو وعصره # (1) حياة فيكو ومؤلفاته # جامباتيستا فيكو # Giambattista Vico # مؤرخ وفيلسوف إيطالي ولد في نابولي في 23 يونيو ~~عام 1668م في حجرة متواضعة فوق مكتبة يملكها والده، نشأ في أسرة رقيقة الحال؛ فكان والده ~~ابنا لفلاح نزح إلى نابولي عام 1656م، وكانت أمه ابنة صانع عربات كما كانت هي الزوجة ~~الثانية لأبيه. كان جامباتيستا هو الطفل السادس لأسرة مكونة من ثمانية أطفال، التحق في ~~سن مبكرة بمدرسة الآباء اليسوعيين وفيها درس اللغات القديمة، وخاصة اللاتينية وبعض ~~اليونانية، كما درس الآداب والبلاغة والفلسفة والمنطق واللاهوت والتشريع، وخاصة التشريع ~~الروماني، بالإضافة إلى ما حصله من فترات اعتكافه في مكتبة والده. # انشغل بالقانون الروماني والقانون الكنسي واضطره الفقر إلى الاشتغال بالمرافعات ~~القضائية في ساحات المحاكم، وفي ذلك الوقت تدهورت صحته وشعر بالاشمئزاز من صخب ساحات ~~القضاء، وقلت موارد أسرته واشتعلت فيه رغبة التفرغ للدراسة، فكانت فرصة سانحة عندما عرض ~~عليه أحد الأساقفة من عائلة روكا # Rocca # أن يعمل مدرسا لابن أخيه في قلعة تشيلنتو # Cilento # في ~~فاتولا وهي تتميز بالموقع الجميل والمناخ الصحي الذي أفاد صحة فيكو كثيرا. ولم يجد من ~~معاشرته لهذه الأسرة سوى المعاملة الكريمة؛ فكان بمثابة أحد أبنائها. عاش في هذه القلعة ~~لمدة تسع سنوات، ووجد الفراغ الكافي للدراسة فعكف على دراسة القانون الطبيعي للشعوب، ~~وبدأ بأصول القانون الروماني والقانون المدني للأمميين، ودرس اللغة اللاتينية وبدأ ~~بمؤلفات شيشرون ثم الشعراء اللاتين مثل فرجيل وهوراس وغيرهم. # 1 # عاد فيكو بعد ذلك إلى نابولي عام 1695م ليجد أن ديكارت قد تربع على عرش الفكر وسادت ~~فلسفته العقلية في جامعات نابولي، فكان إحساسه بعد العودة إحساس الغريب في وطنه، وبعد ~~أربع سنوات وفي عام 1696م تولى منصب كرسي البلاغة بجامعة نابولي، وظل في هذا المنصب حتى ~~عام 1741م. # عانى فيكو كثيرا من الفقر والأزمات المادية، وكان أجره زهيدا متواضعا فظل يأمل ms006 في ~~تحسين أحواله المادية، وتقدم عام 1717م لمسابقة أكاديمية للفوز بمنصب كرسي القانون ~~المدني الذي كان شاغرا ولكنه أخفق، ولم يكن إخفاقه في الفوز بهذا الكرسي لسبب يتصل ~~بكفاءته العلمية، بل كان راجعا لعدم معرفته بلعبة السياسة الأكاديمية التي لم يفكر في ~~خوضها؛ ولهذا عكف على بحث في القانون ليتقدم به في المسابقة التالية. # لم تكن كتابات فيكو حتى ذلك الوقت إلا بالتكليف من بعض الأمراء؛ إذ عهد إليه ابن أحد ~~الأمراء بكتابة تاريخ عمه مارشا كارافا # Marshat Carafa # ونشر هذا الكتاب عام 1716م، وقد ~~اطلع أثناء تأريخه لهذه الأسرة على كتاب جروسيوس (1583-1645م) «قانون الحرب والسلام»، ~~كما كلفته الدولة بتأريخ مؤامرة ماكيا # Macchia # فكتب مقالا لم ينشر. # وسعيا وراء الكسب وبدافع من الفقر والعوز وضع فيكو كتابات مرتبطة بمناسبات خاصة ~~كخطب المديح والخطب الجنائزية وقصائد الزفاف، بالإضافة إلى محاضراته في البلاغة ~~والخطب الافتتاحية التي بلغ عددها ست خطب كتبها باللغة اللاتينية وتبنى فيها مبادئ ~~تربوية تؤمن بتحديث التراث الإنساني، وقد نشرت إحدى هذه الخطب في كتاب تحت عنوان ~~«مناهج الدراسة في عصرنا» عام 1709م، ثم كتب بعد ذلك رسائل عن الشعر والشعراء مثل ~~دانتي، ورسائل عن ديكارت ورسائل دفاع عن العلم الجديد ضد معارضيه. وفي عام 1710م كان ~~كتابه «الحكمة الإيطالية القديمة» أول مؤلف يكتبه بدون تكليف وبغير ارتباط ~~بالمناسبات، وقد قدم فيه نظرية جديدة في المعرفة والميتافيزيقا (تعارض نظرية ~~ديكارت) رأى فيها ياكوبي # Jacobi ~~(1743-1819م) فيما ~~بعد حدسا بمذهب كانط في المبادئ القبلية للإدراك الحسي والعلم الطبيعي. # والواقع أن دراسات فيكو سواء كانت لغوية أو أدبية أو فلسفية أو قانونية أو تاريخية ~~كانت إرهاصا لفلسفة المجتمع البشري؛ ففي أثناء إعداد نفسه لكرسي القانون المدني الذي ~~خلا في يناير عام 1723م ألف المسودة الأولى لهذه الفلسفة تحت اسم «القانون العالمي» وجعل ~~شعاره عبارة مشهورة من كتاب «القوانين» لشيشرون (106-43ق.م.): «إن علم القانون ليس ~~مستمدا من قرارات إدارية، كما يعتقد أغلبية الناس، ولا من قانون الألواح الاثني عشر، ~~كما اعتقد ms007 البعض قديما، ولكنه مستمد من أعمق أعماق الفلسفة.» وأصدر فيكو مؤلفه «القانون ~~العالمي» في ثلاثة أجزاء، ظهر الجزء الأول منها عام 1720م والثاني عام 1721م والثالث عام ~~1722م، وكان أحد فصول هذا الكتاب بعنوان: «محاولة عن العلم الجديد». وتقدم فيكو بمؤلفه ~~هذا للمسابقة، ولكنه أخفق للمرة الثانية، ولعل من سخرية القدر أن يفوز في المسابقة أفاق ~~يدعى دومينيكو جنتيله # Domenico Gentile # وقد كان زير نساء يهتم بمغازلة الخادمات حتى ~~انتهت حياته بالانتحار مع إحداهن، ولم يسبق له أن كتب شيئا يستحق الذكر عدا محاولته ~~الوحيدة في وضع كتاب فشل بسبب انتحاله. ذهبت كل آمال فيكو في الفوز بهذا المنصب ولم يعد ~~الكرة مرة أخرى، وما كان منه إلا أن هجر اللغة اللاتينية، وهي لغة العالم الأكاديمي في ~~ذلك الحين، أي لغة المنصب الذي يشغله (كرسي البلاغة) والمنصب الذي كان يريد أن يشغله ~~(كرسي القانون المدني) وتحول إلى الإيطالية لغة أهله ومواطنيه. # وبشخصيته المثابرة العنيدة ارتفع فوق كل هذا الإحباط الذي صادفه في حياته، وآمن ~~بأنه قد اهتدى إلى فكرة علم جديد وضع يديه على بدايته بحيث لا يحتاج منه إلا أن ~~يؤصله ويتفرغ له. وبعد أن كان العلم الجديد فصلا في الجزء الأول من مؤلفه «القانون ~~العالمي» - الذي قال عنه جنتيله، منافسه في منصب القانون المدني، إنه غير مفهوم ~~ويكاد أن يكون ملحقا للدراسات التشريعية # 2 ~~- أفرد له فيكو مؤلفا خاصا وآمن في هذه الفترة بأن العناية الإلهية ~~وحدها هي التي هدته إلى هذا الكشف الجديد، وعكف على هذا المؤلف وبذل أقصى جهده حتى ~~انتهى من الجزء الأكبر من العلم الجديد في أواخر عام 1724م وأطلق عليه اسم «العلم ~~الجديد في صورته السلبية» وفيه ينقد أصحاب نظريات القانون الطبيعي، أمثال جروسيوس ~~وسيلدن وبافندروف (1632-1694م)، والمذاهب النفعية للرواقيين والأبيقوريين، كما يوجه ~~نقده لهوبز (1588-1679م) وإسبينوزا (1632-1677م) ولوك (1632-1704م) وفي ديسمبر من ~~العام نفسه حصل فيكو على تصريح من الكاردينال لورنسو كورزيني # Lorenzo Corsini # بإهداء الكتاب له، وقد وعده الكاردينال - كما جرت ms008 ~~العادة في ذلك الوقت - بتحمل نفقات الطباعة والنشر. # وبينما كان فيكو مشغولا بإتمام كتابه تلقى دعوة من أحد نبلاء البندقية بورشيا Porcia # 3 # لكتابة سيرته الذاتية، رفض فيكو في البداية عدة مرات إلا أنه وافق بعد ~~إلحاح، وبعد أن انتهى من إعداد كتابه «العلم الجديد في صورته السلبية» في 15 يوليو 1725م ~~وفي انتظار أن يفي الكاردينال بوعده كتب الجزء الأول من سيرته الذاتية، ولكن سوء الحظ ~~الذي لازم فيكو كظله صفعه مرة أخرى بتخلي الكاردينال عن وعده بتحمل نفقات الطباعة ~~والنشر. وقد كانت صفعة تعادل ضربة القدر عندما أخفق في الفوز بمنصب كرسي القانون المدني ~~قبل ذلك التاريخ بعامين. # واهتدى فيكو - أثناء تعثر الطبع والبحث عن ناشر - إلى أن الكتاب بمنهجه السلبي خطأ وأنه ~~لو أعيدت كتابته على أساس منهج إيجابي لاختصره لربع حجمه ولحقق بذلك كسبا عظيما. وآمن ~~فيكو أن إخلاف الكاردينال لوعده كان بتدبير من العناية الإلهية مرة أخرى حتى يصدر ~~الكتاب في صورة أفضل. وعكف على إعادة صياغة الكتاب طوال شهري أغسطس وسبتمبر فكانت ~~الطبعة الأولى بعنوان «مبادئ العلم الجديد الخاص بالطبيعة المشتركة بين الأمم والذي ~~يسمح باكتشاف مبادئ نسق آخر للقانون الطبيعي للشعوب». # 4 # واجتهد فيكو أن يصدر الكتاب بإمكانياته المتواضعة في أكتوبر عام 1725م ومعه ~~إهداء لنفس الكاردينال الذي نكث عهده معه من قبل. وأرسل له نسخة من الكتاب مع خطاب رقيق ~~يقول له فيه: «كنت أود أن أرسل لسموك نسخة في طباعة أفخم وتغليف أفخر وحروف أوضح ولكن ~~ضعف إمكانياتي لم يسمح لي إلا بهذا.» # 5 # بيد أن الكاردينال أهمل الكتاب ولم يقرأه بل أعطاه للماركيز ~~كابوني # Capponi ~~. وبعد موت هذا الأخير ظل الكتاب مع بقية مخلفات الماركيز في مكتبة الفاتيكان ~~حتى اليوم. # وفي ديسمبر عام 1725م وبعد نشر الطبعة الأولى من العلم الجديد كتب فيكو الجزء الثاني ~~من سيرته الذاتية، وهي سيرة طريفة يروي فيها تفاصيل مشوقة عن مراحل تطوره العقلي ~~والجهود المضنية التي بذلها لإخراج كتابه العظيم «العلم الجديد». غير أن ms009 هذا العمل ~~المبدع لم يلق من أبناء عصره إلا التجاهل والجحود، وقد عبر فيكو عن ذلك في رسالة له ~~لأحد أصدقائه الرهبان شرح له فيها كيف أن كتابه لم يجد صدى في مدينته ومسقط رأسه التي ~~وصفها بالتبلد، وأن من أهدى إليهم كتابه لم يترك لديهم أثرا ولا أدنى استحسان، وكأن ~~الكتاب قد سقط في صحراء قاحلة. ويذكر فيكو في رسالته أن كل أعماله السابقة كان لها ~~غايات محددة؛ وهي شغل أحد الكراسي بالجامعة، ولكن هذه الأخيرة اعتبرته غير كفء مما جعله ~~يعكف على عمله الجديد وهو الكتاب الوحيد الذي تمنى أن يبقى بعد موته. وقد أثبت التاريخ ~~صدق حدسه، وعبر في رسالته أيضا عما لقيه في حياته من سوء الحظ وطعنات الحقد وفساد ~~الحياة الثقافية في عصره، ولكنه بعد أن أتم كتابه شعر أن العناية الإلهية كانت رحيمة ~~به، وأنها قد توجت آلامه بتاج العلم الجديد مما جعله ينسى كل ما صادفه من عذاب وبؤس ~~وفقر وشقاء، فكتب يقول: «أمدني هذا الكتاب بروح بطولية حتى إنني لم أخش المنافسين بل ~~لم أعد أخشى الموت نفسه.» # ولم يمر يوم 10 مارس من عام 1728م إلا وأرسل فيكو الجزء الثاني من سيرته الذاتية ~~لبورشيا مع تصحيح وإضافات للجزء الأول، هذه السيرة التي لم تكن من قبيل السير الذاتية ~~الأدبية بل تميزت بطابع تعليمي يجعلها قدوة لطلاب المدارس وناشئة الباحثين. وفي العام ~~نفسه طلب منه الناشر إعادة طبع «العلم الجديد» في البندقية طبعة جديدة تكون أحسن حظا ~~في الطباعة والتغليف وبحروف أوضح مع كتابة شروح ومقدمة للكتاب تلقي الضوء على فكرته، # 6 # واعتكف فيكو ما يقرب من عام ونصف العام لإضافة تعليقات وهوامش للنص الأصلي ~~وأرسل إليه المخطوطة في أكتوبر عام 1729م، ولكنه اختلف مع الناشر على ما وصفه الأخير ~~بأنه تكرار غير مترابط للكتاب وإسهاب في التفاصيل فضلا عن صعوبة فهمه، مما دعا فيكو ~~إلى استعادة مخطوطته فكان هذا آخر عهده بالناشرين في البندقية. وبذلك واجه ما واجهه من ~~قبل عندما ms010 أخلف الكاردينال وعده، في الوقت الذي كان يعاني فيه من جحود النقاد وهجومهم ~~على العلم الجديد واعتلال صحته بجانب المتاعب التي واجهته في بيته؛ فقد كان له أربعة ~~أبناء لويزا الابنة الكبرى وكانت شاعرة مرهفة الحس، والابن الثاني وهو ابن عاق اقترف كل ~~الآثام فكان مصدر شقاء لأبيه الذي بذل ما في وسعه لتقويمه ووضعه على الطريق السليم ~~ولكن ضاعت جهوده هباء، وقضى الابن سنوات طويلة من عمره في السجن بعد أن طاردته الشرطة، ~~ولم يصغ لتوسلات أبيه للعدول عن طريق الضلال إلى أن مات هذا الابن في 1736م، وفي غمرة ~~شقاء الأب بعقوق ابنه الأكبر مرضت ابنته الصغرى مرضا شديدا حفر في نفسه حزنا عميقا؛ ~~لأنه كان شديد التعلق ببنتيه اللتين وجد فيهما عوضا عن ابنه الضال. أضف إلى هذا ما ~~سببه له هذا المرض من إرهاق مادي. # 7 # أما جنيارو ثالث أبنائه فقد شارك والده اهتماماته الفكرية إلى أن خلفه في ~~إلقاء محاضرات البلاغة في الجامعة. وعلى الرغم من هذه المعاناة تمكن فيكو بعناده ~~المعهود وإيمانه بعلمه الجديد من إعادة صياغة الكتاب بأكمله على أساس خطة جديدة، فكانت ~~الطبعة الثانية التي اختصر فيها العنوان عما كان عليه في الطبعة الأولى فأصبح «مبادئ ~~العلم الجديد الخاص بالطبيعة المشتركة للأمم»، # 8 # ونشرت هذه الطبعة الثانية في ديسمبر عام 1730م مطبوعة بصورة لم تكن أكثر ~~حظا من سابقتها ولنفس السبب وهو فقر مؤلفها. # في 17 مايو 1730م التحق فيكو بأكاديمية # Assorditi ~~، وكان قد التحق من قبل عام 1710م ~~بأكاديمية أركاديا # Arcadia # وهي أكاديمية علمية أدبية، وفي عام 1735م التحق بأكاديمية # Oziosi # وفي نفس العام عين مؤرخا ملكيا للملك شارل بوربون الذي غزا نابولي 1734م ~~وجدير بالذكر هنا أن مملكة نابولي تعاقب عليها ثلاثة نظم ملكية في عصر فيكو؛ فقد حكمها ~~نواب ملوك إسبانيا من عام 1509 إلى 1707م ثم حل الحكم النمسوي محل الحكم الإسباني من عام ~~1707م وحتى غزو شارل بوربون لنابولي 1734م. ويذكر بعض المؤرخين أن الحكم الملكي المستنير ms011 ~~ساد في عهد هذا الأخير. وفي عام 1741م بدأ فيكو يعاني من ضعف صحته وذاكرته فتوقف عن ~~دروسه الخصوصية وتوقف أيضا عن إلقاء محاضراته في الجامعة. وتقدم بطلب إلى الملك ليتابع ~~ابنه محاضراته في الجامعة، فخلفه ابنه الثاني جينارو # Gennaro # في الأستاذية. # وتوفر فيكو في آخر سنوات عمره على كتابة إضافات لسيرته الذاتية وأيضا إضافات ~~وتعديلات لكتابه الأساسي «العلم الجديد» وانتهى منها عام 1743م وأرسلها للمطبعة فكانت ~~الطبعة الثالثة عام 1744م، ولكنه توفي في يناير 1744م قبل أن يشهد الطبعة الثالثة لعلمه ~~الجديد الذي كان الهدف الأوحد لحياة مؤلفه فلم تكن السيرة الذاتية مجرد تتبع الخطوات ~~التي أدت به للوصول إلى العلم الجديد وإنما كانت أيضا، كما لاحظ كروتشه، تطبيقا للعلم ~~الجديد على حياة مؤلفه. # وقضى فيكو أيامه الأخيرة معتكفا في بيته هادئا صامتا في أحد الأركان، غير قادر - في ~~أحيان كثيرة - على التمييز بين الأشخاص أو الأشياء، وحين اقتربت النهاية استرد وعيه ~~وتعرف على أولاده الذين التفوا حوله. وحين شعر بقرب النهاية استدعى القسيس ليكون بجانبه ~~في اللحظات الأخيرة، وأخذ يصلي ويتلو مزامير داود إلى أن أسلم الروح في سلام في 20 ~~يناير 1744م. ولقد لاحقه سوء الحظ الذي لازمه في حياته حتى بعد وفاته؛ فقد كانت تقاليد ~~الجامعة الملكية تقضي بأن يصطحب الأساتذة رفات زميلهم الراحل لمثواه الأخير، وعندما ~~حانت ساعة الجنازة حضر زملاؤه الأساتذة وزملاؤه في الأكاديمية وتم نقل الرفات إلى فناء ~~الدار ووضعت عليه علامة الجامعة الملكية، ولكن ما لبث أن دب الخلاف بين زملاء الجامعة ~~وزملاء الأكاديمية؛ إذ رفض أعضاء الأكاديمية أن يحمل أساتذة الجامعة الجثمان وانتهى ~~الخلاف بانسحاب أعضاء الأكاديمية تاركين الجثمان، ولم يستطع أساتذة الجامعة الملكية أن ~~يقوموا بالطقوس الجنائزية بمفردهم فأعيد الجثمان إلى مكانه، وحزن ابنه جينارو حزنا ~~شديدا فقام في اليوم التالي بالاتفاق مع الكاتدرائية على نقل الجثمان إلى مثواه الأخير ~~وتحمل النفقات الزائدة، ودفن فيكو في ركن منزو من الكنيسة وظلت رفاته مجهولة وغير ~~معروفة حتى عام 1689م حين قام ms012 ابنه بعمل نقش على قبر والده وسجل في هذا النقش اسم ~~جامباتيستا فيكو أستاذ البلاغة الملكي والمؤرخ الملكي، كم كان رقيقا في حياته عظيما ~~في كتاباته، توفي في 20 يناير عام 1744م عن ستة وسبعين عاما. # 9 # وقد جمع ابنه جينارو السيرة الذاتية والإضافتين التاليتين لها اللتين لم تنشرا ~~ووجدتا بين أوراقه بعد وفاته عام 1806م وسلمها للماركيز فيلاروزا # Villarosa # الذي تعهد ~~بنشرها وألحق بها هو الآخر بعض الإضافات التي جمعها من بعض الروايات الشفوية وبعض ~~الإشاعات عنه. وأيا كان الرأي في هذه الإضافات فهي تعد المرجع الوحيد عن السنوات ~~الأخيرة من حياة فيكو. ~~(2) بداية التفكير التاريخي في القرن الثامن عشر # يعرف القرن الثامن عشر بأنه عصر التنوير وسيادة فلسفة عقلية تجريبية تتخذ من ~~الميتافيزيقا والدين موقفا نقديا حرا، وتهتم بالرياضة والفلك والطبيعة والكيمياء ~~والتاريخ الطبيعي والجغرافيا والطب، فلسفة تؤمن بالتقدم وتسعى إلى التجديد في كل شيء، ~~تحدوها ثقة مطلقة في العقل ويدور التفكير فيها حول الإنسان؛ ولهذا كان الاهتمام ~~بالتاريخ في هذا القرن مظهرا من مظاهر الاهتمام بالإنسان. # 10 # وتعد سيطرة النزعة الإنسانية في هذا القرن رد فعل لما ساد أوروبا في ~~العصور الوسطى من سيطرة الكنيسة وقتلها روح الاجتهاد بنظرتها للإنسان كمخلوق ضعيف ~~وتسليمها بعجز العقل البشري وضعف الإرادة الإنسانية مما جعل الإنسان بحاجة إلى عقل أسمى ~~من عقله وإرادة أقوى من إرادته ألا وهما العقل الإلهي والإرادة الإلهية التي تسير ~~التاريخ البشري. كانت إحدى النتائج المترتبة على هذا التفكير، كما يقول كولنجوود # 11 ~~(1889-1943م) في كتابه «فكرة التاريخ»، أن المؤرخين زعموا بأن في مقدورهم ~~التنبؤ بالمستقبل وأنهم انصرفوا إلى البحث عن جوهر التاريخ خارج نطاق التاريخ نفسه، ~~وبذلك انصرفوا عن أعمال الإنسان للبحث عن الخطة التي رسمتها المقادير لتوجيه أحداث ~~التاريخ. # هكذا كانت المشكلة الرئيسية التي عرض لها التفكير في ذلك الوقت تتعلق بفلسفة الأديان، ~~فتناولت الصلة بين الله والإنسان، وانتشر التفسير الديني الذي ساد فيه الإيمان على ~~العقل، كما يقول القديس أنسلم (1033-1109م): «أنا لا أعقل ms013 لأومن وإنما أومن لأعقل.» وبذلك ~~جعل العقل تابعا للإيمان يسبح بتعاليمه ولا يجد منه مخرجا، ويجعل نفسه حبيس الحدود الدينية. # 12 # ولما جاء القرن السادس عشر انصرف الفكر إلى وضع أسس العلوم الطبيعية، وكان الموضوع ~~الرئيسي الذي عرضت له الفلسفة هو العلاقة بين العقل الإنساني، بوصفه أداة التفكير، وبين ~~الكون المادي من حوله بوصفه موضوع التفكير؛ ومن ثم جاء التفكير التاريخي - على الرغم من ~~الاهتمام بالماضي والتراث - تفكيرا بدائيا ضعيفا من حيث النقد والتحليل فلم يستهدف ~~الدراسة العلمية الدقيقة للحقائق التاريخية، حتى جاء القرن الثامن عشر فبدأ الاهتمام ~~بدراسة التاريخ على أسس من النقد والتحليل ولم تكن حركة الاستنارة، كما قال كولنجوود، # 13 # ثورة ضد سلطان الديانة التقليدية فحسب، بل ضد الدين كيفما كان؛ فقد اعتبر ~~فولتير (1694-1778م) نفسه قائد حملة تستهدف القضاء على المسيحية؛ إذ اعتبر أن الدين ~~دالة على كل ما هو رجعي بربري في الحياة الإنسانية. كان هدف عصر التنوير إنهاء العصر ~~الديني في تاريخ الحياة البشرية وبداية عصر جديد متعقل، وكان القرن الثامن عشر بداية ~~التفكير الحر بالقدر الذي سمح بتقديم علوم كثيرة منها العلوم التجريبية والدراسات ~~التاريخية. وإذا كانت فلسفة التاريخ لم تظهر بصورة واضحة إلا في القرن الثامن عشر على ~~يد فيكو، إلا أن هناك بدايات للتفكير التاريخي قبل ذلك ساعدت فيكو بطريقة غير مباشرة ~~على بلورة أفكاره الرئيسية في فلسفة التاريخ، على الرغم من أن هذه البدايات يمكن أن ~~توصف بأنها إرهاصات ساذجة لم تتخذ الشكل العلمي وإن كانت دفعات قوية للاهتمام بالدراسات ~~التاريخية كما في حركة الإصلاح الديني التي تزعمها مارتن لوثر (1483-1546م). # وإذا كانت حركة الإصلاح الديني قد ساعدت، كما ساعد أصحاب النزعة الإنسانية بوجه ~~عام، على إحياء تراث المؤلفين والكتاب القدامى والاقتداء بنماذجهم ونشر مخطوطاتهم وتيسيرها ~~للعلماء والدارسين، فإن حركة الإصلاح المضادة قد اضطرت هي الأخرى إلى محاربة ~~التاريخ بالتاريخ، مما اتضح أثره في تأسيس علوم تاريخية مساعدة كعلم النقوش أو ~~الكتابة القديمة الباليوجرافيا Paleography # الإغريقية واللاتينية الذي أسسه كل ms014 من مابيلون # Mabillon # ومونتفيكون # Montfaucon ~~، ~~فنشر مابيلون كتابه عن الوثائق # De re diplomatica # عام 1681م ووضع فيه نظام الوثائق والباليوجرافيا اللاتينية، ~~والباليوجرافيا اللاتينية، وبعدها بأربع سنوات - وكان فيكو يبلغ من العمر سبعة عشر ~~عاما - عكف مابيلون في نابولي على البحث عن الكتب والمخطوطات، وحضر مونتفيكون ~~أيضا لنابولي عام 1698م وصدر كتابه «النقوش الإغريقية» Palacographia Gracca # عام ~~1708م وقد قدم كلاهما إسهامات في التاريخ الفرنسي وتجاوزت أعمالهما في عصر فيكو كل ~~الأعمال السابقة لها من حيث الدقة والشمول. # 14 # ولا بد من القول إن كل ما تمخضت عنه حركة الإصلاح الديني والإصلاح المضاد لم يؤد إلى ~~دراسة التاريخ بالمعنى الحديث ولم يتعد تهيئة الأدوات والمواد المساعدة على دراسته، كما ~~يمكن القول بأن نشأة الدول القومية الأوروبية وحاجتها إلى مؤرخين قد جعلت المؤرخين ~~الإيطاليين يتأثرون بفيلسوف العصر ليبنيز (1646-1716م) فكتب موراتوري # Muratori # الذي كان ~~أمين مكتبة نابولي، تاريخ أسرة إسته # Este # على غرار التاريخ الذي كتبه ليبنتز لأسرة ~~برونشفيك # Brunswick # ولكن ظلت الغاية الأساسية من التاريخ عند ليبنتز مثل الغاية ~~النهائية من الشعر أن يعلمنا الحكمة والفضيلة عن طريق الأمثلة التي يقدمها لنا من خلال ~~التاريخ وأن يعرض الرذيلة في صورة تدعو إلى تجنبها وكراهيتها. ساهم أصحاب النزعة ~~الإنسانية في عصر النهضة في نشر مؤلفات الكتاب القدامى وبعث التراث الكلاسيكي في ~~البلاغة والأدب والنحو والفلسفة والتاريخ، فاهتموا بنشر كتابات المؤرخين الرومان مثل ~~ليفيوس (59ق.م.-17م) وتاسيتوس (55-120م) لاستخلاص ما فيها من عبرة وقيم تربوية ~~وتعليمية وأخلاقية، وتاريخ بلوتارك (46-190م) الذي يزخر بالشخصيات العظيمة مثل الإسكندر ~~وهانيبال وقيصر، غير أن النزعة الإنسانية قد اقتصرت على النظر للتاريخ نظرة عملية ~~أخلاقية بحيث لم تظهر لديها النظرة العلمية. # ثم كان كتاب بيكون (1561-1626م) «تقدم العلم» بداية الانتقال من الناحية الفلسفية إلى ~~الناحية التاريخية، من النظر إلى العمل، وفيه وجه بيكون الأنظار إلى ضرورة الاهتمام ~~بالتاريخ بجانب الاهتمام بالأخلاق. وبالرغم من قول بيكون: «إن المعارف كالأهرامات ~~قاعدتها التاريخ.» إلا أنه لم ينظر للتاريخ بوصفه مبادئ لفلسفة أخلاقية ms015 وتم الانتقال من ~~النظر للتاريخ كمصدر للعظة الأخلاقية والتربوية، واعتباره رصيدا نافعا يستخلص منه ~~القدوة والمثل، إلى الاهتمام بدراسة الوقائع التاريخية نفسها وكيفية دراسة التاريخ ~~دراسة علمية. # 15 # ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن هذا التحول بدأ عند هوبز متأثرا بما وصلت ~~إليه علوم الطبيعة من الدقة والإحكام، فتطور علوم الطبيعة ووصولها إلى اليقين والدقة ~~والإحكام في مناهجها على أيدي رواد العلم الحديث خاصة جاليليو وبعده نيوتن، جعل ~~المؤرخين يحاولون بالتدريج أن ينظروا إلى عملهم نظرة علمية ويحاولوا أن يصلوا فيه إلى ~~اليقين. # واستمر هذا الانتقال إلى النظرة العلمية للتاريخ عند الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز؛ ~~فقد تحول في بداية حياته عن المناهج المدرسية وتعمق دراسة الكتاب القدامى من إغريق ~~ورومان، وخاصة المؤرخين والشعراء والفلاسفة وبوجه أخص مؤلفات أرسطو في الأخلاق ~~والسياسة، واتجه إلى هوميروس وترجم الإلياذة ، واهتم بقراءة توكيدوديس (460-396ق.م.) ~~الذي اعتبره أهم المؤرخين السياسيين وترجم كتابه عن الحرب الأهلية (البليبونيزيه) بين ~~أثينا وإسبرطة، وكان هوبز عند ترجمته هذا الكتاب لا يزال ينظر للتاريخ من ناحيتيه ~~الأخلاقية والتربوية ويؤكد على أهمية دراسة الماضي بالنسبة للحاضر والمستقبل. ثم عكف ~~هوبز بعد ذلك على دراسة إقليدس (365-300ق.م.) وجاليليو (1564-1642م) وتوصل إلى نظرية ~~في المعرفة قابل فيها بين العلم باعتباره معرفة بالنتائج أو معرفة مشروطة وبين المعرفة ~~المطلقة أو معرفة الوقائع التي يسجلها التاريخ، ولكنه ظل حتى النهاية على رأيه في أن ~~التاريخ ليست له إلا قيمة أخلاقية بل لقد استبعد المعرفة التاريخية من كتابيه «التنين» ~~و«الجسم» ثم انتهى إلى رأي في التاريخ يشبه رأي ديكارت، الذي يحتمل أن يكون قد تأثر ~~به، وهو أن التاريخ مجرد حكايات يمكن أن تساعدنا، كما تساعدنا الأسفار والرحلات، على ~~تكوين أحكامنا والارتقاء بعقولنا وتعريفنا بعادات الأمم الأخرى، ولكن الإمعان في قراءة ~~التاريخ قد يجعل صاحبه يعرف العادات السيئة في الماضي مع جهله كل الجهل بالعادات ~~السائدة في الحاضر، وقد انتهى الأمر عند ديكارت (1596-1650م) إلى التفرقة بين المعرفة ~~العقلية الدقيقة القائمة على أسس رياضية وبين المعرفة ms016 التي تقوم على الخبرة البشرية كما ~~نجدها في معرفة اللغات والتاريخ والجغرافيا التي تثقل في رأيه ذاكرة الإنسان بأعباء غير ~~ضرورية وبذلك يكون ديكارت قد تشكك في القيمة العلمية للتاريخ وقلل من شأنه. # والخلاصة أن حركة الإصلاح الديني والإصلاح المضاد ونشأة الدول القومية ساعدت جميعا ~~على دراسة التاريخ كما ساعدت على إحياء البحث التاريخي والاهتمام بالمؤرخين والكتاب ~~القدامى بحيث ظهرت مؤلفات عديدة كانت في الواقع مجاميع تضم ذخيرة من الوثائق والنقوش ~~القديمة، ولكنها لم تكن تاريخا بالمعنى الدقيق، أضف إلى هذا ما ذكرناه من قبل من أن ~~أصحاب النزعة الإنسانية قد شجعوا الإقبال على دراسة التاريخ القديم أو بالأحرى نشر كتب ~~المؤرخين القدامى ولفتوا الأنظار إلى فائدة التاريخ، لكن المؤرخين الذين كتبوا بهذا ~~الأسلوب لم تكن كتاباتهم دقيقة ولم تكن لهم دراية بالوقائع التاريخية، أما نزعة الشك في ~~أصالة الوثائق التاريخية - وهي النزعة التي تأثرت بشك ديكارت - فلم ترق إلى مستوى الشك ~~النقدي أو المنهجي، ولم تحاول أن تضع الفروض التي تختبرها بطريقة صحيحة بحيث انصب ~~اهتمام المؤرخين في تلك الفترة على معرفة ما تم في الماضي لا على معرفة كيف تم وكيف ~~تطور حتى وصل إلى حالته، أي أنه لم يخرج من الرواية التاريخية إلى التفسير والتعليل ~~وبالتالي تفسير حركة التاريخ على أساس فروض ومبادئ تبين وجهته ومساره. # ولعل الكتاب الذي جمع بين هاتين الناحيتين هو كتاب جانونه P. Giannone # عن التاريخ ~~المدني لمملكة نابولي، فكان الكتاب الوحيد الذي قدم تاريخا عاما اهتم فيه بالقوانين ~~والنظم الاجتماعية كما أكد نظريته النقدية، خاصة فيما يتعلق بتاريخ السلطة الكنسية، وقد ~~نشأ فيكو في نفس البيئة الثقافية التي نشأ فيها جانونه فكانت نابولي في ذلك الحين ~~مزدهرة بالثقافة والتفكير الحر والحماس الوطني وانتعشت فيها الفلسفة الأبيقورية والنزعة ~~الذرية. ~~(3) الاتجاهات الفكرية في فلسفة فيكو # هكذا نشأ فيكو في المجتمع الإيطالي في زمن كانت فيه نابولي ملتقى تيارات ثقافية ~~عديدة، فدرس في صباه المذهب الذري والأبيقوري، الذي كانت نابولي في ذلك الحين مركزا ~~له، ms017 وتأثر تأثرا كبيرا في بداية حياته بالفلسفة الذرية القديمة عند ديمقريطس وأبيقور ~~ولوكريتوس (94 / 99-51 / 55ق.م.) وخاصة هذا الأخير، يظهر هذا جليا في قصيدته «عواطف يائس» ~~التي كتبها في شبابه المبكر عام 1692م متأثرا بدراساته للوكريتوس وقصيدته الكبرى «طبائع ~~الأشياء» وعبر فيها عن تأثره بشخصية هذا الشاعر الروماني ومزاجه المكتئب، وقرأ ~~الكلاسيكيين أمثال أفلاطون وأرسطو وتاسيتوس. كما توفر كذلك على دراسة مذاهب السابقين ~~لعصر النهضة ورواد النزعة الطبيعية الحديثة (أمثال تيلزيو وبرونو وكامبانيلا) كما أثر ~~عليه المنهج العلمي التجريبي عند جاليلو وبيكون وبويل (1627-1692م) تأثيرا قويا. ولا ~~ننسى أن هذا العصر هو عصر سيادة الفلسفة العقلية لديكارت وهوبز وأن الفكر المسيطر كان ~~فكر ديكارت ومعارضه جاسندي (1592-1655م) اللذين لم يجتمعا إلا على شيء واحد ألا وهو ~~معارضتهما لأرسطو وجالينوس (129-199م) والمدرسيين. # كل هذه التيارات الفكرية مجتمعة كانت هي الفكر السائد في أواخر القرن السابع عشر ~~وأوائل القرن الثامن عشر، وهي الفترة الزمنية التي عاشها فيكو والتي انتشرت فيها تيارات ~~فلسفية جديدة للإعلاء من شأن العلم وتمجيده، ولم تكن مراكز هذه الدراسات الجديدة في ~~الأديرة أو الجامعات، وإنما كانت في بعض الصالونات الأدبية والأكاديميات التي أسسها ~~رواد النهضة الإيطالية على نمط الأكاديميات العلمية في فرنسا وإنجلترا. واتهم أنصار ~~الفلسفة الجديدة من قبل الكنيسة بالإلحاد وقدم بعضهم لمحاكم التفتيش التي كانت تجثم على ~~الأنفاس في ذلك الوقت. وإذا كان فيكو لم يذكر شيئا عن محاكم التفتيش في سيرته الذاتية ~~رغم نشاطها في نابولي طوال فترة حياته، إلا أن كتاباته لا تفهم إلا من خلال هذه ~~الخلفية القاتمة؛ فقد مزقت المدينة نتيجة الصراع بين المكاتب المقدسة الإسبانية ~~والرومانية التي أخذ الأهالي يقاومونها مطالبين بإبعاد محاكم التفتيش، وقد انعزلت محاكم ~~التفتيش الإسبانية قبل مولد فيكو، ولكن المحاكم البابوية أو الكاثوليكية استمرت طوال ~~حياته وحتى بعد مماته، ثم لم تلبث هذه المحاكم الأسقفية أن لجأت إلى نفس الأسلوب الذي ~~اتبعته محاكم التفتيش. # وفي عام 1688م قدم بعض أصدقاء فيكو المقربين إلى هذه المحاكم بتهمة الزندقة. ms018 عاش فيكو ~~إذن فترة الإرهاب الديني والفكري التي تصدت فيها محاكم التفتيش للنهضة الإيطالية وكادت ~~أن تخمد أنفاسها، ولعل هذا - كما يؤكد بعض الباحثين - أن يكون هو سبب لجوء فيكو إلى حجب ~~أفكاره بدلا من توضيحها، واستخدام أسلوب يغلب عليه الغموض ولا سيما في المواضع التي ~~احتاج فيها إلى إخفاء نزعاته الفكرية عن محاكم التفتيش أو الحكام المستبدين الأجانب من ~~ملوك نابولي سواء كانوا من الإسبانيين أو النمسويين، وإذا كان فيكو يزعم في سيرته ~~الذاتية أنه نأى بنفسه عن الفلسفة الجديدة أثناء وجوده في فاتولا من 1686 إلى 1695م، إلا ~~أن الواقع يشهد أنه لم يمض عام حتى حضر إلى نابولي وعاش بالقرب من هذه الفلسفة وعلى ~~صلة بها طوال فترة شبابه، وتمثلت مبادئها في تطوره الفكري وتأثره بالمفكرين القدامى ~~والمحدثين ابتداء من ديمقريطس (460-371ق.م.) وأبيقور (341-270ق.م.) ولوكريتوس حتى ~~ديكارت. وعلى الرغم من انتقاده الشديد للفلسفة الديكارتية إلا أنه ظل ديكارتيا حتى سن ~~الأربعين، وهي السن التي تسجل بداية تبلور أفكاره بوضوح وظهور مبدئه الأصلي. والغريب أن ~~أعظم من نقد ديكارت كان هو نفسه أعظم ديكارتي في إيطاليا. وحتى إذا صدقنا زعمه باعتزال ~~الحياة الثقافية لمدة تسع سنوات في فاتولا، فقد كان متأثرا بديكارت وحياته المتوحدة ~~أثناء إقامته في هولندا؛ إذ قال عن نفسه إنه كتب «المقال في المنهج» بعيدا عن كل ~~أصدقائه معتزلا كأنه يعيش في الصحارى المقفرة. # وفي الفترة بين سنتي 1699 و1706م كان فيكو لا يزال يشارك ديكارت ومالبرانش (1638- ~~1715م) في ازدرائهما للتاريخ الذي لم يرق في نظرهما إلى مستوى العلم كما عبر عن ذلك في ~~إحدى محاضراته، ولكنه بدأ يتخلص من تأثير ديكارت بعد ذلك بعشر سنوات، بل بدأ يستنكر ~~أحكامه على علم اللغة على الرغم من اعترافه بفضله في تحرير العقول من سلطان أرسطو ~~ومناهج المدرسيين، ويكفي أن نذكر سخريته من ديكارت في هذه العبارة: «لقد أصبحت دراسة ~~اللغات هذه الأيام تعد في نظر الناس شيئا عقيما لا فائدة منه، ويرجع هذا إلى سلطان ~~ديكارت ms019 الذي يقول إن من يعرف اللغة اللاتينية لن يعرف أكثر مما كانت تعرفه خادمة ~~شيشرون.» # أخذ فيكو بعد تخلصه من تأثير ديكارت يستعيد في ذهنه عداوته السابقة للتاريخ التي كان ~~متأثرا فيها بديكارت، ويكفي أن نقرأ الفقرة التالية من فصل بعنوان «محاولة عن العلم ~~الجديد» في كتابه «القانون العلمي» عام 1721م لنرى كيف يسخر من إهمال الفلاسفة لعلم ~~اللغة وكيف ينصحهم بالتعمق فيه واستنباط مبادئه الفلسفية: «لقد ظللت طوال حياتي أجد ~~السعادة في استخدام العقل أكثر من استخدام الذاكرة، وكلما ازددت معرفة في علم اللغة ~~ازددت إحساسا بجهلي، وكان يبدو لي في ذلك الحين أن ديكارت ومالبرانش كانا على حق عندما ~~قالا إن التعمق في دراسة اللغة يضر بالفيلسوف ولا يلائمه، ولكنه كان من الواجب على هذين ~~الفيلسوفين المرموقين أن يشجعا الفلاسفة على دراسة علم اللغة وأن يبحثا إمكانية رد هذا ~~العلم لمبادئه الفلسفية.» # 16 # وإذا كان هذا يدل على شيء فإنما يدل على اقتناعه في تلك الفترة بأن دراسة اللغة شرط ~~لا غنى عنه لدراسة القانون واللاهوت، بل ولتحقيق مجد المسيحية قبل مجد الفلاسفة. أضف ~~إلى هذا أنه بدأ في هذه الفترة يفكر في علمه الجديد الذي سيعتمد على المنهج اللغوي ~~اعتمادا كبيرا في تحليلاته لأصول الكلمات ودلالتها على نشأة الأنظمة الاجتماعية. ~~(4) موقف فيكو من فلسفات عصره ~~(4-1) موقفه من الفلسفة الديكارتية # كانت نقطة الانطلاق في فلسفة فيكو هي نقده لنظرية المعرفة الديكارتية، فقدم نظرية ~~جديدة تعارض بوضوح نظرية المعرفة الديكارتية واحتقار ديكارت ~~للدراسات الإنسانية # Litterae Humanitores # وخصوصا اللغات والتاريخ، وتنم معارضته لديكارت عن معرفة لكتابي ~~«المقال في المنهج» و«قواعد لهداية العقل». وقد كانت بداية ظهور هذه النظرية في الخطبة ~~الافتتاحية التي ألقاها عام 1708م عند توليه منصب التدريس في الجامعة بعنوان «مقارنة ~~المناهج الدراسية القديمة والحديثة» ونشرها عام 1709م في كتابه «مناهج الدراسة في ~~عصرنا»، وكان رأيه أنه إذا كان المحدثون قد أدخلوا إصلاحات كبيرة على العلوم الطبيعية، ~~فقد قللوا من شأن الدراسات التي تقوم على الإرادة الإنسانية ms020 مثل اللغات والشعر والبلاغة ~~والتاريخ والتشريع والسياسة، بل حاولوا أن يطبقوا المنهج الرياضي والهندسي على علوم لا ~~تصلح لهما. # ونمت هذه البذور الأولى وتفتحت في شكل نظرية متكاملة للمعرفة أفرد لها كتاب «الحكمة ~~الإيطالية القديمة» (1710م) ومنه انطلق في هجومه على نظرية المعرفة الديكارتية وخاصة ~~نظرتها للتاريخ كمجموعة من الحقائق المضطربة وسلسلة رديئة من الحكايات السخيفة. # هاجم فيكو الأسس الثلاثة التي استند إليها ديكارت؛ أولا: الكوجيتو الديكارتي الشهير ~~الذي يستند إلى الوعي الذاتي كمبدأ أول لليقين؛ فالكوجيتو في رأي فيكو لا يلغي الشك ولا ~~يقدم أساسا للعلم؛ لأن الشاك يكون على يقين كاف من تفكيره ووجوده معا ولكن يقينه هو ~~يقين الشعور البسيط لا يقين العلم، إن الكوجيتو يترك الأمر على هذه الحال، غير أن معيار ~~الحقيقة كما يراه فيكو هو صنعها؛ لأن ما نعرفه ونحن على يقين منه هو ما نفعله؛ فالفعل ~~الإنساني لا الوعي الذاتي هو مبدأ الحقيقة في علم التاريخ، وليست الأفكار الواضحة ~~المتميزة للعقل هي معيار الحقيقة كما رأى ديكارت، وإنما المعيار هو صنع الحقيقة؛ ولهذا ~~فإن الفكرة الواضحة المتميزة لا تصلح لأن تكون معيارا لحقائق أخرى، بل لا تصلح أيضا ~~في رأيه لأن تكون معيارا لحقيقة العقل نفسه؛ لأن العقل عندما يتأمل أو يفهم نفسه لا ~~يصنع نفسه، ولأنه لا يصنع نفسه فهو يجهل الشكل أو الأسلوب الذي يفهم به نفسه. ثانيا: ~~أدلة وجود الله التي تستند إلى وجود معرفة أولية سابقة على التجربة. نقد فيكو كذلك ~~الأدلة العلمية المزعومة على وجود الله، ولعله قد سبق كانط في هجومه على الميتافيزيقا ~~التأملية الدوجماطيقة التي تزعم أنها تثبت وجود الله بأدلة عقلية بحتة، ويكفي أن نقرأ ~~هذه العبارة لفيكو في «الحكمة الإيطالية القديمة»: «إن الذين يحاولون أن يثبتوا وجود ~~الله بصورة قبلية يرتكبون إثم الفضول البعيد عن التقوى والورع؛ لأن من يفعل ذلك يجعل من ~~نفسه إلها يصدر حكمه على الله وبذلك ينكر الوجود الإلهي الذي كان يبحث عنه.» ثالثا: ~~اليقين الرياضي كمعيار للوضوح والبداهة وبالتالي ms021 كمعيار للحقيقة، لم يطعن فيكو في صدق ~~المعرفة الرياضية وإنما طعن في نظرية ديكارت للمعرفة بما تضمنته من إنكار ألوان أخرى من ~~المعرفة؛ لذلك طعن في مبدأ ديكارت القائل بأن مقياس صدق المعرفة هو الفكرة الواضحة ~~المتميزة، وزعم أن هذا المقياس إن هو إلا مقياس ذاتي سيكولوجي، فإن ظهر لي أن أفكاري ~~واضحة ففي هذا دليل تصديقي لها. ويرى فيكو أن أية فكرة مهما تكن خطأ قد تكون باعثة على ~~اقتناعنا بها ما دامت واضحة كل الوضوح في حين أنها لا تعدو أن تكون من قبيل الخرافة ~~التي لا أساس لها؛ ولهذا يرى أن ما نحتاج إليه هو قاعدة نستطيع قياسا إليها أن نميز ~~بين ما يمكن معرفته وما لا يمكن. # 17 # إن الأساس الذي يقوم عليه يقين القضايا الرياضية التي أخذها ديكارت وأتباعه مقياسا ~~للبداهة، ليس في الواقع في البداهة ذاتها بل في أن النظم الرياضية هي نظم صنعها البشر ~~أنفسهم؛ فالحقائق الرياضية تعلو على التناقض لأنها تصورات واصطلاحات تحكمها رموز وقواعد ~~هي من صنع البشر. والرياضة علم ابتكره الإنسان بعقله؛ لذا فإن اليقين الرياضي ليس مسألة ~~بداهة ووضوح كما زعم ديكارت، وإنما هو علم بنائي أو افتراضي وضعه عالم الرياضيات. وقد ~~أدى الأمر بديكارت إلى اعتبار العلوم يقينية بقدر ما تطبق المنهج الرياضي، وأدى هذا ~~بدوره إلى تصور أن العلوم التي لم تقتصر على التجريدات الرياضية وحدها أقل يقينا؛ ~~فالميكانيكا أقل يقينا من الهندسة والحساب، والفيزياء أقل يقينا من الميكانيكا، وعلم ~~النفس والتاريخ أقل يقينا من الفيزياء، وهكذا ... # ويؤكد فيكو أن علم الفيزياء لا يقترب من العلم الحقيقي بتطبيق المنهج الهندسي على ~~طريقة ديكارت، بل باستخدام المنهج التجريبي الذي طبقه كل من فرنسيس بيكون وجاليليو، ~~ويرجع هذا في رأيه إلى أن العالم الذي يقوم بتجربة ما، يخلق الظروف التي يجمع فيها ~~مشاهداته. كان رأي فيكو هذا سابقا لأوانه وغريبا على عصره لأنه يختلف عن الرأي العام ~~السائد حينذاك؛ لذا لم يتنبه أحد لأهمية أفكاره إلا بعد مرور ما ms022 يقرب من مائة عام على ~~موته. # هكذا ميز فيكو بدقة بالغة بين الحقيقة التي نحصل عليها من الرياضيات والحقيقة التي ~~تخص العلوم التجريبية كالطبيعة؛ فالطبيعة بالضرورة أقل يقينا من الرياضيات لأن الطبيعة ~~من صنع الله؛ ولهذا فهو وحده القادر على معرفتها معرفة تامة. ويرى الأستاذ إميل برييه ~~في كتابه تاريخ الفلسفة أن الفكرة الواضحة في نظر فيكو هامة بدون شك ولكنها محدودة، وهي ~~تصور خاص بالرياضيات والمفاهيم الذهنية المجردة، ولكنه يعود في موضع آخر فيؤكد أن ~~الوضوح والتميز رذيلة وآفة للعقل البشري أكثر منه فضيلة، وأن الفكرة الواضحة فكرة ~~محدودة وقاصرة، إن إحساسي بالألم على سبيل المثال إدراك لا أعرف شكله ولا حدوده، ~~والإدراك اللامتناهي يشهد على عظمة الطبيعة البشرية، هذا الجانب الغامض اللامتناهي من ~~الطبيعة الذي يدركه كل المؤرخين والشعراء بالحدس والذي يفسر حياة الإنسان الدينية ~~والسياسية والأخلاقية هو موضوع فيكو في كتابه «العلم الجديد في الطبيعة المشتركة للأمم». # 18 # ويرى كل من # Bergin, Fisch # في مقدمتهما لكتاب فيكو «مناهج الدراسة في عصرنا» أن نقد ~~فيكو للديكارتية ينحصر في النقاط التالية: (1) إنكار قدرة المنهج الذي عرضه ديكارت في ~~المقال على الكشف والاختراع. (2) اتهام هذا المنهج بأنه أحادي الجانب أي أنه يهتم بجانب ~~واحد في الإنسان وهو العقل. (3) تأكيد فيكو أن المنهج التأليفي متفوق على المنهج ~~التحليلي ورفضه أن ترد الفيزياء بل والفسيولوجيا والكونيات إلى الرياضيات، والهدف من ~~هذا كله تأكيد أن الإنسان شخصية متكاملة، وأنه ليس عقلا فحسب بل خيال وانفعال وعاطفة؛ ~~فنقد فيكو لديكارت يقوم على تأكيد البعد التاريخي والاجتماعي للإنسان. ولعل أصالة فيكو ~~تكمن في هذه النقطة، وهذا ما وضحه فيكو في الفصل الخامس من «مناهج الدراسة في عصرنا». # 19 # وينتهي فيكو من نقده لنظرية المعرفة الديكارتية إلى أن دراسة التاريخ تختلف عن دراسة ~~الرياضيات والطبيعة؛ فالفلسفة الديكارتية تقف عقبة في سبيل البحث التاريخي نظرا لإغفال ~~ديكارت دور التجربة، والقول بفطرية الأفكار الواضحة يعزلنا عن الواقع. فكيف نطبق ذلك ~~على التاريخ؟ هل نتصور أفكارا ثم نزعم أن ms023 هكذا كان مجرى التاريخ؟ # 20 # إن فكرة موضوع التاريخ قد تبلورت لأول مرة لدى فيكو في نظرته إلى العملية ~~التاريخية بوصفها عملية تمكن الإنسان من ابتكار النظريات الخاصة باللغة والعادات ~~والقانون والحكومة، أي أنه ينظر إلى التاريخ بوصفه نشأة الجماعات الإنسانية وأنظمتها ~~وتطورها، لقد خلق الإنسان صرح الحياة الاجتماعية من العدم؛ لهذا كانت كل صغيرة أو كبيرة ~~في هذا الصرح عملا من أعمال الإنسان يعرفه العقل على حقيقته حق المعرفة. ~~(4-2) موقف فيكو من أصحاب نظريات القانون الطبيعي # على الرغم من أن فيكو كتب ونشر في القرن الثامن عشر إلا أن طفولته كانت في القرن ~~السابع عشر، هذا القرن الذي تميز بالنزعة العقلية والعلمية وبناء المذاهب الفلسفية ~~الشامخة، وقد ساعدت البيئة الثقافية التي عاش فيها فيكو على إثارة طموحه لإيجاد علم ~~جديد للمجتمع البشري يؤدي لعالم الأمم ما أداه جاليليو ونيوتن لعالم الطبيعة. # وقد اطلع فيكو أثناء كتابته لتاريخ أسرة كارافا # Carafa # على الكتاب المشهور «قانون ~~الحرب والسلام» لجروسيوس ليهيئ نفسه لكتابة التاريخ العالمي الذي دفع لكتابته أثناء ~~تأريخه لهذه الأسرة، ونبهته قراءته لجروسيوس إلى أن الفلسفة وفقه اللغة يجب أن يتحدا ~~ليقيما نسق القانون العالمي، وقاده جروسيوس إلى أصحاب نظريات القانون الطبيعي سيلدن ~~وبافندروف، ثم قاده نقد بافندروف لهوبز إلى الاطلاع على هوبز نفسه، ومن هؤلاء جميعا، ~~جروسيوس وبافندروف وهوبز، أيقن أن مؤسسي المجتمع المدني الأول لم يكونوا فلاسفة ولم ~~تنشأ المجتمعات الأولى من الحكمة الفلسفية العميقة، كما كان يعتقد قديما، ولكن ~~الإنسان الوحشي البعيد عن الحضارة هو الذي دفعته غرائزه الفطرية ورغبته في البقاء ~~وحاجاته ومنافعه الضرورية إلى أن يتطور مع الزمن فيصبح إنسانا اجتماعيا ويضع أول حجر ~~في بناء الحضارة. # تصدى فيكو لنقد نظريات القانون الطبيعي لأن أصحابها في رأيه قد وقعوا في خطأين ~~أساسيين؛ أولا: افتقارهم للحس التاريخي أو الرؤية التاريخية؛ إذ سلموا في مناقشتهم ~~لأصول المجتمع البشري والمؤسسات الاجتماعية بسكون الطبيعة البشرية وجمودها وأنها طبيعة ~~غير متغيرة فكانت مناقشاتهم ضربا من الجدال المجدب انتهى في ms024 رأيه إلى تجريدات جوفاء ~~مثل القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي. ثانيا: الخطأ الثاني الذي وقع فيه أصحاب نظريات ~~القانون الطبيعي والنظريات السياسية في القرن السابع عشر هو محاولتهم إسقاط ثقافة عصرهم ~~وتفكيرهم العقلي المنطقي على بدايات المجتمع البشري ففقدوا بذلك المفتاح الأساسي ~~لسيكولوجية الشعوب الأولى وافترضوا أن أولئك البشر كانوا يفكرون مثلهم، كما حاول هؤلاء ~~الفلاسفة تفسير الماضي تفسيرا يتوافق مع مصالح عصرهم وحاضرهم. من هنا كانت أولى مسلمات ~~فيكو في أصول العلم الجديد «أن العقل البشري يجعل من نفسه مقياسا للحكم على الأشياء ~~جميعا كلما ضل في الجهل.» لقد فرض هؤلاء الفلاسفة على مشاعر البدائيين وتفكيرهم ~~أفكارا فلسفية لم تعرفها المجتمعات القديمة، فجاءت مسلمة فيكو الثانية التي تقرر صفة ~~أخرى من صفات العقل البشري وهي حكمه على الأمور المجهولة والبعيدة على أساس الأمور ~~المألوفة له والقريبة منه، ولقد ذكر فيكو هاتين المسلمتين في معرض كلامه عن غرور ~~الباحثين، ولعله قصد بذلك أصحاب نظريات القانون الطبيعي والنظريات السياسية في القرن ~~السابع عشر الذين تصوروا البدايات الأولى للبشرية على ضوء حياتهم وثقافة عصرهم ~~المستنير؛ ولهذا وصف فيكو نظرياتهم بأنها «القانون الطبيعي للفلاسفة» وعارضهم «بالقانون ~~الطبيعي للشعوب» ووجد أنه لا مفر من العودة للوراء لقراءة ما بداخل قلوب الشعوب الأولى ~~وعقولها، وكيفية شعورهم وتفكيرهم ونشأتهم نتيجة فترات طويلة من التطور التاريخي. وبهذا ~~يكون قد شق طريقه عائدا من العصر الذي يتسم بالعقل والإنسانية إلى العصور الأولى ~~البربرية التي لم تعرف التفكير العقلي ولا يمكن فهمها إلا بعناء مضن. من هذه الحقيقة ~~الهامة نستطيع أن نتتبع بدايات المجتمع البشري وأصوله كما نستطيع أن نفهم مسلمته ~~الأساسية: «إن كل نظرية يجب أن تبدأ من حيث يبدأ الموضوع الذي تتناوله.» وبذلك تكون ~~مشكلة تكون المجتمع المدني هي مشكلة الأصول التاريخية لهذا المجتمع، وهي نقطة أساسية ~~أخفقت التشريعات الكبرى والنظريات السياسية للقرن السابع عشر في التعرف عليها. # بهذا يكون «القانون الطبيعي للفلاسفة»، وهو الذي تمخض عن التصور والتحليل الفلسفي، قد ~~تحول عند فيكو إلى «القانون الطبيعي للشعوب» ms025 الذي ينمو نموا طبيعيا مع نمو المجتمع ~~ويؤكد أن مراحل تطور هذا المجتمع تكون من داخله، وأن «القانون الطبيعي للشعوب» ليس هو ~~حكمة الحكماء أو فلسفة الفلاسفة بل هو الحكمة الشعبية للشعوب نفسها، يقول برييه في ~~كتابه تاريخ الفلسفة: إن النتائج التي توصل إليها فيكو تعارض ما توصل إليه كل من هوبز ~~ولوك اللذين يقولان إن شكل الدولة قد صاغه الحكماء من البشر، فلا يوجد في رأيه حكماء ولا ~~فلاسفة إذا لم توجد دولة أو حضارة. والميزة الكبرى لفيكو أنه يستند على الوثائق الحية # 21 # فلم يلجأ إلى التنظيمات والتشريعات أو إلى النزعة العقلية لتفسير نشأة ~~المجتمعات الأولى، وإنما اعتمد على التاريخ نفسه وعادات الشعوب، وعصمته عودته إلى ~~التطور التاريخي والاجتماعي للأمم من السقوط في النزعة العقلية واللجوء إلى فكرة العقد ~~الاجتماعي التي كان يتجنبها، ويرى كل من # Bergin, Fisch # في ترجمتهما لسيرة «فيكو ~~الذاتية»، أنه يتابع تطور المجتمع المدني بكل فروعه ودقائقه كما يتعقب تطور العناصر ~~الحضارية الأخرى الموازية له لكي يدعم فكرته الأساسية وهي أن الدولة توجد وجودا ~~طبيعيا وتاريخيا ولا تنشأ بالمواضعة والاتفاق وأن هذا يصدق على الحضارة البشرية في مجموعها. # 22 # ومن الأمور الأساسية في العلم الجديد أن «القانون الطبيعي للشعوب» نشأ نشأة طبيعية في ~~كل شعب على حدة وعرف فيما بعد نتيجة الحروب والسفارات والأحلاف والتجارة، أي أنه مشترك ~~بين الجنس البشري كله لنشأته من الحس المشترك وعادات الشعوب وتقاليدها، وقد عبر فيكو عن ~~هذا المعنى في مسلمات العلم الجديد تعبيرا واضحا، ويكفي أن نقرأ المسلمات التالية ~~لنتأكد من هذا «ولما كانت حرية الإنسان بطبيعتها غامضة وغير محددة فإن الذي يؤكدها ~~ويحددها هو الإحساس المشترك بين الناس بحاجاتهم ومصالحهم وهما المنبعان الأساسيان ~~للقانون الطبيعي للشعوب.» «إن الحس المشترك هو حكم بغير تفكير يشترك فيه أفراد طبقة ~~كاملة أو شعب بأسره أو أمة أو الجنس البشري كله.» «إن نشأة الأفكار المتشابهة عند شعوب ~~مختلفة لا يعرف بعضها بعضا لا بد أن يكون لها أساس مشترك من ms026 الحقيقة.» # والواقع، كما سنرى، أن القانون الطبيعي للشعوب قد نشأ بطريقة أولية وبدائية في كل ~~الشعوب مع جهل كل منها بالآخر، كما عرف فيما بعد نتيجة للحروب والسفارات والأحلاف ~~والتجارة وظهر أن له أساسا مشتركا في الجنس البشري بأكمله؛ # 23 # لهذا اهتم فيكو بوضع نظام علم جديد يتعلق بطبيعة الشعوب ويختلف عن القانون ~~الطبيعي لفلاسفة القرن السابع عشر، ويكفي أن نقف قليلا عند عنوان كتابه «مبادئ العلم ~~الجديد المتعلق بالطبيعة المشتركة للشعوب» Principles of the New Science Concerning ~~the Common Nature of Nations # لنعلم أن المقصود بهذه الطبيعة هو ميلاد ونشأة الشعوب، ~~فكلمة # Nature # يستعملها فيكو بدلالتها الأصلية في اللغة اللاتينية على معنى الميلاد ~~والنشوء، وهي طبيعة تبدأ في كل الأحوال بالعقيدة ثم تكمل بألوان أخرى من العلوم والفنون ~~المعرفة. وإذا كان فيكو قد اختصر العنوان في طبعتيه الثانية والثالثة فإنه لم يتخل عن ~~الموضوع نفسه وهو نظام القانون الطبيعي لنشأة الأمم عبر مراحل تطورها. وهذه النظرة ~~الجديدة للتاريخ قد أبعدته بغير شك عن التفسير اللاهوتي الخالص للتاريخ كما نراه عند ~~أوغسطين وبوسويه، وجعلته يستعين بعلوم أخرى مساعدة مثل الأنثروبولوجيا وعلم النفس ~~الاجتماعي وعلم الاجتماع وعلم الميثولوجيا المقارن وعلم القانون المقارن. ويرى # Bergin, ~~Fisch # أن الاستعانة بكل هذه العلوم لمعالجة فلسفة التاريخ يعد اكتشافا عظيما لو ~~حاولنا أن نرمز له برجل واحد وكتاب واحد لكان هذا الرجل هو فيكو وكان الكتاب هو «العلم ~~الجديد» أما عن عنوان الكتاب نفسه فيحتمل أن يكون فيكو قد استوحاه من «الأورجانون ~~الجديد» لفرنسيس بيكون الذي كان له أكبر الأثر عليه، كما يرجح أيضا أن يكون قد استوحاه ~~من عنوان كتاب «محاورات عن العلوم الجديدة» لجاليليو. # ولعل من العوامل التي ساهمت أيضا في نشأة العلم الجديد عند فيكو؛ اطلاعه في شبابه على ~~الكتاب الخامس من طبائع الأشياء للوكريتوس الذي عرف من خلاله كيف عاش الإنسان الوحشي ~~البدائي بغريزته فقط، وكيف كان الإنسان الأول يعيش في كهوف بعيدا عن العقيدة واللغة ~~والقانون ويتناول طعامه من ثمار ms027 الأشجار والفواكه ويصطاد الوحوش بالأحجار ويجامع النساء ~~في العراء، وكيف عرف النار لأول مرة من احتكاك الأشجار في العاصفة واستخدامها في طهي ~~طعامه، ثم كيف تأسست المدن والقلاع ونشأ أصل القوانين وأصل العقيدة من الخوف عندما ~~أرعدت السماء وأبرقت. # وقد استفاد فيكو كذلك من آراء شيشرون وأرسطو وأفلاطون في تنظيم المجتمع البشري ولم ~~يعبأ بالفلسفة الأخلاقية عند الأبيقوريين والرواقيين لأنها فلسفات بشر متوحدين، كما نفر ~~من ميتافيزيقا أرسطو واتجه إلى المثل الخالدة عند أفلاطون وتأثر بفلسفته الأخلاقية التي ~~تقوم على مثل الفضيلة والعدالة؛ ولهذا بدأ فيكو يفكر في نظام اجتماعي مثالي يحقق عدالة ~~مثالية، وأشرقت في ذهنه الفكرة الأساسية التي استحوذت عليه وهي فكرة قانون أبدي مثالي ~~يراعى في مجتمع مثالي في ظل العناية الإلهية. # وقد عرف فيكو أيضا عن طريق قراءته لكل من فرنسيس بيكون ولوكريتوس كيف كان الأصل في ~~الحديث هو الإيماءات التي تعبر عن الكلمات، وكيف نشأت الكتابة بالرموز أو الكتابة ~~الهيروغليفية قبل اختراع الحروف الهجائية، واجتمعت كل هذه الخيوط في ذهن فيكو وتبلورت ~~الفكرة الكاملة للعلم الجديد الذي يعد اكتشافا هاما في فترة زمنية لم تتوافر فيها ~~الدراسات العلمية للتاريخ ولا المادة التاريخية الغزيرة ولم يدون التاريخ العالمي ~~وبالرغم من ذلك استطاع أن ينجز شيئين هامين؛ أولهما: أنه أحسن الاستفادة من التقدم الذي ~~طرأ على منهج البحث التحليلي النقدي الذي جاء ثمرة لجهود مؤرخي القرن السابع عشر، ثم ~~تقدم بهذا الأسلوب التحليلي مرحلة أخرى أثبت فيها كيف أن الفكر التاريخي يمكن أن يكون ~~إنشائيا إلى جانب النقد والتحليل، ثم فصل بينه وبين الاعتماد على المصادر المكتوبة ~~محتفظا له بطابعه الأصيل الذي يستطيع عن طريق التحليل العلمي للمادة المكتوبة أن يكشف ~~عن حقائق أتى عليها النسيان؛ ثانيهما: تطويره للأسس الفلسفية المتضمنة في تصويره ~~للأحداث التاريخية إلى الحد الذي يستطيع عنده أن يقوم بهجوم مضاد على الأسس العلمية ~~والفلسفية لمدرسة ديكارت والمطالبة بأساس أعمق وأوسع مدى لنظرية المعرفة منتقدا ما ~~اتسمت به العقيدة الفلسفية القائمة وقتئذ من ضيق ms028 وتفكير نظري مجرد. # 24 # هكذا نكون قد ألممنا إلمامة سريعة بالظروف التاريخية والعوامل الثقافية التي مهدت ~~لاكتشاف مبادئ العلم الجديد الذي يعد البداية الحقيقية لنشأة علم التاريخ على أساس وطيد ~~من التطور الاجتماعي للإنسان، ويبقى علينا الآن أن ننظر في مبادئ هذا العلم الجديد نفسه ~~والأصول والمسلمات التي يقوم عليها. # الفصل الثاني # | أصول ومبادئ العلم الجديد # (1) الأصول # تتركز فلسفة فيكو في أهم مؤلفاته «العلم الجديد»، ويتناول القسم الأول منه الجانب ~~النظري من العلم الجديد ويتضمن ثلاثة موضوعات رئيسية: الأصول والمبادئ ثم المنهج، وقد ~~يخلط المرء بين الأصول والمبادئ لاقتراب اللفظين في المعنى، ولكن الواقع أن الأصول تحوي ~~مجموعة من المسلمات أو البديهيات يلتزم بها الباحث أو يفترضها عند دراسته تاريخ تطور ~~الشعوب بصفة عامة والقديمة منها بصفة خاصة؛ فهي القواعد التي يجب أن يقوم عليها هيكل ~~البناء التاريخي. # أما المبادئ فهي التي اكتشفها العلم الجديد في كل المجتمعات البشرية وتتمثل - كما ~~سنوضح في الجزء الخاص بها - في ثلاثة: الدين، الزواج، دفن الموتى. وأما عن المنهج فقد ~~حدد فيكو منهج علم التاريخ بالنسبة لمناهج العلوم الأخرى كالرياضيات والعلوم الطبيعية ~~لاختلافه عن كل منهما وإن لم يكن التاريخ بعيدا كل البعد عن العلوم الطبيعية؛ لذا كان ~~المنهج الذي سار عليه هو المنهج الاستقرائي الذي سنتحدث عنه بالتفصيل فيما بعد؛ إذ حاول ~~- كما أشرنا في الفصل السابق - أن يقوم في التاريخ بدور بيكون في العلوم الطبيعية، وحاول ~~أن يدرس عالم الأمم من خلال البديهيات أو المسلمات التي تتألف منها هذه الأصول وابتداء ~~من تلك المبادئ وباستخدام هذا المنهج ليقيم صرح البناء التاريخي. # لقد حاول فيكو وضع أصول للعلم الجديد، متشبها من الناحية الشكلية بطريقة إقليدس في ~~وضع أصول علم الهندسة، وقدم مجموعة من المسلمات الفلسفية واللغوية يبلغ عددها مائة ~~وأربع عشرة مسلمة تنطوي على مجموعة من المصادرات والتعريفات، وتتعدد موضوعات هذه ~~المسلمات وتتشعب وتتسم بالتكرار وتتداخل وتتشابك أحيانا ويشوبها الغموض أحيانا أخرى، ~~وربما كان هذا الغموض سببا من أسباب عدم فهم فيكو في ms029 عصره وإغفاله فترة زمنية طويلة ~~بعد ذلك. وإذا كان قد تم اكتشافه في القرن التاسع عشر، فإن الاهتمام الحقيقي به لم يبدأ ~~بصورة علمية جادة إلا في القرن العشرين. ونظرا لتكرار المسلمات وتعدد موضوعاتها ~~وتشابكها سنحاول تصنيفها في مجموعات رئيسية تبعا للموضوعات، كما سنحاول وضع عناوين ~~مناسبة لها، والتزاما بالأمانة العلمية سنقدم مسلمات هذه الأصول كما وردت في النص ~~الأصلي وبنفس أرقامها - وإن لم يكن بنفس الترتيب إذ اقتضى الأمر في مواضع قليلة بعض ~~التغيير في ترتيب المسلمات - ثم نقوم بالتعليق عليها في الفصول التالية التي تعد تطبيقا ~~لها، وعلى الرغم من كثرة المسلمات وتنوعها إلا أنها تتناول بعض الأفكار الرئيسية الهامة ~~التي يكاد فيكو أن يؤكدها في كل سطر من سطور مؤلفه، وهي الأفكار التي تدور حولها فلسفته ~~بأكملها، أهم هذه الأفكار أن الإنسان هو صانع تاريخه وأنه لا يستطيع أن يعرف إلا ما ~~يصنعه بنفسه، وهذه هي الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها نظرية المعرفة عنده، وتقابل هذه ~~الفكرة فكرة أخرى رئيسية لا تقل عنها أهمية وهي فكرة العناية الإلهية التي وجهت البشر ~~بطريقة غير مباشرة؛ فالعلم الجديد يدرس الطبيعة البشرية المشتركة للأمم في ضوء العناية ~~الإلهية، ويكشف عن أصول التنظيمات الدينية وغير الدينية بين الأمم الأممية، وقد كانت ~~البداية التاريخية بداية شعرية؛ فالأشعار والأساطير كانت سجلا مدنيا لتاريخ الأمم ~~والشعوب، والعلم الجديد يدرس تاريخ الأفكار البشرية ليجد في النهاية أن هناك تاريخا ~~مثاليا أبديا مرت به كل الشعوب - كل على حدة - في مرحلة نشأتها ونموها وتطورها ~~ونضوجها ثم تدهورها وسقوطها. # تأثر فيكو تأثرا كبيرا بما قال به المصريون القدماء من وجود ثلاث مراحل للتاريخ هي ~~المرحلة الإلهية وما تتميز به من لغة سرية مقدسة؛ والمرحلة البطولية وما تتميز به من لغة ~~رمزية؛ والمرحلة البشرية وما تتميز به من لغة شعبية وهي لغة الرسائل. أضف إلى هذا ~~اهتمامه بالاشتقاقات اللغوية - وليس هذا بغريب عليه وهو عالم اللغويات - وكيف تطورت ~~اللغات إلى لهجات وتطور الشعر إلى النثر، وكانت المراحل التي ms030 مر بها هذا التطور هي ~~الشواهد التاريخية على عادات العصور الأولى، كانت هذه هي أهم الأفكار الرئيسية التي ~~تناولها فيكو في مسلمات علمه الجديد وإن لم تكن كل أفكاره؛ لأننا سنتعرض لها بالتفصيل ~~في سياق هذا الفصل. ولنبدأ حديثنا عن الأصول بمجموعة المسلمات التي تتعلق بمعوقات البحث ~~التاريخي في رأي فيكو، وتتناول الأوهام والأخطاء التي وقعت فيها الشعوب كما وقع فيها ~~الباحثون وأصبح من الضروري التخلص منها. ~~(1-1) أوهام الشعوب والباحثين # تأثر فيكو ببيكون فيما ذكره في الجزء الأول من كتابه «الأورجانون الجديد» عن أوهام ~~الفكر، فاعتبر أن المؤرخين عرضة لأوهام مماثلة حصرها في أربعة وانتقد فيها الآراء ~~القديمة عن مبادئ التاريخ البشري، وهذه الأوهام أو الأخطاء وقعت فيها أمم كاملة كما وقع ~~فيها العلماء والباحثون؛ إذ تصوروا البدايات الأولى للبشرية على ضوء حياتهم وثقافتهم ~~وعصرهم المستنير، وكان من الطبيعي أن يقع كلاهما في الخطأ والوهم، وفي هذا المعنى قدم ~~المسلمات التالية في خصائص العقل البشري وهي المسلمات التي ترتب عليها وقوع كل من ~~الشعوب والباحثين في الخطأ: ~~«العقل الإنساني يجعل من نفسه مقياسا للحكم على الأشياء جميعا كلما ضل في الجهل» ~~(مسلمة 1). ~~«حكم العقل البشري على الأمور المجهولة والبعيدة على أساس الأمور المألوفة له ~~والقريبة منه» (مسلمة 2). ~~«وقعت الأمم في الخطأ عندما تصور كل منها - كما يقول المؤرخ ديدروس الصقلي - أن تاريخ ~~العالم بدأ مع بداية تاريخ شعبه وأمته، وأنها سبقت جميع الأمم في اكتشاف أسباب الراحة ~~والترف للإنسان» (مسلمة 3). ~~«وقع الباحثون في نفس الخطأ عندما بالغوا في تصوير الحكمة الفذة لبعض الشعوب القديمة» # 1 ~~(مسلمة 4). # وقد وقع - على حد زعم فيكو - كل من الكلدانيين والسكيثيين والمصريين والصينيين في هذا ~~الوهم، ولا يستثنى من ذلك غير الشعب اليهودي لأنه شعب منقطع الصلة بالشعوب الأخرى؛ ~~فالتاريخ العبري، كما يقول التاريخ المقدس، أحدث عهدا من التاريخ القديم، وقد استثنى ~~فيكو التاريخ المقدس من دائرة علمه الجديد، وربما لجأ إلى هذا تجنبا لمشاكل كثيرة كان ~~من الممكن أن يتعرض لها لو طرح ms031 التاريخ المقدس على مائدة النقد التاريخي، وهنا يجب ألا ~~نتجاهل الظروف التي عاش فيها؛ فقد كان عصره هو عصر محاكم التفتيش والاستبداد ~~الديني. # وقع الباحثون أيضا في نفس الخطأ عندما ضخموا أقوال زرادشت وحكمة هرمس مثلث الحكمة، ~~والأشعار الأورفية المنسوبة لأورفيوس، والأبيات الذهبية المنسوبة لفيثاغورس وبالغوا في ~~قيمتها أكثر مما تستحق، ويصدق هذا أيضا على محاولة العلماء استكناه الأسرار الصوفية في ~~اللغة الهيروغليفية القديمة واستخراج الرموز الفلسفية من الأساطير اليونانية. ~~(1-2) الفلسفة وفقه اللغة # يؤكد فيكو على وظيفة الفلسفة ورسالتها في خدمة الجنس البشري، وهنا يظهر تأثره بمثالية ~~أفلاطون؛ إذ سمح للفلاسفة السياسيين وخصوصا الأفلاطونيين بالانضمام إلى مدرسة علمه ~~الجديد، ويرجع ذلك في رأيه إلى أمور ثلاثة: اعترافهم بالعناية الإلهية، الاعتدال في ~~الانفعالات البشرية والإيمان بخلود الروح وهي - كما سنرى فيما بعد - المبادئ الثلاثة ~~للعلم الجديد. وعلى هذا استبعد فيكو الرواقيين لأنهم يميتون الجسد ويحاربون اللذة، كما ~~استبعد الأبيقوريين لأنهم يعتبرون الإحساس هو المعيار، وكلا الاتجاهين في رأيه خاطئ ~~لأن الرواقيين ربطوا أنفسهم بأغلال القدر، كما أن الأبيقوريين تركوا أنفسهم للمصادفة ~~وزعموا أن الروح الإنسانية تموت مع الجسد. نعود إلى الفلسفة والدور الهام الذي تقوم به ~~لتوجيه الشعوب لما هو أفضل فنجد المسلمات التالية: ~~«يجب أن تساهم الفلسفة في الأخذ بيد الإنسان وتوجيهه عندما يضعف ويسقط» (مسلمة ~~5). ~~«تنظر الفلسفة إلى الإنسان باعتبار ما ينبغي أن يكون عليه؛ بحيث تنفع القلة الضئيلة ~~من الناس، وهم أولئك الذين يتمنون أن يعيشوا في جمهورية أفلاطون» (مسلمة 6). # ويضع فيكو التشريع في مقابل الفلسفة. فإذا كانت الفلسفة تنظر إلى الإنسان كما ينبغي ~~أن يكون، فإن التشريع ينظر إلى الإنسان كما هو كائن في الواقع ويحول رذائله إلى فضائل. ~~إن التشريع يصنع السعادة المدنية من الرذائل التي كان يمكن أن تدمر الجنس البشري؛ ~~فالإنسان قادر على أن يحول غرائزه وانفعالاته الطبيعية إلى فضائل اجتماعية لأنه يملك ~~حرية الاختيار، كما يتضح من المسلمة الآتية: ~~«ينظر التشريع للإنسان في واقعه بحيث يصبح نافعا للمجتمع البشري، وهو يحول القسوة ms032 ~~والبخل والجشع، وهي الرذائل الثلاث التي تدفع الجنس البشري بأسره، إلى فضائل تقوم عليها ~~الطبقات العسكرية والتجارية والحاكمة، وبهذا يدعم قوة المجتمعات وثرواتها وحكمتها» # 2 ~~(مسلمة 7). # ويميز فيكو بين الوعي أو الضمير وبين العلم أو المعرفة؛ فالأول يطلب اليقين المؤكد ~~ووسيلته في البحث عنه هي فقه اللغة، والثاني يطلب الحق ووسيلته الفلسفة، والعلم الجديد ~~يجمع بين الفلسفة وفقه اللغة ويطلب تضامن علماء اللغة والفلاسفة لتحقيقه. ومفهوم علم ~~اللغة لا يقتصر على مفهوم علماء اللغة والنحو وإنما يتسع للمؤرخين والنقاد الذين عكفوا ~~على دراسة لغات الناس وأعمالهم سواء في ملاحظة عاداتهم وشرائعهم التي يتبعونها في ~~بلادهم، أو في حروبهم وسلامهم وأحلافهم وتجارتهم وأسفارهم إلى الخارج. # ويؤكد فيكو أنه إذا كان الفلاسفة يبحثون عن الحقيقة فإنهم لم يدركوا إلا نصف هذه ~~الحقيقة لأنهم أهملوا الرجوع إلى بحوث علماء اللغة، وعلماء اللغة بدورهم لم يبلغوا إلا ~~نصف اليقين لأنهم لم يلجئوا إلى تأملات الفلاسفة ليضفوا مسحة الحقيقة على بحوثهم ~~الواقعية، ولو أنهم فعلوا ذلك لكانوا أكثر نفعا لمجتمعاتهم ولسبقوا فيكو نفسه في تصور ~~العلم الجديد، والمسلمات الآتية تعبر عن أفكاره عن المعرفة الإنسانية: ~~«إن الذين لا يستطيعون التوصل للحقيقة يحرصون على البحث عن اليقين في الواقع، فكلما ~~عجزوا عن إشباع عقولهم بالمعرفة والعلم اتجهت إرادتهم على أقل تقدير إلى الوعي بكل ما ~~هو يقيني مباشر من أحداث وعادات وقوانين ومؤسسات اجتماعية» (مسلمة 9). ~~«الفلسفة تتأمل العقل لمعرفة الحقيقة، أما علم اللغة فيرتكز على الوعي باليقين، وهو ~~الوعي الذي يأتي من الاختيار الحر للإنسان» (مسلمة 10). # ويرى فيكو أن ما يؤكد حرية الإنسان هو إحساس البشر بمصالحهم، وهذا الإحساس مشترك بين ~~الجنس البشري كله: ~~«لما كانت حرية الإنسان بطبيعتها غامضة وغير محددة، فإن الذي يؤكدها ويحددها هو ~~الإحساس المشترك بين الناس بحاجاتهم ومصالحهم، وهما المنبعان الأساسيان للقانون الطبيعي ~~للشعوب» (مسلمة 11). ~~«إن الحس العام أو المشترك هو حكم بغير تفكير يشترك فيه أفراد طبقة كاملة أو شعب ~~بأسره أو أمة أو الجنس البشري كله» # 3 ~~(مسلمة 12). ~~(1-3) ms033 القانون الطبيعي للشعوب # يؤكد فيكو نشأة الحس المشترك للجنس البشري كمعيار علمته العناية الإلهية للشعوب ليحدد ~~اليقين في قانونها الطبيعي، وتصل الشعوب لهذا اليقين بالتعرف على وجوه الاتفاق الأساسية ~~التي تتضمن فيما بينها - بالرغم من اختلافها في التفاصيل - احترام هذا القانون، ويحسم ~~فيكو الجدل القديم بين أصحاب القانون الطبيعي والقائلين بأن القانون اجتماعي؛ فالقانون ~~الطبيعي للشعوب نشأ عن العرف أو العادة ولم يفرض بالقانون، ومحافظة الشعوب على عاداتها ~~أعطى هذه العادات شكل القوانين؛ لأنه ليس هناك شيء أحب إلى البشر من الاعتزاز بعاداتهم. ~~وفي هذا الشأن يستشهد فيكو بعبارة «لديو كاسيوس» تقول: «إن العادة تشبه الملك، والقانون ~~يشبه الطاغية» (مسلمة 104)؛ فالشعوب بطبيعتها ترفض القانون الذي يفرضه الطاغية أو أية ~~قوة خارجية، ولكنها بطبيعة الحال تحتفظ بالقانون الذي فرضته على نفسها؛ لذا كان القانون ~~الطبيعي للشعوب هو قانون فرضته الشعوب على نفسها من خلال عاداتها وتقاليدها وأعرافها. # والطبيعة البشرية التي نشأت عنها هذه الأعراف طبيعة اجتماعية، وبهذا حسم فيكو الخلاف ~~بين القائلين بأن القانون كائن في الطبيعة أي طبيعي، وبين القائلين بأنه كائن في ~~العادات الاجتماعية، وعبر عن هذا بالمسلمة التالية: ~~«إن الجنس البشري كان منذ بدايته الأولى يحيا حياة اجتماعية؛ فالإنسان كائن اجتماعي ~~بطبيعته» (مسلمة 8). # ويرى فيكو أنه لكي نتناول مذهبا أو نظرية بالدراسة يجب أن نتتبع البداية الأولى ~~لنشأتها كما يقول في مسلمته: «يجب أن تبدأ المذاهب والنظريات من حيث تبدأ الموضوعات ~~التي تتناولها» (مسلمة 106). # فالقانون الطبيعي للشعوب نشأ بطريقة طبيعية وبدائية لدى كل الشعوب مع جهل كل منها ~~بالآخر، وعرف القانون الطبيعي فيما بعد نتيجة للحروب والسفارات والأحلاف والتجارة، كما ~~عرف أن له أساسا مشتركا في الجنس البشري بأكمله، كما تقول هذه المسلمات: ~~«إن نشأة الأفكار المتشابهة عند شعوب مختلفة لا يعرف بعضها بعضا، لا بد أن يكون لها ~~أساس مشترك من الحقيقة» (مسلمة 13). ~~«تنشأ التنظيمات الاجتماعية نشأة طبيعية فطرية مع البشر رغم أنها تختلف أحيانا في ~~التفاصيل طبقا للزمان والظروف» (مسلمة 14). ~~«ترجع طبيعة التنظيمات الاجتماعية وخصائصها إلى ms034 أسلوب نشأتها ومولدها وزمن هذه ~~النشأة وظروفها» # 4 ~~(مسلمة 15). # ويستبعد فيكو كل الأفكار القديمة المتعلقة بالقانون الطبيعي، والتي جعلت أصحابها ~~يعتقدون أنه انطلق من إحدى الأمم الأولى ثم انتقل إلى الأمم الأخرى، هذا الخطأ وقع فيه ~~المصريون القدماء والإغريق في ادعائهم - على حد قوله - أنهم نشروا الحضارة في العالم، ~~وكان نتيجة هذا الخطأ أن أطلق الخيال عنانه بالقول إن قانون الألواح الاثني عشر انتقل ~~إلى روما من اليونان، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا القانون مدنيا ووصل للشعوب الأخرى ~~عن طريق الاتفاقيات البشرية، ولم يكن قانونا طبيعيا ينظم بواسطة العناية الإلهية في ~~كل الشعوب على حدة مع عادات البشر أنفسهم: «القانون الطبيعي للأمم يسير جنبا إلى جنب ~~مع عادات الشعوب وتقاليدها بدون أن تتخذ أي أمة أمة أخرى نموذجا لها ودون أي عمد أو ~~تفكير طبقا للحس المشترك بين البشر» (مسلمة 105). # بذلك يعارض فيكو القانون الطبيعي لفلاسفة القرن السابع عشر - كما أشرنا في الفصل السابق ~~- بالقانون الطبيعي للشعوب، ويرى فيكو أن من هذه الطبيعة المشتركة للأمم ينبع قاموس ~~عقلي مشترك بين كل الأمم ممثلا في التراث الشعبي، فاللغات الشعبية - قبل تطورها - شاهد ~~حي على عادات الشعوب الأولى، واللغات وحدها - وخاصة الشعر - قد حفظت عادات الشعوب الأولى ~~وتقاليدها، مثلما حفظت أشعار هوميروس عادات وتقاليد الشعب الإغريقي، وحفظ قانون الألواح ~~الاثني عشر عادات وتقاليد الشعب الروماني؛ فالتراث الشعبي له الفضل في حفظ التاريخ ~~مثلما حفظ التاريخ البطولي لروما، ويؤكد فيكو أن دراسة الحكم والأمثال الشعبية لدى ~~الشعوب الأولى قد أثبتت أن للتراث الشعبي أساسا مشتركا لدى كل الشعوب المبكرة، وفي ~~هذا الصدد يقدم فيكو هذه المسلمات: ~~«الإرث الشعبي له أسس مشتركة بفضلها ظهرت التقاليد للوجود واحتفظت بها شعوب كاملة ~~لفترات طويلة من الزمن» (مسلمة 16). ~~«ينبغي أن تكون اللغات الشعبية شواهد عظيمة الشأن عن العادات القديمة التي كانت ~~تمارسها الشعوب في الوقت الذي نشأت فيه هذه اللغات» (مسلمة 17). ~~«إن لغة أمة قديمة حافظت على نفسها كلغة سائدة قبل أن تتطور ينبغي أن تكون ms035 شاهدا ~~كبيرا على عادات العصور الأولى» (مسلمة 18). ~~«لو لم يكن قانون الألواح الاثني عشر هو سجل عادات الشعوب اللاتينية لما دونوها في ~~ألواح برونزية ولما اهتموا بها كل هذا الاهتمام الديني وحفظه التشريع الروماني، هذا ~~القانون دليل على القانون الطبيعي للشعوب اللاتينية» (مسلمة 19). ~~«إذا سلمنا بأن قصيدتي هوميروس (الإلياذة والأوديسة) تقدمان تاريخا مدينا للعادات ~~الإغريقية القديمة، فإنهما ستكونان منجمين عظيمين للقانون الطبيعي للأمم الإغريقية.» ~~(مسلمة 20). ~~«عجل الفلاسفة الإغريق بمسار أمتهم في الوقت الذي عاشت فيه أمتهم الإغريقية في ~~المرحلة البربرية المتوحشة، ومنها سرعان ما تقدموا لمرحلة أرقى منها وهي مرحلة التفكير ~~الدقيق بينما حافظوا على أساطيرهم في كل من المرحلة الإلهية والبطولية، وفي الجانب ~~الآخر نشأت وتطورت عادات الرومان سريعا مغفلين تاريخ الآلهة، لكنهم احتفظوا في أقوالهم ~~الشعبية بالتاريخ البطولي» (مسلمة 21). ~~«يجب أن يكون في طبيعة المؤسسات البشرية لغة عقلية مشتركة بين كل الشعوب تشكل جوهر ~~الأشياء العلمية في الحياة الاجتماعية وتعبر عن مظاهر تكيفهم مع الأشياء ويظهر هذا في ~~الأمثال والحكم الشعبية» # 5 ~~(مسلمة 22). ~~(1-4) أصل الجنس البشري # يقدم فيكو مجموعة من المسلمات التي تتناول أصل الجنس البشري والتي اعتمد فيها ~~اعتمادا كبيرا على التاريخ المقدس؛ ولذلك نجده يفرق بين دين العبرانيين الذي أسسه ~~الله ودين الوثنيين القائم على الكهانة، كما نراه يقيم الدليل على أن أصل الجنس البشري ~~ينقسم إلى قسمين؛ أولهما: قسم قائم على الكائنات الخرافية وهي الأمم الأممية؛ وثانيهما: ~~قسم قائم على منزلة إنسانية أرفع قدرا يمثلها العبرانيون. وهذه التفرقة تأتي في رأيه ~~نتيجة التعليم البوهيمي للجانب الأول والتعليم الإنساني للجانب الثاني؛ لذلك رفض ~~التفسير الخرافي الذي قدمه الفلاسفة للعمالقة ذوي الأجسام الضخمة وأخذ بتفسير تاسيتوس ~~وقيصر للعمالقة الجرمان بأنها ترجع للتربية البربرية لأولادهم، وهذه مسلمات فيكو عن أقدم ~~أنواع التاريخ: ~~«التاريخ المقدس أقدم من كل التواريخ الدنيوية التي انحدرت إلينا لأنه يروي ~~بالتفصيل عن الحالة الطبيعية التي عاش فيها البشر في ظل آباء الأسر لفترة تزيد على ~~ثمانمائة سنة، أي أنه يروي عن حالة الأسر ms036 التي نشأت منها الشعوب والمدن في وقت لاحق كما ~~يتفق على هذا كل المنظرين السياسيين» (مسلمة 23). ~~«الإله الحق هو الذي أسس الديانة العبرية على أساس تحريم الكهانة التي انطلقت منها ~~كل الأمم الأممية» (مسلمة 24). ~~«التاريخ الطبيعي - كما بينت لنا الأساطير - أثبت الفيضان الذي غطى الأرض» (مسلمة ~~25). ~~«قدم الفلاسفة للعمالقة ذوي الأجسام الضخمة والبشعة تفسيرا خرافيا» (مسلمة ~~26). ~~«بدأ التاريخ اليوناني - وتاريخ كل الأمم الأممية ما عدا الرومان - بدأ بالطوفان ~~والكائنات الخرافية» # 6 ~~(مسلمة 27). ~~(1-5) قانون المراحل الثلاث لتطور الأمم # أخذ فيكو فكرة قانون تطور الأمم من المصريين القدماء في تصورهم لتطور التاريخ عبر ~~مراحل ثلاث: المرحلة الإلهية، المرحلة البطولية، المرحلة البشرية. وتصاحب كل مرحلة لغة ~~خاصة بها؛ فاللغة الهيروغليفية أو السرية المقدسة - كما عند المصريين القدماء - هي لغة ~~المرحلة الإلهية، واللغة الرمزية - كما في أشعار هوميروس - هي لغة المرحلة البطولية، واللغة ~~الشعبية - كما في لغة الرسائل - هي لغة المرحلة البشرية، وبعد دراسة فيكو لحضارات الشعوب ~~القديمة أكد أن قانون المراحل الثلاث يمكن اعتباره مسلمة من مسلمات العقل البشري، فهو ~~حقيقة تاريخية أكدها استقراؤه للتاريخ. # 7 ~~«انحدرت إلينا من العصور المصرية القديمة فكرتان؛ إحداهما أن المصريين القدماء ~~لخصوا تاريخ العالم السابق في ثلاث مراحل؛ المرحلة الإلهية، المرحلة البطولية، والمرحلة ~~البشرية ، أما الفكرة الأخرى فتقول إنه كانت هناك أثناء هذه المراحل ثلاث لغات وهي ~~الهيروغليفية أو السرية القديمة، واللغة الرمزية وهي خاصة بالمرحلة البطولية، واللغة ~~الشعبية أو لغة الرسائل وهي تعبر عن المرحلة البشرية وتقوم على علامات أو إشارات ~~اصطلاحية للاتصال وقضاء الحاجات المشتركة» (مسلمة 28). # ثم يؤكد فيكو المراحل التاريخية الثلاث التي تبدأ بالمرحلة الدينية، ويوضح حقيقة هامة ~~هي أن كل الشعوب قامت على أساس الدين وأن التاريخ بدأ بداية دينية، فكانت المرحلة ~~الأولى من مراحل تطور التاريخ هي المرحلة الدينية وفيها نشأ الشعر الديني. ويستشهد فيكو ~~على هذا ببضع فقرات من ملحمتي هوميروس فكانت هذه المسلمة: ~~«أشار شاعر الإلياذة والأوديسة في خمسة مواضع من ملحمتيه إلى لغة أكثر قدما يدعوها ~~اللغة الإلهية ms037 أو لغة الآلهة» (مسلمة 29). # ومن المعروف أن لغة هوميروس كانت لغة بطولية، وأن شعره من قبيل الشعر البطولي؛ ~~فالشعوب الأولى كانت شعوبا دينية أسقطت رغباتها وعواطفها وحاجاتها الطبيعية والأخلاقية ~~على أسماء الآلهة كما توضح هذه المسلمة التي يستشهد فيها فيكو بالمؤرخ الروماني فارو: ~~«اجتهد المؤرخ الروماني فارو # Varro ~~(116-27ق.م.) في جمع 30 ألف اسم للآلهة تلبي ~~الحاجات الطبيعية والأخلاقية للبشر كما تصور الحياة الاجتماعية في العصور المبكرة» # 8 ~~(مسلمة 30). # ويتتبع فيكو نشأة المرحلة الدينية عند البشر الأولين مبينا أن الخوف هو المسئول ~~الأول عن إيجاد الآلهة على الأرض، ويربط هذه النشأة بضعف القدرة على التفكير في طفولة ~~البشرية؛ فالدين - وهو أول مبادئ العلم الجديد - يلقي الضوء على نشأة التاريخ البشري ~~والتنظيمات الاجتماعية. فعندما تتوحش الشعوب ولا تقوم لقوانينها قائمة تلجأ إلى قوة ~~أعلى منها وليس هناك ما هو أسمى من الله؛ ومعنى هذا أنه كلما توحش البشر نتيجة للحروب ~~المشتعلة بينهم بحيث لا تقوم لقوانينهم قائمة فإن الوسيلة الوحيدة لترويضهم هي الدين، ~~والعناية الإلهية هي التي هدت هؤلاء المتوحشين إلى إنسانيتهم وتكوين دولهم، وذلك بأن ~~أيقظت فيهم تصورا غامضا للألوهية، وقد كان جهل هؤلاء المتوحشين هو المسئول عن نسبة ~~الألوهية لكائنات أخرى، والجهل خاصية مشتركة بين الشعوب الأولى، فأسقط الإنسان الأول ~~طبيعته الخاصة على طبيعة الأشياء التي يجهلها، ونشأت الميتافيزيقا الشعبية من جهل ~~الإنسان الأول بالطبيعة، ونتج الجهل من ضعف القدرة على التفكير فأطلق الخيال عنانه ونشأ ~~الشعر الديني الذي أضفى العاطفة على الأشياء الجامدة، ومن الجهل تنشأ الدهشة وحب ~~الاستطلاع وهما أصل المعرفة. ومن خصائص العقل البشري أن يتجه للخرافة عندما يشعر ~~بالخوف، وهذه الخرافة تثير الرعب، فكانت بداية الوثنية والتضحية بالقرابين وتقديم ضحايا ~~بشرية وارتباط هذا بالعقائد الوحشية عند البشر المتوحشين الأول، وها هي ذي مسلمات فيكو ~~التي ذكرها في هذا الصدد: ~~«إذا نما أي شعب أينما كان - في ظل جيوش عاتية حيث لا تجد القوانين الإنسانية أي ~~مكان لها - كانت القوة الوحيدة هي اللجوء إلى الدين» (مسلمة ms038 31). ~~«عندما يجهل الإنسان طبيعة الأشياء يجعل من نفسه مقياس كل شيء» (مسلمة 32). ~~«تصور الجهلاء للطبيعة هو بمثابة ميتافيزيقا شعبية يحاولون بها أن ينسبوا للإرادة ~~الإلهية أسباب الأشياء التي يجهلونها دون أن يذكروا الوسائل التي تستعين بها الإرادة ~~الإلهية» (مسلمة 33). ~~«عندما يصاب العقل بالخوف يميل إلى الخرافة، وهذه خاصة من خصائص العقل البشري» ~~(مسلمة 34). ~~«الدهشة ابنة الجهل» (مسلمة 35). ~~«كلما ضعفت القدرة على التفكير ازداد الخيال قوة» (مسلمة 36). ~~«هدف الشعر هو إضفاء الحس والعاطفة على الأشياء الجامدة» (مسلمة 37). ~~«هناك نص كلاسيكي عن أصل الشرك يقول: إن البشر الأوائل أطلقوا أسماء الآلهة على ~~فضائل متميزة إعجابا بهم وتقربا لهم لما يملكونه من قوة» (مسلمة 38). ~~«إن حب الاستطلاع - وهو صفة طبيعية موروثة في الإنسان - هو ابن الجهل وأبو العلم أو ~~المعرفة، فعندما توقظ الدهشة عقولنا عند رؤية أي ظاهرة طبيعية نسأل مباشرة: ماذا يعني ~~هذا؟» (مسلمة 39). ~~«إن الساحرات يفعلن أشياء تثير الرعب، وهن يمتلئن بالخوف مما يقمن به من خرافات ~~فتظهر قسوتهن إلى حد التطرف في تمزيق الأطفال لممارسة سحرهن» # 9 ~~(مسلمة 40). # هكذا نرى من المسلمات السابقة أن الدين نشأ نشأة طبيعية فطرية مع الإنسان؛ فالخوف هو ~~أول من خلق الآلهة على الأرض، والإنسان هو صانع الدين مثلما هو صانع تاريخه، ولا ندري ~~إذا كانت هذه الأفكار التي انتهى إليها فيكو من بحثه في النشأة الطبيعية للإنسان قد ~~فرضت نفسها عليه فلم يستطع أن يغير فيها، أم أنه انتبه إلى خطورتها فغلفها بكثير من ~~الغموض نظرا للظروف السياسية والدينية التي عاشها. # 10 ~~(1-6) الميثولوجيا التاريخية # ثم يقدم فيكو مجموعة من المسلمات عن البداية التاريخية للمجتمع البشري، وهي بداية ~~مستمدة من الميثولوجيا التاريخية واختلاط الأساطير القديمة بالدين كأسطورة الخلق ~~والفيضان ونشأة الكون لدى الشعوب القديمة. حدد فيكو البداية التاريخية بالطوفان ~~وأقامها على افتراض أن الأجناس الكافرة لأولاد نوح الثلاثة سقطوا في المرحلة الوحشية ~~وطافوا غابات الأرض الواسعة مع الوحوش الضارية وأصبحوا عمالقة، ثم أرعدت السماء بعد ~~الطوفان فشعر العمالقة بالخوف، وتصوروا أن هذا الرعد تعبير ms039 عن غضب الإله من حياتهم ~~البهيمية وممارستهم للجماع في العراء فآووا إلى الكهوف وألجأهم الخوف من الإله الذي ~~دعوه جوبيتر إلى الكهوف. وهنالك بدأ أول شكل من المساكن البدائية الثابتة ومعها نشأت ~~العادات والسلوك الديني الذي يحدد سلوك كل فرد إزاء الآخرين كما ينظم الزواج من ~~واحدة. # لم تكن هناك من قوة إلا قوة الدين التي سادت فترة حكم الآلهة، وتبعتها المرحلة ~~البطولية عند الشعوب الأولى فتصورت هذه الشعوب تصورا خاطئا أن الأبطال من أصل إلهي ~~- كما صورت الأساطير القديمة أن هرقل هو ابن جوبيتر - مما يؤكد فكرة فيكو أن الأمم لا ~~يمكن أن تقوم أو تنشأ بدون دين، أي بدون هذا الشعور الفطري الذي تنطوي عليه الطبيعة ~~البشرية، فكل الأمم الأممية لديها آلهة خاصة بها مما يؤكد المسلمة التي تنص على أن ~~الأفكار المشتركة تنشأ بين شعوب لا تعرف بعضها بعضا، وهذا يتضح في المسلمات التالية عن ~~نشأة الميثولوجيا التاريخية: ~~«نحن نفترض - وهذا افتراض معقول - أن مياه الفيضان تسربت منذ مئات السنين إلى الأرض ~~وغمرتها» (مسلمة 41). ~~«قذف جوبيتر - وكل الأمم الأممية لديها جوبيتر - سهمه فصرع كل العمالقة» (مسلمة ~~42). ~~«كل الأمم لديها هرقل، ابن جوبيتر» # 11 ~~(مسلمة 43). # ثم يؤكد فيكو أن البشر الأولين في هذه المرحلة الدينية كانوا شعراء لاهوتيين، وأن ~~الشعراء كانوا بمثابة المؤرخين الأول للشعوب البدائية، فكان شعرهم سجلا للأحداث ~~التاريخية في عصرهم وكانت البداية التاريخية مزيجا من التاريخ والأساطير: ~~«كان حكماء اليونان القدامى شعراء لاهوتيين، وقد انتشروا بغير شك قبل الشعراء ~~البطوليين مثلما كان جوبيتر أبا لهرقل» (مسلمة 44). ~~«يميل البشر بطبيعتهم للاحتفاظ بذكرى القوانين والنظم التي تربطهم بمجتمعاتهم» ~~(مسلمة 45). ~~«التاريخ البربري كله كان خرافيا في بدايته، والشعر هو الذي سجل هذه البداية» ~~(مسلمة 46). # فالتاريخ القديم نوع من اللاهوت، ولكن بعد فترة طويلة تغيرت العادات وتغير تبعا لذلك ~~تفسير الأساطير وفقدت معناها الأصلي وانغمست في عصور الفساد حتى في العصر السابق ~~لهوميروس. ولكي تبرر هذه الشعوب عاداتها السيئة ألصقت هذه الصفات بالآلهة فتشوهت بذلك ~~الأساطير، وهذا ما حدث ms040 للكاهن والمؤرخ المصري مانيتو # Mantho # 12 # عندما فسر كل التاريخ المصري وترجمه وهذبه إلى لاهوت طبيعي. ~~(1-7) الحكمة الشعرية # يؤكد فيكو على شاعرية الشعوب الأولى ويوضح كيف كان البشر الأولون شعراء بالفطرة، ~~ويشبه الشعراء بالأطفال فكلاهما لديه خيال قوي وكلاهما يفكر من خلال تصورات خيالية، لم ~~يكن الجنس البشري في طفولته قادرا على تكوين تصور واضح للأشياء، تماما كالأطفال ~~العاجزين عن التجريد؛ لذلك بدأت المعرفة البشرية بالحس ولم تبدأ بالعقل، وتكونت الجمل ~~الشعرية عن طريق الأحاسيس العاطفية، ثم تكونت بعد ذلك الجمل الفلسفية عن طريق التفكير ~~والعقل أو المقولات العقلية؛ ولذلك كانت أكثر اتجاها نحو العام وأقرب إلى الحقيقة، أضف ~~إلى هذا أن كل الفنون الضرورية والنافعة أبدعت في العصور الشعرية قبل مجيء الفلاسفة. ~~ويرى فيكو أن لدى العامة نزعة طبيعية لخلق الأساطير على نحو مناسب، وهذه عادة متأصلة ~~لدى أي شعب؛ فهو يبتكر لكل إنسان مشهور حكايات تلائم ما جرى له في تلك الظروف. # ويستنتج من هذا ملاحظة هامة تتصل بالنظرية الشعرية؛ فالشعراء قد رسموا صورا ونماذج ~~شعرية بالتصور الخيالي صدقتها الشعوب ونسبت إليها بطولات خارقة وإن كانت في الواقع ~~المادي بعيدة عن الحقيقة التاريخية، والآن نتابع المسلمات التي يثبت فيكو من خلالها ~~الميل الفطري للعقل البشري لخلق الأساطير وإبداع الشعر: ~~«يميل العقل البشري إلى كل ما فيه وحدة ونظام» (مسلمة 47). ~~«من طبيعة الأطفال أن أفكارهم عن الرجال والنساء والأشياء التي عرفوها في طفولتهم ~~يقيسون عليها كل الأشياء والرجال والنساء الذين عرفوهم بعد ذلك على أساس المشابهة» ~~(مسلمة 48). ~~«نسب المصريون إلى هرمس مثلث الحكمة كل الاختراعات النافعة والضرورية للحياة ~~الإنسانية» (مسلمة 49). ~~«إن الشعوب الأولى لديها خيال قوي وكان هذا أساس الخيالات الشعرية عند البشر ~~الأولين» (مسلمة 50). ~~«الشعراء شعراء بالفطرة لا بالصنعة» (مسلمة 51). ~~«يتفوق الأطفال في التقليد ليسلوا أنفسهم حتى يصبحوا قادرين على الفهم» (مسلمة ~~52). ~~«كان تفكير البشر الأولين غير دقيق، وكانوا يعتمدون على الشعور قبل أن يبدءوا في ~~التفكير بعقل واضح» (مسلمة 53). ~~«إن الأساطير الأولى كانت تلائم الشعوب في ms041 طبيعتها وعواطفها وعاداتها» (مسلمة ~~54). ~~«هناك نص كلاسيكي يقول بأن النظرية اللاهوتية للمصريين القدماء كانت مزيجا من ~~التاريخ والأساطير، فنشأت الأجيال بعد ذلك تخجل منها، ولكن بالتدريج ترجمت إلى معنى ~~صوفي» (مسلمة 55). ~~«إن المؤلفين القدامى من شرقيين ومصريين وإغريق ولاتين، وحتى في عودة البربرية ~~ممثلة في اللغات الأوروبية للعصور الوسطى، كانوا شعراء» # 13 ~~(مسلمة 56). # ويرى فيكو أن مبادئ اللغات والحروف تكمن في حقيقة أن الأمم الأممية الأولى كانت ~~شعوبا شاعرية وذلك بحكم الضرورة الطبيعية. وهو يؤكد أن هذا هو المفتاح الأساسي للعلم ~~الجديد؛ لأننا مع تمدن طبيعتنا في العصر الحديث لا نستطيع أن نتخيل ولا نستطيع أن نفهم ~~الطبيعة الشعرية للشعوب الأولى إلا بعناء مضن؛ فالبشر الأولون كانوا يتحدثون بالأساطير ~~والحكايات الخرافية، وكانت الأمم الأولى مفتقرة إلى القدرات العقلية، فمن الطبيعي أن ~~تكون عواطفها جياشة ومشاعرها قوية، وهناك مصدران لكل تعبير شعري: الفقر في اللغة، ~~والحاجة إلى التفسير والإفهام. وتطور اللغات يسير جنبا إلى جنب مع تطور المجتمعات ~~البشرية، ففي عصر الآلهة كانت اللغة خرساء تعبر بالأفعال والأشياء نفسها التي ترتبط ~~بعلاقات طبيعية بالأفكار التي كانوا يحاولون التعبير عنها، ثم بدأت الشعوب تتلعثم ~~بالغناء الذي درب ألسنتهم على النطق، فكان النطق بكلمات من مقاطع واحدة. أما في عصر ~~الأبطال فقد ظهرت اللغة الشعرية التي اعتمدت على الاستعارات والتشبيهات والمقارنات ~~والاستعانة بالصور الحسية والوصف الطبيعي للأشياء. # 14 # هكذا نجد أن التطور الطبيعي للتنظيمات البشرية جعل اللغة تبدأ بالشعر ثم تستقر في ~~النثر، وهذا ما يشهد عليه تاريخ الشعراء القدامى وتطور الأوزان الشعرية من الأوزان ~~البطيئة إلى الأوزان السريعة، غير أن التطور قد جعل اللغة في العصر البشري تستخدم كلمات ~~تواضع عليها الناس؛ فهي اللغة التي صاغوها بإرادتهم وعبرت عن التحالفات الشعبية ~~والحكومات الملكية على السواء، وهي كذلك اللغة التي ثبت الشعب فيها معاني القوانين التي ~~تسري على النبلاء مثلما تسري على العامة من الناس بعد أن كان النبلاء قديما، في الأمم ~~الأممية، يحتفظون بالقوانين في لغة سرية كشيء مقدس، وكان هذا سببا ms042 طبيعيا لسرية ~~القوانين لدى أعضاء مجلس الشيوخ الروماني إلى أن قامت الحريات الشعبية. # ويوضح فيكو كيف أن الأفكار واللغات تطورت في خطوات متشابهة، وأن الأمم بدأت بلغة ~~شعرية ثم جاءت اللغة النثرية بعد ذلك، كما سيتضح في المسلمتين 61، 62، وفيكو لا يلقي ~~الضوء على بدايات اللغات وحدها بل على بدايات الحروف التي يئس علم اللغة القديم من ~~العثور عليها؛ إذ اعتقد علماء اللغة أن اللغات كانت أسبق في الوجود من الحروف، بينما ~~الواقع أن الحروف واللغات توءمان ولدا وسارا معا بسرعة عبر المراحل الثلاث. ويهتم فيكو ~~اهتماما بالغا بدراسة أتيمولوجيا (اشتقاق) اللغات (أي دراسة الكلمة وتاريخها) كما ~~سيتضح في مسلمة 65 وكما سنرى في الفصول التالية، ونتابع قراءة المسلمات عن تطور اللغات ~~فنجده يقول فيها: ~~«اللغة الخرساء تعبر بالأفعال والإيماءات والأشياء نفسها التي ترتبط بعلاقات طبيعية ~~بالأفكار التي يحاول البشر التعبير عنها» (مسلمة 57). ~~«اللغة الخرساء تعبر بالغناء عن أصوات ليس لها شكل والتلعثم بالغناء يعلم ألسنتهم ~~(أي البشر) النطق» (مسلمة 58). ~~«يعبر البشر بالأغنية عن عواطفهم الجياشة كما نلاحظ في حالات الحزن العميق الفرح» ~~(مسلمة 59). ~~«يجب أن تبدأ اللغات بكلمات من مقاطع واحدة» (مسلمة 60). ~~«القصيدة البطولية هي أقدم أشكال القصيدة، والسبوندي هو أبطؤها وسنرى أن القصيدة ~~البطولية كانت أصلا من البحر السبوندي» # 15 ~~(مسلمة 61). ~~«القصيدة العمبقية تكون أقرب إلى النثر، والبحر العروضي يكون أسرع على نحو ما وضعه ~~هوراس # Horace ~~» (مسلمة 62). # وتتطور الأفكار في خطوات مشابهة لتطور اللغات؛ فقد بدأ كلاهما بالحس وتكشف هذه ~~الأفكار عن أنواع التنظيمات البشرية وتطورها، بل ويعد العلم الجديد هو تاريخ الأفكار ~~البشرية - على حد تعبير فيكو نفسه - كما تؤكد ذلك المسلمات التالية: ~~«يميل العقل البشري بطبيعته لأن يرى نفسه مجردا من المضمون ليفهم نفسه بالتفكير ~~العقلي المجرد» (مسلمة 63). ~~«نوع الأفكار لا بد أن يتبعه نوع المؤسسات الاجتماعية أو الأنماط السلوكية» (مسلمة ~~64). ~~«تتابعت النظم الاجتماعية على هذا النظام فبدأت بالغابات ثم الأكواخ ثم القرى ~~والمدن وأخيرا الأكاديميات العلمية» # 16 ~~(مسلمة 65). # وهذا التتابع للمؤسسات البشرية يعد نموذجا لتاريخ ms043 تطور معاني الكلمات في اللغات ~~المختلفة، فنلاحظ أن معظم كلمات اللغة اللاتينية ذات أصول مشتقة من الحياة في الغابات ~~أو الريف، ونأخذ على سبيل المثال كلمة # Lex # التي كان معناها في البداية قطف أو جمع شجر ~~البلوط ثم اشتق منها كلمة # ilex # وهي شجرة البلوط، وتطورت الكلمة في الحياة الريفية فأصبح ~~معناها مجموعة من الخضروات، وفي فترة لاحقة وقبل أن تكتشف الحروف العادية اقتضت ~~الطبيعة المدنية استعمالها بمعنى مجموعة من المواطنين أو البرلمان العام أو مجلس شعبي ~~عام؛ لأنها تعني التجمع نفسه، وأخيرا كانت كلمة # legere # تعني تجميع حروف الكتابة بجانب ~~بعضها، أي تجميع الحروف في كلمات وتجميع الكلمات في جمل، وهذا ما تم في الأكاديميات ~~العلمية التي كانت آخر شكل من أشكال تطور التنظيمات البشرية ويمثل قمة التطور، ثم يرتد ~~هذا التطور ويتردى في الانحلال إلى أن يسقط. ~~(1-8) التاريخ المثالي الأبدي # ينتهي فيكو إلى وضع مبادئ تاريخ مثالي أبدي مرت به كل أمة في نشأتها وبنائها وتطورها ~~ونضوجها ثم تدهورها وسقوطها، أي أن هذا التاريخ الأبدي يتتبع كيف نشأت الأمة، وكيف ~~تطورت أشكال الحكم فيها ونضجت ثم كيف تدهورت بالتدريج وسقطت. ونظرية التاريخ المثالي ~~الأبدي هي لب فلسفة فيكو التاريخية وهي النظرية التي قام عليها مذهبه التاريخي. وسوف ~~نتناول هذه النظرية بالتقييم في الباب الثالث، ونكتفي في هذا المكان بتتبع كيف نشأت ~~المجتمعات البشرية الأولى من الحاجات الضرورية للإنسان، ثم كيف اتجه الإنسان إلى كل ما ~~هو نافع، ثم أخذ يلتمس الراحة وبدأ يسعى وراء الملذات، ثم انغمس في الترف إلى حد ~~التدهور إلى أن سقطت التنظيمات البشرية. # ويقرر فيكو مبدأ سياسيا هاما وهو أن نشأة التنظيمات السياسية ترجع لطبيعة الشعوب ~~بحيث توافق هذه التنظيمات طبيعة الشعوب المحكومة؛ ولهذا تطورت أشكال الحكم لدى الأجناس ~~البشرية الأولى ومرت بمراحل ست أو أنواع ستة: النوع الأول (السيكلوب) كان ضروريا في ~~المرحلة الأسرية وضرورة وجود فرد واحد يخضع له الآخرون. النوع الثاني الذي يتصف بالزهو ~~والغرور (مثل أخيل) كان ضروريا لبناء ms044 النظم الأرستقراطية على قاعدة النظام الأسري. ~~النوع الثالث الذي يتصف بالشجاعة (مثل أرستيدس) كان ضروريا لفتح الطريق للحرية ~~الشعبية. النوع الرابع (مثل الإسكندر وقيصر) لإقامة ملكيات أو إمبراطوريات جديدة. النوع ~~الخامس (مثل تيبرس) كان ضروريا لإقرار هذه الإمبراطوريات واستقرارها. النوع السادس ~~(مثل نيرون وكاليجولا) لتدميرها ... ويلخص فيكو مبادئ التاريخ المثالي في المسلمات ~~التالية: ~~«شعر البشر الأولون بالحاجات الضرورية فبحثوا عن الأدوات النافعة، ثم اتجهوا إلى ~~أساليب الراحة، ثم انغمسوا في الترف ليسعدوا أنفسهم، وأخيرا أصابهم الجنون فضيعوا ~~ثروتهم وفقدوا جوهرهم الحقيقي» (مسلمة 66). ~~«كانت طبيعة الشعوب الأولى في البداية قاسية وتدرجت من الخشونة إلى الاعتدال والرقة ~~وأخيرا إلى الانغماس في اللذات أو التحلل» (مسلمة 67). ~~«ظهرت الأجناس البشرية الأولى في أشكال غريبة (مثل السيكلوب) ثم أجناس تتصف بالزهو ~~والغرور (مثل أخيل) ثم الشجاعة (مثل أرستيدس) ثم أجناس حققت نصرا شعبيا ومجدا ~~حقيقيا (مثل الإسكندر وقيصر) ثم أجناس يغلب عليها طابع التأمل (مثل تيبرس) وأخيرا ~~الانغماس في الملذات والجنون (مثل نيرون وكاليجولا)» (مسلمة 68). ~~«يجب أن تتكيف الحكومات أو تطابق وتوافق طبيعة المحكومين» # 17 ~~(مسلمة 69). # ويفسر فيكو نشأة نظم الحكم في الشعوب الأولى مبتدئا بالنظم الملكية وهي أول شكل من ~~أشكال الحكم في العالم، فبعد أن استقر الجنس البشري في الأرض واحترف الناس الزراعة ~~وكونوا الأسر، وأصبح لهم طقوس عبادة وإله يعبدونه. كان آباء الأسر هم الملوك والحكماء ~~الذين يتلقون التكهنات من الآلهة ويبلغونها لأسرهم وهذا ما تؤكده المسلمات التالية: ~~«بدأت كل الأمم بطقوس العبادة، أي عبادة إله معين، وكان آباء الأسر هم الحكماء ~~المطلعون على نبوءات الآلهة، وكانوا يبلغون أسرهم بالقوانين الإلهية.» (مسلمة 72) ~~«يقضي التراث الشعبي بأن أول من حكم العالم ملوك» (مسلمة 73). ~~«إن الشعوب تنتخب أكثر الناس جدارة» (مسلمة 74). ~~«إن الملوك في العصور الأولى كانوا حكماء؛ ولذا اشتاق أفلاطون إلى العصور القديمة ~~التي كان فيها الفلاسفة ملوكا أو كان الملوك فلاسفة» (مسلمة 75). ~~«إن الشكل الأول لكل حكومات العالم القديم كانت حكومات ملكية» # 18 ~~(مسلمة 76). # ثم يقدم فيكو مجموعة من المسلمات التي تقوم ms045 على افتراض أساسي لتفسير نشأة التجمعات البشرية # Commonwealths ~~؛ فبعد أن طاف العمالقة كما ذكرنا في غابات الأرض الواسعة وأرعدت ~~السماء لأول مرة بعد الطوفان، لجأ بعض العمالقة إلى الكهوف ودفعهم الخوف من الإله إلى ~~نظام الزواج من امرأة واحدة، وكونوا أسرا واستقروا في الأرض وزرعوها وظل باقي العمالقة ~~في تجوالهم البهيمي خارجين عن القانون، وبعد مرور حقبة طويلة من الزمن لجأ هؤلاء ~~العمالقة إلى الأراضي المزروعة لآباء الأسر لطلب الحماية والاستقرار، فاتخذهم الآباء ~~كأتباع أو عبيد للأرض يفلحونها. وبمرور الزمن بدأ هؤلاء العبيد في التمرد، فتحالف ~~الآباء ووحدوا أنفسهم في تنظيمات لمواجهة عبيد الأرض الثائرين، وأقروا لهم بنوع من ~~الإقطاع الريفي كسبا لطاعتهم، وسمى رؤساء التنظيمات أنفسهم ملوكا وواجهوا هؤلاء ~~العبيد المتمردين، وأصبحت السلطة العائلية لآباء الأسر - التي لا يمكن أن نفهمها إلا على ~~أنها كانت نوعا من إقطاعات النبلاء - خاضعة للقوى السياسية لهذه التنظيمات الحاكمة. ~~وأصبحت التجمعات البشرية أرستقراطية من تلقاء نفسها؛ إذ نشأ النظام الأرستقراطي عن ~~ضرورة ملحة هي الضرورة التي فرضها عبيد الأرض على آباء الأسر، ويقدم فيكو هذا الفرض ~~لتفسير نشأة التجمعات البشرية، ويدعونا إلى التسليم بأنه صحيح لأنه فرض بسيط وطبيعي، ~~ولأن الآثار السياسية المترتبة عليه لا حد لها، وإذا لم نسلم به فلن نفهم كيف نشأت ~~سلطة الدولة من سلطة أخرى ولا كيف تمخضت السلطة الإقطاعية العامة عن الإقطاع الخاص، ولا ~~كيف تألفت الجماعة من تنظيم يضم عددا قليلا يصدر أوامره وأغلبية من العامة تخضع لهذه ~~الأوامر. ولنقرأ الآن المسلمات التي تتناول نشأة التجمعات البشرية: ~~«يجب أن نسلم أن بعض الناس الخارجين عن القانون انسحب منهم مجموعة من الأقوياء ~~وكونوا أسرا وزرعوا الأرض، وبعد فترة طويلة من الزمن جاء باقي الخارجين عن القانون ~~ليعيشوا في نفس الأرض المزروعة لآباء الأسر» (مسلمة 70). ~~«العادات الفطرية لا تتغير كلها دفعة واحدة، وإنما تتغير تدريجيا وتستغرق فترات ~~طويلة من الزمن» (مسلمة 71). ~~«إن أسماء الأسر ترجع إلى عبيد الأرض الذين أطلقوا على الأسر أسماءها» (مسلمة ~~78). ~~«لا يمكن أن نتصور ms046 قيام اتحادات قبل وصول أولئك اللاجئين الذين جاءوا للآباء لكي ~~ينقذوا حياتهم وتعهدوا بزراعة الأرض ردا لهذا الصنيع» # 19 ~~(مسلمة 79). # هكذا نشأ المجتمع الأرستقراطي الإقطاعي ومنح النبلاء إقطاعات من الأرض كانت أول قانون ~~زراعي في العالم، وانقسم المجتمع إلى طبقتين طبقة نبلاء وطبقة عبيد، وأقسم النبلاء على ~~العداء الأبدي للعامة فنشب الصراع الطبقي. وكان النبلاء هم الأبطال المحاربون ولهم ~~وحدهم شرف البطولة، كما كانوا حريصين دائما على ألا تنال العامة هذا الشرف. ويوضح فيكو ~~كيف ينشب الصراع البطولي في الحكومات الأرستقراطية التي كانت تفتقر إلى القانون المدني ~~الذي ينظم العلاقات بين الأفراد، وهذا يبين قسوة النبلاء تجاه العامة مما يتجلى بوضوح ~~في التاريخ الروماني حيث كانوا يلقون بهم في أهوال الحروب ويغرقونهم في الديون والفوائد ~~ويضربونهم بالسياط على أجسادهم العارية فيدفعون الثمن سخرة في العمل. وتحليل فيكو ~~للصراع الطبقي يقوم على أمور ثلاثة: طموح طبقة العامة للمشاركة في الحقوق المدنية ~~والقوانين التي كان يتمتع بها الآباء؛ إصرار الآباء على الاحتفاظ بهذه الحقوق داخل طبقتهم؛ # 20 # حكمة المشرعين في تفسير تلك القوانين ومد منفعتها شيئا فشيئا وتعديلها ~~لما يستجد من حالات أخرى. وهذه هي المسلمات عن نشأة النظام الأرستقراطي والنظام ~~الإقطاعي كضرورة تطلبتها الحياة المدنية: ~~«كان طبيعيا أن يتجه المجتمع البشري بعد ذلك للنظام الإقطاعي الذي يقوم على ~~المقايضة؛ لأنهم رأوا فيه أفضل المنافع والفوائد التي يتطلعون إليها في الحياة ~~المدنية» (مسلمة 80). ~~«من صفات الأقوياء أن ما كسبوه بالقوة لا يتخلون عنه بسهولة أو لا يترددون في ~~الدفاع عنه، وإنما يتخلون عن جزء منه عندما تقتضي الضرورة وبالتدريج وفي أضيق الحدود ~~الممكنة» (مسلمة 81). ~~«كل الشعوب القديمة كان لها أتباع أو عبيد للأرض» (مسلمة 82). ~~«إن قانون الإقطاع الريفي (الذي يقر للعبيد بجزء من الأرض) هو القانون الزراعي ~~الأول في العالم؛ لأننا لا نستطيع على الإطلاق أن نتصور نظاما آخر يعطي أقل من هذا ~~القدر» (مسلمة 83). # ويستدل فيكو على صحة رأيه بنص هام من كتاب السياسة لأرسطو، يتحدث فيه عن أشكال ~~الدول ويذكر ms047 الممالك البطولية التي كان فيها الملوك يطبقون القوانين في الداخل ويقودون ~~الحروب في الخارج، كما كانوا في نفس الوقت هم رؤساء الكهنة في الطقوس الدينية. ~~«من كتاب السياسة لأرسطو: إن الجماعات القديمة لم يكن لديها قوانين لمعاقبة العدوان ~~على الأشخاص، أي لم يكن لديها قانون يحمي الأشخاص من الظلم الواقع عليهم، لقد كان هذا ~~هو أسلوب الشعوب البربرية؛ لأن الشعوب في بدايتها كانت في حالة توحش ولم تستطع بعد أن ~~تنظم عاداتها تنظيما قانونيا» (مسلمة 85). ~~«نص آخر ورد في سياسة أرسطو يقول: إن الحكومات القديمة تبين أن النبلاء يقسمون على ~~أن يكونوا أعداء دائمين لعامة الناس» (مسلمة 86). ~~«إن الحكومات الأرستقراطية لا تميل للحروب لكيلا تجعل العامة جنودا محاربة» ~~(مسلمة 87). ~~«حافظت الحكومات الأرستقراطية على ثروة النبلاء لأن هذه الثروة عنصر من عناصر قوة ~~هذه الطبقة» (مسلمة 88). ~~«الشرف هو أسمى وأنبل الحوافز للشجاعة في الحروب» (مسلمة 89). ~~«لا بد للشعوب في أوقات الحرب أن تستبسل أو أن تسلك سلوك الأبطال إذا أرادت أن تنال ~~الشرف في أوقات السلام» (مسلمة 90). ~~«إن صراع الطبقات من أجل الحصول على نفس الحقوق من أقوى العوامل على تقوية الدول» ~~(مسلمة 91). ~~«إن الضعفاء يريدون القوانين، والأقوياء يقاومونها، وأصحاب الطموح يشجعونها ليكسبوا ~~أتباعا لهم» (مسلمة 92). # ويستمر الصراع الطبقي وتظل العامة تتطلع للمساواة في الحقوق المدنية وحقوق الشرف مع ~~طبقة النبلاء إلى أن يضطر النبلاء للخضوع لسلطة القانون، فتتكون الجمهوريات الشعبية ~~الحرة وتقوم المساواة بين النبلاء والعامة في الحقوق المدنية، وتبدأ العامة في سن ~~القوانين ثم تضع نفسها فوق القانون فتسود الفوضى ويعم الاستبداد والطغيان وتنهار نظم ~~الحكم الشعبية فيضطر كل من النبلاء والعامة إلى الخضوع لسلطة رجل واحد ينصب نفسه ملكا ~~وتعود نظم الحكم الملكية، ويصور فيكو هذا في المسلمات التالية: ~~«كان الطريق مفتوحا أمام العامة لإشباع نهمها في الحصول على حقوق الشرف والمناصب ~~الكبيرة؛ لذلك نشأت الحروب الأهلية في الداخل والحروب العدوانية في الخارج» (مسلمة ~~93). ~~«تزداد الحرية الطبيعية شراسة كلما دافع الفرد عن ملكيته الشخصية» (مسلمة ~~94). # ويستشهد فيكو بالتاريخ ms048 الروماني في تصوير الصراع الطبقي وتطور نظم الحكم فيه (مسلمة ~~95): ~~«إن الناس تتطلع للمساواة وترفض حالة الخضوع، هكذا كان سلوك طبقة العامة في ~~الحكومات الأرستقراطية الرومانية التي تحولت بفضل هذا السلوك إلى جمهوريات شعبية حرة، ~~ثم حاول الأفراد أن يتفوقوا على بعضهم البعض ففسدت الجمهوريات الشعبية وتحولت إلى ~~جمهوريات يتسلط عليها بعض الأفراد. وأخيرا حاولت العامة أن تخضع القوانين لسيطرتها ~~فنشأت الفوضى، وهذه الحالة هي أسوأ حالات الطغيان إذ يكثر عدد الطغاة، وعند هذا تشعر ~~العامة ببؤسها فتسترد وعيها وتحاول أن تنقذ نفسها بالخضوع لسيطرة فرد واحد، وفي هذه ~~الحالة يسود القانون الملكي الطبيعي الذي حاول به تاسيتوس أن يبرر الملكية الرومانية ~~تحت سيطرة أغسطس.» ويجمل فيكو هذا الصراع مرة أخرى في (مسلمة 96) فيقول: «بفضل الحرية ~~الطبيعية التي لا تخضع لقانون تحلل النبلاء من كل الالتزامات والقيود عندما بدأ تأسيس ~~المجتمعات الأولى على أساس أسري، فنشأت الحكومات الأرستقراطية التي كانوا هم سادتها، ثم ~~اضطر النبلاء أن يتساووا مع العامة في الأعباء والقوانين بعد أن أجبرهم العامة على ~~الخضوع لسلطة القانون. وعلى هذا استقر وضع النبلاء في الجمهوريات الشعبية، ولكنهم مالوا ~~بصورة طبيعية إلى الخضوع لسلطة رجل واحد لكي يضمنوا لأنفسهم حياة مريحة وكان هذا هو ~~حالهم في ظل الملكية.» # 21 # ولا شك أننا نلاحظ في مسلمة 94 نوعا من التنبؤ بما قاله روسو ~~والاشتراكيون الأوائل وما أكده ماركس بعد ذلك من أن الملكية الخاصة هي أصل الشراسة ~~والعدوان والاستعباد، أي تتحول الحرية الطبيعية في الإنسان إلى شراسة كلما مس أحد ~~أملاكه الشخصية. ~~(1-9) أثر الجغرافيا في تأسيس الشعوب # استعان فيكو بعلم الجغرافيا لدراسة الطبيعة المشتركة للأمم ليبين كيف أن العامل ~~الجغرافي له أثر كبير في تأسيس الشعوب؛ إذ عاش البشر في البداية داخل الجبال ثم انتقلوا ~~إلى السفوح والسهول وأخيرا عاشوا على شواطئ البحار. ويستشهد فيكو بنص من أفلاطون يؤيد ~~به صحة رأيه ويوضح أن البشر في كل العصور يبدءون حياتهم داخل الجبال ثم بالتدريج ~~ينتشرون في السهول. ويستدل كذلك ms049 بأمثلة من التاريخ القديم عن تأسيس مدينة صور داخل ~~البلاد، ثم نقلها إلى شاطئ البحر إلى أن جاء الإسكندر ونقلها إلى اليابسة، ومن هذا ~~المنطلق واعتمادا على التاريخ العبري يبرهن فيكو على قدم الشعب اليهودي الذي أسسه نوح ~~في بلاد ما بين الرافدين وأبعد بلاد العالم المأهول بالسكان بعيدا عن البحر؛ ولذلك فهم ~~أقدم الشعوب، ويحاول فيكو أن يثبت صحة هذا بتأكيده أنه قد تأسست هناك أول دولة ملكية من ~~الآشوريين التي حكمت الكلدانيين الذين نشأ بينهم الحكماء الأوائل في العالم ومنهم زرادشت. # ولا يفوتنا أن نأخذ على فيكو هذه الغلطة التاريخية التي وقع فيها؛ لأن أول حكومة ~~ملكية ظهرت في العالم نشأت في ظل الحضارة المصرية القديمة كما أثبتت الحفريات في القرن ~~التاسع عشر، وإن كنا نلتمس له العذر لأن علم الحفريات لم يتقدم ويزدهر إلا في القرن ~~التاسع عشر؛ ولذا لم تتوفر الدراسات الكافية - في عصره - عن الحضارات القديمة. ولنتابع ~~المسلمات لنرى أثر العامل الجغرافي في تأسيس الشعوب. ~~«عاش البشر - بعد الطوفان - فوق الجبال ثم نزلوا للسفوح، وبعد عصور طويلة وجدوا في ~~أنفسهم الشجاعة للاقتراب من شواطئ البحار» (مسلمة 97). ~~«هناك فقرة لأفلاطون # 22 # يقول فيها: إن البشر بعد الطوفان المحلي (أوجيجن وديكلبينوت) عاشوا في كهوف ~~فوق الجبال، وهؤلاء هم العمالقة السيكلوب الذين يتعرف أفلاطون عن طريقهم على أول رؤساء ~~الأسر الذين ظهروا في العالم، ثم انحدروا على جانبي الجبال وأخيرا نزلوا للسهول» ~~(مسلمة 98). ~~«يقول التراث الشعبي إن صور أسست داخل البلاد ثم نقلت إلى ساحل البحر الفينيقي ~~وانتقلت بعد ذلك إلى جزيرة قريبة إلى أن نقلها الإسكندر الأكبر إلى اليابسة» # 23 ~~(مسلمة 99). # واستنادا إلى علم الجغرافيا أيضا يفسر فيكو أسباب هجرة الشعوب تحت حكم الضرورة ~~كالتجارة وكسب العيش وتحقيق الثروة ... إلخ. لقد حاول أن يوضح كيف ضلت سلالة أبناء نوح ~~الثلاثة في حياة رعوية بهيمية؛ إذ أرغمتهم الضرورة على الهرب من الوحوش الكاسرة بحثا ~~عن الماء والغذاء وملاحقة النساء، ثم وجدوا أنفسهم مشتتين على الأرض بعد أن أرعدت ms050 ~~السماء لأول مرة بعد الطوفان. ولو أن هذه الأمم الأممية حافظت على إنسانيتها مثل الشعب ~~اليهودي لبقوا مثله في قارة آسيا الممتدة الواسعة، ولكن الضرورة الملحة هي التي أرغمتهم ~~على الهجرة، وهجرة الشعوب تثبتها المستعمرات كالتي أنشأها الإغريق على ساحل أيونيا أو ~~على الساحل الجنوبي في إيطاليا والمستعمرات الرومانية المتأخرة ... إلخ. ويمكننا بهذا أن ~~نتتبع تاريخ الشعوب التي أسست مستعمرات في بلاد غريبة على فترات تاريخية متتالية. وفيكو ~~كعالم لغويات يستدل على ذلك من اشتقاق بعض الكلمات والأسماء من أصول أجنبية مختلفة عن ~~جذورها الأصلية، فعلى سبيل المثال سميت نابولي في البداية بكلمة # Sirena # مما يدل على أن ~~السريان أو الفينيقيين (أول بحارة في العالم) هم أول من أسس فيها مستعمرة تجارية، ثم ~~تغير الاسم إلى Parthenope # وهي كلمة إغريقية من العصر البطولي، ثم سميت أخيرا # Neapolis # وهي كلمة من اللغة الإغريقية الشعبية تعني المدينة الجديدة، مما يدل على أن الإغريق قد ~~وصلوا إليها ليقيموا علاقات تجارية معها. # ويرى فيكو أن الشعوب المغلقة على نفسها لا بد أن تفتح إما بواسطة غزو خارجي أو ~~بالتجارة مع الأجانب، وهو يضرب أمثلة على ذلك من التاريخ القديم عندما فتح بسماتيك ~~مصر للكاريبيين والأيونيين الإغريق، ومن العصر الحديث عندما فتح الصينيون بلادهم ~~للتجارة مع الغرب، ونتابع الآن مسلمات فيكو في هجرة الشعوب. ~~«تحت ضغط ضرورات الحياة تخلى الإنسان عن أرضه، التي هي بالطبع عزيزة عليه، ولكنه ~~تركها مضطرا ليشبع نهمه في تحقيق الغنى عن طريق التجارة، أو ليحافظ على ما كسبه» ~~(مسلمة 100). ~~«كان الفينيقيون هم أول بحارة في العالم القديم» (مسلمة 101). ~~«كانت الأمم في المرحلة البربرية مغلقة على نفسها، فإما أن تفتح من الخارج بواسطة ~~الحروب أو تفتح طواعية للتجارة مع الأجانب» (مسلمة 102). ~~«الفرض الذي يجب التسليم به هو أن مستعمرة إغريقية أقيمت على شواطئ اللاتيوم، ثم ~~انتزعها الرومان ودمروها وظلت هذه المستعمرة مدفونة في ظلام العصور القديمة. وإذا لم ~~نسلم بهذا فلن نفهم ما يحكيه التاريخ الروماني عن شخصيات مثل هرقل أو ms051 عن الأركاديين ~~والفريجيين في منطقة لاتيوم، ولن نفهم ملاحظة تاسيتوس # 24 # في حولياته بأن حروف الهجاء الرومانية تشبه الحروف اليونانية القديمة» # 25 ~~(مسلمة 103). ~~(1-10) تطور القوانين مع تطور العقل البشري # ثم يذكر فيكو مجموعة من المسلمات عن تسلسل نسب الآلهة، ويؤكد أن العشائر الأولى ~~للمجتمع البشري أو الأمم الأولى نشأت قبل المدن الكبرى؛ ولهذه الأمم الصغيرة آلهتها ~~الخاصة بها وكانت تدعى آلهة آباء الأسر. وبعد ظهور المدن نشأت الأمم الكبيرة وكان لها ~~أيضا آلهتها. ومن تتبع فيكو لتسلسل نسب الآلهة أثبت أن عددهم اثنا عشر إلها في كل ~~الأمم الأممية: ~~«نشأت الأمم الأولى قبل إنشاء المدن وكانت تسمى بيوت النبلاء القديمة، ومن هذه ~~الأمم الأولى أو العشائر الصغيرة كون رومولوس مجلس الشيوخ» (مسلمة 107). ~~«وفقا للتقسيم السابق، هناك آلهة كانوا آباء الأسر في الأمم الأولى قبل تأسيس ~~المدن، ووفقا للثيوجونيا الطبيعية فإن عدد الآلهة في كل الأمم الأممية كان يبلغ اثني ~~عشر إلها» # 26 ~~(مسلمة 108). # ثم يتعرض فيكو لمجموعة من المسلمات التي يقدم فيها آراءه عن القانون المدني والقانون ~~الطبيعي؛ فالقانون الطبيعي أسسته الشعوب من خلال عاداتها الطبيعية والبسيطة، ثم أضفى ~~الفلاسفة على القانون الطبيعي صورة أكمل عن طريق العقل، أي أنهم تمموا بالعقل ما بدأته ~~الأمم الأممية بالعادة والعرف، ولكن الفلاسفة لم يظهروا إلا بعد ألفي سنة من نشأة الأمم ~~الأممية. # ويؤكد فيكو أن العناية الإلهية هي التي حددت القانون الطبيعي للشعوب؛ لأن الأمم عاشت ~~قرونا طويلة وهي عاجزة عن فهم الحق وعن فهم فكرة القانون الطبيعي التي وضحها الفلاسفة ~~فيما بعد. وسمحت العناية الإلهية بأن تتمسك الأمم بقوانينها المدنية، بل أن تتمسك ~~بحرفية هذه القوانين مهما ثبتت قسوتها عند تطبيقها، وقد حرصت العناية الإلهية بهذا على ~~أن تحافظ على وجود الأمم وبقائها وهذا ما أغفله - في رأي فيكو - فقهاء القانون الطبيعي؛ ~~ولهذا أخطئوا جميعا في مذاهبهم لأنهم تصوروا أن الأمم الأممية قد فهمت فكرة القانون ~~الطبيعي منذ نشأتها الأولى دون أن يدركوا أن هذه الفكرة لم تتضح بشكل كامل ms052 إلا بعد تطور ~~العقل البشري وبعد ظهور الفلاسفة لدى هذه الأمم بعد ألفي سنة من نشأتها فأخذوا يبلورون ~~فكرة القانون الطبيعي بشكل كامل عن طريق العقل. والقانون المدني وضعه الأذكياء من البشر ~~الذين صاغوا المنفعة صيغة قانونية؛ ولذلك فهذا القانون لا يفهمه إلا قلة من البشر من ~~ذوي المعرفة والذكاء، أما الشعوب ذات الأفكار المحدودة فقد فهمت القانون على أنه ~~الالتزام الشديد بالصياغة الدقيقة للكلمات التي وضعها الحكماء طبقا لما هو ضروري لحفظ ~~الجنس البشري. وهذا ما تعبر عنه المسلمات التالية: ~~«البشر ذوو الأفكار المحدودة يفهمون القانون على أنه ما تعبر عنه الكلمات» (مسلمة ~~109). ~~«النص الذي ذكره أولبيان # Ulpian # عن مفهوم القانون المدني لا يعرفه إلا قلة من الناس ~~من ذوي الخبرة والمعرفة والذكاء، وهؤلاء يستطيعون الحكم على ما هو ضروري للحفاظ على ~~المجتمع البشري، أي أن القانون المدني ليس قانونا طبيعيا» (مسلمة 110). ~~«يقين القوانين يظل غامضا بالنسبة للعقل ولا تسنده إلا سلطة التقاليد ويتعذر على ~~العقل أن يفهمه؛ ولهذا فإن القوانين تطبق مهما كانت صارمة لاستنادها إلى سلطة ~~التقاليد» (مسلمة 111). ~~«إن الأذكياء من البشر يعتقدون أن ما تمليه المنفعة هو القانون» (مسلمة 122). ~~«الجانب الحق من القوانين نوع من الضوء الذي يضفيه العقل الطبيعي عليها؛ لذلك ~~كثيرا ما يستعمل المشرعون كلمة حق مرادفة لكلمة عدل» (مسلمة 113). ~~«إن القانون الطبيعي في نظر العقل البشري المتطور هو في الواقع تطبيق للحكمة على ~~المنفعة العملية؛ لأن الحكمة بمعناها الأشمل ليست إلا علم استخدام الأشياء وفق طبيعتها» # 27 ~~(مسلمة 114). # كانت هذه هي مسلمات العلم الجديد التي قدمها فيكو والتي يجب أن يسلم بها كل باحث في ~~عالم الأمم لتكون الأساس العلمي والنظري في بناء الهيكل التاريخي، أو بمعنى آخر هي صورة ~~العلم الجديد. # ولكن هناك بعض المغالطات التاريخية في هذه المسلمات، وقد أوضحنا منها في ثنايا هذا ~~الفصل الغلطة التاريخية الخاصة بنشأة النظم الملكية في العالم وكيف أنها بدأت في مصر، ~~ومنها أيضا أن التاريخ بدأ بالطوفان، فهل هذه هي البداية التاريخية الحقة؟ من ms053 المؤكد ~~أن بداية التاريخ البشري كانت قبل هذا الزمان، ولكن لم تتوفر المعلومات التاريخية عن ~~هذه الفترة وبالتالي فهو تاريخ مجهول؛ لذلك بدأ فيكو التاريخ من الطوفان لكونه واقعة ~~تاريخية منها يستطيع أن يجمع الخيوط حول بداية التاريخ البشري من الأساطير والتراث ~~الشعبي ونشأة اللغات. # من الواضح تأثر فيكو بأفلاطون في بحثه عن نظام أبدي دائم للأشياء؛ فقد قال فيكو ~~بتاريخ مثالي أبدي يحكم مسار الأمم في مولدها وتقدمها ونضجها ثم تدهورها وسقوطها. ويرى ~~برييه أن الأمر عند فيكو ليس كما هو عند كوندورسيه وكونت مسألة قانون يصوغ تقدما أو ~~تطورا لا محدودا للبشرية في مجموعها، وإنما هو مسألة قانون مثالي تشارك فيه كل أمة ~~مستقلة عن الأمة الأخرى على مدى تطورها؛ فالتاريخ الروماني من العصور الأسطورية الملكية ~~حتى نهاية الإمبراطورية على يد البرابرة مثل على هذا الكل المتكامل، وهو مثال لتاريخ أي ~~أمة بحيث إن مراحله المتتابعة يمكن أن توجد في أي أمة أخرى، أي أن الزمان يسير في شكل ~~دوري يدور ثم يعود على نفسه ليبدأ التاريخ من جديد مع كل أمة، وهنا يردد فيكو النظرة ~~المألوفة عند كل من أفلاطون وأرسطو والرواقيين الذين كانت لديهم نفس الفكرة عن الزمان. # 28 ~~(2) مبادئ العلم الجديد # يضع فيكو مبادئ علمه الجديد مفترضا عدم وجود كتب على الإطلاق، رافضا كل ما قدمه ~~علماء اللغة والفلاسفة من أفكار بدت له مشوشة ومضطربة لسببين: ~~(أ) # غرور الباحثين الذين يتصورون أن كل ما يعرفونه كان معروفا منذ بداية ~~العالم؛ ولهذا لا نستطيع أن نلجأ إلى أبحاث الفلاسفة فحسب. ~~(ب) # غرور الشعوب التي يتصور كل منها أن تاريخ العالم بدأ مع بداية تاريخ شعبه ~~وأمته؛ ولذلك لا نستطيع الاعتماد على ما كتبه علماء اللغة وحدهم عن تاريخ ~~هذه الشعوب. # ولكن وسط الظلام والغموض الذي يكتنف الشعوب القديمة يشرق نور الأبدية، إن العالم ~~التاريخي من صنع البشر، وهذه هي الفكرة الرئيسية في فلسفة فيكو. والتاريخ ليس من صنع ~~القدر ولكن من صنع العقل ولهذا فلا بد ms054 أن نجد مبادئ التاريخ في تحولات عقلنا البشري ~~نفسه، ويتعجب فيكو تعجبا شديدا من اتجاه كل الفلاسفة الجادين لدراسة العالم المادي ~~الطبيعي الذي هو من صنع الله وهو وحده القادر على معرفته معرفة تامة، بينما أهملوا ~~البحث في عالم التاريخ البشري وكانوا كالعين التي ترى كل شيء خارجها وتحتاج لمرآة لترى ~~نفسها. # ولما كان الإنسان هو صانع التاريخ فلا بد أن تكون هناك تنظيمات أساسية وافق عليها كل ~~البشر، ومن هذه التنظيمات ستخرج المبادئ العامة الخالدة التي وجدت في كل الشعوب. هذه ~~المبادئ الأساسية التي يراها فيكو تتلخص في ثلاثة: الدين أو العقيدة، الزواج وما يرتبط ~~به من تحكم في الانفعالات، دفن الموتى وما يرتبط به من خلود الروح البشرية. # تتبع فيكو أصول النظم الاجتماعية للأمم وردها إلى هذه المبادئ الثلاثة محاولا أن ~~يبين أن بقاء الحضارة متضمن فيها أو نابع منها، ثم استخرج من هذه النظم الثلاثة سائر ~~النظم الحضارية المتطورة. لقد لاحظ أن كل الشعوب، بربرية كانت أو مدنية، لها عادات ~~بشرية ثابتة بالرغم من تباعدها في المكان والزمان؛ فهي جميعا تتفق على ديانة ما، وهي ~~بلا استثناء تحتفل بطقوس الزواج وتدفن موتاها. وحتى الشعوب الموغلة في التوحش نجد لديها ~~الأفعال البشرية التي تحتفي بها وتصاحبها طقوس مقدسة مثل شعائر الدين والزواج ودفن ~~الموتى. اتخذ فيكو من هذه العادات الثلاث مبادئ أساسية لعلمه الجديد واعتبرها الأصل في ~~الحس المشترك بين الشعوب؛ ولذلك ارتفعت في رأيه إلى مرتبة القداسة لأنها هي التي تعصم ~~الشعوب من الارتداد إلى حالة التوحش. # والمبدأ الأول يعارض فيه فيكو بعض الرحالة المحدثين الذين يروون عن شعوب في البرازيل ~~وجنوب أفريقيا ليس لديها أية معرفة عن الله، كما يعارض زعم المفكر الفرنسي بايل # Bayle ~~(1647-1706م) «أن الشعوب يمكنها أن تعيش حياة عادلة بغير حاجة للنور الإلهي.» وقول ~~المؤرخ الهلينستي بوليبيوس (200-120ق.م.): «إنه إذا كان هناك فلاسفة في العالم فهناك ~~عدل مستمد من قوة العقل لا من قوة القوانين ولا حاجة للأديان في العالم.» يعارض فيكو ms055 ~~هؤلاء جميعا بقوله إن كل أمة تؤمن بديانة ما، وهناك أربع ديانات هي: العبرانية، ~~والمسيحية، وكلاهما يؤمن بألوهية عقل لا متناه حر أي يؤمن بالله، والأمم الأممية أو ~~الوثنية تؤمن بتعدد الآلهة، وكل إله منها مؤلف من جسم وعقل. وأخيرا الديانة الإسلامية ~~التي تؤمن بإله واحد. وحيثما وجدت الأديان وجدت التشريعات والقوانين التي تنظم المجتمع ~~البشري. ويدلل فيكو على صدق مبدئه بأن الرواقيين والأبيقوريين قد أخفقوا في تصور تشريع ~~قانوني ينظم المجتمع البشري لأن فلسفتهما كانت حتمية وقدرية. وإذا كانت الرواقية تقول ~~بعناية إلهية فهي عناية ترتد إلى «اللوجوس» الكوني الذي يدبر نظام الكون من داخله، ~~ويستمد فيكو الدليل الذي يؤيد حججه من أن التشريع الروماني يجعل من العناية الإلهية ~~تشريعه الأول. # والمبدأ الثاني وهو الزواج وما يرتبط به من انضباط العواطف والتحكم في الانفعالات ~~يؤكد أن جميع الشعوب آمنت بأن الالتقاء بين الرجل والمرأة لا يمكن أن يتم بدون طقوس ~~وإلا عد سلوكا بهيميا منحطا، وانتهاكا للطبيعة البشرية، وخروجا على ~~القانون. # والمبدأ الثالث والأخير وهو دفن الموتى يؤكده أن ليس هناك شعب لا يدفن موتاه، هذا ~~المبدأ هو الأصل في تأكيد إنسانية الإنسان. ويكفي أن نتصور الجثث البشرية ملقاة على ~~الأرض نهبا للطيور الجارحة والوحوش الكاسرة، ولو افترضنا إمكان هذا لكانت عادة وحشية ~~في مدن خلت من الإنسانية والتحضر. ويستشهد فيكو بقول المؤرخ الروماني «تاسيتوس» (من ~~حوالي 55م إلى حوالي 120م) أن هناك اعتقادا ساد الأمم الأممية وهو اعتقادهم بأن أرواح ~~الموتى الذين لم يتم دفنهم تبقى قلقة هائمة حول أجسادها ؛ فالأرواح إذن لا تموت بموت ~~الأجساد؛ لذلك ارتبط مبدأ دفن الموتى بخلود الروح البشرية وأصبح تعبيرا عن وحدة الجنس ~~البشري. # بهذه المبادئ يكون فيكو قد قدم الجانب النظري من فلسفته التاريخية متضمنا عناصر ~~العلم الجديد وأصوله، ولا شك أن مبادئ العلم الجديد هي المبادئ التي تبين حدود العقل ~~البشري وتتلخص كما ذكرنا فيما يأتي: الدين، الزواج، دفن الموتى. فإذا أضفنا إليها ~~المعيار الذي يستخدمه العلم الجديد وهو أن ms056 القاعدة التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية ~~هي ما يتفق جميع البشر أو معظمهم على أنه عدل وصواب، كانت تلك المبادئ كما قلنا تعبيرا ~~عن حدود العقل البشري، ومن يتعدى هذه الحدود فهو يتعدى الحدود البشرية. ~~(3) المنهج # يؤكد الباحثون أن أهمية فيكو ترجع إلى المنهج أكثر مما ترجع إلى المذهب؛ فقد حدد ~~القواعد التي يجب اتباعها لدراسة أصول التنظيمات الاجتماعية البشرية، وإذا كان قد عارض ~~المنهج الرياضي لديكارت إلا أنه لم يرفضه لذاته ولكن رفض تطبيقه في مجال التاريخ، وحدد ~~منهج علم التاريخ بالنسبة لمنهجي الرياضيات والعلوم الطبيعية، ولم يكن تحديد فيكو لمنهج ~~علم التاريخ أو موضوعه وليد نظرة نقدية لمناهج وموضوعات العلوم الأخرى فحسب، بل أسهمت ~~عدة علوم في تشكيل نظرته إلى منهج علم التاريخ وموضوعه أهمها دراسته للغويات؛ ~~فالاشتقاقات اللغوية تكشف عن أسلوب الحياة والتفكير لدى شعب ما، والتعرف على طريقة ~~تفكير شعب ما أو أسلوب حياته يستلزم دراسة اللغة وتتبع التطور الذي طرأ عليها خلال عصور ~~التاريخ. ولقد أفاد من الفلسفة نزعتها الكلية الشمولية؛ فالمظاهر المختلفة للحياة ~~الاجتماعية في مرحلة ما من مراحل التاريخ إنما تتداخل وتتشابك وتشكل نموذجا مترابطا ~~ترابطا باطنيا؛ ومن ثم ينبغي دراستها بنظرة فلسفة شمولية. # ويعتمد فيكو في منهجه على مسلمته الأساسية «يجب أن يبدأ الموضوع من حيث تبدأ المادة ~~التي يتناولها» ولهذا يجب أن نعود مع علماء اللغة والفلاسفة إلى البدايات الأولى ~~للإنسانية عندما كانت في حالة توحش، أي يجب التوفيق بين فقه اللغة والفلسفة؛ لذلك يقيم ~~منهجه على الأدلة الفلسفية والأدلة اللغوية معا، ويبدأ بالأدلة الفلسفية ثم يتبعها ~~بالأدلة اللغوية لتكون أدلة واقعية تؤيد الأدلة التي اهتدى إليها بالتأمل والتفكير. ~~وتنقسم الأدلة الفلسفية إلى أدلة لاهوتية وأدلة منطقية، ويبدأ بالأولى فيؤكد ضرورة ~~البدء من فكرة الإله التي لم يفتقر إليها الإنسان الوحشي الذي لم تكن هناك وسيلة للحد ~~من توحشه أو ترويضه إلا فكرة الخوف من إله معين. هذه الفكرة تبين أن الإنسان سقط في ~~اليأس وتطلع إلى قوة أعلى منه لتنقذه، ms057 ولا توجد قوة أسمى من الطبيعة سوى الله. ولقد كان ~~هذا هو النور الذي ألقته العناية الإلهية على جميع البشر، أي أن أفكار الإنسان الأول ~~كانت مصحوبة بالاضطراب والانفعال، وفكرة الألوهية هي التي أضفت على تفكيره الطابع ~~الإنساني وحولت انفعالاته الحيوانية إلى أفكار بشرية؛ لذلك يجب أن نبدأ من الميتافيزيقا ~~الشعبية التي نجدها عند الشعراء القدامى لنجد كيف أن فكرة الألوهية كانت قوة دافعة ~~لحرية الإرادة البشرية ومكنتها من التحكم في انفعالات الجسد وحركاته. # وإذن فالفكرة الجوهرية التي تحدد منهج البحث عند فيكو وتجعل منه الرائد الحق للأبحاث ~~التاريخية الحديثة هي ضرورة التوفيق بين فقه اللغة وبين الفلسفة، أي أنه يبرهن ~~بالمقابلة والموازنة - كما يقول برييه في كتابه تاريخ الفلسفة # 29 ~~- على الأسانيد المستمدة من الأمم المختلفة (من مصر وبلاد اليونان وروما على ~~سبيل المثال) ووحدة قانون التطور في كل أمة من هذه الأمم. ويضيف برييه أنه إذا كان ~~فلاسفة العقل لا يعترفون بشيء واحد بين البشر سوى العقل الذي يفترضون أنه مشترك بين ~~الجميع وأن ما هو خيال وانفعالات فهو سبب الفرقة بين البشر، فإنهم ينقلون هذا العقل عن ~~طريق الفكر إلى فجر البشرية لعجزهم عن تكوين فكرة عن الأشياء البعيدة والمجهولة؛ من ثم ~~يتصورونها على نمط الأشكال التي يعرفونها. وقد حاول فيكو أن يقلب هذه الآراء معتمدا ~~على فقه اللغة؛ وذلك لكي يثبت أن بين البشر وحدة لا تقوم على العقل؛ بل أن هناك حسا ~~مشتركا أو حكما بغير تأمل يمكن أن نجده عند كل الطبقات وكل الشعوب بل والجنس البشري ~~بأكمله؛ فالأفكار الواحدة تنشأ في نفس الوقت عند شعوب بأكملها يجهل بعضها البعض، وهناك ~~قوانين واحدة أو مشتركة بين الأمم لا تنبع من العقل. # ويؤكد منهج العلم الجديد دور العناية الإلهية كحقيقة تاريخية؛ فتطور الإنسان والمجتمع ~~يكشف عن منطق يعلو على الوعي والرغبات الفردية، كما يؤكد وجود عقل مدبر هو العناية ~~الإلهية، وهي في رأي فيكو لا تعمل بقوة القوانين وإنما تعمل من خلال عادات البشر ~~وتقاليدهم؛ ms058 فالبشر بحكم طبيعتهم الإنسانية يسعون دائما إلى مصلحتهم الخاصة، وعندما عرف ~~الإنسان الزواج حرص على مصلحته في نفس الوقت الذي حرص فيه على مصلحة أسرته. وكذلك كان ~~شأنه في التنظيمات الأخرى التي تتجاوز الأسرة كالمجتمع بمعناه الضيق والمجتمع البشري ~~بمعناه الواسع. لقد وجهته العناية الإلهية دون أن يشعر إلى هذه التنظيمات ~~الاجتماعية. # ويميز فيكو بين نوعين من العناية الإلهية: (أ) العناية الإلهية المتعالية ~~المباشرة التي عبرت عن نفسها في أعمال تاريخية خاصة وفريدة، وهذه مقصورة على الشعب ~~المختار. (ب) العناية الإلهية الباطنة أو الكامنة في التاريخ التي تعمل وفق قوانين ~~موحدة وتستخدم وسائل طبيعية وبسيطة مثل العادات البشرية نفسها وهي ما كانت تمتلكه ~~كل الأمم الأممية، ويتعارض النوع الأول (المباشر المتعالي) مع فاعلية البشر؛ فهي ~~هنا قد صنعت تاريخ البشر عن طريق الرسالات السماوية، أما النوع الثاني فهو لا ~~يتعارض مع الفاعلية البشرية التي اتبعت وسائل بسيطة وطبيعية كالعادات البشرية، وإن ~~كانت العناية الإلهية هي التي توجهه أيضا ولكن بطريق غير مباشر. لقد تركت البشر ~~يتبعون قوانين موحدة ويستخدمون وسائل بسيطة فكانت أفعالهم البشرية هي التي تصنع ~~التاريخ وتضفي معنى على التاريخ، ويقابل هذا التعارض. (أ) استثناء التاريخ العبري ~~المسيحي من نطاق الدائرة التي يختص بها العلم الجديد. (ب) تصور عالم الأمم باعتبار ~~أن له أصولا عديدة مستقلة بحيث يتمثل أو يتجسد في كل أمة نفس التاريخ المثالي ~~الأبدي. # ويزعم فيكو أنه لم يلجأ إلى فكرة العناية الإلهية ليبرر إمكان قيام العلم الجديد، ~~وإنما هو افتراض أساسي يقوم عليه هذا العلم كما هو أحد وجوهه الرئيسية، بحيث أمكنه أن ~~يصف العلم الجديد بأنه «لاهوت عقلي مدني عن العناية الإلهية.» ويهمنا هنا في حديثنا عن ~~منهج العلم الجديد أن نتبين كيف طبق فيكو منهجه اللغوي واستفاد منه في تحليل فكرة ~~العناية الإلهية؛ فهو يوجه أنظارنا إلى معنى الألوهية # Divinitas # الذي يدل من ناحية ~~اشتقاقه الأصلي على معنيين: (أ) الاطلاع على الغيب الكامن في المستقبل. (ب) والاطلاع على ~~الأسرار الخفية في الضمائر؛ ms059 فالعناية الإلهية وجهت البشر دون علمهم بل على الرغم منهم ~~إلى حفظ المجتمع البشري وتأسيس التنظيمات الاجتماعية. # كانت هذه هي الأدلة اللاهوتية التي يكملها فيكو بأدلة أخرى منطقية أولها: أن البحث في ~~أصول التنظيمات البشرية في عالم الأمم سواء أكانت دينية أو غير دينية يجب أن يتوقف عند ~~بداياته الأولى ويحدد الأصول التي لا توجد أصول أسبق منها. وثانيها: تفسير طبيعة ~~التنظيمات البشرية عن طريق التحليل الدقيق لأفكار البشر وخاصة أفكارهم عما هو ضروري ~~ونافع للحياة الاجتماعية البشرية؛ لأن الضرورة والمنفعة هما المصدران الأساسيان للقانون ~~الطبيعي للأمم؛ ولهذا يحلو لفيكو أن يصف علمه الجديد بأنه تاريخ الأفكار البشرية أو ~~ميتافيزيقا العقل الإنساني. وقد بدأ هذا التاريخ أو بدأت هذه الميتافيزيقا العقلية ~~عندما بدأ البشر يفكرون بطريقة إنسانية لا عندما بدأ الفلاسفة يفكرون في أصول البشر. # ولا بد أن نلاحظ هنا أن فيكو قد توصل لمبادئه عن طريق استقراء الحس البشري المشترك ~~الذي أدى إلى التنظيمات البشرية ولم يعتمد على كتابات المؤرخين والفلاسفة الذين يقدر ~~أنهم ظهروا بعد تأسيس الأمم الأممية بألفي سنة على الأقل. وقد حرص منهج العلم الجديد ~~على تحديد جغرافية الأفكار البشرية وتاريخها لكي يكون هذا التاريخ يقينيا، كما طبق ~~أسلوبا نقديا جديدا تناول به مؤسسي الشعوب الأولى. ومعيار هذا النقد وفقا للمسلمة ~~الثانية عشر هو أن العناية الإلهية هي التي علمت كل الشعوب الحس المشترك بينها جميعا. # وهكذا يصور العلم الجديد التاريخ المثالي الأبدي عبر الزمان، هذا التاريخ الذي تسير ~~بمقتضاه تواريخ كل الشعوب من نشأتها وتطورها ونضوجها إلى تدهورها ثم سقوطها. والمبدأ ~~الأول الثابت يفترض أن الإنسان هو الذي صنع عالم الأمم، وأن التاريخ يكون أكثر يقينا ~~عندما يرويه صانع الأحداث نفسها، وهكذا ينطبق على هذا العلم ما ينطبق على علم الهندسة ~~وهو أنه يقوم على أساس ما وضعه من مبادئ. ومع ذلك فإن التاريخ بمفهوم العلم الجديد أكثر ~~واقعية من علم الهندسة؛ لأن التنظيمات الاجتماعية والأحداث الإنسانية أكثر واقعية من ~~النقط والخطوط والسطوح والأشكال، والواقع ms060 أن هذه الفكرة البسيطة الرائعة تعتمد على ~~نظرية فيكو في المعرفة، وهذه النظرية البسيطة بدورها تؤكد أننا لا نعرف أو لا نعلم إلا ~~ما نصنعه نحن بأنفسنا. # كانت هذه هي الأدلة الفلسفية التي لا بد أن تسبق الأدلة اللغوية، أما هذه الأخيرة ~~فتقوم على عدة نقاط: تتفق الأساطير، من ناحية، مع التنظيمات التي يدرسها العلم الجديد ~~اتفاقا مباشرا وطبيعيا، وسيكشف العلم الجديد أن الأساطير تواريخ مدنية للشعوب التي ~~كانت بطبيعتها شعوبا شاعرية، كما تتفق الأساليب والتعبيرات البطولية من ناحية أخرى مع ~~هذه التنظيمات. ويتعهد العلم الجديد بدراسة هذه التعبيرات البطولية بكل ما تحمله من صدق ~~في الإحساس ومن خصائص التعبير. وقد استفاد فيكو، كما يقول كولنجوود # 30 # في كتابه فكرة التاريخ، من الخرافات والأساطير. ذلك لأن آلهة الديانات ~~القديمة تمثل في صورة نصف شاعرية صرح الأوضاع الاجتماعية لهؤلاء الذين صوروا آلهتهم هذا ~~التصوير، وقد كانت الأساطير هي الأسلوب الذي اتخذته العقلية البدائية التخيلية للتعبير ~~عن أشياء كانت العقلية المفكرة تلجأ إلى التعبير عنها في صياغة القوانين المدنية ~~والأخلاقية، ومع ذلك فهو لا يسلم بصدق هذه الروايات تسليما حرفيا وإنما يعدها ~~استذكارا لسلسلة من الحقائق المختلطة ببعضها البعض. # وتتفق التنظيمات مع اشتقاقات اللغات الأصلية، فالعلم الجديد يدرس الكلمات من حيث ~~دلالتها على تاريخ التنظيمات الاجتماعية بحيث يبدأ بمعانيها الأصلية ويتتبع تطورها ~~الطبيعي. وهنا يلتزم فيكو بالأفكار التي شرحها في الأصول في المسلمتين 64، 65 وتنص ~~المسلمة الأولى - وهي تكفي وحدها لتأكيد نزعته المثالية - على أن نوع الأفكار لا بد أن ~~يتبعه نوع المؤسسات الاجتماعية أو الأنماط السلوكية. وتنص المسلمة الثانية على أن تتابع ~~النظم الاجتماعية على هذا النظام يعد نموذجا لتاريخ تطور معاني الكلمات في اللغات ~~المختلفة. فالملاحظ أن معظم كلمات اللغة اللاتينية ذات أصول مشتقة من الحياة في ~~الغابات، ثم تطورت في الحياة الريفية، وأخيرا اقتضت الطبيعة المدنية تطورا آخر في ~~استعمال اللغة. ومعنى هذا كله أن فيكو قد التزم بالأفكار التي يسير بمقتضاها تطور تاريخ ~~اللغات. # وقد قام العلم الجديد ms061 بفحص «القاموس العقلي» للتنظيمات الاجتماعية للبشر، وهذه ~~التنظيمات كما أكدت الأصول واحدة في جوهرها عند كل الأمم وإن تعددت أشكال التعبير ~~اللغوي (كما تنص على ذلك مسلمة 22: يجب أن يكون في طبيعة المؤسسات البشرية لغة عقلية ~~مشتركة بين كل الشعوب تشكل جوهر الأشياء العملية في الحياة الاجتماعية وتعبر عن مظاهر ~~تكيفهم مع الأشياء، ويظهر هذا في الأمثال والحكم الشعبية). # والعلم الجديد يميز الحق من الباطل عن طريق دراسته للمأثورات الشعبية التي بقيت ثابتة ~~خلال أزمان طويلة وعند شعوب بأكملها مما يدل على أنها تصدر عن مصدر حقيقي مشترك؛ ~~فالآثار المتبقية من العصور القديمة (وهي التي لم يلتفت إليها العلم حتى عهد فيكو ولم ~~ينتفع بها لأنها كانت متناثرة ومشوهة) سوف تلقي أضواء هامة إذا التفت العلماء إليها ~~ونسقوها ووضعوها في مكانها وجمعوا أجزاءها المبعثرة. وهنا يتضح اهتمام فيكو بعلم الآثار ~~الذي لم يكن قد اتضحت معالمه بعد ولم يزدهر إلا في القرن التاسع عشر. إن البحث في أصول ~~التنظيمات الاجتماعية هو الذي سيثبت أنها هي الأسباب الضرورية التي نجمت عنها كل ~~الأحداث التاريخية أو ترتبت عليها. # ويرى فيكو أن الأدلة اللغوية تكشف لنا بطريقة واقعية عما كشفه لنا التأمل الفكري في ~~التاريخ، فبحثه اللغوي في أصل التنظيمات الاجتماعية سيؤيد بطريقة طبيعية ما توصل إليه ~~من قبل بطريقة فكرية وفلسفية، وبذلك يحقق صدق منهج بيكون الذي عبر عنه بكلمة «فكر ~~وانظر» أي أن الدراسة اللغوية ستقدم أدلة واقعية تؤيد الأدلة الفلسفية التي اهتدي إليها ~~بالتفكير. # والواقع أن قيمة منهج فيكو تتجلى في أنه شق طريقا جديدا لم يسبقه إليه أحد؛ فهو لا ~~يبحث في وثائق الماضي إلا عما يمكن أن تقدمه لنا من تاريخ الذين صنعوها ومعتقداتهم. وقد ~~كان منهجه منذ البداية منهجا متكاملا لأنه يدرس تاريخ البشرية دراسة استقرائية ~~- كاستقراء بيكون للطبيعة - كما يبحث مراحل تطوره بدلا من تأليف فروض مصطنعة عنه. ~~والمادة التي يستخدمها فيكو في هذا الاستقراء عن الماضي البعيد هي التراث الأسطوري ~~الشعبي الذي يسجل - مهما كانت ms062 أشكاله ومهما حرف الواقع - التاريخ القديم للشعوب؛ ولهذا ~~نراه يرجع للأشعار القديمة مثل أشعار هوميروس والتشريعات البدائية مثل قانون الألواح ~~الاثني عشر. ومهما يكن من رأي فيكو في أصالة هذه المادة فيجب أن ننتبه للروح التي ~~اختارها بها وكيف أن تفكيره يعد من هذه الناحية تفكيرا متقدما على التأملات المجردة ~~في عصر النهضة؛ إذ أسقط من حسابه كل الوثائق التي يصور المؤرخون في القرن السادس عشر ~~أنها تكشف لنا عن التاريخ القديم كالتنبؤات الكلدانية والقصائد الأورفية والأبيات ~~الذهبية المنسوبة لفيثاغورس، ولعل مما يكشف عن أصالة تفكير فيكو أنه تسلح بفكرة مؤداها ~~أن أصول التاريخ البشري قليلة وغامضة وفظة؛ ولهذا رفض علما مزعوما مكونا من ألغاز، ~~كما رفض المنهج الرمزي الذي يفسر الأساطير ليستخرج منها تاريخ العقل. # الباب الثاني # | قانون التطور # الفصل الأول # | قانون تطور الأمم # يتناول هذا الفصل قانون تطور الأمم الذي توج به فيكو كتابه الضخم «العلم الجديد» الذي ~~صدرت الطبعة الأولى منه عام 1725م، ولكن بداية ظهور هذا القانون ترجع إلى ما قبل العلم ~~الجديد بسنوات طويلة؛ فقد ظهر للمرة الأولى في الخطبة الافتتاحية التي ألقاها فيكو عام ~~1708م ونشرت في كتاب عام 1709م تحت عنوان «مناهج الدراسة في عصرنا». وفي هذا الكتاب يعرض ~~فيكو آراءه عن التربية، فيقول بوجود قانون للتطور النفسي يرتقي بفضله الفرد خلال سلسلة ~~من المراحل تحددها الطبيعة بصورة ثابتة، هذه المراحل توازي سلسلة أخرى ثابتة من المراحل ~~الحضارية اجتازها الجنس البشري خلال تطوره من الطفولة إلى الشباب ومن الحياة البدائية ~~إلى حياة التمدن. ومعنى هذا أن الفرد الواحد يلخص في صورة مصغرة عملية تطور النوع ~~بأكمله. ويعتقد فيكو أن التربية ينبغي أن تقوم على هذا النظام الطبيعي للمراحل، ويدافع ~~- قبل روسو - عن ضرورة أن تكون التربية مطابقة للطبيعة. والواقع أن أهمية هذه الفكرة لا ~~تقتصر على سبقها لفكرة التربية الطبيعية كما عرضها روسو في كتابه المعروف «إميل أو ~~التربية»، وإنما تعود أهميتها إلى أن فيكو لم يقصرها على مجال التربية وحده وإنما ~~تجاوزها ms063 إلى رؤيته الفلسفية للتاريخ، وهي الرؤية التي تفتحت زهورها وآتت ثمارها في ~~العلم الجديد. # وبغض النظر عن آرائه التربوية التي تعتمد على إدراك نفسية الطفل (وتعد كما يقول بعض ~~الباحثين رائدة علم نفس الطفل الذي أصبح علما مستقلا منذ النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر) فإن هذه الآراء تلقي الضوء على نظريته في المعرفة التي تلخصها هذه العبارة ~~اللاتينية # Verum ipsum factum ~~(الحق هو العمل نفسه) وهو المعيار المعرفي الذي وضعه فيكو ~~عن قصد في مقابل المعيار الديكارتي المعروف عن الحقيقة، وهي الأفكار الواضحة المتميزة. # ولعل هذه العبارة، كما يقول كروتشه، تحتوي على بذور نظريته المتكاملة في المعرفة، ~~فنحن لا نحصل على المعرفة الحقة إلا إذا قام نفس الشخص بالتفكير والفعل معا، والإنسان ~~صانع تاريخه يمكنه أن يعرفه، كما أنه لا يعرفه إلا لأنه صانعه. وغني عن الذكر أن هذه ~~الفكرة المحورية ترتكز عليها النزعة التاريخية # Historicism # 1 # التي يعد فيكو أحد روادها، كما تعد العبارة - التي أشرنا إليها - بداية ~~دفاع فيكو عن المنهج التأليفي أو البنائي وبداية هجومه على المنهج التحليلي الرياضي عند ~~ديكارت وأتباعه وعلى الأفكار الفطرية الديكارتية التي انتقدها وذهب إلى أنها لا تكون ~~معرفتنا الحقيقية مهما كانت واضحة ومتميزة، كما أشرنا في الفصل الأول من الباب الأول من ~~هذا البحث. وتوضح هذه العبارة أيضا أننا لا نفهم فكرة إلا إذا صنعناها بأنفسنا؛ ومن ثم ~~لا يفهم البشر تاريخهم إلا لأنهم هم صانعوه، أما الطبيعة فيعرفها الله وحده معرفة كاملة ~~لأنه هو الذي خلقها. # من هنا نشأت فكرة قانون التطور الذي كان في البداية قانونا للتطور النفسي في العملية ~~التربوية، ثم اختمر في ذهن فيكو فأصبح قانونا لتطور الأمم بعد أن نمت هذه البذور ~~الأولى وتفتحت في شكل نظرية متكاملة للمعرفة قدمها في كتابه «الحكمة الإيطالية القديمة» ~~عام 1710م، وأشار لها في الفصلين الأول والثالث من هذا الكتاب الذي عبر فيه عن نزعته ~~الإنسانية. ولا عجب في هذا فهو فيلسوف التاريخ الإنساني الذي لم يصنعه الإنسان بعقله ms064 ~~وحده بل بقلبه وحسه وعاطفته وعمله وواقعه البشري المتفرد المعقد. # 2 # وقد ظهرت فكرة العلم الجديد لأول مرة في أحد فصول مؤلف فيكو «القانون ~~العالمي» تحت اسم «محاولة عن العلم الجديد» وهو الذي صدر الجزء الأول منه عام 1720م كما ~~أشرنا من قبل في الفصل الأول من الباب الأول لهذا البحث، وأخيرا ظهر العلم الجديد في ~~طبعته الأولى 1725م وأفرد فيكو الكتاب الرابع منه لقانون التطور وهو ما سنعرض له الآن. ~~اعتمد فيكو في هذا الجزء على القانون الروماني اعتمادا كبيرا وكتب باستفاضة في هذا ~~الشأن (فقد كان يشغل منصب أستاذ للقانون الروماني بجامعة نابولي كما أشرنا من قبل)، ~~ووصل اهتمامه بالقانون إلى حد القول بأن الفلسفة نشأت عن القانون بصفة عامة، على نحو ما ~~سنرى في سياق هذا الفصل الذي سيكشف لنا أيضا كيف سبق فيكو بعض فلاسفة التاريخ وعلماء ~~الاجتماع في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ومنهم على سبيل المثال أوجست كونت في ~~قانونه المعروف عن تطور الشعوب (قانون الأحوال الثلاثة) وكيف مهد له. # انتهى فيكو من دراسته للحضارات القديمة - وخاصة اليونانية والرومانية وبعض الحضارات ~~الشرقية - إلى قانون يحكم تطور الشعوب؛ فالأمم في تطورها تتقدم وترتقي من الهمجية إلى ~~الأديان، ثم تنتقل إلى الخضوع للقوانين والحكومات، حتى تصل إلى مرحلة التعامل الإنساني ~~في حياة اجتماعية منظمة. وكل الشعوب تمر بالتاريخ المثالي الأبدي في نشأتها وتطورها ~~ونضجها ثم تدهورها وسقوطها. # هذه الدورة التاريخية التي تمر بها كل أمة تتعاقب في مراحل ثلاث، وهذه المراحل الثلاث ~~هي القانون الذي انتهى إليه فيكو واستقاه من التاريخ المصري القديم كما اعترف بذلك في ~~أكثر من موضع؛ بل إنه اعتبر هذا القانون - الذي وضعه المصريون لشرح تاريخ العالم قبلهم - ~~بديهية من بديهيات العقل التي يجب التسليم بها منذ البداية، فكانت المسلمة رقم 28 ومجمل ~~هذه المسلمة أن تاريخ البشرية يمر بثلاث مراحل رئيسية هي المرحلة الإلهية، والمرحلة ~~البطولية ثم المرحلة البشرية. # فالمرحلة الإلهية تتصف بالتأليه واعتبار كل ما في العالم ملكا للآلهة، والحكومة ms065 ~~نفسها إلهية لها إرادة آمرة ناهية، وهي تختار من يمثلها على الأرض وكان الحكم ~~الاستبدادي فيها بيد الكهنة الذين يمثلون رجال الدين ويدعون أنهم يحكمون بمقتضى قوانين ~~إلهية يتلقونها عن طريق النبوءات والتكهنات، وفي هذا العصر الإلهي سيطرت الخرافة ~~والأساطير على الفكر، وساد الخوف الذي كان الدافع الأول للإنسان لتصوره للآلهة عن طريق ~~المخيلة، وكانت اللغة في هذا العصر لغة رمزية سرية كاللغة الهيروغليفية. # أما المرحلة البطولية فهي مرحلة أنصاف الآلهة من البشر الذين يزعمون أنهم ينحدرون من ~~أصل إلهي لينظر إليهم نظرة التقديس والتأليه. وقد سمي عصرهم بعصر الأبطال، وكان هؤلاء ~~الأبطال هم آباء الأسر الذين لهم الحق المطلق على أفراد أسرهم كحق الحياة والموت وحق ~~البيع والشراء. وقد خطت البشرية في هذا العصر البطولي خطوة إلى الأمام فتحررت من ~~استعباد الآلهة وانتقلت إلى استعباد الإنسان لغيره من بني جنسه. أما اللغة فكانت لغة ~~شعرية تتغنى بالبطولة والشجاعة التي اتسم بها العصر كله. # وأخيرا تأتي المرحلة البشرية فنجد المساواة في الحقوق أمام القانون وحصول كل إنسان ~~على حقوقه الطبيعية المشروعة في ظل حكومات ديمقراطية شعبية حققت المساواة بين طبقة ~~النبلاء وطبقة العامة واعترفت بحق هذه الطبقة الأخيرة في المشاركة في نظام الحكم، وكانت ~~اللغة في هذا العصر الأخير لغة شعبية غلب عليها النثر. # ذلك باختصار هو قانون تطور الأمم. ولقد قام فيكو بالتدليل على صدقه في كل ما يتعلق ~~بحياة الشعوب والطبائع الثلاث التي تسودها وما يتبعها من عادات ثلاث، وبفضل هذه العادات ~~تلاحظ ثلاثة أنواع مختلفة من القانون الطبيعي للأمم وما يتبع هذا القانون من تنظيم ~~المراحل المدنية، فكانت الحكومات الثلاث وما يقابلها من لغات ثلاث، وتشكلت ثلاثة أنواع ~~من الرموز، كما كانت هناك ثلاثة أنواع من التشريع والسلطة والعقل والأحكام. # وسوف نتتبع الآن بالتفصيل تطبيق فيكو لقانون التطور على كل هذه المجالات. ~~(1) أنواع الطبائع الثلاثة # لا بد أن نذكر في البداية أن كلمة # Nature # عند فيكو تدل على ~~معناها الأصلي في اللغة اللاتينية وهو المعنى الحيوي المتعلق ms066 بالأصل والميلاد والنشأة، ~~وقد كانت الطبيعة الأولى دينية تتمثل في الشعراء اللاهوتيين الذين كانوا هم الحكماء ~~الأوائل للأمم الأممية. هذه الطبيعة تزداد قوة في مرحلة ضعف التفكير العقلي وينشط فيها ~~الخيال، وهي في الوقت نفسه طبيعة شعرية، وقد تأسست الأمم الأممية في هذه المرحلة على ~~الدين وعبادة الآلهة التي خلقتها الأمم بنفسها. أما الطبيعة الثانية فهي بطولية، حيث ~~اعتقد الأبطال أنهم من أصل إلهي وأنهم يتلقون النبوءات من الآلهة، وجعلوا أنفسهم نبلاء ~~مسيطرين على العمالقة العاقلين الذين دفعهم البرد القارص للبحث عن النجاة في أماكن ~~مسكونة فلجئوا إلى النبلاء الذين عاملوهم معاملة العبيد. وأما الطبيعة الثالثة فهي ~~بشرية أو إنسانية وتتميز بالعقل والتواضع والشعور بالواجب ومعرفة قوانين الوعي والضمير. # 3 # وتولدت من هذه الطبائع «أنواع العادات الثلاث»؛ كانت العادات الأولى ممتزجة بالدين ~~والتقوى، وكانت العادات الثانية منفعلة غضوبا تتمثل في عادات البطل سريع الغضب مثل ~~أخيل، وأما العادات الثالثة فتتسم بالإحساس بالواجب ويتعلمها كل فرد بدافع من شعوره ~~بالواجب الاجتماعي. # ومن هذه العادات تشكلت «أنواع القانون الطبيعي الثلاثة»؛ فالقانون الأول ديني إذ لم ~~تكن هناك وسيلة لترويض البشرية الأولى في حالة توحشها إلا الدين؛ ولهذا كانت الآلهة في ~~هذه المرحلة هي التي تقود الشعوب، وكانت القوانين تبعا لذلك قوانين إلهية. والقانون ~~الثاني بطولي وهو قانون القوة التي يتسلح بها الأبطال، ولكن الدين يحكم هذا القانون ~~بطريق النبوءات الإلهية حيث لا مجال لقوانين بشرية. أما القانون الثالث فهو إنساني نشأ ~~عن تطور العقل البشري. ومن القانون الطبيعي للأمم - الذي وضعته العناية الإلهية بصورة ~~طبيعية من خلال العادات والأعراف البشرية - نشأت كل النظم الاجتماعية وتكونت الحياة ~~المدنية في الشعوب الأولى فكانت «الأنواع الثلاثة من الحكومات». # كانت الحكومات الأولى دينية إذ اعتقد البشر أن كل شيء يحكمه الآلهة، وكانت النبوءات ~~والتكهنات هي التنظيمات الأولى في العصور القديمة، أما الحكومات الثانية فكانت بطولية ~~أو أرستقراطية تغلب عليها القوة، هذه الحكومات ميزت بين النبلاء الذين انحدروا من أصل ~~إلهي ولهم كل الحقوق المدنية المكفولة للطبقات ms067 الحاكمة، وبين العامة الذين يعتبرون من ~~أصل متوحش لا يسمح لهم بالاستمتاع بالحرية الطبيعية، ثم أصبحت الحكومات الثالثة حكومات ~~بشرية تميزت بالمساواة في العقل، الذي هو الميزة الطبيعية للإنسان؛ ولهذا أصبح الجميع ~~متساوين أمام القانون. # 4 # ويقابل هذه الحكومات «الأنواع الثلاثة من اللغات»؛ فقد كانت اللغة من النوع الأول لغة ~~دينية، وهي لغة صامتة خرساء، أي لغة مقدسة تصاحب المرحلة الدينية الأولى وتتم بها ~~الطقوس ويطلقون عليها اللغة السرية المقدسة. وقد تمثل هذا النوع من اللغات عند المصريين ~~القدماء في اللغة الهيروغليفية. أما اللغة من النوع الثاني فكانت هي اللغة الرمزية التي ~~قامت على الصور والاستعارات، وهي لغة الشعارات البطولية التي عاشت في ظل النظم ~~العسكرية. وأخيرا يأتي النوع الثالث من اللغات وهي لغة الحديث المنطوق الذي تستعمله كل ~~الشعوب الآن كما هي لغة الرسائل والحياة اليومية. # ويصاحب هذه اللغات «الأنواع الثلاثة من الحروف» # Character # فقد كانت الحروف الأولى ~~رموزا دينية مقدسة استعملتها كل الشعوب في بداية تاريخها؛ إذ كان الناس يفكرون بمفاهيم ~~عامة أو كليات خيالية أملتها بالفطرة طبيعة العقل البشري التي تميل إلى كل ما فيه وحدة ~~واطراد. ولما كان البشر في تلك الفترة من حياتهم عاجزين عن التجريد المنطقي؛ فقد وصلوا ~~إلى تلك الكليات الشعرية عن طريق التخيل، وقد ردوا المفاهيم الكلية الشعرية إلى أنواع ~~تخص كل جنس مثلما يردون لجوبيتر كل ما يتعلق بالنبوءات، ولجونو (هيرا زوجة زيوس عند ~~الإغريق) كل ما يتعلق بأمور الزواج ... وهكذا. أما النوع الثاني من الحروف أو الرموز فهي ~~الحروف أو الرموز البطولية، وهي كذلك كليات متخيلة ردوا إليها الأنواع المختلفة ~~للأشياء البطولية، مثلما نسبوا لأخيل كل أفعال الشجاعة، ولأوديسيوس كل حيل البشر في ~~المهارة والبراعة والمكر. وقد أصبحت هذه الأجناس الخيالية - بعد أن تعلم العقل البشري ~~كيف يجرد الأشكال والخصائص من الموضوعات - أجناسا عقلية مهدت الطريق للفلاسفة وللتفكير ~~الفلسفي. وأخيرا اخترعت الحروف الشعبية التي سارت جنبا إلى جنب مع اللغات الشعبية، ~~وكانت هذه اللغات الشعبية تتألف من كلمات، والكلمات نفسها ms068 أجناس عامة للجزئيات التي ~~استعملتها اللغات البطولية في المرحلة السابقة. ويقدم فيكو مثلا على ذلك من هذه الجملة «إن الدم يغلي في قلبي # The blood boils in my heart ~~» مثل هذه العبارة التي كانت ~~تنتمي للعصر البطولي تحولت في العصر الشعبي إلى عبارة مباشرة فأصبحت ~~«إنني أشعر بالغضب # I am angry ~~» هكذا تطورت اللغة، ومع التطور أصبحت للعامة السيطرة على اللغات والحروف. ~~وهذه السيطرة اقتضت من الشعوب الحرة أن تكون سيدة قوانينها؛ لأنهم يفرضون القوانين التي ~~يريدون أن يجبروا الأقوياء على مراعاتها، وهذه السيادة على الحروف واللغات الشعبية ~~تتضمن - بحكم الحياة المدنية - سبق الحكومات الشعبية الحرة على الملكيات. # 5 # تبع هذا «أنواع ثلاثة من التشريع»؛ فقد كان النوع الأول حكمة إلهية أو علما ينصب على ~~فهم الأسرار الإلهية التي تعبر عنها نبوءات الكهنة، وكان الحكماء الذين يفهمون هذه ~~النبوءات هم الشعراء اللاهوتيون - وهم أنفسهم أول حكماء العالم الأممي القديم - وكانوا ~~يسمون العارفين بالأسرار # mystai # وقد ترجمها الشاعر الروماني هوراس بالمترجمين عن الآلهة ~~أو المفسرين لأقوالهم. هكذا كان المعنى الأول للترجمة (أو التفسير والشرح) وهو # interpretari # متصلا بذلك التشريع القديم وهو فعل اشتق - في رأي فيكو - من فعل آخر هو # interpatrari # أي الدخول في مجتمع الآباء؛ إذ كان الآلهة يسمون في ذلك الحين بالآباء. ~~كان هذا النوع من التشريع لا يقيس العدالة إلا بمقياس الطقوس الإلهية المهيبة؛ ومن ~~ثم احتفظ الرومان بنوع من التبجيل لمواد التشريع # actus legitimi # أو الأفعال ~~التشريعية، كما احتفظوا في قوانينهم بتعبيرات توحي بتبجيل الطقوس الدينية مثل # iustae ~~nuptiae # للزيجات الشرعية # iustum testamentum # أو الوصية الشرعية. # أما النوع الثاني فهو التشريع البطولي الذي كان يلتزم الحيطة في استخدام كلمات معينة. ~~وتمثله حكمة أوديسيوس الذي كان يحصل على كل ما يطلبه وفي الوقت نفسه يراعي الدقة في ~~استخدام كلماته، وكذلك قامت شهرة المشرعين الرومان على ما يسمى # Cavere # أي على عنايتهم ~~الشديدة في صياغة الكلمات صياغة دقيقة، ولم يكن تعبيرهم عن الالتزام بالقوانين # respondere # إلا نوعا من التحذير ms069 لعملائهم بألا يقدموا قضاياهم إلى ساحة القضاء إلا في ~~صيغة دقيقة تستوجب الشروع في تنفيذها؛ بحيث لا يستطيع القاضي أن يؤجلها أو يسحبها. وقد ~~حذا أساتذة القانون - في عودة العصور البربرية - حذو الرومان في اللجوء إلى الحيطة ~~الشديدة والعناية الدقيقة بصيغهم القانونية للعقود والوصايا والدعاوي. # وأما النوع الثالث والأخير فهو التشريع البشري الذي ينظر إلى صدق الوقائع نفسها ثم ~~يكيف القاعدة القانونية بما يتطابق معها حتى تتحقق المساواة بين الناس. وهذا النوع من ~~التشريع تراعيه الحكومات الشعبية والحكومات الملكية على السواء، وذلك كله مصداقا ~~لمسلمات فيكو السابقة (رقم 9-111-113) التي أوردها في عناصر العلم الجديد من أن ~~الشعوب في حالة نقص المعرفة إنما تبحث عما هو يقيني يرضي إرادتها ومشاعرها، أما في ~~حالة الاستنارة والعلم فإنها تبحث عما هو حق؛ فاليقين # Certum # تستنده سلطة آلهة أو ~~أبطال؛ لهذا كان الناس ملزمين بتنفيذه، أما الحق فهو يستضيء بنور العقل؛ لذلك كان الحق # Verum # عند المشرعين يساوي العدل. # ويتبع التشريع بأنواعه الثلاثة بأنواع ثلاثة من السلطة؛ فالسلطة الدينية مستمدة من ~~الحكومات الإلهية التي سادت في عصر الأسر حيث سيطر الاعتقاد بأن الملكية هي ملكية ~~الآلهة؛ والسلطة البطولية تعتمد على قوانين لها جلالها، وقد ساد هذا في عصر ~~الأرستقراطيات البطولية التي تجسدت فيها السلطة في المجالس التشريعية الحاكمة؛ أما ~~السلطة البشرية فتعتمد على ثقة الشعوب في أصحاب الخبرة وذوي البصيرة، وقد ساد هذا في ~~عصر الديمقراطية الشعبية عندما أصبحت سلطة مجلس الشيوخ بمثابة حارس للقوانين، وأصبح ~~الشعب هو المشرع الحقيقي للقوانين، واقتصرت سلطة المجلس على إصدار هذه القوانين ~~وصياغتها في صورة رسمية. # ثم يقول فيكو «بثلاثة أنواع من العقل»؛ فالعقل الإلهي لا يعرف عنه البشر سوى ما كشفه ~~لهم الإله. ومن البشر من استطاع أن يتوصل للعقل الإلهي بالمناجاة الداخلية، ثم كانت ~~المناجاة الخارجية عن طريق الرسل، وكانت النبوءات والتكهنات لدى الأمم بمثابة رسائل ~~دينية آتية من الآلهة، ثم يأتي العقل البطولي الذي تعبر عنه مجالس الشيوخ البطولية التي ~~كانت تحدد الأسس العقلية ms070 التي تقوم عليها الدولة. وهذه الأسس كما حددها المشرع أولبيان # Ulpian # 6 # ليست معروفة لكل البشر، وإنما هي مقصورة على فئة قليلة خبيرة بشئون الحكم ~~لتحديد ما هو ضروري لحفظ الجنس البشري. وأخيرا نجد العقل الطبيعي في عصر الحرية ~~الشعبية وتطور الملكيات، وهو العصر الذي أصبح فيه المواطن يشارك في الثروة العامة، ~~وأصبحت المنافع الشخصية قليلة وتحولت إلى المساواة بالآخرين، أي أن تطابق المصلحة ~~الشخصية مع المصلحة العامة (وهو ما يسمى بالمساواة الطبيعية) قد ساعد على تطور ~~المجتمعات الأولى من الفظاظة البدائية إلى التمدن. # ويذكر فيكو أن هذه الأنواع الثلاثة من العقل يمكن أن تكون أساسا لتاريخ القانون ~~الروماني طبقا لمسلمته الأساسية التي تقول: «إن الحكومات يجب أن تطابق طبيعة ~~المحكومين.» ويفسر فيكو طبقا لهذه المسلمة الأسباب الكامنة وراء تطبيق التشريع القديم ~~لقانون الألواح الاثني عشر # 7 # بكل الصرامة المعروفة عنه، وكيف اتجهت القوانين الرومانية من الصرامة إلى ~~الرفق واللين ثم إلى المساواة الطبيعية. كما يفسر فيكو هذه الصرامة التي يتميز بها ~~القانون الروماني بأنها ترجع إلى عادات تولدت عن طبيعة النبلاء، وأن هذه العادات نفسها ~~نشأت عنها أشكال الدولة التي طبقت القانون بدورها تطبيقا صارما. # ففي العصور الوحشية المتطرفة التي مرت بها البشرية الأولى، وعندما كان الدين هو ~~الوسيلة الوحيدة القادرة على ترويض البشر، دبرت العناية الإلهية أن يعيشوا في ظل ~~الحكومات الدينية وأن تقدس القوانين، مما أدى إلى اعتبار هذه القوانين أسرارا خفية عن ~~جماهير الناس. وقد كانت القوانين في حكومات الآباء بطبيعة الحال من هذا النوع، وكانت ~~تصونها طقوس مقدسة تتكلم بلغة خرساء. وكانت هذه الطقوس بدورها ضرورية لعقول البشر ~~البسيطة في ذلك الحين من أجل تبادل المنافع بينهم - باستعمال إشارات صامتة - ثم جاءت ~~الحكومات البشرية للدول الأرستقراطية وكان من الطبيعي أن تواصل تطبيق العادات الدينية ~~وأن تحافظ على الطابع الديني والسري للقوانين؛ لأن هذا الطابع السري هو روح الحكومات ~~الأرستقراطية وحياتها. # ومعنى هذا أن طبقة الحكومات الأرستقراطية كان يهمها أن تحافظ على سرية القوانين ~~وقداستها حتى ms071 تضمن ولاء العامة لهذه القوانين التي تكون جزءا كبيرا من السلطة ~~المدنية. ولما جاء عصر الحكومات الشعبية - وهو عصر المساواة الطبيعية أو المساواة ~~المدنية - تطورت اللغات والآداب الشعبية التي تفوقت فيها جماهير الناس جنبا إلى جنب مع ~~تطور الحكومات. وقد دونت القوانين بهذه اللغات الشعبية التي جردتها من السرية التي كانت ~~لها قديما وجعلت عاما ما كان سريا. وقد أثر هذا على التنظيمات المدنية في ظل ~~الحكومات الملكية التي حرص فيها الملوك على تنفيذ القوانين على أساس المساواة الطبيعية، ~~وبهذا جعلوا الأقوياء والضعفاء متساوين أمام القانون، وهو أمر لم يكن من الممكن أن ~~تطبقه غير الحكومات المدنية، على حين أن المساواة المدنية أو مبررات قيام الدولة لم يكن ~~ليفهمها سوى عدد قليل من الحكماء الذين لديهم خبرة بفن الحكم وإدارة شئون الدولة. # 8 # ثم كانت «الأنواع الثلاثة من الأحكام»؛ كانت الأحكام دينية في المرحلة الأسرية؛ إذ ~~كانت السلطة المدنية لا يحكمها قانون، فكان آباء الأسر يلجئون إلى الآلهة لتساعدهم على ~~حل بعض القضايا. وكانت الحلول تصل إليهم على صورة نبوءات ينساق بها الكهنة أو الكاهنات ~~المقدسات في المعابد، وبذلك كانت الأحكام الأولى إلهية يحافظ عليها الآلهة لأن ~~التنظيمات الأولى كانت دينية؛ ولذلك أيضا يعاقب من يعتدي عليها من قبل الآلهة. وهذا هو ~~السبب الذي جعل الإغريق يعتبرون المجرمين خارجين على الآلهة فيعاقبونهم عقابا قاسيا ~~ويزعمون أنه عقاب إلهي، وهو الذي جعل الحروب البطولية كذلك حروبا من أجل الدين. وقد ~~كان القانون الروماني يعامل العبيد كأشياء لا حياة فيها لا كبشر لأنهم اعتبروهم بلا ~~آلهة. وقد سادت هذه الأحكام الدينية طوال الفترة البربرية لكل الشعوب ثم استمرت لفترة ~~طويلة في الحكومات البطولية. ونأتي بعد ذلك إلى الأحكام العادية المستمدة من القوانين ~~الإلهية، وهي أحكام تتميز بالدقة الشديدة في الصياغة اللفظية إلى حد أن من يسقط فصلة أو ~~كلمة من صيغة الدعوى تسقط قضيته، كما عبر عن ذلك التشريع الروماني القديم، وقد كانت هذه هي ~~مرحلة الأرستقراطية البطولية التي أطلق فيها الأبطال ms072 ألقاب الآلهة على أنفسهم لاعتقادهم أنهم من ~~أصل إلهي، وأخيرا نصل إلى الأحكام الإنسانية التي كان الحاكم فيها يصدق الوقائع التي ~~تساندها القوانين كما تلائم أوامر الضمير، وكان هذا بفضل الحكومات الشعبية وكرم الملوك الذين ~~كانوا يفاخرون دائما بأنهم في أحكامهم فوق القوانين، وأنهم لا يخضعون لأحد إلا لله ~~ولضميرهم، وما يزال بعض هذه الأحكام يطبق في العصور الحديثة. # هكذا نجد أن فيكو يؤكد الدورات الثلاث للتاريخ بأن هناك ثلاث مراحل من العصور ~~التاريخية، وهي العصور الإلهية والبطولية والبشرية التي يقابلها ثلاث مراحل تشريعية، ~~وأن هذه القوانين أو التشريعات بدأت بالقوانين الإلهية ثم البطولية وكانت تتميز ~~بالصرامة الشديدة. ثم بدأت هذه الصرامة تخف وطأتها مع تطور العصور التاريخية لتلائم ~~التطور الذي لحق بالتقاليد والحكومات مثلما حدث لقانون الألواح الاثني عشر عندما خفف ~~المشرعون من حدته في مرحلة المساواة الطبيعية أي المرحلة البشرية؛ حيث تطورت العادات ~~وتغيرت التقاليد البشرية في كل عصر إلى أن وصلت للمرحلة البشرية التي بدأت مع الحريات ~~الشعبية، وكان هذا هو القانون الطبيعي للأمم الذي علمته العناية الإلهية للشعوب. # هذه العصور التاريخية هي النظام الأبدي الثابت الدائم الذي يجري عليه تعاقب التنظيمات ~~البشرية الاجتماعية، ويستدل فيكو على هذه العصور بمزيد من البراهين الأرستقراطية ~~البطولية ليثبت تطور التاريخ في الزمان؛ فقد تطورت النظم الأرستقراطية من ضرورة «حماية ~~حدود الحقول» لوضع حد للفوضى في المرحلة الوحشية، فتحددت حدود الحقوق بالاتفاق بين ~~البشر، وكان هذا الاتفاق موضع احترام في زمن لم تكن فيه قوة مسلحة وبالتالي لم تكن هناك ~~سلطة قانون مدني، وتطورت الأمور بعد ذلك فبدئ في ظل الحكومات الدينية بوضع حدود للأسر ~~ثم العشائر ثم الشعوب والأمم، وعاش العمالقة حياة مستقلة كل منهم مع زوجته وأولاده في ~~كهفه الخاص، لا يتدخل أحدهم في شئون الآخر ويقتلون بوحشية أي فرد يقتحم حدود الآخر، واستمرت هذه ~~العادة وظهرت واضحة في الحكومات البطولية التي تم فيها الاستيلاء على الأراضي أو ~~انتزاعها حتى توقف الاختلاط بالعشائر البدائية الأخرى فتحددت حدود الشعوب. وفي ms073 المدن ~~البطولية أصبحت الأراضي خاضعة لسيادة الأبطال حيث كان لهم الحق في استقطاع أراض معفاة ~~تماما من الديون والضرائب (وهذا ما يسمى # quiritary ownership ~~) وبالإضافة إلى هذا النوع من الملكية وضع ~~الأبطال أيديهم على أراض زعموا أنها وصلت إليهم عن طريق الآلهة (وهو ما يسمى بالملكية ~~المدنية # civil ownership ~~) وسوف نتناول بالتفصيل أنواع الملكية الثلاثة التي سادت في المدن البطولية ~~أثناء عرضنا للسياسة الشعرية في الفصل التالي. # ويواصل فيكو سرد براهينه على العصور التاريخية من خلال تطور الخصائص البطولية، فبعد ~~أن قام الأبطال بحماية الحدود ثم الحقول والأملاك كان لا بد من حماية التنظيمات البطولية لضمان ~~بقاء نظم الحكم البطولية، وتعد حماية التنظيمات خاصية طبيعية في الحكومات الأرستقراطية ~~التي كانت ترغب في المحافظة على الإرث والثروة داخل طبقة النبلاء لتكسب هذه الطبقة ~~مزيدا من القوة. وعندما بدأ الجنس البشري الاستقرار في كل مكان، ونتيجة لدخول العامة ~~من الشعب في علاقات زواج فيما بينهم، تسربت الثروة من بيوت النبلاء وأصبح للعامة حق ~~إبرام عقود الزواج وممارسة طقوسه بعدما كانوا يعاملون كالعبيد المجردين من أمثال هذه الحقوق. # 9 # وفازت العامة بحقوقها من النبلاء كحق ملكية الحقول التي منحها النبلاء ~~إياهم بمقتضى قانون الألواح الاثني عشر، ولكن لم تتجاوز ملكيتهم لهذه الحقول ملكية ~~المحاصيل الزراعية (ويسمى هذا النوع من الملكية # bonitary ownership ~~) وهذا ما سوف نعرضه ~~بالتفصيل في السياسة الشعرية من الفصل التالي. غير أن العامة ظلوا غرباء ليس لهم حق ~~المواطنة وليس لهم حق توريث أرضهم لعشائرهم ولا حق الزواج من طبقة النبلاء. وبقي هذا هو ~~حالهم في المدن البطولية ثم تغير هذا الحال بعدما حصل العامة على كافة حقوقهم المدنية ~~في عصر الحريات الشعبية وأصبحوا على قدم المساواة مع النبلاء. # وأخيرا نأتي إلى «حماية القوانين» التي كانت خاصية تميز الأرستقراطية البطولية. ~~والواقع أنها بدأت منذ العصور الدينية التي سادتها القوانين الإلهية المقدسة أو السرية ~~- التي كانت تقام لها احتفالات مقدسة وطقوس خاصة - إلى أن جاءت الأرستقراطية البطولية ~~فاشتدت الصرامة في حماية ms074 القوانين - مثل حماية الرومان لقانون الألواح الاثني عشر - ~~وأصبحت هي الوسيلة الوحيدة لضمان خضوع العامة لطبقة الأشراف. هكذا احتفظ النبلاء كما ~~رأينا بسرية القوانين، ويثبت فيكو رأيه بشواهد من التاريخ الروماني حيث كان علم تفسير ~~القوانين مقصورا على أعضاء مجلس الشيوخ الذي يتكون من طبقة النبلاء في الحكومات ~~الأرستقراطية البطولية، وكان النبلاء يقومون بدور الكهنة في المحافظة على سرية القوانين ~~وقدسيتها لأنها الفئة القليلة الخبيرة بفن الحكم، كما أوضحنا ذلك في كلامنا عن العقل ~~البطولي، ثم جاءت الحكومات الشعبية وشاركت العامة في وضع القوانين. # ويذكر فيكو أدلة أخرى تثبت المسار الطبيعي لحياة الشعوب ومروره بالمراحل التاريخية ~~الثلاث. وطبقا لمسلمة فيكو التي تنص على أن العادات الفطرية لا تتغير كلها دفعة واحدة ~~ولكن تتغير بالتدريج وتستغرق فترات طويلة من الزمن (مسلمة 71)، فإنه لا توجد حدود ~~فاصلة بين المراحل التاريخية الثلاث ولكن هناك امتزاج طبيعي بينها، فنجد في كل مرحلة ~~أثرا للمرحلة التي سبقتها، والدليل على هذا أن الآباء عندما انتقلوا من حياة التوحش ~~الأولى إلى الحياة البشرية احتفظوا في ظل الحكومات الدينية بقدر كبير من وحشيتهم ~~وقسوتهم. ولما تكونت الحكومات الأرستقراطية الأولى بقيت السلطات الفردية في أيدي آباء ~~الأسر على النحو الذي كانت عليه في الحالة الطبيعية السابقة، وهكذا نشأت نظم الحكم ~~الأرستقراطية الأولى محتفظة بقدر كبير من السلطات الأسرية، وعندما تحولت هذه الحكومات ~~الأرستقراطية إلى حكومات شعبية تصورت الشعوب أن الحكام هم الذين يحمونهم وتركت لهم ~~مقاليد الحكم، وهكذا كانت الحكومات الشعبية بطبيعتها حكومات حرة تديرها قلة من ~~الأرستقراطية، ثم تطور الأمر فاستغل هؤلاء الحكام سلطاتهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، وكان ~~حرص الشعوب الحرة على مصالحها ومنافعها الخاصة دافعا لها على أن تترك حريتها الشعبية ~~نهبا لطموح أولئك الحكام، فنشأت الخلافات والفتن والحروب الأهلية التي دمرت الأمم ~~الحرة وعجلت بقيام نظم الحكم الملكية. # 10 # ثم يتابع فيكو نشأة الحكم الملكي (وهو أفضل أشكال الحكم في رأيه) ويتصور أن هناك ~~قانونا ملكيا دائما ينشأ بصورة طبيعية بحيث تستقر الأمم في ظل الحكم ms075 الملكي، هذا ~~الشكل الملكي عرفته الشعوب الرومانية وتعرفت فيه على شخص أوغسطس مؤسس النظام الملكي ~~الروماني. # وعلى الرغم مما أصاب هذا القانون من سوء الفهم، فإن المشرعين الرومان قد فهموه فهما ~~صحيحا. ويكفي أن Pomponius # 11 # قد وصفه وصفا دقيقا في هذه العبارة الموجزة «لقد تأسست الملكيات عندما ~~فرضتها التنظيمات نفسها.» هذا القانون الملكي الطبيعي الدائم يقوم على أساس المنفعة ~~الطبيعية الدائمة، ولما كان الناس في الحكومات الشعبية الحرة يسعون لتحقيق مصالحهم ~~الخاصة حتى ولو كان في ذلك دماء شعوبهم، فلا بد أن يبرز رجل واحد ينقذهم من هذا الدمار ~~ويقبض على كل المصالح في يده بقوة السلاح، ويترك لرعاياه حرية السعي وراء شئونهم الخاصة ~~على ألا يتدخلوا في السياسة العامة. ويعطي فيكو بعض الأمثلة لهذا من حوليات تاسيتوس على ~~ما حدث بعد موت أوغسطس وبعض القياصرة الذين جاءوا بعده؛ فقد تباكى الناس على الحريات ~~المفقودة، وشكوا من غربتهم في بلادهم. ويعتقد فيكو أن الحكومات الملكية حكومات حرة، وأن ~~الناس تقف في صف ملوكها مما يجعل الحكم شعبيا؛ فالقوانين التي يصدرها الملوك تحقق ~~المساواة بين الرعايا، والنظم الملكية تؤمن الناس على حياتهم وتخلصهم من اضطهاد ~~المتسلطين والطامعين في السلطة. هذا فضلا عن أن الملوك يحرصون على إرضاء شعوبهم وتحقيق ~~ضروريات حياتهم والتمتع بحرياتهم الطبيعية. وأخيرا فإن الملوك يسخون سخاء عظيما على ~~كل من يستحق التكريم من رعاياهم. ومن هذا كله ينتهي فيكو إلى أن شكل الحكم الملكي هو ~~أنسب أشكال الحكم للطبيعة البشرية وأقربها إلى العقل الإنساني المتطور. # 12 # ويستطرد فيكو في سرد أدلة أخرى تثبت المسار الطبيعي لحياة الشعوب كالعقوبات والحروب ~~ونظام الأعداد؛ فالعقوبات في عصر الأسر كانت تتمثل في وحشية السيكلوب، واستمرت في ظل ~~الحكومات الأرستقراطية مثل قوانين إسبرطة التي حكم عليها كل من أفلاطون وأرسطو بالوحشية ~~والقسوة، وأخيرا خفت العقوبات فصارت معتدلة في ظل الحكومات الشعبية لأنها بطبيعتها ~~حكومات تميل إلى التعاطف الإنساني وحلت الرحمة محل القسوة. ولقد كانت الحروب البربرية ~~للعصور البطولية تعني دمار المدن المهزومة ms076 واستسلام العدو ليصبح قطيعا أو جماعات من ~~العمال المتناثرين في الأرض الزراعية لغرس حقول الشعوب المنتصرة # 13 # إلى أن جاءت الحكومات الشعبية فسلبت المهزومين القانون الذي ساد حياة الأمم ~~البطولية بحرمانهم من تنظيماتهم المدنية مثل الاحتفال بطقوس الزواج والسلطة الأبوية وحق ~~الملكية والوراثة ... إلخ وأخيرا جاء الحكم الملكي وتضاءل القانون البطولي الذي طبق في ~~الدولة المحتلة لأن الملوك أرادوا أن يجعلوا رعاياهم جميعا متساوين أمام القانون، وكان ~~هدف النظم الملكية هو جعل العالم مدينة واحدة وهذا ما حاوله الإسكندر الأكبر. على سبيل ~~المثال. # أما عن نظام الأعداد التي هي أبسط الأشكال التجريدية، فإنها تطابق في نظام تركيبها ~~نظام التنظيمات الاجتماعية البشرية. لقد بدأت الحكومات بحكم الفرد في الأسرة، ثم كان ~~حكم فئة قليلة من الأفراد في الحكومات الأرستقراطية البطولية، ثم كان حكم الأغلبية أو ~~الكل في الحكومات الشعبية وأخيرا رجعت الملكيات المدنية مرة أخرى إلى حكم الفرد. ولا ~~يمكن حسب طبيعة نظام الأعداد تصور نظام أنسب في ترتيبه من النظام الذي يبدأ بالواحد، ~~فالقليل، فالكثير ثم ينتهي بالكل بحيث تحتفظ القلة والكثرة والكل - كل حسب طبيعته - بمبدأ ~~الواحد، وذلك على نحو ما بين أرسطو أن الأعداد تتكون من وحدات غير منقسمة وأننا بعد أن ~~نتجاوز الكل لا بد أن نبدأ من جديد بالواحد. # وهكذا فإن البشرية تنحصر بين الملكيات الأسرية والملكيات المدنية. # 14 # وقد حاول فيكو أن يبرز خصائص التنظيمات الاجتماعية وكيف تدرجت من الوحشية ~~والقسوة إلى الرقة والاعتدال، وبذلك يثبت المسار الطبيعي الذي قطعته كل الأمم الأممية. ~~وهو يؤكد أن التنظيمات الاجتماعية تتابعت بهذا الترتيب؛ الحكومات الدينية، فالحكومات ~~البطولية، فالحكومات الشعبية الحرة ثم الملكيات. ويعتمد فيكو في كل هذه التنظيمات على ~~التشريع والقانون إلى حد أنه جعله الأساس الذي نشأت منه الفلسفة كما ذكرنا من قبل. فمن ~~حكمة صولون التي نصح بها الأثينيين «اعرف نفسك.» نشأت نظم الحكم الشعبية، ومن هذه النظم ~~نشأت القوانين ومن القوانين نشأت الفلسفة. # وربما يرى البعض في هذا حجة على ما قاله بوليبيوس # 15 ms077 # من أنه إذا وجد الفلاسفة في العالم فلن تكون هناك حاجة إلى الأديان. ~~ويعارض فيكو هذا الرأي ويقول: إنه لو لم توجد الأديان ومن ثم نظم الحكم الشعبية لما وجد ~~الفلاسفة في هذا العالم، ولو لم تهد العناية الإلهية البشر إلى تأسيس نظمهم الإنسانية ~~لما عرفوا شيئا عن العلم أو الفضيلة؛ ففي العصور البشرية التي نشأت فيها نظم الحكم ~~الشعبية ومن بعدها الملكيات نشأ الالتزام بالقانون بضمان التعهدات اللفظية التي تحولت ~~فيما بعد إلى عقود واتفاقيات ذات صيغ مكتوبة. # وينتهي فيكو في هذا المجال إلى أن الإنسان بطبيعته لا يخرج عن أن يكون عقلا وجسدا ~~ولغة، واللغة تتوسط العقل والجسد، وهكذا الأمر بالنسبة لما هو عدل؛ فقد بدأ اليقين في ~~العصور الصامتة مع الجسد وذلك حين كان الإنسان يؤكد شيئا عن طريق الإيماءات والإشارات ~~في العصور الصامتة، وبعد أن اخترعت اللغات المنطوقة تأكدت أفكار الحق بصيغ لغوية ~~ملفوظة. وأخيرا وبعد أن تطور العقل البشري تطورا تاما عبر عن أفكاره عن الحق والعدل ~~كما حددها العقل نفسه بعد تعمق الظروف التفصيلية المحيطة بالوقائع المختلفة فتطورت ~~الأفكار نفسها مع تطور العقل. # 16 # كان هذا هو القانون الذي يحكم تطور الشعوب والأمم والذي استخلصه فيكو من دراساته ~~للبدايات الأولى للحضارتين اليونانية والرومانية. وسنفرد الفصل التالي لهذه الدراسات ~~لنرى كيف نشأ التاريخ البشري وكيف تطور، وكيف كانت النشأة التاريخية نشأة شعرية سماها ~~فيكو الحكمة الشعرية. وإذا كان لنا أن نعقب في هذا الموضع بكلمة قصيرة عن قانون تطور ~~الأمم فإننا نقول إن فيكو قد اعتمد على القانون الروماني اعتمادا كبيرا كما رأينا، ~~واستشهد بالكثير من نصوصه ومواده خاصة في نظام الملكية والوراثة وتحديد الوريث في ~~الوصية ... إلخ، وتابع بالتفصيل تطور القوانين، ولقد بالغ فيكو مبالغة شديدة في الاستشهاد ~~بالقانون الروماني إلى الحد الذي يستحيل معه متابعة أفكاره ما لم يكن الباحث على دراية ~~كاملة بالتاريخ الروماني وإلمام واف بالقانون الروماني أيضا، بل إن اهتمام فيكو ~~بالقانون الروماني قد بلغ حدا أبعد من هذا في ms078 محاولته البحث عن قوانين مشابهة لهذا ~~القانون - كقانون الألواح الاثني عشر - في بعض الحضارات الأخرى مثال ألمانيا وفرنسا. # لهذه الأسباب لا يستطيع الباحث أن يضع يده بسهولة على قانون تطور الأمم؛ إذ يتحتم ~~عليه أن يستخلصه من ثنايا التفاصيل الكثيرة التي تكاد تضيع فيها المعالم الرئيسية ~~لفلسفة فيكو في التاريخ. وقد حاولنا في هذا الفصل أن نستخلص قانون تطور الإنسانية في ~~التاريخ من شوائب التفاصيل التي علقت به واستبعاد الكثير من الحواشي التي لا تمس ~~الأفكار الأساسية للعلم الجديد، وسنعود بإذن الله إلى هذه المسألة وغيرها من المسائل في ~~خاتمة البحث. # الفصل الثاني # | مسار الأمم في ضوء الحكمة الشعرية # (1) المسار الأول للأمم # الحكمة الشعرية هي عنوان الكتاب الثاني من العلم الجديد، وهو الجزء الذي أفرده فيكو ~~لمناقشة كيف أن مؤسسي الشعوب والنظم البشرية كانوا في الأصل شعراء مثل هوميروس، وحكماء ~~كالمشرعين الذين أسسوا المدن الإغريقية مثل إسبرطة، ولا يشك فيكو في أن هؤلاء المؤسسين ~~كانوا شعراء وحكماء بشكل ما، ولكن أي نوع من الحكمة كان عند هؤلاء الأقدمين؟ لقد كانت ~~حكمتهم عملية جعلتهم يوجدون النظم الاجتماعية البشرية، وهذا هو مفتاح العلم الجديد الذي ~~اكتشفه فيكو والذي حاول أن يثبت فيه أن حكمة القدماء كانت شعبية ولم تكن فلسفية، شعرية ~~لا عقلية، عملية لا نظرية. كان الأولون من شعوب الأمم الأممية أبناء الجنس البشري ~~يخلقون أشياء مطابقة لأفكارهم، ولكن هذا الخلق يختلف عن الخلق الإلهي اختلافا متناهيا ~~لأن الخلق البشري كان بالخيال المادي. # كانت الحكمة الشعرية هي البداية الفجة للعلوم والفنون كما كانت أيضا أصل جميع العلوم ~~والفنون. ويؤكد العلم الجديد أن الأمم الأممية كانوا شعراء يتحدثون برموز شعرية، ويعرف ~~فيكو الحكمة بأنها استعداد طبيعي أو ملكة عقلية تهيمن على كل ألوان المعرفة التي تؤلف ~~ما يسمى بالإنسانية؛ فالإنسان بما هو إنسان يتألف من عقل وروح أي عقل وإرادة. ووظيفة ~~الحكمة أن تحقق هذين الجانبين في الإنسان؛ فالعقل يهتدي إلى معرفة التنظيمات العليا، وعن ~~طريق هذا العقل تختار الروح أفضل هذه ms079 التنظيمات. وأسمى التنظيمات هي التي تكشف عن عظمة ~~الله وتحرص على خير الجنس البشري؛ فالنظم الأولى هي النظم الدينية، والثانية هي النظم ~~الدنيوية، والحكمة تعلمنا معرفة التنظيمات الدينية لكي ترشد التنظيمات الدنيوية للخير ~~الأسمى للبشر. بدأت الحكمة لدى الشعوب الأولى بالتنبؤ؛ فالحكمة القديمة كانت حكمة ~~الكهان والعرافين، والحكماء الأوائل للشعوب القديمة كانوا شعراء لاهوتيين، وجدير بالذكر ~~أن فيكو يميز بين ثلاثة أنواع من اللاهوت: «لاهوت شعري للشعراء اللاهوتيين، وهو بمثابة ~~لاهوت مدني في كل الشعوب الأولى»؛ «ولاهوت طبيعي أو ميتافيزيقي ويرجع للفلاسفة»؛ ~~«ولاهوت مسيحي وهو مزيج من اللاهوت المدني واللاهوت الطبيعي». # انعكست الحكمة الشعرية على كل علوم البشر، وظل معنى الحكمة هو معرفة الأشياء الطبيعية ~~والإلهية أي الميتافيزيقا. وعلى هذا فالميتافيزيقا كانت لصالح الجنس البشري الذي تتوقف ~~المحافظة عليه على الإيمان بإله يعنى بالبشر. وقد كانت الحكمة عند هوميروس هي معرفة ~~الخير والشر، ثم كانت الحكمة عند العبرانيين والمسيحيين بعد ذلك هي العلم بالأشياء ~~الأبدية التي يوحي بها الله، وهذا المعنى متصل بالمعنى القديم للألوهية أي يتصل ~~بالتنبؤ، وانعكست الحكمة الشعرية كذلك على كل علوم البشر، فلما كانت الميتافيزيقا هي ~~العلم الأسمى الذي تتفرع منه العلوم الثانوية الأخرى، وكانت حكمة القدماء هي حكمة ~~الشعراء اللاهوتيين الذين كانوا الحكماء الأوائل للشعوب القديمة، وكانت الأصول الأولى ~~للأشياء بحكم طبيعتها أصولا فطرية فجة، فلا بد لكل هذه الأسباب أن نرجع بدايات الحكمة ~~الشعرية إلى نوع فطري من الميتافيزيقا؛ فالحكمة الشعرية نشأت من الميتافيزيقا الفجة، ~~ومن جذر هذه الميتافيزيقا الفطرية نشأ فرع يحمل علوم المنطق والأخلاق والاقتصاد ~~والسياسة، كما نشأ فرع آخر يحمل علم الفيزياء وهي أم علم وصف الكون وعلم الفلك. وهذا ~~الأخير يضفي اليقين على علمين آخرين نشآ عنه هما علم التاريخ وعلم الجغرافيا، وغني عن ~~الذكر أن العلوم السابقة كلها تتصف في تلك المرحلة بالصفة الشعرية. # ومن هنا نرى بوضوح كيف تصور مؤسسو النزعة الإنسانية للشعوب الأولى، كيف تصوروا الآلهة ~~عن طريق الميتافيزيقا أي اللاهوت الطبيعي، وكيف اخترعوا اللغات عن طريق ms080 منطقهم، وكيف ~~خلقوا أبطالهم عن طريق تصورهم لعلم الأخلاق، وكيف أسسوا الأسر عن طريق تصورهم للاقتصاد، ~~ومدنهم عن طريق مفهومهم للسياسة، وكيف تصوروا بدايات الأشياء جميعا على أنها بدايات ~~إلهية عن طريق مفهومهم لعلم الطبيعة، كما تصوروا أنفسهم كبشر من خلال تصورهم لعلم طبيعة ~~الإنسان وأوجدوا لأنفسهم عالما بأسره من الآلهة عن طريق تصورهم للكون، ثم كيف أثر ~~عليهم مفهومهم عن علم الفلك بحيث جعلهم ينقلون الكواكب من الأرض إلى السماء، ويحددون ~~البدايات الزمنية عن طريق ما سموه بعلم التأريخ، وأخيرا كيف وصف الإغريق، على سبيل ~~المثال، العالم كله وكأنه يقع داخل بلادهم مما يدل على تأثير مفهوم الجغرافيا على هذا ~~التصور. بهذا يصبح العلم الجديد تاريخا لأفكار البشر وعاداتهم وأعمالهم، ومن هذه ~~العناصر الثلاثة تكونت مبادئ التاريخ البشري التي هي مبادئ التاريخ العالمي التي يعتقد ~~فيكو أنها كانت مفتقدة حتى اكتشفها بنفسه. # ويقدم فيكو في كتابه لوحة تاريخية لأهم وقائع التاريخ منذ خلق العالم معتمدا على ~~التوراة؛ فقد انحدر مؤسسو الشعوب الأولى من سلالة حام ويافث وسام الذين رفضوا ديانة نوح ~~الحقة فضلوا في الأرض وعاشوا حياة حيوانية في الغابات الواسعة الكثيفة التي غطت الأرض ~~بعد الطوفان. وتضخمت أجسامهم فأصبحوا عمالقة، وهؤلاء العمالقة كانوا على نوعين؛ بعضهم ~~شعر بالخوف من الظواهر الجوية كالبرق والرعد واعتبروها غضبا من الإله على حياتهم ~~البهيمية، فبدءوا يستقرون في كهوف ويحترفون الزراعة ويمتلكون الأرض، وبذلك كونوا طبقة ~~الأبطال الذين سمي عصر العمالقة على اسمهم؛ وظل البعض الآخر على تشرده وحين أسرهم ~~أسياد الأرض كانوا بمثابة عبيد للأرض يفلحونها، بينما احتفظ العبرانيون الذين قبلوا دين ~~نوح بقوامهم البشري السوي الذي ارتد إليه أبناء العمالقة بالتدريج. # وتتمثل الحكمة الشعرية في أساطير كل أمة، والشعر هو لغة التعبير عن هذه الحكمة؛ لأن ~~الشعوب الأولى ذات طبيعة شاعرية. لقد بدأ تاريخ كل الشعوب بداية خرافية؛ فنجد أن ~~الحكماء لدى اليونان هم الشعراء اللاهوتيون. ثم جاء الفلاسفة وجعلوا من تاريخ آلهتهم ~~فلسفة. مثلما حول مانيتو كل التاريخ الخرافي في ms081 مصر إلى لاهوت طبيعي سامي، وكان ذلك ~~نتيجة أسباب خمسة لدى الإغريق والمصريين القدماء: إجلال الدين الذي تأسست عليه كل ~~الشعوب القديمة. أن هذا العالم المدني قد نظم تنظيما حكيما بحيث لا يمكن أن يقوم إلا ~~على حكمة تفوق حكمة البشر. أن هذه الخرافات الدينية التي يدعمها احترام الدين والحكمة ~~الإلهية؛ يسرت للفلاسفة أن يبحثوا في أمور متعالية. تمكن الفلاسفة من شرح أفكارهم ~~باستخدام التعبيرات التي تلقوها عن الشعراء، ووجد الفلاسفة في هذه الخرافات الدينية ما ~~دعم تأملاتهم، أي أنهم استمدوا من السلطة الدينية تأييدا لأفكارهم. ومما سبق يتضح أن ~~ما أحس به الشعراء إحساسا ساذجا وعبروا عنه بالحكمة الشعبية قد فهمه الفلاسفة وعبروا ~~عنه بالحكمة المستورة أو السرية بحيث يمكن القول إن الشعراء يعبرون عن حواس الجنس ~~البشري بينما كان الفلاسفة يمثلون # 1 # عقله. وهذا يثبت ما قاله أرسطو في كتاب «النفس» عن الإنسان الفرد ويمكن أن ~~يصدق على الجنس البشري كله «لا شيء في العقل إلا وسبقه وجود في الحس.» أي أن العقل ~~البشري لا يفهم أي شيء ما لم يكن لديه انطباع حسي سابق عنه. # إن السمة الأساسية في تفكير فيكو هي بغير شك ذلك الجهد الذي بذله لإثبات أن كل ~~العلاقات الاجتماعية كانت في أحد العصور قائمة على معتقدات ترجع إلى الخيال، وكذلك ~~محاولته لإثبات أن هذا يدل على وجود قانون إلهي لولاه لما تمكنت البشرية حتى من ~~البقاء على قيد الحياة؛ لأن الخوف الذي يثيره الخيال القوي الذي أوجد عالم الآلهة يمكنه ~~أن يكبح عنف الشهوات؛ فالعقل عند البشر مرحلة متأخرة في مسار تطورهم. ~~(1-1) الميتافيزيقا الشعرية # إن الميتافيزيقا هي العلم الأسمى الذي تتفرع عنه العلوم الثانوية، ويأخذ فيكو على ~~الفلاسفة وعلماء اللغة أنهم لم يبدءوا بحوثهم من حكمة الشعوب القديمة، وهو في هذا متسق ~~مع مسلمته التي تقول بوجوب أن يبدأ الموضوع من حيث تبدأ المادة التي يتناولها، أي كان ~~عليهم أن يبدءوا من الميتافيزيقا، ولا بد في رأيه أن تكون الحكمة الشعرية قد ms082 بدأت لا من ~~ميتافيزيقا عقلية بل من ميتافيزيقا شعورية خيالية؛ حيث كان لدى البشر الأولين إحساس قوي ~~وخيال خصب واسع كما تمثل في الشعر، وهو ملكة فطرية ولدت الشعوب الأولى مزودة به، وكان ~~شعرهم في البداية دينيا لأنهم كانوا ينسبون كل علل الأشياء التي يحسونها ويعجبون بها ~~إلى كون العلل آلهة، وفي الوقت نفسه يعطون للأشياء التي تثير دهشتهم وجودا ماديا ~~يتلاءم مع أفكارهم تماما كما يفعل الأطفال فيضفون الحياة على أشياء غير حية. ثم يشرح ~~فيكو كيف أن الشعوب الأولى خلقت الآلهة عن طريق الميتافيزيقا أو اللاهوت الطبيعي، وكيف ~~تصوروا أول أسطورة دينية، أن التفكير الأسطوري أمر طبيعي في المراحل المبكرة من تطور ~~المجتمعات، فعندما أبرقت السماء وأرعدت لأول مرة بعد الطوفان خاف العمالقة واندهشوا، وهم الذين ضلوا في الغابات الواسعة مع الوحوش الضارية ورفعوا أعينهم للسماء وشعروا ~~بالخوف منها، ولما كان من طبيعة العقل البشري أن «يسقط» ذاته على الأشياء التي يجهلها، ~~وكان هؤلاء العمالقة بطبيعتهم مجرد أجساد قوية، فقد تصوروا السماء على شاكلتهم كجسد حي ~~كبير ودعوها جوبيتر # Jove ~~(زيوس # Zeus # عند الإغريق) وهو الإله الأكبر الذي يخبرهم ~~بتعليماته وتحذيراته عن طريق رعده وصواعقه. ومن هنا بدأ حب الاستطلاع الطبيعي الذي هو ~~ابن الجهل وأبو المعرفة والذي ينير العقل البشري. ومن هنا أيضا نشأت أول خرافة دينية ~~لدى البشر الأولين، وتأسست الكهانة التي أطلق عليها الإغريق اسم اللاهوت أو لغة الآلهة، ~~وبهذا يفسر فيكو ما سبق أن ذكره في أصول العلم الجديد، وهو أن الخوف أول من خلق الآلهة ~~على الأرض. هكذا ولد جوبيتر في الشعر كشخصية خيالية إلهية خلقها الشعراء اللاهوتيون ~~بأنفسهم واعتقدوا فيها وخافوها ثم بجلوها وعبدوها ونسبوا إليها كل التكهنات والنبوءات؛ ~~فالبشر الأولون الذين أسسوا الأمم الأممية الأولى كانوا يفكرون بالأحاسيس والخيال ~~والأساطير؛ لأن عقولهم كانت عاجزة عن التجريد، ومن هنا كان عجز القوى العقلية البشرية ~~هو الأصل في نشأة شعر أكثر رقيا وسموا من الذي أتى به الفلاسفة بعد ذلك، وهذا ~~الاكتشاف لأصل ms083 الشعر كما يرى فيكو يفند الرأي القائل بأن الحكمة الفذة للقدماء بدأت مع ~~الفلاسفة. # يحدد فيكو المعالم الرئيسية لعلمه الجديد على النحو التالي: # تعتبر العناية الإلهية هي الافتراض الذي يقوم عليه العلم الجديد؛ فقد اهتدى إليها ~~البشر الأولون عندما يئس الإنسان البدائي من مساعدة الطبيعة فاتجه إلى قوى أسمى، وليس ~~هناك ما هو أسمى من الله. لقد لاحظ هذا الإنسان أن العناية الإلهية تحرص على خير الجنس ~~البشري. لذلك فإن هذا العلم الجديد هو لاهوت عقلي مدني يبين دور العناية الإلهية في ~~حياة البشر. لقد حرص فيكو على تأكيد دور العناية الإلهية في كتابه «العلم الجديد»، بل ~~لقد حرص على تذكير القارئ به حتى في المواضع التي لا تقتضي ذكرها، فهل فكرة العناية ~~الإلهية فكرة ضرورية حقا في فهم العلم الجديد أم أن من الممكن طرحها والاستغناء عنها ~~دون أن يتأثر هيكل هذا العلم ومضمونه؟ هذا ما سوف نناقشه في الباب الثالث من البحث. # ويواصل فيكو حديثه عن ثاني معالم هذا العلم فيؤكد أن السلطة كانت مرتبطة منذ البداية ~~بالملكية أو التملك؛ فالسلطة التي بدأت بداية دينية يأتي معناها الأصلي من الملكية ~~(فكلمة # authority # في الإنجليزية ونظيراتها في اللغات الهندو أوروبية؛ مشتقة من الكلمة ~~اللاتينية # auctor # وتعني صاحب حق أو مالكا كما استعملت بهذا المعنى في قانون الألواح ~~الاثني عشر) وكانت تطلق على جوبيتر في البداية لتعني أنه مالك البشر والمتحكم فيهم ~~بوصفه مالك الآلهة والبشر على السواء، وتبع هذه السلطة الإلهية سلطة بشرية تمثلت في ~~التمرس على حرية الإرادة البشرية في التحكم في حركات الجسد وتوجيهها للأفضل، ومثال ذلك ~~تحول العمالقة من ذوي العادات الوحشية إلى عادات أفضل عندما استقروا داخل كهوف، والسلطة ~~البشرية تبعها سلطة القانون الطبيعي عندما استقر العمالقة وأصبحوا مالكين للأرض ومن ثم ~~حكامها. # ثم يتناول فيكو النقد الفلسفي الذي نما مع تاريخ الأفكار والذي يلقي الضوء على البحث ~~في أصل الآلهة، فكما أكد فيكو في مسلماته أن عدد الآلهة في كل الأمم الأممية هو اثنا ms084 ~~عشر إلها ابتداء من جوبيتر، وهذا يعني اثنتي عشرة دورة زمنية نشأت فيها الأساطير، ~~فالثيوجونيا الطبيعية (تسلسل نسب الآلهة) تعطينا لوحة زمنية عقلية للتاريخ الشعري لمدة ~~لا تقل عن تسعمائة عام قبل التاريخ الشعبي الذي جاء بعد المرحلة البطولية. # وينتقل إلى القانون الطبيعي للأمم وأصحابه جروسيوس وسيلدن وبافندروف الذين كان يجب أن ~~يبدءوا من البدايات الأولى للأمم حيث يبدأ الموضوع الذي يعالجونه، ولكن الثلاثة - في رأي ~~فيكو - وقعوا في الخطأ وبدءوا بالعصور المتأخرة لشعوب متحضرة نشأ فيها الفلاسفة كما ~~بدءوا من الفكرة الكاملة للعدل؛ لذلك يعالج فيكو فكرة القانون من منطلق الاشتقاق اللغوي ~~لهذه الكلمة التي تؤكد النشأة الدينية للقانون؛ فكلمة # ius # أي قانون مشتقة من كلمة # ious # وتعني جوبيتر في اللغة اللاتينية القديمة. وعندما نشأت فكرة جوبيتر في عقول مؤسسي ~~الشعوب الأولى نشأ معها العلم الإلهي، وعلى أساسه نشأت التنظيمات الدينية التي تولدت ~~عنها كل التنظيمات الدنيوية، ومن هذين النوعين من التنظيمات نشأ التشريع. # وأخيرا ينتقل فيكو إلى مبادئ التاريخ العالمي الذي بدأ منذ اللحظة الأولى للتنظيمات ~~البشرية لدى الشعوب مع أولى المراحل الثلاث في العالم وهي المرحلة الإلهية حيث الأساطير ~~التي روى فيها الشعراء بصدق عن الطوفان العام والعمالقة، وهذه الأساطير هي بدايات ~~التاريخ العالمي الذي عجز الباحثون المتأخرون عن معرفته لعدم قدرتهم على الدخول في عقول ~~مؤسسي الأمم الأممية وعدم فهم خيالهم وكيف كانوا يفكرون؛ ولذلك يعتقد فيكو أن التاريخ ~~العالمي يفتقد إلى البداية لافتقاره إلى الزمن العقلي للتاريخ الشعري. # 2 ~~(1-2) المنطق الشعري # من الطبيعي بعد كل ما قلناه أن يؤكد فيكو أهمية اللغة؛ فهي تعكس مظاهر الحياة ~~الاجتماعية للشعوب وتكشف عن الحياة العقلية ونوعية الأفكار المنتشرة فيها. وإذا كانت ~~الشعوب الأولى قد أوجدت عالم الآلهة من الميتافيزيقا أو اللاهوت الطبيعي وتصور الشعراء ~~اللاهوتيون الأجسام بوصفها جواهر إلهية، فإنها قد اخترعت اللغات من المنطق الشعري. اهتم ~~فيكو - كما رأينا على الصفحات السابقة - بالاشتقاقات اللغوية التي تكشف عن أصول الكلمات؛ ~~فأصل كلمة منطق كانت # Logos # وكلمة # Mythos ms085 # في اليونانية تعني الأسطورة، والبشر في العصور ~~الأولى ، كما يؤكد أفلاطون، كان حديثهم الطبيعي والصادق هو الأسطورة، ثم تطور معنى كلمة ~~الأسطورة لتعني الفكرة. وكان من خاصية العصور الدينية الأولى أن تعلق أهمية كبرى على ~~التأمل والتفكير أكثر من الخطابة أو الحديث؛ لأن اللغة في أزمنة الصمت الأولى التي مرت ~~بها الأمم كانت لغة خرساء أو كانت لغة الإشارات والإيماءات والأشياء الطبيعية التي لها ~~علاقة بالأفكار التي يعبر عنها، وهي اللغة التي قال عنها سترابو # 3 # إنها وجدت قبل اللغة المنطوقة. وطبقا للمسلمة التي تنص على أن الخيال ~~يزداد قوة كلما ضعفت القدرة على التفكير، أضفى الشعراء الأوائل العاطفة والحس على أشياء ~~غير حية عن طريق المجازات والرموز وأساليب البيان، وأوضح أشكال المجاز هي الاستعارة؛ ~~فكل استعارة هي حكاية خرافية مختصرة وهذا يدل على العصر الذي ظهرت فيه الاستعارات في ~~اللغات، وظهور الاستعارة في اللغة يتيح لنا الفرصة للحكم على هذا العصر، وقد وجد في كل ~~اللغات أن الاستعارات مستمدة من الجسد البشري وأجزائه ومن الأحاسيس والعواطف البشرية. ~~فمثلا ترمز الرأس للقمة والكتفان للثقل والفم للأشياء المفتوحة والقلب للمركز والجسد ~~للأرض ... إلخ. وهذا يثبت مسلمة فيكو التي تقول: إن الإنسان عندما يضل في الجهل يجعل من ~~نفسه مقياس كل شيء. # يفرق فيكو بين الميتافيزيقا العقلية التي تقول إن الإنسان يحصل على الأشياء ويستوعبها ~~عن طريق فهمها، بينما تقول الميتافيزيقا الخيالية إن الإنسان عندما لا يفهم يضفي نفسه ~~على الأشياء ويصبح هو الأشياء نفسها عن طريق اندماجه فيها. وفي رأي فيكو أن المنطق ~~الشعري للشعوب الأولى نشأ من هذه الميتافيزيقا الخيالية وهو منطق المجاز والاستعارة، ~~الذي نشأ عن عجز الشعراء الأول عن تجريد الأشكال والخصائص الأساسية في الأشياء، وتحولت ~~الصور المجازية إلى استعارات عندما رفعت الجزئيات إلى مصاف الكليات، وكذلك لم ينشأ فن ~~السخرية إلا في العصور العقلية المتأخرة لأنها نوع من الكذب الذي يكتسي قناع الحقيقة. ~~وهذا يدل على مبدأ هام من مبادئ التنظيمات البشرية يؤكد الأصل الشعري، وهو أن ms086 الأمميين ~~الأوائل كانوا في بساطة الأطفال الذين هم صادقون بطبيعتهم، فلم تكن الخرافات الأولى تدعي ~~الكذب، وكانوا يعتقدون أن حكاياتهم حكايات حقيقية وصادقة، # 4 # كذلك نشأ فن المسوخ والتحولات الشعرية من هذه الطبيعة البشرية الأولى وهي ~~عدم القدرة على تجريد الصور والخصائص الشعرية من الموضوعات. هكذا كانت كل المجازات ~~أشكالا ضرورية للتعبير عند الشعوب الشاعرية الأولى، ثم أصبحت رمزية عندما نمت القدرة ~~على التجريد مع تطور العقل البشري، أي عندما اخترعت الكلمات التي تدل على أشكال مجردة ~~بمقارنة علاقة أجزائها وكلياتها. ويؤكد فيكو خطأ اللغويين الأول في زعمهم أن النثر ~~حديث طبيعي والشعر غير طبيعي، وأن النثر أسبق في الوجود من الشعر. وهو يعارض هذا الرأي ~~- كما سنرى في السطور التالية - ويحاول إثبات أن الشعوب الأولى كانت شعوبا شاعرية ~~وبالتالي بدأت اللغة بداية شعرية، بل ذهب إلى أبعد من هذا فوضع نظرية في نشأة اللغات ~~والحروف. # إن مسألة البحث في أصل اللغات غير مطروحة في العصر الحديث لأنها أصبحت مسألة ~~ميتافيزيقية انتهى العلماء إلى صعوبة حسمها بصورة نهائية، وقد اجتهد فيكو نفسه في إثبات ~~أن اللغة بدأت شعرا وأثر هذا على آراء الرومانتيكيين في القرن التاسع عشر، وبالرغم من ~~أن نظريته يشك الآن في قيمتها العلمية إلا أنها أثرت فترة طويلة على بحوث العلماء عن ~~أصل اللغة، وهي تستحق على كل حال أن نذكرها بشيء من التفصيل؛ لأنها جزء هام من تطبيقه ~~لقانون تطور الأمم في ثلاث مراحل، وأيا كان الرأي في القيمة العلمية لنظرية فيكو عن ~~أصل اللغات والحروف فلا يمكن إنكار قيمتها التاريخية. # يقدم فيكو نظريته في نشأة اللغات ويعارض الباحثين الذين يقولون إن أصل الحروف منفصل ~~عن أصل اللغات؛ فهو يرى أن الحروف واللغات مرتبطان بالطبيعة، فإذا كانت الحروف قد تشكلت ~~لتعبر عن الأصوات المنطوقة بدلا من الإشارات فقد وجدت عند كل الشعوب، ولكن إخفاق ~~الباحثين وجهلهم ببداية اللغات والحروف جعلهم يخفقون أيضا في معرفة الطبيعة الشعرية ~~للشعوب الأولى، وكيف تحدثوا بالأساطير وكتبوا بالكتابة السرية والرمزية الهيروغليفية. ms087 ~~ويرى فيكو أن الفلسفة يجب أن تتبنى هذه المبادئ في دراستها للأفكار الإنسانية. كما يجب ~~أيضا أن تكون مبادئ علم اللغة في دراسته للكلمات البشرية؛ لذلك يجب التسليم بهذه ~~المبادئ التي يراها فيكو ضرورية لفهم هذه الشعوب الموغلة في القدم، وهي أن البشر ~~الأولين في الأمم الأممية يتصورون الأفكار بتخيل أن لها جواهر حية وصامتة، وأنهم ~~يعبرون عن أنفسهم بلغة مشتقة من البيئة الطبيعة أي البيئة الجغرافية التي لها تأثير قوي ~~على لغات الشعوب وعاداتهم. # ننتقل إلى نشأة المراحل الثلاث للغات فنجد فيكو يطبق فكرته الرئيسية التي أخذها عن ~~المصريين القدماء عن مرور العالم بثلاثة عصور وارتباط هذه العصور بثلاثة أنواع من ~~اللغات هي الهيروغليفية (أي الإلهية المقدسة وهي خاصة بالعصر الإلهي) ثم اللغة البطولية ~~(وهي اللغة الرمزية التي توافق عصر الأبطال) وأخيرا لغة الرسائل (التي استخدمها البشر ~~فيما بينهم لقضاء حاجاتهم). ويثبت فيكو أن هذه اللغات الثلاث كانت موجودة أيضا في ~~الفكر اليوناني، ويستشهد بنصوص من هوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسة، فهناك نص في ~~الإلياذة يؤكد أن «نسطور» عاش ثلاثة أجيال من البشر تحدثوا بثلاث لغات. # 5 # واللغة الإلهية المقدسة (الهيروغليفية) تحدثت بها كل الشعوب القديمة. ~~ويورد فيكو بعض الأمثلة لشعوب تحدثت بها قديما مثل المصريين والأثيوبيين في أفريقيا ~~والكلدانيين والسكيثيين في الشرق ... إلخ وبعض الشعوب ما زال يتحدث بها حتى الآن مثل ~~الصين. ويعارض فيكو بهذا رأيا ينسبه للمصريين القدماء بأن الهيروغليفية لغة اخترعها ~~الفلاسفة ليخفوا فيها غموض حكمتهم السرية المقتصرة على فئة قليلة، ويدلل فيكو على صدق ~~رأيه بنصوص من الإلياذة والأوديسة يؤكد فيها هوميروس أن هناك لغة أقدم من لغته (التي ~~كانت بلا شك لغة بطولية) دعاها لغة الآلهة. هذه اللغة الإلهية سواء عند اليونان أو ~~الرومان تطابق اللغة الهيروغليفية عند المصريين، والنوع الثاني من الحديث الذي يطابق ~~المرحلة البطولية كان حديثا رمزيا يستخدم ما أطلق عليه هوميروس # Sémata # 6 ~~(أي العلامات والرموز)، ففي المرحلة الإلهية كانت الشعوب الأولى تتكلم ~~بالرموز، ثم تتابعت الاستعارات والمجازات وكل ms088 وسائل التعبير الشعري التي مر بها ~~الحديث المنطوق إلى أن كان حديث الرسائل الذي نشأ بين العامة في الشعوب البطولية وهي ~~لغة خاصة بالعصر البشري. # أما عن نشأة الحروف الشعبية فيرجعها فيكو إلى الرموز الرياضية والفلكية للكلدانيين، ~~وقد استعمل الفينيقيون هذه الرموز الكلدانية كرموز للأعمال التجارية، ثم انتقلت إلى ~~الإغريق عن طريق الشواطئ الإغريقية قبل عصر هوميروس، وأخذ الإغريق هذه الأشكال الهندسية ~~لتمثل الأصوات المنطوقة المختلفة ثم شكلوها إلى حروف ذات طابع شعبي وأتموها، وقد تبناها ~~الإغريق لتشابهها مع حروفهم اليونانية القديمة، كما يؤكد تاسيتوس ذلك، والدليل على هذا ~~أن اليونان استعملوا - لفترة طويلة - الحروف الكبيرة لتعبر عن الأعداد. واختلاف اللغات ~~الشعبية باختلاف الشعوب يرجع لحقيقة أساسية هي اختلاف مناخ الشعوب مما نشأ عنه اختلاف ~~في العادات. ومن اختلاف الطبيعة والعادات نشأت لغات مختلفة، فكل شعب نظر إلى ضرورات ~~الحياة البشرية من وجهة نظر مختلفة؛ لذلك نشأت عادات عالمية وظهر هذا كمثال واضح في ~~الأمثال والحكم الشعبية التي عبرت عن مضمون واحد بأساليب مختلفة لدى شعوب ~~مختلفة. # يواصل فيكو نظريته في نشأة اللغات والحروف ويفسر كيف تشكلت ثلاثة أنواع من اللغات ~~والحروف في ضوء مبدأ هام هو أن الآلهة والأبطال والبشر بدءوا في آن واحد (لأنهم كانوا ~~بشرا تخيلوا الآلهة واعتقدوا أن طبيعتهم البطولية مزيج من الطبيعة الإلهية والبشرية) ~~لذلك بدأت اللغات الثلاث في آن واحد، وكان في كل منها حروف تطورت معها وبدأت بثلاث ~~اختلافات هامة: أن لغة الآلهة كانت صامتة تماما لا تحتوي إلا على نطق هزيل، أما لغة ~~الأبطال فهي مزيج متساو من اللغة المنطوقة والصامتة، وأخيرا تأتي لغة البشر وهي ~~بأكملها لغة منطوقة؛ لذلك كانت اللغة الإلهية في البدايات مضطربة إلى أبعد حد، وهذا سبب ~~قوي في غموض الخرافات. ففي الوقت الذي تشكلت فيه فكرة جوبيتر كشخصية دينية (وهذه أول ~~فكرة بشرية نشأت في العالم الأممي) بدأت اللغة المنطوقة تتطور عن طريق تسمية الأشياء أو ~~الأفعال بمحاكاة أصواتها # onomatopoeia ~~؛ لذا كانت أسماء جوبيتر في اللغات القديمة ms089 تحاكي ~~صوت الرعد ووميض الضوء وصوت احتراق النار، وتكونت الكلمات البشرية بعد ذلك من صيغة ~~التعجب والدهشة، ونشأت أصوات منطوقة بدافع من الانفعالات القوية. فعندما نزلت أول صاعقة ~~من السماء وأيقظت الدهشة في البشر كان ميلاد أول صوت بشري معبرا عنه بلفظ # pa # ثم ضعفت ~~إلى # pape ~~، ومن هذا التعجب جاء اشتقاق لقب جوبيتر «أب البشر والآلهة» حيث كان الآلهة ~~يدعون آباء والآلهات أمهات، وربما جاء من هذه الصيحة الأصل الاشتقاقي للفعل # patrare # بمعنى يعمل أو يصنع وهي صفة الله الصانع كما وردت في الكتاب المقدس. # 7 # هكذا نجد أن نظرية فيكو في نشأة اللغات والحروف تعتمد اعتمادا كليا على اشتقاق ~~الكلمات من صرخات الإنسان الأول نتيجة تعجبه من الظواهر الطبيعية، وهو يتابع نظريته في ~~نشأة اللغات فيقر أنها بدأت بكلمات من مقطع واحد، فتشكلت الضمائر من مقطع واحد وكذلك ~~حروف الجر والوصل، ثم تشكلت الأسماء أيضا من مقطع واحد، ويدرج فيكو أمثلة من اللغة ~~اللاتينية في قائمة كبيرة من الأسماء اللاتينية التي بدأت في الحياة الرعوية واستمرت في ~~الحياة الريفية ثم حياة المدينة الأولى، وقد أفرد لهذه الأمثلة فصلا كاملا من الطبعة ~~الأولى للعلم الجديد يعد نموذجا للباحثين في أصل اللغات المختلفة. وأخيرا تشكلت ~~الأفعال التي سبقتها نشأة الأسماء كما يحدث لدى الأطفال، فهم دائما يعبرون عن الأسماء ~~ويتركون الأفعال إلى أن يصبحوا قادرين على الفهم، وكذلك كانت طفولة البشرية؛ لأن معرفة ~~الأفعال تتطلب معرفة زمنية بالماضي والمستقبل وهما مقياس للحاضر الذي لا يقسم، حتى ~~الفلاسفة أنفسهم وجدوا صعوبة في فهم الحاضر؛ لذلك جاء فهم الأفعال وتشكيلها في مرحلة ~~متأخرة، وكانت في صيغة أوامر تتكون من مقطع واحد يصدرها الآباء لأسرهم وأطفالهم مثل قف، ~~اذهب، قل، اعمل ... وهكذا. # 8 # هذه النظرية في نشأة اللغات تؤكد مبادئ الطبيعة البشرية العامة وتتطابق ~~أيضا مع مسلمة فيكو الأساسية التي تنص على وجوب أن تبدأ اللغات بكلمات من مقاطع واحدة. ~~وقد نشأت اللغات من مقاطع واحدة نتيجة لفقر اللغة في بداية البشرية، ثم ms090 انتقلت إلى بناء ~~جمل مركبة مع تطور اللغات بتطور العقل البشري. وجدير بالذكر في هذا الصدد أن الأبحاث ~~الحديثة لعلماء اللغة أثبتت خطأ هذا الرأي، فهناك لغات تتكون من مقاطع واحدة - مثل اللغة ~~الصينية على سبيل المثال - ومع ذلك فهي لغات غنية بالمفردات، هكذا نشأ الأسلوب الشعري - في ~~رأي فيكو - من فقر اللغة والحاجة إلى التعبير فكان الاستطراد، والعكس (أي التغيير في ~~الوضع الشعري للكلمة وقد نشأ من صعوبة استكمال العبارة بالأفعال التي تكونت في المرحلة ~~الأخيرة) والإيقاع، والأغنية والشعر. ثم ظهر الأسلوب النثري بعد ذلك عن طريق الخطباء ~~مثل جورجياس لدى الإغريق وشيشرون لدى الرومان. وبهذا يكون الأسلوب الشعري قد نشأ قبل ~~الأسلوب النثري مثلما نشأت التصورات الخيالية (الأساطير) قبل التصورات العقلية ~~(الفلسفة). # ويؤكد فيكو أن اللغات بدأت بالغناء اعتمادا على خاصية طبيعية لدى البشر، وهي أن ~~الإنسان ينطق الأصوات المتحركة أولا لسهولتها ثم ينطق الأصوات الساكنة. ويشهد على ذلك ~~الإدغام الموجود في غناء الشعوب الأولى؛ فالإنسان الأول عبر عن عواطفه وانفعالاته بصوت ~~مرتفع، وعندما يرتفع صوت الإنسان عاليا يتحول بطبيعة الحال إلى الإدغام والغناء. وغناء ~~الشعوب نشأ عن صعوبة النطق في البداية؛ لأن أعضاء النطق لم تكن قد تطورت تطورا كافيا. ~~ومما يؤكد أن اللغات بدأت بالغناء أن كتاب النثر الإغريق والرومان قبل جوجياس ~~وشيشرون استخدموا إيقاعات تكاد تكون إيقاعات شعرية خالصة وكأن نثرهم قد أعد للغناء. ~~هكذا بدأت الأمم الأممية بالشعر، وليس أدل على ذلك من أن بحور الشعر ازدادت سرعة ~~واقترابا من النثر بقدر ما أصبحت قدرة الأولين على النطق أسرع، أي ازداد الإيقاع ~~الشعري سرعة مع النمو العقلي ونمو أعضاء النطق فانتقلت البحور شيئا فشيئا من البحر ~~«السبوندي» إلى البحر «الدكيتلي» إلى البحر «اليامبي» حتى اقترب هذا البحر الأخير من ~~النثر. وقد نشأت أبيات الشعر الأولى عند الشعوب مع لغة الأبطال وعصرهم. والتاريخ يؤيد ~~هذه الفكرة إذ يقرر أن نبوءات العرافين والعرافات كانت أقدم اللغات جميعا. ومن المعلوم ~~أن الكهنة والعرافين قد وجدوا في كل ms091 الشعوب، ومن المأثور أيضا أنهم كانوا ينطقون بشعر ~~بطولي وأن النبوءات كانت تأتي في شعر بطولي ذي أوزان سداسية . ويشير فيكو إلى الأدب ~~العبري والعربي؛ فالعبرانيون بدءوا بالشعر البطولي بدليل أن سفر أيوب وهو أقدم من ~~أسفار موسى قد كتب في البداية على صورة شعر بطولي. أما العرب فقد حافظوا على تراثهم ~~الشعري عن طريق الرواية الشفهية وذلك قبل أن يعرفوا الكتابة والتدوين. ونقش المصريون ~~القدماء أخبار موتاهم شعرا في أعمدة، كما أن الآشوريين والسريان قد بدءوا كلامهم ~~شعرا، ولا شك أن مؤسسي الحياة الإغريقية كانوا هم الشعراء اللاهوتيين الذين كانوا ~~أبطالا. ونفس الشيء يقال عن آباء اللغة اللاتينية # Salii # وقد كانوا شعراء مقدسين، وفي ~~هذا يقول شيشرون إن الأطفال تعلموا قانون الألواح الاثني عشر بطريق الغناء. # 9 # ويستخلص فيكو من هذا أن جميع الشعوب البربرية قديمة أو حديثة حفظت تاريخها الأول في ~~صورة شعرية، ومعنى هذا أن الشعوب الأولى كانوا شعراء. وهناك خاصية مشتركة في كل اللغات ~~الأولى وهي أنها جميعا - كما ذكرنا - قد بدأت بالأسماء ثم تشكلت الأفعال فيما بعد. وهذا ~~يثبت خطأ اللغويين الذين قالوا إن الحديث النثري سابق على الحديث الشعري. واستمر ~~الخطاب الشعري لفترة طويلة في الدورة التاريخية. وهذا يوضح أمورا هامة تتعلق بالعصور ~~القديمة مثل عادات هذه الشعوب وتقاليدها والحكم والأمثال والقوانين والتنظيمات ~~الاجتماعية. فطبقا لمسلمة فيكو التي تقول بميل العقل البشري إلى كل ما فيه وحدة ونظام ~~نجد لدى عامة البشر نزعة طبيعية لخلق شخصيات شعرية بالتصور الخيالي، مثلما نسب الإغريق ~~لصولون الحكمة الشعبية وعدوه من الحكماء السبعة لأنه حث العامة على المطالبة بالمساواة ~~في الحقوق المدنية مع النبلاء. كذلك فعل الرومان مع روميلوس فنسبوا له كل القوانين ~~المتعلقة بالطبقات الاجتماعية، والمصريون القدماء مع هرميس مثلث الحكمة، كما حدث نفس ~~الشيء مع زرادشت في الشرق وكونفوشيوس في الصين. # ومع نشأة اللغات نشأ التشريع أيضا نشأة دينية مع الأوامر والنواهي الدينية، فكانت ~~التشريعات الأولى في شكل نبوءات إلهية، ثم كان اختراع الرموز والأسماء والحروف ms092 ضرورة ~~تتطلبها تحديد الملكية الشخصية لآباء الأسر التي تفرعت منها العديد من الأسر. ومما يشهد ~~على هذا أن المعنى الأصلي لكلمة # ius ~~(وهي تعني القانون في اللغة اللاتينية) كانت تعني ~~قبل كل شيء لحوم الضحايا التي تقدم لكبير الآلهة، ثم أصبحت تعني سلطة التملك حيث إن ~~كل شيء ملك لجوبيتر. لقد كانت السلطة في أصلها تعني الملكية - كما سبق أن عرضنا ذلك في ~~الميتافيزيقا الشعرية - وقد عبر شيشرون عن هذا في خطبة قال فيها: إنها تعني الملكية ~~المطلقة الحرة من كل دين. # 10 # وكان حق الملكية هو حق الأقوى المتصرف تصرفا كليا في ملكه؛ لأن الحق كان ~~مرادفا للقوة في العصور الأولى من تاريخ العالم. وكان حق الملكية في البداية وقفا على ~~آباء الأسر. # وأخيرا نشأ منطق المتعلمين الذي يبدأ من المحسوس الجزئي ومن الحالات الخاصة لكي يصل ~~إلى التعميمات والكليات مع تطور العقل البشري. ويضرب فيكو لذلك مثلا على طفولة العقل ~~البشري التي تشبه طفولة الإنسان؛ فالطفل قادر على التقليد والمحاكاة لأن خياله وحسه ~~يتميزان بالحيوية ويرتبطان بالمحسوسات؛ لهذا كانت الفنون أسبق من الفلسفة، كما كانت ~~الفلسفات أسبق من العلوم. ويقدم فيكو بعض الأمثلة من تطور العقل البشري اليوناني فيقول ~~إن أيسوب # Aesop # 11 # الذي سبق الحكماء السبعة كان يعلم الناس بالحكمة والمثل لأنه فيما يقول ~~فيكو كان يحيا في العصر الشعري ويفكر من خلال الحالات الجزئية المحسوسة التي تقنع عامة ~~الناس أكثر مما يقنعهم التفكير العقلي. ثم جاء سقراط بعد أيسوب فأدخل الجدل واستخدم ~~الاستقراء في جمع الأحوال الجزئية للتوصل منها إلى المبادئ العامة. وهكذا تفوقت أثينا ~~في عهد سقراط وأفلاطون في جميع الفنون وازدهر فيها الشعر والخطابة والتاريخ كما ازدهرت ~~الموسيقى والرسم والنحت والعمارة. وكل هذا دليل على أنها كانت لا تزال في حالة التفكير ~~الاستقرائي بالأمثلة والحالات الجزئية. ثم جاء أرسطو بمنهجه ومنطقه الصوري الاستنباطي ~~وخصوصا القياس الذي يستدل من الكلي على الجزئي، أي الذي يستنبط الحالة الجزئية من ~~القضية الكلية بدلا من الجمع بين الجزئيات ms093 للحصول على الكليات، ولكن هذا المنهج فيما ~~يزعم فيكو لم يفد الجنس البشري أية فائدة؛ ولهذا كان فرنسيس بيكون على حق عندما دعا في ~~كتابه «الأورجانون الجديد» إلى المنطق الاستقرائي وأكد أهميته. # 12 ~~(1-3) الأخلاق الشعرية # نشأت الأخلاق الشعرية لدى الأمم الأممية من فكرة الخوف من الإله، وهذه الفكرة ليس ~~مصدرها العقل بل الأحاسيس والانفعالات؛ فالعمالقة الذين خافوا رعد السماء بدءوا يغيرون ~~من عاداتهم الوحشية كالجماع في العراء واكتسبوا عادات أخرى، فأخذوا يختبئون في الكهوف ~~ويشعرون بالخجل - الذي وصفه سقراط بأنه مظهر الفضيلة # 13 ~~- ومن ثم نشأ نظام الزواج من امرأة واحدة، وانبثقت الفضائل الأخلاقية من ~~الدين الذي نشأ بدوره من فكرة أساسية لدى الأمم الأممية وهي الخوف من كبير الآلهة. لقد ~~نشأ نظام الزواج - كما ذكرنا من قبل - من فكرة الألوهية. ففي هذه العصور الأولى نجد أن ~~الدين علم الناس الذكاء ليفهموا نبوءات جوبيتر، وعلمهم أن يكونوا عادلين تجاه الإله ~~وتجاه بعضهم البعض، وأن يكونوا متعففين بحيث يكتفي الرجل بامرأة واحدة طوال عمره، ~~وعلمهم أن يكونوا أقوياء كما علمهم كرم النفس. ولم تكن اللذة هي قانون العصور الأولى ~~كما يدعي بعض الكتاب؛ لأن عصر الشعراء اللاهوتيين هذا لم يجد متعة إلا فيما هو ~~نافع ومفيد. # 14 # ولكن فيكو يرى أن فضائل ذلك العصر الأول كانت مزيجا من التدين والقسوة ~~والوحشية. وهذه الأخلاق نفسها التي تمتزج فيها الخرافة بالقسوة هي التي انحدر منها ~~تقليد التضحية بالبشر وتقديمهم قرابين للآلهة. ويؤكد فيكو أن هذا العصر الأول للشعوب ~~الأممية كان أبعد ما يكون عن البراءة؛ فقد كان عصر التعصب للخرافات، ولكنه يؤكد في ~~النهاية أن الألوهية هي التي حدت من حالة التوحش الأولى. وإذا كان فيكو يزعم أن تقليد ~~التضحية بالبشر وتقديمهم قرابين للآلهة كان تقليدا لدى جميع الأمم الأممية، فإن هذا ~~الرأي ليس صحيحا؛ لأن هناك العديد من الحضارات لم تكن لديها هذه العادة ومنها الحضارة ~~المصرية القديمة. # أما عن الأخلاق في العصر البطولي فقد عرضها فيكو في الفصل الثامن من ms094 السياسة الشعرية. ~~وهو في هذا العرض يواصل تأكيده أن هذه الأخلاق البطولية كانت مختلفة تمام الاختلاف عما ~~تخيله الفلاسفة المتأخرون عنها متأثرين بعلمهم وحكمتهم عندما تصوروا مثلا نوعا من ~~العدالة السقراطية لم يكن له وجود، كما تصوروا مجدا نسبوه لكل من أحسنوا للجنس البشري، ~~وتخيلوا أنهم خالدون وكأنما كانت مهمة كل الملوك والأبطال القدماء هي إسعاد الفقراء ~~الذين يمثلون الغالبية العظمى من السكان في كل مدينة أو أمة! ويوضح فيكو على ضوء أمثلة ~~يستقيها من هوميروس ومن الأساطير القديمة؛ أن الأبطال القدماء كانوا أفظاظا قساة ~~القلوب، وأن تربيتهم لأبنائهم بلغت الغاية من الغلظة والبشاعة. ويكفي أن شخصية أخيل ~~- أعظم أبطال الإغريق - كما يخبرنا عنه هوميروس تكشف عن ثلاث خصائص تعارض الأفكار الثلاثة ~~التي تصورها الفلاسفة المتأخرون عن أخلاق الأبطال. ونبدأ بالعدالة فنرى كيف أن هيكتور ~~- البطل الطروادي - اقترح على أخيل أن يقوم المنتصر في الحرب بدفن المهزوم، ولكن أخيل ~~ينسى المصير البشري المحتوم ويشمخ بأنفه على بطل مثله ويجيبه هذه الإجابة الوحشية: «متى ~~تحالف الناس مع الأسود وأين كان الذئاب متفاهمين مع الحملان، إذا قتلتك فسوف أربط جسدك ~~العاري في عربتي وأجره ثلاثة أيام حول أسوار طروادة ثم أقدم جسدك لكلاب صيدي لتأكله.» # 15 # وهذا ما فعله أخيل بالفعل عندما قتل هيكتور حتى افتداه أبوه العجوز ودفنه ~~بنفسه. أما عن المجد الذي وصفهم به الفلاسفة والعلماء المتأخرون فإن أخيل نفسه يعتبر ~~أن الآلهة والبشر قد عاملوه معاملة سيئة، ويطلب من زيوس أن يرد له اعتباره وشرفه، بل ~~إنه يسحب رجاله وسفنه من جيش الإغريق وبذلك يعرض مواطنيه لمذبحة كبيرة، وكل هذا لأن ~~أجاممنون خطف منه حبيبته. هكذا انتقم من مواطنيه بل أحس بالشماتة في المذبحة التي وقعت ~~لجيش الإغريق ولم يعبأ بمجد الوطن. أما عن رغبة القدماء في الخلود فلم تكن كذلك صحيحة؛ ~~فالأوديسة تروي لنا أن أوديسيوس سأل أخيل إن كان سعيدا في العالم السفلي فأجابه ~~قائلا: «إنه يفضل أن يكون عبدا حقيرا في أرض الأحياء على أن يكون ms095 ملكا متوجا في ~~عالم الموتى.» # 16 # ويتهكم فيكو على تلك الأخلاق البطولية التي كانت هي أخلاق البطل الذي ~~تغنى به هوميروس وجعله مثلا أعلى للفضيلة البطولية. وأقصى ما يقال فيها أنها أخلاق ~~الفرسان المتجولين والمغرورين في العصور البربرية الجديدة. # ثم ينتقل فيكو إلى العصر البطولي الروماني فنجد نفس الشيء ينطبق على فضائل الأبطال ~~ابتداء من نهاية الملكية إلى نهاية الحرب القرطاجية الثانية وهو العصر الذي قال عنه ~~المؤرخ ليفيوس (59ق.م. إلى 17م) إنه لم يوجد عصر مثله أنتج مثل ما أنتج من الفضائل. ~~ولا داعي لأن نذكر الأمثلة العديدة فكلها تدل على أن أبطال الرومان كانوا يرتكبون أفظع ~~الجرائم من حرق وصلب وإعدام ... إلخ باسم الحرية والشرف العسكري ومجد روما. ويتساءل ~~فيكو ماذا فعلوا في سبيل إسعاد العامة؟ لقد أثقلوا كاهلهم بالديون وأغرقوهم في الحروب ~~وحكموا عليهم بالحياة في سجون النبلاء وحرموهم كل القوانين التي ترفعهم فوق مرتبة ~~العبيد. وقد تكرر نفس الشيء في إسبرطة بلد أبطال الإغريق التي حكم على ملكها العظيم ~~أجيس # Agis # بالشنق لمجرد إشاعة رويت عنه. ولا شك أن التاريخ الروماني مع تاريخ إسبرطة ~~يقدمان أمثلة أخرى مذهلة عن أخلاق الأبطال «وتواضعهم» وعدالتهم «ورحمتهم». # 17 # أما عن أخلاق الأبطال في تربية أولادهم فلا نرى بنا حاجة لذكر الأمثلة التي ~~تدل على ما وصلت إليه من القسوة والغلظة بحيث كان الآباء يضربون أبناءهم حتى الموت ~~لمجرد ضعف طارئ أو إخلال بسيط في النظام العسكري. كل هذا ارتبط بنظام الحكم الذي كان ~~بطبيعته أرستقراطيا يتألف من الحكام الأقوياء كما كان الوطن حكرا على آباء الأسر وهم ~~الأبطال النبلاء. # ثم ينتقل فيكو بعد ذلك إلى عرض الأخلاق البشرية التي يمر عليها للأسف مرورا سريعا. ~~فبعد قيام النظم المدنية أصبح النظام البطولي بكل عاداته وقوانينه ومؤسساته مستحيلا، ~~وظهرت نظم الحكم الشعبية والملكية التي أكد فيكو أكثر من مرة أنها (خصوصا الملكية) ~~أكثر إنسانية. # 18 # ففي ظل الملكيات يكون الأبطال هم أولئك الذين يضحون بأنفسهم في سبيل مجد ~~الملوك وعظمتهم، كما ms096 يسمى البطل بطلا لأنه يهب حياته في سبيل العدالة وخير البشرية. ~~ومع ذلك يحترس فيكو فلا يبالغ في فضائل الأخلاق الإنسانية وإنما يؤكد أن مثل هذا البطل ~~الإنساني ينشأ من طبيعة الحياة المدنية التي تقوم (كما أكد في مسلمة رقم 80) على مبدأ ~~المنفعة قبل كل شيء وخصوصا في ظل النظام الإقطاعي. وهكذا ينتهي فيكو إلى أن الأخلاق ~~البشرية قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة، وربما يكون قد تأثر في هذا بنظرة هوبز ~~المتشائمة. ~~(1-4) الاقتصاد الشعري # إن المجتمعات البشرية الأولى تأسست بناء على نظام اقتصادي معين، ويبين فيكو بوضوح كيف ~~تكونت الأسر الأولى في العصور المبكرة على أساس اقتصادي؛ فقد أدرك الأبطال بالأحاسيس ~~البشرية حقيقتين هما: التربية الروحية والتربية الجسدية. أما عن التربية الروحية فقد ~~بدأت بطريقة معينة تشكل الروح الإنسانية التي كانت مغمورة في أجسام العمالقة الضخمة، ~~فكان الآباء البطوليون هم حكماء البشر في الحكمة الشعبية، وكانوا بدورهم كهنة لهم حق ~~تقديم القرابين للآلهة لتلقي النبوءات، وهم حاملو القوانين الإلهية لأسرهم فكانوا ملوك ~~المرحلة البطولية. وهنا يقرب فيكو بين عالم الطبيعة وعالم البشر، أي أن حيوانات العالم ~~الأول تصبح بشرا في عالم الأمم؛ فهؤلاء العمالقة كانوا يحتاجون إلى قوة إلهية لتحويلهم ~~من حالة التوحش إلى الحالة البشرية. والحقيقة الأخرى التي قام عليها نظام الأسرة هي كما ~~ذكرنا التربية الجسدية؛ فقد بدأ الآباء تشكيل الجسد البشري من أجسام أبنائهم العمالقة ~~غير المتجانسة. هؤلاء العمالقة الذين ضلوا في الأرض وطاردوا النساء واخترقوا الغابات ~~هربا من الوحوش الضارية، بدءوا يتجمعون من خلال بحثهم عن الطعام والماء وبدءوا يستقرون ~~مع نسائهم في البداية في كهوف ثم في أكواخ قريبة من منابع المياه. ومع استقرار الأبطال ~~في أراض محددة بدأت الزراعة وبدأ الاقتصاد الأسري من الوراثة، أي أن يورث الآباء ~~أبناءهم كل ما يملكون من مساكن وأراض حول منابع المياه ويورثوهم مزارعين لفلاحة الحقول. # 19 # وكان الأقوياء من البشر يؤسسون مدنهم فوق قمم الجبال حيث الجو الصحي ~~والمواقع الطبيعية القوية. ثم أسسوا مدنا قريبة من ms097 منابع المياه الدائمة التي منها ~~نشأت أول جماعات ذات تنظيم مشترك. ومن تجمع العائلات والأسر حول منابع المياه بدأ ~~التزاوج بين هذه الأسر لأن الزواج الأول تم بين رجل وامرأة كانا يشتركان في نفس المياه ~~والنار، ويستشهد فيكو على ذلك ببعض العادات والتقاليد المصاحبة لطقوس الزواج في معظم ~~الشعوب التي كانت تستخدم فيها النار والمياه. وكان الزواج هو النوع الأول من الصداقة في ~~العالم؛ فكلمة الصداقة في اليونانية Philia # مشتقة من أصل كلمة حب Phileo ~~. # 20 # هذه التنظيمات أوجدتها العناية الإلهية من خلال العادات البشرية لا من ~~خلال القوانين لتدفع البشرية المبكرة الدفعة الأولى نحو اكتمال إنسانيتها، فكان ترويض ~~العمالقة على الحياة البشرية بدافع من العقيدة والرغبة الطبيعية في بقاء الجنس ~~البشري. # وتكون المجتمع الأسري الذي كان أول شكل من أشكال المجتمع البشري، ولكن المجتمع ~~بالمعنى التام - الذي يقوم على مبدأ المنفعة - لم يبدأ إلا بظهور طبقة العبيد التي تكونت ~~من العمالقة العصاة الذين استمروا في اختلاطهم البهيمي بالأشياء والنساء واضطرتهم قسوة ~~الظروف الطبيعية إلى التماس النجاة في أماكن مسكونة فلجئوا إلى أراضي مجتمع الأسر؛ ~~طلبا للحماية، وأصبحوا بمثابة عمال أو عبيد لدى الأبطال. عاش هؤلاء العمالقة حياة ~~العبودية وأطلق عليهم اسم الأتباع # Clientes # إذ كان أولاد الأبطال وحدهم الأحرار. بهذا ~~تشكل المجتمع من طبقتين: الأبطال الذين يمثلون طبقة النبلاء، والأتباع وهم العبيد الذين ~~يحرثون الأرض ويزرعونها. وبهذا التنظيم الزراعي ظهر أول مجتمع إقطاعي في العصور الأولى. ~~فطبقة النبلاء قامت على النظام الزراعي، لا عند الشعوب البربرية القديمة فحسب؛ بل كذلك ~~في العصور البربرية الثانية، ثم تأسست المستعمرات البطولية والمدن التي كانت في الأصل ~~أماكن مقدسة لجأ إليها البشر بحثا عن الأمان مثلما أسس كادموس مدينة طيبة أقدم مدينة ~~يونانية، وكما أسس روميلوس مدينة روما ... إلخ. # أما عن المعاملات الاقتصادية فكانت المقايضة هي قانون الاقتصاد عن الأمم الأممية التي ~~كانت تشغلها ضرورات الحياة ولم تكن تعرف التعاقد فلم يلجئوا إلى المال في معاملاتهم ~~الاقتصادية بل إلى نظام المقايضة. وكان القول ms098 بمثابة تعهد أو التزام بنقل الملكية كما ~~أكد ذلك قانون الألواح الاثني عشر. ونستخلص من طبيعة هذه التنظيمات البشرية الحقائق ~~التالية: «أن نظام المقايضة لم يكن مقصورا على البيع والشراء فقط بل امتد إلى مقايضة ~~الأراضي ليتم تبادل المحاصيل المختلفة.» «ولم يكن نظام تأجير المنازل معروفا بل كان ~~ملاك الأراضي يؤجرون أراضيهم للبناء.» «وكان تأجير الأرض قائما على حق الاستزراع وهو ~~ما يسمى باللاتينية # Clientela ~~(أي حق الاستزراع) ومن ثم فإن كلمة # Clientes ~~(أي أصحاب ~~الحق في الاستزراع) جاء من كلمة # Clientes ~~(أي الحارثين الزراعيين).» «لم يعرف نظام ~~المشاركة في هذه العصور وكذلك لم يعرف نظام التوكيل أو التفويض، أي أن القاعدة التي ~~كان يقوم عليها القانون المدني القديم هي «لا يصح للإنسان أن يحصل على شيء بواسطة شخص ~~غير خاضع لسيطرته».» # 21 # وهكذا كانت صورة الاقتصاد في العصور الأولى التي لم تكن لديها قوانين ~~مدنية بل بدأ القانون بداية أسطورية. ونلاحظ في الختام أن فيكو لم يطبق قانونه على ~~المرحلة الثالثة من مراحل التطور وهي المرحلة البشرية؛ فقد تناول النظام الاقتصادي في ~~المرحلة الأولى ثم أفاض في الحديث عن الاقتصاد البطولي الذي يمثل المرحلة الثانية، ~~ولكنه مر مرورا سريعا على المرحلة الثالثة التي افتقرت إلى التطبيق والأمثلة، ولم ~~يعتمد على أمثلة واقعية غير الأمثلة التي استقاها من هوميروس وغيره. والواقع أن أهمية ~~النظام الاقتصادي عند فيكو ترجع إلى أنه يعد أساسا للسلطة السياسية، وهذا ما سنعرضه ~~بالتفصيل في السطور التالية: ~~(1-5) السياسة الشعرية # حشد فيكو مجموعة هائلة من الأمثلة التي استمدها من الأساطير اليونانية والرومانية ~~ليدلل على نشأة النظام السياسي في العصور المبكرة، كما تعرض بالتفصيل لجوانب دقيقة من ~~هذه الأساطير ... وقد حاولنا أن نستخلص العناصر الأساسية التي تتصل بتطبيق قانون تطور ~~الأمم على الحياة السياسية في الشعوب الأولى، كما حاولنا تهذيب هذا الفصل باستبعاد ~~التفاصيل الجانبية التي أفرط فيكو في سردها لاستخلاص المعالم الأساسية للحياة السياسية ~~وكيف قامت على أساس اقتصادي. # رأينا في الاقتصاد الشعري كيف تكونت الأسر ms099 واتحدت وكونت المدن التي تألفت من طبقتين: ~~طبقة النبلاء وهم الأبطال وطبقة العبيد أو الأتباع الذين لم يكن لهم حق إلا في ضرورات ~~الحياة. وكان نظام الحكم في تلك العصور لآباء الأسر بمقتضى السلطة الأبوية حيث كان ~~لهؤلاء الآباء حق السيطرة على حياة أبنائهم، ثم تحرر الأبناء من هذه السلطة الأبوية بعد ~~موت آبائهم. وفي الجانب الآخر واصل العبيد مرحلة العبودية إلى أن مرت حقبة طويلة من ~~الزمن وبدأ العبيد في التمرد على النبلاء للمطالبة بالمساواة معهم في الحقوق. وهذا ~~التطور التاريخي يثبت مسلمة فيكو الأساسية التي تنص على أن الإنسان بطبيعته يتوق إلى ~~الحرية، فكانت ثورة العبيد ضد الأبطال. من هنا نشأت الحكومات، فتحت ضغط الضرورة وجد ~~النبلاء أنفسهم في صفوف مسلحة وتحالفات مشتركة ضد المتمردين من العبيد فتكونت بذلك ~~النظم الأرستقراطية. ويستدل فيكو على تطور نظم الحكم من الأساطير اليونانية والرومانية ~~القديمة. فقد كان الحكم في المرحلة الأسرية حكما ملكيا مثلما كان جوبيتر ملك الآلهة ~~والبشر، ثم كان ميلاد مينرفا # Minerva ~~(أثينا عند الإغريق) من رأس أبيها إيذانا بتغيير ~~نظام الحكم الملكي في دولة الأسرة إلى نظام الحكم الأرستقراطي في دولة المدينة. وقد كان ~~هذا النظام هو المفضل لدى الإغريق والرومان؛ لذلك أطلق الشعراء اللاهوتيون على كل من ~~أثينا ومينرفا اسم إلهة الحكمة. # 22 # وكانت مينرفا تعني النظم الأرستقراطية المسلحة. وقد أكد هوميروس ذلك في ~~أشعاره عندما صور لنا كيف قذفت مينرفا مارس (إله الحرب عند الرومان) بحجر أثناء صراعهما ~~(وقد كان مارس شخصية ترمز للعامة التي تخدم الأبطال في الحروب) لقد كان صراع مينرفا ~~ومارس تعبيرا عن صراع النبلاء والعامة. كذلك يشير أرسطو في نص ذكره فيكو أكثر من مرة ~~إلى أن النبلاء أقسموا على العداء الأبدي للعامة. # لعل أهم ما قدمه فيكو في السياسة الشعرية هو تحليله الدقيق والعميق للصراع الطبقي ~~الذي يشكل هيكل المجتمعات البشرية عندما شعر النبلاء بالحاجة إلى الآخرين لخدمتهم، ~~واضطروا لاسترضاء العبيد العصاة فأرسلوا لهم السفراء مع أول قانون زراعي في العالم. ms100 ~~وبمقتضى هذا القانون منحوا هؤلاء التابعين إقطاعات من الأرض، ولكن بشرط أن ترد هذه ~~الأرض مرة أخرى إلى النبلاء إذ لم يكن لهؤلاء العبيد حق المواطنة، ثم كان القانون ~~الزراعي الثاني الذي منحه النبلاء للعامة من خلال قانون الألواح الاثني عشر، فحصل ~~العبيد على ملكية مؤقتة للأراضي لأنهم ظلوا محرومين من الملكية المدنية، ولم يكن لهم حق ~~توريث أراضيهم ولا الحق في عمل وصية، فكان من الضروري أن تعود الأرض مرة أخرى للنبلاء. ~~ثم بدأ العامة بعد ذلك يطالبون بحق المواطنة التي حصلوا عليها وإن ظلوا كذلك محرومين من ~~الدخول في علاقات زوجية مع طبقة النبلاء. هكذا نشأت المجتمعات الأولى نشأة أرستقراطية ~~إقطاعية لأن كل المجتمعات البشرية لا بد أن تقوم على مبادئ إقطاعية دائمة، وهذه المبادئ ~~قامت على أساس ثلاثة أنواع من الملكية تتطابق مع ثلاث فئات من البشر؛ النوع الأول يسمى # Bonitary ownership # وهو نوع من الملكية يقوم على أساس الهبة أي أراض ممنوحة للعامة، ~~ولا تتجاوز ملكيتهم ملكية المحاصيل؛ أما النوع الثاني فيسمى # Quiritary ownership # وهي ~~ملكية النبلاء الأبطال لإقطاعات مسلحة لأن الممالك البطولية كانت كهنوتية، كما أن ~~الأبطال مثلهم مثل الكهنة كان لهم حق استقطاع أراض معفاة تماما من الديون أو الضرائب ~~العامة والخاصة، فعندما وحد الأبطال أنفسهم في صفوف مسلحة وتكونت نظم الحكم البطولية ~~أصبحت الأراضي خاضعة لسيادتهم على أساس أنهم وحدهم هم الأحرار، فالحرية كانت مقصورة على ~~ملاك الأراضي فقط؛ وأخيرا نصل إلى النوع الثالث الذي يسمى # Civil ownership # أي الملكية ~~المدنية، وهي ملكية كاملة. فعندما تكونت المدن البطولية بسط الأبطال سلطانهم على ~~الأراضي التي زعموا أنها وصلت إليهم عن طريق الآلهة، وأضافت السلطة الحاكمة إلى ألقابها ~~عبارات تدل على أنهم تملكوا أراضيهم بفضل الآلهة وعنايتهم. من هنا يرى فيكو أنه لو سقط ~~الإيمان بالآلهة أو العناية الإلهية لسقطت كل نظم الأبطال؛ إذ إن كل أشكال التدين من ~~الوثنية إلى اليهودية، فالمسيحية وأخيرا الإسلام تؤمن بالعناية الإلهية # 23 # هكذا استمد الأبطال قوتهم من ملكية ms101 الأراضي التي تحيط بالمدن، وقام ~~النظام الإقطاعي على حماية القوي للضعيف؛ لذا يقسم النبلاء بالآلهة ويقسم العامة ~~بالأبطال. وفي ظل هذا النظام الإقطاعي كان من حق الملوك الأبطال (وهم السلطة الإلهية ~~الحاكمة التي أسست المدن) أن يتصرفوا في الرعايا سواء في أشخاصهم أو ممتلكاتهم، وكان من ~~حقهم أيضا أن يفرضوا عليهم ما شاءوا من الضرائب . # ويقدم فيكو من الحضارة الرومانية والحضارة المصرية القديمة بعض الأمثلة التي تدل على ~~وجود هذه المبادئ الإقطاعية في كل المجتمعات القديمة؛ فقد عرف الرومان أن التجمعات ~~البشرية أو الحكومات نشأت من هذه المبادئ الخالدة التي حددت الملكية، وإذا لم يكونوا قد ~~أدركوا ذلك بالعقل فقد أدركوه بالحدس؛ إذ كانوا يضعون أيديهم على الأراضي بمقتضى هذه ~~الصيغة: «أعلن أن هذه الأراضي ملكي بحق أنني مواطن صاحب حقوق كاملة.» (أي # Quirites # أو حق ~~المواطنة) بهذه الصيغة كانوا يقيمون الدعوى المدنية للدفاع عن حق ملكية الأرض كاملة بما ~~عليها من مزارع وبشر ... إلخ؛ لذا خلقوا شخصية الإله ميركوري # Mercury ~~(هيرمس عند ~~الإغريق) وهو حامل القوانين ورسول الآلهة وتصوروه رسولا مجنحا. وكانت أجنحته تدل على ~~النظم البطولية وعصاه تدل على السيطرة على الأراضي والحقول، وهو الذي ينظم الرعية تحت ~~سيطرة الأبطال. أما عند المصريين القدماء فقد كان الإله «توت» ومعه الثعابين رمز الأرض ~~المزروعة وفي يده صولجان يرمز إلى أن الحكم للكهنة، وعلى رأسه قلنسوة ترمز لسيطرة ~~الكهنة على الأرض. # هكذا كانت طبيعة التنظيمات الاجتماعية البشرية الأولى التي تأسست فيها المدن على ~~الحكم الأرستقراطي الإقطاعي حيث الصراع الدائم بين النبلاء والعامة، فلم يكن للعامة حق ~~المواطنة باعتبارهم أجانب أو أغرابا، وليس من حق الغريب أن يمنح لقب المواطنة. وبهذا ~~تعرضوا لنوع من الحرمان ولم يكن لهم الحق في المشاركة في التنظيمات الدينية ولا حق ~~الاحتفال بطقوس الزواج، وعاشوا أشبه بالضيوف والأغراب في المدن البطولية، فلا عجب أن ~~كان العامة حريصين على تغيير شكل الحكومات لتغيير الوضع الطبقي. أما النبلاء في الجانب ~~الآخر فكانوا يتصورون أنهم مقربون من الآلهة ولهم ms102 حق الاحتفال بطقوس الزواج ودفن الموتى ~~واحتكار القوانين والأراضي والنظم العسكرية؛ ولهذا كانوا حريصين على المحافظة على هذا الوضع. # 24 # وقد صورت الشعوب هذا الصراع في أساطيرها التي حفظها التاريخ؛ فكلمة # nomos # اليونانية تعني قانونا زراعيا لأن القانون الأول كان قانونا زراعيا، وكان الأبطال - كما ~~أكد هوميروس - هم «رعاة الشعوب» كما خلقت الشعوب شخصيات بطولية تؤكد مبادئ هذه السياسة ~~الشعرية مثل # Mercury # الذي كان رمز اتحاد الآباء البطوليين، وشخصية مينرفا التي كانت ~~ترمز للحكم الأرستقراطي الإقطاعي في دولة المدينة وأن السيادة العليا لآباء الأسر، ~~وشخصية هرقل وصراعه مع أنتيوس # Antaeus # الذي يرمز لانتصار الأبطال على العامة المتمردين. # 25 # كذلك خلقت شخصية نبتون (إله البحر عند الرومان) من صفة أساسية ملازمة للعصر ~~البطولي وهي القرصنة البحرية (كما أكدها هوميروس في الأوديسة أثناء عودة أوديسيوس إلى ~~إيثاكا) وهي عادة تخلصت منها المدن التي تدرجت في سلم الحضارة. هكذا رسمت الأساطير ~~صورة الحياة السياسية في المدن البطولية وانتهت حكمة الشعراء اللاهوتيين - وهم حكماء ~~المرحلة البطولية الإغريقية - (مثل أورفيوس # Orpheus # وأمفيون # Amphion # ولينوس # Linus # وغيرهم) إلى التغني بقوة الآلهة ونبوءاتها لكي يظل العامة خاضعين للنظم البطولية ~~وليضمنوا ولاءهم للنبلاء، ولكن العامة لم تكف عن التمرد لأنهم هم وحدهم القادرون على ~~تغيير شكل الحكومات من أرستقراطية إقطاعية إلى ديمقراطية شعبية، وبذلك يكون التطور قد ~~بلغ آخر مرحلة من مراحل الثورة الاجتماعية ودخل في عصر البشرية والحرية الشعبية التي ~~تطورت في ظلها نظم الحكم وأنشئ نظام الضرائب التي تدفع للخزانة العامة لمواجهة تكاليف ~~الحروب. وأصبح من حق العامة أيضا إصدار التشريعات والقوانين التي كانت وقفا على ~~النبلاء فقط، وانقسمت تنظيمات المجتمع إلى مجالس مختلفة يرعى كل منها الطبقة التي ~~يمثلها وهي مجالس الشيوخ والملوك العامة. # هكذا نجد أن النظام الاقتصادي هو أساس النظام السياسي عند فيكو، ونلمح عنده رؤية ~~نفاذة عن أهمية النظام الاقتصادي في نشأة السلطة السياسية. وهذا ما قامت عليه الماركسية ~~في جعلها النظام الاقتصادي هو البنية التحتية التي تقوم عليها البنية الفوقية من ms103 فلسفة ~~وفن ودين وسياسة وقانون ... إلخ، فهل يمكن القول بأن فيكو (الذي عاش بين منتصف القرن ~~السابع عشر والثامن عشر) سابق على الماركسية؟ هذا ما سوف نتناوله في الباب ~~الأخير. ~~(1-6) الفيزيقا الشعرية # هي الفرع الآخر من الحكمة؛ فقد كانت الميتافيزيقا هي الفرع الأول الذي نشأت عنه علوم ~~المنطق والأخلاق والاقتصاد والسياسة. وتشمل الفيزيقا علمي الكونيات والفلك. وينشأ عن ~~هذا الأخير علما التأريخ والجغرافيا. نشأت الفيزيقا من حالة الاختلاط والعماء # Chaos # على ~~النحو الذي نشأ عليه عالم الأمم بأسره؛ فقد اعتبر العلماء أن هذا الاختلاط هو أصل ~~الأشياء الطبيعية التي لم تتشكل بعد. ولما أرعدت السماء بعد الطوفان وتولدت الألوهية ~~تحولت الانفعالات الحيوانية للإنسان الأول إلى أفكار بشرية علمته التحكم في انفعالاته ~~وحركات جسده. # من هنا نشأت الفيزيقا نشأة دينية. وجاء الشعراء اللاهوتيون ليقولوا بالعناصر الأربعة ~~المقدسة وهي الهواء الذي انطلقت فيه سهام جوبيتر # Jove # والماء الذي كان ينابيع دائمة ~~التفت حولها التنظيمات البطولية وكانت تمثله الإلهة ديانا # Diana # ثم النار ويمثلها إله ~~النار # Vulcan # الذي أنار بها الغابات، وأخيرا الأرض المزروعة وآلهتها سبيل # Cybele ~~. وكان ~~لهذه العناصر طقوس إلهية وأضفى الشعراء اللاهوتيون عليها الحياة والإحساس # 26 # وجاء علماء الطبيعة في العصور البشرية فدرسوا هذه العناصر الأربعة المكونة ~~للعالم المادي. # ولكن لعل أهم ما في الطبيعة هو تأمل الطبيعة البشرية. وقد رأينا فيما سبق كيف أن ~~مؤسسي الأمم الأممية استطاعوا تحويل العقول الوحشية إلى عقول بشرية. ثم درست وظائف ~~الأعضاء البشرية، وكيف أن وظائف الروح تنحصر في الرأس والصدر والقلب ووظيفة كل منها؛ ~~فالرأس وظيفته المعرفة والإدراك، وتتضمن الخيال والذاكرة ... إلخ، وعلى الرغم من أن فيكو ~~حشد حديثه عن الفيزيقا الشعرية بتفاصيل كثيرة عن وظائف الأعضاء البشرية، فإننا نستشف ~~منه بصورة غير مباشرة أن دراسة الجسد البشري بأجزائه المختلفة قد مر أيضا بمراحل ~~متعاقبة ابتداء من عصر الآلهة إلى العصر البطولي حتى العصر البشري. ~~(1-7) الكونيات الشعرية # كانت الفيزيقا كما رأينا إلهية في نشأتها الأولى وكذلك الحال في وصف الكون، ms104 وهنا يؤكد ~~فيكو كما أكد في الفيزيقا الشعرية أن نظرة البشر إلى الكون أو الطبيعة كانت نظرة إلهية ~~بحيث تصدق العبارة المشهورة التي رددها بعض الفلاسفة السابقين على سقراط وهي أن «كل ~~شيء مملوء بالآلهة» (وقد نسب إلى طاليس أنه قالها عن الماء ...) وجاء وصف الشعراء ~~اللاهوتيين للكون على اعتبار أن له طبيعة إلهية شأنه شأن كل شيء تخيلوه، فكانت السماء ~~هي الموضوع الأول لتأملهم لأن الأشياء السماوية تعني الأشياء السامية أو الموضوعات ~~الدينية المقدسة. # تخيل الشعراء أن السماء غير بعيدة عن قمم الجبال. ويؤكد هوميروس هذا في ملحمتيه حيث ~~إن أبطالهما كانوا يتخيلون أن الآلهة تسكن قمة جبل الألب. ومن هذه السماء حكم الآلهة ~~الأرض، ومن السماء جاءت العدالة على الأرض عن طريق الأبطال الذين أقاموا العدل بين ~~البشر بالقانون الزراعي الأول، ومن السماء هبطت الأجنحة # 27 # التي تعني التنظيمات البطولية، ومن السماء أيضا سرق بروميثوس النار من ~~الشمس. ثم تخيل الشعراء اللاهوتيون آلهة العالم السفلي وكان أولهم الماء ويدعى ~~أسطقس # Styx # 28 # الذي يقسم به الآلهة. كما كان وصفهم للكون سواء ما كان منه علويا أو ~~سفليا فهو مملوء بالآلهة. بذلك انقسم هذا العالم الشعري أو الكونيات الشعرية إلى ثلاث ~~ممالك؛ الأولى مملكة جوبيتر في السماء؛ والثانية مملكة زحل # Saturn # على الأرض؛ والثالثة ~~مملكة العالم السفلي التي يحكمها Pluto # وهو إله الثروات البطولية (وهي من ذهب أو من ~~الحبوب لأن ثروات الشعوب القديمة كانت تقوم على المحاصيل). وهكذا تكون عالم الشعراء ~~اللاهوتيين - كما سبق أن ذكرنا - من أربعة عناصر اعتبرها علماء الطبيعة فيما بعد عناصر ~~طبيعية وهي الهواء (عنصر # Jove ~~) والنار (عنصر # Vulcan ~~) والأرض (عنصر # Cybele ~~) والماء ~~(عنصر # Diana ~~). والغريب أنه لم يسم عنصر الماء باسم نبتون # Neptune # 29 # ولعل السبب في هذا أن الشعراء لم يعرفوه إلا فيما بعد، وأن الأمم الأممية ~~لم تبلغ شواطئ البحار إلا في وقت متأخر. لقد كان كل بحر يمتد وراء الأفق يسمونه محيطا، ~~وكل أرض يحيط بها تسمى جزيرة. وهذا هو ms105 الأصل فيما قال به الجغرافيون في مرحلة متأخرة من ~~أن الأرض بأكملها تشبه جزيرة كبيرة يحيط بها البحر أو المحيط. # وأخيرا توصل الشعراء إلى كلمة العالم # 30 # التي أطلقوها على كل منحنى أو منحدر، ثم فهموا من ذلك أن الأرض والسماء ~~كرويتان وأن هناك خطا يصل من كل نقطة في محيط هذه الدائرة إلى كل نقطة أخرى. إن المحيط ~~هو الذي يبلل اليابسة على كل الشواطئ لأن مجموع الأشياء (وهو ما نسميه العالم) يحفل ~~بأشياء حسية رائعة متنوعة. # ومن عقوبات الآلهة في العالم السفلي استفاد الفلاسفة - كما يرى فيكو - من هذه الخرافات ~~في تأملاتهم الميتافيزيقية والأخلاقية؛ فقد لجأ أفلاطون إلى هذه الخرافات ليفهم ~~العقوبات الثلاث - التي يستطيع الآلهة وحدهم إنزالها بالبشر - وهي النسيان والعار وتأنيب ~~الضمير، وليؤكد أن طريق التطهر هو السبيل الوحيد للوصول إلى طريق الوحدة، أي اتحاد ~~الإنسان بالله عن طريق التأمل في المثل الأبدية. ~~(1-8) الفلك الشعري # عندما بدأت العقول البشرية تتطور واستمر البشر في تأمل السماء وانتظار النبوءات ~~تصوروا أن السموات ازدادت ارتفاعا كما ازداد معها الأبطال والآلهة سموا. ويؤكد فيكو ~~آراءه في الفلك الشعري ببعض الملاحظات اللغوية التي يلجأ إليها على عادته في معظم ~~شروحه. وأول هذه الملاحظات هو أن الكلدانيين هم الذين أرسوا الأسس الأولى لعلم الفلك. ~~والثانية أن الفينيقيين نقلوا من الكلدانيين إلى المصريين استخدام الربعية. # 31 # وأخيرا أن الفينيقيين - بعد أن تعلموا من الكلدانيين - قد نقلوا أسرار ~~النجوم إلى الإغريق. وقد كان تصور هذه الشعوب لعلم الفلك الشعري تصورا دينيا قائما ~~على حقيقتين أساسيتين؛ أولاهما حقيقة اجتماعية كانت سائدة لدى كل الشعوب الأولى وهي ~~الحذر الشديد من قبول آلهة غريبة؛ والحقيقة الأخرى طبيعية تسبب فيها الخداع البصري؛ إذ ~~تبدو لنا الكواكب السيارة أكبر من النجوم الثابتة؛ ولهذا نسبت الأمم الأولى الآلهة إلى ~~الكواكب السيارة بينما نسبت الأبطال إلى مجموعة النجوم الثابتة. وقد بدأت مبادئ الفلك ~~عند كل الشعوب الأممية بداية واحدة انطلاقا من هاتين الحقيقتين. وإذا كان علم الفلك قد ~~بدأ عند ms106 الكلدانيين ونقله الفينيقيون إلى المصريين ثم إلى الإغريق، فإن هذه الشعوب كانت ~~تسلم من قبل بهاتين الحقيقتين؛ ولذلك لم يكن من الصعب عليهم أن يتقبلوا ما نقل إليهم من ~~حقائق علم الفلك. وكأن هذه الشعوب قد كتبت في السماء تاريخ آلهتها وأبطالها، وكأنها ~~أرادت تسجيل أعمالهم مفعمة بالحكمة والأسرار من ناحية، وبالشجاعة والبطولة من ناحية ~~أخرى. ومجمل القول أن التأثيرات التي نسبت للكواكب والنجوم على الحياة الأرضية كان ~~الأصل فيها هو خصائص الآلهة والأبطال والأعمال التي أنجزوها على الأرض. # إن النظرة الشعرية إلى السماء لم تكن تفسر حركات الكواكب والنجوم وتأثيراتها من خلال ~~العلل والأسباب الطبيعية بل من خلال صفات الآلهة والأبطال وأعمالهم، ولا بد أن الناس قد ~~تعلموا فيما بعد كيف ينظرون بالتدريج إلى السماء نظرة علمية محايدة، وكيف يفسرون بالعلل ~~الطبيعية ما كان أجدادهم يفسرونه بأسباب إلهية، ولعل هذا هو مضمون الجزء الذي لم يكتبه ~~فيكو عن الفلك في المرحلة البشرية، ولو أن فيكو طبق قانونه في هذا الجزء وكتب عن الفلك ~~في المرحلة البشرية لكان من المرجح أن يشيد بالتفسير الطبيعي والعلمي الذي جاء في ~~المرحلة البشرية. # وإن كنا نميل إلى الظن بأنه لو كان قد كتب هذا الجزء لما أغفل ما تحدث عنه من تداخل ~~المراحل بعضها مع بعض؛ إذ إن المعروف أن علم الفلك في عصر النهضة وحتى إسحاق نيوتن لم ~~يخل من وجود رواسب من التفسيرات الفلسفية والصوفية القديمة. ~~(1-9) التأريخ الشعري # انعكست نظرة الشعراء اللاهوتيين للفلك على التأريخ الشعري لتحديد البدايات الزمنية. ~~ويؤكد فيكو أن اسم إله الزراعة ساتورن # Saturnus ~~(وهو خرونوس # Chronos # أو الزمان عند ~~الإغريق) مشتق من # Satus # أي الحرث أو الغرس، وهذا يدل على أن الشعوب القديمة كانت شعوبا ~~زراعية تحسب السنوات بمواسم حصاد الحبوب؛ فعبارة «لقد حصدنا ثلاث مرات.» تعني لقد مرت ~~ثلاث سنوات. # 32 # وقد نسب إلى هرقل أنه مؤسس المهرجانات الأولمبية التي تعتبر عند الإغريق ~~وحدة قياس المراحل الزمنية، وهرقل أيضا هو الذي أشعل النار - كما تحكي ms107 الأساطير - في ~~الغابات لكي يمهد الأرض للحرث والحصاد اللذين كانت تحسب بهما الأعوام. # ويؤكد فيكو أيضا أن الثيوجونيا أو أنساب الآلهة تساعدنا على تحديد المراحل المتتالية ~~في عصر الآلهة، وهي مراحل تطابق بعض الضرورات أو المنافع الأساسية للجنس البشري وكانت ~~أصولها جميعا أصولا دينية. فعصر الآلهة لا بد أن يكون في رأي فيكو قد استمر على الأقل ~~900 سنة ابتداء من ظهور الآلهة المتنوعين عند الأمم الأممية، أي ابتداء من الوقت الذي ~~بدأت فيه السموات ترعد بعد الطوفان. وقد ظهر في هذه الفترة اثنا عشر إلها بداية من ~~جوبيتر # Jove # وقسموا هذا العصر إلى اثني عشر عصرا أصغر وأكدوا بذلك مراحل التأريخ ~~الشعري. كذلك حددوا بداية التاريخ العالمي الذي بدأ في الشرق وإن لم يبدأ بمملكة نينوى. ~~ولما كانت الملكية هي آخر أشكال الحكم المدني فلا بد أن تكون ممالك الشرق مثل آشور ومصر ~~قد مرت بالمراحل المتتالية من النظم الإلهية والبطولية حتى وصلت إلى النظم الشعبية ~~الحرة لكي تبلغ في النهاية النظام الملكي. # 33 # ويرى فيكو أن الأمر لم يخل من وقوع المؤرخين الإغريق في أخطاء كثيرة عند تحديد ~~العصور، فوضعوا عصورا قبل أوانها أو بعده، وتصوروا عصورا مملوءة بالأحداث والوقائع ~~وأخرى خالية منها مع أن الحقيقة كانت على العكس من ذلك؛ فقد حشدوا عصر الأبطال - الذي ~~استمر في رأي فيكو مائتي سنة - حشدوه بأحداث ووقائع تنتمي لعصر الآلهة. ثم إنهم وحدوا ~~بين عصور كان ينبغي أن يفصل بينها وذلك خشية أن يبدو الأمر كما لو كان الإغريق قد ~~انتقلوا خلال حياة أورفيوس من مرحلة الوحوش المفترسة إلى مرحلة الحرب الطروادية. ~~وأخيرا ينتقد فيكو مؤرخي الإغريق فيقول إنهم قسموا عصورا كان ينبغي أن توحد، فوضعوا ~~المستعمرات الإغريقية في إيطاليا وصقلية بعد مرحلة الأبطال بثلاثمائة سنة مع أن هذه ~~المستعمرات لم تنشأ إلا نتيجة لرحلات أولئك الأبطال أنفسهم. ~~(1-10) الجغرافيا البشرية # طبقا للمسلمة الأساسية التي تنص على أن العقل البشري يحكم على الأمور المجهولة ~~والبعيدة على أساس الأمور المألوفة له ms108 والقريبة منه، بدأت الجغرافيا الشعرية من الأفكار ~~المحدودة داخل حدود الإغريق. ولقد أثبت الجغرافيون القدامى حقيقة هامة هي أن الأمم ~~القديمة كانت عندما تهاجر تطلق أسماء بلادها الأصلية على الأراضي الجديدة مثل أسماء ~~الأنهار والجبال والجزر ... إلخ؛ لذلك نجد أن الإغريق أطلقوا اسم آسيا أو الهند على ~~الشرق، وعلى الغرب اسم أوروبا أو هيسبريا، وعلى الشمال ثراقيا أو سكيثيا، وعلى الجنوب ~~ليبيا أو موريتانيا. والأسماء التي أطلقت على هذا العالم الصغير أطلقت فيما بعد على ~~مناطق العالم لما لاحظه اليونان من تشابه بينها. وعندما انتشر الإغريق في العالم، من ~~خلال رحلاتهم المختلفة، نشروا معهم حكايات حرب طروادة وأسماء الإغريق والطرواديين، وما ~~يسري على الجغرافيا الشعرية الإغريقية يسري أيضا على الجغرافيا الشعرية عند الرومان؛ ~~فالفتوحات الرومانية هي التي مدت اسم إيطاليا على إيطاليا المعروفة اليوم بأبعادها ~~الحالية. # وتأكيدا لمبادئ هذه الجغرافيا الشعرية يدلل فيكو عليها بأن كثيرا من الأفكار ~~والشخصيات الإغريقية انتقل إلى منطقة اللاتيوم، وذلك طبقا لمسلمته الأساسية أن هناك ~~مستعمرة إغريقية على سواحل اللاتيوم، ويثبت تاسيتوس ذلك بأن الحروف اللاتينية هي نفسها ~~الحروف الإغريقية المبكرة قبل تطورها. وهكذا انتقلت أسماء أبطال الإغريق مثل هرقل ~~وإيفاندر وأينياس ... إلخ إلى اللاتين الذين تبنوها واستبدلوا بها أسماء أبطالهم ~~الأصليين، وهنا يذكر فيكو ملحوظة هامة عن عادات الشعوب، وهي أن الشعوب في عصور بربريتها ~~تعتز بعاداتها وأبطالها، ولكنها في حالة تمدنها تنسب نفسها إلى أصول أجنبية مثلما ~~استبدل الرومان هرقل البطل الإغريقي باسم مؤسسهم الأصلي فيديوس # Fidius ~~. # تعقيب # حاول فيكو في الحكمة الشعرية إثبات النشأة الشعرية للشعوب الأولى، فأكد أن التاريخ بدأ ~~بداية شعرية - كما بينا في مطلع هذا الفصل - فكان الشعراء أول من تغنى بأحداث التاريخ، ~~ولأن الحكمة الشعرية هي الأصل في كل العلوم والفنون فقد اهتم فيكو بنشأة هذه العلوم، ~~ولكن تطبيقه لقانون التطور لم يكن دقيقا في كل المواضع، كما في الفصول التي كتبها عن ~~الفيزيقا والكونيات والفلك والتأريخ والجغرافيا؛ إذ حشدها بتفاصيل كثيرة من الأساطير ~~اليونانية والرومانية التي أضاعت ms109 المعالم الرئيسية لفكرته، وانصب اهتمام فيكو في هذه ~~الفصول على كيفية نشأة هذه العلوم نشأة دينية وهو ما يطابق المرحلة الأولى من مراحل ~~تطور التاريخ، ولم يهتم بتطبيق القانون على المرحلتين البطولية والبشرية بحيث يمكن ~~القول بأن العلم الجديد علم لم يكتمل بعد، وأن فيكو أسسه ووضع مبادئه وأرسى منهجه وترك ~~للأجيال القادمة مهمة تطبيقه كل على حضارته. # وفي الجانب الآخر اهتم فيكو بتطبيق قانون التطور في الفصول الخاصة بالميتافيزيقا ~~والمنطق والأخلاق والاقتصاد والسياسة، وقدم فصلا جيدا عن المنطق الشعري، ووضع نظرية ~~هامة وطريفة في تطور اللغات والحروف أكدها بالتحليلات اللغوية للشعوب الأولى، وكما قدم ~~تحليلا لبنية الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع البشري، فقد قدم أيضا ~~تحليلا للصراع الطبقي الذي نشأت عنه المجتمعات البشرية الأولى، وفي هذا سبق للماركسية ~~كما سنرى في الباب الأخير من هذا البحث. # وقد انتهى فيكو إلى أن الحكمة الشعرية كانت أساسا لكل العلوم والفنون، وأنها تطورت ~~جنبا إلى جنب مع تطور المجتمعات وتطور العقل البشري، فبدأت بداية دينية ثم بطولية ~~وانتهت إلى حكمة بشرية ألا وهي حكمة الفلاسفة؛ فالحكمة الشعبية قد بدأت - مع الشعراء ~~اللاهوتيين الأول - بالأساطير والحكايات الخرافية. ومعنى هذا أنها لم تكن حكمة فلسفية ~~كما انتهى إلى ذلك بعض الباحثين الذين مجدوها وارتفعوا بها فقالوا بالحكمة الفذة ~~للقدماء؛ إذ إن الأمم الأولى (كما أكد فيكو وكما بينا في هذا الفصل) صورت في قصصها ~~الخيالية وأساطيرها بدايات العلوم في صورة خشنة وبلغة الحواس المباشرة إلى أن جاء ~~العلماء بدراساتهم المتخصصة وتناولوا تلك الأساطير والحكايات تناولا عقليا، ومن هذا ~~كله ننتهي إلى أن الشعراء اللاهوتيين كانوا يمثلون حواس الحكمة البشرية كما كان ~~الفلاسفة يمثلون عقلها. # 34 # هكذا كانت حكمة هوميروس التي اهتم بها فيكو اهتماما خاصا وأفرد لها كتابا ~~من كتب «العلم الجديد» حاول فيه اكتشاف حقيقة شخصية هوميروس التي اختلفت ~~حولها آراء الباحثين، وسواء كانت هذه الشخصية حقيقة تاريخية أو أسطورية ~~فإنها عبرت عن الشخصية اليونانية أو هي مثال للعقلية اليونانية؛ ولذلك وصفه ~~أفلاطون ms110 وأرسطو بأنه مؤسس المدنية الإغريقية محاولين إثبات أن حكمة هوميروس ~~هي من قبيل الحكمة الفلسفية المستورة. وحاول فيكو أن يثبت خطأ هذا الرأي ~~ويبرهن على رأيه بشواهد من ملحمتي هوميروس (الإلياذة والأوديسة) ليثبت أنه ~~ليس فيلسوفا وأن حكمته ليست من نوع الحكمة الفلسفية، ولكنها حكمة شعرية؛ لأنها ~~في الأصل حكمة شعبية مستمدة من البيئة اليونانية، وما كان هوميروس إلا مترجما ~~لعادات وصفات هذه البيئة، كما أن شعره شعر بطولي لأنه عاش في عصر بطولي له ~~صفات معينة؛ لذلك جاءت الإلياذة تحمل كل صفات المجتمع البطولي ممثلا في شخصية ~~أخيل، وليست حكمة هوميروس بالحكمة الفلسفية كما يزعم أفلاطون وأرسطو ؛ لأنه كان ~~رجلا بسيطا من عامة الشعب وأشعاره لم يظهر فيها أي أثر للعقل، ويتضح هذا في ~~الإلياذة حيث تتصرف شخصيات هوميروس مدفوعة بعواطفها ولا تفكر تفكيرا ~~عقلانيا، وهو بذلك يعبر عن صفات المجتمع اليوناني وأفراده في ذلك ~~الحين. # وكما يقول لونجينوس # Longinus # 35 ~~- أحد الباحثين في شخصية هوميروس - إن هومر ألف الإلياذة في شبابه عندما كان ~~الإغريق مدفوعين بعواطفهم القوية ورغباتهم؛ لذا جاءت الإلياذة معبرة عن هذه الصفات في ~~شخصية أخيل الذي كان متقلب المزاج، مثلما حدث له عندما استقبل بريام الذي جاء ليفتدي ~~جثة ابنه هيكتور فاستقبله أخيل في خيمته على العشاء، ولكن حين تفوه الأب الحزين بجملة ~~صغيرة لم تعجب أخيل سرعان ما انقلب مزاجه ونسي تماما القوانين المقدسة لحسن الضيافة ~~ولم يشفق على رجل مسن حزين على ابنه فاندفع يهدده بقطع رأسه. ولم يغفر أخيل الأذى ~~الذي لحقه من أجاممنون فراح يطلب الدمار لكل الإغريق على يد هيكتور، ورفض الاشتراك في ~~حرب طروادة ولم يثنه عن قراره سوى مقتل صديقه، هنا فقط استجاب لعواطفه الجياشة فقرر ~~دخول الحرب للانتقام. أما الأوديسة فقد ألفها هوميروس - كما يقول لونجينوس - في شيخوخته ~~عندما تطورت العقلية اليونانية، فجاءت شخصية أوديسيوس معبرة عن هذه الصفات الجديدة؛ إذ ~~كان أخيل هو بطل الشجاعة والعنف والاندفاع وهي صفات البطولة وصفات الشباب أيضا، وكان ~~أوديسيوس بطل ms111 الحكمة البطولية وهي صفة الشيخوخة، ويبرهن فيكو على أن أشعار هوميروس ~~تناولت عادات الشعوب الإغريقية ومنها بعض العادات الوحشية التي سادت هذه الشعوب ~~البربرية مثل استعمال الأبطال للسهام السامة في الحروب (مثلما ذهب أوديسيوس إلى # Ephyra # بحثا عن أعشاب سامة). من هذه العادات أيضا ترك جثث قتلى المعارك للنسور والوحوش. ~~ويسخط بعض الباحثين على تشبيهات هوميروس التي تتسم بالفظاظة والوحشية، ولكن فيكو يرى أن ~~هذا كان ضروريا لهوميروس لكي يفهم العامة المتوحشة الطباع. ومع ذلك فبلوغه مثل هذا ~~النجاح لم يكن عن طريق رموز العقل المهذب والمتمدن أو بأي نوع من الفلسفة. بل كان أسلوب ~~الوحشية الذي استعمله في وصفه للمعارك الدامية والتطرف في سفك الدماء مما كان سببا في ~~سمو الإلياذة على وجه الخصوص، وهذه الضراوة والوحشية والعنف واضطراب العواطف من صفات ~~الطبيعة البطولية كما رأينا في الحكمة الشعرية، وهي صفات بشر لم تنضج قدراتهم العقلية ~~بعد؛ ولهذا ينكر فيكو على هوميروس أي نوع من الحكمة الفلسفية. ~~(2) عودة مسار الأمم # انتقلت الأمم في العصور المبكرة من العصور الدينية إلى العصور البطولية ثم إلى ~~العصور البشرية، وبذلك يكون فيكو قد طبق قانون التطور على الحقب التاريخية القديمة، ~~والآن إلى أي حد نجح في تطبيق هذا القانون على التنظيمات البشرية للأمم عند نهضتها من ~~جديد وهو ما يسميه بالمسار الثاني للشعوب الذي أفرد له آخر فصول العلم الجديد ليؤكد أن ~~هناك تقابلا بين العصور البربرية الأولى والعصور البربرية الثانية؟ تعود الدورات ~~التاريخية مرة أخرى بصورة أكثر تقدما لتسير الشعوب في نفس المسار، ولكنها لا تبدأ من ~~نفس النقطة الأولى بل من نقطة أكثر تقدما؛ فالتاريخ البشرى لا يعيد نفسه وإنما يسير ~~دائما نحو التقدم. وقد انتهى تطور الأمم في الدورة التاريخية الأولى إلى العصر البشري ~~الذي كان يحمل في ثناياه بذور فنائه؛ لأن التطور في هذا العصر انغمس في الترف واللذات ~~والانحلال وضعف الإيمان بالأديان وفساد الحكومات، وفي مثل هذه الظروف تتعرض الأمم إما لغزو خارجي ~~أو سيادة الفوضى والهمجية وتقع ms112 فريسة بربرية جديدة يرى فيكو أنها كانت أكثر ظلاما من ~~الأولى. # لقد وجهت العناية الإلهية - التي تعمل على خير الجنس البشري - التنظيمات البشرية للأمم، ~~ثم كشف الله - كما يقول فيكو - عن حقيقة الديانة المسيحية وسمح بميلاد نظام جديد كي تستقر ~~الديانة الحقة طبقا للنظام الطبيعي للتنظيمات البشرية نفسها. وبهذا التدبير الخالد ~~عادت العصور الدينية التي كان فيها الملوك الكاثوليك حماة للديانة المسيحية واحتفظوا ~~بلقب الجلالة الملكية المقدسة. أسس الملوك المسيحيون الأوائل نظما دينية عسكرية ضد ~~الآريين والعرب المسلمين ومعارضي الديانة المسيحية. وعادت الحروب الدينية فكان الصليب ~~يعلو تيجان الملوك الذين اتخذوا منه شعارا في حروبهم فأطلقوا عليها اسم الحروب ~~الصليبية. ومثلما كان من شروط الاستسلام في العصور البربرية الأولى أن يفقد المهزومون ~~كل تنظيماتهم الدينية والدنيوية، حدث أيضا أن تنازل المهزومون عن تنظيماتهم الاجتماعية ~~للمنتصرين في العصور البربرية الثانية. # في هذه العصور عادت كل خصائص العصور الدينية الأولى، فعادت اللغة الرمزية مرة أخرى، ~~وبدأت الشعوب البربرية ابتداء من القرن الخامس الميلادي تغمر أوروبا وآسيا وأفريقيا ~~(مثلما حدث مع سقوط الإمبراطورية الرومانية) وحرصت الشعوب المنتصرة على ألا تفهمها ~~الشعوب المهزومة فدونت وثائقها باللغة اللاتينية التي لا يفهمها إلا قلة قليلة من ~~النبلاء هم في نفس الوقت يمثلون رجال الكنيسة، فلم توجد وثائق باللغة العامية مثلما حدث ~~في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا؛ لذلك عادت اللغة الرمزية. في هذه العصور المظلمة ~~اتصلت الشعوب ببعضها البعض بلغة صامتة لقلة الحروف العامية وندرة استعمالها، فكانت ~~الرموز التي تؤكد الملكية وتحددها، ووجدت رموز لكل أسرة تعني حقوق السيادة على منازلهم ~~ومقابرهم وحقولهم وقطيعهم. # 36 # وكانت هناك عودة لأعمال القرصنة التي تمثل شعار النبالة، كما عادت الأحكام ~~الدينية للعالم الأول ومنها المبارزات وأشكال الثأر والانتقام، كانت حروب العصور ~~البربرية الثانية - كما كانت في البربرية الأولى - حروبا من أجل الدين عادت معها ~~المقدسات الأولى للعالم القديم التي من خلالها تأسست المدن، فعندما انتشر السلب والعنف ~~والقتل - وهي أخلاق ذلك العصر - لم تقم للقوانين البشرية قائمة، فكانت القوانين الإلهية ms113 ~~هي الملاذ الوحيد طبقا لمسلمة فيكو: «كلما توحش البشر نتيجة الحروب بينهم بحيث لا ~~تقوم لقوانينهم قائمة فإن الوسيلة الوحيدة لترويضهم هي الدين.» ومع سيادة أخلاق العنف ~~والقوة والوحشية تسود حالة من الذعر والخوف فيلجأ البشر إلى آباء الكنيسة ليضعوا أنفسهم ~~وأسرهم وميراثهم تحت حمايتهم. ومن هذا الخضوع وهذه الحماية تكونت العناصر الأساسية ~~لمبادئ الإقطاع التي ظهرت في العصر البطولي الذي تلا العصر الديني. # يقابل فيكو بين العصر الهوميري # 37 # الإغريقي والعصور الوسطى الأوروبية في الدورة التاريخية الثانية أو المسار ~~الثاني للشعوب كما يسميه. وقد انقسم المجتمع في ذلك العصر إلى طبقتين: النبلاء (وهم ~~الذين كان يطلق عليهم لقب الأبطال في العصور القديمة ) والأتباع، وكان هذا التقسيم نتيجة ~~التمييز بين طبيعتين متعارضتين؛ طبيعة بطولية وطبيعة بشرية. ويستشهد فيكو بالاشتقاقات ~~اللغوية لبعض الكلمات التي استخدمت في هذا العصر؛ فكلمة الأتباع أي # Homines # تعني البشر، ~~ويرجع أصل هذه الكلمة إلى لفظين استخدما في ظل النظام الإقطاعي وهما # homagium & ~~hominium # ولهما نفس المعنى؛ فلفظ # hominium # يعادل # hominis dominum # أي ملكية البارون ~~لأتباعه، ولفظ # homagium # يعادل # dominis agium # أي حق البارون في اصطحاب أتباعه حيثما كان، ~~وهذا اللفظ الأخير ترجم إلى اللغة اللاتينية بكلمة # obsequium # وتعني الإخلاص والولاء ~~الذي يقسمه الأتباع للبارون، وكانت نفس الكلمة عند الرومان القدماء تعني الخدمة ~~العسكرية التي يؤديها عامة الرومان في الحروب لصالح النبلاء، # 38 # هكذا كان الحال في العصر البطولي الأول حيث أسس روميلوس روما على نظام ~~الأتباع عندما امتدت حمايته إلى الفلاحين الأجراء الذين لجئوا إليه ومنحهم إقطاعات ~~ريفية، فكان القانون الزراعي الأول الذي منح الأتباع جزءا من الأرض ليتكسبوا منها، ثم ~~القانون الزراعي الثاني الذي نص عليه قانون الألواح الاثني عشر إلى أن تحولت الإقطاعات ~~الريفية إلى إقطاعات مدنية. # 39 # وقد كان من الطبيعي أن يعود المجتمع البشري مرة أخرى إلى النظام الإقطاعي ~~لما وجد فيه من منافع ومكاسب تتطلبها الحياة المدنية، فعاد إقطاع العالم الأول متخذا ~~بداية جديدة، ويستشهد فيكو مرة أخرى - مستعينا بعلم اللغة ms114 والاشتقاقات اللغوية لأصول ~~بعض الكلمات - على عودة النظام الإقطاعي في الدورة البطولية الثانية مثل كلمة # Opera # وتعني العمل اليومي للفلاح بدون أي حق في المواطنة، وكلمة # herd # اللاتينية وتعني قطيع ~~العمال أو قطيع الخدم حيث كان ينظر للأتباع على أنهم قطيع من البشر، وكذلك كلمة # servitum # وتعنى خدمة؛ فقد كان الأتباع ملزمين بخدمة مجد النبلاء # 40 ~~(وقد أطلق على أمراء الإقطاع اسم نبلاء مثلما أطلق عليهم شعراء اليونان ~~قديما اسم الأبطال) بذلك عاد نظام العبيد # 41 # فكلمة # Vassal # اكتسبت المعنى القديم لكلمة # Clienteles # وأقسم العبيد على خدمة ~~النبلاء في الحروب فكانوا يعتبرون أصدقاءهم وأعداءهم أصدقاء سيد الأرض وأعداءه، وصاحب ~~هذا عودة النبلاء إلى نظام سجن العبيد، فمن يتخلف عن دفع الضرائب للنبيل يحق له سجنه أو ~~عقابه. # ومع العصر البطولي بكل ما له من سمات عاد نظام الملكية بنوعيها؛ الملكية ~~المباشرة # dominium directum # والملكية ~~النافعة # dominium utile # وهما يطابقان نوعي الملكية عند الرومان. فالنوع الأول ~~وهو الملكية المباشرة يطابق نظام ال # quiritary ownership # عند الرومان وهو ~~ملكية الأبطال لإقطاعات مسلحة؛ لأن المالك البطولية كانت كهنوتية وللأبطال حق ~~استقطاع أراض معفاة من الضرائب والديون، والنوع الثاني وهو الملكية النافعة ~~يطابق نظام # bonitary ownership # وهو نوع من الملكية يقوم على أساس الهبة أي ~~أراض ممنوحة للعامة، ولا تتجاوز ملكيتهم ملكية المحاصيل كما سبق ذكر أنواع ~~الملكية، ويستعين فيكو بفقه اللغة ليتعرف على العلاقة التي تربط السيد بالتابع ~~- في الدورة البطولية الثانية - من خلال الاشتقاقات اللغوية لكلمات ثلاث؛ وهي ~~كلمة # directus # التي تؤكد أن حق التمليك كان يعهد للعامة من المالك المباشر وهو ~~السيد صاحب الأرض؛ وكلمة # laudimia # وهي الضريبة أو المال الذي يدفعه التابع ~~لسيده بعد أن أعطاه الأخير تصريحا # Laudatio # بزراعة الأرض. وكان ذلك نوعا من ~~العرف يتم بالتراضي، ولكن في حالات أخرى كان لا بد من الفصل فيها بالقرار ~~القضائي، وهو ما يؤكده استعمال كلمة # Lodo # التي كانت تعني في البداية القرار ~~القضائي ثم أصبحت تعني قرار الفصل في نزاع ms115 معين. # 42 # كان هناك عودة أيضا إلى القانون الروماني فعاد ما يسمى في التشريع الروماني القديم ~~بال # Cavissae # أي التحفظ والدقة الشديدة في صياغة الكلمات - وهو ما سبق الحديث عنه في ~~الأنواع الثلاثة للتشريع - ثم اختصرت هذه الكلمة إلى # caussae # وأطلق عليها في العصر ~~البطولي الجديد # Cautelae # من نفس الأصل اللاتيني، وحذا أساتذة القانون في العصور الوسطى ~~الأوروبية حذو الرومان في التزام الدقة في الصياغة القانونية للعقود والدعاوى والوصايا، ~~وبلغ التشابه إلى حد التشابه في الأخطاء التي وقع فيها كل من المشرعين الرومان القدماء ~~وأساتذة القانون في العصور الوسطى الأوروبية؛ فقد غابت أصول القانون الروماني عن أولئك ~~المشرعين القدماء بعد أن اختفى التمييز بين أنواع الملكية المختلفة في ظل الحريات ~~الشعبية والملكية حتى إن المشرعين في العصور المتأخرة لم ينتبهوا إليها؛ فالعلماء ~~المفسرون للقانون الروماني في عصر النزعة الإنسانية يصرون على إنكار اعتراف القانون ~~الروماني القديم بنوعي المليكة المباشرة والنافعة، وقد ضللهم اختلاف الأسماء كما أخفقوا ~~في فهم التشابه بين الأنظمة نفسها. كذلك غابت قوانين الإقطاع المبكرة عن أذهان أساتذة ~~القانون في العصر البربري الثاني. # 43 # وفي هذا العصر الأخير عادت ملكية الأراضي بحق المواطنة بمقتضى قانون # Quirites # على نحو ما كان عليه الحال في القانون الإقطاعي للعصر البربري الأول حيث كان ~~هذا النوع من الملكية يعني ملكية النبلاء لإقطاعات مسلحة. كذلك كانت الأراضي الإقطاعية ~~في البربرية الجديدة تدعى «حقوق أصحاب الحراب» - فالنبلاء وحدهم هم السادة الملاك # auctores ~~- لتمييزهم عن أراض أخرى تسمى «أراضي العبيد»، وهي الأراضي التي استولى عليها ~~العامة من السادة الأبطال في عصر الحريات الشعبية. ومثلما كان مجلس الشيوخ في العصر ~~البربري الأول يتألف من الأبطال، كانت البرلمانات الأولى في أوروبا تتألف من البارونات ~~والنبلاء والأمراء، الملوك على رأس البرلمان والنبلاء وكلاء مفوضون عن الملك في المجالس ~~والمحاكمات القضائية كما يشهد بذلك تاريخ فرنسا. # ويعود فيكو مرة أخرى إلى نفي الرأي القائل ببراءة العصور الأولى فيقول إن علماء ~~القانون المتأخرين استسلموا لهذا الرأي الزائف، كما استسلم بعض ms116 فلاسفة السياسة لرأي ~~أرسطو القائل بأن الأمم القديمة لم تكن لديها قوانين لمعاقبة جرائم الأشخاص. وقد وقع ~~تاسيتوس قديما في هذا الخطأ في الحوليات عندما ذكر أن البشر في الأمم القديمة السابقة ~~على نشأة المدن كانوا يعيشون عيشة آدم في حال من البراءة المطلقة. وينفي فيكو هذا الرأي ~~ويثبت خطأ السابقين لأن فعل القتل معروف منذ العصور المبكرة ولكنه لم يكن يعد جريمة إلا ~~في حالة قتل الآباء، أما قتل العبيد فلا يعد جريمة؛ فالمجتمع في هذه العصور الأولى ~~ينقسم إلى: مواطنين (وهم الآباء أو الأبطال) وعبيد، وكان قتل المواطن جريمة تسمى Parricidium # أي قتل الأب ويعد فعلا عدائيا موجها للوطن كله، بينما قتل العبيد لا ~~يعد جريمة؛ فالعبد إما أن يقتل من قبل سيده وهذا ليس جريمة لأن العبد ملك لسيده وله ~~عليه حق الموت، وإما أن يقتل العبد من قبل شخص آخر ومثل هذه الحالة أيضا لا تعد ~~جريمة بل يعوض سيده عنه لأنه مالكه. ويؤكد فيكو أن هذا ما زال يحدث في بعض البلدان في العصور ~~البربرية الثانية مثل بولندا، ولاتوانيا، والسويد والدانمارك، ولكن في عصر الحريات ~~الشعبية أصبح قتل الإنسان جريمة سواء أكان هذا الإنسان نبيلا أو عبدا. # ويستمر فيكو في بيان تشابه سمات العصور البطولية الأولى والثانية، فكما كانت المبادئ ~~الأبدية للنظام الإقطاعي وراء نشأة نظم الحكم في الحكومات الأولى، كما نشأ القانون ~~الروماني من النظام الإقطاعي الذي ساد في إقليم لاتيوم، كذلك نشأت أيضا نظم الحكم ~~الملكية في أوروبا الحديثة من المبادئ الأبدية للنظام الإقطاعي، فكانت القضايا الخاصة ~~بالأراضي الإقطاعية تناقش في البرلمانات؛ ومن ثم نشأت العادات الإقطاعية - التي تعد من ~~أقدم العادات في أوروبا - والتي تؤكد أن القانون الطبيعي للأمم نشأ عن تلك العادات ~~البشرية التي سادت في ظل النظام الإقطاعي. ولقد شاهد فيكو بنفسه أثرا من آثار ~~البربرية الثانية ممثلا في المجلس المقدس لمدينة نابولي؛ إذ كان رئيس هذا المجلس يلقب ~~باسم الملك المقدس، كما كان أعضاؤه جنودا لأن النبلاء في البربرية ms117 الثانية كانوا وحدهم ~~الجنود المحاربين، أما العامة فكانوا يخدمون في الحروب على نحو ما كان يحدث في البربرية ~~الأولى سواء مما ذكره هوميروس أو ما نعرفه من التاريخ الروماني القديم. # ومع نشأة المدارس والجامعات في إيطاليا وانتشار تعليم القانون الروماني وخاصة تلك ~~القوانين التي احتوتها مدونة جوستنيان وقامت على القانون الطبيعي للبشر، تهيأت العقول ~~لقبول قانون المساواة الطبيعية الذي يجعل الشعب والنبلاء على السواء متساوين في الحقوق ~~المدنية كما هم متساوون في الطبيعية البشرية، وكما حدث في البربرية الأولى عندما تسربت ~~القوانين إلى العامة فانهارت سلطة النبلاء تدريجيا، حدث نفس الشيء في ممالك أوروبا في ~~العصور البربرية الثانية مع انتشار التعليم ودراسة القوانين في الجامعات، فانتقل الحكم ~~في هذه الممالك من الحكم الأرستقراطي إلى الحكومات الشعبية الحرة لكي تنتهي أخيرا إلى ~~النظم الملكية الكاملة وهما مرحلتا العصر البشري، وهذان الشكلان الأخيران من أشكال ~~الدولة يسمحان بالانتقال من أحدهما إلى الآخر، ولكن العودة من أحدهما إلى النظام ~~الأرستقراطي هو أمر مستحيل لا تسمح به الطبيعة البشرية المدنية. فعندما تصل الشعوب إلى ~~نظم الحكم الشعبية الحرة ومنها إلى الملكية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ترتد مرة ~~أخرى إلى النظام الأرستقراطي، وهذا ما أثبتته الشواهد التاريخية كما حدث مثلا عندما ~~ذبح ديون # Dion # 44 # بطريقة بربرية حين حاول أن يعيد الأرستقراطية مرة أخرى، كذلك ما حدث ~~للفيثاغوريين من إعدام وحرق بسبب محاولاتهم إعادة النظام الأرستقراطي. إن العامة عندما ~~يبلغ بهم الوعي إلى إدراك المساواة المدنية مع النبلاء يرفضون تماما أن يكونوا دونهم ~~في الحقوق، ويرى فيكو أن بعض النظم الأرستقراطية القليلة التي كانت لا تزال موجودة في ~~عصره تضطر لبذل قصارى جهدها لإرضاء العامة للمحافظة على هذا الوضع الطبقي. # ولا بد أن نلاحظ هنا أن الزمن الذي عاش فيه فيكو كان عصر بشرية جديدة انتشرت بين كل ~~الأمم، وأن عددا قليلا من الملوك العظام كان يحكم عالم الشعوب، وإذا كانت قد بقيت ~~هناك بقية من الشعوب البربرية فمرجع ذلك إلى أن ms118 النظم الملكية لهذه الشعوب قد استمرت ~~بفضل الحكمة الشعبية الكامنة في ديانتها وبسبب طبائع شعوبها المضطربة غير المتوازنة، ~~ومن أمثلة النظم التي عاصرها فيكو نجد النظام القيصري في روسيا الذي ظل يعيش في المرحلة ~~الدينية، كذلك خان التتار الذي يحكم شعبا مخنثا - كما يصفه فيكو - أو أنثوي الطبيعة، ~~وأيضا نجاشي الحبشة وملوك فارس ومراكش الأقوياء الذين يحكمون في رأي فيكو شعوبا قبلية ~~ضعيفة ومشتتة ما زالت تعيش المرحلة الدينية. أما في المناطق المعتدلة حيث تسود الطبائع ~~المتوازنة فالأمر مختلف، ففي الشرق الأقصى تعيش اليابان المرحلة البطولية حيث يمارس ~~إمبراطور اليابان حكما عسكريا قاسيا شبيها بحكم الرومان في زمن الحرب القرطاجية؛ ~~لذلك فما زالت اليابان تحتفظ بقدر كبير من طبيعة الحكم البطولي، ويرجع فيكو سبب ~~احتفاظ بعض الشعوب بالمرحلة البطولية إلى أن حكامهم لم يقتنعوا بأن لرعاياهم نفس ~~طبيعتهم البشرية ونفس الحقوق المدنية. ولا بد أن نشير هنا إلى أن المجتمعات البشرية كما ~~يراها فيكو - لا تتقدم دفعة واحدة ولا تسير الأمم جميعها نحو التقدم في آن واحد، بل تمر ~~كل أمة بمراحل التطور التاريخي منفصلة عن الأمم الأخرى، فهل نستطيع أن نقول إن تحليل ~~فيكو أو نظرته للمجتمعات البشرية المتنوعة يختلف عن نظرة فلاسفة عصر التنوير لفكرة تقدم ~~الأمم؟ هذا ما سوف نناقشه في الباب الأخير من البحث، ولكن نكتفي الآن بالقول إن فيكو قد ~~أثبت أن بعض الأمم ما زالت تعيش في المرحلة الدينية وبعضها الآخر يعيش في المرحلة ~~البطولية في الوقت الذي تعيش فيه أوروبا في المرحلة الإنسانية بفضل الديانة المسيحية، ~~وتتمتع بالنظم والحكومات الملكية التي تزدهر فيها العادات والتقاليد الإنسانية؛ فالفكرة ~~النقية الكاملة عن الله - التي جاءت بها المسيحية - حثت على الإحسان والتسامح مع كل ~~البشر، كما أن شعوبا مثل السويد والدانمارك وبولندا وإنجلترا تتمتع بالدستور والحكم ~~الملكي الذي يرى فيه فيكو أفضل نظم الحكم. وفي هذا الجزء من العالم - أي أوروبا - توجد ~~أيضا نظم الحكم الشعبية التي لا نظير لها في العالم، وقد بعثت في ظل ms119 هذه النظم - وبحكم ~~الضرورة والمنفعة - الاتحادات والأحلاف التي قامت نظائرها قديما بين المدن الإغريقية ~~لمواجهة خطر الفرس ثم الخطر الروماني. بعثت هذه الاتحادات والأحلاف بين الولايات ~~والمدن الحرة المختلفة في سويسرا وألمانيا وهولندا، وهي آخر شكل من أشكال الحكومات ~~المدنية، ولكن هل تعد نظم الحكم الشعبية والنظم الملكية وحدهما آخر أشكال الحكومات؟ ~~يعتبر فيكو أن النظم الأرستقراطية أيضا تمثل العصر البشري ومن الممكن أن تكون هي آخر ~~شكل من أشكال نظم الحكم. ويؤكد أنه إذا كان في أوروبا خمسة نظم أرستقراطية للحكم فقط، ~~كالتي توجد في البندقية # Venice # وجنوه # Genoa # ولوكا # Lucca # في إيطاليا وراجوسا # Ragusa # في ~~دالماتيا # Dalmatia ~~(شبه جزيرة البلقان) ونورمبرج # Nuremberg # في ألمانيا، إلا أن روح ~~الإنسانية تتجلى في كل ما يحقق سعادة الجسم والعقل بفضل الديانة المسيحية أو الحقائق ~~السامية التي تستوعب أنضج فلسفات الشعوب. # 45 # وهناك بعض الشعوب التي كان من الممكن أن تسير في مسار التطور الطبيعي لو لم تعقها بعض ~~العقبات التي حالت بينها وبين التطور. فإذا عبرنا المحيط للعالم الجديد رأينا أنه كان ~~من الممكن للهنود الأمريكيين أن يسيروا في المسار الطبيعي للشعوب لو لم يكتشفهم ~~الأوروبيون. وقديما فشلت كل من المدن الثلاث قرطاجة # Carthage ~~، # 46 # كابوا # Capua # 47 # ونومانتا # Numantia # 48 ~~- وهي المدن التي تصدت للتوسع الروماني - فشلت في تحقيق هذا المسار للنظم ~~البشرية؛ فالقرطاجيون قد عاقهم عن ذلك عنفهم الفطري، وأهالي كابوا منعهم اعتدال المناخ ~~والخصوبة المعروفة عن منطقة كابوا، أما أهالي نومانتيا فسحقهم القهر الروماني على يد ~~اسكبيو، ولم يقدم فيكو تبريرا مقنعا أو علميا لإخفاق هذه المدن في تحقيق المسار ~~الطبيعي للشعوب، بل لم يوضح الأسباب التي ذكرها توضيحا كافيا لجعل هذه الأسباب معقولة ~~ومفهومة، ولكنه اهتم ببيان أن الرومان لم تعقهم مثل هذه العقبات فتابعوا مسار التطور ~~تهديهم العناية الإلهية من خلال الحكمة الشعبية، ومروا بالأشكال الثلاثة للحكومات ~~المدنية وانتقلوا إلى كل شكل منها بصورة طبيعية. فكانت المرحلة الدينية في عصر تأليه ~~آباء الأسر، والمرحلة البطولية في ms120 عصر الأبطال عندما نشب الصراع بينهم وبين العامة ~~فنشأت الحكومات الأرستقراطية التي احتفظ بها الرومان حتى صدور قوانين بابليان وباتليان، ~~ومنح العامة نفس حقوق الأبطال المدنية فكانت الحكومات الشعبية الحرة التي بقيت حتى عصر ~~أغسطس فعادت الحكومة الملكية التي تمسك بها الرومان حتى انهار هذا النظام بفعل الأسباب ~~الداخلية والخارجية التي حطمته، وسقطت روما بعد الغزو البربري للإمبراطورية الرومانية ~~في القرن الخامس الميلادي فنشأ عصر بربري جديد وعادت الدورات التاريخية تسير مسارها من ~~جديد، فتمثلت المرحلة الدينية في العصر المسيحي كما أوضحنا في بداية هذا الفصل، ثم ~~العصر البطولي في العصور الوسطى الأوروبية الذي تميز بعودة النظام الإقطاعي والحكومات ~~الأرستقراطية وأخلاق الفروسية والبسالة والولاء والطاعة إلى أن كانت المرحلة ~~البشرية. # واستشهاد فيكو بالتاريخ اليوناني والروماني - كما يؤكد بنفسه - ليس الهدف منه سرد ~~التاريخ الخاص لهذه الشعوب وعاداتها وتقاليدها وقوانينها، ولكن الهدف هو إلقاء الضوء ~~على التاريخ المثالي الذي يعبر عن القوانين الأبدية التي تحكم أعمال جميع الأمم والتي ~~ستظل تحكم كل تواريخ الشعوب في نشأتها وتطورها ونضجها ثم انحلالها وتدهورها وسقوطها. ~~فهناك جوهر واحد وراء تنوع وتطور أشكال الحكومات هو القانون المثالي الذي يحكم أعمال ~~البشر وتاريخ الأمم إلى أبد الآبدين. هذا القانون المثالي الأبدي يحكم مسار الشعوب منذ ~~بداية نشأتها ونمو نظم الحكم فيها وتطورها حتى تبلغ ذروة نضجها. وعندما تنغمس في الترف ~~يكون انحلالها وتدهورها وفسادها فتنهار النظم الحرة وتعم الفوضى. وهي مرحلة تتردى فيها ~~الشعوب وتسقط في هاوية الأنانية. عندئذ تتدخل العناية الإلهية التي تعمل دائما على ~~خير الجنس البشري - بإحدى وسائلها الثلاث لإنقاذ مسار الشعوب: # أولا: ترتب العناية الإلهية ظهور رجل قوي من أفراد الشعب ينصب نفسه ملكا ويجمع في ~~يده كل التنظيمات والقوانين بقوة السلاح ويضع حدا للفوضى ويؤسس الملكية. وينحصر دور ~~الملك في تحقيق العدالة والمساواة الطبيعية بين الناس وضمان حرية الدين، مثلما فعل ~~أغسطس مؤسس الملكية في روما. ثانيا: إذا تعذر ظهور رجل قوي في الداخل تبحث العناية ~~الإلهية عن العلاج في الخارج ms121 بغزو من شعب أفضل وأقوى يستولي على هذه الشعوب بقوة ~~السلاح؛ لأنه عندما تصل الشعوب إلى مرحلة الترف تقع فريسة رذائل كثيرة كالجشع والبخل ~~والحسد والغرور والتخنث، وتقرر العناية الإلهية أنهم أصبحوا عبيدا لشهواتهم فيصبحون ~~خاضعين لأمم أفضل وأقوى منهم فتحتهم بقوة السلاح وجعلتهم ولايات خاضعة لهم. وهنا يؤكد ~~فيكو حقيقتين: (أ) أن من لم يستطع أن يحكم نفسه بنفسه فعليه أن يسلم زمام أموره لمن هو ~~أقدر منه على الحكم. (ب) أن العالم لا يحكمه إلا الأصلح والأكفأ بحكم طبيعته. ثالثا: ~~إذا تعفنت نظم الحكم المدنية وتغلغل الفساد في هذه الشعوب فلم تستطع أن تتفق على ملك ~~يحكمها من الداخل ولم يتفق لها أن يغزوها شعب أفضل من الخارج تلجأ العناية الإلهية - في ~~هذه الحالة القصوى - إلى دوائها الأخير وهو الفناء؛ فأمثال هذه الشعوب قد انحدر بها ~~الترف إلى هاوية الميوعة والطراوة أو بالأحرى إلى الغرور الذي يبلغ أقصى درجاته، فتثور ~~الشعوب وتندفع بغضب وعنف لأقل الأسباب، ويعيش الناس كالوحوش المفترسة متوحدين في ~~أعماقهم رغم تزاحمهم ، وتتردى الشعوب في هاوية الفردية بحيث لا يعود أحد يفكر إلا في ~~مصلحته الخاصة ولا يكاد اثنان يتفقان على شيء لأن كلا منهما لا يتبع إلا شهواته؛ لهذه ~~الأسباب جميعا تقضي العناية الإلهية بأن تسقط هذه الشعوب فريسة الحروب الأهلية وأن ~~يحيلوا مدنهم إلى غابات ثم يجعلوا من الغابات كهوفا وجحورا يلجئون إليها. ويقع ~~المجتمع البشري فريسة بربرية جديدة أفظع وأقسى من بربرية الحواس؛ لأنها بربرية ذوي عقول ~~ماكرة وخبيثة. حقا كان البشر في البربرية الأولى متوحشين ولكن توحشهم كان أكثر شهامة ~~وكرما، أما في ظل البربرية الجديدة فإن الناس تحيا في ظل وحشية حقيرة منحطة يكيد ~~فيها الفرد لأقرب أصدقائه تحت ستار الكلمات والقبلات الناعمة. عندئذ تطبق العناية ~~الإلهية دواءها الأخير بأن تفني الوحوش الشريرة بعضها البعض، وتبقى قلة من البشر يعيشون ~~في وفرة من الضروريات اللازمة للحياة، وتصبح هذه القلة اجتماعية وترتد إلى البساطة ~~الأولى وتتكفل العناية الإلهية بأن تعيد إليهم ms122 قيم الورع والتقوى والصدق والإخلاص وهي ~~الأسس الطبيعية للعدالة، كما تنعم عليهم بمختلف أنواع النعم والجمال الذي يتصف به ~~النظام الإلهي. # 49 # تعقيب # بنهاية الباب الثاني نكون قد استعرضنا فلسفة التاريخ عند فيكو بكل ما تشمله من أصول ~~ومبادئ ومنهج. وقد رأينا كيف استخلص قانون تطور الأمم من خلال دراسته للحضارة اليونانية ~~والرومانية القديمة، وهو قانون الأحوال الثلاثة لتطور الأمم بشكل دوري حلزوني؛ فالتاريخ ~~لا يعيد نفسه بل يأتي دائما بجديد. ولعل الفكرة المحورية التي قامت عليها فلسفة ~~التاريخ عند فيكو هي أن الإنسان صانع تاريخه، ونستطيع أن نقول إنه بهذه الفكرة وضع بذور ~~فلسفة العمل؛ فالإنسان لا يعرف إلا ما يصنع، وهي نفس الفكرة التي تقوم عليها نظريته في المعرفة، ~~وهي أن المعرفة تساوي العمل. وهي كذلك الفكرة التي عارض بها ديكارت كما أسلفنا القول؛ ~~فالمجتمع البشري بكل ما فيه من نظم من صنع البشر أنفسهم، وبهذا يختلف فيكو عن أصحاب ~~النظريات العقلية في نشأة النظم وطبيعتها، ويؤكد أنها من وضع بشر كانوا أشبه بالوحوش ~~الآدمية ثم وصلوا إلى بشريتهم عن طريق تأسيس هذه النظم. من هنا يجب الاهتمام بالأصول ~~الواقعية لهذه النظم التي كانت السبب في أن تصبح المخلوقات البشرية بشرا حقيقيين، ~~بينما يهتم أصحاب النظريات العقلية بتأكيد دور العقل ويبدءون من الإنسان الناضج المفكر ~~بعقله. # وعندما يرجع فيكو بالتاريخ إلى بداياته مع بشر صنعوا نظمهم الاجتماعية بأنفسهم، ~~نستطيع أن نقول إن هناك مقابلة بين فيكو وأرسطو في تصورهما النشوئي عن الطبيعة ~~والإنسان. فهذا الأخير حيوان يصبح إنسانا عندما يعيش في المدينة. وهذا يقابل عند فيكو ~~عالم الطبيعة وعالم البشر لأن حيوانات العالم الأول تصبح بشرا في عالم الأمم وبفضله، ~~أي أن فيكو لا يختلف عن أرسطو الذي يوحد بين طبيعة الشيء وغايته عندما يتطور وينضج؛ ~~فطبيعة نشأة الأمم عند فيكو تقابل تصور أرسطو الغائي عن نشأة دولة المدينة التي تنشأ من ~~الحاجات الحيوية الأولية. وعلى هذا فالإنسان مدني بطبعه، ولكن موضع الخلاف بينهما هو أن ~~فيكو يقول ms123 بالعناية الإلهية التي وجهت البشر عن طريق عاداتهم البسيطة وانفعالاتهم ~~الطبيعية لحفظ الجنش البشري، إلا أن البشر صنعوا عالم الأمم وبنوه دون أن يعرفوا خطة ~~العناية الإلهية الكامنة وراءه؛ لذا استثنى فيكو التراث العبري والمسيحي من دائرة علمه ~~الجديد لتدخل العناية الإلهية فيه تدخلا مباشرا عبرت فيه عن نفسها في أعمال تاريخية ~~خاصة وفريدة. ويميز فيكو بين هذه العناية الأخيرة وبين العناية الإلهية الكامنة في ~~التاريخ والتي وجهت البشر بطريق غير مباشر للخروج من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية ~~الإنسانية، فهنا لا تتعارض العناية الإلهية مع فاعلية البشر في صنع التنظيمات البشرية، ~~بل تركت الأمم تصنع تاريخها بنفسها من خلال عاداتها وتنظيماتها الاجتماعية، وبذلك لم ~~يقدم فيكو تاريخا لاهوتيا كنسيا بل قدم تاريخا واقعيا مستندا على الآثار ~~والمأثورات الشعبية والمخلفات والفنون التي تركتها الشعوب الأولى. # بيد أن هناك سؤالا يطرح نفسه: هل نجح فيكو في تطبيق قانون التطور على الأمم عند ~~نهضتها مرة أخرى من جديد؟ لقد قدم فيكو دراسة مستفيضة لأصول المجتمع البشري من منظور ~~الحضارة اليونانية والرومانية، وقام بتحليل دقيق للمجتمعات البشرية الأولى مستندا إلى ~~البحث في أصول التنظيمات الاجتماعية البشرية والأساطير القديمة للشعوب وما ينطوي عليه ~~البحث في أصول اللغات من كشف عن عادات هذه الشعوب وتقاليدها، ولكنه لم يبحث الدورة ~~التاريخية الثانية بمثل هذه الدقة فتناولها تناولا سريعا، بل جانبه الصواب أحيانا في ~~حكمه على نفسية الشعوب. ويبدو أنه اعتمد على تقارير الرحالة والمبشرين فلم تخل أحكامه ~~على بعض الشعوب من تعميمات باطلة مثل قوله هذا شعب بطبيعته كسول ... وهذا شعب مخنث ... ~~ومع ذلك فهو يعد رائدا لعلم نفس الشعوب الذي تطور فيما بعد وأصبح علما مستقلا على ~~يدي فلهلم فونت # W. Wundt # لذلك لا نستطيع أن نقول إن فيكو وفق تماما في تطبيق قانون ~~التطور على المسار الثاني للأمم، وربما يكون مرجع ذلك إلى أن هذه الفترة التاريخية ~~معروفة ومدونة؛ لذا اهتم اهتماما خاصا بالمسار الأول للأمم لإلقاء الضوء على هذه ~~الحقبة التاريخية التي يكتنفها ms124 الغموض بسبب نقص الوثائق وبالتالي فهي تاريخ غير مدون. ~~ويكفي فيكو أنه وضع الأسس النظرية والمبادئ النظرية التي يهتدي بها الباحثون في علم ~~التاريخ. وعلى الأجيال التالية مهمة التطبيق؛ فقد تصور فيكو العلم الجديد في شكل نموذج ~~مثالي كامل في فكرته، ولكنه لم يطبقه كما قلنا بصورة كاملة، بل أكد أنه علم قابل للتطور ~~ومتروك للأجيال والعصور التالية أن تطوره وتلائم بين كشوفها وملاحظاتها التي ستستجد في ~~عالم الأمم وبين قوانين هذا النموذج؛ ولهذا فالعلم الجديد كامل من حيث مبادئه وعلى ~~الباحثين في المستقبل أن يستكملوه كما اعترف فيكو نفسه بذلك. # يؤكد فيكو في أكثر من موضع من العلم الجديد أن نظم الحكم الملكية هي أكمل أشكال ~~الحكم، وأنه إذا سارت الأمم في مسار التطور الطبيعي وبلغت المرحلة البشرية وقامت نظم ~~الحكم الشعبية فلا بد أن تفسد هذه النظم الحرة كما أوضحنا، وبهذا ينتهي المسار الطبيعي ~~للتطور في رأيه إلى النظم الملكية! وهنا يجب أن نشير إلى أن فيكو عاش في ظل حكومة ~~ملكية في نابولي؛ وبالتالي فهناك أحد احتمالين ؛ إما أن النظام الملكي في نابولي كان ~~عادلا وحكيما في عصر فيكو فجعله يؤمن به إيمانا لا يحيد عنه؛ أو أن هذا النظام ~~الملكي كان قاسيا ومستبدا فجاء رأي فيكو هذا خشية بطش ملوك نابولي الظالمين. # هكذا نكون قد قدمنا التصور الكامل للتاريخ عند فيكو مع تطبيقاته في مختلف التنظيمات ~~البشرية من تنظيمات سياسية واقتصادية ولغة وقانون وشعر ... إلخ، ويتعين علينا الآن أن نلقي ~~نظرة نقد وتحليل وتقييم لهذه المادة الكثيفة من خلال نظرية المعرفة التاريخية، وأن نفحص ~~الأسس النظرية للنسق العلمي للتاريخ عنده ونتناول بشيء من التفصيل نظريته في المعرفة ~~التاريخية ونظريته عن التاريخ المثالي الأبدي التي تعد في نظر الكثير من الباحثين هي ~~النسق العلمي أو البناء النظري القبلي الذي يقوم عليه التاريخ البشري. وبعد أن ننتهي من ~~هذا النقد والتحليل أو التقييم نختتم البحث بإلقاء نظرة على تأثير فيكو على فلسفة ~~التاريخ وفلاسفتها سواء في عصره أو ms125 في العصور التالية، مكتفين بأبرز معالم هذا التأثير ~~وأهم الفلاسفة الذين يحتمل أن يكون قد تأثروا به وخصوصا أولئك الذين قالوا بخضوع ~~التاريخ لقوانين تحدد مساره. # الباب الثالث # | المعرفة التاريخية وأثرها # الفصل الأول # | نظرية المعرفة التاريخية # (1) مبدأ المعرفة # كان القرن السابع عشر هو عصر المذاهب الفلسفية الكبرى؛ فقد وقف معظم فلاسفة هذه ~~المذاهب موقفا نقديا من فلاسفة الماضي رافضين الدخول معهم في حوار حقيقي؛ إذ يبدو أن ~~الثقة بالمعرفة الجديدة جعلت كلا من الفلاسفة والعلماء على السواء يقللون من شأن ~~المعرفة القديمة. أضف إلى هذا أن المذاهب العقلية التي سادت في هذا القرن لم تملك ~~القدرة على فهم المادة التاريخية بحيث يمكن القول بأنه عصر لا تاريخي، وباختفاء الوعي ~~التاريخي لدى فلاسفة هذا القرن بدأ الصدع في الفكر الحديث؛ انهارت المعرفة القديمة، ~~وأقيمت مذاهب فكرية عقلية شامخة، بينما نجد المهتمين بالتاريخ بعيدين عن فكرة المذهب ~~ورافضين لها. هكذا بدأ هذا الصراع الكبير بين المعرفة التاريخية والمعرفة المذهبية، ~~وهو يدل على عجز هذه المذاهب الجديدة عن استيعاب المعرفة التاريخية أو الإحساس بها في ~~تفردها ونوعيتها وحيويتها. ومع ذلك فإن ميدان التاريخ يتسع ويمتد ويزداد ثراء، وتنمو ~~المعرفة التاريخية وتبقى كالظل المصاحب للفكر المذهبي الذي يسير في طريقه ويتوصل إلى ~~معارف جديدة ويبني مذاهب شامخة. # ومع مجيء القرن الثامن عشر تأتي دلالة محاولة فيكو في علمه الجديد عن الطبيعة ~~المشتركة للأمم؛ فهو في جوهره محاولة لوضع مذهب تاريخي شامخ، لا هو مجرد تصنيف تأريخي، ~~ولا هو مجرد إدراج للمعرفة التاريخية تحت التاريخ الديني المقدس، وإنما يريد أن يقدم ~~صورة تاريخ مثالي خالد تسير طبقا له تواريخ كل الأمم في الزمان، ومهمة هذا المسار أن ~~يعرف الشعوب في أصولها وتقدمها وازدهارها وسقوطها، وأن يتتبع المسار التاريخي من ~~البربرية إلى الحضارة، والمهم أنه ينظر إلى التاريخ على أنه هو تاريخ الإنسان وتاريخ ~~عقلنا البشري، وبهذا يعرف الضرورة التاريخية التي بمقتضاها كان من المحتم أن يحدث شيء ~~في الماضي ومن المحتم أن يحدث شيء في ms126 الحاضر والمستقبل، وقبل أن نتحدث عن طبيعة المعرفة ~~التاريخية عند فيكو نود أن نقف أولا عند تصوره للمعرفة بوجه عام. # وضع فيكو مبدأ جديدا للمعرفة لمعارضة النزعة العقلية الديكارتية وأتباعها الذين ~~نظروا إلى التاريخ كمجموعة من الحقائق المضطربة وسلسلة من الحكايات السخيفة، وهاجم ~~الأسس الثلاثة التي استند إليها ديكارت؛ فقد عارض الكوجيتو الشهير كمبدأ لليقين، ورأى أن ~~الفعل الإنساني لا الوعي الذاتي هو مبدأ اليقين في علم التاريخ، ونقد أدلة وجود الله ~~التي تستند إلى معرفة أولية سابقة على التجربة وعد هذا تطاولا على الذات الإلهية، ~~كما عارض اليقين الرياضي كمعيار للوضوح والبداهة وبالتالي كمعيار للحقيقة. # 1 # ومن هذه المعارضة للنزعة العقلية قدم فيكو نظرية في المعرفة تقوم على ~~مذهبه في الحقيقة، وهي أن الحق والفعل مترادفان # Verum et Factum Convertuntur # فالشرط ~~الضروري لمعرفة أي شيء معرفة حقيقية هو أن يكون العارف قد صنعه بنفسه ويكون لديه اليقين ~~بهذا المعنى لا بالمعنى الديكارتي «اخلقوا الحقيقة التي تريدون معرفتها. أما أنا فسوف ~~أقوم أثناء التعرف على الحقيقة بصنعها بطريقة لا تدع مجالا للشك فيها ما دمت أنا الذي ~~أنتجتها بنفسي.» # 2 # ومعنى هذا أننا بإزاء موقف مختلف عن موقف الفلسفة الديكارتية تمام ~~الاختلاف؛ إذ إن التاريخ يتألف من أعمال تصلح أن تكون موضوعا للمعرفة البشرية أكثر من ~~أي موضوع سواه؛ فالمعرفة إذن مرادفة للصنع، والإنسان يعرف حقائق الأشياء عندما يشارك في ~~صنعها بنفسه بحيث تصبح قابلة للمعرفة؛ فالعقل يشارك بفاعليته في تكوين الأشياء، ومعنى ~~هذا أن الحقيقة تبلغ مرتبة اليقين عندما يرويها من صنعها بنفسه. السؤال الآن ما المقصود ~~أن الحقيقة هي ذاتها الشيء الذي يتم فعله؟ حاول رسل أن يجيب على هذا السؤال بقوله لو ~~اختبرنا هذا المبدأ غير التقليدي عن كثب لاستخلصنا منه بعض النتائج الصحيحة كل الصحة ~~على المستوى الإبستمولوجي (المعرفي)؛ ذلك لأن من الصحيح أن الفعل يمكن أن يساعدنا على ~~تحسين معرفتنا، ولا جدال في أن أداء فعل ما بطريقة ذكية يزيد من فهم المرء له. وواضح ms127 أن ~~هذا يحدث على أوضح نحو ممكن في ميدان الفعل أو الجهد البشري. إن فيكو لا يجعل من ~~الإنسان مقياسا للأشياء جميعا بالمعنى السفسطائي، بل إن ما يؤكده هو العنصر الفعال ~~الذي يعيد تركيب الوقائع في عملية المعرفة، وهو شيء مختلف كل الاختلاف عن اتخاذ ما يبدو ~~لكل شخص معيارا نهائيا. ومن جهة أخرى فإن تأكيد الفاعلية يتعارض بشدة مع الأفكار ~~الواضحة المتميزة عند العقليين. فعلى حين أن المذهب العقلي يتباعد عن الخيال على أساس ~~أن هذا الأخير مصدر للاضطراب والخلط، فإن فيكو على عكس ذلك يؤكد دوره في عملية الكشف، ~~وهو يرى أننا قبل أن نصل إلى تصورات أو مفاهيم، نفكر في إطار مواقف أقرب إلى الغموض ~~وانعدام التحدد. # 3 # ونلاحظ في نظرية فيكو للمعرفة جانبين؛ الذاتية والموضوعية أو العقلانية والتجريبية، ~~بمعنى أن هناك نوعا من الجدل بين الفكر والواقع؛ فالإنسان يوجد تنظيماته الاجتماعية، ~~ومن خلال تفكيره في هذه التنظيمات تنبثق تجارب جديدة بتنظيمات جديدة، فتأكيد الذات ~~البشرية مسألة أساسية لأنها هي الذات التي صنعت التاريخ، وإذا كانت صورة التاريخ هي ~~التاريخ المثالي الأبدي فإن مادته من صنع الإنسان. التاريخ إذن إبداع إنساني خالص؛ فقد ~~خلق الله الطبيعة وترك للإنسان الحرية ليعيد صنع العالم التاريخي، بهذا المبدأ يؤكد ~~فيكو - ربما لأول مرة في تاريخ الفلسفة الغربية - مذهب صنع الإنسان لنفسه ويضعه داخل إطار ~~أشمل يبين بصورة قبلية الحدود التي يمكن أن يتم فيها هذا الصنع، فهذه الحدود قد عينتها ~~العناية الإلهية من قبل، كما تحددها أيضا حقيقة أن التنظيمات الاجتماعية وتطور المعرفة ~~كلاهما عملية تبدأ بالإحساس (في الحالة الطبيعية) وتنتقل إلى الخيال (كما في الحالة ~~الشعرية) وتنتهي إلى العقل (وهي الحالة البشرية) فالإنسان إذن ليس مجرد نتاج حتمي ~~للطبيعة، ولكن له حرية صنع نفسه من خلال صنع التنظيمات وتجديدها. والنتائج المترتبة على ~~مذهب فيكو في صنع الإنسان لنفسه بصورة متجددة هي تأكيد الجانب الذاتي والجانب الموضوعي ~~أو الأبدي الذي يتم في إطاره هذا الصنع أو هذا الإبداع البشري المتجدد. ms128 وفهم الإنسان ~~لذاته وهو يستعيد العملية التاريخية هو نوع من صنع الذات، وبالرغم من الاختلافات ~~الفردية بين الأفراد والنظم والمجتمعات، فإن العقل الذي يكمن وراءها عقل مشترك يعبر عن ~~طبيعة بشرية واحدة مشتركة، ولولا ذلك ما استطاع عقل إنساني آخر من حضارة أخرى ومجتمع ~~آخر أن يشارك فيه بالفهم أو أن يتواصل معه، فهناك طبيعة مشتركة وحس مشترك بين البشر. ~~والبشر عندما يدرسون الظواهر التاريخية المختلفة من عادات وتقاليد ولغة وفن ودين وقانون ~~وأساطير وشعر، فهم في الواقع يعيدون اكتشاف أنفسهم كما يتعرفون من جديد على إمكانيات ~~طبيعتهم البشرية المختلفة، وهذا نوع من معرفة الذات بل هي في الحقيقة من صنع الذات، ~~ولكن وحدة الطبيعة البشرية التي تسمح بالتواصل بين الأفراد والأمم كما تسمح للمؤرخ أن ~~يتواصل مع الظواهر التاريخية المتنوعة، لا تعني أن الطبيعة البشرية الواحدة هي طبيعة ~~محددة للأبد؛ فالواقع أن فيكو يؤكد دائما أن الظواهر التاريخية قابلة للتغير والتطور ~~والتنوع، وهذا يفسح مجالا للحرية الإنسانية كما يسمح بتفرد الأمم والأفراد وتميزهم، ~~ويتضح هذا إذا نظرنا إلى موضوعات الشعر من حب وحزن وفرح ... إلخ التي هي موضوعات خالدة، ~~لكن كل قصيدة تعبر عن هذا المعنى تعبيرا مختلفا عن الأخرى فكل قصيدة هي نوعية متفردة. ~~فبالرغم من إيمان فيكو بوحدة الطبيعة البشرية فهو يؤكد إمكانية التغير والتجدد داخل كل ~~دورة تاريخية، ودراسة التاريخ تعلم الجنس البشري كيف يصبح إنسانيا وذلك بأن يحيا من ~~جديد المراحل التي عبرتها البشرية حتى وصلت المرحلة التي أمكن فيها القيام بدراسة ~~التاريخ؛ فدراسة التاريخ هي عمل من الأعمال التي يصنع فيها العقل نفسه. # 4 # وخلاصة نظرية المعرفة عند فيكو أن العقل يعرف نفسه من خلال دراسة الأشكال التي يظهر ~~فيها، فيظهر مثلا في التنظيمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفن والقانون ~~واللغة ... إلخ، أي يتجلى في كل مظاهر الحضارة، وبهذا يعد فيكو أول من قدم نظرية ~~تاريخية عن حقيقة التغير من خلال تفسيره للتاريخ باعتباره عملية عقلية منظمة خلاقة، فمن ~~خلال التاريخ الذي يتألف من أحداث ms129 ووقائع ومؤسسات اجتماعية تعبر عن أحوال العقل يصبح ~~هذا العقل نفسه موضوعا للمعرفة، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية في الدراسات التاريخية؛ إذ ~~كيف تكون الذات العارفة هي نفسها موضوعا للمعرفة؟ أو بمعنى آخر كيف يمكن لصانع العلم ~~أن يكون هو نفسه موضوعا للعلم؟ للإجابة على هذا لا بد أن نطرق مشكلة أخرى شغلت المفكرين ~~والفلاسفة وتبلورت في السؤال الآتي: هل التاريخ علم؟ ~~(2) علم التاريخ # هل التاريخ علم؟ سؤال أثار الكثير من الجدل واختلفت حوله آراء الفلاسفة على مر العصور ~~بين مؤيد ومعارض، والبعض يرى أنه ليس بعلم بل هو درب من دروب الفن. فهناك علاقة جدلية ~~بين الفن والتاريخ باعتبار الأول مصدرا هاما من مصادر المعرفة التاريخية، ويساعد ~~المؤرخ على كشف الحالة الوجدانية للعصور التاريخية المختلفة، فمما لا شك فيه أن الأشكال ~~التعبيرية المتنوعة للإبداع الفني تعين المؤرخ على إعادة تصوير الماضي وبعث روحه من ~~جديد، خاصة بعد أن اتسع مفهوم التاريخ فلم يعد مقصورا على سير الأبطال والمعارك ~~الحربية، بل يشمل الجوانب الحضارية المختلفة والمتعددة للإنجازات البشرية؛ وبالتالي ~~تعددت مصادر المعرفة التاريخية فلجأ المؤرخ إلى أشكال الإبداع الفني المتنوعة ليجد مادة ~~تاريخية خصبة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الإنسان هو الموضوع المشترك بين الفن ~~والتاريخ باعتباره مبدعا للفن وأيضا صانعا لأحداث التاريخ، مما جعل رجال الأدب ~~يذهبون إلى أن التاريخ سواء أكان علما أو غير علم فهو بلا ريب فن من الفنون، وأن العلم ~~بالغا ما بلغ لا يعطينا من التاريخ سوى العظام اليابسة، وأنه لا مندوحة من خيال الشاعر ~~إذا أريد نشر تلك العظام وبعث الحياة فيها. # 5 # وعلى العكس من هذا الرأي يرى بيري أن التاريخ قد عانى من كونه جزءا من ~~الأدب بينما التاريخ علم لا أكثر ولا أقل، وأن وقائعه يمكن أن تدرس موضوعيا كوقائع ~~الجيولوجيا والفلك، أي أن تدرس على أنها أشياء خارج الذات؛ إذ لا يتسنى قيام علم على ~~أساس ذاتي، والوقائع التاريخية يمكن أن تجمع وتصنف وتفسر كما هو الحال في ms130 أي علم. ~~والسؤال الآن: إذا كان التاريخ علما فمن أي أنواع العلوم يعتبر التاريخ؟ إنه ليس ~~كالفلك علم معاينة مباشرة، ولا الكيمياء علم تجربة واختبار، ولكنه علم نقد وتحقيق وأقرب ~~العلوم الطبيعية شبها به الجيولوجيا؛ فكما أن الجيولوجي يدرس الأرض كما هي الآن ليعرف ~~كيف صارت إلى حالتها الحاضرة، فكذلك المؤرخ يدرس الآثار المتخلفة عن الماضي ليفسر ~~بواسطتها وبقدر إمكانه ظاهرة الحاضر. وكما أن الجيولوجي يجد مادته الأساسية في نفايات ~~الطبيعة ليثبت التطورات الجيولوجية، فكذلك المؤرخ يعتمد في معرفة الوقائع الماضية على ~~آثار مادية أو سجلات أو تقاليد سلمت مصادفة أو اتفاقا من عوادي الزمن. هذه الآثار ~~والسجلات والتقاليد هي الحقائق المحسوسة الحاضرة التي ينصب عليها عمل المؤرخ، وهي مادة ~~علمه وليست قيمة وهامة لذاتها ولكن لمجرد دلالتها على الوقائع الماضية. # 6 # هكذا اختلفت الآراء حول ماهية التاريخ؛ هل هو فرع من فروع العلم؟ أم هو فرع من فروع ~~الأدب؟ وظل السؤال والجدل حوله قائما حتى كان القرن الثامن عشر وأحرزت العلوم الطبيعية ~~تقدما كبيرا وانعكس المنهج التجريبي على الدراسات التاريخية، ولكن هناك فريق من ~~الباحثين عارض هذا المنهج ورأى أن التاريخ فرع خاص من فروع المعرفة؛ وبالتالي فمنهجه يختلف تماما ~~عن منهج العلوم الطبيعية، فهذا الأخير عالم تسوده الحتمية والإستاتيكية بينما التاريخ ~~هو عالم الحرية والحركة والديناميكية. ولا يتسع المجال هنا لتتبع آراء المفكرين ~~والفلاسفة عن علم التاريخ، ولكن ما يهمنا في هذا البحث: هل أراد فيكو للتاريخ أن يكون ~~علما على نسق العلوم الطبيعية؟ وإلى أي حد استطاع أن يحقق هذا؟ نعم، أراد فيكو أن ~~يجعل من العلم الجديد علما بشريا على نمط العلوم الطبيعية، وعالج الظواهر البشرية ~~معالجة علمية عندما تناول الوثائق التاريخية بالتحليل والنقد، وكأنه أراد للعلم الجديد ~~أن يؤكد فكرتين أساسيتين؛ الأولى: أن معرفتنا لعالم الظواهر البشرية يمكن أن تكون دقيقة ~~وعلمية تماما كمعرفتنا لظواهر العالم الطبيعي؛ الثانية: أنه علم بشري يقوم على المعرفة ~~التجريبية السابقة لما هو بشري مما يجعل منتجاته أكثر قابلية للفهم ms131 والتعقل من أي علم ~~طبيعي. # هاتان الفكرتان تبدوان متعارضتين؛ لذا اختلفت الآراء حول تفسيرهما فذهب بعض الباحثين ~~إلى اعتبار أن قيمة فيكو الحقيقية تكمن في افتراض أن معرفتنا للشئون البشرية من الممكن ~~استنتاجها علميا مما نتج عن ذلك التفسير الوضعي لمذهبه مع تجاهل هؤلاء الباحثين قيام ~~«العلم الجديد» على المعرفة السابقة أي معرفة الماضي باعتباره ظاهرة لن تتكرر ولن تخضع ~~للتجربة، وذهب فريق آخر من الباحثين إلى اعتبار أن قيمة مذهب فيكو تكمن في إدراكه دور ~~المعرفة السابقة في بناء معرفتنا بالشئون البشرية وكان ذلك هو التفسير المثالي. وكلا ~~التفسيرين أخذا على فيكو قوله إنه من الممكن أن يكون الإنسان موضوعا للعلم التجريبي، ~~وقبل أن نكشف عن هذا التعارض، لا بد أن نعرض لمفهوم العلم عند فيكو لا سيما أنه يأخذ ~~مفهوم العلم عن أرسطو فيردد قوله بأن العلم يتعلق بما هو كلي عام وضروري أبدي، كما يؤكد ~~أن العلم الجديد يتضمن تطبيق مفهوم الكلية والضرورة. وقد عرض في المسلمات من الخامسة ~~إلى الخامسة عشرة من أصول العلم الجديد؛ عرض الجوانب الأساسية لمفهوم الإنسان ككائن ~~تاريخي اجتماعي، وهي تجعلنا ننظر لعالم الأمم من ناحية الفكرة الأبدية التي يقوم عليها ~~مصداقا لما يقوم عليه العلم الأرسطي؛ لذا يرى فيكو أن إخفاق المؤرخين الأوائل في أعمالهم ~~يرجع لعدم اعتمادهم على التصور الفلسفي الصحيح للإنسان، وأنهم لو كانوا فعلوا هذا ~~لسبقوه في اكتشاف العلم الجديد. وأكد فيكو علمية التاريخ في إطلاق لفظ العلم على أهم ~~مؤلفاته وكرره في الطبعات الثلاث للكتاب. # السؤال الآن ما دور المعرفة التجريبية السابقة (أي المعرفة بالماضي) في العلم البشري؟ ~~من المعروف أن الماضي لا يمكن أن يكون موضوعا تجريبيا مثل الموضوعات التي تتناولها ~~العلوم التجريبية، فهل معنى هذا أن معرفة الماضي - أي المعرفة التاريخية - يستحيل أن تكون ~~معرفة علمية كما تصور بعض شراح فيكو؟ ثم كيف تصور فيكو أن المعرفة بالأحداث السابقة ~~يمكن أن تكون علما؟ لا بد من الإشارة إلى أن العلم الجديد يعتمد على نوع محدد ms132 من الصنع ~~البشري، وأن معرفتنا بهذا الصنع تنطوي على المعرفة بتحولات العقل - كما أشرنا من قبل - ~~وهي معرفة يحققها الإنسان عن طريق نوع من التأمل الذاتي. وإذا كان فيكو قد أخذ على ~~الفلاسفة السابقين أنهم اهتموا بدراسة العالم الطبيعي على الرغم من أن معرفة هذا العالم ~~لا تتيسر إلا لله وحده لأنه هو الذي خلقه، فقد أخذ عليهم كذلك أنهم أهملوا دراسة العالم ~~الإنساني الذي يستطيع البشر أن يعرفوه لأنهم هم الذين صنعوه، ولا بد أن نقف الآن عند ما ~~يقصده بالصنع البشري الذي يمكن أن يؤخذ على معنيين؛ فالبشر يصنعون تاريخهم من خلال ~~أنشطة وتنظيمات وقوانين ... إلى آخر ما يكون مضمون عالمهم التاريخي، أما المعنى الثاني ~~فيقصد به أن المؤرخين من البشر هم الذين يضعون تقريرات تاريخية عن الماضي، ومن الواضح ~~أننا إذا تحدثنا عن الصنع في العلوم الطبيعية فلا بد أن يكون بالمعنى الثاني الذي يشبه ~~عمل المؤرخ؛ لأن العالم في العلوم الطبيعية لا يخلق الظواهر الطبيعية نفسها، وإنما يوجد ~~مفاهيم العلم ونظرياته ومناهجه، وهكذا نصل إلى ما أكده فيكو من قبل وهو استحالة معرفة ~~العالم الطبيعي لأن الله هو الذي خلقه على حين أن معرفة العالم البشري ممكنة؛ لأن ~~الإنسان هو الذي صنع محتوياته؛ ولهذا يستطيع البشر أن يفهموا العالم الذي صنعوه بأنفسهم ~~لأن المبادئ التي قام عليها يمكن إعادة اكتشافها في داخل العقل البشري، أي في نطاق ~~التحولات التي تعرض لعقل من يتأمل ذلك التاريخ الماضي، ولكن ماذا يقصد فيكو بهذه ~~التحولات؟ إنها تتمثل أولا في المبادئ الثلاثة الأساسية التي يقوم عليها تنظيم أي ~~مجتمع بشري وهي الدين والزواج ودفن الموتى، وثانيا في سلسلة المراحل التي يمر بها تطور ~~العقل البشري من الخيال والشعر إلى مرحلة التفكير العقلي، وهذا التتابع ضروري في نشأة ~~كل مرحلة من سابقتها ونشأة المرحلة التابعة لها. والإلمام بهذه التحولات يساعدنا على ~~معرفة الضرورة في التاريخ البشري؛ فالمعرفة التي يتيحها العلم الجديد تقوم على المعرفة ~~السابقة لهذه التحولات في تطورها التاريخي. # هنا ms133 يجب أن نذكر نقطة ثالثة لا تقل أهمية عما سبق، وهي أننا نتعرف على هذه التحولات ~~عن طريق التأمل الذاتي، # 7 # وهو منهج فيكو في دراسة التاريخ ويعتمد على الاستبطان كشكل من أشكال ~~التفكير، ولكن الاستبطان عنده ليس بالمعنى المفهوم في التحليل النفسي، وإنما هو استبطان ~~للذات التاريخية، أي عملية إعادة بناء نقدي للفكر الماضي، ولكي يتأتى هذا لا بد من ~~الاستعانة بعلم اللغة للوصول إلى اليقين ثم تحويل هذا اليقين إلى حقائق ومعرفة عن طريق ~~التفكير الفلسفي. # 8 # هكذا نرى أن إعادة البناء التاريخي هي بمثابة اكتشاف لتحولات العقل البشري ~~التي لا بد للمؤرخ أن يتمثلها ليعيد بناء موضوع المعرفة بإعادة اكتشاف الذات التاريخية، ~~فهناك تواصل بين الحاضر والماضي يصنعه المؤرخ بخياله الخلاق. والمؤرخ عندما يعيد بناء ~~الماضي، أي يقدم تقريرا تاريخيا عنه، هو في الواقع يمارس نوعا من معرفة ذاته ~~التاريخية كبشر أو كإنسان أثناء تعرفه على ما صنعته ذوات بشرية أخرى في الماضي. وليس ~~معنى هذا أن المسألة أصبحت مسألة ذاتية، بل معناه أن ذات المؤرخ تحاول أن تفهم أسباب ~~تطور الطبيعة البشرية ومراحل تطورها على نحو ما توجد هذه الطبيعة فينا وبقدر ما نستطيع ~~فهمها. وفهمنا لتطور الطبيعة البشرية أو بالأحرى لضرورة تطورها على نحو معين نتيجة ~~لظروف وأسباب محددة هو جزء مما هو بشري، كما جاء في المسلمتين رقم 14 و15 وفيهما يؤكد ~~فيكو نشأة التنظيمات الاجتماعية نشأة طبيعية فطرية، وأن طبيعة هذه التنظيمات وخصائصها ~~ترجع إلى أسلوب نشأتها ومولدها وزمن هذه النشأة وظروفها. وينتهي فيكو إلى أن ما يصنع ~~الطبيعة البشرية هو سيرها بصورة ضرورية في مراحل تطور محددة عبرتها كل أمة، وعندما ~~يستعيد المؤرخ هذه المراحل يستعيد القانون الضروري الذي كون الطبيعة البشرية نفسها، ~~وإعادة بنائه للأحداث السابقة ومعرفته بها ليست معرفة ذاتية لأنه يتعرف على الطبيعة ~~البشرية نفسها التي هو جزء منها ويملك القدرة على فهمها، وهو في النهاية يعرف القوانين ~~الضرورية التي كان لا بد أن يمر بها تطور الطبيعة البشرية، ms134 أي أنه في النهاية يعرف ما ~~سماه فيكو بالتاريخ المثالي الأبدي الذي يعبر عن مبادئ تطور الأمم في نشأتها وتطورها ~~ونضجها ثم تدهورها وسقوطها. وهذا التاريخ هو بمثابة نسق نظري أو نظرية للمعرفة ~~التاريخية، ولكن ما ماهية هذه النظرية؟ هل هي نظرية استقرائية على طريقة بيكون؟ أم هي ~~نظرية استنباطية على طريقة ديكارت؟ وما هو مضمون هذه النظرية من الناحية الاجتماعية ~~والتاريخية؟ هذا هو الذي سنعرض له الآن. ~~(3) التاريخ المثالي الأبدي # أثار التاريخ المثالي الأبدي العديد من المشكلات وفسر تفسيرات مختلفة. فما المقصود ~~به على وجه التحديد؟ هل يقصد به الطابع النظري للتاريخ والأساس الفلسفي الذي يرتكز ~~عليه؟ وهل يعني هذا أنه استنبطه من الواقع التاريخي بجوانبه المختلفة؟ أم أنه قد بدأ ~~ببناء هذا التاريخ المثالي بناء نظريا أو قبليا - إذا شئنا استخدام تعبير كانط - ثم ~~حاول بعد ذلك أن يطبقه على الواقع؟ ويزيد الأمر صعوبة أن فيكو يؤيد منذ البداية المنهج ~~الاستقرائي الذي اتبعه بيكون ودعا إليه، فكيف نوفق بين تأييده للمنهج الاستقرائي وبين ~~التاريخ المثالي الذي يوحي لأول وهلة أنه ذو طابع نظري أو استنباطي، وهل جمع فيكو بين ~~المنهجين معا بحيث يتكاملان في رؤيته العلمية للتاريخ؟ # علينا الآن أن نبدأ مناقشتنا لهذه المسائل فنبين أن فيكو أكد الطابع النظري لعلمه ~~الجديد، وأنه أراد أن يجعل التاريخ المثالي الأبدي جزءا لا يتجزأ من هذا العلم. ويتضح ~~الجانب النظري في «العلم الجديد» عندما نلقي نظرة على مسلماته وخاصة مسلمة رقم 22 ~~التي قسمت فيها المسلمات العامة إلى مجموعتين؛ فالمجموعة الأولى من 5 إلى 15 تتناول ~~النظريات الفلسفية. ولو راجعنا هذه المسلمات لوجدنا أنها تنظر لعالم الأمم نظرة فكرية ~~مثالية تعتمد على مفهوم العلم كما أخذه فيكو عن أرسطو، وهو أنه علم يتعلق بما هو كلي ~~وأبدي؛ والمجموعة الثانية تضم المسلمات من 16 إلى 22 وهي مسلمات تمدنا بأسس الحق ~~واليقين على حد تعبير فيكو، وتساعدنا على أن نرى هذا العالم في الواقع بعد أن درسناه ~~بالفكر. وفي هذا محاولة ms135 لتطبيق المنهج الاستقرائي الذي استخدمه بيكون ونقله من الظواهر ~~الطبيعية إلى التنظيمات البشرية. ويؤكد هذا ما يقوله فيكو نفسه عند مناقشته للعلاقة ~~بين قضايا الفلسفة وقضايا فقه اللغة؛ فالقضايا الأخيرة تساعدنا على أن نرى في الواقع ~~المنظمات التي تأملناها من قبل تأملا فكريا وفقا لمنهج بيكون في التفلسف وهو الذي ~~يعبر عنه في هذه العبارة «فكر وانظر.» وإشارة فيكو إلى هذه العبارة تدل على أنه يؤكد ~~الجانب النظري من منهج بيكون الاستقرائي، بجانب أنها لا تنكر الطابع النظري الاستنباطي ~~للتاريخ المثالي الأبدي، غير أن هذا التاريخ يظل أمرا غامضا لم يتضح بعد بدرجة كافية، ~~فهل يقصد فيكو من فكرة عالم الأمم - كما جاءت في العبارة السابقة - أن يشير إلى نظرياته ~~العامة عن الطبيعة التاريخية والاجتماعية للإنسان، أم أراد أن يشير إلى قوانين تاريخية ~~اجتماعية استقرأها من الواقع التاريخي؟ ويظل الأمر محيرا فهل نفهم من إشارة فيكو إلى ~~فكرة عالم الأمم أنه يبدأ بتحديد الجانب النظري أو القبلي الذي يضم مبادئ التاريخ ~~وقوانينه ونظام حركته ثم يؤيدها بالنظر في الواقع، أم أنه يفعل العكس فيستخلص القوانين ~~التاريخية والاجتماعية التي تتحكم في حركة مسار التاريخ من النظر في الواقع نفسه؟ ~~وباختصار هل هو استنباطي أم استقرائي؟ لا بد أن نرجع إلى مفهوم فيكو عن المنهج لكي نحاول ~~أن نحسم هذه المسألة ونشير إلى هذه العبارة «إن علمنا الجديد في بحثه عن طبائع ~~التنظيمات البشرية ينطلق من التحليل الدقيق للأفكار البشرية عن الضروريات البشرية أو ~~منافع الحياة الاجتماعية، وهما المنبعان الدائمان للقانون الطبيعي للأمم الأممية، بهذا ~~يكون علمنا في جانبه الثاني المهم هو تاريخ الأفكار البشرية.» # 9 # ومع أن فيكو لم يبين على وجه التحديد إن كان التحليل الذي يقصده هو التحليل ~~الاستقرائي أو الاستنباطي لكن يبدو أنه يقصد المعنى الثاني عندما يؤكد - في فقرة تالية ~~للفقرة السابقة - ما يسميه أسلوب النقد الميتافيزيقي الذي يقدمه علمه الجديد: «لكي نحدد ~~أزمان وأماكن مثل هذا التاريخ - أي متى وأين نشأت هذه الأفكار البشرية - لا بد ms136 أن نثبت ~~جغرافيتها وتاريخها، وبذلك نضفي عليه اليقين عن طريق ما يمكن أن يسمى بالتاريخ ~~والجغرافيا الميتافيزيقية. إن علمنا الجديد يقدم نوعا من النقد الميتافيزيقي يتناول به ~~مؤسسي الشعوب الأولى الذين سبقوا الكتابة التاريخية بألف سنة على الأقل، والمعيار الذي ~~يستخدمه نقدنا هو المعيار الذي علمته العناية الإلهية، وهو معيار مشترك بين كل الأمم، ~~وهو الحس المشترك بين جميع أفراد الجنس البشري.» # 10 # إن فكرة النقد الميتافيزيقي فكرة لا غنى عنها في منهج فيكو، فهذا النقد هو ~~الذي يتناول الظروف أو الشروط التي تحدد نظام تطور الأفكار البشرية، ولعله قد أوضح هذا ~~في تقديمه لفكرة الكتاب، ونكتفي بأن نذكر منها هذا الجزء «يمكننا أن نشير إلى أننا في ~~هذا الكتاب نلجأ إلى منهج نقدي كان مفتقدا فيما سبق لكي يساعدنا على بحث حقيقة مؤسسي ~~هذه الأمم الأممية، وبهذا تأخذ الفلسفة على عاتقها دراسة فقه اللغة بدقة (المقصود بفقه ~~اللغة هو نظرية عن جميع التنظيمات التي تعتمد على الاختيار البشري مثل جميع تواريخ لغات ~~وعادات البشر في الحرب والسلام) وقد كانت الفلسفة تفزع من تناول فقه اللغة بهذه الطريقة ~~وذلك لغموض الأسباب وتنوع النتائج تنوعا لا نهائيا، وبهذا ترده إلى شكل من أشكال ~~العلم عن طريق اكتشافها فيه خطة تاريخ مثالي أبدي مر به في الزمان تاريخ جميع الأمم، ~~فبفضل المبادئ الجديدة لعلم الأساطير التي كشفنا عنها في هذا الكتاب فاعتبرناها نتائج ~~لمبادئ جديدة للشعر (التي كشفنا عنها هنا أيضا) بينا أن الأساطير كانت تواريخ حقيقية ~~وموثوقا بها عن عادات وتقاليد أقدم شعوب اليونان. في المقام الأول كانت أساطير الآلهة ~~تواريخ للأزمان التي اعتقد فيها بشر من البشرية الأممية الموغلة في الهمجية؛ أن جميع ~~التنظيمات الضرورية للجنس البشري كانت عبارة عن آلهة، وأصحاب هذا الشعر كانوا هم البشر ~~الأوائل الذين أسسوا الأمم الأممية عن طريق أساطير الآلهة، وهنا وبواسطة مبادئ هذا ~~النقد الجديد أمكننا أن نتأمل الأزمنة المحددة والظروف الخاصة التي شعر البشر بضرورتها ~~ومنفعتها وخصوصا أولئك البشر الأوائل من العالم ms137 الأممي.» # وواضح من هذا النص أن فيكو يقدم منهجا نقديا جديدا يحول فقه اللغة - بالمعنى ~~الواسع الذي وضحه في النص - إلى علم، فهذا النقد الجديد يكتشف الأسباب والنتائج التي ~~كانت غامضة ولم تستطع الفلسفة من قبل أن تكشف عنها، كما أن هذا النقد سيضع هذه الأسباب ~~والنتائج في صورة تاريخ مثالي أبدي مرت به خلال الزمان تواريخ جميع الأمم، أي أن ~~الفلسفة ستجعل من فقه اللغة علما عندما تزوده بمعرفة أسباب التغير التاريخي في شكل ~~تاريخ مثالي خالد، والجزء الثاني من النص يقدم أمثلة من تطبيق هذا النقد الميتافيزيقي ~~الذي اكتشف فيكو بفضله مبادئ علم الأساطير بحيث أوضح أن أساطير الآلهة قد نتجت عن أسلوب ~~في التفكير جعل البشر يصورون أفكارهم عن الضرورات والمنافع البشرية في صورة إلهية، كما ~~أوضح أن هذه الأساطير عن الآلهة والأبطال لم تكن في الواقع إلا تواريخ حقيقية عن ~~الأبطال أنفسهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهي شواهد تاريخية تعبر عن القانون الطبيعي للأمم. # والخلاصة أن فقه اللغة يصبح علميا عندما تفسر الشواهد التاريخية على ضوء نظريات ~~عامة عن مبادئ وأسباب هذه الشواهد، وفي نفس الوقت تتضمن هذه النظريات التسليم بأن هذه ~~الشواهد نفسها هي نتاج كائن تاريخي واجتماعي معين، وتعبير عن أفكاره وتصوراته عن ~~الضرورات والحاجات والمنافع، أي تعبير عن طبيعة بشرية مشتركة بين أفراد الجنس البشري ~~وخاضعة لقوانين ومبادئ محددة بلورها في التاريخ المثالي الأبدي. # 11 # وعلى الرغم من أن نصوص فيكو لا تسمح لنا ببيان موقف محدد يمكن أن نصفه بأنه استنباطي ~~من ناحية أو استقرائي من ناحية أخرى، فيمكن أن نقول إن التاريخ المثالي الأبدي هو نظرية ~~عن الأسباب المحددة لأنواع محددة من الظواهر البشرية، إنها من ناحية نتيجة تفكير فلسفي ~~أو عقلاني بدأ بتقديم الأصول والمسلمات والمبادئ ثم نظر في تاريخ البشر الفعلي لتفسيره ~~على ضوئها، ولكنها من ناحية أخرى لا تهمل النظر في الشواهد التاريخية والاجتماعية ولا ~~تبتعد عن الظواهر العينية بكل ما فيها من تنوع وثراء وتطور. والواقع أننا لا ننصف ms138 فيكو ~~إذا وصفنا هذا التاريخ بأنه تاريخ فكري أو نظري مستنبط على الطريقة الديكارتية ~~التحليلية أو الهندسية، أو وصفناه من ناحية أخرى بأنه استقرائي قائم على فحص لغوي - ~~بالمعنى الواسع لهذه الكلمات كما ذكرنا من قبل وبقدر ما أتاحت ظروف تطور العلم في عصر ~~فيكو - وذلك طبقا لمنهج بيكون، وهناك باحثون يؤيدون الرأي الأول مؤكدين أن هذا التاريخ ~~المثالي الفكري هو بناء نظري قبلي تأثر فيه بديكارت على الرغم مما صرح به من معارضته ~~لنظرية المعرفة عند ديكارت ولأفكاره الواضحة المتميزة. وهنالك باحثون آخرون يؤكدون أنه ~~اعتمد على منهج بيكون ونقله - كما قلنا - من الظواهر الطبيعية إلى الظواهر البشرية وإن ~~كان قد أكد الجانب النظري في الاستقراء ربما أكثر مما فعل بيكون نفسه. ويكفي أن نتذكر ~~أن فيكو قدم لعلمه الجديد مجموعة من المسلمات التي حللناها في الفصول السابقة فكان بذلك ~~ديكارتيا أو هندسيا بغير شك. كما يكفي أيضا أن نرجع إلى النصوص العديدة التي تكشف ~~عن طبيعة نظرية المعرفة عنده وتؤكد باستمرار أن الإنسان لا يعرف إلا ما يصنع وأن الواقع ~~الفعلي للتاريخ البشري لا يغيب عنه لحظة واحدة. إن حسم هذه المسألة أمر عسير، ويكفي أن ~~نستشهد أخيرا بالنص المشهور الذي ذكره في المنهج عندما قارن بين علم الهندسة وعلم ~~التاريخ وبين فيه أن الهندسة أيضا يمكن أن تكون علما إنشائيا خلاقا، وأن هندسته ~~للتاريخ البشري في صورة التاريخ المثالي الأبدي أكثر واقعية من علم الهندسة لأننا ~~نتعامل مع أمور بشرية أكثر واقعية من النقط والخطوط والسطوح والأشكال. «يصور علمنا ~~الجديد التاريخ المثالي الأبدي عبر الزمان، وهو الذي تسير بمقتضاه تواريخ كل الشعوب، ~~نشأتها ثم تطورها ونضوجها وتدهورها وأخيرا سقوطها.» والمبدأ الأول الثابت يفترض أن ~~الإنسان بالتأكيد هو الذي صنع عالم الأمم، والتاريخ يكون أكثر يقينا عندما يرويه صانع ~~الأحداث نفسها، وهكذا ينطبق على هذا العلم ما ينطبق على علم الهندسة - وهو أنه يقوم على ~~أساس ما وضعه من مبادئ - ولكن التاريخ بمفهوم العلم الجديد أكثر واقعية من ms139 علم الهندسة ~~لأن التنظيمات الاجتماعية والأحداث الإنسانية أكثر واقعية من النقط والخطوط والسطوح ~~والأشكال، وهذا يقوم على نظرية فيكو في المعرفة الخلاقة التي تقوم على الخلق والإيجاد ~~والصنع لا المعرفة التي تقوم على التحليل والنظر، ولعل بيان المضمون الاجتماعي ~~والتاريخي للتاريخ المثالي الأبدي أن يكون أهم بكثير من الإدلاء برأي نهائي في موقف ~~فيكو الذي يتسم بنوع من الازدواجية. # تنطوي نظرية التاريخ المثالي على التأكيد بأن الإنسان محدد من الناحيتين؛ الاجتماعية ~~والتاريخية، فلا بد أن يكون هذا التاريخ الأبدي ذا بعدين؛ البعد التجريبي الذي يتضمن ~~نظام العلاقات الاجتماعية التي يشترط وجودها في أي عصر تاريخي؛ والبعد النظري الذي ~~يتضمن نظرية القوانين التاريخية التي يقوم عليها تطور ذلك المضمون التجريبي. بهذا لا يفصل فيكو ~~الجانب التجريبي عن الجانب الميتافيزيقي، ومع أن هذه مسألة شائكة وغامضة فقد يمكن أن ~~نوضحها قليلا إذا رجعنا إلى تلخيص فيكو نفسه لمضمون التاريخ المثالي الأبدي كما قدمه ~~في الكتاب الرابع تحت عنوان مسار الأمم، حيث نجده يقدم المقولات الميتافيزيقية أو ~~الشروط والمبادئ غير التجريبية التي يقوم عليها هذا المسار. وهو يبدأ بذكر النظريات ~~التاريخية عن الطبائع الثلاث التي تمر بمقتضاها كل أمة بثلاث مراحل متميزة من التطور: ~~«سوف نرى أن الأمم تتطور وفقا لهذا التقسيم (أي إلى عصور الآلهة والأبطال والبشر) عن ~~طريق تسلسل ثابت ومتصل للأسباب والنتائج موجود عند كل أمة من خلال ثلاثة أنواع من ~~الطبيعة البشرية وما يتبعها من عادات ثلاث، وبفضل هذه العادات نلاحظ ثلاثة أنواع مختلفة ~~من القانون الطبيعي للأمم وما يتبع هذا القانون من تنظيم المراحل المدنية، فكانت ~~الحكومات الثلاث وما يقابلها من لغات ثلاث، وتشكلت ثلاثة أنواع من الرموز، كما كانت ~~هناك ثلاثة أنواع من التشريع والسلطة والعقل والأحكام.» # 12 # إذا تأملنا هذا النص وجدنا أن فيكو يميز بين نموذجين أو نظامين مختلفين؛ ~~فهو في العبارة الأولى من النص يشير إلى نظام تكشف عنه ثلاثة أنواع من الطبيعة البشرية ~~المتحققة في تواريخ كل الأمم، وهذا النظام بطبيعة الحال هو ms140 نظام تاريخي أو تطوري # genetic # ويصفه فيكو بأنه نظام سببي أو علي يؤكد شرطا ميتافيزيقيا وهو أن الماضي ~~البشري محدد بشروط تاريخية. وإذا تأملنا بقية الفقرة السابقة وجدنا أن فيكو يشير إلى ~~جانبين من نظام ذي طبيعة مختلفة عن النظام السابق، فهناك سلسلة من العلاقات الاجتماعية ~~القائمة بين أنواع مختلفة من التنظيمات في أي مجتمع، وهنا يؤكد الأساس الميتافيزيقي ~~لنظريته عن الشروط الاجتماعية التي تحدد وجود الإنسان؛ فالعادات والتقاليد التي يمارسها ~~البشر هي الأصل في التنظيمات الاجتماعية، وهذه الممارسات تكشف عن نوع معين من القانون ~~الطبيعي، ومن طبيعة هذا القانون أن يتحدد عن طريق الحس المشترك، أي عن طريق الضرورة ~~والمنفعة التي يحس بها البشر. وهكذا يتوسع فيكو في النظرية التي عرضها في الأصول فيذهب ~~مثلا إلى أن طبيعة الدولة نتيجة مترتبة على طبيعة القانون الطبيعي. كما أن مفهومه عن ~~التنظيمات البشرية يتسع فيستوعب أبعادا جديدة من التنظيم البشري بحيث يشمل اللغة ~~والكتابة والتشريع والسلطة والأحكام والعقل. # أما الجانب الثاني من هذا النظام فهو يؤكد أن أنواع التنظيمات البشرية المختلفة لا بد ~~أن تنشأ عن الطبيعة البشرية، وهو في هذا السياق يشير إلى تحولات العقل البشري، أي إلى ~~أعم وأهم خصائص العقل البشري في أي مرحلة من مراحل تطوره. وهذا هو ما أكده في المسلمتين ~~14 و15 من وجود تفاعل ضروري بين هذه التحولات وبين التنظيمات البشرية، والنظرية التي ~~قدمها فيكو في المسلمات السابقة تقول ببساطة إن الطبيعة البشرية تتكون من أشكال أساسية ~~من التفكير والشعور، وهذه الأشكال حاضرة أو متمثلة في كل تنظيم داخل أي مجتمع تاريخي أو ~~في أي تنظيم بشري. وهكذا تؤثر الطبيعة البشرية على طبيعة التنظيمات وتلونها بلونها، ~~فمنها تنشأ أنواع معينة من العادات، ومن هذه تنشأ أنواع معينة من القانون الطبيعي، ومن ~~هذه تنشأ أنواع معينة من الدول المدنية ... إلخ. هكذا حاول فيكو أن يضمن تاريخه المثالي ~~الأبدي الأسس الميتافيزيقية والفلسفية العامة والمضمون التجريبي للاجتماع البشري. فمهمة ~~النظرية الميتافيزيقية في علمه هي تنظيم مادة التاريخ ms141 المثالي الأبدي؛ ومن ثم تنظيم ~~مادة التاريخ الواقعي كله بحيث نستطيع أن نقول إنه تصور الجانب النظري تصورا قبليا ~~وفعالا في نفس الوقت، على نحو ما نتصور الأسس والشروط المعرفية في فلسفة كانط ~~الميتافيزيقية، فإذا كانت هذه الأسس والشروط قبلية وفعالة في نفس الوقت (إذ لا قيمة لها ~~إلا إذا طبقت بالفعل على الواقع) فإن نظرية فيكو الميتافيزيقية تقوم بدور فعلي وتوجه ~~التاريخ الفعلي وتنظم التجربة الإنسانية، وتطبيقاته في العلم الجديد تشهد على هذا. ~~ويكفي أن نتأمل بعض الفقرات الخاصة بالطبيعة الشعرية للبشر الأولين، فقد كانت هذه ~~الطبيعة شعرية خلاقة تصورت الأشياء المادية في صورة حية بل جسدتها على هيئة آلهة. لقد ~~كانت طبيعة قاسية ووحشية، ولكن البشر في هذه المرحلة كانوا يشعرون بخوف رهيب من الآلهة ~~التي خلقها البشر بأنفسهم. وترتب على هذا أن العادات الأولى كانت كلها ممتزجة بالدين ~~والتقوى كما كان القانون الطبيعي الأول قانونا إلهيا مقدسا لأن البشر اعتقدوا أن ~~حياتهم وحياة كل تنظيماتهم تعتمد على الآلهة لأنهم تصوروا كل شيء في صورة إله أو في صورة ~~شيء أوجده إله. أضف إلى هذا أن الحكومات الأولى كانت إلهية مقدسة أو ثيوقراطية يخضع كل ~~شيء فيها لحكم الآلهة. لقد كان هذا العصر هو عصر التنبؤات وهي أول تنظيمات بشرية معروفة ~~في التاريخ. ولا حاجة بنا أن نعيد ما ذكره فيكو عن لغة هذا العصر ولا عن نوع التشريع ~~الذي ساد فيه، ولا عن نوع السلطات التي حكمت فيه والأحكام # 13 ~~... إلخ. # هذا العرض يلقي الضوء على مفهوم فيكو عن التاريخ المثالي الأبدي؛ إذ يبين كيف ينظم ~~مضمون محدد (وهو العالم الشعري للإنسان الأول) وفقا لنظرية اجتماعية صورية تستجيب هي ~~نفسها لمطالب ميتافيزيقية معينة، وهذا المضمون ينظم وفقا للنموذجين اللذين ميزناهما من ~~قبل، فهو أولا ينظم وفقا لنظريات العلاقات الاجتماعية المحددة (الإيمان بأن الآلهة ~~تتمثل في كل شيء نتجت عنه تنظيمات اجتماعية معينة تمثلت في اللغة والتشريع ونظام الحكم ~~... إلخ) إن النظام اللاهوتي للحكم عند الإنسان في هذه ms142 المرحلة الشعرية يعتمد على تصوره ~~للقانون الطبيعي، وتصوره للقانون الطبيعي يحدده عاداته وهذه بدورها تتحدد برؤيته ~~الأساسية للعالم. أضف إلى هذا كله أن شبكة التنظيمات البشرية بمعناها الواسع تتأثر ~~بالطبيعة البشرية، فملكات التخيل لهذا الإنسان - وهي ملكات بعيدة عن العقلانية - هي الشرط ~~الذي يحدد عادات هذا الإنسان ودينه ومعتقداته، كما تحدد أيضا لغته وتصوره للعدل ~~ولنظامه القانوني بوجه عام، وهي تحقق هذا كله عن طريق سلسلة من العلاقات بطريقة تؤكد أن ~~مكونات العالم البشري مستمدة من طبيعة البشر الذين صنعوا هذا العالم، فإذا تغير البشر ~~وفقا لتصور فيكو عن تطور الإنسان التاريخي وتغيره فإن مضمون العالم الإنساني - لا ~~بنيته - لا بد أن يتغير تبعا لذلك. وهكذا يؤكد فيكو من كل ما سبق أن هناك نوعا من الوحدة ~~التي تؤلف بين التنظيمات البشرية في أي مجتمع تاريخي، ولكنها ليست وحدة منطقية تصورية، ~~بل وحدة تقوم على ملكات البشر الذين صنعوا هذه التنظيمات وأساليب تفكيرهم أو بمعنى آخر ~~تقوم على وحدة الطبيعة البشرية، والدليل على أن هذه الوحدة ليست نظرية عقلية خالصة ~~وإنما هي وحدة طبيعية واقعية هو تطور التنظيمات البشرية عبر مراحل مختلفة، وبعض هذه ~~التنظيمات يظل قائما في مرحلة تالية كان التطور يقتضي اختفاءها. ففي ظل الحكم الإقطاعي ~~تبقى بعض صور الحكم الأرستقراطي، وفي ظل حكم الآباء في العصر الديني تبقى بعض صور ~~الطبيعة الوحشية التي كانت تغلب على هؤلاء الآباء قبل انتقالهم إلى المرحلة الدينية، ~~وفي ظل الحكومات الأرستقراطية بقي لآباء الأسر نفس السلطة المطلقة التي كانوا يتمتعون ~~بها في الحالة الطبيعية الأولى، وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه عن أن فيكو كانت لديه بصيرة ~~صادقة بالواقع ولم تستعبده سلطة النظريات. صحيح أنه يتمسك بالبناء النظري بوجه عام ~~ويطبقه على الواقع ويحاول أن يبين على الدوام أن تاريخه المثالي الأبدي تاريخ حقيقي؛ ~~فالواقع الفعلي نفسه لا يغيب عنه لحظة واحدة، كما أنه لا يتردد عن تأكيد اختلاف هذا ~~الواقع الفعلي في مرحلة معينة عن مقتضيات البناء النظري. # 14 # ومعنى ms143 هذا أن مذهبه يتسع في وقت واحد للضرورة النظرية وللإمكان الواقعي التاريخي، ~~فهناك قوانين تحدد نظام تطور الطبيعة البشرية ومبادئها، ولكن الطبيعة البشرية نفسها ~~تتحرك عبر التاريخ حركة قد تخرج من حين إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى عن ذلك النسق ~~النظري، بل إنه قد فطن إلى هذه الحقيقة وعبر عنها في إحدى مسلماته «العادات الفطرية لا ~~تتغير كلها دفعة واحدة ولكن تدريجيا وتستغرق فترات طويلة من الزمن.» وهذا كله يدعونا ~~أخيرا إلى القول بأن النظر والعمل يتفاعلان في فلسفة فيكو بحيث تبقى مشكلة الازدواجية ~~التي أشرنا إليها مرارا مشكلة قائمة ولا يمكن حسمها لحساب النظر وحده أو العمل وحده. ~~ولعل هذه الازدواجية نفسها أن تكون دليلا على صدق نظرته وعمق إحساسه بالواقع التاريخي ~~الذي لا يكف عن التغير والتطور. فهو واقع يخضع لقوانين وشروط محددة دون أن يستجيب لها ~~بطريقة حسابية وحتمية خالصة. # إن نموذج التطور الذي حدد به فيكو مسار التاريخ ووصفه في نظريته عن التاريخ المثالي ~~الأبدي هو نموذج تخطيط ثلاثي للتطور، فهو يميز بين ثلاثة عصور تعبر عن تاريخ كل أمة أو ~~بين ثلاث طبائع بشرية تحدد هذا التقسيم بحيث يتطور كل نوع من أنواع التنظيمات في ثلاث ~~مراحل عضوية متتالية. ويصف فيكو كل واحد من هذه المراحل بمجموعة من الصفات الأساسية ~~التي تميزها؛ فالطبيعة الأولى شعرية أو خلاقة أو إلهية لأنها طبيعة يقوم فيها الخيال ~~بدور رئيسي ويعتمد على رؤية دينية إلى العالم تؤثر على جميع التنظيمات القائمة فيه. أما ~~الطبيعة الثانية فهي بطولية لأنها تعترف بالقوة وتمجدها وتقيم عليها كل الأوضاع ~~الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية. وأخيرا تأتي الطبيعة الثالثة وهي ~~الطبيعة الإنسانية لأن أصحابها يملكون قدرة على التفكير العقلي في الأشياء وفهم طبيعتها ~~الحقيقية. ويتطابق مع هذا التقسيم الثلاثي للطبائع تقسيم ثلاثي آخر للعصور الشعرية ~~والبطولية والإنسانية، وكل عصر من هذه العصور يمثل نسقا من التنظيمات يتطور تطورا ~~حتميا نتيجة للطبيعة البشرية الملازمة لها. وأخيرا فإن كل تنظيم بمفرده في داخل هذه ~~العصور يتطور ms144 بدوره تطورا يعبر عن خصائص الطبيعة البشرية في كل مرحلة. # ونكتفي بتقديم مثل واحد يعبر عن تصور فيكو لهذا التخطيط الثلاثي من خلال التاريخ ~~المثالي للقانون الطبيعي؛ فالقانون الأول كان قانونا إلهيا لإيمان البشر بأنهم ~~يعتمدون على الآلهة كما تعتمد عليها كل التنظيمات؛ وذلك لأنهم تصوروا كل شيء في صورة ~~إله أو تصوروا أنه من صنع إله. ثم يأتي بعد ذلك القانون البطولي الذي كان قانون القوة ~~التي يتحكم فيها الدين ويضعها في داخل حدود لا تتعداها حيث تعجز القوانين البشرية عن ~~التحكم فيها؛ فقد كان الدين في هذه المرحلة هو الوسيلة الوحيدة لترويض الطبيعة الوحشية ~~للبشر الأوائل لتعويض عجزهم عن التفكير العقلي. وأخيرا تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة ~~القانون الإنساني الذي يمليه العقل المتطور الناضج. هكذا نرى أن طبيعة القانون تتحدد ~~بطبيعة الإنسان، فهي في المرحلتين الأوليين طبيعة تتسم بعجز العقل، ولكنها تتطور إلى ~~مرحلة ثالثة يتم فيها تطور هذا العقل تطورا كاملا، وبذلك يتغير تصور البشر للقانون ~~الطبيعي مع تغير طبيعتهم. ويتناول فيكو تاريخ القانون الصارم الذي ساد العصرين الأول ~~والثاني والفرق بينه وبين القانون الرحيم الذي ساد العصر الثالث، ثم يزيد الفرق بين هذه ~~القوانين الثلاثة وضوحا فيميز بين قانون يستند إلى السلطة وينفذ بناء على ما فيه من ~~يقين، وبين قانون تمليه المنفعة الخالصة في كل حال. وينبغي أن نلاحظ هنا أن التفرقة ~~التي يقيمها فيكو بين هذه الأنواع المختلفة من القانون تقوم على طبيعة التفكير البشري ~~وتطوره من الإحساس والخيال إلى العقل؛ فالقانون الصارم هو قانون البشر الذين يفتقرون ~~إلى القدرة على التفكير العقلي في طبيعة الأشياء وفي أنفسهم وفي المجتمع والقانون ... ~~إلخ؛ ولهذا فإنهم يعجزون عن تطبيق القانون على ضوء الفهم الحقيقي لطبيعة الأشياء التي ~~يتعلق بها هذا القانون، إنهم يطبقون القانون تطبيقا حرفيا ولهذا فهو قانون قاس ~~ولكنه يقيني، وما دام يفتقر إلى فهم طبيعة القانون فهو لا يطبق إلا عن طريق السلطة التي ~~تدعمه وتفرضه، وهذه السلطة بدورها تعتمد على رؤية دينية ms145 أو عقيدة لاهوتية نبعت منها ~~فكرة السلطة نفسها. وهكذا نرى أنه نتاج طبيعة بشرية لم يكتمل فيها تطور العقل. فإذا ~~نظرنا إلى القانون في المرحلة الأخيرة وهو قانون يتصف بالرحمة والإنصاف والعدالة وجدنا ~~أنه يعبر عن الطبيعة البشرية التي اكتمل فيها نمو العقل بحيث أصبح قادرا على فهم طبائع ~~الأشياء، ولم يكن من الممكن أن يبلغ الإنسان مرحلة العقل إلا في مجتمع اكتمل تطوره ~~التاريخي. # وكل هذا يؤكد أن تطور القانون - كتطور غيره من الأنظمة - يعتمد على مبادئ تطور الطبيعة ~~البشرية نفسها، فهذه الطبيعة تنتقل من مرحلة تغلب فيها ملكة الإحساس والتخيل إلى مرحلة ~~تالية تستطيع فيها أن تفهم حاجاتها ومطالبها وأن توجد التنظيمات التي تشبع هذه المطالب ~~والحاجات. وهكذا فإن المبادئ التي توجه التاريخ هي نفس المبادئ التي توجه تطور الطبيعة ~~البشرية، وهذا المثل الذي قدمناه عن تطور القانون يلخص في الواقع نظرية فيكو العلمية عن ~~التاريخ المثالي الأبدي. وقد يبدو أن المبادئ التي تسير الطبيعة البشرية هي مبادئ لم ~~تستمد من حركة التاريخ نفسه وإنما فرضها فيكو على التاريخ. وحجة الشراح الذين يذهبون ~~إلى هذا الرأي هو أنه إذا كان تاريخ التنظيمات البشرية يتحدد بتطور الطبيعة البشرية، ~~فإن هذه الطبيعة لا يمكن هي نفسها أن تتحدد تاريخيا ولا بد أن يحددها مبدأ ميتافيزيقي ~~متعال على التاريخ، ومعنى هذا أن فيكو قد وضع هذه المبادئ أو اكتشفها قبل أن يحاول فهم ~~التاريخ نفسه في حركته الواقعية. وهذا التفسير قد أغرى هؤلاء الشراح بأن يشبهوا نظرية ~~فيكو عن السببية التاريخية بفكرة هيجل عن «دهاء العقل» التي تعتبر أن تطور التاريخ ~~والنظم التاريخية يقوم على ضرورة ميتافيزيقية بحتة، أي على مبدأ متعال يوجه التاريخ من ~~خارجه. وعلى الرغم من التشابه بين تطور الإنسان نحو العقل عند فيكو وتطور العقل عند ~~هيجل، فإن المبادئ التي تحدد تطور الطبيعة البشرية عند فيكو هي مبادئ ذات طبيعة تاريخية ~~اجتماعية. إن هذه الطبيعة البشرية تتطور تتطورا عضويا - وفق النموذج الذي قدمناه - من ~~خلال السياق التاريخي ms146 والاجتماعي الذي تتم فيه أفعال البشر. ولا بد من القول بأن التطور ~~التاريخي الاجتماعي لتطور العقل عند فيكو مختلف كل الاختلاف عن تصور هيجل الذي لا شك ~~أنه تصور ميتافيزيقي متعال على التاريخ. ويكفي أن نقول إن الدور الذي يقوم به العقل ~~مختلف تمام الاختلاف عند فيكو عنه عند هيجل، فالعقل المطلق عند هيجل يتطور - كما هو ~~معروف - تطورا ذاتيا نحو الوعي بذاته، أما عند فيكو فهو يتطور إلى حد معين ويتعرض ~~للانتكاس والانحراف عن مساره بحيث يرجع إلى عصر البربرية التي ينتهي إليها «التاريخ ~~المثالي الأبدي» ويعود إلى أساليب التفكير الشعرية أو الخيالية التي مر بها في مرحلة ~~سابقة على مرحلة التفكير العقلي. ولو آمن فيكو أن التاريخ هو نتيجة التطور الذاتي للعقل ~~- كما ذهب هيجل - لكانت عملية التطور بلا نهاية؛ فالعقل عنده لا يتطور إلا داخل ظروف ~~تاريخية اجتماعية محددة يكون مشروطا بها، والدليل على هذا أنه في المرحلة البربرية لا ~~ينتكس لأساليب التفكير السابقة - التي كان قد تجاوزها إلى مرحلة التعقل والفهم - وإنما ~~تنتكس معه تلك التنظيمات الاجتماعية التي عبرت عن مرحلة النضج العقلي (من قانون وسياسة ~~واقتصاد ... إلخ). # نستخلص من هذا أن فيكو لم يتصور العقل كماهية مستقلة، ولم ينسب له أي قدرة ذاتية على ~~التطور، ولم يجعله سببا من أسباب التطور التاريخي، إن العلة الأساسية للتغير الاجتماعي ~~أو التطور التاريخي عنده هي الطبيعة البشرية نفسها كما تتطور في ظروف تاريخية واجتماعية ~~محددة، وهذه الطبيعة البشرية التي ينشأ عنها كل شيء لا توجد منعزلة عن شبكة التنظيمات ~~البشرية التي أوجدتها، فهي ليست شيئا متعاليا على عادات البشر وقوانينهم. والبشر ~~أنفسهم في مرحلة معينة هم التعبير الحي عنها وتاريخهم هو تاريخها. والخلاصة أن نظرية ~~فيكو عن الطبائع الثلاث التي تحدد التاريخ المثالي الأبدي لأي أمة ليست نظرية غير ~~تاريخية ولا مبدأ متعاليا على التاريخ تستنبط منه مبادئ التغير التاريخي. إنه في ~~الحقيقة مبدأ تاريخي يعبر عن نظريته عن التطور التاريخي للتنظيمات البشرية. وفيكو نفسه ~~يؤكد هذا في ms147 الفقرة التي مهد بها للتلخيص الذي قدمه عن التاريخ المثالي الأبدي - والتي ~~ذكرناها من قبل - «... سوف نرى أن الأمم تتطور وفقا لهذا التقسيم (أي إلى عصور الآلهة ~~والأبطال والبشر) عن طريق تسلسل ثابت ومتصل للأسباب والنتائج موجود عند كل أمة من خلال ~~ثلاثة أنواع من الطبيعة البشرية.» وواضح من هذه العبارة أنه يوحد بين التطور العلي لأي ~~أمة وبين التطور الثلاثي للطبيعة البشرية، وهذا يستبعد تماما أن تكون الطبيعة البشرية ~~بمعزل عن التسلسل المتصل للأسباب والنتائج. # 15 # ولعل كل ما ذكرناه من قبل عن الطبيعة البشرية يؤكد أنها تتفاعل مع التنظيمات التي ~~تعبر عن مرحلة معينة بحيث إن هذه التنظيمات تعكس أسلوبها في التفكير والاعتقاد ~~والتقييم، ثم تعود هذه التنظيمات نفسها فتؤثر على الطبيعة البشرية بحيث تنتقل إلى مرحلة ~~جديدة تعبر عنها مرة أخرى بتنظيمات جديدة ... وهكذا. ولو تأملنا عددا من المسلمات التي ~~يضع فيها فيكو المبادئ التطورية للتاريخ المثالي الأبدي، ابتداء من مسلمة رقم 64 إلى ~~مسلمة رقم 68 لوجدناه يقول فيها صراحة: «إن نظام الأفكار يجب أن يتبع نظام التنظيمات، ~~لقد كان هذا هو النظام الذي سارت عليه التنظيمات البشرية: فهي تبدأ بالغابات ثم ~~الأكواخ ثم القرى وبعد ذلك تأتي المدن وأخيرا نصل إلى الأكاديميات.» ~~«إن طبيعة الشعوب تكون في البداية فظة ثم تكون قاسية ثم تميل إلى الرحمة والرقة ~~وأخيرا تتفكك وتتحلل.» ~~«إن البشر يشعرون في البداية بالضرورة ثم يبحثون عن المنفعة، ثم يميلون إلى الراحة ~~وبعد ذلك يستمتعون باللذات وينغمسون - إلى حد الفساد - في الترف وأخيرا يستولي عليهم ~~الجنون ويفقدون جوهرهم.» # ومن هذه النصوص يتبين بصورة واضحة أن الطبيعة البشرية تتطور في إطار السياق التاريخي ~~والاجتماعي وفي داخل التنظيمات الاجتماعية والسياسية ... إلخ التي يوجد فيها البشر أو ~~بالأحرى التي أوجدوها تعبيرا عن طبيعتهم المتطورة. فكل مرحلة من المراحل التي أشار ~~إليها النص هي شرط ضروري للمرحلة التالية لها؛ لأن البشر يكتسبون فيها قدرات أو ~~استعدادات معينة تصبح بدورها شرطا لقيام تنظيماتهم في المرحلة التالية، ومن المستحيل ms148 ~~أن تتطور الطبيعة البشرية بمعزل عن هذه التنظيمات، ومجمل القول أن نموذج التطور الذي ~~قدمه فيكو في صورة التاريخ المثالي الأبدي هو في الواقع نظرية علمية تاريخية عن سلسلة ~~محددة من الشروط التي تقوم على أساسها التنظيمات التي لا حياة للإنسان إلا في ظلها ولا ~~حياة له بغيرها. ففي ظل هذه التنظيمات يمكنه أن ينمي ملكاته وقدراته الاجتماعية التي ~~تكون طبيعته البشرية وتحدد طبيعة تطوره التاريخي. # ننتهي من هذا إلى أن التاريخ المثالي الأبدي الذي قدمه فيكو كنظرية علمية في المعرفة ~~التاريخية، يتضمن البناء النظري الميتافيزيقي والمضمون التجريبي معا، وأن تصوره للبناء ~~النظري تصورا قبليا وفعالا في نفس الوقت؛ يشبه إلى حد كبير الشروط القبلية ~~للمعرفة عند كانط؛ لهذا نبه «ياكوبي» في كتابه عن الأمور الإلهية والكشف عنها (عام ~~1811م) إلى سبق فيكو لكانط في القول بالمبادئ القبلية في المعرفة، وكتب يقول: «إن لب ~~الفلسفة الكانطية هي الحقيقة التي تقول إننا لا نفهم الشيء إلا بقدر ما نستحضر وجوده ~~أمامنا في الفكر أو بقدر ما نوجده في الفهم. وقبل كانط بزمن طويل وفي بداية القرن ~~الثامن عشر كتب فيكو في نابولي يقول إننا في الهندسة نبرهن لأننا نوجد أو نبدع، وقبل ~~أن نبرهن على شيء في الفيزياء لا بد كذلك أن نكون قادرين على الخلق والإبداع، وهكذا فإن ~~الذين يحاولون إثبات وجود الله بطريقة قبلية يجب أن يوجه إليهم تهمة التطفل والتطاول، ~~إن وضوح الحقيقة الميتافيزيقية يشبه وضوح النور الذي لا نعرفه إلا عن طريق الأشياء ~~المعتمة لأننا لا نرى النور نفسه وإنما نرى الأشياء التي تعكسه، إن الأشياء المادية ~~معتمة ولها شكل وحدود وفيها نرى ضوء الحقيقة الميتافيزيقية.» # إن المبدأ الذي تقوم عليه نظرية فيكو في المعرفة يقترب من المبدأ الذي تقوم عليه ~~فلسفة كانط النظرية التي عبر عنها في مقدمة نقد العقل الخالص بقوله: «عندئذ أشرق شعاع ~~من الضوء على جميع دارسي الطبيعة؛ إذ فهموا أن العقل لا يدرك (في الأشياء) إلا ما أنتجه ~~هو وفق خطة من ms149 وضعه، وأنه لا بد له أن يشق الطريق أولا بمبادئ أحكامه حسب قوانين ثابتة ~~ثم يضطر الطبيعة اضطرارا أن تجيب عن أسئلته، وأن عليه ألا يدع الطبيعة تسوقه وكأنها ~~تسحبه وراءها بالحبال؛ إذ لولا ذلك لاستحال على الملاحظات العرضية التي لا تتم وفق خطة ~~سابقة مدبرة أن تنتظم في قانون ضروري يسعى إليه العقل ويتطلبه، ولا بد للعقل أن يتقدم ~~إلى الطبيعة وهو يضع في إحدى يديه مبادئه التي يمكنها وحدها أن تجعل من الظواهر ~~المتواترة قوانين صادقة، كما يضع في اليد الأخرى التجربة التي صاغها طبقا لتلك المبادئ ~~العقلية. حقا أن عليه أن يتقدم من الطبيعة لكي يتعلم منها، ولكنه وهو يفعل ذلك لا ~~يكون شأنه شأن التلميذ الذي يصغي لكل ما يشاء المعلم أن يمليه عليه، وإنما يكون مثل ~~القاضي الذي يرغم الشهود على الجواب عن الأسئلة التي يطرحها عليهم.» # 16 # هنا نستطيع أن نقول إنه إذا كان كانط قد قدم نقدا للعقل الخالص ونقدا للعقل العملي، ~~فإن فيكو قدم نقدا للعقل التاريخي. لقد أراد كانط أن يصل - في مجال المعرفة - إلى ~~مبادئ قبلية تصور أنها ثابتة ونهائية ومقولات مطلقة لا تتغير، بينما نجد القبلي عند ~~فيكو كامنا في التاريخ ويتحقق شيئا فشيئا مع تطور الوعي الإنساني وانتقاله من حالة ~~الطبيعة إلى الحالة الإنسانية، فالقبلي عنده ليس نسقا لأنه يعمل في مجال التاريخ الذي ~~هو بطبعه مجال التغير والصيرورة والحركة الدائمة، ولكن هل القول بهذا التشابه يعني أننا ~~نجد عند فيكو مجرد نموذج مثالي أبدي يوجه التاريخ بحيث يكون بلغة كانط هو الشرط القبلي ~~للتاريخ؟ أم أن هذا النموذج الأبدي مجسد في التاريخ بشكل واقعي حي؟ إننا لا بد أن نتصوره ~~من الزاويتين معا بحيث يكون الأبدي شرطا مسبقا للفعل البشري في التاريخ ويكون ~~التاريخ تجسيدا حيا للأبدي أو للنموذج المثالي الذي حدده فيكو. الطبيعة الإنسانية ~~إذن التي هي علة التطور التاريخي ليست جوهرا ثابتا مطلقا بل طبيعة متغيرة ~~ومتطورة. وكما تضمن التاريخ المثالي الأبدي في داخله فهو ms150 لا يعلو على الواقع المتغير. ~~وقد رأينا كيف أن فيكو اختبر صدق مبادئه الضرورية على ضوء الواقع التاريخي، وكما رأينا ~~أن التاريخ الحقيقي للتنظيمات البشرية هو نشأتها من تحولات العقل البشري. ومن تطور هذه ~~التنظيمات يكون هناك دائما مجال للإبداع والابتكار والتغير، فعندما تنهار هذه ~~التنظيمات في آخر مرحلة من مراحل تطورها تعود لتبدأ من جديد، ولكنها لا تعود أبدا بنفس ~~الطريقة. والتاريخ لا يعيد نفسه ولا يتحرك بشكل دائري منتظم وإنما يتحرك بشكل حلزوني ~~لولبي. والدورات التاريخية تأتي دائما بالجديد فتظهر الحروب والثورات من حين لآخر في ~~التاريخ، ولكن كل حرب مخالفة لما قبلها، وكل ثورة فيها الجديد طبقا لما تعلمته البشرية ~~من الماضي. والتطور التاريخي عند فيكو ليس دائما تطورا إلى الأمام. وقد عرضنا في ~~الباب الثاني نصوص فيكو الأصلية عن عودة مسار الأمم، ورأينا أن هناك عصور انهيار وتدهور ~~في مسار التاريخ يعقبها عصور ازدهار من جديد؛ فالبشرية التي تتردى في هاوية البربرية، ~~لا تسقط في نفس البربرية الحسية الأولى بل في بربرية يمكن أن توصف بأنها بربرية عقلية ~~يكون فيها العقل قد فقد مضمونه الحي وأصبح شكلا أجوف. وهذه فكرة مختلفة عن فكرة التقدم ~~كما سادت في عصر التنوير وهو نفس العصر الذي ينتمي إليه فيكو وإن اختلفت نظرته إلى ~~التقدم عن نظرة فلاسفة هذا العصر. ولكي نوضح هذا التباين لا بد أن نلقي الضوء على نشأة ~~هذه الفكرة - فكرة التقدم - في نهاية القرن السابع عشر حتى سادت وانتشرت بين الأغلبية ~~العظمى من فلاسفة القرن الثامن عشر، ولا بد أن نعرف هل كان لدى فيكو تقدم تاريخي بمفهوم ~~ذلك العصر؟ ~~(4) فيكو وفكرة التقدم # في أواخر القرن السابع عشر وطوال القرن الثامن عشر أخذ الفكر الحديث يؤكد ثقته بالأسس ~~العقلية والمنهجية التي عمل على إرسائها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتزايد ~~وعيه باختلافه عن الفكر القديم، وبقوته وسلطته في مواجهة القيم التي ظلت حية عبر ~~القرون، وارتفعت الأنساق الفلسفية والرياضية التي تطمح للكمال، وراح كل فيلسوف ms151 يبني ~~مذهبا يزيح المذهب السابق عليه ليحتل مكانه، وشعر أقطاب العلم الجديد الشامل بتفوق ~~معرفتهم على معرفة القرون السابقة وباختلاف تصورهم للعلم عن التصور المسيحي والمدرسي ~~له. وهكذا أصبحنا إزاء فكر جديد وعلم جديد يؤكد اختلاف العقل عن الوحي والعلم عن ~~الإيمان. ويبدأ الشك في الوقوف من التصورات المسيحية بوجه عام موقف النقد كما فعل من ~~قبل في مواجهة العلم المدرسي. ويظهر الاعتزاز بالتقدم والتطور، ويصبح الشك الذي مارسه ~~ديكارت من قبل كتمرين على العودة لليقين والإيمان مرانا مستمرا وعملا دائبا يفضح ~~كل ما هو عرضة للشك. وتتعدد طرق البحث الدائب، فبجانب الشكاك والنقاد نجد المؤمنين ~~بالعلم وبالتقدم إيمانا ربما بلغ حد الجنون، فقد بدأت فكرة التقدم في الازدهار من ~~نهاية القرن السابع عشر عندما أعلن فونتنل # Fontenelle ~~(1657-1757م) أنه لا نهاية ~~للتطور البشري. # كل هذه الاتجاهات المتعددة اندرجت تحت عنوان «التنوير»، وهي الصياغة الاجتماعية للنور ~~الفطري الذي تحدث عنه ديكارت وإسبينوزا من قبل، لقد ظل النور الفطري في القرن السابع ~~عشر منهجا للمعرفة وأصبح في القرن الثامن عشر ثورة اجتماعية بعد أن أصبح الفكر موجها ~~للواقع، وطالب فلاسفة النور الفطري بحق الفكر، وطالب فلاسفة التنوير بحق الفكر في توجيه ~~الواقع، وبأن يعيشوا في عالم يحكمه الفكر. # 17 # وكانت السمات الأساسية للتنوير هي الاعتزاز بالمعرفة، والإيمان بالعقل، ~~والأمل في القادم الجديد، هذا هو الرباط الذي كان يوحد ذلك العصر على الرغم مما ساده من ~~تنوع مجالات المعرفة، فقد ازدحم عصر التنوير بالمتطلعين إلى المعرفة، نذكر منهم على ~~سبيل المثال «ليبنتز» الذي أخذ يسعى في نهم شديد إلى المعرفة الموسوعية ولا يقل عنه ~~«بيير بايل» الفيلسوف الناقد، كذلك جون لوك الطبيب والفيلسوف والمربي والمفكر السياسي، ~~فهو واحد من هؤلاء الموسوعيين أصحاب الجوانب الكثيرة المتعددة. إنهم جميعا قد حاولوا ~~بدرجات متفاوتة من التوفيق أن يوحدوا أشتات معارفهم، ولا يقل عنهم فولتير الذي جمع بين ~~الأدب والفلسفة والتاريخ، وكما تنوعت المعرفة ازداد تنوع العلوم الجزئية وتخصصها خاصة ~~العلوم الطبيعية، لقد نهض الفلك في ms152 القرن السابع عشر وبجانبه الفيزياء والميكانيكا ~~والكيمياء، وراح العقل يعزل الأشياء ويحللها ويستخلص تصوراتها المجردة، وإلى جانب الفكر ~~التحليلي سادت روح النقد العصر كله وكثرت محاولات إبراز المتناقضات التي حفلت بها ~~المعرفة القديمة والجديدة. # وينمو في هذا العصر - عصر التنوير - وعي متفائل بالتقدم، سعيد بالمعارف الجديدة ~~المتنامية، ولعل هذا الوعي السعيد المعتز بما توصل إليه من علم ومعرفة، المستبشر ~~بمستقبل الإنسانية العاقلة العالمة، هو أهم ما يميز عصر التنوير، لقد أحس فيه الإنسان ~~بأنه بلغ سن الرشد وجاوز المرحلة التي كانت تفرض فيها الوصاية عليه، وشعر هذا الإنسان ~~بأنه يحيا في عصر يفوق سائر العصور السابقة بما فيه من أنوار. # والإيمان بالنزعة العقلية من أهم ما يميز عصر التنوير، ولعل تمجيد العقل لم يبلغ عند ~~أي مفكر من مفكري هذا العصر مثل ما بلغه عند الفيلسوف الألماني كرستيان فولف (1679-1754م) الذي يرى أن الإنسان لم يتلق من الله شيئا أروع من العقل، ويستحق الإنسان أن ~~يسمى إنسانا بقدر ما تزداد قدرته على استخدام قواه العقلية. ويتفوق «عقل العصر» ونقصد ~~به فولتير على معاصره الألماني في تمجيد العقل وتحرير الوعي، ويتغنى في كتبه بتقدم ~~العلم والفن، ولكن مع ذلك لا يغيب عنه أن السعادة بالتقدم مجاورة للشقاء والآلام التي ~~تسببها حروب العصر واضطراباته «إن الفضل في هذا التقدم كله يرجع لبعض المفكرين ~~والعباقرة المنتشرين بأعدادهم القليلة في مختلف أنحاء أوروبا، وقد ظلوا مجهولين زمنا ~~طويلا وكثيرا ما لاحقهم الاضطهاد. لقد أضاءوا العصر بأنوارهم وعزوه عن آلامه في الوقت ~~الذي كانت فيه الحروب تخربه.» إن السعادة بالمعرفة التي يحسها العقل قد مازجها الشعور ~~بالتناقض والتمزق والشك، يقول فولتير في قاموسه الفلسفي تحت مادة التناقض: «كلما أمعن ~~الإنسان النظر في العالم أدرك أنه مليء بالمتناقضات والغرائب، إن العالم لا يتركب إلا ~~من متناقضات ومن الضروري تخليصه منها.» إن تمجيد العقل والتفاؤل بالتقدم على كل لسان، ~~ومع ذلك تسري نغمة حزينة خاصة حين يتعرض هذا العقل للقيم التقليدية والحقائق الكبرى. ~~يقول فولتير في قاموسه ms153 السابق الذكر تحت مادة الروح: «إنني أومن بوجود كائن عاقل، وأومن ~~بوجود الله، أما في كل ما عدا ذلك فإنني أتعثر في الظلام، أسلم اليوم بفكرة، وأشك فيها ~~في الغد، وأنكرها بعد الغد، وفي كل يوم أتعرض للخطأ والضلال، ولقد صارحني جميع الفلاسفة ~~الأمناء بأن حالهم في ذلك لا تختلف عن حالي.» # وعلى الرغم من إيمان فولتير بالتقدم اللامحدود لمستقبل البشرية، إلا أننا نجد عنده ~~أيضا ما يشير إلى انحراف مسار التقدم عندما اعتقد أن المصادفة تتحكم في الأحداث حين لا ~~تكون خاضعة بوعي للعقل الإنساني، وعنصر المصادفة واضح في التشريع «إن كل القوانين ~~تقريبا قد وضعت لمواجهة حاجات عابرة، كالأدوية التي تستعمل عشوائيا فتشفي أحد المرضى ~~وتقتل آخرين.» وتبعا لهذه النظرية، كان من المستطاع انحراف تقدم الإنسانية في أي لحظة ~~واتباعها طريقا مختلفا، ولكن بغض النظر عن أي طريق ستتبعه فإن طبيعة العقل الإنساني ~~كفيلة بأن تحقق تقدما في الحضارة. ويكشف بيري عن طبيعة التقدم عند فولتير فيقول إن قارئ ~~«المقال» وعصر لويس الرابع عشر «ربما شعر بعد قراءته للكتابين بهشاشة التقدم وعشوائيته. ~~فلو صح القول بأن المصادفة تتحكم في الأحداث، أو أن أحداثا عارضة هي التي تتحكم في ~~نهوض الإمبراطوريات وسقوطها وتعاقب الأديان وثورات الدول ومعظم التحولات الكبرى في ~~التاريخ؛ فهل يكون هناك أي أساس مفحم للاعتقاد بأن العقل الإنساني - وهو الذي نسب إليه ~~فولتير تقدم الحضارة - سيسود في المدى الطويل؟ لقد انتظمت الحضارة هنا وهناك فكانت هناك ~~عصور من التقدم السريع، ولكن كيف نستطيع الاطمئنان إلى أن هذه الأحداث ذاتها ليست عابرة ~~أيضا بعد أن جاء التدهور في أعقاب الازدهار، والنكوص في أعقاب التقدم؟ فهل يستطاع ~~القول بأن التاريخ مؤيد للقول بنهوض العقل إلى درجة تحول دون قيام المصادفة بتهديد ~~إرادته؟ وهل يزيد مثل هذا الاستدلال عن مجرد أمل لا تؤيده وقائع التجارب الماضية، إنه ~~مجرد خاطر يتمشى مع روح التنوير.» # 18 # لقد احتشد العصر بالعديد من فلاسفة التقدم أمثال «تورجو» الذي حاول تتبع مصير الجنس ~~البشري ms154 على ضوء فكرة التقدم، واتفق مع فولتير في تصورهما للتقدم التدريجي للبشرية نحو ~~حالة من التنور والمعقولية، وكذلك كوندورسيه الذي وضع تصميما لتاريخ الحضارة على ضوء ~~فكرة التقدم وألف «صورة تاريخية لتقدم العقل البشري» وأكد حدوث تقدم غير محدود وموثوق ~~به في التنور وفي المجتمع، وعمد إلى التفكير في طبيعته واستبصار اتجاهه وتحديد هدفه، ~~وأصر على الكتابة عن التوقعات المنتظرة في المستقبل البعيد، ومضى يثبت أن حركة التقدم ~~لن تعود للوراء قط ما دامت الأرض تشغل مكانتها الحالية في نظام الكون؛ فالتقدم ليس ~~مشروطا بأية شروط سوى بقاء الأرض، فلن يحدث أي نكوص إلى الهمجية. # 19 # هذا بالإضافة إلى ظهور الموسوعة الفرنسية عام 1750م تحت إشراف ديدرو ~~ودالمبير فجمعت بين دفتيها مفكرين وكتابا يمجدون العقل وينظرون إلى التقدم في المعرفة ~~كمسلمة بديهية، فقامت الموسوعة بتجميع المعرفة الجديدة ومحاربة المعرفة القديمة ورفع ~~رايات التقدم والإيمان بالعقل الشامل. # والجدير بالذكر أن هذه النظرة المتفائلة التي سادت عصر التنوير تمركزت في المجتمع ~~الفرنسي، وتغنى بها فلاسفة التنوير الفرنسيون إبان حكم الملك لويس الرابع عشر حيث ~~الحياة الرغيدة والاستغراق في الترف. ومع ذلك ارتفعت بعض الأصوات المحتجة على فكرة ~~التقدم العقلي؛ فرجال الدين كالعهد بهم لا يخفون سخطهم على العقل، وقد رأينا «باسكال» ~~لا يعترف بسلطته، كما سمعنا لوثر يحكم عليه حكمه القاسي «إن العقل الذي أصابه مس من ~~الشيطان يؤذي الأمور الإلهية أعظم الأذى، وكلما ازداد حظه من العلم والبراعة ازداد ضرره.» # 20 # هذا بينما نجد الأقلية مثل كانط يبحثون عن حدود المعرفة ويحاولون تعيينها ~~بالدراسة الهادئة لملكات العقل وطاقاته والتوفيق بين هذه الملكات والطاقات. وحاول روسو ~~أن يثبت حدوث نكوص في التاريخ عندما أعلن أنه «تتعرض أرواحنا للفساد في نفس الوقت الذي ~~تتقدم فيه علومنا وفنوننا تجاه الكمال.» والواقع أن قلة ضئيلة من المجتمع الفرنسي هي ~~التي استفادت من تقدم المعرفة وازدياد سيطرة الإنسان على الطبيعة، وكشف روسو عن التباين ~~بين فخامة قصور فرنسا وترف المنعمين وتنور أولئك الذين أتيحت لهم فرصة ms155 التعليم، وبين ما ~~تعانيه كتل الفلاحين من جهالة. فلو صح أن هذه الحالة هي ثمرة الحضارة والتقدم فهل تكون ~~هناك أية قيمة لهذا التقدم؟ إن ما يدعى بالتقدم مرادف بلا جدال للنكوص. # هذا بينما لم يتحمس الفكر الإنجليزي لفكرة التقدم ربما لاستقرار الأوضاع السياسية ~~والاجتماعية والرغبة في الحفاظ على هذا الاستقرار، مما جعل المفكرين حذرين في الأخذ ~~بالتقدم، فتجد هيوم يؤكد أن العلم يجب أن يمر بمراحل مختلفة من الطفولة والنضج ثم ~~الكهولة والشيخوخة، وأن يشارك الإنسان في كل هذه الأطوار، وتزدهر العلوم والفنون من حين ~~لآخر ثم تتعرض مرة أخرى للذبول. وإن كانت هذه الحجج لم تحل دون اعترافه بتفوق الحضارة ~~الحديثة على القديمة. # 21 # وعلى الرغم من كل المحاذير والتحفظات والانتقادات التي أبداها البعض لفكرة التقدم فإن ~~الاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى التي تمت في القرنين السابع عشر والثامن عشر ~~جعلت الثقة في قدرات العقل البشري ثقة مطلقة لا رجوع فيها؛ فهذا التقدم العلمي الهائل جعل ~~الفلاسفة ينظرون إلى فكرة التقدم كضرورة حتمية في التاريخ، وتخيلوا أن بوسعهم أن يحققوا ~~تقدما لا نهائيا في الحضارة؛ وبالتالي بدءوا التخلي عن فكرة الفساد والتدهور. وتمخض ~~عن هذا التقدم تاريخ تخميني افتراضي - ساد في القرن الثامن عشر - يبحث من خلال العقل عن ~~القوانين الطبيعية للتطور وتقدم الجنس البشري ككل. واعتقد مفكرو ذلك العصر أن التقدم ~~ليس شيئا عرضيا ولكنه ضرورة تاريخية. إنه تقدم لا يعتمد، كما عند أوجست كونت، على ~~سجلات الأحداث الفعلية في التاريخ ولكن على استعمال العقل، ولا يفهم إلا من خلال ~~التفكير الديكارتي، وتحولت فكرة التقدم في القرن التاسع عشر إلى نظرية في التطور ~~الاجتماعي، ونظرية في فلسفة التاريخ. # إن مفهوم التقدم في عصر التنوير، كما نجده عند تورجو وكوندورسيه وفولتير وزعماء الثورة ~~الفرنسية وسان سيمون وكونت وغيرهم، مفهوم لا نجده عند فيكو؛ فالتقدم لديهم تقدم علمي ~~يسير في خط مستقيم حاولوا إثباته بطريقة استنباطية عقلية ورياضية، وهو تقدم تنتهي فيه ~~الحروب ويسود السلام. مثل هذه النظرة المتفائلة لفكرة ms156 التقدم لا نجدها عند فيكو، وليس ~~التقدم عنده كما هو عند هيجل في تقدم الوعي بالحرية أو في وعي الفكرة بذاتها، وليس كما ~~عند ماركس تقدما نحو مجتمع اشتراكي تذوب فيه الطبقات، وليس كما عند آدم سميث تقدما ~~نحو نتائج سعيدة تحقق الانسجام للأفراد عن طريق نشاطهم وتنافسهم وتحقيقهم لغاياتهم ~~الخاصة، وليس كذلك من نوع التقدم الذي نجده عند اليوتوبيين المثاليين أو الاشتراكيين ~~المثاليين في القرن التاسع عشر، إن التقدم بكل هذه المعاني السابقة ليس موجودا عند ~~فيلسوفنا. ولكن مما لا شك فيه أن مشكلة التقدم كانت من أكثر المشاكل التي تناولها ~~بالدراسة العميقة واهتم بالظروف التي تسبب التقدم العقلي في التاريخ البشري، كما اهتم ~~أيضا بالظروف التي تنحدر به نحو الفساد. فلم يتغن فيكو بفكرة التقدم بل تناولها بالبحث ~~من خلال التاريخ الحي للأمم، وكان أعمق وأكثر أصالة من فكرة التقدم كما جاءت في عصر ~~التنوير وفي القرن التاسع عشر. ويتمثل هذا في مبدأين أساسيين؛ المبدأ الأول أن مفهوم ~~التقدم عند الفلاسفة السابقين هو تقدم يسير في خط واحد في الزمان. ولمحاولة إثبات ضرورة ~~التقدم قاموا بتصنيف الشعوب بشكل عقلاني، فلم يكن لديهم إدراك للتنوع والاختلاف بين ~~الشعوب والأحداث بل وضعوا كل شيء في خط أحادي لإثبات ضرورة التقدم نحو جنس بشري مستنير. ~~فهذا التنوع والاختلاف لم يظهر في أعمال كوندورسيه وكونت وسبنسر وغيرهم ممن قاموا ببناء ~~نظريات تطورية على أساس فكرة التقدم. بينما نجد الأمر مختلفا عند فيكو الذي ركز على ~~هذا التنوع. فقد بحث في التاريخ الفعلي للشعوب وكانت مادة دراسته هي التاريخ الحي. ولم ~~يتناول البشرية كوحدة واحدة بل تناول شعوبا وحضارات مختلفة كما نجد في اللوحة ~~التاريخية وأحداثها وأماكنها وتواريخها مثل العبرانيين والكلدانيين والمصريين والإغريق ~~والرومان وغيرهم، ولم يحصر الجنس البشري في مبدأ الوحدة كما فعل فلاسفة عصر التنوير، ~~ولم ينظر للتقدم كضرورة تاريخية يفرضها تقدم العقل ولكنه أيضا لم ينظر للتاريخ وكأنه ~~خاضع للمصادفة أو الاتفاق العشوائي مثلما قال بعد ذلك رانكه في القرن ms157 التاسع عشر. كما ~~أنه لم يقلل من شأن الأحداث ولم يستنكر التعددية، بل بحث من خلال الدارسة المقارنة ~~للسجلات التاريخية والأحداث عن تعميمات علمية. ولا شك أنه وجد لكل شعب شخصيته وفرديته. ~~ومن الدراسة الدقيقة للعديد من تواريخ الشعوب نجد خطا مشتركا للتغير التاريخي من ~~النشأة إلى التطور والتقدم ثم التدهور والسقوط في نزعة بربرية جديدة. تاريخ فيكو إذن ~~ليس أحاديا ولا يسير في خط واحد؛ لأن تعدد الشعوب هو الأساس الذي قام عليه قانون ~~التطور عنده، هنا يتضح عمق نظرة فيكو في الطبيعة البشرية من رؤيته لتواريخ العديد من ~~الشعوب، فغالبا ما نرى السقوط والانهيار كما نرى التقدم والتطور، والتاريخ الفعلي يثبت ~~لنا أن الحضارة الإنسانية لا تسير في خط مستقيم، بل هناك ثغرات وعثرات تسقط فيها ~~البشرية. وهناك عصور تتدهور فيها الحضارة وتسقط ثم تعود لتبدأ من جديد؛ فالتدهور ~~والانهيار مرحلة من مراحل التطور التاريخي، والعناصر العقلية التي سببت التقدم في ~~البداية هي نفسها التي تسبب التدهور. # 22 # والمبدأ الثاني الذي يوضح الاختلاف بين مفهوم فيكو عن التقدم عنه عند فلاسفة التنوير ~~هو أن التقدم هو غاية التاريخ عند هؤلاء الفلاسفة بحيث أصبح التقدم العلمي رمزا ~~ونموذجا لتقدم الإنسانية وغاية للتاريخ. إننا لا نجد عند فيلسوفنا غاية للتاريخ. ربما ~~يقال إن العناية الإلهية عنده هي غاية التاريخ، ولكننا نقول إن فكرة العناية الإلهية ~~المتعالية التي توجه البشر في الأمم الأممية يمكن حذفها من فكره دون أن تتأثر مبادئه ~~وأفكاره بهذا الحذف. وفي رأينا أن فكرة العناية الإلهية تنطوي على ازدواجية لا يمكن ~~إنكارها، إن فيكو كمسيحي مؤمن يقول بالعناية الإلهية في التاريخ، ولكن ليس عنده رؤية ~~لغاية التاريخ، فلا يمكن أن نتدخل في معرفة الخطة الإلهية في التاريخ لأن هذا يفوق ~~العقل البشري، وهي فكرة لا يمكن البرهنة عليها ولكن لا بد أن نؤمن بها. صحيح أن العناية ~~الإلهية تهدف دائما إلى خير الجنس البشري، إلا أن فيكو لم يحدد هذا الخير على أنه تقدم ~~مستمر نحو الخير، ms158 فهناك عوائق في تقدم الحضارة، وهناك حروب ودمار وانهيار تتعرض له ~~البشرية في مسارها التاريخي ثم تعود وتبدأ من جديد. ومن هنا نستطيع أن نقول إن مفهوم ~~فيكو عن التقدم كان أعمق نظرا وأكثر بصيرة بطبيعة الجنس البشري التي يتخللها الصراع ~~والتعارض. والأهم من هذا أنه جعل هذا الصراع هو القوة الديناميكية المحركة للتغير ~~التاريخي، فهو أكثر فهما للطبيعة البشرية من فلاسفة عصر التنوير. # ويحاول بعض الباحثين أن يقابل فكرة العناية الإلهية عند فيكو بفكرة دهاء العقل عند ~~هيجل واليد الخفية عند آدم سميث، ولكنها في الواقع تختلف عنهما. حقا أن العناية ~~الإلهية تحفظ المجتمعات البشرية وتعمل على تطورها، ووسائلها في هذا هي فاعلية العواطف ~~البشرية ورغبات ورذائل الجنس البشري التي تحولها إلى فضائل اجتماعية، وهذه هي المادة ~~نفسها التي استخدمها هيجل عن طريق الفكرة لتصل إلى غاياتها أو نهايتها. فدهاء العقل عند ~~هيجل هو الذي يوجه أفعال الأبطال دون أن يدروا إلى الهدف النهائي عندما تصل الفكرة إلى ~~الوعي بذاتها. واليد الخفية عند آدم سميث تحقق الانسجام والنتائج السعيدة عن طريق نشاط ~~الأفراد الذي يكون الدافع إليه هو العقل، غير أن رؤية فيكو للتاريخ مختلفة؛ فالبشر ~~يحققون إراداتهم لا بالمناهج العقلية ولا بدافع عقلي، ولكن بدافع من المنفعة والحاجة ~~والطموح والرغبة في البقاء والأمان، والحاجة إلى الفهم والتعبير والاتصال والسيادة ~~والطاعة والحب والكراهية والأنشطة الخلاقة التي أوجدت التوتر الاجتماعي الذي شكل حياتهم ~~وأفكارهم وجعلهم يبدعون أشكالا جديدة للحياة الاجتماعية. # التقدم عند فيكو إذن مرحلة متتابعة في حياة كل حضارة مستقلة، إنه تقدم يصل أحيانا ~~إلى أعلى قمم العظمة والقوة، وفي عصور أخرى ينحدر إلى فقدان التضامن البشري واغتراب ~~الأفراد والجماعات وتفكك النسيج الاجتماعي والضعف والتحلل والكارثة. ومراحل هذا النظام ~~تحددها العناية الإلهية لكل مجتمع أممي، لكن ليس هناك غاية نهائية وليس هناك رؤية ~~لمسيرة الجنس البشري كله إلى كمال نهائي. # 23 # ومع ذلك كله نستطيع أن نقول إن نظرية التعاقب الدوري لمراحل التطور عند ~~فيكو لا تحول دون التقدم، ms159 على أن نفهم التقدم - كما ذكرنا من قبل - فهما مختلفا عن ~~فلاسفة التنوير؛ ذلك لأن الدورات التاريخية لا تعود بشكل دائري بل تعود في شكل حلزوني ~~متقدم بحيث يمكن القول بأن إطلاق اسم النظرية الدورية على نظرية فيكو هي تسمية غير ~~دقيقة؛ لأن مفهوم النظرية الدورية يعني أن يعيد التاريخ نفسه وأن يبدأ من نفس البداية ~~التي انطلق منها، ولكن الأمر مختلف عند فيلسوفنا؛ فالتاريخ لا يسير في خط دائري وإنما ~~في شكل حلزوني صاعد بحيث تأتي كل دورة تاريخية بالجديد. ولا حاجة بنا إلى ذكر ما سبق أن ~~فصلناه عن عودة مسار الأمم، ولكن يكفي الإشارة إلى هذا النص الذي ذكره فيكو عن عودة ~~النظام الإقطاعي في العصور الوسطى الأوروبية. «كان من الطبيعي أن يعود المجتمع البشري ~~إلى النظام الإقطاعي لما وجد فيه من منافع ومكاسب تتطلبها الحياة المدنية. عاد إقطاع ~~العالم الأول - متخذا بداية جديدة - من الإقطاعات الريفية التي انتشرت في كل الشعوب القديمة.» # 24 # ألا يكفي الاعتراف بالتقدم أن تكون المرحلة الإنسانية هي آخر مراحل التطور ~~التاريخي عند فيكو وهي مرحلة مرتبطة بتطور الوعي ونمو العقل؟ صحيح أن هذه المرحلة - بعد ~~أن تبلغ قمة النضج والتطور والازدهار - تضعف وتضمحل وتسقط في البربرية مرة أخرى، ولكنها ~~بربرية تأمل وفكر (حيث ما زالت السيطرة للفكر) تختلف كل الاختلاف عن البربرية الحسية ~~الأولى، ولكن الفكر في هذه المرحلة فكر أجوف لم يعد قادرا على الإبداع والابتكار. ~~والسقوط لا يحمل في طياته إلا العزم على النهوض مرة أخرى من جديد من نقطة أكثر تقدما؛ ~~فالتاريخ لا يعيد نفسه بل يأتي دائما بالجديد، والبربرية المسيحية - على سبيل المثال - ~~تختلف عن البربرية الوثنية الأولى. # هذه النظرة للتقدم إن دلت على شيء فإنما تدل على فهم عميق للطبيعة البشرية المتغيرة ~~على الدوام، حقا أن كل الأمم تهدف إلى الوصول إلى حالة من الرفاهية وتحقيق سبل الراحة ~~والسعادة لأفرادها، ولكن هل يتجه التاريخ بصفة دائمة في الاتجاه الصحيح لتحقيق هذا ~~الهدف؟ إن التاريخ يحقق تقدما ms160 إذا سار في الاتجاه الصحيح الذي حدده له البشر. أما إذا ~~ضل الطريق وانحرف عن المسار فلا يكون هناك ثمة تقدم، بل تراجع وارتداد؛ فالتقدم إذن لا ~~يمكن أن يستدل عليه استدلالا عقليا لأنه يخضع لعوامل كثيرة. إننا لا ننكر ما حققه ~~التقدم العلمي والعقلي الهائل من إنجازات عظيمة أفادت الجنس البشري وحققت له الرفاهية ~~ويسرت له سبل الراحة في جوانب كثيرة ومختلفة من حياته، ولكننا من جانب آخر لا نستطيع أن ~~ننكر صدق حدس فيكو في الطبيعة البشرية المتغيرة والمنطوية على الصراع، فلم تنته الحروب ~~من العالم ولم يسد السلام الدائم كما تصور فلاسفة عصر التنوير، والواقع التاريخي يشهد ~~بانفجار الحروب في مناطق متعددة من العالم، وموت آلاف بل ملايين الضحايا الأبرياء من ~~ويلات الحروب. ومما لا شك فيه أنه لو قدر لفلاسفة عصر التنوير أن يشهدوا ويلات الحربين ~~العالميتين لكان لهم رأي آخر ومفهوم آخر عن التقدم اللامحدود للبشرية. # ولهذا نستطيع أن نختتم حديثنا عن التقدم بالقول بأن مفهوم فيكو عنه كان أكثر عمقا ~~واقترابا من الواقع التاريخي، ولو بعث فيكو حيا في أيامنا هذه التي يسودها القلق على ~~الجنس البشري من أخطار حرب نووية تهدده كل لحظة فلربما وصف هذه المرحلة التاريخية التي ~~نعيشها اليوم بأنها مرحلة سقطت فيها البشرية العاقلة المتقدمة في بربرية عقلية جديدة. ~~وربما نستطيع أن نقول أخيرا إن فيكو قد نظر إلى مفهوم التقدم في التاريخ نظرة جدلية ~~قبل اكتشاف قوانين التفكير الجدلي بوقت طويل؛ فقد رأى أن التقدم يمكن أن ينطوي على بذرة ~~التخلف، كما أن الازدهار ينطوي على بذرة الفناء. ولعل هذا أن يكون دليلا على حدس غامض ~~بالروح الجدلية، ولكنه حدس صادق ينم عن بصيرة نافذة بالواقع المتغير والمتطور على ~~الدوام. # الفصل الثاني # | أثر فيكو في الفكر الفلسفي الغربي # عرضنا في البابين السابقين منهج فيكو وفلسفته معتمدين على النصوص الأصلية بصورة ~~أساسية، وبخاصة كما جاءت في كتابيه «العلم الجديد» و«السيرة الذاتية». وقد حاولنا أن ~~نقدم الجوانب الأساسية من فلسفته ابتداء ms161 من عناصر العلم الجديد ومبادئه ومنهجه إلى ما ~~استخلصه من قانون لتطور الأمم ومحاولة تطبيقه لهذا القانون على الأشكال المختلفة ~~للتنظيمات الاجتماعية في تطورها عبر العصور التاريخية. ثم تناولنا في الفصل السابق ~~نظرية المعرفة التاريخية بالتقييم وإلقاء الضوء على جوانبها المختلفة، وعلينا الآن أن ~~نعرض أثر هذه المعرفة التاريخية في الفكر الفلسفي الغربي وبخاصة لدى فلاسفة التاريخ ~~اللاحقين لفيكو. # ويلاحظ مدى كثافة المادة التي قدمها فيكو لتدعيم آرائه ومدى غناها وامتداد جذورها في ~~علوم وفنون وتنظيمات وأشكال مختلفة تؤلف ما نسميه اليوم باسم الحضارة البشرية. لقد كان ~~العلم الجديد كما تركه فيكو أشبه بغابة كثيفة تنوعت أشجارها وتشعبت مسالكها وتعقدت ~~دروبها بحيث استعصى على معاصريه أن يهتدوا إلى سبل السير فيها؛ ولهذا كان من الطبيعي أن ~~تمر سنوات طويلة وتتعاقب أجيال مختلفة قبل أن يفطن الباحثون إلى أهمية فيكو وعظمة ~~اكتشافه الذي توصل إليه بعد أن ظل محجوبا خلف تلك المادة الغزيرة التي لم يكن من السهل ~~تبين خيوطها ومعالمها الأساسية. ولما كان اكتشاف فيكو على حقيقته قد استغرق زمنا ~~طويلا واشترك فيه عدد لا يحصى من المؤرخين والفلاسفة وعلماء اللغة والاجتماع والأدب ... ~~إلخ، مما يصعب تتبعه بصورة دقيقة، فسوف نكتفي في هذا الفصل ببيان مدى تأثيره على عدد من ~~أصحاب الاتجاهات المتميزة في فلسفة التاريخ والاجتماع مع علمنا بأن البحث الوافي لتأثير ~~فيكو على كل واحد من هؤلاء يحتاج إلى دراسة مستقلة، ومع إدراكنا في الوقت نفسه بأن ~~محاولتنا لبيان هذا التأثير هو نوع من الاجتهاد؛ إذ لم يثبت من كل ما اطلعنا عليه أنه ~~كان تأثيرا مباشرا ومؤكدا اللهم إلا في الحالات النادرة التي اعترف فيها أصحابها ~~بذلك اعترافا صريحا. وسوف نبدأ هذا العرض بالحديث عن تأثيره في وطنه الأصلي ثم نتتبع ~~هذا التأثير على أبرز فلاسفة التاريخ الذين يرجح معظم الباحثين أنهم قد اطلعوا على بعض ~~كتاباته أو أعجبوا بها أو قدموها لقرائهم أو أخذوا منها قليلا أو كثيرا. وسوف نكتفي ~~هنا بالكلام عن تأثير فيكو على ms162 كل من هردر وميشليه وكونت وماركس. ~~(1) فيكو في الفكر الإيطالي # لا نستطيع القول بأن تأثير فيكو في عصره كان تأثيرا عميقا؛ فقد عاش مجهولا خارج ~~إيطاليا حتى القرن التاسع عشر، كما لقي التجاهل في إيطاليا نفسها بحيث لم تتعد شهرته ~~حدود نابولي، بل لقد جحدته بلدته ومسقط رأسه فتجاهله كل من أهدى لهم العلم الجديد، وكأنه ~~كان يدفع الثمن الذي لا بد أن يدفعه كل رائد يسبق عصره. # ولا عجب أن يكون مثل هذا المفكر الذي كانت لديه ثروة زاخرة من الأفكار - عجز في نفس ~~الوقت عن عرضها عرضا واضحا منسقا - لا عجب أن يكون رائدا لكثير من الآراء الجريئة ~~التي قدمها بعض المفكرين المتأخرين الذين فاقوه شهرة. ففي القرن الذي تلا وفاته عبر ~~مفكرون آخرون عن أفكار مشابهة لأفكاره تعبيرا أفضل دون أن يذكره أحد؛ إذ جنى عليه غموض ~~أفكاره وصعوبة أسلوبه وغزارة التفاصيل المرهقة التي حشد بها فلسفته؛ ولهذا لم يفطن معظم ~~شراحه إلى أصالة آرائه وتفردها حتى في عصره. وفي هذا المعنى كتب بول هازار يقول: «لو أن ~~إيطاليا قد استمعت إليه، ولو أنها - كما حدث في عصر النهضة - كانت مرشدا لأوروبا، أفما ~~كان مصيرنا العقلي يمكن أن يكون مباينا لحالته الراهنة؟ أجل لو كان الأمر كذلك لما كان ~~أجدادنا أهل القرن الثامن عشر قد صدقوا أن كل ما كان واضحا كان حقا، ولما كانوا ~~صدقوا أن العقل الذي أتى متأخرا، لم يصنع أكثر من أنه جفف نفسنا؛ فقد يكون من الممكن ~~أنهم قد أسفوا على فراديسنا المفقودة، ولم يصدقوا أنه كان ينبغي أن تنار الأرض فوق ~~سطحها، بل لآمنوا على الضد بأن إيضاح الأشياء آت من أعماق الزمن، ولما صدقوا بأننا كنا ~~نتجه نحو مستقبل أفضل، بل آمنوا على الضد بأن الدول كانت خاضعة لتغيرات متعاقبة تخرجها ~~من البربرية إلى المدنية وتعيدها من المدنية إلى البربرية. وبالإجمال لو كان الأمر كذلك ~~لكانت جميع أفكارهم قد انقلبت كإدراكهم للعالم.» ويستطرد بول هازار قائلا: «ينبغي ~~الإعجاب بهذا البطل ms163 من أبطال الفكر، هذا العبقري المبتدع، هذا الرجل الذي كان من الممكن ~~أن يمنح نهر العصر مجرى جديدا. عبثا حاول فيكو أن يتجه إلى العلماء وإلى مواطنيه ~~النابوليين، ولكن أوروبا بقيت صماء وأولاها إيطاليا لم تسمع هذه الدعوة ولم تقبل إلا ~~فيما بعد فقط. أما في آونتها فقد ظلت بلا صدى؛ لأن هذا المجدد لم يكن له تلاميذ، ولأن ~~فكره كان بلا عمل، بل إن عشيرته نفسها لم تكن لتستجيب له.» # 1 # بدأ الاهتمام بفكر فيكو في إيطاليا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فكان ~~كيوكو # Cuoco # أول المبشرين بفكره في الشمال الإيطالي بعد إخفاق الثورة في نابولي. وقد كانت ~~نتيجة ذلك أن بدأت تظهر سلسلة من طبعات «العلم الجديد». ويبدو أن تأثير هذا الكتاب قد ~~تغلغل إلى وعي المثقفين، فأخذ رواد حركة البعث القومي الإيطالي يهتمون بأفكار فيكو ~~اهتماما خاصا، وتحمس له الديمقراطيون تحمسا شديدا واعتبروه مؤرخ الشعب. وبعد ~~اكتشاف أمته أنه واحد من أعظم المفكرين، أساء بعض المفسرين فهم مذهبه، واختلفت الآراء ~~حول بعض أفكاره بين مؤيد ومعارض وخاصة فيما يتعلق بالأصول الوحشية للأمم الأممية، كما ~~رأى البعض أن تطور المجتمع كما تصوره فيكو بفعل «الدياليكتيك» # 2 # أو الجدل الداخلي قد عرض البناء الكامل للفكر الكاثوليكي للخطر. أما البعض ~~الآخر فقد رأى أن نظريته في أصل العقيدة نظرية تنتسب للوكريتوس ولا تمت بصلة للمسيحية ، ~~وأن تحليله لشخصية هوميروس والشخصيات البطولية الأخرى يمكن أن يكون مقدمة خطيرة لتحليل ~~شخصية موسى والأنبياء وآباء الكنسية تحليلا يتعارض مع مفهومها الديني. # 3 # وقد عانت أفكار فيكو من المبالغة التي بلغت أحيانا حد التعسف في تفسيرها، ~~فلم يستطع الفكر الإيطالي في زمانه أن يتحرر من النزعة العقلية السائدة ليفهم أفكاره ~~ككل حي متكامل لا تستعبده الصيغ المجردة الجوفاء التي استعبدت العقليين. وقد بدأ ~~الاهتمام الحقيقي بفلسفة فيكو على يد كروتشه # Croce # وجنتيله # Gentile # ونيكوليني # Nicolini ~~. ~~وكان كروتشه صاحب الفضل الأكبر في إحياء فكره في العقد الأول من القرن العشرين، كما كان ~~له ms164 الفضل في ذيوع شهرته خارج إيطاليا. نشر كروتشه كتابه عن فلسفة فيكو سنة 1911م، وهي ~~السنة التي نشر فيها سيرته الذاتية، وقام قبل ذلك بعمل ببلوجرافيا عنه استمرت من عام ~~1904 إلى 1910م، وقد زعم كروتشه أن فيكو هو مكتشف «علم الإستاطيقا» قبل باومجارتن. ~~وإذا كانت كلمة الإستاطيقا نفسها لم ترد على لسانه فقد نطقت بها آراؤه عن الشعر، وفكرته ~~الرئيسية عن الطبيعة البشرية التي هي بالفطرة طبيعة شاعرية، وإيمانه العميق بأن أول شكل ~~من أشكال التفكير كما ظهر عند الإنسان البدائي كان هو التفكير بالصور الخيالية الشعرية. ~~وقدم كروتشه العلم الجديد كفلسفة للروح، فبعد أن هبط أفلاطون بالشعر وطرد الشعراء من ~~جمهوريته، رفعه فيكو وجعله أساس الروح، بل جعله يمثل مرحلة كاملة من مراحل تطور ~~البشرية. # لقد تحدثنا في فصل سابق عن سوء الحظ الذي لازم فيكو في حياته، ولكن سوء حظه لازمه مرة ~~أخرى بعد مماته عندما اعتبره بعض المفكرين أحد المبشرين بالفاشية، وهذه جناية السياسة ~~وزعمائها على المفكرين حين تتخذ من أفكارهم ستارا تخفي وراءه نزعات الطغيان وفساد ~~الأنظمة وتجرد من سوء تفسير آرائهم سلاحا للاستبداد وتبريرا للظلم، وأغلب الظن أن ~~هؤلاء لم يطلعوا على الكتاب الأصلي واكتفوا بالاطلاع على مصادر ثانوية مما نتج عنه سوء ~~فهم فلسفته؛ لذلك كان لا بد من تحقيق أعمال فيكو تحقيقا علميا من واقع الأصول. وهذا ~~ما فعله «نيكوليني» في إيطاليا ليمهد لدراسة فلسفته دراسة نزيهة بعيدة عن أي غرض في ~~توجيهها طبقا للأهواء الشخصية، وهذا ما فعله أيضا كل من الأستاذين فيش # Fisch # وبرجين # Bergin # في ترجمتهما للعلم الجديد والسيرة الذاتية التي بذلا فيها جهدا واضحا وأضافا ~~لكل منهما مقدمة مستفيضة. # وقبل أن نتعرض لتأثير أفكار فيكو في الفكر الأوروبي خارج إيطاليا نود أن نقول إن فكره ~~وفلسفته يمثلان منجما كبيرا يمكن أن يجد فيه الباحثون ألوانا مختلفة من المعرفة، كما ~~يمكنهم أن يجدوا لديه أسس أفكار متباينة واتجاهات متنوعة. لقد قدم فيكو أفكارا رائدة ~~طورت فيما بعد وأصبحت مذاهب ms165 كاملة. وأثار مذهبه قضايا وثيقة الصلة بمشاكل ما زالت موضع ~~نقاش بين المفكرين ولم تحسم حتى يومنا هذا، ومن ذلك مشكلة الجدل القائم حول طبيعة ~~الدراسات الإنسانية بصفة عامة، وطبيعة الدراسات التاريخية بصفة خاصة، والكثير من ~~القضايا المتعلقة بالمناهج التاريخية والاجتماعية. فهناك مثلا من يؤكد تأثيره على ~~المثالية الألمانية، والوضعية الفرنسية، ورواد الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والتراث ~~الماركسي، بجانب أثره على الأبحاث الفيلولوجية، وعلى علماء القانون وفقهائه. واهتمامه ~~بالبنية الحضارية في دراسة التاريخ يعد جانبا اهتمت به الفلسفة البنيوية الحديثة، كما ~~كانت له آراء جديدة في القانون الطبيعي والتشريع وعلم اللغة المقارن والأدب والأساطير ~~والإثنولوجيا. # وعلى الرغم من أن فيكو لم يكتشف خارج إيطاليا إلا بعد ما يقرب من قرن من وفاته، وعلى ~~الرغم من إنكار الكثير من الفلاسفة معرفتهم بفلسفته، فقد كشف كل من # Fisch # و # Bergin # النقاب ~~عن معرفة العديد من المفكرين بكتاب «العلم الجديد» واقتناء بعضهم له أثناء زيارتهم ~~لإيطاليا - إذ كانت هذه الأخيرة قبلة المثقفين في ذلك الزمان - أو عن طريق الإهداء. ~~وسنعرض في هذا الفصل أثر فيكو على بعض المفكرين الغربيين، ومن الطبيعي أن نبدأ ~~بالمفكرين الألمان الذين كانوا أول من اكتشفه، كما كانت لغتهم هي أول لغة ينقل إليها ~~كتابه الأساسي عن العلم الجديد. ~~(2) فيكو في الفكر الألماني # كان هامان # 4 ~~(1730-1788م) أول مفكر ألماني اكتشف فيكو أثناء بحثه في الاقتصاد السياسي ~~عام 1777م؛ فقد وجد في أحد الكتب الإيطالية إشارة إلى العلم الجديد وظن أنه سيجد في هذا ~~الكتاب ما يبحث عنه في موضوع الاقتصاد، فسعى للحصول على نسخة من فلورنسا، وأثناء تناوله ~~للكتاب وجد أن فقه اللغة هو الطابع الغالب عليه، وقد عبر عن هذا في أحد رسائله لتلميذه ~~هردر (1744-1803م) مؤكدا أنه لم يجد ضالته المنشودة في الاقتصاد بل وجد فقه ~~لغة. # وقد كان جوته - شاعر ألمانيا الأكبر - من الشخصيات الألمانية التي تعرفت على الكتاب في ~~وقت مبكر أيضا حيث أهدى له أحد الأصدقاء الإيطاليين «العلم الجديد» أثناء زيارته لنابولي ~~في مارس 1787م ms166 ولكنه لم يبذل جهدا حقيقيا في قراءته، وقد كتب عن فيكو سطورا لا تدل ~~على أنه عرفه على حقيقته أو بذل جهدا في الاطلاع على الكتاب؛ إذ وصفه بأنه مؤلف عميق ~~لا يسبر غوره، وأن رجال القانون في إيطاليا يرجعون إليه بحماس شديد ويعتبرونه أباهم ~~الأكبر. ويبدو أن جوته قد ألقى نظرة خاطفة على الكتاب الذي قدمه له أصدقاؤه الإيطاليون ~~كأنه كنز ثمين وسجل رأيه - في يومياته بتاريخ 5 مارس 1787م من رحلته في إيطاليا - في قوله: ~~«لقد رأيت أنه يحتوي تكهنات عن الخير والعدل الذي سوف يتحقق أو ينبغي أن يتحقق، وهي ~~تكهنات تقوم على تأمل جاد للحياة والتراث، وإنه لمن حسن حظ شعبه أن له أبا كبيرا ~~مثله.» وعاد جوته بالكتاب إلى ألمانيا وأعاره عام 1792م لياكوبي الذي حرص على الحصول على ~~مؤلفات فيكو الأخرى، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنه اطلع على كتاب فيكو عن ~~«الحكمة الإيطالية القديمة» فوجد فيه فقرة اعتبرها إرهاصا لفلسفة كانط في المعرفة ~~وسبقا في الاهتمام بالجانب القبلي للمعرفة. وقد ترجم ف. أ. فيبر # W. E. Weber # العلم الجديد ~~إلى اللغة الألمانية عام 1822م وطبع مرة أخرى في ميونخ عام 1924م. # هذا بالإضافة إلى أن هردر رحل إلى إيطاليا عام 1789م ومكث في نابولي ثمانية أيام حصل ~~خلالها مادة فلسفته التاريخية - فجمع من الوثائق ما أفاده في إثبات الوقائع التاريخية - ~~أكثر من المادة التي حصلها من زيارته لروما التي استغرقت ما يقرب من ثلاثة أو أربعة ~~شهور. ولنا عند هردر وقفة فمن المرجح أنه قد عرف فيكو قبل الشروع في كتابة مؤلفه ~~«أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس البشري» الذي بدأ في كتابته عام 1784م وصدر 1791م، ولكنه لم ~~يذكر فيكو صراحة إلا في كتابه «رسائل عن تنمية النهوض بالنزعة الإنسانية» الذي كتبه ~~فيما بين عامي 1793 و1797م وقد كتب هردر فلسفته التاريخية في كتابين صدر الأول عام 1774م ~~تحت عنوان «فلسفة أخرى للتاريخ» وقدم فيه صورة عقلية لفهم فلسفة التاريخ متجنبا ~~الوثائق ms167 التاريخية، وصدر الكتاب الآخر عام 1791م تحت عنوان «أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس ~~البشري» حاول فيه أن يقدم فلسفة التاريخ على أساس علمي معتمدا على الوثائق والوقائع ~~التاريخية. # لسنا بصدد عرض أو تقييم لأفكار هردر التاريخية، ولكننا سنعرض لتلك الأفكار التي يمكن ~~أن يكون قد تأثر فيها بأفكار فيكو. مما لا شك فيه أننا لمحنا عند فيكو الرؤية ~~الأنثروبولوجية في تناوله للتاريخ من خلال البحث في أصل الجنس البشري وتطور تنظيماته ~~وعاداته وتقاليده ومعتقداته وتشريعاته ... إلخ، وقد استقى هذه الأصول مما خلفته الشعوب ~~من تراث شعبي وأساطير، وهي المادة التاريخية التي توفرت في عصره، ولكن الدراسات ~~الأنثروبولوجية تطورت بعد ذلك وتشعبت فكانت مادة خصبة قدم هردر من خلالها أنواعا ~~جديدة من البحوث الأنثروبولوجية بعد أن استفاد من الدراسات الغزيرة والمتنوعة التي ~~توفرت في عصره عن أثر البيئة الجغرافية على السلوك والعادات البشرية وأثرها أيضا على ~~مراحل النمو والتطور الإنساني وبالتالي نمو الحضارة وتطورها. وتناول كل من فيكو وهردر ~~ما يسمى الآن بمشكلة الحضارة الإنسانية ابتداء من الأشكال التعبيرية الأولى للمجتمعات ~~البشرية القديمة كاللغة والأسطورة والفنون، وهي مشكلة الأصول التاريخية أو بمعنى آخر ~~مشكلة أصول تكوين المجتمع المدني، فلا بد من العودة إلى هذه الأصول لمحاولة فهم العقول ~~البدائية للبشر الأولين، ولا بد من التعرف على التنظيمات المختلفة التي أسسها الإنسان ~~الأول والتي انتقل بفضلها من حالة البربرية والتوحش إلى مرحلة الإنسانية التي هي هدف ~~التطور التاريخي. # وقد رأينا كيف تناول فيكو الأصول التاريخية وأرجع أشكال التعبير المختلفة إلى أصولها ~~الحسية عند الأمم القديمة، وكيف كشف عن اشتقاقات الكلمات من أصول حسية في حياة البشر الأولين. # 5 # ونسأل الآن كيف تناول هردر هذه الأصول التاريخية؟ لقد اهتم اهتماما خاصا ~~باللغة وهي أول شكل من أشكال التعبير البشري وقدم أبحاثا في أصل اللغة الألمانية ~~- مثلما قدم فيكو أبحاثا في اللغة اللاتينية ووجه دعوة لكل الشعوب لعمل أبحاث في أصل ~~لغاتها للكشف عن أصولها التاريخية - وأسفرت أبحاث هردر عن تأكيد نتيجة سبق لفيكو ms168 أن ~~أكدها وهي أن الشعر هو اللغة الأم التي سبقت النثر، لقد عبر الإنسان الأول عن احتياجاته ~~اليومية بشكل شاعري تلقائي فنشأت الأغاني الشعبية للشعوب القديمة وهي - كما يرى هردر - ~~أول شكل من أشكال التعبير اللغوي. ويرى أن هنالك أيضا شكلا آخر من أشكال التعبير ~~الأولى وهو الأسطورة؛ فقد كانت الشعوب القديمة تتحدث بالشعر وتفكر بالأساطير، ولم تكن ~~الأساطير حكايات خرافية يقول بها الإنسان الأول، بل كانت الأسطورة رمزا يعكس الحياة ~~العقلية والاجتماعية لهؤلاء البشر، فكل الشعوب البدائية في محاولتها لفهم العالم رسمت ~~صورة للكون على هيئة أساطير اصطبغت بلون من ألوان اللاهوت. يترتب على هذا أن العصور ~~التاريخية الأولى لا تفهم بالتحليل العقلي بل بالتعاطف الوجداني، ولا تفهم بالتحليل ~~المنطقي بل بالحدس، ولا بد للمؤرخ أن يكون فنانا يتمتع بالحس التاريخي والخيال الخصب ~~والبصيرة النفاذة ليلتمس طريقه إلى الحياة الداخلية لهذه الشعوب القديمة التي لم تصل ~~بعد إلى مرحلة النمو العقلي؛ لذا حذر هردر - كما سبق وحذر فيكو - المؤرخين من الحكم على ~~العصور التاريخية المبكرة على أساس ثقافة عصرهم، وحثهم على ما سماه بالتعاطف مع هذه ~~العصور ومشاركتهم أفكارهم البدائية مشاركة وجدانية: «ادخل في صميم العصر وفي جغرافيته ~~وتاريخه كله واشعر بأنك تعيش فيه حقا.» # 6 # وعلى الرغم من انتماء كل من فيكو وهردر إلى عصر التنوير - هذا العصر الذي سادت فيه ~~النزعة العقلية التي بلغت حد إخضاع النصوص الدينية للنقد العقلي - إلا أنهما رفضا النظر ~~إلى الإنسان من جانب واحد أو من حيث هو ملكة واحدة وهي العقل. ففي مقابل هذا العقل توجد ~~ملكة أخرى لا تقل عنه أهمية وهي الخيال، بل والأبعد من ذلك تأكيدهما أن نشأة التنظيمات ~~البشرية كانت بملكة الخيال وحده، وقبل أن تتطور الملكة العقلية. لقد عبر الإنسان الأول ~~عن نفسه من خلال انفعالاته وعواطفه لا عن طريق التفكير العقلي المنطقي: «بما أن العقل ~~المجرد قد أدى وحده إلى مغامرات فاشلة كثيرة، أو لا يحسن أن ندعو إلى نجدته الخيال ~~والشعور والدافع إلى العمل ms169 حتى نشرك الإنسان كله بعد أن قصرت حركة الاستنارة موارده على ~~ملكة واحدة؟ إن الإبداع الشعري والفني لا يأتي وحده من أركان النفس المظلمة.» # 7 # هناك جانب آخر يرجح أن يكون هردر قد تأثر فيه بأفكار فيكو، وهو أن كليهما يقول ~~بالنظرية الدورية في التاريخ. يرى فيكو أن التاريخ يتطور من خلال مراحل ثلاث: المرحلة ~~الإلهية، المرحلة البطولية ثم المرحلة البشرية، كما شرحنا ذلك بالتفصيل في قانون تطور ~~الأمم. ويرى هردر أن التطور التاريخي يمر بمراحل أربع هي نفس المراحل التي يمر بها تطور ~~الفرد وهي: الطفولة، والشباب، والرجولة وأخيرا الشيخوخة، وهذه المراحل الأربع تتتابع ~~بشكل دوري متصل، فكل دورة منها تفضي إلى الأخرى، أي أن التطور لا يسير في خط مستقيم، بل ~~في خط دائري، وهناك تشابه في بعض المراحل التاريخية المتماثلة إلا أنه ليس تشابها ~~مطلقا لأن كل مرحلة لها طابعها المتفرد. ويسير التطور التاريخي دائما نحو التقدم رغم ~~ما تمر به الدورات التاريخية من فترات ضعف وانحلال وسقوط، ولكنها تعود لتبدأ من جديد ~~بصورة أكثر تقدما؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه. نلحظ هنا الفارق بين نظرة كل من فيكو وهردر ~~للدورة التاريخية؛ فالدورة عند هردر دورة حيوية على غرار الدورة العضوية، وهو يشبه ~~التطور التاريخي بصورة من الحياة النباتية مثل حياة الشجرة التي تنبت ثم تشب ثم تترعرع ~~ثم تذبل، والدورة لا تنتهي بالانحلال وإنما تبدأ من جديد، فعادة تتساقط البذور من ~~الشجرة عند ضعفها وتبدأ دورة الحياة النباتية من جديد. وهكذا تتوالى الدورات التاريخية ~~عند هردر، بينما لا نرى هذه النظرة الحيوية عند فيكو بما تتسم به هذه النظرة من ضعف. ~~فليس صحيحا لأن الدورة التاريخية تشبه الدورة العضوية النباتية لاختلاف طبيعة كل منهما ~~من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن هذا التشبيه يناقض ما قال به هردر عن تقدم التاريخ، فمن ~~الطبيعي عندما تتساقط بذور الشجرة عند ضعفها وتبدأ دورة الحياة النباتية من جديد، من ~~الطبيعي أن تعود هذه الدورة كما كانت تماما وليس فيها جديد لأنها ms170 تبدأ من نفس النقطة ~~الأولى وتنتهي إلى نفس النهاية، فالدورة النباتية تعود كما هي ولا تأتي بجديد، وهذا ~~يناقض تماما الدورة التاريخية التي لا تبدأ من نفس البداية ولكن من نقطة أكثر تقدما، ~~فهناك تجدد بصفة دائمة في مجال التاريخ. # ويطبق هردر قانون التطور على تاريخ الحضارات، فيرى أن الشعوب الشرقية القديمة تمثل ~~طفولة الجنس البشري فهم رحل لا يعرفون الاستقرار ولا القانون، ويحترفون الرعي وتسود ~~بينهم السلطة الأبوية والاستبدادية، وتمثل الحضارة المصرية القديمة مرحلة الشباب وقد ~~تميزت بالاستقرار والخضوع للقوانين واحتراف السكان للزراعة، وعاش الفينيقيون في نفس ~~المستوى الحضاري من حيث الانتظام في العمل في البحار، وتواصل البشرية تقدمها وتأتي ~~المرحلة الثالثة من التطور وهي مرحلة الرجولة والنضج الحضاري ويمثلها العصر اليوناني ~~الذي يرتقي بالفكر والحضارة الإنسانية معبرا عنها في فنون تمثلت في ثلاث كلمات: ~~الحياة والإيحاء والحركة. فالفن اليوناني يتطور مع الحياة ويتميز بالحركة لأنه فن يعبر ~~عن حياة كلها أمل وحرية، ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي الشيخوخة وتمثلها الحضارة ~~الرومانية حيث استبد الحكام وحققوا انتصارات زائفة واستعبدوا الشعوب المهزومة ~~وانغمسوا في مظاهر الترف إلى أن انهارت وسقطت الإمبراطورية الرومانية، بهذا انتهت دورة ~~من التطور وقام على أنقاضها عالم جديد. وبدأت دورة حياة تبدأ المرحلة الأولى منها من ~~الغزوات البربرية الجرمانية للإمبراطورية الرومانية، ولم تتقدم المعرفة الإنسانية في ~~هذه المرحلة ولكن هردر يعلي من شأنها ويرى أن بفضلها سادت بعض الفضائل مثل الشجاعة ~~والقوة ويقظة الضمير. وتمثل القرون الوسطى الأوروبية المرحلة الثانية وفيها ساد الدين ~~المسيحي وتحول المجتمع إلى مجتمع إقطاعي زراعي، وكانت البطولة والحروب هي الصفات ~~المميزة لهذه المرحلة ويعدها مرحلة إنسانية حية تتميز بالقوة والحركة وتمهد لمرحلة ~~ثالثة هي فترة الإصلاح الديني، وهي الفترة التي ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والفنون ~~والآداب - على حد تعبير هردر - ويمثل القرن الثامن عشر المرحلة الرابعة من مراحل التطور ~~وهي الشيخوخة، وفي هذه المرحلة الأخيرة سادت الروح المادية والروح الاستعمارية وعدم ~~احترام القيم الإنسانية؛ فقد تحولت بعض الدول الأوروبية - مثل فرنسا ms171 - إلى دول استعمارية، ~~وتحول الرق من استعباد للأفراد إلى استعباد للشعوب # 8 # وهذا موقف مناقض لعصر التنوير الذي ينتسب إليه هردر، فبينما يرى فلاسفة ~~التنوير أن القرن الثامن عشر هو عصر ازدهار وتقدم لا محدود، يرى هردر أنه عصر أفول ~~وتدهور للحضارة، ولكن ليست هذه هي آخر مراحل التطور فالشيخوخة تبشر دائما بالأمل في ~~ميلاد جديد لأن الدورات التاريخية دائمة التجدد. # وهناك جانب أخير يرجح أن يكون هردر قد تأثر فيه بأفكار فيكو؛ فقد اتفق كلاهما في القول ~~بالعناية الإلهية، ووصف فيكو علمه الجديد بأنه «لاهوت عقلي مدني في العناية الإلهية» ~~كما شرحنا ذلك من قبل في الفصول السابقة وبينا أن العناية الإلهية تتدخل تدخلا غير ~~مباشر في مسيرة الأمم الأممية. ومع أن أقوال هردر عن العناية الإلهية تفتقر بوجه عام ~~إلى الاتساق وتختلف من كتاب إلى آخر، فيمكننا أن نقول بوجه عام إنه يرى أن الله موجود ~~في الطبيعة والتاريخ، وأن الله - الذي يريد دائما خير الجنس البشري - نظم التاريخ ~~تنظيما دقيقا، وأن التاريخ البشري وكذلك التاريخ الطبيعي مظهران على وجود الله «إن ~~الله الذي أبحث عنه في التاريخ لا بد أن يكون هو الله نفسه الموجود في الطبيعة؛ لأن ~~الإنسان ليس إلا جزءا صغيرا من الكل، وتاريخه كتاريخ الدودة نسج من النسيج الذي يعيش فيه.» # 9 # لقد وضع الإنسان في مقابل الطبيعة، فإذا كان نيوتن استطاع أن يكتشف قوانين ~~العالم الطبيعي فإن العالم الإنساني يحتاج إلى من يكتشفه أيضا، ويبدو هنا أن هردر أسند ~~لنفسه نفس المهمة التي أعلن فيكو أنه سيقوم بها وهي اكتشاف عالم التاريخ، وإذا كان ~~بيكون قد وجه الاهتمام للطبيعة الكونية فإنه أخذ على عاتقه اكتشاف الطبيعة البشرية، ~~وإذا تأملنا كلام هردر نجده يقوم بنفس المهمة وإن استبدل باسم بيكون اسم نيوتن، وبذلك ~~ينقل فكرة التطور الخاضع للقوانين الطبيعية إلى مجال التاريخ الذي يتصوره في صورة ~~«تاريخ طبيعي للقوى والأفعال والدوافع البشرية حسب المكان أو الزمان.» # 10 # وحد هردر بين العناية الإلهية والتقدم في ms172 التاريخ؛ فهي عناية مباطنة للتاريخ ولكنها ~~لا تسيره لأنه يخضع لقوانين حتمية مثله في ذلك مثل العالم الطبيعي، ويعمق هردر فكرة ~~التقدم المألوفة في عصر التنوير تعميقا جدليا ويبين تناقض التطور الاجتماعي مؤكدا ~~قيمة كل عصر تاريخي في ذاته وقيمة إنجازاته الحضارية المتفردة، وتحقيق الإنسانية هو ~~النتيجة التي تتمخض عن هذا التطور الذي يخضع لقوانين ضرورية؛ إذ تنمو هذه الإنسانية عبر ~~التاريخ لتحقيق الغاية النهائية منه وهي إنسانية الجنس البشري، وتتمثل في صورة واقعية ~~تاريخية في زيادة سيطرة الإنسان على الطبيعة وتطور التقنية والعلوم والفنون، وتحرر ~~الإنسان من بعض أشكال الحكم التي تعوق النمو الحر لطاقاته وملكاته الأساسية. هنا يبدو ~~الأمر مختلفا عما ذهب إليه فيكو، فعلى الرغم من قوله بالعناية الإلهية في التاريخ، ~~وعلى الرغم من أن هذه الفكرة يشوبها الغموض، إلا أنه لم يجعلها غاية التاريخ. وقد فرق ~~بين عناية متعالية على التاريخ عند الأمم الأممية، وعناية مباطنة للتاريخ كما في ~~التواريخ المقدسة؛ لذلك استبعد التاريخ المقدس من دائرة بحثه ولا يمكن أن يعد من أصحاب ~~التاريخ الكنسي كبوسويه وأوغسطين، وربما كان استبعاده للتاريخ المقدس ليؤكد بحرية كاملة ~~وبعيدا عن سلطة الكنيسة مبدأه الأساسي وهو أن الإنسان يصنع التاريخ وفي أثناء صنعه له ~~يصنع إنسانيته ويؤكدها؛ فالإنسان هو موضوع التاريخ وهدفه. هذه الفكرة المحورية لا نجدها ~~عند هردر، ومع ذلك لا نريد الآن أن نقطع برأي عن موقفه من العناية الإلهية لعدم اتساق ~~أفكاره في هذه المسألة؛ إذ يتردد في كتاباته بين التأليه ووحدة الوجود والقول بأن ~~الألوهية لا تعدو أن تكون إلا التقنين الذي يسير الطبيعة والتاريخ. وفي النهاية نقول إن ~~هذه بعض الأفكار الرئيسية لفلسفة هردر التاريخية دون الإفراط في التفاصيل لأنها ليست ~~مجال بحثنا، وقد عرضنا فقط لتلك الأفكار التي بدت لنا مشابهة إلى حد كبير لأفكار فيكو، ~~وعلى الرغم من إنكار هردر معرفته بفيكو إلا بعد عشرين عاما من وضعه لفلسفته التاريخية، ~~إلا أن الأستاذين # Bergin & Fisch # 11 # يؤكدان معرفته له قبل الشروع في ms173 كتابة مؤلفه «أفكار عن فلسفة تاريخ الجنس ~~البشري». وعلى الرغم من تأثر هردر بفكر وفلسفة فيكو فما زال هذا التأثر يفتقر حتى الآن ~~إلى الدليل المادي، ومع ذلك فإننا نجد الدليل الفكري في آرائه في التاريخ التي تطابقت ~~وتشابهت إلى حد بعيد مع فلسفة فيكو الذي سبقه على الطريق الذي تصور هردر أنه لم يسبقه ~~أحد في السير عليه. ~~(3) فيكو في الفكر الفرنسي # لو اتجهنا الآن للفكر الفرنسي لوجدنا تأثير فيكو على اثنين من أعلام الفكر ~~الفرنسي وهما المؤرخ الكبير ميشليه، مؤرخ الثورة الفرنسية، ومؤسس الفلسفة الوضعية ~~أوجست كونت (1798-1857م) وقبل أن نتعرض لهما بالتفصيل، نود ألا نغفل ما يرجحه بعض ~~الباحثين من تأثر فيلسوف «روح القوانين» مونتسكيو (1689-1759م) وفيلسوف العودة ~~للطبيعة روسو (1712-1778م) بفيلسوفنا الإيطالي، وإن كان كلاهما لم يذكره صراحة في ~~كتاباته؛ فقد زار الأول إيطاليا عام 1728م وكان كتاب روح القوانين لا زال يتخلق في ~~عقله ولم ير النور بعد، وفي البندقية أخبره صديقه أنطونيو كونتي بأهمية كتاب فيكو ~~وأهم أفكاره الرئيسية وحثه على اقتناء نسخة من الكتاب. وحصل مونتسكيو بالفعل على ~~نسخة من الطبعة الأولى للعلم الجديد وما زالت هذه النسخة موجودة في مكتبة # La Bréde ~~. ولعل التشابه الكبير بين مبادئه ~~وأفكار فيكو في خضوع المجتمع المدني لقوانين قد أقنعت بعض الباحثين أنه لا بد قد ~~اطلع على الكتاب، خاصة في محاولته إخضاع العلوم الإنسانية لقانون محكم في كتابه ~~«روح القوانين»، فضلا عن أن اهتمامه بالبيئة الجغرافية والبيئة الاجتماعية وما ~~تشمله من عادات وتقاليد، وتنظيمات سياسية واقتصادية ودين وقانون وأخلاق، كعوامل ~~مؤثرة في نشأة المجتمعات البشرية، دعا بعض الباحثين للاعتقاد بأن مونتسكيو قد اطلع ~~ولو بصورة عابرة على العلم الجديد. # أما عن روسو فقد عمل في إيطاليا بين منتصف عام 1743م ومنتصف عام 1744م لمدة ثمانية عشر ~~شهرا سكرتيرا للسفارة الفرنسية في البندقية، وكانت في ذلك الوقت أكبر سوق تجاري ~~للكتاب في إيطاليا، ومن المرجح أن روسو حصل على نسخة من الطبعة الثالثة للعلم الجديد ~~التي ms174 ظهرت في فترة وجوده في إيطاليا، وهي أيضا الفترة التي وضع فيها التصور الكامل ~~لخطة كتابه الهام «التنظيمات السياسية». وفي عام 1749م بدأ بحثه عن أصل اللغات، وفي ~~الأجزاء الستة الأولى منه أعاد الأفكار الرئيسية لنظرية فيكو في أصل اللغات الصامتة ~~والهيروغليفية، وسبق الشعر للنثر، وأن اللغة المتخيلة أسبق في الوجود من اللغة المجردة ~~النقية، ومن المرجح أن تكون فكرته الرئيسية عن أصل اللغة كمفتاح للمجتمع المدني مأخوذة ~~من فيكو بالرغم من عدم الإشارة إليه في أي موضع. وإذا اتجهنا إلى ميشليه (1798-1874م) ~~المؤرخ الفرنسي الشهير وجدناه على النقيض يعترف في مقدمة كتابه «تاريخ فرنسا» بفضل ~~الفيلسوف الإيطالي ويقول: «ليس لي أستاذ غير فيكو.» لقد اكتشفه ميشليه في يناير 1824م ~~أثناء قراءته لأحد الكتب المترجمة ووجد فيه جزءا عن فيكو شجعه على معرفة المزيد عنه، وفي ~~يوليو من العام نفسه تعلم ميشليه الإيطالية ليطلع على النص الأصلي. أعجب ميشليه بالفكرة ~~الرئيسية عند فيكو ألا وهي أن الطبيعة البشرية تصنع نفسها بنفسها وتحمس لها فجعلها محور ~~تفسيره لتاريخ فرنسا؛ فهذه الفكرة تتضمن أن الحضارة بما تشمله من أدب وفن ودين وقانون ~~واقتصاد وسياسة هي نتاج جماعي للإنسانية، وأن تطور التاريخ والاجتماع ليس إلا سجلا ~~لمحاولة البشر للخروج من حالة التوحش الأولى إلى الحالة الإنسانية؛ فالتاريخ ليس إلا ~~سجلا للصراع اللامتناهي للإنسان ضد الطبيعة، والروح ضد المادة، والحرية ضد الهمجية، ~~هذه النظرة للتاريخ كصراع الحرية ضد الهمجية يتطابق فيها ميشليه مع تصور فيكو للإنسان ~~كصانع لتاريخه وأصبحت هي الفكرة السائدة في مؤلفه الكبير «تاريخ فرنسا». وفي عام 1824م ~~ترجم ميشليه «مختارات من العلم الجديد»، وأعيد طبع هذه الترجمة عام 1835م ومعها ترجمة ~~لسيرة فيكو الذاتية وبعض من أعماله الأخرى وخطاباته، فاهتم الفكر الفرنسي بأفكاره وحاز ~~إعجاب الأدباء والمفكرين من أمثال شاتو بريان وكوزان في منتصف القرن التاسع عشر. وقد ~~كتب روبرت فلنت عام 1844م عن هذه الترجمة فقال: «لا يوجد مكان خارج إيطاليا درس فيه فيكو ~~بتعاطف مثلما حدث في فرنسا، وهو ms175 يدين بالشهرة التي يتمتع بها في أوروبا لكتاب ميشليه ~~«مختارات من العلم الجديد» فقد حاول في ترجمته أن يستشف بتعاطف وإخلاص روح مؤلفه ~~وجوهره، ونجح في هذا إلى حد أن أصبحت الترجمة الفرنسية أكثر تشويقا وفائدة من النص ~~الأصلي، فكانت الترجمة نفسها عملا عبقريا.» # ولعل أهم اتجاه ظهرت فيه أفكار فيكو واضحة وخاصة فيما يتعلق بقانون تطور الأمم هو ~~الاتجاه الوضعي الذي يمثله أوجست كونت (1798-1857م)، فإذا كان فيكو يمثل عقل عصر ~~النهضة المتأخر فهو أيضا يعد رائدا لمفكري القرن التاسع عشر، لقد كان أثره عميقا على ~~المدرسة الوضعية الفرنسية بزعامة أوجست كونت الذي اعترف في أحد خطاباته لجون ستيوارت مل ~~أنه قرأ فيكو ورأى في بعض مسلماته - على حد قوله - خطوة أولى نحو التطور الحقيقي للمجتمع، ~~وأن أفكاره أيدت رأيا كان قد أبداه في كتابه «الفلسفة الوضعية»، بل واعترف بتفوقه على ~~كوندورسيه. ورأى كونت أن القيمة الحقيقية لفلسفة فيكو تكمن في الفهم العميق الصحيح - في ~~معظم الأحيان - للفلسفة التاريخية للغة، ومنذ ذلك الحين أصبح كتاب فيكو من الكتب التي ~~يتناولها الوضعيون بالدراسة. ولسنا بصدد عرض لفلسفة أوجست كونت الوضعية ولكننا سنلقي ~~الضوء على الجوانب المشابهة لفلسفة فيكو التاريخية وهي الأفكار الخاصة بقانون الأحوال ~~الثلاثة لتطور المجتمعات، فكلاهما استخلص قانونا من ثلاث مراحل لتفسير التغيرات ~~التاريخية. تنقسم فلسفة كونت إلى قسمين؛ القسم الأول خاص بدراسة قوانين حركة المجتمعات ~~البشرية وهو ما يسميه بالديناميك الاجتماعي # Social Dynamics # الذي يكشف عن تقدم ~~الإنسانية وتطورها؛ ويتناول القسم الثاني دراسة المجتمعات البشرية في حالة استقرارها ~~وثباتها في فترة معينة من تاريخها وهو ما يطلق عليه الإستاتيكا الاجتماعية # Social ~~Statics # وسنلقي الضوء على القسم الأول لما وجدنا فيه من تشابه كبير بين ما يتناوله ~~كونت في هذا القسم وبين ما انتهى إليه فيكو من دراسة أصول المجتمعات البشرية القديمة؛ ~~فقد انتهى هذا الأخير إلى قانون يحكم تطور المرحلة البطولية وأخيرا المرحلة البشرية، ~~وهذا يذكرنا بقانون الأحوال الثلاثة الشهير لأوجست كونت. ومن المعروف أن هذا القانون ms176 ~~الأخير يبدأ بالمرحلة اللاهوتية ثم المرحلة الميتافيزيقية وأخيرا المرحلة العلمية، ~~ولما كان كونت قد اطلع على «العلم الجديد» كما ثبت ذلك من خطابه لجون ستيوارت مل، فمن ~~المرجح أن يكون قد تأثر بفيلسوفنا كما يتضح ذلك من القسم الأول من فلسفة كونت الذي ~~يتناول البحوث الديناميكية الاجتماعية التي تدور حول نظريتين أساسيتين هما: نظريته في ~~قانون الأحوال الثلاثة، ونظريته في تقدم الإنسانية؛ فقد انتهت دراسته للديناميك ~~الاجتماعي إلى الكشف عن قانون عام يحكم تطور المجتمعات وهو قانون من أحوال ثلاثة يتتبع ~~تطور العقل البشري في إدراكه لفروع المعرفة؛ الحالة الأولى هي الحالة اللاهوتية أي ~~المرحلة الدينية التي اعتمد فيها الإنسان على تفسير الظواهر تفسيرا غيبيا ونسبتها ~~إلى قوى خارجية كالآلهة؛ والحالة الثانية هي الحالة الميتافيزيقية التي تطور فيها العقل ~~إلى مرحلة أرقى من الأولى وفسر الظواهر بنسبتها إلى معان مجردة أو قوى ميتافيزيقية لا ~~يقوى على إثباتها؛ وأخيرا الحالة الثالثة وهي المرحلة العلمية التي تطور فيها العقل ~~تطورا علميا في تفسيره للظواهر ونسبتها إلى القوانين التي تحكمها والأسباب المباشرة ~~التي تؤثر فيها، ولقد شبه كونت تطور العقل البشري بالتطور العضوي للفرد، فالمرحلة ~~اللاهوتية أو الدينية تمثل مرحلة الطفولة، والمرحلة الميتافيزيقية تمثل مرحلة الشباب. ~~أما المرحلة العلمية أو الوضعية وهي آخر مراحل التطور فتمثل مرحلة الرجولة ~~والنضج. # ويستدل كونت على صحة قانونه بالرجوع إلى تاريخ العلوم من ناحية وتاريخ الإنسانية من ~~ناحية أخرى متمثلا في تاريخ الفنون والنظم والقانون والسياسة والأخلاق وتاريخ الحضارة ~~بوجه عام، فكل تطور عقلي لا بد أن يتبعه تطور في جميع الأنشطة البشرية، كما أن كل تطور ~~في الحياة الاجتماعية لا بد أن يصاحبه تطور عقلي. وهكذا يكون التطور أو التقدم كما يعنيه ~~كونت متجها إلى هدف معين، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف لا بد أن يخضع هذا التقدم لقوانين. ~~فانتقال الإنسانية من مرحلة إلى مرحلة لا بد أن يكون تقدما نحو ما هو أفضل، ويتضح هذا ~~التقدم في مظهرين: تقدم في الحالة الاجتماعية وهو ما يسميه ms177 بالتقدم المادي، وتقدم في ~~الطبيعة البشرية وهو ما يسميه بالتقدم العقلي؛ أي أن التقدم لا بد أن يسير على مستويين؛ ~~تقدم مادي يصاحبه ارتقاء في المعايير العقلية والأخلاقية والجمالية وما إليها من ~~المعنويات التي لا غنى عنها في الحياة الاجتماعية، وإذا كان التقدم يسير في خط مطرد ~~فإنه يتخلله الكثير من الصعاب وتعترضه الأزمات، ولكن لا بد من التدخل الإنساني لتحقيق ~~تقدم أسرع ليعجل بمجيء مرحلة من المراحل كان لا بد لها أن تأتي حتى ولو لم يتدخل الإنسان. # 12 # وكما درس كونت الحياة البشرية في حركتها الديناميكية فقد عرض أيضا لدراسة حالتها ~~الإستاتيكية وهي القسم الثاني من فلسفته الذي تناول فيه دراسة المجتمعات الإنسانية في ~~حالة استقرارها باعتبارها ثابتة في فترة معينة من تاريخها. وشملت دراسته الجوانب ~~السياسية والاقتصادية والأخلاقية والدينية، والهدف من هذه الدراسة هو الوقوف على ~~القوانين التي تحكم تماسك هذه المجتمعات، والنقطة الأساسية التي بدأ منها هي حقيقة ~~هامة، وهي أن الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة؛ لذلك نقد نظريات التعاقد الاجتماعي، فحالة ~~الاجتماع هي الحالة الطبيعية الأولى للإنسان. والمهم في هذا السياق أن كونت أكد أن ~~الإنسان كائن اجتماعي بالفطرة، وهذا ما سبق أن أكده فيكو تأكيدا واضحا في «العلم الجديد»، ويكفي أن نرجع للمسلمة رقم 8 التي تنص على أن «الجنس البشري كان منذ ~~بدايته الأولى يحيا حياة اجتماعية؛ فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته.» ومنهج كونت في ~~دراسة المجتمع البشري هو المنهج العلمي التجريبي الذي يعتمد على الملاحظة والتجربة ثم ~~يتبع المنهج المقارن والمنهج التاريخي. والملاحظة الاجتماعية ليست كالملاحظة العلمية ~~مقصورة على الإدراك والوصف المباشر، ولكن هناك دراسة العادات والتقاليد والآثار ومظاهر ~~التراث الأخرى، وتحليل ومقارنة اللغات والوثائق والسجلات التاريخية، ودراسة التشريعات ~~والنظم السياسية والاقتصادية وما إليها، فلا شك أن هذه المصادر تقدم مواد غنية نافعة ~~تساعد على الكشف العلمي. وتقوم التجربة على دراسة ظاهرتين متشابهتين في كل الأحوال ~~ومختلفتين في حالة واحدة لاستنتاج أثر هذه الحالة التي تسببت في اختلاف الظاهرتين ومدى ~~تأثيرها في الظواهر الأخرى. ms178 ثم يتبع كونت المنهج المقارن الذي يقوم على مقارنة ~~المجتمعات البشرية بعضها ببعض لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف بينها، وقد تكون المقارنة ~~في نطاق المجتمع الواحد وقد تتخذ المقارنة صورة أعم وأشمل وهي مقارنة جميع المجتمعات ~~البشرية ككل بالإنسانية ذاتها في مرحلة أخرى للوقوف على مبلغ التقدم الذي تخطوه ~~الإنسانية في كل طور من أطوار تقدمها. ويعتبر كونت المنهج التاريخي هو آخر حجر في بناء ~~المنهج الوضعي، ويسميه بالمنهج السامي أي المنهج الذي يكشف عن القوانين الأساسية التي ~~تحكم التطور الاجتماعي للجنس البشري باعتبار أن هذا الجنس وحدة واحدة تنتقل من مرحلة ~~إلى أخرى أرقى منها. # 13 # ومن الواضح أن منهج كونت في دراسة المجتمع البشري ليس بالمنهج الجديد؛ فقد ~~سبقه فيكو إلى هذا المنهج بأكثر من قرن من الزمان عندما أعلن من البداية أنه ينتهج ~~المنهج العلمي التجريبي على غرار منهج بيكون، واستخدم أيضا كل الوثائق والسجلات التي ~~خلفتها الأمم القديمة واعتمد على فقه اللغة للكشف عن حياة المجتمعات الأولى من تطور ~~الاشتقاقات اللغوية في عصر لو تتوفر فيه المادة التاريخية الكافية ولم يتقدم علم الآثار ~~ليكشف عن حضارات في طي النسيان، فلا عذر إذن لفلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر الذين ~~وجدوا في متناول يدهم التاريخ الحقيقي للحضارات التي اكتشفها علم الآثار. وإذا كان كونت ~~قد زعم أنه استخدم المنهج المقارن فإنه منهج مقارن بالاسم فقط لا بالفعل؛ لأنه صنف ~~الشعوب ورتبها من البسيطة إلى الأكثر تقدما، وكونت مثله مثل فلاسفة عصره الذين حاولوا ~~بأساليب عديدة إثبات ضرورة التقدم في التاريخ بتصنيف الشعوب بشكل عقلاني، فجاءت فكرة ~~التقدم لديه مستنبطة من العقل الديكارتي لا بالاستناد إلى التاريخ الحي؛ فقد أكد في ~~أكثر من موضع أن التاريخ بلا أحداث فالتاريخ الكامل ليس به أسماء ولا شخصيات ولا أحداث ~~ولا أماكن ولا تواريخ، وأن السجلات التاريخية كشاهد على مسار الأحداث بين الشعوب والأمم ~~لا تثبت مبدأ التقدم، وأقر بحقيقة المبدأ الأكبر للتقدم وأنه لم يكن ولن يكون أبدا في ~~تواريخ فعلية لشعوب ms179 منفردة، وهذه النتيجة التي انتهى إليها كونت عكس ما انتهى إليه فيكو ~~الذي كان أكثر واقعية في نظرته لتفرد الشعوب والحضارات واهتمامه بالخصائص النوعية لكل ~~حضارة ولكل أمة على حدة. # من هذه اللمحة السريعة عن فلسفة كونت في تطور المجتمعات البشرية نجد أن فكرة قانون ~~الأحوال الثلاثة الذي يزعم كونت أنه من اكتشافه هي فكرة ليست بالجديدة؛ فقد سبقه فيكو ~~بقانون تطور الأمم وهو القانون الذي يفسر التغيرات التاريخية، وإن كان أكثر منه حسا ~~بالتاريخ عندما فسر المجتمعات البشرية كمجتمعات متفردة جزئية، بينما عرض كونت للإنسانية ~~بوصفها كلا لا يتجزأ فلم يستطع أن يتخلص من تأثير العقلانية الديكارتية، وكان أميل ~~إلى التعميم والتجريد في تناوله للإنسانية ككل بدلا من تناول ظواهر حضارية نوعية ~~ومتنوعة كما فعل فيكو من قبله، والواقع أنه ليس هناك إنسانية بل مجتمعات إنسانية أي ~~مجتمعات جزئية مختلفة، وهكذا تصور كونت التاريخ تصورا مجردا ووصفه بأنه تصور علمي ~~ووضعي، ودافع عن فكرة التقدم في التاريخ الإنساني شأنه شأن فلاسفة عصر التنوير، أي ~~التقدم الذي يسير في خط مستقيم لأنه تصوره تصورا عقليا قبل كل شيء. ~~(4) فيكو في التراث الماركسي # تكلمنا في الفصول السابقة عن المبدأ الأساسي في نظرية المعرفة عند فيكو وهو أن البشر ~~لا يعرفون إلا ما يصنعون، وأن الإنسان كائن تاريخي لأنه صانع هذا التاريخ. وقد تحدثنا ~~في الفصل السابق بشيء من التفصيل عن نظرية المعرفة، ونود أن نشير هنا إشارة موجزة عن ~~تأثيرها على التراث الماركسي ولا سيما أن كارل ماركس قد أشار إلى أهمية فيكو في أحد ~~هوامش الجزء الأول من «رأس المال» فكتب يقول: «لقد أثار داروين اهتمامنا بتاريخ ~~التكنولوجيا الطبيعية أي بتطور أعضاء النباتات والحيوانات باعتبارها أدوات منتجة تحافظ ~~على حياة هذه الكائنات، ألا يستحق تاريخ الأعضاء المنتجة للإنسان في المجتمع - أي هذه ~~الأعضاء التي هي الأساس المادي لكل نوع من أنواع التنظيم الاجتماعي - ألا تستحق هي أيضا ~~مثل هذا القدر من الاهتمام؟ ولما كان أساس التمييز بين التاريخ البشري والتاريخ ms180 الطبيعي ~~كما يقول فيكو هو أن الأول من صنع الإنسان على حين أن الثاني ليس كذلك، ألا تكون كتابة ~~تاريخ التكنولوجيا البشرية أسهل بكثير من كتابة تاريخ التكنولوجية الطبيعية، وأن ~~التقنية عندما تكشف عن تعامل الإنسان مع الطبيعة وعن الأنشطة الإنتاجية التي تحفظ عليه ~~حياته، إنما تكشف في نفس الوقت عن علاقاته الاجتماعية والتصورات الذهنية التي تنبثق عنها.» # 14 # وقد أكد بول لافاش - زوج ابنة ماركس في كتابه «الحتمية الاقتصادية والمنهج ~~التاريخي عند كارل ماركس» (عام 1907م) - أكد أن مفهوم ماركس عن التاريخ مستمد من نظرية ~~فيكو عن المعرفة. كما أكد الماركسي الإيطالي أنطونيو لابريولا - وهو أحد الذين كانوا ~~يراسلون إنجلز - في مقالاته عن التصور المادي للتاريخ: «إن فيكو هو أحد رواد التصور ~~المادي للتاريخ.» # وقبل أن نتعرض للحديث عن أثر فيكو على الماركسية، نود أن نقصر حديثنا على الجوانب ~~التي يبدو فيها أثر فيكو واضحا وتتلخص في ثلاث أفكار رئيسية؛ الفكرة الأولى هي أن ~~البشر هم صانعو التاريخ؛ والثانية هي تأكيد فيكو أهمية التنظيم الاقتصادي وجعله أساس ~~التنظيم السياسي؛ والثالثة هي تأكيد دور الصراع الطبقي في تطور التاريخ. وإذا كانت ~~المادية التاريخية قد انطلقت من عكس الدياليكتيك الهيجلي، إلا أنها ارتكزت على نظرية ~~المعرفة عند فيكو ومحورها الأساسي «أن الإنسان هو صانع التاريخ لأنه لا يعرف إلا ما ~~يصنع.» وهذه العبارة التي تحوي بذور فلسفة العمل أو الفعل كانت تأكيدا للفكرة الجوهرية ~~التي انطلقت منها المادية التاريخية وبلغ كل من ماركس وإنجلز بهذه الفكرة مرحلة النضج، ~~فقال ماركس (1818-1883م): «إن مفتاح كل تاريخ للمجتمع هو النمو التاريخي للعمل.» لأن ~~ماهية الإنسان لا تتحقق إلا بالعمل، كما يؤكد ماركس «أن البشر يصنعون تاريخهم الخاص ~~باتباع كل واحد منهم الغايات التي يرغب في تحقيقها بصورة واعية، ونتيجة هذه الإرادات ~~العديدة التي تعمل في اتجاهات مختلفة، وكذلك نتيجة آثارها على العالم الخارجي هي التي ~~تشكل التاريخ.» # أما عن الفكرة الثانية وهي تأكيد أهمية التنظيم الاقتصادي كأساس للسلطة السياسية، فقد ~~أكد فيكو أن ms181 المجتمعات البشرية بمعناها التام لا تنشأ إلا بظهور طبقة العبيد، فينقسم ~~المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة النبلاء ملاك الأرض؛ وطبقة العبيد الذين يحرثون الأرض ~~ويفلحونها، ويتحول المجتمع الأسري إلى مجتمع إقطاعي. وبعد فترة طويلة من الزمن يبدأ ~~تمرد العبيد على النبلاء للمطالبة بالمساواة معهم في الحقوق المدنية مما اضطر النبلاء ~~إلى توحيد صفوفهم لمواجهة ثورة العبيد فنشأت الحكومات الأرستقراطية التي كانت أول شكل ~~من أشكال الحكم في العالم. # 15 # هكذا جعل فيكو النظام الاقتصادي أساسا للنظام السياسي، وهي نفس النتيجة ~~التي توصل إليها كل من ماركس وإنجلز من أن التاريخ محكوم على الدوام بقوانين خفية، وهذه ~~القوانين تكون في آخر المطاف قوانين اقتصادية وهو ما يقود إلى حتمية تاريخية. وإذا كان ~~فيكو قد تصور العملية التاريخية بأسرها في صورة نمو عضوي يسير إلى التفكك والتحلل ثم ~~يعود إلى النمو من جديد بحيث تكون كل الجوانب الحضارية في كل مرحلة من هذه المراحل ~~- كالعادات والأخلاق والقانون والحكومة واللغة والفن والعلم والدين والفلسفة - ذات شكل ~~وخصائص مختلفة عن شكلها وخصائصها في المرحلة السابقة عليها، فإن ماركس وإنجلز جاءا ~~ليميزا بين أنواع النشاط البشري من أنشطة أولية وأخرى ثانوية أو بالتعبير الماركسي بين ~~البناء التحتي والبناء الفوقي. ولكي يصنع الإنسان تاريخه لا بد من توافر المأكل والمشرب ~~والملبس والمأوى، هذه هي الأنشطة الأولية - البناء التحتي - وتتضمن علاقة مادية اجتماعية ~~مزدوجة، فأساليب الإنتاج تتميز بأسلوب معين من التعاون أو بمرحلة اجتماعية معينة، ~~ويستحوذ كل جيل على النظام الإنتاجي الذي اكتسبه من الجيل السابق عليه ويستخدمه كمادة ~~خام تصلح لإنتاج من نوع جديد؛ فأساليب الإنتاج تربط بين مراحل التاريخ المختلفة وتشكل ~~تاريخ البشرية، وعلاقة البشر بوسائل الإنتاج شرط كل علاقاتهم الأخرى، فهي تنعكس في ~~وعيهم وتفكيرهم ولغتهم وتكوين نظمهم السياسية والقانونية والأخلاقية والدينية. وهذه ~~الأنشطة الثانوية - البناء الفوقي - ليس لها تاريخ مستقل خاص بها ولا تفهم بمعزل عن ~~الأنشطة الأولية لأنها انعكاس وتفسير وتبرير لهذه الأخيرة وربما تكون في بعض الأحيان ~~محاولة لإخفائها وحجبها. وهكذا فإن ms182 جوهر المادية التاريخية يقوم على أن التاريخ ~~الاقتصادي هو المجرى الأساسي العميق في نهر التاريخ، ولا بد من سبر أغوار هذا المجرى ~~ودراسته دراسة متعمقة لكي نفهم تياراته السطحية ومده وجزره فهما كافيا. ويكفي الإشارة ~~إلى هذه العبارة من بيان الحزب الشيوعي (عام 1848م): «إذا نظرنا إلى عصر من عصور التاريخ ~~رأينا أن الأسلوب السائد في الإنتاج الاقتصادي والتبادل وما يترتب عليه من تنظيم ~~اجتماعي هو الأساس الذي يقوم عليه ويفسر بواسطته التاريخ السياسي والعقلي لهذا ~~العصر.» # وواضح من هذا أن الماركسية تجاوزت مفهوم فيكو عن النظام الاقتصادي، ولكنها في رأي بعض ~~الشراح الماركسيين قد سارت خطوات بعيدة في نفس الاتجاه الذي قطع فيه فيكو شوطا طويلا، ~~وإذا كان فيكو قد أكد أن النظام الاقتصادي هو أساس النظام السياسي، فإن الماركسية قد ~~توسعت في هذه الفكرة بغير شك وجعلت البنية الفوقية بأسرها لا السياسة وحدها انعكاسا ~~للبنية التحتية أو البنية الاقتصادية، ومع ذلك يمكننا أن نقول إن فيكو نظر إلى التاريخ ~~نظرة أكثر شمولا وعمقا لتناوله التاريخ البشري من كل جوانبه الحضارية من اقتصاد ~~وسياسة وفن ودين وقانون ... إلخ، وأعطى لكل جانب من هذه الجوانب نفس القدر من الأهمية حيث ~~تتفاعل مجتمعة لتصنع التاريخ البشري، بينما تناولت الماركسية التاريخ من بعد واحد وهو ~~البعد الاقتصادي وكأنه المؤثر الوحيد في تطور التاريخ فجعلت التطور السياسي والقانوني ~~والفلسفي والأدبي يرتكز على التطور الاقتصادي. وعلى الرغم من أن إنجلز أكد ردا على ~~خصوم الماركسية أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في تطور التاريخ ولكنه أهم ~~العوامل، وأن العناصر المختلفة التي تتكون منها البنية الفوقية لها أثرها في الصراع ~~التاريخي وأحيانا تكون لها الغلبة في شكل هذا الصراع، ويقصد بهذه العناصر المظاهر ~~السياسية لصراع الطبقات ونتائجه، وهذه هي الفكرة الثالثة التي كان لفيكو السبق فيها، ~~فقد قدم أعمق تحليل للصراع الطبقي قبل الماركسية، وظهر هذا الصراع عندما بدأ العبيد في ~~التمرد فكانت ثورتهم ضد الأبطال ويستمر صراع النبلاء والعامة فقد أقسم النبلاء على ms183 ~~العداء الأبدي للعامة، ويتابع فيكو مراحل هذا الصراع بتفاصيله حتى يحصل العامة على كافة ~~حقوقهم المدنية والسياسية وتتحول نظم الحكم من الأرستقراطية الإقطاعية إلى نظم ~~ديموقراطية شعبية حرة. # 16 # وجاءت الماركسية فيما بعد لتؤكد أن تاريخ كل مجتمع هو تاريخ الصراع بين ~~الطبقات، فكان من أهم الأفكار التي يتضمنها القسم الأول من البيان الشيوعي تأكيد أن ~~الصراع الطبقي هو لب التاريخ البشري، وأن الدولة نظام يعبر عن إرادة الطبقة المسيطرة ~~اقتصاديا، وهكذا كانت الفكرة الأساسية التي وردت في مقدمة بيان الحزب الشيوعي التي ~~وضعها إنجلز: «إن التاريخ البشري - منذ انحلال المجتمع الطبقي البدائي الذي تملك فيه ~~الجماعة الأرض ملكية مشتركة - عبارة عن تاريخ منازعات بين الطبقات، أي بين الطبقات التي ~~تستغل غيرها والطبقات التي تكون موضع الاستغلال أو بين الحاكم والمحكومين، وتاريخ صراع ~~الطبقات سلسلة من عمليات التطور وفيها أدركنا اليوم مرحلة لن يكون في وسع الطبقات التي ~~تنوء تحت نير الاستغلال، وهي البروليتاريا، أن تحرر نفسها من سيطرة الطبقات التي تحكمها ~~وتستغلها وهي البرجوازية دون أن تحرر في الوقت نفسه وبصفة نهائية المجتمع بوجه عام من ~~جميع ألوان الاستغلال والظلم، والفوارق والمنازعات بين الطبقات.» # 17 # وقد صدق كروتشه عندما قال في كتابه عن فلسفة فيكو إن ماركس وسوريل قد طورا ~~فكرة فيكو عن صراع الطبقات وتجدد شباب المجتمع عن طريق العودة إلى الحالة البدائية ~~للعقل وإلى البربرية الجديدة. بهذا نكون قد حاولنا أن نجتهد في بيان أثر فيكو على أصحاب ~~الاتجاهات الكبرى في فلسفة التاريخ والاجتماع، ونقول اجتهدنا مع علمنا بأن مثل هذا ~~الموضوع يحتاج إلى دراسات أوفى وأعمق، وبحوث مستقلة تخرج بنا عن حدود هذا البحث، وكل ما ~~نرجوه أن نكون قد وفقنا على طريق البحث المتعمق لفلسفة فيكو المتشعبة الجوانب، وأن يكون ~~هذا البحث بداية بحوث مقبلة تضاف بإذن الله إلى المكتبة العربية . # | خاتمة # بانتهاء الفصل الثاني من الباب الثالث تكون قد اكتملت فصول هذا البحث، ويبقى أن نلقي ~~نظرة عامة ونهائية على أهم النتائج التي استخلصناها ms184 منه، فبعد أن تناولنا النصوص ~~الأصلية بالتفسير والتحليل في البابين الأولين، وتعاطفنا مع تفكير فيكو واقتربنا منه، ~~كان لزاما علينا في الباب الثالث أن نبتعد عنه قليلا لنتمكن من تقييم مذهبه وخاصة ~~نظرية المعرفة التاريخية التي هي لب فلسفته التاريخية، وقد تعرضنا لجوانبها المختلفة، ~~كما بينا أثر هذه النظرية على أهم فلاسفة التاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ~~وسوف نحاول في هذه الخاتمة أن نلقي الضوء على أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا ~~البحث، مع علمنا بأنه ليس هناك مذهب فلسفي يخلو من جوانب نقص أو لا يقع في متناقضات. ~~بيد أن هناك أفكارا أساسية في كل مذهب فلسفي لا بد أن تكون مترابطة ترابطا منطقيا، ~~وهذه الأفكار هي التي نخصها بالتقييم، وإذا حاولنا أن ننظر إلى مذهب فيكو من هذه ~~الزاوية أمكننا أن نبرز أهم الجوانب الإيجابية على النحو التالي: ~~(1) # يمكن القول إن فيكو امتداد أمين ووفي لرواد النزعة الإنسانية في عصر النهضة. لقد ~~جعل الإنسان محور الدائرة ومركزها، فإذا كان الله هو خالق الطبيعة، فالإنسان هو صانع ~~التاريخ - وهذا هو الجانب المشرق والمضيء في فلسفة فيكو - والإنسان هو موضوع المعرفة ~~وهدفها، وموضوع التاريخ وغايته، وبمعنى آخر أصبح صانع التاريخ هو ذاته موضوع التاريخ، ~~بحيث يمكن القول إن صنع الإنسان للتاريخ من أوضح وأهم الأفكار في فلسفة فيكو. ~~(2) # إذا كنا قد اقتصرنا في بحثنا هذا على فلسفة التاريخ عند فيكو، إلا أنه يمكن استخلاص ~~العديد من الدراسات المتنوعة من مجالات مختلفة من فكر فيلسوفنا، فعلى سبيل المثال يمكن ~~استخراج دراسة جمالية من نظرية فيكو في اكتشاف حقيقة هوميروس ومن نظريته في أصل الشعر، ~~وهي مشكلة شغلت العديد من المفكرين في القرن التاسع عشر. ومن نظريته في أصل اللغات ~~والحروف ودراساته في الاشتقاقات اللغوية يمكن لعلماء اللغة أن يتناولوه من زاوية فقه ~~اللغة، ومن دراسته لعادات وتقاليد الشعوب، وهي الدراسة التي انتهت به إلى وضع مبادئ ~~علمه الجديد التي تقوم على ثلاثة تنظيمات اجتماعية أساسية وهي الدين والزواج ms185 ودفن ~~الموتى؛ إذ لا توجد أمة إلا ولديها هذه التنظيمات الأساسية، من هذه المبادئ يمكن ~~استخلاص دراسة في الفولكلور والأنثروبولوجيا الاجتماعية، كما يمكن استخلاص دراسة في ~~القانون الروماني والتشريع وتطورهما (وقد قام فيش # Fisch # بدراسة بعنوان «فيكو في القانون الروماني») # 1 # كما يمكن لفقهاء القانون أن يجدوا مادة خصبة لدراسة القانون الطبيعي للأمم، ~~ولا تخفى أهمية فلسفة فيكو على المهتمين بالفلسفة السياسية في تحليله لنشأة المجتمعات ~~السياسية وتطور نظم الحكم فيها، ولا أهميته بالنسبة لعلماء الاقتصاد في تحليله لنشأة ~~النظم الاقتصادية وتطورها نتيجة تطور الصراع الطبقي؛ إذ كان النظام الاقتصادي كما رأينا ~~في الفصل الثاني من الباب الثاني هو أساس النظام السياسي، وهكذا يمكن استخلاص دراسات ~~متنوعة من فلسفة فيكو، ونرجو أن يفيد هذا البحث في توجيه نظر الباحثين إلى المزيد من ~~الاهتمام بفكره. ~~(3) # أضف إلى ما سبق أن فيكو يعد مؤسس فلسفة التاريخ في الفكر السياسي الغربي أو ~~بالأحرى مؤسس علم التاريخ. فعلى الرغم من المادة الكثيفة التي حشدها في كتابه الأساسي ~~فقد استطاع أن يستخلص البنية النظرية للتاريخ. لقد أراد للتاريخ أن يكون علما على نمط ~~العلوم الطبيعية، فأقام الجانب النظري لعلم التاريخ ووضع المسلمات والفروض التي لا بد من ~~التسليم بصحتها منذ البداية، ثم قام بدراسة كل ما يتعلق بالمجتمعات البشرية في ضوء هذه ~~الفروض والمسلمات من تنظيمات أو مؤسسات اجتماعية وقانون ولغة وفن وسياسة واقتصاد ... إلخ، واستخلص في النهاية القانون العام الذي يحكم مسار التاريخ وتطوره، وقد حاولنا أن نبرز ~~الأساس النظري في الباب الأول من البحث، ثم الجانب التطبيقي التجريبي في الباب الثاني، ~~وتناولنا في الباب الثالث تقييم نظرية المعرفة التاريخية مع الاهتمام بوجه خاص بتأكيد ~~النسق المعرفي الذي يقوم عليه علم التاريخ، أو إذا شئنا استخدام لغة كانط الشروط ~~القبلية في المعرفة التاريخية. وبهذا حاولنا أن نحل المشكلة التي ما تزال تشغل ~~الباحثين: هل تعد فلسفة فيكو من قبيل الفلسفة العقلية الصرفة، أم هي فلسفة تجريبية ~~صرفة؟ وقد توصلنا - كما رأينا في الباب الأخير ms186 من البحث - إلى أنه جمع بين الجانبين: بين ~~القبلي والبعدي، وبين المثالية والتجريبية. ~~(4) # استحدث فيكو نظرة جديدة للتاريخ؛ فبعد أن كان التاريخ يقتصر على الأحداث السياسية ~~والمعارك الحربية وسير الأبطال، أصبح يهتم بمشكلة أصول تكوين المجتمع المدني ويتناول ~~البنية الحضارية للمجتمع البشري بما تشمله من تنظيمات سياسية واقتصادية وفن وقانون ولغة ~~إلى سائر التنظيمات الاجتماعية الأخرى، وإذا كان فولتير هو أول من استحدث اسم فلسفة ~~التاريخ فإن فيكو هو أول من تناول بالدراسة مادة فلسفة التاريخ ذاتها فتعرض للتاريخ ~~الحضاري للمجتمعات البشرية دون أن يدرك التسمية الكامنة وراء هذه النوعية من دراسة ~~التاريخ. ~~(5) # على الرغم من اعتماد فيكو على الأساطير اليونانية والرومانية اعتمادا كبيرا في ~~تفسيره لتطور التنظيمات الاجتماعية من خلال هذه الأساطير - وهي تمثل معظم المادة ~~التاريخية التي كانت متوفرة في عصره - إلا أنه استطاع أن يصوغ قواعد منهجية علمية اشترط ~~على المؤرخين والدارسين لتطور المجتمعات البشرية أن يتبعوها. ~~(6) # إن بحث فيكو في نشأة المجتمعات الإنسانية وتطورها أكثر واقعية من فلاسفة عصره. فهو ~~لم يبحث تطور الإنسانية بحثا نظريا مجردا كما فعل بعض فلاسفة القرن الثامن عشر وكما ~~نجد عند أوجست كونت وغيره في القرن التاسع عشر بحيث أصبحت فكرة الإنسانية عند هؤلاء ~~الفلاسفة فكرة نظرية لا وجود لها إلا في عقول من أبدعوها. إن الإنسانية في نظر فيكو هي ~~شعوب متعددة ومتنوعة لها وجودها في الزمان والمكان. وهو بإدراكه لهذا التنوع والتعدد ~~كان أكثر وعيا بالواقع التاريخي من فلاسفة عصره؛ إذ قام بدراسة التاريخ دراسة حية من ~~خلال المستندات والوثائق وما خلفته الشعوب القديمة في آدابها وأشعارها وأساطيرها، ومن ~~خلال ما تركته من آثار كالنقود والميداليات والأوسمة والنياشين والدروع والصور والنقوش ~~... إلخ، وربما كان بذلك أول من تنبه إلى أهمية الآثار والحفريات في البحث التاريخي في عصر ~~كان فيه علم الآثار ما يزال يخطو خطواته الأولى . ~~(7) # يرى فيكو أن الأمم تتطور عبر مراحل ثلاث؛ المرحلة الإلهية، والمرحلة البطولية، ثم ~~المرحلة البشرية، وقد استقى هذا القانون - كما رأينا في ms187 الفصل الأول من الباب الثاني ~~(قانون تطور الأمم) - من تقسيم المصريين القدماء للعصور التاريخية، ولكن لماذا تمسك فيكو ~~بهذا القانون الثلاثي على وجه التحديد؟ لقد قال بعض الفلاسفة إن التاريخ يتطور عبر ~~مراحل أربع مثل هردر، وهناك من قال إن التطور يكون من خلال عشر مراحل مثل كوندورسيه، ~~وأيا ما كان الرأي في عدد المراحل التاريخية التي يجتازها التطور، فهي ليست بالشيء ~~الهام الذي نقف أمامه ونقول لماذا هي ثلاث عند فيكو وأربع عند هردر وعشر عند كوندورسيه ~~... إن الأهم من ذلك هو عودة هذه المراحل مرة أخرى ومدى تطابق هذا مع الواقع التاريخي؛ ~~فالدورات التاريخية عند كل من فيكو وهردر تعود مرة أخرى بصورة أكثر تقدما، ولكنها عند ~~كوندورسيه - على سبيل المثال - لا تتكرر؛ فالتقدم يسير في خط مستقيم ويبلغ مداه ولا يتراجع ~~إلى الوراء مرة أخرى. وهنا لا بد أن نتساءل: هل هذه النظرة للتاريخ تصدق على الواقع ~~التاريخي الفعلي؟ الحق أن التقدم لا يسير دائما في خط مستقيم، فعلى الرغم من التقدم ~~العلمي الهائل الذي حققته البشرية وما زالت تحققه إلا أن هناك مراحل تدهور ثقافي وحضاري ~~وإنساني، ولا شك في أن نظرة فيكو للتاريخ كانت نظرة أكثر واقعية وأكثر فهما للطبيعة ~~البشرية، وقد ناقشنا هذه الفكرة في الفصل الأول من الباب الثالث. # تلك هي بعض الأفكار الإيجابية التي يجب أن نشيد بها ونلقي عليها الضوء في فلسفة فيكو. ~~غير أن هذا البناء الشامخ الذي شيده فيكو في العلم الجديد من أجل إعادة بناء التاريخ لا ~~يخلو من بعض جوانب الضعف والقصور التي ناقشناها في ثنايا الرسالة ونود أن نجملها في ~~النقاط التالية، وقد ألقت هذه الجوانب على مذهبه ظلال التناقض أحيانا والغموض أحيانا ~~أخرى الأمر الذي حال دون فهمه فهما واضحا وتمثله على الوجه الصحيح. ~~(1) # اعتمد فيكو على الحضارتين اليونانية والرومانية واستقى منهما مادته التاريخية. وقد ~~يؤخذ عليه اقتصاره على هاتين الحضارتين دون سائر حضارات الشعوب الشرقية والوسطية، ولكن ~~يجب أن نأخذ في اعتبارنا أمرين هامين؛ ms188 الأول أن الثقافة الكلاسيكية (اليونانية ~~والرومانية) كانت هي الثقافة السائدة في عصره، فكان من الطبيعي أن يستمد مادته ~~التاريخية منها لا سيما أنه كان مختصا بدراسة البلاغة عند الرومان وتدريسها. أضف إلى ~~هذا أنه لم تتوفر المادة التاريخية الكافية في عصر فيكو ولم يدون التاريخ العالمي بصورة ~~علمية منظمة؛ لأن الدراسات التاريخية لم تتبلور بالشكل الواضح إلا في القرن التاسع عشر، ~~وهو القرن الذي وصف بحق بأنه عصر التاريخ؛ لهذا لم يستطع أن يطبق مبادئ علمه الجديد على ~~كل الحضارات؛ إذ لم تكن هذه الحضارات قد عرفت في عصره معرفة كافية. أضف إلى هذا أن علم ~~الحفريات لم يكن قد تقدم بعد ولم تكتشف حضارات الشعوب الشرقية القديمة مثل الحضارة ~~المصرية القديمة - التي لم تكتشف إلا في القرن التاسع عشر وبعد اكتشاف حجر رشيد الذي ~~مكن العلماء من فك رموز اللغة الهيروغليفية - وكذلك لم تكتشف الحضارات البابلية ~~والآشورية إلا بعد ذلك تاريخ، ربما أمكننا لكل هذه الأسباب أن نلتمس لفيكو العذر في ~~اقتصاره على دراسة الحضارتين اليونانية والرومانية، فلم يصله إلا القدر الضئيل من ~~المعلومات المشوهة عن تاريخ الحضارات القديمة، لكن الميزة الكبرى لفيلسوفنا أنه وضع ~~المبادئ النظرية لعلم التاريخ وعهد إلى الأجيال التالية أن تستكمله وأن يقوم كل شعب ~~بتطبيقه على حضارته؛ فالعلم الجديد - كما صرح هو نفسه - لم يستكمل بعد وما يزال قابلا ~~للتطوير. والأمر الثاني أن الاستشهاد بالتاريخ اليوناني والروماني - كما يؤكد فيكو نفسه ~~في هذا النص: «لم يكن الهدف منه سرد التاريخ الخاص لهذه الشعوب وعاداتها وتقاليدها ~~وقوانينها، بل كان الهدف هو إلقاء الضوء على التاريخ المثالي الذي يعبر عن القوانين ~~الأبدية التي تحكم أعمال جميع الأمم والتي ستظل تحكم كل تواريخ الشعوب في نشأتها ~~وتطورها ونضجها ثم انحلالها وتدهورها وسقوطها، فهناك جوهر واحد وراء تنوع وتطور أشكال ~~الحكومات هو القانون المثالي الذي يحكم أعمال البشر وتاريخ الأمم إلى الأبد.» # 2 # وقد تناولنا بالتفصيل نظرية فيكو في التاريخ الأبدي في الفصل الأول من ~~الباب الثالث موضحين ms189 أنها لب فلسفته في التاريخ لأنها تمثل النسق المذهبي الذي يقوم على ~~أساسه البناء التاريخي كله. ~~(2) # لا شك أن هناك بعض الأفكار التي توحي بالازدواجية في بناء فيكو المذهبي، وهي تتجلى ~~واضحة في فكرتين أساسيتين: الأولى هي «نظرية التاريخ المثالي الأبدي» الذي صرح أنه ~~استخلصه من معارضته لمنهج ديكارت الاستنباطي، واتباع منهج بيكون الاستقرائي، وقد رأينا ~~في الفصل الأول من الباب الأخير أنه جمع بين الطابع الاستنباطي الديكارتي والطابع ~~الاستقرائي البيكوني ووضع البناء النظري الميتافيزيقي في مقابل الجانب التجريبي ~~التطبيقي، ومن العسير أن نحكم أيهما أسبق في الوجود من الآخر وإن كنا نرجح أنه استخلص ~~البناء النظري بعد دراسة الواقع التجريبي وتحليله؛ الثانية «فكرة العناية الإلهية» وهي من ~~أكثر الأفكار غموضا في فلسفة فيكو وتبدو فيها الازدواجية واضحة، بل وتبدو متناقضة مع ~~فكرته الأساسية التي تقوم عليها فلسفته التاريخية وهي أن الإنسان هو صانع التاريخ، فكيف ~~يتفق صنع البشر لتاريخهم مع تأكيد دور العناية الإلهية في توجيه التاريخ؟ لا يمكن أن ~~يفسر هذا التعارض إلا على أنه نوع من الازدواجية التي يتسم بها فكر فيكو، فهو من ناحية ~~فيلسوف يحمل في عقله مبادئ وأفكار علم جديد سابق على عصره ومخالف للفكر السائد فيه، ومن ~~ناحية أخرى لا يمكن إغفال الظروف التاريخية التي عاشها في ظل محاكم التفتيش، ولا بد أنه ~~سمع عن المصير الذي انتهى إليه برونو وكامبا نيلا وجاليليو، فكان لا بد من إخفاء آرائه ~~الجريئة وراء فكرة العناية الإلهية التي أخذ يؤكدها في كل صفحة من صفحات العلم الجديد. ~~وربما يكون هذا السبب نفسه هو الذي جعله يستبعد التراث العبري والمسيحي من نطاق العلم ~~الجديد ويكتفي بالحديث عن الأمم الأممية في الحضارتين اليونانية والرومانية؛ لذلك لا ~~نستطيع أن نقول إن التاريخ المثالي الأبدي تجسيد للعناية الإلهية وتحقيق لخطتها حتى لو ~~قال فيكو بذلك؛ لأن هذا يتعارض مع تأكيد صنع البشرية لذاتها، أضف إلى هذا أن قوله ~~بالعناية الإلهية لا يجعله بالضرورة من أصحاب التفسير اللاهوتي للتاريخ كما ذهب ms190 إلى ذلك ~~بعض الدراسين. ويجب ألا ننسى أن الأهم من قوله بالعناية الإلهية هو قوله بالتاريخ ~~المثالي الأبدي، وهذا ما حاولنا التركيز عليه في الفصل الأول من الباب الأخير لإثبات أن ~~نظريته في التاريخ المثالي الأبدي يمكن أن تفهم فهما علميا خالصا بعيدا عن الفهم ~~اللاهوتي، بحيث لو استبعدنا فكرة العناية الإلهية لما تأثرت تحليلاته العلمية لنشأة ~~المجتمعات البشرية وتطورها من خلال الصراع الطبقي بين النبلاء والعبيد وتكوين الأنظمة ~~الاقتصادية والسياسية ... إلى آخر التنظيمات البشرية. ~~(3) # على الرغم من عبقرية فيكو التي لا شك فيها إلا أن طريقته في طرح أفكاره وترتيبها لا ~~تساعد على فهمها بسهولة، فهناك بعض العقبات التي تحول دون ذلك نذكر منها: ~~(أ) # تميل أفكاره إلى الغموض والإبهام الأمر الذي تسبب في عدم الإقبال على قراءته في ~~عصره. ~~(ب) # الإكثار من التفاصيل الجزئية المرهقة إلى حد كبير، والتي كان من الممكن الاستغناء ~~عنها دون المساس بالأفكار الرئيسية لمذهبه. ~~(ج) # الإسهاب في تفاصيل القانون الروماني ابتداء من قانون الألواح الاثني عشر وتطور ~~هذا القانون عبر العصور التاريخية بحيث يصعب على قارئ العلم الجديد متابعة الكتاب إن لم ~~يكن لديه إلمام كاف بالقانون الروماني. ~~(د) # كثرة التحليلات اللغوية للعبارات والأمثال والكلمات اللاتينية التي اعتمد عليها ~~فيكو كثيرا في تفسيره لتطور المجتمعات البشرية من خلال تطور معاني الكلمات ~~والاشتقاقات، مما أوحى للقارئ المتسرع للعلم الجديد أنه ليس إلا كتابا في فقه اللغة ~~والبلاغة اللاتينية القديمة ... # وفي ختام هذا البحث نود أن نكون قد ألقينا الضوء على أهم الجوانب الرئيسية في فلسفة ~~فيكو ألا وهي فلسفته التاريخية، ونقول أهم الجوانب لأن هناك العديد من الجوانب التي لم ~~يتطرق إليها البحث لأنها تخرج عن حدوده، وما زال فيكو في حاجة إلى العديد من البحوث ~~والدراسات التي تستوفي كل جوانبه فكره، وبحثنا هذا ليس إلا بداية على الطريق لفيلسوف ~~بخسه التاريخ حقه ، وجنى عليه سبقه لعصره، وظلمه مواطنوه ومعاصروه، ولقد توالت الدراسات ~~الجادة عنه في النصف الثاني من القرن العشرين ونرجو أن يكون ms191 هذا البحث المتواضع بداية ~~لبحوث أخرى من الدراسين العرب في المستقبل بإذن الله. # | المراجع # (1) المراجع الأجنبية ~~(1-1) مؤلفات فيكو ~~(1) # Vico, G. B.: New Science; trans. by Thomas Goddard Bergin and Harold Fisch; New ~~York; Cornell University Press; 1969. ~~(2) # Vico, G. B.: The Autobiography; trans. by Fisch, M. H. and Bergin, T. G. I. ~~theca, New York; Cornell University Press; 1962. ~~(3) # Vico, G. B.: on the study Methods of our time; trans. by Elio Gianturco; New ~~York; 1965. ~~(1-2) مؤلفات عن فيكو ~~(4) # Adams, H. P.: the Life and Writings of G. B. Vico; London; 1935. ~~(5) # Berlin, Sir Isaiah: Vico and Herder, New York; 1976. ~~(6) # Berlin, Sir Isaiah: Vico and Idea of the Englightenment, in: Vico and ~~Contemporary Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; ~~1976. ~~(7) # Child, A. H.: Making and knowing in Vico and Dewey; University of California Press; 1953. ~~(8) # Haddock, B. A.: Vico and the Problem of historical reconstruction; in: Vico and ~~Contemporary Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; ~~1976. ~~(9) # Haddock, B. A.: Vico: The Problem of interpretation; in: Vico and Contemporary ~~Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; 1976. ~~(10) # Kelly, D. R.: In Vico Veritas: The True Philosophy and the new Science; in: ~~Vico and Contemporary Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; ~~1976. ~~(11) # Michelet, J.: Oeuvres choisies de Vico; Paris; Ernest Flammarion Editeur; S. D. ~~(12) # Mc Mullin, E.: Vico’s Theory of Science; in: Vico and Contemporary Thought; ~~edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; 1976. ~~(13) # Nisbet, Robert: Vico and Idea of Progress; in: Vico and Contemporary Thought; ~~edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; 1976. ~~(14) Pompa, Leon: Vico. A study of New Science; Cambridge University Press; ~~1975. ~~(15) Pompa, Leon: Human Nature and the concept of Human Science; in: Vico and ~~Contemporary Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; 1976. ~~(16) # Rubinoff, Lionel: Vico and the verification of historical Interpretation; in: ms192 ~~Vico Contemporary Thought; edited by Giorgio Tagliacozzo and others; New York; ~~1976. ~~(1-3) مراجع عامة في فلسفة التاريخ ~~(17) # Beck, L. W.: Eighteenth-Century Philosophy. New York, The Free Press, ~~1966. ~~(18) # Walsh, W. H.: An Introduction to Philosophy of history, London, 1951. ~~(1-4) مراجع عامة ومعاجم ~~(19) # Bréhier, É.: Histoire de la Philosophie; Tome II La Philosophie Moderne, Paris, Presses Universitaires de France, 1947. ~~(20) # Edwards, Paul: The Encyclopedia of Philosophy, Vol 8, New York, London, ~~Macmillan Publishing, 1972. ~~(21) # Flew, Antony: A dictionary of Philosophy, London, 1979. ~~(22) # Irmscher, Johannes (Hrsg.) (Lexikon) der Antike Leipzig, VEB Biliographisches ~~Institut, 1972. ~~(23) # Lange, Erhard and Alexander, Diertich (Hrsg.); Philosophen-Lexikon. Berlin, ~~Dietz Verlag, 1982. ~~(2) المراجع العربية ~~(2-1) ترجمات ودراسات ~~(1) # أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، الإسكندرية، مؤسسة الثقافة الجامعية، د.ت. ~~(2) # أوسينوبوس، لأنجلو وآخرون، النقد التاريخي (مختارات من النصوص)، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، الكويت، وكالة المطبوعات، ط3، 1977م. ~~(3) # بليخانوف، ج، تطور النظرة الواحدية إلى التاريخ، ترجمة محمد مستجير مصطفى، ~~القاهرة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1969م. ~~(4) # بوبر، كارل، عقم المذهب التاريخي، ترجمة عبد الحميد صبرة، الإسكندرية، منشأة ~~المعارف، 1959م. ~~(5) # بيارجريمال، الميثولوجيا اليونانية، ترجمة هنري زغيب، منشورات عويدات بيروت، ~~باريس، ط1، 1982م. ~~(6) # بيري، ج. ب، فكرة التقدم، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، القاهرة، المجلس الأعلى ~~للثقافة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982م. ~~(7) # تشايلد، جوردن، التاريخ، ترجمة عدلي برسوم عبد الملك، القاهرة، الدار المصرية ~~للكتب، د.ت. ~~(8) # تشايلد، جوردن، التطور الاجتماعي، ترجمة لطفي فطيم، القاهرة، مؤسسة سجل العرب، ~~1966م. ~~(9) # حسن حنفي، قضايا معاصرة، ج2، القاهرة، دار الفكر العربي، 1977م. ~~(10) # حسن حنفي، دراسات إسلامية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1981م. ~~(11) # راشد البراوي، المذاهب الاشتراكية المعاصرة، ط2، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ~~1970م. ~~(12) # رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثالث، ترجمة د. محمد فتحي ~~الشنيطي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977م. ~~(13) # رسل، برتراند، حكمة الغرب، ج2، ترجمة د. فؤاد زكريا، الكويت، المجلس الوطني ~~للثقافة والفنون والآداب، 1983م. ~~(14) # روز، ه. ج، الديانة اليونانية القديمة، ترجمة رمزي عبده جرجس، القاهرة، دار ~~نهضة مصر، 1965م. ~~(15) # عبد الباسط عبد ms193 المعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، الكويت، المجلس الوطني ~~للثقافة والفنون والآداب، 1981م. ~~(16) # عثمان أمين، ديكارت، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 6، 1969م. ~~(17) # عبد العزيز عزت، فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، القاهرة، مكتبة الفكرة، ~~1951م. ~~(18) # عبد المعطي شعراوي، أساطير إغريقية، ط1، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~1982م. ~~(19) # فرجيليوس، الإنيادة، ترجمة د. عبد المعطي شعراوي وآخرين، ج1، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971م. ~~(20) # فرجيليوس، الإنيادة، ترجمة د. عبد المعطي شعراوي وآخرين ، ج2، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، 1971م. ~~(21) # كاسيرر، إرنست، في المعرفة التاريخية، ترجمة أحمد حمدي محمود، القاهرة، دار ~~النهضة العربية القاهرة، د.ت. ~~(22) # كاسيرر، إرنست، الدولة والأسطورة، ترجمة د. أحمد حمدي محمود، ط2، القاهرة، الهيئة ~~العامة للكتاب، 1975م. ~~(23) # كانط، أمانويل، المدخل إلى نقد العقل الخالص، ترجمة وتعليق د. عبد الغفار مكاوي، ~~كتاب غير منشور. ~~(24) # كولنجوود، ر. ج، فكرة التاريخ، ترجمة محمد بكير خليل، القاهرة، لجنة التأليف ~~والترجمة والنشر، 1968م. ~~(25) # كوبلاند، ج. وآخرين، الإقطاع والعصور الوسطى في غرب أوروبا، ترجمة محمد مصطفى ~~زيادة، ط3، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1958م. ~~(26) # لسنج، تربية الجنس البشري، ترجمة وتعليق وتقديم د. حسن حنفي، ط1، دار الثقافة ~~الجديدة، القاهرة، 1977م. ~~(27) # مارو، ه. أ، من المعرفة التاريخية، ترجمة جمال بدران، القاهرة، الهيئة المصرية ~~العامة للتأليف والنشر، 1971م. ~~(28) # محمد عبد المنعم بدر وعبد المنعم البدراوي، مبادئ القانون الروماني، القاهرة، ~~مطابع دار الكتاب العربي، 1956م. ~~(29) # محمد فتحي الشنيطي، دراسات في الفلسفة الحديثة. ~~(30) # مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، الكتاب الأول، القاهرة، مكتبة الأنجلو ~~المصرية، 1981م. ~~(31) # نف، إيمري، المؤرخون وروح الشعر، ترجمة توفيق إسكندر، القاهرة، مكتبة الأنجلو ~~المصرية، 1947م. ~~(32) # هازار، بول، الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، ج1، ترجمة د. محمد غلاب، ~~القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1958م. ~~(33) # هازار، بول، الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر، ج2، ترجمة د. محمد غلاب، ~~القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1959م. ~~(34) # هاوزر، أرنولد، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ج1، ترجمة د. فؤاد زكريا، القاهرة، ~~دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1967م. ~~(35) # هرنشو، علم التاريخ، ترجمة عبد الحميد العبادي، القاهرة، ms194 لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر، 1937م. ~~(36) # هورس، جوزف، قيمة التاريخ، ط2، منشورات عويدات، بيروت، 1982م. ~~(37) # هوميروس، الإلياذة، ترجمة أمين سلامة (ج1، 2، 3) مطبوعات كتابي، د.ت. ~~(38) # هوميروس، الأوديسة، ترجمة عنبرة سلام الخالدي، بيروت، دار العلم للملايين، ~~1980م. ~~(39) # ويد جيري، البان، ج، المذاهب الكبرى في التاريخ، ترجمة ذوقان فرقوط، بيروت، دار ~~القلم، 1972م. ~~(40) # ويلسون، كولن، سقوط الحضارة، ترجمة أنيس زكي حسن، بيروت، منشورات دار الآداب، ط2، ~~سنة 1971م. ~~(2-2) دوريات # أحمد حمدي محمود، العلم الجديد لفيكو، مجلة تراث الإنسانية، المجلد السادس. # د. حسن حنفي، فلسفة التاريخ عند فيكو، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بفاس، العدد السابع، 1983-1984م. # د. حسن حنفي ، متى تموت الفلسفة ومتى تحيا، مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس عشر، العدد الثالث، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر، 1984م. # د. عزمي إسلام، في فلسفة العلوم الإنسانية، مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس عشر، العدد الثالث، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر، 1984م. ms195