######OpenITI# #META# URI: 1450DinaCadilGhurab.AyyamFiBurma.Hindawi39525292 #META# Tags: novels #META# ID: 39525292 #META# Title: أيام في بورما #META# AuthorID: 97186075 #META# Author: جورج أورويل #META# EditorID: 46097241 #META# Editor: هبة عبد العزيز غانم #META# TranslatorID: 79161826 #META# Translator: دينا عادل غراب #META# Related_books: 1369GeorgeOrwell.BurmeseDays (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # | أيام في بورما # | أيام في بورما # تأليف # جورج أورويل # ترجمة # دينا عادل غراب # مراجعة # هبة عبد العزيز غانم # | الفصل الأول # كان يو بو كين، قاضي مركز كياوكتادا، في بورما العليا، جالسا في ~~شرفته. لم تكن الساعة قد تعدت الثامنة والنصف، لكنه كان شهر أبريل، ~~وكان الهواء مكتوما منذرا بساعات طويلة من الجو الخانق إبان ~~الظهيرة. بين الفينة والأخرى كانت تهب نسمات رقيقة، بدت باردة خلافا ~~للجو، فتهز زهور الأوركيد المروية حديثا التي تدلت من الإفريز. يبدو ~~للرائي من وراء الأوركيد جذع نخلة مغبر ومقوس، ثم السماء ~~اللازوردية المنيرة. وفي الأفق، على مستوى شديد الارتفاع حتى ليصيب ~~الرائي الدوار عند النظر إليها، دارت بضعة نسور دون أن يهتز لها ~~جناح. # راح يو بو كين يحدق في ضوء الشمس الشديد، من دون أن يطرف له جفن، ~~كأنه تمثال ضخم من البورسلين. كان رجلا في الخمسين من عمره، سمينا ~~للغاية حتى إنه لم ينهض من كرسيه دون مساعدة منذ سنوات، لكنه بدا ~~متناسق القوام وحسن الهيئة في جسامته؛ فالبورميون لا يترهلون وينتفخون ~~مثل الرجال البيض، وإنما يسمنون بتناسب، مثل الفاكهة حين تنضج. وكان ~~وجهه عريضا ms001 وأصفر وخاليا تماما من التجاعيد، وكانت عيناه عسليتين. ~~أما قدماه الغليظتان ذاتا القوسين المرتفعين والأصابع المتساوية ~~الطول فكانتا حافيتين، وكذلك كان رأسه الحليق حاسرا، وقد ارتدى أحد ~~تلك الأزر الآراكانية الزاهية ذات المربعات الخضراء والأرجوانية التي ~~يرتديها البورميون في المناسبات غير الرسمية. كان يمضغ نبات التانبول ~~من عبوة مدهونة بالورنيش على المنضدة بينما يتأمل حياته ~~الماضية. # كانت حياة ناجحة متألقة. تعود أقدم ذكريات يو بو كين إلى الثمانينيات ~~حين كان طفلا بكرش بارز عاريا واقفا يشاهد القوات البريطانية وهي ~~تزحف إلى ماندالاي منتصرة. تذكر ما اكتنفه من رعب من تلك الصفوف ~~من الرجال الضخام المتغذين على لحوم الأبقار، بوجوههم الحمراء ~~وستراتهم الحمراء؛ والبنادق الطويلة فوق مناكبهم، والوقع الثقيل ~~المتواتر لأحذيتهم ذات الرقاب العالية. كان قد أطلق ساقيه للريح بعد ~~مشاهدتهم بضع دقائق، فقد أدرك بمخيلته الطفولية أن شعبه ليس كفئا لتلك ~~السلالة من العمالقة. وهكذا سيطر عليه منذ طفولته طموح الانضمام إلى صف ~~البريطانيين وأن يصير كائنا متطفلا عليهم. # في سن السابعة عشرة حاول الالتحاق بوظيفة حكومية، لكنه فشل في الحصول ~~عليها، لكونه فقيرا وبلا صديق، وظل يعمل ثلاث سنوات في المتاهة ~~النتنة لبازارات ماندالاي، كاتبا لتجار الأرز وسارقا أحيانا. وهو ~~في العشرين جعلته ضربة حظ في عملية ابتزاز يمتلك أربعمائة روبية، فذهب ~~في الحال إلى رانجون وسلك طريقه إلى وظيفة كاتب في الحكومة بالرشوة. ~~وكانت الوظيفة مجزية رغم أن مرتبها كان زهيدا؛ في ذلك الوقت كانت ~~دائرة الكتبة تكسب دخلا ثابتا عن طريق الاختلاس من مخازن الحكومة، ~~وقد ألف بو كين تلقائيا هذا الأمر (كان حينذاك بو كين فحسب؛ إذ ~~جاء لقب التعظيم، يو، بعد ذلك بسنوات). بيد أن موهبته كانت أكبر من أن ~~يقضي حياته كاتبا، يسرق بائسا الآنات والبيسات. وذات يوم اكتشف أن ~~الحكومة لديها قصور في صغار الموظفين، ولذلك ستجري بعض التعيينات من ~~الكتبة. كان الخبر سيذاع بعد أسبوع، لكن من صفات بو كين المميزة أن ~~المعلومات تصل إليه قبل أي شخص آخر بأسبوع. وفي الحال ms002 رأى فرصته ~~وبلغ عن كل المتواطئين معه قبل أن يتنبهوا. أرسل أغلبهم إلى ~~السجن، وجعل بو كين موظفا مساعدا لشئون البلدة مكافأة على ~~أمانته، واستمر ترقيه منذ ذلك الحين. وهو الآن في السادسة ~~والخمسين، قاضي مركز، ومن المحتمل أن يرقى أكثر من ذلك ويصير نائب ~~المفوض بالوكالة، فيصير ندا لرجال الإنجليز بل قد يصيرون ~~دونه. # وكانت أساليبه في عمله قاضيا بسيطة. فلم يكن يبيع الحكم في قضية ولو ~~لأعلى الرشاوى؛ لأنه كان يعلم أن القاضي الذي يصدر أحكاما خاطئة ~~يقبض عليه عاجلا أو آجلا. فكان يتبع أسلوبا آمنا كثيرا، بأن ~~يأخذ رشاوى من الطرفين، ثم يصدر حكمه بناء على أسس قانونية صارمة. ~~وقد أكسبه هذا صيتا محمودا بكونه نزيها. وإلى جانب أرباحه من ~~المتقاضين، فرض يو بو كين جزية مستمرة، فيما يشبه نظام ضرائب ~~خاصا، على كل القرى الخاضعة لسلطته. وحين كانت أي قرية تتخلف عن ~~الوفاء بجزيتها كان يو بو كين يتخذ إجراءات تأديبية؛ بأن تهاجم ~~عصابات من المجرمين القرية، ويلقى القبض على زعماء القرية بتهم ~~باطلة، وهكذا دواليك؛ فكان سريعا ما يسدد المبلغ. كما أنه كان ~~يتقاسم مكاسب السرقات الكبرى التي تقع في منطقته. وكان أغلب هذه ~~الأشياء معروفا للجميع ما عدا رؤساء يو بو كين (إذ لا يوجد بين ~~المسئولين البريطانيين من يصدق أي شيء ضد رجاله على الإطلاق) لكن ~~دائما ما كانت المحاولات لفضحه تبوء بالفشل؛ فقد كان أنصاره، الذين ~~ظلوا أوفياء لحصتهم في الغنيمة، كثيرين جدا. حين كان يوجه أي ~~اتهام إلى يو بو كين، ما كان عليه سوى دحضه بصفوف من الشهود الزور، ~~متبعا ذلك باتهامات مضادة تخلفه في وضع أقوى من ذي قبل. وعلى ~~ذلك كاد أن يكون حصينا؛ لأنه كان شديد الدقة في حكمه على الرجال، فلا ~~يخطئ في اختيار أدواته، وكذلك لأنه كان شديد الانهماك في الحيل فلا ~~يفوته شيء قط إهمالا أو جهلا. كان من الممكن القول بيقين شبه تام ~~بأنه لن يكشف أبدا، وأنه سيمضي من نجاح إلى نجاح ms003 ، وأنه سوف يموت ~~أخيرا ملؤه الشرف، بثروة تقدر بمئات آلاف الروبيات. # وحتى بعد وفاته سيظل فلاحه متصلا. تفيد العقيدة البوذية بأن أولئك ~~الذي ارتكبوا إثما في حياتهم ستحل روحهم في البعث التالي في جسد فأر ~~أو ضفدع أو حيوان وضيع آخر. وكان يو بو كين بوذيا صالحا وانتوى أن ~~يتلافى هذا الخطر. فكان سيكرس سنواته الأخيرة لأعمال الخير التي ~~ستحشد له حسنات كافية لترجح كفتها على باقي حياته. ربما ستأخذ أعماله ~~الطيبة صورة بناء معابد بوذية؛ أربعة، خمسة، ستة معابد - سيخبره ~~الكهنة بالعدد - بمنحوتات حجرية ومظلات مطلية بالذهب وأجراس ترن مع ~~الريح، وفي كل رنة صلاة. وبهذا سوف يعود إلى الأرض في هيئة ذكر من ~~البشر - فالنساء في نفس المستوى تقريبا مع الفئران والضفادع - أو في ~~أفضل الظروف في هيئة حيوان مبجل كالفيل مثلا. # تدفقت كل هذه الأفكار سريعا في ذهن يو بو كين وبالصور في أغلب ~~الأحيان. كان عقله ذكيا لكن بدائيا تماما، فلم يعمل إلا من أجل ~~غاية محددة؛ أما التأمل المحض فكان أمره عسيرا عليه. كان في ذلك ~~الوقت قد وصل إلى النقطة التي كانت أفكاره متجهة إليها. وضع يديه ~~الصغيرتين بعض الشيء المثلثتي الشكل على ذراعي مقعده، واستدار إلى ~~الخلف قليلا ونادى بصوت به أزيز: ~~«با تايك! يا با تايك!» # ظهر با تايك، خادم يو بو كين، من خلال ستار الخرز الخاص بالشرفة، ~~وكان رجلا ضئيل الحجم مجدورا ترتسم على وجهه أمارات الجبن وشيء من ~~الجوع. لم يكن يو بو كين يدفع له أجرا، فقد كان لصا مدانا يمكنه ~~بكلمة منه أن يرسله إلى السجن. تقدم با تايك وهو يضم يديه جاثيا على ~~ركبتيه، وقد هبط بشدة حتى إنه أعطى الانطباع بأنه كان راجعا إلى ~~الوراء. # قال با تايك: «سيدي المعظم.» ~~«هل هناك أحد منتظر ليقابلني يا با تايك؟» # عد با تايك الزوار على أصابعه قائلا: «هناك زعيم قرية تيبينجي ~~الذي جاء بهدايا يا سيادة القاضي؛ واثنان من القرويين لديهما قضية ~~اعتداء ستحكم فيها سيادتك، وقد ms004 جاءا بهدايا أيضا؛ وكو با سين، رئيس ~~الكتبة في مكتب نائب المفوض يود أن يرى سيادتك؛ وهناك علي شاه، رجل ~~الشرطة، ورجل عصابة لا أعرف اسمه. أعتقد أنهما تعاركا بشأن بعض الأساور ~~الذهبية التي سرقاها؛ وهناك أيضا فتاة من القرية معها طفل.» # سأله يو بو كين: «ماذا تريد؟» ~~«تقول إن الطفل ابنك يا سيدي المعظم.» ~~«حسنا، وكم أحضر زعيم القرية؟» # اعتقد با تايك أنها عشر روبيات وسلة مانجو فقط. # قال يو بو كين: «أخبر الزعيم أن المبلغ لا بد أن يكون عشرين روبية، ~~وأن المشاكل ستلحق به وبقريته إن لم يصبح المال هنا غدا. سوف أرى ~~الباقين في الحال. أخبر كو با سين بأن يأتي لي هنا.» # ظهر كو با سين في غضون لحظة. كان رجلا منتصب القامة، ضيق ~~المنكبين، طويلا جدا بالنسبة إلى شخص بورمي، ذا وجه ناعم بشكل غريب ~~يذكرك بالمهلبية بالقهوة. كان يو بو كين يجده أداة مفيدة، فقد كان ~~يفتقر إلى الخيال ويعمل بجد، مما جعله كاتبا ممتازا، وكان السيد ~~ماكجريجور، نائب المفوض يعهد إليه بأغلب أسراره الرسمية. كانت أفكار يو ~~بو كين قد جعلته رائق المزاج فحيا با سين بضحكة وأشار إلى صندوق ~~التانبول. ~~«حسنا يا كو با سين، كيف صار موضوعنا؟ أرجو أن يكون، كما قد يقول ~~عزيزنا السيد ماكجريجور - تحول يو بو كين إلى اللغة الإنجليزية - «في ~~تقدم ملموس»؟» # لم يبتسم با سين على المزحة الصغيرة. لكنه أجاب وقد جلس متسمرا ~~منتصبا على المقعد الشاغر، قائلا: ~~«ممتاز يا سيدي. لقد وصلت نسختنا من الجريدة هذا الصباح. تفضل ~~بالنظر.» # ثم أخرج نسخة من جريدة ثنائية اللغة تسمى «بورميز باتريوت»، عبارة عن ~~جريدة رديئة وضيعة من ثماني صفحات، طبعت طباعة سيئة على ورق في رداءة ~~الورق النشاف، واحتوى جزء منها على أخبار مسروقة من جريدة «رانجون ~~جازيت»، وجزء آخر على بطولات قومية تافهة. وفي الصفحة الأخيرة انحرفت ~~حروف الطباعة تاركة الصفحة بالكامل في سواد الفحم، كأنه حداد على ضآلة ~~توزيع الجريدة. لكن المقال الذي فتح ms005 يو بو كين صفحته كانت طباعته ~~مختلفة بعض الشيء عن الباقي. وقد جاء فيه التالي: # في هذه الأوقات السعيدة، التي ترتقي فيها الحضارة الغربية ~~العظيمة بنا نحن السود المساكين، بأفضالها المتعددة من سينما ~~ورشاشات ومرض الزهري ... إلخ، ما الموضوع الذي قد يكون أكثر ~~إلهاما من الحياة الخاصة لأولياء نعمتنا الأوروبيين؟ لذلك ~~نعتقد أنه قد يكون مما يثير اهتمام قرائنا أن يعرفوا شيئا عن ~~الأحداث الواقعة في منطقة كياوكتادا في شمال البلاد، ولا سيما ~~عن السيد ماكجريجور، نائب المفوض المبجل للمنطقة ~~المذكورة. # السيد ماكجريجور من نوعية السادة الإنجليز كبار السن الطيبين، الذين ~~لدينا أمثلة عديدة جدا منهم أمام أعيننا، في هذه الأيام السعيدة. إنه ~~«رجل عائلة» كما يقول أبناء عمومتنا الإنجليز. السيد ماكجريجور رجل ~~عائلة بحق، حتى إنه لديه ثلاثة أطفال بالفعل في منطقة كياوكتادا، التي ~~لبث فيها عاما واحدا، وترك ستة أبناء صغار في آخر منطقة زارها، ~~شويميو. قد يكون السهو هو ما جعل السيد ماكجريجور يترك هؤلاء الرضع ~~الصغار دون أي إعالة، وأمهاتهم يواجهن الجوع ... إلخ. # كان هناك عمود آخر احتوى على أمور مشابهة، وكان رغم تفاهته أعلى ~~كثيرا من مستوى بقية الصحيفة. قرأ يو بو كين المقال باهتمام لآخره، ~~حاملا إياه على بعد ذراع - إذ كان بعيد النظر - فيما فغر شفتيه ~~مفكرا، ليكشف عن عدد كبير من الأسنان الصغيرة السليمة المصطبغة بحمرة ~~الدم من عصارة نبات التانبول. # ثم قال أخيرا: «سيحصل المحرر على ستة أشهر سجن على هذا.» ~~«إنه لا يمانع؛ إذ يقول إن دائنيه لا يتركونه وشأنه إلا وهو في ~~السجن.» ~~«تقول إن الكاتب المتدرب الصغير لديك، هلا بي، كتب هذا المقال ~~بمفرده؟ ذلك الفتى ذكي جدا، فتى واعد جدا! لا تقل ثانية إن هذه ~~المدارس الثانوية الحكومية مضيعة للوقت. سيحصل هلا بي على وظيفة ~~الكاتب لا شك.» ~~«هل تعتقد إذن يا سيدي أن ذلك المقال سيكون كافيا؟» # لم يحر يو بي كين جوابا في الحال، وإنما بدأ يتردد صوته وهو ~~ينفخ ويجاهد؛ إذ كان يحاول النهوض ms006 عن كرسيه. وكان با تايك يعرف هذا ~~الصوت، فظهر من خلف ستار الخرز، ووضع هو وبا سين يدا أسفل كل من ~~إبطي يو با كين وأنهضاه. وقف يو بو كين لحظة ليوازن ثقل بطنه فوق ~~ساقيه، في حركة شبيهة بحمال السمك وهو يضبط حمله. ثم أشار إلى با ~~تايك لينصرف. # ثم قال مجيبا سؤال با سين: «ليس كافيا، ليس كافيا على الإطلاق. ما ~~زال هناك الكثير لنفعله. لكن هذه هي البداية المناسبة. أصغ.» # ذهب إلى السور ليبصق مضغة قرمزية من التانبول، ثم شرع يذرع الشرفة ~~بخطوات قصيرة، واضعا يديه خلف ظهره، بينما جعله الاحتكاك بين فخذيه ~~الهائلين يتمايل قليلا. وكان يتحدث أثناء سيره بالرطانة الركيكة ~~للمكاتب الحكومية؛ مزيج من الأفعال البورمية والعبارات الإنجليزية ~~المبهمة قائلا: ~~«فلنتناول هذه المسألة من البداية. سوف نشن هجوما منظما على ~~الدكتور فيراسوامي، الجراح المدني ومأمور السجن. سوف نشهر به، ~~وندمر سمعته ونقضي عليه إلى الأبد في النهاية. ستكون هذه العملية ~~دقيقة بعض الشيء.» ~~«أجل يا سيدي.» ~~«لن يكون هناك خطر، لكن لا بد أن نعمل بتأن. فلسنا بصدد كاتب بائس ~~أو رجل شرطة. إننا بصدد مسئول كبير، وحين يكون المسئول كبيرا، حتى إن ~~كان هنديا، يختلف الأمر عما إذا كان كاتبا. كيف السبيل للقضاء على ~~كاتب؟ الأمر سهل؛ اتهام، عشرون شاهدا، ورفت ثم سجن. لكن لن يجدي ذلك ~~في هذه الحالة. لذلك سيكون سبيلي الرفق، ثم الرفق، ثم الرفق. من دون ~~فضيحة، والأهم من ذلك، من دون تحقيق رسمي. يجب عدم توجيه اتهامات يمكن ~~الرد عليها، لكن لا بد أن أرسخ في ذهن كل أوروبي في كياوكتادا أن ~~الدكتور شخص رذيل. فبماذا أتهمه؟ لن تفي الرشاوى بالغرض؛ فالأطباء لا ~~يحصلون على رشاوى مطلقا. ماذا إذن؟» # قال با سين: «ربما بإمكاننا الترتيب لوقوع تمرد في السجن. فيلقى ~~باللوم على الدكتور بصفته المأمور.» ~~«لا، هذا أمر خطير جدا. لا أريد أن يطلق حراس السجن النار من ~~بنادقهم في كل اتجاه. كما أنه أمر مكلف. من الجلي إذن ms007 أن الاتهام ~~يجب أن يكون عدم الولاء ... الوطنية، الترويج للشغب. لا بد أن نقنع ~~الأوروبيين أن الدكتور مؤمن بأفكار معادية لبريطانيا ولا يحمل لها ~~الولاء. هذا أسوأ كثيرا من الرشاوى؛ فهم يعلمون أن المسئولين ~~المحليين يتقاضون الرشاوى. لكن لندعهم يشكون في ولائه ولو للحظة ~~واحدة، وسوف يهلك.» # قال با سين معترضا: «سيكون هذا شيئا من الصعب إثباته؛ فالدكتور ~~مخلص جدا للأوروبيين، ويثور غضبه عند التفوه بأي شيء ضدهم. سوف ~~يعلمون الحقيقة، ألا تعتقد ذلك؟» # قال يو بو كين باطمئنان: «هراء، هراء. لا يوجد أوروبي يكترث البتة ~~للأدلة. ما دام للرجل وجه أسود، يكون الشك دليلا. ستصنع بعض الخطابات ~~المجهولة المصدر العجائب. إنها مسألة مثابرة فحسب؛ توجيه الاتهام، ~~والاستمرار في ذلك؛ ذلك هو السبيل مع الأوروبيين. خطاب مجهول المصدر ~~تلو الآخر، إلى كل أوروبي تباعا. وحين تثور شكوكهم تماما ...» أخرج يو ~~بو كين ذراعه القصيرة من وراء ظهره وطرقع بالإبهام والوسطى. وأردف ~~قائلا: «سنبدأ بهذا المقال في ال «بورميز باتريوت». سيستشيط ~~الأوروبيون غضبا حين يرونه. حسنا، والخطوة التالية ستكون إقناعهم أن ~~الطبيب هو من كتبه.» ~~«سيكون هذا عسيرا وهو لديه أصدقاء بين الأوروبيين، وكلهم يذهبون ~~إليه حين يمرضون. لقد عالج السيد ماكجريجور من الانتفاخ هذا الشتاء. ~~أعتقد أنهم يعتبرونه طبيبا ماهرا جدا.» ~~«كم أنت قاصر عن فهم العقلية الأوروبية يا كو با سين! إذا كان ~~الأوروبيون يذهبون إلى فيراسوامي فإنما هذا لأنه لا يوجد أي طبيب آخر ~~في كياوكتادا. لا يوجد أوروبي لديه ذرة من ثقة في شخص أسود الوجه. ~~حسبنا إرسال عدد كاف من الخطابات المجهولة المصدر. قريبا سأعمل على ~~الأمر حتى لا يتبقى له أصدقاء.» # قال با سين: «لدينا السيد فلوري، تاجر الأخشاب.» (كان ينطق الاسم ~~«السيد بورلي».) «إنه صديق حميم للطبيب. أراه يذهب إلى منزله كل صباح ~~حين يكون في كياوكتادا، حتى إنه دعاه مرتين إلى العشاء.» ~~«ها قد أصبت الآن. ما دام فلوري صديقا للطبيب من الممكن أن نتأذى؛ ~~فلا يمكنك إيذاء شخص هندي لديه صديق أوروبي ms008 . فهذا يعطيه ... ما تلك ~~الكلمة التي لديهم ولع شديد بها؟ ... وجاهة. لكن سيتخلى فلوري عن صديقه ~~سريعا جدا حين تبدأ المتاعب؛ فهؤلاء الناس لا يكنون مشاعر ~~الوفاء لأهل البلد. كما تصادف أنني أعلم عن فلوري أنه جبان، وأستطيع أن ~~أتعامل معه. أما أنت يا كو با سين فدورك أن تراقب خطوات السيد ~~ماكجريجور. هل كتب خطابات مؤخرا إلى المفوض؛ أقصد سرا؟» ~~«لقد كتب خطابا منذ يومين، لكن حين فتحناه على البخار وجدناه غير ذي ~~أهمية.» ~~«حسنا، سنعطيه شيئا ليكتب عنه. وبمجرد أن تساوره الشكوك في ~~الطبيب، سيحين الوقت لتلك المسألة الأخرى التي حدثتك عنها. وبهذا سوف ... ~~ماذا يقول السيد ماكجريجور؟ نعم، «نصيب طائرين بحجر واحد.» بل سربا ~~كاملا من الطيور. ها ها!» # كانت ضحكة يو بو كين عبارة عن صوت بقبقة مقزز يتصاعد من أعماق ~~معدته، كأنه يتأهب للسعال؛ إلا أنها كانت مرحة، بل وطفولية. لم ينبس ~~بالمزيد عن «المسألة الأخرى»، التي كانت شديدة السرية لمناقشتها في ~~الشرفة. حين رأى با سين أن اللقاء قد بلغ نهايته، هب واقفا وانحنى ~~فصار مثل مسطرة قابلة للطي. # وقال: «هل هناك شيء آخر تود أن أفعله يا سيادة القاضي؟» ~~«احرص على أن يحصل السيد ماكجريجور على نسخته من «بورميز باتريوت». ~~ومن الأفضل أن تخبر هلا بي بأن يقول إن لديه نوبة دوسنتاريا ويبتعد ~~عن المكتب. فسوف أحتاج إليه في كتابة الخطابات مغفلة التوقيع. هذا كل ~~المطلوب الآن.» ~~«هل أذهب إذن يا سيدي؟» # قال يو با كين بشيء من شرود الذهن: «في رعاية الرب.» وفي الحال صاح ~~مرة أخرى مناديا با تايك، فهو لا يضيع لحظة من اليوم. لذلك لم يمض ~~وقتا طويلا في محادثة الزوار الآخرين وصرف فتاة القرية دون أن ~~يجازيها، بعد أن تملى في وجهها وقال إنه لم يتعرف عليها. بعد ذلك ~~حان وقت الإفطار. بدأ يشعر بقرصات الجوع العنيفة، التي كانت تهاجمه في ~~هذه الساعة بالضبط كل صباح، وهي تعذب معدته، فصرخ في استعجال: ~~«با تايك! يا با تايك! كين ms009 كين! الإفطار! أسرعا، إنني أتضور ~~جوعا.» # كان في غرفة المعيشة وراء الستار مائدة سبق تجهيزها بوعاء أرز ضخم ~~وعشرة صحون تحتوي على أكلات الكاري والقريدس المجفف وشرائح المانجو ~~الأخضر. تهادى يو بو كين إلى المائدة وجلس وهو يخور وفي الحال انهمك ~~في الطعام. وقفت خلفه ما كين، زوجته، لتقوم على خدمته. كانت امرأة ~~نحيلة القوام، في الخامسة والأربعين من العمر، ذات وجه سمح، بني فاتح، ~~شبيه بوجه القردة. لم يلق يو بو كين لها بالا وهو يأكل. فقد كان ~~وعاء الأرز ملاصقا لأنفه وهو يحشر الطعام في فمه بأصابع سريعة متسخة ~~بالدهن، وأنفاس متلاحقة. كانت كل وجباته سريعة وضخمة وبانفعال؛ لم تكن ~~وجبات بقدر ما كانت طقوسا للانغماس والانهماك في أطباق الكاري ~~والأرز. وحين فرغ من الطعام رجع بظهره، وتجشأ عدة مرات، وطلب من ما كين ~~أن تأتي له بسيجار بورمي أخضر. فهو لم يدخن التبغ الإنجليزي قط، ~~وكان يقول إنه بلا مذاق. # بعد قليل، ارتدى يو بو كين ملابس العمل بمساعدة با تايك، ووقف برهة ~~يتطلع إلى نفسه بإعجاب في المرآة الطويلة في حجرة المعيشة، التي كانت ~~جدرانها خشبية، وبها عمودان، لا يزال جليا أنهما جذعا شجرتي ساج، ~~يحملان السقف. كانت حجرة معتمة وغير منظمة على غرار كل الحجرات ~~البورمية، مع أن يو بو كين كان قد فرشها على «الطراز الإنجليكي» ~~بخوان مكسو بقشرة خشبية ومقاعد، وبعض المطبوعات الحجرية للعائلة ~~المالكة ومطفأة حريق، وفرشت أرضيتها بحصائر خيزران، ملطخة بالكثير ~~من الجير وعصارة التانبول. # اتخذت ما كين مجلسها على إحدى الحصائر في الركن، تخيط بلوزة من الزي ~~البورمي التقليدي، فيما استدار يو بو كين على مهل أمام المرآة، ~~ليلقي نظرة على مظهره من الخلف. كان يرتدي عصابة رأس من الحرير بلون ~~وردي فاتح، وقميصا من الموسلين المنشى، وإزارا من حرير ماندالاي، ~~بلون برتقالي وردي رائع، موشى بلون أصفر. بذل جهدا ليدير رأسه ~~ويتطلع، مسرورا، إلى الإزار الذي ضاق عن مؤخرته الضخمة ولمع. كان ~~فخورا ببدانته؛ لأنه رأى في اللحم المكتنز ms010 رمزا لعظمته. هو الذي ~~كان في الماضي مجهولا وجائعا صار الآن بدينا وثريا ومهيب الجانب. ~~كان بدنه منتفخا بجثث أعدائه؛ وهي الفكرة التي أوحت إليه بشيء شديد ~~القرب من الشعر. # قال يو بو كين: «إزاري الجديد كان رخيص الثمن باثنين وعشرين روبية ... ~~ها ... يا كين كين؟» # أحنت ما كين رأسها فوق ما تخيطه. كانت امرأة بسيطة وتقليدية، لم ~~تتعلم من العادات الأوروبية أكثر مما تعلمه يو بو كين؛ فلم تكن ~~ترتاح للجلوس على الكراسي، وتذهب كل صباح إلى البازار حاملة سلة فوق ~~رأسها، مثل نساء القرية، وفي المساء ترى جاثية في الحديقة، تصلي ~~إلى برج المعبد الذي كان يتوج البلدة. وقد ظلت المؤتمنة على ~~مؤامرات يو بو كين لما يربو على عشرين عاما. # قالت ما كين: «لقد ارتكبت الكثير جدا من الإثم في حياتك يا كو بو ~~كين.» # لوح يو بو كين بيده وقال: «وما الضرر؟ ستشفع لي المعابد التي ~~سأبنيها عن كل شيء. ما زال أمامي متسع من الوقت.» # أحنت ما كين رأسها على الخياطة مرة أخرى، بأسلوب متمنع كانت ~~تأتيه عند استنكار شيء يفعله يو بو كين. # وقالت: «لكن ما الحاجة إلى كل هذه المكائد والمؤامرات يا كو بو كين؟ ~~لقد سمعتك وأنت تتحدث مع كو با سين في الشرفة. إنك تدبر الشر ~~للدكتور فيراسوامي. لماذا تريد الإيذاء بذلك الطبيب الهندي؟ إنه رجل ~~صالح.» ~~«ما أدراك بأمور العمل يا امرأة؟ إن الطبيب يعترض طريقي؛ فهو يرفض ~~الرشاوى في المقام الأول، مما يجعل الأمر صعبا على بقيتنا. بجانب ذلك ~~... حسنا، ثمة أمر آخر لن يسعك فهمه أبدا.» ~~«لقد صرت ثريا وذا نفوذ يا كو بو كين، فماذا استفدت من ذلك؟ لقد ~~كنا أكثر سعادة ونحن فقراء. أتذكر جيدا حين كنت مجرد موظف في ~~شئون البلدة، حين امتلكنا منزلا لأول مرة. كم كنا فرحين بأثاثنا ~~الخيزران الجديد، وبقلمك الحبر ذي الغطاء الذهبي! وكم داخلنا الفخر حين ~~زار منزلنا ضابط الشرطة الإنجليزي الشاب وجلس على أفضل كرسي واحتسى ~~زجاجة جعة! ليست ms011 السعادة في المال. ماذا عساك تريد بالمزيد من ~~المال؟» ~~«هذا هراء، هراء يا امرأة! انتبهي للطهي والحياكة واتركي أمور العمل ~~لأولئك الذين يفهمونها.» ~~«حسنا، لست على علم بشيء. إنني زوجتك وطالما أطعتك. لكن على ~~الأقل لم يفت الأوان لتكسب ثوابا. حاول أن تكسب ثوابا أكثر يا كو ~~بو كين! هلا اشتريت مثلا بعض السمك الحي ثم أطلقته في النهر؟ فمن ~~الممكن كسب ثواب كبير بتلك الطريقة. حين جاءني الكهنة هذا الصباح من ~~أجل الأرز أخبروني أن هناك كاهنين جديدين في الدير، وأنهما جائعان. ~~هلا أعطيتهما شيئا يا كو بو كين؟ فإنني لم أعطهما شيئا حتى تكسب ~~أنت الثواب على ذلك.» # تحول يو بو كين عن النافذة. كان الرجاء قد مسه قليلا. وهو لم ~~يكن يفوت فرصة لكسب الثواب، ما دام يمكنه ذلك دون متاعب. كان يرى أن ~~حسناته المتراكمة بمثابة وديعة في مصرف، تزداد باستمرار. فقد كان في كل ~~سمكة يطلق سراحها في النهر، وكل هدية لأحد الكهنة، خطوة تقربه ~~للنرفانا. وكان له في هذا الاعتقاد طمأنينة. هكذا أمر بضرورة إرسال سلة ~~المانجو، التي أحضرها زعيم القرية، إلى الدير. # وفي الحال غادر المنزل وسار على الطريق، يتبعه با تايك حاملا ملف ~~أوراق. كان يمشي على مهل، مستقيم القامة بشدة للحفاظ على توازن معدته ~~الضخمة، حاملا مظلة صفراء من الحرير فوق رأسه. كان إزاره الأصفر يلمع ~~في أشعة الشمس كأنه حلوى برالين مصنوعة من حرير. كان في طريقه إلى ~~المحكمة للحكم في قضايا اليوم. # | الفصل الثاني # في نفس الوقت الذي بدأ فيه يو بو كين أعماله الصباحية، كان «السيد ~~بورلي»، تاجر الأخشاب وصديق الدكتور فيراسوامي، يغادر منزله متجها ~~إلى النادي. # كان فلوري في الخامسة والثلاثين تقريبا، متوسط الطول، غير سيئ ~~البنيان. كان ذا شعر جاف حالك السواد منحسر أسفل رأسه، وشارب أسود ~~حليق، وبشرة شاحبة في الأصل وقد لوحتها الشمس. ولم يبد أكبر من سنه ~~لأنه لم يزدد بدانة ولا غدا أصلع، لكن كان وجهه كالحا مع أنه مسفوع، ~~بوجنتين مهزولتين ms012 ، وعينين غائرتين تلوح فيهما نظرة ذابلة. بدا واضحا ~~أنه لم يحلق هذا الصباح. كان يرتدي ملابسه المعهودة، قميصه الأبيض، ~~وسرواله القصير الكاكي، وشرابه، لكنه بدلا من القبعة الصغيرة الشبيهة ~~بالخوذة ارتدى قبعة عريضة الإطار مهترئة، مائلة على إحدى عينيه. وكان ~~يحمل عصا خيزران بحزام رفيع للمعصم، فيما سارت خلفه متمهلة كلبة ~~صيد سوداء تدعى فلو. # بيد أن كل هذه الأشياء كانت ملاحظات ثانوية. فأول ما يلفت النظر في ~~فلوري هو وحمة بشعة، ممتدة على شكل هلال على وجنته اليسرى، من عينه حتى ~~زاوية فمه. وعند رؤية وجهه من الجانب الأيسر كان يبدو مضروبا وكئيبا، ~~كأن الوحمة عبارة عن كدمة؛ إذ كانت زرقاء داكنة. وكان هو مدركا تماما ~~بشاعتها، حتى إنه كان طول الوقت يواريها بحركاته حين لا يكون بمفرده؛ ~~إذ كان يتحايل دائما لإخفاء وحمته عن الأنظار. # كان منزل فلوري في أعلى الميدان، قريبا من حدود الغابة. كان الميدان ~~ينحدر من البوابة بشدة، مقفرا وكاكي اللون، وقد تناثرت فيه ستة ~~أكواخ بيضاء بياضا مبهرا، راحت تهتز وترتعد كلها من لفح الهواء. في ~~منتصف التل قامت جبانة إنجليزية أحاط بها جدار أبيض، وعلى مقربة منها ~~كنيسة صغيرة ذات سطح صفيح. وقام وراء ذلك النادي الأوروبي، البناء ~~الخشبي البالي ذو الدور الواحد، الذي كان المركز الحقيقي للبلدة. ~~فالنادي الأوروبي في أي بلدة في الهند هو القلعة الروحية، المقر ~~الحقيقي للسلطة البريطانية، النرفانا التي يصبو إليها المسئولون ~~والمليونيرات المحليون دون طائل. لكن بلغت هذه القيمة الضعف في هذه ~~الحالة؛ إذ كان مما يتباهى به نادي كياوكتادا في فخر، أنه يكاد يكون ~~الوحيد بين نوادي بورما، الذي لم يقبل قط في عضويته أي شرقي. وفيما ~~وراء النادي تدفق نهر الإيراوادي الضخم وقد لمعت مياهه التي سقط عليها ~~شعاع الشمس مثل الألماس؛ ووراء النهر امتدت مساحات شاسعة من حقول ~~الأرز، وانتهت في الأفق بسلسلة من التلال المسودة. # وقعت البلدة الأصلية، والمحاكم والسجن، إلى اليمين، وقد توارى ~~أغلبها وراء الأيك الأخضر لأشجار التين المجوسي، فيما ارتفع ms013 برج ~~المعبد فوق الأشجار مثل رمح رفيع برأس ذهبي. كانت كياوكتادا إلى حد ~~ما من بلدات بورما العليا التقليدية، التي لم تتغير كثيرا منذ أيام ~~ماركو بولو حتى عام 1910، وربما كانت ستلبث قرنا آخر في العصور الوسطى ~~لو لم تثبت أنها موقع مناسب لمحطة نهاية خط سكة حديد. في عام 1910، ~~جعلتها الحكومة مقرا للمنطقة ومركزا للتقدم؛ وهو ما يمكن تفسيره ~~بمجموعة من المحاكم، بجيشها من المترافعين البدناء لكن شرهين، ومستشفى، ~~ومدرسة وأحد تلك السجون الهائلة الراسخة التي بناها الإنجليز في كل ~~موضع بين جبل طارق وهونج كونج. وصل عدد سكانها إلى أربعة آلاف تقريبا، ~~من بينهم بضع مئات من الهنود، وبضع عشرات من الصينيين، وسبعة ~~أوروبيين. كان هناك أيضا أوروبيان آسيويان يدعيان السيد فرانسيس ~~والسيد صامويل، ابنا مبشر معمداني أمريكي ومبشر روماني كاثوليكي على ~~التوالي. لم يكن في البلدة عجائب من أي نوع، باستثناء راهب هندي عاش ~~عشرين عاما على شجرة قرب أحد البازارات، يرفع طعامه في سلة كل ~~صباح. # تثاءب فلوري أثناء خروجه من البوابة، وكان قد شرب في الليلة السابقة ~~حتى صار شبه ثمل، ولذا جعله وهج الشمس يشعر بتوعك. قال لنفسه وهو ينظر ~~أسفل التل: «يا لها من حفرة لعينة!» ولما لم يكن قربه أحد سوى الكلب، ~~راح يغني بصوت عال: «لعينة، لعينة، لعينة، كم أنت لعينة!» على ~~لحن «مقدس، مقدس، مقدس، كم أنت مقدس.» أثناء سيره هابطا الطريق الأحمر ~~الحار، وهو يحطم الحشائش الجافة بعصاه. كانت الساعة التاسعة تقريبا ~~والشمس تزداد لهيبا مع كل دقيقة. كان القيظ يهبط على الرأس، بخفق ~~مستمر متواتر مثل ضربات بوسادة ضخمة. توقف فلوري عند بوابة النادي، ~~متحيرا أيدخل أم يمضي في طريقه ويلاقي الدكتور فيراسوامي. ثم تذكر أنه ~~كان «يوم البريد الإنجليزي» وأن الجرائد ستكون قد وصلت، فدخل، مارا ~~بشبكة ملعب التنس الكبيرة، التي غطاها نبات متسلق بزهور بنفسجية ~~تشبه النجوم. # وعلى جانبي الممشى انتشرت صفوف من الزهور الإنجليزية - الفلوكس ~~والعائق والخطمي والبتونيا - التي لم تقض عليها الشمس بعد بأحجام ms014 ~~ضخمة ووفرة. كانت زهور البتونيا ضخمة، تكاد تعادل حجم الأشجار. ولم ~~يكن هناك حديقة، وإنما جنبة من الأشجار والشجيرات المحلية - مثل أشجار ~~البوانسيانا الملكية مثل مظلات هائلة بزهور في حمرة الدم، والياسمين ~~الهندي ذات الزهور القشدية اللون، والجهنمية الأرجوانية، والخطمي ~~القرمزي، والورد الصيني الوردي وأشجار كروتون خضراء ضاربة للأصفر، ~~وأشجار التمر هندي بأوراقها الشبيهة بالريش. كان التضارب بين الألوان ~~مؤذيا للعين في وهج الشمس. في هذه الغابة من الزهور، راح يتحرك ~~بستاني شبه عار، بيده مرشة مياه، فبدا مثل طائر كبير يمتص ~~الرحيق. # على سلم النادي، وقف رجل إنجليزي واضعا يديه في جيبي سرواله ~~القصير، كان ذا شعر أشقر رملي وشارب شائك، وعينين رماديتين باهتتين ~~شديدتي التنائي، وربلتين نحيلتين نحولا غير عادي. كان هذا هو السيد ~~ويستفيلد، مفوض شرطة المنطقة، الذي بدا عليه ضجر شديد وهو يتأرجح على ~~عقبيه إلى الأمام والخلف ويزم شفته العليا حتى وخز شاربه أنفه. وقد ~~حيا فلوري بإيماءة خفيفة من رأسه. كان أسلوبه في الحديث مقتضبا ~~وعسكريا، يغفل أي كلمة يمكن إغفالها. وكان كل ما يتفوه به ~~تقريبا يقصد أن يكون مزحة، بيد أن نبرة صوته كانت رتيبة ~~وحزينة. ~~«مرحبا يا عزيزي فلوري. إنه صباح لعين فظيع، أليس كذلك؟» # قال فلوري وقد استدار بجسمه قليلا لكي يخفي وحمته عن ويستفيلد: ~~«أعتقد أننا لا بد أن نتوقع هذا في هذا الوقت من العام.» ~~«صحيح، سحقا. أمامنا بضعة أشهر من هذا الجو. في العام الماضي لم ~~تسقط قطرة مطر واحدة حتى شهر يونيو. انظر إلى تلك السماء اللعينة، ليس ~~فيها من سحابة. مثل واحدة من تلك القدور الضخمة اللعينة المطلية ~~بالمينا الزرقاء. يا إلهي! بم تضحي لتكون في بيكاديلي الآن، ~~هه؟» ~~«هل وصلت الجرائد الإنجليزية؟» ~~«نعم، مجلة «بانش» الأثيرة، و«بينكان» و«في باريزيان». إن المرء ~~ليشعر بحنين إلى الوطن عند قراءتها، صحيح؟ هيا ندخل لنحتسي شرابا ~~قبل أن ينفد الثلج كله. فقد استهلك لاكرستين العجوز كميات كبيرة منه، ~~وبدأ يثمل بالفعل.» # دخل الاثنان، وويستفيلد يقول بصوته الكئيب: «تفضل ms015 أنت أولا.» كان ~~النادي من الداخل مكانا جدرانه من خشب الساج تفوح منه رائحة نفط خام، ~~لا يزيد عن أربع حجرات فقط، احتوت واحدة منها على «مكتبة» مهجورة بها ~~خمسمائة رواية تسلل إليها العفن، وضمت حجرة أخرى طاولة بلياردو ~~قديمة وبالية، بيد أنها كانت نادرا ما تستخدم؛ إذ كانت أسراب ~~الخنافس الطائرة تطن حول المصابيح وتتناثر على المفرش غالبية العام. ~~كان هناك أيضا حجرة للعب الأوراق و«قاعة جلوس» تطل على النهر، فوق ~~شرفة واسعة؛ لكن جميع الشرفات كانت في هذا الوقت مغطاة بأستار من ~~الخيزران الأخضر في هذا الوقت من اليوم. كانت قاعة الجلوس حجرة لا تبعث ~~على الراحة، على أرضيتها حصير من ليف جوز الهند، وذات كراس وطاولات من ~~الخوص تناثرت عليها صحف مصورة لامعة. كان بها على سبيل الزينة عدد ~~من صور «الجرو بونزو» وجماجم متربة لغزال السامبار. وكانت مروحة سقف، ~~وهي تخفق متراخية، تذر الغبار في الهواء الفاتر. # كان في الحجرة ثلاثة رجال. أسفل المروحة تمدد على الطاولة رجل في ~~الأربعين، متورد الوجه، حسن المظهر، منتفخ قليلا، واضعا رأسه بين ~~كفيه، وهو يتأوه من الألم. كان هذا السيد لاكرستين، المدير ~~المحلي لشركة أخشاب، وكان قد أسرف في الشراب الليلة السابقة، ويعاني ~~من ذلك الآن. وقف إليس، المدير الإقليمي لشركة أخرى، قبالة لوحة ~~الإعلانات، متفحصا إعلانا ومنظره ينم عن تركيز شديد. كان شخصا ~~ضئيلا أشعث الشعر ذا وجه شاحب حاد الملامح وحركات مضطربة. وكان ~~ماكسويل، مسئول الغابات بالإنابة، مستلقيا على أحد المقاعد الطويلة ~~يقرأ مجلة «ذا فيلد»، لا يبدو منه سوى ساقين ضخمتي العظام وساعدين ~~عريضين مكسوين بشعر ناعم. # قال ويستفيلد، وهو يمسك السيد لاكرستين بشيء من المودة من منكبيه ~~ويهزه: «انظر إلى هذا الرجل العجوز الشقي. إنه مثال للشباب، صحيح؟ ~~كنت سأصبح مثله لولا فضل الرب. إنه يعطيك فكرة كيف سيكون حالك في ~~الأربعين من العمر.» # غمغم السيد لاكرستين قائلا كلمة بدت مثل «براندي». # قال ويستفيلد: «يا للرجل العجوز المسكين، دائما شهيد للشراب، هه ؟ ~~انظر إليه وهو ms016 ينز من مسامه. يذكرني بالكولونيل العجوز الذي كان ~~ينام من دون ناموسية. حين سألوا خادمه عن السبب قال: «بالليل يكون سيدي ~~ثملا للغاية حتى إنه لا يشعر بالناموس؛ وفي الصباح، يكون الناموس ~~ثملا للغاية حتى إنه لا ينتبه لسيدي.» انظر إليه؛ أسرف في الشراب ليلة ~~أمس والآن يطلب المزيد. وستأتي ابنة أخيه الصغيرة لتقيم معه. ستأتي ~~الليلة، أليس كذلك يا لاكرستين؟» # قال إليس دون أن يستدير: «اترك هذا السكير الثمل وشأنه.» وكانت له ~~لهجة كوكني خبيثة. غمغم السيد لاكرستين مرة أخرى قائلا: «ابنة أخ! ~~أحضر لي بعض البراندي، بحق المسيح.» ~~«يا له من درس جيد لابنة الأخ، ها؟ أن ترى عمها ثملا سبع مرات في ~~الأسبوع. أيها الساقي! أحضر براندي للسيد لاكرستين!» # جاء بالبراندي على صينية نحاسية ساق درافيدي أسمر جسيم ذو عينين ~~صفراوين لامعتين مثل عيني الكلب. طلب فلوري وويستفيلد شراب الجين. ~~ابتلع السيد لاكرستين بضع جرعات من البراندي واسترخى في مقعده، ~~متأوها باستسلام أكثر. كان ذا وجه بريء ممتلئ، بشارب شبيه بفرشاة ~~الأسنان. وقد كان رجلا ضعيف العقل جدا حقا، ليس لديه من الطموح ~~سوى أن يحظى بما سماه «وقت طيب». وكانت زوجته تسيطر عليه بالطريقة ~~الوحيدة الممكنة؛ ألا وهي ألا تجعله يغيب عن ناظريها لأكثر من ساعة أو ~~ساعتين قط. مرة واحدة فقط، بعد زواجهما بعام، تركته لأسبوعين، وحين ~~عادت قبل ميعادها بيوم على نحو مفاجئ، وجدت السيد لاكرستين، ثملا، ~~تسنده على الجانبين فتاة بورمية عارية، بينما كانت ثالثة تقلب زجاجة ~~ويسكي فوق فمه. ومن ساعتها وهي تراقبه، «كما يراقب قط جحرا لعينا ~~لفأر»، كما اعتاد أن يشكو. بيد أنه تمكن من الاستمتاع بعدد كبير من ~~«الأوقات الطيبة»، مع أنها كانت عادة أوقاتا عاجلة بعض الشيء. # قال لاكرستين: «يا إلهي، ماذا أصاب رأسي هذا الصباح؟ ناد ذلك الساقي ~~مرة أخرى، يا ويستفيلد. يجب أن أحصل على براندي آخر قبل أن تصل زوجتي. ~~تقول إنها سوف تخفض شرابي لأربع كئوس في اليوم حين تصل ابنة أخي.» ~~ثم أردف ms017 في حزن: «محقهما الرب!» # قال إليس بغلظة: «توقفوا جميعا عن التحامق وأصغوا إلى هذا.» كان ~~له أسلوب جارح في الكلام، حتى إنه لم يكن يفتح فمه دون أن يسب أحدا. ~~وقد تعمد المبالغة في لكنته الكوكنية، للنبرة التهكمية التي تضفيها ~~على كلماته. «هل رأيتم إعلان العجوز ماكجريجور؟ إنه هدية لكل فرد. ~~استيقظ وأصغ يا ماكسويل!» # أنزل ماكسويل مجلة «ذا فيلد». كان شابا أشقر مشرق الوجه لا يربو ~~عن الخامسة أو السادسة والعشرين؛ صغيرا جدا على الوظيفة التي ~~يشغلها. يذكرك بأطرافه الثقيلة وأهدابه البيضاء الكثيفة بمهر جر ~~العربات. نزع إليس الإعلان من على اللوحة بحركة بسيطة عنيفة ودقيقة ~~وبدأ قراءته بصوت عال. كان قد نشره السيد ماكجريجور، الذي كان يعمل ~~أمينا للنادي، بجانب كونه نائب المفوض. «فلتصغوا لهذا: «حيث إنه لا ~~يوجد بعد أعضاء شرقيون في هذا النادي. وبما أنه من المألوف الآن ~~قبول موظفي الحكومة الذين تنشر رتبهم في الجريدة الرسمية، سواء ~~كانوا من أهل البلد أو أوروبيين، في عضوية أغلب الأندية الأوروبية، ~~فلا بد أن ننظر مسألة اتباع هذا النهج في كياوكتادا. سوف يطرح الأمر ~~للمناقشة في الجمعية العمومية التالية. من ناحية يمكن الإشارة إلى» ... ~~حسنا، لا حاجة للخوض في الباقي. إنه لا يستطيع كتابة إعلان حتى دون أن ~~تنتابه نوبة إسهال أدبي. على أي حال، بيت القصيد أنه يطلب منا خرق ~~كل القواعد وأن نقبل بفتى زنجي صغير طيب في هذا النادي. الدكتور ~~فيراسوامي العزيز، مثلا، الذي أدعوه الدكتور شديد اللزوجة. ستكون هذه ~~مكافأة، أليس كذلك؟ أن يطلق زنوجا صغارا بكروش مستديرة لينفثوا ~~رائحة الثوم في وجهك على مائدة البريدج. رباه، لا أطيق حتى التخيل. لا ~~بد أن نتكاتف معا ونتمسك بموقفنا حيال هذا الأمر في الحال. ما رأيك ~~يا ويستفيلد؟ وأنت يا فلوري؟» # هز ويستفيلد منكبيه النحيلين بتفلسف، وكان قد جلس إلى الطاولة وأشعل ~~لفافة من السيجار البورمي الأسود كريه الرائحة. # وقال: «أعتقد أننا لا بد أن نتقبل الأمر. فالسكان المحليون الحثالة ~~يدخلون كل النوادي الآن، حتى ms018 نادي بيجو كما أخبرت. فهذا هو النهج الذي ~~سيتخذه هذا البلد كما ترى. إننا آخر ناد صمد ضدهم في ~~بورما.» ~~«هذا صحيح؛ بل وسوف نداوم على صمودنا بلا شك. فسوف أظل أقاوم ~~حتى الموت قبل أن أرى زنجيا هنا.» وأخرج إليس عقب قلم رصاص. وأعاد ~~تثبيت الإعلان على اللوحة تلفه هالة غريبة من النكاية التي يستطيع ~~بعض الرجال أن يبدوها في أقل حركاتهم، وخط بالقلم أمام توقيع السيد ~~ماكجريجور حرفي «أ. ل.» (أي أحمق لعين) بخط صغير ومنمق. «هذا رأيي ~~في فكرته. سأخبره به حين يأتي. ما رأيك أنت يا فلوري؟» # لم يكن فلوري قد نبس ببنت شفة طوال هذا الوقت. رغم أنه لم يكن بطبعه ~~رجلا هادئا على الإطلاق، فقلما كان يجد الكثير لقوله في محادثات ~~النادي. كان قد جلس إلى الطاولة وجعل يقرأ مقال جي كيه تشسترتون في ~~مجلة «لندن نيوز»، بينما يربت على رأس فلو بيده اليسرى. غير أن ~~إليس كان واحدا من أولئك الناس الذين يلحون على الآخرين ~~ليرددوا آراءهم. أعاد سؤاله، فرفع فلوري ناظريه، والتقت ~~عيناهما. فجأة صار الجلد حول أنف إليس شاحبا جدا حتى كاد يكون ~~رماديا، وكانت هذه من علامات غضبه. وبدون أي مقدمات انفجر في سيل ~~من التوبيخ الذي كان سيصيب الآخرين بالدهشة، لو لم يكونوا معتادين ~~على سماع شيء مثله كل صباح. ~~«يا إلهي، وأنا كنت أظن أنه في مسألة كهذه، حين يكون السؤال ~~متعلقا بإبعاد أولئك الخنازير العفنين السود عن المكان الوحيد الذي ~~يتسنى لنا فيه الاستمتاع بوقتنا، أنك ستتحلى باللياقة لتأييدي. حتى ~~إن كان ذلك الدكتور الزنجي الأكرش القذر التافه الحقير أفضل أصدقائك. ~~لا يعنيني إن كنت تؤثر مرافقة حثالة البازار. إذا كان يسرك أن تذهب ~~إلى منزل فيراسوامي وأن تحتسي الويسكي مع كل رفاقه الزنوج، فهذا شأنك. ~~فلتفعل ما يحلو لك خارج النادي. لكن بحق الرب، الأمر يختلف حين ~~تتحدث عن إحضار زنوج هنا. أعتقد أنك تود جعل الدكتور فيراسوامي عضوا ~~في النادي، صحيح؟ ليقاطع حديثنا ويربت على ms019 الكل بيدين تتصببان عرقا ~~ويطلق في وجوهنا أنفاسه القذرة المحملة برائحة الثوم. أقسم بالله إنه ~~سيخرج يتبعه حذائي إن رأيت خطمه الأسود داخل ذلك الباب. الكريه، ~~الأكرش، الحقير!» ... إلخ. # استمر الأمر عدة دقائق، وكان مبهرا في غرابة؛ لأنه كان صادقا ~~تماما. فقد كان إليس يكره الشرقيين حقا؛ يكرههم بمشاعر بغض ~~حادة لا تهدأ كأنهم شيء خبيث أو غير نظيف. رغم إقامته وعمله مساعدا ~~في شركة أخشاب مما يجعله على تواصل دائم مع البورميين، فهو لم يألف ~~رؤية وجه أسود قط. وكانت أي إشارة لمشاعر ود ناحية شخص شرقي تبدو له ~~انحرافا فظيعا. كان رجلا ذكيا، وموظفا كفئا في شركته، لكنه كان ~~واحدا من أولئك الرجال الإنجليز - السواد الأعظم للأسف - الذين يجب ~~ألا يسمح لهم بأن تطأ قدمهم الشرق. # جلس فلوري يهدهد رأس فلو في حجره، غير قادر على ملاقاة عيني إليس. ~~وحتى في أفضل الظروف كانت وحمته تجعل من العسير عليه أن ينظر في وجه ~~الناس مباشرة. وحين صار متأهبا للكلام، أحس بصوته مرتعشا - فقد كان ~~من دأبه الارتعاش حين يتحتم عليه الحزم - وكذلك كانت ملامحه تختلج ~~أحيانا دون سيطرة له عليها. # وأخيرا قال بعبوس وشيء من الوهن: «فلتهدأ، فلتهدأ. لا داعي لكل ~~هذا الانفعال، فإنني لم أقترح قط ضم أي أعضاء من السكان المحليين ~~هنا.» ~~«ألم تفعل؟ لكننا جميعا نعرف جيدا جدا أنك تود ذلك. وإلا ~~لماذا تذهب إذن إلى منزل ذلك الرجل اللزج الحقير كل صباح؟ وتجلس معه ~~إلى المائدة كما لو كان رجلا أبيض، وترشف من الأكواب التي سال عليها ~~اللعاب من شفتيه السوداوين القذرتين؛ شيء يثير في الرغبة في ~~القيء.» # قال ويستفيلد: «اجلس يا عزيزي. انس الأمر واحتس شرابا. فهذا الأمر ~~لا يستحق العراك. الحر شديد.» # قال إليس بهدوء أكثر قليلا، وهو يذرع المكان ذهابا وإيابا مرة أو ~~مرتين: «يا إلهي، يا إلهي، لا أستطيع فهمكم يا رفاق، لا أستطيع حقا. ~~ها هو ماكجريجور الأحمق العجوز يريد إحضار زنجي إلى النادي بلا سبب ~~على الإطلاق، وكلكم ms020 تقبلون الأمر بلا كلمة. رباه، ما المفترض منا فعله ~~في هذا البلد؟ إن لم نكن سنسيطر، فلم لا نرحل بحق الشيطان؟ المفترض ~~أننا هنا من أجل حكم مجموعة من الخنازير السوداء الملعونة ظلوا عبيدا ~~منذ بدء التاريخ، لكن بدلا من بسط سيطرتنا عليهم بالطريقة الوحيدة ~~التي يفهمونها، نعاملهم على أنهم أكفاء لنا. وأنتم أيها الحمقى ~~تسلمون بذلك. فها هو فلوري جعل أقرب أصدقائه رجلا أسود يدعو نفسه ~~طبيبا لأنه أمضى عامين فيما يسمى جامعة هندية. وأنت يا ويستفيلد، ~~شديد الزهو بشرطييك الجبناء متقاضي الرشوة معوجي السيقان. وها هو ~~ماكسويل، يقضي وقته في ملاحقة البغايا الآسيويات من أصل أوروبي. نعم، ~~يا ماكسويل؛ لقد سمعت عن علاقتك في ماندالاي مع عاهرة صغيرة كريهة ~~الرائحة تدعى مولي بيريرا. أعتقد أنك كنت ستقدم على الزواج منها لو لم ~~ينقلوك إلى هنا؟ يبدو أنكم جميعا تحبون الأوغاد السود القذرين. ~~رباه، لا أعلم ماذا أصابنا جميعا. لا أعلم حقا.» # قال ويستفيلد: «على رسلك، لتأخذ شرابا آخر. يا أيها الساقي! ~~القليل من الجعة قبل أن ينفد الثلج، هه؟ الجعة، أيها الساقي!» # أحضر الخادم بعض زجاجات من جعة ميونيخ. وبعد قليل جلس إليس إلى ~~المائدة مع الآخرين، وأخذ بين يديه الصغيرتين إحدى الزجاجات الباردة. ~~كانت جبهته تتصبب عرقا، وهو عابس لكن لم يعد غاضبا. كان مشاكسا ~~وجامحا طوال الوقت، لكن سريعا ما كانت تنتهي نوبات غضبه العارم، دون ~~الاعتذار عنها قط. كانت المشاجرات جزءا معتادا من روتين الحياة في ~~النادي. تحسن حال السيد لاكرستين وراح يتفحص الصور في مجلة «لا في ~~باريزيان.» جاوزت الساعة التاسعة، وقد صارت الحجرة التي عبقت برائحة ~~الدخان الحاد لسيجار ويستفيلد، خانقة من شدة الحر، والتصقت القمصان ~~بظهور أصحابها بأول قطرات عرق سالت في اليوم. أما الغلام الخفي عن ~~الأنظار الذي كان يشد حبل مروحة السقف فقد غالبه النوم في وهج ~~الشمس. # هتف إليس: «أيها الساقي!» وحين ظهر الساقي قال له: «اذهب لتوقظ ذلك ~~الغلام اللعين!» ~~«حسنا يا سيدي.» ~~«وأيها الساقي !» ~~«نعم يا سيدي؟» ms021 ~~«كم تبقى من الثلج؟» ~~«نحو عشرين رطلا يا سيدي. وأعتقد أنه لن يمكث بعد اليوم. فإنني أجد ~~صعوبة بالغة في الحفاظ على الثلج باردا الآن.» ~~«لا تتحدث هكذا، عليك اللعنة: «أجد صعوبة بالغة!» هل ابتلعت ~~قاموسا؟ قل: «معذرة يا سيدي، لا أستطيع حفظ ثلج بارد.» هكذا يجدر بك ~~أن تتحدث. لا بد أن نطرد هذا الشخص إذا تمكن من تحدث الإنجليزية ~~بإتقان. لا أستطيع احتمال الخدم الذين يتحدثون الإنجليزية. سمعت أيها ~~الساقي؟» # قال الساقي: «أجل يا سيدي.» وانصرف. # قال ويستفيلد: «يا إلهي! لا ثلج حتى يوم الإثنين. هل ستعود إلى ~~الغابة يا فلوري؟» ~~«نعم، لا بد أن أكون هناك الآن. لم آت إلا لأجل البريد ~~الإنجليزي.» ~~«أعتقد أنني نفسي سأذهب في جولة، وأدبر القليل من بدل السفر. فلا ~~أطيق المكتب اللعين في هذا الوقت من العام؛ حيث الجلوس أسفل المروحة ~~اللعينة، وتوقيع فاتورة تلو الأخرى. العمل الورقي الممل. رباه، كم ~~أتمنى لو اندلعت الحرب مرة أخرى!» # قال إليس: «سوف أذهب بعد غد. ألن يأتي ذلك القس اللعين لإقامة القداس ~~يوم الأحد؟ سأحرص على ألا أكون موجودا من أجل ذلك، على أي حال. أكره ~~ذلك الركوع اللعين.» # قال ويستفيلد: «الأحد القادم. لقد وعدت بأن أكون موجودا، وكذلك ~~ماكجريجور. لا بد من القول بأن الأمر سيكون صعبا بعض الشيء على ذلك ~~القس المسكين. فهو لا يأتي سوى مرة كل ستة أسابيع. من المستحسن أن نجمع ~~له حشدا حين يأتي.» ~~«سحقا! إنني لأتلو المزامير باكيا إرضاء للقس، لكنني لا أطيق ~~الطريقة التي يأتي بها أولئك المسيحيون من أهل البلد متدافعين إلى ~~كنيستنا. قطيع من الخدم الهنود والمعلمين الكارين. وهذان الأصفران، ~~فرانسيس وصامويل؛ اللذان يدعيان نفسيهما مسيحيين هما الآخران. في ~~آخر مرة حين كان القس هنا تجاسرا على التقدم والجلوس في المقاعد ~~الأمامية مع الرجال البيض. لا بد أن يخاطب أحد القس في ذلك الشأن. ~~يا لنا من حمقى ملاعين لما جنيناه حين أطلقنا العنان للمبشرين في ~~هذا البلد! يعلمون كناسي السوق أنهم أكفاء ms022 لنا. «معذرة سيدي، ~~أنا مسيحي مثل السادة.» منتهى الصفاقة.» # قال السيد لاكرستين وهو يمرر «لا في باريزيان» بينهم: «ما رأيكم ~~في هاتين الساقين؟ أنت تعرف الفرنسية يا فلوري؛ ما المقصود بما كتب ~~تحت؟ يا إلهي، هذا يذكرني بحين كنت في باريس، في أول إجازاتي، قبل أن ~~أتزوج. رباه، أتمنى أن أذهب إلى هناك مرة أخرى!» # قال ماكسويل: «هل سمعتم السجع الذي يقول: «كانت هناك سيدة شابة من ~~وكينج»؟» كان ماكسويل بالأحرى شابا هادئا، لكنه كغيره من الشباب، ~~كان مولعا بالأسجاع البذيئة الرنانة. وحين أتم سيرة سيدة وكينج ~~الشابة تصاعد الضحك. وأجاب ويستفيلد بسجع: كان في إيلينج سيدة تنتابها ~~مشاعر غامضة، وشارك فلوري بسجع: في هورشام قس لا يفتأ أن يحترس، وازداد ~~الضحك. حتى إليس أدلى بعدة أسجاع؛ وكانت نكات إليس دوما فكهة بحق، ~~لكنها بذيئة بلا حدود. ابتهج الجميع وزاد شعورهم بالألفة رغم الحرارة. ~~وكانوا قد فرغوا من الجعة وعلى وشك طلب شراب آخر، حين سمع وقع أحذية ~~على السلم الخارجي. كان ثمة صوت جهوري جعل الأرضية ترتج، يقول ~~هازلا: ~~«نعم، في غاية الفكاهة. لقد وضعتها في أحد مقالاتي الصغيرة في مجلة ~~«بلاكوودز». أتذكر أيضا موقفا آخر في غاية ... آه ... الطرافة، حين كنت ~~مرابطا في بروم، حيث ...» # كان جليا أن السيد ماكجريجور قد وصل إلى النادي. صاح السيد ~~لاكرستين: «تبا! جاءت زوجتي.» ونحى كأسه الفارغ بعيدا بقدر ~~المستطاع. دخل السيد ماكجريجور والسيدة لاكرستين قاعة الجلوس ~~معا. # كان السيد ماكجريجور رجلا ضخما، عظيم البنية، تعدى الأربعين ~~بقليل، ذا وجه محبب شبيه لكلب البج، يرتدي نظارة بإطارين ذهبيين. ~~وكان بمنكبيه العريضين، وعادة دفع رأسه للأمام يذكرك بالسلحفاة - حتى ~~إن البورميين كانوا يدعونه «السلحفاة». وكان متسربلا في حلة نظيفة ~~من الحرير، بانت عليها بقع العرق أسفل الإبطين. وقد حيا الآخرين ~~باصطناع التحية العسكرية ممازحا، ثم وقف أمام لوحة الإعلانات، ~~مبتسما وهو يدير خيزرانة خلف ظهره على غرار المعلمين. كانت ~~السماحة البادية على وجهه صادقة تماما، بيد أنه كان ثمة تكلف في ~~لطفه، ومشقة ms023 في التظاهر بأنه ينسى رتبته الرسمية في غير ساعات ~~العمل، حتى إن أحدا لم يكن يشعر براحة تامة في وجوده. وبدا واضحا ~~أنه في أسلوبه في الحديث يحذو حذو أحد مديري المدارس أو رجال الدين ~~الطرفاء الذين تعرف عليهم في أول حياته. كانت أي كلمة طويلة، أو ~~اقتباس، أو تعبير شائع تتمثل في ذهنه كمزحة، فيمهد لها بالتلعثم ~~مثل أن يقول: «أمم» أو «آه» ليبدو واضحا أن ثمة مزحة في الطريق. أما ~~السيدة لاكرستين فكانت في الخامسة والثلاثين تقريبا، مليحة ملاحة صورة ~~في مجلة أزياء، بلا تضاريس مع استطالة. وكان صوتها متنهدا، ~~ممتعضا. هب الآخرون واقفين حين دخلت السيدة لاكرستين، فيما جلست هي ~~منهكة على أفضل مقعد أسفل المروحة، وهي تهوي لنفسها بيدها الرفيعة ~~الشبيهة بيد سمندل الماء. ~~«ويحي، يا له من حر، يا له من حر! جاء السيد ماكجريجور وأقلني في ~~سيارته. إنه لكرم شديد منه. إن توم، سائق العربة الوضيع، يدعي المرض ~~ثانية. أعتقد حقا أنك يجب أن تضربه ضربا مبرحا وتعيده إلى ~~صوابه. فإنه لفظيع جدا أن تضطر للسير في هذه الشمس كل يوم.» # كانت السيدة لاكرستين غير قادرة على مسيرة ربع ميل بين منزلها ~~والنادي فاستوردت عربة ذات عجلتين من رانجون، كانت هي المركبة الوحيدة ~~المزودة بعجلات في كياوكتادا، بجانب العربات التي تجرها الثيران ~~وسيارة السيد ماكجريجور؛ إذ كانت الطرق في المقاطعة بأسرها لا تزيد عن ~~عشرة أميال. وكانت السيدة لاكرستين تتحمل في الغابة كل الفظائع من ~~خيام تسرب الأمطار وناموس وطعام معلب، لكيلا تترك زوجها وحده؛ إلا أنها ~~كانت تستعيض عن ذلك بالشكوى من أمور تافهة حين تكون في العاصمة. # تنهدت قائلة: «أعتقد حقا أن الكسل في هؤلاء الخدم صار مزعجا ~~جدا. ألا تتفق معي يا سيد ماكجريجور؟ يبدو أننا لم يعد لدينا سلطة ~~على أهل البلد الآن، مع كل هذه الإصلاحات المرعبة، والوقاحة التي ~~يتعلمونها من الجرائد. أوشكوا أن يكونوا في سوء الطبقات الدنيا في ~~الوطن من عدة نواح.» ~~«أعتقد أنهم لا يعادلونهم سوءا. ms024 إلا أنني أخشى أن الروح ~~الديموقراطية في سبيلها إلى التسلل لا محالة، حتى إلى هنا.» ~~«منذ فترة قصيرة، قبل الحرب مباشرة، كانوا لطافا ومحترمين للغاية! ~~الطريقة التي يلقون بها التحية حين تمر بهم على الطريق كانت ساحرة ~~جدا بحق. أتذكر حين كنا ندفع لخادمنا اثنتي عشرة روبية في الشهر، ~~وكان ذلك الرجل يحبنا مثل كلب حقا. أما الآن فهم يطلبون أربعين ~~وخمسين روبية، وقد وجدت أن الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بخادم هي التأخر ~~في دفع مرتبه عدة أشهر.» وافقها السيد ماكجريجور الرأي قائلا: «النوع ~~القديم من الخدم في طريقه للاختفاء. كان في أيام شبابي، حين يتصرف ~~واحد من الخدم بقلة احترام، يرسل إلى السجن مع ورقة تقول: «برجاء ~~إعطاء حامله خمس عشرة جلدة.» تلك أيام ذهبت بلا رجعة، على ما ~~أخشى.» # قال ويستفيلد بأسلوبه المغتم: «إنك محق تماما. لن يعود هذا البلد ~~مناسبا للعيش فيه مرة أخرى أبدا. فقد انتهى الراج البريطاني حسبما ~~أرى. فقدنا المستعمرة وما إلى ذلك، وحان الوقت لنجلو عنها.» # هنا سرت همهمة اتفاق من كل من في الحجرة، حتى فلوري، المعروف ~~بآرائه المتمردة، وحتى ماكسويل الذي أمضى بالكاد ثلاث سنوات في ~~البلد. لن ينفي أي إنجليزي يعيش في الهند قط أن الهند في تدهور، ولا ~~حتى ينكر ذلك؛ فالهند، لم تعد كما كانت. # في نفس الوقت نزع إليس الإعلان من خلف ظهر السيد ماكجريجور وناوله ~~إياه، وهو يقول بأسلوبه المستاء: ~~«تفضل يا ماكجريجور، لقد قرأنا هذا الإعلان، ونعتقد جميعا أن فكرة ~~ضم واحد من أهل البلد هي محض ...» - أوشك إليس أن يقول تعبيرا بذيئا ~~لكنه تذكر وجود السيدة لاكرستين وكبح نفسه - «محض هراء. فهذا النادي هو ~~المكان الذي نأتي إليه لنسري عن أنفسنا، ولا نريد أن يأتي أهل البلد ~~للتسكع فيه. نريد أن نشعر أنه ما زال هناك مكان نكون فيه بمعزل ~~عنهم. والجميع متفقون تماما معي في هذا.» # ونظر حوله إلى الآخرين، فقال السيد لاكرستين بصوت أجش: «لا فض ~~فوك!» كان يعلم أن زوجته سوف تخمن ms025 أنه كان يعاقر الشراب، وشعر أن ~~إبداء رأي عاقل سوف يغفر له. # تناول السيد ماكجريجور الإعلان مبتسما. رأى حرفي «أ. ل.» مكتوبين ~~قبالة اسمه، وشعر في قرارة نفسه أن سلوك إليس كان مهينا للغاية، لكنه ~~أنهى الأمر بمزحة. كان يبذل مجهودا بالغا ليكون طيب المعشر في النادي ~~كما كان يفعل للحفاظ على وقاره أثناء ساعات العمل. قال: «أعتقد أن ~~صديقنا إليس لا يرحب بصحبة ... آه ... شقيقه الآري؟» # قال إليس في جواب لاذع: «لا، لا أرحب. ولا بشقيقي المنغولي. ~~فإنني، باختصار، لا أحب الزنوج.» # تسمر السيد ماكجريجور عند سماع كلمة «زنوج»، التي أدين استخدامها ~~في الهند. لم يكن متحاملا ضد الشرقيين؛ فقد كان حقا مولعا بهم ~~ولعا شديدا. وكان يعتقد أنهم أكثر الشعوب الحية سحرا، شريطة ألا ~~يمنحوا أي حرية. وكان يؤلمه دوما أن يراهم يهانون جورا. # قال السيد ماكجريجور بلهجة صارمة: «هل من اللائق أن نسمي هؤلاء ~~الناس زنوجا - الكلمة التي بالطبع يستاءون منها أشد الاستياء - في حين ~~أنه من الجلي أنهم ليسوا كذلك؟ فالبورميون منغوليون، والهنود آريون ~~أو دارفيديون، وكلهم متباينون تماما.» # قال إليس الذي لم يتهيب مطلقا من الصفة الرسمية للسيد ماكجريجور: ~~«هراء! سمهم زنوجا أو آريين أو كيفما تشاء. ما أرمي إليه هو أننا لا ~~نريد رؤية أي بشرة سوداء في هذا النادي. وإن طرحت الأمر للتصويت ~~ستجدنا جميعا بلا استثناء ضده.» ثم أردف قائلا: «إلا إذا كان فلوري ~~يريد صديقه العزيز فيراسوامي.» # أعاد السيد لاكرستين قوله: «لا فض فوك! ثق أنني سأصوت ضدهم ~~جميعا.» # زم السيد ماكجريجور شفتيه بانزعاج؛ فقد كان في موقف حرج، إذ إن ~~فكرة اختيار عضو من أهل البلد لم تكن فكرته، وإنما أمليت عليه من قبل ~~المفوض. إلا أنه كان لا يحب اختلاق الأعذار، لذا قال بنبرة أكثر ~~استرضاء: ~~«هلا أجلنا مناقشة الأمر حتى الجمعية العمومية التالية؟ ويمكننا حتى ~~ذلك الوقت أن ننظر الموضوع بترو وإمعان.» ثم أضاف وهو متجه إلى ~~الطاولة: «والآن من سيشاركني القليل من ... آه ... المرطبات ~~السائلة؟» # استدعى الساقي ms026 وطلبت «المرطبات السائلة». كان الجو حينذاك قد صار ~~أشد حرا من ذي قبل وكان الكل عطشى. أوشك السيد لاكرستين أن يطلب ~~شرابا لكنه انكمش وقال متجهما: «لا»، حين انتبهت له زوجته. هكذا جلس ~~واضعا يديه على ركبتيه، باديا عليه بعض الأسى، وهو يشاهد السيدة ~~لاكرستين تزدرد كأسا من عصير الليمون يحتوي على جين. أما السيد ~~ماكجريجور فقد احتسى عصير ليمون صرف، رغم أنه وقع فاتورة المشروبات. ~~كان الوحيد بين الأوروبيين في كياوكتادا الذي يحافظ على قاعدة عدم ~~احتساء الشراب قبل الغروب. # قال إليس متبرما، فيما راح يعبث بكأسه، باسطا ساعديه على ~~الطاولة: «حسنا جدا.» كان الجدال مع السيد ماكجريجور قد جعله ~~مضطربا مرة أخرى. «حسنا جدا، لكنني متمسك بما قلته. لا أعضاء ~~محليين في هذا النادي! فقد أهلكنا الإمبراطورية بالاستمرار في ~~التنازل في شئون صغيرة كتلك. لم يفسد البلد العصيان إلا لأننا ترفقنا ~~بهم أكثر من اللازم. السياسة الوحيدة الممكنة هي أن نعاملهم معاملة ~~القاذورات التي يستحقونها. هذه لحظة حاسمة، ونحن بحاجة لكل ذرة ممكنة ~~من الهيبة. يجب أن نتكاتف معا ونقول: «نحن الأسياد، وأنتم شحاذون».» ~~وضغط إليس بإبهامه الصغير كأنه يسحق دودة: «الزموا وضعكم أيها ~~الشحاذون!» # قال ويستفيلد: «لا جدوى يا عزيزي، لا جدوى على الإطلاق. ما الذي ~~يسعك فعله وكل هذه الإجراءات البيروقراطية تكبل يديك؟ أهل البلد ~~الوضعاء يعرفون القانون أفضل منا. فهم يسبونك في وجهك وتحبس لحظة ~~أن تضربهم. لن نستطيع أن نفعل أي شيء إلا إذا وقفنا موقفا حازما. لكن ~~كيف لنا ذلك ما داموا لا يملكون الشجاعة للعراك؟» # قاطعتهما السيدة لاكرستين قائلة: «طالما قال رئيسنا في ماندالاي إننا ~~سوف نغادر الهند في النهاية لا محالة. فلن يظل الشباب يأتي هنا للعمل ~~طوال حياتهم في مقابل السباب ونكران الجميل. سوف نرحل. وحين يأتينا أهل ~~البلد متوسلين أن نبقى سنقول لهم: «لا، كانت لديكم فرصة وأضعتموها. ~~لا بأس، سوف نترككم لتحكموا أنفسكم.» ويا له من درس سيتعلمونه ~~ساعتها!» # قال ويستفيلد مغتما: «هذا ما فعله بنا كل هذا ms027 القانون والنظام.» ~~كانت فكرة اضمحلال الإمبراطورية الهندية عن طريق الإجراءات القانونية ~~الكثيرة فكرة متواترة لدى ويستفيلد. إذ كان يرى أن لا شيء يمكنه ~~إنقاذ الإمبراطورية من التدهور إلا تمرد شامل، وما يترتب عليه من ~~تطبيق الأحكام العرفية. «مع كل هذه الأعمال الورقية والخطابات ~~المتداولة صار موظفو المكاتب هم الحكام الحقيقيين لهذا البلد ~~الآن. لقد أشرفنا على النهاية. وأفضل ما يمكننا عمله هو أن ننهي ~~الأمر ونتركهم يعانون عواقب أخطائهم.» # قال إليس: «لا أتفق معك، لا أتفق معك مطلقا. فباستطاعتنا أن نضع ~~الأمور في نصابها إن أردنا. لا يحتاج الأمر إلا القليل من الشجاعة. ~~انظروا لما حدث في أمريتسار. انظروا كيف استكانوا بعد ذلك. لقد عرف ~~داير كيف يعاملهم. يا لداير المسكين! كانت مهمة قذرة. أولئك الجبناء ~~الذين في إنجلترا هم المسئولون.» # انطلقت من الآخرين تنهيدة ما، نفس النهيدة التي يلفظها جمع من ~~الرومان الكاثوليك عند ذكر ماري الدموية وحتى السيد ماكجريجور الذي كان ~~يبغض إراقة الدماء والأحكام العرفية، هز رأسه عند ذكر اسم ~~داير. ~~«رجل مسكين! ضحي به من أجل أعضاء برلمان على شاكلة باجيت لكن لا ~~بأس، ربما يكتشفون خطأهم بعد فوات الأوان.» # قال ويستفيلد: «اعتاد رئيسي القديم أن يحكي لي قصة عن ذلك الأمر. كان ~~هناك هافيلدار عجوز في كتيبة محلية، سأله أحد الأشخاص عما قد يحدث إن ~~غادر البريطانيون الهند. فقال الرجل العجوز ...» # دفع فلوري كرسيه للوراء وهب واقفا. لا يجب، ولا يمكن ... بل لا ~~ينبغي مطلقا أن يستمر هذا الأمر أكثر من ذلك! ينبغي أن يخرج من الحجرة ~~سريعا، قبل أن يحدث شيء في رأسه ويبدأ في تكسير الأثاث وقذف الصور ~~بالزجاجات. خنازير حمقى سكارى بلداء! هل من الممكن أن يستمروا ~~أسبوعا تلو الآخر، وعاما بعد الآخر، يكررون نفس اللغو الخبيث كلمة ~~كلمة، مثل محاكاة لقصة من الدرجة الخامسة في «بلاكوودز»؟ ألن يخطر لأي ~~منهم أبدا شيء جديد ليقوله؟ آه، يا له من مكان، ويا لهم من ناس! أي ~~حضارة هذه! حضارة آثمة قائمة على الويسكي ms028 و«بلاكوودز» وصور «الجرو ~~بونزو»! فليرحمنا الرب، فكلنا جزء منها. # لم ينبس فلوري بكلمة من هذا، وكابد بعض الآلام لكيلا يظهر على وجهه. ~~وقف بجوار مقعده، متنحيا قليلا عن الآخرين، بنصف ابتسامة مثل رجل لا ~~يثق في محبة الناس له قط. # وقال: «أخشى أنني سأضطر للمغادرة. للأسف، علي القيام ببعض ~~الأمور قبل الإفطار.» # قال ويستفيلد: «ابق وتناول شرابا آخر يا رجل. ما زال الوقت ~~مبكرا. فلتحتس الجين. سيفتح شهيتك.» ~~«لا، شكرا، لا بد أن أذهب. هيا يا فلو. إلى اللقاء يا سيدة ~~لاكرستين. إلى اللقاء جميعا.» # قال إليس بمجرد اختفاء فلوري: «خرج واشنطن بووكر، صديق الزنوج.» ~~كان من المألوف دائما أن يقول شيئا بغيضا عن أي شخص بمجرد أن ~~يغادر الحجرة. «أعتقد أنه ذهب لمقابلة اللزج جدا. أو تسلل ~~تجنبا لسداد قيمة المشروبات.» # قال ويستفيلد: «إنه ليس شخصا سيئا. يقول بعض الأشياء المتشددة ~~أحيانا. لكن لا أظنه يعنيها تماما.» # قال السيد ماكجريجور: «شخص طيب جدا بالتأكيد.» أي أوروبي في الهند ~~هو شخص طيب، بحكم عمله، أو بالأحرى بحكم لونه، حتى يرتكب أمرا شديد ~~الفظاعة. إنها مرتبة شرفية. ~~«إنه شديد التطرف بالنسبة إلي. فأنا لا أطيق أي شخص يرافق أهل ~~البلد. لا عجب أنه حصل على مسحة من فرشاة القطران هو نفسه. فهذا ~~يفسر تلك العلامة السوداء التي على وجهه. ذلك الأبقع. ويبدو كشخص ~~رعديد، بذلك الشعر الأسود، وبشرته الصفراء كالليمون.» # سرت بعض النميمة العابرة حول فلوري، لكن ليست كثيرة، لأن السيد ~~ماكجريجور لم يكن يهوى النميمة. مكث الأوروبيون طويلا في النادي بما ~~يكفي لاحتساء دور آخر من الشراب. وحكى السيد ماكجريجور حكايته عن ~~بروم، التي من الجائز أن ترد في أي سياق تقريبا. ثم ارتدت ~~المحادثة إلى الموضوع القديم الذي لا يمل أبدا؛ وقاحة أهل البلد، ~~وتراخي الحكومة، والأيام الخوالي الحلوة حين كان الراج البريطاني في ~~عزه وبرجاء إعطاء حامله خمس عشرة جلدة. لم يكن هذا الموضوع ينسى ~~طويلا، بسبب هوس إليس به من ناحية. كما أنه من الممكن عذر ~~الأوروبيين ms029 كثيرا على تذمرهم؛ فالعيش بين الشرقيين والعمل معهم ~~يحتاج صبر أيوب. وكانوا جميعا، وبوجه خاص المسئولين الرسميين، ~~يعرفون معنى أن يستفزوا ويسبوا. فكان كل يوم تقريبا، حين يسير ~~ويستفيلد أو السيد ماكجريجور أو حتى ماكسويل في الشارع، ويمرون بصبية ~~المدرسة الثانوية، تقابلهم السخرية على وجوههم الشابة الصفراء - وجوه ~~ناعمة مثل العملات الذهبية، مفعمة بالاحتقار المزعج المطبوع على ~~الوجه المنغولي - وأحيانا تعلو أصواتهم خلفهم بضحكات مثل صوت الضباع. ~~لم تكن حياة المسئولين الإنجليز في الهند شهدا خالصا. فربما كان لهم ~~الحق في أن يكونوا بغضاء قليلا وهم يعيشون في معسكرات خالية من ~~أسباب الراحة، ومكاتب شديدة الحر، وبيوت مسافرين معتمة تفوح منها ~~رائحة الغبار والنفط الخام. # كانت الساعة تقترب من العاشرة، وصار الحر فوق الاحتمال. تجمع على ~~وجوه الجميع، وعلى سواعد الرجال العارية قطرات راكدة وشفافة من ~~العرق. وراحت بقعة رطبة على ظهر سترة السيد ماكجريجور الحريرية تزداد ~~حجما. بدا كأن الوهج بالخارج تخلل بطريقة ما الأستار الخضراء التي ~~غطت النوافذ، ليصيب عيون الجميع بالألم ويملأ رءوسهم بالخمول. صار ~~كل منهم يفكر بفتور في إفطاره الدسم، وفي الساعات الطويلة ~~المملة المقبلة. وقف السيد ماكجريجور وعدل وضع نظارته، التي انزلقت ~~على أنفه المتعرق. # ثم قال: «من المؤسف أن ينتهي هذا التجمع المرح. لكن لا بد أن أعود ~~إلى المنزل من أجل الإفطار. هموم الإمبراطورية. هل سيذهب أحد في طريقي؟ ~~السائق في الانتظار مع السيارة.» قالت السيدة لاكرستين: «أكون شاكرة ~~إذا أخذتني أنا وتوم. كم هو مريح ألا نضطر إلى السير في هذا ~~القيظ!» # وقف الآخرون. مط ويستفيلد ذراعيه وتثاءب من أنفه وقال: «أعتقد أنه ~~من الأفضل الإسراع. سوف أنام إن جلست هنا أكثر من ذلك. تذكرت أنني ~~سأظل أتصبب عرقا في ذلك المكتب طوال النهار! والسلال المليئة ~~بالأوراق. يا إلهي!» # قال إليس: «لا ينس أحد منكم التنس هذا المساء. وأنت يا ماكسويل، ~~أيها الوغد الكسول، إياك أن تتهرب من اللعب مرة أخرى. لتأت ~~بمضربك في الساعة الرابعة والنصف تماما.» # قال السيد ماكجريجور ms030 بذوق باللغة الفرنسية لدى الباب: «تفضلي يا ~~سيدتي.» # وقال ويستفيلد: «تقدم يا ماكدوف.» # وخرجوا إلى أشعة الشمس البيضاء المتقدة؛ حيث كانت الحرارة تتصاعد ~~من الأرض مثل صهد الفرن، فيما توهجت الزهور، مجهدة ألوانها للعين، ~~دون أن تهتز لها ورقة في لجة الشمس. كان الهجير يرسل كللا في ~~العظام. كان ثمة شيء مريع فيه؛ مريع أن تتأمل تلك السماء الزرقاء ~~المبهرة للبصر، في امتدادها المتواصل فوق بورما والهند، وفوق سيام، ~~وكمبوديا، والصين، من دون غيمة ومن دون انقطاع. كان صفيح سيارة ~~ماكجريجور المنتظرة ساخنا جدا للمس. كان النهار الخبيث في بدايته، ~~الوقت الذي، كما يقول البورميون، «تسكن فيه الأقدام». فلم يكن كائن ~~حي ليتحرك، باستثناء الرجال، وصفوف النمل الأسود، التي أثارتها ~~الحرارة، فسارت مثل الشريط عبر الممر، والنسور عديمة الذيل التي ~~ارتفعت في تيارات الهواء. # | الفصل الثالث # انعطف فلوري يسارا خارج بوابة النادي ومضى في طريق السوق، تحت ظلال ~~أشجار التين المجوسي. انبعث صوت الموسيقى من على بعد مائة ياردة؛ حيث ~~كانت فرقة من رجال الشرطة العسكرية الهنود المهزولين في ملابس كاكي ~~خضراء يسيرون عائدين إلى صفوفهم بينما كان يعزف أمامهم على مزمار ~~القربة، صبي من الجوركا. كان فلوري ذاهبا لرؤية الدكتور فيراسوامي. ~~كان منزل الدكتور عبارة عن كوخ طويل من الخشب المدهون بالنفط الخام، ~~قائم على ركائز، بحديقة كبيرة مهملة متاخمة لحديقة النادي. كان ظهر ~~المنزل مطلا على الطريق؛ حيث يقابل المستشفى، القائم بينه وبين ~~والنهر. # مع دخول فلوري المجمع تصاعدت صرخة ذعر من النساء وهرولة داخل ~~المنزل. بدا واضحا أنه كان قد أوشك أن يرى زوجة الطبيب. دار لمقدمة ~~المنزل وهتف إلى الشرفة قائلا: ~~«أيها الطبيب! هل أنت مشغول؟ هل من الممكن أن أصعد؟» # برز من داخل المنزل الدكتور، بهيئة ضئيلة جمعت بين الأبيض والأسود، ~~مثل عفريت العلبة. وهرع إلى درابزين الشرفة، هاتفا بانفعال: ~~«من الممكن أن تصعد! بالطبع، بالطبع، اصعد في الحال! كم تسرني رؤيتك ~~يا سيد فلوري! فلتصعد، فلتصعد. ما الشراب الذي تود تناوله؟ لدي ويسكي ~~وجعة ms031 ونبيذ فيرموث ومشروبات أوروبية أخرى. كم كنت أتوق لبعض الحديث ~~الراقي يا صديقي العزيز.» # كان الطبيب رجلا ضئيلا أسود ممتلئا ذا شعر متلبد وعينين ~~ساذجتين مستديرتين. كان يرتدي نظارة ذات إطارين من الصلب، وبذلة بيضاء ~~من قماش الدريل القطني غير مناسبة في مقاسها، بسروالها المتهدل مثل ~~آلة الكونسرتينا، على حذاء برقبة أسود رديء. وكان صوته متحمسا ~~ومتدفقا، مصفرا حروف السين. أثناء صعود فلوري السلم، ارتد الطبيب ~~لنهاية الشرفة وراح يقلب في صندوق ثلج كبير من الصفيح، مخرجا منه ~~سريعا زجاجات مختلفة الأوصاف. كانت الشرفة واسعة ومعتمة، ذات حواف ~~منخفضة تدلت منها سلال السراخس، مما جعلها تبدو مثل كهف وراء شلال من ~~شعاع الشمس. وكانت مفروشة بمقاعد طويلة بقواعد من الخوص صنعت في ~~السجن، ووضع في أحد جوانبها خزانة كتب تحتوي على كتب قليلة غير ~~مشجعة بعض الشيء، أغلبها كتب مقالات، من نوعية كتب إميرسون وكارلايل ~~وستيفنسون. فقد كان الطبيب قارئا نهما، يحب أن يكون للكتب ما ~~يسميه «معنى أخلاقيا». # قال فلوري، فيما أجلسه الطبيب في الوقت ذاته على مقعد طويل، وأخرج له ~~مسند الساقين حتى يتمكن من الاستلقاء، ووضع السجائر والجعة في ~~متناوله: «حسنا يا دكتور، كيف الحال؟ كيف صارت الإمبراطورية ~~البريطانية؟ مريضة بالشلل كالعادة؟» ~~«نعم، حالتها متدهورة للغاية، متدهورة للغاية يا سيد فلوري! ~~أصابتها مضاعفات خطيرة. تسمم الدم والتهاب الصفاق وشلل في العقد ~~العصبية. أخشى أنه ينبغي علينا استدعاء المتخصصين. وا أسفاه!» # كان الرجلان اعتادا المزاح بالتظاهر بأن الإمبراطورية البريطانية ~~مريضة عجوز لدى الطبيب. وما زال الطبيب على استمتاعه بالمزحة منذ عامين ~~دون أن يتسرب إليه الملل منها. # قال فلوري مستلقيا على المقعد الطويل: «يا لها من متعة أن أكون هنا ~~بعد ذلك النادي اللعين، أيها الطبيب. حين آتي إلى منزلك أشعر كأنني ~~قسيس منشق عن الكنيسة يتسلل إلى البلدة عائدا إلى منزله بعاهرة. يا ~~لها من إجازة رائعة منهم جميعا ...» قال هذا مشيرا بكعبه في اتجاه ~~النادي: «من رفاقي الأحباء بناة الإمبراطورية. الهيبة البريطانية وعبء ~~الرجل الأبيض، السيد ms032 الأبيض الذي لا يخشى شيئا ويسمو فوق الشبهات. يا ~~لها من راحة أن أبتعد عن ذلك العفن قليلا من الوقت!» ~~«مهلا، مهلا يا صديقي، أرجوك! هذا فظيع! لا يمكن أن تقول تلك ~~الأشياء عن السادة الإنجليز المحترمين!» ~~«إنك لا تضطر إلى الإنصات إلى أولئك الرجال المحترمين وهم يتكلمون ~~يا دكتور. لقد صبرت بقدر ما استطعت هذا الصباح. إليس وقوله «زنجي قذر»، ~~ونكات ويستفيلد، وماكجريجور وعباراته اللاتينية وبرجاء إعطاء حامله خمس ~~عشرة جلدة. لكن حين بلغوا قصة الهافيلدار العجوز؛ الهافيلدار العجوز ~~الطيب الذي قال إنه إذا تركت بريطانيا الهند لن يتبقى هناك روبية أو ~~عذراء بين ... كما تعلم؛ حسنا، لم أستطع الصبر أكثر من ذلك. لقد حان ~~الوقت لوضع الهافيلدار العجوز في قائمة المتقاعدين. إنه ما فتئ يقول ~~الشيء نفسه منذ اليوبيل الذهبي لاعتلاء الملكة فيكتوريا العرش عام ~~1887.» # ازداد غضب الطبيب، كدأبه حين ينتقد فلوري أعضاء النادي. كان واقفا ~~مستندا بلباسه الأبيض المنتفخ إلى درابزين الشرفة، مستخدما الإشارات ~~والإيماءات أحيانا. وكان عند بحثه عن كلمة يضم إبهامه وسبابته ~~السوداوين، كأنه يلتقط فكرة طارت في الهواء. # قال الطبيب: «لكن حقا، حقا يجب ألا تتحدث هكذا يا سيد فلوري! ~~لماذا تديم إهانة السادة البيض، كما تدعوهم؟ إنهم ملح الأرض. فلتنظر ~~إلى الأشياء العظيمة التي فعلوها. فلتنظر إلى الحكام العظام الذين ~~جعلوا الهند البريطانية ما صارت إليه. فلتنظر كلايف ووارين هيستينجز ~~ودالهاوزي وكيرزن. كانوا رجالا - سأقتبس من أديبكم الخالد شكسبير - من ~~أفضل الرجال من جميع الوجوه، وهيهات أن نرى لهم مثيلا مرة ~~أخرى!» ~~«حسنا، هل تود أن ترى مثيلا لهم مرة أخرى؟ أنا لا.» ~~«وانظر كم هو نبيل السيد الإنجليزي! ووفاء بعضهم العظيم لبعض! روح ~~المدرسة الحكومية! وحتى الذين سلوكهم مؤسف منهم - إذ أتفق معك أن من ~~الرجال الإنجليز من هم متغطرسون - يتمتعون بالخصال الممتازة التي ~~نفتقر إليها نحن الشرقيين؛ فخلف مظهرهم الصارم، قلوب من ~~ذهب.» ~~«هلا قلنا إنه ذهب قشرة؟ يوجد نوع من المودة الزائفة بين الإنجليز ~~وهذا البلد . فهي عادة أن نتنادم ms033 على الشراب معا ونتشارك الطعام ~~ونتظاهر بأننا أصدقاء، مع أن كلا منا يكره الآخر كراهية السم. نسمي ~~هذا تآزرا. إنه ضرورة سياسية. لا شك أن الشراب هو ما يجعل الوضع ~~مستمرا. ولولاه لجن جنوننا وقتل كل منا الآخر في ظرف أسبوع. ~~هناك موضوع من أجل كتاب المقالات مستنفري الهمم الذين تهواهم يا ~~دكتور: الشراب باعتباره ملاط الإمبراطورية.» # هز الطبيب رأسه وقال: «لا أعلم حقا ما الذي جعلك بهذا التهكم ~~يا سيد فلوري؟ إنه شيء غير لائق على الإطلاق! أن تتفوه أنت - السيد ~~الإنجليزي ذو الملكات والشخصية الرفيعة - بهذه الآراء التحريضية ~~اللائقة بجريدة «بورميز باتريوت»!» # قال فلوري: «تحريضية؟ لست محرضا. فلا أريد أن يطردنا البورميون ~~من هذا البلد. حاشا لله! فإنني هنا لأكسب المال، مثلي كمثل أي شخص آخر. ~~كل ما أعترض عليه هو خدعة عبء الرجل الأبيض الوضيعة. التظاهر بأنه ~~سيد شريف. إنه شيء مضجر جدا. حتى أولئك الحمقى الملعونون الذين في ~~النادي كانت صحبتهم ستصير أفضل لو لم نكن جميعا نعيش كذبة طوال ~~الوقت.» ~~«لكن ما هي الكذبة التي تعيشونها يا صديقي العزيز؟» ~~«بالتأكيد كذبة أننا هنا لننهض بأشقائنا السود المساكين وليس حتى ~~نسرقهم. أعتقد أنها كذبة فطرية تماما، لكنها تفسدنا، تفسدنا بطرق ~~لا يمكنك تخيلها. إذ يعذبنا شعور دائم بأننا كاذبون ومخادعون ~~ويدفعنا لتبرير أفعالنا ليلا ونهارا. وهو المسئول عن نصف تصرفاتنا ~~الحيوانية مع أهل البلد. نحن الإنجليز المقيمين في الهند من الممكن ~~احتمالنا فقط إن اعترفنا بأننا لصوص وواصلنا السرقة من دون أي ~~خداع.» # ضم الطبيب سبابته وإبهامه بسرور بالغ، متهللا من سخريته، وقال: ~~«حجتك ضعيفة يا صديقي العزيز، ويبدو أنها ضعيفة لأنكم لستم ~~لصوصا.» ~~«حسنا أيها الطبيب العزيز!» # استوى فلوري في جلسته على المقعد الطويل، بسبب طفحه الحراري الذي ~~كان قد وخزه للتو في ظهره مثل آلاف الإبر من ناحية، ومن ناحية أخرى ~~لأن مناقشته المفضلة مع الطبيب أوشكت أن تبدأ. كانت هذه المناقشة، ~~ذات الطبيعة السياسية نوعا ما، تجري كلما التقى الاثنان، وتعكس ~~فيها الأدوار؛ ms034 إذ يصير الرجل الإنجليزي معاديا للإنجليز بشدة والهندي ~~مخلصا لهم بتعصب. كان الدكتور فيراسوامي يكن إعجابا متقدا ~~للإنجليز لم يوهنه ألف إهانة من رجال إنجليز. كان يؤكد بحماس قاطع أنه ~~بصفته هنديا، ينتمي إلى عرق دنيء ومنحط. وكانت ثقته في العدالة ~~البريطانية بالغة لدرجة أنه حتى حين يضطر للإشراف على عقوبة الجلد أو ~~الشنق في السجن، كان يعود إلى منزله وقد استحال وجهه الأسود رماديا ~~فيسكن أوجاعه بالويسكي، دون أن يفتر حماسه. وكانت آراء فلوري التحريضية ~~تصدمه، لكنها كانت تمنحه كذلك نوعا من قشعريرة السعادة، كالتي تنتاب ~~شخصا مؤمنا ورعا عند سماع الصلاة الربانية تردد بالعكس. # قال فلوري: «عزيزي الدكتور، كيف لك أن تتخيل أننا موجودون في هذا ~~البلد لأي سبب آخر غير السرقة؟ الأمر غاية في البساطة. المسئولون ~~يقيدون المواطن البورمي بينما يفتش رجال الأعمال جيوبه. هل تعتقد ~~مثلا أن شركتي أو شركات الأخشاب الأخرى، أو شركات النفط، أو المنقبين ~~عن المعادن وأصحاب المزارع والتجار كانوا سيستطيعون أن يحصلوا على عقود ~~الأخشاب لو لم يكن البلد تحت سيطرة البريطانيين؟ كيف كانت رابطة تجار ~~الأرز ستستمر في استغلال الفلاح التعيس الحظ لو لم تكن الحكومة ~~تساندها؟ الإمبراطورية البريطانية هي مجرد وسيلة لمنح احتكارات تجارية ~~للإنجليز - أو بالأحرى عصابات اليهود والأسكتلنديين.» ~~«إنه لمن المؤسف أن أسمعك تتحدث هكذا يا صديقي. مؤسف حقا. تقول ~~إنك هنا من أجل التجارة؟ إنك كذلك بالطبع. فهل يستطيع البورميون أن ~~يتاجروا لأنفسهم؟ هل يستطيعون صنع آلات وسفن وسكك حديدية وطرق؟ إنهم ~~بلا حيلة من دونكم. ماذا كان سيحدث لغابات بورما لو لم يكن الإنجليز ~~هنا؟ كانت ستباع في الحال لليابان، التي كانت ستتلفها وتدمرها. ~~إنها تتحسن حقا في أياديكم بدلا من ذلك. وفي نفس الوقت الذي ينمي ~~فيه رجال أعمالكم مواردنا، يتولى المسئولون لديكم مهمة جعلنا متحضرين، ~~ناهضين بنا لمستواكم، من أجل الصالح العام فحسب. إنه سجل رائع من ~~التضحية بالذات.» ~~«هراء يا عزيزي الطبيب. لكن أقر أننا نعلم الشباب احتساء الويسكي ~~ولعب كرة القدم، فقط ms035 لا غير. انظر إلى مدارسنا، إنها مصانع لتخريج ~~الكتبة الحقراء. لم نعلم الهنود ولو حرفة يدوية واحدة مفيدة قط. ~~فإننا لا نجرؤ على هذا؛ خوفا من المنافسة في الصناعة. بل إننا قضينا ~~على صناعات عديدة. فأين أقمشة الموسلين الهندي الآن؟ قرب الأربعينيات ~~كانوا يبنون في الهند سفنا بحرية ويعملون عليها أيضا. أما الآن فلا ~~تستطيع بناء قارب صيد صالح للإبحار هنا. كان الهنود في القرن الثامن ~~عشر يسبكون أسلحة على المستوى الأوروبي بكل المقاييس. أما الآن وقد ~~لبثنا مائة وخمسين عاما في الهند، لم يعد بإمكانك صنع ولو ظرف خرطوش ~~من النحاس في القارة بأكملها. الأعراق الشرقية الوحيدة على الإطلاق ~~التي تطورت سريعا هي الأعراق المستقلة. لن أذكر مثال اليابان، لكن ~~انظر إلى حالة سيام ...» # لوح الطبيب بيده متحمسا. كان دائما ما يقاطع المناقشة عند هذه ~~النقطة، لأنه كان يجد أن حالة سيام توقفه. ~~«يا صديقي، يا صديقي، لقد نسيت الشخصية الشرقية. كيف كنا سنتطور ~~ببلادتنا وخرافتنا؟ لقد جلبتم القانون والنظام على الأقل. العدالة ~~البريطانية التي لا تحيد وهيمنة السلام البريطاني.» ~~«بل الطاعون البريطاني يا دكتور، الطاعون البريطاني هو المسمى ~~المناسب. ولمن هذا السلام على أي حال؟ المرابي والمحامي. لا شك أننا ~~نحافظ على السلام في الهند من أجل مصلحتنا، لكن ما الذي ينتهي إليه كل ~~هذا القانون والنظام؟ المزيد من البنوك والمزيد من السجون، هذا خلاصة ~~الأمر.» # هتف الطبيب: «يا لها من تلفيقات بشعة! أوليست السجون ضرورية؟ وهل ~~السجون هي كل ما أتيتمونا به؟ تأمل بورما أيام ثيبو بما ساد فيها من ~~قذارة وتعذيب وجهل، ثم انظر حولك. فلتطل من هذه الشرفة فقط، انظر ~~إلى ذلك المستشفى، وإلى تلك المدرسة على اليمين وقسم الشرطة ذلك. انظر ~~إلى نهضة التقدم الحديث!» # قال فلوري: «إنني لا أنكر بالتأكيد أننا نطور هذا البلد في نواح ~~معينة. فلا يمكن ألا نفعل هذا. بل وقبل أن نفرغ من هذا سنقضي تماما ~~على الثقافة القومية البورمية. لكننا لا نجعلهم متحضرين، وإنما ~~ننفض غبارنا عليهم. إلى ms036 أين ستؤدي نهضة هذا التقدم الحديث، كما ~~تدعوها؟ فقط إلى حظيرتنا القديمة للجرامافونات والقبعات المستديرة. ~~يخطر لي أحيانا أنه خلال مائتي عام كل هذا - أشار بقدمه نحو الأفق - ~~كل هذا سيختفي؛ الغابات والقرى والأديرة والمعابد كلها ستختفي. وبدلا ~~منها ستقام فلل وردية تبعد كل منها عن الأخرى خمسين ياردة؛ في ~~جميع أنحاء التلال، وعلى مرمى البصر، فيلا بعد الأخرى، فيها كلها ~~جرامافونات تصدر نفس اللحن. ستمحى كل الغابات من على الأرض، وتفرم ~~إلى لباب خشب لطباعة جريدة «نيوز أوف ذا وورلد»، أو تنشر لصنع صناديق ~~الجرامافونات. بيد أن الأشجار تثأر لنفسها كما يقول الرجل العجوز في ~~مسرحية «البطة البرية». لقد قرأت أعمال إبسن بالطبع، أليس ~~كذلك؟» ~~«لا للأسف، يا سيد فلوري! إنه عبقري جبار كما قال عنه برنارد شو ~~كاتبكم الملهم. يسرني ذكر سيرته. لكن ما لا تراه يا صديقي أن ~~حضارتكم في أسوأ حالاتها تظل خطوة إلى الأمام بالنسبة إلينا. ~~فالجرامافونات والقبعات المستديرة و«نيوز أوف ذا وورلد»، كلها أشياء ~~أفضل من بلادة الشرقيين الكريهة. أرى البريطانيين، وحتى أقلهم ذكاء، ~~بمثابة، بمثابة - راح الطبيب يبحث عن عبارة، حتى وجد واحدة ربما من ~~ستيفنسون - بمثابة حاملي الشعلة على طريق التقدم.» ~~«لا أراهم كذلك. أراهم نوعا من القمل المغرور النظيف المعاصر. ~~يتسللون في أنحاء العالم لبناء السجون. يبنون سجنا ويسمون هذا ~~تقدما.» أضاف بشيء من الندم: فالطبيب لن يدرك التشبيه. ~~«حقا إنك تكرر موضوع السجون يا صديقي! فلتعترف أن هناك كذلك ~~إنجازات أخرى لأهل بلدك. فإنهم ينشئون الطرق ويروون الصحاري، ويقضون ~~على المجاعات، ويبنون المدارس، ويقيمون المستشفيات، ويكافحون الطاعون ~~والكوليرا والجذام والجدري والمرض التناسلي.» # قاطعه فلوري قائلا: «الذي جلبوه بأنفسهم.» # فرد عليه الطبيب، متحمسا لنسب هذا التميز لأهل بلده، وقال: «لا ~~يا سيدي! لا يا سيدي، الهنود هم من أدخلوا المرض التناسلي في هذا ~~البلد. الهنود يدخلون الأمراض، والإنجليز يداوونها. هذه هي الإجابة ~~على كل تشاؤمك وتحريضك.» ~~«حسنا يا دكتور، إننا لن نتفق أبدا. الواقع هو أنك تهوى كل هذه ~~الأمور المتعلقة ms037 بالتقدم الحديث، بينما أميل أنا إلى رؤية الفساد في ~~الأمر. أعتقد أن بورما في أيام ثيبو كانت ستناسبني أكثر. وكما قلت ~~من قبل، لو كان لنا تأثير تحضري، فهذا فقط من أجل بسط سيطرتنا على نطاق ~~أكبر. لو لم يكن الأمر مجديا لكنا تخلينا عنه سريعا.» ~~«ليس هذا رأيك يا صديقي. إن كنت تستنكر الإمبراطورية البريطانية بحق، ~~ما كنت ستتحدث في الأمر سرا هنا. كنت ستجاهر به فوق أسطح المنازل. ~~فإنني أعرف شخصيتك أكثر مما تعرفها أنت نفسك يا سيد فلوري.» ~~«معذرة يا دكتور؛ إنني لا أحبذ المجاهرة من فوق أسطح المنازل. فليس ~~لدي الشجاعة. إنما «أنصح باتباع سبيل السلام على وضاعته»، مثل بليال ~~العجوز في «الفردوس المفقود»، فهذا آمن سبيل. في هذا البلد، إما أن ~~تكون واحدا من السادة البيض المبجلين أو تموت. وإنني لم أتحدث مع ~~أحد بصدق سواك منذ خمسة عشر عاما. إن أحاديثي هنا بمثابة صمام أمان؛ ~~طقس سري لعبادة الشيطان، إذا فهمت ما أعني.» # في هذه اللحظة جاء من الخارج صوت نحيب بائس. كان ماتو العجوز، البواب ~~الهندوسي الذي يحرس الكنيسة الأوروبية، واقفا في ضوء الشمس أسفل ~~الشرفة. كان مخلوقا مسنا مصابا بالحمى، أقرب شبها إلى حشرة الجندب ~~من الإنسان، تلفع بخرقة قذرة لا تزيد عن بضع بوصات مربعة. كان يقطن ~~بالقرب من الكنيسة في كوخ مبني من صفائح الكيروسين المفرودة، من حيث ~~كان يمضي مهرولا عند ظهور أحد الأوروبيين، ليحييه منحنيا ~~ويشكو بعبارات ما حول مرتبه، الذي كان ثماني عشرة روبية شهريا. ~~راح ماتو يرنو في مسكنة إلى الشرفة، وهو يدلك بيد جلد بطنه الشبيه ~~بلونه بالوحل، وبيده الأخرى يؤدي حركة من يضع الطعام في فمه. تحسس ~~الطبيب جيبه ورمى قطعة بأربعة آنات من فوق درابزين الشرفة. كان معروفا ~~برقة قلبه، فكان كل الشحاذين في كياوكتادا يستهدفونه. # قال الطبيب، مشيرا إلى ماتو، الذي انحنى مثل الدودة وهو يتفوه ~~بنحيب الامتنان: «انظر إلى تردي الشرق. انظر إلى ضعف أطرافه. إن ~~ساقيه أنحف من ساعدي الرجل ms038 الإنجليزي. انظر إلى بؤسه وذله. انظر إلى ~~جهله؛ جهل لا تراه في أوروبا إلا خارج دار المرضى العقليين. ذات مرة ~~سألت ماتو عن عمره، فقال: «أعتقد يا سيدي أنني في العاشرة.» فكيف ~~تدعي يا سيد فلوري أنكم لستم أسمى طبيعة من تلك المخلوقات؟» # قال فلوري وهو يلقي قطعة أخرى بأربع آنات من فوق السور: «مسكين ماتو ~~العجوز، يبدو أن نهضة التقدم الحديث قد فاتته بطريقة ما. هيا يا ماتو، ~~أنفقها على الشراب. لتنغمس في الفسق بقدر ما تستطيع. هذا كله يؤخر ~~اليوتوبيا.» ~~«حسنا يا سيد فلوري، أشعر أحيانا أن كل ما تقوله إنما هو لكي - ما ~~هو التعبير؟ - تستدرجني. إنه حس الدعابة الإنجليزي. نحن الشرقيين ~~لا نتمتع بحس دعابة، كما هو معروف.» # قال فلوري: «محظوظون. أما نحن فقد أهلكنا حس دعابتنا اللعين.» ثم ~~تثاءب واضعا يديه خلف رأسه. كان ماتو قد ابتعد بخطوات متثاقلة بعد أن ~~لفظ المزيد من الأصوات المعبرة عن الامتنان. «أعتقد أنه ينبغي أن أذهب ~~قبل أن ترتفع الشمس اللعينة عاليا في الأفق. سيكون الحر بالغا هذا ~~العام، أشعر به يتسلل إلى عظامي. حسنا يا دكتور، لقد طالت بنا ~~المجادلة للغاية حتى إنني لم اسألك عن الأخبار. لقد وصلت من الغابة ~~بالأمس فقط، وعلي أن أعود بعد غد. لا أعلم ما إذا كنت سأفعل. هل وقع ~~أي شيء في كياوكتادا؟ أي فضائح؟» # بدت الجدية على الطبيب بغتة، وخلع نظارته، فصار وجهه شبيها بوجه ~~كلب ريتريفر أسود، بعينيه السوداوين اللامعتين. أشاح ببصره، وتحدث ~~بنبرة أكثر ترددا عن ذي قبل بقليل. ~~«في الواقع، ثمة مسألة غير سارة على الإطلاق مقبلة يا صديقي. قد تثير ~~ضحكك - فهي تبدو هينة - لكنني في مشكلة خطيرة. أو بالأحرى معرض لمشكلة. ~~إنها مسألة سرية. أنتم الأوروبيون لن تعلموا بها أبدا مباشرة. في هذا ~~المكان - أشار بيده في اتجاه البازار - تحاك باستمرار مؤامرات ودسائس ~~لا تسمعون بها، لكنها تعني لنا الكثير.» ~~«ماذا حدث إذن؟» ~~«ثمة مكيدة تدبر ضدي، هذا ما في الأمر. مكيدة شديدة الخطورة ms039 الهدف ~~منها تشويه سمعتي والقضاء على مستقبلي المهني. لن تفهم هذه الأشياء ~~لأنك رجل إنجليزي. لقد أثرت عداوة رجل ربما لا تعرفه، يو بو كين، قاضي ~~المركز. إنه من أخطر الرجال، والأذية التي يستطيع إلحاقها بي تفوق ~~الحصر.» ~~«يو بو كين؟ من هذا؟ ذكرني به.» ~~«الرجل الضخم البدين ذو الأسنان الكثيرة. يقع منزله آخر الطريق، على ~~بعد مائة ياردة.» ~~«ذلك الوغد البدين؟ أعرفه جيدا.» # هتف الطبيب بحمية شديدة: «كلا، كلا، يا صديقي، لا، لا! لا يمكن أن ~~تكون على معرفة به. فلا يمكن أن يعرفه إلا الشرقيون. فلا يمكنك، وأنت ~~سيد إنجليزي، أن تنحدر بعقليتك لمستوى عقلية يو بو كين. إنه أكثر من ~~مجرد وغد، إنه ... ماذا أقول؟ الكلمات تتوه مني. إنه يذكرني بتمساح في ~~شكل إنسان. فهو لديه خبث التمساح، وقسوته ووحشيته. لو عرفت تاريخ ذلك ~~الرجل! الفظائع التي ارتكبها! ما جناه من جرائم الابتزاز والرشاوى! ~~الفتيات اللواتي أرداهن، باغتصابهن أمام عيون أمهاتهن! لا يمكن للسيد ~~الإنجليزي النبيل أن يتخيل تلك الشخصية. وهذا هو الرجل الذي أقسم أن ~~يدمرني.» # قال فلوري: «لقد سمعت الكثير عن يو بو كين من مصادر متعددة. يبدو ~~نموذجا للقاضي البورمي. أخبرني أحد البورميين أن يو بو كين كان يجند ~~الأفراد أثناء الحرب، وأنه كون كتيبة من أبنائه غير الشرعيين، هل هذا ~~صحيح؟» # قال الطبيب: «هذا أمر مستبعد، فلم تكن أعمارهم مناسبة آنذاك. لكن ما ~~من شك في خسته. أما الآن فقد عقد العزم على تدميري، فهو يكرهني لأنني ~~أعرف عنه الكثير جدا، من ناحية؛ كما أنه غريم أي شخص نزيه سوي. وسوف ~~يلجأ - كما هي عادة أولئك الرجال - إلى الافتراء. سوف ينشر عني ~~التقارير، تقارير بتفاصيل بالغة الفظاعة والكذب. لقد شرع في الأمر ~~بالفعل.» ~~«لكن هل من الممكن أن يصدق أي أحد شخصا مثله ضدك؟ فليس سوى قاض ~~دنيء. أما أنت فمسئول كبير.» ~~«إنك لا تفهم المكر الشرقي يا سيد فلوري. لقد قضى يو بو كين على ~~مسئولين أعلى مني شأنا. سوف يجد سبلا ms040 لجعل الناس تصدقه. ولهذا ... آآ! ~~إنها مسألة مستعصية!» # ذرع الطبيب الشرفة جيئة وذهابا مرة أو مرتين، وهو يمسح نظارته ~~بمنديله. بدا جليا أن ثمة شيئا آخر منعته اللياقة من قوله. للحظة ~~بدا اضطراب شديد على سلوكه حتى إن فلوري ود أن يسأل ما إذا كان بمقدوره ~~المساعدة بطريقة ما، لكنه لم يسأل، فقد كان يعلم عدم جدوى التدخل في ~~نزاعات الشرق. فلم يسبق لأي أوروبي قط أن سبر أغوار هذه النزاعات؛ إذ ~~إن هناك دائما شيئا مستغلقا على العقل الأوروبي، مؤامرة خلف ~~المؤامرة، وخطة خلف الخطة. كما أن الابتعاد عن نزاعات أهل البلد هو ~~واحد من المبادئ العشرة لأي سيد أوروبي في الشرق. هكذا قال فلوري ~~بريبة: ~~«ما هي المسألة المستعصية؟» ~~«إنني فقط أخشى أنك ستضحك مني يا صديقي. لكن هذا ما في الأمر؛ لو ~~كنت عضوا في النادي الأوروبي! ليتني كذلك! كم كان سيختلف موقفي ~~حينئذ!» ~~«النادي؟ كيف لهذا أن ينقذ موقفك؟» ~~«الوجاهة هي أهم شيء في هذه الأمور يا صديقي. فلن يجاهر يو بو كين ~~بالهجوم علي؛ لن يجرؤ على ذلك أبدا؛ لكنه سيقدح في ويغتابني. وما ~~إذا كانت الناس ستصدقه أم لا هو أمر يتوقف بالكامل على موقفي مع ~~الأوروبيين. هكذا تجري الأمور في الهند. إذا كان موقفنا جيدا نعلو؛ ~~وإن كان سيئا نسقط. يمكن لإيماءة وغمزة إنجاز أكثر ما لا يمكن لألف ~~تقرير رسمي إنجازه. وأنت لا تعلم الوجاهة التي يكتسبها الهندي بأن يكون ~~عضوا في نادي أوروبي. فهو يصبح أوروبيا فعليا في النادي. لا يمكن ~~لأي افتراء أن يمسه؛ فعضو النادي له قدسية.» # رنا فلوري ببصره بعيدا من فوق سور الشرفة، وكان قد نهض كأنه ~~سيرحل. كان دائما ما يشعر بالخجل والضيق عند الاضطرار للاعتراف بينهما ~~بأنه لا يمكن قبول الطبيب في النادي، بسبب لونه الأسود. إنه لأمر كريه ~~أن يكون صديقك المقرب غير مكافئ لك اجتماعيا؛ لكنه شيء أصيل في هواء ~~الهند نفسه. # قال: «ربما يختارونك في الجمعية العمومية التالية. لا أقول إنهم ~~سيفعلون، ms041 لكنه ليس مستحيلا.» ~~«أرجو يا سيد فلوري ألا تظن أنني أسألك أن ترشحني للنادي. حاشا ~~لله! أعرف أن الأمر مستحيل عليك. إنما كنت أشير لأنني لو كنت عضوا ~~في النادي، لكنت صرت في الحال حصينا.» # أمال فلوري قبعته دون إحكام على رأسه وغمز بعصاه فلو التي كانت ~~نائمة أسفل المقعد. انتاب فلوري ضيق شديد؛ إذ كان يعلم أن بإمكانه في ~~الغالب ضمان اختيار الدكتور فيراسوامي في النادي لو كان لديه الشجاعة ~~لمواجهة بضع مشاحنات مع إليس. كما أن الطبيب كان صديقه على أي حال، ~~بل يكاد يكون صديقه الوحيد في بورما. فقد دارت بينهما الأحاديث ~~والمجادلات مائة مرة، وتناول الطبيب عشاءه في منزله، بل واقترح ~~تقديم فلوري إلى زوجته، لكنها رفضت في ذعر، لكونها هندوسية ملتزمة. ~~كما ذهبا في رحلات صيد معا؛ حيث تسلح الطبيب بأحزمة عريضة لحمل ~~الطلقات وسكاكين صيد، وتسلق لاهثا التلال التي جعلتها أوراق الخيزران ~~زلقة، وهو يطلق مسدسه على أي شيء. كان من الواجب عليه من باب ~~اللياقة أن يدعم الطبيب. لكنه كان يعلم كذلك أن الطبيب لن يطلب منه أي ~~دعم أبدا، وأن التحاق أي شرقي بالنادي سيسبقه مشاحنة كريهة. لا، ~~إنه لا يستطيع خوض تلك المشاحنة! لم يكن الأمر يستحق. هكذا ~~قال: ~~«لأقول لك الحقيقة، لقد جرى حديث عن هذا الشأن. كانوا يتناقشون ~~فيه هذا الصباح، وكان الشيطان الصغير إليس يدلي بعظته المعتادة عن ~~«الزنجي النجس»؛ إذ كان ماكجريجور قد اقترح اختيار عضو من أهل البلد. ~~أعتقد أنه تلقى أوامر بذلك.» ~~«أجل، لقد سمعت بالأمر، تصلنا كل هذه الأخبار، وهذا ما وضع الفكرة في ~~رأسي.» ~~«من المقرر أن يطرح الأمر في الجمعية العمومية في يونيو. لا أعلم ~~ماذا سيحصل، لكنه يتوقف على ماكجريجور، على ما أعتقد. سوف أعطيك صوتي، ~~لكن لا أستطيع أن أفعل أكثر من ذلك. آسف، لكنني لا أستطيع فحسب. فلا ~~تعلم المشاحنة التي ستنشأ. من المحتمل جدا أن يختاروك، لكنهم ~~سيفعلون ذلك كواجب مكروه، رغم أنفهم . فلديهم هوس شديد بالحفاظ على ms042 ~~هذا النادي أبيض تماما، حسب قولهم.» ~~«بالطبع، بالطبع يا صديقي! أدرك ذلك تماما. حاشا لله أن تقع في ~~مشكلة مع أصدقائك الأوروبيين بسببي. أرجوك، أرجوك ألا تتورط! مجرد ~~معرفة كونك صديقي تفيدني أكثر مما تتخيل. الوجاهة يا سيد فلوري، ~~إنها مثل البارومتر. في كل مرة ترى أثناء دخولك منزلي يرتفع الزئبق ~~نصف درجة.» ~~«حسنا، لا بد أن نحاول الحفاظ عليه مستقرا. أخشى أن هذا كل ما ~~أستطيع أن أقدمه لك.» ~~«حتى هذا كثير يا صديقي. ولذلك، ثمة شيء آخر سأحذرك منه، رغم ~~أنك ستضحك، على ما أخشى. أنت نفسك لا بد أن تحذر من يو بو كين. احذر ~~من التمساح! فمن المؤكد أنه سيهاجمك حين يعلم أنك تصادقني.» ~~«حسنا يا دكتور. سآخذ حذري من التمساح. ولو أنني لا أعتقد أن ~~باستطاعته أن يلحق بي أذى حقيقيا.» ~~«سوف يحاول على الأقل، فأنا أعرفه. سيلجأ إلى تجريدي من أصدقائي. ~~ومن المحتمل حتى أن يتجاسر على نشر افتراءاته عنك أيضا.» ~~«عني؟ يا للعجب، لن يصدق أحد أي شيء يقال ضدي. إنني مواطن ~~روماني. إنني رجل إنجليزي، فوق مستوى الشبهات تماما.» ~~«رغم ذلك خذ حذرك من افتراءاته يا صديقي. لا تستهن به. فسوف يعرف ~~السبيل لمهاجمتك. إنه تمساح، ومثل التمساح - ضم الطبيب سبابته ~~وإبهامه متأثرا؛ إذ تختلط عليه التشبيهات أحيانا - مثل التمساح، ~~يهاجم نقاط الضعف!» ~~«هل تهاجم التماسيح نقاط الضعف دائما يا دكتور؟» # ضحك الرجلان، كانت الألفة بينهما قوية بما يسمح بالضحك أحيانا على ~~إنجليزية الطبيب الغريبة. ربما كان الطبيب في أعماق قلبه محبطا قليلا ~~أن فلوري لم يعده بترشيحه للنادي، لكنه كان يفضل الهلاك على البوح ~~بذلك. وكان فلوري سعيدا لترك الموضوع، فهو موضوع مزعج لدرجة أنه ~~تمنى لو أنه لم يثر قط. ~~«حسنا، لا بد أن أذهب حقا يا دكتور. أودعك في حالة لم أرك مرة ~~أخرى. أرجو أن تسير الأمور على ما يرام في الجمعية العمومية. ليس ~~ماكجريجور شخصا سيئا، وأعتقد أنه سيصر على أن يختاروك .» ~~«لنتمن هذا يا صديقي. فبهذا ms043 أستطيع مواجهة مائة يو بو كين، بل ~~ألفا! إلى اللقاء يا صديقي، إلى اللقاء.» # عدل فلوري وضع قبعته على رأسه ومضى إلى منزله عبر الميدان الملتهب، ~~لتناول إفطاره، الذي قضى الصباح الطويل من الشرب والتدخين والحديث على ~~شهيته له. # | الفصل الرابع # اضطجع فلوري نائما، عاريا إلا من سروال أسود فضفاض، على فراشه الذي ~~بلله العرق. كان قد قضى النهار كله متعطلا. إذ كان يقضي نحو ~~ثلاثة أسابيع من كل شهر في المعسكر، ويأتي لكياوكتادا بضعة أيام ~~متواصلة، من أجل التعطل في المقام الأول، فقد كان لديه القليل ~~جدا من الأعمال المكتبية ليقوم بها. # كان مخدع النوم حجرة كبيرة مربعة ذات جدران من الجص الأبيض، ومداخل ~~مفتوحة، ومن دون سقف، وإنما عوارض عششت فيها طيور السنونو. ولم يكن ~~بها من أثاث سوى فراش بأربعة أعمدة، بناموسية مطوية مثل فسطاط، ومنضدة ~~من الخوص ومقعد ومرآة صغيرة؛ وكذلك بعض من رفوف الكتب البدائية الصنع، ~~ضمت مئات عديدة من الكتب، أصابتها فصول ممطرة عدة بالعفن وغربلتها ~~حشرات السمك الفضي. وتشبث بالجدار برص، مستويا بلا حراك كأنه ~~شعار تنين. وراء حواف الشرفة انهمر الضوء كأنه زيت أبيض رقراق. وفي ~~إحدى أدغال الخيزران ظلت بعض الحمامات تطن طنينا رتيبا، تماشى ~~على نحو غريب مع الحر صوت يبعث على النوم، لكنه النوم تحت تأثير ~~الكلوروفورم لا بفعل تهويدة. # وعلى بعد مائتي ياردة، في كوخ السيد ماكجريجور، طرق أحد البوابين ~~أربع طرقات على جزء من قضيب حديدي، كأنه ساعة حية. أيقظ هذا الصوت، ~~كو سلا، خادم فلوري، فذهب إلى المطبخ الخارجي ونفخ في جذوات الحطب، ~~وغلى البراد من أجل الشاي. ثم وضع عصابة رأسه الوردية وقميصه الموسلين ~~وأحضر صينية الشاي إلى جانب فراش سيده. # كو سلا (اسمه الحقيقي مونج سان هلا؛ كو سلا كان اختصارا) كان ~~بورميا، مربع المنكبين، ريفي المظهر، ذا بشرة داكنة جدا وتعبير ~~منزعج. وكان لديه شارب أسود ملتف لأسفل حول فمه، لكنه كان بلا ~~لحية مطلقا مثل أغلب البورميين . وقد ظل خادم فلوري منذ ms044 يومه الأول ~~في بورما. وكان أحدهما يكبر الآخر بشهر واحد. وقد عاش الاثنان صباهما ~~معا، وهاما جنبا إلى جنب بحثا عن طيور الشنقب والبط، وجلسا معا في ~~درايا في انتظار نمور لم تأت قط، وتقاسما متاعب ألف معسكر ومسيرة؛ ~~وكان كو سلا يجلب لفلوري البغايا ويقترض له المال من المرابين ~~الصينيين، ويحمله إلى الفراش وهو ثمل، ويعتني به في نوبات الحمى. ~~كان كو سلا يرى فلوري ما زال صبيا لكونه أعزب؛ أما كو سلا فقد ~~تزوج، وأنجب خمسة أطفال، وتزوج مرة أخرى وصار أحد الشهداء ~~المغمورين لتعدد الزوجات. وشأن كل خدم العزاب، كان كو سلا كسولا ~~وقذرا، لكنه كان مخلصا لفلوري. فلم يكن ليسمح لأي أحد غيره بخدمة ~~فلوري على المائدة، أو حمل سلاحه، أو إمساك رأس مهره أثناء امتطائه ~~له. وحين يعترضهما جدول أثناء سيرهما، كان يعبره حاملا فلوري فوق ~~ظهره. وكان كو سلا ينزع للإشفاق على فلوري؛ لأنه كان يراه طفلا ويسهل ~~خداعه من ناحية، وبسبب وحمته التي كان يراها شيئا مريعا من ناحية ~~أخرى. # وضع كو سلا صينية الشاي على المنضدة بهدوء شديد، ثم دار إلى طرف ~~الفراش ودغدغ أصابع فلوري؛ إذ كان يعلم عن تجربة أنها الطريقة الوحيدة ~~لإيقاظ فلوري دون وضعه في مزاج سيئ. تقلب فلوري وسب ثم دس جبهته ~~في الوسادة. # قال كو سلا: «لقد دقت الساعة الرابعة يا سيدي الكريم، وقد أتيتك ~~بفنجاني شاي لأن المرأة قالت إنها آتية.» # كانت السيدة هي ما هلا ماي، عشيقة فلوري، وكان كو سلا يدعوها المرأة ~~ليبدي استنكاره. لم يكن يستنكر على فلوري أن لديه عشيقة، وإنما كان ~~غيورا من نفوذ ما هلا ماي في ~~المنزل. # تساءل كو سلا: «هل سيلعب سيدي الكريم التنس هذا المساء؟» # قال فلوري بالإنجليزية: «لا؛ فالجو حار جدا. ولا أريد أن آكل أي ~~شيء. خذ هذا الوسخ بعيدا وهات بعض الويسكي.» # كان كو سلا يفهم الإنجليزية جيدا جدا، وإن كان لا يستطيع التحدث ~~بها. أحضر كو سلا زجاجة ويسكي، وكذلك مضرب تنس ms045 فلوري، الذي أسنده إلى ~~الجدار المقابل للفراش بطريقة ذات مغزى. فقد كان التنس حسب اعتقاده ~~طقسا غامضا فرضا على الرجال الإنجليز جمعاء، كما أنه لم يكن يحب ~~أن يرى سيده متعطلا في المساء. دفع فلوري بعيدا بازدراء الخبز ~~والزبد اللذين أحضرهما كو سلا، لكنه خلط بعض الويسكي في فنجان الشاي ~~وشعر بتحسن بعد احتسائه. وكان قد خلد إلى النوم منذ الظهر، ويشعر ~~بالألم في رأسه وكل عظامه، وبمذاق مثل الورق المحترق في فمه. لم ~~يستمتع فلوري بوجبة واحدة منذ سنوات؛ فكل الطعام الأوروبي في بورما ~~مقزز نوعا ما؛ الخبز عبارة عن شيء إسفنجي يختمر بخمر النخيل ومذاقه ~~مثل خبز رخيص رديء، والزبد يأتي من صفيحة، وكذلك اللبن، إلا إذا كان ~~السائل الرمادي الشبيه بالماء الذي لدى اللبان. بينما كان كو سلا ~~يغادر الحجرة، سمع من الخارج صوت احتكاك خفين، وصوت فتاة بورمية ~~عالي النبرة يقول: «هل سيدي مستيقظ؟» # قال فلوري بمزاج متعكر بعض الشيء: «ادخلي.» # دخلت ما هلا ماي وهي تخلع خفيها المدهونين بورنيش أحمر في المدخل. ~~كان مسموحا لها أن تأتي للشاي، كامتياز خاص، لكن ليس لوجبات أخرى، ولا ~~أن ترتدي خفيها في حضرة سيدها. # كانت ما هلا ماي امرأة عمرها اثنان أو ثلاثة وعشرون، وطولها ربما خمس ~~أقدام. كانت ترتدي إزارا من ساتان صيني أزرق فاتح مطرز وبلوزة من ~~الموسلين الأبيض المنشى تدلت عليها عدة دلايات ذهبية. أما شعرها فقد ~~لف في كعكة سوداء محكمة مثل الأبنوس، وزين بزهور الياسمين. كان جسمها ~~الصغير المستقيم النحيل بلا تضاريس مثل نقش بارز على شجرة. كانت مثل ~~الدمية، بوجهها البيضاوي الجامد بلون النحاس الجديد، وعينيها الضيقتين؛ ~~دمية غريبة لكنها جميلة جمالا متنافرا. دخلت ودخل معها الحجرة رائحة ~~خشب الصندل وزيت جوز الهند. ثم مضت ما هلا ماي إلى الفراش، وجلست على ~~حافته، ووضعت ذراعيها حول فلوري على نحو مفاجئ بعض الشيء. # وقالت: «لماذا لم يرسل سيدي في طلبي هذا العصر؟» ~~«كنت نائما. والجو حار جدا لمثل ذلك الأمر.» ~~«هل تفضل إذن ms046 النوم بمفردك على النوم مع ما هلا ماي؟ كم تراني ~~قبيحة إذن! هل أنا قبيحة يا سيدي؟» # فقال وهو يدفعها: «ارحلي. لا أريدك في هذا الوقت من اليوم.» ~~«إذن فلتلمسني بشفتيك على الأقل (لا يوجد في اللغة البورمية كلمة ~~مقابلة للقبلة) كل الرجال البيض يفعلون ذلك بنسائهم.» ~~«ها هي إذن. الآن فلتتركيني لحالي. هاتي بعض السجائر وأعطيني ~~واحدة.» ~~«لماذا لا تريد مطارحتي الغرام هذه الأيام قط؟ كم كان الأمر مختلفا ~~منذ سنتين! كنت تحبني في تلك الأيام. كنت تهاديني بالأساور الذهبية ~~والأزر الحرير من ماندالاي. لكن الآن انظر - مدت ما هلا ماي ذراعها ~~الصغيرة المغطاة بالموسلين - لا توجد أسورة واحدة. كان لدي ثلاثون ~~الشهر الماضي، والآن كلها مرهونة. كيف يمكنني الذهاب إلى البازار من ~~دون أساوري، مرتدية نفس الإزار مرة تلو الأخرى؟ أشعر بالخزي أمام ~~النساء الأخريات.» ~~«هل هو خطئي أنك ترهنين أساورك؟» ~~«كنت ستستردها لي منذ عامين. آه، إنك لم تعد تحب ما هلا ~~ماي!» # أحاطته بذراعيها ثانية وقبلته، وهي العادة الأوروبية التي ~~علمها إياها. تصاعد منها خليط من روائح خشب الصندل والثوم وزيت جوز ~~الهند والياسمين الذي في شعرها. كانت تلك الرائحة تجعل أسنانه ترتجف. ~~شاردا بعض الشيء، دفع رأسها إلى الوسادة ونظر إلى وجهها الغض الغريب ~~بوجنتيه المرتفعتين، وجفنيه المشدودين وشفتيه القصيرتين المتناسقتين. ~~كانت أسنانها جميلة نوعا ما، مثل أسنان هرة صغيرة. كان قد اشتراها من ~~أبويها منذ عامين، مقابل ثلاثمائة روبية. بدأ يداعب عنقها البني، ~~البازغ مثل غصن ناعم رفيع من بلوزتها التي بلا ياقة. # قال لها: «إنني أروقك فقط لأنني رجل أبيض ولدي مال.» ~~«إنني أحبك يا سيدي. أحبك أكثر من أي شيء في العالم. لماذا تقول ~~ذلك؟ ألم أكن دوما مخلصة لك؟» ~~«بل لديك حبيب بورمي.» ~~«أف!» اصطنعت ما هلا ماي القشعريرة من الفكرة، «لا أتخيل أن تلمسني ~~أياديهم البنية الكريهة! سأموت لو لمسني أحد البورميين!» ~~«كاذبة.» # وضع يده على ثديها. في خبيئة نفسها، لم تكن ما هلا ماي يروقها هذا، ~~إذ كان يذكرها ms047 بوجود ثدييها - كان يفترض أن تكون المرأة البورمية ~~المثالية بلا ثديين - استلقت ما هلا ماي وتركته يفعل بها ما يحلو له، ~~بخضوع تام لكن بسعادة وابتسامة باهتة، مثل قطة تتيح لشخص أن يمسد ~~على جسمها. لم تكن أحضان فلوري تعني لها شيئا (كان با بي، الأخ الأصغر ~~لكو سلا، عشيقها سرا)، إلا أنها كانت تتألم بشدة حين يتجاهلها. في ~~بعض الأحيان كانت تضطر لوضع أشربة الحب في طعامه. كانت تهوى تلك ~~الحياة الفارغة للمحظية، وزياراتها لقريتها مرتدية كل زينتها، حيث ~~كانت تستطيع التباهي بوضعها كزوجة رجل أبيض؛ فقد كانت أقنعت الجميع، ~~بما فيهم نفسها، بأنها زوجة فلوري الشرعية. # حين فرغ فلوري منها أدبر عنها، منهكا وخجلا، واستلقى صامتا ~~تغطي يده اليسرى وحمته. كان دائما ما يتذكر وحمته حين يقدم على شيء ~~يخجل منه. دس وجهه باشمئزاز في الوسادة، التي كانت رطبة وتفوح منها ~~رائحة زيت جوز الهند. كان الحر رهيبا، والحمام بالخارج لا يزال على ~~هديله الرتيب. اضطجعت ما هلا ماي عارية بجانب فلوري، وجعلت تهوي عليه ~~برقة بمروحة من الخوص أخذتها من على المنضدة. # ما لبثت أن نهضت وارتدت ملابسها، وأشعلت سيجارة. ثم عادت للفراش ~~وجلست وراحت تمسد كتف فلوري العاري. كان بياض بشرته يبهرها، بسبب ~~غرابته والإحساس بالنفوذ الذي يمنحها إياه. هز فلوري كتفه ليبعد ~~يدها؛ إذ كانت في هذه الأوقات تصير مثيرة للغثيان وكريهة له، فلم يرغب ~~إلا في إبعادها عن ناظريه. # قال لها: «ارحلي.» # أخذت ما هلا ماي السيجارة من فمها وحاولت أن تناوله إياها، وقالت: ~~«لماذا دائما يشتد الغضب بسيدي مني بعد أن يطارحني ~~الغرام؟» # أعاد قوله: «ارحلي.» # واصلت ما هلا ماي تمسيد كتف فلوري. لم تتعلم أبدا الحكمة في تركه ~~وحيدا في هذه الأوقات. كانت تعتقد أن الخلاعة نوع من الشعوذة التي ~~تمنح المرأة قوى سحرية للسيطرة على الرجل، حتى تستطيع في نهاية الأمر ~~أن توهنه فيصير عبدا شبه أبله. كل حضن بعد الآخر كان يستنزف إرادة ~~فلوري ويجعل السحر أقوى؛ كان هذا اعتقادها. ms048 جعلت تزعجه ليعاودا ~~الأمر. وضعت سيجارتها وأحاطته بذراعيها، محاولة تحويله ناحيتها وتقبيل ~~وجهه الذي أشاح به عنها، وهي توبخه على بروده. # قال بسخط: «ارحلي، ارحلي! ابحثي في جيب سروالي القصير. يوجد به نقود. ~~خذي خمس روبيات واذهبي.» # وجدت ما هلا ماي ورقة بخمس روبيات ودستها في صدر بلوزتها، لكنها ظلت ~~دون أن تغادر. حامت حول الفراش، مسببة الإزعاج لفلوري حتى استبد به ~~الغضب في النهاية ووثب واقفا. ~~«اخرجي من هذه الحجرة! قلت لك أن تذهبي. لا أريدك هنا بعد أن أنتهي ~~منك.» ~~«يا له من أسلوب لطيف لمخاطبتي! إنك تعاملني كما لو كنت ~~بغيا.» # قال لها وهو يدفع بها من كتفيها إلى خارج الحجرة: «إنك كذلك. ~~لتخرجي من هنا.» ثم ركل خفيها وراءها، وهذه هي الطريقة التي كثيرا ~~ما كانت تنتهي بها لقاءاتهما. # وقف فلوري في وسط الحجرة وهو يتثاءب. فهل يذهب إلى النادي للعب التنس ~~على أي حال؟ لا، فهذا معناه أن يحلق، وهو لا يقوى على جهد الحلاقة قبل ~~تجرع بضع كئوس من الشراب. تحسس ذقنه الخشن وسار متراخيا إلى ~~المرآة ليتفحصه، لكنه تحول عنها بعد ذلك؛ إذ لم يرد أن يطالع الوجه ~~النحيل الأصفر الذي كان سيبادله النظر. وقف بضع دقائق بأطراف ~~مرتخية، يشاهد البرص وهو يتتبع عثة فوق أرفف الكتب. احترقت ~~السيجارة التي رمتها ما هلا ماي برائحة لاذعة، وتحول الورق إلى اللون ~~البني. تناول فلوري كتابا من على الرفوف، وفتحه ثم ألقاه في نفور. ~~ليس لديه الطاقة حتى للقراءة. يا إلهي، يا إلهي، ماذا يفعل فيما ~~تبقى من هذا المساء اللعين؟ # دخلت فلو الحجرة تتهادى وتهز ذيلها طالبة الخروج في نزهة. دخل ~~فلوري الحمام الصغير ذا الأرضية الحجرية المفضي إلى مخدع النوم، ونضح ~~نفسه ببعض الماء الفاتر وارتدى قميصه وسرواله القصير. لا بد أن يمارس ~~بعض النشاط قبل أن تغرب الشمس. في الهند يعد شرا نوعا ما أن تمضي ~~يوما من دون أن تتصبب عرقا ولو مرة واحدة، فإنه شيء يعطي المرء ~~شعورا بالخطيئة أقوى ms049 من ألف فاحشة. وفي المساء المعتم، بعد يوم من ~~الخمول التام، يبلغ الملل بالإنسان ذروة من الجزع والرغبة في الانتحار. ~~ملل يصير أمامه العمل والصلاة والكتب والشراب والحديث بلا جدوى؛ ولا ~~يمكن التخلص منه إلا عرقا من مسام الجلد. # خرج فلوري واتخذ الطريق الصاعد إلى الغابة. كانت في بدايتها غابة من ~~الأشجار الخفيضة، ذات شجيرات متقزمة كثيفة، والأشجار الوحيدة كانت ~~أشجار مانجو شبه برية، تحمل ثمارا صغيرة بمذاق التربنتين وفي حجم ~~البرقوق. ثم يتوغل الطريق بين أشجار أطول. كانت الغابة جافة وبلا ~~حياة في هذا الوقت من العام. تراصفت الأشجار على الطريق في صفوف ~~متلاصقة مغبرة، بأوراق لونها أخضر زيتوني باهت. وخلا المنظر من ~~الطيور سوى بعض مخلوقات بنية سقيمة مثل طيور سمنة رثة الهيئة، راحت ~~تتقافز طائشة تحت الشجيرات؛ ومن بعيد ندت عن طير آخر صيحة «آه ها ها! ~~آه ها ها!» صوت خائر وحيد مثل رجع ضحكة. وانبعثت رائحة سامة شبيهة ~~باللبلاب من أوراق شجر متهشمة. كان الجو ما زال حارا، مع أن الشمس ~~كانت تفقد وهجها وأصبحت أشعتها المائلة صفراء اللون. # وبعد ميلين انتهى الطريق عند معبر جدول ضحل؛ حيث تزداد الغابة خضرة ~~بسبب الماء، وتزداد الأشجار طولا. كان عند حافة الجدول شجرة بينكادو ~~ضخمة ميتة زينتها زهور الأوركيد العنكبوتي، وكان كذلك بعض شجيرات ليمون ~~برية بزهور شاحبة بيضاء، ذات عبق حاد مثل البرجموت. كان فلوري يسير ~~سريعا وقد تخضل قميصه بالعرق وراح يتساقط منه، ويلسع عينيه. كان قد ~~تصبب من العرق ما جعله في حالة مزاجية أفضل. كذلك كان مرأى الجدول ~~دائما ما يبهجه؛ إذ كانت مياهه صافية تماما، وهو منظر نادر جدا ~~في بلد موحل. عبر الجدول على أحجار، ووراءه فلو تنثر الماء، وانعطف ~~إلى مسار ضيق كان يعرفه، يمر وسط الشجيرات، كانت الماشية قد صنعته ~~عند ورودها الجدول للشرب، ومن سلكه من البشر كانوا قلة قليلة. وكان ~~بعد خمسين ياردة يؤدي إلى بحيرة في اتجاه منبع الجدول، حيث تنمو ~~شجرة تين مجوسي في هيئة ms050 شيء هائل ذي جذور داعمة سمكه ست أقدام، حبك ~~من عدد لا يحصى من الخيوط الخشبية مثل كابل خشبي حبكه مارد. وقد ~~صنعت جذور الشجرة كهفا طبيعيا، يخرخر الماء المخضر الصافي تحته. ~~حجبت الأوراق الكثيفة الضوء من فوق ومن الجوانب، مما حول المكان إلى ~~كهف جدرانه من أوراق الشجر. # خلع فلوري ملابسه ودلف إلى الماء الذي كان أبرد قليلا من الهواء، ~~فصعد إلى عنقه حين جلس. وجاءت أسراب من سمك الماسير الفضي، لا يزيد ~~حجمها عن حجم السردين، وراحت تتحسس جسمه وتقرصه. وكانت فلو قد ~~ارتمت هي أيضا في الماء، وأخذت تسبح بهدوء، مثل القضاعة، بقدميها ~~المكففتين. كانت تعرف البحيرة خير معرفة؛ إذ كانا كثيرا ما يأتيانها ~~حين يكون فلوري في كياوكتادا. # كان ثمة حركة أعلى شجرة التين، وصوت بقبقة مثل صوت غليان القدور؛ إذ ~~كان هناك سرب من الحمام الأخضر يأكل التوت. حدق فلوري في القبة ~~الخضراء الهائلة للشجرة، محاولا العثور على الطيور؛ لكنها كانت غير ~~مرئية؛ فقد تطابقت تماما مع الأوراق، بيد أنها أضفت حيوية على الشجرة ~~كلها، التي تألقت كأن أشباح طيور كانت تهزها. استندت فلو إلى الجذور ~~وجعلت تزمجر على الكائنات الخفية. ثم رفرفت حمامة خضراء واحدة وحطت ~~على فرع منخفض، غير مدركة أن هناك من يراقبها. كانت عبارة عن شيء ~~رقيق، أصغر حجما من الحمامة الأليفة، ذات ظهر أخضر مائل للزرقة في ~~نعومة القطيفة، وعنق وصدر بألوان براقة. أما ساقاها فكانتا مثل الشمع ~~الوردي الذي يستخدمه طبيب الأسنان. # تأرجحت الحمامة ذهابا وإيابا على الغصن، وهي تنفخ ريش صدرها وتضع ~~عليه منقارها المرجاني. هنا شمل فلوري ألم ممض مفاجئ. وحيدا، وحيدا، ~~يا لمرارة الوحدة! كثيرا ما كان يقابله في الأماكن الخالية من ~~الغابة، شيء يفوق بهاؤه كل الكلمات، سواء طائر أو زهرة أو شجرة، فيتمنى ~~لو كان معه نفس يشاركها إياه. فالجمال لا معنى له حتى تجد من يشاركك ~~فيه. ليته كان لديه شخص واحد، واحد فقط، ليشاطره عزلته! وفجأة رأت ~~الحمامة الرجل والكلبة في الأسفل، ms051 فانطلقت في الجو ومرقت سريعا مثل ~~الرصاصة، وجناحاها يرفرفان. ليس من المألوف أن يرى المرء الحمام الأخضر ~~بهذا القرب حيا. فهو من الطيور التي تحلق عاليا، وتعيش على قمم ~~الأشجار، ولا تهبط إلى الأرض، وحين تهبط يكون للشرب فقط. حتى حين يطلق ~~عليها النار، لا تموت في الحال، وإنما تتشبث بفروع الأشجار حتى تلقى ~~حتفها، وتسقط بعد أن يكون الشخص قد يئس من الانتظار وابتعد بوقت ~~طويل. # خرج فلوري من الماء، وارتدى ملابسه وأعاد عبور الجدول. لم يسلك ~~الطريق لمنزله، وإنما اتخذ مسار مشاة متجها جنوبا إلى الغابة، ~~ناويا الالتفاف والمرور من قرية واقعة على حدود الغابة غير بعيدة عن ~~منزله. تقافزت فلو بين الشجيرات، صارخة أحيانا حين تعلق أذناها ~~الطويلتان في الأشواك. كانت قد عثرت على أرنب بري ذات مرة هناك. سار ~~فلوري على مهل، وقد تصاعد الدخان من غليونه مباشرة في ألسنة ساكنة. ~~كان هانئا وشاعرا بالسلام بعد التمشية والمياه الصافية. وكان الجو قد ~~صار أكثر برودة حينذاك، ما عدا بعض المواضع التي ظلت حارة أسفل ~~الأشجار الأكثر كثافة، والضوء رقيقا. فيما ارتفع في سلام من بعيد صرير ~~عجلات عربة يجرها ثور. # وما لبثا أن ضلا الطريق في الغابة، وشردا في متاهة من الأشجار ~~الميتة والشجيرات المتشابكة. ثم بلغا طريقا مسدودا حيث ~~اعترضتهما نباتات كبيرة قبيحة مثل نباتات دريقة متضخمة، انتهت ~~أوراقها بسياط طويلة متسلحة بأشواك. وتوهجت يراعة بلون أخضر أسفل ~~إحدى الشجيرات، فيما كان الشفق يغمر الأماكن الأكثر كثافة. وسريعا ما ~~اقترب صرير عجلات العربة التي يجرها الثور، متخذة مسارا ~~موازيا. # هتف فلوري، قابضا على طوق فلو لمنعها من الجري بعيدا، وقال: ~~«مهلا، يا سيدي، يا سيدي!» # رد الرجل البورمي صائحا: «ماذا هناك؟» وتصاعد صوت وقع الحوافر ~~وصياح الثيران. ~~«لتأت أرجوك، أيها السيد العلامة المبجل! لقد ضللنا السبيل. ~~فلتتوقف لحظة، يا بناء المعابد العظيم!» # غادر الرجل البورمي عربته وشق طريقه في الغابة، وهو يمزق ~~النباتات المتسلقة بسيفه. كان رجلا مربوعا في منتصف العمر بعين ~~واحدة، وقد قاد ms052 فلوري عائدا إلى المسار؛ حيث صعد إلى العربة المسطحة ~~غير المريحة التي تجرها الثيران. تناول الرجل البورمي الزمام، وصاح ~~في الثيران، ولكز منابت ذيولها بعصاه القصيرة، فانطلقت العربة محدثة ~~صريرا بعجلاتها. كان سائقو عربات الثيران البورميون نادرا ما ~~يشحمون محاور عجلاتهم، غالبا لاعتقادهم أن الصرير يبعد الأرواح ~~الشريرة، مع أنهم عند سؤالهم يقولون إنهم فقراء جدا ليشتروا ~~الشحم. # وقد مروا بمعبد خشبي مطلي بالجير، لا يعدو طوله قامة إنسان ~~توارى نصفه وراء فروع النباتات المتسلقة. ثم دار المسار متجها إلى ~~القرية التي احتوت على عشرين كوخا خشبيا متهالكا معرشا بالقش، ~~وبئر أسفل بعض نخيل البلح الأجرد. كانت طيور البلشون الجاثمة على ~~النخيل تتقاطر نحو أعشاشها فوق قمم الأشجار مثل ريش أبيض في سهام. ~~وكان ثمة امرأة صفراء البشرة بدينة إزارها مشدود تحت إبطيها تطارد ~~كلبا حول أحد الأكواخ، تضربه بساق خيزران وتضحك، والكلب أيضا يضحك ~~بطريقته. كانت تلك القرية تسمى نيانجليبين؛ «شجرات التين المجوسي ~~الأربع»، لكن لم يعد هناك أشجار تين مجوسي الآن، فربما قطعت ونسيت ~~منذ قرن مضى. كان أهل القرية قد زرعوا شريطا ضيقا من الحقول يقع بين ~~البلدة والغابة، وكانوا أيضا يصنعون عربات تجرها الثيران يبيعونها في ~~كياوكتادا. لذلك تجد عجلات عربات الثيران متناثرة في كل مكان أسفل ~~المنازل؛ أغراض ضخمة عرضها خمس أقدام، قطعت برامقها بلا دقة لكنها ~~متينة. # نزل فلوري من على العربة ونفح السائق أربع آنات. هرعت بعض الكلاب ~~الهجينة المخططة من أسفل المنازل لتتشمم فلو، وكذلك ظهر جمع من ~~الأطفال العرايا ذوي الكروش بشعور معقوصة فوق رءوسهم، يحدوهم فضول إزاء ~~الرجل الأبيض، لكن مع البقاء مبتعدين. كذلك خرج من منزله زعيم القرية، ~~الذي كان عجوزا متغضنا بنيا بلون الورق، وراح يؤدي التحية ~~بالجثو على الركبتين عدة مرات. جلس فلوري على سلم منزل الزعيم وأعاد ~~إشعال غليونه. ولما كان عطشان، فقد سأل الزعيم: ~~«هل المياه التي في بئركم صالحة للشرب يا أيها الزعيم؟» # أخذ الزعيم يفكر وهو يحك ربلة ساقه اليسرى بظفر الإصبع الأكبر ms053 في ~~قدمه اليمنى، وقال: «أولئك الذين يشربونها، يشربونها. وأولئك الذين لا ~~يشربونها، لا يشربونها يا سيدي.» ~~«حسنا، تلك حكمة.» # جاءت السيدة البدينة التي كانت تطارد الكلب الضال بإبريق شاي من ~~الفخار المسود ووعاء بلا يد، وأعطت فلوري بعض الشاي الأخضر الباهت، ~~بمذاق دخان الحطب. ~~«لا بد أن أرحل يا أيها الزعيم. شكرا على الشاي.» ~~«ليصاحبك الرب يا سيدي.» # سلك فلوري لمنزله المسار المفضي إلى الميدان. كان الظلام قد حل، وكو ~~سلا قد ارتدى قميصا نظيفا ولبث منتظرا في مخدع النوم. وكان قد سخن ~~مياها للاستحمام في صفيحتي كيروسين، وأشعل مصابيح الجاز ووضع بذلة ~~وقميصا نظيفين من أجل فلوري. كان القصد من الملابس النظيفة التلميح ~~لفلوري بضرورة أن يحلق، ويرتدي ملابسه ويذهب إلى النادي بعد العشاء. ~~كان فلوري أحيانا يمضي المساء في سروال فضفاض، متكاسلا على أحد ~~المقاعد برفقة كتاب، وهي العادة التي كان كو سلا يستنكرها. فقد كان ~~يبغض أن يرى سيده يسلك سلوكا مختلفا عن سائر الرجال البيض. ولم يكن ~~رأي كو سلا يغيره أن فلوري كثيرا ما كان يرجع ثملا من النادي، ~~بينما يظل مفيقا عند بقائه في المنزل؛ لأن السكر كان أمرا ~~عاديا ومغفورا في الرجل الأبيض. # قال كو سلا مخبرا في سعادة، كما كان شأنه دائما حين تغادر ما هلا ~~ماي المنزل: «لقد ذهبت المرأة إلى البازار. وقد ذهب با بي بمصباح ~~ليراقبها حين تعود.» # قال فلوري: «حسنا.» # لقد ذهبت لإنفاق الروبيات الخمس، في المقامرة بلا شك. «حمام مولاي ~~جاهز.» # قال فلوري: «انتظر، لا بد أن نولي الكلبة اهتمامنا أولا. هات ~~المشط.» # جلس الرجلان القرفصاء على الأرض معا وراحا يمشطان فراء فلو ~~الأملس ويتحسسان بين أصابعها، ليلتقطا القراد. كان لا بد من فعل هذا ~~كل مساء؛ إذ كانت تلتقط أعدادا هائلة من القراد أثناء النهار، أشياء ~~رمادية فظيعة تكون في حجم رءوس الدبابيس حين تحط عليها، ثم تتخم حتى ~~تصير في حجم حبات البازلاء. ومع التقاط كل قرادة كان كو سلا يضعها على ~~الأرض ويدهسها بحرص ms054 بإصبع قدمه الكبير. # حلق فلوري وتحمم وارتدى ملابسه، ثم جلس لتناول العشاء، حيث وقف كو ~~سلا وراء مقعده، يناوله الصحون ويهوي له بالمروحة الخوص، وكان قد ~~أعد وعاء بزهور الخطمي القرمزية في وسط المائدة الصغيرة. كانت الوجبة ~~مبهرجة وقذرة. فقد كان الطهاة الماج المهرة، المنحدرون من خدم ~~دربهم فرنسيون في الهند منذ قرون مضت، يستطيعون أن يفعلوا بالطعام ~~أي شيء ما عدا أن يجعلوه قابلا للأكل. بعد العشاء سار فلوري إلى ~~النادي، ليلعب البريدج ويثمل دون إفراط، كما كان دأبه في أغلب أمسياته ~~في كياوكتادا. # | الفصل الخامس # رغم الويسكي الذي كان قد احتساه فلوري في النادي؛ فقد نام قليلا تلك ~~الليلة. كانت الكلاب الضالة تعوي على القمر الذي كان في طور التربيع ~~وكاد يهبط إلى الأرض في منتصف الليل، لكن الكلاب ظلت نائمة طوال ~~النهار في الحرارة، وبدأت جوقاتها للقمر بالفعل. وكان لدى أحد الكلاب ~~ضغينة تجاه منزل فلوري، فاستقر به المقام ليعوي عليه بانتظام. إذ جلس ~~على مؤخرته على بعد خمسين ياردة من البوابة، وراح يردد صيحات ~~حادة غاضبة تتراوح من دقيقة لنصف دقيقة، في دقة الساعة. وكان يداوم ~~على هذا الأمر طوال ساعتين أو ثلاث، حتى تبدأ الديكة في ~~الصياح. # ظل فلوري يتقلب من جنب إلى جنب، شاعرا بألم في رأسه. قال أحد ~~الحمقى إنه لا يمكن لأحد أن يكره حيوانا؛ لا بد أن يجرب المبيت ~~بضع ليال في الهند، أثناء عواء الكلاب على القمر. في النهاية لم يستطع ~~فلوري الصبر أكثر من ذلك، فنهض، وبحث في حقيبة المعدات العسكرية الصفيح ~~أسفل فراشه عن بندقية وبعض الخراطيش، وخرج إلى الشرفة. # كان ضوء القمر في طور التربيع معقولا. استطاع فلوري أن يرى الكلب، ~~واستطاع أن يرى مهدافه الأمامي. استند إلى العمود الخشبي للشرفة وصوب ~~بحرص، لكنه جفل حين شعر بطرف البندقية المطاط المبركن الصلب على كتفه ~~العاري. كانت البندقية ترتد بعنف حتى إنها كانت تخلف كدمة عند ~~إطلاقها. انكمش لحم كتفه الرقيق وأنزل البندقية ؛ لم تواته الشجاعة ~~لإطلاق النار ms055 بدم بارد. # لم يكن هناك فائدة ترجى من محاولة النوم. أخذ فلوري سترته وبعض ~~السجائر، وراح يقطع ممشى الحديقة جيئة وذهابا، بين الزهور الباهتة. ~~كان الجو حارا، وقد عثر عليه الناموس وراح يلاحقه بطنينه. وفي ~~الميدان كانت أشباح الكلاب يلاحق كل منها الآخر. على اليسار لمعت ~~شواهد قبور الجبانة الإنجليزية بلون أبيض باعثة على شيء من التشاؤم، ~~ولاح على مرمى البصر في الجوار أكمة كانت أطلالا لقبور صينية قديمة. ~~وكان يقال إن منحدر التل مسكون، فكان غلمان النادي يصرخون عند ~~صعودهم الطريق ليلا. # راح فلوري يحدث نفسه قائلا: «وغد، وغد متخاذل.» لكن من دون ~~انفعال، فقد كان معتادا على ذلك الخاطر. «وغد مخادع كسول سكير زان ~~منكب على ذاته ومشفق عليها. كل أولئك الحمقى الذين في النادي، ~~أولئك المغفلون البلداء الذين يسرك الاعتقاد بأنك أفضل منهم؛ كلهم ~~أفضل منك، كلهم بلا استثناء، فإنهم على الأقل رجال بأسلوبهم الأبله. ~~ليسوا جبناء ولا كاذبين. وليسوا نصف أموات ومتعفنين، لكن أنت ~~...» # وكان لديه حق في أن يكيل لنفسه الشتائم، فقد حدث أمر كريه وحقير في ~~النادي ذلك المساء. شيء مألوف تماما، متسق كلية مع المعتاد، لكنه ~~يظل حقيرا وجبانا ومخزيا. # حين بلغ فلوري النادي لم يكن هناك سوى إليس وماكسويل. أما آل ~~لاكرستين فكانا قد غادرا إلى المحطة مستعيرين سيارة السيد ماكجريجور، ~~لملاقاة ابنة الأخ، التي كانت ستصل في قطار الليل. كان الرجال الثلاثة ~~يلعبون البريدج بالنظام الثلاثي يشملهم ود تام حين دخل ويستفيلد ~~بوجهه الأصفر وقد تورد غضبا، حاملا نسخة من صحيفة بورمية باسم ~~«بورميز باتريوت». كان بها مقال تشهيري، يهاجم السيد ماكجريجور. كانت ~~ثورة إليس وويستفيلد عارمة؛ فقد استبد بهما الغضب حتى إن فلوري عانى ~~أشد المعاناة في التظاهر بالغضب لإرضائهما. ظل إليس يصب اللعنات ~~طوال خمس دقائق، ثم جزم في خطوة مفاجئة بأن الدكتور فيراسوامي هو ~~المسئول عن المقال، بل خطرت له أيضا ضربة مضادة بالفعل، بأن يضعوا ~~إعلانا على اللوحة - إعلانا يرد على الإعلان الذي كان السيد ~~ماكجريجور قد ms056 نشره في اليوم السابق، ويناقضه - وكتبه إليس في الحال، ~~بخطه الدقيق الواضح: ~~«نظرا للإهانة الوضيعة التي وجهت مؤخرا إلى النائب ~~المفوض، نود نحن الموقعين أدناه الإعراب عن رأينا بأن هذه ~~أسوأ لحظة على الإطلاق لنظر مسألة انتخاب زنوج في النادي» ... ~~إلخ. # اعترض ويستفيلد على كلمة «زنوج»، فشطبت بخط واحد رفيع وحل محلها ~~«أهل البلد». جاء في توقيع الإعلان إمضاء: «آر ويستفيلد وبي دبليو إليس ~~وسي دبليو ماكسويل وجيه فلوري.» # كان إليس سعيدا للغاية بفكرته حتى إن نصف غضبه تبخر. لن يحقق ~~الإعلان في حد ذاته شيئا، لكن ستنتقل أخباره سريعا في أنحاء البلدة، ~~وتصل إلى الدكتور فيراسوامي غدا. وبهذا يكون الدكتور نعت فعليا ~~بالزنجي علنا في المجتمع الأوروبي. وكان هذا مما أسعد إليس؛ حتى إنه ~~بالكاد استطاع أن يشيح بناظريه عن لوحة الإعلانات ما تبقى من المساء، ~~وكان كل بضع دقائق يصيح بفرح: «ذلك سيلقن ذا الكرش الحقير درسا، ~~أليس كذلك؟ سيجعل الوغد التافه يدرك رأينا فيه. هذه هي الطريقة لوضعهم ~~في مكانهم الصحيح، ها؟» إلخ. # في الوقت ذاته، كان فلوري بذلك قد وقع على إهانة علنية في حق صديقه، ~~وقد أقدم على هذا للسبب نفسه الذي جعله يفعل ألف شيء مماثل في حياته؛ ~~لأنه كان يفتقر إلى ذرة الشجاعة اللازمة للرفض. فقد كان بإمكانه الرفض ~~بالطبع إذا اختار ذلك؛ وبالطبع كذلك كان الرفض سيأتي بشجار مع إليس ~~وويستفيلد. وآه، كم كان يمقت الشجار! الإزعاج وعبارات التهكم! كان ~~مجرد التفكير في الأمر يجعله يرتد على عقبيه؛ فقد كان يواتيه شعور ~~بجلاء وحمته على وجنته، وبشيء في حنجرته يجعل صوته رتيبا وشاعرا ~~بإثمه. لكن كلا! من الأسهل أن يسب صديقه، مع علمه بأن صديقه سيسمع ~~بالأمر حتما. # عاش فلوري خمس عشرة سنة في بورما، وفي بورما يتعلم المرء ألا يتخذ ~~موقفا معاديا للرأي العام. بيد أن مشكلة فلوري كانت أقدم من ذلك؛ فقد ~~بدأت وهو بعد في رحم أمه، حين وضعت الصدفة وحمة زرقاء على وجنته . جال ~~بخاطره بعض الآثار المبكرة ms057 لوحمته. دخوله المدرسة لأول مرة وهو في ~~التاسعة من العمر؛ نظرات التحديق، وما تلاها من صيحات الفتيان الآخرين ~~بعد بضعة أيام؛ لقب ذا الوجه الأزرق، الذي استمر حتى جاء شاعر ~~المدرسة (هنا تذكر فلوري ناقدا كتب مقالات جيدة نوعا ما في صحيفة ~~«نيشن») ببيتي شعر قال فيهما: # الفتى الجديد فلوري يبدو مريبا؛ فوجهه يبدو بمؤخرة القرد ~~شبيها. # وإثر ذلك تغير لقبه إلى مؤخرة القرد. وفي ليالي ~~السبت في السنوات التالية اعتاد الصبية الأكبر سنا أن يقيموا ما ~~أسموه محاكم التفتيش الإسبانية. وكان أسلوب التعذيب المفضل لدى أحدهم ~~هو أن يحكم على الشخص قبضة موجعة جدا لم يخبرها سوى قلة من ~~المستنيرين وتسمى «سبيشال توجو»، بينما يضربه شخص آخر بثمرة كستناء ~~مربوطة بحبل. لكن فلوري كان قد قلل من وطأة «مؤخرة القرد» في نهاية ~~الأمر. فقد كان كاذبا ولاعب كرة قدم ماهرا، وهما شيئان ضروريان جدا ~~للنجاح في المدرسة. وفي الفصل الدراسي الأخير له شد مع فتى آخر قبضة ~~«سبيشال توجو» على شاعر المدرسة بينما ~~ضربه قائد فريق الكرة ست ضربات ~~بحذاء الركض ذي المسامير لضبطه متلبسا بكتابة سوناتة. كانت تلك فترة ~~تكوينية. # خرج فلوري من تلك المدرسة إلى مدرسة حكومية رخيصة من الدرجة الثالثة. ~~وقد كانت مكانا فقيرا ورديئا، يحاكي المدارس الحكومية الكبرى في ~~اتباع التقاليد الأنجليكانية ولعب الكريكيت ودراسة النصوص اللاتينية، ~~وكان لديها أغنية مدرسية باسم «مباراة الحياة»؛ حيث يصور الرب على ~~أنه الحكم الأكبر. بيد أنها كانت تفتقر إلى الفضيلة الرئيسية للمدارس ~~الحكومية الكبرى؛ وهي أجواء دراسة الأدب. فقد كان الفتيان لا ~~يتعلمون شيئا تقريبا. لم يكن عقاب الضرب بالخيزرانة هناك كافيا ~~لجعلهم يبتلعون الهراء الكئيب في المناهج، ولم يكن المعلمون البؤساء ~~ذوو الأجور القليلة من النوع الذي يتشرب منه الشخص الحكمة لا ~~شعوريا. هكذا غادر فلوري المدرسة جلفا صغيرا همجيا. لكن حتى في ~~ذلك الوقت كان يتمتع بصفات مبشرة، وكان يدرك ذلك؛ صفات قد تؤدي ~~به إلى المتاعب بقدر ما يمكن أن تجنبه إياها. لكنه كبتها بالطبع. ms058 ~~فلا يمكن لصبي أن يستهل حياته العملية بلقب مؤخرة القرد دون أن ~~يتعظ. # لم يكن فلوري قد أتم العشرين حين جاء إلى بورما. فقد وجد له ~~والداه، اللذان كانا من خيار الناس وكانا مخلصين له، مكانا في شركة ~~أخشاب. وقد واجها صعوبة شديدة في العثور على وظيفة له ودفعا مبلغا ~~باهظا يفوق قدراتهما؛ وقد كافأهما لاحقا بالرد على خطاباتهما بشخبطات ~~يسطرها دون اكتراث كل عدة أشهر. قضى فلوري الأشهر الستة الأولى له ~~في بورما في رانجون؛ حيث كان من المفترض أن يتعلم الجانب الإداري ~~من عمله. وقد أقام في مسكن للعزاب مع أربعة شباب آخرين كانوا يكرسون ~~طاقاتهم كلها للعربدة، وأي عربدة! فقد كانوا يسرفون في شرب الويسكي ~~الذي كانوا يعافونه في قرارة أنفسهم، ويقفون حول البيانو ليصخبوا ~~بأغان بذيئة وسخيفة لحد الخبل، ويبذرون الروبيات بالمئات على ~~بغايا يهوديات مسنات بوجوه شبيهة بوجوه التماسيح. كانت تلك أيضا ~~فترة تكوينية. # وذهب من رانجون إلى معسكر في الغابة، شمال ماندالاي، لاستخراج ~~أشجار الساج. ولم تكن حياة الغابة سيئة، رغم المشقة والوحدة وما يكاد ~~يكون أسوأ شيء في بورما؛ الطعام الملوث المتكرر. وقد كان صغيرا جدا ~~آنذاك، صغيرا بما يكفي ليكون مغرما بمثل أعلى، وكان لديه أصدقاء من ~~الرجال الذين في شركته. كان كذلك يمارس الرماية والصيد، وقد يذهب في ~~رحلة سريعة إلى رانجون مرة سنويا؛ بحجة الذهاب إلى طبيب ~~الأسنان. ويا لبهجة رحلات رانجون! ~~حيث التهافت على مكتبة سمارت أند موكيردام من أجل الروايات الجديدة ~~الواردة من إنجلترا، وتناول عشاء شرائح اللحم والزبد التي سافرت ~~ثمانية آلاف ميل على الثلج في مطعم أندرسون، وجلسات الشرب الرائعة! كان ~~صغيرا جدا ليدرك ما الذي كانت تعده له هذه الحياة. فلم ير ~~السنوات وهي تتوالى موحشة وفاسدة وبلا أحداث. # تأقلم فلوري مع بورما وصار جسده متآلفا مع إيقاع المواسم المدارية ~~الغريب. في كل عام من فبراير حتى مايو كانت الشمس تتوهج في السماء ~~مثل إله غاضب؛ وفجأة تهب الرياح الموسمية غربا، في صورة عواصف عاتية ms059 ~~في البداية، ثم أمطار غزيرة لا تنقطع تصيب كل شيء بالبلل حتى يبدو أن ~~ملابس المرء لا تجف أبدا، ولا فراشه ولا حتى طعامه. بيد أن الجو كان ~~يظل حارا حرارة خانقة معبأ ببخار الماء. وكانت مسارات الغابة ~~السفلى تتحول إلى مستنقعات، وتصير حقول الأرز قفورا ممتلئة بمياه ~~راكدة ذات رائحة آسنة مثل رائحة الفئران. وكان العفن يصيب الكتب ~~والأحذية. ويأتي رجال بورميون عراة بقبعات عرضها ياردة مصنوعة من سعف ~~النخيل ليحرثوا حقول الأرز، وهم يدفعون جاموسهم في مياه تصل حتى ~~الركب. وبعد ذلك، تزرع النساء والأطفال شتلات الأرز الخضراء، فيغرسون ~~كل نبتة في الطين بمذار صغيرة ذات ثلاث أصابع. وتهطل الأمطار لا تكاد ~~تتوقف طوال شهري يوليو وأغسطس. ثم تأتي ليلة يسمع فيها صياح طيور ~~غير مرئية، مرتفعا في الأفق؛ إذ تحلق طيور الشنقب جنوبا من وسط آسيا. ~~وتتضاءل الأمطار حتى تنتهي في أكتوبر؛ فتجف الحقول، وينضج الأرز، ~~ويلعب الأطفال البورميون الحجلة بحبوب الخيزران ويطيرون الطائرات ~~الورقية في الرياح الباردة. تكون تلك بداية الشتاء القصير، حيث تبدو ~~بورما العليا كأن أشباح إنجلترا سكنتها؛ تزدهر الزهور البرية في كل ~~مكان، ليس مثل الزهور الإنجليزية تماما، لكن تشبهها إلى حد كبير؛ ~~أجمة كثيفة من نبات صريمة الجدي، وورد حقلي برائحة حلوى قطرات ~~الكمثرى، بل وزهور بنفسج في مناطق معتمة من الغابة. وتنخفض الشمس في ~~السماء، ويصير البرد قارسا في الليل والصباح الباكر، مع تدفق ضباب ~~أبيض في الوديان كأنه بخار منبعث من غلايات ضخمة. ويذهب الناس إلى ~~صيد البط والشنقب. تتوفر طيور الشنقب بأعداد لا تحصى، وأسراب الإوز ~~البري التي ترتفع من البركة مطلقة هديرا مثل قطار البضائع عند عبوره ~~جسرا حديديا. ويبدو الأرز الناضج شبيها بالقمح، وقد بلغ مستوى ~~الصدر وصار أصفر اللون. ويذهب البورميون إلى أعمالهم وقد غطوا رءوسهم ~~وعقدوا أذرعهم فوق صدورهم، بوجوه صفراء قرصها البرد. في الصباح يسير ~~المرء وسط خلاء أربد غير منسجم، وفسحات ابتلت حشائشها الشبيهة ~~بالحشائش الإنجليزية، وأشجار جرداء جثمت القردة على فروعها العليا ms060 ~~في انتظار الشمس. وفي المساء عند العودة إلى المعسكر عن طريق الممرات ~~الباردة، تقابلك قطعان الجاموس والصبية يسوقونها إلى المنزل، وقرونها ~~الضخمة تلوح في الضباب كأنها أهلة. كان الشخص يحصل على ثلاثة أغطية ~~في فراشه، وفطائر من لحوم طيور الصيد بدلا من الدجاج الخالد. وبعد ~~العشاء يكون الجلوس على جذع شجرة قرب نار المعسكر الهائلة، واحتساء ~~الجعة، والحديث حول الصيد، بينما تتراقص ألسنة اللهب مثل نبات البهشية ~~الأحمر، ملقية دائرة من الضوء على الطرف الذي قرفص عليه الخدم ~~والعمال، يتملكهم حياء شديد من التطفل على الرجال البيض، لكنهم ~~يتقربون إلى النار مثل الكلاب رغم ذلك. وعند الخلود للفراش كان ~~بإمكان الشخص سماع تساقط الندى من الأشجار كأنه قطرات كبيرة من ~~الأمطار لكنها رقيقة. كانت حياة طيبة والمرء شابا ولا حاجة به ~~للتفكير في المستقبل أو الماضي. # كان فلوري في الرابعة والعشرين، وعلى وشك الذهاب إلى الوطن في إجازة، ~~حين اندلعت الحرب. تهرب فلوري من الخدمة العسكرية، وهو ما كان ~~أمرا سهلا ويبدو طبيعيا في ذلك الوقت. فقد كان المدنيون في بورما ~~يعتنقون نظرية مطمئنة تفيد بأن «الالتزام بالوظيفة» هو أصدق أشكال ~~الوطنية؛ حتى إنه كان ثمة عداء مستتر تجاه الرجال الذين تخلوا عن ~~وظائفهم للالتحاق بالجيش. لكن الحقيقة هي أن فلوري تهرب من الحرب ~~لأن الشرق كان قد أفسده بالفعل، ولم يرد أن يستبدل بالويسكي ~~وخدمه وفتياته البورميات ضجر ساحة التدريب وإنهاك المسيرات ~~القاسية. انقضت الحرب، مثل عاصفة وراء الأفق. أما البلد الحار ~~الفوضوي، البعيد عن الخطر، فقد لفه شعور الوحيد المنسي. وأقبل فلوري ~~على القراءة بنهم، وتعلم أن يعيش في الكتب حين تصير الحياة مضجرة؛ ~~فقد صار راشدا، وفقد الاهتمام بالمتع الصبيانية، وتعلم أن يفكر ~~لنفسه، تفكيرا يكاد يكون عشوائيا. # احتفل فلوري بعيد ميلاده السابع والعشرين في المستشفى وقد غطاه من ~~رأسه لأخمص قدميه قرح بشعة تسمى قرح الوحل، لكنها كانت ناتجة ~~غالبا عن الويسكي والطعام السيئ. وقد تركت في جلده ندبات صغيرة لم ~~تختف قبل عامين. وعلى نحو ms061 مفاجئ تماما بدأ يشعر ويبدو عليه أن العمر ~~قد تقدم كثيرا به. فقد انتهى شبابه؛ وتركت ثمانية أعوام من الحياة ~~الشرقية والحمى والوحدة والشراب المتقطع بصمتها عليه. # ومنذ ذاك الوقت، ووحدته ووجده يزدادان كل عام عن العام الذي سبقه. ~~كان الشيء الذي تركز في خواطره كلها الآن، والذي سمم كل شيء، شعور ~~بالكراهية لا ينفك يزداد مرارة إزاء جو الإمبريالية الذي عاش فيه. ~~فمع نمو عقله - لا يمكنك أن تمنع عقلك من النمو، وإنها لأحد مآسي ~~أنصاف المتعلمين أن نموهم يأتي متأخرا، بعد أن يكونوا قد ~~التزموا بالفعل بسبيل خطأ في الحياة - أدرك حقيقة الإنجليز ~~وإمبراطوريتهم. إمبراطورية الهند البريطانية هي إمبراطورية مستبدة؛ ~~خيرية لا شك، لكن تظل مستبدة وهدفها النهائي هو السرقة. أما إنجليز ~~الشرق، السادة البيض، فقد صار فلوري يبغضهم لعيشهم في عالمهم، حتى ~~إنه لم يكن قادرا بتاتا على أن ينظر إليهم بعدل. فلم يكن الأوغاد ~~المساكين على أي حال أسوأ من أي شخص آخر. إذ كانوا يعيشون حياة لا ~~يحسدون عليها؛ فإنها صفقة خاسرة أن تقضي ثلاثين عاما، بأجر بخس، في ~~بلد غريب، ثم تعود إلى الوطن بكبد مدمر وكفل مثل قشرة ثمرة ~~الأناناس من الجلوس على مقاعد من الخيزران، ليستقر به الحال شخصا ~~مملا في أحد نوادي الدرجة الثانية. لكن من ناحية أخرى لا يمكن ~~اعتبار السادة الأوروبيين في الشرق مثاليين. ثمة فكرة شائعة تفيد ~~بأن الرجال الذين يعملون في «مواقع خارجية للإمبراطورية» هم رجال ~~أكفاء ومجتهدون على أقل تقدير. وهذا وهم؛ فلا يوجد حاجة ماسة إلى ~~مسئول بريطاني يؤدي عمله بكفاءة في الهند، خارج حدود الخدمات ~~العلمية؛ إدارة الغابات وإدارة الأشغال العامة وما شابههما. والقليل ~~منهم يعمل بنفس قدر اجتهاد مدير مكتب بريد إقليمي في إنجلترا أو بنفس ~~فطنته. ويضطلع بالعمل الإداري الحقيقي في أكثره مرءوسون من مواطني ~~البلد؛ العماد الحقيقي للاستبداد والطغيان ليسوا المسئولين وإنما ~~الجيش. مع وجود الجيش يستطيع المسئولون ورجال الأعمال تدبر أمورهم ~~بأمان حتى إذا كانوا حمقى، وإن أغلبهم لحمقى. شعب ms062 بليد مهذب يرعى ~~بلادته ويدعمها من وراء ربع مليون حربة. # إنه عالم خانق باعث على الخمول لمن يحيا فيه؛ عالم تخضع فيه كل ~~كلمة وكل فكرة للرقابة. إنه من الصعب حتى تخيل مثل ذلك الجو في ~~إنجلترا. فالجميع أحرار في إنجلترا؛ نتنازل عن أرواحنا في العلن ~~ونستردها في السر بين أصدقائنا. لكن حتى الصداقة يشق أن توجد وكل ~~رجل أبيض هو ترس في آلة الاستبداد. حرية التعبير أمر محال، لكن كل ~~أشكال الحرية الأخرى متاحة. لك حرية أن تكون سكيرا أو متعطلا أو ~~رعديدا أو نماما أو زانيا؛ لكن ليس لك حرية التفكير لنفسك. رأيك في ~~أي موضوع له أي قدر من الأهمية يمليه عليك قانون السادة ~~البيض. # في نهاية المطاف يسممك تمردك السري مثل مرض مستتر. وتصير حياتك ~~بأسرها حياة من الأكاذيب. عام تلو الآخر وأنت جالس في نواد صغيرة ~~تسكنها روح كيبلينج، الويسكي إلى يمينك، والصحيفة الرياضية إلى يسارك، ~~مصغيا للكولونيل بودجر وهو يصل إلى نظريته القائلة بضرورة غلي أولئك ~~الوطنيين الملاعين في الزيت. وتسمع أصدقاءك الشرقيين وهم يدعون ~~«أشخاص تافهون لزجون.» وتقر بأنهم أشخاص تافهون لزجون. وترى أجلافا ~~أنهوا دراستهم للتو وهم يركلون خدما غزا المشيب شعرهم. ثم تأتي ~~اللحظة التي تكتوي فيها بكراهيتك لأهل بلدك، حين تتوق لانتفاضة وطنية ~~تغرق إمبراطوريتهم في الدم. وليس في هذا ما هو جدير بالاحترام، بل ~~وبالكاد أي إخلاص. فلم تكترث في الأساس لاستبداد الإمبراطورية ~~البريطانية، أو التنمر على الهنود واستغلالهم؟ إنك لا تكترث إلا لأنك ~~محروم من الحق في حرية التعبير. إنك كائن قوامه الاستبداد، سيد أبيض، ~~يربطك بنظام لا ينكسر من المحظورات، قيد أشد من الذي يربط الرهبان أو ~~الهمج. # مر الزمن وفي كل عام يقل شعور فلوري بالألفة في عالم السادة البيض، ~~ويصير أكثر عرضة للوقوع في المشكلات عند التحدث بجدية في أي موضوع ~~أيا كان. ومن ثم فقد تعلم أن يعيش في باطنه، سرا، في الكتب ~~والأفكار المضمرة التي لا يمكن التفوه بها. حتى في أحاديثه مع ms063 ~~الطبيب كان نوعا ما يتحدث مع نفسه؛ فالطبيب، وهو رجل طيب، كان يفهم ~~القليل مما يقال له. بيد أنه مما يفسد الإنسان أن يعيش حياته الحقيقية ~~سرا. فلا بد للمرء أن يسير مع تيار الحياة، لا ضده. فمن الأفضل أن ~~تكون من أبلد الأوروبيين في الهند الذين ارتادوا المدارس العامة ~~وتأثروا وهم يرددون نشيد المدرسة بدلا من العيش صامتا وحيدا، ~~تعزي نفسك في عوالم خفية عقيمة. # لم يعد فلوري لدياره في إنجلترا قط. أما السبب فلم يكن يستطيع شرحه ~~مع أنه كان يعرفه جيدا. في البداية منعته الأحداث؛ في الأول كانت ~~الحرب، وبعد الحرب عانت شركته من نقص شديد في المساعدين المدربين حتى ~~إنها لم تسمح له بالسفر طيلة عامين. وأخيرا أعد العدة للسفر؛ كان يتوق ~~إلى إنجلترا، مع أنه كان يتهيب مواجهتها، كما يتهيب الشخص مواجهة ~~فتاة جميلة وهو بقميص من دون ياقة وبذقن غير حليقة. حين غادر الديار ~~كان صبيا، صبيا واعدا ووسيما رغم وحمته؛ أما الآن، بعد عشر ~~سنوات، فقد صار شاحبا ونحيلا وسكيرا، يكاد يكون كهلا سواء في ~~عاداته أو في مظهره. لكنه كان يتوق إلى إنجلترا. مضت السفينة غربا ~~وسط الخلاء في بحر مثل فضة لم يكمل الصائغ صقلها، من خلفها رياح ~~الشتاء التجارية. ومع الطعام الطيب ورائحة البحر تدفقت دماء فلوري ~~السقيمة سريعا في عروقه. وخطر له شيء كان قد نسيه فعلا في هواء بورما ~~الراكد؛ أنه ما زال شابا ليبدأ من جديد. سوف يعيش عاما في مجتمع ~~متحضر، وسوف يجد فتاة لا تبالي بوحمته؛ فتاة متحضرة، لا إحدى ~~السيدات الأوروبيات اللواتي يعشن في الهند، وسوف يتزوجها ويصبران ~~عشرة أو خمسة عشر عاما أخرى في بورما. وبعد ذلك سوف يتقاعدان، ربما ~~ستقدر ثروته باثني عشر أو خمسة عشر ألف جنيه عند تقاعده. وسوف ~~يشتريان كوخا في الريف، ويحيطان نفسيهما بالأصدقاء وأطفالهم ~~والحيوانات. سيتحرران من رائحة السادة الأوروبيين في الهند إلى ~~الأبد. وسوف ينسى بورما، البلد البشع الذي كاد أن يقضي عليه. # وحين بلغ كولومبو ms064 وجد برقية في انتظاره. كان ثلاثة رجال من شركته قد ~~ماتوا بحمى البول الأسود. كانت الشركة آسفة، لكنها سألته أن ~~يتفضل بالعودة إلى رانجون في الحال. فكان لا بد أن يستأذن ويغادر ~~في أقرب فرصة ممكنة. # ركب فلوري القارب التالي إلى رانجون، وهو يلعن حظه، وأخذ القطار إلى ~~مقره. لم يكن مقيما في كياوكتادا آنذاك، ولكن في بلدة أخرى في ~~بورما العليا. كان كل الخدم في انتظاره على الرصيف. كان قد عهد بهم ~~جميعا لخليفته في العمل، الذي مات. كان من العجيب جدا أن يرى ~~سحناتهم المألوفة مجددا! من عشرة أيام فقط كان يحث المسير إلى ~~إنجلترا، يكاد يشعر أنه في إنجلترا بالفعل؛ والآن عاد إلى المشهد ~~الرتيب القديم، حيث العمال السود العرايا يتشاجرون على المتاع، ورجل ~~بورمي يصيح في ثيرانه على الطريق. # تزاحم الخدم حوله، دائرة من الوجوه السمراء السمحة، يقدمون ~~الهدايا. كان كو سلا قد أحضر جلد غزال السامبار، والهنود جاءوا بحلويات ~~وإكليل من زهور القطيفة، وأهداه با بي، الذي كان صبيا صغيرا حينذاك ~~سنجابا في قفص من الخوص. كان هناك عربات تجرها الثيران في انتظار ~~الحقائب. سار فلوري إلى منزل، وقد بدا سخيفا والإكليل يتدلى حول ~~عنقه. كان ضوء المساء البارد أصفر ورقيقا. وعند البوابة كان ثمة ~~عجوز هندي يقطع الحشائش بمنجل صغير. وكانت زوجتا الطاهي والبواب ~~جاثيتين على ركبتيهما أمام مساكن الخدم تطحنان معجون الكاري على لوح ~~حجر. # طرأ شيء في قلب فلوري؛ كانت واحدة من تلك اللحظات التي يصير فيها ~~المرء واعيا للتغير والتدهور الهائلين في حياته. فقد أدرك فجأة أنه ~~كان سعيدا في أعماقه بعودته. فقد صار هذا البلد الذي أبغضه بلده ~~الأصلي. لقد عاش هنا عشرة أعوام، وكانت كل ذرة في جسده ممزوجة ~~بتراب بورما. كانت هذه المشاهد - الضوء الشاحب للمساء، والهندي العجوز ~~وهو يقص الحشائش، وصرير عجلات العربات، وطيور البلشون المتدفقة - ~~وما على غرارها أقرب إليه من إنجلترا. لقد ضرب بجذوره عميقا، ربما ~~لأقصى درجة، في بلد أجنبي. # ومنذ ذلك الحين لم ms065 يتقدم حتى ~~بطلب إجازة لزيارة الوطن. ومات أبوه، ثم أمه، وتزوجت أخواته، النساء ~~الكريهات الشبيهات بالخيل اللواتي لم يحبهن قط، وقد فقد الاتصال ~~بهن تقريبا. والآن لا يربطه بأوروبا رابط، ما عدا رابط الكتب؛ إذ ~~كان قد أدرك أن مجرد العودة إلى إنجلترا ليس دواء لوحدته؛ فقد وعى ~~الطبيعة الخاصة للجحيم المحفوظ للإنجليز الذين عاشوا في الهند. آه على ~~المساكين! أولئك المحطمين الهرمين المتكلفين في حديثهم في باث ~~وتشيلتنام! دور الإقامة تلك الشبيهة بالقبور التي يتناثر فيها الإنجليز ~~الذين عاشوا في الهند وقد بلغوا درجات مختلفة من التحلل، يتحدثون ~~ويتحدثون جميعا عما حدث في عام ثمانية وثمانين في إقليم بوجلي والا! ~~يا لهم من أوغاد مساكين؛ فإنهم يدركون معنى أن تترك قلبك في بلد غريب ~~ومكروه! وحينذاك، تراءى له جليا أن ثمة مفرا واحدا. وهو أن ~~يعثر على شخص يقاسمه حياته في بورما، لكن يقاسمها عن حق، يقاسمه ~~حياته السرية الداخلية، ويرحل من بورما حاملا نفس الذكريات التي ~~يحملها. شخص يحب بورما كما أحبها ويمقتها كما مقتها. شخص يعينه ~~على العيش من دون أن يخفي شيئا، أو لا يعبر عنه. شخص يفهمه؛ انتهى ~~الأمر إلى أن يكون هذا الشخص صديقا. # صديق؟ أم زوجة؟ تلك الأنثى المستحيلة تماما. هل تكون واحدة مثل ~~السيدة لاكرستين مثلا؟ إحدى السيدات الإنجليزيات البغيضات اللواتي ~~يعشن في الهند، شاحبة ونحيلة، تثرثر بالنميمة وهي تحتسي الشراب، ~~وتلح على الخدم، وتعيش عشرين عاما في البلد دون أن تتعلم كلمة من ~~لغته. رباه، لا أريدها واحدة من أولئك. # استند فلوري إلى البوابة، وكان القمر يتوارى خلف جدار الغابة ~~المعتم، لكن الكلاب ظلت تعوي. توارد على ذهنه بضعة سطور ~~لجيلبرت، أغنية مبتذلة سخيفة لكنها مناسبة للحالة؛ شيء ما عن ~~«التحدث حول حالتك الذهنية المعقدة». كان جيلبرت شخصا بغيضا ~~حقيرا وموهوبا. هل تلخصت كل متاعبه ببساطة هكذا إذن؟ مجرد ~~عويل معقد مخنث؛ أمور فتاة ثرية صغيرة مسكينة. ألم يكن إلا تنبلا ~~يستغل فراغه ليتخيل متاعب خيالية ؟ السيدة ويتيترلي بطابع روحاني؟ ~~هاملت ms066 من دون شعر؟ ربما. وإن كان كذلك، فهل هذا يجعل الأمر أكثر ~~احتمالا على الإطلاق؟ بل إن الشعور بالمرارة لا ينقص لأنه من ~~المحتمل أن يكون الخطأ خطأ الإنسان نفسه، أن يرى نفسه وهو ينجرف ~~ويتردى في عار وعبث مريع، وهو يعلم طوال الوقت أن بداخله في مكان ما ~~بادرة إنسان محترم. # حسنا، اللهم احفظنا من الشفقة على الذات! عاد فلوري إلى الشرفة، ~~وتناول البندقية وصوبها على الكلب الضال بقليل من الجفول. ~~تردد صدى عواء، وتوارت الرصاصة في الميدان، بعيدا جدا عن الهدف. ~~ظهرت كدمة بلون التوت البري على منكب فلوري. أما الكلب فقد أطلق ~~صيحة فزع، وولى الفرار، ثم جلس على بعد خمسين ياردة، وشرع يعوي ~~مجددا بانتظام. # | الفصل السادس # انحرفت أشعة الشمس الصباحية أعلى الميدان، وانعكست بصفرة رقاقة ~~الذهب، على واجهة الكوخ البيضاء. هبطت أربعة غربان بلون أسود خالطه ~~اللون الأرجواني وجثمت على سور الشرفة، متحينة الفرصة للانطلاق ~~للداخل وسرقة الخبز والزبد اللذين وضعهما كو سلا بجانب فراش فلوري. ~~زحف فلوري من وراء الناموسية، وصاح في كو سلا ليأتيه ببعض الجين، ثم ~~ذهب إلى دورة المياه وجلس لبعض الوقت في حوض استحمام من الزنك ملئ ~~بمياه كان حريا أن تكون باردة. شعر فلوري بتحسن بعد الجين، فأقبل ~~على حلاقة ذقنه. كان دائما ما يؤجل الحلاقة إلى المساء؛ إذ كانت ~~لحيته سوداء وتنمو سريعا. # بينما كان فلوري جالسا بمزاج نكد في حمامه، كان السيد ماكجريجور ~~لابسا سروالا قصيرا وقميصا تحتانيا على بساط من الخيزران ~~مخصصا لهذا الغرض في مخدعه، يؤدي بمشقة التمارين رقم خمسة وستة ~~وسبعة وثمانية وتسعة من كتاب نوردينفليخت «تمارين رياضية للأشخاص ~~القليلي الحركة». كان السيد ماكجريجور لا يفوت تمارين الصباح قط، ~~إلا في حالات نادرة. التمرين رقم ثمانية (الاستلقاء على الظهر، ورفع ~~الساقين في وضع قائم دون ثني الركبتين) كان مؤلما جدا لرجل في عمر ~~الثالثة والأربعين؛ بل وكان رقم تسعة (الاستلقاء على الظهر، والنهوض ~~لوضع الجلوس ولمس أصابع القدمين بأطراف الأصابع) أسوأ. لكن مهما يكن ms067 من ~~الأمر، لا بد للمرء من المحافظة على لياقته! مع اندفاع السيد ~~ماكجريجور متوجعا في اتجاه أصابع قدميه، تصاعد من عنقه لون في حمرة ~~قوالب البناء واحتبس في وجهه منذرا بسكتة دماغية. وتلألأ العرق على ~~صدره الكبير الشحيم. استمر، استمر! لا بد أن يحافظ المرء على لياقته ~~بأي ثمن. كان يشاهده من خلال انفراج الباب، محمد علي، الشيال، وقد بسط ~~على ذارعه ملابس السيد ماكجريجور النظيفة، دون أن يبدو على وجهه ~~العربي أمارات فهم أو فضول. فقد ظل يشاهد تلك الانثناءات - التي ~~تخيلها بلا اكتراث بذلا لإله غامض متعسف - كل صباح طيلة خمس ~~سنوات. # في الوقت ذاته أيضا، كان ويستفيلد الذي خرج مبكرا، مستندا ~~إلى طاولة قسم الشرطة التي كستها الثقوب وبقع الحبر، بينما كان ~~المحقق المساعد البدين يستجوب أحد المتهمين الذي تولى شرطيان حراسته. ~~كان المتهم رجلا في الأربعين، ذا وجه رمادي مفزوع، لا يرتدي سوى ~~إزار مهلهل ثني حتى الركبتين، اللتين بدت أسفلهما قصبتا ساقيه ~~النحيلتين المعوجتين مبقعتين بقرصات القراد. # تساءل ويستفيلد: «من هذا الشخص؟» ~~«لص يا سيدي. لقد قبضنا عليه وفي حوزته هذا الخاتم بفصين من ~~الزمرد النفيس جدا. ولا يوجد تفسير. من أين له - وهو عامل فقير - ~~بخاتم زمرد؟ لقد سرقه.» # اتجه محتدا إلى المتهم، واقترب بوجهه مثل قط هائج حتى كاد يلامس ~~وجهه، وزأر بصوت جهير: ~~«لقد سرقت الخاتم!» ~~«لا.» ~~«إنك مجرم عتيد!» ~~«لا.» ~~«لقد دخلت السجن!» ~~«لا.» # جأر المحقق وقد أتاه إلهام قائلا: «استدر! انحن!» # حول المتهم وجهه الرمادي في ألم نحو ويستفيلد الذي رنا بعيدا. ~~أمسك به الشرطيان، وأداراه وأحنيا قامته؛ مزق المحقق إزاره، ~~وعرى مؤخرته. # قال وهو يشير إلى بعض الندبات: «انظر إلى هذا يا سيدي! لقد ضرب ~~بالخيزران. إنه متهم عتيد. ومن ثم فقد سرق الخاتم!» # قال ويستفيلد متكدرا وهو يتراجع بكسل عن الطاولة واضعا يديه في ~~جيوبه: «حسنا، فلتضعه في الزنزانة.» كان في قرارة نفسه يكره القبض على ~~أولئك الأشقياء المساكين من اللصوص. رجال العصابات والمتمردون نعم؛ ~~لكن ليس تلك ms068 الجرذان الذليلة المسكينة! # قال ويستفيلد: «كم لديك في الزنزانة الآن يا مونج با؟» ~~«ثلاثة يا سيدي.» # كان الحجز في الطابق العلوي، عبارة عن قفص أحاط به قضبان خشبية ~~بعرض ست بوصات، ويحرسه شرطي متسلح ببندقية قصيرة. وكان معتما ~~جدا، وحارا لدرجة خانقة، وليس به أي متاع سوى حفرة لقضاء الحاجة ~~تصاعد نتنها إلى السماء. عند القضبان جلس سجينان القرفصاء، ~~مبتعدين عن سجين ثالث، عامل هندي، غطته القوباء الحلقية من رأسه ~~إلى أخمص قدميه مثل درع من الحلقات المعدنية. وكان خارج القفص سيدة ~~بورمية ممتلئة، زوجة أحد الشرطيين، جاثية تغترف الأرز والعدس السائل ~~في أقداح من الصفيح. # قال ويستفيلد: «هل الطعام طيب؟» # ردد السجناء مثل كورس: «إنه طيب يا سيدنا الكريم.» # كانت الحكومة تخصص لغذاء السجناء قيمة آنتين ونصف للرجل في ~~الوجبة، تتطلع زوجة الشرطي إلى ربح آنة منها. # خرج فلوري وتسكع في المجمع السكني، وهو يضرب الحشائش في الأرض ~~بعصاه. في تلك الساعة كانت ثمة ألوان جميلة هادئة في كل شيء - أخضر ~~رقيق في أوراق الأشجار، وبني مائل للوردي في التربة وجذوع الأشجار - ~~مثل دهان بألوان مائية لن يلبث يختفي في وهج الشمس القادم. بعيدا في ~~الميدان كانت ثمة أسراب من حمام بني صغير يحلق على ارتفاع ~~منخفض يطارد كل منها الآخر هنا وهناك، ووروار، أخضر مثل الزمرد، ~~يتقافز مثل طيور سنونو بطيئة. وكان هناك صف من الكناسين، توارى ~~حمل كل منهم جزئيا خلف ملابسه، يسيرون متجهين إلى حفرة ~~مقززة للنفايات واقعة على حدود الغابة. كانوا وهم بؤساء مهزولون، ~~بأطراف وركب مثل العصي وهنت حتى استعصت على الاستقامة، مكتسين ~~بأسمال بلون الوحل، مثل موكب سائر من الهياكل العظمية التي غطاها ~~الكفن. # كان البستاني يحفر الأرض من أجل حوض زهور جديد، بجوار برج الحمام ~~القائم قرب البوابة. كان شابا هندوسيا غبيا بليدا، عاش حياته ~~في شبه صمت مطبق؛ لأنه كان يتحدث إحدى لهجات مانيبور التي لم يفقهها ~~أحد آخر، ولا حتى زوجته الزربادية. كما أن لسانه كان كبيرا جدا على ~~فمه. ms069 وقد انحنى لتحية فلوري، مغطيا وجهه بيده، ثم رفع فأسه عاليا ~~مرة أخرى واخترق الأرض الجافة بضربات خرقاء ثقيلة، فيما ارتعشت ~~عضلات ظهره الرخوة. # صدرت صرخة حادة مزعجة «كوااا!» من حجرات الخدم؛ كانت زوجتا كو ~~سلا قد بدأتا شجارهما الصباحي. وفي الممر تبختر ديك المصارعة المروض، ~~المسمى نيرو، في خط متعرج، بينما خرج با بي بوعاء أرز وأطعم نيرو ~~والحمام. تصاعدت صيحات أخرى من حجرات الخدم وأصوات الرجال الخشنة ~~وهم يحاولون وقف الشجار. كان كو سلا يعاني كثيرا من زوجتيه. ما بو، ~~زوجته الأولى، امرأة نحيلة جامدة الوجه، جعلتها كثرة الحمل نحيفة، ~~وكانت ما يي (الزوجة الصغيرة)، هرة بدينة كسولة تصغرها ببضع سنوات. ~~وكانت المرأتان تتشاجران بلا انقطاع متى كان فلوري في المقر وكانتا ~~معا. ذات مرة بينما كانت ما بو تطارد كو سلا بعصا خيزران، توارى وراء ~~فلوري متحاميا، فتلقى فلوري ضربة مؤلمة على ساقه. # كان السيد ماكجريجور يرتقي الطريق، بخطوات خفيفة وهو يؤرجح عصا ~~مشي غليظة. كان يرتدي قميصا كاكيا من قماش العمائم، وسروالا ~~قصيرا من قماش الدريل القطني، وخوذة صيد خفيفة. فقد كان إلى جانب ~~أدائه التمارين، يذهب في تمشية خفيفة مسافة ميلين كل صباح متى استطاع ~~توفير الوقت. # صاح السيد ماكجريجور بفلوري بصوت صباحي ملؤه الود، مصطنعا اللكنة ~~الإيرلندية، قائلا: «أجمل صباح صباحك!» راعى أن يكون سلوكه مفعما ~~بالنشاط منتعشا كمن أخذ حماما باردا في هذه الساعة من الصباح. ~~كما أن مقال «بورميز باتريوت» التشهيري، الذي قرأه في الليلة الماضية، ~~كان قد ساءه لذا فقد تظاهر بمرح استثنائي للتستر على الأمر. # رد عليه فلوري صائحا بأقصى ما استطاع من ود قائلا: ~~«صباح!» # يا له من أصلع عجوز بغيض! هذا ~~ما جال بخلده وهو يشاهده في ارتقائه الطريق. كم تنتأ هذه العجيزة حقا ~~في هذا السروال القصير الكاكي الضيق. إنه كواحد من رؤساء فرق الكشافة ~~الكريهين الكهلة أولئك، المثليين جنسيا جميعا دون استثناء، الذين ~~ترى صورهم في الصحف المصورة. إنه يتأنق في تلك الملابس السخيفة ويكشف ~~عن ms070 ركبتيه السمينتين ذاتي التعاريج، لأنه من طباع السيد الأبيض أن ~~يؤدي التمارين الرياضية قبل الإفطار، يا للقرف! # جاء رجل بورمي صاعدا التل، بقعة من اللونين الأبيض والأرجواني. كان ~~هذا كاتب فلوري، قادما من المكتب الصغير، الذي لم يكن بعيدا عن ~~الكنيسة. حين بلغ البوابة، هبط إلى ركبتيه محييا وقدم ظرفا ~~متسخا، مختوما على طرف الغطاء كما جرت الطريقة البورمية. ~~«صباح الخير يا سيدي.» ~~«صباح الخير. ما هذا الشيء؟» ~~«خطاب محلي، سعادتك. جاء هذا الصباح. أعتقد أنه خطاب مجهول المصدر ~~يا سيدي.» ~~«اللعنة. حسنا، سأنزل إلى المكتب قرب الساعة الحادية عشرة.» # فتح فلوري الخطاب، الذي كان مكتوبا في ورقة فولسكاب، وجاء ~~فيه: # السيد جون فلوري # سيدي، أود أنا الموقع أدناه أن أوعز لسيادتك وأعلمك ببعض ~~المعلومات النافعة التي من شأنها أن تفيد سيادتك فائدة كبرى ~~يا سيدي. # لقد لوحظ يا سيدي في كياوكتادا صداقتك الوطيدة للدكتور ~~فيراسوامي، الجراح المدني، وترددك عليه، ودعوته إلى منزلك ... ~~إلخ. ونود يا سيدي أن نعلمك بأن الدكتور فيراسوامي المذكور ~~ليس رجلا صالحا وغير جدير على الإطلاق بصداقة سيد أوروبي. ~~فالطبيب موظف حكومي محتال وخائن وفاسد إلى حد بالغ. فهو ~~يعطي المرضى ماء ملوثا ويبيع لهم الدواء لحسابه الخاص، ~~فضلا عن العديد من الرشاوى وعمليات الابتزاز ... إلخ. وقد جلد ~~اثنين من المساجين بالخيزران، ثم دعك مكان الضرب بالفلفل ~~الحار حين لم يرسل أقاربهما مالا. بالإضافة إلى هذا فهو ~~متورط مع الحزب الوطني وتقدم مؤخرا بمعلومات لمقال خبيث ~~جدا ظهر في «بورميز باتريوت»، هوجم فيه السيد ماكجريجور، ~~نائب المفوض المحترم. # كما أنه يعاشر المريضات في المستشفى بالإكراه. # وبناء عليه فإننا نرجو بشدة أن تتحاشى سيادتك الدكتور ~~فيراسوامي وألا ترافق أشخاصا لا يجلبون لشخصك الكريم إلا ~~الشر. # ولكم منا خالص الدعاء بالصحة والرخاء. ~~(التوقيع): صديق # كان الخطاب مكتوبا بحروف مرتجفة مستديرة؛ أسلوب كتبة الخطابات ~~في البازار، الشبيه بكراسة تمارين كتبها شخص ثمل. بيد أن كاتب ~~الخطاب ما كان ليرقى بمستواه لكلمة مثل «تتحاشى». لا بد أن الخطاب ~~قد أملاه ms071 أحد الكتبة، ولا شك أنه جاء في الأساس من عند يو بو كين أو ~~«التمساح»، كانت هذه هي الفكرة التي راودت عقل فلوري بعد ~~تفكير. # لم ترقه نبرة الخطاب؛ إذ كان من الجلي أنه خطاب تهديد تحت قناع ~~من الخضوع. وما قصده حقا: «فلتتخل عن الطبيب وإلا سنسبب لك ~~المتاعب.» لكن لم يكن ذلك بالأمر الجلل؛ فما من رجل إنجليزي يشعر ~~بتهديد حقيقي من رجل شرقي. # انتاب فلوري التردد والخطاب في يديه. ثمة شيئان يمكن فعلهما ~~بخطاب مجهول المصدر. يمكن ألا يبوح بشيء عنه، أو أن يريه الشخص ~~المعني به. كان التصرف البديهي، اللائق أن يعطي الدكتور فيراسوامي ~~الخطاب ويدعه يتخذ الإجراء الذي يختاره. # إلا أنه كان من الآمن أن ينأى بجانبه عن هذا الأمر كلية. فمن ~~الأهمية بمكان (ربما الأهم بين المبادئ العشرة جمعاء للسادة البيض) ألا ~~تتورط في مشاحنات «أهل البلد». فلا بد ألا ينشأ إخلاص أو صداقة ~~حقيقية مع الهنود. عاطفة، أو حتى حب. نعم. وكثيرا ما يحب الإنجليز ~~الهنود حقا؛ أهل البلد الموظفون، وحراس الغابات، والصيادون، ~~والكتبة، والخدم. فالجنود يبكون كالأطفال حين يتقاعد الكولونيل ~~الذي يتبعونه. بل حتى الإخاء مسموح به، في اللحظات المناسبة. لكن ~~التحالف، المناصرة، كلا مطلقا! كان مجرد معرفة تفاصيل مشاجرة من ~~مشاجرات «أهل البلد» تفقد الهيبة. # إن أفشى أمر الخطاب سيثور خلاف وسيجرى تحقيق رسمي، وفي نهاية المطاف ~~سيقرن مصيره بمصير الطبيب في مواجهة يو بو كين. ليس يو بو كين ذا بال، ~~لكن يظل هناك الأوروبيون؛ إن كان هو، فلوري، مناصرا للطبيب في ~~سفور شديد، فقد يكون لهذا ثمن باهظ. من الأفضل كثيرا أن يتظاهر بأن ~~الخطاب لم يصله مطلقا. كان الطبيب صديقا طيبا، لكن أن يناصره في ~~مواجهة جام غضب السادة البيض ... كلا، كلا! ماذا يفيد الرجل إن أنقذ ~~روحه وخسر العالم بأسره؟ شرع فلوري يمزق الخطاب. كان الخطر الناتج ~~عن إذاعة خبره ضئيلا جدا، مبهما جدا. لكن لا بد من توخي ~~الحذر من المخاطر المبهمة في الهند. فحتى الهيبة، ms072 قوام الحياة، هي ~~نفسها مبهمة. مزق الخطاب بحرص قطعا صغيرة وألقى بها من فوق ~~البوابة. # في هذه اللحظة ترددت صرخة مرتاعة، مختلفة تماما عن صوتي زوجتي ~~كو سلا. أنزل البستاني فأسه وحملق فاغرا فاه في اتجاه الصوت، وجاء ~~كو سلا الذي سمعها هو الآخر، راكضا حاسر الرأس من حجرات الخدم، فيما ~~هبت فلو واقفة ونبحت بحدة. تكررت الصرخة التي كانت صادرة من ~~الغابة خلف المنزل، وكان الصوت إنجليزيا، امرأة تصرخ مفزوعة. # لم يكن ثمة طريق إلى الخارج من الخلف. وثب فلوري من فوق البوابة ~~وهبط وركبته تنزف دما من أثر شظية. وركض حول سور المجمع منطلقا ~~إلى الغابة، تتبعه فلو. خلف المنزل تماما، وراء أول طوق من ~~الشجيرات، كان ثمة واد صغير، يرتاده الجاموس من نيانجليبين لوجود ~~بركة من المياه الراكدة فيه. شق فلوري طريقه وسط الأجمة، وفي الوادي ~~كانت فتاة إنجليزية، ممتقعة الوجه، منكمشة أمام إحدى الشجيرات فيما ~~تتهددها جاموسة ضخمة بقرنيها الهلاليي الشكل، وقد وقف عجل مشعر في ~~الخلفية، كان بلا شك السبب في المشكلة. في الوقت ذاته كان جاموس آخر ~~غمره وحل البركة حتى عنقه، يتطلع بوجه هادئ يعود إلى أزمنة ما قبل ~~التاريخ، متسائلا ما الأمر. # ولت الفتاة وجها مكروبا إلى فلوري حين ظهر. هتفت بالنبرة الغاضبة ~~الملحة التي تغشى صوت الناس المذعورة: «فلتسرع! أرجوك! أنجدني! ~~أنجدني!» # كان فلوري في غاية من الاندهاش ليطرح أي أسئلة. هكذا هرع إليها، ~~ولعدم وجود عصا، فقد صفع الجاموسة صفعة شديدة على أنفها. فتنحت جانبا، ~~بحركة خائفة ثقيلة، ثم رحلت بخطوات متثاقلة يتبعها العجل. كذلك ~~خلص الجاموس الآخر نفسه من الوحل ورحل بخطوات متعثرة. أما ~~الفتاة فارتمت على فلوري، تكاد تكون بين ذراعيه، وقد غلبها الذعر ~~تماما. ~~«شكرا، شكرا! يا لها من أشياء مريعة! ماذا تكون؟ خلت أنها ~~ستقتلني. يا لها من كائنات رهيبة! ماذا تكون؟» ~~«ليس سوى جاموس الماء. إنه يأتي من القرية التي هناك.» ~~«جاموس؟» ~~«ليس جاموسا بريا، الذي نسميه البيسون. إنه مجرد نوع من ~~الماشية التي يربيها ms073 البورميون. أعتقد أنها سببت لك صدمة ~~فظيعة. يؤسفني ذلك.» # كانت لا تزال متشبثة بذراعه لصيقة به، فاستطاع أن يشعر بها ~~ترتعد. خفض ناظريه، لكنه لم يستطع رؤية وجهها، فقط أعلى رأسها، من ~~دون قبعة، بشعر أشقر قصير مثل شعر صبي. واستطاع رؤية إحدى يديها على ~~ذراعه؛ كانت يدا طويلة رشيقة شابة، ذات رسغ ملطخ بالألوان مثل ~~رسغ تلميذة. لم يكن قد رأى يدا كهذه منذ عدة سنوات. انتبه فلوري إلى ~~الجسد اللين النضير الضاغط على جسده، والدفء النافذ منه؛ فبدا كأن ~~شيئا ينبض بداخله ويذيب جليد قلبه. # قال فلوري: «لا بأس، لقد رحلت. ليس هناك ما يدعو إلى الخوف.» # كانت الفتاة لا تزال تستفيق من ذعرها، ووقفت مبتعدة قليلا عنه، ~~وإحدى يديها لا تزال على ذراعه. قالت: «إنني بخير. لا بأس، لم أصب ~~بأذى. فهي لم تمسني. شكلها فقط كان مريعا.» ~~«حقا، إنها غير مؤذية على الإطلاق. فقرونها واقعة بعيدا جدا ~~في مؤخرة رءوسها فلا يمكنها أن تنطحك. إنها حيوانات غبية جدا، ~~تتظاهر فقط بالهجوم حين يكون لديها عجول.» # وقف الاثنان متباعدين الآن، وغشاهما حرج طفيف في الحال. وكان ~~فلوري قد استدار قليلا بالفعل ليخفي عنها وحمته. ثم قال: ~~«حسنا، إنه نوع غريب من التعارف! لم أسألك بعد كيف جئت إلى هنا. ~~من أي مكان جئت، إذا لم يكن في السؤال وقاحة؟» ~~«لقد خرجت للتو من حديقة عمي. بدا الصباح جميلا للغاية، فارتأيت ~~أن أذهب في تمشية. ثم جاءت تلك الأشياء المريعة خلفي. فإنني جديدة ~~تماما في هذا البلد.» ~~«عمك؟ بالتأكيد! أنت ابنة أخ السيد لاكرستين. لقد سمعنا بقدومك. ~~حسنا، هلا خرجنا إلى الميدان؟ سنجد مسارا في مكان ما. يا لها من ~~بداية لأول صباح لك في كياوكتادا! أخشى أن هذا حري أن يعطيك ~~انطباعا سيئا عن بورما.» ~~«كلا؛ جل ما هناك أن الأمر برمته غريب بعض الشيء. كم تنمو بكثافة ~~هذه الأجمة! وكلها ملتفة معا وغريبة المنظر. من الممكن أن تضل ~~السبيل هنا في لحظة. هل هذا ما يسمونه ms074 غابة؟» ~~«أدغال. بورما في أغلبها أدغال؛ ما أسميه أرضا خضراء كريهة. لو ~~كنت مكانك ما كنت سأخوض وسط تلك الحشائش. فالبذور تتخلل الجوارب ~~وتصل إلى الجلد.» # ترك الفتاة تسير أمامه، شاعرا براحة أكبر أنها لن تستطيع رؤية وجهه. ~~كانت طويلة بعض الشيء بالنسبة إلى فتاة، هيفاء، ترتدي فستانا قطنيا ~~لونه بنفسجي فاتح. من لفتاتها لم يبد له أنها ناهزت العشرين بكثير. ~~لم يكن قد أمعن النظر في وجهها بعد، سوى أنها كانت ترتدي نظارة ~~مستديرة مصنوعة من صدفة سلحفاة، وأن شعرها قصير مثل شعره. لم يكن قد ~~رأى من قبل امرأة بشعر حليق، سوى في الصحف المصورة. # مع دخولهما الميدان تقدم بمحاذاتها، فالتفتت لتواجهه. كان وجهها ~~بيضاويا، متناسق الملامح رقيقها؛ ربما ليست جميلة، لكنها بدت كذلك ~~هناك، في بورما، حيث كل النساء الإنجليزيات شاحبات ونحيلات. سريعا ما ~~أشاح فلوري بوجهه جانبا، مع أن الوحمة كانت مستترة عنها. لم يطق أن ~~ترى وجهه الكامد عن كثب شديد. تحسس الجلد الذابل حول عينيه وشعر كأنه ~~جرح. بيد أنه تذكر أنه كان قد حلق ذلك الصباح، مما منحه ~~شجاعة. # قال: «أعتقد أنك حتما مصدومة قليلا من بعد هذا الأمر. هل تودين ~~أن تأتي إلى مسكني لتستريحي بضع دقائق قبل الذهاب إلى المنزل؟ كما أن ~~الوقت متأخر بعض الشيء للخروج من دون قبعة.» # قالت الفتاة: «شكرا، أود ذلك.» خطر لفلوري أنها لا يمكن أن يكون ~~لديها أي علم بأفكار الهنود عن الأصول «هل هذا منزلك؟» ~~«نعم. لا بد أن ندور حول الطريق الأمامي. سوف أجعل الخدم يأتون ~~بمظلة من أجلك. فهذه الشمس خطيرة عليك، بشعرك القصير.» # سار الاثنان في ممشى الحديقة، وفلو تمرح حولهما وتحاول لفت ~~الانتباه إلى نفسها. كانت دائما ما تنبح على الشرقيين الأغراب، لكن ~~راقت لها رائحة المرأة الأوروبية. اشتدت حرارة الشمس، وسرت من زهور ~~البتونيا على جانب الممشى رائحة الكشمش الأسود، وهبطت واحدة من ~~الحمام إلى الأرض، لتنطلق في الهواء مرة أخرى في الحال حين حاولت فلو ~~الإمساك بها. توقف ms075 فلوري والفتاة مرة واحدة، لينظرا إلى الزهور، ~~وفجأة سرى فيهما شعور بالسعادة لا سبب له. # أعاد قوله: «حقا لا بد ألا تخرجي في الشمس من دون اعتمار قبعة.» ~~وبطريقة ما كان ثمة شعور بالألفة في قول هذا. لم يستطع أن يمنع نفسه ~~من الإشارة إلى شعرها القصير بطريقة أو بأخرى، فقد بدا له جميلا ~~جدا. وكان بحديثه عنه كأنه لمسه بيده. # قالت الفتاة: «انظر، إن ركبتك تنزف. هل حدث هذا حين كنت آتيا ~~لإنقاذي؟» # كان ثمة خيط رفيع من الدم الذي تجلط قرمزيا على جوربه الكاكي. ~~قال: «الأمر هين.» لكن لم يشعر أي منهما في تلك اللحظة أنه أمر ~~هين. طفقا يثرثران بحماس غير عادي حول الزهور. قالت الفتاة إنها ~~«تعشق» الزهور. تقدمها فلوري في الممشى، وهو يتحدث مبالغا في ~~الحديث حول نبات تلو الآخر. ~~«انظري إلى زهور الفلوكس هذه كيف تنمو. إنها تظل مزهرة طوال ستة ~~أشهر في هذا البلد. فهي تحب الشمس وتزدهر معها. أعتقد أن تلك الزهور ~~الصفراء تكاد تكون في لون زهور الربيع. أنا لم أر زهرة ربيع منذ خمس ~~عشرة سنة، ولا زهرة منثور. تلك الزينيا جميلة، أليس كذلك؟ تبدو كأنها ~~زهور مرسومة، بتلك الألوان المطفية الخلابة. هذه زهور القطيفة ~~الأفريقية. إنها خشنة الملمس، تكاد تكون مثل الحشائش، لكن لا يسعك إلا ~~أن تحبيها، فهي زاهية وقوية جدا. لدى الهنود ولع خاص بها؛ ~~فأينما وجدت هنودا تجدين زهور القطيفة، ولو بعد سنوات بعد أن تكون ~~الغابة قد محت كل أثر لها. لكنني أرجو أن تأتي إلى الشرفة لرؤية ~~الأوركيد. لدي منها بعض الزهور التي يجب رؤيتها فهي تبدو تماما ~~كأنها أجراس من الذهب - مثل الذهب حرفيا. وتفوح منها رائحة عسل، تكاد ~~تكون نفاذة. هذه هي المزية الوحيدة تقريبا في هذا البلد، إنها ~~مناسبة لنمو الزهور. أرجو أن تكوني هاوية للبستنة؟ فهي عزاؤنا الأكبر ~~في هذا البلد.» # قالت الفتاة: «إنني أعشق البستنة حقا.» # ودخل الاثنان الشرفة. كان كو سلا قد ارتدى على عجل قميصه وأفضل ~~عصابات ms076 رأسه العصابة الحريرية الوردية، فجاء من داخل المنزل بصينية ~~عليها دورق جين وكئوس وصندوق سجائر. وضعها على المنضدة، وضم يديه ~~معا وهبط إلى ركبتيه محييا، وهو يرنو إلى الفتاة ببعض ~~الترقب. # قال فلوري: «أظن أنه لا جدوى من عرض الشراب عليك في هذه الساعة من ~~الصباح؟ لا يمكنني إقناع خادمي قط أن بعض الناس تستطيع أن تعيش من ~~دون تناول الجين قبل الإفطار.» # وضم نفسه لأولئك الناس بأن لوح بيده رافضا الشراب الذي عرضه ~~عليه كو سلا. كانت الفتاة قد جلست على المقعد الخوص الذي وضعه لها كو ~~سلا في نهاية الشرفة. كانت زهور الأوركيد بأوراقها الداكنة معلقة ~~وراء رأسها، بباقاتها الذهبية الزهر، تنشر عبير عسل دافئ، بينما وقف ~~فلوري أمام سور الشرفة، موليا الفتاة إحدى صفحتي وجهه، محتفظا ~~بوجنته الموحومة خفية. # قالت وهي ترسل نظرها إلى سفح التل: «ترى من هنا منظرا غاية في ~~الروعة.» ~~«نعم، أليس كذلك؟ إنه بديع في هذا الضوء الأصفر، قبل أن تصعد الشمس ~~في كبد السماء. أحب ذلك اللون الأصفر الداكن للميدان، وأشجار ~~البوانسيانا الملكية تلك، كأنها بقع من اللون القرمزي. وتلك التلال في ~~الأفق، شبه سوداء.» ثم أضاف قائلا: «يقع معسكري على الجانب الآخر من ~~تلك التلال.» # خلعت الفتاة، التي كانت بعيدة النظر، نظارتها لترسل بصرها بعيدا. ~~فلاحظ أن عينيها كانتا ذاتي زرقة فاتحة شديدة الصفاء، أفتح من زهرة ~~الجريسة. ولاحظ نعومة الجلد حول عينيها، يكاد يكون في نعومة بتلات ~~الزهور. وهو ما ذكره بسنه ووجهه المنهك مرة أخرى، حتى إنه أشاح ~~بوجهه قليلا عنها. لكنه قال بعفوية: ~~«حسنا، يا له من حظ الذي أتى بك إلى كياوكتادا! لا يمكن أن ~~تتخيلي تأثير أن نرى وجها جديدا في هذه الأماكن. بعد أشهر من ~~مخالطة مجتمعنا البائس، وما يعرض من جولات أحد المسئولين، وإبحار ~~رحالة أمريكان إلى منبع نهر إيراواداي بكاميراتهم. أعتقد أنك قدمت ~~من إنجلترا مباشرة؟» ~~«حسنا، ليس إنجلترا تحديدا. كنت أعيش في باريس قبل أن آتي إلى هنا؛ ~~ذلك لأن أمي كانت ms077 فنانة.» ~~«باريس! هل عشت حقا في باريس؟ يا إلهي، تصوري أن تأتي من باريس ~~إلى كياوكتادا! دعيني أقل لك إنه من المستعصي تماما على المرء في ~~حفرة كهذه أن يصدق أن ثمة أماكن مثل باريس.» # سألته الفتاة: «هل تحب باريس؟» ~~«بل إنني لم أرها قط. لكن، ويحي، كم تصورتها! باريس ... إنها في ~~ذهني خليط من صور شتى؛ المقاهي والشوارع ومراسم الفنانين وفيون ~~وبودلير وموباسان كلها متراكبة. إنك لا تعلمين كيف تبدو لنا تلك ~~البلدات الأوروبية. هل عشت في باريس حقا؟ هل جلست في مقاه مع ~~دارسي فن أجانب، تحتسون النبيذ الأبيض وتتحدثون عن مارسيل ~~بروست؟» # قالت الفتاة ضاحكة: «شيء من هذا القبيل على ما أظن.» ~~«يا للاختلاف الذي ستجدينه هنا! فلا يوجد هنا نبيذ أبيض ولا مارسيل ~~بروست؛ وإنما ويسكي وإدجار والاس على الأرجح. لكن إذا أردت كتبا على ~~الإطلاق، فربما تجدين شيئا يروق لك بين كتبي؛ إذ لا يوجد في مكتبة ~~النادي سوى حثالة الكتب. لكن لا شك أن كتبي عفا عليها الدهر حد ~~اليأس. أعتقد أنك قرأت كل الكتب الموجودة.» # قالت الفتاة: «لا، لكنني بالطبع أعشق القراءة للغاية.» ~~«ما أجمل أن تلتقي بشخص له اهتمام بالكتب! أقصد الكتب التي تستحق ~~القراءة، وليس تلك النفايات التي في مكتبات النادي. أرجو حقا أن ~~تسامحيني إن كنت أطيل عليك في الكلام. أخشى إنني أنطلق مثل زجاجة ~~جعة دافئة حين ألتقي بشخص على علم بالكتب. إنه ذنب لا بد أن تغفريه ~~في هذه البلاد.» ~~«لكنني أحب الحديث عن الكتب. أعتقد أن القراءة شيء في غاية الروعة. ~~أقصد، كيف كانت الحياة ستصير من دونها؟ إنها ... إنها ...» ~~«إنها ملاذ خاص. أجل!» # استغرق الاثنان في حديث طويل ومتحمس، عن الكتب أولا، ثم الرماية، ~~التي بدا أن للفتاة اهتماما بها، والتي حثت فلوري على الحديث عنها. ~~كانت من الإثارة في غاية حين وصف حادثة مقتل أحد الأفيال التي كان ~~قد أقدم عليها قبل عدة سنوات. بالكاد انتبه فلوري، وربما الفتاة كذلك ، ~~إلى أنه استأثر بكل الحديث. ms078 فهو لم يستطع أن يكبح جماح نفسه؛ إذ ~~كانت بهجة الدردشة كبرى. وكانت الفتاة على استعداد للإنصات. فقد ~~أنقذها من الجاموس على أي حال، وهي التي كانت حتى تلك اللحظة لا ~~تصدق أن تلك الحيوانات الضخمة قد تكون غير مؤذية؛ ومن ثم فقد ~~كان في تلك اللحظة بمثابة بطل في عينيها. متى نسب للإنسان أي فضل في ~~الحياة، فهو غالبا على شيء لم يفعله. كانت هذه واحدة من المرات التي ~~يتدفق فيها الحديث بسلاسة شديدة، وبتلقائية شديدة، حتى إنه ليستطيع ~~الإنسان أن يستمر في الكلام إلى الأبد. لكن بغتة تبخرت سعادتهما، ~~وجفلا ولاذا بالصمت. فقد لاحظا أنهما لم يعودا بمفردهما. # كان على الجانب الآخر من الشرفة، من بين القضبان، وجه بشارب كبير ~~في سواد الفحم يختلس النظر بفضول عظيم. كان ذلك وجه سامي العجوز، ~~الطاهي الماجي. وخلفه وقفت ما بو وما يي وأبناء كو سلا الأربعة الكبار، ~~وطفل عار من دون صاحب، وامرأتان عجوزان جاءتا من القرية عند سماع ~~الخبر بأن ثمة سيدة إنجليزية ظاهرة للعيان. مثل تمثالين منحوتين من ~~خشب الساج اندس في الوجه الخشبي الجامد لكل منهما سيجار طوله قدم، ~~راحت الكائنتان الهرمتان تحدقان في السيدة الإنجليزية كما قد ~~يحدق فلاح إنجليزي في محارب من شعب الزولو بحلته الرسمية ~~كاملة. # قالت الفتاة في ضيق وهي ترنو نحوهم: «أولئك الناس ...» # لما رأى سامي أن وجوده صار ملحوظا، بدا عليه أسف شديد وتظاهر بأنه ~~يعيد لف عمامته. أما بقية المتفرجين فقد شعروا بقليل من الإحراج، ما ~~عدا العجوزين ذاتي الوجهين الخشبيين. # قال فلوري: «سحقا لوقاحتهم!» وتخلله شعور بارد بالإحباط. على ~~كل حال، لم يعد مناسبا أن تمكث الفتاة في شرفته أكثر من ذلك. كان ~~الاثنان قد تذكرا في آن واحد أنهما غريبان تماما. فتورد وجهها ~~قليلا، وبدأت ترتدي نظارتها. # قال فلوري: «أخشى أن وجود فتاة إنجليزية أشبه ببدعة لهؤلاء الناس. ~~إنهم لا يقصدون أي أذى.» ثم أردف في غضب، ملوحا بيده للمتفرجين، ~~الذين اختفوا بعدئذ : «اغربوا من هنا!» # قالت الفتاة ms079 وقد نهضت واقفة: «أعتقد أنني لا بد أن أرحل إذا ~~سمحت. لقد مكثت بالخارج لوقت طويل جدا. لعلهم يتساءلون أين ~~ذهبت.» ~~«هل ضروري حقا؟ فما زال الوقت مبكرا جدا. سأحرص على ألا تعودي ~~إلى المنزل برأس مكشوف في الشمس.» # أنشأت تقول مرة أخرى: «يجب حقا ...» # ثم توقفت، ناظرة إلى عتبة الباب؛ حيث كانت ما هلا ماي خارجة إلى ~~الشرفة. # تقدمت ما هلا ماي واضعة يدها على ردفها. كانت قد أتت من داخل المنزل، ~~بهدوء يؤكد حقها في الوجود هناك. ووقفت الفتاتان وجها لوجه، لا ~~يفصلهما سوى ست أقدام. # كان التناقض بينهما لا يدانيه أي تناقض آخر غرابة؛ فإحداهما باهتة ~~اللون مثل زهر التفاح، والأخرى داكنة ومبهرجة، ينعكس بريق شبه معدني ~~على كعكة شعرها الأبنوسي وحرير إزارها البرتقالي الوردي. خطر لفلوري ~~أنه لم يلحظ من قبل قط كم يبدو وجه ما هلا ماي داكنا، وكم هو غريب ~~جسدها الضئيل المتيبس، المستقيم مثل جسد الجنود، الخالي من أي ~~منحنيات ما عدا منحنى أردافها الشبيه بمنحنى المزهرية. وقف أمام سور ~~الشرفة وراح يراقب الفتاتين، منسيا تماما. لم تستطع أي منهما أن ~~ترفع عينيها عن الأخرى طيلة دقيقة تقريبا؛ لكن من الصعب أن نعرف ~~أيا منهما وجدت المشهد أكثر شذوذا وإثارة للدهشة. # حولت ما هلا ماي وجهها صوب فلوري، وتساءلت بتجهم وقد ضمت ~~حاجبيها الأسودين الرفيعين كخطي قلم رصاص، قائلة: «من هذه ~~المرأة؟» # أجاب بلا اكتراث، كأنه يعطي أمرا لأحد الخدم: ~~«انصرفي الآن. إن أثرت أي مشكلة سآتي لاحقا بخيزرانة وأبرحك ~~ضربا حتى لا أترك ضلعا من ضلوعك سليما.» # ترددت ما هلا ماي وهزت منكبيها الصغيرين واختفت، فيما تساءلت ~~الأخرى بفضول وهي تتبعها بعينين محدقتين: ~~«هل كان ذلك رجلا أم امرأة؟» # فقال: «امرأة. زوجة أحد الخدم على ما أعتقد. جاءت لتسأل عن الغسيل، ~~هذا جل ما في الأمر.» ~~«هل هكذا تبدو النساء البورميات؟ إنهن كائنات صغيرة عجيبة! لقد رأيت ~~الكثير منهن في طريقي إلى هنا بالقطار، لكنني في الحقيقة ظننتهن ~~جميعا صبية. إنهن يبدون ms080 مثل نوع من الدمى الخشب الألمانية، أليس ~~كذلك؟» # كانت قد شرعت في التحرك صوب سلم الشرفة، بعد أن فقدت اهتمامها بما ~~هلا ماي التي كانت قد اختفت، ولم يوقفها؛ إذ شعر أن ما هلا ماي خليقة ~~تماما بالعودة وإحداث فضيحة. بيد أن ذلك لم يكن ذا بال؛ إذ لم تكن ~~أي من الفتاتين تعرف كلمة من لغة الأخرى. هكذا نادى على كو سلا، فجاء ~~كو سلا راكضا معه مظلة كبيرة من الحرير المشمع ذات أضلاع من ~~الخيزران، ليفتحها برزانة أسفل السلم ويرفعها فوق رأس الفتاة عند ~~نزولها. وقد سار فلوري معهما حتى البوابة، حيث توقفا ليتصافحا، وهو ~~متنح جانبا قليلا في أشعة الشمس القوية، مواريا وحمته. ~~«سيرافقك صاحبي هذا إلى المنزل. كان كرما شديدا منك أن أتيت إلى ~~هنا. لا يمكنني أن أصف لك كم أنا سعيد بمقابلتك. فسوف تحدثين فرقا ~~كبيرا هنا في كياوكتادا.» ~~«إلى اللقاء يا سيد ... يا للعجب! إنني لا أعرف اسمك حتى.» ~~«فلوري، جون فلوري. وأنت ... الآنسة لاكرستين، أليس كذلك؟» ~~«نعم، إليزابيث. إلى اللقاء يا سيد فلوري. وأشكرك شكرا جزيلا. فقد ~~أنقذتني حقا من تلك الجاموسة الفظيعة.» ~~«كان أمرا بسيطا. أرجو أن أراك هذا المساء في النادي؟ أعتقد أن ~~عمك وزوجته سيأتيان. الوداع مؤقتا إذن.» # وقف عند البوابة، يشاهدهما يذهبان. إليزابيث! اسم جميل، نادر جدا ~~هذه الأيام. تمنى لو كانت تكتبه بحرف الزاي. هرول كو سلا خلفها ~~بخطوات طريفة مرتبكة، مادا المظلة فوق رأسها مع الابتعاد بجسمه ~~عنها بقدر الإمكان. وهبت على التل ريح باردة؛ كانت واحدة من تلك ~~الرياح العابرة التي تهب أحيانا في الجو البارد في بورما، آتية ~~بغتة، لتملأ المرء عطشا وحنينا إلى حمامات السباحة المملوءة بمياه ~~البحر الباردة وأحضان حوريات البحر والشلالات وكهوف الجليد. وقد أحدثت ~~حفيفا بين الرءوس العريضة لأشجار البوانسيانا الملكية، وأثارت أجزاء ~~الخطاب المجهول المصدر الذي كان فلوري قد ألقاه من فوق البوابة قبل نصف ~~ساعة. # | الفصل السابع # استلقت إليزابيث على الأريكة في حجرة استقبال آل لاكرستين، رافعة ~~قدميها ms081 وواضعة حشية خلف رأسها، بينما تقرأ كتاب مايكل آرلين «هؤلاء ~~الناس الفاتنون». كان مايكل آرلين كاتبها المفضل في العموم، لكنها كانت ~~تميل إلى تفضيل ويليام جيه لوك حين تريد شيئا جادا. # كانت حجرة الاستقبال حجرة ~~باردة فاتحة اللون بجدران بسمك ياردة مدهونة بالجير؛ ورغم أنها كانت ~~كبيرة فقد بدت أصغر مما كانت، لما تناثر فيها من طاولات صغيرة وحليات ~~نحاسية من مدينة بيناريس الهندية. كذلك عبقت الحجرة برائحة القماش ~~القطني المطبوع والزهور الميتة. في الدور العلوي كانت السيدة لاكرستين ~~نائمة؛ وفي الخارج اضطجع الخدم صامتين في حجراتهم، وقد ربط نوم منتصف ~~اليوم الشبيه بالموت رءوسهم بوسائدهم الخشبية. وكان السيد لاكرستين في ~~مكتبه الخشبي الصغير الواقع على الطريق، في سبات هو الآخر غالبا. لم ~~يبد أحد حراكا سوى إليزابيث، والغلام الذي كان يشد حبل المروحة خارج ~~مخدع السيدة لاكرستين، مستلقيا على ظهره وقد وضع أحد كعبيه في عقدة ~~الحبل. # كانت إليزابيث قد أتمت ~~لتوها عامها الثاني والعشرين، وكانت يتيمة. كان أبوها أقل إدمانا ~~للشراب من شقيقه توم، لكنه كان ذا طابع مشابه. كان يعمل في تجارة الشاي ~~وسيطا، حيث تقلب به الحال تقلبات كبرى، لكنه كان بطبعه أكثر تفاؤلا ~~من ادخار المال في فترات الازدهار. أما أم إليزابيث فقد كانت امرأة ~~معدومة الكفاءة، ناقصة النضج، مضطربة العقل، دائمة الرثاء على حالها، ~~وقد تهربت من كل الواجبات الطبيعية للحياة مستندة إلى مدارك لم تكن ~~تتمتع بها. وهي بعد العبث لسنوات في أشياء مثل حق المرأة في الانتخاب ~~وحركة الفكر الجديد، والإقدام على عدة محاولات فاشلة في الأدب، بدأت ~~أخيرا تتجه ناحية الرسم. فالرسم هو الفن الوحيد الذي يمكن ممارسته ~~من دون موهبة أو عمل شاق. وكانت السيدة لاكرستين تتكلف دور الفنان ~~المنفي بين أصحاب النزعات المادية - ومن هؤلاء زوجها بالطبع - وقد ~~منحها هذا الدور مجالا يكاد لا يحده حد لتجعل من نفسها مصدر ~~إزعاج. # في العام الأخير للحرب، كون السيد لاكرستين، الذي تدبر الهروب من ~~الجيش، ثروة طائلة، وبعد الهدنة مباشرة انتقلوا ms082 إلى منزل ضخم جديد ~~تشوبه بعض الكآبة في ضاحية هايجيت، به عدد من المستنبتات الزجاجية ~~والشجيرات والإسطبلات وملاعب التنس. وعين السيد لاكرستين رهطا من ~~الخدم، بل وبلغ به التفاؤل أن عين مديرا للمنزل. وأرسلت إليزابيث ~~لقضاء فصلين دراسيين في مدرسة داخلية ذات مصاريف باهظة للغاية. وكم كان ~~في ذينك الفصلين من بهجة، بهجة لا تنسى! كانت أربع من الفتيات في ~~المدرسة من بنات النبلاء؛ وكان لكل واحدة منهن تقريبا مهر، يسمح ~~لها بامتطائه في آخر النهار أيام السبت. في حياة كل شخص ثمة فترة قصيرة ~~تتشكل فيها شخصيته إلى الأبد؛ من ناحية إليزابيث كانت ذينك الفصلين ~~الدراسيين اللذين اختلطت خلالهما مع طبقة الأثرياء. من ذلك الحين ~~فصاعدا تلخص نظام معيشتها بأكمله في اعتقاد واحد، وهو على ذلك اعتقاد ~~بسيط. وهو أن الجيد (الذي كانت تسميه «الجميل») يترادف مع الغالي ~~والأنيق والأرستقراطي؛ أما الرديء (الكريه) فهو الرخيص والوضيع والرث ~~والمرهق. قد يكون تدريس هذه العقيدة هو الهدف من وجود مدارس الفتيات ~~باهظة المصاريف. وقد تعمق هذا الشعور مع تقدم إليزابيث في السن، وتفشى ~~في كل أفكارها. هكذا صار كل شيء بدءا من زوج الجوارب وصولا إلى أرواح ~~البشر يصنف على أنه «جميل» أو «كريه». ولسوء الحظ، كان «الكريه» هو ~~ما غلب على حياتها؛ إذ لم يدم رخاء السيد لاكرستين. # فقد وقع الانهيار المحتوم في أواخر عام 1919؛ وتبعا لذلك أخرجت ~~إليزابيث من المدرسة، لتستكمل تعليمها في عدد من المدارس الرخيصة ~~الكريهة، مع التخلف لفصل دراسي أو فصلين حين لم يستطع أبوها دفع ~~المصروفات. ثم مات أبوها بالأنفلونزا وهي في العشرين؛ وتركت السيدة ~~لاكرستين بدخل بلغ مائة وخمسين جنيها سنويا، وهو ما كان سينتهي ~~بوفاتها. لم تستطع السيدتان، في ظل تدبير السيدة لاكرستين، العيش ~~بثلاثة جنيهات في الأسبوع في إنجلترا. لذا انتقلتا إلى باريس؛ حيث كانت ~~المعيشة أرخص وحيث نوت السيدة لاكرستين أن تكرس نفسها كلية ~~للفن. # باريس! والحياة في باريس! كان فلوري مخالفا للواقع قليلا حين ~~تصور تلك الأحاديث المطولة مع فنانين ms083 ملتحين تحت أشجار الدلب ~~الخضراء. فلم تكن حياة إليزابيث في باريس هكذا بالضبط. # كانت أمها قد استأجرت مرسما في حي مونبارناس، وتردت في التو في ~~حالة مضطربة ومزرية من البطالة. وكانت شديدة السفاهة حتى إن دخلها ~~لم يكن يكاد يغطي نفقاتها، فكانت إليزابيث تظل شهورا لا تحصل على ~~ما يسد رمقها من الطعام. لكنها فيما بعد عثرت على عمل فصارت مدرسة ~~خصوصية للغة الإنجليزية لدى أسرة مدير بنك فرنسي، وكانوا ينادونها ~~بالفرنسية قائلين: «آنستنا الإنجليزية.» كان مدير البنك يعيش في ~~الدائرة الثانية عشرة، التي تبعد عن مونبارناس بمسافة طويلة، لذلك ~~استأجرت إليزابيث حجرة في بنسيون قريب. كان البنسيون عبارة عن منزل ~~ضيق بواجهة صفراء في شارع جانبي، يطل على متجر دواجن، كان يزين ~~دائما بجثث نتنة الرائحة لخنازير برية، يزورها كل صباح سادة ~~مسنون يشبهون كائنات ساتير هرمة ليشموها طويلا بحب. وإلى جانب ~~متجر الدواجن كان هناك مقهى مليء بالحشرات، بلافتة كتب عليها ~~بالفرنسية «مقهى الصداقة. جعة ممتازة». لشد ما أبغضت إليزابيث ذلك ~~البنسيون! وكانت مالكته عجوز متلصصة متشحة بالسواد قضت حياتها وهي ~~ترتقي الدرج وتهبطه على أطراف أصابعها متحينة الفرصة لضبط النزلاء ~~وهم يغسلون جواربهم في أحواضهم المخصصة لغسيل اليدين. أما النزلاء ~~فكانوا أرامل سليطات الألسن حادات الطباع، وكن يلاحقن الرجل الوحيد ~~في البناية، الذي كان كائنا أصلع هادئا يعمل في متجر «لا ساماريتين»، ~~كما تقلب طيور السنونو كسرة خبز. أثناء الوجبات كانت كل واحدة منهن ~~تفحص صحون الأخريات لترى من أعطيت أكبر حصة من الطعام. كان الحمام ~~جحرا معتما بجدران مبقعة مثل جلد أصابه الجذام وسخان صدئ ~~متهالك يطلق بوصتين من الماء الفاتر في حوض الاستحمام ثم يتوقف عن ~~العمل معاندا. أما مدير البنك الذي كانت إليزابيث تدرس لأطفاله فكان ~~رجلا في الخمسين، ذا وجه سمين منهك ورأس أصفر أصلع شبيه ببيض ~~النعام. في اليوم الثاني بعد وصولها دخل الحجرة التي كان الأطفال ~~يتلقون فيها دروسهم، وجلس بجانب إليزابيث وقرصها في كوعها في الحال. ~~وفي اليوم الثالث قرصها ms084 في ربلة ساقها، وفي اليوم الرابع وراء ركبتها، ~~وفي اليوم الخامس فوق ركبتها. ومنذ ذلك الحين، صارت كل مساء معركة ~~صامتة بينهما، يدها أسفل الطاولة تقاوم وتحاول إبعاد تلك اليد ~~الشبيهة بحيوان ابن مقرض عنها. # كانت حياة حقيرة وكريهة؛ بل إنها بلغت مستويات من «الكراهة» لم تكن ~~إليزابيث تعلم بوجودها من قبل. لكن أكثر ما أحزنها وملأها بشعور ~~التردي في عالم سفلي مريع، كان مرسم أمها. كانت السيدة لاكرستين ~~واحدة من أولئك الناس الذين ينهارون تماما عند حرمانهم من الخدم. ~~فكانت تعيش في كابوس مؤرق ما بين الرسم وأعمال المنزل، لكنها لم ~~تجتهد في أي منهما. كانت من حين لآخر تذهب إلى «مدرسة» ما حيث ترسم ~~لوحات رمادية مسلوبة الروح تحت توجيه معلم قام أسلوبه الفني على ~~الفرش المتسخة؛ فيما عدا ذلك كانت تعبث بائسة في المنزل بأباريق ~~الشاي والمقالي. وكانت حالة مرسمها تثير في نفس إليزابيث الكآبة، وأي ~~كآبة؛ فقد بلغ من الخبث درجة شيطانية. كان حظيرة خنازير باردة ~~ومغبرة، بأكوام من الكتب والجرائد متناثرة في أنحاء أرضه، وأجيال ~~من القدور بدهونها راقدة على موقد الغاز الصدئ، وفراش لا يرتب مطلقا ~~إلا بعد الظهر، وفي كل مكان - حيثما كان هناك احتمال أن تطأهم القدم أو ~~تسقطهم - صفائح تربنتين ملوثة بالطلاء وأباريق شاي نصف مليئة بشاي ~~أسود بارد. وكنت إذا رفعت حاشية عن أحد المقاعد قد تجد أسفلها صحنا ~~به بقايا بيضة مسلوقة. كانت إليزابيث بمجرد ولوجها من الباب تصرخ ~~قائلة: ~~«يا أماه، عجبا لك يا أمي العزيزة! فلتنظري إلى حال هذه الحجرة! ~~كم هو فظيع العيش هكذا!» ~~«الحجرة يا عزيزتي؟ ما خطبها؟ هل هي غير منظمة؟» ~~«غير منظمة! لماذا تركت صحن العصيدة ذلك في منتصف الفراش يا أماه؟ ~~وتلك القدور! المنظر غاية في البشاعة حقا. فلتفترضي أن أحدا ~~دخل!» # حينذاك كان يلوح في عيني السيدة لاكرستين تلك النظرة المنتشية ~~السابحة في عالم آخر التي كانت تصطنعها متى طرأ أي شيء مثل ~~العمل. ~~«لن يبالي بذلك أي من أصدقائي يا ms085 عزيزتي. فنحن الفنانين بوهيميون ~~للغاية. إنك لا تدركين كم نحن جميعا مستغرقون تماما في فننا. ~~فليس لديك المزاج الفني يا عزيزتي.» ~~«لا بد أن أحاول تنظيف بعض من تلك القدور. لا أطيق أن أتصورك ~~تعيشين هكذا. ماذا فعلت بفرشاة التنظيف؟» ~~«فرشاة التنظيف؟ دعيني أتذكر، أظن أنني رأيتها في مكان ما. آه، ~~أجل! لقد استخدمتها بالأمس في تنظيف لوحة ألواني. لكنها ستكون على ما ~~يرام إذا غسلتها جيدا بزيت التربنتين.» # ثم كانت السيدة لاكرستين تجلس لتواصل تلطيخ فرخ من أوراق الرسم ~~بقلم فحم بينما تعمل إليزابيث. ~~«كم أنت رائعة يا عزيزتي. عملية للغاية! لا أدري من أين ورثت هذه ~~الصفة. أما أنا فالفن لي هو كل شيء. أشعر به مثل بحر مترام يمور ~~بداخلي، ليغرق كل ما هو حقير وتافه في الوجود. بالأمس تناولت غدائي في ~~مجلة «ناشز» لتوفير الوقت الذي يضيع في غسيل الصحون. يا لها من فكرة ~~جيدة! كلما أردت صحنا نظيفا نزعت صفحة فحسب ... إلخ». # لم يكن لدى إليزابيث أصدقاء في باريس. فأصدقاء أمها كانوا إما نساء ~~على شاكلتها، أو عزابا كبار السن خائبي السعي يعيشون على دخول ~~صغيرة ويمارسون أنواعا تافهة من أنصاف الفنون مثل الحفر على الخشب ~~أو الرسم على الخزف. فيما عدا ذلك كانت إليزابيث لا ترى سوى أجانب فقط، ~~وهي كانت تكره كل الأجانب في مجملهم؛ أو على الأقل كل الرجال الأجانب، ~~بملابسهم الرخيصة المنظر وسلوكياتهم المقززة على المائدة. وكان لديها ~~عزاء وحيد في هذا الوقت، وهو الذهاب إلى المكتبة الأمريكية في شارع ~~الإليزيه وقراءة الصحف المصورة. وأحيانا في أوقات الفراغ بعد ظهر يوم ~~الأحد كانت تجلس لساعات إلى الطاولة الكبيرة اللامعة، منكبة على صحف ~~«ذا سكيتش» و«تاتير» و«ذا جرافيك» و«ذا سبورتينج أند دراماتيك». # ويا للمباهج التي كانت مصورة فيها! «تجمع للصيد في حديقة ~~شارلتون هول، المقر البديع للورد بورودين في وريكشير»، «معالي السيدة ~~تايك بولبي في الحديقة مع كلبها الألزاسي الرائع، كوبلاي خان، الذي فاز ~~بالجائزة الثانية في مهرجان كرافت للكلاب هذا الصيف»، ms086 «الاستمتاع بحمام ~~شمس في مدينة كان. من اليسار إلى اليمين؛ الآنسة باربرا بيلبريك والسير ~~إدوراد توك والليدي باميلا ويستروب والقبطان «تابي» بيناكير». # يا له من عالم ذهبي غاية في الجمال! حدث مرتين أن أطل على إليزابيث ~~من الصفحة وجه إحدى زميلاتها القدامى في المدرسة. وقد أوجعها حتى ~~الأعماق أن ترى ذلك. هناك كانت زميلاتها القدامى من المدرسة، كلهن مع ~~خيولهن وسياراتهن وأزواجهن في سلاح الفرسان؛ وهي هنا، مقيدة إلى تلك ~~الوظيفة البشعة، وذلك البنسيون البشع، وأمها البشعة! هل من الممكن ألا ~~يكون ثمة مفر؟ هل من الممكن أن يحكم عليها إلى الأبد بهذا الانحطاط ~~الدنيء، بلا رجاء في العودة مطلقا إلى العالم المحترم مرة ~~أخرى؟ # لم يكن عجيبا أن تكن إليزابيث كرها صحيا للفن، ومثال أمها ~~قائم أمام عينيها. بل إن أي مبالغة في الفكر - الذي كانت تسميه ~~«ذكاء» - يميل في عينيها للانتماء لما هو «كريه». كانت تشعر أن الناس ~~الحقيقيين، الناس الوجهاء - الناس الذين يصطادون طيور الطهيوج ~~ويذهبون إلى بلدة أسكوت حيث سباق الخيل ويبحرون في يخوت في ميناء كاوز ~~- ليسوا أذكياء. فهم لا يولعون بهراء تأليف الكتب والعبث بفرش ~~الرسم، وسائر أفكار الثقافة الرفيعة؛ الاشتراكية وما إلى ذلك. كانت ~~«الثقافة الرفيعة» كلمة بغيضة في قاموسها. وحينما اتفق، كما حدث ~~مرة أو مرتين، والتقت بفنان حقيقي على استعداد للعمل دون مقابل ~~طوال حياته، بدلا من أن يبيع نفسه لمصرف أو شركة تأمين، كانت تحتقره ~~أكثر مما احتقرت الهواة الذين في دائرة أمها. كان تخلي الرجل ~~عامدا عن كل ما هو طيب ومحترم والتضحية بذاته من أجل عبث لا يؤدي ~~إلى شيء شرا مخزيا ومهينا. ورغم أنها كانت ترهب العنوسة فقد كانت ~~تفضل أن تعيش عانسا ألف عمر على أن تتزوج رجلا من هذا ~~النوع. # بعد أن قضت إليزابيث نحو عامين في باريس ماتت أمها فجأة بتسمم ~~الطعام. العجيب أنها لم تمت به أسرع من ذلك. هكذا تركت إليزابيث لا ~~تملك من حطام الدنيا ما يكمل مائة جنيه. وفي الحال ms087 أرسل عمها وزوجته ~~برقية من بورما طالبين أن تأتي وتقيم معهما، قائلين إنهما سيتبعان ~~البرقية بخطاب. # وجعلت السيدة لاكرستين تتفكر في الخطاب لبعض الوقت، واضعة القلم ~~بين شفتيها، مطلة على الصفحة بوجهها الرقيق المثلث مثل حية في حالة ~~تأمل. ~~«أعتقد أننا لا بد أن نستقبلها لدينا لمدة عام على أي حال. يا ~~للضجر! مهما يكن من أمر، الفتيات هنا يتزوجن خلال عام إذا كان لديهن ~~أي مسحة من جمال. ماذا أقول للفتاة يا توم؟» ~~«تقولين؟ فلتقولي إنها هنا ستلتقط زوجا سريعا عن الوطن. شيء من هذا ~~القبيل.» ~~«عزيزي توم! أي كلام غير معقول هذا الذي تنطق به!» # ثم كتبت السيدة لاكرستين قائلة: # صحيح أن هذه القاعدة صغيرة جدا وأننا نقضي وقتا طويلا في ~~الغابة، وأخشى أنك ستجدين الوضع مضجرا للغاية بعد مباهج ~~باريس. لكن حقا هذه القواعد الصغيرة تنطوي إلى حد ما على ~~مزايا للشابة الصغيرة. فهي تجد نفسها ملكة في المجتمع ~~المحلي. إذ إن الرجال غير المتزوجين يشعرون بوحدة شديدة، ~~حتى إنهم يقدرون صحبة الفتيات على نحو رائع للغاية ... ~~إلخ. # أنفقت إليزابيث ثلاثين جنيها على الفساتين الصيفية وأبحرت في الحال. ~~عبرت السفينة البحر المتوسط، تتقافز أمامها خنازير البحر معلنة عن ~~قدومها، وهبطت القناة ونفذت منها إلى بحر ذي زرقة بينة مثل المينا، ثم ~~خرجت منه لتتوغل في الرحاب الخضراء للمحيط الهندي، حيث راحت أسراب ~~السمك الطيار تمرق رعبا من بدن السفينة المقترب. في الليل كانت المياه ~~تشع نورا حتى إن المياه كانت تتدفق حول مقدمة السفينة مثل انطلاق ~~رأس سهم مشتعل بنار خضراء. «أحبت» إليزابيث الحياة على متن السفينة. ~~فقد أحبت الرقص على السطح ليلا، والكوكتيلات التي بدا كل رجل على ~~السفينة متلهفا ليبتاعها لها، وألعاب سطح السفينة وإن كانت تسأم منها ~~في نفس الوقت تقريبا الذي يسأم فيه أفراد مجموعة الشباب. لم تكن وفاة ~~أمها التي مر عليها شهران فقط بشيء ذي بال لها. فهي لم تأبه لأمها ~~كثيرا قط ، كما أن الناس هناك لم يكونوا يعلمون شيئا ms088 عن أمورها. كان ~~جميلا جدا بعد ذينك العامين القاسيين أن تتنفس هواء الثروة ~~مرة أخرى. لا يعني هذا أن أغلب الناس هنا كانوا أثرياء؛ لكن على متن ~~السفينة يتصرف كل شخص كما لو كان ثريا. وأيقنت هي أنها سوف تحب ~~الهند. إذ كانت قد كونت صورة مميزة من أحاديث الركاب الآخرين؛ بل ~~وتعلمت العبارات الهندوستانية الضرورية، مثل «إدهيرو أو» (تعال هنا) ~~و«جالدي» (أسرع) و«صاحبلوج» (السادة الأوروبيون) ... إلخ. وفي لهفة تذوقت ~~الأجواء المحببة للنوادي، بمراوحها وهي تخفق وصبية حفاة بعمامات ~~بيضاء يؤدون التحية في تبجيل؛ والميادين حيث رجال إنجليز ببشرة ~~مسمرة وشوارب صغيرة شذبت بعناية، يعدون على خيولهم جيئة وذهابا ~~ويسددون الضربات لكرات البولو. كادت الحياة التي يعيشها الناس في الهند ~~أن تكون في جمال أن يكون المرء ثريا حقا. # أبحروا إلى كولومبو في مياه خضراء شفافة كالزجاج، حيث طفت ~~السلاحف والثعابين السوداء مستدفئة. وجاء أسطول من الزوارق تتسابق ~~لملاقاة السفينة، يدفعها رجال في سواد الفحم بشفاه صبغتها عصارة ~~التانبول بحمرة أشد من الدم، وقد راحوا يتصايحون ويتصارعون حول معبر ~~السفينة أثناء نزول الركاب. وأثناء نزول إليزابيث وأصدقائها جعل اثنان ~~من أصحاب الزوارق يستجدونهم بهتافهم، وقد احتكت مقدمتا زورقيهما ~~بمعبر السفينة. ~~«لا تذهبي معه يا آنسة! ليس معه! إنه رجل سيئ شرير، غير جدير ~~باصطحابك يا آنسة.» ~~«لا تستمعي لكذبه يا آنسة! إنه شخص حقير بغيض! إنه يخادع بحيل ~~وضيعة بغيضة. حيل أهل البلد البغيضة!» ~~«ها ها! وهو نفسه ليس من أهل البلد! لا! إنه رجل أوروبي، وبشرته ~~بيضاء تماما يا آنسة! ها ها!» # قال زوج صديقة إليزابيث، الذي كان مزارعا: «توقفا عن الصخب وإلا ~~ركلت أحدكما.» وركبوا أحد الزورقين الذي حملهم تجاه أرصفة الميناء ~~التي أضاءتها الشمس. وقد استدار صاحب الزورق الفائز ونفث على غريمه ~~ملء فمه بصاقا لا بد أنه ظل يدخره وقتا طويلا جدا. # كان هذا هو الشرق. حمل الهواء الساخن المضطرب روائح زيت جوز الهند ~~والصندل، والقرفة والكركم عابرا المياه. خرج أصدقاء إليزابيث بها إلى ~~ضاحية ماونت ms089 لافينيا، حيث تحمموا بمياه البحر الفاترة التي علاها ~~زبد مثل الكوكا كولا. وعادت إلى السفينة في المساء، ثم وصلوا إلى ~~رانجون بعد ذلك بأسبوع. # في شمال ماندالاي كان القطار الذي تغذى بالحطب، يسير رويدا بسرعة ~~اثني عشر ميلا في الساعة عبر سهل شاسع جاف، تحد أطرافه النائية دوائر ~~زرقاء من التلال. وقد وقفت طيور البلشون البيضاء من دون حراك مثل طيور ~~مالك الحزين، ولمعت أكوام من الفلفل الجاف بلون قرمزي تحت أشعة الشمس. ~~من حين لآخر كان يبرز في السهل معبد أبيض كأنه صدر واحدة من العمالقة ~~مستلقية على الأرض. هبط الليل المداري المبكر، ومضى القطار مرتجا، ~~على مهل، متوقفا في محطات صغيرة حيث ترددت صيحات همجية في الظلام. ~~إذ كان هناك رجال نصف عراة عاقدين شعورهم الطويلة وراء رءوسهم، ~~يتحركون جيئة وذهابا، وقد بدوا في بشاعة الشياطين في عيني ~~إليزابيث. توغل القطار في الغابة، ولامست الفروع غير المرئية ~~النوافذ. كانت الساعة التاسعة تقريبا حين وصلوا كياوكتادا؛ حيث كان عم ~~إليزابيث وزوجته منتظرين مع سيارة السيد ماكجريجور، وبعض الخدم الذين ~~حملوا مشاعل. تقدمت زوجة العم وأخذت بمنكبي إليزابيث بين يديها ~~الرقيقتين الشبيهتين بالسحالي. # قالت: «أعتقد أنك إليزابيث، ابنة أخينا؟ إننا في غاية السعادة ~~لرؤيتك»، ثم قبلتها. # حدق السيد لاكرستين من فوق منكب زوجته في ضوء المشعل، ثم أطلق نصف ~~تصفيرة، وهتف: «يا للهول!» ثم ضم إليزابيث وقبلها، بدفء أكثر مما كان ~~ينبغي عليه، كما اعتقدت. فهي لم تر أيا منهما من قبل قط. # بعد العشاء، راحت إليزابيث وزوجة عمها تتحدثان تحت المروحة في ~~حجرة الاستقبال. أما السيد لاكرستين فكان يتمشى في الحديقة، بذريعة ~~أنه يشم عبير زهور الياسمين الهندي، لكنه في الحقيقة كان يتناول ~~شرابا خلسة هربه إليه أحد الخدم من مؤخرة المنزل. ~~«كم أنت جميلة حقا يا عزيزتي! دعيني أنظر إليك مرة أخرى.» ثم ~~أمسكت بمنكبيها وقالت: «أعتقد حقا أن الشعر القصير يناسبك. هل ~~قصصته في باريس؟» ~~«أجل. فالجميع هناك يقصرون شعرهم. إنه يناسب من كان رأسها صغيرا ~~بعض ms090 الشيء.» ~~«جميل! وتلك النظارة المزخرفة المصنوعة من صدفة السلحفاة، يا لها من ~~موضة جذابة! لقد سمعت أن كل ال... آه ... النساء في أمريكا الجنوبية بدأن ~~يرتدينها. لم أكن أعلم أن لدي قريبة بهذا الجمال الصارخ. قلت لي كم ~~عمرك يا عزيزتي؟» ~~«اثنان وعشرون.» ~~«اثنان وعشرون! كم سيسر الرجال جميعا حين نصطحبك إلى النادي غدا! ~~فيا لهم من مساكين، يشعرون بوحدة شديدة لعدم رؤيتهم أي وجه جديد ~~مطلقا. وهل مكثت عامين كاملين في باريس؟ لا أتخيل ما الذي يمكن أن ~~يكون دها الرجال هناك ليتركوك تغادرين من دون زواج.» ~~«أخشى أنني لم أكن ألتقي بالعديد من الرجال يا عمتي. أجانب فقط. فقد ~~كان علينا أن نعيش حياة هادئة جدا.» ثم أردفت قائلة: «كما أنني كنت ~~أعمل» وقد راودها شعور بأنه اعتراف مخز بعض الشيء. # تنهدت السيدة لاكرستين قائلة: «بالطبع، بالطبع. نسمع بهذا الأمر من ~~هنا وهناك. فتيات جميلات يضطررن للعمل من أجل كسب الرزق. يا له من شيء ~~مؤسف! أعتقد أنها أنانية فظيعة أن يظل هؤلاء الرجال بلا زواج بينما ~~هناك الكثير جدا من الفتيات المسكينات اللواتي يبحثن عن أزواج، أليس ~~كذلك؟» لما لم تجب إليزابيث على هذا السؤال، أضافت السيدة لاكرستين ~~بتنهيدة أخرى: «من المؤكد أنني لو كنت شابة صغيرة كنت سأتزوج أي أحد، ~~أي أحد حرفيا!» # التقت عينا السيدتين. كان لدى السيدة لاكرستين الكثير الذي أرادت ~~قوله، لكنها لم يكن لديها نية أن تزيد عن التلميح له بمواربة. وقد جرى ~~جزء كبير من حديثها بالتلميحات؛ بيد أنها تدبرت عامة أن تجعل مقصدها ~~واضحا بدرجة معقولة. إذ قالت بنبرة محايدة رقيقة كأنها تناقش أحد ~~الموضوعات العامة: ~~«لا بد أن أقر بالطبع أن إخفاق الفتيات في الاقتران بزوج يكون في بعض ~~الحالات خطأ منهن. وهذا يحدث أحيانا حتى هنا. تحضرني إحدى تلك ~~الحالات التي وقعت منذ فترة قصيرة؛ إذ حضرت فتاة إلى هنا وأقامت مع ~~شقيقها عاما بأكمله، وقد جاءتها عروض من كل أصناف الرجال؛ شرطيون ~~ومسئولو غابات ورجال يعملون في ms091 شركات أخشاب ينتظرهم مستقبل طيب جدا. ~~وقد رفضتهم جميعا؛ إذ أرادت أن تتزوج زواجا مختلط الأعراق حسبما ~~سمعت. حسنا، وماذا كانت النتيجة؟ بالطبع لم يستطع أخوها أن يحتفظ بها ~~إلى الأبد. سمعت أنها الآن في الوطن، تعمل المسكينة وصيفة، بالأصح ~~خادمة، وتحصل على خمسة عشر شلنا فقط في الأسبوع! أليس هذا أمرا ~~مروعا؟» # قالت إليزابيث مرددة: «مروع!» # لم تنبس كلمة أخرى في هذا الموضوع. في الصباح، بعد أن عادت من منزل ~~فلوري، جعلت إليزابيث تصف لعمها وزوجته مغامرتها. كانوا جالسين لتناول ~~الإفطار، إلى المائدة المحملة بالزهور، فيما راحت المروحة تخفق فوقهم، ~~وقد وقف الخادم المسلم الطويل القامة مثل طائر اللقلق في بزته ~~البيضاء وعمته، وراء مقعد السيدة لاكرستين حاملا صينية في ~~يده. ~~«صحيح يا عمتي، كان ثمة شيء مثير للفضول! فقد دخلت فتاة بورمية ~~الشرفة، وأنا لم أكن قد رأيت واحدة قط، أو بالأحرى لم أكن أعرف أنهن ~~فتيات. يا لها من شيء صغير عجيب! كانت تقريبا أشبه بدمية بوجهها ~~الأصفر المستدير وشعرها الأسود الملفوف فوق رأسها. بدت في السابعة عشرة ~~من عمرها تقريبا. وقد قال السيد فلوري إنها الغسالة.» # تسمر رئيس الخدم، الذي كان يتحدث اللغة الإنجليزية جيدا، ببدنه ~~الطويل، وحدق في الفتاة بمقلتي عينيه البيضاوين في وجهه الأسود. وتوقف ~~السيد لاكرستين بشوكة مليئة بالسمك في منتصف الطريق بين صحنه وفمه ~~الغليظ المفتوح. # وقال: «غسالة؟ غسالة! اللعنة، أعتقد أن ثمة خطأ! فليس هناك غسالات ~~في هذا البلد. فالرجال يقومون بكل أعمال الغسيل. إذا أردت رأيي ...» ثم ~~توقف على نحو مفاجئ جدا، كأن أحدا قد وطئ إصبع قدمه أسفل ~~المائدة. # | الفصل الثامن # في ذلك المساء طلب فلوري من كو سلا استدعاء الحلاق؛ كان الحلاق ~~الوحيد في البلدة وكان هنديا ويكسب رزقه من الحلاقة للعمال الهنود ~~حلاقة جافة يوما بعد يوم مقابل ثماني آنات في الشهر. وكان ~~الأوروبيون يترددون عليه لعدم وجود أي حلاق آخر. ظل الحلاق منتظرا ~~في الشرفة حتى عاد فلوري من التنس، فعقم المقص بالمياه المغلية ~~ومطهر كونديز ms092 فلويد ثم قص شعره. # قال فلوري لكو سلا: «ضع أفضل بذلاتي الخفيفة وقميصا حريريا ~~وحذائي المصنوع من جلد السامبار. وكذلك ربطة العنق الجديدة التي وصلت ~~من رانجون الأسبوع الماضي.» # قال كو سلا قاصدا أنه سوف يفعل ذلك: «لقد فعلت ذلك يا سيدي.» حين ~~دخل فلوري المخدع وجد كو سلا منتظرا بجانب الملابس التي بسطها، ~~باديا عليه تجهم طفيف. اتضح في الحال أن كو سلا على علم بسبب تأنق ~~فلوري (ألا وهو الأمل في لقاء إليزابيث) وأنه كان يستنكره. # سأله فلوري: «ماذا تنتظر؟» ~~«لأساعدك في ارتداء ملابسك.» ~~«سأرتدي ملابسي بنفسي هذا المساء. يمكنك الذهاب.» # كان سيحلق - للمرة الثانية ذلك اليوم - ولم يرد أن يراه كو سلا وهو ~~يأخذ أدوات الحلاقة للحمام. فقد مرت عدة سنوات منذ حلق مرتين في نفس ~~اليوم. وقد قال في نفسه يا له من حظ سعيد الذي جعله يرسل في طلب ربطة ~~العنق الجديدة تلك الأسبوع الماضي. ارتدى فلوري ملابسه بعناية شديدة، ~~وأمضى نحو ربع ساعة في تصفيف شعره، الذي ظل واقفا يأبى أن ينام بعد ~~قصه. # في الدقيقة التالية تقريبا، كما بدا الأمر، كان يسير مع إليزابيث في ~~طريق البازار؛ إذ كان قد وجدها بمفردها في «مكتبة» النادي، فواتته ~~شجاعة مباغتة وسألها أن تخرج معه؛ وقد ذهبت معه بيسر فاجأه؛ دون ~~حتى أن تتوقف لتقول أي شيء لعمها وزوجته. لكنه كان قد عاش في ~~بورما زمنا طويلا جدا حتى إنه نسي العادات الإنجليزية. كان الظلام ~~حالكا تحت أشجار التين المجوسي القائمة على طريق البازار، وقد أخفت ~~أوراقها القمر الذي كان في أحد أطواره، لكن تألقت النجوم بيضاء ودانية ~~هنا وهناك، كأنها مصابيح تدلت بخيوط غير مرئية. وتدفقت موجات ~~متتالية من الروائح، في البداية رائحة الياسمين الهندي الحلوة لدرجة ~~مزعجة، ثم زخمة باردة صادرة عن روث أو تحلل آتية من الأكواخ ~~المقابلة لبيت الدكتور فيراسوامي. وتصاعد قرع طبول من على بعد مسافة ~~قصيرة. # حين سمع فلوري الطبول تذكر أنهم يقيمون مهرجان بوي على مسافة غير ~~بعيدة على ms093 الطريق، أمام منزل يو بو كين؛ في الواقع كان يو بو كين هو ~~الذي أعد العدة للمهرجان، وإن كان شخص آخر هو الذي تكفل ~~بنفقاته. هنا خطر لفلوري فكرة جريئة، أن يصطحب إليزابيث إلى المهرجان! ~~فسوف تحبه، لا بد أن تحبه؛ فلا يمكن لشخص له عينان أن يقاوم رقص ~~مهرجان بوي. قد تقع فضيحة حين يعودان إلى النادي معا بعد غياب طويل؛ ~~لكن تبا! ما أهمية ذلك؟ فهي مختلفة عن ذلك القطيع من الحمقى الذين ~~في النادي. وسيكون الذهاب معا إلى المهرجان ممتعا للغاية! في هذه ~~اللحظة انفجرت الموسيقى في جلبة مخيفة؛ صرير حاد من المزامير، وجلجلة ~~مثل جلجلة الصناجات، وقرع خشن على الطبول، علا فوقها صوت رجل كان ~~يزعق بحدة. # توقفت إليزابيث وقالت: «ما هذه الضجة؟ يبدو مثل صوت فرقة ~~جاز!» ~~«إنها الموسيقى المحلية؛ فإنهم يقيمون مهرجان بوي، إنها مسرحية ~~بورمية نوعا ما؛ مزيج ما بين مسرحية تاريخية وإسكتشات رقص وغناء، إذا ~~استطعت تخيل ذلك. أعتقد أنك ستجدينها مسلية. إنها عند منعطف الطريق ~~بالضبط.» # قالت بشيء من الشك: «أوه.» # دارا مع المنعطف فوصلا إلى وهج من الضوء. كان الطريق طيلة ثلاثين ~~ياردة يسده جمهور يشاهدون المهرجان. كان في الخلفية مسرح مرتفع ~~أسفل مصابيح كيروسين لها أزيز، وأمامه الفرقة الموسيقية وقد علا صوتها ~~صياحا وقرعا؛ على المسرح كان رجلان بملابس ذكرت إليزابيث بالمعابد ~~الصينية يؤديان حركات تمثيلية بسيوف ~~معقوفة في أياديهما. على طول طريق السير كان بحر من ظهور نساء تسربلن ~~بموسلين أبيض، بشالات وردية مرسلة حول مناكبهن وشعور سوداء ملفوفة في ~~كعكات. وتمدد القليلون على حصائرهم، وراحوا في سبات عميق. وجعل صيني ~~عجوز بصينية فول سوداني يسلك طريقه وسط الحشد، وهو يترنم حزينا: ~~«مايابي! مايابي!» [فول سوداني باللغة البورمية]. # قال فلوري: «سنتوقف ونشاهد لبضع دقائق إذا أردت.» # كاد وهج المصابيح والضجيج المروع للفرقة الموسيقية أن يصيب إليزابيث ~~بذهول، لكن أكثر ما جعلها تجفل كان منظر هذا الحشد من الناس وهم جالسون ~~على قارعة الطريق كما لو كانت صالة مسرح. ms094 # قالت إليزابيث: «هل دائما ما يؤدون مسرحياتهم في وسط ~~الطريق؟» ~~«دائما؛ فهم يقيمون شيئا شبيها بخشبة مسرح ويفككونها في الصباح. ~~ويستمر العرض طوال الليل.» ~~«لكن هل يسمح لهم بأن يسدوا الطريق كله؟» ~~«أجل. لا يوجد هنا أنظمة مرور. إذ لا يوجد مرور لينظم.» # بدا لها الأمر شاذا جدا عن الطبيعي. في هذا الوقت كان كل الجمهور ~~تقريبا قد استداروا على حصائرهم ليبحلقوا في السيدة الإنجليزية. كان ~~يوجد في منتصف الحشد بضعة مقاعد، جلس عليها بعض الكتبة والمسئولين. كان ~~بينهم يو بو كين، الذي بذل جهدا ليستدير بجسده الشبيه بجسد الفيل ~~ويحيي الأوروبيين. حين توقفت الموسيقى جاء با تايك المجدور مسرعا ~~وسط الحشد وهبط إلى الأرض محييا فلوري، بأسلوبه الوجل. # وقال: «سيدي المعظم، يو بو كين، يسألك إذا ما كنت تود أن تأتي أنت ~~والسيدة الشابة البيضاء وتشاهدا عرضنا بضع دقائق. فلديه مقاعد جاهزة ~~لكما.» # قال فلوري لإليزابيث: «إنهما يسألاننا الذهاب والجلوس. هل تودين ذلك؟ ~~العرض ممتع إلى حد ما. سينصرف هذان الرجلان عما قليل وستقدم بعض ~~الرقصات. هلا لبثنا بضع دقائق إذا كنت لا تجدين الأمر مملا؟» # ساور إليزابيث شك كبير. فعلى نحو ما لم يبد من الصحيح ولا حتى ~~الآمن أن تخوض بين ذلك الحشد الكريه الرائحة من أهل البلد. إلا أنها ~~كانت تثق في فلوري، الذي كان من المفترض أنه على علم بما يصح، وسمحت ~~له بأن يتقدمها إلى المقاعد. أفسح البورميون الطريق على حصائرهم، وهم ~~يحدقون إليها ويثرثرون؛ احتكت قصبتا ~~ساقيها بأجساد دافئة متلفعة ~~بالموسلين، وفاحت زهمة عرق همجية. مال يو بو كين ناحيتها، منحنيا ~~بقدر ما استطاع وقال بصوت به غنة: ~~«تفضلي بالجلوس يا سيدتي! يشرفني أيما شرف التعرف عليك. مساء الخير. ~~صباح الخير يا سيدي، السيد فلوري! يا لها من مفاجأة سارة. لو كنا نعلم ~~أننا سنتشرف بصحبتك لكنا وفرنا الويسكي وسائر المرطبات الأوروبية. ~~ها ها!» # ضحك فالتمعت في ضوء المصابيح أسنانه التي حمرها نبات التانبول مثل ~~ورق قصدير أحمر. كان في غاية الجسامة وفي ms095 غاية البشاعة حتى إن إليزابيث ~~لم تملك ألا تنكمش منه. في نفس الوقت كان شابا نحيفا يرتدي إزارا ~~أرجوانيا ينحني أمامها مادا صينية عليها قدحا شربات أصفر، مثلج. ~~صفق يو بو كين كفيه بعنف ونادى على صبي بجواره قائلا: «يا أيها ~~الصبي!» أعطاه بعض التعليمات باللغة البورمية، فشق الصبي طريقه إلى ~~حافة المسرح. # قال فلوري: «إنه يطلب منهم أن يأتوا بأفضل راقصة لديهم على شرفنا. ~~انظري، ها قد أتت.» # تقدم إلى ضوء المصابيح فتاة كانت جالسة القرفصاء تدخن في مؤخرة ~~خشبة المسرح. كانت صغيرة السن جدا، نحيلة المنكبين، غائرة الصدر، ~~ترتدي إزارا أزرق فاتحا من الساتان أخفى قدميها. كانت حواشي بلوزتها ~~مقوسة للخارج في أطواق صغيرة فوق ردفيها، على غرار الموضة البورمية ~~القديمة، فبدت مثل بتلات زهرة متجهة إلى أسفل. ألقت الراقصة ~~بالسيجار بفتور إلى أحد الرجال في الفرقة الموسيقية، ثم بسطت إحدى ~~ذراعيها النحيلتين ولوتها كأنها تريد إرخاء عضلاتها. # انطلقت الفرقة الموسيقية في ضجيج عال مفاجئ. كان هناك مزامير مثل ~~آلة مزامير القربة، وآلة غريبة مكونة من ألواح من البامبو، راح رجل ~~يضربها بمطرقة صغيرة، وفي الوسط كان رجل أحاطت به اثنتا عشرة طبلة ~~طويلة مختلفة الأحجام. وكان ينتقل من واحدة إلى أخرى سريعا، ببطن يده. ~~وخلال لحظة بدأت الفتاة ترقص. لكنه لم يكن رقصا في البداية، وإنما كان ~~حركات متناغمة من هز الرأس، واتخاذ وضعيات ولوي المرفقين، شبيهة ~~بانثناءات واحدة من تلك الدمى الخشبية فوق إحدى الأرجوحات الدوارة ~~القديمة. كان عنقها ومرفقاها في دروانها تماما مثل دمية، لكنها ~~أفعوانية إلى حد مدهش. كانت يداها، اللتان تلوتا مضمومتي ~~الأصابع مثل رأسي حيتين، تستطيعان أن تمتدا للوراء حتى تكادا تصيران ~~محاذيتين لساعديها. ثم تسارعت حركاتها تدريجيا، وراحت تقفز من ناحية ~~إلى أخرى، وهي تهبط بجسمها فيما يشبه الانحناء للتحية وتنهض مرة أخرى ~~برشاقة غير عادية، رغم الإزار الطويل الذي حبس قدميها. ثم رقصت في ~~وضعية غريبة كأنها جالسة، وقد ثنت ركبتيها ومالت بجسدها إلى الأمام ~~ومدت ذراعيها تلويهما، ورأسها أيضا ms096 يتحرك على إيقاع الطبول. تسارعت ~~وتيرة الموسيقى حتى بلغت الذروة، فقامت الفتاة منتصبة وراحت تدور ~~سريعا مثل البلبل الدوار، وطوق بلوزتها يرفرف حولها مثل بتلات زهرة ~~اللبن الثلجية. ثم توقفت الموسيقى بغتة كما بدأت، وهبطت الفتاة مرة ~~أخرى منحنية تحية، وسط صياح هادر من الجمهور. # شاهدت إليزابيث الرقصة بمزيج من الذهول والملل وشيء يشارف الرعب. ~~كانت قد احتست شرابها ووجدت مذاقه مثل زيت الشعر، فيما راح في سبات ~~عميق على حصيرة قريبة من قدميها ثلاث فتيات بورميات واضعات رءوسهن على ~~الوسادة ذاتها، وقد بدت وجوههن البيضاوية الصغيرة المتراصة مثل وجوه ~~هريرات. في ظل الموسيقى كان فلوري يتحدث بصوت خفيض في أذن إليزابيث ~~معلقا على الرقصة. ~~«عرفت أن هذا سيثير اهتمامك؛ لذلك أحضرتك إلى هنا. فقد قرأت ~~كتبا وذهبت إلى أماكن ذات حضارة، ولست مثل بقيتنا نحن الهمج البؤساء ~~هنا. ألا تعتقدين أن هذا يستحق المشاهدة، بأسلوبه الغريب؟ فلتنظري فحسب ~~إلى حركات تلك الفتاة، انظري إليها في ذلك الوضع الراكع الغريب كأنها ~~دمية ماريونيت، والطريقة التي تتلوى بها ذراعاها من المرفقين كأنها ~~كوبرا ترتفع لتنقض. إنه شيء غريب، بل إنه قبيح، نوع من القبح ~~المتعمد. كما يشوبه شيء شرير أيضا. فكل المغوليين بهم مس شيطاني، ~~لكن حين تمعنين النظر، فأي فن، وأي قرون من الثقافة تجدينها ~~خلفه! كل حركة تؤديها تلك الفتاة جرت دراستها وتناقلها على مر أجيال ~~لا تحصى. متى أمعنت النظر في فنون هذه الشعوب الشرقية، رأيت ذلك؛ ~~حضارة تعود إلى الماضي السحيق، تقريبا في نفس الزمان الذي كنا نكتسي ~~فيه بدهان أجسادنا بصبغة نبات الوسمة. بطريقة لا أستطيع وصفها لك، ~~تتلخص حياة بورما بأكملها وروحها في الطريقة التي تلوي بها تلك ~~الفتاة ذراعيها. وأنت تشاهدينها تستطيعين أن تري حقول الأرز، والقرى ~~الواقعة أسفل أشجار الساج، والمعابد، والقساوسة في أرديتهم الصفراء، ~~والجاموس وهي تسبح في الأنهار في الصباح الباكر، وقصر ثيبو ...» # توقف صوته فجأة مع توقف الموسيقى. كان ثمة أمور معينة، منها رقصة ~~البوي، حثته على الحديث باستطراد وبلا ms097 حذر؛ لكنه أدرك الآن أنه إنما ~~كان يتحدث مثل شخصية في رواية، بيد أنها ليست برواية جيدة، فأشاح ببصره ~~بعيدا. كانت إليزابيث قد أصغت له بفتور لشعورها بالضيق. كان أول ما ~~طرأ على بالها التساؤل: ما الذي كان هذا الرجل يتحدث عنه؟ كما أنها ~~التقطت كلمة فن التي تبغضها أكثر من مرة. ولأول مرة تذكرت أن فلوري ~~غريب عنها تماما وأنه لم يكن من الحكمة أن تخرج معه بمفردها. نظرت ~~حولها إلى بحر الوجوه داكنة البشرة والوهج الصارخ للمصابيح؛ كادت ~~غرابة المشهد أن توقع فيها الرعب. ما الذي كانت تفعله في هذا المكان؟ ~~من المؤكد أنه لم يكن من الصواب أن تجلس بين الناس السود هكذا، تكاد ~~تلامسهم، تغمرها رائحة ثومهم وعرقهم. لماذا لم تعد أدراجها إلى النادي ~~لتكون مع سائر الناس البيض؟ لماذا أتى بها إلى هنا، وسط هذا الحشد من ~~السكان الأصليين، لتشاهد هذا العرض البشع والهمجي؟ # انطلقت الموسيقى، وبدأت فتاة المهرجان ترقص مرة أخرى. كان وجهها ~~مغطى بطبقة كثيفة من البودرة حتى إنه لاح في ضوء المصابيح كأنه قناع ~~من الطبشور خلفه عينان حيتان. كانت مسخا بذلك الوجه البيضاوي الأبيض ~~كبشرة الموتى وتلك الحركات المتيبسة كالخشب، كأنها شيطان. غيرت ~~الموسيقى سرعة إيقاعها، وشرعت الفتاة تغني بصوت عال مزعج. كانت ~~أغنية ذات إيقاع سريع، مرح لكن شديد. واشترك الحشد في الغناء، فراح ~~مائة صوت يردد المقاطع المزعجة في انسجام. وظلت الفتاة وهي في وضع ~~الانحناء الغريب تدور وترقص وقد برز ردفاها تجاه الجمهور، بينما لمع ~~إزارها الحريري مثل المعدن. وراحت تهز عجيزتها ذات اليمين وذات اليسار ~~وما زالت يداها ومرفقاها يدوران. ثم راحت تلوي ردفيها منفصلين على ~~إيقاع الموسيقى، بمهارة مدهشة، بانت جلية من خلال الإزار. # تصاعدت صيحة استحسان من الجمهور. واستيقظت الفتيات الثلاث النائمات ~~على البساط في نفس اللحظة وجعلن يصفقن بحماس. وهتف واحد من الكتبة بصوت ~~أخنف: «أحسنت! أحسنت!» باللغة الإنجليزية من أجل الأوروبيين. لكن ~~يو بو كين عبس ولوح بيده، إذ كان يفهم النساء الأوروبيات ms098 جيدا. إلا ~~أن إليزابيث كانت قد هبت واقفة بالفعل. # وقالت بفظاظة: «سأرحل. حان الوقت لنعود.» رغم أنها كانت قد تولت ~~بوجهها عنه، فقد استطاع فلوري أن يرى أن وجهها كان متوردا. # وقف بجانبها منزعجا وقال: «لكن مهلا! ألا يمكنك البقاء بضع دقائق ~~أخرى؟ أعلم أن الوقت متأخر، لكن ... لقد أدخلوا هذه الفتاة قبل موعدها ~~بساعتين إكراما لنا. لنبق بضع دقائق فقط؟» ~~«لا أستطيع الصبر، كان يجدر بي العودة منذ زمن طويل جدا. لا أعلم ~~ماذا سيجول بخاطر عمي وزوجته.» # بدأت في الحال تلتمس طريقها بحذر وسط الحشود، وذهب هو في إثرها، ~~دون حتى أن يتاح له الوقت ليشكر القائمين على المهرجان على جهدهم. ~~أفسح البورميون الطريق عابسين. كم هو تصرف مألوف من الإنجليز، يقلبون ~~حال كل شيء باستدعاء أفضل راقصة ثم يرحلون قبل أن توشك على البدء! وقد ~~قام شجار مخيف بمجرد ذهاب فلوري وإليزابيث، لرفض فتاة المهرجان ~~مواصلة رقصتها ومطالبة الجمهور أن تستمر. بيد أن السلام عاد حين هرع ~~اثنان من المهرجين إلى خشبة المسرح وشرعا يطلقان الألعاب النارية ~~والنكات البذيئة. # تبع فلوري الفتاة على الطريق خانعا. كانت تسير سريعا، وقد أعرضت ~~عنه، وظلت بعض الوقت دون أن تنطق. يا له من موقف بعد أن كانا في انسجام ~~شديد معا! ظل فلوري يحاول الاعتذار. ~~«إنني في غاية الأسف! لم يدر بخلدي أنه سوف يزعجك ...» ~~«لا بأس. ما الذي يدعو للاعتذار؟ قلت فقط إن الوقت حان للعودة، هذا ~~جل ما في الأمر.» ~~«كان يجب أن أمعن التفكير. لا يلحظ المرء مثل تلك الأشياء في هذا ~~البلد. فحس اللياقة لدى هؤلاء الناس ليس مثلنا؛ إنه أشد نوعا ما، ~~لكن ...» # فهتفت في غضب شديد: «ليس هذا ما في الأمر! ليس هذا ما في ~~الأمر!» # رأى أنه إنما كان يزيد الطين بلة. فسارا في صمت، يتبعها هو. كان ~~بائسا. فكم كان أحمق وأي حماقة! إلا أنه طوال هذا الوقت لم يكن لديه ~~أدنى فكرة عن السبب الحقيقي لغضبها منه. لم يكن تصرف فتاة ms099 المهرجان، في ~~حد ذاته، ما أثار استياءها؛ وإنما ذكرها بأشياء. لكن الرحلة بأسرها - ~~الرغبة في الاحتكاك بكل أولئك الناس الكريهي الرائحة من أهل البلد في ~~حد ذاتها - تركت لديها انطباعا سيئا. كانت على يقين تام أن تلك لم ~~تكن الطريقة التي يجدر أن يتصرف بها الرجال البيض. وتلك الخطبة ~~المتشعبة العجيبة التي كان قد بدأها، بكل تلك الكلمات الطويلة - حتى ~~كادت تظن مستاءة أنه كان يقتبس شعرا - كانت تلك هي الطريقة التي كان ~~يتحدث بها أولئك الفنانون البشعون الذين تلقاهم أحيانا في باريس. ~~كانت تظنه رجلا متمتعا بصفات الرجولة حتى هذا المساء. ثم عادت بها ~~الذاكرة لمغامرة الصباح، وكيف واجه الجاموسة وهو أعزل، فتبخر بعض من ~~غضبها. مع بلوغهما بوابة النادي شعرت بنفسها تنازعها لمسامحته. وكان ~~فلوري في ذاك الوقت قد استجمع شجاعته للتحدث ثانية. فتوقف، وتوقفت هي ~~أيضا، في رقعة تسلل فيها ضوء النجوم من بين فروع الأشجار فاستطاع أن ~~يرى وجهها رؤية غير واضحة. ~~«حسنا. حسنا، أرجو حقا ألا تكوني غاضبة فعلا بشأن هذا ~~الأمر؟» ~~«لا، بالطبع لست كذلك. لقد أخبرتك أنني لست كذلك.» ~~«ما كان يجدر بي أن آخذك هناك. أرجو أن تسامحيني. في الحقيقة، لا ~~أعتقد أنني سوف أخبر الآخرين أين كنت. ربما من الأفضل أن نقول إنك ~~خرجت للتمشية، في الحديقة؛ شيء من هذا القبيل. فقد يعتقدون أنه من ~~الغريب أن تذهب فتاة بيضاء إلى مهرجان. ولا أعتقد أنني ~~سأخبرهم.» # أجابته بود فاجأه: «لن أخبرهم بالطبع!» عرف بعد ذلك أنه قد ~~سومح. لكنه لم يكن قد أدرك بعد ما الذي سومح عليه. # دخلا النادي كل على حدة، في ~~اتفاق ضمني. كانت الرحلة الاستكشافية فاشلة دون شك. أحاطت أجواء ~~احتفالية قاعة الجلوس في النادي تلك الليلة؛ إذ كان المجتمع الأوروبي ~~بأسره في انتظار الترحيب بإليزابيث، واصطف الساقي والغلمان الستة ~~على جانبي الباب، في أفضل بذلاتهم البيضاء المنشاة، مبتسمين يؤدون ~~التحية. بعد أن انتهى الأوروبيون من عبارات الترحيب، تقدم الساقي ~~بعقد ضخم من الزهور كان الخدم قد ms100 أعدوه من أجل «الآنسة الأوروبية». ~~ألقى السيد ماكجريجور خطبة ترحيب فكاهية جدا، قدم فيها كل الأشخاص؛ ~~إذ قدم ماكسويل بصفته «اختصاصي الأشجار المحلي لدينا»، وويستفليد ~~بصفته «حامي القانون والنظام و... آه ... مصدر رعب اللصوص في البلد»، وهكذا ~~دواليك. تعالت الضحكات؛ إذ كانت رؤية وجه فتاة جميلة قد جعلت الجميع في ~~مزاج مرح جدا حتى إنهم استمتعوا بخطبة السيد ماكجريجور، التي قضى ~~أغلب المساء في إعدادها في الواقع. # أول ما سنحت الفرصة، أخذ إليس كلا من فلوري وويستفيلد من ~~ذراعيهما، خلسة، وابتعد بهما إلى حجرة لعب الأوراق. كان في حالة ~~مزاجية أفضل كثيرا عن المعتاد. حتى إنه قرص ذراع فلوري بأصابعه ~~الصغيرة القاسية قرصة مؤلمة لكن بود. ~~«حسنا يا صديقي، كان الكل يبحثون عنك. فأين كنت طوال هذا ~~الوقت؟» ~~«كنت أتمشى فحسب.» ~~«تتمشى! مع من؟» ~~«مع الآنسة لاكرستين.» ~~«كنت أعلم ذلك! إذن أنت الأحمق الذي وقع في الفخ، أليس كذلك؟ لقد ~~ابتلعت الطعم قبل حتى أن يراه أحد آخر. حقا أقسم أنني كنت أظن أنك ~~قد كبرت جدا على ذلك.» ~~«ماذا تقصد؟» ~~«أقصد! انظر إليه وهو يتظاهر بأنه لا يعلم ما أقصد! أقصد أن السيدة ~~لاكرستين قد وجدت فيك صهرها المحبوب بالطبع. هذا ما سيحدث إن لم تتوخ ~~أشد الحذر. صحيح يا ويستفيلد؟» ~~«صحيح تماما يا صديقي. شاب عازب مناسب. قيد الزواج وما إلى ذلك. ~~لقد وضعوك هدفا لهم.» ~~«لا أعلم من أين جئتما بهذا الاعتقاد. فلم تمض أربع وعشرون ساعة على ~~وجود الفتاة هنا.» ~~«لكنها كانت فترة كافية لتصحبها في ممشى الحديقة على أي حال. ~~فلتحترس لخطواتك. قد يكون توم لاكرستين سكيرا لا يفيق، لكنه ليس شديد ~~الحماقة ليريد أن تظل ابنة أخيه معلقة برقبته لبقية حياته. وهي ~~بالتأكيد تعلم من أين تؤكل الكتف. لذا احترس ولا تضع الحبل حول ~~رأسك.» ~~«تبا، لا يحق لك الحديث عن الناس هكذا. على كل حال، الفتاة ليست ~~سوى طفلة ...» ~~«يا عزيزي الغبي ...» أمسك إليس بتلابيب فلوري، بشيء من العطف وقد صار ~~لديه الآن ms101 موضوع جديد لفضيحة، وقال: «يا عزيزي، يا عزيزي الأبله، لا ~~تتسرع في ملء رأسك بهذا اللغو. إنك تظن أن تلك الفتاة بريئة، لكنها ~~ليست كذلك. كل أولئك الفتيات المتغربات على شاكلة واحدة؛ «ارضي بأي ~~رجل لكن لا تضاجعيه قبل الزواج!» هذا هو شعارهن، كلهن بلا ~~استثناء. لماذا جاءت الفتاة إلى هنا في ظنك؟» ~~«لماذا؟ لا أعلم. لأنها أرادت ذلك على ما أعتقد.» ~~«يا لك من أحمق طيب! لقد جاءت لتنقض على زوج بالطبع. كأن ذلك ليس ~~معروفا! حين تفشل مساعي الفتاة في كل الأماكن تجرب حظها في ~~الهند؛ حيث يهفو كل رجل إلى رؤية امرأة بيضاء. هذا ما يسمونه سوق ~~الزواج الهندي. يجدر بهم أن يسموه سوق اللحم. كل عام تأتي حمولات ~~ملء السفن منهن مثل جثث الخراف المجمدة، ليقلب فيها العزاب كبار ~~السن المقرفون أمثالك. تخزين بارد. قطع لحم لينة من الثلج ~~مباشرة.» ~~«إنك تنطق بأشياء شنيعة.» # قال إليس وقد بدا عليه السرور: «أفضل لحوم المراعي الإنجليزية. ~~شحنات طازجة. حالة مضمونة من الجودة.» # وراح يمثل أنه يتفحص قطعة لحم، ويتشممها بصوت كصوت الماعز. ~~كان الاحتمال أن يستمر إليس في هذه النكتة وقتا طويلا؛ فهذا ما ~~يحدث دائما؛ ولم يكن ثمة شيء يمنحه المتعة البالغة مثل أن يلطخ ~~اسم امرأة بالوحل. # لم ير فلوري إليزابيث كثيرا ذلك المساء. كان الكل معا في قاعة ~~الجلوس، وتصاعدت ثرثرة صاخبة حول لا شيء كما جرت العادة في هذه ~~المناسبات. لم يكن فلوري يستطيع مجاراة ذلك النوع من الحديث طويلا. ~~أما إليزابيث، فقد كان في جو التحضر في النادي، بالوجوه البيضاء التي ~~أحاطت بها والشكل المألوف للصحف المصورة وصور الجرو «بونزو»، ما ~~منحها شعورا بالطمأنينة بعد ذلك الفاصل المريب في مهرجان ~~البيو. # حين غادر آل لاكرستين النادي في الساعة التاسعة، كان السيد ماكجريجور ~~لا فلوري هو من سار معهم إلى المنزل، بخطوات متمهلة بجانب إليزابيث ~~كأنه سحلية عملاقة أليفة، بين الظلال المعوجة الباهتة لفروع أشجار ~~البوانسيانا الملكية. وهكذا وجدت حكاية بروم، والعديد غيرها، أذنا ms102 ~~جديدة. كان أي وافد جديد إلى كياوكتادا عرضة لأن يصيبه جزء كبير بعض ~~الشيء من حديث السيد ماكجريجور، إذا كان الآخرون يعتبرونه مملا مللا ~~منقطع النظير، وكان من العادات المتبعة في النادي مقاطعة حكاياته. ~~إلا أن إليزابيث كانت بطبعها تجيد الإنصات. وقد خطر للسيد ماكجريجور ~~أنه قلما التقى بفتاة بذلك الذكاء. # مكث فلوري وقتا أطول قليلا في النادي، يحتسي الشراب مع الآخرين، ~~حيث جرى الكثير من الأحاديث البذيئة عن إليزابيث. وهكذا أجل الخلاف ~~بشأن اختيار الدكتور فيراسوامي مؤقتا. كذلك نزع الإعلان الذي كان ~~إليس قد وضعه في المساء السابق. إذ كان السيد ماكجريجور قد رآه هذا ~~الصباح في زيارته للنادي وأصر على نزعه في الحال بأسلوبه المعتدل. ~~وبهذا صار الإعلان في طي الكتمان؛ لكن ليس قبل أن يحقق ~~هدفه. # | الفصل التاسع # حصل الكثير خلال الأسبوعين التاليين. # كان الخلاف بين يو بو كين والدكتور فيراسوامي على قدم وساق آنذاك. ~~وانقسمت البلدة بأكملها إلى فصيلين؛ حيث انضم كل كائن حي من أهل ~~البلد من القضاة حتى كناسي السوق إلى أحد الجانبين، مستعدين ~~جميعا للحلف كذبا حين يحين موعده. لكن حزب الطبيب كان الأصغر حجما ~~والأقل كفاءة في التشهير بين الحزبين. أما محرر «بورميز باتريوت» ~~فقد حوكم بتهمتي إثارة الفتنة والتشهير، ورفض إطلاق سراحه بكفالة. ~~أثار حبسه القليل من أعمال الشغب في رانجون، قمعتها الشرطة بقتل اثنين ~~فقط من المتظاهرين. وفي الحبس أضرب المحرر عن الطعام، لكنه استسلم بعد ~~ست ساعات. # كانت ثمة أحداث في كياوكتادا أيضا. إذ هرب مجرم يدعى نجا شوي ~~أو من السجن في ظروف غامضة. وسارت إشاعات جمة حول انتفاضة أهلية ~~متوقعة في المنطقة. تركزت الإشاعات - التي كانت مبهمة جدا حتى ~~ذاك الوقت - حول قرية تسمى ثونجوا، لا تبعد عن المعسكر الذي كان ~~يجري فيه ماكسويل عملية تحليق أشجار الساج. جرت أقاويل عن ظهور «ويكسا» ~~أو ساحر فجأة من حيث لا يدري أحد وعن تنبئه بانهيار السلطة ~~الإنجليزية وتوزيعه سترات واقية من الرصاص. لم يأخذ السيد ماكجريجور ~~الإشاعات بجدية ms103 كبيرة، لكنه استدعى قوة إضافية من الشرطة العسكرية. ~~فقيل إن سرية من المشاة الهنود يترأسها ضابط هندي سترسل إلى ~~كياوكتادا قريبا. أما ويستفيلد فقد هرع إلى ثونجوا مع أول بادرة ~~تهديد، أو بالأحرى أمل، لوقوع مشكلة. # قال ويستفيلد لإليس قبل السفر: «رباه، ليتهم يثورون ويتمردون على ~~نحو صحيح مرة واحدة! لكنها سوف تكون عملية فاشلة لعينة كالعادة. ~~هكذا دائما حال حركات التمرد تلك، تتلاشى قبل أن تكاد تبدأ. هل ~~تصدق أنني لم أطلق النار من مسدسي قط على أحد حتى الآن، ولا حتى ~~مجرم. أحد عشر عاما، دون احتساب سنوات الحرب، من دون أن أقتل رجلا ~~واحدا. شيء محبط.» # قال إليس: «حسنا، إذا لم يبلغوا للمستوى المرضي فبوسعك أن ~~تمسك بالزعماء وتوسعهم ضربا بالخيزرانة دون أن يدري أحد. ذلك أفضل ~~من تدليلهم في سجوننا اللعينة الأشبه بدور الرعاية.» ~~«ربما، لكنني لا أستطيع أن أفعل ذلك هذه الأيام، مع كل تلك القوانين ~~المتساهلة. أعتقد أن علي الالتزام بها، ما دمنا كنا حمقى ~~لوضعها.» ~~«سحقا لتلك القوانين. القرع بالخيزرانة هو الشيء الوحيد الذي يحدث ~~تأثيرا على البورميين. هل سبق لك رؤيتهم بعد جلدهم؟ أنا رأيتهم. ~~كانوا في طريق الخروج من السجن على عربات تجرها الثيران، يصرخون، ~~والنساء يدهن أكفالهن بالموز المعجون. هذا شيء يستوعبونه. لو كان ~~الأمر بيدي لكنت ضربتهم بها على أخمص أقدامهم تماما كما يفعل ~~الأتراك.» ~~«حسنا، لنرجو أن يتحلوا مرة بالشجاعة ويبدوا الرغبة في القتال. ~~حينئذ سنستدعي الشرطة العسكرية، بالبنادق وما إلى ذلك. ونطلق النيران ~~على بضع عشرات منهم؛ هذا سيصفي الأجواء.» # بيد أن الفرصة المرجوة لم تأت. حين ذهب ويستفيلد والكونستابلات ~~العشرة الذين أخذهم معه إلى ثونجوا - صبية مرحون بوجوه مستديرة من ~~الجوركا، يتوقون إلى إعمال سكاكينهم الكوركي في أي شخص - وجد المنطقة ~~مسالمة إلى حد محبط. لم يلح شبح لتمرد في أي مكان؛ إنما كانت ~~المحاولة السنوية، المنتظمة مثل الرياح الموسمية في هبوبها، التي كان ~~يقدم عليها سكان القرى لتفادي دفع ضريبة الرءوس. # كان الجو يزداد حرا ms104 أكثر فأكثر، فأصاب إليزابيث أول نوبة طفح جلدي ~~من الحر. كذلك كاد يتوقف لعب التنس في النادي؛ فقد صار الناس يلعبون ~~شوطا واحدا في كسل ثم يسقطون على المقاعد ويتجرعون كميات من عصير ~~الليمون الفاتر؛ فاتر لأن الثلج يأتي من ماندالاي مرتين فقط أسبوعيا ~~ويذوب خلال أربع وعشرين ساعة من وصوله. في هذه الأثناء بلغت شجرة لهب ~~الغابات أوج ازدهارها. وكانت النساء البورميات، لحماية أطفالهن من ~~الشمس، يلطخن وجوههم بمستحضر تجميلي أصفر حتى يصيروا أشبه ~~بالأطباء المشعوذين الأفارقة لكن صغار. وجاءت أسراب من الحمام ~~الأخضر وحمام إمبراطوري كبير في حجم البط، لتأكل حبوب أشجار التين ~~المجوسي الضخمة القائمة على طريق السوق. # في الوقت ذاته كان فلوري قد طرد ما هلا ماي من منزله. # كم هي مهمة مزعجة مقرفة! كان لديه ذريعة كافية - أنها سرقت ~~صندوق سجائره الذهبي ورهنته في منزل لي ييك، البقال والمسترهن ~~المحظور الصيني الذي في السوق - لكنها رغم ذلك كانت مجرد ذريعة. كان ~~فلوري يعلم جيدا، وما هلا ماي تعلم، وكل الخدم يعلمون أنه كان يتخلص ~~منها بسبب إليزابيث. بسبب «السيدة الإنجليزية ذات الشعر المصبوغ»، كما ~~كانت ما هلا ماي تدعوها. # لم تحدث ما هلا ماي جلبة شديدة في البداية. وإنما وقفت تنصت ~~عابسة وهو يحرر لها شيكا بمائة روبية - يستطيع لي ييك أو التاجر ~~الهندي في السوق صرف الشيكات - ويخبرها بأنها مطرودة. كان محرجا أكثر ~~منها؛ فلم يستطع أن ينظر في وجهها، وكان صوته رتيبا وتشي نبراته ~~بشعوره بالذنب. حين جاءت عربة الثيران لتأخذ أغراضها، أغلق على نفسه ~~مخدعه متواريا إلى حين انتهاء الموقف. # صرت عجلات العربة على الطريق، وتصاعد صياح رجال؛ وفجأة تعالت ~~جلبة مذعورة من الصرخات. خرج فلوري فإذا بهم جميعا يتشاجرون عند ~~البوابة في ضوء الشمس. كانت ما هلا ماي متشبثة بالبوابة بينما ~~يحاول كو سلا أن يدفعها للخروج. ولت وجهها مليئا بالغضب واليأس ~~ناحية فلوري وهي تصرخ وتصرخ: «سيدي! سيدي! سيدي! سيدي ! سيدي!» وقد ~~آلمه ألما نافذا أنها ما زالت تناديه «سيدي» ms105 بعد أن صرفها. # قال فلوري: «ما الأمر؟» # اتضح أنه كان ثمة وصلة شعر مستعار ادعت كل من ما هلا ماي وما يي ~~ملكيتها. أعطى فلوري الوصلة لما يي ونفح ما هلا ماي روبيتين لتعويضها. ~~ثم مضت العربة تهتز، وقد جلست عليها ما هلا ماي بجانبها سبتان من ~~الخوص، مستقيمة الظهر ومتجهمة، تداعب على ركبتيها هريرة، كان قد ~~أهداها إياها منذ شهرين فقط. # كو سلا، الذي طالما تمنى التخلص من ما هلا ماي، لم يكن سعيدا الآن ~~وقد تحقق ذلك. بل وكان أقل سعادة وهو يرى سيده ذاهبا إلى الكنيسة - أو ~~«المعبد الإنجليزي» كما كان يسميه - إذ كان فلوري ما زال في ~~كياوكتادا يوم الأحد الذي وصل فيه القس، وذهب إلى الكنيسة مع الآخرين. ~~كان هناك جمع من اثني عشر شخصا، بينهم السيد فرانسيس والسيد صامويل ~~وستة مسيحيين من أهل البلد، والسيدة لاكرستين التي راحت تعزف ترنيمة ~~«ابق معي» على هارمونيوم صغير بدواسة واحدة. كانت تلك المرة الأولى ~~منذ عشر سنوات التي يذهب فيها فلوري إلى الكنيسة، إذا استثنينا ~~الجنازات. كانت أفكار كو سلا حول ما يجري في «المعبد الإنجليزي» مبهمة ~~إلى أقصى حد؛ لكنه كان لديه يقين أن الذهاب إلى الكنيسة دلالة على ~~السلوك المحترم؛ وهي السمة التي كان - شأن كل خدم العزاب - يكرهها من ~~أعمق أعماقه. # هكذا قال كو سلا في يأس للخدم الآخرين: «ستقع مشكلة عما قريب. ظللت ~~أراقبه (يقصد فلوري) طوال الأيام العشرة الماضية. لقد قلل من عدد ~~السجائر التي يدخنها لخمس عشرة واحدة، وأقلع عن شرب الجين قبل ~~الإفطار، ويحلق لنفسه كل مساء - وإن كان يظن أنني لا أعلم، الأحمق! - ~~وقد طلب نصف دزينة قمصان حرير جديدة! كان علي الوقوف على يدي الخياط ~~ونعته بأقذع الألفاظ لحمله على الانتهاء منها في الميعاد. نذر شر! ~~أتوقع له البقاء على هذا الحال ثلاثة أشهر أخرى، بعدها أودع السكينة في ~~هذا المنزل!» # سأله با بي قائلا: «إذن، هل سيقدم على الزواج؟» ~~«إنني على يقين من ذلك. حين يبدأ رجل ms106 أبيض في الذهاب إلى المعبد ~~الإنجليزي، تكون بداية النهاية، إذا جاز القول.» # قال سامي العجوز: «كان لي سادة عديدون في حياتي. كان أسوأهم السيد ~~الكولونيل ويمبول، الذي اعتاد أن يجعل جنديه يشد وثاقي محنيا على ~~المنضدة بينما يأتي هو جريا من ورائي ويركلني بحذائه العالي الرقبة ~~الغليظ جدا لتقديمي فطائر الموز كثيرا. وفي أحيان أخرى، وهو ثمل، ~~كان يطلق النار من مسدسه مخترقا سقف حجرات الخدم، فوق رءوسنا ~~مباشرة. لكنني على أتم استعداد لخدمة السيد الكولونيل ويمبول عشر ~~سنوات على أن أخدم سيدة أوروبية لأسبوع بكل إلحاحها. فإذا تزوج ~~سيدنا سوف أرحل في نفس اليوم.» ~~«أما أنا فلن أرحل، فقد ظللت خادمه خمسة عشر عاما. لكنني أعلم ما ~~ينتظرنا حين تأتي تلك السيدة. ستصيح فينا لوجود ذرات غبار على الأثاث، ~~وتوقظنا لإحضار فناجين الشاي في العصاري حين ننام، وتأتي مقتحمة ~~المطبخ كل ساعة لتتذمر من القدور المتسخة ووجود صراصير في صفيحة ~~الدقيق. لدي اعتقاد أن هؤلاء النساء يبقين مستيقظات ليلا يفكرن ~~في طرق جديدة لتعذيب خدمهن.» # قال سامي: «إنهن يحتفظن بكتاب أحمر صغير يدون فيه مصروفات ~~السوق، آنتان لهذا، وأربع آنات لذاك، فلا يستطيع الرجل أن يكسب بيسة ~~واحدة. إن الضجة التي يثرنها على سعر بصلة أكثر مما قد يثيرها سيد ~~على خمس روبيات.» ~~«آه، إنني أدرى بذلك! سوف تكون أسوأ من ما هلا ماي.» ثم أضاف إضافة ~~شاملة، بشبه تنهيدة: «النساء!» # ورد الآخرون صدى تنهيدته، حتى ما بو وما يي. إذ لم تعتبر أي ~~منهما ملاحظات كو سلا نقدا لجنسهما، فالنساء الإنجليزيات كن ~~يعتبرن جنسا آخر، ربما ليس بشريا حتى، ومريعا جدا حتى إن زواج ~~الرجل الإنجليزي دائما ما يكون إشارة لفرار كل خادم في منزله، حتى من ~~ظلوا معه طيلة سنوات. # | الفصل العاشر # لكن في الواقع كان انزعاج كو سلا سابقا لأوانه. إذ بعد عشرة أيام من ~~التعارف، بالكاد صار فلوري أكثر قربا من إليزابيث، عن أول يوم التقى ~~بها فيه. # فقد شاءت الظروف أن ينفرد بها خلال ms107 هذه الأيام العشرة، لوجود أغلب ~~الأوروبيين في الغابة. فلوري نفسه لم يكن من حقه أن يقبع في المقر؛ ~~إذ كانت أعمال جلب الأخشاب تجري على قدم وساق في هذا الوقت من العام، ~~وفي غيابه انهار كل شيء تحت إمرة المراقب الأوراسي غير الكفء. لكنه كان ~~قد مكث - بحجة إصابته بحمى خفيفة - بينما راحت تأتيه من المشرف خطابات ~~يائسة كل يوم تقريبا، تحكي عن كوارث. إذ مرض أحد الأفيال، وتعطل ~~محرك القطار المستخدم في نقل جذوع الساج إلى النهر، ورحل خمسة عشر ~~فردا من العمال. لكن ظل فلوري باقيا، غير قادر على انتزاع نفسه من ~~كياوكتادا بينما إليزابيث ما زالت هناك، ساعيا باستمرار - من دون ~~فائدة كبيرة حتى الآن - أن يستعيد تلك الصداقة السلسة والممتعة التي ~~كانت في لقائهما الأول. # كانا يلتقيان كل يوم، صباحا ومساء، هذا صحيح. كانا يلعبان مباراة ~~تنس فردية في النادي كل مساء - إذ كانت السيدة لاكرستين في حالة بالغة ~~من الارتخاء وكان السيد لاكرستين معتل المزاج بشدة بما لا يسمح بلعب ~~التنس في هذا الوقت من العام - وكانوا بعد ذلك يجلسون في قاعة الجلوس، ~~الأربعة معا، يلعبون البريدج ويتحدثون. لكن رغم أن فلوري أمضى ساعات ~~في صحبة إليزابيث، وكثيرا ما كانا معا بمفردهما، فهو لم يشعر للحظة ~~بأنه على راحته معها قط. كانا يتحدثان - ما داما يتحدثان في أمور ~~تافهة - بأقصى درجة من الحرية، لكنهما كانا متنائيين مثل اثنين من ~~الغرباء. كان يساوره شعور بالانقباض في وجودها؛ إذ لم يستطع أن ينسى ~~وحمته؛ كان ذقنه يؤلمه من حلاقته مرتين يوميا، وجسده يتعذب من ~~لهفته على الويسكي والتبغ - فقد كان يحاول التقليل من الشرب والتدخين ~~وهو معها. وبعد عشرة أيام، بدا أنهما لم يقتربا أكثر من العلاقة التي ~~أرادها. # إذ إنه بطريقة ما، لم يستطع قط أن يتحدث معها كما كان يتوق أن ~~يتحدث. أن يتحدث، يتحدث فحسب! يبدو الأمر بسيطا جدا، لكن كم هو ~~عظيم! حين تظل حتى يوشك عمرك أن ينتصف تعيش في وحدة مؤلمة، ms108 بين ناس ~~يرون رأيك الحقيقي في كل موضوع على وجه البسيطة تجديفا، تكون الحاجة ~~للحديث هي الأعظم بين كل حاجاتك. بيد أن الحديث الجاد مع إليزابيث بدا ~~شيئا مستحيلا. كانا كمن سحر لهما أن يتمخض كل حديث بينهما عن أمر ~~تافه؛ تسجيلات الجرامافون، الكلاب، مضارب التنس؛ كل تلك الثرثرة التي ~~تجري بها الألسنة في النادي لتخلق فيه شعورا بالوحدة. بدا أنها لا ~~تريد الكلام عن أي شيء سوى ذلك. كان لا يكاد يقترب من موضوع ذي أي ~~أهمية ملموسة حتى يسمع صوتها تغشاه نبرة تهرب، كأنها تقول «لن ألعب». ~~كما صدمه ذوقها في الكتب حين اكتشفه. لكنه ذكر نفسه بأنها صغيرة، ~~وأنها احتست النبيذ الأبيض وتحدثت عن مارسيل بروست تحت أشجار الدلب ~~في باريس، أليس كذلك؟ سوف تفهمه فيما بعد لا شك وتعطيه الصحبة التي ~~يحتاجها. ربما ليس السبب سوى أنه لم يفز بثقتها بعد. # وكان هو بعيدا كل البعد عن الكياسة معها. إذ كان شأنه شأن كل الرجال ~~الذين عاشوا كثيرا بمفردهم، يكيف نفسه مع الأفكار لا مع الناس. ~~ومن ثم، مع أن كل حديثهما كان سطحيا، فقد بدأت تنزعج منه أحيانا؛ ~~ليس مما يقوله وإنما مما كان يوحي به. نشأ بينهما حرج، غير واضح ~~معالمه لكنه كثيرا ما كان يوشك على شجار. حين تجمع الظروف بين شخصين، ~~أحدهما عاش في البلد طويلا والآخر وافد جديد، يتحتم على الأول أن ~~يتصرف بصفته مرشدا سياحيا للثاني. وكانت إليزابيث، خلال هذه ~~الأيام، تتعرف لأول مرة على بورما؛ فكان فلوري بطبيعة الحال من يقوم ~~بدور المترجم لها، ليفسر هذا ويعلق على ذلك. وكانت الأشياء التي ~~يقولها، أو طريقته في قولها، تثير فيها اعتراضا مبهما لكن عميقا. ~~فقد لاحظت أن فلوري، حين يتحدث عن «أهل البلد»، يكاد يتحدث دائما في ~~صالحهم. كان دوما يمدح العادات البورمية والشخصية البورمية؛ بل بلغ ~~به الأمر أيضا أن ينحاز لهم عند مقارنتهم بالإنجليز. كان هذا مما ~~أزعجها . فمهما يكن من أمر، أهل البلد هم أهل البلد؛ مثيرون ms109 ~~للاهتمام، بلا شك، لكنهم في النهاية مجرد شعب «تابع»، شعب وضيع بوجوه ~~سوداء. وقد كان سلوكه وتوجهه مفرطا في التسامح بعض الشيء. كما أنه لم ~~يكن قد أدرك بعد كيف كان يستثير عداءها. إذ أراد بشدة أن تحب بورما، ~~كما أحبها، لا أن تنظر إليها بعينين كليلتين غافلتين شأن أي سيدة ~~أوروبية في الهند! كان قد نسي أن أغلب الناس لا يشعرون بالراحة في بلد ~~أجنبي إلا وهم يزدرون السكان. # كان متحمسا في محاولاته لإثارة اهتمامها بالأشياء الشرقية. فحاول ~~على سبيل المثال تشجيعها على تعلم اللغة البورمية، لكن لم يثمر هذا ~~شيئا. (إذ كانت زوجة عمها قد أوضحت لها أن المبشرات وحدهن ~~يتحدثن البورمية؛ النساء الرقيقات يجدن أقصى غايتهن في مفردات ~~المطبخ الأردية.) نشأت بينهما خلافات صغيرة لا تحصى على غرار ذلك. ~~راحت تدرك على نحو مبهم، أن وجهات نظره لا يجوز أن تكون لدى رجل ~~إنجليزي. وأدركت بوضوح أكثر أنه يطلب منها أن تحب البورميين، بل ~~وأن تحترمهم؛ تحترم ناسا بوجوه سوداء، يكادون يكونون وحوشا، ما زال ~~مظهرهم يبعث فيها القشعريرة. # وقد طرأ الأمر بمائة طريقة. مثل أن يمر بهم زمرة من البورميين ~~على الطريق، فكانت تحدق فيهم، بعينين ما زالتا لم تألفا المنظر ~~بعد، بفضول من ناحية ونفور من ناحية أخرى؛ وكانت عندئذ تقول لفلوري، ~~كما قد تقول لأي شخص: ~~«كم يبدو هؤلاء الناس دميمين إلى درجة مقززة، أليس كذلك؟» ~~«حقا؟ طالما اعتقدت أنهم بالأحرى يتمتعون بمظهر جذاب، هؤلاء ~~البورميون. فلديهم أبدان غاية في الروعة! انظري إلى منكبي ذلك الشخص ~~... كأنه تمثال برونزي! فقط تخيلي المناظر التي قد ترينها في ~~إنجلترا لو أن الناس ساروا نصف عرايا كما يفعلون هنا!» ~~«لكن رءوسهم تبدو بشعة للغاية! جماجمهم ترتفع من الخلف نوعا ما ~~مثل رءوس القطط الذكور. كذلك الطريقة التي تميل بها جباههم للوراء، ~~تجعلهم يبدون أشرارا جدا. أتذكر أنني قرأت في مجلة شيئا عن أشكال ~~الرءوس؛ قيل إن الشخص ذا الجبهة المائلة من النمط المجرم.» ~~«مهلا، في ذلك بعض ms110 التعميم! نحو نصف الناس في العالم لديهم ذلك ~~الشكل من الجبهة.» ~~«حسنا، إذا حسبت الناس الملونين، بالطبع!» # أو قد تمر مجموعة من النساء، ذاهبات إلى البئر؛ فتيات فلاحات، ~~متينات البنيان، نحاسيات البشرة، مستقيمات، انتصبت قاماتهن أسفل ~~جرات الماء وبرزت أكفالهن القوية الشبيهة بأكفال الفرس. كانت النساء ~~البورميات يثرن نفور إليزابيث أكثر من الرجال؛ لشعورها بانتسابها ~~لنفس الجنس، وكراهة أن تنتسب إلى كائنات بوجوه سوداء. ~~«ألسن حقا شديدات البشاعة؟ مظهرهن في غاية الغلظة؛ وكأنهن نوع ~~من الحيوانات. هل تعتقد أنه يمكن لأي شخص أن يجد أولئك النساء ~~جذابات؟» ~~«رجالهن يجدونهن كذلك، على ما أعتقد.» ~~«أعتقد ذلك. لكن ذلك الجلد الأسود ... لا أعلم كيف يستطيع أي شخص ~~تحمله!» ~~«أظن أن المرء يعتاد على الجلد الأسمر مع الوقت. إذ يقال - وأظنه ~~حقيقة - إنه بعد بضع سنوات في هذه البلاد يألف المرء الجلد الأسمر أكثر ~~من الأبيض؛ فهو المألوف أكثر على كل حال. إذا نظرت للعالم ككل، وجدت ~~الأبيض حالة شاذة.» ~~«لديك حقا بعض الأفكار الغريبة!» # وهكذا دواليك. ظلت تستشعر طوال الوقت شيئا غير مرض ولا سليم في ~~الأشياء التي يقولها. حدث ذلك بوجه خاص في ذلك المساء حين سمح فلوري ~~للسيد فرانسيس والسيد صامويل، الأوروبيين الآسيويين المنبوذين، ~~بتوريطه في محادثة عند بوابة النادي. # تصادف أن إليزابيث كانت قد وصلت النادي قبل فلوري ببضع دقائق، وحين ~~سمعت صوته لدى البوابة دارت حول شبكة التنس لملاقاته. كان الأوروبيان ~~الآسيويان قد انسلا نحو فلوري وحاصراه مثل زوج من الكلاب يريد ~~اللهو. تولى فرانسيس أغلب الحديث. كان رجلا نحيلا، سريع الانفعال، ~~وفي سمرة ورق السيجار، لكونه ابن امرأة من جنوب الهند؛ أما صامويل ~~الذي كانت أمه من عرق الكارين، فكانت بشرته صفراء شاحبة وشعره أحمر ~~باهتا. كان الاثنان يرتديان بذلتين رثتين من قماش الدريل القطني، ~~وقبعتين كبيرتين بدا جسداهما النحيلان أسفلهما مثل عيدان ~~الفطر. # أخيرا قطعت إليزابيث الممشى فسمعت مقتطفات من سيرة ذاتية هائلة ~~ومعقدة. إذ كان فرانسيس يجد في الحديث مع الرجال البيض - الحديث الذي ~~يفضل ms111 أن يدور حوله هو نفسه - مصدر سعادة كبرى في حياته. وحين كان يجد، ~~كل بضعة أشهر، واحدا من الأوروبيين ليستمع إليه، كان تاريخ حياته ~~ينهمر منه في سيول من حمم لا تنطفئ. هكذا راح يتحدث بصوت أخنف رتيب ~~النبرة مدهش السرعة، قائلا: ~~«أتذكر القليل عن أبي يا سيدي، لكنه كان رجلا غضوبا جدا وكان ~~كثيرا ما ينهال ضربا بخيزرانة كبيرة مليئة بالنتوءات علينا جميعا ~~أنا وأخي الصغير غير الشقيق وأمي وأمه. أتذكر أيضا كيف كنت أنا وأخي ~~الصغير غير الشقيق عند زيارة الأسقف نشد علينا الأزر ونرسل للوقوف ~~بين الأطفال البورميين لنظل متخفيين. لم يرق أبي منصب أسقف قط ~~يا سيدي. فقد جعل أربعة أشخاص فقط يعتنقون المسيحية خلال ثمانية وعشرين ~~عاما، كما أن ولعه الشديد بخمر الأرز الصيني كان له صدى غاضب جدا ~~بالخارج وأفسد مبيعات كتيب أبي الذي كان بعنوان «بلاء الكحول»، الذي ~~نشرته دار رانجون بابتيست بريس، ~~مقابل روبية وثماني آنات. أما أخي الصغير غير الشقيق فمات من الجو ~~الحار، بعد أن ظل يسعل، ويسعل ... إلخ». # لاحظ الرجلان الأوروبيان الآسيويان وجود إليزابيث، فخلعا قبعتيهما ~~منحنيين وكاشفين عن أسنانهم اللامعة. ربما مرت سنوات عدة منذ ~~تسنى لأي منهما فرصة الحديث مع امرأة إنجليزية. انطلق فرانسيس في ~~الحديث بإفراط أكثر من ذي قبل. فجعل يثرثر في خوف واضح من أن ~~يقاطعه أحد وتنتهي المحادثة. ~~«مساء الخير عليك يا سيدتي، مساء الخير، مساء الخير! تشرفت جدا ~~بمعرفتك يا سيدتي! الجو شديد القيظ هذه الأيام، أليس كذلك. لكنه ملائم ~~لطقس شهر أبريل. أرجو ألا يكون قد أصابك طفح جلدي من الحرارة. دهن ~~المنطقة المصابة بمعجون التمر هندي دواء ناجع. أنا نفسي أكابد منه ~~آلاما كل ليلة. إنه مرض شديد الانتشار بيننا نحن ~~الأوروبيين.» # نطق «الأوروبيين»، مثل السيد شالوب في رواية «مارتين شازلويت». لم ~~تحر إليزابيث جوابا، وراحت تنظر إلى الأوروبيين الآسيويين بشيء من ~~البرود. لم يكن لديها فكرة واضحة من هما أو ماذا، وبدا لها من الصفاقة ~~أن يتحدثا إليها. # قال ms112 فلوري: «شكرا، سوف أتذكر التمر هندي.» ~~«إنها وصفة طبيب صيني مشهور يا سيدي. كذلك، هل تسمحان لي يا سيدي ~~وسيدتي أن أسدي إليكما النصح، فارتداء القبعة الصغيرة وحدها ليس ~~تصرفا حكيما في أبريل يا سيدي. هو مناسب تماما لأهل البلد، فلديهم ~~جماجم صلبة. أما نحن فضربات الشمس تهددنا دائما. الشمس شديدة ~~الخطورة على الجمجمة الأوروبية. هل عطلتك يا سيدتي؟» # قيل هذا بنبرة إحباط. إذ كانت إليزابيث في الواقع قد قررت ازدراء ~~الرجلين الأوروبيين الأسيويين. لم تدر لماذا سمح فلوري لهما بتعطيله ~~بمحادثة. وحين استدارت عنهما لتسير عائدة لملعب التنس، لوحت بمضربها في ~~الهواء، لتذكر فلوري أن ميعاد المباراة قد أزف. وقد رآها وتبعها، على ~~مضض بعض الشيء، إذ لم يكن يحب معاملة فرانسيس المسكين بازدراء، مع أنه ~~كان مملا جدا. # قال فلوري: «لا بد أن أمضي. طاب مساؤك يا فرانسيس. طاب مساؤك يا ~~صامويل.» ~~«طاب مساؤك يا سيدي! طاب مساؤك يا سيدتي! طاب مساؤكما، طاب ~~مساؤكما!» تراجعا بمزيد من التلويح بقبعتيهما. # قالت إليزابيث لما جاءها فلوري: «من ذانك الاثنان؟ يا لهما من ~~كائنين عجيبين! كانا في الكنيسة يوم الأحد. أحدهما يكاد يكون أبيض. ~~إنه ليس رجلا إنجليزيا بالطبع، أليس كذلك؟» ~~«لا، إنهما من الأوروبيين الآسيويين؛ أبناء لآباء بيض وأمهات من ~~أهل البلد. نطلق عليهما اسم الأصفرين على سبيل المداعبة.» ~~«لكن ماذا يفعلان هنا؟ وأين يقيمان؟ وهل لديهما أي عمل؟» ~~«إنهما يعيشان بطريقة أو بأخرى في البازار. وأعتقد أن فرانسيس يعمل ~~كاتبا لدى مراب هندي، وصامويل لدى بعض المحامين. لكنهما قد ~~يتضوران جوعا أحيانا لولا كرم أهل البلد.» ~~«أهل البلد! هل تقصد أن تقول إنهما يتسولان من أهل البلد؟» ~~«أعتقد هذا. إنه أمر سهل للغاية لمن يريد. فالبورميون لا يتركون ~~أحدا يتضور جوعا.» # لم تكن إليزابيث قد سمعت بشيء من هذا القبيل من قبل قط. صدمها صدمة ~~شديدة أن يكون هناك رجال بيض ولو جزئيا يعيشون في فقر بين «أهل ~~البلد » حتى إنها توقفت فجأة في الممشى وتأجلت مباراة التنس بضع ms113 ~~دقائق. ~~«لكن كم هذا فظيع! أعني أنه نموذج سيئ! تكاد تكون مثل أن يعيش واحد ~~منا هكذا. ألا يمكن فعل شيء لذينك الاثنين؟ نجمع لهما تبرعات ~~ونرسلهما بعيدا عن هنا، أو شيء من هذا القبيل؟» ~~«أخشى أن هذا لن يجدي كثيرا. أينما ذهبا سيكونان في نفس ~~الوضع.» ~~«لكن ألا يمكنهما الحصول على عمل مناسب؟» ~~«أشك في ذلك؛ فالأوروبيون الآسيويون من ذلك النوع - الرجال الذين ~~يترعرعون في البازار ولا يتلقون تعليما - يقضى عليهم منذ البداية؛ ~~فالأوروبيون يرفضون أدنى تعامل معهم، كما يمنعون من دخول أدنى المصالح ~~الحكومية. ليس بوسعهما سوى أن يتسولا، إلا إذا أقلعا عن أي ~~ادعاء بأنهم أوروبيون. والواقع أن ذلك ليس مما قد يفعله أولئك ~~المساكين. فإن نقطة الدم الأبيض هي الميزة الوحيدة لديهم. فرانسيس ~~المسكين، لم ألقه قط دون أن يشرع في إخباري بشأن إصابته بطفح جلدي؛ ~~حيث إن السكان الأصليين ليس من المفترض أن يعانوا من الطفح الجلدي. ~~هراء بالطبع، لكن الناس تصدقه. وهكذا ضربة الشمس. إنهما يرتديان هاتين ~~القبعتين الضخمتين ليذكرونا بأن لديهما جمجمتين أوروبيتين. وكأنه ~~شعار نبالة أو شيء من هذا القبيل. شعار الدولة إذا جاز ~~التعبير.» # لم يرق هذا إليزابيث؛ إذ شعرت أن فلوري كان، كدأبه، يكن شفقة ~~خفية نحو الأوروبيين الآسيويين. كما أثار مظهر الرجلين بداخلها ~~شعورا عجيبا بالكره. هنا كانت قد حددت نوعهما؛ فقد بدوا مثل ~~الداجوز. مثل أولئك المكسيكيين والإيطاليين وغيرهم من الداجوز الذين ~~يلعبون دور الشر في العديد من الأفلام. ~~«لقد بدوا من الأشخاص شديدي الانحطاط، أليس كذلك؟ في غاية النحافة ~~والهزال والتذلل؛ ولا يبدو على وجهيهما أي من سمات الأمانة؟ أظن ~~أن هذين الرجلين الأوروبيين الآسيويين في غاية الانحطاط. فقد سمعت ~~أن المولدين دائما ما يرثون الأسوأ في العرقين. هل ذلك صحيح؟» ~~«لا أعلم إذا كان ذلك صحيحا. أغلب الأوروبيين الآسيويين ليسوا ~~أشخاصا صالحين، ومن الصعب معرفة كيف كانوا سيصيرون صالحين في ظل ~~الطريقة التي نشئوا بها. لكن سلوكنا تجاههم بغيض نوعا ما. فنحن دائما ~~ما نتحدث عنهم ms114 كأن الأرض انشقت عنهم فجأة مثل الفطر، وكأن هذه العيوب ~~طبيعة فيهم وقد جبلوا عليها. لكننا في النهاية مسئولون عن ~~وجودهم.» ~~«مسئولون عن وجودهم؟» ~~«حسنا، أقصد أن كلهم لديهم آباء.» ~~«أوه ... بالطبع يوجد ذلك ال... لكن مهما يكن من أمر، أنت لست مسئولا. ~~أقصد وحده نوع وضيع جدا من الرجال قد ... آه ... تجمعه علاقة بنساء ~~البلد، أليس كذلك؟» ~~«أوه، بالتأكيد. لكن والدا ذينك الرجلين كانا رجلي دين في رتب ~~كهنوتية، على ما أعتقد.» # تذكر روزا ماكفي، الفتاة الأوروبية الآسيوية التي غرر بها في ~~ماندالاي عام 1913، وكيف كان يتسلل إلى المنزل في عربة يجرها الخيل ~~مغلقة الدرف؛ وخصلات شعر روزا المعقوصة؛ وأمها البورمية العجوز ~~الذابلة، وهي تقدم له الشاي في حجرة معيشة معتمة بها أصص سراخس ~~وأريكة من الخوص. ثم ما كان، حين جافى روزا، وتلك الخطابات المتوسلة ~~المريعة، المكتوبة على ورق رسائل معطر، التي امتنع عن فتحها في ~~النهاية. # عادت إليزابيث إلى موضوع فرانسيس وصامويل بعد مباراة التنس. ~~«هذان الأوروبيان الآسيويان ... هل لأي أحد هنا أي علاقة بهما؟ مثل أن ~~يدعوهما إلى منازلهم أو ما إلى ذلك؟» ~~«يا إلهي، لا. فهما منبوذان تماما. في الواقع ليس من المقبول تماما ~~التحدث إليهما. فأغلبنا نقول لهما صباح الخير فحسب. إليس لا يفعل ذلك ~~حتى.» ~~«لكنك تحدثت معهما.» ~~«حسنا، إنني أخرق القواعد من حين لآخر. أقصد أنك ربما لن تري ~~سيدا أوروبيا يتحدث معهما. لكنني في الحقيقة، أحاول - أحيانا ~~فقط، حين تواتيني الشجاعة - ألا أتصرف مثل مجتمع البوكا ~~صاحب.» # كانت ملحوظة طائشة؛ إذ كانت تعلم جيدا في هذا الوقت معنى عبارة ~~«بوكا صاحب»، وما يمثله. وقد جعلت ملحوظته الفرق بين وجهتي نظرهما ~~أوضح قليلا. كانت النظرة التي رمقته بها شبه معادية، وقاسية قسوة ~~غريبة؛ إذ كان وجهها يستطيع أن يبدو قاسيا أحيانا، رغم نضارته وبشرته ~~الرقيقة كأوراق الزهور. كانت النظارة العصرية المصنوعة من صدفة ~~السلحفاة تلك تعطيها مظهرا رزينا جدا. غريبة النظارات في قدرتها ~~على التعبير؛ إذ تكاد تكون معبرة أكثر من العينين ms115 حقا. # لم يتأت له حتى هذا الوقت فهمهما ولا كسب ثقتها تماما. لكن لم ~~تسؤ الأمور بينهما، ظاهريا على الأقل. كان يثير حنقها أحيانا، لكن ~~لم يكن الانطباع الحسن الذي تركه في ذلك الصباح حين التقيا أول مرة قد ~~انمحى بعد. لكن كان ثمة حقيقة غريبة ألا وهي أنها كانت بالكاد ~~تلاحظ وحمته في هذا الوقت. وكانت تستمتع بالاستماع إليه وهو يتحدث ~~في بعض الموضوعات. الرماية، على سبيل المثال؛ فقد بدت متحمسة ~~للرماية وهو ما كان شيئا غير مألوف في الفتيات. وكذلك الخيل؛ لكنه كان ~~أقل معرفة بالخيل. وكان قد استعد لاصطحابها في يوم للرماية، ~~لاحقا، حين يستطيع التحضير لذلك. كان كلاهما يتطلعان لهذه الرحلة ~~الاستكشافية بحماس بعض الشيء، وإن لم يكن لنفس الأسباب بالضبط. # | الفصل الحادي عشر # سار فلوري وإليزابيث في طريق البازار. كان الوقت صباحا، لكن الهواء ~~شديد الحرارة حتى إن السير فيه كان مثل الخوض في بحر متقد. مر ~~بهما، صفوف من البورميين، قادمين من البازار، منتعلين صنادل تحك ~~في الأرض، ومجموعات من أربع وخمس فتيات يحثثن السير متقاربات، بخطوات ~~قصيرة سريعة، يثرثرن وشعورهن البراقة تلمع. على جانب الطريق، قبل أن ~~تصل إلى السجن مباشرة، تناثرت أجزاء من معبد حجري، بعد أن حطمتها ~~الجذور القوية لإحدى أشجار التين المجوسي وأسقطتها. وعلى مقربة التفت ~~شجرة تين مجوسي أخرى حول نخلة، فاقتلعتها وثنتها للوراء في صراع ~~استمر طوال عقد. # سار الاثنان ووصلا عند السجن، الذي كان مبنى ضخما مربعا، يمتد ~~كل جانب منه مائتي ياردة، بجدران خرسانية بيضاء اللون ترتفع عشرين ~~قدما. راح يتبختر على السور طاووس، كان هو الحيوان الأليف للسجن، وقد ~~التفت أصابع قدميه للداخل. وجاء ستة مدانين، مطأطئو الرءوس، ~~يجرون عربيتين ثقيلتين مكدستين بالتراب، تحت حراسة سجانين هنود. ~~كانوا رجالا محكوما عليهم بعقوبات طويلة، أطرافهم ثقيلة، يرتدون ~~ملابس موحدة من قماش أبيض خشن بأغطية رأس مخروطية الشكل وقفت منتصبة ~~على رءوسهم الحليقة. أما وجوههم فقد مالت إلى اللون الرمادي، وبدت ~~خانعة ومفلطحة بشكل غريب. وقد راح ms116 الحديد الذي يطوق سيقانهم يجلجل ~~بصدى واضح. ومرت امرأة تحمل على رأسها سلة سمك جعل غرابان يحومان ~~حولها وينقضان عليها، والسيدة تلوح بيد واحدة في غير اكتراث ~~لإبعادهما. # تصاعدت ضجة أصوات على مسافة قريبة. قال فلوري: «اقتربنا جدا من ~~البازار. أعتقد أن السوق تنصب هذا الصباح. في مشاهدتها بعض ~~المتعة.» # طلب منها أن تأتي معه إلى البازار، قائلا إنها ستجد متعة في ~~مشاهدته. ثم انعطفا مع الطريق. كان البازار عبارة عن مكان مسيج مثل ~~حظيرة كبيرة جدا للماشية، أحاط بحدوده أكشاك خفيضة، أغلبها مسقفة ~~بجريد النخل. وراء السياج، ماج حشد من الناس، يتدافعون ويتصايحون؛ وقد ~~بدت ملابسهم متعددة الألوان في اختلاطها كأنها مجموعة من قطع ~~السكاكر الدقيقة الملونة انسكبت من مرطبان. ولاح للعيان من وراء ~~البازار النهر المترامي الموحل، الذي كانت تتسابق فيه فروع الأشجار ~~وسلاسل طويلة من الغثاء بسرعة سبعة أميال في الساعة. وعند ضفة النهر ~~لدى أنابيب الرسو، راح يهتز أسطول من الزوارق، بمجاديف حادة مثل ~~مناقير الطير رسم عليها عيون. # ظل فلوري وإليزابيث لحظة يشاهدان. مرت صفوف من النساء حملن على ~~رءوسهن سلال الخضر، وأطفال اتسعت عيونهم وهم يحملقون في الأوروبيين. ~~وعدا عجوز صيني يرتدي بدلة عمل حال لونها إلى الأزرق السماوي، يحمل ~~برفق جزءا مجهولا ملطخا بالدماء من أمعاء خنزير. # قال فلوري: «هلا ذهبنا وتفقدنا الأكشاك قليلا؟» ~~«هل من الملائم الذهاب وسط الزحام؟ فكل شيء قذر بشكل ~~بشع.» ~~«لا بأس، سوف يفسحون لنا الطريق. سيثير الأمر اهتمامك.» # اتبعته إليزابيث مرتابة، بل ومرغمة. لماذا دائما ما يأتي بها إلى ~~هذه الأماكن؟ لماذا يدفعها دوما وسط «أهل البلد»، محاولا أن يجعلها ~~تنشغل بهم وتشاهد عاداتهم القذرة المقززة؟ كان هذا خطأ تماما، ~~لسبب ما. لكنها اتبعته، لعدم شعورها بالقدرة على تبرير إحجامها. في ~~الحال استقبلتهما موجة من الهواء الخانق؛ فقد فاحت رائحة ثوم وسمك ~~مجفف وعرق وغبار ويانسون وقرنفل وكركم. وتدافع الجمهور حولهم، حشود ~~من فلاحين قصار القامة ممتلئي الأجسام بوجوه في سمرة السيجار، وشيوخ ~~ذابلين بشعور رمادية عقصت ms117 للخلف في كعكات، وأمهات شابات يحملن أطفالا ~~عرايا منفرجي الساقين فوق خصورهن. وقد داست الأقدام فلو فجعلت تنبح. ~~واصطدمت بإليزابيث مناكب منخفضة قوية؛ إذ انهمك الفلاحون في الفصال ~~لدرجة الانشغال عن التحديق في امرأة بيضاء، وهما يشقان طريقهما ~~بصعوبة حول الأكشاك. ~~«انظري!» كان فلوري يشير بعصاه إلى كشك، ويقول شيئا، لكن طغى على ~~صوته صيحات اثنتين من النساء كانت تلوح كل منهما للأخرى بقبضتها فوق ~~سلة أناناس. كانت إليزابيث قد جفلت من الرائحة الكريهة والضجيج، لكنه ~~لم يلحظ ذلك، وتوغل بها أكثر في الزحام، مشيرا إلى الأكشاك ~~المختلفة. بدت البضائع غريبة الشكل وعجيبة ورديئة. كان هناك ثمرات ~~بوملي [نوع من الحمضيات] ضخمة متدلية من حبال كأنها أقمار خضراء، وموز ~~أحمر، وسلال قريدس قرمزي في حجم الكركند، وحزم من سمك مجفف هش، وفلفل ~~حار قرمزي، وبط مشقوق ومعالج مثل لحم الخنزير المقدد، وجوز هند أخضر، ~~وقطع من قصب السكر، وسكاكين، وصنادل مطلية، وأزر حرير بنقوش مربعة، ~~ومقويات جنسية في شكل أقراص كبيرة مثل الصابون، وجرات من الفخار ~~المطلي طولها أربع أقدام، وسكاكر صينية مصنوعة من الثوم والسكر، ~~وسيجار أخضر وأبيض، وباذنجان أورجواني، وقلادات من بذور البرسيمون، ~~ودجاج يسقسق في أقفاص من الخوص، وتماثيل من النحاس لبوذا، وأوراق من ~~شجر التين المجوسي على شكل قلب، وزجاجات ملح إنجليزي، ووصلات شعر ~~مستعار، وأواني طهي من الفخار الأحمر، وحدوات صلب للثيران، وعرائس ~~ماريونيت من الورق المعجون، وقطع ذات خواص سحرية من جلود التماسيح. ~~كانت رأس إليزابيث بدأت تدور. في الطرف الآخر من البازار، سطعت الشمس ~~من خلال مظلة حمراء كالدم لأحد القساوسة، كأنها تسطع من خلال أذن ~~عملاق. كان أربع من النساء الدرافيديات يطحن الكركم بعصي ثقيلة في هاون ~~من الخشب أمام أحد الأكشاك. طار المسحوق الأصفر حاد الرائحة، وداعب ~~منخري إليزابيث فجعلها تسعل. شعرت أنها لا تستطيع الصبر لحظة أخرى في ~~هذا المكان، فلمست ذراع فلوري. ~~«هذا الزحام ... الحر فظيع. هل تعتقد أن باستطاعتنا أن نحتمي ~~بالظل؟» # هنا استدار فلوري، الذي كان في ms118 الحقيقة منهمكا جدا في الكلام - ~~كلام أغلبه غير مسموع في الجلبة - حتى إنه لم يلحظ كيف كان تأثير الحر ~~والرائحة عليها. ~~«أوه، إنني آسف. هيا نخرج من هنا في الحال. لدي فكرة، سنذهب إلى ~~متجر لي ييك العجوز؛ إنه بقال صيني، وسوف يأتي إلينا بأي شراب. فالجو ~~هنا خانق بعض الشيء.» ~~«كل هذه التوابل ... كأنها تحبس الأنفاس. وما تلك الرائحة المريعة ~~الشبيهة بالسمك؟» ~~«إنه نوع من الصلصة يعدونه من القريدس. فهم يدفنونه ثم يستخرجونه ~~بعدها بعدة أسابيع.» ~~«يا له من شيء في غاية الفظاعة!» ~~«بل مفيد للغاية على ما أعتقد.» ثم أردف قائلا لفلو، التي دست ~~أنفها في سلة بها سمك صغير شبيه بالقوبيون لديه حسك في خياشيمه: ~~«ابتعدي عن ذلك!» # كان متجر لي ييك يواجه نهاية السوق. ما أرادته إليزابيث حقا هو ~~العودة إلى النادي، لكن المظهر الأوروبي لواجهة متجر لي ييك - التي ~~كانت مكدسة بقمصان قطنية صنعت في لانكاشاير وساعات ألمانية رخيصة ~~لدرجة لا يصدقها عقل - بثت فيها بعضا من الطمأنينة بعد الهمجية ~~التي كانت في البازار. كانا على وشك ارتقاء السلم حين انفصل عن ~~الزحام وتبعهما شاب نحيل في العشرين شنيع الملبس ارتدى إزارا وسترة ~~رياضية زرقاء وحذاء أصفر زاهيا، وفرق شعره ودهنه «على الموضة ~~الإنجاليكية.» وقد حيا فلوري بحركة صغيرة مرتبكة كأنه كان يحاول أن ~~يمنع نفسه من الانحناء. # قال فلوري: «ما الأمر؟» # أخرج ظرفا متسخا وقال: «خطاب يا سيدي.» # قال فلوري لإليزابيث، وهو يفتح الظرف: «هلا سمحت لي؟» كان خطابا من ~~ما هلا ماي - أو بالأحرى، كتب لها ووقعته بصليب - وكان يطالب بخمسين ~~روبية، بأسلوب تهديد مستتر. # جذب فلوري الشاب بعيدا، وقال: «هل تتحدث الإنجليزية؟ أخبر ما هلا ~~ماي أنني سأنظر هذا الأمر لاحقا. وأخبرها أنها إذا حاولت ابتزازي ~~لن تحصل مني على بيسة أخرى. هل فهمت؟» ~~«نعم يا سيدي.» ~~«والآن ارحل بعيدا. ولا تتبعني وإلا ستقع في مشكلة.» ~~«حسنا يا سيدي.» # قال فلوري لإليزابيث وهما يصعدان السلم، مفسرا: «إنه كاتب يريد ~~وظيفة. إنهم يأتون ms119 لإزعاجنا طوال الوقت.» رأى أن نبرة الخطاب كانت ~~غريبة، إذ لم يتوقع أن تبدأ ما هلا ماي ابتزازه بهذه السرعة؛ بيد أنه ~~لم يكن لديه وقت عندئذ ليتساءل عما قد يعنيه الأمر. # دخلا المتجر الذي بدا مظلما بعد الأجواء الخارجية؛ حيث جلس لي ييك ~~يدخن بين سلال بضائعه - لم يكن هناك طاولة بيع - وتقدم وهو يعرج ~~متحمسا حين رأى من دخل، فقد كان فلوري صديقا له. كان لي ييك رجلا ~~عجوزا منحني الركبتين بزي أزرق، وشعر جمع في ضفيرة، ووجه أصفر بلا ~~ذقن، نتئت عظام وجنتيه مثل جمجمة لكن أليفة. وقد حيا فلوري بأصوات ~~عالية أنفية أراد بها أن يتحدث البورمية، وفي الحال عرج إلى ~~مؤخرة المتجر لطلب المرطبات. عبق المكان برائحة أفيون هادئة حلوة. ~~ولصق على الجدران شرائط طويلة من الورق الأحمر عليها حروف سوداء، وقام ~~في أحد الجوانب مذبح صغير به صورة لشخصين ضخمين في ردائين ~~مطرزين، بدت عليهما السكينة، فيما احترق أمامه عودان من البخور. ~~وجلس على البساط امرأتان صينيتان، إحداهما عجوز والأخرى فتاة، تلفان ~~سجائر بقش ذرة وتبغ يبدوان مثل قصاقيص شعر حصان. وكانتا ترتديان ~~سروالين أسودين من الحرير، وقد حشرت أقدامهما التي انتفخت أمشاطها ~~وتورمت في أخفاف خشبية ذات كعوب حمراء لا يزيد حجمها عن حجم خف ~~دمية. وجعل طفل عار يزحف بطيئا على الأرض مثل ضفدعة صفراء ~~ضخمة. # همست إليزابيث بمجرد أن أدار لي ييك ظهره: «انظر إلى قدمي تينك ~~المرأتين! أليس هذا غاية في الفظاعة! كيف يجعلن أقدامهن هكذا؟ إنه ~~ليس أمرا طبيعيا بالتأكيد؟» ~~«لا، إنهن يشوهنها عمدا. إنها عادة في طريقها للزوال في الصين، ~~لكن الناس هنا متخلفون عن الحاضر. ضفيرة لي ييكي العجوز أيضا عفى ~~عليها الدهر. تلك الأقدام الصغيرة تعد جميلة وفقا لآراء ~~صينية.» ~~«جميلة! إنها في غاية البشاعة حتى إنني لا أقوى على النظر إليها. ~~من المؤكد أن هؤلاء الناس همجيون تماما.» ~~«كلا! إنهم متحضرون للغاية؛ في رأيي أكثر تحضرا منا. فالجمال ~~إنما هو مسألة أذواق. يوجد في هذا ms120 البلد جماعة تدعى البالونج يحبون ~~في النساء العنق الطويل. لذلك ترتدي الفتيات حلقات نحاسية لإطالة ~~أعناقهن، ويرتدين المزيد والمزيد منها حتى تصير أعناقهن مثل أعناق ~~الزراف في النهاية. وهذا ليس أغرب شأنا من الأرداف المستعارة أو ~~التنورات المنتفخة.» # في هذه اللحظة عاد لي ييك بفتاتين بورميتين سمينتين بوجهين ~~مستديرين، شقيقتان على ما يبدو، تضحكان وتحملان مقعدين وإبريق شاي ~~صينيا أزرق سعة نصف جالون. الفتاتان هما جاريتان لدى لي ييك أو كانتا ~~كذلك. أخرج الرجل العجوز علبة شوكولاتة من الصفيح ونزع الغطاء هو ~~يبتسم ابتسامة أبوية كاشفا عن ثلاث أسنان طوال سودها التبغ. جلست ~~إليزابيث بحالة مزاجية مرتبكة بشدة. كانت واثقة تماما أن قبول كرم ~~ضيافة هؤلاء الناس لا يمكن أن يكون شيئا صحيحا. في الحال ذهبت إحدى ~~الفتاتين البورميتين خلف المقعدين وشرعت تهوي على فلوري وإليزابيث، ~~بينما جثت الأخرى عند أقدامهما وصبت فناجين الشاي. شعرت إليزابيث ~~بحرج بالغ والفتاة تهوي على قفاها والرجل الصيني يبتسم قبالتها. ~~بدا أن فلوري دائما ما يضعها في هذه المواقف الحرجة. أخذت قطعة ~~شوكولاتة من العلبة التي قدمها لها لي ييك، لكن لم تطاوعها نفسها على ~~أن تقول «شكرا». # ثم همست لفلوري: «هل هذا يصح؟» ~~«يصح؟» ~~«أقصد هل يجوز لنا الجلوس في منزل هؤلاء الناس؟ أليس هذا نوعا ... ~~نوعا من النزول من قدرنا؟» ~~«لا بأس بهذا مع الصينيين. فإنهم من الأعراق المفضلة في هذا ~~البلد. وإنهم متواضعون جدا في أفكارهم. فالأفضل أن تعامليهم كأنهم ~~نوعا ما أنداد.» ~~«هذا الشاي يبدو في غاية البشاعة. إنه أخضر تماما. أعتقد أنه لا بد ~~أن يكون لديهم تمييز ويضيفوا له حليبا، أليس كذلك؟» ~~«إنه ليس سيئا. فهو نوع خاص من الشاي يأتي به لي ييك العجوز من ~~الصين. أعتقد أن به أزهار برتقال.» # قالت بعد أن تذوقته: «أف! مذاقه مثل التراب تماما.» # وقف لي ييك ممسكا بغليونه، الذي كان طوله قدمين بوعاء معدني في حجم ~~جوزة البلوط، وهو يشاهد الأوروبيين ليرى ما إذا كانا استمتعا بشايه. ~~قالت الفتاة الواقفة ms121 خلف المقعد شيئا بالبورمية، فانفجرت كلتاهما ~~ضحكا عليه مرة أخرى. رفعت الفتاة الجاثية على الأرض ناظريها إلى ~~إليزابيث وحدقت فيها ببلاهة وإعجاب. ثم التفتت إلى فلوري وسألته ما ~~إذا كانت السيدة الإنجليزية ترتدي مشدا وقد أخطأت في نطق الكلمة ~~الإنجليزية. # قال لي ييك مصدوما: «صه!» وهو يهز الفتاة بإصبع قدمه ~~ليسكتها. # قال فلوري: «هذا أمر لا يعنيني البتة لأسألها عنه.» ~~«فلتسألها أرجوك يا سيدي! إننا في غاية اللهفة لنعرف!» # وثار جدل، ونسيت الفتاة الواقفة خلف المقعد أمر التهوية وشاركت في ~~الجدل. بدا أن كلتيهما ظلتا زمنا طويلا تتوقان لرؤية مشد أصلي. ~~فقد سمعتا العديد والعديد من الحكايات عنه؛ إنه يصنع من الصلب على ~~نسق صديري ضيق، ويشد على المرأة بشدة حتى تبدو بلا صدر، بلا صدر ~~على الإطلاق! ضغطت الفتاتان بأيديهما على ضلوعهما السمينة لتوضيح ~~الأمر. وتساءلتا ما إذا كان فلوري سيتكرم بسؤال السيدة الإنجليزية. ~~كان ثمة غرفة خلف المتجر حيث يمكنها الذهاب معهما لخلع ملابسها. ~~كانتا تأملان بشدة أن تريا مشدا. # ثم توقف الحديث بغتة. كانت إليزابيث تجلس متسمرة، حاملة فنجان ~~الشاي الصغير، الذي لم تستطع إجبار نفسها على تذوقه مرة أخرى، وهي ~~تبتسم ابتسامة مصطنعة تماما. غشي الشرقيين فتور؛ إذ أدركوا أن ~~الفتاة الإنجليزية، التي لم تستطع المشاركة في حديثهم، لم تكن تشعر ~~بارتياح. وبدأت أناقتها وجمالها الأجنبي، اللذين سحراهم قبل لحظة، ~~يثيران فيهم الروع. وحتى فلوري كان مدركا للشعور نفسه. ثم جاءت ~~واحدة من تلك اللحظات البغيضة التي تمر على المرء مع الشرقيين، حين ~~يتحاشى كل فرد عيني فرد آخر، محاولا التفكير دون جدوى في شيء ~~ليقوله. ثم جاء الطفل العاري، الذي كان يستكشف بعض السلال في خلفية ~~المتجر، زاحفا إلى حيث كان الأوروبيان جالسين. وراح يتفحص ~~أحذيتهما وجواربهما بفضول هائل، ثم رفع بصره فرأى وجهيهما الأبيضين ~~فاستولى عليه الفزع. وند عنه عويل مستوحش، وبدأ يبول على ~~الأرض. # رفعت السيدة الصينية العجوز ناظريها وطرقعت بلسانها واستأنفت لف ~~السجائر. لم يعر أحد آخر الأمر أدنى اهتمامه. بدأت بركة ms122 تتكون ~~على الأرض، فانتاب إليزابيث هلع بالغ حتى إنها وضعت فنجانها على عجل، ~~وسكبت الشاي، ثم تشبثت بذراع فلوري. ~~«ذلك الطفل! انظر ماذا يفعل! حقا ألا يستطيع أحد ... يا للفظاعة!» ~~ظل الكل يحملق مندهشا، ثم أدركوا جميعا ما الأمر. ثار صخب ~~وسرت طرقعة بالألسنة. لم يكن أحد قد أعار الطفل أي اهتمام؛ فقد ~~كان الحدث عاديا ليسترعي الانتباه، لكنهم صاروا جميعا الآن ~~يشعرون بخزي شديد. وطفق الكل ينحون باللائمة على الطفل. وسارت ~~صيحات: «يا له من طفل مخز! يا له من طفل مقزز!» حملت العجوز ~~الصينية الطفل، وهو ما زال يعوي، إلى الباب، ورفعته للخارج على السلم ~~كأنها تعتصر إسفنجة استحمام. في اللحظة نفسها، كما بدا، كان فلوري ~~وإليزابيث خارج المتجر؛ حيث كان يتبعها عائدين إلى الطريق بينما ~~تابعهما لي ييك والآخرون في جزع. # هتفت إليزابيث قائلة: «إذا كان ذلك ما تدعونه شعبا متحضرا ~~...» # قال لها بوهن: «إنني آسف، لم أتوقع قط ...» ~~«يا لهم من ناس مقرفين غاية القرف!» # كانت غاضبة بشدة. وقد امتقع وجهها بلون زهري رقيق عجيب، مثل ~~برعم شقائق نعمان تفتح قبل أوانه بيوم. كان هذا أغمق لون في إمكانه ~~الاستحالة له. مشى فلوري في أثرها متجاوزين البازار وعائدين للطريق ~~الرئيسي، وقد مضيا خمسين ياردة قبل أن يقدم على الكلام مرة ~~أخرى. ~~«يؤسفني بشدة ما قد جرى! لكن لي ييك رجل محترم للغاية. وسيسوءه ~~أن يشعر بأنه قد تسبب في مضايقتك. كان من الأفضل حقا أن نمكث بضع ~~دقائق. فقط لنشكره على الشاي.» ~~«نشكره! بعد ذلك!» ~~«الصراحة أنك ما كان ينبغي أن تبالي بشيء كهذا. ليس في هذا البلد. ~~فالنظرة العامة لهؤلاء الناس تختلف بشدة عن نظرتنا. لا بد للمرء أن ~~يتأقلم. افترضي مثلا أنك كنت في العصور الوسطى ...» ~~«أعتقد أنني أفضل ألا أناقش الأمر أكثر من ذلك.» # كانت هذه المرة الأولى التي تشاجرا فيها يقينا. وكان هو بائسا ~~للغاية حتى ليسأل نفسه كيف ضايقها. لم يدرك أن هذه المحاولة الدائمة ~~لإثارة اهتمامها بالأشياء الشرقية بدت لها ms123 تصرفا فاسدا لا يليق برجل ~~مهذب، وسعيا حثيثا وراء ما هو حقير و«كريه». لم يكن قد تفهم حتى ~~اليوم بأي عينين كانت ترى «أهل البلد». عرف فقط أنها مع كل محاولة ~~لجعلها تشاركه حياته وأفكاره وإحساسه بالجمال، كانت تجفل مثل فرس ~~مذعور. # سار الاثنان على الطريق، هو على يسارها متخلفا عنها بقليل. ظل ~~يراقب وجنتها المعرضة، والشعيرات الذهبية على قفاها تحت حافة ~~قبعتها. لشد ما أحبها، لشد ما أحبها! كما لو كان لم يحبها بحق قط ~~حتى هذه اللحظة، وهو يسير خلفها في خزي، لا يجرؤ حتى على أن يطل ~~بوجهه المشوه. أوشك أن يتكلم عدة مرات، لكنه منع نفسه. لم يكن صوته ~~مستعدا تماما، ولم يدر ما الذي يسعه قوله من دون أن يجازف ~~بمضايقتها بطريقة ما. وفي النهاية قال بفتور، بتظاهر كليل بأن ليس ~~ثمة شيء: ~~«الحر صار فظيعا، أليس كذلك؟» # لم تكن ملحوظة ذكية ودرجة الحرارة تسعون في الظل. لكنها فاجأته ~~وأقبلت عليه بنوع من الحماس؛ إذ حولت وجهها إليه، وابتسمت له مرة ~~أخرى. ~~«إنه ملتهب للغاية!» # بذلك صارا في سلام. فقد أتت الملحوظة التافهة السخيفة معها بأجواء ~~دردشة النادي المطمئنة، فهدأت من روعها كأنها سحر. جاءت فلو، التي ~~كانت متخلفة عنهما، وهي تلهث ويسيل لعابها؛ وسريعا ما راحا يتحدثان، ~~كدأبهما تماما، عن الكلاب. ظلا يتحدثان عن الكلاب طوال ما تبقى من ~~الطريق إلى المنزل، دون توقف تقريبا. فالكلاب موضوع لا ينفد. ~~الكلاب، الكلاب! هذا ما خطر لفلوري وهما يتسلقان جانب التل الحار، ~~والشمس الصاعدة تلفح أكتافهما من خلال ملابسهما الخفيفة، مثل لفح ~~النار. ألن يتحدثا قط عن أي شيء غير الكلاب؟ أو عيوب الكلاب أو ~~الأسطوانات أو مضارب التنس؟ لكن كم كان حديثهما يسيرا، وكم كانا ~~يستطيعان الحديث بود حين يبقيان على مثل هذه التفاهات! # مرا بجدار الجبانة الأبيض اللامع وجاءا إلى بوابة منزل آل لاكرستين، ~~الذي نمت حوله أشجار بوانسيانا عجوزة، ومجموعة من نباتات الخطمي بلغ ~~طولها ثماني أقدام، بزهور حمراء مستديرة مثل فتيات بوجوه ms124 متوردة. ~~خلع فلوري قبعته وهوى على وجهه. ~~«حسنا، لقد عدنا قبل أن يبلغ الحر أشده. يؤسفني أن رحلتنا إلى ~~البازار لم تكن موفقة بالمرة.» ~~«لا مطلقا! لقد استمتعت بها، استمتعت حقا.» ~~«كلا، لا أعلم، دائما ما يقع شيء سيئ على ما يبدو. آه، صحيح! لا ~~تنسي أننا ذاهبان للرماية بعد غد. أرجو أن يمر ذلك اليوم على ~~هواك.» ~~«نعم وسوف يعيرني عمي سلاحه. يا لها من متعة بالغة! سيكون عليك أن ~~تعلمني كل ما يتعلق بالرماية. إنني أتطلع بشدة إلى ~~الأمر.» ~~«وأنا كذلك. إنه وقت سيئ للرماية، لكننا سنبذل قصارى جهدنا. ~~أما الآن فإلى اللقاء.» ~~«إلى اللقاء يا سيد فلوري.» # كانت ما زالت تناديه سيد فلوري مع أنه كان يناديها إليزابيث. ~~افترقا وذهب كل في سبيله، يفكر في رحلة الرماية، التي شعر كلاهما ~~أنها ستضع الأمور في نصابها بينهما. # | الفصل الثاني عشر # في الحر الرطب الباعث على النوم في حجرة المعيشة شبه المعتمة ~~بتأثير الستائر الخرزية، راح يو بو كين يسير على مهل في أنحائها، ~~مزهوا بنفسه. وكان بين الفينة والفينة يمد يده تحت قميصه ~~التحتاني ويحك صدره المتعرق الضخم مثل صدر امرأة سمينة. كانت ~~ما كين جالسة على حصيرتها، تدخن سيجارا أبيض رفيعا. من خلال باب ~~مخدع النوم المفتوح يمكن رؤية حافة فراش يو بو كين المربع الضخم، ~~بأعمدته من خشب التيك المنقوش، الشبيه بمنصة النعش، والذي ارتكب فيه ~~العديد والعديد من حوادث الاغتصاب. # كانت ما كين تسمع لأول مرة عن «الأمر الآخر» الخفي في هجوم يو بو كين ~~على الدكتور فيراسوامي. بقدر ما كان يزدري مستوى ذكائها، كان يو بو كين ~~يطلع ما كين على أسراره عاجلا أو آجلا. كانت الشخص الوحيد الذي لا ~~يخشاه في دائرته المقربة، لذلك كان يلاقي متعة في إبهارها. ~~«حسنا يا كين كين، رأيت كيف جرى الأمر برمته كيفما خططت له! ~~أرسلت بالفعل ثمانية عشر خطابا مجهول المصدر، وكل واحد فيها تحفة . ~~كنت سأعيد عليك أجزاء منها لو كنت تستطيعين تفهمها.» ~~«لكن لنفترض ms125 أن الأوروبيين لم يلقوا بالا لخطاباتك المجهولة ~~المصدر؟ فما العمل حينئذ؟» ~~«لم يلقوا بالا؟ لا أخشى ذلك! أعتقد أنني أفهم العقلية الأوروبية. ~~ودعيني أعرفك يا كين كين بأنه إذا كان ثمة شيء واحد أستطيع فعله؛ ~~فهو كتابة خطاب مجهول المصدر.» # كان هذا صحيحا. فقد كانت خطابات يو بو كين قد أحدثت تأثيرها بالفعل، ~~وخاصة على هدفها الرئيسي، السيد ماكجريجور. # قبل هذا بيومين فقط، كان السيد ماكجريجور يقضي أمسية شديدة الاضطراب ~~وهو يحاول أن يقرر ما إذا كان الدكتور فيراسوامي مذنبا بعدم الولاء ~~للحكومة أم لا. بالطبع لم تكن المسألة أي فعل سافر ينم على عدم ~~الولاء؛ كان ذلك بعيدا كل البعد. إنما كان السؤال: هل الدكتور من نوع ~~الرجال الذي قد يتبنى آراء تحريضية؟ حيث إنه في الهند لا تحاسب على ~~ما تفعله، وإنما على من تكون. تستطيع أقل شبهة تمس ولاء أي مسئول في ~~الشرق أن تدمره. وكان السيد ماكجريجور ذا طبيعة نزيهة جدا تمنعه ~~من إدانة حتى رجل شرقي دون تمحيص. وهكذا ظل حتى منتصف الليل يتفكر ~~محتارا في كومة كبيرة من الأوراق السرية، منها الخطابات الخمسة ~~المجهولة المصدر التي كان قد تلقاها، بجانب الخطابين الآخرين اللذين ~~أرسلهما إليه ويستفيلد، مشبوكين معا بشوكة صبار. # لم تكن الخطابات فحسب. فقد ظلت الشائعات عن الطبيب تتدفق من كل ~~حدب وصوب. أدرك يو بو كين تماما أن اتهام الطبيب بالخيانة لم يكن وحده ~~كافيا؛ كان من الضروري الطعن في سمعته من كل ناحية ممكنة. لم يتهم ~~الطبيب بإثارة الفتنة فحسب، بل وكذلك الابتزاز، والاغتصاب، والتعذيب، ~~وإجراء عمليات غير مشروعة، وإجراء عمليات وهو في حالة سكر شديد، ~~والقتل بالسم، والقتل بسحر المحاكاة [السحر القائم على إلحاق الأذى ~~بالأشخاص عن طريق إيذاء صورهم]، وأكل لحم البقر، وبيع شهادات وفاة ~~لقتلة، وارتداء حذائه في حرم المعبد، ومراودة الصبي عازف الطبل في ~~الشرطة العسكرية عن نفسه. كان يخيل للمرء عند سماع ما كان يقال عن ~~الطبيب أنه عبارة عن مكيافيلي وسويني تود والماركيز دو ساد ms126 مجتمعين. ~~لم يكترث السيد ماكجريجور كثيرا في البداية؛ إذ كان معتادا جدا على ~~هذا النوع من الأشياء. إلا أن يو بو كين كان قد حقق إنجازا عبقريا ~~حتى بالنسبة إليه بالخطابات المجهولة المصدر الأخيرة. # كانت الخطابات تخص هروب نجا شوي أو، المجرم، من سجن كياوكتادا. كان ~~نجا شوي أو في منتصف عقوبة سبع سنوات استحقها عن جدارة، وقد ظل ~~يخطط لهروبه من قبله بعدة أشهر، وللبدء في الأمر رشا أصدقاؤه خارج ~~السجن أحد السجانين الهنود. تسلم السجان المائة روبية مقدما، وقدم ~~على إجازة لزيارة قريب له على فراش الموت، وأمضى عدة أيام حافلة في ~~بيوت دعارة ماندالاي. مضى الوقت، وتأجل يوم الهروب عدة مرات؛ فقد ظل ~~حنين السجان لبيوت الدعارة يزداد أكثر فأكثر في الوقت ذاته. وأخيرا ~~قرر أن يضيف لمكافأته مكافأة أخرى بأن وشى بالخطة ليو بو كين، لكن ~~يو بو كين رأى فرصته كالعادة. فأمر السجان بأن يلزم الصمت مهددا ~~إياه بعقوبات صارمة، ثم أرسل خطابا آخر مجهول المصدر إلى السيد ~~ماكجريجور، في نفس ليلة الهروب، بعد أن كان قد فات الأوان لفعل أي شيء، ~~محذرا إياه من محاولة هروب. وغني عن القول أن الخطاب أضاف أن ~~الدكتور فيراسوامي، مشرف السجن، كان قد تلقى رشوة للتواطؤ على ~~الأمر. # في الصباح ساد هرج ومرج وتدافع السجانون ورجال الشرطة في أرجاء ~~السجن؛ إذ كان نجا شوي أو قد هرب. (كان النهر قد حمله لمسافة طويلة، ~~داخل زورق وفره يو بو كين.) في هذه المرة بوغت السيد ماكجريجور. ~~أيا يكن من كتب الخطاب فلا بد أنه كان مطلعا على الخطة، وربما كان ~~يقول الحقيقة بشأن تواطؤ الطبيب. كانت المسألة خطيرة جدا. فإن مشرف ~~السجن الذي يقبل رشاوى للسماح بهروب سجين هو قادر على أي شيء. ومن ثم ~~- ربما لم يكن التسلسل المنطقي واضحا تماما، لكنه كان واضحا كفاية ~~لماكجريجور - ومن ثم صارت تهمة إثارة الفتنة، التهمة الرئيسية الموجهة ~~للطبيب، أكثر قابلية للتصديق بكثير. # كان يو بو كين قد شن هجومه على ms127 الأوروبيين الآخرين في ذات الوقت. ~~فلوري، الذي كان صديقا للطبيب ومصدره الرئيسي لاكتساب الوجاهة، فزع ~~بسهولة حتى إنه تخلى عنه. أما ويستفيلد فكان أمره أصعب قليلا. إذ ~~كان ويستفيلد رجل شرطة، ويعرف الكثير عن يو بو كين، وكان من الممكن أن ~~يفسد خططه. فرجال الشرطة والقضاة أعداء طبيعيون. بيد أن يو بو كين ~~عرف كيف يحول حتى هذه الحقيقة إلى ميزة. فقد اتهم الطبيب، دون ~~الإفصاح عن هويته بالطبع، بأنه متحالف مع الوغد والمرتشي سيئ السمعة يو ~~بو كين. وبذلك حسم ويستفيلد أمره. أما إليس، فلم تكن ثمة حاجة لخطابات ~~مجهولة المصدر في حالته؛ فلا شيء على الإطلاق كان يمكنه أن يجعل رأيه ~~في الطبيب أسوأ مما كان. # بل وأرسل يو بو كين واحدا من خطاباته المجهولة إلى السيدة لاكرستين؛ ~~إذ كان يعلم بنفوذ النساء الأوروبيات. قال الخطاب: إن الدكتور ~~فيراسوامي كان يحرض أهل البلد على خطف النساء الأوروبيات واغتصابهن، ~~ولم ترد تفاصيل، ولا كانت ضرورية. وإنما لمس يو بو كين نقطة ضعف ~~السيدة لاكرستين. كانت كلمات «فتنة» و«قومية» و«تمرد» و«الحكم ~~الذاتي» في ذهنها تستحضر شيئا واحدا، شيئا واحدا لا غير، وهو صورة ~~لها وهي يغتصبها سلسلة من العمال الشديدي السواد، وعيونهم تدور في ~~محاجرها. كانت تلك الفكرة تؤرقها ليلا أحيانا. وهكذا أيا كان ~~التقدير الذي ربما كان يكنه الأوروبيون للطبيب من قبل فقد راح ~~يتهاوى سريعا. # قال يو بو كين بنبرة سرور: «أرأيت، أريت كيف نلت منه. إنه مثل ~~شجرة نشرت من قاعدتها. دفعة واحدة وسوف يهوي. خلال ثلاثة أسابيع أو ~~أقل سأعطيه تلك الدفعة.» # فقالت: «كيف؟» # رد عليها: «سأقول حالا. أعتقد أن الوقت قد حان لتسمعي بالأمر. ~~صحيح أنك لا تفقهين هذه الأمور، لكنك تعلمين كيف تتكتمين. هل أتاك ~~حديث عن هذا التمرد الوشيك قرب قرية ثونجوا؟» ~~«نعم. إنهم حمقى جدا أولئك القرويون. ماذا يستطيعون أن يفعلوا ~~بسيوفهم ورماحهم ضد الجنود الهنود؟ سوف يسقطون مثل الحيوانات ~~البرية.» ~~«بالطبع، إذا وقعت أي معركة ستكون مذبحة. لكنهم مجرد مجموعة من ms128 ~~الفلاحين المؤمنين بالخرافات. لقد ركنوا إلى هذه السترات التافهة ~~المضادة للرصاص التي وزعت عليهم. أزدري ذلك الجهل.» ~~«يا لهم من رجال مساكين! لم لا توقفهم يا كو بو كين؟ ليس هناك ~~ضرورة لحبس أي شخص. عليك فقط الذهاب إلى القرية وإخبارهم أنك تعرف ~~خططهم، ولن يجرءوا أبدا على الاستمرار.» ~~«حسنا، أستطيع أن أوقفهم إذا أردت بالطبع. لكنني لا أريد. ولدي ~~أسبابي. الأمر وما فيه يا كين كين - ولتتكتمي على هذا الأمر - أن هذا ~~التمرد خاص بي، إذا جاز التعبير. لقد أعددت له بنفسي.» ~~«ماذا!» # سقط السيجار من يد ما كين. واتسعت عيناها حتى بدا بياضهما الأزرق ~~الباهت المحيط تماما بحدقتيها. كانت مرتاعة، فانفعلت قائلة: ~~«ماذا تقول يا كو بو كين؟ إنك لا تقصد ما تقول! أنت تثير تمردا ... ~~لا يمكن أن يكون هذا صحيحا!» ~~«إنه صحيح بالتأكيد. وسوف ننجزه على خير وجه. ذلك الساحر الذي ~~أحضرته من رانجون رجل ماهر. لقد تجول في جميع أنحاء الهند ساحرا في ~~سيرك. والسترات المضادة للرصاص اشتريت من متاجر وايت واي أند ليدلو، ~~الواحدة بروبية وثماني آنات. لقد كلفتني مبلغا كبيرا ~~حقا.» ~~«لكن يا كو بو كين! تمرد! حيث ترتكب الفظائع من قتال وإطلاق نار، ~~ويقتل كل أولئك الرجال المساكين! لا يمكن أن تكون قد جننت؟ ألا تخشى ~~أن يطلق عليك النار أنت نفسك؟» # أمسك يو بو كين عن المشي، فقد اندهش. «يا للعجب يا امرأة، كيف جاءت ~~على بالك تلك الفكرة؟ هل تعتقدين أنني سوف أتمرد على الحكومة؟ أنا! ~~وقد ظللت موظفا حكوميا طوال ثلاثين سنة! يا للهول، لا! لقد قلت ~~إنني أثرت التمرد، وليس أنني شاركت فيه. أولئك القرويون الحمقى هم ~~الذين سيخاطرون بحياتهم، وليس أنا. إنه مما لا يخطر على بال أحد أن ~~يكون لي أي شأن به، أو قد يكون لي أبدا، ما عدا با سين وواحد أو ~~اثنين آخرين.» ~~«لكنك قلت إنك أنت من كنت تحثهم على التمرد؟» ~~«بالطبع، كنت قد اتهمت فيراسوامي بإثارة تمرد ضد الحكومة؛ ومن ~~ثم ms129 لا بد أن يكون لدي تمرد لأثبت ذلك، أليس كذلك؟» ~~«فهمت. وحين يندلع التمرد ستقول إن الدكتور فيراسوامي هو المسئول ~~عنه، أليس كذلك؟» ~~«كم أنت بطيئة! أعتقد أن حتى الأحمق كان سيدرك أنني إنما أثير ~~التمرد حتى أقمعه. إنني ... ما ذلك التعبير الذي يستخدمه السيد ~~ماكجريجور؟ عميل محرض. لن تفهميها، فهي لاتينية [العبارة التي قالها ~~يو بو كين كانت بالفرنسية]. إنني عميل محرض. أولا: أحرض هؤلاء ~~المغفلين في ثونجوا على التمرد، ثم ألقي القبض عليهم كمتمردين. في ~~نفس اللحظة المقررة لبدايته سأنقض على الزعماء وأزج بكل واحد منهم في ~~السجن. أظن أنه بعد ذلك ربما ينشب بعض القتال. ربما يقتل بعض الرجال ~~ويرسل آخرون إلى جزر أندمان. لكنني في الوقت ذاته سأكون أول من يصل ~~الميدان. يو بو كين الرجل الذي قمع انتفاضة غاية في الخطورة في اللحظة ~~الأخيرة! سوف أكون بطل المنطقة.» # فخورا عن حق بخطته، راح يو بو كين يذرع الحجرة ذهابا وإيابا ~~واضعا يديه خلف ظهره مبتسما. جعلت ما كين تفكر في الخطة لبعض ~~الوقت، ثم قالت أخيرا: ~~«ما زلت لا أدري لماذا تفعل ذلك يا كو بو كين. إلام سيفضي كل ذلك؟ ~~وما علاقته بالدكتور فيراسوامي؟» ~~«ألن أعلمك الحكمة أبدا يا كين كين! ألم أخبرك في البداية أن ~~فيراسوامي يقف في طريقي؟ وهذا التمرد هو أنسب شيء للتخلص منه. لن ~~نستطيع أبدا بالتأكيد أن نثبت أنه المسئول عنه؛ لكن ما أهمية ذلك؟ ~~سيسلم كل الأوروبيين بأنه متورط فيه بطريقة ما. فهكذا تعمل عقولهم. ~~سوف يقضى عليه إلى الأبد. وفي سقوطه سيكون صعودي. كلما استطعت تشويه ~~صورته، بدا سلوكي أكثر جدارة بالثناء. هل فهمت الآن؟» ~~«نعم، فهمت. وأعتقد أنها خطة حقيرة وشريرة. أعجب من أنك لست خجلانا ~~حتى تخبرني بها.» ~~«الآن يا كين كين! بالتأكيد ليس بنيتك الخوض في ذلك الهراء مرة ~~أخرى.» ~~«لماذا لا تكون سعيدا إلا وأنت تتصرف بشر يا كو بو كين؟ لماذا يجب ~~أن يؤذي كل ما تفعله الآخرين؟ فلتفكر في الطبيب المسكين ms130 الذي ~~سيفصل من عمله، وأولئك القرويين الذين سيطلق عليهم الرصاص أو ~~يقرعون بالخيزران أو يسجنون مدى الحياة. هل من الضروري فعل مثل تلك ~~الأشياء؟ ماذا قد تريده بمزيد من المال وأنت ثري بالفعل؟» ~~«مال! من الذي تحدث عن المال؟ ذات يوم، ستدركين يا امرأة أن ثمة ~~أشياء أخرى في العالم بجانب المال. الشهرة مثلا. العظمة. هل تدركين ~~أنه من الوارد جدا أن يضع حاكم بورما وساما على صدري لتصرفي ~~المخلص في هذه المسألة؟ حتى أنت ألن تكوني فخورة بشرف كبير مثل ~~ذلك؟» # هزت ما كين رأسها، غير ~~متأثرة. «متى ستتذكر أنك لن تعيش ألف عام يا كو بو كين؟ تفكر فيما ~~يحدث لأولئك الذين عاشوا حياة شريرة؛ فهناك على سبيل المثال من تحول ~~إلى فأر أو ضفدعة. بل وهناك جحيم. أتذكر ما قاله لي واحد من الكهنة ذات ~~مرة عن الجحيم، شيء كان قد ترجمه عن الأسفار البالية، وقد كان بشعا ~~جدا. قال: «كل ألف قرن سيغمد رمحان ملتهبان في قلبك، وسوف تحدث ~~نفسك قائلا: «انتهى ألف قرن آخر من عذابي، وما ينتظرني أكثر مما مضى ~~بكثير».» أليس مرعبا جدا أن تتخيل تلك الأشياء يا كو بو ~~كين؟» # ضحك يو بو كين ولوح بيده بإشارة تنم على عدم اكتراث قصد بها ~~«المعابد». ~~«حسنا، أرجو أن تظل تضحك عندما تحين النهاية. أما أنا فلا أريد أن ~~أتذكر حياة كتلك.» # أعادت إشعال السيجار وقد ولت يو بو كين كتفها النحيل بينما أخذ هو ~~يدور عدة دورات أخرى في أنحاء الحجرة. وحين تحدث، كان أكثر جدية من ذي ~~قبل، بل وبلمحة من خجل. ~~«أتعلمين يا كين كين، ثمة أمر آخر وراء كل هذا. شيء لم أحدثك به ~~ولا أي شخص آخر. حتى با سين لا يعرفه. لكن أعتقد أنني سأخبرك به ~~الآن.» ~~«لا أريد سماعه إذا كان فيه شر آخر.» ~~«لا، لا. لقد سألتني عن الدافع الحقيقي في هذه المسألة. تحسبين على ~~ما أعتقد أنني أدمر فيراسوامي فقط بغضا له ولأفكاره لكونها مصدر ms131 ~~إزعاج لي. لكن ليس هذا كل ما في الأمر. ثمة شيء آخر أهم كثيرا، وهو ~~يخصك مثلما يخصني.» ~~«ما هو؟» ~~«ألم تشعري في داخلك قط برغبة في أشياء أرقى يا كين كين؟ ألم يبد ~~لك قط بعد كل نجاحاتنا - التي هي نجاحاتي في الواقع - أننا ما زلنا في ~~نفس الوضع كما كنا حين بدأنا؟ لقد وصلت ثروتي إلى مائتي ألف روبية، على ~~ما أعتقد، لكن انظري إلى الأسلوب الذي نعيش به! انظري إلى هذه الحجرة! ~~حقا إنها ليست أفضل حالا من حجرة واحد من الفلاحين. لقد سئمت من ~~الأكل بأصابعي والاختلاط بالبورميين فقط - الفقراء الأرذال - والعيش ~~مثل موظف بائس في شئون البلدة، إذا جاز القول. المال لا يكفي؛ أود ~~أن أشعر أنني ارتقيت في الحياة كذلك. ألا تتمنين أحيانا عيشة تكون ~~أكثر ... كيف أصفها ... رقيا؟» ~~«لا أعلم كيف لنا أن نريد أكثر مما لدينا بالفعل. حين كنت فتاة في ~~قريتي لم يخطر ببالي قط أنني قد أعيش في بيت كهذا. انظر إلى تلك ~~المقاعد الإنجليزية! لم أجلس على واحد منها قط في حياتي. لكن أشعر ~~بفخر شديد حين أنظر إليها ويخطر لي أنني أمتلكها.» ~~«صه! لماذا تركت قريتك من الأساس يا كين كين؟ فأنت لا يناسبك سوى ~~أن تقفي تثرثرين بالنميمة لدى البئر وعلى رأسك جرة ماء من الحجر. ~~أما أنا فأكثر طموحا، حمدا لله. والآن سأخبرك بالسبب الحقيقي ~~لتآمري على فيراسوامي. في ذهني أن أفعل شيئا رائعا حقا، شيئا ~~رفيعا ومجيدا! شيئا فيه أعلى درجات الشرف التي قد يبلغها شرقي. ~~تعلمين ما أقصد بالطبع، أليس كذلك؟» ~~«لا. ما الذي تقصده؟» ~~«فلتفكري! أعظم إنجاز في حياتي! يمكنك أن تخمني ~~بالتأكيد.» ~~«آه، عرفت! سوف تشتري سيارة. لكن لا تتوقع مني ركوبها يا كو بو ~~كين رجاء!» # لوح يو بو كين بيديه في اشمئزاز. «سيارة! لديك عقل بائعة فول ~~سوداني في البازار! أستطيع شراء عشرين سيارة إذا أردت . لكن ما فائدة ~~السيارة في هذا المكان؟ كلا، إنه شيء أكثر عظمة بكثير من ms132 ذلك.» ~~«ما هو إذن؟» ~~«إنه الآتي: عرفت بالصدفة أن الأوروبيين خلال شهر سيختارون واحدا من ~~أهل البلد ليكون عضوا في ناديهم. إنهم لا يريدون ذلك، لكنهم سيتلقون ~~أوامر من المفوض، وسيرضخون لها. وبطبيعة الحال سيختارون فيراسوامي، ~~فهو أعلى مسئول من أهل البلد في المنطقة. لكنني شوهت سمعة فيراسوامي؛ ~~ومن ثم ...» ~~«ماذا؟» # لم يحر يو بو كين جوابا للحظة. نظر إلى ما كين، وقد رق وجهه ~~الأصفر الضخم بفكه العريض وأسنانه العديدة، حتى كاد يصير مثل وجه طفل. ~~ربما كان ثمة دموع في عينيه السمراوين. ثم قال بصوت خفيض يكاد يكون ~~متهيبا، كأن عظمة ما كان يقوله قد غمرته: ~~«ألم تفهمي يا امرأة؟ ألم تفهمي أنه حين تلطخ سمعة فيراسوامي ~~سأنتخب أنا لعضوية النادي؟» # كان للكلام وقع ساحق. فلم يصدر من طرف ما كين كلمة جدال أخرى. إذ ~~ألقمتها عظمة خطة يو بو كين حجرا. # وليس هذا مستغربا، فكل ما حققه يو بو كين من إنجازات في حياته لم ~~يكن شيئا إلى جانب هذا؛ فهو انتصار حقيقي، ويضاعف من قيمته إنه في ~~كياوكتادا؛ أن يختلس موظف من الدرجات الدنيا طريقه إلى النادي ~~الأوروبي. النادي الأوروبي، ذلك المعبد البعيد الغامض، قدس الأقداس ~~الأصعب كثيرا في دخوله من النيرفانا! بو كين، الصبي المتشرد من ~~ماندالاي، والكاتب السارق والمسئول المغمور، سوف يدخل المكان المقدس، ~~ويخاطب الأوروبيين بلا تكليف، ويشرب الويسكي والصودا ويضرب الكرات ~~البيضاء يمينا ويسارا على الطاولة الخضراء! وما كين، المرأة القروية، ~~التي أول ما التقطت عيناها الضوء كان من خلال شقوق كوخ خيزران مسقف ~~بسعف النخيل، سوف تجلس على مقعد مرتفع وقد حبست قدماها في جوارب حرير ~~وحذاء بكعب عال (نعم، سترتدي حقا حذاء في ذلك المكان!) وتتحدث ~~مع السيدات الإنجليزيات باللغة الهندستانية عن أقمشة الأطفال! كان ~~احتمالا جديرا أن يذهل أي شخص. # لاذت ما كين بالصمت طويلا، وقد افترت شفتاها وهي تفكر في ~~النادي الأوروبي وأشكال الأبهة التي قد يحتوي عليها. ولأول مرة في ~~حياتها طالعت مكائد يو بو كين من ms133 دون استنكار. ربما كانت زراعة بذرة ~~الطموح في قلب ما كين الرقيق إنجازا أكبر كثيرا من اقتحام ~~النادي. # | الفصل الثالث عشر # مع دخول فلوري من بوابة مجمع المستشفى مر به أربعة كناسين ملابسهم ~~رثة، حاملين جثة عامل، ملفوفة في خيش، إلى لحد يبلغ عمقه قدما في ~~الغابة. عبر فلوري الأرض الشبيهة بالقرميد إلى الساحة الواقعة بين ~~سقائف المستشفى. في أنحاء الشرفات الواسعة على أسرة من دون شراشف، ~~رقدت صفوف من رجال بوجوه رمادية صامتين بلا حراك. وكان ثمة بعض الكلاب ~~الهجينة القذرة المنظر، كان يقال إنها تلتهم الأعضاء المبتورة، وقد ~~راحت تغفو أو تنهش براغيثها بين دعامات المباني. لف المكان بأسره ~~جو من القذارة والعفن. وكان الدكتور فيراسوامي يحاول جاهدا الحفاظ ~~على نظافته، لكن لا شيء كان سيتغلب على الغبار وسوء الموارد المائية، ~~وكسل الكناسين ومساعدي الجراحين غير الحاصلين على تدريب كاف. # أخبر فلوري أن الطبيب كان في قسم العيادات الخارجية، وهو حجرة ~~جدرانها من الجص ليس بها من المتاع إلا طاولة وكرسيان، وصورة متربة ~~للملكة فيكتوريا، مالت ميلا شديدا. كان جمع من البورميين، فلاحون ~~بعضلات متيبسة تحت أسمالهم الباهتة يدخلون الحجرة في طابور، ~~ويصطفون لدى الطاولة. كان الطبيب مرتديا قميصا من دون سترة ~~ويتصبب عرقا. وقد هب واقفا وهو يهتف معبرا عن سروره، وبأسلوبه ~~النيق السريع المعتاد دفع بفلوري على كرسي شاغر وأخرج علبة سجائر من ~~الصفيح من درج الطاولة. ~~«يا لها من زيارة سارة! فلتكن على راحتك رجاء، هذا إن كان يمكن ~~لأحد الشعور بأي راحة في مكان كهذا، ها ها! سوف نتحدث فيما بعد، في ~~منزلي، مع الجعة ووسائل الراحة. أرجو أن تسمح لي بالانصراف إلى شئون ~~الجمهور.» # جلس فلوري، فراح العرق الساخن يتدفق منه في الحال حتى بلل قميصه؛ ~~إذ كانت حرارة الحجرة خانقة، ورائحة الثوم تنبعث من كل مسام ~~الفلاحين. مع وصول كل رجل إلى الطاولة كان الطبيب يهب من مقعده ، ~~وينكز المريض في ظهره، ويضع أذنه السوداء على صدره، ويسأل متعجلا ~~عدة أسئلة بلغة ms134 بورمية ركيكة، ثم يعود سريعا إلى الطاولة ويدون ~~الروشتة على عجالة. فيأخذ المرضى الروشتات ويعبرون الساحة إلى صانع ~~التركيبات، الذي كان يعطيهم زجاجات مليئة بالماء وأصباغ نباتية ~~متنوعة. كان صانع التركيبات يتعيش إلى حد كبير من بيع المخدرات؛ ~~إذ كانت الحكومة تدفع له خمسا وعشرين روبية فقط شهريا. إلا أن ~~الطبيب لم يكن لديه علم بهذا. # في صباح أغلب الأيام كان لا يتاح للطبيب متسع من الوقت للكشف على ~~مرضى العيادة الخارجية بنفسه، فكان يتركهم لمساعد جراح، كان يتبع ~~أساليب وجيزة في التشخيص. إذ كان بكل بساطة يسأل كل مريض: «أين ~~تشعر بالألم؟ في الرأس، أم الظهر، أم البطن؟» وعند الإجابة يناولونه ~~وصفة من إحدى ثلاث رزم كانوا قد حضروها مسبقا. وكان المرضى ~~يفضلون هذا الأسلوب كثيرا عن أسلوب الطبيب. إذ كان من دأب الطبيب ~~أن يسألهم ما إذا كانوا قد عانوا من أمراض تناسلية - سؤال غير لائق ~~وغير مجد - وكان أحيانا يروعهم أكثر من ذلك بالنصح بإجراء ~~عمليات، وهو ما كانوا يشيرون إليه بعبارة «فتح البطن». كان أغلبهم ~~يفضلون أن يموتوا عشر مرات على أن يخضعوا لعملية «فتح بطن». # بمجرد أن ذهب المريض الأخير ارتمى الطبيب على كرسيه، وجعل ~~يهوي على وجهه بدفتر الروشتات. ~~«أف لهذا الحر! في صباح بعض الأيام أشعر أن رائحة الثوم لن تبارح ~~أنفي أبدا! أتعجب كيف يصير دمهم ذاته مشبعا به! ألا تشعر باختناق ~~يا سيد فلوري؟ فحاسة الشم لديكم أنتم الإنجليز متطورة للغاية. يا لها ~~من عذابات تلك التي تعانونها جميعا حتما في شرقنا القذر!» ~~«ربما يجدر أن يكتبوا فوق قناة السويس: «على جميع من سيدخلون من هنا ~~ترك أنوفهم»، أليس كذلك؟ تبدو مشغولا هذا الصباح؟» ~~«كالعادة، لكن كم هو محبط عمل الطبيب في هذا البلد يا صديقي! هؤلاء ~~القرويون ... يا لهم من همج جهلة قذرين! جل ما يمكننا عمله هو أن ~~نحملهم على المجيء إلى المستشفى، لكنهم يفضلون الموت بالغرغرينا أو ~~العيش بورم بحجم الشمامة لعشر سنوات على أن يخضعوا للمشرط. ويا ms135 للأدوية ~~التي يعطيها لهم أطباؤهم المزعومون! أعشاب حصدت تحت ضوء الهلال، ~~وشوارب نمر، وقرون خرتيت، وبول، ودم حيض! إنه لمقزز أن يشرب إنسان مثل ~~تلك التركيبات.» ~~«لكنه بالأحرى مذهل. لا بد أن تؤلف دستورا بالأدوية البورمية يا ~~دكتور. سيكون بنفس جودة دستور كلبيبر.» # قال الطبيب وقد بدأ يرتدي معطفه الأبيض بعصبية: «بهائم همج، بهائم ~~همج. هلا عدنا إلى منزلي؟ يوجد جعة وأظن القليل من قطع الثلج المتبقية. ~~لدي عملية الساعة العاشرة، فتق مختنق، مستعجلة جدا. حتى ذلك الوقت ~~أنا حر.» ~~«حسنا. في الواقع ثمة شيء كنت أود حقا أن أحدثك ~~بشأنه.» # عبر المرضى الساحة عائدين وصعدوا سلم شرفة الطبيب، الذي راح يتحسس ~~صندوق الثلج ليجد أنه قد ذاب كله إلى مياه فاترة، ففتح زجاجة جعة ونادى ~~على الخدم بعصبية ليضعوا بضع زجاجات أخرى في حامل من القش المبتل ~~ويعلقونه في الهواء. كان فلوري واقفا يطل من سور الشرفة، وقبعته ~~ما زالت على رأسه. كان في الحقيقة قد جاء ليقدم اعتذارا، بعد أن ~~ظل يتحاشى الطبيب طوال أسبوعين تقريبا، بالفعل منذ اليوم الذي وضع ~~فيه اسمه في الإعلان المسيء في النادي. لكن كان لا بد من النطق ~~بالاعتذار. كان يو بو كين خبيرا جيدا جدا بالرجال، لكنه أخطأ حين ~~افترض أن خطابين مجهولي المصدر كافيين لإبعاد فلوري مذعورا عن صديقه ~~إلى الأبد. ~~«فلتسمع يا دكتور، أتعلم ما أردت قوله؟» ~~«أنا؟ لا.» ~~«بل تعلم. إنه بشأن تلك المكيدة الكريهة التي كدتها لك ذلك الأسبوع. ~~حين علق إليس ذلك الإعلان على لوحة النادي ووقعت أنا عليه. لا ~~بد أنك سمعت بالأمر. أود أن أشرح ...» ~~«كلا، كلا يا صديقي، لا، لا!» كان الطبيب في ضيق شديد حتى إنه عبر ~~الشرفة مسرعا وقبض على ذراع فلوري. «لا تفسر شيئا! لا تذكر ~~الأمر أبدا أرجوك! إنني متفهم تماما، تماما جدا.» ~~«لا، إنك لا تدري. لا يمكنك ذلك. فأنت لا تدرك أي نوع من الضغط ~~يمارس علينا لنفعل أشياء مثل تلك. لم يكن ثمة شيء ليجعلني أوقع ms136 ~~ذلك الإعلان. لم يكن شيء ليحدث لو أنني رفضت. لا يوجد قانون يطالبنا ~~بأن نعامل الشرقيين معاملة كريهة، بل العكس تماما، لكن جل ما هناك ~~أن المرء لا يجرؤ على إخلاص الود لشرقي ما دام هذا يعني معارضة ~~الآخرين. إنه ليس من المعقول. لو كنت عارضت الإعلان معارضة صريحة ~~لكان لحقني العار في النادي طوال أسبوع أو أسبوعين. لذلك جبنت ~~كالعادة.» ~~«أرجوك يا سيد فلوري، أرجوك! إذا واصلت الكلام ستجعلني أشعر بالحرج ~~حقا؛ كما لو أنني لم أستطع أن ألتمس لك الأعذار على موقفك.» ~~«إن شعارنا، كما تعلم: «في الهند تصرف كما يتصرف ~~الإنجليز».» ~~«بالطبع، بالطبع. وإنه لشعار نبيل للغاية «متآزرين معا»، كما ~~تسميه. إنه سر تفوقكم علينا نحن الشرقيين.» ~~«حسنا، إن الاعتذار لن يجدي أبدا. أما ما جئت هنا لأقوله فهو أن ~~ذلك لن يحدث ثانية. في الواقع ...» ~~«مهلا، مهلا يا سيد فلوري، فلتسدني معروفا بألا تزيد كلاما في ~~هذا الموضوع. لقد انتهى ونسي تماما. فلتشرب جعتك قبل أن تصير ساخنة ~~كالشاي، رجاء. كما أن لدي شيئا أود إخبارك به. فلم تسألني عن ~~أخباري بعد.» ~~«أجل، أخبارك. صحيح، كيف أخبارك؟ كيف جرت الأحوال طوال هذا الوقت. ~~كيف حال السيدة بريطانيا؟ ما زالت على فراش الموت؟» ~~«أجل، حالتها سيئة جدا، غاية في السوء! لكنها ليست في سوء حالتي. ~~إنني في مأزق يا صديقي.» ~~«ما الأمر؟ يو بو كين مجددا؟ هل ما زال يشهر بك؟» ~~«ليته كان يشهر بي! هذه المرة ... حسنا، إنه عمل شيطاني. هل سمعت ~~يا صديقي بالتمرد المفترض أنه على وشك الاندلاع في المنطقة؟» ~~«سمعت أقوالا كثيرة. كان ويستفيلد قد مضى ناويا القتال، لكنني سمعت ~~أنه لم يستطع العثور على أي متمردين. وإنما المعتاد من المعارضين ~~القرويين الذين يرفضون سداد ضرائبهم.» ~~«صحيح. يا لهم من حمقى مساكين! هل تعلم كم تبلغ الضريبة التي رفض ~~أغلبهم سدادها؟ خمس روبيات! سرعان ما سيسأمون ويدفعون. تواجهنا هذه ~~المشكلة كل عام. لكن فيما يتعلق بالتمرد - التمرد المزعوم يا سيد ~~فلوري - أرجو أن ms137 تعلم أن ما خفي كان أعظم.» ~~«حقا؟ ما الأمر؟» # تفاجأ فلوري حين بدرت من الطبيب حركة غضب عنيفة حتى إنه سكب أغلب ~~الجعة من يده. ثم وضع كوبه على سور الشرفة وقال منفعلا: ~~«إنه يو بو كين مجددا! ذلك الوغد الذي يجل عن الوصف! ذلك التمساح ~~الذي عدم المشاعر الطبيعية! ذلك ... ذلك ...» ~~«أكمل. «ذلك الصندوق المليء بالآفات البشرية؛ ذلك الجوال المفعم ~~بالأسقام، ذلك البرميل الذي صفيت فيه كل الشرور» ... استمر. ما الذي ~~ينويه الآن؟» ~~«خسة لا يضاهيها خسة»، وهنا راح الطبيب يوضح مؤامرة التمرد ~~الزائف، تماما كما شرحها يو بو كين لما كين. التفصيلة الوحيدة التي لم ~~يكن يعلمها هي نية يو بو كين أن يجعل نفسه يختار لعضوية النادي ~~الأوروبي. لا يمكن القول بأن وجه الطبيب كان متوردا بالضبط، لكنه ~~صار أشد سوادا بعدة درجات في فورة غضبه. أما فلوري فقد كان من ~~الاندهاش في غاية حتى إنه ظل واقفا. ~~«يا له من شيطان خبيث! من كان يتخيل أنه يستطيع ذلك؟ لكن كيف ~~استطعت معرفة كل هذا؟» ~~«تبقى لي القليل من الأصدقاء. لكن هل رأيت يا صديقي أي دمار ~~يدبره لي؟ لقد انهال علي بافتراءات شتى بالفعل. وحين يندلع هذا ~~التمرد الغبي، سيبذل كل ما في وسعه ليربط اسمي به. وأؤكد لك أن أقل ~~شبهة تمس ولائي من الممكن أن تتسبب في هلاكي، هلاكي! إذا همس ~~أي خبر بمجرد تعاطفي مع هذا التمرد، سوف تكون نهايتي.» ~~«لكن تبا، هذا لا يعقل! لا بد أن بإمكانك الدفاع عن نفسك بطريقة ~~ما.» ~~«كيف يمكنني الدفاع عن نفسي وأنا لا أستطيع إثبات شيء؟ أعلم أن كل ~~هذا صحيح، لكن ما الجدوى؟ حتى إذا طالبت بتحقيق عام، مقابل كل شاهد ~~سآتي به سيأتي يو بو كين بخمسين. إنك لا تدري بنفوذ ذلك الرجل في ~~المنطقة. فلا أحد يجرؤ على الشهادة ضده.» ~~«لكن ما حاجتك لإثبات أي شيء؟ لماذا لا تذهب لماكجريجور وتخبره ~~بالأمر؟ إنه رجل حقاني جدا بطريقته، وسوف ينصت لك حتى ~~النهاية.» ms138 ~~«لا جدوى، لا جدوى. ليس لديك عقلية شخص متآمر يا سيد فلوري. تقديم ~~التبريرات يدل على ارتكاب الذنب، أليس كذلك؟ لا فائدة ترجى من ~~الصياح بأن هناك مؤامرة ضدي.» ~~«حسنا، ماذا ستفعل إذن؟» ~~«ليس هناك ما يسعني فعله. علي ببساطة أن أنتظر على رجاء أن ~~تنقذني مكانتي. في مثل هذه الأمور، حين تكون سمعة أحد المسئولين من ~~أهل البلد على المحك، لا يهم الإثبات أو الدليل. إنما يتوقف الأمر ~~برمته على منزلته لدى الأوروبيين. إذا كان لي منزلة حسنة لن ~~يصدقوا عني ذلك؛ إذا كانت سيئة فسوف يصدقون. المكانة هي كل ~~شيء.» # لاذ الاثنان بالصمت لحظة. فهم فلوري جيدا أن «المكانة هي كل شيء». ~~كان معتادا على هذه النزاعات المبهمة؛ حيث الشك أهم من الإثبات، ~~والصيت أوقع من أكثر من ألف شاهد. ثم ~~طرأت على باله فكرة، فكرة تبعث على القلق والخوف، ما كانت لتخطر على ~~باله قبل ثلاثة أسابيع. كانت إحدى تلك اللحظات التي يرى فيها المرء ~~بوضوح تام ما هو واجبه، ويرغب بشدة أن يتملص منه، لكن يساوره يقين أنه ~~لا بد أن يقوم به. هكذا قال: «لنفترض مثلا أنك انتخبت لعضوية النادي. ~~هل سيكون في ذلك أي فائدة لمكانتك؟» ~~«إذا انتخبت لعضوية النادي! أجل، بالتأكيد! النادي! إنه قلعة حصينة. ~~بمجرد أن أدخله، لن ينصت أحد إلى تلك الحكايات التي تقال عني إلا ~~كأنها عنك أنت أو السيد ماكجريجور أو أي سيد أوروبي آخر. لكن أي أمل ~~يحدوني في أن ينتخبوني بعد أن سممت أفكارهم عني؟» ~~«حسنا، اسمعني يا دكتور، لدي فكرة. سأقترح اسمك في الجمعية ~~العمومية التالية. المفترض أن المسألة ستطرح عندئذ على حد علمي، ~~وأعتقد أنه إذا تقدم أحد باسم مرشح فلن يصوت أحد ضده سوى إليس. وفي ~~الوقت ذاته ...» ~~«آه يا صديقي، يا صديقي العزيز!» كاد الطبيب يختنق من فرط التأثر. ~~ثم قبض على يده وقال: «آه يا صديقي، هذا تصرف نبيل! تصرف نبيل حقا! ~~لكن هذا كثير جدا. أخشى أن تقع في مشكلة مع ms139 أصدقائك الأوروبيين مرة ~~أخرى. السيد إليس مثلا، هل سيتغاضى عن اقتراحك اسمي؟» ~~«أف لإليس. عليك أن تفهم أنني لا أستطيع أن أعد بانتخابك. فالأمر ~~يتوقف على ما سيقوله ماكجريجور والحالة المزاجية التي سيكون عليها ~~الآخرون. وقد ينتهي الأمر برمته إلى لا شيء.» # كان الطبيب لا يزال ممسكا بيد فلوري بين يديه، اللتين كانتا ~~مكتنزتين ورطبتين. وكانت الدموع قد تصاعدت فعلا إلى عينيه، اللتين ~~جعلتهما نظارته تبدوان مكبرتين، يطالع بريقهما فلوري مثل عينين ~~لامعتين لكلب. ~~«آه يا صديقي! ليتني أنتخب! فأي نهاية ستكون لكل متاعبي! لكن كما ~~قلت لك من قبل يا صديقي، لا تكن شديد التهور في هذا الأمر. فلتحترس من ~~يو بو كين! لا بد أنه قد احتسبك بالفعل بين أعدائه. ومن الممكن أن ~~تكون عداوته خطيرة حتى عليك.» ~~«يا إلهي، ليس بإمكانه أن يمسني. ولم يفعل شيئا حتى الآن، فقط ~~القليل من الخطابات المجهولة المصدر التافهة.» ~~«ما كنت لأفرط في الاطمئنان لو كنت مكانك؛ فهو لديه أساليب خفية ~~للهجوم. ومن المؤكد أنه سيقيم الدنيا ويقعدها للحول دون انتخابي ~~لعضوية النادي. إذا كان لديك نقطة ضعف فلتحرسها يا صديقي. فسوف ~~يكتشفها. إنه دائما ما يصيب نقاط الضعف.» # أفاد فلوري قائلا: «مثل التمساح.» # وافقه الطبيب بجدية قائلا: «مثل التمساح، لكن كم سيسرني أن أصير ~~عضوا في ناديك الأوروبي يا صديقي! يا له من شرف أن أكون زميلا لرجال ~~أوروبيين مهذبين! لكن ثمة مسألة أخرى يا سيد فلوري لم أكترث ~~لذكرها من قبل. وهي - أرجو أنه يكون هذا مفهوما بوضوح - أنني لا أنوي ~~استغلال النادي بأي طريقة. فالعضوية هي كل ما أرغب فيه. وحتى إذا ~~انتخبت، لن أجرؤ قط بالطبع على الذهاب إلى النادي.» ~~«لن تأتي إلى النادي؟» ~~«لا، لا! معاذ الله أن أفرض صحبتي على السادة الأوروبيين ~~المهذبين! سوف أسدد اشتراكاتي فحسب. يكفيني ذلك الامتياز الرفيع. ~~أعتقد أنك تدرك قصدي، أليس كذلك؟» ~~«تماما يا دكتور، تماما .» # لم يستطع فلوري أن يمنع نفسه من الضحك وهو يسير صاعدا التل. صار ~~الآن ms140 ملزما حتما باقتراح انتخاب الطبيب. وستثور مشاجرة عارمة حين ~~يسمع الآخرون بالأمر. يا لها من ~~مشاجرة عويصة! لكن المدهش أن ذلك لم يفعل به شيئا سوى أن جعله يضحك. ~~الاحتمال الذي كان حقيقا أن يروعه قبل شهر يكاد يبهجه ~~الآن. # لماذا؟ ولماذا أعطى وعدا من الأساس؟ كان أمرا بسيطا، مجازفة صغيرة ~~- ليس بها شيء بطولي - إلا أنه كان مخالفا لطبعه. لماذا، بعد كل هذه ~~السنوات - سنوات من العيش بحذر مثل واحد من سائر السادة الأوروبيين ~~الواعين - يحطم كل القواعد فجأة؟ # كان يعلم السبب. كان السبب أن إليزابيث، بدخولها حياته، غيرتها ~~وجددتها تماما كأنه لم تمر عليه كل تلك السنوات من القذارة ~~والبؤس قط؛ إذ غير وجودها مدار تفكيره كلية. فقد أعادت له هواء ~~إنجلترا، إنجلترا العزيزة؛ حيث التفكير حر ولا يحكم على المرء ~~باتباع سلوك «البوكا صاحب» إلى الأبد من أجل تهذيب الأعراق الدنيا. ~~تساءل في نفسه: ماذا حدث للحياة التي كنت أعيشها مؤخرا؟ مجرد وجودها ~~جعل التصرف بلياقة ممكنا بل وطبيعيا. # تساءل مرة أخرى مع مروره من بوابة الحديقة: ماذا حدث للحياة التي ~~كنت أعيشها مؤخرا؟ كان سعيدا، سعيدا. فقد أدرك أن المتقين على حق ~~حين يقولون إن ثمة خلاصا وإن الحياة من الممكن أن تبدأ من جديد. سار ~~الممشى، وبدا له أن منزله، وزهوره، وخدمه، حياته بأسرها التي كانت منذ ~~وقت قصير غارقة في ضجر وشوق للوطن، جعلت بطريقة ما جديدة وذات معنى ~~وجميلة بلا حدود. كم من الممكن أن يصير كل شيء ممتعا، فقط إذا كان ~~لديك شخص لتشاركه إياه! كم من الممكن أن تهوى هذا البلد، فقط إذا لم ~~تكن وحيدا! كان نيرو بالخارج على الممشى متحديا الشمس من أجل بعض من ~~حبوب الأرز التي أسقطها البستاني وهو يأخذ الطعام إلى عنزاته. اندفعت ~~فلو إليه، لاهثة، وانطلق نيرو في الهواء بنشاط وحط على كتف فلوري. سار ~~فلوري إلى المنزل بالديك الأحمر الصغير بين ذراعيه، مربتا على طوقه ~~الحريري الملمس وريش ظهره الناعم المتخذ شكل الألماس. # لم ms141 يكد يطأ الشرفة حتى علم أن ما هلا ماي في المنزل. لم يكن بحاجة ~~لأن يأتيه كو سلا من الداخل مسرعا بوجه عليه نذر الشر. فقد كان فلوري ~~قد اشتم رائحة الصندل والثوم وزيت جوز الهند والياسمين الذي في ~~شعرها. فأنزل نيرو على سور الشرفة. # قال كو سلا: «لقد عادت المرأة.» # كان فلوري قد شحب بشدة. وكان حين يشحب تجعله الوحمة يبدو قبيحا حد ~~البشاعة. شعر بوخز كأن شفرة من جليد قد اخترقت أحشاءه. كانت ما هلا ~~ماي قد ظهرت في مدخل مخدع النوم؛ إذ وقفت خافضة وجهها، وهي تنظر إليه ~~من أسفل حاجبين مرتخيين. # قالت بصوت خفيض، تناصفت فيه نبرتا الحزن والاستعجال: ~~«سيدي.» # قال فلوري بغضب لكو سلا، منفثا عن خوفه وغضبه عليه: ~~«انصرف!» # قالت: «فلتأت إلى المخدع يا سيدي. لدي شيء لأقوله لك.» # تبعها إلى المخدع. خلال أسبوع - كان أسبوعا فحسب - تدهور مظهرها ~~بشكل غير عادي. فقد بدا شعرها ملبدا. واختفت كل قلاداتها، وكانت ~~ترتدي إزارا من قماش قطني منقوش بزهور صنع في مانشستر، بروبيتين ~~وثماني آنات. وكانت قد دهنت وجهها بطبقة سميكة جدا من البودرة حتى ~~بدا كأنه قناع مهرج، وعند منبت شعرها، حيث انتهت طبقة البودرة، ظهر ~~خط من جلدها بلونه البني الأصلي. بدت عليها سيماء العاهرات. أبى ~~فلوري أن يواجهها، وإنما وقف ينظر بعبوس من خلال الباب المفتوح على ~~الشرفة. ~~«ماذا تريدين بالرجوع هكذا؟ لماذا لم تعودي إلى قريتك؟» ~~«إنني مقيمة في كياوكتادا، في منزل ابن عمي. كيف يمكنني العودة إلى ~~قريتي بعد ما حدث؟» ~~«وماذا تقصدين بإرسالك رجالا للمطالبة بمال مني؟ كيف يمكنك أن ~~تحتاجي إلى مزيد من المال بهذه السرعة، وقد أعطيتك مائة روبية منذ ~~أسبوع فقط؟» # أعادت قولها، متجاهلة ما قاله: «كيف يمكنني العودة؟» ارتفع صوتها ~~ارتفاعا شديدا فجأة حتى إنه استدار. كانت واقفة بقامة شديدة ~~الانتصاب، متجهمة، وقد ضمت حاجبيها الأسودين وزمت ~~شفتيها. ~~«لماذا لا تستطيعين العودة ؟» ~~«بعد ذلك! بعد ما فعلته بي!» # انفجرت فجأة في ملامة مطولة مهتاجة، وقد علا ms142 صوتها بالصراخ ~~الهستيري الوقح الذي يصدر عن نساء البازار حين يتعاركن. ~~«كيف يمكنني العودة، ليسخر مني أولئك الفلاحون الوضعاء الأغبياء ~~الذين أحتقرهم ويشيرون إلي؟ أنا التي كنت «بوكاداو»، زوجة رجل ~~أبيض، أعود إلى بيت أبي، وأهز سلال الأرز مع الشمطاوات والنساء ~~البالغات القبح اللواتي لم يجدن أزواجا! آه، يا للعار، يا للعار! ~~طيلة سنتين كنت زوجتك، أحببتني واعتنيت بي، وفجأة من دون إنذار، من ~~دون سبب طردتني من منزلك مثل كلب. والآن علي أن أعود إلى قريتي، بلا ~~مال، وقد ذهب كل مصاغي وأزري الحرير، حتى يشير إلي الناس ويقولون: ~~«ها هي ما هلا ماي التي ظنت أنها أذكى منا. انظروا! لقد فعل بها ~~رجلها الأبيض كما يفعلون دائما.» لقد قضي علي، قضي علي! أي رجل ~~سوف يتزوجني بعد أن عشت في منزلك عامين؟ لقد سلبتني شبابي. آه، يا ~~للعار، يا للعار!» # لم يستطع النظر إليها؛ وقف عاجزا، شاحبا، خجلان. كانت كل كلمة ~~نطقت بها لها تبرير، فكيف يخبرها أنه لم يستطع أن يفعل غير ما فعله؟ ~~كيف يخبرها أن الاستمرار عشيقا لها كان سيصير فضيحة وخطيئة؟ كاد ينكمش ~~منها، وبرزت الوحمة في وجهه الأصفر كأنها بقعة حبر. قال بفتور، ~~لاجئا تلقائيا إلى المال؛ فالمال لم يخفق قط مع ~~ما هلا ماي: ~~«سوف أعطيك مالا. ستحصلين على الخمسين روبية التي طلبتها مني، ~~والمزيد فيما بعد. فلن يكون لدي نقود أخرى حتى الشهر ~~القادم.» # كان هذا حقيقيا. فقد أتت المائة روبية التي كان قد أعطاها لها، وما ~~أنفقه على الملابس على أغلب ما لديه من نقد سائل. هنا انفجرت في عويل ~~مدو أربكه. تقلص قناعها الأبيض وانهمرت الدموع سريعا وتدفقت ~~على وجنتيها. وقبل أن يتسنى له أن يوقفها كانت قد خرت على ركبتيها ~~أمامه وسجدت لامسة الأرض بجبهتها في وضع الانبطاح بالكامل أمام ~~السادة بمذلته المطلقة. # هتف فلوري: «انهضي، انهضي!» فطالما روعه وضع الانبطاح المخزي ~~المذل، من رأس مطأطئ وجسد منحن كأنه يدعو للضرب. «لا قبل لي ~~بهذا. انهضي في الحال.» ms143 نوحت مرة أخرى، وحاولت التشبث بكاحليه، ~~لكنه تراجع سريعا. ~~«انهضي في الحال وكفي عن ذلك الصخب الفظيع. إنني لا أعلم علام ~~تبكين.» # لم تنهض، وإنما قامت على ركبتيها وأخذت تنوح له. «لماذا تقدم لي ~~مالا؟ هل تعتقد أنني عدت من أجل المال فقط؟ هل كنت تظن أنني لا ~~أكترث إلا للنقود حين طردتني من منزلك مثل الكلب؟» # قال مجددا: «انهضي.» كان قد ابتعد بضع خطوات، خشية أن تمسك به. ثم ~~قال: «ماذا تريدين إذا لم يكن مالا؟» # نوحت قائلة: «لماذا تكرهني؟ ما الأذى الذي ارتكبته؟ لقد سرقت علبة ~~سجائرك، لكنك لم تكن غاضبا من ذلك. لكنك سوف تتزوج تلك المرأة ~~البيضاء، أعلم ذلك، والجميع يعلمون. لكن ماذا في ذلك، لماذا تصر على ~~طردي؟ لماذا تكرهني؟» ~~«إنني لا أكرهك. لا أستطيع شرح الأمر. فلتنهضي، انهضي ~~أرجوك.» # كانت آنذاك تبكي بلا أدنى خجل. فلم تكن سوى طفلة على أي حال. نظرت ~~إليه من خلال دموعها، تتفرسه بلهفة بحثا عن أثر لشفقة. ثم أتت حركة ~~مروعة؛ إذ تمددت بالكامل على وجهها. # صاح فلوري بالإنجليزية: «انهضي، انهضي! إنني لا أطيق هذا، هذا شنيع ~~للغاية!» # لم تنهض، وإنما زحفت، مثل الدودة، عابرة الأرض إلى قدميه مباشرة. ~~وقد صنع جسدها خطا عريضا في الأرض المغبرة. استلقت منبطحة ~~أمامه، وجهها مختبئ، وذراعاها ممدودان، كأنها أمام مذبح أحد ~~الآلهة. # قالت بنشيج: «سيدي، سيدي، هلا غفرت لي؟ هذه المرة، هذه المرة فقط! ~~فلترد ما هلا ماي. سوف أكون أمتك، بل أدنى من أمتك. أي شيء أفضل ~~من أن تطردني.» # كانت قد لفت ذراعيها حول كاحليه، وراحت تقبل أصابع قدميه ~~فعليا. وقف هو ينظر إليها واضعا يديه في جيوبه، عاجزا. دخلت فلو ~~الحجرة تتهادى، وسارت إلى حيث كانت ما هلا ماي مستلقية وجعلت تتشمم ~~إزارها. وهزت ذيلها قليلا لتعرفها على الرائحة. لم يستطع فلوري الصبر. ~~فانحنى وأمسك ما هلا ماي من منكبيها، ورفعها إلى ركبتيها. # قال : «فلتنهضي حالا. يؤلمني أن أراك هكذا. سوف أفعل ما بوسعي من ~~أجلك. فما فائدة ms144 البكاء؟» # في الحال هتفت وقد تجدد لها الأمل: «هل ستردني إذن؟ فلترد ما ~~هلا ماي يا سيدي! لن يعلم أحد أبدا. سأبقى هنا وحين تأتي السيدة ~~البيضاء تلك، ستعتقد أنني زوجة أحد الخدم. هلا رددتني؟» # قال متوليا عنها مرة أخرى: «لا أستطيع. هذا مستحيل.» # سمعت الحسم في نبرته، فأطلقت صرخة حادة قبيحة. وانبطحت مستلقية ~~مرة أخرى، وراحت تضرب الأرض بجبهتها. كان الأمر بشعا. لكن ما كان ~~أكثر بشاعة من كل ذلك، الألم الذي أوجع صدره، هو الوضاعة المطلقة، ~~ودناءة المشاعر الكامنة وراء تلك التوسلات. فلم يكن في هذا كله شرارة ~~حب له. إذا كانت تبكي وتتذلل فقد كان فقط من أجل الوضع الذي تمتعت ~~به وهي عشيقته، والحياة الخاملة، والملابس الغالية، والسيادة على ~~الخدم. وكان في ذلك شيء مثير للشفقة لدرجة تعجز الكلمات عن وصفها. لو ~~كانت تحبه لكان استطاع صرفها شاعرا بذنب أقل كثيرا. فلا توجد أحزان ~~في مرارة تلك الخالية من أي كرامة. انحنى ورفعها إلى ذراعيه. # وقال لها: «اسمعيني يا ما هلا ماي، إنني لا أكرهك؛ فلم تسيئي ~~إلي. أنا الذي أسأت إليك. لكن لا مناص من ذلك الآن. لا بد أن ~~تعودي لدارك، وسوف أرسل إليك مالا لاحقا. إذا أردت فلتنشئي متجرا ~~في البازار. إنك صغيرة. لن تهتمي للأمر حين يصير معك مال ~~وستستطيعين العثور على زوج.» # رفعت صوتها بالبكاء مرة أخرى قائلة: «لقد قضي علي! سوف أقتل ~~نفسي. سأقفز في النهر من على المرسى. كيف يمكنني العيش بعد هذا ~~العار؟» # كان يضمها، يكاد يربت عليها، وكانت هي متشبثة به بشدة، وقد ~~دست وجهها في قميصه، وارتجف جسدها بالنشيج. سرت رائحة الصندل إلى ~~منخاريه. ربما كانت تعتقد حتى في هذه اللحظة أن باستطاعتها استعادة ~~سيطرتها عليه وهي تطوقه بذراعيها وجسدها لصيق جسده. خلص فلوري نفسه ~~منها برفق، ولما رأى أنها لن تخر على ركبتيها، وقف مبتعدا ~~عنها. ~~«حسبك هذا. لا بد أن ترحلي حالا. وانظري، سأعطيك الخمسين روبية ~~التي وعدتك بها.» # أخرج الحقيبة الصفيح لملابسه الرسمية ms145 من أسفل الفراش وأخرج خمس ورقات ~~بنكنوت بعشر روبيات. ودستها هي بصمت في صدر بلوزتها، وكانت دموعها ~~قد توقفت عن التدفق على حين غرة. ومن دون أن تتكلم ذهبت إلى الحمام ~~للحظة، ورجعت وقد استعاد وجهها بالغسيل لونه البني الطبيعي، واستعاد ~~شعرها وزيها هندامهما. كانت تبدو متجهمة لكنها لم تعد في حالة ~~هستيرية. ~~«للمرة الأخيرة يا سيدي: ألا تريد أن تردني؟ هل هذه كلمتك ~~الأخيرة؟» ~~«نعم، ليس الأمر بيدي.» ~~«سأذهب إذن يا سيدي.» ~~«حسنا جدا. ليصحبك الرب.» # استند إلى العمود الخشبي للشرفة وهو يشاهدها تسير في الممشى تحت أشعة ~~الشمس المتقدة. كانت تسير بانتصاب شديد، وقد تركت الإهانة المريرة ~~أثرها على هيئة ظهرها ورأسها. كان صحيحا ما قالته، لقد سلبها شبابها. ~~راحت ركبتاه ترتجفان بلا سيطرة. جاء كو سلا من خلفه بخطوات غير مسموعة، ~~وسعل سعلة صغيرة لجذب انتباه فلوري. ~~«ما الأمر الآن؟» ~~«إفطار سيدي الكريم أوشك أن يبرد.» ~~«لا أريد أي إفطار. ائت لي بشيء لأشربه؛ جين.» # ماذا حدث للحياة التي كنت أعيشها مؤخرا؟ # | الفصل الرابع عشر # سلك الزورقان اللذان حملا فلوري وإليزابيث طريقهما في الجدول ~~المؤدي للمناطق الداخلية من الضفة الشرقية لنهر الإيراوادي كما تخترق ~~الإبر الطويلة المعقوفة القماش المطرز. كان ذلك يوم رحلة الرماية؛ رحلة ~~مسائية قصيرة، فلم يكن بإمكانهما البقاء لليلة في الغابة معا. كانا ~~سيقضيان بضع ساعات في الرماية في جو المساء البارد نسبيا، ويعودان ~~أدراجهما إلى كياوكتادا في ميعاد العشاء. # كان الزورقان، المفرغ كل منهما من جذع شجرة، ينسابان سريعا، ~~يكادان لا يتركان أثرا في المياه ذات اللون البني الداكن. كان ~~المجرى مسدودا بنبات الزنبق المائي وأوراقه الإسفنجية الغزيرة وزهوره ~~الزرقاء، حتى إن القناة كانت عبارة عن شريط متعرج عرضه أربع أقدام ~~فقط. وتخلل الضوء الأغصان المتشابكة وقد اكتسب لونا مخضرا. بين ~~الفينة والفينة كان يسمع صياح الببغاوات آتيا من أعلى، لكن لم تظهر ~~كائنات برية، إلا ثعبانا سبح مسرعا بعيدا وتوارى بين الزنابق ~~المائية. # سألت إليزابيث فلوري من خلفها بصوت مرتفع: «كم تبقى ms146 على الوصول إلى ~~القرية؟» كان هو وراءها في زورق أكبر، معه فلو وكو سلا، تجدف به ~~امرأة عجوز ذات بشرة متجعدة في أسمال بالية. # سأل فلوري قائدة الزورق: «كم المسافة المتبقية أيتها الجدة؟» # أخرجت المرأة العجوز السيجار من فمها ووضعت مجدافها على ركبتيها ~~لتفكر، ثم قالت بعد تأمل: «المسافة التي تقطعها صيحة رجل.» # قال فلوري مترجما: «نحو نصف ميل.» # كانا قد قطعا ميلين وصار ظهر إليزابيث يؤلمها. كان الزورقان عرضة ~~للانقلاب مع أقل غفلة، وكان لا بد أن تجلس بانتصاب شديد على مقعد ضيق ~~بلا ظهر، مبتعدا بقدميك قدر الإمكان عن قعر الزورق، بما فيه من ~~قريدس نافق، ظل يترامى هنا وهناك في القاع. كان الرجل البورمي الذي ~~جدف بزورق إليزابيث عجوزا في الستين، نصف عار، ذا بشرة بنية مثل ~~الأوراق الذابلة، وجسد مثال مثل جسد شاب. وكان وجهه طيبا وضحوكا ~~وعليه آثار كدمات. وكانت كتلة شعره الأسود أخف من شعر أغلب البورميين، ~~وقد عقدها بلا إحكام فوق إحدى أذنيه، بينما تبعثرت خصلة أو اثنتان ~~على وجنته. وكانت إليزابيث تحمل سلاح عمها بحرص فوق ركبتيها. كان ~~فلوري قد عرض عليها أن يأخذه، لكنها رفضت؛ إذ كانت في الواقع تستمتع ~~كثيرا بملمسه حتى إنها لم تستطع أن تحمل نفسها على تركه، فلم تكن قد ~~حملت سلاحا قط حتى ذلك اليوم. وكانت ترتدي تنورة من قماش خشن وحذاء ~~جلديا مزخرفا بثقوب وقميصا حريريا مثل قمصان الرجال، تعلم أنها ~~بدت حسنة عليها مع قبعتها العريضة الإطار. ورغم أن ظهرها كان ~~يؤلمها والعرق الساخن يدغدغ وجهها، والناموس الكبير المرقط يطن حول ~~كاحليها، فقد كانت سعيدة للغاية. # ضاق المجرى وجاء محل تجمعات الزنابق المائية ضفاف منحدرة من ~~الوحل اللامع، مثل الشوكولاتة. ومن بعيد مال فوق الجدول أكواخ ~~متهالكة من القش، غرست قوائمها في قاعه. كان ثمة صبي عار واقف ~~بين كوخين، يطير خنفساء خضراء مربوطة بخيط كأنها طيارة ورقية، وقد ~~صاح لدى رؤية الأوروبيين مما دعا إلى ظهور المزيد من الأطفال فجأة. ~~رسا الرجل البورمي ms147 العجوز بالزورق إلى مرفأ مصنوع من جذع نخلة واحدة ~~ممتد في الوحل - غطي بالبرنقيل فكان مناسبا لوطء الأقدام - وقفز ~~وساعد إليزابيث على الخروج للبر. وتبعهما الآخرون بالحقائب والخراطيش، ~~وفلو، التي سقطت في الوحل وغاصت حتى كتفيها، كما كانت تفعل دائما ~~في هذه المناسبات. تقدم رجل عجوز هزيل يرتدي إزارا قرمزيا، على ~~وجنته شامة نبتت فيها أربع شعرات رمادية طولها أربع ياردات، وجعل ~~ينحني محييا ويصفع رءوس الأطفال الذين تجمعوا حول المرفأ. # قال فلوري: «هذا زعيم القرية.» # قادهم الرجل العجوز إلى منزله، وكان يسير متقدما منحنيا على نحو ~~غريب، مثل حرف L مقلوب؛ نتيجة للروماتيزم مجتمعا مع الانحناء الدائم ~~للسادة الضروري لدى أي مسئول حكومي صغير. سار حشد من الأطفال سريعا ~~وراء الأوروبيين، والمزيد والمزيد من الكلاب، تنبح كلها وتدفع فلو ~~للانكماش ملتصقة بكعبي فلوري. في مدخل كل كوخ تلاصقت مجموعات من ~~الوجوه الريفية محدقة في السيدة الإنجليزية. مالت القرية إلى العتمة في ~~ظل الأوراق العريضة. حين تسقط الأمطار كان الجدول يفيض، لتتحول ~~الأجزاء السفلية من القرية إلى مدينة فينيسيا خشبية قذرة حيث يخطو ~~سكانها من أبواب أكواخهم إلى زوارقهم. # كان منزل زعيم القرية أكبر قليلا من المنازل الأخرى، وكان سقفه ~~الحديدي المتعرج مصدر فخر له، رغم الضجة غير المحتملة التي تصدر عنه ~~عند سقوط الأمطار. كان قد تراجع عن بناء معبد ليسدد ثمن ذلك ~~المنزل، ومن ثم قلل من فرص بلوغه النرفانا بدرجة كبيرة. صعد السلم ~~مسرعا وركل برفق في الضلوع شابا كان راقدا في غفوة في الشرفة. ثم ~~استدار لينحني محييا الأوروبيين مرة أخرى، سائلا إياهم ~~الدخول. # قال فلوري: «هلا دخلنا؟ أعتقد أن علينا الانتظار نصف ساعة.» # قالت إليزابيث: «ألا يمكنك أن تطلب منه إخراج بعض المقاعد في ~~الشرفة؟» كانت إليزابيث قد قررت سرا بعد تجربتها في منزل لي ييك ~~ألا تدخل منزل أحد من أهل البلد أبدا، ما أمكنها ذلك. # ثارت ضجة داخل المنزل، ثم جاء الزعيم والشاب وبعض النساء يجرون ~~مقعدين مزينين بزهور الخطمي الحمراء بطريقة غريبة، ms148 وكذلك بعض نباتات ~~البيجونيا المزروعة في صفائح كيروسين. كان جليا أنه قد جرى تجهيز ما ~~يشبه العرش المزدوج بالداخل من أجل الزائرين الأوروبيين. بعد أن ~~اتخذت إليزابيث مجلسها ظهر الزعيم مجددا ومعه إبريق شاي، وسباطة موز ~~أخضر زاه هائل الطول، وست لفافات سيجار بورمي أسود كالفحم. لكنه حين ~~صب لها فنجان شاي هزت إليزابيث رأسها رفضا، فقد بدا الشاي أسوأ ~~حتى من شاي لي ييك، لو كان هذا ممكنا. # فرك الزعيم أنفه وقد بدا عليه الإحراج. فالتفت إلى فلوري وسأله ما ~~إذا كانت السيدة الشابة تريد بعض الحليب في الشاي. فقد سمع أن ~~الأوروبيين يشربون الشاي بالحليب. وإذا كان هذا هو المطلوب فمن ~~الممكن أن يأتي الفلاحون ببقرة ويحلبوها. إلا أن إليزابيث ظلت عازفة ~~عن الشاي؛ لكنها كانت عطشانة فسألت فلوري أن يرسل في طلب إحدى زجاجات ~~المياه الغازية التي كان كو سلا قد أحضرها في الحقيبة. حين رأى ~~الزعيم ذلك تراجع، شاعرا بالذنب لعدم كفاية ما هيأه من تحضيرات، ~~وترك الشرفة للأوروبيين. # كانت إليزابيث لا تزال تحرس سلاحها على ركبتيها، بينما اتكأ فلوري ~~إلى سور الشرفة متظاهرا بتدخين واحد من سيجار زعيم القرية. كانت ~~إليزابيث متلهفة للشروع في الرماية، حتى إنها راحت تمطره بأسئلة لا ~~حصر لها. ~~«متى يمكننا البدء؟ هل تعتقد أن الخراطيش لدينا كافية؟ كم عدد ~~مثيري الطرائد الذين سنأخذهم؟ أرجو حقا أن يحالفنا بعض الحظ! هل ~~تعتقد أننا سنصطاد شيئا؟» ~~«ربما أشياء عادية. من المؤكد أننا سنصطاد القليل من الحمام، وربما ~~دجاج الأدغال. هذا ليس أوانه، لكن لا بأس إذا اصطدنا ديوكا. يقولون ~~إن ثمة نمرا في الأنحاء، وإنه كاد يقتل ثورا في القرية الأسبوع ~~الماضي.» ~~«نمر! كم سيكون رائعا إذا استطعنا صيده!» ~~«أخشى أن هذا شيء مستبعد تماما. القاعدة الوحيدة للصيد في بورما هي ~~ألا تأمل شيئا، وهو الشيء المحبط للغاية. فالغابة تعج بالطرائد، لكن ~~في أغلب الأحيان لا تتسنى لك الفرصة حتى لإطلاق النار من ~~مسدسك.» ~~«ما السبب؟» ~~«لأن الغابة كثيفة للغاية، فقد يكون ms149 الحيوان على بعد خمس ياردات ~~ومتواريا تماما، وفي كثير من الأحيان يتمكن من التهرب من مثيري ~~الطرائد. حتى حين ترونه يكون للحظة فقط. كما أن الماء موجود في كل ~~مكان، لذا فالحيوانات ليست مرتبطة بموقع محدد. فالفهد مثلا قد ~~يهيم لمئات الأميال إذا أراد. مع توفر مختلف أنواع الطرائد، ليس ~~هناك قط ما يضطرها للعودة لذبيحة إذا كان يشوبها ما يدعو إلى ريبة. ~~حين كنت صبيا، كنت أسهر ليلة تلو الأخرى فوق جثث نتنة بشعة ~~لأبقار، منتظرا فهودا لم تأت قط.» # ضمت إليزابيث لوحي كتفيها إلى المقعد. كانت تأتي هذه الحركة أحيانا ~~حين تشعر بسرور بالغ. كانت تحب فلوري، تحبه حقا، حين يتحدث على ~~هذا النحو؛ إذ كانت أتفه ذرة معلومات عن الصيد تثير حماسها. ليته ~~يتحدث عن الصيد دائما، بدلا من التحدث عن الكتب والفن وذلك الشعر ~~البذيء! وفي فورة مفاجئة من الإعجاب قررت أن فلوري رجل وسيم جدا ~~حقا، بطريقته. فقد بدا متمتعا بأروع سمات الرجولة، بقميصه ~~المصنوع من قماش العمائم المفتوح عند الرقبة، والسروال القصير ~~والقلشين وحذاء الصيد! ووجهه المتغضن المسفوع مثل وجه جندي. كان ~~واقفا مشيحا بوجنته الموحومة عنها، وقد ألحت عليه ليستمر في ~~الكلام. ~~«فلتحك لي المزيد عن صيد الفهود. فهو موضوع مثير للغاية!» # وصف فلوري ما جرى، منذ عدة سنوات، من صيد فهد أجرب عجوز من آكلي ~~لحوم البشر كان قد قتل أحد عماله. الانتظار في دريئة مليئة بالناموس؛ ~~وعينا الفهد وهما تقتربان في الغابة المعتمة، مثل مصباحين أخضرين ~~ضخمين؛ صوت الفهد وهو يلهث ويريل بينما يلتهم جثة العامل ~~المقيدة بعمود بالأسفل. حكى فلوري القصة برمتها بفتور تام - أوليس ~~من دأب الإنجليزي الهندي الممل المضروب به المثل، أن يتحدث عن صيد ~~الفهود؟ - بيد أن إليزابيث ضمت كتفيها مبتهجة مرة أخرى. لم يفهم ~~كيف أن حديثا كهذا كان يبث فيها الطمأنينة ويعوضها عن كل ~~المرات التي أثار فيها ضجرها وانزعاجها. جاء في آخر الممشى ستة شبان ~~بشعر أشعث، يحملون سيوفا على أكتافهم، ويتقدمهم رجل عجوز ms150 نحيل لكن ~~نشيط. توقفوا أمام منزل زعيم القرية، وأطلق أحدهم صيحة بصوت أجش، ظهر ~~على أثرها الزعيم وقال إن هؤلاء هم مثيرو الطرائد. وكانوا على ~~استعداد للبدء حينئذ إذا كانت السيدة الشابة لا تجد الجو شديد ~~الحرارة. # مضوا في طريقهم. كان الجانب البعيد عن الجدول من القرية محاطا بسياج ~~من الصبار بارتفاع ست أقدام وعرض اثنتي عشرة قدما. يصعد المرء ممرا ~~ضيقا نبت فيه الصبار، ثم يسير في مسار مغبر تركت عجلات عربات الثيران ~~فيه آثارها، وينمو على جانبيه بغزارة خيزران في طول ساريات الأعلام. ~~وقد سار مثيرو الطرائد سريعا في صف واحد، كل منهم باسط سيفه على ~~ساعده. أما الصياد العجوز فقد سار أمام إليزابيث مباشرة. كان إزاره ~~مشمرا مثل مئزر الخصر، وفخذاه الهزيلتان موشومتين بأشكال زرقاء ~~داكنة، شديدة التشابك كأنه يرتدي سروالا داخليا من الدانتيلا ~~الزرقاء. كان يعترض الطريق عود خيزران في سمك معصم الرجل كان قد سقط. ~~وقد قطعه أول مثيري الطرائد بضربة صاعدة من سيفه؛ فانبثق منه الماء ~~المحبوس لامعا كالألماس. بعد نصف ميل وصلوا إلى الوديان المفتوحة، ~~وكلهم يتصببون عرقا؛ إذ كانوا قد هموا في السير والشمس كانت ~~قاسية. # قال فلوري: «ذلك هو المكان الذي سنصطاد فيه، هناك.» # أشار إلى الجانب الآخر من الجذامة، إلى سهل واسع بلون الغبار، مقسم ~~إلى رقع بمساحة فدان أو اثنين يفصل بينها حدود طينية. كان مسطحا ~~تسطيحا قبيحا، وخاليا من أي كائن حي اللهم إلا البلشون الثلجي. وفي ~~الطرف القصي كان ينمو بانحدار غابة من الأشجار الضخمة، كأنها منحدر ~~أخضر داكن. مضى مثيرو الطرائد إلى شجرة صغيرة مثل شجيرة الزعرور على ~~بعد عشرين ياردة. جثا أحدهم، منحنيا للشجرة وهو يتمتم، بينما جعل ~~الصائد العجوز يسكب على الأرض سائلا عكرا من زجاجة. ووقف الآخرون ~~بوجوه جادة ضجرة مثل رجال واقفين في كنيسة. # تساءلت إليزابيث قائلة: «ماذا يفعل أولئك الرجال؟» ~~«إنهم يقدمون القرابين لآلهة المنطقة. إنهم يسمونهم «النات »؛ نوع من ~~جنيات الأشجار. إنهم يصلون لها حتى يحالفنا الحظ.» # عاد الصياد وبين ms151 بصوت أجش أنهم سيفزعون الحيوانات للفرار من مساحة ~~صغيرة من الأجمة على اليمين قبل التقدم إلى الغابة الرئيسية. من ~~الواضح أن «النات» قد أوصوا بهذا. وجه الصياد فلوري وإليزابيث إلى ~~المكان الذي سيقفان فيه، مشيرا بسيفه. توغل مثيرو الطرائد الستة في ~~الأجمة؛ كانوا سينحرفون عن الطريق ويطاردون الحيوانات حتى حقول ~~الأرز. كان على بعد ثلاثين ياردة من حدود الغابة بعض شجيرات ~~الجلنسرين، وقد اتخذ فلوري وإليزابيث مخبأهما خلف واحدة منها، بينما ~~جلس كو سلا القرفصاء خلف أخرى، وقد أمسك بطوق فلو وراح يربت عليها ~~لتظل هادئة. كان فلوري دائما ما يصرف كو سلا بعيدا حين يصيد؛ إذ ~~كان لديه عادة مزعجة وهي الطرقعة بلسانه حين لا تصيب الرمية الهدف. ~~بعد قليل تصاعد من بعيد صوت له صدى، صوت قرع وصيحات مجلجلة غريبة؛ لقد ~~بدأت المطاردة. في الحال راحت إليزابيث ترتعش من دون سيطرة حتى إنها ~~لم تستطع تثبيت ماسورة سلاحها. انطلق من بين الأشجار طائر غريب، أكبر ~~قليلا من طائر السمنة، بجناحين رماديين وجسد قرمزي لامع، واقترب منهم ~~وهو يطير على ارتفاع منخفض. اقترب صوت القرع والصيحات أكثر. واهتزت ~~إحدى الشجيرات التي على حافة الغابة بشدة؛ أوشك حيوان ما ضخم أن يبرز ~~منها. فرفعت إليزابيث سلاحها وحاولت تثبيته. لكن اتضح أنه كان فقط ~~أحد مثيري الطرائد بجسده الأصفر العاري، وسيفه في يده. وقد أدرك أنه ~~قد ظهر فنادى على الآخرين لينضموا إليه. # أنزلت إليزابيث السلاح وقالت: «ماذا حدث؟» ~~«لا شيء. لقد انتهت المطاردة.» # فهتفت في إحباط شديد: «إذن لم يكن هناك شيء!» ~~«لا تبالي، فلا أحد يحصل على أي شيء في أول مطاردة. سيحالفنا الحظ ~~في المرة القادمة.» # عبروا الجذامة الوعرة، وهم يتسلقون الحدود الطينية التي قسمت ~~الحقول، واتخذوا موضعا مواجها للجدار الأخضر الشاهق للغابة. كانت ~~إليزابيث قد تعلمت بالفعل كيف تحشو سلاحها. لم تكد المطاردة تبدأ هذه ~~المرة حتى صفر كو سلا صفيرا حادا. # صاح فلوري : «انتبهي! أسرعي، ها هي آتية!» # انطلق نحوهم سرب من الحمام الأخضر بسرعة فائقة، ms152 على ارتفاع أربعين ~~ياردة. كان مثل حفنة من أحجار المنجنيق تدور في السماء. صارت إليزابيث ~~عاجزة من فرط الإثارة. وظلت للحظة غير قادرة على الحركة، ثم دفعت ~~بماسورة سلاحها في الهواء، في مكان ما في اتجاه الطيور، وسحبت الزناد ~~بعنف. لم يحدث شيء؛ إذ كانت تشد واقية الزناد. بمجرد أن مرت الطيور ~~فوق رءوسهم وجدت الزنادين وشدتهما في نفس الوقت. وقعت ضجة تصم الآذان ~~وتراجعت هي خطوة للوراء وقد كادت عظمة ترقوتها أن تنكسر. كانت قد ~~أطلقت النار وراء الطيور بثلاثين ياردة. وفي اللحظة نفسها رأت فلوري ~~وهو يستدير ويصوب بسلاحه. توقفت حمامتان عن الطيران ودارتا ثم سقطتا ~~على الأرض مثل سهمين. صاح كو سلا، واستبق هو وفلو إليهما. # قال فلوري: «انظري! ها هو حمام إمبراطوري، هيا نصطاده!» # ثم جاء يرفرف فوقهم طائر كبير ثقيل، أبطأ في الطيران من الآخرين ~~بكثير. لم ترغب إليزابيث في إطلاق النار بعد ما كان من إخفاقها السابق. ~~شاهدت فلوري وهو يدخل الخرطوش في المغلاق ويرفع سلاحه، وعمود الدخان ~~الأبيض وهو ينبعث من الفوهة. ارتطم الطائر بالأرض وقد انكسر جناحه. ~~وجاءت فلو وكو سلا ركضا متحمسين، فلو بالطائر الإمبراطوري الكبير ~~في فمها، وكو سلا مبتسما وهو يخرج الحمامتين الخضراوين من حقيبة كتف ~~مطرزة. # أخذ فلوري إحدى الجثتين الخضراوين الصغيرتين ليريها لإليزابيث. ~~«انظري إليها، أليست كائنات جميلة؟ أجمل طائر في آسيا.» # لمست إليزابيث ريشها الأملس بطرف إصبعها، فامتلأت نفسها بحسد ~~مرير؛ لأنها لم تصبها. لكن كان غريبا أنها شعرت بما يشبه الإعجاب ~~تجاه فلوري بعد أن رأت كيف يستطيع الرماية. ~~«فلتنظري إلى ريش صدره؛ مثل الجوهرة. إنها لجريمة أن نطلق عليها ~~النار. يقول البورميون إن هذه الطيور تتقيأ حين تقتلها، كأنها تقصد ~~بذلك أن تقول: «انظر، هذا كل ما أملك، فإنني لم آخذ منك شيئا. فلماذا ~~قتلتني؟» لكن لا بد أن أقر أنني لم أر واحدا منها يفعل ~~ذلك.» ~~«هل هي شهية؟» ~~«جدا ، لكن حتى مع ذلك دائما ما أشعر أنه من المخزي ~~نقتلها.» # قالت إليزابيث ms153 بحسد: «ليتني أستطيع الرماية مثلك!» ~~«إنها مجرد مهارة، وسوف تتعلمينها سريعا. إنك تعرفين كيف ~~تمسكين السلاح؛ وذلك أفضل من حال كثير من الناس حين بدءوا.» # بيد أن إليزابيث ظلت دون أن تصيب شيئا في المطاردتين التاليتين. ~~تعلمت ألا تطلق النار من مرة واحدة، لكنها كانت في فورة من الحماس ~~أعجزتها حتى عن تسديد سلاحها. أصاب فلوري عدة حمامات أخرى، ويمامة ~~برونزية الجناح صغيرة بظهر أخضر مثل الزنجار. أما دجاج الأدغال فكان ~~أمكر من أن يكشف عن نفسه، وإن كان صوت قرقه ظل مسموعا طوال الوقت، ~~وصياح الديوك الحاد مرة أو مرتين. هكذا راحوا يتوغلون أكثر في ~~الغابة؛ حيث كان الضوء مائلا للون الرمادي، مع بقع من ضوء الشمس ~~المبهر. كان المرء أينما يتجه بنظره يجد نفسه محاصرا بصفوف محتشدة ~~من الأشجار، والشجيرات المتشابكة والنباتات المتسلقة التي عافرت حول ~~قواعدها كما يعافر البحر حول قوائم رصيف الميناء. كانت كثيفة جدا، ~~مثل أجمة من الشجيرات الشائكة ممتدة ميلا بعد ميل، حتى ليضيق نظر ~~المرء بها. كانت بعض النباتات المتسلقة ضخمة، مثل الحيات. كابد ~~فلوري وإليزابيث في عبور مسارات ضيقة للحيوانات، وصعود ضفاف زلقة، ~~والأشواك تمزق ملابسهما، وقد صار قميص كل منهما غارقا في العرق. ~~ساد الجو حر خانق، مع رائحة أوراق الشجر المسحوقة. أحيانا كانت بعض ~~حشرات السيكادا المستترة تردد لبضع دقائق متواصلة صريرا، له ~~رنة معدنية مثل نقر وتر جيتار من الصلب، ثم تتوقف ليسود هدوء ~~يلقي في النفس الفزع. # وهم في طريقهم إلى المطاردة الخامسة وصلوا إلى شجرة تين مجوسي ضخمة، ~~بلغ الأسماع من أعلاها صوت هديل حمام إمبراطوري. كان الصوت كأنه خوار ~~بقر آت من بعيد. برز أحد الطيور وحط وحيدا على أعلى فرع، فبدا ~~شيئا رماديا صغيرا. قال فلوري لإليزابيث: «فلتجربي إطلاق النار ~~جالسة. ركزي بصرك عليه واسحبي الزناد دون انتظار. ولا تغمضي عينك ~~اليسرى.» # رفعت إليزابيث سلاحها، الذي كان قد طفق يرتجف كالعادة. تلبث ~~مثيرو الطرائد في مجموعة للمشاهدة، ولم يستطع بعضهم أن يمتنعوا عن ~~الطرقعة بألسنتهم؛ ms154 فقد اعتقدوا أنه من الغريب والصادم نوعا ما أن يروا ~~امرأة تحمل سلاحا. بجهد عنيف حافظت إليزابيث على ثبات سلاحها ~~لثانية، وسحبت الزناد. لم تسمع الطلقة؛ فالمرء لا يسمعها مطلقا ~~حين تصيب الهدف. بدا أن الطائر قفز عاليا من على الفرع، ثم هوى، ~~وظل يتدحرج، حتى تعلق في تفريعة ثم على ارتفاع عشر ياردات. وضع ~~أحد مثيري الطرائد سيفه وراح يرمق الشجرة ليقدر الوضع؛ ثم سار إلى ~~نبات متسلق ضخم، في سمك فخذ رجل وفي التواء عود السكر بالشعير، ~~تدلى بعيدا من أحد الفروع. صعد جريا النبات المتسلق بسهولة كما ~~لو كان سلما، وسار منتصب القامة على الفرع العريض، وهبط بالطائر إلى ~~الأرض. ثم وضعه رخوا ودافئا في يد إليزابيث. # لم تقو إليزابيث على تركه؛ إذ فتنها ملمسه. بل وكان من الممكن أن ~~تقبله وتضمه إلى صدرها. راح كل الرجال، فلوري وكو سلا ومثيرو ~~الطرائد، يبتسم كل منهم للآخر لرؤيتها وهي تداعب الطائر النافق. وعلى ~~مضض أعطته لكو سلا ليضعه في الحقيبة. كانت شاعرة برغبة غريبة في إلقاء ~~ذراعيها حول رقبة فلوري وتقبيله؛ وبطريقة ما كان قتل الحمام هو ما ~~أثار فيها هذا الشعور. # بعد المطاردة الخامسة شرح الصياد لفلوري أنهم يجب أن يعبروا أرضا ~~فضاء مستخدمة في زراعة الأناناس، ويطاردوا الحيوانات في رقعة أخرى ~~من الغابة بعدها. هكذا خرجوا إلى ضوء الشمس، الذي كان مبهرا بعد عتمة ~~الأدغال. كانت الأرض الفضاء عبارة عن مستطيل من فدان أو اثنين ~~مقتطعة من الغابة مثل رقعة صغيرة محاطة بحشائش طويلة، نبت فيها ~~الأناناس، النبات الشائك الشبيه بالصبار في صفوف، تكاد تخنقه الأعشاب ~~الضارة. وكان ثمة سياج من الشجيرات الشائكة يقسم الحقل من النصف. وما ~~كادوا يعبرون الحقل حتى تصاعدت صيحة ديك حادة من وراء السياج. # توقفت إليزابيث وقالت: «اسمع! هل كان ذلك ديك الأدغال؟» ~~«نعم، إنها تخرج لتأكل في هذا الوقت تقريبا.» ~~«ألا يمكننا الذهاب لإطلاق النار عليه؟» ~~«سنحاول إذا أردت. فإنها كائنات ماكرة. اسمعي، سوف نتسلل وراء ~~السياج حتى نصل للمكان ms155 المواجه له. لا بد أن نمضي من دون ~~صوت.» # أرسل كو سلا ومثيري الطرائد بعيدا، ومر هو وإليزابيث على أطراف ~~الحقل وزحفا بحذاء السياج. كان عليهما الانحناء أرضا للاختفاء عن ~~الأنظار. كانت إليزابيث في المقدمة، وقد سال العرق الحار على وجهها، ~~مدغدغا شفتها العليا، بينما راح قلبها يدق بعنف. شعرت بفلوري ~~يلمس كعبها من الخلف، فوقف الاثنان ونظرا من فوق السياج معا. # على بعد عشر ياردات كان ثمة ديك صغير في حجم البنطم ينقر في الأرض ~~بنشاط. كان جميلا، بريش عنقه الحريري الطويل، وعرفه الناتئ، وذيله ~~المقوس الأخضر الرمادي مثل لون أوراق الغار. كان معه ست دجاجات، طيور ~~بنية أصغر حجما، على ظهرها ريش ماسي الشكل مثل حراشف الحية. رأت ~~إليزابيث وفلوري كل هذا في بحر ثانية، بعدها ارتفعت الطيور في الهواء ~~وطارت مثل الطلقات صوب الغابة في صياح وحفيف. وفي الحال، بحركة بدت ~~تلقائية، رفعت إليزابيث سلاحها وأطلقت النار. كانت واحدة من تلك ~~الرميات التي لا يوجد فيها تصويب، ولا وعي بالسلاح في يدك، حين يبدو ~~الذهن سابحا وراء القذيفة ليصيب بها الهدف. كانت تعلم أن الطير هالك ~~قبل حتى أن تسحب الزناد؛ وقد تدحرج وانتثر ريشه على بعد ثلاثين ~~ياردة. صاح فلوري: «رمية موفقة، رمية موفقة!» في نشوة الحماس ألقى ~~كل منهما سلاحه، واخترقا سياج الشجيرات الشائكة واستبقا جنبا إلى ~~جنب إلى حيث كان الطائر راقدا. # قال فلوري مجددا منفعلا مثلها: «رمية موفقة! أقسم أنني لم أر قط ~~أحدا يصيب طائرا محلقا في أول يوم له، مطلقا! لقد أطلقت النار من ~~سلاحك في سرعة البرق. هذا مذهل!» # كانا جاثيين متواجهين بينهما الطائر النافق. في دهشة اكتشفا أن ~~يديهما، يمينه ويسارها، كانتا متشابكتين معا بقوة؛ إذ جريا إلى ~~الموضع يمسك كل منهما يد الآخر دون أن يلاحظ. # غشي كليهما صمت مفاجئ، شعور بشيء جلل لا بد أن يحدث. مد فلوري ~~يده وتناول يدها الأخرى، فجاءته مذعنة ، عن طيب خاطر. وظلا للحظة ~~جاثيين متشابكي الأيدي معا. توهجت الشمس عليهما وتسربت ms156 الحرارة ~~من جسديهما؛ بدا الاثنان كأنهما يحلقان على غمام من الحرارة ~~والبهجة. ثم أمسك بعضديها ليضمها إليها. # ثم فجأة أشاح برأسه بعيدا ووقف، وهو يشد إليزابيث للنهوض. ثم ~~أفلت ذراعيها، إذ كان قد تذكر وحمته. لم تواته الجرأة على أن يفعلها. ~~ليس هنا، ليس في وضح النهار! وقد نتج عن ذلك صد غاية في الفظاعة. ~~وللتغلب على حرج اللحظة انحنى والتقط ديك الأدغال. # ثم قال: «كان بديعا. لست بحاجة إلى أي تعلم؛ فباستطاعتك الرماية ~~بالفعل. يفضل أن نمضي إلى المطاردة التالية.» # كانا قد عبرا السياج والتقطا سلاحيهما للتو حين صدرت سلسلة من ~~الصيحات من حافة الغابة. جاء اثنان من مثيري الطرائد يركضان نحوهما ~~بقفزات هائلة، وهما يلوحان بذراعيهما في الهواء بشدة. # تساءلت إليزابيث: «ما الأمر؟» ~~«لا أعلم، ربما رأيا حيوانا ما أو شيئا من هذا القبيل. يبدو من ~~منظرهما أنه خبر حسن.» ~~«مرحى! هيا بنا!» # انطلقا يركضان وعبرا الحقل سريعا، مخترقين الأناناس والحشائش ~~الجافة الشائكة. كان كو سلا وخمسة من مثيري الطرائد واقفين في حشد ~~يتحدثون كلهم في نفس واحد، بينما جعل الاثنان الآخران يومئان ~~بحماس لفلوري وإليزابيث. وحين وصلا إليهم رأيا في وسط المجموعة امرأة ~~عجوزا ترفع إزارها المهلهل بيد وتشير بسيجار كبير في اليد الأخرى. ~~استطاعت إليزابيث أن تسمع كلمة ما بدت مثل «تشار» تتكرر عدة ~~مرات. # تساءلت: «ما الذي يقولونه؟» # احتشد مثيرو الطرائد حول فلوري، يتحدثون كلهم بلهفة ويشيرون ناحية ~~الغابة. بعد بضعة أسئلة لوح بيده ليسكتهم والتفت إلى إليزابيث ~~وقال: ~~«ويحي، صادفنا بعض من الحظ! كانت هذه المرأة العجوز تجوب الغابة، ~~وتقول إنها لدى سماع صوت الطلقة التي أطلقتها لتوك رأت نمرا يجري ~~عبر الممر. يعلم هؤلاء الرفاق أين قد يختبئ. إذا أسرعنا ربما تمكنوا ~~من تطويقه قبل أن يتسلل هاربا، وإخراجه من مخبئه. هلا ~~حاولنا؟» ~~«هيا بنا! يا لها متعة بالغة! كم هو رائع، كم هو رائع أن نستطيع ~~صيد ذلك النمر !» ~~«هل تدركين أنه أمر خطير؟ سنظل متقاربين وستمضي الأمور على ما ~~يرام غالبا، ms157 لكن السير ليس آمنا أبدا على الإطلاق. هل أنت ~~مستعدة؟» ~~«بالطبع، بالطبع! إنني لست خائفة. هيا نسارع ونبدأ!» # قال فلوري لمثيري الطرائد: «ليأت أحدكم معنا ويرينا الطريق. وأنت ~~يا كو سلا، ضع المقود لفلو واذهب مع الآخرين. فلن تصمت أبدا معنا.» ثم ~~أردف قائلا لإليزابيث: «علينا أن نسرع.» # رحل كو سلا ومثيرو الطرائد مسرعين بحذاء حافة الغابة. مثير ~~الطرائد الآخر، نفس الشاب الذي كان قد تسلق الشجرة من أجل الحمامة، ~~توغل في الغابة، وفي أثره فلوري وإليزابيث. وبخطوات قصيرة سريعة، ~~تشبه الركض، قادهما إلى متاهة من مسارات الحيوانات. كانت الشجيرات تنمو ~~منخفضة جدا حتى يكاد المرء يضطر للزحف أحيانا، وكانت النباتات ~~المتسلقة متدلية عبر المسار مثل أسلاك الفخاخ. كانت الأرض مغبرة ~~وساكنة تحت أقدامهم. وعند معلم ما في الغابة توقف مثير الطرائد، ~~وأشار إلى الأرض إشارة إلى أن هذه البقعة مناسبة، ثم وضع إصبعه على ~~شفتيه ليأمر بالصمت. وأخرج فلوري من جيبه أربعة من خراطيش صيد ~~الحيوانات ضخمة وأخذ سلاح إليزابيث ليحشوه في صمت. # كان وراءهم حفيف خافت جعلهم جميعا يجفلون. كان شاب شبه عار معه ~~قوس قاذف للكرات، لا أحد يدري من أين جاء، قد شق طريقه من بين ~~الشجيرات. وقد نظر إلى مثير الطرائد، وهز رأسه وأشار إلى مقدمة ~~المسار. جرى بين الشابين حوار بالإشارات، ثم بدا مثير الطرائد ~~موافقا. ومن دون كلام تسلل الأربعة أربعين ياردة على المسار، وحول ~~منعطف، ثم توقفوا مرة أخرى. في نفس اللحظة انطلقت من على بعد بضع ~~مئات الياردات جلبة من الصيحات، تخللها نباح فلو. # شعرت إليزابيث بيد مثير الطرائد على كتفها، تدفعها إلى أسفل. جلس ~~الأربعة القرفصاء متسترين بإحدى الشجيرات الشائكة، الأوروبيون في ~~المقدمة، والبورميون خلفهم. واشتد من على بعد صخب صيحات وصليل ~~إعمال السيوف في جذوع الأشجار حتى إنه كان يستعصي على المرء أن يصدق ~~أن بإمكان ستة رجال إحداث كل هذه الضجة. شاهدت إليزابيث بعض النمل ~~الكبير ذي الصفرة الباهتة يسير مثل الجنود على أشواك الشجيرة. ~~وسقطت واحدة على ms158 يدها وزحفت صاعدة على ساعدها، لكنها لم تجرؤ على ~~الحركة لإزاحتها. كانت تصلي في صمت قائلة: «أتضرع إليك يا إلهي أن ~~تجعل النمر يأتي! أرجوك يا إلهي أن تجعل النمر يأتي!» # تعالى فجأة صوت طقطقة على الأوراق. فرفعت إليزابيث سلاحها، إلا أن ~~فلوري هز رأسه بشدة وأنزل ماسورة السلاح مرة أخرى. جاءت واحدة من ~~دجاج الأدغال تعدو عبر الممر مسرعة بخطوات طويلة صاخبة. # بدت صيحات مثيري الطرائد بعيدة تماما، وخيم على هذا الجانب من ~~الغابة الصمت مثل سحابة سوداء. سقطت على الأرض النملة التي كانت على ~~ذراع إليزابيث بعد أن قرصتها قرصة مؤلمة. بدأ يعتمل في قلبها يأس ~~مريع؛ لن يأتي النمر؛ فقد تسلل مبتعدا إلى مكان ما، وضاع منهم. ~~كادت أن تتمنى لو أنهم لم يعرفوا بوجوده قط؛ فقد آلمها الإحباط ~~بشدة. ثم شعرت بمثير الطرائد يقرصها في مرفقها. كان مشرئبا ~~بوجهه إلى الأمام، ووجنته الصفراء الكالحة الملساء على بعد بوصات ~~قليلة فقط منها، حتى إنها استطاعت أن تشتم رائحة زيت جوز الهند الذي ~~في شعره. كانت شفتاه الجافتان مزمومتين كأنه يريد أن يصفر؛ إذ كان ~~قد سمع شيئا. ثم سمعه فلوري وإليزابيث أيضا، حفيف خافت للغاية، كأن ~~ثمة كائنا ما من هواء يمرق في الغابة، بالكاد يمس الأرض بأقدامه. ~~وفي اللحظة ذاتها برز رأس النمر وكتفاه من بين الشجيرات، على بعد ~~خمس عشرة ياردة على الممر. # توقف بحافريه الأماميين على المسار. كان ظاهرا لهم رأسه ~~المنخفض ذو الأذنين المسطحتين ونابه الأمامي المكشوف وساعده السميك ~~المخيف. ولم يبد أصفر في الظل وإنما رماديا. كان يصيخ السمع، ثم ~~رأت إليزابيث فلوري وهو يهب واقفا، ويرفع سلاحه ويضغط على الزناد في ~~الحال. دوت الطلقة، وسمعوا في نفس الوقت تقريبا صوت ارتطام شديد؛ إذ ~~سقط الحيوان منبطحا على الحشائش. صاح فلوري: «انتبهي! فلم يقض عليه ~~بعد!» ثم أطلق النار مرة أخرى، فجاءهم صوت ارتطام جديد مع إصابة الطلقة ~~الهدف . وراح النمر يلهث. فتح فلوري سلاحه وبحث في جيبه عن خرطوش، ثم ~~ألقى ms159 كل خراطيشه على الممر وجثا على الأرض، يبحث سريعا بينها. # صاح فلوري: «اللعنة! لا يوجد بينها خرطوش واحد للحيوانات الضخمة. أين ~~وضعتها بحق الجحيم؟» # كان النمر قد اختفى بعد سقوطه، وراح يتخبط مثل ثعبان ضخم جريح، وهو ~~يصرخ بصوت مزمجر، منتحب، وحشي ومثير للشفقة. بدا أن الصوت يقترب. ~~وكل خرطوش من الخراطيش التي وجدها فلوري كان على طرفها علامة ستة أو ~~ثمانية. أما بقية الخراطيش ذات الطلقات الكبيرة، فقد بقيت مع كو سلا في ~~الواقع. صار صوت تهشم الأوراق والزمجرة بالكاد على بعد خمس ياردات، ~~لكنهما لم يستطيعا أن يريا شيئا؛ لأن الأجمة كانت كثيفة جدا. # كان الرجلان البورميان يصيحان: «أطلق النار! أطلق النار! أطلق ~~النار!» ثم ابتعد صوتهما وهما يقولان: «أطلق النار! أطلق النار!» إذ ~~كانا يثبان نحو أقرب الأشجار القابلة للتسلق. كان ثمة صوت في ~~الشجيرات التحتية قريب جدا حتى إن الشجيرة التي كانت إليزابيث واقفة ~~وراءها اهتزت. # قال فلوري: «يا إلهي، أوشك أن يصل إلينا! لا بد أن نجعله يرتد ~~بطريقة ما. أطلقي النار حيث الصوت.» # رفعت إليزابيث سلاحها. كانت ركبتاها تصطكان مثل صنجين، لكن يدها ~~كانت ثابتة مثل حجر. وسريعا أطلقت النار، مرة، ثم مرة أخرى. ثم ~~تراجع الصوت. كان النمر يزحف بعيدا، عاجزا لكن سريعا، وما زال ~~خفيا. # قال فلوري: «أحسنت! لقد أفزعته.» # هتفت إليزابيث وهي تتوثب هنا وهناك في هياج: «لكنه سيهرب! سيهرب!» ~~وأوشكت أن تتبعه، لكن فلوري هب واقفا وجذبها. ~~«لا تخافي! ابقي هنا وانتظري!» # وضع فلوري في سلاحه خرطوشين من الخراطيش ذات الطلقات الصغيرة وجرى ~~وراء صوت النمر. ظلت إليزابيث للحظة لا تستطيع أن ترى سواء الحيوان ~~أو الرجل، ثم ظهرا مجددا على رقعة خالية على بعد ثلاثين ياردة. كان ~~النمر يزحف على بطنه متلويا، وهو ينشج مع كل حركة. رفع فلوري سلاحه ~~وأطلق النار من على بعد أربع ياردات، فقفز النمر مثل الوسادة حين ~~تصيبها طلقة، ثم تقلب ، وانكمش ورقد بلا حراك. نكز فلوري الجثة ~~بماسورة سلاحه، فلم تحرك ساكنا. # نادى ms160 فلوري قائلا: «لا بأس، لقد قضي عليه. تعالوا وألقوا نظرة ~~عليه.» # نزل الرجلان البورميان من على الشجرة، وذهبا هما وإليزابيث إلى حيث ~~كان فلوري واقفا. كان النمر - الذي كان ذكرا - مسجى منكمشا، رأسه ~~بين مخلبيه الأماميين. بدا أصغر كثيرا مما كان وهو حي؛ بدا بالأحرى ~~مثيرا للشفقة، مثل هريرة نافقة. كانت ركبتا إليزابيث ما زالتا ~~ترتعدان، وقد وقفت هي وفلوري يطلان على النمر، متلاصقين، لكن من ~~دون أن يشبكا أيديهما هذه المرة. # ما لبث أن جاء كو سلا والآخرون، وهم يصيحون في فرح. تشممت فلو ~~النمر الميت مرة واحدة، ثم هبط ذيلها وانطلقت خمسين ياردة، وهي تنشج. ~~ولم يمكن استدراجها للاقتراب منه مرة أخرى. جلس الكل القرفصاء حول ~~النمر وأخذوا يحدقون فيه. وشرعوا يربتون على بطنه الأبيض ~~الجميل، الناعم مثل بطن الأرنب، ويعتصرون أقدامه لينتزعوا المخالب، ~~ويسحبون شفتيه السوداوين ليفحصوا الأنياب. وسريعا ما اقتطع اثنان من ~~مثيري الطرائد عود خيزران طويلا وعلقا عليه النمر من حوافره، ~~ليتجرجر ذيله الطويل على الأرض، ثم سارا عائدين إلى القرية منتصرين. ~~ولم ينبس أحد بكلمة عن مزيد من الصيد، رغم أن الضوء كان لا يزال ~~باقيا. فقد كانوا جميعا، بما فيهم الأوروبيون، متلهفين للغاية ~~لبلوغ ديارهم والتباهي بما فعلوه. # سار فلوري وإليزابيث جنبا إلى جنب عبر حقل الجذامة. وكان الآخرون ~~يتقدمونهما بثلاثين ياردة بالأسلحة والنمر، وكانت فلو تسير خفية ~~متأخرة عنهم بمسافة طويلة في الخلف. كانت الشمس في سبيلها للهبوط خلف ~~الإيراوادي، وسطع الضوء بالتساوي على الوادي، صابغا هشيم الجذامة ~~باللون الذهبي، ومصيبا وجوههم بشعاع أصفر هادئ. كاد كتف إليزابيث أن ~~يلامس كتف فلوري أثناء سيرهما. وكان العرق الذي أغرق قميصيهما قد جف ~~ثانية. لم يتحدثا كثيرا. وشعرا بتلك السعادة الجامحة النابعة من ~~الإرهاق وإنجاز المراد، والتي لا يمكن أن يضاهيها أي شيء آخر في ~~الحياة، سواء كانت بهجة من مباهج الجسد أو العقل. # قال فلوري حين اقتربا من القرية: «جلد النمر حق لك.» ~~«لكن أنت الذي أطلقت عليه النار!» ~~«لا بأس، احتفظي أنت ms161 بالجلد. إنني لأتساءل حقا كم امرأة في هذا ~~البلد كانت ستحافظ على رباطة جأشها كما فعلت! لا أتخيلهن إلا ~~وهن يصرخن ويغشى عليهن. سوف أجعل الجلد يدبغ لك في سجن ~~كياوكتادا. فهناك سجين يستطيع دبغ جلود ناعمة مثل القطيفة. إنه يقضي ~~عقوبة سبع سنوات، لذا تسنى له الوقت لتعلم الصنعة.» ~~«حسنا، أشكرك شكرا جزيلا.» # لم تنطق كلمة أخرى حينذاك. لاحقا، بعد أن يتحمما من العرق ~~والوسخ، ويطعما ويستريحا، سيلتقيان مرة أخرى في النادي. لم يتفقا على ~~مواعيد، لكن كان مفهوما بينهما أنهما سيلتقيان. كان مفهوما أيضا أن ~~فلوري سيطلب من إليزابيث أن تتزوجه، مع أنه لم يذكر شيئا عن هذا ~~الأمر أيضا. # في القرية دفع فلوري لكل واحد من مثيري الطرائد ثماني آنات، وأشرف ~~على سلخ جلد النمر، وأعطى زعيم القرية زجاجة جعة واثنين من الحمام ~~الإمبراطوري. حشر الجلد والجمجمة في أحد الزوارق. وسرق كل شعر ~~الشوارب، رغم محاولات كو سلا حراستها. وحمل بعض شباب القرية الجثة ~~حتى يأكلوا القلب وعدة أعضاء أخرى، يعتقدون أن تناولها يجعلهم أقوياء ~~وسريعين مثل النمر. # | الفصل الخامس عشر # حين وصل فلوري إلى النادي وجد آل لاكرستين في حالة غير معتادة من ~~الكآبة. كانت السيدة لاكرستين جالسة، كدأبها، في أفضل موضع أسفل ~~المروحة، تقرأ القائمة المدنية [قائمة بالمرتبات والمعاشات التي تمنحها ~~الحكومة البريطانية للموظفين التابعين لها في مستعمراتها]، التي تعد ~~بمثابة «دليل ديبريت» في بورما. كانت مستاءة من زوجها، الذي عصاها ~~بطلب «مقدار كبير من الشراب» بمجرد أن وصل إلى النادي، بل وأمعن في ~~عصيانها بقراءة مجلة «بينكان». أما إليزابيث فكانت بمفردها في المكتبة ~~الصغيرة ذات الجو الخانق، تقلب صفحات عدد قديم من مجلة ~~«بلاكوودز». # بعد افتراقها عن فلوري، مرت إليزابيث بمغامرة بغيضة للغاية. كانت ~~قد خرجت من حمامها، وترتدي ملابسها استعدادا للعشاء حين ظهر عمها ~~بغتة في حجرتها. الحجة: معرفة المزيد عما حدث أثناء رحلة الصيد. وراح ~~يقرص ساقها بطريقة لا يمكن أن يساء فهمها على الإطلاق. أصاب إليزابيث ~~الروع، فقد كانت هذه أول ms162 مرة تعرف أن بعض الرجال لديهم القدرة على ~~معاشرة بنات إخوانهم. لكننا نعيش ونتعلم. حاول السيد لاكرستين ~~الاستمرار في الأمر على سبيل المزاح، لكنه كان أشد لخمة ويكاد يكون ~~أشد سكرا من أن ينجح في ذلك. ولحسن الحظ أن زوجته كانت بعيدة عن ~~مجال السمع، وإلا ربما كانت أثارت فضيحة من الطراز الأول. # بعد ما حدث، ساد العشاء جو من الحرج. فقد كان السيد لاكرستين ~~عابسا، متعجبا، أي هراء هذا؟ الطريقة التي يتعالى بها هؤلاء ~~النساء ويمنعنك من قضاء وقت ممتع! اللعنة، فقد كانت الفتاة على قدر ~~من الجمال يكفي لتذكيره بالصور التي في مجلة «لا في باريزيان»! أوليس ~~هو من يدفع نفقات معيشتها؟ يا للعار! أما من ناحية إليزابيث فقد كان ~~الوضع خطيرا جدا؛ إذ كانت مفلسة وليس لديها ملجأ إلا منزل عمها. ~~فقد سافرت ثمانية آلاف ميل لتقيم ~~هنا. سيكون من الرهيب أن يصير منزل عمها غير صالح للإقامة بعد ~~أسبوعين فقط. # بناء على ذلك، صار شيء واحد مؤكدا في ذهنها أكثر مما كان؛ وهو ~~أنها ستوافق إذا طلب منها فلوري الزواج (وسوف يفعل، فليس هناك شك ~~كبير في ذلك). في وقت آخر كان ثمة احتمال صغير أن تتخذ قرارا ~~مغايرا. كانت في عصر ذلك اليوم، تحت تأثير تلك المغامرة الرائعة ~~المثيرة «الجميلة» للغاية، قد اقتربت من أن تحب فلوري؛ بقدر ما ~~استطاعت من القرب نظرا لحالته الخاصة. لكن ربما تعاودها شكوكها حتى ~~بعد ذلك؛ فطالما كان ثمة شيء مريب بشأن فلوري؛ سنه ووحمته وأسلوبه ~~الغريب النزق في الحديث، كلام «الثقافة الرفيعة» ذلك الذي كان ~~مبهما ومربكا في الوقت ذاته. مرت عليها أيام بلغ بها الأمر أن ~~كرهته. أما الحين فقد حسم تصرف عمها المسألة. مهما يكن من أمر عليها أن ~~تهرب من منزل عمها، وعلى جناح السرعة. أجل، لا شك أنها ستتزوج فلوري ~~حين يطلب يدها للزواج! # استطاع أن يرى الإجابة في وجهها حين دخل المكتبة. بدا مظهرها أرقا، ~~أكثر استكانة مما عرفه. وكانت ترتدي نفس الفستان ms163 البنفسجي الفاتح الذي ~~كانت ترتديه في ذلك الصباح الذي التقى بها فيه أول مرة، وقد منحته ~~رؤية الفستان المألوف الشجاعة. بدا كأنه أدناها منه، مزيحا الغرابة ~~والأناقة التي كانت توهن عزيمته أحيانا. # التقط المجلة التي كانت تقرؤها وقال ملحوظة ما؛ شرعا يثرثران لبرهة ~~من الوقت نفس الثرثرة التافهة التي نادرا ما استطاعا تحاشيها. إنه ~~لعجيب أن تستديم عادات الحديث التافه في كل اللحظات تقريبا. لكن بينما ~~هما يثرثران وجدا نفسيهما منساقين إلى الباب ثم إلى الخارج، وبعد ~~قليل إلى شجرة الياسمين الهندي الكبيرة لدى ملعب التنس. كانت ليلة ~~اكتمال القمر. كان القمر متوهجا مثل عملة مشتعلة، ساطعا جدا حتى ~~ليوجع ضوءه العيون، وهو يسبح عاليا في سماء في زرقة الدخان، ~~انسابت في أنحائها خطوط قليلة من الغيم الأصفر. وكانت النجوم كلها ~~خافية. أما شجيرات الكروتون، التي تبدو بشعة نهارا مثل أشجار غار ~~أصابتها الصفراء، فقد حولها القمر إلى أشكال متداخلة بالأبيض ~~والأسود مثل صور مذهلة مطبوعة من قوالب خشبية. عند سور المجمع كان ~~ثمة عاملان درافيديان يسيران على الطريق، غير واضحي التفاصيل، فيما ~~راحت أسمالهما البيضاء تشع وميضا. كانت شجرة الياسمين الهندي ترسل ~~في الهواء الدافئ رائحة قوية. # قال فلوري: «فلتنظري إلى القمر، انظري إليه فحسب! كأنه شمس بيضاء. ~~أشد ضوءا من النهار الشتوي الإنجليزي.» # رفعت إليزابيث ناظريها عبر فروع شجرة الياسمين الهندي، التي بدت ~~كأن القمر قد حولها إلى قضبان من الفضة. انتشر الضوء سميكا، كأنه ~~قابل للمس، على كل شيء، فكسا الأرض ولحاء الأشجار الخشن بقشرة مثل ~~ملح براق، وبدت كل ورقة من أوراق الأشجار كأنها تحمل عبئا من الضوء ~~الملموس، شبيه بالثلج. حتى إليزابيث، التي كانت لا تأبه لتلك الأشياء، ~~كانت مبهورة. ~~«إنه رائع! لا نرى ضوء القمر هكذا في الوطن مطلقا. إنه في غاية ... ~~غاية ...» لما لم يواتها نعت سوى «ساطع»، لاذت بالصمت. كان من عاداتها ~~أن تترك جملها دون أن تتمها، مثل روزا دارتل، وإن كان لسبب ~~مختلف. ~~«أجل، القمر العجوز يقدم أفضل ما عنده ms164 في هذا البلد. تلك الشجرة ~~الكريهة الرائحة للغاية، أليس كذلك؟ شجرة مدارية بشعة! أبغض الشجرة ~~التي تظل وارفة طوال العام، ألست كذلك؟» # كان يتحدث شارد الذهن إلى حد ما، ليملأ الوقت حتى يغيب العاملان ~~عن مرمى البصر. وبمجرد اختفائهما وضع ذراعه حول كتف إليزابيث، ولما لم ~~تجفل أو تنطق، أدارها وضمها إليه. صار رأسها مواجها لصدره وشعرها ~~القصير ملامسا لشفتيه. وضع يده أسفل ذقنها ورفع وجهها ليقابل وجهه. ~~لم تكن هي ترتدي نظارتها. ~~«هل تمانعين؟» ~~«لا.» ~~«أقصد ألا تبالين ... بهذا الشيء لدي؟» وهز رأسه قليلا ليشير إلى ~~الوحمة. لم يستطع تقبيلها دون أن يسأل هذا السؤال أولا. ~~«لا، لا. بالطبع لا.» # بعد لحظة من تلاقي ثغريهما شعر بذراعيها العاريتين تستقران بخفة ~~حول رقبته. وقفا متعانقين، وقد استندا إلى جذع شجرة الياسمين الهندي ~~الناعم، جسده ملاصق لجسدها، وشفتاه ملاصقتان لشفتيها، طوال دقيقة أو ~~أكثر. امتزجت رائحة الشجرة المثيرة للغثيان مع رائحة شعر إليزابيث. ~~وقد أعطته الرائحة شعورا بالغفلة، بالبعد عن إليزابيث، مع أنها كانت ~~بين ذراعيه. كل ما كانت تلك الشجرة الغريبة تمثله له؛ منفاه، السر، ~~السنوات الضائعة. كانت مثل هوة لا سبيل لعبورها. كيف يمكنه يوما ~~أن يجعلها تفهم ذلك الذي يريده منها؟ انفصل عنها ودفع بكتفيها ~~برفق إلى الشجرة، وهو ينظر إلى وجهها، الذي استطاع رؤيته بوضوح شديد ~~رغم أن القمر كان خلفها. # قال فلوري: «لا جدوى من أن أحاول إخبارك ماذا أنت بالنسبة إلي. ~~ماذا أنت بالنسبة إلي! هذه العبارات التي فقدت وقعها! إنك لا ~~تعلمين، ولا يمكن أن تدركي، كم أحبك. لكن يجب أن أحاول إخبارك. ~~هناك أشياء كثيرة جدا يجب أن أخبرك بها. هل من الأفضل أن نعود إلى ~~النادي؟ ربما يأتون للبحث عنا. يمكننا أن نتحدث في ~~الشرفة.» # قالت هي: «هل تبعثر شعري؟» ~~«إنه جميل.» ~~«لكن هل صار مبعثرا. هلا هذبته لي أرجوك؟» # حنت رأسها إليه، فسوى خصلات شعرها القصير الرطب بيده . منحته ~~الطريقة التي حنت بها رأسها له شعورا غريبا بالقرب، أقوى كثيرا من ms165 ~~القبلة، كما لو كان زوجها بالفعل. آه، لا بد أن تصير له، كان هذا ~~مؤكدا! فقط بالزواج منها من الممكن إنقاذ حياته. سيسألها في الحال. ~~سارا على مهل بين شجيرات الكروتون عائدين إلى النادي، وذراعه ما زالت ~~تحيط بكتفها. # قال مجددا: «يمكننا أن نتحدث في الشرفة. لسبب ما لم يتسن لنا، ~~أنا وأنت، أن نتحدث بحق قط. يا إلهي، لكم اشتقت طوال هذه السنوات ~~لشخص أتحدث معه! كم أود الحديث معك بلا توقف، بلا توقف! يبدو ~~هذا مملا. أخشى أنني سأكون مملا. لا بد أن أرجوك أن تصبري على ~~الأمر قليلا.» # صدر منها صوت ينم عن اعتراضها على كلمة «ممل». ~~«لا، إنه ممل. أعلم ذلك. نحن الإنجليز المقيمين في الهند دائما ما ~~نرى أشخاصا مملين. وإننا مملون. لكن لا يد لنا في هذا. فالأمر ~~وما فيه أن هناك ... ما الكلمة المناسبة؟ ... شيطان بداخلنا يدفعنا ~~للكلام. إننا نتحدث تحت وطأة عبء من الذكريات التي نتلهف لمشاركتها ~~ولا نستطيع أبدا لسبب ما. إنه الثمن الذي ندفعه نظير قدومنا إلى هذا ~~البلد.» # كانا في مأمن من المقاطعة في طرف الشرفة؛ إذ لم يكن ثمة باب يؤدي ~~إليها مباشرة. كانت إليزابيث قد جلست باسطة ذراعيها على المنضدة الخوص ~~الصغيرة، أما فلوري فظل يتمشى جيئة وذهابا، واضعا يديه في جيوب ~~معطفه، ذاهبا إلى ضوء القمر المنسكب أسفل الحواف الشرقية لسقف ~~الشرفة، وعائدا إلى الظل. ~~«لقد قلت للتو إنني أحبك. الحب! لقد استهلكت الكلمة حتى صارت بلا ~~معنى. لكن دعيني أحاول التفسير. هذا العصر حين كنت هناك تصطادين معي، ~~شعرت، يا إلهي! أخيرا يوجد شخص يستطيع أن يشاركني حياتي، يعيشها معي ~~حقا، هل ترين؟» # كان سيطلب يدها للزواج. قطعا، ~~فقد انتوى أن يطلبها دون المزيد من التأخير. لكن لم تنطق الكلمات ~~بعد؛ فقد وجد نفسه بدلا من ذلك يسترسل في الكلام بأنانية. لم يكن له ~~حيلة في ذلك. كان من المهم جدا أن تفهم كيف كانت حياته في هذا ~~البلد؛ أن تستوعب طبيعة الوحدة التي أراد ms166 أن تمحوها. وكان هذا صعب ~~الشرح صعوبة مفرطة. من الشنيع أن تكابد ألما يكاد يكون بلا اسم. ~~طوبى لأولئك المصابين بأمراض يمكن تصنيفها فحسب! طوبى للفقراء، ~~المرضى، والذين نبذهم أحباؤهم، فعلى الأقل يعلم الناس بحالهم ويصغون ~~بشفقة إلى شكاواهم. لكن هل يفهم ألم المنفى أولئك الذين لم يقاسوه؟ ~~ظلت إليزابيث تشاهده في ذهابه وإيابه، وهو يدخل بؤرة ضوء القمر الذي ~~جعل معطفه الحرير فضيا، ويخرج منها. كان قلبها لا يزال يخفق من أثر ~~القبلة، لكن هامت أفكارها وهو يتكلم. هل ينوي أن يطلب منها الزواج؟ ~~لشد ما يتباطأ في هذا الأمر! كانت مدركة إدراكا طفيفا أنه كان يقول ~~شيئا عن الوحدة. آه، بالطبع! كان يحدثها عن الوحدة التي سيكون ~~عليها أن تحتملها في الغابة حين يتزوجان. ما كان عليه أن يقلق. ربما ~~تشعر حقا بشيء من الوحدة في الغابة أحيانا. وأنت على بعد أميال من ~~كل شيء، بلا سينمات، أو حفلات راقصة، ولا أحد لتبادله الحديث سوى ~~مبادلة أحدنا الآخر، وليس لديك شيء لتفعله في المساء سوى القراءة؛ إنه ~~شيء مضجر بعض الشيء. لكن يمكن امتلاك جرامافون. كم ستختلف الحياة ~~حين تتاح أجهزة الراديو المحمولة الجديدة تلك في بورما! كانت على وشك ~~أن تقول هذا حين أضاف: ~~«هل أوضحت لك مرادي على الإطلاق؟ هل صار لديك تصور للحياة التي ~~نعيشها هنا؟ الغربة والوحدة والشجن! أشجار غريبة وزهور غريبة ومناظر ~~غريبة ووجوه غريبة. كل هذا غريب كأنه كوكب مختلف. لكن لتعلمي - وهذا ~~هو ما أريد بشدة أن تفهميه - لتعلمي أن العيش على كوكب مختلف قد لا ~~يكون شيئا بالغ السوء، بل قد يكون أمتع شيء يخطر على البال، إذا كان ~~لديك ولو شخص واحد لتقاسميه إياه. شخص واحد يستطيع أن يراه بعينين ~~تشبهان عينيك. كان هذا البلد بمثابة جحيم من العزلة لي - إنه كذلك ~~لغالبيتنا - إلا أنني أؤكد لك أنه قد يكون نعيما إذا لم يكن المرء ~~وحيدا . هل يبدو كل ما أقوله بلا أي معنى؟» # توقف بجانب المنضدة، والتقط يدها. ms167 لم يستطع أن يرى في الظلام ~~الجزئي سوى وجهها بيضاويا باهتا، مثل زهرة، لكن من ملمس يدها عرف ~~في الحال أنها لم تفهم كلمة مما كان يقول. بالطبع كيف لها أن تفهم؟ كان ~~هذا الحديث ذو الشجون بلا جدوى على الإطلاق! سيقول لها على الفور: هلا ~~تزوجتني؟ ألا يوجد عمر لنتحدث فيه. هكذا أمسك يدها الأخرى وأنهضها ~~برفق. ~~«سامحيني على كل هذا الهراء الذي تحدثت به.» # فهمست بصوت خافت، متوقعة أنه على وشك أن يقبلها: «لا ~~بأس.» ~~«لا، إن الحديث هكذا من قبيل اللغو. فبعض الأشياء تقال بالكلمات ~~وأشياء أخرى تأبى ذلك. كما أنه كان من الوقاحة أن أسترسل في الشكوى من ~~حالي. لكنني كنت أحاول أن أمهد الطريق لشيء. فلتسمعيني، هذا ما ~~أردت قوله. هل ...» ~~«إليزابيث!» # كان ذلك صوت السيدة لاكرستين الكئيب العالي النبرة، ينادي من داخل ~~النادي. «إليزابيث؟ أين أنت يا إليزابيث؟» # كان واضحا أنها كانت قريبة من الباب الأمامي، وستكون في الشرفة في ~~بحر لحظة. ضم فلوري إليزابيث إليه، وتبادلا القبل على عجل. ثم ~~أطلقها، مبقيا على يديها في يديه. ~~«سريعا، الوقت يداهمنا. أجيبي على سؤالي. هل ...» # لكن لم تتم تلك الجملة قط عن ذلك؛ إذ وقع شيء استثنائي في نفس ~~اللحظة تحت قدميه. راحت الأرض تمور وتتمايل مثل البحر؛ فأخذ يترنح ~~ثم سقط وقد أصابه دوار، مرتطما بالأرض بساعده عند اندفاعه إليها. ~~وحيث استلقى وجد نفسه يرج بعنف ذات اليمين وذات اليسار كأن وحشا ~~ضخما ما تحت الأرض كان يؤرجح المبنى بأكمله على ظهره. # استعادت الأرض الثملى وضعها الصحيح على نحو مفاجئ، وجلس فلوري ~~مستقيما، ذاهلا لكن من دون أذى بالغ. انتبه في وهن إلى إليزابيث ~~وهي منبطحة بجانبه، وصرخات آتية من داخل النادي. كان يتسابق وراء ~~البوابة رجلان بورميان في ضوء القمر وشعورهما الطويلة مسترسلة ~~وراءهما. وكانا يصرخان بعلو صوتيهما: ~~«(نجا ين) يهتز! (نجا ين) يهتز!» # شاهدهما فلوري دون فهم. من هو نجا ين. «نجا» هي بادئة تعطى ~~للمجرمين. لا بد أن نجا ين مجرم. ms168 لكن لماذا كان يهتز؟ ثم تذكر. نجا ين ~~هو عملاق يعتقد البورميون أنه مدفون، مثل تايفوس أسفل قشرة الأرض. ~~بالتأكيد! كان هذا زلزالا. # هتف فلوري: «زلزال!» وتذكر إليزابيث فتحرك لينهضها. لكنها كانت ~~تنهض بالفعل، ولم يصبها أذى، وأخذت تدلك مؤخرة رأسها. # قالت بصوت مفزوع بعض الشيء: «هل كان ذلك زلزالا؟» # اقتربت السيدة لاكرستين بهيئتها الفارعة بخطوات وئيدة، وقد تشبثت ~~بالجدار مثل سحلية طويلة. وكانت تصرخ صراخا هستيريا قائلة: ~~«يا للهول، زلزال! آه، يا لها من هزة مروعة! لا قبل لي بذلك. ~~قلبي لا يحتمل! يا للهول، يا للهول! زلزال!» # كان السيد لاكرستين يترنح خلفها، بخطى مختلة غريبة بسبب الهزات ~~الأرضية من ناحية والجين من ناحية أخرى. # قال السيد لاكرستين: «زلزال، سحقا!» # نهض فلوري وإليزابيث على مهل. ودخلوا جميعا، بذلك الشعور الغريب في ~~باطن أقدامهم الذي يشعر به المرء حين يخطو من قارب مهتز إلى البر. ~~هرع الساقي العجوز من حجرات الخدم، ووضع عمامته على رأسه بمجرد أن ~~وصل، ومن ورائه حشد من الغلمان يثرثرون. # وانطلق في الكلام قائلا بلهفة: «زلزال يا سيدي، زلزال!» # قال السيد لاكرسيتن وهو يهبط بحرص إلى أحد المقاعد: «أعلم جيدا أنه ~~كان زلزالا. أنت أيها الساقي، هات بعض المشروبات. والله إنني بحاجة ~~إلى القليل من الشراب بعد ما جرى.» # تناولوا جميعا القليل من الشراب. ووقف الساقي، خجلا لكن مبتهجا، ~~على ساق واحدة بجانب الطاولة، بالصينية في يده. وقال مجددا بحماس: ~~«زلزال يا سيدي، زلزال كبير!» كان يتقد حماسا للكلام؛ وكذلك كان ~~كل فرد من الآخرين. فقد غمرهم جميعا شعور غير معتاد ببهجة الحياة ~~بمجرد أن غادر سيقانهم شعور القلقلة. فإن الزلزال يصير مسليا ~~للغاية حين ينتهي. فإنه مما يبث في النفس بهجة شديدة أن تتبصر ~~أنك لست جثة هامدة تحت كوم من الأنقاض، كما كان من الوارد جدا. ~~وهكذا انطلقوا كلهم في الكلام بالإجماع: «ويحي، لم أر هزة كهذه في ~~حياتي! لقد سقطت متمددا تماما على ظهري؛ شعرت كأن كلبا ضالا ~~لعينا كان يحك نفسه تحت ms169 الأرض. اعتقدت أنه لا بد أن يكون انفجارا ~~وقع في مكان ما.» وهكذا دواليك؛ ثرثرة الزلزال المعتادة. وحتى الساقي ~~ضم للمحادثة. # قالت السيدة لاكرستين بلطف شديد، بالقياس إليها: «أعتقد أنك تتذكر ~~الكثير جدا من الزلازل، أليس كذلك أيها الساقي؟» ~~«أجل يا سيدتي، العديد من الزلازل! عام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين، ~~وألف وثمانمائة وتسعة وتسعين، وألف وتسعمائة وستة، وألف وتسعمائة ~~واثني عشر ... أتذكر العديد والعديد منها يا سيدتي!» # قال فلوري: «زلزال ألف وتسعمائة واثني عشر كان كبيرا بعض ~~الشيء.» ~~«لكن زلزال ألف وتسعمائة وستة كان أكبر يا سيدي! كانت هزة فظيعة ~~جدا يا سيدي! وقد سقط صنم وثني كبير في المعبد فوق ال ~~«ثاثانابينج»؛ أي الأسقف البوذي يا سيدتي، وهو ما يقول البورميون إنه ~~فأل سيئ ينذر بفساد محصول الأرز والحمى القلاعية. أتذكر أيضا أول ~~زلزال لي عام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين، حين كنت غلاما صغيرا، ~~وكان الميجور ماكلاجان مستلقيا تحت الطاولة يعد بأنه سيوقع ~~التعهد بالامتناع عن المسكرات في صباح اليوم التالي. لم يكن يعلم أنه ~~زلزال. كذلك ماتت بقرتان من سقوط السقف عليهما ... إلخ». # مكث الأوروبيون في النادي حتى منتصف الليل، وتردد الساقي على ~~الحجرة في زيارات قصيرة نحو ست مرات، ليحكي طرفة جديدة. ولم ~~يوبخه الأوروبيون على الإطلاق، بل إنهم شجعوه على الحديث. لا ~~شيء يضاهي الزلزال في الجمع بين الناس. هزة أخرى، أو ربما اثنتان، ~~وكانوا سيطلبون من الساقي أن يجلس معهم إلى الطاولة. # في الوقت ذاته لم يتطور عرض فلوري عما وصل إليه. فلا يمكن لأحد ~~أن يتقدم للزواج بعد زلزال مباشرة. وهو على كل حال لم ير إليزابيث ~~بمفردها ما تبقى من ذلك المساء. لكن لا بأس بذلك؛ إذ كان يعلم أنها ~~صارت له. سيكون في الصباح وقت كاف. بناء على هذا الخاطر، خلد إلى ~~الفراش، مطمئن البال، ومنهك الجسد بعد اليوم الطويل. # | الفصل السادس عشر # انطلقت النسور المقيمة على أشجار البينكادو السامقة عند الجبانة من ~~على فروعها التي صبغتها فضلات النسور بلون أبيض، وراحت ms170 تحلق في ~~توازن، صاعدة إلى أعالي السماء بحركات حلزونية. كان الوقت مبكرا، ~~لكن كان فلوري قد خرج بالفعل. كان ذاهبا إلى النادي، لينتظر حتى تأتي ~~إليزابيث ثم يطلب منها الزواج رسميا. فقد حثه دافع ما، لم يفهمه، ~~على فعل ذلك قبل أن يعود الأوروبيون الآخرون من الغابة. # وحين خرج من بوابة المجمع وجد أن هناك وافدا جديدا في كياوكتادا. ~~كان يعدو عبر الميدان على مهر أبيض شاب في يده رمح طويل مثل ~~الإبرة. وكان يجري وراءه بعض السيخ، الذين بدوا مثل الجنود الهنود، ~~يقتادون مهرين آخرين، أكمت وكستنائي، من لجاميهما. حين صار فلوري ~~على نفس المستوى معه توقف على الطريق وصاح قائلا: «صباح الخير.» لم ~~يكن قد تعرف على الشاب، لكنه من المعتاد في القواعد الصغيرة أن ~~ترحب بالغرباء. لاحظ الآخر أن هناك من ألقى عليه التحية، فاستدار ~~بمهره في تراخ وأخذه إلى جانب الطريق. كان شابا في حوالي ~~الخامسة والعشرين، نحيل القامة لكن شديد الاستقامة، ينم مظهره عن أنه ~~ضابط في سلاح الفرسان. كان له واحد من تلك الوجوه الشبيهة بوجوه ~~الأرانب الشائعة بين الجنود الإنجليز، بعينين ذاتي زرقة فاتحة وأسنان ~~أمامية على شكل مثلث صغير ظاهرة بين الشفتين؛ لكنه كان صلبا وجسورا ~~بل وقاسيا على نحو غير مبال. أرنب، ربما، لكن أرنب صارم وعسكري. جلس ~~على حصانه كما لو كان جزءا منه، وقد بدا يافعا ومتمتعا باللياقة ~~البدنية بشكل يثير الغيظ. وكان وجهه النضر مسمرا بدرجة لائقة تماما ~~بعينيه ذاتي اللون الفاتح، وقد بدا أنيقا كالصور بقبعته البيضاء ~~المصنوعة من جلد الغزال وحذائه البولو الطويل الذي كان يلمع مثل غليون ~~عتيق من الميرشوم. انتاب فلوري شعور بالضيق في حضرته منذ ~~البداية. # قال فلوري: «كيف حالك؟ هل وصلت لتوك؟» ~~«وصلت ليلة أمس في القطار الأخير.» كان له صوت صبياني فظ. «لقد ~~أرسلت إلى هنا مع مجموعة من الرجال للاستعداد في حال أثار المشاغبون ~~في منطقتكم أي متاعب.» ثم أردف قائلا: «اسمي فيرال؛ شرطة عسكرية.» لكن ~~دون أن يستفسر عن ms171 اسم فلوري في المقابل. ~~«أجل. لقد سمعنا أنهم سيرسلون أحدا ما. أين تسكن؟» ~~«في بيت المسافرين بصورة مؤقتة. كان ثمة شحاذ أسود مقيم هناك ~~حين وصلت ليلة أمس؛ موظف ضرائب أو شيء من هذا القبيل. وقد طردته. هذا ~~المكان جحر قذر، أليس كذلك؟» قال ذلك بحركة للوراء من رأسه، مشيرا ~~إلى كياوكتادا بأسرها. ~~«أعتقد أنها مثل سائر القواعد الصغيرة. هل ستبقى طويلا؟» ~~«شهر واحد فقط أو نحو ذلك، حمدا لله. إلى حين هطول الأمطار. إن ~~الميدان لديكم رديء بحق، أليس كذلك؟» ثم أضاف، وهو يحف الحشائش ~~اليابسة برأس حربته: «من المؤسف أنهم لا يحرصون على قص هذه الأشياء. ~~هذا يجعل لعب البولو أو أي شيء من هذا القبيل ميئوسا منه ~~تماما.» # قال فلوري: «أخشى أنك لن تستطيع لعب البولو هنا. التنس هو أقصى ما ~~يمكننا توفيره. فلا يوجد منا سوى ثمانية إجمالا، وأكثرنا يمضي ~~ثلاثة أرباع وقته في الغابة.» ~~«يا للهول! يا له من جحر!» # بعد هذا ساد صمت. كان الرجال السيخ الطوال الملتحون واقفين في ~~مجموعة حول رءوس خيولهم، يرمقون فلوري بنظرة لا تنم عن استحسان. بدا ~~واضحا تماما أن فيرال قد مل من المحادثة ويريد الهروب. أما ~~فلوري فلم يشعر قط في حياته أنه غير مرغوب فيه تماما إلى هذه الدرجة، ~~أو أنه عجوز ورث الهيئة إلى هذا الحد. لاحظ أن مهر فيرال كان ~~عربيا جميلا، أنثى فرس، بعنق أشم وذيل مقوس في نعومة الريش؛ ~~كائن أبيض كالحليب بديع، يقدر بعدة آلاف من الروبيات. كان فيرال قد ~~هز اللجام بالفعل ليستدير، شاعرا كما يبدو أنه قد تحدث بما يكفي ~~هذا الصباح. # قال فلوري: «لديك فرسة رائعة.» ~~«لا بأس بها، أفضل من الحيوانات البورمية الهجينة تلك. لقد جئت ~~لممارسة رياضة التقاط أوتاد الخيام. فلا جدوى من ضرب كرة البولو في هذه ~~الحثالة.» ثم نادى وهو يدور بمهره مبتعدا: «يا هيرا سينج!» # ناول الجندي الذي كان يمسك المهر الأكمت اللجام لزميله، وجرى إلى ~~بقعة على بعد أربعين ياردة، وثبت في ms172 الأرض وتدا رفيعا من خشب البقس. ~~لم يعر فيرال فلوري اهتمامه مرة أخرى، وإنما رفع حربته ووازن نفسه ~~مستهدفا الوتد، فيما تراجع الهنديان بفرسيهما بعيدا عن الطريق ووقفا ~~يشاهدان بتدبر. لكز فيرال جانبي المهرة بركبتيه بحركة بالكاد ~~محسوسة، فوثبت متقدمة مثل القذيفة من المنجنيق. بسلاسة كأنه قنطور، ~~انحنى الشاب النحيل المنتصب القامة على السرج، وأنزل حربته وغرسها ~~في الوتد من دون خطأ. تمتم أحد الهنود قائلا بصوت أجش: «أحسنت!» ~~رفع فيرال حربته وراءه بالطريقة التقليدية، ثم دار بفرسه وناول ~~الوتد المطعون للجندي. # قصد فيرال الوتد مرتين أخريين، وأصابه في كل مرة. وقد تم ذلك ~~برشاقة منقطعة النظير وبوقار غير عادي. كانت مجموعة الرجال بأسرها، ~~الرجل الإنجليزي والهنود، منتبهة إلى عملية إصابة الوتد كما لو كانت ~~طقسا دينيا. وقف فلوري يشاهد، متجاهلا؛ إذ كان وجه فيرال واحدا ~~من تلك الوجوه التي صممت خصوصا لتجاهل الغرباء غير المرحب بهم. لكن ~~بصرف النظر عن حقيقة أنه قد عومل بازدراء، فهو غير قادر على انتزاع ~~نفسه والابتعاد؛ فقد ملأه فيرال بطريقة ما بشعور بشع بالدونية. وبينما ~~هو يحاول التفكير في ذريعة ما لتجديد الحوار، رأى إليزابيث في لباس ~~أزرق فاتح، حين ارتفع ببصره إلى جانب التل، وهي تخرج من بوابة ~~عمها. لا بد أنها قد رأت وخز الوتد لثالث مرة. انتفض قلبه بشكل ~~مؤلم. فقد خطرت له فكرة، إحدى تلك الأفكار الطائشة التي دائما ما ~~تؤدي إلى متاعب. فنادى فيرال، الذي كان على بعد بضع ياردات منه، ~~وأشار بعصاه: ~~«هل هذان الاثنان مدربان على ذلك؟» # نظر فيرال من فوق كتفه متجهما؛ إذ كان قد توقع أن ينصرف فلوري بعد ~~تجاهله. ~~«ماذا؟» # أعاد فلوري قوله: «هل يستطيع الاثنان الآخران أن يفعلا ذلك؟» ~~«الكستنائي لا بأس به. لكنه ينطلق إذا سمحت له.» ~~«هلا سمحت لي بمحاولة التقاط الوتد؟» # قال فيرال بفظاظة شديدة: «حسنا، لكن لا تكثر من شد اللجام حتى ~~تؤذي الشكيمة فمه .» # جاء جندي بالمهر، وتظاهر فلوري بأنه يتفحص سلسلة الشكيمة. لكنه ~~كان في الواقع ms173 يتلكأ إلى أن تصير إليزابيث على بعد ثلاثين أو أربعين ~~ياردة. عقد العزم على إصابة الوتد في نفس اللحظة التي تمر فيها ~~بالضبط (وهو الأمر السهل تماما على صهوة الأمهار البورمية الصغيرة، ~~شريطة أن يركضا مباشرة)، ثم يذهب إليها ومعه الوتد على رأس الحربة. ~~كانت تلك الحركة المناسبة يقينا. لم يردها أن تظن أن ذلك الفتى ~~الصغير متورد الوجه هو الشخص الوحيد الذي يستطيع امتطاء الخيل. كان ~~يرتدي سروالا قصيرا، وهو ما لم يكن مريحا في ركوب الخيل، لكنه كان ~~يعلم أنه، مثل أي شخص تقريبا، يبدو في أحسن صورة على صهوة ~~الخيل. # راحت إليزابيث تقترب؛ فصعد فلوري إلى السرج، وأخذ الحربة من الهندي ~~ولوح بها محييا إليزابيث. لكنها لم تحر ردا. ربما انتابها ~~الخجل في حضور فيرال. كانت تنظر بعيدا، في اتجاه الجبانة، وقد توردت ~~وجنتاها. # قال فلوري للرجل الهندي باللغة الهندية: «هيا!» ثم لكز جانبي الحصان ~~بركبتيه. # في اللحظة التالية مباشرة، قبل أن يبدأ الحصان الوثب، وجد فلوري ~~نفسه ينطلق في الهواء، ويرتطم بالأرض في دوي كادت تنخلع منه كتفه ~~من مفصلها، ثم تدحرج بعدها عدة مرات. حمدا لله، وقعت الحربة بعيدا ~~عنه. استلقى فلوري على ظهره، ورأى السماء الزرقاء والنسور المحلقة رؤية ~~مشوشة. ثم استقرت عيناه على العمامة الكاكي والوجه الداكن لأحد الرجال ~~السيخ، بلحية ممتدة حتى عينيه، وهو منحن فوقه. # قال فلوري بالإنجليزية: «ماذا حدث؟» ونهض على كوعه متألما. رد ~~الرجل السيخي بإجابة ما بصوت أجش وأشار. رأى فلوري المهر الكستنائي ~~ينطلق بعيدا في الميدان، وقد تدلى السرج تحت بطنه. لم يكن حزام ~~السرج مربوطا، وكان قد انزلق؛ ولهذا سقط فلوري. # حين جلس فلوري وجد نفسه في ألم بالغ. كانت كتف القميص اليمنى قد ~~تمزعت وتشربت دما، وشعر بمزيد من الدماء تنزف من وجنته. لقد خدش ~~من الأرض الصلبة. وقبعته أيضا اختفت. تذكر إليزابيث فباغته ألم ~~ممض، ورآها آتية ناحيته، على مسافة لا تزيد عن عشر يارادات، تنظر إليه ~~مباشرة وهو ممدد بصورة مخزية جدا. قال ms174 في نفسه: «يا إلهي، يا ~~إلهي، ويحي، كم أبدو أحمق حتما الآن!» صرف هذا الخاطر ألم الوقعة. وضع ~~يده سريعا على وحمته، مع أن وجنته الأخرى هي التي جرحت. ~~«إليزابيث! مرحبا يا إليزابيث! صباح الخير!» # كان قد صاح بلهفة وتوسل، كما يفعل المرء حين يدرك أنه يبدو أحمق. ~~لم ترد، والعجيب لدرجة استعصاء تصديقه أنها سارت دون أن تتوقف ولو ~~للحظة، كما لو كانت لم تره أو تسمعه. # نادى عليها مرة أخرى مدهوشا: «إليزابيث! هل رأيت سقوطي؟ لقد انزلق ~~السرج. الجندي الأحمق لم يكن قد ...» # ما من شك أنها كانت قد رأته هذه المرة. أدارت وجهها بالكامل إليه ~~لوهلة، ونظرت إليه وتجاهلته كما لو كان ليس موجودا. ثم حدقت بعيدا ~~فيما وراء الجبانة. كان الأمر فظيعا. راح ينادي عليها ~~باستياء: ~~«إليزابيث! مهلا، إليزابيث!» # مضت في سبيلها بلا كلمة أو إشارة أو نظرة. وكانت تسير سريعا على ~~الطريق، وهي تطقطق بكعبيها، وقد ولته ظهرها. # جاء الجنود حوله، وفيرال أيضا، جاء على جواده إلى حيث كان فلوري ~~مستلقيا. حيا بعض الجنود إليزابيث؛ وتجاهلها فيرال، ربما لأنه ~~لم يرها. نهض فلوري واقفا بصعوبة، فقد أصيب برضوض شديدة، لكن من دون ~~كسور. أتى له الهنود بقبعته وعصاه، لكنهم لم يعتذروا على تقصيرهم. ~~بل بدوا مستهزئين به إلى حد طفيف، كما لو كانوا يرون أنه لم ينل ~~سوى ما يستحقه. من الوارد أنهم كانوا قد فكوا حزام السرج ~~متعمدين. # قال فلوري بالأسلوب الضعيف الغبي الذي يتحدث به المرء في مثل تلك ~~اللحظات: «انزلق السرج.» # قال فيرال باقتضاب: «لماذا لم تفحصه قبل أن تركب بحق الشيطان؟ لا ~~بد أن تعلم أنه لا يمكن الثقة في هؤلاء الأرذال.» # بعد أن قال هذا هز اللجام ورحل، شاعرا أن الموقف قد انتهى. وتبعه ~~الجنود دون تحية فلوري. حين وصل فلوري إلى بوابته نظر إلى الوراء ورأى ~~أن المهر الكستنائي كان قد أمسك وأعيد وضع سرجه، وكان فيرال يلتقط ~~الأوتاد على صهوته. # أربكته الوقعة إرباكا شديدا لدرجة أنه ظل حتى ms175 هذه اللحظة غير ~~قادر على تجميع أفكاره. ما الذي قد يجعلها تتصرف هكذا؟ لقد رأته ملقى ~~على الأرض ينزف ويتألم، ومرت به كما لو كان كلبا نافقا. كيف حدث ذلك؟ ~~هل حدث؟ كان شيئا لا يصدق. هل من الممكن أن تكون غاضبة منه؟ هل من ~~الممكن أن يكون قد ضايقها بأي طريقة؟ كان كل الخدم منتظرين لدى سور ~~المجمع؛ إذ كانوا قد خرجوا لمشاهدة التقاط الأوتاد، وشاهد كل واحد منهم ~~مذلته المريرة. ركض كو سلا جزءا من الطريق هابطا التل لملاقاته، ~~بوجه قلق. ~~«هل أصيب سيدي؟ هل أحمل سيدي إلى المنزل؟» # قال سيده: «لا. اذهب وأت لي ببعض الويسكي وقميص نظيف.» # حين عادا إلى المنزل أجلس كو سلا فلوري على الفراش ونزع قميصه ~~الممزق الذي جعله الدم يلتصق بجسده. طرقع كو سلا بلسانه وقال: ~~«هذه الجروح مليئة بالتراب. لا يجوز أن تلعب هذه الألعاب الصبيانية ~~ممتطيا أمهار غريبة يا سيدي. ليس في سنك. هذا خطير جدا.» # قال فلوري: «لقد انزلق السرج.» # استأنف كو سلا كلامه قائلا: «تلك الألعاب تناسب ضباط الشرطة ~~الشباب. أما أنت فلم تعد شابا يا سيدي. في الوقوع ضرر لمن في سنك. ~~لا بد أن تحرص على نفسك أكثر.» # قال فلوري غاضبا: «هل تراني رجلا عجوزا؟» وكانت كتفه تؤلمه ألما ~~بغيضا. # قال كو سلا بتهذيب لكن بحزم: «إنك في الخامسة والثلاثين يا ~~سيدي.» # كان الأمر برمته مخزيا. أحضرت ما بو وما يي، اللتان كانتا في ~~هدنة مؤقتة، قدرا به غثاء بشع مجهول زعمتا أنه مفيد للجروح. طلب ~~فلوري سرا من كو سلا أن يلقيه من النافذة ويستبدل به مرهم البوريك. ~~لاحقا، وهو جالس في مغطس حمام فاتر وكو سلا يزيل التراب من خدوشه ~~بالإسفنجة، راح يتفكر عاجزا فيما حدث، باستياء متزايد، وقد صفا ذهنه ~~أكثر. لقد ضايقها بشدة، كان هذا واضحا. لكنه لم يرها حتى منذ ليلة ~~أمس، فكيف يمكن أن يكون قد ضايقها ؟ ولم يكن هناك أي إجابة ~~معقولة. # شرح لكو سلا عدة مرات أن وقوعه ms176 كان بسبب انزلاق السرج. لكن من ~~الجلي أن كو سلا، على تعاطفه، لم يصدقه. أدرك فلوري أن الوقعة ~~ستظل تعزى إلى ضعف مهاراته الفروسية، حتى ينتهي أجله. لكنه من ناحية ~~أخرى، كان من أسبوعين قد ظفر بصيت غير مستحق بأن جعل جاموسة غير ~~مؤذية تولي الهرب. إن القدر عادل، إلى حد ما. # | الفصل السابع عشر # لم ير فلوري إليزابيث مرة أخرى حتى ذهب إلى النادي بعد العشاء. لم ~~يبحث عنها ويطلب منها تفسيرا، كما كان من الوارد أن يفعل. فقد وهنت ~~عزيمته حين تطلع إلى وجهه في المرآة. كان بائسا للغاية بالوحمة في ~~جانب والخدش في الجانب الآخر، في غاية البشاعة، حتى إنه لم يجرؤ على ~~الظهور في ضوء النهار. بمجرد أن دخل قاعة الجلوس في النادي وضع يده على ~~وحمته، وتعلل بأن لديه قرصة ناموسة على جبهته. كان مما لا قبل ~~لشجاعته به ألا يغطي وحمته في لحظة كتلك. بيد أن إليزابيث لم تكن ~~هناك. # بدلا ما ذلك دخل فلوري بالمصادفة في مشاجرة غير متوقعة. كان إليس ~~وويستفيلد قد عادا لتوهما من الغابة، وكانا جالسين يحتسيان الشراب ~~بمزاج متعكر؛ إذ كان قد ورد خبر من رانجون يفيد بأن محرر «بورميز ~~باتريوت» قد حكم عليه بأربعة أشهر فقط سجنا على التشهير بالسيد ~~ماكجريجور، وكان إليس متحفزا للاحتداد غضبا على هذه العقوبة ~~المخففة. وبمجرد أن دخل فلوري شرع إليس يستفزه بتعليقات حول «ذلك ~~الزنجي الحقير اللزج جدا». مجرد التفكير في المجادلة جعل فلوري ~~يتثاءب في تلك اللحظة، لكنه أجاب دون تأن، وثار جدال. واحتدم. وبعد ~~أن دعا إليس فلوري بفتى الزنوج المخنث، وأجابه فلوري بالمثل، اهتاج ~~ويستفيلد هو الآخر. كان رجلا دمث الأخلاق، لكن أفكار فلوري المتمردة ~~أحيانا كانت تزعجه. لم يستطع قط أن يفهم لماذا، حين كان الرأي ~~الصواب واضحا من الرأي الخطأ في كل شيء، كان يبدو أن فلوري دائما ما ~~يستمتع بالنزوع إلى الرأي الخطأ . طلب من فلوري «ألا يبدأ في الحديث ~~مثل أحد مثيري الشغب الملاعين في ms177 حديقة هايد بارك»، ثم تلا عليه ~~عظة لاذعة قصيرة، متخذا نصها من تطويبات «البوكا صاحب» الخمس، ~~وهي: # الحفاظ على مكانتنا، اليد الحازمة (من دون القفاز المخملي)، نحن ~~الرجال البيض لا بد أن نتكاتف معا، إن تعطه شبرا، يأخذ ذراعا، ~~وروح الجماعة. # ظلت لهفة فلوري لرؤية إليزابيث تنهش قلبه نهشا طوال ذلك الوقت، حتى ~~إنه بالكاد استطاع الإنصات لما كان يقال له. كما أنه كان قد سمع ذلك ~~كله كثيرا، كثيرا جدا، مائة مرة، وربما ألف مرة، منذ أسبوعه ~~الأول في رانجون، من رئيسه (عجوز أسكتلندي كان مدمنا للجين ومربيا ~~كبيرا لأمهار السباق، وقد أقصي فيما بعد عن مجال السباقات لضلوعه في ~~عمل مشين يتعلق بالمشاركة بنفس الحصان تحت اسمين مختلفين) حين رآه ~~وهو يخلع قبعته لمروره بجنازة أحد أهل البلد فقال له: «تذكر يا ~~فتى، تذكر دائما، أننا أسياد وهم قاذورات!» وقد اعتراه شعور ~~بالاشمئزاز لاضطراره الإنصات لذلك الهراء حينئذ. لذلك قاطع ويستفيلد ~~وهو يقول جاحدا: ~~«اصمت! لقد سئمت من هذا الموضوع. إن فيراسوامي شخص طيب بحق، أفضل ~~كثيرا من بعض الرجال البيض الذين أعرفهم. وإنني على أي حال سأقترح ~~اسمه لعضوية النادي حين تنعقد الجمعية العمومية. فربما ينعش هذا ~~المكان اللعين قليلا.» # هنا كان الشجار سيصير خطيرا لولا أنه انتهى كما كانت تنتهي أغلب ~~الشجارات في النادي؛ بظهور الساقي، الذي سمع الأصوات المرتفعة. ~~«هل ناداني أحد أيها السادة؟» # قال إليس متجهما: «لا، اذهب إلى الجحيم.» # انصرف الساقي، لكن النزاع انتهى بصورة مؤقتة. في نفس اللحظة سمع ~~من الخارج وقع أقدام وأصوات؛ وصل آل لاكرستين النادي. # حين دخلوا قاعة الجلوس، لم يستطع فلوري حتى التجرؤ على النظر إلى ~~إليزابيث مباشرة؛ لكن استرعى انتباهه أن ثلاثتهم كانوا أكثر تأنقا ~~بكثير من المعتاد. حتى إن السيد لاكرستين كان يرتدي بذلة سهرة - بيضاء ~~بسبب الموسم - وكان مفيقا تماما. بدا أن القميص المنشى والصديري ~~المضلع قد جعلا قامته منتصبة وشدا من شكيمته مثل صدر الدرع. وبدت ~~السيدة لاكرستين مليحة الشكل ورشيقة في فستان أحمر. ms178 على نحو يتعذر ~~تحديده أعطى الثلاثة جميعا انطباعا بأنهم في انتظار استقبال ضيف ~~بارز. # بعد طلب المشروبات، واستيلاء السيدة لاكرستين على المكان أسفل ~~المروحة، اتخذ فلوري مقعدا خارج المجموعة؛ فلم يجرؤ بعد على الدنو ~~من إليزابيث. كانت السيدة لاكرستين قد طفقت تتحدث على نحو غريب ~~سخيف حول أمير ويلز العزيز، مصطنعة لكنة كأنها فتاة من الكورس رقيت ~~مؤقتا لتلعب دور دوقة في مسرحية موسيقية كوميدية. تساءل الآخرون سرا ~~ما الذي دهاها. كان فلوري قد أقام نفسه خلف إليزابيث تقريبا. كانت ~~ترتدي ثوبا أصفر، قصيرا جدا كما كانت الموضة حينها، وجوارب بلون ~~الشمبانيا ونعلا ملائما، وحملت مروحة كبيرة من ريش النعام. بدت ~~مسايرة لأحدث صيحات الموضة، ويافعة للغاية، حتى إنه هابها أكثر مما ~~هابها من قبل. صار مما يأبى التصديق أن يكون قد قبلها على الإطلاق. ~~كانت هي تتحدث في سلاسة مع الآخرين جميعا في آن واحد، وكان هو من ~~حين لآخر يتجرأ على المشاركة بكلمة في الحديث العام؛ لكنها لم ~~ترد عليه مباشرة قط، ولم يعلم ما إذا كانت تتعمد تجاهله أم ~~لا. # قالت السيدة لاكرستين بعد وقت قصير: «حسنا، من يود أن يلعب ~~بريدج؟» # نطقتها متصنعة اللكنة بشكل جلي تماما. كانت لكنتها تزداد ~~أرستقراطية مع كل كلمة تنطقها، وهو ما كان غير قابل للتفسير. بدا أن ~~إليس وويستفيلد والسيد لاكرستين أرادوا اللعب. أما فلوري فرفض بمجرد ~~أن رأى أن إليزابيث لن تلعب. كانت هذه فرصته الأخيرة للانفراد بها. حين ~~انتقلوا جميعا إلى حجرة لعب الأوراق رأى بمزيج من الخوف والارتياح أن ~~إليزابيث آخر من جاء. توقف في المدخل، معترضا طريقها، وكان قد شحب ~~لونه لحد مخيف. انكمشت منه قليلا. # قال الاثنان في نفس الوقت: «أستميحك عذرا.» # قال هو وقد ارتعش صوته على رغمه: «لحظة واحدة. هل يمكنني التحدث ~~معك؟ إذا كنت لا تمانعين، ثمة شيء لا بد أن أقوله.» ~~«هلا تركتني أمر رجاء، يا سيد فلوري ؟» ~~«أرجوك! أرجوك! إننا بمفردنا الآن. هل ترفضين حتى السماح لي ~~بالكلام؟» ~~«ما الأمر ms179 إذن؟» ~~«هذا فقط. أيا كان الذي فعلته وضايقك، أرجوك أن تخبريني ما هو. ~~أخبريني ودعيني أصلح الأمر. إنني لأقطع يدي ولا أضايقك. فلتخبريني ~~ولا تتركيني لا أعلم حتى ما هو.» ~~«لا أعلم حقا ما الذي تتحدث عنه. «أخبرك كيف ضايقتني؟» لماذا ترى ~~أنك قد ضايقتني؟» ~~«لا بد أنني فعلت! بعد الطريقة التي تصرفت بها!» ~~««بعد الطريقة التي تصرفت بها؟» لا أعلم ماذا تقصد. لا أعلم لماذا ~~تتحدث بهذا الأسلوب الغريب من الأساس.» ~~«لكنك تأبين حتى الحديث معي! هذا الصباح تغافلت عني أشد ~~التغافل.» ~~«قطعا أستطيع أن أفعل ما يحلو لي دون أن أسأل في ذلك.» ~~«لكن أرجوك، أرجوك! لا بد أن تعلمي، فأنت لا تعلمين ما أشعر به ~~من معاملتي باحتقار فجأة. بعد كل ما حدث، ليلة أمس فقط كنت ...» # تورد وجهها، وقالت: «أعتقد أن من منتهى ... منتهى الخسة أن تذكر تلك ~~الأشياء!» ~~«أعلم، أعلم كل ذلك. لكن ماذا بوسعي غير ذلك؟ لقد مررت بي هذا ~~الصباح كأنني حجر. أعلم أنني ضايقتك بطريقة ما. هل يمكنك أن تلوميني ~~إذا كنت أود أن أعرف ما الذي جنيته؟» # كان، كالعادة، يزيد الطين بلة بكل كلمة ينطق بها. أدرك أن جعلها ~~تتحدث عن الشيء الذي ارتكبه، أيا كان، يبدو لها أسوأ من الشيء نفسه. ~~لم تكن تنوي تفسيرا. كانت ستتركه في الظلام، تزدريه ثم تتظاهر بأن ~~شيئا لم يحدث؛ تصرف النساء الفطري. إلا أنه ألح عليها مرة ~~أخرى: ~~«أرجوك أن تخبريني. لا أستطيع أن أترك كل ما بيننا ينتهي ~~هكذا.» # قالت ببرود: «ما بيننا ينتهي؟ لم يكن هناك شيء لينتهي.» # شعر بجرح من فظاظة هذا التعليق، وقال سريعا: ~~«لم تكوني هكذا يا إليزابيث! ليس من الكرم أن تتجاهلي رجلا تماما ~~بعد أن كنت تعاملينه بود، ثم ترفضين حتى أن تخبريه بالسبب. ~~الأحرى بك أن تصارحيني. أرجوك أن تخبريني ما الذي فعلته.» # رمقته بنظرة مواربة قاسية، قاسية ليس بسبب ما قد فعله، لكن لأنه ~~جعلها تتحدث عنه. لكنها ربما كانت في لهفة لإنهاء الموقف، ms180 ~~فقالت: ~~«حسنا إذن، ما دمت تجبرني إجبارا على الحديث عن الأمر ...» ~~«أجل؟» ~~«عرفت أنه في نفس الوقت الذي كنت تتظاهر فيه ... حسنا، حين كنت ... معي ~~... آه، هذا بشع جدا! لا أستطيع أن أتكلم في الأمر.» ~~«أكملي.» ~~«عرفت أنك تحتفظ بامرأة بورمية. والآن، هلا سمحت لي بالمرور، ~~رجاء؟» # وبهذا أقلعت - إذ لا يوجد كلمة أخرى مناسبة لذلك - أقلعت مولية عنه ~~بحفيف من تنورتها القصيرة، واختفت داخل حجرة لعب الأوراق. ولبث هو ~~يلاحقها بعينيه، وقد أعجزته الصدمة عن الكلام، وهو يبدو أحمق حماقة ~~لا توصف. # كان الأمر فظيعا. لم يقو على مواجهتها بعد ذلك. التفت ليخرج ~~سريعا من النادي، لكنه لم يجرؤ على مجرد المرور من باب حجرة لعب ~~الأوراق، خشية أن تراه. ذهب إلى قاعة الجلوس، متسائلا كيف يولي ~~الهرب، وأخيرا قفز من فوق درابزين الشرفة ونزل إلى مربع صغير من ~~الحشائش منحدر حتى نهر الإيراوادي. كان العرق يتدفق من جبهته. أراد ~~لو صرخ غضبا وضيقا. يا له من حظ لعين أن يمسك عليه خطأ كهذا، ~~«الاحتفاظ بامرأة بورمية»، ولم يكن هذا صحيحا حتى! لكن لم يكن هناك أي ~~جدوى من إنكار الأمر. آه، أي صدفة لعينة خبيثة التي قد جعلتها تسمع ~~بالأمر؟ # لكن في الحقيقة لم يكن الأمر صدفة. بل كان وارءه سبب معقول تماما، ~~نفس السبب لتصرف السيدة لاكرستين العجيب في النادي هذا المساء. في ~~الليلة السابقة، قبل الزلزال مباشرة، كانت السيدة لاكرستين تقرأ ~~القائمة المدنية. كانت القائمة المدنية (التي تذكر بدقة دخل كل فرد من ~~المسئولين في بورما) مصدر تسلية لا ينفد لها. وبينما هي تجمع راتب حارس ~~الغابات الذي التقت به مرة في ماندالاي وبدلاته خطر لها أن تبحث عن ~~اسم الملازم فيرال، الذي عرفت من السيد ماكجريجور أنه سيصل اليوم ~~التالي مع مائة من رجال الشرطة العسكرية. وحين وجدت الاسم رأت أمامه ~~كلمة كادت أن تفقدها صوابها. # كانت الكلمة هي «النبيل»! # النبيل! الملازمون النبلاء نادرون في كل مكان، في ندرة الألماس ~~في الجيش الهندي، وفي ندرة ms181 طيور الدودو في بورما. وحين تكون عمة ~~الشابة الوحيدة المناسبة للزواج في نطاق خمسين ميلا، وتسمع أن ملازما ~~من النبلاء سيصل في موعد أقصاه اليوم التالي ... حسنا! بانزعاج تذكرت ~~السيدة لاكرستين أن إليزابيث كانت بالخارج في الحديقة مع فلوري؛ فلوري ~~السكير البائس، الذي لا يزيد راتبه عن سبعمائة روبية شهريا، والذي ~~من المحتمل جدا أنه كان يطلب يدها حينذاك! في الحال هرعت لتنادي ~~إليزابيث للدخول، لكن في هذه اللحظة تدخل القدر. إلا أن الفرصة سنحت ~~للكلام في طريق العودة إلى المنزل. وضعت السيدة لاكرستين يدها بحنان ~~على ذراع إليزابيث وقالت بأرق صوت تيسر لها أن تأتيه قط: ~~«لا بد أنك تعلمين يا عزيزتي إليزابيث أن فلوري لديه امرأة بورمية، ~~أليس كذلك؟» # في الواقع ظلت هذه العبوة الناسفة المدمرة للحظة دون أن تنفجر؛ إذ ~~كانت إليزابيث جديدة جدا على نظام الحياة في البلد، حتى إن الملحوظة ~~لم تترك لديها أثرا. فلم يبد الأمر أكثر أهمية من «أن يكون لديه ~~ببغاء». ~~«لديه امرأة بورمية؟ لماذا؟» ~~«لماذا؟ عجبا! لماذا يحتفظ الرجل بالمرأة؟» # وبالطبع هنا قضي الأمر. # ظل فلوري مدة طويلة واقفا عند ضفة النهر. كان القمر في السماء، ~~منعكسا على الماء مثل درع عريض من الإلكتروم. غيرت برودة الهواء ~~بالخارج من حالة فلوري المزاجية. لم يعد لديه حتى الطاقة للغضب. فقد ~~أدرك، بمعرفته لذاته وكرهه لها القاتلين اللذين يتأتيان للمرء في ذلك ~~الوقت، إنه يستحق تماما ما حدث. بدا له لبرهة من الوقت أن ثمة مسيرة ~~لا تنتهي من النساء البورميات، كتيبة من الأشباح، يسرن مارات به في ~~ضوء القمر. يا إلهي، ما عددهن؟! ألف؟! لا، لكن مائة كاملة على الأقل. ~~قال في نفسه يائسا: «إلى اليمين انظر!» فتحولت رءوسهن إليه، بيد أنه ~~لم يكن لهن وجوه، وإنما أقراص بلا ملامح. تذكر إزارا أزرق هنا، ~~وزوج أقراط ياقوت هناك، لكن بالكاد تذكر وجه أو اسم. إن الآلهة ~~عادلون ومن رذائلنا الممتعة (ممتعة يقينا!) يصنعون أدوات ليعاقبونا. ~~لقد ارتكب من الخطايا ما لم يترك ms182 له أملا في الخلاص، وكان هذا عقابه ~~العادل. # اتخذ مساره على مهل وسط شجيرات الكروتون حول مبنى النادي. كان ~~مغتما بشدة حتى إنه لم يشعر بألم المصيبة بالكامل بعد. سيبدأ الألم، ~~مثل كل الجروح العميقة، بعد زمن طويل. مع مروره من البوابة هز شيء ما ~~أوراق الشجر التي وراءه، فأصابه الفزع. كان ثمة همس بكلمات بورمية ~~حازمة. ~~«بايك-سان باي-لايك! بايك-سان باي-لايك!» # التفت سريعا، وتكررت عبارة «بايك-سان باي-لايك» (أعطني النقود). رأى ~~امرأة واقفة تحت ظل شجرة البوانسيانا الذهبية. كانت ما هلا ماي. خرجت ~~إلى ضوء القمر بحذر، تبدو عليها العدوانية، وظلت مبتعدة عنه كما لو ~~كانت خائفة أن يضربها. كان وجهها مغطى بالبودرة، أبيض شاحبا في ضوء ~~القمر، وقد بدا قبيحا مثل الجمجمة، ومتحديا. # كانت قد أفزعته فقال غاضبا باللغة الإنجليزية: «ماذا تفعلين هنا بحق ~~الشيطان؟» ~~«بايك-سان باي-لايك!» ~~«أي نقود؟ ماذا تقصدين؟ لماذا تتعقبينني هكذا؟» # كررت فيما يشبه الصراخ: «بايك-سان باي-لايك! النقود التي وعدتني بها ~~يا سيدي. لقد قلت إنك ستعطيني مزيدا من النقود. أريدها الآن، في ~~الحال!» ~~«كيف يمكنني أن أعطيك إياها الآن؟ ستحصلين عليها الشهر القادم. لقد ~~أعطيتك من قبل مائة وخمسين روبية.» # ثار انزعاجه حين بدأت تصرخ قائلة: «بايك-سان باي-لايك!» وعددا من ~~العبارات المشابهة بأعلى صوتها. بدت على شفير حالة هستيرية؛ إذ كان حجم ~~الصخب الآتي منها مزعجا. # صاح قائلا: «الزمي الصمت! سيسمعونك في النادي.» وندم في الحال على ~~وضع الفكرة في رأسها. ~~«حسنا! الآن عرفت ما سيخيفك! أعطني النقود في الحال وإلا سأصرخ ~~طلبا للنجدة وأخرجهم جميعا هنا. هيا الآن وإلا بدأت الصراخ!» # قال: «أيتها السافلة!» وتقدم خطوة نحوها. وثبت بخفة بعيدا عن ~~متناوله، وخلعت نعليها سريعا، ووقفت متحدية إياه. ~~«أسرع! خمسون روبية الآن والباقي غدا. إلي بها! وإلا أطلقت صرخة ~~تصل إلى البازار!» # جعل فلوري يسب، فلم يكن هذا الوقت المناسب لتلك الفضيحة. وأخيرا ~~أخرج محفظته ووجد فيها خمسا وعشرين روبية، فرماها على الأرض. انقضت ~~ما هلا ماي على الأوراق المالية وعدتها. ~~«قلت خمسين روبية يا ms183 سيدي!» ~~«كيف يمكنني أن أعطيك خمسين روبية وهي ليست معي؟ هل تعتقدين أنني ~~أسير معي خمسون روبية؟» ~~«قلت خمسين روبية!» # قال بالإنجليزية: «ابتعدي عن طريقي!» ودفعها عن طريقه. # لكن أبت المرأة الدنيئة أن تتركه وشأنه. شرعت تتبعه على الطريق مثل ~~كلب مشاكس، وهي تصيح «بايك-سان باي-لايك! بايك-سان باي-لايك!» كأن ~~الصياح وحده يستطيع أن يوجد النقود. حث السير، لإبعادها عن النادي من ~~ناحية، وعلى أمل التخلص منها من ناحية أخرى، لكنها بدت على استعداد ~~لاتباعه حتى المنزل إذا استدعى الأمر. ثم لم يعد يستطيع الصبر على ~~الأمر بعد مدة، فاستدار لحملها على التراجع. ~~«امضي في الحال! إذا تتبعتني أكثر من ذلك لن تحصلي مني على آنة ~~أخرى قط.» ~~«بايك-سان باي-لايك!» # قال: «ما الجدوى من هذا أيتها الحمقاء؟ كيف أعطيك مالا وليس معي ~~ولو بيسة أخرى؟» ~~«عذر كاذب!» # تحسس عاجزا في جيوبه. كان السأم قد بلغ به مبلغه حتى إنه كان ~~سيعطيها أي شيء ليتخلص منها. وجدت أصابعه علبة سجائره التي كانت من ~~الذهب، فأخرجها. ~~«هل ترحلين إذا أعطيتك هذه؟ يمكنك أن ترهنيها مقابل ثلاثين ~~روبية.» # بدا على ما هلا ماي التفكر في الأمر، ثم قالت عابسة: «أعطني ~~إياها.» # ألقى علبة السجائر على الحشائش على جانب الطريق. اختطفتها وارتدت ~~في الحال وهي تضمها إلى بلوزتها، كأنها خائفة أن يأخذها مرة أخرى. ~~استدار هو وسلك طريقه إلى المنزل، حامدا الرب لابتعاده عن وقع ~~صوتها. كانت علبة السجائر هي نفسها التي كانت قد سرقتها قبل عشرة ~~أيام. # نظر وراءه حين بلغ البوابة، فوجد أن ما هلا ماي لا تزال واقفة أسفل ~~التل، كأنها تمثال صغير أحاله ضوء القمر إلى اللون الرمادي. لا بد ~~أنها راقبته في صعوده التل كما يراقب الكلب غريبا يرتاب فيه حتى يغيب ~~عن نظره. كان أمرا عجيبا. عبر رأسه الخاطر ذاته الذي عرض له قبل بضعة ~~أيام حين أرسلت له خطاب الابتزاز، أن سلوكها صار غريبا ومخالفا ~~لطبعها. فقد كانت تبدي إلحاحا لم يكن يتخيل قدرتها عليه؛ كأن أحدا ~~ما ms184 كان يدفعها إلى ذلك بلا شك. # | الفصل الثامن عشر # بعد مشاجرة الليلة السابقة ظل إليس طوال الأسبوع يتطلع إلى ~~مضايقة فلوري. فقد أطلق عليه اسم نانسي - اختصارا لفتى الزنوج ~~المخنث، لكن لم تفهمه النساء - وراح يختلق عنه الفضائح الجامحة؛ إذ ~~كان إليس دائما ما يلفق الفضائح عن أي شخص يتشاجر معه؛ فضائح ~~تتحول، بالاستطرادات المتكررة، إلى نوع من الملاحم. وسريعا ما ~~تضخمت عبارة فلوري التي لم يتوخ الحذر عند قولها عن كون الدكتور ~~فيراسوامي «شخص طيب جدا»، فتحولت إلى صحيفة كاملة مليئة بالتجديف ~~والفتنة. # قال إليس: «أقسم بشرفي يا سيدة لاكرستين.» - كانت السيدة الكرستين قد ~~صار لديها بغض مفاجئ لفلوري بعد اكتشاف السر العظيم لفيرال، وكانت على ~~استعداد تام للإنصات لحكايات إليس - «أقسم بشرفي، لو أنك كنت موجودة ~~ليلة أمس واستمعت إلى الأشياء التي قالها ذلك الرجل فلوري ... حسنا، ~~كان الدم سيتجمد في عروقك!» ~~«حقا! الحقيقة أنني طالما اعتقدت أن لديه أفكارا غريبة. ما الذي ~~كان يتكلم عنه هذه المرة؟ أرجو ألا تكون الاشتراكية؟» ~~«أسوأ.» # كان هناك روايات طويلة. لكن أصيب إليس بخيبة أمل؛ إذ إن فلوري لم ~~يبق في كياوكتادا ليضايقه. فقد عاد للمعسكر في اليوم التالي بعد صد ~~إليزابيث له. سمعت إليزابيث أغلب ما قيل عنه من قصص مشينة. صارت تفهمه ~~تماما الآن. أدركت لماذا كان كثيرا جدا ما يضجرها ويغضبها. كان ~~رفيع الثقافة - أبغض العبارات إليها - رفيع الثقافة، في مصاف لينين ~~وأيه جيه كوك والشعراء الصغار القذرين في مقاهي مونبارناس. كان ~~بإمكانها أن تغفر له مسألة عشيقته البورمية نفسها في يسر، ولكن ليس ~~ذلك الأمر. كتب فلوري إليها بعد ثلاثة أيام خطابا، أرسله يدا بيد؛ ~~فقد كان معسكره على مسيرة يوم من كياوكتادا. لكن إليزابيث لم ~~ترد. # من حسن حظ فلوري أنه كان مشغولا للغاية في ذلك الوقت ليفكر في ~~الأمر. فقد كان المعسكر بأسره في فوضى منذ غيابه الطويل؛ إذ غاب نحو ~~ثلاثين من العمال، وتدهورت حالة الفيل المريض عن ذي قبل، ولبثت كمية ~~هائلة من ms185 جذوع التيك كان لا بد من شحنها قبل عشرة أيام؛ لأن المحرك ~~كان عاطلا. حاول فلوري الذي كان جاهلا بالماكينات استقصاء الأجزاء ~~الداخلية للمحرك حتى غطاه السخام والشحم وأخبره كو سلا بحدة أن ~~الرجال البيض لا يجدر بهم أن يؤدوا «مهام العمال». وأخيرا حمل ~~المحرك على العمل أو الارتجاج على الأقل. واكتشف أن الفيل المريض كان ~~يعاني من الديدان الشريطية. أما العمال فقد تركوا العمل لانقطاع ~~موردهم من الأفيون؛ فهم يرفضون البقاء في الغابة من دون الأفيون، ~~الذي يتعاطونه على سبيل الوقاية من الحمى. فقد جعل يو بو كين مسئولي ~~الضرائب يقومون بغارة ويصادرون الأفيون، لرغبته في إيذاء فلوري. راسل ~~فلوري الدكتور فيراسوامي، سائلا معونته، فأرسل إليه الطبيب كمية من ~~الأفيون، حصل عليه بطريقة غير شرعية، ودواء للفيل وخطابا دقيقا ~~بالتعليمات، وقد استخرجت دودة شريطية طولها واحد وعشرون قدما. هكذا ~~كان فلوري يظل مشغولا طوال اثنتي عشرة ساعة يوميا. في المساء حين ~~لا يعود لديه شيء ليفعله كان يتوغل في الغابة ويسير ويسير حتى يلسع ~~العرق عينيه وتدمي النباتات الشائكة ركبتيه. كان الليل أشق عليه؛ إذ ~~كانت مرارة ما حدث تتغلغل بداخله، كما يحدث دائما، شيئا ~~فشيئا. # في الوقت ذاته، مرت عدة أيام ولم تر إليزابيث فيرال إلا على بعد ~~مائة ياردة على الأقل. كان عدم ظهوره في النادي مساء يوم وصوله خيبة ~~أمل كبرى. فقد استاء السيد لاكرستين بشدة حين وجد أنه أجبر على ارتداء ~~بذلة السهرة دون جدوى. في الصباح التالي جعلت السيدة لاكرستين زوجها ~~يرسل رسالة تطفل إلى بيت المسافرين، يدعو فيها فيرال إلى النادي؛ لكن ~~لم يأت رد. مرت أيام أخرى، ولم يحرك فيرال ساكنا للانضمام إلى ~~المجتمع المحلي. بل وكان يتجاهل حتى زياراته الرسمية، فلم يتكلف ~~عناء تقديم نفسه في مكتب السيد ماكجريجور. كان بيت المسافرين قائما في ~~الجهة الأخرى من البلدة، قرب المحطة، وكان قد استقر به المقام تماما ~~هناك. كان ثمة قاعدة تقتضي أن يخلي الساكن بيت المسافرين بعد عدد ~~محدد من الأيام، ms186 لكن فيرال تجاهلها بأسلوب سلمي. ولم يره ~~الأوروبيون إلا في الميدان صباحا ومساء. ففي اليوم الثاني بعد وصوله ~~جاء خمسون من رجاله بمناجل وأزالوا الزرع من جزء كبير من الميدان، ~~بعدها كان يشاهد فيرال أثناء عدوه بالفرس هنا وهناك، وهو يمارس ~~البولو. ولم يكن يلقي بالا على الإطلاق لأي من الأوروبيين الذي ~~يمرون في الطريق. وقد حنق عليه ويستفيلد وإليس، وحتى السيد ~~ماكجريجور قال إن سلوك فيرال كان «فظا». كانوا جميعا سيتذللون ~~للملازم النبيل لو أنه كان قد أظهر ولو أقل قدر من اللياقة؛ وهكذا ~~مقته الجميع من البداية ما عدا السيدتين. هكذا الأمر دائما مع ذوات ~~الألقاب، الناس إما تعشقهم أو تبغضهم. فإذا رحبوا بأحد كان ذلك بساطة ~~محببة، وإذا تجاهلوا أحدا كان ذلك تكبرا مذموما؛ لا يوجد أنصاف ~~حلول. # كان فيرال الابن الأصغر لأحد النبلاء، ولم يكن ثريا على الإطلاق، ~~لكنه كان يستطيع إعالة نفسه في الأشياء الوحيدة التي كانت تهمه بحق؛ ~~الملابس والخيل بأنه كان نادرا ما يسدد فواتيره إلا بعد صدور مذكرة ~~قانونية ضده. وكان قد جاء الهند في كتيبة من سلاح الفرسان البريطاني، ~~وحول منه إلى الجيش الهندي؛ لأنه كان أرخص ويتيح له حرية أكبر ~~لممارسة البولو. بعد عامين تضخمت ديونه حتى إنه دخل شرطة بورما ~~العسكرية، التي ساء صيتها وحيث كان من الممكن ادخار المال؛ إلا أنه ~~بغض بورما - فهو لم يكن بالبلد المناسب للفرسان - ولذا كان قد تقدم ~~بطلب بالفعل للعودة إلى كتيبته. كان فيرال من نوعية الجنود الذين ~~يتبادلون الأحاديث حين يريدون. في الوقت ذاته، كان من المقرر أن ~~يبقى في كياوكتادا لشهر فقط، ولم يكن لديه نية الاختلاط بمجتمع ~~الأوروبيين التافهين في المنطقة؛ إذ كان يعرف مجتمع تلك القواعد ~~البورمية الصغيرة؛ رعاع مقرفون مخنثون لا يملكون خيولا. كان ~~يحتقرهم. # لم يكونوا الناس الوحيدين الذين كان فيرال يحتقرهم؛ إذ تحتاج مختلف ~~الأشياء التي يحتقرها وقتا طويلا لتفهرس بالتفصيل. كان يحتقر سكان ~~الهند غير العسكريين أجمعين، باستثناء قلة من لاعبي البولو ~~المعروفين. وكان ms187 يحتقر الجيش بأسره، ما عدا سلاح الفرسان. كان يحتقر ~~كل الكتائب الهندية، المشاة والفرسان على حد سواء. صحيح أن هو نفسه ~~كان ينتمي لكتيبة محلية، لكن هذا كان فقط لمصلحته. ولم يكن يكترث ~~للهنود، واقتصرت معرفته باللغة الأردية على كلمات السباب، مع تصريف كل ~~الأفعال مع ضمير الغائب المفرد. وكان يعتبر رجال الشرطة العسكرية ~~بمثابة العمال. وكثيرا ما كان يسمع أثناء تقدمه بين الصفوف لتفقدها ~~وهو يتمتم قائلا: «يا إلهي، يا له من خنزير مزر!» وخلفه الضابط ~~الهندي العجوز حاملا سيفه. وقد تورط فيرال في مشكلة ذات مرة بسبب ~~آرائه الصريحة حول القوات المحلية. كان ذلك أثناء استعراض عسكري، حيث ~~كان فيرال بين مجموعة من الضباط واقفين خلف الجنرال. ثم اقتربت إحدى ~~كتائب المشاة الهندية من أجل العرض. # قال أحد الأشخاص: «لواء البنادق.» # فقال فيرال بصوته الصبياني الفظ: «انظروا كيف يبدو.» # كان كولونيل لواء البنادق الأشيب واقفا على مقربة، وقد احمر غضبا ~~حتى عنقه وأبلغ عن فيرال للجنرال. وجه توبيخ إلى فيرال لكن الجنرال، ~~الذي كان هو نفسه ضابطا في الجيش البريطاني، لم يؤنبه بشدة. لم ~~يلم شيء خطير حقا بفيرال قط بطريقة أو بأخرى، مهما بلغت إساءته. ~~وأينما كان يقيم في أنحاء الهند، كان يخلف وراءه أثرا من أشخاص ~~أهانهم وواجبات أغفلها وفواتير لم يسددها. ومع ذلك لم تلاحقه قط ~~الفضائح التي كان أحرى بها أن تلاحقه. فقد كان الحظ حليفه دائما، ~~ولم يكن لقبه وحده الذي ينقذه. كان ثمة شيء في عينيه يجعل المطالبين ~~بسداد الديون وزوجات المسئولين البريطانيين في الهند وحتى الكولونيلات ~~يجبنون أمامه. # كانتا عينين مربكتين، ذاتي زرقة فاتحة وجاحظتين قليلا، لكن ~~صافيتان أشد ما يكون الصفاء. تفحصانك، وتضعانك في الميزان فلا تجد لك ~~وزنا، بنظرة واحدة باردة قد تستغرق خمس ثوان. إذا كنت النوع المناسب ~~من الرجال - أي إذا كنت ضابطا في سلاح الفرسان ولاعب بولو - فسوف يعمل ~~فيرال لك حسابا بل ويعاملك باحترام؛ أما إذا كنت من أي نوع آخر من ~~الرجال أيا كان، ms188 فسوف يزدريك إلى أقصى درجة حتى إنه لن يستطيع إخفاء ~~ذلك ولو حاول. لم يكن يفرق معه مطلقا ما إذا كنت غنيا أو فقيرا، ~~فلم يكن من الناحية الاجتماعية سوى شخص متكبر بطبيعته. بالطبع كان ~~مثل جميع أبناء الأسر الثرية يعتقد أن الفقر مقزز وأن الفقراء فقراء ~~لأنهم يفضلون الحياة المقززة. لكنه كان يحتقر العيش المرفه. كان ~~ينفق، أو بالأحرى يستدين، مبالغ طائلة على الملابس، لكن يعيش زاهدا ~~مثل ناسك. كان يمارس التمارين الرياضية دون انقطاع وبقسوة، ويرشد ~~استهلاكه للشراب والسجائر، وينام على فراش المعسكر (مرتديا بيجامة ~~حرير) ويتحمم بالماء البارد في أشد أوقات الشتاء برودة. كان لا يقدس ~~سوى الفروسية واللياقة البدنية. وقع حوافر الخيل في الميدان، والشعور ~~بالقوة والاتزان وجسمه متشبث بالسرج مثل كائن القنطور، وعصا البولو ~~وهي مرنة في يده؛ كانت تلك الأشياء هي الديانة التي يعتنقها والهواء ~~الذي يتنفسه. كان الأوروبيون في بورما بعاداتهم من معاقرة الخمر ~~وملاحقة النساء والتسكع بوجوههم الشاحبة يثيرون اشمئزازه متى خطرت على ~~باله عاداتهم. أما الواجبات الاجتماعية بجميع أشكالها فقد كان يدعوها ~~أمورا نسائية ويتجاهلها. والنساء كان يبغضهن؛ إذ كن من وجهة نظره ~~نوعا من جنيات البحر هدفهن هو استدراج الرجال بعيدا عن البولو ~~وتوريطهم في حفلات الشاي ولعب التنس. لكنه لم يكن منيعا ضد النساء؛ ~~فقد كان شابا والنساء من كل الأطياف تقريبا يتهافتن عليه؛ وكان ~~يستسلم بين الفينة والفينة. لكن سرعان ما كانت هفواته تثير اشمئزازه، ~~فيتصرف بغلظة مسرفة حين تقتضي الضرورة وتواجهه أي صعوبة في الهرب. وكان ~~قد أقدم على ذلك الهروب نحو اثنتي عشرة مرة خلال العامين اللذين ~~قضاهما في الهند. # مر أسبوع كامل ولم يتأت لإليزابيث حتى التعرف على فيرال. كان هذا ~~مثيرا للغاية! كل يوم، صباحا ومساء، كانت هي وزوجة عمها تسلكان ~~الطريق إلى النادي وتعودان مرة أخرى، مارتين بالميدان؛ وكان فيرال ~~هناك، يضرب كرات البولو التي يلقيها إليه الجنود الهنود، متجاهلا ~~المرأتين تماما. قريبا جدا لكنه بعيد جدا! ما زاد الطين بلة أنه ~~ولا ms189 واحدة من المرأتين كانت ترى أنه من اللائق التحدث في الأمر ~~مباشرة. ذات مساء ضرب الكرة ضربة شديدة فانطلقت في حفيف وسط الحشائش ~~وتدحرجت على الطريق أمامهما. توقفت إليزابيث وزوجة عمها تلقائيا. لكن ~~كان الجندي وحده الذي جرى لالتقاط الكرة. كان فيرال قد رأى المرأتين ~~وظل مبتعدا. # في الصباح التالي توقفت السيدة لاكرستين بعد خروجهما من البوابة. ~~كانت قد أقلعت مؤخرا عن ركوب الريكشا [عربة صغيرة يجرها رجل]. ~~أسفل الميدان كان رجال الشرطة العسكرية مصطفين، صفا بلون الغبار ~~بحراب لامعة. كان فيرال مواجها لهم، لكن من دون لباسه الرسمي؛ كان ~~نادرا ما يرتدي لباسه الرسمي من أجل طابور الصباح، معتقدا أنه غير ~~ضروري مع رجال من الشرطة العسكرية. كانت المرأتان تجولان بنظريهما في ~~كل شيء عدا فيرال، وتتمكنان في الوقت ذاته، وبطريقة ما، من النظر ~~إليه. # قالت السيدة لاكرستين: «البغيض في الأمر ...» - كانت هذه العبارة ~~لتغيير الموضوع، لكن لم يكن الموضوع بحاجة إلى مقدمة - «البغيض في ~~الأمر أن عمك عليه حقا الرجوع إلى المعسكر قريبا.» ~~«هل يجب عليه ذلك حقا؟» ~~«أخشى هذا. وتكون الأجواء بغيضة للغاية في المعسكر في هذا الوقت من ~~العام! آه، وذلك الناموس!» ~~«ألا يستطيع البقاء أكثر قليلا؟ أسبوعا مثلا؟» ~~«لا أعتقد أنه يستطيع. لقد لبث في المقر نحو شهر حتى الآن. وسوف ~~تستاء الشركة إذا علمت بالأمر. وبالطبع ستضطر كلتانا إلى الذهاب ~~معه. يا للضجر! الناموس ... فظيع للغاية!» # قطعا فظيع! أن يضطروا إلى الرحيل قبل أن تكون إليزابيث قد قالت ~~لفيرال كيف حالك حتى! لكنهما كانتا ستضطران إلى الذهاب حتما إذا ذهب ~~السيد لاكرستين. فلن يصلح قط أن يترك بمفرده. فإن الشيطان يجد بعض ~~المفاسد حتى في الغابة. سرى وهج كأنه حريق مشتعل في صف الجنود؛ كانوا ~~يخلعون حرابهم قبل السير راحلين. انعطف الصف المغبر يسارا، وأدوا ~~التحية وساروا مبتعدين في صفوف من أربعة أفراد، بينما جاء العساكر من ~~صفوف الشرطيين بالأمهار وعصي البولو. وهنا اتخذت السيدة لاكرستين ~~قرارا بطوليا. # قالت: «أرى أن نسلك الطريق المختصر ms190 عبر الميدان. فهذا أسرع كثيرا ~~من الدوران يمينا باتخاذ الطريق.» # كان أقصر بنحو خمسين ياردة، لكن لم يسلك أحد ذلك الطريق مشيا قط، ~~بسبب بذور الحشائش التي تدخل في الجوارب. توغلت السيدة لاكرستين ~~بجسارة في الحشائش، متخلية حتى عن التظاهر بالتوجه إلى النادي، واتجهت ~~مباشرة إلى فيرال. كانت كل من المرأتين تفضل التعذيب حتى الموت على ~~المخلعة على الإقرار بأنها كانت تريد أي شيء سوى اتخاذ طريق مختصر. ~~رآهما فيرال آتيتين، فراح يسب، وكبح جماح مهره. لم يكن من اللائق أن ~~يتجاهلهما الآن وقد جاءتا علنا لتبادراه بالكلام. يا لجسارة هاتين ~~المرأتين! اتجه إليهما ببطء ممتطيا فرسه وعلى وجهه إمارات التجهم، ~~وهو يطارد كرة البولو بضربات صغيرة. # صاحت السيدة لاكرستين بصوت مبالغ في عذوبته، من على بعد عشرين ~~ياردة: «صباح الخير يا سيد فيرال!» # رد عليها عابسا قائلا: «صباح الخير!» بعد أن رأى وجهها وعدها ~~واحدة من العجائز الهرمات المهزولات المألوف وجودهن في القواعد ~~الهندية. # في اللحظة التالية صارت إليزابيث في نفس المستوى مع زوجة عمها. كانت ~~قد خلعت نظارتها وأخذت تؤرجح قبعتها بيدها. لماذا تقلق من الإصابة ~~بضربة شمس؟ فقد كانت مدركة تماما لجمال شعرها القصير. هبت نسمة ريح ~~- ما أجملها هذه النسمات اللطيفة التي تهب فجأة في الأيام الحارة ~~الخانقة! - وأمسكت بثوبها القطني وألصقته بها، فظهر إطار جسدها، ~~نحيفا وفتيا مثل شجرة. ظهورها المباغت بجانب المرأة الأكبر سنا ~~التي سفعتها الشمس كان مفاجأة سارة لفيرال. وقد وجف حتى إن المهرة ~~العربية شعرت بذلك وكانت ستشب على قائميها الخلفيين، فاضطر إلى ~~إحكام قبضته على اللجام. لم يكن قد عرف حتى هذه اللحظة، ولا اهتم ~~بالاستفسار عما إذا كان ثمة نساء شابات في كياوكتادا. # قالت السيدة لاكرستين: «ابنة أخي زوجي.» # لم يجب، لكنه ألقى بعصا البولو بعيدا، وخلع قبعته . وظل هو وإليزابيث ~~يحدق كل منهما في الآخر لوهلة. بدا وجهاهما النضران خاليين من ~~العيوب في أشعة الشمس القاسية. وكانت بذور الحشائش تنغز ساقي إليزابيث ~~نغزا شديدا مؤلما، ولم تستطع من ms191 دون نظارتها أن ترى فيرال وفرسه ~~إلا غشاوة مائلة للبياض. لكنها كانت سعيدة، سعيدة! راح قلب إليزابيث ~~يتوثب وتدفق الدم إلى وجهها، فصبغه بطبقة رقيقة شفافة. «حقا إنها ~~جميلة!» كان هو الخاطر الذي جال بذهن فيرال يكاد يعصف به. أما الهنود ~~المتجهمون الذين أمسكوا برءوس الأمهار، فأخذوا يحملقون بفضول في ~~المشهد، كأن حسن الشابين قد ترك أثره عليهم هم الآخرين. # كسرت السيدة لاكرستين الصمت، الذي استمر نصف دقيقة. # فقالت بشيء من المكر: «أتعلم يا سيد فيرال، إننا نعتقد أنك كنت ~~قاسيا بعض الشيء لتجاهلك لنا نحن المساكين طيلة هذا الوقت. فإننا ~~نتلهف بشدة لرؤية وجه جديد في النادي.» # كان هو لا يزال ينظر إلى إليزابيث حين أجاب، لكن التغير في نبرة ~~صوته كان ملحوظا. ~~«كنت أنوي المجيء لبضعة أيام. فقد كنت مشغولا لأقصى درجة؛ في وضع ~~رجالي في مقراتهم وما إلى ذلك.» ثم أضاف قائلا: «إنني آسف» - لم يكن ~~من عادته الاعتذار، لكنه كان قد حسم أمره، فهذه الفتاة كانت حقا ~~شيئا استثنائيا بشكل ما - «آسف على عدم الرد على رسالتكم.» ~~«آه، لا عليك! فإننا مدركون تماما. لكننا نرجو أن نراك في ~~النادي هذا المساء! هذا لأننا ...» قالت منهية حديثها بمكر أكثر: «إذا ~~خيبت ظننا مرة أخرى، سيراودنا الظن أنك شاب مشاغب!» # كرر اعتذاره قائلا: «آسف، سوف أكون هناك هذا المساء.» # لم يكن هناك المزيد ليقال، فمضت المرأتان إلى النادي. لكنهما ~~بالكاد مكثتا خمس دقائق؛ إذ كانت بذور الحشائش تعذبهما أيما تعذيب ~~حتى إنهما اضطرتا للعودة إلى المنزل سريعا وتغيير جواربهما في ~~الحال. # أوفى فيرال بوعده وذهب إلى النادي ذلك المساء. وقد وصل مبكرا عن ~~الآخرين، وكان قد جعل حضوره ملحوظا تماما قبل أن يكون هناك بخمس ~~دقائق. حين دخل إليس النادي انطلق الساقي العجوز من حجرة لعب الأوراق ~~وتربص به. كان في جزع شديد، والدموع تنهمر على وجنتيه. ~~«سيدي! سيدي!» # قال إليس: «ما الأمر بحق الشيطان!» ~~«سيدي! سيدي! لقد ضربني سيد جديد يا سيدي!» ~~«ماذا؟» ~~«ضربني يا سيدي!» ارتفع ms192 صوته وهو يقول «ضربني!» بعويل باك طويل، ~~«ضررربني!» ~~«ضربك؟ هذا ما تستحقه. من الذي ضربك؟» ~~«سيد جديد يا سيدي. سيد من الشرطة العسكرية. ضربني بقدمه يا سيدي ~~... هنا!» ودعك نفسه من الخلف. # قال إليس: «تبا!» # ذهب إليس إلى قاعة الجلوس، حيث كان فيرال يقرأ «ذا فيلد»، لا يظهر ~~منه سوى طرف سرواله القطني الخفيف وحذاؤه البني المصفر اللامع. وهو ~~لم يتكلف أن يحرك ساكنا عند سماع دخول شخص آخر الحجرة. وقد ~~توقف إليس وقال: ~~«أنت! ما اسمك؟ فيرال!» ~~«ماذا؟» ~~«هل ركلت الساقي؟» # ظهرت عينا فيرال الزرقاوان العابستان من وراء «ذا فيلد»، مثل عيني ~~إحدى القشريات حين تطل من وراء صخرة. # قال مرة أخرى في الحال: «ماذا؟» ~~«قلت هل ضربت الساقي اللعين؟» ~~«أجل.» ~~«ماذا تقصد إذن بفعلتك هذه؟» ~~«لقد خاطبني الوغد بوقاحة. طلبت منه ويسكي وصودا فأتى به دافئا. ~~طلبت منه أن يضيف له ثلجا، فرفض. تفوه ببعض الترهات اللعينة حول ~~ادخار القطع الأخيرة من الثلج. فركلت مؤخرته. لقد استحق ~~العقاب.» # استحال إليس رماديا تماما، وقد استشاط غضبا. إذ كان الساقي قطعة ~~من مقتنيات النادي ولا يجوز أن يركله الغرباء. لكن أكثر ما أغضب إليس ~~أنه من الوارد تماما أن يكون فيرال قد شك أنه مشفق على الساقي، بل ~~أن يكون مستنكرا لعقاب الركل في حد ذاته. ~~«استحق العقاب؟ أعتقد أنه استحق العقاب بحق فعلا. لكن ما دخلك أنت ~~بالأمر بحق الجحيم؟ من أنت لتأتي وتركل خدامنا؟» ~~«هراء يا عزيزي. لقد كان بحاجة لأن يركل. لقد فقدتم السيطرة على ~~خدمكم هنا.» ~~«ما دخلك أنت في الأمر إذا كان بحاجة لأن يركل أيها الوضيع الوقح ~~اللعين؟ فلست حتى عضوا في النادي. إن ضرب الخدم مهمتنا نحن وليس ~~مهمتك.» # أنزل فيرال «ذا فيلد» وأفسح المجال لعينه الأخرى. لم تتغير نبرة ~~صوته الجافي . فلم تكن أعصابه تفلت قط مع واحد من الأوروبيين؛ لم ~~يكن هذا ضروريا قط. ~~«يا عزيزي، إنني أركل مؤخرة أي شخص يخاطبني بوقاحة. هل تريد أن ~~أركل مؤخرتك؟» # تبخر كل غضب ms193 إليس فجأة. لم يكن خائفا، فلم يعتره الخوف قط في ~~حياته؛ لكن كانت عينا فيرال أكثر مما يستطيع مواجهته. كان باستطاعة ~~تينك العينين أن تجعلاك تشعر كأنك تحت شلالات نياجرا! ذوى السباب ~~على شفتي إليس؛ كاد صوته أن يخذله. ثم قال متذمرا بل وآسفا: ~~«لكن سحقا، لقد كان محقا تماما في عدم إعطائك آخر قطعة من الثلج. ~~هل تعتقد أننا نشتري هذا الثلج من أجلك فقط؟ إننا لا نستطيع الحصول على ~~الأشياء سوى مرتين أسبوعيا في هذا المكان.» # قال فيرال: «هذه إدارة سيئة فاسدة من جانبكم إذن.» وتراجع وراء «ذا ~~فيلد»، مسرورا بالانسحاب من الموضوع. # كان إليس بلا حول ولا قوة. فقد كان الهدوء الذي عاد به فيرال ~~لجريدته، ناسيا بحق وجود إليس، مثيرا للحنق. أليس حريا به أن ~~يركل الحقير الصغير ركلة قوية؟ # لكن لم تأت تلك الركلة بطريقة أو بأخرى. استحق فيرال العديد من ~~الركلات في حياته، لكنه لم ينل واحدة منها قط وربما لن ينال أبدا. ~~تسلل إليس عائدا إلى حجرة لعب الأوراق، لينفس عن مشاعره على ~~الساقي، تاركا فيرال مسيطرا على قاعة الجلوس. # مع دخول السيد ماكجريجور من بوابة النادي بلغ مسمعه صوت موسيقى. ~~وظهر بصيص من ضوء المصابيح الأصفر من خلال النبات المتسلق الذي غطى ~~فاصل ملعب التنس. كان السيد ماكجريجور في مزاج مرح هذا المساء؛ إذ ~~كان قد منى نفسه بحديث طويل ممتع مع الآنسة لاكرستين - فيا لها من ~~فتاة ذكية ذكاء استثنائيا! - وكان لديه حكاية مسلية للغاية ~~ليقصها عليها (كانت في الواقع قد رأت النور بالفعل في أحد تلك ~~المقالات الصغيرة في «بلاكوودز») عن عملية قطع طريق جرت في ساجاينج عام ~~1913. كان متأكدا أنها ستحب سماعها. دار حول فاصل ملعب التنس ~~متشوقا. في الملعب، في ضوء القمر المتضائل الذي امتزج بضوء ~~المصابيح المعلقة بين الأشجار، كان فيرال وإليزابيث يرقصان. كان ~~الغلمان قد أخرجوا مقاعد ومنضدة من أجل الجرامافون، وكان سائر ~~الأوروبيين جالسين أو واقفين حولها. مع توقف السيد ماكجريجور عند ~~زاوية الملعب، دار ms194 فيرال وإليزابيث، ومرقا بجانبه، على بعد لا يزيد عن ~~ياردة. كانا يرقصان متقاربين جدا، وقد انحنى جسدها إلى الوراء أسفل ~~جسده. ولم يلحظ أي منهما السيد ماكجريجور. # التمس السيد ماكجريجور طريقه حول الملعب، وقد استولى على دواخله ~~شعور بائس بارد. فليودع حديثه مع الآنسة لاكرستين إذن! بذل جهدا ~~بالغا لإجبار وجهه على بشاشته ومرحه المألوفين حين بلغ ~~الطاولة. # قال بصوت حزين على الرغم منه: «مساؤكم راقص!» # لم يجب أحد. فقد كان الجميع يشاهدون الثنائي الذي في ملعب التنس. في ~~غفلة تامة عن الآخرين، انطلق فيرال وإليزابيث ودارا مرارا وتكرارا، ~~وأحذيتهما تنزلق بسلاسة على الأسمنت الزلق. كان فيرال يرقص كما يمتطي ~~الخيل، برشاقة منقطعة النظير. كان الجرامافون يلعب أغنية: «أرني الطريق ~~إلى داري.» التي طافت العالم آنذاك مثل الوباء ووصلت حتى إلى ~~بورما: ~~«أرني الطريق إلى داري، فقد تعبت وأريد أن أخلد للنوم؛ تناولت بعض ~~الشراب منذ ساعة، وقد لعب الخمر برأسي ...» إلخ. # انسابت الموسيقى الرديئة المملة الكئيبة بين الأشجار الظليلة وعبير ~~الزهور المتدفق، مرة تلو الأخرى؛ إذ كانت السيدة لاكرستين تعيد إبرة ~~الجرامافون إلى البداية كلما اقتربت من الوسط. صعد القمر عاليا، وقد ~~اصفر صفرة فاقعة، وبدا في ارتفاعه من عتمة الغيم الداجن في الأفق، ~~مثل امرأة عجوز تزحف خارجة من الفراش. ظل فيرال وإليزابيث يرقصان، دون ~~كلل، شكلا منظرا مبهجا للحواس بهتت معالمه في العتمة. كانا ~~يتحركان في انسجام تام كأنهما جسد واحد. وكان السيد ماكجريجور وإليس ~~وويستفيلد والسيد لاكرستين واقفين يشاهدون، واضعين أياديهم في جيوبهم، ~~لا يجدون شيئا ليقولوه، وقد أخذ الناموس يقرصهم في كواحلهم. طلب أحدهم ~~المشروبات، لكن الويسكي كان مذاقه كالعلقم في أفواههم. فقد كانت أمعاء ~~الرجال الأربعة جميعا تتلوى من مرارة الحسد. # لم يطلب فيرال من السيدة لاكرستين أن يراقصها، ولا ألقى بالا لسائر ~~الأوروبيين، حين جلس أخيرا هو وإليزابيث. إنما اكتفى بالاستئثار ~~بإليزابيث لنصف ساعة أخرى، ثم غادر النادي بتحية مقتضبة لآل لاكرستين ~~ومن دون كلمة لأي شخص آخر. كان الرقص طويلا مع فيرال ms195 قد ترك إليزابيث ~~في حالة أشبه بالحلم. كما أنه سألها أن تخرج معه لركوب الخيل! فكان ~~سوف يعيرها أحد أمهاره! ولم تلحظ حتى أن إليس، الذي أغضبه تصرفها، كان ~~يبذل ما في وسعه ليكون فظا فظاظة صريحة. كان الوقت متأخرا حين عاد ~~آل لاكرستين إلى منزلهم، لكن ظل النوم دون أن يواتي إليزابيث وزوجة ~~عمها؛ فقد ظلتا تعملان بنشاط حتى منتصف الليل، في تقصير سروال ركوب ~~الخيل الخاص بالسيدة لاكرستين، وتوسيع ربلتي الساقين ليناسب ~~إليزابيث. # قالت السيدة لاكرستين: «أرجو أن تكوني على معرفة بكيفية امتطاء الخيل ~~يا عزيزتي.» ~~«بالتأكيد! فقد امتطيت الخيل كثيرا جدا في الوطن.» # ربما امتطت الخيل عشر مرات في المجمل، حين كانت في السادسة عشرة. لكن ~~لا يهم، سوف تتدبر أمرها بطريقة أو بأخرى! فقد تمتطي نمرا ما دام ~~فيرال سيصطحبها. # حين انتهتا أخيرا من السروال وارتدته إليزابيث لقياسه، تنهدت ~~السيدة لاكرستين لدى رؤيتها. كانت تبدو فاتنة في السروال، فاتنة ~~للغاية! ثم خطر لهما أنه خلال يوم أو اثنين سيكون عليهم العودة إلى ~~المعسكر، لأسابيع أو ربما شهور، ويتركون كياوكتادا وهذا الشاب المروم. ~~يا لها من خسارة! مع انتقالهما إلى الدور العلوي توقفت السيدة ~~لاكرستين عند الباب. فقد طرأ على بالها أن تقدم على تضحية كبرى ~~ومؤلمة. أخذت إليزابيث من منكبيها وقبلتها بمودة حقيقية أكثر مما ~~أبدت من قبل. ~~«عزيزتي، سيكون من المؤسف بحق أن ترحلي من كياوكتادا ~~الآن!» ~~«هذا صحيح إلى حد ما.» ~~«إذن لدي فكرة يا عزيزتي. لن نعود إلى تلك الغابة البشعة! سوف يعود ~~عمك وحده. وأنا وأنت سنبقى في كياوكتادا.» # | الفصل التاسع عشر # كان الحر يزداد سوءا. كاد أبريل أن ينتهي، لكن لم يكن ثمة أمل في ~~سقوط الأمطار لثلاثة أسابيع أخرى، أو ربما خمسة. حتى الفجر الجميل ~~العابر صار يفسده التفكير في الساعات الطويلة المقبلة التي تسطع فيها ~~الشمس حتى تعمي البصر؛ حيث يشعر المرء بالألم في رأسه ويخترق الوهج أي ~~غطاء ويجعل الجفون تلتصق في نوم خال من الراحة. لم يكن ms196 أحد، سواء ~~شرقي أو أوروبي، يستطيع أن يبقى مستيقظا في حر النهار دون معاناة؛ وفي ~~الليل، على النقيض، مع عواء الكلاب وفيضان العرق الذي كان يتجمع ~~ويجعل الطفح الجلدي مؤلما، لم يكن أحد يستطيع النوم. وكان الناموس في ~~النادي مزعجا بشدة حتى إنه كان لا بد من حرق عيدان البخور في كل ~~الزاويا، وكان النساء يجلسن واضعات سيقانهن في أكياس وسائد. وحدهما ~~فيرال وإليزابيث لم يأبها للحر. فقد كانا شبابا ودماؤهما متجددة، وكان ~~فيرال أكثر لامبالاة وكانت إليزابيث أكثر سعادة من الاكتراث للطقس على ~~الإطلاق. # جرى الكثير من المشاحنات وتناقل النميمة في النادي تلك الأيام. كان ~~فيرال قد أثار حفيظة الكل. فقد اعتاد المجيء إلى النادي ليمكث ساعة أو ~~ساعتين في المساء، لكنه كان يتجاهل الأعضاء الآخرين، ويرفض المشروبات ~~التي يعرضونها عليه، ويرد على محاولات إجراء حوار معه بكلمات قصيرة ~~فظة. وكان يجلس تحت المروحة على المقعد الذي كان قبل ذلك مكرسا ~~للسيدة لاكرستين، يقرأ ما يروق له من الصحف، حتى تأتي إليزابيث، فيرقص ~~معها ويتحدث لساعة أو ساعتين ثم يفر دون حتى أن يلقي التحية على أي ~~حد. في الوقت ذاته كان السيد لاكرستين بمفرده في المعسكر، وكان، حسب ~~الشائعات التي كانت ترتد إلى كياوكتادا، يستعين على وحدته بطائفة شديدة ~~التنوع من النساء البورميات. # كان إليزابيث وفيرال يخرجان لركوب الخيل معا كل مساء تقريبا. كان ~~فيرال يكرس الفترات الصباحية، بعد استعراض الجنود، للعب البولو، لكنه ~~كان قد قرر أن يخصص الأمسيات لإليزابيث. وألفت هي ركوب الخيل، تماما ~~كما اعتادت على الرماية؛ بل كان لديها من الثقة ما جعلها تخبر فيرال ~~أنها قد «مارست الصيد كثيرا جدا» في الوطن. لكنه عرف من لمحة أنها ~~كانت تكذب، لكنها على الأقل لم تكن سيئة إلى درجة أن تكون مزعجة ~~له. # اعتاد الاثنان أن يصعدا بالخيل الطريق الأحمر المتجه إلى الغابة، ~~ويعبرا الجدول القريب من شجرة البينكادو الكبيرة المغطاة بزهور ~~الأوركيد، ثم يتبعان مسار العربات الضيق؛ حيث كان التراب ناعما وكان ~~باستطاعة الخيل ms197 أن ترمح. كان الحر خانقا في الغابة المغبرة، وظلت ~~تتردد دمدمات رعد بعيد بلا مطر. ورفرفت طيور خطاف صغيرة حول الخيل، ~~تسايرها السرعة، لاصطياد الذباب الذي كانت حوافرها تكشف عنه. كانت ~~إليزابيث تمتطي المهر الأكمت، ويمتطي فيرال المهر الأبيض. وكانا في ~~طريق العودة يسيران بمهريهما اللذين حلك لونهما من العرق ~~متقاربين، متقاربين بشدة حتى إن ركبته كانت تحتك بركبتها أحيانا، ~~وكانا يتحدثان. كان باستطاعة فيرال أن يترك سلوكه العدائي ويتحدث بود ~~شديد حين يختار ذلك، وقد اختار ذلك بالفعل مع إليزابيث. # يا للسعادة التي كانت تكتنف جولاتهما معا! سعادة أن تكون على صهوة ~~جواد وفي عالم الخيل، عالم الصيد والسباق، البولو وصيد الخنازير ~~البرية! إذا لم تكن إليزابيث تحب فيرال لأي شيء آخر؛ فقد كانت ستحبه ~~لأنه أدخل الخيل في حياتها. كانت تلح عليه ليتحدث عن الخيل كما كانت ~~تلح على فلوري من قبل ليتحدث عن الرماية. لم يكن فيرال ثرثارا، هذا ~~صحيح. كان أفضل ما في إمكانه قوله هو بضع جمل غليظة سخيفة عن البولو ~~وصيد الخنازير البرية، وقائمة بقواعد هندية وأسماء كتائب. ورغم ذلك ~~فقد استطاع أن يثير حماس إليزابيث كما لم يستطع كل حديث فلوري أن يفعل ~~قط. كان مجرد رؤيته على صهوة الفرس أكثر استثارة للمشاعر من أي ~~كلمات. فقد كانت تحيط به هالة من الفروسية والجندية. وكانت إليزابيث ~~ترى في وجهه المسمر وجسده القوي المستقيم كل الرومانسية، روعة حياة ~~الخيالة وأبهتها. رأت الحدود الشمالية الغربية ونادي الفرسان، رأت ~~ملاعب البولو وساحات الثكنات الحارة الجافة، والفصائل البنية ~~للخيالة وهم يرمحون ورمحاهم الطويلة متزنة وأذيال عمامتهم متطايرة؛ ~~وسمعت نداء البوق وجلجلة المهاميز، والفرق الموسيقية العسكرية وهي تعزف ~~خارج قاعات الطعام والضباط جالسين يتناولون العشاء في زيهم الرسمي ~~المهندم الرائع. كم هو بديع، عالم الفروسية ذلك، كم هو بديع! وكان هو ~~عالمها، فقد انتمت إليه، وولدت من رحمه. كانت في تلك الأيام تعيش ~~بالخيل وتفكر فيها وتحلم بها، تكاد تكون مثل فيرال نفسه. وجاء عليها ~~وقت حيث صارت ms198 لا تكذب كذبتها الصغيرة فحسب بشأن «ممارسة الصيد كثيرا ~~جدا»، بل أوشكت أن تصدقها. # انسجم الاثنان كثيرا بكل السبل الممكنة. ولم يثر ضجرها ولا جزعها ~~قط كما فعل فلوري. (بل إنها في الواقع كادت تنسى فلوري؛ وحين كان يخطر ~~على بالها، كانت وحمته هي ما تتذكره لسبب ما.) كان الرابط الذي قرب ~~بينهما أن فيرال كان يزدري أي شيء يمت لل «ثقافة الرفيعة» بصلة أكثر ~~منها حتى. وقد أخبرها ذات مرة أنه لم يقرأ كتابا منذ كان في سن ~~الثمانية عشرة، وأنه «مقت» الكتب مقتا شديدا؛ «باستثناء أعمال جوروكس ~~وما إلى ذلك بالطبع.» (جوروكس هو شخصية كوميدية تهوى سباق الخيل ~~والصيد، ظهرت في بعض الروايات والمجلات الفكاهية). في مساء جولتهما ~~الثالثة أو الرابعة لركوب الخيل ذهب ليودعها عند بوابة منزل آل ~~لاكرستين. كان فيرال قد استطاع مقاومة كل دعوات السيدة لاكرستين لتناول ~~الطعام؛ فلم يكن حتى ذاك الوقت قد وطأ بقدمه منزل آل لاكرستين، ولم يكن ~~ينوي ذلك. بينما كان السائس يأخذ مهر إليزابيث، قال فيرال: ~~«سأخبرك بشيء. حين نخرج المرة القادمة سوف تركبين بليندا، وسأركب ~~أنا المهر الكستنائي. أعتقد أنك صرت ماهرة في الركوب بما يكفي ~~لتحسني ركوب بليندا.» # بليندا كانت الفرس العربية التي اقتناها فيرال منذ عامين، ولم يسمح ~~قط لأي أحد حتى هذه اللحظة بامتطائها، ولا حتى السائس. كان هذا أكبر ~~فضل يمكنه تصوره. وقد قدرت إليزابيث وجهة نظر فيرال تمام التقدير ~~وأدركت عظمة ذلك الفضل، وكانت ممتنة له. # في المساء التالي، وهما عائدان جنبا إلى جنب على صهوة الخيل، أحاط ~~فيرال ذراعه بمنكب إليزابيث، ورفعها عن السرج وجذبها إليها، فقد كان ~~شديدا جدا. ألقى اللجام، وبيده الخاوية رفع وجهها ليقابل وجهه؛ ~~والتقت شفتاهما. ظل يضمها بشدة للحظة، ثم أنزلها إلى الأرض ونزل عن ~~فرسه. وقفا متعانقين، وقد تضام قميصاهما الخفيفان المبتلان عرقا، ~~قابضا على اللجامين في ثنية ذراعه. # في الوقت نفسه تقريبا قرر فلوري، الذي كان على بعد عشرين ميلا، ~~أن يعود إلى كياوكتادا. كان واقفا ms199 على حافة الغابة عند ضفة جدول ~~ناضب، بعد أن سار ليصيب نفسه بالإنهاك، وأخذ يشاهد بضع عصافير صغيرة ~~مجهولة الاسم تأكل بذور الحشائش الطويلة. كانت الذكور صفراء فاقعة ~~اللون، والإناث مثل إناث طيور السنونو. ولأن حجمها كان في غاية ~~الضآلة فلا يسمح لها بثني العيدان، فقد كانت تقترب منها وهي تهتز، ~~وتتشبث بها أثناء طيرانها وتنزلها إلى الأرض بثقلها. ظل فلوري ~~يشاهد الطيور بلا مبالاة، يكاد أن يبغضها لأنها لم تستطع أن تثير ~~فيه أي اهتمام. في غمرة خموله ألقى عليها سيفه لتجفل. ليتها كانت هنا، ~~ليتها كانت هنا! كل شيء - الطيور والأشجار والزهور، كل شيء - كان ميتا ~~وبلا معنى؛ لأنها لم تكن هنا. مع مرور الأيام تيقن أكثر من فقدانها ~~وصار أمرا واقعا حتى بات يسمم كل لحظة. # تسكع قليلا في الغابة، وهو يضرب النباتات المتسلقة بسيفه. كان ~~يشعر بأطرافه مرتخية وثقيلة. ثم انتبه إلى نبتة فانيليا برية تدلت ~~على إحدى الشجيرات، فانحنى ليتشمم قرونها الرفيعة الزكية الرائحة. ~~لكن أثار فيه العبق شعورا بالذبول والضجر القاتل. وحيدا، وحيدا، ~~معزولا في بحر الحياة! بلغ به الألم أشده حتى إنه ضرب الشجرة ~~بقبضته، فارتعدت ذراعه وتشقق اثنان من مفاصل أصابعه. لا بد أن يذهب ~~إلى كياوكتادا. كان في ذلك حماقة، فبالكاد مضى أسبوعان منذ الموقف الذي ~~جرى بينهما، وكانت فرصته الوحيدة أن يعطيها بعض الوقت لتنسى الأمر. لكن ~~لا بد أن يرجع رغم ذلك. فلم يعد يقوى على البقاء في هذا المكان ~~الرتيب، وحده مع أفكاره بين عدد لا حصر له من أوراق الأشجار ~~الغافلة. # ثم خطرت له فكرة سارة. يمكنه أن يأخذ لإليزابيث جلد النمر الذي كان ~~في السجن لدبغه. سيكون عذرا ليراها، وفي عموم الأحوال حين يأتي شخص ~~محملا بالهدايا فالناس تصغي إليه. لن يدعها تقاطعه قبل أن يشرع ~~في الكلام. سوف يشرح، ويلطف الأمر، ~~يجعلها تدرك أنها كانت ظالمة له. لم يكن من الصحيح أن تدينه من أجل ~~ما هلا ماي، التي طردها من منزله من أجل إليزابيث. ms200 قطعا لا بد أنها ~~ستسامحه حين تسمع حقيقة القصة. ويجب أن تسمعها هذه المرة؛ سوف يجبرها ~~أن تصغي له حتى إذا اضطر لأن يقبض على ذراعيها وهو يتكلم. # وقد عاد في نفس المساء. كانت الرحلة تستغرق عشرين ميلا، في مسارات ~~للعربات مليئة بالأخاديد، لكن قرر فلوري السير ليلا، متعللا بأن ~~الجو يكون أبرد. كاد الخدم أن يتمردوا على فكرة السير ليلا، وانهار ~~سامي العجوز في اللحظة الأخيرة في نوبة شبه حقيقية وكان لا بد من ~~إغداق الجين عليه حتى يقوى على السفر. كانت الليلة خالية من القمر، ~~فالتمسوا طريقهم على ضوء المصابيح، الذي برقت فيه عينا فلو مثل الزمرد ~~ولمعت فيه عينا الثور مثل حجر القمر. حين بزغت الشمس توقف الخدم ~~ليجمعوا الحطب ويطهوا الإفطار، لكن فلوري كان متلهفا ليكون في ~~كياوكتادا، فسبقهم متعجلا. لم يشعر بأي تعب، فقد أفعمته فكرة جلد ~~النمر بآمال مبالغ فيها. هكذا عبر النهر المترقرق في زورق واتجه ~~مباشرة إلى كوخ الدكتور فيراسوامي، فوصل إلى هناك في حوالي ~~العاشرة. # دعاه الطبيب للإفطار، وأخذه إلى حمامه حتى يتمكن من الاغتسال ~~والحلاقة، بعد أن هش النساء إلى مكان مناسب للاختباء. أثناء ~~الإفطار كان الطبيب الشديد الانفعال وكثير الاتهامات لل «تمساح»؛ فقد ~~اتضح أن التمرد المزيف كان على وشك الاندلاع آنذاك. لم تتسن الفرصة ~~لفلوري ليذكر مسألة جلد النمر إلا بعد الإفطار. ~~«بالمناسبة يا دكتور، ماذا عن ذلك الجلد الذي أرسلته إلى السجن ~~ليدبغ؟ هل فرغ منه؟» # قال الطبيب بقليل من الارتباك وهو يحك أنفه: «آه.» دخل المنزل - ~~كانا يتناولان الإفطار في الشرفة؛ إذ كانت زوجة الطبيب قد اعترضت ~~بعنف على إحضار فلوري للداخل - وعاد سريعا بجلد ملفوف. # شرع يقول وهو يفرده: «في الواقع ...» ~~«ويحي يا دكتور!» # كان الجلد تالفا تماما. فقد كان جامدا مثل الورق المقوى ، مع ~~تشقق الجلد المدبوغ وتغير لون الفراء بل وتآكلت أجزاء منه. كما كانت ~~رائحته كريهة ببشاعة. كان كأنه حول إلى قطعة من النفايات بدلا من ~~دبغه. ~~«مهلا يا دكتور! أي عبث ms201 هذا الذي فعلوه به! كيف حدث هذا بحق ~~الشيطان؟» ~~«آسف جدا يا صديقي! كنت على وشك الاعتذار. كان هذا أفضل ما في ~~وسعنا. لا يوجد في السجن الآن من يعرف كيفية دبغ الجلود.» ~~«سحقا، كان هناك ذلك السجين الذي اعتاد دبغ الجلود دبغا ~~جميلا!» ~~«أجل. لكنه رحل عنا منذ ثلاثة أسابيع، للأسف.» ~~«رحل؟ كنت أعتقد أنه سيقضي سبع سنوات؟» ~~«ماذا؟ ألم تسمع يا صديقي؟ كنت أعتقد أنك تعلم من الذي كان يدبغ ~~الجلود. إنه نجا شوي أو.» ~~«نجا شوي أو؟» ~~«المجرم الذي هرب بمساعدة يو بو كين.» ~~«سحقا!» # ارتاع فلوري من الحظ العاثر بشدة. لكنه في عصر اليوم، بعد أن تحمم ~~وارتدى بذلة نظيفة، ذهب إلى منزل آل لاكرستين، نحو الساعة الرابعة. كان ~~الوقت مبكرا جدا على الزيارات، لكنه أراد أن يضمن اللحاق بإليزابيث ~~قبل أن تذهب إلى النادي. وقد استقبلته السيدة لاكرستين، التي كانت ~~نائمة وغير مستعدة لاستقبال زائرين، بقلة ذوق، دون أن تطلب منه ~~الجلوس حتى. ~~«أخشى أن إليزابيث لم تنزل بعد. إنها ترتدي ملابسها للخروج لركوب ~~الخيل. ألن يكون من الأفضل أن تترك رسالة؟» ~~«أفضل أن أراها، إذا لم يكن لديك مانع. لقد أتيت لها بجلد النمر ~~الذي اصطدناه معا.» # تركته السيدة لاكرستين واقفا في حجرة الاستقبال يعتريه شعور ببلادة ~~وثقل غير عادي كما يحدث للمرء في مثل هذه الأوقات. إلا أنها جاءت بها، ~~وانتهزت الفرصة لتهمس لها خارج الباب قائلة: «تخلصي من ذلك الرجل ~~الكريه بأسرع ما يمكن يا عزيزتي. فإنني لا أطيق وجوده في المنزل في ~~هذا الوقت من اليوم.» # حين دخلت إليزابيث الحجرة راح قلب فلوري يخفق بعنف حتى جاشت ~~مشاعره. كانت ترتدي قميصا حريريا وسروالا لركوب الخيل، وبشرتها ~~مسفوعة قليلا. لم تبد قط بهذا الجمال حتى في ذكرياته. هنا خارت قواه، ~~وضاع في الحال؛ فقد هربت كل ذرة من شجاعته المضطربة. وبدلا من التقدم ~~لملاقاتها تراجع للوراء فعليا. جاء من خلفه صوت ارتطام مخيف؛ فقد قلب ~~إحدى الطاولات الصغيرة فوقع وعاء زهور الزينيا ms202 الذي كان عليها واندفع ~~على الأرض. # هتف مذعورا وقال: «آسف جدا!» ~~«لا بأس! لا تعر الأمر أي اهتمام!» # ساعدته على رفع الطاولة، وهي تثرثر أثناء ذلك بابتهاج وسلاسة كأن لم ~~يحدث شيء: «لقد غبت طويلا يا سيد فلوري! تبدو كأنك جديد تماما! لقد ~~افتقدناك بشدة في النادي ... إلخ.» كانت تشدد على كل كلمة، بذلك الألق ~~المبهرج الصارخ الذي تلجأ إليه المرأة حين تتهرب من واجب أخلاقي. ~~كان مرعوبا منها، حتى إنه لم يقو على النظر إلى وجهها. تناولت هي ~~صندوق سجائر وعرضت عليه واحدة، لكنه رفضها. فقد كانت يده ترتجف بشدة ~~ليستطيع أن يمدها ويأخذها. # قال بصوت رتيب: «لقد أحضرت لك ذلك الجلد.» # فرده على الطاولة التي كانا قد رفعاها للتو. بدا الجلد رثا ~~ورديئا للغاية حتى إنه تمنى لو أنه لم يحضره قط. دنت منه لتتفحص ~~الجلد، اقتربت جدا حتى صارت المسافة بين وجنتها الشبيهة بالزهر ~~ووجنته أقل من قدم، واستطاع أن يشعر بدفء جسدها. لكن خوفه منها كان ~~بالغا حتى إنه ابتعد مسرعا. في نفس اللحظة تراجعت هي أيضا، ~~منقبضة باشمئزاز بعد أن التقطت رائحة الجلد النتنة. اعتراه خزي ~~رهيب، كما لو كانت الرائحة النتنة رائحته هو وليس الجلد. # ابتعدت ياردة أخرى عن رقعة الجلد وقالت: «أشكرك شكرا جزيلا يا سيد ~~فلوري! يا لها من رقعة جلد كبيرة وجميلة، أليس كذلك؟» ~~«كانت كذلك، لكنهم أفسدوها، على ما أخشى.» ~~«لا! سيسرني الاحتفاظ بها! هل ستبقى طويلا في كياوكتادا؟ لا بد ~~أن الحر كان فظيعا في المعسكر!» ~~«نعم؛ كان الجو حارا جدا.» # المدهش أنهما ظلا يتكلمان عن الجو طيلة ثلاث دقائق. فقد كان ~~مغلوبا على أمره. وكل ما وعد نفسه بقوله، كل حججه ودفاعاته، احتبست ~~في حنجرته. قال لنفسه: «أيها الأحمق، ماذا تفعل يا أيها الأحمق؟ هل ~~قطعت عشرين ميلا من أجل هذا؟ هيا، فلتقل ما جئت لقوله! أمسكها بين ~~ذراعيك؛ اجعلها تصغي إليك، فلتركلها، فلتضربها، أي شيء أفضل من أن ~~تتركها تخرسك بهذا اللغو!» لكن بلا جدوى، بلا جدوى! ms203 لم يستطع لسانه أن ~~ينبس سوى بتفاهات عقيمة. كيف يستطيع أن يدافع أو يحتج وأسلوبها ~~المبتهج المسترسل، الذي كان يهوي بكل كلمة لمستوى دردشة النادي كان ~~يسكته قبل أن يتكلم؟ أين يتلقينه، ذلك الابتهاج البغيض المصحوب ~~بالقهقهة؟ في مدارس الفتيات المعاصرات متقدات الذهن، لا شك. زادت ~~قطعة الجيفة التي على الطاولة من شعوره بالخزي مع كل لحظة. ظل واقفا ~~هناك شبه أبكم، يبدو قبيحا قبحا أخرق بوجهه الشاحب المتغضن بعد ~~قضاء ليلة بلا نوم، وبدت وحمته كأنها لطعة من الوحل. # تخلصت هي منه بعد دقائق قليلة جدا بأن قالت: «حسنا يا سيد ~~فلوري، أستميحك عذرا، فإنني يجب حقا أن ...» # أفصح أو بالأحرى تمتم قائلا: «ألن تخرجي بصحبتي مرة أخرى يوما ~~ما؟ للسير، الرماية ... أو أي شيء؟» ~~«لم يعد لدي أي متسع من الوقت هذه الأيام! أكاد أكون مشغولة في ~~كل الأمسيات. هذا المساء سأخرج لركوب الخيل.» ثم أضافت قائلة: «مع ~~السيد فيرال.» # ربما أضافت ذلك لتجرحه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها ~~بصداقتها مع فيرال. ولم يستطع أن يتخلص من نبرة الحسد الرتيبة الجزعة ~~من صوته وهو يقول: ~~«هل تخرجين مع فيرال لركوب الخيل كثيرا؟» ~~«كل مساء تقريبا. كم هو فارس رائع! ولديه مجموعة ممتازة من أمهار ~~البولو!» ~~«آه. وأنا بالطبع ليس لدي أمهار تلعب البولو.» # كان هذا أول شيء يقوله ويقترب من الجدية، وقد جرحها بحق. إلا أنها ~~أجابته بنفس الأسلوب المبتهج السلس الذي كانت تتحدث به، ثم اصطحبته ~~إلى الباب. عادت السيدة لاكرستين إلى حجرة الاستقبال، وشمت رائحتها، ~~فأمرت الخدم في الحال بإخراج جلد النمر النتن وحرقه. # لبث فلوري عند بوابة حديقته متظاهرا بإطعام الحمام. لم يستطع أن ~~يحرم نفسه من ألم رؤية إليزابيث وفيرال وهما يبدآن جولتهما بالخيل. كم ~~عاملته بجفاء، كم عاملته بقسوة ! إنها لبشاعة ألا يتحلى الناس ~~باللياقة حتى للتشاجر. بعد قليل ارتقى فيرال الطريق إلى منزل آل ~~لاكرستين ممتطيا المهر الأبيض، والسائس يمتطي المهر الكستنائي، ثم ~~لبث مهلة، وظهرا بعدها معا، فيرال ms204 على صهوة المهر الكستنائي، ~~وإليزابيث على الأبيض، وهرولا سريعا صاعدين التل. كانا يثرثران ~~ويضحكان، وقد اقترب منكبها في القميص الحرير من منكبه بشدة. ولم يلتفت ~~أي منهما إلى فلوري. # حين اختفيا في الغابة، كان فلوري ما زال يتسكع في الحديقة. كان ~~الوهج قد كمد واستحال أصفر. وكان البستاني منهمكا في انتزاع الزهور ~~الإنجليزية، وقد ذوى أغلبها، بعد أن قضت عليها أشعة الشمس الشديدة، ~~ويزرع زهور البلسم ونبات عرف الديك والمزيد من الزينيا. مرت ساعة، ثم ~~تقدم على الطريق هائما رجل هندي حزين بشرته بلون التربة، يرتدي مئزرا ~~للخصر وعمامة لونها برتقالي وردي حمل عليها سلة غسيل. # وقد أنزل السلة وحيا فلوري منحنيا. ~~«من أنت؟» ~~«تاجر كتب يا سيدي.» # كان تاجر الكتب هو بائع متجول للكتب يهيم من قاعدة لأخرى في أنحاء ~~بورما العليا. وكان نظام التبادل لديه هو أن تعطيه مقابل أي كتاب في ~~مجموعته أربع آنات، وأي كتاب آخر. لكن ليس أي كتاب تماما؛ إذ إن تاجر ~~الكتب رغم أنه أمي فقد تعلم كيف يتعرف على كتاب الإنجيل ~~ويرفضه. # فكان يقول آسفا: «لا يا سيدي، لا. (وهو يقلبه في يديه البنيتين ~~المفلطحتين باستنكار) لا يمكنني أن آخذ هذا الكتاب ذا الغلاف الأسود ~~والحروف المذهبة. لا أعلم السبب، لكن كل السادة البيض يعرضون علي هذا ~~الكتاب، ولا يقبل أحد منهم أن يأخذه. ما الذي قد يكون في هذا الكتاب ~~الأسود؟ لا بد أنه شيء خبيث.» # قال فلوري: «اخرج نفاياتك.» # بحث بين الكتب عن رواية مثيرة؛ إدجار آلان والاس أو أجاثا كريستي أو ~~شيء من هذا القبيل؛ أي شيء ليسكن الاضطراب الرهيب الذي كان في قلبه. ~~بينما هو منحن على الكتب رأى الرجلين الهنديين يهتفان ويشيران في ~~اتجاه حافة الغابة. # قال البستاني بصوته الشبيه بمن امتلأ فمه بالطعام: «انظر!» # كان المهران خارجين من الغابة؛ لكن من دون راكبين. هبط الاثنان التل ~~آتيين خببا تتدلى الركاب وتتخبط أسفل بطنيهما، وقد بدا عليهما ~~خجل ساذج كالذي يبدو على الحصان الذي هرب من سيده. ms205 # ظل فلوري ضاما أحد الكتب إلى صدره غافلا. لقد ترجل فيرال ~~وإليزابيث. لم تكن حادثة؛ فلا يمكن لأحد أن يتخيل أن يسقط فيرال عن ~~حصانه مهما شطح بخياله. لقد نزلا عن الخيل، والمهران هربا. # لقد نزلا. لأي سبب؟ لكنه كان يعلم السبب! لم تكن مسألة شك: فقد كان ~~متيقنا. أمكنه أن يرى الأمر برمته وهو يحدث، في واحدة من تلك ~~الهلوسات الشديدة الدقة في تفاصيلها والقذارة في فحشها حتى ليستحيل ~~تحملها. وهنا رمى الكتاب بعنف واتجه إلى المنزل، تاركا تاجر الكتب ~~خائب الأمل. سمعه الخدم وهو يتحرك داخل المنزل، ثم يطلب زجاجة ويسكي. ~~احتسى شرابا لكنه لم يجده نفعا، ثم ملأ ثلثي قدح، وأضاف إليه كمية ~~مناسبة من المياه ليجعله مستساغا، وابتلعه. لم تلبث الجرعة ~~الملوثة الباعثة على الغثيان أن تنزل جوفه حتى كررها. كان قد أقدم ~~على نفس الشيء في المعسكر ذات مرة، منذ سنوات، حين أوجعه ألم ~~الأسنان وجعا شديدا وكان على بعد ثلاثمائة ميل من طبيب الأسنان. حين ~~دقت الساعة السابعة دخل عليه كو سلا كالعادة ليقول إن مياه الحمام ~~صارت ساخنة. كان فلوري مستلقيا على أحد المقاعد الطويلة، وقد خلع ~~معطفه وتقطع قميصه عند العنق. # قال كو سلا: «حمامك يا سيدي.» # لم يجب فلوري، فلمس كو سلا ذراعه، ظانا أنه نائم. كان فلوري ثملا ~~جدا حتى إنه لم يقو على الحركة. وكانت الزجاجة الفارغة قد تدحرجت ~~على الأرض، تاركة خطا من قطرات الويسكي خلفها. نادى كو سلا على با بي ~~والتقط الزجاجة وهو يطرقع بلسانه. ~~«انظر! لقد شرب أكثر من ثلاثة أرباع الزجاجة!» ~~«مرة أخرى؟ كنت أعتقد أنه قد أقلع عن الشراب؟» ~~«إنها تلك المرأة الملعونة، على ما أظن. الآن لا بد أن نحمله ~~برفق. أمسك أنت كعبيه، وأنا سأحمل رأسه. هكذا. هيا ارفعه!» # حملا فلوري إلى الحجرة الأخرى ووضعاه برفق في الفراش. # تساءل با بي قائلا: «هل سيتزوج حقا هذه المرأة ~~الإنجليزية؟» ~~«الرب يعلم. إنها عشيقة ضابط الشرطة الشاب الآن، حسب ما سمعت. إن ~~عاداتهم ms206 مختلفة عن عاداتنا. أعتقد أنني أعلم ما الذي سيحتاجه الليلة.» ~~أضاف هذا وهو يفك حمالات فلوري؛ فقد كان كو سلا متمرسا في الفن ~~الضروري جدا لدى خادم العزاب، وهو فن خلع ملابس سيده من دون أن ~~يوقظه. # كان الخدم بالأحرى مسرورين برؤية هذه العودة لعادات العزوبية. استيقظ ~~فلوري قرب منتصف الليل، عاريا في بركة من العرق. شعر كأن جسما ~~معدنيا كبيرا حاد الزوايا يتخبط داخل رأسه. كانت الناموسية ~~مرفوعة، وثمة شابة جالسة بجانب الفراش تهوي له بمروحة خوص. كان ~~وجهها زنجي الملامح مليحا، بدا في ضوء الشموع ذهبي اللون مائلا ~~للبرونزي. أوضحت له أنها بغي، وأن كو سلا استأجرها على مسئوليته مقابل ~~عشر روبيات. # كان رأس فلوري يؤلمه ألما مبرحا، فقال بوهن للمرأة: «أعطيني شيئا ~~لأشربه بالله عليك.» أتته ببعض المياه الغازية التي كان كو سلا قد ~~تأهب بتبريدها ونقع منشفة ووضع كمادة حول جبهته. كانت المرأة ~~كائنا بدينا لطيف الطبع. أخبرته أن اسمها ما سين جالاي، وأنها بجانب ~~ممارسة مهنتها الأخرى كانت تبيع سلال الأرز في البازار القريب من متجر ~~لي ييك. تحسن حال رأس فلوري بعد قليل، وطلب منها سيجارة؛ وعندئذ قالت ~~ما سين جالاي بسذاجة، بعد أن أتت بالسيجارة: «هل أخلع ملابسي الآن يا ~~سيدي؟» # قال فلوري بفتور لنفسه: لم لا؟ أفسح لها مكانا على الفراش. لكن ~~حين شم الرائحة المألوفة للثوم وزيت جوز الهند، شعر بألم ما بداخله، ~~وبكى بالفعل متوسدا برأسه كتف ما سين جالاي السمين، وهو ما لم يفعله ~~منذ كان في الخامسة عشرة من عمره. # | الفصل العشرون # في الصباح التالي ثار الكثير من الهرج والمرج في كياوكتادا؛ إذ اندلع ~~التمرد الذي ترددت عنه الإشاعات طويلا. لم يسمع فلوري عنه إلا خبرا ~~مبهما حينها؛ إذ إنه كان قد عاد إلى المعسكر بمجرد أن شعر أنه قادر ~~على السير بعد الليلة التي أسرف فيها في الشراب، ولم يعلم القصة ~~الحقيقية للتمرد إلا بعد عدة أيام، من خطاب طويل ساخط من الدكتور ~~فيراسوامي. # كان أسلوب الدكتور ms207 في كتابة الرسائل عجيبا. فقد كان نظمه للجمل ~~متهلهلا، وكان يستخدم الحروف الاستهلالية بوفرة مثل علماء اللاهوت في ~~القرن السابع عشر، أما في الخط المائل فكان ينافس الملكة فيكتوريا. كان ~~الخطاب من ثماني صفحات امتلأت بخطه الصغير المتمدد. # وقد قال في الخطاب: # صديقي العزيز # ستأسف كثيرا عند السماع بأن حيل التمساح قد آتت ثمارها. ~~التمرد - التمرد المزعوم - انتهى وولى. وقد كان وا أسفاه أشد ~~عنفا مما كنت أرجو. # جرى كل شيء كما تنبأت به لك. في اليوم الذي عدت فيه إلى ~~كياوكتادا كان جواسيس يو بو كين قد أخبروه أن الرجال التعساء ~~المساكين الذين أضلهم مجتمعون في الغابة بالقرب من ثونجوا. ~~في نفس الليلة اتجه سرا مع يو لوجيل، مفتش الشرطة، وهو ~~محتال كبير مثله، إذا كان ذلك ممكنا، واثني عشر كونستابلا. ~~وقد شنوا غارة على ثونجوا وداهموا المتمردين، الذين كانوا ~~سبعة فقط! في مخبأ عسكري متداع في الغابة. كذلك جاء السيد ~~ماكسويل، الذي كان قد سمع بإشاعات التمرد، آتيا من معسكره ~~ببندقيته وانضم أخيرا إلى يو بو كين والشرطة في هجومهم على ~~المخبأ. في الصباح التالي صدرت أوامر لبا سين، خادم يو بو كين ~~والقائم بأعماله الوضيعة، بتصعيد الدعوة للتمرد بأقصى درجة ~~ممكنة من الإثارة، وهو ما حدث، فهرع السيد ماكجريجور والسيد ~~ويستفيلد والملازم فيرال إلى ثونجوا مصطحبين خمسين جنديا ~~هنديا مسلحين بالبنادق إلى جانب الشرطة المدنية. لكنهم ~~وصلوا ليجدوا أن الأمر انتهى تماما ويو بو كين جالسا أسفل ~~شجرة تيك كبيرة في وسط القرية يختال ويعظ أهل القرية، الذين ~~راحوا ينحنون جميعا في خوف شديد تلامس جباههم الأرض وهم ~~يقسمون أنهم سيظلون مخلصين للحكومة إلى الأبد، وهكذا كان ~~التمرد قد انتهى بالفعل. أما الساحر المزعوم، الذي لم يكن إلا ~~حاويا في سيرك وتابعا ليو بو كين، فقد اختفى في مكان مجهول، ~~لكن ألقي القبض على ستة من المتمردين. هكذا كانت ~~النهاية. # يجب أن أخبرك كذلك أنه كان هناك وفاة مؤسفة للغاية. فقد ~~كان السيد ماكسويل متلهفا جدا لاستخدام ms208 بندقيته على ما أظن ~~وحين حاول أحد المتمردين الهرب أطلق عليه النار وأصابه في ~~بطنه، فمات إثر ذلك. أعتقد أن أهل القرية يحملون بعض الضغينة ~~تجاه السيد ماكسويل بسبب ذلك. لكن من وجهة النظر القانونية ~~موقف السيد ماكسويل سليم؛ لأن الرجال كانوا يتآمرون على ~~الحكومة يقينا. # لكنني أعتقد يا صديقي أنك لا تدرك كم قد يكون هذا الأمر ~~برمته وبالا علي! أعتقد أنك ستدرك علاقته بالمنافسة بيني ~~وبين يو بو كين، والدعم الهائل الذي سيعطيه له بالتأكيد. إنه ~~انتصار للتمساح. فقد صار يو بو كين الآن بطل المنطقة. إنه ~~صديق الأوروبيين المحبب. لقد سمعت أن السيد إليس نفسه قد ~~أثنى على تصرفه. أؤكد لك أنه لو كان بإمكانك أن تشهد الزهو ~~البغيض والأكاذيب التي يحكيها الآن عن أن المتمردين لم ~~يكونوا سبعة بل مائتين! وكيف داهمهم بالمسدس في يده - هو ~~الذي لم يفعل سوى أنه وجه العمليات من مسافة آمنة بينما ~~الشرطة والسيد ماكسويل هم الذين زحفوا إلى المخبأ - كنت ستجد ~~الأمر مثيرا للغثيان حقا. بل وبلغت به الوقاحة أن أرسل ~~تقريرا رسميا بالواقعة بدأه قائلا: «بفضل يقظتي المخلصة ~~وجسارتي المجازفة.» وقد بلغني خبر مؤكد بأنه جعل هذه المجموعة ~~من الأكاذيب تكتب مسبقا قبل الواقعة بأيام. إنه شيء مقزز. ~~وحين يخطر لي أنه الآن وهو في ذروة انتصاره سوف يشرع في ~~التشنيع علي مجددا بكل أشكال الأذى المتاحة لديه ... ~~إلخ. # صودر مخزون أسلحة المتمردين بالكامل. مستودع الأسلحة الذي كانوا ~~ينوون الزحف به إلى كياوكتادا حين تجمع أتباعهم تألف من ~~التالي: # بندقية صيد ماسورتها اليسرى تالفة، كانت قد سرقت من أحد ضباط ~~الغابات قبل ثلاث سنوات. # ستة مسدسات مصنوعة محليا صنعت مواسيرها من أنابيب زنك مسروقة من ~~السكك الحديدية. وتستخدم بطريقة بدائية عن طريق دفع مسمار في فرجة ~~الإشعال وإشعاله بحجر. # تسعة وثلاثين خرطوشا عيار اثني عشر. # أحد عشر مسدسا تقليديا مصنوعا من خشب التيك. # بعض المفرقعات الصينية الكبيرة التي كانت ستشعل بغرض ~~الترهيب. # بعد ذلك حكم على اثنين من المتمردين ms209 بالنفي خمسة عشر عاما، ~~وبالسجن ثلاث سنوات وخمس وعشرين جلدة على اثنين، والسجن عامين على ~~واحد. # كان من الجلي تماما أن التمرد ~~البائس قد انتهى ولم يعد هناك أي خطر يتهدد الأوروبيين، وهكذا عاد ~~ماكسويل إلى معسكره من دون حراسة. نوى فلوري البقاء في المعسكر حتى ~~يبدأ هطول الأمطار، أو على الأقل إلى حين انعقاد الجمعية العمومية في ~~النادي؛ إذ كان قد وعد بالمشاركة فيها، لاقتراح اختيار الطبيب؛ مع أن ~~موضوع المؤامرة بين يو بو كين والطبيب برمته صار أمرا سقيما له مع ~~انشغاله بالتفكير في مشكلته الشخصية. # مضت أسابيع أخرى وصار الحر بشعا. بدا كأنه تمخض عن الأمطار ~~المتأخرة سخونة في الجو. كان فلوري متوعكا، ويعمل بلا انقطاع منشغلا ~~بمهام صغيرة كان الأجدر تركها للمشرف، جاعلا العمال يكرهونه بل ~~الخدم أيضا. كان يحتسي الجين طوال الوقت، لكن حتى الشرب لم يعد ~~يستطيع إلهاءه. ظلت صورة إليزابيث بين ذراعي فيرال تلاحقه مثل الألم ~~العصبي أو ألم الأذن. كانت تغشاه في أي وقت، حية ومقززة، فتشتت ~~أفكاره، وتنتزعه من على شفير النوم، وتجعل الطعام في فمه علقما. في ~~بعض الأحيان كان يستبد به غضب مستوحش، حتى إنه ضرب كو سلا ذات ~~مرة. كان أسوأ ما في الأمر التفاصيل - التفاصيل القذرة دوما - التي ~~كان يظهر بها المشهد الخيالي. يبدو أن دقة التفاصيل في حد ذاتها كانت ~~تثبت حقيقة الواقعة. # هل هناك في العالم ما هو أكثر وقاحة وأكثر خزيا من الرغبة في امرأة ~~لن تكون لك أبدا؟ ظل فلوري طيلة هذه الأسابيع لا يأتي ذهنه سوى ~~الأفكار القاتلة أو الفاحشة. إنه العرض الشائع للغيرة. كان قد أحب ~~إليزابيث حبا روحيا، وعاطفيا لا شك، رغبة في عطفها أكثر من ~~ملامساتها؛ والآن، بعد أن فقدها، صار يعذبه شوق الجسد الشديد الدناءة. ~~لكنه لم يعد يراها مثالية. إنما يكاد يراها الآن على حقيقتها - سخيفة ~~ومتغطرسة وبلا قلب - لكن لم يؤثر هذا في اشتياقه إليها. فهل يحدث هذا ~~أي اختلاف على الإطلاق؟ في الليل حين يضطجع ms210 ساهدا، وقد جر فراشه خارج ~~الخيمة من أجل البرودة، وبينما هو يجول ببصره في الظلام المخملي الذي ~~كان يتردد فيه نباح أحد الكلاب أحيانا، كان يكره نفسه للصور التي ~~سكنت عقله. كان شيئا دنيئا جدا أن يحسد رجلا أجدر منه وتفوق ~~عليه. كان ذلك حسدا؛ فحتى الغيرة هي مسمى أفضل بكثير من الشيء الذي ~~يعتريه. وبأي حق يشعر بالغيرة؟ لقد عرض نفسه على فتاة أصغر وأجمل بكثير ~~من أن تناسبه، وقد رفضته عن حق. لقد نال الإهانة التي استحقها. لم ~~يكن حتى ثمة أي استئناف لذلك الحكم؛ فلا شيء مطلقا سيجعله شابا ~~مجددا، أو يمحو وحمته وعقدا من عمره قضاه في الفسق وحيدا. لم يكن في ~~وسعه سوى أن يقف ويشاهد الرجل الأمثل وهو يحصل عليها ويحسده، ~~مثل ... بيد أن التشبيه لم يكن حتى يستحق الذكر. إن الحسد شيء رهيب. ~~إنه غير سائر أنواع المعاناة جميعا في أنه لا سبيل للتستر عليه ولا ~~الارتقاء به إلى مستوى المأساة. إنه ليس مؤلما فحسب، وإنما مقزز ~~أيضا. # لكن في الوقت ذاته هل كان صحيحا ما شك فيه؟ هل صار فيرال حقا حبيب ~~إليزابيث؟ لا سبيل لمعرفة ذلك؛ لأن الأمر إذا كان كذلك، فلن يخفى في ~~مكان مثل كياوكتادا. أغلب الظن أن السيدة لاكرستين كانت ستخمنه، حتى ~~إذا لم يخمنه الآخرون. لكن كان ثمة شيء مؤكد، وهو أن فيرال لم ~~يتقدم للزواج منها حتى الآن. مر أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع؛ ثلاثة ~~أسابيع مدة طويلة جدا في قاعدة هندية صغيرة. كان فيرال وإليزابيث ~~يركبان الخيل معا كل مساء، ويرقصان معا كل ليلة؛ إلا أن فيرال لم ~~يدخل حتى منزل آل لاكرستين قط. بالطبع كانت النميمة عن إليزابيث لا ~~تنقطع. وسلم كل الشرقيين بأنها عشيقة فيرال. كانت رواية يو بو كين ~~للأمر (إذ كان من شأنه أن يكون مصيبا في الأساس حتى حين يخطئ في ~~التفاصيل) أن إليزابيث كانت محظية فلوري وهجرته من أجل فيرال؛ لأن ~~فيرال دفع لها نقودا أكثر. كان إليس أيضا يختلق ms211 حكايات حول إليزابيث ~~جعلت السيد ماكجريجور يرتبك. لم تسمع السيدة لاكرستين هذه النميمة، ~~بصفتها قريبتها، لكنها ازدادت قلقا. في كل مساء حين كانت إليزابيث ~~تعود إلى المنزل بعد جولتها كانت تلقاها مستبشرة، متوقعة أن تقول: ~~«يا عمتي! ما رأيك؟!» ثم الخبر السعيد. لكن الخبر لم يأت قط، ولم ~~تستطع التكهن بأي شيء مهما استقرأت وجه إليزابيث بعناية. حين مرت ثلاثة ~~أسابيع توترت السيدة لاكرستين ثم اعتراها بعض السخط في النهاية؛ فقد ~~كان يستحوذ على تفكيرها خاطر أن زوجها بمفرده - أو بالأحرى ليس بمفرده ~~- في المعسكر. فقد تركته يعود إلى المعسكر حتى تعطي إليزابيث فرصتها ~~مع فيرال على أي حال (إلا أن السيدة لاكرستين لم تكن لتعبر عن الأمر ~~بذلك الابتذال). ذات مساء راحت تؤنب إليزابيث وتهددها بأسلوبها ~~الموارب. اقتصرت المحادثة على حوار منفرد من التنهدات تخللته ~~فترات توقف طويلة جدا - إذ لم تحر إليزابيث جوابا ~~مطلقا. # بدأت السيدة لاكرستين ببعض الملحوظات العامة، في إشارة إلى صورة في ~~مجلة «تاتلر»، عن أولئك الفتيات المعاصرات المتسرعات اللواتي يرتدين ~~ملابس البحر وما إلى ذلك ويجعلن أنفسهن رخيصات رخصا بغيضا مع الرجال. ~~قالت السيدة لاكرستين إن الفتاة لا بد ألا تجعل نفسها شديدة الرخص مع ~~الرجل أبدا؛ وإنما لا بد أن تجعل نفسها ... لكن مضاد «الرخيص» على ما ~~يبدو هو «الباهظ»؛ وذلك لم يبد مناسبا مطلقا، لذلك غيرت السيدة ~~لاكرستين مسارها. راحت تخبر إليزابيث عن خطاب جاءها من الوطن بمزيد من ~~الأخبار عن تلك الفتاة المسكينة جدا التي ظلت في بورما فترة من ~~الوقت وتجاهلت الزواج في حماقة شديدة. كانت تعاني معاناة مفجعة، وهذا ~~بالتأكيد يثبت كم لا بد أن تكون الفتاة مقبلة على الزواج من أي شخص، ~~أي شخص حرفيا. تبين أن الفتاة العزيزة المسكينة البائسة قد فقدت ~~وظيفتها وظلت تتضور جوعا فعليا لمدة طويلة، بعدها اضطرت إلى ~~العمل خادمة عادية في مطبخ تحت إمرة طاهية فظة الطباع بغيضة تستأسد ~~عليها بأسلوب مروع للغاية. وبدا أن الخنافس السوداء في المطبخ كانت ~~فوق الوصف ms212 تماما! ألا ترى إليزابيث أن الأمر فظيع أشد الفظاعة؟ خنافس ~~سوداء! # لاذت السيدة لاكرستين بالصمت بعض الوقت، لتترك الخنافس السوداء ترسخ ~~في ذهنها، قبل أن تقول: ~~«إنه لمن المؤسف حقا أن السيد فيرال سيغادرنا حين يبدأ سقوط ~~الأمطار. سوف تبدو كياوكتادا خاوية تماما من دونه!» # قالت إليزابيث بلا مبالاة بقدر ما استطاعت: «ومتى تسقط الأمطار في ~~العادة؟» ~~«في أول يونيو تقريبا هنا. بعد أسبوع أو أسبوعين فقط من الآن ... يبدو ~~من السخافة أن أذكر الأمر مجددا يا عزيزتي، لكنني لا أستطيع أن أبعد ~~عن ذهني صورة تلك الفتاة المسكينة البائسة وهي في المطبخ بين الخنافس ~~السوداء!» # تكرر ذكر الخنافس السوداء أكثر من مرة في حديث السيدة لاكرستين ~~فيما تبقى من المساء. لكنها انتظرت حتى اليوم التالي لتقول بنبرة شخص ~~يذكر خبرا غير مهم: ~~«بالمناسبة، أعتقد أن فلوري سوف يعود إلى كياوكتادا في بداية يونيو. ~~لقد قال إنه سيشارك في الجمعية العمومية للنادي. ربما من الممكن أن ~~ندعوه للعشاء ذات يوم.» # كانت هذه المرة الأولى التي تذكر فيها أي منهما فلوري منذ اليوم ~~الذي أتى فيه بجلد النمر لإليزابيث. بعد أن ظل شبه منسي لعدة أسابيع، ~~عاد لذهن كل من المرأتين كملاذ أخير موحش. # بعد ثلاثة أيام أرسلت السيدة لاكرستين رسالة إلى زوجها ليعود إلى ~~كياوكتادا. كان قد مكث في المعسكر طويلا بما يكفي ليستحق قضاء فترة ~~في المقر. وقد عاد بوجه متورد أكثر من ذي قبل - وهو ما فسره على ~~أنه سفعة شمس - وأصابت يديه رعشة شديدة حتى إنه صار بالكاد يستطيع ~~إشعال سيجارة. إلا أنه احتفل برجوعه ذلك المساء بأن تحايل على السيدة ~~لاكرستين حتى تخرج من المنزل، ودخل مخدع إليزابيث وأقدم على محاولة ~~محمومة لاغتصابها. # طوال هذا الوقت كان ثمة فتنة أخرى قائمة، لا يعلم بها أي أحد من ~~الأشخاص ذوي الأهمية؛ إذ إن «الساحر» (الذي كان بعيدا الآن، يبيع حجر ~~الفلاسفة لقرويين سذج في بلدة مرطبان) كان قد أدى مهمته أفضل قليلا ~~مما انتوى. وعلى أي حال ms213 كان ثمة احتمال أن تنشأ مشكلة جديدة؛ ربما بعض ~~الغضب البعيد اليائس. حتى يو بو كين لم يكن يعلم شيئا عنه بعد. لكن ~~كالعادة كانت الآلهة تحارب في صفه، فأي تمرد سيجعل الأول يبدو أكثر ~~خطورة مما كان؛ ومن ثم يضيف إلى مجده. # | الفصل الحادي والعشرون # متى تهبين أيتها الرياح الغربية حتى تهطل بهبوبك الأمطار الخفيفة؟ ~~كان الأول من يونيو، يوم الجمعية العمومية، ولم تكن قطرة مطر قد سقطت ~~بعد. حين مضى فلوري في ممشى النادي كانت شمس العصر، التي مالت أشعتها ~~تحت حافة قبعته، لا تزال حامية، حتى إنها سفعت عنقه حتى ضاق بها. جاء ~~البستاني مترنحا على الممشى، وقد لزجت عضلات صدره بالعرق، حاملا ~~صفيحتي كيروسين مملوءتين بالمياه على خشبة مستعرضة على كتفيه. ألقى ~~بهما على الأرض، فأراق القليل من الماء على قدميه السمراوين النحيلتين، ~~وحيا فلوري. ~~«قل لي يا أيها البستاني، هل ستسقط الأمطار؟» # أشار الرجل بغموض في اتجاه الغرب وقال: «لقد حجبتها التلال يا ~~سيدي.» # كانت كياوكتادا شبه مطوقة بالتلال، وكانت شآبيب المطر تعلق بهذه ~~التلال، لدرجة أنه أحيانا كانت لا تسقط الأمطار حتى آخر يونيو. كانت ~~تربة أحواض الزهور، التي جرفت لكتل ضخمة مبعثرة، تبدو رمادية وصلبة ~~مثل الخرسانة. ذهب فلوري إلى قاعة الجلوس ووجد ويستفيلد يتسكع لدى ~~الشرفة، مرسلا نظره إلى النهر؛ إذ كانت الأستار قد رفعت. أسفل الشرفة ~~استلقى غلام على ظهره في الشمس، وراح يشد حبل المروحة بكعب رجله ~~مظللا وجهه بشق عريض من ورقة موز. ~~«مرحبا يا فلوري! لقد صرت نحيلا للغاية.» ~~«وأنت أيضا.» ~~«هممممم، نعم. إنه الطقس اللعين. ليس لدي شهية إلا للشراب. يا ~~إلهي، كم أتوق إلى سماع الضفادع حين تبدأ النقيق! هيا نتناول شرابا ~~معا قبل مجيء الآخرين. يا أيها الساقي!» # قال فلوري حين أتى الساقي بالويسكي والصودا الفاترة: «هل تعلم من ~~الذي سيأتي للاجتماع؟» ~~«المجموعة بأسرها على ما أعتقد. لقد عاد لاكرستين من المعسكر منذ ~~ثلاثة أيام. لقد استمتع هذا الرجل أيما استمتاع بعيدا عن زوجته! فقد ms214 ~~كان المفتش يخبرني بما يجري في معسكره. كانت تأتيه أعداد كبيرة من ~~المومسات. لا بد أنه جلبهن خصيصا من كياوكتادا. سوف يلقى عقابا ~~شديدا حين ترى زوجته فاتورة النادي. فقد أرسلت اثنتا عشرة زجاجة ~~ويسكي إلى معسكره في أسبوعين.» ~~«هل سيأتي الشاب فيرال؟» ~~«لا؛ فهو عضو مؤقت. إنه لم يكن ليهتم بالحضور على أي حال، ذلك التافه ~~الصغير. ماكسويل أيضا لن يأتي. يقول إنه لا يستطيع مغادرة المعسكر ~~بعد. وأرسل رسالة قال فيها إن إليس سينوب عنه في حالة إجراء تصويت. ~~لكنني لا أعتقد أنه سيكون هناك شيء للتصويت عليه، صحيح؟» أردف قوله هذا ~~وهو يرمق فلوري بنظرة مواربة؛ إذ تذكر كلاهما مشاجرتهما السابقة بشأن ~~هذا الموضوع. ~~«أعتقد أن الأمر يتوقف على ماكجريجور.» ~~«ما أعنيه هو أن من الأحرى بماكجريجور أن يتغاضى عن هذا الهراء ~~اللعين بشأن انتخاب عضو من أهل البلد، أليس كذلك؟ ليس هذا بالوقت ~~المناسب لذلك. بعد التمرد وما إلى ذلك.» # قال فلوري: «صحيح، ما الذي جرى في التمرد؟» فلم يرد أن يبدأ ~~المشاحنة بشأن انتخاب الطبيب من الآن. فقد أراد أن يتجنب المتاعب بضع ~~دقائق «هل من أخبار جديدة؟ هل تعتقد أنهم سيحاولون محاولة ~~أخرى؟» ~~«لا، لقد انتهى الأمر تماما، على ما أخشى. لقد نكصوا نكص الجبناء. ~~صارت المنطقة بأسرها هادئة مثل مدرسة لعينة للفتيات. شيء محبط ~~للغاية.» # وجف قلب فلوري إذ سمع صوت إليزابيث في الحجرة المجاورة. في هذه ~~اللحظة دخل السيد ماكجريجور، يتبعه إليس والسيد لاكرستين. بهذا اكتمل ~~النصاب، فلم يكن لعضوات النادي حق التصويت. كان السيد ماكجريجور ~~مستعدا يرتدي بذلة حرير ويحمل دفاتر حسابات النادي تحت إبطه. وبهذا ~~استطاع أن يضفي مظهرا شبه رسمي حتى على أمر بسيط مثل اجتماع ~~النادي. # قال السيد ماكجريجور بعد تبادل التحيات المعتادة: «حيث إننا جميعا ~~هنا كما يبدو، فسوف ... آه ... نباشر أعمالنا.» # قال ويستفيلد وهو يجلس: «تفضل.» # قال السيد لاكرستين: «فليناد أحدكم الساقي بحق المسيح. أخاف أن ~~تسمعني زوجتي وأنا أناديه.» # قال السيد ماكجريجور بعد أن رفض ms215 تناول الشراب وأخذ كل من الآخرين ~~واحدا: «أعتقد أنكم تريدون مني مراجعة حسابات نصف العام قبل أن ~~نستغرق في جدول الأعمال؟» # لم يكونوا راغبين في ذلك على وجه التحديد، لكن راح السيد ماكجريجور ~~يراجع كل الحسابات بدقة متناهية؛ إذ كان يستمتع بهذا النوع من ~~الأشياء. أما فلوري فقد هامت به أفكاره. فبعد قليل سينشب شجار شديد، ~~ويا له من شجار خطير! فسوف يسخطون حين يلاقونه يقترح اسم الطبيب بعد ~~كل ما كان. وكانت إليزابيث في الحجرة المجاورة. استحالة ألا تسمع ~~الشجار حين ينشب. وسوف تزداد احتقارا له على احتقارها حين ترى الآخرين ~~وهم يوبخونه. هل سيراها هذا المساء؟ هل ستتحدث معه؟ أخذ يحدق في ~~النهر اللامع الذي امتد على مساحة ربع ميل. كان على الضفة البعيدة ~~رهط من الرجال، ارتدى أحدهم عمامة خضراء، منتظرين بجانب زورق. وفي ~~قناة عند الضفة القريبة، كان ثمة صندل هندي رديء الصنع ضخم الحجم يسير ~~ببطء يائس وهو يشق طريقه بصعوبة ضد التيار السريع. مع كل ضربة كان ~~المجذفون العشرة، الدرافيديون المهزولون، يتقدمون إلى الأمام وينزلون ~~بمجاذيف بدائية بشفرات على شكل قلوب، في الماء. كانوا يشدون قاماتهم ~~الهزيلة، ثم يتراجعون بمشقة، وقد شدت أجسامهم وتلوت، مثل كائنات ~~معذبة من مطاط أسود، فيتقدم جسم الصندل الثقيل ياردة أو ياردتين. بعد ~~ذلك كان المجذفون يثبون إلى الأمام، وهم يلهثون، لينزلوا بمجاذيفهم ~~مرة أخرى في الماء قبل أن يكبح التيار الصندل. # قال السيد ماكجريجور بنبرة أكثر جدية: «والآن سنأتي إلى النقطة ~~الرئيسية في جدول الأعمال. وهي بالطبع تلك ... آه ... المسألة البغيضة، ~~التي أخشى أنه لا بد من مواجهتها، بشأن اختيار عضو من أهل البلد لهذا ~~النادي. حين ناقشنا المسألة قبل ذلك ...» ~~«ماذا بحق الجحيم!» # كان إليس هو من قاطع الحديث، وكان منفعلا للغاية حتى إنه هب ~~واقفا . ~~«ماذا بحق الجحيم! لا شك أننا لن نخوض في هذا الأمر مجددا. تتحدث عن ~~اختيار زنجي لعين لهذا النادي، بعد كل ما حدث! يا إلهي، أعتقد أن فلوري ~~نفسه قد تغاضى ms216 عن الأمر الآن.» ~~«يبدو صديقنا إليس متفاجئا. أعتقد أن المسألة نوقشت من ~~قبل.» ~~«أعتقد أنها كانت نوقشت بالفعل من قبل! وكلنا قلنا رأينا فيها. بالله ~~...» # قال السيد ماكجريجور بحلم: «أرجو أن يجلس صديقنا إليس ~~قليلا.» # جلس إليس على مقعده مرة أخرى، وهو يهتف قائلا: «هراء لعين!» كان ~~فلوري يشاهد وراء النهر مجموعة من البورميين على زورق، وهم ~~يحملون عليه لفة طويلة غريبة الشكل. في نفس الوقت أخرج السيد ~~ماكجريجور خطابا من ملف أوراقه. ~~«ربما من الأحرى أن أفسر كيف استجدت هذه المسألة في المقام الأول. ~~أخبرني المفوض أن الحكومة كانت قد أرسلت نشرة دورية، تقترح فيها أن على ~~النوادي التي ليس فيها أعضاء من أهل البلد أن تختار عضوا واحدا على ~~الأقل؛ أي تقبله تلقائيا. وتقول النشرة ~~... آه أجل! ها هي: «إنها سياسة خاطئة ~~أن توجه الإهانات الاجتماعية إلى مسئولين رفيعي المكانة من أهل البلد.» ~~فلتسمحوا لي أن أقول إنني أختلف معهم قطعيا. لا شك أننا جميعا ~~كذلك. نحن من نؤدي الأعمال الفعلية للحكومة نرى الأشياء بشكل مختلف ~~جدا عن هؤلاء ... آه ... البرلمانيين ~~أمثال باجيت الذين يتدخلون في أعمالنا من مواقعهم البعيدة. يتفق ~~المفوض معي تماما. إلا أن ...» # قاطعه إليس وقال: «لكن هذا كله هراء لعين! ما علاقة المفوض أو أي شخص ~~آخر بالأمر؟ لا شك أننا نستطيع أن نفعل ما يحلو لنا في نادينا اللعين. ~~ليس من حقهم أن يملوا علينا ما نفعله خارج العمل.» # قال ويستفيلد: «بالضبط.» ~~«لقد استبقتني. فقد أخبرت المفوض أنني لا بد أن أطرح المسألة على ~~سائر الأعضاء. واقترح هو المسار التالي: إذا لاقت الفكرة أي تأييد في ~~النادي فهو يرى أن من الأفضل أن نختار عضوا من أهل البلد. أما إذا كان ~~النادي بأسره ضدها فمن الممكن إغفالها. أي إذا كان القرار بإجماع ~~الآراء.» # قال إليس: «حسنا، إن الإجماع تام قطعا.» # قال ويستفيلد: «هل تقصد أن الأمر يتوقف على ما إذا كنا نقبل بهم هنا ~~أم لا؟» ~~«أعتقد أن بإمكاننا اعتبار الأمر كذلك.» ~~«حسنا، ms217 لنقل إذن إننا نرفضه فردا فردا.» ~~«ولنقل ذلك بحزم شديد بحق الرب. نريد أن ننتهي من هذه المسألة بصفة ~~نهائية.» # قال السيد لاكرستين بصوت أجش: «لا فض فوك! لنبعد الأراذل السود ~~عنه. روح الجماعة وتلك الأشياء.» # كان السيد لاكرستين ممن يمكن أن يعول عليه دائما من أجل ~~الآراء العاقلة في موقف كهذا. كان في أعماقه لا يكترث ألبتة للراج ~~البريطاني، بل ولم يأبه له قط، وكان لا يبالي سواء احتسى شرابه مع ~~شرقي أو مع رجل أبيض؛ لكنه كان دائما على استعداد لترديد: «لا فض ~~فوك!» بصوت عال متى اقترح أحدهم قرع خادم قليل الأدب بالخيزرانة أو ~~إلقاء دعاة القومية في الزيت المغلي. كان يفتخر بأنه قد يسكر قليلا ~~وما إلى ذلك، لكن ليكن، فقد كان وطنيا. كانت هذه هي صورته للاحترام. ~~شعر السيد ماكجريجور في باطنه بشيء من الارتياح إزاء الاتفاق العام. ~~فإذا اختير عضو شرقي، لا بد أن يكون ذلك العضو هو الدكتور فيراسوامي، ~~وقد صار يداخله شك كبير تجاه الطبيب منذ الهروب المريب لنجا شوي أو ~~من السجن. # قال السيد ماكجريجور: «هل أعتبركم جميعا متفقين إذن؟ إذا كان ~~الأمر كذلك فسأخبر المفوض. إن لم يكن كذلك فلا بد أن نبدأ مناقشة ~~المرشح للعضوية.» # هنا نهض فلوري واقفا؛ إذ كان عليه أن يقول كلمته. شعر كأن قلبه قد ~~صعد إلى حلقه وبدأ يخنقه. كان واضحا مما قاله السيد ماكجريجور أن في ~~وسعه ضمان اختيار الطبيب بأن يقول كلمته. لكن يا له من أمر شديد الضجر ~~والإزعاج! يا للضجة اللعينة التي ستترتب على ذلك! كم تمنى لو أنه لم ~~يعد الطبيب بذلك قط! لكن لا جدوى، فقد وعده، ولا يمكنه أن يحنث ~~بوعده. منذ زمن قصير جدا كان سيحنث به، لكونه سيدا إنجليزيا ~~صالحا، وبأي سهولة! لكن ليس الآن. عليه أن يثابر حتى النهاية. وقف ~~مواربا حتى تكون وحمته مخفية عن الآخرين، وقد شعر مسبقا بأن صوته صار ~~رتيبا وشاعرا بالإثم. ~~«هل لدى صديقنا فلوري شيء ليقترحه؟» ~~«نعم. أقترح ms218 اختيار الدكتور فيراسوامي عضوا في هذا النادي.» # تصاعدت صيحة استياء شديدة من الثلاثة الآخرين، حتى إن السيد ~~ماكجريجور اضطر لأن يطرق على الطاولة بشدة ليذكرهم أن السيدات ~~كن في الحجرة المجاورة. لكن لم يلق إليس بالا ألبتة، وهب واقفا ~~مرة أخرى، وقد صار الجلد حول أنفه رماديا تماما. ظل هو وفلوري يواجه ~~كل منهما الآخر كأنهما على وشك الاشتباك بالأيدي. ~~«هلا سحبت ما قلته يا أيها الوضيع اللعين؟» ~~«لا، لن أسحبه.» ~~«أيها الخنزير القذر! يا فتى الزنوج المخنث! أيها الوغد اللعين، ~~الخبيث الدنيء.» # صاح ماكجريجور: «نظام!» # صاح إليس بعينين تكادان أن تذرفا الدموع: «انظر إليه، انظر إليه! ~~يخذلنا جميعنا من أجل زنجي أكرش! بعد كل ما قلناه له! في حين أننا لا ~~بد أن نتكاتف جميعا معا حتى نبعد زهمة الثوم عن هذا النادي إلى ~~الأبد. يا إلهي، ألا يجعلكم تجهرون بما يعتمل في صدوركم أن تروا شخصا ~~يتصرف مثل ذلك؟» # قال ويستفيلد: «تراجع يا عزيزي فلوري! لا تكن شديد الحماقة!» # قال السيد لاكرستين: «هذه بلشفية بحتة، سحقا!» ~~«هل تظنون أنني آبه لما تقولون؟ ما دخلكم بالأمر؟ القرار قرار ~~ماكجريجور.» # قال السيد ماكجريجور مغتما: «إذن هل أنت ... آه ... متمسك ~~بقرارك؟» ~~«نعم.» # تنهد السيد ماكجريجور وقال: «يا للأسف! حسنا، أعتقد أنني ليس ~~لدي خيار ...» # صاح إليس وهو يتوثب غضبا: «لا، لا، لا! لا ترضخ له! لنطرح الأمر ~~للتصويت. وإن لم يضع ذلك الوغد كرة سوداء مثلنا سنطرده هو نفسه من ~~النادي أولا، ثم ... حسنا! أيها الساقي!» # مثل الساقي وقال: «سيدي!» ~~«أحضر صندوق الاقتراع والكرات. انصرف الآن!» أضاف ذلك تقريبا في ~~نفس الوقت الذي امتثل فيه الساقي للأمر. # كان الهواء قد صار راكدا؛ فقد توقفت المروحة عن العمل لسبب ما. ~~وقف السيد ماكجريجور يبدو عليه الاستنكار لكن مع الاحتفاظ بسمت ~~الحكم ، فأخرج من صندوق الاقتراع درجي الكرات السوداء والكرات ~~البيضاء. ~~«لا بد أن نبدأ بالترتيب. يقترح السيد فلوري اختيار الدكتور ~~فيراسوامي، الجراح المدني، عضوا لهذا النادي. إنه مخطئ خطئا كبيرا ~~من وجهة ms219 نظري؛ لكن! قبل أن نطرح الأمر للتصويت.» # قال إليس: «لماذا الإطالة في الأمر؟ ها هي مشاركتي! ومشاركة أخرى عن ~~ماكسويل.» ألقى بكرتين سوداوين في الصندوق، ثم استحوذت عليه إحدى نوبات ~~غضبه المفاجئ، فأخذ درج الكرات البيضاء ورماها على الأرض، فطارت في ~~شتى الاتجاهات. «هيا! التقط واحدة إذا كنت تريد استخدامها!» ~~«أيها الأحمق اللعين! ماذا تظن جدوى ما تفعله؟» ~~«سيدي!» # توجسوا جميعا ونظروا حولهم. كان الغلام يحملق فيهم من فوق سور ~~الشرفة، بعد أن تسلق إليها من أسفل. تشبث بالسور بإحدى ذراعيه ~~النحيلتين وبالأخرى أشار تجاه النهر وهو يقول: ~~«سيدي! سيدي!» # تساءل ويستفيلد: «ما الأمر؟» # اتجهوا جميعا إلى النافذة. كان الزورق الذي رآه فلوري في النهر ~~موجودا عند الضفة عند نهاية الحديقة. وكان الرجل البورمي ذو العمامة ~~الخضراء يخرج منه. # قال إليس بصوت مختلف تماما: «هذا أحد حراس الغابات التابعين ~~لماكسويل! يا إلهي! لقد حدث شيء ما!» # رأى حارس الغابة السيد ماكجريجور فحياه متعجلا شارد الذهن ورجع ~~إلى الزورق. خرج وراءه أربعة رجال آخرون، فلاحون، وبمشقة حملوا إلى ~~البر اللفة الغريبة التي كان فلوري قد رآها من بعيد. كان طولها ست ~~أقدام، ملفوفة بقطع قماش مثل المومياء. شعر كل منهم بشيء في أعماق ~~نفسه. نظر حارس الغابة إلى الشرفة، فرأى أنه لا يوجد مطلع، فقاد ~~الفلاحين في الممشى إلى واجهة النادي. كانوا قد رفعوا اللفة على ~~أكتافهم مثل حملة النعش. كان الساقي قد هرع إلى حجرة الجلوس مرة ~~أخرى، وقد بهت وجهه هو الآخر - أي صار رماديا. # قال السيد ماكجريجور بحدة: «أيها الساقي!» ~~«سيدي!» ~~«اذهب سريعا وأغلق باب حجرة لعب الأوراق. وأبقها مغلقة. لا تدع ~~السيدات يشاهدن الأمر.» ~~«حسنا يا سيدي!» # عبر البورميون بحملهم الممر متثاقلين. حين دخلوا تعسر أولهم وكاد ~~يقع؛ إذ كان قد وطئ إحدى الكرات البيضاء المبعثرة على الأرض. جثا ~~البورميون، وأنزلوا حملهم على الأرض ووقفوا حوله يبدو عليهم تبجيل ~~غريب، منحنين قليلا، وقد ضم كل منهم كفيه معا. جلس ويستفيلد على ~~ركبتيه، وأزاح القماش. # قال لكن من ms220 دون دهشة كبيرة: «يا إلهي! فلتنظروا إليه! انظروا إلى ~~الصغير المسكين!» # كان السيد لاكرستين قد انسحب إلى الطرف الآخر من الحجرة، وهو يتفوه ~~بعبارات التذمر. كان الجميع منذ اللحظة التي وضعت فيها اللفة على ~~البر يعرفون ما الذي تحتوي عليه. كانت جثة ماكسويل، وقد تمزقت ~~أشلاء بسيوف اثنين من أقارب الرجل الذي كان قد أطلق عليه النار. # | الفصل الثاني والعشرون # أثار موت ماكسويل صدمة بالغة في كياوكتادا. وسوف يثير صدمة في جميع ~~أرجاء بورما، وسيظل الناس يتحدثون عن القضية - قضية كياوكتادا، هل ~~تتذكرونها؟ - لسنوات بعد نسيان اسم الشاب المسكين. إلا أنه لم يأس ~~عليه أحد بشكل شخصي بحت. فقد كان ماكسويل شخصا بلا أهمية - مجرد ~~«رفيق طيب» مثل أي واحد من سائر عشرة آلاف من الرفاق الطيبين بحكم ~~لونهم في بورما - من دون أصدقاء مقربين. لكن هذا لا يعني أنهم لم ~~يكونوا غاضبين. بل على النقيض، فقد كادت تثور ثائرتهم في ذلك الوقت. ~~فقد وقع ما لا يغتفر؛ لقد قتل رجل أبيض. وحين يحصل هذا، تسري رجفة في ~~أبدان الإنجليز في الشرق. قد يقتل ثمانمائة شخص سنويا في بورما؛ هم ~~بلا أهمية؛ أما مقتل رجل أبيض فهو فعل بشع وانتهاك للمقدسات. سوف ~~يؤخذ بثأر ماكسويل المسكين، كان هذا يقينا. لكن لم يذرف الدمع لوفاته ~~سوى خادم أو اثنان، وحارس الغابة الذي أحضر جثته والذي كان محبا ~~له. # من ناحية أخرى، كان من العجيب أن هناك من سره الأمر، ولم يكن هذا ~~سوى يو بو كين. # قال يو بو كين لما كين: «إنها هبة حقيقية من السماء! أنا نفسي ما ~~كنت لآتي ترتيبا أفضل من ذلك. ما كنت أحتاجه حتى يأخذوا التمرد الذي ~~خططت له على محمل الجد هو القليل من إراقة الدماء. وها قد حصل! ~~الحقيقة يا ما كين أنني كل يوم أزداد يقينا أن ثمة قوة عليا تعمل ~~لصالحي.» ~~«إنك مجرد من الحياء حقا يا كو بو كين! لا أدري كيف تجرؤ على ~~التفوه بمثل تلك الأشياء. ألا ترتعب ms221 من أن تحمل ذنب مقتل شخص؟» ~~«ماذا! أنا؟ ذنب مقتل شخص؟ ما الذي تتحدثين عنه؟ إنني لم أقتل حتى ~~دجاجة طيلة حياتي.» ~~«لكنك المستفيد من مقتل هذا الفتى التعيس.» ~~«أستفيد منه! سأستفيد منه بالتأكيد! قطعا، ولما لا؟ هل أنا المسئول ~~ما دام شخص آخر اختار أن يرتكب جريمة قتل؟ إن الصياد يصطاد السمك، ~~فيحكم عليه باللعنة على فعلته. لكن هل يحكم علينا نحن باللعنة لتناول ~~السمك؟ بالتأكيد لا. لماذا لا نأكل السمك ما دام ميتا؟ لا بد أن ~~تدرسي الأسفار بإمعان أكثر يا عزيزتي كين كين.» # أقيمت الجنازة في الصباح التالي، قبل الإفطار. كان الأوروبيون جميعا ~~حاضرين، ما عدا فيرال، الذي كان يعدو في الميدان كدأبه تماما، في ~~الجهة المقابلة تقريبا للجبانة. تلا السيد ماكجريجور مراسيم الجنازة، ~~ووقفت جماعة الرجال الإنجليز الصغيرة حول القبر، قبعاتهم في ~~أياديهم، يتصببون عرقا في بذلاتهم السوداء التي استخرجوها من أعماق ~~صناديقهم. راحت أشعة الصباح القاسية تضرب وجوههم من دون رحمة، وقد بدت ~~أكثر اصفرارا من ذي قبل على الملابس الرثة القبيحة. بدت كل الوجوه ~~متغضنة ما عدا وجه إليزابيث، وكان الدكتور فيراسوامي الطيب ونفر من ~~الشرقيين حاضرين، لكنهم نأوا بأنفسهم تأدبا في الخلفية. كان في ~~الجبانة الصغيرة ستة عشر شاهد قبر؛ لموظفي شركات أخشاب، ومسئولين، ~~وجنود قتلوا في اشتباكات منسية. ~~«تخليدا لذكرى جون هنري سباجنال، الذي كان يعمل في شرطة الهند ~~الإمبراطورية، والذي مات بالكوليرا أثناء عمله الدءوب من أجل ... ~~إلخ.» # كانت ذكريات فلوري عن سباجنال باهتة؛ إذ كان قد مات على نحو مفاجئ ~~جدا بعد إصابته بالهذيان الارتعاشي للمرة الثانية. في إحدى الزوايا ~~كانت قبور الأوروبيين الآسيوين، بصلبانها الخشبية. كسا كل شيء في ~~الجبانة نبات الياسمين المتسلق، بزهوره الصغيرة ذات القلب ~~البرتقالي. وبين الياسمين انتشرت جحور كبيرة للجرذان مؤدية إلى ~~القبور. # اختتم السيد ماكجريجور مراسيم الجنازة بصوت عميق وقور، وتقدم ~~الآخرين في الخروج من الجبانة، حاملا قبالة بطنه خوذته الرمادية، ~~المقابل الشرقي للقبعة العالية الخاصة بالمناسبات الرسمية. تلكأ ~~فلوري عند البوابة، آملا أن ms222 تتحدث إليزابيث إليه، لكنها مرت به دون ~~أن تنظر إليه. لقد نبذه الجميع ذلك الصباح. كان في موقف مخز؛ فحادثة ~~القتل جعلت ما ارتكبه من خيانة الليلة الماضية يبدو بشعا بشكل ما. ~~قبض إليس على ذراع ويستفيلد، وتوقفا بجوار المقبرة، حيث أخرجا علبتي ~~سجائرهما. وقد استطاع فلوري أن يسمع صوتيهما السوقيين عبر القبر ~~المفتوح. ~~«يا إلهي يا ويستفيلد، يا إلهي، كلما خطر لي ذلك ال... الصغير ~~المسكين وهو راقد ميتا. يا إلهي! كم يغلي دمي! لم أستطع النوم طوال ~~الليل، كنت مغتاظا للغاية.» ~~«أتفق معك أنه أمر شنيع للغاية. لكن لا تقلق، أعدك أن يعدم اثنان ~~لقاء ما حدث. قتيلان مقابل قتيل، سنفعل ما بوسعنا.» ~~«اثنان! لا بد أن يكونوا خمسين! لا بد أن نقيم الأرض ونقعدها حتى ~~يعدم هؤلاء الرجال. هل عرفتم أسماءهم؟» ~~«نعم، بالطبع! المنطقة اللعينة بأسرها تعرف من الجاني. إننا دائما ~~ما نعرف الجناة في هذه القضايا. المشكلة الوحيدة هي حمل أهل القرية ~~الملاعين على الكلام.» ~~«حسنا، فلتحملهم على الكلام هذه المرة بحق الرب. ولا تأبه للقانون ~~اللعين. أوسعهم ضربا حتى يعترفوا، عذبهم، افعل أي شيء. إذا احتجت ~~إلى رشوة أي شهود، فإنني على استعداد لإعطائك بعض المال.» # تنهد ويستفيلد وقال: «أخشى أننا لا نستطيع فعل مثل تلك الأشياء. ~~ليتنا نستطيع. يعرف رجالي كيف يرهبون الشاهد متى أمرتهم بذلك. بربطهم ~~بكثيب للنمل. بالفلفل الأحمر. لكن هذا لن ينفع الآن. لا بد أن نلتزم ~~بقوانيننا الغبية الملعونة. لكن لا تقلق، سوف يشنق أولئك الرجال بلا ~~شك. فلدينا كل الأدلة التي نحتاج إليها.» ~~«حسن! إذا لم تستطع إدانتهم، عند إلقاء القبض عليهم، أطلق عليهم ~~النار، أطلق عليهم النار حقا! ادع أنهم كانوا سيفرون أو شيء من ~~هذا القبيل. إن أي شيء أفضل من ترك أولئك الأوغاد طلقاء.» ~~«لا تخف، لن يصيروا طلقاء. سوف نقبض عليهم. سنقبض على شخص ما، على ~~أي حال. أن تعدم الشخص الخطأ أفضل كثيرا من ألا تعدم أحدا.» أردف ~~قوله هذا، في اقتباس غير واع. ms223 # قال إليس وهما يبتعدان عن القبر: «أحسنت قولا! لن أنام مستريح البال ~~ثانية حتى أراهم معلقين في المشنقة. رباه! هيا نبتعد عن هذه الشمس! ~~أكاد أموت من الظمأ.» # كان الكل يتعذب من العطش، نوعا ما، لكن لم يكن من تمام اللياقة أن ~~يذهبوا إلى النادي لاحتساء الشراب بعد الجنازة مباشرة. هكذا افترق ~~الأوروبيون إلى منازلهم، بينما راح عمال النظافة الأربعة بفئوسهم ~~يلقون بالتراب الرمادي الشبيه بالأسمنت في القبر مرة أخرى، وشكلوه ~~في ركام غير مستو. # بعد الإفطار، سار إليس إلى مكتبه، حاملا في يده خيزرانة، وقد اشتد ~~وهج الحر لدرجة تعمي العيون. كان إليس قد تحمم وغير ملابسه فارتدى ~~قميصا وسروالا قصيرا، فقد عاد إليه الطفح الجلدي بأبشع صوره ~~لارتدائه بذلة ثقيلة مع أنه كان لساعة فقط. أما ويستفيلد فكان قد خرج، ~~في زورقه البخاري، مع مفتش ونفر من الرجال، للقبض على القتلة. وكان ~~قد أمر فيرال بمصاحبته، ليس لأن وجود فيرال كان ضروريا، لكن لأنه ~~يحسن بذلك الوضيع الصغير أن يؤدي القليل من العمل، كما قال ~~ويستفيلد. # أخذ إليس يلوي كتفيه؛ فقد كاد الطفح الجلدي لديه يفوق قدرته على ~~الاحتمال. وكان الغضب يفور بداخله كأنه شراب الحنظل. كان قد ظل طوال ~~الليل يتفكر فيما حدث. لقد قتلوا رجلا أبيض، قتلوا رجلا أبيض، ~~الأراذل الملاعين، الخنازير السفلة الجبناء! الخنازير، الخنازير، كم ~~لا بد أن يعانوا على ما اقترفوه! لماذا وضعوا هذه القوانين ~~المتساهلة اللعينة؟ لماذا نرضخ لأي شيء؟ ماذا لو كان هذا قد حدث في ~~مستعمرة ألمانية، قبل الحرب! الألمان الرجال الأشداء! كانوا يعرفون كيف ~~يعاملون الزنوج. بالهجمات الانتقامية! وسياط من جلود الخرتيت! كانوا ~~يغيرون على قراهم، ويقتلون مواشيهم، ويحرقون محاصيلهم، ويبيدونهم، ~~ويقذفونهم من المدافع. # نظر إليس محدقا في شلالات الضوء الرهيبة المتدفقة من خلال الفجوات ~~في الأشجار. كانت عيناه الضاربتان للون الأخضر متسعتين ويملؤهما الحزن. ~~مر به رجل بورمي هادئ المحيا في منتصف العمر، حاملا خيزرانة ضخمة، ~~كان ينقلها من كتف إلى الآخر في امتعاض أثناء مروره بإليس. هنا ms224 أحكم ~~إليس قبضته على عصاه. ليت ذلك الخنزير يعتدي عليك، أو حتى يسبك، أي ~~شيء، حتى يكون لك الحق أن تضربه! ليت هؤلاء الأوغاد الرعاديد يبدون ~~استعدادا للقتال بأي طريقة ممكنة ولو مرة! بدلا من التسلل خلفك، ~~ملتزمين بالقانون حتى لا تتسنى لك الفرصة للانتقام منهم مطلقا. ليت ~~تمردا حقيقيا يقوم، فتعلن الأحكام العرفية من دون رحمة! جرت في ~~ذهنه صور دموية جميلة؛ أهل البلد وهم مكومون في تلال يصرخون ألما، ~~والجنود يذبحونهم، ويطلقون عليهم النيران، ويطئونهم بالخيل، فتدهس ~~حوافرها أمعاءهم حتى تخرج من أجسادهم، ويمزعون وجوههم إربا ~~بالسياط! # جاء على الطريق خمسة طلاب في المدرسة الثانوية يسيرون جنبا إلى جنب. ~~رآهم إليس قادمين، صف من الوجوه الصفراء الحاقدة، وجوه مخنثة، ~~ناعمة نعومة كريهة ونضرة، تبتسم له ابتسامة عريضة بصفاقة متعمدة. ~~أرادوا في قرارة أنفسهم أن يستفزوه، لكونه رجلا أبيض. من المرجح ~~أن يكونوا قد سمعوا بحادثة القتل، واعتبروها انتصارا، لكونهم وطنيين، ~~مثل كل طلبة المدارس. افترت ثغورهم عن ابتسامات عريضة في وجه إليس ~~أثناء مرورهم به. كانوا يحاولون إثارة غيظه صراحة، مدركين أن ~~القانون في صفهم. شعر إليس بصدره يعلو، فقد كان منظر وجوههم وهي تسخر ~~منه مثل صف من الصور الصفراء يثير الحنق، فتوقف عن السير ~~فجأة. ~~«مهلا! علام تضحكون يا أيها الرعاع الصغار؟» # التفت الصبية. ~~«قلت علام تضحكون بحق الجحيم؟» # رد أحد الصبية بوقاحة، لكن ربما جعلته لغته الإنجليزية الركيكة يبدو ~~أكثر وقاحة مما قصد. ~~«ليس من شأنك.» # مرت لحظة لم يدر إليس خلالها ما الذي كان يفعله. في تلك اللحظة شن ~~هجوما عنيفا بكل ما أوتي من قوة، فهوت العصا، طاخ، على عيني الصبي ~~مباشرة. ارتد الصبي صارخا، وفي نفس الآونة ألقى الأربعة الآخرون ~~بأنفسهم على إليس. لكنه كان أشد من أن يقدروا عليه؛ إذ أبعدهم عنه ~~ووثب متراجعا، وهو يضرب بعصاه بعنف شديد حتى إنه لم يجرؤ أحد منهم على ~~الاقتراب. ~~«الزموا أماكنكم أيها ال...! ابتعدوا وإلا أقسم بالله أن أصيب واحدا ~~آخر منكم!» رغم ms225 أنهم كانوا أربعة فقد كان هو مهيبا للغاية حتى إنهم ~~تدافعوا متراجعين في ذعر. أما الصبي الذي أصيب فقد خر على ركبتيه ~~مغطيا وجهه بذراعيه، وهو يصرخ: «لقد عميت! لقد عميت!» استدار الأربعة ~~الآخرون بغتة وانطلقوا نحو كومة من اللاتريت المستخدم في إصلاح الطرق، ~~كانت على بعد عشرين ياردة. ظهر أحد كتبة إليس في شرفة المكتب وراح ~~يتوثب في توتر. ~~«اصعد يا سيدي، اصعد في الحال. سوف يقتلونك!» # مع أن إليس كان يحتقر الفرار، فقد اتجه نحو سلم الشرفة. طارت في ~~الهواء كتلة من اللاتريت وتحطمت على العمود، فهرع الكاتب إلى الداخل. ~~أما إليس فظهر في الشرفة ليواجه الصبية، الذين كانوا في الأسفل، يحمل ~~كل منهم ملء يده لاتريت، وهو يقهقه من السعادة. # جعل يصيح فيهم من أعلى: «أيها الزنوج الصغار الأقذار الملاعين! لقد ~~تفاجأتم هذه المرة، أليس كذلك؟ اصعدوا هذه الشرفة وتعاركوا معي، أنتم ~~الأربعة! لا تجرءون. أربعة أمام واحد لكنكم لا تجرءون على المواجهة! ~~هل تحسبون أنفسكم رجالا؟ أيها الجرذان الصغار الوضعاء ~~الحقراء!» # ثم تحول إلى اللغة البورمية ناعتا إياهم بأبناء الخنازير ~~المسافحين. كانوا طوال ذلك الوقت يقذفونه بكتل من اللاتريت، بيد أن ~~أذرعهم كانت كليلة فلا يرمون بمهارة. وكان هو يتفادى الحجارة، وكلما ~~أخطأته واحدة قهقه انتصارا. بعد قليل تصاعدت صيحات آتية من أول ~~الطريق؛ إذ كان الصوت قد سمع في قسم الشرطة، فخرج بعض الكونستابلات ~~ليروا ما الأمر، وهنا ولى الصبية الفرار منطلقين، تاركين إليس ~~منتصرا تماما. # كان إليس قد استمتع بالعراك من كل قلبه، لكنه استشاط غضبا بمجرد ~~انتهائه، وكتب رسالة شديدة اللهجة إلى السيد ماكجريجور، أخبره فيها أنه ~~قد اعتدي عليه اعتداء همجيا وأنه يريد القصاص. وأرسل معها إلى ~~مكتب السيد ماكجريجور اثنين من الكتبة شهدا الواقعة، وساعيا، ~~ليؤكدوا صحة القصة. وقد كذبوا في انسجام تام. «هاجم الصبية السيد ~~إليس من دون أي استثارة على الإطلاق، وقد دافع عن نفسه ... إلخ.» لكن حتى ~~لا نظلم إليس، لا بد من القول بأنه ربما صدق أن ms226 هذه هي الرواية ~~الصحيحة للقصة. انزعج السيد ماكجريجور إلى حد ما، وأمر الشرطة ~~بالعثور على التلاميذ الأربعة واستجوابهم. إلا أن الصبية كانوا ~~متوقعين أن يقع شيء من هذا القبيل، فاحتجبوا بعيدا عن الأنظار؛ وقد ~~ظلت الشرطة تفتش البازار طوال اليوم دون أن تعثر عليهم. في المساء أخذ ~~الصبي المصاب إلى طبيب بورمي استطاع أن يعميه بأن دهن عينه اليسرى ~~بخليط سام من الأوراق المسحوقة. # التقى الأوروبيون في النادي كالمعتاد ذلك المساء، ما عدا ويستفيلد ~~وفيرال، اللذين لم يعودا بعد. كان الكل متكدر المزاج. كان وقوع ~~الهجوم غير المبرر على إليس (فقد كان ذلك هو الوصف المقبول له)، بعد ~~حادثة القتل مباشرة، مما أثار فزعهم بقدر ما أغضبهم. وجعلت السيدة ~~لاكرستين تردد نغمة: «سوف نقتل ونحن نائمون.» لكي يهدئ السيد ~~ماكجريجور من روعها أخبرها أن في حالات اندلاع التمرد دائما ما ~~تحبس السيدات الأوروبيات داخل السجن حتى ينتهي كل شيء؛ غير أنه لم ~~يبد أنها أطمأنت كثيرا لذلك. تعامل إليس مع فلوري بجفاء، وكادت ~~إليزابيث أن تتجاهله تمام التجاهل. كان قد جاء إلى النادي ولديه أمل ~~مجنون أن ينهي خلافهما، لكن سلوكها جعله في غاية من الحزن حتى إنه ظل ~~أغلب المساء متواريا في المكتبة. ظل الحال هكذا حتى الساعة الثامنة ~~حين تناول كل منهم عددا من المشروبات فصار الجو أكثر ألفة بعض الشيء، ~~وقال إليس: ~~«ما رأيكم لو أرسلنا بعض الغلمان إلى منازلنا حتى ترسل لنا وجبات ~~العشاء هنا؟ يمكننا أيضا أن نلعب بعض أدوار البريدج. أفضل من الخمول ~~في المنزل.» # السيدة لاكرستين التي كانت خائفة من العودة إلى المنزل، تلقفت ~~الاقتراح. كان الأوروبيون أحيانا ما يتناولون العشاء في النادي حين ~~يريدون السهر. استدعي اثنان من الغلمان، وحين أخبرا بما كان مطلوبا ~~منهما، انفجرا في البكاء في الحال. بدا أنه كان لديهما يقين أنهما إذا ~~صعدا طريق التل سيقابلان شبح ماكسويل. هكذا أرسل البستاني بدلا ~~منهما. حين مضى الرجل لاحظ فلوري أن القمر كان بدرا مرة أخرى؛ مضت ~~أربعة أسابيع ms227 بالتمام منذ ذلك المساء، الذي صار الآن بعيدا بعدا ~~تعجز الكلمات عن وصفه، حين قبل إليزابيث تحت شجرة الياسمين ~~الهندي. # كانوا قد جلسوا للتو إلى طاولة البريدج، وكانت السيدة لاكرستين قد ~~انسحبت لتوها من اللعب بسبب التوتر الشديد، حين أتاهم صوت ارتطام ~~قوي فوق السقف. فزع الكل ونظروا إلى الأعلى. # قال السيد ماكجريجور: «سقطت ثمرة جوز هند!» # قال إليس: «لا يوجد أي شجر جوز هند هنا.» # في اللحظة التالية وقعت أشياء متعددة في نفس الوقت. دوى صوت انفجار ~~آخر أعلى كثيرا من الأول؛ إذ سقط أحد المصابيح الجاز عن خطافه، ~~وتحطم على الأرض، قاب قوسين أو أدنى من السيد لاكرستين، الذي قفز ~~متحاشيا إياه وهو يصيح، فيما راحت السيدة لاكرستين تصرخ، وهرع الساقي ~~إلى الحجرة، عاري الرأس، وقد امتقع وجهه فصار بلون القهوة ~~الرديئة. ~~«سيدي، سيدي! جاء رجال أشرار! أتوا ليقتلونا جميعا يا ~~سيدي!» ~~«ماذا؟ رجال أشرار؟ ماذا تقصد؟» ~~«كل أهل القرية بالخارج يا سيدي! في أياديهم عصي كبيرة وسيوف، ~~وكلهم مهتاجون! سيذبحون رقاب السادة يا سيدي!» # تراجعت السيدة لاكرستين مرتمية على كرسيها، وظلت تطلق صرخات ~~عالية حتى إنها غطت على صوت الساقي. # قال إليس بحدة، ملتفتا إليها: «فلتلزمي الصمت! أنصتوا جميعا! ~~أنصتوا لذلك الصوت!» # تصاعد من الخارج صوت همهمات عميق خطير، مثل دمدمة عملاق غاضب. حين ~~سمعه السيد ماكجريجور، الذي كان قد وقف، تسمر وثبت نظارته على ~~أنفه كمن يتأهب للعراك. ~~«هذا نوع من الشغب! التقط المصباح أيها الساقي. انتبهي إلى زوجة ~~عمك يا آنسة لاكرستين. تأكدي إذا كانت قد أصيبت. وليأت بقيتكم ~~معي!» # توجهوا جميعا إلى الباب الأمامي، الذي كان قد أغلقه أحد الأشخاص، ~~غالبا الساقي. كان وابل من الحصى الصغير يقع عليه محدثا ضجة مثل ~~سقوط البرد. وقد ثبط الصوت السيد لاكرستين عن عزمه فتراجع وراء ~~الآخرين. # وقال: «اللعنة، فليتربس أحدكم الباب اللعين!» # قال السيد ماكجريجور: «لا، لا! لا بد أن نخرج. من المهلك ألا ~~نواجههم!» # فتح الباب وقدم نفسه لهم بجسارة من أعلى السلم. كان في ms228 الممشى نحو ~~عشرين بورميا، في أياديهم إما سيوف وإما عصي. وخارج السور، على ~~امتداد الطريق في الجهتين وحتى الميدان كان حشد ضخم من الناس. كان ~~كأنه بحر من الناس، ألفان على الأقل، جعله ضوء القمر يبدو أبيض في ~~أسود، وقد لمعت في مواضع شتى منه سيوف معقوفة. وقف إليس بهدوء بجانب ~~السيد ماكجريجور، واضعا يديه في جيوبه. أما السيد لاكرستين فقد ~~اختفى. # رفع السيد ماكجريجور يده إيذانا بالصمت. ثم صاح بصرامة وقال: «ما ~~الهدف من هذا؟» # تصاعدت صيحات، وطارت من على الطريق كتل من اللاتريت بحجم كرات ~~الكريكيت، لكنها لم تصب أحدا لحسن الحظ. استدار أحد الرجال الذين على ~~الطريق ولوح بذراعه للآخرين، هاتفا ألا يبدءوا القذف بعد. ثم تقدم ~~لمخاطبة الأوروبيين. كان رجلا متين البنيان طلق المحيا في نحو ~~الثلاثين من العمر، ذا شارب مقوس لأسفل، يرتدي قميصا تحتانيا، ~~وإزارا مثنيا حتى ركبتيه. # قال السيد ماكجريجور مرة أخرى: «ما القصد من هذا؟» # تحدث الرجل بابتسامة مبشرة، وأسلوب ليس بالغ الوقاحة. ~~«لم نأت لنتشاجر معك يا سيدي. لقد جئنا من أجل تاجر الأخشاب، إليس.» ~~(نطقه إليت) «فالصبي الذي ضربه هذا الصباح فقد بصره. لا بد أن ~~ترسل إلينا إليت، حتى نستطيع أن نعاقبه. أما بقيتكم فلن يمسكم ~~أذى.» # قال إليس من فوق كتفه لفلوري: «فلتتذكر وجه ذلك الشخص. سنحبسه سبع ~~سنوات على ذلك لاحقا.» # امتقع السيد ماكجريجور فصار قرمزيا تماما لبرهة من الوقت؛ كان ~~سخطه بالغا حتى كاد يختنق به. ظل بضع لحظات لا يقوى على الكلام، ~~وحين تكلم تكلم بالإنجليزية. ~~«من تظن نفسك مخاطبا؟ لم أسمع طوال عشرين عاما وقاحة هكذا! ~~اذهبوا في الحال وإلا استدعيت الشرطة العسكرية!» ~~«من الأفضل أن تسرع أيها السيد. نعلم أنه لا يوجد عدالة لنا في ~~محاكمكم، لذلك لا بد أن نعاقب إليت بأنفسنا. أرسله إلينا هنا. وإلا ~~جعلناكم جميعا تبكون على ذلك.» # قام السيد ماكجريجور بحركة عصبية بقبضته، كأنه يدق مسمار، وهتف، ~~متلفظا بأول سباب له منذ عدة سنوات: «اذهب يا ابن الكلب!» ms229 # تعالى هدير مدو من الطريق، وانهمرت الحجارة بغزارة، حتى أصابت ~~الكل، وفيهم البورميون الواقفون في الممشى. أصابت إحدى الأحجار السيد ~~ماكجريجور مباشرة، حتى إنها كادت توقعه. فر الأوروبيون إلى الداخل ~~سريعا وأوصدوا الباب. تهشمت نظارة السيد ماكجريجور وتدفق الدم من ~~أنفه. حين عادوا إلى قاعة الجلوس وجدوا السيدة لاكرستين متشنجة على ~~إحدى الأرائك مثل حية في حالة هيستيرية، والسيد لاكرستين واقفا في ~~حيرة في وسط الحجرة، حاملا زجاجة فارغة، والساقي جاثيا في الزاوية، ~~يؤدي علامة الصليب (فقد كان روميا كاثوليكيا)، والغلمان يبكون، ~~وإليزابيث وحدها هادئة، مع أنها كانت شاحبة جدا. # هتفت حين رأتهم قائلة: «ماذا حدث؟» # فقال إليس بغضب، وهو يتحسس قفاه حيث أصابه أحد الأحجار: «إننا في ~~مأزق، هذا ما حدث! البورميون يحيطون بنا من كل ناحية، يقذفوننا ~~بالصخور. لكن الزموا الهدوء! فليس لديهم الشجاعة لاختراق ~~الأبواب.» # قال السيد ماكجريجور بألفاظ غير واضحة؛ لأنه كان يوقف نزيف أنفه ~~بمنديله: «استدع الشرطة في الحال!» # قال إليس: «غير ممكن! لقد نظرت في الأنحاء حين كنت تتحدث إليهم. لقد ~~حاصرونا، محق الله أرواحهم اللعينة! لا يمكن لأحد أن يصل إلى صفوف ~~الشرطة على الإطلاق. مقر فيراسوامي مليء بالرجال.» ~~«لا بد أن ننتظر إذن. يمكننا أن نأمل أن يدبروا من تلقاء ~~أنفسهم. فلتهدئي يا عزيزتي السيدة لاكرستين. أرجوكي أن تتمالكي ~~أعصابك! الخطر هين جدا.» # لم يبد الخطر هينا، فلم يعد الضجيج يتوقف، وبدا أن البورميين ~~كانوا يتوافدون على المجمع بالمئات. وعلا الصخب بغتة حتى لم يعد من ~~الممكن سماع صوت أحد إلا بالصياح. أغلقت كل النوافذ التي في قاعة ~~الجلوس، ووضعت بعض المصاريع الزنك الداخلية ذات الثقوب، التي كانت ~~تستخدم أحيانا لإبعاد الحشرات، وأوصدت. توالت سلسلة من أصوات ~~التكسير؛ إذ تحطمت النوافذ، ثم انهالت الحجارة بلا توقف من جميع ~~النواحي، فرجت الجدران الخشبية الرفيعة وبدا من المرجح أن تكون قد ~~تصدعت. فتح إليس أحد المصاريع ورمى زجاجة بعنف على الحشد، لكن اندفع ~~ساعتها عشرة أحجار فاضطر أن يغلق المصراع سريعا. بدا أن البورميين ms230 ~~لم يكن لديهم خطة سوى رمي الحجارة والهتاف والطرق على الجدران، لكن حجم ~~الضوضاء وحده كان مثيرا للأعصاب. وقد أصاب الأوروبيين شيء من الذهول ~~في البداية. لكن لم يفكر أي منهم في إلقاء اللوم على إليس، المسئول ~~الوحيد عن هذا الأمر؛ فقد بدا بالطبع أن الخطر الذي تهددهم جميعا قد ~~قارب بينهم لبعض الوقت. وقف في وسط الحجرة السيد ماكجريجور، الذي كان ~~في عمى جزئي من دون نظارته، في حيرة من أمره، تاركا يده اليمنى ~~للسيدة لاكرستين، التي أخذت تمسدها، بينما تشبث أحد الغلمان باكيا ~~بساقه اليسرى. أما السيد لاكرستين فقد اختفى مرة أخرى. وراح إليس يذرع ~~الحجرة جيئة وذهابا وهو يدبدب بقدميه، ثم لوح بقبضته في اتجاه ~~صفوف الشرطة. # وصاح غير آبه لوجود نساء: «أين الشرطة، أولئك الأراذل الجبناء ~~الملعونون؟ لماذا لم يظهروا؟ يا إلهي، لن تواتينا فرصة أخرى كهذه ولو ~~بعد مائة عام! لو كان لدينا عشر بنادق فقط هنا، لكنا استطعنا أن نفتك ~~بأولئك الأوغاد!» # أجابه السيد ماكجريجور هاتفا: «سيأتون في الحال! اختراق ذلك الحشد ~~سيستغرق بضع دقائق.» ~~«لماذا لا يستخدمون بنادقهم مع أولئك الأوغاد الوضعاء؟ فبإمكانهم ~~إرداؤهم في أكوام من الجثث إذا فتحوا عليهم النار فحسب. يا إلهي، كيف ~~يضيعون فرصة كهذه!» # اخترقت كتلة من الصخور أحد المصاريع الزنك، وتبعتها أخرى من خلال ~~الثقب الذي أحدثته، وحطمت إحدى صور «الجرو بونزو»، وارتدت، فجرحت ~~مرفق إليزابيث، ثم سقطت أخيرا على الطاولة. تعالت صيحة انتصار من ~~الخارج، ثم تلتها سلسلة خبطات شديدة على السطح؛ إذ كان بعض الأطفال قد ~~تسلقوا الأشجار وأخذوا يلهون بالتزحلق على السطح على مؤخراتهم. ~~وعندئذ تفوقت السيدة لاكرستين على نفسها بأن أتت صرخة طغت على ~~الجلبة التي بالخارج بمنتهى البساطة. # صاح إليس: «فليكتم أحدكم صوت تلك الشمطاء الكريهة! يظن السامع أن ~~ثمة خنزير يقتل. لا بد أن نفعل شيئا. تعال يا فلوري أنت وماكجريجور. ~~فليفكر أحد في مخرج من هذا المأزق!» # على حين غرة خارت أعصاب إليزابيث وأجهشت بالبكاء؛ إذ كانت قد جرحت ~~حين ms231 أصابها الحجر. وقد دهش فلوري حين وجدها وقد تشبثت بذراعه بشدة، ~~وهو ما جعل قلبه يتوثب حتى في تلك اللحظة. كان قد ظل يشاهد الموقف ~~بشبه لا مبالاة، مرتبكا من الجلبة دون شك، لكن من دون خوف بالغ؛ إذ ~~طالما وجد صعوبة في الاعتقاد بأن الشرقيين قد يكونون مؤذين بحق. ولم ~~يدرك خطورة الموقف إلا حين شعر بيد إليزابيث على ذراعه. ~~«أرجوك يا سيد فلوري، فلتفكر في شيء أرجوك! فإنك تستطيع، إنك ~~تستطيع! افعل أي شيء قبل أن يتمكن أولئك الرجال المريعون من الدخول ~~إلى هنا!» # قال السيد ماكجريجور بامتعاض: «ليت بإمكان واحد منا الوصول إلى صفوف ~~الشرطة! ضابط بريطاني ليقتادهم بعيدا! لا بد أن أحاول وأذهب بنفسي في ~~أسوأ الأحوال.» # صاح إليس: «لا تكن مغفلا! لن ينوبك سوى الذبح! سوف أذهب إذا أوشكوا ~~على الاقتحام بحق. آه من أن يقتلني خنزير مثل أولئك! كم يثير ذلك ~~حنقي! كم يثير حنقي أنه كان بإمكاننا قتل الحشد اللعين بأسره لو كان ~~باستطاعتنا أن نأتي بالشرطة هنا!» # صاح فلوري يائسا: «ألا يستطيع أحد السير بمحاذاة ضفة النهر؟» ~~«لا جدوى! المئات منهم يجوسون الأنحاء. لقد تقطعت بنا السبل؛ ~~البورميون من ثلاث جهات والنهر من جهة!» ~~«النهر!» # انبثقت في ذهن فلوري واحدة من تلك الأفكار المدهشة التي يتجاهلها ~~المرء فقط لكونها بديهية جدا. ~~«النهر! بالطبع! يمكننا أن نصل إلى صفوف الشرطة بمنتهى السهولة. هل ~~تعلمون ذلك؟» ~~«كيف؟» ~~«عن طريق النهر، في الماء! بالسباحة!» # هتف إليس: «أحسنت يا رجل!» وخبطه على كتفه. واعتصرت إليزابيث ذراعه ~~وكادت ترقص تهللا. صاح إليس: «سأذهب إذا أردت!» لكن فلوري هز رأسه، ~~وكان قد شرع يخلع حذاءه. كان جليا أنه لم يعد هناك وقت ليضيعوه؛ ~~فقد ظل البورميون يتصرفون مثل الحمقى حتى ذلك الوقت، لكن لا أحد يعلم ~~ماذا قد يحدث إذا تمكنوا من اقتحام النادي. استعد الساقي الذي كان ~~قد تغلب على ذعره الأول، وفتح النافذة المؤدية إلى الحديقة، وألقى نظرة ~~سريعة في الخارج وقد تنحى جانبا. كان عدد ms232 البورميين في الحديقة ~~بالكاد عشرين. فقد تركوا خلفية النادي دون حراسة، مفترضين أن النهر ~~سيقطع خط الرجعة. # صاح إليس في أذن فلوري: «انطلق في الحديقة بأسرع ما يمكن! سوف ~~يتفرقون بلا شك حين يرونك.» # وصاح السيد ماكجريجور من الناحية الأخرى: «مر الشرطة بأن تفتح ~~النيران في الحال! لديك تفويض مني بذلك.» ~~«واطلب منهم أن يصوبوا على أهداف منخفضة! لا أن يطلقوا النار في ~~الهواء. وإنما يصيبون ليقتلوا. في الأمعاء مثلا.» # قفز فلوري من الشرفة، فتألمت قدماه من الأرض الصلبة، وبعد ست خطوات ~~كان لدى ضفة النهر. وقد حدث ما قاله إليس له؛ إذ تراجع البورميون عند ~~رؤيته وهو يهبط قافزا. تبعته عدة أحجار، لكن لم يذهب في أثره أحد، لا ~~ريب أنهم اعتقدوا أنه كان يحاول الفرار فقط، كما أنهم استطاعوا أن يروا ~~في ضوء القمر الساطع أنه ليس إليس. خلال لحظة أخرى كان قد شق طريقه ~~خلال الشجيرات وصار في الماء. # غاص فلوري عميقا فتلقفه القاع المخيف للنهر، وابتلعه حتى ركبتيه ~~حتى إنه لم يستطع أن يحرر نفسه قبل عدة ثوان. حين عاد إلى السطح ~~تجمع حول شفتيه زبد فاتر، مثل الرغوة التي تتجمع على الجعة، ودخل ~~حلقه شيء إسفنجي وراح يخنقه. كان ذلك عود أحد نباتات زنبق الماء. ~~استطاع أن يبصقه، ثم وجد أن التيار السريع كان قد جرفه عشرين ياردة ~~بالفعل. كان البورميون يجرون بلا هدف نوعا ما في أنحاء الضفة، وهم ~~يتصايحون. لم يستطع فلوري، وعيناه في مستوى الماء، أن يرى الحشد وهم ~~يحاصرون النادي لكنه استطاع أن يسمع هديرهم العميق الخبيث، الذي بدا ~~أعلى حتى مما كان على الشاطئ. بحلول الوقت الذي صار فيه أمام خطوط ~~الشرطة العسكرية بدت الضفة شبه خاوية من الرجال. تمكن من انتزاع نفسه ~~بمشقة من التيار والخوض متعثرا في الوحل الذي ابتلع جوربه الأيسر. ~~على بعد مسافة قصيرة من الشاطئ كان ثمة رجلان عجوزان جالسان بجانب ~~سور، يشحذان أعمدته، كأن ليس هناك شغب على بعد مائة ميل منهما. زحف ~~فلوري ms233 إلى البر، وتسلق السور وركض متثاقلا عبر ساحة العروض العسكرية ~~البيضاء بلون القمر، وقد تهدل سرواله المبتل. بقدر ما أتاحت له ~~الضوضاء أدرك أن الصفوف كانت خاوية تماما. كانت خيول فيرال تتقافز في ~~ذعر في بعض المرابط على اليمين. فخرج فلوري إلى الطريق ركضا، ورأى ما ~~حدث. # كان جهاز الشرطة بأسره، العسكرية والمدنية، نحو مائة وخمسين رجلا ~~في المجمل، قد هاجم الحشد من الوراء، متسلحين بالعصي فقط. كانوا ~~محاصرين تماما. فقد كان الحشد كثيفا للغاية حتى إنه بدا مثل سرب ~~هائل من النحل يمور ويدور. كان يبدو للعيان في كل مكان رجال الشرطة وهم ~~محشورون بلا حول ولا قوة بين جحافل البورميين، يقاومون بحدة لكن بلا ~~جدوى، وقد ضاق عليهم الخناق ضيقا حتى استعصى عليهم استخدام عصيهم. ~~تشابكت جماعات كاملة من الرجال مثل تمثال لاوكون وأبنائه بالعمامات ~~المفكوكة. تعالت أصوات السباب بثلاث أو أربع لغات، وسحب من الغبار، ~~وروائح العرق وزهور القطيفة الخانقة، لكن بدا أنه لم يصب أحد إصابة ~~بالغة. لم يستخدم البورميون سيوفهم خوفا من استفزاز الإنجليز لإطلاق ~~النار من بنادقهم. شق فلوري طريقه في الزحام فابتلعه في الحال مثل ~~الآخرين. اكتنفه بحر من الأجساد وراح يتقاذفه من ناحية لأخرى، وهو يخبط ~~ضلوعه ويخنقه برائحته الحيوانية. ظل يقاوم حتى يتقدم يساوره شعور يشبه ~~الحلم؛ إذ كان الموقف في غاية من الغرابة والخيال. كان الشغب بأسره ~~سخيفا من البداية، والأسخف أن البورميين، الذين قد يقتلونه، لم يعلموا ~~ماذا يفعلون به الآن وهو بينهم. هتف بعضهم بالسباب في وجهه، ودفعه ~~البعض الآخر وداسوا على قدميه، بل وحاول البعض أن يفسح له الطريق، ~~لكونه رجلا أبيض. ظل وقتا طويلا جدا عالقا في الزحام، عاجزا، ~~وقد التصق ذراعاه بجانبيه، حتى وجد نفسه يصارع رجلا بورميا قصيرا ~~وبدينا أشد منه بأسا بكثير ، ثم اصطدم به عشرة رجال مثل الموجة ~~وتوغلوا به أكثر في قلب الجموع. شعر فجأة بألم ممض في إصبع قدمه ~~اليمنى الكبير؛ إذ كان قد وطئه شخص يرتدي حذاء برقبة. كان ms234 ضابطا ~~هنديا في الشرطة العسكرية، من الأمراء، بدين جدا، بشارب، وبلا ~~عمامة. كان قابضا على عنق أحد البورميين ويحاول ضرب وجهه، فيما ~~انهمر العرق من رأسه العاري الحليق. ألقى فلوري بذراعه حول عنق الضابط ~~الهندي واستطاع أن ينتزعه من خصمه وصاح في أذنه، لكن تاهت منه اللغة ~~الأردية، فصاح بالبورمية وقال: ~~«لماذا لم تطلقوا النار؟» # ظل وقتا طويلا غير قادر على سماع رد الرجل. ثم سمعه: ~~«لم أتلق أوامر بذلك!» ~~«أحمق!» # في هذه اللحظة اصطدم بهما جمع آخر من الرجال، وظلا للحظة أو لحظتين ~~متسمرين في مكانيهما وغير قادرين على الحركة مطلقا. أدرك فلوري أن ~~الضابط كان لديه صفارة في جيبه وكان يحاول الوصول إليها. وأخيرا ~~انتزعها وأطلق بها عدة صفارات حادة، لكن لم يكن ثمة أمل في حشد أي ~~رجال حتى يستطيعوا الوصول إلى مكان خال. كان الخروج من التجمهر عملا ~~مخيفا، أشبه بالخوض حتى عنقك في بحر دبق. في بعض الأحيان كان يسيطر ~~الإنهاك على أطراف فلوري حتى إنه كان يقف بلا حراك، تاركا الجموع ~~توقفه بل وتدفعه إلى الوراء. أخيرا وجد نفسه وقد اندفع خارج الحشد، ~~بفعل التدافع العادي للناس أكثر من جهده هو. كان الضابط قد خرج هو ~~الآخر، وعشرة أو خمسة عشر جنديا، ومفتش شرطة بورمي. جلس أغلب الجنود ~~مقرفصين يكادون يسقطون من التعب، وقد صاروا يعرجون بعد أن وطئت ~~أقدامهم. ~~«هيا، انهضوا! اركضوا بأسرع ما يمكن إلى موقعكم! وليأت كل منكم ببعض ~~البنادق ومشط ذخيرة.» # كان أكثر إرهاقا من أن يتحدث بالبورمية، لكن فهمه الرجال وعرجوا ~~بخطوات ثقيلة في اتجاه موقع الشرطة. وتبعهم فلوري، ليبتعد عن الحشود ~~قبل أن يهاجموه مرة أخرى. حين وصل إلى البوابة كان الجنود قد رجعوا ~~ببنادقهم ويتأهبون بالفعل لإطلاق النار. # قال الضابط الهندي وهو يلهث: «سيعطينا السيد الأمر !» # هتف فلوري بالمفتش قائلا: «أنت! هل تتحدث الهندوستانية؟» ~~«أجل يا سيدي.» ~~«فلتخبرهم إذن أن يطلقوا النار عاليا، فوق رءوس الناس مباشرة. ~~والأهم من ذلك أن يطلقوا النار جميعا معا. اجعلهم يفهمون ms235 ~~ذلك.» # تولى المفتش البدين الذي كانت لغته الهندوستانية أسوأ حتى من ~~فلوري، شرح المطلوب، شرحا أغلبه قفز وإيماءات. رفع الجنود بنادقهم، ~~ثم دوى هدير، تردد صداه على جانب التل. اعتقد فلوري من أول وهلة أن ~~أمره قد أغفل؛ إذ سقط القسم الأقرب إليهم من الحشد بالكامل مثل كوم ~~من القش. إلا أنهم كانوا هم من طرحوا أنفسهم أرضا مذعورين. أطلق ~~الجنود وابلا ثانيا من الرصاص، لكن لم يكن ثمة حاجة إليه. فقد كان ~~الحشد قد شرع يتدفق بعيدا عن النادي مثل نهر يغير مساره. تدافع ~~الناس على الطريق، حيث وجدوا الرجال المسلحين معترضين سبيلهم، فحاولوا ~~التراجع، وهنا نشأت معركة جديدة بين من في المقدمة ومن في الخلف؛ في ~~النهاية نفر الحشد بأكمله إلى الخارج وجعلوا يتدفقون على مهل في ~~الميدان. تحرك فلوري والجنود بتمهل في اتجاه النادي في أثر الحشد ~~المتراجع. تخلف رجال الشرطة، الذين كانوا محاصرين، فرادى وأزواجا. ~~كانت عمائمهم قد اختفت وقلاشينهم مجرجرة ورائهم على بعد ياردات، لكن لم ~~يصبهم أذى أخطر من الرضوض. وراح رجال الشرطة المدنية يسحبون عددا ~~قليلا جدا من المسجونين. حين وصلوا إلى مجمع النادي كان البورميون ~~لا يزالون يتدفقون منه، طابور لا ينتهي من الرجال يقفزون برشاقة من ~~خلال فجوة في السور مثل موكب من الغزلان. بدا لفلوري أن الظلام اشتدت ~~حلكته. خلص شخص ضئيل في لباس أبيض نفسه من ذيل الحشد وسقط منهكا بين ~~ذراعي فلوري. كان ذلك هو الدكتور فيراسوامي، وقد تمزقت رابطة عنقه مع ~~أن نظارته ظلت سليمة بمعجزة. ~~«دكتور!» ~~«آه يا صديقي! آه، كم أنا منهك!» ~~«ماذا تفعل هنا؟ هل كنت في قلب ذلك الحشد؟» ~~«كنت أحاول ردعهم يا صديقي. لكن كان دون جدوى حتى جئت أنت. لكن على ~~الأقل هناك من الرجال من يحمل أثر هذه على ما أعتقد.» # ومد قبضته الصغيرة لفلوري ليرى مفاصل أصابعه وقد أصيبت. لكن الظلام ~~كان دامسا بالطبع. في نفس الآونة سمع فلوري صوتا أخنف وراءه. ~~«حسنا يا سيد فلوري، لقد انتهى الأمر ms236 تماما الآن! مجرد زوبعة في ~~فنجان كالعادة. أنا وأنت معا تكاثرنا عليهم. ها، ها!» # كان هذا يو بو كين. ذهب نحوهما وقد بدت عليه أمارات المحارب، حاملا ~~هراوة ضخمة، وواضعا مسدسا في حزامه. كان يرتدي لباسا منزليا عن ~~عمد - قميص داخلي وسروال فضفاض - ليعطي الانطباع أنه كان قد هرع من ~~منزله بأقصى سرعة. وهو الذي ظل مختبئا حتى زال الخطر، ثم تقدم مسرعا ~~لاغتنام أي نصيب ممكن من الفضل. # قال متحمسا: «يا له من عمل رائع يا سيدي! انظر كيف يصعدون جانب ~~التل هاربين! لقد دحرناهم على أكمل وجه.» # نهج الطبيب وهو يقول ساخطا: «دحرناهم!» ~~«مهلا عزيزي الدكتور! لم ألحظ أنك كنت هنا. أمن المعقول أنك كنت ~~موجودا أثناء الشجار أيضا؟ أنت تخاطر بحياتك الغالية جدا! من كان ~~يصدق شيئا كهذا؟» # قال فلوري بغضب: «أنت نفسك جئت متأخرا!» ~~«حسنا، حسنا يا سيدي، يكفي أننا فرقناهم، وإن كانوا ...» أردف بقليل ~~من التشفي؛ إذ كان قد لاحظ نبرة فلوري «متجهين صوب منازل الأوروبيين، ~~كما ستلاحظ. أعتقد أنه قد يخطر لهم أن يقوموا بالقليل من أعمال النهب ~~في طريقهم.» # إن الرجل لوقح وقاحة جديرة بالإعجاب. دس يو بو كين هراوته ~~الكبيرة أسفل ذراعه وسار بجانب فلوري بأسلوب شبه متعال، بينما تخلف ~~عنهما الطبيب، وقد تملكه الحرج على رغمه. توقف الرجال الثلاثة عند ~~بوابة النادي. كان الظلام آنذاك حالكا فوق العادة، والقمر مختفيا. ~~على ارتفاع منخفض انسابت غيوم سوداء، بالكاد مرئية، في اتجاه الشرق ~~مثل قطيع من كلاب الصيد. وهبت ريح، تكاد تكون باردة، على جانب التل ~~وكسحت سحابة من الغبار وبخار الماء الخفيف أمامها. وفجأة فاحت رائحة ~~رطوبة قوية للغاية. تسارعت الريح، واهتزت الأشجار، ثم بدأ بعضها ~~يصطدم ببعض بشدة، وأطلقت شجرة الياسمين الهندي سحابة من البراعم ~~بالكاد مرئية. استدار الرجال الثلاثة وهرعوا بحثا عن ملجأ، فذهب ~~الشرقيان إلى منزليهما، وذهب فلوري إلى النادي. إذ كانت السماء قد بدأت ~~تمطر. # | الفصل الثالث والعشرون # في اليوم التالي كانت البلدة أهدأ من مدن الكاتدرائيات في ms237 صباح يوم ~~الإثنين. دائما ما يكون الحال كذلك بعد اندلاع شغب. باستثناء بضعة ~~مساجين، كان كل شخص مشكوك في ضلوعه في الهجوم على النادي لديه حجة ~~غياب قوية. بدت حديقة النادي كأنما اندفع فيها قطيع من ثيران البيسون، ~~لكن البيوت لم تنهب، ولم يكن ثمة إصابات جديدة بين الأوروبيين، ~~باستثناء أنه قد عثر على السيد لاكرستين بعد انتهاء كل شيء في حالة ~~سكر شديد أسفل طاولة البلياردو؛ حيث أوى مع زجاجة ويسكي. جاء ويستفيلد ~~وفيرال في الصباح الباكر، معهما قاتلا ماكسويل قيد الاعتقال؛ أو ~~بالأحرى معهما شخصان سيعدمان سريعا على جريمة قتل ماكسويل. حين سمع ~~ويستفيلد بخبر الشغب، أصابه غم لكنه سلم بالأمر؛ فقد تكرر الأمر، ~~وقع شغب حقيقي، ولم يكن موجودا ليقمعه! بدا أنه قدره ألا يقتل أحدا ~~أبدا. شيء محبط للغاية. كان تعليق فيرال الوحيد على الأمر أنها كانت ~~«وقاحة شديدة» من جانب فلوري (وهو مدني) أن يعطي أوامر للشرطة ~~العسكرية. # في الوقت ذاته، كانت الأمطار تنهمر بلا توقف. بمجرد أن استيقظ فلوري ~~وسمع دبدبة المطر على السطح ارتدى ملابسه وهرع إلى الخارج، تتبعه فلو. ~~وبعيدا عن مرأى المنازل خلع ملابسه وترك المطر ينضح جسده العاري. فوجئ ~~حين وجد جسده مغطى بالكدمات من الليلة الفائتة؛ بيد أن المطر أزال في ~~بحر ثلاث دقائق كل أثر لطفحه الجلدي. إن لماء الأمطار قوى علاجية ~~رائعة. سار فلوري إلى منزل الدكتور فيراسوامي، يأتي من حذائه صوت طرطشة ~~وتسيل على عنقه من آن لآخر دفقات ماء من حافة قبعته العريضة. كانت ~~السماء رمادية، وراحت عواصف دوارة لا حصر لها تطارد كل منها الأخرى ~~في أنحاء الميدان مثل كتائب الخيالة. مر به بورميون يرتدون قبعات ~~خشبية ضخمة لكن رغم ذلك فقد تدفق الماء من أجسادهم مثل تماثيل الآلهة ~~البرونزية القائمة في فساقي . وكانت هناك شبكة من الجداول التي راحت ~~تجلي أحجار الطريق. كان الطبيب قد عاد إلى المنزل لتوه حين وصل ~~فلوري، وأخذ ينفض مظلته المبتلة من على سور الشرفة. وقد حيا فلوري ms238 ~~متحمسا وقال: ~~«اصعد يا سيد فلوري، اصعد في الحال! لقد جئت في الوقت المناسب. كنت ~~على وشك أن أفتح زجاجة أولد تومي جين. اصعد حتى نشرب نخبك، بصفتك منقذ ~~كياوكتادا!» # استغرقا في حديث طويل معا. كان الطبيب يداخله شعور المنتصر؛ فقد ~~اتضح أن ما قد جرى الليلة السابقة قد حل مشكلاته بشبه معجزة. إذ أحبطت ~~مؤامرات يو بو كين؛ ولم يعد الطبيب تحت رحمته، بل صار العكس. أخذ ~~الطبيب يشرح لفلوري قائلا: ~~«الأمر وما فيه يا صديقي أن هذا الشغب - أو بالأحرى تصرفك النبيل ~~للغاية فيه - كان خارج تخطيط يو بو كين. كان قد أثار التمرد المزعوم ~~وفاز بمجد الإطاحة به، وظن أن أي تمرد آخر سيضيف له المزيد من المجد. ~~لقد بلغني أن فرحته حين سمع بمقتل ماكسويل، كانت حقا ...» - ضم الطبيب ~~سبابته وإبهامه معا - «ما الكلمة التي في بالي؟» ~~«فاضحة؟» ~~«نعم؛ فاضحة. يقال إنه كاد يرقص فعلا - هل تتخيل منظرا مقززا ~~كهذا؟ - وهتف: «أقل ما هنالك أنهم الآن سيأخذون التمرد الذي دبرته ~~على محمل الجد!» ذلك هو اعتباره لحياة البشر. أما الآن فقد انتهى ~~انتصاره. لقد تعثر التمرد في منتصف الطريق.» ~~«كيف؟» ~~«لأن الفضل في فض الشغب يرجع إليك وليس إليه، ألا ترى ذلك! ومن ~~المعروف أنني صديقك؛ ومن ثم فإنني أستظل بظل مجدك، إذا جاز ~~التعبير. ألست أنت بطل الساعة؟ ألم يستقبلك أصدقاؤك الأوروبيون ~~بالترحاب حين عدت إلى النادي ليلة أمس؟» ~~«الحق أنهم فعلوا، وقد كان الأمر جديدا تماما لي. حتى السيدة ~~لاكرستين ظلت تحتضنني، وصارت تناديني: «عزيزي السيد فلوري.» وقد صبت ~~جام غضبها على إليس؛ إذ لم تنس أنه نعتها بالشمطاء الكريهة، وطلب منها ~~التوقف عن القبع مثل الخنزير.» ~~«أحيانا ما يكون السيد إليس بالغ الحسم في تعبيراته. لقد لاحظت ~~ذلك.» ~~«العيب الوحيد في الأمر أنني طلبت من الشرطة إطلاق النار فوق رءوس ~~الحشود بدلا من التصويب عليها مباشرة. ويبدو أن ذلك مخالف لكل لوائح ~~الحكومة. وقد اغتاظ إليس قليلا من ذلك، وقال: «لماذا لم تصب ms239 بعضا ~~من أولئك الأوغاد حين كان لديك فرصة؟» فأشرت إلى أن هذا كان سيؤدي إلى ~~إصابة الشرطة الذين كانوا في خضم الجمهرة؛ لكن كما قال، ما هم سوى ~~زنوج على أي حال. بيد أنهم غفروا لي كل خطاياي، وأدلى السيد ~~ماكجريجور بشيء باللاتينية، مقتبسا من هوراس، على ما أعتقد.» # بعد ذلك بنصف ساعة سار فلوري وحيدا إلى النادي؛ إذ كان قد وعد ~~بمقابلة السيد ماكجريجور وحسم مسألة انتخاب الطبيب. لكن لن يكون في ~~الأمر صعوبة الآن. فسوف يطاوعه الآخرون حتى ينسى أمر الشغب الغبي؛ ~~وبإمكانه الذهاب وإلقاء خطبة في مدح لينين، وسوف يتقبلونها. انهمرت ~~عليه الأمطار الجميلة، فبللته من رأسه إلى أخمص قدميه، وملأت أنفه ~~برائحة الأرض، التي طواها النسيان خلال شهور الجفاف المريرة. قطع فلوري ~~الحديقة المدمرة؛ حيث انحنى البستاني وتناثر على ظهره العاري ماء ~~المطر، وجعل يحفر حفرا من أجل زهور الزينيا. كانت كل الزهور تقريبا ~~قد دهست حتى الموت. كانت إليزابيث هناك، في الشرفة الجانبية، كأنها ~~كانت تنتظره. خلع هو قبعته، فانسكبت كمية من الماء من حافتها، وانعطف ~~للانضمام إليها. # حياها رافعا صوته بسبب المطر الذي كان يحدث ضجيجا عند سقوطه على ~~السطح المنخفض، وقال: «صباح الخير!» ~~«صباح الخير! أليست الأمطار غزيرة؟ إنها تنهمر بشدة!» ~~«هذه ليست أمطارا حقيقية. انتظري حتى يوليو. سيفيض خليج البنغال كله ~~علينا، على دفعات.» # بدا أنهما يجب ألا يلتقيا أبدا دون أن يكون حوارهما عن الطقس. غير ~~أن وجهها وشى بشيء مختلف اختلافا جذريا عن الكلمات التافهة. بل ~~تغير سلوكها تماما منذ ليلة أمس، لذلك داخلته الشجاعة. ~~«كيف حال الموضع الذي أصابه ذلك الحجر؟» # مدت إليه ذراعها وتركته يمسكها. كان سلوكها رقيقا، بل ووديعا. ~~هنا أدرك أن مأثرته ليلة أمس قد جعلته شبه بطل في عينيها. لم تكن تعلم ~~كم كان الخطر صغيرا في الحقيقة، وسامحته على كل شيء، حتى ما هلا ماي؛ ~~لأنه أظهر شجاعة في اللحظة المناسبة. إنها حادثة الجاموسة والنمر تتكرر ~~مرة أخرى. كان قلبه يدق في صدره، فانزلق ms240 بيده على ذراعها وأدخل أصابعه ~~في أصابعها. ~~«إليزابيث ...» # قالت: «سيرانا أحدهم!» وسحبت يدها، لكن غير غاضبة. ~~«لدي شيء أود أن أقوله لك يا إليزابيث. هل تذكرين الخطاب الذي ~~كتبته لك من الغابة، بعد ما جرى بيننا منذ عدة أسابيع؟» ~~«نعم.» ~~«هل تذكرين ما قلته فيه؟» ~~«نعم. آسفة أنني لم أكتب ردا. كل ما هنالك ...» ~~«لم يكن لي أن أتوقع منك الرد حينذاك. أردت فقط أن أذكرك بما ~~قلته.» بالطبع كان جل ما قاله في الخطاب، على استحياء شديد، أنه ~~يحبها، وسوف يظل يحبها أبدا، مهما حدث. كانا واقفين يواجه كل ~~منهما الآخر، مقتربين جدا. باندفاع أخذها بين ذراعيه وضمها إليه، ~~وقد حدث هذا على نحو مفاجئ جدا حتى إنه فيما بعد وجد صعوبة في تصديق ~~أنه حدث على الإطلاق. ظلت مستسلمة للحظة وتركته يرفع وجهها ~~ويقبلها؛ ثم تراجعت فجأة وهزت رأسها. ربما لأنها خشيت أن يراهما ~~أحد، أو ربما لأن شاربه كان مبتلا جدا من المطر فحسب. دون أن تقول ~~أي شيء آخر انفصلت عنه ودخلت النادي مسرعة. كان على وجهها نظرة كدر أو ~~تأنيب ضمير؛ لكنها لم تبد غاضبة. # تبعها إلى النادي ببطء أكثر، فقابل السيد ماكجريجور الذي كان في غاية ~~من انشراح النفس. بمجرد أن رأى فلوري قال بصوت مدو ومزاج مرح: ~~«أها! ها هو البطل المغوار!» ثم هنأه مجددا بأسلوب أكثر جدية. انتهز ~~فلوري الفرصة بأن قال عبارات قليلة في حق الطبيب؛ إذ رسم صورة حية ~~لبسالة الطبيب أثناء الشغب «كان واقفا في خضم الحشد، يقاوم مثل ~~الأسد.» ولم يكن في ذلك الكثير من المبالغة؛ فقد خاطر الطبيب بحياته ~~حقا. وقد انبهر السيد ماكجريجور، وكذلك الآخرون حين سمعوا بالأمر. ~~فدائما ما تستطيع شهادة أوروبي واحد أن تفيد رجلا شرقيا أكثر من ~~شهادة ألف من أهل بلده ؛ وكان رأي فلوري في هذه الآونة له ثقل. هكذا ~~استعاد الطبيب صيته الحسن فعليا، وصار من الممكن الاطمئنان لانتخابه ~~عضوا في النادي. # بيد أنه لم يتأت الاتفاق نهائيا على الأمر بعد؛ ms241 لأن فلوري كان ~~بصدد العودة إلى المعسكر. وقد مضى في المساء نفسه، مسافرا ليلا، ولم ~~ير إليزابيث مرة أخرى قبل مغادرته. كان السفر في الغابة آمنا تماما ~~في ذلك الوقت؛ فقد كان من الجلي أن التمرد العقيم قد انتهى. ونادرا ما ~~يأتي أي أحد على ذكر التمرد بعد بدء الأمطار؛ إذ يكون البورميون ~~منشغلين للغاية بالحرث، كما يتعذر خوض مجموعات كبيرة من الناس في ~~الحقول المغمورة بالمياه على أي حال. كان فلوري سيعود إلى كياوكتادا ~~بعد عشرة أيام، عندما تحين زيارة القس التي كان يقوم بها كل ستة ~~أسابيع. الحقيقة أنه لم يرغب أن يكون في كياوكتادا بينما إليزابيث ~~وفيرال هناك. إلا أنه، على ما في ذلك من غرابة، كان قد زال عنه كل ~~الأسى - كل الحسد الفاحش المتغلغل الذي كان يعذبه من قبل - بعد أن عرف ~~أنها قد صفحت عنه. كان فيرال فقط الذي يحول بينهما الآن. باتت حتى ~~صورتها بين أحضان فيرال بالكاد تؤثر فيه؛ لأنه كان يعلم أن العلاقة لا ~~بد أن تنتهي في أسوأ الأحوال. إذ كان من المؤكد تماما أن فيرال لن ~~يتزوج أبدا من إليزابيث؛ فالشبان من عينة فيرال لا يتزوجون من ~~الفتيات المعدمات اللواتي يتعرفون عليهن في قواعد هندية مجهولة. فقد ~~كان يسلي وقته مع إليزابيث ليس إلا. عما قليل سيهجرها، وستعود هي ~~إليه - إلى فلوري، حسبه ذلك - ذلك أفضل كثيرا مما كان يرجوه. ثمة مذلة ~~في الحب الحقيقي، مذلة بغيضة بعض الشيء بشكل ما. # كان يو بو كين مستشيطا غضبا؛ فقد باغته الشغب البائس على حين ~~غفلة، إذا كان ثمة ما يمكن أن يباغته على غفلة مطلقا، وكان بمثابة ~~العقدة في منشار خططه. وهكذا تحتم الشروع مجددا في عملية تشويه سمعة ~~الطبيب. وقد بدأ بلا شك بفيض غزير من الخطابات المجهولة ، حتى إن هلا بي ~~اضطر إلى التغيب عن العمل لأسبوعين ~~كاملين - متعللا بالالتهاب الشعبي ~~هذه المرة - حتى يكتبها. واتهم فيها الطبيب بشتى الجرائم من اللواط ~~إلى سرقة طوابع بريد الحكومة. في ms242 ذلك الوقت مثل للمحاكمة السجان الذي ~~سمح بهروب نجا شوي أو. وقد أفرج عنه بانتصار؛ إذ كان يو بو كين قد ~~أنفق حتى مائتي روبية في رشوة الشهود. انهال على السيد ماكجريجور ~~المزيد من الخطابات، تبرهن بالتفاصيل أن الدكتور فيراسوامي، المدبر ~~الحقيقي للهروب، حاول تحويل اللوم عنه إلى مرءوس بلا حول ولا قوة. بيد ~~أن النتائج كانت مخيبة للآمال؛ فقد فتح على البخار الخطاب السري الذي ~~كتبه السيد ماكجريجور إلى المفوض، وكانت نبرته مقلقة للغاية - إذ ~~تحدث السيد ماكجريجور عن الطبيب قائلا إنه «تصرف بمنتهى الشرف في ~~ليلة الشغب» - حتى إن يو بو كين استدعى مجلسا حربيا. # قال يو بو كين للآخرين: «حان الوقت لاتخاذ خطوة حاسمة.» كانوا جالسين ~~في اجتماع سري في الشرفة الأمامية، قبل الإفطار. كان بينهم ما كين وبا ~~سين وهلا بي، والأخير هو فتى مشرق الوجه مبشر بالنجاح في الثامنة ~~عشرة، له سلوك شخص سيفلح يقينا في الحياة. # واصل يو بو كين كلامه فقال: «لقد وصلنا لطريق مسدود؛ وذلك الطريق هو ~~فلوري. من كان يتوقع أن يقف ذلك الجبان التعيس بجانب صاحبه. لكن هذا ما ~~حدث. وما دام هو يدعم فيراسوامي سنظل مغلوبين على أمرنا.» # قال با سين: «لقد تحدثت إلى ساقي النادي يا سيدي، وقد أخبرني أن ~~السيد إليس والسيد ويستفيلد ما زالا لا يريدان انتخاب الطبيب عضوا في ~~النادي. ألا تعتقد أنهما سوف يتشاجران مع فلوري مرة أخرى بعد أن تنسى ~~مسألة الشغب؟» ~~«بالطبع سيتشاجران؛ فإنهما دائما ما يتشاجران. لكن في الوقت ذاته ~~لقد وقع الضرر. فلنفترض أن ذلك الرجل انتخب! سوف أموت من الغيظ حقا ~~إذا حصل ذلك. كلا، لم يتبق أمامنا سوى حل واحد. سوف نهاجم فلوري ~~نفسه.» ~~«فلوري يا سيدي! لكنه رجل أبيض!» ~~«وهل آبه لذلك؟ لقد دمرت رجالا بيضا من قبل. متى ألحقت العار ~~بفلوري، ستكون نهاية الطبيب. وسوف يلحقه العار! سوف أفضحه حتى إنه لن ~~يجرؤ على دخول ذلك النادي ثانية أبدا.» ~~«لكنه رجل أبيض يا سيدي! ما الذي ms243 يمكننا اتهامه به؟ من قد يصدق ~~أي شيء ضد رجل أبيض؟» ~~«ليس لديك حس التخطيط يا كو با سين. إنك لا تكيل التهم لرجل أبيض؛ ~~وإنما عليك أن تضبطه متلبسا بالجرم. نفضحه في العلن وهو في حالة تلبس. ~~سأرى كيف سأبدأ الأمر. والآن اصمت بينما أتدبر السبيل لذلك.» # ساد الصمت، ووقف يو بو كين يحدق في المطر عاقدا يديه الصغيرتين ~~وراءه فوق الارتفاع الطبيعي لردفيه. وظل الثلاثة الآخرون يرمقونه من ~~الطرف الآخر للشرفة، خائفين بعض الشيء مما قاله عن الهجوم على رجل ~~أبيض، ومنتظرين ضربة معلم لمواجهة الموقف الذي فاق قدراتهم. كان في ~~المشهد شبه صغير من اللوحة الشهيرة (هل كانت للرسام ميسونيه) لنابليون ~~في موسكو، التي يظهر فيها منكبا على خرائطه بينما مارشالاته منتظرون ~~في صمت، بقبعاتهم المردودة في أياديهم. لكن بالطبع كان يو بو كين ~~أكثر كفاءة للموقف من نابليون. فخلال دقيقتين كانت خطته جاهزة. حين ~~استدار كان وجهه المكتنز تغمره فرحة مفرطة. أخطأ الطبيب حين وصف يو بو ~~كين فقال إنه كان يحاول الرقص؛ فجسم يو بو كين لم يكن ملائما للرقص؛ ~~لكنه لو كان ملائما لذلك، لكان رقص في هذه اللحظة. وقد أشار إلى با ~~سين وجعل يهمس في أذنه لبضع ثوان. # ختم همسه قائلا: «أعتقد أن تلك هي الخطوة المناسبة، أليس ~~كذلك؟» # بطيئة زحفت على وجه با سين ابتسامة عريضة مترددة مرتابة. # أردف يو بو كين متهللا: «خمسون روبية ستغطي كل التكاليف ~~غالبا.» # كشف عن الخطة بالتفصيل. وحين استوعبها الآخرون انطلقت منهم ضحكات ~~مدوية لم يملكوا لها كبتا، كلهم، حتى با سين الذي نادرا ما يضحك، ~~وحتى ما كين التي استنكرت الأمر من أعماق قلبها. كانت الخطة شديدة ~~الإحكام حقا لدرجة يصعب مقاومتها. فقد كانت عبقرية. # استمر هطول الأمطار طوال ذلك الوقت. في اليوم التالي لعودة فلوري إلى ~~المعسكر ظلت تمطر طوال ثمان وثلاثين ساعة متواصلة، أحيانا بطيئة ~~الوتيرة مثل الأمطار الإنجليزية، وأحيانا تنهمر في شلالات حتى يخيل ~~للمرء أن محيطا كاملا قد ارتفع في ms244 السحب حتما. كان دق المطر على ~~الأسطح يصير مثيرا للسخط بعد ساعات قليلة. في الفترات بين سقوط ~~الأمطار كانت الشمس تتوهج بشدة كالعادة، ويبدأ الوحل يتشقق ويلتهب، ~~وتنتشر بقع الطفح الجلدي في أنحاء الجسم. وقد خرجت أسراب من الخنافس ~~الطائرة من شرانقها بمجرد بدء الأمطار؛ وتفشت كائنات كريهة معروفة باسم ~~البق المنتن، كانت تغزو المنازل بأعداد مهولة، وتنتشر على موائد الطعام ~~فتجعل الطعام غير قابل للأكل. ظل فيرال وإليزابيث يخرجان لركوب الخيل ~~في المساء، حين لا تكون الأمطار شديدة جدا. كانت كل حالات الطقس ~~سواء لدى فيرال، لكنه لم يكن يروقه أن يرى أمهاره مغطاة بالوحل. مضى ~~نحو أسبوع، ولم يتغير شيء بينهما؛ فلم يزدادا قربا أو تباعدا عما ~~كانا عليه من قبل. وظل عرض الزواج دون أن ينطق، مع أنه ما زال ~~مرتقبا بثقة. ثم وقع أمر أثار الجزع. فقد تسرب خبر إلى النادي، عن ~~طريق السيد ماكجريجور، يفيد بأن فيرال سوف يغادر كياوكتادا؛ كانت ~~الشرطة العسكرية ستبقى في كياوكتادا، لكن مع مجيء ضابط آخر مكان فيرال، ~~دون أن يعلم أحد يقينا متى. صارت إليزابيث في حالة فظيعة من الترقب. ~~لا شك أنه سيقول شيئا قاطعا قريبا ما دام سيرحل؟ لم تكن تستطيع أن ~~تسأله، لم تكن تجرؤ حتى أن تسأله ما إذا كان سيرحل حقا؛ لم يكن ~~بوسعها سوى أن تنتظر أن يتكلم. لكنه لم يقل شيئا. ثم ذات مساء، من دون ~~إنذار، تخلف عن المجيء إلى النادي. ومر يومان كاملان دون أن تراه ~~إليزابيث على الإطلاق. # كان ذلك مروعا، لكن لم يكن باليد حيلة. ظل فيرال وإليزابيث ~~لأسابيع لا يفترقان، لكنهما كانا نوعا ما أشبه بالغرباء؛ إذ كان قد ~~نأى بنفسه جدا عنهم جميعا، فهو لم ير حتى منزل آل لاكرستين من ~~الداخل قط. ولم تكن معرفتهم به وثيقة لدرجة أن يبحثوا عنه في بيت ~~المسافرين، أو يكتبوا له خطابا؛ كما أنه لم يعاود الظهور ~~في الاستعراض الصباحي في الميدان. ~~لم يكن في الإمكان سوى الانتظار حتى ms245 يقرر أن يظهر مرة أخرى. وحين يفعل، ~~هل سيطلب منها الزواج؟ قطعا، سيفعل ذلك بالتأكيد! كان لدى إليزابيث ~~وزوجة عمها اعتقاد راسخ أنه سوف يطلب منها الزواج (لكن لم تصرح أي ~~منهما بالأمر في كلامها). تطلعت إلى لقائهما التالي بأمل كاد أن يكون ~~مؤلما. كانت تتضرع إلى الله أن يمنحها أسبوعا على الأقل قبل رحيله! ~~إذا خرجت معه لركوب الخيل أربع مرات أخرى، أو ثلاث مرات، أو حتى مرتين ~~فقط، فقد يئول كل شيء خير مآل. فكانت تدعو الله أن يعود إليها قريبا! ~~لم تتخيل أنه حين يعود سيكون من أجل الوداع فقط! كانت المرأتان ~~تذهبان إلى النادي كل مساء وتمكثان لساعة متأخرة جدا، تتسمعان وقع ~~خطوات فيرال بالخارج وهما تتظاهران بأنهما لا تفعلان ذلك؛ لكنه لم يظهر ~~قط. أما إليس، الذي كان مدركا تماما للموقف، فظل يراقب إليزابيث ~~باستمتاع حاقد. ما زاد الطين بلة أن السيد لاكرستين صار لا يتورع عن ~~مضايقة إليزابيث. لقد أصبح متهورا تماما، فكان يتربص بها، ويقبض ~~عليها، ويشرع في قرصها وملامستها بأسلوب يثير بالغ الاشمئزاز، يكاد لا ~~يأبه لوجود الخدم. وكان دفاعها الوحيد أن تهدده بأنها ستخبر زوجته؛ ~~ولحسن الحظ أنه كان شديد الغباء ليدرك أنها لن تجرؤ على ذلك ~~أبدا. # في الصباح الثالث وصلت إليزابيث وزوجة عمها إلى النادي في الوقت ~~المناسب هروبا من عاصفة ممطرة عاتية. كانتا قد جلستا في قاعة الجلوس ~~بضع دقائق حين سمعتا صوت شخص يدبدب بحذائه لإخراج الماء منه في الممر. ~~اضطرب قلب كل من المرأتين، فهذا قد يكون فيرال. ثم دخل شاب قاعة ~~الجلوس، وهو يفك أزرار معطف مطر طويل. كان شابا جسيما مرحا بليد ~~الذهن في الخامسة والعشرين تقريبا، بوجنتين ممتلئتين نضرتين، وشعر ~~بلون الزبد، وبلا جبهة، وضحكة تصم الآذان كما تكشف فيما بعد. # صدر عن السيدة لاكرستين صوت غير واضح، وقد بدر منها لخيبة أملها. ~~إلا أن الشاب حياهما بألفة وليدة اللحظة، لكونه واحدا من أولئك الذين ~~يخاطبون أي شخص بألفة مبتذلة بمجرد أن يلتقوا ms246 به. # قال الشاب: «مرحبا، مرحبا! ها قد دخل أمير الأحلام! أرجو ألا أكون ~~قد تطفلت أو شيء من هذا القبيل؟ هل اقتحمت اجتماعا عائليا أو ما ~~شابه؟» # قالت السيدة لاكرستين مدهوشة: «لا، على الإطلاق!» ~~«أقصد أنني ... خطر لي أن أزور النادي زيارة خاطفة وألقي نظرة، هذا ~~جل ما في الأمر. من أجل التعود على صنف الويسكي المحلي فحسب. لقد ~~وصلت ليلة أمس فقط.» # قالت السيدة لاكرستين في حيرة؛ إذ لم يكونوا يتوقعون أي وافدين جدد: ~~«هل ستقيم هنا؟» ~~«نعم، بالضبط. لحسن حظي بالتأكيد.» ~~«لكننا لم نسمع ... آه، صحيح! أعتقد أنك من قسم الغابات؟ محل السيد ~~ماكسويل المسكين؟» ~~«ماذا؟ قسم الغابات؟ كلا ألبتة! إنني رجل الشرطة العسكرية ~~الجديد.» ~~«ماذا؟» ~~«رجل الشرطة العسكرية الجديد. سأحل مكان العزيز فيرال. فقد تلقى ~~الرجل أوامر بالعودة إلى كتيبته. إنه مغادر في عجلة شديدة. وقد ترك كل ~~شيء في فوضى عارمة للعبد لله.» # مع أن ضابط الشرطة العسكرية كان شابا متبلد الإحساس فقد لاحظ أن ~~وجه إليزابيث صار باهتا فجأة. وقد وجدت نفسها غير قادرة على الكلام ~~بتاتا. ومضت بضع ثوان قبل أن تستطيع السيدة لاكرستين أن تهتف ~~قائلة: ~~«السيد فيرال، يرحل؟ إنه لم يرحل بعد قطعا؟» ~~«يرحل؟ لقد رحل!» ~~«رحل؟» ~~«حسنا، كنت أقصد أن القطار سيتحرك بعد نحو نصف ساعة. لا بد أن يكون ~~قد وصل إلى المحطة الآن. لقد أرسلت فرقة عساكر لترعى احتياجاته. فلا بد ~~أن يسافر بأمهاره وما إلى ذلك.» # ربما كان هناك المزيد من الشروح، لكن لم تسمع إليزابيث ولا زوجة عمها ~~كلمة منها. على أي حال، خلال خمس عشرة ثانية كانتا الاثنتان بالخارج ~~على السلم الخارجي، دون كلمة وداع حتى لضابط الشرطة العسكرية. نادت ~~السيدة لاكرستين على الساقي بحدة. «أيها الساقي! أرسل عربة الريكشا ~~للواجهة في الحال!» وأردفت حين ظهر سائق الريكشا: «إلى المحطة بسرعة!» ~~وبعد أن استقرت جالسة في العربة، وخزته في ظهره بطرف مظلتها ليبدأ ~~التحرك. # كانت إليزابيث قد ارتدت معطفها الواقي من المطر وكانت السيدة ~~لاكرستين ترتعد ms247 في العربة خلف مظلتها، لكن لم يكن لأي منهما فائدة ~~كبيرة في مواجهة الأمطار. فقد راحت تهطل عليهم هطولا، حتى إن فستان ~~إليزابيث ابتل قبل أن يبلغوا البوابة، وكادت العربة تنقلب في الريح. ~~أحنى سائق العربة رأسه وراح يقاومها، متذمرا. كانت إليزابيث في حال من ~~العذاب. لقد كان خطأ، كان خطأ يقينا. لقد كتب لها رسالة لكنها ضلت ~~الطريق. كان هذا ما في الأمر، ~~ولا بد أن يكون كذلك! لا يمكن أن يكون قد قصد أن يتركها دون حتى أن ~~يقول لها وداعا! وحتى إن كان كذلك، لا، إنها لن تيأس حتى في هذه ~~الحالة! حين يراها على رصيف المحطة، للمرة الأخيرة، لن تصل به القسوة ~~أن ينبذها! مع اقترابهم من المحطة تخلفت عن العربة وقرصت وجنتيها ~~لتتضرجا حمرة. مرت بهم فرقة من جنود الشرطة العسكرية بخطوات ~~متعجلة، وقد ابتلت بذلاتهم الرسمية الخفيفة حتى صارت أسمالا، ~~يدفعون عربة يد بينهم. لا بد أنهم فرقة العساكر التي كانت مع فيرال. ~~حمدا لله، كان ما زال هناك ربع ساعة. لم يكن القطار سيغادر قبل ربع ~~ساعة أخرى. حمدا لله، على هذه الفرصة الأخيرة لرؤيته على ~~الأقل! # وصلوا الرصيف في الوقت المناسب بالضبط لرؤية القطار وهو يخرج من ~~المحطة وتزداد سرعته بسلسلة من الصيحات تصم الآذان. ناظر المحطة، وهو ~~رجل قصير ممتلئ أسود، كان واقفا على الخط يتطلع إلى القطار بأسف، ~~وقد أمسك قبعة صغيرة مقاومة للماء على رأسه بيد، وباليد الأخرى راح ~~يدرأ رجلين هنديين صاخبين، كانا يتوثبان حوله ويحاولان لفت انتباهه ~~إلى شيء ما. مالت السيدة لاكرستين بجسمها خارج العربة وهتفت بصوت ~~مرتعش في المطر: ~~«يا ناظر المحطة!» ~~«سيدتي!» ~~«أي قطار هذا؟» ~~«إنه قطار ماندالاي يا سيدتي.» ~~«قطار ماندالاي! لا يمكن!» ~~«أؤكد لك ذلك يا سيدتي! إنه قطار ماندالاي لا شك.» تقدم نحوهما، وهو ~~يخلع قبعته. ~~«لكن السيد فيرال، ضابط الشرطة. إنه ليس على متنه بالتأكيد؟» ~~«بلى يا سيدتي، لقد رحل.» وأشار بيده ناحية القطار، الذي كان قد راح ~~يبتعد سريعا ms248 في سحابة من الأمطار والبخار. ~~«لكن ميعاد تحرك القطار لم يكن قد حان!» ~~«لا يا سيدتي. كان أمامه عشر دقائق أخرى.» ~~«لماذا تحرك إذن؟» # لوح ناظر المحطة بقبعته معتذرا يمينا وشمالا. وقد بدا على وجهه ~~الأسمر المكتنز أسى بالغ. ~~«أعلم يا سيدتي، أعلم! إنها أول مرة على الإطلاق! فقد أمرني ضابط ~~الشرطة العسكرية الشاب وشدد على أمره أن أبدأ الرحلة! لقد قال إن كل ~~شيء جاهز وإنه لا يريد أن يظل منتظرا. أشرت إلى أنه شيء مخالف ~~للقواعد. فقال إنه لا يأبه لمخالفة القواعد. اعترضت أنا فأصر. بإيجاز ~~...» # وقام بحركة أخرى قصد بها أن فيرال كان من نوعية الرجال الذين يفرضون ~~إرادتهم، حتى إذا كان في ذلك سفر قطار قبل موعده بعشر دقائق. ساد صمت. ~~وفجأة هرع إليهم الهنديان، معتقدين أنهما وجدا فرصتهما، وأخذا ~~ينوحان، وعرضا على السيدة لاكرستين بعض الدفاتر الحقيرة ~~لتطالعها. # صاحت السيدة لاكرستين بذهن شارد: «ماذا يريد هذان الرجلان؟» ~~«إنهما بائعا كلأ يا سيدتي. يقولان إن الملازم فيرال قد رحل مدينا ~~لهما بمبالغ كبيرة من المال. أحدهما مقابل التبن، والآخر مقابل الذرة. ~~إنه أمر لا يعنيني.» # تصاعدت ضوضاء عن القطار البعيد، الذي دار عند المنعطف، مثل دودة ~~سوداء من الخلف تنظر من فوق كتفها أثناء سيرها، واختفى. رفرف السروال ~~الأبيض المبتل لناظر المحطة بشكل بائس حول ساقيه. ما إذا كان فيرال قد ~~جعل القطار يتحرك مبكرا للهروب من إليزابيث، أو للهروب من بائعي ~~الكلأ، كان سؤالا شائقا لم تتضح إجابته قط. # ذهبوا في طريق العودة، ثم صعدوا بمشقة التل في تلك الرياح الشديدة ~~حتى إنهم كانوا أحيانا يرجعون إلى الوراء عدة خطوات. حين وصلتا إلى ~~الشرفة كانتا تلهثان بشدة. أخذ الخدم معطفيهما اللذين تدفق منهما ~~الماء، ونفضت إليزابيث بعض الماء عن شعرها. كسرت السيدة لاكرستين صمتها ~~لأول مرة منذ غادرتا المحطة وقالت: ~~«حسنا! من بين كل التصرفات الفظة، فهذا هو الأكثر فظاظة، الأشد ~~قبحا ...!» # بدت إليزابيث شاحبة وباهتة، رغم المطر والريح التي ضربت وجهها. لكنها ~~لم تش ms249 بشيء. # وإنما قالت بفتور: «أعتقد أنه كان يجدر به أن يودعنا.» ~~«صدقيني يا عزيزتي، إنه في صالحك أنك تخلصت منه ...! كما قلت في ~~البداية، إنه شاب بغيض للغاية!» # بعد ذلك بوقت قصير، بينما كانتا جالستين لتناول الإفطار، بعد أن ~~تحممتا وارتدتا ملابس جافة، وصارتا في حال أفضل، قالت: ~~«أخبريني، أي الأيام اليوم؟» ~~«السبت يا عمتي.» ~~«السبت. إذن هذا المساء سوف يصل القس العزيز. كم سيكون عدد الموجودين ~~في القداس غدا؟ حسنا، أعتقد أننا جميعا سنكون هنا! كم هذا لطيف! ~~سيكون السيد فلوري موجودا هو الآخر. أعتقد أنه قال إنه سوف يعود من ~~الغابة غدا.» ثم أضافت بصوت يكاد ينم عن المحبة: «عزيزي السيد ~~فلوري!» # | الفصل الرابع والعشرون # كانت الساعة السادسة مساء تقريبا، حين أخذ يدق الجرس الغبي في ~~البرج الصفيح ذي الستة أقدام للكنيسة كلانك-كلانك، كلانك-كلانك! حين ~~شد ماتو العجوز الحبل من الداخل. كانت أشعة شمس الغروب، التي كسرتها ~~العواصف الممطرة البعيدة، تغمر الميدان بضوء متألق جميل. تساقطت ~~الأمطار في وقت سابق من اليوم، وسوف تمطر مرة أخرى. اجتمعت الطائفة ~~المسيحية في كياوكتادا، وعددها خمسة عشر شخصا، عند باب الكنيسة في ~~انتظار قداس المساء. # كان فلوري هناك بالفعل، والسيد ماكجريجور بقبعته الرمادية وملابسه ~~المعتادة، والسيد فرانسيس والسيد صامويل، اللذان كان يتجولان مبتهجين ~~في بذلتين من قماش الدريل غسلتا لتوهما؛ فقد كان قداس الكنيسة الذي ~~يقام كل ستة أسابيع أهم حدث اجتماعي في حياتهما. القس، الذي كان ~~رجلا طويل القامة ذا شعر أشيب ووجه مهذب حائل اللون، يرتدي نظارة ~~أنف، كان واقفا على سلم الكنيسة في ثوبه الكهنوتي وروبه، اللذين كان ~~قد وضعهما في منزل السيد ماكجريجور. كان يبتسم ابتسامة ودية لكن عاجزة ~~بعض الشيء لأربعة مسيحيين من جماعة الكارين الإثنية في بورما بخدود ~~متوردة كانوا قد جاءوا لينحنوا له تحية؛ فلم يكن يتحدث كلمة من ~~لغتهم ولا يتحدثون هم لغته. كان ثمة مسيحي شرقي آخر، هندي أسمر محزون، ~~من عرق غير محدد، وقف في الخلفية على استحياء. كان حاضرا دائما ms250 في ~~قداسات الكنيسة، لكن لم يكن أحد يعلم من هو أو لماذا كان مسيحيا. لا ~~شك أن المبشرين أسروه صغيرا وعمدوه؛ فالهنود الذين يعتنقون ~~المسيحية وهم كبار يرتدون جميعا بلا استثناء تقريبا. # استطاع فلوري أن يرى إليزابيث وهي تنزل التل، ترتدي ثوبا بنفسجيا ~~فاتحا، مع عمها وزوجته. كان قد رآها ذلك الصباح في النادي، تسنت ~~لهما دقيقة فقط بمفردهما قبل مجيء الآخرين. كان قد سألها سؤالا واحدا ~~فحسب. ~~«هل رحل فيرال إلى الأبد؟» ~~«نعم.» # لم يكن هناك حاجة لقول شيء آخر. أمسك ذراعيها ببساطة وجذبها إليه. ~~وقد ذهبت طوعا، بل وبسعادة أيضا، هناك في ضوء النهار الساطع، القاسي ~~على وجهه المشوه. ظلت للحظة متشبثة به تشبثا يشبه الأطفال. كان ~~كأنه قد أنقذها أو حماها من شيء ما. رفع وجهها ليقبلها واندهش ~~حين وجد أنها كانت تبكي. لم يكن هناك وقت للكلام حينذاك، ولا حتى ~~ليسألها: «هل تتزوجينني؟» لا يهم، بعد القداس سيتوفر وقت كاف. وربما ~~يزوجهما القس، في زيارته التالية، بعد ستة أسابيع فقط من ذلك ~~الوقت. # كان إليس وويستفيلد وضابط الشرطة العسكرية الجديد آتين من النادي، ~~حيث احتسوا بضعة مشروبات سريعة ليصمدوا في القداس. كان يتبعهم ضابط ~~الغابات الذي أرسل ليشغل منصب ماكسويل، والذي كان رجلا شاحبا، ~~طويلا، أصلع تماما إلا من خصلتين مثل الشارب أمام أذنيه. لم يتسن ~~لفلوري وقت ليزيد عن قول: «مساء الخير.» لإليزابيث حين وصلت. لما رأى ~~ماتو أن الجميع كانوا حاضرين، توقف عن قرع الجرس، وتقدمهم الكاهن في ~~الدخول، يتبعه السيد ماكجريجور، حاملا قبعته أمام بطنه، وآل لاكرستين ~~والمسيحيون من أهل البلد. قرص إليس فلوري في مرفقه وهمس في أذنه ~~ثملا: ~~«هيا، قف في الصف. حان وقت عرض التباكي. سريعا سر!» # دخل هو والضابط العسكري وراء الآخرين، يتأبط كل منهما ذراع الآخر، ~~بحركات راقصة. ظل ضابط الشرطة يهز عجيزته الممتلئة مقلدا راقصة ~~مهرجان البوي، حتى وصل إلى الداخل. جلس فلوري في نفس المقعد مع هذين ~~الاثنين، في الجهة المقابلة لإليزابيث، إلى يمينها. كانت المرة ms251 الأولى ~~على الإطلاق التي يجازف فيها بالجلوس بوحمته في مواجهتها. همس إليس ~~وهم يجلسون، مجترا ضحكة من رجل الشرطة: «أغمضوا عيونكم وعدوا حتى ~~خمسة وعشرين.» كانت السيدة لاكرستين قد اتخذت مجلسها خلف ~~الهارمونيوم، الذي لم يكن أكبر حجما من طاولة الكتابة. أقام ماتو عند ~~الباب وبدأ يسحب المروحة، كانت معدة بحيث تهوي على المقاعد ~~الأمامية فقط؛ حيث يجلس الأوروبيون. جاءت فلو تتشمم الممر، حتى وجدت ~~مقعد فلوري وجلست أسفله، وبدأ القداس. # كان فلوري ينتبه لكن انتباها متقطعا. كان بالكاد واعيا بالوقوف ~~والركوع والتمتمة «آمين» على الصلوات اللامتناهية، وبإليس وهو يلكزه ~~ويهمس بسباب المقدسات من خلف كتاب التراتيل. لكنه كان في غاية ~~السعادة لدرجة العجز عن لملمة أفكاره. فقد رد الجحيم يوريديس. كان ~~الضوء الأصفر يفيض من خلال الباب المفتوح، ويطلي بالذهب الظهر العريض ~~لمعطف السيد ماكجريجور الحرير كأنه قماش منسوج من الذهب. كانت ~~إليزابيث، وهي على الجانب الآخر من الممر الضيق، قريبة جدا من فلوري ~~حتى إنه استطاع سماع كل حفيف لفستانها ويشعر، كما هيئ له، بدفء ~~جسدها؛ إلا أنه لم يجرؤ على النظر إليها ولو مرة، خيفة أن يلاحظ ~~الآخرون. راح الهارمونيوم يطلق أنغاما متهدجة كالمصاب بالتهاب الشعب ~~الهوائية والسيدة لاكرستين تحاول جاهدة أن تضخ إليه هواء كافيا ~~بالدواسة الوحيدة السليمة. وكان الغناء جلبة متنافرة غريبة؛ صدحا ~~جادا من السيد ماكجريجور، ونوعا من الهمهمة الخجلانة من سائر ~~الأوروبيين، ومن الخلف خوار مرتفع بلا كلمات؛ فقد كان المسيحيون ~~الكارين يحفظون ألحان التراتيل لكن من دون الكلمات. # شرعوا يجثون مرة أخرى. فهمس إليس قائلا: «المزيد من الجثو اللعين.» ~~ساد الجو عتمة، وتردد نقر خفيف من سقوط المطر على السطح؛ اهتزت ~~الأشجار بالخارج مصدرة أصوات خشخشة، ودارت سحابة من أوراق الشجر ~~الصفراء خارج النافذة. شاهدها فلوري من خلال فتحات أصابعه. منذ عشرين ~~عاما، في أيام الآحاد في الشتاء، وهو جالس على مقعده في كنيسة الرعية ~~في الوطن، كان من دأبه أن يشاهد الأوراق الصفراء، كما يفعل في هذه ~~اللحظة، وهي تنجرف وتخفق ms252 في السماوات الرمادية. هل من الممكن، الآن، أن ~~يبدأ من جديد كأن تلك السنوات الدنسة لم تمسه قط؟ رمق إليزابيث بنظرة ~~مواربة من خلال أصابعه، وهي جاثية وقد أحنت رأسها واختفى وجهها وراء ~~يديها المبقعتين. حين يتزوجان، حين يتزوجان، أي متعة سيحظيان بها ~~معا في هذه الأرض الأجنبية لكن الطيبة! تخيل إليزابيث في معسكره، ~~وهي تستقبله عند عودته متعبا من العمل وكو سلا وهو يأتي مسرعا من ~~الخيمة بزجاجة جعة؛ رآها وهي تسير معه في الغابة، وتشاهد طيور أبو قرن ~~على أشجار التين المجوسي وتقطف زهورا مجهولة الأسماء، ورآها وهي تخوض ~~بخطوات ثقيلة وسط ضباب الجو البارد تطارد طيور الشنقب والبط البري في ~~المراعي السبخة. رأى منزله كما ستتولى تجديده. رأى صالونه ولم يعد ~~مهملا ومثل بيوت العزاب، بأثاث جديد من رانجون، ووعاء زهور بلسم ~~وردية مثل البراعم على الطاولة، وكتب وألوان مائية وبيانو أسود. ~~البيانو قبل أي شيء! لبث يتأمل البيانو في ذهنه؛ فهو رمز للحياة ~~المتحضرة والمستقرة، ربما لأنه لم يكن ماهرا في الموسيقى. لقد انعتق ~~إلى الأبد من شبه الحياة التي عاشها العقد الماضي، بمجونها وأكاذيبها ~~وألم المنفى والوحدة والتعامل مع العاهرات والمرابين والسادة ~~البيض. # تقدم الكاهن من منصة القراءة الصغيرة التي كانت تستخدم أيضا ~~كمنبر، ونزع الرباط عن لفافة بورق العظة، وسعل، وأعلن عن النص الذي ~~سيقرؤه. «باسم الآب والابن والروح القدس. آمين.» # همس إليس قائلا: «فلتختصر كلامك، بحق المسيح.» # لم يلحظ فلوري كم دقيقة مرت؛ فقد انسابت كلمات العظة إلى رأسه هادئة، ~~همهمة غير واضحة، تكاد تكون غير مسموعة. كان لا يزال يتخيل حياتهما ~~حين يتزوجان، حين يتزوجان ... # مهلا! ماذا حدث؟ # توقف الكاهن دون أن يكمل الكلمة. وخلع نظارته الأنفية وراح يلوح ~~بها في قلق لشخص في المدخل. كان هناك صراخ صاخب مخيف. ~~«بايك-سان باي-لايك! بايك-سان باي-لايك!» # هب الكل في مقاعدهم والتفتوا. كانت ما هلا ماي. مع التفاتهم ~~دخلت الكنيسة ودفعت ماتو العجوز جانبا. ثم لوحت بقبضتها ~~لفلوري. ~~«بايك-سان باي-لايك! بايك-سان باي-لايك! هذا هو الذي ms253 أقصده، فلوري، ~~فلوري! (نطقته بورلي.) ذلك الشخص الجالس في المقدمة هناك، ذو الشعر ~~الأسود! استدر وواجهني يا أيها الجبان! أين النقود التي وعدتني ~~بها؟» # كانت تصرخ مثل المجنونة، والناس يحدقون فيها بأفواه مفتوحة، وقد ~~منعهم فرط الذهول من الحركة أو الكلام. كان وجهها رماديا من البودرة، ~~وشعرها الملبد مشعثا، وطرف إزارها متآكلا. بدت مثل شمطاوات البازار ~~في صراخهن. كأن باطن فلوري قد تحول إلى جليد. يا إلهي، يا إلهي! هل ~~سيعلمون ... هل ستعلم إليزابيث ... أن تلك هي المرأة التي كانت عشيقته؟ لكن ~~لم يكن ثمة أمل، ولا ذرة أمل، في أي التباس. لقد صرخت باسمه مرارا ~~وتكرارا. حين سمعت فلو الصوت المألوف، تملصت من أسفل المقعد، وسارت ~~في الممر وهزت ذيلها لما هلا ماي. كانت المرأة الخسيسة تصيح بحكاية ~~مفصلة لما فعله بها فلوري. ~~«انظروا إلي، أيها الرجال البيض، والنساء كذلك، انظرن إلي! ~~انظروا كيف قضى علي! انظروا إلى هذه الأسمال التي أرتديها! وهو جالس ~~هناك، الكاذب، الجبان، يتظاهر بأنه لا يراني! إنه يتركني أتضور جوعا ~~عند بوابته مثل الكلب الضال. آه، لكنني سوف أفضحك! استدر وانظر إلي! ~~انظر إلى الجسم الذي قبلته ألف مرة، انظر، انظر ...» # وبدأت تمزق ثيابها فعلا؛ آخر البذاءات التي تقوم بها النساء ~~البورميات الوضيعات النشأة. صدر صرير عن الهارمونيوم إذ تشنجت السيدة ~~لاكرستين. كان الناس قد استعادوا وعيهم وطفقوا يتحركون. استعاد الكاهن ~~صوته، بعد أن ظل يهمهم دون جدوى، وقال بحدة: «أخرجوا تلك ~~المرأة!» كسا وجه فلوري الشحوب. كان بعد اللحظة الأولى قد أشاح برأسه ~~عن الباب وجز على أسنانه في جهد يائس ليبدو غير مكترث. لكن دون ~~جدوى، دون جدوى مطلقا. كان وجهه شاحبا مثل العظم، والعرق يلمع على ~~جبينه. أقدم فرانسيس وصامويل على أول فعل مفيد في حياتهما ربما، ~~فهبا عن مقعديهما فجأة، وأمسكا ذراعي ما هلا ماي وجرجراها إلى ~~الخارج، وهي لا تزال تصرخ. # بدت الأجواء هادئة جدا في الكنيسة حين سحباها أخيرا بعيدا عن ~~مجال السمع. كان المشهد شديد الثورة، وشديد ms254 الحقارة، حتى إنه أثار ~~استياء الكل. حتى إليس بدا مشمئزا. لم يستطع فلوري كلاما أو حركة. ~~إنما جلس يحدق متسمرا في المذبح، بوجه جامد شديد الشحوب، حتى إن ~~وحمته بدت فيه كأنها بقعة طلاء أزرق لامع. نظرت إليه إليزابيث عبر ~~الممر، فكاد شعورها بالاشمئزاز أن يصيبها بالغثيان. لم تكن قد فهمت ~~كلمة مما قالته ما هلا ماي، لكن كان مغزى المشهد واضحا تماما. محض ~~التفكير في أنه كان حبيب تلك المخلوقة المخبولة الرمادية الوجه جعل ~~فرائصها ترتعد. لكن ما كان أسوأ من ذلك، وأسوأ من أي شيء، هو دمامته ~~في هذه اللحظة. فقد روعها وجهه؛ إذ كان شديد الشحوب والتجهم ~~والهرم. لم يبد فيه شيء حيا سوى الوحمة. عندئذ كرهته من أجل وحمته. ~~لم تكن حتى هذه اللحظة قد أدركت كم هي شيء مخز، ولا يغتفر. # مثل التمساح، هاجم يو بو كين نقطة الضعف. فغني عن القول أن هذه ~~الفضيحة كانت من تدبير يو بو كين. كان قد رأى فرصته كالعادة، ولقن ما ~~هلا ماي دورها باهتمام. أنهى الكاهن عظته في الحال تقريبا. وبمجرد ~~انتهائها هرع فلوري إلى الخارج، دون أن ينظر إلى أي من الآخرين. كان ~~الظلام قد حل، حمدا لله. على بعد خمسين ياردة من الكنيسة توقف، وأخذ ~~يراقب الآخرين وهم يقصدون النادي أزواجا. بدا له أنهم يسارعون في ~~الذهاب. لا بد لهم من ذلك، بالطبع! فسيكون هناك شيء ليتحدثوا عنه في ~~النادي الليلة! انقلبت فلو على ظهرها قبالة كاحليه، طالبة اللهو. فقال ~~لها: «ابتعدي أيتها الحيوانة اللعينة!» وركلها. توقفت إليزابيث عند باب ~~الكنيسة. بدا أن السيد ماكجريجور كان، لحسن الحظ، سيعرفها على ~~الكاهن. بعد قليل ذهب الرجلان في اتجاه منزل السيد ماكجريجور؛ حيث كان ~~الكاهن سيبيت الليلة، واتبعت إليزابيث الآخرين، فكانت على بعد ثلاثين ~~ياردة خلفهم. ركض فلوري خلفها ولحق بها قرب بوابة النادي. ~~«إليزابيث!» # التفتت، ورأته، فبهت لونها، وكانت ستمضي مسرعة دون أن تنبس بكلمة. ~~لكنه كان في جزع مفرط، فقبض على معصمها. ~~«إليزابيث! يجب علي ms255 أن أتحدث معك!» ~~«اتركني أمضي، إذا سمحت!» # بدآ يقاومان، ثم توقفا سريعا. كان اثنان من المسيحيين الكارين ~~الذين خرجوا من الكنيسة، واقفين على بعد خمسين ياردة، ويحدقان فيهما ~~في الظلام الجزئي باهتمام شديد. بدأ فلوري يتحدث ثانية بنبرة ~~أخفض: ~~«أعلم يا إليزابيث أنه ليس من حقي أن أوقفك هكذا. لكن لا بد أن ~~أتحدث إليك، لا بد! أرجوك أن تسمعي ما لدي لأقوله. لا تهربي مني، ~~أرجوك!» ~~«ماذا تفعل؟ لماذا تمسك بذراعي؟ دعني أذهب في الحال!» ~~«سوف أتركك تذهبين، مهلا! لكن أصغي إلي، أرجوك! أجيبي على هذا ~~السؤال. هل بإمكانك أن تسامحيني على الإطلاق، بعد ما حدث؟» ~~«أسامحك؟ ماذا تقصد بأن أسامحك؟» ~~«أعلم أنني في حال من الخزي. كان موقفا غاية في الوضاعة! لكنه بشكل ~~ما ليس ذنبي. سوف تدركين ذلك حين تهدئين. هل تعتقدين - ليس الآن، فقد ~~كان موقفا رديئا للغاية، لكن لاحقا - هل تعتقدين أن بإمكانك ~~نسيانه؟» ~~«لا أعلم حقا ما الذي تتحدث عنه. أنساه؟ ما دخلي بالأمر. أعتقد أنه ~~شيء مقزز جدا، لكنه ليس من شأني. لا أفهم لماذا تستجوبني هكذا على ~~الإطلاق.» # عند ذاك كاد اليأس أن يتملكه. فقد كانت نبرتها بل وكلماتها هي ~~بالضبط نفسها التي استخدمتها في شجارهما السابق. كانت هي الحركة ذاتها ~~مجددا. بدلا من سماعه للنهاية كانت ستتهرب منه وتثني عزيمته، ~~تزدريه بدعوى أنه ليس له حكم عليها. ~~«إليزابيث! أجيبيني أرجوك. أرجوك كوني منصفة معي! الأمر جاد هذه ~~المرة. لا أتوقع أن تعودي إلي في الحال. لا يمكنك هذا بعد أن ~~فضحت علانية هكذا. لكنك رغم كل هذا، كدت تعدينني أن نتزوج ~~...» ~~«ماذا! وعدت بأن أتزوجك؟ متى وعدت بأن أتزوجك؟» ~~«أعلم أنه لم يكن بالكلمات. لكنه كان شيئا متفقا عليه ~~بيننا .» ~~«لم يكن بيننا اتفاق على شيء من هذا القبيل! أعتقد أنك تتصرف بطريقة ~~في غاية البشاعة. سوف أمضي إلى النادي في الحال. عمت مساء!» ~~«إليزابيث! إليزابيث! اسمعيني. ليس من العدل أن تدينيني دون أن تسمعي ~~دفاعي. كنت تعلمين من قبل بما ms256 فعلته، وتعلمين أنني صرت أعيش حياة ~~مختلفة منذ التقيت بك. ما حدث هذا المساء كان محض صدفة. تلك المرأة ~~الحقيرة، التي أقر بأنها كانت في السابق ... حسنا.» ~~«لن أصغي، لن أصغي إلى تلك الأشياء! إنني ذاهبة!» # أمسك معصميها مجددا، وضمها هذه المرة. فقد كان المسيحيان الكارين ~~قد اختفيا لحسن الحظ. ~~«كلا، كلا، سوف تسمعينني! أفضل أن أكدرك كدرا بالغا عن أن ~~تتركيني لهذه الحيرة. لقد مر أسبوع تلو الآخر، وشهر تلو الآخر، دون أن ~~يتسنى لي الحديث معك مباشرة ولو مرة. ولا يبدو أنك تعلمين أو ~~تأبهين لمقدار ما تسببينه لي من عذاب. لكن هذه المرة يجب أن ~~تجيبيني.» # راحت تقاوم قبضته، وكانت قوية لدرجة مدهشة. كان وجهها أشد حنقا مما ~~رآه أو تخيله قط. كانت تبغضه لدرجة أنها كانت ستضربه لو كانت يداها ~~سائبتين. ~~«دعني أذهب! أيها الحيوان، دعني أذهب أيها الحيوان!» ~~«يا إلهي، يا إلهي، ويحي أن نتعارك هكذا! لكن ماذا في يدي؟ لا ~~يمكنني أن أتركك تذهبين دون أن تسمعيني. يجب أن تسمعيني يا ~~إليزابيث!» ~~«لن أسمعك! لن أناقش الأمر! بأي حق تطرح علي الأسئلة؟ اتركني ~~أذهب!» ~~«سامحيني، سامحيني! أجيبي على هذا السؤال الوحيد. هل تقبلين - ليس ~~الآن، لكن لاحقا، حين ينسى هذا الموضوع المشين - هل تقبلين الزواج ~~مني؟» ~~«لا، أبدا، أبدا!» ~~«لا تجيبي هكذا! لا تجعليه نهائيا. قولي لا للوقت الحاضر كما ~~تريدين، لكن بعد شهر، سنة، خمس سنوات ...» ~~«ألم أقل لا؟ لماذا تصر على الإلحاح؟» ~~«أصغي إلي يا إليزابيث. لقد حاولت مرارا وتكرارا أن أخبرك ماذا ~~تعنين لي! آه، لا فائدة من الكلام في الأمر! لكن فلتحاولي أن تفهمي. ~~ألم أخبرك شيئا عن الحياة التي نعيشها هنا؟ ذلك النوع البشع من الموت ~~أحياء! التردي ، الوحدة، الحسرة على الذات؟ حاولي أن تفهمي معنى ذلك، ~~وأنك الشخص الوحيد في الكون الذي يستطيع إنقاذي منه.» ~~«هلا تركتني أذهب؟ لماذا تصر على افتعال هذه الفضيحة ~~القبيحة؟» ~~«ألا يعني لك أي شيء أن أقول لك أني أحبك؟ لا أعتقد أنك ms257 أدركت ~~قط ما الذي أريده منك. إذا أردت سوف أتزوجك وأعدك ألا أمسك حتى ~~أبدا. لن آبه لذلك حتى، ما دمت معي. لكنني لا أستطيع أن أمضي في ~~حياتي وحيدا، وحيدا دائما. ألا يمكنك أن تحملي نفسك على أن ~~تسامحيني أبدا؟» ~~«أبدا، أبدا! لن أتزوجك حتى لو كنت الرجل الأخير على وجه الأرض. ~~أفضل أن أتزوج ال... الكناس!» # ثم أجهشت بالبكاء. فأدرك أنها كانت تقصد ما قالته، وصعدت الدموع إلى ~~عينيه. قال مرة أخرى: ~~«للمرة الأخيرة. تذكري أنه شيء مهم أن يكون لديك شخص واحد ~~يحبك. تذكري أنه رغم أنك ستجدين رجالا أكثر ثراء وشبابا وأفضل ~~مني في كل شيء فإنك لن تجدي أحدا يهتم بك بقدر ما أهتم أنا. ومع ~~أنني لست ثريا فعلى الأقل أستطيع أن أوفر لك منزلا. هناك معيشة ~~متحضرة ومحترمة.» # قالت بهدوء أكثر: «ألم تقل ما يكفي؟ هلا تركتني أذهب قبل أن يأتي ~~أحد؟» # أرخى قبضته حول معصميها. لقد خسرها، كان ذلك أكيدا. مرة أخرى ~~راودته رؤية منزلهما كما كان قد تخيله، مثل هلوسة، جلية إلى حد ~~مؤلم؛ رأى حديقتهما، وإليزابيث وهي تطعم نيرو والحمام على الممر لدى ~~زهور الفلوكس الصفراء كالكبريت التي ارتفعت حتى بلغت كتفيها؛ والصالون، ~~بألوان الماء على الجدران، وزهور البلسم في الوعاء الخزف وقد انعكست ~~على الطاولة، ورفوف الكتب، والبيانو الأسود. البيانو الخرافي المستحيل؛ ~~رمز لكل شيء أودى به ذلك الموقف التافه! # قال في يأس: «لا بد أن تمتلكي بيانو.» ~~«إنني لا أعزف على البيانو.» # تركها تذهب. فلم يكن ثمة جدوى من الاستمرار. لم تلبث أن تحررت منه ~~حتى أطلقت ساقيها للريح وركضت فعلا إلى حديقة النادي؛ إذ كان وجوده ~~شيئا بغيضا جدا لها. توقفت بين الأشجار لتخلع نظارتها وتمسح آثار ~~الدموع عن وجهها. يا له من حيوان، حيوان! لقد آلم معصميها بشدة. كم ~~كان حيوانا بشعا! حين خطر لها وجهه كما بدا في الكنيسة، شاحبا تومض ~~فيه الوحمة البشعة، كادت تتمنى أن يموت. لم يكن ما فعله هو الذي ~~روعها. ms258 كان من الممكن أن تغفر له ألف إثم ارتكبه. لكن ليس بعد تلك ~~الفضيحة المخزية المزرية، وما كان عليه وجهه المشوه من دمامة خبيثة ~~في تلك اللحظة. كانت وحمته، في نهاية المطاف، التي حكمت عليه بالهلاك. ~~ستغتاظ زوجة عمها حين تعرف أنها رفضت فلوري. وتذكرت عمها وقرصه ~~لساقيها ... ما بينهما، فأدركت أن الحياة سوف تكون مستحيلة هنا. ربما ~~عليها العودة إلى الوطن من دون زواج بعد كل ما كان. والخنافس السوداء! ~~فليكن. إن أي شيء - سواء العنوسة أو العمل الشاق، أي شيء - لهو أفضل من ~~البديل. الموت نفسه أفضل، أفضل كثيرا. وإذا كانت المادة قد شغلت بالها ~~قبل ساعة، فقد نسيتها. إنها لا تذكر حتى أن فيرال نبذها وأن الزواج من ~~فلوري كان سينقذ ماء وجهها. كان جل ما أدركته أنه قد حط من شرفه ~~ورجولته، وأنها تبغضه كما لو كان مصابا بالخبل أو البرص. كانت الغريزة ~~أبلغ من المنطق بل وحتى المصلحة، ولم تكن تستطيع الاستمرار في مقاومتها ~~كما لا تستطيع التوقف عن التنفس. # أما فلوري، فحين اتجه إلى التل صاعدا، صحيح أنه لم يركض، لكنه سار ~~بأسرع ما في طاقته. فلا بد أن يفعل ما عليه فعله سريعا. كان الظلام قد ~~اشتد للغاية. هرولت فلو المسكينة على مقربة من قدميه، غير مدركة حتى ~~ذلك الوقت أن في الأمر أي شيء خطير، وهي تئن في رثاء على نفسها ~~لتؤنبه على الركلة التي سددها إليها. حين وصل إلى الممر هبت ريح على ~~أشجار الموز، فهزت الأوراق الممزقة وبعثت رائحة رطوبة. إذن ستتساقط ~~الأمطار مرة أخرى. كان كو سلا قد وضع المائدة وأخذ يزيل بعض الخنافس ~~الطائرة التي انتحرت بالاصطدام بالمصباح الكيروسين. من الواضح أنه لم ~~يسمع بالفضيحة التي كانت في الكنيسة بعد. ~~«عشاء مولاي جاهز. هل سيتناول مولاي عشاءه الآن؟» ~~«لا، ليس بعد. أعطني ذلك المصباح.» # أخذ المصباح، ودخل المخدع وأغلق الباب. استقبلته رائحة الغبار ودخان ~~السجائر، واستطاع أن يرى على الوهج الأبيض المرتعش للمصباح الكتب ~~المتعفنة والسحالي التي على ms259 الحائط. إذن فقد عاد مجددا إلى هذا ~~- إلى الحياة الخفية القديمة - بعد كل شيء، عاد إلى حيث كان من ~~قبل. # أليس من الممكن أن يتحملها! لقد تحملها قبل ذلك. كان هناك ~~مسكنات؛ الكتب وحديقته والشراب والعمل والمومسات والصيد وأحاديثه مع ~~الطبيب. # لا، لم تعد محتملة. منذ مجيء إليزابيث بعث إلى الحياة مجددا ~~إحساسه بالألم وأهم من ذلك الأمل، الذي كان يظن أنه مات بداخله. تداعى ~~الخمول شبه المريح الذي كان يعيش فيه. وإذا كان يعاني الآن، فالآتي ~~أسوأ كثيرا. بعد قليل سوف يتزوجها شخص آخر. لشد ما يستطيع تصور ~~الأمر - لحظة سماعه الخبر! - «هل عرفت أن فتاة لاكرستين سترحل عنه ~~أخيرا؟ لقد حجز «فلان» المسكين المذبح، فليكن الرب في عونه ... إلخ.» ~~والسؤال المعتاد: «حقا؟ متى سيكون ذلك؟» مع مراعاة جمود الوجه، ~~تظاهرا بعدم الاكتراث. ثم اقتراب يوم عرسها، ليلة دخلتها. آه، ليس ~~ذلك! مناظر فاحشة، فاحشة. فلتبق عينيك مركزتين على ذلك. الفحش. أخرج ~~حقيبة المعدات العسكرية الصفيح من أسفل الفراش، وأخرج مسدسه الآلي، ~~وأدخل مشط خراطيش في خزانة الذخيرة، وسحب واحدا إلى المغلاق. # كان كو سلا مذكورا في وصيته. تبقت فلو. وضع المسدس على المنضدة ~~وخرج. كانت فلو تلعب مع با شين، أصغر أبناء كو سلا، أسفل ساتر المطبخ، ~~حيث كان الخدم قد تركوا بقايا حطب. كانت ترقص حوله كاشفة عن أسنانها ~~الصغيرة، تتظاهر بعضه، بينما الصبي الصغير، الذي احمرت بطنه في وهج ~~الجمر، يصفعها صفعات واهنة، ضاحكا لكن شبه خائف. ~~«فلو! تعالي يا فلو!» # سمعته وجاءت طائعة، ثم توقفت بغتة لدى باب مخدع النوم. بدا أنها ~~أدركت حينئذ أن ثمة شيئا خطأ. فتراجعت قليلا ووقفت تنظر إليه ~~مرعوبة، راغبة عن دخول المخدع. ~~«ادخلي!» # هزت ذيلها لكنها لم تتزحزح . ~~«تعالي يا فلو! يا عزيزتي فلو! تعالي!» # أصيبت فلو بالهلع فجأة، فجعلت تئن وسقط ذيلها وتراجعت منكمشة. صاح ~~فلوري: «تعالي، عليك اللعنة!» ثم أخذها من طوقها وألقى بها في الحجرة، ~~وأغلق الباب وراءها. ثم ذهب إلى المنضدة من أجل المسدس. ~~«تعالي ms260 هنا! افعلي ما أمرتك به!» # جثمت على الأرض وراحت تئن طلبا للسماح. وقد أوجعه أن يسمع أنينها ~~«تعالي يا فتاتي العزيزة! يا عزيزتي فلو! لن يؤذيك سيدك. فلتأتي.» ~~زحفت إلى قدميه ببطء شديد، متمددة على بطنها، وهي تبكي، ورأسها ~~محني كأنها خائفة من النظر إليه. حين صارت على بعد ياردة منه أطلق ~~النار، فتفجرت جمجمتها أشلاء. # بدا دماغها مثل المخمل الأحمر. هل هكذا سيبدو هو؟ فليكن القلب إذن، ~~وليس الرأس. وصله صوت الخدم وهم يركضون خارجين من حجراتهم ويصيحون؛ لا ~~بد أنهم قد سمعوا صوت الطلقة. هنا شق معطفه سريعا وسدد فوهة ~~المسدس إلى قميصه. على امتداد حافة المنضدة كانت سحلية صغيرة، شفافة ~~كأنها مخلوق جيلاتيني، تلاحق فراشة بيضاء. سحب فلوري الزناد ~~بإبهامه. # حين اندفع كو سلا إلى الغرفة، لم ير من أول وهلة سوى جثة الكلبة. ثم ~~رأى قدمي سيده، بالكعبين لفوق، بارزتين من وراء الفراش. فهتف بالآخرين ~~لإبعاد الأطفال خارج الغرفة، فتراجعوا جميعا عن المدخل وهم يطلقون ~~الصيحات. خر كو سلا على ركبتيه خلف جثة فلوري، في نفس اللحظة التي أتى ~~فيها با بي مهرولا من الشرفة. ~~«هل أطلق النار على نفسه؟» ~~«أعتقد ذلك. اقلبه على ظهره. مهلا، انظر! فلتركض إلى الطبيب الهندي! ~~اجر بأقصى سرعة!» # كان في قميص فلوري ثقب دقيق، لا يزيد عن الثقب الناتج عن مرور قلم ~~رصاص في فرخ من الورق النشاف. كان واضحا تماما أنه جثة هامدة. تمكن ~~كو سلا بصعوبة بالغة أن يجره إلى الفراش، فقد رفض الخدم الآخرون أن ~~يلمسوا الجثة. وبعد عشرين دقيقة ليس إلا حضر الطبيب. كان قد تلقى خبرا ~~مبهما بأن فلوري مصاب، فقاد دراجته صاعدا التل بأقصى سرعة رغم هبوب ~~ريح ممطرة. ثم ألقى دراجته في حوض الزهور وأسرع بالدخول من خلال ~~الشرفة. كان مقطوع النفس، غير قادر على الرؤية بنظارته. فخلعها، وحدق ~~حاسر البصر في الفراش. قال مهتاجا: «ما الأمر يا صديقي؟ أين أصبت؟» ~~ثم دنا أكثر، ورأى ما على الفراش، فأطلق صوتا مبحوحا. ~~«آه، ما ms261 هذا؟ ماذا ألم به؟» # خر الطبيب على ركبتيه، ومزق قميص فلوري ووضع أذنه على صدره. ارتسم ~~على وجهه الألم، وقبض على منكبي الرجل الميت وأخذ يهزه كأن الشدة ~~وحدها تستطيع أن تعيده للحياة. سقطت إحدى ذراعيه بارتخاء على حافة ~~الفراش. رفعها الطبيب مرة أخرى، ثم انفجر في البكاء فجأة، آخذا اليد ~~الميتة بين يديه. كان كو سلا واقفا عند نهاية الفراش، وقد امتلأ وجهه ~~الأسمر بالتجاعيد. نهض الطبيب، ثم فقد السيطرة على نفسه لوهلة، فاستند ~~إلى عمود الفراش وبكى بكاء صاخبا بشعا، موليا كو سلا ظهره، وكتفاه ~~السمينتان ترتجفان. وبعد قليل تمالك نفسه واستدار مرة أخرى. ~~«كيف حدث هذا؟» ~~«لقد سمعنا طلقتين. لقد أطلقهما بنفسه، هذا أكيد. لكنني لا أعلم ~~لماذا.» ~~«كيف عرفت أنه فعل ذلك عمدا؟ كيف عرفت أنها لم تكن حادثة؟» # على سبيل الإجابة، أشار كو سلا صامتا إلى جثة فلو. استغرق الطبيب ~~في التفكير للحظة، ثم لف الرجل المحتضر في الملاءة وعقدها عند القدمين ~~والرأس، بيدين خفيفتين متمرستين. مع وفاته، انطمست الوحمة في الحال، ~~حتى إنها لم تبد سوى بقعة رمادية باهتة. ~~«ادفن الكلبة على الفور. وأنا سأخبر السيد ماكجريجور أنها كانت حادثة ~~بينما كان ينظف مسدسه. تأكد من دفن الكلبة. كان سيدك صديقي. لن أرضى ~~أن يكتب على شاهد قبره أنه مات منتحرا.» # | الفصل الخامس والعشرون # من حسن الحظ أن القس كان في كياوكتادا، فأمكنه، قبل اللحاق بالقطار ~~في مساء اليوم التالي، أن يتلو مراسيم الجنازة حسب الأصول، بل أن يلقي ~~خطبة قصيرة أيضا حول محاسن المتوفى. يصير كل الرجال الإنجليز صالحين ~~حين يموتون. «الوفاة في حادث» كان هو الحكم الرسمي (فقد أثبت الدكتور ~~فيراسوامي بكل مهاراته الطبية القانونية أن الملابسات تشير إلى حادث) ~~وقد روعي نقش هذا على شاهد قبره. لكن لم يعن هذا أن أحدا صدق ~~بالطبع. فقد كانت المرثية الحقيقية لفلوري هي التعليق، الذي تردد في ~~حالات نادرة - فالرجل الإنجليزي الذي يموت في بورما سريعا ما ينسى - ~~«فلوري؟ آه، كان رجلا ذا شعر ms262 أسود، وكانت لديه وحمة. لقد أطلق النار ~~على نفسه في كياوكتادا عام 1926. قال الناس إنه من أجل فتاة. يا له من ~~أحمق مسكين!» باستثناء إليزابيث، ربما لم يندهش أي أحد كثيرا لما حدث. ~~فإن عدد حالات الانتحار بين الأوروبيين في بورما كبير إلى حد ما، ولا ~~ينشأ عنها قدر كبير من الدهشة. # ترتب على وفاة فلوري نتائج كثيرة. أولها وأهمها أن الدكتور فيراسوامي ~~قد قضي عليه، بل وعلى النحو الذي كان قد تنبأ به. فالشرف الذي تمتع ~~به لكونه صديق رجل أبيض - الشيء الوحيد الذي أنقذه من قبل - تبدد. لم ~~تكن علاقة فلوري بالأوروبيين جيدة قط، هذا صحيح؛ لكنه كان رجلا أبيض ~~على كل حال، وكانت صداقته تمنح وجاهة ما. وبمجرد وفاته، صار سقوط ~~الطبيب يقينا. انتظر يو بو كين المهلة اللازمة، ثم شن هجومه مرة أخرى، ~~أشد من كل مرة. لم تمر ثلاثة أشهر إلا وكان زرع في رأس كل أوروبي في ~~كياوكتادا أن الطبيب كان مجرما عتيدا. لم يوجه له اتهام رسمي ~~مطلقا؛ كان يو بو كين شديد الحرص في هذا الشأن. إليس نفسه كان سيحتار ~~أي رذيلة يرميه بها تحديدا؛ لكن ظل من المتفق عليه أنه كان وغدا. ~~رويدا رويدا، تبلور الشك العام فيه في عبارة بورمية واحدة: «شوك ~~دي.» كان يقال إن فيراسوامي رجل ضئيل ماهر فعلا؛ فهو طبيب بارع ~~بالنسبة إلى كونه من أهل البلد، لكنه كان «شوك دي». المعنى التقريبي ~~لعبارة «شوك دي» هو غير جدير بالثقة، وحين يصير مسئول «من أهل البلد» ~~معروفا بأنه «شوك دي»، تكون نهايته. # وصل الهمز واللمز إلى شخصيات ما في المناصب العليا، فتراجع الطبيب ~~إلى منصب مساعد جراح ونقل إلى مستشفى ماندالاي العام. ولا يزال هناك، ~~ومن المرجح أن يظل كذلك. وماندالاي هي بلدة بغيضة بعض الشيء؛ فهي ~~مغبرة وحرها لا يطاق، ويقال إن لديها خمسة أشياء رئيسية تتسم بها ~~وهي المعابد والكلاب الضالة والخنازير والقساوسة والمومسات، كما كانت ~~الأعمال الروتينية في المستشفى مضجرة. وقد أقام الطبيب خارج ms263 حرم ~~المستشفى في كوخ أشبه بفرن صغير بسياج حديدي مضلع حول حدوده الصغيرة، ~~وكان في المساء يعمل في عيادة خاصة لتعويض راتبه المنخفض. والتحق ~~بنادي درجة ثانية يرتاده محامون هنود. كانت مفخرته الرئيسية عضو ~~أوروبي وحيد؛ كهربائي من جلاسجو يدعى ماكدوجال، رفت من شركة ~~«إيراوادي» لسكره، ويكسب الآن رزقا غير مستقر من العمل في ورشة. كان ~~ماكدوجال شخصا أخرق بليدا، لا يهتم إلا بالويسكي والمولدات ~~المغناطيسية. لكن الطبيب لم يكن ليصدق أبدا أن ثمة رجلا أبيض أحمق، ~~فكان يحاول كل ليلة تقريبا أن يشركه فيما لا يزال يسميه «حديثا ~~راقيا»: لكن النتائج كانت غير مرضية بالمرة. # ورث كو سلا أربعمائة روبية بموجب وصية فلوري، فأنشأ مع أسرته مقهى ~~في البازار. لكن المقهى خسر، وهو ما لم يكن منه مفر مع مشاجرات ~~المرأتين طوال الوقت بداخله، فاضطر كو سلا وبا بي إلى العودة إلى ~~الخدمة. كان كو سلا خادما بارعا. إلى جانب المهارات المفيدة من جلب ~~المومسات، والتعامل مع المرابين، وحمل السيد إلى فراشه حين يثمل، ~~وإعداد شراب منشط معروف باسم محار البراري في الصباح التالي، كان ~~يستطيع الخياطة والرتق وإعادة ملء الخراطيش، ورعاية الفرس، وكي ~~البذل، وتزيين مائدة الطعام بأشكال متداخلة خلابة من أوراق الأشجار ~~المقصوصة وحبوب الأرز المصبوغة. كان يستحق خمسين روبية شهريا. لكنه ~~هو وبا بي كانا قد استسلما لحياة الخمول أثناء خدمة فلوري، وهكذا ~~طردا من وظيفة تلو الأخرى. وقد مر عليهما عام صعب عانيا فيه الفقر، ~~وأصيب با شين الصغير بالسعال، حتى مات به أخيرا ذات ليلة كان الحر ~~فيها خانقا. يعمل كو سلا الآن خادما ثانويا لدى تاجر أرز في رانجون ~~لديه زوجة مصابة بالعصاب تتذمر بلا انقطاع، وصار با بي سقاء في نفس ~~المنزل مقابل ست عشرة روبية في الشهر. أما ما هلا ماي فأصبحت في بيت ~~دعارة في ماندالاي. كاد يزول عنها حسنها، وكان زبائنها يدفعون لها ~~أربع آنات فقط وأحيانا يركلونها ويضربونها. وكانت تتندم على الأوقات ~~الطيبة حين كان فلوري على قيد ms264 الحياة، ربما بمرارة أكثر من أي من ~~الآخرين، حيث لم تتحل بالحكمة لادخار أي من النقود التي كانت ~~تنتزعها منه. # حقق يو بو كين كل أحلامه ما عدا واحدا. بعد إلحاق العار بالطبيب، لم ~~يكن ثمة مفر من انتخاب يو بو كين لعضوية النادي، وقد انتخب، رغم ~~احتجاجات صارمة من إليس. وفي نهاية المطاف أضحى الأوروبيون سعداء بعض ~~الشيء أنهم انتخبوه؛ فقد كان إضافة للنادي يسعهم احتمالها. فلم يكن ~~يأتي كثيرا، وكان مداهنا في سلوكه، ويدعوهم إلى الشراب على حسابه بلا ~~حدود، وتطور سريعا إلى لاعب بريدج بارع. بعد بضعة أشهر نقل من ~~كياوكتادا ورقي. وظل يشغل منصب نائب المفوض، عاما كاملا، قبل ~~تقاعده، وخلال هذا العام جنى عشرين ألف روبية من الرشاوى. وبعد تقاعده ~~بشهر، دعي إلى حفل رسمي في رانجون، لتسلم الوسام الذي منحته له ~~الحكومة الهندية. # وقد كان مشهدا مذهلا، ذلك الحفل. فوق المنصة علقت الأعلام ~~والزهور، وجلس الحاكم، يرتدي معطفا طويلا رسميا، على شيء شبيه ~~بالعرش، وراءه مجموعة من الضباط المعاونين والسكرتارية. وفي أنحاء ~~القاعة وقف حرس الحاكم من جنود الخيالة الهنود الملتحين، بقاماتهم ~~الطويلة، مثل تماثيل شمع لامعة، في أياديهم رماح ذات رايات. وبالخارج ~~كان ثمة فرقة موسيقية تصخب بالموسيقى من حين إلى آخر. تألقت الشرفة ~~بالبلوزات البيضاء للسيدات البورميات وأوشحتهن الوردية، وفي قلب القاعة ~~كان مائة رجل أو يزيد في انتظار استلام أوسمتهم. كان هناك مسئولون ~~بورميون في أزر لامعة من ماندالاي، وهنود بعمامات من قماش منسوج من ~~الذهب، وضباط بريطانيون بكامل زيهم الرسمي تقعقع أغمدة سيوفهم، وعمد ~~قرى شيوخ عقدت شعورهم الرمادية خلف رءوسهم وتدلت سيوفهم بمقابضها ~~الفضية من أكتفاهم. راح أحد السكرتارية يقرأ بصوت جهوري واضح قائمة ~~الجوائز، التي تراوحت من وسام الإمبراطورية الهندية برتبة زميل إلى ~~شهادات شرف داخل صناديق فضية منقوشة. ما لبث أن جاء دور يو بو كين حيث ~~تلا السكرتير المكتوب في القائمة قائلا: ~~«إلى يو بو كين، مساعد نائب مفوض، متقاعد، جزاء على خدمته الممتدة ~~والمخلصة ولا ms265 سيما تعاونه في الوقت المناسب في سحق تمرد شديد الخطورة ~~في منطقة كياوكتادا ... إلخ.» # هنا أنهض يو بو كين على قدميه اثنان من الأتباع اللذين وضعا هناك ~~لذلك الغرض، ثم سار متمايلا إلى المنصة، وانحنى بقدر ما أتاحت له ~~بطنه، وتقلد الوسام حسب الأصول وهنئ، فيما أخذت ما كين ومؤيدون ~~آخرون يصفقون بحماس ويرفرفون بأوشحتهم من الشرفة. # كان يو بو كين قد جنى كل ما قد يجنيه رجل فان، وحان الوقت الآن ~~للتأهب للعالم الآخر، بعبارة مختصرة، الشروع في بناء معابد. لكن للأسف، ~~كانت هذه هي النقطة التي أخفقت فيها خططه. بعد احتفال الحاكم بثلاثة ~~أيام فقط، قبل وضع ولو لبنة واحدة في تلك المعابد المكفرة عن الذنوب، ~~أصابت يو بو كين سكتة دماغية وقضى نحبه دون أن ينبس بكلمة مرة أخرى. ~~فلا يوجد رادع للقدر. انفطر قلب ما كين للكارثة. فحتى إذا بنت المعابد ~~بنفسها، لن تفيد يو بو كين بشيء؛ إذ لا يكسب المرء الحسنات إلا ~~بأعماله. إنها تتألم بالغ الألم حين يرد على بالها أين أصبح يو بو كين ~~حتما الآن؛ يهيم في جحيم مريع مجهول تحت الأرض، حيث الظلام والأفاعي ~~والجن. حتى إذا كان قد نجا من الاحتمال الأسوأ، فقد تحقق خوفه الآخر، ~~وعاد إلى الأرض في جسد فأر أو ضفدعة. ربما يلتهمه الآن ثعبان في هذه ~~اللحظة نفسها. # أما إليزابيث، فقد آل بها الحال مآلا أفضل مما كانت تتوقع. بعد ~~وفاة فلوري تخلت السيدة لاكرستين عن كل تظاهر في الحال، وقالت صراحة ~~إنه لا يوجد رجال في هذا المكان الكريه وإن الأمل الوحيد هو الذهاب إلى ~~رانجون أو مايمو والبقاء هناك عدة أشهر. لكنها لا تستطيع مطلقا أن ~~ترسل إليزابيث إلى رانجون أو مايمو بمفردها، وذهابها معها يعني الحكم ~~على السيد لاكرستين بالموت بالهذيان الارتعاشي. مرت شهور، وبلغت ~~الأمطار الذروة، وكانت إليزابيث قد عقدت العزم للتو على العودة إلى ~~الوطن بعد كل ما كان، بلا نقود وبلا زوج، حين تقدم السيد ماكجريجور ~~للزواج منها. كانت ms266 الفكرة في رأسه منذ وقت طويل؛ لكنه بالطبع كان في ~~انتظار مرور فترة كافية على وفاة فلوري. # وقد وافقت إليزابيث عليه مسرورة. كان عجوزا بعض الشيء، لكن مندوب ~~المفوض ليس بالمنصب الذي يستهان به، لا شك أنه كان زوجا أفضل بكثير ~~من فلوري. وهما الآن يعيشان في سعادة كبيرة. طالما كان السيد ماكجريجور ~~رجلا سمحا، لكنه صار أكثر إنسانية ولطفا منذ زواجه. كما انخفض دوي ~~صوته، وتوقف عن ممارسة تمارينه الصباحية. وزادت إليزابيث نضجا بسرعة ~~مدهشة، وبرزت صرامة ما طالما اتسم ~~بها أسلوبها. إذ يعيش خدمها في رعب منها، ولو أنها لا تتحدث ~~البورمية. وقد أصبح لديها معرفة شاملة بالقائمة المدنية، فصارت تقيم ~~حفلات عشاء صغيرة ممتعة، مدركة كيف تضع زوجات المسئولين التابعين في ~~أماكنهن. إنها باختصار تملأ بمنتهى النجاح الموقع الذي خلقتها لأجله ~~الطبيعة منذ البداية، موقع زوجة مسئول بريطاني في الهند. ms267