######OpenITI# #META# URI: 1450CumarMajid.FalsafatCilmAhyaMuqqadimaQasira.Hindawi41750246 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41750246 #META# Title: فلسفة علم الأحياء: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 70618613 #META# Author: سمير عكاشة #META# EditorID: 86936095 #META# Editor: سارة ياقوت #META# TranslatorID: 50696031 #META# Translator: عمر ماجد #META# Related_books: 1450SamirOkasha.HistoryOfScienceShortIntro.Book (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # 1 - لماذا فلسفة علم الأحياء؟‏ # 2 - التطور والانتخاب الطبيعي‏ # 3 - الوظيفة والتكيف‏ # 4 - مستويات الانتخاب‏ # 5 - الأنواع والتصنيف‏ # 6 - الجينات‏ # 7 - السلوك البشري والعقل والثقافة‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - لماذا فلسفة علم الأحياء؟‏ # 2 - التطور والانتخاب الطبيعي‏ # 3 - الوظيفة والتكيف‏ # 4 - مستويات الانتخاب‏ # 5 - الأنواع والتصنيف‏ # 6 - الجينات‏ # 7 - السلوك البشري والعقل والثقافة‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | فلسفة علم الأحياء # | فلسفة علم الأحياء # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # سمير عكاشة # ترجمة # عمر ماجد # مراجعة # سارة ياقوت # | شكر وتقدير # إنني ممتن للأجيال العديدة من الطلاب في جامعة بريستول الذين ~~درستهم هذه المادة. أخص بالشكر بول جريفيث وأندرو هوارد وفيليب ~~كيتشر وأرشام نيجاد كوركي ووالتر فايت ولوكاس واكلينج على تعليقاتهم ~~على نص هذا الكتاب. # إلى والدي، وإلى ليلى ومنى ورامي. # الفصل الأول # | لماذا فلسفة علم الأحياء؟ # لطالما تداخلت الفلسفة مع العلوم الطبيعية. فقد تأثر العديد من ~~أعظم الفلاسفة في الأربعمائة عام الماضية، ومن بينهم إيمانويل كانط ~~وديفيد هيوم، بعلوم زمانهم؛ بل إن بعضهم مثل رينيه ديكارت وجوتفريد ~~لايبنتز كانت له إسهامات علمية. هذا التداخل ليس بالمستغرب. فمنذ ~~القدم تطرح الفلسفة أسئلة عن طبيعة الكون وموضع البشر فيه ومعرفتنا ~~به؛ وتلك مسائل يتناولها العلم باستفاضة. بالفعل، مع نشأة العلم ~~الحديث في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان لزاما أن تنتقل ~~أسئلة كانت في الماضي حكرا على الفلاسفة إلى ميدان العلماء. من تلك ~~الأسئلة سؤال إذا كانت المادة بشتى صورها مكونة من ذرات كما ~~تصور الفيلسوف القديم ديموقراط، أو إذا كان العقل البشري قوامه جوهر ~~غير مادي كما تصور ديكارت. لا يستطيع أحد اليوم أن يبحث تلك الأسئلة ~~عقلانيا دون الالتفات إلى قول العلم فيها. # على الرغم من أن ميلاد العلم أدى إلى استعماره لبعض جوانب ~~الفلسفة، فقد أدى أيضا إلى نشأة نوع جديد من البحث الفلسفي يطرح ~~أسئلة حول مناهج العلم نفسه. هل تثبت التجربة صحة نظرية علمية؟ هل ~~يمكن اختزال المعرفة العلمية كلها في بضعة مبادئ أساسية؟ إذا ms001 تناسبت ~~فرضيتان مع البيانات، فهل من الممكن أن نختار بينهما بالمنطق؟ هذه ليست ~~أسئلة علمية بحتة، بل هي أسئلة فلسفية عن العلم. وهذا لا يجعلها حكرا ~~على الفلاسفة. فقد بحث علماء كنيوتن وأينشتاين أسئلة كتلك. لكن في ~~مطلع القرن العشرين، تبلور بحث المنهج العلمي إلى تخصص أكاديمي ~~قائم بذاته يسمى بفلسفة العلم، وهو تخصص مزدهر في يومنا هذا. ~~وعادة ما يكون المشتغلون بهذا التخصص من المعاصرين قد درسوا الفلسفة ~~والعلوم، وفي بعض الأحيان يشتغلون بكليهما. # فلسفة علم الأحياء هي فرع من فلسفة العلم نشأ في سبعينيات القرن ~~الماضي وشهد تطورا سريعا منذ ذلك الحين. وإذا تأملنا تاريخها، ~~فسنجد أنه يمكن إرجاع نشأتها إلى ثلاثة عوامل. أولا، تبين أن فلسفة ~~العلم التقليدية كانت تتمحور حول الفيزياء؛ أما علم الأحياء فكان ~~مستبعدا من الصورة. ثانيا، بدأت المسائل المفاهيمية الدائرة داخل ~~علم الأحياء تجذب انتباه الفلاسفة، وكان نتاج ذلك هو تبادلا فكريا ~~مثمرا بين التخصصين. ثالثا، بحثا عن الإلهام اتجهت أنظار أنصار ~~الفلسفة «الطبيعانية»، التي تستخدم المنهج العلمي التجريبي لبحث ~~المسائل الفلسفية، صوب علم الأحياء. تلك العوامل الثلاثة مناظرة ~~للمباحث الأساسية الثلاثة لفلسفة علم الأحياء المعاصرة؛ لذا فهي جديرة ~~بأن نتناولها باستفاضة. # منذ أوائل القرن العشرين إلى منتصفه، كانت «الوضعية المنطقية» هي ~~المدرسة المهيمنة في فلسفة العلوم. كان من رواد الوضعية المنطقية ~~رودولف كارناب وهانز رايخنباخ وكارل همبل الذين هاجروا من أوروبا إلى ~~الولايات المتحدة في فترة بين الحربين العالميتين. كانوا قد درسوا ~~الفيزياء فكونوا صورة للعلم اتخذت من الفيزياء إطارا لها. شدد ~~الوضعانيون المنطقيون على «قوانين الطبيعة»؛ تلك المبادئ النظرية ~~الأساسية التي تكمن وراء الظواهر الملاحظة. وصفوا البحث العلمي ~~بأنه البحث عن تلك القوانين، والتفسير العلمي بأنه استنباط الظواهر من ~~القوانين. ينطبق هذا التصور تماما على الفيزياء، إذ تشمل الكثير من ~~القوانين، كقانون الجاذبية الكونية؛ وكثير من الظواهر التي يمكن ~~استنباطها من تلك القوانين، مثل حركة الكواكب. لكنه أقل انطباقا على ~~العلوم البيولوجية. إذا فتحت مرجعا في أي من فروع علم الأحياء، ms002 ~~كعلم الوراثة أو علم الأحياء الجزيئي أو علم الحيوان، فستجد العديد من ~~الحقائق التجريبية ، يفسرها العديد من النماذج والنظريات. ولكنها تكاد ~~تخلو من أي «قوانين طبيعية» يمكن استنتاج تلك الحقائق منها؛ إذ ببساطة ~~ليست تلك هي الطريقة التي تسرد بها المعلومات العلمية. من هذا ~~المنطلق وغيره، يصعب على الرؤية الوضعانية المنطقية للعلم أن ~~تستوعب علم الأحياء. # لم يكن الوضعانيون المنطقيون هم الوحيدين الذين همشوا علم الأحياء. ~~في العام 1962، نشر الفيلسوف والمؤرخ توماس كون كتابه «بنية الثورات ~~العلمية» الذي انتقد فيه الوضعانية المنطقية، والذي كان أحد أسباب ~~أفولها في نهاية المطاف. فيه ركز كون على كيفية تغير الأفكار العلمية ~~بمرور الزمن. ودفع بأن أي تخصص علمي ناضج ينبني على نموذج فكري، وهو ~~مجموعة من الفرضيات المشتركة التي يحتكم إليها العلماء في أبحاثهم ~~العادية. تمر فترة على «العلم العادي» يقبل فيها النموذج دون ~~تشكك باعتباره أساسا للبحث. لكن في بعض الأحيان تقع أزمة تظل ~~تتفاقم حتى تؤدي إلى قيام ثورة تنتهي إلى إسقاط النموذج الفكري القائم ~~ليحل محله آخر جديد. ذهب كون إلى أن هذه التغيرات في النماذج ليست ~~مدفوعة بعوامل منطقية بحتة، وأن النموذج الجديد ليس بالضرورة «أفضل» ~~من سابقه، وإنما يختلف عنه ليس إلا. بالتالي يرى كون أن تاريخ العلم ~~ليس سبيلا مستقيما يؤدي إلى «الحقيقة الموضوعية». # كان عمل كون جذريا؛ إذ تعارض مع المعتقد السائد في فلسفة ~~العلوم. لكن على غرار المعتقد الذي هاجمه، كان اهتمام كون منصبا على ~~العلوم الطبيعية. إذ كان من الأمثلة التي استشهد بها على تغير ~~النماذج الثورة الفلكية الكوبيرنكية التي أطاحت بنموذج مركزية الأرض ~~للنظام الشمسي ليحل محله نموذج مركزية الشمس؛ والثورة الأينشتاينية ~~التي أطاحت بالميكانيكا الكلاسيكية لتحل محلها نظرية النسبية؛ والثورة ~~الكيميائية التي أطاحت بنظرية الاحتراق عن طريق الفلوجيستون لتحل ~~محلها نظرية الأكسجين. لكن كون لم يخض كثيرا في العلوم الحيوية، ~~على الرغم من أنه ألف كتابه في ذروة الثورة الجزيئية في علم الأحياء. ~~كما أنه لم يتعرض لقضايا بديهية كنشأة نظرية داروين ms003 عن التطور، ~~ونظرية جرثومية المرض، ونظرية مندل عن الوراثة. على غرار فلسفة ~~الوضعانيين المنطقيين ، همشت فلسفة كون العلمية علم الأحياء. كان أحد ~~دوافع نشأة فلسفة علم الأحياء هو إدراك الحاجة لمعالجة هذا ~~الخلل. # كان الحافز الثاني وراء نشأة فلسفة علم الأحياء نابعا من العلم نفسه ~~لا من الفلسفة. فقد شهد القرن العشرين تقدما هائلا في العلوم ~~الحيوية. في النصف الأول من القرن احتل علم الأحياء التطوري مركز ~~الصدارة إذ نشأت «الداروينية الجديدة». دمجت الداروينية الجديدة نظرية ~~داروين عن التطور، بعد أن أدخلت عليها تحديثات ملائمة، مع مجالات حيوية ~~أخرى؛ كعلم الوراثة وعلم الإحاثة وعلم الحيوان. كانت النتيجة منظومة ~~فكرية نظرية مثيرة للإعجاب، تقوم على فكرة أن التطور مدفوع بالانتخاب ~~الطبيعي لبعض المتغيرات الوراثية دون غيرها. في النصف الثاني من القرن ~~تحول التركيز إلى علم الأحياء الجزيئي، الذي يدرس الأساس الجزيئي ~~للكائنات الحية ومكوناتها الخلوية. بدأ هذا المشروع في ثلاثينيات ~~القرن الماضي بتجارب على العاثيات (هي نوع من الفيروسات التي تهاجم ~~البكتيريا). ووثب وثبة كبيرة في عام 1953 باكتشاف جيمس واتسون ~~وفرانسيس كريك لبنية الحمض النووي؛ المادة المكونة للجينات. في العقود ~~اللاحقة ازدهر علم الأحياء الجزيئي؛ إذ كشف علماء الأحياء عن ~~التفاصيل المعقدة لآلية عمل الجينات ونسخها. أدى ذلك بدوره إلى ~~نشأة علم الجينوم الحديث الذي يدرس تأثير المجموع الجيني على نمو ~~الكائن الحي. # عندما اطلع الفلاسفة على تلك التطورات العلمية وجدوا فيها ~~العديد من القضايا المفاهيمية التي تحتاج إلى التحليل الفلسفي. على ~~سبيل المثال، عادة ما يستخدم المتخصصون في علم الأحياء التطوري ~~مصطلحات وظيفية عند الحديث عن الكائنات الحية وصفاتها. يتحدثون عن ~~«وظيفة» صفات معينة أو «الغرض» منها. فالغرض من خياشيم السمكة هو ~~التنفس، ومن أشواك الصبار هو ردع آكلي الأعشاب. يبدو هذا الحديث ~~محيرا لأول وهلة. إذ تخلو مجالات أخرى من العلوم كالفيزياء ~~والكيمياء من حديث مناظر عن الوظيفة. لماذا إذن يستعمل علماء ~~الأحياء تلك المصطلحات، وماذا يعني ذلك؟ هل هي متوارثة من حقبة ما ~~قبل الداروينية حين كان ms004 ينظر للكائنات الحية باعتبارها من خلق الإله؟ ~~كيف نكتشف وظائف السمات؟ وهل يمكن أن يكون لسمة واحدة أكثر من ~~وظيفة؟ هذا أحد المواضيع التقليدية في فلسفة علم الأحياء نتناوله في ~~الفصل الثالث. # نجد مثالا آخر لذلك في علم الوراثة. ففي هذا المجال يشيع استخدام ~~مفاهيم مستعارة من أنظمة التواصل البشرية مثل «التشفير» و«المعلومات» ~~و«الترجمة». فيقال إن الجينات تشفر المعلومات وتنقلها من الوالد ~~إلى الذرية، وتلك المعلومات «تقرأ» خلال النمو، ممكنة البويضة ~~الملقحة من أن تنمو إلى كائن بالغ حسب ما يلائم نوعها. هنا أيضا ~~يبدو هذا الحديث محيرا للوهلة الأولى. ففي نهاية المطاف، ما الجين ~~إلا جزيء ضخم من نوع خاص، مصنوع من الحمض النووي. نحن عادة لا ننظر ~~إلى الجزيئات باعتبارها حاملة للمعلومات، ولا نصف أغلب التفاعلات ~~الجزيئية من منطلق نقلها للمعلومات. إذن فلماذا يشيع استخدام ~~المصطلحات المعلوماتية في علم الوراثة، وماذا يعني ذلك؟ هل ينبغي أن ~~نفهمها بالمعنى الحرفي أم أنها مجازية؟ نتناول هذا الموضوع في الفصل ~~السادس. # أكرر أن هذا لا يعني أن تلك الأسئلة لا تخطر لعلماء الأحياء. بل ~~العكس صحيح، فالمثالان المذكوران آنفا ناقشهما علماء أحياء بارزون، ~~مثل جاك مونو وإرنست ماير وجون مينارد سميث. لكن في العموم، لا ينشغل ~~علماء الأحياء التجريبيون بالانخراط في تحليلات فلسفية لمعاني مفاهيمهم ~~بقدر انشغالهم بتحقيق اكتشافات تجريبية. وهكذا ينبغي لهم. فعلى الرغم ~~من أن التفاعل بين الفلاسفة والعلماء أمر مفيد، ينبغي أن تقف ~~الممارسة العلمية على مسافة من التأمل الفلسفي. فهذا يسمح للعلماء ~~بالتركيز على وظيفتهم اليومية، ويعطي الفلاسفة الحرية في استخدام ~~أدواتهم - كالتحليل المنطقي والتفسير وتوضيح الفروقات - في تناول ~~المسائل المفاهيمية التي يجدونها في العلم. # أما العامل الثالث لنشأة فلسفة علم الأحياء فنابع من توجه ~~أوسع في الفلسفة الأنجلوفونية (التحليلية). وهي الحركة التي نادت بأن ~~ينحو البحث الفلسفي منحى العلوم الطبيعية؛ وذلك من خلال محاولة دمجه ~~مع العلوم التجريبية. في الماضي، استخدم الفلاسفة منهجا «عقلانيا» ~~لبحث المسائل التي تثير اهتمامهم، كماهية الأخلاق وحدود المعرفة ~~الإنسانية ومعضلة الإرادة ms005 الحرة. والتوظيف الأمثل لهذا المنهج يكون ~~بدراسة معنى مفهوم ما وبحث علاقاته المنطقية بغيره من المفاهيم. ~~حقق هذا المنهج نجاحات، لكن نقاده لطالما اتهموه بأنه غير مثمر. في ~~منتصف القرن العشرين، ذهب الفلاسفة ذوو التوجه العلمي، مثل ويلارد ~~فان أورمان كوين، إلى أن العلم التجريبي يمكن أن يسلط الضوء على تلك ~~الأسئلة الفلسفية المطروحة منذ الأزل. وجادل كوين بأنه من الخطأ أن ~~نتعامل مع المسائل الفلسفية باعتبارها تختلف في جوهرها عن تلك ~~العلمية، وبالتالي فإنه من الخطأ أن نتطرق إليها بالمناهج العقلانية ~~فقط. تختلف الآراء حول مزايا هذا «التحول الطبيعاني» في الفلسفة، ~~لكنه ساعد في ظهور جيل من الفلاسفة لديه القدرة والاستعداد لاعتماد ~~العلم التجريبي مرجعا لبحث المعضلات الفلسفية. # لعب علم الأحياء، وبالأخص علم الأحياء التطوري، دورا رئيسيا ~~في هذا التطور. فقد توقع داروين أن تكون لنظريته عن التطور تبعات ~~على الفلسفة. («من يفهم قرد البابون بوسعه أن يقدم للميتافيزيقا ~~أكثر مما قدمه لوك»، هكذا كتب داروين في إشارة إلى فيلسوف القرن ~~السابع عشر الإنجليزي جون لوك.) شهد المنحنى الطبيعي الذي سلكته ~~الفلسفة تحقق نبؤة داروين جزئيا؛ إذ أثرت الأفكار التطورية على ~~مسائل فلسفية متنوعة. أحد أمثلة ذلك هو مسألة القصدية. فالقصدية في ~~اصطلاح الفلاسفة هي سمة من سمات الحالات العقلية كالاعتقادات أو ~~الأحكام، وتعني أنها «موجهة إلى» أو «متعلقة» بعناصر موجودة في العالم ~~الخارجي. أي إنني إذا كنت أعتقد أن البرازيل أكبر دولة في أمريكا ~~الجنوبية، فاعتقادي هذا «متعلق» بدولة البرازيل. يعبر عن ذلك المعنى ~~أحيانا بالقول: إن اعتقادي ذلك ذو «محتوى تمثيلي»؛ إذ يمثل لي ~~العالم في صورة ما دون غيرها. أبرز سمات المحتوى التمثيلي هو ~~احتمالية التمثيل الخاطئ. فقد يمثل لي عقلي العالم بصورة خلاف ~~الحقيقية، أي إن اعتقادي قد يكون خاطئا. لطالما اعتبر الفلاسفة ~~القصدية ظاهرة محيرة؛ إذ يصعب تصور كيف يمكن أن تنشأ في عالم ~~مادي بحت. ففي نهاية المطاف يفترض أن الحالات العقلية تعتمد في الأساس ~~على الدماغ، وبالتبعية على الخلايا العصبية وترابطها، لكن ms006 الخلايا ~~العصبية بحد ذاتها ليس لها متعلق خارجي أو محتوى تمثيلي. فكيف ~~تفسر القصدية إذن في العالم الذي يصفه العلم الحديث؟ # في الثمانينيات من القرن الماضي، اقترحت الفيلسوفة روث ميليكان ~~حلا عبقريا لهذه الأحجية مستمدا من الداروينية. كي تفهم ~~فكرتها الأساسية، تأمل رقصة النحل الاهتزازية. يستخدم النحل هذه ~~الرقصة المعقدة التي تتخذ شكل رقم # 8 # ليرشد أقرانه في الخلية إلى مكان أي مصدر غذاء. لما كان رقص ~~النحل قد تشكل بفعل الانتخاب الطبيعي لغرض محدد - وهو الإشارة ~~بدقة إلى مكان الغذاء - فإنه يمكن لنا أن نستخلص من الرقصة الاهتزازية ~~نوعا من القصدية الأولية. فيعقل أن نقول إن حركات رقصة معينة تعني ~~أن الغذاء موجود على بعد 30 مترا في اتجاه الشمس، بمعنى أن الوظيفة ~~البيولوجية للرقصة هي حث أقران النحل في الخلية على التحليق إلى ~~الموضع المشار إليه. رقصة النحل الاهتزازية إذن تحتمل التمثيل الخاطئ؛ ~~إذ يمكن ألا يكون الغذاء موجودا في الموضع المشار إليه حال أخطأ ~~النحل في أداء حركات الرقصة سهوا على سبيل المثال. باختصار، فكرة ~~ميليكان هي أنه يمكن اعتبار المحتوى التمثيلي مقبولا علميا إذا ~~اختزلناه في وظيفته البيولوجية، وهي فكرة تلعب دورا أصيلا في علم ~~الأحياء التطوري. هذه المحاولة الجريئة لإسباغ القصدية صبغة ~~العلوم الطبيعية مثيرة للجدل، لكنها تلخص كيف يمكن للمنظور ~~البيولوجي أن يساهم في حل معضلة فلسفية قديمة. # إيجازا، نشأت فلسفة علم الأحياء باعتبارها مجالا بحثيا قائما ~~بذاته نتيجة ثلاثة عوامل: الاحتياج إلى رؤية عن العلم أقل ارتكازا ~~على الفيزياء؛ ووجود معضلات مفاهيمية في علم الأحياء نفسه؛ والمنحى ~~الطبيعاني الذي سلكته الفلسفة في مجملها. يستعرض هذا الكتاب فلسفة ~~علم الأحياء بأسلوب لا يفترض وجود معرفة متخصصة لدى القراء، فلسفية ~~كانت أو علمية. ويركز في الأساس على علم الأحياء التطوري وعلم ~~الوراثة؛ إذ كانا مجالي علم الأحياء الأكثر جذبا للاهتمام الفلسفي في ~~السابق. أما في السنوات الأخيرة فقد تغير الحال نوعا ما، إذ ~~حول فلاسفة علم الأحياء تركيزهم إلى مجالات مثل علم الأحياء ~~النمائي وعلم ms007 المناعة وعلم الأحياء الدقيقة. وقد فتحت هذه التطورات ~~المثيرة آفاقا جديدة للبحث الفلسفي في العلوم الحيوية. # هذا الكتاب منظم على النحو التالي. يضع الفصل الثاني الخطوط ~~العريضة لنظرية التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي، مفسرا مكانتها ~~الفريدة في علم الأحياء وأهميتها الفلسفية. ويبحث الفصل الثالث مفهوم ~~الوظيفة البيولوجية ويتعرض للجدل المثار في علم الأحياء التطوري ~~حول «التكيف». ويستعرض الفصل الرابع مسألة مستويات الانتخاب، التي ~~تناقش ما إذا كان الانتخاب الطبيعي يعمل على مستوى الأفراد أم الجينات ~~أم الجماعات. ويناقش الفصل الخامس التصنيف البيولوجي، مركزا على ما ~~إذا كانت هناك طريقة «صحيحة» لإلحاق الكائنات بالأنواع، والأنواع ~~بوحدات تصنيف الأعلى. ويستعرض الفصل السادس المسائل الفلسفية المتعلقة ~~بعلم الوراثة، مع التركيز على مفهوم الجين نفسه. ويبحث الفصل السابع ~~انعكاسات علم الأحياء على الإنسان، متسائلا ما إذا كان من الممكن ~~تفسير السلوك والثقافة الإنسانيين بيولوجيا. # الفصل الثاني # | التطور والانتخاب الطبيعي # في عام 1859 نشر تشارلز داروين كتابه «أصل الأنواع» الذي قدم فيه ~~نظريته عن التطور. مثل الكتاب نقطة تحول في فهمنا للعالم ~~الطبيعي، وأحدث ثورة في علم الأحياء في العقود التي تلت. فيه طرح ~~داروين ثلاث أطروحات رئيسية. أولا، الأنواع ليست ثابتة بل تغير ~~صفاتها بمرور الزمن تأقلما مع الظروف البيئية. ثانيا، الأنواع ~~الحالية تنحدر من سلف واحد أو بضعة أسلاف مشتركين، ولم يخلق الإله ~~كلا منها مستقلا. لا بد إذن أن أنواعا سالفة من الحياة خضعت ~~لعملية تطورية ما حولتها إلى الأنواع الحديثة. ثالثا، أن ~~«الانتخاب الطبيعي» هو الوسيلة الرئيسية للتعديل التطوري. كان داروين ~~يقصد بالانتخاب الطبيعي أن الكائنات الأقدر على البقاء والتكاثر في ~~بيئتها هي التي ستبقى من بين أفراد جماعتها بينما يفنى سواها. وذهب ~~داروين إلى أن التأثير التراكمي للانتخاب الطبيعي على مدى أجيال كثيرة ~~سوف يجعل الكائنات تتأقلم تدريجيا على بيئتها مؤدية في النهاية إلى ~~ظهور أنواع جديدة تماما من الحياة. # لم يكن داروين أول من طرح فكرة تغير خصائص الأنواع بمرور ~~الزمن ولا فكرة الأسلاف المشتركة للأنواع. فقد ناقش علماء ms008 سابقون له ~~تلك الأفكار، ومن بينهم جده إراسموس داروين. ولكنها لم تلق ~~قبولا واسعا، إذ لم تطرح «آلية» معقولة تفسر كيفية حدوث ~~التغير التطوري. فكان إسهام داروين الأساسي هو وصف هذه «الآلية»، ~~التي تمثلت في الانتخاب الطبيعي، واستعراض أدلة مقنعة على إمكان نشأة ~~صفات جديدة في الكائنات، مؤدية في النهاية إلى نشأة أنواع جديدة. يعرض ~~«أصل الأنواع» حجة مقنعة لقدرة الانتخاب الطبيعي على إحداث ~~التعديل التطوري. إذ يقدم داروين مجموعة من الحقائق والملاحظات التي ~~يصعب تفسيرها من خلال فرضية خلق الأنواع منفصلة، وهي مع ذلك منطقية ~~تماما إذا ما ثبتت صحة نظريته. # الانتخاب الطبيعي فكرة بسيطة ~~لكنها ذات تأثير عميق. يقوم الانتخاب الطبيعي في الأساس على الفكرة ~~المنطقية التالية. تأمل أي جماعة من الكائنات الحية. ستتطور هذه ~~الجماعة بمرور الزمن، بمعنى أن تكوينها سيتغير، طالما تستوفي ثلاثة ~~شروط. أولا، لا بد أن يتباين أفرادها في السمات الظاهرية، لا أن ~~يتطابقوا فيها. («السمة الظاهرية» أو «السمة»، هي صفة ملاحظة في ~~الكائن كالطول أو لون البشرة أو شكل الجمجمة.) ثانيا، لا بد أن ~~ينتج عن ذلك التباين في السمات تباين في «الصلاحية»، أو القدرة على ~~البقاء والتكاثر. هذا يحدث لأن بعض التباينات عادة ما تكون أكثر ~~ملاءمة لبيئتها من غيرها. على سبيل المثال، في غابة كثيفة، النباتات ~~الأطول سيصل إليها ضوء الشمس أكثر من تلك الأقصر. ثالثا، لا بد أن ~~تميل الذرية إلى مشابهة الأبوين. هذه الشروط مجتمعة تعني أنه في ~~الأجيال المستقبلية، ستصبح السمات المرتبطة بالصلاحية العالية أكثر ~~شيوعا في أفراد المجموعة، بينما ستنحسر تلك التي تقلل من الصلاحية. ~~يفرد داروين مساحة كبيرة في «أصل الأنواع» للاستدلال على أن الجماعات ~~الحيوية الفعلية عادة ما تستوفي هذه الشروط الثلاثة. # توصل داروين إلى فكرة الانتخاب الطبيعي من خلال قراءة أعمال ~~الديموجرافي الفيكتوري توماس مالتوس. ذهب مالتوس إلى أن نمو ~~التعداد السكاني للبشر دائما ما سيفوق المخزون الغذائي. بالمثل، ~~ذهب داروين إلى أن جميع الكائنات تخوض «صراعا من أجل البقاء»، لأن ~~عدد الكائنات التي ms009 تولد في أي جيل يفوق العدد الذي يمكن بقاؤه على ~~قيد الحياة. هذا يرجع إلى قيود متعلقة بالموارد؛ إذ لا يمكن لأي ~~جماعة حيوية أن تظل تنمو إلى الأبد. إذن، لا محالة سيكون هناك ~~رابحون وخاسرون. من ملاحظاته الميدانية، أدرك داروين أن الكائنات في أي ~~جماعة عادة تتباين في نواح لا حصر لها. لذلك فإنه من المرجح، كما ~~استنتج، أن بعض الكائنات ستمتلك صفات تمنحها أفضلية، مهما كانت طفيفة، ~~في الصراع من أجل البقاء. هذه الكائنات سوف تبقى وتتكاثر، ناقلة هذه ~~الصفات ذات الأفضلية إلى ذريتها. # لتوضيح قوة الانتخاب الطبيعي، وضعه داروين في مقارنة مع الانتخاب ~~الاصطناعي الذي يمارسه مربو الحيوانات. وهو مصطلح يشير إلى طريقة تحسين ~~المربين لماشيتهم عن طريق الانتقاء المتكرر للكائنات التي تمتلك ~~خصائص مرغوبا فيها كي تؤسس للجيل القادم. من شأن ذلك أن يؤدي إلى ~~نتائج سريعة إلى حد مدهش، كما حدث في سلالات كثيرة للكلب المستأنس ~~اختلف مظهرها تماما بعد عدة مئات من الأجيال من التناسل الانتقائي. ~~في الانتخاب الاصطناعي يوجد فاعل واع - المربي البشري - يختار قصدا ~~بعض التنوعات دون غيرها لأغراض خاصة. لكن داروين ذهب إلى أن شيئا ~~مشابها يحدث في الطبيعة على مدى زمني أطول. في الانتخاب الطبيعي لا ~~يوجد فاعل واع بالطبع؛ بل تفرض البيئة مصفاة انتقائية، محابية ~~الكائنات الأقدر على البقاء والتكاثر فيها. ينتج هذا كائنات تتكيف ~~جيدا مع بيئتها، ويصنع تنوعا بيولوجيا، إذ تتأقلم مختلف الجماعات ~~على مختلف الظروف البيئية. # حجة التصميم # كانت إحدى النتائج المباشرة لنظرية داروين هي تقويض «حجة ~~التصميم»، وهي حجة فلسفية قديمة لوجود الإله. تنسب النسخة ~~الأشهر من حجة التصميم إلى ويليام بيلي، وهو قس عاش في القرن ~~الثامن عشر. أشار بيلي إلى أن الكائنات تظهر «توافقا» مذهلا ~~مع بيئتها وتعقيدا وظائفيا. لتوضيح معنى التوافق، تأمل قدرة ~~صبار الصحراء على تخزين المياه، أو تشابه الحشرة العصوية مع ~~أوراق النبات المحيطة، أو الديناميكية الهوائية لجناح الطائر. في ~~كل من هذه الحالات، يتمتع الكائن بخصائص تبدو ملائمة بشكل ms010 ~~مثالي لبيئته. وكأن مهندسا لديه دراية مسبقة بالتحديات البيئية ~~التي سيواجهها قد زوده بالصفات المناسبة. لتوضيح المقصود ~~بالتعقيد، تأمل عضوا جسديا كعين الفقاريات. كما أشار بيلي، ~~تعتمد وظيفة العين على نشاط متسق لعدة أجزاء ثانوية تتوالف بدقة ~~بالغة، كالعدسة والقرنية والشبكية، وهلم جرا. ليست العين ~~مميزة في هذا الصدد؛ فحتى كائن معقد نسبيا كالأميبا يحتوي على ~~العديد من المكونات داخل الخلية التي لا بد أن تعمل باتساق كي ~~تؤدي وظائف حيوية كالتنفس والتمثيل الغذائي. يعتبر بيلي التوافق ~~والتعقيد دليلين على تصميم قام به إله واع. # دعم بيلي حجته بتشبيه جدير بالذكر. تصور أنه يمشي على ~~مرج وصادف غرضين: حجرا وساعة. يقول بيلي إن ردة فعلنا تجاه ~~إيجاد الغرضين ستكون مختلفة. فوجود الحجر أمر عادي؛ إذ من الممكن ~~تصور أنه لطالما كان موجودا في المرج. أما الساعة فسنستنتج على ~~الفور أن لها صانعا لا محالة؛ فاعلا واعيا صممها. ذلك لأنه على ~~عكس الحجر، يظهر في الساعة تعقيدا وظائفيا. إذ تتوالف أجزاؤها ~~الداخلية بدقة لإنتاج حركة منتظمة لها غرض واضح؛ ألا وهو متابعة ~~الوقت. أبدا لن يخطر لنا جديا فرضية أن قوى فيزيائية بحتة، ~~كالرياح، أدت بالصدفة إلى تجمع كل القطع الداخلية للساعة ~~صانعة التكوين المناسب؛ فهذا يكاد يكون مستبعدا تماما. ذهب بيلي ~~إلى أنه كما لا بد للساعة من صانع، بالإمكان أن نستدل على أن ~~الكائنات الحية أيضا لا بد لها من صانع، فهي على درجة من ~~التعقيد الوظيفي تضاهي تلك الموجودة في أي مصنوع بشري. # على الرغم من أن حجة بيلي انتقدت من قبل، وبالأخص من قبل ~~الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم، إلا أنها لم تهدم تماما ~~إلا بظهور نظرية داروين. إذ قدم داروين تفسيرا طبيعيا ~~للظاهرة التي استدل بها بيلي على عمل الخالق. (المقصود بالتفسير ~~الطبيعي أنه لا يستند إلى أسباب خارقة للطبيعة أو إلهية.) ذهب ~~داروين إلى أن تعقيد الكائنات وتوافقها مع بيئتها ينشآن نتيجة ~~للانتخاب الطبيعي. وأن استمرارية بقاء أفضل التباينات في المجموعة ~~وانحسار غيرها «يوهم» بوجود التصميم ms011 في الطبيعة. إنما في الحقيقة ~~لا يوجد مصمم؛ بل عملية سببية عمياء - الانتخاب الطبيعي - ~~تعدل الكائنات تدريجيا بمرور الزمن. # قدم علم الأحياء التطوري الحديث أدلة كافية على صحة التفسير ~~الدارويني. في حالات لا حصر لها، وضع علماء الأحياء تصورا ~~مفصلا لكيفية تطور التكوين الداخلي المعقد للكائنات وتوافقها ~~مع بيئتها. في الواقع يعد مثال العين الذي ضربه بيلي - والذي ما ~~يزال معارضو التطور يستشهدون به أحيانا - هو خير مثال لذلك. فبفضل ~~الدمج بين التحليل الجيني والدراسات الخاصة بنمو العين في أجناس ~~مختلفة، أصبحنا ندرك الآن التسلسل المحتمل للمراحل التي من خلالها ~~تطورت العين الحديثة للفقاريات من عضو بدائي حساس للضوء. نحن ~~نعلم أنه من 500 مليون عام، تطورت عين حديثة في الأصل لدى السلف ~~المشترك لجميع الفقاريات؛ وبعد ذلك، عدلها الانتخاب الطبيعي ~~وصقلها في الأنواع المختلفة لتتوافق مع المتطلبات البيئية. # مع أن داروين ضرب حجة التصميم في مقتل، فقد اتفق مع بيلي في ~~جانب واحد. إذ وافقه في أن الخصائص العضوية التي أشار إليها حقيقية ~~وتحتاج إلى تفسير خاص. (معظم علماء الأحياء الجدد يوافقونهما في ~~ذلك أيضا.) بالفعل يوجد اختلاف جوهري بين جماد كالحجر وبين كائن ~~حي، ومن ثم من المنطقي تماما الإصرار على إيجاد تفسير لذلك ~~الاختلاف. بعبارة أخرى، اتفق بيلي وداروين على أن التصميم «البادي ~~ظاهريا» هو ظاهرة حقيقية، ليس فكرة من وحي خيالنا ولا وهما ~~نسقطه على الطبيعة. لكنهما اختلفا على تفسيره. إذ اتخذ بيلي ذلك ~~التصميم البادي ظاهريا دليلا على وجود تصميم حقيقي، بينما أرجعه ~~داروين إلى الانتخاب الطبيعي. # في الأعوام الماضية، أعاد أنصار حركة «التصميم الذكي» في ~~الولايات المتحدة إحياء نسخة معدلة من حجة بيلي. على نهج ~~بيلي، ذهبوا إلى أن الكائنات الحية لديها خصائص لا تفسير لها سوى ~~أن فاعلا واعيا خلقها فيها. غالبا ما يلبس مؤيدو التصميم ~~الذكي أفكارهم رداء العلم؛ إذ يدفعون بأن الكيمياء الحيوية الحديثة ~~قد أظهرت أن الخلايا - التي هي الوحدات الأساسية المكونة لجميع ~~الكائنات - يظهر فيها تعقيد «غير قابل للاختزال» ms012 لا يمكن أن يكون ~~قد نشأ من الانتخاب الطبيعي. غير أن تلك الحجة لا يقبلها أي عالم ~~أحياء جاد؛ لأنها تتجاهل الأدلة التجريبية العديدة على أن الخلايا ~~تطورت بالفعل، وأن الدافع الكامن وراء حركة التصميم الذكي ديني بحت ~~لا علمي. كانت حجة بيلي معقولة تماما في عصره؛ نظرا لأنه كان ~~يكتب في وقت غابت فيه ميزة النظرية الداروينية، أما مناصرو ~~التصميم الذكي فليس لديهم مثل هذا العذر. # الداروينية الجديدة # كانت نظرية داروين مميزة لكن ناقصة، إذ اعتمدت على فرضيتين ~~أساسيتين لم يتضح لهما تفسير إلا لاحقا. أولا، تستلزم نظرية ~~داروين أن يتوالى التباين دون انقطاع. فكي يأخذ الانتخاب الطبيعي ~~مجراه، لا بد أن تتباين صفات أفراد الجماعة. غير أن الانتخاب هو ~~نفسه أداة مجانسة؛ فهو يستمر في «تقليل» تباين الصفات إذ يبقي على ~~التباينات الأصلح ويقضي على ما سواها. إذن كي يستمر الانتخاب ~~الطبيعي لمدى زمني طويل، لا بد من ضخ تباينات جديدة في ~~الجماعة. لكن من أين لتلك التباينات أن تأتي؟ ثانيا، افترض داروين ~~أن الذرية سوف تنزع إلى مشابهة الآباء؛ وأطلق على ذلك «المبدأ ~~القوي للوراثة». هذا التشابه لازم كي يعدل الانتخاب الطبيعي ~~جماعة من الكائنات بالطريقة التي وصفها داروين. إذا كانت النباتات ~~الأطول في جماعتها تحظى بأفضلية للبقاء مقارنة بتلك الأقصر، فلن ~~يكون لذلك تأثير تطوري إلا إذا نزعت ذرية النباتات الطويلة إلى ~~مشابهتها في صفة الطول. وإلا كان تأثير الانتخاب عابرا، إذ لن ~~يستمر إلا لجيل واحد. لكن كيف يمكن تفسير هذا الشبه بين الآباء ~~والذرية؟ # اليوم أصبحنا نعلم الإجابة على كلا السؤالين بفضل اكتشافات علم ~~الوراثة، وهو علم لم يدركه داروين. معظم الكائنات تنمو من خلية ~~واحدة، تتكون في الكائنات التي تتكاثر جنسيا من اتحاد مشيجين، ~~أحدهما من الأب والثاني من الأم، ليكونا لاقحة (الأمشاج الذكرية ~~والأنثوية هي الحيوانات المنوية والبويضات). تحتوي هذه الأمشاج على ~~جينات مستمدة من الأبوين. ويكون للجينات في اللاقحة تأثير نظامي ~~على الصفات التي تنمو لدى الكائن. باختصار، هكذا يتحقق التشابه ms013 بين ~~الآباء والأبناء الذي اعتبره داروين أمرا مسلما به. أما ضخ ~~تباينات جديدة فمنشؤه عاملان. أولا، التكاثر الجنسي ينتج ~~باستمرار كائنات لها تركيبات جينية جديدة؛ هذا لأن الكائن الحي ~~ينقل إلى المشيج عشوائيا نصف جيناته فقط. ثانيا، لا تنتقل ~~الجينات بدقة تامة. بل تتخللها طفرات متفرقة أثناء نسخ المادة ~~الوراثية، ومن ثم قد تحتوي اللاقحة على تباينات جينية غير موجودة ~~في أي من الأبوين. هكذا، توفر الطفرات إمدادا مستمرا من ~~التباينات الجديدة التي تساعد الانتخاب الطبيعي في عمله. # معظم الطفرات الجينية تكون إما غير مؤثرة على الكائن أو ~~مضرة له. ولكن من حين لآخر تظهر طفرات مفيدة، كتلك التي تجعل ~~الكائن أكثر مقاومة للعدوى أو أقل عرضة للوفاة في مرحلة الطفولة ~~أو أكثر جاذبية للتزاوج. سيحابي الانتخاب الطبيعي مثل تلك الطفرات، ~~إذ ستترك الكائنات الحاملة لها في المتوسط ذرية أكثر من تلك غير ~~الحاملة لها. على مدى العديد من الأجيال سيؤدي هذا إلى تغير ~~التركيب الجيني للنوع، إذ ستشيع فيه الطفرات المفيدة. التأثير ~~المجمل لذلك هو أن النوع سيصير أكثر تكيفا مع بيئته، تماما ~~كما افترض داروين. # عادة ما توصف الطفرة الجينية بأنها «عشوائية»، وهو تعبير فيه شيء ~~من التضليل. فهو لا يعني أن الطفرات لا تخضع لمسببات، أو أن جميع ~~جينات الكائن الحي تتساوى في فرص تحورها، فكلاهما غير صحيح. بل ~~المقصود هو أن الطفرات «غير موجهة»، من حيثية أن كون طفرة معينة ~~نافعة أو ضارة للكائن الحي في بيئة معينة لا يؤثر على فرص حدوث ~~هذه الطفرة. أي إن الطفرات ببساطة تحدث وقتما وأينما شاءت؛ ~~وتأثيرها على صلاحية الكائن الحي هو الذي يحدد ما إذا كانت ستنتشر ~~بواسطة الانتخاب الطبيعي، ولكنه لا يحدد ما إذا كانت ستحدث أم لا ~~في المقام الأول. # أدى اندماج نظرية داروين مع علم الوراثة في مطلع القرن العشرين ~~إلى نشأة الداروينية الجديدة، القائلة بأن التحور العشوائي ~~والانتخاب الطبيعي هما المحركان المتلازمان للتغيير التطوري. ~~بالفعل، عادة ما يعرف الداروينيون الجدد التطور بأنه تغير في ms014 ~~التركيب الوراثي لجماعة حيوية ما، استنادا إلى أن كل الظواهر ~~التطورية الأخرى، مثل نشأة أجناس جديدة، تنبع في النهاية من هذه ~~التغيرات. رفض «الوراثة اللاماركية» هو مبدأ آخر لدى الداروينيين ~~الجدد. وهو المصطلح الذي يشير إلى الفرضية المنسوبة إلى ~~جون-بابتيست لامارك العالم التطوري الذي عاش في القرن الثامن ~~العشر، القائلة بأن الخصائص المكتسبة من الممكن أن تورث، الفكرة ~~التي اعتقد بها داروين أيضا. الخصائص المكتسبة هي تلك التي ~~يكتسبها الكائن الحي أثناء حياته بفعل مؤثرات خارجية؛ وهي تختلف عن ~~الخصائص الفطرية التي لها أساس وراثي. احتج الداروينيون الجدد بأن ~~الخصائص المكتسبة لا تشفر في الجينات، إذن فهي لن تورث. ~~تجريبيا، هذا صحيح بشكل عام؛ فلاعب كمال الأجسام الذي يرفع ~~أثقالا طوال اليوم لن ينجب أبناء لهم كتلة عضلية أكثر بالتبعية. ~~على الرغم من ذلك، ليست الوراثة اللاماركية مستحيلة، وقد وثق ~~مؤخرا عدد من الحالات لحدوثها. يدرك علماء الأحياء اليوم أن ~~الجينات ليست العوامل الوحيدة التي يرثها الأبناء من آبائهم؛ تشمل ~~العوامل الأخرى التي يرثونها الهرمونات والمغذيات، والكائنات ~~التكافلية مثل بكتيريا الأمعاء، والسلوكيات المكتسبة، والبنى ~~المادية مثل الأعشاش، والتغيرات «فوق الجينية» للحمض النووي التي ~~تؤثر على التعبير الجيني (العملية التي تصنع الجينات بواسطتها ~~البروتينات التي تحتاجها الخلايا). # نشأ علم الأحياء التطوري الحديث من الداروينية الجديدة لكنه ~~تجاوزها إلى ما هو أبعد، وقد أسهم في ذلك استعانته باكتشافات علم ~~الأحياء الجزيئي (طالع الفصل السادس). اليوم صار لدينا فهم أعمق ~~لآليات التطور، ولكيفية نشأة أنواع جديدة، وللأساس الجزيئي للعديد ~~من الخصائص التكيفية التي أنتجها الانتخاب الطبيعي. علاوة على ~~ذلك، صار لدينا معرفة تفصيلية بشكل شجرة الحياة، ألا وهي مخطط ~~السلالة الذي يربط جميع الكائنات الحديثة بسلف مشترك واحد. ولدينا ~~بعض المعرفة، وإن كانت أقل مما نود، عن أقدم أشكال الحياة على ~~الأرض وكيف خرجت إلى حيز الوجود. نتج عن ذلك صورة أكثر تعقيدا من ~~تلك التي رسمها داروين، لكن رؤيته الأساسية للعملية التطورية، ~~وبالأخص لدور الانتخاب الطبيعي في تعديل الكائنات الحية وخلق ~~التنوع، ms015 تظل سليمة. # منطق التفسير الدارويني # تفسير داروين لكيفية تكيف الكائنات الحية مع البيئة مثير ~~للاهتمام فلسفيا ، لأنه يستند إلى منطق مميز. لتقدير حسن منطقه، ~~من المفيد مقارنة تفسيره بتفسير لامارك. ذهب لامارك إلى أنه من ~~الممكن للكائنات الحية على المستوى الفردي أن تتكيف مع البيئة ~~«أثناء فترة حياتها». فعلى سبيل المثال، جادل لامارك بأن أعناق ~~الزرافات تزداد طولا لأن أسلافها من الزرافات كانت تمد أعناقها كي ~~تبلغ الأشجار الطويلة، مما أدى إلى إطالة أعناقها؛ ومن ثم ~~نقلت هذه الأعناق المعدلة إلى ذريتها. الآن وقد صرنا نعلم أن ~~الخصائص المكتسبة لا تنتقل إلى الذرية، صار تفسير لامارك مشكوكا ~~فيه تجريبيا. لكن ذلك ليس مربط الفرس. بل ما يثير الاهتمام هو ~~التناقض المنطقي بين تفسيري لامارك وداروين. فتفسير لامارك يقول ~~بأن «الأفراد» يتغيرون ليحسنوا من ملاءمتهم التكيفية للبيئة، ~~بينما تفسير داروين يعنى «بالجماعة» لا الأفراد باعتبارها الوحدة ~~التي تتغير. فالأفراد لا يخضعون لتغير تكيفي بناء على النظرية ~~الداروينية؛ بل الجماعة هي التي تتغير عن طريق الإبقاء بشكل ~~انتقائي على بعض العناصر المتغيرة والتخلص مما سواها. # عبر عالم الأحياء ريتشارد لونتين عن هذا بقوله إن نظرية لامارك ~~تحولية بينما نظرية داروين تنوعية. يسري هذا الاختلاف على نطاق ~~أوسع من علم الأحياء، كما يتضح من مثال ضربه إليوت سوبر. لنفترض ~~أننا وجدنا أن التلاميذ في فصل معين يجيدون الموسيقى إلى حد يفوق ~~المعتاد وأردنا معرفة السبب وراء ذلك. إحدى المنهجيات المحتملة ~~للإجابة ستركز على كل تلميذ منفرد، وتسعى لتفسير قدراته الموسيقية. ~~قد نكتشف على سبيل المثال، أن كلا من التلاميذ نشأ في أسرة ~~موسيقية، أو بدأ تعلم العزف على البيانو في سن مبكرة، أو كان ~~يحظى بتشجيع أبويه، إلى آخره. هذا تفسير تحولي؛ إذ يشرح كيف تحول ~~كل طفل إلى موسيقي بارع. لكن ثمة نهجا آخر مختلف تماما للإجابة ~~عن السؤال. وهو الإشارة إلى أنه كي يقبل أي تلميذ في الفصل من ~~الأساس، يجب أن يحصل على أعلى الدرجات في امتحان موسيقي صعب. بمعنى ms016 ~~أن التحاق التلاميذ بالفصل قد تحدد بواسطة عملية اصطفاء للتلاميذ ~~بناء على قدراتهم الموسيقية؛ نتيجة لذلك ، لا يضم الفصل سوى ~~التلاميذ البارعين في الموسيقى. هذا تفسير تنوعي. # في مثال تلاميذ المدرسة، ينوه سوبر بأن التفسيرين يشرحان بمهارة ~~أمرين مختلفين. إذ يشرح التفسير الأول لماذا يمتلك تلاميذ الفصل ~~قدرات موسيقية فائقة عوضا عن امتلاكهم قدرات أقل. أما التفسير ~~الثاني فيشرح لماذا يضم الفصل ككل تلاميذ بارعين موسيقيا دون ~~سواهم من التلاميذ الأقل براعة. إذن فالتفسير الأول يشرح حقائق عن ~~التلاميذ على المستوى الفردي، بينما يشرح التفسير الثاني حقيقة عن ~~تكوين الفصل. على هذا المنوال تشرح التفسيرات الداروينية في علم ~~الأحياء الحقائق على مستوى الجماعة لا الفرد. على سبيل المثال، لا ~~تفسر الداروينية السبب وراء كون فرو دب قطبي ما أبيض لا ~~بنيا. لتفسير ذلك، سنشير إلى حقيقة أن هذا الدب قد ولد بجينات ~~تسببت في جعل فروه أبيض؛ وهو ليس بتفسير داوريني بل نمائي. ما ~~تفسره الداروينية هو لماذا تضم جماعة (أو نوع) الدب القطبي أفرادا ~~ذوي فراء بيضاء، دون غيرهم ممن لهم فراء بنية؛ أو لماذا تتكرر صفة ~~«الفرو الأبيض» في الدببة القطبية بنسبة 100٪. # ذهب إرنست ماير، وهو عالم تطوري بارز من القرن العشرين، إلى أن ~~داروين استحدث نهجا جديدا لتحليل الطبيعة أطلق عليه «التفكير ~~الجمعي». وهو مصطلح ليس له تعريف دقيق؛ لكن أحد محامله هو التعامل ~~مع الجماعة باعتبارها وحدة التحليل المعنية واعتبار التباين داخلها ~~خاصية «حقيقية» فيها لا مجرد حوادث عارضة. ماير محق في أن هذا ~~جزء لا يتجزأ من الداروينية. كما رأينا، وجود التباين شرط أساسي ~~لحدوث الانتخاب الطبيعي، والتفسيرات الداروينية معنية بالتغيير في ~~الجماعات لا الفرد. علاوة على ذلك، يكرس علماء التطور الجدد ~~جهدا كبيرا لدراسة سمات على مستوى المجموعة وتحليلها كميا، ~~مثل مدى التباين الجيني داخل جماعة ما ومقدار الاختلاف في الصلاحية ~~بين الأفراد المتباينين. وبالتالي، كان من إرث داروين إحداثه ~~تحولا مفاهيميا، إذ جعل الجماعات محل دراسة مثلها مثل ~~الأفراد. # الأسئلة المباشرة والأسئلة المطلقة ms017 # تحتل نظرية التطور مكانة فريدة في علم الأحياء الحديث. إذ تعد ~~مبدأ تنظيميا أساسيا ينظم عددا هائلا من الحقائق ~~التجريبية. فالكائنات الحديثة تحمل آثارا لا تنمحي لتاريخها ~~التطوري، من بينها البصمات الوراثية والسمات التكيفية والتشابهات ~~بين الأنواع التي تعكس وجود سلف مشترك لها. كتب عالم الأحياء ~~ثيودوسيوس دوبجانسكي في عام 1973 يقول: «لا يكون أي شيء في علم ~~الأحياء منطقيا إلا في ضوء التطور» وهو ادعاء يظل ثابتا بالدرجة ~~نفسها حتى يومنا هذا. بالطبع لا تدخل الكثير من دراسات علم الأحياء ~~في حيز علم الأحياء التطوري صراحة. فعالم البيئة الدارس للتنوع ~~البيولوجي في غابة مطرية، أو عالم الأحياء الدقيقة الذي يحاول ~~استنساخ فيروس ما، أو عالم الرئيسيات الذي يدرس قردة الشمبانزي في ~~البرية، جميعهم معنيون بأحداث راهنة، لا بأحداث من الماضي ~~البعيد. قد يعتقد المرء أن مثل هذه الأبحاث العادية كانت لتسلك ~~المسار نفسه حتى لو كان داروين مخطئا وكانت قصة الخلق في سفر ~~التكوين هي الصحيحة. هذا صحيح إلى حد ما، لكن في الواقع، يمثل ~~التطور أساسا يستند إليه العديد من المباحث البيولوجية، وإن كان ~~ظاهرها التركيز على الحاضر. # لماذا يحتل التطور تلك المرتبة من الأهمية في علم الأحياء؟ إحدى ~~إجابات هذا السؤال هي أن التطور يقدم لنا فهما فريدا لا ~~يتحقق إلا به. توضيحا لذلك، لنتأمل مقارنة يرجع الفضل في شهرتها ~~إلى ماير، بين نوعين مختلفين من الأسئلة التي يطرحها علماء ~~الأحياء. أسئلة مباشرة كالتي تستفهم عن طريقة عمل آلية بيولوجية ~~ما. على سبيل المثال، كيف يجد سمك السلمون المهاجر طريقه عائدا ~~إلى النهر الذي ولد فيه (أو «موطنه»)؟ أو كيف ينظم حيوان ثديي ~~درجة حرارة جسمه؟ أو كيف تتحرك البكتيريا نحو الأكسجين في محيطها؟ ~~تجاب الأسئلة من هذا النوع بوصف العوامل السببية التي تؤدي إلى ~~نشأة الظاهرة محل التساؤل. في مثال سمك السلمون، الإجابة هي أن ~~رائحة المجرى المائي الذي فقس فيه السلمون بيضه تنطبع في ذاكرته، ~~ومن ثم يعتمد على هذه الذاكرة للعودة إليه بعد بلوغه. ms018 أما ~~مثال البكتيريا، فالإجابة هي أن للبكتيريا مستقبلات تستشعر تركيز ~~المركبات الكيميائية في البيئة؛ فيمكن للبكتيريا أن تسبح في تدرج ~~التركيز الكيميائي عن طريق تدوير محركها السوطي. # في المقابل، تعني الأسئلة المطلقة بالميزة التطورية لا الآلية ~~المباشرة. وهي عادة ما تسأل «لماذا» وليس «كيف». على سبيل المثال، ~~لماذا يهاجر سمك السلمون عائدا إلى نهر مولده بدلا من أن يظل في ~~مكانه؟ وهو سؤال منطقي، فالعودة إلى الموطن مكلفة من ناحية الطاقة، ~~ومستهلكة للوقت وفيها مخاطرة. لماذا إذن يقوم بها سمك السلمون؟ ~~هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بدراسة تفاصيل آلية ملاحة سمك ~~السلمون مهما كانت مشوقة. بل تتطلب إجابته البحث عن الميزة ~~التطورية لعودة السلمون إلى موطنه؛ أي السبب الذي لأجله أحدث ~~الانتخاب الطبيعي هذا السلوك في السلمون من الأساس. على سبيل ~~المثال، إحدى الفرضيات المعقولة هي أن عودة السلمون إلى المجرى ~~المائي الذي فقس فيه يتيح له إيجاد موطن ملائم للتبويض وبقاء ~~صغاره، ومن ثم يعود عليه ذلك بفائدة متعلقة بصلاحيته. إن صحت ~~تلك الفرضية كما يعتقد الكثير من علماء الأحياء، فهي تخبرنا عن ~~«سبب» سلوك السلمون ذلك لا عن «كيفيته». # الأسئلة المباشرة تكون في الأغلب غير مرتبطة بالتاريخ التطوري. ~~فحتى لو كان داروين مخطئا وكان السلمون من خلق الإله، يظل من ~~الممكن طرح السؤال المتعلق بكيفية عودة السلمون إلى مجرى ولادته، ~~والإجابة عليه بالطريقة نفسها فعليا. لكن ليس هذا شأن الأسئلة ~~المطلقة. بل إن السؤال المطلق التقليدي يفترض مسبقا أن الصفة محل ~~السؤال هي صفة تكيفية، أي إنها تطورت من الانتخاب الطبيعي إذ تورث ~~ميزة في الصلاحية. للإجابة عن سؤال لماذا يمتلك الكائن الحي صفة ~~ما، فإن عالم الأحياء سيسعى إلى تحديد ماهية هذه الميزة، أي إنه ~~سيقدم تفسيرا تكيفيا. يستلزم هذا تقديم طرح يتعلق بمسار التاريخ ~~التطوري (ولو ضمنيا على الأقل). فعالم الأحياء الذي يفسر سبب ~~عودة السلمون إلى موطنه بأنه إيجاد موقع ملائم للتبويض إنما يقدم ~~طرحا عن السبب الذي دفع الانتخاب الطبيعي إلى تطوير سلوك ms019 العودة ~~إلى الموطن. وهو تفسير سوف يدحض لو تبين خطأ نظرية ~~التطور. # تنبع مركزية التطور بالنسبة لعلم الأحياء من كونه يوضح كيفية ~~نشأة عمليات التكيف، وحدها نظرية التطور تستطيع أن تجيب عن الأسئلة ~~المطلقة التي تسأل «لماذا؟». تقدم مجالات مثل علم الأحياء الجزيئي ~~وعلم الأحياء الخلوي وعلم الأحياء النمائي معرفة تفصيلية عن آليات ~~عمل الكائنات الحية ومكوناتها الثانوية. وهي معرفة ثمينة من ~~الناحية العلمية وذات فائدة كبيرة في حد ذاتها. لكن علم الأحياء ~~التطوري يضيف لنا درجة أخرى مختلفة جوهريا من الفهم العلمي. إذ ~~يتيح لنا أن نفهم التباين الذي نلاحظه في السمات العضوية بتفسيرها ~~على أنها استجابات «منطقية» أو تكيفية للتحديات البيئية التي ~~تواجهها الكائنات الحية. هذا نوع من الفهم مكمل للذي نحصل عليه من ~~دراسة الآلية القريبة وإن كان يختلف عنه تماما، وهو أيضا دافع ~~كبير للانجذاب الفلسفي إلى علم الأحياء التطوري. # على الرغم من أنه ينبغي أن نفرق بوضوح بين الأسئلة المباشرة ~~والأسئلة المطلقة، فقد تتداخل أحيانا إجاباتهما. إذ قد تساهم ~~معرفتنا بالماضي التطوري في فهمنا لآلية عمل الكائنات الحية في ~~الحاضر. مجال الطب الدارويني خير مثال لذلك. المبحث الأساسي للطب ~~هو آلية عمل جسم الإنسان في الوقت الحالي والأسباب المباشرة للمرض. ~~لكن أنصار الطب الدارويني يجادلون بأن المنظور التطوري يمكن أن ~~يساعد في فهمنا لذلك المبحث. لنأخذ السمنة مثالا. يخبرنا ~~التطور أن التفضيلات الغذائية للبشر نشأت في بيئة مغايرة تماما ~~للتي نعيش فيها اليوم، تندر فيها العناصر الغذائية، لذا كان اشتهاء ~~الأغذية السكرية مفيدا. من ثم لا تتوافق بيئتنا الحالية ~~وتفضيلاتنا الغذائية التي تطورت، وهو ما يفسر سبب نزوع البشر ~~للإفراط في الطعام. لو صح هذا التفسير، وهو ما يعتقده الكثيرون، ~~فقد يكون له تبعات عملية على آلية معالجة وباء السمنة، أو لتقييم ~~النجاح المحتمل لتدخل معين. إذن، فالاعتبارات التطورية قد تساعدنا ~~على فهم الآليات المباشرة بشكل أفضل. # لماذا نؤمن بالتطور؟ # تعتبر نظرية التطور دعامة أساسية لعلم الأحياء الحديث، ولا ~~يشكك أي عالم أحياء اليوم بجدية ms020 في صحتها. على الرغم من ذلك، ~~غالبا ما نجد في المجتمع ككل إحجاما ملحوظا عن الاعتقاد ~~بالتطور ، حتى في أوساط المتعلمين الذين يقبلون بصدر رحب الأركان ~~الأخرى للرؤية العلمية الحديثة للعالم. (هذ الإحجام أقوى في بعض ~~البلاد مما هو في غيرها.) فما السبب؟ يبدو أن ثمة عوامل ثلاثة تقف ~~وراء ذلك. # أولا، التطور فكرة مربكة للغاية، قد يكون من الصعب قبولها ~~عند أول تعرض لها. فأنت إن نظرت إلى حلزون موجود على نبتة فراولة ~~في حديقتك على سبيل المثال، فسيتطلب قبولك فكرة أنك أنت والحلزون ~~والنبتة تنحدرون من سلف واحد إذا ما تتبعنا سلالاتكم بالقدر ~~الكافي تحولا فكريا هائلا. ومع هذا تقول نظرية التطور بصحته؛ ~~فالسلف المشترك لشتى أشكال الحياة النباتية والحيوانية هو كائن ~~أولي وحيد الخلية (يشبه الطحالب) يقدر أنه عاش منذ نحو 1,6 ~~مليار سنة. إذن، هناك فجوة بين خبرتنا العادية لعالم الأحياء ~~الذي يقدم لنا مجموعة من أشكال الحياة لا يخفى التمايز البين ~~بينها، والفكرة التي يقوم عليها علم الأحياء التطوري، ألا وهي أن ~~جميع أشكال الحياة تنحدر من سلف مشترك. # ثانيا، يزيح التطور البشر عن المكانة الفريدة التي وضعهم فيها ~~الفكر الموروث. لقرون كان الاعتقاد السائد هو أن البشر يختلفون ~~جوهريا عن سائر الكائنات الحية، حتى إنهم لا يخضعون للنظام ~~الطبيعي. على سبيل المثال، ذهب ديكارت إلى أن الحيوانات غير ~~البشرية مجرد آلات، بينما يملك البشر أرواحا. وما زال الاعتقاد ~~بتفرد البشر بصورة أو بأخرى سائدا. لكن التطور يقوض هذا ~~الاعتقاد. فهو يخبرنا بأن الإنسان العاقل ما هو إلا أحد أنواع ~~الرئيسيات تشعب من الشمبانزي منذ ستة إلى ثمانية ملايين سنة ~~مضت. بالطبع، يملك البشر سمات مميزة لا تملكها أغلب الكائنات ~~الأخرى كاللغة والثقافة، لكن هذه السمات المميزة موجودة في ظل ~~خلفية من السمات المشتركة. فمن منظور تطوري، فكرة الانفصال الجوهري ~~بين البشر وباقي العالم الحي هي محض وهم. # ثالثا، وبكل وضوح، يتعارض التطور مع الكثير من العقائد الدينية، ~~وبالأخص عقائد الأديان الإبراهيمية. على سبيل المثال، ms021 يقول سفر ~~التكوين إن الإله خلق جميع الكائنات الحية منفصلة في ستة أيام منذ ~~بضعة آلاف سنة. إذا أخذ هذا الادعاء على محمله الحرفي، فهو يتعارض ~~بوضوح مع ما يخبرنا به التطور، ألا وهو أن الحياة قد تطورت على ~~الأرض تدريجيا على مدى ما يقرب من أربعة مليارات سنة. لا عجب ~~إذن أنه منذ زمن داروين إلى يومنا هذا، كان للكثير من معارضي ~~التطور دافع ديني، صريحا كان أو مستترا. # تفسر هذه العوامل الثلاثة أسباب معارضة التطور لكنها لا تبررها. ~~فتعارض فكرة علمية ما مع خبرتنا العادية أو مساسها بالكبرياء ~~البشري أو تعارضها مع العقائد الدينية ليس سببا سائغا لرفضها. ~~لكنه يثير سؤالا: كيف نتيقن أن نظرية التطور فعلا صحيحة؟ ما ~~مدى قوة الأدلة عليها؟ # كي نتناول هذه المسألة، نحتاج إلى أن نكون أكثر دقة بشأن ما ~~نعنيه بنظرية التطور. رأينا أن داروين نفسه ناقش ثلاث أطروحات: (1) ~~تطور الأنواع صفات جديدة بمرور الزمن؛ (2) الأنواع الحالية ~~تنحدر من أسلاف مشتركة؛ (3) الانتخاب الطبيعي هو الوسيلة الرئيسية ~~للتعديل التطوري. تختلف الأدلة على النقطتين (1) و(3) إلى حد ما. ~~فلنركز على النقطة (2) ادعاء الانحدار من السلف المشترك، إذ إنها ~~النقطة الأهم التي يسعى معارضو التطور إلى دحضها. # الصيغة الحديثة للأطروحة (2) هي فرضية شجرة الحياة الواحدة التي ~~تقول إنه يمكن تتبع كل الأنواع الحالية إلى سلف مشترك واحد. ~~السبب الرئيسي للاعتقاد بها لم يتغير منذ عصر داروين؛ إذ تفسر تلك ~~الفرضية عددا كبيرا من الحقائق التي لا تفسير لها من دونها، وإلا ~~يتحتم اعتبار هذه الحقائق صدفا بحتة. كان من بين الحقائق التي ~~استشهد بها داروين هي التشابهات التشريحية المذهلة بين الأنواع ~~المختلفة، مثل قوائم الخيول والأبقار. سرعان ما تبدو مثل هذه ~~التشابهات منطقية في ضوء التطور. فالخيول والأبقار تنحدر من سلف ~~مشترك ورثت منه بنيتها رباعية القوائم، وخضعت بعد ذلك لتعديل ~~تطوري. لكن لو كانت الخيول والأبقار لا تنحدر من سلف مشترك بل ~~خلق كل منها مستقلا، لما كنا لنتوقع أن يكون تشريحها ~~متشابها على ms022 الإطلاق. # مجموعة أخرى من الحقائق التي تدل على وجود أصل مشترك، والتي ~~لاحظها داروين أيضا، تأتي من علم الأجنة. تأمل حقيقة أن جميع ~~أجنة الفقاريات تتشابه كثيرا في مراحلها الأولى حتى إنه يصعب ~~التمييز بينها. أثناء نمو الجنين، يكتسب الصفات المميزة لمجموعته ~~الفرعية من الفقاريات، كالطيور مثلا، ثم المميزة لنوعه في ~~النهاية. وهذا منطقي في ضوء التطور. ترجع جميع الفقاريات إلى نوع ~~واحد من الأسلاف تطور إلى سلالات مختلفة لكل منها صفاتها المميزة: ~~الأجنحة للطيور، والخياشيم للأسماك، إلى آخره. تنشأ هذه الخصائص ~~بعد أن يكتمل تصميم الجسم الأساسي للكائن الفقاري، حيث إنه من ~~الصعب إحداث تغيير في مراحل النمو الأولى للجنين دون إلحاق آثار ~~ضارة على الكائن ككل. نتيجة لذلك، تتشابه أجنة جميع الفقاريات في ~~مراحلها المبكرة، ثم تظل تتمايز أثناء نموها الجنيني. لو أن كلا ~~من الأنواع الفقارية خلق مستقلا، لما وجد سبب لتوقع هذه ~~التشابهات. # أما السبب الأقوى للإيمان بفرضية شجرة الحياة الواحدة فلم ~~يكن متاحا لداروين. إنه «عالمية الشفرة الجينية». لفهم ما ~~يعنيه ذلك، نحتاج إلى معرفة بعض الأساسيات في علم الوراثة. يمكن ~~اعتبار الجين مجموعة من التعليمات مدونة في الحمض النووي لبناء ~~بروتين واحد. يتكون البروتين من سلسلة طويلة من الأحماض الأمينية ~~المرتبطة بعضها ببعض. المقصود بالشفرة الجينية هو الطريقة التي من ~~خلالها يحدد تسلسل الحمض النووي لجين ما تسلسل الأحماض ~~الأمينية في البروتين المناظر. (بتعبير أدق، تقوم هذه الشفرة ~~بترتيب مجموعة ثلاثية من النيوكليوتيدات لصنع حمض أميني واحد؛ انظر ~~الفصل السادس.) يوجد عدد هائل من الشفرات الجينية الممكنة، تتوافق ~~جميعها مع قوانين الكيمياء. لكن المذهل هو أن جميع الكائنات الحية، ~~من الذباب إلى البشر مرورا بالبكتيريا، «تتماثل» في شفرتها ~~الجينية (أو تكاد تتماثل). هذا منطقي تماما لو أن الكائنات الحية ~~تنحدر من سلف مشترك، وإلا فهي صدفة بعيدة الاحتمال للغاية. إذ ~~سيكون أشبه بتكرر نشأة لغة بشرية واحدة في عدة سياقات منفصلة. إذا ~~اكتشف علماء الأنثروبولوجيا عددا من القبائل المنفصلة تتحدث اللغة ~~نفسها بالضبط، فسيفترضون ms023 لا محالة أن هذه القبائل تفرعت من مجتمع ~~لغوي واحد. الافتراض البديل القائل بأن كل قبيلة استحدثت بشكل ~~مستقل اللغة نفسها هو افتراض غير معقول بالمرة باعتبار العدد ~~اللامحدود من اللغات الممكنة. بالمثل، تقدم عالمية الشفرة الجينية ~~في الكائنات في يومنا هذا دليلا دامغا على اشتراكها في أصل ~~واحد. # يقال في بعض الأحيان، لا سيما على لسان المعارضين لعلم الأحياء ~~التطوري، إن التطور «مجرد نظرية». وهي مقولة نحتاج إلى شيء من ~~الحذر عند الخوض في تفسيرها. قطعا توجد نظرية تسمى «نظرية ~~التطور»، وهي مجموعة المبادئ النظرية التي تفسر آلية عمل التطور، ~~والتي سبق أن تطرقنا إلى بعضها. لكن هذه المقولة عادة ما تفسر ~~بأن التطور ليس حقيقة ثابتة بل فرضية تكهنية يمكن لشخص عقلاني ~~أن يطعن في صحتها. وتلك فكرة يجب التصدي لها. لما كنا لا نستطيع ~~رؤية الماضي رأي العين، كان الادعاء القائل بانحدار الأنواع ~~الحالية من أسلاف مشتركة لا يمكن الجزم به إلا بطريق غير مباشر، ~~وهو الاستنباط. لكن ذلك ينطبق على العديد من الافتراضات العلمية. ~~فنحن لا نستطيع رؤية الإلكترونات ولا الحضارات القديمة ولا نواة ~~الشمس مباشرة، لكننا نعلم الكثير عن تلك الأشياء. الأدلة المؤيدة ~~للتطور هائلة إلى حد يجعل التشكيك في صحتها بجدية غير ممكن. فمن ~~يشك في التطور على أساس أنه «مجرد نظرية» فحري به أن يشكك في جميع ~~أطروحات العلم الحديث أيضا إن كان مبدؤه ثابتا. # الفصل الثالث # | الوظيفة والتكيف # إحدى السمات اللافتة في العلوم البيولوجية هي كثرة نزوعها إلى مفهوم ~~«الوظيفة». تأمل العبارات التالية. وظيفة قوقعة السلطعون هي حماية ~~أحشائه؛ وظيفة كليتي الإنسان هي تنقية الدم؛ وظيفة رقص ذكر طائر ~~الجنة هي جذب الإناث للتزاوج. إن عبارات من هذا النوع، التي من الممكن ~~أن نسميها «عبارات إسناد الوظيفة»، من الممكن أن نجدها في أي من ~~مراجع علم الأحياء، وعادة ما تمر دون أن نلتفت إليها. وهي في ذلك ~~تتباين تباينا لافتا مع العلوم غير الحيوية التي تكاد تخلو من أي ~~حديث عن الوظيفة. ms024 فعلماء الجيولوجيا لا يناقشون وظيفة الأنهار ~~الجليدية؛ وعلماء الفلك لا يناقشون وظيفة الكواكب؛ وعلماء الكيمياء لا ~~يناقشون وظيفة الروابط التساهمية. ولو ناقشوا ذلك فلن يفهم قصدهم ~~بسهولة. فلماذا إذن يكثر حديث علماء الأحياء عن الوظيفة، وما ~~المقصود بها بالتحديد؟ # الإجابة السطحية عن هذا السؤال تقول إن الحديث عن وظيفة عنصر بيولوجي ~~ما هي ببساطة ذكر ما يفعله هذا العنصر أو وصف تأثيراته. من هذا ~~المنظور، القول بأن وظيفة قوقعة السلطعون هي حماية أحشائه يعني أن تلك ~~هي وظيفته الوحيدة؛ والقول إن وظيفة رقصة الطائر هي جذب الإناث للتزاوج ~~يعني أن تلك هي وظيفتها الوحيدة؛ وهكذا. ولكن لا يمكن أن يكون هذا ~~صحيحا تماما. ففي النهاية قوقعة السلطعون لها آثار أخرى بجانب حماية ~~الأحشاء، مثل جعل التقاط السلطعون أيسر على الصيادين على سبيل المثال. ~~لكننا لن نصف هذا بأنه وظيفة القوقعة. بالمثل، عندما يؤدي ذكر طائر ~~الجنة رقصته للتودد، كثيرا ما سيجذب إليه الضواري لا الإناث فحسب؛ لكن ~~جذب الضواري ليس وظيفة الرقصة، بل مجرد نتيجة يصادف أن تسببت فيها ~~الرقصة. كما تظهر هذه الأمثلة، ليست كل آثار أي عنصر بيولوجي جزءا من ~~وظيفته؛ أن نعتقد غير ذلك هو عدم إدراك للفارق بين الوظيفة الحقيقية ~~وما يمكن أن نسميه «أثرا جانبيا غير مقصود». يستدعي علماء الأحياء ~~ضمنيا هذا التمايز كلما استخدموا الاصطلاح الوظيفي. # تنشأ معضلة فلسفية عند هذا المنعطف. حيث إنه من السهولة أن يبدو أن ~~للحديث الوظيفي في علم الأحياء بعدا «معياريا» قائما على أحكام ~~قيمية. (في الفلسفة، يختلف المنهج المعياري عن الوصفي؛ إذ يتناول الأول ~~ما يجب أن تكون عليه الأشياء بينما يتناول الثاني الأشياء على حالها ~~الفعلي.) عندما يتحدث عالم أحياء عن وظيفة عنصر بيولوجي ما فهو يبدو ~~وكأنما يتطرق إلى الغرض «المفترض» من هذا العنصر، وليس ما يقوم به ~~هذا العنصر فعليا. ما يشير إليه هذا هو أنه في المواضع التي يكون ~~الحديث عن الوظيفة منطقيا، يكون الحديث عن الخلل الوظيفي منطقيا ~~أيضا. فالقوقعة التي لا تحمي ms025 أحشاء السلطعون أو الكلية التي لا ~~تنقي الدم في الجسد، قد فشلتا في القيام بوظيفتيهما أو أصيبتا ~~بخلل وظيفي. لكن هذا مربك نوعا ما. فمن الذي يقرر الغرض من عنصر ~~بيولوجي ما؟ العلوم الطبيعية مختصة بوصف العالم كما هو، وليس إطلاق ~~أحكام عن كيف يجب أن يكون. فهل علم الأحياء فعلا استثناء لهذا المبدأ؟ ~~أو هل هناك سبيل للتغاضي عن البعد المعياري بتفسيره، ربما عن طريق ~~تحويل عبارات إسناد الوظيفة إلى تعبيرات أخرى؟ نعود إلى هذا اللغز في ~~موضع لاحق. # لعلك تتساءل إذا كانت تلك الضجة كلها سببها مجرد كلمة. الإجابة ~~هي لا، لسببين. أولا، ما يثير تلك المسألة الفلسفية ليس «الوظيفة» ~~وحدها، بل مجموعة أشمل من التعبيرات المستخدمة في علم الأحياء. تشتمل ~~هذه المجموعة على تعبيرات أخرى مثل «من أجل» و«بغرض». ومن ثم، فإن ~~سداة النبات هي من أجل صنع حبوب اللقاح، وطيور السنونو تهاجر إلى ~~الجنوب بغرض الهروب من الشتاء القاسي. ثانيا، الظاهرة اللافتة هنا لا ~~تخص اللغة فحسب، بل تخص أيضا نمطا مميزا من التفسير. نمطا ~~يستلزم تفسير وجود عنصر بيولوجي ما أو تفسير طبيعته من خلال الحديث عن ~~الغرض من هذا العنصر، أي وظيفته. على سبيل المثال، هب أننا نسأل لماذا ~~يمتلك نبات الصبار شوكا. الإجابة هي: إن الغرض من شوك الصبار هو ~~ردع آكلات العشب. أو هب أننا نسأل لماذا تمتلك الأسماك خياشيم. الإجابة ~~هي: للأسماك خياشيم للتنفس تحت الماء. كما تبين هذه الأمثلة، غالبا ما ~~يكون لذكر وظيفة العنصر البيولوجي دور رئيس في التفسيرات التي يقدمها ~~علماء الأحياء. # هذا التفسيرات الوظيفية تتشابه بوضوح مع التفسيرات المطلقة (أو ~~التكيفية) التي تطرقنا لها في الفصل السابق، التي تفسر خصائص الكائن ~~الحي من خلال بيان إسهامها في دعم صلاحيته البيولوجية. في الواقع، قد ~~يظن المرء أن التفسيرين - الوظيفي والتكيفي - هما في الحقيقة واحد. من ~~هذا المنظور، تكون وظيفة عنصر بيولوجي ما هي ببساطة أهميته التكيفية، ~~أي إسهامه المحدد في صلاحية الكائن الحي؛ وعملية تفسير وجود أو طبيعة ms026 ~~ذلك العنصر، من خلال ذكر وظيفته، تكافئ طرح تفسير تكيفي، أو على الأحرى ~~تكافئ القول بأن الانتخاب الطبيعي أدى إلى تطوره. هذا منظور جذاب، ~~لكنه كما سنرى، ليس الطرح الوحيد لكيفية فهم الحديث الوظيفي في علم ~~الأحياء. # الوظائف والأدوات # لقد ذكرنا أن العلوم الفيزيائية قلما تستخدم مفهوم الوظيفة. ~~ولكن، يوجد سياق غير بيولوجي يشيع فيه الحديث عن الوظيفة، ألا وهو ~~وصف الأدوات التي صنعها الإنسان. على سبيل المثال، نقول إن وظيفة ~~الساعة الشمسية هي معرفة الوقت؛ ووظيفة العارضة هي حفظ اتزان ~~القارب؛ ووظيفة الصمام هي الحفاظ على ضغط الهواء داخل الإطار. ~~بخلاف الكائنات الحية، الأدوات صممها البشر بقصد أداء وظيفة ~~معينة. وهذه الحقيقة تبدو لازمة لفهم المقصود بالحديث عن الوظيفة ~~في هذا السياق. ما يجعل وظيفة الساعة الشمسية هي معرفة الوقت فعلا ~~هو أن شخصا ما صممها عمدا بنية متابعة الوقت بدقة. وكذلك ~~عارضة القارب وصمام الإطار. إذن وظيفة الأداة أو أحد أجزائها، تنشأ ~~من قصد مصممها البشري. # تتشارك وظائف المصنوعات مع الوظائف الحيوية في أوجه لافتة. ~~أولا، ينطبق الاختلاف بين الوظيفة وتأثيراتها الجانبية غير ~~المقصودة بشكل مساو على الأدوات. فلعارضة القارب استخدامات إضافية ~~بجانب حفظ اتزان القارب، مثل إيواء محار البرنقيل وتوفير موضع ~~لتعليق موجه الدفة. لكن هذه ليست وظائف العارضة؛ ليست الأغراض التي ~~قصد صانعو القارب أن تستخدم العارضة من أجلها. ثانيا، ينطبق ~~مبدأ الخلل الوظيفي أيضا على الأدوات. فالساعة الشمسية التي لا ~~تتتبع الوقت بدقة، أو الصمام الذي يسرب الهواء بهما خلل؛ إذ ~~لا يعملان كما يجب. بالتالي فإن مفهوم أداء الوظيفة «على الوجه ~~الصحيح» ينطبق على الأدوات، وهو يعني «بما يتفق مع مقاصد الصانع». ~~ثالثا كما هو الحال في العناصر الحيوية، قد يفسر ذكر وظيفة أداة ~~ما السبب وراء وجودها، أو سبب امتلاكها لخواصها. هب أن طفلا سأل ~~عن سبب وجود العارضة في القارب وسبب وجود الصمام في الإطارات ~~الهوائية. الإجابة المعقولة ستكون أن الغرض من العارضة هو حفظ ~~اتزان القارب واستقراره، والغرض من الصمام هو ms027 الحفاظ على ضغط ~~الهواء في الإطار. # بوضع تلك التشابهات في الاعتبار، قد يتساءل المرء إن كان الحديث ~~عن الوظيفة إنما هو من مخلفات معتقدات عصر ما قبل الداروينية، ~~عندما كان يعتقد أن الكائنات الحية مثل الأدوات قد صممت بغرض ~~معين. من منظور الخلق الإلهي، يمكن فهم سمات الوظيفة من الناحية ~~الطبيعانية باعتبارها إشارة لمقاصد الخالق (على افتراض أنه ~~بالإمكان معرفة هذه المقاصد). يمكن تفسير العبارة القائلة بأن ~~وظيفة هيكل السلطعون هي حماية أحشائه بأن الإله قد صمم الهيكل ~~بغرض حماية الأحشاء؛ وبالمثل بالنسبة إلى عبارات إسناد الوظيفة ~~الأخرى. إذن فربما يكون الحديث عن الوظيفة في علم الأحياء المعاصر ~~مجرد إرث عابر من فترة زمنية سابقة، مثلما يتحدث علماء الفلك عن ~~«شروق الشمس» على الرغم من أن لا أحد ما زال يعتقد أن الشمس تدور ~~حول الأرض. # هذا طرح مترابط منطقيا، وهو يفسر بالتأكيد أوجه التشابه بين ~~وظائف الأدوات والوظائف البيولوجية. لكنه ليس معقولا جدا. ~~فعندما يستخدم علماء الأحياء المعاصرون الصور الدالة على الوظيفة، ~~يعكسون انطباعا قويا بأنهم يستعملونها بالمعنى الحرفي، وأن ما ~~يقولونه له معنى محدد غير مجازي. ما لم يكن الأمر كذلك، فسيصعب ~~إيجاد أي منطق في العديد من الجدالات في علم الأحياء عن وظائف صفات ~~معينة. على سبيل المثال، كان يقال قديما إن الزائدة الدودية ~~البشرية ليس لها وظيفة؛ لكن الأبحاث الحديثة شككت في ذلك؛ إذ ~~ذهبت إلى أن الزائدة الدودية لها وظيفة، وهي تخزين بكتيريا القناة ~~الهضمية المفيدة. استعمل علماء الأحياء المشاركون في هذا البحث ~~المصطلحات الدالة على الوظيفة عمدا؛ لذا يصعب تصديق أن مصطلحاتهم ~~هي مجرد آثار باقية من رؤية ما قبل تطورية للعالم. # هناك طرح بديل يقول إن التشابهات بين وظائف الأدوات والوظائف ~~البيولوجية تنشأ لأن الانتخاب الطبيعي يلعب دورا مماثلا لدور ~~المصمم البشري. وهو اقتراح معقول نوعا ما، فكما رأينا في الفصل ~~الثاني، الكائنات الحية التي تطورت عادة ما يتجلى فيها التصميم ~~بوضوح، باعتبار ما فيها من تعقيد تكيفي بالغ. إذن هذا الطرح يقول ms028 ~~إن الحديث عن وظيفة عنصر ما يكون معقولا إذا تحقق فيه شرطان. ~~إما أن يكون فاعلا ما قد صممه متعمدا بغرض تأدية وظيفة ما، أو ~~أن تتجلى فيه أمارات التصميم، أي إنه قد تطور بفعل الانتخاب ~~الطبيعي نتيجة لتأثيره على الصلاحية. لو صح ذلك، فمن شأنه أن يفسر ~~منطقية الحديث عن وظيفة الكلية أو الساعة الشمسية، لكن ليس عن ~~وظيفة النهر الجليدي. يقودنا هذا الطرح مباشرة إلى أكثر التحليلات ~~الفلسفية عن الحديث الوظيفي في علم الأحياء شعبية: نظرية سببية ~~الوظائف. # نظرية سببية الوظائف # تعني دراسة «سببية» شيء ما تتبع تسلسل أسبابه. الفكرة الأساسية ~~وراء النظرية السببية بسيطة، ألا وهي أن الحديث عن الوظيفة ~~البيولوجية لعنصر ما يعادل الحديث عن السبب الذي أدى بالانتخاب ~~الطبيعي لتطور هذا العنصر. تأمل رقصة طائر الجنة مرة أخرى. ~~اعتبار أن الانتخاب الطبيعي أدى إلى تطور رقصة الطائر بسماتها ~~الدقيقة، لأنها تجذب الإناث للتزاوج لا لأنها تجذب الأعداء لهي ~~فرضية معقولة. معقولة لأن جذب الإناث له تأثير إيجابي على صلاحية ~~الكائن الحي، على عكس جذب المفترسين. إذا صحت تلك الفرضية، فإذن ~~النظرية السببية تقول إن وظيفة الرقصة هي جذب الإناث. بصفة أعم، ~~تنص النظرية على أن وظيفة أي عنصر أو صفة بيولوجيين مرتبطة ~~بالأثر الذي دفع الانتخاب الطبيعي إلى تفضيله. تعرف هذه النظرية ~~أيضا باسم نظرية «التأثير المنتخب» للوظيفة. # لنأخذ الفراء الأبيض للدب القطبي مثالا آخر. لهذه الصفة عدة ~~آثار، منها عكس ضوء الشمس وتمويه الدب أثناء الصيد، ومنح صغار ~~الدببة القطبية مظهرا محببا يستحسنه رواد حديقة الحيوان. باعتبار ~~ما نعرفه عن البيئة التي تطور فيها الدب القطبي، فمن المرجح جدا ~~أن يكون الأثر الثاني - التمويه - هو السبب الذي أدى بالانتخاب ~~الطبيعي إلى تطور الفراء الأبيض للدب القطبي. فالدب المموه جيدا ~~لديه أفضلية انتخابية واضحة مقارنة بالدب الذي يفتقر إلى التمويه، ~~لذا في المتوسط سيترك ذرية أكثر. لو صح ذلك، فالنظرية السببية تشير ~~إلى أن التمويه هو وظيفة فراء الدب القطبي، بينما عكس ضوء الشمس ~~وإضفاء ms029 مظهر محبب للبشر ليسا من وظائف الفراء. هذه هي النتيجة ~~الصحيحة بديهيا، وتتوافق جيدا مع الاستخدام البيولوجي ~~الفعلي. # تفسر النظرية السببية جيدا الكثير من الحديث عن الوظيفة في علم ~~الأحياء، وهي بجانب ذلك لها ميزات أخرى. إذ تقدم أساسا راسخا ~~للتمييز بين الوظيفة والأثر الجانبي، من حيثية سبب تفضيل الانتخاب ~~الطبيعي للصفة. وتعلل الدور التفسيري الذي يلعبه إسناد وظيفة ~~للصفة، لا سيما حقيقة أن الاستشهاد بوظيفة صفة ما يفسر سبب وجودها. ~~تعد النظرية السببية أيضا بأن تنفي البعد المعياري الظاهري ~~للحديث عن الوظائف عن طريق تفسيره. فهي تشير إلى أن الفارق بين ~~الوظيفة والخلل الوظيفي لا يشتمل في الحقيقة على أحكام تقييمية حول ~~الصورة التي «ينبغي» أن تكون عليها الكائنات الحية. فالقول بأن ~~الكلية بها خلل وظيفي، يعني من منظور النظرية السببية ببساطة أن ~~الكلية لم يعد لها الأثر الذي تطورت من أجله في الماضي. ~~بمعنى أن ثمة حقيقة موضوعية حول الوظيفة التي «يفترض» أن تقوم ~~بها الكلى وغيرها من الصفات البيولوجية، وهي حقيقة مستمدة من ~~تاريخها التطوري. # يتعلق أحد التحديات التي تواجه النظرية السببية بفردانية ~~الإسنادات الوظيفية التي تمنحها النظرية. عادة ما يشير علماء ~~الأحياء إلى «وظيفة» الصفة، في إشارة إلى أن للصفة وظيفة واحدة ~~فقط. لكن إذا كانت الوظيفة تعرف بأثر محدد، فغالبا ما سيكون ~~للصفة الواحدة أكثر من وظيفة محتملة. على سبيل المثال، بدلا من أن ~~نقول إن وظيفة الفرو الأبيض للدب القطبي هي التمويه، يمكن أن نقول ~~على حد السواء بأن وظيفته هي السماح للدب بالصيد نهارا، أو تعزيز ~~نجاح الدب في الصيد، أو المساعدة في تجنب تضوره جوعا؛ أو ~~ببساطة زيادة صلاحيته. يؤدي فرو الدب كل هذه الوظائف، وسيكون ~~اختيار أحدها باعتباره «السبب» وراء تفضيل الانتخاب الطبيعي للفرو ~~الأبيض حكما اعتباطيا. على الرغم من صحة ذلك، فإن المشكلة هنا ~~ليست خاصة بالنظرية السببية للوظيفة ولا حتى بعلم الأحياء. إذا ~~وقع تأثير ما في نهاية سلسلة طويلة من الأسباب، فسيكون هناك عدة ~~أسباب كل منها مرشح ms030 لأن يكون «السبب» الأصلي. هب أن أحدا سألك عن ~~سبب قيام الحرب العالمية الأولى. الإجابات الممكنة تشمل : الطموحات ~~الإمبريالية للقوى الأوروبية؛ وسباق التسلح اللاحق؛ والطلقة التي ~~أصابت الأرشيدوق فيرديناند؛ وغيرها من الأسباب. إذن كيف نحدد ~~«السبب» الأصلي؟ هذه معضلة فلسفية عامة إلى حد ما، كتبت فيها ~~الكثير من المؤلفات. (أحد الحلول يذهب إلى أن تحديدنا «السبب» ~~الأصلي هو مسألة براجماتية لا حقيقة موضوعية.) أيا ما كان حل هذه ~~المعضلة، فمن المرجح أنه سيكون قابلا للتطبيق على النظرية ~~السببية. # يأتي تحد آخر للنظرية السببية من السمات التي تطورت في الأصل ~~لغرض معين ولكن استحوذ عليها فيما بعد غرض آخر. تظهر هذه ~~الصفات، المعروفة باسم «التكيفات المسبقة»، بشكل متكرر في عملية ~~التطور. على سبيل المثال، تطور ريش الطيور في الأساس بغرض التنظيم ~~الحراري، لكن الانتخاب الطبيعي عدله فيما بعد بغرض تحسين أدائها ~~الديناميكي الهوائي. فما هي إذن وظيفة الريش وفق النظرية ~~السببية؟ الحفاظ على دفء الطيور أم مساعدتها للتحليق بكفاءة، أم ~~كلاهما؟ لا تبدو أن هناك طريقة واضحة للإجابة عن هذا السؤال. لكن ~~هذا لا يمس جوهر النظرية السببية لسببين. أولا، من الممكن ~~تجاوز المشكلة جزئيا من خلال تنقيح إسنادات الوظائف. فريش الطيور ~~لا يمثل فئة متجانسة؛ فبعض أنواع الريش مثل ريش الذيل اختصاصها ~~التحليق، بينما تختص أنواع أخرى مثل الزغب بالحفاظ على الدفء. ~~علاوة على ذلك، كل أنواع الريش لديها جوانب متعددة، كالشكل والملمس ~~والحجم على سبيل المثال؛ بالتركيز على جانب محدد، سيكون من ~~الممكن حصر الوظائف المحتملة. ثانيا، على أي حال لا تتفق آراء ~~علماء الأحياء حول كيفية تناول الحديث عن الوظيفة في حالات ~~التكيفات المسبقة. فكون التحليل الفلسفي لمعنى الحديث عن الوظائف ~~لا يثمر عن إجابة واضحة هو أمر لا يؤخذ عليه. # على الرغم من مميزات النظرية السببية، فهي تشتمل على معنى ضمني ~~يراه الكثيرون مشكلة. إذ تشير النظرية ضمنا إلى أنه حينما ~~يستعمل عالم أحياء تعبيرا لإسناد وظيفة لصفة أو عضو ما، فهو ~~يخبر بشيء ما ولو ضمنيا ms031 عن مسار التاريخ التطوري. هذا مقبول في ~~بعض السياقات لكنه غير مستساغ في سياقات أخرى. لنأخذ القلب البشري ~~مثالا. كما يعلم أي تلميذ في المدرسة، كان ويليام هارفي، وهو طبيب ~~من القرن السابع عشر، هو من قال إن وظيفة القلب هي ضخ الدم في ~~الجسد؛ ويجمع علماء الأحياء الجدد على أن هارفي كان محقا في ~~هذا. لكن نظرية التطور لم تكن قد وضعت بعد في القرن السابع ~~عشر، لذا عندما تحدث هارفي عن وظيفة القلب، فإنه من الواضح أنه لم ~~يقصد «الأثر الذي يعزى إليه انتخاب القلب». إذا أصررنا على صحة ~~النظرية السببية، فإذن نحن مجبرون على أن نستنتج أن هارفي لم ~~يفهم ما تعنيه كلماته، أو أنه استخدم كلمة «وظيفة» بمعنى مختلف ~~تماما عن علماء الأحياء الجدد. وكلا الاحتمالين مستبعدان. # هذا المثال متطرف لتوضيح ~~نقطة أعم، وهي أن بعض الإسنادات الوظيفية في علم الأحياء لا يبدو ~~أن لها علاقة بالتطور؛ وإنما تستنتج من دراسة آليات الكائنات ~~الحية في الحاضر. وهذا ينطبق بالأخص على العلوم الطبية الحيوية. ~~على سبيل المثال، عادة ما يحاول الباحثون الدارسون لأسباب مرض ما ~~على المستوى الجزيئي أن يحددوا وظيفة المسار الكيميائي الحيوي ~~الذي أدى إلى هذا المرض. لهذه الغاية، هم يقومون بدراسات تجريبية ~~عن آلية عمل تلك المسارات وتأثيرها على الخلايا والأنسجة. هذا ~~النوع من البحث لا يمت بصلة إلى التطور في ظاهره، لكنه عادة ما ~~يؤدي إلى إسنادات وظيفية موثوق بها. تدعم هذه الملاحظة المنافس ~~الرئيسي لنظرية السببية، ألا وهي نظرية «الدور السببي» ~~للوظيفة. # نظرية «الدور السببي» للوظيفة # إن الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها نظرية الدور السببي هي أن ~~الإسنادات الوظيفية عادة ما تتم في سياق نوع معين من البحث العلمي، ~~ألا وهو محاولة فهم كيفية عمل نظام أو عملية بيولوجية معقدة. ~~تأمل التنظيم الحراري في الإنسان على سبيل المثال. فهو يشتمل على ~~نظام تحكم، حيث تراقب منطقة تحت المهاد في الدماغ درجة حرارة ~~الجسم وترسل نبضات لتحفيز الاستجابات العضوية الملائمة كالتعرق. ~~يشتمل النظام ms032 على عدد كبير من الأجزاء المتخصصة والأنظمة الفرعية، ~~لكل منها وظيفة محددة. لفهم آلية عمل النظام الكلي ، يجب أن ~~نعرف إسهامات كل جزء منه. هنا يأتي مفهوم الوظيفة بالنسبة إلى ~~نظرية الدور السببي. إن وظيفة جزء ما هي ببساطة إسهامه في عمل ~~النظام الكلي، الذي يمكن النظام من أداء وظيفته. إذن وظيفة ~~المستقبلات الحرارية في منطقة تحت المهاد هي قياس درجة حرارة الدم، ~~بينما وظيفة الغدد العرقية هي إفراز العرق على سطح الجلد. بسبب ~~أداء المستقبلات الحرارية والغدد العرقية هاتين الوظيفتين، يتمكن ~~الجسم من الحفاظ على ثبات درجة حرارته. # لنأخذ الجهاز المناعي التكيفي في الفقاريات الذي يتخلص من ~~مسببات الأمراض في الجسم مثالا آخر. يتكون ذلك النظام أيضا من ~~عدة أجزاء، ألا وهي الخلايا التائية والبائية بمختلف أنواعها، التي ~~يلعب كل منها دورا محددا؛ ويتطلب فهم كيفية عمل الجهاز ~~المناعي معرفة ماهية هذه الأدوار. بالتالي فالخلايا التائية ~~القاتلة تتعرف على الخلايا المصابة بفيروس وتقتلها، بينما الخلايا ~~البائية ترتبط بالمستضدات وتنتج أجساما مضادة. هذه هي إذن وظائف ~~الخلايا التائية والبائية من منظور نظرية الدور السببي، فبسبب ~~أدائها تلك الأدوار يتمكن جهاز المناعة التكيفي من التخلص من ~~مسببات الأمراض. باختصار، إن وظيفة عنصر ما هي مساهمته المحددة، أو ~~دوره السببي، في عمل النظام الكلي؛ بينما الأثر الجانبي لأي عنصر ~~هو ما يؤديه هذا العنصر لكنه لا يقوم بمثل هذه المساهمة. # لقد رأينا أن النظرية السببية تؤكد أن الإسنادات الوظيفية هي ~~عادة ما تكون إجابات للسؤال المطلق «ما سبب وجود ...؟» (ما سبب وجود ~~الشوك في الصبار؟ هو موجود لإبعاد آكلات العشب.) على النقيض، فإن ~~نظرية الدور السببي تلفت الانتباه إلى السؤال المباشر، ألا وهو ~~«كيف يعمل؟» (كيف يتخلص الجهاز المناعي من مسببات الأمراض؟ بواسطة ~~الخلايا التائية والبائية التي تقتل الدخلاء وتنتج أجساما ~~مضادة.) يحتل السؤال الأخير مركزا رئيسيا في العديد من الدراسات ~~البيولوجية، لا سيما في مجالات مثل علم وظائف الأعضاء، وعلمي ~~الأحياء الخلوي والجزيئي. مثل هذه الدراسات عادة ما تستلزم التركيز ~~على ms033 بنية أو عملية معقدة، ودراسة التفاعلات السببية بين أجزائها ~~المختلفة، ومحاولة تحديد ماهية المساهمة التي يقوم بها كل جزء. ~~هنا تبرز أهمية الحديث عن الوظيفة، بالنسبة إلى نظرية الدور ~~السببي. # الميزة الرئيسية لنظرية الدور السببي هي أنها تفسر النقطة التي ~~أثارت إشكالا بالنسبة للنظرية السببية، وهي أن إسنادات الوظيفة ~~غالبا ما تتم في سياق دراسة آلية عمل نظام حيوي في الوقت الحاضر، ~~لا في سياق دراسة التاريخ التطوري. إن نظرية الدور السببي هي ~~المسئولة عن حقيقة أن علماء الأحياء ما قبل داروين كانوا يعلمون ~~الكثير عن الوظائف، وأن علماء الأحياء المعاصرين يسندون الوظائف في ~~سياقات غير تطورية. وحتى لو خرج إلى الوجود فجأة كائن حي مكتمل ~~البارحة، فهذا لن يحدث فارقا في صحة عبارة تقرير وظيفة أحد ~~صفاته، إذا اعتبرنا الوظيفة دورا سببيا. لكن بالنسبة إلى ~~النظرية السببية ستكون العبارة خاطئة بالضرورة، إذ ليس لذلك الكائن ~~التاريخ التطوري اللازم لإكساب صفاته وظائفها. # رغم ذلك تتفق النظرية السببية ونظرية الدور السببي من الناحية ~~العملية على كيفية تعيين الوظائف، ولهذا غالبا لا يلاحظ الفرق ~~بينهما. لنعد إلى مثال القلب في الثدييات. سبب محاباة الانتخاب ~~الطبيعي للقلب هو أنه يضخ الدم في جميع أنحاء الجسم؛ وصحيح أيضا ~~أن ضخ الدم هو مساهمة القلب في عمل الجهاز القلبي الوعائي، وإلى ~~ذلك تعزى آلية عمل القلب في الحاضر. بالمثل، السبب الذي دفع ~~الانتخاب الطبيعي إلى تطوير شوك الصبار هو أنه يردع آكلات العشب، ~~كذلك ردع آكلات العشب هو الدور السببي الذي يلعبه الشوك اليوم في ~~النظام الدفاعي للصبار. إذن في هاتين الحالتين يتطابق التأثير ~~المنتخب والدور السببي. ولكن هذا لا يحدث بالضرورة في جميع ~~الحالات، وحتى إن حدث، تظل النظريتان مختلفتين حول أسباب «صحة» ~~إسناد وظيفة معينة إلى صفة ما. # أحد الانتقادات لنظرية السببية يقول بأن النظرية في جوهرها ~~تستلزم وجود مصدر للتصميم، وهو إما أن يكون نابعا من مقاصد ~~مصمم أو من الانتخاب الطبيعي. لفهم هذا النقد، لاحظ أننا عندما ~~شرحنا فكرة الدور السببي ms034 آنفا، تكلمنا عن «آلية تشغيل» نظام ~~بيولوجي أو كيفية «عمله». لكن أليست تلك طريقة غير مباشرة للحديث ~~عما يفترض أن يفعله النظام؟ عندما نحدد الدور السببي للغدد ~~العرقية في نظام التنظيم الحراري، فنحن نفترض ضمنيا أن النظام ~~يهدف إلى تحقيق هدف معين، ألا وهو الحفاظ على ثبات درجة حرارة ~~الجسم. لكن بحسب هذا الانتقاد، هذا الافتراض غير مبرر إلا إذا كان ~~النظام قد صمم بشكل واع لأجل هذا الهدف، أو كان الانتخاب ~~الطبيعي قد طوره بغرض تحقيقه. باختصار، لا يمكننا الربط بين وظيفة ~~عنصر ما ودوره السببي في نظام أكبر إلا إذا كان هذا النظام هو ~~نتيجة لتصميم واع أو ما ينوب عنه، وهو الانتخاب الطبيعي. إذن في ~~النهاية، تعتمد صحة الإسنادات الوظيفية الصحيحة في علم الأحياء على ~~الانتخاب الطبيعي؛ من ثم فالنظرية السببية هي الرابحة. # هذا وجه انتقاد قوي لنظرية الدور السببي، لكنه ليس حاسما ~~بالكلية. إذ ترى وجهة نظر بديلة أنه ينبغي لنا ببساطة أن نقر ~~مفهومي الوظيفة كليهما، أو نكون «تعدديين» باصطلاح الفلاسفة. من ~~المنظور التعددي، التأثير المنتخب والدور السببي مفهومان صحيحان ~~للوظيفة البيولوجية، لكن كلا منهما مصمم لنوع مختلف من البحث. ~~الأول له أهمية في السياقات التطورية التي تحاول الإجابة عن ~~الأسئلة المطلقة المتعلقة بأسباب تطور السمات؛ والثاني له أهمية ~~عندما نحاول الإجابة عن الأسئلة المباشرة المتعلقة بكيفية عمل ~~الكائنات الحية. باعتبار أن هذين النوعين من الاستقصاء مختلفان ~~جوهريا، يجادل التعدديون بأنه من الخطأ محاولة دمج مفهومي ~~الوظيفة أو محاولة الاختيار بينهما؛ بل ينبغي أن نقبل الاثنين وأن ~~نأمل أن يرشدنا السياق إلى الاختيار من بينهما. على الرغم من ~~جاذبيتها، فإن وجهة النظر التعددية تثير العديد من الأسئلة ~~المربكة، مثل لماذا نقبل استخدام كلمة واحدة لوصف مفهومين ~~مختلفين تماما. # على الرغم من أن الجدال حول مسألة الوظيفة يدور في الأساس بين ~~الفلاسفة، فإنه ذو صلة بالممارسة العملية لعلم الأحياء. أحد ~~الأمثلة التي تشرح هذا مصدره الجدل الأخير في علم الأحياء حول ~~«خردة الحمض النووي». تذكر أن ms035 الحمض النووي هو الجزيء الكبير الذي ~~تتكون منه الجينات. ولكن في معظم الأنواع، بما فيها البشر، تشكل ~~الجينات نسبة ضئيلة فقط من إجمالي محتوى الحمض النووي في الخلية. ~~على مدى عقود كان العلماء مجمعين على أن الجزء الأكبر من الحمض ~~النووي في الجينوم البشري لا وظيفة له. لكن في عام 2012 طعن ~~باحثون من مشروع «إنكود» ليدحضوا هذا الإجماع. بناء على كمية ضخمة ~~من البيانات التجريبية، ذهب الباحثون إلى أن معظم ما يطلق عليه ~~خردة الحمض النووي له وظيفة كيميائية حيوية؛ إذ يلعب دورا حاسما ~~في سلوك الخلايا والأنسجة. ولكن عالم الأحياء الكندي المرموق ~~دبليو. فورد دوليتل شكك في هذا التفسير للبيانات. إذ جادل بأن ~~باحثي مشروع «إنكود» يستخدمون ضمنيا معيارا متحررا للوظيفة، ~~ألا وهو وجود أي تأثير كيميائي حيوي، وهذا من شأنه أن يخلط بين ~~الوظيفة والأثر الجانبي. يذهب دوليتل إلى أنه إذا عرفنا الوظيفة ~~بالأثر المحدد، كما يقترح، فسيظل من الممكن المحاججة لصالح تفسير ~~«الخردة» التقليدي. أيا كان من يتبين أنه على حق، فإن هذا المثال ~~يوضح كيف يمكن أن يكون لجدال علمي بعد فلسفي خفي. # الوظائف والبرنامج التكيفي # بافتراض أننا نقبل تفسير النظرية السببية لمعنى عبارات إسناد ~~الوظيفة في علم الأحياء. هناك سؤال أبعد؛ ألا وهو كيف يمكننا ~~التأكد من صحة تلك العبارات. باعتبار أن معرفتنا بالتاريخ التطوري ~~غير كاملة، كيف يمكننا أن نعرف يقينا وظيفة السمة، أو أن لها ~~وظيفة من الأساس؟ الإجابة الموجزة هي أنه لا يسعنا التيقن، لكن ~~يمكننا في الغالب أن نصل إلى ما يشبه اليقين العملي. إذ في كثير من ~~الأحيان، تكون البيئة التي تطور فيها نوع ما مماثلة لتلك التي ~~يسكنها هذا النوع في الوقت الحاضر؛ لذا إذا كانت السمة لها أهمية ~~تكيفية واضحة في بيئتها الحاضرة، فغالبا ما يكون من السهل إلى حد ~~كبير تحديد سبب تطورها في الأساس، لا سيما إذا استطعنا إجراء ~~مقارنات ذات صلة بين الأنواع. على سبيل المثال، يوفر فراء الدب ~~القطبي الأبيض فائدة واضحة له ms036 أثناء الصيد في القطب الشمالي اليوم؛ ~~ونحن نعلم أن الدببة القطبية تطورت حديثا من الدببة البنية ~~التي تفوقها في الانتشار الجغرافي بكثير. إذن لا يوجد شك فعلي في ~~أن التمويه هو السبب الذي دفع الانتخاب الطبيعي لأن يطور للدب ~~القطبي فروه الأبيض. ليس هذا مثالا فريدا؛ مع ذلك يجب الإقرار ~~بأنه في حالات يكون تمييز الوظائف، بمعنى التأثيرات المنتخبة، أكثر ~~صعوبة. # إن مسألة كيفية تحديدنا بمصداقية وظائف الصفات كانت محل جدل كبير ~~في علم الأحياء التطوري في القرن العشرين. في ورقة علمية شهيرة ~~نشرت عام 1979، شن عالما الأحياء ستيفن جاي جولد وريتشارد لونتين ~~هجوما على ما أطلقوا عليه البرنامج التكيفي في علم الأحياء. يشتمل ~~هذا البرنامج على دراسة الكائنات الحية باعتبار أنها وصلت إلى درجة ~~عالية من التكيف في المجمل، وأن سماتها لها وظائف قابلة للتحديد. ~~عادة يعد المنطق التكيفي ناجحا، إذ إن العديد من الكائنات الحية ~~قد وصلت بالفعل إلى درجة عالية من التكيف مع بيئتها بفضل الانتخاب ~~الطبيعي. لم ينكر جولد ولونتين هذا، لكنهم اتهموا مناصري التكيفية ~~بالخروج عن المنهج العلمي. إذ جادلا بأن التكيفيين يفترضون دون أي ~~دليل أن لكل صفة وظيفة، وأنهم ببساطة يؤلفون قصصا عن ماهية هذه ~~الوظائف المزعومة بدون أدلة كافية. (وأطلقوا عليها «قصص صادقة»، ~~على اسم كتاب قصص رديارد كيبلينج للأطفال.) يرى جولد ولونتين إذن ~~أن التكيفيين ارتكبوا نوعا من الانحياز المعرفي؛ ألا وهو تحفزهم ~~لإيجاد وظيفة لأي شيء يبحثونه متجاهلين احتمال وجود صفات قد لا ~~يكون لها أي تفسير وظيفي أو تكيفي على الإطلاق. # اقترح جولد ولونتين عدة أسباب لعدم وجود وظيفة لصفة ما في الكائن ~~الحي، ومن ثم الأسباب التي قد تجعل المنطق التكيفي مضللا. ~~وبنيا أول تلك الأسباب على تشبيه معماري لا ينسى. يشير مصطلح ~~«عروة العقد» إلى المساحة المثلثية التي تتوسط أحد جانبي قوس ~~منحن وإطار مستطيل أو قبة (شكل # 3-1 ~~). في ~~كاتدرائية سانت مارك في البندقية، زينت عروة العقد بلوحات ~~أنيقة لتلاميذ المسيح الاثني عشر. لكن الاعتقاد بأن ms037 عروة العقد لها ~~«غرض» سيكون اعتقادا خاطئا حتما؛ إذ لم يصنعها المهندس المعماري ~~بغرض تزيينها. إنما عروة العقد ما هي إلا منتج ثانوي حتمي لبناء ~~سقف مقبب. بالمثل، ذهب جولد ولونتين إلى أن العديد من صفات ~~الكائنات الحية قد تكون منتجات ثانوية ليس لها وظيفة في حد ذاتها. ~~أحد الأمثلة المحتملة لذلك هي الذقن البشرية. نظرا لأن القردة ~~العليا لم يكن لها ذقون، فنحن نعلم أن الذقن تطور في وقت ما في ~~سلالة أشباه البشر. لكن لماذا؟ على الرغم من أنه تم اقتراح ميزات ~~تكيفية للذقن، مثل المساعدة في تخويف الأعداء في الشجارات، يعتقد ~~الكثير من علماء الأحياء أن الذقن ليس إلا منتجا ثانويا للكيفية ~~التي تنمو بها الجمجمة وعظام الفك في البشر. لو صح ذلك، فالذقن إذن ~~بمثابة عروة عقد، ومن ثم لا يمكن إسناد تفسير وظيفي له. بالمثل، ~~يرى البعض أن بعض جوانب العقل البشري كالوعي، هي بمثابة عروة عقد ~~نشأت باعتبارها نتيجة ثانوية لزيادة حجم المخ. # شكل 3-1: عروة العقد هي مساحة مثلثة بين قوس منحن وإطار ~~مستطيل أو قبة. # هناك سبب ثان لافتقار صفة إلى الوظيفة له علاقة بما قبله. ينشأ ~~هذا السبب من حقيقة أن الجين الواحد قد يؤثر على عدة صفات. نتيجة ~~لذلك، غالبا ما توجد ارتباطات وراثية بين الصفات، أي إن الكائن ~~الحي الذي يحمل الصفة أ يرجح أن يكون حاملا للصفة ب أيضا. أي إنه ~~إذا كان الانتخاب الطبيعي يحابي إحدى الصفتين، فستلازمها الأخرى أو ~~ستتطفل عليها. على سبيل المثال، افترض أنه في نوع ما من النباتات، ~~تتمتع تلك التي تمتلك أزهارا زاهية الألوان بأفضلية انتخابية على ~~ذات الألوان الأبهت، إذ تكون أكثر جذبا للملقحات. افترض أيضا ~~أنه لأسباب وراثية يرتبط امتلاك أزهار ملونة بامتلاكها أسدية ~~قصيرة. افترض أن حجم السداة نفسه محايد انتخابيا، أي إنه لا يؤثر ~~على الصلاحية. ومن ثم، إذا كان الانتخاب الطبيعي يؤدي بالنباتات ~~إلى أن تطور أزهارا أزهى لونا، فسيؤدي بها إلى أن تمتلك أسدية ~~أقصر. لكنه ms038 سيكون من الخطأ أن نسعى لإيجاد تفسير وظيفي لتطور أسدية ~~أقصر في النباتات. فصفة قصر السداة لا وظيفة لها في حد ذاتها؛ بل ~~إنها جاءت ملازمة لصفة تألق لون الأزهار، التي لها وظيفة، ألا وهي ~~جذب الملقحات. المغزى هو أنه عندما يؤدي الانتخاب الطبيعي إلى تطور ~~صفة لها وظيفة، فقد تلازمها أيضا صفة لا وظيفة لها. # السبب الثالث الذي قد يجعل افتراض الوظيفة مضللا ينبع من الصفات ~~اللاوظيفية أو بقايا عملية التطور. (الزائدة الدودية أحد الأمثلة ~~التقليدية لذلك، لكن كما سبق أن ذكرنا فإن افتقادها للوظيفة من ~~عدمه لم يحسم بعد.) القشعريرة التي تصيب الإنسان هي مثال أفضل. ~~فالقشعريرة عند البشر هي شكل متدهور من صفة موجودة في جميع ~~الثدييات، ألا وهي انتصاب شعيرات الفرو استجابة للبرد أو الخوف. ~~هذه الاستجابة تكيفية عند الكثير من الثدييات، إذ يساعد انتصاب ~~الفراء على حبس الحرارة وقد يرهب الأعداء. لكن شعيرات جسد الإنسان ~~أقصر من أن تؤدي أيا من الأمرين بفاعلية. لو أن باحثا يتبنى ~~النظرة التكيفية ولا يدرك أن القشعريرة ليست «أصلية» في السلالة ~~البشرية، فقد يفترض خطأ أن للقشعريرة وظيفة ما حتما عند البشر، ~~وقد يقوده افتراضه ذلك إلى وضع قصة تخمينية لتفسير هذه الوظيفة. ~~هذا بالطبع سيكون خاطئا. المغزى العام هو أن التطور لا يصمم كل ~~نوع من الصفر، بل يبنى على ما هو موجود بالفعل؛ والصفات ~~اللاوظيفية هي إحدى نتائج ذلك. # تقودنا هذه النقطة إلى السبب الرابع لقصور المنطق التكيفي، ألا ~~وهو وجود ما يسمى «قيود النمو». فعملية النمو الجنيني التي بها ~~تنمو اللاقحة إلى كائن حي بالغ، قد تحد كثيرا من التباينات ~~المحتملة التي يختار منها الانتخاب الطبيعي. تأمل مثلا تصميم ~~الجسد الرباعي الأطراف في كل الفقاريات البرية. نظرا لشيوع تصميم ~~الجسد هذا، فقد يميل أحد ذو نظرة تكيفية إلى منحه سببا وظيفيا؛ ~~أي القول بأن وجود أربعة أطراف له أفضلية تكيفية على أي عدد آخر من ~~الأطراف. قد يكون هذا صحيحا؛ لكن يوجد تفسير بديل ألا وهو ms039 أنه ~~ببساطة عندما تطور تصميم الجسد رباعي الأطراف لأول مرة، لم يكن ثمة ~~سبيل لأن يلغيه التطور، باعتبار آلية عمل النمو. أي إنه لا توجد ~~طريقة سهلة تعيد بها الطفرات الوراثية ترتيب تصميم الجسم الكامل ~~الذي وضع في المراحل الأولى للنمو دون إحداث تأثيرات مدمرة في ~~باقي أجزاء الجنين. إذا كان الأمر كذلك، فإن التفسير الصحيح لسبب ~~شيوع تصميم الجسد الرباعي الأطراف من الناحية التصنيفية ليس هو ~~التكيف مع البيئة فحسب، بل ينطوي أيضا على قيود نمائية. # توضح عروة العقد، وتلازم الصفات، والصفات اللاوظيفية، والقيود ~~النمائية خطورة الافتراض دون أدلة قوية أن لكل صفة في كل كائن حي ~~وظيفة أو أنها تكيفية. كان جولد ولونتين محقين في التركيز على ~~هذا، وقد كان نقدهما بمثابة تصحيح مفيد لمسار الاتجاه التكيفي ~~المخالف للمعايير في علم الأحياء (على الرغم من أنه يمكن القول ~~إنهما صورا آراء خصومهما بشكل كاريكاتوري إلى حد ما). يدرك ~~علماء الأحياء المعاصرون جيدا الصعوبة المنهجية في تحديد ما إذا ~~كان لصفة ما وظيفة (بمعنى أثر منتخب) وإذا كانت كذلك، فما ~~وظيفتها. إن أكثر المحاولات حذرا لتوضيح الوظيفة تتضمن مجموعة ~~متنوعة من الأدلة بما فيها المقارنات بين الأنواع، والتحليل ~~الوراثي، والتعديلات التجريبية لصفة ما لمعرفة تأثيرها على ~~الصلاحية، وغيرها. في أفضل الحالات، تلتزم تلك الأبحاث بالمعايير ~~العلمية الصارمة، وترقى إلى أكثر بكثير من مجرد تأليف قصة «صادقة». ~~لكن يجب الاعتراف أيضا بأنه في الكثير من الأوساط البيولوجية ما ~~يزال يوجد نزوع للبحث عن وظائف للسمات، رغم نقد جولد ولونتين. سواء ~~كان هذا يعبر عن انحياز معرفي، أو كان استجابة منطقية لانتشار ~~التعقيد التكيفي في الطبيعة، فهذه مسألة تحتمل الآراء. # ما خلص إليه جولد ولونتين هو أنه من الخطأ «تجزئة» كائن حي إلى ~~مجموعة من السمات ثم البحث عن تفسيرات وظيفية لكل سمة منفردة. ~~وإنما يجب التعامل مع الكائن الحي باعتباره «كلا متكاملا». وهو ~~اقتراح وجاهته محل جدل. فصحيح أن النزوع إلى التجزئة هو سمة من ~~سمات التفكير التكيفي؛ وهو قطعا ms040 لا يناسب جميع الحالات، لأن ~~التطور لا يستطيع دائما أن يغير أحد أجزاء الكائن الحي دون إحداث ~~تأثيرات غير مباشرة في مواضع أخرى منه. على سبيل المثال، إذا طورت ~~الزرافات أعناقا أطول، فقد يؤدي ذلك في الوقت نفسه إلى تقليل سرعة ~~ركضها؛ لذا لا يمكن تحسين طول العنق وسرعة الجري منفصلين. ولكن من ~~الناحية العملية، كثيرا ما ثبت أنه من الممكن دراسة تطور صفة ~~واحدة بمعزل نسبيا عن باقي صفات الكائن الحي. على سبيل المثال، ~~يستطيع علماء الأحياء دراسة تطور رقصة طيور الجنة دون دراسة ~~تفضيلاتها الغذائية، والعكس صحيح. لذلك في بعض الحالات على الأقل، ~~لا تمثل معاملة الكائن الحي باعتباره مجموعة من الصفات ~~المنفصلة عائقا أمام الفهم التطوري. كان جولد ولونتين محقين في ~~لفت الانتباه إلى الميل إلى التجزئة المتغلغل في جزء كبير من ~~المنطق التطوري، ولكن ما إذا كان هذا يمثل مشكلة أم لا، فذلك ~~ينبغي تقييمه باعتبار كل حالة منفصلة. # الفصل الرابع # | مستويات الانتخاب # إن مسألة «مستويات الانتخاب» هي أحد أهم المسائل في علم الأحياء ~~التطوري، ومحل كثير من الجدل. لفهم المسألة، تأمل أحد التفسيرات ~~الداروينية التقليدية كالتي ناقشناها في الفصل الثاني، على سبيل المثال ~~لماذا تطورت صفة العدو بسرعة هائلة لدى الفهود. قد يكون التفسير كما ~~يلي: # في الماضي، كان هناك تباين في سرعة عدو الفهود. وكانت ~~الفهود الأسرع أقدر على اصطياد الفرائس، لذا كانت تتمتع ~~بأفضلية في البقاء فتركت ذرية أكثر. علاوة على ذلك، كانت سرعة ~~العدو وراثية؛ فكانت ذرية الفهود الأسرع تنزع إلى سرعة ~~العدو. هكذا على مدى أجيال عديدة، تطورت سرعة عدو الفهود ~~لتصير أسرع فأسرع. # وفق هذا التفسير، تحدث عملية الانتخاب الطبيعي التي تفسر تطور صفة ~~ما على مستوى الكائن الفرد. فالبقاء التفاضلي «لأفراد من الفهود» - ~~حقيقة أن بعض الفهود أصلح للبقاء من غيرها - هو الذي يؤدي إلى التغيير ~~التطوري. (بعبارة أخرى، «وحدة الانتخاب» هي الفرد.) هناك نقطة وثيقة ~~الصلة وهي أن الصفة المعنية - سرعة العدو - تفسر من خلال الميزة ~~التي تمنحها ms041 الصفة للفهد الفرد، لا لكيان أكبر مثل نوع الفهود بأكمله ~~مثلا. إذن لو صح ذلك التفسير، فستكون تلك الصفة صفة تكيفية للفهود ~~المنفردة. # في معظم الوقت، يهتم المتخصصون في علم الأحياء التطوري بالانتخاب ~~والتكيف على مستوى الفرد كما في مثال الفهد. لكن نظريا على الأقل، ~~توجد احتمالات أخرى. فالعالم البيولوجي منظم في تسلسل هرمي، تندرج فيه ~~الكيانات البيولوجية الأصغر تحت كيانات أكبر. يقع الكيان الذي نطلق ~~عليه «الكائن الفردي» في مكان بالقرب من منتصف هذا التسلسل الهرمي. دون ~~الفرد، نجد كيانات مثل الخلايا والكروموسومات والجينات؛ وأعلاه، نجد ~~كيانات مثل العائلات والمستعمرات والأنواع. وقطعا، يمكن أن يخضع ~~العديد من هذه الكيانات نظريا للتطور الدارويني، إذ ينطبق عليها أحد ~~أشكال التكاثر. مثلما تؤدي الكائنات الحية إلى نشأة كائنات أخرى، كذلك ~~تفعل الجينات والخلايا والمستعمرات والأنواع. فأكثر أنواع الانتخاب ~~الطبيعي شيوعا، النوع الذي ينطوي على منافسة انتخابية بين الأفراد، ~~ليس هو النوع الوحيد الممكن. # دون مستوى الفرد، يمكن تمييز نوعين من الانتخاب. الأول هو الانتخاب ~~من بين الخطوط الخلوية المختلفة خلال عمر الكائن الحي متعدد الخلايا، ~~والمعروف باسم «انتخاب الخلايا الجسدية». يحدث هذا في الجهاز المناعي ~~للفقاريات وأثناء نمو الجهاز العصبي وعند الإصابة بمرض السرطان. في تلك ~~العملية، الخلايا هي الكيانات التي تتباين، ومن ثم تتكاثر بشكل ~~تفاضلي، وتنقل سماتها إلى نسلها. هذا الانتخاب الذي يحدث على مستوى ~~الخلية يلعب دورا في النمو، لكنه نادرا ما يكون له تبعات تطورية ~~طويلة الأمد في الكائنات الحية الحديثة، لأن تأثيراته تنحصر في فترة ~~حياة الكائن الحي. أما النوع الثاني من الانتخاب دون الفردي فمختلف. إذ ~~فيه يحدث انتخاب بين الجينات في الكائن الحي الواحد. وهو يرجع إلى أنه ~~في التكاثر الجنسي، تنتقل نصف جينات الكائن الحي فقط إلى ذريته. لذلك ~~يمكن أن يقع نوع من المنافسة الانتخابية تجد من خلاله بعض الجينات ~~وسائل لزيادة احتمال انتقالها على حساب جينات أخرى. مثل هذا الانتخاب ~~على المستوى الجيني له تبعات طويلة الأمد نفصلها فيما يلي. # لكن نقطة ms042 انطلاقنا ستكون الانتخاب فوق مستوى الفرد، والمعروف بشكل ~~عام باسم «انتخاب المجموعة». ثمة خلاف دائر حول ما إذا كان الانتخاب ~~الطبيعي يعمل على مستوى الجماعة، ومن ثم ما إذا كانت توجد صفات تطورت ~~لأنها تفيد المجموعات لا الأفراد. هذا السؤال هو محور جدل دائر منذ ~~عقود في علم الأحياء، ولا تبدو أي بوادر لحله، وهو ما قد يثير ~~الدهشة. # الإيثار والانتخاب الجماعي # في السابق، لجأ علماء الأحياء إلى مبدأ الانتخاب الجماعي ~~للمساعدة في حل لغز الإيثار في الطبيعة. مصطلح «الإيثار» في علم ~~الأحياء يشير إلى أي صفة أو سلوك مكلف للكائن الحي الفرد، من حيث ~~تقليله لصلاحيته وفق المفهوم الدارويني، لكنه يفيد الكائنات ~~الأخرى. الإيثار بهذا المعنى موجود بكثرة في الطبيعة. تأمل النحلة ~~التي تهاجم الدخلاء على الخلية بلدغهم. لما كانت النحلة تموت إثر ~~استخدامها إبرة اللدغ، ففعلها قطعا لا يعزز من قدرتها على البقاء؛ ~~إنما يكون المنتفع من فعلها أقرانها في الخلية. تأمل كذلك النداء ~~التحذيري الذي يصدره قرد الفرفت عندما يرى حيوانا مفترسا. ~~بإطلاقه ذلك النداء، يلفت القرد الانتباه إلى نفسه، وهو ما يضعه في ~~خطر، ولكنه ينبه رفاقه إلى وجود خطر. أو تأمل بكتيريا الزائفة ~~الزنجارية التي تطلق في البيئة مواد كيميائية تسمى حاملات ~~الحديد استجابة لنقص الحديد. يعد هذا فعلا يعود بالضرر على ~~البكتيريا نفسها، ولكنه يفيد البكتيريا المحيطة بها، إذ يحرر ~~الحديد المرتبط بالمضيف من أجل الأيض البكتيري. توجد أمثلة لا حصر ~~لها على ذلك. # ظاهريا، يبدو الإيثار محيرا. أليست النظرية التطورية تتنبأ ~~بتطور الصفات التي تحسن الصلاحية البيولوجية للفرد نفسه لا غيره؟ ~~على الرغم من ذلك فأثر سمات الإيثار عكس ذلك تماما. إذ يتكبد ~~الفرد الذي يتصرف بإيثار خسارة لا يتكبدها نظراؤه الأنانيون، وعليه ~~ينبغي أن يحابي الانتخاب الطبيعي الأنانيين. فالقرد الذي لا يطلق ~~نداء تحذير أو النحلة التي لا تهاجم الدخلاء أو البكتيريا التي لا ~~تصنع حاملات الحديد سيكون لها أفضلية انتخابية على غيرها مما لا ~~تفعل تلك الأشياء، إذ تستفيد من إحسان ms043 الآخرين دون أن تتكبد هي أي ~~خسائر. كيف إذن يمكن للإيثار أن يتماشى مع مفاهيم التطور ~~الأساسية؟ # هنا تبرز أهمية الانتخاب الجماعي. على الرغم من أن السلوك ~~الإيثاري مكلف بالنسبة للفرد، فإنه يحتمل أن يكون ذا فائدة على ~~مستوى الجماعة. أي إن الجماعة التي تتكون في الغالب من أفراد ~~مؤثرين لغيرهم يتعاونون جميعا لأجل الصالح العام، قد تتمتع ~~بأفضلية للبقاء على جماعة من الأفراد الأنانيين الذين لا يهتم كل ~~منهم إلا بنفسه. لذلك إذا تصورنا عملية تتنافس فيها جماعات لا ~~أفراد، فقد نجد أن الجماعات التي تزدهر هي تلك التي تشيع فيها سمات ~~الإيثار. باختصار، يصعب تفسير الإيثار باعتباره نتيجة للانتخاب ~~على مستوى الأفراد، لكنه قد يحتمل أن يتطور من خلال الانتخاب على ~~مستوى الجماعة. # من اللافت أن منطق هذه الحجة حظي باستحسان داروين نفسه. فمع أنه ~~كان ينزع إلى فكرة الانتخاب الفردي، فإنه مر سريعا على فكرة ~~الانتخاب الجماعي أكثر من مرة. في كتابه «أصل الإنسان» (1871) ناقش ~~داروين فكرة كيف يحتمل أن تكون سلوكيات التضحية بالذات، التي يخاطر ~~فيها الفرد بحياته لأجل القبيلة، قد تطورت عند البشر الأوائل. إذا ~~نظرنا من منظور الانتخاب الفردي، فسنرى أن ذلك سلوك يفترض أن ~~ينبذه الانتخاب. كما قال داروين، «من كان يؤثر التضحية بحياته ... ~~على خيانة رفاقه، ففي الأغلب لن يترك ذرية ترث طبعه النبيل». ~~ولكنه ذهب إلى أن حدوث عملية انتخاب جماعي تتنافس فيها الجماعات قد ~~يكون هو التفسير: «إن القبيلة التي تضم أفرادا كثرا ... مستعدون ~~دائما لأن يمدوا يد العون بعضهم لبعض وأن يضحوا بأنفسهم من أجل ~~الصالح العام، ستنتصر على معظم القبائل الأخرى؛ وسيعد ذلك انتخابا ~~طبيعيا». هكذا فهم داروين أن الانتخاب الطبيعي يمكن أن يحدث ~~على أكثر من مستوى هرمي، وأن الانتخاب على مستوى الجماعة يمكن أن ~~يفسر أشياء لا يستطيع الانتخاب الفردي أن يفسرها. # نقد الانتخاب الجماعي # على الرغم من ريادة داروين في تناولها في وقت مبكر، ظلت مسألة ~~مستويات الانتخاب خاملة لسنوات عديدة قبل أن يعيد علماء ms044 الأحياء ~~إيقاظها في ستينيات القرن الماضي. كان أحد الأسباب الرئيسية لذلك ~~هو كتاب نشره جورج إس ويليامز عام 1966 بعنوان «التكيف والانتخاب ~~الطبيعي». كان هدف ويليامز المعلن هو أن يدخل شيئا من «الانضباط» ~~على علم الأحياء التطوري. كان ما يثير قلقه هو وجود اتجاه منتشر ~~بين علماء الأحياء في ذلك الوقت ينظر إلى التكيف من حيث منفعة ~~الجماعة لا الفرد، غير مدركين على الأغلب أن الانتخاب الفردي لن ~~يؤدي بالضرورة إلى نتائج مفيدة للمجموعة. أصبح هذا النهج الخاطئ ~~للتفكير، الذي كشفه ويليامز بكفاءة، يعرف باسم «الانتخابية ~~الجماعية اللاواعية» أو «مغالطة صالح الجماعة». # لتوضيح وجهة نظر ويليامز، لنتأمل حجة قدمها كونراد لورينز، ~~عالم الأحياء النمساوي الحائز على جائزة نوبل عن أبحاثه الرائدة في ~~سلوك الحيوان. أراد لورينز تفسير ظاهرة القتال الشكلي عند ذكور ~~الغزال. يتواجه الذكران المتنافسان على الإناث مشابكين قرونهما ~~الضخمة، ولكنهما نادرا ما يشتبكان في قتال فعلي. تساءل لورينز ~~لماذا لا يقتل الغزال الأقوى منافسه؟ وكانت إجابته أنها ستكون ~~خسارة للنوع إذا اشتبك الذكور في القتال مع رفقائها من نفس النوع ~~على نحو متكرر. هل هذا تفسير جيد؟ ذهب ويليامز إلى أنه ليس كذلك. ~~قد يكون في تقاتل الذكور خسارة للنوع فعلا، لكن هذا ليس سبب عدم ~~اقتتالهم. أصر ويليامز على أن التفسير الصحيح يجب أن يوضح سبب ~~كون هذا السلوك مفيدا للغزال الفرد، وليس لجماعة أكبر ينتمي ~~إليها. # كي نفهم الخطأ في منطق لورينز أكثر، لنستعرض تشبيها. هب أن عالم ~~أحياء يرغب في تفسير سبب امتلاك ديدان الأرض وظائف حيوية تمكنها ~~من الحفر بكفاءة في التربة. تأمل الإجابة التالية: «يساعد الحفر في ~~تهوية التربة، مما يحسن الصرف، مما يفيد النظام البيئي المحلي. ~~ومن ثم، طور الانتخاب الطبيعي الوظائف الحيوية اللازمة للحفر ~~لدى ديدان الأرض.» هل هذا تفسير جيد؟ يمكن القول إنه ليس كذلك. ~~صحيح أن الحفر يؤدي إلى تهوية التربة، وهو ما يفيد النظام البيئي ~~المحلي فعلا، إلا أن «هذا ليس سبب تطور سلوك الحفر لدى ديدان ~~الأرض». ms045 كي يعد التفسير جيدا، يجب أن يوضح السبب الذي يجعل سلوك ~~الحفر والوظائف الحيوية التي تسمح به مفيدا بالنسبة لدودة الأرض ~~نفسها، لا لكيان أكبر كالنظام البيئي. كان هذا هو مقصد ويليامز ~~الرئيسي. # عند طرحه لهذه الحجة، كان يفترض ويليامز أن الصفات محل البحث - ~~مثل القتال الشكلي وفسيولوجيا دودة الأرض - تطورت عن طريق ~~الانتخاب على مستوى الفرد. باعتبار هذا الافتراض، فمن الواضح أن ~~وجهة نظر ويليامز صحيحة. إذ إن الانتخاب الفردي سيؤدي إلى تطور ~~الصفات المفيدة على مستوى الفرد؛ مثل هذه الصفات قد تكون أو قد لا ~~تكون، في المجمل، ذات فائدة للجماعة أو النوع الذي ينتمي إليه ~~الفرد. وحتى إذا كانت هذه الصفات مفيدة للمجموعة، فهي ليست حالة ~~تكيف جماعي حقيقية، بل هي ما أسماه ويليامز «الفائدة الجماعية ~~العارضة». لملاحظة هذا الفارق، لنتأمل مجددا قدرة الفهد على ~~العدو بسرعة. قد تحمل هذه الصفة بالفعل فائدة لصالح نوع الفهود ~~ككل، إذ تساعدها على تجنب الانقراض، لكن ليس هذا هو السبب الذي ~~أدى إلى تطور صفة العدو السريع لدى الفهود. العدو السريع هو ~~صفة تكيفية لدى الفهود المنفردة، يصادف أنه مفيد للجماعة أيضا، ~~لكنه ليس تكيفا على مستوى الجماعة. جادل ويليامز بأن عدم إدراك ~~هذه النقطة المنطقية قد أدى إلى ارتباك كبير في علم ~~الأحياء. # كان ويليامز يدرك أن الانتخاب على مستوى الجماعة ممكن الحدوث؛ ~~وأنه إذا حدث، فسيؤدي إلى تكيف جماعي حقيقي، أي تطور الميزات ~~المفيدة للجماعة لأنها مفيدة للجماعة. ولكنه جادل بأنه من غير ~~المرجح أن يكون الانتخاب الجماعي عاملا مهما في التطور. هذا لأن ~~المدة الزمنية لجيل من الأفراد عادة ما تكون أقصر من تلك التي ~~للمجموعات، لذا فالانتخاب الفردي هو بطبيعته الأكثر تأثيرا. من ~~ثم ذهب ويليامز إلى أنه يجب على علماء الأحياء عدم اللجوء إلى ~~حجة انتخاب المجموعة ما لم يكن ذلك ضروريا للغاية. هذا الجانب ~~من حجة ويليامز أكثر إثارة للجدل من حجته المنطقية المذكورة ~~أعلاه (المقبولة على نطاق واسع). يوافق العديد من علماء الأحياء ms046 ~~ويليامز في أن الانتخاب الجماعي له تأثير تطوري ضعيف، وأنه توجد ~~نماذج رياضية تدعم هذا الاستنتاج؛ ومع ذلك توجد أقلية معتبرة ~~تختلف مع هذا. فإجابة هذا السؤال لم تحسم بعد. # ماذا عن الإيثار؟ كما رأينا، فإن السبب التقليدي للانجذاب إلى ~~الانتخاب الجماعي كان تفسيره لكيفية تطور الإيثار، باعتبار أنه غير ~~مفيد على مستوى الفرد. لكن إذا لم يكن الانتخاب الجماعي هو ~~الإجابة، فما هي إذن؟ هذا سؤال يقودنا مباشرة إلى فكرة انتخاب ~~الأقارب، وهي من أشهر أفكار علم الأحياء التطوري في القرن ~~العشرين. # انتخاب الأقارب # الفكرة الأساسية لانتخاب الأقارب واضحة ومباشرة. تأمل جماعة ~~تضم نوعين من الكائنات الحية، الإيثارية والأنانية، يسلك كل ~~منهما سلوكا مختلفا تماما. يأتي الأفراد الإيثاريون بأفعال ~~مكلفة بالنسبة لهم لكنها تفيد الآخرين، مثل تنبيههم لوجود خطر. ~~بينما لا يأتي الأفراد الأنانيون بمثل تلك الأفعال. دعنا نسأل: أي ~~النوعين سيفضله الانتخاب الطبيعي؟ إذا استبعدنا احتمال الانتخاب ~~الجماعي، فسيبدو أن الانتخاب سيفضل الفرد الأناني. فالأفراد ~~الأنانيون يستفيدون من وجود أفراد آخرين إيثاريين في الجماعة دون ~~تكبد أي تكلفة. فبالتالي يفترض أن ينحي الانتخاب الطبيعي الأفراد ~~الإيثاريين. # هذه الحجة صحيحة، لكنها تستند إلى افتراض محوري. إذ تفترض أن ~~الأفراد الإيثاريين يساعدون أفراد الجماعة الآخرين دون تمييز، أي ~~إن أفعالهم الإيثارية تعود بالنفع على الأفراد الإيثاريين ~~والأنانيين على حد سواء. وهو افتراض يحتمل الصحة والخطأ. لكن ماذا ~~لو افترضنا أن الإيثاريين يميزون؛ أي إنهم يفضلون مساعدة ~~الإيثاريين الآخرين بينما يمتنعون عن مساعدة الأفراد الأنانيين. ~~عندئذ سيختلف الوضع تماما. فعلى الرغم من أن الإيثاريين في تلك ~~الحالة يتكبدون تكلفة لا يتكبدها نظراؤهم الأنانيون، فإن منافع ~~أفعالهم الإيثارية حينئذ ستعود على الإيثاريين الآخرين، لا على ~~جميع أفراد المجموعة. نظريا، يمكن أن يؤدي ذلك إلى موازنة ~~التكلفة، مما يؤدي إلى تطور الإيثار. # الطريقة الأكثر بديهية لنشأة تلك المعاملة التفضيلية هي أن يساعد ~~الإيثاريون أقاربهم البيولوجيين. لما كان الأقارب يتشابهون ~~وراثيا، فإذا اخترنا أي جين في فرد إيثاري، فهناك احتمال يفوق ~~العشوائي لامتلاك قريبه ms047 نسخة من هذا الجين أيضا. الآن بما أننا ~~حددنا أن سلوك الإيثار متأصل في الفرد، فلا بد أن يكون له أساس ~~وراثي، أي لا بد أن يكون هناك جين «مختص» بالإيثار. (هذا اختصار ~~لمقولة تفصيلها «جين يهيئ الكائن الحي للتصرف بإيثار في ظروف ~~معينة».) بالتالي، بوجود احتمال يفوق العشوائي، فإن أقارب الفرد ~~الإيثاري سيكونون هم أيضا حاملين لجين الإيثار؛ وبهذا يكون ~~التأثير المجمل لفعل الإيثار هو زيادة انتشار جين الإيثار بين ~~أفراد الجماعة. باختصار، إذا كان الأفراد الإيثاريون يساعدون ~~أقاربهم البيولوجيين بدلا من أفراد من المجتمع مختارين عشوائيا، ~~وإذا كان للإيثار أساس وراثي، إذن فإن الانتخاب الطبيعي يمكن أن ~~يؤدي إلى تطور الإيثار. # كان أول من طرح هذه الحجة البسيطة هو عالم الأحياء الإنجليزي ~~ويليام دي هاملتون في مقال له نشر عام 1964. بين فيه أن ~~الإيثار سوف يتطور إذا استوفى شرطا معينا، يعرف باسم «قاعدة ~~هاملتون». تنص القاعدة على أن # rb ~~> # c ~~، حيث # c # التكلفة التي يدفعها المؤثر، ~~و # b # الفائدة التي تعود على المتلقي، ~~وكلاهما يقاس من حيث الصلاحية البيولوجية. أما الحد الأخير # r ~~، فيمثل «معامل العلاقة» بين ~~الفرد الإيثاري والمتلقي، ويقيس مدى قرابتهما. كلما زادت قيمة # r ~~، رجح احتمال امتلاك متلقي الفعل ~~الإيثاري لجين الإيثار. في أي جماعة تقليدية، تساوي درجة القرابة ~~بين الفرد وأبنائه # r ~~= 1/2 ~~، وبينه وأشقائه من ~~نفس الوالدين # r ~~= 1/2 ~~، وبينه وبين أحفاده # r ~~= ~~1/4 ~~، وبينه وبين أبناء عمومته المباشرين # r ~~= ~~1/8 ~~. إذن ما تخبرنا إياه قاعدة هاملتون هو أن ~~الإيثار سيتطور ما دامت التكلفة التي يدفعها الفرد الإيثاري ستعود ~~بنفع على أقاربه القريبين. # أطلق على الآلية الانتخابية التي وصفها هاملتون اسم «انتخاب ~~الأقارب»، مع أنه هو نفسه لم يستعمل ذلك المصطلح، وسرعان ما أصبحت ~~هذه الآلية هي التفسير القياسي لكيفية تطور الإيثار. تفترض نظرية ~~انتخاب الأقارب أنه من الأرجح أن الكائنات الحية تتصرف بإيثار تجاه ~~الأقارب أكثر من غيرهم؛ وأن الإيثار سيكون أشد كلما كانت العلاقة ~~أقرب. أكدت هذه الافتراضات الواسعة تجريبيا. على ms048 سبيل ~~المثال، في أنواع متعددة من الطيور، من الأرجح أن تساعد الطيور ~~«المساعدة» الأقارب في تربية صغارها عن أن تساعد الطيور التي لا ~~تربطها بها قرابة. في قرود المكاك اليابانية، توجه الأفعال ~~الإيثارية، مثل الدفاع عن الآخرين من الهجوم، تجاه الأقارب ~~المقربين تفضيلا. وفي العديد من مستعمرات الحشرات الاجتماعية، ~~التي يكرس فيها العمال أنفسهم لحماية المستعمرة ولمساعدة الجهود ~~التكاثرية للملكة، توجد درجة عالية من الارتباط الجيني داخل ~~المستعمرة. بصفة عامة، يعد الإيثار في الطبيعة أمرا شائعا ~~جدا بين الأقارب، ولكنه نادر جدا بين غير الأقارب؛ وهو بالضبط ~~ما تفترضه نظرية انتخاب الأقارب. # جدير بالذكر أن انتخاب الأقارب لا يتطلب أن تكون الكائنات الحية ~~قادرة على التمييز بين الأقارب وغير الأقارب، ولا على حساب معاملات ~~العلاقة. في الواقع، تستطيع العديد من الحيوانات تمييز أقاربها، ~~في الأغلب عن طريق الرائحة، لكن هذا لا يهم. ما يهم هو أنه يفترض ~~أن الكائن الحي يتصرف بإيثار تجاه آخرين هم أقاربه فعلا. قد يفعل ~~ذلك بامتلاكه القدرة على التمييز بين من هم أقاربه ومن ليسوا ~~كذلك؛ لكن ثمة طريقة أخرى وهي استخدام مؤشر قرب للاستدلال على ~~القرابة. على سبيل المثال، إذا تصرف الكائن الحي بإيثار تجاه من ~~هم في محيطه المباشر، فغالبا ما ستئول مساعدته إلى أحد أقاربه، ~~إذ ينزع الأقارب إلى العيش في جوار بعضهم. تستغل طيور الوقواق ~~بالتحديد هذه الحقيقة، إذ تستغل الميل الفطري للطيور لرعاية الصغار ~~في أعشاشها. # هل تنطبق نظرية انتخاب الأقارب على البشر أيضا؟ هذا جانب من ~~سؤال أشمل نناقشه في الفصل السابع، حول إذا كان من الممكن لعلم ~~الأحياء التطوري أن يسلط الضوء على السلوك البشري. سنكتفي ~~بتعليقين فقط الآن. أولا، ينطبق الافتراض العام بأن الكائنات ~~الحية تختلف معاملتها للأقارب عن غير الأقارب على البشر. على سبيل ~~المثال، يقدم معظم البشر مساعدات مالية كبيرة لأقاربهم المباشرين، ~~أما لغيرهم فتكون المساعدات ضئيلة. في هذا الجانب، يتوافق السلوك ~~الاجتماعي للبشر مع نظرية انتخاب الأقارب. ثانيا، على عكس الأنواع ~~الأخرى، ينخرط البشر ms049 عادة في مساع تعاونية مع غير الأقارب. إذ ~~تقوم المؤسسات مثل الشركات والمدارس والحكومات، التي هي جوهر ~~المجتمع البشري، في الأساس على رغبتنا في التعاون مع الآخرين. هذا ~~الجانب من سلوكنا الاجتماعي لا تتنبأ به نظرية انتخاب ~~الأقارب. # على الرغم من أن مبدأ انتخاب الأقارب مقبول بشكل واسع في علم ~~الأحياء، فإنه محاط ببعض الجدل. من أوجه هذا الجدل هو علاقة انتخاب ~~الأقارب بالانتخاب الجماعي التقليدي الذي ناقشه داروين. كان ~~هاملتون يقصد في الأصل أن يكون انتخاب الأقارب بديلا للانتخاب ~~الجماعي؛ أي طريقة لتفسير تطور الإيثار دون ذكر المميزات على مستوى ~~الجماعة. كانت هذه أيضا الطريقة التي نظر بها جي سي ويليامز إلى ~~المسألة، وهي ما تزال وجهة نظر سائدة اليوم. بالفعل، نشأ جيل من ~~المتخصصين في علم الأحياء التطوري على فكرة أن الانتخاب الجماعي ~~مفهوم إشكالي بينما انتخاب الأقارب مقبول. ولكن الأزمنة قد تغيرت. ~~على غير المتوقع نوعا ما، يجادل العديد من علماء الأحياء ~~المعاصرين بأن كلا من انتخاب الأقارب والانتخاب الجماعي ليسا ~~مفهومين متنافسين بل متساويان في الحقيقة، إذ يقدمان وجهتي نظر ~~مختلفتين عن العملية البيولوجية الأساسية نفسها. # لفهم ما تستند إليه وجهة النظر تلك، لنعد إلى مثال إبرة اللدغ ~~الشائك في نحلة العسل. من منظور الانتخاب الجماعي قد يشير تفسير ~~سبب تطور إبرة اللدغ إلى فائدة البقاء التي تمنحها للمستعمرة ~~كلها. أما التفسير من منظور انتخاب الأقارب فسيشير لحقيقة أن ~~الشغالة تربطها صلة قرابة وثيقة بالملكة، لذا فبناء على قاعدة ~~هاملتون ينبغي أن يكون لدى الشغالة استعداد لأن تضحي بنفسها إذا ~~كانت تضحيتها تعود بفائدة كافية على الملكة. قد يبدو هذان ~~التفسيران مختلفين، ولكنهما في الواقع متشابهان؛ لأن بقاء ~~المستعمرة لازم للنجاح التكاثري للملكة. قطعا إذا ترجمنا كلا من ~~افتراض أن صفة ما في النحلة «تفيد المستعمرة» وأنها «تفيد الملكة» ~~إلى تعبير رياضي دقيق، سيتضح أنهما سيان. والدليل على ذلك هو أن ~~نماذج انتخاب الأقارب والانتخاب الجماعي تشترك في بنية رياضية ~~مشابهة؛ لذلك يمكن غالبا ترجمة تفسيرات ms050 الانتخاب الجماعي باصطلاح ~~انتخاب الأقارب والعكس صحيح. هذا يدعم فكرة أنه في بعض الحالات على ~~الأقل، يكون الاختيار بين انتخاب المجموعة وانتخاب الأقارب محكوما ~~بالعادة لا بحقيقة تجريبية. # توضح مسألة العلاقة بين انتخاب الأقارب والانتخاب الجماعي أحد ~~الجوانب اللافتة للجدل الدائر حول مستويات الانتخاب في علم ~~الأحياء، والذي يفسر سبب التفات الفلاسفة له. يتضمن الجدل مزيجا ~~مثيرا للفضول من الأسئلة التجريبية والمفاهيمية، التي غالبا ما ~~تتداخل. للوهلة الأولى، قد تبدو مسألة مستويات الانتخاب تجريبية ~~بحتة. باعتبار أن الانتخاب الطبيعي قد يحدث على أكثر من مستوى ~~واحد، أليس كل ما نحتاجه هو تحديد المستوى (أو المستويات) التي ~~يحدث فيها أو التي سبق أن حدث فيها؟ في ظل وجود أدلة تجريبية ~~كافية، ألا يكون ذلك سؤالا له إجابة مباشرة؟ في الحقيقة، ليس ~~الأمر بتلك البساطة. بالطبع، يحتكم الجدل إلى البيانات التجريبية، ~~لكنه لا يقف عندها. حيث إنه ليس من النادر أن يجد المرء مؤلفين ~~يتفقون حول الحقائق البيولوجية الأساسية في حالة معينة، لكن ~~يختلفون حول كيفية تحديد مستوى (أو مستويات) الانتخاب. هذه ~~الخلافات ليست خلافات علمية «عادية» يمكن حلها بجمع البيانات، ~~ولكنها ذات بعد مفاهيمي، بل في بعض الحالات بعد ~~أيديولوجي. # النظرة المرتكزة على الجين للتطور # في كتابه «الجين الأناني» (1976)، طرح ريتشارد دوكينز وجهة نظر ~~جديدة ثورية لمسألة مستويات الانتخاب، في سياق دفاعه الشهير عن ~~نظرته «المرتكزة على الجين» للتطور. ذهب دوكينز إلى أن النشاط ~~التطوري الفعلي يحدث على مستوى الجين، لذا فمن الأفضل أن نبحث ~~الانتخاب والتكيف على هذا المستوى. انطلق دوكينز من الفكرة ~~الداروينية الجديدة التي مفادها أن كل التغير التطوري في نهاية ~~المطاف يعزى إلى شيوع بعض الجينات في جماعة وانحسار غيرها. لذا ~~ذهب إلى أنه يمكننا اعتبار كل جين يخوض منافسة لتوريث أكبر عدد ~~ممكن من نسخه للأجيال القادمة. والكائنات الحية ما هي إلا ~~«مركبات» أو «آلات بقاء» صنعتها الجينات بغرض مساعدتها في هذه ~~المهمة. لذا فإن الصفات الظاهرية التي نراها في الطبيعة، مثل أجنحة ~~الطيور وخياشيم الأسماك، ms051 ليست موجودة لأنها تفيد الكائنات الحية ~~المفردة الموجودة فيها هذه الصفات، ناهيك عن الجماعات التي تنتمي ~~إليها تلك الأفراد. بل تلك الصفات موجودة لتفيد الجينات التي أدت ~~إلى نشأتها! تقوم الجينات ب «برمجة» مضيفها على إيجاد الصفات، بما ~~فيها السلوكيات، التي من شأنها تعزيز فرص الجينات نفسها للانتقال ~~إلى الجيل التالي. جادل دوكينز بأن «المستفيد النهائي» من العملية ~~التطورية هو بالتالي الجين نفسه. # من المهم أن نكون واضحين بشأن ما يعنيه دوكينز بحديثه عن تنافس ~~الجينات على توريث نسخ منها للأجيال القادمة. هو لا يعني أن ~~الجينات داخل الكائن الحي الواحد تكون في تناحر دائم فيما بينها، ~~فهذا ليس صحيحا. على الرغم من حدوث منافسة انتخابية بين الجينات ~~داخل الكائن الحي، إلا أنها تكون نادرة نسبيا. ففي معظم ~~الأحيان، تتعاون الجينات في الكائن الحي، لأن لديها مصلحة مشتركة ~~تتمثل في بقاء مضيفها وتكاثره. إنما يعني دوكينز أن كل جين يتنافس ~~مع «أليلاته» داخل المجموعة. أليلات الجين هي الأشكال المختلفة ~~للجين التي يمكن أن تشغل نفس الموضع في الكروموسوم؛ يختلف تسلسل ~~الحمض النووي لكل أليل اختلافا طفيفا، مما يؤدي إلى اختلافات في ~~النمط الظاهري. إن أي جين يخوض بالضرورة مباراة يتوازن فيها المكسب ~~والخسارة مع أليلاته؛ إذ لا يمكن أن ينتشر في المجموعة إلا إذا ~~قلت أليلاته. لذلك يمكننا أن نعتبر أن كل جين «يحاول» التغلب على ~~أليلاته، من خلال تأثيره على الكائن الحي المضيف. # يدلل دوكينز على صحة نظرته للتطور منطقيا وتجريبيا. إذ يجادل ~~بأن الجينات منطقيا لها مكانة مميزة مقارنة بسواها من الكائنات ~~الحية، مما يمنحها تأهيلا فريدا لأن تلعب دور المستفيد في ~~عملية التطور. فالجينات «مستنسخات»، أي إنها كيانات تصنع منها ~~نسخا. بفضل دقة استنساخ الحمض النووي، عادة ما يكون أي جين في ~~جيل ما نسخة تكاد تكون طبق الأصل منه في السلف الذي جاء منه. لكن ~~الكائنات الحية ليست كذلك. تتكاثر الكائنات الحية أيضا؛ ولكن ~~التكاثر الجنسي يعني أن الذرية تحمل مزيجا من المادة الوراثية من ~~كلا ms052 الأبوين. الجينات الموجودة اليوم منحدرة دون تغيير تقريبا عن ~~الجينات التي كانت موجودة منذ مئات الآلاف من السنين؛ لكن الشيء ~~نفسه لا ينطبق على الكائنات الحية المفردة. لذلك، فإن الجينات لها ~~ديمومة لا توجد في الكائنات الحية، كما يطرح دوكينز؛ لذلك في ~~النهاية، صفات الكائن الحي موجودة لمنفعة الجينات. # من الناحية التجريبية، يجادل دوكينز بأن وجهة نظره المرتكزة على ~~الجين تساعد في تفسير العديد من الظواهر البيولوجية. إحدى هذه ~~الظواهر هي الإيثار. فكما رأينا، يصعب فهم الإيثار من منظور ~~الكائن الحي الفرد: لماذا يدفع تكلفة لمساعدة الآخرين؟ ولكن من ~~منظور الجين، فإن الأساس المنطقي لذلك واضح. فبجعله الكائن الحي ~~المضيف يتصرف بإيثار تجاه الأقارب، الذين يرجح أيضا أن يكونوا ~~حاملين لنسخة من الجين، فإن الجين يساعد نفسه بطريق غير مباشر! لذا ~~فإن النقطة الجوهرية لنظرية انتخاب الأقارب - القائلة بأن سلوك ~~الكائنات الحية يختلف بالضرورة تجاه الأقارب عنه تجاه غيرهم - تبدو ~~منطقية تماما من المنظور المرتكز على الجينات. بصفة أعم، إذا ~~اعتبرنا صفات الكائن الحي استراتيجيات وضعتها الجينات لتساعد في ~~انتشارها، كما يصر دوكينز، يمكننا أن نرى على الفور أن هناك ~~استراتيجيتين يمكن للجين أن يستخدمهما. تتمثل الاستراتيجية ~~المباشرة، التي تستخدمها معظم الجينات، في إنتاج صفات تضمن بقاء ~~الكائن المضيف لها وتكاثره. أما الاستراتيجية غير المباشرة، التي ~~يستخدمها القليل من الجينات، فتتمثل في جعل الكائن المضيف يتصرف ~~بإيثار تجاه أقاربه. # فئة أخرى من الظواهر التي ~~يمكن أن تبرزها وجهة النظر المرتكزة على الجينات هي الجينات ~~«الخارجة عن القانون». وهي الجينات التي تنتشر على حساب جينات أخرى ~~في الكائن الحي نفسه، أي عن طريق الانتخاب على مستوى الجين. تذكر ~~أنه نتيجة للتكاثر الجنسي، لا تنتقل الجينات الموجودة في كائن حي ~~واحد إلى الجيل التالي كاملة. بل ينتج الكائن الحي الأمشاج التي ~~تندمج مع أمشاج أخرى لإنتاج اللاقحة. الأمشاج أحادية، أي إنها ~~تحتوي على كروموسوم واحد فقط من كل زوجين من الكروموسومات. وهذا ~~يعني أن كل مشيج يحمل نصف جينات الكائن الحي فقط. ms053 في معظم الأوقات، ~~تكون تلك العملية عادلة، لذا فاحتمال انتقال أي جين إلى كل مشيج ~~يساوي النصف. لكن بعض الجينات ابتكرت طرقا للتحايل على النظام ~~بغرض الانتقال إلى أكثر من نصيبها العادل من الأمشاج، والذي من ~~الواضح أنه لصالحها. تكون تلك الجينات خارجة عن القانون، وتعرف ~~أيضا باسم «العناصر الوراثية الأنانية» أو «الجينات المفرطة ~~الأنانية». غالبا ما تكون لهذه الجينات تأثيرات ضارة على النمط ~~الظاهري للكائن المضيف، مما يقلل من صلاحيته البيولوجية؛ لكنها ~~قادرة على الانتشار بين أفراد مجموعة بما لها من ميزة ~~انتقالية. # تلك الجينات الخارجة عن القانون استثناءات من المصلحة المشتركة ~~التي عادة ما تكون لها الغلبة بين الجينات داخل الكائن الحي ~~الواحد: فهم ينفعون أنفسهم على حساب الجماعة. بالفعل، غالبا ما ~~يولد الخارجون صراعا جينيا داخل الكائن الحي، تحاول خلاله ~~الجينات الأخرى تطوير طرق لقمع تصرفات الجينات الخارجة عن ~~القانون، وبالتالي استعادة الانسجام. في معظم الأوقات، يكون القمع ~~ناجحا؛ ولولاه لما وجدت كائنات مثلنا. من وجهة نظر الانتخاب ~~الفردي، يصعب فهم الجينات الخارجة عن القانون لأنها عادة ما ~~تضر بالكائن الحي نفسه عوضا عن أن تفيده. كما أنها لا تعود بأي ~~فائدة تعويضية على أقارب الفرد، ولا على أي كيان اجتماعي قد ينتمي ~~إليه، ولا على النوع كله. ولكن من وجهة النظر المرتكزة على ~~الجينات، فإن تصرفات الجينات الخارجة عن القانون منطقية تماما. ~~مثل كل الجينات، هي ببساطة تبحث عن منفعتها، وقد ابتكرت طريقة ~~جديدة لاكتساب ميزة تطورية جعلها التكاثر الجنسي ممكنة. # كيف ترتبط وجهة نظر دوكينز المرتكزة على الجينات بالجدل التقليدي ~~حول مستويات الانتخاب الذي وضع مؤيدي الانتخاب الفردي في مواجهة مع ~~مؤيدي الانتخاب الجماعي؟ ذهب دوكينز في أعماله المبكرة إلى أن ~~كلا طرفي هذا النقاش على خطأ؛ فالطريقة الصحيحة للنظر في التطور ~~هي من حيث الانتخاب على مستوى الجينات، وليس الأفراد أو الجماعات. ~~ولكن، تبنى دوكينز في أعماله الأخيرة خطا مختلفا، بحجة أن ~~نظريته المرتكزة على الجينات لا يقصد بها أن تكون بديلا ~~تجريبيا للانتخاب ms054 الفردي العادي ولا للانتخاب الجماعي. إنما هي ~~ببساطة تقدم منظورا مختلفا للتطور مفيدا من الناحية التجريبية ~~في سياقات معينة. يمكننا أن ننظر إلى التطور إما بالطريقة ~~الداروينية القياسية، باعتباره ينطوي على الانتخاب بين الكائنات ~~الحية المنفردة (أو ربما الجماعات في بعض الحالات)؛ أو يمكننا ~~تبديل المنظور والنظر للعملية التطورية باعتبارها انتخابا من بين ~~الجينات. يقترح دوكينز أن كلا المنظورين يحتملان الصحة ~~والخطأ. # إن فكرة المنظورين البديلين هذه مقنعة، لكنها لا تتوافق مع ~~التركيز الذي منحه دوكينز للجينات الخارجة عن القانون. فكما رأينا، ~~تلك الجينات لا تفيد الكائن الحي الفرد ولا جماعته. لذلك فيما ~~يتعلق بالجينات الخارجة عن القانون، لا يبدو أن حرية تبديل وجهة ~~النظر موجودة. كيف يحل هذا الإشكال؟ الطريقة الأمثل هي التمييز ~~بوضوح بين «عملية» الانتخاب على مستوى الجين من «منظور» مرتكز على ~~الجينات وعمليات الانتخاب التي تحدث على مستويات أخرى. (هذا ~~التمييز موجود في أعمال دوكينز، ولكنه لم يصغ بطريقة مباشرة.) ~~تشير عملية الانتخاب على مستوى الجينات إلى الانتخاب بين الجينات ~~داخل كائن حي واحد، كما في حالة الجينات الخارجة عن القانون. إذن ~~الانتخاب على مستوى الجين هو في حد ذاته مستوى مستقل من الانتخاب، ~~يختلف عن الانتخاب على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. نظرا لأن ~~معظم الجينات ليست خارجة عن القانون، فإن عملية الانتخاب على ~~مستوى الجينات غير شائعة نسبيا. ومع ذلك، يمكن دائما تبني ~~منظور جيني لعمليات الانتخاب التي تحدث على مستويات أخرى، كالمستوى ~~الفردي. حيث إن التأثير الإجمالي للانتخاب الفردي هو انتشار بعض ~~الجينات على حساب أليلاتها. لذلك، إذا أردنا، يمكننا اعتبار الصفات ~~التي تتطور عن طريق الانتخاب الفردي مثل سرعة عدو الفهد تكيفات ~~لصالح الجينات. # التحولات الرئيسية في التطور # في الخمسة والعشرين عاما الماضية، أعادت مجموعة الدراسات التي ~~بدأها جون مينارد سميث ويورس ساتماري عن «التحولات الرئيسية في ~~التطور» إحياء الجدل حول مستويات الانتخاب. تحدث هذه التحولات ~~عندما تتجمع وحدات بيولوجية صغيرة، لديها في الأصل القدرة على ~~البقاء والتكاثر بمفردها، في وحدة أكبر ms055 مكونة مستوى جديدا في ~~التسلسل الهرمي البيولوجي. يعتقد أن مثل هذه التحولات تكرر ~~حدوثها على مدى تاريخ الحياة. ربما كان الانتقال الأول من ~~المضاعفات المنفردة (المكونة من الحمض النووي الريبوزي) إلى شبكات ~~من المضاعفات المضمنة داخل تقسيمات مستقلة. ثم تضمنت تحولات ~~لاحقة التحول من الجينات المستقلة إلى كروموسومات تتكون من عدد من ~~الجينات المتصلة ماديا؛ والتحول من بدائيات النوى (أو الخلايا ~~الشبيهة بالبكتيريا) إلى حقيقيات النوى التي تحتوي على عضيات (مثل ~~الميتوكوندريا والبلازميدات)؛ والتحول من حقيقيات النوى وحيدة ~~الخلية (مثل الأميبا) إلى الكائنات متعددة الخلايا (مثل معظم ~~الحيوانات والنباتات)؛ والتحول من الكائنات الحية المنفردة (مثل ~~الدبابير) إلى المستعمرات المتكاملة (مثل النحل). في كل من تلك ~~الحالات، انطوت عملية التحول على تطور وحدات بيولوجية مستقلة لتصبح ~~أجزاء من كل أكبر. التحدي هو أن نفهم هذا من المنظور ~~الدارويني. لماذا كان من المفيد للوحدات الأصغر أن تضحي بفرديتها، ~~وأن تتعاون فيما بينها، وأن تشكل نفسها في هيئة مجتمع؟ # عندما نبحث مسألة التحولات الرئيسية، نصطدم مباشرة بمسألة ~~مستويات الانتخاب. لنأخذ التحول إلى التعددية الخلوية مثالا. ربما ~~كان أقدم كائن متعدد الخلايا عبارة عن تكتل فضفاض من بضع مئات من ~~الخلايا أشبه بمستعمرة منه بكائن «حقيقي». وبمرور الوقت، تطورت هذه ~~الخلايا إلى وحدة شديدة التماسك تحتوي على تريليونات من الخلايا ~~تختص كل منها بمهام معينة، وتتعاون جميعها من أجل الصالح العام. ~~ولكن لماذا لم يؤد الانتخاب من بين الخلايا إلى الإخلال بتكامل ~~الكائن متعدد الخلايا الناشئ منها؟ إذ كما نعلم، لا يلزم أن يكون ~~للانتخاب على مستوى ما آثار مفيدة على المستويات الأعلى. طرحت ~~إجابات مختلفة لهذا اللغز. كان أحدها اللجوء إلى نظرية انتخاب ~~الأقارب: هل يحتمل أن تكون الخلايا داخل هذا التكتل المتعدد ~~الخلايا الناشئ أقارب، أو حتى مستنسخة من بعضها، ولهذا السبب ~~تعاونت؟ يمكن أن يحدث هذا إذا تطورت دورة حياة الكائن الحي بحيث ~~يمر بمرحلة الخلية الواحدة؛ وهو بالضبط ما نراه في معظم ~~النباتات والحيوانات الحديثة التي تنمو من لاقحة واحدة. ms056 هذا يضمن ~~أن يكون بين الخلايا المكونة ارتباط نسيلي، أو شبه نسيلي. (وفق ~~قاعدة هاملتون، الارتباط النسيلي يعني أن # r ~~= 1 ~~.) وفقا ~~لهذه النظرية، فإن تفسير سبب تخلي الخلايا الفردية عن استقلالها ~~وتطورها إلى أجزاء من وحدة أكبر هو أنه بقيامها بذلك، تتمكن من ~~مساعدة أقاربها الجينيين. # ترتبت على الدراسات حول التحولات الرئيسية آثار مفاهيمية لافتة. ~~أولها أنها تشير إلى أن الصياغة التقليدية لمسألة مستويات الانتخاب ~~كانت إلى حد ما قاصرة. إن الصياغة التقليدية، التي اتبعناها في ~~الفقرة السابقة، تعتبر وجود التسلسل الهرمي البيولوجي أمرا ~~مسلما به، كما لو كان حقيقة مطلقة عن العالم. لكن بالطبع، ~~التسلسل الهرمي البيولوجي هو في حد ذاته نتاج للتطور؛ فمن الواضح ~~أن الكيانات الأعلى في التسلسل الهرمي، مثل الكائنات متعددة ~~الخلايا، لم تكن موجودة في فجر الحياة على الأرض. وهو ما ينطبق ~~أيضا على الخلايا والكروموسومات. لذلك، نظريا نحن بحاجة إلى ~~نظرية تطورية تشرح كيف ظهر التسلسل الهرمي البيولوجي إلى الوجود، ~~لا تتعامل معه باعتباره من المسلمات. من منظور التحولات الرئيسية، ~~لا يكفي بحث الانتخاب والتكيف على مستويات هرمية موجودة مسبقا؛ بل ~~نحتاج كذلك إلى أن نفهم كيف تطورت مستويات التسلسل الهرمي في ~~الأساس. # هذا يعيد إبراز الأهمية الملحة للجدل حول مستويات الانتخاب. ~~كان بعض علماء الأحياء يميلون إلى مناقشة الجدل التقليدي باعتباره ~~زوبعة في فنجان؛ بحجة أن الانتخاب على مستوى الكائنات الحية ~~المنفردة هو القوة التطورية الوحيدة المهمة فعليا، بغض النظر عن ~~الاحتمالات النظرية الأخرى. لكن في ضوء التحولات الكبرى، يصعب ~~الدفاع عن هذا الموقف. فما نسميه «كائنا حيا فردا» هو في حد ~~ذاته مكون من مجموعة من خلايا بينها تعاون وثيق؛ والخلية الحقيقية ~~النواة هي نفسها تعتبر جماعة من نوع ما، إذ تكونت من اندماج ~~خليتين بدائيتي النواة مستقلتين. باختصار، إن «الكائنات ~~المنفردة» الموجودة اليوم لم تكن موجودة منذ الأزل، ومن المفارقات ~~أنها تطورت إلى أفراد محكمة الاتساق من خلال عملية انتخاب على ~~مستوى الجماعة (حيث تعني كلمة «جماعة» هنا مجموعة من ms057 الخلايا). ~~لذلك، لا بد أن يكون انتخاب قد حدث في الماضي على مستويات غير ~~مستوى الكائن الحي الفرد، بغض النظر عن إذا كان لا يزال يحدث ~~اليوم أم لا. من هذا المنظور الأشمل، يتبين أن الحجة القائلة بأن ~~الانتخاب الفردي هو «الأهم من الناحية العملية» هي حجة ~~ضعيفة. # أما الأثر المفاهيمي الثاني اللافت الذي تشير إليه الدراسات ~~المتعلقة بالتحولات الرئيسية هو أن كل أشكال الحياة على الأرض ~~اجتماعية بشكل ما. بمعنى أن جميع الكائنات الحية، بما فيها أنت ~~وأنا، هي فعليا جماعات اجتماعية معقدة، مكونة من وحدات أصغر، ~~مثل الخلايا والعضيات، تنحدر من أسلاف مستقلة. هذه فكرة لافتة ~~للغاية. ذلك أن كون مستعمرات الحشرات أو قطعان قرود البابون ~~جماعات اجتماعية هي حقيقة واضحة، لكن حقيقة أن كل كائن حي متعدد ~~الخلايا، بل في الواقع كل خلية حقيقية النواة، هي أيضا جماعة ~~اجتماعية ليست واضحة بالقدر نفسه، وإن كانت صحيحة. تلك الرؤية ~~الاجتماعية للحياة تجبرنا على إعادة التفكير في ماهية «الفرد»، ~~وتجعلنا نتساءل إذا كان التمييز بين «الأفراد» و«الجماعات» مسألة ~~متعلقة بالسياق. (بمعنى أنه يحتمل اعتبار كيان واحد فردا في بعض ~~السياقات وجماعة في سياقات أخرى.) ويساعدنا ذلك على فهم لماذا يجب ~~أن يكون للمفاهيم الأساسية لنظرية التطور الاجتماعي، مثل ~~الانتخاب الجماعي وانتخاب الأقارب وقاعدة هاملتون، التي وضعت في ~~الأصل لتفسير سلوكيات حيوانية معينة، مجال تطبيق أوسع ~~بكثير. # الفصل الخامس # | الأنواع والتصنيف # يتضمن جزء مهم من البحث العلمي تصنيف الأشياء محل الدراسة إلى أنواع ~~أو فئات. فيصنف الفيزيائيون الجسيمات الأساسية إلى باريونات أو لبتونات ~~أو ميزونات حسب كتلتها. ويصنف علماء الفلك المجرات إلى إهليجية أو ~~لولبية أو غير منتظمة حسب شكلها الظاهر. ويصنف الجيولوجيون الصخور إلى ~~نارية أو رسوبية أو متحولة حسب كيفية تشكلها. أحد أهداف التصنيف هو ~~إيصال المعلومات. فأنت إذا وجدت صخرة وأخبرك عالم جيولوجيا أنها نارية، ~~فتلك معلومة تخبرك الكثير عن سلوكها المرجح. لذلك ينبغي أن يجمع مخطط ~~التصنيف الجيد بين العناصر التي تتشابه في الجوانب ذات الأهمية ms058 ومن ~~ثم يتوقع أن يكون سلوكها مشابها. # يثير التصنيف في العلوم قضية فلسفية عميقة. لاحظ أنه نظريا يمكن ~~تصنيف جميع العناصر بأكثر من طريقة. على سبيل المثال، يمكن تصنيف ~~الجسيمات الأولية من خلال اتجاه اللف المغزلي لها بدلا من كتلتها، مما ~~ينتج عنه تقسيمها إلى نوعين: البوزونات والفرميونات. كيف إذن نختار ~~بين طرق التصنيف المختلفة؟ هل ثمة طريقة «صحيحة» لتصنيف الكائنات الحية ~~في مجال معين، أم أن جميع مخططات التصنيف هي في النهاية اعتباطية؟ هذا ~~سؤال يثار بصفة عامة، لكن تركيزنا هنا ينصب على إجابته من جانب مجال ~~التصنيف البيولوجي، أو علم التصنيف. # تقليديا، صنف علماء الأحياء الكائنات الحية باستخدام نظام ~~لينيوس، الذي سمي باسم كارل لينيوس عالم الطبيعة السويدي الذي عاش في ~~القرن الثامن. أساسيات نظام لينيوس واضحة ومباشرة. أولا، يدرج كل ~~كائن حي تحت نوع، ويدرج كل نوع تحت جنس، وكل جنس تحت فصيلة، وكل ~~فصيلة تحت رتبة، وكل رتبة تحت ~~طائفة، وكل طائفة تحت شعبة، وكل شعبة تحت مملكة. وبالتالي فإن الأنواع ~~هي الوحدة التصنيفية الأساسية؛ بينما الأجناس والفصائل والرتب وما ~~إلى ذلك تسمى «الرتب التصنيفية العليا». لنأخذ مثالا، قطتي الأليفة ~~تنتمي إلى نوع القط المنزلي (فيليس كاتوس)، الذي يشكل جنبا إلى جنب مع ~~حفنة من أنواع القطط الصغيرة الأخرى جنس القطط. هذا الجنس نفسه ينتمي ~~إلى فصيلة السنوريات، رتبة اللواحم، طائفة الثدييات، شعبة ~~الحبليات، مملكة الحيوان. لاحظ أن الاسم اللاتيني للنوع يشير إلى الجنس ~~الذي ينتمي إليه، ولكن ليس أكثر من ذلك. # من السمات البارزة لنظام لينيوس هيكله الهرمي. إذ يشكل عدد من ~~الأنواع جنسا واحدا، ويشكل عدد من الأجناس فصيلة واحدة، وهكذا. ~~لذلك كلما تحركنا لأعلى، قل عدد الأصناف في كل رتبة تصنيفية. في ~~قاعدة الهرم توجد حرفيا ملايين الأنواع، ولكن في قمته لا يوجد سوى ~~عدد قليل من الممالك: الحيوانات والنباتات والفطريات والطلائعيات ~~والعتائق والبكتيريا. ليس لكل الأنظمة التصنيفية في العلوم ذلك الترتيب ~~الهرمي. على سبيل المثال، العناصر الكيميائية مرتبة في مجموعات وفق ~~العمود ms059 الرأسي الذي تقع فيه في الجدول الدوري؛ لكن هذه المجموعات لا ~~تندرج تحت مجموعات أخرى كما في نظام لينيوس. أحد الأسئلة المثيرة ~~للاهتمام، وسنعود إليه، هو «لماذا» يجب أن يكون التصنيف البيولوجي ~~هرميا. # خدم نظام لينيوس علماء الأحياء جيدا لسنوات، ولا تزال بعض عناصره ~~مستخدمة حتى يومنا هذا. هذا مستغرب نوعا ما لأن الرؤية العلمية ~~للعالم التي يستند إليها قد تغيرت كثيرا. ينتمي لينيوس إلى عصر ما قبل ~~الداروينية وكان مسيحيا متدينا مؤمنا بقصة الخلق التوراتية. اعتبر ~~لينيوس نظام التصنيف الذي وضعه محاولة لاكتشاف التقسيمات الموضوعية ~~للكائنات الحية التي خلقها الرب الموجودة منذ الأزل. كان لينيوس يستغرب ~~تماما فكرة انحدار الأنواع المعاصرة من أسلاف مشتركة. # لفهم كيف يمكن لنظام لينيوس أن يظل صامدا بعد التحول من نظرة خلق ~~الإله للعالم إلى النظرة التطورية، تذكر أن التطور عملية بطيئة للغاية. ~~لذلك على الرغم من أن جميع أشكال الحياة قد انحدرت من سلف مشترك، فإن ~~هذا يتوافق مع وجود انفصالات بين الكائنات الحية الموجودة اليوم. وهي ~~قطعا انفصالات يمكن تحديدها. فالظاهر أن الكائنات الحية تتجمع في ~~أصناف منفصلة الكثير منها يمكن تحديده بسهولة. ففي نهاية المطاف، يختلف ~~مظهر الهامستر موضوعيا عن الفأر أو ~~السنجاب؛ مع أننا إذا تتبعنا ~~أسلافهم بما يكفي، فسنصل إلى شكل من الحياة لا يسهل إدراجه تحت أي من ~~هذه الأصناف الثلاثة. لذا فإن حقيقة التطور لا تقوض تلقائيا ~~محاولة إيجاد طريقة موضوعية لتصنيف الكائنات الحية المعاصرة. في ~~الواقع، لا يزال علماء الأحياء المعاصرون يعترفون بالعديد من الأنواع ~~وبعض التصنيفات العليا التي وضعها لينيوس. # هذا وقد أدى ظهور علم الأحياء التطوري في النهاية إلى تغييرات ~~أساسية في التصنيف البيولوجي. بالفعل من الناحية النظرية والعملية. ~~تجلت أهمية علم التصنيف، أو «النظاميات الحيوية» كما يسمى اليوم ~~باعتباره تخصصا مستقلا في القرن العشرين، نتيجة وجود احتياج إلى ~~استيضاح المبادئ المستخدمة في التصنيف. الغريب أن علماء الأحياء لم ~~يكونوا دائما متفقين على هذه المبادئ، وهو ما يرجع جزئيا إلى ~~اختلافات فلسفية متعلقة بها. ms060 أدى ذلك إلى جدل مطول حول التصنيف ~~البيولوجي بدأ في السبعينيات ولا يزال مستمرا حتى يومنا هذا، شارك ~~فيه الفلاسفة بإسهامات كبيرة. # تنقسم مشكلة التصنيف البيولوجي إلى قسمين. أولا، كيف ينبغي أن تصنف ~~الكائنات الحية تحت الأنواع؟ ثانيا، ما إن نفرغ من ذلك، كيف ينبغي ~~تنظيم الأنواع بعد ذلك في الأصناف الأعلى؟ على الرغم من أن هذين ~~السؤالين مترابطان إلا أن كلا منهما يثير مسائل مختلفة نوعا ما، ~~لذا يستحقان معالجة منفصلة. # مشكلة النوع # كثيرا ما يناقش علماء الأحياء ما يسمونه «مشكلة النوع». ويقصد ~~بها مشكلة وضع تعريف دقيق للنوع. من المستغرب إلى حد ما أنه لا ~~يوجد اتفاق حول هذا الأمر. إذ تكثر التعريفات المتنافسة للنوع، أو ~~«مفاهيم النوع» كما يطلق عليها. هذا الخلاف له تبعات عملية. إذ ~~كثيرا ما يختلف علماء الأحياء حول عدد الأنواع التي تحتوي عليها ~~أصنوفة معينة فعليا. على سبيل المثال، تأمل فصيلة البقريات وهي ~~من الثدييات المجترة مشقوقة الظلف (والتي تشمل البيسون والظباء ~~والأغنام والماشية). تقليديا، كان يعتقد أن فصيلة البقريات تحتوي ~~على 143 نوعا حاليا. ولكن في عام 2011، أوصت مجموعة من الخبراء ~~باعتماد 279 نوعا من البقريات؛ لا نتيجة لأي اكتشافات تجريبية ~~جديدة، بل لأنهم تبنوا مفهوما مختلفا للنوع. وقد رفض خبراء ~~آخرون هذا الاقتراح واعتبروه تضخما تصنيفيا لا مبرر له. مثل هذه ~~الخلافات هي تبعات لعدم إيجاد حل لمشكلة النوع بعد. # غالبا ما يتفاجأ غير المتخصصين في علم الأحياء بوجود مشكلة ~~متعلقة بالنوع. فكلمة «نوع» هي كلمة دارجة في اللغة الإنجليزية، ~~ويشبه معناها الدارج إلى حد كبير معناها الاصطلاحي في علم ~~الأحياء. علاوة على ذلك، يمكن لمن لم يدرس علم الأحياء إصدار ~~أحكام صحيحة بشأن انتساب الكائنات إلى الأنواع. إذ يستطيع طفل في ~~الثالثة من العمر أن يخبرنا أن حيوانين ما في الحديقة هما كلبان، ~~حتى لو كانا من سلالتين مختلفتين؛ وسيؤكد عالم الأحياء أن الطفل ~~على صواب؛ فالكلبان ينتميان بالفعل إلى نوع واحد، ألا وهو نوع ~~الكلب المنزلي (كانيس فاميلياريس). ومن ms061 ثم من الطبيعي أن نعتقد ~~أن انتماء كائن حي ما إلى نوع ما هو أمر واضح مسلم به. وهو ~~الرأي الذي يقبله دون شك أغلب غير المتخصصين في علم ~~الأحياء. # تتوافق وجهة النظر المنطقية هذه مع النسخ المختلفة من عقيدة ~~«الأصناف الطبيعية» الفلسفية، التي شاعت منذ عصر أرسطو. تنص هذه ~~العقيدة على أن هناك طرقا لترتيب الأشياء في أصناف طبيعية بمعنى ~~أنها تتوافق مع التقسيمات الموجودة بالفعل في العالم، لا التي تعكس ~~المصالح البشرية. العناصر والمركبات الكيميائية هي أصناف طبيعية ~~نموذجية. تأمل على سبيل المثال كل الكتل المصنوعة من الذهب ~~الخالص في الكون. هذه الكتل هي من صنف «الذهب» لأنها متشابهة من ~~ناحية أساسية: الذرات التي تكونها لها العدد الذري 79. على النقيض ~~من ذلك، فإن قطعة من الذهب الكاذب (بيريت الحديد) لا تنتمي إلى هذا ~~الصنف، على الرغم من تشابهه مع الذهب في بعض النواحي، لأنه مركب ~~يتكون من ذرات من نوع مختلف (الحديد والكبريت). وبالمثل، فقد ذهب ~~الكثيرون إلى أن الأنواع هي بمثابة الأصناف الطبيعية لعلم ~~الأحياء. # ولكن في الواقع، فإن الأنواع البيولوجية تختلف إلى حد ما عن ~~الأصناف الطبيعية التي نجدها في الكيمياء والفيزياء. في صنف مثل ~~الذهب، يمكننا أن نشير إلى خاصية واحدة - أن له العدد الذري 79 - ~~وهي خاصية ضرورية وكافية لنسبته إلى صنف الذهب، وبالتالي تعد تلك ~~الخاصية «جوهر» الذهب. لكن هذا غير ممكن بوجه عام في الأنواع ~~البيولوجية. والسبب بسيط؛ ففي كل نوع، نجد تباينات كبيرة بين ~~الكائنات الحية المكونة له. تؤدي الطفرات باستمرار إلى ظهور ~~متغيرات جينية جديدة، ولا ينفك التكاثر الجنسي «يخلط» الجينات، مما ~~يؤدي إلى اختلافات جينية كبيرة بين الكائنات الحية داخل النوع ~~الواحد. علاوة على ذلك، فإن التركيب الجيني لأي نوع يتغير مع تطوره ~~بمرور الوقت. لذلك على عكس الذهب، لا يسهل تحديد خاصية ضرورية ~~وكافية لانتماء حيوان ما إلى نوع الكلب المنزلي على سبيل ~~المثال. # هذا لا يعني إنكار أنه، عمليا، يمكن لعلماء الأحياء في كثير من ~~الأحيان تحديد ms062 النوع الذي ينتمي إليه الكائن الحي من خلال تسلسل ~~حمضه النووي. في الواقع، غالبا ما يكون ذلك «الترميز الشريطي ~~للحمض النووي» كما يسمى طريقة موثوق فيها إلى حد ما لتصنيف ~~الأنواع. لأنه من الممكن عادة العثور على تسلسل من الحمض النووي ~~يظهر تباينا طفيفا نسبيا داخل النوع الواحد ولكنه يتباين ~~باختلاف الأنواع. ومع ذلك، لا يصلح الترميز الشريطي للحمض النووي ~~دائما، وحتى في الحالات التي يصلح فيها، فإنه لا يظهر أن ~~الانتساب إلى نوع ما يتحدد من خلال «جوهر جيني» ثابت، كما تتطلب ~~العقيدة التقليدية للأصناف الطبيعية. # في «أصل الأنواع» قدم داروين منظورا مثيرا للاهتمام لمشكلة ~~النوع. لقد لاحظ أن علماء الأحياء غالبا ما يقرون مجموعات ~~تصنيفية من الكائنات الحية دون مستوى النوع؛ إذ يتحدثون عن ~~«الضروب» و«السلالات» و«الأعراق». (يكثر كذلك استخدام مصطلح ~~«النويع» اليوم.) تنشأ الحاجة إلى مثل هذه المصطلحات لأنه غالبا ~~يمكن تمييز مجموعات داخل النوع الواحد، لكنها لا تتباين بما يكفي ~~لاعتبارها أنواعا منفصلة. لكن ما الحد الفاصل؟ ما الذي يحدد إذا ~~كان لدينا تباينان لنوع واحد لا نوعين مختلفين؟ ذهب داروين إلى أنه ~~لا يمكن وضع حد فاصل لذلك. فقد كتب: # إني أعتبر كلمة «الأنواع» اصطلاحا اعتباطيا أطلق ~~لاستيفاء وجوه التدليل على جمع من الأفراد تشتد بينهم ~~المشابهة، وأن ذلك الاصطلاح لا يفترق في جوهره ولا في ~~مدلوله عن كلمة «ضروب» وهي الاصطلاح الذي أطلق على جمع ~~من الأفراد تكون صفاته أقل ثباتا وأكثر تباينا من صفات ~~الأنواع. # إن افتراض داروين وجود عنصر من الاعتباطية في تحديد ما يعتبر ~~نوعا لهو أمر مفاجئ نوعا ما، باعتبار عنوان كتابه. لكن هل داروين ~~محق في افتراضه؟ في النصف الثاني من القرن العشرين، ترسخت لدى ~~العديد من علماء الأحياء قناعة بأن الأنواع هي وحدات حقيقية موجودة ~~في الطبيعة، وليست تجميعات اعتباطية، استنادا إلى أنها «منعزلة ~~تكاثريا». هذا يعني أن الكائنات الحية داخل النوع الواحد يمكن أن ~~يتزاوج بعضها مع بعض لإنتاج ذرية خصبة، ولكن ذلك غير ممكن بين ~~الأنواع ms063 المختلفة. أيد إرنست ماير تعريف الأنواع من حيث الانعزال ~~التكاثري، وربما يكون «مفهوم النوع البيولوجي» الذي طرحه ماير هو ~~أشهر محاولة لحل مشكلة النوع. # مفهوم النوع البيولوجي # الفكرة الرئيسية وراء مفهوم النوع البيولوجي هي أن التشابهات ~~والفجوات بين الكائنات الحية التي تدعم محاولة تقسيم الكائنات إلى ~~أنواع، تنشأ في المقام الأول بسبب «تقييد تدفق الجينات». لفهم ~~هذا، تأمل نوعين مرتبطين ارتباطا وثيقا، على سبيل المثال ~~الشمبانزي الشائع (بان تروجلوديت) والبونوبو (بان بانيسكس). لهذين ~~النوعين سلف مشترك حديث، لكنهما يختلفان اختلافا واضحا في المظهر ~~والسلوك. ظهرت الاختلافات بين الشمبانزي والبونوبو في البدء ولا ~~تزال قائمة حتى يومنا هذا، لأن هاتين الجماعتين لا تتزاوج كل ~~منهما من الأخرى. ونتيجة لذلك، فإن الجينات المتحورة التي تنشأ في ~~قرود البونوبو لا يمكنها «التدفق» إلى المجموع الجيني للشمبانزي ~~والعكس صحيح. هذا ما سمح للمجموعتين بالانقسام جينيا في الأساس ~~وهو ما يفسر سبب احتفاظهما بهوياتهما المميزة اليوم. وإذا اختار ~~نوعا الشمبانزي والبونوبو أن يتزاوجا، فستتلاشى الاختلافات بينهما ~~بسرعة. # مفهوم النوع البيولوجي هو محاولة لتعميم هذا المبدأ ليكون ~~تعريفا صريحا للنوع. على حد تعبير ماير: «الأنواع هي جماعات من ~~المجموعات الطبيعية التي تتزاوج فيما بينها أو يحتمل أن تتزاوج ~~فيما بينها، والمعزولة تكاثريا عن المجموعات الأخرى المماثلة». ~~هذا تعريف أنيق، وغالبا ما تتوافق الأنواع التي يقرها مع الأنواع ~~التي تعرف عليها علماء أحياء سابقون على نحو وثيق. ومن ثم ~~يدعم مفهوم النوع البيولوجي فكرة أن الحدود بين الأنواع حقيقية لا ~~عرفية. أيضا، يشير مفهوم النوع البيولوجي إلى أن هناك تمايزا ~~نظريا بين الضروب (التنويعات) والأنواع، على عكس ما اعتقد ~~داروين. لنأخذ على سبيل المثال العقاب الذهبي الأوروبي والأمريكي. ~~يعتبرهما مفهوم النوع البيولوجي ضربين لنوع واحد وليس نوعين ~~منفصلين، إذ يمكنهما نظريا التزاوج وإنتاج ذرية قابلة للحياة ~~(حتى لو كانا نادرا ما يفعلان ذلك). على النقيض من ذلك، يعد ~~العقاب الأرقط والعقاب الذهبي نوعين منفصلين، إذ لا يمكن ~~لأفرادهما التزاوج فيما بينها. # مثل مفهوم النوع البيولوجي نقلة مهمة ms064 في فهمنا للأنواع، ولا ~~يزال يستخدم على نطاق واسع حتى اليوم. ومع ذلك، فإن له أوجه قصور. ~~أولا، هو لا ينطبق إلا على الكائنات الحية التي تتكاثر جنسيا؛ ~~غير أن العديد من الكائنات الحية تتكاثر لاجنسيا، بما فيها معظم ~~الميكروبات وبعض النباتات والفطريات وقلة من الحيوانات. بالنسبة ~~إلى مثل هذه الكائنات الحية، لا يقدم مفهوم النوع البيولوجي فهما ~~لماهية الأنواع، لذا فهو في أفضل الأحوال حل جزئي لمشكلة ~~النوع. # علاوة على ذلك، فإن الانعزال التكاثري ليس دائما مسألة ثابتة، ~~بل لها درجات متفاوتة. غالبا ما يكون للأنواع التي تربطها صلة ~~وثيقة، والتي تعيش في مواقع متجاورة (مناطق هجينة) تلتقي فيها ~~نطاقات سكناها؛ في هذه المناطق، يحدث قدر محدود من التهجين الذي ~~ينتج عنه ذرية خصبة في بعض الأحيان على الأقل، لكن يظل كل من ~~النوعين محتفظا بهويته المميزة. غالبا ما تنشأ المناطق الهجينة ~~عندما يكون نوع ما في طور الانقسام إلى نوعين، ولكن يمكن لتلك ~~المناطق أن تظل موجودة لفترة طويلة. بين النباتات على وجه الخصوص، ~~يشيع كثيرا التهجين بين الكائنات الحية التي تنتمي إلى أنواع ~~متمايزة بوضوح. لذلك إذا طبق مفهوم النوع البيولوجي بحذافيره ~~على تلك الحالات، فسيعطينا إجابة «خاطئة». # تمثل «الأنواع الحلقية» تحديا آخر لمفهوم النوع البيولوجي. ~~وهو مصطلح يصف نوعا يتكون من عدد من المجموعات المرتبة ~~جغرافيا في حلقة، تستطيع كل مجموعة منها أن تتزاوج مع جارتها ~~المباشرة، لكن المجموعتين اللتين تحتلان طرفي الحلقة لا يمكنهما ~~التزاوج. على سبيل المثال، يتكون نوع السلمندر «إنساتينا ~~إسشولتزي» من عدد من المجموعات المتمايزة، مرتبة في شكل حلقي ~~حول جبال وادي سنترال فالي في كاليفورنيا (شكل # 5-1 ~~). يمكن لكل مجموعة أن تتزاوج مع مجموعة ~~مجاورة، لكن المجموعة في الطرف الغربي من الحلقة ~~( # X ~~) لا يمكن أن تتزاوج مع تلك ~~الموجودة في الطرف الشرقي ( # Y ~~). ~~يشكل هذا نوع من المفارقة بالنسبة إلى مفهوم النوع البيولوجي. ~~لمعرفة السبب، دعونا نسأل هل تنتمي المجموعتان # X # و # Y # إلى النوع نفسه أم لا؟ ~~نظرا لأنهما ms065 لا يستطيعان التزاوج، يفترض أن تكون الإجابة «لا». ~~ومع ذلك، فإن # X # و # A # ينتميان للنوع نفسه، إذ ~~يمكنهما التزاوج؛ وبالمثل بالنسبة إلى المجموعات # A # و # B ~~، ~~و # B # و # C ~~، ~~و # C # و # D ~~، وهكذا. من ثم نستنتج ~~منطقيا أن المجموعتين # X # و # Y # ينتميان للنوع نفسه في ~~نهاية المطاف! لذا فإن محاولة تعريف الأنواع بمعيار إمكان التزاوج ~~فيما بينها تؤدي إلى مفارقة منطقية. # شكل 5-1: تشكل المجموعات المحلية لنوع سلمندر ~~(إنساتينا إسشولتزي) حلقة لا يمكن أن يحدث فيها ~~تزاوج بين المجموعة التي تقع في أقصى الطرف ~~الغربي وتلك التي في أقصى الطرف الشرقي. # على الرغم من أن الأنواع الحلقية تشكل مشكلة منطقية مثيرة ~~للاهتمام، فإنها لا تهدم مفهوم النوع البيولوجي لسببين. أولا، إن ~~هذه الأنواع نادرة نسبيا في الطبيعة. ثانيا، يعتقد عادة أنها ~~تمثل مرحلة في عملية الانتواع، أي إن المجموعتين على طرفي الحلقة ~~هما نوعان جديدان في بداياتهما. بشكل عام، يستغرق انقسام نوع واحد ~~إلى مجموعتين منعزلتين تكاثريا آلاف الأجيال؛ من ثم يتوقع ~~وجود أشكال انتقالية ومجموعات وضعها غير محسوم. من هذا المنظور، لا ~~يشير وجود الأنواع الحلقية إلى قصور في مفهوم النوع البيولوجي يمكن ~~معالجته بوضع تعريف أفضل، ولكنه يعكس حقيقة أنه لن تكون هناك ~~دائما حدود فاصلة بين الأنواع باعتبار آلية عمل التطور. # دفعت أوجه القصور في مفهوم النوع البيولوجي إلى تطوير بدائل ~~مختلفة. وتشمل «مفهوم النوع البيئي» و«مفهوم النوع الفيلوجيني» ~~و«مفهوم النوع المورفولوجي» وغيرها. في الواقع، وجدت دراسة ~~استقصائية حديثة ما لا يقل عن ثلاثين مفهوما للنوع في المؤلفات ~~البيولوجية المنشورة. تتنوع الدوافع وراء هذه المفاهيم. بعضها ~~مصمم للتطبيق على مجالات من الأصناف أوسع من الذي يستهدفه مفهوم ~~النوع البيولوجي، بما فيها التصنيفات اللاجنسية؛ وبعضها مصمم ليكون ~~أسهل في التطبيق العملي من مفهوم النوع البيولوجي؛ وبعضها مصمم ~~ليعكس حقيقة أن التدفق الجيني المحدود ليس هو العامل الوحيد ~~المسئول عن الحفاظ على الهويات المميزة للأنواع. لكل من مفاهيم ~~الأنواع هذه مزاياها، وكل منها يتوافق بصفة ms066 عامة مع بعض الأصناف، ~~لكن لم ينل أي منها إجماعا مطلقا. # في ظل هذا الوضع، أليس من الأحرى التخلي عن فكرة الأنواع ~~البيولوجية نفسها؟ هذا اقتراح طرح عدة مرات، لكنه خيار أخير. إذ ~~تختصر فئات الأنواع مجموعة كبيرة من المعرفة البيولوجية؛ ومن ~~الناحية العملية، غالبا ما تكون معرفة النوع الذي ينتمي إليه ~~الكائن الحي مسألة محورية. إذا صادف عالم طيور طائرا غير مألوف ~~على سبيل المثال، فإن أول ما سيود معرفته هو النوع الذي ينتمي ~~إليه، إذ يمنحه ذلك معلومات قيمة حول سماته وسلوكه وبيئته. لذلك ~~على الرغم من عدم وجود تعريف واف لها، فإن تصنيف النوع شائع ~~الاستخدام لا غنى عنه. وصف جون مينارد سميث ذلك ببلاغة إذ ~~كتب: # أي محاولة لتقسيم جميع الكائنات الحية، الماضية والآنية، ~~إلى مجموعات بينها حدود فاصلة لا وسط بينها، محكوم عليها ~~بالفشل. ولذا يواجه عالم التصنيف تناقضا بين الضرورة ~~العملية والاستحالة النظرية لمهمته. # لذلك يواصل علماء الأحياء معاملة الأنواع باعتبارها مجموعات ~~بينها حدود فاصلة، واضعين في اعتبارهم أن هذا ليس إلا تقديرا ~~تقريبيا للواقع. # الأنواع باعتبارها أفرادا # في أواخر سبعينيات القرن العشرين، قدم عالم الأحياء مايكل ~~جيزلين والفيلسوف ديفيد هال تشخيصا مشوقا لمشكلة الأنواع. فقد ~~ذهبا إلى أن المشكلة بصيغتها التقليدية تستند على افتراض خاطئ، ألا ~~وهو أن النوع البيولوجي هو صنف أو فئة من شيء. عوضا عن ذلك ذهبا ~~إلى أن النوع هو فرد معقد؛ أي إنه شيء في حد ذاته. لفهم هذا، ~~تأمل فردا بيولوجيا عاديا مثل ريد رم (حصان السباق البريطاني ~~من السبعينيات). ولد ريد رم في زمان ومكان معينين، وكان ~~عمره محدودا؛ إذ مات عام 1995. وبالمثل، يخرج النوع البيولوجي إلى ~~الوجود في زمان ومكان معينين عندما يقع الانتواع، ويستمر النوع ~~لفترة معينة حتى ينقرض. على النقيض من ذلك، فإن النوع الأصيل غير ~~مقيد بزمان ولا مكان. تأمل نوع الذهب. تعتبر قطعة ما من المادة ~~في أي مكان في الكون ذهبا، بغض النظر عن منشأها، ما دام لذراتها ~~العدد الذري ms067 79. لذا نظريا، إذا تدمر جميع الذهب الموجود في ~~الكون فسيمكن بعد ذلك بسنوات تصنيع المزيد منه. لكن الأنواع ليست ~~كذلك، كما يجادل جيزلين وهال. ما إن ينقرض أحد الأنواع، تنتفي ~~منطقيا إمكانية عودته إلى الوجود، تماما مثلما تنتفي إمكانية ~~عودتي أنا أو أنت من الموت. # لم يدافع جيزلين وهال عن أي مفهوم محدد للنوع، ولم يسعيا إلى وضع ~~معيار لتحديد الأنواع فعليا في هذا المجال. بدلا من ذلك، سعيا ~~إلى إعادة توجيه دفة النقاش حول النوع عن طريق مراجعة أساسه ~~الفلسفي. كذلك لم ينكر جيزلين وهال أن «فئة» النوع هي صنف. يندرج ~~ضمن فئة النوع أفراد مثل الإنسان العاقل، والكلب المنزلي، والقط ~~المنزلي وسائر الأنواع الأخرى. إذ كان افتراضهما هو أن كل فئة ~~تصنيف للنوع هي فرد لا صنف. هذا يعني أن العلاقة بين الكائن الحي ~~ونوعه هي علاقة الجزء بالكل، لا علاقة انتماء فرد إلى صنف. ~~لفهم هذا، تأمل العلاقة بين خلية معينة في جسم الحصان ريد رم ~~وريد رم نفسه. هذه علاقة جزئية؛ فالخلية جزء من ريد رم، وليست ~~من أفراد ريد رم. وبالمثل، فإن العلاقة بين ريد رم و«إكيوس ~~فيروس كابالوس» (نوع الخيول المستأنسة) هي علاقة جزء بكل وفقا ~~لجيزلين وهال. # تبدو فكرة الأنواع باعتبارها أفرادا غريبة للوهلة الأولى. حيث ~~إن الأنواع تختلف عن الأفراد البيولوجيين «العاديين» من حيث إن ~~الكائنات الحية المكونة للنوع ليست ملتحمة. غير أن هذا الاختلاف ~~سطحي تماما. فأفراد النمل في مستعمرة ليسوا ملتحمين أيضا، لكننا ~~ننزع إلى اعتبار المستعمرة بأكملها فردا. علاوة على ذلك، فإن ~~معاملة الأنواع باعتبارها أفرادا له مزايا واضحة. فهو بالأخص ~~يساعد على التوفيق بين الاعتقاد الراسخ لدى علماء الأحياء منذ فترة ~~طويلة بأن بعض الأنواع على الأقل هي وحدات حقيقية في الطبيعة وليست ~~تجمعات اعتباطية، وحقيقة أنها لا تمتلك «جواهر وراثية» وأن ~~الكائنات المكونة لها تتباين. إذا كان النوع صنفا طبيعيا، فيلزم ~~أن نتوقع وجود شرط ضروري وكاف للانتماء إلى النوع؛ كما هو الحال ~~بالنسبة للذهب على سبيل ms068 المثال. ويفترض أن يؤدي عدم إيجاد مثل هذا ~~الشرط إلى التشكيك فيما إذا كان الصنف يمثل تقسيما حقيقيا في ~~الطبيعة. ولكن، إذا كان النوع فردا معقدا، وكانت الكائنات الحية ~~المكونة له هي أجزاؤه لا أفراده، فسينتفي ذلك التوقع. فالأجزاء ~~المكونة له ليست مكونة له بحكم امتلاكها خاصية أساسية ما، أو ~~استيفائها لشرط ما ضروري وكاف لإلحاقها به. ومن ثم يتوافق غياب ~~مثل هذه الخاصية تماما مع حقيقة الكل. # لفهم هذه النقطة، تأمل مثالا غير بيولوجي. المكتب الخاص بي ~~له سطح زجاجي وأرجل فولاذية. لذا فإن المكتب يتكون من جزأين - ~~السطح والأرجل - غير متماثلين جوهريا. لكن هذا لا يمنعهما من أن ~~يكونا جزأين لكل واحد. علاوة على ذلك، حتى لو كانا متشابهين ~~جوهريا، إذا كان كلاهما مصنوعا من الفولاذ على سبيل المثال، فلن ~~يكون ذلك هو السبب الذي يجعلهما أجزاء من طاولة واحدة. ينطبق ~~الشيء نفسه على علاقات الجزء والكل البيولوجية. فالخلايا في جسدي ~~متشابهة جدا من الناحية الوراثية، لكن ليس ذلك هو ما يجعلها ~~جزءا مني. فالخلية المتحورة في كبدي لا تزال جزءا مني، بينما ~~الخلية الموجودة في توءمي المتطابق ليست جزءا مني، على الرغم من ~~كونها متطابقة وراثيا مع خلاياي. ينطبق الشيء نفسه على ~~الكائنات الحية والأنواع، من المنظور الذي يعتبر الأنواع أفرادا. ~~فالتباين الجيني الواسع الذي نجده بين الكائنات الحية في الأنواع ~~لا يؤثر بأي حال من الأحوال على حقيقة النوع، ما دمنا نعتبر النوع ~~فردا لا صنفا. # رأى هال أن فكرة الأنواع باعتبارها أفرادا لها آثار فلسفية ~~قوية. الأول هو أننا لا ينبغي أن نتوقع اكتشاف قوانين علمية تنطبق ~~على جميع الكائنات الحية التي يتألف منها نوع معين دون سواها. إن ~~أحد الاعتقادات القديمة في فلسفة العلم، ناقشناه في الفصل الأول، ~~ينظر للعلم باعتباره بحثا عن قوانين لا استثناءات لها للصيغة ~~«لجميع عناصر # x ~~، إذا كانت # x # تنتمي إلى الصنف # F # فإن # x # تنتمي إلى الصنف # G ~~.» (جميع الإلكترونات شحنتها ~~سالبة؛ جميع المعادن موصلة للكهرباء؛ جميع الكواكب ms069 تدور حول ~~الشمس.) الآن إذا افترضنا أن نوعا ما هو صنف طبيعي، ومن ثم مرشح ~~للانتماء إلى # F # حسب المخطط ~~المذكور، فقد نتوقع أن يكتشف علماء الأحياء سمات (مرشحة للانتماء ~~إلى # G ~~) تنطبق على جميع الكائنات ~~الحية في نوع ما دون غيرها. ولكن إذا كانت الأنواع أفرادا معقدة ~~أجزاؤها هي الكائنات الحية المكونة لها، فسينتفي هذا التوقع ، ولن ~~يكون النوع مرشحا للانتماء إلى # F # من الأساس. إن حقيقة صعوبة إيجاد تعميمات لا تقبل الاستثناءات حول ~~انتماء أفراد لنوع بيولوجي ما تدعم بطريق غير مباشر فرضية الأنواع ~~باعتبارها أفرادا. # أما الأثر الفلسفي الثاني فيتعلق بالنقاش القديم حول الطبيعة ~~البشرية. افترض العلماء على مر العصور أن هناك شيئا يدعى الطبيعة ~~البشرية؛ أي خاصية أساسية تحدد «ماهية الإنسان». (طرحت عدة ~~احتمالات لتلك الصفة.) يبدو الاعتقاد بوجود الطبيعة البشرية ~~منطقيا لأن البشر يختلفون بوضوح عن الشمبانزي، أقرب أقربائنا ~~الأحياء. لكن هال يرى أنه لأن نوع الإنسان العاقل فرد وليس صنفا، ~~فلا توجد خاصية تحدد جوهر الإنسانية. هذا لا يعني إنكار أن البشر ~~لديهم سمات يفتقر إليها الشمبانزي بالطبع، وإنما يعني رفض الفرضية ~~القائلة إن امتلاك شخص ما لمجموعة معينة من السمات يجعله إنسانا. ~~إذا كان هال على حق، فهذا يعني أن جانبا كبيرا من الجدل التقليدي ~~حول الطبيعة البشرية يستند إلى افتراض خاطئ. # نظاميات تطور السلالات # بعد الاتفاق على تعيين الكائنات الحية لأنواع، تكون الخطوة ~~التالية في التصنيف البيولوجي هي تنظيم الأنواع في تصنيفات أعلى. ~~ما هي المبادئ التي يجب استخدامها للقيام بذلك؟ إن الإجابة ~~المعيارية يقدمها لنا علم نظاميات تطور السلالات، المعروف ~~أيضا باسم التصنيف التفرعي (الكلاديسيات)، وهو المنهج التصنيفي ~~السائد اليوم. إن الفكرة الرئيسية لنظاميات تطور السلالات هي أن ~~التصنيف يجب أن «يعكس التاريخ التطوري»، أي إنه يجب تصنيف الأنواع ~~وفقا لمدى ارتباطها. بتعبير أدق، يجب أن تكون جميع المجموعات ~~التصنيفية فوق مستوى النوع، سواء كانت أجناسا أو فصائل أو رتبا ~~أو غيرها، أحادية العرق وفقا لنظاميات تطور السلالات. # المجموعة الأحادية العرق، ms070 أو الفرع الحيوي، هي المجموعة التي ~~«تضم فقط جميع أحفاد نوع سلف واحد». بعبارة أخرى، يجب أن تشترك ~~الأنواع في المجموعة أحادية العرق في سلف واحد «ليس سلفا» لأي نوع ~~خارج المجموعة. للمجموعات الأحادية العرق أحجام مختلفة. في أحد ~~أقصى الطرفين، تشكل جميع الأنواع التي وجدت يوما مجموعة أحادية ~~العرق، بافتراض أن الحياة على الأرض نشأت مرة واحدة فقط. على الطرف ~~النقيض، توجد مجموعات أحادية العرق مكونة من نوعين فقط؛ إذا لم ~~ينحدر سواهما من سلف مشترك. وفق نظاميات تطور السلالات، لا ينبغي ~~الاعتراف بالمجموعات غير الأحادية العرق في التصنيف البيولوجي، بغض ~~النظر عن مدى تشابه أعضائها؛ إذ تعتبر أنها تجميعات «اصطناعية» ~~وليست «حقيقية». # لاستيعاب مفهوم أحادية العرق، تأمل شكل # 5-2 ~~، وهو شجرة تطور السلالات التي تصور نمط الأسلاف بين الرئيسيات. ~~تصور التفرعات الموجودة في الشجرة أحداث الانتواع، التي ينقسم ~~عندها نسل أحد الأسلاف إلى اثنين. تشكل الرئيسيات مجموعة أحادية ~~العرق لأنها تضم فقط كل أحفاد سلف مشترك (عاش قبل حوالي 63 مليون ~~سنة)، كما هو موضح في قاعدة الشكل. # شكل 5-2: سلالة مجموعات الرئيسيات الأساسية. # يندرج تحت الرئيسيات عدد من المجموعات الأحادية العرق الأصغر. ~~على سبيل المثال، المجموعة المعروفة باسم فصيلة القرد العظيم ~~{الأورانجوتان، الغوريلا، الشمبانزي، البونوبو، الإنسان}، هي ~~مجموعة أحادية العرق؛ فهي تضم فقط جميع أحفاد نوع واحد من السلف، ~~وتنقسم عند النقطة المميزة بعلامة # x ~~. على النقيض من ذلك، فإن ~~مجموعة {الغوريلا، البونوبو، البشر} ليست أحادية ~~العرق. على الرغم من أن الأنواع في هذه المجموعة لها سلف مشترك، ~~لكن هذا السلف هو أيضا سلف للشمبانزي، غير الموجود في المجموعة. ~~بالنظر إلى شجرة تطور السلالات، من السهل تحديد ما إذا كانت أي ~~مجموعة أحادية العرق أم لا؛ فما عليك سوى تتبع أعضائها حتى تجد ~~السلف المشترك لهم، ثم تتحقق لمعرفة ما إذا كان لهذا السلف أي ~~أحفاد ليسوا في المجموعة. # إن اشتراط أن تكون جميع الأصناف أحادية العرق أمر منطقي من ~~المنظور التطوري. علاوة على ذلك، فإن هذا ms071 عادة ما يؤدي إلى تصنيفات ~~معقولة بيولوجيا، بمعنى تجميع الأنواع التي لها سمات مشتركة. هذا ~~لأن الأنواع في أي مجموعة أحادية العرق سيكون لها في العموم سمات ~~مميزة تعرف باسم «التماثلات»، ورثتها من سلفها المشترك. على سبيل ~~المثال، جميع الأنواع في فصيلة القردة العليا كبيرة حجما مقارنة ~~بالرئيسيات الأخرى، وتفتقر إلى الذيل، وتظهر ازدواجا واضحا في ~~الهيئة الجنسية (الاختلافات بين الذكور والإناث ). على النقيض من ~~ذلك، تفتقر الجبون والقرود التي ليست من عائلة القردة العليا إلى ~~بعض تلك السمات أو كلها. لذلك، يمكن إجراء تعميمات بيولوجية مثيرة ~~للاهتمام حول أنواع القردة العليا لا تنطبق على الأنواع خارج تلك ~~الفصيلة. # لكن في حالات أخرى، يؤدي شرط أحادية العرق إلى وضع تصنيفات «غير ~~طبيعية». أحد الأمثلة المعروفة يخص طائفة الزواحف. تقليديا، ~~أدرجت السحالي والتماسيح في طائفة الزواحف، ولكن الطيور مدرجة ~~في طائفة منفصلة تسمى «أفيس». هذا منطقي بيولوجيا للغاية، لأن ~~للطيور تشريحا ووظائف فريدة خاصة بها تختلف تماما عن تلك الخاصة ~~بالسحالي والتماسيح والزواحف الأخرى. ومع ذلك، فقد اتضح أن طائفة ~~الزواحف ليست أحادية العرق، كما يوضح شكل # 5-3 ~~. ~~فالجد المشترك للسحالي والتماسيح هو أيضا سلف الطيور. لذا فإن وضع ~~السحالي والتماسيح معا في مجموعة لا تشمل الطيور يخالف شرط أحادية ~~العرق. لذلك، يوصي علماء نظاميات تطور السلالات بالتخلي عن التصنيف ~~التقليدي؛ يجب ألا نعترف بطائفة الزواحف من الأساس لأنها ليست ~~فئة تصنيف حقيقية. فهم يرون أنه ببساطة من الخطأ الاعتقاد بوجود ~~الزواحف. # شكل 5-3: طائفة الزواحف ليست أحادية العرق، إذ لا تتضمن ~~الطيور. # كان مثال طائفة الزواحف ونماذج أخرى شبيهة، محور نقاش حاد بين ~~مؤيدي نظاميات تطور السلالات ومدرستين تصنيفيتين متنافستين في ~~ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وفقا للمدرسة «الظاهرية» ~~(الفينيتكس)، لا ينبغي أن يكون للتصنيف أي علاقة بالتاريخ التطوري، ~~بل يجب الاعتماد بدلا من ذلك على أوجه التشابه الملحوظة بين ~~الأنواع. ويجب أن يكون الهدف هو تجميع الأنواع المتشابهة معا، بغض ~~النظر عن الأصل المشترك. لذا فإن المدرسة الظاهرية تتعارض تماما ms072 ~~مع نظاميات تطور السلالات. تحاول المدرسة الثالثة، وهي مدرسة ~~«التصنيف التطوري»، سلوك نهج وسط بينهما. من منظورها، يجب أن يعكس ~~التصنيف التاريخ التطوري، لكن أحادية العرق الصارمة ليست حتمية. ~~لكن إذا حادت بعض الأنواع داخل المجموعة الأحادية العرق بشكل كبير ~~عن بقية المجموعة، فقد يكون حذف هذه الأنواع مبررا. إذن، يعتبر ~~علماء التصنيف التطوري طائفة الزواحف فئة تصنيف حقيقية، على الرغم ~~من استبعاد الطيور منها، باعتبار أن الطيور قد طورت سمات فريدة لا ~~توجد في الزواحف الأخرى. # يجادل أنصار نظاميات تطور السلالات بأن منهجيتهم في التصنيف ~~«موضوعية» على عكس منهجية تصنيف علماء المدرسة الظاهرية وعلماء ~~التصنيف التطوري. وفي ذلك شيء من الصحة. إذ تستند تصنيفات علماء ~~المدرسة الظاهرية على أوجه التشابه بين الأنواع، والحكم بالتشابه ~~يشوبه شيء من عدم الموضوعية. فأي نوعين سيتشابهان في بعض النواحي ~~ويتباينان في نواح أخرى. على سبيل المثال، قد يتشابه نوعان من ~~الحشرات تماما من الناحية التشريحية لكن تختلف عادتهما الغذائية، ~~إذن ما هي «النواحي» التي نعتبرها كي نحكم بالتشابه؟ تلك مشكلة ~~يواجهها علماء التصنيف التطوري أيضا. إذ يتعين عليهم إطلاق أحكام ~~حول مدى الاختلاف بين المجموعات؛ مثل الحكم بأن الطيور قد حادت ~~كثيرا عن أصناف الزواحف المعتادة. تستند مثل هذه الأحكام جزئيا ~~إلى «الحكم البيولوجي السليم»، لذلك لا يمكن أن تكون مطلقة ~~الموضوعية. بالمقارنة، فإن معيار أحادية العرق واضح تماما؛ ~~فالمجموعة إما أن تكون أحادية العرق أو ليست أحادية العرق (رغم ~~أننا قد لا نعرف أيهما هي). هذا أحد الأسباب التي تجعل منهجية ~~نظاميات تطور السلالات هي السائدة في التصنيف البيولوجي ~~اليوم. # في الأيام الأولى لعلم نظاميات تطور السلالات، اتهمته أصوات ~~معارضة له بأنه أدخل قدرا من عدم اليقين على التصنيف. فلا بأس ~~باشتراط أن تكون التصنيفات أحادية العرق، ولكن ذلك تصنيف ~~استخداماته محدودة ما لم نتمكن من معرفة ما إذا كانت مجموعة معينة ~~أحادية العرق أم لا. وهذا بدوره يتطلب حسن دراية بشجرة تطور ~~السلالات الحقيقية، وهي دراية لا يمكن تحصيلها إلا بطريق ms073 الاستدلال ~~غير المباشر. لذا في نهج نظاميات تطور السلالات، في كل تصنيف نضعه ~~ننشئ فرضية ضمنية حول علاقات النسب بين الأنواع المعنية؛ وقد ~~يتبين فيما بعد أن تلك الفرضية خاطئة. وهكذا يظل التصنيف البيولوجي ~~غير مكتمل، عرضة للمراجعة كلما ازدادت معرفتنا بتطور ~~السلالات. # هذا تخوف مشروع، فمن المؤكد أن شرط أحادية العرق استلزم إجراء ~~الكثير من المراجعات التصنيفية. لكن في السنوات الخمس والعشرين ~~الأخيرة ، تحسنت قدرة العلماء كثيرا على استنباط أشجار تطور ~~السلالات. إذ منحهم علم الأحياء الجزيئي مصدرا خصبا للبيانات ~~يتمثل في تسلسلات الحمض النووي للكائنات الحية. في السابق، كانت ~~نظاميات تطور السلالات تضطر إلى الاعتماد على السمات المورفولوجية ~~- مثل شكل الجمجمة والبنية الهيكلية - في إعادة هيكلتها لعلاقات ~~النسب بين الأنواع. لكن تسلسلات الحمض النووي توفر طريقة أكثر ~~موثوقية لتحديد هذه العلاقات، وهو ما يرجع إلى خصوصية هذه ~~التسلسلات وكذلك إلى عددها الهائل. علاوة على ذلك، طورت طرق ~~إحصائية معقدة لتحليل البيانات الجزيئية التي تمكن علماء الأحياء ~~من الوصول إلى مستويات من اليقين بشأن علاقات النسب أعلى من ذي ~~قبل. أحد الأمثلة العديدة على ذلك هو أن البيانات الجزيئية ساعدت ~~في حل جدال قديم حول ما إذا كان البشر يتشاركون سلفا مشتركا أكثر ~~حداثة مع الشمبانزي أم الغوريلا. (الجواب هو الشمبانزي.) لذا فإن ~~الاعتراض القائل بأن التصنيف على أساس العرق يولد الكثير من عدم ~~اليقين التصنيفي لم يعد له وزن كما كان في السابق. # أخيرا، ما العلاقة بين نظاميات تطور السلالات ومخطط لينيوس ~~التقليدي للتصنيف؟ يحتفظ علم نظاميات تطور السلالات ببعض جوانب ~~مخطط لينيوس، كطبيعة التصنيف الهرمية على سبيل المثال. كما يتبين ~~من الشكل # 5-2 ~~، دائما ما تندرج المجموعات ~~أحادية العرق تحت بعضها، دون أن تتداخل؛ لذلك إذا استوفي شرط ~~أحادية العرق، فسيكون للتصنيف الناتج تلقائيا بنية هرمية. ولكن ~~ثمة جوانب أخرى من مخطط لينيوس لا تتوافق مع نظاميات تطور ~~السلالات. تذكر أن كل تصنيف في مخطط لينيوس له رتبة معينة: الجنس، ~~والفصيلة، والرتبة، وما إلى ذلك. من منظور ms074 نظاميات تطور السلالات، ~~فإن هذه الرتب ليس لها معنى في ذاتها؛ لا يوجد أساس راسخ يتحدد ~~بناء عليه إن كانت أي مجموعة أحادية العرق جنسا أم طائفة على ~~سبيل المثال. لهذا السبب يرى بعض علماء الأحياء أنه يجب الاستغناء ~~عن رتب التصنيف في مخطط لينيوس تماما؛ لكن تظل تلك وجهة نظر ~~الأقلية. # الفصل السادس # | الجينات # لعل أحد أشهر الكيانات التي يتناولها علماء الأحياء هو «الجين ». إذ ~~رسخت في الوعي الجمعي فكرة أن جينات الكائنات الحية وفيها البشر هي ~~المسئولة عن العديد من صفاتها الملاحظة مثل لون البشرة. فغالبا ما ~~تتصدر التطورات في مجال علم الوراثة عناوين الصحف، لا سيما عندما تكون ~~لها علاقة بصحة البشر. في الواقع، لا يكاد يمر أسبوع دون أن يعلن ~~الباحثون في مجال الطب عن اكتشاف جين متسبب في نشأة مرض ما. أحد ~~الأمثلة الشهيرة على ذلك هو اكتشاف فريق تابع لمعهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا في سنة 1993 للجين المسبب لمرض هنتينجتون، وهو أحد أمراض ~~التنكس العصبي المميتة. كانت الجينات كذلك هي موضوع أحد أضخم الجهود ~~البحثية التعاونية في علم الأحياء، ألا وهو مشروع الجينوم البشري الذي ~~استمر من سنة 1991 إلى سنة 2003. لا عجب أن وصفت مؤرخة علم الأحياء ~~إيفيلين فوكس كيلر القرن العشرين بأنه «قرن الجين». # لنبدأ بسؤال قد يبدو بسيطا على عكس حقيقته: ما الجين بالضبط؟ ~~باعتبار المكانة البارزة لعلم الوراثة بين العلوم الحيوية، من ~~المستغرب إلى حد ما أنه لا توجد إجابة مرضية من سطر واحد على هذا ~~السؤال. هذا ليس تناقضا كما يبدو، إذ يوجد العديد من المفاهيم العلمية ~~المهمة التي لا يمكن وضع تعريف دقيق لها؛ مفهوم النوع الذي ناقشناه في ~~الفصل الخامس أحد أمثلة ذلك. ولكن في حالة الجين، فإن الأسباب التي ~~تجعل تعريفه على نحو دقيق أمرا صعبا لافتة للغاية وتطرح عددا من ~~الأفكار الفلسفية الدقيقة والمهمة. لفهم هذه الأسباب، نحتاج إلى الخوض ~~قليلا في تاريخ علم الوراثة. # الوراثة المندلية والكلاسيكية # ترجع نشأة علم الوراثة إلى دراسات الراهب التشيكي ms075 جريجور مندل في ~~ستينيات القرن التاسع عشر. أجرى مندل تجارب في تربية نباتات ~~البازلاء لدراسة كيفية انتقال ~~سمات نباتية معينة عبر الأجيال. كانت إحدى هذه السمات هي شكل حبات ~~البازلاء في النباتات، والتي تكون إما مستديرة أو مجعدة. في ~~تجربته الشهيرة، بدأ مندل بسلالتين نقيتين من النباتات، إحداهما ~~لها حبات بازلاء مستديرة والأخرى مجعدة. بعدها هجن مندل ~~السلالتين لإنتاج جيل من النباتات الهجينة. هذه النباتات الهجينة # F1 ~~(وهو رمز يشير إلى «الجيل ~~الأول من الأبناء»)، كانت حبات البازلاء فيها جميعها مستديرة؛ فبدا ~~أن سمة التجعد قد اختفت من المجموعة (الشكل # 6-1 ~~). بعد ذلك، هجن مندل نباتات الجيل الأول ~~الهجينة # F1 # مع بعضها لإنتاج الجيل ~~الثاني # F2 ~~. فوجد أن # 3/4 # نباتات الجيل الثاني # F2 # كانت حبات البازلاء فيها ~~مستديرة بينما # 1/4 # منها كانت حبات ~~البازلاء فيها مجعدة. إذن بطريقة غامضة، ظهرت سمة التجعد ~~مجددا. وكأنما كانت القدرة على إنتاج البازلاء المجعدة خاملة ~~في نباتات # F2 ~~، حتى نشطت بطريقة ~~ما في نباتات # F2 ~~. وجد مندل أن ~~الأمر نفسه ينطبق على سمات أخرى للنباتات تحتمل وجهين. في كل ~~حالة، كانت هجائن # F2 # متشابهة ~~جميعا، بينما ظهر في # 1/4 # من ~~نباتات # F2 # التباين الذي كان غائبا ~~في الجيل # F2 ~~. # شكل 6-1: في تجربة مندل، كانت جميع حبات البازلاء في ~~نباتات الجيل # F1 # مستديرة، بينما في الجيل # F2 # تباينت ~~حبات البازلاء في النباتات، فكانت نسبة الحبات ~~المستديرة إلى المجعدة # 1:3 ~~. # قدم مندل تفسيرا عبقريا لهذه النتيجة رغم بساطته. إذ ذهب ~~إلى أن شكل حبات البازلاء في النبات يتحدد بناء على زوجين من ~~«العوامل». يرث النبات عاملا واحدا من كل من أبويه. العوامل ~~نوعان: # R ~~(للحبات المستديرة) ~~و # W ~~(للحبات المجعدة). من ~~ثم توجد ثلاثة أنواع محتملة من النباتات: # RR # و # RW # و # WW ~~. النبتة من نوع # RR # سوف تكون حبات البازلاء ~~فيها مستديرة، في حين أن النبتة من نوع # WW # ستكون حبات البازلاء فيها ~~مجعدة. ماذا عن نبتة من النوع # RW ~~؟ افترض مندل أن حبات ms076 ~~البازلاء فيها ستكون مستديرة، لأن العامل # R ~~«سائد» والعامل # W ~~«متنح». هذا يعني أنه لا ~~يمكن التمييز بين النبات من النوعين # RR # و # RW ~~. أخيرا، اقترح مندل أن ~~زوجين من العوامل في النبتة الواحدة «ينفصلان»، إذ ينقل النبات أحد ~~الزوجين فقط عشوائيا لكل من ذريته. يعرف هذا باسم «قانون ~~الفصل». استطاع مندل أن يفسر نتائجه التجريبية بتلك المعطيات. كانت ~~سلالتاه النقيتان الأوليان اللتان هجنهما من النوع # RR # و # WW # على التوالي. لذلك كانت ~~النباتات الهجينة من الجيل # F1 # كلها ~~من النوع # RW ~~، ومن ثم كانت حبات ~~البازلاء فيها جميعا مستديرة. ثم أنتجت النباتات الهجينة من ~~الجيل # F2 # بواسطة تهجين # RW × RW ~~. لذلك وفقا لقانون ~~الفصل، يجب أن نتوقع وجود الأنواع الثلاثة في نباتات الجيل الثاني # F2 # بنسبة # 1/4 # للنوع # RR # و # 1/24 # للنوع # RW # و # 1/4 # للنوع # WW ~~. نظرا لأن كلا النوعين # RR # و # RW # لهما حبات مستديرة، فذلك ~~يعني أن # 3/4 # نباتات الجيل # F2 # ستكون حباتها مستديرة ~~و # 1/4 # ستكون حباتها مجعدة، ~~كانت تلك بالضبط هي نتائج مندل التجريبية. # وضع مندل قانونا ثانيا يهدف إلى شرح مجموعة أعقد من النتائج ~~التجريبية التي تخص وراثة صفات متعددة. تأمل صفتين، مثل شكل ~~البازلاء ولون الزهرة، لكل منهما تباينان (الحبات المجعدة مقابل ~~المستديرة، والصفراء مقابل الخضراء). من ثم هناك أربع مجموعات ~~محتملة لصفات الحبات: مجعدة وصفراء، مجعدة وخضراء، مستديرة ~~وصفراء، مستديرة وخضراء. مرة أخرى، درس مندل نسب مختلف المجموعات ~~المحتملة لهذه الصفات في الذرية الناتجة عن التهجين. وجد أنه يمكن ~~تفسير البيانات بفرضية أن كل صفة يتحكم فيها زوجان من العوامل، ~~وفقا لقانونه الأول، ينفصل كل منهما عن الآخر بشكل مستقل. ~~إيضاحا لمعنى ذلك، تأمل نباتا من النوع # RW/YG ~~، أي إن العامل # R # والعامل # W # يتحكمان في شكل الحبات، ~~والعامل # Y # والعامل # G # يتحكمان في لون الزهرة. ~~سينقل النبات إلى كل فرد من ذريته إما العامل # R # أو العامل # W ~~، وإما العامل # Y # أو العامل # G ~~. ينص قانون مندل الثاني على ~~أن ms077 انتقال أي من العاملين # R # أو # W # من أحد الأبوين إلى فرد من ~~الذرية ليس له أي تأثير على انتقال أي من العاملين # Y # أو # G ~~. يعرف ذلك باسم «قانون ~~التوزيع المستقل». # لم يلتفت أحد إلى دراسات مندل أثناء حياته، لكن في مطلع القرن ~~التالي أعيد اكتشافها، وسرعان ما لاقت قبولا واسعا. أصبحت ~~«عوامل» مندل تعرف باسم «الجينات» (وهو مصطلح وضعه فيلهلم جوهانسن ~~في سنة 1903)، وأصبحت التباينات المختلفة لكل عامل تسمى ~~«الأليلات». واكتشفت العديد من الصفات التي ينطبق عليها نمط ~~الوراثة المندلي. أدى ذلك إلى نشأة عهد علم الوراثة الكلاسيكية ~~في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، الذي ارتبط ارتباطا وثيقا ~~بتجارب توماس هانت مورجان على ذبابة الفاكهة «دروسوفيلا» في جامعة ~~كولومبيا. اعتمد علم الوراثة الكلاسيكية على النهج الذي استخدمه ~~مندل، ألا وهو التهجين بين مختلف السلالات ودراسة نسب الأنواع ~~المختلفة من الذرية. لكنه تجاوز دراسات مندل في أحد الجوانب، وهو ~~إدراك أن قانونه الثاني لا يصلح لجميع الحالات؛ فبعض الجينات تنزع ~~إلى أن تورث معا، أو أن تكون «مرتبطة». (صرنا نعلم اليوم أن ~~السبب في ذلك هو أن هذه الجينات تقع على نفس الكروموسوم.) وضع ~~علماء الوراثة الكلاسيكيون «خرائط ارتباط» مفصلة تحدد مدى نزوع ~~الجينات المختلفة للانتقال معا في الكائن الحي. # كان أحد الاكتشافات المهمة للوراثة الكلاسيكية هو أن العلاقة ~~بين الجينات والسمات غالبا ما تكون أعقد مما تصورها مندل. قد ~~تتأثر صفة ظاهرية واحدة بعدة جينات، وقد يؤثر جين واحد على عدة ~~صفات. في حالة ذبابة الفاكهة، وجد مورجان أن لون العين يتأثر بحدوث ~~طفرات فيما لا يقل عن خمسة وعشرين جينا مختلفا. غير أن مورجان ~~كان يرى أنه لا يزال بإمكاننا القول بشكل منطقي إن جينا متحورا ~~واحدا هو «السبب» وراء امتلاك ذبابة للون عين معين غير معتاد، ~~بمعنى أن الاختلاف بين لون العين في هذه الذبابة وغيرها من الذباب ~~يرجع إلى أنها تحمل نسخة متحورة من الجين المعني بخلاف غيرها من ~~الذباب (افترض مورجان افتراضا مثيرا للجدل وهو ms078 أن ذلك هو المعنى ~~القياسي لكلمة «السبب» في الاصطلاح العلمي). اليوم غالبا ما ~~يعبر عن وجهة نظر مورجان بالقول إن بعض الجينات «تحدث فارقا» ~~في الصفات الظاهرية. أي إنه لا يوجد جين يؤدي بنفسه إلى ظهور صفة ~~ما، ولكن التباينات الجينية لجين واحد قد تفسر تباينات النمط ~~الظاهري. هذا هو ما يقصده الباحثون الطبيون بالأساس عندما يتحدثون ~~عن «جين مسئول عن سرطان الثدي» على سبيل المثال. # جدير بالذكر أن الجين في الوراثة المندلية والكلاسيكية كان ~~كيانا نظريا، وليس شيئا مدركا بالملاحظة المباشرة. كانت ~~الجينات كيانات افترضت لتفسير البيانات المستمدة من تجارب ~~التهجين، مثلما افترض علماء الفيزياء في القرن التاسع عشر وجود ~~الذرات لتفسير البيانات التي حصلوا عليها. كي تؤدي الجينات ذلك ~~الدور التفسيري، يتعين أن تنتقل بطريقة ما من الآباء إلى الذرية، ~~وأن يكون لها تأثير منهجي على السمات التي تظهر في الذرية. ولكن لم ~~يكن معروفا بالضبط كيف تفعل الجينات ذلك، ولا أين توجد ولا مما ~~تتكون. بعض علماء الوراثة الكلاسيكية كانوا يعتقدون أن الجينات ~~ليست كيانات فعلية من الأساس، تماما مثلما اعتبر بعض علماء ~~الفيزياء الأوائل الذرات مجرد كيانات افتراضية مفيدة لا جسيمات ~~مادية حقيقية. في محاضرته التي ألقاها لحصوله على جائزة نوبل في ~~سنة 1933، أشار مورجان إلى أن علماء الوراثة يختلفون فيما بينهم ~~حول حقيقة الجينات، لكنه يرى أن ذلك لا يهم. فقد كتب: «في المستوى ~~الذي تجرى فيه التجارب الجينية، لا يهم البتة إن كان الجين وحدة ~~افتراضية أو جسيما ماديا.» # في الخمسة والثمانين عاما التي تلت كتابة مورجان لذلك، تغير ~~الوضع كثيرا. إذ تحول الجين من كونه كيانا افتراضيا إلى شيء ~~نعرف الكثير عن بنيته ووظيفته على المستوى الجزيئي، بل نستطيع ~~إجراء تعديلات عليه تجريبيا. إلى جانب أهميته من الناحية العلمية ~~البحتة، فإن لهذا التحول أهمية فلسفية، إذ يرتبط بأحد المباحث ~~الأساسية لفلسفة العلم، ألا وهو فهم كيفية تطور المفاهيم العلمية ~~بمرور الوقت و«تبلورها» في ذهن العالم. # علم الوراثة الجزيئي # خرج علم الوراثة الجزيئي إلى ms079 الوجود في خمسينيات القرن العشرين، ~~وكان نتاجا لجهود ممتدة لفهم الأساس المادي للوراثة. نظرا لأن ~~الكائنات الحية تتطور من خلية واحدة، فمن المفترض أن تكون المادة ~~الجينية متضمنة داخل الخلية. ولكن مم تتكون هذه المادة؟ في ~~الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، كان يعتقد أن ~~الإجابة هي البروتين. حيث إنه كان من المعروف أن البروتينات لها ~~نشاط تحفيزي، لتسريع التفاعلات الكيميائية في الخلايا؛ لذلك إذا ~~كانت الجينات مكونة من بروتينات فإن هذا من شأنه أن يفسر قدرتها ~~على التأثير على صفات الكائن الحي أثناء نموه. بالمقارنة، لم يكن ~~الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (يشار إليه بالحمض النووي أو ~~دي إن إيه)، وهو مادة موجودة في الكروموسومات، مرشح واعد، لأنه ~~عبارة عن جزيء خامل ومستقر للغاية. ولكن بحلول عام 1950، أشارت ~~مجموعة من الأدلة التجريبية أن الحمض النووي هو في الواقع المادة ~~الوراثية، مما دفع الباحثين لمحاولة تحديد تركيبه. أثمر ذلك عن أحد ~~أشهر الوقائع في تاريخ علم الأحياء؛ ألا وهو نموذج اللولب المزدوج ~~للحمض النووي الذي وضعه جيمس واتسون وفرانسيس كريك، ونشر عام ~~1953. # كان اكتشاف واتسون وكريك المذهل المبني على دراسات سابقة قامت ~~بها روزاليند فرانكلين، هو أن بنية الحمض النووي مناسبة تماما لأن ~~تؤدي وظيفة المادة الوراثية أو الجينية. فقد بينا أن جزيء الحمض ~~النووي يتكون من شريطين متشابكين في بنية حلزونية (الشكل # 6-2 ~~). يتكون كل شريط من سلسلة طويلة من الوحدات ~~المتكررة تسمى النيوكليوتيدات، تصل بينها روابط تساهمية. يحتوي كل ~~نيوكليوتيد على ثلاث وحدات فرعية، إحداها مركب يحتوي على ~~النيتروجين يسمى القاعدة. القواعد أربعة أنواع: الأدينين ~~( # A ~~)، والسيتوزين ~~( # C ~~)، والجوانين ~~( # G ~~)، والثايمين ~~( # T ~~). تربط بين شريطي جزيء ~~الحمض النووي الواحد روابط هيدروجينية تتكون بين قواعد كل منهما. ~~لزاما، يقترن # C # مع # G # و # A # مع # T ~~؛ وهو مبدأ يعرف باسم «تكامل ~~الأزواج القاعدية». هذا يعني أن تسلسل القواعد على شريط واحد من ~~جزيء الحمض النووي، الذي يمكن تمثيله بسلسلة طويلة من الأحرف ~~الأربعة # A # و # C # و # G # و # T ms080 ~~، يحدد التسلسل على الشريط ~~المقابل. أدرك واتسون وكريك أن هذا يشير إلى وجود آلية محتملة ~~لنسخ المادة الجينية؛ ألا وهي فصل الشريطين، واستخدام كل منهما ~~نموذجا لتخليق شريط جديد. هذا بالضبط ما يحدث في عملية تضاعف ~~الحمض النووي، وهو ما يفسر كيف تنسخ الجينات بدقة من خلية إلى ~~أخرى، وبالتالي من الوالد إلى الذرية. # شكل 6-2: يتكون الحمض النووي من شريطين، يتكون كل منهما ~~من سلسلة طويلة من النيوكليوتيدات المترابطة. يتصل ~~الشريطان بروابط بين قواعد النيوكليوتيدات. # أدى ظهور علم الوراثة الجزيئي إلى إدراك علمي جديد لماهية ~~الجينات وآلية عملها. الفكرة الأساسية هي أن الجين هو جزء معين من ~~الحمض النووي يقع على الكروموسوم؛ وأن كل جين ينتج عنه منتج جيني ~~معين (بروتين) في كل خلية، وبالتالي يؤثر على صفات الكائن الحي؛ ~~وأن البروتين الناتج يعتمد على التسلسل الدقيق لقواعد ~~النيوكليوتيدات في الجين. تنشأ الطفرات نتيجة أخطاء في عملية ~~مضاعفة الحمض النووي ، مما ينتج عنه جين له تسلسل نيوكليوتيدات ~~مختلف، وبالتبعية بروتين مختلف. بشكل عام، هذا هو «مفهوم الجين ~~الجزيئي» الذي تبلور في ستينيات القرن العشرين. # لإدراك هذا المفهوم بشكل ~~أفضل، تذكر أن البروتينات في الخلية تقوم بجميع الأنشطة الخلوية ~~المهمة، وهي ضرورية لبنية أنسجة وأعضاء الكائن الحي وعملها. ~~يتكون البروتين من سلسلة طويلة من الأحماض الأمينية المتصلة في ~~سلسلة عديد الببتيد. يحدد التسلسل الخطي للأحماض الأمينية في ~~البروتين، الذي يسمى البنية الأولية، الشكل الثلاثي الأبعاد ~~للبروتين، والذي بدوره يحدد سلوك البروتين. يفترض مفهوم الجين ~~الجزيئي وجود تناظر مباشر بين التسلسل الخطي لقواعد النيوكليوتيدات ~~في الجين والتسلسل الخطي للأحماض الأمينية في البروتين الذي ينتجه ~~الجين. (أشار كريك إلى هذا التناظر باسم «فرضية التسلسل».) وهذا ~~يعني أن أي تغيير في تسلسل النيوكليوتيدات في الجين، بسبب طفرة على ~~سبيل المثال، سيكون له تأثير محدد تماما على تسلسل الأحماض ~~الأمينية في البروتين الناتج. # ترسخ مفهوم الجين الجزيئي إبان فك الشفرة الوراثية في ~~الستينيات. لفهم هذا، نحتاج إلى وصف موجز لعملية التعبير الجيني، ~~التي تنتج ms081 بواسطتها الجينات منتجاتها البروتينية. لهذه العملية ~~مرحلتان: النسخ والترجمة. في مرحلة النسخ، ينسخ جزء من الحمض ~~النووي إلى الحمض النووي الريبي (آر إن إيه)، الذي يتكون من شريط ~~واحد فقط. يكون شريط الحمض النووي الريبي الناتج مطابقا في تسلسله ~~لأحد شريطي الحمض النووي، باستثناء أن اليوراسيل ~~( # U ~~) يحل محل الثايمين ~~( # T ~~). في الكائنات الحية ~~الحقيقية النواة (التي تشمل جميع النباتات والحيوانات)، يخضع شريط ~~الحمض النووي الريبي الأولي للمعالجة لإنتاج الحمض النووي الريبوزي ~~الرسول (إم آر إن إيه) الناضج، والذي يترك بعد ذلك نواة الخلية. في ~~مرحلة الترجمة، تفك شفرة الحمض النووي الريبوزي الرسول في «مصنع» ~~خلوي يسمى الريبوسوم حيث تتكون سلسلة عديد الببتيد النامية بإضافة ~~الأحماض الأمينية، واحدا تلو الآخر. # يتحدد الحمض الأميني الذي يضاف إلى السلسلة من خلال تسلسل ~~النيوكليوتيدات في الحمض النووي الريبوزي الرسول. كل كودون أو ~~مجموعة ثلاثية من النيوكليوتيدات تناظر واحدا من عشرين حمضا ~~أمينيا مختلفا؛ من ثم، تناظر المجموعة الثلاثية # CAG # على سبيل المثال الحمض ~~الأميني ليوسين. هذا التناظر هو الشفرة الجينية، وهي تكاد تكون ~~عامة في جميع الكائنات الحية. في جوهرها، تعني الشفرة الجينية أن ~~تسلسل قواعد النيوكليوتيدات في الجين يمكن اعتباره تعليمات مكتوبة ~~لبناء بروتين بتسلسل حمض أميني معين. # في السنوات التي أعقبت فك الشفرة الجينية، تقدم علم الوراثة ~~الجزيئي بخطى حثيثة. إذ كشف عن تعقيدات التعبير الجيني مما أدى ~~إلى تحول في فهم علماء الأحياء لكيفية عمل الخلايا ونمو الكائنات ~~الحية وتأثير الجينات على السمات الظاهرية. علاوة على ذلك، بفضل ~~التقدم التكنولوجي الملحوظ، تمكن علماء الأحياء بعد ذلك بقليل من ~~تعديل الجينات تجريبيا، باستخدام أساليب مثل قطع ولصق تسلسلات ~~الحمض النووي، وإزالة مقاطع من هذه التسلسلات، ونقل الحمض النووي ~~من كائن حي إلى آخر. لا تزال تقنيات محسنة تطور ل «تعديل ~~الجينوم» إلى يومنا هذا (مثل تقنية كريسبر التي تصدرت عناوين ~~الأخبار في سنة 2015). نتيجة لهذه التطورات، تحولت الجينات من ~~كونها أشياء خاملة تخضع للدراسة إلى كيانات يمكن تعديلها إن ~~أردنا. # في ms082 الثمانينيات والتسعينيات، طورت التكنولوجيا اللازمة لتحديد ~~تسلسل الجينات، أي لتحديد تسلسل النيوكليوتيدات الدقيق. خلص ذلك ~~إلى مشروع الجينوم البشري، الذي نشر التسلسل الكامل لجميع الجينات ~~البشرية في عام 2003. منذ ذلك الحين، حددت تسلسلات جينومات ~~العديد من الأنواع الأخرى، وتطور سريعا مجال علم الجينوم، الذي ~~يدرس الجينوم الكامل وكيفية عمله. لقد أدى علم الجينوم بالفعل ~~إلى تطورات طبية جديدة، لا سيما في علم الأورام، ويمكن أن يؤدي ~~إلى تحول أيضا في مجالات أخرى مثل الزراعة. لقد قطع علم الوراثة ~~شوطا طويلا منذ نشأته المتواضعة من تجارب مندل على نبات ~~البازلاء. # أهو اختزال؟ # ما العلاقة بين الجين في علم الوراثة المندلي أو الكلاسيكي ~~والجين في علم الوراثة الجزيئي؟ لطالما شغل هذا السؤال فلاسفة علم ~~الأحياء. إحدى الإجابات المنطقية هي أنهما واحد. أي إن الكيان ~~الافتراضي الذي افترضه مندل وعلماء الوراثة الكلاسيكية لتفسير ~~بياناتهم تبين أنه كيان له وجود حقيقي، باعتباره جزءا من الحمض ~~النووي يشفر بروتين ما. وفقا لوجهة النظر هذه، على الرغم من ~~وجود مفهومين مختلفين للجين - المندلي والجزيئي - فإن هذين ~~المفهومين يشيران إلى شيء واحد في الواقع. # هذه الإجابة معقولة. فاستمرار إشارة مفهومين مختلفين إلى عنصر ~~واحد هي فكرة مألوفة في الفلسفة، وكذلك استمرار إشارة مصطلح علمي ~~واحد إلى الشيء نفسه على الرغم من التغييرات الكبيرة في المعتقدات ~~العلمية الهامة المرتبطة به. على سبيل المثال، يمكن القول إن مصطلح ~~«إلكترون» كما يستخدمه الفيزيائيون المعاصرون وكما استخدمه ~~فيزيائيو أواخر القرن التاسع عشر يشير إلى شيء واحد، على الرغم من ~~تغير النظرية الفيزيائية بشكل كبير خلال هذه الفترة. لذلك، على ~~الرغم من أن مندل وعلماء الوراثة الكلاسيكية لم يعرفوا شيئا عن ~~الحمض النووي أو الشفرة الجينية، فمن المنطقي تماما أن نقترح أنهم ~~عندما تحدثوا عن «عامل» أو «جين»، في سياق تجارب التهجين التي ~~أجروها، كانوا في الواقع يشيرون إلى مقطع من الحمض النووي يشفر ~~بروتينا ما. # يتوازى افتراض تطابق الجين عند مندل مع الجين الجزيئي مع فكرة ~~أنه يمكن «اختزال» علم الوراثة ms083 المندلي في علم الوراثة الجزيئي. ~~غالبا ما يتحدث الفلاسفة عن اختزال فرع من فروع العلم في فرع آخر، ~~مما يعني تفسير مبادئ الفرع الأول من خلال مفاهيم الفرع الآخر. أحد ~~الأمثلة على ذلك هو اختزال الديناميكا الحرارية الكلاسيكية في ~~الميكانيكا الإحصائية. تصف الديناميكا الحرارية نظاما فيزيائيا ~~مغلقا (مثل أسطوانة غاز مضغوطة بواسطة مكبس) من حيث خصائصه ~~الكبيرة مثل درجة الحرارة؛ بينما تصف الميكانيكا الإحصائية النظام ~~نفسه باعتباره تجمعا لجسيمات مجهرية متحركة. يمكن اشتقاق قوانين ~~الديناميكا الحرارية من الميكانيكا الإحصائية، لذا فإن هذه الأخيرة ~~تقدم تفسيرا أعمق لظواهر الديناميكا الحرارية. يتم الوصول إلى هذا ~~الاشتقاق بمساعدة «المبادئ الجسرية» التي تربط مفردات النظريتين، ~~مثل «درجة حرارة الغاز هي متوسط الطاقة الحركية لجزيئاته». ~~وبالمثل، اعتبر بعض الفلاسفة مقولة «الجين هو مقطع من الحمض النووي ~~يشفر بروتينا ما» مبدأ جسري يربط بين علم الوراثة المندلي ~~والجزيئي. # للوهلة الأولى، يبدو هذا طرحا معقولا للغاية. من الواضح أن علم ~~الوراثة الكلاسيكية كان مصيبا في شيء؛ إذ تبين أن أنماط الوراثة ~~التي اكتشفها حقيقية، وأن التفسير الذي قدمه لتلك الأنماط من ~~حيثية انفصال الجينات وفقا لقوانين مندل صحيح بصفة عامة. لكن ~~التفسير كان غير مكتمل في جوهره نظرا لعدم معرفة ماهية الجينات ~~وكيفية انتقالها وكيفية تأثيرها على نمو الكائن الحي. وهي تفاصيل ~~وضحها علم الوراثة الجزيئي الذي يقدم شرحا أعمق للظواهر ~~الوراثية، وبالتالي يمكن اختزال الوراثة المندلية والكلاسيكية فيه ~~وفقا لذلك الطرح. # على الرغم من معقوليته في البداية، فقد قابل فلاسفة علم الأحياء ~~هذا الاقتراح الاختزالي برفض واسع. كان من أوائل الاعتراضات ذلك ~~الذي طرحه فيليب كيتشر، والقائل بأنه لشرح سبب صحة قانون مندل ~~للفصل، لا نحتاج إلا للإشارة إلى أن الجينات تستقر على ~~الكروموسومات التي توجد في أزواج، وإلى أنه أثناء الانقسام ~~المنصف أو الميوزي (عملية الانقسام الخلوي التي تنتج خلايا ~~أحادية المجموعة الكروموسومية)، تنقسم الكروموسومات في كل زوجين؛ ~~لذلك يصبح في كل مشيج كروموسوم واحد فقط من كل زوجين. هذا التفسير ~~خلوي أو على مستوى ms084 الخلية، وليس على المستوى الجزيئي. يرى كيتشر أن ~~إضافة «تفاصيل جزيئية دقيقة» لا يجعل التفسير أفضل، ومن ثم لا ~~يفسر علم الوراثة الجزيئي حقا قانون الفصل. # يقوم اعتراض ثان على أن المبدأ الجسري المزعوم الذي يربط بين ~~علم الوراثة المندلي والجزيئي خاطئ، أو هو على الأقل تبسيط مخل، ~~استنادا إلى أن بعض مقاطع الحمض النووي تعتبر جينات مندلية ولكن ~~ليست جينات جزيئية، والعكس صحيح. أحد أسباب ذلك هو أن الجزء الأكبر ~~من الحمض النووي في جينوم أي نوع لا يشفر بروتينات؛ وهي حقيقة ~~لم تكن معروفة لواضعي مفهوم الجين الجزيئي. تلعب بعض تسلسلات الحمض ~~النووي غير المشفرة دورا رئيسيا في تنظيم التعبير الجيني، أي ~~إنها تؤثر على تحديد أي جينات تنسخ ومتى. هذا يسمح للخلية بإنتاج ~~منتج بروتيني عند الحاجة، وهي الآلية التي تضمن تمايز الخلايا، أي ~~إنتاج أنواع مختلفة من الخلايا والأنسجة في الكائن الحي النامي. ~~بشكل حاسم، يمكن أن تؤثر الطفرات في الحمض النووي غير المشفر على ~~سمات الكائن الحي بقدر ما تؤثر الطفرات في الجينات الجزيئية. يعتبر ~~تسلسل الحمض النووي غير المشفر جينا مندليا إذا كان له تأثير ~~نظامي على النمط الظاهري، كأن تؤدي تباينات ذلك التسلسل إلى صور ~~مختلفة لصفة ما. باختصار، إن تشفير البروتين ليس الطريقة الوحيدة ~~التي يمكن أن يلعب بها تسلسل الحمض النووي دور جين مندلي. # الاعتراض الثالث هو أن بعض المفاهيم الجينية المندلية تستعصي على ~~التعريف من الناحية الجزيئية. أحد أمثلة ذلك هو مفهوم «السيادة». ~~فلا بد من وجود تفسير على المستوى الجزيئي لسبب سيادة جين على ~~أليلاته؛ أي لسبب تطابق الكائنات الحية التي لديها نسخة واحدة من ~~الجين في النمط الظاهري مع تلك التي تحمل نسختين. قد يكون التفسير ~~معقدا، ولكنه ممكن من حيث المبدأ. ومع ذلك، على حد علمنا، لا توجد ~~سمة جزيئية واحدة مشتركة بين جميع الجينات السائدة فقط. أي إن فئة ~~الجينات السائدة تفتقر إلى أي قواسم مشتركة بينها يمكن وصفها ~~جزيئيا. (بلغة الفلاسفة، لدى السيادة «تحققية متعددة» ms085 على ~~المستوى الجزيئي.) وبالتالي، بعض الأنماط الوراثية لا يمكن وصفها ~~إلا باستخدام مفاهيم مندلية. # يرى اعتراض رابع أن العلاقة بين علم الوراثة الجزيئي والمندلي ~~أكثر تعقيدا مما توحي به الصورة الاختزالية. ارتبط الجين ~~المندلي/الكلاسيكي بممارسة تجريبية ونمط تفكير معينين، لا يستعاض ~~عنهما بعلم الوراثة الجزيئي. في الواقع، لا يزال مفهوم الجين ~~المندلي قائما إلى اليوم، على عكس ما توقعه المنظور الاختزالي. ~~على سبيل المثال، لا يزال المتخصصون في علم الأحياء التطوري ~~يستخدمون مفهوم الجين المندلي عندما يبنون نماذج رياضية لانتشار ~~الجينات في جماعة ما. المقصود بالجين أساسا في مثل هذه النماذج ~~هو أي جسيم ينتقل كما هو من الأبوين إلى الذرية، ممتثلا لقانون ~~الفصل وله تأثير نظامي على النمط الظاهري. وبالمثل، فإن فكرة ~~«الجين الأناني» لريتشارد دوكينز التي نوقشت في الفصل الرابع، ~~تستند إلى حد كبير على مفهوم الجين المندلي. كما يشير دوكينز، ~~سواء كان «الجين الأناني» جينا بالمعنى الجزيئي أم لا، فهذا لا ~~يغير شيئا في منطق حجته. # قد يبدو إجماع الفلاسفة على عدم اختزال علم الوراثة المندلي في ~~علم الوراثة الجزيئي مستغربا. إذ غالبا ما يصور علم الأحياء ~~الجزيئي، على أنه انتصار للمنهج الاختزالي في العلم؛ وهو منهج ~~دراسة الأنظمة الأكبر من خلال دراسة كيفية عمل أجزائها الدقيقة، ~~وهي صورة صحيحة. كيف إذن يمكن أن تكون الطريقة الاختزالية قد خدمت ~~علم الأحياء الجزيئي بشكل جيد، ومع ذلك فإن الجين المندلي غير قابل ~~للاختزال إلى الجين الجزيئي؟ في الواقع، لا يوجد تناقض حقيقي هنا. ~~حيث إنه إذا خضع نظام ما، بيولوجيا أو فيزيائيا، للبحث ~~الاختزالي، فهذا لا يستتبع إمكان استبعاد كل نمط يظهره النظام على ~~المستوى الكلي لصالح نمط على المستوى الجزئي. أن يدين علم ~~الأحياء الجزيئي بنجاحه للمنهج الاختزالي هو بالتالي أمر يتوافق ~~تماما مع أنه ما يزال لمفاهيم الوراثة المندلية دور مهم ~~لتلعبه. # ما الجين؟ # دعونا نعود إلى مسألة ماهية الجين. حتى لو نحينا علم الوراثة ~~المندلي وركزنا فقط على علم الوراثة الجزيئي، فإن هذا السؤال لا ms086 ~~يزال غير مباشر. حيث إنه منذ سبعينيات القرن العشرين، وللمفارقة، ~~أدت اكتشافات في علم الأحياء الجزيئي نفسه إلى تقويض مفهوم الجين ~~الجزيئي التقليدي تدريجيا. بالفعل، يتحدث بعض المؤلفين عن ~~«انحلال» هذا المفهوم على أساس أنه تبين أنه تقريب للواقع غير كامل ~~إلى حد بعيد. # تنظيم الجينات الذي سبق أن وصفناه هو أحد أسباب المشكلة. بصفة ~~عامة، لا تكون تسلسلات الحمض النووي غير المشفرة التي تنظم عملية ~~نسخ الجينات مجاورة للمناطق التي تشفر البروتينات، بل قد تكون ~~بعيدة جدا عنها؛ علاوة على ذلك، تؤثر بعض التسلسلات غير ~~المشفرة على نسخ العديد من مناطق تشفير البروتين. ولا يتفق علماء ~~الأحياء على ما إذا كانت التسلسلات غير المشفرة، بما فيها ~~التسلسل المحفز الذي يستهل عملية النسخ، تعد جزءا من الجين أم ~~لا. إذا كان يفترض أن يتضمن الجين كل الحمض النووي المسئول عن صنع ~~بروتين وفقا للمفهوم التقليدي للجين الجزيئي، فيجب تضمينه هذه ~~التسلسلات. لكن تضمينها يجعل الجين كيانا غريبا إلى حد ما ~~تتناثر أجزاؤه في شتى أرجاء الجينوم. # ظاهرة «الوصل البديل» أكثر إشكالية. في حقيقيات النوى، تخضع نسخة ~~الحمض النووي الريبوزي الأولية لتعديل جوهري لإنتاج الحمض النووي ~~الريبوزي الرسول الناضج الذي سيترجم. إذ تحذف منه «الإنترونات» ~~وتوصل «الإكسونات» المتبقية. ولكن هذا الوصل يمكن أن يحدث بأكثر ~~من طريقة، مما يعني أن تسلسلا واحدا من الحمض النووي يمكن في ~~الواقع أن ينشأ منه عدة بروتينات مختلفة. كان يعتقد في السابق أن ~~الوصل البديل نادر، لكننا صرنا نعرف الآن أنه شائع الحدوث. تستخدمه ~~الكائنات الحية لمصلحتها، إذ إنه يزيد كثيرا من عدد البروتينات ~~التي يمكن تكوينها من تسلسل واحد من الحمض النووي. لكن الوصل ~~البديل يجعلنا نتشكك في المفهوم التقليدي للجين الجزيئي، لأنه ~~يقوض فرضية التسلسل التي وضعها كريك. فقد تبين أن تصور الجين ~~جزءا من الحمض النووي يشفر بروتينا واحدا هو تصور مبسط حد ~~المبالغة. # تتعقد الصورة أكثر في ظل اكتشافات أخرى. على سبيل المثال، يمكن ~~أن تبدأ عملية الترجمة من نقاط مختلفة ms087 على الحمض النووي الريبوزي ~~الرسول، لذلك يمكن لنسخة واحدة من الحمض النووي الريبوزي الرسول أن ~~تنتج عددا من البروتينات المختلفة. علاوة على ذلك، تنتج بعض ~~البروتينات من نسخة حمض نووي ريبوزي مستمدة من تسلسلات متعددة من ~~الحمض النووي، قد تكون موجودة في أجزاء متباعدة في الجينوم. وفي ~~حالات «الجينات المتداخلة»، يمكن أن يتشارك (ما يعتبر عادة) ~~جينان منفصلان تسلسل نيوكليوتيد واحد. تثير مثل هذه التعقيدات، ~~وغيرها الكثير، أسئلة صعبة حول تحديد تسلسلات الحمض النووي التي ~~ينبغي اعتبارها جينات، وسبب ذلك. # في أغلب الأوقات، يتراخى علماء الوراثة العمليون إلى حد ما في ~~الإجابة عن تلك الأسئلة. فمن الجلي أن أبحاثهم اليومية العادية ~~تسير بسلاسة دون الحاجة إلى تقرير ما يجب اعتباره جينا. وهذا بحد ~~ذاته مثير للاهتمام من منظور فلسفي. إذ وفق وجهة نظر شائعة، تتميز ~~المعرفة العلمية عن المعرفة العادية بأنها أدق. وعلم الوراثة ~~الجزيئي بالتأكيد يتميز بمستوى عال جدا من الدقة «التجريبية ». ~~ومن الطبيعي أن نعتقد أن هذه الدقة التجريبية تسير جنبا إلى جنب ~~مع الدقة المفاهيمية؛ أي إنه لا بد أن المصطلحات العلمية ~~الرئيسية معرفة بدقة. تظهر مسألة الجينات أن الأمر ليس دائما ~~كذلك. # الجينات والمعلومات # لطالما كانت فكرة احتواء الجينات على «معلومات» سمة أساسية لعلم ~~الوراثة الجزيئي. فكثيرا ما يقال إن المعلومات الجينية تنتقل من ~~الآباء إلى الأبناء، وإنها توجه عملية نمو الجنين إلى فرد بالغ. ~~تلك مصطلحات مربكة للغاية لو تأملناها، وإن كانت مألوفة. فمعظم ~~العلوم لا تستخدم لغة «المعلومات» لوصف العمليات السببية التي ~~تدرسها. لماذا إذن يستخدم علماء الوراثة مثل هذه اللغة لوصف ~~عمليتي نسخ الحمض النووي والتعبير الجيني، وماذا يعني ذلك؟ # أحد المعاني المقبولة للكلمة هو أن المعلومات هي ما يوجد أينما ~~أمكننا التنبؤ بشيء ما بناء على شيء آخر. على سبيل المثال، يحتوي ~~لون السحب على معلومات حول احتمال هطول الأمطار، إذ يتنبأ الأول ~~بوقوع الأخير. بهذا المعنى، تحتوي الجينات بالتأكيد على معلومات ~~حول سمات النمط الظاهري التي تسببها، وحول البروتينات التي تشفرها. ms088 ~~على سبيل المثال، إن الجين الذي يؤثر على لون عين الكائن الحي ~~سيحتوي بالتالي على معلومات حول تلك الصفة. ولكن، من غير المرجح أن ~~يكون هذا ما يقصده علماء الأحياء بالمعلومات الجينية. إذ بهذا ~~المعنى، يمكن أن يقال أيضا إن الخصائص البيئية تحتوي على ~~«معلومات» حول الصفات الظاهرية. فدرجة الحرارة التي تحضن فيها ~~البذرة تتنبأ بطول النبات البالغ؛ لكن علماء الأحياء لا يتحدثون عن ~~«المعلومات البيئية». من ثم لا بد أن ثمة سببا آخر وراء ~~استخدام اللغة المعلوماتية في مجال الجينات. # إحدى الأطروحات الشائعة تعزو السبب إلى حقيقة أن الشفرة الجينية ~~«اعتباطية». ما يعنيه هذا هو أن التناظر بين المجموعات الثلاثية من ~~النيوكليوتيدات والأحماض الأمينية، الذي يحدد البروتين الذي يصنعه ~~تسلسل معين من الحمض النووي، ليس لازما كيميائيا. فلا يوجد سبب ~~كيميائي يجعل # CAC # مناظرا ~~للهستيدين لا الليوسين على سبيل المثال. (لهذا السبب كان لا بد ~~من فك الشفرة الجينية تجريبيا؛ إذ لا يمكن استنتاجها من قوانين ~~الكيمياء). تعني اعتباطية الشفرة الجينية أن العلاقة بين الحمض ~~النووي والبروتين تشبه العلاقة بين إشارة ومعناها. تأمل على سبيل ~~المثال كلمة في أي لغة طبيعية، أو إشارة مرور. كلاهما يحمل معلومات ~~بحكم المعاني التي عينها لهما العرف. لأن ذلك العرف يحتمل ~~الاختلاف، فالمعاني اعتباطية لا محالة. ونظرا لأن الشفرة الجينية ~~اعتباطية أيضا، فإن هذا يخولنا لأن نعتبر تسلسل حمض نووي محتويا ~~على معلومات حول البنية الأساسية للبروتين، لا مجرد متسبب في هذه ~~البنية فحسب. # قدم جون مينارد سميث طرحا مختلفا، يرجع فيه سبب استخدام ~~اللغة المعلوماتية في علم الوراثة إلى بعض الحقائق عن التعبير ~~الجيني. تحتوي جينات جميع الكائنات الحية على تسلسلات تنظيمية تؤدي ~~وظيفة «مفاتيح» تشغل الجين أو توقف عمله. تفعل هذه التسلسلات ~~ذلك عن طريق الارتباط ببروتينات معروفة باسم عوامل النسخ. هذه ~~البروتينات شفرتها جينات أخرى في الجينوم. من حيث المبدأ، يمكن لأي ~~عامل نسخ تشغيل أي جين إذا طور هذا العامل تسلسل تنظيمي مناسب. ~~إذن تلك عملية تتضمن عنصرا من ms089 الاعتباطية أيضا. وبالتالي يمكننا ~~اعتبار أن أحد الجينات «يرسل إشارة» إلى جين آخر فيه أمر بالتشغيل ~~أو الإيقاف. تكمن أهمية هذا في أنه أينما يحدث إرسال لإشارات، يكون ~~من المنطقي الحديث عن المعلومات. فالرقصة الاهتزازية للنحلة هي ~~إشارة وظيفتها توجيه النحل الآخر إلى الرحيق؛ ومن ثم تحتوي ~~الرقصة على معلومات حول موقع الرحيق. وبالمثل، يمكننا اعتبار ~~الجينات مرسلات ومستقبلات للمعلومات، باعتبار أن تنظيم الجينات ~~يعتمد على نظام إشارات تطور تدريجيا. # على النقيض من هذه الاقتراحات، يرى بعض المؤلفين أن الحديث عن ~~المعلومات الجينية يمكن الاستغناء عنه لأنه لا يلعب دورا نظريا ~~جادا في علم الأحياء. (وصف الفيلسوفان سهوترا ساركار وبول جريفيث ~~المعلومات الجينية بأنها «مجاز» متنكر في رداء مفهوم علمي دقيق). ~~ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك إذ رأوا أن المعلومات الجينية مفهوم ~~ضار، لأنه يرتبط بتصور خاطئ عن كل من النمو والوراثة. كان وما زال ~~هناك نزعة سائدة لافتراض أن الجينوم يحتوي على مجموعة كاملة من ~~التعليمات لإنشاء كائن حي، وأن الجينات هي المتحكم الأوحد في نمو ~~الكائن الحي. على حد تعبير فوكس كيلر، ينظر إلى الجينوم باعتباره ~~«مجموعة تنفيذية من التعليمات الإدارية». هذا الرأي ليس خاطئا ~~تماما - فلا شك أن للجينات دورا أساسيا في النمو - لكنه ليس ~~صحيحا تماما أيضا، لسببين. أولا، اتضح أن الجينات نفسها لا ~~«تقرر» متى وأين تصنع منتجاتها البروتينية؛ بل تنظم الخلية التعبير ~~الجيني استجابة للظروف البيئية. لذا فإن الجينوم كيان «تفاعلي»، ~~وسلوكه يخضع جزئيا لسيطرة البيئة. ثانيا، صرنا نعلم الآن أن ~~التغييرات المستحثة بيئيا في حالة تعبير الجين، والمعروفة ~~باسم «علامات الوراثة فوق الجينية»، تنتقل أحيانا من الآباء إلى ~~الأبناء، ويمكن أن تؤثر على صفات الذرية. لذا فإن تسلسل الحمض ~~النووي الخطي في حد ذاته ليس المصدر الموروث الوحيد الذي تعتمد ~~عليه الكائنات الحية في نموها. # لهذين السببين، سيكون اعتبار الجينوم محتويا على مجموعة ثابتة ~~من التعليمات، أو مخططا لبناء كائن حي تبسيطا مفرطا. أولئك ~~الذين يعارضون الحديث عن المعلومات الجينية يخشون من ms090 أنه يشجع على ~~هذا التبسيط المفرط. يبقى أن نرى ما إذا كانت الأجيال القادمة من ~~علماء الأحياء سوف تلتفت إلى نقدهم ذلك. # الفصل السابع # | السلوك البشري والعقل والثقافة # إن نوعنا البشري، الإنسان العاقل «الهومو سابينس»، ليس نوعا ~~عاديا. يبدو أن ذكاءنا واستخدامنا للغة واختراعاتنا الثقافية ~~وبراعتنا التكنولوجية ومؤسساتنا الاجتماعية تميزنا عن سائر الأنواع ~~الأخرى، حتى عن رفاقنا من القردة العليا. يقال أحيانا إن هذا منظور ~~واهم، أو نتاج مركزية إنسانية غير مبررة، لكن هذه وجهة نظر الأقلية. ~~بالطبع، يجب أن نحذر الوقوع في فخ التقليل من شأن التعقيد الذي تتمتع ~~به الحيوانات غير البشرية، فقد تبين أن العديد من السمات التي كان ~~يعتقد في السابق أنها مقتصرة على البشر، مثل استخدام الأدوات، وجدت ~~لدى أنواع أخرى أيضا. لكن يظل من شبه المؤكد أن أي مراقب غير متحيز من ~~كوكب آخر سوف يلتفت إلى تميز نوع الإنسان العاقل. ففي النهاية، لم يذهب ~~أي نوع آخر إلى القمر، أو يبني دار أوبرا، أو يخترع الديمقراطية ~~البرلمانية، أو يدمر البيئة الطبيعية كما فعلنا. # هل يمكن لعلم الأحياء أن يسهم بأي قدر في تسليط الضوء على البشرية ~~وإنجازاتها؟ إحدى الطرق للإجابة عن هذا السؤال هي التساؤل عما إذا كان ~~يمكن تفسير السلوك البشري من منظور بيولوجي؛ فأنماط سلوكنا هي منشأ ~~أسلوب حياتنا المميز. انقسم العلماء في إجابتهم عن هذا السؤال الأخير ~~إلى فريقين متناقضين. يشير أولئك الذين يجيبون ب «نعم» إلى أن الإنسان ~~العاقل هو نوع متطور مثل أي نوع آخر وأن العقل البشري هو عضو متطور، ~~وأن الانتخاب الطبيعي هو الذي شكل السلوك البشري بقدر ما شكل ~~السلوك الحيواني. أما أولئك الذين يجيبون ب «لا» فيقرون بأن البشر قد ~~تطوروا ولكنهم يرون أننا سمونا فوق طبيعتنا البيولوجية إلى حد كبير. ~~فهم يزعمون أن سلوكيات البشر تعتمد على الأعراف الاجتماعية والتوقعات ~~الثقافية أكثر من اعتمادها على الجينات. من ثم تقع مسئولية تفسير ~~السلوك البشري على عاتق العلوم الاجتماعية مثل الأنثروبولوجيا وعلم ~~الاجتماع لا على ms091 عاتق علم الأحياء. لا عجب إذن أن العديد من علماء ~~الاجتماع التقليديين يؤيدون وجهة النظر هذه. # كما هو شأن معظم الانقسامات الفكرية، يوجد متسع لإجابة وسط، على عكس ~~ما يدعي المتطرفون من كلا الفريقين. أولا، يمكن لعلم الأحياء أن يسلط ~~الضوء على بعض جوانب السلوك البشري دون غيرها؛ إذ لا يلزم أن يسلط ~~الضوء عليها جميعا وإلا استبعدناه. على سبيل المثال، قد تكون ~~تفضيلاتنا الغذائية ذات أصل بيولوجي، لكن مشاركتنا في الرياضات المنظمة ~~ليست كذلك على الأرجح. ثانيا، قد يعتمد وجود تفسير بيولوجي على ~~«معيار» وصفنا للسلوك البشري. إذا كان ذلك المعيار فضفاضا، فقد نجد ~~قواسم سلوكية مشتركة تعكس طبيعتنا البيولوجية المشتركة؛ ولكن إن ~~ضيقنا المعيار، فقد نجد اختلافات سلوكية غير بيولوجية الأصل. على ~~سبيل المثال، يعتبر الارتباط الزوجي صفة بشرية عامة، لكن عادات الزواج ~~المحددة تختلف من مجتمع إلى آخر. هذا يعني أن التفسيرات البيولوجية ~~وغير البيولوجية للسلوك البشري سيكون كل منها مكملا للآخر في بعض ~~الأحيان، إذ ستختلف الجوانب التي يرتكز إليها كلا التفسيرين. ثالثا، ~~أركان تلك المناظرة تحتمل الطعن في صحتها. نظرا إلى أن السلوك البشري ~~نتاج عوامل سببية متعددة، يعتبر بعض العلماء ثنائية التفسير البيولوجي ~~وغير البيولوجي لا تصح. هذه الاعتبارات الثلاثة تعني أن مساحة ~~الاحتمالات كبيرة جدا، لذلك يجب أن نتشكك في أي محاولة لطرح إجابة ~~مبسطة لسؤال ما إذا كان علم الأحياء يمكن أن يخبرنا بأي شيء مفيد عن ~~السلوك البشري. # الطبيعة مقابل التنشئة # معظم الناس على دراية بجدلية الطبيعة والتنشئة، التي تبحث ما إذا ~~كانت العوامل الموروثة أو تلك البيئية هي التي «تجعلنا ما نحن ~~عليه». لطالما شغلت تلك القضية العلماء وغيرهم، وهي قضية من شأنها ~~أن تثير انفعالات قوية. أحد أسباب ذلك هو أن من يقفون على جانب ~~«الطبيعة» بالأخص من الجدل، غالبا ما كانت لديهم أجندات سياسية ~~مبطنة. على سبيل المثال، كان علماء العصر الفيكتوري العديدون الذين ~~رأوا أن جينات الأشخاص «ضعاف الأذهان» (عادة يقصدون أولئك الذين ~~يعانون من صعوبات التعلم) ms092 هي جينات رديئة، من علماء تحسين النسل ~~الداعين إلى التعقيم الإجباري لمنع تدهور تجميعة الجينات. حديثا، ~~في سنة 1994، نشر عالما النفس تشارلز هيرنشتاين وريتشارد موراي ~~كتابهما «منحنى الجرس»، الذي زعموا فيه أن السود في الولايات ~~المتحدة يسجلون درجات أقل من البيض في اختبارات الذكاء بسبب ~~جيناتهم، لا بسبب الفقر أو عدم المساواة في التعليم. استنادا إلى ~~هذا الادعاء (المرفوض بشدة)، دعا هيرنشتاين وموراي إلى إنهاء ~~المساعدات الحكومية للفقراء، والتي رأوا أنها تشجع الأفراد ذوي ~~الذكاء المنخفض على التكاثر. وتوجد أمثلة مشابهة بوفرة. # هل يمكننا مناقشة مسألة الطبيعة والتنشئة من منظور علمي بحت، ~~بمنأى عن جميع المضامين الاجتماعية والسياسية؟ هذه في حد ذاتها ~~قضية مثيرة للجدل. فكما ذهب الفيلسوف ديفيد هيوم في القرن الثامن ~~عشر في طرح شهير إلى أنه لا يمكن للمرء الاستدلال على ما «يجب» أن ~~يكون بما هو «قائم» بالفعل. وفقا لهيوم، تختلف المقولات التي تصف ~~العالم كما هو قائم اختلافا جوهريا عن تلك التي تصف ما يجب أن ~~يكون عليه. لا تزال مقولة هيوم تلك شائعة إلى اليوم؛ فهي تدعم ~~وجهة النظر السائدة التي ترى أن مهمة العلماء هي اكتشاف الحقائق ~~الموضوعية، ومهمة صانعي القرار والمشرعين هي تقرير ما يجب فعله ~~بهذه الحقائق. عند تطبيقه على جدلية الطبيعة والتنشئة، فإن هذا ~~يعني أننا يجب أن نفصل بشكل قاطع السؤال العلمي حول ما إذا كانت ~~صفة بشرية ما جينية الأصل عن السؤال السياسي حول ما يجب أن يفعله ~~المجتمع بهذه المعلومة، هذا إذا كان هناك أي شيء يمكن للمجتمع أن ~~يفعله. على سبيل المثال، تأصل المثلية الجنسية «في الجينات» من ~~عدمه مسألة لا علاقة لها على الإطلاق بما إذا كان ينبغي منح ~~المثليين حقوقا مساوية للمغايرين جنسيا، والأمر سيان بالنسبة ~~لصفات أخرى. # على الرغم من أن هذا يبدو منطقيا، فإن فكرة أن العلم متجرد ~~تماما من القيم وأنه لا يهتم إلا ب «الحقائق الموضوعية»، هي فكرة ~~ساذجة إلى حد ما، لسببين. أولا، يمكن أن تكون الأحكام القيمية ~~حاضرة ms093 ضمنا في وصف العلماء للعالم. فالعلماء الفيكتوريون الذين ~~أرادوا منع «ضعاف الذهن» من التكاثر لم يرتكبوا فحسب خطأ تجاوز ~~حدود العلم والشرود إلى مسائل السياسة العامة. بل وقعوا أيضا في ~~خطأ أكبر، وهو الاعتقاد بأن «ضعف الذهن» صفة صحيحة في المقام ~~الأول؛ وقد انعكس هذا الاعتقاد في قناعاتهم الأيديولوجية. ثانيا، ~~يحتاج العلماء إلى تحديد ما سيبحثونه، وغالبا ما يكون للأحكام ~~القيمية تأثير على هذه القرارات. كتب هيرنشتاين وموراي كتابا ~~كاملا عن الاختلافات بين الأعراق في درجات معدل الذكاء، لكن لم ~~يوضحا في أي موضع لماذا ينبغي أن يهتم بها أي أحد. وبالمثل، يكرس ~~المتخصصون في علم النفس التطوري الحديث (طالع القسم التالي) جهودا ~~كبيرة لدراسة الاختلافات المزعومة بين مخ الذكر والأنثى، لكنهم ~~نادرا ما يفسرون سبب أهمية هذه الاختلافات، حتى لو كانت موجودة. ~~وبالتالي فإن اختيار «الحقائق الموضوعية» المراد دراستها قد يعكس ~~في حد ذاته القيم الفردية أو المجتمعية. # هذه التحفظات مهمة، ولكن لا يزال من المنطقي محاولة معالجة ~~المشكلة من ناحية موضوعية بحتة. دعونا بعد ذلك نسأل ماذا يخبرنا ~~علم الأحياء الحديث عن سؤال الطبيعة والتنشئة التقليدي؟ أحد الدروس ~~المستفادة هو أنه في كثير من الحالات، لا يكون السؤال في الحقيقة ~~محددا جيدا. قد يبدو هذا مفاجئا لأن علماء الأحياء كما نعلم ~~يميزون بين التأثيرات الجينية والبيئية على الصفات الظاهرية للكائن ~~الحي، وهو ما يناظر تمييز غير المتخصصين بين الطبيعة والتنشئة. ~~علاوة على ذلك، في الطب الحيوي، غالبا ما توصف بعض الأمراض بأنها ~~«وراثية»، بينما في دراسة سلوك الحيوان، غالبا ما توصف بعض ~~السلوكيات على مستوى الأنواع بأنها «فطرية»؛ ويبدو أن كلا ~~المصطلحين مرادفان لعبارة «بسبب الطبيعة». إذن ما الذي يجعل ~~التمييز بين الطبيعة والتنشئة مشكلا؟ # أحد الأسباب ينبع من علم الأحياء النمائي. إذ اتضح أن العوامل ~~الجينية والبيئية دائما ما تشتركان في تطور الصفة، لا سيما الصفات ~~المعقدة مثل السلوكيات. نتيجة لذلك، حتى الصفات المصنفة تقليديا ~~على أنها «وراثية» قد تكون عرضة للتعديل البيئي. أحد الأمثلة ~~الكلاسيكية هو ms094 مرض بيلة الفينيل كيتون الذي يصيب الإنسان، وهو ~~ينتج عن طفرة تؤثر على القدرة على استقلاب الحمض الأميني فينيل ~~ألانين، مما يؤدي إلى تلف في المخ. ولكن، إذا لزم الرضيع المصاب ~~بالطفرة نظاما غذائيا منخفض الفينيل ألانين، فإن مخه سوف يتطور ~~بشكل طبيعي. لذا في الحقيقة، بيلة الفينيل كيتون ليس مرضا ~~«وراثيا» بحتا؛ لأنه ناتج عن اجتماع عامل وراثي (الطفرة) وعامل ~~بيئي (تناول الفينيل ألانين)، ولا يتسبب أي منهما في الضرر ~~منفردا. هذا يعني أن سؤال الطبيعة والتنشئة غير محكم «على مستوى ~~الفرد». بمعنى أنه ليس من المنطقي أن نسأل إن كانت إصابة مريض معين ~~ببيلة الفينيل كيتون ناتجة عن جيناته «أم» عن استهلاكه للفينيل ~~ألانين؛ إذ إنها نتيجة اجتماع السببين. ينطبق نفس المغزى بشكل عام ~~على شتى أنواع الصفات. # جدير بالذكر، أن السؤال قد يظل منطقيا على مستوى الجماعة. أي ~~إنه لا يزال بإمكاننا أن نسأل إذا كانت «الاختلافات» في النمط ~~الظاهري بين أفراد جماعة ما جينية أم بيئية الأصل. إذا كان جميع ~~أفراد جماعة ما يتبعون نظاما غذائيا غنيا بالفينيل ألانين، ~~فإن إصابة بعضهم ببيلة الفينيل كيتون دون غيرهم ستكون نتيجة ~~للاختلافات الجينية بينهم. وفي الواقع، فإن العلماء الذين يدرسون ~~علم الوراثة السلوكي البشري عادة ما يركزون على مستوى المجموعة. ~~وأداتهم الرئيسية هي «تحليل قابلية الانتقال بالوراثة». يتضمن ذلك ~~دراسة الأقارب من أجل الوصول إلى تقدير عددي لقابلية صفة ما ~~للانتقال بالوراثة، وهو يعرف بأنه الجزء من تباين الصفة الذي ~~يرجع إلى التباين الجيني. لتوضيح المنطق، افترض أنه وجد أن ~~توءمين متطابقين انفصلا عند الولادة، يتشابهان في بعض الصفات أكثر ~~من فردين مختارين عشوائيا من الجماعة. لأن التوءمين نشآ في ~~بيئتين مختلفتين، يمكننا أن نستنتج أن التشابه بينهما يرجع على ~~الأرجح إلى الجينات المشتركة، من ثم فالصفات المشتركة لها قابلية ~~عالية للانتقال بالوراثة. وجد أن قابلية العديد من الصفات ~~السلوكية والمعرفية البشرية للانتقال بالوراثة متوسطة إلى عالية. ~~وهي تشمل سمات شخصية مثل الانبساط وليونة الطبع؛ وسمات إدراكية مثل ms095 ~~معدل الذكاء والمهارة الموسيقية؛ والاضطرابات النفسية مثل القلق ~~والفصام؛ والمواقف الاجتماعية مثل المحافظة والتدين. يرى العديد ~~من الباحثين أن هذا يشير إلى أن التأثيرات الجينية على السلوك ~~البشري جوهرية. # ولكن التفسير الصحيح لتحليل قابلية الانتقال بالوراثة محل جدل. ~~أنصار ذلك التحليل يرونه أداة دقيقة من الناحية الكمية لمعالجة ~~مسألة الطبيعة والتنشئة التقليدية. هذا مبرر في بعض الأحيان، ~~ولكن يثير عددا من التعقيدات. أولا، تعتبر قابلية صفة ما للتوريث ~~نسبية بطبيعتها، ويمكن أن تختلف اختلافا كبيرا من مجموعة إلى ~~أخرى. ثانيا، من الخطأ مساواة قابلية الانتقال بالوراثة العالية ~~بالعامل «الوراثي» والمنخفضة بالعامل «البيئي»، على عكس ما يعتقد ~~أحيانا. لنأخذ مثالا صفة امتلاك ساقين في البشر. في مجموعة ~~نموذجية، سيكون الأشخاص الوحيدون الذين لا يملكون ساقين قد فقدوا ~~إحداهما أو كلتيهما في حادث؛ من ثم فإن الاختلافات في هذه الصفة ~~ليست وراثية. وهذا يعني أن قابلية انتقال صفة امتلاك الساقين ~~بالوراثة تقترب من الصفر؛ لكن سيكون من الخطأ البين أن نستنبط من ~~ذلك أن الجينات لا تلعب دورا في تفسير سبب تطور صفة الساقين لدى ~~الإنسان. ثالثا، أينما يوجد «تفاعل وراثي-بيئي»، يفقد تحليل ~~قابلية الانتقال بالوراثة جزءا كبيرا من معناه. في هذا السياق، ~~«التفاعل» يعني أن التأثير السببي للجين على صفة ما يعتمد في حد ~~ذاته على البيئة. على سبيل المثال، قد يزيد جين معين من خطر ~~الإصابة باضطرابات القلق في المناخات الدافئة، ولكنه يقلله في ~~المناخات الباردة. في مثل هذه الحالات، تتشابك الطبيعة والتنشئة ~~بشكل لا ينفصم، حتى على مستوى الجماعة. أخيرا، يحدث «الارتباط ~~الجيني-البيئي» عندما يرجح أن يواجه الأفراد المتشابهون جينيا ~~بيئات متشابهة. كما هو الحال مع التفاعل، يمنع هذا الارتباط تحليل ~~قابلية الانتقال بالوراثة من الوقوف على حد فاصل بين التأثيرات ~~الجينية والبيئية. # لنلخص ما سبق. على المستوى الفردي، تنشأ جميع الصفات من مزيج من ~~العوامل الجينية والبيئية، ولا معنى هنا لسؤال أيهما أهم. على ~~مستوى المجموعة، يمكن أحيانا قياس الأهمية النسبية للعوامل ~~الجينية والبيئية في تفسير الاختلافات بين ms096 الصفات كميا، ولكن ليس ~~في كل الحالات. تنطبق هاتان النقطتان على جميع الصفات، ومن بينها ~~الصفات السلوكية والإدراكية للإنسان. لذا، على الرغم من أن علم ~~الأحياء قد لا يحل جدلية الطبيعة والتنشئة الأزلية، فهو بالتأكيد ~~يساعد في توضيح معناها. # من علم الأحياء الاجتماعي إلى علم النفس التطوري # في سبعينيات القرن العشرين، قدم علم الأحياء الاجتماعي الناشئ ~~نهجا جديدا جريئا لدراسة السلوك البشري. وقد طبق علم الأحياء ~~الاجتماعي بريادة إدوارد ويلسون عالم الأحياء بجامعة هارفرد نظرية ~~التطور على السلوك الاجتماعي للبشر، وعلى بنية المجتمع البشري بشكل ~~عام. كانت الفرضية الأساسية هي أن الجينات لها تأثير قوي على ~~السلوك البشري وأنه قد تطور بالانتخاب الطبيعي؛ لذلك يمكن تقديم ~~تفسيرات داروينية لسلوكيات واتفاقات اجتماعية معينة. أحد أوضح ~~أمثلة ويلسون كان «حظر زنا المحارم». فعلى الرغم من اختلاف الأعراف ~~الجنسية بشكل كبير بين المجتمعات البشرية، فإن زنا المحارم محظور ~~في جميعها تقريبا؛ كما أن البشر ينفرون منه غريزيا. فما السبب؟ ~~طرحت تفسيرات أنثروبولوجية مختلفة، لكن ويلسون ذهب إلى أنه يوجد ~~تفسير دارويني بسيط لذلك. غالبا ما تظهر عيوب خلقية في ذرية ~~الأزواج من المحارم، لذلك كان هناك ضغط انتخابي قوي لتنحية زنا ~~المحارم. ويرى ويلسون أن هذا هو السبب في أن النفور من زنا المحارم ~~تطور لدى الأفراد وفي حظر المجتمعات له. مثال آخر أكثر استنادا ~~إلى التخمين هو وجود المثلية الجنسية في الذكور. مستشهدا بنظرية ~~انتخاب الأقارب، ذهب ويلسون إلى أنه على الرغم من أن السلوك المثلي ~~يؤدي إلى انخفاض صلاحية الذكر الفرد، فإنه ربما يمنح ميزات في ~~الصلاحية غير مباشرة لأقاربه. من ثم، يمكن للانتخاب الطبيعي أن ~~يبقي على جينات المثلية الجنسية في مجموعة ما. # كان علم الأحياء الاجتماعي محط جدل شديد في السبعينيات، وكان ~~جانب كبير من ذلك الجدل متطرفا، وغالبا ما كان يحظى بمتابعة ~~إعلامية. اعتبره نقاده مشروعا رجعيا من شأنه أن يفتح الباب لعلم ~~تحسين النسل. إذا ما نظرنا إلى الماضي، فسيتضح لنا أن العديد من ~~النقاد كانت تحركهم ms097 دوافع سياسية فأساءوا عرض دراسات ويلسون. لكن ~~أثيرت أيضا انتقادات علمية سليمة، ثلاثة منها تستحق الذكر. أولا، ~~كان توقع ويلسون الواثق بأن العلوم الاجتماعية ستصبح «فرعا من علم ~~الأحياء» توقع لا يستند إلى أدلة. فاعتماد نهج تطوري للسلوك البشري ~~لا يعني بالضرورة الاستغناء عن علماء الاجتماع. فعلماء الاجتماع ~~يهتمون عادة بالتفسيرات المباشرة لا المطلقة (راجع الفصل الثاني). ~~ثانيا، نزع علماء الأحياء الاجتماعية إلى المبالغة في تبسيط ~~العلاقة بين الجينات والسلوك، وغالبا ما يتحدثون كما لو أن ~~الجينات تحدد أنماط سلوك معينة بشكل حاسم. وهذا افتراض غير صحيح ~~لأنه يتجاهل العوامل البيئية، ويتجاهل دور الإدراك في إنتاج السلوك ~~البشري. ثالثا، تكون تفسيرات علم الاجتماع الحيوي أكثر منطقية ~~عندما يكون السلوك عاما (مثل تجنب زنا المحارم). ولكن كثيرا من ~~السلوكيات البشرية «طيعة» للغاية، أي إنها عرضة للتغيير وفق ~~الظروف، ومتباينة عبر الثقافات. # اعتمد علم النفس التطوري هذين النقدين الأخيرين، وهو تخصص ظهر في ~~الثمانينيات خليفة لعلم الأحياء الاجتماعي، ووصل إلى أوجه في ~~يومنا هذا. كان الإسهام الرئيسي لعلم النفس التطوري هو البحث عن ~~تفسيرات تكيفية لا للسلوك البشري بشكل مباشر، بل لأسسه المعرفية أو ~~النفسية. يرى أنصاره أنه على الرغم من أن السلوك البشري متغير ~~وخاضع للتأثير الثقافي، إلا أنه يوجد مع ذلك تكوين نفسي عام يشترك ~~فيه جميع البشر طوره الانتخاب الطبيعي، وهو يحكم بقوة سلوكنا. ~~ويرون أنه يتكون من مجموعة من «الوحدات العقلية» تختص كل منها ~~بوظيفة محددة. ينتج السلوك الفعلي عن تشغيل وحدة ما في موقف محدد. ~~من أمثلة ذلك وحدة لمعالجة اللغة، ووحدة للتعرف على وجوه الآخرين، ~~ووحدة لاختيار الشريك، ووحدة لاكتشاف «الغش» في التعاملات ~~الاجتماعية. تتناقض فكرة الوحدات العقلية المتعددة، التي يطلق ~~عليها أحيانا نموذج «سكين الجيش السويسري»، مع وجهة النظر ~~التقليدية القائلة بأن البشر يؤدون مهام مختلفة باستخدام آلية ~~نفسية واحدة متعددة الوظائف. يرى علماء النفس التطوريون أن التنظيم ~~ذا الوحدات أكثر كفاءة؛ لأنه يسمح بإنتاج السلوك التكيفي بسهولة ~~أكبر. # على الرغم من أن علم النفس ms098 التطوري يعتمد على التكيف في جوهره، ~~فإن أنصاره لا يعتقدون أن سلوك الإنسان الحديث تكيفي في جميع ~~الحالات. فهم يرون أن العقل البشري متكيف بشكل جيد على أسلوب ~~حياة الصيد وجمع الثمار الذي ساد في معظم مراحل التطور البشري. ~~ولكن في آخر 12 ألف سنة، طرأت على البيئة تغيرات سريعة لم يتح ~~للتطور الجيني الوقت الكافي لمسايرتها. لذلك يمكن أن تؤدي «عقولنا ~~المتكيفة على العصر الحجري» إلى سلوكيات غير متكيفة على العالم ~~الحديث. هذه الفرضية المعروفة باسم «عدم التطابق التطوري» معقولة ~~تماما في بعض الحالات. على سبيل المثال، كان اشتهاؤنا للسكر على ~~الأرجح تكيفيا في البيئات التي تطور فيها هذا الاشتهاء ولكنه ~~يؤدي إلى السمنة في البيئات الحديثة التي يتوافر فيها السكر ~~بكثرة. تشمل بعض الأمثلة الأكثر إثارة للجدل السلوكيات الإدمانية، ~~والضغط العصبي في أماكن العمل، واكتئاب ما بعد الولادة، وقد قيل إن ~~كلا منها ينشأ من ميول نفسية متطورة كانت ستعد تكيفية في العصر ~~البليستوسيني. # على الرغم من أن علم النفس التطوري أفضل منهجيا من علم الأحياء ~~الاجتماعي، وأنه أدى إلى الكثير من الأبحاث المثيرة للاهتمام، ~~فإنه لم يسلم من الجدل. أحد أسباب ذلك هو هوس بعض علماء النفس ~~التطوريين الفضوليين بالسلوكيات الجنسية البشرية (وفيها الاغتصاب)، ~~والاختلافات بين الذكور والإناث؛ وهي موضوعات حساسة لا محالة. ~~أيضا، يرى نقاده أن الاعتقادات الفكرية لعلماء النفس التطوريين، ~~مثل إيمانهم بوجود تكوين نفسي عام للبشر وبالوحدات العقلية التي ~~تتحكم بها الجينات، تتجاوز الأدلة المتاحة. يتهم اتجاه نقدي آخر ~~علم النفس التطوري بتبنيه التكيفية الساذجة التي انتقدها جولد ~~ولونتين (راجع الفصل الثالث)، والتي تفترض مسبقا أنه يمكن إيجاد ~~تفسير تكيفي لأي صفة. على الرغم من أن هذه الانتقادات وجيهة، لا ~~سيما المتعلقة بأبحاث شهيرة في علم النفس التطوري، فإن أفضل أبحاث ~~هذا المجال تتوافق مع أعلى المعايير العلمية. # النقد الأخير، الذي يمكن في الواقع توجيهه إلى كل النظريات التي ~~تفترض أساسا وراثيا للسلوك البشري، هو أنها تتعارض مع إحساسنا ~~بالإرادة الحرة. نحن البشر نعتقد ms099 بديهيا أن أفعالنا ناتجة عن ~~اختياراتنا الواعية، أي إننا فاعلون متصرفون. لكن يبدو أن وجود ~~تأثيرات جينية قوية على سلوكنا، أو على تركيبنا النفسي الأساسي، ~~يزعزع هذا الاعتقاد. على سبيل المثال، على الأرجح ستجيب امرأة ~~تسأل عن سبب زواجها من رجل أعمال ناجح بأنها تحبه. ولكن كيف يمكن ~~أن يتوافق ذلك مع افتراض علماء النفس التطوريين أن النساء لديهن ~~«وحدة اختيار زوج» في تركيبهن تقودهن للبحث عن أزواج من ذكور ذوي ~~مكانة عالية؟ علاوة على ذلك، هو يهدد أيضا تحمل الأشخاص لمسئولية ~~أفعالهم. إذا كان لدى الذكور البالغين جينات تجعلهم عدوانيين، فكيف ~~يمكننا أن نلوم الذكر على فعل عدواني أثناء القيادة؟ ألن يستطيع أن ~~يتذرع بأن «جيناته هي التي دفعته إلى ذلك»؟ # يوجد ردان لهذه الحجة. أولا، لا أحد يقترح بجدية أن السلوك ~~البشري تحكمه بالكامل الجينات. إنما على الأكثر، قد تكون هناك ~~نزعات وراثية متفاوتة في شدتها، لسلوكيات معينة. ثانيا، والأهم من ~~ذلك، أن ما يهدد إحساسنا بالإرادة الحرة هو في الحقيقة فكرة أن ~~سلوكنا ناجم عن سبب ما لا عن اختيار حر؛ كون السبب «جينيا» من ~~عدمه لا يهم. فالأسباب البيئية تهدد إحساسنا بحرية الإرادة بالقدر ~~نفسه. افترض أنه اتضح أن السلوك العدواني لذكر بالغ ناتج عن عقاب ~~جسدي تعرض له في طفولته. يظل بإمكان الرجل الذي ارتكب فعلا ~~عدوانيا أثناء القيادة أن يدعي البراءة زاعما أن تجارب طفولته، ~~لا جيناته، هي التي دفعته إلى ذلك الفعل. كما يوضح هذا المثال، فإن ~~إيجاد مكان للإرادة الحرة في عالم تسوده الأسباب هي مسألة فلسفية ~~عامة جدا تنشأ في شتى المجالات. فهي لا تقتصر على علم الأحياء ~~الاجتماعي أو علم النفس التطوري، لذلك لا ينبغي أن تعتبر ~~اعتراضا على هاتين النظريتين فقط. # التطور الثقافي # هناك نهج مختلف تماما لتطبيق الأفكار الداروينية على السلوك ~~البشري يعرف باسم التطور الثقافي، أو نظرية الوراثة المزدوجة. وهي ~~نظرية تنطلق من ملاحظة وجود اختلافات ثقافية هائلة بين الجماعات ~~البشرية. تأمل على سبيل المثال اختلاف الترتيبات ms100 العائلية ~~والممارسات الجنائزية والأساليب المعمارية حول العالم. نظرا لأن ~~هذه الاختلافات الثقافية نشأت سريعا، في غضون بضعة آلاف من ~~السنين، يمكننا أن نجزم بأنها لا تنبع من الاختلافات الجينية. لذا ~~يبدو أن الثقافة البشرية «مستقلة» عن الأسباب البيولوجية. على ~~الرغم من ذلك، يظل من الممكن أن تتطور الثقافة من خلال عملية شبيهة ~~بالداروينية. حيث إن لدى البشر مصدرين متوازيين للوراثة، جينيا ~~وثقافيا. مثلما نرث الجينات من آبائنا البيولوجيين، فإننا نرث ~~الممارسات والمعتقدات الثقافية من «آبائنا الثقافيين»؛ الذين قد ~~يكونون آباءنا البيولوجيين أو أعضاء آخرين في جماعتنا الاجتماعية. ~~هذا يعني أنه من حيث المبدأ، يمكن أن يؤثر الانتخاب الطبيعي على ~~الاختلافات الثقافية وكذلك الجينية، مما يؤدي إلى انتشار بعض ~~الممارسات الثقافية بين السكان وانحسار بعضها. # يؤكد أنصار التطور الثقافي أن هذا قد حدث بالفعل. تأمل على ~~سبيل المثال تطور تخزين الطعام بمرور الزمن. في معظم تاريخنا، كنا ~~صيادين جامعين رحلا. بدأ هذا يتغير منذ نحو 10 آلاف عام، عندما ~~بدأ البشر يزرعون المحاصيل ويستأنسون الحيوانات في عدد من المواقع ~~المختلفة حول العالم. ثم انتشرت تربية الحيوانات والزراعة بسرعة ~~لتحل محل نمط الحياة التقليدي الذي يعتمد على الصيد وجمع الثمار، ~~وفي غضون بضعة آلاف من السنين صارت موجودة في جميع أنحاء العالم. ~~كان هذا يرجع إلى المحاكاة حين رأت الجماعات التي تعتمد على الصيد ~~وجمع الثمار فوائد الزراعة فتحولت إليها، وكذلك إلى الغزو ~~والاستعمار. بالطبع، لطالما عرف العلماء أن انتشار الزراعة أدى إلى ~~تحول جذري في البشرية. لكن الادعاء المميز لنظرية التطور الثقافي ~~هو أنها كانت عملية داروينية في حقيقتها، تفوق فيها تباين ثقافي ~~له الأفضلية (الزراعة) على تباين أقل تفوقا (البحث عن المؤن)، وهو ~~مماثل للطريقة التي تتفوق بها التنوعات الجينية التي لها الأفضلية ~~على أليلاتها في عملية التطور البيولوجي المعتادة. # في حالة التطور الجيني، الأثر التراكمي للانتخاب الطبيعي هو تكيف ~~الجماعات مع بيئتها وخلق التباين، كما رأينا في الفصل الثاني. ~~يجادل أنصار التطور الثقافي بأن الأمر نفسه ينطبق عندما يسري ms101 ~~الانتخاب الطبيعي على التباين الثقافي. للتوضيح، تأمل القدرة ~~المذهلة للبشر على التكيف مع بيئتهم المحلية، والتي سمحت للبشر ~~بأن يصبحوا أكثر الأنواع انتشارا ونجاحا على هذا الكوكب. تأمل ~~على سبيل المثال مهارات بناء الأكواخ الجليدية لدى شعب الإنويت، ~~ومهارات الصيد لدى شعب بوشمن في كالاهاري، أو مهارات بناء القوارب ~~لدى شعب الفايكنج، تلك جميعها كانت مهارات ضرورية للبقاء على قيد ~~الحياة في البيئات المعنية. وهي مهارات تنتقل ثقافيا وليس ~~وراثيا. لا يوجد «جين أكواخ جليدية» نقله شعب الإنويت إلى ~~ذريته؛ بل كانوا يعلمون صغارهم تلك المهارة التي صقلت تدريجيا ~~على مدى أجيال عديدة. وينطبق الشيء نفسه على العديد من الممارسات ~~الثقافية الأخرى. وبالتالي فإن التطور الثقافي أمر بالغ الأهمية في ~~تفسير كيفية تكيف المجموعات البشرية مع بيئاتها، وكيف تظهر ~~الاختلافات الثقافية بينها وتستمر. # ما العلاقة بين التطور الثقافي والتطور البيولوجي (أو الجيني)؟ ~~من ناحية، يعتمد الأول على الثاني، لكنهما من ناحية أخرى مستقلان. ~~لإدراك اعتماد التطور الثقافي على التطور البيولوجي، لاحظ أن ~~الممارسات الثقافية لا يمكن أن تنشأ وتنتشر إلا بسبب القدرات ~~الإدراكية للبشر، والتي تطورت هي نفسها عن طريق التطور البيولوجي. ~~على سبيل المثال، ما جعل ابتكار الزراعة وانتشارها اللاحق ممكنا ~~هو امتلاك البشر القدر اللازم من الذكاء والتواصل والقدرة على ~~محاكاة سلوكيات الغير. فلولا أن التطور البيولوجي أدى إلى امتلاك ~~الإنسان الإدراك اللازم لما نشأ التطور الثقافي من الأساس. أما ~~لإدراك استقلالهما، فلاحظ أن التطور الثقافي لا يعتمد على وجود ~~التباين الجيني، ويحدث بمقياس زمني أسرع بكثير من التطور ~~البيولوجي. يمكن للتباينات الثقافية أن تجتاح جماعة بشرية بسرعة ~~أكبر بكثير من التنوعات الجينية، فبينما تنتقل الجينات عموديا ~~فقط (من الآباء إلى الأبناء)، تستطيع الثقافة أن تنتقل أفقيا. ~~من ثم فإن السرعة التي يمكن أن ينتشر بها الجين المتحور يحكمها ~~فترة حياة الجيل، بينما لا يخضع انتشار تباين ثقافي جديد لمثل ذلك ~~القيد. # في بعض الحالات، يحدث تفاعل مثير للاهتمام بين التطور الثقافي ~~والبيولوجي. المثال التقليدي هو انتشار مزارع ms102 الألبان. بدأ استئناس ~~الماشية بغرض استهلاك حليبها الغني بالمغذيات منذ آلاف السنين، ~~وانتشر عن طريق التطور الثقافي. ولكن نجاح هذه الممارسة الثقافية ~~كان محدودا بسبب حقيقة أن معظم البشر يفتقرون إلى القدرة على هضم ~~اللاكتوز. أدى ظهور مزارع الألبان إلى ضغط انتخابي ملح لإيجاد ~~جين من شأنه أن يساعد في هضم اللاكتوز. في النهاية ظهر مثل هذا ~~الجين وانتشر عن طريق التطور «البيولوجي» عبر شمال أوروبا والشرق ~~الأوسط، حيث يوجد اليوم بنسب عالية. في المقابل، لم ينتشر جين ~~إنزيم اللاكتيز في المناطق التي لم تتبن مزارع الألبان، ولا يزال ~~موجودا بنسب منخفضة لدى معظم السكان اليوم في آسيا على سبيل ~~المثال. أي إننا وجدنا ارتباطا وثيقا بين وجود منطقة لها تاريخ ~~في إنشاء مزارع الألبان ووجود الجين لهضم اللاكتوز. النقطة المهمة ~~التي تجب ملاحظتها هنا هي التفاعل بين التطور البيولوجي والثقافي. ~~فقد أدى انتشار ممارسة ثقافية - مزارع الألبان - إلى خلق الظروف ~~اللازمة لعملية التطور البيولوجي لتغيير التكوين الجيني للمجموعة ~~التي انتشرت فيها هذه الممارسة الثقافية، مما سمح لهذه المجموعة ~~بعد ذلك بتحصيل الفوائد الكاملة لهذه الممارسة. يعرف هذا التفاعل ~~باسم «التطور الجيني-الثقافي المشترك». # قدم ريتشارد دوكينز نظرية مهمة في التطور الثقافي في كتابه ~~«الجين الأناني». وصف دوكينز عملية تطورية ينفرد بها جنسنا البشري، ~~تتنافس فيها كيانات تدعى «الميمات» على موضع في العقل البشري. ~~يقصد بالميم وحدة معلومات ثقافية، مثل أغنية أو طقس ديني، مثلما ~~يعد الجين وحدة للمعلومات الوراثية. رأى دوكينز أن الميمات، على ~~غرار الجينات، «مستنسخات»، أي كيانات تصنع منها نسخ. # بفضل نزعة الإنسان إلى المحاكاة، تنتقل الميمات من عقل شخص إلى ~~آخر، ومن حين لآخر تحدث أخطاء في النسخ. رأى دوكينز أن انتشار ~~الميمات يخضع للمبادئ الداروينية بصفة عامة. الميمات الأصلح للنسخ ~~لأي سبب كان، ستسود «تجميعة الميمات». وهذا هو السبب في وجود أغاني ~~البوب الجذابة والديانات التي تحث أتباعها على الدعوة لاعتناقها؛ ~~فتلك هي الاستراتيجيات التي تساعد الميمات المعنية (الأغنية ~~والدين) على الانتشار. تصور دوكينز نشأة علم ms103 مستقبلي للميمات، ~~يناظر علم الوراثة، يدرس المبادئ التي تنتشر بها الميمات في ~~جماعة. # على الرغم من أن طرح دوكينز كان ثاقبا، لم يؤت علم الميمات ~~ثماره وتحاشى معظم أنصار التطور الثقافي الحديث مفهوم الميم. يرجع ~~هذا جزئيا إلى عدم وجود تعريف واضح لما يعد ميما أو لكيفية ~~تحديده. فيبدو أنه لا توجد طريقة واضحة ل «تجزئة» ممارسة ثقافية ~~معقدة إلى وحدات متمايزة. فهل نعتبر الدين المسيحي ميما واحدا أم ~~عدة ميمات، على سبيل المثال؟ علاوة على ذلك، ارتبط مفهوم دوكينز ~~للميم باعتقادات فكرية معينة ليست من جوهر نظرية التطور الثقافي، ~~مثل الادعاء المثير للجدل بأن الميمات «تطفلت» على العقل البشري ~~لمصلحتها الخاصة. وأخيرا، أدى مفهوم الميم بالنقاد إلى الاستعجال ~~في صرف نظرهم عن أهمية التطور الثقافي، على أساس أن التشابه بين ~~الجينات والميمات متخيل ولا أساس له من الصحة. لهذه الأسباب، لا ~~ينبغي ربط نظرية التطور الثقافي بمفهوم الميم. # إحدى القضايا الفلسفية المثيرة للاهتمام هي ما إذا كان ينبغي ~~اعتبار التطور الثقافي والتطور البيولوجي نوعين متشابهين من ~~التطور. هل كلاهما تجسيد لنفس المنطق الدارويني المجرد؟ يرى أنصار ~~التطور الثقافي أنهما كذلك، لكن النقاد يشيرون إلى اختلافات شتى. ~~أحدها هو أن الثقافة يمكن أن تنتقل أفقيا ورأسيا. على الرغم من ~~صحة ذلك، يمكن القول إن هذا لا يجعل التطور الثقافي مختلفا ~~جوهريا عن نظيره البيولوجي. على الرغم من أن الانتقال الأفقي ~~للجينات لا يحدث في البشر، إلا أنه ليس مستحيلا بيولوجيا، بل ~~إنه شائع جدا في البكتيريا. هناك فارق أكبر وهو أن المتغيرات ~~الثقافية الجديدة لا تنشأ عادة عن طريق الصدفة، كما تفعل المتغيرات ~~الجينية الجديدة، بل هي اختراعات بشرية متعمدة. على سبيل المثال، ~~من الأرجح استبعاد أن يكون تحسين معين أدخل على تصميم القارب ~~الطويل ناتجا عن حدث عشوائي، بل هو صادر عن صانع قوارب ذكي من شعب ~~الفايكنج أدرك أن التصميم الحالي يمكن تحسينه. الاختلاف الأخير في ~~هذا الشأن هو أن الوراثة الثقافية «لاماركية»، بمعنى أن التعديلات ~~التي تجرى ms104 على صفة ثقافية معينة أثناء حياة الفرد يمكن أن تنتقل ~~لذريته. على النقيض من ذلك، فإن الوراثة البيولوجية ليست لاماركية ~~في العادة، إذ لا تنتقل التغييرات التي تتسبب بها البيئة للكائن ~~الحي عموما إلى ذريته. # هذان الاختلافان الأخيران مهمان، لكن لا ينبغي إعطاؤهما أكبر من ~~حجمهما. حقيقة أن تباينا ثقافيا جديدا نشأ بشكل متعمد، ولم ~~يظهر بشكل عشوائي، تتوافق تماما مع «انتشاره» بعد ذلك بنمط ~~دارويني، أي إن انتشاره يرجع إلى الميزة التكيفية التي يمنحها ذلك ~~التباين لمستخدميه. وبالمثل، فإن حقيقة أن الوراثة الثقافية ~~لاماركية تتوافق مع التعامل مع انتشار الثقافة باعتباره عملية ~~داروينية. من ناحية، كان داروين نفسه يؤمن بانتقال السمات المكتسبة ~~بالوراثة؛ وكان الداروينيون الجدد هم من رفضوا الوراثة اللاماركية. ~~علاوة على ذلك، أظهرت اكتشافات حديثة في مجال علم الوراثة فوق ~~الجينية أنه في حالات معينة، تكون الوراثة البيولوجية في حد ذاتها ~~لاماركية، إذ يمكن أن تنتقل التغيرات المكتسبة الموجودة في «علامات ~~الوراثة فوق الجينية»، ولكنها غير موجودة في تسلسل الحمض النووي ~~إلى الجيل التالي. لهذا السبب أيضا، لا ينبغي أن نستبعد فكرة أن ~~التطور الثقافي هو عملية داروينية حقيقية. # أخيرا، هناك علاقة مثيرة للاهتمام بين التطور الثقافي ومسألة ~~مستويات الانتخاب التي نوقشت في الفصل الخامس. لقد رأينا أنه بينما ~~تتطور معظم الصفات البيولوجية بسبب الميزة التي تمنحها الكائن ~~الحي، فإن هذا لا يحدث في جميع الحالات. بل هناك احتمال آخر وهو أن ~~الصفة تتطور لأنها مفيدة للجماعة، أي نتيجة للانتخاب على مستوى ~~الجماعة. ينطبق ذلك أيضا على الصفات الثقافية. من المفترض أن يعود ~~أسلوب زراعة محسن ينتشر بين المجموعة بالفائدة على كل مزارع ~~يستخدمه. لكن بعض الممارسات الثقافية الأخرى قد تتطور عن طريق ~~الانتخاب الجماعي. على سبيل المثال، لدى العديد من المجتمعات ~~التقليدية أنظمة معقدة من القواعد الاجتماعية التي تنظم سلوك ~~أفرادها. تلك القواعد يفرضها أفراد يعاقبون أي فرد ينتهكها. معاقبة ~~المخالف للقواعد عمل إيثاري، لأنه مكلف على المستوى الفردي ولكنه ~~مفيد للمجموعة. ومن ثم، فإنه من ms105 المرجح أن تكون الأعراف ~~الاجتماعية قد تطورت عن طريق انتخاب جماعي ثقافي. # في الفصل الخامس، رأينا أن الانتخاب على مستوى الجماعات كثيرا ~~ما كان يتشكك فيه في علم الأحياء. ولكن من المثير للاهتمام أن ~~الاعتراضات التقليدية على الانتخاب الجماعي الجيني قد لا تنطبق على ~~نظيره الثقافي. على وجه الخصوص، أحد الاعتراضات هو أن الهجرة بين ~~الجماعات سرعان ما ستجعلها متجانسة وراثيا، ومن ثم ستؤدي إلى ~~تقليل التباين بين الجماعات اللازم للانتخاب الجماعي. لكن في ~~الجانب الثقافي لا تنشأ مثل هذه المشكلة. فالهجرة بين الجماعات ~~البشرية لا تجعلها تلقائيا متجانسة ثقافيا؛ لأن المهاجرين ~~غالبا ما يتبنون الممارسات الثقافية لجماعتهم الجديدة. على ~~الرغم من أن الجدل حول هذه النقطة لا يزال دائرا، فإن الدلائل ~~تشير إلى أن الانتخاب الجماعي قد يكون قوة أكثر فاعلية في المجال ~~الثقافي منه في المجال الجيني. # إيجازا، بينما يركز علم ~~الأحياء الاجتماعي وعلم النفس التطوري على التطور البيولوجي للسلوك ~~البشري وأسسه المعرفية، تسلك نظرية التطور الثقافي نهجا مختلفا ~~تماما. يشير وجود اختلافات ثقافية بين البشر، وحقيقة الوراثة ~~الجينية-الثقافية المزدوجة، إلى أن عملية التطور الثقافي تعمل ~~بالتوازي مع عملية التطور الجيني في المجتمعات البشرية، بل تتفاعل ~~معها أحيانا. لقد أنتجت هذه النظرية دراسات تجريبية مذهلة، وأثارت ~~أسئلة فلسفية مثيرة للاهتمام، مثل ما إذا كان التطور الثقافي ~~والبيولوجي متشابهين جوهريا أم لا. # خاتمة # ماذا نستخلص من هذا العرض الموجز لفلسفة علم الأحياء؟ بالإضافة ~~إلى الدروس المستفادة المحددة المذكورة في كل فصل، فإن أهم درس ~~مستفاد بصفة عامة هو أن القضايا الفلسفية شائعة في علم الأحياء. ~~يعني هذا أن التأملات الفلسفية في علم الأحياء تلعب دورا مهما. ~~تساعد الفلسفة في تعميق فهمنا لصورة العالم التي يرسمها علم ~~الأحياء المعاصر من خلال تدقيقها في معاني المفاهيم البيولوجية، ~~ودراسة الآثار المترتبة على النظريات البيولوجية، واستكشاف منطق ~~التفسيرات البيولوجية. # | قراءات إضافية # الفصل الأول: لماذا فلسفة علم الأحياء؟ # Good overviews of the philosophy of ~~biology include # Sex and ~~Death # by Kim Sterelny and Paul ms106 Griffiths ~~(University of Chicago Press, 1999); Philosophy of Biology ~~, by Alex Rosenberg and ~~Daniel McShea (Routledge, 2008); and Philosophy of Biology # by Peter Godfrey-Smith ~~(Princeton University Press, 2016). Also useful are two ~~collections of articles: # A Companion ~~to Philosophy of Biology ~~, edited by Sahotra ~~Sarkar and Anya Plutynski (Blackwell, 2008); and # The Cambridge Companion to the Philosophy ~~of Biology ~~, edited by David L. Hull and ~~Michael Ruse (Cambridge University Press, ~~2007). # الفصل الثاني: التطور والانتخاب الطبيعي # Darwin’s argument is set out in # On the Origin of ~~Species ~~(John Murray, 1859). Paley’s design ~~argument can be found in his # Natural ~~Theology ~~(J. Faulder, 1802). A good ~~discussion of Darwin and Paley is Francisco J. Ayala’s ~~'Darwin’s greatest discovery: design without designer’, Proceedings of the National ~~Academy of Sciences # vol. 104, 2007. A good ~~introduction to the neo-Darwinian theory is John Maynard ~~Smith’s # The Theory of Evolution ~~(Cambridge University Press, 1993). The logic of Darwinian ~~explanation is explored by Elliott Sober in # The Nature of Selection ~~(University of Chicago Press, 1984), and by Daniel Dennett ~~in # Darwin’s Dangerous ~~Idea ~~(Penguin, 1995). The proximate/ultimate ~~distinction was set out by Ernst Mayr in 'Cause and effect ~~in biology’, # Science # vol. ~~134, 1961, and is critically re-assessed by Kevin N. Laland ~~et al. in 'Cause and effect in biology revisited’, # Science # vol. 334, 2011. The ~~evidence in favour of evolution is set out in Jerry Coyne’s # Why Evolution is True ~~(Oxford University Press, 2010). Elliott Sober’s # Evidence and Evolution ~~(Cambridge University Press, 2008) is an advanced discussion ~~of how evolutionary hypotheses can be tested against ~~data. # الفصل الثالث: الوظيفة والتكيف # Good discussions of biological ~~function include Philip Kitcher’s 'Function and design’ and Peter Godfrey-Smith’s 'Functions: consensus without unity’, ~~both reprinted in D. Hull and M. Ruse (eds.) Philosophy of Biology ~~(Oxford ~~University Press, 1998). The aetiological theory is set out ~~by Karen Neander in 'The teleological notion of “function”’, # Australasian Journal of Philosophy # vol. ms107 69, 1991. The causal role ~~theory derives from Robert Cummins’s article 'Functional ~~analysis’, # The Journal of Philosophy # vol. 72, 1975. The orthodox junk ~~DNA viewpoint is challenged by Joseph Ecker et al. in ~~'Genomics: ENCODE explained’, # Nature # vol. 489, 2012. W. Ford Doolittle ~~replies in 'Is junk DNA bunk? A critique of ENCODE’, Proceedings of the National ~~Academy of Sciences # vol. 110, 2013. Stephen ~~Jay Gould and Richard Lewontin’s critique of adaptationism ~~is found in 'The spandrels of San Marco and the Panglossian ~~paradigm’, Proceedings of the Royal ~~Society B ~~, vol. 205, 1979. A special issue of ~~the journal # Biology and Philosophy # 2009 contains papers re-assessing ~~Gould and Lewontin’s critique on the thirtieth anniversary ~~of its publication. # الفصل الرابع: مستويات الانتخاب Philosophical overviews of the levels ~~of selection include Elizabeth Lloyd’s article 'Units and ~~levels of selection’ in the online # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~, and ~~Samir Okasha’s # Evolution and the ~~Levels of Selection ~~(Oxford University Press, ~~2006). George Williams’s critique of group selection is ~~found in his # Adaptation and Natural ~~Selection ~~(Princeton University Press, 1966), ~~and discussed by Elliott Sober in # The Nature of Selection ~~(University of ~~Chicago Press, 1984). Hamilton’s original papers on kin ~~selection/inclusive fitness are reprinted in his collection # Narrow Roads of Gene ~~Land # vol. 1 (Oxford University Press, 1998). ~~A recent philosophical discussion of Hamilton’s work is ~~Jonathan Birch’s # The Philosophy of ~~Social Evolution ~~(Oxford University Press, ~~2017). The kin versus group selection issue is examined by ~~Elliott Sober and David Sloan Wilson in # Unto Others ~~(Oxford University Press, 1998), and by Samir Okasha in 'The relation between ~~kin and group selection’, # British ~~Journal for the Philosophy of Science ~~, vol. ~~67, 2015. Dawkins’s gene’s eye view of evolution is set out ~~in # The Selfish Gene ~~(Oxford University Press, 1976), and # The Extended Phenotype ~~(Oxford University Press, 1982). A good philosophical analysis of Dawkins’s ~~ideas is found in Kim Sterelny and Paul Griffith’s # Sex and Death ~~(University ms108 of ~~Chicago Press, 1999). The major transitions discussion stems ~~from John Maynard Smith and Eörs Szathmáry’s # The Major Transitions in ~~Evolution ~~(Oxford University Press, 1995); ~~good philosophical treatments include Peter Godfrey-Smith’s # Darwinian Populations ~~(Oxford University Press, 2009), and the collection # The Major Transitions in ~~Evolution Revisited ~~, edited by Kim Sterelny ~~and Brett Calcott (MIT Press, 2011). # الفصل الخامس: الأنواع والتصنيف # Marc Ereshefsky’s article 'Species’, ~~in the online # Stanford Encyclopedia ~~of Philosophy ~~, offers a good overview of the ~~species problem. Book-length treatments include John ~~Wilkins’s # Species ~~(University of California Press, 2009) and Robert Richards’s # The Species Problem ~~(Cambridge University Press, 2010). Mayr’s biological ~~species concept is set out in his # Animal Species and Evolution ~~(Harvard ~~University Press, 1963). A useful overview of species ~~concepts is Jerry Coyne and H. Allen Orr’s 'Speciation’ in ~~A. Rosenberg and R. Arp (eds.) Philosophy of Biology: An Anthology ~~(Blackwell, 2009). The species-as-individuals thesis is set ~~out by David Hull in 'A matter of individuality’, Philosophy of Science # 45, 1978; ~~a good discussion is Thomas Reydon’s 'Species are ~~individuals, or are they?’, Philosophy of Science # 70, 2003. The ~~widespread consensus that species do not have essences is ~~challenged by Michael Devitt in 'Resurrecting biological ~~essentialism’, Philosophy of ~~Science # 75, 2008. The Linnaean classification ~~system is discussed in Marc Ereshefsky’s # The Poverty of the Linnaean ~~Hierarchy ~~(Cambridge University Press, 2001). ~~A useful introduction to phylogenetic systematics is found ~~in David Hull’s 'Contemporary systematic philosophies’, in ~~E. Sober (ed.) # Conceptual Issues in ~~Evolutionary Biology ~~(MIT Press, 2008). # الفصل السادس: الجينات # Evelyn Fox Keller’s # The Century of the Gene ~~(Harvard University Press, 2000) discusses genetics in ~~historical perspective. Paul Griffiths’ and Karola Stotz’s # Genetics and Philosophy ~~(Cambridge University Press, 2013) offers a ~~broad overview of philosophical issues in genetics. Philip ~~Kitcher’s article '1953 and all that’, in # The Philosophical Review # 43, ~~1984, is the # locus ~~classicus # for the view that Mendelian ~~genetics cannot be reduced to molecular genetics. ~~Alternative ms109 perspectives on reductionism are found in ~~Sahotra Sarkar’s # Genetics and ~~Reductionism ~~(Cambridge University Press, ~~1998), and Ken Waters’s 'Molecular genetics’, in the online # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. The gene concept is examined at ~~length by Hans-Jörg Rheinberger and Staffan Muller-Wille in ~~the article 'Gene’ in the online # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~, and in ~~their book # The Gene ~~(University of Chicago Press, 2018). The idea of genetic ~~information is defended by John Maynard Smith in 'The ~~concept of information in biology’, Philosophy of Science # 67, 2000; it is ~~critiqued by Paul Griffiths in 'Genetic information: ~~a metaphor in search of a theory’, Philosophy of Science # 68, 2001; and by ~~Sahotra Sarkar in 'Decoding coding: information and DNA’, in ~~his # Molecular Models of ~~Life ~~(MIT Press, 2004). # الفصل السابع: السلوك البشري والعقل والثقافة # A good overview of how evolutionary ~~biology can be applied to the study of human behaviour is ~~Kevin Laland and Gillian Brown’s # Sense and Nonsense ~~(Oxford University Press, ~~2002). Kenneth Schaffner’s book # Behaving: What’s Genetic, What’s Not, and Why Should We ~~Care? ~~(Oxford University Press, 2016) offers ~~a searching discussion of behaviour genetics, heritability ~~analysis, and the challenges to the nature-nurture ~~dichotomy. Edward O. Wilson’s # On ~~Human Nature ~~(Harvard University Press, 1978) ~~is the original defence of human sociobiology; Wilson’s ~~ideas are critiqued by Philip Kitcher in # Vaulting Ambition ~~(MIT Press, ~~1985). John Tooby and Leda Cosmides outline evolutionary ~~psychology in their 'The psychological foundations of ~~culture’, in H. Barkow, L. Cosmides, and J. Tooby (eds.) # The Adapted Mind ~~(Oxford University Press, 1992). Good philosophical ~~discussions include Steve Downes’s article 'Evolutionary ~~psychology’ in the online # Stanford ~~Encyclopedia of Philosophy ~~, and David ~~Buller’s book # Adapting ~~Minds ~~(MIT Press, 2005). Cultural evolution ~~theory is outlined by Peter Richerson and Robert Boyd in ~~their book # Not by Genes Alone ~~(University of Chicago Press, 2005). Good ~~philosophical discussions include Tim Lewens’s book # Cultural Evolution ~~(Oxford University Press, ms110 2015), and his article of the same ~~name in the # Stanford Encyclopedia of Philosophy ~~. Cecilia Heyes’ book # Cognitive Gadgets ~~(Cambridge ~~University Press, 2018) integrates cultural evolution with ~~aspects of evolutionary psychology. # | مصادر الصور # (3-1) A spandrel ~~(5-1) Local populations of Ensatina ~~eschscholtzii (Redrawn with permission. American Society ~~of Ichthyologists and Herpetologists ~~(ASIH)). ~~(5-2) Phylogeny of the major primate ~~groups ~~(5-3) Reptilia ~~(6-1) Mendel’s ~~experiment ~~(6-2) DNA is composed of two ~~strands ms111