######OpenITI# #META# URI: 1450DinaCadilGhurab.HikayatAndersenMajmucaUla.Hindawi37027416 #META# Tags: literature #META# ID: 37027416 #META# Title: حكايات هانس أندرسن الخيالية: المجموعة الأولى #META# AuthorID: 93637136 #META# Author: هانس كريستيان أندرسن #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 79161826 #META# Translator: دينا عادل غراب #META# Related_books: 1292HansChristianAndersen.FairyTalesFirstCollection (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # شجرة التنوب‏ # تاك الصغير‏ # فرخ البط القبيح‏ # زهور آيدا الصغيرة‏ # الجندي الصفيح الصامد‏ # عقلة الإصبع‏ # قصص الشمس‏ # إبرة الرفو‏ # بائعة أعواد الثقاب الصغيرة‏ # الحبيبان‏ # مباراة القفز‏ # الأسرة السعيدة‏ # الكائنات الخضراء الصغيرة‏ # أول لوك اوي، رب الأحلام‏ # الحصالة‏ # شجرة البيلسان الأم‏ # ملكة الثلج‏ # الورود والعصافير‏ # المنزل القديم‏ # فرع شجرة التفاح المغرور‏ # مقدمة‏ # شجرة التنوب‏ # تاك الصغير‏ # فرخ البط القبيح‏ # زهور آيدا الصغيرة‏ # الجندي الصفيح الصامد‏ # عقلة الإصبع‏ # قصص الشمس‏ # إبرة الرفو‏ # بائعة أعواد الثقاب الصغيرة‏ # الحبيبان‏ # مباراة القفز‏ # الأسرة السعيدة‏ # الكائنات الخضراء الصغيرة‏ # أول لوك اوي، رب الأحلام‏ # الحصالة‏ # شجرة البيلسان الأم‏ # ملكة الثلج‏ # الورود والعصافير‏ # المنزل القديم‏ # فرع شجرة التفاح المغرور‏ # | حكايات هانس أندرسن الخيالية # | حكايات هانس أندرسن الخيالية # | المجموعة ~~الأولى # تأليف # هانس كريستيان ~~أندرسن # تحرير # جيني إتش ستيكني # ترجمة # دينا عادل غراب # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | مقدمة # سيظل عمل «حكايات هانس أندرسن» يقرأ في المدارس والبيوت، ما دام ~~هناك أطفال يحبون القراءة. فليس هناك من يضاهي المؤلف بصفته راوي ~~قصص أطفال في قدرته على الاستحواذ على مخيلة الصغار، والتحليق بها في ~~آفاق طبيعية وصحية. وقدرته على أسر الألباب والارتقاء بها تجري كشيء ~~حي في أي شيء يكتبه. ولقد نجحت قصصه في كل الاختبارات التي واجهتها ~~وظلت محتفظة بشعبية لا تتراجع بين أفضل كتب الأطفال. إنها تعد ~~معيارا، وحيث إن كتابات الأطفال تقيم بمقاييس أكثر دقة فإن ~~مكانها في الأدب الخالد سيزداد حجما وثباتا. إن قليلا من مؤلفي ~~كتب الأطفال سيرقى إلى منزلة الخلود، وهانس أندرسن واحد منهم. # وفرت الدنمارك وفنلندا الخلفية الطبيعية للخيال الطريف والعبقرية ~~المتنامية لدى ابنهما الموهوب، وهو الذي كان قصاصا، ومؤلف مسرحيات، ~~وشاعرا في آن واحد. إن حب الطبيعة، وحب الوطن، والمشاركة الوجدانية ~~مع الحياة في كل شيء، وموهبة رائعة في إضفاء الحياة على كل شيء، كلها ~~تآلفت معا لتثمر فيه شخصية ذات سحر يظهر في كل كتاباته. قد يكون ~~عمله «قصة حياتي» هو أكثر كتاباته إثارة. كان أندرسن معروفا في بلاط ~~الملوك وقلاع النبلاء ms001 ، وكان يقرأ قصصه هناك بنفس البساطة التي جعلها ~~بها مألوفة في أكواخ الفلاحين، وجعلته محبوبا لكل من أنصت إليه على ~~حد سواء. ورغم أن هذه السمات لا تفسر عبقريته، فهي تساعدنا في ~~فهم سحرها. إن أبسط القصص توفي بالشرط الذي وضعه الناقد راسكين ~~لقصة الأطفال والذي ينص على أن تكون جميلة وحزينة. # من بين أعمال أغلب الكتاب الذين أسهموا إسهاما كبيرا في أدب ~~الطفل، من المرجح ألا يكتسب الخلود سوى القليل من الدرر ~~المنتقاة. لكن الأمر مختلف مع أندرسن؛ فرغم أن هذه الدرر موجودة، ~~فالقيمة الكبرى تكمن في تناول هذه القصص كنوع من الأدب والعيش فيه ~~لوهلة، من خلال قوة القراءة التراكمية. وليس من المبالغة القول بأن ~~في قصص أندرسن طابعا وروحا خاصين به وحده؛ فلسفة بسيطة تكتسب ~~بالقراءة المتواصلة. لهذا السبب فمن المفيد للطفل أن يحوز هذه الكتب؛ ~~فإعادة قراءتها من حين لآخر ستولد لديه توجها صحيا وطبيعيا في ~~القراءة. كما أن العديد من القصص من المفيد قراءتها للأطفال في سن ~~صغيرة جدا؛ فهي توجه مخيلتهم الوثابة إلى قنوات طبيعية. # نص الطبعة الحالية هو إعادة إنتاج لنص سابق كان قائما على ~~المقارنة جملة بجملة بين أربع أو خمس ترجمات حالية في أوروبا ~~وأمريكا. وقد أشيد به على نطاق واسع؛ استنادا إلى أن قراءته ممتعة، ~~مع الاحتفاظ بروح الأصل الدنماركي ونصه. وقد اختصرت اثنتان من ~~القصص الطويلة بقدر ضئيل. كما يلائم ترتيب القصص المختارة بين مستوى ~~القراءة ونمو الطفل؛ فهي يفترض أن تكون سهلة بدرجة كافية للأطفال ~~في سن الثامنة أو التاسعة تقريبا. # جيه إتش ستيكني # | شجرة التنوب # في مكان بعيد في الغابة حيث هيأت الشمس الدافئة والهواء المنعش ~~مكانا جميلا للراحة، نبتت شجرة تنوب قصيرة جميلة. ورغم أن ~~الوضع كان أجمل ما يكون، فالشجرة لم تكن سعيدة؛ فقد تمنت بشدة أن ~~تكون مثل رفيقاتها الطويلات، أشجار الصنوبر والتنوب النابتة ~~حولها. # كانت الشمس تسطع، ونسمات الهواء الرقيقة تداعب أوراقها، والأطفال ~~المزارعون الصغار يمرون بها، وهم يثرثرون جذلين؛ إلا أن الشجرة ms002 لم ~~تكن تأبه لهم. # كان الأطفال أحيانا يأتون بسلة كبيرة مليئة بتوت العليق أو ~~الفراولة المرصوصة على قش، ويجلسون بجانب شجرة التنوب ويقولون: ~~«أليست هذه الشجرة قصيرة جميلة؟» وهو ما كان يزيدها تعاسة عما ~~قبل. # لكن الشجرة كانت طوال هذه الفترة تزداد طولا بمقدار ثلمة أو عقدة ~~كل عام؛ إذ يمكننا معرفة عمر شجرة التنوب من عدد العقد في ~~ساقها. # إلا أنها ظلت حتى وهي تنمو تشتكي وتقول: «آه! كم أتمنى أن أكون في ~~طول الأشجار الأخرى؛ ساعتها كنت سأمد فروعي في كل جهة، وكان رأسي سيطل ~~على العالم الفسيح حولي. ولا بد أن الطيور كانت ستبني أعشاشها على ~~أغصاني، وحين تهب الرياح، لا بد أنني كنت سأنحني بشمم مهيب مثل ~~رفيقاتي السامقات.» # كانت الشجرة في غاية السخط، حتى إنها لم تكن تجد سعادة في أشعة الشمس ~~الدافئة، أو الطيور أو السحاب الوردي الذي كان يطوف فوقها بكرة ~~وأصيلا. # أحيانا في الشتاء حين كان الثلج ينبسط على الأرض بلونه الأبيض ~~اللامع، كان هناك أرنب صغير يأتي واثبا إليها، ويقفز فوق قمة الشجرة ~~القصيرة، وكم كانت تشعر بالضيق حينذاك! # مر على الشجرة فصلا شتاء، وحين حل الثالث، كانت قد زادت طولا حتى ~~إن الأرنب كان يضطر إلى الركض حولها. إلا أنها ظلت غير راضية وكانت ~~تصيح: «أوه! أريد أن أكبر وأكبر؛ ليتني أظل أنمو طولا وأزداد عمرا! ~~فلا يوجد في الحياة شيء آخر جدير بالاهتمام.» # جاء الحطابون في الخريف كالعادة، وقطعوا العديد من الأشجار ~~الباسقة؛ أما شجرة التنوب القصيرة التي كانت حينذاك بلغت طولا ~~مناسبا يعد أقصى طول لها، فارتعدت حين هوت الأشجار الهائلة على ~~الأرض محدثة صوت ارتطام كبيرا. # وبعد قطع الفروع، بدت الجذوع نحيلة وعارية للغاية، حتى إنه صار من ~~الصعب التعرف عليها. ووضعت على عربات، الواحدة فوق الأخرى، ~~وجرتها الخيول لتخرج بها من الغابة. إلى أين كان يمكن أن تذهب؟ ~~وماذا سيحل بها؟ تاقت شجرة التنوب الصغيرة بشدة إلى أن تعرف. # لذا، في الربيع، حين جاءت طيور السنونو ms003 واللقلق، سألتها شجرة ~~التنوب: «هل تعلمون إلى أين أخذت تلك الأشجار؟ هل ~~قابلتموها؟» # لم تكن طيور السنونو تعلم شيئا؛ لكن أحد طيور اللقلق، بعد القليل ~~من التفكير، أومأ برأسه وقال: «نعم، أعتقد أنني أعرف. حين طرت من ~~مصر، لاحظت العديد من السفن الجديدة، وكان لها صوار رائعة تفوح ~~منها رائحة تشبه رائحة أشجار التنوب. لا بد أن هذه كانت الأشجار؛ ~~وأؤكد لك أنها كانت فخمة وتبحر في أبهة شديدة!» # قالت شجرة التنوب: «أوه، كم أتمنى لو كان طولي كافيا للذهاب إلى ~~البحر. فلتخبرني ما هو هذا البحر، وكيف يبدو؟» # قال طائر اللقلق وهو يحلق بعيدا على عجل: «هذا الأمر شرحه ~~يطول؛ يطول جدا.» # قال شعاع الشمس: «فلتبتهجي بشبابك، ولتنعمي بأغصانك الغضة ~~وبالحياة الشابة الكامنة فيك.» # وقبلت الرياح الشجرة، وسقاها الندى بالدموع، لكن شجرة التنوب ~~لم تأبه لهم. ~~••• # اقترب وقت الكريسماس، وقطع العديد من الأشجار الشابة، ومنها ما كان ~~أصغر طولا وعمرا من شجرة التنوب، التي لم تنعم براحة أو سلام ~~لتلهفها إلى مغادرة غابتها. الأشجار الشابة التي اختيرت لجمالها، ~~احتفظت بفروعها، ووضعت هي الأخرى على عربات وجرتها الخيول بعيدا ~~خارج الغابة. # تساءلت شجرة التنوب: «إلى أين ستذهب؟ إنها لا تزيد عني طولا؛ ~~وإحداها ليست طويلة جدا قطعا. ولماذا احتفظوا بكل فروعها؟ إلى أين ~~هي ذاهبة؟» # شدت طيور السنونو قائلة: «نحن نعرف، نحن نعرف، لقد نظرنا من خلال ~~نوافذ المنازل في البلدة، وعرفنا ما يحدث لها. أوه، لا يمكنك أن ~~تتخيلي ما تلقاه من شرف وعظمة. فهي تتأنق بأسلوب غاية في ~~الروعة. لقد رأيناها واقفة في منتصف غرفة دافئة، تزينها أشياء جميلة ~~من شتى الأنواع؛ كعك العسل، والتفاح الذهبي، واللعب، ومئات عديدة من ~~الشموع.» # سألتها شجرة التنوب وكل فروعها ترتجف: «وماذا بعد؟ ماذا يحدث بعد ~~ذلك؟» # قالت طيور السنونو: «لم نر غير ذلك، لكنه كان كافيا لنا.» # حدثت شجرة التنوب نفسها قائلة: «أتساءل ما إن كان سيحدث لي أي ~~شيء بهذه الروعة على الإطلاق؛ فهذا سيكون أفضل حتى من عبور البحر ms004 . ~~إنني أتحرق شوقا إلى هذا. أوه، متى يحل الكريسماس هنا؟ فقد صرت ~~الآن في طول وعمر تلك التي أخذت العام الماضي. ليتني كنت الآن ~~موضوعة على العربة، أو واقفة في الغرفة الدافئة تحيط بي كل تلك ~~الأضواء والروعة! لا بد أن شيئا أفضل وأجمل يحدث بعد ذلك، وإلا ما ~~كانت الأشجار زينت هكذا. نعم، سيتبع هذا شيء أعظم وأروع. ماذا ~~عساه يكون؟ إن الشغف يضنيني، وبالكاد أدرك ما هذا الذي ~~يعتريني.» # قال الهواء وضوء الشمس: «فلتبتهجي بحبنا. فلتستمتعي بحياتك السعيدة ~~في الهواء الطلق.» # لكن الشجرة لم تكن تبتهج، مع أنها كانت تزداد طولا كل يوم، وحين كان ~~المارة يرون أوراقها ذات اللون الأخضر الداكن صيفا وشتاء، كانوا ~~يقولون: «يا لها من شجرة جميلة!» # قبل الكريسماس التالي بفترة قصيرة كانت شجرة التنوب الساخطة أول ما ~~سقط من الأشجار. حين قطعت البلطة الجذع بحدة وشقت اللب، سقطت ~~الشجرة على الأرض متأوهة، شاعرة بالألم والإعياء وناسية كل أحلامها ~~بالسعادة في حزنها على مغادرة وطنها في الغابة. فقد أدركت أنها لن ترى ~~رفيقاتها القدامى الأشجار ثانية أبدا، ولا الشجيرات الصغيرة ولا ~~الزهور المتعددة الألوان التي كانت تنمو إلى جانبها؛ بل ربما ولا ~~الطيور حتى. كما أن الرحلة لم تكن ممتعة على الإطلاق. # استعادت الشجرة عافيتها لأول مرة حين أخرجت في فناء منزل، مع ~~العديد من الأشجار الأخرى؛ وسمعت رجلا يقول: «نريد واحدة فقط، وهذه ~~أجملها. هذه بديعة!» # ثم جاء خادمان في زي فخم، وحملا شجرة التنوب إلى غرفة فسيحة وجميلة. ~~هناك، كانت الصور معلقة على الجدران، وبجانب المدفأة العالية المغطاة ~~بالقرميد وقفت زهريات خزفية ضخمة ذات رسوم سوداء على أغطيتها. وكان ~~هناك كراس هزازة، وأرائك حريرية، وطاولات كبيرة مغطاة بصور؛ ~~وكان هناك كتب، ولعب بمئات مئات الدولارات - على الأقل - هكذا كان يقول ~~الأطفال. # ثم وضعت شجرة التنوب في دلو كبير مليء بالرمال - لكنه لف بجوخ ~~أخضر حتى لا يستطيع أحد ملاحظة أنه كان دلوا - ووضعت على بساط ~~فاخر جدا. أوه، كم كانت شجرة التنوب ms005 مرتعدة! فما الذي سيحدث لها ~~الآن؟ ثم جاءت بعض السيدات الشابات، وساعدهن الخدم في تزيين ~~الشجرة. # علقوا على أحد الفروع أكياسا صغيرة من الورق الملون، وكان كل كيس ~~مليئا بالحلوى. وتدلى من فروع أخرى تفاحات ذهبية وحبات جوز، ~~كأنها قد نبتت هناك؛ وكان فوقها وفي كل مكان حولها مئات الشموع ~~الحمراء والزرقاء والبيضاء المثبتة على الفروع. ووضع أسفل الأوراق ~~الخضراء دمى تبدو تماما كأنها رجال ونساء بحق؛ وهي أشياء لم تر ~~الشجرة مثيلا لها من قبل قط، وفي قمتها ثبتت نجمة لامعة مصنوعة ~~من زينة ذهبية. أوه، لقد كانت في غاية الجمال. وإذا بالجميع يهتفون: ~~«كم ستكون مبهرة هذا المساء!» # تفكرت الشجرة قائلة في نفسها: «ليت المساء يأتي وتشعل الشموع! ~~فساعتها سأعرف ماذا سيحدث غير هذا. هل ستأتي أشجار الغابة لرؤيتي؟ ترى ~~هل ستختلس طيور السنونو النظر من النوافذ وهي تطير؟ هل سيكون نموي ~~هنا أسرع مما كان في الغابة، وهل سأحتفظ بكل هذه الزينة في الصيف ~~والشتاء؟» لكن لم يكن التخمين ذا جدوى كبيرة؛ فقد أحست بألم في ~~ظهرها من التفكير، وهذا الألم كريه بالنسبة لشجرة تنوب قصيرة مثل ~~الصداع لنا. # وأخيرا أشعلت الشموع، فتألقت الشجرة في هالة من النور ~~والروعة! وكانت كل فروعها ترتجف بشدة من الفرحة، حتى إن إحدى الشموع ~~سقطت بين الأوراق الخضراء وأحرقت بعضا منها. صرخت السيدات الشابات: ~~«النجدة! النجدة!» لكن لم يقع ضرر؛ فقد أطفئوا النار سريعا. # حاولت الشجرة بعد ذلك ألا ترتجف على الإطلاق، ورغم أن النار كانت ~~تخيفها، فقد كانت حريصة على ألا يصيب الضرر أيا من قطع الزينة ~~الجميلة، حتى إن كان تألقها يبهرها. # ثم فتحت الأبواب القابلة للطي، وأهرعت مجموعة من الأطفال كما ~~لو كانوا يقصدون إزعاج الشجرة، وتبعهم على مهل أكثر ذويهم الكبار. ~~وقف الصغار للحظة في صمت مشدوهين، ثم أخذوا يصيحون في مرح حتى تردد ~~صدى صيحاتهم في الغرفة، وأخذوا يرقصون فرحين حول الشجرة والهدايا ~~تؤخذ واحدة بعد الأخرى من فوقها. # قالت الشجرة في نفسها: «ماذا يفعلون؟ ماذا ms006 سيحدث بعد ذلك؟» وفي ~~النهاية، تضاءلت الشموع على الفروع وانطفأت. ثم أخذ الأطفال الإذن ~~لاغتنام ما على الشجرة من زينة. # أوه، كم اندفعوا إليها وتكالبوا عليها! ساد هرج شديد حتى إن فروعها ~~شرخت، ولولا أنها كانت مثبتة إلى السقف بالنجمة اللامعة، لكانت ~~ستسقط أرضا. # ثم رقص الأطفال بألعابهم الجميلة في أنحاء الحجرة، ولم ينتبه أحد ~~إلى الشجرة إلا مربية الأطفال، التي جاءت وجالت ببصرها بين الفروع لترى ~~ما إن كان قد نسيت تفاحة أو تينة. ~~••• # صاح الأطفال وهم يشدون رجلا قصيرا بدينا ناحية الشجرة قائلين: ~~«قصة، قصة.» # قال الرجل وهو يجلس تحتها: «لنجلس الآن في الظل الأخضر، وهكذا ~~ستستمتع الشجرة هي الأخرى بسماع القصة؛ لكنني سأحكي قصة واحدة فقط. يا ~~ترى، ماذا ستكون؟ إيفيد أفيد أم هامتي دامتي الذي سقط على الدرج، لكنه ~~نهض سريعا مرة أخرى، وتزوج من أميرة في النهاية؟» # هتف البعض: «إيفيد أفيد»، وصاح آخرون: «هامتي دامتي»؛ وتعالت ~~الصيحات. لكن شجرة التنوب ظلت ساكنة تماما وحدثت نفسها قائلة: «هل ~~لي أي علاقة بكل هذا؟ هل علي أن أصيح أنا أيضا؟» لكنها كانت قد ~~أبهجتهم بالفعل بقدر ما أرادوا، فلم يأبهوا لها. # بعد ذلك حكى لهم الرجل العجوز قصة هامتي دامتي؛ كيف سقط، وكيف نهض ~~ثانية، وكيف تزوج أميرة. صفق الأطفال بأيديهم وصاحوا: «فلتحك واحدة ~~أخرى، فلتحك واحدة أخرى»؛ فقد أرادوا سماع قصة إيفيد أفيد، لكنهم لم ~~يسمعوا هذه المرة سوى قصة هامتي دامتي. بعد هذا لاذت الشجرة بالصمت ~~التام واستغرقت في التفكير. إن الطيور في الغابة لم تحك قط قصصا مثل ~~قصة هامتي دامتي، الذي سقط من فوق الدرج، لكن تزوج من أميرة. # ثم قالت الشجرة في نفسها: «أوه، أجل! هذا يحدث في العالم!» وصدقت ~~القصة برمتها لأن من حكاها كان رجلا لطيف الطباع. # قالت الشجرة في نفسها: «أوه، حسنا! من يدري؟ ربما أسقط أنا أيضا ~~وأتزوج من أمير.» وتطلعت للمساء التالي في فرح، متوقعة أن تزين مرة ~~أخرى بالأنوار والألعاب والذهب والفاكهة. وتحدثت إلى نفسها قائلة ms007 : ~~«غدا لن أرتجف، وسوف أستمتع بكل بهائي، وسوف أسمع قصة هامتي دامتي مرة ~~أخرى، وربما قصة إيفيد أفيد.» وظلت الشجرة صامتة تفكر طوال ~~الليل. # في الصباح دخل الخدم. وقالت الشجرة في نفسها: «الآن سيعود لي كل ~~بهائي مرة أخرى.» إلا أنهم جروها خارج الحجرة وصعدوا بها إلى العلية ~~حيث ألقوها على الأرض في زاوية معتمة لا يظهر فيها ضوء النهار، وهناك ~~تركوها. فتساءلت الشجرة في نفسها: «ما معنى هذا؟ ماذا سأفعل هنا؟ لا ~~أستطيع سماع أي شيء في مكان كهذا.» ثم استندت إلى الحائط وراحت تفكر ~~وتفكر. # وقد كان لديها وقت كاف للتفكير؛ فقد مضت أيام وليال دون أن يقترب ~~منها أحد؛ وحين جاء أحد الأشخاص أخيرا، كان فقط ليضع بعض الصناديق ~~الكبيرة في إحدى الزوايا. وهكذا توارت الشجرة تماما عن الأنظار، كأنها ~~لم تكن موجودة قط. # قالت الشجرة في نفسها: «ها قد جاء الشتاء، وصارت الأرض صلبة ومغطاة ~~بالجليد، وبهذا لن يستطيع الناس أن يزرعوني. أعتقد أنني سأبقى هنا حتى ~~يأتي الربيع. كم يهتم بي الجميع ويرفقون لحالي! لكن ليت هذا المكان لم ~~يكن معتما هكذا وموحشا بشكل مخيف هكذا، دون حتى أرنب صغير لأراه. كم ~~كانت الحياة ممتعة في الغابة حين كان الثلج يغطي الأرض، وكان الأرنب ~~يجري عليه، نعم، ويقفز فوقي أيضا، وإن كنت لم أحب ذلك آنذاك. أوه! كم ~~أشعر بوحدة فظيعة هنا.» # صر فأر صغير وهو يتسلل بحرص ناحية الشجرة؛ ثم جاء فأر آخر، وأخذ ~~الاثنان يتشممان شجرة التنوب ويتسللان داخلين خارجين بين ~~فروعها. # قال الفأر الصغير: «أوه، البرد شديد. لولا ذلك لشملتنا راحة كبرى ~~هنا، أليس كذلك يا شجرة التنوب العجوز؟» # قالت شجرة التنوب: «لست عجوزا؛ فهناك كثيرون أكبر مني ~~عمرا.» # سألها الفأران وقد ملأهما الفضول: «من أين أتيت؟ وماذا تعرفين؟ هل ~~رأيت أجمل الأماكن في العالم، وهل تستطيعين أن تحكي لنا عنها؟ وهل ~~ذهبت إلى غرفة التخزين، حيث الأجبان موضوعة على الرف واللحم يتدلى من ~~السقف؟ توجد هناك شموع من الشحم يمكن الجري ms008 عليها؛ ومن الممكن أن ~~يدخلها أحدنا نحيفا ويخرج منها بدينا.» # قالت شجرة التنوب: «لا أعلم شيئا عن ذلك، لكنني أعرف الغابة حيث ~~تسطع الشمس وتشدو الطيور.» وأخبرت الشجرة الفأرين الصغيرين بكل ما ~~جرى في أيام شبابها. ولم يكونا قد سمعا بمثل تلك الأشياء في حياتهما؛ ~~حتى إنهما بعد أن أصغيا إليها باهتمام قالا لها: «كم شاهدت من أشياء ~~عديدة! لا بد أنك كنت سعيدة جدا!» # صاحت الشجرة: «سعيدة؟!» ثم قالت وهي تتأمل ما كانت تحكيه لهما: «أوه، ~~نعم! فقد كانت تلك أياما سعيدة على كل حال.» لكن حين واصلت الكلام ~~وحكت كل ما حدث في عشية الكريسماس، وكيف زينت بالكعك والأنوار، ~~قال الفأران: «كم كنت سعيدة حتما يا شجرة التنوب العجوز!» # أجابت الشجرة: «لست عجوزا على الإطلاق؛ فقد جئت من الغابة هذا ~~الشتاء. والآن قد توقف نموي.» # قال الفأران الصغيران: «يا لها من قصص رائعة تلك التي تستطيعين ~~حكيها!» وفي الليلة التالية جاء أربعة فئران أخرى معهما لسماع ما لدى ~~الشجرة من قصص. وكانت كلما تحدثت عاودها المزيد من الذكريات، فحدثت ~~نفسها قائلة: «صحيح، تلك كانت أياما سعيدة؛ لكن ربما تعود مرة أخرى. ~~فرغم أن هامتي دامتي سقط على الدرج فإنه تزوج الأميرة. ربما أتزوج أنا ~~أيضا أميرا.» ثم أخذت شجرة التنوب تفكر في شجرة البتولا القصيرة ~~الجميلة التي كانت في الغابة؛ لقد كانت بالنسبة لها أشبه بأمير بحق، ~~أمير وسيم. # سألتها الفئران الصغيرة: «من هو هامتي دامتي؟» فقصت عليهم الشجرة ~~الحكاية بأكملها؛ إذ استطاعت أن تتذكر كل كلمة. وقد سرت الفئران ~~الصغيرة بها للغاية حتى إنها كانت على استعداد للقفز أعلى الشجرة. وفي ~~الليلة التالية ظهر العديد من الفئران الأخرى، وفي يوم الأحد جاء معها ~~اثنان من الجرذان؛ لكن الجرذين قالا إنها لم تكن قصة حلوة على ~~الإطلاق، وشعرت الفئران الصغيرة بأسف بالغ؛ فقد جعلها هذا تنبذها هي ~~الأخرى. # ثم سألها الجرذان: «هل تعرفين هذه القصة فقط؟» # أجابتهما شجرة التنوب: «أعرف هذه القصة فقط، وقد سمعتها في أسعد ~~أمسية ms009 في حياتي؛ غير أنني لم أعلم أنني كنت سعيدة جدا في ذلك ~~الوقت.» # قال الجرذان: «نرى أنها قصة بائسة جدا. ألا تعرفين أي قصص عن اللحم ~~أو الشحم الذي في غرفة التخزين؟» # أجابتهما الشجرة: «لا.» # فرد عليها الجرذان: «شكرا جزيلا لك إذن.» ثم ذهبا إلى حال ~~سبيلهما. # كذلك ابتعدت الفئران الصغيرة بعد ذلك، وتنهدت الشجرة وقالت: «كان ~~الوقت ممتعا جدا حين كانت الفئران الصغيرة المرحة تجلس حولي وتنصت ~~لي وأنا أتحدث. الآن صار كل هذا ماضيا أيضا. لكنني سوف أصير سعيدة ~~حين يأتي أحد ليخرجني من هذا المكان.» # لكن هل سيحدث هذا أبدا؟ نعم؛ فقد جاء أناس ذات صباح لتنظيف العلية؛ ~~حيث خزنت الصناديق، وأخرجت الشجرة من الزاوية وألقيت بقسوة ~~على الأرض؛ ثم جرها الخادمان على الدرج حيث كان ضوء النهار ~~ساطعا. # قالت الشجرة مبتهجة بأشعة الشمس والهواء المنعش: «الآن بدأت الحياة ~~مرة أخرى.» ثم حملت إلى أسفل وأخذت إلى الفناء سريعا جدا حتى ~~إنها نسيت أن تفكر في نفسها، ولم يسعها إلا النظر حولها؛ فقد كان ~~هناك الكثير لتطالعه. # كان الفناء على مقربة من حديقة، بدا كل ما فيها متألقا؛ فقد ~~تدلت ورود نضرة وذكية فوق السياج القصير. وكانت أشجار الزيزفون ~~مزهرة، فيما حلقت طيور السنونو هنا وهناك وهي تغرد قائلة: «سيأتي ~~خليلي»، لكنها لم تكن تقصد شجرة التنوب. # صاحت الشجرة فرحة، وهي تمد فروعها: «الآن سوف أحيا»، لكن وا حسرتاه! ~~كانت كلها ذابلة وصفراء، ووضعت الشجرة في زاوية بين الحشائش ونباتات ~~القراص. كانت النجمة المصنوعة من الورق الذهبي ما زالت مثبتة في قمة ~~الشجرة، وراحت تلمع في ضوء الشمس. # كان يلعب في الفناء نفسه اثنان من الأطفال المرحين الذين رقصوا حول ~~الشجرة في الكريسماس، وكانوا في غاية السعادة آنذاك. رأى أصغرهما ~~النجمة اللامعة، فهرع وشدها من فوق الشجرة، وقال وهو يمشي على ~~الفروع حتى تشرخت أسفل حذائه: «انظر ماذا وجدت على شجرة التنوب ~~العجوز القبيحة.» # وشاهدت الشجرة كل الزهور النضرة اليانعة في الحديقة، ثم نظرت إلى ~~حالها، وتمنت ms010 لو كانت ظلت في الزاوية المظلمة في العلية. وتذكرت ~~شبابها الغض في الغابة، وعشية الكريسماس السعيدة، والفئران الصغيرة ~~التي أنصتت إلى قصة هامتي دامتي. # قالت الشجرة المسكينة: «كل هذا انتهى! انتهى! أوه، ليتني استمتعت ~~بحياتي حين كان يتسنى لي ذلك! لكن فات الأوان الآن!» # ثم جاء خادم وقطع الشجرة قطعا صغيرة، حتى تكومت في حزمة كبيرة على ~~الأرض. ووضعت القطع في نار، فاشتعلت سريعا متوهجة، في حين راحت ~~الشجرة تتنهد بعمق بالغ حتى كانت كل تنهيدة بمثابة طلقة من مسدس صغير. ~~ثم جاء الطفلان اللذان كانا يلهوان، وجلسا أمام النار، وتطلعا إليها ~~وصاحا: «طق، طق.» لكن مع كل «طقطقة»، وهي التي كانت تنهيدة عميقة، كانت ~~الشجرة تفكر في يوم من أيام الصيف في الغابة أو إحدى ليالي الشتاء حين ~~كان بريق النجوم ساطعا، وفي عشية الكريسماس، وفي هامتي دامتي - القصة ~~الوحيدة التي سمعتها أو عرفت كيف تحكيها على الإطلاق - حتى فنيت ~~أخيرا. # ظل الطفلان يلعبان في الحديقة، ووضع أصغرهما على صدره النجمة الذهبية ~~التي زينت بها الشجرة في أسعد أمسية في حياتها. انتهى الآن كل شيء؛ ~~انتهت حياة الشجرة وكذلك القصة؛ فكل القصص لا بد لها من نهاية في وقت ~~ما. # | تاك الصغير # تاك الصغير! اسم غريب بلا شك! إلا أنه لم يكن الاسم الحقيقي للصبي ~~الصغير. إنما كان اسمه الحقيقي كارل؛ لكنه حين كان صغيرا جدا ولا ~~يستطيع نطق الكلام بوضوح، اعتاد أن يسمي نفسه تاك. من الصعب معرفة ~~السبب؛ فهو ليس مثل اسم كارل مطلقا، لكنه يفي بالغرض، ما دمت ~~تعرفه. # ترك تاك الصغير في المنزل ليعتني بأخته جوستافا، التي كانت تصغره ~~بكثير؛ وكان عليه أيضا أن يستذكر دروسه. هكذا كان عليه أن يفعل شيئين ~~في الوقت نفسه، وهما لا ينسجمان معا على الإطلاق. جلس الفتى المسكين ~~وأخته على حجره، يغني لها كل الأغاني التي يعرفها، وكان يلقي نظرة، ~~من وقت لآخر، على كتاب الجغرافيا خاصته الذي وضع مفتوحا بجانبه؛ إذ ~~كان لا بد أن يكون قد حفظ ms011 بحلول صباح الغد أسماء كل البلدات التي في ~~سيلاند عن ظهر قلب، وأن يكون قادرا على أن يذكر أقصى قدر ممكن من ~~المعلومات عنها. # ثم جاءت أمه أخيرا، وأخذت جوستافا الصغيرة بين ذراعيها. فجرى تاك ~~سريعا إلى النافذة، وراح يقرأ ويقرأ حتى لم يعد قادرا على القراءة؛ ~~إذ كان الظلام مقبلا، ولم تكن أمه تستطيع شراء شموع. # قالت أمه وهي تنظر من النافذة: «ها هي غاسلة الملابس العجوز تسير في ~~الحارة. يا للمسكينة! إنها بالكاد تقوى على السير، والآن عليها أن تحمل ~~الدلو الثقيل من مضخة المياه. لتكن فتى طيبا يا تاك الصغير، ~~وتسرع لتساعد السيدة المسكينة.» ركض تاك الصغير بسرعة، وساعد في حمل ~~الدلو الثقيل. لكن حين عاد إلى حجرته، كان الظلام دامسا. لكنه لم ينبس ~~بكلمة عن الشموع، ولم يكن هناك جدوى من تمني واحدة؛ وكان لا بد أن ~~يذهب إلى فراشه النقال الصغير الذي كان مصنوعا من دكة قديمة. # اضطجع وهو لا يزال يفكر في درس الجغرافيا، وفي سيلاند، وفي كل ما ~~كان معلمه قد قاله. لم يستطع أن يقرأ الكتاب مرة أخرى، كما كان يتوجب ~~عليه، لحاجته إلى الضوء. لذلك وضع كتاب الجغرافيا أسفل وسادته؛ فقد ~~أخبره أحد الأشخاص من قبل أن هذه طريقة رائعة للمساعدة على تذكر درسه، ~~إلا أنه لم يتأكد أبدا من أنه يمكن الاعتماد على هذا الأمر. # استلقى في فراشه وظل يفكر ويفكر، حتى شعر فجأة كأن أحدا يغلق ~~ثغره وعينيه بلطف بقبلة. فنام ولم ينم، فقد تراءى له أنه يرى عيني ~~الغاسلة العجوز الوديعتين الحنونتين مثبتتين عليه، وأنه يسمعها ~~تقول: «لا شك أنه سيكون من المؤسف ألا تكون عالما بدرسك غدا، يا تاك ~~الصغير. لقد ساعدتني؛ والآن سأساعدك أنا، وسيساعدنا الرب نحن ~~الاثنين.» # وفجأة بدأت أوراق الكتاب تخشخش أسفل رأس تاك الصغير، وسمع شيئا ~~يحبو تحت وسادته. # صاحت دجاجة وهي تسير ببطء نحوه: «كاك، كاك، كاك! إنني دجاجة كوجيه.» ~~(فقد كانت آتية من بلدة كوجيه.) ثم أخبرته بعدد سكان البلدة الصغيرة ms012 ، ~~وعن المعركة التي حدثت هناك في الماضي، وكيف أنها صارت بالكاد ~~تستحق الذكر الآن، لوجود أشياء عديدة أعظم شأنا. ~~«تك، تك!» والآن قفز على السرير طائر خشبي كبير؛ ببغاء من ميدان ~~إطلاق النار في براستو. وكان قد أحصى عدد السكان في براستو، ووجد أنهم ~~كثيرون بقدر عدد الريش الذي في جسده. وكان طائرا فخورا بنفسه، إذ ~~قال: «كان تورفالسن يعيش في إحدى نواحي براستو، على مقربة مني. ألست ~~طائرا جميلا، وببغاء مرحا؟» # لم يعد تاك الصغير الآن راقدا في فراشه؛ ففجأة، أصبح على صهوة جواد، ~~وأخذ يعدو ويعدو. فقد حمله على جواده فارس مهيب ذو خوذة لامعة بريش ~~متطاير - فارس من العصور القديمة - وانطلقا معا في غابة بلدة ~~فوردينبورج العتيقة، التي كانت هي الأخرى بلدة كبيرة مزدحمة. وكانت ~~أبراج قلعة الملك الشاهقة تشق عنان السماء، والأضواء المبهرة ترى وهي ~~تومض عبر النوافذ. بالداخل ترددت أصداء الموسيقى وتجلت مظاهر ~~الاحتفال؛ وكان الملك فالديمار يقود سيدات بلاطه النبيلات ليرقصن ~~معه. # وإذا بالصبح قد طلع فجأة، فبهتت أضواء المصابيح، وبزغت الشمس، وتلاشت ~~أشباح المباني، وأخيرا بقي برج عال واحد كعلامة للمنطقة التي كانت ~~تقوم فيها القلعة الملكية. فقد تقلصت البلدة الشاسعة إلى بلدة فقيرة ~~صغيرة بسيطة. وقال التلاميذ، وهم خارجون من المدرسة حاملين تحت أذرعهم ~~كتب الجغرافيا: «ألفان من السكان»؛ لكن هذا كان محض تفاخر؛ فلم يكن ~~بالبلدة هذا العدد مطلقا. # كان تاك الصغير في فراشه؛ ولم يدر ما إذا كان ما قد شهده حلما أم ~~لا، لكنه وجد على مقربة منه شخصا آخر مجددا. # صاح صوت: «يا تاك الصغير! يا تاك الصغير!» كان صوت بحار صغير. وأضاف: ~~«لقد جئت حاملا إليك السلام من كورسر. كورسر بلدة جديدة، بلدة نابضة ~~بالحياة، بها البواخر وعربات البريد. كان الناس في الماضي يقولون إنها ~~مكان حقير وقبيح، لكنهم لم يعودوا يقولون هذا. # تقول كورسر عن نفسها: «أقع على ساحل البحر؛ ولدي طرق واسعة وحدائق ~~ترفيهية عامة؛ وأنجبت شاعرا، شاعرا ساخرا، وهو أفضل من سائر ~~الشعراء. فكرت ms013 ذات مرة في إرسال سفينة لتطوف حول العالم بأسره؛ لكنني ~~لم أفعل، رغم أنني كنت أستطيع. أستمتع كثيرا بمكاني قرب الميناء؛ ~~وتفوح مني رائحة العطور، إذ تتفتح حولي أجمل أنواع الورود، قريبا من ~~بواباتي».» # وكان باستطاعة تاك الصغير أن يشتم رائحة الورود وأن يراها ~~وأوراقها الخضراء النضرة. لكنها اختفت في لحظة؛ إذ انتشرت الأوراق ~~الخضراء وتكاثفت، انبثقت أجمة رائعة فوق مياه الخليج المتلألئة، وقام ~~فوق الأجمة برجان عاليان لكنيسة مهيبة قديمة. من جانب التل المغطى ~~بالحشائش تدفقت ينابيع جرت فيها المياه بألوان قوس قزح، وتصاعد منها ~~صوت موسيقي مرح، وجلس بالقرب منها ملك يضع على شعره الداكن الطويل ~~تاجا ذهبيا. كان هذا هو الملك هرور ملك الينابيع؛ وقريبا من هناك ~~كانت توجد بلدة روسكيلا (التي تعني «ينابيع هرور»). وأعلى التل، على ~~طريق واسع، ذهب كل ملوك الدنمارك وملكاتها، مرتدين تيجانا ذهبية؛ ~~ودخلوا الكنيسة يدا بيد، وامتزجت موسيقى الأرغن العميقة مع خرير ~~الينابيع الصافي؛ إذ كان يرقد في هذه الكنيسة الجميلة كل ملوك ~~الدنمارك وملكاتها تقريبا. وقد شاهد تاك الصغير وسمع كل ذلك. # قال الملك هرور: «لا تنس البلدات.» # ثم اختفى كل شيء، إلا أنه لم يعرف أين ذهب. بدا الأمر شبيها بتقليب ~~صفحات في كتاب. # بعد ذلك وقفت أمامه فلاحة عجوز من سورو، البلدة الهادئة الصغيرة ~~التي تنمو فيها الحشائش في موقع السوق. وكان مئزرها من الكتان الأخضر ~~مسدلا على رأسها وظهرها، وكان مبتلا جدا، كأن الأمطار كانت تهطل ~~بغزارة. # قالت له السيدة: «وهذا ما حدث.» ثم حكت الكثير جدا من الحكايات ~~الشيقة من مسرحيات هولبيرج الكوميدية، وألقت قصائد غنائية عن فالديمار ~~وأبسالون؛ فقد أقام هولبيرج أكاديمية في بلدتها. # وفجأة جثمت وهزت رأسها كأنها ضفدعة على وشك القفز. ثم صاحت: ~~«كواك! الجو ممطر، إنه ممطر دائما، ويخيم السكون على سورو مثل ~~القبر.» ثم تحولت إلى ضفدعة. صاحت: «كواك!» ثم تحولت إلى سيدة عجوز ~~مرة أخرى، وقالت: «لا بد أن يرتدي المرء من الملابس ما يناسب ~~الطقس.» # ثم أضافت: «الجو ممطر ms014 ! الجو ممطر! بلدتي مثل الزجاجة؛ تدخلها من ~~فتحة صغيرة، ومن نفس الفتحة تخرج منها. في الماضي كان لدينا أفضل ~~الأسماك؛ والآن لدينا صبية صغار بوجوه متوردة في أسفل الزجاجة. ~~إنهم يتعلمون الحكمة اليونانية؛ اليونانية والعبرية! كواك!» # بدا صياحها مثل نقيق الضفادع بالضبط، أو كأن هناك من يسير على ~~المستنقعات الكبيرة بحذاء ثقيل. كان صوتها مرهقا للغاية، وثابتا على ~~نبرة واحدة، حتى إن تاك الصغير غشيه النوم؛ وكان هذا مفيدا جدا ~~له. # لكن حتى حين نام راوده حلم، أو أيا كان اسمه. رأى أخته الصغيرة ~~جوستافا، بعينيها الزرقاوين وخصلات شعرها الأشقر الملتفة، وقد صارت ~~فتاة فارعة حسناء تستطيع الطيران، رغم أنها لم يكن لديها أجنحة؛ وها هي ~~الآن تطير فوق سيلاند؛ فوق غاباتها الخضراء، ومياهها الزرقاء. ~~«استمع! هل تسمع صياح الديك يا تاك الصغير؟ «كوكو كوكو!» إن الطيور ~~قادمة من كوجيه إلى هنا، وسوف يكون لديك مزرعة، مزرعة دواجن كبيرة ~~جدا ملك لك! لن تعاني الجوع أو الفاقة قط. سيكون لديك الإوزة ~~الذهبية، طائر الحظ السعيد؛ وسوف تصير رجلا ثريا وسعيدا. وسيرتفع ~~منزلك مثل أبراج الملك فالديمار ويزين بالكثير من التماثيل الرائعة ~~مثل تماثيل تورفالسن التي في براستو. # فلتع ما سأقوله جيدا يا تاك الصغير؛ ستذيع سيرتك الطيبة في العالم ~~بأسره، مثل السفينة التي كانت ستبحر من كورسر، وفي روسكيلا سوف تتحدث ~~وتقدم المشورة بحكمة وبصواب، يا تاك الصغير، مثل الملك هرور، وحين ترقد ~~أخيرا في قبرك الهادئ سوف تنام في وداعة كأنك ...» # قال تاك: «كأنني نائم في سورو.» ثم استيقظ. كان صباحا صحوا، ولم ~~يستطع تذكر حلمه، لكن ذلك لم يكن ضروريا؛ فالمرء ليس بحاجة إلى ~~معرفة ما سيراه في المستقبل. # وهنا قفز سريعا من فراشه، وبحث عن كتابه الذي كان قد وضعه أسفل ~~وسادته. ثم قرأ درسه، فوجد أنه يعرف البلدات على نحو جيد جدا. # أطلت الغاسلة العجوز من الباب وقالت وهي تهز رأسها بمحبة: ~~«شكرا يا فتاي الطيب على مساعدتك أمس. فليحقق الرب أسعد وأجمل ~~أحلامك! إنني أثق ms015 أنه سيحققها.» # كان تاك الصغير قد نسي ما حلم به، لكن لا يهم؛ فهناك في السماء من ~~يعلم كل شيء. # | فرخ البط القبيح # كانت الأجواء جميلة في القرية؛ إذ كان الوقت فصل الصيف، وكانت حقول ~~القمح بلون الذهب، وكان الشوفان أخضر، فيما كدس القش في أكوام ~~هائلة في المروج الخضراء. وأخذ طائر اللقلق يتبختر وسطها بساقيه ~~الطويلتين الحمراوين، وهو يثرثر بكلام باللغة المصرية، وهي اللغة ~~التي تعلمها من أمه. # أحاطت بالمروج وحقول الذرة من كل ناحية غابة كثيفة، وفي منتصف الغابة ~~كانت توجد بحيرة عميقة. حقا، كانت الأجواء جميلة ومبهجة في ~~القرية. # وفي منطقة مشمسة كان يوجد بيت ريفي قديم جميل تحيط به قنوات عميقة ~~من كل النواحي؛ وكان ينمو من جدران البيت حتى حافة المياه نباتات ~~أرقطيون ضخمة، بالغة الارتفاع، حتى إنه من الممكن لطفل صغير أن يقف ~~أسفل أطولها منتصب القامة. كانت المنطقة مقفرة كما لو كانت واقعة ~~في قلب غابة كثيفة. # في هذا الملاذ الآمن جلست بطة على عشها، في انتظار أن يفقس بيضها؛ ~~إلا أن السعادة التي كانت قد أحست بها في البداية كادت تختفي؛ إذ بدأت ~~تراها مهمة شاقة؛ فقد استغرق الصغار وقتا طويلا جدا في الخروج من ~~البيض، وهي قلما يأتيها زوار. فقد كانت البطات الأخريات يفضلن ~~السباحة في القنوات على تسلق الضفاف الزلقة والجلوس أسفل أوراق ~~الأرقطيون للتسامر معها، فاستطال عليها كثيرا الجلوس وحدها. # مع ذلك، فقست بيضة في نهاية المطاف، وسرعان ما تبعتها أخرى، وخرج من ~~كل بيضة كائن حي رفع رأسه وصاح: «بيب، بيب.» # قالت الأم: «كاك، كاك»؛ فحاول الجميع أن يصيحوا هكذا أيضا، بقدر ما ~~استطاعوا، وهم ينظرون حولهم في كل اتجاه إلى الأوراق الخضراء الطويلة. ~~وسمحت لهم أمهم بالنظر حولهم كما يحلو لهم؛ لأن اللون الأخضر مفيد ~~للعين. # حين وجد الصغار أن لديهم مساحة أكبر كثيرا عن التي كانت داخل ~~البيضة قالوا: «يا له من عالم كبير حقا!» # قالت الأم: «هل تعتقدون أن هذا هو العالم بأسره؟ انتظروا حتى ms016 تروا ~~الحديقة. إنها أوسع من ذلك حتى إنها تمتد حتى حقل الراعي، رغم أنني لم ~~أغامر بالذهاب بعيدا هكذا قط. هل خرجتم جميعا؟» وواصلت الكلام وقد ~~نهضت لتنظر: «لا، ليس كلكم؛ يا للدهشة، فأكبر بيضة ما زالت هنا. ترى ~~حتى متى سيستمر هذا الأمر؛ فقد كدت بحق أسأم منه.» لكنها جلست مرة ~~أخرى رغم ذلك. # صاحت بطة عجوز جاءت لزيارتها: «حسنا، كيف حالك اليوم؟» # قالت الأم الحانية، التي كانت راقدة بلا حراك على عشها: «إحدى ~~البيضات تستغرق وقتا طويلا لتفقس. فقشرتها صلبة ولا تنشرخ. لكن ~~انظري للآخرين. أليس لدي أسرة جميلة؟ أليست أجمل فراخ بط صغار رأيتها ~~على الإطلاق؟ إنهم يشبهون أباهم؛ عديم النفع! فهو لا يأتي ليراني ~~قط.» # قالت البطة العجوز: «دعيني أر البيضة التي لم تفقس. إنني متأكدة ~~أنها بيضة دجاج حبشي. فقد حدث لي نفس الشيء ذات مرة، ويا للمشاكل التي ~~سببها لي، فالصغار يخافون من الماء. أخذت أصيح وأنق لكن دون جدوى. ~~دعيني ألق عليها نظرة. نعم، إنني على صواب؛ أقسم إنها بيضة دجاج ~~حبشي؛ فلتعملي بنصيحتي ولتتركيها في مكانها. اذهبي إلى المياه وعلمي ~~الصغار الآخرين السباحة.» # قالت الأم: «أعتقد أنني سأمكث لبعض الوقت. فقد رقدت كثيرا، ولن يفرق ~~يوم أو يومان.» # قالت البطة العجوز وهي تنهض: «حسنا جدا، كما تريدين.» ثم ~~رحلت. ~~••• # أخيرا فقست البيضة الكبيرة، وصاح الطائر الأخير: «بيب، بيب»، وهو ~~يزحف خارجا من البيضة. كم كان كبيرا وقبيحا! أخذت البطة الأم تحدق ~~فيه وهي لا تدري فيم تفكر. ثم قالت: «هذا فرخ بط ضخم حقا، ولا ~~يشبه أيا من الآخرين مطلقا. ترى هل سيصير دجاجا حبشيا. حسنا، ~~سنرى حين نذهب إلى المياه؛ فلا بد أن ينزل المياه، حتى إن كنت سأضطر ~~إلى دفعه إليها بنفسي.» # في اليوم التالي كان الجو لطيفا. وأشرقت الشمس ساطعة على أوراق ~~الأرقطيون الخضراء، فأخذت البطة الأم أسرتها كلها إلى البركة وقفزت ~~فيها فتناثرت المياه. وصاحت: «كاك، كاك!» فقفز البط الصغير واحدا تلو ~~الآخر. غطست رءوسهم تحت المياه، لكنهم ms017 أخرجوها مرة أخرى في الحال ~~وعاموا بشكل بديع للغاية، وأرجلهم تجدف تحتهم بمنتهى اليسر؛ فقد كانت ~~أرجلهم تتحرك من تلقاء نفسها؛ وكان الفرخ القبيح ذو الريش الرمادي في ~~الماء أيضا، يسبح معهم. # قالت الأم: «أوه، إنه ليس دجاجا حبشيا. انظروا كيف يستخدم رجليه ~~جيدا، وكيف يشد عوده! إنه صغيري، وليس قبيحا جدا على كل حال، إن ~~نظرتم إليه بالطريقة الصحيحة. كاك، كاك! تعالوا معي الآن. سوف آخذكم ~~لمجتمع الكبار وأعرفكم على المزرعة، لكن لا بد أن تظلوا قريبين مني ~~وإلا داستكم الأقدام؛ واحترسوا من القط بشكل خاص.» # حين بلغوا فناء المزرعة، كان هناك أعمال شغب مؤسفة؛ إذ كانت ~~عائلتان تتعاركان على رأس سمكة أنقليس، والتي خطفها القط في النهاية. ~~قالت البطة الأم وهي تحك منقارها؛ فهي نفسها كانت ترغب في رأس ~~الأنقليس: «انظروا يا أطفال، هذا هو حال الحياة. هيا الآن، فلتعتمدوا ~~على أرجلكم، ودعوني أر كيف تحسنون التصرف. لا بد أن تحنوا رءوسكم ~~بلطف لتلك البطة العجوز هناك؛ فهي الأرفع نسبا بينهم جميعا ولديها ~~عرق إسباني؛ ولذلك هي موسرة الحال. ألا ترون قطعة القماش الحمراء ~~الملفوفة حول ساقها؟ إنها علامة على منزلة كبرى وشرف كبير بين البط؛ ~~إنها دليل على أن على الجميع الحرص على الانتباه لها، وأنه على كل ~~من الإنسان والحيوان احترامها. هيا الآن، لا تقبضوا أصابعكم؛ البط ~~الصغير المهذب يقف مباعدا بين قدميه، تماما مثل أبيه وأمه، بهذه ~~الطريقة؛ والآن أحنوا رقابكم وقولوا: «كاك»!» # فعل البط الصغير ما أمروا به، لكن البط الآخر ظلوا يحدقون، ~~وقالوا: «انظروا، ها هي فراخ أخرى؛ كأن المكان لم يضق بنا بالفعل! ~~ويا للهول، يا له من كائن غريب الشكل الذي بينهم؛ إننا لا نريده هنا!» ~~ثم طار أحدهم وعضه في رقبته. # قالت الأم: «دعه وشأنه؛ إنه لا يسبب أي أذى.» # قال ذكر البط الشرير: «نعم، لكنه كبير وقبيح جدا. إنه مخيف للغاية. ~~ولذلك لا بد من طرده. القليل من العض سيفي بالغرض.» # قالت البطة العجوز ذات القماشة الملفوفة حول ساقها ms018 : «الصغار الآخرون ~~شكلهم جميل جدا، كلهم ما عدا ذلك. أتمنى أن تستطيع أمه أن تلطف من ~~شكله بعض الشيء؛ فهو دميم حقا.» # أجابت الأم: «هذا مستحيل يا صاحبة السمو. إنه ليس حسن الشكل، لكنه ~~حسن الطباع للغاية ويسبح مثل الآخرين بل أفضل منهم. أعتقد أنه سيصير ~~جميلا حين يكبر، وربما أصغر حجما. لقد مكث طويلا جدا في البيضة؛ ~~ولهذا لم يتكون شكله على النحو الصحيح.» ثم ربتت على رقبته ومسدت ~~ريشه، وهي تقول: «إنه ذكر؛ لذا ليس لشكله أهمية كبيرة. أعتقد أنه سيكون ~~قويا حين يكبر وقادرا على العناية بنفسه.» # قالت البطة العجوز: «البط الصغير الآخر جميل بالقدر الكافي. والآن ~~فلتتصرفوا كأنكم في منزلكم، وإن عثرتم على رأس أنقليس فلتأتوني ~~به.» # وهكذا مضوا مطمئنين؛ لكن فرخ البط المسكين الذي كان آخر من خرج من ~~بيضته بعد الجميع وكان يبدو قبيحا جدا، عضته وزجرته وسخرت منه كل ~~الطيور الداجنة، وليس البط فقط. # قال الجميع: «إنه كبير جدا»؛ أما الديك الرومي، الذي ولد بشويكات ~~في رجليه وكان يتخيل نفسه إمبراطورا بحق، فقد انتفخ مثل سفينة ~~ناشرة كل أشرعتها وهاجم فرخ البط. كان رأسه قد احمر غضبا تماما، ~~حتى إن الصغير المسكين لم يعلم أين يذهب، وكان بائسا جدا؛ لأنه كان ~~قبيحا لدرجة أن كل من في فناء المزرعة سخر منه. # وتوالت الأيام، وساء الحال أكثر فأكثر. كان الجميع ينبذ الفرخ ~~الدميم؛ حتى أشقاؤه وشقيقاته كانوا قاسين معه ويقولون له: «أوه، يا لك ~~من مخلوق دميم، ليت القط يمسك بك!» وحتى أمه سمعت وهي تقول إنها ~~تتمنى لو أنه لم يولد قط. وكان البط ينقره، والدجاج يضربه، والفتاة ~~التي تطعم الطيور الداجنة كانت تدفعه بقدميها. لذلك هرب في النهاية، ~~فأخاف الطيور الصغيرة التي عند سياج الأشجار وهو يطير فوق الأوتاد. ~~وقال: «إنهم خائفون لأنني قبيح جدا.» لذلك ظل يطير مبتعدا، حتى وصل ~~إلى مستنقع كبير يسكنه بط بري. وهناك مكث الليلة بطولها، وهو يشعر ~~بأسى شديد. # في الصباح، حين ارتفع البط البري في ms019 السماء، راحوا يحدقون في رفيقهم ~~الجديد. ثم قالوا جميعا، وهم يلتفون حوله: «من أي أنواع البط ~~أنت؟» # فانحنى لهم وكان لطيفا معهم قدر استطاعته، ولكنه لم يجب عن ~~سؤالهم. قال البط البري: «إنك قبيح للغاية، لكن هذا لا يهم ما دمت لن ~~تتزوج واحدة من أسرتنا.» # يا للمسكين! فهو لم يكن يفكر في الزواج؛ إنما كل ما أراده السماح ~~بالجلوس بين نباتات الأسل والشرب من ماء المستنقع. وبعد أن مر عليه ~~يومان في المستنقع، جاء اثنان من الإوز البري، أو بالأحرى أفراخ ~~الإوز، فلم يكونا قد خرجا من البيضة منذ وقت طويل، وهذا مما يفسر ~~وقاحتهما. قال أحدهما لفرخ البط: «اسمع يا صديقي، إنك قبيح جدا حتى ~~إننا أحببناك للغاية. هلا أتيت معنا وصرت من الطيور المهاجرة؟ يوجد ~~مستنقع آخر على مقربة من هنا، يوجد فيه بعض الإوز البري، كلهم غير ~~متزوجين. إنها فرصة لك لتحصل على زوجة. فقد يحالفك الحظ رغم ~~قبحك.» # ثم دوى في الهواء صوت «طاخ، طاخ»، وسقط ذكرا الإوز البري صريعين ~~بين نباتات الأسل، وتلونت المياه بلون الدم. تردد الصوت «طاخ طاخ» في ~~جميع الأرجاء، وقامت أسراب بأسرها من الإوز البري من بين ~~النباتات. # ظل الصوت يأتي من كل اتجاه، فقد أحاط الصيادون بالمستنقع، حتى إن ~~بعضهم جلسوا على فروع الأشجار، المطلة على نباتات الأسل. ارتفع دخان ~~البنادق الأزرق مثل السحب فوق الأشجار الداكنة، وبينما هو يطفو بعيدا ~~فوق المياه، قفز عدد من كلاب الصيد بين النباتات، التي انثنت تحتها ~~أينما ذهبت. كم أرعبت فرخ البط المسكين! فقد أدار رأسه ليخبئه أسفل ~~جناحه، وفي نفس اللحظة مر كلب ضخم مريع قريبا جدا منه. كان فكاه ~~منفرجين، ولسانه متدليا من فمه، وعيناه تلمعان لمعانا مخيفا. وقد ~~دس أنفه مقتربا من فرخ البط، كاشفا عن أسنانه الحادة، ثم دخل في ~~الماء، محدثا رذاذا كبيرا، دون أن يمسه. # تنهد فرخ البط وقال: «أوه، كم أنا ممتن لقبحي الشديد؛ فحتى الكلاب ~~تأبى أن تعضني!» # هكذا جلس في سكون تام، والطلقات ms020 تخترق النباتات، وبندقية تلو الأخرى ~~تطلق الرصاص فوقه. ولم تهدأ الأجواء قبل ساعة متأخرة من اليوم، لكن ~~حتى آنذاك لم يجرؤ الصغير المسكين على الحركة. إذ انتظر ساعات في صمت، ~~ثم نظر حوله بحذر قبل أن يفر مسرعا من المستنقع بأقصى ما استطاع من ~~سرعة. جرى عابرا حقلا ومرجا حتى قامت عاصفة، استطاع أن يسير خلالها ~~بمشقة شديدة. # مع اقتراب المساء وصل إلى كوخ صغير رديء بدا على وشك الانهيار، وبدا ~~أنه لم يبق قائما إلا لأنه لم يستطع أن يقرر الجانب الذي سيسقط عليه ~~أولا. ظلت العاصفة تهب عاتية حتى إن فرخ البط لم يقو على التقدم أكثر ~~من ذلك. جلس قريبا من الكوخ، ثم لاحظ أن الباب لم يكن مغلقا تماما؛ ~~لأن إحدى مفصلاته قد انخلعت. لذلك كان ثمة فتحة ضيقة قرب أسفل الباب ~~تكفي ليتسلل منها، وهو ما فعله في هدوء شديد، وهكذا حصل على مأوى من ~~أجل المبيت. كان يعيش في هذا الكوخ امرأة وقط ودجاجة. القط الذي كانت ~~تناديه سيدته: «ولدي الصغير»، كان له حظوة كبيرة لديها؛ فقد كان يستطيع ~~أن يقوس ظهره، ويخرخر، بل كان يستطيع حتى أن يطلق شررا من فرائه ~~إن ربت عليه بطريقة خاطئة. أما الدجاجة فقد كان لديها ساقان قصيرتان ~~جدا، لذا كانت تدعى «تشيكي القصيرة». وكانت تضع بيضا جيدا، وكانت ~~سيدتها تحبها كأنها طفلتها. في الصباح اكتشفوا الزائر الغريب؛ فأخذ ~~القط يخرخر والدجاجة تقوق. # قالت السيدة العجوز وهي تجول بنظرها في أنحاء الحجرة: «لماذا هذه ~~الضجة؟» إلا أن نظرها لم يكن قويا؛ لذلك حين رأت فرخ البط اعتقدت أنه ~~لا بد أن يكون بطة سمينة ضلت الطريق. هتفت قائلة: «أوه، يا لها من ~~غنيمة! أرجو ألا يكون ذكرا، فساعتها سأحصل على بعض بيض البط. لا بد أن ~~أتريث.» # هكذا سمح لفرخ البط بالبقاء ثلاثة أسابيع على سبيل التجربة؛ لكن لم ~~يكن هناك بيض. # كان القط هو سيد المنزل، وكانت الدجاجة هي سيدته؛ وكانا دائما ~~يقولان: «نحن والعالم»، إذ كانا ms021 يعتقدان أنهما نصف العالم، بل إلى حد ~~كبير نصفه الأفضل كذلك. وكان فرخ البط يعتقد أنه من الممكن أن يكون ~~للآخرين رأي مختلف حول الأمر، لكن الدجاجة لم تكن تلقي بالا لمثل ~~تلك الشكوك. # سألته الدجاجة: «هل تستطيع أن تبيض؟» فأجابها قائلا: «لا.» فقالت: ~~«فلتتحل بالصمت إذن.» وسأله القط: «هل تستطيع أن تقوس ظهرك أو ~~تخرخر أو تطلق شررا؟» فقال: «لا.» قال القط: «إذن ليس من حقك أن ~~تعبر عن رأيك حين يتحدث أشخاص حكماء.» هكذا جلس فرخ البط في ركن، ~~شاعرا بحزن شديد؛ لكن حين دخل ضوء الشمس والهواء المنعش الحجرة من ~~الباب المفتوح، بدأ يراوده شوق شديد للسباحة، فلم يستطع ~~كتمانه. # قالت الدجاجة: «يا لها من فكرة سخيفة! ليس لديك شيء آخر لتفعله؛ لذلك ~~لديك خيالات حمقاء. لو كنت تستطيع الخرخرة أو وضع البيض، لكانت ~~ستزول.» # قال فرخ البط: «لكن السباحة في الماء ممتعة جدا، ومن المنعش جدا ~~أن تشعر بالماء وهي تغمرك وأنت تغوص إلى الأعماق.» # قالت الدجاجة: «ممتعة حقا! لا بد أنها نوع غريب من المتعة. ويحي، ~~لا بد أنك مجنون! فلتسأل القط؛ فهو أمهر الحيوانات التي عرفتها؛ اسأله ~~إن كان يود السباحة في الماء، أو الغوص فيها؛ فأنا لن أتحدث عن رأيي ~~الخاص. فلتسأل سيدتنا، السيدة العجوز؛ فليس هناك في العالم من هو أذكى ~~منها. هل تعتقد أنها قد تستمتع بالسباحة والسماح للماء بأن يغمر ~~رأسها؟» # قال فرخ البط: «أعتقد أنكم لا تفهمونني.» ~~«لا نفهمك؟ ترى من يستطيع أن يفهمك؟ هل تعتقد أنك أذكى من القط أو ~~السيدة العجوز، ناهيك عني أنا؟ لا تتخيل مثل تلك الترهات أيها ~~الصغير، واشكر حسن حظك على ما لاقيته من حسن استقبال هنا. ألست في مكان ~~دافئ وصحبة يمكنك أن تتعلم منها شيئا؟ إلا أنك ثرثار، وصحبتك ليست ~~بالمقبولة. صدقني؛ فأنا لا أتكلم إلا من أجل مصلحتك. قد يكون فيما ~~أخبرك به حقائق قاسية، لكن ذلك دليل على صداقتي. لذلك أنصحك بأن تبيض ~~وتتعلم أن تخرخر بأسرع ما يمكن ms022 .» # قال فرخ البط: «أعتقد أنني لا بد أن أخرج إلى العالم مجددا.» # قالت الدجاجة: «أجل، فلتفعل.» هكذا ترك فرخ البط الكوخ وسرعان ما وجد ~~ماء أمكنه السباحة والغوص فيه، إلا أن كل الحيوانات الأخرى تحاشته ~~بسبب منظره الدميم. # وجاء الخريف، وتلونت أوراق الأشجار في الغابة باللونين البرتقالي ~~والذهبي؛ وحين أقبل الشتاء، التقطتها الرياح حين سقطت ودارت بها في ~~الهواء البارد. وانخفض السحاب في السماء، مثقلا بالبرد وندف الثلج، ~~ووقف الغراب بين عيدان الخيزران، ينعق: «كروك، كروك.» إن النظر إليه ~~كفيل أن يجعل الجسد يرتجف بردا. أصاب كل هذا فرخ البط الصغير المسكين ~~بغم شديد. # ذات مساء، بينما كانت الشمس تغرب بين السحب الوضيئة، خرج سرب كبير ~~من الطيور الجميلة من بين الشجيرات. لم يكن فرخ البط قد رأى مثيلا لها ~~من قبل. كانت بجعات؛ وكانت تلوي أعناقها الجميلة، بينما يلمع ريشها ~~الناعم بلون أبيض مبهر. كانت تردد صيحة فريدة وهي تمد أجنحتها البديعة ~~وتطير بعيدا عن هذه المناطق الباردة إلى بلاد أكثر دفئا وراء البحر. ~~بينما كانت ترتفع أكثر فأكثر في الهواء، اعترى فرخ البط الصغير القبيح ~~شعور غريب إذ يشاهدها. أخذ يدور في الماء مثل العجلة، واشرأب بعنقه ~~تجاهها، وأطلق صيحة غريبة جدا حتى إنها أفزعته هو شخصيا. هل يمكنه ~~أن ينسى أبدا تلك الطيور الجميلة الهانئة؟! وحين غابت أخيرا عن نظره، ~~غاص تحت الماء وخرج مرة أخرى وهو في قمة الإثارة. لم يكن يعرف أسماء ~~هذه الطيور ولا إلى أين طارت، لكنه أحس تجاهها بمشاعر لم يحس بها ~~تجاه أي طيور أخرى في العالم. # إنه لم يشعر بالغيرة من هذه المخلوقات الجميلة؛ فلم يخطر له مطلقا ~~أن يتمنى لو كان جميلا مثلها. لقد كان هذا المخلوق الدميم المسكين ~~سيعيش راضيا حتى مع البط، لو كانوا فقط أحسنوا معاملته وشجعوه. # ازدادت برودة الشتاء أكثر فأكثر؛ وكان يضطر إلى السباحة في الماء ~~ليمنعه من التجمد، لكن في كل ليلة كانت المساحة التي يسبح فيها تضيق ~~أكثر فأكثر. في نهاية المطاف ms023 تجمد الماء بشدة حتى إن الجليد كان يطقطق ~~وهو يتحرك في الماء، وكان على فرخ البط أن يجدف بساقيه بقدر ما ~~يستطيع، ليمنع المساحة من التقلص. لكن حل به الإنهاك في النهاية، فرقد ~~بلا حراك عاجزا، وقد تجمد في مكانه في الجليد. # في الصباح الباكر رأى فلاح أثناء عبوره في الجوار ما جرى. فحطم ~~الجليد بحذائه الخشبي وحمل فرخ البط معه إلى المنزل لزوجته. أعاد ~~الدفء الحياة إلى المخلوق الصغير المسكين؛ لكن حين أراد الأطفال ~~اللعب معه، اعتقد فرخ البط أنهم سيمسونه بأذى، لذا هب مفزوعا، وطار ~~مصطدما بوعاء الحليب، فتناثر الحليب في أنحاء الغرفة. صفقت السيدة ~~بكفيها، مما أثار فزعه أكثر؛ فطار أولا إلى برميل الزبد، ثم وعاء ~~الطحين وخرج منه ثانية. يا للحالة التي كان فيها! راحت السيدة تصرخ ~~وتضربه بالمساكة؛ وأخذ الأطفال يضحكون ويصرخون ويتعثرون بعضهم ببعض في ~~محاولاتهم للإمساك به، لكنه هرب لحسن الحظ. فقد كان الباب مفتوحا؛ ~~واستطاع المخلوق المسكين بمشقة التسلل بين الشجيرات والاستلقاء في تعب ~~شديد على الثلج الذي سقط حديثا. # سيكون من المثير لبالغ الحزن أن أسرد كل البؤس وألوان الحرمان التي ~~عاناها فرخ البط الصغير المسكين خلال الشتاء القاسي؛ لكنه حين انتهى ~~وجد نفسه مستلقيا ذات صباح في مستنقع بين نباتات الأسل، حيث شعر بأشعة ~~الشمس الدافئة وسمع شدو القنبرة، ورأى مظاهر الربيع البهي تحيط به ~~من كل ناحية. # حينها، شعر الطائر الصغير أن جناحيه قويان، وهو يرفرف بهما ويرتفع ~~عاليا في الهواء. وظلا يحملانه متقدما حتى وجد نفسه في حديقة كبيرة ~~قبل حتى أن يدرك حقا كيف حدث هذا. كانت أشجار التفاح كاملة النضج، ~~فيما أنزلت أشجار البيلسان العطرة فروعها الخضراء الطويلة إلى الجدول، ~~الذي أحاط بمرج منبسط. بدا كل شيء خلابا في رونق أوائل الربيع. جاءت ~~ثلاث بجعات بيض جميلات من أجمة قريبة، يسمع لريشها حفيف بينما تعوم ~~في خفة في المياه الرائقة. رأى فرخ البط هذه الطيور الجميلة فانتابه ~~حزن غريب أكثر من أي وقت مضى. # صاح فرخ ms024 البط: «سوف أطير إلى هذه الطيور العظيمة، وسوف تفتك بي ~~لتجرئي على الاقتراب منها رغم قبحي. لكن هذا لا يهم؛ فمن الأفضل أن ~~أقتل بأيديها عن أن ينقرني البط، أو يضربني الدجاج، أو تدفعني بقدميها ~~الفتاة التي تطعم الدواجن، أو أتضور جوعا في الشتاء.» # ثم طار إلى الماء وسبح متجها إلى البجعات البديعات، التي ما أن ~~لمحت الطائر الغريب حتى أسرعت لملاقاته بأجنحة ممدودة. # قال الطائر المسكين: «فلتقتلوني»، ثم أحنى رأسه لسطح الماء وانتظر ~~الموت. # لكن ما الذي رآه في صفحة الماء الصافي تحته؟ رأى صورته. لم يعد ~~طائرا رماديا داكنا، قبيحا وكريه المنظر، وإنما ذكر بجع رشيق ~~وجميل. # ليست هناك مشكلة في أن يولد الطائر في عش بط في فناء مزرعة ما دام ~~خرج من بيضة بجعة. الآن شعر بسعادة لما عاناه من حزن ومتاعب؛ لأنه منحه ~~القدرة على أن يستمتع أكثر بكل البهجة والسعادة التي حوله؛ فقد راحت ~~البجعات الكبيرات يسبحن حول الوافد الجديد وتربت على عنقه بمناقيرها، ~~على سبيل الترحيب. # بعد قليل جاء إلى الحديقة بعض الأطفال الصغار، وألقوا بخبز وكعك في ~~الماء. # صاح أصغرهم: «انظروا، يوجد طائر جديد.» وكان الباقون مسرورين، ~~وجروا إلى أبيهم وأمهم، وهم يرقصون ويصفقون ويصيحون في مرح: «هناك ~~بجعة أخرى جاءت؛ لقد جاء طائر جديد.» # ثم ألقوا بمزيد من الخبز والكعك في الماء وقالوا: «الطائر الجديد هو ~~أجملهم جميعا؛ إنه صغير ومليح للغاية.» وأحنت البجعات الكبيرة رءوسها ~~له. # حينها، شعر بخجل شديد وأخفى رأسه أسفل جناحه، إذ لم يدر ماذا يفعل؛ ~~فقد كان سعيدا للغاية، إلا أنه لم يشعر بالزهو على الإطلاق. كان قد ~~تعرض للاضطهاد والاحتقار لقبحه، والآن سمعهم يقولون إنه الأجمل بين كل ~~الطيور. حتى شجرة البيلسان انحنت بفروعها في الماء أمامه، وسطعت الشمس ~~دافئة ومتوهجة. ثم نفض ريشه، وقوس عنقه الرفيع، وصاح فرحا، من أعماق ~~قلبه: «لم أحلم قط بمثل هذه السعادة حين كنت فرخ البط القبيح ~~المذموم.» # | زهور آيدا الصغيرة # قالت آيدا الصغيرة: «زهوري المسكينة ذابلة تماما! أمس ms025 مساء كانت ~~جميلة للغاية، والآن كل أوراقها صارت مرتخية.» ثم سألت الطالب الذي كان ~~جالسا على الأريكة: «لماذا تبدو هكذا؟» كان الطالب محببا جدا ~~لديها؛ لأنه اعتاد أن يقص عليها أجمل القصص ويصنع لها من الورق أشكالا ~~غاية في الروعة؛ قلوب بداخلها سيدات صغيرات يرقصن، وقلاع مرتفعة بأبواب ~~يمكن فتحها وغلقها. لقد كان طالبا مرحا. سألته مجددا وهي تريه ~~باقة من الزهور الذابلة: «لماذا تبدو حالة الزهور مزرية هكذا ~~اليوم؟» # أجابها الطالب: «ألا تعلمين؟ لقد ذهبت الزهور إلى حفل راقص ليلة أمس؛ ~~لذا فهي متعبة. ولذلك تدلي رءوسها.» # صاحت الفتاة: «لا يمكن؛ فالزهور لا تستطيع الرقص!» ~~«بل تستطيع الرقص بالطبع! حين يحل الظلام، ونذهب جميعا إلى الفراش، ~~تظل تقفز في فرحة عارمة. إنها تقيم حفلا راقصا كل ليلة ~~تقريبا.» # سألته آيدا: «وهل يستطيع أطفالها الذهاب إلى الحفل الراقص ~~أيضا؟» # أجابها الطالب: «أوه، بالتأكيد، زهور الأقحوان والزنابق الخاصة ~~بالوادي الصغيرة جدا.» ~~«ومتى ترقص أجمل الزهور؟» ~~«ألم تذهبي إلى الحديقة الكبيرة الواقعة خارج بوابة البلدة، أمام ~~القلعة التي يقيم فيها الملك في الصيف؛ الحديقة المليئة بزهور جميلة؟ ~~لا بد أنك تتذكرين البجع الذي يأتي سابحا حين تعطينه فتات الخبز؟ ~~صدقيني، لديهم هناك حفلات رقص رائعة.» # قالت آيدا: «لقد كنت هناك للتو أمس مع أمي، لكن لم يكن هناك أوراق ~~على الأشجار، ولم أر زهرة واحدة. فما الذي حدث لها؟ كان هناك الكثير ~~جدا منها في الصيف.» # أجابها الطالب: «إنها داخل القصر الآن. بمجرد أن يعود الملك وكل ~~حاشيته للبلدة، تسارع الزهور بمغادرة الحديقة وتدخل القصر، حيث تنعم ~~بأوقات رائعة. يا ليتك تستطيعين مشاهدتها! إذ تجلس أجمل زهرتين على ~~كرسي العرش، وتتصرفان كأنهما الملك والملكة. وتصطف أمامهما كل زهور ~~عرف الديك الطويلة الحمراء على الجانبين وتنحني لهما؛ فهم خدم البلاط. ~~ثم تأتي كل الزهور الجميلة، ويقام حفل راقص كبير. تقوم أزهار البنفسج ~~الزرقاء بدور طلبة البحرية؛ ويرقصون مع زهور الخزامى والزعفران، التي ~~تؤدي دور السيدات الشابات. أما زهور التوليب والزنابق ذات البتلات ~~البرتقالية ms026 المنقطة الطويلة، فهي السيدات الكبار - النبيلات - اللواتي ~~يتأكدن من أداء الرقص بشكل صحيح وأن كل الأشياء يجري كما ~~ينبغي.» # تساءلت آيدا الصغيرة: «لكن ألا يوجد من يعاقب الزهور على التجاسر ~~على الرقص في قلعة الملك؟» # أجابها الطالب: «لا أحد يدري أي شيء عن الأمر. ربما يدخل المسئول ~~العجوز عن القلعة مرة واحدة بسلسلة مفاتيحه الكبيرة أثناء الليل ليرى ~~إن كان كل شيء على ما يرام؛ لكن بمجرد أن تسمع الزهور جلجلة المفاتيح ~~تقف دون حراك أو تختبئ خلف الستائر الحريرية الطويلة التي تغطي ~~النوافذ. وحينئذ يقول الرجل العجوز: «إنني أشم رائحة زهور هنا، أليس ~~كذلك؟» لكنه لا يستطيع رؤيتها.» # صاحت آيدا الصغيرة وهي تصفق في فرح: «كم هذا طريف! لكن ألن يمكنني ~~أن أرى الزهور؟» # أجابها الطالب: «بالطبع يمكنك أن تريها. فقط لا تنسي اختلاس النظر ~~من وراء النوافذ في المرة القادمة حين تذهبين إلى القصر. لقد فعلت ذلك ~~هذا اليوم تحديدا، ورأيت زنبقة صفراء طويلة مستلقية على الأريكة. ~~كانت من سيدات البلاط.» ~~«هل تذهب الزهور التي في الحديقة النباتية إلى الحفل الراقص؟ هل ~~تستطيع أن تقطع كل تلك المسافة الطويلة؟» # قال الطالب: «بالتأكيد؛ فالزهور تستطيع الطيران متى أرادت. ألم تري ~~الفراشات الحمراء والصفراء الجميلة التي تشبه الزهور كثيرا؟ إنها ~~ليست في الواقع سوى زهور. لقد طارت من فوق سيقانها عاليا في الهواء، ~~ورفرفت ببتلاتها الصغيرة كأنها أجنحة، وبهذا استطاعت التحليق. إنها ~~تكافأ على حسن سلوكها الدائم بالسماح لها بالطيران أثناء النهار ~~أيضا، بدلا من الجلوس بلا حركة على سيقانها في مكانها، حتى صارت ~~بتلاتها أجنحة حقيقية. وقد رأيت هذا بنفسك. # لكن من المحتمل ألا تكون الزهور التي في الحديقة النباتية قد ذهبت ~~إلى قلعة الملك قط. ربما لم تسمع بأشكال اللهو التي تقام هناك كل ~~ليلة. لكن لدي فكرة؛ حين تذهبين المرة القادمة إلى هذه الحديقة، ~~فلتهمسي إلى واحدة من الزهور بأنه يقام حفل راقص كبير هناك في القلعة، ~~وسينتشر الخبر من زهرة إلى أخرى، وستطير كلها إلى هناك ms027 . بعد ذلك حين ~~يأتي البروفيسور إلى حديقته لن يكون هناك أي زهور؛ ولن يستطيع أن يتخيل ~~ما قد حدث لها.» ~~«لكن كيف يمكن أن تخبر زهرة زهرة أخرى بالأمر؟ إنني متأكدة أن ~~الزهور لا تستطيع الكلام.» # رد الطالب: «صحيح؛ أنت على حق في هذا. إنها لا تستطيع الكلام، لكنها ~~تستطيع القيام بإشارات. هل لاحظت من قبل أنه حين تهب الرياح قليلا ~~تومئ الزهور بعضها لبعض، وتحرك كل أوراقها الخضراء؟ إنها تستطيع أن ~~تفهم بعضها بهذه الطريقة تماما كما نفعل نحن بالحديث.» # سألته آيدا: «وهل يفهم البروفيسور إيماءاتها الصامتة؟» ~~«أوه، بالطبع؛ جزء منها على الأقل؛ فقد جاء إلى الحديقة ذات صباح، ~~ورأى نبات قراص كبير يومئ بإشارات بأوراقه لزهرة قرنفل حمراء جميلة. ~~كان يقول لها: «إنك جميلة جدا، وإنني أحبك من كل قلبي!» لكن لم ~~يرق ذلك التصرف للبروفيسور، فضرب القراص على أوراقه، التي هي بمنزلة ~~أصابعه؛ لكنه وخزه، ومنذ ذلك الوقت لم يجرؤ قط على لمس أي نبات ~~قراص.» # ضحكت آيدا الصغيرة وقالت: «تلك حكاية مضحكة جدا.» # قال محام شاب مثير للضجر، كان قد أتى للزيارة: «كيف يمكن لأحد أن ~~يضع مثل هذه الأشياء في رأس طفلة؟» لم يكن المحامي يحب الطالب وكان ~~دائما يوبخه حين يراه وهو يقص أشكالا غريبة من ورق الكرتون، مثل ~~رجل معلق في مشنقة ويحمل قلبا في يده للدلالة على أنه كان لص ~~قلوب، أو ساحرة عجوز راكبة عصا مكنسة وتحمل زوجها على طرف أنفها. لم ~~يكن المحامي يتقبل تلك الطرفات، وكان دائما يقول، كما قال الآن: «كيف ~~يمكن لأي شخص أن يضع مثل تلك الأفكار في رأس طفلة؟ هذه مجرد تخيلات ~~حمقاء.» # أما آيدا الصغيرة فكان كل ما أخبرها به الطالب مسليا جدا، وظلت ~~تفكر فيه مرارا وتكرارا. لقد صارت الآن على يقين أن زهورها التي ~~كانت جميلة أمس تدلت رءوسها لأنها متعبة، وأن التعب الذي اعتراها سببه ~~أنها ذهبت إلى الحفل الراقص. لذلك أخذتها إلى المنضدة التي وضعت ~~عليها لعبها. كانت دميتها نائمة ms028 ، لكن آيدا قالت لها: «لا بد أن ~~تنهضي، وحسبك الليلة أن تنامي في درج المنضدة؛ فالزهور المسكينة ~~مريضة، ولا بد أن تنام في فراشك؛ وربما تكون على ما يرام مرة أخرى ~~غدا.» # وفي الحال أخرجت الدمية، رغم أن الدمية بدت متكدرة من التنازل عن ~~مهدها للزهور. # وضعت آيدا الزهور في فراش الدمية وشدت عليها الغطاء تماما، وهي ~~تطلب منها الاستلقاء دون حراك بينما تعد لها بعض الشاي لتحتسيه، ~~عسى أن تصير على ما يرام في اليوم التالي. وشدت الستائر التي تحيط ~~بالفراش، حتى لا تسطع الشمس في أعينها. # لم تفكر في شيء طوال المساء سوى ما أخبرها به الطالب؛ وحين ذهبت إلى ~~الفراش هي نفسها، جرت إلى النافذة التي وضعت عندها زهور أمها من ~~التوليب والخزامى. وهمست لها: «أعلم جيدا أنكم ستذهبون إلى حفل راقص ~~الليلة.» تظاهرت الزهور بأنها لم تفهم ولم تهتز لها ورقة، لكن هذا ~~لم يغير شيئا مما تعرفه آيدا. # حين اضطجعت آيدا في الفراش ظلت مدة طويلة تفكر كم سيكون من المبهج ~~حتما أن ترى الزهور وهي ترقص في قلعة الملك، وتساءلت في نفسها: «ترى ~~هل ذهبت زهوري هناك حقا؟» ثم غشيها النوم. ~~••• # وفي الليل استيقظت من النوم؛ فقد رأت في الحلم الطالب والزهور ~~والمحامي الذين أخبروها أنهم كانوا يمزحون معها. كان كل شيء ساكنا في ~~الحجرة، والمصباح الليلي كان منيرا على الطاولة، وأبوها وأمها ~~نائمين. # تساءلت آيدا في نفسها: «ترى هل ما زالت زهوري في فراش صوفي؟ كم أود ~~أن أعرف!» ثم نهضت قليلا ونظرت صوب الباب، الذي كان نصف مفتوح، ~~وبالداخل كانت الزهور وكل ألعابها. تسمعت، فبدا لها أنها سمعت أحدا ~~يعزف على البيانو، لكنه عزف غاية في الرقة، وأكثر عذوبة من أي شيء ~~سمعته من قبل. # قالت في نفسها: «لا بد أن كل الزهور ترقص الآن. أوه، كم أتوق إلى ~~رؤيتها!» لكنها لم تجرؤ على النهوض خوفا من أن توقظ أباها ~~وأمها. «ليتها تدخل إلى هنا!» لكن الزهور لم تدخل، وظل صوت الموسيقى ms029 ~~يتردد بعذوبة شديدة حتى إنها لم تستطع أن تمنع نفسها أكثر من ذلك، ~~وتسللت من فراشها الصغير، ومشت خلسة إلى الباب، واختلست النظر إلى ~~الحجرة. أوه، كم كان المنظر جميلا! # لم يكن في الغرفة مصباح ليلي، لكن كان الضوء فيها ساطعا؛ إذ تسلل ~~ضوء القمر من خلال النوافذ إلى أرض الحجرة، فبدت كأنها في ضوء النهار. ~~كانت زهور الخزامى والتوليب واقفة في صفين. ولم يتبق واحدة ~~على النافذة حيث كانت أصص الزهور خالية. كانت الزهور ترقص على الأرض ~~برشاقة، مؤدية كل الحركات، تمسك كل منها الأخرى بأوراقها الخضراء ~~الطويلة وهي تدور في أرجاء الحجرة. وعلى البيانو جلست زنبقة صفراء ~~كبيرة، تذكرت آيدا أنها كانت قد رأتها في الصيف، وتذكرت أن الطالب كان ~~قد قال عنها: «كم تشبه الآنسة لورا!» وكم ضحك الجميع على هذه الملاحظة! ~~أما الآن فهي تعتقد فعلا أن الزنبقة تشبه السيدة الشابة للغاية؛ ~~فهي لها نفس الأسلوب في العزف، بالتمايل بوجهها الأصفر الطويل من جانب ~~إلى آخر، وهز رأسها تماشيا مع إيقاع الموسيقى الجميلة. # تقدمت زهرة زعفران زرقاء طويلة، وقفزت إلى المنضدة التي وضعت ~~عليها لعب آيدا، واتجهت مباشرة إلى مهد الدمية وأزاحت الستائر. ~~كانت الزهور المريضة مستلقية هناك؛ لكنها نهضت في الحال، وحيت ~~الزهور الأخرى، وقامت بإشارة تعني أنها تود المشاركة في الرقص. ولم ~~تبد مريضة على الإطلاق آنذاك. # وفجأة سمع ضجيج عال، كأن شيئا قد سقط من المنضدة. التفتت ~~آيدا تجاهها ووجدت أنها العصا التي كانت قد وجدتها في فراشها في ~~ثلاثاء المرفع، وبدا أنها تود الانضمام إلى الزهور. كانت جميلة؛ فقد ~~كان يعلوها تمثال شمع يشبه المحامي تماما. # راحت العصا ترقص، والتمثال الشمع الذي كان يعتليها صار طويلا ~~وضخما، مثل المحامي نفسه، وأخذ يصيح: «كيف يمكن لأحد أن يضع مثل ~~هذه الأشياء في رأس طفلة؟» كان المنظر طريفا جدا، ولم تستطع آيدا ~~الصغيرة أن تمنع نفسها من الضحك، فقد ظلت العصا ترقص، واضطر المحامي ~~أيضا للرقص، فلم يكن هناك مفر، سواء ظل طويلا وضخما ms030 أو صار ~~تمثال شمع صغيرا مرة أخرى. إلا أن الزهور الأخرى دافعت عنه، خاصة ~~تلك التي كانت راقدة في فراش الدمية، حتى تركته العصا لحاله ~~أخيرا. # في الوقت نفسه كان ثمة طرق مرتفع داخل الدرج الذي وضعت فيه صوفي، ~~دمية آيدا، مع لعب أخرى كثيرة. فقد أخرجت رأسها وسألت في اندهاش بالغ: ~~«هل يوجد حفل راقص هنا؟ لماذا لم يخبرني أحد به؟» وجلست على المنضدة، ~~منتظرة أن تطلب منها بعض الزهور الرقص معها؛ لكن حين لم تفعل، تركت ~~نفسها تسقط على الأرض لتحدث ضجيجا شديدا؛ فجاءت الزهور جميعا ~~متزاحمة لتسألها إن كانت أصيبت بأذى، وكانت في غاية التهذيب؛ خاصة ~~تلك التي كانت راقدة في فراشها. # لم يصبها أذى مطلقا، وشكرتها الزهور على استخدام فراشها الجميل ~~وأخذتها إلى وسط الحجرة، حيث سطع ضوء القمر، ورقصت معها، بينما أحاطتها ~~الزهور الأخرى بدائرة. حينذاك شعرت صوفي بسعادة، وقالت إن بإمكانها ~~الاحتفاظ بالفراش؛ فهي لا تمانع النوم في الدرج على الإطلاق. # لكن الزهور أجابتها: «نشكرك من كل قلبنا على كرمك، لكننا لن نحيا ~~طويلا لنحتاجه؛ فسوف نموت تماما بحلول الغد. فلتطلبي من آيدا الصغيرة ~~أن تدفننا بالخارج في الحديقة بالقرب من قبر عصفور الكناري؛ بعد ذلك ~~سنقوم مرة أخرى في الصيف التالي، بل سنكون أكثر بهاء مما كنا هذا ~~العام.» # قالت صوفي وهي تقبلها: «أوه، كلا، يجب ألا تموتن.» ثم جاءت مجموعة ~~كبيرة من الزهور ترقص بينهن. اعتقدت آيدا أنها لا بد أن تكون قد أتت من ~~حديقة الملك. كان في مقدمتها زهرتان جميلتان، ترتديان تاجين ذهبيين؛ ~~ثم تبعهما زهور المنثور والقرنفل التي انحنت لكل الموجودين. وكانت قد ~~أحضرت معها فرقة موسيقية. زهور الخزامى البرية وزهور الثلج الصغيرة ~~كانت تقرع أجراسا مبهجة. كانت فرقة موسيقية مميزة للغاية. جاء بعدها ~~عدد ضخم من الزهور، ترقص كلها - بنفسج وأقحوان وزنابق واد، وغيرها - وقد كانت كلها مبهجة للعين. # وفي النهاية تمنت كل الزهور السعيدة لبعضها ليلة هانئة. وآيدا ~~الصغيرة أيضا تسللت عائدة إلى فراشها، لتحلم بكل ما ms031 شاهدته. # وحين استيقظت في الصباح التالي ذهبت في الحال إلى منضدتها الصغيرة ~~لترى إن كانت زهورها هناك. أزاحت الستائر عن فراشها الصغير؛ وكانت ~~الزهور فيه فعلا، لكنها كانت اليوم أكثر ذبولا بكثير عن اليوم ~~السابق. صوفي أيضا كانت في الدرج، لكنها بدت ناعسة جدا. # سألتها آيدا: «هل تتذكرين ما عليك قوله لي؟» # لكن صوفي بدت ذاهلة تماما ولم تنطق ببنت شفة. # قالت آيدا: «لقد سمحت لك كل الزهور بالرقص معها مع أنك لست سمحة ~~مطلقا.» # ثم انتقت من بين لعبها صندوقا صغيرا من الكرتون مرسوما عليه ~~طيور، ووضعت فيه الزهور الميتة. # قالت: «سيكون هذا نعشك الجميل، وحين يأتي ابنا عمي لزيارتي قريبا، ~~سيساعداني في دفنك في الحديقة، حتى تنبتي مرة أخرى في الصيف القادم ~~وتصيري أكثر جمالا حتى عن الآن.» # ابنا العم كانا صبيين مرحين، اسمهما جوستاف وأدولف. كان أبوهما ~~قد أعطى كلا منهما قوسا جديدة، أحضراهما معهما ليرياهما آيدا. ~~أخبرتهما آيدا بأمر الزهور المسكينة التي ماتت وكان لا بد من دفنها في ~~الحديقة. فسار الولدان في المقدمة وقوساهما معلقتان على كتفيهما، ~~وتبعتهما آيدا الصغيرة، حاملة الزهور الميتة في نعشها الجميل. وحفر ~~لها قبر صغير في الحديقة. قبلت آيدا الزهور أولا ثم أنزلتها في ~~الأرض، وأطلق أدولف وجوستاف قوسيهما فوق القبر؛ إذ لم يكن معهما ~~مسدسات أو مدافع. # | الجندي الصفيح الصامد # كان هناك ذات يوم خمسة وعشرون جنديا من الصفيح. كانوا أشقاء؛ فقد ~~صنعوا جميعا من نفس الملعقة الصفيح القديمة. وكانوا كلهم يحملون ~~حرابهم على أكتافهم، ويقفون منتصبين، ويشخصون ببصرهم للأمام. كان ~~زيهم أنيقا جدا - أحمر في أزرق - وبديعا للغاية. أول شيء سمعوه، ~~حين أزيح الغطاء عن الصندوق الذي كانوا موضوعين فيه، كان كلمتي: ~~«جنود صفيح!» نطق هاتين الكلمتين صبي صغير، وهو يصفق من الفرح. ~~وكان قد أعطي الجنود؛ لأنه كان يوم عيد ميلاده، والآن، راح ~~يخرجهم ويضعهم على الطاولة. # كان كل منهم مثل الباقين تماما، عدا واحدا كان بساق واحدة. فقد ~~كان آخر من صب فيهم جميعا، ولم يكن ms032 هناك صفيح كاف لإتمامه؛ إلا ~~أنه كان يقف على ساقه الواحدة بنفس ثبات الآخرين على ساقين، وكان هو ~~من صار حظه مميزا جدا. # على المائدة التي رتب عليها الجنود الصفيح كان يوجد عدة لعب أخرى، ~~لكن اللعبة التي استحوذت على أكثر الانتباه كانت قلعة ورقية صغيرة ~~جميلة. كان من الممكن رؤية القاعة الرئيسية مباشرة من خلال نوافذها ~~الصغيرة. وكان يقف أمام القلعة أشجار صغيرة، تحيط بمرآة صغيرة يراد ~~بها أن تحاكي بحيرة صافية، يسبح على سطحها بجع من الشمع، وتعكس ~~أشكالها. # كل هذا كان بديعا جدا، لكن أجمل شيء كان السيدة الصغيرة الواقفة ~~على مدخل باب القلعة المفتوح. كانت هي أيضا مصنوعة من الورق، لكنها ~~كانت تلبس رداء من الشاش الأبيض الشفاف وتضع شريطا أزرق رفيعا فوق ~~كتفيها، كوشاح، تتوسطه وردة من الزينة اللامعة. كان ذراعا السيدة ~~ممدودين؛ فقد كانت راقصة، وإحدى ساقيها كانت مرفوعة عاليا جدا حتى ~~إن الجندي لم يرها مطلقا، واعتقد أنها كانت بساق واحدة، ~~مثله. # حدث الجندي نفسه قائلا: «تلك كانت ستصير الزوجة المناسبة تماما ~~لي، لو لم تكن رفيعة الشأن للغاية. لكنها تعيش في قلعة، وأنا أعيش في ~~صندوق، مع خمسة وعشرين آخرين فيه. لن يكون ذلك مكانا مناسبا لسيدة ~~نبيلة. لكن لا بد أن أحاول التعرف عليها.» تصادف وجود علبة نشوق على ~~المنضدة، فاستلقى تماما خلفها، ومن هناك استطاع أن يراقب بسهولة ~~السيدة الصغيرة الرقيقة، التي ظلت واقفة على ساق واحدة دون أن تفقد ~~توازنها. # حين حل المساء وضع كل الجنود الآخرين في صندوقهم، وذهب أهل ~~المنزل للفراش. حينها بدأ دور اللعب في اللهو؛ فتزاورت، وتشاجرت، ~~وأقامت حفلات راقصة. انتفض الجنود الصفيح في الصندوق؛ فقد أرادوا ~~الانضمام إلى الباقين، لكنهم لم يستطيعوا رفع الغطاء. راحت كسارات ~~البندق تتشقلب وقفز القلم الرصاص بطريقة مسلية للغاية. كان الهرج ~~شديدا حتى إن طائر الكناري استيقظ وبدأ يتكلم، ويلقي شعرا أيضا. ~~الوحيدان اللذان لم يبارحا مكانهما كانا الجندي الصفيح والسيدة ~~الراقصة. كانت هي واقفة على أطراف أصابع قدمها ms033 بذراعين ممدودتين، ~~وكان هو بنفس الصمود يقف على ساقه الوحيدة دون يحول ناظريه عنها ولو ~~مرة. # دقت الساعة الثانية عشرة، فرفع غطاء علبة النشوق، لكن لم يكن بها ~~نشوق، وإنما عفريت أسود صغير. فلم تكن علبة نشوق حقيقية، ولكن عفريت ~~علبة. # قال العفريت: «فلتغض بصرك أيها الجندي الصفيح. ولا تتطلع إلى ما ~~لا يخصك!» # لكن الجندي الصفيح تظاهر بأنه لم يسمعه. # قال العفريت: «فلتنتظر فقط حتى غد إذن.» # في صباح اليوم التالي، حين استيقظ الأطفال كان الجندي الصفيح موضوعا ~~على حافة النافذة، وسواء كان العفريت أو الريح هي من فعلت هذا، فقد ~~انفتحت النافذة فجأة، فسقط الجندي الصفيح برأسه من الدور الثالث إلى ~~الشارع بالأسفل. لقد كان سقوطا هائلا! فقد تشقلب في الهواء عدة مرات، ~~حتى هبط أخيرا، حيث استقر بقبعته وحربته بين بلاط الشارع، بينما وقفت ~~ساقه الواحدة منتصبة في الهواء. # نزلت الخادمة والصبي الصغير في الحال ليبحثا عنه، لكنهما لم يستطيعا ~~العثور عليه رغم أنهما كادا يطآنه. لو كان الجندي صاح «ها أنا ذا!» ~~ولو مرة واحدة، ربما كانا سمعاه بمنتهى السهولة، لكنه رأى أنه من غير ~~اللائق أن يصرخ طالبا النجدة وهو في الزي الرسمي. # بدأ المطر يتساقط الآن؛ تسارعت القطرات أكثر فأكثر حتى صار المطر ~~غزيرا؛ وحين توقف جاء صبيان متشردان. # قال أحدهما: «انظر، على الأرض جندي صفيح. لا بد أن يخرج ويبحر في ~~قارب.» # هكذا صنعا قاربا من جريدة قديمة ووضعا الجندي الصفيح في وسطه، فأبحر ~~بعيدا في مجرى التصريف، بينما أخذ الصبيان يركضان بجواره، وهما ~~يصفقان. # يا للهول! كم هزت الأمواج القارب الورقي، وكم جرت المياه سريعا! ~~أصيب الجندي الصفيح بدوار شديد، بينما راح القارب ينحرف سريعا ~~جدا؛ لكنه ظل ثابتا دون أن يتحرك له ساكن، وإنما شخص ببصره إلى ~~الأمام وتشبث بحربته جيدا. # وعلى حين غرة انتقل القارب إلى بالوعة، وساد ظلام كالذي كان يغمر ~~بيته القديم داخل الصندوق. تساءل الجندي في نفسه: «إلى أين أنا ذاهب ~~الآن؟ نعم، لا شك أن هذا ms034 كله من فعل العفريت. وا أسفاه! فقط لو كانت ~~السيدة الصغيرة على متن القارب معي، ما كنت سآبه حتى إن كان الظلام ~~مضاعفا.» # في تلك اللحظة انبثق بغتة أحد جرذان الماء الكبيرة التي تعيش في ~~البالوعات. # سأله الجرذ: «هل لديك جواز سفر؟ أين جواز سفرك؟» # لكن الجندي الصفيح لاذ بالصمت وأحكم قبضته على حربته فحسب. # مضى القارب، لكن الجرذ تبعه. عجبا! لقد أخذ يجز على أسنانه ونادى ~~على العيدان والقش، قائلا: «أوقفوه! أوقفوه! فهو لم يدفع رسم المرور! ~~ولم يبرز جواز سفره!» # لكن تيار المياه أخذ يشتد ويشتد، واستطاع الجندي الصفيح أن يرى ~~بالفعل ضوء النهار في نهاية نفق البالوعة؛ لكنه سمع في الوقت نفسه ~~ضجيج اندفاع صاخبا، ربما كان ليرتعد منه رجل أكثر جسارة منه. في ~~المكان الذي ينتهي فيه النفق، يندفع الماء بقوة شديدة إلى مصب ~~البالوعة. كان الوضع خطيرا بالنسبة للجندي، كما يكون الإبحار في شلال ~~هائل لنا. # صار قريبا جدا منه الآن حتى إنه لم يعد بإمكانه التوقف. فانطلق ~~القارب، وتماسك الجندي الصفيح جيدا حتى إنه لا يمكن لأحد القول بأنه ~~قد طرف له جفن. أخذ القارب يدور في حلقات ثلاث مرات أو أربعا؛ ~~وصار ممتلئا لذروته بالماء وكان لا بد أن يغرق لا محالة. # وصل الماء إلى عنق الجندي الصفيح؛ ثم غاص القارب لأغوار أعمق فأعمق، ~~وصار الورق هشا أكثر فأكثر، حتى غاص رأس الجندي تحت الماء. هنا راح ~~يفكر في الراقصة الصغيرة الحسناء التي لن يراها ثانية أبدا، وتردد ~~في أذنيه كلمات هذه الأغنية: # مصيرك يا أيها الغريب الشجاع # هو مغامرة مثيرة وخطر فتاك. # انشق القارب الورقي من النصف، وكان الجندي على وشك ~~الغرق حين ابتلعته سمكة ضخمة. # كم كان الظلام حالكا داخل السمكة! أكثر حلكة حتى من البالوعة، وكان ~~المكان ضيقا جدا؛ لكن الجندي الصفيح استعاد شجاعته؛ فقد استلقى ~~تماما، حاملا حربته على كتفه كما كان. # راحت السمكة تسبح هنا وهناك، وهي تدور وتتلوى وتقوم بحركات غريبة ~~جدا، حتى سكنت تماما عن الحركة ms035 في النهاية. # لقد اخترقها شيء مثل وميض من ضوء النهار، وقال صوت: «جندي صفيح!» ~~كانت السمكة قد اصطيدت، وأخذت إلى السوق، وبيعت واشتريت، ~~وأخذت إلى المطبخ، حيث قطعتها الطاهية بسكين كبيرة. أمسكت الطاهية ~~الجندي الصفيح بالسبابة والإبهام وأخذته إلى الحجرة حيث كانت الأسرة ~~جالسة، وحيث كان الجميع يتوقون لرؤية الرجل العظيم الذي سافر في حوصلة ~~سمكة؛ لكن الجندي الصفيح ظل دون حراك؛ إذ لم يكن مزهوا على ~~الإطلاق. # وضعوه هناك على الطاولة. لكن كيف يمكن أن يحدث شيء بهذه الغرابة ~~البالغة؟ لقد صار الجندي في الحجرة نفسها التي كان فيها من قبل. ورأى ~~نفس الأطفال، ونفس اللعب موضوعة على الطاولة، وبينها الفتاة الراقصة ~~الحسناء، التي كانت لا تزال واقفة على ساق واحدة. وكانت هي الأخرى ~~صامدة. تأثر الجندي بهذا الموقف بشدة، وكان من الممكن أن يذرف دموعا ~~من صفيح، لكن لم يكن هذا لائقا. نظر إليها ونظرت إليه، لكن لم ينبس ~~أي منهما ببنت شفة. # بعد ذلك أخذ أحد الفتية الصغار الجندي الصفيح ورماه في المدفأة. لم ~~يذكر أي سبب لفعل ذلك، لكن لا شك أن لعفريت علبة النشوق علاقة ~~بذلك. # صار الجندي الصفيح الآن وسط لهيب النار المتوهجة. كانت الحرارة التي ~~شعر بها رهيبة، لكنه لم يدر ما إن كانت ناتجة من النار أم الحب ~~المشتعل في قلبه. رأى الألوان وقد اختفت تماما من زيه الرسمي، لكن ~~لا أحد يدري ما إن كان هذا قد حدث أثناء رحلته أم من جراء الحزن الذي ~~اعتراه. نظر إلى السيدة الصغيرة، ونظرت إليه، وشعر بأنه ينصهر؛ لكنه ظل ~~واقفا في ثبات كدأبه، حاملا الحربة على كتفه. وإذ فجأة انفتح الباب؛ ~~وحملت الريح الراقصة وقذفت بها في المدفأة مباشرة إلى الجندي الصفيح، ~~فاشتعل بها لهيب النار، وتوارت! انصهر الجندي الصفيح متحولا إلى كتلة ~~من الصفيح؛ وفي اليوم التالي وجدته الخادمة في الرماد، في شكل قلب صفيح ~~صغير، في حين لم يتبق شيء من الراقصة سوى الوردة اللامعة، التي احترقت ~~حتى صارت سوداء كالفحم ms036 . # | عقلة الإصبع # كان هناك امرأة تتوق كثيرا إلى أن ترزق بطفل صغير، فذهبت إلى ~~ساحرة وقالت لها: «لشد ما أتمنى أن يصير لدي طفل صغير. هل تستطيعين ~~إخباري أين يمكنني أن أجد واحدا؟» # قالت الساحرة: «أوه، ذلك أمر يسهل تدبره. ها هي حبة شعير، لكنها ليست ~~من نفس النوع الذي ينمو في حقول المزارعين، والذي يأكله الدجاج. ضعيها ~~في أصيص زرع وشاهدي ما سيحدث.» # قالت السيدة: «شكرا»؛ وأعطت الساحرة اثني عشر شلنا، وهو ما كان ~~ثمن حبة الشعير. ثم ذهبت إلى المنزل وزرعتها، فأنبتت زهرة جميلة كبيرة، ~~تشبه التوليب بعض الشيء في شكلها، لكن أوراقها مضمومة بإحكام كما لو ~~كانت لا تزال برعما. # قالت السيدة: «إنها زهرة جميلة.» وقبلت البتلات الحمراء والذهبية ~~اللون؛ وما إن فعلت هذا حتى تفتحت الزهرة، فرأت أنها كانت زهرة توليب ~~بحق. لكن بداخل الزهرة، على الأسدية الخضراء المخملية، كانت تجلس فتاة ~~صغيرة في غاية الرقة والحسن. كانت بالكاد في نصف طول إصبع الإبهام، ~~فسموها عقلة الإصبع، لأنها كانت ضئيلة جدا. # دهنت قشرة جوز بألوان جميلة لتكون مهدا لها؛ كانت فرشتها من أوراق ~~زهور البنفسج الزرقاء، والغطاء ورقة وردة. كانت تنام هناك ليلا، أما ~~في النهار فكانت تلهو على الطاولة، حيث وضعت لها زوجة الفلاح صحنا ~~مليئا بالماء. # أحاط بهذا الصحن أكاليل من الزهور وضعت سيقانها في الماء، وطفا فيه ~~ورقة توليب كبيرة لتكون بمثابة قارب للفتاة الصغيرة. لقد كانت تجلس ~~فيها وتجدف من جانب إلى الآخر، بمجدافين صنعا من شعر حصان أبيض. كان ~~منظرا غاية في البهاء. كانت عقلة الإصبع تستطيع أيضا الغناء بصوت ~~غاية في الرقة والعذوبة حتى إنه لم يسمع شبيه لغنائها من قبل ~~قط. # ذات ليلة بينما هي مستلقية في فراشها الجميل، تسللت ضفدعة ضخمة ~~قبيحة مبللة من خلال لوح زجاج مكسور في النافذة، وقفزت مباشرة إلى ~~الطاولة حيث كانت عقلة الإصبع نائمة متلحفة بغطائها من ورقة ~~الورد. # قالت الضفدعة: «يا لها من زوجة صغيرة جميلة لابني!» وحملت قشرة الجوز ~~حيث كانت ms037 عقلة الإصبع نائمة، وقفزت بها من النافذة إلى الحديقة. # كانت الضفدعة تعيش مع ابنها في مستنقع على أحد جوانب جدول عريض في ~~الحديقة. وكان الابن أشد قبحا حتى من أمه؛ وحين رأى الفتاة الصغيرة ~~الجميلة في فراشها الأنيق، لم يسعه سوى الصياح: «كرواك، كرواك، ~~كرواك.» # قالت له الضفدعة: «لا ترفع صوتك هكذا وإلا أيقظتها، وساعتها ربما ~~تهرب، فهي خفيفة مثل ريشة البجعة. سوف نضعها على واحدة من أوراق زنابق ~~الماء بالخارج في الجدول؛ ستكون بمثابة جزيرة لها، فهي خفيفة وصغيرة ~~جدا، وحينئذ لن تستطيع الفرار؛ وبينما هي هناك سنسارع ونجهز ~~الحجرة الموجودة أسفل المستنقع، التي ستعيشان فيها حين ~~تتزوجان.» # كان ينمو بعيدا في الجدول عدد من زنابق الماء ذات أوراق خضراء ~~عريضة وقد بدت طافية فوق سطح الماء. بدت أكبر هذه الأوراق أبعد من ~~الباقي، فسبحت إليها الضفدعة العجوز بقشرة الجوز، التي كانت عقلة ~~الإصبع لا تزال نائمة فيها. # استيقظت المخلوقة الضئيلة في وقت مبكر جدا من الصباح وراحت تبكي ~~بمرارة حيت اكتشفت أين كانت، حيث لم تستطع أن ترى سوى الماء يحيط ~~بالورقة الخضراء الكبيرة من كل جانب، ولا سبيل للوصول إلى البر. # في تلك الأثناء، كانت الضفدعة العجوز منهمكة للغاية أسفل المستنقع، ~~تجهز حجرتها بنباتات الأسل والزهور البرية الصفراء، لتجعلها تبدو ~~جميلة من أجل زوجة ابنها الجديدة. ثم خرجت لتسبح مع ابنها الدميم إلى ~~الورقة التي كانت قد وضعت عليها عقلة الإصبع المسكينة. كانت تريد أن ~~تحضر الفراش الجميل حتى تضعه في حجرة العرس ليكون جاهزا من أجلها. ~~انحنت الضفدعة العجوز لها في الماء وقالت: «ها هو ولدي؛ سوف يكون زوجك، ~~وسوف تعيشان معا في سعادة في المستنقع القريب من الجدول.» # هنا لم يستطع ابنها أن يعبر عن نفسه إلا بالصياح: كرواك، كرواك، ~~كرواك. فأخذت الضفدعة الفراش الصغير الأنيق ورحلت به، تاركة عقلة ~~الإصبع وحدها تماما على الورقة الخضراء، حيث جلست وأجهشت بالبكاء. إذ ~~لم تستطع أن تتحمل فكرة العيش مع الضفدعة العجوز والزواج من ابنها ~~القبيح. كانت ms038 الأسماك الصغيرة السابحة تحت الماء قد رأت الضفدعة وسمعت ~~ما قالته، فأخرجت رءوسها لأعلى من تحت الماء لترى الفتاة ~~الصغيرة. # وبمجرد أن أبصرتها أدركت أنها جميلة للغاية، فاغتاظت من فكرة ~~اضطرارها إلى الذهاب والعيش مع الضفدعين القبيحين. ~~«لا، يجب عدم السماح بحدوث هذا!» فاجتمعت معا في الماء، حول الساق ~~الخضراء التي حملت الورقة التي كانت تقف عليها الفتاة الصغيرة، وراحت ~~تقرضها بأسنانها من جذرها. فراحت الورقة تسير في الجدول، حاملة عقلة ~~الإصبع بعيدا عن البر. # أبحرت عقلة الإصبع مارة بعدة بلدات، ورأتها الطيور الصغيرة على ~~الشجيرات فشدت قائلة: «يا لها من كائن صغير وجميل!» وهكذا أبحرت ~~بها الورقة بعيدا أكثر فأكثر، حتى أخذتها إلى أراض أخرى. ظلت فراشة ~~بيضاء صغيرة رقيقة ترفرف حولها باستمرار، وفي النهاية حطت على الورقة. ~~لقد أعجبت بالفتاة الصغيرة التي كانت مسرورة؛ فلم يعد من الممكن الآن ~~أن تستطيع الضفدعة الوصول إليها، وكانت البلدة التي أبحرت فيها جميلة، ~~إذ ألقت الشمس بشعاعها على الماء حتى لمع كأنه ذهب سائل. خلعت عقلة ~~الإصبع حزامها وربطت أحد طرفيه بالفراشة، وشدت طرفه الآخر على ~~الورقة، التي أخذت حينذاك تنطلق أسرع كثيرا عن ذي قبل، حاملة فوقها ~~عقلة الإصبع. # بعد برهة طار خنفس كبير قريبا منهما. وما أن وقعت عيناه عليها حتى ~~أحكم مخالبه حول خصرها الرقيق وطار بها إلى إحدى الأشجار. أما الورقة ~~الخضراء فانجرفت مع الجدول، وطارت معها الفراشة، فقد كانت مربوطة إليها ~~ولم تستطع الإفلات. # أوه، كم استبد الخوف بعقلة الإصبع حين طار بها الخنفس إلى الشجرة! ~~لكنها كانت حزينة بوجه خاص على الفراشة البيضاء الجميلة التي ربطتها ~~بالورقة؛ فهي إن لم تستطع تحرير نفسها فستموت جوعا. إلا أن الخنفس لم ~~يكترث لذلك الأمر البتة؛ فقد جلس بجانبها على ورقة شجر خضراء كبيرة، ~~وأعطاها بعض العسل من الزهور لتتناوله، وأخبرها أنها في غاية الجمال، ~~وإن لم تكن في جمال الخنافس على الإطلاق. # بعد برهة من الوقت، جاءت كل الخنافس التي تعيش في الشجرة لتزور عقلة ~~الإصبع. وأخذت ms039 تحدق فيها، ورفعت الخنفسات الشابة قرون استشعارها ~~وقالت: «ليس لديها سوى ساقين! كم تبدو قبيحة!» وقالت إحداها: «ليس ~~لديها قرون. وخصرها نحيل جدا. أف! إنها تشبه البشر.» # قالت كل الخنفسات: «أوه، إنها قبيحة.» صدق الخنفس الذي كان قد أتى ~~بها كل الخنفسات الأخرى حين قالت إنها قبيحة. ولما لم يعد لديه شيء ~~ليقوله لها، أخبرها أن بإمكانها الذهاب حيث تريد. ثم طار بها هابطا ~~من الشجرة ووضعها على زهرة أقحوان، وأبكاها الظن بأنها قبيحة حتى إن ~~الخنافس رفضت أن تخاطبها. لكنها كانت دائما أجمل المخلوقات التي قد ~~تخطر على البال، وفي رقة ورهافة ورقة وردة بديعة. # ظلت عقلة الإصبع المسكينة طيلة الصيف وحيدة تماما في الغابة ~~الفسيحة. ونسجت لنفسها فراشا من الحشائش وعلقته أسفل ورقة شجر ~~كبيرة، لتقيها من الأمطار. وكانت تتغذى بامتصاص العسل من الزهور وشرب ~~الندى من أوراقها كل صباح. # مر الصيف والخريف على هذه الحال، ثم أقبل الشتاء؛ الشتاء البارد ~~الطويل. كل الطيور التي كانت تشدو لها بعذوبة شديدة طارت بعيدا، ~~والأشجار والزهور ذبلت. ونبتة النفل الكبيرة التي كانت المظلة التي ~~تعيش تحتها التفت حول نفسها وتقلصت؛ ولم يتبق منها سوى ساق ~~صفراء ذابلة. شعرت عقلة الإصبع ببرد رهيب، فقد تمزقت ملابسها، وهي ~~نفسها كانت في غاية الضعف والنحول حتى إنها كادت تتجمد حتى الموت. كذلك ~~بدأت الثلوج تتساقط؛ وكانت ندف الثلج في سقوطها عليها مثل سقوط ملء ~~مجرفة كاملة منه على أحدنا؛ فنحن طوال وهي لا يتعدى طولها بوصة واحدة. ~~تلفعت عقلة الإصبع بورقة شجر جافة، لكنها تشققت من المنتصف ولم ~~تمنحها دفئا، فراحت ترتعد من البرد. # كان يوجد بالقرب من الغابة التي تعيش فيها حقل ذرة كبير، إلا أن ~~الذرة كانت قد حصدت منذ زمن طويل؛ لم يتبق شيء سوى بقايا الحصاد ~~الجرداء الجافة قائمة على الأرض المتجمدة. كان الخوض هناك يشبه الخوض ~~في غابة شاسعة. # أوه، كم كانت ترتجف من البرد! وأخيرا وصلت إلى باب أحد فئران الحقول ~~التي كانت لديها بيت صغير أسفل ms040 بقايا حصاد الذرة. كانت الفأرة تعيش ~~هناك في دفء وسكينة، وكان لديها حجرة كاملة مليئة بالذرة، ومطبخ، وحجرة ~~طعام جميلة. وقفت عقلة الإصبع المسكينة أمام الباب، مثل شحاذة صغيرة، ~~وطلبت جزءا صغيرا من حبة شعير؛ فقد ظلت بلا طعام طوال يومين. # قالت فأرة الحقل، التي كانت فأرة عجوزا طيبة حقا: «يا لك من ~~صغيرة مسكينة! تفضلي إلى حجرتي الدافئة وتعشي معي.» # كانت مسرورة بوجود عقلة الإصبع، فقالت لها: «أرحب ببقائك معي طوال ~~الشتاء أشد الترحيب إن أردت؛ لكن يجب أن تحافظي على نظافة منزلي ~~وترتيبه، وتحكي لي قصصا؛ فإنني أحب سماعها للغاية.» وقد فعلت عقلة ~~الإصبع كل ما طلبته منها فأرة الحقل، ووجدت هناك راحة شديدة. # قالت فأرة الحقل ذات يوم: «سوف يأتينا زائر قريبا. إذ يزورني جاري ~~مرة كل أسبوع. إنه أيسر مني حالا؛ فلديه حجرات فسيحة، ويرتدي معطفا ~~مخمليا أسود جميلا. ليتك تحظين به زوجا، فسوف يحسن إعالتك. لكنه ~~كفيف، لذا لا بد أن تحكي له بعضا من قصصك الممتعة.» # لم تشعر عقلة الإصبع بأي اهتمام تجاه هذا الجار، فقد كان خلدا. إلا ~~أنه جاء للزيارة، متشحا بمعطفه المخملي الأسود. # قالت فأرة الحقل: «إنه ثري جدا ومثقف، ومنزله أكبر من منزلي عشرين ~~مرة.» # لا شك أنه كان ثريا ومثقفا، لكنه كان دائما ما يتحدث عن الشمس ~~والزهور الجميلة باستخفاف؛ لأنه لم يرها قط. واضطرت عقلة الإصبع ~~إلى أن تغني له: «فلتطيري لمنزلك أيتها الدعسوقة»، والعديد من ~~الأغنيات الأخرى الجميلة. وقد أغرم بها الخلد لأن صوتها شديد ~~العذوبة؛ لكنه لم يبح بشيء، فقد كان شديد الحذر والحرص. كان الخلد ~~قد حفر منذ زمن قصير ممرا طويلا تحت الأرض، يوصل بين مسكنه ومسكن ~~فأرة الحقل، وقد سمح لها آنذاك بالسير فيه مع عقلة الإصبع متى أرادت. ~~لكنه حذرهما كيلا تنزعجا من رؤية طائر نافق كان مستلقيا في الممر. ~~كان الطائر كامل البنية، بمنقار وريش، ولا يمكن أن يكون قد مات منذ مدة ~~طويلة. كان موجودا حيث حفر الخلد النفق بالضبط ms041 . وضع الخلد في فمه ~~قطعة من خشب ذي وميض، وقد أخذت تضيء مثل النار في الظلام، ثم تقدمهما ~~لينير لهما السبيل في الممر الطويل المعتم. وحين بلغوا المكان الذي ~~ارتمى فيه الطائر الميت، دس الخلد أنفه العريض في السقف، حتى ينزاح ~~التراب ويسطع نور النهار على الممر. # كان مطروحا في منتصف الطريق طائر سنونو، ضم جناحاه البديعان إلى ~~جانبيه، وانكمشت قدماه ورأسه تحت ريشه؛ كان جليا أن الطائر المسكين ~~قد مات من البرد. اعترى عقلة الإصبع حزن شديد لرؤية هذا المنظر، فقد ~~كانت تحب الطيور الصغيرة حبا جما؛ فقد ظلت طوال الصيف تشدو وتغرد ~~لها كأجمل ما يكون الشدو والتغريد. إلا أن الخلد أزاحه جانبا برجليه ~~المقوستين وقال: «لن يغني بعد الآن. كم هو مؤسف أن تولد طائرا ~~صغيرا! أشعر بامتنان أن أبنائي لن يكونوا طيورا مطلقا، فهي لا تفعل ~~شيئا سوى الصياح: «صوصو، صوصو»، ولا مفر من أن تموت دوما جوعا في ~~الشتاء.» # قالت فأرة الحقل: «أجل، أنت على حق في قولك هذا كونك رجلا فطنا! ~~فما فائدة تغريدها ما دامت - لا بد - تتضور جوعا أو تتجمد حتى ~~الموت حين يأتي الشتاء؟ مع ذلك تظل الطيور سلالة رفيعة جدا.» # لم تنبس عقلة الإصبع بكلمة، لكن حين أدار الاثنان الآخران ظهرهما ~~للطائر، انحنت وأزاحت الريش الغض الذي غطى رأسه، وقبلت جفنيه ~~المغمضين. وقالت: «ربما هذا كان الطائر الذي شدا لي بصوته العذب في ~~الصيف، وكم داخلني السرور بهذا، يا عزيزي الطائر الجميل!» # سد الخلد الثقب الذي سطع منه ضوء النهار، ثم رافق السيدتين للمنزل. ~~لكن في الليل لم تستطع عقلة الإصبع النوم؛ فغادرت الفراش ونسجت بساطا ~~كبيرا جميلا من القش. ثم حملته إلى الطائر النافق وبسطته عليه، مع ~~بعض زغب من زهور كانت قد وجدتها في حجرة فأرة الحقل. كان ناعما مثل ~~الصوف، وقد نثرت بعضا منه على جانبي الطائر، حتى يرقد في دفء في ~~الأرض الباردة. # قالت عقلة الإصبع: «الوداع أيها الطائر الصغير الجميل، الوداع. شكرا ~~على شدوك المبهج ms042 في الصيف، حين كانت الأشجار خضراء والشمس الدافئة ~~تشرق علينا.» ثم وضعت رأسها على صدر الطائر، لكنها فزعت، إذ بدا أن ~~شيئا ما داخل الطير يدق: «تك، تك.» كان هذا هو قلب الطائر؛ فلم يكن ~~ميتا حقا، وإنما تخدر جسده من البرد فحسب، وقد رده الدفء إلى ~~الحياة. في الخريف تطير كل طيور السنونو راحلة إلى بلاد دافئة؛ لكن إن ~~حدث وتباطأ أحدها، فالبرد يحكم قبضته عليه، ويتخلله ويسقط كأنه ~~ميت، فيظل حيث سقط، وتغطيه الثلوج الباردة. # ارتعدت عقلة الإصبع بشدة؛ فقد كانت خائفة جدا؛ لأن الطائر كان ~~ضخما، أضخم منها بكثير (هي التي كان طولها لا يتعدى البوصة). إلا أنها ~~تشجعت، ووضعت الصوف بكثافة أكثر على السنونو المسكين، ثم أخذت ورقة ~~الشجر التي كانت تتدثر بها كغطاء وبسطتها فوق رأسه. # وفي الليلة التالية خرجت متسللة مرة أخرى لتراه. كان حيا، لكن ~~ضعيفا جدا؛ فلم يستطع إلا أن يفتح عينيه لحظة ليرى عقلة الإصبع ~~التي كانت واقفة بالقرب منه، حاملة قطعة من الخشب المتحلل في يدها، فلم ~~يكن لديها مصباح آخر. قال السنونو المريض: «شكرا يا أيتها الفتاة ~~الصغيرة الجميلة. لقد تدفأت جيدا حتى إنني قريبا ما سأستعيد عافيتي ~~وأتمكن من التحليق مرة أخرى في أشعة الشمس الدافئة.» # قالت عقلة الإصبع: «مهلا، الجو بارد بالخارج الآن؛ يوجد ثلوج وصقيع. ~~فلتبق في فراشك الدافئ، وأنا سأعتني بك.» # أحضرت عقلة الإصبع للطائر بعض الماء في ورقة زهرة، وبعد أن شرب، ~~أخبرها أن إحدى الشجيرات الشائكة جرحت أحد جناحيه فلم يستطع الطيران ~~سريعا كالآخرين، الذين ما لبثوا أن ابتعدوا في رحلتهم إلى البلاد ~~الدافئة. وفي النهاية سقط على الأرض، ولم يتذكر شيئا آخر، ولا كيف صار ~~في المكان الذي وجدته فيه. # ظل طائر السنونو تحت الأرض طوال الشتاء، حيث اعتنت به عقلة الإصبع ~~باهتمام وحب. ولم تخبر سواء الخلد أو فأرة الحقل بأي شيء عنه، إذ لم ~~يحبا طيور السنونو. وسريعا جدا أقبل الربيع، وبعثت الشمس الدفء في ~~الأرض. عندئذ ودع السنونو عقلة ms043 الإصبع، ففتحت الثقب الذي في السقف ~~الذي كان الخلد قد صنعه. سطعت أشعة الشمس عليهما في بهاء شديد، فسألها ~~السنونو إن كانت تود أن تذهب معه. قال لها إن بإمكانها الجلوس على ~~ظهره، وسيطير بها بعيدا إلى الغابات الخضراء. لكنها كانت تعلم أن فأرة ~~الحقل ستحزن إن تركتها بتلك الطريقة، لذلك قالت: «لا، لا ~~أستطيع.» # قال السنونو: «الوداع إذن، الوداع، يا أيتها الفتاة الصغيرة الحسناء ~~الطيبة.» ثم انطلق طائرا في ضوء الشمس. ~~••• # ظلت عقلة الإصبع تلاحقه بعينيها حتى اغرورقتا بالدموع؛ فقد كانت ~~تكن للسنونو المسكين محبة بالغة. # غرد الطائر: «صوصو، صوصو» وهو ينطلق طائرا صوب الغابات الخضراء، ~~بينما شعرت عقلة الإصبع بحزن شديد. فلم يكن مسموحا لها بالخروج إلى ~~حيث أشعة الشمس الدافئة. وكانت الذرة المزروعة في الحقل أعلى منزل فأرة ~~الحقل قد نبتت وارتفعت عاليا في السماء وكونت غابة كثيفة بالنسبة ~~لعقلة الإصبع، التي لم يتعد طولها بوصة واحدة. # قالت فأرة الحقل: «سوف تتزوجين يا أيتها الصغيرة؛ فقد طلب جاري ~~الزواج منك. يا له من حظ سعيد لطفلة مسكينة مثلك! الآن سنجهز ملابس ~~عرسك، التي لا بد أن تكون من الصوف والكتان. لن يعوزك شيء بالتأكيد ~~حين تصيرين زوجة الخلد.» # كان على عقلة الإصبع أن تدور المغزل، وعينت فأرة الحقل أربعة ~~عناكب كان عليها الغزل ليلا ونهارا. كان الخلد يزورها كل مساء وكان ~~يتحدث باستمرار عن الوقت الذي سينتهي فيه الصيف. فحينئذ سيحدد يوم ~~زواجه من عقلة الإصبع؛ أما الآن فحرارة الشمس كانت شديدة لدرجة أنها ~~ألهبت الأرض وجعلتها صلبة، مثل الحجر. وبمجرد أن ينتهي الصيف سيقام ~~العرس. إلا أن عقلة الإصبع لم تكن سعيدة على الإطلاق، فهي لم تحب ~~الخلد المثير للضجر. # في كل صباح مع شروق الشمس، وكل مساء مع غروبها، كانت تخرج متسللة من ~~الباب، وعندما كانت الرياح تهب فتباعد بين أكواز الذرة بحيث تتمكن من ~~رؤية السماء الزرقاء، كانت تتأمل كم يبدو العالم بهيا ومشرقا ~~بالخارج، وتتمنى كثيرا أن ترى صديقها العزيز، السنونو مرة أخرى ms044 . إلا ~~أنه لم يرجع قط؛ فقد كان في هذا الوقت قد طار بعيدا في الغابة الخضراء ~~الجميلة. # حين أقبل الخريف كانت ملابس عقلة الإصبع قد صارت جاهزة، فقالت لها ~~فأرة الحقل: «لا بد أن يقام العرس خلال أربعة أسابيع.» # حينذاك أجهشت بالبكاء وقالت إنها لن تتزوج الخلد الكريه. # ردت عليها فأرة الحقل قائلة: «هراء. كفي عن المكابرة في الحال وإلا ~~عضضتك بأسناني البيضاء. إنه خلد وسيم جدا؛ الملكة نفسها لا ترتدي ~~من المخمل والفراء ما يفوقه أناقة. كما أن مطابخه وأقبيته ممتلئة عن ~~آخرها. يجدر بك أن تكوني في غاية الامتنان على هذا الحظ ~~الحسن.» # وهكذا حدد يوم العرس، الذي كان سيأخذها فيه الخلد لتعيش معه، عميقا ~~تحت الأرض، فلا ترى الشمس الدافئة مرة أخرى مطلقا؛ لأنه لم يكن ~~يحبها. أثارت فكرة توديع الشمس الجميلة بالغ الحزن في نفس الفتاة ~~المسكينة، ولما سمحت لها فأرة الحقل بالوقوف عند الباب، ذهبت في الحال ~~لتراها مرة أخيرة. # هتفت عقلة الإصبع وهي تمد ذراعيها ناحيتها: «الوداع أيتها الشمس ~~المشرقة»، ثم مشت مسافة قصيرة من المنزل، إذ كانت الذرة قد حصدت، ولم ~~يتبق في الحقول سوى بقايا الحصاد الجافة. أعادت القول وهي تطوق زهرة ~~حمراء صغيرة نبتت بجانبها: «الوداع، الوداع. فلتبلغي السنونو الصغير ~~سلامي، إذا رأيته ثانية.» # وفجأة ترددت زقزقة فوق رأسها، وحين نظرت إلى أعلى كان السنونو ~~نفسه يحلق قريبا منها. وما أن لمح عقلة الإصبع حتى ابتهج، فأخبرته ~~كم كانت غير راغبة في الزواج من الخلد الدميم، والعيش دائما أسفل ~~الأرض، وعدم رؤية الشمس المشرقة مرة أخرى. وقد راحت تبكي وهي تخبره ~~بهذا. # قال السنونو: «لقد أوشك الشتاء البارد على القدوم، وسوف أطير بعيدا ~~إلى بلاد أكثر دفئا. فهل تأتين معي؟ يمكنك الجلوس على ظهري ولتشدي ~~وثاقك عليه بحزامك. وحينئذ يمكننا الطيران بعيدا عن الخلد الدميم ~~ومنزله الكئيب، بعيدا فوق الجبال، إلى بلاد أكثر دفئا، حيث تشرق ~~الشمس أكثر وهجا من هنا؛ حيث الصيف دائم، وحيث تتألق الزهور في جمال ~~أكبر. فلتطيري ms045 معي يا عزيزتي الصغيرة؛ فقد أنقذت حياتي حين كنت راقدا ~~متجمدا في ذلك الممر المظلم الموحش.» # قالت عقلة الإصبع: «حسنا، سأذهب معك.» وجلست على ظهر الطائر واضعة ~~قدميها على جناحيه المفرودين، وربطت حزامها بواحدة من أقوى ~~ريشه. # ارتفع السنونو في الهواء وطار فوق الغابة وأعلى البحر، عاليا فوق ~~أعلى الجبال، المكللة بثلوج لا تنتهي. كانت عقلة الإصبع ستتجمد في ~~الهواء البارد، لكنها زحفت تحت ريش الطائر الدافئ، دون أن تغطي ~~رأسها الصغير، حتى يتسنى لها الاستمتاع بمشاهدة الأماكن الجميلة التي ~~مرا فوقها. بعد وقت طويل وصلا إلى البلاد الدافئة، حيث تشرق الشمس ~~ساطعة وتبدو السماء في مستوى أعلى كثيرا فوق الأرض. هنا كانت تنمو ~~أصناف أرجوانية وخضراء وبيضاء من العنب على الأسيجة الشجرية وعلى جانب ~~الطريق، ويتدلى الليمون والبرتقال من الأشجار في الحقول، ويعبق الهواء ~~بروائح نبات الآس وزهور البرتقال. وكان يجري في الطرق الريفية أطفال ~~حسان، يلعبون مع فراشات زاهية كبيرة؛ وكلما طار السنونو أبعد فأبعد، ~~بدا كل مكان أبهى وأبهى. # وأخيرا أتيا بحيرة زرقاء، قام بجانبها قصر من الرخام الأبيض ~~المبهر، بني في الأزمنة الغابرة، وقد ظللته أشجار ذات لون أخضر غاية ~~في الدكانة. والتفت حول أعمدته السامقة الكروم، وكان في أعلاه ~~العديد من أعشاش السنونو، وبينها بيت السنونو الذي حمل عقلة ~~الإصبع. # قال السنونو: «هذا هو بيتي، لكن لن يكون من المناسب لك أن تعيشي ~~هنا؛ فلن تشعري بالراحة. لا بد أن تختاري واحدة من هذه الزهور الجميلة، ~~وسوف أهبط بك إليها، وبعد ذلك سوف تحصلين على كل ما قد تتمنينه ~~ليحقق لك السعادة.» # قالت: «سيسرني هذا.» وصفقت بيديها الصغيرتين فرحا. # كان على الأرض عمود رخامي ضخم، تكسر حين هوى ثلاث قطع. وقد نبت بين ~~هذه القطع زهور بيضاء كبيرة في غاية الجمال، فطار السنونو هابطا بعقلة ~~الإصبع ووضعها على إحدى الأوراق العريضة. لكن كم اندهشت عقلة الإصبع ~~حين رأت في منتصف الزهرة رجلا صغيرا ضئيلا، شديد البياض والشفافية ~~كأنه من بلور! كان معتمرا تاجا ذهبيا، وبرز ms046 من كتفيه جناحان ~~رقيقان، ولم يكن يفوقها كثيرا في الحجم. كان ملاك الزهرة؛ إذ يعيش في ~~كل زهرة رجل صغير وامرأة صغيرة، وكان هذا هو ملكهم جميعا. # همست عقلة الإصبع للسنونو قائلة: «أوه، كم يبدو وسيما!» # في البداية ارتعب الأمير الصغير بشدة من الطائر، الذي كان بمثابة ~~عملاق بالنسبة إلى مخلوق صغير رقيق مثله؛ لكنه سر حين رأى عقلة ~~الإصبع واعتقد أنها أجمل فتاة صغيرة رآها على الإطلاق. خلع التاج عن ~~رأسه ووضعه على رأسها، ثم سألها عن اسمها وإن كانت توافق على أن تكون ~~زوجته والملكة على كل الزهور. # كان هذا قطعا زوجا من نوع مختلف جدا عن ابن الضفدعة، أو الخلد ~~بفرائه ومخمله الأسود، ومن ثم فقد وافقت على الزواج من الأمير ~~الوسيم. هنا تفتحت كل الزهور، وخرج من كل واحدة سيدة صغيرة أو سيد ~~صغير، كلهم في غاية الجمال حتى إنهم ليثيرون في النفس بهجة شديدة لدى ~~رؤيتهم. وأتى كل منهم بهدية لعقلة الإصبع؛ لكن أفضل هدية كانت زوجين من ~~الأجنحة الجميلة، كانت تعود إلى ذبابة بيضاء كبيرة، وقد ثبتوهما على ~~كتفي عقلة الإصبع، حتى تتمكن من الطيران من زهرة لأخرى. # سادت بعد ذلك فرحة عارمة، وطلب من السنونو، الذي كان جالسا في ~~عشه فوقهم، أن يشدو بأغنية للعرس، وهو ما فعله كأفضل ما يستطيع؛ إلا ~~أنه كان يشعر في أعماقه بحزن، فقد كان مولعا بعقلة الإصبع للغاية ~~وود ألا يفترق عنها ثانية أبدا. # قال لها ملاك الزهور: «يجب التوقف عن مناداتك بعقلة الإصبع. فهو اسم ~~قبيح، وأنت في غاية الحسن. سوف نناديك مايا.» # قال السنونو بقلب مثقل: «الوداع، الوداع.» وهو يغادر البلاد الدافئة ~~ليطير عائدا إلى الدنمارك. فلديه هناك عش فوق نافذة منزل يعيش فيه ~~كاتب قصص خيالية. كان السنونو يشدو: «صوصو، صوصو» ومن شدوه عرفنا كل ~~هذه القصة. # | قصص الشمس # قال الريح: «سوف أحكي قصة.» # فبادرت الأمطار: «أستميحك عذرا، لكن هذا دوري أنا. ألم تظل تعوي ~~طويلا في الجوار، بأقصى طاقتك؟» # قال الريح: «هل هذا ms047 عرفانك لي بالجميل؟ أنا الذي أقلب كل المظلات، ~~بل أكسرها، إكراما لك، حين يحاول الناس تحاشيك بكل ما أوتوا من ~~سبل.» # هنا قالت الشمس: «أنا من سأتحدث. فلتلوذا بالصمت!» وقد تكلمت الشمس ~~بعظمة وجلالة حتى إن الريح البرم خر خاضعا، بينما راحت الأمطار تهزه ~~وهي تضربه، قائلة: ~~«لن نرضى بهذا! إنها دائما ما تقاطعنا، السيدة شمس. دعنا لا نصغي ~~لها؛ فما تقوله لا يستحق الإنصات.» لكن رغم هذا شرعت الشمس في الحديث، ~~وهذا ما قالته: ~~«طارت بجعة جميلة فوق أمواج المحيط المتلاحقة المتلاطمة. كانت كل ~~ريشة من ريشها تلمع كالذهب؛ حين تطايرت واحدة هاوية إلى سفينة تجارية ~~هائلة كانت تبحر مبتعدة، رافعة كل صواريها. # سقطت الريشة على الشعر الأشقر المجعد لشاب، كانت مهمته العناية ~~بالبضائع التي على متن السفينة، فكان يدعى مشرف الشحن. لمست ريشة طائر ~~الحظ السعيد جبهته، وصارت قلما في يده، وجلبت له حظا وافرا حتى إنه ~~سرعان ما صار تاجرا ثريا، وقد بلغ به الثراء أنه اشترى مهاميز ~~ذهبية، وحول صفيحة ذهبية إلى درع رجل نبيل، كانت تعكس ضوئي.» ~~••• # استمرت قائلة: «طارت البجعة مبتعدة، أكثر فأكثر، فوق المرج الأخضر ~~المشمس، حيث كان قد استلقى راعي أغنام صغير، لا يتجاوز عمره سبعة ~~أعوام، في ظل الشجرة العجوز، التي لم يكن هناك غيرها على مرمى ~~البصر. # وبينما هي تحلق قبلت إحدى أوراق الشجرة، فسقطت في يد الصبي لتتحول ~~إلى ثلاث أوراق، ثم عشر، ثم كتاب كامل؛ نعم، وفي الكتاب قرأ عن عجائب ~~الطبيعة كلها، ولغته الأم، وحول الإيمان والمعرفة. وحين خيم الليل وضع ~~الكتاب أسفل الوسادة، حتى لا ينسى ما قرأه. # وقد قاده الكتاب العجيب إلى المدرسة، ثم إلى أماكن شتى، في سعيه ~~لاكتساب المعرفة. وقد قرأت اسمه بين أسماء رجال العلم. ~~••• # طارت البجعة إلى غابة هادئة ومنعزلة، واستراحت قليلا في البحيرة ~~العميقة الظليلة حيث تنمو الزنابق، وحيث تجد التفاح البري على الشاطئ، ~~وحيث أعشاش الوقواق والحمام البري. # كانت في الغابة امرأة فقيرة تجمع الحطب، أي ما تساقط من ms048 فروع وعصي ~~يابسة. كانت تحمل ما جمعته في حزمة على ظهرها، بينما كانت تحمل بين ~~ذراعيها طفلها الصغير. وقد رأت هي أيضا البجعة الذهبية، طائر الحظ ~~السعيد، وهي ترتفع من بين البوص على الشاطئ. ما ذلك الشيء الذي كان ~~يلمع بشدة؟ بيضة ذهبية لا تزال دافئة تماما. فما كان منها إلا أن ~~وضعتها في صدر ردائها، فظلت دافئة. كان هناك حياة في البيضة بالتأكيد! ~~فقد سمعت صوت نقر رقيقا داخل القشرة، لكنها ظنت أنه صوت قلبها الذي ~~كان يخفق. # عند العودة إلى كوخها الفقير أخرجت البيضة التي كان يصدر عنها صوت ~~تكتكة، كما لو كانت ساعة ذهبية، لكنها لم تكن كذلك؛ فقد كانت بيضة ~~حقيقية حية. # تشققت البيضة وفتحت، وخرج منها برأسه الصغير فرخ بجع صغير لطيف، ~~مغطى بالكامل بريش كأنه ذهب خالص، وكان حول عنقه أربع حلقات، ~~ولما كان لهذه السيدة أربعة أولاد - ثلاثة بالمنزل، وهذا الصغير الذي ~~كان معها في الغابة المنعزلة - فقد أدركت في الحال أنه كان ثمة واحدة ~~لكل صبي. وبمجرد أن أخذتها، انطلق الطائر الذهبي الصغير طائرا. # قبلت السيدة كل حلقة، ثم جعلت كل طفل يقبل الحلقة الخاصة به، ~~ووضعت حلقة قريبا من قلب الطفل لبعض الوقت، ثم وضعتها في إصبعه. لقد ~~رأيت هذا كله، ورأيت ما حدث بعد ذلك. # أخذ أحد الصبية، الذين كانوا يلعبون بالقرب من قناة، كتلة من الطين ~~في يده، ثم أخذ يشكلها حتى اتخذت هيئة تشبه جيسون، الذي ذهب ليبحث ~~عن الصوف الذهبي ووجده. # أما الصبى الثاني فخرج يركض في المرج، حيث نبتت زهور من كل الألوان ~~التي قد ترد على الذهن. فجمع منها ملء كفه واعتصرها بشدة حتى سالت ~~عصارتها في عينيه، وبل بعض منها الحلقة التي في يده. تسرب السائل ~~وتغلغل في دماغه ويديه، وبعد عدة أيام وسنوات أصبح الناس في المدينة ~~الكبرى يتحدثون عنه وقد صار رساما مشهورا. # أما الطفل الثالث فقد وضع الحلقة بإحكام شديد بين أسنانه حتى إنه كان ~~يصدر عنها صوت؛ صدى أغنية في ms049 أعماق قلبه. فكانت الأفكار والمشاعر ~~تتصاعد في أصوات عذبة - مثل صدح البجع - وتغوص، مثل البجع أيضا، في ~~بحر عميق جدا. وقد صار موسيقيا عظيما، علما، يحق لكل بلد أن ~~يقول: «إنه ينتسب إلي، فهو ينتسب إلى العالم أجمع». # أما الطفل الرابع الصغير فقد كان بالفعل «الطفل المنبوذ» في العائلة، ~~إذ قيل إنه مريض ولا بد أن يأكل الفلفل والزبد مثل الدجاج المريض، ~~فكان هذا ما يعطى له؛ إلا أنه حصل مني على قبلة دافئة مشمسة. لقد ~~حصل مني على عشر قبلات في حين حصل كل من أشقائه على واحدة. أصبح ~~شاعرا، وظل يلقى الهجوم طوال حياته. # إلا أنه كان لديه ما لم يستطع أي شخص أن يسلبه إياه؛ حلقة الحظ من ~~بجعة السعد الذهبية. وهكذا حلقت أفكاره وطارت عاليا وبعيدا مثل ~~فراشات صداحة؛ لتصير شعارات لحياة خالدة.» # قال الريح: «كانت تلك قصة طويلة لحد فظيع.» # قالت الأمطار: «وفي غاية الغباء والملل. فلتنفخ في بعض الهواء ~~أرجوك حتى أفيق قليلا.» # وبينما كان الريح ينفخ الهواء، قالت الشمس: «طارت بجعة الحظ السعيد ~~فوق الخليج الجميل حيث كان الصيادون قد نصبوا شباكهم. وكان أفقرهم ~~يتمنى الزواج، وقد تزوج بالفعل. # أما هو فقد أحضرت له البجعة قطعة من العنبر. والعنبر يجذب له ~~الأشياء، وقد جذبت هذه القطعة القلوب للمنزل الذي عاش فيه الصياد مع ~~عروسه. إن العنبر هو أروع أنواع البخور، وينبعث منه عطر رقيق، كأنه ~~آت من مكان مقدس؛ أنفاس عطرة من الطبيعة الخلابة التي خلقها الرب. ~~وهكذا كان الصياد وزوجته هانئين وممتنين في منزلهما الهادئ، ~~وراضيين رغم فقرهما. وبذلك صارت حياتهما قصة حقيقية من قصص ~~الشمس.» # قال الريح: «أعتقد أنه يفضل أن نتوقف الآن، فإنني أشعر بملل فظيع. ~~لقد تكلمت الشمس طويلا جدا.» # قالت الأمطار: «أنا أيضا أعتقد هذا.» # وماذا نقول نحن الآخرين الذين سمعنا القصة؟ # نقول: «الآن تمت القصة.» # | إبرة الرفو # كانت هناك في يوم من الأيام إبرة رفو تعتقد أنها رفيعة جدا، حتى ~~انتهى بها الأمر أن تعتقد أنها صالحة ms050 للتطريز. # قالت للأصابع التي التقطتها: «فلتحرصوا على الإمساك بي جيدا. لا ~~تدعوني أضيع رجاء. إن سقطت على الأرض، فسوف أضيع حتما؛ فإنني رفيعة ~~للغاية.» # قالت الأصابع وهم يمسكون بها بقوة من خاصرتها: «هذا ما يخيل ~~إليك.» # قالت إبرة الرفو: «انتبهوا، فإنني آتية بموكبي.» قالت هذا وهي تجر ~~خلفها خيطها الطويل الذي لم يكن فيه عقدة. # أدخلت الأصابع سن الإبرة في خف قديم، قد تقطع الجزء العلوي ~~المصنوع من الجلد من زوجيه وكان لا بد من خياطته. وكان الخف يخص ~~الطاهية. # قالت إبرة الرفو: «هذا عمل شديد الصعوبة! ولن أخرج منه حية أبدا. ها ~~أنا أتكسر! إنني أتكسر.» وقد تكسرت بالفعل. قالت إبرة الرفو: «ألم أقل ~~هذا؟ إنني أرق من أن أقوم بعمل كذلك.» # قالت الأصابع: «لقد صارت الآن عديمة النفع في الخياطة.» إلا أنهم ~~ظلوا ممسكين بها رغم هذا؛ فقد سكبت الطاهية في الحال بعضا من شمع ~~الختم المذاب على الإبرة وشبكت وشاح رقبتها من الأمام بها. # قالت إبرة الرفو: «انظروا، لقد صرت الآن دبوس زينة. كنت أعلم جيدا ~~أنني سأرقى إلى مرتبة مشرفة؛ فإنك تبلغ العلا دائما ما دمت أهلا له. ~~لا بد للمتميز أن يرتقي.» قالت هذا وضحكت، بداخلها فقط، بالطبع؛ فلا ~~أحد على الإطلاق يستطيع أن يرى إبرة الرفو وهي تضحك. وهكذا استقرت ~~الآن، في دعة تامة، وزهو كأنها جالسة في عربة ملكية، وراحت تجول ببصرها ~~في كل ما حولها. # سألت الدبوس الذي إلى جوارها: «هل تسمح لي أن أسألك إن كنت مصنوعا ~~من الذهب؟ لديك مظهر رائع ورأس مميز جدا، وإن كان صغيرا للغاية. لا ~~بد أن تبذل قصارى جهدك حتى يكبر، لا شك أنهم لن يمكنهم سكب شمع ختم ~~على الجميع.» # ثم نهضت إبرة الرفو في خيلاء شديد حتى سقطت من الوشاح إلى الحوض، ~~الذي كانت الطاهية تغسله في تلك اللحظة. # قالت إبرة الرفو: «الآن سوف أسافر، أرجو فقط ألا أضل الطريق.» # لكن كان ذلك بالضبط ما حدث لها. # قالت إبرة الرفو حين وجدت نفسها ms051 في البالوعة: «إنني أرق من أن أعيش ~~في هذا العالم. لكنني أعلم من أكون، وفي ذلك دائما القليل من ~~التسرية!» هكذا حافظت إبرة الرفو على وقارها ولم تفقد أيا من حس ~~دعابتها. ثم أخذ يطفو فوقها أنواع شتى من الأشياء؛ شظايا وقش وقصاصات ~~من جرائد قديمة. # حدثت إبرة الرفو نفسها قائلة: «فلتنظري فقط كيف تطفو هناك. إنها لا ~~تدري شيئا يذكر عما يقبع أسفلها، رغم أن هذا الشيء هو أنا، وأنا ~~قابعة في ثبات هنا. انظري، ها هي شظية ماضية! إنها لا تفكر في أي شيء ~~في الدنيا سوى نفسها؛ لا تفكر في أي شيء في العالم سوى شظية! وها هي ~~قشة طافية؛ انظري كيف تلف وتدور. فلتفكري في شيء آخر غير نفسك وإلا ~~اصطدمت بحجر بسهولة. وها هي قصاصة من جريدة تسبح في الماء. لقد نسي ~~ما كتب فيها منذ زمن طويل، ورغم ذلك كم تتمدد وتختال! أما أنا فجالسة ~~هنا في صبر وهدوء! فأنا أعلم قدري، وسوف أظل على وضعي دوما.» # ذات يوم ارتمى بجانبها شيء ذو بريق مذهل، فاعتقدت أنه لا بد أن يكون ~~ماسة، إلا أنه لم يكن سوى شظية من زجاجة مكسورة. وبينما هي تلمع في وهج ~~شديد، تحدثت إبرة الرفو إليها، إذ قدمت نفسها بصفتها دبوس زينة. # قالت إبرة الخياطة: «إنك ماسة على ما أعتقد.» ~~«قطعا، أجل، شيء من هذا القبيل.» # هكذا اعتقدت كل منهما أن الأخرى حلية نادرة وثمينة من نوع ما؛ ~~وشرعتا تتحدثان معا عن الدنيا وكم هي متعالية جدا عليهما. # قالت إبرة الرفو: «صحيح، لقد كنت أعيش في صندوق خاص بسيدة شابة، ~~تصادف أنها كانت طاهية. وكان لديها في كل يد خمسة أصابع، ولم أر قط أي ~~شيء أكثر غرورا وعجرفة منهم. إلا أنه لم يكن لديهم عمل سوى أن ~~يخرجوني من الصندوق ويعيدوني إليه ثانية.» # سألتها شظية الزجاج: «هل كانوا كرام الأصل؟ هل كانوا براقين؟» # أجابت إبرة الخياطة: «بالطبع لا، لكنهم كانوا رغم ذلك متكبرين. كانوا ~~خمسة إخوة؛ كلهم من ms052 عائلة الإصبع. وكانوا يقفون في غرور شديد جنبا إلى ~~جنب، رغم أنهم كانوا ذوي أطوال مختلفة تماما. أبعدهم، وكان يسمى ~~الإبهام، كان قصيرا وعريض البنية؛ وكان دائما يقف خارج الصف، أمام ~~الآخرين قليلا؛ وكان لديه مفصل واحد فقط في ظهره، ولا يستطيع الانثناء ~~إلا مرة واحدة؛ لكنه كان دائما ما يقول إنه في حال قطع لدى رجل من ~~الرجال، فسوف يفصل ذلك الرجل من الخدمة العسكرية. أما السبابة، ~~الإصبع الثاني، فقد كان يتقدم بنفسه في جميع المناسبات، ويغمس في ~~الحلو والحامض، ويشير إلى الشمس والقمر، وحين تكتب الأصابع، كان هو من ~~يضغط على القلم. أما الوسطى، ثالث الإخوة، فقد كان يستطيع أن يطل على ~~رءوس الآخرين، وكان ذلك مصدر فخر له. والرابع، ويدعى الخنصر، كان يلف ~~حول وسطه حزاما ذهبيا؛ أما الإصبع الصغير، الذي كانوا ينادونه ~~بالبنصر، فلم يكن يفعل أي شيء على الإطلاق وكان فخورا بذلك، على ما ~~أعتقد. هكذا لم يكن لديهم شاغل سوى الزهو، ولذلك السبب رحلت بعيدا ~~عنهم.» # قالت شظية الزجاج: «وها نحن الآن جالستان معا نشع ~~لمعانا.» # وفي نفس تلك اللحظة تدفق بعض الماء في البالوعة، حتى فاض وحمل معه ~~الماسة الزجاجية. # قالت إبرة الرفو: «ها قد رحلت، وأنا ما زلت قابعة. لقد بقيت لأنني في ~~غاية النحافة والرقي. لكن هذا كبريائي وهو شيء جدير بالاحترام.» وقد ~~جلست بكبرياء، تتوالى على بالها الأفكار. ~~«أكاد أصدق أنني قد ولدت من شعاع شمس؛ فإنني في غاية الرقة. ~~ويبدو كما لو أن أشعة الشمس كانت دوما تحاول البحث عني تحت الماء. ~~لكن يا للأسف، إنني في غاية الرقة حتى إن أمي نفسها لا تستطيع العثور ~~علي. لو كان ما زال لدي عيني القديمة التي انكسرت، فأعتقد أنني ~~لا بد أن أبكي، لكن لا، لن أفعل؛ فالبكاء ليس سلوكا راقيا.» # ذات يوم كان بعض صبية الشوارع يخوضون في البالوعة، بحثا عن مسامير ~~قديمة وبنسات وما شابه. ورغم أنه كان عملا قذرا فقد بدا عليهم أنهم ~~يجدون فيه متعة كبيرة ms053 . # صاح أحدهم حين انشك بإبرة الرفو: «آه! ها قد وجدت لكم ~~واحدا!» # قالت إبرة الرفو: «أنا لست رجلا! وإنما سيدة شابة!» لكن لم يسمعها ~~أحد. # كان شمع الختم قد تآكل، وصارت هي سوداء تماما؛ «لكن اللون الأسود ~~يجعل المرء يبدو نحيفا، كما أنه أنيق دائما.» هكذا شعرت أنها صارت ~~أكثر تميزا حتى عن ذي قبل. # قال الصبية: «ها هي قشرة بيض آتية»؛ وغرزوا إبرة الرفو في ~~القشرة. # قالت إبرة الرفو: «سيدة متشحة بالسواد، وداخل جدران بيضاء! ذلك منظر ~~لافت جدا للنظر. الآن يستطيع الجميع أن يروني. أرجو ألا أصاب بدوار ~~البحر؛ إذ سوف أتكسر حينذاك.» # لكن لم يكن هناك داع للخوف؛ إذ لم يصبها دوار البحر ولم ~~تتكسر. ~~«ليس هناك أفضل من أن يكون لديك معدة من الصلب للتغلب على دوار ~~البحر وأن يظل في اعتبارك أنك أفضل قليلا من الأشخاص العاديين. لقد ~~تغلبت على دوار البحر الآن. كلما كان الشخص نبيلا وعظيما، زادت قدرته ~~على التحمل.» # تهشمت قشرة البيض حين مرت عربة فوق كليهما، لكن كان من العجيب ~~أنها لم تتكسر. # قالت إبرة الرفو: «يا ويحي، يا له من وزن ساحق! أشعر بدوار البحر ~~الآن. سوف أتحطم!» # لكنها لم تكن مريضة، ولم تتكسر، رغم أن عجلات العربة مرت فوقها. ~~ظلت ممددة بالكامل على الطريق، ولندعها ممددة هناك. # | بائعة أعواد الثقاب الصغيرة # كان البرد قارسا؛ إذ كانت الثلوج تتساقط سريعا، والظلام وشيكا، مع ~~دخول المساء؛ المساء الأخير في العام. في هذا البرد والظلام، سارت فتاة ~~صغيرة مسكينة في الشارع، حاسرة الرأس وحافية القدمين. صحيح أنها حين ~~غادرت المنزل كانت منتعلة خفين؛ إلا أنهما كانا كبيرين جدا على ~~قدميها؛ إذ ظلت أمها تستخدمهما حتى ذلك الوقت، وضاعا من الفتاة ~~الصغيرة المسكينة أثناء عبورها الشارع جريا أثناء مرور عربتين بسرعة ~~فائقة. وحين بحثت عنهما، كان زوج منهما قد اختفت، وأمسك صبي بالأخرى ~~وجرى بها، قائلا إنه سيستخدمها كمهد ذات يوم حين يصير لديه ~~أطفال. # وهكذا مضت الفتاة الصغيرة بقدميها الحافيتين، وقد أصابهما ms054 البرد ~~باحمرار وزرقة. كان يوجد في المئزر القديم الذي ترتديه حزم من عيدان ~~الثقاب، كما كانت تحمل واحدة في يدها أيضا. لكن لم يشتر أحد ولو ~~حزمة واحدة طوال اليوم، ولم يعطها أحد ولو بنسا واحدا. # يا لها من فتاة صغيرة مسكينة! فهي صورة مثالية للبؤس وهي تجرجر ~~قدميها مرتجفة من البرد والجوع. # راحت ندف الثلج تتساقط على شعرها الأشقر الطويل، المسترسل في خصلات ~~ملتفة جميلة حول عنقها؛ لكنها لم تكن تفكر في حسنها ولا البرد. لقد ~~كانت الأضواء تشع خلف كل نافذة، وتسربت إليها الرائحة الشهية لإوزة ~~مشوية، إذ كانت ليلة رأس السنة. وكان هذا كل ما شغل بالها. # في زاوية بين منزلين، تقدم أحدهما عن الآخر، جلست الفتاة منكمشة. ~~لقد ضمت قدميها الصغيرتين تحتها، إلا أنها كانت لا تزال تشعر ~~بالبرد أكثر فأكثر؛ إلا أنها لم تجرؤ على العودة إلى المنزل؛ إذ لم تكن ~~قد باعت أي أعواد ثقاب ولم تستطع الحصول على أي بنسات. وكان أبوها ~~قطعا سيضربها؛ كما أن الجو كان باردا للغاية في المنزل، فلم يكن ~~يسترهم سوى سقف المنزل، ورغم سد أكبر الثقوب بالقش والخرق، فقد بقي ~~العديد من الثقوب التي كان بإمكان الرياح الباردة المرور من ~~خلالها. # وها هي يداها الصغيرتان تكادان تتجمدان من البرد. يا للأسف! يكفيها ~~عود ثقاب واحد إن هي أخذته من الحزمة وحكته بالحائط، ودفأت به ~~يديها. وأخيرا أشعلت واحدا، وكم أخذ يتوهج ويحترق! لقد أعطاها شعلة ~~ضوء دافئة كأنه شمعة صغيرة، حين أحاطته بيديها. كان بصيصا رائعا من ~~الضوء. لقد بدا للفتاة الصغيرة بحق كأنها جالسة أمام موقد كبير من ~~الحديد ذي أقدام نحاسية مصقولة ومجرفة وملقط من النحاس. أخذ العود ~~يحترق في يسر شديد حتى إن الفتاة الصغيرة مدت قدميها لتدفئهما أيضا. ~~كم شعرت بالراحة! لكن ويا للأسف، انطفأت الشعلة، واختفى الموقد، ولم ~~يتبق سوى عود الثقاب الصغير المحترق في يدها. # حكت عودا آخر في الحائط، فأعطاها شعلة متوهجة، وحيث سقط الضوء على ~~الجدار صار شفافا كالشاش ms055 ، حتى إنها استطاعت أن ترى الغرفة من خلاله. ~~رأت مفرشا أبيض كالثلج مبسوطا على طاولة، عليها صحون عشاء جميلة من ~~الخزف الصيني، بينما كان البخار يتصاعد في روعة من إوزة مشوية، محشوة ~~بالتفاح والبرقوق، ويرسل في الأجواء رائحة شهية للغاية. لكن ما كان ~~أكثر بهجة، بل روعة، هو أن الإوزة قفزت من الصحن، وما زالت السكين ~~والشوكة مغروستين في صدرها، وتهادت على الأرض حتى عبرتها إلى الفتاة ~~مباشرة. # إلا أن العود انطفأ حينذاك، ولم يتبق لديها سوى الجدار السميك ~~الرطب. # أشعلت عودا آخر. وعندئذ رأت نفسها أسفل شجرة عيد ميلاد غاية في ~~الجمال، أكبر حجما وأجمل تشذيبا بكثير من التي كانت قد رأتها من خلال ~~الباب الزجاجي لمنزل التاجر الثري. إذ كانت مئات الشموع تحترق على ~~فروعها الخضراء، وتنظر إليها أشكال زاهية، كالتي رأتها في نوافذ ~~المتاجر. مدت الطفلة ذراعيها إليها؛ لكن انطفأ العود حينذاك. # ظلت أنوار شجرة عيد الميلاد ترتفع أعلى فأعلى، حتى رأتها الآن كنجوم ~~في السماء، ثم سقطت واحدة منها، فخلفت شريطا طويلا من ~~اللهب. # تمتمت الطفلة بصوت رقيق: «ثمة شخص يحتضر الآن.» فقد أخبرتها ~~جدتها، وهي الشخص الوحيد الذي أحبها، وقد توفيت، أنه متى سقط نجم ~~صعدت روح إلى الرب. # حكت الفتاة عودا آخر بالحائط، فأضاء الدنيا مرة أخرى؛ وفي الضوء ~~لاحت أمامها جدتها العجوز الحبيبة، تشع نورا وبريقا، لكن تقطر عذوبة ~~ورقة، وكانت سعيدة كما لم تبد قط في حياتها. # صاحت الطفلة: «جدتي، فلتأخذيني معك. أعلم أنك ستختفين حين ينطفئ ~~العود. أنت أيضا ستختفين مثل الموقد الدافئ، ووليمة عيد الميلاد ~~الرائعة، وشجرة عيد الميلاد الجميلة.» وحتى لا تختفي جدتها، حكت ~~حزمة أعواد الثقاب بالكامل في الحائط. # اشتعلت أعواد الثقاب في لهيب شديد الوهج حتى صار الضوء أشد من ساعة ~~الظهيرة. الجدة التي لم تبد بهذه الضخامة والجمال قط ضمت الفتاة بين ~~ذراعيها، وطارتا معا، في فرح وعظمة، صاعدتين إلى آفاق أعلى وأعلى، ~~بعيدا عن الأرض؛ حيث لا يوجد جوع أو برد أو هم؛ إذ صارتا ms056 مع ~~الرب. # لكن في ساعة الفجر، كانت الفتاة المسكينة جالسة في الزاوية، مستندة ~~إلى الحائط، بوجنتين متوردتين وثغر مبتسم، بعد أن تجمدت حتى الموت ~~في الليلة الأخيرة من العام المنصرم. إذ قبعت في مكانها متيبسة وباردة، ~~معها حزم أعواد الثقاب، التي احترقت منها حزمة واحدة. # قال الناس: «يا لها من صغيرة مسكينة أرادت أن تتدفأ!» لكن لم يتخيل ~~أحد الرؤى الجميلة التي كانت قد شاهدتها، أو كيف رحلت في عظمة مع ~~جدتها لتعيش أفراح العام الجديد. # | الحبيبان # كان يوجد في أحد الأدراج بلبل دوار (أو ما يطلق عليه نحلة)، وكرة ~~قريبان بعضهما من بعض ضمن لعب أخرى. ذات يوم قال البلبل الدوار ~~للكرة: «لم لا نكون حبيبين ما دمنا نقضي وقتا طويلا معا؟» # لكن لما كانت الكرة مصنوعة من جلد الماعز المدبوغ، فقد كانت تظن ~~نفسها سيدة من سلالة عريقة جدا، ولذا رفضت هذا العرض. في اليوم ~~التالي، جاء الصبي الصغير صاحب اللعب إلى الدرج؛ وطلى البلبل الدوار ~~بالأحمر والأصفر، وأدخل مسمارا نحاسيا لامعا في رأسه، فبدا أنيقا ~~للغاية في واقع الأمر وهو يدور. # قال البلبل الدوار للكرة: «انظري إلي، ما رأيك في الآن؟ لماذا ~~لا نتزوج ونصير زوجا وزوجة؟ إننا منسجمان للغاية! أنت تستطيعين القفز ~~وأنا أستطيع الرقص. لن يكون هناك ثنائي أسعد منا في العالم ~~بأسره!» # قالت الكرة: «هل تعتقد ذلك؟ ربما لا تعلم إذن أن أبي وأمي كانا زوجي ~~خف من جلد الماعز المدبوغ، وأنني لدي في جسدي فلين إسباني!» # قال لها البلبل الدوار: «ليكن، لكنني مصنوع من خشب الماهوجني، ~~والعمدة بنفسه هو من خرطني؛ فلديه مخرطة خاصة به، وقد استمتع كثيرا ~~بصنعي.» # قالت له الكرة: «أحقا ما تقول؟» # رد عليها البلبل: «ليتني لا أستطيع الدوران ثانية أبدا إن لم يكن ~~ما أقوله لك حقيقة.» # قالت له الكرة: «إنك تدافع عن موقفك جيدا، لكنني ليس لدي حرية ~~الإصغاء إلى عرضك، لكوني على وشك الارتباط بطائر سنونو. إنه، كلما ~~ارتفعت عاليا في الهواء، يخرج رأسه من عشه ويقول ms057 : «هل توافقين؟» وقد ~~وافقت بالفعل في أعماق قلبي، وهذا يكاد يكون في حكم الخطوبة؛ لكنني ~~أعدك ألا أنساك أبدا.» # قال البلبل الدوار: «سيكون لي في هذا عزاء كثير.» وتوقفا عن الحديث ~~بعضهما مع بعض. # في اليوم التالي أخرجت الكرة، ورآها البلبل الدوار وهي تحلق في ~~الهواء مثل الطيور، عاليا جدا، حتى إنها غابت تماما عن الأنظار. ~~لكنها عادت ثانية؛ لكنها كانت كلما لمست الأرض، تقفز أعلى عن ذي قبل. ~~لا بد أن يكون هذا لأنها تتوق إلى الصعود إلى آفاق أعلى، مثل السنونو، ~~أو لأن لديها في جسدها فلينا إسبانيا. وفي المرة التاسعة لم تعد ~~الكرة الصغيرة. ظل الصبي يبحث عنها، لكن دون جدوى، فقد اختفت. # تنهد البلبل الدوار وقال: «أعلم جيدا أين هي. إنها في عش السنونو، ~~تحتفل بعرسها.» # وكلما أمعن البلبل الدوار في التفكير في هذا الأمر بدت له الكرة أكثر ~~جمالا؛ إذ بدا كأن عدم قدرته على الزواج منها قد زاد من حبه لها. لقد ~~فضلت شخصا آخر عليه إلا أنه لم يستطع نسيانها. لقد ظل يدور مرارا ~~وتكرارا، ويلف ويئز، لكنه ظل دائما يفكر في الكرة، التي كانت تزداد ~~حسنا كلما فكر فيها. وهكذا مرت عدة سنوات، وصار حبا قديما، ولم يعد ~~البلبل الدوار شابا! # ذات يوم طلي البلبل الدوار بالكامل بالذهب؛ فبدا جميلا كما لم ~~يبد قط في حياته. هكذا صار بلبلا دوارا ذهبيا، وقد دار على نحو ~~رائع، وهو يئز طوال الوقت. لكنه في مرة قفز عاليا جدا، ~~واختفى! # وقد بحثوا عنه في كل مكان - حتى القبو - لكنهم لم يعثروا عليه في أي ~~مكان. فأين كان؟ # كان قد قفز في صندوق القمامة، حيث جلس بين سيقان الكرنب والكناسة ~~والغبار وسائر أنواع القمامة التي سقطت من المزراب الذي في ~~السطح. # قال البلبل: «وا أسفاه! سيفسد طلائي اللامع سريعا هنا. أي أشياء ~~بالية تلك التي صرت بينها؟» ثم ألقى نظرة عابرة على ساق كرنب طويل كان ~~قريبا جدا منه، وعلى شيء غريب ومستدير، بدا مثل التفاحة ms058 ، لكنه لم ~~يكن كذلك. لقد كانت الكرة القديمة التي لا بد أنها ظلت قابعة لسنوات في ~~المزراب، وقد تشبعت بالمياه مرارا وتكرارا. # قالت الكرة وهي تنظر بتأثر إلى البلبل المطلي بالذهب: «الحمد لله! ~~أخيرا رأيت مكافئا لي؛ واحدا على شاكلتي أستطيع أن أتحدث معه. إنني ~~مصنوعة من جلد ماعز مدبوغ أصلي، خاطته يدا سيدة شابة، ويوجد بداخلي ~~فلين إسباني؛ لكن لا أحد قد يأبه لذلك الآن. لقد كنت قاب قوسين من ~~الزواج من السنونو، حين أسقطتني صدفة مؤسفة في المزراب الذي فوق السطح. ~~ظللت هناك خمس سنوات، أنضح ماء. لك أن تتخيل كم كان هذا وضعا منهكا ~~لسيدة شابة مثلي.» # لم يرد البلبل. وكلما فكر في حبه القديم، وأنصت لما تقوله الكرة، زاد ~~يقينه من أنها هي بالتأكيد. # ثم جاءت الخادمة لإفراغ صندوق القمامة، فصاحت: «أوه! ها هو البلبل ~~الدوار الذهبي.» وهكذا حمل البلبل إلى حجرة اللعب مرة أخرى، ليستخدم ~~ويعامل معاملة حسنة كما في السابق، بينما لم يسمع أي شيء عن الكرة ~~مرة أخرى. # لم يتحدث البلبل الدوار عن حبه القديم مرة أخرى قط؛ لا بد أن المشاعر ~~قد مضت. وليس هذا عجيبا، ما دام المحبوب ظل قابعا في مزراب طيلة خمس ~~سنوات، مبتلا تماما، وقد التقى به مرة أخرى في صندوق قمامة. # | مباراة القفز # ذات يوم أراد البرغوث والجندب والضفدع أن يعرفوا أيهم يستطيع القفز ~~أعلى من الآخرين، فأقاموا مسابقة، ودعوا العالم بأجمعه وكل من ود ~~المجيء ومشاهدة الحدث العظيم. وقد كانوا ثلاثة متبارين مشهورين، كما ~~قال عنهم الجميع، حين التقوا في الحجرة. # قال الملك: «سوف أهب ابنتي لمن سيقفز أعلى من الآخرين؛ فليس من ~~اللائق أن يفوز دون أن نعطيه جائزة.» # كان البرغوث أول من تقدم. كان شديد التهذيب، إذ انحنى للمتفرجين في ~~كل ناحية؛ فهو كريم الأصل، كما أنه اعتاد مجتمع البشر، وكان ذلك في ~~مصلحته بالطبع. # ثم جاء دور الجندب؛ ولم يكن في رشاقة البرغوث، لكنه كان يعرف جيدا ~~كيف يتصرف، وكان يرتدي الزي الأخضر ms059 الذي وهبته إياه الطبيعة. كما قال ~~إنه ينحدر من أسرة مصرية شديدة العراقة، وإنه يلقى احتفاء كبيرا في ~~المنزل الذي يعيش فيه. # الحقيقة أنه قد أخذ من الحقول ووضع في منزل من أوراق اللعب ~~مكون من ثلاثة طوابق، بني له خصيصى، حيث وضعت الجوانب الملونة ~~بالداخل، وصممت الأبواب والنوافذ من ورقات ملكة القلوب. قال الجندب: ~~«كما أنني أغني جيدا، حتى إن ستة عشر من صراصير الليل، التي ترعرعت ~~في الصالونات والتي تصر منذ طفولتها لكن لم يبن لها أحد منازل من ~~أوراق اللعب رغم هذا حتى تعيش فيها، زادها الحنق نحافة على نحافة، من ~~فرط غيظها عند سماعي.» # هكذا بذل البرغوث والجندب أقصى ما في وسعيهما، وقد اعتقد كل منهما ~~أنه كفء تماما للأميرة. # أما الضفدع فلم ينبس بكلمة؛ لكن الناس قالت إنه ربما يفكر أكثر مما ~~يتكلم؛ وأقر كلب الحراسة الذي تشممه بأنفه أنه من أسرة كريمة. ~~والمستشار العجوز الذي حصل على ثلاث رتب لالتزامه الصمت، أكد أن الضفدع ~~لديه قدرات تنبؤية كبيرة؛ إذ يستطيع المرء أن يعرف من النظر إلى ظهره ~~ما إن كان الشتاء القادم سيكون قارسا أم معتدلا، وهو أكثر مما يمكن ~~معرفته عند التطلع في ظهر الرجل الذي يكتب الروزنامة. # أفصح الملك قائلا: «لن أعلن شيئا الآن، لكنني كونت رأيا، فإنني ~~ألاحظ كل شيء.» # ثم بدأت المباراة؛ فقفز البرغوث عاليا جدا حتى إن أحدا لم يستطع ~~أن يرى ماذا حدث له؛ ومن ثم أصروا أنه لم يقفز من الأساس، وهو ما كان ~~مخزيا بعد كل الضجة التي كان قد أثارها. # أما الجندب فقد قفز فبلغ نصف الارتفاع السابق فحسب؛ إلا أنه نزل على ~~وجه الملك الذي اشمأز من قلة تهذيبه. # ظل الضفدع واقفا طويلا، كمن شرد في أفكاره؛ فبدأ الناس يظنون أنه ~~لن يقفز مطلقا. # قال الكلب: «أخشى أنه مريض!» ثم ذهب ليتشممه مرة أخرى، لكنه قفز قفزة ~~جانبية مفاجئة ليهبط في حجر الأميرة، التي كانت جالسة قريبا على مقعد ~~ذهبي صغير. # هنا قال الملك ms060 : «ليس هناك ما يعلو على ابنتي، ومن ثم فالنزول في ~~حجرها هو أعلى قفزة يمكن القيام بها. لم يكن ليفكر في ذلك إلا شخص ~~حسن الإدراك. ومن ثم فقد أثبت الضفدع أن لديه بصيرة. إن لديه عقلا ~~يعمل في رأسه.» # وهكذا فاز بالأميرة. # قال البرغوث: «ولكنني قفزت أعلى قفزة، لكن هذا لا يهم. لتحصل الأميرة ~~على هذا الكائن اللزج ذي الساقين غير المرنتين ما دامت تريد ذلك. ~~فنادرا ما يكافأ المتميز في هذا العالم. والبلادة والقوة هما ما ~~يفوزان. إن هذا العالم الغبي لا يريد رشاقتي وخفتي.» # وهكذا ذهب البرغوث للعمل في السلك الدبلوماسي. # جلس الجندب في الخارج على ضفة خضراء وراح يتأمل العالم وأموره؛ وقال ~~هو الآخر: «صحيح، البلادة والقوة هما ما يفوزان؛ فالمظهر الحسن هو ما ~~يأبه له الناس هذه الأيام.» ثم أخذ يغني بطريقته المميزة، ومن أغنيته ~~أخذنا هذه القصة القصيرة، التي من المحتمل جدا ألا تكون حقيقية، رغم ~~أنها مطبوعة في هذا الكتاب بالأبيض والأسود. # | الأسرة السعيدة # إن أكبر ورقة خضراء في هذا البلد هي بالتأكيد ورقة نبات الأرقطيون. ~~ضع واحدة أمام خصرك، وستجد أنها ستصبح مثل المئزر؛ أما إذا وضعت واحدة ~~فوق رأسك، فستبدو تماما مثل المظلة؛ فهي عريضة جدا. # لا ينمو نبات الأرقطيون بمفرده قط؛ فأينما وجدت واحدا منه تأكد من ~~نمو آخرين من نفس النوع قريبا جدا منه. كم يبدو هذا رائعا! # وكل هذه الروعة تعد غذاء للحلزونات؛ الحلزونات البيضاء الضخمة، التي ~~اعتاد الأشخاص رفيعو المستوى في أزمنة غابرة أن يطهوها يخنة، ويقولون ~~بعد تناولها: «أمم، كم هي شهية!» فقد كانوا حقا يرونها طيبة المذاق. ~~كانت هذه الحلزونات تعيش على أوراق الأرقطيون، وكان الأرقطيون يزرع ~~لذلك السبب. # ثم كانت هناك ضيعة قديمة حيث لم تعد الحلزونات تعتبر من الأطعمة ~~الشهية. لذلك فقد انقرضت الحلزونات، في حين ظل الأرقطيون مزدهرا. إذ ~~راح ينمو في كل الممرات وفي كل أحواض الزرع، حتى صار خارجا عن ~~السيطرة؛ فأصبح المكان غابة مثالية من الأرقطيون. # لقد كنت تجد ms061 شجرة تفاح أو برقوق هنا وهناك كدليل على أنه كان ذات يوم ~~ثمة حديقة في هذا المكان، الذي صار مغطى تماما بالأرقطيون، وتحت ظل ~~الأرقطيون كان يعيش آخر اثنين من الحلزونات القديمة. # هما نفسهما لم يكونا يعرفان كم يبلغان من العمر، لكنهما كانا يتذكران ~~جيدا الزمن الذي كان فيه الكثير جدا من نوعهما، وأنهما انحدرا من ~~أسرة جاءت من أراض أجنبية، وأن هذه الغابة التي يعيشان فيها قد زرعت ~~لهما ولنوعهما. ورغم أنهما لم يذهبا قط خارج حدود الحديقة، فقد كانا ~~يعرفان أن ثمة شيئا خارج غابتهما، يسمى القلعة، وأن الحلزون كان ~~يسلق هناك، ويصير أسود اللون، ثم يوضع على صحن فضي، إلا أنهما لم ~~يسمعا قط بما كان يحدث بعد ذلك، ولا كان بإمكانهما أن يتخيلا على وجه ~~الدقة كيف يكون إحساس من يطهى ويوضع على طبق فضي. لا شك أنه كان ~~شيئا فاخرا وفي غاية الفخامة. # كذلك لم تكن خنفساء الجعل أو الضفدعة أو دودة الأرض اللواتي كانا ~~يسألانهن عن هذا الأمر، يستطعن إعطاءهما أي معلومة؛ فلم تكن أي ~~منهن من قبل قد طهيت وقدمت على صحون فضية. # لكن كان الكل يدرك جيدا أن الحلزونات البيضاء القديمة كانت هي ~~السلالة الأرقى في العالم. ولقد أقيمت هذه الغابة من أجلها، وكذلك ~~بنيت القلعة أو القصر خصيصى حتى تطهى وتؤكل فيها. # ونظرا إلى أنهما الآن كانا يعيشان حياة هادئة وسعيدة جدا لكن من ~~دون أبناء، فقد تبنيا حلزونا عاديا صغيرا، وربياه كأنه ابنهما. ~~إلا أن الحلزون الصغير لم يكبر؛ إذ لم يكن سوى حلزون عادي، إلا أن أمه ~~بالتبني تظاهرت بأنها ترى فيه تطورا كبيرا. وقد ترجت الأب أن يتحسس ~~صدفة الحلزون الصغير، لما كان غير قادر على ملاحظتها، وقد سرها وسره ~~كثيرا أنه اكتشف أن زوجته كانت على حق. # وفي أحد الأيام هطلت الأمطار بغزارة شديدة، فقال الحلزون الأب: ~~«أنصتي! أصغي إلى صوت القرع على أوراق الأرقطيون؛ تك تك دوم!» # قالت الحلزونة الأم: «ثمة قطرات تسيل على السيقان أيضا ms062 . بعد قليل ~~سنجد المكان وقد صار مبتلا جدا. إنني سعيدة أن لدينا هذه المساكن ~~الجيدة، نحن وهذا الصغير. إننا أفضل حالا كثيرا من أي مخلوقات أخرى. ~~لا بد أنه من الواضح للجميع أننا كائنات راقية. فلدينا مساكن خاصة بنا ~~منذ ولادتنا، وغابة الأرقطيون هذه مزروعة من أجلنا. أود فقط أن أعرف ~~إلى أين تمتد، وما الذي يقع بعدها.» # قال الحلزون الأب: «ليس هناك أفضل مما لدينا هنا. وأنا لا أتمنى أكثر ~~من ذلك.» # قالت الأم: «لكنني أود أن أؤخذ إلى القلعة، وأسلق، وأقدم على ~~صحن فضي؛ فقد كان هذا مصير كل أسلافنا، ومن المؤكد أن هذا شيء خارج ~~تماما عن المألوف.» # قال الحلزون الأب: «ربما صارت القلعة أطلالا، أو ربما غطاها نبات ~~الأرقطيون حتى إن ساكنيها لا يستطيعون الخروج. ليس هناك داع إلى تعجل ~~الأمر. إنك دائما على هذه الحال من الاستعجال الشديد، وها هو الصغير ~~بدأ يحذو حذوك. فقد ظل طوال الثلاثة الأيام الماضية يزحف صاعدا تلك ~~الساق التي هناك، حتى إنني أشعر بدوار شديد عند النظر إليه.» # قالت الأم: «لكن لا توبخه، فهو يزحف بحذر. نحن كبار السن ليس ~~لدينا شيء آخر لنعيش من أجله، وسوف يكون هو بهجتنا في شيخوختنا. هل ~~فكرت كيف يمكننا العثور على زوجة له؟ هل تعتقد أنه قد يكون هناك آخرون ~~من نوعنا عند التوغل بعيدا في الغابة؟» # قال الأب العجوز: «أعتقد أنه قد يكون هناك حلزونات سوداء؛ حلزونات ~~سوداء من دون مسكن على الإطلاق؛ إنهم سوقيون إلا أنهم مزهوون بأنفسهم. ~~لكن يمكننا الاستعانة بالنمل الأسود الذين يركضون كثيرا في الأنحاء، ~~يهرعون هنا وهناك كما لو كان بأيديهم زمام العالم. لا شك أنهم ~~سيستطيعون العثور على زوجة لابننا الشاب.» # قالت واحدة من النمل: «أعرف أجمل الجميلات، لكن أخشى أنها لن تكون ~~مناسبة، فهي ملكة.» # قال الحلزونان العجوزان: «لا يهم. هل لديها منزل؟» # أجابهما النمل: «لديها قصر؛ قلعة نمل غاية في الروعة، ذات سبعمائة ~~ممر.» # قالت الحلزونة الأم: «شكرا! لن يذهب ابننا للعيش في ms063 بيت للنمل. إن ~~لم يكن لديكم معلومات عن شيء أفضل، فسنستعين بالبعوض الأبيض، الذي يطير ~~سواء كان الجو صحوا أو ممطرا ويعرف مداخل ومخارج غابة الأرقطيون ~~بأسرها.» # قال البعوض: «لقد وجدنا زوجة له؛ فعلى بعد مائة خطوة من هنا يوجد ~~على إحدى شجيرات عنب الثعلب حلزونة صغيرة لديها منزل. إنها وحيدة ~~تماما وفي سن مناسبة للزواج، ولا تبعد سوى مائة خطوة من خطوات البشر ~~من هنا.» # قال الزوجان العجوزان: «فلتأت إليه إذن؛ فهو لديه غابة أرقطيون ~~كاملة، أما هي فلديها شجيرة فحسب.» # وعليه فقد ذهبوا وأحضروا الحلزونة الصغيرة. وقد استغرقت الرحلة ~~ثمانية أيام، لكن لم يكشف ذلك إلا عن نشأتها الراقية، وأنها من أسرة ~~كريمة الأصل. # ثم أقيم العرس، حيث أشعت ست من الديدان المتوهجة أقصى ما استطاعت من ~~ضوء، لكنه كان عرسا هادئا جدا من كل النواحي الأخرى. إذ لم يكن ~~الوالدان المسنان يتحملان مشقة أجواء المرح أو الاحتفال. وقد ألقت ~~الحلزونة الأم خطبة قصيرة مؤثرة جدا، أما الأب فقد كان متأثرا ~~للغاية حتى إنه شك في قدرته على أن يقول أي شيء. # أعطى الأب والأم غابة الأرقطيون بأسرها للزوجين الجديدين، وهما ~~يرددان ما قالاه دائما، ألا وهو إنه أفضل إرث في العالم، وإنهما في ~~حال عاشا حياة مستقيمة وشريفة، وزادا عدد أفراد أسرتهما، فسوف يؤخذان ~~هما وأطفالهما دون شك ذات يوم إلى القلعة حيث يسلقون حتى يصير لونهم ~~أسود ويقدمون يخنة في صحن فضي. # بعد هذا زحف الزوجان العجوزان إلى منزليهما ولم يخرجا ثانية أبدا، ~~حيث خلدا للنوم. أما الزوجان الشابان، فقد حكما الغابة وصار لهما أسرة ~~كبيرة. لكن لما مر الزمن دون أن يطهى أي منهما أو يقدم على صحن ~~فضي، فقد استنتجا أنه لا بد أن القلعة قد صارت أطلالا وأن عالم البشر ~~قد فني؛ وحيث إن أحدا لم ينكر ذلك، فلا بد أنهما كانا على ~~صواب. # وظلت الأمطار تهطل على أوراق الأرقطيون فقط حتى تسليهما بصوت ~~دبيبها، وظلت الشمس تسطع لتضيء الغابة لصالحهما على وجه ms064 الخصوص، وهكذا ~~عاشا في سعادة غامرة - هما وأسرة الحلزونات كلها - وقد كانت سعادة لا ~~توصف. # | الكائنات الخضراء الصغيرة # انتصبت خارج النافذة شجرة ورد، كانت منذ وقت قصير خضراء ويانعة، أما ~~الآن فتبدو سقيمة، إنها معتلة الصحة بلا شك. فقد سكنها سرب كامل من ~~الحشرات وأخذ يلتهمها، لكن رغم هذه الشراهة الظاهرة، فقد كان السرب في ~~غاية اللياقة والاحترام. وكان أفراده يرتدون زيا موحدا من اللون ~~الأخضر الزاهي. وقد تحدثت إلى واحد من هذه «الكائنات الخضراء الصغيرة». ~~كان عمره ثلاثة أيام فقط، إلا أنه كان جدا بالفعل. ماذا قال في ~~اعتقادكم؟ بالضبط؛ لقد تحدث عن نفسه وعن بقية السرب. فلتنصتوا إذن إلى ~~قصتهم! ~~«إننا أروع مخلوقات في العالم. إننا نخطب في سن صغيرة جدا، ثم ~~نتزوج على الفور. وحين يصير الطقس باردا نضع بيضنا، لكن الصغار ينعمون ~~بالراحة والدفء. يفهمنا النمل جيدا؛ فهم أكثر المخلوقات حكمة، ولذلك ~~نكن لهم بالغ الاحترام. تأكد تماما أنهم يقدروننا. فهم لا ~~يلتهموننا في الحال؛ وإنما يأخذون بيضنا، ويضعونه في بيت النمل الخاص ~~بالعائلة في الطابق الأرضي، فيرصونه، بعد إعطاء أسماء وأرقام له، جنبا ~~إلى جنب، طبقة فوق أخرى، بحيث يتسلل من البيضة في كل يوم طفل جديد. ثم ~~يضعوننا في إسطبل، ويضغطون على سيقاننا الخلفية، ويحلبوننا حتى نموت. ~~وقد سمونا بأجمل الأسماء؛ «البقر الحلوب الصغيرة». # كل المخلوقات التي وهبها الله فطرة سليمة، مثل النمل، ينادوننا بهذا ~~الاسم الجميل. البشر وحدهم لا يفعلون ذلك. فهم يدعوننا باسم آخر، اسم ~~نرى فيه إهانة كبيرة؛ كبيرة لدرجة أنه يكدر صفو حياتنا. هل تستطيع أن ~~تكتب احتجاجا عليه من أجلنا؟ هل بإمكانك أن تثير انتباه هؤلاء البشر ~~إلى الخطأ الذي يرتكبونه في حقنا؟ إنهم ينظرون إلينا بغباء شديد، ~~وأحيانا، بعينين حاقدتين للغاية؛ فقط لأننا نأكل أوراق الورد، في ~~حين أنهم أنفسهم يأكلون كل المخلوقات؛ أي شيء حي وأخضر. ورغم هذا فهم ~~ينعتوننا نحن بأحقر الأسماء! يعف لساني حتى عن ذكره. فهو يثير غثياني ~~بشدة. لا أستطيع حتى أن أنطق ms065 به، على الأقل وأنا أرتدي زيي الرسمي، ~~وهذا ما أرتديه دائما. # لقد ولدت على ورقة ورد، وأعيش أنا وسائر السرب على شجرة الورد. بل ~~إنها بالأحرى تمدنا بالغذاء. لكنها بهذا تعيش فينا مرة أخرى، نحن ~~الذين ننتمي إلى رتبة أعلى من الكائنات الحية. # أما البشر فهم لا يحبوننا، ويلاحقوننا ويقتلوننا برغوات الصابون. ~~أوه، إنه سائل بشع! أشعر كأنني أشم رائحته الآن. لا يمكنك أن تتخيل مدى ~~فظاعة أن تستحم في حين أنك لم تخلق من أجل هذا. أيها البشر، يا من ~~تنظرون إلينا بعيون قاسية من خلف رغوات الصابون، فلتتأملوا للحظة ~~موقعنا في الطبيعة: إننا نولد على الورود، ونموت في الورود، حياتنا ~~بأكملها قصيدة وردية. أرجوكم، لا تسمونا باسم أنتم أنفسكم تعلمون أنه ~~حقير جدا؛ الاسم الذي لا أطيق أن أنطق به. إذا أردتم الحديث عنا، ~~فلتسمونا «بقر النمل الحلوب أو سرب حشرات شجرة الورد أو الأشياء ~~الخضراء الصغيرة».» # هنا وقفت أنا، الإنسان، أتطلع إلى الشجرة والكائنات الخضراء الصغيرة ~~(التي لن أذكر اسمها، لأنني لا أود أن أجرح مشاعر سكان شجرة الورد)؛ ~~الأسرة الكبيرة ذات البيض والصغار؛ ونظرت إلى رغوات الصابون التي كنت ~~سأرشهم بها؛ فأنا أيضا كنت قد جئت بماء وصابون وكانت لدي نية للقتل. ~~لكنني الآن سأستخدمهما لصنع فقاقيع الصابون. انظروا، كم هي جميلة! ربما ~~يوجد في كل واحدة منها حكاية، إذ تزداد كل فقاعة حجما ولمعانا وتبدو ~~كأن بداخلها لؤلؤة. # تمايلت إحدى الفقاعات ودارت، ثم طارت إلى الباب وانفقأت، لكن الباب ~~انفتح على مصراعيه، ووقفت عنده سيدة الحكايات بنفسها! والآن ستحكي ~~لكم أفضل مني عن الأشياء الخضراء الصغيرة التي في شجرة الورد (التي لن ~~أقول اسمها). # قالت سيدة الحكايات: «إنها قمل النباتات!» لا بد أن نسمي الأشياء ~~بأسمائها الصحيحة. فإن لم نفلح في أن نفعل هذا دوما، فلا بد أن نحظى ~~بشرف أن نفعل هذا في الحكايات على الأقل. # | أول لوك اوي، رب الأحلام # لا يوجد في العالم كله من يعرف عددا كبيرا من الحكايات أو يستطيع ms066 ~~أن يحكيها بأسلوب شائق جدا مثل أول لوك اوي. # حين يحل المساء ويكون الأطفال جالسين إلى مائدة الشاي أو على مقاعدهم ~~الصغيرة، تراه يصعد الدرج في هدوء شديد، فهو يسير مرتديا جوربا. ثم ~~يفتح الباب دون أن يحدث أدنى ضجة، ويلقي كمية صغيرة من التراب ~~الشديد الرقة في عيون الصغار (ما يكفي لمنعهم من فتحها)، وهكذا لا ~~يرونه. ثم يتسلل خلفهم وينفخ الهواء برقة في أعناقهم حتى تبدأ رءوسهم ~~تثقل وينامون. # لكن أول لوك اوي لا يريد أن يؤذيهم؛ فهو يحب الأطفال حبا جما ~~ويريد فقط أن يكونوا هادئين حتى يستطيع أن يقص عليهم حكايات مسلية، وهو ~~يعلم أنهم لا يكونون هادئين أبدا إلا وهم في الفراش نائمون. وهكذا ~~يجلس أول لوك اوي على الفراش بمجرد أن يخلدوا للنوم، وهو يرتدي ملابس ~~جميلة؛ فمعطفه مصنوع من حرير، يستحيل أن تحدد لونه، فهو يتغير من ~~الأخضر إلى الأحمر ومن الأحمر إلى الأزرق وهو يلتفت من جانب إلى آخر. ~~وهو يحمل تحت كل ذراع مظلة؛ إحداهما بداخلها صور جميلة، يرفعها فوق ~~الأطفال الطيبين، فيحلمون بقصص مبهجة للغاية. أما المظلة الأخرى فليس ~~بها صور، وهو يحملها فوق الأطفال المشاغبين، فينامون نوما ثقيلا ~~ويستيقظون في الصباح دون أن يكون قد راودهم أي أحلام مطلقا. # والآن سنعرف كيف ظل أول لوك اوي يأتي لصبي صغير يدعى يالمار كل ليلة ~~طيلة أسبوع، وما الذي أخبره به. لقد أخبره بسبع قصص بعدد أيام ~~الأسبوع. # يوم الاثنين # قال أول لوك اوي في المساء، حين كان يالمار في الفراش: «فلتنتبه ~~الآن بينما أزين الحجرة.» # وفي الحال صارت كل الزهور التي في أصص الزرع أشجارا كبيرة ذات ~~فروع طويلة بلغت السقف وتمتد على الجدران، حتى بدت الحجرة ~~بأكملها كأنها مستنبت. وكانت كل الفروع محملة بالزهور، وكل زهرة ~~في جمال وعبير الوردة، وإذا تذوقها أي شخص كان سيجد مذاقها أحلى ~~من المربى. وكانت الثمار تلمع كالذهب، وكان هناك كعك امتلأ عن آخره ~~بالبرقوق حتى كاد يتشقق. كانت الحجرة جميلة جمالا منقطع ms067 ~~النظير. # في الوقت نفسه تصاعد أنين حزين من درج المنضدة الذي يضع فيه ~~يالمار كتبه المدرسية. # قال أول لوك اوي وهو يذهب إلى المنضدة ويفتح الدرج: «ما هذا يا ~~ترى؟» # كان لوح الكتابة متكدرا للغاية بسبب رقم خطأ في عملية حسابية ~~حتى إنه أوشك أن يكسر نفسه. في حين أخذ القلم يشد سلسلته ويجذبها ~~كأنه كلب صغير يريد أن يساعد ولا يستطيع. # ثم جاء أنين من كراسة يالمار. وقد كان له وقع فظيع تماما في ~~الأذن! كان في كل صفحة صف من الحروف الكبيرة، وبجانب كل واحد منها ~~حرف صغير. كانت هذه مطبوعة، وجاء أسفلها حروف أخرى كتبها يالمار ~~بنفسه، وقد كانت تعتقد أنها تبدو مثل الحروف المطبوعة، لكنها كانت ~~مخطئة؛ إذ كانت مائلة على جنبها كما لو كانت ستسقط من ~~السطور. # قالت الحروف المطبوعة: «انظروا، هكذا يجب أن تقفوا. انتبهوا، لا ~~بد أن تميلوا هكذا، في انحناءة أنيقة.» # قالت حروف يالمار: «أوه، نحن نرغب بشدة في فعل هذا، لكننا لا ~~نستطيع؛ فقد كتبنا على نحو رديء للغاية.» # قال أول لوك اوي: «إذن لا بد أن تمسحوا.» # صاحت الحروف: «أوه، لا!» ثم وقفت في رشاقة حتى صار منظرها مبهجا ~~جدا للعين. # قال أول لوك اوي: «لا بد أن ننحي الحكايات جانبا ونمرن هذه ~~الحروف. واحد، اثنان ... واحد، اثنان.» وهكذا دربها حتى انتصبت في ~~رشاقة وبدت جميلة مثل الحروف المطبوعة. لكن بعد أن رحل أول لوك ~~اوي، ونظر إليها يالمار في الصباح، كانت رديئة ومرتبكة كما ~~كانت. # يوم الثلاثاء # بمجرد أن خلد يالمار للفراش، لمس أول لوك اوي بعصاه السحرية ~~الصغيرة كل أثاث الحجرة، الذي راح يثرثر في الحال. وأخذت كل قطعة ~~تتكلم عن نفسها فقط. # كان معلقا فوق صوان الأدراج إطار ذهبي بداخله صورة كبيرة، لمنظر ~~طبيعي، تبدو فيه أشجار عجوز جميلة، وزهور على العشب، وجدول عريض ~~يتدفق في الغابة مارا بعدة قلاع حتى ينتهي بعيدا عند المحيط ~~الهادر. # لمس أول لوك اوي الصورة بعصاه السحرية، وفي الحال بدأت الطيور ms068 ~~تغني، واهتزت فروع الأشجار، وجالت السحب في السماء، ملقية ~~بظلالها على المنظر الذي تحتها. # ثم رفع أول لوك اوي الصغير يالمار إلى الإطار ووضع قدميه في ~~الصورة، على العشب المرتفع، فوقف هناك وقد سطعت فوقه الشمس مخترقة ~~فروع الأشجار. جرى يالمار إلى الماء وجلس في قارب صغير كان هناك، ~~وقد كان مدهونا بالأحمر والأبيض. # لمعت أشرعة القارب كأنها فضية، وجاءت ست بجعات، حول عنق كل ~~واحدة منها حلقة ذهبية وعلى جبهتها نجمة زرقاء لامعة، وأخذت تسحب ~~القارب عابرة به الغابة الخضراء، حيث راحت الأشجار تتحدث عن اللصوص ~~والساحرات، وأخذت الزهور تتحدث عن العفاريت والجنيات الصغيرة ~~الجميلة، التي حكت لها الفراشات قصصها. # سبحت وراء القارب أسماك لامعة ذات قشور كأنها من ذهب وفضة، وهي ~~تقفز وتنثر الماء حولها بين الحين والآخر؛ في نفس الوقت طارت خلفه ~~طيور، حمراء وزرقاء، صغيرة وكبيرة، في صفين طويلين. ورقص البعوض ~~حولهم، وطنت الخنافس. كلهم أرادوا أن يتبعوا يالمار، والكل كان ~~لديه قصة ما ليخبره بها. كانت رحلة إبحار مبهجة للغاية. # كانت الغابات كثيفة ومعتمة أحيانا، وأحيانا أخرى متألقة بأشعة ~~الشمس والزهور مثل حديقة جميلة؛ وقد مر يالمار بقصور ضخمة من زجاج ~~ورخام، وقفت في شرفاتها أميرات، بوجوه بنات صغيرات كان يالمار ~~يعرفهن جيدا وطالما لعب معهن. مدت واحدة من تلك الفتيات يدا كان ~~فيها قلب من السكر، والذي كان أجمل من أي حلوى باعها متجر حلوى من ~~قبل. وبينما كان القارب يتحرك بيالمار أمسك يالمار بجانب من القلب ~~وتشبث به، وتشبثت به الأميرة كذلك، فانكسر إلى قطعتين. فأخذ ~~يالمار قطعة وأخذت الأميرة الأخرى، لكن كان نصيب يالمار ~~أكبر. # وفي كل قلعة وقف أمراء صغار كأنهم حراس. وحيوه بأسلحتهم شاهرين ~~سيوف ذهبية وجعلوا السماء تمطر برقوقا وعساكر من الصفيح؛ لا بد ~~إذن أنهم كانوا أمراء حقيقيين. # واصل يالمار الإبحار، مارا بغابات أحيانا، وأحيانا بقاعات ~~كبرى، ثم مر بمدن كبيرة. وأخيرا وصل إلى البلدة التي تعيش فيها ~~مربيته، التي حملته بين ذراعيها حين كان صبيا صغيرا جدا ms069 ~~وطالما كانت حنونة معه. وقد هزت رأسها له وأشارت له ثم أنشدته ~~الأبيات القليلة التالية التي ألفتها بنفسها وأرسلتها له: # تمضي ساعات وساعات وأنا أفكر فيك # يا عزيزي يالمار، فأنت لا تزال مصدر فخري وسروري! # كم كانت بهجتي حين كنت أنحني # لأقبل وجنتيك المتوردتين، يا ولدي العزيز! # كنت أنا من سمعت أولى كلماتك، # واليوم تطير كلمات وداعي مني إليك. # فليرعك الرب ويحمك دوما # ويبن لك في السماء قصرا! # وقد شدت كل الطيور نفس الأغنية، ورقصت الزهور على ~~عيدانها، وهزت الأشجار العجوز رءوسها كأن أول لوك اوي كان يحكي لها ~~هي الأخرى قصصا. # يوم الأربعاء # كم هطلت الأمطار بغزارة! حتى إن يالمار استطاع سماعها وهو نائم، ~~وحين فتح أول لوك اوي النافذة فاض الماء حتى ارتفع لحافة النافذة. ~~بدا كأن بحيرة كبيرة قد امتدت بالخارج، فيما رست سفينة جميلة قرب ~~المنزل. # قال أول لوك اوي: «هلا أبحرت معي الليلة، أيها الصغير يالمار؟ ~~فسوف نرى حينئذ بلادا أجنبية، وسوف تعود إلى هنا في ~~الصباح.» # وفي لحظة كان يالمار واقفا في أبهى ملابسه على متن السفينة ~~الفخمة، وفي الحال صار الجو صحوا. # أبحرا وسط الشوارع، وحول الكنيسة، بينما امتد في كل ناحية بحر ~~عريض هائل. # لقد أبحرا حتى غابت اليابسة، وبعد ذلك رأوا سربا من اللقالق ~~كانوا قد غادروا بلدهم مسافرين إلى مناطق أكثر دفئا. كانت اللقالق ~~تطير واحدا خلف الآخر وقد مضى عليها بالفعل زمن طويل جدا في ~~الجو. # وقد بدا أحدهم متعبا للغاية حتى إن جناحيه كانا بالكاد يقويان ~~على حمله. وما لبث أن تأخر كثيرا عن السرب. وبعد قليل هبط أكثر ~~فأكثر، مادا جناحيه يرفرف بهما دون جدوى، حتى لمست قدماه حبال ~~السفينة، فانزلق من الأشرعة إلى السطح حتى وقف أمامهما. أمسك به ~~بحار صغير ووضعه في حظيرة الطيور مع الدجاج والبط والديوك، فوقف ~~اللقلق المسكين بينها وهو في غاية الارتباك. # قال الدجاج: «فلتنظروا إلى هذا الرفيق.» # انتفخ الديك الرومي بقدر ما استطاع وتساءل من يكون، وتراجع البط ~~بخطوات بطيئة ms070 وهو يصيح: «كاك، كاك!» # حكى لهم اللقلق جميعا عن أفريقيا الدافئة؛ عن الأهرامات وعن ~~النعام، الذي ينطلق مثل الحصان الجامح في أنحاء الصحراء. لكن البط ~~لم يع ما قاله، وصاحوا فيما بينهم، قائلين: «كلنا متفقون على رأي ~~واحد، وهو أنه غبي.» # قال الديك: «نعم، من المؤكد أنه غبي.» ثم أطلق صيحة ~~عالية. # لاذ اللقلق بالصمت وراح يفكر في مسكنه في أفريقيا. # قال الديك: «لديك ساقان رفيعتان جميلتان، بكم الياردة ~~منها؟» # تعالت ضحكات البط: «كاك، كاك!» بينما تظاهر اللقلق بأنه لم يسمع ~~شيئا. # قال له الديك: «يمكنك أن تضحك أنت أيضا، فقد كانت ملحوظة ظريفة ~~جدا، لكن ربما كانت فوق مستوى إدراكك. صحيح، إنه ليس ذكيا، ~~أليس كذلك؟ سيكون في بقائه هنا تسلية كبرى لنا.» قال هذا وصاح، ~~وكذلك صاح البط: «كوكو كوكو»؛ «كاك، كاك.» # كم كانت فظيعة الجلبة التي يثيرونها حين كانوا يسخرون ~~منه! # ذهب يالمار إلى حظيرة الطيور، وفتح الباب، ونادى على اللقلق، ~~فقفز خارجا إلى سطح السفينة. كان اللقلق قد استراح الآن، وبانت ~~عليه السعادة وبدا كأنه يهز رأسه ليالمار ليشكره. ثم بسط جناحيه ~~وطار بعيدا إلى بلاد أكثر دفئا، في حين راح الدجاج يقوق، والبط ~~يصيح، وصار رأس الديك قرمزيا فاقعا. # قال يالمار للطيور الداجنة: «غدا سيعد منكم حساء.» ثم استيقظ ~~فوجد نفسه في فراشه الصغير. # كانت رحلة رائعة تلك التي جعله أول لوك اوي يذهب فيها هذه ~~الليلة. # يوم الخميس # قال رجل الأحلام: «هل تعلم ماذا معي هنا؟ لا تجزع؛ فسوف ترى فأرة ~~صغيرة.» ثم مد يده التي كان يحمل بها كائن صغير جميل. ثم أضاف: ~~«لقد جاءت لتدعوك إلى حفل عرس. سيتزوج فأران صغيران الليلة. إنهما ~~يعيشان تحت أرضية حجرة التخزين الخاصة بأمك، وهو بالطبع مكان جيد ~~للسكن.» # سأله الصبي الصغير: «لكن كيف سأستطيع الدخول من خلال فتحة ~~الفئران الصغيرة التي في الأرضية؟» # قال رجل الأحلام: «فلتترك لي هذا الأمر لأتدبره. في الحال سأجعلك ~~صغير الحجم بدرجة كافية.» ثم لمس الصبي بعصاه السحرية، فظل حجمه ms071 ~~يتضاءل ويتضاءل حتى صار لا يزيد عن طول الإصبع الصغير. ثم قال له: ~~«يمكنك الآن اقتراض رداء الجندي الصفيح خاصتك. أعتقد أنه سيكون على ~~مقاسك بالضبط. كما أنه من اللائق ارتداء زي رسمي عند الذهاب إلى ~~حفل.» # قال الفتى: «أجل، بالتأكيد.» وفي لحظة كان قد صار في هندام أكثر ~~الجنود الصفيح هنداما. # قالت الفأرة الصغيرة: «هلا تفضلت وجلست في كشتبان أمك، حتى أحظى ~~بشرف جرك حتى مكان العرس؟» # قال الصبي: «هل ستتكبدين كل هذه المشقة حقا يا سيدتي ~~الشابة؟» وبهذه الطريقة وصل إلى عرس الفأرين. # نزلا تحت الأرض أولا، ثم ذهبا في ممر طويل بالكاد سمح ارتفاعه ~~بمرور الكشتبان، وكان الممر بأكمله مضاء بنور الخشب ~~المتحلل. # سألت الفأرة يالمار وهي تجره على الطريق: «أليست الرائحة جميلة؟ ~~لقد دهنت الجدران والأرض بقشر اللحم المقدد؛ ليس هناك ما هو ~~أروع من ذلك.» # وسريعا جدا وصلا إلى قاعة العرس. على اليمين وقفت الفأرات ~~الشابة الصغيرة، يتهامسن ويضحكن كأنهن كن يسخرن بعضهن من بعض. وعلى ~~اليسار وقف الفئران الشبان، يمسدون شواربهم بحوافرهم الأمامية. وفي ~~وسط القاعة كان يمكن رؤية العروسين، واقفين جنبا إلى جنب في ~~قشر جبن مجوف يقبل كل منهما الآخر بينما كل الأنظار متجهة ~~إليهما. # ظل الأصدقاء يتوافدون، حتى كادت الفئران أن تموت دهسا؛ فقد وقف ~~العروسان عند المدخل، فلم يستطع أحد الدخول أو الخروج. # كانت الحجرة قد مسحت بقشر اللحم المقدد مثل الممر، وكانت هذه هي ~~كل المرطبات التي قدمت للضيوف. أما على سبيل التحلية فقد مر على ~~الجميع حبة بازلاء نقش عليها أحد الفئران بأسنانه الحرف الأول من ~~اسمي العروسين، وهو ما كان غير مألوف على الإطلاق. قالت كل ~~الفئران إن العرس كان جميلا جدا، وإنهم استمتعوا بدرجة ~~كبيرة. # بعد ذلك عاد يالمار للبيت. لقد كان في صحبة رائعة حقا، لكنه ~~اضطر إلى الزحف تحت الأرضية وأن يجعل حجمه صغيرا لدرجة تسمح له ~~بأن يرتدي زي الجندي الصفيح. # يوم الجمعة # قال أول لوك اوي: «إنه لمن المدهش عدد الناس الكبار ms072 الذين يودون ~~أن أزورهم ليلا، خاصة أولئك الذين ارتكبوا خطأ. # فهم يقولون لي: «أيها العجوز الطيب أول، إننا لا نستطيع أن نغمض ~~جفوننا، ونظل مستيقظين طوال الليل ونرى أعمالنا الشريرة جالسة على ~~أسرتنا مثل شياطين صغيرة تنثر علينا ماء مغليا. هلا أتيت ~~وصرفتها بعيدا، حتى ننعم بالراحة ونحظى بنوم هانئ؟» ثم يتنهدون ~~تنهدات عميقة ويقولون: «إننا على أتم استعداد لأن ندفع لك المال ~~مقابل ذلك. طابت ليلتك، يا أول لوك، النقود موجودة عند النافذة.» ~~لكنني لا أفعل شيئا من أجل المال.» # هنا سأله يالمار: «ماذا سنفعل الليلة؟» # أجابه أول لوك اوي: «لا أعلم ما إن كنت تود الذهاب إلى عرس آخر ~~أم لا، وإن كان العرس هذه المرة مختلفا تماما عن الذي رأيته ليلة ~~أمس. فالدمية الكبيرة التي لدى شقيقتك، تلك التي ترتدي ملابس ~~الرجال وتدعى هرمان، تنوي الزواج من الدمية بيرثا. كما أنه عيد ~~ميلاد الدميتين، وسوف تتلقيان العديد من الهدايا.» # قال له يالمار: «نعم، لدي علم بهذا الأمر بالفعل، فإن شقيقتي ~~دائما ما تسمح لدمياتها بإقامة حفلات أعياد ميلاد أو أعراس كلما ~~احتاجت لملابس جديدة. إنني متأكد تماما أن هذا قد حدث مائة مرة من ~~قبل.» ~~«نعم، هذا صحيح؛ لكن الليلة سيكون العرس الأول بعد المائة، وما ~~دام كذلك فلا بد أن يكون الأخير؛ وبالتالي لا بد أن يكون في غاية ~~الروعة. فلتلق نظرة.» # نظر يالمار إلى الطاولة فرأى بيت دمى صغيرا من ورق الكرتون، كل ~~نوافذه مضاءة، وقد اصطف أمامه الجنود الصفيح، يؤدون تحية ~~السلاح. # كان العروسان جالسين على الأرض، مستندين إلى قائمة الطاولة، ~~ومستغرقين تماما في التفكير لسبب وجيه. وعندئذ ارتدى أول لوك ~~اوي ثوب الجدة الأسود، وزوجهما. # بمجرد أن انتهت مراسم الزواج اشترك كل أثاث الحجرة في غناء ~~أغنية جميلة ألفها القلم الرصاص، والتي كانت على إيقاع لحن ~~عسكري: # احملي أيتها النسمة الرقيقة وداعنا واسعي به # إلى منزل أهل العروس الصغير. # ما أجملهما من عروسين؛ # بشرة ناعمة من الجلد الرقيق وقوام رشيق! # مرحى! مرحى! للعريس ms073 والعروس. # فليردد الصدى وداعنا من القلب. # ثم جاءت الهدايا؛ إلا أن العروسين لم يأكلا أي ~~شيء، فقد كان الحب زادهما. # تساءل العريس: «هل سنذهب إلى منزل ريفي، أم نسافر؟» # وقد استشارا السنونو الذي كان قد سافر إلى أقاصي الأرض، والدجاجة ~~العجوز التي في الحظيرة، والتي كانت قد أنجبت وربت خمسة أجيال من ~~الدجاج. # حدثهما السنونو عن البلاد الدافئة حيث يتدلى العنب في عناقيد ~~كبيرة في أشجار الكروم وحيث النسيم منعش ورقيق، وعن الجبال ~~المتألقة بألوان أجمل مما قد يخطر على بال أحد. # قالت الدجاجة: «لكن ليس هناك كرنب أحمر مثل الذي لدينا. ذات مرة ~~قضيت الصيف كله في الريف مع صغاري، وكان هناك حفرة رملية كبيرة ~~حيث كنا نستطيع التجول واللهو كما يحلو لنا. ثم ذهبنا إلى حديقة ~~ينمو فيها الكرنب الأحمر. كم كان جميلا! لا أعتقد أن ثمة شيئا ~~أشهى منه.» # قال لها السنونو: «لكن سيقان الكرنب لا تختلف كثيرا عن بعضها ~~البعض، وهنا لدينا طقس سيئ أغلب الوقت.» # أجابته الدجاجة: «صحيح، لكننا اعتدنا عليه.» # قال السنونو: «لكن البرد هنا شديد وأحيانا يصل إلى درجة ~~التجمد.» # قالت الدجاجة: «الجو البارد مناسب للكرنب، كما أن الجو يصير ~~دافئا هنا أحيانا. فمنذ أربع سنوات استمر الصيف أكثر من خمسة ~~أسابيع، وكان الجو حارا حتى إننا كنا نتنفس بصعوبة. كما أننا ليس ~~لدينا حيوانات سامة في هذا البلد، ولا يوجد لدينا لصوص. فمن لا يرى ~~أن بلدنا أفضل البلاد كلها لا بد أن يكون أحمق، ويجب عدم السماح له ~~بالعيش هنا.» ثم أخذت تبكي بشدة وقالت: «أنا أيضا سافرت، فقد ~~سافرت ذات مرة اثني عشر ميلا داخل قفص، ولم يكن ذلك ممتعا على ~~الإطلاق.» # قالت الدمية بيرثا: «إن الدجاجة حكيمة، فأنا لا يستهويني السفر ~~إلى الجبال، حتى أصعدها ثم أهبط ثانية. كلا، لنذهب إلى الحفرة ~~الرملية التي أمام البوابة ثم نتجول في حديقة الكرنب.» # وهكذا حسما الأمر. # يوم السبت # تساءل يالمار الصغير بمجرد أن جعله أول لوك اوي ينام: «هل سأسمع ~~المزيد ms074 من الحكايات؟» # رد وهو يفتح أجمل مظلتيه فوق الطفل: «لن يتسع لنا الوقت هذا ~~المساء. انظر إلى هؤلاء الصينيين.» هنا بدت المظلة كلها مثل وعاء ~~كبير من الخزف الصيني، بأشجار زرقاء وجسور مقوسة وقف عليها رجال ~~صينيون يومئون برءوسهم. # قال أول لوك اوي: «لا بد أن نجعل العالم بأسره يبدو جميلا من ~~أجل صباح الغد، فغدا سيكون عطلة؛ إنه يوم الأحد. لا بد أن أذهب ~~الآن إلى برج الكنيسة لأرى إن كانت العفاريت الصغيرة التي تعيش ~~هناك قد لمعت الأجراس حتى يدوي صوتها في عذوبة؛ بعدها يجب أن ~~أذهب للحقول لأرى إن كانت الرياح قد ذرت الغبار عن الحشائش ~~والأوراق؛ لكن أصعب المهام التي علي القيام بها على الإطلاق هي ~~إنزال كل النجوم وتلميعها. علي أن أرقمها أولا قبل أن أضعها في ~~مئزري، وأن أرقم كذلك الأماكن التي سآخذها منها، حتى تعود إلى ~~ثقوبها الصحيحة، وإلا فلن تثبت في أماكنها وستسقط أعداد كبيرة منها ~~على الأرض؛ إذ سوف تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.» # عندئذ قالت صورة قديمة معلقة على جدار حجرة نوم يالمار: ~~«مهلا يا سيد لوك اوي! هل تعرف من أنا؟ إنني جد جد يالمار. ~~أشكرك على ما تحكيه من قصص للفتى، لكن يجب ألا تبلبل أفكاره. لا ~~يمكن إنزال النجوم من السماء وتلميعها؛ إذ إنها كواكب مثل الأرض، ~~كوكبنا، وهي جميلة كما هي.» # رد عليه أول لوك اوي قائلا: «شكرا أيها الجد العجوز، أشكرك. لا ~~شك أنك رب الأسرة وكبير جدا في السن، لكنني أكبر منك سنا رغم ~~ذلك. أنا من شخصيات العصور القديمة. وقد أسماني قدامى الرومان ~~والإغريق رب الأحلام. وقد زرت من البيوت أنبلها، أجل، وما زلت أفعل ~~هذا، وما زالت أعلم كيف أتعامل مع الناس، عظيمهم وحقيرهم، وأما ~~الآن فيمكنك أن تحكي القصص بنفسك.» وهكذا رحل أول لوك اوي، حاملا ~~معه مظلتيه. # قال الرجل الذي في الصورة متبرما: «حسنا، حسنا، أعتقد أنه لم ~~يعد بإمكان المرء أن يعبر عن رأيه.» وهنا استيقظ يالمار. # يوم الأحد # قال ms075 أول لوك اوي: «مساء الخير.» # أومأ يالمار برأسه، ثم هب مغادرا الفراش وأدار صورة جده الكبير ~~ناحية الجدار حتى لا يمكنه أن يقاطعهما ثانية كما فعل أمس. ثم ~~قال: «والآن، لا بد أن تقص علي القصص التي تحكي عن حبات البازلاء ~~الخمس التي كانت تعيش في قرن واحد، أو آثار أقدام الديك التي كانت ~~تغازل آثار أقدام الدجاجة، أو إبرة الرفو التي تصرفت بزهو شديد ~~لأنها كانت تعتقد أنها إبرة تطريز.» # قال أول لوك اوي: «قد تشعر بالملل من كثرة القصص التي أحكيها لك، ~~لذا فأنا أفضل أن أريك شيئا، وسأريك شقيقي. هو أيضا يدعى أول ~~لوك اوي، لكنه لا يزور أحدا قط إلا مرة واحدة، وحين يفعل فهو ~~يأخذه معه على صهوة جواده ويحكي له قصة أثناء رحلتهما. # وهو لا يعرف سوى قصتين؛ إحدى هاتين القصتين من الروعة والجمال ~~حتى إنها لا يمكن أن تخطر لأحد على بال مطلقا، أما الأخرى فمن ~~المستحيل وصفها.» # ثم رفع أول لوك اوي يالمار عاليا إلى النافذة. وقال له: ~~«يمكنك الآن أن ترى شقيقي، أول لوك اوي الآخر؛ إنه يدعى أيضا ~~الموت. كما ترى إنه ليس سيئا مثلما يعبرون عنه في الكتب ~~المصورة. فهو يظهر هناك على هيئة هيكل عظمي، لكن هنا ترى أن معطفه ~~مطرز بالفضة، ويرتدي زي الفرسان الرائع، وعباءة من المخمل الأسود ~~ترفرف خلفه على الحصان. انظر كيف يعدو.» # رأى يالمار أن أول لوك اوي هذا أثناء جولته كان يرفع الكبير ~~والصغير ويحملهم معه راحلا على جواده. بعضهم كان يجلسه أمامه ~~والبعض الآخر خلفه، لكنه كان دائما يسأل كلا منهم أولا: «ما ~~تقديرك في دفتر درجاتك؟» # كلهم كانوا يجيبون قائلين: «جيد.» # وكان يرد عليهم ويقول: «حسنا، دعني أر بنفسي.» فكانوا يضطرون ~~إلى إعطائه الدفاتر. بعد ذلك كان يذهب كل الذين حصلوا على «جيد ~~جدا» أو «امتياز» أمامه على الجواد ويسمعون القصة الجميلة، أما ~~الذين حصلوا على «متوسط» أو «دون المتوسط» في دفاتر درجاتهم فقد ~~كانوا يرغمون على الجلوس خلفه. وقد ms076 كانوا يبكون ويريدون القفز من ~~فوق الجواد، لكنهم لم يستطيعوا الإفلات، فقد بدا أنهم ربطوا ~~إليه. # قال يالمار: «عجبا، الموت ليس سوى أول لوك اوي في غاية الروعة. ~~إنني لست خائفا منه على الإطلاق.» # فقال له أول لوك اوي: «لست في حاجة لأن تخاف منه، لكن خذ حذرك ~~وليكن دفتر درجاتك جيدا.» # حينئذ تمتمت صورة الجد العجوز الذي كان راضيا تماما: «هكذا ~~يكون الدرس المفيد بحق. أحيانا يكون من المجدي أن يعبر المرء عن ~~رأيه.» # كانت هذه بعضا من أفعال أول لوك اوي وأقواله. أرجو أن يزوركم ~~بنفسه هذا المساء ويحكي لكم المزيد منها. # | الحصالة # في إحدى دور الحضانة حيث كانت مجموعة من اللعب مبعثرة، وقفت حصالة ~~فوق خزانة عالية جدا. كانت الحصالة قد ابتيعت من أحد بائعي الفخار؛ ~~فهي مصنوعة من الفخار على شكل خنزير، وكان في ظهره فتحة، وقد وسعت ~~بسكين حتى يمكن أن تنزلق من خلالها الدولارات، أو حتى الكرونات؛ وقد ~~كان بداخلها اثنان منها بالفعل، بجانب عدد من البنسات. كانت الحصالة ~~ممتلئة للغاية حتى إنها لم يعد بمقدورها أن تصلصل، وهذه أعلى مرتبة ~~يمكن لحصالة أن تبلغها. # كانت الحصالة واقفة على الخزانة، في علياء وسمو، ترمق باحتقار كل ~~شيء آخر في الحجرة؛ إذ كانت تعرف جيدا أن بداخلها ما يكفي لشراء كل ~~اللعب الأخرى، وقد أعطاها هذا ثقة كبيرة جدا في نفسها ~~ومكانتها. # كان الباقون يعتقدون ذلك أيضا، لكن لم يعبروا عنه، إذ كان هناك ~~الكثير جدا من الأشياء الأخرى التي يمكن الحديث بشأنها. كان بداخل ~~أحد الأدراج الذي ترك نصف مفتوح دمية كبيرة، ما زالت جميلة (رغم أنها ~~قديمة بعض الشيء، إذ كانت رقبتها مثبتة بدبابيس). نادت الدمية على ~~الآخرين وقالت: «هيا بنا نمثل أدوار البشر؛ فهذه لعبة مسلية.» # هنا ثارت ضجة عارمة؛ حتى الصور المعلقة داخل إطارات على الجدار دارت ~~من حماسها وكشفت عن جانبها الخلفي، لكنها لم تكن تقصد مطلقا أن تفعل ~~ذلك أو أن تبدي اعتراضها على اللعبة. # كان هذا في ساعة ms077 متأخرة من الليل، لكن لما دخل ضوء القمر من النوافذ، ~~أعطاهم إضاءة بلا مقابل. ومع بدء اللعبة، دعي الجميع للمشاركة فيها، ~~حتى عربة الأطفال، التي كانت من ضمن اللعب الأدنى درجة. وقد قالت ~~العربة: «لكل فرد قيمته الخاصة؛ فلا يمكن أن نكون جميعا نبلاء؛ لا بد ~~أن يكون هناك بعض الأشخاص للقيام بالعمل الأدنى مرتبة.» # كانت الحصالة هي الوحيدة التي تلقت دعوة مكتوبة. فقد كانت تقف في ~~مكان عال جدا حتى إنهم خشوا أنها قد لا تسمع الرسالة الشفهية. إلا ~~أنها في ردها قالت إنها إن كان ينبغي لها المشاركة فسوف تقتصر على ~~الاستمتاع بالمسرحية من مكانها، فكان عليهم بالتالي الترتيب لذلك، وهذا ~~ما فعلوه بالفعل. # وهكذا، فقد نصب المسرح اللعبة الصغير بحيث تستطيع الحصالة أن تراه ~~مباشرة. أراد البعض البدء بمسرحية كوميدية ثم إقامة حفل شاي وإدارة ~~مناقشة لتنمية الذهن، لكنهم بدءوا بالمناقشة أولا. # تحدث الحصان الهزاز عن التدريب وسباقات الخيل؛ وتحدثت العربة عن ~~السكك الحديدية وطاقة البخار؛ فهذه هي الموضوعات التي تخص مهنة كل ~~منهما، وكان من المناسب أن يتحدثا عنها. أما الساعة فقد تحدثت عن ~~السياسة؛ «تك، تك». وزعمت أنها تعرف كم الساعة، لكن همس بأنها كانت ~~مخطئة. في حين وقفت قريبا عصا الخيزران، متسمرة في كبرياء (فقد كانت ~~مزهوة بطرفها النحاسي ورأسها الفضي)، وعلى الأريكة استلقت وسادتان ~~مشغولتان؛ جميلتان لكن غبيتان. # حين بدأت المسرحية في المسرح الصغير، جلس الجمهور وراحوا يشاهدون ~~العرض؛ وكان قد طلب منهم أن يصفقوا أو يدبدبوا أو يطقطقوا متى ~~سرهم ما رأوه. قال سوط الخيل إنه لم يطقطق لكبار السن قط، وإنما ~~طقطق للشباب فقط؛ أولئك الذين لم يتزوجوا بعد. وقالت كسارة الجوز: «أما ~~أنا فأطقطق للجميع.» # قال المشاهدون في أنفسهم والمسرحية تعرض: «نعم، إنك تحدثين ضجة ~~جميلة.» # لم تكن المسرحية جيدة، لكن الأداء كان متقنا للغاية، وقد واجه ~~الممثلون كلهم الجمهور بجوانبهم الملونة، فقد رتبوا أنفسهم بحيث يرون ~~من جانب واحد فقط. كان التمثيل رائعا، إلا أن الممثلين كانوا أحيانا ~~يخرجون ms078 عن الإضاءة لأن الأسلاك التي كانوا مربوطين بها كانت أطول من ~~اللازم قليلا. # شعرت الدمية ذات الرقبة المصلحة بإثارة بالغة حتى إن الدبابيس ~~التي في رقبتها انفكت، وأعلنت الحصالة أنها لا بد أن تفعل شيئا لأحد ~~الممثلين بما أنهم جميعا أدخلوا عليها بهجة شديدة. لذا فقد قررت أن ~~تذكر أحدهم في وصيتها بحيث يدفن معها في مدفن الأسرة متى حان وقت ~~هذا. # لقد استمتعوا كثيرا بالمسرحية الكوميدية حتى إنهم تراجعوا تماما عن ~~فكرة حفل الشاي ونفذوا فقط اقتراح اللعبة الذهنية، التي كانوا يسمونها ~~تمثيل أدوار الرجال والنساء. ولم يكن في هذا خطأ، فقد كان مجرد لهو. ~~طوال ذلك الوقت كان كل منهم يفكر غالبا في نفسه أو فيما قد يدور ~~بذهن الحصالة. أما الحصالة فكانت تجول بأفكارها في زمن بعيد جدا (كما ~~كانت تعتقد)؛ إذ كانت تفكر في وصيتها، وفي دفنها، ومتى قد يحين كل ~~هذا. # وقد حان أسرع كثيرا مما توقعت؛ فقد سقطت فجأة من أعلى الخزانة، ~~لتهوي على الأرض وتتحطم. قفزت كل البنسات وراحت تتراقص بشكل مرح ~~للغاية. دارت العملات الصغيرة مثل البلابل الدوارة، وتدحرجت العملات ~~الكبيرة بعيدا بقدر ما استطاعت، خاصة قطعة الكرونة الفضية الكبيرة، ~~التي طالما أرادت الخروج إلى العالم، فتحققت أمنيتها وأمنية بقية ~~النقود. أما أجزاء الحصالة فقد ألقيت في صندوق القمامة، وفي اليوم ~~التالي وضعت حصالة جديدة على شكل خنزير على الخزانة، غير أنه لم يكن ~~بداخلها أي نقود بعد، ومن ثم فقد كانت، مثل الحصالة القديمة، لا ~~تعطي صليلا. # كانت هذه هي بدايتها وفي نفس الوقت نهاية قصتنا. # | شجرة البيلسان الأم # في يوم من الأيام كان هناك صبي صغير أصابته نوبة برد لأنه خرج من ~~منزله وبل قدميه. لم يستطع أحد معرفة كيف حدث هذا له؛ فالجو كان ~~جافا تماما. وما كان من أمه إلا أن خلعت عنه ملابسه ووضعته في ~~الفراش، ثم جاءت بإبريق الشاي لتعد له كوبا طيبا من شاي زهور ~~البيلسان الذي يعطي شعورا قويا بالدفء. # في تلك الأثناء، زارهم ms079 الرجل العجوز الودود الذي يعيش بمفرده في ~~الطابق العلوي من المنزل. لم يكن لدى هذا الرجل زوجة أو ابن، لكنه كان ~~مغرما للغاية بالأطفال ويعرف العديد والعديد من الحكايات والقصص، حتى ~~إنه كان من الممتع أن تستمع له وهو يتكلم. قالت الأم لطفلها: «من ~~الممكن جدا إن شربت الشاي الآن أن تسمع قصة في الوقت نفسه.» # قال الرجل العجوز: «نعم، إن خطرت لي قصة جديدة لأحكيها له.» ثم سأل: ~~«لكن كيف أصاب البلل قدمي الفتى الصغير؟» # أجابته الأم: «أوه، هذا ما لا يسعنا معرفته.» # سأله الصبي: «هل ستحكي لي قصة؟» ~~«نعم، إن استطعت أن تخبرني بالضبط كم يبلغ عمق قناة التصريف التي في ~~الشارع الصغير الذي تسلكه عند ذهابك إلى المدرسة.» # أجابه الصبي على الفور: «إنها تصل لمنتصف ساقي عند الوقوف في أعمق ~~أجزائها.» # قال الرجل العجوز: «من السهل الآن أن نعرف كيف ابتلت قدماك. حسنا، ~~أعتقد أن علي الآن أن أحكي قصة، لكنني حقا لم أعد أعرف المزيد من ~~القصص.» # قال الصبي: «أعلم أن بإمكانك ابتداع واحدة. إن أمي تقول إنك تستطيع ~~أن تحول أي شيء تنظر إليه، أو حتى تلمسه، إلى قصة.» ~~«صحيح، لكن تلك الحكايات والقصص لا قيمة لها. القصص الحقيقية تأتي ~~وحدها؛ فهي تطرق جبهتي وتقول: «ها نحن قد جئنا».» # سأله الصبي: «ألن تطرق واحدة جبهتك قريبا؟» عندئذ ضحكت أمه وهي تضع ~~زهور البيلسان في إبريق الشاي وتصب عليها الماء الساخن. ثم أضاف: «أوه، ~~فلتخبرني بقصة أرجوك.» ~~«بالطبع، إن جاءت قصة بمحض إراداتها، لكن الحكايات والقصص ذات ~~شخصيات مهيبة جدا؛ إنها تأتي فقط حين يحلو لها.» ثم صاح فجأة: ~~«مهلا! ها هي لدينا؛ انظر! يوجد الآن قصة في إبريق الشاي.» # نظر الصبي الصغير إلى إبريق الشاي، فرأى الغطاء يرتفع وحده تدريجيا ~~وتمتد منه فروع طويلة، ومن فوهته أيضا، في كل الاتجاهات وظل حجمها ~~يكبر حتى ظهرت شجرة بيلسان كبيرة مغطاة بزهور بيضاء ويانعة. طالت ~~الفروع حتى الفراش وأزاحت الستائر، وكم كان طيبا عبير الزهور! # في منتصف ms080 الشجرة كانت تجلس سيدة عجوز حسناء ترتدي ثوبا غريبا ~~جدا. لقد كان الثوب أخضر اللون، مثل أوراق شجر البيلسان، ومزينا ~~بزهور بيلسان بيضاء كبيرة. أما حاشية الثوب فكان من الصعب أن تعرف ما ~~إن كانت مصنوعة من خامة ما أم من زهور حقيقية. # تساءل الصبي: «ما اسم تلك السيدة؟» # أجابه الرجل العجوز: «كان الرومان والإغريق يدعونها «حورية الشجر»، ~~لكننا نحن لا نعرف تلك الأسماء الغريبة؛ ولدينا اسم أفضل في الحي الذي ~~يعيش فيه البحارة في البلدة. إنهم يسمونها «شجرة البيلسان الأم»، ولا ~~بد الآن أن توليها انتباهك، وتنصت بينما تتطلع إلى الشجرة ~~الجميلة. # يوجد شجرة كبيرة مزدهرة مثل هذه بالضبط بالخارج في زاوية فناء صغير ~~فقير، وذات عصر يوم مشمس صحو، جلس تحت هذه الشجرة عجوزان، بحار ~~وزوجته. كان لديهما أبناء أحفاد، وكانا سيحتفلان بعد فترة قليلة ~~باليوبيل الذهبي لزفافهما؛ أي الذكرى الخمسين ليوم زفافهما في دول ~~عديدة، وكانت شجرة البيلسان الأم جالسة على الشجرة وتبدو مسرورة كما ~~تبدو الآن. # قالت: «أعلم متى يكون اليوبيل الذهبي.» لكنهما لم يسمعاها؛ فقد كانا ~~يتحدثان عن الأيام الخوالي. قال البحار العجوز: «هل تذكرين حين كنت ~~صغيرة جدا وكنت تجرين وتلعبين في نفس هذا الفناء الذي نجلس فيه ~~الآن، وكيف غرسنا غصينات صغيرة في إحدى الزوايا وصنعنا حديقة؟» # قالت السيدة العجوز: «نعم، أذكر جيدا جدا؛ وأذكر كيف روينا ~~الغصينات وكان واحدا منها غصين بيلسان قد ضرب بجذوره في الأرض وأنبت ~~نبتات خضراء، حتى صار مع الزمن الشجرة الكبيرة التي نجلس تحتها نحن ~~الاثنان وقد هرمنا.» # أجابها: «هذا صحيح، وفي ذلك الركن هناك كان يوجد برميل المياه الذي ~~كنت أضع فيه القارب الذي صنعته بنفسي حتى يبحر؛ والذي كان يبحر ~~جيدا. لكنني تعلمت بعد ذلك نوعا مختلفا تماما من الإبحار.» # قالت: «أجل، لكننا ذهبنا إلى المدرسة قبل ذلك، ثم أعدونا لطقس ~~التثبيت الذي يعد علامة على النضوج الروحي. كم بكينا أنا وأنت في ~~ذلك اليوم! لكننا في العصر صعدنا البرج المستدير يدي في يدك ورأينا ms081 ~~كوبنهاجن من أعلى وشاهدنا ما وراء البحر؛ ثم ذهبنا إلى فريدريكسبيرج، ~~حيث كان الملك والملكة يبحران في القنوات على متن قاربهما ~~الجميل.» # قال لها البحار العجوز: «لكنني اضطررت إلى الإبحار في رحلة مختلفة ~~تماما في مكان آخر وابتعدت عن الديار لسنوات في رحلات طويلة.» # قالت له: «أوه، أجل، وكنت أبكي كثيرا عليك؛ فقد اعتقدت أنه لا بد أن ~~تكون قد غرقت في أعماق البحر، والأمواج تتلاطم فوقك. وكم من مرة صعدت ~~في الليل لأرى ما إذا كانت دوارة الرياح قد غيرت اتجاهها؛ وقد غيرت ~~اتجاهها كثيرا، لكنك لم تأت. أتذكر جيدا ذلك اليوم حين كانت الأمطار ~~تهطل بغزارة، وجاء جامع القمامة للمنزل الذي كنت أعمل فيه ليأخذ ~~القمامة. فنزلت إليه بالصندوق ووقفت للحظة عند الباب - كم كان الطقس ~~مروعا! - وبينما أنا واقفة جاء ساعي البريد وأحضر لي خطابا ~~منك. # إنني لا أعرف كيف سافر ذلك الخطاب. لقد فتحته وقرأته، وضحكت وبكيت في ~~الوقت نفسه؛ فقد كنت في غاية السعادة. قال الخطاب إنك في بلاد دافئة ~~حيث تنمو حبوب البن، وإنها بلاد في غاية الجمال، ووصف عدة أشياء أخرى ~~رائعة. وبينما أنا واقفة أقرأ بجانب صندوق القمامة، والأمطار تهطل، جاء ~~شخص ما فجأة وأحاط بخصري.» # قال الرجل العجوز: «نعم، فسددت له لكمة قوية في أذنه حتى شعر ~~بطنين فيها.» # فأجابته: «لم أكن أعلم أنه أنت، فقد وصلت بمجرد أن وصل خطابك، وكنت ~~تبدو وسيما جدا، وما زلت كذلك بالطبع. كان في جيبك منديل حرير أصفر ~~كبير وعلى رأسك قبعة لامعة. كنت تبدو في أفضل حال. لكن كم كان الجو ~~فظيعا، وكم بدا الشارع كئيبا!» # سألها: «هل تذكرين بعد ذلك حين تزوجنا، وأنجبنا ابننا الأول، ثم ماري ~~ونيلس وبيتر وهانس كريستيان؟» # فردت عليه: «بالطبع أتذكر، ولقد صاروا جميعا رجالا ونساء محترمين، ~~يحبهم الكل.» # قال البحار العجوز: «والآن صار لدى أبنائهم أطفال. لدينا أبناء ~~أحفاد، أقوياء وفي صحة جيدة أيضا. ألم يكن زواجنا في هذا الوقت ~~تقريبا من العام؟» # قالت شجرة البيلسان الأم ms082 وهي تدس رأسها بين العجوزين: «نعم، واليوم ~~هو اليوبيل الذهبي ليوم زفافكما.» لكنهما اعتقدا أنها إحدى الجارات ~~تومئ برأسها لهما. ثم نظر كل منهما إلى الآخر وأمسك بيده. وسرعان ما ~~جاء أبناؤهما وأحفادهما، الذين كانوا يعلمون جيدا أن اليوم كان ~~اليوبيل الذهبي ليوم زفافهما. ورغم أنهم كانوا بالفعل قد أبلغوهم ~~بتمنياتهم لهما بالسعادة في صباح ذلك اليوم، فالعجوزان كانا قد نسيا ~~ذلك، رغم أنهما كانا يتذكران جيدا ما قد وقع منذ سنوات عديدة ماضية. ~~وفاحت من شجرة البيلسان رائحة جميلة، وأضاءت شمس الغروب وجهي ~~العجوزين حتى اكتسبا حمرة شديدة. ورقص أصغر أحفادهما حولهما بمرح، ~~وقال إنهم سيقيمون وليمة في المساء سيكون فيها بطاطا ساخنة. ثم هزت ~~شجرة البيلسان الأم رأسها وهي على الشجرة وصاحت: «مرحى!» مع كل ~~الباقين.» # قال الصبي الصغير الذي كان منصتا: «لكن تلك ليست بقصة.» # رد عليه الرجل العجوز وقال: «إنها كذلك لكن عليك أن تفهمها أولا. ~~لنسأل شجرة البيلسان الأم عنها.» # قالت شجرة البيلسان الأم: «لم تكن قصة بالضبط، لكن القصة ستأتي الآن، ~~وهي قصة حقيقية. إن أروع القصص تنبع من الحقيقة، تماما كما انبثقت ~~شجرتي الجميلة من إبريق الشاي.» ثم أخذت الصبي الصغير من الفراش ~~وضمته إلى صدرها، وتجمعت فروع البيلسان الوارفة حولهما حتى صارا ~~جالسين في تعريشة، وطارت بهما التعريشة في بهجة عارمة. # وفجأة تحولت شجرة البيلسان الأم إلى فتاة يافعة جميلة، لكن ثوبها ~~كان من نفس الخامة الخضراء، المزين بحافة من زهور البيلسان البيضاء، ~~تماما مثل الذي كانت ترتديه البيلسان الأم. وقد علقت في صدرها زهرة ~~بيلسان حقيقية، ووضعت فوق خصلات شعرها الذهبية الملتفة إكليلا من نفس ~~الزهور. كانت عيناها الزرقاوان الكبيرتان جميلتين للغاية. كما كانت من ~~نفس سن الصبي، وقد تبادلا القبلات وشملتهما سعادة بالغة. # ثم تركا التعريشة معا، ويده في يدها، ليجدا نفسيهما في حديقة زهور ~~بديعة في منزلهما. وعلى العشب الأخضر، كانت عصا أبيهما مربوطة، لكن ~~دبت فيها الحياة من أجل الصغيرين؛ إذ بمجرد أن امتطياها تحول المقبض ~~الأبيض إلى ms083 رأس حصان جميل ذي شعر أسود مسترسل، ثم انبثقت أربع قوائم ~~طويلة رفيعة. وصار الكائن قويا ونشيطا، وركض بهما في أنحاء الأرض ~~العشبية. # قال الصبي: «مرحى! سنبتعد الآن عدة أميال على الجواد، وسنذهب إلى ~~ضيعة السيد النبيل التي ذهبنا إليها العام الماضي.» # ثم دار بهما الجواد حول تلك الأرض العشبية مرة أخرى، والفتاة الصغيرة ~~التي نعلم أنها كانت شجرة البيلسان الأم، ظلت تهتف: «ها نحن في القرية ~~الآن. هل ترى البيت الريفي ذا فرن الخبز الكبير البارز من الجدار على ~~جانب الطريق مثل بيضة عملاقة؟ توجد شجرة بيلسان مادة فروعها فوقه، ~~ويسير قريبا منه ديك يعبث مع دجاجه. انظر كيف ينتفخ ويتبختر! # نحن الآن على مقربة من الكنيسة؛ ها هي قائمة على التل، تظللها أشجار ~~البلوط الهائلة، لكن واحدة منها نصف ذابلة. انظر! إننا الآن لدى ورشة ~~الحداد. كم تشتعل النار هناك! إن الرجال أنصاف العراة يطرقون الحديد ~~الساخن بمطرقة، بينما تتطاير منه الشرارات. والآن لنرحل إلى ضيعة ~~السيد النبيل الجميلة!» وقد رأى الصبي كل ما تحدثت عنه الفتاة الصغيرة ~~بينما هي جالسة خلفه على العصا، فقد مر أمام عينيه رغم أنهما كانا ~~يركضان حول الأرض العشبية فحسب. ثم لعبا معا في ممر جانبي ومهدا الأرض ~~لزراعة حديقة صغيرة. ثم أخذت الفتاة زهور بيلسان من شعرها وزرعتها، ~~فنمت مثل تلك التي كان قد سمع العجوزين يتحدثان عنها، وقد زرعاها حين ~~كانا صغيرين. هما أيضا تجولا متشابكي الأيدي، تماما كما فعل ~~العجوزان حين كانا طفلين، لكنهما لم يصعدا البرج المستدير ولا ذهبا ~~إلى حديقة فريدريكسبيرج. لكن لفت الفتاة الصغيرة ذراعها حول خصر ~~الصبي، وجابا جميع أنحاء البلد (وتوالى الربيع، بعده الصيف؛ ثم الخريف، ~~يتلوه الشتاء)، فيما مرت آلاف الصور أمام عيني الصبي وقلبه، والفتاة ~~الصغيرة لم تزل تغني له: «يجب ألا تنسى كل هذا أبدا.» وكانت شجرة ~~البيلسان ترسل عطرها الجميل طوال رحلتهما. # مرا معا على ورود وأشجار زان يانعة، لكن ظل عبق شجرة البيلسان ~~أقوى منها كلها، فقد كانت زهورها ms084 تتدلى حول قلب الفتاة الصغيرة، الذي ~~كان الفتى كثيرا ما يستند إليه برأسه أثناء تحليقهما. # ثم وقفا في أيكة من أشجار الزان مغطاة بالأوراق الخضراء النضرة، ~~بينما ازدهر تحت أقدامهما الزعتر الطيبة رائحته وشقائق النعمان ~~المتوردة اللذين بدوا رقيقين وسط الحشائش الخضراء. فقالت الفتاة: ~~«يبدو المكان جميلا في الربيع. ليت الربيع لا ينتهي أبدا في أيكات ~~الزان ذات العبير الطيب!» # قالت الفتاة: «للصيف بهجة هنا»، وهما يمران على قلاع الفرسان القدامى ~~التي تحكي تاريخ أيام غابرة ويشاهدان الأسوار العالية والأسطح المسنمة ~~المدببة معكوسة على صفحة الأنهار تحتها، حيث كان البجع يسبح متطلعا ~~إلى الدروب الخضراء الباردة. وكانت الذرة تتمايل في الحقول يمينا ~~ويسارا مثل أمواج البحر. وقد نبتت زهور حمراء وصفراء بين الأطلال، ~~وغطت السياجات نباتات حشيشة دينار برية ولبلاب مزدهرة. وفي المساء ~~ارتقى القمر السماء بدرا تاما، وملأت أكوام القش التي في المروج ~~الهواء برائحتها الطيبة. كانت هذه مناظر لا تنسى أبدا. # قالت الفتاة: «الأجواء هنا جميلة في الخريف أيضا.» ثم تغير المشهد ~~مجددا. وبدت السماء أكثر ارتفاعا وزرقتها أشد جمالا، بينما تألقت ~~الغابة بألوان حمراء وخضراء وذهبية. وكانت كلاب الصيد تنطلق وراء ~~الفرائس، وأسراب كبيرة من الطيور البرية تصيح فوق قبور شعب الهون، حيث ~~التفت شجيرات العليق حول الأطلال العتيقة. وتناثرت الأشرعة ~~البيضاء في البحر الداكن الزرقة، وجلست في الشون سيدات عجائز وفتيات ~~وأطفال يضعون نباتات حشيشة الدينار في حوض كبير، بينما راح الشباب ~~ينشدون الأغاني، والرجال العجائز يروون حكايات السحرة والساحرات. لا ~~يمكن أن تكون هناك في العالم متعة تفوق هذه المتعة. # قالت الفتاة: «الأجواء هنا جميلة في الشتاء أيضا.» وفي لحظة غطى ~~الصقيع كل الأشجار، فبدت مثل المرجان الأبيض. وطقطق الجليد أسفل ~~الأقدام كأن الجميع انتعلوا أحذية جديدة، وهوت الشهب واحدا تلو الآخر ~~من السماء. ووقفت أشجار الكريسماس في الحجرات الدافئة، تزينها ~~الهدايا وتضيئها الشموع في جو من الاحتفالات والبهجة. وتصاعد صوت ~~الكمان من البيوت الريفية في القرية ولعبت ألعاب استخدم فيها التفاح؛ ~~فكان بإمكان حتى ms085 أفقر الأطفال أن يقولوا: «الأجواء جميلة في ~~الشتاء.» # وبالفعل كانت جميلة كل المشاهد التي أرتها الفتاة للصبي الصغير، وقد ~~ظل يفوح حولهما دائما عطر زهور البيلسان، وظل يرفرف فوقهما العلم ~~الأحمر ذو الصليب الأبيض الذي كان البحار العجوز قد أبحر تحته. أما ~~الفتى - الذي صار شابا، وارتحل بحارا في العالم الواسع وأبحر إلى ~~بلاد دافئة تنمو فيها حبوب البن، الذي أعطته الفتاة الصغيرة زهرة ~~بيلسان من فوق صدرها تذكارا، حين ودعته - فقد وضع الزهرة في كتاب ~~الترانيم خاصته؛ وحين كان يفتحه في البلاد الأجنبية كان دائما ما ~~يفتحه على المكان الذي وضعت فيه هذه الزهرة، وكان كلما أدام النظر ~~إليها بدت أكثر نضارة. بل إنه كان يستطيع إن جاز القول أن يشتم عبير ~~غابات الوطن، وأن يرى الفتاة الصغيرة تنظر إليه من بين بتلات الزهرة ~~بعينيها الزرقاوين الصافيتين، ويسمعها تهمس إليه قائلة: «الحياة هنا ~~جميلة سواء في الربيع أو الصيف أو الخريف أو الشتاء»، بينما يمر على ~~ذاكرته العديد من هذه المشاهد من الوطن. # ومرت سنوات عدة، وصار الآن رجلا عجوزا، يجلس مع زوجته العجوز تحت ~~شجرة بيلسان تفتحت زهورها بالكامل. كان كل منهما يمسك يد الآخر، ~~تماما كما فعل الجد والجدة، ويتحدثان، مثلهما، عن الأيام الخوالي ~~واليوبيل الذهبي للزفاف. جلست على الشجرة الفتاة الصغيرة ذات العينين ~~الزرقاوين وزهور البيلسان في شعرها وهزت رأسها لهما وقالت: «اليوم هو ~~اليوبيل الذهبي ليوم زفافكما.» # ثم أخذت زهرتين من إكليلها وقبلتهما، فلمعتا أولا ببريق كبريق ~~الفضة ثم ببريق مثل بريق الذهب، وما أن وضعتهما على رأسي العجوزين ~~حتى صارت كل زهرة تاجا ذهبيا. وهكذا جلسا مثل ملك وملكة تحت الشجرة ~~ذات الشذى الطيب، التي ظلت تبدو مثل شجرة بيلسان. ثم حكى لزوجته العجوز ~~قصة شجرة البيلسان الأم، كما سمعها حين كان صبيا صغيرا، وشعرا أنها ~~تشبه كثيرا قصتهما، خاصة أكثر الأجزاء التي راقت لهما. # قالت الفتاة الصغيرة الجالسة على الشجرة: «هذا صحيح. البعض يسمونني ~~شجرة البيلسان الأم، وآخرون يدعونني حورية الشجر، أما اسمي ms086 الحقيقي فهو ~~الذكرى. فأنا من أجلس على الشجرة بينما تنمو وتزداد حجما، وأستطيع أن ~~أتذكر الماضي وأحكي أشياء عدة. دعني أر ما إن كنت لا تزال محتفظا ~~بالزهرة.» # حينئذ فتح الرجل العجوز كتاب الترانيم خاصته، فكان بداخله زهرة ~~البيلسان، التي كانت نضرة كما لو كانت وضعت للتو فيه، فهزت الذكرى ~~رأسها. وجلس العجوزان على رأسهما التاجان الذهبيان في حمرة شمس ساعة ~~الشفق وأغمضا عينيهما، و... وانتهت القصة. # كان الصبي الصغير مستلقيا في فراشه لا يدري بالضبط ما إن كان في حلم ~~أم يستمع إلى قصة. لقد كان إبريق الشاي على المنضدة، لكن لم تخرج منه ~~شجيرة بيلسان، وكان الرجل العجوز الذي كان قد حكى القصة حقا على عتبة ~~الباب وفي طريقه للخروج. # قال الصبي الصغير: «كم كان هذا جميلا! لقد ذهبت إلى بلاد دافئة يا ~~أمي.» # قالت الأم: «أصدقك تماما؛ فحين يشرب أي أحد كوبين كاملين من شاي ~~زهور البيلسان، من الممكن جدا أن يشعر أنه ذهب إلى بلاد دافئة.» ثم ~~دثرته جيدا حتى لا يشعر بالبرد، وقالت: «لقد غطت في نوم عميق ~~بينما كنت أجادل الرجل العجوز فيما إن كانت القصة حقيقية أم ~~خرافية.» # سألها الصبي: «وأين شجرة البيلسان الأم؟» # أجابته أمه: «إنها في إبريق الشاي، وقد تظل هناك.» # | ملكة الثلج # القصة الأولى # المرآة وأجزاؤها المكسورة # لا بد أن تنتبه جيدا لبداية هذه القصة؛ فحين نصل إلى النهاية ~~سنعرف أكثر مما نعرف الآن حول جني شرير جدا، كان الأكثر ~~شقاوة بين كل الجن؛ فقد كان شيطانا بحق. # ذات يوم حين كان في مزاج جيد صنع مرآة قادرة على جعل كل شيء حسن ~~أو جميل ينعكس فيها يتقلص حتى يختفي، وجعل كل شيء عديم القيمة ~~وسيئا مكبرا بحيث يبدو أسوأ عشر مرات مما هو في الواقع. # هكذا كانت أجمل المناظر الطبيعية تبدو عليها مثل السبانخ ~~المسلوق، وكان كل الناس يظهرون بشكل فظيع ويبدون كأنهم يقفون على ~~رءوسهم ومن دون أجسام. كانت وجوههم تظهر مشوهة للغاية حتى إنه كان ~~يستعصي التعرف ms087 عليهم، وكان من لديه بقعة نمش في وجهه تراها وقد ~~انتشرت فوق أنفه وفمه. وكان الشيطان يرى ذلك ممتعا جدا. أما حين ~~كان يرد على بال أحد الأشخاص فكرة طيبة أو تقية فكانت تبدو في ~~المرآة في شكل تجعيدة، وكم كان الشيطان يضحك حينئذ فرحا باختراعه ~~الخبيث! # كل من ارتاد مدرسة الشيطان - فقد كان لديه مدرسة - كانوا يتحدثون ~~في كل مكان عن العجائب التي رأوها، ويقولون إن الناس أصبح بإمكانهم ~~الآن لأول مرة أن يروا العالم وسكانه على حقيقتهم. وكانوا يحملون ~~المرآة معهم في كل مكان، حتى لم يعد في النهاية مكان أو شخص لم ~~ير من خلال تلك المرآة المشوهة. # كذلك أرادوا أن يطيروا بها إلى السماء ليروا الملائكة، لكنهم ~~كلما كانوا يحلقون عاليا كانت المرآة تصير زلقة أكثر، فكانوا ~~بالكاد يستطيعون الإمساك بها، حتى انسلت من أياديهم أخيرا وسقطت ~~على الأرض، وتحطمت إلى ملايين القطع. # لكن هذا جعل المرآة سببا أكبر في التعاسة عن ذي قبل، فقد كانت ~~بعض القطع لا يتعدى حجمها حبة الرمل، فحملها الهواء إلى كل البلاد ~~في أنحاء العالم. وحين كانت واحدة من هذه الذرات الدقيقة تدخل عين ~~أحد الأشخاص، كانت لا تبرحها، دون أن يعي هو ذلك، فكان من تلك ~~اللحظة يرى كل شيء على نحو خاطئ، ولا يرى إلا الجانب الأسوأ فيما ~~ينظر إليه؛ فحتى أصغر شذرة كانت تحتفظ بنفس القدرة التي كانت لدى ~~المرآة كاملة. # وقد أصيب قليل من الأشخاص بشظية من المرآة في قلوبهم، وهو ~~الأمر الفظيع، إذ صارت قلوبهم باردة وجامدة مثل كتلة جليد. وكانت ~~بعض القطع كبيرة فأمكن استخدامها ألواحا للنوافذ؛ لكن كان من ~~المؤسف بالطبع أن ترى أصدقاءك من خلالها. وصنع من أجزاء أخرى ~~نظارات، فكانت بغيضة؛ إذ من كان يرتديها كان لا يمكنه أن يرى أي ~~شيء على نحو صحيح أو حقيقي. كان الشيطان الشرير يضحك على كل هذا ~~حتى يستلقي على ظهره؛ إذ كان سعيدا لرؤية الأذى الذي كان يرتكبه. ~~ولا يزال عدد من هذه ms088 الشظايا الصغيرة من الزجاج يحملها الهواء، ~~وسوف تقرءون الآن ما حدث لواحدة منها. # القصة الثانية # صبي صغير وفتاة صغيرة # في أي بلدة كبيرة مكتظة بالمنازل والناس، ليس هناك فسحة ليكون ~~لدى كل شخص حتى حديقة صغيرة. لذلك يضطر أغلب الناس إلى الاكتفاء ~~بزراعة بعض الزهور في أصص زرع. # في واحدة من هذه البلدات الكبيرة عاش طفلان فقيران كان لديهما ~~حديقة إلى حد ما أكبر وأفضل من بعض من أصص الزرع. لم يكن الاثنان ~~أخا وأختا، لكن كان كل منهما يحب الآخر حبا كاد يماثل حب ~~الأشقاء. كان أهلهما يعيشان في حجرتين علويتين متقابلتين ~~لمنزلين متجاورين كان سطحهما شبه متصل، وكان هناك مزراب يمر ~~بينهما. وكان في كل سطح نافذة صغيرة، بحيث يستطيع أي أحد أن يخطو ~~فوق المزراب ليصل من نافذة إلى الأخرى. # كان لدى أهل كل من هذين الطفلين صندوق خشبي كبير يزرعان فيه ~~الخضراوات من أجل استهلاكها في الطبخ، وكان في كل صندوق أيضا ~~شجيرة ورد صغيرة وارفة على نحو رائع. # بعد فترة قرر الأهل أن يضعوا هذين الصندوقين فوق المزراب، بحيث ~~يمتدان من نافذة إلى الأخرى ويبدوان مثل حوضين من الزهور. حينها، ~~تدلت البازلاء من الصندوقين، ونبتت لشجيرتي الورد فروع طويلة ~~التفت حول النافذتين وتجمعت معا مثل قوس نصر من الأوراق ~~والزهور. # وكان الصندوقان مرتفعين جدا، وكان الطفلان يعلمان أنهما يجب ~~ألا يتسلقاهما من دون إذن؛ لكنهما كثيرا ما كان يسمح لهما ~~بالخروج من النافذتين والجلوس على مقعديهما الصغيرين تحت ~~شجيرتي الورد أو اللعب معا في هدوء. # لكن حين كان يقبل الشتاء كانت تنتهي كل هذه المسرة؛ إذ كانت ~~النافذتان تتجمدان تماما في بعض الأحيان. إلا أنهما كانا يسخنان ~~بنسات نحاسية على الموقد ويضعانها على الزجاج المتجمد فكانت سريعا ~~ما تصنع ثقبا صغيرا مستديرا يستطيعان النظر من خلاله، فكانت ~~العيون الوديعة المتقدة للفتى والفتاة الصغيرين، اللذين يدعيان ~~كاي وجيردا، تلمع من خلال الثقب الموجود في كل من النافذتين حين ~~ينظر كل منهما إلى الآخر. في الصيف كانا ms089 يستطيعان أن يكونا معا ~~بقفزة واحدة من النافذة، لكن في الشتاء كانا يضطران إلى صعود ~~الدرج الطويل وهبوطه والخروج وسط الثلوج حتى يستطيعا ~~اللقاء. # ذات يوم قالت جدة كاي العجوز بينما كانت الثلوج تتساقط: «انظرا! ~~ها هو سرب من النحل الأبيض.» # سألها الصبي الصغير: «هل يوجد لديه ملكة؟» فقد كان يعلم أن النحل ~~دائما ما يكون لديه ملكة. # أجابت الجدة قائلة: «بالطبع لديه. إنها تطير هناك في الجزء ~~الأكثر كثافة من السرب. إنها أضخم نحلة فيه ولا تلبث على الأرض ~~مطلقا، وإنما تنطلق عاليا إلى الغيوم الداكنة. وكثيرا ما تطير ~~في شوارع البلدة في منتصف الليل وتطلق أنفاسها الباردة على ~~النوافذ فيتجمد الثلج على الزجاج في أشكال رائعة تبدو مثل الزهور ~~والقلاع.» # قال الطفلان: «هذا صحيح، لقد رأيناها.» وكانا يعلمان أن هذه ~~حتما حقيقة. # تساءلت الفتاة الصغيرة: «هل من الممكن أن تدخل ملكة الثلج إلى ~~هنا؟» # قال الصبي: «فلندعها تدخل وسوف أضعها على الموقد الساخن حتى ~~تنصهر.» # مسدت الجدة شعره وأخبرته بالمزيد من الحكايات. # وفي ذلك المساء نفسه بينما كان كاي الصغير بالمنزل، متجردا من ~~نصف ملابسه، صعد على كرسي عند النافذة ونظر من الثقب الصغير ~~المستدير. كانت القليل من ندف الثلج تتساقط من السماء، وقد حطت ~~إحداها، والتي كانت أكبر حجما من الأخرى، على حافة أحد صندوقي ~~الزهور. العجيب أن هذه الندفة راحت تزداد حجما حتى اتخذت في ~~النهاية هيئة سيدة في رداء من الشاش الأبيض، الذي بدا كأنه صنع من ~~ملايين ندف الثلج التي تشبه النجوم المتصلة ببعضها البعض. كانت ~~السيدة شقراء وجميلة، لكنها كانت من الثلج؛ الثلج البراق المبهر. ~~لكنها كانت حية، وعيناها تشعان مثل نجمتين لامعتين، لكنهما ~~بلا سلام أو سكينة. وقد أومأت برأسها تجاه النافذة، ولوحت بيدها. ~~ارتعب الصبي الصغير وقفز من أعلى الكرسي، وفي اللحظة نفسها بدا كأن ~~طائرا كبيرا طار قريبا من النافذة. # في اليوم التالي كان هناك صقيع شديد، ثم ما لبث الربيع أن أقبل. ~~أشرقت الشمس، ونبتت الأوراق الخضراء الغضة، وبنت ms090 طيور السنونو ~~أعشاشها؛ وفتحت النوافذ، فجلس الطفلان مرة أخرى في الحديقة التي ~~على السطح، عاليا فوق كل الحجرات الأخرى. # كم كانت الورود جميلة حين تفتحت هذا الصيف! وكانت الفتاة الصغيرة ~~قد تعلمت ترنيمة تتحدث عن الورود. فكرت في ورودهما، وأنشدت ~~الترنيمة للصبي الصغير، وغنى هو أيضا معها قائلين: # تتفتح الزهور ثم تذوي؛ # لكن المسيح الطفل دائما سيبقى. # ستحل علينا البركة حين نراه، # وهكذا حال الأطفال دوما. # ثم أمسك كل من الطفلين بيدي بعضهما، وقبلا ~~الورود، ونظرا إلى أشعة الشمس الساطعة، وتحدثا إليها كما لو كان ~~المسيح الطفل هناك بالفعل. كانت تلك أيام الصيف البهيجة. كم كانت ~~الأجواء جميلة ومنعشة بين شجيرتي الورد، اللتين بدتا كأنهما لن ~~تذويا أبدا! # ذات يوم جلس كاي وجيردا يطالعان كتابا به صور للحيوانات ~~والطيور. وفي نفس الوقت الذي دقت فيه الساعة التي في برج الكنيسة ~~الثانية عشرة، قال كاي: «أوه، شيء ما أصاب قلبي!» وبعد لحظات قال: ~~«من المؤكد أن شيئا ما دخل عيني.» # لفت الفتاة الصغيرة ذراعها حول عنقه ونظرت إلى عينه، لكنها لم ~~تستطع رؤية أي شيء. # قال الصبي: «أعتقد أنه زال.» لكنه لم يزل؛ فقد كانت إحدى شظايا ~~المرآة المكسورة - تلك المرآة السحرية التي كنا قد تحدثنا عنها - ~~المرآة القبيحة التي تجعل كل شيء ضخم وحسن يبدو صغيرا وقبيحا، ~~بينما يصبح كل ما هو خبيث ورديء أكثر وضوحا، وكل خطأ صغير ~~ظاهرا للعيان. كذلك أصيب كاي الصغير المسكين بشظية صغيرة في ~~قلبه، الذي تحول سريعا جدا إلى كتلة من الجليد. لم يشعر كاي ~~بمزيد من الألم لكن ظلت شظيتا الزجاج في مكانهما. وقال أخيرا: ~~«لماذا تبكين؟ إن هذا يجعلك تبدين قبيحة. إنني على ما يرام ~~الآن.» ثم صاح فجأة قائلا: «أوه، يا للقرف! تلك الوردة أكلتها ~~الديدان، وهذه الوردة معوجة تماما. إنها ورود قبيحة على أي حال، ~~تماما مثل الصندوق التي زرعت فيه.» ثم ركل الصندوقين بقدميه ~~وقطف الوردتين. # صاحت الفتاة الصغيرة قائلة: «عجبا يا كاي، ماذا تفعل؟» وحين رأى ~~كما هي ms091 حزينة قطف وردة أخرى وقفز من نافذته للداخل، بعيدا عن ~~جيردا الصغيرة الرقيقة. # حين أخرجت فيما بعد الكتاب المصور قال لها: «إنه لا يناسب إلا ~~أطفالا ما زالوا في المهد.» وحين كانت الجدة تحكي قصصا كان ~~يقاطعها ليعارض ما تقوله، أو يقف أحيانا وراء مقعدها حين كان ~~يمكنه ذلك ويضع على عينيه نظارة، ويقلدها بمهارة شديدة ليجعل ~~الناس يضحكون. وبالتدريج، بدأ يقلد طريقة حديث الناس في الشارع ~~ومشيهم. فكان يقلد كل ما هو غريب أو مكروه في الشخص في الحال، ~~وكان الناس يقولون: «ذلك الصبي سيصير ماهرا جدا؛ إنه عبقري ~~عبقرية جديرة بالاهتمام.» إلا أن ما جعله يتصرف على هذا النحو هو ~~قطعة الزجاج التي في عينه والجمود الذي في قلبه. بل إنه كان حتى ~~يثير غيظ جيردا الصغيرة التي كانت تحبه من كل قلبها. # حتى لهوه صار أيضا مختلفا تماما؛ فلم يعد مثل لهو الأطفال. ~~وذات يوم من أيام الشتاء بينما كانت الثلوج تتساقط، أحضر عدسة ~~حارقة، ثم رفع طرف معطفه الأزرق حتى تسقط عليه ندف الثلج. # ثم قال لجيردا: «انظري من خلال هذه العدسة يا جيردا.» فرأت كيف ~~صارت كل واحدة من ندف الثلج مكبرة لتبدو مثل زهرة جميلة أو نجمة ~~لامعة. # فقال لها كاي: «أليس في هذا جمال ومتعة أكبر كثيرا من النظر إلى ~~زهور حقيقية؟ فلا يوجد فيها عيب واحد. تظل ندف الثلج في أفضل حال ~~حتى تبدأ في الانصهار.» # بعد هذا بقليل ظهر كاي مرتديا قفازا كبيرا سميكا وعلى ظهره ~~زلاجته. ونادى على جيردا وقال: «لقد حصلت على الإذن بالذهاب إلى ~~الميدان الكبير، حيث يلعب الصبية الآخرون ويركبون الزلاجات.» ثم ~~رحل. # في الميدان الكبير كان الأكثر جرأة من بين الصبية عادة ما يربطون ~~زلاجاتهم بعربات سكان القرية وبهذا يحصلون على جولة، وهو ما كان ~~أمرا رائعا. لكن بينما كانوا يلهون، ومعهم كاي، جاءت زلاجة كبيرة ~~مطلية باللون الأبيض، جلس فيها شخص ما متلفعا بفراء أبيض خشن ~~ومعتمرا قبعة بيضاء. دارت الزلاجة حول الميدان مرتين، وربط ms092 كاي ~~زلاجته الصغيرة بها، وبهذا رحل معها حين رحلت. انطلقت أسرع فأسرع ~~عبر الشارع التالي، واستدار الشخص الذي يقودها وأومأ رأسه بود لكاي ~~كأنهما على معرفة وثيقة ببعضهما؛ لكن كلما ود كاي أن يفك زلاجته ~~الصغيرة التفت قائد الزلاجة وأومأ برأسه ليشير بأن عليه ~~البقاء، فجلس كاي ساكنا، ثم انطلقا خارجين من بوابة ~~البلدة. # ثم راح الثلج يتساقط بغزارة شديدة حتى إن الصبي الصغير لم يستطع ~~أن يرى أبعد من شبر أمامه، لكنهما ظلا منطلقين بالزلاجتين. وفجأة ~~حاول الصبي فك الحبل حتى تذهب الزلاجة الكبيرة من دونه، لكن دون ~~جدوي؛ فقد كانت زلاجته مربوطة بإحكام، وانطلق الاثنان مثل الريح. ~~أخذ يصيح بصوت عال، لكن لم يسمعه أحد، في حين ظل الثلج يتساقط ~~عليه والزلاجة منطلقة. وكانت من حين إلى آخر تقفز، كما لو كانا ~~يعبران فوق أسيجة وحفر. حل الخوف بالفتى فحاول أن يتلو صلاة، لكنه ~~لم يستطع أن يتذكر أي شيء سوى جدول الضرب. # صار حجم ندف الثلج أضخم فأضخم، حتى بدت مثل طيور بيضاء ضخمة. ~~وإذ فجأة قفزت جانبا، وتوقفت الزلاجة الكبيرة، ونهض الشخص الذي ~~كان يقودها. سقط الفراء والقبعة اللذان كانا مصنوعين بالكامل من ~~الثلج، فرأى سيدة، طويلة وبيضاء، وكانت هي ملكة الثلج. # قالت له: «لقد أحسنا قيادة الزلاجتين، لكن لماذا ترتعد هكذا؟ ~~تعال، اندس في فرائي الدافئ.» ثم أجلسته بجانبها في الزلاجة ~~وبينما هي تلف الفراء حوله، شعر كأنه يغوص في ركام من ~~الثلج. # سألته وهي تطبع قبلة على جبهته: «أما زلت تشعر بالبرد؟» كانت ~~القبلة أبرد من الجليد؛ فقد اخترقته حتى بلغت قلبه الذي كان أشبه ~~بكتلة من الجليد بالفعل. وشعر الصبي كأنه يحتضر، لكنه شعور لم ~~يدم أكثر من لحظة، فسرعان ما بدا على ما يرام تماما ولم يأبه ~~للبرد الذي أحاط به من كل جانب. # وكان أول ما جال بخاطره أن قال: «زلاجتي! لا تنسي زلاجتي.» ثم ~~نظر فوجد أنها مربوطة بإحكام بأحد الطيور البيضاء التي كانت تحلق ~~خلفه. قبلت ملكة الثلج كاي ms093 الصغير مرة أخرى، وكان حينذاك قد نسي ~~جيردا الصغيرة وجدته وكل من في البيت. # قالت له ملكة الثلج: «لا بد أن أتوقف عن تقبيلك وإلا قضيت عليك ~~بقبلاتي.» # نظر كاي إليها فوجدها جميلة للغاية لدرجة أنه لم يتخيل أن يكون ~~هناك وجه أكثر بهاء من وجهها؛ ولم يبد الآن أنها من الثلج كما ~~كانت حين رآها من نافذته وأومأت برأسها له. # كانت تبدو في عينيه كاملة الأوصاف، فلم يشعر بالخوف على ~~الإطلاق. أخبرها أنه يستطيع إجراء عمليات حسابية في ذهنه حتى تلك ~~التي تحتوي على كسور، وأنه يعرف مساحة البلد بالأميال المربعة وعدد ~~سكانها. ابتسمت له فخطر له أنها تعتقد أن كل ما يعرفه بدا ~~ضئيلا. # جال الصبي ببصره في أنحاء الفضاء المترامي وهي تطير به أعلى ~~فأعلى على غيمة سوداء، بينما تشتد العاصفة وتعوي كأنها تغني ~~أغنيات من أزمان غابرة. طارا فوق غابات وبحيرات، وفوق البر ~~والبحر؛ وتحتهما عوت الرياح العاتية وعوت الذئاب وطقطق الجليد؛ ~~وفوقهما حلقت الغربان السوداء وهي تنعق، وفوق كل هذا سطع القمر، ~~صافيا مضيئا، وهكذا قضى كاي ليل الشتاء الشديد الطول، وحين جاء ~~النهار نام عند قدمي ملكة الثلج. # القصة الثالثة # حديقة الزهور المسحورة # لكن كيف حال جيردا الصغيرة في غياب كاي؟ # لم يعلم أحد ما حل به، ولا استطاع أحد أن يدلي بأدنى قدر من ~~المعلومات، ما عدا الصبية الذين قالوا إنه كان قد ربط زلاجته ~~بزلاجة أخرى كبيرة جدا، والتي راحت تنطلق في الشارع ثم خرجت من ~~بوابة البلدة. ولم يعرف أحد أين ذهبت. وقد انهمر الكثير من الدموع ~~من أجله، وظلت جيردا تبكيه بحرقة لوقت طويل؛ إذ قالت إنها تشعر ~~أنه مات لا محالة، وأنه غرق في النهر الجاري بالقرب من المدرسة. ~~ومضت أيام شتاء الطويلة في كآبة شديدة؛ لكن أخيرا جاء الربيع ~~بشمسه الدافئة. # قالت جيردا الصغيرة: «لقد مات كاي ورحل.» # قالت أشعة الشمس: «أنا لا أصدق هذا.» # وقالت لطيور السنونو: «لقد مات ورحل.» # فردت عليها وقالت: «إننا لا نصدق هذا ms094 .» وأخيرا بدأت جيردا ~~الصغيرة تشك في الأمر. # وذات صباح قالت: «سوف أنتعل حذائي الأحمر الجديد، ذلك الذي لم ~~يره كاي قط، ثم أذهب إلى النهر وأسأل عنه.» # وفي ساعة مبكرة جدا من الصباح قبلت جدتها العجوز التي كانت ~~لا تزال نائمة؛ ثم انتعلت حذاءها الأحمر، وخرجت من بوابة البلدة ~~بمفردها تماما متجهة نحو النهر. # قالت جيردا للنهر: «هل صحيح أنك أخذت مني رفيقي الصغير في اللعب؟ ~~سوف أعطيك حذائي الأحمر إذا أعدته لي.» # وبدا كأن الأمواج أشارت لها بأسلوب غريب، فخلعت زوجي حذائها ~~الأحمر، الذي كانت تحبه أكثر من أي شيء آخر، وألقت بهما في النهر، ~~لكنهما سقطتا قريبا من الضفة، فحملتهما الأمواج الصغيرة إلى البر ~~مجددا تماما كأن النهر يرفض أن يأخذ منها أحب ما لديها؛ لأن ~~ليس بمقدوره أن يعيد إليها كاي الصغير. # لكنها اعتقدت أنها لم تلق بالحذاء بعيدا بالقدر الكافي، ~~فتسللت إلى قارب كان موجودا بين عيدان البوص، وألقت بالحذاء مرة ~~أخرى في الماء من أقصى القارب؛ إلا أنه لم يكن مربوطا، فجعلته ~~حركتها يسبح بعيدا عن البر. حين رأت جيردا هذا هرعت لتصل إلى ~~طرف القارب، لكن قبل أن تتمكن من ذلك كان ابتعد أكثر من ياردة عن ~~الضفة وانجرف بسرعة أكبر. # ارتعبت جيردا الصغيرة بشدة وبدأت في البكاء لكن لم يسمعها أحد ~~سوى طيور السنونو التي لم تكن تستطيع حملها إلى البر، لكنها ظلت ~~تطير قرب الضفة وهي تشدو قائلة: «نحن بقربك! نحن بقربك!» لعل ~~غناءها يهدئ من روعها. # ذهب القارب مع التيار، بينما جلست جيردا الصغيرة في سكون تام لا ~~يغطي قدميها سوى الجورب؛ فقد طفا الحذاء الأحمر وراءها، لكنها لم ~~تستطع أن تصل إليه لأن القارب استمر في تقدمه مسرعا. # كانت ضفتا النهر بديعتين للغاية؛ فقد كان فيهما زهور جميلة ~~وأشجار قديمة وحقول منحدرة ترعى فيها الأبقار والأغنام، لكن لم يكن ~~هناك أي إنسان. # حدثت جيردا الصغيرة نفسها قائلة: «ربما سيحملني النهر إلى كاي ~~الصغير.» وحينئذ صارت أكثر ابتهاجا، ورفعت رأسها وطالعت ms095 الضفتين ~~الخضراوين الجميلتين. وهكذا ظل القارب مبحرا عدة ساعات، حتى بلغ ~~أخيرا بستانا كبيرا للكرز، قام فيه منزل صغير ذو نوافذ حمراء ~~وزرقاء غريبة. كان سطحه مغطى بالقش، ووقف خارجه جنديان خشبيان ~~رفعا لها سلاحهما تحية حين مرت بهما بالقارب. نادت جيردا عليهما ~~فقد ظنت أنهما حيان؛ لكنهما لم يجيبا بالطبع، وحين اقترب القارب ~~من الشاطئ أكثر أدركت حقيقتهما. # إلا أن جيردا ظلت تنادي بصوت أعلى، فخرجت من المنزل سيدة عجوز ~~جدا، متكئة على عكاز، ترتدي قبعة كبيرة لتحميها من الشمس، وكان ~~مرسوما عليها شتى أنواع الزهور الجميلة. # قالت السيدة العجوز: «كيف استطعت أن تقطعي هذه المسافة البالغة ~~الطول في العالم الواسع في مثل هذا التيار السريع الهائج يا أيتها ~~الطفلة الصغيرة المسكينة؟» ثم خاضت السيدة العجوز في الماء، وأمسكت ~~القارب بعكازها، وسحبته للبر، وأخرجت منه جيردا الصغيرة، التي سرها ~~شعورها بالعودة للأرض الجافة مرة أخرى، رغم أنها كانت خائفة بعض ~~الشيء من السيدة العجوز الغريبة. # قالت السيدة: «تعالي وأخبريني من أنت وكيف أتيت إلى ~~هنا.» # أخبرتها جيردا بكل شيء، بينما راحت السيدة العجوز تهز رأسها ~~وتقول: «همم، همم»؛ وحين انتهت جيردا من الكلام سألت السيدة العجوز ~~ما إن كانت قد رأت كاي الصغير. أخبرتها بأنه لم يعبر ذلك الطريق، ~~لكن ثمة احتمالا كبيرا أن يأتي. وطلبت من جيردا ألا تحزن وإنما ~~تتذوق الكرز وتنظر إلى الزهور؛ فهي أجمل من أي كتاب مصور، فكل ~~واحدة منها تحكي قصة. ثم أمسكت يدها، وأدخلتها إلى المنزل الصغير، ~~وأغلقت الباب. كانت النوافذ عالية جدا، ولما كان زجاجها ملونا ~~بالأحمر والأزرق والأصفر فقد سطع من خلالها ضوء النهار بشتى ~~الألوان الفريدة. وكان على الطاولة بعض ثمار الكرز الجميلة، وقد ~~سمح لجيردا بتناول العدد الذي تريده منها. وبينما كانت تأكلها ~~مشطت السيدة العجوز خصلات شعرها الأشقر الملتفة بمشط ذهبي فانسابت ~~الخصلات اللامعة على جانبي الوجه الحسن المستدير الصغير، الذي بدا ~~في نعومة الوردة ونضارتها. # قالت السيدة العجوز: «طالما تمنيت فتاة صغيرة لطيفة مثلك، لذلك ~~لا ms096 بد أن تبقي معي وتري كيف سنعيش في سعادة معا.» وفيما راحت ~~تمشط شعر جيردا الصغيرة انحسر تفكير الطفلة في رفيقها كاي ~~تدريجيا، فالسيدة العجوز كانت ساحرة لكنها كانت ساحرة طيبة؛ فلم ~~تكن تمارس السحر إلا قليلا بغرض الترفيه عن نفسها، وحينذاك لأنها ~~أرادت الاحتفاظ بجيردا. لذلك خرجت إلى الحديقة ومدت عكازها صوب كل ~~أشجار الورد فغاصت في التو في غياهب الأرض، رغم ما كانت عليها من ~~بهاء، دون أن تترك أدنى أثر على أنها كانت هناك. لقد خشيت السيدة ~~العجوز أن ترى جيردا الصغيرة الورود فتفكر في تلك التي في دارها ~~فتتذكر حينئذ كاي الصغير وترحل. # ثم اصطحبت جيردا لحديقة الزهور، وكم كانت عطرة وجميلة! كان فيها ~~كل الزهور التي قد تخطر على البال، من أي موسم من مواسم السنة، ~~متفتحة وذات ألوان لا يمكن لأي كتاب مصور أن يعرض ألوانا أشد ~~منها جمالا. قفزت جيردا من السعادة ولعبت حتى توارت الشمس وراء ~~أشجار الكرز الطويلة؛ ثم نامت في فراش أنيق، ذي وسائد حمراء من ~~الحرير مزينة بزهور البنفسج، وراودتها أحلام سعيدة أنها ملكة في ~~يوم زفافها. # ظلت جيردا تلعب بالزهور في أشعة الشمس الدافئة اليوم التالي ~~وطيلة عدة أيام تالية. وصارت تعرف كل زهرة، ورغم أنها كانت كثيرة ~~جدا فقد بدا أنها تنقصها واحدة، لكنها لم تعرف ما هي. لكن ذات ~~يوم بينما هي جالسة تتطلع إلى قبعة السيدة العجوز ذات الزهور ~~الملونة، رأت أن أجملها جميعا كانت وردة. لقد نسيت السيدة ~~العجوز أن تنزعها من قبعتها حين جعلت كل الورود تندثر تحت الأرض. ~~لكن من الصعب أن تنتبه إلى كل التفاصيل، فقد ترتكب خطأ صغيرا ~~يفسد عليك كل ما رتبته. # وإذ بجيردا تصيح: «عجبا! ألا يوجد ورود هنا؟» ثم خرجت إلى ~~الحديقة وفحصت كل الأحواض، وظلت تبحث وتبحث، لكنها لم تعثر على أي ~~منها. جلست وراحت تبكي، فسقطت دموعها في نفس المكان الذي هبطت فيه ~~إحدى أشجار الورد. بلت دموعها الدافئة الأرض، فنبتت شجرة ورد في ~~الحال ms097 ، وارفة كما كانت حين هبطت في الأرض، فضمتها جيردا وقبلت ~~الورود، وعاودتها ذكرى الورود الجميلة في دارها، ومعها ذكرى كاي ~~الصغير. # قالت الفتاة الصغيرة: «ويحي، كم مضى علي وأنا حبيسة هنا!» ثم ~~سألت الورود: «كنت أرغب في البحث عن كاي الصغير. هل تعلمن أين هو؟ ~~هل تعتقدن أنه مات؟» # أجابتها الورود: «لا، لم يمت. لقد كنا تحت الأرض حيث يرقد كل ~~الموتى، لكن كاي ليس هناك.» # قالت جيردا الصغيرة: «أشكركن»، ثم ذهبت إلى الزهور الأخرى ونظرت ~~داخل كئوسهن الصغيرة وسألتهن: «هل تعلمن بمكان كاي الصغير؟» لكن كل ~~واحدة من الزهور الواقفة في أشعة الشمس كانت تحلم فقط بحكايتها أو ~~قصتها الخيالية الصغيرة. لم تكن أي منها تعلم أي شيء عن كاي. وسمعت ~~جيردا حكايات عدة من الزهور، حين سألتهن الواحدة تلو الأخرى ~~عنه. # بعد ذلك جرت إلى الناحية الأخرى من الحديقة. كان الباب موصدا، ~~لكنها دفعت المزلاج الصدئ حتى انهار. انفتح الباب على مصراعيه، ~~فخرجت جيردا الصغيرة جريا حافية القدمين إلى العالم الواسع. نظرت ~~خلفها ثلاث مرات، لكن لم يبد أن هناك من يتبعها. وحين وجدت أنها ~~لم تعد تقوى على الجري جلست لتستريح على حجر كبير، وحين نظرت ~~حولها اكتشفت أن الصيف كان قد انتهى وأن الخريف قد مر جانب كبير ~~منه. لم تكن تدري بشيء من هذا في الحديقة الجميلة حيث كانت تسطع ~~الشمس وتنمو الزهور طوال العام. # قالت جيردا الصغيرة: «أوه، كم أضعت من الوقت! لقد جاء فصل ~~الخريف؛ لا بد ألا أستسلم لمزيد من الراحة.» ونهضت لتواصل السير. ~~إلا أن قدميها الصغيرتين كانتا مجروحتين وتؤلمانها، وبدا كل ~~ما حولها باردا وموحشا. لقد كانت أوراق الصفصاف الطويلة مصفرة ~~تماما، وقطرات الندى تنهمر مثل المياه، والأوراق تتساقط الواحدة ~~تلو الأخرى من الأشجار؛ وحدها شجرة البرقوق الشوكي كانت لا تزال ~~تحمل ثمارا، إلا أن تلك الثمار كانت مرة وتلسع اللسان. أوه، كم ~~بدا العالم بأسره خاويا وكئيبا! # القصة الرابعة # الأمير والأميرة # اضطرت جيردا إلى الخلود للراحة مرة أخرى، فرأت ms098 في الجهة ~~المقابلة للمكان الذي جلست فيه مباشرة غرابا كبيرا يقفز قادما ~~إليها عبر الجليد. وقف ينظر إليها لبعض الوقت، ثم هز رأسه وقال: ~~«قاق، قاق، يوم طيب، يوم طيب». نطق الكلمات بوضوح بقدر ما استطاع، ~~لأنه أراد عدم إخافة الفتاة الصغيرة، ثم سألها إلى أين هي ذاهبة ~~وهي وحيدة تماما في العالم الفسيح. # فهمت جيردا كلمة «وحيدة» جيدا وشعرت بعمق معناها؛ لذا، أخبرت ~~الغراب بقصة حياتها ومغامراتها كلها وسألته ما إن كان قد رأى كاي ~~الصغير. # هز الغراب رأسه بجدية شديدة وقال: «ربما رأيته، من ~~المحتمل.» # صاحت جيردا الصغيرة: «حقا؟! هل تعتقد حقا أنك رأيته؟» ثم ~~قبلت الغراب وضمته بشدة حتى كادت تقتله، من شدة الفرح. # قال الغراب: «اهدئي، اهدئي. أعتقد أنني أعرفه. أعتقد أنه ربما ~~يكون كاي الصغير؛ لكن لا بد أن يكون قد نسيك الآن من أجل ~~الأميرة.» # سألته جيردا: «هل يعيش مع أميرة؟» # أجابها الغراب: «أجل، لكن أنصتي لي. من الصعب جدا أن أتحدث ~~لغتك. إذا كنت تفهمين لغة الغربان، فسأستطيع أن أشرح لك الأمر ~~بشكل أفضل. فهل تفهمينها؟» # قالت جيردا: «كلا، فلم أتعلمها قط، لكن جدتي تفهمها، واعتادت أن ~~تتحدث بها إلي. ليتني كنت قد تعلمتها.» # أجابها الغراب: «لا يهم، سأشرح لك بقدر ما أستطيع، إلا أن الشرح ~~سيكون سيئا جدا.» وأخبرها بما كان قد سمعه. # قال لها: «في المملكة التي نقف فيها الآن تعيش أميرة بارعة ~~الذكاء حتى إنها قرأت كل الجرائد التي في العالم، ونسيتها كذلك، ~~رغم أنها شديدة الذكاء. # منذ فترة قصيرة، بينما هي جالسة على عرشها، الذي يقول الناس إنه ~~ليس كرسيا جيدا كما يغلب الظن عليه، بدأت تغني أغنية يقول ~~مطلعها: # لماذا لا أتزوج؟ # وقالت: «بالطبع، لم لا؟» وعقدت العزم على الزواج إذا استطاعت ~~أن تجد زوجا يعرف ماذا يقول حين يتحدث أحد إليه، فهي لا تريد ~~شخصا يبدو مهيبا فحسب، فقد كان ذلك أمرا مضجرا للغاية. واستدعت ~~كل سيدات البلاط بقرع على طبلة، وحين عرفن بنواياها سررن سرورا ~~شديدا ms099 . # قالت السيدات: «أسعدنا كثيرا هذا الخبر. وقد كنا نناقشه فيما ~~بيننا قبل ذلك.» # لتثقي في صدق كل كلمة أقولها، فلدي إلف أليف تنطلق بحرية في ~~القصر، وهي من أخبرتني بكل هذا.» # بالطبع كان إلفه إحدى إناث الغراب، إذ كما يقول المثل: «الطيور ~~على أشكالها تقع»، ولا يمكن لغراب إلا أن يحب واحدة من بني ~~جنسه. # ثم أضاف: «وفي الحال صدرت الجرائد بإطار من القلوب بها الحروف ~~الأولى من اسم الأميرة، وأعلنت أنه بوسع أي شاب وسيم أن يزور ~~القصر ويتحدث إلى الأميرة، ومن يستطع الرد بصوت مسموع عند مخاطبته ~~ويبدو كما لو كان في بيته، ويكون الأفضل حديثا سيختار زوجا ~~للأميرة. # أجل، أجل، صدقيني. فكل ما قلته حقيقة مثل جلوسي هنا. # لقد جاءت الناس في حشود، وكان هناك قدر كبير من التزاحم ~~والتجمهر، لكن لم ينجح أحد سواء في اليوم الأول أو الثاني. لقد ~~كانوا جميعا يستطيعون الحديث جيدا وهم بالخارج في الشوارع، لكن ~~حين دخلوا من بوابات القصر ورأوا الحراس في زيهم الفضي، والخدم في ~~بزاتهم الرسمية الذهبية على الدرج، والقاعات الكبرى وهي مضاءة، ~~اعتراهم ارتباك شديد. وحين وقفوا أمام العرش الذي كانت تجلس عليه ~~الأميرة، لم يستطيعوا إلا أن يعيدوا الكلمات الأخيرة من الكلام ~~الذي قالته، وهي لم يكن لديها أي رغبة في سماع كلماتها تعاد. ~~كانوا جميعا كأنهم قد تناولوا شيئا ليشعروا بالنعاس أثناء ~~وجودهم في القصر، فهم لم يستعيدوا زمام أنفسهم ولم يتحدثوا إلا حين ~~عادوا إلى الشارع ثانية. وكان هناك صف طويل من المتقدمين، يمتد من ~~بوابة البلدة حتى القصر. # لقد ذهبت بنفسي لأراهم. لقد كانوا جوعى وعطشى، فلم يحصلوا ولو ~~على كوب ماء في القصر. كان بعض الفطناء منهم قد أخذوا معهم بعض ~~شرائح الخبز والزبد، لكنهم لم يقتسموها مع رفاقهم؛ فقد اعتقدوا أنه ~~لو ذهب الآخرون إلى الأميرة ويبدو عليهم الجوع، فسوف يكون حظهم هم ~~أوفر.» # قالت له جيردا: «لكن ماذا عن كاي؟ حدثني عن كاي الصغير! هل كان ~~بين الحشود؟» ~~«اهدئي قليلا ms100 ؛ أوشكنا أن نأتي إليه. في اليوم الثالث جاء شخص ~~صغير يسير مبتهجا إلى القصر من دون خيل أو عربة، وكان ذا عينين ~~لامعتين مثل عينيك. كان شعره جميلا وطويلا، لكن ملابسه كانت ~~رثة للغاية.» # قالت جيردا مبتهجة: «ذلك كان كاي. أوه، إذن فقد وجدته!» وراحت ~~تصفق. # أضاف الغراب: «كان يحمل حقيبة صغيرة على ظهره.» # فقالت جيردا: «لا، لا بد أنها كانت زلاجته، فقد رحل بها.» # قال الغراب: «ربما كانت هي، فلم أنظر إليها عن قرب. لكنني عرفت ~~من وليفتي أنه مر من بوابات القصر، ورأى الحراس في زيهم الفضي ~~والخدم في بزاتهم الرسمية الذهبية على الدرج، لكنه لم يشعر بأدنى ~~قدر من الارتباك. # وقد قال: «لا بد أن الوقوف على الدرج متعب للغاية. أفضل ~~الدخول.» # كانت القاعات متألقة بالأنوار، وكان المستشارون والسفراء يتجولون ~~حفاة، حاملين أوعية ذهبية، وكان هذا كفيلا أن يجعل أي أحد يشعر ~~بجدية الأمر. أما هو فكان حذاؤه يطقطق بصوت عال كلما سار، إلا ~~أنه لم يشعر بالإحراج مطلقا.» # قالت جيردا: «لا بد أن هذا هو كاي؛ أعلم أنه كان يرتدي حذاء ~~جديدا؛ فقد سمعته يطقطق في حجرة الجدة.» # قال الغراب: «كان يطقطق حقا، إلا أنه صعد بجسارة إلى الأميرة ~~نفسها، التي كانت جالسة على لؤلؤة كبيرة بحجم عجلة الغزل. وكانت كل ~~سيدات البلاط حاضرات ومعهن وصيفاتهن وكذلك كل الفرسان ومعهم خدمهم، ~~وكان مع كل وصيفة وصيفة أخرى لخدمتها، وكان مع كل من خدم الفرسان ~~خادم وكذلك غلام. وكانوا جميعا واقفين في دوائر حول الأميرة، ~~وكلما اقتربوا من الباب بان عليهم التكبر. وكان غلمان الخدم، ~~الذين دائما ما يرتدون الأخفاف، يصعب النظر إليهم، إذ كانوا يقفون ~~في كبر شديد عند الباب.» # قالت جيردا الصغيرة: «لا بد أنه أمر فظيع للغاية، لكن هل فاز كاي ~~بالأميرة؟» # أجابها: «لو لم أكن غرابا لكنت تزوجتها أنا نفسي، مع أنني ~~مرتبط. لقد تحدث جيدا مثلي حين أتحدث بلغة الغربان. لقد سمعت هذا ~~الرأي من وليفتي. على أي حال كان الصبي منطلقا ms101 ولطيفا وقال إنه ~~لم يأت ليخطب ود الأميرة، وإنما لسماع حكمتها. وكان مسرورا ~~برفقتها كما كانت هي مسرورة برفقته.» # قالت جيردا: «أوه، إنه كاي بلا شك، فقد كان ذكيا جدا؛ فكان ~~يستطيع أن يحل المسائل الرياضية التي تحتوي على كسور ذهنيا. هلا ~~أخذتني إلى القصر؟» # أجاب الغراب: «هذا أمر سهل جدا في طلبه لكن كيف السبيل لتدبره؟ ~~لكنني سأتكلم مع وليفتي في الأمر وأطلب منها المشورة، فلا بد أن ~~أصارحك بأنه سيكون من الصعب للغاية الحصول على إذن لدخول فتاة ~~صغيرة مثلك القصر.» # قالت جيردا: «أوه، بالتأكيد، لكنني سأحصل على الإذن بسهولة، فحين ~~يعرف كاي أنني هنا سيخرج ويأخذني إلى الداخل في الحال.» # قال الغراب، وهو يهز رأسه فيما يطير بعيدا: «انتظريني هنا عند ~~السياج.» # لم يعد الغراب قبل ساعة متأخرة من المساء؛ وعندما وصل، قال: ~~«قاق، قاق! إن وليفتي ترسل إليك تحياتها، وها هي قطعة خبز صغيرة ~~أخذتها من المطبخ من أجلك. يوجد هناك الكثير من الخبز، فقد اعتقدت ~~أنك لا بد أن تكوني جائعة. ليس من الممكن أن تدخلي القصر من ~~المدخل الأمامي؛ فالحراس ذوو الزي الفضي والخدم ذوو البزات ~~الرسمية الذهبية لن يسمحوا بذلك. لكن لا تبكي؛ فسوف نتدبر أمر ~~دخولك. تعرف وليفتي سلما خلفيا صغيرا يؤدي إلى حجرات النوم، ~~وتعلم مكان المفتاح.» # ثم ذهبا إلى الحديقة عن طريق الجادة الكبرى، حيث كانت أوراق ~~الأشجار تتساقط الواحدة تلو الأخرى، واستطاعا أن يريا الأنوار في ~~القصر وهي تطفأ على نفس النحو. تقدم الغراب جيردا الصغيرة إلى ~~باب خلفي كان مواربا. أوه، كم كان قلبها يخفق قلقا واشتياقا؛ ~~وبدا الأمر كأنها كانت ستقدم على فعل شيء خطأ، إلا أنها لم ترد ~~سوى أن تعرف مكان كاي الصغير. # حدثت جيردا نفسها قائلة: «لا بد أنه هو، بعينيه الصافيتين ~~وشعره الطويل.» # استطاعت أن تتخيله وهو يبتسم لها كما كان يفعل حين كانا في ~~منزليهما بينما هما جالسان بين الورود. لا بد أنه سيسر ~~برؤيتها، وبمعرفة المسافة الطويلة التي قطعتها من أجله ms102 ، ومدى أسف ~~كل من في المنزل لعدم رجوعه. أوه، كم شعرت بفرحة وفي نفس الوقت ~~خوف! # ارتقيا السلم، وكان في خزانة صغيرة أعلاه مصباح مشتعل. وقفت ~~وليفة الغراب في وسط الطابق، وأخذت تتلفت حولها وتحدق إلى ~~جيردا، التي انحنت احتراما لها كما علمتها جدتها. # قالت وليفة الغراب: «لقد أثنى خطيبي عليك أفضل الثناء يا سيدتي ~~الصغيرة. إن قصتك مؤثرة جدا. فلتأخذي المصباح وسأسير أنا ~~أمامك. سنأخذ هذا الطريق مباشرة، فلن يقابلنا أحد فيه.» # قالت جيردا: «أشعر كأن ثمة شخصا وراءنا»؛ إذ مر بها مسرعا ~~شيء ما مثل ظل على الجدار؛ ثم تراءت لها خيول ذات شعور مسترسلة ~~وقوائم رفيعة، وصيادون، وسيدات وسادة على صهوات خيل، تمرق سريعا ~~مثل الأشباح. # قالت وليفة الغراب: «ما هي إلا أحلام؛ فهي تأتي لتحمل أفكار ~~الأشخاص العظام بعيدا. وهذا أفضل، فما دامت أفكارهم قد خرجت هكذا، ~~فسيتسنى لنا أن نراها وهم في الفراش بأمان أكثر. أتمنى أن يكون ~~قلبك ممتنا لنا حين تصعدين إلى مراتب الشرف والحظوة.» # قال لها غراب الغابة: «لك أن تتأكدي من ذلك تماما.» # ثم دخلوا القاعة الأولى، التي كانت جدرانها مزينة بستائر ~~حرير وردية اللون مطرزة بزهور صناعية. وهنا مرقت بجانبهم ~~الأحلام مجددا، لكن سريعا جدا حتى إن جيردا لم تستطع أن تتبين ~~الشخصيات العظيمة. وبدت كل قاعة أروع من التي سبقتها، وهو ما كان ~~جديرا أن يصيب أي شخص بذهول. وبعد برهة بلغوا حجرة نوم. كان ~~سقفها مثل قمة نخلة ضخمة، ذات أوراق زجاجية من أغلى أنواع ~~البلور، وفي منتصف الحجرة علق سريران، يشبه كل منهما ~~الزنبقة، على عمودين من ذهب. كان أحدهما أبيض، وكانت الأميرة ~~تضطجع فيه، والآخر أحمر، وهو الذي كان على جيردا أن تبحث فيه عن ~~كاي الصغير. # أزاحت إحدى الأوراق الحمراء فرأت ظهر رقبة بنية صغيرة. أوه، لا ~~بد أنه كاي! نادت اسمه بصوت عال وحملت المصباح فوقه، فعادت ~~الأحلام مندفعة في الغرفة على صهوة حصان. وحين استيقظ وأدار ~~رأسه، وجدت أنه ليس كاي الصغير! كان ms103 الأمير يشبهه فحسب؛ لكنه كان ~~شابا ووسيما. هنا أطلت الأميرة من فراشها الشبيه بالزنبقة ~~البيضاء، وسألت ما الأمر. أجهشت جيردا الصغيرة بالبكاء وأخبرتها ~~بالقصة، وكل ما فعله الغرابان ليساعداها. # قال الأمير والأميرة: «يا لك من طفلة مسكينة!» ثم أثنيا على ~~الغرابين، وقالا إنهما ليسا غاضبين منهما لما فعلاه، وإنهما ~~سيكافئانهما هذه المرة، لكن على ألا يكررا هذا ثانية. # ثم سألت الأميرة الغرابين: «هل تودان الحصول على حريتكما؟ أم ~~تفضلان الترقية لمرتبة غربان البلاط، ليكون لكما حق الحصول على كل ~~فوائض المطبخ؟» # انحنى الغرابان والتمسا أن يكون المنصب ثابتا؛ فقد تفكرا في ~~كبر سنهما، وقالا إنه سيكون من المطمئن أن يشعرا أنهما قد ~~تحسبا له. # ثم نزل الأمير عن فراشه وتركه لجيردا - وكان هذا أقصى ما يمكنه ~~القيام به - فاستلقت فيه. ضمت جيردا يديها الصغيرتين معا ~~وحدثت نفسها قائلة: «كم يحسن الجميع معاملتي، بشرا كانوا أم ~~حيوانات!» ثم أغمضت عينيها وغطت في نوم هانئ. وجاءت إليها كل ~~الأحلام مجددا، لكن في شكل ملائكة هذه المرة، يجر أحدها زلاجة ~~صغيرة، كان يجلس عليها كاي الذي أخذ يومئ برأسه لها. لكن لم يكن ~~كل هذا إلا حلما، إذ تبدد بمجرد أن استيقظت. # وفي اليوم التالي اكتست بالحرير والمخمل من رأسها لأخمص قدميها ~~ودعيت لقضاء عدة أيام في القصر والترويح عن نفسها؛ لكنها لم ~~تطلب سوى حذاء عالي الرقبة وعربة صغيرة وحصانا لجرها، حتى تتمكن ~~من الخروج بحثا عن كاي في العالم الفسيح. # لكنها لم تحصل على حذاء عالي الرقبة فحسب وإنما على غطاء من ~~الفراء لتدفئة اليدين أيضا، وأصبحت في غاية الأناقة؛ وحين صارت ~~مستعدة للذهاب، وجدت عند الباب عربة من الذهب الخالص وقد وضع ~~عليها شعار نبالة الأمير والأميرة براقا كأحد النجوم، وكان السائق ~~والخادم والمرافقون جميعا يرتدون تيجانا ذهبية على رءوسهم. ~~وساعدها الأمير والأميرة نفسهما على ركوب العربة وتمنيا لها ~~التوفيق. # رافقها غراب الغابة، الذي صار متزوجا الآن، طوال الأميال ~~الثلاثة الأولى؛ وقد جلس إلى جانب جيردا؛ إذ إنه لا يطيق ms104 الركوب ~~وظهره لمقدمة العربة. أما زوجته، فوقفت عند عتبة الباب ترفرف ~~بجناحيها، فلم تستطع الذهاب معهما لأنها صارت تعاني من صداع ~~منذ توليها المنصب الجديد؛ من الإفراط في الأكل بلا شك. كانت ~~العربة معبأة بكمية كافية من الكعك، وكان يوجد أسفل المقعد فاكهة ~~وبسكويت الزنجبيل. # هتف الأمير والأميرة: «الوداع، الوداع»، وبكت جيردا الصغيرة، ~~وبكى الغراب، وبعد بضعة أميال ودعها الغراب كذلك، فكان هذا ~~الفراق أشد حزنا. لكنه طار إلى شجرة ووقف عليها يخفق بجناحيه ~~الأسودين حتى غابت عن ناظريه العربة التي كانت ساطعة مثل شعاع ~~الشمس. # القصة الخامسة # اللصة الصغيرة # مضت العربة وسط غابة كثيفة، حيث أضاءت الطريق مثل شعلة نار، ~~وأبهرت عيون بعض اللصوص، الذين أبوا أن يتركوها تمر دون أن ~~يتعرضوا لها. # قال اللصوص وهم يتقدمون مسرعين باتجاهها ويمسكون بالخيل: «إنها ~~من الذهب! إنها من الذهب!» ثم وجهوا ضربات قاتلة إلى المرافقين ~~الصغار والسائق والخادم، وجذبوا جيردا الصغيرة إلى خارج ~~العربة. # قالت اللصة العجوز، التي كانت لها لحية طويلة، وحاجبان ~~متدليان فوق عينيها: «إنها سمينة وجميلة، فقد كانت تتغذى على ~~المكسرات. إنها مثل حمل مسمن؛ كم سيكون مذاقها شهيا!» وبينما ~~كانت تقول هذا أخرجت سكينا لامعة، ذات وميض مرعب. ثم صرخت السيدة ~~العجوز من الألم في اللحظة نفسها، إذ كانت ابنتها، التي كانت ~~متعلقة بظهرها، قد عضتها في أذنها، فقالت الأم: «أيتها الفتاة ~~الشقية»، وبهذا انشغلت عن قتل جيردا. # قالت اللصة الصغيرة: «إنها ستلعب معي، وستعطيني غطاء يديها ~~المصنوع من الفراء وثوبها الجميل، وستنام معي في فراشي.» ثم عضت ~~أمها مرة أخرى، فضج اللصوص كلهم بالضحك. # قالت اللصة الصغيرة: «سأذهب في جولة بالعربة»، وكان لها ما ~~أرادت؛ إذ كانت مدللة وعنيدة. # جلست هي وجيردا في العربة وانطلقتا فوق أرومات الأشجار والأحجار، ~~متوغلتين في الغابة. كانت اللصة الصغيرة في حجم نفسه جيردا ~~تقريبا، لكنها كانت أقوى؛ كان منكباها أعرض وبشرتها أدكن؛ ~~وكانت عيناها حالكة السواد، تلوح فيهما نظرة حزينة. وقد أمسكت ~~جيردا الصغيرة من خصرها وقالت لها: ~~«لن يقدموا ms105 على قتلك ما دمت لا تضايقينني. أعتقد أنك ~~أميرة.» # قالت جيردا: «لا»؛ ثم قصت عليها حكايتها كلها وكم كانت تحب كاي ~~الصغير. # رمقتها اللصة الصغيرة بنظرة جادة، ثم هزت رأسها قليلا وقالت: ~~«لن يكونوا هم من يقتلونك إن غضبت منك؛ فسأفعل هذا بنفسي.» ثم ~~جففت دموع جيردا ووضعت يديها في الفراء الجميل، الذي كان في ~~غاية النعومة والدفء. # توقفت العربة عند فناء قلعة أحد اللصوص، التي كانت جدرانها مليئة ~~بالشقوق من أسفلها لأعلاها. وكانت الغربان تدخل من الثقوب والشروخ ~~وتخرج منها، فيما كانت تتقافز كلاب ضخمة من فصيلة البولدوج، التي ~~بدا كل واحد منها قادرا على ابتلاع إنسان؛ إلا أنها لم يسمح ~~لها بالنباح. # في القاعة الكبيرة القديمة المعبأة بالدخان أشعلت نار ~~متوقدة على الأرض الحجرية. ولما لم يكن هناك مدخنة فقد تصاعد ~~الدخان إلى السقف ووجد لنفسه مخرجا. وكان الحساء يغلي في مرجل ~~كبير، وأرانب أليفة وبرية تشوى على السيخ. # قالت اللصة الصغيرة بعد أن تناولت هي وجيردا شيئا من الطعام ~~والشراب: «سوف تنامين معي أنا وكل حيواناتي الصغيرة الليلة.» وأخذت ~~جيردا الصغيرة لزاوية في القاعة فرشت ببعض القش والأبسطة. وكان ~~فوقهما على قضبان وعصي أكثر من مائة حمامة بدت كلها نائمة، ~~لكنها تحركت قليلا حين اقتربت منها الفتاتان الصغيرتان. قالت ~~اللصة الصغيرة: «إنها كلها ملكي»، وأمسكت بأقربها إليها، ~~وحملتها من ساقيها، وراحت تهزها حتى خفقت بجناحيها. ثم صاحت ~~وهي تدفعها إلى وجه جيردا: «قبليها.» # ثم استأنفت كلامها وقالت وهي تشير إلى عدد من القضبان المثبتة ~~في الجدران، بالقرب من إحدى الفتحات: «هنا تجلس حمامتا الغابة. ~~ستطير الشقيتان مباشرة إن لم تحبسا جيدا. وها هو حبيبي ~~العجوز «با».» وجرت إليها حيوان رنة مقيد من قرنه كان يوجد حول ~~عنقه حلقة نحاسية لامعة. ثم أضافت: «نضطر إلى ربطه بإحكام شديد ~~وإلا هرب منا هو الآخر. إنني أداعب رقبته كل مساء بسكيني ~~الحادة وهو ما يخيفه خوفا شديدا.» واستلت اللصة سكينا طويلة ~~من صدع في الجدار، ومرت به برفق على رقبة ms106 الرنة، فأخذ الحيوان ~~المسكين يرفس، وضحكت اللصة الصغيرة وشدت جيردا لتنزل معها إلى ~~الفراش. # سألتها جيردا وهي تنظر إلى السكين في خوف بالغ: «هل ستحتفظين ~~بتلك السكين أثناء النوم؟» # أجابت اللصة الصغيرة: «دائما ما أنام والسكين بجانبي. لا أحد ~~يعلم ما قد يحدث. لكن احكي لي الآن مرة أخرى كل شيء عن كاي ~~الصغير، ولماذا خرجت تبحثين عنه في العالم الفسيح.» # أعادت جيردا عليها قصتها مرة أخرى، بينما كانت الحمامتان ~~البريتان اللتان في القفص فوقهما تهدلان، والحمام الآخر نائما. ~~بسطت اللصة الصغيرة إحدى ذراعيها على رقبة جيردا، وحملت في ~~الذراع الأخرى السكين، وسرعان ما غطت في سبات عميق مطلقة ~~شخيرا عاليا. لكن لم تستطع جيردا أن تغمض عينيها على الإطلاق؛ ~~فلم تكن تدري ما إذا كانت ستحيا أم ستموت. جلس اللصوص حول النار ~~يغنون ويحتسون الشراب. لقد كان مشهدا فظيعا بالنسبة لفتاة ~~صغيرة مثلها. # ثم قالت حمامتا الغابة: «كوكو، لقد رأينا كاي الصغير. كان طائر ~~أبيض يحمل زلاجته وكان هو جالسا في عربة ملكة الثلج التي مضت في ~~الغابة بينما نحن كنا راقدين في عشنا. وقد نفخت فينا، فمات كل ~~الصغار، ما عدا نحن الاثنين. كوكو.» # صاحت جيردا: «ماذا تقولان؟ إلى أين كانت ملكة الثلج ذاهبة؟ هل ~~تعلمان أي شيء عن الأمر؟» ~~«في الغالب كانت مسافرة إلى منطقة لابلاند، حيث هناك ثلوج وجليد ~~دائما. فلتسألي حيوان الرنة المربوط بحبل هناك.» # قال حيوان الرنة: «أجل، يوجد هناك دائما ثلوج وجليد، وإنه مكان ~~رائع؛ إذ يمكن القفز والركض بحرية في أنحاء السهول الجليدية ~~اللامعة. ولدى ملكة الثلج خيمة صيفية هناك، لكن قلعتها المنيعة ~~موجودة في القطب الشمالي، في جزيرة تسمى سبيتزبيرجين.» # تنهدت جيردا وقالت: «يا عزيزي كاي، كاي الصغير!» # قالت اللصة الصغيرة: «لا تتحركي وإلا جرحتك بسكيني.» # في الصباح أخبرتها جيردا بكل ما قالته لها الحمامتان البريتان، ~~فبدا على اللصة الصغيرة اهتمام كبير، وهزت رأسها وقالت: «هذا كله ~~كلام، هذا كله كلام.» ثم سألت حيوان الرنة: «هل تعلم أين ~~لابلاند؟» # قال حيوان ms107 الرنة وقد لمعت عيناه: «ومن عساه يعلم أفضل مني؟ فقد ~~ولدت وترعرعت هناك، واعتادت الركض وسط السهول المغطاة ~~بالثلوج.» # قالت اللصة الصغيرة: «فلتنصتي لي، لقد رحل كل رجالنا؛ أمي وحدها ~~هنا وستظل هنا، لكنها دائما ما تحتسي شرابا من زجاجة كبيرة عند ~~الظهيرة، ثم تنام قليلا بعد ذلك؛ عندئذ سأفعل شيئا من أجلك.» ~~وقفزت من الفراش، وتعلقت برقبة أمها، وشدت لحيتها، وهي تصيح: «صباح ~~الخير يا نعجتي الصغيرة!» فقرصتها أمها في أنفها حتى احمر بشدة؛ ~~إلا أنها فعلت هذا كله حبا لها. # حين خلدت الأم للنوم ذهبت اللصة الصغيرة إلى حيوان الرنة ~~وقالت: «أود كثيرا أن أداعب رقبتك بسكيني عدة مرات أخرى، فهذا ~~يجعلك تبدو مضحكا للغاية، لكن لا بأس؛ سوف أحل حبلك وأطلق ~~سراحك، حتى تستطيع الذهاب إلى لابلاند؛ لكن لا بد أن تسدي لي ~~معروفا وتحمل هذه الفتاة الصغيرة إلى قلعة ملكة الثلج، حيث رفيقها ~~في اللهو. لقد سمعت ما قالته لي، فقد تحدثت بصوت عال بينما كنت ~~أنت منصتا.» # قفز حيوان الرنة من الفرحة، ووضعت اللصة الصغيرة جيردا على ظهره ~~وكانت حكيمة بحيث ربطتها عليه، بل أعطتها وسادتها الصغيرة لتجلس ~~عليها. # قالت اللصة الصغيرة: «إليك حذاءك العالي الرقبة المصنوع من ~~الفراء، فسوف يكون الجو باردا جدا؛ لكنني يجب أن أحتفظ بغطاء ~~اليدين، فهو جميل جدا. إنك لن تتجمدي من دونه؛ فها هو قفاز ~~أمي الدافئ الكبير والذي سوف يصل إلى مرفقيك. دعيني ألبسك ~~إياه. الآن تبدو يداك مثل يدي أمي.» # لكن جيردا بكت من الفرحة. # قالت لها اللصة الصغيرة: «أنا لا أحب أن أراك حزينة. لا بد أن ~~تشعري الآن بالسعادة. وإليك شريحتي خبز وقطعة لحم، حتى لا ~~تتضوري جوعا.» # ربطت هذه الأشياء على ظهر حيوان الرنة، ثم فتحت اللصة الصغيرة ~~الباب، وحايلت الكلاب الضخمة حتى تدخل، وقطعت الحبل الذي كان حيوان ~~الرنة مربوطا به بسكينها الحادة، وقالت: «فلتنطلق الآن، لكن ~~اعتني جيدا بالفتاة الصغيرة.» مدت جيردا إلى اللصة الصغيرة ~~يدها التي وضعتها في القفاز الكبير وقالت ms108 : «الوداع»، وانطلق حيوان ~~الرنة فوق أرومات الأشجار والأحجار، عبر الغابة المترامية، وفوق ~~المستنقعات والسهول، بأسرع ما استطاع. عوت الذئاب ونعقت الغربان، ~~فيما ارتعشت عاليا في السماء أضواء حمراء تشبه ألسنة اللهب ~~والتي قال عنها حيوان الرنة: «إنها أنوار الشفق القطبي، انظري كيف ~~تومض!» وظل يركض ليلا ونهارا أسرع فأسرع، لكن حين بلغا ~~لابلاند، كان الخبز واللحم قد نفدا. # القصة السادسة # السيدة اللابلاندية والسيدة الفنلندية # توقف الاثنان عند كوخ صغير بدا مزريا جدا. كان الكوخ ذا سقف ~~مائل يكاد يلامس الأرض، وباب شديد الانخفاض حتى إنه كان على سكانه ~~الزحف على أيديهم وركبهم عند الدخول والخروج. لم يكن أحد هناك سوى ~~سيدة عجوز من أهل لابلاند كانت تنظف سمكا على ضوء مصباح يعمل ~~بزيت الحيتان. # أخبر حيوان الرنة السيدة بقصة جيردا بعد أن قص عليها قصته التي ~~بدت له أهم. أما جيردا فقد أنهكها البرد للغاية حتى إنها لم تقو ~~على الكلام. # قالت السيدة اللابلاندية: «أوه، يا لكما من مسكينين! ما زال ~~أمامكما طريق طويل. ولا بد أن تسافرا أكثر من مائة ميل أخرى حتى ~~تصلا إلى فنلندا؛ فملكة الثلج تعيش هناك الآن، وتشعل ألعابا نارية ~~زرقاء كل مساء. سأكتب بضع كلمات على سمكة مجففة، فليس لدي ورق، ~~ولتأخذها مني إلى السيدة الفنلندية التي تعيش هناك، وهي تستطيع أن ~~تعطيك معلومات أفضل مما أستطيع أنا.» # هكذا بعد أن تدفأت جيردا وحصلت على بعض الطعام والشراب، كتبت ~~السيدة كلمات قليلة على سمكة مجففة وطلبت من جيردا الاهتمام بها ~~بشدة. ثم ربطتها على ظهر حيوان الرنة مجددا، فقفز عاليا في ~~الهواء وانطلق بأقصى سرعة. وظلت أنوار الشفق القطبي الزرقاء ~~الجميلة تلمع طوال الليل. # وبعد فترة قصيرة، وصلا إلى فنلندا وطرقا مدخنة كوخ السيدة ~~الفنلندية، إذ لم يكن له باب. ثم زحفا للداخل الذي كان شديد ~~الحرارة حتى إن السيدة كانت ترتدي ملابس قليلة جدا. وكانت ضئيلة ~~الجسم وقذرة للغاية. وقد فكت ثوب جيردا الصغيرة وخلعت عنها ~~حذاءها المصنوع من الفراء وقفازها، وإلا ما ms109 كانت ستقوى على احتمال ~~الحرارة؛ ثم وضعت قطعة ثلج على رأس حيوان الرنة وقرأت ما كان ~~مكتوبا على السمكة المجففة. وبعد أن قرأته ثلاث مرات حفظته عن ~~ظهر قلب، وألقت السمكة في إناء الحساء، فقد كانت تعلم أنها صالحة ~~للأكل وهي لا تهدر أي شيء قط. # أخبرها حيوان الرنة بقصته أولا، ثم بقصة جيردا الصغيرة، فطرفت ~~السيدة الفنلندية بعينيها الذكيتين، لكنها لم تنبس ~~بكلمة. # قال حيوان الرنة: «إنك ماهرة جدا. أعلم أنك تستطيعين طي ~~كل الرياح التي في العالم في قطعة من الحبل. وإذا حل البحار عقدة ~~واحدة، حظي برياح مواتية؛ وإذا حل العقدة الثانية، هبت رياح عاتية؛ ~~لكن حين يحل الثالثة والرابعة، تهب عاصفة تقتلع غابات بأكملها. ~~ألا تستطيعين منح هذه الفتاة الصغيرة شيئا يجعلها في قوة اثني ~~عشر رجلا، حتى تتغلب على ملكة الثلج؟» # قالت السيدة الفنلندية: «قوة اثني عشر رجلا! إنها لن تكفي على ~~الإطلاق.» لكنها ذهبت إلى رف وأنزلت لفافة كبيرة من الجلد نقش ~~عليها حروف غريبة، وتركتها تنسدل وظلت تقرؤها حتى سال العرق من ~~جبينها. # لكن حيوان الرنة توسل إليها بشدة من أجل جيردا الصغيرة، ونظرت ~~إليها جيردا بعينين رقيقتين مليئتين بالدموع حتى إن عينيها ~~بدأت تطرف مرة أخرى. ثم أخذت حيوان الرنة إلى زاوية وهمست له وهي ~~تضع على رأسه قطعة ثلج جديدة: «إن كاي الصغير مع ملكة الثلج ~~بالفعل، لكن كل ما هناك يروق له جدا حتى إنه يعتقد أنه أفضل ~~مكان في العالم؛ وهذا لأن لديه قطعة زجاج مكسور في قلبه وشظية ~~زجاج صغيرة في عينه. لذا، لا بد من إخراجهما، وإلا فلن يعود ~~إنسانا مرة أخرى، وستظل ملكة الثلج متحكمة فيه.» ~~«لكن ألا يمكنك إعطاء جيردا الصغيرة شيئا للتغلب على هذه ~~القوة؟» # قالت السيدة: «لا يمكنني أن أمنحها قوة أكبر من التي لديها ~~بالفعل، ألا ترى كم هي قوية، وكيف يجبر البشر والحيوانات على ~~خدمتها، وكيف مضت في العالم الفسيح دون أن يمسها سوء، كل هذا وهي ~~حافية القدمين؟ لا يمكنني ms110 أن أمنحها أي قوة أعظم من التي لديها ~~الآن، والتي تكمن في نقاء قلبها وبراءته. إن لم تستطع بنفسها ~~الوصول إلى ملكة الثلج وإزالة شظيتي الزجاج من كاي الصغير، فليس ~~بإمكاننا أن نساعدها. تبدأ حديقة ملكة الثلج بعد ميلين من هنا. ~~فلتحمل الفتاة الصغيرة إلى هناك، ثم أنزلها عند الشجيرة الكبيرة ~~القائمة في الثلج، والمغطاة بالتوت الأحمر. لا تبق هناك لتثرثر، ~~ولكن عد إلى هنا بأسرع ما تستطيع.» ثم رفعت السيدة الفنلندية ~~جيردا الصغيرة على ظهر حيوان الرنة، وجرى بها بأسرع ما أوتي ~~من قوة. # لكن بمجرد أن شعرت الفتاة الصغيرة بالبرد القارس صاحت: ~~«مهلا، لقد نسيت حذائي وقفازي.» لكن حيوان الرنة لم يجرؤ على ~~التوقف، وظل يجري حتى بلغ شجيرة التوت الأحمر. هناك أنزل جيردا، ~~وقبلها، وانحدرت على خديه دموع لامعة فياضة؛ ثم تركها وجرى ~~عائدا بأسرع ما استطاع. # وقفت جيردا المسكينة هناك، بلا حذاء ولا قفاز، في وسط أرض ~~فنلندا الباردة الكئيبة المليئة بالثلوج. ركضت جيردا بأسرع ما ~~استطاعت حين أحاطت بها مجموعة كاملة من ندف الثلج. لكن لم يبد ~~أنها سقطت من السماء، إذ كانت صافية تماما وتومض فيها أنوار الشفق ~~القطبي. ركضت ندف الثلج بطول الأرض، وكلما اقتربت منها بدت أكبر ~~حجما. تذكرت جيردا كم كانت تبدو كبيرة وجميلة من خلال العدسة ~~الحارقة. لكن هذه كانت أكبر حجما حقا وأفظع بكثير، فقد كانت حرس ~~ملكة الثلج، وكانت حية وبأشكال غريبة للغاية. كان بعضها يبدو مثل ~~قنافذ ضخمة، والبعض الآخر مثل حيات تتلوى برءوس ممدودة، وبدا ~~القليل منها مثل دببة سمينة صغيرة ذات شعر منتصب؛ لكن كلها كانت ~~بيضاء بياضا ناصعا، وكلها كانت ندف ثلج حية. # راحت جيردا تردد «الصلاة الربانية»، وكان البرد شديدا حتى ~~إنها استطاعت أن ترى أنفاسها تخرج من فمها مثل البخار، وهي تنطق ~~الكلمات. وبدا أن البخار تزايد مع استمرارها في الصلاة حتى اتخذ ~~شكل ملائكة صغيرة، والتي زاد حجمها حين لمست الأرض. كانت كلها ~~تعتمر خوذا وتحمل رماحا ودروعا، وقد ظل عددها ms111 يزداد أكثر ~~فأكثر، حتى صارت حشدا كاملا أحاط بجيردا حين انتهت من صلاتها. ~~وحين رشقت ندف الثلج المرعبة برماحها تحطمت مائة قطعة، فاستطاعت ~~جيردا الصغيرة أن تمضي بشجاعة وطمأنينة. وراحت الملائكة تمسد على ~~يديها وقدميها، حتى تمنحها شعورا بالدفء وهي تمضي مسرعة إلى ~~قلعة ملكة الثلج. # لكن الآن لا بد أن نرى ماذا كان يفعل كاي. في الحقيقة، لم تكن ~~جيردا الصغيرة تشغل باله، وآخر ما كان قد يخطر له أنها قد تكون ~~واقفة أمام القصر. # القصة السابعة # قصر ملكة الثلج وما وقع فيه في النهاية # كانت جدران القصر مصنوعة من ثلوج منجرفة، ونوافذه وأبوابه من ~~رياح عاتية. وكان بداخله أكثر من مائة حجرة، كأنها تشكلت من ~~ثلوج ذرتها الرياح معا. وامتد أكبرها لعدة أميال. وكانت كلها ~~مضاءة بنور الشفق القطبي المتألق، وكانت واسعة وخالية للغاية، وفي ~~غاية البرودة واللمعان! # لكن لم يكن هناك أي أشكال من التسلية؛ ولا حتى حفل راقص للدببة ~~الصغيرة، حيث يمكن أن يكون صوت الرياح هو الموسيقى، وترقص الدببة ~~على قوائمها الخلفية وتستعرض أسلوبها الراقي في الرقص. ولم يكن ~~هناك ألعاب مسلية ولا حتى جلسة نميمة على طاولة الشاي لإناث ~~الثعالب الشابة. لقد كانت قاعات ملكة الثلج خالية وشاسعة ~~وباردة. # كان يمكن رؤية وهج أنوار الشفق القطبي الخافق بوضوح من أي مكان ~~في القلعة، سواء ارتفعت عاليا أو انخفضت في السماء. وكان في وسط ~~هذه القاعة الخالية اللامتناهية من الثلوج بحيرة متجمدة، انقسم ~~سطحها إلى ألف قطعة؛ كل قطعة تماثل الأخرى حتى إنها كانت تبدو مثل ~~عمل فني رائع، وفي وسط هذه البحيرة كانت تجلس ملكة الثلج حين تكون ~~في المنزل. وكانت تسمي البحيرة «مرآة العقل»، وتقول إنها الأفضل، ~~وفريدة من نوعها بالطبع، في العالم. # كان كاي الصغير مزرقا تماما من البرد - في واقع الأمر، يميل ~~للسواد - لكنه لم يكن يشعر بذلك؛ فقد قبلته ملكة الثلج لتذهب ~~عنه رجفة البرد، وكان قلبه بالفعل كتلة جليد. كان يجر بعض القطع ~~الحادة المستوية من الثلج من مكان ms112 لآخر ويضعها معا في أوضاع ~~شتى، كأنه يريد أن يشكل منها شيئا ما، تماما كما نحاول ~~تكوين أشكال متنوعة من قطع الخشب الصغيرة، التي نسميها «الأحجية ~~الصينية». كانت أشكال كاي معقدة للغاية؛ فقد كانت هي لعبة ~~العقل المعتمدة على الثلج، وكانت الأشكال تبدو في عينيه مميزة ~~جدا وذات أهمية كبرى؛ وهو الرأي الذي يرجع لشظية الزجاج التي ما ~~زالت عالقة في عينه. كون كاي أشكالا كاملة عدة، تشكل كلمات ~~مختلفة، لكن كان ثمة كلمة لم يستطع أن يشكلها قط، رغم أنه ~~تمنى ذلك بشدة. كانت الكلمة هي «الأبدية». # كانت ملكة الثلج قد قالت له: «حين تستطيع معرفة السبيل لذلك، ~~فستصبح سيد نفسك، وسأمنحك العالم بأسره وحذاء تزلج جديدا.» لكنه ~~لم يتمكن من إتمام هذا الأمر. # قالت ملكة الثلج: «لا بد أن أسرع الآن بالرحيل إلى بلاد أدفأ ~~جوا. سوف أذهب وألقي نظرة داخل الفوهات السوداء التي على قمم ~~الجبلين المشتعلين، اللذين يسميان إتنا وفيزوف. سوف أكسوهما ~~باللون الأبيض، وهو ما سيكون أفضل لهما ولثمار الليمون وعناقيد ~~العنب.» وطارت ملكة الثلج بعيدا، تاركة كاي الصغير وحيدا تماما ~~في القاعة الكبرى التي بلغ طولها أميالا عديدة. جلس كاي وطالع قطع ~~الثلج التي كان يلعب بها، فاستغرق في تفكير عميق وهو جالس بلا ~~حراك حتى إنه ليخيل للشخص أنه كان متجمدا. # في هذه اللحظة نفسها دخلت جيردا الصغيرة من الباب الكبير للقلعة. ~~كانت الرياح العاتية تعصف حولها، لكنها تلت صلاة تضرعا للرب، ~~فهدأت الرياح وكأنها كانت ذاهبة للنوم. مضت جيردا حتى وصلت إلى ~~القاعة الكبيرة الخاوية ولمحت كاي. وقد عرفته في الحال؛ فانطلقت ~~إليه وأحاطت عنقه بذراعيها وتشبثت به وهي تصيح: «كاي، عزيزي كاي ~~الصغير، لقد وجدتك أخيرا!» # لكنه كان جالسا في سكون تام، متسمرا وباردا. # سكبت جيردا الصغيرة دموعا حارة، سقطت على صدره، وتخللت إلى ~~قلبه فأذابت كتلة الثلج، وأزاحت قطعة الزجاج الصغيرة التي كانت ~~عالقة فيه. عندئذ نظر إليها، فغنت له: # تتفتح الزهور ثم تذوي، # لكن المسيح الطفل دائما سيبقى. # انفجر ms113 كاي في البكاء. بكى بشدة حتى انزلقت شظية ~~الزجاج من عينه. هنا تعرف على جيردا وقال في فرح: «جيردا، عزيزتي ~~جيردا الصغيرة، أين كنت طوال هذا الوقت، وأين كنت أنا؟» ثم نظر في ~~كل ما حوله وقال: «كم كان الجو باردا، وكم يبدو المكان واسعا ~~وخاليا!» ثم ضم جيردا، وضحكت هي وبكت من الفرحة. # كان منظرهما يثير في النفس أشد البهجة حتى إن قطع الثلج نفسها ~~راحت ترقص، وحين اعتراها التعب واستلقت على الأرض شكلت من نفسها ~~حروف الكلمة التي قالت ملكة الثلج إن على كاي أن يكتشفها حتى ~~يستطيع أن يصبح سيد نفسه ويحصل على العالم بأسره وحذاء تزلج ~~جديد. # قبلت جيردا وجنتيه فصارتا متوردتين؛ وقبلت عينيه حتى صارتا ~~لامعتين مثل عينيها؛ وقبلت يديه وقدميه، فصار معافى تماما ~~ومبتهجا. ولتعود ملكة الثلج إلى المنزل متى أرادت، فها هي وثيقة ~~الحرية خاصته ماثلة أمامه، ممثلة في الكلمة التي أرادتها، ~~ومكتوبة بحروف براقة من الثلج. # ثم أخذ كل منهما يد الآخر وخرجا من قصر الثلج العملاق. وتحدثا ~~عن الجدة والورود التي على السطح، وأثناء سيرهما كانت الرياح ~~هادئة، والشمس ساطعة. وحين بلغا شجيرة التوت الأحمر، كان حيوان ~~الرنة واقفا في انتظارهما هناك وقد أتى معه بأنثى رنة شابة، ~~ممتلئة الضرع، فشرب الصغيران من حليبها الدافئ وقبلا ~~فمها. # حمل الاثنان كاي وجيردا إلى السيدة الفنلندية أولا، حيث تدفآ ~~تماما في الحجرة الحارة وحصلا على إرشادات حول رحلتهما إلى الوطن. ~~بعد ذلك ذهبا إلى السيدة اللابلاندية، التي كانت قد فصلت لهما ~~ملابس جديدة وجهزت زلاجتهما. ركض حيوانا الرنة إلى جانبهما ~~واتبعاهما حتى حدود البلد، حيث كانت أول الأوراق الخضراء قد بزغت ~~من براعمها. وهنا افترقا عن حيواني الرنة والسيدة اللابلاندية، ~~وودع كل منهما الآخر. # ثم بدأت العصافير تزقزق، وامتلأت الغابة أيضا بأوراق خضراء ~~نضرة، ومنها خرج حصان جميل، تذكرته جيردا، فهو الذي كان يجر العربة ~~الذهبية. كانت تمتطيه فتاة صغيرة، على رأسها قبعة حمراء لامعة وفي ~~حزام ثوبها مسدسات. كانت هي اللصة الصغيرة ms114 ، التي سئمت من البقاء في ~~المنزل؛ كانت متجهة شمالا، وتنوي إن لم يناسبها هذا أن تجرب أي ~~منطقة أخرى في العالم. وقد تعرفت على جيردا في الحال، وتذكرتها ~~جيردا، وكان اللقاء سارا. # قالت لكاي الصغير: «إنك شخص رائع بحيث تهيم على وجهك على هذا ~~النحو. أود أن أعلم ما إن كنت تستحق أن يذهب أي أحد إلى نهاية ~~العالم حتى يعثر عليك.» # لكن جيردا ربتت على وجنتيها وسألتها عن الأمير والأميرة. # أجابتها اللصة الصغيرة: «لقد ذهبا إلى بلاد أجنبية.» # سألتها جيردا: «والغراب؟» # أجابتها: «أوه، لقد مات الغراب. وصارت زوجته أرملة الآن وترتدي ~~حول رجلها قطعة من صوف أسود. إنها تنتحب بطريقة مثيرة للشفقة ~~جدا، لكن هذا لا يهم. فلتخبريني الآن كيف استطعت أن تعودي ~~به.» # أخبرتها جيردا وكاي بكل ما جرى. # قالت اللصة الصغيرة: «أخيرا صارت الأمور على ما يرام.» # ثم أمسكت بيديهما ووعدتهما أن تزورهما إن مرت بالبلدة في يوم من ~~الأيام. ثم انطلقت على الحصان بعيدا في العالم الواسع. # أما جيردا وكاي فقد اتجها لدارهما يد كل منهما في يد الآخر، ~~وبينما هما يتقدمان بدا الربيع أكثر بهاء بزرعه الأخضر وزهوره ~~الجميلة. وما لبثا أن تعرفا على البلدة الكبيرة التي عاشا فيها، ~~والأبراج الطويلة للكنائس التي كانت أجراسها الجميلة تردد ~~دويا مبهجا، وهما يدخلانها ويجدان طريقهما إلى باب ~~جدتهما. # صعد الاثنان إلى الحجرة الصغيرة، حيث بدا كل شيء كما كان تماما. ~~كانت الساعة القديمة تدق «تك، تك»، وتشير عقاربها إلى الوقت، لكن ~~حين ولجا من الباب إلى الحجرة أدرك الاثنان أنهما كبرا وصارا رجلا ~~وامرأة. كانت الورود بالخارج على السطح متفتحة بالكامل وتطل من ~~النافذة، وكان هناك المقاعد الصغيرة التي جلسوا عليها صغارا. جلس ~~كل من كاي وجيردا على مقعده وأمسك بيد الآخر، فيما تلاشى من ~~ذاكراتهما قصر ملكة الثلج بفخامته وبرودته وخوائه مثل حلم ~~مزعج. # جلست الجدة تحت أشعة شمس الرب الساطعة، وراحت تتلو بصوت عال من ~~الكتاب المقدس قائلة: «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن ms115 ~~تدخلوا ملكوت السموات.» فنظر كل من كاي وجيردا في عيني بعضهما ~~وأدركا في الحال كلمات الأغنية القديمة: # تتفتح الزهور ثم تذوي، # لكن المسيح الطفل دائما سيبقى. # وهكذا جلس الاثنان هناك وقد صارا شابين، لكن كان ~~قلب كل منهما قلب طفل، وكان الوقت صيفا؛ صيفا دافئا ~~جميلا. # | الورود والعصافير # كان يبدو حقا أن شيئا هاما جدا يجري بالقرب من بحيرة البط، ~~لكن لم يكن الأمر كذلك. # قبل هذا بدقائق قليلة، كان كل البط ساكنا في الماء أو واقفا على ~~رأسه - فهو يستطيع أن يفعل ذلك - ثم سبح كله في صخب إلى الشاطئ. كان ~~يمكن رؤية آثار أقدامه على الأرض المبتلة، وسماع صياحه من بعد. أما ~~المياه التي كانت منذ وقت قصير صافية ولامعة كالمرآة فقد صارت في ~~اضطراب شديد. # قبل ذلك بلحظة، كانت كل شجرة وشجيرة بالقرب من الكوخ القديم، بل ~~البيت نفسه بالفجوات التي في سطحه وأعشاش السنونو، والأهم من ذلك كله، ~~الشجيرة الجميلة المغطاة بالورود، كل ذلك كان منعكسا بوضوح في صفحة ~~المياه. غطت شجيرة الورد الجدار وتدلت غصونها فوق المياه، التي كانت ~~مثل اللوحة باستثناء أن كل شيء بدا فيها مقلوبا، لكن حين تحركت المياه ~~اختفى كل شيء، وتلاشت اللوحة. # طفت على سطح الماء ريشتان سقطتا من البط المرفرف، فراحتا تتحركان ~~جيئة وذهابا. وفجأة تحركتا سريعا كأن الرياح أوشكت أن تهب، لكنها لم ~~تهب، فاضطرتا إلى الرقود دون حركة، إذ صارت المياه هادئة وساكنة مرة ~~أخرى، واستطاعت الورود أن ترى صور انعكاسها مرة أخرى. كانت الورود ~~جميلة للغاية، لكنها لم تكن تدرك ذلك، إذ لم يخبرها أحد. سطع ضوء ~~الشمس بين الأوراق الرقيقة، وانتشر الأريج الطيب، حاملا السعادة إلى ~~كل مكان. # قالت إحدى الورود: «كم هي جميلة حياتنا! أشعر برغبة في تقبيل الشمس، ~~فهي ساطعة ودافئة جدا. أود أن أقبل الورود كذلك، وصورنا المعكوسة ~~على المياه، والطيور الجميلة التي هناك في عشها. يوجد طيور أيضا في ~~العش الذي فوقنا؛ إنها تمد رءوسها وتصيح: «صوصو، صوصو» بصوت خافت ~~جدا ms116 ، إذ لم ينبت لها ريش بعد مثل الذي لدى أبيها وأمها. يسكن أعلانا ~~وأسفلنا جيران طيبون. كم هي طيبة حياتنا!» # الطيور الصغيرة الموجودة فوق الورود وتلك الموجودة تحتها كانت من ~~النوع نفسه؛ فقد كانت عصافير دورية انعكست صورة عشها في المياه. كان ~~والداهما من العصافير أيضا، وقد استحوذا على عش خال لأحد طيور ~~السنونو من العام الماضي، وسكنا فيه كأنه عشهما. # تساءلت العصافير الصغيرة حين لمحت الريشتين في المياه: «هل هذان ~~اللذان يسبحان هناك من أفراخ البط؟» # قالت الأم: «إذا كان لا بد أن تسألوا سؤالا، فأرجو أن يكون ~~منطقيا. ألا تستطيعون أن تروا أن هذا ريش؛ المادة الخام للملابس التي ~~أرتديها والتي سوف ترتدونها قريبا، مع الفرق أن ريشنا أرفع كثيرا؟ ~~إلا أنني أود أن أحصل عليهما هنا في العش، فسوف تجعلانه دافئا جدا. ~~يخالجني بعض الفضول لمعرفة السبب الذي جعل البط مذعورا منذ قليل. لا ~~يمكن أن يكون خائفا منا بالطبع، وإن كنت قد زقزقت بصوت عال بعض ~~الشيء. حري بالورود البليدة أن تعلم بالتأكيد، لكنها جاهلة للغاية؛ فهي ~~لا تفعل شيئا سوى النظر إلى بعضها البعض والشم. لقد سئمت بشدة من ~~هؤلاء الجيران.» # قالت الورود: «أنصتوا إلى الطيور الصغيرة الجميلة فوقنا وهي تحاول ~~الغناء. إنها لا تستطيع هذا بعد، لكنها ستستطيع في الوقت المناسب. كم ~~سيكون هذا مبهجا، وكم هو لطيف أن يكون لدينا جيران بهذا ~~النشاط!» # جاء فجأة حصانان يتبختران ليشربا من الماء. كان صبي قروي يمتطي ~~صهوة أحدهما؛ وكان يرتدي قبعة سوداء عريضة الحافة، لكنه تجرد من ~~أغلب ملابسه، حتى يتمكن من التوغل بالحصانين في أعمق جزء من ~~البحيرة؛ وكان يصفر مثل طائر، وأثناء مروره بشجيرة الورد قطف وردة ~~ووضعها في قبعته ثم مضى معتقدا أنه يبدو أنيقا للغاية. تطلعت الورود ~~الأخرى إلى أختها وسألت كل منها الأخرى أين يمكن أن تذهب، لكنها لم ~~تعلم. # قالت إحداها: «أود أن أخرج إلى العالم ولو مرة واحدة، رغم أن الحياة ~~هنا جميلة جدا في منزلنا المكون من ms117 الأوراق الخضراء. الشمس تسطع ~~دافئة نهارا، وفي الليل نستطيع أن نرى السماء وقد زادت بهاء، وهي ~~تلمع من خلال الثقوب المنتشرة فيها.» # كانت تقصد النجوم فهذا كان قدر معرفتها. # قالت العصفورة الأم: «إننا نجعل هذا المنزل نشيطا جدا، ويقول ~~الناس إن عش السنونو يجلب الحظ الحسن، لذلك فهم يسرون لرؤيتنا؛ لكن ~~جيراننا شجيرة الورد فنموها على الجدار يعطي رطوبة. احتمال كبير أن ~~يزيلوها، وربما يزرعون ذرة بدلا منها. فلا يوجد فائدة من الورود غير ~~أن ينظر إليها وتشم، وربما يصادف أن يضعها أحدهم في قبعته. لقد ~~عرفت من أمي أنها تتساقط كل عام. وتحافظ زوجة المزارع عليها بوضعها ~~في الملح، ثم يطلقون عليها اسما فرنسيا لا يمكنني أن أنطقه ولن ~~أفعل؛ ثم تنثر على النار لتنبعث منها رائحة طيبة. هذه هي حياتها. لقد ~~خلقت لتكون بهجة للعين والأنف فحسب. والآن ها أنتم قد عرفتم كل شيء ~~عنها.» # مع اقتراب المساء، راح البعوض يلعب في الهواء الدافئ تحت السحب ~~الوردية، وجاء العندليب وغنى للورود قائلا إن الجمال مثل أشعة الشمس ~~للعالم، وإن الجمال يعيش إلى الأبد. اعتقدت الورود أن العندليب يقصد ~~نفسه بأغنيته، وهو ما قد يخطر لأي شخص بالطبع؛ فلم تتخيل قط أن أغنيته ~~يمكن أن تشير إليها. لكنها استمتعت بها، وتساءلت في نفسها ما إن كانت ~~كل أفراخ العصافير التي في العش ستصير عنادل. # قالت أفراخ العصافير: «لقد فهمنا أغنية هذا الطائر جيدا، لكن ثمة ~~كلمة لم تكن واضحة. ما الجمال؟» # أجابت الأم قائلة: «أوه، إنه ليس بالشيء المهم. إنه شيء خاص بالمظهر ~~هناك في منزل السيد النبيل. هناك لدى الحمام منزل خاص به، وكل يوم ~~ينثر لهم الذرة والبازلاء. لقد تناولت معهم العشاء عدة مرات، وكذلك ~~ستفعلون عما قريب، فإنني مؤمنة بالمثل القديم القائل: «قل لي من تصاحب، ~~أقل لك من أنت.» حسنا، هناك في منزل السيد النبيل يوجد طائران بعنقين ~~خضراوين وعرفين على رأسيهما. ويستطيعان أن يمدا ذيلهما مثل ~~عجلات كبيرة، وهما يعكسان العديد من الألوان الجميلة ms118 التي تبهر العيون ~~عند النظر إليهما. ينتمي هذان الطائران إلى عائلة الطواويس، وهي من ~~الأشياء التي يقال إنها جميلة؛ لكنها لن تبدو أفضل منا لو نزع ~~منها عدة ريشات. كنت لأنزع بعضا منها بنفسي لو لم تكن كبيرة ~~جدا.» # صاح أصغر أفراخ العصافير، الذي لم يكن نما له ريش بعد: «سوف ~~أنزعها.» # كان يقطن في الكوخ شابان متزوجان متحابان للغاية وكانا يعملان بهمة ~~ونشاط حتى بدا كل شيء حولهما منظما وجميلا. كانت الزوجة تخرج في ~~الساعات المبكرة من أيام الآحاد، وتجمع باقة من أجمل الورود، وتضعها في ~~كوب ماء على طاولة جانبية. # قال الزوج وهو يقبل زوجته الصغيرة: «أرى أن اليوم هو يوم الأحد.» ~~ثم جلسا وأخذا يقرآن من كتاب الترانيم، وكل منهما يمسك يد الآخر، ~~فيما سطعت الشمس عليهما وعلى الورود النضرة التي في الكوب. # قالت العصفورة الأم التي كانت تستطيع أن ترى ما بداخل الحجرة من ~~عشها: «إن هذا المشهد ممل جدا بحق.» ثم طارت بعيدا. # حصل نفس الشيء في الأحد التالي؛ ففي واقع الأمر كانت الورود النضرة ~~تجمع وتوضع في كوب كل يوم أحد، لكن ظلت شجيرة الورد وارفة في كامل ~~تألقها. وبعد فترة نما لأفراخ العصافير ريش وأرادت أن تطير، لكن لم ~~تسمح الأم بذلك، فاضطرت إلى البقاء في العش مؤقتا، بينما كانت الأم ~~تطير بمفردها. تصادف أن ثبت بعض الصبية فخا مصنوعا من شعر الخيل ~~بفرع إحدى الأشجار، وقبل أن تنتبه الأم إليه، تشابكت ساقها في شعر ~~الخيل بشدة حتى كاد يقطعها. كم شعرت بألم ورعب شديدين! جرى الصبية ~~سريعا وأمسكوا بها، بطريقة تفتقد الكثير من الرفق. # قال الصبية: «إنها مجرد عصفورة.» إلا أنهم لم يتركوها تطير، وإنما ~~أخذوها معهم للمنزل، وكانت كلما صاحت، ضربوها على منقارها. # قابل الصبية في فناء المزرعة رجلا عجوزا يعرف كيفية صناعة صابون من ~~أجل الحلاقة والغسل، سواء في شكل قوالب أو كرات. حين رأى الرجل ~~العصفورة التي أحضرها الصبية إلى المنزل والتي قالوا إنهم لا يعرفون ~~ماذا يفعلون بها ms119 ، قال لهم: «هلا جعلنا شكلها جميلا!» # انتابت العصفورة قشعريرة البرد حين سمعت هذا. ثم أخذ الرجل العجوز ~~صدفة تحتوي على كمية من رقائق الذهب اللامعة من صندوق مليء بالألوان ~~الجميلة، وطلب من الصبية إحضار بياض بيضة، فدهن به العصفورة بالكامل، ~~ثم وضع عليها رقائق الذهب، فصارت العصفورة الأم هكذا مطلية بالذهب من ~~رأسها إلى ذيلها. لكنها لم تكن تفكر في شكلها، فقد كانت مرتعدة بشدة. ~~بعد ذلك قطع صانع الصابون قطعة صغيرة من بطانة سترته الحمراء، وشقها ~~عدة شقوق، حتى بدت مثل عرف الديك، وثبتها على رأس العصفورة. # قال الرجل العجوز: «الآن سترون الطائر ذا الريش الذهبي وهو يطير.» ثم ~~أطلق العصفورة، التي طارت في رعب قاتل بينما سطعت أشعة الشمس عليها. كم ~~كانت متألقة! انتابت الدهشة كل العصافير، بل حتى أحد الغربان، وهو طائر ~~عجوز حكيم، من المنظر، لكنها جميعا اتبعتها لاكتشاف ماذا عساه يكون ~~هذا الطائر الأجنبي. طارت العصفورة يدفعها الألم والرعب صوب منزلها وهي ~~تكاد تسقط على الأرض من الضعف. في الوقت نفسه زاد سرب الطيور الذي كان ~~يتبعها عددا، بل حاول بعضها أن ينقرها. # هتفت كل الطيور: «انظروا إليه! انظروا إليه!» كذلك صاحت الأفراخ حين ~~اقتربت أمهم من العش؛ حيث لم يتعرفوا عليها: «انظروا إليه! انظروا ~~إليه! لا بد أنه طاوس صغير، فهو يلمع بشتى الألوان. النظر إليه يرهق ~~العينين تماما كما أخبرتنا أمنا؛ صوصو، هذا هو الطائر الجميل.» ثم ~~نقروا الطائر بمناقيرهم الصغيرة فلم تستطع دخول العش مطلقا وكانت ~~متعبة للغاية حتى إنها لم تقو حتى على الزقزقة، ناهيك أن تقول: «أنا ~~أمكم». هكذا هوت الطيور الأخرى على العصفورة ونزعت ريشها الواحدة تلو ~~الأخرى حتى سقطت على شجيرة الورد وهي تنزف. # قالت الورود: «يا للكائن المسكين! فلتستريحي. سوف نخبئك؛ استندي ~~برأسك إلينا.» # بسطت العصفورة جناحيها للمرة الأخيرة، ثم ضمتهما إلى جسمها ~~ورقدت ميتة بين الورود، جيرانها النضرين الرائعين. ~~••• # تصاعد صوت من العش يزقزق ويقول: «صوصو، أين أمنا يا ترى؟ إنه شيء ~~غير قابل للتفسير على ms120 الإطلاق. هل من الممكن أن تكون خدعة لتثبت لنا أن ~~الوقت قد حان لنعتني بأنفسنا؟ لقد تركت لنا المنزل باعتباره إرثا، لكن ~~حيث إنه لا يمكن أن يئول إلينا جميعا حين يصير لدينا أسر، فمن الذي ~~سيحصل عليه؟» # علق أصغرها قائلا: «لا يمكن أن تبقوا جميعا معي حين يزيد عدد ~~أفراد أسرتي بالزواج وإنجاب الصغار.» # قال آخر: «سيكون لدي زوجات وصغار أكثر منك.» # وصاحت ثالثة: «لكنني أكبركم.» # ثم صاروا جميعا غاضبين، وتشاجروا بأجنحتهم، ونقروا بعضهم البعض ~~بمناقيرهم، حتى قفزوا الواحد تلو الآخر من العش. وفي الخارج، استلقوا ~~ساخطين، وقد مالت رءوسهم على جنب فيما طرفت العيون الشاخصة إلى أعلى. ~~لقد كانت هذه طريقتهم في العبوس. # كانوا جميعا يستطيعون الطيران بقدر ضئيل، وسرعان ما تعلموا ~~بالممارسة الطيران بشكل أفضل كثيرا. بعد فترة اتفقوا على إشارة يستطيع ~~كل منهم التعرف بها على الآخرين في حالة تقابلوا في الحياة بعد ~~افتراقهم. كانت الإشارة عبارة عن زقزقة، وخربشة الأرض ثلاث مرات بالقدم ~~اليسرى. # الطائر الصغير الذي بقي في العش مد نفسه بقدر ما استطاع؛ فقد صار ~~مالك البيت الآن. إلا أن سعادته لم تستمر طويلا، فقد اخترقت ألسنة ~~حريق ملتهبة نوافذ الكوخ في تلك الليلة، وأمسكت بالسطح المصنوع من ~~القش، الذي اشتعل على نحو مروع. احترق المنزل بالكامل، وهلك معه ~~العصفور الصغير، لكن لحسن الحظ فر الزوجان بحياتهما. # حين أشرقت الشمس مجددا، وبدت الطبيعة كلها منتعشة كما يكون الحال ~~بعد سبات عميق، لم يتبق من الكوخ سوى بضع عوارض خشبية سوداء متفحمة ~~مستندة إلى المدخنة، التي صارت الآن ربة المكان الوحيدة. كان الدخان ~~لا يزال متصاعدا من الحطام، لكن بالخارج كانت شجيرة الورد لا تزال على ~~الجدار دون أن يمسها أذى، وارفة ونضرة كما كانت دائما، فيما انعكست ~~كل وردة وكل غصن على الماء الصافي تحتها. # قال أحد المارة: «كم تبدو الورود جميلة على جدران ذلك الكوخ المدمر! ~~لا أستطيع أن أتخيل صورة تفوقها بهاء. لا بد أن أرسمها.» # وأخرج المتحدث من جيبه دفترا ms121 صغيرا مليئا بالأوراق البيضاء (فقد ~~كان فنانا)، ورسم بقلم رصاص صورة للأطلال بالدخان المتصاعد منها، ~~والعوارض الخشبية المسودة، والمدخنة المشرفة عليها التي بدت على وشك ~~الانهيار؛ وفي المقدمة تماما قامت شجيرة الورد الضخمة الوارفة، التي ~~أضافت جمالا للصورة؛ بالطبع، لقد رسمت اللوحة من أجل الورود. في وقت ~~لاحق من اليوم جاء إلى الكوخ اثنان من العصافير التي ولدت ~~هناك. # تساءل الاثنان: «أين المنزل؟ أين العش؟ صوصو، صوصو؛ لقد احترق كل ~~شيء، وشقيقنا القوي معه. هذا كل ما جناه من احتفاظه بالعش. إن الورود ~~نجت تماما؛ فهي تبدو على ما يرام كما كانت دائما، بوجناتها الوردية، ~~غير منزعجة من مصائب جيرانها. لن نخاطبها. حقا إن المكان يبدو لنا ~~قبيحا جدا.» ثم طارا بعيدا. # ذات يوم طيب صحو مشمس في الخريف، مشمس للغاية حتى إنه قد يخيل ~~للمرء أنه لا يزال في منتصف الصيف، كان بعض الحمام يقفز في أنحاء ~~الفناء المعتنى به جيدا إلى منزل السيد النبيل، أمام درجات السلم ~~الكبيرة. كان منهم الأسود والأبيض والمتنوع الألوان، وكان ريشهم يلمع ~~في ضوء الشمس. قالت حمامة عجوز لصغارها: «انتظموا في مجموعات! انتظموا ~~في مجموعات؛ فهذا يبدو أفضل كثيرا!» # تساءلت حمامة عجوز يحيط بعينيها اللونان الأحمر والأخضر: «ما تلك ~~الكائنات الرمادية الصغيرة التي تسير خلفنا؟» ثم صاحت قائلة: «الكائنات ~~الرمادية الصغيرة، الكائنات الرمادية الصغيرة.» ~~«إنها عصافير؛ وهي كائنات صغيرة طيبة جدا. ولأننا طالما تميزنا ~~بكوننا كرماء للغاية، فإننا نسمح لها بالتقاط بعض الذرة معنا؛ فإنها ~~لا تقاطع حديثنا، وترجع بأقدامها اليسرى للوراء بشكل بديع ~~للغاية.» # إنها كانت تفعل ذلك فعلا، كل منها ثلاث مرات، وبالقدم اليسرى ~~أيضا، وتقول: «صوصو»، وهي الزقزقة التي نعرف منها أنها العصافير التي ~~نشأت في العش الذي كان على المنزل الذي احترق. # قالت العصافير: «الطعام هنا طيب جدا»؛ في نفس الوقت راحت كل واحدة ~~من الحمام تتبختر حول الأخريات، برقاب منتفخة، وهن يدلين بآرائهن ~~الخاصة حول ما يشاهدن. # سألت واحدة من الحمام حمامة أخرى: «هل ترين ذكر الحمام الهزاز ms122 ؟ هل ~~ترين كيف يبتلع البازلاء؟ إنه يأخذ كمية كبيرة جدا ودائما ما يختار ~~الأفضل من كل شيء. انظري كيف يرفع عرفه هذا المخلوق القبيح الماكر.» ~~وتوقدت عيناهما بالحقد. «انتظموا في مجموعات، انتظموا في مجموعات. أيها ~~الصغار ذوات الريش الرمادي، أيها الصغار ذوات الريش الرمادي.» # واستمر الحمام في حديثه، وهكذا سيظل الحال بعد ألف سنة. # تغذت العصافير بجسارة وأنصتت باهتمام؛ بل وقفت في صفوف مثل الحمام، ~~لكن لم يرق لها الأمر. وهكذا بعد أن أشبعت جوعها، تركت الحمام ~~يتبادلون الآراء فيما بينهم حولهم وتسللوا من خلال قضبان الحديقة. ~~كان باب إحدى حجرات المنزل المؤدية إلى الحديقة مفتوحا، فقفز أحدهم ~~إلى العتبة وقد ملأه العشاء الطيب شجاعة، وهتف: «صوصو، أستطيع الدخول ~~بعيدا.» # قال عصفور آخر: «صوصو، وأنا أستطيع ذلك، وأكثر كثيرا من ذلك.» ثم ~~قفز إلى داخل الحجرة. # تبعه الأول، وتشجع الثالث حين رأى أنه لا أحد هناك، وطار عبر ~~الحجرة مباشرة، قائلا: «إما أن تتخطى كل الحدود، أو لا تغامر على ~~الإطلاق. هذا المكان رائع، أعتقد أنه عش إنسان؛ انظروا! ما هذا يا ~~ترى؟» # كان أمام العصافير مباشرة أطلال الكوخ المحترق؛ وقد تألقت فوقها ~~الورود، فيما انعكست صورتها على المياه تحتها، واستندت العوارض السوداء ~~المتفحمة إلى المدخنة المتداعية. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف صار الكوخ ~~والورود في إحدى حجرات منزل السيد النبيل؟ ثم حاولت العصافير الطيران ~~فوق الورود والمدخنة لكنها اصطدمت بجدار مصمت. لقد كان لوحة، لوحة ~~كبيرة جميلة، رسمها الفنان من الرسمة الصغيرة التي خطها. # قال أحد العصافير: «صوصو، إنها ليست حقيقية؛ إنها فقط تبدو كذلك. ~~صوصو، أعتقد أن هذا هو الجمال. هل تستطيعون فهمه؟ أنا لا ~~أستطيع.» # ثم دخل بضعة أشخاص الحجرة فطارت العصافير بعيدا. ومرت الأيام ~~والسنون، و«هدل» الحمام كثيرا، لن نقول تشاجروا، رغم أنهم ربما فعلوا ~~ذلك، تلك المخلوقات المشاكسة! أما العصافير، فقد عانوا من البرد في ~~الشتاء وصفا لهم العيش في الصيف. وارتبط كلهم بخطوبة أو زواج، أو ~~فلتسمه ما شئت. ثم رزقوا بصغار ، وكان ms123 كل منهم يرى أبناءه الأذكى ~~والأجمل. # طار كل منهم في اتجاه، وحين التقوا عرف كل منهم الآخر بالزقزقة ~~وجر القدم اليسرى ثلاث مرات للخلف. ظلت كبيرتهم بلا زواج؛ فلم يكن ~~لديها عش ولا صغار. كانت أكبر أمنياتها أن ترى مدينة كبيرة، لذلك طارت ~~إلى كوبنهاجن. # على مقربة من القلعة، عند القناة التي كانت تبحر فيها سفن عدة ~~محملة بالتفاح والأواني الفخارية، لاح منزل كبير. كانت نوافذه ~~قاعدتها أعرض من قمتها، وحين اختلست النظر منها العصفورة رأت حجرة ~~بدت لهم مثل زهرة توليب جميلة الألوان من كل الدرجات. كان يوجد بداخل ~~زهرة التوليب تماثيل بيضاء لبشر، مصنوعة من الرخام، وقليل منها من ~~الجص، لكن لا يمثل هذا أي فرق بالنسبة للعصافير. وكان على السطح ~~عربة حربية وخيول من المعدن، وكانت ربة النصر، التي كانت من المعدن ~~أيضا، جالسة في العربة الحربية توجه الخيول. # كان هذا متحف تورفالسن. قالت العصفورة: «كم يبدو زاهيا ومتألقا! لا ~~بد أن هذا هو الجمال، صوصو، باستثناء أنه أضخم من الطاوس.» فقد تذكرت ~~ما أخبرتهم أمها به في طفولتها، من أن الطاوس أحد أروع الأمثلة التي ~~تجسد الجمال. وطارت العصفورة هبوطا إلى الفناء، حيث كان كل شيء أيضا ~~غاية في الروعة. لقد دهنت الجدران لتبدو مثل فروع النخلة، فيما توسط ~~الفناء شجرة ورد كبيرة وارفة امتدت فروعها النضرة الجميلة المغطاة ~~بالورود فوق قبر. طارت العصفورة إلى هناك إذ رأت عدة طيور من ~~نوعها. # زقزقت العصفورة، وهي تسحب قدمها إلى الوراء ثلاث مرات. كانت طوال ~~السنوات الماضية كثيرا ما تؤدي التحية المعتادة للعصافير التي ~~تقابلها، دون أن يرد لها أحد التحية نفسها؛ فالأصدقاء الذين يفترقون ~~لا يلتقون كل يوم. صار هذا الأسلوب في إلقاء التحية من عاداتها، واليوم ~~رد لها التحية نفسها عصفوران عجوزان وعصفور شاب. # ردوا عليها قائلين: «صوصو»، وسحب كل منهم القدم اليسرى إلى ~~الوراء ثلاث مرات. كانا عصفورين عجوزين نشآ في عشها نفسه، وعصفور ~~شاب من الأسرة. ردت: «أوه، طاب يومكم؛ كيف حالكم؟ كم هو ms124 عجيب أن نلتقي ~~هنا! إنه مكان رائع جدا، لكن لا يوجد به الكثير من الطعام؛ لكن هذا ~~هو الجمال. صوصو!» # خرج عدد كبير جدا من الناس من الحجرات الجانبية، التي انتصبت فيها ~~التماثيل الرخام، واقتربوا من القبر الذي رقدت فيه بقايا الفنان العظيم ~~الذي نحتها. وحين التفوا حول قبر تورفالسن انطبعت على كل وجه أمارات ~~الانبهار، وجمع بعضهم أوراق الورد المتساقطة ليحتفظوا بها. كانوا ~~جميعا آتين من مناطق بعيدة؛ أحدهم من دولة إنجلترا القوية، وآخرون من ~~ألمانيا وفرنسا. قطفت سيدة أنيقة للغاية وردة وأخفتها في صدر ثوبها. ~~هنا شعرت العصافير أن للورود حظوة في هذا المكان، وأن المكان بأسره قد ~~بني لها، وهو ما بدا أنه تكريم كبير جدا حقا؛ لكن لما أبدى كل ~~الناس حبهم للورود، رأت العصافير أنه من المستحسن ألا تتأخر عن التعبير ~~عن احترامها. # زقزقت العصافير ومسحت الأرض بأذيالها، ورمقت الورود بعين واحدة. ~~لكنها لم تحتج إلى النظر إليها طويلا حتى تشعر أنها كانت تعرفها منذ ~~زمن طويل، وقد كان هذا حقيقيا. كان الفنان الذي رسم شجيرة الورود ~~وأطلال الكوخ قد حصل على إذن بخلع الشجيرة وأعطاها للمهندس المعماري؛ ~~لأن الورود كانت ذات جمال نادر. وقد زرعها المهندس فوق قبر تورفالسن، ~~حيث استمرت في الازدهار، مثالا على الجمال، ناشرة عبقها وأوراقها ~~الوردية ليجمعها ويحملها الناس إلى مناطق بعيدة؛ لتكون تذكارا من ~~المكان الذي سقطت فيه. # سألت العصافير الورود قائلة: «هل حصلتن على وظيفة في هذه ~~البلدة؟» # هزت الورود رءوسها بالإيجاب؛ فقد تعرفت على جيرانها الصغار ذوات ~~اللون الرمادي وسرت برؤيتها مرة أخرى. # قالت الورود: «الحياة هنا مبهجة للغاية حيث ننمو ونقابل أصدقاءنا ~~القدامى، ونرى وجوها مبتهجة كل يوم. ويبدو كأن كل يوم هو يوم ~~عطلة.» # قالت العصافير لبعضها البعض: «صوصو، نعم، إنهن جاراتنا القدامى. ~~نتذكر مكانها الأصلي قرب البحيرة. صوصو! لقد ارتفعت مكانتها بلا شك. ~~يبدو أن من الناس من يتقدم بهم الحال وهم نائمون. مهلا! ثمة ورقة ~~ذابلة. يمكنني أن أراها بوضوح.» # نقرت الطيور الورقة ms125 حتى سقطت، لكن ظلت شجيرة الورد يانعة وغضة كما ~~كانت دائما. وتألقت الورود في أشعة الشمس فوق قبر تورفالسن، وبهذا ~~صارت مرتبطة بهذا الاسم الخالد. # | المنزل القديم # كان ذات يوم في أحد الشوارع منزل شديد القدم قائم بين عدة منازل أخرى ~~جديدة ونظيفة تماما. كان يمكن قراءة تاريخ بنائه الذي كان منحوتا على ~~إحدى العوارض وقد أحاطت به زخارف حلزونية على شكل زهور توليب وفروع ~~نبات حشيشة الدينار؛ وكان عمر المنزل آنذاك حسب هذا التاريخ يبلغ نحو ~~ثلاثمائة عام. كذلك كتبت أبيات كاملة من الشعر فوق النوافذ بحروف ~~قديمة ونحتت بدقة وجوه متنافرة الملامح تواجه الناس بابتسامة من ~~تحت الأفاريز. كان الدور العلوي أعرض كثيرا من الدور الأرضي، فيما ~~امتد تحت السطح مزراب من الرصاص ينتهي برأس تنين. كان من المفترض أن ~~تتدفق مياه الأمطار من فم التنين، لكنها كانت تخرج من جسمه بسبب ثقب في ~~المزراب. # كانت كل المنازل الأخرى الموجودة في الشارع جديدة ومتينة، وذات نوافذ ~~كبيرة وجدران ملساء. كان من الجلي لأي شخص ملاحظة أنها مختلفة ~~تماما عن المنزل القديم. ربما كانت تلك المنازل نفسها تتساءل: «حتى ~~متى سيظل هنا ذلك الركام من النفايات ليكون وصمة عار في جبين الشارع ~~كله؟ فإن واجهته بارزة جدا حتى إنه من الصعب رؤية ما يجرى في ذلك ~~الاتجاه من نوافذنا. وسلمه في عرض سلالم القلاع ومرتفع كأنه يؤدي ~~إلى برج كنيسة. أما قضبان سوره الحديدية، فكانت تبدو مثل بوابة مقبرة، ~~كما أنه كانت لها مقابض نحاسية. إنه جدير بالسخرية حقا.» # كان يوجد في الجهة المقابلة للمنزل القديم منازل جديدة أكثر أناقة، ~~لها نفس آراء جيرانها. # كان جالسا لدى نافذة أحدها صبي صغير بوجنتين نضرتين متوردتين، ~~وعينين صافيتين لامعتين، وكان مغرما جدا بالمنزل القديم سواء في ~~أشعة الشمس أو ضوء القمر. كان يجلس ويتطلع إلى الجدار الذي تساقط منه ~~الجص في بعض المواضع، ويتخيل أشكال المشاهد شتى التي جرت في الماضي؛ ~~كيف بدا الشارع حين كانت المنازل مزودة بأسطح جملونية ، وسلالم ms126 ~~مكشوفة، ومزاريب منتهية بفوهات على شكل تنانين. حتى إنه كان حتى يستطيع ~~أن يرى الجنود وهم يتجولون بمطاردهم. كان النظر إلى المنزل مسليا ~~للغاية بلا شك. # كان يعيش في المنزل رجل عجوز يرتدي سروالا قصيرا يصل حتى ~~الركبتين، ومعطفا بأزرار نحاسية كبيرة، وشعرا مستعارا يعرف من يراه ~~أنه شعر مستعار. كان الرجل العجوز ذو السروال القصير وحيدا تماما في ~~المنزل إلا من رجل عجوز يأتيه كل صباح لتنظيف المنزل وخدمته. كان ~~أحيانا يذهب إلى إحدى النوافذ ويطل منها؛ فكان الصبي حينئذ يومئ ~~برأسه له، وكان الرجل العجوز يجيبه بأن يومئ برأسه له، حتى تعرف ~~كل منهما على الآخر وصارا صديقين، رغم أنهما لم يتحدثا معا قط؛ لكن ~~لم يكن هذا مهما. # ذات يوم سمع الصبي الصغير والديه يقولان: «هذا الرجل ميسور الحال ~~جدا، لكن لا بد أنه يعاني من وحدة شديدة.» لذا، في صباح الأحد ~~التالي، لف الصبي الصغير شيئا في قطعة من الورق، وأخذه إلى باب المنزل ~~القديم وقال للخادم الذي كان يرعى الرجل العجوز: «هلا أعطيت هذه الهدية ~~مني السيد الذي يعيش هنا رجاء؟ فإنني لدي جنديان من الصفيح، وهذا ~~أحدهما، ويمكنه الاحتفاظ به لأنني أعرف أنه يعاني من وحدة ~~شديدة.» # أومأ الخادم العجوز برأسه وبدا عليه سرور بالغ، ثم دخل المنزل ~~بالجندي الصفيح. # بعد فترة أرسل ليسأل الصبي الصغير ما إذا كان يود أن يزوره بنفسه. ~~سمح له والداه بذلك، وبهذا حصل على الإذن لدخول المنزل القديم. # كانت المقابض النحاسية الخاصة بالسور الحديدي تلمع أكثر من ذي قبل، ~~كما لو كانت قد لمعت من أجل زيارته؛ وكان منحوتا على الأبواب ~~نافخو أبواق واقفون داخل زهور توليب، وبدا كأنهم ينفخون بكل ما لديهم ~~من قوة، إذ كانت وجناتهم منتفخة بشدة كأنهم يقولون: «تانتا را را، ~~الصبي الصغير قادم. تانتا را را، الصبي الصغير قادم.» # ثم فتح الباب ليكشف عن قاعة علق في جميع أنحائها صور قديمة ~~لفرسان في دروع وسيدات في أثواب حريرية، وقد بدا أن الدروع كان ms127 لها ~~صليل وأن الأثواب كان لها حفيف. ثم كان هناك سلم قطع شوطا طويلا ~~في صعوده، ليهبط به درجات قليلة مفضيا إلى شرفة كانت في حالة مزرية ~~للغاية؛ إذ كانت بها ثقوب كبيرة وشقوق طويلة نبتت منها الحشائش ~~والأوراق؛ كانت النباتات تنمو بوفرة حقا في الشرفة والفناء وعلى ~~الجدران، حتى إنها بدت مثل الحديقة. # كان يوجد في الشرفة أصص زرع رسم عليها رءوس أشخاص بآذان حمير، لكن ~~كانت الزهور التي بداخلها تنمو كما يحلو لها. فقد ازدهرت زهور القرنفل ~~في أحد الأصص حتى فاضت على جوانبه، أو أوراقها الخضراء على الأقل، ~~فأخرجت جذعها وساقها وهي تقول بوضوح بقدر ما تتيح لها قدرتها على ~~الكلام: «لقد أنعشني الهواء، وقبلتني الشمس، ووعدت بزهرة صغيرة في ~~الأحد القادم؛ الأحد القادم حقا!» # ثم دخلا حجرة كسيت جدرانها بجلد طبع عليه زهور ذهبية. وبدا أن ~~الجدران كانت تقول: # الطلاء بالذهب يبليه الزمن وسوء الطقس، # لكن الجلد يبقى؛ فهو قوي البأس. # كان في الحجرة مقاعد نقشت عليها نقوش بديعة، ولديها ~~ذراع على كل جانب وظهور شديدة الارتفاع؛ وبينما هي تصر بدت كأنها ~~تقول: «فلتتفضل بالجلوس. آه، يا عزيزي! كم يعلو صريري؛ لا بد أنني ~~مصابة بالنقرس مثل الخزانة القديمة. إن لدي نقرسا في ظهري، ~~آه!» # بعد ذلك دخل الصبي الصغير الحجرة التي كان الرجل العجوز جالسا ~~فيها. # قال الرجل العجوز: «شكرا على الجندي الصفيح يا صديقي الصغير، وشكرا ~~على مجيئك لرؤيتي.» # قال كل الأثاث بصرير: «شكرا، شكرا.» # كان الأثاث كثيرا جدا حتى إن كل قطعة منه كانت تعترض سبيل الأخرى ~~حتى ترى الصبي الصغير. قرب وسط الغرفة كان معلقا على الجدار صورة ~~لسيدة حسناء، شابة ومتهللة الأسارير، ترتدي زيا من العصور القديمة، ~~بشعر مصفف بالبودرة وتنورة منتفخة. وهي لم تقل «شكرا» ولم تحدث ~~صريرا، وإنما نظرت بعينيها الوديعتين إلى الصبي الصغير، الذي قال ~~للرجل العجوز: ~~«من أين حصلت على هذه الصورة؟» # أجابه قائلا: «من المتجر الذي في الجهة المقابلة. يوجد هناك العديد ~~من الصور الشخصية ، لكن ms128 يبدو أن لا أحد يعرف أيا منهم أو يأبه لهم. ~~لقد مات الأشخاص الذين فيها ودفنوا منذ زمن طويل. لكنني كنت أعرف ~~هذه السيدة منذ سنوات عديدة، وقد قضت نحبها منذ نحو نصف قرن.» # كان معلقا أسفل الصورة باقة من الزهور الذابلة داخل إطار زجاجي، مضى ~~عليها هي أيضا دون شك نصف قرن، أو هكذا بدت على الأقل. # وكان بندول الساعة القديمة يتأرجح يمينا وشمالا، وعقاربها تدور، ~~ومع مرور الوقت تقدم العمر بكل شيء في الحجرة، غير أن أحدا لم يلحظ ~~ذلك على ما يبدو. # قال الصبي الصغير: «يقولون إنك تعيش وحيدا جدا في هذا ~~المنزل.» # رد عليه الرجل العجوز: «نعم، لكن تتوارد على ذهني الذكريات السارة عن ~~كل ما مضى، والآن جئتني أنت أيضا لتزورني، وهذا أمر طيب ~~جدا.» # ثم أخذ من خزانة الكتب كتابا مليئا بالصور لمواكب طويلة لعربات ~~رائعة لم يعد لها مثيل في العصر الحاضر، وجنود يشبهون الولد في ~~أوراق اللعب، ومواطنين برايات خفاقة. كان الخياطون يحملون راية عليها ~~مقص يحمله أسدان، أما راية صانعي الأحذية فلم يكن عليها حذاء طويل ~~الرقبة وإنما نسر برأسين؛ فكل شيء لدى صانعي الأحذية لا بد أن يكون ~~مرتبا في أزواج. يا له من كتاب صور رائع! بعد ذلك ذهب الرجل العجوز ~~إلى حجرة أخرى ليأتي بتفاح ومكسرات. لا شك أن الوجود في ذلك المنزل ~~القديم كان ممتعا جدا. # قال الجندي الصفيح الذي كان واقفا على رف: «لا يسعني التحمل؛ هذا ~~المكان موحش وكئيب جدا. لقد اعتدت العيش في عائلة، ولا أستطيع التعود ~~على هذه الحياة. ولا يمكنني تحملها. النهار طويل جدا، والمساء أطول ~~منه. ليست الحياة هنا كما كانت في منزلك في الجانب الآخر، حين كان أبوك ~~وأمك يتحدثان بمرح شديد معا، بينما كنت أنت وكل الأطفال الأعزاء ~~تصخبون صخبا مبهجا. هل تعتقد أنه يحصل على أي قبل؟ هل تعتقد أنه ~~حصل على نظرة حانية أو امتلك شجرة كريسماس قط؟ إنه لن يحصل على أي شيء ~~الآن سوى القبر. ms129 آه! لا يسعني التحمل.» # قال الصبي الصغير: «يجب ألا تنظر للجانب الكئيب كثيرا. أنا أعتقد أن ~~كل شيء في هذا المنزل جميل، وأن كل الأفكار القديمة السارة تأتي إلى ~~هنا في زيارات.» # قال الجندي الصفيح: «لكنني لا أرى أيا منها قط، ولا أعرفها، ولا ~~يسعني التحمل.» # قال الصبي الصغير: «لا بد أن تصبر.» هنا عاد الرجل العجوز بوجه ~~مستبشر، حاملا فواكه مجففة جميلة وكذلك تفاح ومكسرات، وتوقف الصبي ~~الصغير عن التفكير في الجندي الصفيح. # كم كان الصبي الصغير سعيدا ومسرورا! وبعد أن عاد إلى منزله، وطيلة ~~أيام وأسابيع، ظل تبادل التحيات مستمرا بين المنزلين، ثم ذهب ~~الصبي الصغير من أجل زيارة أخرى. ونفخ عازفو الأبواق وهم يقولون: ~~«تانتا را را، ها هو الصبي الصغير. تانتا را را.» وصدر صليل عن السيوف ~~والدروع التي في صور الفرسان القدامى، وتصاعد حفيف الفساتين الحرير، ~~وأعاد الجلد شعره المسجوع، وصرت المقاعد القديمة التي تعاني النقرس ~~في ظهورها؛ كان الأمر برمته مثل المرة الأولى تماما، فالأيام والساعات ~~في ذلك المنزل متشابهة تماما. # قال الجندي الصفيح: «لا يمكنني الصبر أكثر من ذلك. لقد ذرفت دموعا ~~من صفيح، فالحياة هنا تملؤها الشجون. دعني أذهب إلى الحرب لأفقد ذراعا ~~أو ساقا؛ سيكون في ذلك تغيير. أدركت الآن ما يعنيه أن يزور المرء ~~ذكرياته القديمة وكل ما تأتي به معها. فقد عاودتني ذكرياتي زائرة، ~~وصدقني أنها ليست سارة على الإطلاق. لقد كدت أقفز من أعلى الرف؛ إذ ~~رأيتكم جميعا في منزلكم في الجهة المقابلة، كما لو كنتم موجودين ~~حقا. # كان ذلك في صباح يوم أحد، كنتم أنتم الأطفال واقفين حول المائدة، ~~ترددون الترنيمة التي تقولونها كل صباح. كنتم واقفين في ثبات ~~متشابكي الأيدي، وكان أبوكم وأمكم بنفس الرصانة، حين انفتح الباب، ~~وأدخلت إلى الحجرة شقيقتك الصغيرة، ماريا، التي لم تتعد العامين. كم ~~تعلم، هي دائما ما ترقص عند سماع موسيقى وغناء من أي نوع، لذا فقد ~~راحت ترقص في الحال، رغم أنه ما كان يصح لها أن تفعل ذلك؛ ms130 لكنها لم ~~تستطع أن تضبط حركتها على إيقاع الموسيقى لأنه كان بطيئا جدا، فوقفت ~~على قدم واحدة ثم على الأخرى وأحنت رأسها بشدة، لكن حركاتها لم تلائم ~~الموسيقى. كنتم جميعا واقفين تبدو عليكم الرزانة، مع أن هذا كان صعبا ~~جدا، أما أنا فضحكت بداخلي بشدة حتى إنني وقعت من فوق الطاولة ~~وأصبت بكدمة ما زالت موجودة حتى الآن. أعلم أنه لم يكن من اللائق أن ~~أضحك. وهكذا يظل كل هذا وكل الأشياء الأخرى التي شاهدتها تتوارد على ~~ذهني، ولا بد أن هذه هي الذكريات القديمة التي تأتي مصطحبة معها خواطر ~~كثيرة. أخبرني أنت ما إذا كنتم ما زلتم ترددون الترانيم في أيام ~~الآحاد، واحك لي عن شقيقتك الصغيرة ماريا، وكيف حال زميلي القديم، ~~الجندي الصفيح الآخر. لا شك أنه سعيد جدا حقا. أما أنا فلا أستطيع ~~الصبر على هذه الحياة.» # قال الصبي الصغير: «إنك هدية، ولا بد أن تبقى. ألا تدرك ذلك؟» ثم ~~دخل الرجل العجوز بصندوق احتوى على العديد من الأشياء النادرة ليريه ~~إياها. كان فيه أوعية مساحيق تجميل وصناديق عطور، وأوراق لعب قديمة لا ~~تجد مثيلا لها هذه الأيام، فقد كانت كبيرة الحجم وحوافها مطلية ~~بالذهب. وكان هناك أيضا صناديق أصغر حجما تستحق المشاهدة، وكان ~~البيانو مفتوحا، وداخل غطائه كانت هناك مناظر طبيعية مرسومة. لكن حين ~~عزف الرجل العجوز عليه، بدا البيانو بحاجة إلى ضبط، فنظر إلى الصورة ~~التي كان قد اشتراها من تاجر السلع المستعملة، ولمعت عيناه حين هز ~~رأسه إليها وقال: «أوه، لقد كانت تستطيع غناء تلك الأغنية.» # هنا صاح الجندي الصفيح عاليا بقدر ما استطاع: «سأذهب إلى الحرب! ~~سأذهب إلى الحرب!» وألقى بنفسه إلى الأرض. أين سقط يا ترى؟ بحث الرجل ~~العجوز عنه، وبحث الصبي الصغير، لكنه كان اختفى ولم يمكن العثور ~~عليه. قال الرجل العجوز: «سوف أعثر عليه.» إلا أنه لم يعثر عليه؛ فقد ~~سقط الجندي الصفيح في شق بين ألواح الخشب وظل مستلقيا هناك كأنه في ~~قبر مفتوح. # مر اليوم وعاد الصبي الصغير ms131 إلى منزله؛ ومضى أسبوع، وعدة أسابيع ~~أخرى. أتى فصل الشتاء وغطى الصقيع النوافذ تماما، فاضطر الصبي إلى أن ~~ينفث الهواء في الزجاج ومسحه ليتيح لنفسه ثقبا يختلس منه النظر إلى ~~المنزل القديم. وقد وجد ندف الثلج متراكمة على كل الحليات الحلزونية ~~والنقوش، وكان السلم مغطى بالثلج كأنه لا يوجد أحد بالمنزل. وبالفعل ~~لم يكن أحد في المنزل؛ فقد مات الرجل العجوز. # في المساء أخذ الرجل العجوز إلى الريف ليدفن هناك في قبره؛ لذا، ~~فقد حملوه إلى هناك. لكن لم يتبعه أحد، فقد مات كل أصدقائه، أما الصبي ~~الصغير فقد قبل يد صديقه العجوز تحية له حين رآه محمولا. # بعد بضعة أيام أقيم مزاد في المنزل القديم، فرأى الصبي الصغير ~~الناس وهم يحملون صور الفرسان والسيدات القدامى، وأصص الزرع ذات ~~الوجود التي لها آذان طويلة، والمقاعد القديمة، والخزانات. أخذ بعضها ~~في جهة، وذهب البعض الآخر في جهة أخرى. أما صورة السيدة التي ابتيعت ~~من تاجر الصور، فقد عادت إلى متجره مرة أخرى، وظلت هناك، إذ بدا أن ~~ليس هناك من يعرفها أو يأبه للصورة القديمة. # وفي الربيع شرعوا يهدمون المنزل نفسه؛ فقد وصفه الناس بأنه مجرد ~~ركام من النفايات. وصار مكشوفا للمارة في الشارع الحجرة ذات الجدران ~~المغطاة بالجلد، وقد تهرأ وتمزق، والنباتات التي في الشرفة وقد ~~تدلت متناثرة فوق العوارض. لقد هدموا المنزل بسرعة، فقد بدا مستعدا ~~للسقوط، وفي النهاية أزيل تماما. حينئذ، قالت المنازل المجاورة: «لقد ~~رحل غير مأسوف عليه.» # بعد فترة بني منزل جديد فخم، لكن كان متراجعا أكثر عن الطريق. كانت ~~نوافذه مرتفعة وجدرانه ملساء، لكن في المقدمة، في الموضع الذي كان يقف ~~فيه المنزل القديم، زرعت حديقة صغيرة، وامتدت فروع كروم برية على ~~الجدران المجاورة. وأمام الحديقة كان هناك سور حديدي ضخم وبوابة هائلة ~~بدت مهيبة للغاية. وقد اعتاد الناس على التوقف لاختلاس النظر من خلال ~~السور. كذلك كانت العصافير تتجمع بالعشرات على أغصان الكروم البرية، ~~وتثرثر معا بأعلى صوتها، لكن ليس عن المنزل القديم . لم ms132 يكن بإمكان أي ~~منها أن يتذكره؛ إذ قد مضت سنوات عديدة قطعا، حتى إن الصبي الصغير ~~صار رجلا، رجلا صالحا حقا، وكان أبواه فخورين جدا به. كان قد ~~تزوج للتو وجاء بزوجته الشابة للإقامة في المنزل الجديد الذي له حديقة ~~أمامية، وقد كان واقفا بجانبها وهي تزرع واحدة من زهور المروج التي ~~رأت أنها شديدة الجمال. كانت تزرعها بنفسها بيديها الصغيرتين وتضغط ~~على التربة بأصابعها. وفجأة صرخت قائلة: «أوه، يا إلهي، ما هذا؟» فقد ~~وخزها شيء ما كان بارزا في التربة الرخوة. # فلتحزروا ماذا كان! لقد كان الجندي الصفيح، الجندي الصفيح نفسه ~~الذي كان قد ضاع في حجرة الرجل العجوز وظل مخفيا بين الخشب القديم ~~والمخلفات زمنا طويلا حتى غاص في الأرض، حيث مكث سنوات عديدة قطعا. ~~مسحت الزوجة الشابة الجندي الصفيح بورقة شجر خضراء أولا ثم بمنديلها ~~الرقيق، الذي كان يفوح منه عطر جميل. وحينها، شعر الجندي الصفيح كأنه ~~أفاق من نوبة إغماء. # قال الشاب: «دعيني أره»، ثم ابتسم وهز رأسه وقال: «من المستبعد أن ~~يكون هو، لكنه يذكرني بشيء حدث لأحد جنودي الصفيح حين كنت صبيا ~~صغيرا.» ثم حكى لزوجته عن المنزل القديم والرجل العجوز والجندي الصفيح ~~الذي أرسله إليه لاعتقاده أنه كان وحيدا. وقد حكى القصة بوضوح شديد ~~حتى فاضت الدموع من عيني الزوجة الشابة على المنزل القديم والرجل ~~العجوز. # قالت الزوجة: «من الوارد جدا أن يكون هذا هو نفس الجندي فعلا، لذا ~~سوف أرعاه وأتذكر دائما ما أخبرتني به؛ لكن عليك أن تريني قبر الرجل ~~العجوز ذات يوم.» # رد عليها قائلا: «أنا لا أعلم بمكانه ولا أحد يعلم. لقد مات جميع ~~أصدقائه؛ فلم يرعه أحد أو يهتم بقبره، وأنا كنت حينئذ مجرد صبي ~~صغير.» # قالت الزوجة: «ويحي، لا بد أنه كان يشعر بوحدة فظيعة.» # صاح الجندي الصفيح: «أجل، وحدة فظيعة، لكن من المبهج ألا تصير ~~منسيا.» # صاح صوت قريب منهم قائلا: «مبهج حقا!» وحده الجندي الصفيح لاحظ أن ~~الصوت جاء من قطعة من الجلد الذي تمزق ms133 بعد سقوط المنزل القديم. كانت ~~قد فقدت كل أشكالها الذهبية وبدت مثل التراب المبتل، لكن كان لديها ~~رأي عبرت عنه بالكلمات التالية: # الطلاء بالذهب يبليه الزمن وسوء الطقس، # لكن الجلد يبقى؛ فهو قوي البأس. # لكن الجندي الصفيح لم يعتقد بصحة هذا. # | فرع شجرة التفاح المغرور # في شهر مايو كانت الرياح لا تزال تهب باردة، لكن تردد من كل شجيرة ~~وشجرة، وكل حقل وزهرة، صوت يرحب ويقول: «جاءنا الربيع.» # غطت الزهور البرية أسيجة الأشجار بوفرة. وبدا الربيع مشغولا أسفل ~~شجرة التفاح الصغيرة، وكان يحكي قصته من أحد الفروع، الذي تدلى نضرا ~~وغضا مكسيا بزهور وردية رقيقة أوشكت على التفتح. # كان الفرع يعلم جيدا كم هو جميل؛ وهذه المعلومة يمكن أن يدركها ~~النبات كما هو الحال لدى البشر. لذلك لم أندهش حين توقفت من أجله على ~~الطريق عربة أحد النبلاء التي كانت تجلس بداخلها الكونتيسة الشابة. ~~لقد قالت إن فرع شجرة التفاح كان بالغ الجمال، فهو رمز للربيع بأروع ~~سماته. وقد قطع الفرع من أجلها، فحملته بيدها الرقيقة وغطته بمظلتها ~~الحريرية. # مضوا بعد ذلك إلى القلعة حيث القاعات الفخمة والصالونات الفاخرة. ~~كانت الستائر ناصعة البياض ترفرف أمام النوافذ المفتوحة، والزهريات ~~الشفافة تحمل زهورا جميلة. وقد وضع فرع التفاح بين بعض أغصان الزان ~~النضرة الخفيفة في واحدة من الزهريات التي بدت كأنها مصنوعة من ثلوج ~~تساقطت حديثا؛ فكان المنظر ساحرا. وقد صار الفرع مزهوا بنفسه، وهو ~~ما كان شديد الشبه بطبيعة البشر. # كانت الحجرة يدخلها أشخاص بأوصاف شتى، وبحسب مكانتهم في المجتمع ~~كان يختلف إقدامهم على التعبير عن إعجابهم. القليل منهم لم يقل أي شيء، ~~ومنهم من بالغ في البوح، وما لبث فرع شجرة التفاح أن أدرك وجود ~~اختلافات بين شخصيات البشر بقدر الموجودة بين شخصيات النباتات والزهور. ~~إن البعض همهم في الحياة الأبهة والمظاهر، والبعض الآخر عليهم ~~القيام بالكثير حتى يثبتوا أهميتهم، أما الباقون فيمكن الاستغناء ~~عنهم دون أن يخسر المجتمع الكثير. هذا ما خطر لفرع شجرة التفاح وهو ~~واقف أمام النافذة ms134 المفتوحة التي كان يستطيع أن يطل منها على الحدائق ~~والمروج، حيث كان يوجد من الزهور والنباتات ما يكفي ليجعله يفكر فيها ~~ويتأمل حالها؛ فبعضها كان ثريا وجميلا، والبعض الآخر كان فقيرا ~~وبائسا حقا. # قال فرع شجرة التفاح: «يا للنباتات المسكينة الممتهنة! يوجد حقا ~~فرق بيني وبينها. كم لا بد أن تكون تعيسة إذا كان بإمكانها أن تشعر ~~كما يشعر من هم مثلي! يوجد فرق بيننا بالتأكيد، ولا بد أن يكون ~~موجودا، وإلا كنا جميعا متساوين.» # ورمقها فرع شجرة التفاح بنوع من الشفقة، وبوجه خاص زهرة صغيرة ~~بعينها توجد في المروج وفي المصارف. لا أحد يجمع هذه الزهور معا في ~~باقة، فهي منتشرة جدا - حتى إنه كان من المعروف عنها أنها تنمو بين ~~أحجار الرصف، وتنبثق في كل مكان مثل الحشائش الضارة - وتحمل اسما ~~قبيحا جدا وهو «زهور الكلاب» أو «الهندباء البرية». # قال فرع شجرة التفاح: «يا للنباتات المحتقرة المسكينة! ليس خطأك ~~أنك قبيحة جدا وأن لك ذلك الاسم القبيح، لكن الحال هو نفسه لدى ~~النباتات ولدى البشر؛ لا بد أن يكون هناك اختلاف.» # صاح شعاع الشمس: «اختلاف!» وهو يقبل فرع شجرة التفاح المزدهر ~~وبعده الهندباء البرية الصفراء في المروج. الجميع إخوة، وشعاع الشمس ~~يقبل الجميع؛ الزهور المتواضعة وكذلك الثمينة. # لم يخطر لفرع شجرة التفاح قط الحب غير المحدود الذي يبسطه الرب ~~على كل المخلوقات، على كل ما هو حي ويتحرك ويوجد به. فهو لم يفكر قط ~~في الخير والجمال اللذين كثيرا ما يكونان مخفيين، لكن لا ينساهما ~~الرب قط، ليس فقط بين المخلوقات الأدنى، ولكن بين البشر أيضا. كان ~~شعاع الشمس، شعاع الضوء، يعلم ذلك. # لذا قال لفرع شجرة التفاح: «إن نظرك ضعيف فلا ترى البعيد ولا ترى ~~الأشياء بوضوح. ما النبات المزدرى الذي تشفق عليه غاية ~~الإشفاق؟» # أجابه: «الهندباء البرية؛ فلا أحد يضعه في باقة مطلقا؛ وتطؤه ~~الأقدام وتجده بكثرة؛ وحين يزهر، تصير له زهور مثل الصوف، تطير في ~~قطع صغيرة في الطرق وتعلق بملابس الناس؛ إنها ليست سوى ms135 حشائش، لكن لا ~~شك أن وجود الحشائش ضروري. أوه، إنني ممتن جدا حقا أنني لم أخلق ~~واحدا من هذه الزهور.» # وفي الحال جاء في المرج مجموعة كاملة من الأطفال، كان أصغرهم ضئيلا ~~جدا حتى إنه كان على الآخرين حمله؛ وحين أجلسوه على الحشائش، بين ~~الزهور الصفراء، راح يضحك عاليا فرحا، ويركل بساقيه الصغيرتين، ~~ويتدحرج، ويقطف الزهور الصفراء ويقبلها في براءة طفولية. # أما الأطفال الأكبر سنا فقطفوا الزهور ذات الجذوع الطويلة، وشدوا ~~سيقانها حول بعضها البعض لتكوين حلقات، وصنعوا سلسلة للرقبة أولا، ثم ~~سلسلة توضع على المنكبين وتتدلى للخصر، وأخيرا إكليلا من الزهور ~~ليوضع على الرأس؛ وهكذا بدوا في غاية الروعة وقد ارتدوا أكاليلهم ~~من السيقان الخضراء والزهور الذهبية. أما أكبرهم فقد جمع الزهور ~~الذابلة بعناية، التي تجمعت على سيقانها البذور في شكل إكليل أبيض شبيه ~~بالريش. # هذه الزهور الصوفية السائبة الرقيقة بديعة للغاية وتبدو مثل ريش ~~الطيور الناعم الرقيق الأبيض كالثلج. وقد حملها الأطفال أمام أفواههم ~~وحاولوا أن يطيروا رأسها بالكامل بنفخة واحدة. لقد أخبرتهم جداتهم أن ~~من يفعل ذلك يضمن الحصول على ملابس جديدة قبل نهاية العام. وبهذا تكون ~~الزهرة المحتقرة قد ارتقت إلى مرتبة المتنبئ بالأحداث. # قال شعاع الشمس: «أرأيت؟ أرأيت جمال هذه الزهور؟ هل ترى قدراتها على ~~منح السعادة؟» # قال فرع شجرة التفاح: «نعم، للأطفال.» # وبعد قليل دخلت سيدة عجوز المرج وراحت تحفر حول جذور بعض نباتات ~~الهندباء البرية وتقتلعها من الأرض بسكين غير حادة من دون مقبض. لقد ~~كانت تنوي استخدام بعضها في صنع شاي لنفسها، أما الباقي فكانت ستبيعه ~~للصيدلي لتحصل على بعض المال. # قال فرع شجرة التفاح: «لكن للجمال قيمة أرفع من ذلك كله؛ فعالم ~~الجمال لا يقبل إلا بالصفوة فقط. وكما هناك فرق بين البشر يوجد فرق بين ~~النباتات.» # هنا حدثه شعاع الشمس عن حب الله غير المحدود المتجلي في خلقه وكل ~~الكائنات الحية، وعن توزيع عطاياه، الآن وإلى الأبد. # قال فرع شجرة التفاح: «ذلك رأيك أنت.» # بعد برهة دخل الحجرة بعض الأشخاص ms136 بينهم الكونتيسة الشابة؛ السيدة ~~التي كانت قد وضعت فرع شجرة التفاح في الزهرية الشفافة، في مكان مبهج ~~للغاية تحت شعاع الشمس. وكانت تحمل في يدها شيئا شبيها بالزهرة. لقد ~~كان محجوبا باثنتين أو ثلاث من الأوراق الكبيرة التي غطته مثل درع ~~حتى لا يؤذيه تيار هواء أو هبة ريح، وكان محمولا باهتمام يفوق ~~الاهتمام الذي حمل به فرع شجرة التفاح. # أزيلت الأوراق الكبيرة بحرص بالغ، فكشفت عن رأس البذور الشبيهة ~~بالريش للهندباء البرية الصفراء المحتقرة. هذا ما قطفته السيدة بحرص ~~شديد وحملته إلى المنزل تحت غطاء آمن تماما، حتى لا يتطاير أي من ~~أجزائها الهفهافة الرقيقة التي منها يتكون شكلها الشبيه بالغيم في ~~خفة متناهية. وها هي الآن تستعرضها وهي سليمة تماما وتتأمل شكلها ~~البديع، وخفتها الشبيهة بالنسمة وتكوينها الفريد الذي سرعان ما تذروه ~~الرياح. # هتفت الكونتيسة: «انظروا، كم أبدع الرب في خلق هذه الزهرة الصغيرة! ~~سوف أرسمها في لوحة مع فرع شجرة التفاح. الكل يبدي إعجابه بجمال فرع ~~شجرة التفاح، لكن هذه الزهرة المتواضعة حبتها السماء بنوع آخر من ~~الجمال، ورغم أنهما يختلفان في المظهر فكلاهما عضو في عالم ~~الجمال.» # ثم قبل شعاع الشمس كلا من الزهرة المتواضعة وفرع شجرة التفاح ~~المتألق، الذي علت أوراقه حمرة الخجل. ms137