######OpenITI# #META# URI: 1450DinaCadilGhurab.BilaQuyud.Hindawi46494205 #META# Tags: history #META# ID: 46494205 #META# Title: بلا قيود: تقنيات حرَّرت البشر ودفعتهم لحافة الهاوية #META# AuthorID: 50637395 #META# Author: ريتشارد إل كوريير #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 79161826 #META# Translator: دينا عادل غراب #META# Related_books: 1450RichardLCurrier.Unbound (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - منطلق الرئيسيات‏ # 2 - تقنية الحراب وعصي الحفر‏ # 3 - تقنية النار‏ # 4 - تقنيات الملبس والمسكن‏ # 5 - تقنية التواصل الرمزي‏ # 6 - تقنية الزراعة‏ # 7 - تقنيات التفاعل‏ # 8 - تقنية الآلات الدقيقة‏ # 9 - تقنية المعلومات الرقمية‏ # 10 - عالمنا على حافة الهاوية‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - منطلق الرئيسيات‏ # 2 - تقنية الحراب وعصي الحفر‏ # 3 - تقنية النار‏ # 4 - تقنيات الملبس والمسكن‏ # 5 - تقنية التواصل الرمزي‏ # 6 - تقنية الزراعة‏ # 7 - تقنيات التفاعل‏ # 8 - تقنية الآلات الدقيقة‏ # 9 - تقنية المعلومات الرقمية‏ # 10 - عالمنا على حافة الهاوية‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # | بلا قيود # | بلا قيود # | تقنيات حررت البشر ودفعتهم لحافة الهاوية # تأليف # ريتشارد إل كوريير # ترجمة # دينا عادل غراب # مراجعة # هاني فتحي سليمان # | شكر وتقدير # أود أن أعبر عن خالص امتناني لمن ساهموا بطرق ملموسة في إتمام هذا الكتاب ~~بنجاح. # في مرحلة مبكرة من عملية وضع مخطوط الكتاب، ساعدني زملائي من اختصاصيي علم الإنسان، ~~جاك إم بوتر وروبرت بيتس جرابر وريتشارد روبينز وآنك سانكيان، بنصائحهم المفيدة ودعمهم ~~السخي، وهو الأمر الذي أعانني كثيرا في العثور على ناشر جيد. كذلك ثابر ابني جاي كوريير ~~على قراءة مسودة أولية للكتاب ورد بملاحظات غزيرة. علاوة على ذلك، واظب كل من ابني ~~تشاد كوريير وابنتي ريبيكا ماير على تشجيعي على مدار الشهور الطويلة التي قضيتها في كتابة ~~المخطوط، كما ساعدني زوج ابنتي كريستوفر ماير في إنقاذ ملفاتي العزيزة من أن تصير في طي ~~النسيان حين أصاب العطب القرص الصلب في كمبيوتري الشخصي. أما أصدقائي، ريتشارد فولي وأليشا ~~لارسون وتيري لي وايلدر، فقد قرءوا أول مسودة كاملة، وأعطوني ملاحظات مفيدة وفي ~~حينها. # كذلك تكرم علي الكثير من الأفراد والمؤسسات بالسماح لي بإعادة طباعة العديد من أفضل ~~الأشكال في هذا الكتاب، ومنهم فرانس لانتينج وجون ريدر وريتشارد داتون ومايك ستوري، ومجلة ~~«جورنال أوف هيومان إفوليوشن» التي تصدر عن دار نشر إلسيفير، وشركة سكالديجيري، وبرنامج ~~آفاق العلم في جامعة كانتربري في نيوزلاندا، ومركز فلوريدا للتقنية التعليمية، وموقع ~~التحديد المختبري للأمراض الطفيلية التابع ms001 لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. # وأتقدم بخالص الشكر إلى ثلاثة أشخاص متميزين، ربما ما كان هذا الكتاب سيرى النور ~~لولاهم . وهم وكيلي روجر ويليامز، الذي لم يشك قط في إمكانية إنجاز مشروع هذا الكتاب، ولم ~~تهتز ثقته ولا حماسته حيال مستقبله بتاتا، وظل يعمل بلا كلل لضمان الحصول على عقد جيد ~~مع ناشر ممتاز. ومحرري كال باركسديل، وقراءته المتروية للمخطوط الأخير، واقتراحاته ~~التحريرية القيمة المتعددة، ودوره المحوري في الوصول إلى العنوان النهائي للكتاب؛ فكل ~~هذا جعل هذا الكتاب أفضل كثيرا عما كان سيصبح من دونه. وأخيرا شريكة حياتي كارا إل كيث، ~~التي لا يمكنني أن أوفيها حقها من التقدير لإسهاماتها الجبارة في هذا الكتاب؛ فقد قرأت ~~المخطوط كاملا عدة مرات - بعين محرر دقيق الملاحظة، وبحساسيتها التي لا تعرف تساهلا ~~إزاء أي شيء غير ضروري أو غير منطقي - وشاركت بطرق لا تحصى في جعل كل فصل محددا ~~وواضحا. كذلك كانت ثقتها اللانهائية هي التي ترفع معنوياتي حين تتأزم الأمور، وهي التي ~~أدين لحكمتها وحبها ودعمها بالفضل الأكبر. # | مقدمة # تمر كل الحقائق بثلاث مراحل؛ في المرحلة الأولى تقابل بالسخرية، وفي المرحلة ~~الثانية تعارض معارضة عنيفة، وفي المرحلة الثالثة تقبل كأنها بدهية. # مجهول # 1 # منذ خمسة وستين مليون عام اصطدم بكوكب الأرض قبالة ساحل جنوب المكسيك كويكب يفوق عرضه ~~ستة أميال، ويطير بسرعة 67 ألف ميل في الساعة، بقوة تفوق قوة القنبلة الذرية التي أسقطت ~~على هيروشيما بخمسمائة مليون مرة. وقد أسفر هذا الحدث عن اختلالات رئيسية في مناخ الأرض، ~~مؤديا في النهاية إلى كارثة بيئية نتج عنها انقراض الديناصورات و75 بالمائة من كل الأنواع ~~الحية على وجه الأرض. # وإننا الآن في خضم عملية انقراض جماعي آخر للنباتات والحيوانات ناتجة عن النشاط ~~البشري، وقد تصبح في النهاية فتاكة، شأنها في ذلك شأن حالات الانقراض الجماعي الخمس التي ~~وقعت في التاريخ الجيولوجي للأرض. ويعتقد أغلب علماء الأحياء أن أكثر من نصف الأشياء الحية ~~ستنقرض خلال القرن أو القرنين القادمين، مع تبعات مجهولة على المستقبل ms002 والعدد المتناقص من ~~الأنواع التي ستظل حية. # لم نعد نحن البشر نوعا من الصيادين وجامعي الثمار البسطاء الذين يعيشون داخل حدود ~~عالم طبيعي مستقر، وإنما صرنا بعد تحررنا من الكثير من عقباتنا الطبيعية بفضل التقدم ~~التقني المستمر، سادة الغلاف الحيوي المحررين من القيود. # على مدار الخمسة ملايين سنة السابقة، غيرت ثماني تقنيات العلاقة بين الجنس البشري ~~والبيئة الطبيعية تغييرا بالغا، محررة إيانا من قوى الطبيعة التي تحد حريات كل مجموعات ~~الكائنات الحية الأخرى. وتدريجيا أحدثت كل من هذه التقنيات تحولا أو انسلاخا كبيرا ~~في حياة البشر والمجتمع؛ فطورت هذه التحولات بنية أجسادنا، ووسعت قدرات عقولنا، وأثمرت ~~عن مجتمعات بشرية ليس لها مثيل في حجمها وقوتها. # سيطر الجنس البشري في العصر الحديث على جميع بيئات الأرض الطبيعية تقريبا، وأحدث ~~تحولا جوهريا في الكوكب بأسره ليصبح وحدة إنتاج هائلة من أجل منفعته وحده. وأثناء هذا ~~استولى الجنس البشري حديث التحرر من قيوده على جزء كبير من البيئة الطبيعية، ولوث تربة ~~الأرض ومحيطاتها وغلافها الجوي، وجعل عالمنا على حافة كارثة. # يتفرد الجنس البشري بين كل كائنات الأرض في قدرته على الاستيعاب والتخطيط للمدى الطويل، ~~إلا أننا ما زلنا نتحرك مدفوعين بغرائز حيوانية قديمة، من بينها التوسع والتكاثر لأقصى ~~حد ممكن. أما الكائنات الأخرى فهي محدودة في قدرتها على التكاثر بطبيعة علاقتها الثابتة ~~نسبيا مع البيئة، لكن التكنولوجيا جعلت استمرارية تكاثرنا أمرا ممكنا من خلال تمكيننا ~~من الفرار من قيود قدرنا الحيوي، حتى بعد أن جعلنا العالم قاب قوسين أو أدنى من مستقبل ~~مبهم وربما كارثي. # منذ خمسة ملايين سنة شجعنا استخدام أسلافنا الشبيهين بالقرود الحراب المصنوعة وعصي ~~الحفر على الوقوف والسير والركض ونحن منتصبو القامة. أثمر هذا التطور في النهاية عن إعادة ~~هيكلة جذرية في تشريح الثدييات حررت القوائم الأمامية من مسئوليات الحركة. استطاع أسلافنا ~~باستخدام قوائمهم الأمامية القوية وأياديهم الماهرة أن يسيطروا على النار ويصمموا ~~الملابس ويشيدوا المساكن. وحررتنا هذه التقنيات من الحاجة للعيش في البيئات المدارية ~~حيث نشأنا، وسمحت لنا بأن ms003 نسكن المناطق المعتدلة الشاسعة في أوروبا وآسيا. # منذ مائة ألف عام أو أكثر حين بدأنا استخدام الرموز اللفظية والمرئية للتواصل، حررنا ~~أنفسنا من حدود التجربة الشخصية المباشرة، واكتسبنا القدرة على مشاركة المعلومات عبر الزمان ~~والمكان؛ ما مكننا من تجميع معرفتنا مع الآخرين وتنمية الثقافات التي توارثتها الأجيال في ~~تراث شفهي من الأغاني والحكايات والأساطير. # منذ عشرة آلاف عام حررتنا تقنية الزراعة من البحث الدائم عن الغذاء الذي يشغل اهتمام كل ~~الأنواع الحيوانية الأخرى. وفي أثناء ذلك لم نعد مجبرين على التجوال بلا نهاية، الذي ~~طالما كان مصيرنا حين كنا صيادين وجامعي ثمار؛ فبدأنا نزرع غذاءنا، ونعيش في قرى، ~~ونكدس كلا من الثروة المادية والمعرفة والحكمة التي أورثناها إلى نسلنا. # منذ خمسة آلاف سنة خلت اخترعنا تقنيات جديدة قوية للنقل والاتصال، شملت هذه التقنيات ~~سفنا كبيرة عابرة للبحار، وعربات تجرها الدواب، وأشكالا من الكتابة مكنتنا من تدوين ~~المعلومات للأجيال القادمة ومن التواصل مع الآخرين عبر مسافات بعيدة. أتاحت لنا تقنيات ~~التواصل هذه بناء المدن وتكوين الحضارات، واستحداث أشكال متزايدة التطور من الفن والعلوم ~~والتجارة والحروب والدين التي سرعان ما رفعت البشرية إلى موقع جديد من التفوق على كل أشكال ~~الحياة الأخرى. # منذ خمسمائة سنة عتقتنا الآلات الدقيقة من ساعات وسدسيات وبوصلات ومجاهر وتلسكوبات من ~~قيود أعضائنا الحسية المجردة، ومنذ أكثر من مائتي عام بقليل حررتنا تقنية المحركات ~~المترددة من اعتمادنا القديم على القوة البدنية للجسد الإنساني ولدوابنا؛ ونتيجة لهذا ~~أخضعنا العالم بقوى العلم وآلات الصناعة، وأنشأنا أمما واسعة حيث يعيش ملايين الناس ~~ويعملون معا بوصفهم أعضاء في مجتمع إنساني واحد. # ويجرى الآن تحول ثامن تقود إليه تقنية المعلومات الرقمية المهمة، التي جعلت من ~~الممكن لكل البشر التزاور والاتصال بعضهم ببعض في أي مكان على وجه الأرض؛ وهو ما مكننا ~~من إقامة ثقافة ومجتمع عالميين يتخطيان الحدود القومية. سيكون التحدي الذي سيواجه ~~البشرية هو تبني هذه الحضارة العالمية دون التضحية، سواء بالحريات الشخصية أو الهويات ~~العرقية التي نحتاجها جميعا لتحقيق أهدافنا في ms004 الحياة والانتماء إلى شيء أكبر من ~~أنفسنا. # لكن قبل أن نبدأ القصة المهمة عن كيفية تحرير التقنية للبشر من قيود أصولهم البدائية، ~~أود تعريف أربعة مفاهيم أساسية استخدمتها في هذا الكتاب بطرق خارجة عن المألوف قليلا، ~~وتوضيحها. هذه المفاهيم هي: (1) طبيعة التقنية بالمعنى الأوسع للكلمة. (2) قراري استخدام ~~مصطلح «أشباه البشر» بدلا من مصطلح «أسلاف الإنسان» الأكثر رواجا الآن. (3) المراحل ~~الثلاث المتمايزة لتطور البشر كما حدثت على مدار الخمسة ملايين سنة الماضية. (4) الاختلاف ~~الأساسي بين الثورة والتحول. # طبيعة التقنية # في الخطاب الحديث نستخدم كلمة «تقنية» بوجه عام عند الإشارة إلى أعقد آلات الحياة ~~الحديثة وتراكيبها وأدواتها وآلياتها وعملياتها؛ أشياء على غرار المركبات الفضائية ~~والأنظمة الآلية والعمليات الكيميائية والشبكات الحاسوبية والأجهزة الإلكترونية، لكنني ~~استخدمت كلمة «تقنية» في هذا الكتاب كما عرفها اختصاصيو علم الإنسان وعلم ~~الرئيسيات، الذين صادفوا تقنيات سابقة للصناعة في مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار ~~القديمة وفي المجتمعات البدائية لقردة الشمبانزي البرية. بناء على هذا وصف اختصاصيو ~~علم الإنسان التقنية - في أوسع وأشمل معانيها - بأنها التعديل المتعمد لأي شيء أو ~~مادة طبيعية بترو لتحقيق غاية محددة أو خدمة غرض بعينه. دائما ما اعتبر اختصاصيو علم ~~الإنسان الأدوات والأسلحة والملابس ومساكن مجتمعات الصيد وجمع الثمار تقنيات حقيقية. ~~ويتبع هذا الكتاب هذه الرؤية التقليدية بحرص. # على عكس التقنيات البسيطة جدا التي يستخدمها الشمبانزي وسائر الحيوانات، تنطوي أغلب ~~التقنيات البشرية على عمليات معقدة ومواد متعددة تستخدم معا لتحقيق غاية محددة. على ~~سبيل المثال كان القوس والسهم المستخدمان فيما قبل التاريخ مصنوعين عادة من رءوس ~~حجرية وريش طيور مثبتة على الطرفين المتقابلين لعود خشبي بصمغ نباتي ومربوطة معا ~~بأوتار حيوان، ولم يكن كل من هذه المواد تشتق من مصدر مختلف فحسب، لكن كانت تحتاج ~~إلى عملية خاصة في استخراجها وتحضيرها أيضا، إلا أننا دائما ما نعتبر القوس والرمح ~~تقنية واحدة. كل من التقنيات الثماني الرئيسية التي جاء وصفها في هذا الكتاب هي في ~~الواقع مجموعة معقدة من الأشياء والعمليات؛ ما يربط كلا منها معا ككيان ms005 واحد هو ~~الغرض المشترك الذي اخترع كل منها من أجله واستخدم. # أشباه البشر أم أسلاف الإنسان أم الهومينينا؟ # طوال المائتين وخمسين سنة الماضية كانت كل الرئيسيات ذات القدمين والمنتصبة القامة ~~تماما في شجرة العائلة البشرية تسمى أشباه البشر (الهومينيد) # hominids ~~، وهي كلمة مشتقة من المصطلح اللاتيني # Hominidae ~~(ويعني بالعربية أشباه البشر) الذي ~~عرفه في الأصل عالم التاريخ الطبيعي السويدي كارلوس لينيوس، الذي وضع الطريقة العلمية ~~الحديثة لتصنيف الأنواع. وظل العلماء والكتاب لعقود عدة يستخدمون مصطلح «أشباه البشر» ~~في الإشارة لكل الأنواع ما قبل التاريخية والحديثة، التي تسير وتركض في انتصاب كامل ~~متحررة الذراعين واليدين، على نحو فريد بين الحيوانات العليا، لصنع الأشياء ~~وحملها. # لكن تغير المعنى القديم لمصطلح «أشباه البشر» في تسعينيات القرن العشرين، حين ~~أدخلت تجديدات رئيسية على تصنيف السعادين والقرود التي تنتمي إلى رتبة الثدييات ~~المسماة بالرئيسيات؛ إذ جعلت التطورات في تحليل الحمض النووي في تسعينيات القرن ~~العشرين تقدير المسافة الجينية بين أحد الأنواع ونوع آخر بدقة أمرا ممكنا، ولما ~~تبين أن المسافة الجينية بين البشر والقردة العليا - مثل الشمبانزي والغوريلا - ~~قليلة نسبيا، فقد عدل التصنيف بدرجة كبيرة. # وفي التصنيف الجديد ألغيت البنجيدات - الفصيلة البيولوجية التي ضمت في الماضي ~~الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب - ووضعت كل هذه الأنواع جميعها مع البشر في فصيلة ~~أشباه البشر؛ لهذا لم يعد مصطلح «أشباه البشر»، في لغة المتخصصين، يعني «فصيلة إنسان ~~العصر الحديث وإنسان ما قبل التاريخ»، وإنما يعني الآن بالمعنى الدقيق «فصيلة إنسان ~~العصر الحديث وما قبل التاريخ والشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب». # وبمجرد أن صار مصطلح الأناسي أو أشباه البشر غير مقتصر على الحيوانات ذات القدمين، ~~بدأ اختصاصيو علم الإنسان وعلماء الحفريات يستخدمون مصطلح «أسلاف الإنسان» في الإشارة ~~إلى بشر العصر الحديث وما قبل التاريخ، لكن مع الأسف لدى مصطلح «أسلاف الإنسان» مشكلة ~~«أشباه البشر» ذاتها بالضبط؛ لأن فصيلة أشباه البشر لا تشتمل فقط على البشر، وإنما ~~الغوريلا والشمبانزي أيضا، ولا تشتمل فصيلة أسلاف الإنسان على البشر فقط، ولكن على ~~الشمبانزي أيضا. ms006 # من ثم لا يشير أي من «أشباه البشر» أو «أسلاف الإنسان» بالمعنى الدقيق إلى بشر ما ~~قبل التاريخ والعصر الحديث بصفة حصرية. في الواقع، المصطلح العلمي الوحيد المتبقي ~~الذي يشير حصريا إلى البشر منتصبي القامة ذوي القدمين، سواء في العصر الحديث أو ما ~~قبل التاريخ، هو فصيلة الهومينينا، لكن يمكننا أن نلتمس عذرا للكتاب والعلماء الذين ~~ما زالوا يواجهون صعوبة مع التغيير من «أشباه البشر» إلى «أسلاف الإنسان» لإحجامهم عن ~~الانتقال مرة أخرى إلى مصطلح «هومينينا» غير المستخدم والمعروف فقط لدى القلة، لا ~~سيما حين نضع في الاعتبار أن فصيلة الهومينينا قد يلم بها المصير نفسه الذي حاق ~~بأسلافها. اقترح بعض العلماء أن يعاد تصنيف الشمبانزي باعتباره نوعا من جنسنا؛ جنس ~~الهومو. إن حدث هذا فحتى الهومينينا سيضم الشمبانزي؛ الحيوان الرباعي الأرجل غير ~~المؤهل للحركة على قدمين على نحو صحيح وغير القادر عليها، والذي لا يمكن إجازته كفرد ~~من أفراد العائلة البشرية في أبعد ضروب الخيال. # 2 # لكل هذه الأسباب استخدمت المصطلح التقليدي «أشباه البشر» طوال الكتاب باعتباره ~~المصطلح المفضل لكل الأنواع ذات القدمين فيما قبل التاريخ وفي العصر الحديث في شجرة ~~العائلة البشرية. على عكس «أسلاف الإنسان» - الذي صار مؤخرا مصطلحا مفضلا في علم ~~الإنسان القديم وعلم الحفريات الأكاديميين - ظل مصطلح «أشباه البشر» جزءا من القاموس ~~العلمي لقرون، وصار مقبولا وراسخا في الاستخدام العام، وما زال كل القراء المثقفين ~~يعرفونه ويفهمونه. والأهم أنه ليس أقل ملائمة من مصطلح «أسلاف الإنسان»، مع وضع ~~التعريفات الحالية لمصطلحات أشباه البشر والقردة العليا وأسلاف الإنسان في ~~الاعتبار. # المراحل الثلاث المتمايزة لتطور الإنسان # حين نطالع بدايات تطور الإنسان الأولى نستطيع أن نرى أنه جرى في ثلاث مراحل ~~متمايزة. كان لأشباه البشر في كل مرحلة تشريح مميز، وتنوع مميز في أحجام الدماغ، ~~ومجموعة مميزة من الأدوات والأسلحة، وتوزيع جغرافي مميز. يمكن تحديد الأنواع التي ~~تمثل هذه المراحل الثلاث بسهولة بتقسميها إلى ثلاث مجموعات، سأشير إليها في هذا الكتاب ~~بأسماء «أشباه البشر الأوائل» و«البشر الناشئين» و«بشر ms007 العصر الحديث». # بدأت المرحلة الأولى - مرحلة أشباه البشر الأوائل - منذ نحو خمسة ملايين عام، حين ~~تطور لدى قردة ما قبل التاريخ تدريجيا القدرة على الوقوف والسير والركض بقامة ~~منتصبة تماما. البقايا الأحفورية الشهيرة للوسي، واحدة من أقدم أشباه البشر الأوائل ~~هؤلاء، كانت من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينسيس، وحاليا يعرف علماء الحفريات خمسة ~~أنواع أخرى على الأقل. # صنع أشباه البشر الأوائل أدوات حجرية بدائية من نوعية «أولدوان»، لكنهم لم يتركوا ~~دليلا على استخدام النار أو العيش في الكهوف. ورغم أنهم كانوا يقفون ويسيرون ويركضون ~~بقامة منتصبة، فقد ظلوا محتفظين بالأذرع الطويلة، وعظام الأصابع المتقوسة، وأصابع ~~الأقدام الطويلة، والأكتاف الضيقة التي تميز بها أسلافهم ساكنو الأشجار. استمرار هذه ~~السمات الشبيهة بالقردة في أشباه البشر الأوائل ذوي القامة المنتصبة لهو دليل مقنع ~~على أنهم استمروا في تسلق أعالي الأشجار حتى يناموا ليلا لتجنب الحيوانات المفترسة ~~الضخمة، خاصة القطط الكبيرة التي كانت أخطر أعدائهم الطبيعيين. # ورغم أن أشباه البشر الأوائل كانوا مبتكرين وواسعي الحيلة، إلا أنه غير مرجح أنهم ~~كانوا أكثر ذكاء من القردة العليا بدرجة كبيرة؛ فمقارنة بدماغ إنسان العصر الحديث ~~الذي يبلغ متوسط حجمه 1400 سنتيمتر مكعب تقريبا، كان دماغ أشباه البشر الأوائل أكبر ~~قليلا من مخ الشمبانزي النموذجي البالغ 375 سنتيمترا مكعبا، ولم تكبر أدمغتهم بدرجة ~~كبيرة قط خلال ملايين السنين التي سكنوا فيها أفريقيا الاستوائية. # لا بد أن يرى التاريخ الطويل لأشباه البشر الأوائل باعتباره التأقلم الموفق لوضع ~~القامة المنتصبة والتحرك على قدمين لدى رئيسيات لديها القدرات الذهنية لقردة شديدة ~~الذكاء. صنعت هذه الكائنات الحراب وعصي الحفر، ونجحت في صيد حيوانات أخرى وقتلها، ~~ودافعت عن أنفسها ضد أعدائها الطبيعيين، وعاشت في ازدهار نحو أربعة ملايين سنة. وهي ~~فترة زمنية أكثر 800 مرة تقريبا من التاريخ الكامل للحضارة المدنية التي بدأت في بلاد ~~الرافدين القديمة منذ خمسة آلاف عام. # في وقت ما في الماضي بعد مرور مليوني سنة، بدأ يظهر في القارة الأفريقية جماعة من ~~أشباه البشر أكثر تطورا بكثير، وذوي أدمغة ms008 أكبر حجما بدرجة كبيرة. على مدار المليون ~~سنة التالية تقريبا تفوق هؤلاء البشر الناشئون بالتدريج بأدواتهم الحجرية الأشولية ~~المتقدمة وتقنياتهم، وحلوا محل أشباه البشر الأوائل الأكثر بدائية . ومنذ ما يقرب من ~~مليون عام كانت كل الآثار الدالة على وجود أشباه البشر الأوائل قد اختفت من سجل ~~الحفريات، كانوا قد انقرضوا على ما يبدو. # كان البشر الناشئون أكبر حجما وأطول قامة، بالأكتاف العريضة والخصور النحيفة التي ~~تمتاز بها جماعات بشر العصر الحديث. علاوة على ذلك كانت أصابعهم مستقيمة وليست مقوسة، ~~وأذرعهم أقصر، وأصابع أقدامهم قصيرة وعريضة. وهذا يدل على أن البشر الناشئين لم يعودوا ~~قادرين على التكيف مع تسلق الأشجار للنوم ليلا؛ فقد صار البشر الناشئون يسكنون ~~الكهوف، واستحدثوا استراتيجية مختلفة - استخدام النار - لحماية أنفسهم من الضواري ~~الكبيرة والخطيرة في بيئتهم. # هاجر من أفريقيا الهومو إريكتوس (الإنسان المنتصب)، الأهم والأنجح بين البشر ~~الناشئين، وسكن البيئات المدارية في جنوب وشرق آسيا، واستقر في النهاية في أنحاء ~~الدوائر الشمالية الأبرد في أوراسيا، من الجزر البريطانية حتى الصين. دماغ الإنسان ~~المنتصب التي بلغ متوسط حجمها 650 سنتيمترا مكعبا تقريبا في أقدم الاكتشافات، زاد ~~حجمها حتى وصلت إلى 1250 سنتيمترا مكعبا، يظل في الحد الطبيعي لمقياس إنسان العصر ~~الحديث. كان الهومو إريكتوس هو من عبر في حسم الهوة الفاصلة بين البشرية وسائر عالم ~~الحيوان. # أخيرا بدأ أول بشر العصر الحديث في الظهور في أفريقيا، منذ 250 ألف عام تقريبا، ~~حاملين أدمغة عملاقة بحجم 1300 و1400 سنتيمتر مكعب؛ ثلاثة أضعاف حجم دماغ أشباه البشر ~~الأوائل تقريبا. انتشر الهومو سيبيانز (الإنسان العاقل)، في أرجاء القارة الأفريقية، ~~بينما هاجرت مجموعات أخرى من بشر العصر الحديث إلى أوروبا وآسيا. وضم نسلهم إنسان ~~النياندرتال، الذي اصطاد الماموث الصوفي، ووحيد القرن الصوفي خلال العصور الجليدية ~~الأخيرة والإنسان الحديث تشريحيا، الذي رسم رسومات جدران الكهوف الشهيرة في فرنسا ~~وإسبانيا قبل التاريخ. # في فترة ما بين خمسة وعشرين ألفا وخمسة عشر ألف عام مضت، عبرت بعض قبائل الإنسان ~~الحديث تشريحيا التي كانت تعيش ms009 في سيبيريا إلى ألاسكا، وانتشرت سريعا في جميع أنحاء ~~أمريكا الشمالية والجنوبية، وأتمت الغزو البشري لكل قارات الأرض. # هكذا كان أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون والإنسان الحديث الثلاث جماعات السائدة ~~خلال كل من المراحل الرئيسية في تطور البشرية. عاش أشباه البشر الأوائل ما يربو عن ~~أربعة ملايين عام، وعاش البشر الناشئون نحو مليوني عام. ونحن البشر الحديثون بعقولنا ~~«المتفوقة» سكنا هذه الأرض منذ ربع مليون سنة على أكثر تقدير؛ ثمن مدة البشر ~~الناشئين، وسدس مدة أشباه البشر الأوائل. وأمام الإنسان الحديث طريق طويل قبل أن ~~يتساوى مع أقدم أسلافه في طول البقاء. # ثمانية تحولات، عدة ثورات # رغم ظهور ثورات عديدة واختفائها على امتداد التاريخ البشري، لم تمر البشرية إلا ~~بسبعة تحولات أو انسلاخات رئيسية. سميت بعض هذه التحولات ثورات (كثيرا ما يسمى ~~التحول الخاص بالزراعة ثورة العصر الحجري الحديث، ويعرف التحول الخاص بالعلوم ~~والصناعة على نحو شائع بالثورة الصناعية). # لكن تستخدم كلمة «ثورة» أيضا لوصف أي تغير مفاجئ وجذري في هيكل سلطة سياسية معينة ~~أو في مجال ثقافي معين، وهو ما يشمل العلوم والتقنية والفن. أما التحول فيصف تغيرا ~~جذريا في كل جوانب الثقافة والمجتمع؛ الغذاء، والسكن، والعلاقات الاجتماعية، والسلوك ~~الاقتصادي، وحجم المجموعة والتقنيات والضغوط التطورية، بل والتشريح البشري ذاته. حدثت ~~آلاف الثورات خلال تطور البشرية وتاريخها، لكن لم يقع سوى القليل من التحولات ~~الحقيقية. # وقعت التحولات الثلاث الأولى منذ ملايين السنين فعليا بين مجتمعات قردة ما قبل ~~التاريخ وأشباه البشر الأوائل والبشر الناشئين. أدت هذه التحولات إلى صناعة أسلحة ~~فتاكة، وتطور وضع القامة كاملة الانتصاب والحركة على قدمين، وتوسع السلوك الجنسي ~~وتعزيزه، والتحكم في النار، وصناعة الملبس والمسكن، واستحداث ذلك الابتكار الذي ~~تفرد به البشر؛ الأسرة النواة أو المصغرة. # حدثت التحولات الثلاث التالية منذ آلاف السنوات، بين مجتمعات البشر الحديثين ~~بيولوجيا. أدت هذه التحولات لاختراع اللغة، والتواصل بالرموز، ونشأة الهويات ~~القبلية والعرقية، واستئناس النباتات والحيوانات، وميلاد الحضارات، وزيادة ضخمة في ~~سكان الأرض من البشر. # وقع التحول السابع الذي أثمر ms010 عن الثورة الصناعية منذ عدة قرون فحسب، وقد وثق ~~توثيقا جيدا بفضل كم هائل من المصادر التاريخية. وقد عزز هذا التحول التقني ~~قدرة البشر على إطعام ذريتهم وحمايتها بدرجة كبيرة، حتى إن الزيادة السكانية البشرية ~~صارت الآن الخطر الأول المتربص ببيئة الأرض. # حاليا يجري تحول ثامن بدأته التقنية الرئيسية للاتصالات الرقمية؛ فلأول مرة في ~~التاريخ الإنساني صار ممكنا لأي شخص على وجه الأرض أن يتواصل مع أي شخص آخر تقريبا ~~على وجه الأرض، سريعا وبتكلفة معقولة. وسوف يحدث تغيير للمجتمع البشري بهذا التحول ~~الأخير بقدر ما تغير بتقنيات الماضي السبع الرئيسية والتحولات السبعة التي أطلقت لها ~~العنان. # فليكن البقاء للفرضية الأصلح # كان هدفي من تأليف هذا الكتاب هو تحديد التحولات البيولوجية والثقافية الرئيسية - ~~والتقنيات التي أفضت إليها - التي وصل بها النوع الإنساني خطوة خطوة إلى حالة معيشية ~~راقية في الوقت الحاضر، ولكن محفوفة بالمخاطر. أثناء ذلك حاولت فهم السمات التشريحية ~~المميزة المتعددة في فصيلة أشباه البشر التي لا وجود لها في أي موضع آخر في مملكة ~~الحيوان، والتي لم تبد لها دائما فائدة تطورية واضحة. # لماذا اتخذ أسلافنا وضع القامة المنتصبة في المقام الأول؟ لماذا فقدنا سلاح الأسنان ~~الفتاك الذي ورثناه من أجدادنا من الرئيسيات وصرنا غير قادرين على الدفاع عن أنفسنا ~~بدون أسلحة مصنعة؟ لماذا إناث البشر هن الثدييات الوحيدة التي ترتفع أثداؤها وتصير ~~متضخمة بصورة دائمة عند بلوغ النضج الجنسي، بصرف النظر عما إن كن في حالة حمل أو ~~إرضاع؟ لماذا يكاد نشاطنا الجنسي أن يكون مستمرا بدلا من أن يكون متسقا مع فترات ~~الخصوبة، كما هو الحال مع كل الأنواع الأخرى؟ كيف أصبحنا الحيوان الوحيد على الأرض الذي ~~تجذبه النار بدلا من أن تصده؟ لماذا فقدنا الغطاء الطبيعي من الفراء الذي لدى كل ~~الرئيسيات الأخرى وصرنا عرايا؟ لماذا نحن البشر، المنحدرون من مجموعة من الثدييات ~~التي تطورت لتعيش فوق الأشجار، صرنا متكيفين للعيش ليس فقط على الأرض، لكن أسفل ~~الأرض فعليا في بعض الحالات، في كهوف سواء ms011 طبيعية أو مصطنعة؟ وكيف تتواءم كل هذه ~~السمات البشرية الفريدة معا ككل متسق؟ # حين تقدم جاليليو بنظرية دوران الأرض حول الشمس استنكرته البابوية وعلماء الفلك في ~~عصره، وأدانوه بالهرطقة، وحكم عليه بالإقامة الجبرية في المنزل مدى الحياة. وحين طرح ~~داروين نظرية تطور النوع البشري من أسلاف يشبهون القرود، قابله علماء عصره بالشك ~~والاحتقار والاستهزاء. # وفي العصور الحديثة لم يكن الباحثون والعلماء أقل ميلا لرفض أي تفسير غير تقليدي، إن ~~كان يعارض مسلمات المعرفة العلمية المألوفة. وقد تبين أن الوضع الكامل، الانتصاب ~~والحركة على قدمين، أقدم مما كان يعتقد في الأصل بملايين السنوات. واستخدام النار أقدم ~~مما كان يظن في الأصل بمئات آلاف السنوات. ويصنع الشمبانزي ويستخدم أدوات متنوعة، ~~وهي المقدرة التي كانت تعتبر في الماضي حكرا على البشر. واتضح أن واقعية فن ما قبل ~~التاريخ المدهشة أقدم بعشرات آلاف السنوات مما كان علماء الحفريات القدامى على استعداد ~~لتصديقه. # القراء المطلعون على دراسة التطور البشري سيجدون أن بعض التفسيرات التي قدمتها ~~فيما يتعلق بأصول الإنسان مناقضة للتفكير العلمي التقليدي. هذا في حد ذاته يجب ألا ~~يزعج أحدا، حيث إن التفكير العلمي التقليدي المعني بأصول الإنسان والتطور البشري قد ~~تغير عدة مرات، وفي بعض الحالات صار ما كان بدعة في أحد الأجيال تقليديا في الجيل ~~التالي. # أغلب الحقائق والنظريات حول التطور البشري المقدمة في هذا الكتاب متسقة مع ~~التفكير العلمي الحالي، وحين لا تكون كذلك حاولت أن أبين لماذا أرى أنه لا بد من ~~تفسير بديل. بعض الفرضيات التي قدمتها في هذا الكتاب قد تكون غير تقليدية، لكنها من ~~وجهة نظري تلائم على أفضل وجه كل الحقائق كما نعرفها. وسيكون على الآخرين تقييم صحتها ~~وتحديد ملاءمتها للبقاء في إطار الفهم العلمي لأصول البشر. # الفصل الأول # | منطلق الرئيسيات # الأدوات والعادات والأمومة والحروب والوطن # لا بد أن نقر أن الإنسان بكل صفاته النبيلة ما زال يحمل في تكوينه بصمة أصله ~~الوضيع المتعذر محوها. # تشارلز داروين، «نشأة الإنسان» # حين طرح تشارلز داروين لأول مرة الفكرة ms012 القائلة بأن الجنس البشري تطور من سلف شبيه ~~للقردة، قوبل بصيحات السخط من رجال الدين والعامة والكثير من علماء ومثقفي عصره؛ فرغم ~~كل أوجه الشبه الملحوظة بين الجسد البشري وأجساد السعادين والقردة ، فقد صور داروين ~~مهرطقا ناقضت نظرياته قصة الخلق في الإنجيل، بل والاعتقاد الشائع بأن الجنس البشري أكثر ~~تميزا بكثير من أن ينشأ من «أصل وضيع» مثل هذا، إلا أنه عند وفاته كانت نظريات داروين عن ~~التطور قد صارت مقبولة بصورة كبيرة، ومنذ عصره وعلماء الحفريات وعلماء الوراثة يدللون على ~~الارتباط بين البشر وقردة ما قبل التاريخ بإسهاب ودقة لم يكن داروين نفسه ليتخيلهما (انظر ~~شكل # 1-1 ~~). # شكل 1-1: رسمة كرتونية شهيرة من العصر الفيكتوري نشرت في «ذا هورنيت»، المجلة ~~الإنجليزية الساخرة، حيث صور تشارلز داروين على شكل «إنسان غاب ~~موقر». # قد يرتبط البشر بالقردة والسعادين بمعنى اشتراكهم في النسب نفسه، لكن البشر متفردون في ~~عدة طرق تفصلهم دون شك ليس عن الرئيسيات فقط، لكن عن أشكال الحياة الأخرى كذلك. يستكشف ~~الجانب الأكبر من هذا الكتاب التغيرات القائمة على التقنية، والتي حولتنا تدريجيا إلى ~~ما هو أكثر من مجرد نوع حيواني آخر، لكن حتى نفهم التعقيدات الغريبة في مجتمع البشر ~~وثقافتهم، علينا أن نبدأ باستيعاب منطلق الرئيسيات؛ تشريح السعادين والقردة وسلوكهما. كان ~~هذان بمثابة نقطتي الانطلاق الوراثية، المواد الخام الطبيعية، التي تطور منها تشريح ~~البشر وسلوكهم الفريدان. بفهم طبيعة لبنات البناء التطورية هذه نستطيع أن نقدر بالتمام ~~كم من مشوار التطور قد قطعنا وما مقدار ما تبقى منه. # بصمة انحدارنا من الرئيسيات واضحة في كل جانب من جوانب تشريح الإنسان؛ فلقد تطورت يد ~~الإنسان بسبب حاجته إلى الإمساك بفروع الأشجار بقبضة قوية ومحكمة، وتطورت كتف الإنسان ~~التي تسمح للذراع بالدوران لتصل إلى وضع قائم تماما من حاجته للتدلي من الفروع العلوية ~~بالذراعين. أما قدم الإنسان التي تكيفت على نحو جميل للسير والركض على ساقين على أرض ~~منبسطة، فقد كانت في الأصل «يدا» قابضة كانت مهمتها تسلق الأشجار. # أما وجه ms013 الإنسان، بعيدا عن فمه الصغير نسبيا وجبهته العالية، فهو وجه نموذجي من وجوه ~~الرئيسيات؛ فهو يخلو من الشعر حول العينين والأذنين والأنف والفم، مع حاجبين ~~بارزين. # 1 # الأنف قصير لأن حاسة الشم ليست مهمة للحياة على الأشجار، وكلتا العينين تقعان ~~في وسط الوجه وليس على الجانبين من أجل الإبصار المتزامن بكلتيهما؛ لأن هذا النوع من ~~الإبصار يمكن الرئيسيات من الحكم على المسافات في فضاء ثلاثي الأبعاد؛ ومن ثم فله دور ~~حيوي في التحرك سريعا وبيسر بين الأشجار. # حتى صوت الإنسان تطور من حاجة الرئيسيات القديمة إلى التواصل مع الأصدقاء والأقارب ~~والغرماء الذين قد يكونون مختبئين بين أوراق الأشجار المدارية الكثيفة. في الواقع كل ~~الرئيسيات لها أصوات، وأغلب الأنواع يصدر عنها أصوات متنوعة، كل منها له معناه الخاص، ~~بل وتبتكر قردة الجيبون في جنوب شرق آسيا أغاني خاصة بها تتغنى بها في الغابة يوميا ~~قبل الفجر. وإن كنا لم نعد قادرين على تسلق الأشجار حتى ارتفاعات كبيرة على العكس من ~~القردة والسعادين التي يسهل عليها ذلك، فما زلنا نجد متعة استثنائية حين نتطلع من أماكن ~~مرتفعة ذات إطلالات واسعة. # بجانب تزويدنا بالسمات الرئيسية لخصائصنا البشرية الجسدية المميزة، يمكن رؤية تأثير ~~انحدارنا من الرئيسيات بوضوح في العديد من عناصر السلوك الإنساني الرئيسية؛ فمثل أغلب ~~الرئيسيات نحن نوع اجتماعي يعيش في مجموعات، وننضج ببطء، ونظل معتمدين على أمهاتنا خلال ~~السنوات الأولى من حياتنا، ونكون مع أمهاتنا وإخوتنا ورفاقنا روابط قوية تستمر عادة ~~طوال حياتنا. كذلك ننظم أنفسنا في تسلسلات هرمية اجتماعية، وداخل هذه التسلسلات الهرمية ~~نتنافس مع أشقائنا وزملاء الدراسة وزملاء العمل المشابهين لنا في المكانة. في الوقت نفسه ~~نذعن لآبائنا ومعلمينا ورؤسائنا الذين يعلوننا في المكانة، ونتوقع الإذعان من أطفالنا ~~وطلابنا وموظفينا الذين نعلوهم مكانة. # حتى قدرة البشر التي يزهون بها كثيرا على تكوين ثقافات مميزة وتوريثها توجد بشكل ~~بدائي بين العديد من الحيوانات العليا الأخرى، من بينها الحيتان والأفيال وحتى كلاب ~~البراري. وقد أكدت الدراسات الميدانية الحديثة التي أجراها اختصاصيو علم ms014 الرئيسيات بما ~~لا يدع مجالا للشك أن السعادين والقردة قادرة هي الأخرى على تكوين لبنات البناء ~~الأساسية للثقافة والحفاظ عليها، حيث يستحدث الأفراد عادات وتقاليد، وتنتقل إلى أعضاء ~~آخرين في المجموعة عن طريق المحاكاة والممارسة ، وتورث إلى أجيال لاحقة من الآباء إلى ~~الأبناء. وأخيرا استخدام الأدوات والأسلحة الذي كان يعد في الماضي الفارق المميز بين ~~البشر وكل الحيوانات الأخرى، اكتشف على نحو حاسم أنه جزء من السلوك الطبيعي لأقرب أقربائنا ~~جينيا وهو الشمبانزي. # التضامن الجماعي والوطن # الرئيسيات حيوانات اجتماعية للغاية، وفي أغلب الحالات يقضون نهارهم في صحبة أعضاء ~~آخرين في جماعتهم، مقتسمين أرضا مشتركة أو حيزا حيويا استبعدت منه الجماعات ~~الأخرى، في حين أن أي مجموعة من الرئيسيات تتشارك موطنها طوعا مع أفرادها، إلا أنها ~~تطرد بعنف الأفراد الآخرين من نوعها ذاته الذين ينتمون إلى جماعات من أراض أخرى، ~~وتدافع عن أرضها ضد الجماعات المجاورة، تماما كما نفعل الآن، وكما كان يفعل الصائدون ~~جامعو الثمار قبلنا (انظر شكل # 1-2 ~~). # شكل 1-2: تعكس لغة جسد قرود الشمبانزي في الصورة التضامن والألفة اللتين ~~يشعرون بهما بصفتهم أفرادا في المجموعة الاجتماعية ذاتها (بإذن من # http://www.aidanhiggins.com/images/chimps.jpg ~~). # لكل جماعة من الرئيسيات ثمة «نحن» و«هم»؛ أي الأفراد الذين ينتمون لجماعة ما ~~ويعيشون على أرضها مقابل الدخلاء الذين ينتمون إلى جماعات أخرى ويعيشون في أراض ~~غريبة. وتدافع كل جماعة من الرئيسيات عن موطنها ضد الجماعات المنافسة في مواجهات ~~صاخبة وعدوانية وأحيانا عنيفة، تقع غالبا على الحدود حيث تلتقي الأراضي المتلاصقة. ~~فيصيح أفراد جماعتين مختلفتين من السعادين أو القردة بعضهم في بعض، ويلوحون ~~بإيماءات الوعيد، ويكسرون فروع الأشجار، ويلقون بالأشياء، ويحاولون إرهاب الطرف الآخر ~~بوجه عام. # كذلك تميز الرئيسيات بين نوعين من الملكية مختلفين اختلافا جوهريا: الملكية ~~الجماعية، والملكية الشخصية. فأرض موطن الجماعة وموارده الطبيعية - يشمل ذلك أشجار ~~النوم وأشجار الفاكهة وأقراص العسل وأعشاش الطيور ومواضع الشرب وما إلى ذلك - تعتبر ~~عامة ملكية جماعية للجماعة ككل، ولأي فرد في الجماعة الحق في استخدامها، لكن عند ~~قطف ثمرة فاكهة ms015 محددة، أو صيد حشرة شهية، أو بناء عش من الأغصان في إحدى أشجار ~~النوم، فقطعة الطعام أو هذا العش يصير ملكية للفرد الذي التقطه أو بناه، ونادرا ما ~~يتشاركه مع الآخرين. # تقر كل المجتمعات البشرية بهذين النوعين من الملكية في الممتلكات الشخصية التي ~~تخص الأفراد وحدهم في مقابل الأرض العامة التي يتقاسمها كل أفراد المجتمع (والتي تشمل ~~الشوارع والطرق والحدائق والساحات العامة الأخرى). وأضاف البشر إلى هذين النوعين من ~~الملكية نوعا ثالثا، وهو الملكية العائلية (خاصة الغذاء والمسكن) الذي يتشارك فيه ~~أفراد العائلة، وليس المجتمع كله. # تتنوع جماعات الرئيسيات في الحجم من عدد قليل من الأفراد إلى 150 فردا أو أكثر. هذا ~~التراوح في الحجم هو ذاته الذي وجد بين الجماعات الرحل من الصائدين وجامعي الثمار ~~البشر، التي درسها اختصاصيو علم الإنسان. تقتصر أصغر جماعات الرئيسيات على الأم ~~وابنها، لكن تعيش أغلب أنواع الرئيسيات في جماعات أكبر تضم بالغين وصغارا ورضعا ~~من كلا الجنسين. وبعض الجماعات تتشكل من عدة إناث مع ذكر واحد مسيطر. هذا النمط ~~ينطبق على الغوريلات وقردة اللانجور والقردة الصياحة وقردة البابون. # 2 # إلا أن ثمة أنواعا أخرى، مثل السعدان الريسوسي والشمبانزي، تعيش في ~~مجموعات من عدة ذكور وإناث. عادة ما ترتبط هذه الأنواع بأمهاتها ارتباطا قويا ~~وطويلا، لكن علاقاتها الجنسية، من وجهة نظرنا البشرية، إباحية؛ أي عرضية جدا وليست ~~مستمرة ولا حصرية. # تتكون كل جماعات الرئيسيات تقريبا من شبكة معقدة من العلاقات التي تربط أفراد ~~الجماعة معا بأربعة أنواع مميزة من العلاقات الاجتماعية، التي هي أيضا لبنات بناء ~~أساسية في كل المجتمعات البشرية. وهذه العلاقات تشمل: (1) علاقة الأمومة بين الأم ~~والذرية. (2) التسلسل الهرمي الاجتماعي الذي يربط بين الأفراد في علاقات من السيطرة ~~والخضوع. (3) الصداقات والتحالفات التي قد تنشأ بين فردين. (4) العلاقات الجنسية التي ~~تتكون بين البالغين من الذكور والإناث ويحافظ عليها. # الأمومة لدى الرئيسيات # غالبا ما تكون علاقة الأمومة أقوى وأشد بين الثدييات مقارنة بالحيوانات الأخرى، ~~والسبب في ذلك ببساطة هو الارتباط الجسدي والعاطفي الذي يتكون ms016 أثناء الأسابيع أو ~~الشهور أو السنوات التي تقضيها كل أنثى من الثدييات في رعاية صغيرها، ولأن الرئيسيات ~~متكيفة بوجه خاص على العيش فوق الأشجار؛ فرباط الأمومة بينها أقوى وأبقى من رباط ~~الأمومة داخل أي مجموعة ثديية أخرى. فالأمهات في الرئيسيات وحدهن تقريبا بين الأنواع ~~المتعددة من الثدييات المشيمية لا بد أن يحملن صغارهن معهن، أينما ذهبن، طوال شهور ~~أو سنوات عمرهم الأولى. # يمكن تحديد أسباب هذا العبء الاستثنائي على الأمهات بسهولة؛ حيث إن الرئيسيات ~~متكيفة للعيش على الأشجار، وحيث إن عليها أن تتحرك دائما للبحث عن طعام موسمي تحمله ~~الأشجار؛ فهي لا تستطيع بناء أعشاش أو جحور دائمة. هذا معناه أنها - على عكس الحيوانات ~~الحفارة مثل الفئران أو الأرانب أو الثعالب - لا تستطيع إخفاء صغارها عن الخطر حتى ~~تبلغ السن المناسبة لتترك وحدها. علاوة على ذلك قد تودي زلة أو سقطة واحدة من قمم ~~الأشجار بحياة صغار الرئيسيات بسهولة. # يحتاج القرد أو السعدان الصغير فعليا سنوات من النمو قبل أن يستطيع التحرك بأمان ~~بين قمم الأشجار بمفرده، وحتى ذلك الوقت يظل معتمدا على أمه لتوفر له وسيلة ~~انتقال آمنة من مكان لآخر. وفي هذا اختلاف كبير عن الحيوانات التي تعيش على الأرض، ~~التي يمكن أن تسقط صغارها وتزل مرارا وتكرارا دون أذى أثناء تعلم السير والركض. ~~لهذه الأسباب فإن الاتصال الجسدي الحميم والوثيق بين الأم وصغيرها في الرئيسيات ومدته ~~وأهميته المصيرية يفوق الاتصال الجسدي لدى أي حيوان آخر من الحيوانات العليا. # خلال مرحلة الطفولة يتشبث السعدان أو القرد بفراء أمه بأطرافه الأربعة، متعلقا ~~بها من أسفل خاصرتها في وضع مقلوب بصفة تكاد تكون مستمرة طوال الأسابيع أو الشهور ~~الأولى من حياته. ومع زيادة حجمه وقوته يبدأ الصغير من الرئيسيات الحركة وحده مع ~~توخي الحذر، لكنه يهرع راجعا إلى أمه مع أول بادرة خطر. ومع انقضاء فترة الطفولة ~~ينتقل القرد أو السعدان اليافع تدريجيا من اعتلاء خاصرة أمه بالمقلوب إلى الركوب على ~~ظهرها أو منكبيها، ويستمر هذا شهورا أو سنوات قبل ms017 أن يبلغ السن المناسبة ~~للاستغناء عن هذه الحاجة الدائمة للاتصال بأمه. # وهذا الارتباط الذي ينشأ بين صغير الرئيسيات وأمه أثناء هذه الشهور والسنوات الأولى ~~من الاتصال الجسدي الوثيق دائما ما يستمر طوال الحياة؛ ومن ثم ليس من الغريب أن رباط ~~الأمومة محوري في الحياة الاجتماعية لكل أنواع الرئيسيات، بينما يتباين رباط الأبوة، ~~حسب النوع، من الأهمية الشديدة إلى عدم الأهمية على الإطلاق (انظر شكل # 1-3 ~~). # شكل 1-3: يتشبث قرد الباتاس الصغير فطريا بأمه، حيث سيظل يمتطيها بالمقلوب ~~طوال الشهور الأولى من حياته. (من تصوير ريتشارد دوتون. # richard@dutton.me.uk ~~. ~~أعيد طبعها بإذن.) # رباط الأمومة القوي بالفعل لدى الرئيسيات كلها صار أشد قوة مع تطور الرئيسيات ذوات ~~الأربع ساكنة الأشجار إلى بشر يسيرون على قدمين ويسكنون الأرض. ينضج صغار البشر في بطء ~~مقارنة بصغار أي نوع آخر من الرئيسيات؛ من ثم تكون فترة الاعتماد على الأم أطول. ~~وتكتسب الإناث البالغات في مجتمعات القردة والسعادين مقاما وهيبة في الجماعة عند ~~إنجاب صغارها. على غرار هذا يعترف بأعباء الأمومة ومسئولياتها الفريدة، وتلقى ~~التقدير والاحتفاء في كل المجتمعات البشرية من خلال كم وفير من التقاليد الثقافية ~~التي تقدر العلاقة الخاصة المديدة بين الأم وأطفالها. بيد أن البشر يتفردون ~~بالروابط القوية التي تنشأ عادة بين الأب وأبنائه، وهو تطور جذري بين الرئيسيات التي ~~تعيش في مجموعات. # العلاقات الجنسية لدى الرئيسيات # ظهرت الروابط الجنسية المستقرة والعلاقات الجنسية الحصرية، بما في ذلك التعاون بين ~~الذكور والإناث في رعاية الأبناء، منذ زمن طويل في تاريخ الحياة على الأرض. ويمكن رصد ~~مثل هذه العلاقات بين حيوانات بدائية مثل الأسماك، وتكاد تكون عامة بين الطيور التي ~~يظل بعضها، مثل الأوز، مرتبطا بشريكه مدى الحياة، لكن بين الثدييات غالبا ما لا ~~تكون العلاقات الجنسية مستقرة أو حصرية، وتجنح للتدرج بشدة في الصفة والأهمية من ~~نوع لآخر. # فدائما ما تقتصر العلاقات الجنسية بين الماعز والخراف على سبيل المثال على بضعة ~~أفعال قصيرة للجماع. تتمتع الذكور المسيطرة في هذه الأنواع بحقوق جنسية حصرية على ~~قطيعها من ms018 الإناث، وتكون في غاية الانشغال بالتزاوج وحماية حقوقها لتساعد أيا من ~~زوجاتها المتعددات في مهمة رعاية صغارهما. هذا هو النمط المعتاد بين الحيوانات التي ~~تعيش في قطعان، مثل الحيوانات العاشبة. # على النقيض من ذلك، ترتبط قردة التيتي في أمريكا الجنوبية بعلاقات جنسية أحادية حصرية ~~في أغلب الحالات، ونادرا ما يغيب أزواج قردة تيتي بعضهم عن أنظار بعض. وأثناء الراحة ~~تجلس قردة التيتي المتزاوجة متجاورة وقد تشابكت ذيولها مع بعضها، وكثيرا ما تبدو ~~أكثر اضطرابا لتعبيرات الضيق لدى أزواجها من تعبيرات الضيق التي تبدو على صغارها. ومن ~~الجدير بالملاحظة أن كلا الجنسين من قرود التيتي يشاركان بهمة في رعاية الصغار، حتى ~~إنه بعد الأشهر الثلاثة الأولى من مرحلة الرضاعة، قد يحمل ذكر التيتي صغيره 90 في ~~المائة من الوقت. من الوهلة الأولى يبدو هذا موازيا لنمط شائع في مجتمعات بشرية ~~كثيرة، لكن على عكس التيتي، تتباين المجتمعات البشرية المختلفة تباينا بالغا في ~~مواقفها من رعاية الذكور للصغار. # تظهر الأنواع المتعددة من القردة والسعادين عدة أنماط مختلفة من العلاقات الجنسية، ~~ولا غرو أن العلاقات الجنسية بصورتها المألوفة بين البشر تختلف اختلافا بينا عن ~~العلاقات الجنسية لدى القردة أو السعادين، لكن رغم كل اختلافاتها تحتوي العلاقات ~~الجنسية البشرية على العديد من العناصر الموجودة في العلاقات النمطية لدى الرئيسيات غير ~~البشرية، ومنها ميل الذكور في كل من البشر والرئيسيات الأخرى للتنافس من أجل الفوز ~~بالإناث النشطة جنسيا، لكن من أهم الاختلافات بين البشر وكل الرئيسيات الأخرى أن ~~النساء وحدهن بين إناث الرئيسيات قادرات على أن يكن نشطات جنسيا بصورة شبه مستمرة ~~منذ البلوغ وحتى الشيخوخة. # عند التبويض تهتاج إناث السعادين والقردة - تسمى علميا الحالة الشبقية - لمدة خمسة ~~إلى سبعة أيام مرة كل شهر تقريبا، ولا تكون الإناث نشطة جنسية إلا خلال هذه الدورات ~~الشبقية الوجيزة نسبيا حيث يكن في مرحلة التبويض والخصوبة. تمتاز الدورة الشبقية في ~~أغلب الرئيسيات بشهية مفاجئة وحادة للجنس، يصحبها انتفاخ في الأعضاء التناسلية ~~للأنثى، لكن حين تنحسر الدورة الشبقية تتوقف ms019 العلاقات الجنسية إلى أن تحدث الإباضة ~~مجددا. # في كل الرئيسيات غير البشرية، الإناث غير البالغات أو الحبليات أو المرضعات أو ~~اللواتي صرن عاقرات مع التقدم في العمر لا يأتيهن التبويض ولا تعاودهن دورات ~~شبقية، وباستثناء حالات نادرة لا يجامعن خلال هذه الأوقات . ورغم التباين الكبير بين ~~أنواع الرئيسيات في سن النضج الجنسي، وتواتر الدورة الشبقية وفترتها، وفي كثافة الجماع، ~~فإن كل أنواع الرئيسيات غير البشرية - وكل الحيوانات العليا بالتأكيد - تظهر صورة ما ~~من هذا النمط الجنسي القديم. # يقع الاستثناء الوحيد للقاعدة بين قردة البونوبو أو الشمبانزي القزم، حيث تقع عدة ~~أنواع من المداعبات الجنسية وإثارة الأعضاء التناسلية يوميا بين أفراد من الجنس نفسه ~~أو من الجنسين، بل وبين أفراد من فئات عمرية مختلفة جدا، لكن لا يشمل أغلب هذا السلوك ~~الجنسي جماعا حقيقيا، ويبدو أن صلته سواء بالتناسل أو تكوين روابط بين الذكور ~~والإناث ضعيفة أو منعدمة. عوضا عن ذلك يبدو أن السلوك الجنسي بين قردة البونوبو ~~يستخدم وسيلة لفض النزاع وتقليل التوتر بين الأفراد. # من الملاحظ أنه من بين كل الرئيسيات، يعد البونوبو - الأنشط جنسيا بين ~~الرئيسيات كلها (يتبعه مباشرة الشمبانزي) - الأقرب جينيا إلى الإنسان بوجه عام؛ ~~فلدى قردة البونوبو دورات شبقية طويلة للغاية (ثلاثون يوما في مقابل خمسة إلى سبعة ~~أيام تقريبا لدى أغلب الرئيسيات)، ويراود الشبق البونوبو مرة كل خمسة وأربعين يوما ~~تقريبا، مؤديا إلى مزيد من الفرص للجماع عما هو مألوف لدى الرئيسيات غير البشرية، ~~لكن حتى قردة البونوبو المفرطة في ممارستها الجنسية لا تستمر في الجماع أثناء ~~الحمل أو الرضاع أو بعد انقطاع الطمث، كما يحدث لدى البشر. # تجدر الإشارة أيضا إلى أن كلا من البونوبو والشمبانزي لا يتسمان بالاستئثار أو ~~الاستحواذ الجنسي. وفي هذا تناقض ملحوظ مع البشر الذين يتنافسون بشدة على العلاقات ~~الجنسية، والذين ينزعون بشدة للاستئثار بأزواجهم. سنبحث دلالة هذا الاختلاف الجذري عن ~~السلوك التقليدي لدى الرئيسيات بالتفصيل في الفصل القادم. # في حين تشيع بين القردة والسعادين العلاقات الجنسية المتقطعة التي تسيطر ms020 عليها ~~الدورات الهرمونية للتبويض والدورات الشبقية، تتباين بدرجة كبيرة أنماط التزاوج ~~والترابط الجنسي بين أنواع الرئيسيات المختلفة من نوع لآخر. # العلاقة الأحادية، أعم أشكال الترابط الجنسي بين البشر، غير موجودة لدى 97 في المائة ~~من كل أنواع الثدييات، ويندر وجودها بين القردة والسعادين . فيقيم ذكر إنسان الغاب ~~البالغ في جنوب شرق آسيا علاقة جنسية مع اثنتين أو أكثر من الإناث البالغات اللواتي ~~يعشن بعيدا بعضهن عن بعض. وتعيش كل أنثى من إناث إنسان الغاب مع أبنائها الصغار وحدهم ~~في الغابة المطيرة، حيث يتردد عليهم دوريا الذكر البالغ الذي أنجب هؤلاء الأبناء. ~~في أحيان أخرى قد يتردد الذكر البالغ نفسه على زوجاته الأخريات وأبنائهن المقيمين ~~في مناطق قريبة. # تعيش قردة الجيبون وقردة السيامنج الشديدة الشبه بها في جنوب شرق آسيا في أسر ~~مصغرة منعزلة، حيث يلعب ذكر الجيبون دورا نشطا في رعاية الصغار. تمتاز الغابات ~~المطيرة في جنوب شرق آسيا بتناثر مصادر الغذاء على مساحات شاسعة، ويعتقد أن هذا هو ~~السبب في انعدام المجموعات الكبيرة في هذا الموئل، غير أن المجموعات الصغيرة لهذه ~~الدرجة، المكونة من أسرة وحيدة مصغرة بصفة أساسية، غالبا ما تكون نادرة الوجود في ~~عالم الرئيسيات. # ثمة نوعان آخران من الروابط الجنسية بين الرئيسيات أكثر شيوعا بكثير من مجموعة ~~الأسرة المصغرة. النوع الأول هو نظام الحرملك، حيث يكون لذكر واحد مسيطر حقوق جنسية ~~حصرية على مجموعة معينة من الإناث. أما النوع الثاني فهو نظام متعدد الذكور ~~ومتعدد الإناث، حيث تكون العلاقات الجنسية عابرة، ويعد السلوك الجنسي إباحيا وغير ~~حصري بوجه عام. # نظام الحرملك معهود لدى الغوريلات وقردة الباتاس واللانجور وأغلب قردة البابون. ~~وليست مصادفة أن كل هذه الأنواع تعيش على الأرض بدرجة كبيرة، وتقضي أكثر ساعات ~~النهار على الأرض تبحث عن الغذاء. تكون الإناث في هذه الأنواع مجتمعا مستقرا، مع ~~ذكر بالغ مسيطر يحميهن ويتمتع بحقوق جنسية حصرية مع أي واحدة منهن تأتيها ~~الدورة الشبقية. وفي الوقت نفسه الذي يستأثر فيه ذكر بالغ واحد بعدة إناث، يحكم على ms021 ~~أغلب الذكور غير الناضجين والكبار البالغين بنوع من «العزوبية»، حيث يعيشون وحدهم أو ~~ضمن مجموعات متغيرة من العزاب الآخرين، حيث ينتظر كل منهم الفرصة (التي لا تسنح ~~لأكثرهم أبدا) لاكتساب حرملك خاص به؛ لذلك لا بد أن يكون الذكر المسيطر متيقظا بصفة ~~دائمة ، ومتأهبا للذود عن مكانته ضد المنافسين الطامحين الكثر القابعين على مقربة في ~~أجزاء أخرى من الموئل. # ومع مرور الزمن وتقدم الذكر المسيطر في السن يواجه منافسة متزايدة، وفي النهاية ~~يحل محله ذكر يصغره سنا ويفوقه قوة كان يعيش في السابق عازبا؛ إذ عادة ما تنتهي ~~سلسلة من المواجهات متفاقمة الشراسة بهزيمة الذكر الأصلي المسيطر ورحيله إن حالفه ~~الحظ بالنجاة في المعارك الأخيرة، ليعيش ما تبقى له من العمر في عزوبية مسنة في ~~طريقها إلى الزوال. في الوقت نفسه تظل الإناث معا مجموعة ويخضعن لسيادة الذكر ~~الجديد المسيطر. # عند تولي الذكر الجديد المسيطر زمام الحرملك عادة ما يقتل الأبناء الذين ما زالوا ~~في طور الطفولة. فنظرا لأن هؤلاء الأطفال انحدروا من الذكر السابق، فقد نشأ هذا السلوك ~~على الأرجح كي يضمن تمكن الذكر الجديد من إنفاق وقته وطاقته في حماية حياة الأبناء ~~الذين يحملون جيناته وليس جينات الذكر السابق. وبمجرد أن ينتهي كبت التبويض ~~بالهرمونات التي يفرزها الجسم أثناء الرضاعة، تبدأ الإناث اللواتي صرن بلا صغار ~~التبويض ثانية، وتأتيهن دورات الشبق، ويصرن نشيطات جنسيا مجددا، وفي النهاية يحبلن ~~في نسل جديد من صلب الذكر الجديد المسيطر. # عند تأمل نمط المنافسة الضارية بين الذكور البالغين في هذه الأنواع لامتلاك إناثهم ~~الخاصة بهم، نجد أن الانتقاء الطبيعي بين مثل تلك الأنواع يميل لإعطاء الحظوة للذكور ~~الأضخم جثة والأعنف والأكثر نزوعا للسيطرة والأخطر. هذا الانتقاء المستمر لصالح ~~القدرات القتالية الأفضل والسيطرة على النساء يعزز الصفات التي ترفع احتمال دفاع ~~ذكور تلك الأنواع عن إناثهم ونسلهم من الضواري الأرضية؛ فحين تهيم جماعة من الرئيسيات ~~بعيدا في أرض عراء ولا تستطيع الفرار بسهولة إلى مكان آمن فوق الأشجار، يكون على ~~الذكور المواجهة والدفاع ms022 عن الجماعة من الأسود والكلاب البرية والضباع والضواري الأخرى ~~التي تتوثب للصيد في الأراضي العراء. # قد يكون النظام متعدد الذكور متعدد الإناث هو النوع الأكثر شيوعا لدى جماعات ~~الرئيسيات. هذا النظام يتميز بعيش الذكور والإناث من كل الأعمار معا في بناء جماعي ~~واحد . الشمبانزي والبونوبو، كذلك بابون السافانا وقردة الماكاك، والعديد من قردة العالم ~~القديم الأخرى، كلها تعيش في مجموعات متعددة الذكور ومتعددة الإناث. ولا تكون الروابط ~~الجنسية في مثل تلك الجماعات استئثارية، وينحسر حب الاستحواذ الجنسي بدرجة كبيرة أو ~~ينعدم. ويرتبط كل من الذكور والإناث في علاقات جنسية مع رفاق متنوعين؛ ففي الأنواع ~~متعددة العلاقات الجنسية تقيم الإناث أثناء الدورة الشبقية علاقات جنسية مع عدة ذكور ~~مختلفين، واحدا تلو الآخر غالبا، في حين يجامع الذكر البالغ أي أنثى في دورتها ~~الشبقية في الحال ما دامت تقبل محاولاته التودد إليها. # رغم ذلك كثيرا ما تكون أنثى نشطة جنسيا مع ذكر محدد علاقة أكثر امتدادا ~~تسمى الثنائي المتصاحب بين الأنواع المتعددة الذكور المتعددة الإناث. ويميل ~~الثنائي المتصاحب لفصل نفسهما عن الجماعة والانخراط في الكثير من الجنس والتنظيف ~~المتبادل باستمرار، بل ويتقاسمان الطعام، وهو سلوك نادر جدا بين الرئيسيات؛ في واقع ~~الأمر عرفت الأمهات في الرئيسيات بخطف الطعام من صغارهن وتناوله. # رغم ذلك عادة تكون العلاقة بين الثنائي المتصاحب عابرة؛ إذ تستمر عدة أيام فقط خلال ~~كل دورة شهرية تكون فيها أنثى القرد أو السعدان نشطة جنسيا، لكن يبدو أن علاقة ~~التصاحب قد أعطت نقطة الانطلاق البيولوجية لتطور الأسرة المصغرة البشرية، والأسرة ~~المصغرة القوية المستقرة سمة لا يستغنى عنها في كل الثقافات البشرية الناجحة. # مثل كل الرئيسيات الأخرى، يحدو البشر اهتمام حاد ودائم بالجنس، لكن العلاقات ~~الجنسية المستمرة المعهودة لدى البشر تتجاوز المألوف لدى أي رئيسيات أخرى، أو أي حيوان ~~آخر. سوف أتناول أصول هذا النشاط الجنسي الممتد ودلالاته بالتفصيل في الفصل التالي، ~~لكن أكثر ما يلفت النظر في أنماط الترابط الجنسي البشري هو أنه لا يخضع لأي من ~~الأنواع المتعددة التي ms023 وصفت للتو، وإنما يضم عوضا عن ذلك عناصر من كل منها - ~~العلاقة الأحادية والعلاقات المتعددة والعلاقات العابرة - بدرجة أو بأخرى. # العلاقة الأحادية إلى حد كبير هي أكثر العلاقات الجنسية شيوعا بين البشر، لكنها في ~~أغلب الحالات تكون في المجتمعات نفسها جنبا إلى جنب مع أشكال من العلاقات المتعددة ~~الشبيهة بحرملك السعادين والقردة. كثيرا ما تقارن مجموعات الرئيسيات التي تكون حرملك ~~بالمجتمعات البشرية التي تمارس تعدد الزوجات، وهو نوع من العلاقات المتعددة حيث ~~يتاح لرجل واحد الزواج وإنجاب الأطفال من أكثر من امرأة واحدة. كثيرا ما يشار إلى أن ~~عدد الثقافات والمجتمعات التي سمحت بتعدد الزوجات يفوق (أو كان يفوق على الأقل) عدد ~~الثقافات والمجتمعات التي حظرته، لكن ثمة اختلافات مهمة أيضا بين حرملك الرئيسيات غير ~~البشرية وممارسة تعدد الزوجات لدى البشر. # الفرق الأول هو أنه نظرا لأن إناث القردة والسعادين لا تجامع إلا أثناء التبويض ~~والدورة الشبقية، فمن النادر أن تنشط جنسيا أكثر من أنثى من الجماعة نفسها في الوقت ~~نفسه، إلا في حالة هيمنة ذكر مسيطر جديد على جماعة وقتله لجميع صغارها، لكن إناث البشر ~~تميل لأن تنشط جنسيا أغلب الوقت (إلا قبل الوضع وبعده مباشرة، وفي مجتمعات كثيرة ~~أثناء الحيض). # يترتب على هذه الإتاحة الجنسية المستمرة منافسة وغيرة دائمة بين الزوجات اللائي ~~يتشاركن زوجا من أجل أن تحظى كل واحدة منهن باهتمام جنسي ومحاباة منه. ودائما ما ~~يصرح اختصاصيو علم الإنسان الذين يدرسون تلك المجتمعات أن الاحتكاك بين الزوجات ~~اللائي يتشاركن زوجا هو آفة الزيجات المتعددة الزوجات في تلك المجتمعات. وفي الواقع ~~يمارس تعدد الزوجات أكثر الصائدين إنتاجا وأكثر المزارعين رخاء في هذه ~~المجتمعات؛ من أجل الفوائد الاقتصادية الناتجة عن أن يكون لديهم نساء أكثر ليعملن ~~لديهم وأطفال أكثر لإعالتهم عند الكبر، وليس من أجل بلوغ أقصى درجة من إشباع رغباتهم ~~الجنسية. # الفرق الثاني المهم هو أنه حتى في المجتمعات التي تبيح تعدد الزوجات تظل أغلب ~~الزيجات أحادية؛ لأن أكثر الرجال لا يستطيعون ببساطة التكفل بإعالة أكثر من ms024 زوجة. ~~على النقيض من ذلك، في مجتمعات الذكر الواحد والإناث المتعددة من الرئيسيات غير ~~البشرية، تنتمي كل الإناث البالغات لحرملك من الإناث اللواتي يتزاوجن مع الذكر الحالي ~~المسيطر في الحالات النادرة نسبيا حين يكن في مرحلة التبويض. # ونشير أخيرا إلى أنه كثيرا ما يتغلب النزوع البشري للعلاقات العابرة حتى على أشد ~~المحظورات الثقافية صرامة، وفي بعض الثقافات المتساهلة جنسيا التي درسها اختصاصيو ~~علم الإنسان كانت تستهجن أنواع معينة من الاستحواذ الجنسي، وفي بعض الحالات كان ~~التشارك في رفاق الجنس لا يعد شيئا مقبولا فحسب، بل إنه يعد في الواقع سلوكا ~~حسنا؛ فكان إسكيمو القطب الشمالي مشهورين بمشاركة زوجاتهم وبناتهم غير المتزوجات مع ~~الذكور الآخرين اللذين يأتون للإقامة زوارا أو ضيوفا؛ فقد كان الاستحواذ الجنسي ~~صفة بغيضة من وجهة نظر الإسكيمو، فلا يصح للرجل من الإسكيمو أن يحرم ضيفه من ~~الاستمتاع بزوجته، كما لا يصح أن يبخل عليه بكرم الضيافة من الطعام والمأوى. # الصداقات بين الرئيسيات # الصداقة موجودة بين الحيوانات في عدة أشكال مختلفة، وفي الرئيسيات قد تتدرج من ~~المعارف العابرة بين أفراد مألوفين في الجماعة إلى تحالفات «سياسية» خاصة بين البالغين ~~الذي قد يتضامنون معا من أجل الدفاع المشترك، أو الذين ربما يتنافسون مع أفراد ~~وتحالفات أخرى على المركز والسلطة. روابط الصداقة موجودة إلى حد ما لدى أغلب ~~الحيوانات العليا، وتلعب روابط الصداقة دورا مهما على الأخص بين الرئيسيات خلال ~~حياتها اليومية. # ختاما، قد ينشأ رباط خاص بين فردين عادة ما يكونان (لكن ليس دائما) عضوين من ~~المجموعة نفسها أو النوع نفسه، وتكتفي أغلب الطيور بعلاقة أحادية خلال موسم التعشيش، ~~حين ينخرط كل من الذكور والإناث في المهام الشاقة لتنشئة الجيل التالي، ومنها بناء ~~العش، وحضانة البيض، وإطعام الصغار وحمايتها، بل وتتزاوج أنواع عديدة مثل الأوز مدى ~~الحياة. # قد تنشئ الأفيال والدرافيل والذئاب والأسود وعدة ثدييات أخرى روابط قوية ~~ومستمرة مدى الحياة مع أفراد آخرين من النوع نفسه. وتستطيع الكثير من الحيوانات ~~المستأنسة، مثل الكلاب والقطط والخيل والخنازير والببغاوات والأوز ms025 أن ترتبط ارتباطا ~~قويا مع أنواع أخرى - بما في ذلك البشر - لأسباب تخالف المنطق أحيانا. من ~~المغري الاعتقاد بأن البشر وحدهم هم من يقعون في الحب، لكن الشغف الشديد والانجذاب ~~لفرد آخر - انجذابا كثيرا ما يرقى إلى مستوى الهوس بالفرد الآخر - يحدث بين أنواع ~~كثيرة من الحيوانات، وينسجم كلية مع تعريفنا لمعنى «الحب». # التسلسلات الهرمية الاجتماعية لدى الرئيسيات # دائما ما تكون الحيوانات العليا التي تعيش في مجموعات تسلسلات هرمية اجتماعية، ~~حيث يشغل كل فرد موقعا محددا في نظام سلطوي، فيكون أكثر الأفراد سيادة في القمة ~~ويكون أكثر الأفراد خضوعا في القاع. يستطيع الدجاج الأعلى مرتبة أن ينقر أيا من ~~الدجاج الأدنى منه في التسلسل الهرمي، بينما ينقر الدجاج الأدنى مرتبة من الدجاج ~~الذي يعلوه مرتبة وينقر الدجاج الأدنى منه مرتبة. أما أقل الدجاج مرتبة على الإطلاق ~~فهو ينقر حتى الموت لعدم قدرته على الدفاع عن نفسه أو مهاجمة غيره من الدجاج. ورغم ~~أننا نحن البشر قد نرى هذا التصرف وحشيا، فإن القدرة على تكوين تسلسلات هرمية ~~اجتماعية قائمة على فروق الهيمنة والخضوع بين الأفراد هو في الواقع أمر ضروري للحفاظ ~~على السلام والتضافر داخل الجماعة. # تعزز التسلسلات الهرمية الاجتماعية الاستقرار الاجتماعي بطريقة بسيطة للغاية؛ فهي ~~تضمن عدم انخراط أفراد الجماعة في معارك متكررة وهم يتنافسون على الغذاء والأزواج ~~وأماكن النوم وغيرها من الأشياء المشتهاة. فقد تقع مواجهات عنيفة بين أفراد من ~~المرتبة نفسها، لكنها دائما ما تستمر فقط إلى أن يفوز فرد ويخسر الآخر. ويفرض الفائز ~~سيطرته على الخاسر، الذي يصير ويظل تابعا في العلاقة. ومن ذلك الوقت فصاعدا يذعن ~~الفرد التابع للفرد المسيطر متى أرادا الشيء نفسه، سواء كانت فردا جذابا من الجنس ~~الآخر أو قطعة مشتهاة من الغذاء سقطت على الأرض بينهما؛ فقد سويت الخصومات الأصلية ~~بينهما واستقر الأمر، فلن يحدث المزيد من المواجهات أو المعارك أو الإصابات ~~الجسيمة. # تميل كل الرئيسيات - بما في ذلك البشر - إلى التصرف بخضوع مع من يكبرونها سنا ~~وبسيطرة مع صغارها، وتميل في ms026 الوقت نفسه إلى الصراع والتناحر من أجل الهيمنة مع من ~~يماثلونها مكانة، ولا سيما الأفراد من الفئة العمرية نفسها. تشتد هذه الصراعات من ~~أجل السيطرة لا سيما خلال المراهقة والمرحلة المبكرة من البلوغ، مع تأسيس السلاسل ~~الهرمية الاجتماعية للجيل حديث النضج. تقع أخطر هذه الصراعات من أجل السيطرة حين ~~يهدد وضع الذكر المسيطر المتقدم في السن فردا أصغر منه سنا وأقوى منه بنيانا؛ ~~مما يقلب ويزعزع مؤقتا التسلسل الهرمي الاجتماعي المعروف والمألوف الذي ظل قائما ~~لشهور أو سنوات حتى ذلك الوقت. # رغم أنه قد يبدو من المستغرب ظاهريا أن توصف سلوكيات هرمية مثل السيطرة والخضوع ~~بأنها نوع من الترابط، فالحقيقة أن هذه العلاقات الهرمية غالبا ما تكون مستقرة ~~وطويلة الأمد على نحو بالغ. تشيع التسلسلات الهرمية الاجتماعية بين أنواع الحيوانات ~~التي تعيش في مجموعات؛ لأنها تقلل من المشاحنات بين أعضاء المجموعة، كما توفر ~~آلية تسمح للمجموعة كلها باتخاذ إجراء موحد عند الضرورة. # وتماما مثلما تتنافس السعادين والقردة من أجل السيادة والمنزلة الاجتماعية في ~~تسلسلاتها الهرمية الخاصة، نحن البشر نتنافس أيضا من أجل السيادة والمنزلة الاجتماعية ~~داخل تسلسلاتنا الهرمية في مجالات الفن والعلوم والتقنية والتجارة والحكم والموضة ~~والترفيه والرياضة، لكن بينما يتغير اللاعبون تبقى اللعبة كما هي: تسلسل هرمي اجتماعي ~~مستقر؛ حيث يكون لكل فرد مرتبة معينة، وحيث لا تتواتر المعارك المصيرية، وحيث يعرف ~~الفائزون والخاسرون منازلهم، ويظلون في أماكنهم، لكن مع بقائهم مترقبين لفرصة ~~الارتقاء في التسلسل الهرمي الذي ينتمون إليه. # المجتمع الانقسامي الاندماجي # ثمة نمط مميز بشدة من البناء الاجتماعي المعهود لدى أنواع معينة من الرئيسيات - ~~نمط يشيع بوجه خاص في المجتمعات البشرية، وقد طوره البشر لدرجة كبيرة - يسمى ~~المجتمع الانقسامي الاندماجي؛ ففي هذه الأنواع تنزع الجماعة النشطة إلى التنوع في الحجم ~~والبنية من ساعة لأخرى، ومن يوم لآخر، ومن موسم لآخر. يتفرق المجتمع الانقسامي ~~الاندماجي (في مرحلة الانقسام) إلى أفراد ومجموعات أصغر تنتشر في أنحاء موطنها في ~~أوقات معينة من اليوم، أو في مواسم معينة من السنة، ثم ms027 تجتمع معا (في مرحلة ~~الاندماج) في موقع واحد في أوقات أخرى لتكون مجموعة واحدة كبيرة جدا. هذا النمط ~~من المجتمع مألوف بين ثلاثة أنواع من الرئيسيات: (1) السعادين التي تكيفت على العيش ~~على الأرض. (2) والقردة الأكثر قربا لفصيلة أشباه البشر، وخاصة الشمبانزي ~~والبونوبو. (3) والبشر . # في المجتمع الانقسامي الاندماجي كثيرا ما يقضي أفراد المجموعة ساعات النهار منتشرين ~~في أرجاء أراضي موطنهم؛ إذ ينطلق كل فرد أو مجموعة صغيرة سعيا وراء نوع معين من ~~الغذاء النباتي أو الحيواني في الصباح، وبعد ذلك يعود الجميع إلى مقرهم مع اقتراب ~~اليوم من النهاية، مجتمعين التماسا للأمان في أشجار النوم أو المنحدرات أو (في حالة ~~البشر) مواقع التخييم والمساكن. ورغم الاختلافات المتعددة بين المجتمعات البشرية في ~~التنظيم الاجتماعي، فإنها كلها تبدي النمط نفسه من السلوك الانقسامي الاندماجي. ~~استمرار هذا النمط واضح تماما في مجتمعنا، حيث ينتشر أفراد الأسرة عادة كل في ~~وجهته المستقلة خلال النهار، ثم يجتمعون نهاية النهار لتناول الطعام والنوم معا في ~~مسكن واحد مشترك. # ومن المحتمل أنه نظرا لأن تركيب المجموعات المختلفة يتغير باستمرار - إذ يتكون كل ~~منها من خليط مختلف من الأفراد الملائمين لوقت من اليوم أو لفصل من السنة - تكون ~~الأنواع التي تمارس هذا النمط الانقسامي الاندماجي أيضا أكثر عرضة للتفاعل بل ~~والامتزاج بمجموعات أخرى من حيز حيوي آخر. تشتهر قردة الشمبانزي بالمناسبات الدورية ~~التي تمارس فيها مجموعتان منفصلتان ومستقلتان نوعا من الاندماج المؤقت وتختلطان ~~كمجموعة واحدة لساعات في كل مرة، فيتفاعل أفراد المجموعتين في حماسة بالغة، ويستعرض ~~الذكور في كل مجموعة مظاهر الهيمنة: بالصياح والصراخ والاندفاع في الأنحاء، وأحيانا ~~بكسر فروع الأشجار والتلويح بها في شراسة أثناء استعراضها. وبعد فترة تفتر الحماسة، ~~ويتفرق أفراد المجموعتين المختلفتين، ويجتمع أفراد المجموعتين الأصليتين من جديد، ~~وتمضي كل مجموعة من المجموعتين إلى حال سبيلها. # ولا تؤدي استعراضات الهيمنة وظيفة تحذير الذكور الآخرين فحسب، وإنما تستخدم أيضا ~~وسيلة لجذب الإناث النشطات جنسيا من المجموعة الأخرى، على أمل إقامة علاقات جنسية مع ~~واحدة منهن. وحين تحدث ms028 هذه العلاقات بالفعل قد تستمر حتى بعد أن تجتمع المجموعات ~~الأصلية مجددا وترحل في وجهاتها المختلفة؛ مما يؤدي إلى رحيل الإناث الأصغر سنا ~~الأقل مقاما عن المجموعة التي ولدن فيها للانضمام إلى أزواجهن الجدد في المجموعة ~~الجديدة. وهذه سنة أصيلة في التزاوج بين الرئيسيات تسمى «تزاوج الأباعد» الذي سيناقش ~~لاحقا في هذا الفصل. # الإنويت أو الإسكيمو الذين عاشوا في شمال الدائرة القطبية الشمالية، دأبوا على قضاء ~~صيف القطب الشمالي القصير في البحث عن بيض الطيور والتوت والطرائد الصغيرة في مجموعات ~~أسرية صغيرة متفرقة على مساحات واسعة في أرجاء أراضي التندرا الرخوة، لكن في الشتاء ~~كثيرا ما كان يتطلب صيد الطرائد الكبيرة مثل الوعل والفقمة والفظ التعاون بين أسر ~~عدة. خلال هذا الوقت من العام كان الإنويت يبنون أكواخا جليدية متلاصقة في موقع ~~محمي، مقيمين مخيمات شتوية تضم العشرات أو المئات من الناس الذين كانوا كثيرا ~~ما يجتمعون معا للقيل والقال، ومشاركة الخبرات، ورواية الحكايات الشعبية المتوارثة، ~~وممارسة الطقوس التقليدية لأسلافهم. # كانت قبائل البوشمان - الصيادون وجامعو الثمار في صحراء كالاهاري بأفريقيا الاستوائية ~~- تنتشر في مجموعات أسرية على مساحات شاسعة خلال موسم الأمطار، حين تتوفر المياه ~~ويسهل العثور عليها، لكن خلال موسم الجفاف كانت تلك القبائل تتجمع في مخيمات تضم ~~عشرات الأسر، حيث تستقر بعضها بالقرب من بعض في جوار ينابيع الماء الدائمة القليلة، ~~ويقضي أفراد كل أسرة الوقت في التفاعل مع أفراد الأسر الأخرى، بينما ينتظرون هطول ~~الأمطار مجددا. # في مجتمعنا الحديث كثيرا ما تعيش الأسر الممتدة متناثرة على مساحات جغرافية كبيرة، ~~إلا أنها لا تألو جهدا للاجتماع دوريا من أجل المناسبات الاحتفالية المعتبرة في ~~تقاليدنا الثقافية، مثل العطلات وأعياد الميلاد والأعراس واحتفالات الذكرى السنوية ~~والجنازات؛ فقد خلقت الحضارة الحديثة تنوعا معقدا من المجموعات المتداخلة والمتشابكة ~~المتصلة بمجالات عديدة مختلفة من الحياة البشرية، وقد صار كل هذا ممكنا بفضل التعقيد ~~البشري الهائل في المجتمع الانقسامي الاندماجي. # فنحن أفراد في أسرنا المصغرة المكونة من أبوين وأبناء، وكذلك في الأسر الأكبر ~~الممتدة التي ms029 تضم الأجداد والعمات والأعمام وأبناء وبنات العمومة وبنات الأخ والأخت ~~وأبناء الأخ والأخت والأحفاد، كما ننتمي إلى عدة مجموعات أخرى تحددها المجتمعات التي ~~نعيش فيها، والمدارس التي نرتادها، والمهن والتخصصات التي نزاولها، والمؤسسات التي ~~نعمل لديها. ونحن نولد في أسرة ذات هوية عرقية معينة (أو خليط من الهويات ~~العرقية)، وكل من هذه الهويات العرقية يتصل بإقليم جغرافي ولغة وتاريخ ودين وغذاء ~~ومنظومة قيم ونمط ملبس معين. # 3 # أخيرا، نحن نعبر عن فرديتنا، ونشبع اهتماماتنا الشخصية الفريدة بالانضمام عمدا ~~إلى واحدة أو أكثر من آلاف الجماعات التطوعية التي انتشرت في العصور الحديثة، ومنها ~~الجماعات الدينية والأحزاب السياسية والمنظمات الخيرية والنوادي الاجتماعية والجمعيات ~~المهنية المتعددة التي نشأت في مجالات العلوم والطب والتكنولوجيا والتجارة والرياضة ~~والترفيه والفنون، وكل مجال آخر من مجالات السعي الإنساني. # لكل من هذه الجماعات البشرية المتعددة متطلبات للعضوية والتزامات محددة تطلب ~~من أعضائها. لم يكن المجتمع البشري كما نعرفه ليوجد لولا الشغف الفطري لدى الرئيسيات ~~بهوية الجماعة، وبالتضامن جنبا إلى جنب مع مرونة المجتمع الانقسامي الاندماجي؛ إذ تسمح ~~لنا غريزة الهوية الجماعية بتكوين جماعات ذات تماسك كاف للتآزر مع شعور بالتضامن ~~والعمل معا لتحقيق أهداف مشتركة. وتسمح غريزة الانقسام والاندماج لجماعات عديدة ~~بالانتشار داخل مجتمع واحد، مع تعريف كل منها بطريقة مختلفة، وتلبية كل منها لمجموعة ~~مختلفة من الاحتياجات الاجتماعية. # حين نتتبع تطور الإنسان الحديث وتطور مجتمعات بشرية متزايدة التعقيد، نرى كيف ~~أتاحت مرحلة الاندماج من دورة الانقسام والاندماج لنوعنا صوغ أشكال جديدة من التضامن ~~داخل جماعات بشرية متزايدة الحجم. تضم الأمم الحديثة والحركات السياسية آلاف أو ~~ملايين الأعضاء، لم ولن يلتقي أغلب أعضائها، إلا أنهم يعرفون أنفسهم مجتمعين على ~~أنهم ينتمون للجماعة نفسها ويعيشون في دائرة واحدة من الثقة. # لقد تميز تاريخ نوعنا في واقع الأمر بأنماط متزايدة الحجم من الاندماج، بدأت تظهر ~~حين نشأت هويات قبلية لدى الصائدين جامعي الثمار، وتوسعت ثانية حين بدأ أفراد ~~القبائل المختلفة يعيشون معا في قرى وبلدات ودول مدن، وتوسعت أخيرا لتبلغ ms030 حجمها ~~الحالي حين تحولت آلاف من الدول المدن إلى نحو مائتي دولة قومية، حيث من المألوف أن ~~يصل عدد أعضاء جماعتنا إلى ملايين وعشرات الملايين. # تزاوج الأباعد وحظر سفاح المحارم لدى الرئيسيات # رغم تضامن الجماعة المعهود في الرئيسيات - والعلاقات العدائية التي تنشأ بين مجموعات ~~الرئيسيات - تتزاوج أغلب الرئيسيات بانتظام مع أفراد المجموعات المنافسة؛ إذ دائما ما ~~يترك الحيوان المراهق من رتبة الرئيسيات جماعة أمه ويبحث بهمة عن صداقات وعلاقات جنسية ~~مع أفراد جماعة أخرى، وينال القبول بصفته عضوا دائما في النهاية. يسمى هذا تزاوج ~~الأباعد - أي «التزاوج من خارج الجماعة» - والذكور بين أغلب الرئيسيات هم الذين ~~يغادرون جماعتهم الأصلية من أجل الانضمام لجماعة أخرى، وهذه هي الظاهرة المعروفة ~~بتزاوج الأباعد الذكوري. # من ثم، أكثر أنواع جماعات الرئيسيات شيوعا تتكون من نواة أساسية من الإناث اللواتي ~~تربطهن ببعضهن بعضا صلة قرابة كأمهات وأخوات وبنات. تقضي هؤلاء الإناث حياتهن كلها ~~معا، ويألف بعضهن طبائع بعض، ويبحثن معا عن الغذاء، ويتشاركن بعض أطفالهن معا، وقد ~~أنشأن منذ زمن طويل تسلسلا هرميا اجتماعيا مستقرا يعزز التعاون والعلاقات ~~السلمية داخل المجموعة. # لكن بعض أنواع الرئيسيات - وعلى الأخص قردة الشمبانزي - تمارس العكس تماما: تزاوج ~~الأباعد الأنثوي. فيظل ذكور الشمبانزي في المجموعة التي ولدوا فيها، وتربطهم علاقات ~~دائمة ليس مع أمهاتهم فقط، وإنما مع آبائهم وأخواتهم وأبنائهم أيضا. أما إناث ~~الشمبانزي فيهممن بالانسحاب بالتدريج بعيدا عن مجموعتهن الأصلية عند بلوغ مرحلة ~~النضج، ويسعين لإقامة علاقات جنسية وصداقات أخرى مع أعضاء جماعة مختلفة تماما، وعند ~~الاستمرار في هذا يكسبن في نهاية المطاف قبول الذكور وإناث الجماعة الجديدة، وأخيرا ~~يصرن حبليات وينجبن أطفالا. وبينما تكبر بناتهن وترحل بعيدا يبقى أبناؤهن بصحبتهن ~~ما تبقى لهن من العمر. # تنعكس ممارسة الرئيسيات العامة لزواج الأباعد على التكوين الاجتماعي لكل المجتمعات ~~البشرية، وإن كان يتخذ عدة أشكال مختلفة، من بينها زواج الأباعد الذكوري والأنثوي. ~~مارست المجتمعات الريفية التقليدية في الصين والهند شكلا صارما من أشكال زواج الأباعد ~~القروي على أساس مكان الإقامة؛ ففي ms031 هذه القرى الزراعية كان الذكور يمتلكون كل الأراضي ~~والمساكن ويورثونها لنسلهم من الذكور حصرا. بناء على هذا لم يكن الرجال يغادرون ~~القرى التي ولدوا فيها قط، في حين كانت النساء - اللواتي كانت أملاكهن مقتصرة على ~~مقتنيات قابلة للحمل مثل الملابس والمصاغ والأثاث - يغادرن قراهن الأصلية للأبد عند ~~الزواج، ويقضين بقية حياتهن في قرى أزواجهن. لكن في قرى جزر بولينيزيا التقليدية، ~~كانت النساء يمتلكن الأرض والمساكن ويورثنها لنسلهن من الإناث حصرا؛ ومن ثم كان ~~الذكور هم من يرحلون عن قراهم الأصلية عند الزواج لقضاء بقية حياتهم سكانا في قرى ~~زوجاتهم. # بالإضافة إلى هذه الأشكال من زواج الأباعد القائم على أساس مكان الإقامة، تستلزم كل ~~الثقافات البشرية شكلا من زواج الأباعد ينطبق على علاقات القرابة، وهو حظر البشر بوجه ~~عام لسفاح المحارم. يقتضي حظر سفاح المحارم أن يختار الرجال والنساء شركاء من خارج ~~مجموعة أقاربهم. وتعرف مجموعة الأقارب في مجتمعنا تعريفا دقيقا جدا بأنها الأسرة ~~المصغرة المكونة من الوالدين والأبناء، وبدرجة أقل إلى حد ما الأسرة الممتدة من ~~الأعمام والأخوال والعمات والخالات وأبناء وبنات الأعمام والأخوال، لكن في الثقافات ~~القبلية حيث علاقات القرابة أهم وأعقد منها في مجتمعنا، كثيرا ما يقوم حظر سفاح ~~المحارم على انتماءات قبلية قد تصف المئات بل وآلاف العلاقات الجائزة بأنها سفاح قربى؛ ~~ومن ثم تحظرها تماما. # يفيد زواج الأباعد مجتمعات الرئيسيات بطريقتين؛ فهو أولا يضمن استمرار التمازج ~~الجيني بين الجماعات التي تعيش في مناطق متجاورة، حتى وإن كانت هذه الجماعات يعادي ~~بعضها بعضا، وهذا من شأنه أن يقلل تزاوج الأقارب، بآثاره الضارة. وثانيا يضمن زواج ~~الأباعد أن يكون داخل كل جماعة الكثير من البالغين الذين ولدوا في جماعات أخرى وتربطهم ~~بالفعل علاقات بأصدقائهم وأفراد أسرهم الذين هم أعضاء في جماعات أخرى. # وتساعد هذه الصلات بين الجماعات المختلفة وكثيرة التناحر على تقليل المشاحنات والعنف ~~بين جماعة وأخرى. وفي العديد من المجتمعات القبلية والريفية اعتادت بعض العشائر والقرى ~~أن تتصاهر مع بعض العشائر والقرى الأخرى. كان من شأن هذا ms032 العرف الذي استمر لأجيال ~~أن ينتج شبكة من العلاقات الاجتماعية تربط بين الجماعات، وتقلل المشاحنات بينهم، ~~وتوفر لهم حلفاء مهمين في حالة التعرض لهجوم من جماعات معادية. # الصيد والحروب لدى الرئيسيات # كانت السعادين والقردة تعتبر قديما جامعات للثمار مسالمة تعيش على نظام غذائي ~~نباتي تكمله أحيانا بالحشرات أو بيض الطيور أو الزواحف الصغيرة، لكن في السنوات ~~الأخيرة اكتشفت الدراسات الميدانية التي أجريت على الرئيسيات في موائلها الطبيعية أن ~~عددا منها - بما يشمل الفرفت والماكاك والميمون والبابون وإنسان الغاب والشمبانزي - ~~يصطاد ويقتل حيوانات أخرى من ذوات الدم الحار، ومن بينها رئيسيات أخرى. # قد تكون قردة الشمبانزي أنجح الصائدين بين كل الرئيسيات غير البشرية؛ فقد رصدت قردة ~~الشمبانزي وهي تصطاد وتقتل تسعة عشر نوعا على الأقل من الثدييات، منها الخنازير البرية ~~والظباء وعدة أنواع من القردة (فريستها المفضلة). فقد وجد أن إحدى مجموعات الشمبانزي ~~تقتل بصورة روتينية أكثر من عشرة في المائة من قردة كولوبس الحمراء التي تعيش في ~~منطقتها كل عام، وهو معدل قتل مساو لمعدل القتل لدى الضباع والأسود. عادة ما ~~ينفذ عملية الصيد مجموعة من الذكور البالغين، الذين يتعاونون في ملاحقة الفريسة ~~ومحاصرتها حتى يتمكنوا من الاقتراب منها لدرجة كافية ليجهزوا عليها. هذه إجمالا ~~هي الطريقة نفسها التي يستخدمها الصيادون من البشر حول العالم، مع اختلاف واحد مهم: ~~يجب أن يقتل الشمبانزي فريسته عن طريق عضها بأنيابه الطويلة الحادة كالموس وتمزيقها ~~بأياديه المجردة، أما الإنسان فيقتل فريسته بأسلحة مصنعة يمكنها إيقاع إصابات قاتلة ~~عن بعد؛ تجنبا لمخاطر التلاحم. # حتى وقت قريب كان يعتقد أن البشر وحدهم بين جميع الرئيسيات يشاركون في العنف ~~القتالي ضد أفراد من نوعهم، وكان يعتقد في وقت سابق أن السلوكيات من عينة القتل ~~والحرب وأكل المثيل غير معروفة بين مجتمعات القردة والسعادين التي هي نباتية بدرجة ~~كبيرة (والأكثر مسالمة حسبما يفترض)، لكن دحضت الدراسات الميدانية التي أجريت على ~~الرئيسيات في موطنها الطبيعي الرأي السابق دحضا تاما؛ فعلى مدى عشرة أعوام روقبت ~~مجموعة عدوانية للغاية من ms033 قردة الشمبانزي في أوغندا وهي تقتل ثمانية عشر عضوا في ~~جماعات منافسة، وهو معدل قتل أكبر بعدة أضعاف من متوسط معدل القتل لدى البشر من ~~الصيادين وجامعي الثمار. وقد وثقت دراسات أخرى عديدة عدة حالات من القتل وقتل ~~الأطفال وأكل المثيل بين مجموعة متنوعة من أنواع الرئيسيات. # من بين كل السلوكيات العنيفة التي كان يعتقد في الماضي أن البشر ينفردون بها، ربما ~~كان الأكثر إدهاشا هو اكتشاف قدرة جماعات معينة من قردة الشمبانزي على شن حملات ~~متواصلة من العنف ضد جماعات مجاورة هدفها النهائي احتلال أجزاء من أرضها وادعاء ~~ملكيتها لها. هذا النوع من «الحروب» مشابه إلى حد لافت للغارات التي كان يقوم بها ~~الصيادون جامعو الثمار والقرويون المزارعون حول العالم. # تعيش إحدى مجموعات الشمبانزي شديدة الضخامة والشراسة في منطقة نجوجو في حديقة كيبالي ~~الوطنية في أوغندا. درس هذه المجموعة فريق من اختصاصيي الرئيسيات الأمريكان في ~~الفترة من 1999م حتى 2008م، فاكتشفوا أن الذكور البالغين من مجموعة نجوجو يشاركون في ~~غارات ممنهجة على أراضي المجموعات المجاورة، للانقضاض على قردة شمبانزي أخرى في هذه ~~المجموعات والقضاء عليها بصفة دورية. # عادة ما تتحرك قردة الشمبانزي في حيزها الحيوي في عصابات محدثة جلبة وصخبا، ~~حيث يمكن للأفراد الانتشار في أنحاء الغابة بعضهم على مسمع من بعض، لكن تغير سلوك ~~قردة شمبانزي منطقة نجوجو للغاية عندما شرعت في شن غارة على أرض مجموعة أخرى. # فبمعدل مرة واحدة كل عشرة إلى أربعة عشر يوما تقريبا، كان يخرج نحو عشرين ذكرا ~~من نجوجو للإغارة على أحد جيرانهم، فكانوا يلزمون الصمت ويسيرون في طابور واحد وهم ~~يعبرون الحدود بين أرضهم وأرض جيرانهم. ومع توغلهم أكثر في «أرض العدو» كانوا ~~يتفحصون بعناية قمم الأشجار بحثا عن آثار للعدو، ويستجيبون في توتر لأقل ~~صوت. # حين كانوا يلقون مجموعة من المدافعين تفوقهم عددا، كان ذكور نجوجو يتفرقون عن ~~صفوفهم ويفرون راجعين إلى أرضهم، لكنهم حين كانوا يصادفون ذكرا سيئ الحظ وحده في ~~الغابة، كانوا يلاحقونه ويقيدونه ويوسعونه ضربا حتى الموت. ms034 أما إن وقعت أنثى في ~~الفخ، فكانت دائما ما يطلق سراحها، لكن دائما ما كان يقتل أطفالها ويؤكلون. كانت ~~أغلب حالات قتل شمبانزي نجوجو موجهة لمجموعة بعينها كانت تعيش في الشمال الشرقي، ~~وبعد عدة سنوات من الهجمات انتقلت مجموعة نجوجو إلى جزء كبير من أرض جيرانها واستولت ~~عليها؛ لتتسع مساحة نطاقها الحيوي بنسبة 22 في المئة. # تشيع ممارسة قتل الرضع أيضا بين عدة أنواع من الرئيسيات، وغالبا ما تقع حين ~~ينتزع ذكر جديد السيطرة على حرملك من ذكر مسيطر كان يملكه قبل ذلك. يقتل الذكر ~~الجديد بطريقة ممنهجة كل الرضع الذين أنجبهم سلفه؛ مما يجعل الإناث اللواتي صرن ~~بلا صغار على استعداد للتزاوج مرة أخرى؛ ومن ثم تستأنف الدورة الشبقية والنشاط ~~الجنسي. يستطيع الذكر الجديد المسيطر عن طريق التزاوج مع الإناث الجدد أن ينجب صغارا ~~من صلبه؛ مما يزيد من عدد ذريته؛ وبهذا ينشر جيناته لأقصى درجة ممكنة. # أدوات الرئيسيات وأسلحتها # في شهر أكتوبر من عام 1960، كانت اختصاصية الرئيسيات جين جودول في السنة الأولى من ~~بحثها التاريخي حول سلوك قردة الشمبانزي البرية، حيث أقامت في معسكر مراقبة في ~~محمية طبيعية على ضفاف بحيرة تنجانيقا في شرق أفريقيا. وذات صباح ممطر في أحد أيام ~~شهر أكتوبر، وبينما هي مبتلة ومنهكة من البحث دون جدوى لساعات في الوديان التي ~~غمرتها مياه الأمطار عن شمبانزي حتى تراقبه، رأت بغتة حركة وسط الحشائش الطويلة ~~وركزت منظارها على الموقع. وحين تعرفت على أحد الذكور البالغين في المجموعة التي ~~كانت تدرسها تقدمت بحذر. # كان الذكر البالغ جالسا بجوار عش نمل أبيض، يدخل ساق كلأ طويلة في العش من ~~خلال فتحات الدخول مرارا وتكرارا. وبعد كل مرة كان يخرج الساق وقد صارت مغطاة ~~بالنمل الأبيض المتشبث بها، فيلعق النمل الأبيض من على الساق ويأكله. وعند انحناء طرف ~~الساق كان يقضمه ليصبح لها طرف جديد، أو يتخلص منها ويلتقط ساقا أخرى. وهكذا ظل ~~يتغذى على النمل الأبيض طوال ساعة ثم تجول بعيدا. # أقامت جودول موقع مراقبة بالقرب من ms035 عش النمل الأبيض، وسريعا ما تسنى لها مراقبة ~~أفراد آخرين في المجموعة نفسها وهم يبحثون عن النمل الأبيض، غير مقتصرين في ذلك على ~~استخدام سيقان الكلأ القريبة في متناول اليد، وإنما استخدموا أيضا الغصون والأفرع التي ~~جلبوها من على بعد عدة ياردات، وقد تعمدوا إعدادها بنزع الأوراق عنها (انظر شكل # 1-4 ~~). # شكل 1-4: أدى اكتشاف أن قردة الشمبانزي تصنع الأدوات وتستخدمها إلى ثورة في ~~التفكير العلمي حول أصول استخدام الأدوات. يستخدم هذا الشمبانزي عودا ~~لاصطياد النمل الأبيض من داخل عشه. (اللقطة من تصوير مايك ريتشي. ~~مصرح بالنشر بموجب رخصة المشاع الإبداعي غير الموطن الإصدار 3,0 التي ~~تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل.) # قبل بحث جودول كان الاعتقاد السائد المقبول لدى علماء السلوك أن البشر هم النوع ~~الوحيد القادر على التأني في صناعة أدوات من مواد طبيعية واستخدامها في أغراض ~~خاصة. في الواقع كان هذا أحد المعايير الرئيسية المستخدمة في تمييز البشر عن كل ~~الحيوانات الأخرى، لكن بحلول عام 1973 كانت جين جودول قد دونت ثلاثة عشر نوعا ~~مختلفا من الأدوات التي تصنعها وتستخدمها قردة الشمبانزي التي كانت تدرسها، ومنذ ذلك ~~الوقت تعرف اختصاصيو علم الرئيسيات الذين يدرسون قردة الشمبانزي في العراء على أكثر ~~من خمسة وعشرين نوعا مختلفا من الأدوات، صنع كل منها من مواد طبيعية ويستخدم ~~كل منها في غرض محدد. # وبجانب المسابير التي يصنعونها لاصطياد النمل الأبيض، ينتقي قردة الشمبانزي الأغصان ~~والعصي الصغيرة وينظفونها ويجهزونها من أجل استخدامات متنوعة، منها جمع العسل، ~~واقتلاع الأجزاء القابلة للأكل من الجوز من قشورها، واستخراج النخاع من عظام فرائسها. ~~وتستخدم إحدى المجموعات مطرقة وسندان بدائيين مصنوعين من الأحجار أو الخشب من أجل ~~فتح جوز الكولا، وتستخدم يد هاون ساحقة مصنوعة من جذع نخلة من أجل تعميق الثقوب في ~~الأشجار. وتلتقط أوراق الأشجار الكبيرة المسطحة لتستخدم أبسطة للجلوس على الأرض ~~الرطبة و«قبعات» تستخدم مرة واحدة عند هطول الأمطار، بينما تمضغ الأوراق الصغيرة ~~حتى تصير كتلة رطبة تستخدمها قردة الشمبانزي كإسفنج لجمع المياه وتنظيف ms036 الجروح. # تتضمن تقنيات الشمبانزي أيضا أسلحة مصنوعة من مواد طبيعية في بيئتها؛ فعند ضلوع ~~ذكور الشمبانزي في عروضها التهديدية الدورية، تحطم الفروع وتلوح بها في هياج، ~~بينما تندفع صارخة في أرجاء الغابة. وأثناء هجومها على الآخرين تظل ذكور الشمبانزي ~~تجمع الفاكهة والعصي وحتى الأحجار وتلقي بها على خصومها، وقد رصد أفراد مجموعة ~~واحدة على الأقل من الشمبانزي في غرب أفريقيا وهم يصنعون «رماحا» خشبية؛ فقد كانوا ~~يختارون فرعا مناسبا طوله نحو ثلاث أو أربع أقدام، وينزعون عنه الأوراق والفريعات، ~~ويشحذون أحد طرفيه بأسنانهم، ويستخدمون الرمح في طعن حيوانات الجلاجو وقتلها، وهي نوع ~~صغير بدائي من الرئيسيات تنام دائما في تجاويف الأشجار. # منحت التقنية للبشر نوعا جديدا من السلطة على الطبيعة، لكن لم تبدأ هذه السلطة مع ~~الثورة الصناعية، أو نشأة الحضارات، أو تطور الزراعة، أو حتى اختراع أدوات من الأحجار؛ ~~إذ يشير ثراء تقنيات قردة الشمبانزي وتنوعها إلى أن استخدام البشر للتقنية بدأ مع قردة ~~ما قبل التاريخ التي كانت أسلافا لكل من البشر وقردة الشمبانزي. # ظهرت التقنية باعتبارها قوة في تطور الإنسان منذ ملايين السنين، مع ابتكار أول ~~الأسلحة البدائية التي لم يبتكرها البشر، وإنما ابتكرتها قردة ما قبل التاريخ التي ~~باستخدامها الرماح الخشبية وعصي الحفر وضعت نفسها على أول طريق التطور الذي أنتج ~~البشر في النهاية. وسوف نستعرض الدليل على هذا الافتراض والأساس المنطقي له بالتفصيل في ~~الفصل التالي. # عادات الرئيسيات وتقاليدها، لبنات بناء الثقافة # في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين بدأ مجموعة من اختصاصيي علم الرئيسيات من ~~جامعة كيوتو دراسة طويلة الأجل لمستعمرة من مائة قرد ماكاك ياباني بري كانت تعيش في ~~كوشيما، الجزيرة الصغيرة الواقعة قبالة الساحل الجنوبي لليابان. وحتى تتأتى لهم ~~مراقبة السلوك الاجتماعي للقردة على نحو أفضل، كان العلماء يلقون كميات كبيرة من ~~البطاطا الحلوة على الشاطئ كلما زاروا الجزيرة الصغيرة، فكانت قردة الماكاك تخرج من ~~الغابة وتجمع البطاطا الحلوة، لكن قبل البدء في تناولها كانت تعكف على إزالة الرمل عنها ~~بأيديها، كما هو ms037 معهود في هذا النوع. # لكن ذات يوم اكتشفت أنثى صغيرة تدعى إيمو، لا يتجاوز عمرها ثمانية عشر شهرا، أن ~~غسيل البطاطا الحلوة في جدول قريب كان طريقة أسرع وأسهل كثيرا لتنظيفها، وسريعا بدأت ~~أم إيمو تغسل البطاطا الخاصة بها بدلا من تمشيطها، وخلال السنوات القليلة التالية ~~انتشر غسيل البطاطا بين رفاق إيمو في اللعب وأمهاتهم، حتى أصبحت المستعمرة بأسرها في ~~عام 1958 تغسل البطاطا الحلوة إما في الجدول أو المحيط، وظل هذا السلوك المستجد تقليدا ~~في مستعمرة كوشيما، وظلت الأجيال تتوارثه منذ ذلك الوقت. # في وقت لاحق بدأ العلماء يتركون قمحا على الشاطئ الرملي، فيصير القمح والرمل ~~ممتزجين معا. اكتشفت إيمو أنها تستطيع فصلهما بإلقاء حفنة من القمح المختلط بالرمل في ~~البحر، حيث يسقط الرمل تاركا القمح ليطفو على سطح الماء بحيث يمكن اغترافه. بدأ ~~أفراد آخرون في المستوطنة استخدام هذه الطريقة، وانضم غسيل القمح إلى غسيل البطاطا ~~ليصير عادة في هذه المستوطنة وحدها. منذ ذلك الوقت لاحظ علماء الرئيسيات عادات أخرى ~~مماثلة في تناول الطعام في المستعمرات الفردية لقردة الماكاك في جميع أنحاء اليابان، ~~من بينها غسل التفاح، وإخراج الفول السوداني المدفون من الرمل، وفك غلاف حلوى الكراميل، ~~بل وحتى تناول السمك النافق. # تسكن قردة الماكاك اليابانية بيئات واسعة التنوع، بدءا من الغابات شبه المدارية ~~في كوشيما وصولا إلى غابات جبال الألب المغطاة بالثلوج في هونشو. ومن المنطقي جدا ~~أن يكون لمثل هذا النوع القدرة على التأقلم مع البيئات المختلفة باكتشاف غذاء جديد، ~~وابتكار طرق جديدة لتناوله، ونقل هذه العادات لأعضاء آخرين في المجموعة، وللأجيال ~~القادمة من خلال نسله. بهذه الطريقة لا تفيد اكتشافات الأفراد المبتكرين مثل إيمو ~~واختراعاتهم أفرادا آخرين في المجموعة فحسب، لكنها ستحفظ على مر الزمن لتوفر ~~للأجيال القادمة التي ستعيش في الموطن نفسه حلولا جاهزة لتحديات الحصول على الغذاء ~~التي تفرضها تلك البيئة بعينها. # في الواقع، رصدت عادات وتقاليد مشابهة - لبنات بناء الثقافة - بين أنواع أخرى ~~عديدة من الرئيسيات؛ فقد تعلمت مجموعة من قردة الشمبانزي ms038 في غينيا، في غرب أفريقيا، ~~أن تفتح القشرة الصلبة جدا لجوز الكولا والباندا باستخدام تقنية «المطرقة والسندان»، ~~وقد انتقلت هذه التقنية الجديدة من أحد أجيال قردة الشمبانزي إلى الجيل التالي. كذلك ~~رصدت أمثلة عديدة أخرى لعادات وتقاليد متمايزة لدى مجموعات قردة الشمبانزي البرية، ~~منها استخدام أنواع مختلفة من الأدوات، وتقنيات تنظيف الجسد، وسلوكيات التحية مثل تشبيك ~~الأيدي، حيث يرفع أفراد المجموعات نفسها أذرعهم ويشبكون أياديهم بعضها في بعض ~~ومعاصمهم حين يلتقون. ومن الملاحظ أنه لا يوجد أي من هذه السلوكيات بوجه عام بين قردة ~~الشمبانزي، وإنما يوجد لدى مجموعات محددة فقط. وهذا يخبرنا أن السلوك ينتقل بالتعلم ~~وليس بعوامل جينية. # نعتبر أنه من المسلم به أن كل ثقافة بشرية لها عاداتها وتقاليدها المميزة، التي ~~تورث من جيل للجيل الذي يليه، لكننا نادرا ما ندرك أن القدرة على الإتيان بسلوكيات ~~جديدة - وتناقلها باعتبارها عادات وتقاليد مجموعة بعينها، من خلال المحاكاة - ليس ~~مقصورا على البشر. كذلك رصدت عناصر مشابهة من ثقافة الحيوانات في الطبيعة بين ~~الحيتان والأفيال والطيور، بل وحتى القوارض. لا شك أن العادات والتقاليد السائدة بين ~~الحيوانات التي تعيش في جماعات، والتي هي بمثابة أسس الثقافة البشرية، ظهرت لأول مرة ~~قبل وجود البشر على الأرض بملايين السنين. # ليس المقصود بهذا أننا البشر لسنا متفردين؛ فتفردنا الذهني والبدني عميق ولا ~~سبيل لإنكاره، لكن العناصر التي تطور منها هذا التفرد ظهرت لا شك منذ زمن طويل في ~~سلوك السعادين والقردة. أوجه الشبه الجسدية بين البشر والرئيسيات الأخرى واضحة، لكن ~~أوجه الشبه السلوكية ليست دائما بهذا الجلاء؛ تضامن الجماعة ومبدأ الوطن، الروابط ~~الاجتماعية التي تتوثق بفعل الأمومة والجنس والصداقة والتسلسل الهرمي الاجتماعي، ~~مرونة المجتمع الانقسامي الاندماجي، مزايا الزواج من الأباعد، مبادئ الصيد والحروب ~~والأدوات والأسلحة والعادات والتقاليد كلها موجودة بين الرئيسيات غير البشرية. هذه هي ~~لبنات البناء الجينية للسلوك البشري، بدونها ما كان المجتمع البشري ليتطور، وما كان ~~للعالم الذي نعيش فيه وجود. # الفصل الثاني # | تقنية الحراب وعصي الحفر # انتصاب القامة والحركة على ms039 قدمين # ذات يوم، قرب الظهيرة، اعترتني دهشة شديدة عندما أبصرت أثر قدم حافية لبشر على ~~الشاطئ، كان واضحا جدا بحيث يسهل تمييزه على الرمل. # دانيال ديفو، «روبنسون كروزو» # في مساء أحد أيام عام 1976، خرج عالمان للتنزه سيرا بعد يوم من العمل في موقع حفريات ~~عمره 3,6 ملايين عام قرب القرية الأفريقية لايتولي في البلد الذي يعرف اليوم باسم ~~تنزانيا. كان العالمان يتسليان بإلقاء كتل من روث الفيلة أحدهما على الآخر، حين تعثر ~~أحدهما وسقط بوجهه على طبقة من الصخور كانت وحلا بركانيا في البداية منذ ملايين السنين، ~~لكنها تجمدت منذ زمن بعيد لتصير نوعا من الملاط الطبيعي. وهناك، على بعد عدة بوصات من ~~وجهه، كان هناك أثر لا تخطئه عين لقطرات مطر أحفورية. # كشف المزيد من البحث أن الوحل البركاني حمل أيضا آثار أقدام حيوانات متحفرة متعددة، ~~وكشف التنقيب المتأني لهذه الطبقة البركانية على مدى عدة شهور عن آثار أقدام للعديد من ~~حيوانات ما قبل التاريخ التي تراوح حجمها بين الفيلة والجرذان. وأخيرا بعد عامين من ~~عمليات التنقيب الدءوبة واكتشاف المئات من آثار أقدام الحيوانات، توصل علماء الآثار في ~~لايتولي إلى أحد أهم الاكتشافات في تاريخ علم الحفريات؛ أثر خطوات امتد ثمانين قدما، ~~تركه شخصان، شخص بالغ وطفل، كانا يسيران معا عابرين الوحل البركاني منذ أكثر من ثلاثة ~~ملايين سنة (انظر شكل # 2-1 ~~). # 1 # شكل 2-1: أعطت آثار الأقدام في لايتولي دليلا جازما على أن الهومينيد الأوائل ~~كانوا يمشون على قدمين طوال الوقت، وظلوا هكذا لملايين السنين. (حقوق الطبع ~~والنشر © 2015م، جون ريدر. نسخت بتصريح.) # أعطت آثار الأقدام التي اكتشفت في لايتولي دليلا مباشرا قاطعا على أن الاعتماد الكامل ~~على القدمين في الحركة - القدرة على الوقوف والسير والركض لفترات زمنية ممتدة وعبور ~~مسافات طويلة باستخدام الساقين الخلفيتين فقط - قد ظهر قبل ما كان يفترض سابقا بملايين ~~السنين. علاوة على ذلك، أكدت آثار الأقدام أن علماء الحفريات قد استنبطوا بالفعل ~~استنتاجات صحيحة عن فصيلة أشباه البشر ما قبل التاريخ # 2 ~~(المصطلح ms040 العلمي التقليدي لكل بشر ما قبل التاريخ والعصر الحديث)، وإن كانت ~~استنتاجاتهم حتى ذلك الحين قائمة على الدليل غير المباشر للتشريح البشري. # عدم وجود دليل ليس دليلا على عدم الوجود # أظهرت البقايا الأحفورية لأشباه البشر الأوائل أن عظام حوض هذه الأنواع القديمة ~~وساقيها كانت مشابهة تماما لنظيرتها في تشريح بشر العصر الحديث، وهذا أوحى بأن كل ~~أشباه البشر الأوائل كانوا قادرين على شكل واحد على الأقل من أشكال الحركة على قدمين، ~~لكن إلى أن اكتشفت آثار الأقدام في لايتولي، كان ثمة جدل علمي كبير حول ما إذا كان ~~أشباه البشر الأوائل ساروا حقا منتصبي القامة تماما على غرار بشر العصر الحديث. ~~أزكى هذا الجدل الانعدام الشبه التام لعظام أقدام أحفورية من اكتشافات أشباه البشر ~~الأوائل، والحقيقة التي مفادها أن أقدم آثار أقدام أحفورية لأشباه بشر عثر عليها قبل ~~عام 1978م كانت كلها عمرها أقل من مائة ألف عام، وهو الوقت الذي بحلوله كان الجسد ~~البشري قد تطور بالفعل ليتخذ شكله الحديث تماما. # رغم أنه قد تم التعرف على عدة آلاف من آثار الأقدام الأحفورية التي تعود إلى فترات ~~زمنية تقدر بملايين السنين، فإن كل آثار الأقدام هذه قد تركتها حيوانات أخرى، وليس ~~أشباه بشر. في الواقع، العديد من أنواع الديناصورات - التي يتراوح حجمها بين كائنات ~~أضخم من الأفيال وأخرى صغيرة في حجم الفئران - قد تركت الآلاف من آثار الأقدام في سجل ~~الحفريات من فترات زمنية تتراوح بين 75 مليونا و250 مليون سنة خلت، وقد تركت العديد من ~~هذه الديناصورات آثار أقدام أحفورية أكثر من بقايا هياكلها نفسها. # هل كانت الأدلة التشريحية المستقاة من الجمجمة والعمود الفقري والحوض وحدها كافية ~~لاستنتاج أن أشباه البشر الأوائل قد ساروا حقا منتصبي القامة، رغم الغياب المحير ~~لأي آثار أقدام واضحة للسير على قدمين في سجل الحفريات؟ لقد محيت هذه الشكوك تماما ~~باكتشاف آثار أقدام في لايتولي؛ فقد أكدت آثار الأقدام هذه الحكمة القديمة القائلة ~~بأن «عدم وجود دليل ليس دليلا على عدم الوجود». بعبارة ms041 أخرى، عدم وجود دليل مادي على ~~حدث قديم ليس في حد ذاته دليلا أن هذا الحدث لم يقع فعلا. وهذا مرجح جدا حين ~~يكون الدليل المعني قد أبلاه الدهر. # ابتليت دراسة تطور الإنسان مرارا حين قلل بعض العلماء بشدة من شأن القدم الحقيقي ~~لبعض مراحل التطور المهمة؛ فعلى سبيل المثال، ذكر كتاب رائد في علم الإنسان عام 1948م ~~أنه رغم ما يحدث أحيانا «من ادعاء أحد الأشخاص أن هذه الحفريات البشرية أو تلك [يتجاوز ~~عمرها مليون سنة] ... لا يوجد بعد اكتشاف واحد لأي شيء من الأسلاف المباشرين للبشر ... ~~موغل في القدم إلى هذا الحد.» # 3 # فإن علماء الحفريات متفقون الآن أن تطور البشر قد بدأ منذ خمسة ملايين ~~سنة على الأقل. # على غرار ذلك كان يعتقد في الماضي أن صناعة الأدوات وتطوير الثقافات والتقاليد ~~مقتصران على البشر، لكن برهن عمل جودول وآخرين الآن بلا شك أن أنواعا أخرى من ~~الرئيسيات تظهر أدلة واضحة على صناعة الأدوات والثقافة؛ ومن ثم يمكن بثقة افتراض أن ~~كلتا هاتين القدرتين وجدتا بين أنواع ما قبل التاريخ التي كانت تعيش قبل ظهور أشباه ~~البشر الأوائل. # أخيرا، حتى نهاية القرن العشرين، كان مصدر جميع أقدم بقايا الأدوات الخشبية تقريبا ~~هو البيئات الصحراوية، وكان عمرها أقل من خمسة عشر ألف سنة (الاستثناء الوحيد كان رأس ~~حربة واحدة عثر عليها عام 1911م في كلاكتون في إنجلترا، وذلك في رواسب تعود إلى ~~أربعمائة ألف عام مضت تقريبا، لكن كان هذا الاكتشاف مثيرا للجدل ولم يلق القبول ~~التام)، إلا أنه في عام 1997م عثر في موقع يعود لعصور ما قبل التاريخ، في شونينجين في ~~ألمانيا، على مجموعة من الرماح الخفيفة الخشبية الدقيقة الصنع، يعود تاريخها يقينا إلى ~~أربعمائة ألف سنة مضت؛ مما يثبت أن صنع الأدوات الخشبية في عصور ما قبل التاريخ كان ~~أقدم بكثير مما كان يعتقد على وجه العموم. ~~«لوسي» وأشباه البشر الأوائل # في عام 1974م أخرج من الأرض هيكل أحفوري شبه كامل لأنثى أوسترالوبيثيكوس منتصبة ~~القامة في ms042 أثيوبيا. هذا الاكتشاف لهيكل يعود تاريخه إلى أكثر من ثلاثة ملايين سنة حقق ~~شهرة في الحال باسم لوسي، أقدم هيكل كامل يعثر عليه حتى ذاك الوقت، منتميا بلا لبس ~~إلى السلالة البشرية. كانت لوسي أحد أفراد نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينسيس، وهو أحد ~~أوائل أنواع أشباه البشر الذين سكنوا أفريقيا في عصور ما قبل التاريخ. وقد أحدث ~~اكتشافها ضجة؛ لأن حوضها وعظام ساقيها ومفصلي ركبتيها كانت جميعها مشابهة كثيرا ~~لمثيلاتها لدينا، في دلالة على أن نوعها كان منتصب القامة تماما وقادرا على التنقل ~~الكامل باستخدام القدمين. # أشباه البشر الأوائل مثل لوسي كانوا كائنات ضئيلة الجسم ذات بنية قوية، تقف وتسير ~~وتعدو منتصبة القامة في يسر على الأرض كما نفعل. قد تظنهم من بعد أشخاصا قصيري ~~القامة جدا، لكن عند الاقتراب منهم عن كثب أكثر ستلاحظ أن رءوسهم تشبه رءوس ~~القردة - ذات جبهات قصيرة، وأسنان كبيرة، وعظام فك بارزة - وأجسادهم مغطاة ~~بالفراء، وسواعدهم تبدو طويلة بالنسبة إلى أجسادهم، وتبدو أصابع أقدامهم طويلة بالنسبة ~~إلى أقدامهم. بلغ طول الإناث نحو ثلاث أقدام ونصف، وبلغ وزنهن 75 رطلا تقريبا، أما ~~الذكور فكان طولهم يزيد قليلا على أربع أقدام، ويبلغ وزنهم نحو خمسة وتسعين رطلا. ~~كانوا يصنعون الأدوات والأسلحة، ويصطادون الحيوانات والطيور البرية ويقطعونها، ويعيشون ~~في مجموعات أسرية ربما تشبه التي لدينا. # رغم أن نوع الأوسترالوبيثيكوس مثل لوسي كان لديهم إصبع القدم الكبيرة المستوية ~~والمتجه باطنها إلى أسفل، كما هو الحال لدى أشباه البشر الحقيقيين، فإن أكتافهم الضيقة ~~وأصابع أياديهم وأقدامهم الطويلة المقوسة تعطي دليلا واضحا على أنهم قضوا جزءا ~~من حياتهم على الأقل على الأشجار، غير أن التحليل الكيميائي لعظامهم - وكذلك بنية ~~أضراسهم - يشير إلى أن غذاءهم لم يقتصر على الطعام الموجود على الأشجار، وإنما شمل ~~الموجود على الأرض كذلك، لكن ما داموا لم يعودوا يقتاتون بشكل رئيسي على الأوراق ~~والفاكهة والجوز الموجودة على الأشجار، فلماذا احتفظوا بالعديد من الخصائص الجوهرية ~~لبنيانهم المناسب لتسلق الأشجار؟ الإجابة الأرجح هي أن الأشجار وفرت أكثر الأماكن ~~أمنا للنوم ms043 ليلا، حين كان أشباه البشر الأوائل عرضة لهجوم الضواري الضخمة في ~~بيئتهم. # كان طول لوسي نحو ثلاث أقدام وست بوصات، ووزنها سبعين رطلا تقريبا، ولديها دماغ ~~أكبر من دماغ الشمبانزي قليلا، وكانت تبدو من فوق الخصر كالقرد، لكن أسفل الخصر بدت ~~مثل البشر، ما عدا أن جسدها بأكمله كان مغطى بالشعر على الأرجح. وكان حوض لوسي في ~~طريقه ليتطور إلى التكوين المتين المعهود لدى بشر العصر الحديث والمتخذ شكل الحلقة، ~~وهو الشكل المختلف اختلافا واضحا عن حوض القردة والسعادين الأكثر تفككا في تكوينه ~~والأكثر استطالة في شكله. # كانت عظام ساقي لوسي طويلة ومستقيمة، مثل عظام سيقاننا، بمفصل ركبة منعقل؛ مما كان ~~يمكنها من الوقوف لفترات طويلة دون إجهاد عضلات ساقيها، وكانت الأقدام الأحفورية التي ~~استخلصت من اكتشافات الأوسترالوبيثيكوس الأخرى مثل أقدامنا أيضا، ذات قوس واضح ~~المعالم ليعطي قوة دفع عند السير. كانت كل أصابع قدمي لوسي تأخذ الاتجاه نفسه - على ~~عكس قدم القرد بإصبع قدمه الكبيرة المواجهة للأصابع الأخرى - مما يدل على أن أقدام ~~أشباه البشر الأوائل لم تعد متكيفة على التشبث بفروع الأشجار، وإنما صارت بدلا ~~من ذلك مثل أقدام بشر العصر الحديث متكيفة للجر والتحرك للأمام أثناء السير على ~~الأرض. بالإضافة إلى كل هذه التغييرات التشريحية المهمة، فقدت لوسي ونوعها تماما ~~سلاح الأسنان القوي - الأنياب الطويلة الحادة - الذي لدى ذكور كل أنواع الرئيسيات ~~الأخرى (وبدرجة أقل إناث). # خسارة السلاح البيولوجي الوحيد لدى الرئيسيات - في نوع كان يقضي أغلب وقته على الأرض ~~بين ضوار خطيرة مثل الأسود والنمور والضباع والكلاب البرية - نوحي بأن لوسي ~~ومعاصريها، مع عدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم دون الأسلحة العضوية، كانوا لينقرضوا ~~منذ زمن طويل إلا إن كان متاحا لهم نوع آخر من الأسلحة الفتاكة، غير أنه لم يعثر ~~على بقايا ذلك السلاح قط من هذه الفترة الزمنية القديمة جدا، وأقدم الأسلحة الحجرية ~~التي عثر عليها حتى الآن تعود لزمن بعد زمن لوسي بأكثر من مليون عام، فكيف لنا أن ~~نفسر هذا التباين؟ # مع ms044 وضع عادات قردة الشمبانزي البرية الموثقة جيدا في صنع الأدوات في الاعتبار، لم ~~تكن على الأرجح أولى الأدوات والأسلحة مصنوعة من أحجار على الإطلاق، وإنما مركبة من ~~فروع وأغصان وأوراق، ومواد أخرى ذات قابلية كبيرة للبلى، والتي لم يكن أي منها ~~ليستطيع الصمود لأكثر من بضع عشرات السنين - فضلا عن ملايين السنين - في المناخ ~~المداري الدافئ الرطب في أفريقيا ما قبل التاريخ. وفي هذه الحالة من المتوقع تماما ~~غياب الأدلة. # علاوة على ذلك، كانت التغييرات التشريحية اللازمة لتطور القامة المنتصبة والحركة ~~على قدمين في المقام الأول هائلة وجذرية وثورية بحق. لا تحدث تغييرات بهذا الحجم ما لم ~~يكن ثمة مزايا واضحة من أجل البقاء على قيد الحياة للكائن الذي تحدث لديه، ولا بد أن ~~ينتج عنها ارتفاع في معدلات البقاء على قيد الحياة حين تحدث هذه التغييرات. رغم ذلك ~~حين تطور أشباه البشر الأوائل إلى انتصاب القامة والحركة على قدمين، كان عليهم ~~مجابهة بعض المساوئ الواضحة جدا التي نجمت عن هذه التغيرات. سنستعرض أهم هذه المساوئ ~~لاحقا في هذا الفصل. # إعادة تصميم جسم الثدييات بصورة جذرية # تطلب انتصاب القامة والمشي على قدمين اللذان حققتهما لوسي ونوعها تحولا كاملا ~~في التشريح الذي لا يميز كل الرئيسيات فحسب، بل يميز كل الثدييات أيضا. شملت ~~إعادة التصميم هذه تغييرات كبرى في الجمجمة والعمود الفقري والحوض والساقين والقدمين ~~والتراكيب العضلية الهيكلية الأخرى، فأصبح يتعين لأول مرة على الساقين الخلفيتين ~~وحدهما حمل الجزء العلوي من الجسم بالكامل، وهو الوضع الذي لم يكن موجودا من قبل قط ~~بين أي من الثدييات المشيمية. # 4 # ما ميزة البقاء على قيد الحياة التي كانت قوية بما يكفي لتعيد تنظيم ~~الطريقة التي يقف بها جسد الرئيسيات ويمشي ويعدو؟ # فلنبدأ بالرأس. المكان الذي تتصل فيه الجمجمة بالعمود الفقري، المسمى الثقبة ~~العظمى، كان لا بد أن ينتقل من خلف الجمجمة، حيث موقعه لدى كل الحيوانات الأخرى، إلى ~~أسفل الجمجمة، حيث مكانه لدى البشر. خلافا لذلك، كان الوجه سيميل إلى الاتجاه لأعلى ~~بدلا ms045 من أن يكون موجها إلى الأمام. العمود الفقري في كل الثدييات الأخرى يكون ~~مدعوما من كلا الطرفين؛ إذ تدعم الساقان الأماميتان والكتفان وزن الرأس والربع ~~الأمامي، بينما تدعم الساقان الخلفيتان والحوض وزن الذيل والربع الخلفي، لكن في ~~الثدييات التي تسير على ساقين، يجب أن يدعم العمود الفقري والحوض وزن الجزء العلوي من ~~الجسد بأكمله، شاملا الرأس والعنق، والساعدين والكتفين، والصدر والبطن، باختصار كل ~~شيء ما عدا الساقين الخلفيتين نفسيهما. لإنجاز هذه المهمة يجب أن يكون العمود الفقري ~~قويا بشكل كبير ومنحنيا على شكل الحرف # S ~~؛ ليضع مركز ~~جاذبية الجسد بأكمله فوق الحوض مباشرة. # ولدعم وزن الجزء العلوي من الجسد بأكمله، كان على الحوض أيضا أن يخضع لعملية إعادة ~~هيكلة رئيسية. وبما أن عظام الحوض الأكثر طولا ومرونة والتي تميز كل الرئيسيات ~~الأخرى لم تكن مصممة لدعم وزن الجزء العلوي من الجسد كاملا لفترات زمنية طويلة، فقد ~~صارت عظام الحوض أقصر وأسمك، والتحمت معا في تكوين واحد صلب حلقي الشكل. في الوقت ~~نفسه صارت عظام الساقين الخلفيتين طويلة ومستقيمة، مع القدرة على الانعقال عند مفصل ~~الركبة. أما الرئيسيات الأخرى فحين تقف على ساقيها الخلفيتين تنحني ركبتاها. تطور ~~مفصلي الركبتين المنعقلين مكن أشباه البشر الذين يتحركون على ساقين من الوقوف ~~بقامة منتصبة تماما لفترات زمنية طويلة دون تشكيل ضغط مستمر على عضلات ~~الساقين. # أخيرا، تطلب الأمر تحول القدمين اللتين تقبضان على الأشياء وإصبع القدم الكبيرة ~~المواجهة لبقية الأصابع، وهو خصيصة مألوفة لدى كل الرئيسيات الأخرى، تحولا كاملا. ~~في مرحلة مبكرة جدا من تطور الإنسان، بدأ «إبهام» القدم فعلا تغادر مكانها من جانب ~~القدم إلى المقدمة. إذا نظرت إلى إبهام القدم الخلفية لدى الشمبانزي أو الغوريلا، سترى ~~أنها واقعة على جانب القدم مواجهة للأصابع الأخرى، مثل الإبهام في يد البشر. وهذا ~~ضروري للتشبث بالساقين الخلفيتين عند تسلق فروع الأشجار، لكنه غير مناسب للسير على سطح ~~الأرض المستوي. هكذا انتقلت هذه الإبهام القابضة من مكانها الأصلي المواجه لأصابع القدم ~~الأربعة الأخرى إلى مكان جديد ms046 حين اصطفت مع أصابع القدم الأخرى؛ مما يتيح لأصابع ~~القدم الخمسة كلها أن تكون في الاتجاه نفسه. في هذه المرحلة صارت إبهام القرد إصبع ~~القدم الكبرى لدى الإنسان. # في الوقت نفسه استطال أخمص القدم مؤديا في النهاية إلى تطور قوس مميز، وصارت «أصابع» ~~القدمين الخلفيتين أقصر، متحولة في النهاية لأصابع القدم الأربعة القصيرة والصغيرة لدى ~~نوعنا، والتي لم تعد قادرة على التشبث بأي شيء، لكنها قادرة تماما على أداء وظيفتها ~~الجديدة من سير وجري لمسافات طويلة على الأرض المنبسطة. # حين يحدث تطور جذري من الرأس لأخمص القدمين في البنية الأساسية لجسد حيوان ما بعد ~~أن ظل يلبي احتياجات أسلافه لعشرات ملايين السنين، لا سيما إن كان التطور في فترة ~~قصيرة من الزمن الجيولوجي، يمكننا افتراض تدخل عوامل تطور قوية، لكن ظل العلماء ~~يحاولون الوصول إلى اتفاق بشأن ماهية عوامل التطور هذه. في الواقع، طرح عدد من ~~النظريات المختلفة لتفسير السبب وراء شروع أسلافنا في التطور إلى وضعية القامة المنتصبة ~~والحركة على قدمين غير المسبوقتين تفسيرا دقيقا. # سأطرح في هذا الفصل رؤيتي التي مفادها أن تقنية الرماح الخشبية وعصي الحفر - ~~الابتكار الذي لا بد أنه قد بدأ مع قردة ما قبل التاريخ التي تمثل أسلاف أشباه البشر - ~~هي التي أعطت مميزات هائلة للبقاء على قيد الحياة لدرجة تكفل أن تؤدي إلى التطور ~~لوضعية انتصاب القامة بشكل كامل والحركة الفعلية على قدمين. هذا النهج في التفكير طرحه ~~في الأصل تشارلز داروين، وقد دعمه منذ ذلك الوقت العديد من اختصاصيي علم الإنسان ~~المعاصرين كما سنرى، لكن أولا دعونا نستعرض النظريات المتنافسة المتنوعة، ونذكر ~~بإيجاز نقاط ضعف كل منها. # عاش أشباه البشر الأوائل فترة في أفريقيا عصور ما قبل التاريخ حين كانت الغابات ~~تتناقص والمروج تتوسع، وكان يعتقد لوقت طويل أن الحركة على قدمين تطورت في ~~المقام الأول للتكيف مع بيئة حشائش السافانا الأكثر جفافا التي تتسم بمروج تتناثر ~~فيها أشجار متفرقة، والتي كانت تنتشر في أرجاء أفريقيا الاستوائية، وكان يفترض أن ~~السير والركض ms047 على ساقين قد مكن أسلاف لوسي من مغادرة بيئتهم الحرجية الأصلية، ~~والرؤية بوضوح أكثر من فوق الحشائش، واجتياز مسافات أكبر وأكبر على الأرض ~~المنبسطة. # 5 # تعرف هذه باسم «الفرضية القائمة على السافانا»، إلا أنه ثمة مشكلات كبرى ~~في هذه النظرية. # فأولا: كل الأنواع الأخرى التي تعيش على المروج - بما في ذلك الحيوانات العاشبة مثل ~~الظباء والحمر الوحشية، وكذلك اللاحمة مثل الأسود والضباع - هي من ذوات الأربع دون ~~استثناء (في الواقع، كل الثدييات التي تعيش على اليابسة ما عدا أشباه البشر هي من ذوات ~~الأربع). وثانيا: لم يتخذ وضعية القامة المنتصبة أي من الرئيسيات الأخرى التي ~~انتقلت هي الأخرى للحياة على الأرض (من بينها قردة البابون والميمون والفرفت ~~والباتاس)، لكنها بدلا من ذلك نجحت في التكيف مع الحياة في المروج، وهي ما زالت ~~محتفظة بالسير على قوائمها الأربعة. # ثالثا: أقدم دليل تشريحي على الحركة على قدمين يأتينا من بقايا حفرية لكائن شبيه ~~بالقرد يدعى أرديبيتيكوس، الذي ظهر منذ ستة ملايين سنة تقريبا، قبل نشأة لوسي ~~بمليوني عام. وفي انتكاسة كبرى للفرضية القائمة على السافانا، أثبت بما لا يدع ~~مجالا للشك أن الأرديبيتيكوس عاش ومات في بيئة حرجية، ولم يسكن قط المروج على ~~الإطلاق. # اكتشفت بقايا الأرديبيتيكوس الحفرية لأول مرة في وادي الأواش في أثيوبيا عام ~~1992. # 6 # ويبدو بوضوح أن قدميه هما قدما حيوان شجري، ذواتي أصابع طويلة مرنة ~~وإصبع قدم كبيرة مواجهة لباقي الأصابع بما يتلاءم مع التشبث بفروع الأشجار. بيد أنه ~~رغم أن الأرديبيتيكوس لم يكن قد فقد بعد القدرة على تسلق الأشجار مثل القردة، إلا أن ~~سمات حوضه وعظام ساقيه دلت على أن وضعية انتصاب القامة كان في مرحلة التطور، قبل أن ~~تجوب لوسي وأشباه البشر الأوائل الآخرون مروج السافانا الأفريقية بزمن طويل. # بسبب مشكلات النظرية القائمة على السافانا، طرحت في السنوات الأخيرة طائفة من ~~النظريات البديلة التي كثيرا ما كانت متضاربة لتفسير تطور وضعية انتصاب القامة ~~والحركة على قدمين، ولكل من هذه النظريات داعموها ومنتقدوها من العلماء، والعديد ms048 منها ~~يصف آليات تطور معينة لعبت دون شك دورا في تطور الحركة على قدمين، لكن لا يبدو أن ~~أيا من هذه الآليات ينطوي على مزايا البقاء على قيد الحياة، التي كانت ضرورية من أجل ~~إعادة الهيكلة الجذرية لتشريح الرئيسيات الذي اقتضته الحركة على قدمين. # تقترح «فرضية المدد» أن الصيادين الذكور احتاجوا إلى أياد متحررة لحمل صيدهم عند ~~رجوعهم إلى مساكنهم من أجل الإناث والأبناء. # 7 # إلا أن هذا لا يفسر الحقيقة التي تفيد بأن ثمة ثدييات ضارية أخرى تعود ~~باللحم لأبنائها بحمله في أفواهها ببساطة. رغم أن هذا السلوك ربما كان يحتاج تعديلا ~~تطوريا (حيث إن الرئيسيات نادرا ما تستخدم أفواهها لحمل الأشياء)، فإنه لم يكن ~~ليتطلب إعادة تشكيل كامل في تشريح الرئيسيات. # وتشير «فرضية التحميل الحراري» إلى أنه بوقوفهم منتصبي القامة، كان أشباه البشر ~~الأوائل يعرضون مساحة أصغر من أجسادهم للشمس المدارية الحارقة؛ وبذلك كانوا ~~يستطيعون الحفاظ على أجسادهم أكثر برودة حين يضنيهم العمل في العراء. # 8 # لكن بالإضافة إلى أن هذا لا يفسر سبب عدم تبني أي حيوانات مدارية أخرى ~~استراتيجية مماثلة مطلقا، لا بد أن نتذكر أن الحركة على قدمين بدأت لأول مرة مع ~~الأرديبيتيكوس، الذي عاش بدرجة كبيرة في ظلال الغابات المدارية. # أما «فرضية الاستعراض من أجل الترهيب» فتقترح أن الأفراد (الذكور بوجه خاص) الذين ~~كانوا يستطيعون تهديد الآخرين عن طريق الوقوف كثيرا في وضعية القامة المنتصبة كانوا ~~أكثر هيمنة؛ وبذلك كانوا يتفوقون جنسيا على الأفراد الذين كانوا يقفون في وضعية ~~منتصبة عددا أقل من المرات. # 9 # لكن هذه النظرية تعجز عن تفسير سبب عدم اتخاذ الغوريلا والدببة والأنواع ~~الأخرى التي تهدد أيضا خصومها بالوقوف منتصبة القامة نمط الحركة على قدمين ~~قط. # وتشير «فرضية وضعية تناول الطعام» إلى أن السير على قدمين مكن قردة ما قبل التاريخ ~~من الوقوف منتصبين أثناء جمع الفاكهة دانية القطوف بكلتا اليدين، بدلا من التدلي من ~~فرع بيد والجمع باليد الأخرى. # 10 # إلا أنه يبدو مستبعدا أن يمنح هذا الأمر ميزة ms049 قوية للبقاء على قيد الحياة ~~لدرجة تؤدي إلى التغييرات التشريحية الهائلة التي استوجبتها الحركة على قدمين. علاوة ~~على ذلك، لا يقتصر جوهر الحركة على قدمين على الوقوف بانتصاب فحسب، وإنما السير والعدو ~~على ساقين أيضا؛ إذ تستطيع القردة والسعادين والدببة والقنادس وكلاب البراري ~~والسرقاطات وثدييات أخرى عديدة أن تقف منتصبة القامة بسهولة، لكن أشباه البشر ~~متكيفون بصفة خاصة مع الحركة على قدمين. # نقطة الضعف الرئيسية في هذه النظريات هي عدم تفسير أي منها سبب اختفاء الأنياب ~~الكبيرة التي لدى أسلافنا من الرئيسيات في الوقت نفسه الذي تطورت فيه الحركة على ~~قدمين. بدلا من ذلك، تفسر دائما خسارة الأنياب الكبيرة بين أشباه البشر ب «فرضية ~~تراجع العداء بين الذكور»، التي تفترض أن الأنياب الكبيرة اختفت لمنع الذكور البالغين ~~من أشباه البشر من الاستغراق في عراك مميت؛ لأن هذا كان من الممكن أن يتعارض مع ~~قدرتهم على أن يتعاونوا ويصيروا صيادين أكثر كفاءة. # 11 # إلا أن الأسود والذئاب والضباع وقردة الشمبانزي والعديد من الأنواع الأخرى التي ~~تتعاون في الصيد لم يحدث تراجع أو تناقص فيما لديها من أسلحة بيولوجية، كما أن الذكور ~~من البشر قادرون تماما على كل من التعاون عن كثب والتنازع العنيف بعضهم مع بعض، ولم ~~يمنع عدم وجود الأنياب الكبيرة ذكور البشر من الانخراط في صراع عنيف على امتداد التاريخ ~~البشري بأسره، وبدلا من استخدام أسنانهم في قتل بعضهم بعضا يستخدمون أسلحتهم ~~الفتاكة فحسب. # هكذا يظل السؤال دون إجابة. كيف استطاع أي من أشباه البشر الأوائل العيش لملايين ~~السنين في بيئة مليئة بالضواري الكبيرة والخطيرة دون أي وسيلة فعالة للذود عن ~~نفسه؟ # اختفاء الأنياب الكبيرة # أنياب الأرديبيتيكوس راميدوس - أقدم نوع يعطي هيكله دليلا على الحركة على قدمين - ~~كانت قد تقلصت بدرجة كبيرة مقارنة بأنياب أسلافه. وبحلول زمن لوسي وأشباه البشر ~~الأوائل، كانت الأنياب الكبيرة القاتلة الشبيهة بالأسلحة التي لدى كل أنواع الرئيسيات ~~الأخرى قد اختفت تماما، ولم تظهر ثانية لدى أشباه البشر. # في الواقع، لاحظ أحد أعضاء الفريق الذي ms050 فحص موقع الأرديبيتيكوس راميدوس أن تقلص ~~أنياب الذكور كان منذ ستة ملايين عام. # 12 # بدأ فقد الأنياب الشبيهة بالأسلحة قبل ظهور لوسي بملايين السنين، ومع حلول ~~زمن أشباه البشر الأوائل كانت تلك الأنياب الكبيرة قد اختفت تماما، وهي السلاح العضوي ~~الوحيد الذي حازته الرئيسيات خلال تاريخها كاملا الذي امتد خمسين مليون عام. # لا تجد لدى السعادين أو القردة أو أشباه البشر مخالب أو قرونا أو حوافر أو ~~أنيابا خارجية، لكن كلها لديها أنياب كبيرة يمكنها بها إيقاع إصابة مؤلمة بل ومميتة ~~بخصمها، إلا أن حفريات الأوسترالوبيثيكوس ليس لديها سوى أنياب صغيرة غير حادة ~~مسطحة، ربما لم تكن قادرة على منافسة الأسلحة العضوية الخطيرة التي يمتلكها أعداؤها ~~الطبيعيون (انظر شكل # 2-2 ~~). # شكل 2-2: قارن بين الناب غير الحاد القصير لدى الهومينيد القديم، ~~الأوسترالوبيثيكوس أفارينسيس (يسارا)، والأنياب الشبيهة بالأسلحة لدى ~~أقرب أقاربنا، الشمبانزي (يمينا). (حقوق نشر الصورة إلى اليسار لعام ~~2014م محفوظة لشركة «سكالداجري إنك». نسخت بإذن. حقوق نشر الصورة إلى ~~اليمين لعام 2014م محفوظة لبرنامج التوعية العلمية، التابع لجامعة ~~«كانتبري»، كرايستشيرش، نيوزيلاندا. نسخت بإذن.) # علاوة على ذلك، لدى كل من القردة والسعادين قدرات فائقة على تسلق الأشجار ~~تمكنها من الارتقاء عاليا لقمم الأشجار، بعيدا جدا عن متناول أعدائها الطبيعيين ~~مثل القطط الكبيرة، لكن السيقان الطويلة المستقيمة وأصابع القدم المنكمشة لدى ~~الأوسترالوبيثين وأنواع أشباه البشر الأخرى التي أعقبتها ربما أضعفت قدرتها على التسلق ~~هربا من الخطر؛ مما كان يجعلها أكثر عرضة لأعدائها الطبيعية. # لا تختفي آليات الدفاع الطبيعية لدى الأنواع إلا حين تصبح غير ضرورية لبقائها على قيد ~~الحياة؛ فرغم أنه بإمكان الرئيسيات بالطبع إلقاء الأحجار، فإن الحجر الثقيل لدرجة تكفي ~~لإحداث ضرر حقيقي بأحد الضواري الكبيرة سيكون ثقيلا لدرجة تجعل رميه من مسافة بدقة ~~كبيرة أمرا بالغ الصعوبة. كذلك، كم حجرا يستطيع أحد أشباه البشر رميه خلال الوقت الذي ~~يستغرقه الأسد حتى يشن هجوما؟ تستطيع الهراوات الغليظة المصنوعة من الفروع الكبيرة ~~أن تهشم جماجم الأعداء، لكن من على مسافة قريبة فقط. ms051 وإذا اقتربت بقدر كاف من حيوان ~~ضار لتضربه على رأسه بهراوة، فربما يدنو منك بدرجة كافية لينهشك بمخالبه وينشب أنيابه ~~في عنقك، إلا إن كنت قد أجهزت عليه بضربة واحدة. كيف استطاع إذن أشباه البشر الأوائل ~~مباراة «طبيعة لا تأخذها رحمة ولا شفقة» دون أسنان أو مخالب لرد العدوان، في وقت كان ~~كل ما يمتلكونه للذود عن أنفسهم هو «أياديهم المجردة»؟ # الإجابة الأرجح تتمثل في أن أيادي أشباه البشر الأوائل لم تكن مجردة؛ فلا بد أنهم ~~كانوا يحملون أسلحة، ولا بد أن الأسلحة التي صنعوها للهجوم على كل من الضواري ~~والفرائس كانت متفوقة على الأنياب الكبيرة التي كانت لدى أسلافهم من الرئيسيات، لدرجة ~~أنه لم يعد من الضروري امتلاك سلاح فعال من الأسنان. # 13 # وكما رأينا في الفصل الأول، استخدام التقنية ليس مقصورا على أشباه البشر؛ ~~فقد شوهدت بعض قردة الشمبانزي البرية وهي تصنع رماحا بدائية تستخدمها في قتل فرائسها؛ ~~لذا من المرجح للغاية أن تكون قردة ما قبل التاريخ حين بدأت صنع الرماح، قد أطلقت ~~العنان لقوى التطور التي نتج عنها في النهاية قرد منتصب القامة تماما ويتحرك على ~~قدمين. # تميل القردة بشدة إلى السير على قوائمها الخلفية حين تحمل أشياء في يديها (انظر شكل # 2-3 ~~). كان تعزيز القدرة على السير والوقوف على القائمتين ~~الخلفيتين ميزة تطورية قوية لقردة ما قبل التاريخ التي استخدمت أسلحة ثورية - العصا ~~الطويلة المدببة، أول رمح بدائي - يمكن استخدامها في مهاجمة حيوان آخر من على ~~بعد. # شكل 2-3: البونوبو، أقرب أقاربنا من الرئيسيات، يستطيع الوقوف والسير منتصبا ~~حاملا أشياء بساعديه، لكن تدل ركبتاه المحنيتان على أن ساقيه قد صممت ~~للحركة على أربع. (حقوق النشر محفوظة لفرانس لانتينج # Lanting/www.lanting.com ~~.) # لا بد أن الرماح غيرت لعبة الصيد والدفاع تماما؛ لأن الرماح الطويلة يمكن ~~استخدامها بقوة فتاكة مع بقاء الصيادين في أمان بعيدا عن متناول أسلحة فرائسهم ~~العضوية. فإذا كانت مجموعة من الصيادين تستطيع طعن حيوان برماح يبلغ طولها عدة أقدام، ~~فقد يموت دون أن يقترب مطلقا ms052 بالقدر الذي يكفي لاستخدام أسلحته العضوية مع ~~مهاجميه. # كتب داروين في «أصل الإنسان» قائلا: «ربما كان أسلاف الإنسان الأوائل ... مزودين ~~بأنياب كبيرة، لكن مع اكتسابهم عادة استخدام الأحجار أو الهراوات أو أسلحة أخرى في ~~مقاومة أعدائهم أو خصومهم، قل استخدامهم لفكوكهم وأسنانهم. وفي هذه الحالة كان ~~سيتضاءل حجم الفكوك مع الأسنان.» # 14 # وكتب سي لورينج بريس اختصاصي علم الإنسان الطبيعي في عمله الكلاسيكي «مراحل التطور ~~البشري»، وقال: «يمكننا أن نخمن أن التمكن من استخدام عصا مدببة كان العنصر ~~الحاسم الذي أدى إلى التغيير في القوى الانتقائية الذي نتج عنه كائن يسير على قدمين ~~ويستخدم الأدوات ... ويمكننا أن نضيف أن ... عصا الحفر المعاد استخدامها في غرض آخر هي ~~سلاح دفاع أكثر فاعلية حتى من الناب المريع الذي لدى ذكر البابون العادي؛ فبرغم كل ~~شيء، يتعين على قرد البابون حتى يستخدم أنيابه استخداما فعالا أن يواجه خصمه حرفيا، ~~وإن كان ذلك الخصم نمرا جائعا وزنه 200 رطل، ففرصة ... البابون في النجاة دون أذى ... ~~ضعيفة.» # 15 # صاغ روبرت بيتس جرابر اختصاصي علم الإنسان أحدث تعبير عن هذا النهج من التفكير، وقد ~~كتب يقول في عام 2000: «أولى الأدوات الحجرية، مثل أدوات قردة الشمبانزي، كانت مصنوعة ~~دون شك من مادة أكثر مرونة من الحجر ... من المحتمل تماما بالطبع أن العصي المدببة - ~~التي اعتمد عليها بدرجة كبيرة جامعو الطعام من البشر من أجل البقاء على قيد الحياة، ~~باعتبارها عصي حفر ورماحا، لكنها غير مألوفة بين السعادين والقردة - ربما كانت هي ~~الأداة التي رجحت كفة القامة المنتصبة بشكل قاطع في ميزان الانتقاء ~~الطبيعي.» # 16 # لعبت القدرة على حمل واستخدام رمح طويل بدرجة تكفي لمهاجمة حيوان آخر وقتله بعيدا ~~عن مدى أسلحته العضوية دورا كبيرا في البقاء على قيد الحياة؛ فبمجرد أن تبنى ~~أسلاف أشباه البشر تقنية الرماح أصبح لدى الأفراد الذين استطاعوا الوقوف بثبات على ~~قوائمهم الخلفية - أثناء الوخز بالرمح بأطرافهم الأمامية ورميه - ميزة واضحة على ~~منافسيهم. وكلما استطاع هؤلاء الأفراد البقاء واقفين لمدة أطول، واستطاعوا السير ms053 ~~والعدو لمسافات أبعد، وصارت الأسلحة التي يمكنهم حملها أضخم وأثقل؛ كانت قدرتهم على ~~الدفاع عن أزواجهم وأبنائهم ضد الهجمات من الضواري المحتملة أكثر فاعلية، وزادت كمية ~~اللحم التي يستطيعون العودة بها ليتقاسموها مع أعضاء آخرين في المجموعة. لكل هذه ~~الأسباب كان دور الرماح المصنوعة في التمكين من البقاء على قيد الحياة كافيا ليأتي ~~بهذه التغييرات التشريحية الكبرى الضرورية ليتطور حيوان يمشي على أربع إلى حيوان ~~يمشي على قدمين. # رصدت سلوكيات من النوعية التي قد تكون قد أدت إلى استخدام الرماح بين قردة ~~الشمبانزي والغوريلا، من تحطيم فروع الأشجار والتلويح بها كثيرا أثناء الاستعراض ~~التهديدي، كما أشرنا في الفصل الأول. يمكن سن الخشب المرن للفروع النضرة بسهولة؛ وذلك ~~بحكه ببروز صخري أو اللحاء الخشن لبعض الأشجار المدارية. وقد شوهدت قردة الشمبانزي ~~البرية، في السنغال في غرب أفريقيا، وهي تصنع رماحا خشبية بنزع الفروع واللحاء عن ~~عود خشب مستقيم، وتسن أحد طرفيه بأسنانها، وتستخدمه في قتل حيوانات الجلاجو، بطعنها ~~في فجوات الأشجار وهي نائمة. # لكن إذا كان عدد كبير من الأنواع التي عاشت في عصور ما قبل التاريخ قد صنعت الرماح ~~وعصي الحفر واستخدمتها لملايين السنين، فلماذا لم يعثر على بقايا هذه الأدوات ~~والأسلحة الخشبية في المواقع الأثرية التي تعود إلى هذه الفترات الزمنية؟ هذه إحدى ~~الحالات الكلاسيكية التي يكون فيها «عدم وجود الدليل ليس دليلا على عدم الوجود»، تلك ~~الظاهرة التي ذكرتها في المقدمة. # لفترة طويلة ظل أقدم ما عثر عليه من الأدوات الأثرية التي صنعها البشر من الخشب ~~لا يتعدى عمرها بضعة آلاف السنوات، واختلف علماء الآثار بشدة حول عمر هذه القطع، لكن ~~لوقت طويل ظلت وجهة النظر السائدة هي أن صنع الأسلحة الفتاكة من الخشب - واستخدام ~~هذه الأسلحة في التعاون على صيد الحيوانات الكبيرة - لم يبدأ قبل ظهور الإنسان الحديث ~~تشريحيا منذ ما يقرب من 50 ألف عام. # لذلك كانت صدمة للأوساط العلمية عام 1997م، حين استخرج أخيرا من أحد السبخات ~~القديمة في شونينجين في ألمانيا عدة رماح خشبية ms054 خفيفة دقيقة الصنع ومتوازنة تماما ~~عمرها نحو 400 ألف عام، لكن بسبب الطبيعة الشديدة الحمضية لهذه السبخات وانعدام ~~الأكسجين فيها فقد «تخلل» الخشب بالمعنى الحرفي للكلمة؛ مما حفظ تلك الرماح من التآكل ~~البكتيري. كانت رماح شونينجين من صنع الإنسان المنتصب القامة، أحد البشر الناشئين، الذي ~~استخدمها فيما يبدو لصيد الخيل البرية قبل ظهور الإنسان الحديث بزمن طويل. # صنعت رماح شونينجين من خشب أشجار الطقسوس المعالج بالنار، ولم تتطلب صناعتها قطع ~~أشجار كبيرة الحجم فحسب، وإنما انتزاع الجزء الأكثر مرونة من جذع الشجرة من الخارج ~~للكشف عن خشب القلب الأكثر صلابة بالداخل . وكان من الضروري حينذاك أن يقوى طرف ~~الرمح في النار. وكانت هذه عملية دقيقة، ولا بد من إجرائها دون تفحم الخشب. # كان من الضروري أيضا جعل الطرف الأمامي من الرمح الخفيف أسمك وأثقل من الطرف الخلفي، ~~تماما مثل الرماح الحديثة التي تصنع الآن. ومما يلفت النظر أن مركز الجاذبية في رماح ~~شونينجين يقع عند الثلث الأول من مقدمة الرمح بالضبط، وهي نقطة التوازن الأمثل للإلقاء ~~به، بل ومطابقة لنقطة التوازن في الرماح الخفيفة الحديثة المستخدمة حتى اليوم. هذا ~~السلاح المعقد - الذي يعطي دليلا واضحا على التخطيط المتقدم والمعرفة التقنية ~~الدقيقة في الأعمال الخشبية - صنعه الإنسان الناشئ، الإنسان المنتصب القامة، الذي عاش ~~قبل إنسان النياندرتال بزمن طويل، وكان دماغه أصغر من أدمغتنا بدرجة كبيرة. ولم يكن ذهن ~~الإنسان المنتصب القامة ليتفتق عن المعرفة الدقيقة بالأعمال الخشبية، المشتملة على ~~عمليات معقدة متعددة الخطوات، فجأة في أكمل صورها؛ فهي بالأحرى نتاج التراكم ~~البطيء للمعرفة عبر آلاف الأجيال، التي تعود لما قبل ظهور هؤلاء البشر الناشئين إلى فجر ~~أشباه البشر الأوائل. # لقد ثبت أن فقدان كل ثنائيات الأقدام التي عاشت في عصور ما قبل التاريخ سلاح الأسنان ~~كان نهائيا؛ فلم يستعد أي من أشباه البشر الأوائل الأنياب الكبيرة الخطيرة التي ~~كانت لدى أسلافهم فيما قبل التاريخ. حين تبنت أحد أمم قردة ما قبل التاريخ القديمة ~~تقنية صناعة الرماح واستخدامها، صارت استراتيجية للصيد والدفاع ms055 تفوقت بنجاح على ~~السلاح العضوي لدى كل من الضواري والفرائس التي عاشت في تلك البيئات السابقة على ~~التاريخ. # وبمجرد أن صارت الساقان الخلفيتان قادرتين على تحمل مسئولية الحركة بالكامل، ~~أصبحت الساقان الأماميتان حرتين في تلبية أغراض أخرى؛ فقد أمكن استخدامهما في صنع ~~الأدوات والأسلحة، وأمكن استخدامهما في حمل هذه الأدوات والأسلحة من مكان لآخر. كان ~~أشباه البشر الذين يمشون على قدمين قادرين على استخدام أياديهم وسواعدهم الحرة في نقل ~~أحمال ثقيلة نسبيا - مثل غنائم الصيد أو كمية من الفاكهة الناضجة - من مكان لآخر؛ مما ~~مكنهم من جلب الطعام الذي أصابوه في أماكن بعيدة عند العودة إلى مقر الجماعة، كما ~~افترضت فرضية المدد. وكانت التقنية الأساسية نفسها - في شكل عصا حفر - تستخدم أيضا في ~~جمع الطعام المدفون في الأرض. في مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كانت النساء يستخدمن مثل ~~تلك العصي بصفة دورية في الحفر للوصول إلى الجذور والأبصال والدرنات وأعشاش النمل ~~الأبيض وجحور الحيوانات الصغيرة، وكذلك لإسقاط الجوز والفاكهة من أطراف فروع الأشجار ~~التي كانت نحيلة لدرجة يستعصي معها تسلقها. # أخيرا، يبدو أن تقنية الرماح وعصي الحفر لم تبعث على تطور المشي على قدمين فحسب، ~~وإنما كانت مسئولة في النهاية عن تطور البشرية نفسها. رغم ما قد يبدو عليه هذا الزعم ~~من غرابة، فمن المحتمل جدا أن تكون الهيئة البدنية النادرة والمحببة جدا ~~والمحتفى بها كثيرا للجسم البشري ترجع في أصلها لمجموعة من القردة القديمة - التي ~~ضاعت منذ زمن بعيد في غياهب ما قبل التاريخ - والتي كانت أول من أتقن استخدام ~~الإمكانيات الاستثنائية للعصي الطويلة الحادة في الهجوم والدفاع وجمع الغذاء. # لكن التحول إلى القامة المنتصبة والحركة على قدمين قد فرض بعض القيود المهمة على ~~قدرة إناث بشر ما قبل التاريخ على صيد الحيوانات الكبيرة. ربما كانت هذه القيود ذاتها ~~هي التي نتج عنها ظهور تقسيم فريد للعمل قائم على النوع الجنسي بين البشر، وهو تقسيم ~~العمل الذي لا تجد له وجودا في أي أنواع أخرى من الحيوانات. # الصيد وأعباء الأمومة ms056 لدى إناث أشباه البشر # بمجرد أن تبنى أشباه البشر الأوائل التقنية التي شملت أدوات وأسلحة مصنوعة من ~~الخشب، بدءوا يستخدمون أسلحتهم الفتاكة في صيد حيوانات أخرى وقتلها من أجل لحومها، ~~وبقيامهم بهذا ابتكروا تكيفا بشريا بيئيا فريدا - أسلوب حياة عرف بالصيد وجمع ~~الثمار - مارسه كل عضو في النسل البشري حتى بدأ البشر تبني تقنية الزراعة منذ اثني ~~عشر ألف عام تقريبا، لكن على عكس إناث كل الأنواع الضارية الأخرى تعارضت متطلبات ~~الصيد مع أعباء الأمومة الثقيلة بين أشباه البشر. # في كل الأنواع الضارية الأخرى تشارك الإناث الذكور على قدم المساواة في كل جوانب ~~الصيد، وفي بعض الأنواع - منها على وجه الخصوص تلك اللاحمات الشهيرة، الأسود الأفريقية ~~- تتفوق الإناث على الذكور في نوعية فرائسها وكميتها؛ فتستطيع اللبؤات فعل ذلك لأن ~~صغارها تكون مخبوءة بأمان في أعشاش وجحور، حيث لا تتدخل في الصيد أو تتعرض للإصابة في ~~موقع هجوم قاتل. وينطبق الأمر نفسه على كل إناث الضواري الأخرى، مثل الفهود والنمور ~~والذئاب والدببة والثعالب وابن عرس والحيتان القاتلة وخنازير البحر والفقمات والنسور ~~والصقور والبوم والأبواز، وغيرها. # أما إناث أشباه البشر فيتعين عليهن أن يراقبن صغارهن عن كثب دائما، وليس من ~~المنطقي أن يستخدمن عصيا حادة كأسلحة أثناء حمل أطفالهن بين أذرعهن؛ بناء على ذلك ~~كانت إناث أشباه البشر يستخدمن أدواتهن الطويلة الحادة كعصي حفر ليخرجن من الأرض ~~الجذور والدرنات القابلة للأكل التي يستعصي على القردة والسعادين بدرجة كبيرة الوصول ~~إليها، بل من المحتمل أن تكون الإناث هن من اخترع تلك العصي الحادة في الأصل لجمع ~~الغذاء الموجود تحت الأرض، ولم يتبنها الذكور للصيد إلا لاحقا. في كلتا الحالتين ~~سمحت هذه التقنية البدائية لكلا الجنسين بتوسيع نطاق الغذاء المتاح لهم بدرجة كبيرة. ~~ومع رسوخ هذه التغييرات تبنى أشباه البشر نوعا آخر غير مألوف مطلقا من سلوكيات ~~الحصول على الغذاء: كان كل من الذكور والإناث يحضرون شتى أنواع الطعام إلى ~~مقرهم المشترك في نهاية اليوم، حيث تتقاسم الإناث ثمرات مجهودها ويتقاسم الذكور ~~غنائم صيدهم. ms057 ~~«أشباه البشر هم النوع الحيواني الوحيد الذي يصطاد فيه الذكور وتبحث فيه الإناث عن ~~الغذاء، وكلا الجنسين يتقاسمان مختلف أنواع الغذاء التي يحصلون عليها.» علاوة على ذلك، ~~يرتبط هذا النمط الفريد من اقتسام الطعام بين الجنسين ارتباطا وثيقا بتوفر العلاقات ~~الجنسية المفتوحة بصفة شبه مستمرة لدى أشباه البشر. حتى نفهم كيف تطور هذا النمط ~~غير المألوف للغاية، من الأهمية أن ندرك الأعباء الجسيمة للأمومة المرتبطة بتوالد ~~أشباه البشر؛ فهذه ليست أشق أعباء للأمومة بين كل أنواع الرئيسيات فحسب، لكنها أيضا ~~الأثقل بين أعباء الأمومة لدى كل إناث الثدييات. # حين تلمس بإصبعك كف طفل مولود حديثا، سيقبض على إصبعك بقوة مدهشة. منعكس ~~القبض هذا، الذي يختفي في الأسابيع الأولى من العمر، هو بقايا غريزة قوية ورثناها من ~~أسلافنا من الرئيسيات؛ فقد كان الغرض الرئيسي منه هو ضمان أن يظل كل وليد من ~~الرئيسيات متعلقا بفراء أمه بإصرار دائم، بما أن الاتصال الجسدي المستمر بأمه هو ~~الملجأ الوحيد للأمان وشيء مهم لبقائه على قيد الحياة. هكذا يتعلق وليد الرئيسيات ~~بجسد أمه بأطرافه الأربعة خلال الأسابيع الأولى من حياته، معلقا بخاصرتها بالمقلوب ~~مثل حيوان الكسلان وهو يتدلى من غصون الأشجار. وحتى بعد انتهاء مرحلة الطفولة، يظل طفل ~~الرئيسيات شهورا يمتطي ظهر أمه أو كتفيها - أو سنوات حتى في بعض الحالات - قبل أن ~~يتعلم أخيرا أن يتحرك وحده في أمان. # رابطة الأمومة تكون في أقوى حالاتها لدى الرئيسيات لأنها مقدر لها أن تعيش على ~~الأشجار، حيث يتعرض أطفالها على الدوام لخطر السقوط فتلقى حتفها؛ لذا لا بد أن تكون ~~أمهات الرئيسيات من لحظة الميلاد على اتصال بدني وثيق بصغارهن أينما ذهبن. وفي هذا ~~تناقض صارخ مع أغلب الثدييات التي تعيش على الأرض، التي إما تخفي صغارها في جحور ~~(مثل الأرانب والثعالب)، وإما تستطيع السير منذ يوم ولادتها (مثل الخيل والأفيال). ~~منعكس القبض لدى رضيع الرئيسيات يتيح لأنثى السعدان أو القرد استخدام الأطراف الأربعة ~~كلها في الحركة وجمع الطعام؛ إذ لا تضطر لحمل رضيعها لأنه ms058 يتشبث بها بنفسه. هكذا ~~تستطيع التسلق والقفز وقطف الثمرات والفرار من أعدائها والتأرجح من فروع الأشجار، ~~مستخدمة أطرافها الأربعة القوية كلها، شاعرة بالطمأنينة لمعرفة أن طفلها متعلق بها ~~مثل البرنقيل ولن يتركها أبدا. # هكذا يعيش طفل الرئيسيات في اتصال جسدي حميم مع أمه طوال الشهور أو السنوات الأولى ~~من حياته، والرابط الناشئ بين الأم والطفل في الرئيسيات نتيجة لهذا الاتصال الجسدي ~~المستمر ليس قويا فحسب، وإنما تنفرد به الرئيسيات أيضا. العلماء الذين يدرسون سلوك ~~القردة والسعادين في الحياة البرية لاحظوا العديد من العلاقات الممتدة طوال العمر بين ~~الأمهات والأبناء - خاصة بين أقرب أقربائنا، قردة الشمبانزي - ومثل هذه العلاقات ~~نادرة أو معدومة في الأنواع الحيوانية الأخرى. # أما أطفال أشباه البشر الأوائل فلم يكونوا قادرين على التعلق بفراء أمهاتهم ~~بالطريقة نفسها؛ فقد كانت إصبع القدم الكبيرة المواجهة للأصابع الأخرى قد دارت لأسفل من ~~أجل حركة أكثر كفاءة على القدمين، ولم تعد أقدام رضع أشباه البشر الأوائل قادرة ~~على التشبث بفراء أمهاتهم؛ فبعد أن أصبح لرضع أشباه البشر الأوائل يدان فقط للتشبث ~~بدلا من أربع زادت عدم قدرتهم على التشبث بأمهاتهم، واحتاجوا بدلا من ذلك إلى دعم ~~دائم من ذراعي أمهاتهم. # كذلك زادت القامة المنتصبة كثيرا من أعباء الحمل؛ فالحمل لدى الحيوانات ذوات الأربع ~~يزيد الوزن، لكنه لا يغير مركز الجاذبية في جسد الأم، لكن في حالة أشباه البشر ~~المنتصبي القامة يبدل الحمل مركز جاذبية الجسم للأمام، متطلبا من الأم الميل للخلف ~~أكثر فأكثر مع تطور الحمل لتعويض ذلك. # يندر الصيد بالافتراس نسبيا بين السعادين والقردة، لكنه يحدث بين قردة الشمبانزي ~~والبابون، حيث تقوم به عادة مجموعات من الذكور المتعاونين. تفيد كل هذه العوامل بأن ~~الصيد بالافتراس كان يمارسه بين أشباه البشر الأوائل في أغلب الأحيان الذكور البالغون، ~~في حين كانت الإناث البالغات يمارسن الاستراتيجية الأكثر تقليدية لدى الرئيسيات بجمع ~~الفاكهة والتوت والدرنات والبذور والبيض والحشرات، إلا أن إناث أشباه البشر وأبناءهن ~~كانوا يحتاجون نظام اللاحمات الغذائي الغني بالبروتين كيفما احتاجه الذكور الصيادون ms059 ~~أنفسهم. وهذا يعني أن إناث أشباه البشر اللائي كن يتوصلن لغنائم الصيد كن حتما يحصلن ~~على تغذية أفضل - وكان احتمال بقاء أبنائهن على قيد الحياة أكبر - من الإناث اللائي لا ~~يتاح لهن تلك الغنائم. # ورغم أن السعادين والقردة لا يتقاسمون الطعام عادة - ولا حتى مع أبنائهم - فهم ~~يدأبون على تقاسم الطعام مع رفاقهم الجنسيين. هكذا، حتى يستفيد كلا جنسي أشباه البشر ~~لأقصى درجة من هذا التقسيم غير المألوف للعمل، تطور نمط من السلوك الجنسي غير الموجود ~~في أي مكان آخر في مملكة الحيوان. أبرز جانب من جوانب هذا التكيف الجنسي الفريد هو أن ~~أكثر الممارسات الجنسية - بما فيها الجماع - تقع حين لا تكون الأنثى في مرحلة التبويض ~~ولا يوجد احتمال لحدوث حمل. # مع وضع هذه الحقيقة البسيطة في الاعتبار يبدو من الواضح إلى حد بعيد أن الجزء ~~الأكبر من السلوك الجنسي البشري يحقق غرضا آخر غير التكاثر. ورغم أننا ليس في مقدرتنا ~~ملاحظة السلوك الجنسي لأشباه بشر ما قبل التاريخ، فمن المحتمل أن يكون أوائل أشباه ~~البشر أنفسهم قد توصلوا للسلوك الجنسي شبه المتصل الذي يتميز به بشر العصر الحديث ~~كطريقة للحفاظ على علاقات قوية - بما في ذلك اقتسام الطعام - بين الذكور ~~والإناث. # دورة شبقية شبه دائمة: أشباه البشر يحدثون ثورة في العلاقة الجنسية # تميل أغلب الرئيسيات للأنانية الشديدة حيال الطعام؛ فهي عادة ما تتناوله في عزلة، ~~وكثيرا ما تتجاهل الآخرين بلا اكتراث، وحتى أبنائها الذين قد يستجدون ويتوسلون من ~~أجل لقمة واحدة. بيد أن ثمة استثناء جديرا بالملاحظة يقع حين تمر الأنثى بدورتها ~~الشبقية وتكون نوعا من العلاقة الجنسية تسمى الثنائي المتصاحب مع ذكر بالغ. ينفصل ~~الثنائي المتصاحب المتآلف حديثا عن المجموعة ويقضيان أغلب وقتهما معا؛ يتجامعان، ~~وينظف كل منهما الآخر، ويتقاسمان الطعام، لكن حين تنتهي الدورة الشبقية تفقد الأنثى ~~رغبتها في الجنس، ويفقد الذكر رغبته في الأنثى، وينفصل الثنائي المتصاحب ليمضي كل فرد ~~في حال سبيله. ولا يحدث النشاط الجنسي أو الاقتران للتعاشر أو تقاسم الطعام مرة أخرى ms060 ~~حتى يولد الطفل الجديد، ويتجاوز فترة الرضاعة، ويصير عمره مناسبا لفطامه. # هذه مشكلة غير موجودة لدى السعادين والقردة التي لا يزود نظام غذائها النباتي ~~بدرجة كبيرة باللحم إلا أحيانا، والتي يتيح صغارها المتشبثون بقوة حرية تكاد ~~تكون كاملة في الحركة لأمهاتهم، لكن بما أن إناث أشباه البشر البالغات لم يكن لهن ~~الحرية للصيد بوجه عام، فقد حلت هذه المشكلة حين خمدت المظاهر الخارجية للدورة ~~الشبقية، وحل محلها استعداد ممتد للجماع. وبدلا من الدورات الشبقية التي تحفزها ~~الهرمونات وما تنطوي عليه من علاقات عابرة، نشأ شيء جديد: شهية أعم للجنس امتدت ~~متعدية الحدود القديمة للتبويض والخصوبة لتستمر لأطول فترة ممكنة من الشهر، وامتدت ~~حتى أثناء الحمل والرضاع. # ورغم أن دورة الخصوبة لدى البشر ما زالت تحمل سمات التوقيت الشهري المعهودة في ~~الرئيسيات، فإن إناث البشر وحدهن بين إناث الثدييات ليس لديهن فترات محددة من ~~الاستعداد الجنسي؛ فإناث البشر لا تأتيهن دورات من الرغبة الجنسية الخارجة عن السيطرة ~~التي تثيرها الهرمونات، ولا يبدو عليهن التضخم الهائل في الأعضاء التناسلية الذي ~~يتزامن مع التبويض لدى الأنواع غير البشرية من الرئيسيات. لإناث البشر حرية أن يثاروا ~~جنسيا خلال أي جزء تقريبا من الدورة الإنجابية، ويشاركن في علاقة جنسية ليس فقط حين ~~تقل خصوبتهن، لكن أيضا أثناء الحمل والرضاع وبعد انقطاع الطمث. ومع هذه الزيادة ~~الهائلة في استعداد الإناث للنشاط الجنسي، تغير كذلك نمط السلوك الجنسي لذكور أشباه ~~البشر تغيرا تطوريا كبيرا. # فقد نشأ لدى ذكور أشباه البشر نمط من السلوك الجنسي يبدو أيضا فريدا بين الرئيسيات ~~التي تعيش في مجموعات؛ فيرتبط الذكر البالغ العادي من أشباه البشر بقرينة واحدة لديها ~~استعداد للنشاط الجنسي أغلب الوقت، وهو النسق الجنسي الذي نسميه العلاقة الأحادية. ~~ولاستيعاب الزيادة الكبرى في السلوك الجنسي للأنثى، ازدادت لدى ذكر أشباه البشر ~~النموذجي مدة الجماع زيادة هائلة؛ فعلى عكس القردة والسعادين التي تجامع لبضع ثوان ~~فقط في المرة الواحدة، أغلب الذكور من البشر يجامعون لعدة دقائق قبل أن تنتابهم نشوة ~~الجماع. في ms061 الواقع، تطول العلاقة الجنسية النموذجية بين البشر عنها بين الرئيسيات ~~الأخرى بنحو خمسين مرة. # أخيرا، رغم أن النمط المعهود بين السعادين والقردة أن يتمتع أكثر الذكور سطوة ~~باحتكار للعلاقات الجنسية مع الإناث، يتمتع الذكور المسيطرون من البشر بحظوة جنسية، ~~لكنها بالكاد تعد احتكارا، حيث إن الإناث الناشطات جنسيا لسن نادرات في المجموعات ~~البشرية كما بين السعادين والقردة، فحتى حين لا يكون الذكور أكثر أفراد جماعتهم ~~هيمنة، يظل لديهم شركاء جنسيون منتظمون، ويستمتعون بحياة جنسية نشطة. # روابط الجنس والأمومة: أسس الأسرة البشرية # حين تركت إناث أشباه البشر الدورة الشبقية لتكوين علاقات جنسية دائمة مع أفراد من ~~الذكور، أضيف رابط جنسي قوي جديد إلى رابط الرئيسيات القديم بين الأم والابن. ولأول ~~مرة بدأ أحد أنواع الرئيسيات التي تعيش في مجموعات ممارسة العلاقات الأحادية، وصارت ~~الأسر المصغرة بنى واضحة المعالم داخل البناء الاجتماعي الأكبر للجماعة. # 17 # ولما كانت الأنثى في فصيلة أشباه البشر هي لب روابط الأمومة والجنس، فقد صارت المرساة ~~العاطفية للمؤسسة الاجتماعية التي لم يسبق لها وجود قط بين الرئيسيات التي تعيش في ~~مجموعات: الأسرة المصغرة الدائمة من أم وأب وابن. في هذه الحالة الفريدة من التكيف تعيش ~~الأنثى في جو من الألفة مع ذكر واحد ونسلهما لسنوات، مرتبطين في لبنة بناء أساسية ~~للمجتمع مع البقاء في اندماج تام داخل المجتمع الأكبر للجماعة الرحالة. # كذلك خلق نمط العلاقات الأحادية لدى أشباه البشر دورا جديدا في مجتمع الرئيسيات: ~~دور الأب، المرتبط بأنثى واحدة وذريتها. على هذا النحو صارت الأسرة البشرية طريقة ~~فعالة لتوزيع موارد وتوجيه طاقات هذا النوع الذي يعيش على الصيد وجمع الثمار. وحيث إن ~~المباشرة الجنسية لم تعد من الموارد النادرة، فقد حد هذا النظام من النزاع والمنافسة ~~بين الذكور، متيحا لهم تكوين تحالفات مستقرة ومتعاونة مع الذكور الآخرين؛ مما زاد من ~~بأسهم وفعاليتهم صيادين كانوا أو محاربين. # في مرحلة ما في تاريخ التطور البشري وقع تغيير آخر غريب جدا وفريد تماما في ~~التشريح والبيولوجيا العصبية للجنس؛ فقد صار ثدي ms062 الأنثى مرتبطا بالمشاعر والسلوك ~~الجنسي ارتباطا لا يبدو أنه موجود بين أنواع الثدييات الأخرى؛ فحلمات الأنثى من البشر ~~متصلة عصبيا كمناطق إثارة للشهوة الجنسية، وقد ذكرت النساء حول العالم أن حتى رضاعة ~~الطفل من الثدي من الممكن أن يثير بسهولة مشاعر شهوة جنسية. # بالإضافة إلى هذا يعد لمس الثديين ومداعبتهما وتقبيلهما عنصرا مهما في المداعبة ~~التي تسبق الجماع لدى البشر. ورغم أننا قد نرى هذه الحقائق بديهية، فمن المهم أن نذكر ~~أن الغدد اللبنية، ووظيفتها الرئيسية هي تغذية الطفل الوليد، لا تلعب مثل هذا الدور في ~~السلوك الجنسي للأسود أو النمور أو الكلاب أو الأغنام أو الماعز أو الماشية، أو بالأحرى ~~في السلوك الجنسي لأي رئيسيات أخرى. # من الملاحظ أن الثديين في كل الثدييات الأخرى لا يرتفعان ويتضخمان إلا في المراحل ~~المتقدمة من الحمل؛ مما يعكس وظيفتهما الأساسية في توفير اللبن للطفل الوليد، لكن في ~~البشر ينتفخ الثديان ويتضخمان عند البلوغ، عادة قبل أن تصير الأنثى من البشر قادرة ~~على الحمل في طفل. وليست مصادفة أن يتزامن تضخم الثديين بالتحديد مع مرحلة من دورة ~~حياة الأنثى حين تقترب من النضج الجنسي. لا يلعب ثديا الأنثى هذا الدور المزدوج بصفته ~~مصدرا لتغذية الأبناء ومصدرا للجذب الجنسي للجنس الآخر إلا في نوعنا فقط. ما الغرض من ~~هذا الدور المزدوج الغريب، ولماذا لم ينشأ إلا في البشر؟ للأسف أشهر نظريتين ~~تقدمان شرحا لهذه الظاهرة الغريبة تعتريهما نقاط ضعف شديدة. # لقد افترض أن الثديين المرتفعين في الحيوان المنتصب القامة يحاكيان الأرداف لدى ~~أسلافنا ذوي الأربع؛ ومن ثم تطورا ليحلا محل الأرداف كعلامة جنسية. لكن رغم صحة أن ~~الأرداف لها جاذبية جنسية معينة، فإن الوقوف بقامة منتصبة لا يكاد يخفيها أو ينزع ~~عنها صفتها كمثيرات للرغبة. # ترى نظرية أخرى أن أعضاء الأنثى الجنسية صارت من الأساس مخفية مع تطور الوضع ~~المنتصب، فتولى الثديان دور العلامة الجنسية الذي كانت تلعبه الأعضاء الجنسية ~~المنتفخة خلال الدورات الشبقية في السعادين والقردة ذوات الأربع. لكن لما كان ثديا ~~الأنثى ms063 منتفخين دائما، فلا يمكن أن يقوما بوظيفة علامات مرئية لحدوث تبويض وإمكانية ~~الحمل. وإناث البشر في كل المجتمعات تقريبا يبذلن جهدا كبيرا لإخفاء أعضائهن الجنسية ~~عن نظر الرجال. وعدم ظهور أعضاء الأنثى الجنسية بشكل واضح بالكاد يقلل من إثارتها ~~للذكر البالغ عادة. # ثمة تفسير أكثر بساطة؛ وهو أن ثديي الأنثى تطورا ليصيرا أعضاء ذات أهمية جنسية ~~نتيجة تغيرين مهمين طرآ على سلوك أشباه البشر. الأول هو اختفاء الدورات الشبقية ~~وحلول الاستعداد الجنسي المستمر محله لدى الإناث. هكذا صار التضخم الدائم للثديين عند ~~البلوغ علامة بصرية للاستعداد الجنسي المستمر للمرأة. ووقع التغير الثاني ، على امتداد ~~تطور أشباه البشر، حين صارت علاقة ذكر الرئيسيات بأمه - علاقة رعاية أبدية الحب ~~والحماية - مرتبطة على مستوى عصبي عميق، بعلاقة ذكر أشباه البشر بزوجته. # من المعهود لدى القردة والسعادين الذكور إبداء درجة من الحب والحماية نحو أمهاتهم ~~نادرا ما يبدونها تجاه رفيقاتهم في الجماع؛ لذا قد تكون أثداء الإناث البالغات ~~الدائمة الارتفاع قد تطورت كاستراتيجية لإعادة توجيه مشاعر حب الأم لدى الذكور ~~البالغين إلى مشاعر اهتمام برفيقاتهم في الجماع. على أقل تقدير، كانت هذه المشاعر ~~ستترجم إلى فرص أكثر لاقتسام الطعام بين الأزواج، وكذلك حماية أكثر يقظة من ~~تهديدات الضواري وأشباه البشر الآخرين. وهذا كان من شأنه أن يزيد أعمار ونجاح تناسل ~~أولئك الإناث من البشر اللائي صارت أثداؤهن دائمة الارتفاع منذ البلوغ. # منذ أكثر من 35 ألف سنة، كانت شعوب ما قبل التاريخ تنحت «تماثيل مصغرة لجسد المرأة» ~~من الحجر والعاج، مزودة بأثداء وأرداف وفروج هائلة. وهذه التماثيل المصغرة تعد من ~~بين أقدم التجسيدات الباقية للشكل البشري، وسوف نتناولها بالتفصيل في الفصل الخامس. من ~~الواضح أن الدلالة الجنسية لثدي الأنثى ظاهرة قديمة في التاريخ البشري، لكن تظل نشأة ~~ثدي الأنثى الناهد دائما في نوعنا لغزا قد ينجح علم الأعصاب وعلم نفس التطور في حله ~~في النهاية، لكن أيا كان أصله فوظيفته كرابط بين مشاعر الأمومة والمشاعر الجنسية لا ~~يمكن تجاهلها. وهذا الرابط واحد من العناصر ms064 العديدة في الشبكة الفريدة للعلاقات التي ~~تربط كل البشر معا في المجموعات الشائعة الدائمة التي نسميها أسرا. # الشبكة الخاصة من المشاعر والعلاقات التي تنمو طبيعيا بين الذكور والإناث، والآباء ~~والأطفال، والأشقاء الذين يعيشون معا لسنوات ويصيرون مرتبطين طيلة العمر، إنما هي ~~ابتكار منفرد لأشباه البشر؛ فالأسرة لدى أشباه البشر أكثر من استراتيجية للبقاء على ~~قيد الحياة؛ إنها حجر أساس المجتمع البشري. # خلقت نشأة الأسرة البشرية شبكة من العلاقات الشخصية الراسخة التي تربط الأسر ~~المصغرة معا بالأسر الأكبر الممتدة. مع تطور أشباه البشر الأوائل إلى الإنسان ~~الحديث، نتج عن أنظمة الأسر الممتدة هذه أنظمة قرابة معقدة، وقواعد للزواج والنسب ~~والميراث، وانتقال الثروة والنفوذ بالوراثة من جيل للجيل التالي. العشائر القبلية ~~والسلالات الملكية التي أعطت هيئة واستقرارا لمجتمعات الصيد وجمع الثمار والمجتمعات ~~المتحضرة على السواء طوال الجزء الأكبر من التاريخ البشري لم تكن لتوجد لولا ~~الروابط العاطفية العميقة التي تكونت في بوتقة الأسرة. ~~••• # حين بدأ أسلاف أشباه البشر صنع الرماح وعصي الحفر وحملها واستخدامها في حياتهم ~~اليومية، بدءوا سلسلة من الأحداث توجت بتطور حيوان له شكل جسدي جديد جذريا، ~~تكيفا مع البيئة التي تطلبت تعاونا غير مسبوق بين الذكور والإناث، وامتداد السلوك ~~الجنسي بدرجة هائلة، وظهور روابط أسرية كانت بمنزلة لبنات بناء لمجتمعات أكبر وأكثر ~~تطورا للإنسان الحديث. # أدت تقنية الرماح وعصي الحفر إلى حدوث نقلة لدى البشرية؛ لأن الأدوات والأسلحة ~~المصنعة كانت تفوق نظيراتها البيولوجية. وقد أتاح تفوق ما هو تقني على ما هو ~~بيولوجي لأشباه البشر بدء رحلتهم التطورية الممتدة صوب الهيمنة على كل أشكال الحياة ~~الأخرى. وكما سنرى في الفصل التالي، زادت سطوة السلالة البشرية مرة أخرى لدرجة هائلة ~~خلال التحول الرئيسي الثاني، حين أتقنت مجموعة مميزة جدا من أشباه البشر تقنية ~~النار، وأطلقت استراتيجية أخرى غيرت مجرى التاريخ في الصراع من أجل البقاء. # الفصل الثالث # | تقنية النار # الطهي والعري والسهر # بروميثيوس ... صعد إلى السماء، وأضاء شعلته من عربة الشمس، وهبط بالنار إلى الإنسان. ~~وبهذه الهبة صار الإنسان أكثر ms065 من ند لكل الحيوانات الأخرى. # توماس بولفينش، «قصص الآلهة والأبطال» # في عصر يوم سبت في شهر نوفمبر من عام 1924م، كان البروفيسور ريموند دارت يرتدي ملابسه من ~~أجل حفل زفاف حين وصله صندوقان يحتويان على بعض الحفريات من محجر حجر جيري وهو في منزله في ~~جوهانسبرج، في جنوب أفريقيا. حين فتح الصندوق الأول لم ير شيئا أثار كثيرا اهتمامه، لكن ~~عندما فتح الصندوق الثاني «سرت في بدني رجفة الإثارة»، كما قال لاحقا. دارت الذي لم يكن ~~يتجاوز عمره حينذاك الثانية والثلاثين، كان أسترالي الأصل، درس التشريح في أستراليا ~~وإنجلترا، ثم أرسل إلى جامعة ويتووترزراند الناشئة في جوهانسبرج لينشئ قسما للتشريح ذا ~~مصداقية هناك. وفي وقت سابق من ذاك العام كان قد سمع عن العثور على حفريات جماجم لقردة ~~البابون في محجر حجر جيري في قرية تونج النائية، وطلب أن ترسل إليه مباشرة أي حفريات ~~جديدة. # ضمت محتويات الصندوق الثاني قالبا داخليا؛ نموذجا طبق الأصل لتجويف جمجمة، تكون ~~حين حل الحجر الجيري محل أنسجة المخ الرقيقة تدريجيا، ما يعد شبه استنساخ لشكل ~~المخ الأصلي لكائن قديم. ويستأنف ريموند كلامه فيقول: «عرفت من أول وهلة أن ما في يدي ليس ~~مخا عاديا لأحد أشباه الإنسان؛ فقد كان نسخة لمخ يعادل ثلاثة أضعاف مخ البابون وأكبر ~~كثيرا من مخ الشمبانزي البالغ.» لكن أين كان باقي الجمجة القديمة؟ أين كان الوجه الذي ~~يكمل هذا المخ؟ بحث دارت بحماسة في الصندوقين، وسريعا ما وجد كتلة كبيرة من الحجر ذات ~~تجويف على شكل وعاء. وكان القالب الداخلي ملائما تماما للتجويف. لا شك أن وجه هذا الكائن ~~كان في مكان ما في الحجر. # قال البروفسير دارت: «وقفت في الظل حاملا المخ في حرص كما يحمل أي رجل شحيح كنزه، ~~وذهني يسبق الأحداث؛ فقد كنت متأكدا أن ذلك كان أحد أهم الاكتشافات في تاريخ علم ~~الإنسان.» لكن حينذاك شعر دارت بمن يشد كمه. كان العريس يرجوه أن ينتهي من ارتداء ~~ملابسه؛ فقد كان يترقب وصول سيارة العرس في ms066 أي لحظة. على مضض أعاد دارت الصخور في ~~الصندوقين، واضعا القالب الداخلي والصخرة الكبيرة ذات التجويف الذي على شكل قصعة جانبا، ~~وأوصد الباب على كنزه النفيس في الخزانة. # ظل دارت لأسابيع يكشط كتل الحجر الكبيرة بحرص، واثقا أن وجه هذا الكائن الكبير المخ ~~كان مطمورا فيه. واستخدم إبر حياكة زوجته المشحوذة لانتزاع الحجر الجيري الطري من الجمجمة ~~التي بداخله. وأخيرا قبل الكريسماس بيومين، أمكن بوضوح تمييز وجه طفل أحد أشباه البشر ~~القدامى وهو يتجلى في الصخر شيئا فشيئا. وقد كتب دارت قائلا: «أشك أن يكون أي أب قد ~~تملكه زهو بابنه أكثر مما تملكني الزهو بطفل تونج في عيد الميلاد لعام 1924م» (انظر ~~شكل # 3-1 ~~). # شكل 3-1: البروفيسور ريموند دارت معه «طفل تونج». أول حفرية يعثر عليها ~~للأوسترالوبيثيكوس على الإطلاق. (المصدر: ويكيميديا كومونز.) # أطلق دارت على اكتشافه اسم أوسترالوبيثيكوس أفريكانوس أو «قرد أفريقيا الجنوبي»، وقد ظل ~~اسمه دون أن يتغير في دراسات الحفريات البشرية منذ ذلك الحين. ولم يكن «طفل تونج» أول ~~أشباه البشر القدامى الذين حدد العلم هويتهم فحسب، لكنه كذلك أعطى أول دليل مادي على أن ~~البشرية لم تنشأ في أوروبا أو آسيا - وهو ما كان نظرية رائجة في الدوائر العلمية في ذلك ~~الوقت - وإنما في أفريقيا، كما تكهن تشارلز داروين قبل ذلك بأكثر من خمسين عاما في كتابه ~~«أصل الإنسان». # نشر دارت اكتشافاته في مقال يعد الآن عملا كلاسيكيا في الدورية العلمية البريطانية ~~«نيتشر» في فبراير عام 1925م، حيث ذكر ملاحظة تشريحية مهمة؛ فقد أشار إلى أن الثقبة ~~العظمى - نقطة اتصال الجمجمة بالعمود الفقري - موجودة أسفل جمجمة تونج، كما هو الحال في ~~البشر الذين يسيرون على قدمين، لا خلفها، كما لدى القردة ذوات الأربع. اعتقد دارت أن وضع ~~الثقبة العظمى أثبت أن طفل تونج كان يقف ويسير منتصبا، لكن اعتقاد دارت بأن ~~الأوسترالوبيثيكوس كان نوعا قديما جدا من أشباه البشر الأوائل رفضته المراجع العلمية في ~~أوروبا، التي استنتجت أن حفريات دارت كانت في الأرجح بقايا غريبة لقرد ms067 منقرض. # كان لدى علماء الحفريات في ذلك الوقت اعتقاد راسخ أن أسلاف بشر ما قبل التاريخ صار لديهم ~~أدمغة كبيرة أولا، ولم يفقدوا سماتهم المشابهة للقردة إلا لاحقا، ربما بسبب ذكائهم ~~المتزايد. وقد تعززت هذه النظرية بدرجة كبيرة عام 1912م، حين أعلن تشارلز داوسون، عالم ~~آثار هاو، عن عثور عامل في مقلع في بيلتداون في إنجلترا على بقايا فرد بوجه شبيه بالقردة ~~ودماغ كبير. وسرعان ما أشاد الكثيرون في المجتمع العلمي ب «إنسان بيلتداون»، بوجهه الشبيه ~~بوجه القرد ودماغه الشبيه بدماغ الإنسان، باعتباره «الحلقة المفقودة» بين البشر والقردة، ~~في حين لم يناسب توقعات العلماء اكتشاف دارت لطفل تونج بوجهه الشبيه بوجه الإنسان ودماغه ~~الشبيه بدماغ القردة. # لكن مما أحرج كثيرا العلماء الذين اقتنعوا باكتشاف داوسون باعتباره الحلقة المفقودة ~~الحقيقية، افتضاح إنسان بيلتداون في النهاية واكتشاف أنه خدعة، لكن ليس قبل عام 1943م؛ أي ~~بعد أربعين عاما من «اكتشافه»؛ فقد تبين أن إنسان بيلتداون كان تلفيقا متعمدا تكون ~~من جمجمة بشرية من العصور الوسطى، وفك إنسان غاب قديم، وبعض من أسنان الشمبانزي. كلها صبغت ~~عن قصد لتبدو أثرية. وقد مات تشارلز داوسون عام 1916م، وحتى هذا اليوم لم تحدد هوية مدبر ~~خدعة بيلتداون عن يقين. # عندما أصاب الإحباط البروفيسور دارت من الاستقبال الفاتر الذي لاقاه اكتشافه من علماء ~~الحفريات الأوروبيين، أعرض عن أبحاثه عن عصور ما قبل التاريخ للبشر طوال العشرين سنة ~~التالية، وركز اهتمامه على مهمته الأصلية، وهي إنشاء قسم تشريح في جامعة ويتووترزراند، ~~لكنه ظل يتمتع بدعم علماء الحفريات في وطنه، وظل طلابه وزملاؤه يستخرجون مجموعة متزايدة ~~من البقايا الحفرية القديمة من عدد من المواقع التي تعود لما قبل التاريخ في جنوب ~~أفريقيا. # خلال الوقت الذي نشر فيه دارت دراسة «طفل تونج»، أرسل له معلم مدرسي محلي مواد حفرية ~~اكتشفت في ماكابانسجات، وهو موقع محجر حجر جيري آخر في جنوب أفريقيا. هذا المحجر، الواقع ~~في منطقة تكثر فيها الكهوف القديمة، اكتشفت فيه على مدار السنوات كمية وفيرة من الحفريات ms068 ~~البشرية التي تعود لعصر ما قبل التاريخ. وأخيرا، في نهاية الحرب العالمية الثانية، تشجع ~~دارت بفضل تزايد الاقتناع بالأوسترالوبيثيكوس أفريكانوس وتنامي كم الأدلة الداعمة التي كان ~~زملاؤه يستخرجونها من الأرض، وعاد إلى المجال عام 1947م ليبدأ سلسلة طويلة من عمليات ~~التنقيب في كهوف ماكابانسجات. وقادته العظام المسودة العديدة التي وجدها هناك إلى ~~استنتاج مفاده أن أشباه البشر الأوائل الذين كانوا يعيشون في ماكابانسجات كانوا يشعلون ~~النيران ويشوون لحم فرائسهم من أكثر من مليوني عام. وسمى حفريات أشباه البشر القديمة في ~~ماكابانسجات أوسترالوبيثيكوس بروميثيوس (القرد الجنوبي الذي روض النار). # لكن مني دارت بخيبة أمل أخرى؛ فقد كشف التحليل الكيميائي أن عظام ماكابانسجات لم تسود ~~بالنار، وإنما بالأثر الكيميائي لثاني أكسيد المنجنيز الذي تسرب للرواسب. كذلك أثبت أن ~~حفرية دارت، أوسترالوبيثيكوس بروميثيوس، ليست نوعا جديدا على الإطلاق، وإنما بقايا حفرية ~~لأفراد من نوع أوسترالوبيثيكوس أفريكانوس؛ أي أعضاء من النوع نفسه الذي ينتمي إليه طفل ~~تونج. مع هذا التطور في الأحداث، ألقى الشك بظلاله على القدم الحقيقي لأول استخدام لأشباه ~~البشر للنار، وظلت مسألة كيف ومتى استخدم أشباه البشر النار لأول مرة - أحد أقدم المسائل ~~المثيرة للخلاف في علم حفريات البشر - بلا حل لعقود. # بيد أنه ثبت في النهاية أن استنتاج دارت أقرب إلى الحقيقة مما بدا في البداية؛ ففي عام ~~1989م نشر تشارلز كيه برين وأندرو سيلن، اختصاصيا علم حفريات من جنوب أفريقيا، نتائج ~~دراسة مستفيضة عن عظام كهف سوارتكرانس، الواقع على بعد 150 ميلا جنوب شرق ماكابانسجات، ~~أثبتت بشكل قاطع أن عظام حيوانات الصيد كانت تحرق مرارا وتكرارا في نيران المخيمات ~~قديما جدا منذ مليون عام ونصف. # 1 # ورغم أنه يبدو محتملا أن الإنسان الناشئ المنتصب القامة هو من كان يشعل نيران ~~هذه المخيمات، فإن حفريات أشباه البشر الوحيدة التي عثر عليها حتى الآن في الطبقة ~~الجيولوجية نفسها لهذه العظام المحترقة هي حفريات نوع من فصيلة أشباه البشر الأوائل، ~~بارانثروبوس روبستوس، وهو من الأقرباء الذين لا يبعدون كثيرا عن اكتشاف دارت ms069 المميز، من ~~أشباه البشر الأوائل، الأوسترالوبيثيكوس أفريكانوس. # على مدار السنين ظلت تقديرات علماء الحفريات بشأن التوقيت الذي بدأ فيه أسلافنا أشباه ~~البشر في استخدام النار والسيطرة عليها متفاوتة؛ فقد ذهب البعض إلى أن السيطرة على النار ~~واستخدامها كجانب دائم من حياة البشر لم يبدآ قبل 130 ألف عام، في حين افترض آخرون أن ~~أوائل أشباه البشر بدءوا استخدام النار منذ سبعة ملايين سنة. # 2 # وفي هذا فارق قدره خمسون ضعفا في العمر المقدر لاستخدام النار، وهو فارق ~~مذهل. # لكن في السنوات الأخيرة تراكمت الأدلة التي تشير إلى أن الإنسان المنتصب القامة استخدم ~~النار منذ مليون عام ونصف على الأقل، وقد عثر حديثا على آثار لإشعال النار مرافقة لبقايا ~~إنسان منتصب القامة في موقعي كوبي فورا وتشيزووانجا في شرق أفريقيا، وفي كهف واندرويرك في ~~جنوب أفريقيا. هكذا يبدو الآن مؤكدا أن تقنية النار قد بدأت في وقت ما بين مليوني سنة ~~و1,75 مليون سنة مضت، حين وجد جنس الأوسترالوبيثيكوس وأشباه البشر الأوائل الآخرون، الذين ~~ظلوا يعيشون في أفريقيا طوال ثلاثة ملايين عام على الأقل، أنفسهم في منافسة مع أشباه بشر ~~أكثر تقدما؛ البشر الناشئين، البشر المنتصبي القامة. # أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون # ربما تتذكرون أن لوسي، من جنس الأوسترالوبيثيكوس، وكذلك أشباه البشر الأوائل الذين ~~ظهروا لأول مرة منذ أكثر من أربعة ملايين عام، كانوا صغار الحجم مقارنة بنا؛ فقد كان ~~طولهم يتراوح بين ثلاث أقدام ونصف وأربع أقدام، ووزنهم يتراوح بين خمسة وسبعين وخمسة ~~وتسعين رطلا. ورغم أنهم كانوا يسيرون ويركضون منتصبي القامة تماما على ساقين، فقد ~~كانت أجسامهم من عدة نواح مماثلة لقردة ما قبل التاريخ التي انحدروا منها؛ فكانت ~~أذرعهم طويلة، وعظام أصابعهم مقوسة، وأصابع أقدامهم طويلة، وجذوعهم على شكل كمثرى، ~~وأكتفاهم ضيقة، وخصورهم ممتلئة، وأردافهم عريضة ومتباعدة، وهذا يدل في مجمله على أنهم ~~ظلوا يقضون جزءا كبيرا من حياتهم على الأشجار. # مناطق السافانا في أفريقيا ما قبل التاريخ التي ازدهر فيها أشباه البشر القدامى هؤلاء ~~كان يسكنها عدد ms070 من الضواري الكبيرة والخطيرة - من بينها النمور والفهود والأسود والضباع ~~- التي كانت تستطيع بسهولة افتراس العزل من الكائنات التي تمشي على ساقين، إلا أنه ~~- كما جادلت في الفصل السابق - لا بد أن أشباه البشر الأوائل كانوا قادرين على الدفاع ~~عن أنفسهم وأبنائهم ضد مثل تلك الضواري أثناء النهار، متسلحين بالرماح وغيرها من ~~الأسلحة المصنوعة، وهو ما يثبته بما لا يدع مجالا للشك تاريخهم الطويل في البقاء على ~~قيد الحياة. # لكن حتى مع تسلحهم بأسلحة فتاكة، كان أشباه البشر الأوائل هؤلاء يصبحون معرضين ~~بشدة للخطر أثناء الليل، حين تكون القطط الكبيرة بقدرتها الفائقة على الإبصار ليلا ~~وحاسة الشم الحادة قادرة على الدنو منهم في الظلام والهجوم عليهم قبل أن يتبينوها. ~~في الواقع أعطى العديد من الكهوف الأفريقية - التي تعود لفترة تتراوح بين أربعة ملايين ~~ومليوني سنة مضت، والتي أجريت فيها عمليات تنقيب - دلائل واضحة على أن الأسود ~~والنمور التي كانت تعيش في هذه الكهوف كانت تقتل أشباه البشر الأوائل وتلتهمهم بصفة ~~منتظمة. # وحيث إن أشباه البشر الأوائل صنعوا الأدوات والأسلحة وقتلوا الحيوانات وأكلوا اللحم ~~وتكيفوا بوضوح على السير والعدو على أرض منبسطة، فالتفسير الأرجح لبقاء سماتهم ~~المتعددة الشبيهة بالقرود هو أنهم كانوا بحاجة للجوء للأمان على الأشجار في الليل كأفضل ~~وسيلة دفاع ضد الضواري الكبيرة والخطيرة التي كانت تسكن أفريقيا ما قبل ~~التاريخ. # 3 # لكن بدءا من مليوني عام تقريبا، بدأ يظهر في سجل الحفريات أشباه بشر ~~أحدث وأضخم وأكثر تقدما، وهم البشر الناشئون، وهذه المخلوقات هي التي سدت الفجوة بين ~~أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس والإنسان الحديث ذي الدماغ الكبير مثل ~~النياندرتال وأنفسنا. # لقد استخرجت العديد من البقايا الحفرية لبشر ناشئين في عدة مواقع أثرية مختلفة في ~~أنحاء أفريقيا وأوراسيا، ونزع اختصاصيو علم الحفريات الذين استخرجوا هذه البقايا إلى ~~تصنيف اكتشافاتهم المتعددة في أنواع متعددة متمايزة من جنس الهومو، لكن بعضا من ~~هذه الأنواع لا يمثلها إلا بقايا متشظية جدا، والعديد منها مشابه جدا بعضه لبعض، ~~حتى إنه من المشكوك ms071 فيه أنها تمثل أنواعا متمايزة من الأساس. # 4 # رغم أن ثمة جدلا كبيرا حول ما يمثل حقا أنواعا متمايزة من هذه ~~الاكتشافات، ثمة اتفاق عام على أن تشريح البشر الناشئين - وإن كانوا بدائيين ~~بمعاييرنا - كان مشابها للغاية لتشريح إنسان العصر الحديث، حتى إنهم لا بد أن ~~ينضموا جميعا للجنس هومو، الذي ينتمي إليه كل بشر العصر الحديث. # أقدم هؤلاء البشر الناشئين كان نوعين، الهومو هابيليس والهومو إرجاستر اللذين ظهرا ~~في شرق أفريقيا، بينما كان أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس لا يزالون ~~يمثلون الكائنات التي تسير على قدمين السائدة في تلك المنطقة. يظهر الهومو هابيليس ~~(الإنسان «البارع» أو «الماهر») لأول مرة في سجل الحفريات قبل مليوني وثلاثمائة ألف ~~عام تقريبا؛ أي قبل أن ينقرض أشباه البشر الأوائل بفترة كبيرة. وكان لهذا النوع أصغر ~~دماغ بين البشر الناشئين؛ إذ كان يتراوح في المتوسط بين 500 إلى 600 سنتيمتر مكعب، وإن ~~كان أكبر من أدمغة أشباه البشر الأوائل، الذي تراوح متوسط أدمغتهم بين 400 و500 ~~سنتيمتر مكعب. كذلك احتفظ الهومو هابيليس بكل من الجذع الذي على شكل الكمثرى وقامة ~~أشباه البشر الأوائل الشديدة الضآلة، رغم أنه صنع أدوات حجرية تفوق تلك التي صنعها ~~أشباه البشر الأوائل. شملت هذه الأدوات «مطرقة» يدوية؛ حجر مستدير في حجم قبضة اليد ~~كان يستخدم في تكسير عظام فرائسه، وربما كان يستخدم أيضا في «تطرية» اللحم الطازج ~~بطحنه ليجعله أسهل هضما. # ظهر الهومو إرجاستر (الإنسان العامل) لاحقا بعض الشيء، منذ مليون وثمانمائة ألف عام، ~~وكان أول أشباه البشر الذين صنعوا المطارق اليدوية «الأشولية» التي شكلت مستوى أعلى ~~من الحرفية في الصناعة عن أدوات أولدوان البدائية التي كان يصنعها أشباه البشر ~~القدامى. يمثل دماغ الهومو إرجاستر زيادة كبيرة في الحجم عن أنواع أشباه البشر الذين ~~سبقوه؛ إذ بلغ حجمه في المتوسط نحو 850 سنتيمترا مكعبا. كذلك كان الهومو إرجاستر ~~أطول كثيرا من الهومو هابيليس، بصدر برميلي الشكل وخصر نحيل مثلما الحال في الإنسان ~~الحديث. ولا يزال علماء الحفريات غير متأكدين ms072 إن كان الهومو إرجاستر حقا نوعا ~~متفردا أم مجرد شكل مبكر من ذلك الإنسان الناشئ الشهير؛ الإنسان المنتصب ~~القامة. # أهم نوع بين البشر الناشئين - الذي لا يشك أنه كان نوعا مستقلا - كان الهومو ~~إريكتوس (الإنسان المنتصب)، الذي وجدت بقاياه في أنحاء أفريقيا وآسيا وأوروبا بدءا من ~~مليوني سنة مضت واستمرارا حتى مائتي ألف عام سنة مضت على أقل تقدير. # 5 # كان الهومو إريكتوس أضخم كثيرا من أشباه البشر الأوائل، يكاد يعادل في ~~طوله الإنسان الحالي، وتدل كل سماته التشريحية على أن البشر الناشئين قد تخلوا ~~تماما عن عادة الرئيسيات القديمة في النوم ليلا على الأشجار التماسا للأمان. # كان الهومو إريكتوس من أذكى البشر الناشئين، ودماغه - الأكبر كثيرا بالفعل من دماغ ~~القردة أو الأوسترالوبيثيكوس - ظل حجمه يكبر على امتداد تاريخه الطويل والناجح. ترك ~~الهومو إريكتوس وراءه عددا كبيرا من الأدوات الحجرية الأشولية الدقيقة جميلة الصنع، ~~وخاصة مطرقة يدوية أيقونية ذات حافة حادة، على شكل قطرة دمع كبيرة. تمثل المطرقة ~~اليدوية الأشولية علامة على عبور عتبة لها أهمية خاصة في تطور البشر؛ لأن صنعها احتاج ~~كما كبيرا من التخطيط وبعد النظر والمهارة اليدوية (انظر شكل # 3-2 ~~). # شكل 3-2: الفأس الأشولية الأيقونية، التي ظل البشر الناشئون لآلاف السنوات ~~يصنعونها. وكان صنعها يتطلب اختيار حجر مناسب والتمكن من عملية متعددة ~~الخطوات. (المصدر: ويكيميديا كومونز.) # قد تكون أبرز سمات تشريح الهومو إريكتوس، بجانب حجمه الأضخم، وقامته الأطول، ودماغه ~~الأكبر كثيرا، هو أنه لم يعد يحتفظ بأي من الخصائص الجسدية للقردة المرتبطة بالحياة ~~على الأشجار؛ فقد تقلصت أصابع قدم الهومو إريكتوس لدرجة أنها لم تكن تساعد أو تساعد ~~بدرجة ضئيلة في تسلق جذوع الأشجار، وصارت عظام أصابع يده مستقيمة، مثل عظام أصابع ~~أيدينا؛ وبهذا فقد الشكل المقوس الذي يتميز به من يعيش على الأشجار. وأخيرا، كان ~~الجذع العلوي للهومو إريكتوس برميلي الصدر، بمنكبين عريضين وخصر نحيل نسبيا؛ سمات ~~لم يختص بها أي من القردة التي تعيش على الأشجار. # دلت هذه التغيرات على أن الهومو إريكتوس لم ms073 يكن فقط يعيش على الأرض أثناء النهار، ~~بل كان أيضا ينام على الأرض ليلا. والطريقة الوحيدة المنطقية التي كان يستطيع بها ~~هؤلاء البشر الناشئون تجنب التعرض لهجوم الضواري أثناء نومهم على الأرض هي إضرام ~~النيران والنوم على مقربة منها، وتركها مشتعلة حتى الفجر. شرح هذا المنحى الفكري ~~بالتفصيل ريتشارد رانجهام، اختصاصي علم الإنسان في جامعة هارفارد، وذلك في كتابه: ~~«إشعال النار: كيف جعلنا الطهي بشرا؟». # 6 # نشأة «إنسان الكهف» # الكثير من السلوكيات التي كانت تعتبر في الماضي خاصة بالبشر اكتشف أنها موجودة ~~- وإن كان ذلك في صورة بدائية في كثير من الأحيان - بين أنواع أخرى من الحيوانات. تشمل ~~هذه السلوكيات، بالإضافة إلى القدرة على صناعة الأدوات واستخدامها، القدرة على التعبير ~~عن معلومات معقدة، وقدرة الأنواع التي تعيش في مجموعات على تبني سلوكيات جديدة ~~وتوريثها للأجيال التالية كتقاليد ثقافية. لكن من بين كل الأنواع في مملكة الحيوان، كان ~~أشباه البشر وحدهم على الإطلاق هم من أبدوا ولو قدرة بدائية للغاية على إشعال النار ~~والسيطرة عليها واستخدامها كسمة دائمة من سمات حياتهم اليومية. # فلولا بنيتهم الجسدية الفريدة التي تؤهلهم للسير على قدمين، ما كان أشباه البشر ~~ليتمكنوا من السيطرة على النار واستخدامها؛ فحين يحمل أحد الحيوانات من ذوات الأربع ~~أشياء يحملها عادة بفمه، وحيث إنه لكي يحمل فرع شجرة مشتعلا في فمه، فإن ذلك قد يحرق ~~فمه أو وجهه أو يملأ عينيه وأنفه بالدخان؛ فالحيوانات ذوات الأربع لا تحمل فروعا ~~مشتعلة من مكان لآخر. لدى القردة والسعادين بالفعل قوائم أمامية مطواعة ذات أياد ~~قابضة، وهي قادرة على السير لمسافات قصيرة على قوائمها الخلفية أثناء حمل أشياء ~~بقوائمها الأمامية، لكن لم ير أي نوع من القردة أو السعادين وهو يستخدم النار أو ~~يسيطر عليها في البرية. # 7 # فالنار على كل حال تدمر النسيج الحي، وكل الحيوانات تخشاها وتتحاشها ~~بالغريزة، كل الحيوانات ما عدا أشباه البشر. # أشباه البشر الذين يستطيعون حمل رمح في أياديهم لأميال يستطيعون أيضا أن يحملوا ~~فرعا مشتعلا لأميال. فقبل أن ms074 يتعلم أشباه البشر كيفية إشعال النار بوقت طويل، لا بد ~~أنهم قد تعلموا كيف يتناولونها وينقلونها ويحضرونها لمنازلهم، ويبقون عليها لأيام ~~وأسابيع. الصواعق والأشجار والحشائش المشتعلة التي من الممكن أن تنجم من الصواعق، ~~كانت شائعة في أفريقيا ما قبل التاريخ، ومن المرجح جدا أنها كانت مصدر النار التي كان ~~البشر الناشئون يأتون بها لمنازلهم ويروضونها منذ مليوني عام تقريبا. # تأتي بعض أقدم الأدلة على استخدام الهومو إريكتوس للنار وإخضاعه لها منذ مليون عام أو ~~أكثر من كهوف في جنوب أفريقيا وشرقها؛ فالعديد من هذه الكهوف الشاسعة الجافة كان المأوى ~~المفضل لبعض أخطر ضواري أفريقيا في عصور ما قبل التاريخ، مثل الأسود والفهود والدببة ~~والثعابين، لكن لم يكن أي من هذه الحيوانات ليظل في كهف مليء بالنيران والدخان ~~طويلا. وهكذا حين تعلم الهومو إريكتوس إشعال النار داخل الكهوف، صار قادرا على ~~إخراج الحيوانات الأخرى، والانتقال إلى هذه المساكن الأثيرة واستخدامها كمقرات إقامة ~~لأسابيع وشهور أحيانا. # على النقيض، حين يعثر على بقايا أشباه البشر الأوائل مثل الأوسترالوبيثيكوس في ~~الكهوف، عادة ما يبدو واضحا أن أجسادهم قد جرجرها داخل هذه الكهوف أعداؤهم الطبيعيون، ~~خاصة القطط الكبيرة، التي كانت تفترسهم. فمن دون النار، ما كان لأحد أشباه البشر أن ~~يستطيع أن يتخذ من كهف مسكنا لوقت طويل، إلا أنه في العديد من أقدم المواقع الأثرية ~~التي بها أدلة على استخدام البشر الناشئين للنار، لا تتوفر أدلة على طهي طعام بها ~~سواء كان لحما أو خضروات. توصل علماء الآثار الذي نقبوا في هذه المواقع إلى نتيجة ~~مفادها أن النار كانت في المقام الأول تشعل في هذه الكهوف كمصدر للضوء وكنوع من ~~الحماية من الضواري. تحرر البشر الناشئون بقدرتهم الجديدة على السيطرة على النار من ~~ضرورة النوم على الأشجار ليلا، ولأول مرة صار أشباه البشر كائنات أرضية تماما. # منحت القدرة على ترويض النار مزايا عديدة للبشر الناشئين؛ فالنار لم تطرد الضواري ~~الضخمة والخطيرة فحسب من الكهوف، وإنما أخرجت أيضا الحشرات والزواحف والهوام الحاملة ~~للأمراض التي كانت ms075 تسكن الكهوف هي الأخرى. وبإشعال النار في أرض مغطاة بالآجام ~~الكثيفة، أمكن القضاء على الحشرات الضارة والزواحف والثعابين السامة التي كانت تعيش ~~في تلك الموائل أو طردها من مساحات واسعة إلى حد كبير. # كذلك أدى إشعال النار في الآجام الكثيفة التي في بيئة السافانا إلى إخلاء الأرض؛ ~~مما عزز من نمو حشائش جديدة غضة، وجذب حيوانات آكلة للعشب مثل الظباء التي كانت من ~~فرائس أشباه البشر المفضلة. في الواقع، كان العديد من مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي ~~بقيت حتى العصور الحديثة في سهول أفريقيا وآسيا والغرب الأمريكي تتعمد إشعال النار ~~طوال حياتها؛ من أجل تحفيز نمو حشائش جديدة، ولجذب قطعان حيوانات الصيد تجاه ~~مخيماتها، حيث كان يمكن الإيقاع بها وقتلها بسهولة. # كانت النار توفر مصدرا طيعا للحرارة لم يجعل الكهوف الباردة الرطبة من الداخل ~~أكثر قابلية للسكنى فحسب، لكنه كذلك أتاح للبشر الناشئين الهجرة إلى مناطق ذات مناخ ~~أشد برودة، حتى إن الهومو إريكتوس في مرحلة مبكرة من تاريخه المميز هاجر من أفريقيا ~~وظهر في عدة مواقع في أوروبا وآسيا منذ أكثر من 1,5 مليون سنة، فكان أول أشباه البشر ~~الذين يسكنون قارة أوراسيا. وأخيرا أتاحت النار للبشر الناشئين ابتكار تقنيات متطورة ~~في صنع الأدوات، مثل معالجة أدوات وأسلحة خشبية بالنار أو تقويتها، وهي التقنية التي ~~كانت متطورة تماما منذ 400 ألف سنة مضت، وهو ما دلت عليه رماح شونينجين الخشبية التي ~~جاء وصفها في الفصل السابق. # السهر # أغلب الرئيسيات كائنات نهارية؛ تنشط بالنهار وتخمل في الليل؛ فحين يخيم الظلام من ~~المألوف أن تلوذ القردة والسعادين بالصمت، وتتوقف عن الحركة، وتستعد للنوم. وهذا السلوك ~~الشائع بين كل الرئيسيات غير البشرية تقريبا، # 8 # ينظمه استجابة هرمونية لمستوى الضوء الذي يصل إلى العين. فيطلق ~~الميلاتونين - أحد الهرمونات التي تفرزها الغدة الصنوبرية الصغيرة، عند قاعدة الدماغ - ~~حين يبدأ مستوى الضوء في البيئة المحيطة في الانخفاض مع اقتراب غروب الشمس. # 9 # وكلما زاد تركيز الميلاتونين في مجرى الدم ازداد شعور الفرد بالنعاس. على ~~العكس ms076 من ذلك، حين تشرق الشمس ويفيض الضوء على البيئة، ينخفض إنتاج الغدة الصنوبرية ~~للميلاتونين، وتخلص الكليتان الجسم من الميلاتونين المتبقي في الدم. # حين بدأ البشر الناشئون في استخدام النار لدرء الضواري بعد غروب الشمس، ابتكروا ~~مصدرا مصطنعا للضوء كان له أثر في تثبيط إنتاج الميلاتونين وتأخير بوادر النوم. ~~نتيجة لهذا، أعتق استخدام النار أشباه البشر من القيود القديمة التي فرضها النهار ~~المداري الذي يستمر اثنتي عشرة ساعة، وامتدت ساعات صحوهم الطبيعية حتى الليل. هذه هي ~~مرحلة التطور البشري التي بدأ فيها أسلافنا السهر لوقت متأخر؛ لتمتد ساعات يقظتهم ~~بما يتجاوز بكثير متوسط فترة النهار التي تحكم التواتر اليومي لكل الحيوانات المدارية ~~الأخرى. # منح السهر لوقت متأخر البشر الناشئين مزايا جديدة فريدة؛ فقد أعطاهم وقتا ~~إضافيا لتناول الطعام وصنع أشياء، كما وفر لهم وقتا للحياة الاجتماعية والتواصل. ~~فميل البشر لتناول الطعام بعد أن يحل الظلام، والعكوف على أعمال الحياكة، وصنع ~~الأدوات، وغيرها من المهام التي كانت تنجز على ضوء النار، والتسامر وسرد أحداث اليوم، ~~ورواية قصص وأساطير موروثة، كل هذا مثل سلوكيات فريدة لم تستطع أي أنواع أخرى ~~محاكاتها. صارت كل هذه السلوكيات ممكنة حين بدأ البشر الناشئون إضرام النار ليلا ~~والسهر لأوقات متأخرة، في حين نامت المخلوقات الأدنى أو ابتعدت. # النيئ والمطهو # 10 # رغم أن أقدم استخدام للنار ربما كان لحماية أشباه البشر ليلا من هجمات الضواري، فقد ~~أصبح لإيقاد النار والإبقاء عليها بانتظام في مساكن أشباه البشر في نهاية المطاف ~~استخدامات أخرى تخطت مجرد الحماية. ولا شك أن أهم هذه الاستخدامات - بما ترتب ~~عليه من عواقب تجاوزت احتياجات اللحظة الراهنة لتشكل جذريا مستقبل التطور البشري نفسه ~~- كان اكتشاف الطهي. # في مقال علمي نشر في مجلة «بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز» عام ~~2012م، أعلن فريق دولي من العلماء أن التحليل المجهري لبعض الرواسب من كهف وندرويرك ~~في جنوب أفريقيا يؤكد أن أشباه البشر كانوا يشعلون النار داخل أغوار هذا الكهف ~~ويذكونها منذ أكثر من مليون عام. # 11 # ومن ms077 بين مئات العظام وشظايا العظام التي استخرجت من هذا الموقع، أظهر 80 ~~في المائة منها أدلة على أنها قد احترقت في هذه النيران. بعبارة أخرى، كانوا يطهون ~~لحومهم. # رأى ريتشارد رانجهام في كتابه «إشعال النار» أن اختراع الطهو كان مسئولا في الأساس ~~عن أغلب الإنجازات التطورية التي أدت إلى ظهور الإنسان الحديث، ومنها العمليات التي ~~وصل بها مخ الإنسان الحديث لحجمه الكبير الحالي. وصف رانجهام على الأقل خمس مزايا مهمة ~~للطعام المطهو الذي كان يتناوله البشر الناشئون وحدهم على الطعام النيئ الذي كان ~~يتناوله أشباه البشر الأوائل وكل الحيوانات الأخرى. # فأولا: طهو لحم الحيوان يحلل الكولاجين الليفي في خلايا العضلات، محولا ~~إياه إلى الجيلاتين الغني بالبروتين الذي يحتاج وقتا وطاقة أقل كثيرا ~~في هضمه. # وثانيا: يؤدي الطهو إلى تطهير اللحم ويجعله صالحا للأكل. وقد جادل بعض ~~اختصاصيي علم الإنسان بأن أشباه البشر الأوائل كانوا يحصلون على كثير ~~من اللحوم التي في غذائهم بالاقتيات على جثث ضوار أكبر حجما مثل ~~الأسود والنمور. لكن الجيفة، خاصة في المناطق المدارية، سريعا ما ~~تنتشر فيها البكتيريا الضارة، وقردة ما قبل التاريخ الذين كانوا أسلاف ~~أشباه البشر الأوائل، بأمعائهم الغليظة المخصصة لعملية الهضم البطيئة ~~المضنية للأوراق وغيرها من الأغذية النباتية الخشنة، كانت ستصير أكثر ~~عرضة لتأثير الأمراض المنقولة بالغذاء. أما قردة الشمبانزي التي ~~تتناول بالفعل لحما طازجا فستتحاشى اللحم الذي بدأ يتحلل ~~وتنبذه. # العدوى البكتيرية بالعوامل الممرضة مثل التسمم السجقي والجمرة ~~الخبيثة والسالمونيلا والإشريكية القولونية وكذلك بالفطريات ~~والفيروسات، لا بد أنها سببت مرضا ووفاة حتى بين أقوى الأفراد؛ حيث ~~إن هذه الكائنات كانت تتضاعف في الأمعاء الطويلة لقردة ما قبل ~~التاريخ لمستويات خطيرة وقد تكون مهلكة، لكن الطهو يقضي على الطفيليات ~~والعوامل الممرضة التي تتضاعف سريعا في جيفة الحيوان خلال ساعات ~~قليلة من نفوقه، كما يتيح الأثر التعقيمي للطهو حفظ اللحم المطهو ~~لفترات أطول كثيرا من اللحم النيئ. كان الطهو سيحافظ على غنائم ~~الصيد في حالة قابلة للأكل لفترات أطول كثيرا؛ مما يجعل من الممكن ms078 ~~لمجموعة من أشباه البشر التغذي على بقايا حيوان صيد كبير لعدة ~~أيام. # ثالثا: طهو الأغذية النباتية يحلل جدران خلايا النباتات ويحول ~~السيليولوز غير القابل للهضم إلى نشويات وسكريات قابلة للهضم. في ~~الواقع، الكثير من الأغذية النباتية التي اعتمد عليها أشباه البشر - ~~خاصة الجذور والدرنات التي كانوا يستطيعون استخراجها من الأرض بعصي ~~الحفر - كانت تحتوي على سموم ليست فقط غير مستساغة، وإنما غير قابلة ~~للهضم فعلا في أحيان كثيرة. والطهو يفتت هذه السموم ويؤدي إلى ~~التخلص منها؛ مما يتيح مجموعة كاملة من الأغذية النباتية للاستهلاك ~~البشري كانت لتصير مستبعدة لولا ذلك، بل في الواقع وجدت التجارب ~~التي أجريت على قردة الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب أن القردة ~~العليا بوجه عام تفضل تناول خضرواتها مطهوة عن تناولها ~~نيئة. # 12 # رابعا: يتطلب الطعام المطهو وقتا أقل بدرجة كبيرة في المضغ عن الطعام ~~النيئ ؛ إذ يستلزم نظام الغذاء النيئ لدى قردة الشمبانزي مضغ الطعام ~~لساعات دون توقف، بل إنه وفقا للتقديرات تمضي قردة الشمبانزي نحو 50 ~~بالمائة تقريبا من ساعات صحوها في مضغ طعامها فقط. على النقيض، يقضي ~~البشر نحو خمسة بالمائة من ساعات صحوهم في المضغ - واحد على عشرة فقط ~~من وقت الشمبانزي - وبناء على هذا، يستطيع البشر أن يكرسوا وقتا ~~أكبر بكثير من ساعات صحوهم لأغراض أخرى، منها الصيد، وصناعة الأدوات ~~والأسلحة، وتشارك المعلومات مع أفراد آخرين في الجماعة. # خامسا: والأهم: اختراع الطهو جعل بالفعل من الممكن للدماغ البشري أن يكبر ~~حجما على نحو استثنائي خلال عصر البشر الناشئين؛ فبينما يبلغ متوسط ~~حجم دماغ الشمبانزي 400 سنتيمتر مكعب ومتوسط حجم دماغ أشباه البشر ~~الأوائل نحو 500 سنتيمتر مكعب، فقد تضاعف دماغ أشباه البشر ثلاث مرات ~~خلال الميلوني عام الماضيين، ويتراوح الآن في المتوسط بين 1300 و1500 ~~سنتيمتر مكعب. من دون هذا الدماغ الكبير، لم يكن ليتاح لإنسان العصر ~~الحديث أن يبتكر ما تفرد به من لغة وثقافة وقدرات تقنية تمكن منها ~~في النهاية. وقد حقق البشر الناشئون أكبر جزء من هذه الزيادة الكبيرة ms079 ~~في حجم دماغ أشباه البشر. # لم يعثر قط على أي مجتمع بشري معروف يعتمد تماما على نظام غذاء ~~من الطعام النيئ، مهما كان بدائيا أو غير متطور تقنيا، حتى الناس ~~الذين يتبعون حمية الطعام النيئ في المجتمع الحديث لا بد أن يقضوا ~~وقتا طويلا للغاية في مضغ طعامهم، وتعوزهم الطاقة، ويفقدون من ~~أوزانهم، ويشعرون بالجوع طوال الوقت تقريبا. # 13 # إذن يبدو أن طهو الطعام جزء أساسي من النظام الغذائي لكل ~~إنسان، بل يبدو أن اختراع الطهو كان شرطا أساسيا لنوعنا كي ينجح في ~~تحقيق التطور الخاص بالزيادة الكبيرة في حجم الدماغ، وهو ما جعلنا ~~بشرا، وأصبح يميزنا تماما عن أي نوع آخر من الحيوانات. # الدماغ البشري المكلف # تتلخص أسباب ضرورة أن يكون النظام الغذائي من الطعام المطهو لدعم احتياجات دماغ ~~الإنسان الحديث من الطاقة في «فرضية النسيج المكلف»، التي طرحها عام 1995م ليزلي ~~آييلو وبيتر ويلر ، # 14 # اختصاصيا علم الإنسان، اللذان بدآ دراستهما التي صارت حاليا من ~~الكلاسيكيات بالحقيقة المؤكدة أن الدماغ نسيج «مكلف» من ناحية حجمه واحتياجاته من ~~الطاقة. # لاحظ آييلو وويلر أن حجم الدماغ البشري يزيد على أربعة أضعاف دماغ الثدييات العادية، ~~بالنسبة إلى وزن جسمه؛ إذ يزن الدماغ البشري ثلاثة أرطال؛ نحو اثنين في المائة من متوسط ~~الوزن الإجمالي للجسم البالغ، إلا أن الدماغ البشري حين ينشط من الممكن أن يستهلك 20 في ~~المائة من الطاقة المتاحة للجسم؛ نحو عشرة أضعاف الطاقة، رطلا برطل، التي يستهلكها ~~الجسم البشري كله، رغم وزنه الضئيل نسبيا. # علاوة على ذلك، ليس الدماغ «النسيج المكلف» الوحيد في الجسم؛ فمن الأنسجة الأخرى ~~التي لها متطلبات مرتفعة مماثلة من الطاقة، القلب والكبد والكليتان والجهاز الهضمي. ~~ويشكل الدماغ وهذه الأعضاء الحيوية معا أقل من سبعة بالمائة من وزن الجسم، إلا أنها ~~حين يكون الجسد في حالة سكون تستهلك نسبة مدهشة من طاقته المتاحة تتراوح بين 60 إلى 70 ~~في المائة. السؤال المحوري الذي حاول آييلو وويلر الإجابة عنه هو: كيف يستطيع جسم ~~الإنسان توفير تلك ms080 الكميات الكبيرة من الطاقة لدماغه الضخم دون أن يطغى ذلك على ~~احتياجات أجزاء الجسم الأخرى من الطاقة؟ # تقليل حجم العضلات التي تشكل الكثير من الأنسجة الأقل «كلفة» في الجسم سيكون غير ~~عملي مطلقا، ليس فقط لأن هذه الأنسجة لا تستهلك عادة سوى نحو ثلث الطاقة المتاحة ~~للجسم، لكن أيضا لأنه من أجل التعويض عن الاحتياج المتزايد لدى الدماغ البشري الكبير ~~إلى الطاقة، سيتطلب الأمر التخلص من 70 في المائة من عضلات الجسم. هذا من شأنه أن ~~يجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، على البشر أن يحصلوا في بيئاتهم الطبيعية على ~~الغذاء الذي يحتاجونه لتوفير هذه الطاقة في المقام الأول. # وتقليل حجم القلب أو نشاطه بأي درجة كبيرة سيقلل من تدفق الدم لمستويات تمثل ~~خطورة كبيرة على الدماغ، الذي يحتاج لإمداد ثابت ووافر من الدم. وحين يحدث هبوط في ~~الدورة الدموية بدرجة كبيرة يتوقف الدماغ عن العمل بكفاءة؛ مما يؤدي لفقدان الوعي في ~~النهاية. # تقليل حجم الكليتين أو نشاطهما يحدث ضررا بالغا بإحدى وظائفهما شديدة الأهمية. ~~تستهلك الكليتان أغلب طاقتهما حين تركزان البول بإزالة محتواه المائي المهم وإعادة ~~هذا المحتوى المائي لمجرى الدم. أي انخفاض في هذه الوظيفة قد يؤدي إلى مستوى خطير من ~~الجفاف، خاصة أثناء النشاط الشاق الذي يشتمل عليه الصيد وجمع الثمار في الطقس ~~الحار. # ولا يقتصر تقليل حجم الكبد أو نشاطها على الإضرار بقدرة هذا العضو الحيوي على تنظيف ~~الدم من السموم والفضلات المختلفة، لكنه أيضا سيحرم الدماغ من مصدره الرئيسي للطاقة؛ ~~فالوقود الذي يمد أنشطة الدماغ بالطاقة هو جزيء سكر كبير يعرف باسم الجلايكوجين، ~~ومؤن الجسم من الجلايكوجين المتاح يصنع في الكبد. # يتبقى لدينا الجهاز الهضمي باعتباره المرشح الوحيد لتقليص حجمه واحتياجاته من الطاقة. ~~ليس من المستغرب إذن أن نجد أن الجهاز الهضمي لدى البشر - لا سيما المعدة والأمعاء - ~~هو الأصغر، بالنسبة لوزن الجسم، بين كل الرئيسيات. في الواقع، يحتوي سجل حفريات أشباه ~~البشر على أدلة واضحة على خضوع الجهاز الهضمي لتقلص كبير في الحجم ms081 حين تطور أشباه ~~البشر الأوائل إلى البشر الناشئين الذين استخدموا النار. # كان لدى أشباه البشر الأوائل أقفاص صدرية عريضة ومتباعدة قرب الجزء السفلي، وكذلك ~~عظام حوض أعرض وأكثر تباعدا. تدل هذه السمات على أن بطن هذه المخلوقات كان كبيرا ~~نسبيا، في تشابه مع بطون القردة العليا؛ إنسان الغاب والغوريلا والشمبانزي، لكن مع ~~ظهور الهومو إرجاستر والهومو إريكتوس صار القفص الصدري أضيق كثيرا في الجزء السفلي، ~~وصار الحوض أصغر في قطره. توحي هاتان السمتان بأن الهومو إريكتوس قد تطور لديه البطن ~~الأصغر حجما والأكثر اكتنازا الذي يتميز به إنسان العصر الحديث، ومن الممكن أن يكون ~~قد أدى هذا إلى تقلص كبير في حجم الجهاز الهضمي. # مع هذا التقلص في حجم البطن، تظهر الحفريات العديدة للبشر الناشئين التي استخرجت ~~على مدار سنوات زيادة كبيرة ومنتظمة في حجم الدماغ، من 600 سنتيمتر تقريبا مع ظهور ~~الهومو هابيليس منذ مليوني عام تقريبا إلى نحو 1300 سنتيمتر في أحدث أشكال الهومو ~~إريكتوس، التي عاشت منذ 250 ألف عام تقريبا. هذه الزيادة الهائلة في حجم الدماغ خلال ~~مليوني عام لم يسبق لها مثيل في تطور الحياة على الأرض، فلم يفعل أي مخلوق آخر هذا. ~~وتشير فرضية النسيج المكلف إلى أن النظام الغذائي المعتمد على الطعام المطهو وحده - ~~والانخفاض الكبير في حجم الجهاز الهضمي الذي جعله الطعام المطهو ممكنا - هو ما مكن ~~هذا السلف البشري من دعم احتياجات عضو «مكلف» مثل دماغ الإنسان الحديث. # 15 # كذلك يؤيد فرضية الطهو تغير تشريحي كبير آخر جاء مع ظهور الهومو إريكتوس: التقلص ~~الكبير في حجم أسنان وفكوك البشر الناشئين. فسوف تتذكرون أن الشمبانزي الذي يعيش على ~~الطعام النيئ فقط، لا بد أن يقضي 50 في المائة تقريبا من ساعات صحوه في مضغ الطعام، ~~بينما إنسان العصر الحديث الذي يعيش بدرجة كبيرة على نظام غذائي من الطعام المطهو، ~~يستطيع إنجاز كل عمليات المضغ الضرورية لتغذيته خلال خمسة في المائة من ساعات صحوه. ~~هكذا كما تتخيلون، تفوق أسنان الشمبانزي وفكه نظائرها لدى ms082 الإنسان حجما بدرجة كبيرة ~~بحكم الضرورة. # ليس من المستغرب أن سجل الحفريات أيضا يبين أن أسنان الأوسترالوبيثيكوس وأشباه ~~البشر الأوائل وفكوكهم كبيرة جدا أيضا، في حين أن أسنان وفكوك البشر الناشئين أصغر ~~بدرجة كبيرة؛ فالطعام المطهو لا يحتاج وقتا أقل في مضغه فحسب، لكن يمكن أيضا مضغه ~~بدرجة كافية بأسنان وفكوك أصغر حجما بكثير. كل هذا دليل على أن الهومو إريكتوس تمكن ~~من استخدام النار في وقت مبكر من تاريخه، وابتكر أسلوب حياة صار فيه الطعام المطهو ~~عماد غذائه. # تشير أنواع عديدة مختلفة من الأدلة في مواقع أثرية في أفريقيا ما قبل التاريخ إلى ~~أن الهومو إريكتوس، الإنسان الناشئ، كان أول أشباه البشر الذين أجادوا استخدام النار. ~~تبين الأدلة الفيزيائية والكيميائية أن النار كانت تشعل لفترات طويلة في أغوار ~~الكهوف التي كان يسكنها بشر ناشئون. كذلك تبين الأدلة الفيزيائية والكيميائية أن أغلب ~~العظام التي عثر عليها في بعض من هذه الكهوف كانت قد احترقت؛ مما يشير إلى أنه في ~~مرحلة ما بعد التمكن من إشعال النار والسيطرة عليها بمدة غير طويلة، كان البشر الناشئون ~~يطهون لحومهم. # وتشير الأدلة التشريحية المستقاة من حفريات الهومو إريكتوس إلى أن هؤلاء البشر ~~الناشئين لم يعودوا قادرين جسديا على تسلق أعالي الأشجار في الليل طلبا للأمان. ~~كذلك تشير الأدلة التشريحية إلى أن البشر الناشئين كان لديهم أجهزة هضمية أصغر بكثير، ~~وفكوك وأسنان أصغر بكثير، وأدمغة أكبر بكثير من أدمغة أي من أسلافهم. عند وضع كل هذه ~~الأشياء في الاعتبار يبدو أن الهومو إريكتوس، الإنسان الناشئ، قد تعلم استخدام النار ~~والتحكم فيها - وأنه قد جعلها عنصرا أساسيا من أسلوب حياته الطبيعي - منذ أكثر من ~~1,5 مليون عام. # الرئيسيات العارية # حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار، صاروا - وظلوا - الرئيسيات العارية الوحيدة ~~في العالم. # النوم على مقربة من نار هو واحد من أكثر السلوكيات البشرية شيوعا؛ فقد وجد هذا ~~السلوك بين كل مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي درسها اختصاصيو علم الإنسان. وكان من ~~السلوكيات الشائعة بالأخص بين الصيادين ms083 وجامعي الثمار أن يناموا على مقربة من نار ~~المخيم التي كانت تظل مشتعلة طوال الليل. ومن الغني عن البيان أن هذا السلوك كان ~~ليستحيل تماما لو كانت أجسادنا ما زالت مغطاة بطبقة سميكة من الفراء؛ لأننا كنا ~~سنشعل النار في أنفسنا فعليا لاقتراب ألسنة نار المخيم منا. # لم تكن أي من طرق تفاعل البشر مع النار - حمل شعلات متوهجة من مكان لآخر، والنفخ ~~في الجمرات الملتهبة لإذكاء النار، وشي الطعام من اللحم والخضروات، وإذكاء نار ~~المخيم بحطب جديد، ومد الذراعين والساقين فوق النار لتدفئتهما - لم يكن أي من هذا ~~ليصير ممكنا لو كنا احتفظنا بالفراء الطويل الشعر الذي يغطي أجساد كل أنواع ~~الرئيسيات الأخرى. حاول أن تتخيل التعامل مع نار مخيم ملتهبة أثناء ارتداء معطف ~~ثقيل طويل الكمين من الفراء، وستدرك كم سيكون من الصعب التعامل مع النار بأمان مع ~~فراء ثقيل يغطي ذراعيك وساقيك وجذعك. لهذا السبب دون شك من الممكن أن يتعلم الشمبانزي ~~تدخين السجائر أو السيجار عرضيا - بل وفي بعض الحالات استخدام قداحة السجائر - لكنه ~~على عكس البشر لن يجلس بقرب نار مشتعلة. # حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار التماسا للضوء والدفء والحماية، كان أولئك ~~الأفراد والجماعات الذين يغطي أجسادهم أقل كمية من الشعر هم الأنجح في التعامل مع ~~النار، ولا شك أن هذه المرحلة من مراحل التطور البشري هي التي صار فيها أسلافنا عراة، ~~لكن فقدان ملايين بصيلات الشعر التي ظلت تغطي جميع أنحاء أجساد الرئيسيات طوال 55 ~~مليون عام لا بد أنه تطلب عددا من التغييرات الجينية المهمة. في الواقع، حدثت مثل ~~هذه التغيرات حين تبنى أسلاف الحيتان والدرافيل الحياة المائية وتطورت متخذة أشكال ~~الأسماك، لكن البشر الناشئين حققوا النتيجة نفسها بصفة أساسية محتفظين بكل بصيلات ~~شعرهم تقريبا مع تقليل إنتاج هذه البصيلات. ونتيجة لهذا، يكتسي البشر بغطاء قصير ورقيق ~~جدا من شعر زغبي يكاد لا يرى، ورغم ذلك فإنه لا يزال يغطي جميع أنحاء الجسد ~~البشري. # 16 # كان لفقدان غطاء الفراء الكثيف مزايا أخرى، ms084 ربما أهمها أنه جعل أشباه البشر قادرين ~~على تبريد أجسادهم بطريقة أكثر كفاءة بالتعرق. في واقع الأمر، يعرق البشر على نحو ~~أسرع وأغزر من أي نوع آخر من الرئيسيات. قدرة أشباه البشر على التعرق بغزارة جعلت من ~~الممكن لهم أن يسافروا مسافات طويلة، عند الانتقال بالمخيم أو مطاردة أحد الحيوانات، ~~دون أن تصيبهم حمى. ففي حين يمتلك البشر نحو ألف بصيلة شعر في البوصة المربعة - ~~تقريبا العدد نفسه الذي يمتلكه الشمبانزي - يوجد بجسد الإنسان، في المتوسط، 650 غدة ~~عرقية في البوصة المربعة. هذا يعادل عشرة أضعاف عدد الغدد العرقية المعهود في الأنواع ~~غير البشرية من الرئيسيات. وأخيرا، ساعد فقدان الفراء الكثيف أشباه البشر على ~~السيطرة على مجموعات الحشرات الطفيلية التي ربما تكون قد تضاعفت بضراوة في مضاجع ~~النوع الذي كان يقضي الليلة تلو الأخرى نائما في المكان نفسه. # الخروج من أفريقيا # في عام 1887م، استقال طبيب هولندي شاب يدعى يوجين ديبوا من منصبه المبتغى محاضرا ~~للتشريح في جامعة أمستردام، وأصاب زملاءه الذين هالهم الأمر بصدمة بأن انضم إلى ~~الجيش الهولندي، والتمس أن يرسل إلى جزر الهند الشرقية الهولندية، حيث تمنى أن ~~يعثر على الحلقة الأسطورية المفقودة بين البشر والقردة. كان ديبوا مفتونا بنظريات تطور ~~الإنسان التي كانت مثار حديث المجتمع العلمي الأوروبي في تلك الأيام، وكان متحمسا ~~للغاية عندما استخرج هيكلان عظميان شبه كاملين لإنسان النياندرتال في بلجيكا في العام ~~السابق، مع أدوات حجرية متعددة. وهكذا غادر ديبوا أوروبا مصطحبا زوجته وطفله، ليصل ~~إلى جزيرة سومطرة في ديسمبر من عام 1887م. # مع اثنين من المهندسين وعشرات العمال الذين وفرتهم له الحكومة الهولندية بدأ ديبوا ~~التنقيب في عدد من المواقع في سومطرة، لكن كانت البقايا التي وجدها حديثة النشأة ~~نسبيا. علاوة على ذلك، كانت الأوضاع في سومطرة أقل ما توصف به أنها صعبة؛ فالعديد ~~من العمال أصابهم المرض، والآخرون فروا. وأحد المهندسين تبين أنه عديم الفائدة أما ~~الآخر فمات. لكن ديبوا واصل العمل. وفي عام 1890م بعد قضاء ثلاثة أعوام في ms085 سومطرة دون ~~جدوى، أقنع السلطات بنقله إلى جزيرة جاوة، حيث تمنى أن يكون حظه أوفر. # وفي جاوة حالف ديبوا الحظ؛ ففي أكتوبر عام 1891م استخرج ديبوا وعماله غطاء جمجمة كامل ~~من رواسب يبلغ عمرها 700 ألف عام على الأقل، كان قد استخرج منها في العام السابق جزء ~~من فك وضرس. وفي أغسطس من العام التالي، عثر على عظمة فخذ لبشري منتصب القامة على ~~بعد عدة ياردات. كان ديبوا مقتنعا أن هذه كانت بقايا «الحلقة المفقودة»، وأسمى ~~البشري الذي اكتشفه بيثكانثروبوس إريكتوس، «الرجل القرد المنتصب» (انظر شكل # 3-3 ~~). # شكل 3-3: حفريات الهومو إريكتوس (الإنسان منتصب القامة) التي جمعها يوجين ~~ديبوا في جاوة. كانت هذه أول حفريات تكتشف للإنسان الناشئ، الهومو ~~إريكتوس، والذي أسماه ديبوا «رجل جاوة». (المصدر: ويكيميديا ~~كومونز.) # في عام 1894م نشر ديبوا نتائج أبحاثه، وفي العام التالي عاد إلى أوروبا لإلقاء ~~محاضرات والترويج لاكتشافه، لكن كما حدث مع الكثيرين ممن سبقوه وجاءوا من بعده، أثارت ~~اكتشافات ديبوا الشك والجدل عموما. وفي النهاية لم يقتنع بزعم ديبوا بأن «إنسان جاوة» ~~كان إنسانا من عصر ما قبل التاريخ سالفا لنا سوى علماء قليلين. هكذا شعر ديبوا بالسخط ~~لرفض زملائه النتائج التي توصل إليها، حتى إنه مع حلول عام 1900م أخفى عيناته، رافضا ~~مناقشتها أو السماح لأحد بتفحصها. ولم يرها أحد ثانية طوال الثلاثة والعشرين سنة ~~التالية. # عينات ديبوا معروفة الآن عالميا بأنها البقايا الحفرية لهومو إريكتوس، أول من ~~استخرج ووصف من البشر الناشئين، والأقدم كثيرا من حفريات النياندرتال التي عثر ~~عليها في أوروبا، التي كان عمرها أقل من 100 ألف سنة. في وقت اكتشاف إنسان جاوة لم يكن ~~فحسب أول حفرية يعثر عليها لفصيلة أشباه البشر في آسيا، لكنه كان أيضا أقدم حفرية ~~يعثر عليها لأشباه البشر على الإطلاق، لكن مات ديبوا عام 1940م دون أن يدرك القدم ~~الحقيقي لاكتشافه. وقد أشارت تحليلات أجريت لحفريات هومو إريكتوس مماثلة من جاوة أن ~~عمرها أكثر من 1,5 مليون عام؛ أي ضعف العمر الذي ms086 تخيله ديبوا. # جنس الأوسترالوبيثيكوس وأشباه البشر الأوائل الآخرين عاشوا تاريخهم بالكامل في القارة ~~الأفريقية، فلم يعثر على أي بقايا لأشباه بشر أوائل في أوروبا أو آسيا. ورغم تكيف ~~أنواع عديدة من أشباه البشر الأوائل مع عدة بيئات مختلفة، منها مروج وغابات معرض ~~ومستنقعات وضفاف أنهار وصحراوات، تقع هذه البيئات جميعها في دوائر العرض المدارية من ~~أفريقيا، لكن الهومو إريكتوس وغيره من البشر الناشئين هاجروا من أفريقيا من مليون ~~وثمانمائة عام على الأقل، وعثر على دليل سكناهم منذ هذه الفترات الزمنية القديمة في ~~أنحاء أوراسيا، في بريطانيا وإسبانيا وفرنسا وجنوب روسيا وباكستان والصين ~~وإندونيسيا. # نظرا لعدم وجود النار، كان أشباه البشر الأوائل يعتمدون على الأشجار للنوم التماسا ~~للحماية ليلا، وكانوا غير قادرين على التوغل بعيدا عن الجبال ووديان الأنهار، حيث ~~تنمو الأشجار بوفرة، لكن التغييرات التي بدأت منذ ثمانية ملايين عام تقريبا في ~~الجيولوجيا والمناخ أدت لانتشار المروج انتشارا هائلا في أنحاء آسيا وأفريقيا، ومنذ ~~ثلاثة ملايين عام اندمجت بيئات السافانا في القارتين لتصير حزاما شاسعا من المروج ~~التي امتدت دون انقطاع من غرب أفريقيا إلى شمال الصين. # 17 # وهكذا استطاع البشر الناشئون مع وجود النار لحمايتهم أن يتوغلوا لأماكن ~~أبعد فأبعد في هذه المروج الشاسعة؛ ليقيموا في النهاية أنماطا حياتية جديدة على بعد ~~عدة آلاف الأميال من وطنهم الأفريقي. # هل انقرض «إنسان الكهف» حقا؟ # في عام 1758م، قبل أكثر من قرن من نشر كتاب داروين «أصل الأنواع»، نشر عالم التاريخ ~~الطبيعي العظيم كارلوس لينيوس الطبعة العاشرة من عمله الرائد «نظام الطبيعة»، ثمرة خمسة ~~وعشرين عاما من العمل المضني الذي صنف فيه كل الكائنات الحية بناء على علاقتها ~~المدركة ببعضها بعضا. كان نظام لينيوس مفيدا وراقيا جدا، حتى إنه سرعان ما ~~تبناه علم الأحياء في زمنه، وظل أساس التصنيف العلمي منذ ذلك الوقت. # لينيوس نفسه ابتكر مصطلح الهومو سيبيانز (الإنسان العاقل)، الذي ظل المصطلح العلمي ~~الخاص بنوعنا، وارتأى أن نقاط التشابه التشريحية بين البشر والسعادين والقردة واضحة ~~للغاية، حتى إنه جمعهم ms087 كلهم في رتبة واحدة من الثدييات سماها «الرئيسيات». وقد قسمت ~~هذه إلى خمس فصائل متمايزة، ووضعت أنماط متنوعة من البشر - الحقيقي منها والخرافي - ~~في فصيلة أشباه البشر (انظر شكل # 3-4 ~~). # شكل 3-4: أشكال أنواع مختلفة من البشر الذين كان يعتقد سابقا في وجودهم، كما ~~صوروا في كتاب كارلوس لينيوس «نظام الطبيعة». (المصدر: ويكيميديا ~~كومونز.) # وفي توقع لوجود «إنسان الكهف» الذي روجت له الشائعات، اعترفت الطبعة العاشرة من ~~«نظام الطبيعة» بنوعين حيين من البشر: الهومو سيبيانز والهومو تروجلودايتس «الإنسان ~~ساكن الكهف». لم يكن «إنسان الكهف» لدى لينيوس نوعا منقرضا من بشر ما قبل التاريخ ~~(فهؤلاء لم يكتشفوا إلا بعد مرور مائة عام أخرى)، لكن كان يعتقد بدلا من ذلك أنهم ~~شعب حي من الناس الضئيلي الجسم، يعيشون في الكهوف المتوارية في أدغال جنوب شرق آسيا. ~~كان الدليل على وجود الإنسان ساكن الكهف قصة ذكرها قبل ذلك بأكثر من مائة عام طبيب ~~يدعى بونتياس من شركة الهند الشرقية الهولندية، الذي كان قد عاد من جنوب شرق آسيا برسم ~~ووصف مفصلين لهذه المخلوقات الغامضة. # وبمرور الوقت اكتشف أن وصف بونتياس لم يكن لإنسان كهف، وإنما بالأحرى لإنسان الغاب؛ ~~قرد لم يعش قط في الكهوف، بل يقضي في واقع الأمر معظم وقته عاليا على قمم أشجار ~~الغابات المطيرة. لكن في تحول غريب من تحولات القدر، حين اكتشف عالم وظائف الأعضاء ~~الألماني، يوهان فريدريش بلومنباخ، عام 1776م الشمبانزي لأول مرة، أطلق على نوعه اسم ~~بان تروجلودايتس (الشهواني ساكن الكهوف). رغم ما تقرر في النهاية من أن قردة ~~الشمبانزي لم تكن تلك الكائنات الشهوانية الشبه البشرية التي تعيش في الكهوف، والتي ~~تخيلها بلومنباخ، فقد علق الاسم وظل المصطلح العلمي الصحيح للشمبانزي حتى يومنا ~~هذا. # لكن تأكدت فجأة الفكرة الملحة القائلة بأنه كان ثمة كائنات شبيهة بالبشر تعيش في ~~الكهوف باكتشاف هيكل عظمي عام 1865م لنمط غير مألوف مطلقا من البشر، مختلف تماما ~~عنا، عاش منذ 40 ألف سنة في كهف في وادي نياندر (بالألمانية نياندرتال)، بالقرب ms088 من ~~مدينة دوسلدورف. ازدهر إنسان النياندرتال، كما صار هذا النوع معروفا، خلال العصور ~~الجليدية في أوروبا وآسيا، لكنه اختفى منذ نحو 25 ألف عام. ولاعتبار إنسان النياندرتال ~~«دون البشر» في الأصل، فقد اتفق في النهاية على أنه قريب من الإنسان الحديث في حجم ~~الدماغ وسمات أخرى، حتى إنه يعتبر اليوم نوعا فرعيا من الهومو سيبيانز، وأعطي ~~الاسم العلمي هومو سيبيانز نياندرتالنسيس (الاسم العلمي لنوعنا الفرعي هو الهومو ~~سيبيانز). # منذ اكتشاف النياندرتال، استخرج اختصاصيو علم الحفريات البقايا الحفرية لعدة أشباه ~~بشر قدامى من كهوف في أوروبا وآسيا وأفريقيا، دافعين أصول القامة التامة الانتصاب ~~والحركة على قدمين لمراحل أقدم في الماضي؛ فقد اكتشف يوجين ديبوا بقايا الهومو إريكتوس ~~لأول مرة في كهوف جاوة في أواخر القرن التاسع عشر، واكتشف ريموند دارت بقايا ~~الأوسترالوبيثيكوس في كهوف جنوب أفريقيا في عشرينيات القرن العشرين، وعثر على حفريات ~~أخرى للهومو إريكتوس في عشرينيات القرن العشرين مع اكتشاف بقايا رجل بيكين في سلسلة ~~كهوف بالقرب من بيكين في الصين. # بدأت الأدلة على سكن أشباه البشر الكهوف بتمكن البشر الناشئين من تقنية النار، وهي ~~مستمرة حتى اليوم؛ فقد رسم بشر الكرومانيون صورا لحيوانات على جدران الكهوف في فرنسا ~~وإسبانيا منذ أكثر من 25000 عام، وترك سكان إسرائيل القديمة مخطوطات البحر الميت في ~~الكهوف، وبنى هنود بويبلو مساكنهم الصخرية البديعة المنظر منذ ألف عام بحفر الجوانب ~~الرأسية من منحدرات طبيعية في جنوب غرب أمريكا، ولا يزال نحو ثلاثة آلاف من شعوب ~~الخيتانو، غجر إسبانيا، يعيشون في مجمع من الكهوف قريبا من مدينة غرناطة حاليا. ~~وأخيرا، ما زال ملايين الناس يعيشون حاليا في منازل كهفية «ياودونجز» في شمال الصين، ~~حيث مدن بأكملها محفورة في جوانب التلال أو في حفر صنعت في تربة رخوة. # لتتأملوا الأمر؛ فكما يظهر بوضوح السلوك الإنساني العام للعيش في مساحات مغلقة ذات ~~جدران وأسطح متينة وفتحات صغيرة للدخول والخروج، فإن من فطرتنا البشرية أن نكون سكانا ~~للكهوف. نحن البشر، المنحدرون من أجداد عاشوا 55 مليون عام ms089 على الأشجار، عاشوا وماتوا ~~في الهواء الطلق في الغابات، لم نعد قادرين على العيش في العراء. فبدلا من ذلك نتوق ~~إلى سقف يظلل رءوسنا في شكل مظلة آمنة لا تحمينا من الرياح والأمطار والثلوج فحسب، ~~ولكن أيضا تشكل بيئة مغلقة مثل الكهف تحتجز الحرارة المنبعثة من نيراننا وتحمينا من ~~هجوم الضواري. # إن إخراج أسود وببور ونمور وضباع ودببة وذئاب ما قبل التاريخ منذ زمن طويل من كل ~~الأماكن تقريبا التي يعيش فيها البشر الآن لم يعد أمرا مهما. تحتاج أجسادنا ~~الخالية من الشعر حماية من طقس الطبيعة القاسي، وقد تخلى أسلافنا منذ زمن بعيد عن ~~عادة النوم في العراء. قد تكون خيام الصيادين وجامعي الثمار وأكواخهم قد أفسحت المجال ~~لمنازل العالم الحديث وشققه، لكن احتفظت هذه المساكن كلها بالعناصر الأساسية لمسكن ~~الكهف البدائي: سقف فوقي وجدران متينة، مع فتحات لدخول الضوء وتوفير سبيل للدخول ~~والخروج من بيوتنا الشبيهة بالكهوف. # في الواقع، إذا نظرتم بموضوعية إلى الهندسة المعمارية لبلدة أو مدينة حديثة سترون ~~بسهولة أنها تتكون من نوعين من البناء: (1) مبان ومنازل قائمة بذاتها، وهي بصفة ~~أساسية أبنية شبيهة بالكهوف قائمة على الأرض بجوار أبنية أخرى شبيهة بالكهوف. (2) ~~ومبان مرتفعة، وهي بصفة أساسية أبنية شاهقة شبيهة بالجروف تتراص فيها شقق شبيهة ~~بالكهوف. هذه الشقق مزودة بفتحات في جوانبها لدخول الضوء والهواء (نوافذ)، بالإضافة ~~إلى فتحات أكبر (أبواب) تؤدي من خلال شبكة من الممرات والسلالم إلى مخارج مفضية إلى ~~العالم الخارجي. # الحقيقة نفسها التي مفادها أن أغلب البشر لا يشعرون بالانزعاج أو بالقليل منه حين ~~يطلون من نوافذ أو شرفات تعلو عن الأرض بمئات الأقدام لهي دليل على انحدار البشر ~~من أسلاف كانوا يسكنون الأشجار. وعدم شعورنا بالمحاصرة وإحساسنا بالأمان والأمن عوضا ~~عنه حين ينغلق علينا بناء شبيه بالكهف، ذو فتحات صغيرة لإدخال الضوء والهواء والدخول ~~والخروج، لهو دليل على التاريخ التطوري لنوعنا من العيش داخل الكهوف؛ في كهوف طبيعية ~~أولا ثم كهوف من تصميمنا وبنائنا. من ثم لم ينقرض إنسان الكهف؛ ms090 فهو حي يرزق ويعيش ~~الآن في منازل وشقق في العالم الحديث. ~~••• # حين بدأ البشر الناشئون استخدام النار أطلقوا العنان لمجموعة كبيرة جديدة من القدرات ~~البشرية، محررين أنفسهم أخيرا من الحياة على الأشجار كأسلافهم لتصير حياتهم بالكامل ~~على الأرض، تحميهم النار وأسلحتهم من الضواري التي قاسمتهم موائلهم العديدة والمتنوعة. ~~ولأول مرة في تاريخهم الذي امتد لملايين السنين، استطاع أشباه البشر سكنى الكهوف، في ~~حماية من ظروف الطقس والمناخ وفي دفء نيران المخيمات. كذلك تحرروا من إيقاع النهار ~~المداري المؤلف من اثنتي عشرة ساعة والليل المداري الشبه الثابت؛ فقد سمحت لهم النار ~~بالبقاء مستيقظين لساعات متأخرة من الليل، يؤدون أعمالهم على الضوء المنبعث من النار، ~~ويتواصل بعضهم مع بعض بشأن أحداث النهار. وأخيرا، نوعت النار نظام غذاء أشباه البشر ~~تنويعا كبيرا؛ إذ أتاحت لهم طهي الحبوب والجوز والجذور والدرنات التي يجمعونها؛ مما ~~أعطاهم حرية تناول ما كان غير قابل للأكل قبل ذلك بسبب صلابته أو مذاقه المر أو احتوائه ~~على سموم خطيرة. # كذلك مكنت النار أشباه البشر من طهي اللحوم التي كانوا يحصلون عليها بالصيد - ~~وبالسرقة من صيد ضوار أخرى - مما جعل ما كان غير آمن وعسير الهضم آمنا وسهل الهضم. ~~وبالتكيف مع نظام غذائي من الطعام المطهو، وجد البشر الناشئون طريقة للحد بدرجة كبيرة ~~من مقدار الوقت والطاقة الذي كانوا يحتاجون إليه في مضغ طعامهم اليومي وهضمه، وأثناء ~~ذلك تمكنوا من دعم أدمغتهم المتزايدة الحجم والأكثر «تكلفة». في الواقع، كانت تقنية ~~النار الإنجاز الوحيد الذي عبر به البشر الناشئون - نهائيا ودون رجعة - الفجوة ~~الشاسعة التي فصلت البشر عن باقي مملكة الحيوان منذ ذلك الحين. # في الفصل التالي سنبحث القدم الحقيقي للملبس والمسكن، وسنتأمل الأدلة على أن بشر ~~ما قبل التاريخ كانوا ينعمون بالدفء والجفاف في كهوفهم وأغطية أجسادهم الصناعية، ليس من ~~آلاف السنين - كما يشيع الافتراض - وإنما منذ مئات آلاف السنين؛ فتقنيات الملبس ~~والمسكن هي التي مكنت أشباه البشر المداريين من الإقامة في المناطق المعتدلة في دوائر ~~العرض الشمالية، ومن البقاء ms091 على قيد الحياة في شتائها القارص، ومكنتهم من سكنى كل ~~البيئات البرية تقريبا على كوكب الأرض في نهاية المطاف. # الفصل الرابع # | تقنيات الملبس والمسكن # القبعات والأكواخ والشملات والخيام # إن بيتك هو جسدك الأكبر. # خليل جبران، «النبي» # من بين كل القطع الأثرية التي استخرجها علماء الآثار من مواقع مخيمات أشباه البشر في ~~عصور ما قبل التاريخ، لم يعثر تقريبا على أي بقايا مادية لمساكن أو ملابس تعود لزمن ~~أقدم من زمن ظهور البشر الحديث تشريحيا في أوروبا منذ أقل من خمسين ألف عام. حدا هذا ~~الانعدام في الأدلة بالعديد من العلماء لاستنتاج أن الملبس والمسكن ظهرا في وقت حديث ~~نسبيا من تاريخ أشباه البشر. # بيد أن تقنية النار مكنت البشر الناشئين من العيش في الكهوف طوال 1,75 مليون عام، وثمة ~~أدلة وفيرة على إقامة أعداد أخرى من البشر الناشئين من تلك الفترة في أماكن لا توجد فيها ~~كهوف مناسبة، فهل لنا بناء على ذلك أن نستنتج أن العديد من البشر الناشئين عاشوا عراة وفي ~~العراء طوال مليوني عام تقريبا دون خرقة على أجسادهم أو سقف فوق رءوسهم كي يحميهم من ظروف ~~الطقس والمناخ؟ # المفقود من «العصر الحجري» # للإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نبدأ بذكر أن كل أشباه البشر الذين كانوا يعيشون قبل ~~اختراع الزراعة والتعدين، كانوا رحالة يعيشون على الصيد وجمع الثمار، ولا يصنعون أغلب ~~الأشياء التي يستخدمونها في حياتهم اليومية من الأحجار، وإنما بالأحرى من النباتات ~~والحيوانات التي يجدونها في موائلهم الطبيعية. ولا تستطيع أي من هذه المواد العضوية ~~البقاء مدة طويلة بمجرد طمرها في الأرض، ولا سيما في التربة الدافئة الرطبة ~~للبيئات المدارية التي عاش فيها أغلب المجموعات السكانية من بشر عصور ما قبل ~~التاريخ. # بقايا النباتات والحيوانات الميتة هي الغذاء الطبيعي لأنواع لا حصر لها من الحشرات ~~والرخويات والديدان والفطريات والبكتيريا. وفي المناخ المداري تتغذى مثل تلك الأحياء ~~على الأدوات الأثرية المصنوعة من هذه المواد خلال أيام أو أسابيع، وبعد مرور بضع سنوات ~~تختفي كلها تماما، ms092 بل حتى في المناخ المعتدل ليس من المحتمل أن تبقى مثل هذه المواد ~~لأكثر من بضع مئات السنين على أعلى تقدير؛ # 1 # لذا لا غرابة أنه بعد مرور مئات آلاف السنوات يمكن بالكاد العثور على أثر ~~لملبس أو مسكن من عصر ما قبل التاريخ في أطلال أقدم المواقع الأثرية. # شعوب الصيد وجمع الثمار التي عاشت حتى العصور الحديثة ودرسها اختصاصيو علم الإنسان، ~~اعتادت الانتقال من مكان إلى آخر مع تغير الفصول وتبدل مستوى توفر الغذاء النباتي ~~والحيواني باستمرار. في أغلب الحالات كانت المساكن التي بنتها تلك الشعوب الرحالة ~~لأنفسها تقام في مخيمات مؤقتة وتهجر بعد أسابيع أو شهور قليلة. لهذا السبب، فإن ~~كل الممتلكات المادية التي كانت تلك الشعوب تستخدمها في حياتها اليومية كانت لا بد أن ~~تكون صغيرة وخفيفة لدرجة تكفي لحملها من مكان لآخر. وكل شيء صنعته تقريبا كان مركبا ~~من المواد العضوية النباتية والحيوانية القابلة للبلى. # كانت الرماح والسهام والهراوات وعصي الحفر وعصي السير وهياكل الأكواخ والخيام ~~تصنع من جذوع الأشجار والشجيرات وفروعها الخشبية. أما جدران الأكواخ وأسقفها ومواد ~~الفراش ومصدات الرياح فكانت تصنع من النباتات المورقة، ومنها سعف النخيل والحشائش ~~والغاب. وكانت الأسلاك والحبال والشباك والحقائب والأسرة المعلقة تنسج من ~~ألياف موجودة في الكروم والجذور واللحاء. وكانت أوعية الطعام والمياه والأدوات ~~والأسلحة والتمائم والعقاقير والصبغات تصنع من قرعيات وقرون حبوب تم تجويفها، وكذلك ~~الفروع المجوفة للبوص وحشائش المستنقعات والخيزران. أيضا القبعات والأردية ~~والسراويل والمآزر والأحذية والنعال وخيوط الحياكة والأسلاك وأغطية الخيام كانت تصنع ~~من جلود الحيوانات وأوتارها. وكانت أكواب الشراب والمصاغ والأدوات الموسيقية والأوعية ~~الصغيرة بجميع أنواعها تصنع من قرون وعظام وريش ومخالب الطيور والحيوانات. # إلا أن أشباه البشر الذين عاشوا في عصور ما قبل التاريخ، مثلهم مثل الصيادين وجامعي ~~الثمار المعاصرين الذين خضعوا للدراسة من جانب اختصاصيي علم الإنسان، استخدموا مادة ~~محددة في حياتهم اليومية؛ الحجر، الذي لا يمكن أن يتآكل أو يختفي من المواقع الأثرية ~~التي تعود لعصور ما قبل التاريخ. # 2 # ولهذا السبب، ms093 أعطى بقاء آلاف مؤلفة من الأغراض الحجرية من عصور ما قبل ~~التاريخ انطباعا مبالغا فيه عن أهمية الحجر في التقنيات التي استخدمها بشر ما قبل ~~التاريخ؛ فالأدوات الحجرية المتعددة التي عثر عليها علماء آثار قدامى في أطلال ~~مستوطنات ما قبل التاريخ أدت سريعا إلى الاستخدام الشائع لعبارة «العصر الحجري» في ~~وصف فترة التاريخ البشري كلها قبل التعدين. # لكن لم يكن العصر الحجري فترة أو عصرا متمايزا على الإطلاق، حيث إنه اشتمل على ~~التاريخ التطوري الكامل لأشباه البشر، من أول ظهور لهم منذ ملايين السنين حتى البشر ~~الحديث لعالم اليوم. تشمل هذه الفترة الهائلة من الزمن العديد من التقنيات التي جاء ~~وصفها في هذا الكتاب، ومنها ترويض النار، وابتكار الملبس والمسكن، وتطور استخدام ~~الرموز، وتبني الزراعة، وبدايات الحضارة المدنية. في الواقع، لم تبدأ نهاية العصر ~~الحجري فعليا إلا حين بدأ تطوير تقنيات التعدين منذ بضعة آلاف السنين. # حين نضع في الاعتبار أن أقدم الأدوات الحجرية يبدأ تاريخها من ثلاثة ملايين عام ~~تقريبا، يشمل العصر الحجري من هذا المنطلق نحو 99,8 في المائة من التاريخ البشري ~~كله، وستساوي كل «العصور» المتبقية واحدا على خمسة في المائة فقط من زمن أشباه البشر ~~على الأرض، بل إن حضارات العالم الجديد المتقدمة - ومن بينها حضارات الأزتك والمايا ~~والإنكا، بمراكزها الحضرية الزاخرة، وديانتها المعقدة، وكتابتها الهيروغليفية ~~المتطورة، وبيروقراطياتها المنظمة، وإنجازاتها المميزة في الرياضيات وعلم الفلك - ~~ربما تعد مجتمعات وثقافات تابعة للعصر الحجري؛ لمجرد أن تلك الشعوب المعقدة ~~والمتطورة لم تصنع أو تستخدم أدوات وأسلحة معدنية. # 3 # كذلك أدى مفهوم «العصر الحجري» إلى انطباع خطأ مفاده أن الأدوات الحجرية كانت أكثر ~~الأدوات الأثرية انتشارا التي استخدمها بشر ما قبل التاريخ في حياتهم اليومية، لكن رغم ~~أن الأدوات الحجرية كانت تستخدم في تشكيل مواد أخرى ونحتها وسنها، كان أغلب الأدوات ~~المستخدمة في عصور ما قبل التاريخ تصنع من مواد قابلة للبلى اختفت سريعا من السجل ~~الأثري، إلا أنه يوجد أنواع أخرى من الأدلة في شكل أنماط من الهجرة ms094 التي جرت في عصور ما ~~قبل التاريخ، وفي أنماط تلف الأدوات الحجرية، بل وحتى في التاريخ الجيني لقمل الجسد ~~البشري، لكن قبل نظر هذه الأشكال الأخرى من الأدلة لا بد أن نذكر كم هو مألوف أن تنشئ ~~حيوانات ذات قدرات ذهنية أقل منا بكثير أماكن للمعيشة. # أماكن المعيشة التي تبنيها الحيوانات # اختصاصيو علم الرئيسيات الذين درسوا سلوك مجموعات برية من القردة العليا لاحظوا أن كل ~~هذه الأنواع تستخدم مواد طبيعية لبناء أعشاش نوم لأنفسها، بل إنها في بعض الحالات ~~تغطي رءوسها وأجسادها بالزرع لحماية أنفسها من ظروف الطقس. ولم تكن القردة العليا ~~مطلقا أول الحيوانات أو الحيوانات الوحيدة التي تبني مساكنها، فبناء الحيوانات أماكن ~~للسكنى لهو تصرف شديد القدم في تاريخ حياة الحيوانات على الأرض. # النمل والنمل الأبيض - اللذان ظهرا لأول مرة على هذا الكوكب منذ عشرات ملايين السنين، ~~ولديهما «أدمغة» أصغر من رأس الدبوس - يبنيان أعشاشا دقيقة من أجل مستعمراتهما التي ~~تضم آلاف الأفراد بحفر أنفاق وحجرات في الأرض والخشب المتآكل. وتبني الدبابير ~~والزنابير أعشاشها من «ورق» خاص تصنعه بمضغ ألياف الخشب. ويبني النحل خلاياه المذهلة ~~هندسيا من الشمع الذي تنتجه غدد صغيرة جدا واقعة أسفل القشور التي تغطي ~~بطونها. # أما بين الحيوانات العليا، فالعشرة الآلاف من الأنواع الحية من الطيور كلها تقريبا ~~تبني أعشاشها من المواد الطبيعية الموجودة في بيئاتها - ومنها الغصون والفروع والغاب ~~والحشائش والوحل وحتى ريشها - وتستخدمها للنوم، ووضع بيضها، ورعاية صغارها. وثمة ~~أنواع متعددة من القوارض والحيوانات الصغيرة - ومنها الفئران والجرذان والأقداد ~~والسناجب والأرانب وكلاب البراري وقوارض الجوفر والفئران الجبلية - تصنع أعشاشا لنفسها ~~في أشجار مجوفة وجحور تحت الأرض. تتكون بعض هذه الجحور من شبكات معقدة من الأنفاق ~~والحجرات ينام فيها سكانها، ويخزنون طعامهم ويأكلون، ويضعون صغارهم، ويعيشون أكثر ~~حياتهم وهم بالغون. # شكل 4-1: جحر قندس في الشتاء. رغم أن مخه لا يزيد عن حجم الجوز إلا قليلا، ~~فالقندس يبني مسكنا معقدا بمداخل وفتحات تهوية مستترة بمهارة. (صورة ~~توضيحية بريشة مايك ستوري. أعيد طباعتها بإذن.) ms095 # أخيرا وليس آخرا، حيوان القندس، وهو من القوارض، يزيد حجم دماغه قليلا على ثمرة ~~الجوز، من عادته أن يقطع الأشجار الصغيرة، وبخلط الجذوع الصغيرة والشتلات بالوحل ~~والأحجار يكون بركا وأهوارا أو يكبر حجمهما حتى يصنع بيئته الخاصة من المياه ~~التي لا يرتفع مستواها عن الخصر. بعد بناء هذه الموائل الصناعية يمضي القندس لبناء ~~مساكنه في شكل بيوت مفصلة بمداخل تحت مائية، وفتحات تنفس للتهوية مخفية بمهارة، ~~وحجرات جافة وفسيحة لتناول الطعام والنوم والولادة وتربية الصغار (انظر شكل # 4-1 ~~). # رغم أنه من المنطقي أن تكون القدرة على بناء هذه المآوي الحيوانية مبرمجة مسبقا ~~جينيا، فإن وجودها بوفرة يثبت أن النوع الحيواني لا يحتاج إلى الحركة على قدمين أو ~~الاستخدام الحر لليدين القابضتين، أو دماغا كبيرا حتى يبني مآوي من مواد طبيعية ~~موجودة في بيئته. في الواقع، قد يكون بناء أشباه البشر لأماكن السكنى قائما لدرجة ~~كبيرة على نزعة جينية قديمة مشتركة تجمع بين كل من أشباه البشر والقردة العليا وموروثة ~~من سلف مشترك. # أعشاش القردة العليا # في عام 1985م نشر كولين بي جروفز اختصاصي علم الإنسان البيولوجي وجوردي ساباتير باي ~~اختصاصي علم الرئيسيات، دراسة رائعة عن الأعشاش التي تبنيها يوميا ثلاثة أنواع حية ~~من القردة العليا - قردة الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب - وثلاثتهم موجودون مع البشر ~~في فصيلة الرئيسيات التي يطلق عليها اسم الأناسي. تستخدم أعشاش القردة العليا في ~~المقام الأول ليلا من أجل النوم، لكنها تستخدم أيضا من حين لآخر خلال النهار للراحة ~~وتناول الطعام. ذكر جروفز وساباتير باي أن أنواع القردة العليا الثلاثة كلها من بناة ~~الأعشاش، وأن هذه الأنواع تبني عشا جديدا كل يوم، وأن بناء هذه القردة للأعشاش يحتاج ~~قدرا كبيرا من المهارة، وأن عش كل نوع يعطي تصميما متوقعا يكرره كل الأفراد ~~البالغين بانتظام رائع. # 4 # تعيش قردة أفريقيا الاستوائية من نوعية الشمبانزي والغوريلا بعيدا عن قردة جنوب شرق ~~آسيا من نوعية إنسان الغاب بمقدار عدة آلاف الأميال، وتشعبت أصولها منذ خمسة عشر ~~مليون عام، لكن تشترك ms096 الأنواع الثلاثة في العديد من السمات المشتركة فيما يتعلق ~~بعادات بناء الأعشاش؛ فجميع أعشاشها تبنى بالوقوف في موقع واحد، وثني فروع النباتات ~~المورقة التي تحيط بها، ووطء هذه الأوراق والفروع بالقوائم الخلفية، حتى يقام عش ~~كبير على هيئة كوب يبلغ قطره عدة أقدام. كذلك قد تقتطع هذه الأنواع فروعا أخرى من ~~أشجار وشجيرات مجاورة وتضيفها إلى الكومة، وفي حالات عدة تعمل على تشطيب العش بفرشه ~~بنباتات أكثر ليونة لصنع فراش يمنحها مزيدا من الراحة. # كل أعشاش القردة العليا بالحجم والشكل نفسيهما؛ مستديرة أو بيضاوية الشكل، ~~ويتراوح قطرها بين قدمين وأربع أقدام. الأنواع الثلاثة كلها تبني أعشاشا جديدة كل يوم ~~من مواد نباتية في متناول يدها، ودائما ما تستخدمها مرة واحدة فقط. كل عضو بالغ في ~~المجموعة يبني عشه، ولا يتشارك أعشاش النوم إلا الأمهات وأبناؤهن الصغار، ويكاد لا ~~يتشاركه اثنان أو أكثر من البالغين أبدا. # 5 # والأعشاش التي يبنيها أفراد المجموعة نفسها من القردة دائما ما تبنى إلى ~~حد ما متجاورة في موقع واحد، يعرف باسم «موقع الأعشاش». توحي نقاط التشابه هذه بأن ~~القردة العليا تبني أعشاشها فطريا للنوم، تماما كما تبني الطيور فطريا الأعشاش ~~التي تضع فيها بيضها وترعى فيها صغارها ، لكن الأمور أعقد من ذلك. # فقد تبين أنه ليس هناك سوى القردة التي تولد وتنشأ في البرية - حيث شاهدت النوع ~~الذي تنتمي إليه يبني أعشاشا كل ليلة، وحيث نامت مع أمهاتها طوال السنوات الأولى من ~~حياتها - هي التي تستطيع على ما يبدو أن تبني أعشاشا لأنفسها حين تؤسر؛ فقردة ~~الشمبانزي التي تولد وتنشأ في الأسر لا تبني أعشاشا، حتى إن وضعت في أقفاص مع قردة ~~شمبانزي من المولودة في البرية التي تبني أعشاشها كل يوم. من ثم رغم النزعة الفطرية ~~لدى القردة لبناء الأعشاش، يبدو من الضروري أن تطلع هذه الكائنات على تجارب تعليمية ~~معينة في مرحلة مبكرة من حياتها حتى تتجلى هذه النزعة في سلوكها حين تصير بالغة. ~~بإيجاز، ينطوي بناء الأعشاش بين القردة العليا على عناصر ms097 أساسية من كل من التعليم ~~والوراثة. # بالإضافة إلى ذلك، يظهر اثنان من أنواع القردة العليا الثلاثة سلوكيات تبدو بمثابة ~~مقدمات لاستخدام أشباه البشر الملابس؛ فتستخدم قردة الشمبانزي أوراقا كبيرة كأنها ~~«قبعات» لتقي رءوسها أثناء انهمار الأمطار المدارية الغزيرة، وكثيرا ما تغطي قردة ~~إنسان الغاب أجسادها بأوراق وفروع الأشجار ليلا. في بعض الحالات تحمل الفروع السائبة ~~أو توازنها فوق رءوسها لتشكل ما يشبه سقفا بدائيا. في الواقع، غالبا ما تغطي ~~قردة إنسان الغاب الواقعة في الأسر رءوسها بأكياس فارغة، بل وقد تغطي أجسادها بالكامل ~~بالقش عند الاستعداد للنوم. # بعد أن أعطى جروفز وساباتير باي حججهما بشأن تشارك القردة العليا توارث بناء الأعشاش ~~أتبعاها بشيء آخر؛ فقد أشارا إلى أن أسلاف أشباه البشر وقردة الشمبانزي تباعد بعضهما ~~عن بعض منذ نحو سبعة ملايين عام، في وقت متأخر كثيرا عن انفصال سلف أشباه البشر عن ~~إنسان الغاب، الذي كان منذ خمسة عشر مليون عام تقريبا؛ ولذلك فهما يجادلان أنه من ~~المحتمل أن تكون النزعة الجينية لبناء أماكن للعيش الجلية جدا بين كل القردة العليا ~~موجودة أيضا في الحمض النووي لأشباه البشر، بما يشمل من عاش منهم في العصور الحديثة ~~وفي عصور ما قبل التاريخ. # كتب الاثنان يقولان: «لا بد أن نكون واضحين تماما بشأن سبب شعورنا بأن لدينا مبررا ~~للبحث عن أصل مشترك لأنماط بناء الأعشاش/بناء المخيمات بين البشر والقردة العليا ... فحين ~~تؤدي أربعة أنواع - قردة إنسان الغاب والشمبانزي والغوريلا والبشر - نشاطا معينا ~~تشابهت مكوناته الحركية ونتائجه النهائية، فإن مبدأ الاقتصاد في التفسير يشير إلى أن ~~آخر جد مشترك بينهم كان يفعل الشيء نفسه، وأن نسله ظلوا يفعلونه منذ ذلك الوقت ... فبما ~~أن إنسان الغاب أقل قرابة للغوريلا والشمبانزي من قرابة البشر إليهما، كان هذا السلوك ~~ليصير موجودا في سلالة الإنسان البدائي كذلك.» # 6 # ثم يمضي المؤلفان فيعددان نقاط التشابه بين أماكن المعيشة التي يقيمها ~~القردة وتلك التي يقيمها صيادو وجامعو ثمار العصر الحديث. # كل عش من أعشاش القردة يستخدمه فرد واحد، وهو ms098 دائري أو بيضاوي الشكل، ويتراوح قطره ~~بين قدمين إلى ثلاث أقدام. أما مسكن الإنسان فتستخدمه أسرة مصغرة واحدة، وذو شكل ~~دائري أو بيضاوي، ويتراوح قطره بين ست وثماني أقدام (المساكن ذات الجوانب المربعة لم ~~يبنها الصيادون وجامعو الثمار؛ فلم تظهر هذه المساكن حتى بدأ البشر الحديث تشريحيا ~~بناء منازل دائمة لأنفسهم حين تبنوا تقنية الزراعة منذ أقل من عشرة آلاف عام). في ~~العادة يشتمل كل من مواقع أعشاش القردة ومواقع مخيمات البشر على عدد يتراوح بين ~~عشرين وثمانين فردا، وتنشأ كلتاهما داخل منطقة دائرية أو بيضاوية يتراوح قطرها بين ~~ثلاثين وستين قدما. وداخل كل من مواقع أعشاش القردة ومواقع مخيمات أشباه البشر، دائما ~~ما يفصل بين كل عش وآخر أو مسكن وآخر مسافة تبلغ نحو اثنتي عشرة قدما. # أوجه التشابه بين أعشاش القردة العليا ومساكن أشباه البشر - وحقيقة أصلهما المشترك - ~~تشير إلى أربعة استنتاجات محتملة. أولا: قد يكون في الحمض النووي لأشباه البشر مكون ~~جيني هو ما يمنح كل أشباه البشر الاستعداد لبناء المسكن. ثانيا: من المحتمل أن هذا ~~الاستعداد الجيني كان موروثا من قردة عصور ما قبل التاريخ التي كانت سالفة لكل من ~~أشباه البشر والقردة العليا. ثالثا: إذا كان ثمة عنصر أساسي من التعلم في قدرة ~~القردة على بناء الأعشاش فلا عجب أن يكون هناك عنصر تعلم أساسي شبيه أيضا في قدرة ~~أشباه البشر على بناء المسكن. ورابعا: ربما كان نشاط إنشاء أماكن السكنى سمة ثابتة ~~في سلوك أشباه البشر، وربما كانت قد اكتملت بالفعل حين ظهرت القدرة على السير على قدمين ~~لأول مرة لدى أوائل أشباه البشر منذ فترة تتراوح بين خمسة وستة ملايين سنة. # لكن يصادفنا هنا مرة أخرى تحفظ علم الحفريات، الذي يميل إلى الافتراض - مع الافتقار ~~إلى أدلة تثبت العكس - أن أفضل طريقة لرؤية عدم وجود دليل اعتباره دليلا على عدم ~~الوجود؛ فرغم مهارات القردة العليا الموثقة جيدا في بناء الأعشاش - واستنتاج اختصاصيي ~~علم القردة العليا أن هذا السلوك شائع بين هذه الأنواع - ما ms099 يزال الكثيرون من اختصاصيي ~~علم الحفريات يجادلون بأن أشباه البشر لم يبنوا قط مساكنهم حتى ظهور الإنسان الحديث ~~تشريحيا في أوروبا منذ أقل من خمسين ألف عام. # أما الهومو إريكتوس، بدماغه الكبير نسبيا وسريع النمو، فلم يكن ليصعب عليه كثيرا ~~أن يبني كوخا بدائيا بحبك العصي والأعمدة معا وتغطية هذا الإطار بجلود الحيوانات ~~أو الأوراق والفروع. ولا كان ليصعب على هذا الكائن الواسع الحيلة أن يحيك من جلود ~~الحيوانات قبعات وعباءات ليحمي نفسه من أشعة الشمس الحارقة والأمطار الغزيرة في المناطق ~~المدارية. ورغم عدم العثور على بقايا مادية لمثل تلك المصنوعات العتيقة في أقدم المواقع ~~الأثرية، هناك أنواع أخرى من الأدلة التي توحي بأن أنواعا أخرى من أشباه البشر الذين ~~عاشوا في عصور ما قبل التاريخ قد صنعوا بالفعل المساكن والملابس، واستخدموها قبل ظهور ~~الإنسان الحديث تشريحيا في المشهد بوقت طويل. # مساكن أشباه البشر # رغم قلة الآثار التي يمكن العثور عليها لمساكن أشباه بشر من فترات زمنية موغلة في ~~القدم، إلا أنه ثمة استثناءات مثيرة. أحد أهم هذه الاستثناءات عبارة عن تكوينات ~~معينة من أحجار وأغراض أخرى ثقيلة عثر عليها مرتبة في دوائر أو مدارات بيضاوية في ~~بعض أقدم مواقع السكن المكشوفة التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. رأى بعض اختصاصيي ~~علم الحفريات أن هذه الدوائر الحجرية هي بقايا للأساسات التي وضعها أشباه بشر من عصور ~~ما قبل التاريخ لحمل جدران المساكن التي أقاموها من إطار من العصي، والتي غطوها بجلود ~~الحيوانات أو سقفوها بسعف النخيل أو الغاب أو الحشائش. # أقدم هذه الدوائر الحجرية - وأكثرها إثارة للجدل - مجموعة من كتل البازلت الضخمة (حجر ~~بركاني) عثر عليها لويس ليكي في مضيق أولدوفاي في شرق أفريقيا، في رواسب يعود تاريخها ~~إلى 1,8 مليون سنة. تكاد تخلو المنطقة داخل هذه الدائرة الحجرية تماما من أي قطع ~~أثرية، في حين يتناثر في المنطقة الواقعة خارج الدائرة مباشرة بقايا لأدوات وعظام ~~فريسة من الحيوانات. هذا يوحي بأن أشباه البشر الأوائل الذين سكنوا هذا الموقع ms100 كانوا ~~يلقون بنفاياتهم خارج مسكنهم مع جعل المسكن من الداخل خاليا نسبيا من أي ركام أو ~~فضلات، وهو نمط سلوكي لوحظ كثيرا بين الصيادين وجامعي الثمار المعاصرين. # ثمة أدلة أكثر حسما على هيئة دوائر حجرية موثقة بعناية ارتبطت بمواقع تعود إلى ~~عصور ما قبل التاريخ في أوروبا. يقع أحد هذه المواقع في تيرا أماتا، وهو موقع مكشوف ~~بالقرب من نيس في جنوب فرنسا، والآخر هو بيلزينجسليبين، وهو موقع مكشوف في وسط ألمانيا. ~~وفقا للتقديرات، يبلغ عمر هذين الموقعين 380 ألف عام، وتلك كانت فترة دافئة في المناخ ~~العالمي، حين أنشأت أعداد من الإنسان المنتصب القامة، هومو إريكتوس، الأكثر تطورا في ~~شمال أوروبا # 7 # مقرات إقامة دائمة؛ فقد عثر في كل من تيرا أماتا وبيلزينجسليبين على ~~مجموعات من الأحجار المرتبة في تشكيل دائري مميز، وفي كلتا الحالتين فسر العلماء ~~الذين نقبوا في هذه المواقع وجود هذه الدوائر الحجرية بأنها أساسات لأكواخ ~~صغيرة. # في تيرا أماتا، على ساحل البحر المتوسط الفرنسي، وجد عالم الآثار الفرنسي هنري دو لوملي ~~بقايا رماد وسط كل دائرة حجرية، في إشارة إلى أن السكان كانوا يشعلون النار داخل ~~أكواخهم بانتظام. كذلك تعرف دو لوملي على عدة جدران منخفضة من الأحجار وحصى الشواطئ ~~التي كانت قد أقيمت على الجانب الشمالي الغربي من كل مستوقد، لحماية النار على ما ~~يفترض من رياح «المسترال» العاتية التي كثيرا ما تهب من الشمال الغربي في تلك ~~المنطقة. كان دو لوملي يعتقد أن أسطح أكواخ تيرا أماتا كان يحملها شيء شبيه ب «وتد ~~الخيمة» يقف في وسط الكوخ، وافترض أن كلا من هذه الأكواخ كان مزودا بثقب في السقف ~~لإخراج دخان النار التي كانت تشعل بداخلها. # وفي بيلزينجسليبين قضى عالما الآثار الألمانيان ديتريش وأورسولا مانيا سنوات في ~~التنقيب في موقع سكني مكشوف كبير أسفرت عن العثور على عظام مشروخة ومكسرة للعديد من ~~حيوانات الصيد، والكثير من الأدلة على إشعال النار، وآلاف الأدوات المصنوعة من الأحجار ~~والعظام والقرون والعاج. وجد آل مانيا في بيلزينجسليبين ms101 إطارات لثلاث حلقات بيضاوية ~~وأغراض ثقيلة أخرى اعتقدا أنها كانت أساسات لمساكن. وكانت مداخل كل هذه الأساسات تفضي ~~إلى الجنوب الشرقي؛ بما يوحي بأنها كانت مبنية لتحاشي الرياح الشمالية الغربية السائدة. ~~وأخيرا، كانت آثار المواد المحترقة، أمام هذه الحلقات البيضاوية الثلاث، تشير إلى أن ~~سكان بيلزينجسليبين كانوا يضرمون النار في مداخل هذه المساكن بانتظام. # حين بدأ بشر النياندرتال بعد ذلك بمدة طويلة الاستقرار في شمال أوروبا واصطياد ~~الماموث الصوفي ووحيد القرن الصوفي والخيول البرية والماشية البرية أثناء العصور ~~الجليدية الأخيرة، استخدموا عظام الماموث في بناء جدران من أجل مساكنهم الشبيهة ~~بالحصون. أقدم هذه المواقع يكاد يبلغ 45 ألف عام، ويوجد في موقع مولدوفا الأول في ~~أوكرانيا، حيث وفقت معا فكوك وجماجم وعظام أطراف كبيرة تعود لهياكل خمسة عشر ماموثا ~~على الأقل، ورتبت في دائرة كبيرة. يماثل موقع مولدوفا الأول بدرجة كبيرة أطلال ~~مستوطنات أخرى من عظام الماموث بناها بشر حديث تماما منذ نحو 15 ألف سنة. لم يبق شيء ~~من جدران هذا البناء وأسقفه، الذي ربما كان مكونا من إطار من العصي مغطى بجلود ~~الحيوانات الضخمة - الماموث ووحيد القرن وثور البيسون والماشية البرية - التي كان ~~يصطادها سكانه غير العاديين. # لكن حين استنتج العلماء الذين نقبوا في مواقع تيرا أماتا وبيلزينجسليبين ومولدوفا أن ~~هذه الدوائر من الأحجار وعظام الماموث كانت بقايا لمساكن، سريعا ما واجهت تفسيراتهم ~~تحديات؛ فرغم المعرفة المتقدمة بالنجارة التي أبداها البشر الناشئون في أزمنة مبكرة منذ ~~400 ألف سنة، إلا أن انعدام الجدران والأسقف جعل العديد من اختصاصيي علم الحفريات ~~يتقدمون بتفسيرات بديلة لوجودها. شملت هذه التفسيرات نظريات تقول بأن الدوائر ربما ~~تكونت جراء حركات طبيعية للتربة، أو من إزالة ركام غير مرغوب فيه، أو حتى ربما ~~أقامها أحد شعوب ما قبل التاريخ كجزء من طقس ديني افتراضي ما. # لكن حين نضع في اعتبارنا أنه حتى أطلال المساكن التي تعود لفترات تاريخية حديثة ~~نسبيا تكاد تخلو تماما من آثار لإطارات خشبية، أو سقوف من القش، أو أغطية من ms102 الجلود ~~التي كانت فيما مضى جزءا من بنائها الأصلي في وقت ما، فلا نجد سببا لتوقع أن تحتوي ~~المساكن الأقدم منها بمئات المرات على مثل تلك الأدلة. وقد تكون هذه حالة أخرى من ~~الحالات التي يساء فيها تفسير عدم وجود دليل على أنه دليل على عدم الوجود. # 8 # إلا أنه ثمة أدلة قوية على أن معالجة جلود الحيوانات تعود إلى زمن بعيد من عصور ما ~~قبل التاريخ من حياة أشباه البشر، وقد أكد هذا الفحص المجهري لأدوات حجرية قديمة، ~~وخاصة الأدوات المسطحة الضخمة ذات الحد القاطع الواحد المسماة بالمكاشط. عند النظر ~~إلى الحد القاطع لهذه الأدوات تحت المجهر، يمكن رؤية نمط مميز من التآكل، وهذا «التآكل ~~المجهري» يشير إلى أن العديد من هذه المكاشط كان يستخدم في إزالة اللحم والدهن من ~~الجانب السفلي لجلود الحيوانات. في الواقع، يعود دليل التآكل المجهري على استخدام أدوات ~~حجرية في كشط الجلود إلى 780 ألف سنة على الأقل، وقد استمر هذا السلوك دون انقطاع في ~~ثقافات الصيد وجمع الثمار حتى صارت الأدوات المعدنية متاحة في العصور الحديثة. # إزالة اللحم من الجلود خطوة أولى ضرورية في عملية تحويل جلد الحيوانات إلى جلد ~~مدبوغ. الجلود التي كان يدبغها الصيادون والجامعون كانت تستخدم كلها تقريبا في غرض من ~~ثلاثة أغراض؛ أولا: من أجل أسقف الخيام والأكواخ وأغطيتهما. ثانيا: من أجل الفراش ~~المستخدم داخل مساكن أشباه البشر. وثالثا: من أجل الأثواب والعباءات والقبعات والأحذية ~~والقفازات، وسائر الملابس الأخرى التي لا بد أن أشباه البشر كانوا يرتدونها حين استقر ~~بهم المقام في البداية في المناطق الشمالية البعيدة. الدليل على أن جلود الحيوانات ~~الخام كانت تدبغ هو في حد ذاته دليل غير مباشر على أن أناس ما قبل التاريخ كانوا ~~يبنون مساكن ويحيكون ملابس منذ مئات آلاف السنين. # انتهاء مرحلة العراء # لا توجد سوابق تذكر لارتداء أي أنواع حيوانية غير أشباه البشر للملابس. يأتي اختراع ~~أشباه البشر للملابس، جنبا إلى جنب مع ترويض استخدام النار، كأحد الإنجازات الفريدة ~~التي تميزنا ms103 عن كل الأشكال الأخرى من الأحياء الحيوانية. ويعود استخدام الجلود ~~المدبوغة وغيرها من المواد الطبيعية في ستر أجساد أشباه البشر مئات آلاف السنين إلى زمن ~~البشر الناشئين. # أقوى دليل على أن البشر الناشئين صنعوا الملابس واستخدموها يقوم على الحقيقة الراسخة ~~أنهم بدءوا منذ زمن بعيد الاستقرار في مناطق جغرافية بعيدة جدا شمالا، حتى إن ~~البقاء على قيد الحياة في تلك المناطق دون ملابس كان سيصير مستحيلا من الأساس. رغم أن ~~بعض جماعات الهومو إريكتوس كانت بالفعل قد استقرت في المناطق الشبه المدارية في أوروبا ~~وآسيا منذ مليوني عام، فإنهم لم يتوسعوا إلى الدوائر الشمالية قبل نصف مليون عام ~~مضت؛ أي بعدها بنحو 1,5 مليون عام. # لماذا هاجر الهومو إريكتوس شرقا قاطعين آلاف الأميال من المروج ليستقروا في بيئات ~~جاوة وجنوب الصين الشبه المدارية بدلا من عبور بضع مئات الأميال شمالا إلى بيئات ~~شمالي أوروبا وآسيا الغنية بحيوانات الصيد؟ ولماذا كان ليمر أكثر من مليون عام بين زمن ~~مغادرة الهومو إريكتوس لوطنهم الأفريقي وزمن توسعهم النهائي في الأراضي الشمالية؟ ~~الإجابة الأكثر ترجيحا هي أن فصول الشتاء في الدوائر الشمالية كانت ببساطة باردة ~~جدا بالنسبة إلى حيوان مداري صار عاريا كجزء من تكيفه للعيش باستخدام النار. في ~~الواقع، ما كان لأحد أشباه البشر أن يستطيع البقاء على قيد الحياة دون ملابس في مناخات ~~كانت تنخفض فيها دائما درجات حرارة الشتاء لأدنى من ثلاث وخمسين درجة ~~فهرنهايت. # 9 # رغم أنه من المحتمل أن يكون الهومو إريكتوس قد استخدموا النار لحماية نوعهم من ~~الضواري، ولإطالة وقت بقائهم مستيقيظين، ولطهي طعامهم، لم تلعب النار دورا فعالا ~~في الحماية من البرد إلا حين أصبح البشر الناشئون آمنين في مخيماتهم ليلا. أما ~~نهارا، أثناء صيدهم الحيوانات وجمعهم الفاكهة والخضروات، فإن إشعال النار بالخارج في ~~العراء كان سيصبح غير عملي، بل وقليل الفائدة كذلك في بعث الدفء. بناء على ذلك، كان ~~أشباه البشر، حتى يتخذوا نمط الحياة البدوي من صيد وجمع ثمار في الطقس البارد، ~~سيحتاجون الملبس: قبعات ms104 لرءوسهم، وأثواب لأبدانهم، وربما أحذية عادية أو طويلة لأقدامهم ~~وقفازات لأياديهم. وأخيرا، لا بد أن الهومو إريكتوس كانوا قد تعلموا حياكة كل هذه ~~الأشياء أو أغلبها من جلود الحيوانات. # لعلكم تتذكرون أنه منذ 400 ألف عام، كما أظهرت رماح شونينجين بوضوح، كانت جماعات ~~الهومو إريكتوس التي تعيش في ألمانيا تصنع أغراضا خشبية دقيقة تحتاج قدرا كبيرا من ~~المهارة والتخطيط، وعملية تصنيع معقدة متعددة المراحل. لا يوجد سبب إذن لافتراض أن ~~صناع مثل تلك الأدوات لن يكونوا قادرين بالمثل على صنع قبعات وأثواب وقفازات وأحذية ~~لأنفسهم. إذن من المرجح جدا أن بدء ظهور بقايا للهومو إريكتوس في شمال أوروبا وآسيا ~~منذ نحو 500 ألف عام هو المرحلة التي بدأت فيها تقنية المساكن والملابس تأخذ مكانها في ~~تاريخ البشر إلى جانب التقنيات الرئيسية الأخرى من رماح وعصي حفر ونار، وكان هذا قبل ~~ظهور الإنسان الحديث على الساحة بوقت طويل. # اختصاصيو علم الإنسان الذين درسوا احتياجات بشر النياندرتال للطاقة، الذين ظهروا بعد ~~البشر الناشئين وعاشوا في شمال أوروبا أثناء الجزء الأخير من العصور الجليدية، استنتجوا ~~أنه رغم أن بشر النياندرتال ضخام الجثة مفتولو العضلات كانوا قد «تكيفوا مع البرد»؛ ~~فإنهم لم يتميزوا كثيرا عن الإنسان الحديث تماما في قدرتهم على البقاء على قيد الحياة ~~في الجو البارد . في الواقع، قدر أن بشر النياندرتال لم يكونوا ليقووا على تحمل ~~الأجواء الشتوية في المناطق التي سكنوها في شمال أوروبا دون تغطية ما بين خمسين إلى ~~تسعين في المائة من أجسادهم بكساء من نوع ما. # ولتحديد أرجحية صنع بشر نياندرتال شمال أوروبا واستخدامهم الملابس، أجرى ناثان ويلز ~~اختصاصي علم الإنسان استقصاء شاملا للتقارير المنشورة عن الملابس التي صنعتها ~~وارتدتها 245 مجتمعا من مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي درسها اختصاصيو علم الإنسان ~~على مدار المائة عام الماضية أو نحو ذلك. وقد وجد ويلز أن القدر الذي كان يغطيه ~~الصيادون وجامعو الثمار من أجسادهم بالملابس كان ملائما تماما مع المناخات الشتوية ~~في البيئات التي سكنتها هذه المجتمعات. # أشار ms105 ويلز أن الشعوب الناطقة بلغة كري السهول في ألبيرتا وساسكاتشوان - منطقة في ~~السهول الكبرى الشمالية حيث فصول الشتاء طويلة وباردة - دائما ما يرتدون مئزرا ~~وطماقا من الجلد، وأخفافا ذات عازل من الحشائش، وقبعة تغطي بعض الرأس، ورداء من جلد ~~الجاموس فوق الجذع وكتف واحدة. وفق حسابات ويلز، يغطي الزي التقليدي لشعوب الكري 77,5 ~~في المائة من الجسم. وقد أعطت الثقافات الأخرى ذوات المناخ البارد نتائج مشابهة؛ فقد ~~كان نساء شعب التلينجيت في شمال غرب المحيط الهادئ يرتدين قمصانا مفصلة وتنورات ~~داخلية من نسيج لحاء أشجار الأرز، وبطاطين من صوف خراف الجبل، وقبعات مصنوعة من الجذور ~~غير منفذة للماء، تغطي 77 في المائة من الجسم، حتى بالرغم من أنه في الساحل الشمالي ~~الغربي، حيث نادرا ما تنخفض درجة الحرارة في الشتاء انخفاضا كبيرا لأقل من درجة ~~التجمد، كانت النساء يعتدن الخروج دون تغطية أسفل سيقانهن وأقدامهن (انظر شكل # 4-2 ~~). # شكل 4-2: ابن زعيم جماعة كري السهول في زي احتفالي. لاحظ ملابسه المخيطة التي ~~تكاد تغطي جسمه بأكمله وهو من شعوب الصيد والجمع في سهول أمريكا ~~الشمالية. (جيرالدين مودي/المؤسسة الكندية للمكتبات ~~والمحفوظات.) # مستندا إلى حساباته لحجم الجسد البشري الذي كان يغطى بالملابس في مجتمعات الصيد ~~وجمع الثمار المعروفة، انتهى ويلز إلى أن أغلب جماعات النياندرتال التي كانت تعيش في ~~أوروبا اضطرت لارتداء ملابس حتى تبقى على قيد الحياة. في الواقع، العديد من المناطق ~~الأثرية التي احتوت على أدوات حجرية صنعها بشر النياندرتال واستخدموها، تقع في مناطق ~~كانت ستحتم على سكانها أن يغطوا ما بين 70 و90 في المائة من أجسادهم خلال الشتاء. ~~والعديد من هذه المواقع كانت في مناطق يرجح فيها أن يكون بشر النياندرتال قد غطوا ~~كذلك أياديهم وأقدامهم في أشد الشهور برودة (انظر شكل # 4-3 ~~). # شكل 4-3: خريطة لأوروبا تبين الحد الأدنى من الجسم الذي كان لا بد أن يغطيه ~~بشر النياندرتال بالملابس للبقاء على قيد الحياة قبل 70000 و50000 عام. ~~(الصورة منسوخة من جريدة «هيومان إفوليوشن»، السنة 63، العدد السادس، ms106 ~~ناثان ويلز، نمذجة ملابس إنسان النياندرتال باستخدام نظائر إثنوغرافية، ~~صفحة 786، حقوق النشر لعام 2012م، بتصريح من «إلسفير».) # افترض ويلز أن النياندرتال كان يصنع ملابسه من جلود الحيوانات الضخمة مثل الماشية ~~البرية والخيول والماموث، وانتهى في الوقت نفسه إلى أن عدم وجود أي أثر لأدوات حياكة، ~~مثل إبر من العظام، في مواقع النياندرتال يوحي بأنه، على عكس صيادي وجامعي ثمار ~~العصر الحديث، مثل شعوب الكري والتلينجيت، كان بشر النياندرتال يرتدون جلود الحيوانات ~~كاملة على غرار الشمال، ويثبتونها على أجسادهم بسيور مصنوعة من الجلود أو ~~الأوتار. # في وقت لاحق ومع ظهور الإنسان الحديث تشريحيا في أوروبا، بدأ تفصيل الملابس بالشكل ~~الموجود بين الصيادين وجامعي الثمار المعاصرين. والملابس المفصلة يجب خياطتها بإبر ~~وخيوط، ويجب أن تكون على مقاس الأطراف والجذع حتى توفر أقصى حماية ضد البرد. بقايا ~~الإبر المصنوعة من العظام وأدلة أخرى من المواقع التي كان يسكنها بشر الكرومانيون ~~وغيرهم من أجناس الإنسان الحديث تشريحيا توحي بأن الملابس المفصلة نشأت مع نوعنا، ~~الهومو سيبيانز، إلا أن التاريخ الطبيعي لطفيل دقيق يغزو جسد الإنسان يعطي مزيدا من ~~الأدلة على أن أول ملابس غير مفصلة لم تنشأ أثناء عصر الكرومانيون أو النياندرتال منذ ~~عشرات آلاف السنين، وإنما خلال عصر البشر الناشئين منذ مئات آلاف السنين. # قصة ثلاث قملات # كل من قردة الشمبانزي والغوريلا يصيبها نوع واحد فقط من القمل ، لكن الجسد البشري ~~يعيش فيه ثلاثة أنواع مختلفة من القمل؛ فقمل الرأس البشري يعيش في شعر فروة الرأس، وقمل ~~الجسم البشري يعيش في ملابس الإنسان، وقمل العانة يعيش في شعر العانة، وهو المسئول عن ~~الحالة المنقولة جنسيا المعروفة باسم «القمل السرطاني». خلال تسعينيات القرن العشرين، ~~أجرى عدد من العلماء سلسلة من التحاليل الجينية الدقيقة لهذه الأنواع المختلفة من القمل ~~في محاولة لإعادة تنظيم تاريخها التطوري (انظر شكل # 4-4 ~~). # شكل 4-4: أنواع القمل الثلاثة التي تصيب جسم الإنسان. أعلى اليسار: قملة ~~الجسم البشري. أعلى اليمين: قمل الرأس البشري. تحت: قمل العانة ~~البشرية. (صورة قملة الرأس البشري؛ ms107 مصرح بالنشر بموجب رخصة المشاع ~~الإبداعي الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل. ~~صورتا قملة الجسم البشري وقملة العانة بتصريح من مراكز مكافحة الأمراض، ~~التعرف المختبري على الأمراض الطفيلية.) # قمل الرأس البشري وقمل الجسم البشري هما نويعان متقاربان، وكلاهما يتقاسمان أصلا ~~مشتركا مع قمل الشمبانزي، الذي يبدو أنهما انفصلا عنه منذ ستة ملايين عام تقريبا. هذا ~~يبدو منطقيا تماما؛ حيث إنه يتفق مع المرحلة الزمنية التي يعتقد أن أشباه البشر ~~والشمبانزي انفصلا فيها عن أصلهما المشترك (أحد قردة ما قبل التاريخ الذي لم يحدد ~~بعد). # من ناحية أخرى، يشترك قمل العانة البشري في أصله مع قمل الغوريلا الذي يبدو أنه انفصل ~~عنه منذ ثلاثة ملايين سنة تقريبا. هذا التاريخ هو الأغرب؛ حيث إن أشباه البشر انفصلوا ~~عن أصلهم المشترك مع الغوريلا منذ سبعة ملايين عام على الأقل. وحيث إنه من المستبعد ~~للغاية أن يكون بعض من أسلافنا أشباه البشر قد جامعوا بعض قردة الغوريلا منذ ثلاثة ~~ملايين عام، فمن المحتمل أن يكون قمل العانة الأصلي المعني قد انتقل من الغوريلا إلى ~~أشباه البشر حين لجأ أحد أشباه البشر الأوائل للنوم في عش مهجور لبعض قردة ~~الغوريلا. # إلا أن مدة الثلاثة ملايين عام هذه ربما لها دلالة أكثر أهمية؛ فقمل العانة لا يعيش ~~في الرأس ولا الجسد، وإنما بالأحرى في شعر منطقة العانة، وهذا قد يكون دليلا على أن ~~أشباه البشر فقدوا شعر الجسم منذ ثلاثة ملايين سنة. إن كان هذا صحيحا فلنا أن نرجع ~~بتقنية النار لزمن أبعد في الماضي من 1,75 مليون سنة التي كنا قد قدرناها في هذا ~~الكتاب. # في السعي لتحديد تاريخ بداية استخدام الملابس، نجد أن أهم حدث في تاريخ هذه القملات ~~الثلاث هو اللحظة الزمنية التي انفصلت فيها قملة الجسم عن قملة الرأس. المنطق وراء هذا ~~الافتراض هو أن قمل الجسم يثقب الجلد ليتغذى على الدم، لكنه لا يعيش على الجلد نفسه؛ ~~إذ يعيش قمل الجسم بالأحرى في الملابس التي نرتديها؛ من ثم ms108 لا يمكن أن يكون قد تطور ~~إلا بعد أن صار أشباه البشر يرتدون ملابس بصفة دائمة. # تتباين التقديرات حول تاريخ انفصال قملة الجسم عن قملة الرأس من دراسة لأخرى، لكن ~~تتراوح كل التواريخ بين 80 ألف و170 ألف سنة. ستلاحظون أن هذا التاريخ أحدث كثيرا من ~~فترة الخمسمائة ألف عام التي مضت حين بدأت شعوب الهومو إريكتوس التوسع في الدوائر ~~الشمالية، لكنه يتفق تماما مع الفترة التاريخية التي بدأ فيها ظهور أقدم أدلة ~~للإنسان الحديث تشريحيا. لقد طرح تفسيران محتملان لهذه التواريخ المتباينة. # ثمة احتمال أن سلالات القمل الموجودة حاليا لدى البشر الأحياء كانت سلالات حديثة ~~وقد تطورت لدى الشعوب القديمة من الإنسان الحديث تشريحيا، في حين أن السلالات ~~الأقدم من القمل التي كانت تعيش في رءوس وأجسام الهومو إريكتوس وغيرهم من البشر ~~الناشئين اندثرت فحسب حين انقرض البشر الناشئون أنفسهم. أما التفسير المرجح الآخر فهو ~~يستند إلى الاختلاف بين الكساء غير المحيك الذي كان يصنعه البشر الناشئون وبشر ~~النياندرتال في مقابل الكساء المحيك الذي صنعه الإنسان الحديث تشريحيا الأحدث ~~عهدا. # أول ما بدأ أشباه البشر ارتداء الملابس - الذي لا بد أنه حدث منذ ما يقرب من نصف ~~مليون عام، حين أخذوا يستقرون في بيئات متوغلة جدا شمالا وشديدة البرودة على أن ~~يبقوا فيها على قيد الحياة دون ملابس - يرجح أن ملابسهم اشتملت على أردية أو عباءات ~~فضفاضة من الجلد تبسط حول الجسم وتشبك بارتخاء بسيور من الجلد أو الأوتار. لم تلائم ~~مثل تلك الملابس شكل الأطراف والجذع، ولم تكن متشبثة بالجلد. # ربما لهذا السبب لم توفر الملابس غير المحيكة بيئة حامية بدرجة كافية لقمل ~~الرأس ليهجر الفروة ويبدأ العيش في جسد أشباه البشر غير المشعر نسبيا والتكاثر فيه، ~~لكن الإنسان الحديث تشريحيا الذي ظهر في شمال أوروبا منذ نحو 50 ألف عام كان يصنع ~~ملابس محيكة بالكامل ملتصقة بجسمه، مثل ملابس شعوب الكري والتلينجيت التي درسها بعض ~~اختصاصيي علم الإنسان المعاصرين. وقد عرفنا هذا من آثار النسج والحياكة التي ms109 عثر عليها ~~في مواقع أثرية تعود لعصور ما قبل التاريخ عاش فيها الإنسان الحديث تشريحيا. # 10 # من المحتمل بناء على هذا أن قملة الجسم البشري لم تبدأ استغلال بيئتها المناسبة في ~~ملابس البشر إلا حين بدأ الإنسان الحديث ارتداء الملابس الملاصقة للجسم التي وفرت ~~ملاذا آمنا بين ملابسهم المحيكة حديثا وجلدهم الدافئ العاري. إن صح ذلك فهذا ~~سيفسر لماذا يبدو أن قملة الجسم البشري قد ظهرت على الساحة بعد تقنية الملابس بوقت ~~طويل جدا. أما كيفية انتقال قملة شعر العانة البشرية من قردة الغوريلا إلى أشباه ~~البشر فهو أمر ما زال بحاجة للبحث. # حماية الرضيع البشري «المبتسر» ودماغه الضخم # منحت تقنية المساكن والملابس أشباه البشر درجة من الحرية والمرونة في التعامل مع ~~الطبيعة لم ينعم بها أي نوع حيواني آخر؛ فلم يعد سكنهم مقتصرا على الكهوف التي ~~تتيحها الطبيعة في بيئاتهم، وإنما صار أشباه البشر عوضا عن ذلك قادرين على بناء ~~كهوفهم الصناعية؛ مما أتاح لهم الاستقرار أينما توفر الغذاء متقين الرياح والأمطار ~~بأكواخهم البدائية، ومحتمين من الضواري بنيران مخيماتهم الليلية. # كما رأينا في الفصل السابق، مكنت القدرة على السيطرة على النار أشباه البشر من ~~الاستعاضة بمجموعة من الأطعمة المطهوة الأسهل هضما عن أنظمة الغذاء النيئ لدى ~~أسلافهم أشباه البشر الأوائل. أتاح الطهو لأشباه البشر الأوائل تلبية احتياجاتهم من ~~الطاقة بأجهزة هضمية أصغر حجما؛ ومن ثم دعم أدمغتهم التي ازداد حجمها. بيد أن هذا نصف ~~القصة فقط؛ فمع تزايد حجم دماغ أشباه البشر نشأت مشكلة أخرى؛ مشكلة مختلفة تماما عن ~~المشكلة الكيميائية الحيوية المتعلقة بتزويد هذا النسيج المتزايد «التكلفة» بالطاقة ~~التي يحتاجها حتى يعمل. تعلقت هذه المشكلة الجديدة بالضرورة الآلية المطلقة لإيجاد ~~طريقة جديدة لرأس مولود أشباه البشر السريع النمو حتى يمر بسلام من فتحة الحوض التي ~~كانت ثابتة الحجم. # أثناء تطور أشباه البشر من أقدم أشكال الهومو إريكتوس إلى أشكال الهومو سيبيانز ~~(الإنسان العاقل) الحديثة تماما، زاد حجم الدماغ عن الضعف، إلا أن حجم الجسد البشري ~~طوال هذه الفترة ms110 لم يزد مطلقا. وبطبيعة الحال، مع ازدياد حجم دماغ أشباه البشر ~~المتطور سريعا زاد حجم رأس وليد أشباه البشر أيضا. بيد أن تطور الحركة على قدمين كان ~~قد حتم أن تصير عظام الحوض أقصر وأسمك من عظام حوض القردة؛ فالقدرة على الوقوف والسير ~~والركض بقامة منتصبة جعلت من الضرورة التحول عن الحوض المرن المتخذ الحلقي الشكل ~~لدى القردة إلى حلقة العظم الصلبة لدى أشباه البشر، شبه المستديرة الشكل، التي كانت ~~قوية وجامدة بدرجة كافية لحمل وزن الجزء العلوي من جسد أشباه البشر بالكامل. # كذلك فرضت الحركة على القدمين قيودا معينة على عرض الحوض؛ فلو أصبح الحزام الحوضي ~~عريضا أكثر من اللازم ستصير القدمان متباعدتين أكثر مما ينبغي؛ مما سيجعل الحركة على ~~ساقين غير رشيقة وعديمة الكفاءة أكثر فأكثر. بين القردة والسعادين ذوات الأربع، تشكل ~~عظام الحوض المطولة قناة للولادة بيضاوية الشكل. أثناء الولادة يدير القرد الوليد ~~رأسه جانبا وهو يمر من خلال قناة الولادة؛ مما يجعل الوضع سريعا وسهلا نسبيا، لكن ~~عظام أشباه البشر القصيرة الصلبة - والشكل الدائري للحزام الحوضي - كان معناه أن قناة ~~الولادة لدى أشباه البشر لم تكن قادرة على استيعاب رأس أكبر للوليد أثناء ~~الولادة. # هكذا، مع حدوث التضخم الهائل في حجم دماغ أشباه البشر خلال المليون سنة الماضية، نشأت ~~صعوبات متزايدة في الولادة لدى البشر الناشئين، وقد زادت صعوبة هذه المشكلة مع تطور ~~البشر الناشئين إلى الإنسان الحديث ذي الدماغ الضخم. إذا كانت قناة الولادة ظلت ثابتة ~~الحجم في حين ظل حجم رأس الوليد والمخ الذي بداخله يتزايد تدريجيا، فكيف ظل أشباه ~~البشر يلدون أطفالا ذوي رءوس أكبر حجما على نحو متزايد؟ # تبين أن الحل التطوري لهذه المشكلة أنه مع زيادة حجم المخ بدأ أطفال أشباه البشر ~~يولدون قبل أن تصير أدمغتهم مكتملة النمو. في الواقع، إذا طبقنا القواعد الطبيعية ~~للتطور الجنيني في الثدييات على البشر، فستكون مدة الحمل «الطبيعية» للبشر اثني عشر ~~شهرا على الأقل، وليس تسعة أشهر، لكن بعد اثني عشر شهرا سيكون مخ ms111 الوليد المتوسط ~~ببساطة كبيرا جدا على المرور من خلال قناة الولادة المتوسطة لدى البشر؛ مما يجعل ~~الولادة البشرية مستحيلة ميكانيكيا. # في ثدييات أخرى، بما في ذلك كل الرئيسيات الأخرى، يبلغ المخ مرحلة معقولة من النمو ~~بحلول ميعاد الولادة، ثم يحدث تباطؤ في نموه بدرجة كبيرة بعد الولادة. أما المخ البشري ~~فيكون في عمر التسعة شهور ناقص النمو مقارنة بأمخاخ الثدييات الأخرى (منها رئيسيات ~~أخرى)؛ ونتيجة لهذا يستمر مخ الوليد من البشر في النمو بسرعة خلال أول عامين من ~~حياته. # وفي الواقع ليس من الصعب تخيل الكيفية التي ظهر بها هذا «الحل» التطوري في أشباه ~~البشر؛ فمع زيادة حجم مخ الوليد لم يكن سوى الأمهات - من أشباه البشر - اللواتي يولد ~~أطفالهن «قبل الأوان» هن من يبقين على قيد الحياة بعد التجربة على الأرجح، ويربين ~~أبناءهن حتى يكبرون، ويورثن جيناتهن للجيل التالي، لكن حتى مع هذه التسوية التطورية ~~يستغرق الأمر عدة ساعات من المخاض العسير قبل أن يبدأ الوليد البشري في الخروج أثناء ~~الوضع، ولا يظهر بقية جسم المولود إلا بعد المرور البطيء المؤلم لرأسه من خلال قناة ~~الولادة. # يعلم أي شخص شاهد من قبل عملية ولادة لدى القطط أو الكلاب أو الخنازير أو البقر أو ~~الخيول أن إناث الثدييات الأخرى يلدن أطفالهن في غضون دقائق، لكن ولادة الأطفال لدى ~~البشر أطول وأصعب وأخطر عملية ولادة بين كل أنواع الثدييات، بل إنه قبل تبني التقنيات ~~الطبية الحديثة في بداية القرن العشرين كانت الأم تموت في واحدة من كل مائة ولادة لدى ~~البشر. # 11 # ماذا يعني أن يولد الطفل البشري «قبل الأوان»؟ فلنضع في الاعتبار أن أطفال الثدييات ~~العاشبة مثل الماشية والغنم والخيول والزرافات والأفيال تستطيع الوقوف والسير خلال ~~ساعات من ولادتها، بينما أطفال القردة والسعادين تصبح واعية بمحيطها في الأيام الأولى ~~من حياتها، وتستطيع التشبث بفراء أمهاتها جيدا خلال الساعات القليلة الأولى من ~~ولادتها. على عكس ذلك، لا يستطيع المواليد من البشر حتى أن يزحفوا على أياديهم وركبهم ~~إلا بعد بلوغ عدة ms112 أشهر، ولا يستطيعون السير مطلقا إلا بعد أن يصير عمرهم عاما ~~تقريبا. # ليس من قبيل المبالغة القول بأن طفل أشباه البشر يولد بدماغ غير مكتمل النمو لدرجة ~~خطيرة؛ فهو لا يستطيع التشبث بشعر أمه بأصابع قدميه القصيرة، كما أنه يولد على أي حال ~~لأم لم يعد لديها أي شعر يكسو جسدها ليتعلق به. هكذا يكون الطفل البشري «المبتسر» ~~الأكثر عجزا وضعفا بين كل مواليد الرئيسيات وهو بلا شعر وأعزل، ولا يستطيع التحرك ~~وحده، ولا يدرك محيطه إلا بقدر ضئيل. # هذا معناه أنه مع نمو مخ أشباه البشر ليصير أكبر حجما وما صار إليه وليد أشباه البشر ~~تدريجيا من حال أكثر قصورا وضعفا، صارت حاجة أمهات أشباه البشر للملبس والمأوى ~~ماسة بالتدريج، حتى في المناطق المدارية حيث تكون إحاطة الطفل بالدفء ليست من ~~المشكلات الملحة؛ فإن من المستحيل أن تحمل أنثى أشباه البشر كل طفل من أطفالها ~~الرضع في يديها طوال أول سنة أو سنتين من حياتهم مع قضاء أغلب ساعات النهار في جمع ~~الغذاء، وربما رعاية أطفال أكبر سنا في نفس الوقت. # تحمل الأم في قبائل البوشمان طفلها في عباءة كبيرة من الجلد تسمى كاروس، وقد يكون ~~الهومو إريكتوس تبنوا استراتيجية شبيهة. وحين هاجر البشر الناشئون من أفريقيا ~~وبدءوا الاستقرار في مناطق أكثر اعتدالا من أوراسيا، كان من المنطقي أن يواجه أطفالهم ~~صعوبة متزايدة في البقاء على قيد الحياة إن كانوا قد ظلوا عراة لا يحميهم شيء من ~~عوامل الطبيعة، لكن مواليد أشباه البشر المبتسرين والعاجزين على نحو متزايد كانوا ~~يستطيعون البقاء على قيد الحياة رغم ضعفهم في أول سنة أو سنتين من حياتهم بلفهم في ~~فراء أو عباءة كبيرة نهارا، وحمايتهم بأمان في كوخ دافئ ليلا. بناء على هذا من ~~المحتمل أن يكون البشر الناشئون أثناء تطورهم وزيادة حجم أدمغتهم قد بدءوا بناء مساكن ~~وتفصيل ملابس لأنفسهم قبل حتى الانتقال شمالا إلى أراض كانت فيها فصول الشتاء طويلة ~~وباردة. # خلاصة القول، تقنية المساكن والكساء وكذلك النار حررت مخ أشباه ms113 البشر من قيوده ~~الطبيعية، وسمحت له بالنمو حتى صار في قرابة ثلاثة أضعاف حجم مخ الحيوانات الأخرى التي ~~بنفس حجمه. من دون تقنيات النار والمساكن والكساء، كان مخ أشباه البشر سيصبح غير قادر ~~على النمو متجاوزا حجم مخ الهومو إرجاستر البالغ 650 سنتيمترا مكعبا، وهو السلف ~~المرجح للهومو إريكتوس، وكان البشر سيظلون حتى يومنا هذا لا يعدون كونهم مجرد ~~قردة تمشي على قدمين في غاية الذكاء تأكل اللحم وتصنع الأدوات وتحمل الأسلحة. # أشباه بشر الشمال المتجمد # لمئات آلاف السنين، مع مجيء العصور الجليدية وانقضائها، انتقل الهومو إريكتوس شمالا ~~خلال الفترات الجيولوجية الأكثر دفئا، وتراجعوا للجنوب مع اقتراب الجليد القطبي خلال ~~الفترات الجيولوجية الأكثر برودة؛ ولهذا السبب عثر على بقايا للهومو إريكتوس في شمال ~~أوروبا وآسيا خلال هذه الفترات «بين الجليدية» الدافئة نسبيا. في الواقع، لأكثر من ~~مليون عام، لا يمكن العثور على دليل يثبت إقامة مستمرة للهومو إريكتوس شمال خط ~~العرض أربعين (خط من الشرق للغرب يمتد من جنوب إسبانيا عبر الطرف الجنوبي لإيطاليا، ~~مرورا باليونان وتركيا، وعبر وسط آسيا إلى شبه الجزيرة الكورية). # إلا أن جماعات الهومو إريكتوس وغيرهم من البشر الناشئين بدءوا الاستقرار تدريجيا في ~~بيئات أقصى الشمال الغنية بحيوانات الصيد مع تعلم تفصيل الملابس البدائية التي منحتهم ~~الدفء وحمت أجسادهم العارية من عوامل الطبيعة. بدءا من نصف مليون عام تقريبا، يبدأ ~~ظهور بقايا الهومو إريكتوس في مناطق فوق خط عرض أربعين، من الجزر البريطانية حتى شمال ~~الصين. وهكذا، متسلحين بالنار وأكواخ بسيطة وملابس بدائية منحتهم الدفء وحمت أجسادهم ~~العارية من عوامل الطبيعة، استقر الهومو إريكتوس في بيئات كانت تهيم فيها حيوانات ~~العصور الجليدية الضخمة بكثرة. # لكن في نهاية المطاف، جاء محل جماعات هومو إريكتوس أوروبا وآسيا بشر حديث من ~~نوعنا، الهومو سيبيانز، الذين يرجح أنهم نشئوا في أفريقيا وانتشروا شمالا من عبر ~~الشرق الأوسط إلى أوروبا. أول هؤلاء البشر الحديث - الذين كان لديهم أدمغة كبيرة في حجم ~~أدمغتنا ونجحوا في صيد الحيوانات الضخمة - كان النياندرتال؛ هذا النويع ms114 الغريب والمذهل ~~المعروف في العلوم باسم هومو سيبيانز نياندرتالنيسيس. # كان النياندرتال أشباه بشر مكتنزي الجثة ذوي عظام عريضة وعضلات مفتولة، وكان في ~~عظام الجمجمة أعلى العينين قوسا حاجبين كثيفان يماثلان أشباه بشر أقدم وأكثر بدائية، ~~لكن داخل جماجمهم الطويلة المتخذة شكل الرصاصة كانت أمخاخ النياندرتال كبيرة في حجم ~~أمخاخ الإنسان الحديث الموجود حاليا. ولا يوجد في تاريخ أشباه البشر من يباري ~~النياندرتال في صيد الحيوانات الكبيرة. ويكشف التحليل الحيوي الكيميائي لعظام ~~النياندرتال أنهم عاشوا على نظام غذائي يكاد يقتصر تماما على اللحوم. وقد بينت إحدى ~~الدراسات أن 58 في المائة من استهلاك بشر النياندرتال من الغذاء تكون من لحوم الماشية ~~البرية، وشكل لحم الخيل ووحيد القرن والأيائل والماموث النسبة الباقية من غذائهم ~~اللحمي. # 12 # بعد وصول النياندرتال إلى شمال أوروبا بدأت أعداد الحيوانات الضخمة في التضاؤل، وبعد ~~ظهور بشر الكرومانيون الحديث تشريحيا منذ نحو 55 ألف عام انقرضت حيوانات العصر ~~الجليدي الضخمة؛ فقد زاد دفء مناخ أوراسيا كثيرا مع انتهاء الجزء الأخير من العصر ~~الجليدي، وقد يكون تغير المناخ أسهم في انقراض بعض من هذه الأنواع، لكن وقعت حالات ~~انقراض مشابهة لحيوانات ضخمة أيضا بعد وقت قصير من وصول الإنسان الحديث إلى أستراليا ~~وتسمانيا واليابان وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، حيث كانت تغيرات المناخ بدرجة ~~أقل كثيرا. # لذلك يبدو محتملا أن الحيوانات الضخمة قد اصطادها الإنسان الحديث حتى انقرضت. في ~~الواقع، يميز انقراض الحيوانات الضخمة في نهاية العصر الجليدي الأخير اللحظة التي ~~سيطر فيها نوعنا على البيئة الطبيعية، بل وبدأ يقضي فيها على أشكال أخرى من الأحياء. ~~وكما سنرى فقد تسارعت هذه العملية، ألفية بعد الأخرى، منذ ذلك الحين. # أحدثت تقنية المسكن والملبس تحولا في البشرية بمنحها نوعا من الحرية لم يتمتع به ~~نوع حيواني آخر. فإذا لم تكن هناك كهوف لتوفير ملاذ من أمطار المناطق المدارية ~~المنهمرة أو شمس الصحراوات المحرقة، كان أشباه البشر يستطيعون بناء ملاجئ من الزرع ~~الموجود في بيئاتهم وجلود الحيوانات التي كانوا يصطادونها. وإذا كانت فصول ms115 الشتاء باردة ~~في المناطق الشمالية المتجمدة، فإنهم كانوا يستطيعون تغطية أجسامهم بالفراء والجلود ~~والتجمع بالقرب من دفء نيران مخيماتهم. وإذا كانت فصول الصيف حارة، فإنهم كانوا ~~يستطيعون خلع ملابسهم، وتمنحهم رطوبة غددهم العرقية المتعددة شعورا بالبرودة. # هكذا سرعان ما انتشر الإنسان الحديث تشريحيا بدماغه الكبير وذكائه المنقطع النظير ~~في أنحاء كل قارات العالم وأهل كل البيئات الأرضية الممكنة تقريبا، متسلحا بأسلحة ~~متقدمة، ومتمكنا من السيطرة على النار، وقادرا على بناء مساكن وصنع ملابس متنوعة ~~أتاحت له العيش في أي بيئة تقريبا. نتيجة لهذا، بدأ تعداد أشباه البشر في الأرض يزيد ~~زيادة هائلة، بعد أن ظل لملايين السنين ثابتا بدرجة كبيرة عند أقل من مليون نسمة. ~~وتشير التقديرات إلى منذ نحو 15 ألف عام، حين صار الإنسان الحديث تشريحيا النوع ~~الوحيد الحي من أشباه البشر، كان تعداد أشباه البشر على الأرض قد زاد لعدة ملايين ~~فرد. ~~••• # سنرى في الفصل التالي كيف أن الأدمغة الكبيرة لدى الإنسان الحديث أطلقت العنان لتحول ~~في طريقة تواصل البشر ببعضهم وطريقة تنظيم المجتمع البشري، من خلال تبني التواصل ~~الرمزي على نطاق واسع؛ فانتشار الرموز - في اللغة والفن والتصميم والزينة الجسدية - كان ~~هو ما حرر نوعنا من التطابق الجيني مع أصوله الحيوانية. صار من الممكن ابتكار الرموز ~~بالاختيار ليتبناها الآخرون وتتوارثها الأجيال المستقبلية عن طريق التعليم والتقاليد. ~~لقد أعتقنا التواصل الرمزي فابتكرنا الثقافات المعقدة والهويات العرقية القوية التي ~~استطاع بها كل إنسان أن يحدد ولاءه ويدين به. # بالاستعاضة عن عملية التطور البيولوجي البطيئة بعملية التطور الثقافي السريعة، أتاحت ~~تقنية التواصل الرمزي للإنسان الحديث تشريحيا الاستجابة سريعا وبسهولة للمناخات ~~المتغيرة خلال الخمسين ألف عام الماضية؛ فقد مكن الامتزاج الفريد بين التواصل الرمزي ~~و«المجتمع الانقسامي الاندماجي» الفرق الصغيرة المتعددة من الاندماج معا لتكوين جماعات ~~تضم مئات بل وآلاف الأفراد؛ لتمكن الإنسان الحديث تشريحيا من تكوين جماعات إثنية ~~متمايزة ظلت باقية حتى اليوم. ومن خلال تضافر الجهود في الصيد والحرب، هزمت هذه ~~الجماعات القبلية الكبيرة بسهولة الجماعات الصغيرة القائمة على ms116 القرابة التي اتسمت ~~بها الحياة الاجتماعية للنياندرتال. # من هذه المرحلة فصاعدا، كما سيتضح في الفصول القادمة، أدت التقنيات الرئيسية ~~المتعاقبة إلى أشكال متزايدة الحجم من المجتمع البشري. بدأت هذه العملية بتكوين هويات ~~إثنية لقبائل الصيد وجمع الثمار، وبلغت ذروتها مع الدول القومية الصناعية العظمى التي ~~تطالب الآن بالهيمنة على البشرية جمعاء. # الفصل الخامس # | تقنية التواصل الرمزي # الموسيقى والفن واللغة والهوية الإثنية # لم يأت قط مجتمع صيد وجمع ثمار ... من المجتمعات التي أنشأها الهومو سيبيانز ... إلا ~~وكان ... يعتبر نفسه يعيش في عالم رمزي للغاية. # برايان فيجن، «الكرومانيون» # استخدام الصور والتصميمات والكلمات والموسيقى في نقل الخواطر والأفكار هو بالتأكيد أحد ~~أكثر سلوكيات البشر تفردا. ورغم أن العديد من أنواع الحيوانات تستطيع التواصل بمجموعة ~~متوارثة من الأصوات الملفوظة ولغة الجسد، لا يملك سوى البشر وحدهم حرية ابتكار آلاف لا ~~تحصى من الرموز المرئية والصوتية من أجل التواصل. والبشر وحدهم لديهم القدرة على نقل هذه ~~الرموز المبتكرة إلى نسلهم - وإلى أفراد آخرين في المجموعة - بالكامل من خلال عمليات ~~التدريس والتعليم والمحاكاة. # على النقيض من بعض التقنيات الأخرى القديمة للغاية التي انفرد بها أشباه البشر، والتي ~~استكشفناها في الفصول السابقة، يكاد يكون من المستحيل تحديد العمر الحقيقي لاستخدام الرموز ~~الصوتية والمرئية لنقل الخواطر والأفكار. ويرجع ذلك بصفة رئيسية إلى أن كل الأدلة التي ~~تشير إلى استخدام اللغة - مثل الرسومات الرمزية - أصلها حديث نسبيا، على عكس التطور ~~الخاص بالحركة على قدمين وفقدان الأنياب؛ فببساطة لا يوجد دليل على أن أشباه البشر الأوائل ~~تواصلوا بما قد نعتبره لغة منطوقة حقيقية، ولا يوجد في أفضل الأحوال سوى أدلة هزيلة على ~~أن البشر الناشئين كانوا قادرين على هذا السلوك البشري الفريد. # رغم أنه يبدو من المنطقي أن نفترض أن الأشكال الحديثة من لغة البشر لم تظهر على حين غرة ~~من العدم في صورتها التامة منذ 50 ألف سنة، فإن الفكرة التي مفادها استخدام أشباه البشر ~~الأوائل أو البشر الناشئين لأشكال أكثر بدائية من اللغة هي محض تكهنات في هذه ms117 المرحلة؛ فلم ~~يبدأ ظهور أدلة كثيرة على التواصل بالرموز - في شكل رسومات في مواقع كهوف العصر الحجري ~~القديم - حتى ظهور الإنسان الحديث تشريحيا في سجل الحفريات، لكن هل من الدقة أن نقول إن ~~التواصل بالرموز يعد تقنية من التقنيات؟ # أدوات للتفكير # نستخدم كلمة «تقنية» عامة في الخطاب الحديث لوصف آلة معقدة مثل سفينة الفضاء ~~والأجهزة الإلكترونية، وكذلك العمليات المعقدة مثل شبكات الكمبيوتر وأنظمة التشغيل ~~الآلي، لكنني في هذا الكتاب استخدمت كلمة «تقنية» بمعناها الأعم والأشمل الذي يعني: ~~«التعديل المتعمد لأي شيء أو مادة طبيعية بعناية وتأن لتحقيق هدف محدد أو خدمة غرض ~~بعينه.» بهذا المعنى الأوسع، حين يقطع أحد قردة الشمبانزي غصنا من أجل استخدامه في ~~التقاط النمل الأبيض من عش، فهو بذلك يستخدم تقنية، تماما مثلما كان أشباه البشر ~~الأوائل يستخدمون تقنية حين ينزعون فرعا من شجرة ويسنونه ليصنعوا منه رمحا، لكن حتى ~~في هذه الأمثلة يشير مفهوم «التقنية» حصرا إلى صناعة أشياء مادية واستخدامها. # غير أننا إذا وصفنا التقنية بأنها «تعديل أي مادة طبيعية بعناية وتأن لتحقيق هدف ~~محدد»، فلا بد أن نضيف كأمثلة على التقنيات استخدام الأصباغ لرسم تصميمات وصور على ~~جدران الكهوف، واستخدام أدوات حجرية لنحت تصاميم على أسطح العظام، خاصة حين تكون هذه ~~السلوكيات موجودة كتقاليد ثقافية يتشاركها أفراد جماعة اجتماعية. ورغم أن تلك التقنيات ~~ربما لا تستخدم من أجل أي غرض مادي - مثل صيد الحيوانات أو صناعة الملابس أو بناء ~~المساكن - فهي تستخدم بالتأكيد بعناية وتأن لتحقيق غرض محدد؛ ألا وهو نقل الخواطر ~~والأفكار البشرية. # إذا وسعنا نطاق المعنى المقصود ب «التقنية» أكثر قليلا، فسيمكننا أن ننظر إلى ~~التعديل المتعمد والواعي للصوت البشري باعتباره أحد أشكال التقنيات؛ لأن الصوت البشري ~~ظاهرة طبيعية عدلناها عن عمد لإصدار أصوات محددة تمثل الأفكار البشرية رمزيا. ~~الشيء نفسه يمكن أن يقال عن تطور أشكال الموسيقى والرقص والغناء التي ربما كان لها ~~أشكال بدائية، في البداية، بين أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئين. # باختصار، كل أشكال استخدام الرموز المكتسب منها ms118 والمنقول ثقافيا هي في واقع الأمر ~~أدوات للتفكير، ابتكرت بعناية وتأن واستخدمت عمدا بغرض نقل المعرفة المشتركة لدى ~~مجتمع بشري محدد لأي من أفراده الأحياء. هذا صحيح، سواء كانت الأدوات تستخدم ~~لابتكار رموز مرئية - مثل الرسومات أو التصاميم أو الأيقونات أو الكلمات المكتوبة - أو ~~تستخدم في ابتكار رموز مسموعة، مثل الكلمات المنطوقة أو الأغنيات أو الموسيقى. ~~باختصار، كانت تقنية استخدام الرموز هي التي حررت البشر من قيود التواصل المبرمج ~~مسبقا. # ازدهار التواصل الرمزي # لا بد أن نشير إلى أن حيوانات بدائية مثل الحشرات الاجتماعية طورت طرقا بارعة ~~لتبادل المعلومات بعضها مع بعض؛ فالنمل يبلغ عن وجود الطعام والخطر بإطلاق هرمونات من ~~أجساده فيكتشفها نمل آخر في الحال. كذلك يبلغ النحل عن موقع الزهور المتفتحة في ~~بيئته بالاستغراق في رقصات اهتزازية معينة على جدران خلاياه ليصف هذه المصادر للرحيق ~~واللقاح واتجاهها والمسافة بالتحديد التي تفصلها عن الخلية. وكل أنواع الحيوانات - من ~~الحشرات حتى القردة - تصدر طائفة هائلة من الأصوات لإبلاغ أفراد آخرين من نوعهم ~~بالمعلومات. # تستخدم أغلب الحيوانات ذوات الدم الحار رئتيها وجهازها الصوتي لإنتاج أصوات معينة ~~تنقل رسائل محددة، مثل التحذير والإعلان عن منطقتها والتودد والخطر والمحنة. ويشيع ~~استخدام الأصوات الملفوظة في إبلاغ رسائل محددة بصفة خاصة بين الأنواع التي تعيش على ~~الأشجار مثل الطيور والرئيسيات، فتستطيع أنواع عديدة من الطيور - منها الببغاوات ~~والطيور المحاكية والغربان والغدفان - إصدار مجموعة كبيرة من الأصوات المختلفة، كل ~~منها يهدف لتبليغ رسالة من نوع محدد. ينطبق الشيء نفسه على أغلب أنواع القردة ~~والسعادين، لكن أكثر هذه الرسائل الصوتية تأتي بالفطرة، وتشمل القليل من التعليم أو من ~~دونه. # رغم أنه لا يوجد دليل على أن أشباه البشر الأوائل استخدموا أي شكل من التواصل ~~بالرموز، فإن ثمة بعض الأدلة التي تشير إلى أن البشر الناشئين كانوا قد بدءوا ~~يجربون الرسم والتصميم فعلا؛ ففي اثنين على الأقل من مواقع الهومو إريكتوس عمرهما ~~نصف مليون عام على الأقل، عثر اختصاصيو علم الحفريات على بعض التصاميم البسيطة على عظام ms119 ~~وأصداف يمكن تفسيرها بأنها استخدام للرموز. وسوف نتناول تلك الأدلة بالفحص لاحقا في ~~هذا الفصل. # حتى النياندرتال، الذين كانوا بشرا حديثين بأدمغة بشرية مكتملة الحجم، تركوا عددا ~~صغيرا من القطع الأثرية التي توحي بأنهم كانوا قد بدءوا يفهمون الأشياء ذات المغزى ~~الرمزي ويجربونها. تتألف الأدلة على السلوك الرمزي بين بشر النياندرتال في أغلبها من ~~أصداف ذات ثقوب نقبت فيها ولونت بأصباغ طبيعية، غالبا لارتدائها كقلادات. # لكن حين ظهر الإنسان الحديث تشريحيا في أوروبا قبل نحو فترة تتراوح بين 50 ألف و40 ~~ألف عام مضت، صارت حياة بشر ما قبل التاريخ ثرية بغتة في استخدام الرموز؛ فالتماثيل ~~البشرية المصغرة كانت تنحت من الأحجار أو العاج وتشكل من الطمي. أما الأغراض ~~التي كانت تصنع من أجل الزينة الشخصية فكانت تصنع من الأصداف وأسنان الحيوانات التي ~~كانت تثقب، وتلون بأصباغ، وترتدى كأنها حبات في أساور وقلائد. وبالنسبة إلى ~~الأغراض النفعية مثل أداة رمي الرماح # 1 # فكانت تزين بزخارف دقيقة وتنحت على شكل الحيوانات. وكانت جدران العديد ~~من الكهوف في أوروبا مزينة بكثافة؛ إذ انتشرت فيها طبعات الأيدي والمئات من رسومات ~~الحيوانات المحاكية للواقع لدرجة مذهلة، وآلاف الزخارف المنحوتة أو المرسومة في شكل ~~رموز أو أيقونات، تسمى نقوشا حجرية. # 2 # كذلك يعطي الانتشار المفاجئ لاستخدام الرموز دليلا على أن أشباه البشر كانوا قد ~~بدءوا لأول مرة على الإطلاق يطورون ثقافات وإثنيات مميزة؛ فالتماثيل المصغرة ~~والزخارف والنقوش الحجرية ورسومات الكهوف التي تعود إلى هذه الحقبة تميل للتنوع ~~الملحوظ في الأسلوب والشكل من منطقة لأخرى ومن فترة زمنية لأخرى. وهذه التنوعات جعلت ~~من الممكن التعرف على ثقافات معينة من حيث الزمان والمكان؛ لأول مرة يصير من الممكن ~~تحديد هويات قبلية وإثنية مميزة في أطلال الجماعات البشرية التي عاشت في عصور ما قبل ~~التاريخ. # وأخيرا، كان هذا، لا شك، الزمن الذي اكتمل فيه تطور اللغة والموسيقى، أو بعبارة أخرى ~~الاستخدام الرمزي للأصوات؛ فتعطي بقايا المزامير التي صنعت من العظام والعاج في عصور ~~ما قبل التاريخ دليلا دامغا ms120 على أن الإنسان الحديث تشريحيا كان يعزف الموسيقى - ~~وربما يغني ويرقص أيضا - منذ عشرات آلاف السنين. أما اللغة، لكونها غير ملموسة، فإنها ~~لا تترك دليلا ماديا ليتبينه عالم عصور ما قبل التاريخ، ولا سبيل لمعرفة متى بدأ ~~أشباه البشر يتحدثون على وجه التحديد. يعتقد بعض العلماء أنه كان ثمة أشكال مبكرة ~~من اللغة تحدث بها البشر الناشئون، بل وربما حتى أشباه البشر الأوائل، لكن هذا الأمر ~~لم يحسم إلى الآن. # من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه رغم أن القدرة على تعلم الرموز وابتكارها تكمن ~~في الحمض النووي للإنسان الحديث تشريحيا، فإن شكل الرموز التي ابتكرها الإنسان الحديث ~~ومعناها مسألة ثقافية تماما، وليس لها أساس في علم الأحياء؛ فكل المعاني التي ~~تتضمنها الرسائل الرمزية، سواء كانت بصرية أو سمعية، لا بد أن تعلم في الطفولة، ~~وتتذكر في مرحلة البلوغ، وتتوارثها الأجيال بصفتها المعرفة الثقافية التي تتقاسمها ~~الفئة الاجتماعية. لو كان من الممكن سماع ضحك بشر ما قبل التاريخ لعرفنا أنهم سعداء، ~~ولو كان ممكنا سماعهم وهم يبكون لعرفنا أنهم حزناء، لكن لو تسنى لنا سماعهم ~~يتحدثون لما فهمنا ما الذي يقولونه، تماما كما ننظر إلى النقوش الحجرية التي نحتوها ~~ورسموها على جدران كهوفهم، ولا ندرك مطلقا ماذا كان يقصد بهذه النقوش المرسومة ~~بعناية. # قرب نهاية هذا الفصل، سنستكشف العملية التي انقسمت بها البشرية كلها إلى عدة مجموعات ~~إثنية مختلفة اختلافا واضحا؛ تلك العملية التي بدأت حين تبنى الإنسان الحديث ~~تشريحيا التواصل الرمزي ليصبح جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية، لكن بيت القصيد هنا ~~هو أنه لما كانت هذه الأساليب المعيشية التي تمليها الثقافة تبتكر ولا تورث، فقد ~~كان من الممكن إعادة ابتكارها وتعديلها وتغييرها مع تبدل مناخ عصور ما قبل التاريخ ~~وبيئتها - سريعا جدا أحيانا - مع قدوم العصور الجليدية وانتهائها، وتغير مناخ الأرض ~~مرارا وتكرارا. # خلال الفترة الطويلة لعصر ما قبل التاريخ حين كان تكيف أشباه البشر مع بيئتهم ~~قائما بدرجة كبيرة على نزعات موروثة جينيا، كانت أساليب معيشة أشباه البشر ms121 تتغير ~~في الغالب من خلال عملية التطور البيولوجي الشديدة البطء. يبدو أن هذا كان الحال طوال ~~الجزء الأكبر من تاريخ تطور أشباه البشر، من أول أيام جنس الأوسترالوبيثيكوس منذ ملايين ~~السنين قبيل ظهور الإنسان الحديث تشريحيا في أوروبا منذ أقل من 50 ألف عام. # لكن جاء اختراع التواصل الرمزي فأطلق سراح البشرية ليجعل تكيفها مع البيئة قائما ~~في المقام الأول على السلوكيات التي يكتسبونها من الثقافة والتراث. وحين بدأ الإنسان ~~الحديث العيش وفقا لقواعد الثقافة بالدرجة الأولى، أصبح من الممكن تغيير أساليب معيشية ~~كاملة خلال جيل أو جيلين عن طريق عملية التطور الثقافي البالغة السرعة، وهي العملية ~~التي سنبحثها بتفصيل أكثر لاحقا في هذا الفصل. # أعطت أشكال التكيف الثقافي الأكثر مرونة بكثير لبشر الكرومانيون ومعاصريهم ميزة ~~حاسمة ليس فقط على بشر النياندرتال، ولكن كذلك على بعض البشر الناشئين الذين نجحوا في ~~البقاء على قيد الحياة حتى أزمنة حديثة نسبيا. يشمل هؤلاء شعبا معزولا من الهومو ~~إريكتوس كان لا يزال يعيش في جاوة منذ 30 ألف عام مضى، # 3 # وكذلك الهومو فلوريسنسز، وهو إنسان قزم يشبه في بنيته وحجم مخه أشباه ~~البشر الأوائل على نحو ملحوظ، وكان يعيش في جزيرة فلوريس في إندونيسيا في عهد حديث ~~منذ 12 ألف عام مضت. # 4 # قد تكون سرعة التطور الثقافي ومرونته هي سبب ازدهار الإنسان الحديث ~~تشريحيا خلال العصر الجليدي الأخير، في حين انقرض سريعا النياندرتال وكل أشباه البشر ~~الآخرين الذين كانوا على قيد الحياة، مع أغلب حيوانات القطب الشمالي الضخمة. # 5 # اكتشاف فنون العصر الحجري القديم # تلال كانتابريا على الساحل الشمالي الشرقي لإسبانيا زاخرة بالأحياء البرية ومزدهرة ~~الزرع من غزارة الأمطار. كانتابريا في عصور ما قبل التاريخ بجداول مائها العذب، وقربها ~~من المحيط، ومروجها المرتفعة، وغاباتها الجبلية، وكهوفها وملاذاتها الصخرية المتعددة، ~~كانت وطنا لعدد كبير من البشر الحديثين تشريحيا، الذين خلفوا وراءهم إحدى أثرى ~~مجموعات مواقع العصر الحجري القديم الأثرية التي عثر عليها على الإطلاق. # يشمل العصر الحجري القديم ثلاثة عصور طويلة في ms122 التاريخ التطوري لأشباه البشر. أقدمها ~~هو العصر الحجري القديم السفلي، الذي بدأ قبل ثلاثة ملايين عام تقريبا مع أشباه ~~البشر الأوائل واستمر طوال زمن البشر الناشئين. يليه في القدم العصر الحجري القديم ~~الأوسط، الذي بدأ تقريبا قبل 250 ألف عام ويتزامن مع عصر النياندرتال. الأحدث عهدا هو ~~العصر الحجري القديم العلوي، الذي بدأ قبل نحو 50 ألف عام وهو مرتبط ببشر الكرومانيون ~~وبشر آخرين حديثين تشريحيا. لقد استخدمت مصطلح «العصر الحجري القديم العلوي» كثيرا ~~في هذا الفصل للإشارة إلى الفترة التي عاش فيها الإنسان الحديث تشريحيا في أوروبا في ~~فترة تتراوح ما بين 50 ألف سنة حتى قبل 11 ألف سنة مضت؛ لأن هذا يساعد على تمييزهم عن ~~مجتمعات العصر الحجري الحديث المنتجة للغذاء التي سيأتي وصفها في الفصل ~~التالي. # 6 # في الفترة بين قبل 17 ألف عام و11 ألف عام، كان يسكن كانتابريا شعب أوروبا ~~المجدليني، # 7 # الذين صنعوا شفرات حجرية متقنة للغاية شكلت بحيث تركب لها مقابض مثل ~~الأدوات اليدوية وأنصال المقذوفات. بالإضافة إلى العديد من الأمثلة الرائعة لأدوات ~~وأسلحة من الأحجار والعظام والقرون، ترك شعب كانتابريا المجدليني أيضا أدلة وفيرة على ~~أنهم كانوا قادرين على التعبير عن خواطرهم وأفكارهم من خلال رمزية التعبير ~~الفني. # حين بدأ اختصاصيو علم الحفريات في أواخر القرن التاسع عشر استكشاف المواقع التي عاش ~~فيها الشعب المجدليني في فرنسا وإسبانيا، اكتشفوا نوعا من بقايا ما قبل التاريخ التي ~~كانت، في ذلك الوقت، مجهولة تماما في العلم الحديث: مجموعة ثرية من الرسومات واللوحات ~~والرموز والأيقونات التي تركها هذا الشعب المميز على جدران الكهوف التي سكنوها ~~وأسقفها. # ذات يوم من عام 1868م كان الصياد الإسباني موديستو بيريس وكلبه يطاردان ثعلبا في ~~مكان يسمى ألتاميرا في تلال كانتابريا، حين اختفى كلبه فجأة عن الأنظار. اكتشف ~~موديستو في النهاية أن الكلب قد سقط في صدع صغير حجبته الصخور والزرع، وهبط بداخل كهف ~~كبير لم يكن أحد يعلم بوجوده. بعد إنقاذ الكلب، عاد موديستو لمنزله وأبلغ مالك الأرض ms123 ~~النبيل الإسباني، مارسيلينو سانز دي ساوتولا، بما اكتشفه، لكن التلال قرب ألتاميرا كانت ~~مليئة بالكهوف، ولم يأبه دي ساوتولا كثيرا بهذا الاكتشاف في البداية. # بيد أنه مع مرور عدة سنوات صار مارسيلينو دي ساوتولا مهتما بعلم الحفريات الجديد ~~وبالعدد المتزايد لبقايا ما قبل التاريخ التي كانت تكتشف في الكهوف الأوروبية، وفي ~~عام 1875م بدأ التنقيب في الرواسب التي تراكمت بالقرب من مدخل الكهف الواقع في ~~ألتاميرا. وسريعا ما عثر دي ساوتولا على الكثير من الأدلة على سكنى بشر من الثقافة ~~المجدلينية التي ازدهرت في أوروبا في الفترة قبل 17 ألف عام حتى 11 ألف عام مضت، وبدأ ~~يرتاد كهف ألتاميرا أكثر، حتى صار من عادته إحضار ابنته ذات الخمسة أعوام ماريا معه ~~ليأنس بصحبتها. ولما كانت ماريا فتاة فضولية فقد كانت تطلب من أبيها مرارا أن يسمح ~~لها باستكشاف باطن الكهف المظلم، لكن دي ساوتولا كان يرفض دائما، مصرا أن سكان ~~الكهف سكنوا بالقرب من مدخله فقط، وأنه لن يعثر على شيء يثير الاهتمام داخل الكهف ~~(انظر شكل # 5-1 ~~). # شكل 5-1: مارسيلينو سانز دي ساوتولا وابنته ماريا، اللذان اكتشفا معا إحدى ~~أكبر وأروع مجموعات فن عصور ما قبل التاريخ، في كهف ألتاميرا، في ~~إسبانيا. (صورة ماريا سانز دي ساوتولا من متحف ما قبل التاريخ في ~~سانتاندر.) # وفي عام 1878م سافر دي ساوتولا إلى فرنسا لحضور معرض باريس العالمي، وبينما هو في ~~باريس تمكن من فحص بعض بقايا إنسان الكرومانيون التي استخرجها لويس لارتيت من الكهف ~~الواقع في ليز إزيه. في الصيف التالي، بعد العودة إلى كهف ألتاميرا، أخذت ماريا مرة ~~أخرى تلتمس من أبيها السماح باستكشاف الكهف من الداخل. رضخ دي ساوتولا أخيرا وأعطاها ~~شمعة، وشدد عليها باتخاذ حذرها حيث سارت. غابت ماريا في الظلام، وبعد دقائق قليلة، ~~تردد فجأة صوت ماريا من باطن الكهف وهي تصرخ قائلة: «ثور! ثور!» وحين هرع دي ~~ساوتولا داخلا في الظلام وجد ماريا واقفة في معرض كبير تتطلع بنظرها إلى السقف. ~~وهناك اندهش لرؤية ms124 صور نابضة بالحياة لبيسون منقرض، مرسوما بواقعية عجيبة على سقف ~~الكهف (انظر شكل # 5-2 ~~). # شكل 5-2: رسم لبيسون منقرض وجدته ماريا دي ساوتولا في كهف ألتاميرا. هذه ~~الرسومات التي أنكرها في البداية علماء الحفريات، صارت الآن من أهم ~~شواهد فن ما قبل التاريخ. (المصدر: ويكيميديا كومونز.) # تواصل دي ساوتولا مع صديقه خوان فيلانوفا إي بييرا، المتخصص في الجيولوجيا وعلم ~~الحفريات في جامعة مدريد، وبعد فترة قصيرة سافر فيلانوفا إلى ألتاميرا ليرى الرسومات ~~بنفسه. كان فيلانوفا مقتنعا بأن اللوحات بالتأكيد من إبداع ساكني كهوف العصر الحجري ~~القديم؛ لانبهاره بثراء فنها وتميزه. هكذا أعد الرجلان تقريرا علميا بهذا الاكتشاف ~~الاستثنائي، ونشرا في عام 1880م النتائج في عدة صحف إسبانية. وسرعان ما صار فن العصر ~~الحجري القديم البارع الذي وصفاه مثار حديث أوروبا، بعد أن أشاد به الجمهور الإسباني. ~~وفي وقت لاحق من ذلك العام، في مؤتمر عن عصور ما قبل التاريخ عقد في لشبونة، في ~~البرتغال، عرض البروفيسور فيلانوفا رسميا وصفه لفن ألتاميرا على اختصاصيي علم ~~الحفريات المجتمعين من جميع أنحاء أوروبا. # إلا أنه مع خاتمة العرض التقديمي لفيلانوفا غشي القاعة صمت لا يبشر بخير؛ فلم ~~يكن أي من اختصاصيي علم الحفريات الموجودين في مؤتمر عصور ما قبل التاريخ مستعدا ~~لتصديق أن بشر عصور ما قبل التاريخ الذين عاشوا في الكهوف، والذين كانوا يعتبرونهم ~~همجا وغلاظا وبدائيين، كان باستطاعتهم تنفيذ أعمال فنية بهذه المقدرة. وفي الحال ~~شككوا في أصالة رسومات ألتاميرا. وهكذا استهزأت الكوادر العلمية، بزعامة اختصاصي علم ~~الإنسان الفرنسي، جابرييل دي مورتييه، باستنتاجات فيلانوفا ودي ساوتولا، وأدانت ~~منشوراتهما باعتبارها «أعمال تلفيق وخبل». # في ذلك الوقت، كان من القناعات السائدة بين مفكري أوروبا العصر الفيكتوري أنه من ~~غير الممكن أن تستطيع مجموعة من «بدائيين» من عصور ما قبل التاريخ إنتاج فن بالواقعية ~~والتعقيد والمهارة التقنية التي تميزت بها رسومات كهف ألتاميرا. هكذا فإن اختصاصيي ~~علم الحفريات في مؤتمر عصور ما قبل التاريخ، رفضوا رفضا قاطعا فكرة أن تكون رسومات ~~ألتاميرا من عصور ms125 ما قبل التاريخ، وانتهوا إلى أنها لا بد أن تكون من إبداع فنانين ~~معاصرين، حتى إن بعض المشاركين في المؤتمر افترضوا أن «اكتشاف» دي ساوتولا كان تزويرا ~~متعمدا نفذه فنان إسباني معاصر بناء على أوامر دي ساوتولا. # هكذا قهر دي ساوتولا، وعاد إلى إقطاعيته، وقد صار مادة للشفقة والسخرية، وعانى من ~~الاكتئاب، وتدهورت صحته حتى وافته المنية بعد ثماني سنوات. أما مدخل كهف ألتاميرا فقد ~~أغلق، ولم تسمح ماريا دي ساوتولا لأي شخص بدخوله لسنوات. # لكن في السنوات اللاحقة، اكتشفت أمثلة من فنون ما قبل التاريخ تعود لنفس فترات العصر ~~الحجري القديم في مواقع أخرى عدة من عصور ما قبل التاريخ في فرنسا وإسبانيا. وتضمن ~~الكثير من فن ما قبل التاريخ هذا رسومات في كهوف أبدعت بمهارة وحرفية تضاهي تلك التي ~~في ألتاميرا. # 8 # وأخيرا في عام 1902م قرر عالم الآثار الفرنسي، إميل كارتياك، الذي كان ~~من أكثر من جاهروا بالتشكيك في دي ساوتولا في مؤتمر لشبونة أن يسافر إلى إسبانيا مع ~~اختصاصي علم الحفريات الفرنسي، الأب بري، ليرى بنفسه الرسومات التي في ~~ألتاميرا. # حين وصل العالمان إلى ألتاميرا، أقنعا ماريا دي ساوتولا بأن تسمح لهما بدخول الكهف ~~وفحص الرسومات. مذهولا بما رآه، تراجع كارتياك عن موقفه في الحال، ونشر اعتذارا ~~رسميا في الصحيفة العلمية الفرنسية «لانثروبولوجي»، لكن لم يعش أي من دي ساوتولا ~~أو البروفيسور فيلانوفا، اللذين ماتا قبل ذلك بتسع سنوات، حتى يريا تبرئة مزاعمهما ~~ورد شرفهما المهني، إلا أن كهف ألتاميرا صار بمثابة كنيسة البابا في فن العصر الحجري ~~القديم، ويعتبر الآن واحدا من أكبر وأهم مجموعات فن ما قبل التاريخ التي عثر عليها ~~على الإطلاق . # عثر منذ ذلك الوقت على كنوز لفن شبيه في عدة كهوف أخرى في أنحاء العالم، في شرق ~~أوروبا والهند وجنوب شرق آسيا وأفريقيا، وكذلك في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية. وقد ~~وثق علماء آثار ما قبل التاريخ في فرنسا وإسبانيا وحدهما أكثر من ثلاثمائة كهف تحتوي ~~على أعمال من فنون ما قبل التاريخ، ms126 أغلبها كان يسكنه الشعب المجدليني في الفترة بين ما ~~قبل 18 ألف عام و11 ألف عام. # عثر على أشهر هذه المجموعات من فنون ما قبل التاريخ في كهف نيو (الذي استقصى بشأنه ~~إميل كارتياك نفسه عام 1907م)، وكهف بيش ميرل (الذي اكتشفه صبية مراهقون بالمصادفة ~~عام 1922م)، وكهف لاسكو (أيضا اكتشفه صبية مراهقون بالمصادفة عام 1940م). أما أقدم ~~الأمثلة على فن عصور ما قبل التاريخ التي عثر عليها حتى الآن فهي موجودة في كهف شوفيه، ~~الذي اكتشفه علماء اكتشاف الكهوف في فرنسا عام 1994م. يحتوي كهف شوفيه على رسومات عدة ~~نابضة بالحياة لحيوانات صيد وضوار، ويعود تاريخه إلى ثلاثين ألف عام مضت، قبل أول ظهور ~~للثقافة المجدلينية بعشرة آلاف عام على الأقل. # ورغم أن الأصول الحقيقية لفن العصر الحجري القديم وقدمه الشديد قد تأكدت بما لا ~~يدع مجالا للشك، فإنه لا يزال هناك سؤالان مطروحان. # أولا: لماذا رسم صيادو العصر الحجري القديم هذه المناظر في مناطق موغلة ~~داخل هذه الكهوف - في بعض الحالات بعيدا عن مداخلها بمئات الأقدام - ~~في أماكن كان يصعب الوصول إليها ويستغرق بلوغها وقتا، ولا يستطيع ضوء ~~النهار التسلل إليها، وحيث كان الضوء الوحيد المتاح لفنان ما قبل ~~التاريخ يأتي من ألسنة اللهيب المرتعشة للشعلات؟ # ثانيا: لماذا يمثل العديد من هذه الرسومات أنواعا حيوانية - مثل الماموث ~~ووحيد القرن وثور البيسون - لم تكن فقط نادرة نسبيا، وإنما من الخطر ~~صيدها كذلك؟ ولماذا كانوا نادرا ما يرسمون صورا للغزلان والأيائل ~~وحيوانات الصيد الأصغر حجما التي كانت تشكل القسم الأكبر من ~~الحيوانات التي كانت تصطادها هذه الجماعات وكانت تمثل عماد ~~غذائهم؟ # الإجابة الأكثر شيوعا على السؤال الأول هي أن فن العصر الحجري القديم كان مخفيا في ~~أماكن عميقة داخل الكهوف لأنه كان يقصد به شكلا من السحر، لضمان النجاح في الصيد؛ ~~فربما رسمت الصور على سبيل إقامة طقوس سرية جدا لدرجة أنه لا يمكن أداؤها إلا في ~~أكثر الأماكن التي عرفتها شعوب هذه العصور تعذرا في الوصول إليها، بعيدا عن ms127 العيون ~~والآذان المتطفلة للدخلاء. في الواقع ما زال اختصاصيو علم الإنسان الذين درسوا ثقافات ~~شعوب الصيد وجمع الثمار يجدون باستمرار أن أهم وأقدس طقوس هذه الشعوب تؤدى دائما في ~~سرية بالغة. وطقس تجديد السهم لدى شعب الشايان، الذي سيأتي وصفه لاحقا في هذا الفصل، ~~إنما هو واحد من آلاف الأمثلة على هذه الأعراف الإنسانية العالمية. # السؤال الثاني أكثر استعصاء على الإجابة، لكن لدينا دليلا مهما في ملاحظة أدلى ~~بها اختصاصي علم الإنسان الرائد، برونيسلاف مالينوفسكي، الذي عاش في جنوب المحيط ~~الهادئ مع سكان جزر تروبرياند البحارة من عام 1914م حتى 1918م، حيث لاحظ مالينوفسكي ~~أنهم كانوا دائما ما يؤدون طقوسا سحرية معينة كجزء من الأعمال المهمة التي توقف ~~عليها معاشهم، مثل زراعة الحدائق، وصنع قوارب من أجذاع الأشجار المجوفة، والصيد في ~~المحيط المفتوح. وقد أشار إلى أن كل هذه الأنشطة تشمل عنصرا مهما من عدم اليقين؛ إذ ~~إن الحدائق قد تضعف، والقوارب قد تتحطم، وحملات الصيد في أعالي البحار لم تكن خطيرة ~~فحسب، وإنما كانت كثيرا ما تنتهي بعودة الحملة خالية الوفاض. # لكن حين كان سكان تروبرياند يصطادون في المياه الهادئة لبحيرات جزرهم، كانوا يستخدمون ~~سما محليا لم يخفق قط في أن يأتي بنتيجة متوقعة تماما؛ صيد وفير. ومما له ~~مغزاه أنهم لم يكونوا يمارسون أي سحر قبل القيام بحملات صيد في البحيرات. هكذا يكون ~~من المرجح أن شعوب العصر الحجري العلوي لم يروا ضرورة في إقامة طقوس سحرية للحيوانات ~~التي كانت متوفرة وسهلة الصيد، في حين كان صيد الأنواع النادرة والخطيرة من الحيوانات ~~عملا غير مضمون، ينطوي على مخاطر ومكافآت جمة، حيث بدا أداء سحر طقسي أمرا لا مفر ~~منه. # 9 # تماثيل الكرومانيون المصغرة لجسد المرأة # من بين أشهر أمثلة فن ما قبل التاريخ التي بقيت من العصور الحجرية القديمة، بعيدا عن ~~الرسومات والتصاوير النابضة بالحياة لحيوانات الصيد؛ تلك التماثيل المسماة بتماثيل ~~فينوس المصغرة. هذه التماثيل الصغيرة الممتلئة في إغراء وشديدة الرمزية لنساء ما قبل ~~التاريخ، التي لا يعدو ms128 طولها بضع بوصات، خالية تماما من الوجوه البشرية، ولديها سيقان ~~وأذرع خالية من الواقعية والتفاصيل، إلا أنها نحتت بتصوير مبالغ فيه للأجزاء ~~المرتبطة بالجنس والخصوبة في جسد المرأة: أثداء ضخمة متدلية، وبطون منتفخة، وأفخاذ ~~هائلة، وأرداف كبيرة، وأعضاء تناسلية بارزة. # كانت فكرة أن هذه التماثيل المصغرة المنحوتة دائما من عاج الماموث أو الأحجار ~~الرخوة هي تماثيل لفينوس - أي إنها تمثل إلهة الحب - وهما حديثا، وإن كان ثمة ~~القليل من الشك بأن هذه المنحوتات كانت تلعب دورا مهما في معتقدات ما قبل التاريخ عن ~~الجنس والخصوبة. ومما لا يقبل الجدال أن تماثيل فينوس المصغرة كان لها أهمية رمزية ~~لدى مجتمعات الكرومانيون في العصر الحجري القديم العلوي (انظر شكل # 5-3 ~~). # شكل 5-3: فينوس ليسبوج من فرنسا (يسارا) وفينوس ويليندروف من النمسا (يمينا) ~~ترجعان لنفس الفترة الزمنية، بيد أن أساليبهما الفنية تعكس الثقافات ~~المتمايزة لهذين المجتمعين المختلفين من مجتمعات العصر الحجري القديم. ~~(صورة فينوس ويليندروف من تصوير ماتيس كيبل، مصرح بنشرها بموجب رخصة ~~المشاع الإبداعي.) # ربما أبرز حقيقة عن هذه التماثيل المصغرة هو انتشارها الواسع لدرجة مدهشة في ~~الزمان والمكان؛ فقد عثر عليها في مواقع تعود إلى العصر الحجري القديم وتمتد من جنوب ~~غرب فرنسا في الغرب حتى سيبيريا في الشرق - مسافة تزيد على أربعة آلاف ميل - وتعود ~~لفترات زمنية قديمة بدأت منذ 40 ألف عام وحديثة منذ 10 آلاف عام. يكاد يشمل هذا ~~الامتداد الزمني والمكاني المدهش كل تاريخ الإنسان الحديث تشريحيا في عصور ما قبل ~~التاريخ في أوروبا، غير أن تماثيل فينوس المصغرة من كل عصر من عصور ما قبل التاريخ ~~وكل مكان من أماكن ما قبل التاريخ كانت منفذة بأسلوب خاص ومميز، وهذا التنوع ~~الكبير في الأسلوب من تمثال لآخر لهو دليل آخر على أن البشرية كانت منذ عشرات آلاف ~~السنين قد قسمت نفسها إلى ثقافات متمايزة، كل منها مرتبط بزمن ومكان ~~معين. # بالإضافة إلى الرمزية الجنسية المبالغ فيها في «تماثيل فينوس المصغرة»، نحت بشر ~~الكرومانيون أيضا أغراضا أخرى شديدة ms129 الواقعية من العاج الذي أخذوه من حيوانات الماموث ~~التي اصطادوها ومن القرون التي نزعوها عن الأيائل التي قنصوها. شملت هذه الأغراض العديد ~~من أدوات رمي الرماح الحافلة بالزخارف وبعض المنحوتات الدقيقة لأشخاص وحيوانات. من أشهر ~~هذه القطع منحوتة لرأس امرأة، معروفة باسم «السيدة ذات القلنسوة» عمرها 25 ألف عام، ~~عثر عليها في كهف في جنوب غرب فرنسا عام 1892م. والقطعة الأخرى هي رأس حصان ذات واقعية ~~مذهلة منحوتة من قرن أيل، وقد استخرجت من كهف ما دازيل في جبال البرانس الفرنسية ~~(انظر شكل # 5-4 ~~). # شكل 5-4: يبلغ رأس الحصان هذا، المنحوت من جزء من قرن أيل، خمسة عشر ألف عام. ~~وهو يبرهن على مهارة فنان قبل التاريخ الممتازة في تصوير ملامح ~~الحيوانات. (المصدر: ويكيميديا كومونز.) # تبين هذه التماثيل وأمثلة رفيعة أخرى من فن العصر الحجري القديم أن بشر ~~الكرومانيون استخدموا قدراتهم الفنية السريعة التطور في تصوير الحيوانات والناس الذين ~~سكنوا عالمهم، لكن البشر في تلك الحقبة استخدموا كذلك تصاميم تصويرية ذات طبيعة أكثر ~~غموضا لتسجيل المعلومات والخواطر والأفكار وتناقلها. ربما لا يوجد بين الأشياء التي ~~ظلت باقية من عصور ما قبل التاريخ ما هو أكثر إيحاء وأكثر غموضا من التصاميم ~~الرمزية المسماة نقوشا حجرية التي رسمت ونقشت على جدران كهوف العصر الحجري القديم. ~~وسوف نتناول موضوع النقوش الحجرية بالبحث بالتفصيل لاحقا في هذا الفصل، لكن لا بد ~~أولا أن نتدبر السؤال التالي: كيف صار البشر يستخدمون تصاميم مرئية للتعبير عن الخواطر ~~والأفكار في المقام الأول؟ # رمزية آثار أقدام الحيوانات # البصر هو الأهم بين كل الحواس للرئيسيات، بما في ذلك أشباه البشر. بعد عشرات ملايين ~~السنين من التكيف مع الحياة على الأشجار، صار أسلافنا من الرئيسيات أكثر اعتمادا بكثير ~~على حاسة البصر من حاسة الشم. بالنسبة إلى الحيوانات التي تعيش على الأرض، حيث تبقى ~~الروائح وتكثر، فهي تميل لأن يكون لديها حاسة شم متطورة للغاية، وهذا ينطبق بوجه خاص ~~على الثدييات. أما في قمم الأشجار التي تتخللها الرياح فيرجح أن تذرو ms130 الرياح ~~الروائح، في حين يكون من المهم رؤية حركة الضواري أو لون الفاكهة الناضجة من مسافات ~~بعيدة. نتيجة لهذا، فقد أسلافنا ساكنو الأشجار الكثير من قدرتهم على الشم تدريجيا، ~~لكنهم اكتسبوا بصرا أقوى بدرجة كبيرة، مع رؤية الألوان والقدرة على الرؤية في الفضاء ~~الثلاثي الأبعاد. # حين أضاف أشباه البشر الأوائل استراتيجية الصيد لدى المفترسات إلى استراتيجية جمع ~~الثمار لدى الرئيسيات الأسلاف، صاروا لا يمتلكون سوى حاسة الشم المتضائلة التي ورثوها ~~من أسلافهم ساكني الأشجار؛ لذا بدلا من تعقب فريستهم بحاسة شم شديدة التطور كما هو ~~معهود في أغلب الثدييات المفترسة الأخرى، اعتمد أشباه البشر بدلا من ذلك على بصرهم ~~المتطور للغاية. # دائما ما يجد اختصاصيو علم الإنسان الذين دأبوا على دراسة مجتمعات الصيد وجمع الثمار ~~أن الصيادين الرحل متمكنون من تقفي الأثر بالبصر؛ فأقل الأشياء التي قد يغفل ~~الناس عن ملاحظتها من غصون مكسورة أو أوراق حشائش منحنية انحناءة بسيطة، أو أثر قدم ~~على تربة رطبة يستطيع الصائد المحنك قراءته بالسهولة التي أستطيع أنا وأنتم بها قراءة ~~عناوين الصحف. وبمجرد أن يطعنوا فريستهم بالرمح أو يسمموها - رغم أنها قد تعدو ~~بعيدا عن النظر - ستكشف أقل قطرة دماء في فيض الحشائش أو أدق تغير في لون فضلاتها ~~لعين الصياد الخبير أثر الحيوان الذي أصابوه. # على مدى المليون سنة الماضية، مع تطور البشر الناشئين إلى صيادين متزايدي المهارة، ~~تطور تفسير آثار الحيوانات إلى فن راق؛ فلم يعد البشر الناشئون يعتمدون على رؤية ~~فريستهم رأي العين، وتعلموا كيف يشعرون بوجود فريستهم ويقتفون حركاتها بالتعرف على ~~إشارات واضحة تركتها في البيئة حيوانات الصيد التي كانت تعيش بالقرب منهم والتي تمر ~~بأراضيهم. # مع تزايد بروعهم في الربط بين العلامات المرئية لآثار الحيوانات وبين نوعيات وحالة ~~الخنازير البرية والغزلان والظباء والأيائل والخيول وثيران البيسون والماشية الوحشية ~~التي كانوا يطاردونها، تطور لدى البشر الناشئين، بالإضافة إلى قدراتهم الشديدة ~~الحساسية والتمييز على الإدراك البصري، القدرة الفريدة على الربط بين أنماط مرئية محددة ~~وأنشطة الحيوانات والناس، وحالاتهم، والأعمال التي ms131 دلت عليها تلك الأنماط. # لا بد أن بشر النياندرتال، الذين كانوا صيادين فائقي الموهبة، كانوا يمتلكون قدرة ~~شديدة التطور على اقتفاء الأثر باستخدام حاسة البصر، لكن بشر الكرومانيون وغيرهم من ~~البشر الحديثين تشريحيا هم الذين أخذوا الخطوة التطورية المنطقية التالية، وابتكروا ~~إشارات ورموزا خاصة بهم لتمثل حيوانات وأشخاصا وحالات وسلوكيات وأفعالا معينة. ~~وبمجرد أن أخذ الإنسان الحديث تشريحيا هذه الخطوة الحاسمة، بدأ يتوسع في تقنية ~~التواصل الرمزي لدرجة غير مسبوقة في تاريخ أشباه البشر. وفي خضم ذلك أطلق العنان ~~لتحول أساسي آخر في الحياة والمجتمع البشري. # أقدم الأدلة على استخدام الرموز # رغم أن رسومات كهوف بشر الكرومانيون ونقوشهم الحجرية قد تكون مثالا خالصا على ~~التواصل الرمزي الذي تركه بشر ما قبل التاريخ، فإنه يوجد دليل مثير يعود لأزمان ~~سابقة على ظهور بشر الهومو سيبيانز بوقت طويل؛ إذ يوحي هذا الدليل بأن الهومو إريكتوس ~~وغيره من البشر الناشئين قد بدءوا يرسمون تصميمات على العظام والأصداف منذ مئات آلاف ~~السنين. # من بين مجموعة القطع الأثرية التي جمعها يوجين ديبوا من جزيرة جاوة الإندونيسية عام ~~1891م، تعرفت مؤخرا عالمة الآثار الهولندية جوزفين جوردينز وزملاؤها على أصداف مياه ~~عذبة نقش عليها عمدا تصميمات هندسية. وعثر على عدد من القطع الأثرية الباهرة عام ~~1969م في موقع يعود لعصور ما قبل التاريخ في بيلزينجسليبين، في ألمانيا، كان يسكنه بشر ~~الهومو هايدلبيرجينسيس الناشئون # 10 ~~(هذا هو الموقع نفسه الذي كان به دوائر حجرية تبدو أنها أساس مساكن موغلة ~~في القدم). يعود الموقع الذي في بيلزينجسليبين للفترة التاريخية الممتدة بين 380 ألف ~~عام و400 ألف عام مضت، ويحتوي على أدلة تشير إلى أن الهومو هايدلبيرجينسيس ربما كانوا ~~يستخدمون شكلا بدائيا من الرموز لتدوين الأعداد أو الكميات. # من القطع العديدة التي تحمل علامات بفعل فاعل في بيلزينجسليبين أداة دق مصنوعة من ~~عظام الأفيال، وهي واحدة من عدة أدوات مشابهة كان يستخدمها البشر الناشئون في وضع ~~اللمسات النهائية على مطارقهم اليدوية الأشولية. يبلغ طول الأداة المصنوعة من عظام ~~الفيل ست ms132 عشرة بوصة تقريبا، وتحمل إحدى وعشرين علامة يبدو أنها كانت ترمز لنوع ما من ~~عمليات العد. وتنقسم العلامات إلى مجموعتين؛ سبع علامات في المجموعة الفوقية وأربع عشرة ~~علامة في المجموعة التحتانية. # لاحظ ديتريش وأورسولا مانيا، عالما الحفريات اللذان نقبا في هذا الموقع، أن الثلث ~~السفلي من الأداة قد انخلع، واعتزما ترميمه بحيث يحمل هذا الثلث المفقود سلسلة من سبع ~~علامات شبيهة بتلك التي في الثلث الفوقاني. افترض آل مانيا علاوة على ذلك أن عظام ~~الفيل المرممة بعلاماتها الثمانية والعشرين كانت تعبيرا رمزيا عن التقويم القمري، ~~حيث كانت كل علامة تمثل يوما واحدا في الدورة القمرية ذات الثمانية والعشرين يوما. ~~إذا كان هذا صحيحا فإن العلامات السبع الأولى ستمثل الفترة من المحاق حتى طور الربع ~~الأول، وتمثل الأربع عشرة علامة التالية فترة الأربعة عشر يوما من طور الربع الأول ~~مرورا بالبدر حتى الربع الأخير، وتمثل العلامات السبع الأخيرة الفترة من الربع الأخير ~~حتى المحاق التالي. # ليست آلة الدق المصنوعة من عظام الفيل هذه إلا واحدة من عدة أغراض عثر عليها في ~~بيلزينجسليبين تحمل علامات مشابهة، وقد أوحت كثرتها للعالم جون فيليكس الزعم بأن بشر ~~الهومو إريكتوس لم يمتلكوا لغة منطوقة فحسب، وإنما امتلك هؤلاء البشر الناشئون معرفة ~~متطورة للغاية بالموسيقى والرياضة أيضا. # 11 # غير أن انعدام أي أدلة أخرى على أن الهومو إريكتوس كان لديهم ملكات فكرية ~~تباري ملكات الإنسان الحديث الفكرية توحي بأن فيليكس قد يكون بالغ فيما ذهب ~~إليه. # رغم أن احتمال استخدام الهومو إريكتوس للرموز ما زال مسألة بحاجة للحسم، فإنه ثمة ~~دليل مادي على أن بشر النياندرتال كانوا يصنعون أشكالا بدائية من الحلي مثل القلائد ~~وزينة الشعر وربما الأقراط قبل أن يأتي الإنسان الحديث تشريحيا بزمن طويل. ولم يكن ~~المقصود من هذه الزينة الشخصية تدفئة الجسم أو حمايته من تأثيرات الطقس، وإنما كانت ~~تلبس باعتبارها رموزا للمكانة، أو كتمائم سحرية لدرء المرض أو الإصابة، أو للتزين ~~فحسب. فلم تكن تستخدم في أغراض عملية؛ إذ كان الغرض منها ms133 رمزيا محضا. # في موقعين من مواقع كهوف النياندرتال في جنوب شرق إسبانيا، عثر على أصداف متعددة ~~أحدثت بها ثقوبا، بحيث يمكن نظمها كقلائد أو ربط الشعر أو الملابس بها. كذلك احتوت ~~مواقع الكهوف على أصباغ حمراء وصفراء كانت تستخدم في تلوين الأصداف بألوان زاهية. وفي ~~كهف في شمال إيطاليا كان يستخدمه بشر النياندرتال، تعطي بقايا عظام أجنحة النسور ~~والعقبان والحمام والغربان أدلة واضحة على نزع الريش الكبير من أجنحتهم عن عمد. وحيث ~~إنه لا يوجد دليل على أن بشر النياندرتال استخدموا أيا من هذه الأنواع للغذاء، فمن ~~الجلي أنهم كانوا يقتلعون ذلك الريش من أجنحتها لارتدائه كأغراض للزينة، ربما أقراطا ~~أو أغطية للرأس. # وأخيرا، بشر النياندرتال هم أول شعب من شعوب عصور ما قبل التاريخ الذين عرف عنهم ~~دفنهم للموتى. كل قبور النياندرتال التي عثر عليها في أوروبا لها نسق مشابه: توضع ~~جثة المتوفى في قبر صغير غير عميق في وضع الجنين، مع ثني الركبتين لأعلى وإحناء ~~الرأس للأمام. وفي مقبرة لبشر النياندرتال يبلغ عمرها 75 ألف عام، اكتشفت في خمسينيات ~~القرن العشرين في كهف شاندر في العراق الحديث، عثر اختصاصيو علم الحفريات على بقايا ~~حبوب لقاح لنباتات مزهرة معروفة بخواصها الطبية. وقد افترض أن باقات من هذه الزهور ~~قد وضعت عن عمد على جثة المتوفى، في إجراء يذكرنا بالعادة الأوروبية الحديثة حيث ~~توضع الزهور على القبور. # فسر بعض العلماء مدافن كهف شاندر بأنها دليل على أن بشر النياندرتال كانوا يعتقدون ~~في الحياة الآخرة اعتقادا ظل مرتبطا طوال التاريخ البشري كله بالرمزية وإقامة شعائر ~~دينية. بيد أن اختصاصيي علم الحفريات الآخرين الذين أجروا تحليلات أحدث لهذه المدافن، ~~استنتجوا أنه من المحتمل أن تكون حبوب اللقاح التي في قبر شاندر قد ذرتها الرياح إلى ~~القبر، أو حملتها قوارض صغيرة تعيش تحت الأرض فحسب. # إلا أنه عثر في العديد من مواقع دفن شعوب النياندرتال، التي يبلغ عمر بعضها 200 ألف ~~عام، على آثار لمغرة حمراء؛ إحدى الصبغات الطبيعية التي كانت تستخدمها شعوب ms134 الصيد وجمع ~~الثمار أثناء إقامة شعائرهم. وهذا يشير على أقل تقدير إلى أن شعوب ما قبل التاريخ تلك ~~كانت تعد الموت مرحلة مهمة في حياة البشر، وأن وفاة أحد أفراد الجماعة كان يقام لها ~~الشعائر التي كان يلعب فيها استخدام مواد رمزية، مثل الصبغة الحمراء، دورا ~~مهما. # لكن مع وصول الإنسان الحديث تشريحيا إلى أوروبا، يصير استخدام الرموز في أقوى ~~أشكاله غزيرا في سجل الحفريات. وقد تكون أروع مجموعة لاستخدام الرموز من عصور ما قبل ~~التاريخ في العالم هي آلاف النقوش الحجرية التي عثر عليها في كهف إسباني آخر في ~~كانتابريا، وهو كهف لا باسيجا. # أسرار كهف لا باسيجا # في قلب كانتابريا، على بعد أقل من أربعة عشر ميلا جنوب شرقي كهف ألتاميرا، استكشف ~~اختصاصي علم الإنسان وعالم عصور ما قبل التاريخ السويسري، هيوجو أوبيرماير، كهف لا ~~باسيجا لأول مرة عام 1911م. سكن كهف لا باسيجا في البداية لفترة امتدت نحو ستة آلاف ~~سنة، منذ فترة تتراوح بين 20 ألف عام و14 ألف عام، الشعب السولوتري ثم الشعب المجدليني، ~~وهذا الكهف يحتوي على أغنى كنوز النقوش الحجرية التي عثر عليها على الإطلاق. # تمثل بعض النقوش الحجرية في لا باسيجا حيوانات أو أشخاصا، والبعض الآخر يمثل ~~فيما يبدو أعدادا أو كميات، وما زال بعضها يمثل بأكمله لغزا. فيضم كهف لا باسيجا ~~آلاف النقوش الحجرية، لكن باستثناء بعض صور حيوانات الصيد لم تفك شفرة أي من النقوش ~~الحجرية مطلقا، إلا أنه في حين أننا قد لا نستطيع حل ألغاز هذه النقوش أبدا، فمن ~~الواضح أنها ذات طبيعة رمزية؛ فهي ليست سطورا ونقاطا بلا معنى خربشت عشوائيا بلا ~~سبب. # إنما النقوش الحجرية التي في لا باسيجا هي أشكال وأنماط نفذت بعناية حيث تتكرر ~~عناصر تصويرية معينة، لكن ليس على نحو عشوائي. وهي من هذه الناحية تمثل الحروف ~~المستخدمة في الكتابة الفعلية للثقافات المتحضرة (انظر شكل # 5-5 ~~). ~~كذلك تختلف النقوش الحجرية للغاية عن الأشكال الزخرفية المحضة التي نجدها في فخار وسلال ~~مجتمعات ما قبل ms135 عصر الصناعة، حيث كثيرا ما يغطي تصميم واحد مساحة كبيرة بقليل من ~~التنوع أو من دونه. علاوة على ذلك، رسمت النقوش الحجرية في مناطق موغلة من الكهوف لا ~~يمكن بلوغها؛ مما يوحي بأنها لم ترسم عرضا. وأخيرا، نما إلى علمنا من دراسات إثنية ~~معاصرة أن رسومات الكهوف ونقوشها الحجرية كانت تعدها شعوب الصيد وجمع الثمار أشكالا ~~من السحر وكثيرا ما ترتبط بطقوس دينية. # شكل 5-5: الأشكال متقنة التنفيذ في كهف لا باسيجا تؤكد أنها وضعت لتسجل ~~معلومات محددة وتنقلها في شكل رمزي. # لكل هذه الأسباب لا بد من اعتبار النقوش الحجرية تصاميم رسمت عمدا للتعبير عن معان ~~محددة، ولتمثيل أشياء وأحداث معينة في الزمن والمكان، لكن ماذا كانت هذه الأشياء ~~والأحداث بالضبط؟ للأسف، لا يوجد لدينا أدنى فكرة عن ذلك. # فلا يوجد حجر رشيد يكشف عن أسرار النقوش الحجرية بلغات مكتوبة نستطيع ترجمتها ~~وفهمها، ولا يوجد ناس أحياء من الشعب السولوتري أو الماجدليني ليفسروا معانيها لنا. ~~في الواقع، لا يقتصر الأمر على أننا ليس لدينا فكرة عن اللغة التي تحدث بها هؤلاء ~~الناس، لكن كذلك حتى لو استطعنا سماعهم يتحدثون سنظل لا نفقه ما يقولونه؛ إذ تعتمد ~~المعاني المشفرة في شكل رسائل رمزية، بطبيعتها الجوهرية، على الذاكرة الحية لأولئك ~~الذين نشئوا وعاشوا في الثقافات التي ابتكرت تلك المعاني. وحين يختفي كل أولئك الناس ~~وتصير ثقافاتهم في طي النسيان، يصبح لدينا القليل أو حتى لا شيء لنبدأ العمل به. # شكل 5-6: العديد من النقوش الحجرية التي في كهف لا باسيجا تحتوي على نقاط أو ~~خطوط ربما كانت تعبر عن أعداد أو كميات. # قد لا نعرف على وجه التحديد لماذا نفذ الشعب المجدليني والكرومانيون رسومات كهوف ~~ألتاميرا ولاسكو وشوفيه المتقنة، لكننا نعلم على الأقل أن هذه الرسومات الشبيهة ~~بالواقع تمثل أنواعا حيوانية حقيقية ويمكن تحديدها على نحو قاطع. الأمر ليس كذلك مع ~~النقوش الحجرية؛ فلا يساورنا شك أن هذه النقوش قد رسمت ولونت حتى تدون معلومات ~~وتنقلها إلى آخرين عبر الزمان والمكان، ms136 لكن يظل السؤال حول كنه تلك المعلومات، وكيف ~~ترجمت إلى شكل رمزي، سرا عجزت أفضل عقول علم الحفريات الحديث تماما عن حله. # إذا كانت الكلمة المكتوبة - التي تشمل كلا من الأشكال البسيطة مثل الأبجدية ~~المسمارية أو الأبجدية الرومانية والأشكال المعقدة مثل الهيروغليفية المصرية وكتابة ~~المايا - هي التمثيل الرمزي لمعلومات عبر عنها في حديث البشر؛ فإن نقوش العصر ~~الحجري القديم الحجرية تعتبر أول وأقدم أشكال الكتابة البشرية التي عثر عليها على ~~الإطلاق، كما أنها تعد أفضل دليل ممكن على أن الناس الذين كتبوا هذه النقوش الحجرية ~~كانوا يستخدمون لغة. في الواقع، يعتقد بعض العلماء أن قدرة شعوب ما قبل التاريخ على رسم ~~صور ذات مغزى في المقام الأول هو بينة على احتواء ثقافاتهم على أنظمة مشتركة للمعاني ~~عبروا عنها في شكل لغات منطوقة بالفعل. # 12 # لكن رغم عدم إمكانية سماع أشخاص يتحدثون لغات ما قبل التاريخ تلك مطلقا، ~~ظلت هناك أدلة مذهلة حول نشأة كلام البشر في البقايا الحفرية لهياكل أشباه البشر ~~العظمية. # العظمة اللامية وأصول اللغة # في الفصول السابقة رأينا كيف يمكن للأدلة الحفرية المستقاة من تشريح الإنسان أن ~~توفر أدلة مهمة عن سلوك أشباه البشر في عصور ما قبل التاريخ، حتى حين يكون السلوك ~~المعني قد وقع منذ زمن طويل ولا يمكن ملاحظته على نحو مباشر. وهذا يطرح السؤال المثير ~~للاهتمام عما إذا كانت البقايا الحفرية لأشباه البشر المنقرضين قد تعطي بعض الخيوط ~~التي تدلنا على الوقت الذي بدءوا فيه استخدام اللغة المنطوقة لأول مرة. وحيث إن اللسان ~~والحنجرة والجزء العلوي من الحلق - أعضاء الكلام الأساسية - تتكون بالكامل تقريبا من ~~أنسجة رخوة، فلم يصمد أي من هذه الأنسجة أمام الفترات الزمنية الطويلة التي انقضت ~~خلال تطور الإنسان. # غير أنه يوجد بالفعل عظمة صغيرة جدا - واقعة في الجزء العلوي من حلق الإنسان، فوق ~~الحنجرة مباشرة وملتصقة بها - تلعب دورا مهما في حركات عضلات اللسان والحلق التي ~~تشكل أصوات كلام البشر. وتسمى هذه العظمة، المتخذة شكل حدوة الحصان ويبلغ عرضها نحو ms137 ~~بوصة ونصف، «العظمة اللامية». # بينما تختلف العظمة اللامية لدى الإنسان الحديث اختلافا بالغا في شكلها عن العظمة ~~اللامية لدى الشمبانزي، تكاد تكون مطابقة للعظمة اللامية لدى إنسان النياندرتال، ~~وتتشابه جدا مع تلك الموجودة لدى إنسان هومو هايدلبيرجينسيس الناشئ؛ لذا يبدو من ~~المحتمل أن يكون الكلام البشري قد بدأ منذ مئات آلاف السنين لدى جماعة من إنسان هومو ~~هايدلبيرجينسيس، وأن يكون بشر النياندرتال تحدثوا شكلا متطورا من اللغة يشبه ~~كلامنا الحديث. ومما لا ريب فيه أن الإنسان الحديث تشريحيا، الذي ترك أدلة وفيرة على ~~استخدامه الرموز المرئية في تدوين المعلومات وتناقلها، كان قادرا تماما على الكلام ~~بطريقة البشر. # شكل 5-7: شكل العظمة اللامية لدى قردة الشمبانزي (أ) يختلف جدا عن الأشكال ~~المتشابهة جدا للعظام اللامية لبشر النياندرتال (ب) والإنسان الحديث ~~(ج)؛ مما يوحي بأن بشر النياندرتال ربما كانوا يتحدثون لغات منطوقة ~~تضاهي لغاتنا. # ذهب بعض العلماء إلى أن اللغة تطورت لأول مرة حين بدأ أشباه البشر تشكيل مجموعات ~~أكبر في حجمها من العدد الصغير من الأفراد المعهود لدى الجماعات الاجتماعية للسعادين ~~والقردة وأشباه البشر الأوائل. وفقا لوجهة النظر هذه، فقد تطورت اللغة - مع تزايد ~~حجم المخ - بحيث يستطيع البشر الناشئون الترابط مع العدد الأكبر من الأفراد الذي أخذ ~~يتكون في المجموعات البشرية الأحدث عهدا. ورغم أن السعادين والقردة تترابط مع أفراد ~~آخرين في المجموعة عن طريق عملية التنظيف الجسدي، فهناك حدود لعدد الأفراد الذين يستطيع ~~الواحد منهم العناية بنظافتهم؛ من ثم فاللغة تجعل من الممكن زيادة هذا العدد زيادة ~~بالغة. # 13 # موسيقى ما قبل التاريخ # الأغنيات التي يشدو بها البشر لا تشبه الأغنيات التي تصدر عن آلاف الأنواع من الطيور ~~أو القليل من الثدييات، مثل الجيبون والحيتان، التي تغني أثناء حياتها اليومية. ~~«أغاني» تلك الحيوانات لا تختلف إلا بقدر ضئيل من فرد لآخر أو مجموعة لأخرى داخل كل ~~نوع؛ مما يشير إلى أنها فطرية بدرجة كبيرة ومبرمجة مسبقا بالوراثة الجينية. # أما أغنيات البشر فهي تتنوع كثيرا من جماعة بشرية لأخرى، ومن ms138 فرد لآخر؛ لذا يبدو أن ~~الغناء، مثل اللغة، واحد من تلك السلوكيات التي رغم تميز الطبيعة البشرية بها لا بد ~~أن تلقن مثل اللغة. والموسيقى التي يأتي بها البشر باستخدام تقنية صنع آلات موسيقية هي ~~واحدة من تلك السلوكيات التي ينفرد بها نوعنا تماما. # لم يتمكن اختصاصيو علم الحفريات قط من تحديد الوقت الذي بدأ فيه بشر ما قبل ~~التاريخ عزف الموسيقى لأول مرة، لكن من الوارد أن تكون قدرة البشر على الغناء قد ~~تطورت أولا، ثم اخترعوا تقنية الآلات الموسيقية لاحقا. وإذا كان الغناء بدأ مع ~~استخدام اللغة فقد يكون بدأ منذ 300 ألف عام. وإذا كان بشر النياندرتال قد أصبح لديهم ~~لغة منطوقة بحلول وقت استقرارهم في أوروبا ما قبل التاريخ منذ أكثر من 100 ألف عام، وهو ~~الأمر الذي يبدو مرجحا جدا، فقد يكون الغناء قديما بالدرجة نفسها على الأقل. # أقدم الآلات الموسيقية التي عثر عليها حتى الآن هي بقايا العديد من «المزامير» ~~الصغيرة يتراوح طولها بين خمس وتسع بوصات، صنعها منذ نحو 35 ألف عام بشر حديثون ~~تشريحيا كانوا ينتمون إلى الثقافة الأورينياسية. صنع الأورينياسيون أغلب هذه الآلات ~~بنقر ثقوب للأصابع في عظام مجوفة من أجنحة البجع والعقبان، وقد استخرج العديد من هذه ~~المزامير الأورينياسية من مواقع كهوف العصور الحجرية القديمة الواقعة في وديان الأنهار ~~في جنوب غرب ألمانيا. حين أعيد بناء أحد هذه المزامير المصنوعة من عظام الطيور، استطاع ~~الباحثون استخدامها في إصدار النغمات الموسيقية سي ودو وري وفا. # بعض المزامير الأورينياسية التي عثر عليها في هذه المواقع كانت مصنوعة من العاج، ~~وكان هذا يتطلب عملية تصنيع معقدة، حيث كان يشق قطاع من ناب الماموس العاجي إلى ~~نصفين، ويجوف كل نصف بامتداد طوله، وتحفر فتحات الأصابع في مواقع محددة، ثم ~~يلصق النصفان معا حتى يصير مغلقا بإحكام بحيث لا ينفذ الهواء. الوقت والعناية ~~والمهارة اللازمة لصنع هذه الآلات الدقيقة من العظام والعاج لا تدع مجالا كبيرا للشك ~~في أن الموسيقى - وحرفة صناعة الآلات الموسيقية - كانت ms139 تعد بالفعل جزءا مهما من ~~الحياة منذ عشرات آلاف السنوات. # ربما كانت أغنيات ورقصات الحضارة الأورينياسية والكرافيتية والسولوترية والمجدلينية ~~تؤدي في حياة عصور ما قبل التاريخ الغرض نفسه الذي تؤديه في الحياة الحديثة الآن: وسيلة ~~للتنفيس العاطفي، وطريقة لخلق مشاعر الصحبة والانتماء بين أعضاء الجماعة الاجتماعية، ~~وطريقة للتعبير عن الهوية الثقافية للفرد. ليس من قبيل المصادفة أن كل الدول القومية ~~الحديثة لديها نشيد وطني يغنيه أفرادها معا للتعبير عن تكاتفهم كمواطنين في ~~ثقافاتهم القومية، ولدعم هويتهم المشتركة بصفتهم أعضاء في هذه الجماعات البشرية ~~الضخمة. # الرموز والهوية الإثنية المشتركة # في شهر يونيو في أوائل العقد الأول من القرن التاسع عشر، في السهول العظمى في غرب ~~أمريكا الشمالية، كان قيظ الصيف يقترب، وكانت جماعات هنود الشايان المتفرقة، المشهورة ~~بصيد الجاموس في السهول العظمى الأمريكية تسير على مهل من ملاذ معسكراتها الشتائية في ~~الوديان الحرجية نحو دائرة المخيمات الكبرى التي ستقام قريبا في حقل مفتوح على ضفاف ~~نهر بلات. وهناك، في صباح الانقلاب الصيفي، تقام ألف خيمة، تمثل قبيلة الشايان ~~بأسرها، في حقل كبير مفتوح، حيث ستؤدى مراسم تجديد السهم المقدس. # طوال الجزء الأكبر من العام، كانت جماعات الشايان العديدة المتنوعة تعيش في مخيمات ~~متناثرة على نطاق واسع، تصطاد طعامها وتجمعه في جماعات تتكون من أسر غير مترابطة، لكن ~~حين كانت قوة القبيلة في أشدها سيطر أقل من 4000 هندي من الشايان على منطقة من البراري ~~اتسعت مئات الأميال من مونتانا في الشمال حتى كانساس في الجنوب؛ مساحة تعادل ضعف ~~مساحة تكساس. كيف دافعت قبائل الشايان بنجاح عن أرضها الشاسعة ضد القبائل الهندية ~~الأخرى في السهول التي كانت تطمع في مناطق صيدها، والتي لم تكن أكبر منها حجما فحسب، ~~وإنما تعادلها في التمكن من فنون الحرب أيضا؟ يبدو أن الإجابة هي أن قبائل الشايان ~~اكتسبت القدرة على التصدي لأعدائها بجبهة متحدة تماما، وهو الأمر النادر نسبيا بين ~~قبائل سهول أمريكا الشمالية. # كان أعضاء قبائل الشايان صائدي جاموس ومحاربين لا يستهان بهم متمكنين من ms140 فنون ~~القتال. وكان قتل شخص من إحدى القبائل المعادية أو إصابته يعد إنجازا عظيما بين ~~ظهراني قبيلة الشايان، وعملا يحق لصاحبه الزهو به ما تبقى له من العمر، لكن بين ~~الرجال الذين يعرفون كيف يقتلون، دائما ما يوجد خطر أن يتصاعد النزاع على الأرض أو ~~الملكية أو النساء ليصير عنفا يؤدي إلى إصابة أو موت داخل القبيلة. في الواقع، كان مثل ~~تلك الصراعات أمرا معتادا بين العديد من قبائل الأمريكيين الأصليين، ولم يكن من غير ~~المألوف أن ينخرط أفراد هذه القبائل الأخرى في حلقات من الانتقام والهجوم المضاد؛ حيث ~~يؤلبون أفراد القبيلة نفسها بعضهم ضد الآخر. # ما تميزت به قبيلة الشايان على قبائل السهول الهندية الأخرى كان متأصلا في ثقافتهم ~~ومنظومة قيمهم الفريدة، حيث كان تضامن القبيلة فضيلة عظمى، وحيث كان القتل - الذي كان ~~يعرف بأنه قتل أحد أفراد قبيلة الشايان لفرد آخر منها - «يلطخ» السهام المقدسة ~~التي كانت تعد رموزهم العظمى لوحدة القبيلة. كان القتل يضع القبيلة بأسرها في مأزق ~~أخلاقي، فيسلبها حماية الأرواح الإلهية والقوى السحرية الي تتمتع بها السهام نفسها. ~~اعتقد الشايان أن جسد القاتل يتعفن من داخله، ويصير فاسدا ومتفسخا حتى يموت ~~القاتل ميتة بطيئة. يمكن وقف هذه الآثار فقط إن تاب القاتل عن خطيئته بتولي رعاية ~~مراسم تجديد السهم، وهي مهمة شاقة تتطلب شهورا من السفر على صهوة حصان لزيارة كل ~~فرق الشايان المنتشرة على مساحة مترامية من أراضي الصيد التابعة لقبيلتهم ~~وإخبارها. # كان الهدف من مراسم تجديد السهم هو «التطهير» الرمزي للسهام الأربع المقدسة - من خلال ~~الصوم والصلاة وإقامة الشعائر لأيام - التي توارثتها الأجيال من بطل الشايان الأسطوري ~~«طبيب العشب الحلو»، الذي استلمها من الروح العظمى منذ زمن طويل. وكان كل أفراد قبائل ~~الشايان يتجمعون مرة كل بضع سنوات لإقامة مراسم تجديد السهم المقدس، حيث كانت قبيلة ~~الشايان كلها تنادي أرواح أسلافها أن تجدد الأرض، وتمسح آثام الماضي، وتجدد روابط ~~الأخوة بين كل أفراد الشايان؛ وبهذا تضمن وفرة حيوانات الصيد والانتصار في ~~الحرب. # في ms141 اليوم الأول من مراسم تجديد السهم - يوم الانقلاب الصيفي - كانت ألف أسرة من أسر ~~الشايان تقيم ألف خيمة، على شكل قوس هلال كبير يواجه الشمس البازغة، حيث يلتقط باب كل ~~خيمة الأشعة الأولى التي تظهر في الأفق. وفي مركز هذا الهلال كانت تقام خيمة جماعية ~~كبيرة، مقام سهم الطبيب؛ حيث كانت السهام المقدسة تجدد وتطهر. # في اليوم الثاني، كان الكهنة يتخذون أماكنهم في مقام سهم الطبيب، وكانت الأضاحي ~~توضع على سبيل القرابين قبالة المذبح القائم في وسط المقام، وبعد أداء طقوس سرية ~~معينة بعناية، وإنشاد أغان مقدسة، وإقامة الصلوات، كانت الصرة التي تحتوي على ~~السهام المقدسة تفتح وتفحص. كان لهذه اللحظة حرمة شديدة، حتى إنه كل أفراد الشايان ~~عدا أولئك المشاركين فعليا في المراسم كان عليهم التزام الصمت والسكون التام في ~~خيمهم، في حين كان أفراد جمعية محاربي الشايان يحرسون منطقة المخيم الكبير في يقظة؛ ~~فإن بدأ طفل في البكاء أسكت سريعا، وإن نبح كلب كان يقتل في الحال بضربة سريعة من ~~هراوة أحد المقاتلين. # في اليوم الثالث من المراسم، كانت الأسهم المقدسة تنظف وتصلح، ويقطع غصن صفصاف ~~طويل لكل أسرة من أسر الشايان. كان كل غصن، واحد تلو الآخر، يباركه كهنة القبيلة بدخان ~~البخور لإعطاء كل أسرة عهدا جديدا. وكان أفراد كل أسرة يحتفظون بغصنهم ويعتنون به ~~باهتمام طوال العام، كتذكرة بأنهم شايان، وأنهم ينتمون إلى شيء أكبر من أنفسهم، وأكبر ~~من أسرهم، وأكبر من الجماعة المحلية من العائلات المترابطة التي عاشت وسافرت معا، ~~تمارس الصيد وجمع الثمار كل منها داخل أراضيه. # على هذا المنوال، كان الشايان يسخرون القوة العاطفية للتواصل الرمزي في دمج ~~العشرات من المجموعات الرحالة الصغيرة في كيان قبلي واحد قادر في وقت قصير على التضافر ~~في قوة مقاتلة من آلاف الأشخاص. بلغة مشتركة، وولاء مشترك لسلطة السهام المقدسة ~~وغيرها من رموز القبيلة، كانت جماعات الشايان المتعددة تستطيع الانتظام سريعا في ~~مجموعة واحدة كبيرة تضم أغلب أفراد القبيلة. بهذه الطريقة، صار المجتمع الانقسامي ~~الاندماجي الذي ورثه ms142 كل من قردة الشمبانزي وأشباه البشر من أسلافهم المشتركين، ~~قادرا على خلق شعور التضامن القبلي بين أفراد الجماعات الرحالة المتناثرة ~~المتعددة. # المجتمع الانقسامي الاندماجي # خلال الفترات القصيرة التي كانت تندمج فيها مؤقتا مجموعتان مختلفتان من قردة ~~الشمبانزي في مجموعة واحدة، كان أفراد المجموعتين يختلطون معا دون أو مع القليل من ~~العنف أو الصراع الواضح، لكن أثناء مرحلة الاندماج هذه تظهر على أفراد المجموعتين أعراض ~~ضغط نفسي، قد تكون في شكل صراخ، واستعراض ل «السيطرة» بكسر فروع الأشجار مثلا، والركض ~~في الأنحاء بهياج شديد عامة، لكن لا مفر من أن يبدأ الضغط النفسي الناتج عن التواصل ~~عن قرب مع أفراد مجموعة أخرى في إحداث آثاره السلبية. وبعد الاختلاط ليوم أو يومين، ~~تفصل قردة الشمبانزي نفسها في مجموعاتها الأصلية وترحل إلى مواطنها. # لكن البشر مضوا بالنموذج الانقسامي الاندماجي لأفق أبعد، بجعل دورة الاندماج جزءا ~~لا يتجزأ من تكيفهم البيئي الموسمي. فكان الإسكيمو الإنويت يقضون شهور صيف القطب ~~الشمالي القصير الدافئة نسبيا في مجموعات أسرية صغيرة تراوحت عامة من فردين إلى ~~اثني عشر فردا، أثناء تجوالهم في منطقة التندرة يجمعون البيض ويصطادون الأرانب. أما ~~في الشتاء، حين كانوا يصطادون حيوانات أكبر حجما، مثل الوعل والفقمة والفظ، التي كانت ~~تتطلب تعاونا بين مجموعة أكبر من الصيادين، كان الإسكيمو يحتشدون في مجموعات أكبر ~~كثيرا. كانت كل أسرة أو أسرة ممتدة من الإسكيمو تستقر في موقع واحد من أجل الشتاء ~~وتبني كوخا جليديا؛ لتقيم مستوطنات تتكون من عدة أكواخ جليدية يقيم فيها خمسون ~~شخصا أو أكثر. # أبدت قبائل البوشمان في صحراء كلهاري نموذجا انقساميا اندماجيا مشابها، ~~بالتجمع بأعداد كبيرة نسبيا قرب آبار الماء الدائمة القليلة في ذروة موسم الجفاف ~~والتوزع في مجموعات أسرية صغيرة خلال الموسم الممطر، حين يكون الغذاء وفيرا، ويمكن ~~العثور عليه متناثرا في أنحاء الصحراء. # حين أدمج الإنسان الحديث تشريحيا التواصل بالرموز في حياتهم اليومية، أطلق العنان ~~للقوة الكاملة للمجتمع الانقسامي الاندماجي؛ فبتبني هويات ثقافية مميزة - ودعم ~~هذه الهويات بالتشارك في اللغة والموسيقى ms143 والرقص والفنون والرسم وغيرها من أشكال ~~التواصل بالرموز الأخرى - استطاع الإنسان الحديث دمج جماعات الرحالة الصغيرة التي كان ~~يعيش فيها وقتا طويلا من السنة لتصير مجموعات كبيرة قادرة على التعاون في الصيد ~~والحرب حسبما تقتضي الحاجة وتسنح الفرصة. # رغم أن مجموعات رحالة عصور ما قبل التاريخ الصغيرة ربما كانت مناسبة كأفضل ما يكون ~~لمطاردة الحيوانات الصغيرة وجمع النباتات القابلة للأكل، فإن المجموعات الأكبر كانت ~~أنسب للصيد الجماعي للحيوانات الكبيرة، مثل حيوانات ما قبل التاريخ الضخمة من الماموث ~~ووحيد القرن وثور البيسون والماشية الوحشية. ورغم أن بشر النياندرتال كانوا يصطادون ~~الحيوانات الضخمة باستمرار، فقد ظلت أعدادها تزيد بجانب بشر النياندرتال لعشرات آلاف ~~الأعوام، لكن حين ظهر الإنسان الحديث تشريحيا في الصورة ظلت الحيوانات الضخمة ~~تصطاد فيما يبدو حتى انقرضت في غضون بضعة آلاف عام. فرغم ثقافاتهم القبلية وقدرتهم على ~~تنظيم أنفسهم في مجموعات كبيرة حين تتطلب الظروف، فقد أثبتت الكفاءة القتالية للصيد ~~الجماعي أنها عاجزة أمام الحيوانات الضخمة التي كانت تجوب المناطق الشمالية طوال العصور ~~الجليدية. # منذ خمسة وسبعين ألف عام، كان بشر النياندرتال قد استقروا في غرب أوروبا، وازدهروا ~~هناك طوال خمسين ألف عام على الأقل، لكن بعد وصول الإنسان الحديث تشريحيا بعشرين ألف ~~عام اختفى بشر النياندرتال تماما. وعلى النقيض من الإنسان الحديث تشريحيا، لم يترك ~~بشر النياندرتال سوى القليل من الأدلة على التواصل بالرموز، ولم يتركوا أي أدلة ~~نهائيا على تقاليد ثقافية أو هويات إثنية محددة. ورغم قوتهم البدنية الفائقة لم ~~تكن الجماعات الصغيرة المؤلفة من أفراد من بشر النياندرتال لتصمد أمام إحدى القوات ~~المقاتلة المنظمة المكونة من المئات، بل والآلاف من المحتشدين المنتسبين إلى ~~الحضارة الشاتلبيرونية أو الأورينياسية. # القدرة على السرد # قد يكون أهم تطور في مسيرة التواصل الرمزي قد حدث حين بدأ البشر ضم مجموعات من ~~الكلمات لوصف الأحداث التي جرت بتسلسل معين خلال فترة من الزمن. هذه التسلسلات تعرف ~~عامة باسم «الحكايات ». ~~«قال الملك للأرنب الأبيض: «فلتبدأ من البداية، واستمر حتى تصل إلى النهاية: ثم ms144 ~~توقف»» # 14 ~~(من قصة «أليس في بلاد العجائب»). هذه الصيغة البسيطة على نحو خادع تصف ~~شكلا قويا من التواصل لا يقدر عليه نوع آخر. مع أنه من الجائز أن البشر الناشئين ~~كان لديهم شكل بدائي من اللغة، ومن شبه المؤكد أن بشر النياندرتال كان لديهم قدرة ~~على استخدام لغة منطوقة، فإن التغييرات الكبيرة التي أدخلها الإنسان الحديث تشريحيا ~~في الحياة الإنسانية ربما كانت راجعة لقدرتهم الفريدة على سرد الحكايات في شكل ~~قصصي. # القدرة على السرد جعلت من الممكن للصيادين عند عودتهم لمقرات إقامتهم بغنائمهم ~~المرجوة من اللحم أن يقصوا كيف عثروا على فريستهم وتتبعوها وحاصروها وأجهزوا ~~عليها وذبحوها. وقد مكن السرد جامعات الثمار من أن يصفن كيف انتقلن من مقرات ~~إقامتهن إلى الموقع المحدد الذي أمكن العثور فيه على الثمار والجذور والدرنات المرغوب ~~فيها وغيرها من الأطعمة. وبفضل السرد أمكن وصف عملية صناعة الأدوات والأسلحة والأوعية ~~والمساكن والملابس خطوة بخطوة، وسائر الأشياء الكثيرة الأخرى التي كان الصيادون ~~والجامعون يعتمدون عليها. كما مكن السرد المعالجين الروحيين والمداوين من شرح ~~مسببات الأمراض، وتعليم تلامذتهم كيفية إجراء طقوس معالجة المرضى والجرحى. # من بين الإسهامات العديدة لقدرة السرد في ثقافة البشر، أنها أتاحت لرواة القبيلة أن ~~يحكوا حياة الأسلاف وآلهة القبيلة وأعمالهم، وأن يشرحوا كيف نشأ الكون، ويرتلوا ~~الأناشيد والطقوس المقدسة التي أضفت معنى وثراء على الحياة القبلية. شكل حاصل مجموع ~~هذه القصص «التراث الشفهي» الذي دونه اختصاصيو علم الإنسان في كل ثقافات عصور ما قبل ~~الصناعة التي درسوها. وكان هذا التراث الشفهي بمثابة مستودعات للتجارب والحكمة الجماعية ~~لكل مجتمع من المجتمعات البشرية حتى ميلاد الحضارة واختراع الكلمة المكتوبة. # وأخيرا منحت القدرة على السرد الإنسان الحديث تشريحيا طريقة لمعرفة كيف جرت ~~الأحداث في الماضي، بل وكيف ستجري في المستقبل أيضا. على هذا المنوال، منح اختراع ~~الحكي لنوعنا القدرة الفريدة على تصور مرور الوقت والاستعداد لأحداث لن تقع قبل أيام ~~أو أسابيع أو شهور في المستقبل. # لذا، ليس من قبيل المصادفة أنه عندما حل مكان ms145 بشر النياندرتال الإنسان الحديث ~~الذي تمتع بثقافات ثرية بالتواصل الرمزي - والذي امتلك، من خلال الاشتراك في رمزية ~~اللغة والتراث الشفهي، معلومات أكثر بكثير حول سبل العيش - ازدادت أعداد البشر في ~~أوروبا خلال بضعة آلاف السنين حتى صارت عشرة أضعاف ما كانت عليه خلال زمن بشر ~~النياندرتال. # قوة التطور الثقافي # تتكون الآلية الأساسية للتطور البيولوجي من ثلاث عمليات أساسية؛ أولا: يرث كل ~~جيل خواص والديه من خلال المعلومات المشفرة في المواد الوراثية التي يمده بها كل ~~من الأب والأم. وثانيا: تفقد بعض هذه المعلومات أو تتغير حتما من خلال عملية إلى ~~حد كبير عشوائية نسميها «الطفرة». وثالثا: أغلب الطفرات إما أن تكون بلا تأثير على ~~نمو الكائن أو تكون مضرة أو غير ملاءمة؛ مما يجعل الحياة عسيرة على الأفراد الذين ~~تغير حمضهم النووي. # إلا أنه في حالات قليلة جدا يتضح أن الطفرات العشوائية مفيدة وتساعد الكائن في ~~التكيف مع بيئته بكفاءة أكثر. ونتيجة لهذا، يزداد انتشار الطفرات الأكثر نفعا في ~~الجماعة المتكاثرة، وفي النهاية - إن كانت تلك الطفرات ملائمة بدرجة كافية - تصير ~~النمط الطبيعي الجديد داخل الجماعة المتكاثرة. وهذه هي العملية الأساسية التي نتجت عنها ~~القدرة على السير والعدو على ساقين، واستخدام النار، وطهو الطعام، وبناء المساكن، ~~وحياكة الملابس، وما إلى ذلك. # لكن التطور البيولوجي له حدود؛ فهو مبدئيا بطيء للغاية؛ إذ استغرق أسلافنا الذين ~~عاشوا في عصور ما قبل التاريخ ملايين السنين ليكتسبوا الاستقامة التامة للقامة والحركة ~~الفعلية على القدمين، واستغرق مخ أشباه البشر أكثر من مليون سنة حتى يصل إلى حجمه الضخم ~~الحالي. خلال عملية التطور البيولوجي، لا يمكن أن تنتقل المعلومات الجينية الجديدة ~~والأعظم فائدة إلا من أحد الوالدين لنسله البيولوجي. هذا معناه أنه لا بد من تعاقب ~~أجيال عديدة قبل أن ينتشر الجين المفيد في الجماعة المتكاثرة. وقبل أن ينجح يجب على ~~أبناء وأحفاد وأبناء أحفاد الفرد الأول الذي كان لديه هذه المادة الجينية الجديدة ، أن ~~يتفوقوا باستمرار على أبناء وأحفاد وأبناء أحفاد أفراد الجماعة الآخرين، ويفوقوهم ms146 ~~عددا في النهاية. # الحمض النووي للنوع هو مجموعة كاملة من إرشادات بناء كل أعضاء الكائن الحي، مثل وصفة ~~صنع نوع من الكعك أو مخطط تشييد بناء. وإذا تغير أي من هذه الإرشادات لن تصنع ~~الكعكة أو يشيد البناء أو الكائن كما خطط له. وحين تكون هذه التغييرات مجرد إخفاقات ~~عشوائية في استنساخ الإرشادات، ستبدو «أخطاء» في المنتج النهائي؛ لذا من الضروري لأي ~~مجموعة من الكائنات الحية أن تستبعد آلاف من الطفرات الضارة قبل أن تظهر طفرة واحدة ~~مفيدة يمكن الاحتفاظ بها خلال عملية الانتقاء الطبيعي. # أما التطور الثقافي فلا تعترضه أي من هذه العوائق؛ فقد ينشأ نوع جديد من السلوكيات ~~لدى فرد واحد وينتقل سريعا إلى أفراد آخرين من خلال التعلم والمحاكاة. وإذا كان هذا ~~التصرف الجديد يساعد الفرد على التأقلم مع بيئته بنجاح أكثر، فمن الممكن أن ينتشر ~~بسهولة بين أفراد الجماعة الاجتماعية بأسرها خلال جيل واحد. # علاوة على ذلك، تتواصل المجموعات المختلفة من القردة والسعادين والبشر بعضها مع بعض ~~من حين لآخر، وقد يختلط أفراد مجموعتين حين يكون هذا التواصل وديا. وهذا يعطي أفراد ~~إحدى المجموعتين فرصة ملاحظة سلوكيات أفراد المجموعة الأخرى ومحاكاتها. وعلى هذا النحو، ~~من الممكن أن تنتشر سلوكيات جديدة ليس داخل مجموعة اجتماعية واحدة فقط، لكن من مجموعة ~~اجتماعية لأخرى. وهكذا تنتشر في النهاية بين سكان منطقة جغرافية بأسرها. # وأخيرا، نادرا ما تنشأ المستجدات الثقافية كأحداث عشوائية؛ فعلى عكس الطفرات ~~الجينية دائما ما تكون التغيرات في السلوك التي تدفع بالتطور الثقافي مقصودة ~~ومتعمدة؛ ولذلك السبب من المرجح جدا أن تكون أكثر فائدة وقابلية للتكيف بكثير إذا ~~ما قورنت بالطفرات التي تؤدي إلى التطور البيولوجي. هذا لا ينطبق فحسب على غسل الماكاك ~~للبطاطا، ولكن ينطبق أيضا على ابتكار فن الكهوف، واستئناس النباتات والحيوانات، وتطور ~~الآلات الدقيقة، واختراع الكمبيوتر. ومن السهل أن نرى لماذا حين تتحد الطبيعة الهادفة ~~للمستجدات الثقافية مع طرق نقلها وانتشارها السريعة جدا، يكون التطور الثقافي أسرع ~~وأكثر كفاءة من التطور البيولوجي. ~~••• # مع بزوغ ms147 الثقافات القبلية - المرحلة التي يرجع الفضل فيها إلى ظهور التواصل الرمزي ~~المشترك بأشكاله العديدة - بدأت البشرية مسار الاندماج في مجتمعات وجماعات اجتماعية ~~متزايدة الحجم. وفي كل خطوة على هذا الطريق - في القرية الزراعية، والدولة المدينة ~~الحضرية، والدولة القومية الصناعية - تضاعف حجم المجموعة البشرية على نحو مطرد. فلولا ~~التواصل الرمزي ما كان هذا النمو المطرد ليصبح ممكنا أبدا، أما مع التواصل الرمزي ~~فقد كان حتميا على الأرجح. # الجماعة الاجتماعية البشرية التي ظلت لملايين السنين لا تزيد على عشرات قليلة من ~~الأفراد، حين حررت نفسها من إرث الرئيسيات وتوسعت في قبائل من آلاف الأشخاص، بدأت ~~عملية دمج بلغت ذروتها بتكوين دول قومية مترامية ضمت ملايين الأفراد، وفرضت سيطرتها ~~على وجه البسيطة بأكملها. ومسألة ما إذا كان نوعنا قادرا على تحقيق عملية دمج أخيرة - ~~حيث يتقاسم كل البشر الأحياء هوية مشتركة كأفراد في ثقافة وحضارة عالمية واحدة - ~~ستحدد مستقبل نوعنا، وكذلك مستقبل أغلب أشكال الحياة على الأرض. وفي واقع الأمر، هذه ~~المسألة من المسائل الجوهرية في هذا الكتاب. # الفصل السادس # | تقنية الزراعة # القرى الدائمة وتراكم الثروة # الانتقال من البحث عن الغذاء إلى الزراعة كان أعمق ثورة في تاريخ البشر. # جرايم باركر، «الثورة الزراعية في عصور ما قبل التاريخ» # منذ ثمانية عشر ألف عام كان العصر الجليدي الأخير في ذروته؛ فقد كان يغطي الدوائر ~~الشمالية لأوروبا وآسيا وأمريكا طبقات هائلة من الجليد بلغ سمكها مئات الأقدام. وكان ~~مستوى سطح البحر أقل مما هو عليه اليوم بمقدار ثلاثمائة قدم. وامتدت صحراوات شاسعة عبر ~~أفريقيا وآسيا، وكانت الغابات المطيرة لا تزيد عن نسبة ضئيلة من حجمها الحالي. لكن كان ثمة ~~تغييرات كبرى في المستقبل؛ فمع انحسار العصور الجليدية وارتفاع درجة حرارة الأرض، كانت ~~البشرية على وشك الشروع في تحولها الأكبر التالي. # كل من التحولات الأربعة التي جرت من قبل غيرت الطبيعة البيولوجية لأسلافنا إلى حد ~~كبير؛ فقد حولتنا تقنية الرماح وعصي الحفر من حيوانات رباعية الأرجل إلى ثنائية ~~الأرجل. ونتج عن تقنية النار والطهو أن فقدنا ms148 شعر أجسادنا، وحدثت زيادة ضخمة في حجم ~~أدمغتنا، كما حدث تحول في بنيتنا التي كانت مهيأة لتسلق الأشجار. أيضا مكنتنا ~~تقنية الملابس والمأوى من الهجرة من المناطق المدارية، وجعلت من الممكن لمواليدنا ~~«المبتسرين» البقاء على قيد الحياة في المناخ البارد. واشتملت تقنية التواصل بالرموز على ~~تغييرات مهمة في أدمغتنا، فحررتنا من وتيرة التطور البيولوجي البطيئة، ومكنتنا من ~~الاستفادة من سرعة التطور الثقافي ومرونته. # لكن طوال ملايين السنين التي استغرقتها كل هذه التغيرات البيولوجية المهمة، لم تتبدل ~~طبيعة مجتمع أشباه البشر ولا علاقة أشباه البشر ببيئتهم الطبيعية تبدلا ملحوظا؛ فخلال ~~النهار ظل الذكور البالغون يسلكون نمط حياة يعتمد على الصيد بالاقتناص، في حين ظلت ~~الإناث البالغات يبحثن عن نباتات قابلة للأكل. وفي الليل ظلت مجموعات صغيرة من الأقارب ~~تجتمع في مقرات سكنهم للاحتماء من الضواري. ومن حين لآخر كانت الجماعة من أشباه البشر تهجر ~~مقر سكنها وتنتقل لموقع جديد؛ بحثا عن موارد أكثر وفرة للغذاء. # لكن حين اقترب العصر الحجري القديم من نهايته مع تراجع العصر الجليدي الأخير، حررت ~~البشرية نفسها من الحاجة للانهماك الدائم في البحث عن شيء لتناوله، التي تحد حياة كل ~~الحيوانات الأخرى وتقيدها؛ فحين جعلت تقنية الزراعة بإمكان البشر إنتاج غذائهم وتخزينه ~~للمستقبل، ألقى نوعنا عن كاهله العبء الذي كان يحمله، مع كل الحيوانات الأخرى، منذ ~~نشأته. # متحررين من البحث اليومي عن الغذاء، استقر أسلافنا في مستوطنات دائمة ضمت المئات بل ~~الآلاف من الناس، وتعلموا الاشتغال بالفنون والحرف، وبدءوا يتضاعفون. ومكنتنا تقنيات ~~النقل والاتصالات الجديدة والقوية من بناء المدن والتضاعف أكثر لنبني حضارات هائلة ~~مكونة من مئات آلاف الأشخاص. وأتاحت لنا تقنية الآلات الدقيقة إمكانية إنشاء دول قومية ~~صناعية حديثة تضم ملايين الأشخاص؛ ونتيجة لذلك تضاعفنا سريعا حتى بات مستقبلنا البعيد ~~في خطر الآن. وبفضل التطور الحديث للتقنية الرقمية - التي منحتنا القدرة على التجارة مع كل ~~أفراد النوع البشري وزيارتهم والتواصل معهم - أصبح بإمكان البشرية الاندماج في مجتمع عالمي ~~واحد، لأول مرة في تاريخنا. # ما كان لأي ms149 من هذه التحولات في المجتمع أن يحدث مطلقا لو كان البشر استمروا في حياة ~~الصيد وجمع الثمار التي بدأها نوعنا، إلا أن مسببات هذا الظهور المفاجئ للزراعة، التي ~~جعلت بإمكان المجتمع البشري أن يخطو أولى خطواته على الطريق لتحول اجتماعي بالغ، ما زالت ~~واحدا من الألغاز الكبرى التي تكتنف قصة البشر. # لغز الزراعة # في الفترة ما بين 12000 و4000 عام مضت، أقدم عدد من المجتمعات البشرية المختلفة، ~~التي كانت تعيش في مواقع متباعدة جدا، على هجر أسلوب حياتها السابق الذي اعتمد على ~~الصيد وجمع الثمار، وبدءوا يزرعون غذاءهم. قدم العلماء العديد من النظريات المختلفة ~~والمتناقضة في كثير من الأحيان لتفسير هذه المصادفة الجديرة بالملاحظة، لكن بعد عقود من ~~النقاش ما زال هناك عدم اتفاق حول الأسباب المحددة التي جعلت البشر حول العالم يقدمون ~~على هذا التحول الكلي من الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة في هذا الوقت. # لاحقا في هذا الفصل، سوف أشرح لماذا قد يكون اكتساب اللغة - وخاصة ملكة الحكي - هو ~~ما مكن البشرية من الإقدام على هذا الانتقال من البحث عن الغذاء إلى الزراعة في هذه ~~المحطة بالذات من تاريخها، لكن أولا لا بد أن نرى بعين الاعتبار النظريات التي قدمت ~~في السنوات الأخيرة لتفسير تقنية إنتاج الغذاء الحديثة. ورغم أن العلماء قد يختلفون ~~بشأن المسببات، فإنهم متفقون على أن الزراعة بدأت في الشرق الأوسط منذ نحو أحد عشر ~~ألف عام، في قطاع من الأرض وفير المياه يسمى «الهلال الخصيب». وهذا هو المكان الذي ~~ستبدأ فيه قصتنا. # تبلغ مساحة الهلال الخصيب نحو مائة ميل عرضا وقرابة ألف ميل طولا. ويبدأ من مصر، في ~~الطرف الشرقي من البحر المتوسط، وينتهي عند العراق في الطرف الشمالي للخليج الفارسي. ~~ولما كان الهلال الخصيب واقعا على الممر بين أفريقيا وأوراسيا مباشرة، ولما كان ~~موطنا لأولى الحضارات القديمة، فقد لعب دورا هائلا في تاريخ البشرية منذ هاجر البشر ~~الناشئون إلى أوروبا وآسيا، وذلك منذ أكثر من مليون عام ونصف. # إحدى النظريات الأولى التي فسرت ms150 نشوء الزراعة زعمت أن الفلاحة نشأت في الهلال ~~الخصيب لأن بيئة تلك المنطقة كانت في مرحلة جفاف؛ مما جعل العدد المتناقص من الناس ~~والحيوانات ينتقلون إلى الواحات، حيث اضطروا للعيش على مقربة شديدة بعضهم من بعض، ~~وحيث بدأ البشر يربون هذه الحيوانات من أجل الحصول على الغذاء، لكن افترضت نظرية ~~لاحقة أن إنتاج الغذاء لم يبدأ في الواحات، وإنما في الخاصرة الجبلية للهلال الخصيب؛ ~~لأنها كانت منطقة تعيش فيها الأسلاف البرية لبعض من أولى النباتات والحيوانات التي ~~استؤنست، ومنها القمح والشعير والكتان والبازلاء والعدس والماشية والماعز والخراف ~~والخنازير. # شكل 6-1: الهلال الخصيب، الممتد من نهر النيل في الغرب حتى الخليج الفارسي في ~~الشرق، هو المكان الذي ظهرت فيه أقدم أدلة على الزراعة. # لكن جاءت نظرية بعدها افترضت أن الزراعة بدأت حينما بدأت لأن الهلال الخصيب أخذ ~~يكتظ بالسكان، وأخذ الغذاء يندر. وبعد زمن قصير، زعمت نظرية أخرى أن البشر صاروا ~~يعتمدون على أنواع معينة من النباتات والحيوانات، التي كانت بدورها تتطور لأشكال كانت ~~مفيدة جدا، حتى إن البشر شرعوا يحمونها وينشرونها. تلا هذه النظرية أخرى قائلة بأن ~~مجتمعات ما قبل الصيد كانت قد أنتجت بالفعل فائضا من الغذاء؛ مما أباح للأفراد ~~المهيمنين التنافس على الحظوة والنفوذ بإقامة مآدب متزايدة البذخ، وأن الحاجة لإنتاج ~~هذا الفائض من الغذاء من أجل تلك المآدب هو الذي حث على نشوء الزراعة. وأخيرا ارتأت ~~نظرية جديدة أنه بعد نهاية العصور الجليدية صار مناخ الدوائر الشمالية أكثر ملائمة ~~للنباتات، وهذا شجع الناس على الإعراض عن أنماط حياة الترحال السابقة، لما وجدوا أن ~~زراعة غذائهم ببساطة أسهل من صيده وجمعه. # 1 # وليست هذه إلا ستا من أشهر النظريات وأكثر ما خضع منها للمناقشة الجادة. أدرج عالم ~~الآثار جرايم باركر في دراسته المستفيضة عن أصول الزراعة ما لا يقل عن تسعة وثلاثين ~~سببا طرح على مدار سنوات لتفسير الانتقال من البحث عن الطعام إلى الزراعة، ومنها ~~الرجال الضخام الجثة، وتغير المناخ، والتنافس، والتصحر، والتغلغل، وعلوم الطاقة، ~~واستهلاك الدهون، ms151 والولائم، والهرمونات، والذكاء، والحدائق المنزلية، وملكية الأراضي، ~~والبيئات الهامشية، والانتقاء الطبيعي، والإجهاد الناتج عن نقص الغذاء، والواحات، وهجرة ~~النباتات، والضغط السكاني، والطفرات الجينية العشوائية، وتركز الموارد، والبيئات ~~الغنية، والطقوس، والتحول من الترحال إلى الاستقرار، والتخزين، والتحديث التقني، وتوفر ~~الماء، والخوف من الغرباء، والتنوع الحيواني. # 2 # ثمة مشكلتان رئيسيتان تتعلقان بهذه النظريات. المشكلة الأولى هي أن بعض هذه ~~التفسيرات تبدو فعلا متناقضة بعضها مع بعض؛ فعلى سبيل المثال تفترض إحدى النظريات أن ~~إنتاج الغذاء نشأ بسبب نقص الغذاء، بينما تفترض نظرية أخرى أنه نشأ بناء على وفرة ~~الغذاء. المشكلة الثانية هي أن الأحداث والظروف التي يعتقد أنها أنذرت ببداية إنتاج ~~الغذاء كانت قد وقعت كلها من قبل في تاريخ أشباه البشر. وحين تكون الأحداث والظروف ~~نفسها قد وقعت بالفعل دون أن تسفر عن النتائج نفسها، يبدو بديهيا أن أيا من هذه ~~الظروف لم يكن كافيا وحده ليأتي بالتحول العظيم الذي وقع حين اخترع البشر الزراعة، لكن ~~خلال بضعة آلاف من السنين اخترعت الزراعة في أحد عشر موقعا مختلفا على الأقل في ~~أنحاء العالم. # ظهرت أقدم الأدلة على الزراعة في الفترة ما بين أحد عشر ألف عام وثمانية آلاف عام ~~مضت، مع استئناس القمح والشعير والكتان والبازلاء والعدس والماشية والماعز والخراف ~~والخنازير في الهلال الخصيب، لكن بعد ذلك بوقت قصير - قبل تسعة إلى ثمانية آلاف عام - ~~استؤنس الأرز والدجاج والخنازير والماشية وجاموس الماء في أحواض أنهار شرق الصين، كما ~~استؤنس الدخن في شمال الصين. # شكل 6-2: بدأ استئناس النباتات والحيوانات في أحد عشر موقعا مختلفا على ~~الأقل في الفترة منذ أحد عشر ألف عام وأربعة آلاف عام في كل القارات ~~الرئيسية ما عدا أوروبا: (أ) الهلال الخصيب. (ب) وسط الصين. (ج) شمال ~~الصين. (د) غينيا الجديدة. (ه) وادي المكسيك. (و) جبال الأنديز. (ز) ~~شمال شرق أمريكا. (ح) أمريكا الجنوبية الاستوائية. (ط) غرب حوض ~~الأمازون. (ي) أفريقيا جنوب الصحراء. (ك) شمال الهند. # واستؤنس الذرة # 3 # والقرع في وادي المكسيك قبل فترة تتراوح بين ms152 ثمانية وستة آلاف عام مضت، ~~بينما استؤنس اليام والقلقاس والموز في مرتفعات غينيا الجديدة منذ نحو سبعة آلاف عام. ~~في الوقت نفسه تقريبا، كان اليام والقطن والبطاطا الحلوة تستأنس في المنطقة ~~الاستوائية المعروفة الآن بالإكوادور وكولومبيا، بينما كان الفول السوداني والفلفل ~~الحار والبفرة (يعرف أيضا باسم الكاسافا وجذور التابيوكا) تستأنس في الأراضي ~~المنخفضة المدارية من حوض الأمازون. # واستؤنست البطاطا والكينوا في مرتفعات ما صار يعرف الآن ببيرو وبوليفيا قبل سبعة ~~إلى خمسة آلاف عام. واستؤنس عباد الشمس واليقطين والقرع في شرق أمريكا الشمالية قبل ~~خمسة إلى أربعة آلاف عام، بينما في الوقت نفسه تقريبا كان الدخن والذرة البيضاء واليام ~~والبن تستأنس في أفريقيا جنوب الصحراء، وكان الخيل يستأنس في وسط آسيا. # 4 # لماذا جرى مثل هذا التغيير الجوهري في العلاقة بين البشرية والبيئة الطبيعية في جميع ~~أرجاء العالم في الفترة ما بين قبل أحد عشر ألف وأربعة آلاف عام؟ لماذا ظهرت الزراعة في ~~الوقت نفسه تقريبا في العديد من الأماكن المختلفة في أنحاء العالم؟ ولماذا بدأت ~~الزراعة في كل منطقة بخليط من النباتات والحيوانات مختلف عن تلك التي استؤنست في ~~الهلال الخصيب، بدلا من الانتشار من نقطة انطلاق واحدة في الشرق الأوسط؟ إذن يظل ~~السؤال هو: ما الشيء الجديد أو المختلف الذي اتسم به بشر العصر الحجري الحديث؟ وماذا ~~كان لديهم من قدرات تمكنهم من ابتكار أسلوب حياة مختلف جذريا؛ قدرات لم تكن لدى ~~فصيلة أشباه البشر في الفترات السابقة؟ # هل اللغة المنطوقة هي الحلقة المفقودة؟ # كتب عالم الآثار البارز أندرو شيرات عام 1997م قائلا: «يبدو أن نزعة التدخل في ~~البيئة بطرق غير مسبوقة كانت سمة متأصلة لدى الإنسان الحديث؛ من هذا المنطلق ترتبط ~~«نشأة الزراعة» بظهور اللغة والأنظمة الرمزية بقدر ما ترتبط بالتغير المناخي.» # 5 # هل كانت تقنية التواصل الرمزي هي العنصر الحاسم الذي كان مفقودا في الثقافات البشرية ~~خلال فترات أقدم من عصور ما قبل التاريخ في حياة البشر؟ هل كان «ظهور اللغة والأنظمة ~~الرمزية» جنبا إلى جنب ms153 مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، هما العاملان المتضافران اللذان ~~مكنا البشرية من إنتاج غذائها أخيرا؟ # الأدلة الباقية من ثقافات العصر الحجري القديم العلوي في أوروبا توحي بأن التواصل ~~الرمزي لم يتعد المرحلة البدائية حتى لدى الإنسان الحديث تشريحيا قبل ثلاثين أو ~~أربعين ألف سنة مضت، وهي الفترة التي تتزايد بعدها الأدلة على الموسيقى والفنون والرسم ~~واستخدام الرموز باطراد من حيث الكم والتنوع، لكن طوال العصر الحجري القديم العلوي كله ~~طغت آثار العصر الجليدي الأخير على مناخ الأرض، والموائل التي عاشت فيها شعوب ما قبل ~~التاريخ تلك كانت بوجه عام شديدة البرودة وشديدة الجفاف بما يجعلها بيئة غير مواتية ~~لإنبات المحاصيل. # ذروة العصر الجليدي الأخير - المعروفة أيضا باسم الذروة الجليدية الأخيرة - وقعت قبل ~~ثمانية عشر ألف عام تقريبا، بعدها ارتفعت درجة حرارة الأرض عامة، وصار هطول الأمطار ~~أغزر، وأصبحت ظروف زراعة الطعام مواتية أكثر. حدثت الذروة الجليدية السابقة لتلك منذ ~~نحو 140 ألف عام، واستمرت الفترة الدافئة الفاصلة بين عصرين جليديين التي تلتها نحو ~~عشرة آلاف عام، لكن هذا كان قبل ظهور الإنسان الحديث تشريحيا في أوروبا بزمن طويل، ~~وربما قبل أن يتطور لدى أي من أشباه البشر اللغات المنطوقة بحق التي يتحدث بها كل ~~البشر الآن. فإذا كانت اللغة ضرورية لنمو الزراعة، فهذا سيفسر لماذا لم تبدأ الزراعة ~~خلال الفترة الفاصلة بين عصرين جليديين التي وقعت تقريبا قبل ما بين 130 ألف و120 ألف ~~عام مضى. # لكن مع حلول آخر ذروة جليدية، كانت ثقافات العصر الحجري القديم العلوي قد صارت ثرية ~~باللغة واستخدام الرموز، وهو التطور الذي يمكن رؤيته بوضوح في البقايا الوفيرة من ~~الرسومات والمنحوتات والنقوش الحجرية التي تركتها شعوب العصر الحجري القديم العلوي. فلا ~~يدل التعقيد والتفصيل المتزايدان في اللغة المنطوقة على أن هؤلاء الناس قد تطورت ~~لديهم القدرة على تقاسم كمية هائلة من المعلومات المعقدة وتناقلها فحسب - مع تطور ~~الحكي الذي يصف الأحداث التي كانت تقع بمرور الزمن - ولكن أيضا على أنهم كانوا قادرين ~~على التعبير عن ms154 كيفية توالي الأحداث في تسلسلات متوقعة. # كل المعلومات المفصلة حول دورات حياة النباتات والحيوانات وسلوكها في بيئة المجتمع ~~- التي كانت من قبل مقتصرة على المعلومات التي يستطيع فرد واحد تحصيلها في عمر واحد ~~- صارت هي الحكمة المتراكمة لثقافات بأسرها، حين ابتكر البشر لغات وافية التفاصيل. ~~وعندما أدمجت هذه المعلومات المعقدة في التراث الشفهي لمجتمعات العصر الحجري القديم، ~~صارت تشكل الحكمة الجماعية لآلاف الأشخاص، التي تراكمت على مر أجيال عدة. # ببساطة ربما كان المقدار الضخم للمعلومات الضرورية من أجل النجاح في زراعة المحاصيل ~~وتربية الحيوانات المستأنسة يفوق مقدرة أي فرد على الاكتساب والتذكر؛ لذلك فمن المحتمل ~~أن جمع معرفة آلاف الأفراد وخبراتهم كلها في شكل تراث شفهي، بالإضافة إلى المناخات ~~الأكثر دفئا ورطوبة التي ظهرت منذ أحد عشر ألف عام، كان هو مزيج العوامل المصيري الذي ~~جعل الانتقال من البحث عن الطعام إلى فلاحة الأرض أمرا ممكنا. # إلا أنه ثمة عنصر أساسي آخر كان يجب إضافته إلى هذا المزيج قبل إمكان التحول ~~التام إلى نمط الحياة الزراعي: كان يجب على الناس في هذه العصور التوقف عن حياة التجوال ~~وبدء العيش بشكل دائم في موقع واحد. رغم أنه من المنطقي افتراض أن الناس لم تبدأ ~~العيش في مكان واحد إلا حين بدءوا زراعة غذائهم، فإن الدليل الأثري في منطقة الهلال ~~الخصيب يدل على العكس تماما: جاء العيش في مكان واحد أولا ثم جاءت ممارسة ~~الزراعة. في الواقع لا تظهر مجتمعات العصر الحجري الحديث الزراعية في السجل الأثري إلا ~~بعد أن بدأ الناس العيش في مكان واحد بنحو ألف عام. # العيش في مكان واحد # قبل حدوث تحول الزراعة، حين وجد مجموعة من الصيادين وجامعي الثمار الرحالة أنفسهم ~~في ظروف معيشية مواتية، وبدأ عددهم يزيد بحيث لم يعد مجرد بضع عشرات، كان الأخذ ~~بأنماط التقاسم والتعاون العادية سيصير غير عملي أكثر فأكثر، وكان الناس سينزعون ~~للانقسام إلى فصائل، وكان النزاع بين الفصائل المختلفة سيصبح أكثر تشعبا وتكرارا. في ~~نهاية المطاف، مالت هذه الجماعات البدوية ms155 العظيمة الحجم للانقسام إلى مجموعتين أو أكثر، ~~وذهبت كل منها في سبيلها. وهذا مثال على عملية «الانقسام» التي تقع من وقت لآخر في ~~المجتمع الانقسامي الاندماجي المعهود لدى البشر وغيرهم من الرئيسيات. كان نمط الحياة ~~البدوي يجعل الانتقال إلى أراض جديدة أمرا سهلا وطبيعيا بالنسبة إلى الجماعات، ~~وكانت عملية الانقسام تجعل حجم جماعات الصيد وجمع الثمار صغيرا نسبيا؛ مما سهل ~~الحفاظ على التضامن ويسر التعاون بين أفراد الجماعة. # لكن المجتمعات الزراعية ليس لديها هذه الرفاهية؛ إذ إنه مع الاعتماد على محاصيل ~~معينة تنمو سنويا في أماكن محددة، تحتم المصالح الشخصية على الشعب الزراعي ~~البقاء في مكان واحد. فبعد قضاء ساعات لا تحصى في بناء منازلهم الكبيرة الدائمة، لا ~~يمكنهم ببساطة شد الرحال والانتقال إلى أماكن أفضل للصيد؛ لذلك ظلت مستوطناتهم راسخة ~~في مكانها، وكلما يصير الغذاء وفيرا يزيد حجم جماعاتهم الاجتماعية أكثر ولا تستطيع ~~الانقسام بسهولة. # منذ 17 ألف عام، كانت تعيش جماعات قليلة منعزلة من البشر الحديثين يسمون ~~النتوفيين - يعيش أغلبهم في الهلال الخصيب أو بالقرب منه - وقد أخذت تحصد كميات كبيرة ~~من الحبوب البرية وتخزن هذه الحبوب لفترات طويلة. ولا تشبه البقايا الأثرية التي ~~تركوها وراءهم أيا من البقايا التي تركتها الجماعات البشرية السابقة عليهم. # كانت منازل النتوفيين أبنية راسخة من الطوب اللبن، أرضها مغطاة بمادة شبيهة ~~بالملاط مصنوعة من الجير، جرى سحقها حتى صارت مستوية وملساء. وكانوا يصنعون مناجل من ~~حصوات دقيقة صغيرة حادة - شظايا حجرية صغيرة للغاية بالكاد تزيد عن حجم الطوابع ~~البريدية - كانوا يثبتونها في مقابض خشبية، واستخدموا هذه المناجل في حصد نوعي القمح ~~البري الثنائي الحبة والوحيد الحبة الذي كان ينمو بكميات بوفيرة في تلال الهلال ~~الخصيب. وكذلك صنعوا هاونات ثقيلة من أحجار بركانية ضخمة، واستخدموا هذه الهاونات في ~~طحن الحبوب البرية لتصير دقيقا. وأقاموا أبنية خاصة ليستخدموها كمخازن غلال لتخزين ~~كميات كبيرة من الحبوب، ذات أرضيات من الألواح الخشبية مرتفعة عن الأرض لحماية مخزونهم ~~الثمين من الحشرات والقوارض. # تشير كل هذه الأدلة إلى ms156 أن النتوفيين بدءوا يعيشون في مكان واحد طوال العام؛ نمط ~~المعيشة الذي يصفه اختصاصيو علم الإنسان بأنه «مستقر». وبالتخلي عن حياة الترحال - ~~حتى مع الاستمرار في الصيد وجمع الثمار - أخذ النتوفيون أول خطوة حاسمة على طريق إنتاج ~~الغذاء، غير أنهم ظلوا باحثين عن الطعام؛ فالحبوب التي كانوا يحصدونها كانت تنمو ~~بريا؛ لا يوجد دليل على أنهم كانوا يعدون الأرض أو يزرعون البذور من أجل محاصيلها من ~~الحبوب، كذلك الحيوانات التي كانوا يذبحونها ويتغذون عليها كانت أنواعا برية؛ إذ لا ~~يوجد دليل على أنهم كانوا يحتفظون بالحيوانات في حظائر أو مرابط ويعلفونها من أجل ذبحها ~~فيما بعد. # لكن حين استقر النتوفيون، وبدءوا يعيشون في منازل دائمة، واحتفظوا بغذائهم في مخازن ~~دائمة، وعالجوا طعامهم بأدوات كانت ثقيلة جدا على النقل من مكان لآخر، وأقاموا قرى ~~دائمة ظلت في مكان واحد طيلة أجيال، بدءوا نمط معيشة جعل بدايات الزراعة ممكنة. وحين ~~انتقل نسل النتوفيين إلى إنتاج الطعام بدلا من صيده وجمعه فحسب، لم يكن أمامهم خيار ~~سوى المكوث في مكان واحد. # بمجرد أن ساد نمط الحياة الزراعي، كان من الضروري إعداد الأرض للزراعة، ثم غرس ~~البذور، ثم إزالة الحشائش، وري الشتلات النابتة (في بعض الحالات)، وحصد المحاصيل ~~الناضجة في النهاية. بعد الحصاد، كان من الضروري تخزين كميات كافية من الغذاء للبقاء ~~على قيد الحياة حتى موسم الزراعة التالي، والبقاء في مكان واحد لحماية مخزون الغذاء من ~~طمع كل من الحيوانات والبشر الآخرين. # قبل أحد عشر ألف عام، كان قد بدأ يظهر دليل جلي على أن بعض المجتمعات التي كانت تسكن ~~الهلال الخصيب كانت تزرع محصولاتها وترعاها عن قصد، والحبوب البرية التي كانت تجنى كان ~~يستعاض عنها تدريجيا بأنواع مستأنسة؛ فقد كانت الغلال المستأنسة تحمل حبوبا أكثر ~~على كل جذع وتنتج محاصيل أكبر. كذلك لم تكن سنابل الحبوب المستأنسة تتفتت أثناء ~~الحصاد بالسهولة نفسها التي تتفتت بها سنابل الحبوب البرية. هكذا استطاع هؤلاء ~~المزارعون القدامى حصد السنابل الناضجة دون الخوف من تبعثر الحبوب على ms157 الأرض قبل أن ~~يستطيعوا الرجوع بها إلى القرية من أجل درسها. # السعي وراء الثروة المادية # ثمة حد لكمية الحاجيات المادية التي يستطيع البدو الرحل تكديسها؛ لأن الناس ~~الدائمي الحركة لا يستطيعون الاحتفاظ بحاجيات مادية أكثر مما يمكنهم حمله معهم من ~~مكان لآخر. وحيث إنه من دأب أعضاء الجماعات الرحالة التعاون في العديد من جوانب الصيد ~~وجمع الثمار - ولديهم فرص محدودة لتخزين الغذاء لفترات طويلة - فإنهم يميلون لاقتسام ~~أغلب غذائهم مع أقاربهم بصفة يومية. # أما الجماعات المستقرة التي لا تضطر إلى تغيير أماكن إقامتها عدة مرات سنويا ~~فلا تقيدها هذه الحدود؛ فحيث إن لديها عدة خيارات لتخزين الطعام من أجل المستقبل فهي ~~لا تضطر لاقتسامه مع أشخاص خارج أسرها المباشرة، ولأنها تعيش في مكان واحد فباستطاعتها ~~أن تحشد من الثروة المادية بقدر ما يمكنها بدرجة معقولة تخزينه وحمايته من أن يسرقه ~~أشخاص آخرون. وهكذا، بمجرد أن بدأ الناس يعيشون في مكان واحد، اكتسب السعي وراء ~~الثروة أهمية لم يتمتع بها من قبل قط. ويمكن رؤية الأهمية المتزايدة للثروة ~~والمكانة في الدليل الذي بقي في منطقة الهلال الخصيب من العصر الحجري الحديث، حين بدأ ~~النتوفيون عادة حصد حبوبهم البرية وتخزينها في مخازن غلال. # في البداية، حين شيد النتوفيون مستوطنات دائمة، أنشئوا مخازن غلالهم منفصلة عن ~~منازل الأسر المستقلة. وهذا يوحي بأن مئونة النتوفيين من الحبوب كانت ملكية مشتركة ~~للجماعة ككل. وعلى كل حال، عادة اقتسام مئونة الغذاء التي تعيش عليها المجموعة ككل ~~كانت إرثا فطريا من تاريخ النتوفيين الطويل كصيادين وجامعي ثمار. # لكن بعد مرور نحو ألف عام، اختفت مخازن غلال النتوفيين القائمة بذاتها، وحل مكانها ~~مساحات تخزينية داخل المنازل المستقلة. من ذلك الوقت فصاعدا، ظلت مخازن غلال العصر ~~الحجري الحديث تلحق بالمنازل التي تسكنها أسر مستقلة. يدل هذا على أن رؤية هذه ~~المجتمعات للعالم ومنظومة قيمها كانت تتغير، وأنه بدلا من اعتبار خير الطبيعة شيئا ~~يمكن اقتسامه بين كل أفراد المجموعة، بدأ النتوفيون اعتبار الغذاء ملكية خاصة يحتفظ ~~بها الأفراد والأسر ms158 التي أنتجتها في الأصل. # على المنوال نفسه، فإن الأرض التي كانت كل جماعة من الصيادين وجامعي الثمار الرحل ~~يدعون ملكيتها - الأرض التي كانت تماثل «مواطن» جماعات القردة والسعادين التي جاء ~~وصفها في الفصل الأول - بدأت تفقد وضعها الأصلي باعتبارها المورد المشترك للجماعة ~~الاجتماعية بأسرها. ورغم أن المناطق التي ظل من الممكن صيد الحيوانات البرية فيها وظل ~~من الممكن جمع النباتات منها احتفظت على الأرجح بوضعها الأصلي كملكية مشتركة، فإن ~~المساحات الأصغر من الأراضي الخصبة التي كانت مناسبة للزراعة صارت تدريجيا ملكية خاصة ~~لأسر مستقلة. وفي النهاية، ورث الأبناء من الآباء أفضل مساحات الأراضي القابلة للزراعة ~~ضمن ميراث ممتلكات الأسرة. # توضح الأدلة المستقاة من العديد من مجتمعات ما قبل الصناعة أنه بمجرد أن يبدأ أحد ~~المجتمعات العيش في مكان واحد - حتى إن ظل يعيش على الصيد وجمع الثمار ولم يتطور ~~لنمط الحياة الزراعية - فإنه يبدأ في السعي وراء جمع الثروة المادية بطرق تتشابه ~~تشابها ملحوظا مع عادات الشعوب الزراعية. وتتضح أوجه التشابه هذه بجلاء في ثقافات ~~شعوب الصيد وجمع الثمار المستقرة في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية. # قبائل النوتكا: صيادون وجامعون يعيشون في قرى دائمة # قبائل النوتكا في مقاطعة بريتيش كولومبيا خير مثال على قبائل الأمريكيين الأصليين ~~الذين سكنوا الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، والذين كانوا جميعهم صيادين ~~وجامعين ولم يمارس أي منهم الزراعة قط. اصطادت قبائل النوتكا الحيتان والفقمات ~~والقضاعات في مياهها الإقليمية، وكذلك الدببة والغزلان وحيوانات الإلكة في الغابات ~~الداخلية. وكانت تلك القبائل تصطاد أسماك الهلبوت والرنكة والقد، وتجمع القشريات من ~~البحر والجذور والثمار العنبية التي كانت تنمو بوفرة في الوديان والغابات القريبة ~~المتشبعة بمياه الأمطار. وبجانب كل هذا الرخاء الطبيعي، كانوا يصطادون أعدادا هائلة ~~من السلمون الذي كان يهاجر سنويا لوضع البيض إلى منابع الأنهار العديدة التي تصب ~~في البحر. كان السلمون يصطاد بالشباك والمصائد والسدود ثم يجفف ويدخن بكميات ~~كبيرة، بحيث يوفر لقبائل النوتكا مخزونا من السمك يكفيهم طوال العام حتى يهاجر ~~السلمون مرة أخرى. # ونظرا لأن ms159 الساحل الشمالي الغربي ثري جدا بأشكال برية من الغذاء - ولأن الحياة ~~البحرية الزاخرة كانت تتجدد باستمرار بعمليات طبيعية - لم تكن قبائل النوتكا بحاجة ~~لاتباع سبل الترحال في العيش؛ نمط الحياة المعهود في أغلب مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ ~~فقد استقرت النوتكا منذ زمن طويل في قرى دائمة واقعة في مناطق مميزة على امتداد ~~المنافذ المنحدرة في اتجاه البحر من الجبال الساحلية. # وحيث إن قبائل النوتكا كانت تقيم في مكان واحد، فهي لم تقتصر على سكنى الأكواخ ~~البسيطة المؤقتة للشعوب الرحالة، التي كانت دائما ما تبنى في ساعات أو أيام ~~وتهجر عادة بعد الإقامة فيها لبضعة أسابيع أو شهور، وإنما بنت قبائل النوتكا «مساكن ~~جماعية» ضخمة، بلغ بعضها أربعين قدما عرضا ومائة قدم طولا، من جذوع أشجار الأرز ~~والتنوب والشوكران التي كانت تنمو بوفرة في الغابات الباردة الرطبة في شمال غرب المحيط ~~الهادئ. ورغم أن مساكن النوتكا الجماعية كانت تفكك وتنقل عدة أميال مرتين سنويا ~~من المخيمات الصيفية على شاطئ البحر إلى المخيمات الشتوية في الداخل وتعود مرة أخرى، ~~فإنها كانت مساكن دائمة تسكنها جماعة الأسر المتقاربة نفسها لسنوات. # ونظرا لأن موارد الغذاء النباتي والحيواني الغنية كانت دائما موجودة في المواقع ~~نفسها، فقد كان عرفا بين قبائل النوتكا أن يرث الذكر الأكبر من الأبناء حقوق الإشراف ~~على مناطق محددة لصيد الحيوانات والأسماك، وعلى المناطق التي ينمو فيها الغذاء ~~النباتي بوفرة. وحين كان أحد الأقارب يمارس حقوقه في الصيد أو جمع الغذاء في هذه ~~المناطق، كان لا بد أن يذهب جزء من الغنائم إلى الفرد الذي «يملك» هذه الموارد. وحيث إن ~~الابن الأكبر كان يرث هذه الحقوق من الأب فقد نتج عنها «نظام طبقي»، حيث كان الأبناء ~~الكبار يتمتعون بثروة طائلة، في حين كان الأبناء الصغار - الذين كانوا غالبا ~~أفرادا في العائلة نفسها - يعيشون في فقر نسبي. # كان لنظام المكانة والهيبة المعقد أهمية فائقة في ثقافة قبائل النوتكا، والقبائل ~~المستقرة الأخرى في الساحل الشمالي الغربي، وكانت زعامة القبيلة التي يتسلمها الابن ~~الأكبر من ms160 الأب لا تنطوي على مزايا اقتصادية فحسب، وإنما على عدد من الحقوق والامتيازات ~~الرمزية كذلك. شمل هذا ألقابا شرفية، والحق في إنشاد أغان شعائرية معينة وأداء ~~رقصات طقسية محددة، والحق في ارتداء أنواع معينة من الملابس، والحق في ارتداء أشكال ~~خاصة من الحلي الشخصي، والحق في الجلوس على مقاعد محددة (أعدت بعناية وفقا ~~للمرتبة أو المكانة) كانت تقتضي التقاليد استخدامها أثناء المآدب الاحتفالية، والحق في ~~العيش في أفضل مناطق في المسكن الجماعي. # في هذه المجتمعات المهتمة بالمقام، كان الأفراد الرفيعو المقام يتنافسون منافسة ~~حامية بعضهم مع بعض على إقامة مآدب حافلة، كان يستهلك فيها كميات هائلة من الطعام ~~والمنسوجات والأدوات والأسلحة أو تمنح أو تدمر في بعض الحالات من قبل أصحابها في ~~نوبات من الانغماس في الاستهلاك بغرض التباهي. ولم تكن حيازة الممتلكات مقتصرة على ~~السلع المادية فقط؛ فقد مارست قبائل النوتكا، مثل أغلب قبائل الساحل الشمالي الغربي، ~~نوعا من الاستعباد، وهو من الأشياء التي دائما ما نربطها بحضارات أكثر «تقدما». ~~فكان حين يؤسر أفراد القبائل المعادية في الحروب، يصبحون ملكا للمحاربين الذين ~~أسروهم، ويظلون جزءا من أهل بيت مالكيهم، حيث كان يفرض عليهم أداء أحقر المهام في ~~حياة قبائل النوتكا. # كل هذه السلوكيات كانت ستلقى الاستهجان التام في مجتمع الصيادين وجامعي الثمار الرحل ~~التقليدي؛ حيث كان بلوغ المرتبة العالية يكتسب بالسلوك المثالي وإتيان أعمال الشجاعة ~~والجود. فلم تظهر مجتمعات الصيد وجمع الثمار اهتماما كبيرا بتكديس السلع المادية، ~~وإنما كانوا ينأون بأنفسهم عن استعراض الثروة المادية في تباه، ويمنحون المكانة فقط ~~للرجال الذين يفلحون في الصيد والحرب وتوفير الغذاء، وللنساء اللائي كن جامعات ~~منتجات وزوجات وأمهات مثاليات. # وراثة المرتبة والمكانة # عندما أصبحت وراثة الثروة والأملاك جزءا تقليديا راسخا من ثقافات الشعوب ~~الزراعية، لم يكن هناك مناص من أن يستهل أبناء أثرى الأفراد والأسر حياتهم بأملاك ~~وامتيازات أكثر من الأشخاص الذين كان أسلافهم أقل حظا. هكذا صارت الاختلافات بين ~~الأغنياء والفقراء، التي كانت قد نشأت بين الصيادين وجامعي الثمار المستقرين مثل ms161 ~~قبائل نوتكا ، أكثر حدة في مجتمعات الزراعيين المستقرين بمرور الأجيال. # فبدلا من أن تقوم الفوارق في الثروة على الفرق بين الأخ الأكبر والأخ الأصغر - كما ~~كان معهودا في شعوب الساحل الشمالي الغربي - صارت الفروق في الثروة لدى المجتمعات ~~الزراعية تدريجيا امتيازا لأسرة كاملة ويورث من الآباء للأبناء. في النهاية أدت ~~هذه الفروق المتوارثة في الثروة والمركز إلى تكون طبقات اجتماعية دائمة، وإلى نشأة ~~المجتمعات «الطبقية» التي تتميز بأنظمة طبقية تقليدية تتسم بانعدام المساواة في ~~الثروة والمكانة والامتيازات استمرت لأجيال. # عثر على أدلة واضحة على أن انتشار الزراعة أدى إلى نشأة الطبقات الاجتماعية ~~وتكريس التفاوت في الثروة والمكانة في الأطلال الأثرية الخاصة بأقدم شعوب العصر الحجري ~~الحديث في أوروبا. هذه الشعوب المسماة شعوب «ثقافة الخزف الخطي» ظهرت في شرق أوروبا ~~قبل نحو 7500 عام، وانتشرت سريعا خلال الخمسمائة سنة التالية حتى أقامت مستوطناتها ~~الزراعية في وديان الأنهار الخصبة في أنحاء أوروبا. # كان شعب الخزف الخطي يدفن كل موتاه، لكن في حين كان نصف الرجال يدفنون مع قدائم (جمع ~~قدوم، وهو أداة للنحت وللقطع تشبه الفأس، كانت تستخدم لتنعيم أو نحت الخشب) حجرية ~~مصقولة لم يكن النصف الآخر كذلك. كانت شعوب العصر الحجري الحديث تستخدم القدوم في أعمال ~~النجارة الهامة، وكان أداة قيمة، حتى إن وضعه في قبر أحد الأشخاص كان يعني أن ~~المتوفى تمتع بمنزلة عالية في الحياة. في عام 2012م نشر فريق من علماء الآثار نتائج ~~دراسة لمينا الأسنان المأخوذة من 300 هيكل عظمي كانوا في مدافن شعب الخزف الخطي ~~المنتشرة في أنحاء أوروبا من فرنسا إلى المجر. # 6 # بتحليل النسب النوعية لنوعين أو نظيرين لعنصر الاسترونشيوم الذي يدخل في ~~مينا الأسنان في مرحلة الطفولة، استطاع العلماء أن يحددوا بهذه «البصمات النظائرية» ما ~~إذا كان الشخص قد ترعرع في وديان الأنهار الخصبة، حيث وفرت التربة الغنية بالرواسب ~~الطميية مستوى معيشة مرتفعا نسبيا، أم نشأ في التلال الأقل خصوبة التي أحاطت بوديان ~~الأنهار، حيث كانت الحياة أصعب ومستوى المعيشة أكثر تقشفا. ms162 # ومما لا يدعو للدهشة، أن الرجال الذين دفنوا مع قدائم حجرية كان لديهم بصمات ~~نظائرية تدل على أنهم نشئوا في وديان الأنهار الغنية، في حين أشارت البصمات النظائرية ~~لأولئك الذين دفنوا دون قدائم حجرية إلى نشأتهم في مناطق التلال الأكثر فقرا. صارت ~~هذه الفروق في الثروة والمنزلة أبرز وأوضح مع مرور الزمن، مع زيادة حجم القرى الزراعية، ~~ومع تكديس الأسر المزارعة كميات أكبر من الثروة والأملاك. # سنطالع لاحقا في هذا الفصل الدليل على أن شعب الخزف الخطي لم يجلب الزراعة فقط إلى ~~أوروبا في العصر الحجري الحديث، وإنما كان أيضا هو من بدأ فيها الحروب، لكن من المهم ~~أولا أن نضيف شيئين آخرين إلى القائمة الطويلة للتغييرات التي أسفر عنها تبني ~~الزراعة في المجتمع. الشيء الأول هو أن الأطفال صاروا أصولا اقتصادية لعائلاتهم. ~~والثاني هو أن الجانب الجنسي للنساء صار بمثابة تهديد لاستقرار المجتمع. # الأطفال كملكية خاصة # كان لأطفال الصيادين وجامعي الثمار في العادة فرص قليلة للمساهمة بطريقة مفيدة في ~~إعالة أسرهم وأقاربهم؛ لأن كل أنشطة الحصول على الطعام تقريبا لدى الصيادين وجامعي ~~الثمار كانت تتطلب قوة البالغين وجلدهم ومعرفتهم وخبراتهم. أما أطفال المزارعين ~~والرعاة، على الجانب الآخر، فكان باستطاعتهم أن يصيروا بسهولة موارد قيمة من أجل ثروة ~~الأسرة واستقرارها وطول أجلها. # كانت عملية صيد الحيوانات البرية مهمة خطيرة ومعقدة، وتحتاج انضباطا ومهارة في ~~استخدام الأسلحة وبأس البالغين. ورغم أن أطفال الصيادين وجامعي الثمار كانوا كثيرا ما ~~يلعبون أدوار الصيادين مستخدمين لعبا على هيئة أسلحة، فإنهم لم يكونوا قادرين على ~~مطاردة وقتل أي شيء أكبر حجما من حشرة كبيرة أو حيوان صغير من الزواحف أو فرخ. في ~~الواقع، كان الأمر يستغرق أعواما من الفرد كي يكتسب الخبرة والمهارة الكافيتين من ~~الصيادين البالغين قبل أن يصير صيادا منتجا؛ فقد كان يتعين عليه تعلم عادات كل نوع ~~من أنواع حيوانات الصيد العديدة، وكان عليه أن يتعلم كيف يقتفي أثرها ويحاصرها ويقتلها ~~دون أن يجرح، وكيف يذبحها ويدافع عن صيده من أطماع الضواري ms163 الأخرى، وكيف ينقل ~~الأجزاء القابلة للأكل والاستخدام عائدا إلى المخيم حيث يمكن طهو اللحم وتناوله، ~~وحيث يمكن معالجة الجلود الخام والعظام والأوتار لاستخدامها كمنتجات جلدية وأدوات ~~وحبال. # على النحو نفسه، كانت مهمة جمع الخضروات تحتاج معرفة مفصلة بأماكن العثور على ~~نباتات قابلة للأكل وجذورها ودرناتها وثمارها وبذورها؛ فقد كانت تتطلب القدرة على ~~التعرف على العلامات التي تقود إلى كل هذا وسط أراضي الغابات الشاسعة وفي أجمة الأدغال ~~المتشابكة. وكان على المرأة أن تعرف في أي وقت من السنة تتوفر كل من هذه الأطعمة ~~وتصير قابلة للأكل، وكيف تنقلها إلى موقع المخيم، وكيف تعالجها - بالطحن والهرس ~~والنقع والشي والسلق - حتى يمكن تناولها وهضمها في أمان. كذلك في حالة الجذور والدرنات ~~القابلة للأكل - التي شكلت جزءا كبيرا من موارد أكل الصيادين وجامعي الثمار - كان ~~لا بد من قوة بدنية شديدة لحمل عصا طويلة وثقيلة وانتزاع الغذاء النباتي الذي كان ~~كثيرا ما ينمو عميقا تحت سطح الأرض. # وعلى النقيض من ذلك، كان أطفال المزارعين يستطيعون بسهولة إنجاز العديد من المهام ~~الأساسية التي اشتملت عليها زراعة المحاصيل ورعاية الحيوانات؛ فالأمر لا يحتاج قدرا ~~كبيرا من المهارة أو سنوات الخبرة أو قوة البالغين وجلدهم لرعي قطيع من الماعز، أو ~~إطعام خنازير مستأنسة في مرابطها، أو انتزاع الحشائش من الحدائق القريبة، أو حتى حصد ~~بعض المحاصيل التي يزرعها المزارعون. كما يستطيع الأطفال في الأسر الزراعية رعاية ~~أشقائهم الصغار بسهولة؛ مما يسمح للأم بحرية أكبر للعمل في الحقول، بل وإنجاب الأطفال ~~في تواتر أكثر من النساء في مجتمعات الصيد وجمع الثمار. هكذا، مع تطور جامعي الثمار ~~تدريجيا إلى مزارعين، ازدادت قدرة الأطفال على المساهمة في إعالة المجتمع ككل، ~~وأثناء ذلك ازدادت قيمتهم لأسرهم. # زاد من دعم الأهمية الاقتصادية للأطفال أن الأفراد في المجتمعات الزراعية أصبحوا ~~يعيشون حتى يبلغوا الخمسينات والستينات من أعمارهم بمعدلات تفوق كثيرا نظراءهم في ~~مجتمعات الصيد وجمع الثمار؛ فالأنشطة اليومية المتعلقة برعاية المحاصيل وتربية ~~الحيوانات لا تعادل في درجة خطورتها بوجه عام الأنشطة التي ms164 تهدد الحياة فيما يتصل ~~بصيد الحيوانات وقتلها، أو خوض رحلات طويلة في البرية المأهولة بالضواري لجمع النباتات ~~القابلة للأكل ونقلها إلى مقر السكن. لهذه الأسباب، مع زيادة الانتشار الواسع لزراعة ~~المحاصيل وتربية الحيوانات، بدأت المجتمعات الزراعية ترى أطفالها كأنها نوع من بوليصة ~~التأمين - وسيلة للإعالة حين يبلغون سنا يصعب معها أن ينتجوا طعامهم - وصارت مهمة ~~توفير الدعم المادي للكبار واجب الأبناء نحو آبائهم بصورة متزايدة. # لكل هذه الأسباب، مالت المجتمعات الزراعية إلى تنمية روابط قوية وفي أحوال كثيرة ~~حصرية بين الآباء والأبناء؛ فقد كانت تسعى لأن تغرس في أطفالها الإحساس بالواجب تجاه ~~آبائهم، وكانت باستثناء حالات قليلة تولي أهمية كبيرة للإخلاص بين الأزواج - خاصة من ~~ناحية النساء - لضمان ألا يكون نسب الطفل لأبيه موضع شك قط. بهذه الطريقة، أدت أهمية ~~الأبناء لآبائهم في المجتمعات الزراعية مع الوقت إلى ثقافة غلب عليها حس الاستحواذ ~~الشديد تجاه الأطفال، وإلى فرض قيود صارمة على الحرية الجنسية لدى النساء. في الواقع، ~~صارت هاتان السمتان الثقافيتان متأصلتين لدرجة عميقة في ثقافات أسلافنا الزراعيين، ~~حتى إن كلتيهما استمرتا حتى وصلتا إلى العصر الحديث. # متى أصبح النشاط الجنسي للمرأة مصدر تهديد؟ # في أغلب مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كان الزواج عادة علاقة عابرة جدا، بل في ~~الواقع كان الزواج لا ينطوي عادة على أكثر من قرار رجل وامرأة بالغين تناول الطعام ~~والمبيت معا بانتظام. ورغم أن النضج الجسدي للفتيان والفتيات عند بلوغ الحلم كثيرا ~~ما كان يحتفل به في مجتمعات الصيد وجمع الثمار بطقوس احتفائية كبيرة، فإنه كان من ~~النادر أن يلقى زواجهم اهتماما بأي نوع من المراسم الكبرى. وكان من النادر بالدرجة ~~نفسها أيضا أن يحتاج الثنائي الحديث «الزواج» - أو حتى يطلب - موافقة الوالدين، وإنما ~~كان فقط من الضروري دائما ألا تصل القرابة بين الرجل والمرأة للدرجة التي توصف معها ~~العلاقات الجنسية بينهما بسفاح المحارم. # وإذا حدث ولم ينسجم رجل وامرأة - بعد أن عاشا معا لفترة - وصارا متجافيين، أو ~~اتخذا أحباء آخرين، أو ببساطة سئم كل منهما ms165 من الآخر، كان الطلاق يحدث بيسر ~~وسريعا وبقليل من المراسم. في الواقع، لم يكن الطلاق عادة يعدو مجرد قرار أحد ~~الشريكين الانتقال من المنزل الذي كان الاثنان يتقاسمانه. وتعود البساطة الملحوظة لكل ~~من الزواج والطلاق في مجتمعات الصيد وجمع الثمار بدرجة كبيرة إلى حقيقة أن أهم ~~العلاقات الاجتماعية لم تكن قائمة على الزواج، وإنما بالأحرى على الانتماء للعشيرة أو ~~النسب الذي ولد فيه كل شخص. ولما كان هذا الانتماء حقا مكتسبا منذ الولادة، فلم ~~يكن الزواج أو الطلاق ليغيره أو يؤثر فيه. # كانت التجارب الجنسية تبدأ في الطفولة، وعند بلوغ النضج الجنسي كانت تشيع العلاقات ~~الجنسية بين المراهقين، ونادرا ما كانت هذه العلاقات تثمر عن حمل. # 7 # وفي العادة كانت تستمر من كلا الجنسين لسنوات عديدة قبل أن يظهر تدريجيا ~~شريك مفضل. ورغم أنه كان ثمة اختلافات بين مجتمعات الصيد وجمع الثمار فيما يحيط ~~بالزواج وتنشئة الأسرة، فإنه كان من المألوف في أغلب هذه المجتمعات أن يتمتع الأطفال ~~والمراهقون، وخاصة الفتيات بدرجة مذهلة من الحرية الجنسية، على الأقل استنادا إلى ~~معاييرنا. # درس اختصاصيو علم الإنسان الثقافي عددا من مجتمعات الصيد وجمع الثمار القليلة التي ~~ظلت باقية في القرن الحادي والعشرين دراسة متعمقة. وقد لاحظ اختصاصي علم الإنسان، ~~ملفين جيه كونر، في دراسة مقارنة بين الثقافات لسن الرضاع والطفولة في ستة من مجتمعات ~~الصيد وجمع الثمار الباقية أن الحرية الجنسية لدى الأطفال والمراهقين مقبولة ~~اجتماعيا، وتمارس بوجه عام باعتبارها سلوكا طبيعيا بين الجنسين. # 8 # وقد وصف كونر التجارب الجنسية في قبائل البوشمان في جنوب أفريقيا بأنها تبدأ في مرحلة ~~الطفولة المبكرة وتستمر طوال مرحلة الطفولة المتوسطة والمراهقة. ورغم أن الكبار لا ~~يبوحون بقبولهم المداعبة الجنسية ويصدون عنها حين تصير صارخة، فإنهم يعدون الغريزة ~~الجنسية لدى الأطفال والمراهقين أمرا عاديا، والأطفال الذين ينغمسون في سلوك جنسي ~~على الملأ يوبخون، ولكن لا يعاقبون، بل في واقع الأمر يعتبر البوشمان النشاط الجنسي ~~شيئا ضروريا من أجل سلامة الصحة العقلية، ويعتقدون أن الحرمان الجنسي في ms166 مرحلة ~~المراهقة هو السبب الأرجح وراء الاعتلال العقلي . # كذلك أشار كونر إلى أن كلا الجنسين يمارسان الجنس علانية قبل الزواج لدى أقزام ~~قبائل الإفيه والآكا في أفريقيا الاستوائية، حتى إنه في قبائل الإفيه يعد أول حيض ~~للفتاة مناسبة للاحتفال العام، ولا يقدم أحد جديا على وضع قيود على النشاط الجنسي في ~~فترة المراهقة. وقد صرح أحد فتية قبائل الإفيه بأن «الشباب يتغازلون ويجتمعون في ~~حفلات الرقص من أجل ممارسة الجنس، وأن الفتاة من الممكن أن تعاشر عدة فتيان في اليوم ~~نفسه بالتناوب بينهم.» # أما بين قبائل الهادزا في تنزانيا، فإن التجارب الجنسية تمارس علنا أثناء الطفولة ~~أيضا، وممارسة الجنس قبل الزواج هو أمر روتيني وجزء متوقع من حياة المراهقين. وبين ~~قبائل الأتشيه في باراجواي، يبدأ الفتيان والفتيات تجربة الجنس قرب سن الثانية عشرة، ~~ويحتفل بالحيض الأول للفتيات في طقوس علنية للعبور والتطهير تضم كل الرجال الذين ~~كانوا قد جامعوها. وأخيرا، بين قبائل الأجتا في الفليبين، لا يتوقع من الفتيات العفة ~~قبل الزواج؛ إذ يستطعن ممارسة الجنس بيسر نسبي. # ولاحظ اختصاصيون آخرون في علم الإنسان نمطا مشابها من الحرية الجنسية قبل الزواج ~~بين إسكيمو القطب الشمالي، حيث تتمتع الفتيات الصغار بحرية اختيار عشاقهن حسب رغبتهن، ~~وحيث يشتهر الرجال المتزوجون بعرض زوجاتهم وبناتهم على الزوار والضيوف لممارسة الجنس ~~معهن. # وأخيرا، كانت الفتيات بين السكان الأصليين الأستراليين يخطبن حتى قبل ولادتهن، ~~ولكنهن كن يتمتعن بحرية جنسية لا بأس بها قبل وبعد الزواج. # 9 # وبالرغم من أن الرجال في هذه المجتمعات كان يتوقع منهم دائما أن يكونوا ~~بالنضج الكافي لتوفير مصدر ثابت للغذاء قبل أن يتزوجوا، فإنهم كانوا يظلون أحرارا في ~~مزاولة علاقات جنسية بقدر ما يستطيعون حتى ذلك الوقت، لكن مع وصول المستوطنين ~~الأوروبيين إلى أستراليا حل النموذج الغربي بدرجة كبيرة محل الأنماط التقليدية من ~~خطوبة في الطفولة وزواج قبل النضج الجنسي، حيث زاد رفض الفتيات للزواج من الرجال ~~الذين «خصصن» لهن، ونادرا ما صرن يتزوجن قبل نهاية سن المراهقة؛ كي يصبحن ~~قادرات ms167 على اختيار شركائهن. # غير أن الحرية الجنسية التي تمتع بها الشباب، رغم أنها ربما كانت مألوفة طوال حياة ~~البشر في عصور ما قبل التاريخ، فإنها كانت ممكنة فقط في المجتمعات التي كان للنساء ~~فيها حرية اختيار عشاقهن وأزواجهن. أما في المجتمعات التي مارست الزراعة لمدة طويلة - ~~لا سيما المجتمعات التي كانت لوراثة الأرض فيها أهمية - كان اختيار الشريك ودوام الزواج ~~مسألة لها أهميتها البالغة بالتأكيد. # السماح بعلاقات جنسية قبل الزواج في المجتمعات الزراعية كان سيضع على المحك الخطط ~~التي وضعها جيل الآباء بحرص؛ حيث إن الرجال والنساء بطبيعتهم يصبحون متعلقين ~~بشركائهم الجنسيين. فإن تبين أن أولئك الرفاق ليسوا الأزواج المثاليين أو الزوجات ~~المثاليات من ناحية وراثة الأملاك، والحفاظ على المزرعة، وإعالة الآباء، فقد يصير من ~~الصعب جدا على الوالدين إقناع الأبناء أو البنات بالزواج من شخص آخر. بالإضافة إلى ~~ذلك، إذا قرر رجل وامرأة فيما بعد الانفصال وإنجاب أطفال من أشخاص آخرين، فإن كيفية ~~توريث أملاكهما ستكون مسألة معقدة ومثيرة للخلاف، ومن الممكن بسهولة أن تتفاقم ~~فتصير نزاعا علنيا وسخطا طويل الأجل. # من ثم في أقدم المجتمعات الزراعية، حيث ظلت الأسر لأجيال تعيش في القرى نفسها، ~~وأورثت قطع الأراض نفسها لأبنائها وأحفادها لقرون، تشكل الاهتمامات الجنسية لدى ~~النساء - بوجه خاص - خطرا بارزا على انسجام الحياة في القرية واستقرار المجتمع ~~بأسره؛ لذا ليس من المستغرب أن التزام العفة قبل الزواج - خاصة لدى النساء - كان ~~يعد فضيلة كبرى لدى المجتمعات الزراعية التقليدية في الصين والهند وأوروبا، وكان جيل ~~الآباء يفرضها دون توان. # هكذا أخمدت هذه الثقافات تماما الميل الطبيعي لدى الأطفال والمراهقين إلى الانغماس ~~في التجارب الجنسية، حتى إنه كثيرا ما كان يفصل الفتية والفتيات بعضهم عن بعض من سن ~~مبكرة، وكثيرا ما كانت عذرية المرأة في هذه الثقافات تعد ضرورة مقدسة، ولم يكن ~~يسمح للمراهقين غير المتزوجين قط بقضاء وقتهم معا إلا تحت رقابة يقظة من أحد ~~المرافقين، بل وكان من المألوف في العديد من القرى الزراعية التقليدية في أوروبا منذ ms168 ~~العصور الوسطى وحتى أواخر القرن التاسع عشر أن تعرض ملاءات فراش الزوجية على الملأ في ~~صباح اليوم التالي لليلة العرس؛ حتى يتسنى للجميع أن يروا بقع الدماء الناتجة عن ~~تمزق غشاء بكارة العروس العذراء بواسطة العريس خلال أول لقاء معاشرة جنسية ~~بينهما. # لكن لم تكن كل مجتمعات الصيد وجمع الثمار متساهلة مع الغرائز الجنسية؛ فقد كان أكثر ~~أسباب الخلافات الخطيرة بين الذكور البالغين شيوعا في أغلب المجتمعات البشرية هو ~~الغيرة من الحظوة الجنسية لدى النساء، وقد ذكر كذلك الصراع بينهم على العلاقات الجنسية ~~مع الإناث بصفته أكثر أسباب المعارك المميتة شيوعا بين ذكور الشمبانزي. وفي حين أن ~~الصراعات بين الذكور من أجل الحصول على اهتمام جنسي من الإناث قد ينتج عنها مناقشات ~~عالية الصوت واتهامات على الملأ في مجتمعات الصيد وجمع الثمار الأكثر سلمية، فإن مثل ~~هذه الصراعات بين المجتمعات المولعة بالحروب كثيرا ما تؤدي إلى موت صياد أو محارب ~~منتج في ربيع حياته؛ لهذا السبب كان يحث على عفة المرأة في العديد من ثقافات الصيد ~~وجمع الثمار المستعدة للتحارب، وكانت عفتها موضع تقدير كبير. # حين درس اختصاصيو علم الإنسان في أوائل القرن العشرين قبائل الشايان النزاعة ~~للدخول في حروب طاحنة، على سبيل المثال، وجدوا أنها كان لديها ثقافة كابتة للجنس؛ فقد ~~كانت قبائل الشايان تعتقد أن الجنس يسلب من الرجل قوته عند الحرب والصيد، وقد عرف ~~عن بعض الرجال الامتناع عن الجنس لسنوات في بعض الأحيان، معتقدين أنهم بذلك سينجبون ~~في النهاية أبناء أقوياء مؤهلين للقتال. ولا عجب أن نساء الشايان كان يذاع عنهم ~~«السيرة العفيفة»، وهو ما كان متناقضا تناقضا صارخا مع ما كانت تتسم به نساء قبائل ~~أمريكية أصلية أخرى من سلوك لعوب. # تتجلى قيمة هذا النوع من الكبت الجنسي حين نتأمل المشكلات التي يسببها الجنس ~~بين قبائل اليانومامي في غابات الأمازون المطيرة التي تميل للقتال ولكنها أكثر إباحة ~~للجنس، حيث كانت العلاقات الجنسية سببا لكثير من العنف الذكوري، وحيث الصراعات على ~~النساء قد تتفاقم إلى حروب ms169 خطيرة بين جماعات اليانومامي. # 10 # لكن في أغلب الحالات دائما ما تصير الحرية الجنسية عاملا يهدد استقرار المجتمعات ~~الإنسانية حين يصير الرجال والنساء ورثة لثروات وأملاك؛ لهذا السبب فضلت كل المجتمعات ~~الزراعية تقريبا زيجات مستقرة تستمر مدى الحياة - دائما ما يرتبها والدا ~~العريس والعروس - والتي كانت تعد للوصول بالأسرة المصغرة لأقصى درجة من الاستقرار ~~والاستمرارية. هكذا، على مدار آلاف السنوات التي كان يظل خلالها الناس مستقرين في ~~مكان واحد وينتجون غذاءهم، كان الكبت الجنسي العام - المفروض بقسوة بين الأطفال ~~والإناث بوجه خاص - يصير تدريجيا هو القاعدة. # نشأة الحروب المنظمة # مع تحول جامعي الطعام إلى مزارعين تدريجيا، صار الطعام والسلع المادية ~~المتراكمة في شون القرى الزراعية ومخازنها أهدافا مغرية حتما لغزوات قبائل ~~معادية. وغرائز الذكور البالغين العدوانية التي تطورت على مدار ملايين السنين التي ~~اصطاد فيها الرجال الحيوانات البرية، صارت موجهة بصورة متزايدة إلى أنشطة عدوانية ~~ضد مجموعات بشرية أخرى. # مع تضاؤل أهمية صيد مجموعات الذكور للحيوانات الكبيرة بصفته ضرورة اقتصادية، صارت ~~الحروب المنظمة التي يشنها الذكور من أجل أرض القرى الزراعية والقبائل المنافسة ~~الأخرى وثروتها المادية ونسائها استراتيجية جذابة لاكتساب الثروة والأملاك والنسل ~~بصورة متزايدة. وهكذا مع توسع قرى العصر الحجري الحديث المستقرة في أنحاء أوروبا، ~~أشار ظهور تحصينات متزايدة الضخامة إلى بداية الحروب الممتدة المنظمة. # انتشرت تقنيات الزراعة في شرق أوروبا وغربها مع ثقافة الخزف الخطي التي ظهرت في وديان ~~أنهار الدانوب وإلبه والراين في ألمانيا الحالية منذ حوالي 7500 عام من منشئها في ~~المجر وصربيا. وطوال الخمسمائة سنة التالية، ظل أفراد ثقافة الخزف الخطي يهاجرون على ~~عجل عبر وديان الأنهار وعبر أوروبا حتى فرنسا وبلجيكا غربا وأوكرانيا شرقا، طاردين - ~~وفي بعض الحالات مبيدين - شعوب الصيد وجمع الثمار الأصلية التي كانت تعيش هناك؛ فقد ~~كانوا يجدون الرواسب الغنية لتربة اللويس - التي كانت وفيرة بصفة خاصة في وديان الأنهار ~~- مثالية لزراعة محاصيلهم من القمح والشعير والدخن والشوفان والبازلاء والعدس ~~والفاصوليا. وبجانب اصطياد الغزلان والحلاليف في الغابات المفتوحة، كان شعب الخزف ms170 الخطي ~~يربي الماشية والماعز والخنازير المستأنسة. # ورغم أنه كان يعتقد في الماضي أن هذا الشعب المزارع القديم كان مسالما، فقد عثر ~~مؤخرا على أدلة على حالات قتل عنيف في العديد من مواقع شعب الخزف الخطي، منها أدلة على ~~حوادث إعدام جماعي حيث أبيدت قرى تعود إلى العصر الحجري الحديث بأكملها. وقد وجد ~~علماء آثار مقبرة جماعية في تالهايم في وادي نهر الراين بها أربعة وثلاثون شخصا - ~~نصفهم تقريبا رضع وأطفال - قتلوا بالضرب على رءوسهم بآلة ثقيلة، أغلب الظن مطرقة ~~حجرية من العصر الحجري الحديث. # وقد أسفر التنقيب الجزئي لمقبرة مشابهة قرب فيينا عن بقايا ستة وستين شخصا ~~قتلوا بطريقة مماثلة. وخمن علماء الآثار أن المقبرة ككل ربما كانت تحتوي على ~~ثلاثمائة شخص على الأقل. وفي هيركسهايم، في وادي الراين أيضا، عثر على بقايا أكثر من ~~ثلاثمائة شخص مبعثرة في أنحاء مستوطنة واحدة؛ إذ لم يدفن أي منهم بالطريقة اللائقة ~~في قبور، وكان من بين تلك الأشلاء 173 جمجمة لضحايا قطعت رءوسهم وألقيت في عجالة في ~~خنادق. # ربما ألقى شعب الخزف الخطي جثث الأعداء الذين ذبحوهم في قبور جماعية، لكنهم كانوا ~~يدفنون موتاهم بعناية في قبور؛ فعند التنقيب في هذه القبور وفحص الهياكل العظمية، وجد ~~علماء الآثار أدلة على إصابات رضية في نحو ثلث الرجال البالغين؛ مما يشير إلى أن العنف ~~بين هذه الشعوب كان بالغا كما كان بين أكثر المجتمعات التي درسها اختصاصيو علم ~~الإنسان عنفا وميلا للقتال. # علاوة على ذلك، تزيد معدلات الموت جراء العنف كثيرا مع الانتقال من الشرق للغرب؛ ~~مما يوحي بأن حروب العصر الحجري الحديث كانت أكثر شيوعا حيث انتقل شعب الخزف الخطي إلى ~~أراض يسكنها صيادون وجامعو ثمار، في حين كان العنف أقل شيوعا في المناطق التي ~~استوطنت لفترات زمنية أطول. وأخيرا، كانت قرى شعب الخزف الخطي في العادة محصنة ~~بسياج من أوتاد خشبية، وكثيرا ما كان يحوطها خنادق مائية أو قنوات كانت أحيانا تطوق ~~مستوطناتهم تماما. هذا يشير إلى أنه مع انتقال هذا الشعب ms171 الزراعي شمال وديان الأنهار ~~في أوروبا عصور ما قبل التاريخ، كانوا يستولون على أراض كان يسكنها من قبل شعوب ~~أصلية من الصيادين وجامعي الثمار، فكانوا يشتبكون معهم، وفي حالات عديدة ~~يبيدونهم. # ليس المقصود بهذا أن الرحالة الصيادين وجامعي الثمار كانوا دائما مسالمين ولم ~~يخوضوا الحروب قط؛ فقد كان الشايان محاربين ماهرين ومنظمين يفتخرون كثيرا ~~بانتصاراتهم، ويتباهون طيلة حياتهم بالأعداء الذين أزهقوا أرواحهم، لكن «حروب» الصيادين ~~وجامعي الثمار كانت في مجملها عبارة عن مجموعات مهاجمة، لا تختلف عن الغارات التي ~~كانت تشنها قردة شمبانزي نجوجو في أوغندا التي جاء وصفها في الفصل الأول. # كانت الإغارة النموذجية للصيادين وجامعي الثمار هي أن يقدم مجموعة من الذكور على ~~التوغل خلسة في أرض جماعة مجاورة، وعند مقابلة عضو من الجماعة المعادية كان يقضى ~~عليه في الحال، وكان المعتدون يتراجعون سريعا إلى أرضهم، حتى حين كانت مجموعة كبيرة ~~من المغيرين يهاجمون قرية أو معسكرا معاديا بأعداد كبيرة، نادرا ما كان ~~المعتدون يقدمون على إبادة الشعب كله، أو مصادرة أرضه بأكملها، أو سرقة كل أغراضه، ~~رغم أنه كان من المألوف أن تؤسر الإناث في سن الحمل ويعاد بهن كغنائم حرب. # لكن حين بدأ البشر العيش بشكل دائم في مكان واحد وتكديس الثروة، صارت الحروب ~~تدريجيا أكثر فتكا؛ فقبائل النوتكا التي عاشت في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا ~~الشمالية - التي كانت تتباهى بسلوكها الهادئ وطبيعتها المتزنة - كانت لا تأخذها الشفقة ~~في الحرب؛ فكان من دأبها حين تهاجم مستوطنة أخرى أن تبيد كل السكان - ما عدا القليل ~~من الأفراد الذين كانت تأسرهم ليصيروا عبيدا - وتفر بكل ما تستطيع حمله. # كقاعدة عامة، كلما زاد حجم المستوطنات الزراعية وزاد استقرارها كانت حروبها أكثر ~~تخريبا ودمارا. وحين نشأت أولى الحضارات المدنية في وديان أنهار دجلة والفرات والنيل ~~والسند واليانجتسي والأصفر - ومع استخلاص المعادن في العصرين البرونزي والحديدي التي ~~زادت كثيرا من فاعلية الأسلحة الفتاكة - نشأ دور الجندي الدائم المحترف؛ فقد نظمت ~~كل الحضارات المدنية القديمة جيوشا دائمة، وصارت الحروب استراتيجية غزو، تندلع ms172 على ~~نطاق كبير، من أجل السيطرة على مساحات متزايدة من الأرض وأعداد متصاعدة من الناس ~~وتملك زمام أمرهم. وما كان أي من هذا ليصير ممكنا لولا الانتقال من البحث عن الطعام ~~إلى زراعته. # بذور الحضارة # مع تضاعف أعداد القرى الزراعية، بدأت القرى المتجاورة تكون تحالفات لصد ~~المغيرين والغازين الذين يأتون من مناطق أخرى. ومع الوقت، بدأت كل قرية على حدة ~~تتخصص في إنتاج محاصيل معينة أو تصنيع أنواع معينة من السلع المادية. وبعد قليل ~~بدأ يظهر مواقع للتجارة في مواقع ملائمة جغرافيا، حيث كان باستطاعة الناس اللقاء ~~بانتظام للتقايض على السلع التي يحتاجونها ومبادلة ما كان ينقصهم في قريتهم بما يفيض ~~لديهم من منتجات. وفي كثير من الأحيان، كانت هذه الأسواق تقام في قرى مركزية الموقع، ~~تطورت مع الوقت إلى بلدات تجارية. # كل هذه الأحداث صارت ممكنة بعملية الاندماج الاجتماعي، التي مكنت المجتمعات من ~~النمو لدرجة لم تعهدها المجتمعات الإنسانية من قبل؛ فقد خلق انتشار القرى الزراعية ~~مناطق كثيفة السكان حيث كان الكل يتحدث اللغة نفسها، ويعبد الآلهة نفسها، ويتناول ~~الطعام نفسه، ويعيش في أنوع المنازل نفسها، ويرتدي أنواع الملابس والحلي نفسها، ويلتزم ~~بالأعراف والمحظورات نفسها. خلال هذا، صار الناس ينتمون لا إلى عشرات الأقارب، وإنما ~~إلى آلاف الأشخاص الآخرين الذين يشاركونهم هويتهم الثقافية والإثنية. ~~••• # وبمرور الوقت، بدأت مجتمعات هذه المناطق تبتكر تقنيات جديدة للاتصال وتستخدمها؛ السفن ~~الشراعية، والمركبات ذات العجلات، والخيل المستأنسة، وأنظمة الكتابة التي مكنت الناس ~~والمجتمعات من التواصل رغم حدود الزمان والمكان. نتيجة لهذا، تطورت البلدات التجارية ~~والمراكز الدينية ومجتمعات الأسر الثرية وذات النفوذ تدريجيا حتى صارت مراكز حضرية ~~بدأت تهيمن على البلدات المجاورة الأصغر حجما والأقل قوة. وأخيرا، مع ارتفاع تعقيد ~~تقنيات التواصل وفاعليتها، ربطت هذه المراكز الحضرية المتوسعة بين مستوطنات مناطق ~~كاملة في شبكة من المجتمعات المتحالفة، وفي النهاية صارت هذه المجتمعات بذور الحضارات ~~المدنية التي نبتت، واحدة تلو الأخرى، في مهود الحضارة المتناثرة في أرجاء ~~الأرض. # في نهاية المطاف، كانت تقنية الزراعة هي التي ms173 حررت نوعنا من بحث لا ينتهي عن شيء ~~ليأكله، وجعلت من الممكن للبشر الاستقرار في مكان واحد وبناء منازل وقصور ومعابد ~~وأنصاب راسخة يستطيعون توريثها لأجيال مستقبلية. في الفصل التالي سنرى كيف حين جعلت ~~الزراعة الحياة في مكان واحد ممكنة، تبدل حال المجتمع البشري تماما مرة أخرى، ~~وكيف صار أخيرا قوة لها من الحجم والبأس ما يكفي لتغيير العالم. # الفصل السابع # | تقنيات التفاعل # السفن والكتابة والعجلة وميلاد الحضارة # تعد الابتكارات في مجال تقنيات النقل من بين أقوى أسباب التغيير في حياة البشر ~~الاجتماعية والسياسية. # ديفيد دابليو أنتوني، «الحصان والعجلة واللغة» # في أبريل عام 2006م، كان الكاتب وعالم الجغرافيا، جاريد دياموند، واقفا في طابور بمطار ~~في بورت مورسبي في غينيا الجديدة، متأهبا لصعود طائرة متجهة إلى داخل الجزيرة، حيث كان ~~يجري دراسة طويلة الأجل على سكان مرتفعات غينيا الجديدة. أخذ دياموند يتأمل حقيقة ~~أنه رغم أن الناس المتكدسين في مطار مورسبي كانوا غرباء بعضهم عن بعض، لم يكن ثمة أثر ~~لعداء أو عنف؛ فقد لاحظ دياموند أنه رغم أن هذه «سمة من السمات التي نسلم بها في العالم ~~الحديث، فإنها كانت من الأشياء المستحيلة الحدوث عام 1931م، حين كانت مقابلة الغرباء أمرا ~~نادرا وخطيرا، ومن المرجح أن يؤدي إلى اندلاع العنف.» أما في عام 2006م فكان شعب غينيا ~~الجديدة يعيش في مجتمع حديث، به المسئولون عن تنفيذ القانون المستعدون للتدخل في حالة وقوع ~~أعمال عنف، لكن في غينيا الجديدة عام 1931م «كانت فكرة السفر من قرية جوروكا إلى قرية ~~وابيناماندا، دون أن تقتل لكونك غريبا مجهولا خلال العشرة أميال الأولى ... ضربا من ~~الخيال.» # 1 # لم يكن سكان مرتفعات غينيا الجديدة بأي حال من الأحوال استثنائيين في ريبتهم البالغة ~~تجاه الغرباء؛ فخلال الجزء الأكبر من تاريخ البشر عاش الناس حياتهم داخل جماعات رحالة صغيرة ~~تضم أعدادا لا تزيد على بضع عشرات الأشخاص، وكانوا يتعرفون على بضع مئات من أفراد ~~الجماعات المجاورة والقبائل الأخرى على أكبر تقدير. أما أي شخص خارج هذه الدائرة ms174 الصغيرة - ~~حتى إن كان يتحدث اللغة نفسها وينتمي إلى الثقافة نفسها - فلم يكن يعد غريبا فقط، ~~وإنما عدوا محتملا أيضا، وكان يعتبر شخصا جديرا بأن يخشى ويجتنب. علاوة على ذلك، ~~كان دائما ما ينظر للشخص الذي لا يتحدث اللغة نفسها ولا ينتمي للثقافة نفسها باعتباره ~~دون البشر، في انعكاس للتفرقة القديمة بين «نحن» و«هم» التي يمكن أن نلحظها في كل جماعة ~~بشرية وفي كل نوع من أنواع الرئيسيات غير البشرية. # لكن حين صار مئات آلاف الأشخاص، المنتشرون على آلاف الأميال المربعة جميعا أعضاء في ~~مجتمع واحد تحت سلطة حضارة مدنية واحدة، تحررت البشرية من الخوف القديم من الغرباء الذي ~~طالما كان مصدر تهديد دائما في المجتمعات الأكثر بساطة للرحالة والقرويين. ولم تكن السلطة ~~المركزية للمجتمعات المتحضرة لتتساهل مع عمليات المداهمة والخطف والقتل والثأر التي كانت ~~سمة دائمة في حياة المجتمعات البشرية الأكثر بساطة؛ فالحضارات لا يمكنها أن تعمل إلا إن ~~كان مواطنوها قادرين على السفر والتجارة والتفاعل بعضهم مع بعض في ثقة، متحررين من الخوف ~~الدائم من العنف والإصابة بمكروه. وقد تحقق هذا الهدف إلى حد ما باللغة المشتركة ~~واستخدام الرموز والهوية الإثنية للانتماء القبلي، لكن تقنيات التفاعل مكنت المجتمعات ~~المتحضرة من التقدم خطوة أبعد من ذلك. # فقد مكنت تقنية الزراعة بعض الناس الذين يعيشون في قرى مستقرة من أن يتخصصوا في ~~الفنون والحرف التي يمكن مقايضتها مقابل الطعام الذي ينتجه آخرون. كانت المدن القديمة ~~أول مستوطنات بشرية تتكون في أغلبها من ناس تحرروا من الحاجة للبحث عن طعام أو إنتاجه، ~~وكانت الحضارات القديمة أول مجتمعات بشرية يتفاعل فيها أعداد كبيرة من الغرباء بحرية في ~~جو من الأمان والثقة. فكانت هذه تطورات جديدة كلية في تاريخ المجتمع البشري. # النجارون والنساجون والبحارة والناسخون # مع انتشار الزراعة تدريجيا في عالم العصر الحجري الحديث واستقرار الناس للعيش في ~~قرى دائمة، وجد أنجح المزارعين أنفسهم ينتجون غذاء يفوق ما كانوا بحاجة لاستهلاكه، ~~وبدأ الفائض يتراكم في شونهم ومخازنهم. وعلى عكس الشعوب في مجتمعات الصيد ms175 وجمع الثمار - ~~حيث كل البالغين من أعضاء الجماعة الاجتماعية تقريبا يكرسون أغلب وقت إنتاجيتهم ~~للصيد وجمع الطعام - بدأ بعض قرويي العصر الحجري الحديث يصنعون أشياء يستطيعون ~~مقايضتها من أجل فائض الطعام الذي ينتجه آخرون. ولأول مرة في تاريخ البشر، صار ~~أعضاء كثر في جماعة البشر متحررين من الحاجة بلا انقطاع للصيد وجمع الطعام، ونشأ ~~تقسيم العمل الذي نسميه «الاختصاص الحرفي». # بدأ بعض القرويين يتخصصون في عملية شحذ الأنواع المناسبة من الأحجار وصقلها لصناعة ~~الأسلحة، وأدوات النجارة، ومعدات الزراعة، وهذه العملية تستلزم عمالة كثيفة. وصار ~~آخرون نجارين، وتخصصوا في تركيب الأسطح والأبواب والنوافذ والأثاث للمساكن المستقرة ~~التي كانت أسر العصر الحجري الحديث تعيش فيها لسنوات. كذلك صار آخرون نساجين، وتعلموا ~~كيف يغزلون الخيوط ويصبغونها وينسجون منها أقمشة، في حين تخصص آخرون في دبغ جلود ~~الحيوانات وصناعة منتجات جلدية منه. # وأخيرا، في مجتمعات العصر الحجري الحديث اللاحقة، صار بعض الناس صانعي فخار وأنتجوا ~~أوعية الخزف المستخدمة في الشرب والطهي وتخزين الغلال. وبدأ النجارون المقيمون على ~~سواحل البحار وضفاف الأنهار يتخصصون في بناء القوارب وتصليحها، وأصبحوا أول صناع سفن. ~~وتعلم نجارون آخرون كيفية تركيب وتصليح العربات ذات العجلات التي تجرها الثيران ~~والحمر الوحشية الآسيوية، وصاروا أول من صنع العجلات والعربات وأول من أصلحها. # بعض القرى الزراعية التي بدأت في الأصل ببضع عشرات من السكان صارت في النهاية بلدات ~~بها آلاف السكان، ومكنت تقنيات النقل الجديدة أكبر هذه البلدات من توسيع نفوذها على ~~سكان العديد من البلدات والقرى الأصغر منها حجما في جوارها. وببطء ولكن بثبات بدأت ~~مستوطنات العصر الحجري الحديث الأكبر حجما والأكثر نفوذا تهيمن على البلدات والقرى ~~الأصغر حجما الواقعة بقربها. # وبمرور الوقت، أدى تراكم الثروة والقوة العسكرية والسلطة الدينية لدى المجتمعات ~~التي كانت في مواقع استراتيجية ومحمية جيدا؛ إلى نمو عدد صغير من المراكز المدنية ~~القوية المحصنة. هذه المستوطنات، التي تعدى حجمها أي مستوطنة جاءت قبلها على ~~الإطلاق بدرجة كبيرة، صارت تمارس السلطة التجارية والعسكرية والدينية على تجمعات ~~سكانية ريفية ممتدة، ms176 وهكذا نشأت «الدولة المدينة». وكانت هذه أول مجتمعات بشرية، حيث ~~كان من الممكن أن يكون الناس فيها غرباء تماما بعضهم عن بعض، ورغم ذلك يستطيعون العيش ~~والعمل جنبا إلى جنب دون عداء أو ارتياب. وسوف نعود لهذه النقطة الشديدة الأهمية ~~لاحقا في هذا الفصل. # مع نشأة الدولة المدينة، لم تعد اللغة كافية لخدمة أغراض هذه المجتمعات المتحضرة ~~الجديدة، وسرعان ما ظهرت الكتابة الفعلية - تلك التقنية الفائقة للتواصل - لتمكن ~~الناس من التواصل بعضهم مع بعض رغم حدود الزمان والمكان. أتاحت الكتابة للتجار شراء ~~البضائع وبيعها بعضهم من بعض دون السفر شخصيا إلى كل مستوطنة من المستوطنات التي ~~تاجروا معها. كذلك مكنت الكتابة الزعماء السياسيين والدينيين من إرسال معلومات إلى ~~أتباعهم في المجتمعات القصية وإعطائهم أوامر، كما أنها خولت لهم طرح الأسئلة وتوقع ~~الإجابات. وأخيرا، أتاحت الكتابة للبيروقراطيين القدامى تدوين سجلات بالصفقات، ~~والبضائع المشتراة والمخزنة في المستودعات، والخراج والضرائب التي كان يسددها لهم ~~عوام الناس الذين كانوا يخضعون لسلطتهم. # لكن حتى مع خضوع الناس للنفوذ الاقتصادي للمراكز المدنية الناشئة وسيطرتها السياسية، ~~فقد ظل أغلبهم يعيشون ويزرعون في الريف، حيث يربون ماشيتهم ويزرعون محاصيلهم. هذا ~~الانقسام في المجتمع بين مزارعين معوزين نسبيا وقاصري اليد من ناحية وبين سكان مدن ~~أكثر ثراء ونفوذا بكثير من ناحية أخرى، صار سمة كل حضارة من الحضارات المدنية في ~~العصور القديمة، وقد استمر في المجتمعات المتحضرة طوال باقي التاريخ ~~المدون. # على مدار الخمسة آلاف سنة الماضية، ظهرت واندثرت آلاف الدول المدن ومئات ~~الإمبراطوريات، لكن بقي جوهر الحضارة المدنية كما هو حتى بزغ المجتمع الصناعي منذ ~~مائتي عام. وعاش في الريف شعب زراعي كبير، لكن بلا سلطة، وأنتج الغذاء الذي استهلكه ~~المجتمع كله. في الوقت نفسه، كانت هناك طبقة حاكمة صغيرة لكن قوية، شملت مجموعة كبيرة ~~من البيروقراطيين، وجماعة حصرية من رجال الدين، وسلطة عسكرية منظمة، وقد عاشت داخل حدود ~~مركز حضري تحميه تحصينات هائلة، ويزخر بالأنصاب والقصور والمعابد. # بمرور القرون واحدا تلو الآخر، انتشرت المجتمعات المتحضرة من مواضع ms177 نشأتها إلى كل ~~القارات، وباتت في النهاية مسيطرة على البشرية جمعاء تقريبا، لكن الحضارة نفسها ما ~~كانت لتقوم لها قائمة لولا ما حدث من اندماج فريد بين عوامل وجدت في وديان الأنهار ~~الكبرى في العالم؛ فعلى ضفاف أنهار العالم الكبرى ضربت الحضارة المدنية جذورها لأول ~~مرة. # سحر الأنهار # ليست مصادفة أن أولى الحضارات المدنية - التي قامت كل منها على نحو مستقل عن ~~الأخرى؛ إذ كان يفصل بينها نحو ألف سنة، وظهرت في ثلاث مناطق شديدة التباعد - قد نشأت ~~جميعها في مناطق تمتد فيها أكبر أودية الأنهار في العالم وأخصبها. أولى هذه المناطق ~~هي منطقة الهلال الخصيب، حيث تقع وديان أنهار النيل ودجلة والفرات. والثانية هي وادي ~~نهر السند في شمال الهند. والثالثة هي سهول الطمي في شرق ووسط الصين، حيث يقع نهرا ~~الأصفر واليانجتسي. فقد صارت كل من هذه المناطق في النهاية «مهدا لحضارتها». # ثمة ثلاثة أسباب مهمة لقيام الحضارة المدنية لأول مرة في وديان هذه الأنهار بدلا من ~~أن تقوم في مناطق أخرى، مثل مرتفعات غينيا الجديدة، حيث وقع التحول إلى الحياة الزراعية ~~المستقرة أيضا منذ آلاف السنين. # السبب الأول هو أن تربة وديان الأنهار الخصبة وتضاريسها المنبسطة أثبتت أنها بيئة ~~زراعية غزيرة الإنتاج، وقد أدت الزيادة في إنتاج الغذاء سريعا إلى ارتفاع هائل في ~~تعداد السكان الذين يعيشون هناك. وربما تتذكرون أن شعب الخزف الخطي انتشر سريعا في ~~شمال أوروبا باستعمار وديان أنهار الدانوب والراين وإلبه، التي كانت غنية بطبقات ممتازة ~~من تربة اللويس التي خلفتها الأنهار الجليدية الذائبة. على غرار هذا، استوطن أول ~~مزارعي العصر الحجري الحديث سريعا وديان أنهار الهلال الخصيب والهند والصين، حيث ~~استؤنس في الأصل العديد من النباتات والحيوانات. # حين حلت مجتمعات زراعية محل مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي كانت تسكن وديان هذه ~~الأنهار فيما مضى، تضاعف عدد السكان من البشر عشر مرات. وعندما أقيمت عدة مستوطنات ~~دائمة على مقربة بعضها من بعض، وجد آلاف الناس أنفسهم في نهاية الأمر يعيشون في مناطق ~~صغيرة ms178 بدرجة تسمح لهم بعبورها مشيا في مسيرة سفر يوم أو يومين. وقد أثبت هذا التمركز ~~البشري داخل مناطق جغرافية صغيرة أنه بيئة مثالية لظهور مراكز مدنية. # ثانيا: كل هذه الأنهار الكبيرة البطيئة الجريان كانت تغمرها أمطار الربيع أو الصيف ~~كل عام، وكان الطمي الذي تحمله الفيضانات السنوية يجدد أراضي الزراعة الواقعة على ~~امتداد ضفاف الأنهار برواسب جديدة من التربة الخصبة. وكان هذا يضمن عدم اضطرار السكان ~~قط للانتقال بحثا عن أراض زراعية أجدد وأخصب؛ إذ تتدفق المياه عند مصب هذه ~~الأنهار الهائلة تدفقا بطيئا جدا عند اقترابها من البحر؛ مما يتيح لحبيبات ~~الطمي الدقيقة المعلقة في النهر الاستقرار في القاع. مع مرور الوقت، صارت كميات ضخمة ~~من الطمي مترسبة عند مصبات الأنهار، مكونة دلتاوات شاسعة ذات جزر عديدة خصبة ~~التربة، تحيط بها أراض رطبة ذات مستنقعات ومسطحات مائية ضحلة. تبلغ مساحة دلتا نهر ~~النيل مائة ميل من الشمال للجنوب، وتشغل مائة وخمسين ميلا من ساحل البحر المتوسط، ~~وتبلغ مساحتها نحو عشرة آلاف ميل مربع. # كذلك شجعت طبيعة هذه الأنهار الشعوب التي عاشت على ضفافها على وضع خطط لمشروعات ~~طويلة الأجل - مثل تجفيف مستنقعات الدلتاوات وإنشاء أنظمة لري السهول الفيضانية ~~المنبسطة - مما أوجد مساحات جديدة من الأراضي الزراعية الخصبة، لكن مثل هذه المشروعات ~~تطلبت تعاونا وثيقا بين أعداد كبيرة من الأشخاص، وهو الشيء الذي كان قد تحقق ~~بالفعل حين خضع العديد من المستوطنات الصغيرة والعمال الذين عاشوا فيها لسيطرة سلطة ~~مركزية واحدة. # ثالثا: وفرت الأنهار طريقا طبيعيا ربط بين المئات من المدن والقرى التي نشأت ~~على امتداد ضفافها؛ مما أطلق شرارة بداية فترة غير مسبوقة من التجديد في تقنية صناعة ~~القوارب. استخدمت شعوب الصيد وجمع الثمار القوارب والأطواف والزوارق ذات المجاديف ~~الأحادية والثنائية قبل ظهور الزراعة بزمن طويل، لكن هذه الأشكال الأولى من وسائل ~~النقل المائي تطورت سريعا إلى أنواع أكبر كثيرا من قوارب قادرة على السفر لمسافات ~~طويلة في اتجاه منابع الأنهار ومصباتها. وأثمر هذا توسعا هائلا في السفر والتجارة ms179 ~~بين المستوطنات الزراعية المتعددة في أودية الأنهار؛ مما مكن المدن والقرى النامية ~~من شحن حمولات ثقيلة من الغلال والجلود والأخشاب والحيوانات والأواني الفخارية بسهولة ~~من مستوطنة إلى أخرى بالنقل النهري؛ فقد كان باستطاعة طاقم قليل الأفراد على متن صندل ~~أو مركب نهري أن ينقل شحنة تزن آلاف الأرطال، في حين كان نقل حمولات بهذا الحجم برا ~~يتطلب أعدادا ضخمة من البشر أو الدواب. # مهود الحضارة: بلاد الرافدين ومصر والهند والصين # ظهرت أقدم المجتمعات المتحضرة أول ما ظهرت في الوادي الشاسع المسمى «بلاد ~~الرافدين» الواقع بين النهرين الكبيرين دجلة والفرات في العراق حاليا. فظهرت الحضارة ~~السومرية في جنوب وادي دجلة والفرات بعد عام 3500 قبل الميلاد، # 2 # وبعدها بعدة قرون ظهرت الحضارة الأكادية في شمال وادي دجلة والفرات. # بنى كل من السومريين والأكاديين قنوات ري وخلفوا أدلة وفيرة على وجود إدارة ~~مدنية مركزية تدعمها بيروقراطية معقدة؛ فقد مكنهم ابتكارهم المبكر للكتابة من ~~إعداد سجلات بالضرائب والخراج، وكذلك من سن نظام قانوني مكتوب، وقد شيدوا داخل ~~مدنهم المحصنة معابد وقصورا ومخازن وأضرحة معقدة البناء. في البداية كان رجال ~~الدين يحكمون حضارة بلاد الرافدين، لكن فيما بعد فرضت مع ظهور الملوك والمنظومة ~~العسكرية الضرائب وأموال الخراج التي تدفقت من الريف إلى المدن. # في الوقت نفسه تقريبا، نشأت إحدى أبرز حضارات العالم القديم في وادي نهر النيل. ~~حضارة مصر القديمة، التي كان الإغريقيون والرومانيون القدماء يعدونها أعرق ~~المجتمعات في التاريخ وأكثرها حكمة، مشهورة بمعابدها وتماثيلها وأهراماتها الشاهقة، ~~ونصوصها المستفيضة المكتوبة بالهيروغليفية، وبإنجازاتها الهندسية والمعمارية التي ~~قلما ضاهتها إنجازات منذ ذلك الوقت، لكن من الإنجازات الأقل شهرة للحضارة المصرية ~~مهارة المصريين القدماء المبكرة في بناء السفن والإبحار، والتي كانت نتيجة طبيعية ~~لموقع مصر الجغرافي على ضفاف نهر النيل، الذي هيمن على كل جوانب المجتمع والثقافة ~~المصرية. # شكل 7-1: ظهرت أوائل الحضارات المدنية في الهلال الخصيب، في وادي نهري دجلة ~~والفرات في بلاد الرافدين أولا، ثم في وادي نهر النيل في مصر ~~لاحقا. # في ذروة الفيضانات ms180 السنوية، يتدفق النيل بمعدل خمسة أميال تقريبا في الساعة وهو ~~يتجه شمالا نحو البحر المتوسط، ويحدث تباطؤ لهذا التيار لأكثر من ثلاثة أميال بقليل ~~في الساعة بمجرد انحسار مياه الفيضان، لكن حيث إن الرياح السائدة في ذلك الجزء من ~~العالم تهب في اتجاه الجنوب، فقد بنى المصريون سفنا قادرة على الإبحار جنوبا، ~~مدفوعة بالرياح الشمالية ومقاومة التيار المتدفق شمالا. وفي رحلة العودة، كان ~~الطاقم ينزل الشراع فحسب، ويطفو بسفينته شمالا مع التيار عائدا إلى البحر المتوسط؛ ~~لذلك كان الرمز الهيروغليفي المصري لكلمة «جنوب» هو سفينة ذات صار قائم وشراع مبسوط ~~للرياح، في حين كان الرمز الهيروغليفي لكلمة «شمال» هو سفينة أنزل صاريها، منجرفة مع ~~تيار النيل. # بمرور الزمن، تطورت قوارب المصريين وسكان بلاد الرافدين النهرية المسطحة ضحلة ~~البدن بإضافة الحواف المرتفعة وعارضات القعر المستديرة التي أتاحت لهم الإبحار في مياه ~~البحار المفتوحة الأكثر هيجانا. أتاحت هذه المراكب البحرية للمصريين القدماء الإبحار ~~من مصب النيل إلى سواحل بلدان شرق المتوسط، ومن البحر الأحمر إلى مواقع في شبه ~~الجزيرة العربية والهند وأفريقيا. ومكنت السومريين القدماء من الإبحار من بلاد ~~الرافدين مئات الأميال جنوبا إلى سواحل أفريقيا وشرقا إلى سواحل الهند. كل من ~~المصريين وسكان بلاد الرافدين كانوا يعقدون صفقات تجارية كبرى باستيراد الأحجار من ~~أجل صناعة الأدوات، وحجر اللازورد الشبه الكريم، ولاحقا خامات القصدير التي كانوا ~~يحتاجونها لصناعة أدوات وأسلحة من البرونز. # في الوقت نفسه، وعلى بعد أكثر من ألف ميل شرقا من بلاد الرافدين كانت نشأة حضارة ~~أخرى في وادي نهر السند في شمال غرب الهند؛ فقد قامت المدينتان البارزتان، موهينجو دارو ~~وهارابا نحو عام 3300 قبل الميلاد على ضفاف نهر السند. وبعد ذلك بتسعمائة عام، أنشئت ~~مدينة لوثال - أحد مراكز الصناعة والتجارة المهمة - على ضفاف نهر سابارماتي. وقد عثر ~~على أدلة على سلع تجارية من لوثال في مناطق بعيدة شرقا بلغت جنوب شرق آسيا، وفي مناطق ~~بعيدة غربا حتى ساحل شرق أفريقيا. # شكل 7-2: تميزت مدن حضارة وادي السند التي ms181 نشأت بعد عام 3300 قبل الميلاد ~~بشبكات صرف صحي متقدمة، وشون عامة كبيرة، ومنشآت مرفئية جيدة ~~التجهيز. # بسطت مدن حضارة وادي السند سلطتها على ملايين السكان، ولم يكن يضاهيها أي مراكز ~~مدنية في العالم القديم؛ فقد كانت مجتمعات أنشئت على أساس التخطيط، فكانت ذات شوارع ~~مصممة متعامدة بعضها على بعض؛ التخطيط الشبكي الذي لم يظهر مرة أخرى إلا مع نشأة ~~الحضارة الرومانية بعد 2500 عام. وكانت المنازل مبنية من الطابوق المحروق، وفي هذا ~~تناقض واضح مع الطوب اللبن المجفف في الشمس الذي كان يستخدم في كل مكان خلال هذه ~~الفترة. كذلك كان هناك شبكات معقدة للمياه والصرف الصحي اشتملت على أقدم مراحيض ~~بأنظمة صرف في العالم، وحمامات عامة كبيرة، وشبكة مجارير تحت الأرض كاملة ببالوعات ~~مبطنة بالقرميد. # لم يعثر إلا على أدلة قليلة في حضارة وادي السند تشير إلى الفوراق الشديدة في ~~الثروة، والتي كانت أمرا معتادا في الحضارات القديمة الأخرى، وهذا أمر يثير ~~الانتباه. ورغم أن عمليات التنقيب قد كشفت عن العديد من المخازن والشون والحمامات ~~العامة، فإنه لم يعثر بعد على أثر في أطلال هارابا أو موهينجو دارو أو لوثال للقصور ~~أو المعابد أو المباني العسكرية العملاقة المعهودة في دول مدن الحضارات القديمة الأخرى. ~~يبدو أن مجتمع الحرفيين والتجار هذا ظل لأكثر من ألف عام ينعم بدرجة من المساواة ~~والراحة المادية كانت فريدة في العصور القديمة. بيد أن حضارة وادي السند انهارت سريعا ~~بعد عام 1850 قبل الميلاد، وبحلول عام 1700 قبل الميلاد كانت قد تلاشت تماما. ولم ~~تشهد مرة أخرى قط «حضارة تنعم بالعدالة والمساواة» في العالم القديم. # شكل 7-3: نشأت أقدم حضارات الصين في واديي نهري اليانجتسي والأصفر. وقد ربط ~~بين هذين النهرين لاحقا القناة الكبرى، أكثر مشروعات شبكات المياه ~~أهمية في تاريخ البشرية. # لم تبدأ الحضارة المدنية في الصين حتى حلول عام 2000 قبل الميلاد تقريبا - بعد ~~ظهورها في وديان أنهار الهند والهلال الخصيب بنحو ألف عام - لكنها سرعان ما صارت أكثر ~~الحضارات المدنية القديمة ms182 اتساعا وتنظيما واستمرارا. ويبدو أن أول مركز مدني في ~~الصين نشأ في إرليتو، أحد المستوطنات الكبيرة على ضفاف النهر الأصفر، حيث دلت آثار ~~سبك البرونز وبعض بقايا الكتابة الصينية على بدايات المجتمع المتحضر. # كانت أراضي وديان الأنهار المنخفضة الخصبة في الصين أكثر اتساعا عنها في أي مكان آخر ~~في العالم، حيث بلغت مساحة أحد السهول الرسوبية الشاسعة، الذي غطى أغلب المساحة بين ~~واديي النهر الأصفر ونهر اليانجتسي، نحو 750 ميلا عرضا من الشرق للغرب، وألف ميل ~~طولا من الشمال للجنوب. وكان وادي نهر اللؤلؤ في جنوب الصين قطعة مهمة ثالثة من ~~الأراضي الزراعية الخصبة التي امتدت داخليا من بحر الصين الجنوبي لأكثر من خمسمائة ~~ميل حتى حدود فيتنام. # شاب تاريخ الصين القديم عدة قلاقل سياسية حين كانت القوى والسلطة السياسية ~~تتداول، على حين غرة في بعض الأحيان؛ إذ توالى ما لا يقل عن سبع عشرة أسرة حاكمة ~~وحكومة خلال الأربعة آلاف عام التي انقضت منذ ظهور ثقافة إرليتو نحو عام 2000 قبل ~~الميلاد وحتى عام 1911م، حين انهارت أسرة تشينج الحاكمة وأسست الأمة الصينية ~~الحديثة. طوال هذه الفترة، ظلت السلطة السياسية في الصين تتنقل بين أكثر من أربعين ~~عاصمة مختلفة من وقت لآخر، وهي لا تشمل العواصم المتعددة التي أنشئت خلال أربع فترات ~~محددة من الانقسام السياسي، حين انقسم المجتمع الصيني إلى عدة دول مدن ~~متحاربة. # 3 # بيد أنه توالت على الصين فترات طويلة من الاستقرار والازدهار أيضا؛ فالحضارة ~~الصينية مسئولة عن العديد من الابتكارات التقنية والثقافية البارزة. تشمل هذه ~~الابتكارات اختراع ورق الكتابة والبارود والأسلحة النارية، وبناء أكبر سفن خشبية في ~~العصور القديمة، وتشييد اثنين من أكبر مشروعات الأشغال العامة في تاريخ البشر: سور ~~الصين العظيم والقناة الكبرى. # أما سور الصين العظيم فهو في غنى عن المقدمات الطويلة. هذا السور عبارة عن سلسلة من ~~الجدران، يصل طولها معا لأكثر من خمسة آلاف ميل، بناها في أوقات مختلفة أباطرة ~~صينيون مختلفون، بداية من عام 700 قبل الميلاد تقريبا، وظل البناء ms183 مستمرا بتقطع ~~حتى عام 1600 ميلادية تقريبا. وقد شيد سور الصين العظيم من أجل صد المنغوليين ~~وغيرهم من القبائل النزاعة إلى القتال التي عاشت في الجبال والصحراوات التي حدت وسط ~~الصين من الشمال . وقد بني وأعيد بناؤه عدة مرات على مدار تاريخ الصين، لكنه اخترق ~~بصورة بالغة عام 1644م على يد جيوش أمراء حرب شعب المانشو، الذين أسسوا أسرة تشينج ~~وظلوا يحكمون الصين حتى العصور الحديثة. # ورغم أن القناة الكبرى أقل شهرة من عدة جوانب فإنها كانت أهم هذه الإنجازات الضخمة؛ ~~فقد ربطت بين النهر الأصفر ونهر اليانجتسي، لتوفر سبيلا للتجارة والنقل في أنحاء ~~وسط الصين وتساهم بدرجة كبيرة في توحيد الصين وتاريخها بصفتها إحدى أقدم الدول المدن ~~وأكبرها؛ فالقناة الكبرى التي يتعدى طولها ألف ميل هي أطول قناة من صنع الإنسان في ~~العالم. وقد بدأت بداية متواضعة عام 486 قبل الميلاد لتربط نهر اليانجتسي بنهر هواي، ~~لكن بعد عام 600 ميلادية، ظلت القناة تطول وتتسع تدريجيا لتربط في النهاية بين ~~بيكين في الشمال بهانجتشو، وهي ميناء ومركز مهم لصناعة السفن في الجنوب. # في هذه المرحلة، لا بد أن نذكر أنه رغم أن تراث الملاحة لمصر وبلاد الرافدين ووادي ~~السند والصين ساهم مساهمة غير محدودة في تقرير مصائرها النهائية كمهود للحضارة، فإن ~~الأدلة واضحة على أن الملاحة لم تبدأ مع نشأة الحضارات؛ فثمة أدلة كثيرة على أن بشر ~~الهومو إريكتوس وغيرهم من بشر ما قبل التاريخ كانوا يصنعون الأطواف والقوارب ويبحرون ~~بها في عرض البحر، قبل استقرار الإنسان الحديث تشريحيا في قرى دائمة وبدء ممارسته ~~الزراعة بزمن طويل. # الأطواف والقوارب والسفن الشراعية # من حقائق علم الأعراق أن الصيادين وجامعي الثمار ظلوا زمنا طويلا يصنعون زوارق ~~بتجويف الكتل الخشبية، وكانوا يصنعون أطوافا تفوقها طولا بربط الكتل الخشبية أو ~~الخيزران أو الغاب بحبال مصنوعة من الفروع أو اللحاء الممزق. وقد صنعت قبائل شمال ~~غرب المحيط الهادئ الأمريكية الأصلية زوارق مجوفة ضخمة من الجذوع الهائلة لأشجار ~~الأرز والأشجار الصنوبرية القديمة وأبحروا بها في ms184 عرض البحر، وهم بكل المقاييس من شعوب ~~الصيادين وجامعي الثمار الذين عاشوا في «العصر الحجري». # يظل القدم الحقيقي للملاحة مسألة مثيرة للخلاف الشديد بين علماء عصور ما قبل ~~التاريخ، لكن لا بد أن أشباه البشر كانوا يصنعون القوارب منذ العصر الحجري القديم ~~العلوي على الأقل، وربما صنعت أول قوارب وأطواف قبل ذلك بزمن طويل. يعتقد بعض العلماء ~~أن استعمار بشر الهومو إريكتوس جزر أقصى الشرق الإندونيسية منذ أكثر من خمسمائة ألف عام ~~ما كان ليحدث إلا لو كان هؤلاء البشر الناشئون قادرين على الملاحة في عرض البحر في ~~مراكب صالحة للملاحة. # 4 # أيا كان الرأي النهائي بشأن ركوب بشر الهومو إريكتوس البحر، فمن الحقائق المؤكدة ~~أن شعوب ما قبل التاريخ قد استقروا أصلا في قارة أستراليا منذ ستين ألف عام على ~~الأقل. وهو الإنجاز الذي تطلب عبور خمسين ميلا في البحار المفتوحة التي كانت تفصل ~~بين جزيرة تيمور الإندونيسية وساحل أستراليا خلال هذه الفترة من التاريخ ~~الجيولوجي # 5 ~~(رغم أن ما يفصل تيمور عن ساحل أستراليا اليوم هو ثلاثمائة ميل من البحار ~~المفتوحة، فإن مستوى سطح البحر خلال العصور الجليدية كان أدنى منه حاليا بثلاثمائة ~~قدم، كما كانت مساحات كبيرة من الجروف القارية على جانبي مضيق تيمور مكشوفة؛ لذا كانت ~~المسافة بين أستراليا وتيمور منذ ستين ألف عام خمسين ميلا من المياه المفتوحة ~~تقريبا). ويعطينا هذا دليلا قاطعا على أن الناس لم يكونوا يصنعون المراكب فقط، ~~وإنما يبحرون أيضا لأيام في عرض البحر منذ عشرات آلاف الأعوام. # في عام 1998م، أجرى اختصاصي علم الحفريات البشرية، روبرت جي بيدناريك، تجربة أعطى ~~فيها توجيهاته ببناء طوف كبير من الخيزران على جزيرة روتي قبالة ساحل تيمور الجنوبي ~~الغربي. كان طوف بيدناريك مصنوعا بالكامل من مواد محلية كانت متوفرة لبشر العصر ~~الحجري القديم. وقد زود بأشرعة منسوجة من ألياف النخيل، واستخدمت في بنائه بالكامل ~~أدوات حجرية من النوع الذي كان يشيع استخدامه منذ ستة آلاف عام. وأبحر بيدناريك هو ~~وطاقم من خمسة أفراد بنجاح ms185 بهذا المركب من تيمور إلى أستراليا، وهم يقتاتون بصفة ~~أساسية على السمك الذي كانوا يصطادونه من البحر مستعينين بنسخ مقلدة من حراب العصر ~~الحجري القديم المصنوعة من العظام. # 6 # إلا أنه يكاد يكون من المستحيل أن نعثر على دليل على الملاحة يعود إلى أوقات العصر ~~الحجري القديم؛ هذا لأن مستويات سطح البحر خلال العصور الجليدية كانت أدنى كثيرا عما ~~هي عليه الآن، كما أن السواحل القديمة للعصر الحجري القديم العلوي - ومعها كل الأدلة ~~على استيطان البشر التي كانت تحتوي عليها - تقبع حاليا تحت ثلاثمائة قدم من مياه ~~البحر. # حتى وإن كان من الممكن تحديد المكان الذي عاش فيه بشر ما قبل التاريخ بالتحديد في هذه ~~السواحل المغمورة الآن، فقد محا تأثير البحر على مدار عشرات آلاف السنين معسكراتهم ~~القديمة منذ زمن طويل، وكذلك بقايا أي قوارب أو أطواف ربما كانوا يستخدمونها، لكن ثمة ~~أدلة مادية من بلاد الرافدين العتيقة تثبت أن سفن الإبحار كانت تصنع من الغاب وتجوب ~~المياه المفتوحة قبل سبعة آلاف عام؛ أي قبل بداية أول حضارة مدنية بكثير. # في عام 2001م، اكتشف فريق من علماء الآثار البريطانيين والكويتيين اثنين وعشرين لوحا ~~من القار قرب سواحل الخليج الفارسي، حيث يصب نهر الفرات في البحر. القار هو مادة ~~سوداء دبقة، تسمى أيضا أسفلت، موجودة في الرواسب الطبيعية في أنحاء الهلال الخصيب، ~~وكانت تستخدم على نطاق واسع خلال العصور القديمة كمادة جلفطة عازلة للماء من أجل كل ~~من حاويات المياه وهياكل قوارب الغاب. وعند التحقق من تاريخ تكون قوالب القار ~~تأكد أنها تكونت ما بين عام 5500 وعام 5300 قبل الميلاد. وهذا كان قبل بدء الحضارة ~~المدنية في بلاد الرافدين بنحو ألفي عام. # وحيث إن القار المخلوط بزيت سمكي وشعب مرجانية مكسرة قد نقل لأكثر من ستين ~~ميلا من المكان الذي تكون فيه، وما زال يحمل آثار الحبال والأسلاك وحزم الغاب التي ~~كانت تستخدم في هذا الوقت في صنع القوارب، فلا يوجد شك أنه كان يستخدم في جلفطة ~~القوارب البحرية، ms186 بل في الواقع ما زالت بعض ألواح القار هذه تحمل بقايا البرنقيل الذي ~~كان متشبثا بها؛ مما يثبت أنها بقيت فترة طويلة في البحر. # ولم يكن المصريون متأخرين كثيرا عن الركب في هذا الصدد؛ فقد بقي منذ عام 7000 قبل ~~الميلاد مراكب صغيرة مصنوعة من حزم الغاب المربوطة بالحبال كانت تستخدم في مياه النيل ~~الهادئة نسبيا، كما أثبتت لاحقا قوارب أكبر حجما من الغاب قدرة مدهشة على ~~الإبحار في مياه البحار المفتوحة الأكثر غدرا. وفي عام 1970م، أشرف المغامر النرويجي، ~~ثور هيردال، على بناء نسخة مطابقة لقارب مصري قديم من الغاب، وأبحر به لستة آلاف ميل ~~عبر المحيط الأطلنطي من ساحل المغرب في شمال أفريقيا لجزيرة باربادوس في البحر ~~الكاريبي. ومنذ ذلك الوقت قامت رحلات كثيرة في قوارب من الغاب شبيهة بتلك التي كانت ~~تستخدم في مصر القديمة، للتدليل على أن المصريين والسومريين كانوا سيستطيعون ~~الذهاب في رحلات بحرية طويلة في قوارب مماثلة من الغاب. # بحلول عام 3500 قبل الميلاد، قبيل فجر الحضارات الأولى، كان فن صناعة السفن قد ~~تطور تطورا كبيرا؛ فقد كان كل من المصريين والسومريين قد تجاوزوا المراكب ~~البدائية المصنوعة من الغاب، وكانوا يصنعون قوارب بحرية من ألواح الأخشاب التي كانت ~~«تدرز» معا بأشرطة من الألياف المنسوجة (فالمسامير الحديدية التي استخدمت في النهاية ~~في بناء القوارب لم تبتكر إلا بعد ثلاثة آلاف سنة أخرى). وكانت قوارب الألواح الخشبية ~~هذه تصنع بحيث تفك، وتحمل على ظهور الدواب، وتنقل لمسافات طويلة، ويعاد ~~تركيبها على الشاطئ، حتى إن المصريين كانوا يدأبون على نقل قواربهم لمسافة 125 ميلا ~~عبر صحراء سيناء إلى سواحل البحر الأحمر، حيث كانت تدرز معا، وتجلفط بالقار، ~~وتبحر مئات الأميال إلى سواحل أفريقيا والهند في حملات تجارية. # وبحلول عام 1500 قبل الميلاد كان المصريون الذين صاروا متحضرين آنذاك يبنون صنادل ~~نهرية عملاقة - بلغ بعضها 230 قدما طولا، وثمانين قدما عرضا، وعشرين قدما عمقا - ~~يستطيع كل منها حمل أكثر من ألف طن من الشحنات. وقد استخدم هذا النوع ms187 من الصنادل ~~الضخمة في نقل «تمثالي ممنون»، وهما تمثالا الفرعون أمنحتب الثالث، اللذان يزن كل ~~منهما نحو 320 طنا، واللذان نحتا بالقرب من المكان الذي تقع فيه القاهرة في العصر ~~الحالي، ونقلا لمسافة تربو عن أربعمائة ميل في النيل إلى مدينة طيبة القديمة، حيث ~~يقفان الآن. # البزوغ البطيء للكتابة # كثيرا ما يصور اختراع الكتابة باعتباره حدثا فريدا وقع في زمان ومكان ~~محددين؛ إذ دائما ما يوصف بأنه بدأ نحو سنة 3000 قبل الميلاد مع الكتابة ~~المسمارية لسكان بلاد الرافدين القدماء، وانتشر من هناك إلى أماكن أخرى في العالم ~~القديم، غير أن كل الأدلة تشير إلى أن الكتابة بالأحرى تطورت تطورا بطيئا جدا في ~~أماكن عدة، وفي أزمنة عدة، وفي ثقافات عدة، ولم تبتكر في زمن واحد ومكان ~~واحد. # مما لا شك فيه أن البشر ظلوا يستخدمون رموزا مرئية للتعبير عن معان محددة طيلة ~~أكثر من عشرين ألف عام. وقد دل على هذا بجلاء آلاف النقوش الحجرية التي عثر عليها ~~في كهف لا باسيجا، وكذلك مئات المواقع الأخرى التي تعود إلى العصر الحجري القديم في ~~أوروبا (لي كومبريل ولاسكو وليز إزيه وألتاميرا ووادي فال كامونيكا)، وآسيا (كهف كابوفا ~~وكهوف مجفيميفي وكهوف إداكال ولاداخ ونقوش جدول ديجوكشيون)، وأفريقيا (جبال أكاكوس وجبل ~~العوينات وبيدزار ونيولا دوا وكهف بلومبوس وكهف وندرويرك)، وأستراليا (موقع موروجوجا ~~في شبه جزيرة بوروب)، والأمريكتين (بحيرة وينيموكا ولونج ليك وموقع ثري ريفرز وموقع ~~كومب مايو). # غير أن نقوش العصر الحجري القديم العلوي لا ترقى لما يمكننا اعتباره أنظمة كتابة ~~مكتملة؛ إذ يعني مفهوم «الكتابة» في ثقافتنا المعاصرة التمثيل المنهجي والبياني للغة ~~المكتملة النمو، بما لا يقتصر على أسماء فحسب، وإنما كذلك أفعال وأساليب للتعبير عن ~~أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل. وفي أغلب الحالات، تشمل الكتابة الحقيقية بعض الإشارات ~~إلى الطريقة التي كانت تنطق بها الكلمات الدالة على المعاني المختلفة في اللغة المنطوقة ~~لدى الشعب الذي دون هذه الكتابة. # شكل 7-4: هذا الخطاب المسماري، المكتوب بقلم إسفيني الشكل على صلصال رخو، ~~أرسل ms188 إلى مدينة لكش لملك بلاد ما بين النهرين ليخبر إياه بوفاة ابنه ~~في القتال. # أينما كانت تظهر الحضارات المدنية كانت تتطور أنظمة كتابة مكتملة لأنه كان ثمة ~~حاجة إليها؛ فالمجتمعات المكونة من عشرات أو مئات آلاف الأشخاص - الأغراب بعضهم عن ~~بعض في أغلب الأحيان - تحتاج إلى تقنيات تواصل يمكنها نقل رسائل معقدة بفاعلية ~~ومصداقية عبر الزمان والمكان. ولما كانت هذه المجتمعات المدنية لا تمتلك نظام كتابة - ~~أو ليس باستطاعتها اقتراض نظام كتابة من جيرانها - فقد اخترعت أنظمة خاصة بها. # كانت الثقافتان السومرية والأكادية في بلاد الرافدين من أوائل الشعوب التي وضعت نظام ~~كتابة مكتملا، بدأ برسوم لحركات معينة مثل المشي والأشياء المادية مثل الأغنام ~~والأبقار والخبز والشعير. مع الزمن صارت تفاصيل هذه الرسومات الرمزية مبسطة، وتطورت ~~أخيرا إلى رموز موحدة تشبه الأشياء التي كانت تعبر عنها في الأصل شبها طفيفا. ~~وفي نهاية الأمر، أصبحت كل هذه الرموز ترسم في شكل يسمى «مسماريا»، يتكون من نقوش ~~تحفر في صلصال لين بعود غاب على شكل وتد أو قلم خشبي (انظر شكل # 7-4 ~~). # وبمرور الوقت، تبنى العديد من الثقافات القديمة كتابة السومريين المسمارية ~~باعتبارها «أبجدية» معيارية، وصارت الكتابة المسمارية الطريقة الموحدة لكتابة اللغات ~~القديمة البابلية والآشورية والحوثية والعيلامية والحورية والأورارتية والإجاراتية ~~والفارسية، لكن رغم أنهم جميعا ربما كانوا يستخدمون نظام الكتابة نفسه، فإن الشعوب ~~التي كانت تتحدث هذه اللغات المختلفة لم يكن بعضها يستطيع قراءة نصوص الآخرين التي ~~كانت بالكتابة المسمارية. بالمثل، لا تستطيع الشعوب التي تفهم اللغة الإنجليزية وحدها ~~أن تقرأ نصوصا سوى المكتوبة باللغة الإنجليزية، ولا تستطيع قراءة النصوص الإسبانية أو ~~البرتغالية أو الهولندية أو الفلمنكية أو الإيطالية أو الفرنسية أو الألمانية، رغم أن ~~هذه اللغات كلها تستخدم أساسا الأبجدية نفسها. # في الوقت نفسه كانت أنظمة الكتابة تتطور أيضا في حضارات قديمة أخرى؛ فقد شاع ~~استخدام نظام الكتابة الفريد الذي أسماه الإغريقيون الهيروغليفية أو «النقوش المقدسة» ~~في وادي النيل بعد عام 3000 قبل الميلاد بقليل. تحتوي الكتابة الهيروغليفية، مثل ~~المسمارية، على ms189 عدد من الرموز الخاصة التي تمثل أصوات الحروف الساكنة (فالهيروغليفية ~~المصرية، شأن العديد من أشكال الكتابة الأخرى، ليس بها ترقيم لأصوات حروف العلة). أما ~~الغالبية العظمى من الرموز الهيروغليفية فهي تمثل معاني محددة. ومع الزمن زاد عدد ~~الرموز الهيروغليفية من ثمانمائة خلال العصور القديمة للحضارة المصرية إلى نحو خمسة ~~آلاف رمز مع بداية الإمبراطورية الرومانية بعد ذلك بعدة قرون. # ورغم أن بعض أشهر النقوش الهيروغليفية هي تلك الموجودة على الجدران الحجرية للأهرامات ~~والمعابد، فإن أغلب الكتابات الهيروغليفية المصرية كانت مكتوبة بشكل «متصل» على أوراق ~~البردي، المصنوعة من نبات المستنقعات نفسه الذي أخذت منه مواد بناء القوارب المصرية ~~القديمة. وقد بقيت لفائف بردي متعددة منذ العصور القديمة في مناخ مصر الصحراوي الجاف، ~~لتوفر مصدرا غنيا بالمعلومات حول ثقافة هذه الحضارة الاستثنائية ومجتمعها (انظر شكل # 7-5 ~~). # شكل 7-5: كانت الهيروغليفية المصرية تنحت على الحجر (فوق)، وتكتب أيضا بشكل ~~أبسط (متصل) على أوراق البردي (تحت). (الشكل العلوي مسموح بنشره بموجب ~~رخصة جنو للوثائق الحرة إصدار 1,2 ورخصة المشاع الإبداعي غير الموطن ~~الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل.) # في وادي نهر السند، كانت هارابا وموهينجو دارو، الدولتان المدينتان الناشئتان، لديهما ~~الحاجة نفسها لتدوين الصفقات مثل السومريين، وقد ظهر الدليل على وجود لغة مكتوبة تسمى ~~«الكتابة السندية» بعد عام 2700 قبل الميلاد. ظلت الكتابة السندية باقية في شكل أختام ~~مصنوعة من الصلصال المحروق التي احتوت على متتاليات من الرموز، المصحوبة أحيانا بصور ~~جميلة. وقد احتوى هذا الشكل من الكتابة على أكثر من أربعمائة علامة ورمز مختلف، ~~مستنسخة في تسلسل واضح المعالم، إلا أنه للأسف كان القماش القطني هو خامة الكتابة التي ~~اعتاد شعب حضارة وادي السند استخدامها، وقد ضاع تقريبا كل سجلات الكتابة السندية التي ~~كتبت على هذه الخامة الشديدة القابلية للتلف بمرور الزمن (انظر شكل # 7-6 ~~). # شكل 7-6: : بدأت الكتابة في وادي السند بأشكال كانت تنقش على أختام من ~~الصلصال (أ) مع أشكال في أحيان كثيرة (ب) ومختومة على صلصال رخو ms190 أو شمع ~~(ج). يدل استخدام رموز مكررة على أن كتابة وادي السند كانت لغة مكتوبة ~~بحق. (الأشكال (أ) و(ب) و(ج) مصرح بنشرها بموجب رخصة جنو للوثائق الحرة ~~إصدار 1,2؛ الشكل «د» مصرح بنشره بموجب رخصة جنو للوثائق الحرة إصدار ~~1,2 ورخصة المشاع الإبداعي غير الموطنة الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب ~~المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل.) # استؤنست النباتات والحيوانات في الصين تقريبا في نفس وقت استئناسها في منطقة الهلال ~~الخصيب، وبحلول عام 7000 قبل الميلاد كان واديا النهر الأصفر ونهر اليانجتسي موطنا ~~لشعب كبير ومتزايد من المزارعين المقيمين في قرى دائمة. ويعود لهذه الفترة المبكرة ~~أول دليل على استخدام الرموز المصورة في الصين (انظر شكل # 7-7 ~~). # شكل 7-7: أشكال للكتابة القديمة في الصين، (أ) من جياهو، عام 6600 قبل ~~الميلاد، (ب) وداديوان، عام 5800 قبل الميلاد، (ج) ولونجشان، عام 3000 ~~قبل الميلاد، (د) و«نص مكتوب على إحدى عظام العرافة» من أسرة شانج، عام ~~1200 قبل الميلاد. ((ج) أعاد رسمه تومشين عام 1989؛ (د) نسخة مقلدة ~~لصدفة سلحفاة عليها نصوص عرافة صينية قديمة؛ النشر بموجب رخصة المشاع ~~الإبداعي الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل من ~~موقع ويكيميديا كومونز.) # تظهر أقدم أدلة على الكتابة الصينية في موقع جياهو الذي يعود إلى العصر الحجري ~~الحديث، بتاريخ عام 6600 قبل الميلاد تقريبا، وكذلك في بقايا أحواض الخزف التي عثر ~~عليها في موقع داديوان، وتعود إلى عام 5800 قبل الميلاد تقريبا، وكان مرسوما عليها ~~رموز شبيهة شبها ملحوظا ببعض النقوش الحجرية التي في كهف لا باسيجا الذي تبقى من ~~إسبانيا العصر الحجري القديم، لكن أكثر ما يشبه حروف الكتابة الصينية الحديثة شبها ~~واضحا من أقدم بقايا الحروف الصينية هي «عظام العرافة» التي استخدمت خلال حكم أسرة ~~شانج ما بين سنة 1500 و1200 قبل الميلاد؛ فقد كان الصينيون في ذلك الوقت يحفرون نقوشا ~~في العظام أو أصداف السلاحف ثم يسخنون هذه الأشياء في النار. وكان يتكهن بالمستقبل ~~بتفسير الشقوق التي تظهر في عظام العرافة بعد تسخينها. ms191 ويعد الكثيرون «كتابات عظام ~~العرافة» للصين القديمة أقدم مثال على اللغة الصينية المكتوبة التي ما زالت مستخدمة ~~حتى الآن. # ظهرت الكتابة في القارتين الأمريكيتين في وقت لاحق بعض الشيء عن ظهورها في آسيا، ~~رغم أن كلا من ممارسة الزراعة ونشأة المجتمعات المستقرة بدأتا في الأمريكتين منذ ~~سبعة آلاف عام على الأقل، لكن ربما كان عدم وجود وديان أنهار واسعة هو العامل الرئيسي ~~وراء تأخر نشأة الحضارات المدنية في تلك المناطق. رغم ذلك نهضت أخيرا دول ما قبل عصر ~~كولومبوس في القارتين الأمريكيتين، ويماثل نموها الأنماط المشهودة في الحضارات المدنية ~~للعالم القديم إلى حد باهر. # حضارات المايا والأزتيك والإنكا وغيرها من حضارات ما قبل عصر كولومبوس هيمنت على ~~جيرانها بوسائل العنف؛ فقد كانت كلها مجتمعات هرمية التسلسل مقسمة إلى طبقة دنيا من ~~عمال مزارعين وطبقة عليا من الأرستقراطيين بالوراثة الذين كانوا يمسكون بزمام الحكم ~~في المراكز الحضرية، في حين كان هناك طبقة من رجال الدين المحترفين الذين يمارسون ~~الطقوس الدينية في معابد متقنة البناء. ولم تحتفظ هذه المجتمعات بسجلات مكتوبة فحسب، ~~وإنما وضعوا كذلك أشكالا متقدمة من الرياضيات والكتابة والعلوم الفلكية، حتى إن شعب ~~المايا كان قادرا على حساب أحداث فلكية ستقع في المستقبل البعيد. # وبحلول عام 400 قبل الميلاد، كان شعب المايا يستخدم أحد أشكال الكتابة بالرموز الذي ~~تطور في النهاية إلى نظام في نفس تعقيد أي من الأنظمة التي تطورت في العالم القديم ~~(انظر شكل # 7-8 ~~). وقد تكونت كتابة المايا من مئات الرموز التي ~~كانت تدمج معا في صور معقدة تسمى «الصور الرمزية»؛ شكل من الكتابة الحقيقية ~~المستخدمة في التعبير عن الأرقام والأشياء والأفعال والأصوات. # شكل 7-8: كانت الكتابة الهيروغليفية البالغة التعقيد لحضارة المايا تكتب على ~~ألواح من لحاء الأشجار المسطح (أعلى)، وكذلك تنقش على واجهات المعابد ~~الحجرية (أسفل). (الصورة السفلى منشورة بموجب رخصة المشاع الإبداعي ~~الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص بالمثل.) # من العصر الحجري إلى البرونزي # رغم أنه جرت العادة لزمن طويل على تقسيم تاريخ ms192 البشر بأكمله إلى عصر حجري وعصر ~~برونزي وعصر حديدي، فإن الفروق بين هذه العصور الثلاثة من ناحية حياة البشر ليس كبيرا ~~بالدرجة التي قد توحي بها أسماؤها. وقد نشأت هذه الطريقة في تصنيف تاريخ البشر عام ~~1825م، حين صك جامع التحف القديمة الدنماركي، كريستيان جيرجينسين تومسين، هذه ~~المصطلحات لتكون طريقة ملائمة لتصنيف مجموعات القطع الأثرية القديمة حسب ترتيب زمني ~~معقول. كان هذا قبل أن يقترح داروين ووالاس نظرياتهما بشأن التطور، وقبل اكتشاف بقايا ~~بشر النياندرتال وغيرهم من بشريي عصور ما قبل التاريخ، وقبل تطور علم الآثار الحديث ~~بزمن طويل. # في الواقع، استطاعت الإنكا والمايا والأزتيك وغيرها من المجتمعات المتقدمة في ~~الأمريكتين أن تنشئ حضارات متطورة مع الاستمرار في الاعتماد الشديد على أدوات ~~وأسلحة مصنوعة من الأحجار. وكانت صناعة الأدوات المعدنية في تلك المجتمعات مقتصرة ~~بدرجة كبيرة على صهر المعادن الرخوة مثل الذهب والفضة والنحاس وتشكيلها؛ إذ يمكن إذابة ~~هذه المعادن في نيران الأخشاب العادية التي يسخنها العمال بشدة بنفخ الهواء فيها من ~~خلال أنابيب طويلة، لكنها كانت تفتقر إلى الصلادة والصلابة الضروريتين لصنع أدوات ~~وأسلحة فعالة. # هكذا، في المكان الذي كان موقعه الجغرافي مؤاتيا، كانت الحياة الزراعية المستقرة ~~كافية - حتى مع غياب الأدوات والأسلحة المعدنية - لتشجيع ميلاد حضارات، بما يكملها ~~من دواوين الدولة، والديانات المنظمة، والحروب المنظمة، والتجارة البعيدة المدى، وأنظمة ~~الكتابة، والمعرفة المتقدمة بالرياضيات والفلك، إلا أن تطور التعدين في وديان الأنهار ~~القديمة لعب بالفعل دورا مهما في تطور الحضارات المدنية، ليس فقط بتزويدها بأدوات ~~وأسلحة فائقة، وإنما بتحفيز الابتكار في تقنيات النقل على الأخص، التي كانت ضرورية من ~~أجل ممارسة التجارة بين مجتمعات واقعة في مناطق جغرافية متباعدة. # بدأ تشكيل المعادن أولا في الشرق الأوسط منذ نحو عشرة آلاف عام مع صهر شذور النحاس ~~الموجودة في الطبيعة في جبال شرق تركيا وشمال سوريا وطرقها؛ فالنحاس معدن رخو يسهل ~~تشكيله، ومن خلال التسخين المتكرر لشذور النحاس في نيران الأخشاب العادية، كان يمكن ~~طرقها بسهولة لتحويلها إلى أشكال متعددة. في ms193 البداية، كانت الكميات الصغيرة من النحاس ~~التي يمكن استخراجها من الرواسب الطبيعية تكفي فقط لصنع الخواتم والخرز والدلايات ~~المستخدمة في الزينة الشخصية، وكان للنحاس أثر ضئيل في النواحي التقنية الأخرى ~~والحياة الاقتصادية. # غير أن صانعي الفخار في مصر ووادي نهر السند بدءوا في نهاية الأمر إجراء تجارب على ~~طلاءات الزجاج المصنوعة من خلطات معدني المالكيت الأخضر والأزوريت الأزرق الزاهيين - ~~وكلاهما من خامات النحاس - لصناعة قطع الخزف ذات اللون الأخضر المائل للزرقة الذائعة ~~الشهرة المسماة قيشاني. وسرعان ما اكتشفوا أن هذه الخامات يمكن صهرها لتصير نحاسا ~~معدنيا بخلطها بالفحم النباتي وتسخينها في فرن مشتعل لدرجة الابيضاض لعدة ~~ساعات. # وقد أدى هذا الاكتشاف إلى تشكيل النحاس المصهور في قوالب لصنع أدوات وأسلحة مثل ~~القدائم ورءوس المطارق ورءوس الرماح، غير أن النحاس كان نادرا وباهظ التكاليف، كما أنه ~~كان رخوا لدرجة يصعب معها صنع أدوات وأسلحة رفيعة وحادة منه، مثل السكاكين ورءوس ~~السهام، التي كانت مهمة في هذه التقنيات المبكرة. هكذا ظل النحاس لزمن طويل مادة ~~هامشية ذات دور محدود في تقنيات المجتمعات الزراعية الأولى. # لكن في وقت ما بعد عام 4000 قبل الميلاد، اكتشف النحاسون في الشرق الأوسط أنه من ~~الممكن صناعة البرونز، وهو الفلز الذي ثبت تفوقه الشديد على النحاس، بخلط النحاس بكميات ~~صغيرة من الزرنيخ - بلورات فلزية سامة - ثم لاحقا بكميات قليلة من القصدير، وهو فلز ~~غير سام. ولم يتميز البرونز بسهولة تشكيله فحسب، ولكنه تميز أيضا بدرجة انصهار أدنى ~~من النحاس النقي. ورغم ذلك كان البرونز يتمتع بالصلابة والصلادة الكافيتين لتصنع منه ~~أدوات وأسلحة تفوق الأدوات والأسلحة الحجرية التي ظلت البشرية تستخدمها منذ فجر ما ~~قبل التاريخ. وقد جعلت سبائك النحاس والقصدير هذه من التعدين تقنية مهمة لأول ~~مرة. # إلا أن استخدام القصدير في صنع البرونز أحدث مشكلة جديدة؛ ففي حين أن رواسب الزرنيخ ~~السام كثيرا ما يعثر عليها مخلوطة مع خامات النحاس، فإن رواسب القصدير - البديل ~~الأكثر أمنا - لم يكن يعثر عليها بالقرب من النحاس قط، بل لم ms194 تكن خامات القصدير ~~متوافرة إلا في أماكن قليلة في العالم القديم، ولم تكن أي من هذه الرواسب موجودة في ~~مصر أو بلاد الرافدين. # امتلك المصريون رواسب غنية من النحاس في صحراء سيناء شرقي وادي النيل، لكنهم لم يكن ~~لديهم رواسب من القصدير. ولم يتوافر أي من النحاس أو القصدير بصورة طبيعية في وادي ~~دجلة والفرات؛ فلم تلبث كلتا الحضارتين أن بدأتا البحث عن مصادر للقصدير في الأراضي ~~البعيدة، وحين عثرتا عليها كان لا بد من نقل الخامات الثقيلة إلى الأماكن التي يمكن ~~فيها صهرها في صورة سبائك، وحيث يستطيع الحدادون تشكيل أغراض مفيدة منها. # هكذا أعطت الحاجة للجمع بين النحاس والقصدير زخما جديدا قويا لتطوير تقنيات ~~النقل، ولا سيما النقل البحري. وسرعان ما حول سكان بلاد الرافدين والمصريون، الذين ~~ظلوا قرونا يصنعون القوارب النهرية ويبحرون بها، اهتمامهم إلى صنع سفن بالضخامة ~~والمتانة الكافيتين للإبحار في عرض البحار بحثا عن مصادر النحاس والقصدير. # ومع التوسع في استخدام البرونز، تيسر للجيوش القديمة المتسلحة بسيوف ورماح ~~ورءوس سهام من البرونز إلحاق الهزيمة بسهولة بالجيوش التي كانت مزودة بأسلحة ذات ~~أطراف حجرية؛ بذلك لم يضمن استخدام البرونز انتصار المجتمعات التي تستخدم أسلحة ~~معدنية على أعدائها في الحرب فحسب، بل عجل كذلك بتفوق ثقافات «العصر البرونزي» على ~~ثقافات «العصر الحجري» التي واجهتها وحلت محلها. انتشر استخدام البرونز في صناعة ~~الأدوات والأسلحة سريعا في أرجاء العالم المتحضر، حتى صار شائعا في وادي السند سنة ~~3300 قبل الميلاد، وفي بلاد الرافدين بعد سنة 2900 قبل الميلاد، وفي الصين مع نشأة أول ~~المراكز الحضرية سنة 2000 قبل الميلاد. # ورغم أنه كان مقدرا أن يحل «العصر الحديدي» محل «العصر البرونزي»، فإن أغلب ~~الحضارات القديمة ظلت تفضل لزمن طويل البرونز بعد أن صارت تقنيات صهر الحديد ~~شائعة ومنتشرة بوقت طويل؛ لأن البرونز كان متفوقا على الحديد في عدة جوانب ~~مهمة. # فأولا: كان البرونز ينصهر في درجات حرارة أدنى كثيرا من الحديد. وكانت ~~سخونة نار الخشب قديما كافية لصهر النحاس والقصدير ms195 والبرونز والذهب، ~~لكنها لم تكن تبلغ درجات حرارة مرتفعة كفاية لصهر الحديد، حتى حين كان ~~العاملون يفرطون في إحمائها بنفخ الهواء فيها من خلال أنابيب ~~طويلة. # وثانيا: يمكن طرق البرونز لتشكيله حين يكون باردا، أما الحديد فلا يمكن ~~تشكيله بالطرق إلا وهو ملتهب. وكان معنى هذا أنه لا بد لتشكيل ~~الحديد من صنع ممساكات وسنادين خاصة مقاومة للحرارة لم تكن ضرورية ~~لتشكيل البرونز. # وثالثا: كان ينتج عن عملية صهر الحديد القديمة كتلة خشنة هشة إسفنجية، يجب ~~إعادة تسخينها وطرقها مرارا وتكرارا لتتحول إلى «حديد مطاوع» ~~صالح لصناعة أشياء قابلة للاستخدام. أما البرونز فيمكن تشكيله بمجرد ~~صهره. # ورابعا: حين يتعرض البرونز للجو يندمج مع الأكسجين الموجود في الهواء ليكون ~~«زنجارا»، وهو طبقة من المعدن المؤكسد، رفيعة لكن متينة، تغطي الغرض ~~المصنوع من البرونز وتقيه من المزيد من التحلل. أما الحديد فحين يتأكسد ~~ينتج عنه أكسيد الحديد أو «الصدأ»، وهو مادة غبارية ضعيفة لا تحمي سطح ~~الحديد. لهذا السبب، حين تتعرض الأشياء المصنوعة من حديد للهواء ~~والماء لفترات طويلة، ينفذ الصدأ إلى باطنها، فيبريها وتصير عديمة ~~الفائدة في النهاية. # لماذا إذن حل الحديد محل البرونز في كل المجتمعات المتحضرة؟ يبدو أن السبب كان ~~بدرجة كبيرة يرتبط باعتبارات اقتصادية محضة؛ فخام الحديد موجود بوفرة في أرجاء العالم ~~المأهول، ويمكن العثور عليه ليس في كل القارات فحسب، ولكن أيضا في أغلب الجزر الكبرى ~~المأهولة، بما في ذلك أستراليا واليابان ونيوزيلاندا والفلبين. في واقع الأمر، توسعت ~~مجتمعات العصر الحجري القديم في أوروبا في استخدام «المغرة الحمراء» - شكل من أشكال خام ~~الحديد - في رسومات الكهوف وعمليات الدفن وغيرها من الطقوس الدينية. # حين كانت الحروب أو انهيار إحدى الحضارات القديمة يعرقل التجارة بين المناطق ~~المتباعدة - وهو من الأحداث المألوفة على مدار التاريخ - كانت خامات النحاس والقصدير ~~تندر وترتفع أثمانها، في حين كان من الأسهل الحصول على الحديد الخام الأكثر وفرة. غير ~~أنه بسبب صعوبات تشكيل الحديد، لم ينته أخيرا استخدام البرونز في صناعة الأشياء ~~المعدنية الشائعة ويحل ms196 محلها الأدوات والأسلحة المصنوعة من الصلب - التي كانت أصلب ~~وأمتن من نظيراتها الحديدية أو البرونزية - إلا في العصور الوسطى مع انتشار استخدام ~~الأفران المشتعلة بالفحم، وحين تحسنت عملية صناعة الصلب المعقدة. # الخيل والعجلة والحرب # 7 # ظل البشر الناشئون، وبعدهم بشر النياندرتال، وبعدهم بشر العصر الحجري القديم العلوي ~~المتطورون تشريحيا يصطادون الخيل بين ما يصطادونه من حيوانات الصيد الأخرى طوال ~~400 ألف عام على الأقل، بل وحين استأنس بدو سهوب أوراسيا الخيل أصلا منذ 6000 عام ~~تقريبا، لم يكن ذلك من أجل استخدامه وسيلة للتنقل، وإنما بالأحرى كمصدر للغذاء. ~~والسبب بسيط: فالحصان هو الحيوان الوحيد القادر على تغذية نفسه في المرعى المغطى ~~بالثلوج. # تتعرض المروج المترامية في سهوب أوراسيا لبرد قارس في الشتاء، ويغطيها كثيرا من ~~الوقت بساط من الثلوج. كانت شعوب آخر العصر الحجري الحديث قد استأنست الأغنام والماشية ~~بالفعل - التي كانت تفضل لحومها - لكن هذه الحيوانات كان لا بد أن تغذى باليد حين ~~يغطي الثلج والجليد الأرض. صحيح أن الأغنام تستطيع اختراق الثلج المكسو بالجليد ~~بأنوفها لتصل للعشب أسفله، لكن حواف الجليد المتكسرة الحادة ستمزق جلد أنف الأغنام ~~الرقيق. أما الأبقار فهي أكثر عجزا؛ فقد تتضور جوعا في حين أن الغذاء لا يبعد عن ~~السطح بأكثر من بضع بوصات لعدم قدرتها على الكشف عن العشب أسفل غطاء الثلج، لكن الخيل ~~التي نشأت في المروج الفسيحة في المناطق الشمالية قادرة على إزالة الثلج بحوافرها ~~الحادة، وترعى بسهولة في المراعي المغطاة بالثلج. # وبمجرد أن استأنس بدو أوراسيا الخيل لتكون مصدرا بديلا للحوم، اكتشفوا أن هذه ~~الحيوانات يمكن السيطرة عليها بشكيمة توضع في أفواهها وتربط بلجام مصنوع من الحبال ~~أو الجلد. وقد أثبت عالم الآثار ديفيد دابليو أنتوني، بفحص أنماط الاهتراء في أسنان ~~الخيل التي دفنت في قبور أصحابها، أن الخيل كانت تقاد بشكائم وألجمة بسيطة منذ عام ~~4000 قبل الميلاد. # 8 # ولم يتعلم بدو أوراسيا امتطاء الخيل فحسب، ولكنهم تعلموا أيضا صناعة عربات من ~~الخشب مغطاة بمظلات من القماش، وابتكروا مرابط ms197 مكنت خيلهم من جر هذه العربات ~~لمسافات طويلة على السهوب. وسريعا ما صار الرعاة الأوراسيون أكثر رحالة الأرض تنقلا، ~~حيث كانوا يتنقلون بأسرهم وكل أملاكهم لمئات الأميال سنويا بحثا عن مراع جديدة ~~من أجل قطعانهم. وبعد ذلك بخمسة آلاف سنة، عبر رواد الغرب الأمريكي القفور البدائية ~~للبراري مستخدمين عربات مغطاة بالتصميم نفسه تقريبا. # ورغم أن مسألة ما إذا كان اختراع العجلة قد وقع أولا في سهوب أوراسيا أم في وديان ~~أنهار بلاد الرافدين لم تحسم بعد، فإنه مما لا شك فيه أن استخدام العجلة قد انتشر مثل ~~النار في الهشيم في أنحاء أوراسيا، من غرب أوروبا حتى الصين، بمجرد أن بدأ الناس ~~استخدام العربات ذات الأربع عجلات والعربات ذات العجلتين؛ إذ تظهر أدلة على استخدامهما ~~على نحو مباغت في أنحاء كل من أوروبا وآسيا بدءا من سنة 3500 قبل الميلاد، في شكل ~~رسومات ونماذج من الصلصال لعربات بأربع عجلات، وظهور علامة مكتوبة لكلمة «عربة»، وبقايا ~~أثرية لعجلات وأجزاء من عربات (انظر شكل # 7-9 ~~). # شكل 7-9: تطورت العجلة من قطعة مصمتة من الخشب (أ) إلى تصميم من ثلاث قطع (ب) ~~تطور في النهاية إلى العجلة المتعددة البرامق (ج). كان للعجلات ~~الحربية عجلات بأربعة وستة برامق (د) و(ه). وكانت العجلات المزخرفة (و) ~~تستخدم في الاحتفالات. (الأشكال من (أ) إلى (ه) وضعها المؤلف؛ الشكل ~~(و): بعد العجلة الحربية، الشكل رقم 16657، مركز فلوريدا للتقنية ~~التعليمية. أذن بإعادة نشرها.) # أولى العربات سواء كانت بأربع عجلات أو عجلتين كانت تجرها الثيران في الغالب، حيث ~~كانت دائما ما تربط في أزواج على جانبي قضيب خشبي طويل متصل بالمركبة ذات العجلات، ~~وإن كانت الحمر الوحشية الآسيوية قد استخدمت لهذا الغرض أيضا، وهي نوع صغير من ~~الحمر المستأنسة. كانت العربات ذات الأربع عجلات وذات العجلتين تمكن شخصا أو ~~شخصين من نقل أحمال ثقيلة من الغلال ومواد البناء والأخشاب وغير ذلك من البضائع من مكان ~~إلى آخر دون مساعدة. وفي أغلب الأحيان كانت هذه المركبات القديمة ذات العجلات تستخدم ~~في ms198 نقل البضائع لمسافات قصيرة، ربما من قرية إلى أخرى، أو من المزارع والحقول إلى ~~البلدات التجارية، أو من الريف إلى المدن. ونادرا ما كانت تستخدم في نقل البضائع أو ~~الناس لمسافات طويلة، حيث لم تظهر الطرق المعبدة إلا بعد آلاف الأعوام من اختراع ~~العجلة. # بين عامي 3000 و2000 قبل الميلاد، بدأت جيوش بلاد الرافدين القديمة استخدام العربات ~~والمركبات الحربية الثقيلة بعجلات متينة، تجرها الثيران أو أزواج من الجحوش أو ~~الحمر الآسيوية؛ لتكون منصة متحركة لرماة السهام والرماح، إلا أن هذه المركبات ~~كانت بطيئة وصعبة القيادة نسبيا. أما العجلة الحربية التي تجرها الخيول، والتي ~~اخترعها كذلك بدو سهوب أوراسيا وظهرت في بلاد الرافدين بعد عام 2000 قبل الميلاد، فقد ~~كانت شيئا مختلفا اختلافا كليا؛ فالخيل كانت مفطورة على السرعة والقوة والتحمل، ~~على عكس الثيران البطيئة الثقيلة الحركة البليدة والجحوش والحمر الآسيوية الضئيلة ~~الحجم. وحين ربط اثنان أو أربعة من الخيل بعجلة حربية كانت النتيجة باهرة ~~بالتأكيد. # كانت العجلة الحربية خفيفة الوزن سهلة التوجيه، وذات عجلات مزودة بقضبان يجرها ~~زوج من الخيل السريعة ويقودها قائد واحد، وكان يقف خلفه اثنان أو ثلاثة أو أربعة من ~~المحاربين، يطلقون الرماح والسهام على العدو بينما تنطلق العجلة بسرعة كبيرة. وكانت ~~جوانب العجلة الحربية وأرضيتها مصنوعة من أخف وأرق أنواع الخشب أو الجلد، وكانت عجلاتها ~~كبيرة الحجم، وكان الجزء الخلفي منها مفتوحا. ورغم أن العجلة الحربية كانت شبه عديمة ~~النفع في نقل البضائع، إلا أنها كانت منصة مثالية لشن الهجمات على قوات ~~الأعداء. # ولم تكن العجلات الحربية القديمة تحتاج طرقا؛ فقد كانت تنطلق سريعا على الأرض ~~العراء في اهتزاز وصخب، بينما تقطع خيولها الأرض ركضا تحت تأثير سوط السائق، الذي كان ~~يركز في السيطرة على الخيل أثناء هجوم رماة الرماح والسهام على العدو. وقد غير اختراع ~~عجلة الحرب التكتيكات العسكرية للحروب القديمة بدرجة كبيرة، وكانت منذ بدء استخدامها ~~سلاحا حاسما مخيفا. وخلال قرون قليلة، صارت العجلة الحربية جزءا أساسيا من كل ~~جيش من الجيوش القديمة من ms199 مصر إلى الصين. # يرجع جزء كبير من نجاح العجلة الحربية إلى المتطلبات الفريدة التي احتاجتها القوس ~~الطويلة القوية، التي كانت السلاح المفضل لرامي الأسهم القديم؛ فقد كانت القوس ~~الطويلة بنفس ارتفاع قامة الإنسان وثقيلة للغاية. وكانت تستلزم أن يقف رامي الأسهم ~~منتصبا، وهو السبب الذي كان يجعل رماة الأسهم يقفون على منصات العجلات الحربية. لكن ~~بعد ابتكار اللجام والشكيمة - وتعلم امتطاء صهوات هذه الحيوانات القوية - اخترع بدو ~~سهوب أوراسيا قوسا أصغر كثيرا وأكثر اكتنازا في نفس قوة ودقة القوس الطويلة. # هذه القوس الجديدة «المركبة»، المقوسة مثل شارب عريض مفتول، كانت تصنع من خشب ~~وعظام وأوتار ملتصقة بعضها ببعض، وكانت في قوة قوس يفوقه مرتين في الحجم ومركبة من ~~قطعة واحدة من الخشب. كما كانت القوس المركبة أو المدعمة بالأوتار تمكن الراكب من ~~إطلاق السهام في أي اتجاه - بما في ذلك الاتجاه الخلفي على العدو الذي يلاحقه - وهو ~~على صهوة جواد راكض. بعد عام 1000 قبل الميلاد، حين صار امتطاء رماة السهام الجياد ~~وتسلحهم بالقوس المركبة شائعا لدى الجيوش القديمة، انسحبت من المعركة تدريجيا ~~العجلة الحربية وركابها رماة الرماح أو مستخدمو القوس الطويلة. # من الصعب علينا مع اعتيادنا على فكرة امتطاء الناس الخيل والبغال والحمير والجمال ~~والأفيال أن نتخيل كم كان تحولا أن يخطر ببال البشر أن باستطاعتهم السيطرة كلية على ~~حيوان يفوقهم حجما وقوة عدة مرات، بل ويتحكمون فيه، ناهيك عن أن يتخيلوا أن ~~بإمكانهم امتطاءه أيضا. وعلى كل حال، فإن امتطاء الحصان لساعات إنما هو فعل «غير عادي» ~~بالنسبة إلى الحصان والراكب على حد سواء. ورغم أنه بحلول عام 3500 قبل الميلاد كانت ~~أنواع عديدة من الحيوانات قد استؤنست بالفعل، إلا أنه لا بد أن فكرة امتطاء حصان ~~والتحكم في حركاته كانت مجازفة من ناحية البدو الرحالة الذين حققوا هذا الإنجاز ~~بعد عام 4500 قبل الميلاد في سهوب أوراسيا شمالي وشرقي بحر قزوين. # لا شك أن الشعوب المتحضرة في الأمريكيتين صدموا صدمة بالغة حين ظهر الغزاة الإسبان ~~في دروع ms200 حربية كاملة، ممتطين الخيل التي أحضروها معهم عبر الأطلنطي في أوائل القرن ~~السادس عشر؛ فلم يكن الأمريكيون الأصليون قد رأوا خيلا من قبل، ولم يكونوا قد شهدوا ~~قط بشرا على صهوة هذه الحيوانات الضخمة. وكما يمكن لأي شخص سبق له رؤية جواد وفارس ~~وهما يقتربان ركضا أن يشهد، فالإنسان على صهوة الجواد يبدو باهرا، بل وقد يكون منظره ~~مهيبا ومخيفا. # بمجرد النجاح في تربية الخيل من أجل استئناسها، ظلت هذه الحيوانات عنصرا رئيسيا ~~في الحروب المنظمة لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، بل في الواقع لم تأت نهاية التاريخ الطويل ~~لاستخدام الخيل في الحروب إلا في القرن العشرين، مع اختراع محرك الاحتراق الداخلي ونجاح ~~حرب المدرعات في الحرب العالمية الأولى. # المدن والدول والإمبراطوريات # استغرقت تقنية الزراعة وقتا طويلا حتى تصل لأقصى درجات تطورها، وهي العملية التي ~~بدأت بإقامة مستوطنات النتوفيين الدائمة ولم تكتمل إلا بعد آلاف السنوات باستئناس ~~الحبوب والأشجار المثمرة والأغنام والماعز والماشية والخيل. على النقيض، يبدو كأن نشأة ~~الحضارة المدنية قد وقعت بين ليلة وضحاها، مع انتشار مدن عديدة في أنحاء العالم القديم ~~خلال قرون قليلة فقط قبل عام 3000 قبل الميلاد وبعده. # وقع هذا التحول السريع والهائل في حياة البشر حين اندمجت عدة عوامل - ومنها الكثافة ~~السكانية، والطبيعة الجغرافية المواتية لوديان الأنهار، والتخصص الحرفي، ~~والابتكارات في تقنيات النقل والاتصالات - لينتج عنها حالة متقلبة وغير مستقرة ~~تعرف باسم «حلقة التغذية الراجعة الموجبة»، التي من الممكن أن تسبب تغيرات كبرى ~~في فترات زمنية قصيرة على غير العادة. # من الأمثلة على حلقة التغذية الراجعة الموجبة بداية التدافع في قطيع الماشية، الذي قد ~~يبدأ بذعر حيوان واحد فقط؛ مما يؤدي إلى ذعر الحيوانات المجاورة له، ثم يصيب الذعر كل ~~الحيوانات القريبة منها، حتى ينتشر الذعر في القطيع بأكمله خلال لحظات. # أتاح تطور القوارب والمركبات ذات العجلات وأنظمة الكتابة للناس التفاعل عبر الزمان ~~والمكان دون الحاجة للالتقاء وجها لوجه. وقد يسرت تقنيات التفاعل هذه نمو مراكز ~~تجارية وسياسية كبيرة مع ازدياد كفاءتها. وقد ms201 حفزت هذه المراكز بدورها ظهور تقنيات ~~نقل واتصالات جديدة وأكثر كفاءة؛ مما أتاح للمدن الناشئة النمو أكثر فأكثر. وسريعا، ~~لأول مرة في تاريخ البشر، بدأت أعداد كبيرة جدا من الناس، بعضهم في المدن وبعضهم في ~~الريف، يعملون كأفراد في مجتمع واحد متضامن. # كانت مدن العالم القديم مثل خلايا نحل تعج بالنشاط، يسكنها الحرفيون والتجار ~~وموظفو الدولة والجنود ورجال الدين والزعماء السياسيون، لكنهم جميعا اعتمدوا على ~~المزارعين والرعاة في المناطق المحيطة للحصول على غذائهم. في الوقت ذاته، كان سكان ~~الريف يعتمدون على المدن من أجل المزايا التي أتاحها المجتمع المتحضر، ومن هذه ~~المزايا المنسوجات والفخار والأثاث والأدوات والأسلحة وغيرها من المنتجات التي كانت ~~تصنع في متاجر حرفيي الحضر، والبضائع التجارية التي كانت تجلب من مناطق بعيدة، ~~والرجوع في الأمور الدينية إلى رجال الدين المتفرغين، والنظام الاجتماعي الذي وضعته ~~الإدارة المدنية، وإمكانية الحماية العسكرية ضد عمليات الهجوم والسرقة والخطف والقتل ~~التي كانت شائعة في المجتمعات الأكثر بساطة في العصور السابقة. # ورغم أن بعض هذه المجتمعات المتحضرة كانت تسمى «مدنا»، بينما كانت تسمى أخرى ~~«دولا»، وتسمى غيرها «إمبراطوريات»، لم تكن الاختلافات بينها هائلة كما توحي ~~الاختلافات بين الأسماء الثلاثة. وقد أشارت التقديرات إلى أن نحو 85 في المائة من سكان ~~المجتمعات المتحضرة كافة على مر التاريخ كانوا من منتجي الغذاء الزراعي، بينما كانت ~~نسبة الخمس عشرة في المائة المتبقية من أصحاب المهن الحضريين الذين جعلوا المجتمع ~~المتحضر ممكنا. وقد وجدت كل مدينة من المدن القديمة أنه من الضروري أن تسيطر على ~~حركة البضائع والناس بين الريف والمدينة؛ لضمان أن يتوفر دائما مورد غذاء ضخم وثابت ~~لسكان المدينة؛ حتى يتمكن سكان الريف من الاعتماد على المدن في المنتجات والخدمات ~~والحماية العسكرية التي كانوا يحتاجون إليها. # نشأ نوع المجتمع الذي نسميه «دولة» حين زاد سكان الحضارات المدنية لدرجة لم تعد ~~معها بإمكان أسرة أو عشيرة أو قبيلة واحدة إدارة شئون المجتمع. وشجع هذا على تكوين ~~الأنظمة البيروقراطية والطبقات الحاكمة التي كانت قائمة في المقام الأول ms202 على اشتراكهم ~~في المواطنة كأعضاء في حضارة مدنية محددة بدلا من أن تقوم على صلاتهم العائلية ~~أو اشتراكهم في العشيرة أو انتماءاتهم القبلية. # رغم أن معظم المجتمعات التي نعتبرها «دولا» اشتملت على مراكز مدنية متعددة، فإنه ~~دائما ما كان يوجد مدينة واحدة مهيمنة تؤدي وظيفة «عاصمة» الدولة. على سبيل المثال، ~~من الشائع أن ينسب الفضل إلى الفرعون مينا في «التوحيد» بين مملكتي مصر القديمة ~~الشمالية والجنوبية لتصير أمة واحدة، أما الواقع فهو أن هذه الدولة القديمة تكونت ~~حين غزا مينا وادي النيل بأكمله بالقوة؛ فكانت مصر الجديدة «الموحدة» تحكم من مركز ~~مدني واحد، مدينة منف، الواقعة حيث يتشعب الجزء العلوي من النيل إلى العديد من ~~الجداول والقنوات الأصغر حجما التي تكون دلتا النيل الكبرى. # أما فكرة «الإمبراطوريات» فقد ولدت حين غزت جيوش بعض الدول المدن والأراضي الخاضعة ~~لحكم ثقافات أخرى؛ فحين غزا مينا طيبة ووحد مصر كلها، لم ينتج عن ذلك تكوين ~~«إمبراطورية»؛ لأن قطري مصر الشمالي والجنوبي كليهما تجمعهما ثقافة مشتركة، شملت هذه ~~الثقافة لغة مشتركة، ونظام كتابة مشتركا، واعتناق ديانة مشتركة، وعادات متشابهة في ~~الزراعة، وتربية الحيوانات، وصناعة الفخار، والتعدين، ونقل المياه، وبناء المنازل. لكن ~~لم يكتف الفراعنة ببسط سيطرتهم على ثقافة وادي النيل وحدها، وبنوا إمبراطوريات في ~~نهاية المطاف بالتوسع في حكمهم جنوبا إلى النوبة، وشرقا عبر شبه جزيرة سيناء، وشمالا ~~على امتداد سواحل البحر المتوسط حتى سوريا والحدود الجنوبية لتركيا. # تميز تاريخ الحضارات القديمة بفترات من السلام والرخاء تناوبت مع حروب وغزوات ~~وإخضاع، وقد نشأت الإمبراطوريات التي أسستها الغزوات العسكرية حين كانت بعض الحضارات ~~المدنية تغزو ثقافات أخرى وتفرض عليها خراجا، لكن لم تصمد أي من هذه الإمبراطوريات ~~أكثر من بضعة قرون؛ إذ يتكون التاريخ القديم بالأحرى من سلسلة لا تنتهي فيما يبدو من ~~الحروب والغزوات والائتلافات، وفترات من النمو والاستقرار، يتبعها فترات من الانحلال ~~والفساد وسوء الإدارة والتدهور، ثم أخيرا العودة إلى الحرب. خلاصة القول، كانت أهم ~~الاختلافات بين المدينة والدولة والإمبراطورية هي أن الدولة ms203 كانت دائما ما تشمل أكثر ~~من مدينة - رغم أن العاصمة كانت دوما سائدة ومسيطرة بشكل أساسي - أما الإمبراطورية ~~فكانت في العادة تضم أكثر من ثقافة واحدة. # ورغم هذه الاختلافات، فإن الطبيعة الجوهرية للمجتمع المدني كانت ثابتة ثباتا ~~ملحوظا؛ فالسلطة والثروة كانتا متمركزتين في المدن، بينما الغذاء والمواد الخام، وفي ~~بعض الحالات العمالة، كانت تتدفق من قرى الريف إلى المراكز المدنية. ومع إحلال مجموعة ~~من الحكام محل مجموعة أخرى، ظل سكان الريف يزرعون محاصيلهم، ويربون حيواناتهم، ~~ويرسلون إنتاجهم إلى المدن في شكل ضرائب وخراج. وفي الوقت ذاته، ظل سكان المدينة ~~يصنعون أشياء، ويتاجرون مع المناطق البعيدة، ويمارسون السلطات العسكرية والسياسية ~~والدينية التي ربطت هذه الحضارات معا في نسيج واحد. # رقم دنبار والاندماج الكبير # عند التدقيق في تتابع ممالك المجتمعات المتحضرة وأسرها الحاكمة ودول مدنها ~~وإمبراطورياتها، قد نغفل بسهولة عن حقيقة أنها كانت إلى حد كبير أكبر الجماعات ~~البشرية التي اندمجت في جماعات اجتماعية موحدة على الإطلاق؛ فمع تطور الزراعة ~~اتسعت الجماعات البشرية من عشرات الأفراد الذين كانوا يشكلون مجموعة الرحالة إلى ~~مئات الأفراد الذين كانوا يعيشون معا في بلدات العصر الحجري الحديث وقراه، إلا أن ~~ظهور الحضارة المدنية مثل عملية أكبر كثيرا من الاندماج الاجتماعي، هي الأعظم في ~~تاريخ البشرية قبل تكون الدولة القومية الصناعية الحديثة. # تكونت أغلب الحضارات القديمة من مجتمعات بلغ عدد أفرادها نحو مئات الآلاف، وكان كل ~~مواطنيها يعترفون بنفس القادة، ويعدون أنفسهم أعضاء في نفس الثقافة، وكانوا يتفاعلون ~~بصفتهم أفرادا في نفس الجماعة الاجتماعية. وهذا تطور جدير بالملاحظة بالتأكيد، حين ~~نضع في الاعتبار أن المخ البشري قد يكون غير قادر بطبيعته المادية على أن يستوعب أكثر ~~من 150 علاقة مكتملة في نفس الوقت. # في عام 1992م، درس اختصاصي علم الإنسان التطوري، روبين دنبار، العلاقة بين حجم المخ ~~وحجم الجماعة في عدة أنواع من الرئيسيات؛ فوجد أن الأنواع ذات الأدمغة الأكبر حجما ~~كانت قادرة على الحفاظ على أكبر الجماعات الاجتماعية المتماسكة، بينما كانت تلك الأنواع ~~ذات الأدمغة الأصغر ms204 حجما قادرة على الحفاظ على أصغر الجماعات الاجتماعية المتماسكة ~~فقط. وقد تصور نموذجه الرياضي أن الجماعات البشرية تظل مترابطة حتى يصل عدد ~~أفرادها إلى 150 فردا تقريبا، مع وضع حجم المخ البشري في الاعتبار. وهكذا يكون رقم ~~150، الذي صار يسمى «رقم دنبار»، هو تقريبا أقصى عدد من العلاقات المكتملة التي يمكن ~~لإنسان عادي أن يحافظ عليها في نفس الوقت. # 9 # ويتكرر ظهور رقم دنبار في كل أنواع الجماعات الاجتماعية البشرية؛ فهو متوسط عدد ~~بطاقات التهنئة بالكريسماس التي عادة ما يرسلها الإنجليز إلى قائمتهم المفضلة من ~~الأصدقاء والأقارب. وهو الحد الأقصى الفعلي لقرى اليانومامي والأميش، الذي عادة ما ~~تنفصل بعده إلى وحدات جديدة أصغر حجما. وما يزال هذا العدد منذ قرون هو الحجم ~~المعهود للسرية العسكرية، بل إنه حتى الحجم المثالي للمكتب الحديث، الذي عند تجاوزه ~~تتكون الشلل والفرق التي ينتج عنها تنافر واختلال بين شاغليه. ويعكس رقم دنبار القدرة ~~الفطرية للذهن البشري على إقامة علاقات معقدة. وعلى كل حال، لم يكن البشر بحاجة على ~~مر ملايين سنين التطور في سبيل الحفاظ على علاقات مكتملة إلا لبضع عشرات من الأقارب ~~الذين كانت عادة ما تتكون منهم جماعة الصيد وجمع الثمار. # وبالإضافة إلى عشرات قليلة من العلاقات المتكاملة، يوجد أيضا الناس الذين نعرفهم ~~ولكن قد لا يربطنا بهم أي نوع من العلاقة. فكم عدد الأسماء والوجوه المختلفة التي ~~تستطيع التعرف عليها أو تذكرها؟ من شبه المؤكد أن الإجابة ستكون أقل من ألفين. في ~~قرى المجتمعات الزراعية التي يقل سكانها عن ألفي شخص، يعرف كل شخص كل شخص آخر ~~تقريبا ويألفه. لكن بمجرد عبور هذا الحد، وزيادة المجموعة البشرية عن ألفي فرد، يزيد ~~عدد الأشخاص الذين يعدون أغرابا بعضهم عن بعض. # عدد الألفين شخص الأكبر هذا هو أيضا قدرة ذهنية فطرية؛ فقد تطور في عصور ما قبل ~~التاريخ بدافع حاجة كل فرد للتعرف على أفراد الجماعات الاجتماعية الأخرى التي كان ~~يتواصل معها أحيانا: المعارف العابرة، وأصدقاء الطفولة، وشركاء التجارة العابرون، ~~والأشخاص الذين تربطهم ms205 بالفرد قرابة بعيدة، وأعضاء جماعات الصيد وجمع الثمار الأخرى. ~~هكذا كانت القدرة على التعرف على هويات من خمسمائة إلى ألفي شخص وتذكرها هي كل ما ~~احتاج إليه عضو مجتمع الصيد وجمع الثمار على الإطلاق. # لكن حين توسعت قرى العصر الحجري الحديث الزراعية إلى مدن أكبر حجما زاد عدد ~~سكانها عن ألفي شخص، فكانت القدرة على معرفة أعضاء مجتمع واحد بأكملهم والتعرف عليهم ~~مما يفوق الحدود الطبيعية للمخ البشري. ورغم ذلك، فإن الثقافات القبلية التي نشأت خلال ~~العصر الحجري القديم العلوي مع ظهور التواصل الرمزي مكنت الناس الذين قد يكونون ~~أغرابا من الشعور بحس جماعي بالانتماء والتضامن. وكان تكون القبائل والأعراق هو ما ~~مكن غرباء بلدات العصر الحجري الحديث الكبيرة من الثقة بعضهم في بعض والتفاعل ~~بارتياح بعضهم مع بعض، حتى إن لم يكونوا جميعا على معرفة شخصية. # إلا أن تحول المجتمع البشري إلى حضارات مدنية انطوى على اندماج كبير بين الناس ~~والمجتمعات في جماعات كبيرة، لدرجة أنه لم يكن ممكنا الارتباط بعلاقات شخصية مع أكثر ~~من نسبة صغيرة منهم. لكن القدرة البشرية على التضامن القبلي كانت توحي بأنه لا يوجد ~~حرفيا حد أقصى للحجم الذي قد تصل إليه الجماعة البشرية. وإذا اعتبرنا سنة 3000 قبل ~~الميلاد هي الوقت الأقرب إلى اندماج كل عناصر الحضارة المدنية الذي أطلق شرارة هذا ~~التحول الجديد، فإن الأمر لم يستغرق إلا خمسة آلاف سنة حتى تسيطر الدول القومية ~~الكبرى، التي استحوذت على كل شبر من العالم المأهول، على البشرية بأسرها. ~~••• # كان من ثمار الحضارات المدنية الجديدة دراسة الرياضيات والفلك والفلسفة والتاريخ ~~والأحياء والطب، وهي التي طورت تقنيات التعدين والحدادة والمعمار والنجارة وبناء ~~السفن والأسلحة وارتقت بها بدرجة كبيرة، كما اخترعت فن الكتابة وعلم الهندسة العملي. ~~كذلك فإنها ابتكرت الأشكال الحديثة من الدراما والشعر والموسيقى والرسم والنحت. وهي ~~التي أقامت الترع والطرق والجسور والقنوات المقنطرة والأهرامات والمقابر والمعابد ~~والأضرحة والقلاع والحصون بالآلاف في جميع أرجاء العالم، وهي التي بنت السفن التي أبحرت ~~في عرض البحار وطافت ms206 حول الكرة الأرضية في النهاية. ومن ثقافاتها انبثقت الديانات ~~العالمية الكبرى؛ المسيحية والبوذية والكونفوشيوسية والإسلام والهندوسية، وهي التي ~~ابتكرت كل شكل من أشكال حكومة الدولة والنظام السياسي التي نعرفها، بدءا من الأنظمة ~~الملكية الوراثية وصولا إلى الأنظمة الديمقراطية التمثيلية. # وقد تبين أن الحضارات المدنية الجديدة بمنزلة محركات ديناميكية للتجديد، وخلال ~~بضعة آلاف من السنوات فقط حررت البشرية من القيود التي ورثتها من ثقافات الصيد وجمع ~~الثمار الغابرة. # لكن حين اخترع صانعو الساعات في أوروبا خلال العصور الوسطى تقنية الآلات الدقيقة في ~~سعيهم لاختراع ساعات دقيقة بحق، أطلقوا بهذا العنان لعملية من التطور الثقافي جعلت ~~المجتمع البشري في النهاية يتحول تحولا أكثر اكتمالا وأكثر عمقا من أي من التحولات ~~التقنية التي وقعت من قبل. وسوف نتناول هذا التحول السابع - الذي ما يزال يشكل ~~الحياة اليومية لكل البشر الموجودين على قيد الحياة في الوقت الحاضر - وذلك في الفصل ~~التالي من هذا الكتاب. # الفصل الثامن # | تقنية الآلات الدقيقة # الساعات والمحركات والمجتمع الصناعي # التراث الباقي لصانعي الساعات الأوائل كان التقنية الأساسية للأدوات الآلية، رغم أن ~~ذلك لم يخطر قط في أذهانهم. # دانيال جيه بورستين، «المكتشفون» # حين وجه إمبراطور أسرة مينج الحاكمة، وان لي، دعوة إلى الأب ماتيو ريتشي لزيارة البلاط ~~الإمبراطوري للصين في عام 1601م، كان الأب ريتشي وزملاؤه اليسوعيون أوائل الأوروبيين الذين ~~يدخلون المدينة المحظورة. في ذلك الوقت كان الأب ريتشي، أحد القساوسة اليسوعيين في إيطاليا، ~~يؤدي مهمة تبشيرية في جنوب الصين استمرت قرابة عشرين عاما. وكان قد نجا من شروع أحد ~~الحشود الغاضبة البطش بإرساليته قرب كانتون، وبعد وصوله بفترة قصيرة ألقي القبض عليه ~~وسجن مع زملائه اليسوعيين وهو في الطريق للعاصمة الصينية في بيكين. # غير أن الإمبراطور وان لي تذكر التماسا سابقا وعد فيه ريتشي بإحضار هدية عبارة عن ~~ساعتين حملهما بعناية طوال الطريق من فينيسيا، فأمر بإطلاق سراح ريتشي ورفاقه وإحضار ~~الساعتين إلى القصر الإمبراطوري. أراد وان لي أن يرى هذه الآلات الأوروبية الغريبة، التي ~~قيل إنها تعمل وحدها لأيام ms207 وتدق أجراسها لإعلان مرور الساعات. # فحص وان لي ساعتي الأب ريتشي في مسكنه الخاص لعدة أيام قبل وصول اليسوعيين، وكان ~~الإمبراطور مفتونا بهذه الآلات التي لم ير لها مثيلا قط، لكن مع وصول ريتشي ورفاقه إلى ~~البلاط الإمبراطوري كانت أكبر الساعتين قد توقفت عن العمل، وحين حضر اليسوعيون شدد ~~عليهم بضرورة إعادة الساعة للعمل فيما لا يزيد عن ثلاثة أيام وإلا تحملوا عواقب ذلك. ~~ولحسن الحظ، كانت الساعة قد توقفت فقط لأنها كانت بحاجة إلى إعادة ملئها. # أفلحت هدايا ريتشي - وقدرة اليسوعيين على التنبؤ بالوقت المحدد لكسوف الشمس ومدته بدقة ~~أكبر كثيرا من علماء فلك البلاط - في أن تكفل للأب ريتشي ورفاقه حظوة في بلاط مينج. وقد ~~شيد برج خاص للساعة الكبيرة في أحد الأفنية الداخلية للقصر الإمبراطوري، ووضعت الساعة ~~الصغيرة في مسكن وان لي الخاص. # وقد قال الأب ريتشي عن ساعة الإمبراطور: «إنها أفحمت كل الصينيين؛ فقد كانت عملا لم ~~يشهد له نظير أو يسمع به، ولم ترد حتى تصورات بشأنه في التاريخ الصيني.» ولم يكن تقدير ~~وان لي لعلم الأوروبيين وحرفيتهم من دون مكافأة؛ إذ ظل ماتيو ريتشي طوال تسعة الأعوام ~~التالية وحتى وفاته عام 1610م يتلقى راتبا سخيا من الإمبراطور، كما شغل مكانة مميزة ~~في البلاط الصيني. وعند وفاته خرج وان لي عن تقاليد أسرة مينج التي كانت تقتضي عدم دفن ~~الأجانب في الأراضي الصينية، بل أمر أيضا ببناء معبد بوذي على شرف ريتشي في قلب بيكين، حيث ~~ما زال رفاته هناك حتى اليوم. # غير أن وان لي واليسوعيين لم يكونوا على علم بأن ثمة ساعة عملاقة بديعة التفاصيل، تعمل ~~بطاقة تدفق المياه من ساقية طولها إحدى عشرة قدما قد بنيت في الصين قبل ذلك بخمسمائة ~~عام. كانت هذه الآلة الرائعة قائمة في برج طوله أربعون قدما، وكانت من ابتكار الموظف ~~الحكومي العبقري سو سونج من أجل إمبراطور أسرة سونج، شينزونج، عام 1094 ميلادية. وعند وفاة ~~شينزونج أهملت ساعة سو سونج المائية، وصهرت أجزاؤها الآلية البرونزية في ms208 النهاية لتصير ~~خردة. # الساعات المائية العديدة التي صنعها سو سونج ومن جاء بعده على مر القرون كانت جميعها ~~آلات فريدة من نوعها بناها عدد من الحرفيين الكبار إرضاء للبلاط الإمبراطوري. أما ساعتا ~~الأب ريتشي، من جهة أخرى، فقد كانتا ثمرة صناعة كاملة، اشتغل بها جيش من الحرفيين المهرة ~~ظلت تنمو بثبات طوال ثلاثمائة عام وانتشرت في أنحاء أوروبا. # في السنوات التي تلت وصول ريتشي، صارت الساعات وساعات الجيب الأوروبية جزءا من تجارة ~~مزدهرة مع البلاط الإمبراطوري الصيني، وبحلول ستينيات القرن الثامن عشر تناقل الآباء ~~اليسوعيون خبرا عن القصر الإمبراطوري قالوا فيه: «إنه يعج بالساعات وساعات الجيب ~~والمصلصلات (مجموعات الأجراس) والساعات العدادة والأراغن والمحلقات (آلات فلكية قديمة مؤلفة ~~من حلقات تمثل مواقع الدوائر الرئيسية في الكرة السماوية) والساعات الفلكية بجميع أنواعها ~~وأوصافها؛ فهناك أكثر من أربعة آلاف قطعة ابتكرتها أيدي أفضل صانعي باريس ولندن.» وكان سفير ~~شركة الهند الشرقية الهولندية في بيكين قد أشار قرب نهاية القرن الثامن عشر إلى أنه عند ~~السفر إلى بيكين؛ «لا بد على وجه الخصوص من إحضار تلك اللعب [الساعات] التي يستخدمها ~~الصبية الأوروبيون في اللهو؛ فهذه الأشياء ستحظى هنا باهتمام أكثر كثيرا من الأدوات ~~العلمية والقطع الفنية.» # 1 # ورغم أن الصين كانت أكبر كثيرا من أي كيان سياسي عرفه الأوروبيون منذ سقوط روما، ورغم أن ~~الحضارة الصينية طالما كانت متفوقة على الحضارة الأوروبية في مجالات متعددة في الصناعة ~~والنقل والنظام الحكومي والأدب، كان صانعو الساعات الأوروبيون في ذلك الوقت الحرفيين ~~الوحيدين في العالم القادرين على صناعة ساعات شديدة الدقة وصغيرة بدرجة كافية لوضعها على ~~مائدة أو حملها في الكف. كان السبب الأساسي وراء ذلك هو أن الجهود المتواصلة على مدار ~~أجيال قد دفعت بصانعي الساعات الأوروبيين للتفوق على صانعي الأدوات المعدنية في كل ~~المجتمعات المتحضرة الأخرى في مجال واحد بعينه: صناعة الآلات الدقيقة. # نبع الحافز لتطوير الساعات الآلية من الهوس الأوروبي الفريد والخاص بمراعاة الوقت؛ الهوس ~~الذي ألهم صانعي ساعات أوروبا خلال العصور الوسطى لإتقان ms209 تقنية الآلات الدقيقة في سعيهم ~~إلى صنع ساعات دقيقة بحق. ومثل التموجات في البحيرة، انتشرت توابع الآلات الدقيقة في كل ~~مجال من مجالات حياة البشر لتحول كل شيء تلمسه. # فقد جعلت الآلات الدقيقة في الإمكان تصنيع أنواع شتى من الآلات التي لم يأت البشر على ~~ابتكارها من قبل: المحركات البخارية، وآلات الطباعة، والأسلحة البعيدة المدى، والمولدات ~~الكهربائية، وأسلاك التلغراف، والتلسكوبات والمجاهر - وهلم جرا - وقد أدت أوجه التضافر ~~التي جاءت مع ما نتج من توسع في المعلومات والعلوم والصناعة والقوة العسكرية إلى ولادة ~~مجتمع من نوع جديد، غير قائم على طاقة البشر والحيوانات المحدودة، وإنما على طاقة الوقود ~~الحفري التي تبدو غير محدودة. وقد بدأ الأمر برمته في العصور الوسطى مع اختراع الساعة ~~الآلية. # عبقرية صانع الساعات # كان أوروبيو العصور الوسطى شعبا ورعا، وكانوا يعدون تلاوة الصلوات الواردة في كتاب ~~فروض الصلوات اليومية في أوقاتها الصحيحة أمرا شديد الأهمية؛ ولهذا السبب احتوت كل ~~الكنائس والأديرة المتعددة في ذلك العصر على برج للجرس، وكان على الرهبان قرع هذه ~~الأجراس في ساعات محددة من الليل والنهار لإعلام المؤمنين عندما تحين أوقات تلاوة ~~صلواتهم. غير أن الساعات الرملية والساعات المائية التي كان يستخدمها الرهبان في أوائل ~~العصور الوسطى عرف عنها أنها لا يعول عليها وغير دقيقة. في الواقع، كان الإغريقيون ~~والرومان والهنود والصينيون يستخدمون المزاول والساعات المائية والساعات الرملية ~~والشموع والساعات البخورية لحساب الوقت منذ العصور السحيقة، لكن كلا من هذه الوسائل ~~كانت به عيوب خطيرة. # كانت المزاول دقيقة فقط حسب دائرة العرض - أو المسافة من خط الاستواء - التي صممت من ~~أجلها، وكانت تصير غير ذات نفع على الإطلاق طوال الليل ومتى غشي السحاب الشمس. أما ~~الساعات المائية - باستثناء القليل منها التي كانت ضخمة في حجم أبنية متعددة الطوابق - ~~فقد كانت تعتمد في سبيل دقتها على تساقط قطرات الماء ببطء من خلال ثقب صغير في قاع ~~إناء. لكن حيث إن قطرات الماء تتدفق ببطء أكثر حين يكون الإناء شبه فارغ من الماء ~~مقارنة بتدفقه ms210 حين يكون ممتلئا به، فقد كان من النادر أن تكون الساعة المائية ~~دقيقة. كذلك، كثيرا ما كانت بعض الشوائب أو الفضلات تستقر في ثقب التقطير، فكانت ~~الساعة تتوقف تماما. # ولم تكن الساعة الرملية أفضل حالا؛ فالساعات الرملية مصممة لحساب فترات زمنية ~~قصيرة فقط؛ لذلك كانت أغلبها تحسب عشرين دقيقة فحسب أو أقل، فلكي يكون حجم الزجاجة ~~كافيا لقياس ساعة واحدة لا بد لأن تكون كبيرة وثقيلة وهشة لدرجة خطيرة. والأسوأ أن ~~الساعة الرملية حتى تحسب أكثر من وحدة زمنية، كان لا بد من قلبها رأسا على عقب في كل ~~مرة ينفد فيها الرمل. من ناحية أخرى أعطى البخور المشتعل طريقة دقيقة لدرجة مدهشة ~~لحساب مرور الوقت ؛ لذا انتشر استخدام الساعات البخورية في أنحاء آسيا طوال قرون، غير أن ~~الساعات البخورية شابها عيب فريد، وهو استهلاك نفسها في عملية تحديد الوقت؛ فبعد ~~احتراق البخور إلى الحد الذي صمم من أجله كان لا بد من وضع كمية جديدة محله، وإلا فلن ~~تخبر الساعة بالوقت. # هكذا، في وقت ما بين عامي 1200 و1300 ميلادية، وفي استجابة لرغبة الكنيسة في ساعات ~~أكثر دقة، بدأ حرفيو أوروبا العصور الوسطى صنع ساعات آلية من المعدن. كانت هذه الساعات ~~الآلية الثورية تعمل بقوة أثقال مدلاة من سلاسل، وهذه القوة هي التي تدير تروس ~~الساعة. وكانت تنظم سرعة تدوير التروس آلية تسمى ميزان الساعة تتناوب القبض على كل ~~سن من أسنان ترس معين وإفلاته. وحركة ميزان الساعة هي المسئولة عن صوت التكة المميز ~~لكل الساعات الآلية. # أتاح ميزان الساعة لهذه الساعات الآلية الجديدة قابلية إخبار الوقت بدقة غير مسبوقة، ~~فمثلت تقدما هائلا في التحمل والدقة مقارنة بكل تقنيات ضبط الوقت التي استخدمتها ~~المجتمعات المتحضرة منذ العصور القديمة، غير أنه لم تكن أي من هذه الساعات مزودة ~~بعقارب أو مينا، وإنما كانت تخبر بالوقت برنين الأجراس (حتى إن كلمة # clock # الإنجليزية جاءت من الكلمة الألمانية # Glocke ~~، التي تعني «جرس»). ولم يشع استخدام مينا ~~الساعة المألوف لدينا - بعقرب للساعات وعقرب ms211 للدقائق يدوران داخل قرص دائري يحمل اثني ~~عشر رقما - حتى عام 1700م، بعد أكثر من أربعمائة عام من تركيب أول ساعات آلية في أبراج ~~كنائس أوروبا وأديرتها. # بالإضافة إلى ذلك، لم تكن أي ساعة من الساعات الأولى مزودة ببندول؛ فقط كان ما ~~ينظم ميزان الساعة في ساعات العصور الوسطى عوضا عن ذلك ذراع دوارة تسمى قضيب ~~التوازن تتأرجح على عامود يسمى محورا. كانت سرعة الساعة ينظمها حركة الأثقال ~~المعلقة في طرفي قضيب التوازن سواء للداخل (مما كان يجعل القضيب يدور أسرع) أو ~~للخارج (وهذا كان يجعله يدور أبطأ)، لكن لم يكن ميزان الساعة ذو القضيب والمحور دقيقا ~~جدا بمعاييرنا، وكان من المألوف أن تقدم هذه الساعات القديمة أو تؤخر عدة دقائق ~~يوميا (انظر شكل # 8-1 ~~). # شكل 8-1: : ظل ميزان «المحور وقضيب التوازن» (أ) يستخدم طوال 350 سنة، لكن ~~حل محله في النهاية البندول وميزان الساعة «ذو المثبت» ~~و«اللاارتجاعي» (ب) و(ج) الأكثر دقة. ((أ): ساعة دي فيك ذات المحور ~~والقضيب لبيير ديبوا، مصرح بنشرها تحت بند الملكية العامة من خلال ~~موقع ويكيميديا كومونز. (ب): ميزان الساعة ذو المثبت لجورج هنري أبوت ~~هازليت، مصرح بنشرها تحت بند الملكية العامة من خلال موقع ويكيميديا ~~كومونز. (ج): ميزان الساعة اللاارتجاعي لفريدريك جيه بريتين، مصرح ~~بنشرها تحت بند الملكية العامة من موقع ويكيميديا كومونز.) # لكن شعوب العصور الوسطى كانوا يعرفون الوقت بالساعة فقط، فلم يكونوا يأبهون لدقة ~~الدقائق. لذلك، كان ميزان الساعة ذو القضيب والمحور دقيقا بدرجة كافية من أجل الأغراض ~~العملية. لكن هذا كان النوع الوحيد من الساعات الموجودة حين قدم الأب ريتشي هداياه ~~إلى الإمبراطور وان لي، وظلت تستخدم في كل الساعات الآلية طوال 350 عاما على الأقل. ~~ولم يعف الزمن على التصميم الأساسي لساعة العصور الوسطى إلا مع اختراع البندول وميزان ~~الساعة ذي المثبت والميزان اللاارتجاعي في القرن السابع عشر. # حين كان عالم الفلك والرياضيات والفيزياء الإيطالي جاليليو جاليلي في التاسعة عشرة من ~~عمره انتابه الفضول إزاء حركة مصباح المذبح المتأرجح في ms212 الكنيسة، حين لاحظ أن المصباح ~~دائما ما يتأرجح بنفس معدل السرعة، سواء كانت مسافة التأرجح كبيرة أو صغيرة. وقد كتب ~~جاليليو عن هذه الظاهرة عام 1602م، لكنه لم يضع تصاميم أول ساعة ببندول قبل عام 1641م، ~~بمساعدة ابنه فينشينزو، بعد أن هرم وصار كفيفا. ورغم أن ساعة جاليليو ذات البندول لم ~~تنفذ قط، فإن عالم الرياضيات والفلك الهولندي كريستيان هويجينز الذي صنع أول ساعة ~~ببندول عام 1657م قد أعادها إلى الحياة. وقد تبين أن ساعة البندول أدق عشر مرات من ~~سابقتها، ومع هذه الدرجة الكبيرة من الدقة شاع أخيرا استخدام عقرب الدقائق، الذي لم ~~يكترث أغلب صانعي الساعات بإضافته إلى مينا الساعة قبل ذلك الوقت. # أهم تبعات الهوس الأوروبي بالوقت على الإطلاق كان إنشاء ساعات دقيقة احتاجت آلات ~~قادرة على صنع مكونات دقيقة ومتقنة؛ فقد كانت الساعات الآلية تحتاج إلى عجلات ~~وأعمدة تدوير وأسطوانات كاملة الاستدارة والاستقامة حتى تسير بسرعة ثابتة. وكان لا بد ~~أن توزع أسنان التروس على مسافات متساوية، وكل سن لا بد أن تكون بنفس الحجم والشكل ~~بالضبط. أما الزنبركات التي كانت تشغل ساعات الأزمنة اللاحقة فكان يتعين صنعها بسمك ~~موحد بدقة، وصلابة موحدة بدقة. وكل البراغي الصغيرة التي كانت تربط أجزاء الساعة ~~بعضها ببعض كان لا بد أن تصنع بحيث تلائم الثقوب الملولبة التي صنعت من أجلها، فأن ~~القطع المصنوعة يدويا التي كان يشكلها الحدادون منذ فجر التعدين كانت بعيدة كل ~~البعد عن دقة الأشكال الهندسية، مهما بلغت براعتهم في حرفتهم؛ من ثم لم يكن من الممكن ~~أن يصنع حرفي ساعة آلية دقيقة بحق وهو لا يستخدم سوى الأدوات اليدوية. # في بداية صناعة الساعات كانت صناعة ساعة واحدة تستغرق شهورا - بل وفي بعض الأحيان ~~سنوات - من العمل بمهارة، وفي أغلب الأحيان كان الصانع الذي صنع الساعة فعليا هو وحده ~~القادر على صيانتها أو إصلاحها. لهذا السبب، فإن حاجة صانعي الساعات إلى آلات دقيقة ~~وحاجة الناس المتزايدة إلى الساعات الآلية، دفعت الحرفيين الأوروبيين إلى البدء في ~~اختراع ms213 أجهزة خاصة تسمى «أدوات تشغيل»، وهي آلات مصممة لتشكل أجزاء من آلات ~~أخرى. # شملت صناعة آلات أو أدوات التشغيل الجديدة مخارط لصنع قطع تامة الاستدارة، ومثاقب ~~لصنع ثقوب دقيقة، وآلات تفريز لجعل الأسطح مستوية تماما، ومجموعة متنوعة من المناشير ~~والمطاحن وماكينات القشط وماكينات التشكيل التي لم تكن تعمل يدويا، وإنما بأجهزة ~~خاصة مركبة على قضبان أو مسارات. وهكذا لم يكن صانعو ساعات أوروبا في العصور الوسطى ~~مسئولين مباشرة عن اختراع أول آلات تشغيل فحسب، بل وكذلك عن سائر الأنواع الأخرى ~~العديدة من الأجزاء الدقيقة التي كانت آلات التشغيل قادرة على تشكيلها. # ومع استمرار علم الآلات الدقيقة في التطور ظهرت تخصصات جديدة؛ فأثناء تعلم صانعي ~~الساعات كيفية صنع الساعات تعلموا أيضا كيف يصنعون أدوات علمية، وصمموا سدسيات ~~وبوصلات من أجل الإبحار، وأسطرلابات ومزاوي من أجل عمليات المسح، وموازين دقيقة لقياس ~~الأوزان. وابتكر صانعو العدسات عدسات دقيقة، وصنعوا تلسكوبات من أجل رؤية الأجرام ~~السماوية، ومجاهر من أجل رؤية الأشياء التي يصعب رؤيتها بالعين المجردة لصغر حجمها، ~~ونظارات لتحسين الرؤية لدى ضعاف البصر. # كل هذه الأدوات والكثير غيرها حفز التطورات الهائلة في العلم التي حدثت مع اقتراب ~~نهاية العصور الوسطى وتبني أوروبا فلسفات البحث العلمي الجديدة التي ازدهرت حتى عصر ~~النهضة. في الواقع، كانت النهضة ذاتها إلى حد كبير نتيجة للانتشار الواسع للمعلومات ~~الذي بدأ في أوروبا في نهاية القرن الخامس العشر. وقد حدث هذا التدفق في المعلومات حين ~~طبقت مبادئ الآلات الدقيقة على فن الطباعة القديم. # مطبعة جوتنبرج # في منتصف القرن الخامس عشر، اكتشف الحداد الألماني يوهانس جوتنبرج أن سبيكة القصدير ~~والرصاص والأنتيمون بالنسب الملائمة يمكن بسهولة صهرها وصبها في مصفوفة من القوالب ~~البالغة الصغر؛ قالب واحد لكل حرف من الحروف الأبجدية. وأتاح هذا جمع سطور الطباعة من ~~حروف منفصلة، فيما عرف باسم «حروف الطباعة المتحركة». على عكس ذلك، كانت الطباعة ~~بالقوالب الخشبية - أكثر وسائل الطباعة انتشارا في ذلك الوقت - تحتم على عامل ~~الطباعة حفر صفحة كاملة من النصوص والرسوم في قالب ms214 خشبي واحد. # ورغم أن فضل اختراع حروف الطباعة المتحركة دائما ما ينسب إلى جوتنبرج، فإن هذا ~~النوع من الطباعة كان قد بدأ فعليا في الصين قبل ذلك بأربعمائة عام، في شكل بلاطات ~~صغيرة جدا من الخزف. لكن بما أن الكتابة الصينية كانت تستخدم عادة خمسة آلاف حرف على ~~الأقل، فقد كان يتعين على عاملي الطباعة الاحتفاظ بمخزون هائل من البلاطات. وكان هذا ~~معناه أن عامل الطباعة الصيني كان عليه أن يبحث بحثا بطيئا وشاقا في هذه القوائم ~~الهائلة عن كل بلاطة يحتاجها ليكمل كل سطر من النص. على النقيض من ذلك، لم تحتو ~~الأبجدية اللاتينية المستخدمة في أنحاء أوروبا الغربية إلا على بضع عشرات من الحروف ~~المتباينة. وكان هذا معناه أنه عندما أصبحت حروف طباعة جوتنبرج المتحركة متوافرة ~~بوجه عام، صار بإمكان منضد الطباعة جمع سطور عديدة من النص بسرعة ويسر. # تبين أن سبائك الرصاص والقصدير والأنتيمون التي توصل إليها يوهانس جوتنبرج مناسبة ~~تماما للطباعة بفلزات الصب، حتى إنها ظلت الصيغة المعيارية للطباعة من وحدات الحروف ~~الطباعية المتحركة حتى يومنا هذا. كذلك ابتكر جوتنبرج وصفة لحبر زيتي كان يترك أثرا ~~قويا وثابتا على الورق. وأخيرا وليس آخرا، نجح جوتنبرج في تعديل المكبس اللولبي ~~ليلائم مهمة الطباعة على الورق. كان المكبس اللولبي - الذي يعمل بضغط سطحين معا عن ~~طريق برغي رأسي يدار باليد - يستخدم في شكل بدائي أكثر منذ الأزمنة القديمة في ~~معالجة المنتجات الزراعية، مثل استخراج العصارة من العنب والزيت من الزيتون، وكان ~~يستخدم في أوروبا بالفعل في زمن جوتنبرج في طباعة الرسومات على القماش (انظر شكل # 8-2 ~~). # شكل 8-2: كان المكبس اللولبي يستخدم منذ العصور القديمة، لكن الآلات الدقيقة ~~أتاحت ليوهان جوتنبرج وآخرين استخدام المكبس اللولبي في مهمة الطباعة ~~على الورق. (يظهر في الصورة ويليام كاكستون وهو يعرض عينات من طباعته ~~للملك إدوارد الرابع وملكته. مصرح بنشرها تحت بند الملكية العامة من ~~خلال موقع ويكيميديا كومونز.) # لكن لجعل المكبس اللولبي قادرا على طباعة النصوص على الورق، كان لا بد ms215 من إدخال ~~تعديلات ميكانيكية على أسطوانة الطابعة - وهي صفيحة كبيرة مسطحة تضغط بالورق على سطح ~~الطباعة المحبر - حتى تكون مسطحة وموازية تماما لسطح الطباعة. هذا وإلا ستكون بعض ~~أجزاء الورقة المطبوعة داكنة أكثر من أجزاء أخرى، وربما تصير أجزاء أخرى باهتة جدا ~~بحيث تتعذر قراءتها. الآلات الدقيقة التي كانت متوافرة في عصر جوتنبرج مكنته من ~~تصميم مكبس لولبي بدقة كافية لإعطاء نسخ واضحة ومتسقة من المادة المطبوعة. # عندما دمج جوتنبرج بين حروف الطباعة القابلة للتحرك والحبر الزيتي والمكبس اللولبي ~~الدقيق الصنع، فإن ذلك أطلق العنان لنمو هائل في المواد المطبوعة. وسريعا ما انتشرت ~~المعرفة انتشارا ممتدا وواسعا، وهو ما صار ممكنا بفضل فيض من الكتب والمنشورات ~~الزهيدة والوفيرة التي أصدرتها آلات الطباعة في أوروبا، وكان هذا الانتشار سببا ~~رئيسيا للصحوة الفكرية في عصر النهضة؛ فخلال الخمسين عاما بين عامي 1450 و1500م، ~~طبع في أوروبا أكثر من اثني عشر مليون كتاب بقليل. وبعد ذلك بثلاثة قرون، خلال الخمسين ~~عاما بين عامي 1750 و1800م، زاد هذا الرقم لأكثر من 625 مليون كتاب، وكان هذا قبل ~~إنشاء المدارس العامة وانتشار تعميم تعليم القراءة والكتابة. # في أوروبا خلال العصور الوسطى، كان القليلون الذين يعرفون القراءة والكتابة في أغلبهم ~~رهبانا يعملون ناسخين في الأديرة، إلا أن انتشار مواد القراءة خلال عصر النهضة شجع ~~المزيد والمزيد من الناس على تعلم القراءة، وأصبحت مهارة القراءة والكتابة - التي ~~كانت قد ظلت طوال تاريخ البشر مهارة مهنية خاصة بالناسخ - في النهاية مهارة ~~يتوقع من كل شخص إجادتها. # في الوقت ذاته، أتاحت التطورات في الآلات الدقيقة التي كانت مقدمة للثورة الصناعية ~~العديد من التطورات في تصميم آلات الطباعة في السنوات التالية لعام 1800م. شملت هذه ~~التطورات اختراع آلة الطباعة التي تعمل بالبخار، وآلة الصف الميكانيكي، والطباعة ~~الحجرية، والطباعة الحجرية الملونة. ولم يكن أي من هذا ليتأتى دون تطور الآلات ~~الدقيقة بداية. وقد زادت هذه التطورات من سرعة عملية الطباعة مع تخفيض تكاليف المواد ~~المطبوعة بدرجة هائلة. # ولم يمض وقت طويل ms216 قبل أن تصير ظاهرة الجريدة المحلية أمرا شائعا في أنحاء العالم ~~الصناعي، وهو ما تبعه لاحقا ظاهرة المجلة الشعبية. ظهرت الجريدة اليومية أول ما ظهرت ~~في أوروبا في العقد الأول من القرن السابع عشر، وفي الأمريكتين في العقد الأول من القرن ~~الثامن عشر. وفي عام 1800م كان ينشر في أمريكا ثلاث عشرة مجلة. ومع حلول عام 1900م زاد ~~هذا الرقم إلى 3500، وفي تلك السنة نشر أكثر من ثمانية مليارات نسخة من الجرائد ~~والمجلات في الولايات المتحدة وحدها. # 2 # الأفران العالية والوقود الحفري # حين صارت ساعة البلدة من ضروريات الحياة في أواخر العصور الوسطى، لم يعد بوسع أي ~~مدينة أو بلدة أوروبية معتدة بنفسها أن تستغني عنها. وبحلول عام 1450م كان يوجد ~~خمسمائة ساعة على الأقل في أبراج الكنائس والأديرة الأوروبية، وبعد قرن آخر كان يوجد ~~الآلاف منها. وكانت كل هذه الساعات ضخمة للغاية، ذات تروس كبيرة وسميكة تدور على محاور ~~هائلة، تتحرك تحت تأثير أثقال ضخمة مدلاة من سلاسل ثقيلة. ولم تكن كل ساعة من هذه ~~الساعات ضخمة في حجمها فحسب، وإنما كانت تستخدم كمية كبيرة للغاية من المعادن؛ إذ كانت ~~ساعة البلدة العادية في تلك الأيام تحتوي على طن أو أكثر من الحديد أو الصلب العالي ~~الجودة. # أفرز انتشار هذه الساعات الضخمة الثقيلة حاجات جديدة للتزود بمعادن عالية الجودة، ~~وشجع هذا على مزيد من التقدم في صهر الحديد والصلب وتشكيلهما. فلم يعد كافيا طرق ~~كتل الحديد الخام الشديد الحرارة ليصير في أشكال أولية يمكن تشكيلها لتكون معدات ~~وأدوات وأسلحة من الحديد المطاوع. واستلزم إنتاج كميات كبيرة من الحديد والصلب أفرانا ~~أكبر كثيرا في حجمها وأعلى كثيرا في حرارتها من أفران الصهر التي كانت شكلا ~~معدلا من أفران حرق الفخار التي كانت تستخدم منذ الأزمنة القديمة. ورغم أن رواسب ~~خام الحديد كانت وفيرة نسبيا في أوروبا، فإن الأفران اللازمة لصهر الحديد والصلب لم ~~يكن أمرها هينا بالمرة. # في نهاية الأمر أدت الحاجة إلى إنتاج كميات متزايدة من الحديد والصلب العالي ms217 ~~الجودة مباشرة إلى انتشار استخدام الفرن العالي، وهو جهاز مرتفع الحرارة لصهر الحديد ~~اخترعه في الأصل الصينيون في القرن الأول الميلادي. بدأ ظهور الفرن العالي في شمال ~~أوروبا في القرن الثالث عشر، وانتشر في أنحاء أوروبا بعد عام 1500. كان الفرن العالي ~~يملأ بخام الحديد والفحم النباتي والحجر الجيري، ويحمى لدرجات حرارة شديدة الارتفاع ~~بنار يذكيها كير أو مصدر آخر للهواء المدفوع. وكان الخليط الخام يصهر ويكرر في ~~التفاعل الكيميائي للهواء الساخن المندفع في قاع الفرن تحت ضغط مرتفع. # مع انتشار الأفران العالية في أوروبا ارتفع الطلب على الفحم النباتي ارتفاعا حادا، ~~فإن إنتاج الفحم النباتي كان يحتاج كمية هائلة من الخشب. ولم يكن الخشب يوفر فقط ~~المادة الخام الأساسية التي كانت تتحول إلى فحم نباتي بالتعرض للحرارة في بيئة ~~خالية من الأكسجين، لكنه كان ضروريا أيضا للحفاظ على اشتعال النيران لعدة ساعات من ~~أجل تسخين الأفران التي كانت تنتج الفحم النباتي النهائي. وبحلول منتصف القرن السابع ~~عشر، كانت مصانع الحديد في بريطانيا وحدها تستهلك خمسة عشر مليون قدم من الأشجار ~~سنويا (انظر شكل # 8-3 ~~). # 3 # شكل 8-3: فرن عال يعمل بالحطب من النوع الذي شاع استخدامه في أوروبا في القرن ~~السادس عشر. # علاوة على تزايد الطلب على لحاء الأشجار من أجل دبغ الجلود، وعلى الخشب من أجل صناعة ~~الفحم النباتي والصابون والزجاج، كان الأوروبيون في ذلك الوقت يقطعون الأشجار لتلبية ~~حاجات تعدادهم السكاني المتزايد؛ فقد أزيلت غابات بالكامل من أجل تمهيد الأرض ~~للزراعة، وبناء منازل جديدة - وفي بعض الحالات بلدات كاملة - ولبناء السفن الضخمة ~~الصالحة للإبحار في المحيطات التي احتاجها الأوروبيون من أجل تجارتهم البحرية السريعة ~~التوسع. ومن الأمثلة العديدة على ذلك أنه بحلول عام 1700م قدر الأسطول الملكي ~~البريطاني الأخشاب اللازمة لبناء سفينة خطية واحدة بأربعة آلاف شجرة بلوط كاملة ~~النمو. # 4 # مع زيادة كل هذه الحاجات إلى الأخشاب في أوروبا عاما بعد آخر، سرعان ما استنفدت ~~مؤن الأخشاب اللازمة لصناعة الفحم النباتي، ومع بدايات القرن الثامن عشر أزيلت ms218 ~~الغابات فعليا من المساحات المأهولة على نحو كثيف بالسكان في أوروبا. بدأ جديا حل ~~هذه المشكلة باستخراج الفحم الحجري في القرن الثامن عشر في إنجلترا، إلا أن محاجر ~~الفحم الحجري نفسها كانت تعاني من عدد من المشكلات التقنية. وكما سنرى، سرعان ما أدت ~~إحدى هذه المشكلات، وهي تكرار غرق المناجم في المياه الجوفية، إلى بداية الثورة ~~الصناعية. # كان الفحم الحجري قد استخدم على نطاق واسع في شمال الصين ومنغوليا منذ عام 2000 قبل ~~الميلاد، وكان معروفا لدى قدماء الإغريق والرومان الذين كانوا يستخرجون الفحم ~~ويستخدمونه في تدفئة منازلهم وبيوتهم الريفية وحماماتهم العامة. وكان الرومان يعلمون ~~تماما بوجود فحم في بريطانيا، وكانوا يستخرجونه بكميات كبيرة، لكن حين غادر الرومان ~~بريطانيا عام 410 ميلاديا توقف استخراج الفحم الحجري، ولم يستخرج مجددا في ~~بريطانيا طوال سبعمائة سنة تقريبا. وظل الخشب طوال العصور الوسطى يؤدي دوره على أكمل ~~وجه كمصدر للحرارة، وأثبت الفحم النباتي المصنوع من الخشب أنه مثالي من أجل صهر خام ~~الحديد. أما الفحم الحجري من ناحية أخرى فقد كان يصدر عنه دخان مؤذ، وكان يعد ~~ضارا بصحة الإنسان، حتى إن حرق الفحم الحجري داخل حدود مدينة لندن حظر بمرسوم ملكي ~~عام 1306م. # وطوال التاريخ القديم للتعدين عد الفحم الحجري غير مناسب بالمرة لصهر الحديد؛ ~~لأنه على عكس الفحم النباتي - الذي يكاد يكون كربونا خالصا - من الممكن أن يكون ~~مليئا بالشوائب، مثل القطران والكبريت والطفل والكوارتز والطباشير والملح وعدة معادن ~~أخرى، وكلها من الممكن أن تعكر بسهولة خام الحديد وتفسد عملية الصهر. حين كان ~~الفحم الحجري يستخدم كوقود في الأفران العالية، كان ينتج حديدا رديء النوع؛ هشا ~~وضعيفا ويصعب التعامل معه. لكن خلال العقد الأول من القرن السابع عشر اكتشف أنه من ~~الممكن تنقية الفحم الحجري من شوائبه العديدة وتحويله إلى وقود صلب وقوي ومسامي ونظيف ~~الاحتراق يسمى فحم الكوك، بحرق فحم حجري عالي الجودة بطريقة مشابهة لإنتاج الفحم ~~النباتي من الخشب. وفي عام 1709م نجح الإنجليزي أبراهام داربي في صهر الحديد ms219 في فرن ~~عال يحرق فحم الكوك بدلا من الفحم النباتي. # وكان لابتكار داربي البسيط آثار بعيدة المدى؛ فقد رفع أولا العبء عن احتياطي ~~الغابات المتضائل من الأخشاب ليجيز لأول مرة إنتاج حديد عالي الجودة في العديد من ~~المناطق التي كانت قد صارت خالية من الغابات بشكل خطير في أوروبا لكنها ثرية بالفحم ~~الحجري. وثانيا: كانت نار الفحم النباتي المستخدمة قديما في الصهر قد تخمد عند إنزال ~~كمية زائدة من خام الحديد فوقها، أما فحم الكوك بما يتمتع به من متانة مادية أكثر ~~فيستطيع تحمل أوزان أثقل من الخام. وهذا جعل من الممكن وضع كميات أكبر بكثير من خام ~~الحديد في الفرن في المرة الواحدة. ونتيجة لهذا، سرعان ما بنيت أفران أكبر بكثير مما ~~كان ممكنا من قبل، وقد أعطت هذه الأفران الجديدة إنتاجا أكثر بنفس استثمار الوقت ~~والجهد. وأخيرا، كان استخراج الفحم الحجري وتحويله إلى فحم الكوك أرخص كثيرا من إزالة ~~غابات كاملة وقطع الأشجار من أجل إنتاج فحم نباتي من الخشب. # كان الأثر الكلي المترتب على هذه التطورات انخفاض سعر الحديد انخفاضا مطردا، الذي ~~سرعان ما بدأ استخدامه في عمل طائفة متزايدة من الأشياء المصنعة، تراوحت من الأواني ~~والمقالي البسيطة وصولا إلى الجسور الحديدية العملاقة. وطوال العقد الأول من القرن ~~الثامن عشر شهد استخراج الفحم الحجري توسعا هائلا، وفتحت مناجم فحم جديدة في جميع ~~أرجاء أوروبا. وقد وفر انتشار مناجم الفحم أكثر من مجرد مصدر جديد للطاقة لصهر ~~الحديد؛ فرغم أنه لم يكن بإمكان أحد في ذلك الوقت توقع هذا، فقد كان ثمة مشكلة ~~شائعة تؤثر على أغلب مناجم الفحم، وظلت دون حل حتى اختراع المحرك البخاري؛ أحد أهم ~~الآلات الدقيقة التي أحدثت تحولا، والآلة التي أدت إلى حدوث الثورة الصناعية، أكثر ~~من أي آلة أخرى. # مناجم الفحم الحجري والمحركات البخارية # أغلب مناجم فحم العصور القديمة والوسطى كانت تستخدم عروق الفحم الموجودة قرب السطح، ~~لكن بعد قرون من التعدين استنزف أغلب مناجم الفحم ذات الحفر المفتوحة هذه. بناء على ms220 ~~ذلك، كانت تحفر آبار أسفل الأرض، لسحب عروق الفحم الواقعة في أعماق الأرض، لتلبية ~~الطلبات المتزايدة على الفحم الحجري. لكن كثيرا ما كان يجب أن تمر مناجم الفحم ~~العميقة هذه من خلال طبقات هائلة من المياه الجوفية، حيث كانت تقبع كميات وفيرة من ~~المياه أسفل السطح. وحين كانت آبار مناجم الفحم وأنفاقها تمر من خلال هذه الطبقات، ~~كانت تيارات هائلة من الماء تتدفق إلى المناجم لتغرق المناطق التي كان يستخرج منها ~~العمال عروق الفحم. # هكذا ابتكرت طرق متنوعة لضخ الماء خارج مناجم الفحم، كان أهمها المضخة المسلسلة، ~~وهي سلسلة من الأقراص أو الدلاء المربوطة بسلسلة تدور حول بكرات كبيرة، تتحرك حركة ~~مستمرة داخل أنبوب أفقي كبير. ودائما ما كان يدير المضخة المسلسلة زوج من الخيول، ~~غير أن الطاقة التي كان بإمكان الخيول منحها لضخ الماء من مكان سحيق لمكان مرتفع كانت ~~محدودة، وسرعان ما شرع المخترعون البريطانيون في تجربة استخدام البخار لتحقيق هذه ~~المهمة البالغة الأهمية. # ففي عام 1712م صنع رجل إنجليزي يدعى توماس نيوكومين جهازا أسماه «محرك الضغط ~~الجوي»، كان يستخدم البخار تحت الضغط لتشغيل مكبس وأسطوانة يضخان الماء خارج المناجم. ~~رغم صنع أدوات عديدة تستخدم البخار لتوليد طاقة آلية مثل اللعب والتحف منذ أزمنة ~~قديمة، فإن محرك نيوكومين الجوي كان أول محرك يوظف طاقة البخار في استخدام عملي. ~~وحين مات نيوكومين عام 1729م كان قد ركب أكثر من مائة محرك ضغط جوي في مناجم الفحم ~~والقصدير، أغلبها في إنجلترا وويلز، وكذلك أدخل القليل منها في دول أوروبية أخرى؛ فقد ~~ركب أول محرك ضغط جوي في فرنسا عام 1725م لضخ الماء من نهر السين لاستخدامه من جانب ~~سكان باريس. # بيد أن محرك الضغط الجوي كان به عيب خطير؛ إذ كان لا بد من تسخين البخار بداخل ~~الأسطوانة وتبريده بالتناوب من أجل رفع المكبس وإنزاله. ولم يكن هذا يهدر كميات كبيرة ~~من الوقود فحسب، وإنما كان كذلك يحد بشدة من السرعة التي كان يستطيع أن يعلو بها ~~المكبس وينخفض داخل ms221 الأسطوانة. وهكذا رغم النجاح التجاري لمحرك الضغط الجوي، فإنه لم ~~يكن يحقق سوى نصف ما هو مطلوب لتطويع قوة البخار. # فرغم أن محرك الضغط الجوي كان قادرا على رفع مكبسه وخفضه بقوة كبيرة، لم يكن قادرا ~~على تحويل حركة المكبس المتذبذبة إلى الحركة الدوارة التي جعلت الساقية مصدرا مفيدا ~~للطاقة الميكانيكية (في الواقع، استخدم أحد محركات نيوكومين في ضخ المياه من بركة أسفل ~~ساقية إلى خزان، حيث كانت المياه تتدفق منه لتعود إلى البركة، لتدير الساقية أثناء ~~ذلك). وقد حاول المخترع الإنجليزي جيمس بيكارد التغلب على هذا القصور، فألحق حدافة ~~بمكبس محرك الضغط الجوي عن طريق ذراع تدوير، الأداة المستخدمة منذ قديم الزمن، وفي عام ~~1780م وفق بيكارد في تسجيل براءة اختراع تصميمه المزود بذراع التدوير ~~والحدافة. # للأسف كان محرك الضغط الجوي غير مناسب لغرض تدوير السواقي؛ لأن مكبسه وأسطوانته ~~البدائيين كانا قادرين على التحرك مرة واحدة فقط كل خمس ثوان . وكان هذا معناه أن ~~أقصى سرعة للساقية المتصلة بمكبس محرك الضغط الجوي كانت لا تتجاوز اثنتي عشرة دورة في ~~الدقيقة، وهي سرعة بطيئة لدرجة مؤسفة لأي محرك دوار. وقد كانت براءة اختراع بيكارد ~~عقبة خطيرة في سبيل صانع الآلات الأسكتلندي، جيمس واط، الذي كان قد سجل بالفعل براءة ~~اختراع تصميم محرك بخاري أكثر كفاءة بكثير. # أدخل واط تعديلين مهمين على التصميم الأساسي لمحرك نيوكومين؛ فكان التعديل الأول ~~هو السماح للبخار بالاندفاع من الأسطوانة إلى حيز للتكثيف والتبريد مع كل ضربة؛ مما ~~أزال الحاجة إلى تبريد الأسطوانة الأساسية وتسخينها مرارا وتكرارا حيث كانت تهدر ~~الطاقة؛ فقد كان محرك الضغط الجوي يستهلك في عملية إعادة تسخين الأسطوانة وقودا أكثر ~~مما يستخدمه في إعطاء قوة آلية. # وكان التعديل الثاني الذي أدخله واط هو غلق الجزء الخلفي للأسطوانة بغطاء كاتم ~~للضغط، بما يتيح لذراع المكبس وحده بالبروز من ثقب محكم في مركز هذا الغطاء؛ مما ~~جعل البخار يدخل قاع الأسطوانة أولا، دافعا المكبس لأعلى لقمة شوطه، ثم يدخل أعلى ~~الأسطوانة، ضاغطا المكبس لأسفل ms222 مرة أخرى. هذه الحركة المزدوجة، التي أعطت الأسطوانة ~~شوطي قدرة بدلا من شوط واحد، ضاعفت قوة المحرك البخاري فعليا دون زيادة في الحجم ~~أو الوزن. # وفي عام 1775م كون واط شراكة مع رجل الأعمال وصاحب المصنع الإنجليزي ماثيو بولتون ~~لصناعة محركه البخاري المعدل، غير أنه كان لا يزال هناك عقبة أخيرة لا بد من التغلب ~~عليها؛ إذ لم تكن المكابس والأسطوانات الضخمة في المحركات البخارية الأولى مشكلة بدقة ~~كافية بحيث تكون محكمة لدرجة تمنع تسرب الهواء؛ مما كان يجعل البخار يتسرب مع كل شوط ~~ليقلل من قوة المحرك وكفاءته بدرجة كبيرة. وقد حل هذه المشكلة صانع مدافع من ~~ويلز يدعى جون ويلكنسون؛ إذ كان قد توصل إلى طريقة لثقب المدافع ثقوبا دقيقة ~~طبقها على ثقب الأسطوانات الضخمة التي في محركات واط الأولى، التي كان أولها مزودا ~~بمكبس تجاوز عرضه أربع أقدام كان يتحرك صعودا وهبوطا داخل أسطوانة بلغ ارتفاعها ~~أربعا وعشرين قدما . # كانت باكورة محركات واط البخارية متقدمة كثيرا عن محركات الضغط الجوي الخاصة ~~بنيوكومين، وقد أنجزت نفس قدر العمل باستخدام ربع الوقود. وقد ترتب على ذلك أن صار ~~محرك واط سريعا الآلية المفضلة لضخ الماء من مناجم الفحم. بيد أن الحركة البسيطة ~~المتذبذبة لهذه المحركات القديمة كانت مناسبة فقط للعمل الذي يتطلب حركة صاعدة ~~هابطة، مثل ضخ المياه أو رفع مطرقة وإنزالها بالتناوب في المسبك الآلي. فكان لا بد من ~~اتخاذ الخطوة الأخيرة: كان لا بد من تحويل الحركة المتذبذبة للمكبس والأسطوانة إلى ~~الحركة الدائرية اللازمة لتوفير الطاقة لمصانع نشر الأخشاب ومطاحن الدقيق ومصانع ~~المنسوجات التي انتشرت طوال القرن الثامن عشر في أوروبا. # وكان بولتون هو من أقنع واط بتزويد مكبس محركه البخاري المعدل بحدافة عن طريق ~~ذراع، إلا أن بيكارد كان قد سجل براءة اختراع تلك الفكرة بالفعل. لكن واط المبدع رفض ~~مشاركة بيكارد واستطاع التحايل على براءة اختراع بيكارد بربط مكبس محركه البخاري ~~المعدل بحدافة ذات ترس «كوكبي» تعمل بمبدأ مختلف عن مبدأ الذراع البسيط. وقد أثبت ms223 ~~محرك واط الجديد نجاحا ساحقا، وجعلته شراكته مع بولتون التي استمرت خمسة وعشرين ~~عاما ثريا طيلة حياته. # كان لنجاح واط في اختراع محرك بخاري يولد حركة دائرية بسرعات مرتفعة نسبيا أعظم ~~الأثر؛ فقد حرر المجتمع الأوروبي من اعتماده القديم على السواقي المائية - التي لا ~~يمكن وضعها إلا في مناطق محددة يتوفر فيها مصدر مضمون بالمياه المتدفقة التي يمكن ~~استغلالها - وكذلك طواحين الهواء، التي كانت تعتمد على هبوب الرياح المواتية ~~وتحولها، وهو ما كان صعب التنبؤ به. ولأول مرة كان من الممكن وضع مصدر الطاقة ~~الدوارة أينما عظمت الاستفادة منها. # هكذا أمكن بناء مصانع المنسوجات أينما كان الموقع أفضل. وأصبح من الممكن بناء مصانع ~~نشر الأخشاب ومطاحن الدقيق على ضفاف أنهار هادئة وصالحة للملاحة ومستعدة لاستقبال ~~أحمال الغلال والأخشاب التي تجلبها الصنادل والقوارب النهرية. وقد جعلت رواسب الفحم ~~وخام الحديد العديدة المنتشرة في أنحاء الجزر البريطانية من بريطانيا مكانا مناسبا ~~لتطور الصناعات القائمة على الحديد والصلب والفحم الحجري والبخار. # كان أعظم الآثار المترتبة على اختراع محرك بخاري ناجع ذات حركة دوارة تأثيره الهائل ~~على وسائل النقل برا وبحرا؛ فحين ألحق المحرك البخاري بعجلة ضخمة مزودة ~~بمجاذيف خشبية، نشأت السفينة البخارية. وحين ركب المحرك البخاري في عربة كبيرة ~~وثقيلة مصنوعة بالكامل من الصلب ووضعت على قضبان من الصلب، نشأت السكك الحديدية. ومن ~~بين نتائج المحرك البخاري الدوار الكثيرة، لا بد أن نعد السفينة البخارية والسكك ~~الحديدية بين أكثرها إسهاما في التحول؛ فقد أحدثتا معا ثورة في السفر والتجارة على ~~مسافات بعيدة، وأتاحا أكبر تحول في طبيعة المجتمع البشري منذ نشأة الحضارة المدنية منذ ~~آلاف السنين. # محركات النقل # ظلت السفينة الشراعية لآلاف السنين تحت رحمة رياح البحر، التي قد تهب في تقطع ~~وبغتة من عدة اتجاهات مختلفة. في أوائل القرن التاسع عشر، قبل بناء أول سفينة بخارية ~~عابرة للمحيطات، كان من المألوف أن تستغرق الرحلة من أوروبا إلى أمريكا بالسفينة ~~الشراعية شهرين بحرا في المتوسط. على النقيض من هذا، قامت باخرة، «جريت ويسترن»، ms224 أول ~~باخرة بعجلات تجديف تبنى خصوصا لعبور المحيط الأطلنطي، برحلتها الأولى من إنجلترا إلى ~~نيويورك في أبريل عام 1838م في ستة عشر يوما، ومع حلول عام 1875م كان هناك أسطول من ~~السفن البخارية ذات الهياكل الحديدية - مزودة بمحركات بخارية ودافعات مروحية متطورة ~~بدلا من عجلات التجديف - يعبر الأطلنطي في سبعة أيام بصفة منتظمة. كذلك صارت الرحلات ~~الأخرى التي كانت تستغرق شهورا من السفر بحرا إلى أمريكا الجنوبية وأفريقيا والهند ~~والشرق تقطع في نسبة ضئيلة من الزمن السابق. ترتب على هذا أن شهد السفر والتجارة ~~بين القارات زيادة هائلة في القرن التاسع عشر؛ أي بين عامي 1800 و1900م. # أقيمت أول خدمة سكك حديدية منتظمة بين مدينتين عام 1830م في إنجلترا بين مانشستر ~~وليفربول، وقد أثار نجاح السكك الحديدية في العقود التالية هوسا ببناء الخطوط ~~والقطارات والقاطرات في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية؛ مما استهلك كميات كبيرة من ~~الحديد والصلب. وهكذا صارت الرحلات التي كانت تستغرق فيما مضى أياما تقطع في ساعات، ~~والشحنات الثقيلة التي كانت تنقلها السفن والصنادل والقوارب النهرية ببطء فيما مضى باتت ~~تحمل على عربات بضائع وتشحن برا في نسبة ضئيلة من الزمن الذي كان يستغرقه النقل ~~بالقوارب. # حين عدل صانعو الآلات والمخترعون في أواخر القرن الثامن عشر فن صناعة المكبس ~~والأسطوانة اللذين أصبحا أكثر دقة - وربطوا المكبس بعمود ذراع تدوير دقيق الصنعة - ~~تحولت حركة المكبس المتذبذبة إلى حركة دوارة متصلة، ونشأ «المحرك الترددي». كان ~~المحرك البخاري هو المحرك الترددي الأساسي للقرن التاسع عشر، وسرعان ما صار مصدر الطاقة ~~الأول للمصانع والسفن والسكك الحديدية الأوروبية، غير أن المحرك الترددي كان متجها ~~نحو مستقبل أكثر غرابة وتحولا. # كان المحرك البخاري محركا تردديا دقيقا آليا، حيث كان الوقود يحرق خارج المكبس ~~والأسطوانة، وذلك بحرق الأخشاب أو الفحم الحجري أو فحم الكوك لتسخين المياه في غلاية ~~وتحويلها إلى بخار. وبمجرد أن أدخل المخترعون الأوروبيون تحسينات على المحرك البخاري ~~بدءوا يطرحون فكرة حرق الوقود داخل المحرك. وسرعان ما أتم مهندسون من دول عديدة ~~تصميمات ms225 لفكرة محرك الاحتراق الداخلي الجديدة تماما. كانت معظم هذه المحركات تعمل ~~بإشعال كمية صغيرة من الوقود داخل الأسطوانة مباشرة، وكان الهدف أن تؤدي القوة الناتجة ~~عن الغازات المتمددة التي يسخنها احتراق الوقود إلى دفع المكبس إلى الأمام وتدوير ~~الذراع على حدافة. # في زمن مبكر عام 1807م، نجح الشقيقان الفرنسيان نيسيفور وكلود نييبس في الإبحار ~~لمنبع نهر ساون على متن قارب يعمل بمحرك احتراق داخلي يدور بخليط من أبواغ الطحالب ~~وغبار الفحم والراتنج. # 5 # وقد منح نابليون بونابرت محركهما براءة اختراع على هذا الإنجاز. وتتابعت ~~تجارب أخرى استخدم فيها غاز الهيدروجين وروح التربنتين وقودا. وقد أعقب هذه التجارب ~~محاولات ناجحة أكثر فأكثر طوال القرن التاسع عشر أجراها مخترعون سويسريون وأمريكان ~~وبريطانيون وفرنسيون وألمان وبلجيكيون باستخدام غاز الفحم - أحد المنتوجات الثانوية عن ~~عملية تحويل الفحم الحجري إلى فحم الكوك، والغاز الرئيسي المستخدم في الإضاءة خلال عصر ~~مصابيح الغاز - لتشغيل محركات الاحتراق الداخلي. # وأخيرا نجح المخترع الألماني نيكولاس أوتو في تصميم محرك يعمل بالغاز بالقوة ~~والمتانة الكافيتين للإنتاج التجاري؛ فقد فتح أوتو عام 1864م مصنعا لإنتاج محركات ~~الاحتراق الداخلي، وبحلول عام 1875م كان قد باع ما يزيد عن ستمائة محرك يعمل بالغاز. ~~لكن نظرا لأن إمدادات غاز الفحم كانت تأتي عن طريق أنابيب معدنية مدفونة في الأرض، فلم ~~يكن المحرك الذي يعمل بالغاز مناسبا إلا للمنشآت الثابتة، ولم يكن بمصدر الطاقة ~~العملي للمركبات الآلية. # لكن في عام 1884م صمم المهندس البريطاني إدوارد بتلر أول محرك بنزين حديث، مضاف ~~إليه ملف إشعال وشمعة إشعال ومكربن. وركب بتلر محركه في عربة ذات ثلاث عجلات أسماها ~~الدراجة، كانت أقصى سرعاتها عشرة أميال في الساعة، لكن لم يستطع بتلر أن يجد عملاء ~~لدراجته بسبب قانون الراية الحمراء المعيب الذي أصدرته بريطانيا عام 1865م، الذي قرر ~~سرعة للمركبات ذاتية الحركة بحد أقصى ميلين في الساعة في المناطق السكنية وأربعة أميال ~~في الساعة في الريف. وكان تجاوز هذه السرعات يستلزم أن يمشي شخص أمام المركبة حاملا ~~راية حمراء؛ لذا ms226 فقد دمر بتلر اختراعه عام 1896م، وباع المعدن خردة، وتخلى عن سعيه ~~لصنع مركبة آلية، وكرس ما تبقى من حياته لتصميم محركات احتراق داخلي ~~للقوارب. # وفي نهاية المطاف كان المهندسون الألمان هم من نجح في حل المشكلات التقنية التي ~~اعترضت سبيل إنتاج سيارة عملية وميسورة التكلفة؛ إذ أقدم جوتليب دايملر وفيلهيلم ~~مايباخ، اللذان كانا موظفين سابقين في مصنع أوتو، على صنع محرك بنزين صغير ركباه في ~~مركبة ذات عجلتين عام 1885م، ليبتكرا بهذا أول دراجة بخارية في العالم. وبدأ كارل بينز ~~إنتاج أول سيارة تجارية عام 1886م، وفي عام 1890م بدأ دايملر ومايباخ كذلك إنتاج سيارات ~~للسوق التجارية. # وأخيرا، نجح رودولف ديزل في اختراع أول نموذج عملي لمحرك كارنو، مستخدما مبادئ ~~الديناميكا الحرارية التي وضعها المهندس العسكري وعالم الفيزياء الفرنسي نيكولا كارنو. ~~نشرت هذه المبادئ قبل ذلك عام 1824م، حين كان كارنو ما زال في السادسة والعشرين من ~~عمره، وكانت تصف عملية احتراق الوقود في الأسطوانة لا عن طريق الاشتعال بشرارة ~~كهربائية، وإنما بالأحرى بالحرارة التي تولدت حين ضغط المكبس الغازات داخل الأسطوانة. ~~ورغم أن حياة رودولف ديزل لم تستمر طويلا، حيث مات ميتة غامضة في البحر عام 1913م، ~~فإن مبدأه صار مخلدا في محرك الديزل الذي حل محل المحرك البخاري منذ ذلك الوقت ~~ليكون المصدر الأول للطاقة في أكبر وأثقل المركبات الحديثة؛ السفن والقاطرات والشاحنات ~~الثقيلة ومعدات تحريك التربة. # مع نهاية القرن التاسع عشر تطورت الصناعات البترولية، التي بدأت بداية متواضعة ~~للغاية في خمسينيات القرن التاسع عشر في أوروبا بصناعة شمع البارافين من النفط الخام ~~لتصبح قوة صناعية رئيسية، وبحلول عام 1880م كان يضخ أكثر من عشرين مليون برميل نفط ~~خام سنويا من آبار النفط في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. الجمع بين البنزين ~~المستقطر من البترول ومحركات الاحتراق الداخلي ذات الآليات الدقيقة أتاح ابتكار محرك ~~البنزين الحديث: وهو مصدر طاقة خفيف الوزن، وصغير الحجم، وقوي، ويمكن الاعتماد عليه، ~~وموفر. وقد كان محرك البنزين الحديث هو ما أتاح، أكثر من ms227 أي آلة أخرى، لمخترعي أوائل ~~القرن العشرين ابتكار كل من السيارة والطائرة؛ اثنتين من تقنيات النقل لمسافات بعيدة ~~قلصت المسافات الفاصلة بين مجتمعات البشر لنسبة ضئيلة من حجمها السابق. # من الرماح النارية إلى الأسلحة النارية # ليست الحروب بظاهرة جديدة أو حديثة في تاريخ البشر؛ فحتى قردة الشمبانزي، كما رأينا ~~في الفصل الأول، شوهدت بعض مجموعاتها وهي تستولي على الأرض بالقوة، مستخدمة في ذلك ~~عملية شبيهة شبها مذهلا بحروب البشر. ويوحي الدليل الأثري الذي جاء وصفه في الفصل ~~السادس بأن الحروب المنظمة - بما يشمل تشكيل الجيوش والذبح الجماعي لسكان مدنيين - ~~كانت حدثا شائعا في حياة البشر قبل تطور الحضارة المدنية بزمن طويل. لكن حين طبق ~~علم الكيمياء وتقنيات الآليات الدقيقة على تصميم الأسلحة وتصنيعها وأنظمة إطلاقها، ~~سرعان ما بلغت الحروب مستوى من العنف والتدمير غير مسبوق في تاريخ البشر. # بدأ اختراع الأسلحة النارية في الصين في القرن التاسع الميلادي، عندما اكتشف أن ملح ~~البارود - نترات البوتاسيوم الموجودة في الطبيعة - من الممكن إشعاله بسهولة ليحترق ~~بوهج أزرق مميز. وسريعا ما اكتشف الصينيون أنه بخلط ملح البارود المطحون بكميات أصغر ~~من الكبريت والفحم النباتي، من الممكن الحصول على خليط قابل للانفجار أطلقوا عليه ~~البارود الأسود؛ باكورة البارود الحديث. كان ما يميز البارود الأسود أنه أثناء عملية ~~الحرق كان ملح البارود يطلق أكسجينا أكثر مما يستهلكه بالفعل، وهذا الأكسجين الزائد ~~كان يسمح للكبريت والفحم النباتي بالاشتعال حتى حين يكون الخليط داخل وعاء مغلق، كما ~~الحال عندما يكون داخل ماسورة مسدس. # أما الاعتقاد المنتشر بأن الصينيين اخترعوا البارود ولكن استخدموه في صنع ألعاب ~~نارية بغرض التسلية فهو خطأ تماما؛ فبحلول نهاية القرن العاشر الميلادي كان الصينيون ~~بالفعل يملئون أنابيب الخيزران المجوفة بالبارود الأسود لإطلاق قذائف مسممة الرءوس أو ~~مشتعلة تسمى الرماح النارية، وفي بداية القرن الثالث عشر كانوا يستخدمون البارود في ~~صنع القنابل وقاذفات اللهب والصواريخ والمسدسات والمدافع، وكلها كانت تستخدم بكثرة ~~في الحروب. في هذا الوقت لم يكن الأوروبيون يملكون أسلحة نارية، وكانت الأسلحة ms228 ~~الأوروبية مقتصرة في الغالب على الخناجر والسيوف والرماح والقضبان الشائكة والسهام ~~وأقواس السهام، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من مدكات البنادق والمجانق التي صممت ~~لدك أسوار الحصون العسكرية والمدن الحصينة. # ظهرت الأسلحة النارية في أوروبا بعد منتصف القرن الثالث عشر، غير أن جميع الأسلحة ~~النارية ظلت لعدة قرون يعتريها عيوب خطيرة جعلت استخدامها محدودا للغاية؛ فقد كانت ~~الأسلحة المحمولة يدويا ثقيلة، وكانت تستغرق عدة دقائق لحشوها بالبارود والقذائف، ~~وكان يجب حملها بيد واحدة أثناء إشعالها بفتيل مشتعل باليد الأخرى، وكانت غير دقيقة ~~لدرجة معيبة، وكانت أحيانا تنفجر في أيادي أصحابها. # لاحقا في القرن السابع عشر ميلاديا، كانت بندقية المسكيت التي كانت تشتعل بالفتيل ~~وتحشى من الفوهة تشعل بفتيل يقدح بكمية صغيرة من بارود الإشعال عند ضغط الزناد. ~~وقد أدرج دليل للجندي الهولندي نشر عام 1607م ما لا يقل عن ثمان وعشرين خطوة ~~مستقلة يجب على الجندي المسلح ببندقية المسكيت اتباعها قبل أن يكون مستعدا لإطلاق ~~طلقة واحدة من بندقية المسكيت ذات الإشعال الفتيلي. # 6 # بل في الواقع كانت بندقية المسكيت ذات الإشعال الفتيلي تستغرق وقتا طويلا ~~جدا في الحشو وإطلاق النار، حتى إن استخدام الأسلحة النارية في الحروب لم يبدأ يحل ~~مكان الأسلحة التقليدية المحمولة يدويا إلا بعد استحداث المسكيت ذات الزناد الصواني ~~بعد عام 1650م، حيث كان البارود يشتعل من شرارة اصطدام حجر صوان مزود بزنبرك بصفيحة ~~من الصلب. # كانت المدافع أكثر فتكا من المجانق التي كانت تستخدم منذ العصور القديمة في رشق ~~الأهداف المحصنة بصخور هائلة، إلا أن المدافع القديمة كانت ضخمة وثقيلة إلى حد ~~بشع؛ إذ كان المدفع الواحد يزن في المعتاد آلاف الأرطال، ويحتاج إلى عدد كبير من ~~الخيل لنقله إلى مجال إطلاق النار، وقد يستغرق عدة ساعات قبل تنظيفه، وتزويده بالبارود، ~~وحشوه بالقذائف، ويصير جاهزا لإطلاق طلقة واحدة. كذلك لم تكن المدافع غير دقيقة إلى ~~حد بعيد فحسب، لكنها كانت أحيانا أيضا، مثل الأسلحة المحمولة يدويا، تنفجر وتقتل ~~مشغليها بدلا من إطلاق مقذوفاتها. # كانت مشكلة كل ms229 الأسلحة النارية الأولى تكمن في طريقة تصنيعها؛ فكانت مواسير البنادق ~~والمدافع الأولى تصنع بصب البرونز أو الحديد المصهور في قوالب، إلا أن عملية صب ~~المعادن المصهورة لا تعطي مواسير ملساء أو دقيقة الاستقامة، ويمكن للاختلالات الصغيرة ~~داخل الماسورة أن تؤثر على مسار القذيفة. علاوة على ذلك، كانت الأسلحة النارية ~~الأولى ينقصها «الحلزنة» التي تدخل في كل الأسلحة النارية الحديثة. والحلزنة هي أخاديد ~~لولبية تجعل القذيفة تبدأ الدوران أثناء اتجاهها إلى نهاية الماسورة؛ مما يجعل مسار ~~الرصاصة مستقيما بدرجة كبيرة، ويزيد من مجال السلاح ودقته للغاية. # لكن تقنية الآلات الدقيقة جعلت من الممكن تجويف ماسورة السلاح الناري بحيث تصبح ~~أنبوبا أملس ومستقيما تماما، وكان هذا التطور، أكثر من أي تطور آخر، هو ما أعطى ~~السلاح الناري فاعليته الفتاكة، وما أبطل أخيرا سيوف ورماح وسهام العصور الغابرة؛ ~~لهذا السبب حين احتاج جيمس واط إلى صنع مكبس وأسطوانة متلائمين بدقة من أجل محركه ~~البخاري الجديد، اتجه إلى جون ويلكنسون صانع المدافع من أجل الحل. # حين اقترن اختراع البارود والأسلحة النارية الصينية بالتطورات الأوروبية في مجال ~~الآلات الدقيقة، انبثق السلاح الناري ليكون أكثر الأسلحة فتكا في تاريخ البشر؛ فبندقية ~~إم-16 القياسية التي يستخدمها الجيش الأمريكي تستطيع إطلاق عشر طلقات من الذخيرة في ~~الثانية بمرمى فعال يصل إلى مساحة ستة ملاعب كرة قدم مصفوفة جنبا إلى جنب. ويستطيع ~~مدفع رشاش الجيش الأمريكي إم-61 أن يطلق مائة طلقة من الذخيرة في الثانية، ويمكن ~~لمدفع الهاوتزر الحديث أن يطلق قذيفة متفجرة يصل قطرها إلى ست بوصات ويحطم هدفا ~~على بعد ثمانية عشر ميلا. وليست هذه سوى ثلاثة من عشرات آلاف الأسلحة النارية المختلفة ~~التي تصنع وتستخدم في الزمن الحاضر، من مسدسات بالغة الصغر يقل طولها عن أربع ~~بوصات إلى مدافع بحرية يتجاوز طولها ستين قدما، ويصل مرماها إلى اثنين وعشرين ميلا، ~~وتستطيع إطلاق قذيفة متفجرة يصل قطرها إلى ست عشرة بوصة، وتزن أكثر من ألفي ~~رطل. # ظل أشباه البشر الأوائل والبشر الناشئون والإنسان الحديث ملايين السنين يواجهون ms230 كلهم ~~مشكلة الدفاع عن أنفسهم ونسلهم أمام تهديد الضواري الكبيرة التي كانت تأهل عالمهم ~~وبيئاتهم الطبيعية. وقد تكون الأسلحة الفتاكة التي تعلم بشر ما قبل التاريخ صناعتها ~~مكنتهم من قتل فرائسهم وأعدائهم الطبيعيين وإلحاق الإصابات بهم، لكن تسلح شعوب ما ~~قبل عصر الصناعة بالرماح والرماح الخفيفة والحراب والسهام القديمة فحسب لم يكن يضمن ~~لهم الصمود في مواجهة مع الأسود والببور والدببة والذئاب والأبقار والأفيال ووحيد ~~القرن والفظ والخيول البرية، وغيرها من الحيوانات الخطيرة التي كانوا يقابلونها أثناء ~~الصيد أو الانتقال بمخيماتهم من مكان إلى آخر؛ لذا فقد هلك قبل اختراع الأسلحة النارية ~~عدد لا حصر له من الصيادين وجامعي الثمار والمزارعين والرعاة جراء هجمات من وحوش ~~مذعورة أو هائجة أو مصابة. # غير أن تطور الأسلحة النارية الدقيقة غير كل هذا؛ فلأول مرة في تاريخ البشر ~~تسنى للصائد المعاصر التسلح بسلاح فتاك يمكنه من إحداث إصابات بحيوانات أخرى ~~وقتلها من مسافة بعيدة. فاعلية الأسلحة النارية الحديثة - مع الانخفاض الحاد في حجم ~~المساحات البرية والانتقال المستمر للمجتمعات البشرية من الريف إلى المدن - قضت ~~نهائيا على التهديد المتربص بحياة البشر الذي كان مصدره وجود الحيوانات البرية في ~~بيئتنا. أما في العالم الحديث، فما يهدد حياة البشر وسلامتهم يكاد يأتي فقط من بشر ~~آخرين. # جميع الأشياء تعمل بالكهرباء # في عام 1820م كان عالم الفيزياء الدنماركي هانز كريستيان أورستد يلقي محاضرة حين ~~لاحظ أن إبرة البوصلة تحركت حين سرى التيار الكهربائي في إحدى البطاريات وتوقف. ~~هكذا كان أورستد أول شخص ينشر اكتشاف نشأة مجال مغناطيسي عند تدفق التيار الكهربائي ~~في سلك. ورغم إجراء علماء آخرين تجارب على اكتشاف أورستد العلاقة بين الكهرباء ~~والمغناطيسية، لم يثبت أحد منهم أن اكتشاف أورستد يعمل بالعكس حتى جاء مايكل ~~فاراداي، ابن أحد الحدادين الإنجليز، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر الذي أثبت أن ~~المجال مغناطيسي حين يتحرك عبر موصل كهربائي كالسلك مثلا، ينتج عنه تيار كهربائي. ~~وقد أتاحت هذه الظاهرة المسماة بالحث الكهرومغناطيسي لفاراداي ابتكار نماذج عملية من ~~الجهازين الأساسيين ms231 في العصر الكهربائي: المولد الكهربائي والمحرك الكهربائي. # قبل العمل الرائد لفاراداي كان المصدر الوحيد المضمون للكهرباء هو أشكالا بدائية من ~~البطارية السائلة، وهي مكونات كبيرة وثقيلة وقابلة للكسر مليئة بكميات خطيرة من حمض ~~الكبريتيك، لكنه من المهم أيضا أن نتذكر أن فاراداي ما كان ليتمكن من صنع المحرك ~~الكهربائي أو المولد الكهربائي لولا تقنيات الآلات الدقيقة؛ فقد أتاحت هذه التقنيات ~~إمكانية تكوين آليات ذات محامل سلسة ومتينة مكنت دواراتها من الدوران بسرعات ~~هائلة وأدنى حد من الاهتزاز، وهو ما كان ضروريا لتعمل المحركات والمولدات بشكل ~~سليم. # بمجرد رسوخ مبادئ الحث الكهرومغناطيسي وتصميم المولدات الكهربائية وتصنيعها بنجاح، ~~صار ممكنا استخدام أي مصدر طاقة دوارة في توليد تيار كهربائي مستمر. وشيدت أول ~~محطة طاقة عامة في جنوب إنجلترا سنة 1881م، تزودها ساقية ماء بالطاقة. ومع نهاية القرن ~~التاسع عشر كانت المولدات الكهربائية التي تعمل بطاقة البخار والماء تبنى في أنحاء ~~أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع أوائل القرن العشرين بدأت الكهرباء تنتشر مثل النار في ~~الهشيم في أرجاء العالم المعمور. # سرعان ما أدت الطاقة الكهربائية الميسورة التكاليف إلى ظهور طائفة من التقنيات ~~الجديدة التي غيرت وجه الحياة البشرية تماما؛ فالمصاعد الكهربائية - الأقوى والأكفأ ~~كثيرا من المصاعد السابقة الهيدروليكية والتي تعمل بالبخار - أتاحت إقامة مبان عالية، ~~وهكذا نشأت ناطحات السحاب. ولأول مرة في تاريخ البشر أتاح التلغراف - ولاحقا الهاتف - ~~للناس التواصل في الحال عبر آلاف الأميال. وحملت قطارات الأنفاق ملايين الناس للعمل ~~يوميا من خلال أنفاق تحت الأرض، وانطلقت حافلات الترام في شوارع المدن الرئيسية في ~~العالم. # وحولت الإضاءة الكهربائية الليل من عالم معتم تضاء فيه المصابيح والشموع ~~المرتعشة إلى عالم اللمبات الكهربائية التي أضاءت الليل على نحو غير مسبوق على ~~الإطلاق؛ لتحرر البشرية من اعتمادها القديم على شروق الشمس وغروبها. وأحدث التبريد ~~تحولا تاما في صناعة الغذاء؛ إذ أتاح نقل اللحوم والدواجن والأسماك آلاف الأميال ~~وتجميدها لأسابيع وشهور دون أن تتعفن. وغير تكييف الهواء حياة كل من يعيشون في ~~المناطق ذات المناخ الحار؛ لتعطيهم ms232 حرية العمل واللهو في برودة منعشة. وأذن دخول ~~الإذاعة والسينما والتلفاز - التي لم يكن أي منها ليتأتى لولا الكهرباء - ببداية ~~عصر وسائل الإعلام. # في الوقت ذاته بلغت أدوات العالم الصناعي المميكنة أوجها؛ إذ تحررت من السيور ~~والبكرات وأعمدة التدوير الضخمة الخطيرة التي ظلت تستخدم طويلا في نقل الطاقة من ~~المحركات البخارية إلى خطوط تجميع المصانع، غير أنه حتى عام 1900م كان المحرك البخاري ~~ما زال يوفر أكثر من 80 في المائة من الطاقة المستخدمة في التصنيع، بينما كانت ~~المحركات الكهربائية توفر أقل من 10 في المائة، لكن بعد أربعين عاما انعكست هاتان ~~النسبتان تماما؛ # 7 # فخلال ذلك الوقت كانت الأدوات المميكنة الحديثة كلها تعمل بطاقة المحركات ~~الكهربائية، وأثناء ذلك صارت أصغر حجما وأخف وزنا وأكثر قابلية للحمل، وأكثر كفاءة عن ~~الجيل السابق من الأدوات المميكنة التي كانت تعمل بطاقة المحركات البخارية، أو الأجيال ~~السابقة لذلك التي كانت تعمل بالأيادي والأقدام البشرية التي كانت تدير الأذرع ~~والطواحين. وخلال أقل من مائتي عام أدى الانتشار الواسع للوقود الحفري والمحركات ~~الترددية والكهرباء - التي صارت كلها ممكنة بفضل تقنية الآلات الدقيقة - إلى تغيير كل ~~وجه من وجوه الحياة البشرية كلية. # فقط خلال اللحظات النادرة حين تؤدي عاصفة عاتية أو حادثة بناء إلى انقطاع الضوء ~~لساعات قليلة يتيسر لنا نحن من نعيش في العالم المتقدم مجرد لمحة جزئية ومؤقتة عن ~~الدور المحوري الذي تلعبه الكهرباء في حياتنا اليومية؛ إذ تتعطل أنظمة التدفئة وتكييف ~~الهواء، وتتوقف الثلاجات عن العمل، ولا تشتعل الأفران، وتصير المصاعد معطلة، ~~والتلفاز لا يعمل، وتنطفئ أجهزة الكمبيوتر، ولا يمكن إعادة شحن الأجهزة المحمولة. كما ~~تتعطل كل مقرات عمل العالم الحديث وأنظمة نقله - المكاتب والمصانع والمخازن والمتاجر ~~والمستشفيات والمطارات والقطارات وقطارات الأنفاق والمصاعد التي تجعل الحياة المدنية ~~ممكنة في المجتمع المعاصر - ويتحتم مغادرتها حتى تعود الكهرباء. وحين تنقطع الكهرباء ~~ليلا، يغمرنا ظلام غير مألوف ومزعج في عالم لا يضيئه سوى الشموع والفوانيس. # وهذه لا تعدو كونها التقنيات المعتمدة على الكهرباء التي تولدها محطات ms233 الطاقة ~~وتوصلها في أسلاك للمباني وغيرها من المنشآت المستديمة. أما إن اختفت الكهرباء نفسها ~~بغتة فلن تدور أو تسير أي من السيارات أو الشاحنات أو الحافلات أو القطارات، ولن ~~تحلق الطائرات، وستصير قوى القانون والنظام غير قادرة على التواصل، ومع تعطل ~~الهواتف أو الأجهزة المحمولة أو أجهزة اللاسلكي، لن يستطيع الناس الحديث بعضهم مع بعض ~~على الإطلاق إلا من يتصادف وجودهم في نفس المكان. # من المدهش أن نجد أن الكهرباء نفسها لم تصبح متوفرة في العموم حتى أواخر القرن التاسع ~~عشر حين نضع في الحسبان اعتمادنا البالغ عليها في حياتنا المعاصرة. ومن بين جميع ~~الطرق المتعددة التي غيرت بها الكهرباء طبيعة حياة البشر، قد يكون أهمها - من ~~ناحية تأثيراتها الثقافية والاجتماعية - ازدهار التقنيات المتقدمة في المنازل وتأثير ~~التقنيات المنزلية في أوضاع المرأة في المجتمع الحديث. # الأجهزة المنزلية # أقمت مع أسرتي طيلة خمسة عشر شهرا، بدءا من خريف عام 1967م في جزيرة إيوس ~~اليونانية، حيث درست أساليب المعيشة التقليدية لقرويي الجزيرة اليونانية من أجل ~~رسالة دكتوراه في علم الإنسان الثقافي. وقد اخترت جزيرة إيوس لأنها في ذلك الوقت لم ~~يكن بها مرافق بحرية قادرة على خدمة السفن السياحية، ولم تكن الكهرباء أو العربات ~~المزودة بمحركات قد دخلت الجزيرة بعد. ونتيجة لهذا، كان سكان الجزيرة يعيشون بدرجة ~~كبيرة كما كان يعيش أغلب سكان الجزر الأوروبيين قبل بداية الثورة الصناعية. # كان أهل إيوس ما زالوا يزرعون حبوبهم ويطحنونها لتصير دقيقا في طاحونة القرية. ~~وكانوا يعدون عجين الخبز في منازلهم ليخبزه خباز القرية كل صباح في فرن حجري ~~ضخم يعمل بنار الحطب الذي كان يشعل كل مساء ويظل يحترق طوال الليل. وكان أهل الجزيرة ~~يزرعون محاصيل الزيتون، التي كانوا يعصرونها لاستخراج الزيت؛ ومحاصيل العنب، التي كانوا ~~يعصرونها لاستخراج النبيذ. وكانت كل لحوم الخنازير والخراف والماعز والدجاج والبيض ~~الذي يستهلك على الجزيرة، وكذلك كل الأسماك والخضروات، يرعاها مزارعون محليون ~~ويصطادها صيادون محليون. أما لحم الأبقار فلم يكن متوافرا. وكانت نساء إيوس ما زلن ~~يغزلن خيوطا ms234 من القطن والصوف، ويحكن كثيرا من ملابسهن بأياديهن. # وفي صباح أيام الأحد، حين يكون الطقس ملائما، كانت تصل باخرة صغيرة من أثينا ~~عائدة إلى إيوس، على متنها أولئك الذين غادروا الجزيرة قبل أسبوع لزيارة أقاربهم أو ~~لمزاولة أعمالهم. وكانت السيارة الوحيدة على الجزيرة، وهي سيارة أسفار عتيقة، تستخدم ~~في صباح تلك الأيام لحمل كبار السن والواهنين من المسافرين في الطريق الموحل الملتوي ~~الطويل الممتد من الميناء إلى القرية. وكان أغلب الناس غير مستعدين لدفع تكلفة ~~الرحلة، فكانوا يحملون أمتعتهم على دواب، ويتحملون السير طويلا صاعدين سلما ~~حجريا قديما. أما باقي أيام الأسبوع فكانت سيارة الأسفار تبقى دون حركة. وكانت ~~البغال والحمير هي وسيلة الانتقال الوحيدة. # كان الناس في مجتمع قرية إيوس التقليدي يعملون من الصباح الباكر حتى غروب الشمس، فإذا ~~حل الظلام تناولوا العشاء على ضوء الشموع ومصابيح الكيروسين. وكان الأكثر ثراء من ~~القرويين يستخدمون المواقد الغازية للطهي، وكان الأقل ثراء يستخدمون كوانين (مواقد) ~~فحم نباتي. وكانت المياه الباردة تحمل إلى المنازل في صفائح وأسطال تملأ من صنابير ~~عامة في الشوارع. أما تسخين المياه فكان على أسطح التنانير. وكانت الملابس تغسل ~~يدويا خارج المنازل بلوح الغسيل في وعاء معدني. وكانت الأرضيات تنظف بالمقشات ~~والمماسح، فلم تكن الغسالات والثلاجات والمكانس الكهربائية والمواقد الغازية ~~ومكيفات الهواء وغسالات الصحون معروفة. وكان الطعام المعلب يباع في عدد قليل من ~~المتاجر العامة الصغيرة، ولكنه كان يبتاع من أجل المناسبات الخاصة فقط، ولم يكن الطعام ~~المجمد موجودا. # في هذا المجتمع التقليدي والسابق للصناعة إلى حد كبير، كان تقسيم العمل بين الرجال ~~والنساء صارما وشاملا؛ فالرجال يزرعون محاصيل الغلال ويرعون البساتين والكروم، ~~والرجال يربون الحيوانات ويبنون المنازل ويرممونها حين يكون ضروريا، والرجال ~~يتولون الأمور السياسية والوظائف الحكومية، والرجال يسافرون لكسب المال بالعمل على ~~السفن وفي المصانع والمطاعم. # أما النساء فيربين الأطفال ويعتنين بالمنزل. وترعى النساء حدائق الخضروات، وتشتري ~~الطعام وسائر المستلزمات المنزلية، ويحضرن كل الوجبات من مكونات نيئة غير ~~معالجة، ويغسلن الصحون ويكنسن الأرضيات ويمسحنها، ويخرجن الأبسطة ms235 وينفضن عنها ~~الغبار، ويغسلن الملابس يدويا ويرتقنها حين تبلى، ويرتبن الأسرة، ويغسلن ~~البياضات، ويغزلن الخيوط من القطن والصوف، ويحكن الجوارب والمعاطف، ويطلين المنازل، ~~ويرضعن المواليد ويحممنهم، ويطعمن الأطفال ويلبسنهم، ويرعين المريض والعاجز والمسن ~~في الأسرة، ولا يألون جهدا في الحفاظ على برودة منازلهن في الصيف ودفئها وجفافها في ~~الشتاء. # وكان الرجل أو المرأة من دون شريك من الجنس الآخر يصير مواطن درجة ثانية في مجتمع ~~الجزيرة؛ فالرجل بمفرده لم يكن لديه من يحمل أطفاله، ويعد طعامه، ويرتق ملابسه ~~ويغسلها، ويحافظ على نظافة منزله وترتيبه. والمرأة وحدها لا رجاء لها في عمل أو مصدر ~~ثابت بالمال أو الطعام أو الحماية. لذلك كانت حياة المرء بمفرده أمرا مستبعدا. وكان ~~الرجال والنساء غير المتزوجين يعيشون مع أبويهم المسنين أو أسر أقاربهم. ولم يكونوا ~~محرومين من منزل خاص بهم فقط، ولكن أيضا المكانة الاجتماعية والكرامة والاستقلال ~~الذاتي الذي كان يأتي معه. وكانت محنتهم الكبرى، في منظومة قيم ثقافة الجزيرة، أنهم لم ~~يكن لديهم أطفال ليجلبوا الفرحة والضحك في حياتهم، أو يعطونهم رؤية مستقبلية، أو ~~يدعمونهم ويقومون على رعايتهم عند الكبر. # ولما كنت آتيا من مجتمع مدني متطور حيث كانت التقنيات المنزلية أمرا شائعا، فلم ~~أدرك في البداية المكانة الفريدة التي احتلتها نساء هذه الجزيرة اليونانية في الحياة ~~اليومية؛ فالرجل دون زوجة في ذلك المجتمع التقليدي ليس إلا نصف إنسان. وحتى إن تحدى ~~العرف وحاول أداء «عمل النساء» بنفسه، فسيقع تحت ضغط شديد ليجد وقتا كافيا لفعل ذلك؛ ~~فنساء قرى هذه الجزيرة كن يقضين اليوم كله في أداء عدد لا يحصى من المهام اللازمة ~~للحفاظ على المنزل في حالة مقبولة. وعلاوة على الحفاظ على نظام المنزل كان يقع على ~~عاتق النساء الأصغر سنا عبء رعاية أطفالهن؛ من تحميمهم وإطعامهم وكسوتهم وحمايتهم ~~من الخطر. لم يكن ممكنا مطلقا أن يعيش الرجل حياة عادية من دون امرأة لترعى حاجاته ~~المنزلية، وكان الرجال البالغون القليلون الذين لم يتزوجوا مادة للشفقة، وفي بعض ~~الأحيان الاستهزاء. # لقد غيرت ميكنة متاع ms236 البيت في القرن العشرين ذلك كله؛ فالغسالات الكهربائية ~~والمجففات وغسالات الصحون أتاحت إنجاز كل مهمات الغسيل والتنظيف التي يحتاجها ~~المنزل في وقت أقل كثيرا عما كانت تستوجبه في عصور ما قبل الصناعة. والطعام المجمد ~~والطعام المحضر والطعام الجاهز والثلاجات ومواقد الغاز وأفران الميكروويف، وطائفة من ~~الأجهزة الكهربائية من الخلاطات البسيطة إلى محضرات الطعام المعقدة، كلها اختصرت ~~عملية إعداد الطعام في أعمال أبسط كثيرا يمكن إنجازها في نسبة ضئيلة من الوقت الذي ~~كانت تحتاجه سابقا. وتعتمد كل هذه التقنيات على توفر الطاقة الكهربائية. # ومع ازدهار فرص العمل للنساء - وتزايد قبول الرجال لأداء الأعمال المنزلية الروتينية ~~- صار خيارا واقعيا لكلا الجنسين أن يعيشوا بمفردهم، بل لقد صارت الأسرة المكونة ~~من شخص واحد هو أسلوب الحياة المفضل لثلاثين في المائة تقريبا من الأسر في أوروبا ~~والولايات المتحدة (تصل النسبة في السويد إلى 47 في المائة). وليس سائر العالم بمتخلف ~~كثيرا عن هذا الركب؛ فالأسرة المكونة من شخص واحد أكثر شيوعا في اليابان عنها في ~~الولايات المتحدة، لكن لم تتبن كل الأمم هذه الأسلوب المعيشي؛ فالهند التي ظلت فيها ~~الحياة الأسرية قوية وحيوية لا تتعدى نسبة الأسر المكونة من شخص واحد ثلاثة في ~~المائة. # لا يمكن لأحد أن يجادل بأنه سيكون من الأفضل العودة إلى ظروف الماضي، حين كان ~~الرجال والنساء يعتمد بعضهم على بعض اعتمادا كاملا، حتى إنهم لم يكونوا قادرين أن ~~يعيشوا حياة مقبولة من دون زوج، أو حين كانت النساء يقضين الجزء الأكبر من حياتهن في ~~الطهي والتنظيف وتربية الأطفال. لكن من المفارقات أن الأجهزة الشديدة التوفير للجهد ~~التي اقتنتها الشعوب المعاصرة لجعل عمل المرأة أخف وأسهل كان لها أثر حرمان النساء ~~من مكانتهن الضرورية التي تمتعن بها في علاقاتهن مع الرجال في المجتمع بوجه عام. ~~وفي الوقت ذاته كان من آثار بدء ما يسمى بمجتمع العمل أنه زاد من أهمية الدور ~~الاقتصادي للرجل، الذي كان في الأصل العضو الوحيد في الأسرة الذي لديه حرية مزاولة عمل ~~مدر للربح. # كان من ms237 النتائج المباشرة لظهور الأجهزة المنزلية - والتحول التام للأهمية ~~الاقتصادية للأطفال من كونهم أصولا اقتصادية إلى أعباء اقتصادية - أن تقلص إلى ~~حد خطير الدور المهم السابق الذي كانت تضطلع به النساء حين كن حاملات الأطفال ~~وراعيات البيوت. خلال السنوات الأولى من القرن العشرين لم تتعد ميكنة المنزل ظهور ~~تقنيات التنظيف الآلي مثل الغسالات والمكانس الكهربائية. وطوال سنوات الكساد الكبير ~~والحرب العالمية الثانية، أدت البطالة الهائلة والتجنيد الإلزامي إلى عدم قدرة عدد ~~كبير من الرجال على إعالة أسرهم على نحو كاف. وكان هذا هو الوقت الذي بدأت فيه النساء ~~لأول مرة العمل خارج المنزل بأعداد كبيرة، وقد وجد العديد من النساء في التجربة ~~تمكينا وتحريرا. # لكن حين وضعت الحرب أوزارها عاد الرجال إلى وظائفهم، وحين غادرت النساء وظائفهن ~~وعدن إلى رعاية المنزل وتربية الأطفال، هبطت مكانة المرأة ومنزلة عمل المرأة إلى أدنى ~~مستوياتهما تاريخيا. لهذا السبب بدءا من منتصف القرن العشرين، حين بلغت ميكنة متاع ~~المنزل أوجها، لكن قبل أن يعد من المقبول أن تعمل النساء المتزوجات ذوات الأطفال ~~للحصول على مرتبات في وظائف بدوام كامل؛ بدأت نساء العالم الحديث يخضن أزمة وجودية ~~تتعلق بمكانتهن وكبريائهن ما زالت مستمرة حتى اليوم. # في مجتمعات الصيد وجمع الثمار في الزمن الماضي، لم تكن النساء فقط يجمعن الحطب ويطهين ~~الطعام، ولكنهن أيضا كن يجلبن أغلب الغذاء النباتي الذي لم تكن الجماعة ككل تستطيع ~~الحياة بدونه. وكان ذلك يجعل الرجال البالغين قادرين على قضاء النهار في صيد مؤن اللحم ~~الذي يعادله في الأهمية. وفي المجتمعات الزراعية لم تعمل النساء في الحدائق ويتولين ~~كل أعمال الطهي والتنظيف والغسيل فحسب، لكنهن كن أيضا يحملن ويربين الأطفال الذين ~~يجلبون الثروة والمكانة والأمل بضمان المستقبل للأسرة ككل. # لكن في المجتمع الصناعي الحديث بات العمل الوحيد الذي لا يستغنى عنه بحق هو كسب ~~المال من خلال وظيفة مدرة للربح. ولأنها كانت في البداية «عملا رجاليا» خلال ~~العقود الأولى من التحول نحو الصناعة، فقد هيمن الرجال قديما على هذا القطاع، ~~وما زالوا ms238 يتمتعون بحظوة كبيرة على النساء في الوظائف. في الوقت نفسه فقدت أهمية النساء ~~باعتبارهن حاملات الأطفال الكثير من حيثيتها السابقة؛ فقد صارت شعوب العالم ~~المتقدم على نحو متزايد لا تعتمد فقط على أبنائها، ولكن أيضا على استثماراتها ~~ومعاشاتها ومدفوعات الضمان الاجتماعي وسياسات التأمين الصحي لتوفر لهم الضمان ~~الاقتصادي في شيخوختهم. # باختصار، قاست نساء العصر الحديث من الجمود الثقافي؛ ويقصد بذلك نزوع ثقافة ما إلى ~~الاحتفاظ بالقيم والتقاليد التي صارت بالية بسبب تغييرات أخرى في المجتمع. فمن ناحية، ~~ما زال ينتظر من النساء أداء أغلب الأعمال المتعلقة بالطهي والتنظيف والحفاظ على ~~ترتيب المنزل وتنشئة الأطفال، لكن من ناحية أخرى فقدت هذه المهام الكثير من أهميتها ~~السابقة لكل من أزواجهن والمجتمع. # ونتيجة لحصارهن بين الدور التقليدي الذي لم يعد لازما ولم يعد يحظى بالاحترام كما ~~كان فيما مضى ودور غير تقليدي هن فيه مستجدات ومنافسات غير مرحب بهن في أحيان ~~كثيرة، تكافح نساء العصر الحديث ليجدن القبول الاجتماعي والاحترام الذاتي اللذين لم ~~يفقدهما جنس الذكور قط، وما زال أغلب الرجال يتمتعون بهما كأمر مسلم به. غير أن ~~قدوم التقنية الرقمية، كما سنرى في الفصل التالي، وضعت التحديات في طريق الدور التقليدي ~~للرجال البالغين أكثر من أي تحول سابق، وأضعفت مكانتهم بطرق لم يتوقعها قط مخترعو ~~أول أجهزة كمبيوتر. # الحب والجنس والزواج في المجتمع الصناعي # لما صارت وراثة الأرض الزراعية لا تمس حياة المواطن العادي في العصر الحديث، لم ~~يعد مهما للآباء ترتيب زيجات أبنائهم وورثتهم؛ فنادرا ما يتزوج الناس في العصر ~~الحديث لتقوية الأواصر الاقتصادية بين الأسر. وحيث إن عرف الزواج المدبر القديم ~~المعد سلفا عفا عليه الزمن فعليا، فقد تغيرت تطلعات الحياة الزوجية تغيرا ~~جذريا. ونتيجة لهذه التغيرات صار المبدأ الجديد «الزواج بدافع الحب» (القديم جدا في ~~الواقع) هو السبب الرئيسي للزواج لدى الناس في المجتمع المعاصر. # مع انتقال شعوب العصر الحديث من المزارع إلى المدن، لم يعد الأطفال في وضع يسمح ~~لهم بالمشاركة جديا في تحقيق الثراء للأسرة. ولما صار ms239 الدعم المالي لكبار السن ~~تدريجيا من مسئوليات الحكومة في أنحاء العالم الصناعي، فقد الأطفال أهميتهم حتى ~~باعتبارهم مصدر أمان لذويهم في شيخوختهم. ولما صار الأطفال في المجتمع المدني الحديث ~~عبئا اقتصاديا على عاتق أسرهم، فليس من العجيب تقلص حجم الأسر مع كل جيل بعد ~~التوسع في الحياة المدنية، واختيار العديد من المتزوجين عدم الإنجاب على ~~الإطلاق. # بدلا من اعتبار الزواج وسيلة لغاية اقتصادية، غدا الشباب في العالم المتقدم ~~يعدون الزواج سبيلا للصحبة والإشباع الجنسي. ومع تزايد اختيار الناس في العصر الحديث ~~لأقرانهم على أساس الانجذاب الجسدي والانسجام العاطفي، سريعا ما فقدت القيم التقليدية ~~للعفة قبل الزواج والعذرية عند الزواج جاذبيتها، لا سيما في المجتمع الغربي. # الاستقلال والحرية الشخصية اللذان جاءا مع ظهور السيارة والحفاظ على سرية الهوية في ~~الحياة المدنية وفرا للشباب فرصا غير مسبوقة للخصوصية، وهجرت بدرجة كبيرة العادة ~~التقليدية التي كانت تقتضي توفير مرافق لكل تواصل شخصي بين الشباب من الرجال والسيدات، ~~بل صار يتوقع من الشباب في المجتمع الحديث بوجه عام الاشتراك في نوع من التواصل ~~الجنسي عند التصاحب كجزء من حياتهم الاجتماعية الطبيعية، وصار من المقبول على نحو ~~متصاعد في أنحاء العالم المتقدم أن يعيش البالغون من كل الأعمار في حرية جنسية كاملة ~~دون ميزة الوضع القانوني للزواج. وفي عام 2013م كان 75 في المائة من النساء الأمريكيات ~~يعشن مع رفيق دون زواج عند بلوغهن سن الثلاثين. # وقد ضاعف بشدة ظهور وسائل فعالة لمنع الحمل تقبل المجتمع الحديث لهذا ~~الارتفاع العام في الحرية الجنسية؛ إذ حررت كلا الجنسين من مجازفة وقوع حمل غير مرغوب ~~فيه عند ممارسة الجنس. هكذا أحدثت التوليفة القوية بين مبادئ الزواج الجديدة بدافع ~~الحب، والمعايير الحديثة للحرية الاجتماعية والجنسية للرفاق غير المتزوجين، وظهور ~~وسائل منع حمل مضمونة التأثير، تحولا في القيم الجنسية لدى المجتمع الحديث؛ إذ الغرائز ~~الجنسية البشرية القديمة عادت إلى إثبات نفسها، وهي في حد ذاتها نتاج ملايين السنين من ~~التطور. # في الواقع لم تكن مؤسسة الزواج التقليدية التي ورثناها ms240 عن المجتمعات القديمة مصممة ~~لتوفير الحميمية أو الصحبة أو الانجذاب المتبادل أو الإشباع الجنسي؛ فقد تطور الزواج ~~التقليدي لدى المجتمعات الزراعية كطريقة لإقامة شراكات مدى الحياة، وإنشاء أواصر ذات ~~فوائد اقتصادية متبادلة بين الأسر، وتحقيق أقصى درجة من الاستقرار في ملكية الأرض لدى ~~المجتمع الزراعي. وقد تحققت هذه الأهداف عن طريق مجموعة من الأعراف التي جعلت كلا ~~من الرجال والنساء معتمدا بعضهم على بعض اجتماعيا واقتصاديا ونفسيا. هذه ~~الأعراف - وليس استمرار العاطفة أو الانجذاب المتبادل - هي ما كان يضمن استمرارية ~~الزواج. # بيد أنه منذ صارت فكرة الزواج من أجل الحب هي المعيار لدى المجتمع الحديث، أصبح ~~الرجال والنساء يتطلعون إلى الاستمرار الأبدي للحميمية والصحبة والانجذاب المتبادل ~~والإشباع الجنسي الذي دائما ما يصاحب العلاقات الجديدة، وحين تختفي هذه المزايا، كما ~~يحدث كثيرا مع مرور السنوات، تعظم مشاعر المرارة وخيبة الأمل. # في مجتمعات الصيد وجمع الثمار التي عمت حياة البشر حتى عشرة آلاف عام مضت، كانت ~~العلاقات بين الرجال والنساء عابرة تماما، وفي أغلب الحالات حين كانت تصبح هذه ~~العلاقات غير مشبعة لهم كانوا يقطعونها بالأسلوب العابر نفسه. في أغلب مجتمعات الصيد ~~وجمع الثمار، كما ذكرنا في الفصل السادس، كان من المألوف أن يكون للمراهقين علاقات ~~جنسية متعددة، وكان الزواج الأحادي في أكثر الحالات يحل محل تعدد العلاقات ~~الجنسية المتعددة بعد سنوات من العلاقات الجنسية العابرة. ولم يكن الطلاق في هذه ~~المجتمعات يعدو انتقال أحد الزوجين من منزلهما المشترك، الذي لم يكن على أي حال إلا ~~مسكنا مؤقتا سيهدم أو يهجر حين تنتقل الجماعة بحثا عن موارد جديدة ~~للغذاء. # في مجتمعات الصيد وجمع الثمار كان الأطفال عادة لا «ينتمون» إلى الوالدين، وإنما ~~إلى العشيرة أو أسرة الأم أو الأب، على حسب ما إذا كان المجتمع أمومي النسب (حيث ~~ينتمي الشخص إلى عشيرة أمه ويرث هويته من نسب الأنثى) أو أبوي النسب (حيث ينتمي ~~الشخص إلى عشيرة الأب ويرث هويته من نسب الذكر). ولم يكن الأب والأم ينتميان للعشيرة ~~نفسها إلا فيما ندر؛ ms241 لأن الصيادين وجامعي الثمار كانوا عادة ما يعدون أي علاقة جنسية ~~بين أعضاء العشيرة نفسها نوعا من سفاح القربى، وكانت مثل هذه العلاقات محظورة بشدة. ~~وعلى هذا النحو لم تكن وحدة العشيرة تتأثر بالعلاقات الجنسية لأعضائها، ولا تتهدد إن ~~انتهت إحدى هذه العلاقات. # خلاصة القول، صار ما يسمى الأسرة التقليدية واستمرارها المفترض مدى الحياة بالية ~~تماما بعد مدنية المجتمع البشري الذي جعلته تقنية الآلات الدقيقة التقنية ممكنا، وصار ~~الزواج المعد سلفا شيئا من الماضي، وحلت التكاليف الاقتصادية المرتفعة محل ~~المزايا الاقتصادية لإنجاب الأطفال، وتراخى الاتكال الاقتصادي والاجتماعي المتبادل بين ~~الرجال والنساء بدرجة كبيرة، ولم يفقد الحفاظ على العذرية في سن المراهقة وحده أغلب أو ~~كل ما كان يلحق به من وصمة اجتماعية، وإنما كذلك المحظورات التقليدية لإقامة علاقات ~~قبل الزواج أو خارج إطار الزواج. # غير أن الأسرة البشرية ما زالت باقية، وستظل باقية؛ فسيظل الرجال والنساء يقيمون ~~علاقات جنسية، وسيستمرون في إنجاب الأطفال. أما أولئك الذين لا يميلون إلى التناسل ~~فلن ينقلوا سواء نزعاتهم البيولوجية الموروثة أو ميولهم الثقافية المكتسبة للأجيال ~~المستقبلية. ورغم اندثار «الأسرة التقليدية» فإن الأسرة البشرية لم تندثر؛ فطبيعتنا ~~البشرية الفطرية التي هي نتاج ملايين السنين من التطور البشري تؤكد أن الأسرة البشرية ~~ستبقى ما دام نوعنا باقيا. # غرباء عن الكون الطبيعي # مع تمام ازدهار المجتمع الصناعي توقف أغلب البشر عن امتلاك الغذاء أو إنتاجه ~~لأنفسهم؛ فقد ظلوا لأجيال ينتقلون بعيدا عن المزارع التي امتلكتها أسرهم وعاشت فيها ~~أجيالا، واستقروا في المدن للعمل كموظفين مقابل رواتب لدى أغراب. ولأول مرة في تاريخ ~~البشر بزغ مجتمع بشري تعمل نسبة ضئيلة فقط منه في إنتاج الغذاء، بينما يمارس غالبية ~~السكان عملا لا دخل له بالعثور على الغذاء أو إنتاجه. # في عام 1870م كان ما بين 70٪ إلى 80٪ من سكان الولايات المتحدة الأمريكية ما زالوا ~~يعيشون في المزارع ويعملون بها، لكن بحلول عام 2010م انخفضت هذه النسبة إلى واحد في ~~المائة من السكان، إلا أنه نتيجة لميكنة الزراعة التي صارت ممكنة ms242 بفضل محرك الاحتراق ~~الداخلي، تنتج نسبة الواحد في المائة من العاملين الزراعيين الباقية في الولايات ~~المتحدة الأمريكية غذاء أكثر مما تستهلكه نسبة التسع والتسعين في المائة المتبقية من ~~السكان. # قبل القرن العشرين كان أغلب الناس يستيقظون على أصوات الديوك والطيور البرية، وفي ~~الليل كانت الحقول والمراعي يضيئها ضوء القمر وحده، وحين كانوا يخرجون من منازلهم في ~~الصباح كانت أنوفهم تمتلئ بروائح الحيوانات والسماد والقش والغلال والرائحة الطيبة ~~للمراعي، وكانوا طوال حياتهم تحيط بهم الكلاب والقطط والخيول والأبقار والخنازير ~~والغنم والماعز وطائفة من الطيور والحيوانات الأخرى. # يكاد سكان المدن في القرن الحادي والعشرين لا يجربون أيا من تلك الأمور؛ فغالبا ~~ما يستيقظون على صوت المنبه، وليلهم تضيئه مصابيح الشوارع، وحين يخرجون صباحا تمتلئ ~~أنوفهم بعوادم السيارات والشاحنات والحافلات والقطارات، وطوال حياتهم اليومية تحيط بهم ~~الآلات: السيارات والكمبيوتر والهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز والمذياع والمواقد ~~والثلاجات والغسالات والمكانس الكهربائية والعديد من الأجهزة الإلكترونية. ويظل البشر ~~هم النوع الوحيد الذي يتواصلون معه بصورة منتظمة ما لم يكن لديهم حيوان أو طائر ~~أليف. # 8 # وحيث إن تحولا قد حدث في الزراعة بفضل انتشار الآلات الزراعية واندماج ملايين ~~المزارع العائلية الصغيرة في عدد صغير من المزارع الصناعية الضخمة، # 9 # فإنه حتى حياة عامل المزرعة العادي فقدت ما اعتادت أن تمتاز به من بساطة ~~وتنوع؛ فسواء كان عامل المزرعة النموذجي جالسا لساعات متواصلة في مقصورة مكيفة ~~الهواء داخل إحدى الآلات الزراعية الضخمة، أعلى حقول الذرة والقمح وفول الصويا والبرسيم ~~الشاسعة، أو منحنيا لساعات متتالية بين صفوف لا تنتهي من الطماطم أو الفراولة، فهو ~~يقضي يومه كله بصورة متصاعدة في أعمال متكررة رتيبة من النوعية التي كانت مقصورة ~~على عامل المصنع في الحضر في أحد خطوط التجميع. # هكذا مع تزايد تحضرها تفقد الإنسانية علاقتها الحميمة مع البيئة التي اتسمت بها ~~حياة البشر طوال تاريخ نوعنا تقريبا. وبينما بلغت عملية التحضر هذه أقصى مداها في أغلب ~~الأمم المتقدمة، لم يتخلف باقي العالم كثيرا عن الركب؛ فمنذ زمن قريب وتحديدا ms243 في ~~عام 1950م كان نحو 70 في المائة من سكان العالم ما زالوا يعيشون في مجتمعات ريفية، ~~بينما كان 30 في المائة فقط يعيشون في مدن. أما الآن فيكاد عدد سكان الريف وعدد سكان ~~الحضر يتساويان. وبقدوم عام 2050م ستنعكس هاتان النسبتان تماما؛ سيعيش نحو 70 في ~~المائة من سكان العالم في المدن، بينما سيعيش 30 في المائة في الريف. # بالمعدل الحالي ستكون الغالبية العظمى من البشر من ساكني الحضر مع نهاية هذا القرن، ~~وسيكون اتصالهم بالبيئات الطبيعية التي تطور فيها كل أشباه البشر محدودا. ولا يسعنا ~~سوى تخمين ما سيكون لهذه الخسارة غير المسبوقة للاتصال بين البشرية والطبيعة من تأثير ~~على رؤية الأجيال القادمة للعالم. # عالم من الموظفين # قد يكون أعمق تغيير وقع في حياة البشر مع التحول إلى مجتمع صناعي هو الاختفاء العام ~~للنشاط البشري القديم المتمثل في البحث عن الغذاء وإنتاجه، والاستعاضة شبه التامة ~~عنه بالعمل في وظيفة مقابل كسب النقود. قبل عام 1800م كان جزء صغير فقط من سكان الأرض ~~من البشر يعملون في وظائف من أجل الحصول على أجر. وبعيدا عن الحكام بالوراثة كان أغلب ~~الناس مزارعين، وكان البقية تجارا وحرفيين ومهنيين مثقفين وموظفين حكوميين وجنودا ~~ورجال دين، لكن مع انتشار المصانع والمكاتب في القرنين التاسع عشر والعشرين أصبح العمل ~~مقابل أجر أكثر أشكال العمل شيوعا في مجتمع العمل الجديد. # يمكننا أن نسلم بأن الناس يحتاجون لوظائف، وأن رفاهية مجتمعنا مرهونة بتوفر وظائف ~~جيدة الدخل، لكن تظل حقيقة أن المجتمع الذي يتكون بأكمله تقريبا من أشخاص يعملون تحت ~~توجيه أشخاص آخرين - الذين يمدونهم بدورهم بمورد منتظم من المال - هو ظاهرة جديدة ~~تماما في تاريخ البشر. وتظل منظومة القيم والتقاليد التي أفرزتها الثقافات الحديثة ~~لمعالجة المشكلات الاجتماعية والنفسية التي خلقها مجتمع العمل غير مكتملة وفي مرحلة ~~التبلور. # يقضي الأجير عادة الجزء الأكبر من كل يوم عمل في تأدية مهام تحت رقابة وإشراف صاحب ~~العمل، وغالبا ما تكون هذه المهام ضعيفة الصلة أو لا صلة لها باهتمامات ms244 الأجير الشخصية ~~أو علاقاته بالآخرين. وإذا قصر في أداء المهام المسندة إليه حسب المعايير التي وضعها ~~صاحب العمل، فالعقوبة ستكون نقدا أو تهديدا بالإقالة أو - إذا كان التقصير كبيرا - ~~فسخ عقد العمل. وحيث إن كل أجير يعتمد على استمرارية العمل لتوفير كل البضائع والخدمات ~~التي يحتاجها من أجل الدعم المادي والراحة والأمان، فالتهديد بالإقالة يمثل احتمالا ~~مخيفا، وإنهاء عقد العمل من الممكن أن يكون من أكثر تجارب الحياة الحديثة ~~إيلاما. # من ثم ليس من المستغرب أن يعاني الناس في المجتمع الحديث من مستويات من القلق ~~والاكتئاب والشك الذاتي تفوق بكثير أي شيء لاحظه اختصاصيو علم الإنسان الذين درسوا ~~ثقافات عصور ما قبل الصناعة، سواء الصياديون وجامعو الثمار أو الزراعيون. إنها ~~بالتأكيد واحدة من أكبر مفارقات تاريخ البشر أن تطور الحياة الحديثة بكل سبل الأمن ~~والأمان والراحة والترفيه، قد اجتاحه وباء غير مسبوق في تاريخ النوع البشري من ~~اضطرابات التغذية ومرض القلب والأرق وإدمان المخدرات والعصاب والذهان والسخط ~~المرضي. ~~••• # في الوقت ذاته الذي تنتشر فيه سريعا آثار الميكنة والتمدن وتوظيف المجتمع وتراجع ~~القيم التقليدية بين الجماعات البشرية كافة، يختمر تحول جديد. وقد تقزم التغيرات ~~التي سيجلبها في حياة البشر حتى التغيرات الضخمة التي وقعت بالفعل منذ ظهور الآلات ~~الدقيقة. # هذا التحول الأخير، الناجم عن اختراع التقنية الرقمية، يحتمل أن يحل محل كل أشكال ~~العمل البشري - البدني منها والذهني - بآلات لا تشتكي قط، ولا تعصي، ولا تحتاج طعاما ~~أو ماء أو نوما أو راحة، ولا تطلب أجرا. لقد زاد عدد سكان الأرض بدرجة كبيرة، حتى ~~إنه لم يعد ممكنا أن يعود البشر إلى الصيد أو جمع الثمار أو زراعة غذائهم. إذن ما نوع ~~العالم الذي سنقبل عليه؟ هذه هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عليها في الفصل التالي ~~من هذا الكتاب. # الفصل التاسع # | تقنية المعلومات الرقمية # الشبكة العنكبوتية العالمية للتواصل البشري # ليست قدرة الإنسان على التعلم بأكثر صفاته بشرية؛ إذ يتشارك فيها مع عدة أنواع أخرى، ~~وإنما أكثر ما يميزه كبشر قدرته على ms245 تعليم وتخزين ما ابتكره الآخرون وعلموه ~~إياه. # مارجريت ميد، «الثقافة والالتزام» # في عام 1822م صمم عالم الرياضيات والمهندس والمخترع البريطاني تشارلز بابيج آلة يمكنها ~~أداء حسابات لوغاريتمية ومثلثية معقدة استخدمها بحارة ومهندسون وعلماء، وكانت الآلة ~~قادرة على فعل هذا دون احتمالية وقوع خطأ. أسمى بابيج اختراعه محرك فرق، وقد صنع بالكامل ~~من آليات دقيقة، بآلاف العجلات وأعمدة التدوير والتروس لكن من دون أجزاء كهربائية. والسبب ~~بسيط؛ إذ ستمضي سنوات قبل أن ينجح مايكل فاراداي وآخرون في صنع أول محركات كهربائية. حتى ~~ذاك الوقت لم يكن متاحا مصدر ميسور التكلفة ومضمون للطاقة الكهربائية، ولم يكن قد ~~اخترع بعد أي من المرحلات والصمامات المفرغة وسائر المكونات الكهربائية اللازمة لصنع ~~حاسب إلكتروني. # كان محرك الفرق مشروعا عملاقا؛ فقد بلغ ارتفاعه ثماني أقدام، وتكون من خمسة وعشرين ~~ألف قطعة معدنية، وبلغ وزنه نحو خمسة عشر طنا. في عام 1823م عين بابيج المهندس ~~البريطاني المرموق جوزيف كليمنت لصنع محرك الفرق، لكن بعد سنوات عديدة من الجهد لم يكتمل ~~سوى جزء من العمل على صنع الجهاز؛ إذ تشاجر بابيج وكليمنت حول تكلفة العمل، وبعد ثماني ~~سنوات من بدء المشروع انفصل كل منهما عن الآخر. كانت الحكومة البريطانية حينذاك قد أنفقت ~~17000 جنيه إسترليني على محرك فرق بابيج، وهو ما كان يعادل تكلفة اثنتين وعشرين قاطرة ~~بخارية جديدة في تلك الأيام. # غير أن هذا لم يوهن عزيمة بابيج؛ فأقدم على تصميم آلة حاسبة أكثر تعقيدا أسماها ~~المحرك التحليلي، وتعرف بوجه عام بأنها أول كمبيوتر حقيقي في العالم. فعلى عكس محرك ~~الفرق، الذي كان قادرا على الحسابات الرياضية فقط، ضم المحرك التحليلي أغلب الوظائف ~~الأساسية التي تعد ضرورية في أجهزة الكمبيوتر الحديثة اليوم؛ فقد كان يمكن برمجته ~~باستخدام بطاقات مثقوبة، وكان يستطيع تخزين معلومات في شكل ذاكرة، وكان قادرا على منطق ~~التفريع. لكن لو أن المحرك التحليلي كان قد صنع لصار ضخما لدرجة يستعصي معها تشغيله ~~بطاقة البشر؛ لذلك خطط بابيج لاستخدام محرك بخاري لتشغيل آلاف عجلات وتروس ms246 المحرك ~~التحليلي (انظر شكل # 9-1 ~~). # شكل 9-1: كان «محرك فرق» تشارلز بابيج أكثر الآلات الحاسبة تطورا في زمنه. وقد ~~صممت هذه النسخة عام 1849م، وبنيت في متحف لندن للعلوم عام 1989م. ~~(الصورة مصرح بنشرها بموجب رخصة جنو للوثائق الحرة إصدار 1,2 ورخصة المشاع ~~الإبداعي غير الموطن الإصدار 3,0 التي تقتضي نسب المصنف لصاحبه والترخيص ~~بالمثل.) # لكن للأسف لم يصنع أي من محرك الفرق أو المحرك التحليلي قط في حياة بابيج، إلا أن ~~متحف العلوم في لندن نفذ فكرته أخيرا عام 1949م، باستخدام مجموعة من الرسوم التي وضعها ~~بابيج عام 1889م من أجل صورة محسنة من محرك الفرق. وقد اشتغل محرك الفرق الخاص ببابيج على ~~أفضل نحو؛ لينتهي بهذا قرن من التكهنات عما إن كانت آلاته العجيبة قادرة فعليا على أداء ~~العمل المرجو منها أم لا. وفي عام 2010م أطلق مهندس البرمجيات البريطاني جون جراهام كامينج ~~حملة لجمع مائة ألف جنيه إسترليني من العامة، وصنع نموذجا عمليا للمحرك التحليلي من ~~أجل الذكرى المائة والخمسين لوفاة بابيج في أكتوبر عام 2021م. لكن لا بد من تصميم نموذج على ~~الكمبيوتر أولا، وحتى وقت كتابة هذه السطور لم يكن التنفيذ قد بدأ فعليا بعد. # 1 # رغم أن أجهزة الكمبيوتر الآلية الخاصة ببابيج لم تكن قادرة قط على أداء عمل نافع، فإن ~~مبدأه المتعلق باستخدام الآلات لأداء حسابات رياضية شديدة التعقيد على نحو يستعصي على ~~البشر أداؤها دون أخطاء، كان في حد ذاته حدثا عظيم الأهمية؛ فقد حرر بابيج ومعاصروه ~~البشرية من قصور العقل البشري كوسيلة حسابية، وبدءوا عصرا جديدا قائما على تقنية جديدة ~~جذريا لمعالجة المعلومات. # آلات قادرة على التفكير # في عام 1890م واجه مكتب الإحصاء بالولايات المتحدة مشكلة لوجيستية خطيرة؛ فنتيجة ~~للنمو السريع في عدد سكان الولايات المتحدة كانت جدولة البيانات التي جمعت في الإحصاء ~~تستغرق وقتا طويلا، حتى إنه بحلول وقت نشر النتائج كان الإحصاء يصير قديما على نحو ~~لا يجدي نفعا؛ فلم تصبح نتائج إحصاء عام 1880م التي جدولت يدويا جاهزة ms247 للنشر حتى ~~عام 1888م. وتوقع مكتب الإحصاء أنه في حال استمرار الجدولة يدويا لن تكون نتائج ~~إحصاء 1890م الأكبر حجما والأكثر تعقيدا متاحة قبل ثلاثة عشر عاما. وهذا سيؤجل ~~نشر إحصاء عام 1890م حتى عام 1903م، بعد ثلاث سنوات من إتمام الإحصاء التالي الذي ~~سيجرى عام 1900م. لذلك كان مكتب الإحصاء بحاجة لآلة قادرة على أداء كم هائل من ~~الحسابات الرياضية على نحو أسرع وأدق وأكثر موثوقية من التي يستطيع أي عدد من الأدمغة ~~البشرية أداؤه. # في محاولة جريئة لحل مشكلة مكتب الإحصاء، صنع المهندس الأمريكي هيرمان هوليريث حاسبة ~~جدولة تستخدم آلة تثقيب في صنع رزم من البطاقات المثقوبة تستطيع آلته قراءتها ~~أوتوماتيكيا. أثارت آلة هوليريث ضجة حين نجحت في جدولة نتائج إحصاء عام 1890م في عام ~~واحد. هكذا أقدم هوليريث على إنشاء شركة «تابيوليتنج ماشين كومباني»، وأخذ يؤجر آلاته ~~للدول في أنحاء أوروبا لجدولة إحصاءاتها. وفي عام 1911م اندمجت شركة «تابيوليتنج ماشين ~~كومباني» مع ثلاث شركات أخرى، وفي عام 1924م تغير اسمها إلى «إنترناشونال بيزنس ماشين ~~كومباني»، المشهورة باسم «آي بي إم». # كانت آلات هوليريث جميعها أجهزة ميكانيكية ذات حافظات ذاكرة آلية. ورغم أن المهندس ~~الألماني كونراد تسوزه صنع كمبيوترا قابلا تماما للبرمجة في مرحلة مبكرة عام 1939م، ~~إلا أن حساباته كانت تؤدى عن طريق مرحلات كهروميكانيكية، وكان نظام ذاكرته ما زال ذا ~~طبيعة آلية. ولم يبدأ عصر الكمبيوتر الكهربائي كلية حتى عام 1946م، مع إزاحة الستار عن ~~المكامل والحاسوب الرقمي الإلكتروني، أو إنياك، الذي ركب في جامعة بنسلفانيا سرا ~~أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل الجيش الأمريكي. # عوضا عن المرحلات الآلية كان إنياك ينفذ عملياته الحسابية عن طريق آلاف الصمامات ~~المفرغة، الشبيهة بتلك التي كانت تشغل أجهزة المذياع والتلفزيون والأجهزة الإلكترونية ~~الأخرى خلال منتصف القرن العشرين. كان إنياك يحتوي على أكثر من سبعة عشر ألف صمام مفرغ، ~~وكان يزن ثلاثين طنا، وعرضه ثلاث أقدام، وارتفاعه ثماني أقدام، وامتداده مائة قدم. ~~وكان أسرع مائة مرة من أفضل أجهزة الكمبيوتر ms248 الكهروميكانيكية في زمانه. # ورغم أن جهاز إنياك ظل مستخدما حتى عام 1955م، فإن تقنية الصمامات المفرغة الخاصة ~~به شكلت مشكلات عويصة؛ فقد كان الصمام المفرغ مصمما بنفس المبادئ الأساسية للمبة ~~الكهربائية؛ أنبوب زجاجي، مفرغ الهواء، يحتوي على فتيل معدني يسخن حتى يتوهج عند مرور ~~التيار الكهربائي فيه. لكن آلاف الصمامات المفرغة، بآلاف الفتائل المتوهجة، كان ينتج ~~عنها حرارة شديدة، وعند تشغيل هذه الصمامات وفصلها يوميا كانت هذه الحالات المتناوبة ~~بين التسخين والتبريد تولد ضغوطا تؤدي إلى تعطل بعض هذه الآليات الدقيقة أو تلفها في ~~نهاية الأمر، بل في الواقع كان من المألوف مع التشغيل كل يوم أن يتعطل العديد من صمامات ~~جهاز إنياك المفرغة، تاركة آلة التفكير الضخمة غير قادرة على العمل حتى تحديد موقع ~~الصمامات المعطلة وتبديلها، وهي عملية قد تستغرق عدة ساعات. # وبمرور السنين صممت شركة «ريمينجتون راند كوربوريشن» كمبيوتر صمامات مفرغة أكثر ~~تطورا، وهو الحاسب الآلي العام الأغراض أو يونيفاك، وأنتجته من أجل السوق التجارية، ~~وصار متوافرا في السوق في عام 1951م. كان يونيفاك يزن ثمانية أطنان، وفي حجم مرأب ~~صغير، وسعر الواحد منه مليون دولار. ورغم أن قدرته الحاسوبية كانت ضئيلة قياسا ~~بمعاييرنا الحالية، فإن ثمة حدثا غريبا ارتبط بجهاز يونيفاك شكل نقطة تحول في ~~قبول الجمهور لمثل هذه الآلات الجديدة الرائعة. # ففي عام 1952م، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين مرشح الحزب ~~الديمقراطي أدلاي ستيفنسون، ومرشح الحزب الجمهوري دوايت أيزنهاور، اقترحت شركة ~~«ريمينجتون راند كوربوريشن» على شبكة «سي بي إس نيوز» فكرة جديدة تتمثل في استخدام ~~يونيفاك في بث تلفزيوني مباشر للتنبؤ بنتيجة الانتخابات أثناء تلقي النتائج من ~~مواقع الاقتراع. ورغم أن مذيع شبكة «سي بي إس» وولتر كرونكيت، ورئيس تحريرها سيج ~~ميكلسون، كانا متشككين، فإنهما ارتأيا أنه على الأقل سيكون في تقديم «عقل إلكتروني» ~~تحليلا لتقارير الانتخابات عند صدورها بعض الترفيه. ومع اقتراب يوم الانتخابات كانت ~~أغلب استطلاعات الرأي غير قاطعة في توقعاتها ما بين فوز ساحق لستيفنسون وتساو في عدد ~~الأصوات، لكن الإجماع ms249 العام كان على فوز ستيفنسون بالانتخابات (انظر شكل # 9-2 ~~). # شكل 9-2: اليونيفاك نموذج 1103، الذي صمم لإجراء العمليات الحسابية العلمية، ~~والذي أعلنت عنه «ريمنجتون راند كوربورشن» في فبراير عام 1953م. # عند غلق صناديق الاقتراع وبدء صدور تقارير الانتخابات، غذي بها جهاز يونيفاك عن طريق ~~مبرقة كاتبة. ومما أثار دهشة الجميع أن يونيفاك تنبأ في الساعة الثامنة والنصف من ~~مساء يوم الانتخابات أن أيزنهاور سيفوز فوزا ساحقا، وأنه سيحصد 438 صوتا انتخابيا ~~مقابل 93 صوتا لستيفنسون. الخلاصة أن يونيفاك جعل احتمال فوز أيزنهاور بالرئاسة مائة ~~إلى واحد، وقد بدا هذا التنبؤ مستبعدا جدا وغير متفق مع الاعتقاد السائد، حتى إن ~~شبكة «سي بي إس نيوز» قررت ألا تذيعه. لاحقا بعد عدة دقائق بدا أن يونيفاك قد غير ~~رأيه فجأة، وفي الساعة التاسعة بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة أعلن مراسل «سي بي ~~إس» تشارلز كولينجوود أن «العقل الآلي» أعطى أيزنهاور احتمال ثمانية إلى سبعة فقط ~~بالفوز. # إلا أن ما بدا أنه تغيير في رأي يونيفاك كان نتيجة لخطأ كبير حدث أثناء إدخال ~~البيانات. وعند تصحيح الخطأ عاد يونيفاك إلى احتمال مائة إلى واحد كما كان. غير أن «سي ~~بي إس» كانت ما زالت خائفة من هذا التنبؤ الذي بدا غريبا فظلت صامتة. لكن مع انصرام ~~الليل، تبين شيئا فشيئا فوز أيزنهاور الساحق؛ فقد جاء في الإحصاء النهائي 442 صوتا ~~لصالح أيزنهاور مقابل 89 صوتا لصالح ستيفنسون. كانت تنبؤات يونيفاك بالنتائج أقل من ~~النتائج النهائية بنحو واحد في المائة. لاحقا في تلك الليلة أعلن تشارلز كولينجوود ~~محرجا في بث مباشر على التلفزيون أن يونيفاك قد توقع بالفعل نتيجة الانتخابات منذ ~~عدة ساعات، لكن «سي بي إس نيوز» كانت محجمة عن الإدلاء بها. ومنذ ذلك اليوم فصاعدا ~~تحولت مكانة الكمبيوتر في تغطية الانتخابات - وفي نواح عدة من الحياة المعاصرة - من ~~كونه شيئا مستجدا إلى ضرورة ملحة. # الكمبيوتر الشديد التقلص # رغم كل القدرات المميزة لجيل أجهزة الكمبيوتر ذات الصمامات المفرغة مثل إنياك ~~ويونيفاك، فإنها شكلت بعض المشكلات ms250 التي انطوت على تحديات بالغة؛ فقد كان حجمها ~~هائلا، وسرعاتها الحاسوبية بطيئة نسبيا، واستهلاكها للطاقة الكهربائية مفرطا، ~~وكمية الحرارة التي تولدها الآلاف من صماماتها المفرغة مربكة. كما كانت الآلاف من ~~صمامتها المفرغة الضخمة والقابلة للكسر كثيرا ما تتعطل وتحتاج للتبديل باستمرار. في ~~الواقع اتسم الجيل الأول من أجهزة الكمبيوتر ذات الصمامات المفرغة، الذي كان مؤلفا ~~من عدة نماذج مختلفة صنعتها عدة شركات مختلفة، بعدم القدرة على العمل المستمر إلا بضع ~~ساعات قبل أن يتعطل أحد مكوناته الكهربائية التي كان يصل عددها لعدة آلاف، ويتحتم ~~غلقه من أجل إجراء الإصلاحات المطلوبة. # 2 # غير أن تقنية الكمبيوتر انتشرت انتشارا سريعا للغاية بعد منتصف القرن، حين اخترع ~~جون باردين ووالتر براتين وويليام شوكلي في عام 1947م الترانزستور، وهو رقاقة صغيرة من ~~الجرمانيوم أو السيليكون أو زرنيخ الجاليوم. كان الترانزستور يؤدي نفس وظائف الصمام ~~المفرغ، لكنه كان أصغر كثيرا، ويستهلك قدرا ضئيلا من الطاقة التي يستهلكها الصمام ~~المفرغ. وقد فاز باردين وبراتين وشوكلي بجائزة نوبل في الفيزياء على هذا الاختراع عام ~~1956م. # سريعا ما أحدث الترانزستور ثورة في عالم الإلكترونيات الحديثة، واستعيض به عن ~~الصمام المفرغ في كل الأجهزة الإلكترونية التي كانت تستخدمه فيما سبق، ومنها أجهزة ~~الكمبيوتر ومعدات التسجيل ومكبرات الصوت وأجهزة الراديو وأجهزة التلفزيون والرادارات ~~وأنظمة الطيران والعديد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى. وفي عام 1954م بدأت شركة «تكساس ~~إنسترومنتس كوربوريشن» إنتاج الراديو الترانزستور بكميات كبيرة، وسريعا ما استعيض عن ~~الراديو المحمول المستنزف للطاقة القديم، الذي كان دائما ما يستهلك كل طاقة بطارياته ~~في غضون ساعات، بالراديو الترانزستور الصغير الخفيف الوزن، الذي يعمل لساعات وأسابيع ~~دون أن تحتاج بطارياته للتبديل. # وبحلول أوائل خمسينيات القرن العشرين كان هناك علماء ومهندسون آخرون يجتهدون في ~~اختراع جهاز أكثر روعة، يسمى الدائرة المتكاملة. كانت هذه التوليفة من الترانزستورات ~~والمقاومات والمكثفات وغيرها من المكونات الإلكترونية يتصل بعضها ببعض داخل بنية شبه ~~مجهرية مصنوعة من شبه موصل من الجرمانيوم أو السيليكون. في عام 1958م صنع مهندس ~~«تكساس إنسترومنتس»، جاك ms251 كيلبي أول دائرة متكاملة قابلة للاستخدام، مستخدما رقائق من ~~الجرمانيوم، وبعد بضعة شهور صنع روبرت نويس من شركة «فيرشايلد سيميكونداكتور» نموذجا ~~معدلا من الدائرة المتكاملة مستخدما رقائق من السليكون. # إذا كان الترانزستور قد نجح في الاستعاضة عن الصمام المفرغ بشيء أصغر وأخف وأمتن ~~للغاية، ولا يحتاج سوى قليل من الطاقة، فالدائرة المتكاملة نجحت في الاستعاضة بشريحة ~~إلكترونية دقيقة واحدة يمكن إنتاجها بكميات كبيرة عن لوحات دوائر كهربائية كاملة، ~~يتكون كل منها من مكونات إلكترونية متعددة متصل بعضها ببعض بأسلاك ملحومة ~~يدويا؛ فقد كانت الدائرة المتكاملة فعليا عبارة عن لوحة دائرة كهربائية في ~~شريحة. # مع مرور الأيام ظل تعقيد الدائرة المتكاملة أو الشريحة الدقيقة وقدرتها المعالجة ~~يزدادان، حيث ابتكر العلماء والمهندسون طرقا لجعل هذه الشرائح الدقيقة أصغر فأصغر، ~~وتكديس كل منها بمزيد من الإلكترونيات، وتصنعيها بتكلفة أقل. وفي عام 1965م نشر جوردون ~~مور، أحد مؤسسي شركة «إنتل كوربوريشن»، مقالا مشهورا في مجلة «إلكترونيكس» بعنوان: ~~«إقحام المزيد من المكونات في الدوائر المتكاملة». توقع مور في هذا المقال أنه بعد ~~عشر سنوات (أي في عام 1975م) سيصل عدد المكونات الإلكترونية المصنعة في شريحة دقيقة ~~واحدة إلى 65 ألف، بل وأضاف واثقا: «أعتقد أنه من الممكن وضع دائرة كبيرة لهذه الدرجة ~~في رقاقة واحدة.» # بعد عدة سنوات، حين تبين صحة توقع مور إلى حد يثير القلق، عرفت الظاهرة التي ~~وصفها باسم «قانون مور»، وهو يفيد بأن عدد المكونات التي تحتوي عليها الشريحة الدقيقة ~~الواحدة - ومن ثم سرعة المعالجة وقدرتها - ستضاعف كل عامين تقريبا. غير أنه تبين ~~أن قانون مور كان متحفظا قليلا، كما خمن مور نفسه. # 3 # فمنذ عام 1965م تضاعفت قدرة معالجة الشرائح الدقيقة كل ثمانية عشر شهرا ~~تقريبا، وفي عام 2014م أعلنت «إنتل» عن معالج # 15-Core Xeon E7 ~~v2 ~~، وهو دائرة متكاملة بها أكثر من أربعة مليارات وثلاثمائة مليون ~~ترانزستور في شريحة واحدة لا يتعدى حجمها قطعة من المقرمشات المملحة. وكان السعر ~~المقرر لهذه الشريحة الجبارة 7700 دولار أمريكي. # كل من اختراع ms252 الدائرة المتكاملة، واستمرار تقدم أنظمة الكمبيوتر من حيث يسر ~~التكلفة وصغر الحجم، منذ ستينيات القرن العشرين، أدى إلى انتشار أنظمة الكمبيوتر في ~~كل جوانب الحياة اليومية، انتشارا لم يكن متوقعا في أيام الصمامات المفرغة مع ~~جهازي إنياك ويونيفاك. فلكي تكون قوة أحد أجهزة كمبيوتر الصمامات المفرغة مثل إنياك ~~مساوية لمعالج # Xeon # الدقيق الصغير الحجم الذي أنتجته ~~«إنتل»، لا بد أن يصير حجمه أكبر نحو 247 ألف مرة. هذا معناه أن كمبيوتر إنياك ذا ~~الثلاث أقدام عرضا وثماني أقدام ارتفاعا، لكي يكون مكافئا في القوة، لا بد أن يزيد ~~طوله عن 4600 ميل، وبتكلفة 1,48 تريليون دولار أمريكي، وسيكون بوزن ست وستين حاملة ~~طائرات من فئة نيمتز؛ أضخم حاملات طائرات في الأسطول الأمريكي، وأضخم سفن حربية صنعت ~~على الإطلاق. # 4 # ولا شك أنه حتى يكون جهاز إنياك بقوة معالج # Intel 15-Core ~~Xeon E7 v2 # فلا بد أن يحتوي أيضا على 4,31 مليارات صمام مفرغ، ~~وحيث إنه من المرجح أن تتعطل سبعة على الأقل من تلك الصمامات المفرغة في أول ثانية من ~~التشغيل، فمن الواضح أن هذا الجهاز العملاق لن يظل يعمل لمدة تسمح بإنجاز مهمة حوسبة ~~واحدة. # 5 # التصغير المذهل في مجموعة دوائر الكمبيوتر والانخفاض في تكلفة القدرة الحاسوبية ~~أديا إلى انتشار أجهزة الكمبيوتر الصغيرة والخفيفة الوزن التي أدمجت في مجموعة ~~متنوعة من المركبات والآلات والأجهزة. فكل المركبات الحديثة المزودة بمحركات، مثل ~~السيارات والشاحنات والحافلات والقاطرات، صارت الآن تصنع مزودة بأجهزة كمبيوتر ~~تتحكم في عملياتها، وتراقب أداءها، وتشخص مشكلاتها. وتعتمد الطائرات النفاثة ~~وسفن الفضاء المنطلقة صاروخيا الحديثة - وكذلك الطيارات المسيرة - بشدة على التوجيه ~~المحوسب وأنظمة التحكم، حتى إنها لن تستطيع التحليق مطلقا من دون تركيب أجهزة ~~الكمبيوتر بها. # تعتمد طائرات المسافرين النفاثة المتعددة المحركات على أنظمة الكمبيوتر - داخل ~~كابينة القيادة وفي أنظمة مراقبة الحركة الجوية الموجودة على الأرض - ليس فقط من أجل ~~السفر إلى وجهاتها، ولكن كذلك من أجل التوجيه أثناء هبوطها الروتيني في مدرجات ~~المطارات، بل أضحى طيارو الخطوط الجوية ms253 يعتمدون بشدة على هذه الأنظمة، حتى إنه في ~~يوليو عام 2013م وقعت حادثة شهيرة في مطار سان فرانسيسكو الدولي حين هبطت طائرة بوينج ~~777 تابعة لخطوط آسيانا الجوية قبل المدرج، في جو صحو لتوقف نظام الهبوط الحاسوبي في ~~المدرج وعدم قدرة الطيار على الهبوط بالطائرة على نحو صحيح أثناء القيادة ~~يدويا. # 6 # ورغم أن أنظمة الكمبيوتر أصبحت أصغر وأرخص كثيرا خلال السبعين سنة الماضية، فإنه ~~يبدو من المقدر لقانون مور أن ينتهي أخيرا؛ فقد توقع خبراء مجال أشباه الموصلات أن ~~معدل تضاعف مكونات الدائرة المتكاملة سيبدأ في التراجع مرة كل ثلاث سنوات بعد عام ~~2013م، ويعتقدون أنه سيتراجع أكثر من ذلك بعد 2020م. # 7 # والسبب وراء عدم إمكانية استمرار قانون مور إلى أجل غير مسمى هو أن حجم ~~المكونات داخل الدائرة المتكاملة اقترب جدا من الحد الذي لا يمكن بعده أن تتقلص ~~دون أن تفقد قدرتها على العمل، حسبما أشار علماء الفيزياء والكمبيوتر في السنوات ~~الأخيرة. # فكلما زادت مجهرية حجم الدائرة المتكاملة أكثر فأكثر اقترب حجم مكوناتها من الذرات ~~والجزيئات؛ ف «الأسلاك» الموصلة في الدائرات المتكاملة، على سبيل المثال، صار عرضها ~~الآن أقل من خمسين نانومترا (يساوي النانومتر واحدا على مليار من المتر). وهذا لا ~~يعدل سوى خمسة وعشرين ضعفا من عرض جزيء الحمض النووي. وحين يمر التيار الكهربائي في ~~سلك بهذه الرقة، فمن المحتمل أن «يتسرب» التيار من السلك ويؤثر على المكونات ~~المجاورة. # علاوة على هذا، فإنه عندما يتم تصغير بعض المواد لأحجام أصغر من خمسين نانومترا، ~~تصير قوانين الفيزياء عرضة للتأثيرات الكمية، ويبدأ في الظهور على العديد من العناصر ~~المألوفة خصائص لم تكن فيها في أحجامها العادية؛ إذ إنه في هذه الأبعاد دون المجهرية ~~يصير النحاس في شفافية الزجاج، ويمكن حرق الألومنيوم مثل الورق، ويمكن للذهب أن يذوب ~~مثل مكعب السكر في ماء ساخن. وبالطبع مع تغير الخواص الفيزيائية لهذه المكونات في ~~هذه الأبعاد دون المجهرية، لن تعود الدوائر المتكاملة المصنوعة منها تؤدي العمل ~~المعدة من أجله. # لكن ms254 لا بد أن نتذكر كم من تقنية كانت تعد في الماضي مستحيلة وصارت ممكنة في ~~نهاية المطاف، وما زال هناك أحداث لتكتب في تاريخ تصغير حجم الكمبيوتر؛ فهناك مجال ~~جديد في الفيزياء والهندسة يسمى تقنية النانو، مكرس بالكامل لصنع أجهزة من مكونات في ~~حجم الجزيئات. وبالفعل تستخدم أنابيب الكربون النانوية، وقضبان الذهب وأكسيد الزنك ~~النانوية، وبنى الحمض النووي النانوية، وتقنيات تجميع ذاتي جزيئي حديثة، في صنع مكونات ~~دون مجهرية قادرة على أداء بعض وظائف الكمبيوتر الأساسية. # من موقعنا الحالي الذي يعطينا منظورا أفضل، لا نملك معرفة ما إن كانت تقنية النانو ~~ستحقق تقدما بمعنى الكلمة يجعل قانون مور ساريا لما بعد 2025م بكثير، لكن مع وجود ~~الدوائر المتكاملة التي تحتوي على مليارات الترانزستورات في السوق بالفعل، لن تحتاج ~~أجهزة الكمبيوتر مزيدا من التصغير حتى تستمر في غزوها المستمر فيما يبدو لكل مجال من ~~مجالات التكنولوجيا، ولكل جانب من جوانب حياة الإنسان. # في العقود الأولى لتقنية المعلومات لم يتخيل أحد أن الكمبيوتر سيصير جهازا ~~شخصيا يستخدمه الأشخاص العاديون باستمرار على مدار حياتهم اليومية؛ فقد اخترع ~~الكمبيوتر تحديدا على كل حال لأداء عمليات حوسبة رياضية كانت بطبيعتها ببساطة طويلة ~~للغاية، وتستغرق وقتا طويلا جدا على نحو يستعصي على العقول البشرية أن تؤديها ~~بدقة أو كفاءة، لكن خطوات التقدم في القدرة الحاسوبية التي تبدو جامحة والتي تنبأ بها ~~قانون مور لم تجعل أنظمة الكمبيوتر صغيرة بدرجة كافية لوضعها على سطح المكتب أو في حجم ~~الكف فحسب، وإنما جعلتها أيضا ميسورة التكلفة بوجه عام. # أحد أهم تبعات تزايد توفر القدرة الحاسوبية بتكاليف ميسورة أنه من الممكن الآن تخزين ~~جميع أشكال المعلومات في صيغ صالحة للاستخدام على الكمبيوتر. وأنظمة الذاكرة الشديدة ~~الضخامة الضرورية لتخزين الملفات التي تتطلب مساحة كبيرة من نصوص رقمية وصور ~~وتسجيلات صوتية وفيديوهات صارت زهيدة للغاية، حتى أصبح كل ما يكتب أو يصور أو يسجل ~~يخزن على نحو روتيني في صيغة رقمية. وقد خلق هذا التطور أفقا جديدا في تاريخ حياة ~~البشر. ms255 # آفاق التاريخ الرقمي # لا يوجد في مجال الاتصالات البشرية شيء يحدد الطريقة التي سترى بها أجيال المستقبل ~~عصرنا أكثر من الأنظمة الرقمية الموجودة حاليا لتسجيل السجلات الثقافية لزمننا ~~وتخزينها واسترجاعها؛ إذ يتراكم حاليا يوما بعد يوم سجل كامل بالسلوكيات والأعراف ~~ومنظومات القيم التي سادت في زماننا، محفوظة بدقة رائعة في شكل نصوص وصور وتسجيلات ~~صوتية وأفلام وفيديوهات رقمية، بكميات لم يكن ليتخيلها الناس في الأجيال السابقة ~~نهائيا. # الفرق الأساسي بين التاريخ وعصور ما قبل التاريخ هو بقاء سجلات مكتوبة من فترات ~~تاريخية، في حين لم يبق من أزمنة ما قبل التاريخ سوى قطع أثرية، وليس سجلات مكتوبة. ~~هكذا يبدأ التاريخ، حسب هذا التعريف، في أزمنة مختلفة في أماكن مختلفة؛ فقد بدأ في مصر ~~ومنطقة الهلال الخصيب باختراع الكتابة المسمارية والهيروغليفية نحو عام 3200 قبل ~~الميلاد، وبدأ في الصين بتطور الكتابة لدى ثقافة لونجشان عام 3000 قبل الميلاد تقريبا، ~~وبدأ في الهند بابتكار كتابة وادي السند عام 2700 قبل الميلاد بالتقريب، وفي شبه جزيرة ~~يوكاتان في المكسيك بتطور كتابة شعوب المايا نحو عام 400 ميلاديا. # لكن للأسف يطرح هذا التعريف الشائع مشكلات شائكة؛ فعلى سبيل المثال، هل بدأ تاريخ ~~الصين والهند مع تطور أقدم أنظمة كتابة لهما، رغم أن هذه الأشكال من الكتابة لم تفك ~~رموزها قط؛ أم من المفترض أن يبدأ مع أقدم أشكال كتابة هذه المناطق التي أمكن فك ~~رموزها، رغم أنها جاءت بعد عدة قرون من بدء استخدام الكتابة استخداما واسعا؟ # وماذا عن الثقافات التي كانت متقدمة ثقافيا وتقنيا لكنها لم تترك خلفها آثارا ~~مكتوبة؟ فالثقافات الكلتية في أوروبا العتيقة، على سبيل المثال، كانت شعوبا زراعية ~~متقدمة لديهم نظام طبقي متطور ومعرفة معقدة بتشكيل المعادن سواء البرونز أو ~~الحديد. ومع بداية القرن الأول الميلادي كانت الثقافة الكلتية قد انتشرت في أنحاء ~~أوروبا من المجر حتى الجزر البريطانية. ورغم أن الإغريق والرومان كانوا على معرفة ~~بالكلتيين وكتبوا عنهم كثيرا، فإن الكلتيين أنفسهم لم يستخدموا الكتابة. ورغم ذلك ~~سيكون من ms256 المضلل بالتأكيد أن يقال إن الثقافة الكلتية من ثقافات ما قبل ~~التاريخ. # أما مؤرخو المستقبل فسيدرسون القرن الحادي والعشرين وهم يتنفسون الصعداء؛ فعام 2000م ~~يميز قرب بداية أفق التاريخ الرقمي، الذي تتوافر بعده المعلومات المسجلة لكل ~~المجتمعات البشرية لأجيال المستقبل بتمام ودقة منقطعتي النظير. على النقيض من ذلك، ~~أكثر التاريخ المسجل قبل عام 2000م مجتزأ وغير مكتمل. # لا يمكن دراسة تاريخ البشر منذ اختراع الكتابة في حضارات وادي النيل والهلال الخصيب ~~القديمة وحتى اختراع التصوير الفوتوغرافي في أواخر القرن التاسع عشر، إلا من بقايا ~~ناقصة ومعيبة من لوحات مرسومة يدويا، ومخطوطات مكتوبة، وكتب مطبوعة، ودوريات. وكل ما ~~بقي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين، من أسطوانات جرامافون وأفلام ~~وبرامج تلفزيونية لتلك الأيام، هي في الغالب مواد أرشيفية مطموسة وغير واضحة المعالم ~~وتالفة في أحيان كثيرة، كانت مخزنة في الأصل على تسجيلات أصلية وأفلام وشرائط ~~مغناطيسية. غير أن أغلب هذه المواد الأرشيفية التي تعود إلى القرن العشرين قد حولت ~~إلى صيغة رقمية وتحولت إلى ملفات على الكمبيوتر؛ لضمان عدم استمرار تدهورها أكثر من ~~ذلك على الأقل. # حتى اختراع التقنيات الرقمية، كانت كل الطرق المستخدمة في صنع نسخ من المعلومات ~~المسجلة تعاني من نفس القصور، وهي أنه في كل مرة تصنع نسخة كانت بعض المعلومات ~~تضيع. وكان هذا معناه أن النسخة لا يمكن أبدا أن تكون بجودة الأصل، والنسخ من النسخة ~~كان أسوأ، وهكذا دواليك. كان كل جيل من النسخ أقل جودة من الجيل السابق له، وهكذا ~~كلما زاد عدد نسخ الشيء كانت جودة النسخة أسوأ. كان هذا ينطبق على الميكروفيلم والنسخ ~~التي كانت تعد لمواد مكتوبة أو مطبوعة على ورق، والنسخ الفوتوغرافية للصور ~~والأفلام، ونسخ التسجيلات الرئيسية والشرائط المغناطيسية وشرائط الفيديو. وحيث إن كل ~~هذه الأشكال من وسائط التخزين كانت مصنوعة إما من الورق أو البلاستيك، فإنها دائما ما ~~كانت تصير هشة وحائلة اللون وعديمة الفائدة في النهاية مع مرور الوقت. # لكن حين تطورت تقنيات لتحويل كل أشكال ms257 الوسائط إلى صيغ رقمية كادت تختفي مشكلات ~~صنع نسخ للنصوص والصور وتخزينها. فمتى خزن نص أو صورة أو تسجيل موسيقي أو فيديو على ~~كمبيوتر أو جهاز نقال، يتحول إلى صيغة رقمية؛ أي إنه يتحول إلى كتلة من الآحاد ~~والأصفار المنتظمة بترتيب معين لتمثل النص أو الصورة المعنية. وعند نسخ ملف الكمبيوتر ~~يعاد استنساخ نسق الآحاد والأصفار المحدد كما كان في الأصل بالضبط دون أخطاء؛ ومن ثم ~~دون فقد الدقة. بناء على ذلك، بصرف النظر عن عدد مرات نسخ ملف الكمبيوتر، سوف يظل ~~دائما مكونا من نفس نسق الآحاد والأصفار كما كان من قبل، وسيظل النص أو الموسيقى أو ~~الصور أو الفيديوهات التي تمثلها هذه الآحاد والأصفار كما هي بالضبط. # ما دام الوسط الذي تخزن عليه هذه الملفات عادة ظل سليما من الناحية المادية ~~وقابلا للقراءة - سواء كان شريحة كمبيوتر أو قرصا صلبا أو قرصا مدمجا أو وسيط ~~تخزين لم يخترع بعد - فلن تبلى النسخ أو تضيع أبدا. وحتى إن بدأ وسيط التخزين ~~نفسه يزداد قدما بعد مرور عدة سنوات، يمكن منح الملفات حياة جديدة بنسخها مرة أخرى ~~ببساطة على وسيط تخزين جديد. فحتى إن لم يحدث مزيد من التطور في تقنيات التخزين على ~~أجهزة الكمبيوتر، وهو احتمال بعيد، فإن كل كلمة مكتوبة أو تسجيل موسيقي أو صورة أو ~~فيديو موجود حاليا في شكل ملف كمبيوتر يمكن تخزينه لمئات آلاف السنين. # إذا كان عام 3200 قبل الميلاد يذكر بأنه الزمن الذي عبرت فيه البشرية لأول مرة أفق ~~التاريخ المكتوب، فسوف يذكر عام 2000 ميلادية بأنه الوقت الذي عبرت فيه البشرية لأول ~~مرة أفق التاريخ الرقمي. فكل كتاب أو دورية أو جريدة أو مجلة أو كتيب أو مدونة أو موقع ~~إلكتروني ينشر اليوم - وكذلك كل فيلم أو ألبوم تسجيلي أو برنامج تلفزيوني يبث أو ~~يذاع - قد صار مخلدا في مكان ما على وحدة تخزين على الكمبيوتر في شكل آحاد وأصفار. ~~ورغم ذلك سيتضاءل هذا الكم الهائل من المعلومات، رغم ضخامته، أمام الكم ms258 الأكبر كثيرا ~~من الرسائل الإلكترونية والنصوص والتغريدات والصور والفيديوهات التي يضعها ويرسلها ~~يوميا ملايين الأشخاص في أنحاء العالم، وهي غالبا ما يخزنها ويحفظها مزودو خدمة ~~الإنترنت الذين يرسلونها. # أما المشكلة الرئيسية التي سيواجهها مؤرخو المستقبل فهي كيفية البحث في الكم ~~الهائل من المواد التي ستظل باقية؛ فالسجل الثقافي للزمن الحاضر الذي يجري تسجيله ~~وتخزينه الآن في شكل رقمي سوف يمنح زمننا تميزا فريدا في سجل أحداث التاريخ ~~الإنساني؛ إذ صرنا وسنظل أول جيل تحفظ حياته وزمنه بتفصيل شديد ودقة متناهية. فسوف ~~تعيش أهم إنجازتنا وكذلك أتفه أشكال لهونا كلها طويلا في كتل من الآحاد والأصفار بعد ~~رحيلنا بزمن طويل، وسوف تكون متاحة لتوعية وتسلية الأجيال المستقبلية ما دامت الحضارة ~~الإنسانية نفسها باقية. # الروبوتات والتشغيل الآلي ومستقبل العمل الهادف # إذا كانت التحولات الثقافية التي تسببت فيها الآلات الدقيقة قد قللت من وضع ~~المرأة في النهاية في منتصف القرن العشرين بجعل الآلة تؤدي الكثير من الأعمال المنزلية، ~~فإن تحولات التقنية الرقمية قللت هي الأخرى من مكانة الرجل في القرن الحادي ~~والعشرين بجعل أغلب الأعمال الذهنية والبدنية التي كان الرجال يؤدونها في الأصل تقوم ~~بها أجهزة الكمبيوتر والروبوتات والأنظمة الآلية. # في خمسينيات القرن العشرين، حين كانت ظاهرة التشغيل الآلي في مهدها، كان أكثر الأسئلة ~~التي راودت أذهان علماء الاجتماع هو: «كيف سيتكيف الناس في مجتمع المستقبل مع ~~الزيادة الكبيرة في وقت الفراغ التي من المقدر أن تتيحها تقنيات التشغيل الآلي؟» فقد ~~كان ثمة افتراض - يبدو بالأحرى ساذجا الآن - أنه إن استطاعت الآلات تولي أغلب ~~المهام التي كان يؤديها العاملون، فسوف يتقلص أسبوع العمل لكل العمال بما يتناسب ~~بالمقدار الذي تؤديه الآلات من عملهم. وكانت المشكلة المترتبة على هذا تصور دائما ~~من ناحية ما سوف يفعله العامل العادي بكل وقت الفراغ الذي سينتج عن هذا التحرر من ~~روتين العمل اليومي. # 8 # لكن تبين أن زيادة وقت الفراغ ليست مشكلة كبيرة؛ فرغم أن وقت فراغ العامل الأمريكي ~~العادي قد زاد عدة ساعات أسبوعيا منذ خمسينيات ms259 القرن العشرين، فإن معظم وقت الفراغ ~~الإضافي هذا يقضى في مشاهدة التلفزيون. بالإضافة إلى هذا، يتقاعد الملايين من الرجال ~~والنساء من وظائفهم كل عام، ويعيش العديد من المتقاعدين عشرة أو عشرين أو ثلاثين عاما ~~قبل وفاتهم بسبب الشيخوخة. ويجد معظم المتقاعدين أشياء مفيدة ومجزية ليقضوا فيها ~~وقتهم. وهكذا، بدلا من أن تخلق الزيادة في وقت الفراغ مشكلة لا بد من حلها، صارت ينظر ~~إليها باعتبارها فرصة يمكن استغلالها. ولكن لا ينطبق الشيء نفسه على رجال ونساء في أهم ~~مراحل حياتهم وقد حرموا من وظائفهم ورواتبهم والكثير من احترامهم لذواتهم عندما استولت ~~أجهزة الكمبيوتر والروبوتات وأنظمة التشغيل الآلي على العمل الذي كانوا يؤدونه. # يبدو أنه لم يخطر للمعلقين الاجتماعيين في خمسينيات القرن العشرين أنه حين تبدأ ~~الآلات القيام بالعمل الذي كان يؤديه البشر قبل ذلك، لن تكون النتيجة انخفاضا ~~تدريجيا في أسبوع العمل، وإنما بالأحرى اتجاه نحو ارتفاع البطالة والبطالة المقنعة. ~~فلا يبدو أن أحدا قد أدرك أنه حين تصير أجهزة الكمبيوتر قادرة على أداء العمل الذهني ~~وتصير الروبوتات قادرة على أداء العمل البدني، سوف يعفى أغلب الناس الذين كانوا يقومون ~~بهذا العمل من وظائفهم ببساطة، وأنه سيأتي محلهم عدد أقل كثيرا من التقنيين ~~المدربين جيدا اللازمين لبرمجة الأنظمة التي تعمل بالكمبيوتر وتشغيلها ~~وصيانتها. # بالإضافة إلى هذا، لم يأت الجيل الجديد من أصحاب المهارات المعرفية في أغلبهم من ~~صفوف العمال اليدويين، ولكنهم بالأحرى خريجي كليات درسوا مواد من عينة علوم الكمبيوتر ~~والرياضيات وإدارة المشروعات ومراقبة العمليات، لكن يبدو أن هذا هو العالم الذي نعيش ~~فيه الآن، ويبدو يوما بعد يوم أنه سيكون مصير ملايين الأشخاص الذين جرى تعيينهم في ~~مجالي التجارة والتصنيع؛ لذلك هذا هو السؤال الذي يجب أن نجيب عليه الآن: «كيف سيجد ~~كل الناس الذين يفقدون وظائفهم بسبب انتشار أنظمة التشغيل الآلي وظائف هادفة ومجزية في ~~مجال آخر، ويستعيدون كرامتهم ومكانتهم السابقتين في المجتمع؟» # رغم اضطراد تفاقم هذه المشكلة منذ ظهور أنظمة الكمبيوتر الميسورة التكاليف والموثوق ~~بها في منتصف ms260 القرن العشرين، فإنه لا يبدو أن هناك إجابة مرضية عن هذا السؤال ~~المحوري. فيتزايد أداء أنظمة التشغيل الآلي لكل المهام الروتينية التي كان يضطلع بها ~~البشر، وتتولى الروبوتات تدريجيا المهام البدنية في التصنيع، وأنظمة الكمبيوتر التي ~~طورت للتحليق بطائرات من دون طيار ستتولى قريبا قيادة مركبات العالم الحديث من ~~وإلى وجهاتها. # وهذا يثير التساؤل حول كيفية توزيع ثروة المجتمع الحديث على أعضاء المجتمع غير ~~القادرين على العثور على عمل مربح؛ فلن يكون من المنطقي افتراض أن يخضع العدد ~~المتقلص من العاملين الذين ما زال لديهم دخول كافية لضرائب بمعدلات مرتفعة، وأن ~~تعيد الحكومات توزيع هذا المال على أفراد المجتمع الذين لا يستطيعون العثور على وظائف. ~~فمن ناحية، ستأتي مرحلة لا يعود فيها من يملكون بالعدد الكافي لإعانة من لا يملكون. ومن ~~ناحية أخرى، يؤدي عدم وجود عمل هادف للأشخاص البالغين إلى تدمير احترامهم لذواتهم. ~~وتقدير الذات لا يمكن استرجاعه بالإعانات. # وقد تصير هذه المشكلة أكثر خطورة على الرجال من النساء في نهاية المطاف؛ لأن أغلب ~~النساء لديهن خيار حمل الأطفال وتربيتهم، ويحظى هذا الدور بقبول اجتماعي عالميا، ~~ويعد مهما من أجل بقاء كل مجتمع إنساني مستقبلا، غير أن مكانة المرأة وكرامتها في ~~المجتمع المعاصر لا تستند إلى دورها الإنجابي فحسب؛ فلو حرمت المرأة من مصدر دخلها ~~المستقل وأمنها الاقتصادي ستتراجع مكانة المرأة سريعا إلى مستواها البائس الذي كان في ~~مجتمع منتصف القرن العشرين. # تجربة القرن العشرين الاشتراكية الكبرى التي حاولت فيها روسيا وأوروبا الشرقية والصين ~~وضع كل الأنشطة الاقتصادية تحت سيطرة حكومات الدول، فشلت في أن تحقق ازدهارا عاما ~~أو اكتفاء ذاتيا أكثر في الحياة لسببين. أولا: لأنها تعارضت مع النزعة البشرية ~~القديمة والغريزية للعمل وتحقيق مكسب شخصي. وثانيا: لأن النظام القائم على مبدأ «من ~~كل على حسب طاقته، إلى كل على حسب حاجته» لا يمكن أن ينجح إلا في مجموعة بشرية ~~متماسكة مثل العائلة، حيث يستمد الأشخاص احترامهم لذاتهم من حب ورضاء الآخرين، ويرون ~~سعادتهم في سعادة أقرب الأشخاص ms261 إليهم وشركائهم في الحياة، لكن مهما كانت هذه المبادئ ~~نبيلة فهي لن تنجح على مستوى الدول؛ حيث أغلب الناس أغراب بعضهم عن بعض. # وفي الوقت نفسه نتج عن عصر تكنولوجيا المعلومات بالفعل بعض التقدم الملحوظ في الثقافة ~~البشرية، ومن أهم سماته القدرة غير المسبوقة على التواصل مع الآخرين، وتبادل المعلومات ~~بحرية أكبر وعلى نطاق أوسع، وتجميع حكمتنا الجماعية لتنتفع بها الإنسانية في نهاية ~~المطاف. وتبدأ هذه القدرات مع الفرد الذي منح الآن القدرة على إبداء رأيه بطريقة تسمح ~~لأي شخص آخر على وجه الأرض الاستماع له. # وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الرقمية # من بين كل القدرات البشرية التي أفرزتها تقنية المعلومات حتى الآن، ربما كان أقلها ~~توقعا الانتشار المفاجئ لنظام التواصل المسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينشئ ~~كل فرد شبكة شخصية من أشخاص آخرين، ويتواصل بانتظام مع الأشخاص الآخرين في هذه ~~الشبكة. ورغم الترحيب بوسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها شكلا جديدا تماما من ~~التواصل الإنساني، فإن مبادئ التواصل البشري التي تجسدها قديمة قدم عصور ما قبل ~~التاريخ. # المجتمعات الأبسط التي درسها اختصاصيو علم الإنسان طوال القرن العشرين - مجتمعات ~~الصيد وجمع الثمار والمزارعين الذين سلكوا نهج قطع أشجار الغابات وحرقها من أجل توفير ~~مساحات للزراعة - كانت لديها طريقة مميزة في إبلاغ الأعضاء الآخرين في جماعتها ~~بأفكارها ومشاعرها. فنظرا لأن مساكن هذه الجماعات كانت عادة صغيرة الحجم ومصنوعة من ~~مواد قابلة للاختراق مثل جلود الحيوانات أو قش النخيل - وبما أنها كانت لا تبعد عادة ~~عن بعضها سوى بضع أقدام فقط - فقد كان أفراد هذه المجتمعات يتمتعون بقدر ضئيل من ~~الخصوصية أو لا يتسنى لهم أي قدر من الخصوصية على الإطلاق. وعندما كانوا يجلسون في ~~خيامهم أو أكواخهم كان أي شيء يقولونه بنبرة عادية يستطيع جيرانهم سماعه، وأي شيء ~~يقال بصوت عال كان يسمعه بسهولة جميع الأشخاص الذين يعيشون في مخيماتهم الصغيرة ~~المتلاحمة. # وكان حين يصير لدى أحد الناس الذين يعيشون في مثل هذه المجتمعات شكوى من زوج أو جار ~~أو قريب أو عدو، يقيم ms262 نفسه في منتصف ساحة عامة - في الفسحة التي كانت تقع غالبا وسط ~~مجموعة من الأكواخ أو الخيام، على سبيل المثال - ويبث شكاواه في نبرة اتهام مرتفعة. ~~ولم تكن الخطب التي تلقى على هذا النحو موجهة لفرد واحد، وإنما للمجتمع ككل، ~~وكان المعتاد أن يستمع إليها أفراد المجتمع باهتمام كبير. وفي كثير من الأحيان كان ~~أحد أفراد الجماعة يصيح ببعض تعليقات الاستحسان أو الاستهجان من داخل حدود مسكنه، ~~وأحيانا كان يفترض أن تكون هذه التعليقات الصادرة عن الجمهور غير المرئي غالبا ساخرة، ~~ولم يكن من المستبعد أن تثير هذه التعليقات ضحك أفراد آخرين في الجماعة. # لم يقتصر دور هذه الخطب المشحونة بالعاطفة على إعطاء المتحدث وسيلة للتنفيس عن ~~إحباطاته فحسب، ولكنها كانت تتيح كذلك بث الشكاوى الفردية في ساحة الخطاب العام. وكانت ~~تعليقات المستمعين - التي كانت دائما ما يسمعها أفراد آخرون في المجتمع - هي الأخرى ~~بمثابة وسيلة لاستطلاع الرأي العام، وكانت تعطي فرصة للجماعة ككل للإدلاء بدلوهم في ~~إيجابيات وسلبيات شكوى المتحدث. على هذا النحو، كانت قيم وسلوكيات الجماعة نفسها تبث ~~وتؤيد وتراجع وتجود عن طريق هذه الأفعال الشائعة من إلقاء الخطب. # لكن حين نشأت القرى الدائمة أثناء الثورة الزراعية، لم تكن الطبيعة المادية لهذه ~~المساكن الأكثر استقرارا مرحبة إلى حد ما بهذا الطقس البشري القديم؛ إذ إنه في ~~العديد من المجتمعات الزراعية، كما في المجتمعات الريفية المتناثرة في شمال أوروبا ~~والشرق الأقصى، كانت الأسر المستقلة تميل للعيش في الحقول والحدائق التي امتلكتها، ~~وكانت منازلهم يبعد بعضها عن بعض بعشرات أو مئات الياردات عادة؛ شديدة البعد بعضها عن ~~البعض لدرجة تحول دون سماع إحدى الأسر المجاورة شكوى أحد الأشخاص. علاوة على ذلك، كانت ~~هذه المستوطنات كثيرا ما تفتقر إلى المنطقة المشتركة التي يصل إليها كل أفراد المجتمع ~~بسهولة. وقلما كان الناس الذين يعيشون في هذه المجتمعات يتواصل عن كثب بعضهم مع ~~بعض إلا فيما يطرأ من مراسم جماعية مثل الأعراس أو الجنازات أو الشعائر الدينية. # في أنواع أخرى من المجتمعات الزراعية، ms263 وخير مثال عليها القرى الريفية المتوسطية في ~~اليونان وإيطاليا وشمال أفريقيا، تعيش الأسر في مجتمعات كثيفة السكان مكونة من قرى ~~محصنة، حيث يقضي المزارعون الليل في منازلهم القروية ويخرجون من القرى نهارا للعمل ~~في حدائقهم ومراعيهم وكرومهم وبساتينهم. وتميل المنازل في هذه المجتمعات لأن تكون مساكن ~~دائمة مبنية من الطوب اللبن أو الأحجار، بجدران سميكة صلبة ونوافذ وأبواب. ولا يتيح ~~هذا النوع من المعمار بانتقال الأصوات لأبعد من أقرب جار، فقط إن علا الصوت لمرتبة ~~الصياح. وفي هذه الأنواع من المجتمعات نادرا ما كانت شكاوى وآراء الأزواج والزوجات، ~~والمديونين والدائنين، والحلفاء والأعداء، والمحبين والخصوم، تذاع على الملأ، وإنما ~~كانت بالأحرى تهمس سرا. وكثيرا ما كانت مادة للقيل والقال، لكنها قلما كانت موضوعا ~~للنقاش العام على الملأ. # مع التوسع الحضري للبشر الذي جاء مع الثورة الصناعية، لم يعد الجيران بالضرورة ~~أفرادا حتى في نفس المجتمع، ونادرا ما كان بينهم الأقارب الذين كانت تتشكل منهم في ~~الماضي مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار. من ثم فقدت ثقافات الشعوب المعاصرة ~~- المنحدرين جميعا من نسل قرويين مزارعين وسكان بلدات - عادة الصيادين وجامعي الثمار ~~إذاعة تظلماتهم أو شكاواهم أو آرائهم على الملأ منذ زمن طويل، إلا أن اختراع وسائل ~~التواصل الاجتماعي وفر الآن الآلية التي اكتشفت بها الشعوب المعاصرة متع وملذات نشر ~~آرائهم على شبكة من الأقران. وقد يكون هذا سبب التحاق عدد غير مسبوق من الناس بشبكات ~~التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة. # ولا يقتصر دور وسائل التواصل الاجتماعي على تمكين كل الناس الموجودة ضمن شبكة كل شخص ~~من عرض تعليقاتهم واستجاباتهم، بل وتجعل كل هذه التعليقات والاستجابات متاحة لكل شخص ~~آخر في شبكة كل شخص. هكذا أدى المنبر الرقمي الناتج عن تطور شبكات وسائل التواصل ~~الاجتماعي إلى إعادة تشكيل الطقس البشري القديم - الذي وجد بين جميع الصيادين وجامعي ~~الثمار الرحل، لكنه تقلص بدرجة بالغة مع ألفيات من الحضارة الزراعية والصناعية - ~~بمشاركة أكثر الأسئلة والملاحظات والآراء خصوصية في حياتهم اليومية مع أقرانهم بصفة ~~يومية. ويوحي شيوع هذه ms264 العادة بين الصيادين وجامعي الثمار والقرويين البدائيين حول ~~العالم بأنها حاجة إنسانية أساسية وعادة بشرية طبيعية أن تشارك المعلومات وتعزز ~~القيم ويستقصى الرأي العام بشأن كل متع الحياة اليومية وتقلباتها. # من بين كل التغييرات العديدة التي جلبها تطور تقنية المعلومات، ربما لا شيء يعدل ~~أهمية التوسع غير المسبوق في القدرة على التواصل مع الآخرين، وتحقيقه تحولا في المجتمع ~~نهاية المطاف؛ إذ تتعدى هذه القدرة إتاحة وسائل التواصل الاجتماعي نشر الخاص من ~~الأفكار والمشاعر والسلوكيات على الملأ؛ فهي تشمل في واقع الأمر كل نوع من أنواع ~~التواصل البشري؛ تشارك المعلومات بين الأشخاص الذين تجمعهم نفس الاهتمامات، وتبادل ~~الرسائل الخاصة بين الأفراد، وتبادل البضائع والخدمات، والقدرة على سفر المرء من وطنه ~~من وإلى أوطان ومجتمعات وثقافات أخرى. # الشبكة العنكبوتية العالمية للتواصل البشري # عالمنا السريع التطور ذو أجهزة الكمبيوتر الشخصية والأجهزة النقالة والإنترنت ~~وأقمار الاتصالات الصناعية والطيران التجاري الدولي نتج عنه بالفعل تطورات غير ~~مسبوقة في تقنيات التواصل؛ فقد خلقت تقنية المعلومات عالما زادت فيه قدرة الناس على ~~الكتابة إلى أي شخص آخر على ظهر الكوكب والحديث معه وزيارته والتجارة معه مباشرة على ~~مدار أربع وعشرين ساعة يوميا. # تقنية المعلومات هي التي مكنت المركبات الفضائية من وضع أقمار اتصالات صناعية في ~~مدار الأرض المنخفض. لم تقلل هذه الأقمار الصناعية من تكلفة المكالمات الهاتفية ~~الدولية إلى مستوى معقول فحسب، وإنما أتاحت لكل البشر أيضا مشاهدة الفعاليات الرياضية ~~والكوارث الطبيعية واندلاع الحروب في وقتها على أجهزة إلكترونية. ولأول مرة في تاريخ ~~البشر أنشئت شبكة مواصلات دولية تمكن أي شخص على الأرض من التجارة مع أي شخص أو ~~زيارته خلال ساعات أو أيام. وهذه الحرية في التواصل لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية ~~بأسره. # أدى تطور السفن البخارية والسكك الحديدية في أوائل القرن التاسع عشر إلى ارتفاع ~~هائل في السفر لمسافات طويلة، وكان مسئولا إلى حد ما عن التحام الآلاف العديدة من ~~المدن والقرى والدول المدن التي كانت موجودة منذ عصور سحيقة لتصبح ذلك العدد ms265 الصغير من ~~الدول القومية الموجودة الآن. وقد تضاعف مؤخرا عدد الناس الذين يسافرون إلى دول ~~وثقافات أخرى، سواء سائحون أو لأغراض العمل - بدرجة كبيرة نتيجة للتطورات التي حدثت ~~في تقنيات التفاعل منذ عام 1950م؛ فقد زار نحو خمسة وعشرين مليون شخص دولا أخرى بغرض ~~السياحة في ذلك العام. وبحلول عام 2011م زاد هذا العدد إلى مليار تقريبا؛ هذا يمثل ~~زيادة قدرها 4000 في المائة في فترة لا تتعدى عمر إنسان واحد (انظر شكل # 9-3 ~~). ومن المحتمل أن يصل عدد الرحلات السياحية الدولية، بمعدل ~~ارتفاعه الحالي، إلى 1,6 مليار بحلول عام 2020م، وفقا لمنظمة السياحة العالمية التابعة ~~للأمم المتحدة. # 9 # شكل 9-3: منذ تطور أنظمة النقل المحوسبة، ارتفع عدد الرحلات السياحية ~~الدولية ارتفاعا بالغا؛ لينمو من نحو خمسة وعشرين مليون رحلة سنويا ~~عام 1950م إلى أكثر من مليار رحلة عام 2015م. # صاحب هذا الارتفاع الهائل في السياحة الدولية نمو مواز في عدد الأشخاص الذين ~~هاجروا من قارة لأخرى ومن دولة قومية لأخرى؛ ففي عام 2013م كان نحو 232 مليون شخص ممن ~~يعيشون على الأرض مهاجرين ولدوا في دولة وانتقلوا للإقامة الدائمة في دولة ~~أخرى؛ # 10 # يزيد هذا العدد عن ضعف عدد سكان كوكب الأرض حين بدأت الحضارات ~~المدنية. # سينتج عن هذه الشبكة العنكبوتية العالمية من التواصل البشري تحول بالغ الأثر في ~~الحياة والمجتمع البشري، مثل أي تحول من تحولات الماضي. في الواقع، عند النظر إلى ~~التغيرات التي أحدثتها تقنية الآلات الدقيقة في المجتمع والثقافة، يتضح لنا أنه من ~~الصعوبة بمكان توقع الآثار النهائية لأي تقنية مهمة بتأمل نتائجها ~~المباشرة. # فمن كان يتوقع أن تطوير صانعي الساعات في القرون الوسطى للآلات الدقيقة - الذي كان ~~مدفوعا بمحض رغبة في إنتاج ساعات أكثر دقة - سوف يؤدي سريعا إلى اختراع آلة الطباعة ~~الحديثة ونمو المعرفة ونهضة الفنون والعلوم في أنحاء العالم الغربي ؛ أو أن العالم ~~المتحضر سيبدأ استخراج الفحم، حين تتزايد حاجة صانعي الساعات للحديد والصلب مستهلكة ~~غابات أوروبا، مما سيؤدي سريعا إلى اختراع المحرك ms266 البخاري بكل آثاره المتعددة على ~~طبيعة التصنيع والسفر والتجارة؛ أو أن نجاح المحرك البخاري سيثمر الثورة الصناعية التي ~~سينتج عنها خلال قرن واحد محرك الاحتراق الداخلي والسيارة والطائرة وانتشار استخدام ~~الطاقة الكهربائية؟ # من كان يتوقع أن تؤدي هذه التقنيات الصناعية في النهاية إلى الانصراف عن إنتاج الغذاء ~~وانتقال الغالبية العظمى من سكان الأرض بأعدادهم الغفيرة من الريف إلى المدن؟ من كان ~~يتوقع أن تؤدي الآلات الدقيقة في النهاية إلى ظهور وسائل الإعلام، ونشأة مجتمع ~~الموظفين، وظهور الآلات المنزلية، وتصحر مساحات من اليابسة، واختلال المناخ العالمي، ~~وانقراض أنواع كثيرة من النباتات والحيوانات، وكل التغييرات الأساسية التي جرت في ~~العادات والتقاليد التي تحكم مؤسسات الزواج ونسيج العائلة، بل وحتى قواعد السلوك ~~الجنسي للبشر؟ # وحيث إن التقنية الرقمية تحرر نوعنا الآن من حدود المكان والزمان التي كانت ~~تقيدنا فيما مضى، فإن التغييرات التي تنتظرنا في المستقبل البعيد لا يمكن تصورها إلى ~~حد كبير، لكننا متأكدون أننا سنشهد في المستقبل القريب تحولا كبيرا واحدا على ~~الأقل؛ ميلاد الحضارة العالمية. # حركة الاندماج الأخيرة # بدأت ظاهرة الاندماج الاجتماعي بين البشر أول ما بدأت خلال العصر الحجري العلوي في ~~عصور ما قبل التاريخ، وقد أطلق شرارتها تقنية التواصل الرمزي؛ فنشأة اللغة والفنون ~~والرموز المرئية أتاحت للجماعات الرحالة في تلك الحقبة - التي كانت كل واحدة منها ~~مكونة من بضع عشرات من الأقارب - أن تتقاسم هوية ثقافية مشتركة مع جماعات رحالة ~~أخرى؛ وبهذا اندمجت في قبائل مكونة من آلاف الأفراد. # وقع الاندماج بين القبائل على نطاق أكبر في أواخر العصر الحجري الحديث، حين اخترع ~~سكان القرى المزارعون في تلك الفترة قوارب نهرية ومركبات ذات عجلات وأنظمة كتابة، ~~واندمجوا في الحضارات المدنية التي ضمت عدة قبائل وكونت مجتمعات بلغ عدد سكانها ~~مئات الآلاف. وأخيرا، حين ابتكرت الثورة الصناعية تقنيات أكثر قوة وكفاءة للسفر ~~والتجارة والاتصال، فإن آلاف الدول المدن التي ظلت باقية منذ فجر الحضارة التحمت خلال ~~أقل من قرنين في أقل من مائتي دولة قومية، تضم أغلبها الآن سكانا ms267 يقدر عددهم ~~بالملايين. # والأسباب وراء حركات الاندماج هذه ليست بلغز؛ فحين يجد الناس أن التفاعل عبر الحيز ~~الجغرافي أسهل يصير تصور الشعوب الأخرى على أنها تنتمي إلى عالمهم المألوف أيسر، ~~وكلما كان تواصل بعضهم مع بعض سهلا زاد احتمال أن يسعوا إلى العثور على لغة مشتركة. ~~وكلما زاد سفر بعضهم إلى مناطق بعض واستقرار بعضهم في أراضي بعض، زاد احتمال أن يتبنى ~~بعضهم عادات وتقاليد بعض. ومع الوقت، يزيد احتمال أن يتناولوا نفس الطعام ويرتدوا نفس ~~الملابس، بل ويحتفلوا بنفس الأعياد. ويصيرون أكثر استعدادا للتناسل وإنجاب أطفال ~~ينشئون في ظل أكثر من مجموعة واحدة من العادات والقيم والسلوكيات. # تميل كل هذه الأشياء إلى تقليل الاختلافات الثقافية بين الجماعات التي كانت فيما مضى ~~متباينة ومتباعدة. وفي النهاية يبدأ الناس الذين كانوا ينتمون من قبل إلى ثقافات ~~مختلفة اختلافا بينا في الانخراط في ثقافة جديدة وأوسع نطاقا، لا سيما إن كانت ~~هذه الثقافة الجديدة تقدم مجموعة من القيم والمؤسسات والتقاليد القادرة على التوفيق ~~بين ثقافات الحقبات الماضية رغم الاختلافات بينها. هكذا يمكن التنبؤ بنتيجة واحدة ~~بثقة من بين النتائج المترتبة على التقدم الهائل الذي أحدثته تقنية المعلومات: أن ~~الجماعات البشرية سوف تندمج في مجموعات أكبر من التي وجدت من قبل على الإطلاق. # إلا أنه هناك دائما في المجتمع البشري قوى جبارة تقاوم التغيير. وفي نفس الوقت ~~الذي تلتحم فيه عدة مناطق مأهولة بالبشر تمر مناطق أخرى بالعملية العكسية، وتنقسم إلى ~~الأجزاء المنفصلة التي كانت مجتمعة في كيان واحد قبل ذلك؛ فالإمبراطوريات السابقة ~~تنقسم إلى أجزاء وتصبح أمما مستقلة. ومن الأمثلة الحية على عملية الانقسام السياسي في ~~الزمن المعاصر انحلال الإمبراطورية الإسبانية، والإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية ~~النمساوية المجرية، والإمبراطورية العثمانية، والاتحاد السوفييتي. وقد تفقد الدول ~~القومية كذلك وحدتها السياسية وتنقسم إلى أجزاء كما حدث في تسعينيات القرن العشرين، حين ~~تفتتت جمهورية يوغوسلافيا السابقة إلى دول مستقلة، هي صربيا وكرواتيا وسلوفينيا ~~ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك. # أخيرا، بينما تموت لغات الثقافات المندثرة فعلى الأقل عادت ms268 الحياة إلى بعض اللغات ~~«الميتة» وصارت لغات حية مرة أخرى؛ فاللغة العبرية التي ظلت قرونا مقتصرة على ~~الطقوس الدينية صارت لغة حديثة يتحدث بها ملايين المواطنين الإسرائيليين بصفة ~~يومية. ويجب ألا ننسى أنه رغم اندماج العالم سياسيا في أقل من مائتي دولة قومية، ~~فما زال هناك في واقع الأمر أكثر من سبعة آلاف لغة يتحدث بها العالم الآن، وتمثل كل واحدة ~~من تلك اللغات جماعة عرقية مستقلة، ذات عادات وتقاليد متمايزة وهوية منفصلة ~~ما زالت باقية، إلا أنه حسب تقديرات خبراء اللغة، تعاني أكثر من ثلث اللغات الموجودة ~~حاليا تدهورا أو في طريقها للاندثار. # 11 # فحركة الاندماج الثقافي تجري بوتيرة أسرع عن أي وقت مضى في تاريخ ~~البشر. # خلاصة ما سبق أنه كما أظهر تاريخ تحولات الماضي بوضوح شديد، فإن كل تقدم مهم في ~~تقنيات التفاعل أفرز في النهاية شكلا من المجتمع الإنساني أوسع نطاقا وأكثر شمولية. ~~والتطورات التي حدثت في تقنيات التفاعل التي كان مصدرها تطور التقنيات الرقمية هي ~~الأكثر زخما على مدار التاريخ الإنساني بأكمله. من الأرجح أن تستمر هذه العملية ~~الأساسية حتى تبلغ نهايتها: حركة اندماج نهائي؛ إذ تتحرك البشرية على مهل للاتحاد في ~~كيان أكبر لتصبح ثقافة إنسانية عالمية جديدة - باختصار، ميلاد حضارة عالمية. ~~••• # حين يبدأ مجتمع وثقافة عالمية في التشكل، لن يكون المزيد من الاندماج بين البشر ~~ممكنا أو ضروريا. كذلك لن تكون حركة الاندماج الأخيرة والنهائية هذه معناها أن أيا ~~من الجماعات البشرية التي نشأت بالفعل ستختفي من الوجود. فالتاريخ يبرهن لنا أن ~~الجماعات البشرية التقليدية التي انبثقت عن تحولات سابقة - الأسر والعشائر والقبائل ~~والأحياء والقرى والبلدات والمدن والأقاليم والدول والأمم -احتفظت كلها بهوياتها، ~~وحافظت على وحدتها، وظلت هي المتحكمة في مجالات الحياة الملائمة لها، حتى مع ظهور ~~كيانات أكبر وأكثر شمولية. # في الفصل التالي والأخير، سنتناول بالبحث القوى المتعددة - التي أطلقت لها العنان ~~التقنيات نفسها التي جعلتنا بشرا - والتي صارت تهدد استمرار كوكبنا على المدى الطويل ~~وشبكته الهشة من أشكال الحياة. كذلك سنأخذ ms269 في الحسبان احتمال استخدام البشر لقوى ~~التقنية الرقمية بهدف إنشاء كيانات عالمية جديدة قادرة على إدارة موارد الأرض - ليس ~~لمصلحة دولة واحدة وإنما لمصلحة البشرية جمعاء، وكل أشكال الحياة الأخرى على ظهر ~~البسيطة. # الفصل العاشر # | عالمنا على حافة الهاوية # هل البشر متجهون إلى كارثة كوكبية؟ # العالم مكان خطير للعيش فيه؛ ليس بسبب من يقترفون الشرور، وإنما بسبب أولئك الذين ~~يرونهم دون أن يحركوا ساكنا. # ألبرت آينشتاين، «محادثات مع كازالز» # في الحادي والعشرين من يوليو عام 1969م، صار رائدا الفضاء نيل آرمسترونج وباز آلدرين أول ~~اثنين من البشر - وقطعا أول كائنات أرضية - يطآن سطح القمر بأقدامهما، وقد تبعهما على مدار ~~ثلاث السنوات والنصف التالية عشرة آخرون. وربما كان مشهد الأرض من أعماق الفضاء هو الأوقع ~~بين كل المشاهد والتجارب الفريدة التي جاءت مع الهبوط على سطح القمر، من حيث تأثيره على ~~رواد الفضاء أنفسهم. # يتذكر فرانك بورمان، قائد بعثة أبولو 8، تجربة رؤية كوكب الأرض، بكل بهائه وتعدد ~~ألوانه، طافيا في الفضاء على بعد ربع مليون ميل تقريبا؛ إذ كتب قائلا: «تصادف أن نظرت ~~من إحدى النوافذ التي كانت ما زالت رائقة في نفس اللحظة التي بدت فيها الأرض فوق أفق ~~القمر؛ وقد كان أجمل مشهد يأسر الألباب رأيته في حياتي، مشهد أرسل بداخلي حنينا جارفا، ~~واشتياقا بالغا للوطن.» # 1 # وقد علق جيمس لوفيل، ربان وحدة القيادة، ذات مرة قائلا: «لم يكن أكثر ~~المشاهد التي بهرتني مشهد القمر، ولا الجانب النائي الذي لا نراه قط، ولا الفوهات ~~القمرية، بل كان مشهد الأرض ...» # 2 # إلا أن مستقبل كوكبنا الفريد الذي ليس له بديل تتهدده الآن التقنيات نفسها التي جعلتنا ~~بشرا تهديدا خطيرا كما لم يحدث من قبل قط؛ فالكوارث البشرية من حروب وتلوث وتصحر ~~وانقراض للأنواع وتغير للمناخ - التي انبثقت كلها من براعاتنا التقنية - جعلت العالم الحي ~~على المحك. لكن قبل أن نبحث كل تهديد من هذه التهديدات بالتفصيل، لا بد أن نفكر مليا في ~~أحد الأسئلة الجوهرية في عصرنا. هل نستطيع أن ms270 نهرب من الشرور التي خلقناها بأيدينا بأن نترك ~~الأرض وراءنا ونبدأ من جديد؟ هل نستطيع بناء حياة أفضل للبشرية على أرض بكر لكوكب ~~آخر؟ # هل نستطيع استعمار كواكب أخرى؟ # ثمة فكرة صارت شائعة في السنوات الأخيرة، حيث يتصور أن أجيال المستقبل من البشر ~~سيفرون من مشكلات الأرض باستخدام تقنيات متطورة لاستعمار كواكب أخرى، لكن حتى إن ~~تجاهلنا التحدي اللوجيستي الهائل المتمثل في إطلاق مئات آلاف الأطنان من المؤن ~~والمعدات في الفضاء - وفكرنا فقط في الظروف البيئية التي نعلم بوجودها في كواكب أخرى ~~- فلن يبدو هدف استعمار أجرام سماوية أخرى غير واقعي فحسب، بل متعذرا فعليا أيضا، ~~بحكم الواقع. # أما قمر كوكب الأرض فهو عالم صامت خال من الهواء يتكون من صخور صماء وغبار لا ~~حياة فيه. واليوم الواحد على القمر يوازي ثمانية وعشرين يوما على الأرض، ودرجات ~~الحرارة على سطح القمر خلال نهار هذه «الأيام» القمرية ساخنة لدرجة تكفي لغليان المياه، ~~بينما قد تنخفض درجات الحرارة خلال هذه «الليالي» القمرية لنحو 300 درجة تحت الصفر على ~~مقياس فهرنهايت. # كوكب عطارد من ناحية أخرى هو كرة عديمة الهواء من الحديد والصخور تدور ببطء شديد، ~~حتى إن اليوم الواحد على عطارد يستمر شهرين تقريبا من أيام كوكب الأرض؛ ولهذا السبب ~~ترتفع درجات الحرارة على سطح عطارد إلى 650 فهرنهايت خلال «النهار»، وتنخفض إلى 274 تحت ~~الصفر خلال «ليل» عطارد. # أما كوكب الزهرة فتكتنفه غيوم ملتفة من حامض الكبريتيك، وغلافه الجوي كثيف، حتى إن ~~الضغط الجوي على سطح الكوكب ثقيل جدا؛ إذ يبلغ 1350 رطلا لكل بوصة مربعة؛ هذا أكثر ~~92 مرة من الضغط الجوي على الأرض البالغ 14,7 رطلا لكل بوصة مربعة عند مستوى سطح ~~البحر، وهو في الواقع يعادل الضغط الذي سيشعر به الغواص عند الغوص نصف ميل تحت البحر. ~~وبسبب «تأثير الاحتباس الحراري الجامح» لغلافه الجوي المشبع بثاني أكسيد الكربون، ترتفع ~~درجات الحرارة على سطح كوكب الزهرة بشكل دائم عن ثمانمائة درجة فهرنهايت، وهي حرارة ~~كافية لإذابة معظم المعادن اللينة، ms271 ومن بينها الرصاص والزنك. # وكوكب المريخ أرض قاحلة متجمدة من الصخور والغبار حمراء اللون بسبب تركز أكسيد ~~الحديد بها بدرجة مرتفعة. ويصل متوسط درجات الحرارة على سطح المريخ إلى 80 درجة تحت ~~الصفر على مقياس فهرنهايت. الغلاف الجوي للمريخ أرق مائة مرة من الغلاف الجوي للأرض، ~~ويتكون 95 في المائة من هذا الغلاف الجوي من ثاني أكسيد الكربون، مع وجود قدر ضئيل من ~~الأكسجين. وبالإضافة إلى درجات الحرارة القاسية والهواء غير الصالح للتنفس، تضرب ~~العواصف الترابية العاتية المريخ بانتظام، وقد تستمر شهورا متتالية، وكثيرا ما يزيد ~~حجمها فتحيط بالكوكب بأكمله. # المشتري وزحل ونبتون وأورانوس - «عمالقة الغاز» في نظامنا الشمسي - تتكون من لب من ~~الجليد والصخور أكبر من الأرض مغطى بغلاف جوي سميك من الهيدروجين والهيليوم، ومدفون ~~تحت محيطات مترامية من الهيدروجين والهيليوم المسيلين يصل عمقها لآلاف الأميال. ليس ~~لأي من هذه الكواكب أي «أسطح» حقيقية بالمعنى الطبيعي للكلمة، وإنما مناطق طرية حيث ~~تنضغط الغازات فتتحول إلى سوائل، وحيث تنضغط السوائل فتتحول إلى مواد صلبة، وكلها ~~مخفية في ظلام دامس ودائم. # حين نضع في الاعتبار قسوة بيئة الكواكب الأخرى التي في مجموعتنا الشمسية على كل أشكال ~~الحياة المعروفة، نجد أنه لا يوجد بينها مرشح مقبول للاستيطان البشري. ولا شك أنه ~~سيكون حلا عمليا أفضل بكثير - وأسهل - أن نستوطن قارة أنتاركتيكا الشاسعة غير ~~المأهولة، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 20 و50 تحت الصفر فحسب، وحيث الهواء قابل ~~تماما للتنفس وغني بالأكسجين، وحيث السماء زرقاء. لكن لما كانت خامس أكبر قارات الأرض ~~مفتقرة لعنصر الرومانسية الخيالية الذي يلف الكوكب الأحمر، لم يحدث إقبال لاستيطانها ~~على وجه العموم. # لكن ماذا عن «الكواكب الشبيهة بالأرض» التي اكتشفها علماء الفلك في مجموعات شمسية ~~أخرى قريبة؟ هل يمكن أن يوفر أحدها موطنا ثانيا لفائض السكان من البشر الذين قد ~~يفيض بهم سطح الأرض قريبا، مع وضع معدل الزيادة السكانية الحالي في الاعتبار؟ # رغم أن علماء الفلك بوجه عام متفقون على أن الكون يحتوي على عدة كواكب أخرى ms272 شبيهة ~~بالأرض، فكل هذه العوالم بعيدة جدا، حتى إننا لا نعرف عن مناخاتها أو سمات سطحها سوى ~~القليل جدا. يعتقد أن أقرب الكواكب الشبيهة بالأرض لمجموعتنا الشمسية يدور في فلك ~~النجم تاو قيطس، الواقع على بعد اثنتي عشرة سنة ضوئية من الأرض، لكن الكوكب الذي ~~يعتقد أن مناخه من الأرجح أن يكون شبيها بالأرض يسمى «جليزا 832 سي»، الواقع على بعد ~~ست عشرة سنة ضوئية من الأرض. # 3 # حسب التقديرات يعادل حجم جليزا 832 سي خمسة أضعاف حجم الأرض؛ وبهذا يصل وزن الشخص ~~الذي يزن 160 رطلا على سطح الأرض إلى 800 رطل على سطح جليزا 832 سي؛ مما يجعل من ~~العسير على الشخص العادي أن يقف أو يسير، لكن لنفترض جدلا أن مشكلة الجاذبية يمكن ~~حلها بطريقة ما، ربما بربط دعامات معدنية لدعم الجسم تحت وطأة هذا الضغط الهائل، لكن ~~حتى في هذه الحالة سيظل علينا حل مشكلة خطيرة، وهي كيفية بقاء مجموعة من البشر على ~~قيد الحياة طوال رحلة الانتقال الطويلة من مجموعتنا الشمسية إلى هذه المجموعات الشمسية ~~«المجاورة». # يفلت الصاروخ الفضائي النموذجي من جاذبية الأرض بالانطلاق بسرعة 18 ألف ميل في الساعة ~~تقريبا. بعثة وكالة ناسا «نيو هواريزونز»، التي صممت لاكتشاف المنطقة الواقعة خارج ~~مجموعتنا الشمسية، بلغت سرعة انطلاقها 36 ألف ميل في الساعة، وهو ما عزز سرعة المركبة ~~الفضائية لتصل إلى 100 ألف ميل في الساعة، عند اقترانها بسرعة مدار الأرض حول الشمس. ~~رغم أن هذه السرعة كانت كافية للإفلات من جاذبية الشمس، فإن سرعة نيو هورايزونز تراجعت ~~إلى 31 ألف ميل في الساعة حين غادرت المجموعة الشمسية فعليا. # في عام 2018م من المخطط أن تستخدم البعثة التي نظمتها ناسا المسماة «سولار بروب ~~بلاس» (المسبار الشمسي) «تأثير المقلاع» لجاذبية الشمس من أجل الوصول إلى سرعة مذهلة ~~تصل إلى 450 ألف ميل في الساعة أثناء الدوران حول الشمس، وتكفي هذه السرعة للسفر من ~~الأرض إلى القمر في ثلاثين دقيقة، لكن حتى إن استطاعت مركبة فضائية قادرة على ms273 حمل بشر ~~أحياء بالإضافة إلى كل متاعهم ومعداتهم - حتى أثناء مجابهة جاذبية الشمس - أن تبلغ سرعة ~~450 ألف ميل في الساعة أثناء انطلاقها من المجموعة الشمسية، فسيكون عليها السفر في ~~الفضاء أربعة وعشرين ألف عام تقريبا قبل أن تصل إلى جليزا 832 سي. # 4 # ومن الصعب تخيل أن يستطيع حفنة من البشر الحياة داخل حدود مركبة فضائية ~~لمدة تكاد تفوق خمسة أضعاف تاريخ الحضارة الإنسانية بأسره، بل من الأصعب تخيل كيف ~~سيبدو هذا العدد الصغير من سكان تلك المركبة الفضائية بعد أكثر من سبعة أجيال من زواج ~~الأقارب. # لنفترض أن إحدى حضارات المستقبل سوف تخترع تقنية نجهلها نحن الآن، وتستطيع التغلب ~~على قوانين الفيزياء المعروفة، وتنجح في صنع مركبة فضائية صالحة للعمل وقادرة على السفر ~~بسرعة قريبة من سرعة الضوء، فهل ستستطيع مثل هذه التقنية أن تفتح الكون أمام استيطان ~~البشر للفضاء؟ # لكن حتى في هذا السيناريو المستبعد تماما سيظل على هؤلاء المستوطنين الفضائيين ~~البقاء على قيد الحياة لعدة سنوات في الفضاء من دون أجهزة إعاشة من كوكبهم الأصلي قبل ~~أن يصلوا إلى موقع أقرب كوكب شبيه بالأرض؛ لذلك سيحتاج هؤلاء المستعمرون إلى بنية ~~تحتية تقنية قادرة على توفير موارد ثابتة من الغذاء والدفء والهواء القابل للتنفس أثناء ~~سفرهم لسنوات عدة في الفضاء الحالك. حتى الآن فشلت أفضل جهود التقنيات الحديثة تماما ~~في تزويد البشر بوسيلة للبقاء على قيد الحياة إلى أجل غير مسمى بمجرد انقطاع كل ~~اتصال مادي بالغلاف الحيوي، الذي هو إجمالي كل أشكال الحياة والأنظمة البيئية التي ~~تغطي وجه الأرض. # 5 # الحياة من دون الغلاف الحيوي # تتطلب أي محاولة لاستيطان عوالم أخرى إنشاء نظام بيئي اصطناعي قادر على دعم حياة ~~الإنسان دون الاتصال بالغلاف الحيوي للأرض، وقد أجريت محاولة للقيام بذلك بالضبط عام ~~1991م، ولكن ليس على كوكب آخر، وإنما في البيئة الأرضية المعتدلة نسبيا في جنوب غرب ~~الولايات المتحدة؛ فقد أقيمت منطقة مسيجة من ثلاثة فدادين بتكلفة 200 مليون دولار ~~سميت الغلاف الحيوي الثاني # 6 # في ms274 صحراء سونوران بالقرب من مدينة توسون في ولاية أريزونا؛ لتكون بمثابة ~~نموذج لبيئة ذاتية الدعم يمكن تكرارها في مستوطنة خارج الأرض. وقد سكنها مجموعة من ~~ثمانية أشخاص سموا أنفسهم سكان الغلاف الحيوي. # شكل 10-1: كان الهدف من الغلاف الحيوي الثاني توضيح كيف يمكن للبشر العيش على ~~كواكب أخرى، لكنه أثبت عوضا عن ذلك أنه لا يمكن للحياة أن تستديم ~~بمجرد انقطاع الاتصال بالأنظمة البيئية الطبيعية للأرض. (لقطة لغروب ~~الشمس في الغلاف الحيوي الثاني من تصوير جون دي ديوس. منشورة بموجب ~~رخصة المشاع الإبداعي من ويكيميديا كومونز.) # كان الرجال الأربعة والنساء الأربع الذين تطوعوا لهذه المهمة اعتزموا العيش داخل ~~هذه المنطقة لسنتين، متكفلين بسبل الإعاشة دون أي موارد خارجية من هواء أو طعام أو ~~مياه، وكان الغلاف الحيوي الثاني مجهزا بالتربة والمياه والزرع والحيوانات، وكذلك ضم ~~بحرا صغيرا، وبيئة سافانا، ومستنقع مانجروف، وغابة مطيرة، وصحراء، ومزرعة. كان الهدف ~~أن تتفاعل هذه البيئات المتنوعة وأجواءها لتكون نظام إعاشة مستقلا يستطيع البشر أن ~~يعيشوا فيه إلى أجل غير مسمى. # في سبتمبر عام 1991م عبر سكان الغلاف الحيوي الحواجز الهوائية للغلاف الحيوي الثاني، ~~وبدءوا مهمتهم التي استمرت عامين، لكن رغم توفر دعم تقني ومالي هائل من خارج ~~المنطقة، أثبتت تجربة الغلاف الحيوي الثاني كيف يمكن أن ينهار نظام بيئي سريعا حين ~~ينقطع اتصاله بالغلاف الحيوي الطبيعي (انظر شكل # 10-1 ~~). # طوال العام الأول من المهمة فشلت المزرعة التي أقيمت داخل الغلاف الحيوي الثاني في ~~توفير غذاء كاف للطاقم. خلال الاثني عشر شهرا الأولى شعر سكان الغلاف الحيوي بجوع ~~مستمر، وسيطر عليهم القلق من ندرة الغذاء، وفقدوا قدرا كبيرا من أوزانهم. ومع نهاية ~~العام الأول انقسم سكان الغلاف الحيوي إلى فئتين متعارضتين كان الكلام بينهما شبه ~~منعدم. # رغم انتشار النباتات الخضراء ظلت معدلات الأكسجين تنخفض باستمرار داخل المنطقة، حتى ~~وصلت في النهاية إلى المعدل الطبيعي الموجود عند ارتفاع 17500 قدم. وفي الوقت ذاته ~~ارتفعت معدلات ثاني أكسيد الكربون ارتفاعا بالغا، متذبذبة بشدة من يوم لآخر. هكذا ms275 ~~اضطر مديرو المشروع إلى ضخ الأكسجين في المنطقة المسيجة مرة بعد أخرى، خوفا ~~على صحة الفريق، منذ الشهر السابع عشر من بدء التجربة. # وبمرور الوقت صار الجو داخل الغلاف الحيوي الثاني مشبعا بأكسيد النيتروز، حتى وصل ~~أخيرا إلى معدلات هددت الفريق بتلف دائم في المخ. بالإضافة إلى هذا، أدى سكون ~~الهواء داخل المنطقة المسيجة إلى ضعف وتقصف جذوع الأشجار وفروعها؛ إذ إنها تتقوى ~~بحركة الرياح في الظروف الطبيعية، وصارت معرضة لما أسماه العلماء فيما بعد «انهيارات ~~كارثية خطيرة». في الوقت نفسه، تكاثر نمو لبلاب مجد الصباح ليضيق الخناق على ~~النباتات والأشجار الأخرى، وتطلب الأمر اجتثاثه باستمرار. # وماتت كل أنواع حشرات التلقيح التي أحضرت إلى الغلاف الحيوي؛ مما حال دون تكاثر ~~النباتات الزراعية، وأكد أنها لن تعيش أكثر من معدل عمرها الطبيعي. كذلك ماتت أغلب ~~الحشرات الأخرى، تاركة الغلاف الجوي الثاني في نهاية الأمر تجتاحه كلية أسراب من ~~الصراصير و«النمل المجنون الطويل» التي أخذت تنطلق عشوائيا في كل الاتجاهات. # 7 # أما المناطق التي كان يزمع أن تكون صحراوات فتحولت إلى غابات حرشية ومروج، وصارت ~~شبكات المياه مشبعة بالمغذيات الكيميائية، حتى إنه صار من الضروري أن تجري المياه كلها ~~فوق حصر طحلبية سميكة كان لا بد أن تجمع وتجفف وتخزن دوريا داخل المنطقة. ~~وأخيرا، لم يبق على قيد الحياة من الخمسة والعشرين نوعا من الطيور والثدييات ~~والأسماك والزواحف التي دخلت الغلاف الحيوي الثاني في البداية سوى ستة أنواع مع انتهاء ~~التجربة بعد أربعة وعشرين شهرا. # في تقرير واقعي حول الدروس المستفادة من الغلاف الحيوي الثاني نشر عام 1996م، ~~توصل عالم الأحياء جويل إيه كوهين وعالم البيئة جي ديفيد تيلمان إلى أنه «لا يوجد في ~~الوقت الحاضر بديل أكيد للحفاظ على استمرارية الأرض. فلا يعلم أحد بعد كيفية تخطيط ~~أنظمة تمد البشر بخدمات الإعاشة التي تنتجها الأنظمة البيئية الطبيعية ~~مجانا.» # 8 # لا يوجد سوى عالم واحد نعرفه يمكنه دعم البشر بسبل الحياة، وهو كوكبنا الأخضر ~~المزرق الذي أذهل رواد الفضاء وأبهجهم للغاية لدى ms276 رؤيته خلال رحلاتهم إلى القمر؛ ~~فليس لدينا وطن آخر، ولا يمكننا تنفس هواء آخر، ولا يمكن لكوكب آخر أن يمدنا ~~بالغذاء. الأرض هي نظام الإعاشة الوحيد على الإطلاق المتاح للنوع البشري، ولا نملك ~~بديلا آخر للحفاظ على سلامة الغلاف الحيوي وحياته حتى نظل نحن أنفسنا في صحة ~~وأحياء. وأي شيء آخر هو خيال علمي ووهم. # آلات الحرب وآلات الهلاك # حين اقترنت الأسلحة النارية الحديثة بمركبات وطائرات تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، ~~بلغت آلات الحرب الحديثة قدرة على القتل والتدمير لم يكن القادة العسكريون لجيوش العصور ~~القديمة والوسطى ليتخيلوها في أكثر أحلامهم تطرفا؛ فقد مات أكثر من مائة مليون شخص ~~في الحروب خلال القرن العشرين وحده، وهو ما يعادل على الأقل أربعة أضعاف عدد الناس ~~الذين كانوا يعيشون على كوكب الأرض حين نشأت الحضارات المدنية الأولى، لكن رغم الحال ~~المرعب الذي وصلت إليه آلات الحرب الحديثة تتضاءل قدرتها التدميرية مقارنة بالأسلحة ~~النووية؛ آلة الهلاك في الحضارة المعاصرة. # رغم أننا لم نعد نفكر إلا نادرا على ما يبدو فيما يشكله الدمار النووي الحراري من ~~خطورة، فإنه يعد أقرب الأخطار التي تهدد الأحياء العاقلة في تاريخ نوعنا؛ فهناك الآن ~~مئات القذائف الباليتسية العابرة للقارات والغواصات النووية وقاذفات القنابل المزودة ~~بآلاف الأسلحة الحرارية النووية التي تستهدف المراكز السكانية الرئيسية في العالم بهدف ~~محدد، وهو القضاء عليها. إذا استخدمت هذه الأسلحة بالفعل من أجل الغرض المحدد لها ~~فلا شك أنها ستقضي على الحضارة الإنسانية، وربما تبيد النوع البشري، وقد تبيد كل ~~أشكال الأحياء الذكية الأخرى التي تشاركنا هذا الكوكب. # شكل 10-2: تنعكس التغييرات في المناخ العالمي في عينة جوفية جليدية أخذت في ~~محطة أبحاث فوستوك في أنتاركتيكا. تظهر هذه البيانات ارتباطا جليا ~~بين مستويات الغبار الجوي وانخفاض درجات الحرارة عالميا خلال العصور ~~الجليدية الأربعة الأخيرة. (الرسم من تصميم المؤلف استنادا إلى بيانات ~~فوستوك بيتي. بتصريح من الترخيص 3,0 المشاع الإبداعي عبر ويكيميديا ~~كومونز.) # حاليا تمتلك تسع دول قومية كل الأسلحة النووية التي في العالم اليوم، وهي ms277 الولايات ~~المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا ~~الشمالية. # 9 # ورغم أن إجمالي عدد الأسلحة الحرارية النووية التي تمتلكها هذه الدول ~~التسعة هو سر في طي الكتمان، فإن اتحاد العلماء الأمريكيين القائم في واشنطن العاصمة ~~يواظب على جمع تقديرات بها، وينشرها دوريا في دورية «بولتين أوف آتوميك ~~ساينتيستس». # 10 # ووفق تقديرات هؤلاء العلماء فإنه في عام 2013م كانت الولايات المتحدة ~~وروسيا تملكان معا ستة عشر ألف رأس نووي على الأقل، بينما امتلكت السبع دول الأخرى ~~مجتمعة ألفا أخرى على الأقل. # تمثل هذه الأسلحة النووية مجتمعة إجمالي القوة التفجيرية لمائة وستين مليار طن من ~~مادة ثالث نترات التولوين تي إن تي؛ أي بمعدل نحو ثلاثة وعشرين طنا من ثالث نترات ~~التولوين لكل إنسان على الأرض، لكن حيث إن ما يستخدم من هذه الأسلحة في المرة الواحدة ~~لا يتعدى 25 في المائة منها فقط، فإن القوة التفجيرية التي قد تستخدم في الحال تبلغ ~~نحو ستة أطنان من ثالث نترات التولوين لكل شخص حي اليوم. تعادل الستة أطنان من ثالث ~~نترات التولوين نحو خمسة عشر ألف قطعة ديناميت، وهو أكثر من كاف لقتلك أنت وأفراد ~~أسرتك، وتدمير منزلك، ودك مقر عملك ومدارسك والشركات التي تتعامل معها، وكل الأماكن ~~التي ترتادها من أجل الطعام والترفيه والتأمل والعبادة. باختصار، القوات النووية ~~المستخدمة في الوقت الحالي أكثر من كافية لتدمير كل ما أقامته البشرية منذ فجر ~~الحضارة. # يبين لنا التاريخ أن الناس والمجتمعات لا تقدم عادة على التخلص من التهديد الذي ~~يتربص بسلامتها حتى يطرأ حدث ما يبرهن على خطورة ذلك التهديد برهانا حيا. من ثم ~~يبدو من المحتمل أن تبقى البنية التحتية للحرب الحرارية النووية في مكانها حتى تستنفر ~~واقعة ليست في الحسبان ومأساوية الرأي العام، وتجعل العالم يعود إلى صوابه، مثل تفجير ~~سلاح حراري نووي في منطقة حضرية كبرى ليقتل ملايين الأشخاص. لا شك أن واقعة من هذا ~~القبيل ستؤدي إلى نداء عاجل وقوي بنزع السلاح النووي، لكنه سيكون بالتأكيد ثمنا ~~فادحا ms278 مقابل إجراء كان لا بد أن يتخذ منذ زمن طويل باعتباره إجراء ~~منطقيا. # شكل 10-3: رغم أن انقراض أنواع النباتات والحيوانات طالما كان عملية مستمرة ~~طوال تاريخ الحياة على الأرض، فإن عدد الأنواع التي تنقرض سنويا شهد ~~زيادة هائلة منذ بداية القرن العشرين. # من المؤكد أن صناعة آلة الهلاك النووية - واستمرار صيانتها وتطويرها طوال السبعين ~~سنة الماضية - كان أحد أفظع حالات الجنون الجماعي في تاريخ النوع الإنساني؛ فلم توجد ~~قط طوال ملايين السنين التي سكن فيها البشر هذا الكوكب تقنية قادرة على إلحاق القدر ~~نفسه من الإبادة الذاتية الجماعية من على بعد. وفيما هو بالتأكيد أكبر مفارقة في ~~تاريخ البشر، تبنت البشرية آلة الهلاك كوسيلة «ضرورية» لتحقيق «الأمن» القومي، وقد ~~عاش المجتمع الحديث طويلا مع هذا الواقع الغريب حتى صار متراضيا تراضيا غريبا مع ~~خطر الإبادة النووية. بيد أن آلة الهلاك النووي واقع؛ فهي نشطة وقابلة للعمل ومستعدة ~~لتدمير البشرية جمعاء، وتستطيع أي قوة من قوى العالم النووية تفعيلها في غضون ~~دقائق. # ومع ذلك فقد انخفض فعليا احتمال أن يموت أي منا في الحروب بدرجة كبيرة منذ العصر ~~الحجري القديم. والمائة مليون شخص الذين قضوا نحبهم في الحروب خلال القرن العشرين لا ~~يمثلون سوى واحد في المائة من السكان الذين عاشوا على كوكب الأرض خلال فترة المائة عام ~~تلك. على النقيض، تبين الدراسات الإثنية أنه في أشد مجتمعات الصيد وجمع الثمار ميلا ~~للقتال يموت نصف الذكور البالغين نتيجة للتقاتل العنيف مع بشر آخرين. ورغم أن معدل ~~القتل في الحروب قد يكون فظيعا في المجتمعات الحديثة، فإن الحروب الحديثة تميل إلى ~~التقطع، على عكس الحروب المتواصلة إلى حد ما التي شوهدت في العديد من مجتمعات ما ~~قبل الصناعة. ودائما ما تمر بالدول القومية الحديثة عقود من السلام بين حروبها ~~الدامية، كما استطاعت بعض الدول - مثل سويسرا على سبيل المثال - تجنب الحرب طوال ~~أجيال مع الدول الأخرى. # قبل وقوع مأساة الحادثة النووية المروعة يمكن استخدام ترسانة العالم النووية - ~~بما في ذلك القذائف ms279 الباليستية المصممة لإرسالها إلى أهدافها - في أغراض أخرى، بل ~~ولا بد من ذلك؛ فبدلا من توجيه قذائف بعضنا النووية إلى بعض وخلق خطر دمار ذاتي دائم، ~~لا بد أن نوجهها إلى خطر متربص بحياة كل البشر؛ أحد الكويكبات الكبيرة ~~المتعددة المحلقة في الفضاء. إذا اصطدمت أحد هذه الكويكبات التي يصل قطرها لأميال ~~بالأرض في وقت ما في المستقبل - مثلما حدث بالفعل عدة مرات في التاريخ الجيولوجي - ~~فسوف يثير هذا في الغلاف الجوي غبارا كافيا لحجب ضوء الشمس عن سطح الأرض. # رغم أن علماء الفلك أكدوا لنا أن الاصطدام بكويكب كبير هو حدث نادر جدا غير ~~محتمل الحدوث في المستقبل المنظور، فإن ما حدث من قبل من الممكن أن يحدث مرة أخرى. ~~وسيكون لذلك الاصطدام آثار كارثية على الغلاف الحيوي؛ فمن الممكن أن يبيد أغلب ~~النباتات الخضراء على الأرض ويخفض مستويات الأكسجين إلى حد خطير، كما ستظل سحب ~~هائلة من الغبار سابحة في الغلاف الجوي لسنوات؛ لتحجب الشمس وتؤدي إلى عصر جليدي قد ~~يكون أشد من أي عصر جليدي سابق في التاريخ الجيولوجي الحديث. # لكن من الممكن أن تؤدي سلسلة من الانفجارات في الأوقات المناسبة على سطح الكويكب ~~المتجه نحو الأرض إلى انحرافه عن مساره ومروره دون إيقاع ضرر، أو تحطمه إلى ملايين ~~القطع الصغيرة، يحترق أغلبها في الغلاف الجوي قبل أن يصل إلى الأرض. لا شك أن هذه ~~المهمة ستكون أكثر رشدا للترسانة النووية من مهمتها الحالية في التعجيل بموعد نهاية ~~الحضارة الإنسانية. # التلوث والبلاستيك # بدأ التلوث الجوي الخطير على يد البشر على نطاق عالمي منذ ألفي عام على الأقل، ~~عندما بدأ الرومان في صهر كميات كبيرة من النحاس. ثمة أدلة أخرى على التلوث الجوي ~~بالنحاس كذلك من العصور الوسطى، عندما كان صهر النحاس منتشرا في كل من أوروبا والصين؛ ~~إذ تشير التقديرات إلى إطلاق ما يقرب من ألفي طن من النحاس في الغلاف الجوي كل عام ~~خلال هاتين الفترتين. # بيد أن التلوث الناجم عن نشاط الإنسان تسارعت وتيرته بدرجة ms280 هائلة مع قدوم الثورة ~~الصناعية؛ فقد تدفقت كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين وأول ~~أكسيد الكربون والميثان والبوتادين والبنزين والتولوين والزيلين وسائر المذيبات ~~النفطية والمنظفات والكلوروفورم والمبيدات الحشرية ومبيدات الحشائش والأمونيا ~~والأحماض والنترات والفوسفات والمعادن الثقيلة والمستحضرات الدوائية في الغلاف الجوي ~~للأرض وتربتها ومجاريها المائية ومحيطاتها، وينتهي الحال بالكثير من هذه الملوثات في ~~البحر. # شكل 10-4: زادت كمية الكربون المنبعث في الغلاف الجوي كل عام في شكل ثاني أكسيد ~~الكربون من حرق الوقود الأحفوري من ثلاثة ملايين طن في عام 1750م، إلى ~~54 مليون طن في عام 1850م، إلى 1,63 مليار طن في عام 1950م. تجاوزت ~~انبعاثات الكربون 9 مليارات طن في السنة في عام 2010م، ومن المتوقع ~~أن تتجاوز 15 مليار طن سنويا بحلول عام 2025م. # بالإضافة إلى الكميات المتزايدة من الكيماويات السامة، تحتوي المحيطات اليوم على ~~كمية تقدر بمائة مليون طن من البلاستيك، ترسبت كلها تقريبا بدءا من منتصف القرن ~~العشرين. تحتوي محيطات العالم على مناطق معروفة باسم «الدوامات المحيطية»، حيث تجعل ~~الرياح والتيارات مياه البحار تدور في دوامات حلزونية هائلة، وقد جرفت هذه الدوامات ~~النفايات البلاستيكية العائمة في المحيطات إلى برك ضخمة للغاية. أكبر هذه البرك هو ~~دوامة نفايات المحيط الهادئ، الواقعة بين جنوب شرق آسيا والساحل الغربي لأمريكا ~~الشمالية. بحلول عام 2014م كانت دوامة نفايات المحيط الهادئ قد صارت أكبر حجما من ~~الجزء القاري من الولايات المتحدة الأمريكية. # بيد أن الغلاف الحيوي أظهر مرونة كبرى في مواجهة التلوث الذي صنعه الإنسان؛ فالمجاري ~~المائية التي كانت فيما مضى شديدة التلوث تعافت بحياة برية جديدة بعد تطهير مياهها ~~الملوثة، كما تحسنت جودة الهواء للغاية في لوس أنجلوس في السنوات الأخيرة، وهي التي ~~كانت عاصمة الضباب في الماضي. # 11 # ورغم أن التلوث ما زال يمثل مشكلة خطيرة في الصين والهند ودول نامية ~~أخرى، فإن التجربة تبرهن على أنه من الممكن إيقاف التلوث ورد آثاره، حين يكون الناس ~~مستعدين لتحمل التكلفة العامة والخاصة التي ينطوي عليها إنهاء ms281 التلوث. # الغابات الآخذة في التلاشي # بدأت إزالة الإنسان للغابات في عصور ما قبل التاريخ؛ إذ بدأت أول ما بدأت في وديان ~~أنهار أوروبا منذ عشرة آلاف عام تقريبا، حين استخدمت شعوب ثقافة الخزف الخطي وشعوب ~~أخرى عاشت في أوائل العصر الحجري الحديث مطارق حجرية مصقولة في قطع الأشجار التي كانت ~~تنمو على امتداد ضفاف الأنهار الكبرى لاستصلاح الأرض من أجل الزراعة. # وقد تسارعت وتيرة إزالة الغابات خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، حين بدأت ~~المجتمعات المدنية في منطقة الهلال الخصيب قطع غابات الشرق الأوسط القديم لتوفير ~~الأخشاب من أجل بناء المعابد والقصور والسفن العابرة البحار التي صاحبت نشأة الحضارة ~~المدنية. فقد أهلكت أشجار الأرز اللبنانية المشهورة في الكتاب المقدس من أجل بناء سفن ~~صالحة للإبحار يستخدمها الفينيقيون والإغريق الذين جلبوا الحضارة إلى الأراضي ~~المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط، وجردت الأراضي المنخفضة الغرينية في شرق الصين ~~تدريجيا من غاباتها مع انتشار الزراعة في أنحاء الأودية العظمى لأنهار الأصفر ~~واليانجتسي واللؤلؤ. # سارع من وتيرة إزالة غابات شمال أوروبا تزايد استخدام الحديد والصلب خلال أواخر ~~العصور الوسطى، حين أزيلت غابات كاملة لتوفير الفحم النباتي للأفران العالية التي ~~كانت تستخدم في صهر خام الحديد. وعندما اخترع القارب البخاري في أوائل القرن التاسع ~~عشر، دمرت مساحات كبيرة من الغابات التي كانت تنمو على ضفاف نهر المسيسيبي في ~~الولايات المتحدة باستهلاك نهم للأشجار؛ لتغذية أفران حرق الأخشاب في السفن البخارية ~~المزودة بعجلات التجديف. في واقع الأمر، كانت أغلب الأرض الممتدة شرقي نهر ~~المسيسيبي في أمريكا الشمالية مغطاة بالغابات قبل مجيء الأوروبيين. أما اليوم فقد ~~أزيل جزء كبير من هذه الغابات وحولت إلى أرض زراعية منذ زمن طويل. # ظلت الغابات المطيرة المدارية في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا على ~~حالها بدرجة كبيرة حتى القرن العشرين، لكن منذ عام 1900 سقط جزء كبير من غابات العالم ~~المطيرة أمام فأس الحطاب. في البرازيل وحدها اختفى نحو 300 ألف ميل مربع من الغابات ~~المطيرة - مساحة تعادل ضعف حجم كاليفورنيا - منذ عام ms282 1970م. في الوقت الحاضر يتلاشى ~~أكثر من عشرين ألف ميل مربع من الغابات المدارية سنويا. وفي حال استمر هذا المعدل من ~~إزالة الغابات ستكون الغابات المطيرة قد اختفت إلى حد كبير مع نهاية القرن القادم. ~~إزالة الغابات المدارية المطيرة على الأخص أمر يدعو للانزعاج؛ لأن هذه الغابات هي موطن ~~ما يقرب من نصف جميع الأشكال الحية في الغلاف الحيوي. هذا معناه أن النباتات والحيوانات ~~التي تنقرض بفقدان كل موئل من الغابات المطيرة أكثر من التي تنقرض مع فقدان أي نظام ~~بيئي أرضي آخر. # شرعت الصين في برنامج طموح لإعادة التحريج أثمر عن زيادة 25 في المائة في حجم ~~غاباتها بين عامي 1990 و2005م. رغم ذلك تستورد الصين حاليا نحو مليار ونصف قدم مكعب ~~من الأخشاب سنويا، أغلبه من الغابات المدارية المطيرة، وهذه الكمية أكبر من نصف كمية ~~الأخشاب التي تشحن لسوق الأخشاب العالمية. # 12 # على سبيل المثال، خشب الورد، وهو من الأخشاب المدارية البالغة القيمة في ~~صناعة الآثاث، زادت وارداته بنسبة 1500 في المائة في تسع سنوات فقط، من 1,8 مليون قدم ~~مكعب عام 2003م إلى 26,5 مليون قدم مكعب في 2012م. # 13 # وثمة دول أخرى متورطة في اقتراف هذا الفعل؛ إذ يصدر أكثر من نصف كل ~~الآثاث المصنوع من خشب الورد من الصين إلى دول أخرى. ليست إزالة الغابات بمشكلة قومية ~~إذن؛ وإنما مشكلة عالمية. # ومع ذلك لم تبدأ العديد من الدول برامج جادة لإعادة التحريج فحسب، بل ما زالت بقايا ~~صغيرة من الغابات البكر باقية أيضا حتى في أوروبا، حيث تقوم مقام الملاذ الآمن للأنواع ~~التي اختفت من المناطق التي أزيلت أشجارها. واحدة من أكثر هذه المناطق التي حوفظ ~~عليها هي غابة بياوفيجا، وهي متنزه غابات محمي تبلغ مساحته نحو 120 ميلا مربعا ~~ممتدا على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. وعلى الرغم من أن غابة بياوفيجا أصغر مساحة ~~من العديد من المدن الرئيسية في العالم، فإنها تضم أنواعا حية أكثر من أي بيئة ~~أوروبية أخرى؛ فهي موئل ل 117 ms283 نوعا من الطيور، وتسعة وخمسين نوعا من الثدييات، من ~~بينها ابن عرس وخز الصنوبر والراكون والغرير والقندس والقضاعة والثعلب والوشق والذئب ~~والحلوف واليحمور والموظ وحيوان الإلكة، وكذلك ثمانمائة بيسون أوروبي. # الفرق شاسع ويثير التنبه بين الأشجار الباسقة والبيئة الثرية بالطيور والحيوانات في ~~الموئل البكر لغابة بياوفيجا والغابات المهترئة الهزيلة المتعافية من قطع أشجارها، ~~المسماة غابات الجيل الثاني، التي حلت محل موائل مماثلة في أوروبا على امتداد ~~القرون القليلة الماضية. # 14 # لكن مع مرور الوقت سوف تزدهر غابات الجيل الثاني، عند تعهدها بالعناية ~~والرعاية اللائقتين، وربما تبلغ في النهاية روعة الموائل البكر التي ازدهرت هناك في ~~الماضي. وقد خصصت العديد من المساحات البرية في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا ~~وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية لتكون محميات بيئية، حيث لا تزال الموائل القديمة ~~وأشكال الحياة المتعددة عليها متمسكة ببقاء محفوف بالمخاطر. # الانقراض الجماعي السادس # ثاني أقرب التهديدات المتربصة بالحياة الذكية، بعد خطر الحرب الحرارية النووية، هو ~~خطر الدمار البيئي الهائل وانقراض أشكال الحياة. يقدر العلماء ما ينقرض من الأشكال ~~الحية في الوقت الحالي سنويا بثلاثين ألفا تقريبا، ويرتفع معدل الانقراض باطراد. ~~علاوة على ذلك، بمجرد انقراض نوع من النبات أو الحيوان، يستغرق الأمر عادة ملايين ~~السنين قبل أن يتطور شكل حياة جديد ليحل محله. # وقع بالفعل خمس حالات انقراض جماعي سابقة في التاريخ الجيولوجي، وكلها كانت قبل وجود ~~أشباه البشر بفترة طويلة. كان أولها قبل 445 مليون سنة تقريبا خلال العصر ~~الأوردوفيسي؛ عصر المخلوقات البحرية البدائية مثل ثلاثيات الفصوص وبعض الشعاب ~~المرجانية. وحدث الثاني قبل 360 مليون سنة خلال العصر الديفوني؛ عصر الأسماك البدائية ~~وأقدم النباتات البرية والحشرات. ووقع الثالث قبل 250 مليون سنة خلال العصر البرمي؛ عصر ~~الزواحف البدائية. وحدث الرابع قبل 200 مليون سنة خلال العصر الترياسي؛ عصر البرمائيات ~~الكبيرة والزواحف البحرية. # شكل 10-5: تظهر العينات الجوفية الجليدية من محطة فوستوك للأبحاث في قارة ~~أنتاركتيكا أن تركز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بنسب عالية ~~قد ارتبط ارتباطا وثيقا بارتفاع ms284 درجات الحرارة العالمية خلال ~~الأربعمائة ألف سنة الماضية. (الرسم من تصميم المؤلف استنادا إلى ~~بيانات فوستوك بيتي. بتصريح من الترخيص 3,0 المشاع الإبداعي عبر ~~ويكيميديا كومونز.) # اندثر مع انقراضات العصور الأوردوفيسي والديفوني والترياسي نسبة تتراوح بين 75 إلى 85 ~~في المائة من كل الأنواع الحية، وخلال الانقراض الذي وقع في العصر البرمي هلك ما يقرب ~~من 95 في المائة من كل أنواع النباتات والحيوانات. ويعتقد العلماء أن حالات الانقراض ~~الأربعة هذه وقعت خلال فترات تغيير حاد وسريع في المناخ العالمي. قد يكون السبب الذي ~~أدى إلى فترات تغير المناخ هذه اختلالات في مدار الأرض حول الشمس، أو فترات من ~~النشاط البركاني الحاد والمستمر، أو تفاوتات في النشاط الشمسي، أو اصطدامات مع كويكبات ~~ضخمة، أو أي مجموعة من هذه الحوادث. # وقع الانقراض الجماعي الخامس والأحدث في التاريخ الجيولوجي منذ خمسة وستين مليون عام، ~~في نهاية العصر الطباشيري، عصر الديناصورات والنباتات المزهرة والأشكال الحديثة من ~~الحشرات وأولى الثدييات. ويعتقد عموما أن هذا الانقراض نتج من آثار اصطدام كويكب يزيد ~~عرضه عن ستة أميال بكوكب الأرض قبالة ساحل جنوب المكسيك بسرعة قدرت ب 67 ألف ميل في ~~الساعة. # يعتقد العلماء أن الحطام الذي ألقي في الغلاف الجوي نتيجة لهذا التصادم الهائل - ~~وربما أيضا الناتج عن الثورات البركانية التي من المحتمل أن يكون قد أدى إلى ~~اندلاعها الاهتزاز الطبيعي الناتج عن الاصطدام - خلق سحابة غبار كبرى هائلة انتشرت في ~~جميع أنحاء العالم. من المحتمل أن تكون سحابة الغبار هذه حجبت ضوء الشمس من الوصول إلى ~~سطح الأرض لعدة سنوات؛ مما أدى إلى برودة كبرى في المناخ العالمي. ولم ينتج عن ~~الانقراض الجماعي الخامس اختفاء الديناصورات فحسب، وإنما 75 في المائة أيضا من كل ~~الأنواع الحية على الأرض. # إننا الآن في المراحل الأولى مما قد يصير في نهاية المطاف الانقراض الجماعي السادس ~~لأشكال الحياة في التاريخ الجيولوجي، لكن على النقيض من الانقراضات الخمسة السابقة، لن ~~ينتج هذا عن قوى كونية أو جيولوجية، وإنما عن أنشطة ms285 بشرية، منها تلوث البيئة وإزالة ~~الغابات على نطاق واسع، واستنزاف مجموعات النباتات والحيوانات بشدة، وانهيار الأنظمة ~~البيئية البرية والبحرية. # رغم أنه من الطبيعي أن تنقرض أنواع من النباتات والحيوانات بمعدل معين بصفة شبه ~~مستمرة، فقد قدر هذا المعدل الطبيعي أو ما يطلق عليه «معدل الانقراض في الخلفية» بما ~~يتراوح بين عشر ومائة حالة انقراض سنويا. على النقيض من ذلك، قدر المعدل الحالي بنحو ~~ثلاثين ألف حالة انقراض سنويا (هذه تقديرات المدى المتوسط التي تقدم بها عالما ~~الأحياء إدوارد أوه ويلسون ونايلز إلدريدج، أما كل من التقديرات القصوى والدنيا فقد ~~نشرها علماء آخرون). ولا يوجد في الوقت الحالي اتفاق عام بشأن معدل الانقراض أو حتى ~~العدد الفعلي للأنواع الحية في الغلاف الحيوي، لكن ربما تصل نسبة الأنواع الحية التي ~~انقرضت منذ بدء الثورة الصناعة منذ مائتي عام إلى 10 في المائة. # 15 # إذا استمر تناقص أعداد الأنواع الحية وانقراضها بمعدله الحالي، فمن المحتمل أن تشهد ~~بيئات الأرض الطبيعية سلسلة متعاقبة من الانهيارات في النظام البيئي على غرار تلك ~~التي وقعت داخل الغلاف الحيوي الثاني. قد تؤدي تلك الانهيارات في النظام البيئي إلى ~~تزايد أعداد بعض الحشرات والنباتات والفطريات والطحالب والبكتيريا، وأوبئة لأمراض جديدة ~~لم تكن معروفة من قبل، وعجز هائل في المحاصيل، ومجاعة عامة بين المجموعات السكانية من ~~البشر. # وقد ظهرت بالفعل في السنوات الأخيرة بعض علامات الإنذار المبكر من مثل تلك ~~الانهيارات في النظام البيئي، وتشمل تفشي انهيار مستعمرات النحل، والفطر المستعصي ~~الذي يسبب «متلازمة الأنف الأبيض» في الخفافيش التي قضت على 95 في المائة من تعداد بعض ~~مستعمرات الخفافيش، وفطر آخر غير قابل للعلاج ارتبط بانخفاض أعداد الضفادع في جميع ~~أنحاء العالم منذ تسعينيات القرن العشرين. # 16 # يقدر الجيولوجيون الزمن الذي استغرقه تطور أنواع جديدة لتحل محل تلك التي ~~فقدت في كل من الانقراضات الجماعية السابقة بمدة تتراوح بين خمسة ملايين وخمسة وعشرين ~~مليون عام. وهذا يعني أن النظم البيئية للغلاف الحيوي ستستغرق خمسة ملايين سنة على ~~الأقل لتتعافى ms286 تماما وتستعيد مستوياتها السابقة من التنوع البيولوجي. قبل خمسة ملايين ~~سنة كان أسلافنا قردة رباعية تعيش في الأشجار. وبعد خمسة ملايين سنة من الآن من المحتمل ~~أن نكون نحن البشر قد تطورنا منذ فترة طويلة إلى - أو حل محلنا - شكل آخر من ~~الأحياء الذكية، ربما أكثر حكمة منا؛ إذ لا يسعنا إلا تخمين الأثر النهائي الذي سيتركه ~~هذا الانقراض الذي صنعه الإنسان على الأنظمة البيئية الهشة المتعددة على الأرض وعلى ~~الغلاف الحيوي ككل، ولكن فيما يتعلق بحياة الإنسان العاقل وتاريخه فسوف يكون الأثر ~~دائما ولا رجعة فيه. # ومع ذلك، لا يزال الانقراض الجماعي الحالي في مراحله المبكرة، وربما ما زال يمكن ~~مواجهته، وقد أعيدت عدة أنواع من الطيور والثدييات من حافة الهاوية في السنوات ~~الأخيرة؛ فقد ارتفعت أعداد طائر الكركي بعد أن كانت قد تدنت إلى 23 طائرا في عام ~~1941م إلى أكثر من 600 طائر في عام 2011م. ومنذ وقت ليس ببعيد لم يكن في كاليفورنيا سوى ~~تسعة من نسور الكندور لا تزال تعيش في البرية، لكن الآن يوجد نحو 175 من هذه الطيور ~~الجارحة المهيبة تعيش وتتكاثر في جبال كاليفورنيا والمكسيك (يوجد 175 أخرى في برامج ~~الاستيلاد في الأسر). ويعيش الآن أكثر من عشرة آلاف زوج من النسور الصلعاء في الولايات ~~الثمانية والأربعين الدنيا الأمريكية، حيث كاد طائر أمريكا الوطني هذا أن ينقرض قبل ~~ذلك. # علاوة على ذلك، قد يعمل التقدم المستمر في تحديد تسلسل الحمض النووي على تمكين علماء ~~الأحياء في نهاية المطاف من إعادة خلق بعض الأنواع المنقرضة من خلال الدمج بين الحمض ~~النووي المستخرج من عينات المتاحف وخلايا حية من كائنات وثيقة الصلة بها؛ فلدى البشرية ~~آلاف السنين من الخبرة في الاستيلاد الانتقائي، ولدى العلم الحديث عقود من الخبرة في ~~الهندسة الوراثية. من ثم سيكون تطوير أنواع جديدة من خلال هذه التقنيات أسرع بكثير من ~~معدل إنتاج أنواع جديدة عن طريق العمليات الطبيعية للتطور. حتى الآن لم تكتب القصة ~~الكاملة للانقراض الجماعي السادس، ولا يزال ms287 يحدونا أمل في نهاية سعيدة. # مخاطر تغير المناخ العالمي # من بين جميع المخاطر التي أصبحت بيئة الأرض معرضة لها والتي تشكلت في السنوات ~~الأخيرة، ربما لم يولد أي منها قلقا عاما ودعوات عاجلة للعمل بقدر خطر تغير ~~المناخ العالمي. ويستند هذا القلق إلى حقيقتين بسيطتين. أولا: هناك كميات متزايدة من ~~ثاني أكسيد الكربون تنطلق في الغلاف الجوي من احتراق الوقود الحفري في المجتمعات ~~الصناعية الحديثة. وثانيا: يحتوي السجل الجيولوجي على أدلة وفيرة على أن الزيادة في ~~تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض ارتبطت ارتباطا وثيقا بفترات طويلة ~~من الاحترار في المناخات العالمية. # في عام 1751م كان يطلق قرابة ثلاثة ملايين طن من الكربون في الغلاف الجوي للأرض كل ~~عام من حرق أنواع من الوقود الحفري، أغلبه من الفحم. وقد زادت هذه الكمية تدريجيا في ~~البداية، ولم ترتفع انبعاثات الكربون إلى أربعة ملايين طن سنويا إلا بعد عشرين عاما، ~~تحديدا في عام 1771م، لكن بحلول عام 1775م كان جيمس واط قد عدل محركاته البخارية ~~الشديدة الكفاءة لأقصى حد، وأصبح الفحم الوقود الرئيسي لصهر خام الحديد وتوفير الطاقة ~~الميكانيكية، وهكذا بدأت انبعاثات الكربون تتسارع وتيرتها. # في عام 1781م بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية خمسة ملايين طن سنويا، ~~وبحلول عام 1800م زادت إلى ثمانية ملايين طن سنويا. وعلى مدى المائة عام التالية ~~عندما حل المحرك البخاري محل طواحين الهواء والسواقي التي كانت في الماضي تمد مصانع ~~العالم بالطاقة، ومع الثورة التي أحدثتها الباخرة والسكك الحديدية في النقل لمسافات ~~طويلة، زادت كمية الكربون المنبعثة في الغلاف الجوي من ثمانية ملايين طن عام 1800م إلى ~~534 مليون طن عام 1900م، بزيادة قدرها 6675 في المائة. # تقلص هذا النمو الهائل في انبعاثات الكربون مرة أخرى حيث بدأ عصر السيارات، وصارت ~~الحياة اليومية في القرن العشرين تسير بالكهرباء بشكل متزايد. ثورة النقل التي أطلق ~~شرارتها اختراع محرك الاحتراق الداخلي خلقت حاجة جديدة ومتزايدة إلى البنزين ووقود ~~الديزل، وانضم احتراق المنتجات البترولية إلى حرق الفحم ms288 مع تزايد اتجاه المجتمعات في ~~جميع أنحاء العالم نحو الصناعة. زادت انبعاثات الكربون من حرق الوقود الحفري من 534 ~~مليون طن سنويا في عام 1900م إلى أكثر من تسعة مليارات طن سنويا بحلول عام 2010م، ~~ومن المتوقع أن تتجاوز خمسة عشر مليار طن سنويا بحلول عام 2025م. # 17 # يضيف حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي بكميات متزايدة ثاني أكسيد الكربون إلى ~~الغلاف الجوي للأرض بوتيرة أسرع بكثير مما تستطيع النباتات الخضراء في قارات العالم ~~ومحيطاته امتصاصه واستخدامه لتخليق جزيئات جديدة من الأنسجة الحية. ونتيجة لذلك زاد ~~محتوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض زيادة مطردة؛ مما زاد من «تأثير ~~غازات الدفيئة» الطبيعي لبخار الماء ومكونات الغلاف الجوي الأخرى التي تحافظ على دفء ~~الأرض بدرجة كافية للحفاظ على الحياة. أجمع علماء المناخ في توقعاتهم بأن يؤدي ~~الاحترار البالغ لسطح الأرض إلى إذابة الكثير من الجليد القطبي، ورفع مستويات البحار في ~~العالم، وزيادة تكرار أحوال مناخية غير معتادة وخطيرة، منها موجات الحر الشديد وأنظمة ~~العواصف الشرسة شراسة غير مسبوقة. # وقد أثبت بيانيا الارتباط الوثيق بين مستويات ثاني أكسيد الكربون ومتوسط درجات ~~الحرارة العالمية بالاستناد إلى بيانات عن عينات جوفية جليدية أخذت عام 1998م في محطة ~~فوستوك للأبحاث في أنتاركتيكا، التي تقع على بعد 800 ميل من القطب الجنوبي. وكشف تحليل ~~عينات فوستوك الجليدية ارتباط ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان في ~~الغلاف الجوي ارتباطا وثيقا بارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية لمئات آلاف ~~السنوات، وهما «غازا الدفيئة» الرئيسيان اللذان يحتبسان حرارة الشمس في الغلاف الجوي ~~للأرض. # إلا أن تغير المناخ العالمي ليس بظاهرة جديدة في تاريخ الأرض مطلقا؛ فقد توالت ~~فترات من الاحترار العالمي والتبريد العالمي مرارا وتكرارا لمئات ملايين السنين، ليس ~~فقط قبل وجود أشباه البشر، ولكن أيضا قبل وجود الرئيسيات أو الثدييات أو الطيور أو ~~الديناصورات أو الزواحف أو البرمائيات أو حتى الأسماك. في الواقع، تشك الغالبية ~~العظمى من العلماء أن الانقراضات الخمسة السابقة - وكلها كانت قبل ظهور أي أنواع ms289 حديثة ~~من السعادين أو القردة - قد نتجت في المقام الأول عن تغيرات رئيسية في المناخات ~~العالمية. # انتهى العصر الجليدي الأخير قبل 11 ألف سنة، وذلك قبل أن تبدأ مجتمعات العصر الحجري ~~الحديث ممارسة الزراعة. ومنذ ذلك الحين والأرض تمر بإحدى الفترات الدافئة المعروفة ~~باسم «العصور بين الجليدية» التي حدثت على نحو متكرر على مدى المليون سنة المنصرمة. ~~وفي حين أن فترة الدفء الحالية طالت إلى حد ما عن أغلب الفترات بين الجليدية السابقة، ~~فقد كانت هناك فترة احترار عالمي أكثر وضوحا وجلاء قبل 400 ألف سنة تقريبا. خلال هذه ~~الفترة المعروفة باسم النظير البحري المرحلة 11، # 18 # ارتفعت مستويات البحار العالمية ثلاثين قدما عن مستوياتها الحالية، وانهار ~~معظم الغطاء الجليدي لجرينلاند. # 19 # ومع ذلك أعقب فترة النظير البحري 11 الشديدة الحرارة عصور جليدية في قسوة ~~برودة غيرها من العصور في التاريخ الجيولوجي الحديث. # خلال الجزء الأكبر من المليون سنة الماضية أو نحو ذلك، استمرت فترات التبريد التي ~~بلغت ذروتها في عصور جليدية قارسة البرودة لمدة 90 ألف عام تقريبا، وقد تخللتها ~~فترات بين جليدية دافئة استمرت كل منها ما يقرب من 10 آلاف عام. # 20 # مع وضع التاريخ الحديث لمناخ الأرض في الاعتبار، يشير هذا إلى أننا لا بد ~~أننا كنا مقبلين على بدء عصر جليدي آخر قريبا جدا؛ أي كنا سنوشك على بداية عصر ~~جليدي آخر، لولا أن تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الآن أعلى عما كان في أي ~~وقت خلال المليون سنة الماضية. # خلال فترات معينة في الماضي البعيد جدا، كان تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف ~~الجوي أعلى خمس عشرة مرة مما هو عليه في الوقت الحاضر. في الواقع، بلغ تركيز ثاني أكسيد ~~الكربون الجوي ذروته بنحو 6000 جزء في المليون قبل نحو خمسمائة مليون سنة، وبلغ ذروته ~~مرة أخرى بنحو 2500 جزء في المليون قبل حوالي مائتي مليون سنة. # لكن خلال المليون سنة الماضية لم ترتفع تركيزات ثاني أكسيد الكربون عن 300 جزء في ~~المليون ms290 خلال الفترات بين الجليدية، أو تنخفض لأقل من 180 جزءا في المليون خلال ~~الفترات الجليدية. ومع ذلك، خلال الفترة القصيرة التي بدأت منذ مائتي سنة، أدى ~~استخدام البشر للوقود الحفري إلى رفع مستويات ثاني أكسيد الكربون إلى 400 جزء في ~~المليون - بنسبة 33 في المائة من حدوده القصوى السابقة - وما زال هذا الارتفاع مستمرا ~~في التسارع. وهذا يعني أن الارتفاع الحالي في ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي لن ~~يؤخر قدوم العصر الجليدي التالي فحسب، بل قد يمنع بالفعل حدوث عصر جليدي آخر من ~~الأساس. # من المهم أن ندرك أن مخاطر تغير المناخ العالمي ليست مقتصرة على آثار الاحترار ~~العالمي فقط. في الواقع، إذا عاد عصر جليدي آخر مشابه للأخير، ستنحدر صفائح جليدية ~~ضخمة يبلغ سمكها مئات الأقدام وتزن مئات مليارات الأطنان ببطء من المناطق القطبية؛ ~~لتسحق كل شيء في طريقها. ورغم أن هذه العملية ستستغرق عشرات آلاف السنين - وهي مدة ~~تفوق تاريخ الحضارة البشرية بأكمله عدة مرات - فإن الآثار المدمرة لعصر جليدي جديد ~~ستكون غير مسبوقة. # في أمريكا الشمالية ستؤدي عودة الصفائح الجليدية القطبية إلى تدمير دولة كندا ~~بالكامل تماما، وتتوغل إلى الولايات المتحدة القارية لتطمر معظم ولاية مينيسوتا وكلا ~~من ولايات ويسكونسن وميشيجان وأوهايو بالكامل، والمناطق الشمالية من ولايات إلينوي ~~وإنديانا وبنسلفانيا، ونيو إنجلاند بالكامل جنوبا وصولا إلى مدينة نيويورك. وستندثر ~~تحت مئات الأقدام من الجليد مدن فانكوفر وكالجاري ووينيبيج وتورنتو وأوتاوا ومونتريال ~~وكيبك وسياتل ومينيابوليس وسانت بول وشيكاغو وكليفلاند وكولومبوس وبافالو وألباني ~~وبورتلاند وبوسطن وهارتفورد ونيويورك، بالإضافة إلى آلاف المدن والبلدات المجاورة. في ~~أوروبا سيلحق دمار تام بالدول الاسكندنافية كلها، ومعظم الجزر البريطانية، وأجزاء ~~كبيرة من ألمانيا وبولندا وروسيا، أما مدن دبلن وبلفاست وجلاسكو وإدنبره وأوسلو ~~وستوكهولم وكوبنهاجن وهلسنكي وبرلين ووارسو وسانت بطرسبرج، بالإضافة إلى آلاف المدن ~~والبلدات المجاورة الأخرى، فستمحى كلية من الخريطة. # بالإضافة إلى ذلك ستكون هناك خسارة فادحة في الأراضي الزراعية في جميع أنحاء العالم؛ ~~فسوف تمتد أراضي التندرا القاحلة الخالية من الأشجار والتربة ms291 الصقيعية جنوبا من ~~الصفائح الجليدية القطبية حتى وسط الولايات المتحدة القارية لأقصى الجنوب حتى نيو ~~مكسيكو، وستنتشر التندرا في جميع أنحاء أوروبا حتى الجنوب وصولا إلى إسبانيا ~~والبرتغال. وجنوبا من التندرا ستغطي الغابات الدائمة الخضرة جنوب أوروبا، ومعظم ~~كاليفورنيا، وجميع المناطق باستثناء أقصى جنوب الولايات المتحدة. ومن المعلوم أن ~~التندرا وبيئات الغابات الدائمة الخضرة غير قادرتين على دعم الزراعة البشرية. # علاوة على ذلك، سيكون من الصعب أو المستحيل نقل الإنتاج الزراعي إلى أقصى الجنوب؛ لأن ~~الاستنزاف الهائل لمياه الغلاف الجوي سيجعل صحاري العالم تنمو بدرجة أكبر بكثير عما هي ~~عليه اليوم. فسوف تتوسع الصحراء الكبرى حتى تغطي أكثر من نصف القارة الأفريقية ، ~~وتتوسع صحراء آسيا الوسطى من بحر قزوين شمال إيران الحالية لتجتاز آسيا وصولا إلى ~~المحيط الهادئ. وفي الوقت نفسه سوف تتقلص الغابات المطيرة المدارية في وسط أفريقيا ~~وحوض الأمازون إلى جزء صغير من حجمها الحالي. وبما أن كميات كبيرة من مياه الأرض ~~ستتجمد في شكل جليد قطبي، فسوف تنخفض مستويات سطح البحر في جميع أنحاء العالم ~~ثلاثمائة قدم عن مستوياتها الحالية، تاركة كل المدن الساحلية على الأرض عالقة على ~~بعد عشرات - أو مئات - الأميال من مياه البحار المفتوحة. # هذه هي الظروف الفعلية التي كانت سائدة أثناء العصر الجليدي الأخير منذ ثمانية عشر ~~ألف عام فقط، وهو ليس ببعيد جدا حتى في التاريخ القصير نسبيا للأنواع البشرية. قبل ~~ثمانية عشر ألف عام كانت ثقافات العصر الحجري القديم العلوي تستخدم بالفعل أشكالا ~~متطورة من التواصل الرمزي - منها الفن والموسيقى واللغة والنقوش الحجرية والقصص السردية ~~التي ابتكرها الإنسان الحديث - وكان النتوفيون ومعاصروهم أخذوا يستقرون بالفعل في ~~القرى الدائمة التي نتج عنها في نهاية المطاف الثورة الزراعية. # وفي حين يساورنا القلق المبرر بشأن مخاطر الاحترار العالمي والتأثير المدمر الذي ~~سيحدثه في مجتمعاتنا المعاصرة، لا بد أن ندرك كذلك أن فترة أخرى من التبريد العالمي ~~الشديد - وعودة عصر جليدي آخر - ستشكل جدا تهديدا أكبر بكثير على الحضارة ~~الإنسانية. في الواقع، من الممكن تماما ms292 أن يحول إطلاق المجتمعات الصناعية ثاني أكسيد ~~الكربون في الغلاف الجوي دون عودة عصر جليدي آخر ربما كان لولا ذلك ليعود في المستقبل ~~القريب. ونظرا لأن المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد الكربون تسبب تغييرات كبيرة ~~في كيمياء المحيطات، فإن آثار الاحترار العالمي قد تستمر إلى ما لا نهاية تقريبا، وقد ~~تمنع عودة المزيد من العصور الجليدية لمئات الآلاف من السنين في المستقبل. # 21 # لا بد أن نعترف أيضا بأن الحملة المستمرة بين أكثر دول العالم تقدما للحد من ~~انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أو خفضها، وخاصة ثاني أكسيد الكربون، قد تسببت في ~~انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في هذه الدول في السنوات الأخيرة. والواقع أن ~~الارتفاع المستمر في حجم انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم يرجع الآن في الأساس ~~إلى النمو السكاني - والترف - في دول العالم النامية، وخاصة الصين والهند. # علاوة على ذلك، حقق المجتمع الحديث تقدما بالغا في تطوير مصادر طاقة جديدة خالية ~~من الكربون، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ومن الحري ألا ننسى أنه قد مر قرابة ~~قرن بعد اختراع أول محرك بخاري «جوي» لنيوكومين في عام 1712م قبل إنتاج المحركات ~~البخارية الترددية الآمنة والعملية بكميات كبيرة من أجل الأسواق التجارية، وأن الأمر ~~استغرق خمسة وسبعين عاما من التجارب قبل أن يصير محرك الاحتراق الداخلي الآمن والمتين ~~جاهزا للسوق. # وأخيرا، على الرغم من تطوير تقنيات جديدة لاستخراج الغاز الطبيعي عن طريق التكسير ~~الهيدروليكي واستخراج رمال القطران، فإن إمدادات الوقود الحفري محدودة؛ ففي غضون بضع ~~مئات السنين على الأكثر سيتعين على البشر التوقف عن الاعتماد على الوقود الحفري، ~~وسيضطرون إلى استبدال مصادر طاقة بديلة بالوقود الحفري. وعندما يحين ذلك اليوم ~~أخيرا، من المرجح أن تكون العلوم والتقنيات الحديثة قد أمضت عقودا عديدة بحثا عن ~~طرق عملية لاستخراج ثاني أكسيد الكربون الزائد من الغلاف الجوي، مع الحرص على عدم ~~استخراج الكثير لدرجة تؤدي دون قصد منا في حدوث عصر جليدي آخر. # بالنظر إلى التاريخ الماضي لإنجازات نوعنا التقنية المذهلة، يبدو من ms293 الممكن تماما ~~أن تنجح البشرية في نهاية المطاف في تحقيق هذين الهدفين. والأهم من هذا وذاك أن ظاهرة ~~تغير المناخ العالمي دليل حي على أن مستقبل الحياة على الأرض يعتمد الآن على تصرفات ~~البشرية؛ فقد استولى نوعنا على هذا الكوكب وجعله ملكا لنا، أيا كانت العواقب ~~المترتبة. # كوكب البشر # ينمو عدد سكان الأرض من البشر الآن بمعدل أسرع من أي فترة سابقة في التاريخ؛ إذ ~~أتاح تطوير الزراعة العلمية واستخدام الميكنة في الزراعة إطعام الأعداد المتزايدة من ~~السكان، في حين أدت التطورات الحديثة في فعالية العلاج الطبي إلى خفض معدلات ~~الوفيات البشرية باطراد. مع انتهاء العصر الجليدي الأخير في بطء، وإطلاق تقنية التواصل ~~الرمزي العنان لقوة التطور الثقافي، ازداد عدد الصيادين وجامعي الثمار من البشر ~~بالتدريج حتى ارتفع إجماليا إلى خمسة ملايين شخص تقريبا. # شكل 10-6: بلغ عدد سكان العالم من الصيادين وجامعي الثمار قرابة خمسة ملايين ~~نسمة عام 5000 قبل الميلاد، وزاد إلى 150 مليونا على مدى الخمسة آلاف ~~سنة التالية. ولكن عندما بدأت الثورة الصناعية في عام 1800م انفجر ~~التعداد السكاني، وتزايد سكان العالم من أقل من مليار إلى أكثر من ستة ~~مليارات نسمة في أكثر من مائتي عام بقليل. # ومع تبني الزراعة وظهور الحضارة المدنية، ارتفع عدد السكان بنسبة 3000 في المائة - ~~إلى 150 مليون نسمة - بين عامي 5000 قبل الميلاد والسنة الأولى ميلاديا. حتى مع سقوط ~~الإمبراطورية الرومانية وبدء العصور المظلمة، تضاعف عدد سكان العالم مرة أخرى إلى ~~300 مليون بحلول عام 1100 ميلاديا. وعلى الرغم من الخسائر الهائلة في الأرواح خلال ~~العصور الوسطى، أثناء مذابح الغزو المغولي في القرن الثالث عشر وأوبئة الطاعون أو الموت ~~الأسود في القرن الرابع عشر، تضاعف عدد سكان العالم مرة أخرى إلى ما يقرب من 600 ~~مليون نسمة سنة 1600 ميلادية. # حين بدأت الثورة الصناعية عام 1800م انفجر التعداد السكاني من البشر حقا، حيث زادوا ~~بنسبة 600 في المائة في مائتي عام من أقل من مليار إلى أكثر من ستة ms294 مليارات نسمة. وإذا ~~استمر هذا الانفجار السكاني بمعدله الحالي لن يعود هناك في النهاية على الأرض ما يكفي ~~من الأراضي الزراعية لإطعام جميع الأشخاص الذين سيعيشون على ظهر هذا الكوكب. خلال ~~الخمسين ألف سنة الماضية - التي لا تمثل سوى أحدث نسبة واحد في المائة من تاريخ ~~البشرية - زاد عدد سكان الأرض بمقدار سبعة آلاف مرة عن حجمه الأصلي، ويزيد حاليا بنحو ~~ربع مليون شخص يوميا. # ومع ذلك انخفضت معدلات المواليد في جميع أنحاء العالم منذ ستينيات القرن العشرين، ~~بل وانخفضت معدلات المواليد بحلول عام 2014م إلى ما دون «معدل التعويض» البالغ 2,1 ~~ولادة لكل امرأة في نصف دول العالم تقريبا. وانخفض معدل المواليد في أوروبا ككل ~~إلى 1,5 ولادة لكل امرأة بحلول عام 2005م، ومن المتوقع حاليا أن ينخفض عدد سكان ~~أوروبا بنسبة 14 في المائة من الآن وحتى نهاية القرن الحادي والعشرين. # 22 # نظرا لأن المجتمعات البشرية صارت على درجة من الثراء تكفي لتوفير مستوى ~~معيشي لائق لسكانها المسنين، لم تعد العادة الإنسانية القديمة المتمثلة في إنجاب ~~أعداد كبيرة من الأطفال لضمان وسيلة دعم في سن الشيخوخة ضرورية. # علاوة على ذلك، بما أن الأعداد الكبيرة من البشر قد انتقلت من المعيشة الزراعية إلى ~~المعيشة المدنية، فقد اختفت إلى حد كبير المزايا الاقتصادية التي كان الأطفال ~~يوفرونها للعائلات المزارعة. في الواقع، أصبح الأطفال فعليا مصدر استنزاف اقتصادي ~~محض لثروات الثنائي المتزوج في المدينة، اللذين يتضاءل دخلهما المتاح إلى حد كبير ~~أمام التكاليف الإضافية التي يحتاجها كل طفل للطعام والملبس والمأوى والرعاية الطبية ~~والتعليم. # لا يساعد إنجاب الأطفال على الاستفادة من الفرص العديدة المتاحة للبشر في المجتمع ~~المعاصر من ترفيه وسفر وتناول الطعام بالخارج، ومتابعة حياتهم المهنية واهتماماتهم ~~الشخصية، بل من المرجح أن يتعارض وجود الأطفال مع مثل هذه الأنشطة بدلا من جعل إقبال ~~الوالدين عليها أسهل. لكل هذه الأسباب انخفضت معدلات المواليد في المجتمعات الأكثر ~~ثراء لدرجة أن بعضا من أثرى دول العالم وأكثرها تقدما، ومنها ألمانيا واليابان ~~وكوريا الجنوبية، ms295 تشهد بالفعل انخفاضا في عدد السكان. # هذا لا يعني أن الناس سيتوقفون عن إنجاب الأطفال؛ فالإشباع النفسي الناتج عن إنجاب ~~الأطفال وتربيتهم - والارتباط الذي يوفره الأطفال بالمستقبل وبالأجيال المقبلة - ~~يضمن ألا يتوقف النساء والرجال أبدا عن الرغبة في إنجاب الأطفال؛ لذلك فالأطفال ~~الذين يولدون في عالم اليوم، أكثر من أي وقت آخر في تاريخ البشرية، هم أبناء أشخاص ~~يريدون الأطفال ويقدرون تجربتي الأبوة والأمومة في حد ذاتهما. وفي حين أنه سيكون ~~هناك دائما أفراد يختارون عدم إنجاب أطفال، فلن يورث هؤلاء الأفراد حمضهم النووي ~~ولا اتجاهاتهم أو معتقداتهم الثقافية للأجيال القادمة. وهذه الحقيقة وحدها تضمن أن ~~البشرية لن تتوقف عن التكاثر أبدا. # وقد تحسر بعض الاقتصاديين على معدلات المواليد الراكدة أو الهابطة هذه، واعتبروا ~~هذا نذيرا لانحدار اقتصادي وثقافي. لكن هذه رؤية قصيرة النظر؛ فالنمو السكاني ~~اللانهائي غير ممكن؛ والغلاف الحيوي للأرض محدود الحجم؛ ولا توفر الكواكب الأخرى ~~فرصا واقعية للاستيطان البشري. خلاصة القول، كلما زاد عدد الأشخاص قلت مساحة كل شخص ~~وحصته في الموارد المتاحة، لكن كلما قل عدد الناس زادت مساحة كل شخص وحصته في الموارد ~~المتاحة في نهاية المطاف. # التهديدات المتربصة بالغلاف الحيوي حاليا ليست مجرد عواقب مترتبة على التقنيات ~~البشرية؛ فهي أيضا تعبير عن الطبيعة الحيوانية لبشر الهومو سيبيانز. فعلى الرغم من ~~البراعة التقنية لنوعنا فإنه لا يزال يتحرك بغرائز حيوانية قديمة، ومنها الدافع للتوسع ~~والتكاثر لأقصى حد ممكن. وهذا النوع من المصلحة الذاتية البدائية متوقعة من أي شكل ~~من أشكال الحياة، لكننا في رغبتنا في تزويد أنفسنا بكميات دائمة التزايد من النسل ~~والغذاء والكساء والمأوى والطاقة والأسلحة والممتلكات المادية، كثيرا جدا ما تجاهلنا ~~احتياجات أشكال أخرى من الحياة النباتية والحيوانية. فالهومو سيبيانز أو البشر ~~العاقلون، على أي حال، هم النوع الوحيد القادر على فهم جميع أشكال الحياة الأخرى وتلبية ~~احتياجاتها. لذلك، يتعين علينا أن نستخدم وعينا الأسمى ليس فقط من أجل رفاهنا، ولكن ~~أيضا من أجل رفاهية أكبر لجميع الأنواع الكثيرة التي تشترك معنا في ms296 الغلاف ~~الحيوي. # وفي النهاية، حدثت الزيادات الهائلة في عدد السكان لأن الهومو سيبيانز استحوذ فعليا ~~على هذا الكوكب وموارده كلية، وأصبح في خضم هذا مسئولا مسئولية كاملة عن مستقبله. ~~على الرغم من أننا ربما لم نقصد أن نفعل ذلك متعمدين فإننا حولنا الأرض فعليا إلى ~~«كوكب البشر». نتيجة لذلك يجب علينا نحن البشر أن ندير أمور الأرض بحكمة، ليس فقط ~~لمصلحتنا الخاصة، ولكن لمنفعة جميع الكائنات الحية، الآن وفي المستقبل. # ما وراء الدولة القومية # يتكون العالم اليوم من حوالي مائتي دولة تملك فيما بينها كل مساحة الأرض على كوكبنا ~~باستثناء قارة أنتاركتيكا. # 23 # على الرغم من أن هذه الحالة تبدو طبيعية تماما لنا، فإن هذا العالم ~~المتكون من دول قومية لم يبدأ حتى في التبلور إلا بعد عام 1800م. وقبل ذلك الوقت ~~كانت الدولة القومية بصفتها كيانا سياسيا وثقافيا مميزا شيئا نادرا في الواقع ~~بين المجتمعات البشرية، بل في واقع الأمر من بين المائتي دولة قومية ونيف التي تحكم ~~العالم حاليا لم تنشأ الغالبية العظمى من الدول الموجودة اليوم حتى بداية القرن ~~العشرين. # 24 # لكن على الرغم من إعلانات الاستقلال والسيادة الوطنية لم تكن الدول القومية في العصر ~~الحالي مستقلة تماما؛ فقد خلقت التجارة العالمية، التي ازدهرت سريعا خلال القرن ~~التاسع عشر، تكاملا اقتصاديا حيويا بين دول العالم منذ فترة طويلة. ومن حقائق ~~الحياة أنه بحلول فجر القرن العشرين، كان قد أنشئ بالفعل اقتصاد عالمي لا يمكن لأي ~~دولة قومية أو منطقة اقتصادية واحدة أن تزدهر فيه بحق دون الحفاظ على علاقات اقتصادية ~~قوية مع العديد من الدول الأخرى. # اتضح الواقع الصارخ لهذه الحقيقة على نحو مذهل، في يونيو عام 1930م، عندما أقر ~~الكونجرس قانون تعريفة سموت-هاولي الجمركية في محاولة مضللة لحماية الصناعة والزراعة ~~الأمريكية من المنافسة الأجنبية خلال التدهور الاقتصادي الذي بدأ عام 1929م، لكن عندما ~~ردت دول أخرى بالمثل - وخاصة كندا، أهم شريك تجاري لأمريكا - برفع تعريفاتها ~~الجمركية على السلع الأمريكية، دخل نظام التجارة العالمية بأكمله في تدهور ms297 سريع؛ إذ ~~انخفضت واردات الولايات المتحدة من أوروبا من 1,3 مليار دولار إلى 390 مليون دولار بين ~~عامي 1929 و1932م، في حين تقلصت الصادرات الأمريكية إلى أوروبا من 2,3 مليار دولار ~~إلى 784 مليون دولار خلال السنوات الثلاث نفسها. الواقع أن التجارة العالمية ككل ~~تراجعت بمقدار الثلثين بين عامي 1929 و1934م؛ مما أدى إلى إغراق جميع دول العالم ~~الصناعية في حالة الركود الاقتصادي الذي ساد في الكساد الكبير. # ظهور الدولة القومية بصفتها الشكل الغالب للمجتمع البشري كان أعظم اندماج اجتماعي ~~فريد من نوعه في تاريخ البشرية؛ فلم يسبق أن اعتبر ملايين من الناس أنفسهم إخوة ينتمون ~~إلى الجماعة الإثنية نفسها، وهم يعيشون في آلاف المجتمعات الجغرافية المتمايزة. من ~~الجدير بالذكر أنه في الوقت نفسه الذي زاد فيه عدد سكان العالم من أقل من مليون نسمة ~~إلى سبعة مليارات نسمة وأكثر، ظل عدد المجتمعات البشرية المستقلة يتقلص ~~بالفعل. # لا يوجد سبب لافتراض أن هذا التاريخ الطويل من الاندماج الاجتماعي قد بلغ نهايته، أو ~~أن البشر سيظلون مقسمين دائما إلى مائتي دولة مستقلة؛ فكثيرا ما أدى التقدم ~~الكبير في تقنيات التفاعل إلى اندماج اجتماعي أنشأ جماعات بشرية أكبر بكثير من تلك ~~التي كانت موجودة من قبل. وبما أن اختراع تقنية المعلومات قد أوجد الآن أشكالا جديدة ~~وأقوى من النقل والاتصالات، فمن المنطقي أن نتوقع اقتراب البشرية من عملية كبرى أخرى ~~من الاندماج الاجتماعي في المستقبل غير البعيد. في الواقع، أرسي بالفعل أساس أول ~~حضارة عالمية بحق للبشرية، وإذا أنعمنا النظر يمكننا أن نرى بالفعل الخطوط العريضة ~~المؤقتة لعالم مستقبلي يتشكل خارج حدود دول العالم القومية. # ولادة الحضارة العالمية # إن بذور الحضارة العالمية متعددة، وبعضها قديم جدا؛ فقد بدأت قديما منذ زمن يسوع ~~الناصري على الأقل، الذي بشر بأن كل البشر يتساوون في نظر الله، وأنه بقبول يهوه ~~باعتباره الإله الحقيقي الوحيد يستطيع أي شخص، بصرف النظر عن ثقافته الأصلية، أن ينضم ~~إلى جماعة المؤمنين. وبعد ألفي عام بلغ عدد أتباع يسوع أكثر ms298 من ملياري شخص، وصاروا ~~يشكلون أكبر جماعة دينية على وجه الأرض. # وقد مارس الرومان نموذجهم العلماني الخاص من التقبل الثقافي والمساواة الإنسانية، ~~فمنحوا امتيازات المواطنة الرومانية للحلفاء المفضلين، وشيدوا الطرق والحمامات ~~العامة وشبكات المياه العذبة المعقدة، ليس فقط من أجل راحتهم وسلامتهم، ولكن أيضا ~~لرفاهية شعوبهم، وملئوا مخازن غلال مستعمراتهم لحماية رعاياهم من الجوع، وأقاموا ~~المدرجات والمسارح الكبرى للترفيه عن الجميع، وكانوا في أغلب الأحيان يمنحون الشعوب ~~التي يغزونها حرية ممارسة طقوسهم الثقافية وعبادة آلهتهم. في الواقع، كان تسامح الرومان ~~تجاه التقاليد الثقافية الأخرى، جنبا إلى جنب مع شعورهم بالمسئولية عن رفاهية كل شخص ~~يعيش تحت سيطرتهم، هو المسئول إلى حد كبير عن استقرار المجتمع الروماني واستمرار ~~الحكم الروماني طوال سنوات العالم القديم. # في القرون التي أعقبت سقوط روما انتشرت أديان الهندوسية والزرادشتية والمسيحية ~~والبوذية والكونفوشيوسية والإسلام انتشارا واسعا بين ثقافات متنوعة وعبر مناطق ~~جغرافية مترامية. وقد قامت جميع هذه المعتقدات على مبدأ الإدماج الثقافي، وكانت ~~فلسفاتها الشمولية هي التي مكنتها من استيعاب الشعوب الجديدة والأعراق الجديدة، ~~وتجاوز الحدود الثقافية، والصيرورة إلى أديان عالمية بحق. # يجب ألا ننسى أن هذه الديانات الشمولية العظيمة نشأت وازدهرت في وقت لم يكن يمارس ~~فيه الكتابة سوى عدد قليل من أفراد النخبة، عندما كان امتطاء الخيل هو أسرع وسيلة ~~للنقل، حين كانت الطرق بين المدن قليلة ومتباعدة، وعندما كانت السفينة الشراعية عبارة ~~عن سفينة خشبية صغيرة من المرجح أن تدفعها المجاديف مع الرياح. وهذا وحده شهادة على ~~قوة فلسفاتها وجاذبية مؤسسيها، الذين بشروا جميعا بعقيدة الاندماج المتعدد ~~الثقافات. ويوحي النجاح الكبير لهذه الديانات القديمة بأنه سيكون هناك عملية اندماج ~~ثقافي مماثلة على الأرجح مصيرا نهائيا لجنسنا. # ظهر في العقود الأخيرة ظرفان يدفعان البشرية الآن نحو هذا الاندماج النهائي. الظرف ~~الأول هو التهديد المتصاعد بسرعة للبيئة الكوكبية ولجميع المجتمعات البشرية. فلا يمكن ~~لأي دولة بمفردها أو مجموعة دول إقليمية أن تحل مشكلة هذا التهديد العالمي؛ إذ يجب ~~بالأحرى على جميع الدول العمل معا لحلها. الظرف ms299 الثاني هو الوسائل المتاحة - التي ~~أصبحت ممكنة بفضل التقنيات الرقمية - للتفاعل السريع والفعال والميسور التكلفة بين ~~سكان جميع المجتمعات والثقافات المختلفة المنتشرة في جميع ربوع العالم. ولا ينبغي ~~التقليل من أوجه التفاعل المحتملة بين هذين الظرفين؛ فالدليل على أن هذه العملية ~~النهائية للاندماج آتية لا محالة يكشف عنه ظهور عناصر اجتماعية وثقافية رئيسية لأول ~~حضارة عالمية للبشرية. # ما لبثت العادات والتقاليد المحيطة بإعداد الطعام - التي يعتبرها اختصاصيو علم ~~الإنسان واحدة من أكثر التعبيرات عن الهوية الإثنية والثقافية تميزا - تمر بعملية ~~اندماج غير مسبوقة؛ فقد انتشرت تقاليد الطهي في أوروبا والأمريكيتين والشرق الأوسط ~~وآسيا الوسطى والشرق الأقصى بعيدا عن ثقافاتهم الأصلية، وأصبحت مفضلة ورائجة في جميع ~~أنحاء العالم. # تمر الموسيقى، وهي تعبير مميز آخر عن الهوية الإثنية والثقافية، بعملية عولمة ~~بدأت مع الانتشار العالمي للموسيقى الكلاسيكية الأوروبية وما يتلوه الآن من انتشار ~~لأنواع موسيقية تقليدية من جميع أنحاء العالم؛ فقد هاجرت أشكال من التناغم والإيقاعات ~~الموسيقية والأنماط المعزوفة من عدد لا يحصى من الإثنيات بعيدا عن ثقافاتهم الأصلية ~~وكونت جماهير عالمية عريضة. في الواقع، بدأ كل من الطعام والموسيقى في دمج تقاليد ~~الثقافات المختلفة في أشكال جديدة من «الامتزاج الغذائي» و«الامتزاج الموسيقي». # إن الاندماج الثقافي الجاري في مجالي الطعام والفنون واضح بالقدر نفسه في المجالات ~~المادية للعلوم والتجارة والصناعة؛ فقد لاقت العديد من العلامات التجارية الاستهلاكية، ~~في مجالات الأطعمة والمشروبات والسيارات والمجوهرات والعطور والساعات والملابس ~~والإلكترونيات، اعترافا عالميا، وتتمتع الآن بالولاء الشديد من مئات ملايين ~~العملاء في جميع أنحاء العالم. وقد أدى صعود الشركات المتعددة الجنسيات - التي ~~تمتلك بعضها اقتصادات يفوق اقتصاد معظم الدول - إلى ربط الاقتصاد العالمي معا بإحكام ~~أكثر من أي وقت مضى. # كان للسعي وراء البحث والتطوير في مجالي العلوم والتكنولوجيا طابع دولي منذ بداياته ~~الأولى، وأصبح منذ فترة طويلة مؤسسة عالمية؛ إذ منح أكثر من نصف جوائز نوبل في ~~الفيزياء والكيمياء والطب خلال السنوات الخمسين الماضية لعلماء متعاونين يعيشون في ~~دول مختلفة. # 25 # في الواقع، تعد ثقافتنا ms300 العلمية التكنولوجية المعاصرة واحدة من أقوى ~~العناصر وأنشطها في هذه الحضارة العالمية الناشئة. # في الوقت نفسه، تتحول مؤسسات التعليم العالي في العالم شيئا فشيئا إلى كيانات ~~عالمية، حيث تتكون كل من هيئات التدريس والهيئات الطلابية على نحو متزايد من أفراد ~~من شتى دول العالم ومتعددي الثقافات. وأخيرا تضاعف عدد المنظمات الدولية أضعافا ~~مضاعفة خلال العصر الحديث؛ فقد كان هناك في عام 1910م ما يقرب من مائتي منظمة غير ~~حكومية ذات طابع دولي. وبحلول عام 2010م زاد هذا العدد إلى ما يقرب من ستين ألفا. وكان ~~نمو المنظمات الحكومية الدولية كبيرا بالقدر نفسه. # لكن حتى مع اندماج الإنسانية في نحو مائتي دولة قومية، فإن كل الجماعات البشرية ~~القديمة التي تشكلت في التحولات السابقة - آلاف لا حصر لها من القبائل والقرى ~~والبلدات والمدن والمناطق التي تشكل نسيج المجتمع البشري - استمرت في الحفاظ على ~~هوياتها المستقلة وتدبر ما يلائمها من أساليب الحياة. وهذا وحده لا بد أن يطمئننا أن ~~الدول القومية في العالم ليست مهددة بالاختفاء؛ فبزوغ الحضارة العالمية ليس المقصود ~~به أن يحل محل دول العالم، وإنما يهدف إلى تيسير الشعور بالهدف المشترك فيما بينها. ~~أخيرا، ليست المؤسسات العالمية إلا شبكات من الناس، ومن أعجب السلوكيات البشرية ~~السهولة التي يستطيع بها البشر التعارف في الوقت نفسه مع جماعات متعددة على مستويات ~~متعددة. # وأخيرا، أظهر التاريخ مرارا أن لا شيء يجمع الناس مثل العدو المشترك؛ فقد كانت ~~مواجهات مع خصم معاد هي المؤدية، ولو إلى حد ما على الأقل، إلى كل حالة تقريبا من ~~حالات الاندماج الاجتماعي والثقافي، التي اندمجت فيها وحدات اجتماعية صغيرة بنجاح في ~~وحدات أكبر. فعندما تضاءلت غابات العالم وموائله البدائية إلى جزء صغير من حجمها ~~الأصلي، وحين استنزفت موارد المحيط إلى حد كبير، وحين أصبحت حتى معجزات الزراعة العلمية ~~غير قادرة على إطعام العدد المتزايد من البشر، لن يكون «عدو» الحضارة الإنسانية سوى ~~التهديدات الوجودية للغلاف الحيوي للأرض التي تنتجها التقنيات البشرية. مع استمرار هذه ~~التهديدات في التضاعف ستضطر ms301 البشرية للاختيار بين الاستمرار في المسارات التي تؤدي في ~~النهاية إلى النضوب والانقراض والفناء، أو التحول إلى مسارات جديدة تؤدي إلى ~~الإصلاح والمصالحة والعلاقة المستدامة بيننا وبين الغلاف الحيوي، من خلال التعاون على ~~نطاق عالمي. # لا يجب أن نتوقع أن يتحقق هذا التحول إلى حضارة عالمية بسرعة أو بسهولة؛ فلم يبدأ ~~الشعور بتأثيرات تقنية المعلومات حتى منتصف القرن العشرين، ولم تندمج التقنيات الرقمية ~~مع عمليات المال والتجارة والاتصالات والنقل المعاصرة الاندماج العميق حتى وقت لاحق. ~~نظرا لأننا الآن في بداية هذا التحول الأخير لا يمكننا أن نتوقع حقا التغييرات التي ~~من المقدر له أن يحدثها في حياة الإنسان والمجتمع، لكن تاريخ التحولات الماضية يشير ~~إلى استنتاجين. أولهما: أن التحول الذي ستلحقه تقنية المعلومات بالحياة والمجتمع البشري ~~لن يقل عن التحول الناتج عن التقنيات الرئيسية في العصور السابقة. وثانيهما: أن هناك ~~اندماجا كبيرا آخر للمجتمع البشري بانتظارنا. ~~••• # نحن الذين على قيد الحياة في القرن الحادي والعشرين نقف على قمة الإنجاز البشري، ~~بينما نتأمل كارثة تلوح في الأفق من صنع أيدينا، إلا أن عبقرية الإنسانية لا تشي بأي ~~علامة على اقتراب النهاية؛ فقد أظهرنا، عبر تاريخنا الطويل، قدرة خارقة على الارتقاء ~~إلى مستوى التحديات التي تواجهنا، والتغلب على العقبات التي تقف في طريقنا. # خلال كل تاريخنا الفريد والمتميز استخدمنا نحن البشر التقنيات من أجل إحداث تحولات ~~لأنفسنا، وفي أثناء ذلك غيرنا العالم. دفعتنا التحولات في حياة الإنسان والمجتمع التي ~~أحدثتها الأسلحة والنار والملبس والمأوى والتواصل الرمزي والزراعة والحضارة المدنية ~~والآلات الدقيقة وتقنية المعلومات إلى علاقة جديدة وفريدة من نوعها مع الغلاف الحيوي ~~الذي منحنا الحياة في الأصل. لقد أصبحنا خادميه؛ لقد أصبح مسئوليتنا؛ نحن من يجب أن ~~نقرر مصيره الآن. # | ملاحظات # مقدمة # الفصل الأول: منطلق الرئيسيات # الفصل الثاني: تقنية الحراب وعصي الحفر # الفصل الثالث: تقنية النار # الفصل الرابع: تقنيات الملبس والمسكن # الفصل الخامس: تقنية التواصل الرمزي # الفصل السادس: تقنية الزراعة # الفصل السابع: تقنيات التفاعل # الفصل الثامن: تقنية الآلات الدقيقة # الفصل التاسع: تقنية ms302 المعلومات الرقمية # الفصل العاشر: عالمنا على حافة الهاوية # | المراجع # Agustí, Jordi, and David Lordkipanidzeb. “How 'African’ Was ~~the Early Human Dispersal Out of Africa?” # Quaternary Science Reviews # 30, no. 11-12 (2011): ~~1338-1342. # Aiello, Leslie C. “Five Years of # Homo floresiensis. ~~” # American ~~Journal of Physical Anthropogy # 142, Issue 2 (2010), ~~167-179. # Aiello, Leslie C., and Peter Wheeler. “The Expensive-Tissue ~~Hypothesis: The Brain and the Digestive System in Human and Primate ~~Evolution.” # Current Anthropology # 36, ~~no. 2 (1995): 199-221. ~~--- ~~. ~~“Neanderthal Thermoregulation and the Glacial Climate.” # Neanderthals and Modern Humans in the European ~~Landscape of the Last Glaciation: Archaeological Results of the ~~Stage 3 Project ~~, Tjerd van Andel and William Davies, eds. ~~Cambridge: McDonald Institute for Archaeological Research, ~~2003. # Aiello, Leslie C., and R. I. M. Dunbar. “Neocortex Size, ~~Group Size, and the Evolution of Language.” # Current Anthropology # 34, no. 2 (1993): ~~184-193. # Albert, Rosa M., Ofer Bar-Yosef, Liliane Meignen, and Steve ~~Weiner, eds. “Quantitative Phytolith Study of Hearths rom the Natufian ~~and Middle Palaeolithic Levels of Hayonim Cave (Galilee, Israel).” # Journal of Archaeological Science # 30, no. 4 (2003): 461-480. # Alfred, Randy. “Univac gets election right, but CBS balks.” # Wired ~~, November 4, 2008. # http://www.wired.com/2010/11/1104cbs-tv-univac-election ~~(accessed June 12, 2014). # Algaze, Guillermo. “Initial Social Complexity in ~~Southwestern Asia: The Mesopotamian Advantage.” # Current Anthropology # 42, no. 2 (2001): ~~199-233. # Allen, John, and Mark Nelson. “Biospherics and Biosphere 2, ~~Mission One (1991-1993).” # Ecological ~~Engineering # 13 (1999): 15-29. # Allen, Robert C. “Agriculture and the Origins of the State ~~in Ancient Egypt.” # Explorations in Economic ~~History # 34, no. 2 (1997): 135-154. # Alperson-Afil, Nira. “Continual Fire-Making by Hominins at ~~Gesher Benot Ya’aqov, Israel.” # Quaternary ~~Science Reviews # 27 (2008): ~~1733-1739. # Amsler, Sylvia J. “Ranging Behavior and Territoriality in ~~Chimpanzees at Ngogo, Kibale National Park, Uganda.” PhD diss., University of Michigan, ~~2009. # Anderson, Stephen R. # How Many ~~Languages Are There in the World? # Linguistic Society of ~~America Brochure Series. Washington, DC: Linguistic Society of ~~America. # Anthony, David W. # The Horse, the ~~Wheel, and Language: How ms303 Bronze-Age Riders from the Eurasian Steppes ~~Shaped the Modern World. Princeton, NJ: Princeton ~~University Press, 2007. # Arkush, Elizabeth N. # Hillforts of ~~the Ancient Andes: Colla Warfare, Society, and Landscape. # Gainesville, FL: University Press of Florida, ~~2011. # Arensburg, B., L. A., Schepartz, A. M. Tillier, B. ~~Vandermeersch, and Y. Rak. “A Reappraisal of the Anatomical Basis for ~~Speech in Middle Palaeolithic Hominids.” # American Journal of Physical Anthropology # 83, no 2 ~~(2005): 137-146. # Armstrong, John A. # Nations Before ~~Nationalism. # Chapel Hill, NC: University of North ~~Carolina Press, 1982. # Atkinson, Nancy. “A Conversation with Jim Lovell, Part 2: ~~Looking Back.” # Universe Today ~~, ~~September 27, 2010. # http://www.universetoday.com/74396/a-conversation-with-jim-lovell- part-2-looking-back ~~(accessed June 6, ~~2012). # Ashton, Nick, Simon G. Lewis, Simon A. Parfitt, Kirsty E. ~~H. Penkman, and G. Russell Coope. “New Evidence for Complex Climate ~~Change in MIS 11 from Hoxne, Suffolk, UK.” # Quaternary Science Review # 27, no. 7-8 (2008): ~~652-668. # Balter, Michael. “Candidate Human Ancestor from South ~~Africa Sparks Praise and Debate.” # Science # 328 (2010): 154-155. # Balter, Vincent and Laurent Simon. “Diet and Behavior of ~~the Saint-Césaire Neandertal Inferred from Biogeochemical Data ~~Inversion.” # Journal of Human ~~Evolution # 51 (2006): 329-338. # Barker, Graeme. # The Agricultural ~~Revolution in Prehistory. # New York: Oxford University Press, 2006. # Bar-Yosef, Ofer. “The Natufian Culture in the Levant, ~~Threshold to the Origins of Agriculture.” # Evolutionary Anthropology # 6, no. 5 (1998): ~~159-177. # Ballard, Chris, Richard Bradley, Lise Nordenborg Myhre, and ~~Meredith Wilson. “The Ship as Symbol in the Prehistory of Scandinavia ~~and Southeast Asia.” # World ~~Archaeology # 35, no. 3 (2003): ~~385-403. # Barnosky, Anthony D., Nicholas Matzke, Susumu Tomiya, ~~Guinevere O. U. Wogan, Brian Swartz, Tiago B. Quental, Charles Marshall, ~~et al. “Has the Earth’s Sixth Mass Extinction Already Arrived?” # Nature # 471, no 7336 (2011): ~~51-57. # Beaver, S. H. “Coke Manufacture in Great Britain: A Study ~~in Industrial Geography.” # Transactions and Papers (Institute of British Geographers) # 17 (1951): ~~133-148. # Beck, Benjamin B. # Animal Tool ~~Behavior: The Use and Manufacture of Tools by Animals. # New York: Garland Press, ms304 1980. # Bednarik, Robert G., 1997. “The Earliest Evidence of Ocean ~~Navigation.” # International Journal of Nautical ~~Archaeology # 26, no. 3 (1997): ~~183-191. ~~--- ~~. “The ~~'Australopithecine’ Cobble From Makapansgat, South Africa.” # South African Archaeological Bulletin # 53 ~~(1998): 4-8. ~~--- ~~. ~~“Beads and Pendants of the Pleistocene.” # Anthropos # 96 (2001): 545-555. ~~--- ~~. ~~“Crossing the Timor Sea by Middle Palaeolithic Raft.” # Anthropos # 95 (2000): ~~37-47. ~~--- ~~. ~~“Middle Pleistocene Beads and Symbolism. # Anthropos # 100 (2005): 537-552. ~~--- ~~. ~~“Seafaring in the Pleistocene.” # Cambridge ~~Archaeological Journal # 13, no. 1 (2003): ~~41-66. ~~--- ~~. ~~“Seafaring.” # Encyclopedia of the History of ~~Science, Technology, and Medicine in Non-Western ~~Cultures, # 2nd Edition, ed. Helaine Selin. Springer, ~~2008. # Belfer-Cohen, Anna. “The Natufian Graveyard in Hayonim ~~Cave.” Paléorient # 14, no. 2 (1988): ~~297-308. # Belfer-Cohen, Anna, and Ofer Bar-Yosef. “Early Sedentism in ~~the Near East: A Bumpy Ride to Village Life,” in # Life in Neolithic Farming Communities: Social Organization, ~~Identity, and Differentiation, # ed. Ian Kuijt. New York: Plenum Publishers, 17-37. # Bellomo, Randy V. “Methods of Determining Early Hominid ~~Behavioral Activities Associated with the Controlled Use of Fire at FxJj ~~20 Main, Koobi Fora, Kenya.” # Journal of Human ~~Evolution # 27, no. 1-3 (1994): ~~173-195. # Bellwood, Peter, and Marc Oxenham. “The Expansions of ~~Farming Societies and the Role of the Neolithic Demographic Transition,” ~~in # The Neolithic Demographic Transition and its ~~Consequences. # New York: Springer, 2008, ~~13-34. # Bentley, Jerry H. # Old World ~~Encounters: Cross-Cultural Contacts and Exchanges in Pre-Modern ~~Times. # Oxford: Oxford University Press, ~~1993. # Bentley, R. Alexander, Penny Bickle, Linda Fibiger, Geoff ~~M. Nowell, Christopher W. Dale, Robert E. M. Hedges, Julie Hamilton, et ~~al. “Community Differentiation and Kinship among Europe’s First ~~Farmers.” Proceedings of the National Academic ~~of Sciences of the United States of America # 109, no.24 ~~(2012): 9326-9330. # Benton, Adam. “What Was Neanderthal Clothing Like?” # EvoAnth, # November 13, 2012. # http://www.evoanth.net/2012/11/13/what-did-neandertals-wear/ ~~(accessed December 10, 2013). # Berbesque, J. Colette, Frank W. Marlowe, Peter Shaw, and Peter Thompson. “Hunter- gatherers Have Less Famine Than ~~Agriculturalists.” # Biology Letters # 10, no. 1 (2014). # Berger, Lee R., Darryl J. deRuiter, Steven E. Churchill, Peter ms305 Schmid, Kristian J. Carlson, Paul H. G. M. Dirks, and Job M. ~~Kibii. “Australopithecus Sediba: A New Species of Homo-Like ~~Australopith from South Africa.” # Science # 328 (2010): 195-204. # Berlin, Leslie. # The Man Behind the ~~Microchip: Robert Noyce and the Invention of Silicon ~~Valley. # New York: Oxford University Press, ~~2005. # Berna, Francesco, Paul Goldberga, Liora Kolska Horwitz, ~~James Brink, Sharon Holt, Marion Bamford, and Michael Chazan. ~~“Microstratigraphic Evidence of # In ~~Situ # Fire in the Acheulean Strata of Wonderwerk Cave, ~~Northern Cape Province, South Africa.” Proceedings of the National Academy of Sciences # 109, no. ~~20 (2012): 1215-1220. # Bicho, Nuno, Antonio F. Carvalho, Cesar González-Sainz, ~~Jose Luis Sanchidrián, Valentín Villaverde, and Lawrence G. Straus. “The ~~Upper Paleolithic Rock Art of Iberia.” # Journal ~~of Archaeological Method and Theory # 14, no. 1 (2007): ~~81-151. # Binford, Lewis R. “Post-Pleistocene Adaptations” in # New Perspectives in Archaeology, # ed. Sally R. Binford and Lewis R. Binford. Chicago: Aldine Publishing ~~Company, 1968. # Bird, Michael. “Fire, Prehistoric Humanity, and the ~~Environment.” # Interdisciplinary Science ~~Reviews # 20, no. 2 (1995): 141-154. # Bjorklund, David F. “The Role of Immaturity in Human ~~Development.” Psychological Bulletin # 122, no. 2 (1997): 153-169. # Black, Brian. “Oil Creek’s Industrial Apparatus: ~~Re-Creating the Industrial Process Through the Landscape of Pennsylvania’s Oil Boom.” # Environmental ~~History # 3, no. 2 (1998): 210- 229. # Bocquet-Appel, Jean-Pierre. “The Demographic Impact of the ~~Agricultural System in Human History.” # Current ~~Anthropology # 50, no. 5 (2009): ~~657-660. ~~--- ~~. ~~“Paleoanthropological Traces of a Neolithic Demographic Transition.” # Current Anthropology # 43, no. 4 ~~(2002): 637-650. ~~--- ~~. ~~“Testing the Hypothesis of a Worldwide Neolithic Demographic Transition: ~~Corroboration from American Cemeteries.” # Current ~~Anthropology # 47, no. 2 (2006): 341- ~~365. ~~--- ~~. ~~“When the World’s Population Took Off: The Springboard of the Neolithic ~~Demographic Transition.” # Science # 333, ~~no. 6042 (2011): 560-561. # Boesch, Christophe, and Hedwige Boesch. “Hunting Behavior ~~of Wild Chimpanzees in the Tai’ National Park.” # American Journal of Physical Anthropology # 78: ~~547-573. ~~--- ~~. “Optimisation of ~~Nut-Cracking with Natural Hammers by Wild Chimpanzees.” # Behaviour # 83, no. 3-4 (1983): ~~265-286. ~~--- ~~. ~~“Tool Use and Tool Taking in Wild Chimpanzees.” ms306 # Folia Primatologica # 54 (1990): ~~86-99. # Boesch, Christophe, and Hedwige Boesch-Achermann. # Chimpanzees of the Tai Forest: Behavioral Ecology and ~~Evolution. # New York: Oxford University Press, ~~2000. # Boesch, Christophe and Michael Tomasello. “Chimpanzee and ~~Human Cultures.” # Current Anthropology # 39, no. 5 (1998): 591-614. # Boorstin, Daniel J. # The ~~Discoverers: A History of Man’s Search to Know His World and ~~Himself. # New York: Vintage Books, ~~1985. # Borman, Frank. # Countdown: An ~~Autobiography. # New York: Silver Arrow Books, ~~1988. # Brace, C. Loring. # The Stages of ~~Human Evolution. # 5th ed. Upper Saddle River, NJ: Prentice ~~Hall, 1995. # Braidwood, Robert J. “The Agricultural Revolution.” # Scientific American # 203 (1960): ~~130-148. # Brain, Charles K. “Raymond Dart and our African origins,” ~~in # A Century of Nature: Twenty-One Discoveries ~~that Changed Science and the World ~~, Laura Garwin and Tim ~~Lincoln, eds. Chicago: University of Chicago Press, ~~3-9. # Brain, Charles K., and A. Sillen. “Evidence from the ~~Swartkrans Cave for the Earliest Use of Fire.” # Nature # 336 (1989): 464. # Brainard, George C., John P. Hanifin, Jeffrey M. Greeson, ~~Brenda Byrne, Gena Glickman, Edward Gerner, and Mark D. Rollag. “Action ~~Spectrum for Melatonin Regulation in Humans: Evidence for a Novel ~~Circadian Photoreceptor.” # Journal of ~~Neuroscience # 21, no. 1 (2001): ~~6405-6412. # Brantingham, P. Jeffrey. Review of # The Palaeolithic Settlement of Asia # by Robin Dennell. # Geoarchaeology: An International ~~Journal # 25, no. 5 (2009): 668-670. # Brink, A. S. “The Spontaneous Fire-Controlling Reactions of ~~Two Chimpanzee Smoking Addicts.” # South African ~~Journal of Science # 53 (1957): ~~241-247. # Broad, William J. “Paradise Lost: Biosphere Retooled as ~~Atmospheric Nightmare.” # New York ~~Times, # November 19, 1996. # http://www.nytimes.com/1996/11/19/science/paradise-lost-biosphere- retooled-as-atmospheric-nightmare.html ~~(accessed June 12, 2014). # Brown, Kyle S., Curtis W. Marean, Andy I. R. Herries, ~~Zenobia Jacobs, Chantal Tribolo, David Braun, David L. Roberts, Michael ~~C. Meyer, and Jocelyn Bernatchez. “Fire as an Engineering Tool of Early ~~Modern Humans.” # Science # 35, no. 5942 ~~(2009): 859-862. # Brown, P. T. Sutikna, M. J. Morwood, R. P. Soejono, ~~Jatmiko, E. Wayhu Saptomo, and Rokus Awe Due. “A New Small-Bodied ~~Hominin ms307 from the Late Pleistocene of Flores, Indonesia.” # Nature # 431, no. 7012 (2004): ~~1055-1061. # Bryce, Trevor. “The Last Days of Hattusa: The Mysterious ~~Collapse of the Hittite Empire.” # Archaeology ~~Odyssey # 8, no. 1 (2005). # Bullfinch, Thomas. # The Age of ~~Fable, or Stories of Gods and Heroes. # Boston: Sanborn, ~~Carter, and Bazin, 1856. # Bunn, Henry T., Ellen M. Kroll, Stanley H. Ambrose, Anna K. ~~Behrensmeyer, Lewis R. Binford, Robert J. Blumenschine, Richard G. ~~Klein, Henry M. McHenry, Christopher J. O’Brien, and J. J. Wymer. ~~“Systematic Butchery by Plio/Pleistocene Hominids at Olduvai Gorge, ~~Tanzania.” # Current Anthropolog # y 27, ~~no. 5 (1986): 431-452. # Burbank, Victoria K. “Premarital Sex Norms: Cultural ~~Interpretations in an Australian Aboriginal Community.” # Ethos # 15, no. 2 (1987): ~~226-234. # Buringh, Eltjo, and Jan Luiten Van Zanden. “Charting the ~~'Rise of the West’: Manuscripts and Printed Books in Europe: Long-Term Perspective from the Sixth Through Eighteenth Centuries.” # The Journal of Economic History # 69, no. 2 ~~(2009): 409-445. # Burton, Frances D. # Fire: The Spark ~~That Ignited Human Evolution. # Albuquerque: University of ~~New Mexico Press, 2009. # Burunat, Enrique. “Love Is the Cause of Human Evolution.” # Advances in Anthropology # 4 ~~(2014): 99-116. # Buss, David M. # The Handbook of ~~Evolutionary Psychology. # New York: John Wiley & ~~Sons, 2005. # Calvin, William H. “Hand-Ax Heaven: The Ambitious Ape’s ~~Guide to a Bigger Brain,” in # The Ascent of Mind: ~~Ice Age Climates and the Evolution of Intelligence ~~, ~~chapter 8. New York: Bantam Books, 1990. # Cantor, Norman F. # The Civilization ~~of the Middle Ages: A Completely Revised and Expanded Edition of ~~Medieval History, the Life and Death of a Civilization. # New York: HarperCollins, 1994. # Carmody, Rachel N., and Richard W. Wrangham. “The Energetic ~~Significance of Cooking.” # Journal of Human ~~Evolution # 57 (2009): 379-391 ~~. # Carneiro, Robert L. “A Theory of the Origin of the State.” # Science # 169, no. 3947 (1970): ~~733- 738. # Carroll, Lewis. # Alice’s Adventures ~~in Wonderland and Through the Looking Glass. # London: The ~~Folio Society, 1961. # Casals, Pablo, and Josep M. Corredor. # Conversations ms308 with Casals. # New York: E.P. ~~Dutton, 1957. # Casson, Lionel. # Travel in the ~~Ancient World. # Baltimore: Johns Hopkins University Press, ~~1994. # Center for the Advancement of the Steady State Economy. # Discover the Steady State ~~Economy: # http://steadystate.org ~~(accessed June 6, ~~2014). # Cerpa, Juan Antonio. “Altamira, un calvario para Marcelino ~~Sanz de Sautuola.” # Red Española de Historia y ~~Arqueología. ~~” # http://www.historiayarqueologia.com/profiles/blog/show?id=3814916%3ABlogPost%3A295493&commentId=3814916%3AComment%3A295461&xg_source=activity ~~(accessed February 6, 2014). # Ceruzzi, Paul. # Computing: A Concise ~~History. # Cambridge: MIT Press, ~~2012. # César, González Sainz, and Roberto Cacho Toca. “Paleolithic ~~Cave Arts in Cantabria.” # MUSE Digital Archiving ~~Frontiers. # http://www.muse.or.jp/spain/eng/cantabria/cantabria_top.html ~~(accessed February 10, 2014). # Chagnon, Napoleon. # Yanomamö: The ~~Fierce People. # New York: Holt, Rinehart and Winston, ~~1968. # Chandler, Alfred D., and Bruce Mazlish, eds. # Leviathan: Multinational Corporations and the New ~~Global History. # Cambridge: Cambridge University Press, ~~2005. # Chapais, Bernard. Primeval Kinship: ~~How Pair-Bonding Gave Birth to Human Society. # Cambridge: ~~Harvard University Press, 2008. # Charles, J. A. “Early Arsenical Bronzes: A Metallurgical ~~View.” # American Journal of ~~Archaeology # 71, no. 1 (1967): ~~21-26. # Chase, Kenneth. # Firearms: A Global ~~History to 1700. # Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2003. # Chazine, Jean-Michel. “Rock Art, Burials, and Habitations: ~~Caves in East Kalimantan.” # Asian Perspective # 44, no. 1 (2005): ~~219-230. # Childe, V. Gordon. “Chapter V: The Neolithic Revolution,” ~~in # Man Makes Himself. # Oxford: Oxford ~~University Press, 1936. # Chu, Wei. “A Functional Approach to Paleolithic Open-Air ~~Habitation Structures.” # World ~~Archaeology # 41, no. 3 (2009): ~~348-362. ~~--- ~~. “The ~~Use of Dwellings During the Middle Paleolithic in Northern ~~Europe.” Paleoanthropology Society Meeting ~~Abstracts # 13-14 (2010). # Clark, J. Desmond, and J. W. K. Harris. “Fire and its Roles ~~in Early Hominid Lifeways.” # The African ~~Archaeological Review # 3 (1985): ~~3-27. # Clayton, Brian. “The Incredible Shrinking Computer: ~~Innovative Technology, Less Hardware.” Peer to Peer # 27, no. 4 (2011): 32-35. # Cohen, Avner. “Israel and Chemical/Biological Weapons: ~~History, Deterrence, and Arms Control.” # The ~~Nonproliferation Review # 8, no. 33 (2001): ~~27-53. # Cohen, Joel. # How Many People Can ~~the Earth Support? # New York: Norton, ~~1995. # Cohen, Joel E., and David Tilman. “Biosphere 2 and ~~Biodiversity: The Lessons So ms309 Far.” # Science # 274, no. 5290 (1996): ~~1150-1151. # Cohen, Mark N. # The Food Crisis in Prehistory: Overpopulation and the Origins of ~~Agriculture. # New Haven: Yale University Press, ~~1977. # Collier, Bruce, and James MacLachlan. # Charles Babbage: And the Engines of Perfection. # Oxford: Oxford University Press, ~~1998. # Collier, Paul ~~. Exodus: Immigration ~~and Multiculturalism in the 21st Century. # London: Allen ~~Lane, 2013. # Colomer, Josep M. “On Building the American and the ~~European Empires.” # London School of Economics ~~and Political Science 'Europe in Question’ Discussion Paper ~~Series # 6 (2009): 1-29. # Computer History Museum. “A Brief History.” # The Babbage Engine. # http://www.computerhistory.org/babbage/history/ ~~(accessed ~~June 12, 2014). # Conard, N. J., M. Malina, and S. C. Munzel. “New Flutes ~~Document the Earliest Musical Tradition in Southwestern Germany.” # Nature # 460, no. 7256 (2009): ~~737-740. # Connor, Walker. “A Nation Is a Nation, Is a State, Is an ~~Ethnic Group, Is a...” # Ethnic and Racial ~~Studies # 1, no. 4 (1978): 379-388. # Currier, Richard L. “Canine Teeth and Lethal Weapons: Was ~~the Fabrication of Wooden Spears and Digging Sticks by Hominin Ancestors ~~Responsible for the Evolution of Bipedal Locomotion?” Available on line ~~at: # http://www.richardlcurrier.com/articles/canine-teeth-and-lethal- weapons.html ~~. # Cutress, Ian. “ Intel Readying 15-core Xeon E7 v2.” # AnandTech ~~, February 11, 2014. # http://www.anandtech.com/show/7753/intel-readying-15core-xeon-e7-v2 ~~(accessed June 6, 2014). # Dart, Raymond A. “Australopithecus Africanus: The Man-Ape ~~of South Africa.” # Nature # 115 (1925): ~~195-199. # Darwin, Charles. # The Descent of ~~Man. # New York: Penguin Books, ~~2007. # Dawkins, Richard. “Afterward,” # in ~~The Handbook of Evolutionary Psychology. # New York: John ~~Wiley & Sons, 2005. # Davidson, Iain, and William Noble. “The Archaeology of Perception: Traces of Depiction and Language.” # Current Anthropology # 30, no. 2 (1989): ~~125-156. # Davis, Simon J. M. “The Age Profile of Gazelles Predated by ~~Ancient Man in Israel: Possible Evidence for a Shift from Seasonality to ~~Sedentism in the Natufian.” Paléorient # 9 (1983): 55-62. # Davis, Simon J. M. “Why Domesticate Food Animals? Some ~~Zoo-Archaeological Evidence from the Levant.” # Journal of Archaeological Science # 32 (2005): ~~1408-1416. # Dediu, Dan, and Stephen C. Levinson. “On the Antiquity of ~~Language: The ms310 Reinterpretation of Neandertal Linguistic Capacities and ~~Its Consequences.” # Frontiers in Psychology # 4, no. 397 (2013): ~~1-17. # Defoe, Daniel. # The Life and Strange ~~Surprizing Adventures of Robinson Crusoe. of Yourk, ~~Mariner. # London: W Taylor, 1719. # DeLong, Bradford J., “The Reality of Economic Growth: ~~History and Prospect,” in Jeffrey Williamson et al., eds., # Globalization in Historical Perspective. # Appleton, Wisconsin: Lawrence University, 2000: ~~119-150. # Demay, Laëtitia, Stéphane Péan, and Marylène Patou-Mathis. ~~“Mammoths Used as Food and Building Resources by Neanderthals: ~~Zooarchaeological Study Applied to Layer 4, Molodova I (Ukraine).” # Quaternary International # 276-277 ~~(2012): 212-226. # deMenocal, Peter B. “Cultural Responses to Climate Change ~~During the Late Holocene.” # Science # 292 (2001): 667-673. # Denham, Tim. “Early Agriculture and Plant Domestication in ~~New Guinea and Island Southeast Asia.” # Current ~~Anthropology # 52, no. S4 (2011): ~~S379-S395. # Dennell Robin. “Dispersal and Colonisation, Long and Short ~~Chronologies: How Continuous is the Early Pleistocene Record for ~~Hominids Outside East Africa?” # Journal of Human ~~Evolution # 45, no. 6 (2003): ~~421-440. ~~--- ~~. # The Paleolithic Settlement of ~~Asia. # Cambridge, UK: Cambridge University Press, ~~2009. # d’Errico, Francesco, Christopher Henshilwood, Graeme ~~Lawson, Marian Vanhaeren, Anne-Marie Tillier, Marie Soressi, Frédérique ~~Bresson, et al. “Archaeological Evidence for the Emergence of Language, ~~Symbolism, and Music-An Alternative Multidisciplinary Perspective.” # Journal of World Prehistory # 17, ~~no. 1 (2003): 1-70. # Deutscher, Guy. # Through the ~~Language Glass: Why the World Looks Different In Other ~~Languages. # New York: Metropolitan Books, ~~2010. # Devine, Warren D. “From Shafts to Wires: Historical Perspective on Electrification.” # The Journal of ~~Economic History # 43, no. 2 (1983): ~~347-372. # De Waal, Frans. “Bonobo Sex and Society.” # Scientific American # 272, no. 3 (1995): ~~82-88, March, 1995. # De Waal, Frans, and Frans Lanting. # Bonobo: The Forgotten Ape. # Berkeley, CA: University of ~~California Press, 1997. # Dewsbury, Donald A. “Patterns of Copulatory Behavior in ~~Male Mammals.” # The Quarterly Review of ~~Biology # 47, no. 1 (March 1972): ~~133. # Diamond, Jared. # Guns, Germs, and ~~Steel: The Fates of Human Societies. # New York: W. W. ~~Norton, 1997. ~~--- ~~. # The World Until Yesterday. # New ~~York: Viking, ms311 2012. # Diehl, Michael W. “Architecture as a Material Correlate of ~~Mobility Strategies: Some Implications for Archeological ~~Interpretation.” # Cross Cultural ~~Research # 26, no. 1-4 (1992): 1-35. # Di Fiore, Anthony, and Drew Rendall. “Evolution of Social ~~Organization: A Reappraisal for Primates by Using Phylogenetic Methods.” Proceedings of the National Academy of ~~Sciences # 91, no. 21 (1994): ~~9941-9945. # Dirzo, Rodolfo, Hillary S. Young, Mauro Galetti, Gerardo ~~Ceballos, Nick J. B. Isaac, and Ben Collen. “Defaunation in the ~~Anthropocene.” # Science # 345, no. 6195 ~~(2014): 401-406. # Dodson, John, Xiaoqiang Li, Nan Sun, Pia Atahan, Xinying ~~Zhou, Hanbin Liu, Keliang Zhao, Songmei Hu, and Zemeng Yang. “Use of ~~Coal in the Bronze Age in China.” # The ~~Holocene # 24, no. 5 (2014): ~~525-530. # Dohrn-van Rossum, Gerhard, and Thomas Dunlap, trans. # History of the Hour: Clocks and Modern ~~Temporal Orders. # Chicago: University of Chicago Press, ~~1996. # Domínguez-Rodrigo, Manuel. “Hunting and Scavenging by Early ~~Humans: The State of the Debate.” # Journal of ~~World Prehistory # 16, no. 1 (2002): ~~1-54. # Douka, Katerina, Christopher A. Bergman, Robert E. M. ~~Hedges, Frank P. Wesselingh, and Thomas F. G. Higham. “Chronology of ~~Ksar Akil (Lebanon) and Implications for the Colonization of Europe by ~~Anatomically Modern Humans.” PLOS ONE # 8, no. 9 (2013): e72931. # Duchin, Linda E. “The Evolution of Articulate Speech: ~~Comparative Anatomy of the Oral Cavity in Pan # and # Homo. ~~” # Journal of Human Evolution # 19, ~~no. 6-7 (1990): 687-697. # Dunbar, Robin I. M. “Neocortex Size as a Constraint on ~~Group Size in Primates.” # Journal of Human ~~Evolution # 20 (1992): 469-493. # Dunbar, Robin, Clive Gamble, and John Gowlett, eds. # Social Brain, Distributed Mind. # Oxford: Oxford University Press for the British Academy, ~~2010. # Ecola, Lisa and Martin Wachs. “Exploring the Relationship ~~between Travel Demand and Economic Growth.” # Washington: Federal Highway Administration. # http://www.fhwa.dot.gov/policy/otps/pubs/vmt_gdp ~~(accessed June 24, 2014). # Eldredge, Niles. # Life in the ~~Balance: Humanity and the Biodiversity Crisis. Princeton, ~~NJ: Princeton University Press, 1998. # Elwin, Verrier, # The Kingdom of the ~~Young. # London: # Oxford University Press, 1968. # Eriksson, ms312 Anders, Lia Betti, Andrew D. Friend, Stephen J. ~~Lycett, Joy S. Singarayer, Noreen von Cramon-Taubadel, Paul J. Valdes, ~~Francois Balloux, and Andrea Manica. “Late Pleistocene Climate Change ~~and the Global Expansion of Anatomically Modern Humans.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the ~~United States of America # 109, no. 40 (2012): ~~16089-16094. # Estebaranz, L., and Perez-Perez. ~~“Buccal Dental Microwear Signals in the Gracile Australopithecines ~~A. anamensis, A. afarensis, and A. africanus: Adaptations to Open ~~Environments with Climatic Shift.” # 2010 Annual Meeting Paleoanthropology Society, St. Louis MO, April ~~2010. # Fagan, Brian. # Cro-Magnon: How the ~~Ice Age Gave Birth to the First Modern Humans. # New York: ~~Bloomsbury Press, 2010. # Febvre, Lucien, and Henri-Jean Martin. # The Coming of the Book: The Impact of Printing ~~1450-1800. # London: New Left Books, ~~1976. # Feliks, John. “The Golden Flute of Geissenklösterle: ~~Mathematical Evidence for A Continuity Of Human Intelligence As Opposed ~~To Evolutionary Change Through Time.” # Aplimat-Journal of Applied Mathematics # 4, no. 4 (2011): ~~157-162. ~~--- ~~. “The ~~Graphics of Bilzingsleben: Sophistication and Subtlety in the Mind of ~~Homo Erectus.” Proceedings of the 15th Congress ~~of the International Union of Prehistoric and Protohistoric ~~Sciences. # http://www-personal.umich.edu/~feliks/graphics-of- bilzingsleben/index.html ~~(accessed February 2, ~~2014). # Fildes, Jonathan. “Campaign Builds to Construct Babbage ~~Analytical Engine.” # BBC News ~~, October ~~14, 2010. # http://www.bbc.co.uk/news/technology-11530905 ~~(accessed June 12, 2014). # Finlayson, Clive, Darren A. Fa, Francisco Jiménez Espejo, ~~Jóse S. Carrión, Geraldine Finlayson, Francisco Giles Pacheco, Joaquín ~~Rodríguez Vidal, Chris Stringer, and Francisco Martínez Ruiz. “Gorham’s ~~Cave, Gibraltar-The Persistence of a Neanderthal Population.” # Quaternary International # 181 (2008): ~~64-71. # Fish, Jennifer L., and Charles A. Lockwood. “Dietary ~~Constraints on Encephalization in Primates.” # American Journal of Physical Anthropology # 120, no. 2 ~~(2003): 171-181. # Flannery, Kent. “The Origins of Agriculture.” # Annual Review of Anthropology # 2 (1973): ~~271- 310. # Flinn, Mark V., David C. Geary, and Carol V. Ward. ~~“Ecological Dominance, Social Competition, and Coalitionary Arms Races: ~~Why Humans Evolved Extraordinary Intelligence.” # Evolution and Human Behavior # 26 (2005): ~~10-46. # Foley, Robert. “Adaptive Radiations ms313 and Dispersals in ~~Hominin Evolutionary Ecology.” # Evolutionary ~~Anthropology, Supplement # 1 (2002): ~~32-37. # Foley, Robert, and Marta Lahr. “Mode 3 Technologies and the ~~Evolution of Modern Humans.” # Cambridge ~~Archaeological Journal # 7, no. 1 (1997): ~~3-36. # Fong, Wen, W. Robert Bagley, Jenny F. So, and Maxwell K. ~~Hearn, eds. # The Great Bronze Age of China: An ~~Exhibition from the People’s Republic of China. # New York: ~~Metropolitan Museum of Art, 1980. # Fontana, Luigi, Jennifer L. Shew, John O. Holloszy, and ~~Dennis T. Villareal. “Low Bone Mass in Subjects On a Long-Term Raw ~~Vegetarian Diet.” # Archives of Internal ~~Medicine # 165 (2005): 684-689. # Ford, Clellan S., and Frank A. Beach. Patterns of Sexual Behavior. # New York: ~~Harper Torchbooks, 1951. # Froehle, Andrew W., and Steven E. Churchill. “Energetic ~~Competition Between Neandertals and Anatomically Modern Humans.” PaleoAnthropology ~~(2009): ~~96−116. # Fuentes, Augustin. “Re-evaluating Primate Monogamy.” # American Anthropologist # 100, no. ~~4 (1998): 890-907. # Galloway, Robert L. # A History of ~~Coal Mining in Great Britain. # London: MacMillan and Co., ~~1882. # Georgano, Nick. # Cars Early and ~~Vintage 1886-1930. # New York, Crescent Books, ~~1990. # Gibbons, Ann. “Stunning Skull Gives a Fresh Portrait of ~~Early Humans.” # Science # 342, no. 6156 ~~(2013): 297-298. # Gibran, Kahlil, # The Prophet. # New York: Alfred A. Knopf, ~~1923. # Gilby, Ian C. “Meat Sharing Among the Gombe Chimpanzees: ~~Harassment and Reciprocal Exchange.” # Animal ~~Behavior # 71 (2006): 953-863. # Gilby, Ian C., Lynn E. Eberly, Lilian Pintea, and Anne E. Pusey. “Ecological and Social Influences on the Hunting Behaviour of ~~Wild Chimpanzees, Pan Troglodytes ~~Schweinfurthii. ~~” # Animal ~~Behaviour # 72 (2006): 169-180. # Gilligan, Ian. “Neandertal Extinction and Modern Human ~~Behaviour: The Role of Climate Change and Clothing.” # World Archaeology # 39, no. 4 (2007): ~~499-514. ~~--- ~~. “The Prehistoric Development of Clothing: Archaeological Implications of a ~~Thermal Model.” # Journal of Archaeological Method ~~and Theory # 17 (2010): 15-80. # Golitko, Mark, and Lawrence H. Keeley. “Beating Ploughshares Back into Swords: Warfare in the # Linearbandkeramik.” Antiquity # 81 (2007): ~~332-342. # Good, Kenneth. # Into the Heart: One ~~Man’s Pursuit of Love and ms314 Knowledge Among the Yanomama. # New York: Simon & Schuster, 1991. # Goodall, Jane. # In the Shadow of ~~Man. # Boston: Houghton Mifflin Company, ~~1971. # Goren-Inbar, Naama, Nira Alperson, Mordechai E. Kislev, ~~Orit Simchoni, Yoel Melamed, Adi Ben-Nun, and Ella Werker. “Evidence of ~~Hominin Control of Fire at Gesher Benot Ya’aqov, Israel.” # Science # 304, no. 5671 (2004): ~~725-727. # Görlitz, Dominique. “Pre-Egyptian Reed Boat # Abora 2 # Crosses the Mediterranean Sea.” # Migration & Diffusion # 3, ~~no. 12 (2002): 44-61. # Gowlett, John A. J. “The Early Settlement of Northern ~~Europe: Fire History in the Context of Climate Change and the Social ~~Brain.” # Human Paleontology and Prehistory # 5 (2006): 299-310. ~~--- ~~. “Out ~~in the Cold.” # Nature # 413, no. 92 ~~(2001): 33-34. # Gowlett, John A. J., J. W. K Harris, D. Walton, and B. A. ~~Wood. “Early Archaeological Sites, Hominid Remains, and Traces of Fire ~~From Chesowanja, Kenya.” # Nature # 294, ~~no. 5837 (1981): 125-129. # Graber, Robert B, Randall R. Skelton, Ralph M. Rowlett, ~~Ronald Kephart, and Susan Love Brown. # Meeting ~~Anthropology, Phase to Phase: Growing UP, Spreading Out, Crowding ~~In, Switching On. # Durham, NC: Carolina Academic Press, ~~2000. # Graham-Cumming, John. “Let’s Build Babbage’s Ultimate ~~Mechanical Computer.” # New Scientist ~~, ~~December 23, 2010. # http://www.newscientist.com/article/mg20827915.500-lets-build- babbages-ultimate-mechanical-computer.html#.U5njTGcg-Uk ~~(accessed June 12, 2014). # Greenhill, Basil. # The Evolution of ~~the Wooden Ship. # Caldwell, NJ: The BlackBurn Press, ~~2009. # Greenspan, Stanley, and Stuart Shanker. # The First Idea: How Symbols, Language, and ~~Intelligence Evolved from Our Primate Ancestors to Modern ~~Humans. # Cambridge, MA: Da Capo Press, ~~2006. # Gregory, J. W. “Edward Suess.” # Science # 39, no. 1017 (1914): ~~933-935. # Groves, Colin. “The What, Why, and How of Primate ~~Taxonomy.” # International Journal of Primatology # 25, no. 5 (2004): ~~1105-1126. # Groves, Colin, and Jordi Sabater-Pi. “From Ape’s Nest to ~~Human Fx-Point.” # Man # 20, no. 1 ~~(1985): 22-47. # Guangwei, He. “China’s Dirty Pollution Secret: The Boom Poisoned its Soil and Crops.” # Tainted Harvest: ~~An e360 Special Report Part I ~~, June 30, 2014. # http://e360.yale.edu/feature/chinas_dirty_pollution_secret_the_boom_poisoned_its_soil_and_crops/2782/ ~~(accessed July 14, ~~2014). ~~--- ~~. “In China’s ~~Heartland, A Toxic Trail Leads from Factories to Fields to Food.” # Tainted Harvest: ms315 An e360 Special Report Part ~~II. # http://e360.yale.edu/feature/chinas_toxic_trail_leads_from_factories_to_food/2784/ ~~(accessed June 28, 2014). ~~--- ~~. “The Soil Pollution Crisis in China: A Cleanup Presents Daunting Challenge.” # Tainted Harvest: An e360 Special Report Part ~~III. # http://e360.yale.edu/feature/the_soil_pollution_crisis_in_china_a_cleanup_presents_daunting_challenge/2786/ ~~(accessed June 14, 2014). # Gullapalli, Sravani, and Michael Wong. “Nanotechnology: A ~~Guide to Nano-Objects.” # Chemical Engineering Progress # 107, no. 5 (2011): 28-32. # Haile-Selassie, Yohannes, Gen Suwa, and Tim D. White. “Late ~~Miocene Teeth From Middle Awash, Ethiopia, and Early Hominid Dental ~~Evolution.” # Science # 303, no. 5663 ~~(2004): 1503-1505. # Hansen, James, Makiko Sato, and Reto Ruedy. “ # Global Temperature Update Through 2013.” # Goddard Institute for Space Studies, January 21, ~~2014. # Hansen, Karen T. “The World in Dress: Anthropological Perspectives in Clothing, Fashion, and Culture.” # Annual Review of Anthropology # 33 (2004): ~~369-392. # Hardy, Bruce L., and Gary T. Garufi. “Identification of ~~Woodworking on Stone Tools Through Residue and Use-Wear Analysis: ~~Experimental Results.” # Journal of Archaeological ~~Science # 25 (1998): 177-184. # Hardy, Karen, Stephen Buckley, Matthew J. Collins, Almudena ~~Estalrrich, Don Brothwell, Les Copeland, Antonio García-Tabernero, et ~~al ~~. ~~“Neandertal Medics? Evidence ~~for Food, Cooking, and Medicinal Plants Entrapped in Dental Calculus.” # Naturwissenschaften # 99, no. 8 ~~(2012): 617-626. # Harrod, J. “Deciphering Later Acheulian Period Marking ~~Motifs (LAmrk): Impressions of the Later Acheulian Mind.” # OriginsNet Publications. # http://originsnet.org/publications.html#Deciphering # LAmrk ~~(accessed February 19, 2014). # Harvey, David. “Chapter 6: Time-Space Compression and the Postmodern Condition,” in # The Global ~~Transformations Reader: An Introduction to the Globalization ~~Debate ~~, David Held and Anthony McGrew, eds. Stanford: ~~Stanford University Press, 1999. # Harwood, Catherine. “Oral History Transcript: Frank ~~Borman,” # Johnson Space Center Oral History ~~Archive, # April 13, 1999. # Hassan, Fekri. “The Gift of the Nile,” in # Ancient Egypt ~~, David P. Silverman, ed. New ~~York: Oxford University Press, 2003. # Hatley, Tom, and John Kappelman. “Bears, Pigs, and Plio-Pleistocene Hominids: A Case for the Exploitation of Belowground ~~Food Resources.” # Human Ecology # 4 ~~(1980): 371-387. # Hauser, Marc D. “A Primate Dictionary? Decoding the ~~Function and Meaning of Another Species’ Vocalizations.” # Cognitive Science # 24, no. 3 (2000): ~~445-475. # Hawkes, Kristen, and Nicholas ms316 Blurton Jones. “Human Age ~~Structures, Paleodemography, and the Grandmother Hypothesis” # in Grandmotherhood: The Evolutionary Significance of ~~the Second Half of Female Life. # New Brunswick, NJ: ~~Rutgers University Press, 2005. # Hayden, Brian. “Nimrods, Piscators, Pluckers, and Planters: ~~The Emergence of Food Production.” # Journal of ~~Anthropological Archaeology # 9, no. 1 (1990): ~~31-69. # Held, David, Anthony McGrew, David Goldblatt, and Jonathan Perraton, eds. # Global Transformations: Politics, ~~Economics, and Culture. # Stanford: Stanford University Press, 1999. # Held, David, and Anthony McGrew, eds. # The Global Transformations Reader: An Introduction to ~~the Globalization Debate. # Cambridge, MA: Polity Press, ~~2000. # Hernandez-Aguilar, R. Adriana, Jim Moore, and Travis Rayne Pickering. “Savanna Chimpanzees Use Tools to Harvest the Underground ~~Storage Organs of Plants.” Proceedings of the ~~National Academy of Sciences # 104, no. 49 (2007): ~~19210-19213. # Higham, Thomas, Laura Basell, Roger Jacobi, Rachel Wood, ~~Christopher Bronk Ramsey, and Nicholas J. Conard. “Τesting Models for ~~the Beginnings of the Aurignacian and the Advent of Figurative Art and ~~Music: The Radiocarbon Chronology of Geißenklösterle.” # Journal of Human Evolution # 62, no. 6 ~~(2012): 664-676. # Hilbert, Martin, and Priscila López. “The World’s ~~Technological Capacity to Store, Communicate, and Compute Information.” # Science # 332, no. 6025 (2011): ~~60-65. # Hillman, Gordon C., and M. Stuart Davies “Measured ~~Domestication Rates in Wild Wheats and Barley Under Primitive ~~Implications.” # Journal of World Prehistory # 4, no. 2 (1990): 157- ~~222. # Hills, R. L., and A. J. Pacey. “The Measurement of Power in ~~Early Steam-Driven Textile Mills.” # Technology ~~and Culture # 13, no. 1 (1972): ~~25-43. # Hirst, K. Kris. “Geißenklösterle (Germany): Aurignacian ~~Site in the Swabian Jura of Germany.” # About.com ~~Archaeology. # http://archaeology.about.com/od/gterms/qt/Geissenklosterle-Germany.htm ~~(accessed January 30, 2014). ~~--- ~~. ~~“Molodova I (Ukraine).” # About.com ~~Archeology. # http://archaeology.about.com/od/mterms/g/molodova.htm ~~. ~~(accessed January 23, 2014). # Hobsbawm, Eric. # Nations and ~~Nationalism Since 1780: Programme, Myth, Reality. # Cambridge, MA: Cambridge University Press, 1990. # Hodges, Henry. # Technology in the ~~Ancient World. # New York: Alfred A. Knopf, ~~1974. # Hoebel, E. Adamson. # The Cheyennes: ~~Indians of the Great Plains. # New York: Holt, Rinehart and ~~Winston, 1960. # Hole, Frank. “Agricultural Sustainability in the ms317 Semi-Arid ~~Near East.” # Climate of the Past # 3 ~~(2007): 193-203. ~~--- ~~. “A ~~Reassessment of the Neolithic Revolution.” Paléorient # 10, no. 2 (1984): ~~49-60. # Holloway, Ralph L. “Tools and Teeth: Some Speculations ~~Regarding Canine Reduction.” # American ~~Anthropologist # 69, no. 1 (1967): ~~63-67. # Hong, Sungmin, Jean-Pierre Candelone, Clair C. Patterson, ~~and Claude F. Boutron.“History of Ancient Copper Smelting Pollution ~~During Roman and Medieval Times Recorded in Greenland Ice.” # Science # 272, no. 5259 (1996): ~~246-249. # Hopkins, Anthony G., ed. # Global ~~History: Interactions between the Universal and the ~~Local. # Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan, ~~2006. # Houghton, Richard A. “Why Are Estimates of the Terrestrial ~~Carbon Balance So Different?” # Global Change ~~Biology # 9, no. 4 (2003): 500-509. # Howard, William R. “Palaeoclimatology: A Warm Future in the Past.” # Nature # 388 (1997): ~~418-419. # Hoyle, Fred, and Chandra Wickramasinghe.“On the Cause of ~~Ice-Ages.” # Cambridge-Conference ~~Network ~~, July 1999. # http://abob.libs.uga.edu/bobk/ccc/ce120799.html ~~(accessed June 13, 2014). # Hu, Yaowu, Songmei Hu, Weilin Wang, Xiaohong Wu, Fiona B. ~~Marshall, Xianglong Chen, Liangliang Hou, and Changsui Wang. “Earliest ~~Evidence for Commensal Processes of Cat Domestication.” Proceedings of the National Academic of Sciences of ~~the United States of America # 111, no. 1 (2014): ~~116-120. # Huffman, O. Frank, John De Vos, Aart W. Berkhout, and ~~Fachroel Aziz. “Provenience Reassessment of the 1931-1933 Ngandong Homo ~~Erectus (Java), Confirmation of the Bone-bed Origin Reported by the ~~Discoverers.” PaleoAnthropology ~~(2010): 1−60. # Hultsman, John, and William Harper. “The Problem of Leisure ~~Reconsidered.” # Journal of American ~~Culture # 16, no. 1 (2004): 47-54. # Hunt, Kevin D. “The Evolution of Human Bipedality: Ecology ~~and Functional Morphology.” # Journal of Human ~~Evolution # 26 (1994): 183-202. # Hutchinson, Peter. “Magazine Growth in the Nineteenth ~~Century.” # A Publisher’s History of American ~~Magazines, # 2008. # Imbrie, John, A. Berger, E. A. Boyle, S. C. Clemens, A. ~~Duffy, W. R. Howard, G. Kukla, J. Kutzbach, D. G. Martinson, A. Mcintyre ~~et al. “On the Structure and Origin of Major Glaciation Cycles: 2. The ~~100000-year cycle.” Paleoceanography # 8, no. 6 (1993): 699- 735. # International Technology Roadmap for Semiconductors. ~~“Overall Technology Roadmap ms318 Characteristics.” # 2010 Update. # http://www.itrs.net/Links/2010ITRS/Home2010.htm ~~(accessed ~~June 17, 2014). # Jablonski, Nina G., and George Chaplin. “Origin of Habitual ~~Terrestrial Bipedalism in the Ancestor of the # Hominidae. ~~” # Journal of Human ~~Evolution # 24 (1993): 259-280. # James Martin Center for Nonproliferation Studies. “Chemical ~~and Biological Weapons: Possession and Programs Past and Present.” # Chemical & Biological Weapons ~~Resource Page. # Monterey Institute of International ~~Studies, 2008. # http://cns.miis.edu/cbw/possess.htm ~~(accessed June 16, 2014). # James, Steven R. “Hominid Use of Fire in the Lower and ~~Middle Pleistocene: A Review of the Evidence.” # Current Anthropology # 30, no. 1 (1989): ~~1-11. # Johanson, Donald and Blake Edgar. # From Lucy to Language. # New York, Simon & ~~Schuster, 1996. # Jones, Eric L. # Cultures Merging: A ~~Historical and Economic Critique of Culture. Princeton: Princeton University Press, 2006. # Jones, Nate. “The Department of Defense List of 32 ~~'Accidents Involving Nuclear Weapons.’” # Unredacted: The National Security Archive, Unedited and ~~Uncensored ~~, October 9, 2013. # http://nsarchive.wordpress.com/2013/10/09/document-friday-narrative- summaries-of-accidents-involving-nuclear-weapons/ ~~(accessed June 26, 2014). # Keeley, Lawrence H. “War Before Civilization-15 Years On,” ~~in # The Evolution of Violence. # New ~~York: Springer, 2014. # Kelly, Jack. # Gunpowder: Alchemy, ~~Bombards, & Pyrotechnics: The History of the Explosive That ~~Changed the World. # New York: Basic Books, ~~2004. # Kirkland, Joel. “Global Emissions Predicted to Grow through ~~2035.” # Scientific American ~~(2010). # Kislev, Mordechai E., D. Nadel, and I. Carmi. ~~“Epipalaeolithic (19000 BP) Cereal and Fruit Diet at Ohalo II, Sea of ~~Galilee, Israel.” # Review of Palaeobotany and Palynology # 73, no. 1-4 (1992): ~~161-166. # Kitchen, Martin. # A History of ~~Modern Germany: 1800 to the Present. # New York: John Wiley ~~& Sons, 2011. # Kittler, Ralph, Manfred Kayser, and Mark Stoneking. ~~“Molecular Evolution of Pediculus ~~Humanus # and the Origin of Clothing.” # Current Biology # 13 (2003): ~~1414-1417. # Klein, Richard G. “Anatomy, Behaviour, and Modern Human ~~Origins.” # Journal of World Prehistory # 9, no. 2 (1995): 167-98. ~~--- ~~. “The ~~Archaeology of Modem Human Origins.” # Evolutionary Anthropology # 1 (1992): ~~5-14. # Knight, Chris, Camilla Power, and Ian Watts. “The Human ~~Symbolic Revolution: A Darwinian Account.” # Cambridge Archaeological Journal # 5, no. 1 (1995): ~~75-114. # Kortlandt, Adriaan. “How Might Early Hominids Have ms319 Defended ~~Themselves Against Large Predators and Food Competitors?” # Journal of Human Evolution # 9, no. 2: ~~79-94. # Kremer, Michael. “Population Growth and Technological ~~Change: One Million B.C. to 1990.” # The Quarterly ~~Journal of Economics # 108, no. 3 (1993): ~~681-716. # Kristensen, Hans M., and Robert S. Norris.“Nuclear Warhead ~~Stockpiles and Transparency,” in # Global Fissile ~~Material Report 2013: Increasing Transparency of Nuclear Warhead and ~~Fissile Material Stocks as a Step Toward Disarmament. Princeton: International Panel on Fissile ~~Materials. ~~--- ~~. “Russian Nuclear ~~Forces.” # Bulletin of the Atomic ~~Scientists # 69, no. (2013): 71-81. ~~--- ~~. “US Nuclear ~~Forces.” # Bulletin of the Atomic ~~Scientists # 70, no. 11 (2014): ~~85-93. # Kuhn, Steven L., Mary C. Stiner, Erksin Güleç, Ismail Őzer, ~~Hakan Yılmaz, Ismail Baykara, Ayşen Açıkkol, Paul Goldberg, Kenneth ~~Martínez Molina, Engin Űnay, and Fadime Suata-Alpaslan. “The Early Upper Paleolithic Occupations at Űçalğızlı Cave (Hatay, Turkey).” # Journal of Human Evolution # 56 (2009): ~~87-113. # Kuijt, Ian. “Life in Neolithic Farming Communities: An ~~Introduction,” in # Life in Neolithic Farming ~~Communities: Social Organization, Identity, and ~~Differentiation, # Ian Kuijt, ed. New York: Plenum Publishers, 2000. ~~--- ~~. ~~“Negotiating Equality Through Ritual: A Consideration of Late Natufian ~~and Prepottery Neolithic Period a Mortuary Practices.” # Journal of Anthropological Archaeology # 15 ~~(1996): 313-336. # Kuijt, Ian, and Bill Finlayson. “Evidence for Food Storage ~~and Predomestication Granaries 11000 Years Ago in the Jordan Valley.” Proceedings of the National Academy of ~~Sciences of the United States of America # 106, no. 27 ~~(2009): 10966-10970. # Lallanilla, Marc. “World’s Oldest Harbor Discovered in ~~Egypt.” # LiveScience # April 16, ~~2013. # Landes, David S. # Revolution in ~~Time: Clocks and the Making of the Modern World. # Cambridge, MA: Belknap Press, 2000. # Laurance, William. “China’s Appetite for Wood Takes a Heavy ~~Toll on Forests.” # Yale Environment ~~360 ~~, November 17, 2011. # http://e360.yale.edu/feature/chinas_appetite_for_wood_takes_a_heavy_toll_on_forests/2465/ ~~(accessed June 28, 2014). # Lawler, Andrew. “Report of Oldest Boat Hints at Early Trade ~~Routes.” # Science # 296, no. 5574 ~~(2002): 1791-1792. # Lawler, Richard R. “Monomorphism, Male-Male Competition, ~~and Mechanisms of Sexual Dimorphism.” # Journal of ~~Human Evolution # 57 (2009): ~~321-325. # Leakey, Meave G., Craig S. ms320 Feibel, Ian McDougall, and Alan ~~Walker. “New Four-Million-Year-Old Hominid Species from Kanapoi and ~~Allia Bay, Kenya.” # Nature # 376 (2002): ~~565-571. # Leo, Natalie P., and Stephen C. Barker. “Unravelling the ~~Evolution of the Head Lice and Body Lice of Humans.” Parasitology Research # 98 (2005): ~~44-47. # Leonard, William R. “Food for Thought: Dietary Change was a ~~Driving Force in Human Evolution.” # Scientific ~~American # 287, no. 6 (2002): ~~106-115. # Lessa, William A., # Ulithi: A ~~Micronesian Design for Living. # New York: Holt, Rinehart ~~and Winston, 1966. # Lewis, Bill, “The Gaslight Era: A Revolution in Lighting.” # About.com/Lighting. # http://lighting.about.com/od/Fixtures/a/The-Gaslight-Era.htm ~~. ~~(accessed May 30, 2014). # Lewis, M. Paul, Gary F. Simons, and Charles D. Fennig, eds. # Ethnologue: Languages of the World, ~~Seventeenth Edition. # Dallas: SIL International, ~~2004. # Lieberman, Daniel E., Brandeis M. McBratney, and Gail ~~Krovitz. “The Evolution and Development of Cranial Form in Homo ~~Sapiens.” Proceedings of the National Academy of ~~Sciences # 99, no. 3 (2002): ~~1134-1139. # Lieberman, Daniel E., Gail E. Krovitz, Franklin W. Yates, ~~Maureen Devlin, and Marisa St. Claire. “Effects of Food Processing on ~~Masticatory Strain and Craniofacial Growth in a Retrognathic Face.” # Journal of Human Evolution # 46 ~~(2004): 655-677. # Lieberman, Philip, Jeffrey T. Laitman, Joy S. Reidenberg, ~~and Patrick J. Gannon. “The Anatomy, Physiology, Acoustics and Perception of Speech: Essential Elements in Analysis of the Evolution of ~~Human Speech.” # Journal of Human ~~Evolution # 23 (1992): 447-467. # Lindsey, Rebecca. “Tropical Deforestation.” # National Aeronautics and Space Administration, Earth ~~Observatory ~~, March 30, 2007. # http://earthobservatory.nasa.gov/Features/Deforestation/ ~~(accessed June 27, 2014). # Lordkipanidze, David, Marcia S. Ponce de León, Ann ~~Margvelashvili, Yoel Rak, G. Philip Rightmire, Abesalom Vekua, and ~~Christoph P. E. Zollikofer. “A Complete Skull from Dmanisi, Georgia, and ~~the Evolutionary Biology of Early # Homo.” ~~Science # 342, no. 6156 (2013): ~~326-331. # Lovejoy, C. Owen. “The Origin of Man.” # Science (New Series) # 211, no. 4480 (1982): ~~341-350. # Lu, Caitlin. # Matteo Ricci and the ~~Jesuit Mission in China 1583-1610. # Boston: The Concord ~~Review. # Lucas, Adam Robert. “Industrial Milling in the Ancient ms321 and ~~Medieval Worlds: A Survey of the Evidence for an Industrial Revolution ~~in Medieval Europe.” # Technology and ~~Culture # 46, no. 1 (2005): 1-30. # Luengen, Hans B., Michael Peters, and Peter Schmöle. ~~“Ironmaking in Western Europe.” # Association for ~~Iron & Steel Technology 2011 Proceedings # 1 (2011): ~~387-400. # Mcbrearty, Sally, and Alison S. Brooks. “The Revolution ~~That Wasn’t: A New Interpretation of the Origin of Modern Human ~~Behavior.” # Journal of Human Evolution # 39, no. 5 (2000): 453-563. # McCallum, Malcolm L. “Amphibian Decline or Extinction? ~~Current Declines Dwarf Background Extinction Rate.” # Journal of Herpetology # 41, no. 3 (2007): ~~483-491. # McCorriston, Joy, and Frank Hole. “The Ecology of Seasonal ~~Stress and the Origins of Agriculture in the Near East.” # American Anthropologist # 93, no. 1 (1991): ~~46-69. # Macdonald, David, ed. Primates. # Oxford, England: Equinox, ~~1984. # McGrew, William C. # Chimpanzee ~~Material Culture: Implications for Human Evolution. # Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1992. # McKibben, Bill. # Deep Economy: ~~Economics as if the World Mattered. # Oxford: OneWorld Publications, 2007. # McPherron, Shannon Patrick. “Handaxes as a Measure of the ~~Mental Capabilities of Early Hominids.” # Journal ~~of Archaeological Science # 27 (2000): ~~655-663. # Maher, Lisa A., Tobias Richter, and Jay T. Stock. “The Pre-Natufian Epipaleolithic: Long-term Behavioral Trends in the Levant.” # Evolutionary Anthropology # 21 ~~(2012): 69-81. # Maisels, Charles K. “The Institutions of Urbanism,” in # The Emergence of Civilization: From Hunting ~~and Gathering to Agriculture, Cities, and the State in the Near ~~East. # London: Routledge, 1990. ~~--- ~~. “The ~~Interactive Evolution of Alphabetic Script,” in # The Emergence of Civilization: From Hunting and Gathering to ~~Agriculture, Cities, and the State in the Near East. # London: Routledge, 1990. # Malinowski, Bronislaw. # Magic, ~~Science, and Religion. # Garden City, NY: Doubleday ~~& Company, 1954. ~~--- ~~. # The Sexual Life of Savages in North-Western ~~Melanesia. # New York: Harcourt, Brace and Company, ~~1929. # Mania, Dietrich, and Ursula Mania. “Deliberate Engravings ~~on Bone Artefacts of Homo Erectus.” # Rock Art ~~Research # 5 (1988): 91-107. ~~--- ~~. “The ~~Natural and Socio-Cultural Environment of Homo Erectus at Bilzingsleben, ~~Germany,” in # The ms322 Hominid Individual in Context, ~~Archaeological Investigations of Lower and Middle Palaeolithic ~~Landscapes, Locales and Artefacts # Clive Gamble and Martin Porr, eds. New York: Routledge, 98-114. # Mann, Alan, and Mark Weiss. “Hominoid Phylogeny and ~~Taxonomy: A Consideration of the Molecular and Fossil Evidence in a ~~Historical Perspective.” # Molecular Phylogenetics ~~and Evolution # 5, no. 1 (2996): ~~169-181. # Mann, Charles C. # 1491: New ~~Revelations of the Americas Before Columbus. # New York: ~~Vintage Books, 2006. # Manning, Patrick. # Navigating World ~~History: Historians Create a Global Past. # New York: Palgrave Macmillan, 2003. # Marland, G., T. A. Boden, and R. J. Andres. “Global, ~~Regional, and National Fossil Fuel CO2 Emissions,” in # Trends: A Compendium of Data on Global ~~Change. # Oak Ridge, Tennessee: Carbon Dioxide Information ~~Analysis Center, Oak Ridge National Laboratory, US Department of Energy, ~~2012. # Marlowe, Frank W. “Hunting and Gathering: The Human Sexual ~~Division of Foraging Labor.” # Cross-Cultural ~~Research # 41, no. 2 (2007): ~~170-195. # Martin, R. M., ed. # State of the ~~World’s Forests 2012. # Rome: United Nations Food and ~~Agriculture Organization, 2012. # Martínez, I., M. Rosa, J.-L. Arsuaga, P. Jarabo, R. Quam, ~~C. Lorenzo, A. Gracia, J.-M. Carretero, J.-M. Bermúdez de Castro, and E. ~~Carbonell. “Auditory Capacities in Middle Pleistocene Humans from the ~~Sierra de Atapuerca in Spain.” Proceedings of ~~the National Academy of Sciences of the United States of ~~America # 10.1 no. 27 (2004): ~~9976-9981. # Martínez, I., M. Rosa, R. Quam, P. Jarabo, C. Lorenzo, A. ~~Bonmatí, A. Gómez-Olivencia, A. Gracia, and J. L. Arsuaga. ~~“Communicative Capacities in Middle Pleistocene Humans from the Sierra ~~de Atapuerca in Spain.” # Quaternary ~~International # 295 (2013): 94-101. # Martínez, Maria del Carmen Rodríguez, Ponciano Ortíz ~~Ceballos, Michael D. Coe, Richard A. Diehl, Stephen D. Houston, Karl A. ~~Taube, and Alfredo Delgado Calderón. “Oldest Writing in the New World.” # Science # 313, no. 5793 (2006): ~~1610-1614. # Mastny, Lisa. “Traveling Light: New Paths for International ~~Tourism.” # Worldwatch Paper 159 ~~, ~~December 2001. # Mead, Margaret. # Cultuer and ~~Commitment: A ms323 Study of the Generation Gap. # London: The ~~Bodley Head, 1970. # Mellars, Paul. “Cognitive Changes and the Emergence of ~~Modern Humans in Europe.” # Cambridge ~~Archaeological Journal # 1, no. 1 (1991): ~~63-76. # Mendoza, Sally P., Deeann M. Reeder, and William A. Mason. ~~“Nature of Proximate Mechanisms Underlying Primate Social Systems: ~~Simplicity and Redundancy” # Evolutionary ~~Anthropology, Supplement # 1 (2002): ~~112-116. # Mgeladzea, Ana, David Lordkipanidzea, Marie-Hélène Moncelb, ~~Jackie Desprieeb, Rusudan Chagelishvilia, Medea Nioradzea, and Giorgi ~~Nioradzea. “Hominin Occupations at the Dmanisi Site, Georgia, Southern ~~Caucasus: Raw Materials and Technical Behaviours of Europe’s First ~~Hominins.” # Journal of Human Evolution # 60, no. 5 (2011): 571-596. # Milton, Katharine. “Diet and Primate Evolution.” # Scientific American # 269 (1993): ~~86-93. ~~--- ~~. “A ~~Hypothesis to Explain the Role of Meat-Eating in Human Evolution.” # Evolutionary Anthropology # 8 ~~(1999): 11-21. # Mitani, John C. and David P. Watts. “Correlates of ~~Territorial Boundary Patrol Behavior in Wild Chimpanzees.” # Animal Behavior # 70 (2005): ~~1079-1086. ~~--- ~~. “Demographic Influences on the Hunting Behavior of ~~Chimpanzees.” # American Journal of Physical ~~Anthropology # 109 (1999): 439-454. # Mitani, John C., David P. Watts, and Sylvia J. Amsler. ~~“Lethal Intergroup Aggression Leads to Territorial Expansion in Wild ~~Chimpanzees.” # Current Biology # 20, no. ~~12 (2010): 507-508. # Moore, Gordon E. “Cramming More Components onto Integrated ~~Circuits.” # Electronics # 38, no. 8 ~~(1965): 114-117. # Moore, Gordon E., 1998, Cramming More Components onto ~~Integrated Circuits. Proceedings of the ~~IEEE # 86(1): 82-85. Available at: # http://www.cs.utexas.edu/users/fussell/courses/cs352h/papers/moore.pdf ~~(accessed June 17, 2014). # Muller, Martin N., and John C. Mitani. “Conflict and ~~Cooperation in Wild Chimpanzees.” # Advances in ~~the Study of Behavior # 35 (2005): ~~275-331. # Müller, Werner, and Clemens Pasda. “Site Formation and ~~Faunal Remains of the Middle Pleistocene Site Bilzingsleben.” # Quartär # 58 (2011): ~~25-49. # Münzel, S., F. Seeberger, and W. Hein. “The ~~Geissenklösterle Flute-Discovery, Experiments, Reconstruction,” in # The Archaeology of Sound: Origin and ~~Organisation. # Rahden/Westfalen: Verlag Marie Leidorf, ~~2002, 107-118. # Murdock, George P. # Social ~~Structure. # New York: MacMillan Company, ~~1960. # Murnane, William J. “Three Kingdoms and Thirty-Four ~~Dynasties,” in # Ancient Egypt ~~, Daniel ~~Silverman, ed. New ms324 York: Oxford University Press, ~~20-57. # National Aeronautics and Space Administration. Goddard ~~Institute for Space Studies. # GISS Surface ~~Temperature Analysis (GISTEMP). # Available at: # http://data.giss.nasa.gov/gistemp/ ~~(accessed June 19, ~~2014). # Needham, Joseph, “Military Technology: the Gunpowder ~~Epoch,” in # Science and Civilisation in China, ~~Chemistry and Chemical Technology (vol. 5, part 2). # Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1986. # Newton-Fisher, Nicholas E. “Chimpanzee Hunting Behavior,” ~~in # Handbook of Paleoanthropology, # eds. Winfried Henke, Ian Tattersall, and Thorolf Hardt. New York: ~~Springer, 2007. # Niépce House Museum. “The Pyrelophore.” # Other Inventions. # http://www.niepce.com/pagus/pagus-other.html ~~(accessed ~~May 30, 2014). # Newman, Russell W. “Why Man Is Such a Sweaty and Thirsty ~~Naked Animal: A Speculative Review.” # Human ~~Biology # 42 (1970): 12-27. # Noble, William, and Iain Davidson. “The Evolutionary ~~Emergence of Modern Human Behavior: Language and its Archaeology.” # Man (New Series) # 26 (1991): ~~223-253. # Norris, Robert S., William M. Arkin, Hans M. Kristensen, ~~and Joshua Handler. “Israeli Nuclear Forces” # Bulletin of the Atomic Scientists # 58, no. 5 (2002): ~~72-75. # North, J. D., “Wallingford, Richard (c.1292-1336),” in # The Oxford Dictionary of National ~~Biography. # Oxford: Oxford University Press, ~~2004. # Oates, Joan, Augusta McMahon, Philip Karsgaard, Salam Al ~~Quntar, and Jason Ur. “Early Mesopotamian Urbanism: A New View from the ~~North.” # Antiquity # 81, no. 313 (2007): ~~585-600. # O’Brien, Patrick. Review of # Global ~~History: Interactions between the Universal and the ~~Local ~~, ed. Anthony G. Hopkins. Basingstoke: Palgrave ~~Macmillan, 2006. # Ogawa, Hideshi, Gen’ich Idani, Jim Moore, Lilian Pintea, ~~and Adriana Hernandez-Aguilar. “Sleeping Parties and Nest Distribution ~~of Chimpanzees in the Savanna Woodland, Ugalla, Tanzania.” # International Journal of Primatology # 28 ~~(2007): 1397-1412. # Okołów, Czesław, ed ~~. Białowieża ~~National Park: Know It, Understand It, Protect It. # Białowieża, Poland: Białowieski Park Narodowy, ~~2009. # O’Neill, Brian C., Michael Dalton, Regina Fuchs, Leiwen ~~Jiang, Shonali Pachauri, and Katarina Zigova. “Global Demographic Trends ~~and Future Carbon Emissions.” Proceedings of the ~~National Academy of Sciences of the United States of ~~America # 107, no. 41 (2010): ~~17521-17526. # Organ, Chris, Charles L. Nunn, Zarin Machanda, and Richard ~~W. ms325 Wrangham. “Phylogenetic Rate Shifts in Feeding Time During the ~~Evolution of Homo.” Proceedings of the National ~~Academy of Sciences # 108, no. 5 (2011): ~~1455-1459. # Osborne, Colin P., and David J. Beerling. “Nature’s Green ~~Revolution: The Remarkable Evolutionary Rise of C4 Plants.” Philosophical Transactions of the Royal Society B: ~~Biological Sciences # 361, no. 1465 (2006): ~~173-194. Pagel, Mark, and Walter Bodmer. “A Naked Ape Would Have ~~Fewer Parasites.” Proceedings of the Royal ~~Society of London B (Supplement) # 270 (2003): ~~S117-S119. Parfitt, Simon A., Nick M. Ashton, Simon G. Lewis, Richard ~~L. Abel, G. Russell Coope, Mike H. Field, Rowena Gale, et al. “Early Pleistocene Human Occupation at the Edge of the Boreal Zone in Northwest ~~Europe.” # Nature # 466 (2010): ~~229-233. Parpola, Asko. “Study of the Indus Script.” Paper, International Conference of Eastern ~~Studies ~~, Tokyo, May 19, 2005. ~~--- ~~. ~~“Towards Further Understanding of the Indus Script.” Proceedings of SCRIPTA 2008 ~~, Seoul, October ~~2008. Partain, Gary. “Bilzingsleben: Providing a New View of the ~~Lower Paleolithic.” # Yahoo Voices # Dec ~~14, 2009. # http://voices.yahoo.com/bilzingsleben-providing-view-lower- paleolithic-5056010.html ~~(accessed January 12, 2014). Patterson, Claire C. “Native Copper, Silver, and Gold ~~Accessible to Early Metallurgists.” # American ~~Antiquity # 36, no. 3 (1970): ~~286-321. Pennisi, Elizabeth. “Did Cooked Tubers Spur the Evolution ~~of Big Brains?” # Science # 283, no. 5410 ~~(1999): 2004-2005. Peresania, Marco, Ivana Fiore, Monica Gala, Matteo ~~Romandini, and Antonio Tagliacozzo. “Late Neandertals and the ~~Intentional Removal of Feathers as Evidenced from Bird Bone Taphonomy at ~~Fumane Cave 44 ky B.P., Italy.” Proceedings of ~~the National Academy of Sciences of the United States of ~~America # 108, no. 10 (2011): ~~3888-3893. Perles, Catherine. “Hearth and Home in the Old Stone Age.” # Natural History # 90, no. 10 ~~(1981): 38. Peterson, Ivars. “The Incredible Shrinking Computer.” # Science News # 123, no. 24 (1983): ~~378-380. Petigura, Eric A., Andrew W. Howard, and Geoffrey W. Marcy. ~~“Prevalence of Earth-Size Planets Orbiting Sun-like Stars.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the ~~United States of America # 110, no. 48 (2013): ~~19273-19278. Petit, John-Robert, J. Jouzel, ms326 D. Raynaud, N. I. Barkov, ~~J.-M. Barnola, I. Basile, M. Bender, J. Chappellaz, M. Davisk, G. ~~Delaygue, et al. “Climate and Atmospheric History of the Past 420000 ~~Years from the Vostok Ice Core, Antarctica.” # Nature # 399 (1999): 429-436. Pike, A.W.G., D. L. Hoffmann, M. García-Diez, P. B. Pettitt, J. Alcolea, R. De Balbín, C. González-Sainz, C. de las Heras, ~~J. A. Lasheras, R. Montes, and J. Zilhão. “U-Series Dating of Paleolithic Art in 11 Caves in Spain.” # Science # 336 (2012): 1409-1413. Pimentel, David, and Anne Wilson. “World Population, ~~Agriculture, and Malnutrition.” # World Watch ~~Magazine # 17, no. 5 (2004): 22-25. Pimm, Stuart, Peter Raven, Alan Peterson, Çağan H. ~~Şekercioğlu, and Paul R. Ehrlich. “Human Impacts on the Rates of Recent, Present, and Future Bird Extinctions.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the United ~~States of America # 103, no. 29 (2006): ~~10941-10946. Pirzada, Syed M. “Ivy Bridge-EX Arrives-Intel Xeon E7 v2 ~~Released with 20 New SKU Lineup.” # WCCFTech.com ~~, Feb. 19, (accessed June 24, ~~2014). Pol, K., M. Debret, V. Masson-Delmotte, E. Capron, O. ~~Cattani, G. Dreyfus, S. Falourd, S. Johnsen, J. Jouzel, A. Landais, B. ~~Minster, and B. Stenni. “Links between MIS 11 Millennial to ~~Sub-Millennial Climate Variability and Long Term Trends as revealed by ~~New High Resolution EPICA Dome C Deuterium Data - A Comparison with the ~~Holocene.” # Climate of the Past # 7 ~~(2011): 437-450. Poole, Robert. # Earthrise: How Man ~~First Saw the Earth. # New Haven: Yale University Press, ~~2010. Potter, Jack M., May N. Diaz, and George M. Foster. Peasant Society: A Reader. # Boston: Little, Brown and Company, 1967. Potts, Richard. “Environmental Hypotheses of Hominin ~~Evolution.” # Yearbook of Physical ~~Anthropology # 41 (1998): 93-138. Preece, R. C., John A. J. Gowlett, Simon A. Parfitt, D. R. ~~Bridgland, and S. G. Lewis. “Humans in the Hoxnian: Habitat, Context, ~~and Fire Use at Beeches Pit, West Stow, Suffolk, UK.” # Journal of Quaternary Science # 21 (2006): ~~485-496. ms327 Price, T. Douglas, and Ofer Bar-Yosef. “The Origins of ~~Agriculture: New Data, New Ideas.” # Current ~~Anthropology # 52, no. S4 (2011): ~~S163-S174. Proença, Vânia, and Henrique Miguel Pereira. “Comparing ~~Extinction Rates: Past, Present, and Future,” in # Encyclopedia of Biodiversity, # vol. 2, ~~167-176. Pruetz, J. “Use of Caves by Savanna Chimpanzees ( Pan Troglodytes Verus ~~) in the Tomboronkoto ~~Region of Southeastern Senegal.” Pan Africa ~~News # 8, no. 2 (2001): 26-28. Pruetz, Jill D., and Paco Bertolani. “Savanna Chimpanzees, Pan Troglodytes Verus ~~, Hunt with ~~Tools.” # Current Biology # 17, no. 5 ~~(2007): 412-417. # Raask, Erich. # Mineral Impurities in ~~Coal Combustion: Behavior, Problems, and Remedial ~~Measures. # New York: Hemisphere Publishing Corporation, ~~1985. # Ragir, Sonia. “Diet and Food Preparation: Rethinking Early ~~Hominid Behavior.” # Evolutionary ~~Anthropology # 9, no. 4 (2000): ~~153-155. # Reed David L., Jessica E. Light, Julie M. Allen, and Jeremy ~~J. Kirchman. “Pair of Lice Lost or Parasites Regained: The Evolutionary ~~History of Anthropoid Primate Lice.” # BMC ~~Biology # 5 (2007): 7. # Reed, Kaye E. “Early Hominid Evolution and Ecological ~~Change through the African Plio-Pleistocene.” # Journal of Human Evolution # 32 (1997): ~~289-322. # Relman, David A., Eileen R. Choffnes, and Alison Mack. # Infectious Disease Movement in a Borderless ~~World: Workshop Summary. # Washington, DC: National ~~Academies Press, 2010. # Renfrew, Colin. # The Emergence of ~~Civilisation: The Cyclades and the Aegean in the Third Millennium ~~BC. # Oxford: Oxbow Books, 1972. # Reyes, Alberto V., Anders E. Carlson, Brian L. Beard, ~~Robert G. Hatfield, Joseph S. Stoner, Kelsey Winsor, Bethany Welke, and ~~David J. Ullman. “South Greenland Ice-Sheet Collapse During Marine ~~Isotope Stage 11.” # Nature # 510 ~~(2014): 525-528. # Riall, Lucy. # The Italian ~~Risorgimento: State, Society, and National Unification. # London: Routledge, 1994. # Richerson, Peter J., Robert Boyd, and Robert L. Bettinger. ~~“Was Agriculture Impossible during the Pleistocene but Mandatory during ~~the Holocene?” # American Antiquity # 66, ~~no. 3 (2001): 387-411. # Ridley, Matt. “Humans: Why They Triumphed.” # Wall Street Journal ~~, May 22, ~~2010. # Riehl, Simone, Mohsen Zeidi, and Nicholas J. Conard. ~~“Emergence of Agriculture in the Foothills of ms328 the Zagros Mountains of ~~Iran.” # Science # 341, no. 6141 (2013): ~~65-67. # Rindos, David. # The Origins of ~~Agriculture: An Evolutionary Perspective. # New York: ~~Academic Press, 1984. # Roach, Neil T., Madhusudhan Venkadesan, Michael J. Rainbow, ~~and Daniel E. Lieberman. “Elastic Energy Storage in the Shoulder and the ~~Evolution of High-Speed Throwing in Homo.” # Nature # 498, (2013): 483-486. # Robinson, Andrew,. “Decoding Antiquity: Eight Scripts That ~~Still Can’t Be Read.” # New Scientist # 2710, May 27, 2009. # Rodman, Peter S., and Henry M. McHenry. “Bioenergetics and ~~the Origin of Hominid Bipedalism.” # American ~~Journal of Physical Anthropology # 52 (1980): ~~103-106. # Roebroeks Wil. “The Human Colonisation of Europe: Where Are ~~We?” # Journal of Quaternary Science # 21 ~~(2006): 425-435. # Roebroeks, Wil, and Paola Villa. “On the Earliest Evidence ~~for Habitual Use of Fire in Europe.” Proceedings ~~of the National Academy of Sciences # 108, no. 3 (2011): ~~5209-5214. # Roebroeks, Wil, Nicholas J. Conard, and Thijs van ~~Kolfschoten. “Dense Forests, Cold Steppes, and the Palaeolithic ~~Settlement of Northern Europe.” # Current ~~Anthropology # 33 (1992): 551-86. # Roebroeks, Wil, Mark J. Siera, Trine Kellberg Nielsen, ~~Dimitri De Loecker, Josep Maria Parés, Charles E. S. Arps, and Herman J. ~~Mücher. “Use of Red Ochre by Early Neandertals.” Proceedings of the National Academy of Sciences of the United ~~States of America # 109, no. 6 (2102): ~~1889-1894. # Roeder, Philip G. # Where ~~Nation-States Come From: Institutional Change in the Age of ~~Nationalism. Princeton: Princeton University Press, ~~2007. # Rosena, Arlene M., and Isabel Rivera-Collazo. “Climate ~~Change, Adaptive Cycles, and the Persistence of Foraging Economies ~~during the late Pleistocene/Holocene Transition in the Levant.” Proceedings of the National Academic of ~~Sciences of the United States of America # 109, no. 10 ~~(2012): 3640-3645. # Ross, Philip E. “When Will We Have Unmanned Commercial ~~Airliners?” # IEEE Spectrum ~~, November ~~29, 2011. # http://spectrum.ieee.org/aerospace/aviation/when-will-we-have- unmanned-commercial-airliners/0 ~~(accessed June 12, 2014). # Rowlett, Ralph M. “Letter: Did the Use of Fire for Cooking ~~Lead to a Diet Change That Resulted in the Expansion of Brain Size in # Homo erectus # from That of ms329 # Australopithecus Africanus?” ~~Science # 283 no. 5410 (1999): 2005. # Royer, Dana L., Robert A. Berner, Isabel P. Montañez, Neil ~~J. Tabor, and David J. Beerling. “CO2 as a Primary Driver of Phanerozoic ~~Climate.” # GSA Today # 14, no. 3 (2004): ~~4-10. # Ryan, Peter G., Charles J. Moore, Jan A. van Franeker, and ~~Coleen L. Moloney. “Monitoring the Abundance of Plastic Debris in the ~~Marine Environment.” Philosophical Transactions ~~of the Royal Society B: Biological Sciences # 364, no. 1526 ~~(2009): 1999-2012. # Samarth, Nitin. “The Incredible Shrinking Computer.” Penn State News. # http://news.psu.edu/story/141560/1999/05/01/research/incredible- shrinking-computer ~~(accessed June 21, 2014). # Saraswat, Krishna. “Trends in Integrated Circuits ~~Technology.” # Stanford University, ~~EE311/Trends. # http://www.google.com/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=1&ved=0CB0QFjAA&url=http%3A%2F%2Fwww.stanford.edu%2Fclass%2Fee311%2FNOTES%2FTrendsSlides.pdf&ei=RCWnU_O2IJPjoATd94D4Bw&usg=AFQjCNGUsBM2PT3G1d7laao1cgoXdc3yOQ&sig2=HlpraPlhV7LR3-9T9tqJcA ~~(accessed ~~June 22, 2014). # Saturno, William A., David Stuart, and Boris Beltrán. ~~“Early Maya Writing at San Bartolo, Guatemala.” # Science # 31, 1 no. 5765 (2006): ~~1281-1283. # Scharf, Caleb A. “The Fastest Spacecraft Ever?” # Scientific American, # February 25, 2013. # http://blogs.scientificamerican.com/life-unbounded/2013/02/25/the- fastest-spacecraft-ever/ ~~(accessed June 12, 2014). # Schlesier, Karl H. “More on the “Venus” Figurines.” # Current Anthropology # 42, no. 3 ~~(2001): 410. # Schlosser, Eric # Command and ~~Control: Nuclear Weapons, the Damascus Accident, and the Illusion of ~~Safety. # New York: Penguin Press, ~~2013. # Schmid, Peter. “Functional Interpretation of the Laetoli ~~Footprints” in # From Biped to Strider: The ~~Emergence of Modern Human Walking, Running, and Resource ~~Transport # Jeffrey Meldrum and Charles E. Hilton, eds. New ~~York: Kluwer Academic/Plenum Publishers. # Schmid, Randolph E. “Ancient Shells May Be Oldest Jewelry.” # LiveScience, # June 22, 2006. # http://www.livescience.com/842-ancient-shells-oldest-jewelry.html ~~(accessed October, 22, 2013). # Schopenhauer, Arthur. # Die Welt als ~~Wille und Vorstellung. # New York: Koneman, ~~1998. # Service, Elman R. “The Cheyenne of the North American Plains,” in Profiles in ~~Ethnology ~~, # 3rd ed ~~. # New York: Harper & Row, ~~1978. ~~--- ~~. “The ~~Nootka of British Columbia,” in Profiles in ~~Ethnology ~~, 3rd ed ~~. # New ~~York: Harper & Row, 1978. # Shaw, Ian. “The Settled World,” in # Ancient Egypt ~~, Daniel Silverman, ed. New York: Oxford ~~University Press, 68-79. # Sherratt, Andrew. “Climatic Cycles and Behavioural ~~Revolutions: The Emergence of Modern Humans and the Beginning of ~~Farming.” # Antiquity # 71 (1997): ~~271-287. # Shipman, Pat. # The Invaders: How ~~Humans and Their ms330 Dogs Drove Neanderthals to Extinction. # Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, ~~2015. # Shostak, Marjorie, # Nisa: The Life ~~and Words of a ¡Kung Woman. # New York: Vintage Books, ~~1983. # Shurkin, Joel. # Broken Genius: The ~~Rise and Fall of William Shockley, Creator of the Electronic ~~Age. # London: Macmillan, 2006. # Simmons, Alan. “Mediterranean Island Voyages.” # Science # 338, no. 6109 (2012): ~~895-897. # Sica, Edgardo. “International Tourism: A Driving Force for ~~Economic Growth of Commonwealth Countries.” # The ~~Commonwealth Finance Ministers Meeting 2007. # https://www.academia.edu/982748/International_tourism_a_driving_force_for_economic_growth_of_Commonwealth_countries ~~(accessed June 25, ~~2014). # Skjelsbaek, Kjell. “The Growth of International ~~Nongovernmental Organization in the Twentieth Century.” # International ~~Organization # 25, no. 3 (1971): ~~420-442. # Slurink, Pouwel. “Ecological Dominance and the Final Sprint ~~in Hominid Evolution.” # Human ~~Evolution # 8, no. 4 (1993): ~~265-273. # Smart, Jeffery K. “History of Chemical and Biological ~~Warfare: An American Perspective,” # in # US Army Medical Department, AMEDD Center and School, # Medical Aspects of Chemical and Biological ~~Warfare. # Washington: The Borden Institute, ~~2008. # Smith, A. H. V. “Provenance of Coals from Roman Sites in ~~England and Wales.” # Britannia # 28 ~~(1997): 297-324. # Soffer, Olga. “Recovering Perishable Technologies through ~~Use Wear on Tools: Preliminary Evidence for Upper Paleolithic Weaving ~~and Net Making.” # Current Anthropology # 45 (2004): 407-413. # Solem, Børge and Trond Austheim. “Statistics Concerning the ~~Transatlantic Crossing.” # Norway-Heritage: Hands ~~Across the Sea ~~, April 16, 2004. # Spoor, F., M. G. Leakey, P. N. Gathogo, F. H. Brown, S. C. ~~Anton, I. McDougall, C. Kiarie, F. K. Manthi, and L. N. Leakey. ~~“Implications of New Early # Homo # Fossils from Ileret, East of Lake Turkana, Kenya.” # Nature # 448 (2007): ~~688-691. # Stahl, Ann B. “Hominid Dietary Selection Before Fire.” # Current Anthropology # 25. no. 2 ~~(1984): 151-168. # Stanford, Craig. “Chimpanzee Hunting Behavior and Human ~~Evolution.” # American Scientist ~~, ~~May-June, 1995. # http://www.americanscientist.org/issues/feature/chimpanzee-hunting- behavior-and-human-evolution/1 ~~(accessed February 1, 2013). ~~--- ~~. # Upright: The Evolutionary Key to Becoming ~~Human. # Boston: Houghton Mifflin Company, ~~2003. # Stewart, John. # Evolution’s Arrow: ~~The Direction of Evolution and the Future of Humanity. # Canberra: Chapman Press, 2000. ~~--- ~~. “The ~~Meaning of Life in a Developing Universe.” # Foundations of Science ms331 # 15, no. 4 (2010): ~~395-409. # Stockwell, Foster. # Westerners in ~~China: A History of Exploration and Trade, Ancient Times Through the Present. # Jefferson, NC: Mcfarland & Co., ~~2002. # Stoimenov, Miodrag, Branislav Popkonstantinović, Ljubomir ~~Miladinović, and Dragan Petrović. “Evolution of Clock Escapement ~~Mechanisms.” # FME Transactions # 40 ~~(2012): 17-23. # Subramanian, Sushma. “Fact or Fiction: Raw Veggies Are ~~Healthier than Cooked Ones.” # Scientific ~~American, # March 31, 2009. # Suwa, Gen, Reiko T. Kono, Scott W. Simpson, Berhane Asfaw, ~~C. Owen Lovejoy, and Tim D. White. “Paleobiological Implications of the # Ardipithecus Ramidus # Dentition.” # Science # 326, no. 5949 (2009): ~~94-99. # Swade, Doron D., 2005, The Construction of Charles ~~Babbage’s Difference Engine No. 2 ~~. IEEE Annals ~~of the History of Computing ~~, July-September 2005, ~~70-88. # Swisher, Carl C., III, W. J. Rink, S. C. Antón, H. P. ~~Schwarcz, Garniss H. Curtis, A. Suprijo, Widiasmoro. “Latest Homo ~~Erectus of Java: Potential Contemporaneity with Homo Sapiens in ~~Southeast Asia.” # Science # 274, no. ~~5294 (1996): 1870-1874. # Teitelbaum, Michael S. and Jay M. Winter. “Bye-bye, Baby.” # New York Times Book Review ~~, April ~~4, 2014. # http://www.nytimes.com/2014/04/05/opinion/sunday/bye-bye- baby.html?_r=0 ~~(accessed June 8, 2014). # Testart, Alain, Richard G. Forbis, Brian Hayden, Tim ~~Ingold, Stephen M. Perlman, David L. Pokotylo, Peter Rowley-Conwy, and ~~David E. Stuart. “The Significance of Food Storage among ~~Hunter-Gatherers: Residence Patterns, Population Densities, and Social ~~Inequalities.” # Current Anthropology # 23, no. 5 (1982): 523-537. # Thieme, Hartmut. “Lower Palaeolithic Hunting Spears from ~~Germany.” # Nature # 385, no. 6619 ~~(1997): 807-810. # Thirgood, J. V. “The Historical Significance of Oak, in: # Oak Symposium Proceedings, 1971 August ~~16-20: # 1-18. Upper Darby, PA.: US Department of ~~Agriculture, Forest Service, Northeastern Forest Experiment Station, ~~1971. # Thomas, Donald E. # Diesel: ~~Technology and Society in Industrial Germany. # Tuscaloosa: ~~University of Alabama Press, 1987. # Tomasello, Michael. “Primate Cognition.” # Cognitive Science # 24, no. 3 (2000): ~~351-361. # Torres, Abel Mendez. “A Nearby Super-Earth with the Right ~~Temperature but Extreme Seasons.” Planetary ~~Habitability Laboratory, University of Puerto Rico at ~~Arecibo. # June 25, 2014. # http://phl.upr.edu/press-releases/Gliese832 ~~. ~~(accessed July 12, 2014). # Tobias, Phillip V. “Recent Studies on Sterkfontein and ~~Makapansgat and ms332 their Bearing on Hominid Phylogeny in Africa.” # South African Archaeological Society, Goodwin ~~Series # 10, no. 2 (1974): 5-11. # Toups, Melissa A., Andrew Kitchen, Jessica E. Light, and ~~David L. Reed. “Origin of Clothing Lice Indicates Early Clothing Use by ~~Anatomically Modern Humans in Africa.” # Molecular ~~Biology and Evolution # 28 (2011): ~~29-32. # Trinkaus, Erik. “Anatomical Evidence for the Antiquity of ~~Human Footwear Use.” # Journal of Archaeological ~~Science # 32, no. 10 (2005): ~~1515-1526. # Trinkaus, Eric, and Pat Shipman. # The Neandertals: Changing the Image of Mankind. # New ~~York: Alfred A. Knopf, 1993. # Tsukahara, Takahiro. “Lions Eat Chimpanzees: The First ~~Evidence of Predation by Lions on Wild Chimpanzees.” # American Journal of Primatology # 29, no. 1 ~~(2005): 1-11. # Twomey, Terrence. “The Cognitive Implications of Controlled ~~Fire Use by Early Humans.” # Cambridge ~~Archaeological Journal # 23, no. 1 (2013): ~~113-128. # Tyrrell, Toby, John G. Shepherd, and Stephanie Castle. “The ~~Long-term Legacy of Fossil Fuels.” # Tellus ~~B # 59 (2007): 664-672. # United Nations, Dept. of Economic and Social Affairs. # World Population Prospects: The 2012 ~~Revision. # http://esa.un.org/wpp/Excel-Data/population.htm ~~(accessed June 23, 2014). ~~--- ~~. Net ~~International Migration. # International Migration ~~Report 2013, # pp. 11-17. # http://www.un.org/en/development/desa/population/publications/migration/migration- report-2013.shtml ~~(accessed June 20, 2014). # United States Department of Agriculture. “2007 Census of ~~Agriculture,” in # United States Summary and State ~~Data # 1, no. 51 (2009): 1-639. # United States Department of Defense. “ # Narrative Summaries of Accidents Involving U.S. ~~Nuclear Weapons, 1950-1980.” # http://nsarchive.files.wordpress.com/2010/04/635.pdf ~~(accessed June 26, 2014). # Van Derbeken, Jaxton, Demian Bulwa, and Erin Allday. “SF Plane Crash: Crew Tried to Abort Landing.” # San ~~Francisco Chronicle ~~, July 8, 2013. # http://www.sfchronicle.com/multimedia/item/boeing-777-crashes-at- sfo-22447.php ~~(accessed June 24, 2014). # Vanhaeren, Marian, Francesco d’Errico, Chris Stringer, ~~Sarah L. James, Jonathan A. Todd, and Henk K. Mienis. “Middle Paleolithic Shell Beads in Israel and Algeria.” # Science # 312, no. 5781 (2006): ~~1785-1788. # Verhaegen, Marc and Pierre-François Puech. “Hominid ~~Lifestyle and Diet Reconsidered: Paleo-Environmental and Comparative ~~Data.” # Human Evolution # 15 (2000): ~~151-162. # Videan, Elaine N. and W.C. McGrew. “Bipedality in ~~Chimpanzee ( Pan Troglodytes ~~) and ~~Bonobo ( Pan Paniscus ~~): Testing ~~Hypotheses on the Evolution of Bipedalism.” # American Journal of Physical ms333 Anthropology # 118, no. 2 ~~(2002): 184-190. # Vigne, Jean-Denis, François Briois, Antoine Zazzo, George ~~Willcox, Thomas Cucchi, Stéphanie Thiébault, Isabelle Carrère, Yodrik ~~Franel, Régis Touquet, Chloé Martin, Christophe Moreau, Clothilde Comby, ~~and Jean Guilaine. “First Wave of Cultivators Spread to Cyprus at Least ~~10600 y Ago.” Proceedings of the National ~~Academic of Sciences of the United States of America, PNAS Early ~~Edition. ~~(May 7, 2012): 1-5. # Villa, Paola. # Terra Amata and The ~~Middle Pleistocene Archaeological Record of Southern ~~France. # Berkeley: University of California Press, ~~1983. # Wagner, Donald B. “Chemistry and Chemical Technology, Part ~~II: Ferrous Metallurgy,” in # Science and ~~Civilization in China ~~, ed. Joseph Needham. Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2008. # Wade, Nicholas. “Chimps, Too, Wage War and Annex Rival ~~Territory.” # New York Times ~~, June 21, ~~2010. # Wake, David B., and Vance T. Vredenburg. “Are We in the ~~Midst of the Sixth Mass Extinction? A View from the World of ~~Amphibians.” Proceedings of the National Academy ~~of Sciences of the United States of America # 105, no. 1 ~~(2008): 11466-11473. # Wales, Nathan. “A Fresh Perspective on Neandertal Clothing: ~~Inferring Pleistocene Attire Using Modern Analogues.” # 2010 Annual Meeting, Paleoanthropology Society ~~Abstracts. # St. Louis, Missouri, 13-14 April ~~2010. ~~--- ~~. ~~“Modeling Neandertal Clothing Using Ethnographic Analogues.” # Journal of Human Evolution # 63, no. 6 ~~(2012): 781-95. # Wallis, David A. “History of Angle Measurement,” in Pharaohs to Geoinformatics. # Cairo: FIG Working Week, 2005. # Ward, Cheryl “Boatbuilding in Ancient Egypt.” In # The Philosophy of Shipbuilding ~~, Frederick ~~M. Hocker and Cheryl A. Ward eds. College Station: Texas A&M ~~University Press, 2004. ~~--- ~~. “Boat-Building ~~and Its Social Context in Early Egypt: Interpretations from the First ~~Dynasty Boat-Grave Cemetery at Abydos.” # Antiquity # 80 (2003): 118-129. ~~--- ~~. ~~“Sewn Planked Boats from Early Dynastic Abydos, Egypt,” in # Ship Archaeology of the Ancient and Medieval ~~World ~~, ed. C. Beltrame, 2003. # Washburn, Sherwood and R. Ciochon. “Canine Teeth: Notes on ~~Controversies in the Study of Human Evolution.” # American Anthropologist # 76, no. 4 (1974): ~~765-784. # Watts, Anthony. “NASA and ms334 Multi-Year Arctic Ice and ~~Historical Context.” # Watts Up With ~~That ~~, March 1, 2012. # http://wattsupwiththat.com/2012/03/01/nasa-and-multi-year-arctic-ice- and-historical-context/ ~~(accessed June 27, 2014). # Webb, John and Marian Domanski. “Fire and Stone.” # Science # 325, no. 5942 (2009): ~~821-829. # Weber, Johannes. “Strassburg, 1605: The Origins of the ~~Newspaper in Europe.” # German History # 24(3) (2006): 387-412. # Weik, M. H., ed. “Computers with Names Starting with E ~~through H.” # A Survey of Domestic Electronic ~~Digital Computing Systems, US Department of Commerce, Office of ~~Technical Services. # http://ed-thelen.org/comp-hist/BRL-e-h.html ~~(accessed ~~June 15, 2014). # Weisman, Alan. # The World Without ~~Us. # New York: St. Martin’s/Thomas Dunne Books, ~~2007. # Weinstein-Evron, Mina and Shimon Ilani. “Provenance of ~~Ochre in the Natufian Layers of El-Wad Cave, Mount Carmel, Israel.” # Journal of Archaeological Science # 21, no. 4 (1994): 461-467. # Welsh, Jennifer. “Man Entered the Kitchen 1.9 Million Years ~~Ago.” # LiveScience, # August 22, 2011. # http://www.livescience.com/15688-man-cooking-homo-erectus.html ~~(accessed May 22, 2013). # Wenbin, Huang, and Sun Xiufang. “Tropical Hardwood Flows in ~~China: Case Studies of Rosewood and Okoumé.” # Forest Trends ~~, December 2013. # http://www.forest- trends.org/publication_details.php?publicationID=4138 ~~(accessed June 28, 2014). # Wertime, Theodore A. # The Coming of ~~the Age of Steel. # Chicago: University of Chicago Press, ~~1962. # Wheeler, P. E. “The Evolution of Bipedality and Loss of ~~Functional Body Hair in Humans.” # Journal of ~~Human Evolution # 13 (1984): 91-98. ~~--- ~~. “The ~~Influence of the Loss of Functional Body Hair on the Water Budgets of ~~Early Hominids.” # Journal of Human ~~Evolution # 23 (1992): 379-388. # White, Mark J.“Things To Do in Doggerland When You’re Dead: ~~Surviving OIS3 at the Northwestern-most Fringe of Middle Palaeolithic ~~Europe.” # World Archaeology # 38, no. 4 ~~(2006): 547-575. # White, Randall. “Personal Ornaments from the Grotte du ~~Renne at Arcy-sur-Cure.” # Athena ~~Review # 2, no. 4 (2001): 41-46. Abridged version at: # http://www.athenapub.com/8white1.htm ~~(accessed ~~January, 29, 2014). # White, Tim D., Berhane Asfaw, Yonas Beyene, Yohannes ~~Haile-Selassie, C. Owen Lovejoy, Gen Suwa, and Giday WoldeGabriel. ~~“ # Ardipithecus Ramidus # and the Paleobiology of Early Hominids.” # Science # 326, no. 5949 (2009): ~~6475-86. # Whiten, Andrew. “Primate Culture And Social Learning.” # Cognitive Science # 24, no. 3 ~~(2000): 477-508. # Whiten, Andrew, Jane Goodall, W. C. McGrew, T. Nishida, ms335 V. ~~Reynolds, Y. Sugiyama, C. E. G. Tutin, R. W. Wrangham, and Christophe ~~Boesch. “Cultures in Chimpanzees.” # Nature # 399 (1999): 682-685. ~~--- ~~. ~~“Charting Cultural Variation in Chimpanzees.” # Behaviour # 138, no. 11-12 (2001): ~~1481-1516. # Whiten, Andrew, and Christophe Boesch. “The Cultures of ~~Chimpanzees.” # Scientific American # 284, no. 1 (2001). # Wikipedia The Free Encyclopedia, 2014, # List of Nobel Laureates. # Available at: # http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_Nobel_laureates ~~(accessed June, 19, 2014). # Wildman, Derek E., Monica Uddin, Guozhen Liu, Lawrence I. ~~Grossman, and Morris Goodman. “Implications of Natural Selection in ~~Shaping 99.4% Nonsynonymous DNA Identity between Humans and Chimpanzees: ~~Enlarging Genus Homo.” Proceedings of the ~~National Academy of Sciences of the United States of ~~America # 100, no. 12 (2003): ~~7181-7188. # Wilford, John N. “Fossil Skeleton from Africa Predates ~~Lucy.” # New York Times, # October 1, ~~2009. # Willcox, George. “The Roots of Cultivation in Southwestern ~~Asia.” # Science # 341, no. 6141 (2013): ~~39-40. # Willcox, George, Ramon Buxo, and Linda Herveux. “Late Pleistocene and Early Holocene Climate and the Beginnings of Cultivation ~~in Northern Syria.” # The Holocene # 19, ~~no. 1 (2009): 151-158. # Williams, Michael. # Deforesting the ~~Earth: From Prehistory to Global Crisis. # Chicago: ~~University of Chicago Press, 2003. # Willman, David, 2014.” $40-Billion Missile Defense ~~System Proves Unreliable.” # Los Angeles ~~Times ~~, June 15, 2014. # http://www.latimes.com/nation/la-na-missile- defense-20140615-story.html#page=1 ~~(accessed June 6, ~~2014). # Wills, Christopher. # Children of Prometheus: The Accelerating Pace of Human Evolution. # New ~~York: Basic Books, 1999. # Wilson, David Sloan and Edward O. Wilson. “Rethinking the ~~Theoretical Foundation of Sociobiology.” # Quarterly Review of Biology # 82, no. 4 (2007): ~~327-348. # Wilson, Edward O. # The Diversity of ~~Life. # Cambridge, MA: Belknap Press/Harvard University Press, 1992. # Wobber, Victoria, Brian Hare, and Richard Wrangham. “Great ~~Apes Prefer Cooked Food.” # Journal of Human ~~Evolution # 55 (2008): 343-348. # World Nuclear Stockpile ~~Report. # Washington, DC: The Ploughshares Fund. # http://www.ploughshares.org/world-nuclear-stockpile-report ~~(accessed June 3, 2014). # Wrangham, Richard. # Catching Fire: ~~How Cooking Made Us Human. # New York: Basic Books, ~~2009. ~~--- ~~. “The ~~Significance of African Apes for Reconstructing Human Evolution,” in # The Evolution of Human Behavior: Primate ~~Models ~~, ed. W. Kinzey. State University of New York ms336 Press, 1987: 51-71. # Wrangham, Richard, James Holland Jones, Greg Laden, David Pilbeam, and Nancy Lou Conklin-Brittain. “The Raw and the Stolen: ~~Cooking and the Ecology of Human Origins.” # Current Anthropology # 40, no. 5 (1999): ~~567-594. # Wrangham, Richard and NancyLou Conklin-Brittain. “The ~~Biological Significance of Cooking in Human Evolution.” # Comparative Biochemistry and Physiology, Part ~~A # 136 (2003): 35-46. # Wright, Ronald. # A Short History of Progress. # Cambridge, MA: Da Capo Press, ~~2005. # Wynn, Jonathan G., Matt Sponheimer, William H. Kimbel, ~~Zeresenay Alemseged, Kaye Reed, Zelalem K. Bedaso, and Jessica N. ~~Wilson. “Diet of Australopithecus Afarensis from the Pliocene Hadar ~~Formation, Ethiopia.” Proceedings of the ~~National Academy of Sciences of the United States of ~~America # 110, no. 26 (2013). # Zeder, Melinda A. “Central Questions in the Domestication ~~of Plants and Animals.” # Evolutionary ~~Anthropology # 15 (2006):105-117. ~~--- ~~. “The ~~Origins of Agriculture in the Near East.” # Current Anthropology # 52, no. S4 (2011): ~~S221-S235. # Zhua, Rixiang, Zhisheng An, Richard Potts, and Kenneth A. ~~Hoffman. “Magnetostratigraphic Dating of Early Humans in China.” # Earth-Science Reviews # 61 (2003): ~~341-359. # Zilhão, João, Diego E. Angelucci, Ernestina Badal-García, ~~Francesco d’Errico, Floréal Daniel, Laure Dayet, Katerina Douka, et al. ~~“Symbolic Use of Marine Shells and Mineral Pigments by Iberian ~~Neandertals.” Proceedings of the National ~~Academy of Sciences of the United States of America # 107, ~~no. 3 (2010): 1023-1028. # Zimmer, Carl. “Hope for Frogs in Face of a Deadly Fungus.” # New York Times ~~, July 9, 2014. # http://www.nytimes.com/2014/07/09/science/hope-for-frogs-facing-a- deadly-fungus.html?ref=science&_r=1 ~~(accessed July 12, 2014). # Zimmerman, Andreas, Johanna Hilpert, and Karl Peter Wendt. ~~“Estimations of Population Density for Selected Periods Between the ~~Neolithic and AD 1800.” # Human Biology # 81, issue 2, article 13 (2009). ms337