######OpenITI# #META# URI: 1450DinaCadilGhurab.MurabbiNahl.Hindawi85731606 #META# Tags: novels #META# ID: 85731606 #META# Title: مُربي النحل #META# AuthorID: 83629035 #META# Author: جين ستراتون بورتر #META# EditorID: 35803081 #META# Editor: محمد يحيى #META# TranslatorID: 79161826 #META# Translator: دينا عادل غراب #META# Related_books: 1343GeneStrattonPorter.KeeperOfBees (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - سيد قراره‏ # 2 - المغامرة الكبرى‏ # 3 - سيد النحل‏ # 4 - في حديقة النحل‏ # 5 - الكشافة الصغير‏ # 6 - «ماذا أفعل، يا إلهي؟»‏ # 7 - سيدة العاصفة‏ # 8 - زفاف من نوع جديد‏ # 9 - فيتامينات وكشافة‏ # 10 - إنها إرادة الخالق‏ # 11 - عبير روح وزهرة‏ # 12 - رؤية ما وراء الحجب‏ # 13 - مربي النحل‏ # 14 - معجزة بشرية‏ # 15 - حصاد العاصفة‏ # 16 - طفل الشراكة‏ # 17 - الدخيلة‏ # 18 - الكشافة الصغير يستعد للحرب‏ # 19 - مسئولية الصديق‏ # 20 - تمرد الكشافة‏ # 21 - ثم تأتي رؤية‏ # 22 - الكذبة النبيلة‏ # 23 - ما زالت المغامرة مستمرة‏ # 1 - سيد قراره‏ # 2 - المغامرة الكبرى‏ # 3 - سيد النحل‏ # 4 - في حديقة النحل‏ # 5 - الكشافة الصغير‏ # 6 - «ماذا أفعل، يا إلهي؟»‏ # 7 - سيدة العاصفة‏ # 8 - زفاف من نوع جديد‏ # 9 - فيتامينات وكشافة‏ # 10 - إنها إرادة الخالق‏ # 11 - عبير روح وزهرة‏ # 12 - رؤية ما وراء الحجب‏ # 13 - مربي النحل‏ # 14 - معجزة بشرية‏ # 15 - حصاد العاصفة‏ # 16 - طفل الشراكة‏ # 17 - الدخيلة‏ # 18 - الكشافة الصغير يستعد للحرب‏ # 19 - مسئولية الصديق‏ # 20 - تمرد الكشافة‏ # 21 - ثم تأتي رؤية‏ # 22 - الكذبة النبيلة‏ # 23 - ما زالت المغامرة مستمرة‏ # | مربي النحل # | مربي النحل # تأليف # جين ستراتون بورتر # ترجمة # دينا عادل غراب # مراجعة # محمد يحيى # إلى جين الصغيرة التي أوحت لي بشخصية الكشافة ~~الصغير. # الفصل الأول # | سيد قراره # «جيمس لويس ماكفارلين.» # أنزل صاحب هذا الاسم قدميه على الأرض وجلس منتصبا فجأة، محيطا ~~ركبتيه بيديه الكبيرتين حتى يتوازن. كان طوال الساعة الماضية، ~~يصغي بين فترات من النعاس شبه الواعي، إلى الحكم الذي يتلوه رجال ~~في موقع المسئولية على الرجال الذين يملكون زمام مصائرهم في أياديهم، ~~لكن لم يرق له أن تعرض حالته هو عليهم للبت فيها. # لقد جلس في ذلك الصباح طوال ساعة تحت أشعة الشمس أمام مبنى ~~المستشفى الضخم حيث يحاول بلدنا علاج الرجال الذين كانوا بالخارج ~~للمشاركة في الحرب. وأدرك مؤخرا أنه في معركته لاستعادة عافيته يشن ~~حربا خاسرة. إذ لم يستطع التغلب على الجرح الناجم عن إصابته بشظايا ~~في الجزء الأيسر من صدره بالنجاح ms001 نفسه الذي حارب به العدو. لذلك عزم ~~على اختبار قوته. فنهض ونزل إلى الطريق ليعرف إلى أين قد تحمله ساقاه ~~على وجه التحديد. لكنه نسي أن يضع في حسبانه أن نزول الجبل أسهل ~~كثيرا من صعوده؛ ومن ثم واصل السير حتى بدأت ركبتاه تخوران ووجد أن ~~طاقته قد استنفدت. فاستراح بعض الوقت ثم استدار عائدا، لكن كانت ~~رحلة الصعود بطيئة الوتيرة، بذل خلالها مجهودا مؤلما؛ مجهودا جعل ~~العرق البارد يسيل منه والنار المتأججة تشتعل في صدره الأيسر، ~~فيما صارت الأربطة المحيطة بكتفيه وحول جسده أدوات لتعذيبه. وظلت ~~شمس كاليفورنيا الحارة مسلطة عليه حتى تقطعت أنفاسه. فاضطر ~~مرارا إلى أن يتوقف ويلتمس مكانا للاستراحة على أي صخرة ناتئة أو ~~رصيف جاف على جانب الجبل. وقد أنهكت عيناه المتعبتان من مشهد ~~الألوان المبهرة الذي امتد محيطا به من كل جانب؛ فهناك اللون ~~الأخضر لأشجار البلوط الحي ونباتات البهشية الزاهية، واللون الأبيض ~~المخالط للزهري لزهور أشجار المانزانيتا المتخذة شكل الجرار، والمخمل ~~المائل إلى اللون الأرجواني لنبات المريمية، والأزرق الأرجواني ~~لزهور المريمية الشوكية بنسيجها الرقيق المتكتل. الأشياء الوحيدة ~~التي رآها كانت رءوس نبات المحارب الهندي المتواترة، وقد لفتت نظره ~~لأنها كانت مثل الجروح على الأرض، في حمرة الدم الحقيقي، في حمرة الدم ~~الذي أغرق العديد من ساحات المعارك، الذي سال في عدة مستشفيات، الذي ~~يراه كل يوم في الضمادات التي تزال من جانبه. # لقد رأى دماء كثيرة جدا لدرجة أن رؤية أي شيء يذكره بها أصبح ~~يثير غثيانه؛ لذلك فقد تولى عن الزهور البديعة التي تصبغ جانب ~~الجبل بشغف، وارتفع ببصره إلى زرقة السماء. لكن النظر إلى السماء لم ~~يزد سوى أن جعل المسار الوعر الذي عليه سلوكه أكثر جلاء. هنا خطر ~~له فقرة كان يسمع أباه يقرؤها من منبره في صباح أيام السبت بتفخيم ~~حرف الراء المعهود لدى الاسكتلنديين الذي لم يمحه بقاؤه عمرا في ~~بلدنا: «أرفع عيني إلى الجبال، من حيث يأتي عوني.» # راح يرفع عينيه إلى التلال والجبال لكن لم يأته ms002 أي عون. فتساءل ~~إذا ما كان السبب أنه يطيع أوامر رجال آخرين، أم لأنه قد نسي الله. ~~لقد علمه أبوه وأمه في طفولته أن يصلي ويؤمن بأن صلواته ستلبى. ~~لكنه حين سافر لخدمة بلده، توقف عن الصلاة لسبب ما يتعذر تفسيره ~~وركز كل قواه في القتال . فقد ارتكبت فظائع في حق رجال من عرقه ~~ودمه في بداية الحرب دفعت كل الرجال الاسكتلنديي الأصل والميول إلى ~~الجموح بعض الشيء. # لقد شارك في الحرب وهو واحد من أكثر الرجال تهذيبا. لكنه انبرى ~~للمجازفة، التي كان رجال آخرون من بلدنا بأصولهم المختلفة يشعرون ~~بأنها ستحرر العالم من الطغيان، بينما يعتمل في صدره غضب، وشعور ~~يتشاطره كل الرجال من سلالة شعبه وبلدهم. فقد ألم بفرقة معينة من ~~الاسكتلنديين أشياء، لا يمكن لرجل تسري في عروقه قطرة دم اسكتلندي ~~أن ينساها مطلقا وإن أراد. تحت وطأة هذا الشعور، نسي الشاب، الذي ~~كانت أمه دائما ما تشير إليه بحب قائلة: «عزيزي جيمي»، التعاليم والدين الذي ربته عليه، ~~وسافر ليرى كم يستطيع أن يشفي غليله الشخصي من الرجال الذين ~~جرحوا قلب اسكتلندا بأسرها جرحا أعمق مما تستدعي مقتضيات حرب ~~عادية أن تحدثه في قلب أمة. # لقد ذهب للثأر وانتقم أشد الانتقام من أكثر من عدو، ثم حانت ~~الساعة التي دخلت فيها صدره شظية مسننة من الحديد المغطى بالوسخ ~~وسممت دمه. وبعد أسابيع على الحدود، عاد يجرجر قدميه، وهو يحمل ~~الآن جرحين لن يندملا؛ أحدهما في قلبه لا يستطيع الناس رؤيته، ~~والآخر في صدره ظل الأطباء والممرضات يطببونه دون جدوى. # حين حسم قرار عدم إمكانية عودته إلى الخدمة أعيد إلى الوطن. هنا ~~أضيف جرح آخر للجرحين الغائرين بالفعل اللذين كانا يعذبانه. إذ ~~إنه خلال سنوات غيابه الثلاث، قضت الأم الضعيفة الضئيلة نحبها، ~~متأثرة بخوفها وقلقها على ابنها الوحيد، فلم يصمد طويلا أبوه، الذي ~~كان دائما ما يعتمد عليها، ولحق بها. وبيع بيتهما الصغير لسداد ~~نفقات مثواهما الأخير، فلم يبق في هذا العالم بأسره شيء يعود له؛ ~~لا قريب ms003 ولا بيت. حتى أصدقاؤه تفرقوا ولم يكن أمامه سوى أن يظل تحت ~~وصاية الحكومة حتى يحين الوقت الذي يعلن فيه بأهليته أن يبدأ ~~حياة لنفسه مجددا. # تقديرا لخدمته الشجاعة، التي دل عليها زوجان من الميداليات وشارة ~~ثبتت فوق الجرح الذي حمله؛ أرسل إلى كاليفورنيا، حيث كان من ~~المأمول أن تأتي الشمس الساطعة، والفاكهة، وهواء المحيط النقي، ~~والصيف الدائم للأرض الطيبة، بالشفاء الذي فشل الأطباء في أن يأتوا ~~به. لقد منح نعيم أفضل مكان يمكن أن يرسل إليه رجل في حالته. ~~المنتجع الجبلي، أروهيد سبرينجز - القابع عاليا فوق جبل تغطيه ~~خضرة كل الأشجار والشجيرات والكروم المحلية، حيث الهواء معبق ~~برائحة الزهور ومفعم بشدو الطيور - كانت الحكومة قد أخذته وجعلته ~~مستشفى كبيرا، ويرجع سبب اتخاذ الموقع في هذه النقطة إلى أن الطبيعة ~~قد أخرجت للسطح جدولا من الماء الساخن لدرجة الغليان، ماء شديد ~~السخونة حتى إنه لا يمكن أن تمد فيها يدا، ماء يغلي آت من مغارة ~~سفلية حيث النيران التي لا تخمد لا تزال تضطرم في قلب الأرض بالغة ~~أقصى درجات التوهج، وتنبثق الينابيع وهي تفوح برائحة الكبريت والعديد ~~من المواد الكيميائية، وبحرارة لا تتغير عاما تلو الآخر. كانت ~~الينابيع تضخ إلى المستشفى، حيث توجه جميع خصائصها الطبية إلى ~~الرجال الذين، مثل جيمي ماكفارلين، يجب علاجهم من جروح عنيدة قبل أن ~~يستطيعوا العودة إلى ديارهم ليقوموا بمهام الرجال في شئون ~~بلدنا. # تدفق العرق على وجنتيه وهو يصعد الجبل بمشقة في ذلك الصباح. ~~وبينما كانت ركبتاه تصطكان ويداه البيضاوان تتشبثان بأي شجرة أو ~~شجيرة يمكن أن يستند إليها، أخذ جيمس ماكفارلين يفكر. كان يفكر ~~سريعا وعميقا. وتساءل، ما دام قضاء عام في ينابيع المياه المعدنية ~~الساخنة هذه لم يعد عليه بأي منفعة على الإطلاق، فهل سيحقق عام ~~آخر ما فشل فيه العام الأول. كما تساءل هل صار أكثر ضعفا وتدهورا ~~عما كان عليه منذ عام. تساءل حتى متى تبقيه الحكومة في هذه الينابيع ~~رغم أن مياهها لم تعد عليه بأي فائدة. كان ms004 على علم بكل الشكاوى ~~المرة المترددة في أنحاء البلد من أولئك المسئولين عن رعاية جنودنا ~~العائدين. كان على علم بالإجراءات الحكومية المعقدة، والفساد، ~~والبطء في حصول الجنود المصابين على العلاج الذي يحتاجون إليه والذي لا ~~بد أن يمنح لهم بالسرعة نفسها التي أرغموا بها على أن يبدءوا ~~مغامرتهم الخطيرة. كان يعلم أن ثمة ألما مضنيا في قلب كل رجل ~~مصاب تقريبا حيال هذا الأمر. بل كان ثمة ألم مضن في قلبه هو. لقد ~~مضت أسابيع عديدة عبثا. مضت شهور عديدة قبل اتخاذ قرار بشأن ما ~~سيفعل وكيف سيفعل، وأين سيفعل. أشياء كثيرة جدا لم تأخذ حقها ~~من التقدير، وأشياء قليلة جدا أنجزت بكفاءة منذ أعلن ~~السلام. # في اللحظات التي يضطر فيها إلى الاستراحة، كان يظل رافعا ~~عينيه إلى السماء. لم يكن يستطيع أن ينظر إلى السماء دون أن ترتقي ~~أفكاره عاليا جدا، وذلك الصباح كادت أحيانا أن تحاذي قاعدة ~~العرش. أدرك أنه سيضحي بأي شيء في العالم لو أمكن له أن يعود إلى ~~المنزل ويجثو عند ركبتي أمه ويضع رأسه على حجرها، وأن يجرب ~~الشيء الذي لم يجربه بعد ذلك التصرف البسيط المهجور، وهو أن يطلب من ~~الله العون الذي لم يستطع الحصول عليه من البشر. # أخيرا وصل إلى النخيل والورود، والبشملة والبرتقال، والمنحدرات ~~المغطاة بالأعناب حيث بدءوا استصلاح الأرض من أجل توفير غذاء ~~لأولئك المقيمين فوق قمة الجبل. تطلع إلى البساتين المحملة ~~بالزهور بنظرة كاد يغشاها النفور. فقد كان من التعب في غاية. وكان ~~الهواء حلوا إلى حد يثير الغثيان معبقا بعبير نفاذ ومقيم. ~~خطر له متبرما أنه سيسر لو استقرت عيناه على بقعة دون أن يعيده ~~وهج أحمر بلون الدم إلى ذكرى مؤلمة؛ إذ كان يتقد لهيب اللون ~~الأحمر لزهور المحارب الهندي باستمرار حول صخور سفح الجبل، قرب ~~مواقع الزراعة حيث امتدت جذور كل شجرة من الأشجار. وأخيرا صعد ~~الدرب متثاقلا وصعد الدرجات الأمامية، حيث فعل شيئا لم يكن ~~معتادا. # كانت كل الأراضي والشرفات الجانبية متاحة للرجال، لكن ms005 لم يكن ~~مسموحا للجنود المعاقين بالاستلقاء على الأرائك الخيزرانية قرب ~~أبواب المدخل الكبير. وتصادف وجود أريكة تحت نافذة عريضة على أحد ~~جانبي المدخل اعتبرها ملائمة كمكان للراحة. ألقى نظرة خاطفة على ~~عدة سيارات لم يتعرف عليها أثناء صعوده الدرجات، ثم اتجه مباشرة ~~إلى الأريكة وتمدد عليها ، حيث استلقى بعض الوقت غير واع بما كان ~~يدور حوله. # وبينما هو يحصل على بعض الراحة، كانت الأصوات القادمة من داخل ~~النافذة مجرد أصوات، وبعد ذلك، حين هدأ قلبه وانحسر الألم الذي في ~~جنبه واسترخت أطرافه المتعبة، أدرك أنه كان يتلى اسم تلو الآخر ~~من قائمة، وأن كل اسم يمثل رجلا تناقش حالته وبناء عليها يقرر ~~مصيره في نهاية المطاف. لكنه لم يدرك أنه مع الانتهاء من الذين تبدأ ~~أسماؤهم بحروف الجيم والكاف واللام سيبدأ حرف الميم على الفور. لقد ~~أقام في هذه المستشفى طويلا جدا؛ حتى أصبح يألف للغاية حجرته، ~~والممرضات، والنظام، والرجال الذين تعرف عليهم، لدرجة أن المكان ~~قد صار بمثابة بيته، البيت الوحيد الذي تبقى له في العالم. كان ~~الكل طيبا معه. فهو لم يجد عيبا في الأطباء ولا الممرضات. لقد ~~بذلوا ما في وسعهم، وبذل هو ما في وسعه؛ لكن ظلت الحقيقة أنه لم ~~يتحسن، حتى إنه قد ثارت مؤخرا شكوك عما إذا كان على الحال نفسها ~~منذ جاء. وعندئذ، بكل ما تسببه ضربة غير متوقعة من تأثير مفاجئ، ~~سمع اسمه يذكر بوضوح، بتلك النبرة الباردة، المجردة التي يتحدث ~~بها رجال أعمال يبرمون صفقة تجارية متطلعين فقط لأكبر فائدة ~~لأكبر عدد. لم يذكر أنه قد سمع اسمه ينطق بتلك النبرات تحديدا قبل ~~ذلك. وقد جعله هذا يشعر كأنه ليس بشرا، وإنما مجرد شيء. ثم أدرك أن ~~الموضوع الجاري مناقشته هو التخلص من ذلك الشيء المحدد. سمع موقع ~~تجنيده، وخدمته في الحرب، ومكافآته، ووصفا لإصاباته وهي تتلى بنبرة ~~رتيبة جعلته يدرك أنها تتلى من سجل ما، ثم تساءل صوت أكثر ~~نشاطا قائلا: ~~«كم مكث ماكفارلين هنا؟» # فجاءته الإجابة: «أكثر من عام ms006 بقليل.» # ثم كان السؤال: «هل أفادته الينابيع بأي شيء؟ هل صار أفضل ~~حالا؟» # فكانت الإجابة: «ليس كثيرا. إن جرحه عنيد؛ فهو يأبى الالتئام رغم ~~كل ما نفعله.» # كان العرق الذي تصببه جيمي في معافرته قد جف على جسده، لكنه ~~تدفق مرة أخرى مع السؤال التالي: ~~«هل هو مصاب بمرض السل؟» # فكانت الإجابة: «لا. ليس بعد. لكنه في حالة تجعله عرضة للإصابة ~~بالسل في أي لحظة. فهي بمثابة تربة خصبة تماما لنمو ~~المرض.» # جلس جيمي ماكفارلين قابضا على ركبتيه وهو يلعق شفتيه الجافتين ~~في انتظار سماع القرار. وقد جاء في كلمات قليلة. ~~«أرسلوه إلى كامب كيرني.» # طوال دقيقة ظلت حمرة زهور المحارب الهندي تتوهج أمام عيني ~~الرجل المنصت حتى لم يعد يرى شيئا سوى اللون الأحمر. طوال دقيقة ~~ظل الغضب العارم يعتمل داخله في احتجاج مضطرم. لقد سمعهم يقولون إنه ~~ليس مصابا بالسل، لكنه معرض بشدة للمرض المريع. وها هم يخططون ~~لإرساله إلى مكان كل من فيه إما مصاب بالوباء، أو كان قاب قوسين ~~من الإصابة به حتى إنه أرسل ليصبح عرضة للعدوى به، كما اقترح في ~~حالته. هذا ليس عدلا! هذا ليس إنصافا! لقد تطوع في الجيش مبكرا ~~ومتحمسا. لم يكن ممن استدعوا للتجنيد. وقد حارب بأقصى طاقته. وقبل ~~كل ما واجهه دون شكوى. وتشهد الميداليات التي يرتديها بجسارته. كان ~~سيدخل الحجرة ويخبر أولئك الأطباء برأيه فيهم وفي قرارهم ~~القاسي. # حاول أن ينهض فوجد أنه أوهن من أن يقف على قدميه، ثم سمع الطبيب ~~الذي تلا الأسماء وهو يعرب عن شكوى بالنيابة عنه: «أشعر أنه ليس من ~~العدل مطلقا أن نرسل رجلا حقق إنجازات رائعة مثل ماكفارلين وهو في ~~حالته الضعيفة تلك إلى البؤرة المعروفة بأنها منفى للمصابين بمرض ~~السل.» # أجابه الصوت الآخر: «إذا لم يجعله قضاء عام هنا في حال أفضل، ~~فلماذا نتوقع أن يفعل ذلك عام آخر، كل ما سنحصل عليه هو أنه سيشغل ~~مكان ذي حالة بدنية أفضل كان سيأتي ويتعافى إن تسنت له الفرصة مثل ~~ماكفارلين؟» ms007 # عند إدراكه للعدالة القاسية في ذلك القول انهار جيمي ماكفارلين على ~~الأريكة، واستلقى على الوسادة، ولم يحسب الوقت الذي مر عليه ~~مستلقيا هناك. كل ما أدركه أن الأصوات ظلت تتصاعد من النافذة وأن ~~الرجال كان يتخذ بشأنهم القرارات، حيث ترسل الحالات الميئوس منها ~~إلى ما بدا له مكان بلا أمل، وأما الذين لديهم فرصة فقد كانوا ~~يمنحون أفضل فرصة للتعافي. وكان ذلك عدلا؛ كان ذلك إنصافا. لكن ~~نظرا إلى كونه اسكتلندي الأصل، ولد مع روح القتال تجري في دمائه، ~~وحب أبدي وطيد للجبال والنجوم والسماء والبحر وأبناء جلدته؛ فقد ~~قرر ألا يصير تابعا لأي رجل أو حكومة بعد الآن. لقد كان وحيدا ~~ومنبوذا. لكنه سيصبح سيد قراره. إن كان لا بد أن يموت، فلماذا يموت ~~في كامب كيرني حيث ينخر في صدر كل من الرجال الهالكين أفظع الأوبئة ~~التي فتكت بالبشرية؟ من دون أن يستغرق وقتا للتأمل الواعي، من ~~دون أي استعداد على الإطلاق، نهض جيمس لويس ماكفارلين وتشبث بحافة ~~النافذة بيد، وبالأخرى استمسك بذراع الأريكة، وتمكن من حمل نفسه على ~~الوقوف. عاد أدراجه هابطا إلى الطريق، وهناك اتجه يمينا، بحيث ~~أصبح يواجه اتجاه الشمال، وبخطوات وئيدة حذرة، بدأ مغامرته ~~الكبرى. # الفصل الثاني # | المغامرة الكبرى # قد تكون المغامرة الكبرى لأحد الرجال هي صيد أفراس النهر البيضاء في ~~أفريقيا، ولرجل آخر هي السيطرة على روحه لمدة ساعة. أما لجيمي ~~ماكفارلين، فبعد سنوات من تلقي الأوامر باستمرار من ضباط أعلى ~~رتبة، كان ثمة شيء مثير في أن يتخذ موقفا مستقلا ويقرر لنفسه ~~لأول مرة إذا ما كان سيسعى وراء حظه شمالا أو جنوبا. فلماذا قرر ~~الذهاب شمالا، هو شيء لم يدر له سببا على الإطلاق، لكن ربما كان ~~السبب أن الطريق المؤدي لتلك الوجهة كان ينحدر إلى أسفل، وهو قد ~~وجد أن صعود الجبل أكثر مما يسعه احتماله. لذلك بدأ المسير ~~باتجاه الشمال على الطريق المنحدر. ومن ثم سار ببطء شديد، وظل ~~يتطلع إلى السماء والأشجار، وبدا له أن بساتين البرتقال المزدهرة ms008 ~~التي مر بها والليمون والبشملة كان عطرها أهدأ، وأن الهواء قد صار ~~منعشا أكثر. بدأ يتساءل إذا ما كان بإمكانه مطلقا الوصول إلى البحر، ~~وإن كانت قد تهب عليه رائحة ملح قوية في الهواء، وإن كان سيجدها ~~منعشة. التقط عصا من جانب الطريق واستخدمها عكازا ليتكئ عليه. ~~بعد برهة بلغ مفترق طرق وهناك توقف موجها اهتمامه لتفحص كل ~~من الاتجاهات الثلاثة، التي قد يسلك منها واحدا إن وقع عليه اختياره. ~~لقد كان يخوض مغامرة مثيرة بحق! # بينما هو واقف هناك أقبلت سيارة من الشرق، ولما لاحظ السائق ~~الزي الرسمي لجيمي، ووجهه ويديه الهزيلتين، توقف، مثلما يتوقف ~~كل السائقين في تلك الأيام، وهو ما كان جيمي وحده لا يعلمه، نظرا ~~إلى احتجازه في المستشفيات، وسأله إذا كان يبتغي الركوب. كانت السيارة ~~متجهة شمالا، فقال جيمي إنه يسره للغاية أن يركب. وهكذا تصادف أن ~~حملته السيارة بعيدا عن منطقة المستشفى؛ لذا حين لاحظوا غيابه فعلا ~~وأرسلت الممرضات للخارج للبحث عنه، كان هو على بعد مائة ميل ~~متجها شمالا بسرعة ظلت تزيد أكثر فأكثر، ليحرز جيمي تقدما ~~عظيما في مغامرته الكبرى. # راق له الطريق المؤدي إلى الشمال. راق له كثيرا حتى إنه حين أخبره ~~السائق أخيرا أنه سيتجه غربا في مفترق الطرق التالي، حيث لديه ~~أعمال في أحد المدن الكبرى، ارتأى جيمي أنه لما كان من المحتمل لرجل ~~يرتدي الزي الرسمي أن يبحث عنه مسئولو الحكومة فمن الأفضل له أن ~~يبقى في الريف؛ لذلك خرج من السيارة وسار ببطء نحو الشمال. # في استراحة اضطر إليها، بدأ يدرك أن الليل قد اقترب وأنه كان ~~جائعا. لم يكن لديه ولو سنت واحد في جيوبه، وكان الاستلقاء على الأرض ~~في برد ليل كاليفورنيا من الممكن أن يقضي عليه في أسرع وقت. وهنا ~~أدرك أنه من الجائز جدا أن يكون الموت هو المغامرة الكبرى التي ~~يسعى إليها، وأنه بتوليه زمام مصيره وخروجه من المستشفى بعيدا عن ~~المؤن التي كانت توفرها له الحكومة، سوف ينهك نفسه حثيثا حتى ms009 ~~يبلغ المرحلة التي تنتهي فيها مشكلاته بأسرع طريقة. ظل بضع دقائق ~~يتساءل ما إن كانت مشكلاته سوف تنتهي أم أنها قد بدأت للتو؛ إذ إن ~~الاسكتلنديين لديهم طريقة في الوعظ بشأن الجحيم والنار وعذاب ~~الآخرة؛ ونظرا إلى أنه شارك في آخر الحروب العالمية، فقد كان جيمي ~~ماكفارلين أكثر علما بالجحيم من أي قس اسكتلندي وصفه من منبره، ~~ونظرا إلى أنه ظل يحمل جرحا مفتوحا في صدره طوال عامين، فلم ~~يكن بإمكان أحد أن يحدثه عن النار، فحتى الكبريت الذي في الينابيع ~~لم ينفع معه. # هكذا مضى في عتمة المساء حتى لم يعد قادرا على الاستمرار؛ فجلس على ~~جلمود مريح كبير دافئ على جانب الطريق، وجلس القرفصاء، وانتظر ليرى ~~ما سيحدث. فحدث الشيء نفسه الذي كان يجدر به أن يتوقعه، لو كان ~~يعيش قبل ذلك بين رجال أصحاء. إذ جاءت سيارة أخرى، ولما لاحظ ~~مالكها شحوبه وزيه الرسمي، ولما كان لديه مقعد شاغر؛ فقد توقف، ~~وسئل جيمي مرة أخرى إن كان يريد الركوب. ~~«رائع!» قال جيمي لنفسه. «ربما لن يصبح الأمر في غاية السوء رغم كل ~~شيء.» # نظر إلى السيارة التي كانت محملة حتى الدواسات الجانبية بمعدات ~~التخييم. استطاع أن يرى المفارش الملفوفة، واستطاع أن يشم رائحة ~~الطعام. كان الرجل ذا وجه سمح، والفتاة الجالسة على المقعد بجانبه ~~صغيرة وجميلة. أما السيدة التي دعي لمشاركتها المقعد الخلفي فقد ~~دل مظهرها على أنها الأم. كان وجهها المستدير قويا وجذابا، وتحت ~~تأثيره، اضطر جيمي إلى الكذب. إذ قال إنه قد غادر المستشفى لتوه ~~حيث أقام طوال عام. وأعطاهم الانطباع بأن الأطباء قد سمحوا له ~~بالخروج. لم يقل إنه هو من أعطى نفسه حق الخروج، وإنه كان هاربا. ~~لكنه قال إنه يبحث عن عمل وإنه سيسره كثيرا الركوب معهم حتى يصل ~~إلى موقع يقدم شيئا مبشرا للرجال الذين سرحوا مؤخرا من الجيش ~~وأعياهم المرض. # قال السائق إنه يدعى ويليام برونسون من ولاية آيوا، وكان هو وزوجته ~~وابنته يتجولون في كاليفورنيا بسيارتهم أثناء الشتاء، لكنهم ms010 الآن ~~متجهون إلى الجزء الشمالي من الولاية لزيارة أصدقاء حتى يحين وقت ~~العودة إلى الديار؛ إذ لا بد أن يصلوا إلى ألبيون في الوقت المناسب ~~لزراعة المحاصيل. # وخوفا من أن يذيع أمره وهو ما زال في بداية مغامرته الكبرى، فقد ~~أغفل جيمي ذكر اسمه، لكنه قال إنه يسعده للغاية الاستمرار في الركوب ~~معهم ما داموا ماضين في وجهته. # كان مسرورا بالركوب، لكن ليس بقدر سعادته حين توقفت السيارة ونصب ~~مخيم عند مدخل أحد الأودية بجوار الطريق. تمنى ألا يلاحظ أحد أنه ~~يترنح في سيره أو كم أخذ يلهث حين حاول المساعدة في إنزال حمولة ~~السيارة. كان عليه توخي الحذر لأن الشيء الهام الذي جعله من ~~الامتنان في غاية قد حدث. ومن ثم نظر فقط نحو التلال. ولم يكن قد خطر ~~له سوى أن يطلب العون من الله. وتساءل نوعا ما إن كان ربما من ~~المحتمل أن الله ينظر إليه في تلك اللحظة، إن كان قد رأى حاجته، إن ~~كان قد أرسل هؤلاء الناس الطيبين المؤنسين الذين قدموا له غداء، ~~ومرتبة مخيم لقضاء الليل، وتوصيلة في رحلته خلال اليوم التالي. فقد ~~كان أمرا جللا. وهكذا تظاهر بقدر ما استطاع بأنه رجل معافى ~~وبكامل صحته وهو يجمع الحطب لإشعال النار ليلا، ويبحث عن مكان ~~ليفرشوا فيه مراتب المخيم ويلتمسوا الراحة. وقد راوده شعور أنه لا ~~يستحق ذلك الشيء الذي يحدث له. لقد راح يتساءل إن كان سيضطر ~~إلى الزحف بين الشجيرات مثل كلب ضرب بالسوط حتى يجد ملاذا أكيدا ~~في برودة الليل وإن كان مؤلما. لكن ما يحدث له الآن ليس بالضبط ما قد ~~توقعه. فها هو سيحصل على غداء من طعام ساخن ودثار. ومراعاة لوجهه ~~الشاحب ويديه المرتعشتين؛ سمح له باختيار موقع قريب من نار المخيم، ~~ومن ثم لم يكن هناك سبب يجعله أسوأ حالا في مغامرة اليوم ~~التالي. # كانت آن برونسون شخصية مرحة. وهي ممن يأنس بصحبتها الكل. وقد ~~راحت تنادي جيمي «أيها السيد الجندي»، وحين رأت كم كان شديد ms011 الشحوب ~~ومضطرب الخطوات، أشفقت عليه وأعطته مقعدا وجعلته يقشر البطاطا، ~~بينما تركت ابنتها وزوجها يتوليان مهام إتمام المخيم الأشد ~~مشقة. # حين مضى في سبيله هابطا الدرب من المستشفى إلى الطريق، خطر ~~لجيمي ماكفارلين أن خروج رجل في حالته من المأوى الوحيد المكفول له ~~على وجه الأرض من دون قرش في جيوبه كان مغامرة كبرى. وبينما هو جالس ~~يقشر البطاطا من أجل آن برونسون في الوقت الذي راحت فيه ابنتها ~~وزوجها يريانه كل الحيل التي يمكن بها إخفاء أشياء داخل وحول جسم ~~سيارة تتسع فقط لخمسة ركاب - من الخزانة الصغيرة المرتبة عند ~~الدواسات الجانبية من أجل الصحون والطعام، والثلاجة الصغيرة، وموقد ~~الغاز ذي الصفيحتين من أجل تسخين القهوة وطهي اللحم والبطاطا، ~~وإمكانية وضع الأشياء في حيز صغير لدرجة مذهلة - خطر على باله أن ~~مغامرته ستكون مؤنسة وعادية، وأن البلد مليء بالناس الطيبين الذين لم ~~ينسوا أبناءهم الجنود. كان هناك أمل ضئيل في أن يجد عملا خفيفا ~~يقوى على القيام به، وفي أن يحدث شيء ما أفضل على الأقل من ~~الانعزال إلى الأبد في مدينة الطاعون الأبيض. وهكذا حاول توخي الحذر ~~بشدة وقشر البطاطا تقشيرا رفيعا وتفحصها كما علمته أمه ~~المدبرة حين كان يساعدها في المطبخ صغيرا. أثناء عمله لم يخطر له ~~احتمال أنه مع كل دقيقة كانت ثمة مغامرة تقترب أكثر فأكثر. لقد اتخذ ~~احتياطه بالجلوس خلف السيارة حتى لا يراه أي مار، وبعد الانتهاء ~~من الغداء وإعداد الأفرشة، ارتفع بعينيه المدربتين على الاستكشاف فرأى ~~ضوءا وامضا بعيدا في الأفق، لكنه كان يهبط ببطء، فقال إنه سوف يذهب ~~في تمشية قصيرة. # ومن ثم ترك عائلة برونسون وسلك طريقه عائدا على مهل وفي هدوء، ~~متوغلا في الوادي بين أجمة أشجار البلوط الأخضر والحي، باحثا عن ~~بقعة يمكنه الخلود فيها للراحة ولو مدة قصيرة، ومراقبة ذلك الضوء ~~الغامض، والانفراد بنفسه ومحاولة التخطيط لليوم التالي. وقد أدرك أن ~~هناك شيئا ضروريا يجب فعله من أجل نجاح عملية هروبه، هو التخلص من ~~زيه الرسمي بأسرع ms012 ما يمكن. فإذا لاحظ المسئولون غيابه من المستشفى ~~بالفعل، وإذا وزعوا استدعاء عاما، فسوف يصبح زيه هو الشيء ~~الذي سيفصح عن هويته سريعا. سوف يخضع كل رجل يرتدي زيا رسميا ~~لنظرات متفحصة، وسوف تلاحقه محطات إذاعية واتصالات هاتفية وصحف. لا ~~بد أن يفكر فيما يمكنه فعله وكيف عساه أن يفعله. # وهكذا ارتقى جانب الوادي حتى غاب عنه ضوء المخيم الواقع وراءه ~~والأصوات الآتية منه، وحين وجد نفسه متعبا، جلس في ضوء القمر الأبيض ~~وتطلع ببصره باحثا عن الضوء لكنه اختفى. كان من الحماقة أن يجزع. ~~فعلى ما يبدو كان ذلك أحد الأشخاص ضل السبيل وقد وجدها الآن. لم ~~يدرك أن الصخرة التي جلس عليها كانت متداخلة جدا مع الفروع ~~المتدلية لشجرة بلوط حي مما جعله غير ظاهر. لم يدرك ذلك حتى وجد ~~نفسه، بعد هبوب نسمة خفيفة واحدة على الجبل القائم خلفه، وجها لوجه مع ~~مغامرة عظيمة وبالخطورة التي ترضيه. لم يدرك كم أمضى جالسا يفكر ~~فيما قد يسعه فعله. ما نبهه كان شيئا ما، راح يهبط الأخدود على ~~يمينه، وحين أدام النظر في ذلك الاتجاه، رأى خيال رجل ضخم يخرج من ~~بين الشجيرات ويهم بشق طريقه في حذر، محدثا أقل صوت ممكن، ~~متجها إليه مباشرة. # لما صار الرجل واضحا للعيان ودخل في ضوء القمر الساطع استطاع جيمي ~~رؤية أنه كان طويلا، وعاري الرأس، يرتدي قميصا من دون معطف، وينتعل ~~حذاء برقبة ويرتدي سروالا حتى الركبة. وقد أحاط بخصره حزام سميك ~~مليء بطلقات الخرطوش، وحين استدار ليلقي نظرة على المسار الذي قد ~~قطعه وليصغي السمع، استطاع جيمي ماكفارلين أن يرى المسدس الكبير ~~المعلق على الفخذ اليمنى في متناول يد الرجل. هنا انخفض صوت ~~أنفاسه جدا، وبالهدوء نفسه الذي يسود المناطق المحرمة ظل يتسلل ~~للخلف بين الفروع المتدلية. # السبب الذي يجعل من مغامرة كبرى مغامرة من الأساس هو أن الأشياء ~~التي تحدث بسيطة للغاية وطبيعية للغاية. أما ما يجعلها كبرى فهو مجرد ~~أن الشخص لم يتوقعها، وليس لأنها من الأشياء التي ms013 من الممكن أن ~~يتوقعها المرء وهو في كامل وعيه. ظن جيمي أن نزول رجل ضخم بمسدس ~~كبير متجها نحوه قد يشكل مغامرة نوعا ما. وتطور الاحتمال إلى ~~احتمالات كثيرة حين أدرك جيمي بأذنه، وهو الذي له باع طويل في ~~الاستطلاع والزحف على بطنه بين خطوط إطلاق النار، أن ثمة شيئا آخر ~~حيا يتحرك إلى أسفل الجبل على يساره، شيء ينزلق، متوخيا أقصى حذره، ~~ومتجها نحوه ببطء وثقة. # بدت المغامرة خطيرة خطورة تليق بأكثر أفكار جيمي جموحا عن ~~المغامرات حين باعد بين الشجيرات ببطء رجل ثان، ليس بنفس ضخامة ~~الرجل الأول لكنه ضخم أيضا، وقد بدت هيئته أكثر قتامة نظرا إلى ~~أنه يرتدي معطفا وقبعة، وهو يحمل مسدسا قبيحا في يده اليمنى، وخطا ~~نحو الوادي من جهة اليسار قليلا. # حينئذ جلس جيمي فاغرا فاه في حيرة أثناء لقاء هذين الرجلين ~~بناء على إشارة الضوء التي قد رآها، حيث أخبر الرجل الضخم الرجل ~~الآخر أنه قد نزل نحو الطريق ليرى ما وراء الدخان والنار، وأن هناك ~~مجموعة من السائحين، مجرد رجل ضئيل الحجم يستطيعان إلحاق الأذى به ~~لكونه غير مسلح، ويستطيع أي منهما تولي أمره بيد واحدة. بدا ~~في نهاية المطاف أنه من المؤكد وجود بضع مئات من الدولارات في مكان ~~ما مع الرجل، أو إحدى المرأتين، أو في السيارة. # اعتدل الرجل الثاني وقال على مهل: «رجل وامرأتان. هل المرأتان ~~صغيرتان وحسناوان؟» # اندفع كل دم جيمس ماكفارلين إلى رأسه، ثم عاد إلى يديه وقدميه، ~~حيث المكان الأمثل لوجود الدم أثناء العراك. وإذ به لم يعد جنديا ~~مريضا يتكل على عطف الأغراب العابرين. كانت معدته قد تقوتت ~~بالبطاطس واللحم والقهوة والخبز الذي قاسمته إياها آن برونسون ~~الباسمة. كما قد شرب المياه التي أتته بها سوزان الصغيرة المرحة، ~~وغسل وجهه المنهك بها. لم يكن لديه أدنى شك أن النقود التي ستسدد ~~بها نفقات الرحلة كانت في جيب أحد أفراد المجموعة. لقد اكتسبوها بالعمل ~~الشاق في مزرعة. وقد خرجوا في نزهة ترفيهية وهذا يحق لهم، ms014 وقد ~~حظوا بوقت ممتع حتى الآن، لكن إن كانوا سيجردون من مالهم، وإن كان ~~ويليام برونسون سوف يضرب حتى يفقد الوعي أو يقتل، وإن كانت المرأتان ~~اللتان عطفتا على جيمي ستتركان تحت رحمة هذين الشخصين الواقفين في ~~الوادي أمام عينيه، فما زال في العالم شيء عظيم الشأن ليفعله، أو ~~حتى يبذل ما تبقى له من عمره محاولا القيام به. # ومن ثم، مثل ثعبان فوق الأحجار، استجمع قواه ومد يده متلمسا قطعة ~~كبيرة من صخرة سائبة، وحين حانت اللحظة الحاسمة عندما اقترب الرجل ~~الضخم من الأصغر حجما ليسمع وصفه لنساء المخيم، عندئذ بهدوء، وقد ~~تستر بفرع البلوط، فعل جيمي ماكفارلين شيئين في الوقت نفسه. مد ~~يده اليمنى إلى المسدس الذي في الجراب على ظهر الرجل الضخم، وبيده ~~اليسرى هشم الصخرة المثلمة مباشرة في وجه الرجل الذي كان لعابه يسيل ~~من وصف فتاة صغيرة رقيقة. حين استدار الرجل الضخم وجد مسدسه وقد ~~أشهر في وجهه، ولم يكن أمامه سوى التراجع رافعا يديه في الهواء كما ~~أمر، بينما نزل جيمي ماكفارلين من فوق الصخرة، وقد شعر بأنه الأطول ~~قامة والأضخم بنيانا، وخلص السلاح من أصابع المجرم الذي راح ينزف ~~وكاد يفقد وعيه. وبعد أن استحوذ على السلاحين، ابتعد جيمي بنفسه عن ~~الرجلين مسافة كافية من أجل سلامته. # ثم قال للرجل الأضخم جثة: «ارم لي حزام الخرطوش وحذاءك وسروالك.» ~~وبخصوص الرجل الأصغر قال له: «اخلع عنه هذا المعطف وارمه لي، وقبعته ~~أيضا.» حين صارت هذه الملابس بحوزته، ظل يتراجع مبتعدا أكثر، ثم وضع ~~أحد السلاحين على مقربة شديدة منه، وبدل الآخر من يده اليمنى إلى ~~يسراه، وهكذا تمكن من خلع زيه الرسمي كجندي في جيش الولايات المتحدة. ~~ونزع عنه الحذاء ذا الرقبة والسروال والمعطف، ولم يحتفظ سوى بصفيحته ~~المعدنية التعريفية وميدالية الشجاعة، ثم ارتدى الأشياء التي ~~جمعها. # ثم أزاح الأشياء التي كان سيتركها بقدمه مجمعا إياها، وتراجع ومعه ~~الأسلحة وحزام الخرطوش بحوزته هابطا نحو الوادي حتى صارت بينه وبين ~~المجرمين مسافة كافية ليجرؤ على ms015 أن يوليهما ظهره ويمضي في سبيله ~~بأسرع ما يمكن للرجوع إلى المخيم. # في عتمة ظل أحد الفروع، أيقظ ويليام برونسون بأقصى ما استطاع من ~~الهدوء وشرح له لماذا غير ملبسه، ودس في يد مضيفه أحد السلاحين ~~اللذين كان يحملهما. وخشية أن يكون هناك شركاء ربما يتبعون المجرمين، ~~فض المخيم على عجل، وكوم كل شيء في السيارة، وسرعان ما ابتعدوا ~~أميالا عن الرجلين اللذين ينهبان من دون تمييز أموال الآخرين ~~وسعادتهم. # حين ابتعدت السيارة بحملها، استلقى جيمي ماكفارلين وأسند رأسه إلى ~~دعائم غطاء السيارة وضحك ضحكة واهنة. # وقال لآل برونسون: «ليست تدريبات الجيش بالغة السوء، على أي حال. ~~فإنني أشك حقا أنني كنت سأتمكن من الاختباء أو أستطيع سلب أحد ~~الرجال سلاحه وتحطيم وجه الآخر في آن واحد، لو لم أكن جنديا قط. ~~وبالنسبة إلى أخذ ملابسهم، فإنني أعلم أن حكومتنا لا تريد أن يستخدم ~~جنودنا الذين سرحوا من الجيش ملابسهم الرسمية لمزيد من الوقت؛ لذا ~~فمن المستحسن أن أتخلص من الزي الرسمي منذ اليوم الأول الذي أعود فيه ~~مواطنا أمريكيا عاديا.» # إن ما قد يدور بخلد ويليام برونسون وزوجته وابنته بشأن هذا الأمر ~~وهم في أمان في مزرعة داخل ولاية آيوا، حيث هناك متسع من الوقت ~~للتفكير، هو أنه أمر عادي. لكن ما خطر ببالهم وهم يهربون على طريق ~~كاليفورنيا مع سلاحين في سيارتهم، وخلفهم اثنان من المجرمين الحانقين ~~اللذين قد يلحقان بهم في سيارة أسرع في أي لحظة، بصحبة مجرم ثالث ~~ربما، فقد كان مسألة مختلفة تماما. جلست سوزي برونسون في المقعد ~~الأمامي وهي تحمل المسدس الذي أعطي لأبيها ليكون في متناول يده. ~~وجلست السيدة برونسون في المقعد الخلفي بعينين متسعتين وقلب ملؤه ~~الارتياع. داس ويليام برونسون على دواسة الوقود وانعطف مع كل مفترق ~~طرق قابله. لم يأبه البتة إلى أين سيذهب. فقد كان كل ما يريده ~~هو الابتعاد عن المكان الذي كان فيه. انتابه شعور أن رؤية أضواء أي ~~بلدة صغيرة في كاليفورنيا ستبدو له غاية المراد في ms016 تلك اللحظة. # أما جيمي ماكفارلين، فكان قد استمتع بغدائه، وحصل على ملابس لا ~~تدل على أنه الرجل الذي اختفى من مستشفى آروهيد؛ كان يعلم أين ~~يتوقع أن يحصل على فطوره، واعتبر علاقته منتهية بعالم المستشفيات، ~~وما دام استطاع القيام بهذه المغامرة في أول يوم من أيام حريته، فقد ~~كان الأمل كبيرا في أن يظل على الأقل قادرا على الاحتفاظ ببأسه في ~~اليوم التالي. وهكذا، في ظل ما اعتراه من إنهاك تام، بدأ رأسه يسقط ~~بطيئا على صدره واستغرق في النوم. ظلت السيدة برونسون، التي اعتراها ~~الشك إزاء مسألة الملابس، تتفحصه بتمعن بقدر ما استطاعت في ~~ضوء الليل. وقد بدا تماما مثل أي أمريكي محترم ذي أصول اسكتلندية، ~~أعياه المرض. وأخيرا همست لابنتها قائلة: «سوزي، هل تستطيعين البحث ~~عن وسادة لهذا الفتى المسكين؟ فإنه كما ترين كان معتلا للغاية وقد ~~بلغ منه الإنهاك مبلغه.» # تمكنت سوزي من إحضار وسادة من طرف مرتبة المخيم الموضوعة على ~~الدواسة الجانبية، فوضعتها السيدة برونسون على كتفها وعلى الجزء ~~الخلفي من السيارة، وشدت رأس جيمي عليها، بينما جثت سوزي على ~~ركبتيها في المقعد الأمامي، وشدت ملاءة على كتفي جيمي ماكفارلين، ~~ودموع الامتنان لا تزال تبلل وجهها الغض، وهي تقول: «أعتقد، يا ~~أماه، مما حكاه لأبي، أننا نجونا بأعجوبة، وأعتقد أنه من الأفضل أن ~~نشحن السيارة ونستقل القطار، لنتجه شمالا بأسرع الطرق وأكثرها ~~أمنا.» # أجابتها الأم برونسون، التي كانت أقوى شكيمة: «أوه، لا أظن ذلك. ~~إنما سنقترب أكثر من البلدات عند حلول الليل. وسنتوقف عن النوم على ~~جانب الطريق. سنحتفظ بالسلاح الذي حصل عليه أبوك ونحصل له على بعض ~~طلقات الخرطوش من أول بلدة نتوقف فيها. أعتقد أن بإمكاننا أن ننجو ~~وننتهي من رحلتنا.» # الفصل الثالث # | سيد النحل # قال ويليام برونسون متسائلا وهو ينظر من فوق كتفه في الساعات ~~الباردة، الساكنة بين الثالثة والرابعة من صباح اليوم التالي: «هل ~~تعتقدين أننا قد تخلصنا منهما، يا عزيزتي؟» ~~«هل تعلم كم ميلا قطعنا؟» سألته زوجته، لكن ويليام قال إنه ms017 لا ~~يدري. فقد نسي أن يلقي نظرة على عداد السرعة حين توقفوا لإقامة ~~المخيم، لكنه متأكد من أنه دار مع مائة منعطف وانحرف مع كل مفترقات ~~الطرق التي قابلها، وبدا ممكنا أن تحتوي البلدة الصغيرة التي كانوا ~~سيدخلونها على مكان يجدون فيه فراشا نظيفا وينعمون ببضع ساعات من ~~الراحة. وبينما هم يسيرون في الشارع الرئيسي رأوا باب فندق مفتوحا ~~وأنواره مضاءة، ومن ثم قرروا النزول فيه كي ينعموا بقسط من الراحة، ~~ثم يتحمموا ويفطروا، وبعد ذلك يتشاوروا ويقرروا ما ~~سيفعلونه. # حين هموا بمغادرة السيارة، وجدوا ضيفهم عابر السبيل يغط في نوم ~~عميق حتى إنه عز عليهم أن يوقظوه، فأوصدوا السيارة، وبسطوا عليه ~~دثارا آخر وتركوه يحظى برفاهية المقعد الخلفي بالكامل. ومن ثم ~~حين بدأت الحياة تدب في شوارع البلدة، استيقظ جيمس ماكفارلين يغلبه ~~شعور مرتبك بأنه قد ضل. لم يدر ماذا حدث لعائلة برونسون أو أين كان، ~~لكنه سريعا ما عرف، بقراءة لافتات الشوارع من حوله، وأدرك عدم إمكان ~~حدوث شيء لعائلة برونسون في بلدة بها عدة آلاف من السكان؛ ومن ثم ~~كان شاغله الأول الفطور. لقد تمنى في الليلة السابقة أن يظل مع ~~عائلة برونسون، ربما في الموقع الذي كانوا يخيمون فيه قبل أن تبدأ ~~أحداث اليوم. أما الآن، فمن الواضح أن خططهم قد تغيرت. من المحتمل ~~أن يخرجوا من الفندق الذي تقف السيارة أمامه، وقد أنعشهم النوم ~~والاستحمام والطعام. رأى أنه قد استمتع بنوم مريح، وأن بإمكانه تأجيل ~~الاغتسال، لكن كان هناك حاجة ملحة إلى الطعام في وهدة معدته. لم يكن ~~تواقا لاختيار شيء على وجه التحديد. فهو جائع جوعا شديدا حتى لقد ~~شعر أن بإمكانه التهام أي شيء تقريبا، وقد انبعثت روائح فواكه ناضجة ~~من المطاعم، ومن مبنى الفندق، والمقاهي والأكشاك حوله فأثارت شهيته. ~~بعد ذلك، هاجمت رائحة القهوة والطعام المخبوز أنفه، فبدأ يفكر كيف ~~يستطيع جعل فطوره حقيقة ملموسة. # خطر له أن يخرج من السيارة ويتمشى قليلا على الرصيف ليرى إن كان ~~بإمكانه تنشيط دورته الدموية ms018 قليلا. وجد نفسه يتشمم رائحة اللحم ~~المشوي والبطاطا المقلية والخبز المحمص والقهوة واللحم المقدد وحلوى ~~الوافل في مكان ما قريب، وبدافع العادة وحدها، إذ كان يعلم أنه لا ~~يوجد بنس واحد في جيوبه، أدخل يديه حيث المكان الذي تقع فيه جيوب ~~الذكور عادة ووقف في دهشة مذهولا؛ لأنه عاد بيده إلى الضوء وفيها ~~تشكيلة كبيرة من العملات المعدنية؛ فئة الخمسة والعشرة سنتات، وربع ~~دولار أو ربعين، وقطعة من فئة الخمسين سنتا. انفرج فاه بطيئا ~~واتسعت عيناه، ودون أن يعرف السبب البتة لما قام به، نظر أعلى صف ~~المباني القائمة على سلسلة الجبال بعيدا في أنحاء سماء كاليفورنيا ~~الخالية من الغيوم داكنة الزرقة وقال، بتأدب شديد: «أحمدك، يا ~~رب.» # لم يكن يدري كم مضى منذ قال بخشوع: «أحمدك يا رب.» ظل يعتقد أنه لم ~~يحدث له خلال السنوات القليلة الماضية أشياء كثيرة يشكر عليها الله، ~~لم يشكره على الأقل منذ أخذت النار تتقد في صدره والضعف يغير على ~~أعضائه ويصيب يديه الكبيرتين القويتين بالرجفة. لم يتوقف ليتفكر ~~أن الله قد لا يرضيه ارتداؤه سروال رجل آخر، لكن، في نهاية الأمر، ~~شعر جيمي أنه بحاجة إلى السروال؛ كان في أشد الحاجة إليه، وقد تخلى ~~عن سرواله، الذي كان أفضل بكثير وأنظف بمراحل، مقابل هذا السروال ~~الذي حصل عليه، الذي كان مجرد النظر إليه يملأ روحه ذات الذوق الرفيع ~~نفورا. تصور أنه لو كان في موقف يسمح له برؤية هذا السروال قبل ~~الحصول عليه من المجرم لجازف بارتداء زيه الرسمي يوما آخر. # نظرا إلى أنه لم يكن لديه أي فكرة متى قد ترجع عائلة برونسون إلى ~~سيارتهم، ونظرا إلى أن جوعه يزداد منذ صار لديه نقود في يديه ولم ~~يعد بحاجة إلى إيهام نفسه بأنه ليس جائعا، فقد رفع منكبيه ونظر ~~حوله ليرى إن كان بإمكان أنفه مرهف الحساسية تعيين المكان الذي ~~انبعثت منه أطيب رائحة من بين الأماكن المحيطة التي يطهى فيها ~~الطعام. أعاده ذلك إلى الفكة التي يحملها في راحة يده. ms019 فرد يده ~~اليمنى أمام مجال رؤيته وعلى مهل راح يباعد بين العملات بسبابته ~~اليسرى. كان في غاية الفرح بما وجده لدرجة أنه كاد أن يصيح مهللا مثل ~~صبي صغير. كان مجموع نصف الدولار والأرباع يساوي دولارا؛ علاوة على ~~العملات فئات الخمسة والعشرة سنتات وبعض البنسات التي بلغ مجموعها ~~سبعة وثمانين سنتا. # رأى أنه بالتنظيم الرشيد، بالاقتصار على القهوة مع القليل من الخبز ~~المحمص واللحم المقدد ليقيم أوده، لن يصبح في احتياج إلى أحد ~~ليوم آخر على الأقل. وحيث إنه قد حمد الله لمجرد شعوره بالفكة القليلة ~~في يده، فقد خطر لجيمي، حتى أثناء شعوره بالجوع وحاجته إلى البقاء على ~~مقربة من السيارة، لعله يركبها لنحو أبعد إن أمكن، أنه من المستحسن ~~أن يعرب عن امتنانه ثانية. فنظر إلى السماء مرة أخرى، وقال مشددا ~~هذه المرة على حرف الراء، بلكنة ربما ورثها من لسان أحد جدوده من ~~أسرة أبيه أو أمه، بصوت مدو على رصيف تلك البلدة في كاليفورنيا: ~~«هذا كرم بالغ منك، يا رب.» وحين التقطت أذناه أنه يتكلم مثل ~~الاسكتلنديين أبرقتا إلى دماغه تصرفه الغريب، فضحك جيمي مقهقها، ~~وهو الذي كان يشعر قبل بضع دقائق بحزن لا مراء فيه، واستدار، واتجه ~~عبر الشارع نحو أقوى رائحة للحم المقدد والقهوة استطاع ~~تحديدها. # أثناء جلوسه على مقعد مرتفع واضعا قدميه على قضيب قبالة منضدة، ~~صارت الملابس التي استعارها أكثر التصاقا بجسمه، فأدرك أن لديه ~~جيبا خلفيا في سرواله يحتوي على شيء أحس من ملمسه أنه قد يكون ~~عدة أشياء؛ لكن في المحاولة الأولى استقر تخمين جيمي على أنه محفظة ~~نقود. ثم خطر له أنه قد يكون من المستحسن، ما دام جيب واحد قد أثمر عن ~~قوت يوم على الأقل، أن يفتش في الجيوب كلها. ومن ثم بدأ بجيب الصدر ~~الخارجي في المعطف، فوجد فيه سيجارين من النوع الرخيص. وفي الجيوب ~~الأخرى بعض الخيوط وبضعة أزرار ومنديل متسخ، والمسدس الكبير وحفنة من ~~طلقات الخرطوش. ثم بحث في الجيوب الداخلية ووجد خطابين، قرر ms020 ~~الانتباه إليهما فيما بعد. ثم وضع يده في الجيب الأيسر لسرواله وأخرجها ~~خاوية. وبعد ذلك، ولينتهي من الأمر، مد يده إلى الجيب الخلفي وأخرج ~~محفظة النقود. فوجدها محفظة نقود فعلا، وتصادف أنها تحتوي على بعض ~~النقود الورقية، وما لبث أن داهم الحذر الاسكتلندي ذهن جيمي. حيث ~~سمع كثيرا عن مجرمين ونشالين خفيفي اليد واستيلائهم على أملاك من ~~يجاورهم من دون علمهم أو موافقتهم. وبمجرد أن علم بوجود ورقتين ~~نقديتين أو ثلاث بفئات قد تكون معقولة، أغلق المحفظة ودسها ثانية ~~في جيبه، ثم مال بمرفقيه على المنضدة وراح في تفكير عميق ~~وسريع. # إنه ليس لصا. ولم يكن كذلك قط. لكنه في وسط مغامرة كبرى. تزداد ~~أبعادها في كل لحظة. وقد تخيل أنه لو كانت أمه المسكينة، وهي في ~~السماء قرب العرش، تنظر إليه وتصلي بكل طاقتها من أجل سلامته وفلاحه ~~في مسعاه، ولو أن الله يتقبل منها ويستجيب لصلواتها بكل الحب ~~والاهتمام، ما كان جيمي ليوفق أكثر من ذلك حتى الآن. لم يمض سوى ~~نصف يوم، فقط ليلة واحدة، وبفضل ما حظي به من سيارة - أو سيارتين، ~~على وجه الدقة - صار على بعد أكثر من مائتي ميل من حيث بدأ، وحيث إن ~~ذينك المائتي ميل يؤديان إلى الشمال، والغرب؛ فلا بد أنه اقترب من ~~البحر بدرجة كبيرة. لم يعلم جيمي السبب المحدد، الذي جعل كيانه بأكمله ~~يصخب مطالبا بالبحر منذ اللحظة التي وقف فيها على قدميه وبدأ رحلته. ~~ولم يضع وقتا في استجلاء نفسه أو محاولة الوقوف على أسباب رغبته في ~~المياه، عوالم من المياه، مياه نقية، بلون أخضر مائل إلى الزرقة وأزرق ~~سماوي وأزرق نيلي، مياه مالحة، وزبد، مساحات شاسعة من الزبد الأشبه ~~بالثلج. أراد أن يرى أمواجا، أمواجا هائلة، تتلاطم على الشاطئ، ~~وعندئذ استحوذ عليه ذلك الشعور الساذج، ربما لأنه لم يستحم هذا ~~الصباح، بأنه يريد الخوض في تلك المياه. كما أراد الاستلقاء على ~~الرمال والتشبع من الشمس والاستغراق في النوم، ثم العودة إلى مياه ~~البحر مجددا. قد لا ms021 تكون المياه المغلية القادمة من ينبوع في باطن ~~الأرض هي ما يلزم لعلاج حالته الخاصة. قد يكون الماء البارد، الماء ~~المالح، ماء البحر هو الذي سيحدث الأثر المطلوب. # كان يفكر باستغراق شديد في احتمال أن البحر قد يفعل له شيئا لم ~~تفعله الينابيع حتى إنه كاد ينسى روائح الطعام حوله. كان بإمكانه ~~النسيان، ما دام لن يصبح مجبورا على الزهد. خلال دقيقة واحدة فقط، ~~سيحصل على كوب قهوة، عليها طبقة كثيفة، من القشدة الغنية، وخبز ~~محمص هش ولحم مقدد من النوع الجيد. فيما يخص النقود التي في ~~جيبه؛ فهو لم يعلم على وجه التحديد ما الذي يدين به الرجل، الذي ~~يرتدي هو سرواله الآن، للمجتمع عامة، لكنه أدرك من الواقعة التي رآه ~~منخرطا فيها، ومن حديثه وألفته للموقف، أن ذلك الرجل قد يكون ~~مدينا للمجتمع بدين كبير جدا. راود جيمي شعور بأنه، ما دام ~~استحوذ على سلاحين وأثنى الهمجيين كليهما عما سمعهما يقولانه ~~جهارا بلغة واضحة من نيتهما إلحاق الأذى برجل بدا واضحا أنه شديد ~~الاحترام، واستحق عن جدارة، من خلال سنوات طويلة من الاقتصاد والعمل ~~الشاق، الإجازة التي كان ينعم بها؛ إذن يحق له الحصول على محتويات ~~جيوبهما. أما بالنسبة إلى الفتاة الصغيرة النشيطة وأمها الرصينة ~~واللطيفة على حد سواء، فقد اجتاح كيان جيمي (لدى تذكر ما كان ~~سيحدث لهما) غثيان مفاجئ، ودون أن يعبأ بمن قد يراه، أخرج المحفظة من ~~جيبه الخلفي وفتحها على اتساعها وأفرغها، فوجد في أصابعه المذهولة ~~تسعة وأربعين دولارا بالتمام والكمال، وبأوراق من فئة الدولار ~~والخمسة دولارات والعشرة دولارات. كان هذه المرة مشدوها فعلا، ولم ~~يكن سقف المطعم مشجعا مطلقا، فإن كان قد نظر لأعلى حقا، حتى ولو ~~لا إراديا، إلا أنه نسي الإعراب عن امتنانه. في الحال اتخذ قرارا ~~جريئا وملحا؛ أنه بعد أن يأكل الطعام الذي طلبه، سوف يذهب ~~للاستحمام، وسوف يحصل على ملابس داخلية نظيفة وجديدة، وسيحصل على ~~سروال ومعطف على مقاسه، ولا يملآنه نفورا، وسوف يحصل على قبعة يمكن ~~أن ms022 يبدو فيها على الأقل جذابا بقدر الإمكان. # لم يعر الجانب الأخلاقي للمسألة اهتماما كبيرا. فقد أحبط ~~الهجوم على المخيم، وهرب من رجلين بأسلحتهما. لقد كان مفيدا ~~فائدة كبيرة لويليام برونسون وزوجته وابنته؛ فلا بد أن يرحبوا ~~بحصوله على التسعة والأربعين دولارا كمكافأة له، وقد شعر من أعماق ~~روحه والوجع الدائم الناجم عن الجرح في يسار صدره أن الله سيغفر له ~~شراء ملابس جديدة ونظيفة. ما الذي كان قد قاله الطبيب؟ أن جسده قد ~~أصبح أفضل بيئة ممكنة لنمو الجراثيم، أليس كذلك؟ ومن ثم فإن نظرة ~~واحدة على ساقي السروال الذي يرتديه جعلته يشعر كأنه المصنع الأصلي ~~الذي اخترعت فيه الجراثيم. لذا أخرج ذراعيه الطويلتين من كمي ~~المعطف بعيدا بقدر ما استطاع، وأزاح تلابيب المعطف بقدر ما أمكن، ~~وتجرع القهوة التي كانت ساخنة جدا حتى إنها كادت تلسعه، وأكل ~~اللحم المقدد الذي كان هشا حقا والخبز المحمص الذي اكتسب لونا ~~بنيا كما ينبغي. ودفع فاتورته، وعاد إلى الرصيف حاملا ثروة من ~~العملات في حوزته، وبحث عن سيارة برونسون. # كانت واقفة حيث تركها، فمضى وسار إلى مكتب الفندق. لم ير أثرا ~~لأي من أفراد عائلة برونسون، فذهب إلى الموظف وطلب الاطلاع على ~~السجل. حين وجد ما كان يبحث عنه، طلب من الموظف أن يخبر أصدقاءه، إذا ~~نزلوا قبل عودته، أنه قد ذهب للحلاقة والحصول على بعض الملابس الجديدة. ~~انتابه على نحو ما شعور حاسم بالكبرياء نبع من حقيقة أنه ليس ~~مضطرا إلى إخبار ويليام برونسون وزوجته وابنته أنه كان منهكا ~~وحانقا، حطام إنسان لا يملك بنسا في جيبه يولي الفرار من حكومة لا ~~علم له حتى بلوائحها، مع أمل ضعيف جدا في الفرج. لم يكن قد خطر له ~~قط أن يفعل شيئا مثل الخروج عن رعاية الحكومة دون أدنى فكرة عن ~~المكان الذي سيتجه إليه أو ما سيحدث له، حتى بين الاحتمالات ~~الخيالية، أما الآن وقد أقدم على ذلك، فعليه الإقرار بأنه لا يعلم ما ~~إن كان فارا من الجندية أم لا. ms023 لا يمكن قطعا أن يكون فارا من ~~الجندية؛ لأن الحرب وضعت أوزارها منذ شهور طويلة عديدة. لا شك أنه ~~قد خضع لإجراء ما غالبا ليظل مقيدا في السجلات وفي عهدة ~~الحكومة. لم يكن الاحتمال معدوما أن يأتي اليوم الذي قد يحتاج فيه ~~إلى المطالبة بالسجل الرسمي المتعلق بالأوسمة التي يحملها. # غادر الفندق بعد أن حصل على إرشادات من الموظف عن السبيل للوصول ~~إلى أفضل متجر ملابس في البلدة، فابتاع لنفسه الملابس اللازمة ~~لينعم بالنظافة والراحة. متوخيا الاقتصاد، اشترى ما شعر أنه يلزمه ~~من بين أرخص الأشياء التي وجد أنها قد تفي باحتياجاته، ثم ذهب إلى ~~الحلاق، وبعد قص شعره وحصوله على حلاقة منعشة، دفع نقودا مقابل ~~الحصول على حمام، وتبع هذا بارتداء ملابسه الجديدة. حين ارتدى قبعته ~~الجديدة قبالة المرآة في الحمام، تصور أنه ما دام النشاط يدب في ~~أوصاله والطعام يملأ معدته فإنه قد لا يكون بالرجل قبيح المنظر. فهو ~~طويل القامة، وعريض البنيان مثل أسلافه الاسكتلنديين، وذراعاه ~~المشدودتان مستدقتا الطرف، وملامحه متناسقة، وعيناه الواسعتان ذات ~~اللون الرمادي الممتزج بزرقة تبدوان رغم كل شيء عينين صريحتين، عينين ~~طيبتين، عينين آسرتين. # ومن ثم عاد جيمي إلى الفندق حاملا صرة ملفوفة بعناية احتوت على ~~معطف رجل آخر وسروال رجل آخر أيضا. انتوى أن يلقي بها على جانب ~~الطريق في مكان ما أثناء رحلته، فقط تحسبا لاحتمال أن يكون هناك ~~رجل في عوز شديد مثلما كان، فيجدها وتسد حاجته، كما قضيت ~~حاجته. # حين سار ويليام برونسون إلى الاستقبال، نهض جيمي مبتسما، وقد ~~استمد الثقة من سروال رمادي مهندم والمعطف الذي جاء على مقاسه ~~بالضبط والقميص الذي كان نظيفا وجديدا، فمد يده، لكنه بدلا من ~~التعرف عليه قوبل بنظرة باردة. كان عليه أن يخلع قبعته ويتكلم ~~بلكنته الاسكتلندية حتى يعلم ويليام برونسون أنه المسافر الذي قابله ~~في اليوم السابق، وعندئذ تلاشى من ذهنه تماما التساؤل الذي ظل ~~يدور فيه إلى أن خلد للنوم عما إذا كان قد ترك سيارته في حوزة مجرم ~~ثالث. ms024 فلم يكن هناك ولو شبح مجرم طوال عشرة أجيال من أسلاف الرجل ~~الماثل أمامه. كان ويليام برونسون يستطيع أن يقسم على ذلك. وبينما وقف ~~يصافح يد جيمي، راح ينظر إليه ضاحكا وقال: «مهلا، يا للعجب! لم ~~أتعرف عليك، وأراهن أن زوجتي وسوزي أيضا لن تعرفاك، إن وقفت بعيدا ~~عنك!» # ضحك جيمي بدوره. ثم قال: «لقد أقدمت على ذلك التغيير المفاجئ في ~~العتمة ليلة أمس. إن ضوء القمر مخادع كبير. لم أرد سوى أن أخلع الزي ~~الرسمي للعم سام (الجيش الأمريكي) سريعا، فانتهزت أول ما عرض ~~لي، لكن حين استيقظت هذا الصباح وجدت ملابسي شديدة الاتساخ ومليئة ~~بالجراثيم حتى إنها تكاد تسير وحدها، فقررت أن أرى كيف لي أن أغيرها ~~سريعا.» # قال ويليام برونسون: «هلم للفطور!» # قال جيمي ماكفارلين: «شكرا، لقد تناولت فطوري.» ثم أضاف: «إذا ~~تكرمت بالسماح لي بالركوب معك ما دمت متجها شمالا وغربا، فسوف ~~أصبح ممتنا لك.» # قال رب عائلة برونسون وعائلها: «لا يشغلك البتة كم من الوقت ~~يمكنك الاستمرار في مواصلة رحلتك مع عائلة برونسون.» وتابع: «يمكنك ~~البقاء مثلما شئت. لن أبالي بتاتا إن لبثت طوال الطريق حتى ولاية ~~آيوا!» # وبعد ذلك التقط جيمي الجريدة الصباحية وراح يقرؤها حتى جاءت السيدة ~~برونسون وسوزي إلى الاستقبال، وبالفعل لم تتعرفا عليه، فكان عليه أن ~~يستخدم لكنته المشددة على حرف الراء متحدثا معهما حتى صدقتا أنه ~~المسافر الذي كان معهما الليلة السابقة. اتفق كلاهما تماما مع رأي ~~الزوج والأب. حيث لم تأبها كم سيبقى هذا الرجل معهما في السيارة وهو ~~أيضا لم يأبه. وهكذا قطعوا مسافة طويلة في ذلك اليوم، وتناولوا ~~العشاء على جانب الطريق وقضوا الليل في فندق صغير، ثم شعر جيمي أن ~~الوقت قد حان للاتجاه غربا. كان بإمكانه السفر على مسافات قصيرة. حيث ~~لديه في جيبه ما يكفي من النقود ليتكفل بالطعام والمبيت لعدة أيام، ~~حسبما يظن، ومن ثم، فقد اتجه غربا، أثناء النهار الطويل، المشمس، ~~متقدما على مهل. ثم اكتشف أنه قد توغل بعيدا للغاية في ms025 اتجاه ~~الشمال، فعزم على المضي غربا عن طريق الجنوب. # لم يكن لديه رغبة في الذهاب حيث قد تتعذب عظامه المتألمة بفعل ~~البرد. أراد البقاء حيث تظل أشعة الشمس نافذة ودون انقطاع. أخذ يمشي ~~وئيدا ويجلس من حين لآخر، وفي الظهيرة يستريح، وحين شعر أن الوقت ~~قد أوشك للتفكير في الغداء، غط في نوم عميق، في ظل شجرة بلوط حي ~~تخللته خيوط من أشعة الشمس، متوسدا ذراعه على حجر، وحين أيقظه ~~أخيرا مرور قطيع من الماشية، التقط العصا التي كان يحملها وتمطى ~~استعدادا لرحلته. بينما يفعل ذلك شعر بفقدان شيء. استغرقه التفكير ~~مدة دقيقة ليتذكر ماذا قد يكون. لاحظ أن سرواله ليس بالضبط على نفس ~~وضعه الذي كان عليه حين غفا، وعندما تفحص بيديه على جسده وجد جيب ~~سرواله الخلفي خاليا، وكذلك جيب المعطف؛ كما سرق السلاح، ~~أيضا. # عاد جيمي للجلوس على الصخرة، في شبه إعياء من الصدمة وخيبة الأمل، ~~وأخذ ينظر حوله. استطاع أن يرى المحفظة التي استولى عليها ملقاة على ~~الأرض على بعد عدة ياردات فوق جانب الجبل. لم يكن هناك جدوى من إجهاد ~~نفسه بالصعود لتفقدها. فقد كانت مفتوحة وقد سلبت بالطبع، وبذلك ~~عاد مرة أخرى من حيث قد بدأ. كان لا يزال لديه في سرواله القصير من ~~الفكة فئة الخمسة والعشرة سنتات ما يكفيه لآخر اليوم وربما لفطور ~~الصباح التالي، لكن المبيت الذي كادت حاجته إليه أن تكون أشد من ~~الطعام قد ذهب أدراج الرياح في غموض كما جاء. # بدا جيمي أقرب إلى الاسكتلنديين من الأمريكيين في جلوسه عابسا ~~متجهما، على الصخرة. لم يفهم مطلقا أي سبب على وجه التحديد جعله لا ~~يضع المحفظة في جيب صدره ويغلق عليه المعطف. كان قد وجدها في الجيب ~~الخلفي للسروال، حيث يناسبها حجمه، وقد وضعها فيه تلقائيا. وفكر ~~في أنه لو كان قد استخدم عقله، لتوخى الحذر. وفكر، أيضا، في ~~حقيقة فقد قطاع كبير من الناس في العالم لحسهم القديم بالشرف وأن ~~هذه الحقيقة تحمل في طياتها بعض الوجاهة. لم ms026 تكن مسألة الشرف ~~قائمة بين المجرمين اللذين انتويا الهجوم على عائلة برونسون. فقد ~~كانا يتحدثان كأنه يجوز لهما شرعا امتلاك أي شيء يخص عائلة ~~برونسون. وتذكر جيمي حقيقة أنه لم يعان من أي تأنيب ضمير إزاء أخذ ~~ما وجده في سروال ذلك المجرم. قضى دقيقة يفكر في الأمر وظل على ~~اقتناعه الراسخ بأنه كان لديه حق مكتسب فيه؛ ولذلك السبب أحس ~~بضيق شديد أنه لم يوله رعاية أفضل. لماذا كان في غاية الإهمال ~~إزاء ما كان سيضمن له الضروريات والضمادات الجديدة التي سيحتاج ~~إليها قريبا، في الوقت الذي كان تأجيره لمكان يبيت فيه هو ما سيقرر ~~إن كان سيعيش أطول قليلا أم يموت سريعا، وربما ميتة مؤلمة ~~جدا؟ # بعد برهة هب جيمي واقفا ليستكمل طريقه ويستمر في الاتجاه إلى ~~الجنوب الغربي. ومن ثم تحول الجوع الشديد الذي كان قد أحس به في ~~معدته قبل ساعة إلى غثيان خالص، ولم يكد يبتعد حتى وجد أن العرق ~~البارد راح يسيل من راحتيه، وعلى صدغيه، ومن جسده. لم يرفع نظره إلى ~~السماء حتى ليقرر ما إن كان سيعرب عن رجائه أم لا. إنما سار بأناة ~~تحت أشعة الشمس بقدر ما تيسر له، فقد اعتقد، من تجربته المبيت في ~~الخارج، أنه سيحتاج إلى تخزين كل الدفء الذي يستطيع جمعه. # وفي آخر الأماكن التي استراح فيها أخرج كل الفكة من جيبه وقسمها ~~بعناية. قد يبلغ في مسيره بلدة حيث يستطيع استئجار فراش في فندق ~~رخيص. وسيتعين عليه تقسيم المتبقي بين الغداء والفطور. وبعد ذلك ~~سيصبح تحت رحمة الدنيا مرة أخرى، وقد شعر في تلك اللحظة أن احتمال ~~وقوف الدنيا ضده مساو لوقوفها معه. كان العزاء الوحيد الذي جعله ~~مطمئنا هو أنه إذا نشر المستشفى إعلانا عن هروبه متضمنا ~~أوصافه، فلن يشعر أحد أنه الرجل الذي تنطبق عليه الأوصاف المذكورة ~~حيث إنها قد تغيرت بدرجة كبيرة، والفضل في ذلك يعود إلى قاطع ~~الطريق. وهكذا اتبع جيمي البرنامج الذي وضعه حتى بعد فطور الصباح ~~التالي، وعندئذ، وبينما ms027 هو ما زال متجها غربا عن طريق الجنوب، وليس ~~لديه سوى بضعة سنتات متبقية، تعثر في مشيه. فأدرك أنه كاد يبلغ أقصى ~~درجات احتماله. فقد أنهك السير المستمر قدميه وساقيه إلى أن بدأت ~~تتورم حتى ضاق حذاؤه جدا عليها. وتسلطت الشمس بأشعتها على رأسه ~~الذي لم يعتدها حتى شعر بدوار. وأصبحت عيناه متعبتين بشدة حتى كاد ~~أن يصرخ للحصول على نظارة شمس تريحهما، وقد فقد أمس النقود التي ~~كان من الممكن أن يشتريها بها وهو في أمس الحاجة إليها ~~اليوم. # لم تبق لجيمي ذكرى بالغة الوضوح عن الجزء الأكبر من ذلك اليوم. ~~جل ما يتذكره أنه ظل يناوب بين السير إن استطاع وبين الارتماء في ~~أي مكان حيث يستطيع الجلوس أو الاستلقاء حين لا يقوى على ~~الاستمرار. أما كيف وصل إلى الطريق الذي أودى به إلى أحد الوديان ~~فهو لا يدري. فقد واصل السير حتى كاد لا يشعر بأي شيء مما حوله ~~لدرجة عدم إدراكه أن الطريق قد ضاق فصار مسارا للخيل، وأن مسار الخيل ~~قد ضاق فصار مدقا، وأن المدق راح يلتف حول قاعدة أحد جوانب الجبل ~~الذي انشق من أعلاه لأسفله مع الاضطراب الذي أدى إلى نشوء الجبال ~~على وجه الأرض. ومن ثم دار مع منحنى فوجد نفسه فجأة في مواجهة ~~مشهد واسع، وفي الوقت نفسه أدرك أمرين. حيث سمع صوت مياه تغني. ~~صوت مياه تتدفق وتنساب وتتناثر وتضحك وتفعل شتى الأشياء المحبوبة ~~التي تعلم المياه كيف تفعلها حين يتاح لها الانسياب في قاع صخري ~~أسفل أحد الوديان. # وقف جيمي ساكنا ونظر عن يمينه وعن يساره وإلى موضع قدميه. رأى عن ~~يمينه جدرانا متشعبة بدأت بارتفاع عادي ثم ارتفعت لتبلغ آفاقا ~~أعلى وأعلى حتى بلغت مئات الأقدام ثم آلاف الأقدام. صمدت تلك ~~الجدران طوال عصور طوال حتى إن الشقوق والنتوءات امتلأت بأشجار ~~البلوط الحي والبهشية والمريمية، مع نبات اليوكا وزهرة الشمس، ونبات ~~أذن الخنزير بلونه الأزرق في الأخضر. وقد تدلت السراخس قرب ~~الأماكن التي نضحت فيها الجدران الشاهقة ms028 بالمياه. وعلى اليسار امتد ~~أمامه المنظر الخلاب نفسه، وعند قدميه امتد مسار واضح المعالم، ~~ممهد في سلاسة، مسار بدا له أنه قد ارتادته أقدام عدد لا حصر لهم ~~من المسافرين، حتى إن عينيه، وإن كانتا متعبتين للغاية، استطاعتا ~~أن تتعرفا على أثر حافر حصان ظن أنه قد يكون حصان حارس ~~المنطقة. # بدت المياه عند قدميه نظيفة. لا بد أنها باردة. إذ كانت تتدفق ~~على الصخور. منحدرة على منحدرات صغيرة. وتنساب أمام كهوف، حفتها ~~السراخس، بديعة الجمال، بينما راحت تنطلق طيور دج صغيرة رشيقة من خلال ~~الرذاذ، غالبا متجهة إلى أعشاشها المستترة بالمياه المتدفقة. # جلس جيمي من فوره في أشد الأماكن إشراقا بأشعة الشمس على أدفأ ~~الصخور التي أمكنه العثور عليها وجعل يتأمل الموقف، وبعد أن استراح ~~برهة نزل وشرب مغترفا المياه بيديه. ثم نفض الغبار عن ملابسه ~~الجديدة، التي استخدمت استخداما قاسيا بعض الشيء، وتناول عصاه ~~وسلك المدق. لم يكن السير عبره صعبا، حيث ينحدر لأسفل حتى نهايته، ~~وقبل أن يقطع مسافة كبيرة بدأ يسمع أصواتا. فأدرك أن مكانا بذلك ~~الجمال الفريد لا بد أن يجذب الناس، فلعلهم مخيمون أو متنزهون ~~يرفهون عن أنفسهم بجوار المياه التي تتدفق بسرعة شديدة لم ير لها ~~مثيلا قط. خطر لجيمي أنه ربما قد أخطأ بالتخلص من ملابسه الرسمية. ~~فقد استنتج من عدد المرات التي عرض عليه فيها الركوب حين كان يرتديه، ~~ومن التجاهل التام الذي لقيه من مئات السيارات التي مرقت بجانبه ~~ذلك اليوم، حتى حين وقف مقتربا جدا ورفع يده طالبا فرصة للركوب ~~معهم، أن الرجل الذي يرتدي زيا رسميا يلقى المساعدة. أما الرجل ~~الذي يرتدي ملابس مدنية فقد يكون محملا بالأسلحة وتملأ رأسه ~~النوايا الشريرة. بدا الوقت متأخرا حتى إن أي مسافر لديه مقعد ~~شاغر سيحتقر نفسه إن لم يتفضل على أي شخص مسافر على قدميه بميزة ~~الركوب. # صار الركوب ضروريا الآن. تقدم بقدمه اليمنى، ثم اليسرى، ثم ~~اليمنى مرة أخرى، يا للألم! كانتا متيبستين من الورم، وآه كم كانتا ~~تؤلمانه! ms029 ما إن قرر جيمي خلع حذائه وجواربه وغسل قدميه في المياه ~~الباردة ليرى إن كان سيستطيع الحد من الألم والورم، حتى صار وجها ~~لوجه مع لوحة كبيرة طليت حديثا جاء فيها أن المنطقة الممتدة أمامه ~~تمد بالمياه مدينة كليفتون، التي لا بد أنها مدينة قريبة، وأن ~~ثمة حارسا يطوف الوادي لحمايته، وأن أي شخص يلوث المياه بأي طريقة ~~سيقبض عليه في الحال. فابتسم جيمي ابتسامة جافة ونظر إلى قدميه ~~المتوجعتين فأدرك أنه من المفضل أن يترك حذاءه كما هو، فمن الوارد ~~جدا ألا يستطيع العودة بقدميه إلى الحجم الذي يتسع له الحذاء ~~إذا خلعه. # كان يسير في الاتجاه الصحيح، على كل حال. كانت كل خطوة يجبر نفسه ~~على اتخاذها تحمله للغرب والجنوب. في البداية، رغم تعبه لم يستطع أن ~~يتغافل عن جمال الوادي الذي سلكه. فقد كان نبات مخلدة السطوح ~~مزدهرا على مرمى يده. وهناك سراخس وطحالب، ونباتات العائق والخزامى، ~~وترمس أزرق وأصفر، وخماسية الأسدية حمراء والعديد منها صفراء، وكانت ~~هناك بركة صغيرة امتلأت باللون الأبيض اللؤلؤي لنباتات ذيل السحلية ~~المزدهرة، بأوراقها الكثيفة، وزهورها الفاتنة. لم يكن جيمي على دراية ~~بأسماء هذه النباتات؛ فهي لم تكن ضمن المعلومات المذكورة في منهج علم ~~النباتات الذي درسه أثناء نشأته في شرق البلاد. # ظل جيمي ماضيا في هبوطه نحو قاع الوادي. لم يلحظ كم كان بطيئا في ~~سيره، لكنه بدأ يرى ناسا بعد مدة قصيرة. هنا أدرك أنه كان على صواب ~~حين تخيل سماع أصوات. كان الدخان يتصاعد من بعض الأماكن، فشعر جيمي ~~فجأة على نحو مبهج أن مشكلته فيما تبقى من ذلك اليوم قد حلت. ~~فكل ما كان عليه فعله هو الانتظار لحين مغادرة المتنزهين للوادي ~~وعندئذ يبحث في مكان تجمعهم فيجمع الخشب الجاف من الفروع والأغصان ~~الميتة التي جمعوها أو سقطت، وفي أحد الأماكن التي كانوا يطهون ~~فيها يضرم نارا كبيرة ودافئة جدا حتى يمكن له قضاء الليل دافئا. ~~فجلس وظل ينتظر حتى اقتصرت الأصوات الصادرة من الوادي على شدو ~~الطيور ms030 والمياه المتساقطة، المياه الجارية، المياه الضاحكة، المياه ~~الصادحة بالغناء. ثم شرع يلتقط كل ما كبر حجمه بدرجة مناسبة للاحتراق، ~~وراح يكومه في ثنية ذراعه اليسرى أثناء سيره، حتى بلغت حمولته ~~أقصى ما يمكنه حمله. وبعد برهة وجد كهفا حجريا في جدار جانبي ~~من الجدول، حيث كان الناس يطهون، وبعد التفتيش في قاع الرماد الذي صب ~~عليه الماء وجد القليل من الجمرات المشتعلة. فكشط الرماد المبتل ~~وأخذ الجمرات إلى المقدمة وحكها بالأغصان الصغيرة والحشائش الجافة، ~~وبعد قليل حصل على شعلة ضعيفة، فظل يغذيها حتى حصل، مع غروب الشمس ~~ونزوع الهواء للبرودة، على الحرارة التي يريح بها جسده المتعب. # وبعد ذلك، في إحدى جولاته بحثا عن الحطب، عبر الجدول وشق طريقه ~~بمحاذاة الضفة اليمنى القريبة من قاعدة الجدار الهائل الذي مال ~~مقطبا فوقه. وهناك وصل إلى هضبة صغيرة منبسطة من الحجر، فرأى ما جعله ~~يضج بالضحك. كان المتنزهون الذين قضوا يوما سعيدا هناك قد تركوا ~~بقايا غدائهم. وقد وضعوها على الصخور من أجل الطيور والسناجب، ولم تكن ~~السناجب قد عثرت عليها بعد، كما أن الطيور قد رحلت منذ وقت طويل ~~للخلود للراحة. فوجد هناك عدة شرائح من الخبز والزبد. وشطيرة لسان ~~بارد، وبيضة مسلوقة ونصف خيارة مخللة بالشبت، فضلا عن قطع مفتتة من ~~الجبن. # من ثم جلس جندي الحكومة، الذي أضحى جنديا مغامرا حقا، على ~~الصخرة الكبيرة التي كانت لا تزال دافئة من حرارة النهار، وتناول كل ~~ما أراد لغدائه من طعام ممتاز جدا. حين نهض ليذهب قال الأب الكامن ~~بداخله: «اترك ما تبقى للكائنات الصغيرة كما وجدته.» وخاطبه صوت ~~الأم بداخله فقال: «خذ معك كل فتاتة تتبقى من أجل الغد. فإن ~~الكائنات البرية تعرف كيف تعتني بنفسها. أما أنت فمريض وكدت تبلغ ~~حدود قدرتك على التحمل، وسوف تحتاج، وبشدة، إلى شريحة الخبز من أجل ~~فطورك في الصباح.» # تأمل جيمي في الأمر. لم يكن قد وجد أي غضاضة حين أخذ سروال قاطع ~~الطريق. كما أنه لم ينزعج الانزعاج الذي يثنيه عن استخدام ms031 محتويات ~~المحفظة. وقد ملأ معدته إلى حد التخمة بما كان متروكا للكائنات ~~البرية، فلم يعتد عليه أي من الكائنات البرية أو يحرمه من أي ~~شيء. قد يكون في كل تلك النباتات التي تسلقت الجدران التي أحاطت ~~به هناك وتدلت منها وكللتها طعام أشهى لذائقة الحيوانات البرية مما ~~قد ترك لها. بيد أن جيمي كان به مسحة من خصلة ما، نفس المسحة التي ~~أخذته إلى الغابات والأحراش، والتي أرسلته أميالا لا تحصى على ~~امتداد ضفاف جداول أسماك التراوت في طفولته، مسحة من اللياقة ~~والنقاء في روحه، وإنها تلك المسحة التي تقول له الآن: «فلتغامر مثلما ~~تغامر تلك الكائنات البرية الصغيرة.» # هكذا جثا جيمي مرة أخرى وفتت الخبز وقطع حوافه. وبحركة عفوية وضع ~~قطعة أخيرة من حواف الخبز في فمه، ثم ذهب للبحث عن حطب. حين شعر أنه ~~قد جمع كمية كافية، زاد من اشتعال النار، فصارت باعثة على الدفء ~~والراحة بقدر ما استدعت حاجته، فتكور أمامها، ومتوسدا ذراعه ~~ومستندا إلى حجر، راح في النوم خلال دقائق قليلة جدا. لم يشعر ~~البتة بالسحالي الصغيرة التي أخذت تجري على قدميه، ولم ير جرذ ~~الغابة الذي جلس على فخذيه وظل يتفحصه بعينين متسائلتين ليرى ما إن ~~كان معه أي شيء قد يريد أن يبادله بنصف الزرار المصنوع من اللؤلؤ ~~الذي كان يحمله في خده الأيسر. استيقظ في الليل من صلابة فراشه قبل ~~أن تنطفئ النار، فحشد عليها ما تبقى من الحطب وتحول بجنبه البارد ~~تجاه النار والدفء ونام على جنبه الدافئ وعاد للنوم مجددا. # حين أقبل الصباح غسل وجهه ويديه بأن بلل منديله في الجدول، وبعد ~~ذلك بلل منديله عدة مرات واعتصر ماءه على الجمرات التي كان قد ~~تركها، مبعثرا بعضها بعيدا عن بعض، وماحيا أي أثر للنار يحتمل ~~أن ينتشر. ثم، بقدميه اللتين كانتا لا تزالان تؤلمانه في الحذاء الذي ~~لم يقدم على خلعه، بدأ السير هابطا نحو قاع الوادي. # في نحو الساعة العاشرة ذلك الصباح التقى بالحارس. لم يكن حارس هذا ~~الوادي ms032 على وجه الخصوص منعزلا تماما شأن حراس الجبال؛ لذا كان ~~ودودا. فقد توقف للتحدث معه مدة دقيقة، وبينما كان ينظر إلى جيمي ~~نظرة عابرة لاحظ ضعف جسده، وشحوب يديه، وكيف أن بشرة وجهه مشدودة ~~على عظام هزيلة، ولأنه شاب ومفعم بالحيوية، ويجري في دمائه عطف جارف ~~على أخيه الإنسان، فقد قال لجيمي: «تقول لي أمي إنني إذا أفرطت في ~~امتطاء الخيل فسأصاب بالنقرس في قدمي. ما رأيك أن تركب الحصان ~~خلال الأميال القليلة القادمة وتسمح لي أنا بالسير؟» # قال جيمي إنه يسره ركوب الحصان إن كان هذا يناسب الحارس، لكنه لم ~~يكن قد وضع في اعتباره ما سوف يفعله خطو الحصان بالجزء الأيسر من ~~صدره. ورغم أنه استقر على السرج في وضع مريح بقدر ما استطاع، فقد ~~كان الركوب مؤلما حتى إنه لم يستطع تحمله طويلا، ومن ثم، بعد ~~ميل أو اثنين، اضطر إلى السير مرة أخرى. لكنه كان ممتنا بالعرض، ~~وقد بدأ يستنبط في ذهنه على نحو مبهم الشعور بأن العالم يتكون من ~~أشرار وأخيار، من أشخاص أنانيين وأشخاص يراعون الآخرين، من أشخاص ~~قساة وأشخاص رحماء، وأي النوعين ستقابل حين تضطلع بمغامرة كبرى ما ~~هي إلا مسألة حظ فحسب. # منذ التقى بالحارس فصاعدا، صارت مغامرة جيمي أميالا بطيئة من ~~العذاب، وهو لا يزال متجها نحو الجنوب الغربي، حتى صارت الساعة ~~الثالثة تقريبا من عصر ذلك اليوم. لم يكن أحد قد ترك علبة طعام ولم ~~يكن هناك مكان يمكنه أن يشتري منه طعاما بالبنسات القليلة التي ~~يحملها. كان قد غادر الوادي واتبع طريقا راح يتسع حتى صار مستوعبا ~~للخيل والمركبات، فكانت تمر به سيارة من وقت لآخر؛ لكنه ليس ~~طريقا كثير المسافرين؛ ليس من الطرق المزدحمة، ولا المعتنى بها، ~~وقد صار من الصعب على جيمي مواصلته أكثر فأكثر؛ لأن قدميه كانتا ~~قد تحملتا كل ما يمكن لقدم بشرية تحمله حين تتصل بشخص مريض يدفع ~~نفسه ببسالة لأقصى حدود طاقته. # قرب الساعة الرابعة بدأ الجوع الذي كان معلقا منذ الليلة السابقة ms033 ~~يعذبه مجددا. كان الإرهاق قد بلغ به درجة أنه وجد نفسه يحيد عن ~~دربه خطوتين أو ثلاثا؛ لكيلا يضطر إلى رفع قدميه ولو قليلا ~~ليخطو فوق نتوء صغير على الطريق. وقد بدأ يدرك أن فرصة الحصول على ~~مأوى لقضاء هذه الليلة قد أصبحت ضئيلة. وكذلك فرصة العثور على طعام ~~ضئيلة بالمثل. حتى الآن أسفرت مغامرته عن نقاط مضيئة، ومواقف مثيرة، ~~ومواقف مؤلمة. أما في تلك اللحظة، بين الشعور بالوجع المتأجج في صدره ~~والالتهاب المشتعل في حذائه والألم الذي عم جميع أنحاء جسده المعذب، ~~فإنه لم يستطع أن يرى جدواها. شرع يتساءل ما إن كان يستطيع أن يعود ~~أدراجه إلى المستشفى وما إن كانوا سيقبلونه، ثم خطر على ذهنه أمر ~~الطاعون الأبيض الذي قالوا إنه لم يصبه بعد، فأغلق شفتيه بإحكام ~~شديد بينما وقف مترنحا وهو يحدق مثل رجل شبه مخمور في الطريق ~~الممتد أمامه، محاولا أن يحدد ما إن كان مسار العربات على يمينه ~~يبدو أكثر سلاسة ولو قليلا من مسار العربات الذي على اليسار. حين ~~قرر أن الذي على اليمين هو المناسب له ليسلكه سار مترنحا بخطوات ~~واسعة وبدأ التقدم، وراحت عيناه تتفقدان الطريق خلسة على الجانبين ~~بحثا عن البقعة التي سينهار فيها أخيرا. وتساءل، ما إن كان سيعثر ~~عليه أحد إذا تعثر وسقط ولم يستطع النهوض، إذا استلقى غائبا عن الوعي ~~في منتصف الطريق، وماذا سيفعلون به إن عثروا عليه. # إن البحث في جانبي الطريق جعل جيمي لا يلاحظ النقطة التي تحول ~~فيها الطريق حتى وجد قدميه تتبعانه، ثم نظر قبالته فاتسعت عيناه ~~وشهق شهقة خفيفة. إذ تسنى له أن يرى على الطريق، على بعد بضع قصبات ~~(وحدة قديمة لقياس الطول تساوي خمس يارادات ونصفا) فحسب عن ~~اليمين، منزلا صغيرا، ومن بين كل المنازل التي قد حلم بها من قبل، ~~واعتقد أنه يود للغاية أن يمتلكها ويعيش فيها، بدا له ذلك المنزل ~~الأكثر جاذبية. # كان قائما على مقربة من الطريق. وقد امتد بحذاء واجهته سور ~~أبيض من الأوتاد ms034 الخشبية. وحجبه عن الطريق بوابة بيضاء أنيقة. وبدت ~~واجهته المطلية رقيقة وساحرة. وقد تجلت سمات نيو إنجلاند في ~~أرجائه. وتسلقت زواياه نباتات معترشة مزهرة واعتلت شرفاته ~~الصغيرة الأمامية. خارج البوابة استطاع أن يرى دائرة من الصدف ~~المجروش، وخيل إليه أن الممشى المؤدي إلى الباب الأمامي قد يكون ~~مصنوعا من الأصداف. بدا واقعا في موقع قريب جدا من الطريق ولم يكن ~~هناك مساحات كبيرة من التربة الخالية على جانبيه. حيث بدت كلها ~~مليئة بالزهور نفسها التي كان جيمي يساعد في العناية بها في حديقة ~~أمه في نيو إنجلاند. أمكنه أن يرى زهور الخطمية، التي استطالت حتى ~~طالت أفاريز المنزل، وتعددت ألوانها، وعن اليمين واليسار استطاع أن ~~يلحظ تدرج ألوان الكبوسين والزينيا والمخملية، واستطاع أنفه ~~الحساس التقاط الرائحة النفاذة لزهور رقيب الشمس والبليحاء وأذن ~~الفأر والبنفسج، لكن ما طغى على كل شيء آخر كان الانطباع لديه بوجود ~~سحابة زرقاء، زرقة لطيفة جميلة تبعث على السكينة. # ظل جيمي يتمايل محملقا في المنزل في لهفة. وحمله نظره لما ~~وراءه، فرأى أنه على الجانب الآخر من السور الفاصل يوجد فناء آخر ~~ومنزل آخر، ثم أخذت المنازل تتجمع على نحو يبث الألفة على ~~جانبي الطريق، وظلت المنازل تنتشر على مرمى بصره هنا وهناك، كدلالات ~~أخرى على الحياة. وفي تلك اللحظة بلغ أذنيه على نحو رقيق ارتداد ~~الأمواج ببطء، وانتظام فيما ربما كان أدنى مستويات المد والجزر ~~للبحر. # في ظل ما انتابه من إنهاك، خدر الألم حواسه؛ إذ كان قد سار ~~طوال الجزء الأكبر من وقت ما بعد الظهر، مثقلا، شبه واع، أما ~~الآن وقد مسه اقتراب البشر، ومسه جمال منزل أحد الأشخاص، فقد ~~تحمس لوجود احتمال ما أنه قد يجد المأوى والطعام، فتدفق دمه ~~الراكد، ورفع رأسه، ولمعت قليلا عيناه المطفأتان، واتجه أنفه ~~القوي نحو الغرب وتشمم مستطلعا. ثم قال جيمي، بصوت جهوري، من ~~أغوار المجهول: ~~«إن لم يكن أنفي الخبير يكذبني، # فيبدو أنني أشم ... # ما لا بد أنه المحيط «الهادر»!» # لم يدر البتة لماذا سماه ms035 المحيط «الهادر». ربما فعل ذلك لأنه ~~كان في غاية من الإنهاك لدرجة أنه إذا لم يتدبر أن يضحك في نفسه ~~بشأن شيء ما، فمن الوارد جدا أن ينهار على الطريق ويرقد بلا حراك ~~دون أن يعبأ البتة بملابسه الجديدة، أو أي شيء آخر في العالم ~~بأسره . # في تلك اللحظة انفتح الباب السلكي المؤدي من الشرفة إلى داخل ~~المنزل الجميل، الذي كان خارجه بأكمله بمثابة دعوة رقيقة تستميل ~~الزوار، وخرج منه رجل طويل القامة نحيل القد، أرستقراطي الهيئة ~~من رأسه إلى قدميه، ممشوق القوام، ذو شعر أبيض طويل مثل الحرير ~~مسترسل إلى الوراء بداية من جبهته، ولحية ناعمة قصيرة من حرير أبيض ~~فضي متموج ممتدة حتى صدره، رجل ذو أنف طويل نحيف، وعينين واسعتين ~~غائرتين، وشفتين شاحبتين. راح يترنح وهو يعبر الشرفة، وقد قبض ~~على جانبه الأيسر بكلتا يديه وظل يتهادى يمينا ويسارا حتى بلغ ~~البوابة. فرفع يديه عن جنبه وتشبث بالبوابة. فمال إليها وتعلق بها ~~وجال ببصره في الطريق من أقصاه إلى أدناه، وهناك لمح جيمي. فرفع إحدى ~~يديه ولوح بها. # ظل جيمي واقفا هناك يحدق إليه، وببطء وتأن، أنزل قدمه ~~المتورمة على الطريق الصلب ثم تبعها بالأخرى، وأخذ بضع خطوات في ~~اتجاه الرجل. توقف مرة أخرى ليحدق فيه، فلاحظ الخطوط الدقيقة في ~~الوجه الهرم المكروب للبدن المتعلق بالبوابة، وملابسه المهندمة، ~~وسلوكه المضطرب. ومن ثم، بكل ما استطاع حشده من قوته، أخذ جيمي ~~بضع خطوات أخرى وصار على مرمى سمعه، فنزل على أذنيه المذهولتين ~~والمرتابتين صيحته المكتومة إذ قال: «النجدة! أنقذني أيها الفتى ~~أستحلفك بالله!» # قبل دقيقة لم يكن جيمي ليصدق أن باستطاعته مساعدة أي شخص أو أي ~~شيء. فقد كان يتصور أنه قد بلغ حدود طاقته، وأنه إن لم يجد من ~~ينجده هو نفسه في غضون دقائق قليلة فسوف يفوت أوان نجدته. لكن كان ~~ثمة شيء في بياض الرأس العجوز الطيب، شيء ما في عرض منكبيه ونحول ~~جسده ذكر جيمي بأبيه، وربما لأنه تذكر أباه، رفع جيمي عينيه أعلى ms036 ~~المنزل الأبيض البديع، وفوق الأشجار المتشابكة المحيطة به، وفوق كرومه ~~التي سترته، لأعلى نحو السماء، وفي أعماق قلبه أعطى أمرا حاسما. ~~«لا بد أن تساعدني الآن، يا رباه! لا بد أن تساعدني الآن!» # ثم كور قبضتيه بإحكام شديد إلى جنبيه وعبر الخطوات الثلاث ~~الأخرى نحو البوابة . واستجمع قواه ليفتحها، ووضع ذراعه حول الجسد ~~العجوز المستند إليها، وسمع نفسه يقول بصوت جاف لاهث: «مهلا، ~~بالطبع، سوف أساعدك!» ولم يكن لديه أدنى فكرة إن كان هو نفسه يستطيع ~~السير ثلاث خطوات أخرى أم لا. # لكنه بالفعل خطا الخطوات الثلاث الأخرى، وفتح الباب السلكي، ~~واتجه بالرجل المتعب الذي يحاول إسعافه نحو أريكة كبيرة وأنزله عليها، ~~موفرا له الراحة على الوسائد التي ضغطها سريعا. ثم هبط إلى ركبتيه، ~~وتشبث بجانب الأريكة، وتكلم مرة أخرى بصوته الجاف منقطع الأنفاس: ~~«ماذا أفعل؟» # في حركة عفوية لمست يدا الرجل المتعب منطقة قلبه. فحدث جيمي ~~نفسه، وقد صفا ذهنه إزاء مصاب رجل آخر قائلا: «إن ألمه قريب جدا ~~من مكان ألمي.» فكرر سؤاله مرة أخرى: «ماذا أفعل؟» # فجاء الرد: «الهاتف. يجب أن تتصل بطبيبي. يجب أن تصل بي إلى ~~مستشفى.» # نهض جيمي بالاتكاء على الأريكة ونظر حوله. ثم رأى هاتفا على ~~الجدار ومنضدة صغيرة أمامه وعليها دليل هاتف مفتوح، فجلس على المقعد ~~وتنفس بعمق مرة أو مرتين. ثم سأل من فوق كتفه: «هل تستطيع إعطائي ~~الرقم؟» # بعد نوبة من الألم جلبت العرق للجبهة البيضاء المرتفعة فوق ~~الحاجبين الأبيضين اللذين ظللا عينين كبيرتين بدتا مثل بركتين ~~من السواد، جاءت الإجابة: «ستجد الرقم والاسم في القائمة الموجودة ~~بجانب الهاتف. دكتور جرايسون.» # بحث جيمي عن السطر ووجد الاسم والرقم، ثم أجرى الاتصال، وأثناء ~~انتظاره أن يرد سأل مرة أخرى من فوق كتفه: «ما اسمك حتى أخبر ~~الطبيب به؟» # فكانت الإجابة اللاهثة: «سيد النحل.» # ومن فوره وجد جيمي نفسه يلح على أن يأتي الدكتور جرايسون إلى ~~الهاتف بنفسه، وحين أكد له أن الدكتور جرايسون هو الذي يتحدث، وجد ~~نفسه يستجمع قوته ليقول: ms037 «لقد أصيب سيد النحل بنوبة قلبية خطيرة ~~جدا. ويريدك أن تأتي وتحضر عربة إسعاف. فهو يريد أن يؤخذ إلى ~~المستشفى في الحال.» # فكان الرد: «حسنا. يمكنني أن أصل إليه خلال ساعة.» # عندئذ صاح جيمي عبر الهاتف قائلا: «تعليمات! أعطني تعليمات! ماذا ~~يجب أن أفعل له؟» # فجاء الرد: «روح الأمونيا العطرية. اغسل وجهه ويديه. وأعطه بضع ~~نقاط. اجعله في وضع شبه منتصب. وأنا سآتي سريعا بقدر ما ~~أستطيع.» # هكذا عاد جيمي إلى الأريكة، وهمس وهو يضع يديه على الرجل المأزوم ~~فقال: «فلتساعدني، يا رب، الآن!» واستمد القوة من حيث لا يدري ~~ليشد سيد النحل لوضع أقرب إلى الجلوس وليكوم الوسائد عاليا وراءه. ~~ثم بدأ ينظر حوله ليرى من أي مكان يمكنه استحضار روح الأمونيا ~~العطرية. لقد تحدث الطبيب عنها كما لو كان ذلك العلاج موجودا في مكان ~~قريب ومعتادا استخدامه. حين لم يستطع أن يرى أي شيء يفيد بمكان ~~الزجاجة، أقدم على السؤال، فوجهته إشارة باليد إلى غرفة ملحقة ~~حيث وضعت، على منضدة بجوار الفراش، زجاجة عليها ملصق كتب فيه ~~«أرواح عطرية». فأخذها جيمي، ثم سار بخطوات متعثرة لمؤخرة المنزل وفي ~~بحث سريع للمطبخ الذي وجد نفسه فيه التقط منشفة. لبرهة قصيرة من ~~الوقت ألقى نظرة من الباب الخلفي، حيث يؤدي ذلك الباب الخلفي إلى ~~شرفة، امتدت الأرض بعده مستوية لبضعة أقدام، بعدها بدأ ممشى على ~~منحدر غير ممهد بالمرة وقد بدا أنه يؤدي لأسفل، أكثر فأكثر، وبنظرة ~~سريعة تهلل جيمي بهدوء: «يا إلهي، لقد بلغت البحر!» # التقط المنشفة وعاد مسرعا ليبلل أحد أطرافها بالزجاجة، وبينما هو ~~يمدها تجاه الرجل المريض مر بها خلسة أمام وجهه واستنشقها ملء ~~رئتيه. ظل قريبا جدا بحيث يتمكن من غسل يديه ووجهه، وقد استمد ~~من الأمونيا قوة كافية للوقوف والرجوع إلى المطبخ. ثم سمح لنفسه بنزع ~~الغطاء الورقي عن زجاجة الحليب التي كان قد رآها عند الباب الخلفي، ~~وببطء، وبتأن، تجرع نصف محتوياتها. أعطاه ذلك همة عالية حتى إنه ~~استطاع العثور على حقيبة كانت فوق ms038 خزانة في غرفة نوم، واستطاع أن ~~يفتح صندوقا وينقل في الحقيبة أوراقا معينة، ويعيد غلق الصندوق ~~ويعطي المفتاح للرجل المعتل. ثم عثر على معطف وخفين وغيرها من ~~الأشياء الصغيرة التي أمر بجمعها، وحين صار كل شيء جاهزا جلس ~~بالمنشفة المشبعة بالأمونيا لينتظر الإسعاف. ثم طلب منه البقاء في ~~المنزل، ورعاية النحل حتى التحقق من درجة مرض مربيها، ومتى يصبح ~~قادرا على العودة إلى عمله. # قال جيمي معترضا: «إنني لا أعلم أي شيء عن النحل.» وتابع: «لا ~~يمكنني رعايتها. ألا تستطيع أن ترشدني إلى شخص يمكنه رعاية أملاكك ~~بأسلوب حكيم؟» # قال سيد النحل: «الأعمال ليست كثيرة.» وأضاف: «املأ الأحواض بالماء ~~باستمرار. أما طعامي فتأتي به جارتي في البيت المجاور. ويمكنك النوم ~~في فراشي. أنت نفسك تبدو متعبا ومريضا. وأنا لا أخشى أن أثق في ~~رجل لديه لمستك ووجهك وصوتك. عدني أنك ستأخذ مكاني حتى ~~أعود.» # هنا مد جيمي يده في جيبه وأخرج وسام الشجاعة ليحمله قبالة عيني ~~الرجل المريض. وقال إنه قد سرح مؤخرا من الجيش، وإنه ليس لديه ~~منزل في الوقت الحالي، وسيسره أن يبقى في ذلك المنزل الدافئ ويفعل ~~ما في وسعه، لكن لا بد أن يحصل على توجيهات، توجيهات كاملة، بخصوص ما ~~عليه أن يفعله للنحل. # ابتسم سيد النحل ابتسامة نادرة ومضيئة، واستلقى على الوسائد كما لو ~~كان راضيا، ثم قال: «في أي يوم قد يأتي الكشافة الصغير، إنه مساعدي، ~~ويمكنك أن تسأله أي شيء تريد معرفته وستحصل على إجابة سديدة. ومن ~~الممكن أن تخبرك جارتي مارجريت كاميرون بالكثير، كما أنها طاهية ~~ممتازة. أخبرها بما تحبه ويمكنك أن تستخدم ملابسي وفراشي.» # وهنا أغمض عينيه وسقط غائبا عن الوعي. # بعد دقائق قليلة جاءت سيارة الإسعاف ومضى في طريقه نحو المستشفى ~~جسد الرجل العجوز ذي الوجه الذي يمثل نموذجا رائعا لتجسيد أي من ~~القديسين القدماء. في غضون ما لا يزيد عن دقيقة حصل جيمي على ~~عنوان المستشفى من الطبيب الذي كان قد جاء من أجله، وعلى وعد باتصال ~~هاتفي بعد ms039 إجراء الفحص. وقد راق له الدكتور جرايسون، وراقت له ~~اللمسة التي وضع بها يده على حطام الرجل العجوز الطيب الراقد على ~~الأريكة، والطريقة العطوفة التي انحنى بها على الجسد العليل، وكل نبرة ~~في الصوت الذي شرح به الحالة. ~~«ظل سيد النحل يتحاشى انهياره حتى داهمه. لا بد أن يذهب إلى ~~المستشفى. ولا بد أن يبقى لإجراء عملية ظل يتجنبها طوال عام أو ~~عامين. أرجو أن تستطيع أن تعد العدة للإقامة هنا، ما دمت الرجل الذي ~~اختاره، لعدة شهور على الأقل.» # رفع جيمي يده المرتعشة إلى شفتيه الجافتين وقال مكررا ومرددا: ~~«لكنني لا أعرف شيئا عن النحل! لا أعرف أي شيء عن النحل ~~مطلقا!» # بعد أن تحركت سيارة الإسعاف بعيدا، عاد مترنحا إلى المنزل ودخل ~~المطبخ مباشرة، حيث أنهى ما تبقى من الحليب، وقد أكسبه هذا بعض ~~القوة حتى إنه تخطى الباب الخلفي ونظر باتجاه سفح جبل صغير حيث بدا ~~العالم كله نابضا بالحياة ومتألقا بالزهور تلو الزهور من ~~الأنواع قديمة الطراز نفسها التي ازدهرت حول الواجهة، وعلى الجانبين ~~على امتداد الخط الخارجي لأرض واسعة لا بد أن مساحتها بلغت ~~فدانين على الأقل، كان هناك حرفيا مئات القفائر البيضاء ~~المقببة التي أخذ النحل المثقل يطير نحوها بطنين خفيض. ثم أمكنه ~~أن يرى مساحة من الرمال الذي بدا مثل الفضة، بعدها استطاع رؤية وسماع ~~الحركة المنتظمة للمحيط الهادئ عند انخفاض المد. # ظل واقفا هناك إلى أن لم يعد قادرا على الوقوف؛ ثم أغلق الباب ~~وأوصده وعاد إلى الأريكة. هوى عليها، وتخلص من حذائه، وخلع معطفه عن ~~كتفيه، وسحب دثارا هنديا فوق صدره، وأنزل الوسائد أكثر، ثم غاب ~~عن الوعي كما غاب عن الوعي سيد النحل قبل قليل. # الفصل الرابع # | في حديقة النحل # لم يستيقظ جيمس ماكفارلين قبل عصر اليوم التالي، ولم يستعد وعيه ~~شاعرا بالانتعاش أو النشاط. حين حاول اتخاذ وضع الجلوس اكتشف أنه كان ~~يشعر بالألم في كل موضع، أن كل عظمة في جسده تتوجع وجعا غير محتمل، ~~وحين وضع قدميه ms040 على الأرض وفحصهما بدقة ثم نظر إلى حذائه، أدرك أن ~~الحذاء سيظل ضيقا على قدميه لبعض الوقت. # وحين تذكر أن سيد النحل قد عرض عليه استخدام ملابسه وفراشه، راح ~~يجوب المنزل وهو يعرج حتى وجد غرفة النوم، وقد ندت عنه صيحة امتنان ~~حين دخل بالمصادفة الحمام الملحق بها. فقد ساعد الاستنقاع التام في ~~المياه الساخنة ثم الاستحمام بالمياه الباردة بعد ذلك على تخفيف الوجع ~~والألم إلى حد كبير. كما أنه استعار ملابس داخلية وجدها في خزانة ~~أدراج داخل غرفة النوم ليمنح نفسه شعورا بالراحة، ووجد على أحد ~~الرفوف خفين مناسبين لقدميه. # ثم هبت على أنفه رائحة طعام مطهو، وحين دخل غرفة المعيشة كانت ~~المرة الأولى التي يرى فيها مارجريت كاميرون لدى الباب. # لم تكن مارجريت كاميرون تشبه أم جيمي مطلقا، لكن بدا عليها سيماء ~~امرأة يجوز أن تكون نموذجا للأم في المطلق، بل النوع الأمثل من ~~الأمهات. كان وجهها جميلا الجمال البسيط الذي دائما ما يدل على ~~روح لا تقهر. من نظرة واحدة إلى مارجريت كاميرون يمكن للمرء أن ~~يعتقد مطمئنا أنها تفضل الغرق وتقطيع أوصالها على التخلي عن دينها ~~أو بلدها أو آرائها السياسية أو أسرتها. كانت امرأة طويلة، وهي رشيقة ~~إذ لم يكن بها أوقية من لحم زائد. وشعرها أبيض وعيناها زرقاوان. مع ~~بعض الحمرة في شفتيها ووجنتيها. وقد بدت لجيمي رائعة حين ابتسمت ~~له. # قالت له: «لقد تلقيت اتصالا من الدكتور جرايسون هذا الصباح. حيث ~~اعتقد أنك ستكون نائما ولم يرد أن يوقظك. وأخبرني أنك سترعى ~~الأمور هنا حتى يعود إلينا سيد النحل. لشد ما يؤسفني أنني كنت ~~غائبة أثناء مصابه. كانت شابة من أقاربي بحاجة ماسة إلي؛ فقد ~~وقعت وفاة في أسرتها واضطررت إلى الذهاب إليها.» # قال جيمي: «أعتقد أنني وفرت كل ما احتاج إليه سيد النحل، وأعتقد ~~أنني لم أضع وقتا.» # كان ثمة إيحاء بالحسم في الحركة البسيطة التي مدت بها مارجريت ~~يديها. # قالت بلا مواربة: «ليس لدي شك أن سيد النحل حصل على كل ms041 ما يحتاج ~~إليه. لا يوجد على وجه الأرض من يرفض أن يفعل أي شيء يطلبه منه مايكل ~~ورذينجتون. إن قصدي هو أنه اضطر إلى الاستغاثة بغريب، من أجل النجدة ~~التي كنت سأود تقديمها له، بصفتي صديقة قديمة العهد.» # قال جيمي بهدوء: «أدركت مقصدك.» وتابع: «يؤسفني أنك لم تكوني ~~هنا. وأعتقد أنك محقة أنه لا يمكن لأي شخص أن يرفض له أي طلب؛ فها ~~أنا ذا، رغم أنه لا يمكن أن يوجد في الولاية شخص أقل أهلية للقيام ~~بما طلبه مني. لكن لأنه طلب ذلك، فإنني هنا لأحاول.» # عبرت وجه مارجريت كاميرون ابتسامة باهتة. وضاقت عيناها وهما ~~تتابعان خط رؤية امتد في حجرة المعيشة، مرورا بالمطبخ وحجرة ~~الطعام المدمجتين، عابرا الرواق الخلفي خارجا نحو الفراسخ ~~الممتدة بلا عدد للبحر بعيدا؛ البحر الهادئ، المحيط الآمن الذي ~~يبتسم ويستميل ويدعو، ونادرا جدا ما يكشف عن أنياب وفكي الوحش ~~المتربص في أعماقه. # قالت بهدوء: «أعلم ذلك.» وأضافت: «أعلم سبب وجودك هنا، وأستطيع أن ~~أرى أنك لست أهلا للعمل. لقد ذكر لي الدكتور جرايسون أنك بدوت في ~~غاية التعب. لقد اعتقد أنك ربما تكون أحد جنودنا، الذين كانوا في ~~الخارج.» # أدخل جيمي أصابعه في جيبه وأخرج وسام خدمة ووسامين للشجاعة ~~ومدها إليها، فتقدمت مارجريت كاميرون وضمت يديه المرتعتشتين ~~الشاحبتين بيديها وقالت: «فليباركك الله، يا بني! إنني أحفظ روتين ~~سيد النحل عن ظهر قلب، ورغم أنني ليس لدي معرفة كبيرة بالنحل؛ لأن ~~كل اهتمام سيد النحل كان تعليم الكشافة الصغير، لكن لدي معلومات ~~كافية لأدلك على مكان أحواض المياه وكيف تجعلها باستمرار ممتلئة ~~بالخليط المناسب من المياه، ولا تتعجب، فهي تحب أن يوضع فيها رشة ~~ملح، وأستطيع أن أستعرض معك الزهور وأريك أيها تحتاج إلى ماء ~~أكثر ومتى. أعتقد أنك إذا استرحت بضعة أيام فستستطيع أن تنجز الأمر ~~على أكمل وجه، وسوف أطهو وجباتك كما كنت أطهوها دائما لسيد النحل. ~~أرجو فقط أن تخبرني بما تحبه تحديدا وكيف تريده. فكل شخص له ذوق ~~خاص.» # قال جيمي: ms042 «هذا كرم بالغ منك.» وتابع: «إنني على استعداد للإقرار ~~بأنني أتضور جوعا الآن، وإنني متأكد أن أيا ما أتيت به فسيكون ~~مناسبا.» # ومن ثم ذهب إلى المطبخ وتناول الطعام الذي أحضرته له مارجريت ~~كاميرون. وقد تعلم كيف يشغل موقد الغاز في حال أراد شرابا ~~ساخنا في أي وقت من الأوقات. كما أنه أخبر بالمكان الذي يوجد فيه ~~صندوق الثلج الصغير في الشرفة الخلفية حيث يوضع يوميا زجاجة قشدة ~~وزجاجة حليب، ولاحظ سلة بيض وبعض الفاكهة، ثم ذهبا معا إلى الحديقة ~~وعرف أماكن وصلات الخراطيم المختلفة وأعطي توجيهات مفصلة حول ~~ري الزهور. # وحين لاحظت كم كانت حركته مضطربة جدا وكم كانت قدماه متورمتين ~~للغاية، وحين رأت يديه الهزيلتين الشاحبتين وقد نتأت فيهما العروق ~~الزرقاء، توصلت مارجريت كاميرون إلى قراراتها الخاصة. حين اقتربا من ~~الجدران الخلفية تقدمت ببطء شديد لتمهل جيمي الوقت لمجاراتها، ~~وحين وصلا إلى الباب الخلفي سألته قائلة: «هل لديك مناعة من ~~النحل؟» # نظر جيمي إليها لوهلة في صمت متسائل، متفكرا في ذلك السؤال، ثم ~~قال: «لا أعتقد البتة أنني أعرف قصدك بعبارة «المناعة من ~~النحل».» # قالت مارجريت كاميرون: «عجبا، أقصد أن هناك أناسا في هذا العالم ~~لا يحبهم النحل. هناك أناس إن ساروا عبر أي من الخطين الجانبيين ~~لهذه الحديقة فسيلاقون موتا محققا في غاية البشاعة. هناك أناس ~~يكرههم النحل بالفطرة، وهناك آخرون يكتسبهم أصدقاء على الفور. هناك ~~نوع من البشر يمكنه أن يرفع سقف القفير ويغترف حفنة من النحلات ~~العاملات. ومنهم رجل يأتي أحيانا لمساعدة سيد النحل فيتجول حاملا ~~النحل في قمة قبعته. لكن هذا لا يثبت أنها قد تكون آمنة لكل ~~شخص.» # تفكر جيمي في الأمر. ~~«كيف لي أن أكتشف ما إن كان لدي «مناعة من النحل»؟» تساءل، وهو ~~يستند إلى إطار الباب مواجها المرأة الواقفة قبالته وقد لاحظ ~~أنها تكاد تكون بنفس طوله. # قالت مارجريت كاميرون: «هنا بالضبط، يأتي دور الكشافة الصغير. لم ~~يترك سيد النحل أي شيء يعلمه عن النحل دون أن ينقله بعناية لمساعده؛ ms043 ~~معاونه الأول. أعتقد أنك سيأتيك زائر اليوم أو غدا. إن لم يأت فسوف ~~أهاتفه. اسمع نصيحتي وابتعد عن القفائر حتى تحصل على ~~إرشاداتك.» # بعد ذلك جمعت مارجريت كاميرون الصحون التي استخدمها جيمي في سلة، ~~وعبرت الفناء الجانبي، ودخلت حديقة منزلها من خلال بوابة ~~صغيرة. # وقف جيمي يشاهدها وهي تذهب إلى منزل أبيض من دور واحد بدا مبهجا ~~ودافئا، بدا أنه ربما احتاج إلى القدر نفسه من العمل والمدة ~~الزمنية نفسها في بنائه، لكنه، بطريقة ما، افتقر إلى السحر الجذاب ~~الذي تمتع به منزل سيد النحل. # بعد أن أكسبه الطعام بعض النشاط، ذهب جيمي إلى منتصف الطريق ووقف ~~ينظر إلى المنزل والأرض. كان هناك تفاوت طفيف جدا في عرض الأفاريز ~~وزاوية السطح، حتى إنه يصعب على المرء أن يحدد أين يكمن الفرق بينه ~~وبين المنازل الأخرى الممتدة حتى آخر الشارع. # وبينما ظل واقفا يتفحصه، وجد جيمي صعوبة في تحديد الاختلاف لنفسه. ~~ربما كان الموقع، وسياج الأوتاد الخشبية المطلي بالكلس، والشرفة ~~المنحدرة الأنيقة. ربما كان اللون المميز للطلاء الذي حفظ الخشب. ~~ربما كانت الكروم النادرة، والشجيرات ذات الرائحة العطرة، والزهور ~~المبهجة التي احتشدت في كل مكان من دون أي نظام أو دقة. على أي حال، ~~كان ثمة شيء مميز في المنزل، وقد ظللته أشجار أوكالبتوس باسقة ~~وشجرة جاكرندا رقيقة، أحاط بها غطاء زاه من سحر الزهور الزرقاء، ~~أعطته - لم يجد جيمي تعبيرا آخر - واجهة مرحبة. فقد بدا كأن له ~~طابعا آدميا وبدا كأنه يبتسم ابتسامة ترحيب غاية في الدفء. # ثم نظر جيمي وراءه إلى زرقة البحر المتلألئة وزرقة السماء المشابهة، ~~ثم ارتقى ببصره نحو مستوى أعلى. وقف هناك وقد استغرق في التفكير، وقبل ~~أن يدرك ما كان يفعله كرر بلكنة أبيه العبارة التي استخدمها قبل ~~بضعة أيام: «كم أنت كريم معي، يا رب!» # ثم ابتسم جيمي بعينين حالمتين للمنزل، واتجه إلى داخله، ملاحظا ~~باهتمام المقاعد الجانبية والكروم الرقيقة التي شذبت فوق الشرفة. ~~نظر إلى الأبسطة التي على الأرضيات وخمن أنها فارسية عتيقة ms044 وثمينة. ~~فلم يكن ضليعا في أصول عالم الأبسطة. كما أدرك أن الأثاث عتيق وثمين ~~أيضا. حيث مر بأصابعه في إعجاب على قطع من خشب الورد والماهوجني ~~قديمة ولامعة من الاستخدام، وقد صممها حرفيون مهرة منذ زمن ~~بعيد على الجانب الآخر من البحار البعيدة. # استحوذت خزانات الكتب ، الممتدة من الأرض للسقف، في جميع أنحاء ~~الحجرة تقريبا، على انتباهه بضع لحظات، ثم توقف أمام طاولة للكتابة، ~~مفتوحة، حيث كانت ريشة سيد النحل في حامل صغير للحبر مصنوع من قرون ~~الحيوانات، وأوراق خطاب لم يكتمل ملقاة على الدفتر. وبدافع الرقي ~~الأصيل في قلب رجل نبيل من اسكتلندا، التقط جيمي الأوراق، ورفع ~~الدفتر، وقلبها على وجهها على الخشب الماهوجني لطاولة الكتابة، وأعاد ~~الدفتر إلى مكانه. سيظل الخطاب هناك دون أن يمس إلى حين عودة سيد ~~النحل. # بعد ذلك انتقلت عينا جيمي إلى الخزانة فوق طاولة الكتابة. كان من ~~البداية قد قرأ أسماء بارزة في الأدب، لكن بدا أن كل مجلد في تلك ~~الخزانة الصغيرة كان إما خاصا بالنحل كلية أو متعلقا به بطريقة ~~ما. وعلى الفور ارتفعت يد جيمي لفتح أحد المجلدات. قد تكون ضخامة ~~المجلد هي ما نبهه إلى واقع أنه من الأفضل له أن ينعم بالراحة ~~بضعة أيام أخرى قبل أن يشرع في مهمة قد تنتهي سريعا أو تستغرق ~~وقتا طويلا. بعد ذلك تفقد غرفة النوم المجاورة بالتفصيل، ملاحظا ~~تنظيمها، ودقة ترتيبها، وبهاء النقوش والزخارف ودقتها، وندرة الكتب ~~الملقاة هنا وهناك، والأناقة البسيطة للمفروشات. # وعاد من خلال المطبخ والرواق الخلفي وخرج إلى الضوء المنبلج لشمس ~~بعد الظهيرة. كان في حال من الهزال والبرد تجعله يحب دفئها. # بينما كان واقفا هناك يجول ببصره في المساحة الممتدة من الحديقة ~~إلى البحر، أحس أنها ضمت أجمل صورة رآها على الإطلاق. كانت تغطي ~~فدانين من جبال سييرا مادري حيث تلتقي بالمحيط الهادئ. ويمتد ~~عبرها ممشى وعر، مرصوف بأحجار جمعت من جانب الجبل، وبه درجات ~~تهبط حتى الشاطئ بالأسفل. كما توجد عريشة عامرة بالأعناب مثل تلك ~~الموجودة ms045 في حدائق الشرق، لكن ينمو بينها بوفرة زهور الوستريا ~~والياسمين البري، والورود والكروم، وهي كروم لم يكن يعلم بأسمائها ولا ~~عاداتها ولا أوان إزهارها. ونبتت على الجانبين، أحيانا على ما ~~نتأ من صخور كبيرة منحدرة، وأحيانا على هضاب صغيرة خصبة، وأحيانا ~~أخرى على منحدرات سهلة، كل أشجار الفاكهة التي يحلو لها الازدهار في ~~تربة كاليفورنيا وشمسها - البشملة والتين، والبرتقال والليمون، ~~والبرقوق والخوخ، والكمثرى والنكتارين، والتمر والجريب فروت - شجرة ~~أو شجرتان فقط من كل نوع، وقد زرع بينها وأسفلها أحواض صغيرة ~~للخضراوات. # ثم استرعى انتباه جيمي وهج أحمر أرجواني حيث نبتت بوفرة، على ~~أوتاد لافتة للنظر، بمحاذاة الممشى حتى منتصف الطريق الهابط على جانب ~~الجبل سيقان الطماطم حاملة ثمارا ضخمة، منها ما نضج حتى امتلأ عن ~~آخره، وانتشرت في كل ناحية الأشجار القصيرة والشجيرات والكروم ~~والزهور، والمزيد من الزهور، ولما تعرف جيمي على كل منها تقريبا، ~~أدرك أنها كانت الزهور الساحرة القديمة التي كانت أمه وجدته ~~تزرعانها. كما وجد هناك زنابق مادونا، التي تفتحت مزدهرة في ~~التربة الدافئة وأشعة الشمس المغرية، بارتفاع أقل قدمين أو ثلاثة ~~عن ارتفاعها في حدائق الشرق الباردة. افترش الأرض حولها أحواض زهور ~~القرنفل، التي مست الهواء المالح المنعش بحلاوتها النفاذة، وزهور ~~البليحاء ورقيب الشمس، وزهور أذن الفأر وزهور الآس الزرقاء الرائعة ~~التي لم ير جيمي مثيلا لها قط؛ عالم كامل من الزهور ~~والفاكهة. # وتصاعد من كل جهة، باطراد وبطء، طنين منخفض من ملايين النحلات ~~العاملات؛ نحلات تسكن في قفائر، ليست مثل البيوت المسطحة القبيحة ~~المستخدمة في عدد لا حصر له من المناحل التي مر بها أثناء رحلته، ~~وإنما قفائر وضع كل منها في بقعة منفصلة ارتفعت فوق الأرض على ~~منصة منخفضة ولها سقف مستدير مدبب أعطاها جمالا وجاذبية ~~وانسجاما مع المكان. عند إمعان النظر اكتشف جيمي أن كل قفير وضع في ~~حوض من زهور الآس الزرقاء مثل زرقة السماء. ثم رأى أن السياج القائم ~~خلف القفائر كان جدارا من نبات البلمباجو الأزرق، صفوف رقيقة منها. ~~وبالأعلى، ms046 توجد أشجار جاكرندا الرقيقة الرائعة، واحدة تلو الأخرى، ~~حاملة سحبا من الزهور الزرقاء امتدت إلى عنان السماء. ثم أدرك ~~أن هناك عالما من اللون الأزرق، في مواجهة القفائر وحولها وقربها: ~~بنفسج أزرق ورقيب الشمس وأذن الفأر والفيربينا الزرقاء والزنابق ~~الزرقاء وزهور العائق وزهور عشبة الجريس والفلوكس ورعي الحمام الأزرق، ~~وأيضا المزيد من اللون الأزرق؛ إذ مرت فوق رأسه ووجهه طيور الطنان ~~المزدانة رقابها والمتوجة رءوسها، وقد اجتذبتها الألوان الحمراء ~~والزاهية حول المنزل، أما النحل فقد عاش في عالم كامل من اللون ~~الأزرق. حيث بدا كأن الزهور الزرقاء تحب بشدة أن تتسلق هذه ~~القفائر البيضاء، لتعترش حولها، وتتشبث بها، وتزدهر فوقها. ولما ~~اقترب جيمي من الممشى الخلفي وحيدا، لاحظ عدة قفائر كبيرة قائمة ~~بمفردها على مساحة عدة أقدام كان عليه أن يمر بها في أول رحلة له ~~بامتداد الحديقة؛ ليخرج من البوابة، ويعبر شريط الرمال حيث كان ~~المحيط يأتي متوثبا على الشاطئ، في خليج فسيح، لينزلق متراجعا ~~مرة أخرى، على مهل وبرقة، ناشدا أغنية هامسة خفيضة فحسب هي ~~أفضل شيء في العالم لتهدهد رجلا متعبا حتى ينام. # ببطء، وبقدمين مضطربتين، شق جيمي طريقه عابرا الطرف الخلفي من ~~المنزل. تحت شجرة جاكرندا على الجانب الشرقي رأى مقعدا غاية في ~~الجاذبية. فذهب وجلس عليه تحديدا في الموقع الذي ألقت فيه فروع ~~الشجرة فوق رأسه ظلا مخلخلا تاركة جسده النحيل ممدودا في ضوء ~~الشمس. جلس وحاول أن يفكر. ولأن السماء كانت جميلة جدا، والبحر جميل ~~جدا، والحديقة جميلة لكن جمالا يثير القلق، فقد راودته الفكرة ~~القديمة التي ظل يجترها أينما ذهب طوال العامين الماضيين: حتى ~~متى؟ وما الوقت المتاح له، على أي حال؟ متى ستفقد السماء واقعها ~~الأبدي ويتوقف البحر عن الابتسام، ومنظر الزهور وشدو الطيور وطنين ~~النحل وصرير صراصير الليل؛ متى ستصبح في طي الماضي بالنسبة ~~إليه؟ # ولأنه قد أجهد نفسه جهدا مؤلما جدا، ولأنه كان منهكا أشد ~~الإنهاك ومتعبا بدرجة مفرطة من رحلته، فهو لم يكن متفائلا جدا. فقد ~~بدا كل شيء ms047 يخصه كئيبا أكثر من أي وقت مضى. كانت الضمادات التي ~~نزعها من أجل الاستحمام ملطخة بصديد فاقع، لتخبره مجددا بقصة ~~الجروح الساخطة التي تأبى الاندمال. هكذا بدا لجيمي أن حالته الخاصة في ~~عصر ذلك اليوم ميئوس منها أكثر مما بدت له حين نهض في تمرد محموم وخرج ~~من كنف حكومته. لكن كانت المفارقة في الموقف برمته أنه في الوقت ~~الذي يرى فيه أن الأمور قد بلغت درجة غير مسبوقة من القتامة، كان قد ~~حل بأحد المواقع الأروع جمالا على وجه الأرض. # قليلة هي الأماكن التي يبني فيها الحب والصنعة منزلا صغيرا ~~بواجهة مرحبة. وقليلة هي الأماكن التي يقيم فيها الحب والفطرة ~~السليمة حديقة، نصفها نباتات برية ونصفها الآخر أشياء قديمة ساحرة ~~تطورت من دون مساعدة التهجين والتسميد وغيرهما من البدائل التي تؤدي ~~إلى نمو شديد التفشي والضخامة حتى ليصعب على المرء أن يصدق أن ~~الزهور كائنات حية. قليلة هي الأماكن التي ينخفض فيها ارتفاع جانب ~~جبل ما سيرا وانزلاقا وقفزا، ويتعرج في مسارات ملتفة مزدانة ~~بالزهور حتى يصل إلى الرمال البيضاء لبحر أزرق متلألئ، ويسهل تصديق ~~أن مكانا كهذا بالطبع يصبح مأوى لبيوت صغيرة مستديرة بيضاء ذات أسقف ~~مستديرة حيث تصنع ملايين النحلات العسل لتحلية الطعام لعالم ~~بأكمله. # ومن الطبيعي توقع أن يجذب طنين النحل وأريج الزهور الطيور إلى ~~مكان كهذا، فلا بد عبر أي مساحة من شاطئ المحيط أن تجد مساحات ~~شاسعة ممتلئة بطيور البجع الرمادية الكبيرة والزقة الأمريكية سوداء ~~الجناح، والبط البري، وطيور النوارس ناصعة البياض وسنونو البحر ~~معقوفة الأجنحة، كأنها طيور من العاج المنحوت، تحلق وتطوف فوق المياه ~~مدفوعة بالحب الخالص للسماء الزرقاء والمياه الزرقاء، وللاستمتاع ~~بقدرتها على الطيران. ولا بد أن ترى طيور النوء وطيور الطيطوي الصغيرة ~~طويلة السيقان وطيور الزقزاق وهي تميل على امتداد الشاطئ، ولا بد من ~~وجود أطفال صغار يحفرون في الرمال، وأشخاص كبار ينعمون بساعة من ~~البهجة ممددين في أشعة الشمس، سائلين الأرض أن تبرئ أجسادهم ~~وخالق الشمس أن يشفي قلوبهم. # حين ms048 جلس جيمي على المقعد تحت شجرة الجاكرندا شاعرا بسقم شديد حتى ~~إن دموع رثائه لحاله راحت تلهب عينيه الرماديتين النجلاوين، تساءل ~~تساؤلا مبهما عما قد يحدث له إن نزل إلى البحر ونقع جسده في المياه ~~الباردة المالحة وترك الشمس تنفذ داخل جسده كل الخواص الطبية التي ~~تحتوي عليها مياه البحر. لقد ظل عاما يجرب الاستشفاء بالمياه الساخنة ~~القادمة من أحشاء الأرض المستعرة. فكيف سيكون الأمر إن جرب عاما من ~~الاستشفاء بالمياه الباردة القادمة من بحار سطح الأرض مع شمس ~~السماء؟ # التوت شفتا جيمي في أسى. ربما هو الآن أقرب ما يمكن له على ~~الإطلاق من النعيم إلى أن يحين وقت خروجه من هذه الجنة، وربما تنتهي ~~مدة توليه مهام المنزل الأبيض الصغير والحديقة الجبلية بعد بضعة ~~أيام فحسب، ويصبح نصيبه أن يواصل الترحال إلى أن تزداد حالته بؤسا ~~حتى عما كانت في تلك اللحظة. # الفصل الخامس # | الكشافة الصغير # في اليوم التالي، بينما كان جيمي جالسا على المقعد نفسه، وذهنه ~~مشغول بالموضوع نفسه، قفز طفل رشيق نوعا ما عاليا من فوق السياج ~~وحط بمهارة على ممشى الحديقة المغطى بالرمال. حين استعاد الجسد ~~الضئيل توازنه، قبضت إحدى يديه على حزام سروال قصير غاية في القذارة ~~ودست فيه اليد الأخرى إمعانا في تثبيته طرف قميص لم يكن بالغ ~~النظافة. وبينما يقف على قدم واحدة، خلع الفتى حذاء قماشيا من ~~القدم الأخرى، ونفض عنه الرمل، ثم ارتدى الحذاء مرة أخرى على قدم ~~حافية. أخذ الطفل نفسا عميقا ووقف للحظة بلا حراك يجول بنظره ~~متفحصا الحديقة. # خلال لحظة الثبات تلك، راح جيمي يتأمل في ذهنه هذا الجسم النحيف ~~المسطح. حيث ربطت إحدى ساقي السروال عند الركبة. بينما فقدت الساق ~~الأخرى ربطتها وتدلت حتى منتصف الكاحل بحزام سائب ومشبك متخبط. ~~وكان كما القميص الأخضر الكاكي ممزقين عند المرفقين وقد شق ~~أحدهما بالطول حتى المنكب. كما كشفت اليدان والذراعان والساقان عن ~~آثار تسلق وأنشطة عنيفة. وكان الوجه الصغير مسطحا بعض الشيء؛ ~~فالأنف أفطس صغير، والفم واسع. ولم ms049 تبد العينان بالغتي ~~الاتساع. لم يستطع جيمي أن يحدد وهو على ذلك البعد ماذا كان لونهما. ~~ربما كان الشعر سيصبح بنيا لو لم تبهته شمس كاليفورنيا الحارة حتى ~~صارت الطبقة الخارجية ذات لون أصفر باهت؛ أما المواضع التي افترق ~~فيها شعره فقد ظهرت فيها خصلات داكنة أكثر. كان مقصوصا بطول واحد ~~على شكل دائرة عند الأذنين مع غرة بامتداد الجبهة. «إنه من أصول ~~هولندية» هكذا افترض جيمي، وبينما هو جالس يشاهده، شرع الطفل يدور ~~بحركة غاية في الرشاقة والخفة، ويرقص تحت أشعة الشمس. # راح الجسد الصغير يجول في أنحاء الممشى وهو يقوس ذراعيه فوق رأسه ~~حتى تتلامس أصابعهما أحيانا، وأحيانا أخرى يمد الذراع اليمنى ~~ويرفعها باسطا اليسرى خلفها مثل كوكب عطارد في مداره، وهو يدور، ~~ويشب كأنه يلتقط فراشات من الهواء، راقصا وحده تماما في منتصف وقت ~~بعد الظهر تحت شمس كاليفورنيا. وبعد ذلك، عندما اعتراه التعب، تحول ~~الفتى فجأة من الرقص إلى السير في اتجاه جيمي مباشرة. حيث يوجد في ~~منتصف الطريق حوض زنابق مادونا. فتوقف الطفل أمامه وانحنى، وأخذ ~~يحدق في وجوه الزنابق، وعندئذ اتسعت عينا جيمي وارتسمت على وجهه ~~ابتسامة غريبة متعجبة. فما رآه كان شخصا صغيرا جدا جاثيا على ~~ركبتيه، وقد اتجه مرفقاه للخارج، ووضع يديه على جنبيه، وانحنى نصف ~~انحناء، واتجهت عيناه نحو السماء، وهو يمتص بنشوة ميسم زنبقة ~~مادونا، الواحدة تلو الأخرى! # اتسعت ابتسامة جيمي فصارت ضحكة مكتومة حين لاحظ أن إحدى المياسم ~~التي فاضت بالرحيق قد أسالت قطرة على البتلة، فدعم الطفل الجزء ~~السفلي من البتلة، ولعق القطرة مستحسنا المذاق ثم نهض وسار عبر ~~الممشى متكاسلا حتى سحب جيمي أصابع قدمه؛ إذ إنها كانت في ألم ووهن ~~بالغ، ولم يكن يريد أن تداس. # توقف الفتى ونظر إلى جيمي، من قمة رأسه المتعب المريض إلى أخمص ~~قدميه المتورمتين تورما بالغ السوء، فارتسمت الدهشة على الوجه ~~الصغير، لكن لم يكن هناك أدنى علامة على الخوف ولم يكن هناك حركة ~~تراجع. فقد ظل ثابتا في مكانه. ms050 # قال الطفل: «أوه، مرحبا!» # أجابه جيمي: «مرحبا!» بقدر ما استطاع من الود بصوت خشن مؤخرا ~~من الشعور بالشفقة على الذات. # تساءل الشخص الصغير: «أين سيد النحل؟» # تردد جيمي. كان قد صار قريبا بما يكفي لينظر في أعماق العينين ~~الموجهتين إليه، وقد أدهشه أن وجدهما أشد عمقا ، وأقوى إفصاحا، ~~وأكثر فهما، من أي عينين شهدهما قط في شخص قريب من ذلك العمر. كان ~~ثمة أشياء قابعة في أغوار العينين الرماديتين الضاربتين للون البني ~~اللتين التقتا بعينيه جعلت جيمي يتوخى حذره. # قال جيمي: «لقد رحل بضعة أيام وكلفني بتولي أعماله.» # فاحتج الصغير قائلا: «مهلا! لكننا لا نعرفك.» # فقال جيمي: «لكن ها أنا ذا.» # فقال الصغير: «إنك كذلك، وربما ما كنت لتكون هنا لو لم يسمح سيد ~~النحل بذلك، وأيا كان ما يأمر به، ينفذ!» # مع قوله «ينفذ» مد يديه على مستوى خصره ملوحا بهما في حركة ~~تأكيدية معبرة بدقة متناهية. # قال جيمي: «يسرني أنك تعتقد أنني سأفلح في المهمة.» # قال الشخص الصغير: «لم يتح لي وقت للتفكير في أي شيء.» وتابع: ~~«لست متقد الذهن. ولا أستطيع التفكير سريعا. ما دام سيد النحل قد ~~طلب منك المجيء إلى هنا والبقاء هنا، فلا بد أن تأتي ولا بد أن تبقى، ~~ولا بد أن تفلح في عملك. هذا جل ما في الأمر. إنني مساعد سيد ~~النحل. وكما تراني. إنني طفل! الأمر واضح كالشمس!» # ابتسم جيمي، وحين يبتسم جيمي، وهو شيء ليس كثير الحدوث بالمرة، ~~تتراقص نقاط صغيرة من الضوء في عينيه، ويتمدد جلده على وجهه النحيف ~~وتختلج شفتاه؛ مما يعطيه جاذبية لم تفقد تأثيرها حتى الآن. تقدم ~~الطفل خطوة ووضع يده على ذراع جيمي فيما ارتسمت ابتسامة مشاكسة على ~~الملامح الصغيرة. وانطلق صوبه بالسؤال فجأة. ~~«هل رأيتني وأنا أدور؟» # هز جيمي رأسه بالإيجاب. ~~«هل أحسنت أداء الحركة؟» # فقال جيمي: «أعتقد أنك أديتها ببراعة.» # قال الشخص الصغير: «نضطر إلى القيام بتلك الأشياء البغيضة في ~~المدرسة. إنها هراء! لكنني أتدرب عليها، حين أذهب إلى مكان أشعر فيه ms051 ~~أنني بمفردي. أعتقد أنني أؤديها بصورة أفضل على صوت النحل والأمواج ~~أكثر من أي شيء آخر. إنها سخيفة حتما. ليت بإمكانك أن ترى بيل ~~السمين الطيب وهو يدور! لكن حين تجعلك مدرستك تقوم بها، فمن الأفضل ~~أن تظل تثابر باستمرار حتى تؤدي الحركة أفضل من زملائك .» # قال جيمي: «هذا منطق سليم.» وتابع: «إذا مضيت في الحياة وفي رأسك ~~مبدأ من هذا القبيل و«ظللت تثابر باستمرار»، فلا يمكن أن ينتهي بك ~~المطاف إلا على القمة.» # قال الشخص الصغير بعفوية: «هكذا تصورت الأمر». وأضاف: «وقد ~~تعلمت، على ما أنا فيه من ضآلة حجمي وصغر سني الآن، أنني لا يمكن ~~أن أكون قائد فريق كشافة وزعيم وكر اللصوص والمساعد الأول لسيد ~~النحل إلا إذا ثابرت واجتهدت.» # هنا حسم جيمي رأيه في أن الشخص الضئيل قبالته هو بالقطع طفل. # اقترب الشخص الصغير أكثر، وخفض صوته، وسأل في سرية: «متى أخذوه ~~إلى المستشفى؟» # تراجع جيمي للوراء ونظر إلى الطفل متسائلا. # وقال محتجا: «لم أقل إن أحدا أخذ إلى المستشفى.» # أقر الشخص الصغير: «كلا. لم تقل.» وتابع: «لكن لو كنت تعرف سيد ~~النحل مثلما عرفته أنا، طوال الوقت الذي كنا نتعاون فيه، أي منذ ~~كبرت بما فيه الكفاية لتسلق السياج، كنت ستعلم أنه لا يمكن لأي شخص ~~أن يبعده عن حديقته هذه إلى أي مكان إلا المستشفى، وكنت ستعرف أنه لا ~~توجد طريقة ليأخذه بها إلا وهو غير قادر على الحركة.» # قال جيمي: «أظن أن ذلك قريب من الحقيقة.» # في حركة سريعة، أرسل الصبي ذراعيه، مباعدا بينهما وفرق بين ~~أصابعه وهز رأسه على سبيل التوكيد. ~~«إنها الحقيقة بالضبط؛ لأنه ظل شهورا وشهورا بحاجة إلى الذهاب ~~ومن لدى الدكتور جرايسون طلبوا منه الذهاب، وحثوه على الذهاب، ~~وحاولوا أن يرغموه على الذهاب، لكن لم يستطع أي منهم أن يجعله يذهب. ~~كان يظن أنه سيفعل أي شيء في العالم من أجلي. كان يقول إنه سيفعل. ومن ~~ثم حين أدركت أنه لن يذهب ولن يمكن إرغامه على الذهاب» استقام الجسد ms052 ~~الصغير فجأة وشد منكبيه للوراء «لم أطلب منه أن يذهب إلى المستشفى. ~~طلبت منه أن يبقى في المنزل ويفعل ما يحلو له»، وهنا ضحك الصغير ضحكة ~~مكتومة؛ «لأنني كنت أعلم جيدا جدا أن هذا ما سوف يفعله على أي ~~حال، فلم أرد أن أفسد امتياز معزتي عنده! فإنك حين تحصل على موقع ~~يجوز لك الاحتفاظ به، يجدر بك الاهتمام قليلا بحماية حدودك.» # لم ير جيمي سببا يمنعه من الضحك، وقد ضحك قبل أن ينتبه لذلك، على ~~أي حال. لكن لم يربك ضحكه الشخص الصغير، ولو قليلا. ~~«متى سيجرون له الجراحة؟» # انزعج جيمي من السؤال. فهز رأسه بطيئا. # وقال: «لا أعلم حتى مما يعاني.» # قال الطفل: «ولا أنا.» وتابع: «أعتقد أنه الشيء الوحيد في العالم ~~الذي يوجع قلبه حقا ولم يخبرني به. لقد أخبرني بكل الأشياء التي ~~يتألم منها وأقصته عن دياره في الشرق، وحدثني عن الفتاة الصغيرة ذات ~~الشعر الذهبي التي اضطر إلى فراقها فراقا غاية في البشاعة، واطلعت ~~على كل ما في الصندوق الماهوجني المنقوش الكبير ورتبت كل ما فيه من ~~أوراق ورأيت كل ما فيه من صور. أعلم كم أحب ماري، وأعلم بشأن ~~الدار التي فقدها. بل إنني أعلم حتى السر الذي حطم قلبه، وأعرف كل ~~ما استطاع أن يعلمني إياه بشأن النحل.» # أمسك الصغير عن الكلام ثم تحول إلى نبرة اتسمت بالموضوعية ~~الصرفة لمناقشة العمل. ~~«والآن، فلنعد إلى ما يخص النحل. هناك الكثير من الأشياء كي ~~نتعلمها عنه، والتي لم يكتشفها كلها بعد أولئك الرجال الذين ~~ألفوا عنه الكتب، من ثم لم يستطع سيد النحل أن يعلمني كل شيء، ~~بالطبع. لكنني أعرف كل ما تيسر له أن يريني إياه بشأن القفائر ~~وعن خبز النحل ومرض تعفن الحضنة وبشأن الملكات واليرقات والعاملات ~~والذكور والممرضات. أما المعلومات التي عن الممرضات فهي بلا حدود! لم ~~تكن لتتخيل أن يوجد في قفير النحل ممرضات، أليس كذلك؟» # جال في بال جيمي تجارب حديثة العهد، إذ أجاب متمهلا: «إن ~~الممرضات من أروع المخلوقات ms053 على وجه الأرض، وقد سمعت أن النحل مخلوقات ~~غاية في الروعة؛ لذلك أعتقد أنه من الوارد أن يكون لديه بالفعل ~~ممرضات.» ~~«أنت محق، تماما!» قال الصغير. ثم أضاف: «من الممكن أن أصطحبك ~~إلى أي من هذه القفائر لأفتحها وأريك ما قد يصل إلى أربعين ألف ~~ممرضة وهي ترعى اليرقات البيضاء.» # وعندئذ، للمرة الثانية، واجه جيمي السؤال: «هل لديك مناعة من ~~النحل؟» # ومرة أخرى أجاب جيمي قائلا: «لا أعلم. لم أختبر الأمر من ~~قبل.» # ضحك الصغير ضحك من تفهم الموقف. ~~«ولا أنا؛ إلى أن حصلت على تجربتي. بعد أن لازمت المكان منذ أول ~~مرة رأيت فيها رأسه الأبيض وظللت أتردد عليه حتى قال إنني من الممكن ~~أن أصبح مساعده وأعاونه في أمور النحل، لم يكن لدي أي خبرة؛ ~~لذلك عدت ذات صباح، إلى الجهة الشرقية هناك، لأرى ما إن كان لدي ~~مناعة من النحل، وقد اعتقدنا دائما فيما بعد أنني قد ارتكبت خطأ. ~~لم تكن رائحتي مناسبة.» # عض جيمي على شفته وازدرد لعابه بصعوبة، حيث تفوح من الشخص الصغير ~~قبالته، في واقع الأمر، رائحة خيل أشد مما سواها من روائح، يليها ~~بالضبط رائحة كلاب، وقد اختلط بروائح الخيل والكلاب رائحة نفاذة ~~لزنابق مادونا وكذلك البصل. وقد أثار المزيج بطريقة خاصة حاسة الشم ~~المرهفة لدى جيمي. ورغم أنه لم يكن قد مضى وقت طويل منذ ألهبت عينيه ~~دموع الشفقة على نفسه، فقد انتابته رغبة في تلك اللحظة بالذات في ~~التهليل. ولم يكن ثمة سبب وجيه مطلقا يمنعه من ذلك. ومن دون أن يدرك ~~البتة ما يدور في ذهنه، استأنف الشخص الصغير حديثه بجدية. ~~«لم تكن رائحتي مناسبة. أتعلم، إن للنحل تجاويف للشم بدلا من ~~الأنوف. إنها موجودة في أنبوبين صغيرين ناتئين حيث مكان الأنف في ~~الكائنات الأخرى بخلاف النحل، وكل واحدة من النحلات العاملات (وهي ~~النحلات التي تؤدي الأعمال في أنحاء الخلية)، كل واحدة من النحلات ~~العاملات لديها خمسة آلاف تجويف للشم. ورغم ذلك فالنحلة العاملة لا ~~تقارن بالذكر. إذ إن الذكر ms054 لديه سبعة وثلاثون ألفا وثمانمائة ~~تجويف للشم، بحيث يضمن ألا يضل عن رائحة الملكة حين يخرج للتزاوج ~~معها. وهكذا، حين اقترب مني أحد الذكور، كنت غالبا مغطى تماما ~~برائحة الخيل والكلاب. تلك كانت المشكلة برمتها؛ لم تكن رائحتي ~~مناسبة. قال سيد النحل إنه كان عدوانيا جدا. كنت قد امتطيت ~~الحصان كوين ولهوت مع كلب أمي، وعندما أدخل في عراك مع الكلب تشام، ~~يكون فوقي نصف الوقت وأكون فوقه النصف الآخر؛ لذا كنت ملطخا تماما ~~برائحة كلب وحصان وأشياء من هذا القبيل، وهي روائح لا يحبها النحل. ~~وقد ظل سيد النحل يقول إنه لو كان قد احتكم لأي منطق لما حدث ذلك. ~~فطالما شعر بالذنب حيال الأمر، لكنني لم أكترث كثيرا. فمن الجيد أن ~~تعلم بالضبط ما أنت موشك عليه، وحينئذ، إذا اعتقدت أنك تستطيع ~~احتماله، فبالقطع ستستطيع. على أي حال، قلت إنني سوف أذهب قبالة ~~القفائر التي في الصف الشرقي بينما ذهب سيد النحل لملء أحواض المياه ~~وللتأكد من عدم وقوع سرقات وللاطمئنان من أن الملكات كلهن على ما ~~يرام ويضعن بعض الملايين من البيض أو نحو ذلك، وقد مضيت إلى هناك ~~متسكعا، ومن ثم أول شيء أدركته، هو خروج نحلة عاملة كبيرة لتؤز فوق ~~رأسي مباشرة، وجاء خلفها اثنتان أو ثلاث أخريات، وكانت تطير بيني وبين ~~السيد، ولم أرد أنا المرور وسط زهوره - فهو أشد خلق الله حرصا ~~على الزهور - ولم أدر بالضبط كيف يمكنني إبعادها؛ لأنني ليس لدي سوى ~~عينين بينما كل منها لديها ربما ستة آلاف عين في كل ناحية من ~~رأسها. # هنا صاح بي سيد النحل وقال: «سر في خط متعرج!» وكان أجدر به أن ~~يقول ذلك بالإسبانية أو بالفرنسية أو أي شيء، فلم يكن هناك أي جدوى ~~من التحدث بالإنجليزية أمام نحلاته؛ لأنها فهمته كما فهمته تماما! وقد ~~حاولت قدر جهدي أن أفعل ما أخبرني به، لكنني كلما انحرفت فإن النحلة ~~اللعينة تنحرف خلفي كذلك، وكلما وثبت إلى ناحية وحاولت أن أميل ~~إليها، فإن النحلة ms055 تميل قبل أن أفعل بقليل، وبالطبع، لما سار الأمر على ~~ذلك المنوال، فقد تصادمنا. أخبرني، هل سبق أن لاحقتك نحلة من ~~السلاسة الألمانية السوداء؟» # اسود وجه جيمي للحظة، ثم نظر إلى الوجه الصغير المتحمس أمامه ~~وترك الموقف يمر وهو يقول بهدوء: «لم أجرب لسع النحل . كلا. لكنني ~~جربت بضع مرات لسع الدبابير والزنابير في الوديان والغابات حين كنت ~~صبيا. أي لدي فكرة عامة عن الأمر.» # قال الصغير: «لا أعتقد ذلك.» وتابع: «لا أعتقد أن هناك، في عالم ~~الحشرات اللاسعة، أي شيء له ست أرجل، بها إبر حادة وطويلة وجاهزة ~~للاستخدام مثل التي لدى النحلة الألمانية السوداء. أقسم إنها تستطيع ~~اختراقك حتى تصل لأحشائك، وحين يهاجمك نحو ثلاث منها من مؤخرة عنقك ~~وحول أذنيك وعضلات ذراعيك؛ ويحي!» # شبك يديه ثم فصلهما وأرسلهما بعيدا ملوحا بهما. ~~«حين عدت إلى سيد النحل، كنت أرتجف كأنما أصابتني قشعريرة، وأعتقد ~~أن الماء المالح الذي سال منهمرا على وجهي كان كافيا لتغترف منه ملء ~~ملعقة كبيرة من الملح. يقول سيد النحل إن كل دلو ماء تأخذه من المحيط ~~به ثلاثة ونصف في المائة من الملح، لكنني أراهن بربع دولار على أن ~~الملح الذي سال من دموعي كان أكثر من ذلك. فحتى لو أنني مت لظلت ~~دموعي تنهمر. قال سيد النحل إنها لسعات سيئة، وأمسك بي بإحكام وراح ~~يفرك الإبر؛ لأن هذا ما يجب فعله؛ فإن شددتها فستزيد الطين بلة. ~~ثم فتح الخرطوم على أرض طينية وخلط لبخة باردة من الوحل وبسطها على ~~اللسعات وقال إنه لا بد أن يركل عقابا له على السماح لي بالذهاب ~~وسط النحل بينما تفوح مني رائحة الكلاب والخيل. # فمسحت عيني وقلت إنني أعتقد أن تلك هي المشكلة. ما كان علي ~~القيام به هو ارتداء معطف النحل القديم الخاص به ودعك رأسي ببعض ~~الزنابق وسروالي القصير ببعض القرنفل. هكذا ذهبت إلى الرواق الخلفي ~~وأخذت معطفه، وحين شرعت أرتديه سألني ماذا أنا فاعل. فأخبرته أنني ~~سأجعل رائحتي مناسبة و«أحاول، أحاول مرة أخرى». فجلس ms056 هناك وأخذ ينظر ~~إلي، فلم أر قط عينيه وقد اتسعت حدقتهما وازدادتا سوادا مثل تلك ~~المرة، ولم أر قط وجهه وقد زاد شحوبا عن شحوبه حين يبلغ به الألم ~~مداه، ثم همس بصوت منخفض للغاية، حتى إنني استطعت بصعوبة سماعه، وهو ~~يقول: «هلا أقسمت بالرب أنك لن تفعل ذلك، أيها الكشافة ~~الصغير؟» # فقلت: «لا دخل للرب بهذا الأمر. إن المسألة بيني وبينك، وإنني ~~ذاهب!» # وهكذا عقدت أزرار المعطف وذهبت إلى حوض القرنفل وتقلبت فيه. أعتقد ~~أنني كنت أكثر غلظة مع القرنفل مما أراد السيد، لكنك إن حدث ~~ولسعتك نحلة ألمانية سوداء فستدرك لماذا كنت متلهفا للاستزادة من ~~القرنفل. ثم سحقت أطيب زنبقة استطعت العثور عليها وفركت بها شعري ~~كله. ثم مضيت في الممشى الشرقي. خطر لي أن أحاول مع النحل الإيطالي ~~أولا. فهو أكثر لطفا بكثير من الألماني. ورغم أنني لا أجيد ~~التصفير، فقد صفرت متغنيا بأغنية «هايلاند ماري» بأفضل ما استطعت ~~ومشيت، برفق وخفة، ولست على يقين لكن أعتقد أنني حملت في يدي آخر ~~زنبقة، والتزمت الهدوء - فعليك بالتزام الهدوء بطبيعة الحال عند ~~الاقتراب من النحل، فلا يجوز الاضطراب، لكنني لم أكن أسير ببطء شديد ~~على نحو ملحوظ - توقفت عند كل قفير من قفائر النحل الإيطالي فلم ~~يفعل بي أي شيء. لقد كان السيد محقا. حيث تلقيت عقابي لأن ~~رائحتي كانت مزعجة. ومن ثم فركت الزنبقة قليلا حين توجهت إلى النحل ~~الألماني الأسود، وذهبت ووقفت أمامه وعددت حتى عشرة. ثم تحديته ~~أكثر أن يأتي ويلسعني. فهاج قليلا نوعا ما واقتربت اثنتان منه بعض ~~الشيء، لكن حين وجدتا رائحة الزهور قوية، رجعتا مرة أخرى. لقد ~~واجهته بجسارة، على أي حال. وحين عدت إلى سيد النحل، رفعني وضمني ~~بين ذراعيه وقال إنه تمنى من الله أن يعيش حتى يشهد اليوم الذي تصبح ~~فيه صغيرته ماري بذلك الإقدام، وضمني بشدة حتى كاد يحطم عظامي ~~جميعا، وقبلني أول قبلة أحصل عليها منه على الإطلاق. وهو لم ~~يقبلني سوى بضع مرات بعد ذلك. إنه ms057 ليس كثير التقبيل، صدقني! وقد ~~قال إنني من الممكن أن أصبح مساعده وأعاونه في رعاية النحل. دعني ~~أخبرك بشيء، إنك ستنهض وستؤدي عملا مفيدا، وتشحذ ذهنك لأقصى درجة، ~~قبل أن يعود سيد النحل! إن معطفه معلق في الرواق الخلفي وتوجد هنا ~~في الحديقة زهور كثيرة. متى أردت أن تعرف شعور النحل نحوك، فبوسعك أن ~~تقدم على الأمر في الحال، رغم ما يشمله الأمر من ضريبة المخاطرة. ~~لكن، مهلا، دعني أخبرك بشيء! قبل أن تقترب من خلايا النحل الألماني ~~الأسود، اكتسب رائحة مناسبة!» ~~«لكن كيف أكتسب رائحة مناسبة؟» تساءل جيمي. ~~«حسنا، سوف أريك المعطف المناسب، من ناحية. ضعه عليك ثم اذهب ~~لتدس رأسك وسط زهور القرنفل وافرك نفسك بها كما فعلت، ثم خذ واحدة ~~من زنابق مادونا واسحقها وافرك يديك بها، وربما من الأفضل أن تذهب ~~بالقرب من صنبور المياه حيث ستجد مساحة صغيرة من الأرض رخوة ~~كالإسفنج واقتلع حفنة من النعناع وافرك بها سروالك كلية. ومهما فعلت ~~فلا تضعف! ومن الأفضل أن تصفر لحنا مناسبا. هل تستطيع أن تصفر لحن ~~«هايلاند ماري»، ببطء ورقة؟ إنه أحب الألحان للنحل. كان اسمها ~~ماري. إذا استطعت أن تترنم بها بعذوبة ورقة حقيقية وبحب جارف، ~~والكثير من الملاطفة، والكثير من الشجن، إذا توصلت للطريقة الصحيحة ~~بالضبط - إنك في نفس طوله تقريبا - فمن الجائز ألا يلاحظ النحل ~~الفرق. أجل، أظن أنه لن يلاحظ. ربما لم تسمع من قبل عن عيون كالتي ~~لدى النحل. فالنحلة العاملة التي تلاحقك لديها ستة آلاف عين في كل ~~جانب من رأسها، أما الذكر - من أجل ملاحقة الملكة كما أخبرتك، حين تطير ~~بعيدا حتى تكاد تبلغ عنان السماء، أعلى كثيرا من الطيور وكل شيء - ~~فلدى الذكر ثلاثة عشر ألف عين في كل جانب من رأسه. لذلك من الأفضل ~~أن تصدق، أنه في حال هاج أحدهم فوقك، فسوف يرى أن رأسك ليس أبيض. كل ~~النحل يترك رأس سيد النحل الأبيض. فهو دائما حاسر الرأس. وكان النحل ~~يترك لحيته وعينيه الواسعتين الداكنتين دون ms058 أن يصيبها. أليس ~~رائعا؟» ~~«نعم، تولد لدي هذا الانطباع، في الدقائق المعدودة التي رأيته ~~خلالها ومن منزله ومكتبته ومهنته، أجل، أعتقد أنه رائع حقا.» # قال الصغير وهو يلوح لأسفل آتيا بالحركة التي بدأ جيمي يعتادها: ~~«إنه بحق فريد من نوعه.» # ثم سأل على نحو مفاجئ: «هل كان مريضا مرضا شديدا؟» # نظر جيمي إلى العينين المتسعتين في استيعاب أمامه، ولم يخطر له ~~الكذب أو المراوغة. # إذ أجاب قائلا: «أجل.» وأضاف: «لقد كان أكثر الرجال الذين رأيتهم ~~إعياء على الإطلاق، وقد رأيت الكثير من المرضى!» # قال الشخص الصغير: «إنني أدرى الناس بحاله.» وتابع: «فقد ساعدته ~~على عبور الممشى الخلفي وصولا إلى الأريكة وجئته بالأمونيا عدة ~~مرات وأنا أظن أنني لن أتمكن من إنقاذه مطلقا. لقد رأيته يتألم حتى ~~يتصبب عرقا، ويتساقط العرق من طرف أنفه، قطرة قطرة، ببطء، فيسقط ~~على مقدمة قميصه نقطة نقطة! ويمكنني إخبار الجميع أن حالته كانت في ~~غاية السوء! وإذا كان متوعكا إلى تلك الدرجة مرة أخرى، فربما من ~~الأفضل له أن يمضي قدما ويموت.» # إثر النبرة غير المبالية التي نطق بها الاقتراح، تراجع جيمي في ~~مقعده وحدق بإمعان في الوجه الخالي من التعبير للشخص الصغير الواقف ~~أمامه. كان لديه انطباع أن هذا الطفل يعشق سيد النحل. أما في تلك ~~اللحظة فقد شعر أنه يواجه وثنيا صغيرا لا يعشق أي شيء ولا يدرك ~~ولو بقدر معقول ما قد تعنيه كلمة من الكلمات. لكنه كان يدرك إلى حد ~~كبير ما قد تعنيه الكلمة فيما يخص التعليمات مثل طريقة تصفير أغنية ~~«هايلاند ماري»؛ لذلك نظر جيمي بثبات إلى الكشافة الصغير، وقد ضيق ~~عينيه، ثم قال مترددا: «كنت أعتقد أنك تحبه.» ~~«أحبه؟» قال فتى الكشافة الصغير. واستأنف: «حسنا، فلتعرني ~~انتباهك!» # اندفعت أمام عيني جيمي يده اليمنى المتسخة. ومثل شفرة السكين ~~هوت اليسرى ومرت على الرسغ. وببطء انفتحت أصابع اليد اليمنى ~~وانضمت. # قال الكشافة الصغير: «إنني بحاجة إلى هذه اليد لأداء كل مهام ~~حياتي.» وتابع: «إذ لا يمكنني امتطاء كوين، ولا يمكنني ms059 قيادة فريق ~~الكشافة، ولا يمكنني التجديف بزورقي، ولا يمكنني مساعدة سيد النحل من ~~دونها، لكن إن كانت ستزيل الألم من جسد سيد النحل، فسوف أعطيها له ~~بمنتهى البساطة!» # ومن ثم بتر اليد اليمنى ورماها في تمثيل إيمائي مؤثر ~~للغاية. # صعدت إلى حلق جيمي غصة كبيرة جدا، كادت أن تهدد بخنقه. # بينما وقف الشخص الصغير على إحدى قدميه ووضع الأخرى على المقعد، ~~وشبك يديه المتسختين حول ركبته المثنية ومال ناحية جيمي. ~~«أعتقد أنك أخطأت فهمي»، سقط القول على أذنيه المذهولتين. وعلى ~~نحو مفاجئ عدل الصبي من وضعه وشعر جيمي بالجسد الصغير بجانبه وبالرأس ~~الصغير يميل متقلقلا قرب الجرح الذي ترك بقعا حمراء على صدره، ~~ويده الصغيرة التي أنهكها العمل وهي توضع على يده، ثم وجه الصغير وهو ~~يرتفع إلى وجهه، ليقول لجيمي بهدوء وبصوت خفيض ورقيق ذي نبرة غاية في ~~العذوبة: «هل تعلم كم من الممكن أن يكون الموت جميلا؟» # قد يكون هذا أقسى ما صدم جيمي على الإطلاق؛ إذ إنه لم يكن يفكر في ~~أن الموت شيء جميل، وقد ظل يفكر فيه ليلا ونهارا من أجل الرجال ~~الآخرين طوال سنوات أكثر مما يود إحصاءها. أما في حالته فقد ظل ~~يفكر فيه طوال عامين وهي مدة طويلة. لم يقو على الكلام؛ لذلك هز ~~رأسه نافيا. # قال الشخص الصغير: «مثلي تماما.» وأضاف: «لم أكن أعرف أي شيء عنه ~~مطلقا، لكن نانيت عرفت. نانيت هي شقيقتي الكبرى. لقد صادفها حظ ~~غاية في السوء. فقد غرق أحد الرجال في البحيرة التي ذهبنا إليها ~~الصيف الماضي، وفي اليوم التالي كانت نانيت تلعب على الشاطئ مع بعض ~~الأطفال الآخرين حين رأته بالمصادفة في اللحظة نفسها التي كانوا ~~يخرجونه فيها من المياه، بعد أن لبث في المياه مدة طويلة جدا دون ~~أن تفعل السلاحف به أي شيء. وعادت إلى المنزل وقالت أمي إنها مصابة ~~بنوبة هستيرية، وقد ظلت تأتيها ليلا أثناء نومها حتى تسنى لي مواجهة ~~ما كانت قد رأته. إذ إنه منذ وقت ليس ببعيد، صعدت ms060 إلى السماء عمة أمي، ~~العمة بيث العجوز، وفي البداية قالت أمي إننا لا نستطيع الذهاب ~~ووداعها. لقد توفيت ليلا وهي نائمة، ويداها مضمومتان على صدرها ~~وعلى وجهها ابتسامة صغيرة غامضة غاية في الغرابة. بدا كأنها تعرف ~~سرا جميلا تود البوح به، وكانت تبتسم بسببه وهي تقرر إذا ما كانت ~~ستبوح به أم لا. وقال أبي إنه ربما من الأفضل أن نذهب. فقد ترى نانيت ~~شيئا يجعلها أفضل حالا. ولم ترد نانيت الذهاب، لكن بعد أن قال ~~أبي ذلك، جعلتها أمي تذهب. فذهبنا بعد العشاء، بعد عودتنا من المدرسة. ~~حيث حممتنا أمي وألبستنا أفضل ملابسنا وأخذنا أبي في السيارة، ~~وعند الباب الأمامي بالضبط بدأ الجزء الجميل. # حيث وضع هناك إكليل كبير من الزهور كاد يغطي الباب وبداخله ~~القليل من زهور أذن الفأر زرقاء وبنفسج ورقيب الشمس، ثم ياقوتية بيضاء ~~وياقوتية ذهبية وزرقاء، وباقات من خلنج الخزامى وورود بيضاء وورود ~~بلون زهري فاتح، وفي أسفله، حيث ربط بشيفون بنفسجي تدلى على باب ~~الرواق بالكامل، وضعت زنابق بيضاء غاية في البهاء. لم أر قط شيئا ~~بذلك الجمال.» # ارتفع الوجه الصغير إلى وجه جيمي. # وسأله: «هل رأيت قط شيئا بمثل ذلك الجمال؟» # هز جيمي رأسه بالنفي. ~~«في غرفة المعيشة، حيث كانت العمة بيث تجلس على كرسي متحرك، منذ ~~عرفتها، وضعت الزهور في كل مكان. إذ أرسلها كل أفراد أسرتنا، وأرسلها ~~كل الجيران، وأرسلتها كنيستها، وأرسلها أناس لم نسمع عنهم قط؛ لأن ~~الكل كان يحب العمة بيث. قالت أمي إنها كانت أكبر من يكذب كذبات ~~بريئة في العالم بأسره. فقد كانت في الأيام التي تراها فيها وهي ~~تتلوى من الألم، تنظر في عينيك مباشرة وتقول إنها بخير. كانت دائما ~~بخير. وكان لديها منزل غاية في الطرافة. فكلما ذهبت لزيارتها تمنحني ~~كعكة بها قطع الحلوى، أو عيدان نعناع حمراء، ولديها دائما أفضل زبيب. ~~يا للروعة، لا يوجد قط زبيب بحلاوة مذاق الذي كان لديها! وأحيانا ما ~~تجد فشارا أو فطائر الدونات، وحين كنت هناك آخر مرة، ms061 منحتني كعك ~~زنجبيل توابله قوية جدا؛ حتى تذكرك رائحته بمنطقة مضائق ~~الهند! # ومن ثم دخلنا إلى غرفة نوم العمة بيث، حيث وضع على فراشها غطاء ~~ساتان أرجواني، بينما هي مستلقية على وسادتها وكان شعرها ناعما ~~ومموجا؛ وهو شعر مموج كثيف ولونه بني لامع. وقد بلغت من العمر ~~السابعة والثمانين ويمكنك أن تجد في رأسها شعرا رمادي اللون. كانت ~~خصلاته ناعمة حريرية ملتفة منسابة على نحو بديع جدا. # وقد مضى الموت وأضفى عليها سحرا. فلم يكن ثمة تجعيدة في وجهها، ~~وعنقها ممتلئ، وشفتاها باسمتين. يا للروعة، لقد كانت بديعة للغاية! ~~وبدا ثوبها كأنه قد فصل من سحب رمادية ناعمة، والكمان وواجهة الثوب ~~حتى أسفله من الدانتيلا الرقيقة، والمعصمان مربوطان في عقدتين صغيرتين ~~أنيقتين. # وقد وقفت نانيت تنظر إليها وأخذت تتسلل مقتربة وهي تنظر وتنظر، ثم ~~أمسكت بذراعي وقالت: «عجبا، لقد ظننت أنها ستبدو مثل الرجل الذي ~~رأيته!» # عندئذ اكتشف أبي واكتشفنا كلنا لأول مرة أن نانيت كانت تعتقد أن ~~كل الموتى في كل مكان يبدون مثل الرجل الذي لبث في الماء بين ~~السلاحف وما إلى ذلك، ودعني أخبرك بشيء، لقد كنا سعداء حينذاك أننا قد ~~أحضرنا نانيت لترى العمة بيث! فقد كانت جميلة جدا، حتى إن نانيت ~~أرادت أن تفك العقد التي في معصميها وتربطها بالطريقة التي ~~أحبتها، وقد جعلني ذلك أريد القيام بشيء من أجلها، فسألت ما الذي ~~يمكنني فعله، فقالوا إن بإمكاني إلباسها خفيها. ومن ثم أزاحوا ~~الغطاء الدانتيلا ذا البطانة الأرجوانية الذي كان يغطيها، فوضعت في ~~قدميها خفيها الرماديين الصغيرين ذوي الفراء الأبيض. كانا ~~صغيرين وفي غاية الروعة! ثم هندمت تنانيرها الداخلية، وتنورتها ~~الساتان الرمادية التحتانية، وثوبها الدانتيلا، وأصلحت نانيت هندام ~~كميها ودثرناها وقبلناها قبلة الوداع، وغادرنا ولم يعد ~~بمقدور أحد أن يخيفنا من الموت! # ومنذ ذلك الحين لم تنتفض نانيت ليلا، ولو مرة واحدة. فقد عرفنا أن ~~هناك أنواعا متعددة من الموت. فهناك من كان قلبه شريرا وتحدث بغير ~~الحق وأخذ أشياء لا تخصه، ولم يطع الله، ms062 ولم يحترم حكومته البتة، ~~وبالطبع، لا يمكن أن يبدو مثل ذلك الشخص بمظهر جيد سواء كان حيا ~~أو ميتا بينما بداخله مثل تلك الأشياء. علاوة على ذلك، ثمة حوادث من ~~الوراد أن تحدث لأي شخص؛ منها البقاء في الماء مدة طويلة مع السلاحف، ~~أو الاحتراق إثر اندلاع حريق أو انفجار مصنع. إن هذا لمن سوء الحظ. أما ~~إن مت في المنزل، بأن تخلد للنوم في هدوء في فراشك ليلا لا غير، في ~~وداعة شديدة حتى إنك لا ترفع يديك عن صدرك أبدا، وحين ترى الرب تزحف ~~إلى وجهك ابتسامة صغيرة عذبة؛ مرحى! إنني على يقين أن الرب وكل ~~الملائكة كانوا في غاية من البهجة لرؤية العمة بيث حين جاءتهم تسير ~~بجسد ممشوق ومستقيم وشاب تماما في ثوبها الرقيق الشبيه بالسحاب! ~~لقد وضعت نانيت في يديها زهور أذن الفأر وبنفسج بارما ورقيب الشمس ~~وهي تربط معصميها ربطة مناسبة. إن ظلت تحملها معها عند بلوغها السماء، ~~فلا بد أن الهواء حولها سيعبق برائحة الزهور. لم يرد أحد منا أن ~~تذهب. فقد كنا جميعا نحب أن نرعاها. كنا جميعا نحب أن نأخذ إليها ~~الفاكهة والزهور والكتب والصحف. كان كل منا يدخر كل ما يصادفه ~~من قصص طريفة ليخبرها بها، لكننا رغم ذلك كنا مسرورين نوعا ما ~~برحيلها؛ لأن عظامها كانت تؤلمها بالطبع، ولم تكن تقول الحقيقة حين ~~تخبرنا دائما أنها بخير؛ لأنها كانت تضطر إلى الاستسلام وترى ~~الطبيب أحيانا على كراهة ذلك لها.» # وقف الكشافة الصغير بيدين ممدودتين إشارة إلى النهاية. ~~«بعد ما أخبرتك به، لك أن تتخيل كيف قد يبدو سيد النحل في حال قرر ~~الرب أن يخلد إلى النوم ليلا، وألا يعاني مزيدا من الألم في ~~جانبه ولا يتساقط المزيد من العرق من أنفه. إنني متأكد أن كل الآلات ~~الموسيقية من هارب وأبواق في السماء سوف تعزف «زووم! زووم!» وكل ~~الملائكة ستأتي محتشدة إذا دخل سيد النحل من البوابات! أراهن أن الرب ~~نفسه سوف ينهض واقفا حين يأتي سيد النحل بقامته ms063 شديدة الاستقامة فارعة ~~الطول ليؤدي له التحية؛ إذ كان ممن شاركوا في الحرب يوما ما، في ~~مكان ما. فلديه زي رسمي رائع ويستطيع أداء التحية بأسرع ما يمكن! ~~لقد كان جنديا وأراهن أنك أيضا كنت جنديا؛ لأنك تبدو مثل الجنود ~~وتمشي مثل الجنود، وأعتقد أنه من السيئ أنك لا ترتدي بذلتك الرسمية. ~~كم تروق لي البذل الرسمية!» # وعندئذ فغر جيمي فمه واتسعت عيناه. ثم اندفعت يد محذرة إلى ~~الوراء ناحيته. وباغت أذنيه هسهسة صفير يراد به التنبيه على التزام ~~الصمت. ثم مال الكشافة الصغير إلى الأمام، في هدوء، وخطوة خطوة، ~~باسطا ذراعه أمامه من أجل التوازن، ودافعا الأخرى إلى الوراء ~~لتوخي الحذر، زحف منحنيا في الممشى، وقد تطلع بعينيه بثبات إلى ~~الأمام. وحين انحنى جيمي ليصبح بمحاذاته، رأى نحلة طنانة كبيرة وهي ~~تتسلق البتلة الخارجية المؤدية إلى بوق إحدى الزهور البوقية. ورأى ~~الكشافة الصغير وهو يقيس مسافة معينة، ويجثو، ثم سريعا، أسرع من ~~قدرته على استيعاب ماذا يجري، انطلق سيل من اللعاب مباشرة وأصاب ~~النحلة، ليوقعها من حيث استقرت. وثب الكشافة الصغير في الهواء وأطلق ~~صيحة كان بمقدورها أن تثير الرعب في واحد من قبيلة الأباتشي وهو في ~~طريقه للقتال. وبينما هو يدور ويصيح في اندفاع، ملوحا بيديه، صاح ~~الصغير، بصوت صبياني حاد: «أصبتها؟ يا للهول! لقد أصبتها! لقد ~~ضربتها طاخ!» # ثم استدار الجسد الصغير، وهرع تجاه جيمي وأمسك كلا من ركبتيه بيد ~~من يديه. ~~«اسمع، هل ستخبر بيل السمين الطيب والطفل المطيع وذا الوجه الملائكي، ~~إذا جئت بهم؟ هل ستخبرهم أنني فعلتها؟ إذ إن بيننا رهانا. وسوف أفوز ~~بموجبه بخمسة وعشرين سنتا. سوف أوسعهم ضربا إن لم يصدقوني، لكن ~~سيصبح بإمكاني التفاخر أكثر بمراحل إن أخبرتهم أنك رأيتني.» # أخيرا هيأ جيمي فمه ليقول قولا إنجليزيا مفهوما. # ثم قال: «بالتأكيد! في أي يوم تريد مني ذلك، سوف ألتقي برفاقك وأشهد ~~أنك أصبت النحلة بنزاهة وأمانة.» # تباهى الشخص الصغير مزهوا وهو يقول: «لقد ظللت أتدرب على ذلك ~~طيلة أسبوع.» وتابع: «ظللت ms064 أحاول، وراهنت بربع دولار على فعلها، والحق ~~أن خمسة وعشرين سنتا هو مبلغ كبير! فثمة أشياء كثيرة يمكنك فعلها ~~بخمسة وعشرين سنتا!» # تفكر جيمي في الأوقات التي كان لا يملك فيها حتى خمسة وعشرين سنتا ~~في يده خلال الأيام القليلة الماضية، وأقر بصحة الزعم . إذ يبدو أن ~~الحديث عن المال قد أثار في ذهنه سلسلة جديدة من الأفكار. وبعينين ~~متسائلتين راح الصغير يتفرسه. ~~«هل ستذهب إلى المستشفى في أي وقت قريب لزيارة سيد النحل؟» # قال جيمي: «أنتظر اتصالا هاتفيا.» وأضاف: «لقد أخبرني الدكتور ~~جرايسون أنه سيهاتفني ويبلغني بتطور حالته، وحالما يصبح السيد في ~~حالة تمكنه من مقابلتي، فسأذهب بالطبع.» # دس الكشافة الصغير يده في جيب سرواله القصير وأخرج إلى الضوء حفنة ~~من أشياء متعددة، والتقط بيده اليسرى، من بين الخيوط والأزرار ~~والمشابك والحصى، عملة معدنية من فئة عشرة سنتات وعملتين من فئة خمسة ~~سنتات وناولها جيمي. ~~«عندما تذهب، هل يمكنك المرور على أقرب مطعم للشطائر وشراء شطيرة ~~سجق وزجاجة مياه غازية بنكهة الفراولة من أجله وتعطيهما له بالنيابة ~~عني مع حضن قوي وقبلة؟» # تقبل جيمي النقود بوجه جاد. # وقال متحمسا: «بالطبع.» # قال الصغير: «سأعطيك القبلة التي ستنقلها له في الحال» ومن دون ~~مقدمات، طبع على خد جيمي أقوى وأحر وأحلى قبلة صغيرة ذاقها في ~~حياته. ووجد يديه على كتفي الشخص الصغير وعينيه مثبتتين على ~~وجهه. ~~«مهلا!» قال جيمي. «هل أنت فتاة أم صبي؟» # بحركة رشيقة، انسل الشخص الصغير من بين أصابعه مثل رمال متحركة ~~وتراجع خطوة أو خطوتين للوراء. ~~«ما دمت لا تستطيع أن تعرف، فلا يوجد أي فرق، أليس كذلك؟» # واضطر جيمي لأن يقر بأنه لا فرق. # قال الكشافة الصغير: «أعتقد أنه من الأفضل أن أرحل. أرجو أن تنجز ~~مهمة شطيرة السجق على خير وجه. يحب السيد الخبز محمصا والسجق ~~المسلوق مشقوقا ومقليا ومخططا بصلصة المستردة وعليه طبقة سميكة من ~~البصل المقلي وشريحة من الخيار المخلل بالشبت. هل يمكنك تذكر ذلك؟ هل ~~تحبه بتلك الطريقة؟» ~~«يا إلهي!» قال جيمي، ms065 وهو يلعق شفتيه. «لم أحظ بواحد منذ زمن! ~~سأتذكر بالطبع!» # قال الشخص الصغير: «اتفقنا إذن! هل لديك ثقة إزاء توليك المهمة ~~وهل أنت متأكد أنك ستستطيع رعاية الأمور هنا؟» # قال جيمي: «سأبذل قصارى جهدي.» وتابع: «لكن علي أن أخبرك كما ~~أخبرت شريكك، أنني لا أعلم أي شيء عن النحل.» # قال الشخص الصغير: «كما أنك لا تبدو بالنشاط الكافي لتهبط بلا مشقة ~~عبر الجانب الشرقي وتتسلق الجانب الغربي على امتداد فدانين من ~~خلايا النحل. اجلس أنت لا تتحرك وسأذهب أنا بنفسي لأرى إذا كان على ~~ما يرام.» # ومن ثم جلس جيمي تحت شجرة الجاكرندا وانتظر بينما ذهب الكشافة ~~الصغير إلى الجهة الشرقية، ليفحص كل قفير من قفائر النحل بعناية، ~~ويعود بالخبر بأن أحواض المياه على ما يرام، وأن الملكات كلهن يضعن ~~بيضا، وأن كل العاملات مشغولات، وأن الذكور تطن، كدأبها ككائنات بغيضة ~~غير منظمة. ولم يكن هناك أي أثر لفقس ملوث، ولم يكن هناك أي أثر ~~للصوص. # قال الشخص الصغير: «فقط نحل عادي، مخلص، يعمل بجد ليجمع كل ما ~~يستطيع من رحيق في حدائق الزهور حيث تخترق جبال سييرا مادري جبال ~~سانتا مونيكا لتنفذ إلى البحر مباشرة.» # أصر الشخص الصغير على أن يقتاد جيمي إلى المنزل ويريه المكتبة ~~الحافلة بكتب عن النحل. فأشار إلى كل المجلدات التي يمكن قراءتها بهدف ~~معرفة طريقة رعاية النحل، ثم مر بإصبع خفيفة على مجلدات وضعت ~~وحدها على أحد الرفوف قائلا: «أما هذه فهي الكتب الطريفة.» # اختار مجلدا أزرق صغيرا انفتح من تلقاء نفسه، وراح يقرأ منه بصوت ~~مستمتع: ««هناك أنواع متعددة من النحل؛ أفضلها النحل الصغير المستدير ~~المبرقش.» أليس مدهشا؟» تساءل الصغير. # حين ألقى جيمي نظرة عابرة من فوق كتف الكشافة الصغير، لمح اسم ~~«أرسطو» على الغلاف فذهل ربما للمرة المائة منذ عصر ذلك اليوم. بعد ~~أن أغلق المجلد وأعاده إلى الرف، التفت الطفل ناحيته: «ويقول بلينيوس ~~إن النحل حين يهاجر عابرا البحر المتوسط تأخذ كل واحدة حصاة صغيرة ~~وتحملها بقدميها حتى يصبح وزنها ثقيلا ms066 فلا تعصف بها الرياح!» ثم ~~اخترقت ضحكة صافية ورنانة أذني جيمي. «أليس ذلك هراء؟ لا بد أن ~~تسمع سيد النحل وهو يضحك عند قراءة كلام بلينيوس عن النحل! وهناك ~~المزيد من الكتب الطريفة مثلها، أما هذه فليست طريفة على الإطلاق. هذه ~~أكثر ما عليك معرفته لتثير اهتمامك بحق.» # مرت الإصبع الصغيرة على كتب لوبوك وزفامردام، معلقا أثناء ذلك، ~~فقال: «إن لديه صورا رائعة لشكل النحل من الداخل»، وتوقف عند هوبير. ~~ثم قال الكشافة الصغير: «ستحتاج إلى قراءة كتب هوبير.» وتابع: «لقد كان ~~كفيفا، لكنه خطط كل التجارب وأجرى كل البحوث، وسجلها من أجله رجل ~~مبصر. إنه رائع أيضا. وقد وضع عنوانا لكتابه هو «ملاحظات جديدة عن ~~النحل.» أرى أنه عمل جيد جدا بالنسبة إلى رجل كفيف. فلتعلم أن مربي ~~النحل، لا بد أن يتحلى بأشياء كثيرة أخرى بجانب معرفته ~~بالنحل.» # وقدم التفسير مرتجلا، من دون أن يطلبه منه أحد. ~~«يحتاج الأمر إلى البقاء في الخارج أغلب الوقت. ومعرفة الزهور وأحب ~~الزهور للنحل. من المهم أن تكون سريع الملاحظة ورابط الجأش، وفي ~~رأيي أنك لا بد أن تكون على خلق. ومن الأفضل أن تتأكد من قدرتك على ~~العمل جهد طاقتك قبل أن تقترب من النحل. يقول سيد النحل إن النحل لديه ~~بصيرة، وإن دنا منه شخص كاذب وغشاش وتفوح منه رائحة الخطيئة والأنانية؛ ~~فسيحدث ما لا يحمد عقباه! إذ يعلم النحل من فوره الشخص الوضيع، ~~وعندئذ لا تأخذه به رحمة. بمجرد أن يستشعر حقيقتك، يلحق بك الأذى. ~~فإذا كنت تعلم، في أعماقك، أنك لست صالحا، وأن الله لن يقبلك في ~~ملكوت السماء يوم يأتيك الموت، فمن الأفضل أن تتخلى عن هذا العمل ~~وتدعني أبحث عن شخص آخر ليرعى النحل.» # نهض جيمي ووقف ناصبا قامته في اعتداد. وأخرج من جيبه كل أوسمة ~~الخدمة المتميزة وأنزلها إلى مستوى عيني الشخص الصغير. # وقال بجدية شديدة: «على حد معلوماتي، لا يوجد سبب يجعل النحل ~~يستاء من أي روائح قد تنبعث من خارجي أو حتى من ms067 أكثر الأماكن سرية في ~~باطن روحي.» # قال الشخص الصغير: «حسنا إذن، هذا يبشر بالخير.» وتابع: «كل ما في ~~الأمر أنك تبدو لي أحيانا كأنك لست متأكدا ما إن كنت ستبقى أم ~~سترحل.» # قال جيمي: «أقر أنه كان صعبا علي أن أقرر، ما إن كنت سأبقى أو ~~أرحل، لكن إذا ساعدتني، فمن الأفضل لي على ما أظن أن أجرب على الأقل ~~ما أقوى على عمله.» # وقف جيمي ساكنا وشاهد الشخص الصغير وهو يسير عبر الممشى متجها إلى ~~السياج الذي كان قد استخدمه سبيلا للدخول. وبينما هو على وشك القفز من ~~فوقه وقد اعتلاه، بلغت أذنيه نصيحة واضحة: «من الأفضل أن تبقى، يا ~~رجل! سيروق لك الأمر!» # الفصل السادس # | «ماذا أفعل، يا إلهي؟» # بعد رحيل مساعد سيد النحل، الذي كان السيد قد أشار إليه بحنان بالغ ~~باسم «الكشافة الصغير»، ظل جيمس ماكفارلين طوال ساعة جالسا يحملق في ~~ألواح السياج المطلية بالكلس التي اختفى الطفل من فوقها. في البداية ~~تراقصت على أساريره ابتسامة عفوية وهو يتذكر المرح البسيط، والسلوك ~~العملي، ولحظات الرقة، وتقبل الواقع بلا اكتراث التي تتابعت واحدة ~~تلو الأخرى بسرعة شديدة في عقلية الصغير. ثم أخذ يتفكر باهتمام، ~~لبضع دقائق، فيما إذا كان الشخص الصغير الغريب صبيا حقا أم فتاة ~~فعلا. فكان الاستنتاج الأكيد الوحيد الذي توصل له أنه كان صبيا ~~أحيانا وفتاة أحيانا أخرى. # ثم انتقل ذهنه إلى الشيء الذي كان دائما في الصدارة. ما الذي قاله ~~الصغير عن الموت؟ إن هناك سبلا عدة؟ كان الموت هو ما ظل يواجهه طوال ~~العامين الماضيين، لكن المثير للشفقة في الأمر بالنسبة إليه أنه لم ~~يشعر به قريبا ولا أكيدا كما شعر به في تلك اللحظة. كانت عظامه ~~الموجوعة تذكره بضعفه كلما تحرك. وقدماه المتورمتان تصرخان كلما ~~أثقل بحمله عليهما، وأما الألم المضطرم في جانبه الأيسر، فقد ظل يحمله ~~طويلا جدا حتى إنه بات مثل كرب لا شفاء منه أو إجهاد ذهني لا ~~يستريح منه المرء أبدا. شعر جيمي بيقين أن بإمكانه استبعاد ms068 الموت ~~بالغرق والحريق والانفجار. إذ لم يشعر أن أيا من هذه الأشياء قد تحدث ~~له. بذلك صار هناك نوعان متبقيان من الموت؛ لا بد أن يواجه واحدا ~~منهما. # جعله ذلك يعود بذهنه إلى أيام كان صبيا صغيرا حين يتلو صلواته ~~بلا تمييز عند ركبتي أمه أو أبيه؛ إذ كان أبوه في رقة النساء مع ~~طفله الوحيد. وقد ظل سنوات يجثو بجانب فراشه ليكرر ما تعلمه مع ~~بضع إضافات من عنده. كما ظل سنوات بعدها يذهب إلى الفراش ليتمتم ~~بصلاة مرتجلة. ثم توالت سنوات أخرى، كان خلالها، في خيلائه بقوته ~~واهتماماته المتعددة طوال اليوم، لديه من العافية في بدنه وذهنه ما ~~يغنيه عن الانزعاج بأي حاجة حيث لم يكتف بأنه لم يكن يصلي صلاة سؤال ~~- لأنه كان في أفضل حال من دون أن يسأل أي شيء - بل لم يعد يصلي حتى ~~صلاة شكر. وبينما كان جالسا هناك ذلك العصر، أرسل نظره إلى الحديقة ~~الزرقاء التي هي عبارة عن مجرد جبل صغير منحدر باتجاه البحر، متأملا ~~جمال الزهور والزرع والفاكهة، وبينما يجول ببصره في المساحات البيضاء ~~من الرمل، والزرقاء من المحيط والسماء الممتدة بعيدا حتى آخر ~~العالم، هاجمه شعور حاد بالأسى، شعور بالندم على توقفه عن صلاته ~~الليلية. فحتى لو كان جسده قويا وكان عقله عفيا، ولو لم يكن بحاجة ~~إلى طلب المساعدة البدنية، فربما هو في حاجة إلى طلب حماية عقله من ~~تكرار الشيء نفسه الذي حدث وهو ترك الصلاة، كما أن هناك دائما صلاة ~~الشكر. منذ أن انقشع الضباب في البداية وسطع ضوء الشمس في الأنحاء ~~فاستحث الأرض لتنبت الزروع والفاكهة، وتطورت الحيوانات والإنسان ~~وفقا للنظام المقدر للأشياء، لطالما وجد بقدر ما الجمال ~~الخلاب نفسه الكائن أمامه الآن. ولطالما وجد في صدر كل إنسان ~~يولد ليستمتع به قلب لا بد أن يبتهج ولا بد أن يرفع الشكر على ذلك ~~الإرث. ولطالما وجدت شفاه تجاهر بالقول وتخبر الخالق كم هو رائع ~~غموض الأرض وعظمة البحر ونعمة أشعة الشمس وقدرة ساعات العتمة ms069 وقد ~~أضاءها ضوء القمر على أن تبرئ الجراح. ولطالما وجد الواجب الذي التزم ~~به والده بشجاعة، من اعتراف بالتزاماته، بأن يدل على السبيل الرجال ~~الآخرين الأقل وعيا لنداء الرب والطبيعة. # استغرق جيمي في التساؤل كيف سيجعل طريقة الموت التي مرح بها الكشافة ~~الصغير وقبلها وابتهج بها، ورآها جميلة، تصبح واقعا بالنسبة إليه. ~~حين تذكر ما قاله الطفل، شعر جيمي بامتنان بالغ أنه مهما كانت ~~أخطاؤه، ومهما كانت زلاته، ومهما كانت الخطايا التي ارتكبها، فإنه لم ~~يظلم بشرا، ولا لطخ سمعة امرأة بريئة أو ألحق بها الخزي، ولا كذب ~~ولا غش ولا دنس روحه بالاحتيال والصفقات التجارية المجحفة. كان قد ~~انتوى دراسة زراعة الغابات حين غادر الكلية. فقد أراد أن يكون خادما ~~للأشجار. إذ إنه لطالما أحب الغابات والحقول والزهور؛ حيث يرى أن ~~الشجرة كائن حي، كائن له مشاعر، كائن له قدم في الأرض ورأس في السماء ~~وأذرع كريمة ممتدة بشكل متسع لتمنح إما الظل وإما الثمرات وإما ~~بهجة الزهور ليستفيد منها العالم. كان ينوي الذهاب إلى أعظم طبيب ~~أشجار، ويأخذ دورة تدريبية شاملة في جراحة الأشجار، تحت توجيهه ~~وإشرافه، وانتوى عندئذ أن يبدأ مهمة كبرى بإنقاذ كل ما يمكن من ~~أشجار في الوجود. # ومن ثم اعتقد أن العمل مربيا للنحل ليس بالشيء السيئ. فبوسعه ~~دائما أن يفعل ما في إمكانه من أجل الأشجار، وفي الوقت نفسه لا بد من ~~توفر الزهور لتوفير الغذاء الحلو الذي ظل يسعد الإنسان منذ فجر ~~التاريخ، وكان بلسما شافيا. فإن العمل الذي تقوم به الأجنحة الشفافة ~~الطنانة التي عجت بها أنحاء الحديقة أمامه من العناصر المهمة في ثروة ~~العالم. وإن كان مقدرا له العيش، وتوفرت لديه فرصة البقاء لأي مدة ~~في مكان كهذا، واستطاع تعلم الحرفة من دون تعليمات متعبة، ومن دون ~~تدريب طويل، فقد تصبح وسيلة أسرع لكسب العيش، وربما بالمتعة نفسها ~~وأشد تسلية. ومن المحتمل أن تحتوي المجلدات التي على الرفوف أعلى ~~مكتب سيد النحل على معلومات تجعل النحل النشيط، القادر على فعل ms070 ~~أشياء قريبة قربا ملحوظا من التفكير والعمل المنسق مسبقا، مثيرا ~~للاهتمام تماما مثل الشجرة الساكنة، التي لا يمكن قطعا أن نخلع عليها ~~ملكة التفكير مهما جمح بنا الخيال. # حين قرر جيمي أنه في حال عودة سيد النحل من المستشفى ضعيفا ~~وعاجزا واستحسن الطريقة التي بها اعتنى بمنزله وروى الحديقة والأشجار ~~ورعى النحل، فقط إذا استطاع أن يجعل نفسه مفيدا ومهما ثم طلب منه ~~البقاء - بالضبط حين قرر أن يكتشف بنفسه إذا ما كان التكهن بأنه ~~«بالمكوث» سوف تروق له حديقة سيد النحل - عندئذ طرأت على ذهنه ~~الفكرة الكئيبة السابقة: كم تبقى لك من وقت حتى تروق لك خلاله؟ ~~حتى متى تظل مثل كفيف يقود كفيفا، وأنت تحاول أن تفعل شيئا لسيد ~~النحل؟ إن لم يستعد هو عافيته، وإن لم تستعد أنت قوتك، وإن أصبح ~~النحل بطنينه وصراصير الليل بصرصرتها والطيور بشدوها والمياه ~~بجريانها، وزرقة الحديقة والبحر والسماء، وكل ذلك في طي الماضي ~~بالنسبة إليه خلال بضعة أشهر، فما الجدوى؟ # واستطاع أن يرى بالأسفل كيف أن أبراجا وجبالا من الصخور قد نهشها ~~وأكلها المد المرتفع والأمواج المتلاطمة. وحين يعود سيد النحل وتنتهي ~~الثقة التي كان قد اكتسبها، لماذا عساها الصدفة لا تؤدي به إلى الوقوع ~~من أحد تلك الجروف الناتئة إلى تيار معاكس تحت الماء ربما يحمله إلى ~~الصين دون أن يدري؟ # وعندئذ مثلت أمامه في لقطة حية الصورة الذهنية التي استحضرها ~~الكشافة الصغير حين أخبره بفتور شديد بأمر الرجل الغارق والسلاحف؛ ~~غالبا أسماك القرش هي التي ستتجاذب جيفته الهزيلة. كانت الابتسامة ~~التي التوى لها وجهه مروعة بعض الشيء حين تصور أن القروش لن ~~تجد ما تقتات به في عظامه وعضلاته. ثم تمادى في التفكير أكثر قليلا ~~وتخيل أن اللحم سيكون طريا إلى حد ما. من الممكن أن يجد فيه أحد ~~الكائنات ما يملأ فمه. # وبعد ذلك، لاح فجأة أمام عينيه، طاغيا وجليا، ذلك السرد ~~الطفولي لأنواع الموت، ووصف السيدة العجوز الضئيلة التي تمددت على ~~ملاءة ساتان أرجوانية مغطاة بالدانتيلا الرقيقة، ms071 السيدة المحبوبة ~~التي خلدت للنوم ليلا في هدوء ورفق من دون حتى أن ترفع يديها ~~المضمومتين، والتي حملت معها إلى القبر نظرة على وجهها وصفها ~~الكشافة الصغير ب «السر الذي يدعو للابتسام». كان في هذا الطفل فطرة ~~الطفولة وصراحتها وقسوتها. (ما الذي قاله لافونتين عن الأطفال؟ إن ~~كلهم صرحاء لحد الغلظة، وقساة قسوة وحشية؟) لقد بدت خصال القسوة ~~واضحة في الكشافة الصغير، لكنها ليست في وضوح الكرم والحنان وحب ~~الأمانة. استطاع جيمي أن يرى ذلك في الكف المتسخة التي تبعثرت فيها ~~الأزرار والخيوط والثقالات والفلين والمشابك بحثا عن العملات ~~المعدنية التي قدمها لشراء طعام شهي للسيد. # كذلك، أيضا، توجد لدى الكشافة الصغير في عقله الباطن بصيرة نافذة ~~أدرك بها النظرة التي لاحت على وجه السيدة النائمة. تصور جيمي أنه إذا ~~ذهب عامدا إلى جروف المحيط الهادئ وألقى بنفسه إلى أسماك القرش، فإنه ~~حين يمثل أمام الله ويقابل أباه وأمه، فلن يتمكن من أن يحمل على ~~وجهه مثل تلك الابتسامة الغامضة. فلن يصبح بذلك قد أخلص الإيمان. إذ ~~سيخالف شرائع الله وقوانين الإنسان. وبذلك سيسمح للنساء الضعاف ~~بالتفوق عليه في الشجاعة والقدرة على التحمل. ومن ثم أغمض عينيه ~~ليتحاشى النظرة التي تخيل أنها قد ترتسم على وجه أمه. وهنا حذف ~~جيمي فكرة إلقاء نفسه في المحيط من مخططه للخلاص، وحلف يمينا مغلظة ~~في قلبه أنه مهما حدث، حتى إن عاد لتقلبات الحظ على الطرق، إلى قسوة ~~الجفاء التي يلقاها الكثير جدا من عابري السبيل، مهما حدث، حتى إن ~~كان أبعد ما قد يخطر على الخيال، فإنه لن يجازف بمواجهة الخالق بروح ~~جبانة. أقسم بكل ما أحبه وأجله طيلة حياته أنه سوف يحاول، يحاول بكل ~~قوته خلال ما قد يتبقى له من وقت قصير، أن يتمكن من السر الذي بعث ~~على الابتسام، وإنه أيا كان المعروف الذي قد يتمكن من فعله لسيد ~~النحل أو أي شخص يلقاه في الوقت المتبقي له، فإنه بقدر ما يستطيع، ~~سينسى نفسه، وينحي جانبا ألمه وكدره وخيبة ms072 رجائه، ومشاعره ~~بالانهزام والخيبة، وتوقه للحب والصحبة الذهنية، وسيرى إذا ما كان جسده ~~الذي يربو عن ست أقدام من العظام واللحم بإمكانه أن يسدي أي خدمة ~~صغيرة ربما تصادفه من أجل الله ومن أجل رفيقه سيد النحل قبل أن يرحل. ~~ربما إن استطاع إنجاز شيء صغير، شيء من شأنه أن يخفف ولو ألم قلب واحد ~~ألمه مثل الألم الذي يعتصر قلبه في تلك اللحظة، فربما تكون تلك ~~المعلومة هي السر الذي قد يحمله في صدره، فيطبع على وجهه ابتسامة لا ~~تمحى لدرجة أنه حتى مجرد طفل صغير يمكنه أن يرى عظمة الباعث الذي ~~وراءها، ولا يساوره هو خزي حين تحين النهاية. # وهكذا نهض وبعزيمة، لكن متألما، وهبط وهو يعرج على السلم الجبلي ~~طويل الامتداد ذي المنحنيات والنتوءات حتى وصل إلى البوابة. وهناك جلس ~~وتطلع إلى طول الدرجات المتبقية وفي أنحاء الشاطئ. وعلى يساره، غير ~~بعيد جدا، اكتشف جبلا حجريا صغيرا وجذابا للغاية. انتصب ~~بجسارة وكبرياء، وشموخ أشم على حافة المحيط الهادئ، وبدا أنه ثمة ~~طريق يمكن بسلوكه تسلقه من الخلف. تخيل جيمي أنه في مكان ما على ~~قمته قد يكون هناك بقعة ممهدة حيث يمكن الجلوس والتطلع إلى الشمال ~~والغرب والجنوب، عبر أميال لا حد لها من واجهة البحر، وإلى فضاء عالم ~~السماء اللامتناهي، وإلى بساتين السماء العامرة بالنجوم. وتساءل إن كان ~~أي ملك من الملوك قد حكم من عرش مثل ذلك، ثم خلص إلى أنه لم يحدث ~~قط. هكذا قرر أن يجعل ذلك الموضع هدفا له. لكنه لن يبتعد اليوم ~~أكثر من ذلك؛ لأنه قد تعلم أن نزول الجبل أسهل كثيرا من تسلقه. لكنه ~~سيفتح البوابة غدا، وسيذهب بالتحديد إلى المكان حيث زهور بوق الملاك ~~والأحواض الأرجوانية اللون التي اعترشتها زهرة رقيقة هي رعي الحمام ~~الرملي - لم يكن جيمي قد سمع عن نبات رعي الحمام الرملي قط، لكنه يملك ~~أنفا حساسا جدا، فاستطاع في تلك الساعة من المساء أن يلتقط عبيرا ~~أخاذا، كما أنه شاهد بضع نحلات متأخرة وهي ms073 تذهب إلى الأحواض الرقيقة ~~الملونة وتجيء منها - تحديدا عند الخط الذي تتفتح فيه للشمس زهور ~~رعي الحمام بلونها الأرجواني المائل للوردي وزهور الربيع المسائية ~~بلونها الذهبي؛ سيبتعد حتى ذلك الحد اليوم التالي. وفي اليوم الذي يليه ~~سيسير متقدما مباشرة حتى يصل إلى قمة الصخرة الجسور. # وحتى يبلغها لا بد أن يجتاز مسافة طويلة من الأمواج المتكسرة، التي ~~بدت كأن كل واحدة منها تقول له: «أتحداك! أتحداك أن تتقدم!» جلس ~~جيمي هناك وجعل يتأمل قدميه وتفكر في حالتهما من تورم وألم، ~~فاجتاحه توق شديد لدسهما في مياه المحيط المالحة الباردة. وبمجرد أن ~~أوشك على النهوض، راودته الأفكار فتساءل ماذا لو شعر بالبرد وارتجف، ~~ماذا لو أصيب بنزلة برد شديدة، ماذا لو أصابه سعال، فوضع جيمي يده ~~على يسار صدره وجلس ساكنا. من شأن ذلك أن يعجل جدا بالنهاية، وهو ~~قد انتوى إن كان ذلك ممكنا أن يقاوم حتى يأتي سيد النحل ويعفيه من ~~الواجب الذي أخذه على عاتقه حين وافق على البقاء مع النحل. لكن اللهفة، ~~الرغبة في النزول إلى المياه المالحة الباردة كانت قد استيقظت. # حين سمع النداء لتناول العشاء، مضى على مهل، متألما، في صعود ~~السلم المتعرج. كان يتوقف كل بضع درجات ويلتفت لينظر إلى ~~الأمواج المتباطئة وهي تزحف على الرمال وتتراجع عائدة مرة أخرى، ثم ~~قال في نفسه، إنه واثق ثقة مطلقة أنه سينزل إلى هناك ذات يوم ويضع ~~ولو قدميه على الأقل في المحيط، وسوف يتسلق الجبل الصخري ويجلس على ~~قمته المرتفعة في وقت متأخر من الليل كيفما يريد. وسوف يشاهد المحيط ~~الهادئ وقد نسج فيه القمر بضوئه مليون مسار فضي. قد تهب عاصفة ~~في وقت من الأوقات. وقد تهيج الأمواج حتى تكاد تصل إلى قمة ذلك الجبل ~~الحجري الشاهق، وقد يدوي الرعد وقد يطلق البرق ألسنته المتشعبة، ~~وقد تجن الأمواج فتأتي بأسوأ أفعالها في هيجان خارج عن السيطرة. ~~عندئذ سيحرص على أن يقف على قمة تلك الصخرة، وسوف يشاهد عاصفة عناصر ~~الطبيعة في ثورتها ويرى كم ms074 تتشابه مع العاصفة التي ظلت ثائرة في ~~قلبه وعقله زمنا طويلا. إن مجرد بلوغ قمة تلك الصخرة العالية سيصبح ~~شيئا لينشغل فيه، شيئا يعمل في سبيله، هدفا محددا نصب ~~عينيه. # صعد بضع درجات أخرى وتوقف ثانية ليتفحص وجه البحر والقمة ~~الباسقة التي أسماها في رأسه العرش. كانت عرشا، مكانا يسيطر فيه ~~الإنسان على روحه. حيث يصبح الإنسان ملكا على كل ما يمكنه استعراض ~~دقائقه ولو لوقت قصير على تلك القمة، وإنه من الأفضل أن تصبح ملكا ~~ولو لساعة من ألا يكون لديك تطلع للملك قط. # ومن ثم ذهب جيمي إلى العشاء الذي أعدته مارجريت كاميرون من أجله، ~~ولأن التسلق كان قد أنهكه للغاية، ولأن قدميه كانتا ترتجفان ~~ألما لدرجة كادت تفوق احتماله من المسير الطويل غير المعتاد الذي ~~أجبرهما عليه، فقد أقر بأنه لم يعد على ما يرام كما كان حين غادر ~~المستشفى. وقد كان مخطئا خطأ كبيرا في ذلك. فمن الوارد أن يكون جسده ~~قد أنهك إلى الحد الذي جعله خائرا، أما قلبه وعقله فقد خضعا لبعض ~~التمارين التي أفادتهما بالتأكيد. # وبينما يتناول عشاءه، مرت مارجريت كاميرون على الحجرات، لتضع لمسة ~~على إحدى الستائر هنا وهناك، وتمسح ذرات الغبار عن قطع الأثاث العتيقة ~~الجميلة، مستطلعة بعينين غيورتين لترى إن كان الغريب قد أحدث أي ~~ضرر بأملاك جارها الذي اعتادت، على مر السنوات، ليس فقط أن تحترمه ~~ولكن أن ترعى وده بإخلاص عميق ودائم. # وسرعان ما جاءت من غرفة المعيشة وخرت جالسة في الحال على مقعد ~~بجانب المنضدة التي كان جيمي يأكل عشاءه عليها. # وقالت: «أوتدري، لقد عانيت اليوم ما يكفي من المشكلات. إذ لدي ~~أمور خاصة تشغل بالي. لدي ابنة واحدة فقط وطالما كانت فتاة مطيعة. ~~فهي تؤدي فروضها المدرسية على أكمل وجه وكذلك برنامجها التدريبي، ولم ~~تواجهها أي صعوبة في الالتحاق بمدرسة حين أرادت ذلك، لكنني لا أعلم ~~سبب عزمها الذهاب بعيدا جدا عن الديار بينما كان بإمكانها ~~الالتحاق بمكان هنا حيث تستطيع البقاء معي. ربما سئمت من ms075 المنزل ~~الصغير والسيدة العجوز الصارمة دائمة التنظيف والتلميع، دائمة التذمر ~~من أن الشباب مصيرهم أن يفسدوا. لا أدري إذا ما كنت أنا من دفعها ~~إلى الابتعاد، لكنني متأكدة أن ابنة عمها مولي زينت لها الابتعاد. ~~لست متأكدة إذا كان من المنطقي التفكير في أن الجيل الحالي مصيره ~~أن يفسد. كانت أمي لديها الرأي نفسه بالضبط في بنات جيلي. حين كنت ~~أريد الذهاب مع الفتى الذي تزوجته إلى حفل راقص أو لأحد تجمعات ~~تقشير الذرة أو لنمتطي الخيل ذاهبين إلى نزهة أو حشد، كانت تظن ~~بالطبع أننا نفعل شيئا لم يفعله الشباب من قبل قط، وأننا ماضون إلى ~~هوة الجحيم. ربما كان الأمر كذلك، فما أدراني. إنني حزينة على لولي، ~~على أي حال. فقد بدا لي أن ذهنها مشغول بشيء لا تريد إخباري بها. وليس ~~هذا كل ما في الأمر. # وإنني لأقر صراحة بأنه في حال لم ينج سيد النحل من هذه الجراحة ~~ويعد إلى منزله وجيرانه، فسوف يصبح سائر هذا العالم بلا طعم قطعا ~~بالنسبة إلي. فقد عشنا هنا، جنبا إلى جنب، سنوات طويلة. فقد كنت ~~آتيه وأساعده في إصلاح مسكنه، ويأتيني هو ويساعدني في إصلاح مسكني، ~~وحين كان الصغار يخرجون في المساء ويمر الوقت رتيبا، كان يأتيني فنلعب ~~الكريبيج (أحد ألعاب الكوتشينة) أو الداما. لم أتمتع قط بالذهن ~~المتقد للعب الشطرنج بالأسلوب الذي قد يثير اهتمامه. كنت أحيانا ~~آتي هنا ويجلس هو بجانب المدفأة ويقرأ بصوت عال من بعض تلك الكتب ~~القديمة اللطيفة.» ثم أمسكت عن الكلام ونظرت إلى جيمي. وسألته: «هل ~~تعرف كتاب «تبتلات» لجون دون؟» # فهز جيمي رأسه بالإيجاب. # وقال: «لقد كان في مكتبة أبي، لكن لم يخطر حتى لأحد أن يحتفظ بكتبه ~~من أجلي. لقد قضى نحبه وأنا في الحرب، وفاضت روح أمي بعده بمدة ~~قصيرة، وقد باع الجيران كل شيء؛ لم يحتفظوا لي ولو بقطعة من الملابس ~~أو الأثاث. وبيع كتاب «تبتلات» دون مع بقية الأشياء. لا أعلم إلى ~~أين، وقد حال المرض الشديد بيني ms076 وبين البحث عنها، كما أنني لم أمتلك ~~المال الكافي. فاضطررت إلى البقاء حيث كانت الحكومة سترعاني. لكن ~~يمكنني أن أتخيل كيف يصبح شعور من يشاهد سيد النحل وقد انعكس ضوء ~~المدفأة على وجهه العجوز الجميل وهو يمسك كتاب جون دون بأصابعه ~~الرشيقة.» # هزت مارجريت كاميرون رأسها بأناة. # وقالت مبهورة الأنفاس بعض الشيء: «أجل، أجل، كان يبدو في صورة ~~بديعة. لم أر في حياتي بأسرها ولو لوحة لرجل بارع الحسن جسدا ~~وروحا مثل سيد النحل. أرجو أن تمكث عند عودته حتى تستقي من نقاء ~~روحه. فسوف تجد ما يعينك على ما تبقى من حياتك عند اطلاعك على مدى ~~لطف وطيبة وحسن خلق مايكل ورذينجتون. إن الصحف اليوم تفيض بأخبار عن ~~أفعال يجب ألا يقدم عليها الرجال. أتمنى لو كان بإمكان كل شاب ~~في العالم بأسره أن يعيش سنة واحدة مع رجل مثل سيد النحل ليتعلم ~~صبره وتسامحه، وسعة أفقه، ونظرته المحبة للحياة، وعدم خوفه من ~~الآخرة.» # سأل جيمي: «لماذا، إذن، كان يعارض إجراء الجراحة أشد ~~المعارضة؟» # تسللت حمرة داكنة إلى وجنتي مارجريت كاميرون. # وأجابته قائلة: «حسنا، من بين الأسباب، أنه جاء إلى هنا بقلب ~~مفطور. إنه لم يحدثني عن الأمر بالتفصيل قط، لكنني قد أتيت هنا مرتين ~~بينما كان يتحدث مع الكشافة الصغير، وأعتقد أن ذلك الطفل يعلم من ~~الشخص أو ما الشيء الذي فطر قلبه. أعتقد أن ذلك الطفل يعلم مما كان ~~فراره حين جاء إلى هنا وحده فقط مع أثاث لمكتبته ومخدعه. ثمة صورة ~~في مخدعه، ربما صورة زوجته. سألته مرة عنها فقال إنها ماتت منذ عدة ~~سنوات وإنه فقد، أيضا، طفلتها التي كان متيما بها. لكن كان ثمة ~~شيء أكبر من ذلك. الموت ليس من الأشياء التي يصعب تجاوزها إذا ~~صاحبه الأمل، ويمكن اعتبار وجه المرأة المعلقة صورتها في مخدع ~~سيد النحل تجسيدا نموذجيا للأمل، للنقاء، للشجاعة التي لا تلين، ~~أي صفة طيبة يمكن لأي امرأة التحلي بها. وقد فقدها، وفقد طفلتها، ~~كما يساورني يقين أنه قد فقد ms077 منزله وأصدقاءه. أعتقد أن قدرته على ~~التحمل نفدت شيئا فشيئا، وحين لم يعد قادرا على الاستمرار ~~استسلم وسلم أمره لرب كريم.» # هكذا استرسلا في الكلام حتى الغسق. وبعد أن جمعت بقايا عشائه ~~في السلة الصغيرة وقبل أن تعود مارجريت كاميرون إلى منزلها، دعته ~~ليأتي إليها متى شعر بالوحدة، ووعدته أن تساعده في عمله الصباحي ~~حتى تتأكد أنه قد تعلم ري الزرع بالطريقة الصحيحة؛ لأن الزنابق لا ~~بد ألا تروى للدرجة التي تجعل بصيلاتها تتعفن، ولا بد من حماية ~~الورود من الإصابة بالعفن الفطري، ولا بد أن يظل النخل جافا من دون ~~إفراط، وأن تروى أشجار السنط من دون مغالاة. شعر جيمي، بعد أن انتهت ~~من إحصاء الأسباب التي تحتم قدومها، أن وجودها ضرورة حقا عندما ~~يبدأ العمل. # بعد ذلك ذهب إلى حجرة المعيشة، ولأن دمه كان مليئا بالسموم ويدور ~~ببطء، فقد أشعل عود ثقاب وأوقد الحطب الموضوع في المدفأة. وظل وقتا ~~طويلا ينظر إلى الكرسي بجانبها، وهو ذو ظهر مرتفع بمسندين عريضين ~~للذارعين، ويغري بالجلوس. من دون حتى أن يغمض عينيه استطاع أن يرى ~~الشعر الحريري واللحية والجبهة البيضاء والعينين الجميلتين للرجل ~~العجوز المهيب الذي كانت روحه مسيطرة على النحل ومسيطرة على المنزل ~~ومسيطرة على روحه، وكان ثمة وازع بداخل جيمي، جزء مهم من شخصيته ~~جعله يرفض أن يأخذ مقعد السيد. لذا نحاه جانبا واختار واحدا آخر ~~رأى أنه سيناسب هو الآخر قامته الفارعة إلى حد كبير. ثم فتح ~~الخزانة المعلقة فوق طاولة الكتابة والتقط أحد المجلدات التي كان ~~الكشافة الصغير قد أشار إليها. وقد انفتح وحده على إحدى الصفحات، ~~وكانت أولى الفقرات التي وقعت عليها عينا جيمي تقول: «هناك نوعان من ~~الحكام بين النحل، فإنه يهلك إن كثر عدد الحكام؛ لأنه يصير بذلك ~~مشتتا. يتكاثر الزيتون وأسراب النحل في الوقت نفسه. وهم يبدءون ~~بصناعة القرص، الذي يضعون فيه ذريتهم. ينتقل القرص في أفواههم، كما ~~يقول أولئك الذين يؤكدون أنهم يجمعونه من مصادر خارجية. يصنع الشمع ~~من الزهور. فإنهم يأتون ms078 بالمادة الخام للشمع مما يتساقط من الأشجار، ~~أما العسل فيسقط من الهواء، بالأخص حين ترتفع النجوم وحين يسقط قوس ~~قزح على الأرض.» # حين قرأ جيمي تلك الفقرة اهتز منكباه ضاحكا ضحكة سخرية. توقف ~~عن القراءة وبدأ يناجي النار. # فقال: «أما وقد أسندت إلي مهمة رعاية النحل هذه، فإن علي ~~الذهاب حيث الكتب المفيدة وانتقاء مجلد به تعليمات للمبتدئين ~~لأكتشف بنفسي بضعا من تلك الأشياء التي ذكرها الكشافة الصغير، كيف ~~أعرف الملكة من العاملة، والذكر من الممرضة. أعتقد أنني سأشعر ~~بأنني حاد الذكاء إذا استطعت أن أرى النحلة وهي تتسلق الزهرة فأعرف ~~ما إن كانت نحلة عاملة أم ممرضة. ترى هل يعلم الكشافة الصغير تلك ~~الأشياء؟» # نظر جيمي إلى النار. # قال لنفسه: «لا ينبغي أن أندهش البتة.» وتابع: «أرى أن ما علي هو ~~فهم الجزء العملي من حياة النحل أولا وقراءة الخيالي فيما بعد، ~~لكنني، بحق قوسي وبلطتي، أقسم إن هذه الكتب الخيالية عن النحل ~~تغري بالقراءة!» # قرب جيمي المصباح إليه أكثر وألقى قطعة أخرى من الحطب في النار ~~واستلقى مسترخيا على المقعد وظل يقرأ حتى أحس بعينيه مجهدتين ~~وصارت النار خافتة، وعندئذ ذهب إلى الفراش. # حين استيقظ في الصباح التالي من نوم طويل وعميق وتمكن من ~~الاستحمام ثم وضع الأربطة التي تربط اللفافات على صدره وفوق كتفيه ~~وحول ظهره لتثبيت الضمادات في مكانها، أحرز تقدما ملحوظا لأنه لم ~~يكن يفكر في جرحه أو متى سيقضي عليه. وإنما كان يفكر إذا ما كان ~~الكشافة الصغير سيأتي مرة أخرى ذلك اليوم؛ إذا ما كان، بعد أن يفرغ من ~~العمل الواجب عليه القيام به، سيبقى لديه قوة ليحمل نفسه إلى الحدود ~~الأرجوانية والصفراء على الشاطئ، والعسل الذي تساقط من السماء بكرم ~~شديد حتى يجمعه نحل الأزمنة الغابرة ويملأ به الخلايا. كان يفكر في ~~أي شيء تقريبا، إلا نفسه، وكان ذلك من أفضل الأشياء التي حدثت له ~~خلال سنتين طويلتين. # في ذلك اليوم، بعد أن فرغ من الري وغفا بعد الغداء، ذهب في الرحلة ms079 ~~التي كان قد انتوى القيام بها وجلس على الرمال الساخنة، فسحره بشدة ~~الشذا المسائي لزهور الخزامى الصغيرة التي تنمو هناك، وفتنه للغاية ~~جمال اللون الذهبي، حتى إنه قرر أن يبحث بين كتب سيد النحل ليرى إن ~~كان بإمكانه العثور على كتاب عن الزهور ليعرف منه طبيعة هذه الأشياء ~~الغريبة الجميلة. وحين نظر من أعلى موقع للمشاهدة بعينين تواقتين ~~نحو مياه البحر المالحة الصافية ونحو المساحة الواقعة بينه وبين العرش، ~~أدرك احتمالية أنه يستطيع خلال أسبوع الذهاب حتى ذلك الحد؛ لأن ~~قدميه كانتا قد تحسنتا كثيرا، بعد ليلة من الراحة، وبعد نقعهما ~~في الماء مدة طويلة، ولم تكن عضلاته بالغة التيبس ولا ألم عظامه ~~يفوق احتماله. # في الساعة السادسة ذلك المساء رن جرس الهاتف وأبلغه الدكتور ~~جرايسون أن الجراحة قد انتهت، وعاد سيد النحل إلى حجرته، واستعاد وعيه. ~~وكان أول الأسئلة التي سألها تقريبا هو إذا ما كانت ثمة أي رسالة ~~له بخصوص النحل، وقد أخبره الطبيب أن كل شيء على ما يرام، لكن إن كان ~~هناك أي خبر خاص ليخبره به وهو يغير على جرحه في الصباح فقد يكون ~~مفيدا له. هنا أعاد جيمي القول بأن كل شيء على ما يرام وأضاف بعض ~~التفاصيل الخاصة بالري واستفسر متى يمكنه رؤية سيد النحل. # أجاب الدكتور جرايسون قائلا: «إنه لا يدرك كم هي خطيرة حالته ولا ~~كم هو ضعيف، لكن أعتقد أنك قد تستطيع أن تأتي لزيارته أول زيارة خلال ~~أسبوع أو عشرة أيام. في الوقت نفسه، سوف أتصل بك وأعطيك تقريرا كل ~~مساء، ليصبح لديك علم بحالته، كذلك يهمني أن أعرف كيف أصبحت أنت ~~نفسك.» # تردد جيمي أمام ذلك الأمر. فلم يدر ماذا يقول على وجه التحديد. ~~لكن قبل أن يتمكن من قول أي شيء، واصل الطبيب حديثه فقال: «لم يكن ~~هناك وقت لأوليك أي عناية حين كانت حياة سيد النحل في خطر، لكن ~~تبدو لي واحدا من أبنائنا الذين يعانون من مشكلة خطيرة بعض الشيء في ~~مكان ما من جسده، ms080 وقد تشككت فيما إن كنت مناسبا للمهمة التي ~~ستضطلع بها. لذا متى أردت فلتأت كي أتمكن من فحص حالتك، هات قلما ~~وسأعطيك إرشادات للوصول للمستشفى، إن كنت غريبا عن المدينة.» # فقال جيمي إنه غريب، وإنه يود جدا الحصول على عنوان المستشفى، ~~وإنه إذا تكرم الطبيب بإتاحة ذلك العرض إلى أن يأتي لزيارة سيد النحل، ~~فسيصبح ذلك ممتازا للغاية. # هكذا مر يوم ومر بعده يوم آخر، وكان جيمي في كل يوم ينتهي من ري ~~الزهور والفاكهة وخلط الشراب للنحل وفحصه للقفائر في مدة أقل قليلا من ~~اليوم السابق. حيث اتبع نصيحة الكشافة الصغير. فحين ذهب وسط النحل ~~ارتدى المعطف الذي كان سيد النحل يرتديه وفرك يديه وشعره بزنابق ~~مادونا وزار حوض القرنفل أكثر من مرة. كان ثمة سؤال في ذهنه، ~~نتج عما قاله الطفل، بشأن ما إن كانت الأعضاء الحساسة لدى النحل قد ~~تتبين الرائحة الخافتة للضمادات وتستاء منها لأنها غير مألوفة، ~~لكن لم يحدث شيء من ذلك. فهو يقارب سيد النحل جدا طولا وهيئة، وقد ~~ارتدى معطفه المألوف، وتدرب كثيرا على أغنية «هايلاند ماري»، فلم ~~ينتبه له النحل البتة حين اقترب منه. أما قفائر النحل الألماني ~~الأسود المعزولة فقد ابتعد عنها. حيث شعر في أعماق روحه أنه إن اقترب ~~من قفير نحل يسمى ألمانيا أسود، فسوف يستجمع ما تبقى لديه من قوة ~~ويركله في وسط المحيط الهادئ بغض النظر عما قد يحدث على سبيل ~~الانتقام. # بعد أن علق المعطف على المشجب الذي وجده عليه، اصطدمت أصابعه بشيء ~~خشن ودافئ حين تفحصه تبين أنه ثوب سباحة من الصوف، ثوب ثقيل ~~دافئ. أنزله جيمي وتحسسه متحمسا ثم سار إلى الرواق الخلفي وأطل ~~على مياه البحر الزرقاء. رفع ثوب السباحة إلى كتفيه ولفه حول نفسه، ~~وتساءل إن كان سيغطي الأربطة أم لا وما سيحدث إن ابتلت الضمادات ~~بالماء المالح. # خشي ألا يكون مناسبا، فاستدار آسفا وعلق ثوب السباحة الصوف ~~ببطء، ليس حيث كان، ولكن على المشجب الأول الأقرب إلى إطار الباب ~~الخلفي، علقه ms081 في موقع واضح حيث لا بد أن يراه كلما دخل من الباب أو ~~خرج منه، وكان كلما رآه وقف ونظر إليه، وفي غضون بضعة أيام قرر أنه ~~لا بأس من ارتدائه والسير بقدمين حافيتين على الرمال الساخنة. لن ~~يكون هناك برودة في الجو خلال حرارة النهار، ويمكنه عندئذ السير حيث ~~تتكسر الأمواج الصغيرة بحيث تبل قدميه، لمجرد الشعور بالبهجة التي ~~تصور أنها ستغشاه حين تزحف تلك الأمواج الباردة المالحة مقتربة وتمر ~~عليهما. وبإمكانه العودة إلى الرمال الساخنة وتجفيفهما سريعا، أوليس ~~من الوارد أن تحفز تلك العملية دورته الدموية؟ أليس من الممكن أن ~~تجذب الرمال الساخنة الدم الخامل المسمم في أوردته نحو قدميه؟ أليس ~~من الممكن أن تدفعه المياه المالحة الباردة مرة أخرى؟ أليس من الممكن ~~أن يؤدي النشاط الناشئ عن ذلك إلى التخلص من السم الناجم عن الجرح ~~الذي في صدره؟ # هكذا ظل جيمي، خلال أيام الدفء العامرة، محافظا على أمانة سيد ~~النحل على قدر استطاعته، بمساعدة مارجريت كاميرون، وقد بذل ذهنه أيضا ~~نشاطا بقدر ما بذله جسده. وأسرع مما توقع بلغ سفح العرش. لم يكن ~~التسلق سيئا على الإطلاق وقد وجد بالفعل، قريبا على الجانب المواجه ~~للبحر من الصخرة الكبيرة، أخدودا طويلا على شكل مقعد رائع، مقعد ~~يناسب منحنيات جسده، مقعد يمكن عند فرشه بمعطف العمل الخاص بسيد النحل ~~أن يكون رائعا للاستلقاء عليه، والاستجمام، والتشبع من الشمس، وتنفس ~~الهواء المشبع بالملح عند هبوبه من غرب القمة. # لم يكن قد وصل إلى مرحلة أن يقرر إن كان سيصمد. كان ذهنه ~~مضطربا فحسب تتنازعه الأفكار والتخمينات والاحتمالات. فإن سأله أي ~~شخص، شخص له الحق أن يسأله، ورد عليه ردا صريحا، كان سيقول إن ~~ستة شهور، دون أي شك مطلقا، ستكون مدة توليه تلك المهمة. فقد صار ~~في أسوأ حال بعد عام من الحصول على أفضل علاج استطاعت الحكومة توفيره ~~له. فكان يعتقد أن ستة شهور تقريبا ستكون النهاية. كان أحيانا ~~ينتابه بعض القلق لأنه لم يتلق الدعوة لزيارة المستشفى. وظل ms082 في ~~الساعة السادسة كل ليلة يرد على الهاتف ويبلغ بأن سيد النحل يتعافى ~~بصعوبة. وأنه لم يكن قادرا بعد على الحديث أو التفكير في ~~العمل. # وكان في كل مرة يتلقى واحدا من هذه التقارير، يتصل بالكشافة ~~الصغير على الرقم الذي أعطاه له ويخبره بالتقرير . وقد جاء الكشافة ~~الصغير إلى الحديقة مرتين في زيارة قصيرة بعد المدرسة. وكان جيمي في ~~كل مرة يفترق عن صديقه الجديد بأسف أشد. حيث يتجلى له جانب جديد من ~~عقلية الصغير فيدهشه، وأحيانا يصدمه، وأحيانا أخرى يسعده، وأما ~~مسألة جنسه، فلم يقترب من التحقق منها قيد أنملة عما كان في ~~اليوم الأول. # بعد عشاء اليوم التاسع، سلك جيمي سبيله للمرة الثانية بامتداد ~~الجدار الخلفي، عابرا الشاطئ، وتسلق ليصل إلى العرش. كان متزودا ~~بقبعة قديمة عريضة الحواف متدلية ومعطف قديم. تسلق العرش ولبث عند ~~مقعد خاص به تمكن من صنعه بجهد كبير وقوة فاقت ما كان يظن أن ~~باستطاعته استجماعها. كان قد جمع بعض القطع المهشمة من الصخور ~~ورتبها ترتيبا مختلفا متنحيا أكثر جهة اليسار، وهكذا صار لديه ~~مقعد. متلفعا بالمعطف، جلس على المقعد ليواجه السماء والبحر ~~بحقيقتهما السرمدية. لم تكن الأرض ظاهرة في المشهد على الإطلاق. كانت ~~صفحة السماء تقترب: وأمواج البحر الهادئة تتدافع، وبعيدا في الأفق ~~توهج لون أحمر خافت علامة على موقع الشمس التي ألقت بأشعتها على ~~العالم الذي راح يتحول عنها شيئا فشيئا. # عندئذ استغرق جيمي أكثر في التفكير. فقد كان ذهنه يعمل كثيرا تلك ~~الأيام. فهو ما زال يتأمل الموت، لكنه على الأقل صار لديه تصور ~~أكثر شجاعة في مواجهته. وحين أخذ يتأمل الحياة، لم يكن يفكر في ~~نفسه، أو يلقي باللوم على حكومته، أو يشفق على سائر الرجال المصابين. ~~إنما كان يفكر في ذلك الشيء الوحيد الذي ربما يمكنه فعله وماذا قد ~~يكون ذلك الشيء الذي سيشفع له بعض الشيء، حين يواجه خالقه، على ~~استنفاده أيامه الأخيرة. # الفصل السابع # | سيدة العاصفة # أتى اليوم الجديد غارقا في الضباب والسكون ثم هبت رياح ms083 باردة لم ~~يأبه جيمي بمجابهتها. وفي المساء فقط، حين نظر من الشرفة الخلفية ~~وجال ببصره في المنظر الممتد أمامه، أدرك أن الشيء الذي كان يريد أن ~~يراه سيحدث. فقد بدت ومضات البرق في الأفق. وبدأت ألسنة متشعبة من ~~الضوء تومض في السماء وساد سكون مشئوم، وبعيدا في اتجاه الشمال ~~والغرب أمكنه أن يرى سحبا سوداء كبيرة وقد أخذت تتكتل ~~وتتجمع. # شد جيمي قامته. وقال لنفسه: «إنها عاصفة!» وأضاف: «العاصفة! أقسم ~~بكل ما في الكون من خير وسلام، أن أراها من العرش ولو كان ذلك آخر ~~شيء أفعله في حياتي!» # تفحص الحديقة، وأزاح عدة أشياء يمكن للرياح العاتية أن تتلفها، ~~وبحرص أغلق النوافذ وأوصد الأبواب، ثم ذهب إلى الخزانة التي عند ~~الرواق الخلفي وفتش بين متعلقات سيد النحل عن ملابس مناسبة. بسط ~~معطف النحل والمعطف القديم، ثم وجد معطفا واقيا من المطر ثقيلا كان ~~هو ما يحتاج إليه بالضبط. # ارتدى معطف النحل، وحمل المعطف الخارجي ومعطف المطر واعتمر ~~القبعة عريضة الحواف القديمة، وأوصد الباب الخلفي وراءه وسلك سبيله ~~بتأن عابرا الممشى الخلفي، ومجتازا الرمال؛ ليصعد العرش. ومن ~~ثم جلس في الموضع المريح الذي أعده لنفسه، مرتديا المعطف الخارجي ~~وباسطا معطف المطر حتى يستطيع أن يضمه حوله، وضم إليه أغطيته ~~بطريقة محكمة بحيث لا يصيبه برد. ثم جلس يشاهد العاصفة المقبلة بشغف ~~شديد. # لم يكن يعلم أنه يضع قوى الطبيعة في مقارنة. لم يكن مدركا أن ~~العاصفة التي من شأنها أن تزلزل روح الإنسان وجسده حتى تدمره ظلت ~~محتدمة طوال سنتين في صدره المصاب، وفي قلبه، وفي عقله. لم يعلم أنه ~~لا يدرك قوتها وعنفها وعدم جدواها. لم يعلم لماذا أراد أن يرى السماء ~~وهي تهبط والبحر وهو يرتفع ثم يصلان إلى أقصى حدود ثورتهما. لم يعلم ~~أنه أراد أن يقارن بين العاصفة التي يمكنها اكتساح قلب إنسان مع ~~العاصفة التي يمكنها اكتساح العالم. لقد حاول بحق أن يحمي نفسه حتى ~~لا يعجل بشيء قد يكون مقدرا له. لم يرد أن يخفق، ms084 وقد ائتمنه سيد ~~النحل على منزله وأملاكه وعمله وهي كل ما يملك من حطام الدنيا، ولم ~~يعلم أنه مع اقتراب العاصفة أكثر، واشتداد سواد الغيوم، وتحول موجات ~~الحرارة إلى ومضات واضحة من البرق، ومع هبوط المساء بلونه الأسود مثل ~~المخمل حوله؛ لم يدرك أن عزيمته المعنوية والذهنية كانت ترتفع مع مد ~~العاصفة، وأن كل ما تبقى في جسده المتداعي من بقايا رجولة كانت تحتشد ~~معا لتبلغ قمة من نوع ما، تماما كما كانت العاصفة ستبلغ ذروتها في ~~الحال ثم تتراجع. # من دون أن يحرك ساكنا، وبأنفاس تكاد تنقطع من اللهفة، استلقى في ~~مقعده الصخري وتساءل كم سيبلغ ارتفاع المد على وجه التحديد. لم ~~يتبين إذا ما كان الماء قد يحيط بالنتوء الصخري. اعتقد أنها ستكون ~~عاصفة غير مسبوقة وأنها ستغمره. على أي حال، قرر أن يخوض المغامرة. ~~وربما كان يجدر به أن يسأل مارجريت كاميرون هل غمر الماء ذلك النتوء ~~تماما من قبل. لكنه متأكد أنه أعلى من أي مستوى رأى الإنسان المحيط ~~يرتفع إليه؛ ومن ثم فلا بد أنه آمن. # في اللحظة التي أدرك فيها جيمي أنه يحظى بأفضل وقت مر عليه منذ كانت ~~المدافع تدوي وكان القتال في المعركة محتدما وكان هو قادرا على ~~تسديد ما اعتبره ضربات قليلة مؤثرة، مصاحبا كلا منها بصيحة ~~مدوية قائلا: «باسم فوج المرتفعات الثاني والأربعين!» وحين شعر ~~بدمه يضطرب وروحه تتجاوب مع تكسر الأمواج التي ترش الرذاذ على ~~قدميه، وهزيم الرعد وتألق البرق، بالضبط مثلما سار القتال في صالحه ~~وكان جيمي جندي فوج المرتفعات الثاني والأربعين وبسيف سحري يقطع ~~رءوس عدد لا يحصى من الألمان مع كل ضربة سيف سريعة كالبرق، حدث له ~~أغرب شيء رآه طوال السنوات التي عاشها. إذ انبعثت رائحة غريبة بطيئة ~~وخافتة حتى أحاطت به تماما واكتنفته. # هبط جيمي من المعركة التي في خياله إلى واقع يومه والتفت برأسه إلى ~~اليمين. متحريا الرفق كما كان يفعل حين يزحف على بطنه نحو الألمان ~~في الأرض المتنازع عليها، باحثا عن ms085 رفيق مفقود أو مستكشفا مواقع ~~العدو، راح يتشمم هواء الليل. وأول معلومة مؤكدة شعر أنه يستطيع ~~الاعتماد عليها من المعلومات التي أرسلها أنفه إلى دماغه كانت رائحة ~~«المريمية». وتشمم مرة أخرى فأدرك زهرة خزامى الشواطئ؛ «رعي ~~الحمام الرملي»، واحدة من أرق وأروع الروائح الخفيفة في الطبيعة ~~بأسرها، ثم تسللت نفحة من زهور الربيع. وعندئذ، بالضبط حين أعقب ~~الصدع الذي بدا كأنه شق السماء هزيم الرعد المدوي، بلغ أذني جيمي ~~بكاء ملتاع كان أكثر ما قد سمعه في حياته إثارة للشفقة. وبينما هو ~~ساكن سكون الموت وجالس بين أغطيته، التفت رأسه، وتيقظ أنفه ~~وأذناه، وبعد برهة، وهو ما زال يتشمم وينصت، توصل إلى استنتاج: إن ~~العرش الذي كان يظنه غاية في الروعة، الذي سابق إلى الاستحواذ ~~عليه، الذي انتوى أن يشغله في عدة ليال من التواصل الوجداني في سعيه ~~للتقرب إلى الله، لم يكن عرشه الشخصي. لقد كان متطفلا عليه. إذ كان ~~هناك شخص آخر على معرفة بالطريق المتعرج المؤدي إلى القمة من ~~الخلف. شخص يخوض صراعا وبحاجة إلى أن يداويه الله من خلال الطبيعة ~~ليقوى على خوضه. حيث وقف بجانبه شخص تفوح منه رائحة مريمية ~~الجبال، رائحة الخزامى وزهور الشاطئ الذهبية، وكان لهذا الشخص صوت ~~امرأة، ليس بالصوت المبحوح، وليس بالصوت اللاهث لامرأة عجوز. يعلم ~~الله أن جيمي قد سمع نساء كثيرات يبكين؛ نساء من فرنسا، ونساء من ~~بلجيكا، ونساء من إنجلترا. لقد كان خبيرا بكل أنواع وألوان نشيج الأسى ~~الذي قد يعتصر جسد الأم، الزوجة، الأخت، الحبيبة. # على مهل، وبرفق، من دون أن يحدث صوتا بقدر ما استطاع، التفت ~~ليواجه هذه المرأة. كانت قد وصلت إلى مقعدها حيث جلس هو في البداية. ~~من الجائز أنها لم تعلم أن مقعدا آخر قد صنع، وراء المكان الذي لا ~~بد أنها قد اعتادت عليه، وإلا ما كان من الممكن أبدا أن تجده في ~~ظلمة العاصفة. لا بد أنها اعتادت الجلوس في ذلك الموقع خلال عواصف ~~أخرى، وإلا ما كانت سعت إليه وقد ms086 بلغت تلك العاصفة ~~أشدها. # وبعد أن تمكن الإجهاد من الطبيعة وبدأت تخف من حدة العاصفة التي ~~شنتها، حدث لجيمي شيء عجيب آخر. إذ راحت الريح الهائجة التي كانت ~~تهب من الغرب تتحول تدريجيا إلى الشمال وبدأت تطير شيئا على ~~وجهه، وهو شيء ناعم، شيء حريري، شيء راح ينسحب وينشد، ويلتصق به مع ~~الرذاذ المتدافع والمطر الغزير. ووسط ارتباك مشوب بذهول أخرج يده ~~ولمس وجنتيه برفق، فوجد عليهما خصلة حريرية من شعر امرأة. أدرك جيمي ~~أنه إذا علمت المرأة بوجود رجل هناك، فقد تذعر ذعرا شديدا حتى إنها ~~ربما تلقي بنفسها إلى البحر الهائج تحتهما على بعد بضع أقدام. لذا ~~تخوف من أن يتكلم، من أن يتحرك، ولم يخطر له أنه قد يكون بجانبه أنف ~~في مثل حساسية أنفه، وأنه قد تفوح منه في التو واللحظة رائحة يميزها ~~شخص آخر. # لم يعلم جيمي قط كيف ستتوالى الأحداث؛ لأنه في اللحظة التي تسللت ~~فيها يده لتزيح عن عينيه الشعر الذي حجب عنهما الرؤية، ضرب وميض ممتد ~~ومنخفض من البرق قلب المحيط وأضاء الصخرة للحظة بنور كالنهار. في تلك ~~اللحظة رأى جيمي وجها أبيض وعينين كبيرتين نجلاوين لامرأة، وجها ~~سيظل يتذكره ما دامت له ذاكرة، وجها لا يمكن بحال من الأحوال أن ~~ينساه أبدا. التقطت أذنه المرهفة شهقة الدهشة الحادة من وجوده هناك، ~~حيث يجوز جدا لأي شخص معتاد على الصخرة أن يفترض أنه لا يجد ~~أحدا، فعرف أنها صادرة عن امرأة معتادة على ضبط النفس. فهي لم تصرخ. ~~ولم تقفز. إنما التقطت أنفاسها فقط. # كان جيمي مستعدا إلى حد ما. فقد حاول تدبر أمره. ولم يؤخذ ~~على حين غرة مثلها. أما ما كان قد انتوى أن يقوله، وما ظن أنه ~~سيكون قولا عاقلا، فلم ينطق به قط. # لكنه وجد نفسه يقول: «لا تجزعي! ما الذي يؤلمك؟ دعيني ~~أساعدك.» # حينئذ أجابه الصوت الذي سيأخذ مكانه في ذاكرة جيمي مع العينين ~~والوجه - صوت رنان خفيض قوي يتخلله تهدج حزين مؤثر، صوت يهتز ~~بالمشاعر ومشدد ms087 بنبرات مألوفة لأذنيه - قائلا: «ما الذي جاء بك إلى ~~هنا؟» # أجاب جيمي: «ربما للسبب نفسه الذي جاء بك.» # أجابه الصوت: «أوه!» # أزاح جيمي الخصلات المسترسلة عن وجنتيه وشفتيه بأصابعه وجلس ~~ممسكا بها في يده بإحكام. وقد نسي حاله تماما وهو الذي كان قد خرج ~~ليقارن بين معركة الطبيعة ومعركة روحه؛ إذ قال للفتاة التي بجانبه: «هل ~~أخبرك أحد من قبل أن المشكلة حين يتقاسمها اثنان يصبح أمرها ~~هينا؟» # ثم ضحك ضحكة اسكتلندية خفيضة. وأرسل ذراعه اليمنى وتحسس شمالا ~~حتى طوق منكبي المرأة التي بجواره. # وقال: «ملابسك ليست كافية، كما أنك مبتلة! تعالي هنا للاحتماء ~~بمعطفي. وبعد ذلك؛ لأننا ليلا، ولأنني أعلم أن روحك محطمة وربما ~~جسدك معذب، فلتخبريني بالحقيقة. إنني على يقين أن باستطاعتي ~~مساعدتك. فكل مأزق له مخرج. وبإمكاني أن أفكر لك في حل.» # لم ينس جيمي قط أنه حين بلغ بذراعه الكتف التي بجانبه لم يقابله ~~انكماش ولا نفور ولا تردد. وعندما لمع البرق مرة أخرى رأى أن ~~المرأة التي كان يحاول مواساتها كانت شابة. لم تكن جميلة، لكنها كانت ~~جذابة جاذبية إنسانية. ولما كانت مبتلة بالمطر، مفعمة بالأسى، لم ~~يكن له حق أن ينتقدها. # قال ملتقطا حبل أفكاره مجددا: «إنني جاد.» وتابع: «إنني جاد. ~~أعدك أن أساعدك إذا أخبرتني.» ~~«لكن ... لكن كيف يمكنك مساعدتي؟» قال الصوت الذي سجل جيمي كل ~~نبرة من نبراته وهو يبلغ مسمعه. # قال جيمي: «لا أعلم.» وأضاف: «لا أعلم كيف أستطيع مساعدتك؛ لأنني ~~لا أعلم ما تحتاجين إليه. أعلم فقط أن بوسعي مساعدتك، وأنني سوف ~~أساعدك إذا أخبرتني ما الذي يزعجك.» # أثناء الصمت الطويل الذي أعقب قوله، هيأ جيمي معطف سيد النحل ~~الواقي من المطر ليستفيد منه أقصى استفادة ممكنة وأحكم قبضة ذراعه ~~اليمنى. وأخيرا، وسط هدير العاصفة المنحسرة، ووسط تكسر الأمواج ~~تحتهما، سمع مرة أخرى الصوت الذي كان ينتظره. # قالت المرأة، التي كان صدرها ما زال يعلو ويهبط، وكتفاها ما زالتا ~~ترتجفان: «لا أستطيع إخبارك. لا أستطيع أن أخبر غريبا في الظلام، ms088 ~~وسط العاصفة، بذلك الذي يؤلمني!» # قال جيمي مهونا الأمر: «بل تستطيعين.» وأضاف: «الآن أفضل من أي ~~وقت آخر. إن كان شيئا لا تفخرين به، فسوف يكون في الظلام ستارا ~~لك. وإن كان شيئا تخافينه، فيمكنك الاعتماد على قوى ساعدي ~~الأيمن. وإن كان أي شيء أستطيع كرجل أن أفعله لك، فأريدك أن ~~تعلمي أنك لي بمثابة أم أو شقيقة، أو أي قرابة ترين أن الرجل الذي ~~يحاول التصرف بالقدر المعقول من اللياقة لن يخل بها. سوف أعدك ~~وعد شرف ألا أتبعك، ولن أبذل أي مجهود في معرفة من أنت أو من ~~أين أتيت. إن كنت جئت هنا الليلة بنية إلقاء نفسك من هذه الصخور ~~إلى التيار المبتلع، فثقي تماما أنني جئت بالنية نفسها. أقر بأنه ~~خطر لي. فلدي في صدري عاصفتي الخاصة بي. لدي جروح ما زالت مفتوحة ~~وتنزف. ليس بي ما يجعلك بحاجة إلى التردد. إنما أقول لك إن صوتك ~~فتي، ووجهك يافع، وجسدك قوي، ومن الممكن بطريقة ما تدبر علاج ~~للقلوب الشابة المنفطرة، وإنني أعتقد بحق أن المشكلة عند البوح بها ~~تخف وطأتها. فلتخبريني.» # كاد جيمي أن يشعر بالإمعان في التفكير الذي جرى في ذهن المرأة التي ~~كان يحاول حمايتها ومساعدتها. # قال الصوت العميق أخيرا: «إنها قصة طويلة، وإنها قصة تشتمل على ما ~~يدعوه الناس خزيا. وإن الناس محقون إذ دعوه خزيا؛ لأنني ~~أشعر بالخزي. فأنا لا أستطيع أن أجلس هنا في وضح النهار وأتركك ~~لتسترني، وتنظر إلي، وأحكي لك. لا يمكنني أن أحكي لك إلا في عتمة ~~واضطراب مثل ذلك، والمؤكد أنك لن تستطيع أن تقدم أي عون، لكن إليك ~~المهم: ما دمت جئت وصمدت أمام العاصفة وعقدت العزم على مواصلة ~~السعي على الرغم مما قلت إنه جرح مفتوح في صدرك، فإنني أعدك ألا ~~ألقي بنفسي من فوق الصخرة. أعدك أن ألتمس سبيل العودة إلى الأصدقاء ~~الذين تركتهم، أن أعود لدياري، أن أواصل عملي، أن أفعل أفضل ما في ~~وسعي.» # قال جيمي: «هذا أمر جيد، لكن ليس كافيا. ms089 فليس منه جدوى سوى أنك ~~ستبقين على قيد الحياة؛ لأننا لا نحصل على الحياة في هذا العالم ~~بمشيئتنا، وليس من حقنا أن نفرط فيها إلى أن يتوفانا الله. إنني ~~أعرض عليك أن أحمل عن قلبك العبء الذي يعتصرك. أليس في الذراع ~~المبسوطة حول كتفيك القليل من الأمان؟ ألا يبدو صوتي صادقا؟ ليس لدي ~~أي مانع مطلقا في إخبارك من أنا، أو من أين جئت، أو أين سأذهب بعد ~~مغادرة هذه الصخرة. لقد أخبرتك أنني لن أتبعك. إن كان فيما ~~ستقولينه الليلة شيء يحمر له وجهك خجلا غدا، فإنني لن أتطفل، ~~لكنني أرجوك أن تصدقيني حين أقول إنني متأكد من قدرتي على ~~مساعدتك، إن أخبرتني.» # وكان ذلك كلاما جريئا وجسورا جدا أن ينطق به جيمي لأي امرأة ~~في محنة، وهو لديه ستة شهور ليعيشها وليس لديه نقود في جيبه. إلا أنه ~~نطق به بثقة تامة، وكان ثمة شيء في صوته يوحي بالاقتناع. وقبل أن ~~يعرف ما الذي حدث له بالضبط، حصل الشيء الذي كان يسعى إليه. إذ شعر ~~على امتداد جسده بانبساط العضلات المشدودة بجانبه. فانحنى ليمد ستار ~~معطف المطر. # فقال بالنبرة نفسها التي كان سيستخدمها مع طفل في السادسة من عمره: ~~«أحسنت يا فتاة.» ثم أضاف: «والآن، هيا أخبريني بما حدث لك. لست ~~بحاجة إلى أن تحكي القصة بأكملها. لك أن تحكيها في عشر كلمات إن ~~أردت. ما الذي يؤلمك؟ كيف يمكن إصلاحه؟» # استطاع مرة أخرى أن يشعر باجتهادها في التفكير. # قالت صاحبة الصوت المجاور له: «حسنا.» وتابعت: «أكثر ما أحتاج إليه ~~من الدنيا في هذه اللحظة هو عقد زواج وخاتم زواج، واسم لوالد طفل ~~لم يولد بعد. وإنني في حاجة ملحة إلى ذلك. هذا كل ما في الأمر. ~~والآن أوف بما وعدت به!» # قال جيمي في الحال بسلاسة: «حسنا.» وأضاف: «إن الاقتراح الذي ~~عرضته علي لهو أسهل شيء يمكنني تدبره. فلدي اسم وليس منه ~~أي فائدة لي، وليس أمامي وقت كاف لأستخدمه فيه. ولدي قوة كافية ~~لتدبر إذن الزواج ms090 ومراسم عقد القران إن لزم الأمر. إن تعهدت لي ~~بكلمة شرف أن يعالج البلاء الذي في قلبك بإعطائك الاسم الذي سأكف ~~عن استخدامه بعد قليل، فسوف تتأكدين أنني كنت محقا حين أخبرتك ~~أن باستطاعتي حل مشكلتك. لقد ظللت طوال الأيام الماضية أتساءل ما ~~هو الشيء الصالح والمشرق الذي أستطيع أن أقابل به الله حين يتوفاني، ~~حيث إنني سأتوفى بعد مدة قصيرة، وقد أتحت لي السبيل. أعتقد أنه ~~سيصبح تصرفا كريما جدا، أعتقد أنه سيكون شيئا يرضى عنه الله، إن ~~تركت اسمي لطفل صغير سيخطو خطواته نحو الأرض ليواجه ميراثا لا ~~تريدينه له.» # وعندئذ على نحو مفاجئ شعر جيمي بالسيدة بين ذراعيه تلتصق به. شعر ~~بيديها على صدره. شعر بهما تلتمسان وجهه. وشعر بالأنفاس الحارة ~~الصادرة عن صوتها. # قالت بأنفاس لاهثة: «أنا لا أصدق!» وأضافت: «ويحي، أنا لا أصدق! هل ~~ستحصل على رخصة زواج بي! هل ستقف معي في المراسم! هل ستتركني أحمل ~~اسمك!» # بلغ جيمي اليد التي على وجهه وأمسكها بإحكام بيده اليسرى. كان سريع ~~الخاطر فأحكم قبضته حول الكتفين المستسلمتين له. كان لديه من صفات ~~الرجل الاسكتلندي ما جعله يسيطر على الموقف. # قال: «أنت على حق تماما، سوف أفعل!» وتابع: «إنني أحدثك ~~بالحقيقة. انظري، إن كنت لا تصدقينني. سوف أقنعك.» وانتقل باليد ~~التي أمسكها حتى لمست أصابعها الأربطة التي على صدره. ثم سألها: «هل ~~أحسست بها؟» وأضاف: «إنك لا تلمسين جسد رجل. إنها أربطة تغطي جسد ~~رجل، وتحت تلك الأربطة يوجد جرح مفتوح لن يندمل أبدا. أنا أحدثك ~~بالحقيقة. لا يوجد على وجه الأرض شخص يمت لي بصلة قرابة. لا يوجد ~~من يهتم بما أفعله باسمي أو الشهور القليلة المتبقية من حياتي. ~~أقرب من كان لي من أسرتي هما أمي وأبي، وكلاهما قد توفيا، ولو ~~كان أي منهما موجودا في هذه اللحظة، لقال: «تستر على عار الطفل ~~باسمك، يا جيمي»!» ~~«جيمي!» قالت صاحبة الصوت المجاورة له لاهثة قليلا. وتابعت: «لا ~~يوجد في العالم بأسره اسم أحلى من ذلك لتعطيه ms091 لطفل صغير، إذا كان ~~صبيا. لكنها تضحية كبيرة جدا! إنه شيء لا ينبغي أن يطلب من أي ~~رجل، مهما كان حرا، ومهما كان راغبا!» # قال جيمي: «حسنا، أؤكد لك أنني حر. سوف أثبت ذلك بذكر وثائق ~~يمكنك العثور عليها. أنا جزء من تداعيات الحرب . تستطيعين العثور ~~على اسمي إذا بحثت عنه في المكان المناسب. وها أنا أخبرك الآن أنه ~~جيمس لويس ماكفارلين، ومنذ وعيت الدنيا وأمي وأبي ينادياني جيمي. وقد ~~هربت من المستشفى منذ بضعة أيام لأن حالتي ميئوس منها ولم أرد ~~الذهاب حيث أرادوا أن يرسلوني. هل تعرفين كامب كيرني؟ هل تعرفين ~~قرية الخيام المخصصة للطاعون الأبيض؟ لم أكن مصابا به ولم أرد ~~الذهاب إلى هناك؛ لذلك وليت الفرار. ابتعدت حتى المنحل القائم تحت ~~بالضبط على سفح الجبل، ولم أقو على الابتعاد أكثر من ذلك. كنت أسير ~~مترنحا نحو سيد النحل حتى ينجدني، لكنه سبقني إلى ذلك، وطلب مني أن ~~أنجده. ظننت أنني لن أستطيع، لكنني استطعت. ساعدته على بلوغ ~~المستشفى في الوقت المناسب لإجراء الجراحة له. وإنني الآن مقيم في ~~منزله، أرعى أملاكه. لقد أخبرتك باسمي بكل صدق، وأين تستطيعين ~~العثور علي. وأقول لك إن بإمكانك الحصول على اسمي وقتما أردت ~~الحصول عليه.» ~~«غدا؟» قالت الفتاة لاهثة الأنفاس. «هل تسمح لي بالحصول عليه ~~غدا؟» # قال جيمي: «وقتما تريدين، وأينما تريدين.» وتابع: «أخبريني أين ~~تريدين أن أذهب وماذا تريدين أن أفعل.» # وعندئذ، قبل أن يدرك جيمي مطلقا ماذا كان يحدث له أو ما الذي على ~~وشك الحدوث، شعر بتحول آخر في وضع المرأة التي بين ذراعيه، وفي اللحظة ~~التالية طوقته بذراعيها. ثم أمسكت يداها بجانبي رأسه، ورفع وجهه ~~لأعلى، ومال إلى وجهه وجه مبلل بارد مالح، ولمست شفتان باردتان ~~وجنتيه، وقال صوت لاهث: «أوه، كم أنت طيب! كم أنت طيب! لم أكن أعلم ~~أن هناك في العالم كله رجلا مثلك! هل تقابلني غدا عند الساعة ~~الثالثة في مكتب الزواج في لوس أنجلوس؟ هل ستعمل حقا على استخراج ~~رخصة الزواج؟ ms092 هل ستقف معي خلال المراسم التي فيها إنقاذ حياتي ورفع ~~عبء أسود عني؟» # قال جيمي: «سوف أفعل!» أجابها جيمي. ثم أضاف قائلا: «لا تشغلي ~~بالك ولو دقيقة أخرى. جففي عينيك وابتهجي! سأكون هناك ويشهد على ~~ذلك الله من فوق عرشه وتأكدي أنه ما زال في هذا العالم عدالة ~~للنساء. وإن لم تجديني هناك، فاعلمي أن النمر الأحمر (أسد الجبال ~~الأمريكي) قد التهمني حتى الأحشاء فلم يعد بمقدوري الوصول، لكن لا ~~تقلقي، لأنني سأكون هناك. فلا يمكن أن يمنحني الله هذه الفرصة ~~المشرقة ثم ينتزعها مني.» ~~«هلا جلست هنا، في هذا المكان، بضع دقائق أخرى؟» سألته ~~الفتاة. ~~«سأبقى الليل بطوله إذا طلبت مني ذلك»، قال جيمي رابط الجأش، بيد ~~أنه لم يكن رابط الجأش تماما؛ إذ كان قلبه يتمزق حتى إنه خاف أن ~~يسقط من الفتحة التي تعلوه، وكان دمه يندفع في عروقه كما لم يعهده ~~من قبل قط. ربما كانت الفتاة بين ذراعيه باردة ومبتلة وملطخة ~~بالملح، لكنه لم يكن باردا ولا مبتلا. ومن ثم عانقته عناقا ~~قويا آخر وقبلته قبلة أخرى - تصادف أن تأتي على طرف أنفه ~~بالضبط، وليس المكان الذي أراده على الإطلاق - ثم رحلت وسمع خطوات ~~سريعة تهبط مؤخرة الصخرة، واستطاعت أذناه المدربتان أن تسمعا أول ~~وقع أقدام على الشاطئ المعتم. # جلس هناك وانتظر بينما ينظر على الأمواج المتكسرة وعبر البحر ~~المتلاطم، وما لبث أن هدأ من روعه حتى يتسنى له التفكير بمنطق ~~وهدوء، ثم قال: «مثل هذا الحدث السريع يدل على ما يبدو على أن ما ~~تبقى لي من العمر هو وقت قصير، وإن كان لدي فرصة فعل شيء عظيم في ~~هذا العالم فعلي أن أفعله وبسرعة. لذلك سأشرع في الساعة الثالثة من ~~عصر الغد فيما يبدو لي أنه الجزء المشرق من مغامرتي الكبرى.» # الفصل الثامن # | زفاف من نوع جديد # حين تلاشى أخف صوت لوقع الأقدام، عاد جيمي للاستقرار في موضعه على ~~الصخرة، وشد عليه أغطيته، وحول وجهه صوب البحر، الوجه الذي كان ~~قد ضمته يدان ms093 قويتان مندفعتان لامرأة، الوجه الذي كان قد أمطرته ~~قبلات منزهة تماما تعبيرا فقط عن التحرر من عبودية العار. لقد ~~كوفئ بأكثر العملات التي يرومها الرجال في عالم النساء، ومن ثم ~~تجزل النساء في عطائها في أغلب الأحيان. # بحث جيمي بين ملابسه ووجد منديلا. فأخرجه ومسح وجهه بحرص. لم يكن ~~هناك في القبلات المبللة المالحة التي تلقاها ما أراد الاحتفاظ ~~به، ولا حتى ذكراها؛ لأن الفتاة التي منحته إياها لم تقصد بها ~~شخصه. فقد منحت قبلاتها الحقيقية لشخص آخر. أما هذه القبلات فما هي ~~إلا التعبير الأول المتاح عن الامتنان على الحرية؛ حرية أن ترفع ~~رأسها، حرية أن تواجه العالم، حرية أن تمضي في حياتها من دون أن ~~يوجه إليها «إصبع الاحتقار» الجاهز دائما. # ابتسم جيمي ابتسامة متجهمة وهو يدعك وجهه. # ثم قال للأمواج المتكسرة تحته: «أرجو ألا تظن أنها قد خدعتني ~~البتة بتلك القبلات. لا بأس. هنيئا لها اسمي. هنيئا لها الخاتم - ~~ما دامت ستشتريه بنفسها - وهنيئا لها عقد الزواج. لم أرها جيدا، ~~لكنها لم تبد امرأة لعوبا مما رأيته. # سوف أقول لها ذلك. كما أنها لم تتصرف كمن اعتاد على الاستعانة ~~بالناس لتلقي على كاهلهم الكثير من أعبائها. من المؤكد أنها لم تكن ~~خائفة على جسدها، وإلا ما كانت ستأتي إلى هذه الصخرة قرب منتصف الليل ~~في هذه العاصفة، غير خائفة خوفا ماديا؛ لكن أعتقد أن الضغط النفسي ~~هو ما يصل بالناس إلى الحضيض. أعتقد أنه الخوف المعنوي أو الضغط ~~العصبي، أو سمه ما شئت، هو ما ظل يضنيني طوال العامين الماضيين. ~~وليس خوفي من الموت جسديا. وحده الله يعلم أنني رأيته كثيرا لدرجة ~~أنني قد أخضع له كما رأيت آلاف الصبيان يخضعون له! إنما حيث إنني ~~على قيد الحياة، وحيث إنني أتنفس، وحيث إن هناك شبح احتمال أنه قد ~~يصبح لي حظ قليل في النجاة، فإنني أكره أن أقف ساكنا وأشاهد حياتي ~~وهي تذوي شيئا فشيئا. وإن سبب كراهتي للرحيل هو أنني لم أعش قط، ~~لم أحصل قط ms094 على الأشياء التي تمثل الحياة الحقيقية للرجال، وإنني ~~أريد أن أتذوق طعم الحياة! أعرف عن السماء والبحر والأرض ما يكفي ~~ليجعلني راغبا في بدء عمل العناية بالأشجار وأنقل خبرتي به كما كان ~~هدفي دائما.» # وبعد ذلك، ظل جيمي جالسا، بعض الوقت، متجاوزا الوقت المحدد بكثير، ~~وشاهد السماء وهي تصفو، والبحر وهو يعود إلى سكونه تدريجيا. وما ~~لبث أن استطاع أن يرى النجوم مرة أخرى، وطالما ارتبطت رؤية النجوم في ~~ذهن جيمي ببصيص من الأمل. منذ أن قرأ خطبة كتبها أحد أكبر ملحدي ~~زمانه حيث قال عند قبر شقيقه الحبيب، حين واجه الاختبار الأكبر بنفسه: ~~«في ليل اليأس، يرى الأمل نجما وعند الإصغاء يستطيع الحب أن يسمع ~~حفيف الريح»، وقد اعتقد جيمي أنه ربما لم تنطق شفتا إنسان كلمات ~~أكثر جمالا من تلك. ربما كان هذا «ليل اليأس» بالنسبة إلى الفتاة ~~المسكينة التي ضمها بين ذراعيه بضع دقائق وجيزة. وبالنسبة إليه فقد ~~ظل كل ليل يمر عليه هو ليل يأس لزمن طويل. كان آسفا، آسفا حتى ~~أعماق قلبه على الحزن الذي عصف بفتاة لطيفة وقوية تفوح منها رائحة ~~الغابات، ومريمية الجبال والخزامى وزهور الشواطئ الذهبية مثل البخور، ~~فمزقها، ودفعها للجنون. كان هذا ما يدعو للشفقة في الأمر. كيف حاق ~~العار بفتاة من الغابات؟ أيقن جيمي أنه ما دام حيا فسيظل في أنفه ~~العبير الذي غشيه أول الأمر، حين حملته إليه رياح العاصفة، كما ~~سيظل شاعرا بخصلات الشعر الحرير التي تعلقت به كأنها لم تنزع ~~عنه. لا بد أن لديها شعرا كثيفا طويلا رائعا. وحينئذ تساءل كيف ~~أنه كان بلا رباط. ثم تذكر شيئا آخر، وميض البرق الكاشف الذي جعله ~~يرى الفتاة بوضوح. لم يفكر في الأمر حينذاك، لكنه تذكره الآن. كشف ~~ذلك الوميض عن قدمين حافيتين ولون أبيض فوقهما. ~~«يا إلهي!» خاطب جيمي بصوت خفيض روح البحر الذي راح يقترب منه ~~بشدة في تلك الساعة. «يا إلهي! لقد كانت ترتدي ثوب نوم وفوقه أحد ~~تلك الأثواب الفضفاضة الخفيفة. أتذكر ذلك من ms095 ملمسها ومن قدميها ~~الحافيتين. لقد استسمحتني الانتظار بضع دقائق قبل أن أمضي. هذا ~~معناه أنها كانت قد ذهبت للفراش ثم سيطرت عليها رغبة ملحة فقررت ~~أن تبيت في قاع البحر، فارتدت ثوبا خفيفا وجاءت كما هي إلى هذا ~~الموقع الذي تعرف السبيل إليه جيدا . فما كان من الممكن أن تصعد هذه ~~الصخور في سكون مثل سكون الأفكار، وما كانت ستقدر أن تهبطها بسرعة ~~وسلاسة كما فعلت إن لم تكن على معرفة جيدة بها، وما كانت ستبتعد ~~خلال دقائق قليلة عبر رمال هذا الشاطئ الغارق. هذا معناه أنها جاءت من ~~مكان قريب جدا من هنا.» # وهنا، كما لو أن شخصا تخيليا يتحدث معه، أردف جيمي: «لعلك ~~تتذكر ما قلته لها، أيها الرجل الطيب، لقد وعدتها وعد شرف ألا ~~تحاول البحث عنها.» # فأجاب جيمي وقال: «لكن كيف سأحافظ على ذلك الوعد؟ كيف سأتزوج فتاة ~~بذلك الوجه النبيل، والشعر الحرير، ويدين تعطيان شعورا بالغا ~~بالأمان؛ كيف سأقف وأتعهد بأن أحبها وأرعاها ما دمنا حيين، ثم ~~لا أعمل من أجلها، ولا أتساءل أين هي وماذا سيحدث لها، وما إذا لم يكن ~~بإمكاني أن أفعل لها شيئا غير إعطائها اسمي من أجل تفريج ~~كربها؟» # وعندئذ، للمرة الثانية في تلك الليلة، فكر جيمي في مغامرته ~~الكبرى، وقال للبحر وللشخصية التخيلية التي بدأت معه الحديث: «لست ~~متأكدا فربما ما أسميته مازحا مغامرة كبرى بهدف استنهاض عزيمتي ~~فحسب يتمخض عن مغامرة أعظم شأنا مما توقعت.» # حينئذ رد الصوت التخيلي على جيمي مرة أخرى، وكان صوتا ساخرا ~~ضحك منه واستهزأ به. إذ قال: «حسنا، أيها السيد المقبل على الزواج، من ~~الأفضل أن تعود للمنزل وتشد من عضدك بالراحة والنوم. يفضل أن ~~تكوي سروالك وترى إن كان لدى السيد ربطة عنق لائقة يمكنك ~~اقتراضها. ما دمت ستصبح عروسا يجدر بك أن تفكر في الشروع في ~~الاستعداد.» # ولما أحس جيمي بالسخرية في الصوت، دافع عن نفسه. فقال: «حسنا، ~~ماذا كنت ستفعل أنت؟ إذا لم يكن لديك من قريب على وجه الأرض، ms096 وإذا كنت ~~تعلم أنك لن تحيا لترى العواقب، وإذا أوشكت امرأة، شابة وجذابة، أن ~~تلقي بنفسها في البحر أمامك، ألم تكن ستنقذها بأي وسيلة في إمكانك؟ ~~ألم تكن ستمنحها اسما لن يضر منحك إياه لها أحدا وربما يساعدها ~~طوال حياتها المتبقية؟» # لم يسمع أي رد على ذلك، فصرف انتباهه إلى البحر مجددا. ثم قال ~~متجهما: «أود أن أعرف ما الذي تفعله الكثير من الأمهات في هذا ~~العالم. ما دام لديهن معرفة كافية عن التأثير الشديد لجاذبية الجنس ~~حتى إنهن تزوجن رجالا وأنجبن أطفالا، فكيف، بحق الله، لا يعلمن ~~ما الذي يجعلن الشباب يواجهونه حين يطلقن لهم اللجام في حرية تامة ~~لا يحدها حد في الجبال ووسط الوديان وعلى الشواطئ وفي المتنزهات ~~وقاعات الرقص والشوارع؟ أليس بمقدورهن أن يرين أنه مهما تغير الزمن ~~والعادات، فإن رغبات القلب واندفاع الجسد لا تتغير؟ بل إنها لا تزداد ~~إلا إلحاحا مع الحرية والانفلات والاتصال الجسدي المتاح في هذه الأيام ~~العجيبة.» # ثم نهض جيمي مترنحا وارتدى معطف المطر وراح يتحسس الطريق ~~بقدميه، في هبوطه المسار المنحدر الذي ألفه خلال المرات القليلة التي ~~تسلقه فيها للحد الذي يكفل له اجتيازه بأمان. ومضى في سبيله ~~مجتازا الشاطئ بالالتفاف بين الأمواج المتدافعة وزهور الربيع ~~المتشابكة. فحين يجد نفسه بين شباك زهور الربيع التي تنذر بتعثره، ~~ينحرف نحو المياه. وحين تتناثر عليه المياه، ينعطف نحو زهور الربيع، ~~وبذلك وصل أخيرا حيث تلقي مصابيح منزل سيد النحل ضوءا مرحبا على ~~سفح الجبل. فتحسس السياج الخلفي حتى بلغ البوابة، وبعد ذلك كان من ~~السهل الوصول إلى الباب الخلفي، وقد كان متهيئا تماما للباب ~~الخلفي حين فتحه. حيث ارتمى على أول مقعد قابله ليستريح بعض ~~الوقت. # قال جيمي: «لا أعلم بالمرة حتى إن كان القران الذي سينعقد غدا، ~~أم هو اليوم؟» رمق الساعة ورأى لدهشته أنه اليوم «لن يقتصر على ~~جهد يوم واحد.» إلا أن تلك الكلمة التي ألقيت إليه بسخرية هناك على ~~الصخرة، «عروس»، ظلت تتردد في أذنيه. أن يصبح الرجل ms097 عروسا لهو أمر ~~جلل مهما كانت الظروف. من المفترض أن يكون أروع شيء في العالم ~~بأسره. وفي الظروف العادية، لا يفترض أن يكون في قلب الرجل شيء أكبر ~~ولا أسمى ولا أقدس من أن يكون عروسا للعروس التي اختارها، إلا حب ~~الله. لكن الظروف التي اتفق فيها على أن يصبح عروسا لم تكن عادية ~~بالمرة. كلا، مطلقا. فقد ثارت عاصفة في الطبيعة، وعاصفة في قلبه، ~~وعاصفة في قلب الفتاة. # قال جيمي: «يا للهول!» وتابع: «يا لها من عاصفة! إعصار شديد! إنني ~~ذاهب إلى الفراش، على أي حال، لوضع الأمور في نصابها غدا وسأرى إن ~~كنت سأستطيع النوم أم لا. فإن استطعت، ترى إلى كم من الوقت سأحتاج، ~~وكيف سأجد المكان الذي وعدت أن أوجد فيه.» # هنا خطرت على باله مارجريت كاميرون. من الممكن أن تخبره بخطوط ~~العربات الواجب أن يستقلها، وعند الوصول إلى وسط المدينة لن يصبح من ~~الصعب العثور على المكتب المختص الذي تعقد فيه معاملات ~~المقاطعة. # ومن ثم استلقى جيمي وأغمض عينيه، ولفه سواد الليل المخملي ~~وبلغته حركة البحر المنتظمة وهو يتكسر على الشاطئ القريب جدا ~~بإيقاع منسجم. وهبت ريح شديدة بعض الشيء حتى لتسمع لها صفيرا ~~منخفضا. كان مرهقا جدا، لكنه فعل ما يجعله يزهو بنفسه حتى الآن. ~~فقد قال للفتاة إنه سيساعدها إذا أخبرته بمشكلتها، من دون أن يكون في ~~رأسه فكرة عن الطريقة التي سيساعدها بها. ومن شدة حزنها استطاع أن ~~يقيس شدة شعورها بالفرج، فرج جعل شفتيها تلثمه، ويديها تتشبثان ~~به في جموح. فقد أنقذ كرامتها ربما أمام العالم. لقد عرض عليها ما ~~لم يحمل له نفعا كثيرا، بدلا من الرجل الذي كان أنذل من أن يفي ~~بالتزاماته. وفي النهاية، سيصبح لديه شيء جميل ليتأمله حين تأتي ~~الساعة الأخيرة. ربما كان الكشافة الصغير محقا بشأن أنواع الموت ~~المختلفة. ربما حين تأتي ساعة جيمي سيمكنه التفكير في فرحة النجاة، ~~والخلاص، والبهجة المفرطة، التي قضت على الشعور بالخوف والمذلة لدى ~~الفتاة التي يحاول مساعدتها. ربما سيتمكن ms098 من أن يضم يديه ويستغرق ~~وادعا في النوم، وربما سيحمل وجهه على الأقل الابتسامة الغامضة التي ~~تحدث عنها الكشافة الصغير، إذا تسنت له فرصة الدخول من البوابات ~~ومقابلة أمه. # وفي اليوم التالي انطلق دوي المنبه الذي كان قد ضبطه على الساعة ~~السابعة، فاستيقظ من سبات عميق وذهب لتناول الفطور وري الزرع. ~~اكتفى بإخبار مارجريت كاميرون بأنه لديه بعض المصالح في البلدة. لا، ~~لم يكن ذاهبا إلى المستشفى، لأنه رأى في عينيها الرغبة في الذهاب ~~معه. لم يكن سيذهب إلى المستشفى قبل أن يطلبه الدكتور جرايسون. سوف ~~يعود في المساء في ميعاد تناول العشاء، وربما قبل ذلك. ليست إذن في ~~حاجة إلى إعداد غدائه. # قام جيمي بأهم الأعمال التي ظل يؤديها يوميا خارج المنزل، ~~مؤجلا منها بقدر ما استطاع لليوم التالي. ثم دخل ليستريح بعض ~~الوقت. بعد ذلك راح ينظف ملابسه ويبحث في الأدراج والخزانات، فقد ~~أخبره سيد النحل أن باستطاعته استخدام ملابسه إذا أراد تغيير ملبسه، ~~نظرا إلى الحقيقة الساطعة أنه قد قابله على الطريق وليس لديه سوى ~~الملابس التي يرتديها. أمعن جيمي التفكير ثم اختار قميصا حريريا ~~رماديا في غاية الأناقة وربطة عنق ذات لون أزرق فاتح. ونظر إلى ~~سرواله مستنكرا. إذ كان قد نام به واستخدمه استخداما قاسيا، وأدى ~~بعض الأعمال وهو مرتد إياه. لذا فهو ليس بالسروال المناسب لعروس. كان ~~مقاربا جدا لسيد النحل في طوله وبنيته حتى إن السروال الرمادي ~~الذي وجده مبسوطا في درج خزانة الأدراج كان مناسبا له تماما. واصل ~~البحث، حتى كاد يغطي الفراش بالملابس التي بدت له لائقة إلى حد ~~كبير بعروس حقيقي. # ثم ذهب للاغتسال، وعندما تمكن من وضع ضمادة جديدة على صدره الأيسر، ~~انتابه تردد بشأن المطهرات، فأغفلها. لم يرد أن يذهب إلى عروسه ~~بينما تفوح منه رائحة الدواء. حيث إنها هي نفسها كانت تفوح منها ~~رائحة الزهور، فسوف يحذو حذو أعظم حبيب عرفه العالم على الإطلاق ~~بأن يجعل الرائحة المنبعثة منه رائحة الملابس الجديدة فحسب، رائحة ~~النظافة المطلقة. # كان ms099 جيمي في جوهره رجلا نبيلا. وحين أوصد الباب الأمامي وسار ~~الممشى من أجل رحلة قصيرة إلى خط الترام الواقعة نهايته على بعد ما ~~يقرب من العشرين مترا، كان شاحب الوجه واليدين كما حتمت حالته. أما ~~فيما عدا ذلك، فقد كان رجلا جذابا. وقد شمخ برأسه عاليا. وجعل ~~قامته منتصبة، كما كانت تقتضي التدريبات العسكرية الكثيرة. وخرج ~~مرتديا أفضل حذاء لدى سيد النحل وسرواله الرمادي ومعطفه الأسود، ~~وبقميصه الحرير الرمادي وربطة عنقه ذات اللون الأزرق الفاتح، وقبعة ~~سوداء عريضة الحواف؛ خرج مرتديا الملابس اللائقة التي قد يرتديها ~~أي سيد محترم وهو ذاهب إلى عرسه. ومن ثم سار متوخيا بالغ الحذر ~~لئلا يتراكم الغبار على حذائه قبل أن يبلغ الترام؛ وإذ هو متخذ ~~حذره خطر على ذهنه أن يتساءل أين توجد الفتاة التي سيتزوجها في تلك ~~اللحظة؟ وماذا كانت تفعل؟ وهل ستأتي في المكان المحدد لملاقاته؟ وكيف ~~ستبدو؟ وماذا ستقول له؟ وبأي كلمات ستتركه وقد حصلت منه على ~~الأشياء التي أقرت بأنها في أمس الحاجة إليها، اسم، وعقد زواج، ~~وخاتم. # حين خطرت له مسألة الخاتم، اشتعلت وجنتا جيمي بحمرة باهتة. فقد ~~ساوره هاجس أنه بالغ في الشطط. حيث قبل أن يحمل سيد النحل من منزله ~~كان قد أشار إلى درج صغير في مكتبه سيجد فيه جيمي نقودا للطوارئ، من ~~أجل الحليب، أو الثلج، أو أي شيء قد يحتاج إليه إلى حين عودة سيد ~~النحل. وقد أخذ جيمي عشرة دولارات، حفظا لكرامته من ذلك الدرج، في ~~هذا الصباح. لم يكن متأكدا إن كانت العشرة الدولارات ستفي بتكلفة إذن ~~الزواج. إذ كان إذن الزواج من السلع التي لم يفكر فيها من قبل. فلم ~~يكن لديه فكرة عن تكلفة ذلك الشيء، لكن ساوره يقين بأنها لن تزيد ~~عن عشرة دولارات. القليل من الفكة من أجل أجرة الترام، ولشطيرة ~~يتغدى بها والنقود من أجل الإذن. من الوارد أن تكون الفتاة قد ~~توقعت سداد ثمنها من مالها الخاص، لكن لن يقبل جيمي البتة مبدأ أن ~~تدفع امرأة ms100 تكلفة إذن زواجه. وما دام قد انبرى للأمر على كل حال ~~وسيتزوج الفتاة، والعرس عرسه، العرس الوحيد الذي قد يحظى به؛ لذا ~~أراد أن تكون ملابسه لائقة وأنيقة، حتى إن اقترض الملابس، وأراد أن ~~يسدد نفقات عرسه حتى إن اقترض النقود. لو لم يكن قد مكث هناك واعتنى ~~بالنحل، كان سيطلب من شخص آخر القيام بذلك ويتقاضى نقودا، كما أنه ~~سوف يعيد العشرة الدولارات حين يستلم أول أجر له. فقد اقترض ذلك ~~المبلغ. # أما بخصوص حلقة الذهب الرفيعة الصغيرة المنقوشة التي بدت كما لو ~~كانت تناسب إصبع امرأة، بخصوص الخاتم الصغير الذي صادفه بين أزرار ~~ياقات سيد النحل وأغراضه الصغيرة، فقد كان بحوزته. كان في جيب سترته. ~~قد يكون تذكارا، قد يكون شيئا ثمينا، ربما لم يكن بين أغراض سيد ~~النحل شيء أعز منه عليه. لم يكن قد قرر بعد إن كان سيستخدمه ~~أم لا، لكنه كان بحوزته على أي حال. وبذلك استمد القوة من الملابس ~~والنقود والخاتم، إذا حمل نفسه على استخدامه. # وعندئذ خطرت له فكرة. كان احتمال تحقيق فكرته ضئيلا، وهكذا ~~تشاور مع السائق، وبعد عدة تغييرات نزل أمام دار القضاء القديمة بينما ~~ما زالت لديه بضعة دقائق قبل الموعد. فذهب مسرعا إلى مكتب أذون ~~الزواج في الطابق الأرضي. وأخبر الموظف أنه سيعود بعد قليل مع سيدة ~~شابة للحصول على إذن زواج، وسأل عن تكلفته، فوجد أن لديه فائضا من ~~النقود مما بث فيه شعورا بالراحة. وحينئذ بأقصى سرعة تلائم حالة ~~ركبتيه، غادر دار القضاء وعاد إلى الشارع. ونظر حوله، عن يمينه وعن ~~يساره وأمامه، وأثناء ذلك البحث وجد متجر مجوهرات. # بدا له متواضع المظهر، فدخله واتجه نحو البائع الذي أمامه صندوق ~~مليء بالخواتم. فوضع النقود التي يستطيع الاستغناء عنها على المنضدة ~~وقال: «هل من الممكن أن تعطيني خاتما بسيطا ومتواضعا مقابل هذا ~~المبلغ؟» # لم يكن البائع معتادا على بيع خواتم مقابل ذلك المبلغ من المال، ~~لكنه كان من أصل عبراني؛ فكان فطنا، لقد أدرك أن النقود التي ms101 على ~~المنضدة هي كل ما ينوي الرجل الماثل أمامه إنفاقه. وإن لم يأخذها ~~فسوف تضيع عليه. وهكذا بعد بعض البحث وجد خاتما رأى جيمي أن حجمه ~~سيكون مناسبا. وقد بدا مقبولا إلى حد ما، وبذلك حصل السيد العبراني ~~على المال وحصل جيمي على الخاتم . ومن ثم نقل الخاتم الذهبي اللامع ~~الذي اقترضه من سيد النحل إلى الجيب الأيسر للسترة التي يرتديها، وفي ~~الجيب الأيمن، في متناول أصابعه، دس الخاتم، الذي كان له ميزة ~~اللمعان على الأقل. # بعد ذلك عاد أدراجه إلى دار القضاء، وبمجرد أن دخل المكتب وجد ~~قبالته امرأة تعرف عليها في الحال. عرفها من طولها، وعرفها من ~~عينيها؛ تعرف عليها من دون أن يعلم كيف عرفها أو السبب على وجه ~~الدقة. كان هو عروسا، أما المرأة التي أمامه فلم تكن عروسا. إنما ~~بدت كأرملة، هكذا دلت عنها ملابسها. فقد كانت فتاة العاصفة متشحة ~~بالسواد من رأسها إلى قدميها. حيث ارتدت على رأسها قبعة محكمة صغيرة ~~وقد أخفضت بشدة حتى إنه بالكاد استطاع أن يلمح العينين اللتين كان ~~على يقين أثناء وهج البرق من أنهما سوداوان أو بنيتان. وقد بدتا في ~~إضاءة المكتب بنيتين، بنيتين يخالطهما لون رمادي. كان الشيء ~~المثير للدهشة في الزي الذي ارتدته الفتاة هو الطرحة. إذ يمكنه ~~القول إنها طرحة أرملة. فقد كانت سميكة وسوداء، وتنتهي أطرافها ~~بشريط ستان عريض. وغطى الشريط فمها وذقنها، وأظلت القبعة ~~العينين فكانت عينين خاليتين من التعبير وخط من الوجنتين والأنف هم كل ~~ما سمح لجيمي أن يراه من عروسه المرتقبة. # اعتراه شعور بالصدمة لمدة دقيقة، ثم أدرك أن الموت بطريقة ما ~~تجسد في المغامرة التي هو مقدم عليها في ذلك اليوم. كانت الفتاة في ~~حالة حداد. من الجائز إذن، على كل حال، أن الرجل الذي سيحل هو محله ~~رجل ميت ربما كان سيؤدي واجبه لو منح الفرصة؛ لكن مهما يكن من أمر ~~لقد قالت الفتاة بالحرف إنه يجب إنقاذها من العار. وإن كان الرجل ~~الضالع في المسألة قد مات، ms102 فإنه لم يكن رجلا بحق، إذ كان من المخجل ~~أن يترك مراسم الزواج تتعرض لأي كارثة. # كانت هذه الأشياء تجول في دماغ جيمي بسرعة البرق، فيما رفع جيمي ~~نفسه قبعة سيد النحل وضم قدميه وتقدم بهيئته التي تستحق أن تنظر ~~إليها أي امرأة بعين الاعتبار على أي حال. ويمكن القول إن اندفاعه ~~الملهوف بحثا عن الخاتم بهدف إنقاذ كرامته، والذي توجه بشيء من ~~الكبرياء في زفافه الوحيد، قد جعل قلبه يخفق بشدة، فلم تعد وجنتاه ~~شديدتي الشحوب كما كانتا، ولم تعد شفتاه بالغتي الزرقة. إذ تدفقت ~~حمرة الدماء في وجهه، فبدا إلى حد كبير رشيقا ومعتزا بنفسه ~~وأنيقا كما قد يبدو أي رجل اسكتلندي الأصل وأمريكي النشأة والتعليم. ~~من تأثير العادة، حين استقام من انحنائه، مد جيمي يده، وتعرف على ~~لمسة اليد التي قابلت يده، ثم وقف قريبا منها وقال بعفوية: «كأننا ~~نعرف الوقت من الساعة نفسها، أليس كذلك؟» # لم تزد الفتاة الواقفة بجواره على مجرد الموافقة. تولى جيمي ~~مسئولية الإجراءات بكل الثقة بالنفس التي يتحلى بها رجل اعتاد على ~~تولي زمام أموره. بغض النظر عما كانت المرأة الواقفة بجواره ~~ستجنيه من هذا، عزم جيمي على أن يحصل على زفاف، وسوف يتم وفقا ~~لطريقته. ومن ثم أخذ ذراع الفتاة الواقفة بجواره وقادها إلى مكتب ~~الموظف. وسواء وصل لديها الانطباع الصحيح الآن أم لا، لم يدر جيمي، ~~لكنه افترض أنها بعد الانتهاء من ذلك الزفاف ومضيها في حال سبيلها ~~بالخاتم والوثيقة اللتين ستنقذان لها كرامتها، لا بد أنها ستمضي ~~معتقدة على الأقل أنها قد تزوجت رجلا. كان قد نسي تماما أن يخبرها ~~أنه قريبا جدا لن يعود موجودا؛ لكنه عزم على أن يتحلى بكل صفات ~~الرجولة خلال الدقائق القليلة المقبلة. # هكذا تقدم بها إلى الموظف وأعلن أنهما أرادا ملء الاستمارات ~~اللازمة للحصول على إذن زواج. وبينما كان جيمي يكتب اسمي أبيه وأمه ~~وتاريخ ميلاده ومحل إقامته ومهنته وسائر الأشياء المطلوبة، وقفت ~~إلى جانبه فتاة فارعة الطول، معتمدة على نفسها، وراحت تملأ ms103 فراغات ~~الوثيقة التي أعطيت لها. بعد ملء هذه الوثائق كما يقتضي القانون، ~~ليؤكد لفتاة العاصفة انطباع أنه رجل يفي بكلمته، التقطها جيمي ~~ووقعها أولا، ثم ناولها إياها لتوقعها. ولما فرغ الموظف من ~~حصته من الإجراءات وتقدم بالظرف الطويل إلى جيمي، أشار جيمي ناحية ~~الفتاة التي تزوجها، فأعطاها الموظف الظرف. وجه الاثنان إلى مكتب ~~قاضي الوصايا، ولم يمر وقت طويل مطلقا حتى وقعت الأوراق اللازمة ~~وختمت وسلمت لجيمي، الذي ناولها لفتاة العاصفة، من دون أن يلقي ~~عليها نظرة تفحص واحدة. سدد جيمي الرسوم وسار معها إلى الشارع من ~~دون أن يعلم حتى لقب المرأة التي تزوجها. قد يكون سميث أو جونز أو ~~براون. إنه لشيء غير منطقي، لكنه حقيقي أن لمسة يد، ولمحة من وجه ~~أبيض زينته عينان داكنتان، و«أنا، أليس لويز، أتخذك، يا جيمس ~~لويس، لتصبح زوجي شرعا وقانونا»، كانت كل المعلومات التي لديه ~~عنها. # لقد تزوج «أليس لويز» إذن. لكنه لم يكن راضيا عن الاسم بالمرة. إذ ~~لم يلق بها اسم أليس، ولم يناسبها البتة اسم لويز. لقد عرف ~~عشرات باسم لويز على امتداد حياته، وكن دائما ذوات شعر أشقر، ~~ودائما بعيون زرقاء، وكن دائما شخصيات ضعيفة متشبثة ومتواكلة. ~~لم يعرف قط منذ أن وعى في الحياة امرأة بإمكانها أن تكافئ رجلا ~~طوله ست أقدام طولا وتشمخ برأسها مثل إمبراطورة، وتمد يدا قوية ~~تكاد تماثل يده ضخامة وتفوقها ثباتا بجلاء، وبصوت عذب رنان نابع ~~من أعماق صدرها تجيب حين تنادى باسم لويز! # أمسك جيمي بيده مرفق أليس لويز فقط ليظهر لها أنه يعتبر نفسه رجلا ~~جديرا برعايتها إذا احتاجته، فاقتادها إلى الشارع، وهناك، أثناء ~~وقوفهما على الرصيف، نظر كل منهما إلى الآخر لأول مرة. تعمد جيمي ~~أن ينتظر ليسمع ما لدى السيدة لتقوله، وبينما هو منتظر، أمعن النظر، ~~محاولا اختراق الزي الأسود سواد الغراب ليثبت في ذاكرته هيئة ~~المرأة التي أمامه وكل ما يستطيع رؤيته من وجهها. # كان قد وعدها بأنه لن يبحث عنها، لكنه لم يعد متأكدا أنه ms104 سيحافظ ~~على وعده. لم يعد متأكدا من أنه لن يتبين من تكون، وأين تعيش، ~~ولماذا لجأت إليه ليطيب قلبها وخاطرها، وينقذ جسدها من المحيط. ~~بينما هو منتظر، ناظرا مباشرة في عيني الفتاة قبالته، رأى أن ~~عضلات وجنتيها وشفتيها كانت ترتعش وأن العينين اللتين تنظران بثبات ~~في عينيه كانتا ستنهاران في أي لحظة في سيل جامح من الدموع. وكانت ~~الدموع تفعل بجيمي الشيء نفسه الذي تفعله بأي رجل حين تقر امرأة ~~جذابة بأنها تواجه شيئا يفوق طاقتها، وأنها بحاجة إلى عونه. كان قد ~~انتوى أن يحملها على الكلام، لكنه وجد نفسه غير قادر على مواجهتها. ~~فقد وقف بجوارها وقال لها بنبرات خفيضة: «تمالكي نفسك! سوف تصبحين ~~على ما يرام خلال بضع دقائق. هل ستستقلين الترام من هذه ~~الناصية؟» # أومأت برأسها إيجابا فحسب، فقادها جيمي وسط الحشود، وما زال كفه ~~يحيط بمرفقها، وساعدها على الوصول إلى الترام، بينما تدفق الناس ~~بينهما. وأثناء مشاهدتها وهي تركب الترام وتمضي نحو أحد المقاعد أدرك ~~أن «أليس لويز» و«قبلت» كان كل ما سمعها تقوله. لم يستمر في عزمه ~~على حملها على الكلام. فقد شعر بأسف بالغ حيالها، وحين أدرك أنها ~~على شفا انهيار قرر عدم الضغط عليها. لقد أثبت لها، على أي حال، ~~أنه رجل قادر على تسيير أموره. حيث ساعدها على الوصول إلى ترام، ~~والابتعاد عنه. وترفعا لم يرد ركوب نفس الترام. ومن ثم تراجع، ~~وخلع قبعته، ورفع ذقنه، ونظر إلى الترام، لعلها تلقي صوبه نظرة عابرة ~~قبل أن يمضي الترام ويحملها بعيدا عن النظر. # بعد ذلك ارتدى جيمي قبعته وعاد إلى الرصيف وقال محدثا نفسه بنبرات ~~حزينة: «حسنا، يا للعجب!» # لم يكن يتوقع الكثير، لكنه توقع كلمة أو كلمتين، فلم يقتصر الأمر ~~على عدم النطق بالكلمات، بل لم تلتفت السيدة برأسها حتى لترى إن كان ~~سيركب الترام نفسه أم لا. لقد سارت في الممر، واتخذت مقعدا مولية ~~إياه ظهرها، وجلست من دون حراك حتى ابتعدت عن النظر. لن يفيده ~~في شيء معرفة خط الترام ms105 الذي ركبته أو في أي اتجاه ذهبت. فربما ~~تستقل أي ترام وربما تتركه بعد ميدان أو ميدانين لتنتهز أسرع ~~فرصة للهروب منه. لقد رحلت وهي السيدة جيمس لويس ماكفارلين، ومعها ~~الوثائق اللازمة والخاتم الذي قدمه في اللحظة المناسبة لإصبع ~~تردد في قبوله ، وها هو الآن قد ترك واقفا على الرصيف، وأفضل ~~تصرف يمكن فعله هو تدبر الوسيلة التي يستطيع بها الوصول إلى المنزل ~~سريعا وإعادة ملابس سيد النحل إلى مكانها المعتاد. لقد أدى دور العروس ~~من دون شيء في المقابل، ولا حتى كلمة «شكرا». إذا أراد انتزاع أي ~~مشاعر رومانسية من الأمر، فعليه أن يتذكرها من القبلات المالحة التي ~~اجتاحت وجهه الليلة الماضية. وبكل أمانة، عليه أن يقر بأنه لو كانت ~~الصخرة التي جلسا عليها هي وسيلة إنقاذ الفتاة، لربما كانت قبلتها ~~بالقدر نفسه من الإقبال، أو ربما أكثر. # وقف جيمي على الرصيف وانتظر حتى قويت ركبتاه قليلا قبل أن يبدأ ~~البحث عن الترام الذي سيستقله عائدا إلى حديقة النحل. وحين وجده ~~وركبه وجلس على أحد المقاعد، قال على الملأ: «حسنا، تبا لكل ~~الأعراس!» أدرك أنه قد نطق بها؛ لأنه سمع الكلمات، لكن لم يبد أن ~~أحدا قد سمعها لأن الكل كان مشغولا بصحفه أو أصدقائه، أو إلى أين هو ~~ذاهب. # وهكذا عاد جيمي إلى المنزل وأعاد الثياب المستعارة وارتدى ملابسه. ~~ثم خرج إلى ضوء الشمس وجلس ليتفكر في الأمور. كان ميالا إلى إخبار ~~مارجريت كاميرون بأن هذا اليوم هو يوم زفافه وأن بمقدورها أن تعد له ~~وليمة من أي نوع تراه مناسبا للتقديم في مثل تلك المناسبة. وقد ~~عبرت وجنتيه ابتسامة سخرية حين تخيل النظرة التي ستغشى وجهها ~~إن أخبرها بذلك، وبعد ذلك ستتكلم وستسأل أين عروسه، وقد كان مكان ~~العروس لغزا وكذلك قصة العروس نفسها. جال في ذهنه أنها إن كانت في ~~المكان الذي عادت إليه في منتصف الليلة الفائتة فإنها ليست بعيدة ~~جدا عنه في اللحظة الراهنة. اجتاحته رغبة عارمة في النزول والسير ~~في الشاطئ ذهابا وإيابا، ms106 ليتفحص كل منزل قريب من الشاطئ ليرى إن ~~بدا في أي منها طيف فتاة متشحة بأشد ملابس الحداد سوادا. # لم يستطع جيمي أن يحدد مقدار ما يضمره ذلك الحداد. تذكر أن ~~الفتاة كانت قد عرضت أن تبدأ من البداية وتحكي له القصة . لكن هو ~~الذي طلب منها أن تستخدم كلمات قليلة، بهدف توضيح ما تريده ليس إلا. ~~إن كانت دماؤها اسكتلندية مثله، لما أمكنها أن تصدق كلامه سريعا ~~أو مطلقا هكذا. لقد صرحت بالحقائق المحضة، أما هو، تفكر جيمي ~~بابتسامة متبرمة أخرى، فجسد الحقائق. قالت السيدة إنها بحاجة إلى ~~خاتم وعقد زواج واسم، ووقفت بجواره، وسمحت للخاتم بأن يوضع في ~~إصبعها، وحصلت على العقد. وثمة شيء يتذكره تحديدا. لقد وضعت ~~الورقة على صدرها وضمت يديها عليها كما لو كانت أغلى ما لديها في ~~العالم بأسره. أما بالنسبة إلى اسمه. لقد قبلت به في الزواج على ~~الأقل، سواء كانت تنوي استخدامه أم لا. # شعر جيمي أنه أحمق نوعا ما لأنه لم يمد يده حتى لالتقاط السجل ~~الذي سجلت فيه الفتاة اسمها وقراءته. لم يكن تصرفه تصرف رجل بحق، ~~ولم يسير عرسه على هواه تماما كما ظن أنه سيفعل. كل ذلك لأنه قد ~~أعطاها وعدا؛ لأنه قال إنه لن يتطفل، وإنه لن يبذل جهدا في العثور ~~عليها. لقد قال إنه سيسره مجرد تقديم ما يقدر عليه من عون، وقد ~~حدد له حجم العون الذي احتاجت إليه الفتاة، ونوعه بوضوح شديد. ~~وقبل هو الاتفاق. وخاضه. ما عليه فعله الآن هو الخروج إلى الرواق ~~الخلفي، وارتداء معطف النحل القديم الخاص بسيد النحل، ومداهمة أحواض ~~الزنابق والقرنفل، وحيث إن جسده كان خاليا من أثر الضمادات الجراحية، ~~فليتقدم ويواجه النحل الألماني الأسود ويكتشف بنفسه ما إن كان ~~لديه مناعة من النحل حقا. كانت تلك معلومة أراد الحصول عليها قبل ~~أن يظهر الكشافة الصغير مرة أخرى. # من ثم ارتدى جيمي المعطف ووضع على نفسه الزنابق وفرك رأسه ~~بالقرنفل، وببطء، وتأن، واثقا من خطواته بقدر ما استطاع، سار ms107 ~~مسافة طويلة في الصف الشرقي، متوقفا أمام قفير تلو الآخر، لينظر ~~إلى الأشياء الصغيرة التي كانت تذهب وتجيء شديدة النشاط بأجنحتها ~~الطنانة، مدركا أنه لا يعرف الذكر من العاملة، ولا الممرضة من ~~الملكة. # كما قرر، بينما يقف أمام إحدى القفائر، أن يسأل الدكتور جرايسون، ~~عندما يتصل به هذا المساء لإبلاغه بتقريره اليومي، حول إمكانية أن ~~يزور سيد النحل لدقائق معدودات، وسيسأله حول المدة التي سيقضيها في ~~المستشفى. ثم أدرك أنه ما دام لم يستدع بعد لزيارة سيد النحل فمن ~~الوارد جدا أنه في حالة شديدة من الضعف والسقم حتى إنه قد يغيب ~~طيلة أسابيع، وربما شهور. علاوة على ذلك، فإن النحل مرتبط ارتباطا ~~وثيقا جدا بالأشجار، وما أشار إليه الكشافة الصغير بشأن عادات ~~النحل كان جذابا للغاية حتى إنه من الوارد أن يتوغل فيه أكثر؛ من ~~الوارد أن يقرأ بعض الكتب المختصة ويرى ما تحويه. فما زال أمامه بعض ~~الوقت قبل أن يتحدد مصيره، وربما ليس هناك في حدود إمكانياته، خلال ~~هذه المدة، شيء أكثر إثارة للاهتمام، شيء أكبر فائدة، ليوجه إليه ~~اهتمامه، سوى النحل وحده. # وهكذا، محسنا الترنم بأغنية «هايلاند ماري»، مضى جيمي ببطء ~~متجولا بين القفائر وحين وصل الممشى الخلفي ولمح قفير النحل ~~الألماني الأسود الكبير تذكر شيئا آخر. بحث عن صنبور المياه الذي ~~ينمو حوله النعناع. اقتلع حفنة منه ودعك بها سرواله وكميه وسحقها ~~في يديه، ثم، مترنما باللحن الموصوف بأفضل ما وسعه، اقترب على مهل ~~من النحل الألماني الأسود. ثم وقف أمام أول قفائره. ظل واقفا هناك ~~كما راق له. وجثا على ركبتيه ونظر من الفتحة. وراح يدرسه بتمعن ~~شديد فلاحظ أنه يفتقر إلى اللون الذهبي الذي لدى النحل الإيطالي. كما ~~أن شكله مختلف. وحين سار مبتعدا عنه على مهل شعر أنه في المرة القادمة ~~حين يسأله أحد الأشخاص عما إذا كانت لديه مناعة من النحل فسيتمكن ~~من أن يجيبه بكل ثقة. واعتقد أنه في المرة القادمة التي تحط فيها ~~نحلة على إحدى الزهور أمامه سيصبح ms108 قادرا على الأقل أن يعرف إذا ~~ما كانت إيطالية أم ألمانية سوداء. # كان بغضه للاسم بالغا، حتى إنه قال في نفسه أثناء صعوده الممشى ~~الخلفي إنه لو كان ذلك النحل ملكه فسيلتقط قفائر النحل الألماني الأسود ~~ويحملها هابطا ويلقي بها في المحيط الهادئ. ما كان سيمتلك أي شيء ~~يحمل اسم ألماني أسود، ولا حتى نحلة، ليذكره يوميا بما فعله ~~الألمان السود الحقيقيون بالرجال المنتمين لعرق أبيه وبلده، للرجال ~~الذين جرت في عروقهم الدماء نفسها. كان من الحماقة بالطبع أن ينقل ~~الازدراء البغيض الذي يشعر به حيال عرق من البشر تجاه خلية نحل. ~~لم يكن تصرفا منطقيا بالمرة، لكنه أدرك، وهو يرتقي الممشى على مهل، ~~بينما يأكل ثمرة طماطم حمراء كبيرة قطفها من كرمة مر بها، أن ~~أغلب ما نشعر به من حب وبغض في هذا العالم يفتقر إلى المنطق إلى حد ~~كبير. فإن ما نحبه هو مسألة هوى شخصي بدرجة كبيرة، والهوى يتوقف ~~غالبا على الأسلوب الذي تربينا به، وعلى البيئة، وعلى الذوق الشخصي، ~~ومن ثم لا بد أن يحتل الهوى الشخصي مساحة كبيرة من الشخصية. # مسح جيمي أصابعه ورمى لب الطماطم بعيدا بقدر ما استطاع أسفل ~~جانب الجبل، ودخل المنزل. وفي الرواق الخلفي غير ملابسه وارتدى ~~معطفه، ودخل حجرة المعيشة لانتقاء كتاب معين انتوى قراءته، وقد تصدرت ~~ذهنه فكرتان دون غيرهما. لقد نتج عن توليه مسئولية حديقة سيد ~~النحل ثلاثة أشياء؛ لقد أصبح عروسا، وأصبح يعرف النحل الألماني ~~الأسود من الإيطالي، واكتشف أن الطماطم الكبيرة تامة النضج تتمتع ~~بمقدرة هائلة، وخاصة على الإشباع. سوف يجرب حيلة الطماطم تلك بين ~~الوجبات كل يوم. فقد انزلقت الثمرة في جوفه واستقرت في معدته ~~محدثة أثرا مرطبا منعشا نوعا ما أفضل من أي كأس نبيذ تناوله من ~~قبل. فلم تحدث حموضة، ولا كانت صعبة الهضم. لقد أدت الغرض وكان ~~مذاقها رائعا تاركة لهفة للمزيد. # ثم وقف العروس أمام طاولة الكتابة الصغيرة، وفتح الخزانة التي ~~فوقها، ومر بإصبعه على عناوين العديد من الكتب مستكشفا. ms109 ثم اختار ~~أحدها وجلس على المقعد الذي قرر استخدامه كمقعده الخاص، وحاول أن ~~يركز كل ذهنه في موضوع ما هو ضروري للمبتدئين لرعاية النحل. وقد ~~وجد نفسه يقرأ فقرة تلو الأخرى حول الخلايا المناسبة وأقراص العسل ~~ومداخن النحل وسائر اللوازم التي بإمكانه أن يجدها في صندوق كبير في ~~الرواق الخلفي إن فتحه وعرف ما يلزمه البحث عنه. كانت عيناه ~~تقرآن الكلمات وذهنه يركز بعناد عجيب - وإن كان، في نهاية الأمر، ليس ~~عجيبا جدا في شخص ذي أصل اسكتلندي - إذ ظل ذهنه يفكر في اليد ~~المبهوتة التي سحبت ثم مدت لتزين بخاتم زواج، وفي وثيقة ~~الزواج التي احتضنت بحرص فوق صدر بدا مكتملا وغاية في الجاذبية. ~~بعدها راح ذهنه يركز على زوج العيون البنية الحادة التي باحت بتوتر ~~عصبي بالغ. وظل ذهنه يعرض أمام عينيه صورة الشفتين المرتعشتين ~~وعضلات الوجنتين المرتجفة. # إن الشيء الذي أقدم عليه سيظل معه مدة. ولن يستطيع أن يغض ~~طرفه عنه ويركز تفكيره على أي شيء، ولا حتى شيء مثير للاهتمام مثل ~~النحل كما قال الكشافة الصغير عنه. أراد بحق أن يطالع كتابا ~~حقيقيا عن النحل. أما ذلك فكان عن ممرضات النحل. من ذا الذي يدرب ~~نحلة لتصبح ممرضة؟ هل يصاب النحل بالمرض؟ هل يحتاج إلى ممرضات؟ ~~هل يقرص بعضهم الآخر فيصابون بجروح لا تشفى في أجسامهم الصغيرة؟ لا ~~بد أن يتبين ذلك سريعا، لكنه لا يستطيع أن يتبينه في تلك الساعة لأن ~~ثمة أشياء عديدة تحمل على التفكير فيها. وتلك الأشياء، رغم كل شيء، ~~مهمة. فلا يمكن تبديل واقع أن الأحداث قد ساقته ليصبح رجلا ~~متزوجا قانونا، ولا يمكن تغيير واقع أن امرأة جذابة للغاية قد ~~وقفت بجانبه وجعلت نفسها امرأة متزوجة قانونا، ولا يوجد أي سبب ~~يجعله يحاول التهرب من حقيقة أنها أصبحت أكثر نفعا بكثير للعالم، ~~ولأسرتها، ولطفل صغير ما زال في علم الغيب، حين وقفت تلك الوقفة، رغم ~~ردائها الأسود، وهدوئها المكره، عما كان سيحدث لو أصبحت جثة بلا ~~شكل يبددها تيار الماء ms110 على بعد فراسخ وتنهشها كلاب البحر الجائعة ~~فلا تبقي فيها شيئا. كان إنقاذ حياة امرأة على ذلك النحو شيئا ~~يستحق التأمل. وقد خطر له الليلة الماضية أنه قد يكون الشيء ~~المفيد الوحيد الذي يستطيع فعله قبل النهاية. وحيث إنه لم يكن لديه ~~شيء آخر ليفعله، وحيث إنه ظل يلاحقه، فلا يمكن لومه البتة على ~~التفكير فيه. من الواضح أن لا أحد غيره سيفكر في الأمر. كان يتوق ~~لسماع أي كلمة. فلم يتلق ولو كلمة «شكرا». لكن لا بأس. فهو لم يطلب ~~أو يتوقع أي شيء. # عندئذ أغلق جيمي الكتاب واضعا إصبعه حيث توقف وذهب ليفتح ~~الباب الأمامي. سلمه صبي مرسال طردا وخطابا واختفى بسرعة عجيبة، ~~فكان الاستنتاج الوحيد أمام جيمي أنه قد طلب منه إتمام مهمة التوصيل ~~وأن يجد أسرع وسيلة يستطيع بها الاختفاء أيضا. # وضع جيمي الكتاب دون أن ينظر أي صفحة كان يقرأ وفك الخطاب من ~~الشريط الذي ربط الصندوق المستطيل الصغير بأصابعه. وقف ممسكا بالخطاب ~~في يد والصندوق في اليد الأخرى وراح يتأملهما. ثم ظل يتفحصهما. ~~وقلبهما من جانب لآخر، حتى شم رائحة يعرفها منبعثة من ~~الصندوق. # وقبل أن يفتحه أدرك ماذا سيرى. كان مرهف الحس للغاية تجاه الروائح ~~حتى إن عقله أخبره، بينما أصابعه لا تزال تعمل للتأكد من الرسالة، أنه ~~حين يزيح الورقة ويرفع غطاء الصندوق الذي كان بالحجم نفسه الذي ~~يستخدمه بائعو الزهور مع البنفسج، سوف يجد باقة كبيرة من زهور ~~الخزامى الوردية التي تنمو على الرمال التي تحد المحيط الهادئ. ~~سيأتي الآن بكتاب الزهور. وحين يأتي به، كما فعل لاحقا، سيتسنى له ~~معرفة زهرة رعي الحمام الرملي باسمها الحقيقي، وسيعرف أن العبير ~~المنبعث من هذه الزهرة في الساعة السادسة طيب لدرجة أن رائحته قد ~~تسر أنف أي محب للعطور سريعة الزوال. هكذا حمل الزهور الرقيقة ~~وراح يبحث في أغراض سيد النحل حتى عثر على وعاء صغير من النحاس ~~العتيق، فملأه بالماء، ووضع الزهور بحرص. # بعد ذلك أخذ الخطاب وجلس على المقعد وجعل ينزع ms111 الختم بتأن وترو. ~~ومرة أخرى شعر جيمي أنه على علم بما سيراه. إن الشيء الذي عجزت ~~العينان والشفتان عن قوله لأن الجهد المبذول في الكلام كان سيطلق ~~شلالا من الدموع، ذلك الشيء هو ما كتب في الخطاب. ولذلك لم يعتره ~~أي شعور بالمفاجأة، وإنما كان سعيدا من أعماق قلبه حين رفع غطاء ~~الظرف المستطيل الثقيل وأخرج ورقة ثقيلة بالمثل ليفتحها ويقرأ ما فيها: # عزيزي السيد ماكفارلين # إن السبب الذي جعلني أتركك من دون أن أقول كلمة واحدة، ~~ومن دون أن أنظر ورائي، هو اضطرار جسدي للحفاظ على شفتي ~~مغلقتين بإحكام وعيني مفتوحتين عن آخرهما حتى لا أجذب ~~انتباه المارة وأسبب لك الخزي بافتعال فضيحة أمام ~~الناس. # أريدك أن تعلم أن ما فعلته لي منحني الحياة، والفرصة ~~للاستمرار في عملي بالثقة نفسها المبنية على الاعتزاز ~~بالنفس التي طالما تمتعت بها. لقد طمأنت قلب امرأة كانت تموت ~~ببطء من الخوف والجزع. # سوف أظل ممتنة لك طوال حياتي على عطفك الليلة الماضية، ~~وتصرفك الفريد اليوم. إذا كنت محقا فيما صرحت به من ~~أنه لم يتبق لك كثير من الوقت لتحياه، فلتطمئن إذن أنني ~~في كل ليلة قبل أن أذهب إلى الفراش سأسأل الله أن يبسط عليك ~~أقصى درجات رأفته ويسبغ عليك أعمق آيات رحمته وأعلاها. # من المستحيل بأي حال أن أعبر عن الشكر المناسب على ما ~~فعلته لي، كما أنني أجده مستحيلا بالقدر نفسه الآن أن يعبر ~~أي شيء أخطه على هذه الورقة عن خالص شكري على المعروف ~~الذي أدين لك به. من كل قلبي أشكرك، وأرجو من الله أن ~~يباركك ويحفظك. أرجو أن تكون مخطئا، وأن تصبح في انتظارك ~~حياة مديدة وسعيدة. # وبعد ستة أسطر، قرأ جيمي المكتوب، فصدم مثل من تلقى لكمة في ~~وجهه. كان مكتوبا بخط مضبوط وواضح وجميل، الخط نفسه الذي تخيل ~~جيمي أن تكتبه اليد التي أمسكها الليلة الماضية، ورآها وهي تكتب ~~بعد ظهر هذا اليوم: # لك امتناني إلى الأبد، # أليس لويز ماكفارلين # قال جيمي: «يا للهول!» ثم ms112 أضاف: «أحقا ما حدث؟ هل ستحمل اسمي ~~فعلا؟ هل حقا ستستخدمه في أمر ما؟ هل حقيقي أنها ستحضر طفلا ~~إلى العالم وتسميه «ماكفارلين»؟» # ثم شرع جيمي في عملية قراءة الخطاب مرة أخرى، وما لبث أن أصبح ~~باستطاعته ترديده كلمة كلمة بالعكس. أما لماذا ظل يخرجه ويحمله ~~بين أصابعه ويقلبه ويفحص الورقة ويستقرئ المكتوب، فلم يدر. كان ~~رائعا، وكان منصفا، وكان كل ما قد يتمناه قلبه. بدا لائقا تماما ~~بالفتاة المتمتعة بالصفات نفسها التي طالما تخيل جيمي أنه سيرغب ~~فيها حين يلتقي بالمرأة التي ستصبح أهم امرأة في العالم بأسره له؛ ~~من طول، وقوة بدنية، وشعر كثيف حرير، وعينين بنيتين حادتين، وصدر ~~مكتنز، ويدين قويتين، وصوت عذب آسر. # الفصل التاسع # | فيتامينات وكشافة # كان آخر ما فعله جيمي ليلا هو قراءة خطابه مرة أخرى. حيث فتح ~~الظرف وبسط الورقة، وباهتمام شديد راح يتمعن في كل كلمة مكتوبة. ~~ولم يكن ضروريا بالمرة أن يفعل ذلك لمعرفة فحوى الخطاب. لكنه نوعا ~~ما أحب ملمس الورقة بين أصابعه. إن كان سيشتري أدوات مكتبية لسيدة ~~العاصفة التي وقفت بجانبه أثناء مراسم الزواج الرسمية، كان سيشتري ~~ذلك النوع من الورق. وقد ظن أنه من المرجح جدا أن تفضل هذه ~~المرأة المميزة استخدام الحبر الأخضر حتى إنه على استعداد للمراهنة ~~على ذلك. لأن المرأة التي تلفها رائحة مميزة تآلفت من عبير ~~المريمية ورعي الحمام الرملي وزهور الربيع لا بد أن تستخدم حبرا ~~أخضر. واعتقد أن يدا كاليد التي أمسك بها ستنظم حروف التهجي كما ~~كانت منظومة في هذا الخطاب. وظن أنها ستعبر عن نفسها بوضوح وإيجاز ~~وبإنجليزية رفيعة مثل تلك التي استخدمت. # بينما أخذ يقرؤه ويعيد قراءته ويردده من الذاكرة، حين ينشغل بالري ~~أو يعمل بيديه شيئا يمنعه من إخراجه من جيبه لئلا يلطخه، بدأ شك ~~ينشأ في ذهنه. لم يكن للشك أدنى علاقة بالفتاة التي كتبت الخطاب. لكن ~~ما بدأ يشك فيه بعض الشيء هو قدرته على التمييز. فلا يمكنه البتة أن ~~يجمع بين العار وبين ملمس ms113 المرأة التي ضمها بين ذراعيه، ونبرات ~~صوتها، وشعرها الطويل الحريري، والعذاب الذي بدا على وجهها البارد ~~المغطى بملح الدموع حين استند إلى وجهه، ولا يمكنه مطلقا أن يجمع ~~بينه وبين الحاجبين والعينين والفم الواسع والذقن المتماسك التي كشفت ~~عنها ألسنة البرق الواهنة ؛ لا يمكنه أن يجمع بينه وبين الشفتين ~~المرتعشتين والوجنتين المختلجتين والعينين اللتين كانتا تحبسان ~~الدموع. ولا يمكنه مطلقا أن يظل، يوما بعد آخر، وساعة تلو ساعة، ~~يفكر مرارا وتكرارا في كل تفصيلة صغيرة من تفاصيل مغامرته ~~الأخيرة ويشعر بأن هذه الفتاة المهمومة المجهولة كانت بغيا. الحقيقة ~~الواقعة أنه لم يرد أن تلطخ صورتها. لم يرد تصديق أن ثمة عاطفة ~~جامحة سيطرت عليها قط. لم يرد الشعور بأنه يوجد في أي مكان في العالم ~~كله رجل استطاع تلطيخ شرفها. حاول أحيانا أن يتخيل صفات الرجل ~~الذي استطاع أن يجلب تلك المتاعب في حياة الفتاة التي غذت خياله ~~بالصورة التي يجب أن تكون عليها الفتاة بالضبط. وظل يتأمل كم ستكون ~~رفيقة رائعة، وكيف ستصبح الرحلة عبر وادي المياه المتدفقة حين تكون ~~هي رفيقته. # من دون أدنى فكرة عما حدث له، اتخذت أفكار جيمي منحى جديدا. ~~حين استيقظ ليلا وغير وضعه ليريح جانبه المصاب، استجاب لمطالب ~~الألم ثم استغرق في الحال في التفكير في فتاة العاصفة. # من المرجح ألا يختلف الأطباء إذا سألتهم إن كانت الرحلة التي ~~خاضها جيمي وما تلاها من تجارب هي أفضل ما يناسب رجلا مريضا. فهم ~~ببساطة يعلمون من خلال كتبهم، وتعاليمهم، ومزاولة عملهم، أن مثل تلك ~~التجربة ستقتل أي رجل في حالة جيمي، لكن جيمي، في مرات قليلة من ~~الليل، تمدد بقامته الفارعة على فراش سيد النحل، محركا كلتا ~~ساقيه وكلتا ذراعيه، مديرا عموده الفقري، وقد شعر أن الوجع قد زال ~~عنه تماما. لقد غادر ألم السير الطويل قدميه وساقيه، وبدا أن يديه ~~وذراعيه لديها القوة الكافية لمواجهة يوم آخر. وعندئذ جذب انتباهه ~~الحركة المنتظمة للأمواج إذ راحت تأتي غاسلة الرمال أسفل نافذته ~~وتنسحب عائدة إلى ms114 خضم البحر مرة أخرى. # أدار جيمي رأسه وأصغى لأغنية المحيط الهادئ. وتصور أن هناك سببا ~~لتسميته المحيط الهادئ، المحيط الوديع. من النافذة التي رقد بجانبها ~~امتد بصره لأميال فوق المياه التي صبغها القمر بلون فضي، مياه ~~ساكنة للغاية حتى إنها نادرا ما تضطرب من الأمواج التي ظلت تتتابع ~~في انتظام يكاد يضاهي انتظام التنفس. وفي اللحظة نفسها التي قرر ~~فيها جيمي أن المحيط الهادئ اسم على مسمى تذكر فتاة العاصفة. ~~فأعاد ذلك إلى ذهنه العاصفة، وذهب في تأمله إلى أن المحيط قد يكون ~~مثله مثل المرأة، وأن المياه الهادئة عميقة الغور، وأنه بعد عدة ~~أيام من السلام، حين هبت العاصفة أخيرا كانت عاصفة عاتية تجعل حتى إله ~~العواصف يطل من عليائه وينتبه. # أما الشيء الذي ما كان ليتوقعه أي طبيب أو يخطر له على بال ~~أبدا في الواقعة برمتها فهو الشيء الذي حدث. متنفسا في انسجام مع ~~حركة الأمواج، ما لبث جيمي أن عاد إلى النوم مرة أخرى. لم تكن آخر ~~الأفكار التي وعى لها عن نفسه. كانت تداخلا بين أمواج متباطئة أضاءتها ~~أشعة الشمس، والشعور بأنه يسحب إلى مكان ما بحبل من شعر على وجهه. ~~ثم انطلق في عالم أحلام نسجه خياله ممسكا بخطاب في إحدى يديه، ~~وفي آخر استغراق له في عالم اللاوعي كانت آخر فكرة استشعرها في ~~رأسه لها علاقة ما بثوب سباحة وثمرة طماطم حمراء كبيرة ~~رائعة. # حين فرغت مارجريت كاميرون من التنظيف ودخلت المطبخ لتجمع الصحون ~~التي تناول منها جيمي فطوره، وجدت ذلك الشخص الطويل النحيف جالسا ~~إلى الطاولة وينظر إليها نظرات مترقبة. كان ثمة سؤال في عينيه، ~~فيما انزوى فمه في ابتسامة. وكانت أصابعه تنقر الطاولة. وبعد ذلك ~~تكلم. # إذ سألها: «مارجريت كاميرون، هل أنت سيدة مرفهة؟» # وضعت مارجريت كاميرون يدها على الظهر الخشبي لأحد المقاعد، ومالت ~~إلى الأمام وراحت تتأمل جيمي بتمعن، لكنها أجابته بهدوء وسريعا ~~جدا: ~~«أحاول أن أكون كذلك.» # قال جيمي: «أوه، لا أقصد إن كنت سليلة سلف عريق المجد، أو ms115 إن كنت ~~ماهرة في فنون المجتمع الرفيعة، أو ترتدين ملابس أنيقة وتعيشين حياة ~~فراغ مترف. ما أردت معرفته، بإيجاز وصراحة، هو ما إن كنت قد تفقدين ~~الوعي عند رؤية قطرة دم، إذا كان دم إنسان؟» # أدارت مارجريت المقعد وجلست عليه. # ثم سألته بهدوء: «ألا تستطيع أن تتدبر ربط ضماداتك؟» # هنا كان جيمي هو من ارتبك. # قالت مارجريت: «حسنا، حين تنحني لالتقاط الخرطوم، وأثناء تجولك في ~~الحديقة، تظهر الضمادات حول ظهرك والأربطة فوق كتفك، وقد بدت لي ~~أشياء غير مريحة. ظللت طوال أسبوع أريد أن أتحدث إليك. أعتقد أن ~~بإمكاني إحضار بعض الشاش غير المبيض وإعداد شيء شبيه بالسترة، ~~وأطوي بعض الدعامات حول كتفيك لتثبيتها بالكفاءة نفسها بالضبط ومن دون ~~أن تكون غير مريحة هكذا.» # جلس جيمي يحدق فيها صامتا. # وأخيرا قال: «أعتقد أن ما كان في بالي هو هذا: كنت سأسألك إن كنت ~~ستطيقين أن تنظري نظرة متفحصة نحو جرح قائم على يسار صدري، وبعد ذلك ~~سأطبق برنامج عمل وضعته لنفسي لمدة شهر مثلا، ثم سأسألك أن ~~تلقي نظرة مرة أخرى وتلاحظي ما إن كان قد حدث أي تحسن. إذ إنني ~~مصاب بجرح إثر شظية ولا بد أنها كانت شظية خبيثة للغاية. إذ كانت ~~تحمل سما لعينا من نوع ما، أعيا أفضل الأطباء في مستشفيات ~~القاعدة، فأرسلوني إلى لندن ثم إلى هذا البلد وبعيدا إلى الجهة الأخرى ~~من القارة. ظللت طوال عام أعالج بالماء الساخن وأجادل مع الممرضات ~~والأطباء وأصبحت أسوأ حالا عما كنت عليه حين بدأت علاجهم. وسوف ~~أخبرك بسر صغير، بيني وبينك فقط. لقد كانوا ينوون إيداعي في مكان ~~مخصص لمرضى السل، بينما هم يعلمون ويعترفون أنني لم أصب بعد بالسل، ~~لكنني لم أقبل. فنهضت وغادرت المكان، وابتعدت حتى وصلت هنا. ومنذ ~~اللحظة التي بدأت فيها السير، وقبلها بكثير، حين كانت تغمرني مياه ~~النبع الساخنة المشبعة بالكيماويات المتأججة، وأنا يخالجني شعور لا ~~أقوى على مقاومته بأنها تغذي الجراثيم وتجعلها تتكاثر أكثر. ظللت ~~طوال ستة شهور أستيقظ ليلا وأنا ms116 أفكر في البحر، وحين قررت ~~المغادرة، اتجهت إلى موقع أكثر برودة وإلى المحيط. وها أنا هنا ~~الآن وقد عقدت العزم على أن أخوض التجربة. أريد أن أستعرض معك ~~قائمة طعام، أريد أن تطهي لي طعاما سهلا وبسيطا ومغذيا، شيئا ~~غنيا بالحديد، شيئا لديه القدرة على التطهير وتنقية دم مشبع ~~بالسم. # وحين أنتهي من أعمالي الصباحية مع النحل سأرتدي ثوب السباحة ~~الموجود عند الباب الخلفي، وسوف أسير عبر الممشى الخلفي وأعتصر ~~ملء كوب من بضع ثمار تلك الطماطم الحمراء الكبيرة وأشربه، ثم أمضي ~~نازلا إلى البحر وأتوغل حتى تقترب المياه لأقصى حد من حافة تلك ~~الضمادات. وإن كنت لست واثقا تماما من أنني لن أسقط. بعد ذلك سأخرج ~~وأستلقي على أسخن رمال في أسخن بقعة من أثر حرارة الشمس أستطيع ~~العثور عليها، وسأغطي الأجزاء العارية إلى أن أكتسب الخشونة ~~المناسبة حتى لا يتقرح جلدي. سأترك الشمس تجفف الماء المالح على ~~جسدي. ولن أشطفه. وعندئذ سأصعد وأتناول أيا ما كان الذي ستعدينه ~~لي حسب الوصفات التي سنتفق عليها كي تعمل على بناء جسد قوي. بعدها ~~سأخلد لقيلولة. ثم أستيقظ وأحتسي عصير برتقال. بعد ذلك سأخرج إلى ~~الحديقة وأرى ما يمكنني فعله للزهور. فهناك بعض الأوراق الميتة في ~~الزنابق يجب نزعها وأخرى بحاجة إلى دعمها. بإمكاني أن أقص قرون ~~البذور من الورود التي تفتحت للمساعدة في الحفاظ على استمرارها. ~~بإمكاني أن أجد مئات الأشياء لأفعلها. بعد ذلك سنعد عشاء يتمتع ~~على الأقل بخاصية ما يمكن أن نقول إنه خطوة في طريق صنع رجل بحق ~~من عظام ناخرة للغاية وعضلات بالغة الترهل. وسوف أسير إلى مكان على ~~الشاطئ أسميه العرش وسأجلس هناك، ومتلحفا تماما بالرداء المنزلي ~~الخفيف لسيد النحل فوقه معطف العمل الخارجي القديم حتى لا أشعر ~~بالبرد مطلقا، سأظل أستنشق الضباب والرذاذ والماء المالح حتى أشعر ~~بمذاق الملح في فمي. سأضطجع هناك وأستغرق في النوم إذا رغبت.» # هنا مدت مارجريت كاميرون يدها نحوه. # وقالت: «فلتصغ إلي، يا جيمي، لا بأس بكل ما سبق، ms117 لكن من الأفضل ~~أن تصرف النظر تماما عن ذلك. يجدر بك ألا تحاول النوم في الخارج ~~وسط الضباب والرذاذ. ربما لا بأس بالخروج واستنشاقه لمدة ساعة، لكن ~~لا تذهب للنوم فتهبط دورتك الدموية ويستقر الضباب فوقك وتبتل حتى ~~يصل البرد إلى عظامك . إنها فكرة خاطئة. فلتغير ذلك الجزء من ~~برنامجك، وأما بالنسبة إلى الباقي، فسوف أجتهد في التفكير طوال اليوم، ~~وتجتهد أنت في التفكير، ونتناقش هذا المساء لنرى إن كنا سنستطيع ~~تحضير قائمة الطعام التي تريد اتباعها. فلتحاول بكل قوتك وسأحاول ~~أنا بكل قوتي وسنرى ما نستطيع عمله، ولندع الله أن يسخر لنا قوى ~~الطبيعة، حتى تستعيد عافيتك. أما الآن، فلنلق نظرة على جنبك ~~المصاب.» # هنا تمدد جيمي على الفراش وكشف عن صدره. فشعرت مارجريت كاميرون، ~~وقد انحنت فوقه، بالدماء تنسحب بطيئا من وجهها. # ثم قالت بعد مدة: «ويحي، يا له من جرح ملتهب!» ثم أضافت: «يبدو ~~اللحم كأنه احترق. إنه جرح ملتهب للغاية حتى إنه يكاد يماثل ما ~~اعتدنا أن ندعوه «لحم متقيح». وإنه عميق وواسع.» # ظلت برهة واقفة تحدق. ثم حولت عينيها إلى عيني جيمي. # وسألته: «هل لديك استعداد لاتباع نظام غذائي صارم وبذل جهد ~~شاق؟» # قال جيمي: «إذا كان قصدك هل لدي الشجاعة، أجل.» وتابع: «وإذا ~~كنت تقصدين هل لدي القوة أو هل لدي فرصة، فلا أعلم. كل ما أعلمه ~~أنني سأنزل المحيط. كل ما أعلمه أنني سأستلقي في أشعة الشمس حتى ~~أتشبع منها. كل ما أعلمه أنني سأصبح نكبة على رقعة الأرض المزروعة ~~بالطماطم. أما سبب رغبتي في هذه الأشياء فلا أعلمه. إلا أنني متلهف ~~عليها كلها، وحيث إنها هنا، فلم لا أحصل عليها؟» # سألته مارجريت كاميرون: «من أين جاءتك فكرة الطماطم هذه؟» ~~«أكلت واحدة أمس فبدا أنها أشبعت جوعا شعرت به طويلا. بدا أنها ~~ما كنت أحتاج إليه بالضبط. شعرت لها بتأثير مطهر ومرطب. فخطر لي ~~أنني إن عصرت بضع ثمرات منها واحتسيت عصيرها حين تكون معدتي خاوية، ~~فربما تفعل بي شيئا جذريا عجزت الأدوية ms118 والينابيع الحارة عن ~~تحقيقه.» # قالت مارجريت كاميرون: «إنه لأمر غريب، لكن ربما فيه شيء من ~~الصواب. ثمة مجلة عن التدبير المنزلي أتابعها وبها باب للصحة لا زلت ~~أقرؤه منذ سنوات، وخلال السنة أو السنتين الماضيتين ظلوا يركزون ~~على شيء واحد دون غيره ، وهو الشيء نفسه الذي خطر لك. الطماطم فحسب. ~~لم يخطر لي ببال أنني قد أهتم مطلقا بما قد يدعوه الكشافة الصغير ~~«هراء» بشأن الفيتامينات والسعرات الحرارية وما شابه، لكن منذ بضعة ~~أيام مررت بموقف مضحك. حيث ذهبت إلى المدينة لتبضع بعض الأشياء ~~وزيارة ابنة صهري التي تعمل مدرسة في إحدى المدارس هناك، ~~فاصطحبتني لتناول الغداء في قاعة جميلة كبيرة في أحد تلك المتاجر ~~متعددة الأقسام الضخمة. على الطاولة المجاورة لنا بالضبط جلست امرأة ~~همست لي مولي باسمها عبر الطاولة، فتذكرت أن أغانيها تردد في كل ~~الأماكن التي يتحدث فيها الناس باللغة الإنجليزية في جميع أنحاء ~~العالم. كان وجهها موقرا، وجها حنونا، وجها ذكيا. لم أستطع أن ~~أشيح ببصري عن مهارة يديها، وجمال ملابسها وتميزها. كان معها فتاة ~~صغيرة ممتلئة. لا يمكن أن تتخيل كم بدت متمتعة بالصحة، لا يمكن أن ~~تتخيل كم كانت جميلة وجذابة. وبينما كنت أمتع عيني بمنظر الطفلة، ~~فقد ذكرتني للغاية بابنتي حين كانت شيئا صغيرا ممتلئا مثلها، ~~وبينما أنا أنظر إليها مباشرة، وقد أوقفت ملعقتها في منتصف الطريق ~~إلى فمها وبدت عيناها جادتين جدا، تساءلت قائلة بلثغة واضحة: ~~«كم عدد السعرات الموجودة في هذا الهلام يا جدتي؟» # مالت (الجدة) برأسها للخلف وراحت تضحك حتى نظر نصف رواد المطعم ~~الموجودين في القاعة في اتجاهها. ثم خلعت نظارتها ومسحت عينيها ~~وقالت: «حفظك الله يا صغيرتي، جدتك العجوز لا تعرف السعر الحراري ~~من الغليون! عليك أن تسألي أمك العصرية.» # عندئذ وضعت الصغيرة ملعقتها وأعلنت بإصرار شديد باللثغة نفسها: ~~«لا أستطيع أن آكل هذا الهلام إلا إن عرفت أنه يحتوي على العدد ~~المناسب من السعرات!» # فأجابتها السيدة ذات الشعر الأبيض قائلة: «حسنا، يا عزيزتي، أنا ~~نفسي مثال على ms119 الجسم السليم إلى حد كبير، وقد عشت حياتي كلها ~~دون أن أعلم إن كنت آكل سعرات حرارية أو فيتامينات أو أفاعي ~~جرسية. وإنما أقبل على الطعام فآكل ما أريده ويروق لي مذاقه، ولا شيء ~~يحدث لي. وأنت لن يحدث لك شيء إذا أكلت ما تريدينه يوما واحدا ~~بينما تتناولين غداءك معي، وغدا يمكن أن تخبرك أمك بأي شيء ~~تودين معرفته.» # فكرت الصغيرة في الأمر ثم قالت بمرح: «حسنا. سوف آكله وأرى ما ~~سيفعله بي! ربما يجعل وركي تنحفان. ألا تعتقدين أنهما بارزتان أكثر ~~من اللازم؟» # نظرت إلى الطفلة الصغيرة نظرة متمعنة. كانت عيناها في غاية اللمعان ~~وبشرتها في غاية الصفاء. تكاد وجنتاها أن تشفا من فرط الرقة. ~~وكانت شفتاها شديدتي الحمرة فيما بدا جلدها مشدودا جدا حتى إنني ~~قلت في نفسي: «حسنا، لتكن السعرات الحرارية والفيتامينات ما تكون، ~~لا شك أنها أفادتك أعظم فائدة. لو كنت أمك، كنت سأجعلك ~~تلزمين المسار نفسه الذي اتخذته.» # ثم طلبت من مولي أن تشرح لي الأمر فأخبرتني بأنها أخذت إجازة ~~قصيرة من عملها المدرسي العام الماضي وذهبت في رحلة إلى دنفر. وهناك ~~سمعت عن طبيب يعالجك من أي شيء يتعبك من خلال ما تأكله. يبدو أن هناك ~~مجموعات معينة من الطعام التي تصبح غير آمنة عند الجمع بينها. فقد ~~أوضحت مولي أن الفطور الأمريكي الرائع، البيض والخبز المحمص واللحم ~~المقدد والقهوة، يكاد يكون مجموعة مميتة. قالت مولي إن الطبيب ~~أثبت أن الخميرة التي في الخبز والزلال الذي في البيض والدهن الذي ~~في اللحم المقدد وأي كافيين موجود في القهوة بوسعها أن تقتل كائن ~~تجارب مثل خنزير غينيا خلال وقت قصير. يبدو أنه من الممكن أن تأكل ~~ما شئت من البيض مطهوا بأي طريقة تريدها، لكن يجب ألا تأكله ~~مجتمعا مع خميرة الخبز وأحماض اللحم. بوسعك أن تأكل ما شئت من ~~النشويات في وجبة واحدة، لكن يجب ألا تأكلها مع أحماض اللحم أو ~~الزلال. لا بد أن تحصر الخبز والبطاطس والأطعمة النشوية في وجبة ~~واحدة. ms120 وفي العشاء بإمكانك تناول أي نوع تريده من اللحم؛ لكن لا بد ~~أن تتناوله مع خضراوات غير نشوية. ولا بد أن تمتنع عن تناول الخبز ~~والفاصوليا والبطاطس وأي نشويات. ويجب أن تقتصر في التحلية على ~~الفاكهة والهلام وتتجنب المعجنات. الأمر بسيط، الأمر سهل. مجرد ~~ترتيب مختلف قليلا في الجمع بين الأشياء نفسها التي ظللت تأكلها ~~طوال حياتك. لكن تقول مولي إنه يحدث اختلافا عظيما. فما زالت ~~تتبعه منذ عام وتقول إن جسدها أصبح قويا جدا وعضلاتها شديدة ~~النشاط، وذهنها يعمل بشكل أفضل ولم تعد تعاني من أي متاعب في ~~معدتها. فهي تعتقد أنه رائع. لذلك سأحرص على زيارتها وأجعلها تدون ~~نظام الوجبات، وبعدها سأجربها على نفسي ومن الممكن أن أجربها معك في ~~الوقت نفسه. ومن جانبك تستطيع أن تجرب الرمال وأشعة الشمس والماء ~~المالح وضباب البحر والطماطم والبرتقال، ولنر ماذا سينتج عن ~~ذلك.» # قال جيمي: «على أي حال، إن قضاء الوقت في التخطيط لمعركة من أجل ~~الحياة هو أكثر متعة من قضاء الشهور مغتما بينما أحسب متى يحين ~~أجلي. وفي الوقت نفسه، سأصبح في غاية الامتنان إن تكرمت بتحضير ~~تلك القطعة التي تحدثت عنها من أجل تضميد الجرح. إن استطعت التخلص ~~من ثقل كل هذا السرج سأشعر كأن روحي قد تحررت فضلا عن ~~جسدي.» # ومن ثم ذهبت مارجريت إلى منزلها لتحضر سلة الخياطة وشريط القياس، ~~وجلس جيمي على مقعد بينما راحت هي تأخذ قياساته من أجل طول الضمادات ~~وعرضها، وقدرت حمالات الكتف التي ستدعمها. بعد ذلك عاد جيمي إلى ~~عمله. # وفي الساعة العاشرة بالضبط صعد الممشى الخلفي وانتقى اثنتين من ~~أكبر ثمرات الطماطم وأكثرها نضجا من بين التي رآها في حديقة سيد ~~النحل. وحملهما إلى المطبخ واستخرج منهما العصارة مستخدما مصفاة ~~صغيرة مستديرة وجدها معلقة على الحائط، وحين فاض القدح رفعه ~~وشربه متلذذا لأقصى درجة. # قال جيمي: «لا شك أن هذا يفي بالغرض!» # وبعدئذ؛ لأنه جيمي، ولأن تنشئته الأولى متأصلة فيه، فقد أفرغ ~~اللب في سلة الحوض وفتح الصنبور على ms121 المصفاة، وحين صارت نظيفة ~~تماما مسحها بمنشفة معلقة فوق الحوض ووضعها في أشعة الشمس عند ~~عتبة النافذة؛ ليتأكد تماما من أنها جفت كلية من دون أن تصدأ. ثم ~~تناول ثوب سباحة سيد النحل من فوق المشجب المجاور للباب، وذهب إلى ~~حجرته، فتجرد من ملابسه وأدخل قدميه في الثوب، وحين رفعه لعقد ~~أزراره فوق كتفيه لم يكن واضعا أي شيء على سبيل الضمادات لجرحه ~~سوى طبقة من الشاش ثبتها في مكانها على نحو بسيط بمنشفة وجه ~~شبكها بدبابيس أمان. شعرت كتفاه العاريتان شعورا رائعا ~~بالانعتاق. فكان مبتهجا بهجة امرأة قصت شعرها قصة جديدة. # منتعلا خفين قديمين لحماية قدميه الحساستين، ومتخذا دثارا ~~هنديا لحماية جسده غير المعتاد على الشمس أن تلفحه، مع حفنة من ~~المناشف، مضى جيمي في الممشى الخلفي، يمشي الهوينى، فخرج من ~~البوابة، وبينما هو واقف هناك اختار موقعا بدت فيه أمواج الخليج ~~الممتد أمامه نظيفة للغاية وبيضاء رغوية. ثم سلك طريقه بين أكمة ~~زهور الربيع الذهبية ورعي الحمام التي كانت في انتظار برودة المساء ~~لتكشف عن جمال وجوهها وتنشر في الهواء عبقها الرقيق. # متوخيا الحذر خطا جيمي بقدميه الحافيتين على الرمال ~~الندية. وعلى مهل سار متقدما في المحيط. حين تكسرت أول ~~الأمواج الباردة فوق قدميه كاد يصيح من البهجة. لم تكن شديدة البرودة ~~كما تخيل أن تكون بالمرة. إنما كانت باردة بالقدر الذي يمنح شعورا ~~منعشا بالبهجة. توغل قليلا، وتوغل قليلا، حتى وصل الماء إلى ~~ركبتيه، ثم إلى خصره، ثم وصل لمرحلة شعر فيها أنه مثقل، فأدرك أنه ~~يجب إما أن يسبح أو يعود أدراجه. إلا أنه لم يشعر أن السباحة هي ~~أنسب ما عليه فعله؛ لذلك اكتفى كبداية بالتجول في أعمق أغوار ~~استطاع الوصول إليها والحفاظ على توازنه فيها. لم يكن دوما ~~باستطاعته أن يعرف كيف ستجري الأمواج، وكان أحيانا يتعثر في صخرة ~~مستترة. وفي إحدى المرات انقلب على رأسه وشعر بموجة باردة، أثارت ~~شيئا من الرعب، وشيئا من البهجة، تسري في دمه فيما اجتاحته تماما ~~موجة أشد ms122 برودة من الماء المالح. نهض متعثرا على قدميه ونفض ~~رأسه. ثم غاص واغترف ملء كفيه من الماء ودعك بها ذراعيه صعودا ~~وهبوطا وكتفيه. وراح يطوح ذراعيه الطويلتين في المياه ويركلها ~~بقدميه، وحين وجد نفسه يلهث، سار متجها نحو الشاطئ، ثم تعمد أن ~~يغمر نفسه بالكامل في المكان الأشد نظافة والأكثر نقاء الذي ~~تيسر له العثور عليه. لينهض بعد ذلك ويعود إلى دثاره. حيث ~~هيأه، والمناشف التي أحضرها، بحيث تغطي ذراعيه وساقيه ورأسه، ~~وتترك جذعه المغطى بالثوب المبلل مكشوفا، وتمدد على الرمال ~~الساخنة وترك شمس كاليفورنيا تنشر أشعتها حتى جففت الماء المالح في ~~الضمادة وثوب السباحة الذي علا جرح صدره وأحاط به. المذهل أنه لم ~~يشعر فيها بوخز شديد كما تخيل مطلقا، فلم تضاه البتة ألم العديد ~~من الضمادات المختلفة التي ظل يستخدمها حتى اكتوى لحمه فلم يعد ~~يتحمل المزيد من التعذيب. # وهنا وجد جيمي نفسه يقول: «ملح، محلول ملحي.» تذكر فجأة أنه قد ~~سمع عن استخدام السكان الأصليين في بلدان غير متحضرة الملح في علاج ~~الجروح. تذكر بعض المؤسسات التي تروج للحمامات الملحية. لا بد أن ~~الملح له خاصية مفيدة بعض الشيء ذات استخدام طبي. ثم تذكر أن الكشافة ~~الصغير كان قد أخبره أن كل جالون مياه يغترف من المحيط الهادئ يحتوي ~~على ثلاثة ونصف في المائة من الملح. # بعد الاستلقاء ساعة في الشمس، نهض جيمي وذهب لتناول غدائه، بعدها ~~ظل واقفا عشرين دقيقة في الحديقة، ثم خلد لقيلولة. بعد ذلك شرب ~~عصير برتقالتين ناضجتين، شربه باردا من تأثير ثلج الثلاجة الصغيرة. ~~وفجأة خطر له، وهو يغلق الثلاجة، أنه قد يكون من المستحسن أن يعصر ~~من الطماطم ملء كوبين أو ثلاثة أكواب ويودعه للثلج بحيث يشربه ~~باردا. من ثم نزل إلى الحديقة وجمع الطماطم وهم بتنفيذ تلك ~~الفكرة. # وبينما وقف في المطبخ يعصر الطماطم تصاعد من أسفل النافذة صوت ~~أقدام مندفعة وتعالت في الجو سلسلة صيحات مفزعة. سقطت الطماطم التي ~~كان جيمي حريصا أشد الحرص ألا تسقط، فتمتم متعجبا وهو ms123 ~~يستعيدها، ليغمرها بالماء تحت الصنبور ويضعها في صحن. ثم ذهب إلى ~~الباب الخلفي ليرى ماذا عساها تكون تلك الجلبة. # وقف أمامه الكشافة الصغير منتصب القامة في زاوية قائمة بشكل مبالغ ~~فيه، مؤديا تحية سريعة كما اعتاد أن يرى في كل مكان. واصطف على ~~الممشى ثلاثة أطفال لم يكن ثمة أدنى شك بشأن جنسهم. # أشار الكشافة الصغير إلى الطفل الأول في الصف. # قال جيمي محدثا نفسه: «أحد عشر، وربما اثنا عشر عاما.» # وقدمه الكشافة لجيمي من خلال المقدمة، التي صاحبها تلويح باليد ~~وبسيف خشبي، على النحو التالي: «بيل السمين الطيب!» # ذهبت عينا جيمي الحادتان إلى وجه الصغير. لم يكن لدى بيل السمين ~~الطيب أدنى اعتراض على كونه «بيل السمين الطيب». فقد ابتسم، وأدى ~~التحية كأفضل ما يكون، وتنحى جانبا. # لوح الكشافة الصغير بالسيف، فتقدم صبي - حدث جيمي نفسه عنه ~~معلقا: «يبدو في العاشرة» - رشيق وممشوق القوام، ذو بشرة قمحية ~~اللون فاتحة وشفتين حمراوين، وشعر أسود وعينين سوداوين صافيتين ~~واسعتين، صبي وسيم للغاية، حيا الكشافة الصغير ثم حيا جيمي ~~تحية موجزة. كانت المقدمة المصاحبة له هي: «طفل أبيه وأمه ~~المطيع.» # مرة أخرى تفحصت عينا جيمي الصغير، فبدا جليا أن «الطفل ~~المطيع» لم يأبه البتة للاسم الذي نعته به الكشافة الصغير. # لوح بالسيف للمرة الثالثة إذ تنحى الطفل المطيع جانبا وجاء ~~الدور على الصبي التالي - «قد يكون في الثالثة عشرة وربما في الرابعة ~~عشرة»، أسر جيمي في نفسه - صبي أطول من أي من الآخرين، ضخم، ~~ذو شعر أحمر، وعينين زرقاوين، وملابس مهندمة وباهظة على غير المألوف ~~ومنتقاة بعناية. كانت شفتا الفتى مقوستين بشكل فريد، فيما برزت ~~أسنانه بروزا طفيفا، وتألقت عيناه بشعاع ضوء راقص. دار السيف ~~الخشبي دورة كبيرة في الهواء وحط على الأرض. وأدى الفتى الأصهب ~~التحية للكشافة الصغير بلياقة شديدة حتى إن المشهد كان ممتعا ~~للأنظار. فقد ضم كعبيه، ورفع ذقنه، وانتصبت قامته. كانت تحية ~~رائعة. لوح الكشافة الصغير ليقدمه إلى جيمي قائلا: «ذو الوجه ~~الملائكي.» # للمرة الثالثة نظر جيمي على ms124 سبيل الفضول فوجد أن ذا الوجه الملائكي ~~كان معتادا جدا على التسمية حتى إنه ربما سيستاء لو لم ~~تستخدم. # وحينئذ، بقليل من مشاعر الحنق في عينيه الرماديتين، شد جيمي ~~قامته وأدى للصغار تحية حقيقية صادقة، تحية حرب شنيعة لعينة قضى ~~فيها أربع سنوات، فأرهفوا السمع وأدركوا أنه هكذا يجب أن تكون ~~التحية. # قال جيمي: «أيها السادة أعضاء فرقة الكشافة؛ يشرفني للغاية التعرف ~~بكم. لا شك أن سيد النحل اعتاد الترحيب بكم في حديقته. وفي غيابه، ~~أرحب بكم الترحيب نفسه.» واتجه إلى ذي الوجه الملائكي. وقال: «هلا ~~تكرمت بتقديمي إلى قائد الكشافة؟» # فتح الفتى الأصهب عينيه على اتساعهما. ~~«لكن قائد الكشافة يعرفك!» قال محتجا. # قال جيمي: «بالتأكيد!» وتابع: «مشكلتي أنني لا أعرف قائد ~~الكشافة.» # في تلك اللحظة دار سيف خشبي شديد البلى في الهواء. ~~«انتباه! ليصطف الكشافة!» # اصطف الصبية وأدوا التحية بأسلوب جميل. ~~«استعدوا!» جاء أمر القائد. «أخبروا العالم باسم قائد فريق ~~الكشافة الخاص بكم!» # شد الفتيان قاماتهم وثبتوا متأهبين. كانت عينا كل منهم ~~مسلطتين على حد السيف. ~~«هيا معا!» قال قائد الكشافة. ودار السيف في الهواء، وبدأ الفتيان، ~~في انسجام وبأعلى صوت، يرددون مع فصل كل حرف على حدة كأنهم ~~يرشقونه في وجه جيمي: «ألف لام، ميم، زاي، عين، جيم؛ المزعج!» # أدوا التحية، وتراجعوا مرة أخرى، وتقدم قائد الكشافة أمام جيمي، ~~فأغمد السيف وأخفض يده اليمنى مستقيمة على خياطة سرواله، ووضع اليسرى ~~على صدره، ومال للأمام منحنيا بشدة. أدرك جيمي ما أدركه بالضبط في ~~البداية، أو أكثر قليلا، إذ رأى أن فتيان الكشافة كانوا مطيعين بحق ~~ومدربين جيدا فعلا. # هنا توجه قائد الكشافة إلى جيمي بالكلام فقال: «يسمح لنا سيد النحل ~~بلعب لعبة مقاتلة الهنود هنا.» # فقال جيمي: «حسنا. أوافق على أي شيء كان يسمح به.» # تحول قائد الكشافة إلى الفتيان. ~~«تفرقوا!» جاء الأمر صارخا. «استعدوا للهجوم!» # تأمل جيمي قائد الكشافة. لم يدر متى مشط شعره القصير. الذي ~~علقت به مجموعة كبيرة من شوفان كاليفورنيا البري والقليل من ~~الأغصان الصغيرة ms125 والأوراق. أما وجهه الصغير فربما كان نظيفا في وقت ~~ما ذلك الصباح. لكنه ليس نظيفا الآن بالتأكيد. ورآه مرتديا قميصا ~~مختلفا، لكنه بالحالة المزرية نفسها، والسروال القصير والحذاء ~~نفسهما اللذين كان يرتديهما في الزيارة الأولى. سار قائد الكشافة ~~إلى نهاية الممشى، متجها مباشرة نحو فتحة في سياج الأوتاد الخشبية ~~المطلي بالكلس، الفاصل بين أرض سيد النحل وأرض مارجريت كاميرون. ~~شاهد جيمي قائد الكشافة وهو يدس يده اليمنى في جيبه المنتفخ، ~~وينتقي، من الأشياء الكثيرة التي احتواها، قطعة من الطبشور الأحمر. في ~~هذه الأثناء اتخذ جيمي مجلسه على المقعد أسفل الجاكرندا وركز انتباهه ~~على قائد الكشافة. كان قد نسي فتيان الكشافة. بل إنه نسي حتى أن يتساءل ~~لماذا اختفوا وأين ذهبوا. بلمسات بارعة، سريعة وواثقة، جعل قائد ~~الكشافة يرسم على السياج المطلي بالأبيض، بمهارة كافية لمعرفة نيته، ~~أشكال أربعة هنود. رسم الأول مائلا إلى الأمام محدقا فيما ~~يواجهه. وكان الثاني أكثر انتصابا. أما الثالث فكان وجهه للأمام، ~~والرابع يتبعه. # وحين يبلغ قائد الكشافة العوارض التي ثبتت الأوتاد فيها ~~بمسامير، يكتفي برفع الطبشور، ويرسم خطا على الحافة، ثم ينزل مرة ~~أخرى إلى الأوتاد. ما إن اكتمل رسم الأشكال الأربعة بحيث صارت ~~مميزة، عاد قائد الكشافة إلى جيمي وأخرج من جيب قميصه صافرة شرطي ~~حقيقية، عقد حول حلقتها سلسلة جلدية أحاطت برقبته. رفع الكشافة ~~الصغير الصافرة وأطلق صافرة حادة، فجاء فتية الكشافة يتقافزون بين ~~الشجيرات وفوق الزهور من جهات مختلفة. وقد تسلح كل منهم بقوس ~~مبهرج، وجعبة من الجلد على ظهره مليئة بأسهم غير متقنة الصنع. ~~أغلبها شظايا خشب غير مصقولة. # أدى قائد الكشافة التحية. ~~«فتى الكشافة رقم واحد، إلي بأسلحتي!» # لبى ذو الوجه الملائكي الأمر المكلف به على الفور. فأدى ~~التحية أمام قائد الكشافة وقدم قوسا إضافيا وجعبة من السهام. ~~بحزم علق جعبة السهام على كتفه وشد حزامها على صدره. وبحزم ~~استحوذ على القوس ووضع السيف في غمده. ~~«فتى الكشافة رقم اثنين!» # ابتسم بيل السمين الطيب على سبيل التحية التي لم يستطع ms126 أداءها وهو ~~يظهر من خلف شجيرات نبات الليلك، وقد جمع على ذراعه بضع ثمار طماطم ~~كبيرة تامة النضج. ~~«كشافة اثنين، تقدم وأد واجبك!» كان الأمر؛ فتهادى بيل السمين ~~الطيب إلى السياج ووضع ثمرة طماطم حمراء كبيرة على العارضة بالضبط حيث ~~يفترض أن يقع القلب في جسم كل من الهنود المرسومين رسما ~~عشوائيا. # وبدأت الحركة فجأة؛ حركة هائجة. وكان صوت قائد الكشافة حادا ~~متحمسا. ~~«انتبهوا يا فتيان الكشافة! الهنود الحمر سيداهموننا. إن منازلنا ~~وأطفالنا وحياتنا في خطر! الزموا الكمين. وحين تتمكن منهم يا ~~جريجزبي أطلق النار إذا كنت مستعدا! صوب على قلوبهم الهندية ~~اللعينة! صوب عليهم لترديهم قتلى!» # انطلق قائد الكشافة ليقف وراء نبات لزان المكنسي، وشد سهما إلى ~~وتر القوس، واختار ثمرة الطماطم التي اتخذت موقع قلب الهندي الأحمر ~~الأول لتكون هدفه الخاص. واختار بيل والطفل المطيع وذو الوجه ~~الملائكي لأنفسهم جنبات وأشجارا مختلفة في الحديقة، وعند انطلاق ~~صيحة قائد الكشافة الحادة قائلا: «هجوم!» ضربت السهام السياج، ~~بدرجات متفاوتة من إصابة الهدف. # جلس جيمي يشاهد أفعالهم. وكان مترددا بشأن موقفه في هذه الظروف. ~~فالسياج الذي كان أبيض بياضا شديدا ولامعا اكتسب شكلا غير مقبول ~~مقارنة بجمال الحديقة. كما أن جيمي نفسه أراد كمية وفيرة من تلك ~~الطماطم الحمراء، فقد خطر له، وهو يجمع تلك التي كان يحضرها في ~~المطبخ، أنه من الممكن بدلا من أن يترك كميات كبيرة منها تهدر أن ~~يحملها إلى أقرب كشك خضراوات في المنطقة ويحصل في المقابل على ما ~~يكفي على الأقل لشراء صندوق توت أسود أو توت أحمر أو طعام ضروري آخر ~~قد يحتاج إليه. وكان ثمة احتمال أن تباع ثمرات ممتازة مثل تلك ~~الطماطم مقابل مبلغ كاف يملأ به مجددا درج النقود التي كان من ~~المفترض أن يشتري بها الحليب والثلج والجريدة اليومية. # بينما كان يتأمل هذه الأشياء اضطرب الجو بسلسلة من الصيحات ~~الحادة. لو كان جيمي معصوب العينين كان سيجزم أن هناك خمسة وعشرين ~~طفلا لا أربعة. ولم يعد ممكنا أن تعرف بيل ms127 السمين الطيب من ذي ~~الوجه الملائكي. وقد اختفى قائد الكشافة في سلسلة من الجولات التي ~~دار فيها هائجا شملت القفز برشاقة فوق أحواض الزهور، والاختباء وراء ~~الأشجار، والدوران حول الأجمة، والزحف وبطنه ملاصقة للأرض. أصاب وابل ~~من الأسهم السياج محدثا ضجيجا، وفي الحال، بدا أنه كلما اشتد ~~هياج المعمعة، زادت السهام التي تصيب الهدف مباشرة، فبدأت الطماطم ~~تسقط متناثرة. وفي وسط الجلبة أصاب سهم صوب بدقة شديدة ثمرة طماطم ~~كبيرة جدا آتيا من أسفل بعض الشيء فأوقعها من السياج. ومن بين ~~الصيحات الهائجة استطاع جيمي أن يميز صوت قائد الكشافة وهو يصيح ~~قائلا: «ها! هندي أحمر آخر سقط صريعا!» والصيحات تجيبه قائلة: ~~«اتصلوا بسيارة الإسعاف!» «ضعوه على الثلج!» وعلى نحو مفاجئ استرخى ~~جيمي في جلسته وبدأ يضحك بهدوء، حيث بدأ يستمتع بالأمر. ثم وجد نفسه ~~يجثو على الأرض ويسير على قدميه وركبتيه. ويجمع حفنة من الحصى من ~~الممشى، وبعد ذلك، مستترا بشجرة الجاكرندا، جعل يصوب بدقة وإتقان ~~على الطماطم التي شكلت قلوب الهنود الحمر. وعند رؤية هذا ثار حماس ~~قائد الكشافة. وصاح: «أمطرهم!» ثم تابع: «هلموا! هنا يبدأ ~~الغرب!» # عندئذ أطلق ذو الوجه الملائكي سهما طار فوق السياج. # صاح قائد الكشافة: «رمية خاطئة!» وأضاف: «صوب تحت الحزام. هيا نسلخ ~~فروات رءوس المستوطنين الأصليين.» # وبعد أن استنفد سهامه اختفى ذو الوجه الملائكي لوهلة، ثم عاد إلى ~~المعركة وهو يقرع طبلة النحل وصاح: «أقبلوا! اجهزوا ~~بأسلحتكم!» # جاء الطفل المطيع يعدو في الممشى مع دفعة جديدة من ~~الطماطم. # صاح قائد الكشافة: «الإسعافات الأولية للجرحى!» ~~«كي يي كي، يي يي، ها ها!» نسي بيل السمين الطيب لأي الطرفين ~~ينتمي وهتف هتاف الهنود الحمر في الحرب. # صاح قائد الكشافة: «أنصتوا لصوت طائر الوقواق الأصفر!» ووسط فرط ~~حماسته، بعد نفاد السهام، انضم إلى جيمي في الرشق بالحجارة. # وعند اختفاء آخر ثمرة طماطم من فوق العوارض ظهر فتيان الكشافة ~~منقطعي الأنفاس يلهثون أمام قائد الكشافة، الذي وقف في وضع الانتباه ~~ومعه السيف أثناء انتظام الفتيان في صف ms128 في انتظار الأوامر. «أيها ~~الفتيان، لنتقدم بالشكر للغريب الكريم الذي ساعدنا باقتدار في ~~هزيمة أعدائنا الأزليين.» # وقف الصبية الصغار الثلاثة في مواجهة جيمي، محرجين من مفاجأة ~~الموقف. فاحتضن بيل السمين الطيب رأسه، ومالت عيناه جانبا، وهو ~~يتمتم قائلا: «شكرا!» ونظر الطفل المطيع إليه مباشرة وقال: «شكرا ~~جزيلا!» وضم ذو الوجه الملائكي كعبيه، وحياه باعتزاز بالنفس، ~~وقال: «في غاية الامتنان لك، يا سيدي!» ولوح قائد الكشافة بالسيف في ~~دائرة واسعة وأعاد الانحناء واضعا يده على صدره، ثم استقام، وتوجه ~~إلى جيمي. «أشكرك! وفتياني يشكرونك! وبلدك يشكرك! وكل من في هذا ~~الحي تحديدا يشكرك! كشافة رقم واحد، أحضر الخرطوم! كشافة رقم اثنين، ~~احضر المكنسة! كشافة رقم ثلاثة، افتح المياه!» # عند وضع الخرطوم، تولى قائد الكشافة المسئولية. فاندفع الماء على ~~السياج الأبيض. وأخذ بيل السمين الطيب المكنسة. وجمع الطفل المطيع وذو ~~الوجه الملائكي بقايا الطماطم وحملوها إلى صفيحة القمامة. بعد أن ~~فرغوا من عملهم وعاد كل شيء نظيفا مرة أخرى وشرعت شمس العصاري ~~تجفف السياج بأشعتها الأخيرة الواهنة وتعيد إليه لونه الأبيض، ~~لاحظ جيمي حين مر قريبا منه أن هناك عشرات الخطوط الحمراء شبه ~~الخفية وأدرك أنه من الوارد أن المعركة التمثيلية كانت تقام أسبوعيا ~~في حديقة سيد النحل. من ثم عاد إلى المقعد أسفل شجرة الجاكرندا ~~شاعرا أنه بالسماح بالمعركة لم يتخط حد صلاحياته. وبينما هو يدير ~~ظهره، حدث شيء لم يستطع أن يتبينه على وجه التحديد. وبعد أن اعتدل ~~ليتخذ مجلسه التقت عينه بكتلة من الأرجل والأذرع المتحركة. أذرع ~~وأرجل في كل مكان. كانت كتلة كبيرة من البشر تدور في أنحاء الممشى ~~المفروش بالحصى، وفيها تداخلت ساقا بيل السمينتان العاريتان، وساقا ~~الطفل المطيع قمحيتا اللون، وقدما ذي الوجه الملائكي بجوربيهما ~~الحريريين وحذائهما المصنوعين من جلد الجدي. وفي الحال ظهر الشعر ~~القصير لقائد الكشافة، ليبدأ الزعيم بيدين ماهرتين في فصل الكتلة، ~~وتفكيكها، ودفعها بخبرة في اتجاهات مختلفة. # صاح قائد الكشافة: «أحضروا سكاتة للأطفال!» وتابع: «تتنازعون ~~وتتشاجرون على خرطوم هكذا! لقد قلت: «الكشافة ms129 رقم واحد، ضع الخرطوم ~~بعيدا»!» # تكلم ذو الوجه الملائكي فتناثر البصاق من فمه. ~~«لم تقل شيئا من ذلك! لقد قلت: «الكشافة رقم ثلاثة»، وأنا الكشافة ~~رقم ثلاثة! لم تكن لتطلب من رقم واحد أن يعيده وقد طلبت من رقم واحد ~~أن يأتي به!» # استغرق قائد الكشافة في تفكر عميق. واستخدم مقبض السيف في حك ~~شعره المبعثر. # قال قائد الكشافة خافضا صوته في نبرة ودية: «أيها الرفاق، أعتقد ~~أن ذا الوجه الملائكي على حق. أعتقد، ويا للعجب، أنني فعلا قلت له أن ~~يبعد الخرطوم، وأعتقد أنني طلبت من رقم اثنين أن يبعد المكنسة، ~~وأعتقد أنني لم أطلب من رقم واحد أن يفعل أي شيء، والسبب أن بيل ~~الطيب سمين جدا ومن القسوة أن أجعله يتحرك، على أي حال!» # أدخل قائد الكشافة السيف في غمده، ومشط شعره القصير بأصابعه ~~المتسخة، ومسح وجهه في كمه شديد القذارة، وأدخل طرف قميصه في ~~سرواله بعد أن كان خرج كله منه. # ثم جاء الأمر: «أيها الفتيان أمسكوا عن الكلام وتفرقوا ما تبقى من ~~اليوم!» # بعدئذ سار قائد الكشافة حتى جاء أمام جيمي، ووقف ثابتا، وراح ينظر ~~إليه متسائلا، بينما اصطف بيل والطفل المطيع وذو الوجه الملائكي ~~على مقربة منهما، بعيون كلها ترقب. # رغم أن جيمي ربما كان متعبا، ورغم أنه لا شك اسكتلندي، فقد عاودته ~~ذكرى مبهمة من أيام كان صبيا وكان يحارب هنودا من نسج خياله، ~~ويصطاد ببنادق خشبية ويشهر سيوفا خشبية ويصنع أسلحة بعجلات ~~متزعزعة، ويحمل في جسده معدة خاوية على الدوام. وقد ساوره يقين أن ~~المعدة الخاوية على الدوام هي ما يتصدر الموقف الراهن. من ثم نهض ~~جيمي ومد يدا إلى قائد الكشافة والأخرى إلى ذي الوجه الملائكي، الذي ~~تصادف أنه صبي وسيم حتى إن جيمي استسلم للضياء المنبعث من عينيه ~~ولسحر ابتسامته منذ اللحظة الأولى التي نظر فيها إليها مباشرة. # وقال بعفوية: «هيا، يا رفاق.» وتابع: «هيا نذهب إلى الكشك القريب ~~ونأت على كل ما فيه من «سجق» ومياه غازية بنكهة الفراولة!» ms130 # كان الهتاف الصاخب الذي استقبلته أذنا جيمي تعويضا مثاليا عن ~~الفراغ الذي ستتركه مكافأة الصغار في جيب سرواله القصير بعد إنفاق ~~المقدار القليل جدا من الفكة التي يحملها بداخله. # وبينما هم مصطفون أمام الكشك، أثناء تلبية طلباتهم المتنوعة، ~~راح فتيان الكشافة الزائرون ينظرون إلى جيمي نظرات مستجلية. راقت ~~لهم اللمعة في عينيه. وراقت لهم الابتسامة الواهنة التي تسللت إلى ~~وجهه الشاحب. وأحبوا الدقة التي رشق بها الحصى، والخفة التي جمع ~~بها المزيد حين نفدت ذخيرته منها. وراقهم أكثر من أي شيء آخر أنه ~~كان يعمل من خلف شجرة. فلو وقف مكشوفا وهو يلتقط الحجارة ويلقي بها ~~ما كان سيعجب كثيرا قائد الكشافة وتلك المجموعة بعينها من الكشافة؛ ~~لكن الرفيق الذي أخذ اللعبة على محمل الجد، ولعب وفقا للقواعد، ولم ~~يجعلها لعبة وإنما حقيقة بأن لعب كما كانوا يلعبون، لهو جدير بأن ~~يكون صديقا حقيقيا، من ثم تزاحم الصغار مقتربين منه وبدءوا ~~يطرحون عليه الأسئلة. # جلس جيمي في ظل شجرة بلوط حي ووضع ذراعا حول قائد الكشافة والذراع ~~الأخرى حول ذي الوجه الملائكي، وحرص على إتاحة مكان لبيل الطيب ~~والطفل المطيع، وأثناء تحميص الخبز وقلي البصل، وشق السجق وتحميره وخفق ~~المستردة وتقطيع الخيار المخلل شرائح، وإحضار المياه الغازية من فوق ~~الثلج، أخبر الأولاد شيئا عن معنى نشاط الكشافة حين مضى رجل ذات ~~ليلة حالكة السواد، على بطنه، زاحفا فوق حفرة كبيرة في حجم منزل من ~~جراء قصف القنابل، وسط صخور محطمة وحطام ساحة معركة مخضلة، يتساقط ~~فوقه وابل من القذائف والشظايا، محاولا الاقتراب كفاية لسرقة سر ~~من العدو، أو متشمما أثر زميل عزيز عليه، أو متصيدا جثة ~~ضابط. # جاء الطفل المطيع وبيل السمين الطيب وتلاصقا مقتربين من ركبتي ~~جيمي. ومال قائد الكشافة برأسه قصير الشعر على الجرح الذي في صدره ~~وظل يحملق فيه بعينين لا تطرفان، ووضع ذو الوجه الملائكي على ذراعيه ~~يدين قويتين ولم يأبه البتة حين قال صاحب الكشك: ««السجق» جاهز!» ~~وبدأ دوي فتح الزجاجات. # صاحوا في آن واحد: ms131 «احك لنا المزيد!» وألحوا: «احك لنا ~~المزيد!» وركل بيل السمين الطيب ساق الطفل المطيع ذات اللون ~~القمحي وقال: «يا للهول! لم تسنح لنا قط فرصة كهذه من قبل، أليس ~~كذلك؟ لقد ارتاد أماكن حيث كانت الأرض كلها مخضبة بدماء حقيقية، ~~والسيوف وغيرها تخترق جسمه، والنيران تنطلق فوقه! يا للهول، أليس شخصا ~~رائعا؟» # كان جيمي نفسه هو الذي جعل الجمع ينفض بعد أن استخدم حاسة شمه ~~المرهفة. صحيح أنه قد تحدث عن الفيتامينات والسعرات الحرارية. وصحيح ~~أنه قد اتفق مع مارجريت كاميرون على أن يبدآ نظاما غذائيا يتبعه ~~بصرامة، لكن حيث إن النظام لما يبدأ بعد، وحيث إنه قد بدا له أنه لم ~~يشم في حياته كلها شيئا أثار شهيته للغاية مثل رائحة ذلك «السجق»، ~~فقد مد ذراعا طويلة فوق رءوس الصغار وأخذ أكثر قطعة «سجق» امتلاء ~~رآها، وبالأخرى التقط زجاجة مياه غازية ذات لون وردي زاه. وقال ~~لهم: «أقبلوا على الطعام! تفضلوا يا رفاق!» # وبعد نصف ساعة صعد يسير على الرصيف المعشوشب المقابل لباب مارجريت ~~كاميرون وابتسم لها. كان وجهه الشاحب متوردا على غير العادة، فنظرت ~~مارجريت كاميرون إليه بفضول من فوق حمل من القصاصات كانت تحملها ثم ~~حدقت فيه بتأنيب. وقالت موجهة إليه الاتهام: «أراهن بربع دولار ~~أنك ذهبت إلى كشك الحي وتناولت «السجق» مع أولئك الصغار.» # فابتسم لها جيمي بمرح. # وقال مبتهجا: «تفوزين!» ثم أضاف: «يا إلهي! كم كان شهيا!» # الفصل العاشر # | إنها إرادة الخالق # حين أجاب جيمي على الهاتف في ذلك اليوم تلقى دعوته لزيارة ~~المستشفى. وفي الساعة الثانية بعد ظهر اليوم التالي ركب الترام مرة ~~أخرى متجها إلى المدينة، ومن دون أي صعوبة على الإطلاق اتجه إلى ~~أحد أكبر مستشفياتها. وفي الحال تقريبا أخذ إلى حجرة سيد النحل، ~~حجرة كبيرة تسطع فيها أشعة الشمس وتلهو الرياح في أنحائها ويشوب ~~هواءها عطر آت من وعاء وضعت فيه ورود صفراء. لحظة أن رأى جيمي ~~تلك الورود أدرك أنها إن لم تكن من الشجيرات المزروعة بجانب باب ~~مارجريت كاميرون، ms132 فلا بد أنها من شجيرات أخرى من فصيلة أو نوع ~~مطابقين. صفرة الورود، وحلاوة عطرها الرقيق كانت في أنفه وهو يدور ~~حول الستار القائم بجانب الفراش ليقف في مواجهة سيد النحل. # لم يدر ما الذي كان يتوقعه بالضبط. لكن ما رآه انفطر له قلبه. ~~فإن الرجل الذي أسنده حتى الأريكة، وساعده على دخول عربة الإسعاف، كان ~~مريضا وكان يتصبب عرقا من فرط الألم؛ لكنه كان نابضا بالحياة، ~~ولديه فرصة في النجاة تجلت في قوة جسده، وصلابة عضلاته والضوء ~~الذي في عينيه. أما الجسد المسجى أمام جيمي على الفراش فقد بدا له ~~بلا حياة وإنما روح، روح ربما تنطفئ وترحل في أي لحظة. فلم يتبق في ~~اليد الشاحبة التي امتدت نحوه المزيد من القوة. وبصعوبة علا الصوت ~~الذي حياه عن الهمس. وكانت العينان اللتان تفقدتا وجهه واستقرتا ~~عليه متعبتين تعبا يكاد يفوق الاحتمال. # لإخفاء صدمته، وإحساسه بالشفقة؛ جر جيمي كرسيا وطفق يتحدث عن ~~الشيء الذي يعلم أنه أكثر ما يشغل بال سيد النحل. # قال جيمي: «أولا، لا بد أن أخبرك أنني لدي مناعة من النحل. لقد ~~ارتديت معطفك، واستخدمت النعناع والقرنفل وزنابق مادونا التي ~~وصفها لي مساعدك، وقد كانت فعالة حتى رغم الضمادات التي أحملها على ~~جنبي. كما أنني أستطيع ملء أحواض المياه وقياس الكمية المناسبة من ~~الملح والمرور أمام أي قفير من القفائر بسلام. لم يتيسر لي ~~الكثير من الوقت للدراسة، لكن النحل في حال من الازدهار على حد ~~علمي. كما أن مساعدك يبلغك برسالة تفيد بأنهم بخير، ويبدو أن الصغير ~~على علم حقا بالأمر.» # قال سيد النحل: «بالتأكيد، إن مساعدي على علم بحق. لدى مساعدي ~~معرفة نادرة ومكتملة بالنحل، تؤهله حتى لإجراء عملية دقيقة مثل قص ~~أجنحة الملكة.» # قال جيمي: «حسنا، يمكنك القول إذن إن النحل على ما يرام. مارجريت ~~كاميرون تبعث إليك بمحبتها وتطمئنك أن زهورك تزدهر، وبوسعي أنا ~~إخبارك بأن منزلك يلقى الرعاية النابعة من المحبة. فإنني أوصده ~~بحرص عند مغادرته، وأقيم فيه متوخيا الرفق كما يجدر ms133 برجل يخطو ~~على أبسطة عتيقة ويلمس أثاثا عتيقا. وعند عودتك إلى المنزل مرة ~~أخرى ستجد كل شيء كما تركته بالضبط.» # ابتسم سيد النحل. وقال: «لقد توقعت أن يكون ذلك هو الحال حين ~~ناديتك من الطريق. إذ بدوت لي، حتى وأنا أكابد العذاب في تلك ~~الساعة، رجلا ذا فهم راق وفطرة سليمة. عرفت أنني سأصبح في مأمن حتى ~~وأنا أترك معك أعز أملاكي. لم يخالجني أي إحساس بأنك غريب. بل ~~بدوت وسيلة أرسلت لتلبي حاجتي الملحة. ماذا عن الكشافة ~~الصغير؟ شريكي الصغير؟» ~~«شريكك الصغير يأتي إلى الحديقة، لكنني لا أراها حديقة بحق من دونك. ~~ثمة شيئان لا بد أن أخبرك بهما.» # وضع جيمي يده في جيبه وأخرج قيمة «السجق» وزجاجة المشروب الغازي ~~المنكه بالفراولة ووضع العملات المعدنية في يد سيد النحل ~~الممدودة. # قال جيمي: «كانت التوجيهات التي تلقيتها أن يكون الخبز محمصا، ~~و«السجق» مشقوقا وجافا. والبصل محمرا. وحددت كمية المستردة بدقة. ~~وكان علي الإشراف على عملية إعداد شطيرة «السجق» تلك بنفسي وبعناية. ~~ويمكنني أن أذهب الآن وأحرص على إعدادها وفقا للمواصفات، إذا كنت ~~ترى أن الدكتور جرايسون لن يقرعني بالعصا على ذلك.» # ابتسم سيد النحل. وأطبق أصابعه على النقود، القطع نفسها التي ~~احتسبها مساعده الصغير من أجله. # قال جيمي: «انتقيت النقود بعناية من بين الأزرار والمشابك ~~وأحجار النرد وأحجار القمر، وتصادف أنه بذلك استنفد كل ما لديه من ~~نقود تقريبا. فلم يتبق الكثير. إلا أن شريكك ربح رهانا سيدر ~~عليه ربع دولار؛ لذا فهو غير مهدد بالإفلاس. وقد كنت شاهدا ~~بالصدفة على ربحه الرهان. فقد أصاب بوابل من البصاق الموجه بدقة ~~نحلة طنانة على بعد عشر خطوات تقريبا وأسقطها من نبات معترش ~~أحمر.» # اهتز جسد سيد النحل وهو يضحك ضحكة مكتومة. # وقال بحماس: «لقد أحسن عملا!» وأضاف: «يمكن الاعتماد على مساعدي في ~~إصابة أي شيء تقريبا تضعه له هدفا.» # قال جيمي: «وإن مساعدك لديه قلب مفعم بالحب لك، حب بالغ وصادق ~~حتى إنني أعتقد بحق أنه كان صريحا وصادقا عندما عرض ms134 التنازل لك عن ~~يده اليمنى التي يحتاج إليها في امتطاء الخيل، والتجديف بالقوارب، ~~والسيطرة على فتيان الكشافة، لو كانت ستخفف من ألمك وتعود بك إلى ~~المنزل سالما ومعافى.» # أغمض سيد النحل عينيه بإحكام وظل مستلقيا مكانه وهو يمسك ~~العملات المعدنية بين أصابعه. وما لبث أن ابتسم لجيمي في ~~صلابة. # قال سيد النحل: «لست بحاجة إلى الشك في إخلاص ذلك العرض أو ~~صدقه». وتابع: «ولست بحاجة إلى الشك في أنه كان سينفذ بشجاعة لو ~~دعت الحاجة إلى ذلك. ولست بحاجة إلى الشك في أنه، من ناحيتي، لم ~~يتبق في العالم بأسره شخص أعزه نصف معزتي لهذا الصديق الصغير. ~~وإن من الأسباب التي أرغب لأجلها في العيش هو أنني قد أحرز تقدما ~~فيما أحاول تعليمه لذلك الصغير بالذات بشأن تربية النحل، وفي الوقت ~~نفسه، الحفاظ على روح أعتقد أنها خالدة. ولن ينجم ضرر عن أي شيء ~~يتعلمه مني مساعدي. بل يساورني شعور بأن الأشياء المؤذية في هذا ~~العالم تتجاوز الذهن ما دام مشغولا بشيء مشروع وبناء. لا تخبر ~~مساعدي أنني لا أستطيع تناول «السجق» أو المياه الغازية بنكهة ~~الفراولة. أخبره أنني ممتن له للغاية على تذكري. بلغه محبتي، ~~وإذا كنت ترى أن حالتي ليست صادمة للغاية، فأحضر معك صديقي الصغير ~~في المرة القادمة.» # قال جيمي: «سيسرني ذلك للغاية.» وتابع: «والآن، هل تود أن ~~تعطيني أي توجيهات قبل أن أرحل؟ فقد طلب مني الدكتور جرايسون أن أبقى ~~بضع دقائق فقط.» ~~«أعتقد أنه لا يوجد شيء سوى أن تستمر على ما أنت عليه. وسيسرني ~~أن تقضي وقت فراغك بين كتب النحل. فسوف تساعدك في مهمتك. وقد تثير ~~اهتمامك لدرجة تحملك على الاستمرار أثناء عجزي، ما دمت متمتعا ~~بالبأس الكافي. يريد جرايسون أن يقابلك في مكتبه هنا في المستشفى قبل ~~أن ترحل، فإذا كنت ذاهبا فافتح ذلك الدرج الذي على اليسار هناك وضع ~~الظرف الموجود بداخله في جيبك؛ من شأن ذلك أن يعطيك ولو بعض المكافأة ~~على راحة البال التي منحتني إياها تجاه منزلي وأملاكي ms135 وعملي. أخبر ~~مارجريت أنهم لا يسمحون لي بالكتابة، لكنني أحب الورود التي ترسلها ~~وتشعرني رسائلها بأنها موجودة بجانبي. أخبرها أنني أرجو أن ~~تستمر في تدليل رجل عجوز مثلي إلى أن ... لنقل إلى أن أبلغ الديار ~~مرة أخرى، بما أنه من المحتمل أن يكون لدي فرصة. والآن أقول لك ~~الوداع. أريد أن تعلم أنني أفكر فيك تفكيرا لا يكاد ينقطع في ساعات ~~صحوي. احرص على مقابلة جرايسون. فإنه في غاية المهارة. ربما يستطيع ~~أن يصف لك شيئا يجعلك أقل شحوبا ويساعدك على استجماع قوتك. والآن ~~إلى اللقاء.» # قال جيمي: «إلى اللقاء. كن مطمئنا. فإنه بإمكاننا فيما بيننا، ~~مارجريت كاميرون، والكشافة الصغير، وأنا، أن نتدبر أمر النحل. ولا ~~توجد مشكلة البتة بشأن الزهور والأشجار. لقد تمكنت من ذلك النظام ~~بالفعل.» # بعد ذلك نزل جيمي ووجد مكتب الدكتور جرايسون، وبعد نصف ساعة عاد إلى ~~المنزل ومعه كمية كبيرة من الضمادات المعقمة ومن دون قطرة دواء ~~واحدة. فقد نصح باتباع نزعاته. فإذا تاق جسده للماء المالح البارد، ~~فلينغمس فيه. وإذا كانت رغبته الاستلقاء على الرمال في الشمس، ~~فليقدم على ذلك. # قال الطبيب: «حيث إن عاما من أفضل الرعاية التي استطاعوا أن ~~يوفروها لك في أرقى مستشفياتنا الحكومية لم تخفف من متاعبك، ~~فلتجرب فعل ما تخبرك الطبيعة أنها تريد منك فعله بالضبط، ولتر ما ~~النتائج التي ستترتب على ذلك. فأنا أعتقد أن الماء المالح وأشعة ~~الشمس والهواء النقي هم أفضل أطباء في العالم كله، على أي ~~حال.» # في المكتب جلس جيمي على مقعد ليستريح بضع دقائق ويقرر ما ~~سيفعله بعد ذلك. كان ممتنا على الضمادات؛ لأنه لم يكن يعلم بالضبط ~~ما هي أفضل الأشياء ليستخدمها. لقد كان الأطباء والممرضات يفعلون به ~~ما يريدون، لكنه لم يعلم الكثير عما كانوا يفعلونه. وهو الآن سيصبح ~~مطمئنا أن ما يستخدمه لن يسبب ضررا على الأقل. # جعل يفكر في بعض اللوازم التي يحتاج إليها، وتساءل إن كان الظرف ~~يحتوي على نقود كافية لتعويض المبلغ الذي اقترضه من أجل الخاتم ms136 وإذن ~~الزواج، ومن ثم فتحه. وعندئذ جلس مذهولا واجما. ليس من الحكمة أن ~~يعود أدراجه ويدخل حجرة رجل عليل لإعلان اعتراضه. أخذ يحصي الأيام ~~التي قضاها في العمل في الحديقة. أدرك أنه قد حصل على مسكن ومأكل ومشرب ~~وحق استخدام ما احتاج إليه من الملابس، لكنه لم يكن صحيحا ولا ~~منطقيا على الإطلاق أن يتلقى مبلغا مثل ذلك الذي احتواه الظرف ~~مقابل ما فعله. ظل جالسا هناك يتساءل ما إن كان الرجال في جميع ~~أنحاء البلد يتقاضون مبلغا مثل ذلك مقابل عمل يومي عادي. تحسس ~~النقود بين يديه. وبسطها أمام عينيه. وراح يتفحصها بإمعان. ~~بإمكانه أن يعوض عما اقترضه ويظل بإمكانه أن ينفق المبلغ نفسه ~~مرتين أو ثلاث مرات أخرى، مقابل بضعة أيام فقط من المكوث في حديقة ~~النحل. # كان ذلك عمليا ما يستحقه مقابل ما قدمه من خدمات. لقد حافظ ~~على المنزل مفتوحا. وأعطى انطباعا بوجود شخص يؤدي العمل. وضع المال ~~في جيبه، في جيب يستطيع أن يدس فيه يده ويتحسسها. وغادر ~~المستشفى وخرج إلى الشارع، وهو ما زال يتلمس تلك النقود. ما دام ~~باستطاعة رجل مريض أن يكسب كل ذلك بمجرد «البقاء مكانه»، كما عبر ~~الكشافة الصغير عن الأمر، فما ذلك الذي لا يقوى على فعله وهو ~~معافى؟ قال الدكتور جرايسون إن الماء المالح وأشعة الشمس والهواء ~~النقي قد يصبحون أفضل أطباء. حسنا، وهو لديه المحيط الهادئ مملوء ~~بالماء المالح. ولديه السماء بأسرها تملؤها أشعة الشمس. ولديه ~~الهواء، بلا غبار مطلقا، نقي، رقيق وهو يهب من المحيط، وقد عبر ~~مسافة طويلة من الصين. تصور جيمي أنه حتى إن كان ثمة غبار في ~~الهواء الذي يتنفسه، فهو غبار النجوم. # هكذا شد قامته وتحسس النقود بيد واحدة، وبالأخرى تحسس صدره. ~~لمسه بتأن، متفحصا إياه بقدر ما استطاع خلال ملابسه، فاكتشف أنه ~~منذ تعافيه من الإرهاق الذي لقيه في تجواله لم يعد يؤلمه بشدة كما ~~كان. ما دام باستطاعته أن يكسب مالا بذلك القدر، وما دام لديه حديقة ~~مدهشة ليعمل فيها، ms137 وما دام استطاع أن يكسب ثقة سيد النحل، وما دام ~~يستطيع في كل يوم أن يكتسب صداقات مفيدة، وما دام لديه زوجة، وما دام ~~سيولد طفل يحمل اسمه، فما فائدة الاستسلام للموت؟ قد يكون في العالم ~~شيء جيد يستطيع أن يفعله . ومهما يكن من أمر فباستطاعته أن يجد ~~قدرا غير محدود من التسلية من العمل في حديقة النحل واللهو مع ~~الكشافة الصغير. # هكذا ذهب جيمي إلى عدة متاجر، واشترى بعض الأشياء التي كان بحاجة ~~إليها مطمئنا اطمئنان رجل لديه الثمن في جيبه. ثم ذهب إلى المنزل ~~وقد تبدل لأول مرة منذ عامين ما كان يشغل باله؛ فقد أصبح يفكر في ~~الحياة بدلا من الموت. # وضع الأشياء التي اشتراها جانبا وتوجه في الحال نحو المقعد ~~الواقع أسفل شجرة الجاكرندا في أعلى الحديقة الزرقاء. وعلى المقعد، ~~منكمشا مثل قط صغير، وجد الكشافة الصغير يغط في نوم عميق. وبينما ~~هو يحاول أن يخطو بخفة لكيلا يزعج الطفل، وقعت قدمه على أحد أحجار ~~الإطار فتدحرج من مكانه وأيقظ الاحتكاك الخفيف الطفل. وفي الحال نهض ~~الصغير، مبتسما ابتسامة تودد فاتحا عينين غشاهما النوم لأقصى ~~حد محاولا إثبات أن النوم لم يمسهما منذ الليلة الماضية، ولو ~~قليلا. # في محاولة أخرى لإثبات أن قائد الكشافة دائما ما يكون في حالة من ~~الاستيقاظ واللياقة، تقدم الصغير إلى الأمام وسأل باقتضاب: «ماذا ~~سنفعل الآن؟» # جلس جيمي على المقعد وشد الكشافة الصغير ليجلس بجانبه. # قال جيمي: «إنني متعب.» وتابع: «لقد ذهبت لزيارة سيد النحل، وهو ~~على ما يرام. إنه يبعث إليك بمحبته كما أنه سر كثيرا بهديتك، ~~ويريدك أن تأتي لزيارته ذات يوم في القريب العاجل.» # هز الكشافة الصغير رأسه موافقة. ~~«لكن ماذا سنفعل ما دمت متعبا؟» # ابتسم جيمي. # وسأل: «هل يجب أن تجد نشاطا مفعما بالحركة والحيوية في كل ساعة ~~من ساعات صحوك؟» ثم أضاف: «أليس من الممكن أن تجلس وتتواصل مع روحك ~~من وقت لآخر؟ إذا كنت تواقا جدا لفعل شيء، دعني أقترح عليك ~~شيئا. إنني لا أعلم ms138 عن النحل أي شيء من الأشياء التي تعرفها أنت ~~بالفعل. فما رأيك ما دام لديك وقت فراغ أن تقضيه في تعليمي؟» # راح الكشافة الصغير يتفحص جيمي بتمعن. ~~«هل تقصد أنك تريدني أن أعلمك كل ما أعرفه عن النحل، ولديك ~~بالداخل على الرف كل كتب سيد النحل لتتعلم منها؟» ~~«لكن ألم يتعلم سيد النحل العديد من الأشياء وحده؟ ألم يتيسر له ~~من العلم ما يكفي لملء كتاب عن الأشياء التي اطلع عليها خلال ~~خبرته المديدة مع النحل؟ ربما كان بعضها لديه من الأصل. ربما تعلم ~~أنت أشياء ليست موجودة في الكتب.» # عندئذ ضحك الكشافة الصغير. ~~«حسنا، هناك العديد من الأشياء الجيدة التي نود معرفتها وليست ~~موجودة في الكتب. لكن عليك أن تعكف أكثر على دراسة النحل قبل أن ~~تعرف كل ما له صلة به.» # قال جيمي: «حسنا، فلتبدأ من حيث يحلو لك وأخبرني بما لا بد أن ~~أعرفه عن النحل في رأيك.» # مال الكشافة الصغير إلى الأمام، ومد يديه، اللتين كالعادة لم ~~تكونا في غاية النظافة، وضم كفيه، وأسقطهما بين ركبتين بدتا ~~كأن صاحبهما يخدم في الجيش وكان يزحف على الأرض مؤخرا. ثم على نحو ~~مفاجئ التفت نحو جيمي بوجه صغير يقظ ذي عينين مستغرقتين في ~~التأمل. # قال الكشافة الصغير: «فلتخمن أول سؤال طرحته على الإطلاق على ~~سيد النحل بشأن النحل؟» ~~«لعلك قلت: «لماذا تربي النحل؟».» قال جيمي على سبيل ~~التخمين. # ببطء تحرك الرأس الصغير الذي لفحته الشمس فأكسبته لونا ~~بنيا دلالة على النفي. # وقال: «كلا! إجابة بعيدة كل البعد!» وتابع: «لم تقترب من الصواب ~~ولو قليلا. أول سؤال سألته مطلقا كان: «لماذا حديقة النحل زرقاء؟» ~~وسأضطر إلى إخبارك بالجواب لأنك لن تحزره أبدا ولو بعد ألف ~~سنة. الإجابة هي: «إنها إرادة الخالق».» # وشى وجه جيمي بالدهشة التي اعترته. فقد تغضن حاجباه لاستغراقه ~~في التفكير، وضاقت عيناه. ثم حدق في الكشافة الصغير وأعاد قوله ~~بهدوء: «إنها إرادة الخالق؟» # قال الكشافة الصغير: «أجل.» ثم أضاف: «ذلك ما يجعل النحل مثيرا ~~جدا للاهتمام. ms139 إن نصف الأشياء التي سيتوجب عليك أن تتعلمها ترجع ~~إلى إرادة الخالق، وسبب زرقة حديقة النحل هو أول شيء على الإطلاق. ~~والآن أصغ بينما أخبرك بالسبب.» # بيد مرفوعة إيذانا بالصمت، أعاد الكشافة الصغير بتأن وجدية ~~التفسير الذي تلقاه كإجابة عن السؤال الأول الخاص بالنحل. ~~«إن حديقة النحل زرقاء لأن الأزرق هو «اللون المثالي»، والنحل ~~مثالي أكثر من أي حشرة أخرى من حيث الأسلوب الذي يعيش به، وهو ~~الحشرة الأكثر قيمة بسبب العمل الذي يؤديه، ومن ثم يفترض أن ~~الأزرق هو أكثر الألوان التي تروق له، وهو كذلك! إن كنت لا تصدق، ~~فراقبه. أما السبب فإنه كلما اقتربت الحشرة من المثالية كان اللون ~~الذي تحبه مثاليا، والسبب وراء ذلك أن الله خلقها على هذه ~~الصورة!» # رمق الكشافة الصغير جيمي بنظرة متفحصة، فلم يبد على وجه جيمي ~~انطباع محدد. # قال الصغير متجاسرا: «أعتقد أنك لم تفهم الأمر. حسنا، تمهل ~~دقيقة وسوف تفهم. أول ما عليك تعلمه هو بعض الأرقام. لأنك كبير، ~~وربما ذهبت إلى الجامعة، يجدر بك أن تتعلمها إذا استطعت. أحد ~~الأسباب أن هناك أربعة آلاف وخمسمائة نوع مختلف من النحل. هذه نقطة ~~لا بد أن تتذكرها. السبب الآخر أن هناك مائة ألف نوع من النباتات التي ~~لن تبقى حية إذا عصف بهذا النحل أو احترق أو لحق به ما شابه ذلك؛ ~~لأن النبات، كما تعرف، لا بد أن ينمو حيث تحمل الرياح بذوره أو ~~تبذرها الطيور أو السناجب، وإذا كان هناك نبات ذكر ونبات آخر أنثى، ~~فلا يمكن أن يتحركا ويذهب أحدهما إلى الآخر ليتزوجا ويجعلا بذورهما ~~تثمر، أليس كذلك؟ من ثم لا بد أن يكون لديهما شيء ليحمل حبوب اللقاح ~~بينهما وينتج البذرة الملقحة. # وإليك الآن شيئا لتتذكره بشأن النحلة نفسها ... لتكن النحلة ~~العاملة؛ لأنها هي التي تحمل حبوب اللقاح. فلتتذكر أولا أن كل ~~واحد من الأنابيب الصغيرة التي في أنفها به خمسة آلاف تجويف للشم؛ ~~لذا لا عجب أن باستطاعتها تمييز من تنبعث منه رائحة غريبة. كما أن ms140 ~~النحلة العاملة لديها ستة آلاف عين في كل جانب من رأسها؛ حتى ترى ~~الزهور التي تريد أن تحصل منها على حبوب اللقاح والرحيق. كذلك لدى ~~النحلة العاملة معدتان؛ واحدة صغيرة إلى الداخل لنفسها، وأخرى أكبر ~~بكثير إلى الخارج من أجل الخلية . كذلك لدى كل نحلة عاملة على بطنها ~~أربعة جيوب لإفراز الشمع، ولدى كل نحلة عاملة سلال على سيقانها ~~لتجمع فيها حبوب اللقاح، بجانب الرحيق الذي تحمله في معدتها من أجل ~~الخلية. ولدى كل منها إبرة حادة بإمكانها استخدامها إن لم ترق ~~لها رائحتك، أو إن اعتقدت أنك ستؤذيها أو ستفعل شيئا لا يجدر بك ~~فعله في الخلية. وتجد كل واحدة منها مغطاة بشعر طويل بالنسبة إلى ~~نحلة، وتجده كذلك ناعما غضا، وحين تهبط العاملات على ذكر زهرة ~~السوسن للحصول على رحيق من أجل معدتيها ولملء سلال اللقاح، يمتلئ ~~الشعر الذي يغطيها باللقاح هو الآخر، وعند خروج النحل لجمع الرحيق ~~واللقاح لا يخلط أبدا بين زهرة وأخرى، وهذا هو القانون؛ إنها مشيئة ~~الخالق. فإذا بدأ بزهور السوسن، استمر في الذهاب إلى زهور السوسن ~~حتى النهاية. تستطيع الآن تصور الأمر، أليس كذلك؟ حين تحصل النحلة ~~العاملة على اللقاح من ذكر زهرة السوسن في جميع أنحاء شعرها ثم تذهب ~~لتحصل على اللقاح من أنثى زهرة السوسن، يتناثر اللقاح من الشعر لينتج ~~البذرة المهمة؛ لأن النحل يزاوج بين الزهور. وذلك سبب آخر بجانب ~~العسل يجعل النحل مفيدا. # سألت سيد النحل ذات مرة كيف أتأكد أن الله موجود ما دمت لا أستطيع ~~أن أراه وما دمت لا أستطيع أن ألمسه. فقال: «بسبب الشعر الذي لدى ~~النحل!» هذه إحدى الطرق التي يمكن بها أن تتأكد. # هناك أيضا سبل عدة لمعرفة الله من خلال تأمل الطريقة التي خلق ~~بها ملكات النحل. إن خلية النحل لمليئة بالمعجزات والعلامات ~~والرموز والعجائب. قال سيد النحل ذلك. لكن قد تكون كبرى عجائب الخلية ~~هي الملكة تحديدا. فإنك تجد الكثير من الأدلة على وجود الله عبر ~~تأمل ملكة النحل. قد تعيش ms141 النحلة العاملة خمسة أسابيع أو ستة فقط، ~~أما الملكة فقد تعيش خمس سنوات أو ستا. وهي أكبر حجما بكثير من ~~النحلة العاملة وتبدو مختلفة. فهي طويلة ورفيعة ولديها أجنحة أكبر، ~~ولديها بطن كبير لأنها قد تضع من البيض مليونا أو مليونين . ولا ~~تملك سوى نصف عدد العيون الذي لدى النحلة العاملة؛ لأنها لا تحتاج ~~إليها إلا حين تخرج لتبحث عن حبيبها، أو ربما بضع مرات أخرى حين ~~يصبح لديها قفير كبير مليء بمائة وعشرين رطلا من العسل والعديد من ~~النحل يزاحم بعضهم البعض. ومن ثم حين يصبح كل شيء جاهزا تطلب من ~~جزء منهم أن يأتي معها لتعثر على قفير جديد، وتترك الآخرين ليعيدوا ~~ملء القفير القديم بعد أن يأخذ سيد النحل نصيبه من العسل. # وتصبح الملكة ملكة على النحو التالي: في خلية صغيرة مجهزة ~~بالكامل من أجلها تضع ملكة نحل القفير بيضة، وتقول للعاملات: «أريد أن ~~تصبح هذه البيضة ملكة.» فتنهمك العاملات في العمل وتصنع غذاء ملكات ~~النحل. وذلك شيء آخر لم يكتشفه الناس الذين ألفوا كتب النحل. إنهم ~~لا يعرفون مطلقا ما هو غذاء ملكات النحل أو كيف يصنع. لكن العاملات ~~يعرفن. فقد علمهن الله الطريقة حين خلقهن. هكذا يصنعن غذاء الملكات ~~ويغذين به من يخرج من البيضة التي قالت الملكة إنها ستصبح ملكة ~~أخرى. فتنمو وتصبح يرقة بيضاء، وحين تتمكن اليرقة البيضاء من ~~الطيران تصبح ملكة صغيرة. ويطعمن بغذاء مختلف ما يخرج من كل بيضة ~~في كل خلية مختلفة، وتقرر الملكة ما الذي يخرج من كل خلية. وخوفا من ~~أن يصيب الملكة مكروه، لأنه لا يمكن لأي خلية العيش من دون ملكة، ~~تضع هي الكثير جدا من البيض الذي تريد أن يخرج منه ملكات، ثم تضع ~~عددا كبيرا ليخرج ذكورا والبعض ليخرج ممرضات والآلاف ليخرج ~~العاملات. تذكر هذا: يصنع النحل أربعة أنواع مختلفة من ~~الخلايا. # حين تجد الملكة قفيرها مليئا بالعسل والعدد الكافي من اليرقات ~~البيضاء بما يضمن أن يظل هناك دائما ملكة في القفير، والكثير من ms142 ~~خبز النحل لإطعام اليرقات وسائر النحل الآخر الحبيس في مهده، يحدث شيء ~~لا يفهمه أي أحد. عندئذ تحديدا تأخذ الملكة وصيفاتها ومهندسيها ~~وبنائيها الذين يصنعون أقراص العسل، والعاملين الذين يحضرون حبوب ~~اللقاح والرحيق، وتأخذ بعض الذكور وتأخذ بعض الممرضات، وتمضي في الحال ~~وتترك كل الأعمال التي أنجزوها كلهم بعناية شديدة. الشيء الذي لا ~~يعرفه أي أحد هو من الذي يأخذ هذا القرار، أو كيف يقرر، من الذي ~~سيبقى في القفير ومن سيذهب. لكن يبدو أن ثلثيهما يذهب مع الملكة ~~القديمة. # قبل أن تهم الملكة القديمة بمغادرة القفير مع السرب الذي ~~سيرافقها، يذهبون جميعا ما عدا الملكة إلى أحواض العسل ويأخذون من ~~العسل ما يكفيهم خمسة أيام أو ستة، بحيث لا يتضورون جوعا أثناء ~~البحث عن سكن جديد، وبحيث يبقى معهم الشمع الذي يستطيعون استخلاصه من ~~العسل ليضعوا أساس الخلايا ليبدءوا العمل في سكنهم الجديد. # ثم تخرج الملكة من القفير ويذهب كذلك كل النحل الذي يفترض أن يذهب ~~معها. وتطير بعيدا بعض الشيء وتحط على فرع شجرة برتقال، أو ربما ~~تين، أو جاكرندا، لتحيط بها وصيفاتها وكل سربها الذين يتولون ~~رعايتها. فهم يخفونها بينهم بحيث لا يلتهمها طائر، أو إحدى الفراشات ~~الصقرية، أو أي شيء آخر، بينما يذهب النحل الكشاف للبحث عن سكن جديد. ~~وحين يذهب النحل الكشاف للبحث عن سكن جديد يختارون مكانا في الصخور ~~أعلى الوادي، أو غصن كبير ميت في شجرة بلوط حي أو جميز. لكن إذا ~~كان مربي النحل مربي نحل بحق، فإنه يعلم قبل عدة أيام من اشتداد ~~نشاط القفير ومن الأشياء التي يسمع النحل وهم يخبر بها بعضهم البعض، ~~أنهم سيتركون مسكنهم للبحث عن مسكن جديد. وإذا كان يريد أن يحافظ على ~~نحله ويجعل حديقته تزداد حجما أكثر فأكثر، فإنه يحتفظ ببعض القفائر ~~القائمة في الخلف، جاهزة تماما، ويظل يراقب الوضع، وحين تخرج ~~الملكة من بابها وتبدأ الطيران يأتي بطبلة النحل، ويظل يقرعها، قرعا ~~بطيئا وهينا وخفيضا؛ دوم، دوم، دوم. فيتساءل النحل ما هذا الصوت ms143 ~~الغريب. وينسى ما الذي كان مقدما عليه، ويستقر على أقرب غصن ويغطي ~~الملكة كما أخبرتك، وسريعا يذهب مربي النحل ويأتي بمبخرته ويطلق ~~عليهم القليل من الدخان ليبقوا هادئين ووادعين. فإذا كان يحب نحله ~~فإنه لن يطلق عليه الكثير من الدخان؛ لأن النحل يكره الدخان أكثر من ~~أي شيء في العالم بأسره. # وفي الحال يقطع الفرع أو يضع القفير تحته، وبيده ينتزع النحل ويقذفه ~~في الداخل. وعليه دائما أن يتأكد من أن الملكة لديه وأنها بخير. وبعد ~~ذلك يأخذ القفير وينصبه على منصة جديدة ويضعه في حديقة النحل الخاصة ~~به. وإذا أراد فبإمكانه أن يضعه بجانب القفير الذي جاء منه النحل ~~بالضبط، لكنه لن يعود أبدا إلى القفير الذي كان يعيش فيه من قبل. ~~سيبقى دائما مع الملكة، ويعيش في القفير الجديد ويعمل فيه. وتظل ~~الملكة طيلة حياتها دون أن تخرج مرة أخرى أبدا إلا إذا أرادت أن ~~تبحث عن قفير آخر. وعندئذ تفعل نفس ما فعلته هذه المرة بالضبط. ~~وهكذا يحصل مربي النحل على قفائر جديدة للنحل. # أما هناك في القفير القديم الذي تركوه فيصبح النحل حزينا بعض ~~الشيء؛ لأن مربي النحل جاء هو الآخر وأخذ نصيبه من العسل، ولأن ~~ملكتهم الجميلة رحلت، ولأن الأقراص الذهبية التي تكاد تملأ القفير ~~صارت خاوية ما عدا ما تركه مربي النحل، فيظل كل منهم واقفا مكانه ~~شاعرا بالكآبة منتظرا. ولا تخرج العاملات بحثا عن رحيق كالذي أحصل ~~عليه من زنابق مادونا، ولا عن حبوب اللقاح. بل إنها لا تنظف حتى ~~مخلفات الذكور الكسولة القديمة. إنها أشد الأوقات التي تلم ~~بالقفير كآبة على الإطلاق. هكذا يذهبون كلهم ويتجمعون حول الخلايا ~~التي وضعت فيها الملكة البيض لينشأ المزيد من الملكات. وتعرف الملكة ~~القديمة وهي تغادر أنه سريعا جدا ما ستخرج ملكة جديدة من هذه ~~الخلايا. وهكذا في الوقت الذي يشعر فيه كل من داخل القفير بيأس ~~شديد، ترفع إحدى اليرقات البيضاء رأسها وتأكل غطاء خليتها لفتحها ~~وتسير خارجها. فتهرع الممرضات إليها ويساعدن في تنظيفها وفي ms144 تمشيط ~~شعرها وتهذيب أجنحتها. ويقبلنها لسعادتهن البالغة برؤيتها. # ومن الأشياء الأخرى التي قدرها الله في قفير النحل هو أنه لا يجعل ~~ملكة صغيرة واحدة فقط تأتي للحياة؛ لأنها بعد أن تصبح جاهزة وعلى ~~أتم الاستعداد تخرج إلى العالم الكبير الهائل لتبحث عن ملكها، فإذا ~~التهمها طائر الوروار أو ملك العصافير، سيصبح القفير عندئذ في ~~مشكلة أسوأ من التي كان فيها من قبل. من ثم قد يتأتى في اليوم ~~نفسه أو اليوم التالي أو بعد يومين أن تخرج يرقة بيضاء برأسها ~~وتأكل خليتها حتى تخرج منها سيرا. لكن لا أحد يذهب ليساعدها ولا ~~يساعدها أحد كثيرا؛ لأنهم كلهم يعقدون أملهم على أول واحدة ~~خرجت. # حين ترى الملكة التي خرجت أولا أن ثمة ملكة أخرى غادرت خليتها، ~~يستبد بها الغضب. وهنا تبدأ مشاجرة. وهما تتعاركان تماما كما ~~أتعارك مع الطفل المطيع وذي الوجه الملائكي حين أستقرئ في عينيهما ~~أنهما قد يفكران في التخطيط للتمرد علي. ولا أتوقف إلا حين ~~أوسعهما ضربا. ولا تتوقف الملكة الصغيرة إلا حين تردي الملكة ~~الأخرى جثة هامدة، وتخرج بها العاملات إلى مدفن النحل. # وعندئذ ترغب الملكة الصغيرة في المواصلة وقتل كل واحدة من ~~اليرقات البيضاء النائمة في سائر المهاد. إنها تريد أن تفعل ذلك في نفس ~~التو واللحظة. إلا أن العاملات والنحل الكشاف والحراس يتقدمون ~~ويقولون: «كلا، لا يمكنك أن تفعلي ذلك. عليك الخروج والعثور على ~~ملك لك ثم العودة مستعدة لأن تصبحي أما للقفير قبل السماح لك ~~بأن تفعلي ذلك.» # من ثم تخلد الملكة الصغيرة إلى الراحة بضعة أيام حتى تصبح على ~~أهبة الاستعداد، وذات يوم والجو صحو ومشمس تماما، في الصباح ~~والندى يكسو الزهور وطيور القنبر تحلق في السماء، في صباح مثل ذلك ~~الذي كتب عنه براونينج، وجعلني سيد النحل أحفظه؛ ذلك الذي يقول فيه: ~~«الله في سمائه، وكل ما في الدنيا بخير»؛ أعتقد أن أمك جعلتك ~~تحفظه أنت الآخر، حسنا، تذهب الملكة الجديدة إلى الباب وتخرج منه ~~بظهرها. تبتعد مسافة صغيرة وتعود إليه ثلاث ms145 مرات أو أربع. لقد ~~علمها الله أن تفعل ذلك حتى تتأكد تماما من أنها ستتعرف على بابها ~~حين تعود إلى سكنها من أول رحلة طويلة تقدم عليها على الإطلاق. وحين ~~تتأكد من أنها تعرف المكان الذي تنتمي إليه، حينئذ تبدأ رحلتها ، وقد ~~علمها خالقها الطيران أيضا؛ إذ لا تتسنى لها فرصة استخدام ~~أجنحتها قبل ذلك. لكنها حين تستخدمها تظل تعلو وتبتعد في السماء، ~~حتى إنها تعلو فوق الأشجار. وتحلق أعلى من الطيور. إنها تحلق عاليا ~~جدا حتى إن الرجال الذين ألفوا الكتب لم يستطيعوا قط أن يروا ~~الارتفاع الذي تصل إليه. # وحين تبدأ رحلتها، فإن هناك شيئا ما في جميع أنحاء صف القفائر، ~~الشيء الذي تسميه كتب النحل «روح القفير»، أو الغريزة، أو الطبيعة - ~~لكن سيد النحل يقول إنها مشيئة الخالق أيضا - تخبر كل ذكور النحل أن ~~ثمة ملكة شابة خرجت للبحث عن ملك. وليس بإمكانهم امتطاء جواد أبيض ~~بلون الحليب للبحث عنها؛ فعليهم استخدام أجنحتهم. لكنهم يتمتعون ~~بمظهر بديع. إذ إنهم من النحل الكبير المختال. ويضعون على رءوسهم ~~خوذات مزينة بلآلئ سوداء، وريش طويل. ويرتدون أحزمة مخملية صفراء ~~وعباءات طويلة، ويستهينون بكل من في القفير. حتى إنهم لا يأبهون ~~كثيرا لأمر الملكة، إلى أن يبدءوا في خطب ودها. ويظلون طوال ~~حياتهم عبئا ثقيلا. فلا يعملون البتة. ولا يخرجون أو يبحثون عن أي ~~رحيق. إنما يسيرون إلى الخلايا التي تملؤها العاملات ويأكلون منها كما ~~يحلو لهم. ويخرجون ويتكورون على زهور التيوليب والزنابق، وحيثما ~~يجدون مهدا جميلا من الزهور، استلقوا عليه وناموا في الشمس لساعات. ~~بعد ذلك يعودون ويأكلون المزيد، وإنهم أكسل من أن يعيشوا بالأسلوب ~~الذي يعيش به النحل الآخر، لكن تعلم النحلات العاملات أن القفير لا ~~يمكنه البقاء من دونهم؛ لذلك ينظفن مخلفاتهم. ولا أحد يحبهم على ~~الإطلاق، لكن لا أحد ينبس بكلمة لأنهم جزء من خطة الخالق. ولا بأس ~~أن يحظوا بوقت طيب متى تسنت لهم الفرصة؛ فإنهم لا يعلمون شيئا ~~بتاتا عما سيحيق بهم. # هكذا حين تخرج ms146 الملكة الصغيرة، يرغب كل الذكور في التودد إليها، ~~فيأتون في أسراب من جميع القفائر المختلفة ليلاحقوها. ويبسطون ~~أجنحتهم على اتساعها ويطيرون بعزم وسرعة شديدة حتى إنهم ينتفخون ~~تماما ويمتلئون بالهواء أكثر من قبل، ويصير شكلهم مختلفا عما كانوا ~~عليه قبل أن يبدءوا. ولا يبلغ الارتفاع الذي بلغته الملكة إلا ~~الذكر الحسن الماهر القوي. وأخيرا، حين يعلو بعض منهم حتى يكاد ~~يقترب جدا من الجنة، وحدهم تماما في الأفق حيث السماء زرقاء ~~والنهار طيب وكل شيء جميل وحسن للغاية، تقول الملكة من منهم سيصبح ~~الملك. ثم يتزوجان. ويحظيان بشهر عسل قصير، إذ تقول الملكة إن ~~عليها الذهاب إلى القفير مباشرة والبدء في العمل. فلا تنتظر حتى ~~لتودع الملك، وإنما تدفعه دفعة كبيرة، دفعة كبيرة وشديدة للغاية حتى ~~إنها تقضي عليه فيهوي إلى الأرض جثة هامدة. وتعود هي إلى القفير ~~وتدخل من الباب، وتصبح محظوظة إن وصلت إلى القفير ودخلت من الباب دون ~~أن تصيبها الطيور وغيرها من الأشياء. لذلك السبب يوجد يرقات بيضاء ~~أخرى في الانتظار، فإذا لم تعد الملكة الصغيرة، يمكن لواحدة أخرى ~~الاستعداد والخروج. أترى كيف أن كل شيء مجهز من البداية من أجل ~~استمرار الحياة! لهذا فهي مشيئة الخالق؛ لأنها خطة رائعة، وهي أشياء ~~لا يقوى الرجال على فعلها بأي طريقة على الإطلاق. إن الله وحده هو ~~الذي يخطط للنحل حياته. # إذا عادت الملكة إلى القفير ابتهج الكل بشدة لدى دخولها من الباب ~~حتى إنهم يقبلونها ويمشطون شعرها وينظفون أجنحتها ويهيئونها ~~بالكامل على أحسن وجه. حتى إنه لن يخطر لك أن قلوبهم تنطوي على شيء ~~سوى الحب والخير. # أتدري ما الذي تفعله العاملات بعد ذلك؟ لن تخمن أبدا، حتى إن ظللت ~~تخمن أياما؛ لذلك سأضطر إلى إخبارك. كل اليرقات البيضاء اللواتي ~~ظللن يطعمنهن غذاء ملكات النحل، واللواتي ظللن يلقين أفضل ~~رعاية من الممرضات، يلدغن. هل تصدق؟ كما تعلم حين يمكر أحد الرجال ~~ويغدق بالحب على رجل آخر ويجعله يظن أنه صديقه، ثم ينقلب على ~~عقبيه ويستولي على كل ms147 أمواله وربما يقتله، يقول الناس عندئذ إن ~~الرجل الطيب «لدغ.» حسنا، إن ما يحدث هنا في قفير النحل هو سبب ~~قولهم ذلك. فكل اليرقات البيضاء التي لاقت محبة شديدة وغذيت بغذاء ~~ملكات النحل، لحظة أن ترجع الملكة الصغيرة منزلها سالمة غانمة ، حينئذ، ~~كل اليرقات البيضاء اللواتي كن سيصبحن ملكات إن تسنت لهن الفرصة، ~~يلدغن حتى الموت، وقد يكون هناك أربعون أو خمسون ألفا منهن، فلهذه ~~الدرجة يريد النحل الاطمئنان إلى أنه سيصبح لديه ملكة. وحين يصبحن ~~جثثا هامدة يحملهن العاملات إلى الخارج ويضعهن جميعا مع النحل ~~الميت. # أما بعد ذلك فإن كل العاملات يجتمعن معا، ثم يقررن لدغ كل ذكر ~~كبير مخادع ظل يتسكع متكاسلا في أنحاء القفير وتخدمه خمس أو ست ~~من النحلات العاملات، وقد طفح الكيل بهن. تستطيع الجلوس عند حدوث ذلك ~~في قفير المراقبة مرتديا النظارات لترى وجوههم، إذ يبدون مبهوتين ~~ومذعورين للغاية فلا تستطيع مقاومة الشعور بالأسف نحوهم. ولا يعلمون ~~ما الذي اقترفوه ولا يعلمون لماذا يحدث لهم ما يحدث، ولا يفهمون لماذا ~~انقلبت العاملات اللواتي كن يخدمنهم؛ إذ يأتي جيش كامل من ~~العاملات، مجنونات جنون الأرنب وصانع القبعات في رواية «أليس في بلاد ~~العجائب»، فيزأرن في وجوههم ويغنين أناشيد الحرب ويطلقن صيحات ~~المعركة. ومن ثم تنزع أجنحة السادة الذكور العجائز وتوخز أعينهم ~~حتى تقتلع من مكانها ويوخزون في كل مكان من جسدهم، ويقتلون على ~~بكرة أبيهم، ويلقون خارج القفير. # لا يتبقى إلا الملكة الشابة ووصيفاتها والعاملات والممرضات ~~اللواتي سيبقين معها. وعند التعرض لأي خطر، فإنهن جميعا يقفن كدرع ~~ويحمين الملكة الشابة. وإذا كان الشتاء قاسيا التففن حولها ~~لتدفئتها، وإذا لم يتوفر طعام كاف جعن هن وأطعمنها. مهما حدث ~~لهن، ترعى كل منهن الملكة، ما دمن على قيد الحياة؛ لأن البيض الذي ~~تضعه هو الذي يصنع جيل النحل الجديد ويحافظ على استمرار حياته في ~~العالم. إذن هناك من يعلم كل نحلة قائلا: «حتى إن كنت ستموتين أنت ~~نفسك، فعليك رعاية مولاتك، حتى لا يختفي النحل عن ms148 وجه الأرض ~~كما اختفى كل شيء في زمن الطوفان». ومن يعلمهن ذلك هو الخالق مرة ~~أخرى.» # نظر الكشافة الصغير في عيني جيمي مباشرة. ~~«بدأت الآن تفهم لماذا قال سيد النحل إن الشعر الذي على جسد النحلة ~~هو من صنع الخالق، أليس كذلك؟» # قال جيمي: «بلى، بدأت أفهم. إنه أروع الأشياء التي سمعت بها على ~~الإطلاق في العالم بأسره! استمر واحك لي المزيد. احك لي أصغر ~~التفاصيل التي تعرفها.» # قال الكشافة الصغير: «لم يتبق الكثير لتعرفه. ثمة المزيد من ~~الأرقام لأخبرك بها، كيف أن الذكور لديهم أعداد كبيرة من العيون ~~وتجاويف الشم تفوق ما لدى العاملات. فلدى الذكور سبعة وثلاثون ألف ~~تجويف للشم؛ للتأكد تماما من العثور على الملكة، وهذا أيضا من صنع ~~الخالق. ولدى الذكور ثلاثة عشر ألف عين في كل جانب من رأسهم. ~~ليستطيعوا الرؤية أفضل من أي كائن آخر والتأكد من العثور على الملكة؛ ~~لأنهم لا بد أن يعثروا على الملكة، ولا بد أن يتزوجوها، ولا بد أن ~~تضع الملكة البيض ليظل هناك نحل في العالم، ليصنع العسل الشهي ~~الحلو للكل، وليحافظ على حياة مئات آلاف الزهور. # بعد أن ينقل سيد النحل الملكة القديمة وأسرتها في قفير جديد، ينصبه ~~في مكان لطيف. ويعود النحل الكشاف إلى المكان الذي ترك فيه الملكة ويظل ~~يبحث حتى يعثر على القفير الجديد. ويعرف عائلته ويدخل، ثم يشرع الكل ~~في العمل. تبني العاملات الخلايا، وتضع الملكة القديمة البيض بكل ~~أنواعه وتخبر العاملات بما تريد أن يخرج من كل بيضة. ويمضون قدما في ~~الحال تماما كما فعلوا في القفير الذي جاءوا منه. فتنظف العاملات ~~كل شيء وتملأ الملكة القديمة الخلايا مرة أخرى بالبيض الذي تريد أن ~~يصبح ملكات وذكورا وعاملات وممرضات، وربما نحلا كشافا، ~~ويستمرون في صنع المزيد من العسل ويفرخون المزيد من النحل، حتى ~~يمتلئ القفير للغاية فتقول الملكة إن عليهم تنشئة ملكة صغيرة ~~وتسليمها القفير بينما يخرجون هم وينشئون عائلة أخرى. # تظل الملكة تصدر الأوامر طوال الوقت بشأن ما تريد إنجازه. وقد ms149 تظل ~~تحكم طوال خمس سنوات أو ست. وهي تضع البيض طوال الوقت. لن تصدق عدد ~~ما تضعه من بيض، قد يصل العدد إلى مليوني بيضة. ولديها سبعة أو ~~ثمانية آلاف عين فقط لأنها سيدة منزل. والإخلاص لعملها هو مهمتها ~~الأولى والأخيرة ، بل مهمتها الوحيدة. إلا أنها ليس لديها جيوب للشمع ~~ولا فرش ولا سلال لحبوب اللقاح. ولا تحب الضوء، ولا تعرف مذاق ~~رحيق زنابق مادونا؛ لأن كل طعامها يأتي مهضوما من أجلها من قبل أن ~~تأكله. إن استطعت فعل ذلك مع «السجق» فلن تظن أنها فكرة سيئة ~~للغاية، أليس كذلك؟» # ضحك جيمي. # وقال: «فلتكمل.» ~~«حسنا، تظل الملكة تضع البيض طوال اليوم، وربما طوال الليل على ~~حد علمي. إنها تضعه على أي حال. عجبا لأمرها! وفي كل مرة تضع بيضة ~~تحدد مصيرها، فتقبل ممرضاتها على العمل في الحال لتطعم اليرقات ~~البيضاء غذاء ملكات النحل، أما خبز النحل فهو للحصول على المزيد من ~~الذكور، وللحصول على العاملات والممرضات، وربما النحل الكشاف، كما قلت ~~من قبل. وبعض العاملات يصبحن معماريات وبعضهن يصبحن بناءات ~~والبعض الآخر يصبحن راقصات. ووظيفة الراقصات، حين يشتد الحر داخل ~~القفير، هي أن يرقصن ويرفرفن بأجنحتهن حتى يتحرك الهواء ويبرد ~~الخلايا. وأحيانا يرقصن رقصة في غاية الغرابة لليرقات ~~البيضاء. # ذلك جزء مما أعرفه عن النحل. لم أستطع إخبارك بكل ما أعرفه عنه ~~لأنني لا أستطيع استحضاره كله مرة واحدة. فالموضوع أكبر من أن ~~أخبرك به في الحال. لكن بإمكانك مشاهدته في قفير المراقبة وتستطيع أن ~~ترى سريعا أي الخلايا بها اليرقات البيضاء الكبيرة الناعمة، وأيها ~~بها الذكور الضخمة الممتلئة، وأيها بها العاملات والممرضات الصغيرة، ~~وربما النحل الكشاف. وبعد ما أخبرتك به، تستطيع أن ترى الذكور ~~العجزة وهي تزحف في أنحاء الخلايا تأكل من العسل كيفما بدا لها، وفي ~~حال من القذارة والفوضى حسبما يحلو لها. ثم يمكنك أن ترى العاملات ~~يذهبن وينظفن ما تركوه. وتستطيع أن ترى الخلايا التي يلقى البيض ~~فيها الرعاية. وتستطيع أن ترى الخلايا التي تملأ بالعسل. ms150 وتستطيع أن ~~ترى الخلايا التي تحتوي على حبوب لقاح ذهبية وحمراء وأرجوانية في ~~الشمع. حين آتي المرة القادمة سأسألك عن الأرقام التي أخبرتك بها، ~~كما سألني سيد النحل. عليك أن تكون مستعدا ولا ترتكب أخطاء، فما ~~دمت أنا أستطيع تذكرها، فيجدر برجل مثلك أن يتذكرها!» # نهض الكشافة الصغير واقفا، وشد لأسفل ذيل قميصه الأخضر الذي بدا ~~معتادا على الخروج، وأحكم إبزيم الحزام عند خصره، وسحب نفسا ~~عميقا. ~~«ليس لدي معلومات وثيقة كما أخبرتك. بإمكانك أن تجد في المكتبة ~~بالداخل كتبا كالتي أطلعتك عليها توضح كيف كان الناس يفكرون. كتب ~~تحوي لغوا. وستجد كتبا مثل كتب لوبوك وزفامردام، بها صور رائعة، ~~ستخبرك بما يحدث حقا. وهناك كتب مثل كتب فابريه وماترلينك التي يقول ~~سيد النحل إنها تضم ثلاثة أشياء في آن واحد. أولا أنها تقدم ~~الحقيقة، وثانيا أنها شعر، وثالثا أنها دليل على وجود عقل مدبر ~~يخطط حتى أصغر الأشياء وأقلها حجما. وهو يقول إن الاسم الوحيد ~~لذلك العقل المدبر هو الله. إذ لا يرى أي جدوى من محاولة تنحية الله ~~وتجنبه وتسميته «روح القفير» والفطرة والطبيعة وأشياء من هذا ~~القبيل. ويقول إن ثمة عالما عظيما، واحدا من أفضل العلماء، لكنه ~~كاد أن يفقد صوابه وهو يحاول أن يفعل ذلك الشيء. كان يدعى تشارلز ~~داروين، ويقول سيد النحل إن سي دي كان سيصبح شخصا أفضل كثيرا لو ~~كان لديه استعداد لأن يقر بقدرة الله. فهو يقول إن الله حين يفعل ~~أي شيء «يوليه بالغ اهتمامه، ويفكر فيه مليا، ويخلع عليه عدالة ~~شاملة» كما يحدث في قفير النحل، حتى إن الرجل الحكيم ليخلع قبعته ~~ويرفع عينيه إلى السماء ويقول بكل تهذيب: «ما أعظم الخالق».» # وفي تغيير سريع كالبرق، ركل الكشافة الصغير حصاة على موقع مرتفع ~~بدقة متناهية لتبتعد عدة ياردات، وهوى على المقعد بجوار جيمي، وسأله ~~بتراخ، بلا اهتمام: «ما رأيك؟» # واقعا تحت تأثير سحر القصة التي سمعها، مرر جيمي أصابعه في شعره. ~~ثم حاوط ركبته بكفه اليمنى، وأحاط بذراعه اليسرى الكشافة ms151 الصغير ~~وضم إليه الصغير بشدة. ونزل بشفتيه إلى الشعر الأشقر، وتغلغل في ~~أجزائه الخارجية الباهتة، وبلغ الخصلات الداكنة تحتها، حتى اقترب ~~بشفتيه من الأذن الصغيرة فهمس بتبجيل بالغ قائلا: «رأيي هو، ما ~~أعظم الخالق!» # الفصل الحادي عشر # | عبير روح وزهرة # بعد بضعة أيام جاءت مارجريت كاميرون إلى جيمي بسترتين فصلتهما ~~من الشاش غير المبيض. شريط عريض يلتف حول صدره ويثبت بأزرار. ~~ويمتد عبر الكتفين زوجان من الأربطة، مريحان عند الجلوس، وملاصقان ~~لجسده كفاية للحفاظ على الضمادات في مكانها عند الحركة. بعد أن ضمد ~~جرحه وارتدى أحد هذه الابتكارات وثبت الأزرار، شعر كأنه حصل على ~~خلاصه للتو. فقد كانت الضمادة أخف بكثير وزنا، وأسهل بكثير في ~~اللبس عما ظل يحمله طوال عامين. وأهم من كل شيء أنها كانت تؤدي ~~غرضها من دون أن تذكره باستمرار، بثقلها والاحتكاك الدائم ~~بكتفيه وتحت ذراعيه، بأنها موجودة. # ظل هو ومارجريت يعملان معا طوال أسبوع، وهو ما أسمياه «تقوية ~~أواصر الصداقة بينهما.» فخصصا أفضل وقت في اليوم للرش. وظلا ~~يعتنيان بالنحل، على قدر معرفة كل منهما. وقد أقدم جيمي على كل شيء ~~بتمهل وسلاسة بقدر الإمكان. فواظب على النظام الغذائي الذي أعداه، ~~وفي الساعة العاشرة من صباح كل يوم كان يرتدي ثوب سباحة سيد النحل، ~~ومزودا بدثار قديم ليغطي قدميه ومناشف لرأسه وذراعيه، ينزل ~~ويسير بشجاعة إلى المحيط الهادئ. بعد المغامرات القليلة الأولى تخلص ~~من الخوف وراح يتوغل حتى تتكسر عليه الأمواج، وقبل أن يمر أسبوع ~~كان قد اكتشف أنه بالاستلقاء على جانبه الأيمن، وضرب الماء بيده ~~اليمنى، واستخدام قدميه يستطيع أن يجرجر ذراعه اليسرى ويسبح قليلا. ~~وقد أسعده هذا الأمر للغاية حتى إن الشعور بالبهجة وحده حسن من ~~دورته الدموية. وحين يتملكه البرد من وخز المياه المالحة الباردة، ~~على بقعة اختارها، تبدأ في أكمة لزهور الربيع الذهبية وتنحدر إلى ~~رمال الشاطئ في مواجهة الجنوب الغربي مباشرة، كان يتمدد بقامته ~~الفارعة على الرمال الساخنة، وقد تخلص من الدثار والمناشف ليشعر ~~بالراحة، ويستغرق في النوم. وحين يستيقظ ms152 يجد جسده قد اكتسب الدفء من ~~حرارة الرمال تحته وجف وهو مغطى بالماء المالح. # ثم يعبر البوابة عتيقة الطراز ويصعد ببطء السلم المتعرج ~~المؤدي إلى الباب الخلفي. خلال المرات التي كان يصعد فيها اكتشف أنه ~~أصبح يألف كل زهرة من الزهور النابتة على جانبي المسار. تلك التي ~~لم يكن يعرفها، كانت مارجريت كاميرون تعرفها من سنوات العمل التي ~~أمضتها هي وسيد النحل في حديقتيهما معا. وجد نفسه يتمعن الزهور، ~~ويراقب أي أنواع النحل تذهب أكثر إلى أي أنواع الزهور، وحين اكتشف ~~جيمي أن النحل الألماني الأسود يزور زهرة أبي خنجر أكثر من أي ~~زهرة أخرى، أبدى استهزاءه. وتذكر من أيام دراسته لنباتات الناسترتيوم ~~أوفيسينالي (الاسم العلمي لأسرة هذا النبات). كان ذلك جرجيرا، لكن ~~زهرة أبي خنجر تنتمي إلى الأسرة نفسها. دأب الصبية في الفصول على ~~تسمية زهور أبي خنجر «المسئول عن تهييج الأنف»، ألم يكن من الطبيعي ~~لشيء يحمل اسم الألماني الأسود أن يختار تلك الزهرة لتصبح المفضلة ~~لديه؟ راح ذهنه ينشغل بهذه الطرفة وغيرها. # حين بلغ المنزل ذهب إلى الحمام مباشرة ليستحم، ووضع ضمادات ~~جديدة، وارتدى ملابسه، وحينئذ أحضرت مارجريت غداءه. بعد تناوله ~~تجول في الأنحاء طوال العشرين دقيقة المخصصة لذلك، ثم استلقى في ~~الحال على فراش سيد النحل ونام ساعة أخرى على إيقاع الأمواج ~~المتكسرة. بعد تلك الساعة استيقظ على كوب مترع من عصير البرتقال ~~البارد. وبالمواظبة نفسها تناول عصير الطماطم في الصباح، وبدلا من ~~الشاي أو القهوة، تجرع الحليب مع وجباته. وظل بعد الاستيقاظ من ~~غفوته يعمل في الحديقة بقدر ما استطاع من دون أن يرهق نفسه. ثم ذهب ~~إلى رفوف الكتب، لكن لعزمه الجديد على المقاومة حتى يصبح ذا جدوى في ~~العالم تجاهل مجلدات مغرية من الروايات والتاريخ الطبيعي القديم. ~~إذ استخف بها وراح يكرر عباراتها الثرية من صفحاتها الفريدة وكأنه ~~يخاطبها. ~~«يحصل النحل على صغاره من العدم ويضعهم في الخلايا، هل هذا صحيح؟ ~~ينزل العسل من السماء، أحقا؟ أفضل النحل هو النحل الصغير المستدير ~~المبرقش، ms153 صحيح؟» # هكذا هزل جيمي من علماء التاريخ الطبيعي القدامى ثم مضى إلى ~~المعاصرين وجلس يقرأ في كتاب عن القواعد اللازمة للرجال الذين يودون ~~أن يصبحوا مربين للنحل. # كان جيمي قد تصور في قرارة نفسه أن سيد النحل عند رجوعه سيصبح من ~~الوهن في غاية حتى إنه قد يمضي عام قبل أن يصبح قادرا على مواصلة ~~عمله، وخلال ذلك الوقت سيبقى هو في عمله، إذا أراد السيد، وسوف يتعلم ~~كل شيء لا بد من معرفته عن النحل. وكان كلما فكر في الأمر بدا له، ~~نظرا إلى عدم وجود أي غابات في كاليفورنيا كما هو في الشرق، أنه من ~~الأفضل أن يستمتع بالحياة إلى أقصى قدر ممكن وهو يعمل مع النحل كما ~~كان سيستمتع بالعمل مع الأشجار. # بعد عشرة أيام من الالتزام التام بهذا النظام استيقظ جيمي ذات ~~صباح، وبدلا من النهوض في الحال، ظل راقدا بلا حراك ليقيم ~~حاله. مد ساقه اليمنى بعيدا بقدر ما استطاع في الفراش وهز أصابع ~~قدميه. رائع! لم يشعر بأي ألم. وجرب الساق اليسرى بالنتائج ~~نفسها. ثم اختبر الذراع اليمنى ثم اليسرى، وبعدها مط جسده كله ~~وألقى بثقله على مؤخرة رأسه وكعبيه ورفع كتفيه وأنزلهما بهوادة، ~~فأسعدته نتيجة التمرين حتى إنه جربه مرة أخرى. وارتأى أنها ربما ~~ليست فكرة سيئة أن يضع نوعا من أنواع التمرين ويؤديه كل صباح عند ~~استيقاظه. # لذلك من أجل نفسه، وباختياره وحده، بدأ تمرينا يوصي به طبيب في ~~العلوم الصحية شديد المهارة لكل الرجال والنساء ليتمتعوا ببدن قوي. ~~كان في أغلبه عبارة عن تمدد وانكماش في الصباح الأول، لكنه تطور في ~~الأيام التالية إلى تمرين متوازن فيه مط لكل عضلة في جسده وشد ~~لها. وبعده يستلقي ليستريح نحو نصف ساعة، ثم يذهب ليقوم بأعماله ~~اليومية وفي جسده إحساس وفي قلبه وذهنه حماس لم يتوقع قبل بضعة ~~أسابيع قصيرة أن يشعر بهما مرة أخرى. ومن ثم بدأ يدرك أن الحرارة ~~والتوتر العصبي في سبيلهما إلى مغادرة جسده بطريقة ما. كما بدأ يشعر ms154 ~~بشبع هادئ في معدته كأن هناك تيارات باردة تجري في أوردته بدلا ~~من الدماء المسممة المؤلمة. ونتيجة لهذا الشعور أصبح يستطيع أن ~~ينجز حجما أكبر بكثير من الأعمال بين النحل ومع الزهور. # وحينئذ أدرك أن أوان حاجته إلى مساعدة يقترب سريعا . فسوف يحتاج ~~إلى مساعدة حين يتطلب الأمر فحص القفائر والتأكد بشكل قاطع من أن كل ~~قفير به ملكة سليمة وسعيدة، وأنه لم يزحف أي مرض إليه. كما أن ~~مسألة جمع العسل صارت وشيكة، وبدا أنه من الوارد وجود عدد كبير جدا ~~من الملكات. ومن ثم فإنه حين ذهب إلى المستشفى في المرة التالية ~~لزيارة سيد النحل سأله أين يستطيع الحصول على مساعدة حين يتطلب الأمر ~~ذلك، فأعطاه سيد النحل عنوان جون كاري، مربي نحل آخر كان قد تبادل ~~معه الخدمات من حين لآخر في أوقات جمع العسل وإبعاد النحل عن ~~الخلية. # حين جلس جيمي بجانب سيد النحل وأدام النظر نحوه، بدا له أن كل يوم ~~يمر كان يشكل مرحلة واضحة من ويلات المرض الذي راح يهلك الجسد ~~الهزيل أمامه. وفي كل مرة يذهب لزيارته كان يدرك أن سيد النحل لم ~~يعد لديه صوته القوي المعهود، وأن قبضة يده قد ضعفت بعض ~~الشيء. # بعد أن انتهى من كتابة العنوان والإنصات للتعليمات التي أعطاه إياها ~~سيد النحل، جلس جيمي ينظر إلى الوجه العجوز الوسيم على الوسادة، ~~ببشرته الشاحبة، وشعره الحريري، وبدا له أن ثمة قدرا هائلا من ~~السلام والهدوء يتنامى على الجبهة وفي العينين يوما بعد يوم، وتأمل ~~ما كان الكشافة الصغير قد قاله بشأن النوع الجميل من الموت الذي يأتي ~~وديعا في الليل، وتساءل إن كانت تلك التجربة قد تأتي إلى سيد ~~النحل في أي ليلة من الآن. # لا بد أن الفكرة نفسها كانت تدور في ذهن سيد النحل أثناء سيطرة هذه ~~الأفكار على ذهن جيمي. فقد بدا صوته خفيضا جدا وعيناه متعبتين ~~تعبا غير عادي حين قال: «جيمي ماكفارلين، فلتتخيل أن الزمن عاد بك ~~وابدأ من البداية واحك لي ms155 كل شيء عن أمك التي حملتك وأبيك وأي بيت ~~ترعرعت فيه.» # وكانت آنذاك هذه هي المواضيع التي يستطيع جيمي ماكفارلين الحديث ~~عنها بفصاحة عند أقل تشجيع؛ لأنه أحب أباه وأمه لسبب وجيه. فقد ~~كانا صارمين تماما شأن الاسكتلنديين، لكنهما في الوقت نفسه ~~يفيضان مثلهم باللطف والحب والرقة، فكانت ذكرياته عن منزله وطفولته ~~من الأشياء الجميلة. جلس جيمي بجانب الفراش وقد سقط الضوء القادم من ~~النافذة على وجهه، وتحدث على مهل بالتأني الذي يبحث عن النقاط ~~المهمة، وبالتلقائية المحبة التي تضيف التفاصيل الصغيرة التي توضح ~~الصورة كاملة. بعد أن فرغ من الوصف الأخير لعودته للديار من الحرب ~~وصدمته لدى معرفة أن كليهما قد رحل وأنه لم يعد لديه أي شيء، جلس ~~ساكنا تماما، مرسلا نظره عبر النافذة، وكان صوت سيد النحل هو ما ~~أعاده. # إذ سأله: «وماذا حدث بعد ذلك؟» # فبدأ جيمي حديثه من جديد وأنهى القصة. وقد حكاها بصدق، من دون أي ~~تحريف البتة إلا إغفاله ليلة العاصفة والنتائج المترتبة ~~عليها. # بعد أن فرغ من الكلام، ابتسم سيد النحل له، ثم قال: «ماذا عن النحل ~~والأسابيع التي قضيتها بينهم في الحديقة الزرقاء؟» # أجابه جيمي قائلا: «بخصوص حالتي الذهنية، فإن الوقت الذي قضيته في ~~منزلك محاولا رعاية نحلك وزهورك وأشجارك هو أجمل وقت عشته في ~~حياتي كلها. فقد بدأت بنار متقدة في صدري وكآبة مريرة في قلبي ~~وعقلي؛ لكن بطريقة ما، بسبب شيء قاله الكشافة الصغير لي، وبسبب ~~الهواء النقي وأشعة الشمس المنعشة والجمال المحيط بي من كل جانب؛ ~~تسلل إلى قلبي وعقلي نوع من الجمال المماثل، وأعتقد أنه طغى على ~~جزء كبير من الكآبة المريرة. لقد كنت متعبا غاية التعب حين أتيتك ~~مترنحا على الطريق لأحاول مساعدتك على بلوغ المستشفى حتى إنني لا ~~أستطيع أن أصف حالتي الجسدية أو الذهنية حين أتيت. لكنني أدرك أنني ~~اليوم أنجزت في الحديقة نحو ضعف كمية العمل الذي أديته في أول يوم ~~حاولت فيه بحق أن أرعى مصالحك.» # حرك سيد النحل يديه النحيلتين فوق ms156 الغطاء. وأضاءت ابتسامة نادرة ~~وجهه. # وقال: «هذا أمر جيد!» ثم أضاف: «حسنا! إذن هل تشعر أنه إذا ~~أخرجوني من هنا محمولا ذات يوم وأعادوني إلى المنزل، كحطام رجل لا ~~أقوى على الوقوف على قدمي والقيام بعملي، هل تشعر أنك ستود البقاء ~~معي، وتحاول تعلم أمور النحل منذ نشأته وهو بيضة حتى نهاية دورة ~~حياته؟» # قال جيمي: «يسعدني ذلك.» وتابع: «يسعدني أن أخدمك وأساعدك على ~~استعادة عافيتك على النهج نفسه الذي وضعته لنفسي.» # وهنا راح يشرح لسيد النحل النهج الذي وضعه لنفسه، فهتف الصوت ~~العجوز الرقيق مرة أخرى قائلا: «حسنا! إنه نهج ممتاز، أستطيع رؤية ~~أنك في تحسن. في كل زيارة تأتي خلالها لتبهج الرجل العجوز قليلا، ~~أستطيع رؤية أن بشرتك تكتسب لونا أكثر صحة، وأن الشعاع الأزرق ~~للألم والإحباط يتلاشى من عينيك. إنك حتى تتحدث بصوت أقوى، بثقة ~~رجل امتلك زمام روحه. إنني واثق أنك ستجد سبيلك إلى الصحة والسعادة ~~في الحديقة التي تكاد تكون هي الأقرب في منحي السلوى من بين جميع ~~الأشياء التي جربتها على الإطلاق.» # ظل سيد النحل راقدا بلا حراك وتمهل وقتا طويلا. ثم قال لجيمي: ~~«قد يبدو لك أن الثقة التي طلبتها منك لا بد أن تقابل بثقة ~~تساويها، لكنني أجد أن ضعفي قد جعل مني جبانا. إذا أردت ذات يوم من ~~الأيام أن تعرف أي شيء يخصني، فلتسأل مساعدي الصغير. كنت أمر ~~بساعة حالكة السواد حين تدلى قائد الكشافة الصغير من فوق سياجي ~~الجانبي ليدخل قلبي وحياتي بثقة شديدة لدرجة أنني حين حانت هذه ~~الساعة المؤلمة، وقبل أن أدرك ما فعلته ألقيت عبئي بأكمله على ~~عاتقي طفل، فقط لأتعلم أنه مهما بلغ تفكير الطفل من جدية، ومهما ~~كانت مشاعر الطفل عميقة، لا يبدو أن لديه قدرة كبيرة على حمل الأعباء. ~~إذ إن الأطفال مشغولون للغاية بالنمو، وبتسلية أنفسهم، واكتشاف العالم ~~الرائع من حولهم، والانسياق وراء دوافعهم للاستكشاف والشجار، حتى إنه ~~ليس من الوارد كثيرا أن تثقل كواهلهم الصغيرة بالمسئولية تجاه أي ~~شخص آخر إلا ms157 إذا أخذتهم مصادفة من رفاقهم، ومن لهوهم، وأثقلتهم ~~بأعباء مزعجة لمسئوليات ثقيلة غير طبيعية، وهذا غالبا ما يولد ~~التمرد في قلوبهم الصغيرة. إن الكشافة الصغير يعرف لماذا تركت دياري ~~ودائرة كبيرة من الأصدقاء وجئت هنا وحدي، واستصلحت فدانين من ~~الأرض الصخرية وبدأت بعدد قليل من القفائر إلى أن أصبحا فدانين من ~~البهاء وبنيت وسطهما قفائر لملايين السكان الصغار المحتشدين في ~~الحديقة. يعلم الكشافة الصغير بمشكلاتي، لكن يعلم الله أنني لست بقادر ~~على حكي تلك القصة مرة أخرى! إذا جاء اليوم وشعرت أنك بحاجة إلى ~~أن تعرفها، فأخبر الكشافة الصغير أنني سمحت بأن تحكى لك، وسوف تسمع ~~رواية دقيقة عما جاء بي هنا، وعن الألم المضني الذي تحملته، ~~والراحة التي وجدتها في بهاء أشعة الشمس وغناء البحر، وفي علاج ~~الزنابق وعزاء الورود، وفي عمل شاق مع أكثر فروع تطور الحياة إثارة ~~للاهتمام في العالم بأسره. لقد تعمقت بعض الشيء في دراسته. وأؤكد ~~لك أنك لن تجد في تطور أي كائن حي من كائنات العالم أجمع عمليات ~~حيوية أكثر تعقيدا وأكثر إثارة للاهتمام لحد الشغف، ولا أقرب للبشر ~~من تطور النحل. أرجو أنك تحصل على فائدة جيدة من قراءة كتب ~~النحل.» # قال جيمي: «أجل، إلى درجة الاستغناء عن أي شيء آخر. لقد نصحني ~~الكشافة الصغير بأن أبدأ بالكتب التي تحتوي على «نكات عن النحل» على ~~حد قوله حرفيا. وقد كانت النكات مسلية للغاية حتى إنني انهمكت ~~فيها. لكن حيث إنني أريد أن أؤدي عملي بأمانة مقابل الأتعاب التي ~~تقاضيتها، فقد أدركت أنني لا بد أن أعمل بفطنة. لذلك سرعان ما وضعت ~~النكات جانبا وعدت إلى الواقع. وقد تطورت معرفتي لدرجة أنني ~~أصبحت قادرا على التعرف على الملكة، والتفرقة بين الملكة ~~الإيطالية والملكة الألمانية، وأستطيع أيضا التفرقة بين الممرضة ~~والذكر وبين الذكر والعاملة. فعن طريق دراسة قفير المراقبة لساعات ~~طويلة أصبحت محيطا تماما بما يجب أن يجري بداخل كل واحدة من ~~القفائر في تلك الصفوف الطويلة. كان في نيتي أن أدرس تقليم الأشجار، ms158 ~~كما أخبرتك، لكن أعتقد أنه ما دام لدي تلك الفرص لأن أصبح معافى، ~~وما دمت ليس لدي أقارب، فمن الأفضل أن أبقى في الهواء وأشعة الشمس ~~نفسهما اللذين على ما يبدو يعملان عمل السحر الذي أحتاج إليه لأصبح ~~رجلا مكتمل الصحة .» # وافقه سيد النحل ببطء. # وهو يقول: «أجل، أعتقد أنك على حق. أعتقد أنك على حق. وأعتقد أنك حتى ~~قد تجد قدرا أكبر من إثارة الحماس في العمليات الحيوية المعقدة ~~والدقيقة لدى النحل عن العمل مع الأشجار عديمة الحس التي تنمو لأنها ~~مجبولة على ذلك، فمهما كانت مثيرة للاهتمام، ومهما كانت بديعة، تظل ~~حقيقة أنها لا تستطيع أن تأتي عمليات حيوية تقارب كثيرا التفكير ~~والاستنتاج مثل النحل.» # قال جيمي: «لقد قررت تماما أن أدرس باجتهاد. وأنا أتقدم بحرص، فإن ~~أعطيتني الفرصة سأجعل عملي بين النحل.» # قال سيد النحل: «ومن ناحية الموقع. ما رأيك في موقعي؟» # ابتسم جيمي. ~~«لدي معرفة بساحل المحيط الأطلنطي وبعض الدول الخارجية. لقد رأيت ~~سواحل إنجلترا وفرنسا وتجولت في أنحاء هذه القارة. تقتصر كل معرفتي ~~بالمحيط الهادئ على الخليج الواقع أسفل منزلك، لكنني متأكد تماما من ~~أنه لا يوجد في هذا العالم كله ما هو أجمل من حديقتك ذات الزرقة ~~الصافية. هل تتذكر أن الصينيين القدماء كانوا يسمون الأزرق ~~(اللون المثالي)؟» # هز سيد النحل رأسه مؤيدا. # وقال: «لقد كان لي في تلك الحديقة ذات الزرقة السماوية، يا أيها ~~الشاب، أيام أنعم علي فيها الله بالراحة، حيث سقطت من ذاكرتي ~~لوهلة صورة طفلة ذهبية الشعر، وحيث انمحى لبعض الوقت ألم الخطيئة ~~التي ارتكبتها في حق المرأة التي أحببتها. وما دامت استطاعت أن تفعل ~~ذلك برجل يحمل العبء الذي كان من نصيبي، فهناك فرصة أن يجد شاب ~~مثلك صحيح البدن وبقلب خال من الأسرار النعمة الكبرى نفسها بفعل ~~الخير يوميا.» # نظر جيمي إلى سيد النحل وانقبض. ظل برهة جالسا وشفتاه مفتوحتان ~~ولسانه مستعد لصياغة الكلمات، ثم تبين أنه ليس من حقه أن يحدث ~~بسر إلا إذا كان سره وحده. ms159 فليس من حقه أن يتحدث عن امرأة ~~العاصفة. ليس من حقه أن يخبر أي رجل بطفل الخطيئة الذي تستر عليه ~~باسمه. إن كان في المعروف الذي فعله أي شيء نبيل، فسوف يفقد سمته ~~الطيبة، وما قد يحمل من جمال، إن تكلم عنه. إن عاش، فربما تفضي تلك ~~المرحلة من مغامرته إلى شيء آخر. وإن مات، فسوف يواجه خالقه رجلا ~~بحق إن ظل متكتما بخصوص الموضوع الذي ساق امرأة غاية في النبل مثل ~~السيدة التي تزوجها إلى المسار الذي اتخذته. # قال سيد النحل: «حين تأتي المرة القادمة، ليكن يوم السبت، وأحضر ~~قائد الكشافة معك. إنني شغوف بذلك الكشافة الصغير بشدة حتى إنني ~~مشتاق إلى عبق الخيل، والرائحة النفاذة للكلاب وكل روائح الطبيعة ~~التي تنتشر أينما ذهب قائد الكشافة.» # مال جيمي إلى الأمام بابتسامة عريضة على وجهه. # وقال: «هل تستطيع أن تعطيني أي معلومة دقيقة بشأن جنس قائد ~~الكشافة، وليكن سرا بيننا؟» # مال سيد النحل إلى الوراء. # وقال: «لا تزيد معلوماتي عن استنتاجاتي الخاصة.» ثم أضاف: «وليس من ~~الإنصاف تجاه قائد الكشافة أن يعامل بالتخمين. هل سبق أن تحدثت معه ~~مطلقا في هذا الموضوع؟» # قال جيمي: «لقد سألته سؤالا مباشرا.» # استفهم سيد النحل قائلا: «وماذا قال لك؟» ~~«قال إنني ما دمت لا أستطيع أن أعرف، فلا يوجد أي فرق.» # عاد سيد النحل برأسه إلى الوسائد متقلبا عليها. وراح يضحك حتى جاءت ~~الممرضة مسرعة. وبينما كان يجفف عينيه بالمنديل الذي أعطته إياه، ~~قال: «حسنا، حقا إذن، أليست تلك الحقيقة؟ هل يحدث ذلك أدنى ~~فرق؟» # قال جيمي: «لا أعتقد ذلك.» وتابع: «وإنني متأكد أنه لم يحدث أي ~~فرق معك كما يبدو. ولا أرى داعيا لأن يحدث ذلك فرقا معي.» # وعندئذ نهض ليرحل. # وقال: «سنأتي يوم السبت، وأعتقد أنني سأسأل ما إن كنت جئت بشطيرة ~~«السجق» على النحو الصحيح.» # مد سيد النحل يده أسفل الوسادة وأخرج ظرفا صغيرا؛ ظرف أدوية ~~صغيرا. # وقال: «إن سألني فالشيء الوحيد الذي لم أفعله قط هو الكذب على ~~مساعدي الصغير. ms160 سأخبره بالحقيقة. سوف أريه النقود وهي منتظرة أسفل ~~الوسادة إلى أن يقرر الطبيب السماح لي بالحصول على الهدية.» # قال جيمي: «فهمت، وأعتقد أنك على حق. لا أعتقد أننا نفلح بالأكاذيب ~~التي نخبر الأطفال بها.» # قال سيد النحل بصرامة: «لا نفلح بالمرة . لا نفلح بالمرة. فإنهم ~~يفضحون أمرنا أو يكتشفون خداعنا لاحقا في كل مرة.» # نهض جيمي ومضى نحو الجانب الآخر من الفراش وتناول يد سيد النحل، ثم ~~انحنى وطبع شفتيه على جبهته، وقبل أن يدرك ما كان يفعله وجد نفسه ~~جاثيا على ركبتيه بجانب الفراش. وسمع صوته وهو يقول: «حين كنت ~~صغيرا علمني أبي وأمي أن أصلي. وخلال السنوات التالية كنت شديد ~~الثقة من نفسي وكفاءتي حتى إنني أصلي خطفا، لكنني مؤخرا، منذ أن ~~بلغت المرحلة التي استطعت أن أقول فيها صادقا، كلمات الترنيمة ~~القديمة؛ «ليس لي ملجأ سواك»، عدت زاحفا جاثيا نحو قدم العرش. ~~وإنني أتساءل، إن كان مما ينسجم مع الخطة الإلهية، أن أستعيد قوتي ~~وشبابي، بحيث يمكنني أن أقدم بعض العون في جعل بلدي مكانا طيبا ~~للعيش، والعمل، والحب. سوف أعود للمنزل وسوف أركع بجانب فراشك، ~~وسأطلب من الله إذا كان فيه خير لك أن يتيح لك الرجوع للمنزل، ~~ويمنحك عمرا أطول، والمزيد من الوقت لتستمتع بالجمال الذي صنعته، ~~وإذا لم تكن هذه خطته، فسوف أسأله أن يعطيك الراحة التي يقول قائد ~~الكشافة إنها منحت للعمة بيث العزيزة.» # ابتسم سيد النحل. # وقال: «لقد سمعت تلك القصة. أخبرت بها عند حدوثها. كان من الرائع ~~جدا أن يتسنى لهذين الطفلين إدراك ذلك المعنى الجميل عن الرحلة ~~للعالم الآخر، وإنني متأكد تماما من أنه المعنى الصحيح.» # قبل جيمي جبهة مربي النحل، ثم رفع إلى شفتيه يدي الرجل العليل ~~النحيلتين، واستدار، ليغادر الحجرة بهدوء. وبينما هو ذاهب، مر ~~بوعاء أزرق جميل امتلأ حتى فاض بالمزيد من الورود الصفراء التي لم ~~يرها تنبت إلا في حديقة مارجريت كاميرون. # طوال الطريق إلى المنزل ظل جيمي مستغرقا في التفكير. هل سيصبح سيد ~~النحل قادرا ms161 يوما ما على العودة إلى المنزل بواجهته البهية ~~المقابلة للطريق، والحديقة الساحرة المطلة على البحر؟ هل سيجلس مرة ~~أخرى على الإطلاق على كرسيه الكبير بجانب المدفأة ويقرأ كتبه ~~المفضلة؟ أدرك جيمي أنه لم ينتظر الوصول إلى المنزل وجانب فراش سيد ~~النحل حتى يتقدم برجائه. فقد راح يتضرع إلى الله بينما يستقل ~~الترام وسط الشوارع المضطربة للمدينة، المزدحمة على الجانبين بأناس ~~مشغولين بشئون الحياة، ليمنح ولو مهلة قصيرة للرجل الذي ما لبث أن ~~دأب على تبجيله. # وبعد أن غادر الترام سار على مهل صاعدا الطريق المؤدي إلى منزل ~~سيد النحل. دخل المنزل ووقف دقيقة دون حراك، ثم سار نحو الهاتف، ~~واختار من قائمة أعدها الرقم الذي كان الكشافة الصغير قد أعطاه ~~إياه. وحين اتصل به، أجابه صوت امرأة عذب وحلو. # عندئذ قال جيمي: «أنا جيمس ماكفارلين من منحل سييرا مادري. هل قائد ~~الكشافة موجود؟» # فجاءه الرد: «غير موجود الآن.» # فسألها جيمي وقال: «هلا حرصت على إبلاغه بهذه الرسالة؟ لقد ذهبت ~~إلى المستشفى في زيارة إلى سيد النحل. وإنه يتوق لرؤية مساعده الصغير. ~~وطلب مني أن يزوره السبت القادم تحديدا. ورأيت أنه من الأفضل أن ~~أخبرك بالأمر قبل إعداد العدة مع الفتيان لإقامة رحلة استكشافية أو ~~جولة من نوع ما.» # قال الصوت على الطرف الآخر من الخط: «نعم، إنها فكرة حسنة. سأدون ~~الرسالة وسأحرص على أن تصله. أود أن أعلم كيف حال سيد ~~النحل.» # فقال جيمي: «يصعب وصف حاله. فإنه يبدو في غاية الوهن حتى إن أي ~~تيار هواء شديد يأتي من النافذة التي بجانبه قد يجهز عليه.» # فأجابه الصوت الرقيق وقال: «يا للأسف. شيء مؤسف جدا. إن الأطفال ~~يحبونه حبا جما. الكل يعلم أنه من صنف الرجال الكرام.» # قال جيمي: «أجل، هذا ما أراه أنا أيضا. فإن منزله هذا، ومكتبته، ~~وحجرته، والصور المعلقة على جدرانه، والأثاث الذي يستخدمه، كل شيء ~~يدل على أنه غاية في الرقي.» # فأجابه الصوت عبر الهاتف: «لقد سمعت عنك. ما دمت راقيا لدرجة ~~تقدير سيد النحل غاية ms162 التقدير، فهذا يدل على أنك أنت نفسك شخص طيب. ~~وإنه يسرنا أن تأتي ذات يوم مع صغيرنا وتتناول معنا ~~العشاء.» # قال جيمي: «بالقطع، شكرا لك!» وتابع: «إنه لكرم شديد منك. لقد ~~ظللت متوعكا وأتحاشى الناس لوقت طويل، لكن أعتقد أنه سيسعدني أن ~~آتي مع قائد الكشافة ذات مساء، حين لا يكون عندكم ضيوف والجلوس ~~بصحبتكم لساعة.» # فقال الصوت الذي أحب جيمي كل نبرة من نبراته: «اتفقنا إذن. ~~فلتأت متى أحببت. فلدينا دائما على مائدتنا طعام كاف لشخص آخر ~~ومساحة لإقحام مقعد زائد. تعال في الحال متى وددت!» # أغلق جيمي الهاتف ونظر حوله. لم يكن لديه مزاج للقراءة. دخل المطبخ ~~واحتسى حصته اليومية من عصير البرتقال، وحين وصل إلى الباب الخلفي كان ~~ثمة نداء في الهواء، نداء لباه بدمائه. إذ نزل المسار الخلفي ~~وخرج من البوابة ومضى إلى أكمة زهور الربيع الخاصة به. فتمدد على ~~الرمال، وشد قبعته فوق عينيه ليظلهما من الشمس، منسجم الجسد ~~مع منحنيات الأكمة، وفي الحال غاب عن الوعي في غيبوبة من النوم العميق ~~المستغرق المنعش. # وبعد برهة استيقظ، وقبل حتى أن يستعيد انتباهه تماما، تشمم ~~الهواء بأنف مستقص. وقال جيمي محدثا نفسه: «يا للعجب! لقد اخترت ~~هذه الأكمة لمنحناها شديد الإغراء بالجلوس، لكنني لم أر عليها أيا ~~من زهور رعي الحمام الرملي.» # أخذ جيمي نفسا عميقا ليتأكد من أنه لم يخطئ بشأن العبير الذي ~~اختلط مع زهور الربيع حوله. وأدرك أنه مع اقتراب المساء تتفتح زهور ~~رعي الحمام لتنشر شذاها الطيب جدا. وحينئذ فتح عينيه واستقام ~~لينظر حوله، فاكتشف أن يده اليمنى كانت مليئة بزهور رعي الحمام. راح ~~يحدق فيها، ثم استدار سريعا مستندا إلى ركبتيه متفحصا الشاطئ ~~طويلا من أقصاه لأدناه، ثم غير اتجاهه وجعل يبحث الرمال بعينين ~~متلهفتين. # كانت هناك. أثر قدم لامرأة، ليس الأثر مدبب المقدمة والكعب ~~الذي كان يراه أحيانا غائرا في الرمال. أثر قدم مخصصة للعمل، في ~~حذاء معقول في عرضه، وغريب في طوله، ذي كعب يدل على رجاحة العقل بلا ms163 ~~ريب. نهض جيمي، وأمسك بزهوره، واقتفى ذلك الخط من آثار الأقدام طوال ~~الشاطئ وصولا إلى العرش. بقلب يدق دقا عنيفا ورأس يدور، تسلق ~~إلى العرش وجال فيه ببصره، فشعر بخيبة أمل شديدة حين وجده خاليا. ~~اتخذ مقعده أقصى الجنوب ليفكر. ظل هناك، وأخذ يتشمم بحرص الصخور ~~بجانبه. فوجد أن عبق المريمية، وعبير رعي الحمام، وزهور الربيع، كانت ~~واضحة للغاية. وحتى لا يضيع وقتا، سلك طريقه هابطا الصخرة. إلا أن ~~الآثار المؤدية إليها لم تتصل. فالسبيل من العرش إلى الطريق أعلاه ~~مكون من حصى وأحجار صغيرة وصخور لا يمكن تمييز آثار الأقدام ~~عليها. لا بد أنها سلكت ذلك السبيل. من ثم فقد أخذه جيمي. لكنه حين ~~بلغ الطريق لم يستطع أن يرى أثرا لأي شخص يشبه ولو من بعيد شكل ~~الفتاة التي كان يبحث عنها. فعاد أدراجه إلى العرش ومشى الطريق الذي ~~سلكه، ومن عند أكمة زهور الربيع التقط الأثر واتبعه جنوبا على ~~امتداد الشاطئ حتى فقده بين زهور الربيع ورعي الحمام المتشابكة، ~~ووسط نباتات التين الحامض. وفي الموضع الذي فقده فيه بالضبط اكتشف ~~جيمي السبب الذي جعله يفقده. فقد محاه وطء عشرات الأقدام الصغيرة، ~~آثار أقدام صغيرة مرحة، كلها آثار أقدام أطفال. مضى جيمي مندفعا في ~~الشاطئ، وفجأة وجد موضعا كان فيه أثر القدم الذي كان يبحث عنه ~~واضحا في الرمال بجانب الموقع الذي تنمو فيه زهور رعي الحمام، وكان ~~حوله من جميع النواحي مرة أخرى أسطول آثار أقدام الأطفال الطامسة ~~لأي شيء. # بعد ذلك ذهب جيمي إلى المنزل. حيث فتح البوابة وأغلقها بحرص خلفه. ~~وفي منتصف الطريق وهو صاعد السلم جلس. وللمرة الأولى حمل الزهور ~~التي كانت في يده إلى مجال نظره. # قال جيمي لنفسه: «هل هذا معقول!» وتابع: «هل هذا معقول! كانت قاب ~~قوسين مني، وأنا نائم! لا بد أنني حجر لا بشر.» # جلس يحدق في الزهور الرقيقة بلونها الأرجواني المائل للوردي التي ~~كانت، كعادتها في المساء، متفتحة عن آخرها من حرارة يده وتنشر حوله ~~نفحات غاية في ms164 الرقة والخفة من عطرها الفريد. وإذا بجيمي يتطلع ~~نحو البحر. # ويقول: «إنني مصيب إذن.» وأضاف: «إنها تعيش في مكان ما قريبا من ~~هنا. أو ترتاد هذا الشاطئ على الأقل. وقد عرفتني حتى ووجهي مغطى. ~~وإنني، من تلك الناحية، بإمكاني التعرف عليها من هيئتها أكثر من ~~وجهها! لكن ما الهدف من ملء يدي بأجمل الزهور الصغيرة في العالم كله ~~إذا لم تكن تريد مني شيئا آخر؟» # قلب جيمي الأمر على وجوهه ممعنا، ثم حدث المحيط الهادئ ~~به. # إذ قال: «لنفكر في الأمر، لقد أديت مهمتي معها. وحصلت على ~~الاسم الذي طلبته. ولديها الخاتم ولديها العقد. ولا تريد مني أي ~~شيء آخر، لكن هذا يثبت أنني على بالها، أنها على الأقل لم تستغلني ~~وتنسني.» # حينئذ استبعد جيمي المحيط لكونه محايدا بعض الشيء وقصر نفسه ~~على الزهور. فحملها برقة بأصابعه الرشيقة ونظر إليها بعينين شغوفتين ~~متساءلتين. # وقال: «ليتك كان بإمكانك الكلام. ليت وجوهك الصغيرة باستطاعتها أن ~~تخبرني بما رأيته في وجهها وهي تجمعك. ليتني أعلم بالضبط ماذا كان ~~في قلبها. ليتني أعلم ما إن كانت متأكدة تماما من أنها انتهت مني، أو ~~إذا ما كان بيدي شيء آخر أفعله من أجلها.» # ثم انتفض جيمي وجلس منتصبا. ~~«يا للهول!» قال مخاطبا هذه المرة زهرة خطمي صفراء وجميلة ~~جمالا غير عادي طويلة للغاية ومستقيمة للغاية نمت بجانب العريشة. ثم ~~تابع: «يا للهول! إنني لست على يقين تام من أنها ستجد مني أي فائدة ~~أخرى إن كانت تريدني حقا! ثمة فرق بين أن تقدم اسما لا يفيدك بأي ~~شيء وجسدا لن يلبث طويلا على سبيل الترضية لتجفيف دموع امرأة، ليست ~~دموع ندم، ولكن دموع خوف، الخوف من إعراض العالم عن الموصومين بالعار، ~~الخوف من عيني طفل يملؤهما الاتهام وهو يحدق في وجهها ويجدها خائرة، ~~وأن تفعل ما تقدر عليه في حين أن الوقت المتاح لك لفعل أي شيء محدود ~~للغاية. لم يتبق سوى بضعة أيام على نهاية هذا الشهر، وإذا تفحصت ~~مارجريت كاميرون صدري وقالت بصدق ms165 إن الخطر في طريقه ليزول من الجرح، ~~وإذا لم أكن أخادع نفسي بالاعتقاد بأنني أصبحت رجلا ناضجا أكثر مما ~~كنت عليه طوال ثلاثين عاما، فسينشأ احتمال آخر. احتمال لم أحسب له ~~حسابا حين أقدمت على مغامرة الزواج. وإنه احتمال يحتاج إلى قدر كبير ~~من التفكير. فلا يليق بأي رجل أن يدعي أنه أتقى من غيره، لكن يجدر ~~بالرجل، في الوقت نفسه، أن يفكر مليا قبل أن يقرر ما إن كان يريد ~~أن يتولى تربية طفل أنجبه رجل يحمل في شخصه خصلة الحقارة التي ~~جعلته يتوانى عن منح ابنه شرف أن يكون له أب.» # تأمل جيمي الأمر. ظل يفكر وقتا طويلا. يفكر باستغراق وتمعن. ~~يفكر من منطلق التعصب الاسكتلندي. فتذكر الاعتداد بالنفس. وفكر من ~~منطلق الرأي العام. ثم طرح كل شيء جانبا وفكر من دون مواربة. ~~فتسلل إلى رأسه من مكان ما عبارة قانونية. ألا وهي: «ظروف ~~مخففة.» لم يستطع أن يفكر في جسد فتاة العاصفة الذي ضمه بقوة بين ~~ذراعيه، ولا أن يفكر في شعرها الحرير وعطر أنفاسها والروائح البرية ~~التي أحاطت بها، ولا أن يحمل نفسه على أن يراها إلا نضرة وشابة وسليمة ~~جسدا وعقلا. لم يكن مقبولا بالمنطق أن تكون قد دنست جسدها ولوثت ~~روحها، وأن تكون خالفت شرائع الله وانتهكت قوانين البشر، وعرضت ~~نفسها بل حياة طفل لما يأت بعد، لإصبع الازدراء، ذلك الشيء الفاضح ~~المدمر الذي يوجه من دون تمعن. # قال جيمي محدثا طائر محاكي شديد النباهة تصادف أن حط على أحد ~~عمدان العريشة بقربه في تلك اللحظة: «أيا كان الذي وضع تلك العبارة ~~القصيرة «إصبع الازدراء» فهو لم يوفها حقها من القوة بتاتا. كان ~~لا بد أن يدعوه قضيب الازدراء الملتهب، الحديد الذي يغرس في صدر ~~امرأة فيظل طوال أيامها يكوي روحها ويشتعل من جديد في أي لحظة على حين ~~غرة، وكل ذلك لأنها ربما أحبت للحظة رجلا حبا شديدا أكثر مما ~~أحبت نفسها حتى إنها ربما خاطرت بروحها وخسرتها، من وجهة نظر ~~العالم. لكنها ms166 نعمة أنها لم تخسر روحها عند الله؛ فهناك المجدلية ~~التي غفر لها، وقد كانت المجدلية بغيا وربما استحقت ما فعله بها ~~الغوغاء. لكن الله غفر لها رغم كل شيء، ولا يليق أن يعطف الله على ~~امرأة ولا يعطف عليها رجل اسكتلندي .» # هز الطائر المحاكي ذيله ونظر إليه بانتباه وقال، مقتبسا قول طائر ~~صفارية على شجرة برقوق في الحديقة: «مرة أخرى! مرة أخرى!» # ابتسم جيمي. # وقال: «هل علي أن أفعل أفضل مما فعلت؟ حسنا، ماذا لو قلت إنني ~~سأخل بوعدي بألا أحاول البحث عن فتاة العاصفة، وشرعت في البحث ~~عنها بإصرار؟ وماذا لو قلت إنني أشعر بصدق وبحق أن «الظروف ~~المخففة» تشفع لها، وإذا آل بي الحال، لنقل خلال سنة من الآن، وصرت ~~رجلا معافى البدن، فربما عندئذ تتغاضى عن ندباتي وربما تستطيع أن ~~تشرح لي ما حدث، وربما نستطيع العثور على شيء جميل بحق في الحياة ~~معا؟» # هنا تذكر الطائر المحاكي تغريدا كان قد سمعه على نخلة بلح في ~~المكسيك من طائر أحمر قان، وصاح مرددا إياه على رأس جيمي مباشرة: ~~«مرحى! مرحى! مرحى!» # فنظر جيمي إلى الزهور مرة أخرى ولاحظ أن رءوسها الجميلة بدأت ~~تتدلى. فنهض وهم بالبحث عن الوعاء النحاسي الصغير ليضعها في ~~الماء. وبعد أن نسقها بحرص شديد في الوعاء، حملها إلى غرفة النوم ~~ووضعها على المنضدة القائمة بجانب الفراش التي يمكن تقريبها من ~~وسادته. # ظل جيمي طوال ما تبقى من اليوم يسير متعثرا، ليس من ضعف؛ ولكن ~~لأنه كان يحلم حلما استحوذ على انتباهه تماما. # الفصل الثاني عشر # | رؤية ما وراء الحجب # أمضى جيمي ما تبقى من ذلك الأسبوع، بخلاف الوقت المستغرق في تنفيذ ~~النظام الذي وضعه لنفسه، في الحديقة ومع الكتب. وأصبح في رعايته ~~الأشجار والزهور ماهرا وخبيرا. إذ كان قد تعلم كيف يجعل الزهور ~~مزدهرة وصحيحة في مناخ نيو إنجلاند الفقير. لكن مع وجود المياه بوفرة، ~~وشمس لا تكاد أشعتها تنقطع، ونهارات دافئة وليال باردة، ضبابية في ~~أحيان كثيرة جدا، وجد جيمي نفسه يواجه ms167 وجها مناقضا لكل ما ~~عرفه عن البستنة. ومن ثم تعلم سريعا جدا أن مهمته في الأرض شديدة ~~الثراء بأشعة الشمس والمياه، لا أن يحفز الزهور على النمو، وإنما أن ~~يشذبها حتى يوجه طاقة النبات نحو إنتاج الزهور مباشرة. كذلك تراكم ~~لديه الكثير من المعرفة بالحدائق من مارجريت كاميرون، أشياء عملية ~~كانت قد تعلمتها بالتجارب: كيف يفكك التربة، وكيف يسمدها، وكيف ~~يرويها بحرص وبالقدر اللازم. وتعلم جيمي بالفعل كيف يشذب ~~النباتات محققا الهدف المرجو. وسريعا ما تعلم ماذا يفعل للحفاظ ~~على الزهور بدلا من الأوراق. # ظل طوال الأسبوع يتطلع إلى يوم السبت، ويخطط لليوم الذي سيذهب فيه ~~هو والكشافة الصغير لزيارة سيد النحل. وقد حدد ميعاد ذهابهما عند ~~الساعة الثانية. وفي الساعة الثانية وخمس عشرة دقيقة تدلى الصغير من ~~فوق سياج الأوتاد الخشبية العالي وجاء يعدو في الممشى. وكان جيمي ~~مندهشا بعض الشيء. إذ توقع، من السلوك السلس العملي الذي أدار به ~~الكشافة الصغير المعركة مع الهنود، أن يبدي القدر نفسه من اليقظة ~~والمسئولية في الحفاظ على مواعيده. # كان منتظرا على المقعد تحت شجرة الجاكرندا حين طار الجسد الصغير من ~~فوق السياج. وحين تأمل الكشافة الصغير عن قرب، خال لجيمي أنه اكتشف ~~آثار دموع سالت حديثا. كانت أشفار عينيه فيها شبهة احمرار، ووجنتاه ~~يشوبهما أثر لا ريب فيه لحزن طفولي. في الحال انتفض قلب جيمي ~~احتجاجا. من ذا الذي سولت له نفسه إيذاء الكشافة الصغير؟ ماذا، ~~غير قرصة نحلة، يمكنه أن يدفع للبكاء روحا صغيرة غاية في الشجاعة؟ من ~~دون التمهل للتفكير، مد جيمي ذراعيه. ومن دون التردد لحظة سار ~~الكشافة الصغير إلى ذراعيه مباشرة ووضع رأسه مطمئنا على صدره، فضم ~~جيمي ذراعيه حوله بإحكام. ~~«هل سقطت وأصابك أذى؟» # استطاع جيمي أن يشعر بهزة النفي في كتفيه والغصة في حلقه. # قال جيمي: «معذرة، لكن لكي لا نتأخر على سيد النحل؛ لا بد أن نغسل ~~وجهك ونمضي.» # وفي الحال وقف الكشافة الصغير منتصب القامة. ~~«نغسله! نغسله! ألا تستطيع أن ترى من نظرة ms168 واحدة لي أنني قد ~~تحممت بماء ساخن وفركت وتمشطت تمشيطا عنيفا؟» # قال جيمي: «يبدو عليك فعلا أنك قد تحممت جيدا.» وتابع: «إنها ~~منطقة عينيك فقط التي بحاجة إلى اهتمام بسيط.» # فقال الكشافة الصغير: «أوه، حسنا، ما دمت تقول إنني بحاجة إلى ذلك ~~فأظن أنني بحاجة إليه. لقد واجهت مشكلة طالت كثيرا جدا مع أمي ~~والأميرة حتى إنني ظننت أنني لن أخرج أبدا. تتعبني النساء أشد ~~التعب!» ~~«ماذا حدث مع السيدات؟» سأله بينما يتقدمه إلى الحمام، ثم بلل قطعة ~~قماش، وبدأ العمل ليتأكد من إجرائه على نحو صحيح. وقد فوجئ بأن ~~الصغير وقف ساكنا ورفع إليه وجهه راضخا، وبينما راح جيمي يعمل، واصل ~~الطفل الكلام فقال: ~~«أوه، أمي دائمة التذمر بشأن تنظيف أظفاري وإخراج الشمع من أذني، ~~والشعر الهائش في رموشي وأظافر قدمي المغروسة في اللحم! إنك لترهق ~~نفسك إذا حاولت أن تعطي أي اهتمام لكل الأشياء التي تريدها النساء. ~~أما بخصوص الأميرة، فإنني سأتنازل عن أفضل مطواة جيب لدي إذا وافق ~~أبي على رفتها.» # قال جيمي: «يرفت أميرة؟» وتابع: «إنك تقترح إجراء غير لائق. من ~~المفترض أن تعامل الأميرات بقدر كبير جدا من الاحترام.» # هز الصغير كتفيه النحيفتين وأصدر صوتا من أنفه. ~~«حسنا، هذه الأميرة التي تعمل في مطبخنا منحدرة من مكان ضئيل ~~الأهمية في أوروبا، وهي معتادة على أن تخدم هي نفسها، ومن ثم فإنها ~~تعرف تمام المعرفة كيف تخدم الآخرين. لكننا جميعا نضطر إلى أن ~~نتصرف بقدر كبير جدا من المواربة. ومن المعتاد جدا أن تنادينا ~~هي بأسمائنا وتقول أي شيء بأسلوب سافر. وعليك أن تراوغ كأنك كشافة ~~هندي لتنقل لها أنك تريد كمية أخرى قليلة من الزبد على خبزك ~~المحمص، أو أن مربى الفراولة ليست طيبة. ما الجدوى من كل هذا ~~العناء؟ أما عن الملابس، فكلاهما تثير حنقي! كان ذلك سبب هذه ~~المشاجرة! لقد أردت أن أرتدي ملابسي، بحيث أستطيع عند عودتي أن ~~ألتقي برفاقي لننزل إلى الشاطئ لتمثيل معركة. بينما أصرت أمي أنه ~~لا يمكن الذهاب ms169 معك ولا يمكن الذهاب إلى المستشفى من دون التأنق ~~مثل ...» أمسك الكشافة الصغير عن الكلام ودب إصبع قدم غاضبا في البساط ~~المسجى أمام الحوض، ثم ختم حديثه «حتى أبدو مثل مخنث فلا يتعرف ~~سيد النحل علي! ولأقص عليك الأمر بإيجاز مثل الإعلانات المبوبة، ~~لقد اضطررت إلى ارتداء الملابس التي أرادتاها واضطررت في الوقت ~~نفسه إلى الخروج خلسة بالأشياء التي أردت ارتداءها وإخفاءها في ~~سياج من الأشجار على بعد بيت أو بيتين في الشارع، وكان علي بعد ذلك ~~الاختباء عند السياج وإحضار الملابس والعثور على مكان أستطيع تبديل ~~ملابسي فيه، ولست متأكدا بالمرة إن كنت سأجد أشيائي حيث تركتها ~~عندما أعود. هكذا أضطر دائما إلى إهدار الكثير من الوقت والانزعاج ~~بكثرة!» # قال جيمي بتأن: «فهمتك، لكن ألم ترد أن ترتدي أفضل ملابسك وأنت ~~في زيارة لسيد كريم جدا، وأنت تحبه حسبما أخبرتني عن محبتك لسيد ~~النحل؟» # شد الكشافة الصغير قامته وتنهد تنهيدة عميقة. وأتى الحركة التي صارت ~~جزءا لا يتجزأ من شخصية قائد الكشافة. ~~«أما محبة سيد النحل؛ فإنها ليست من الأشياء التي أود الحديث عنها. ~~فهي من المشاعر التي يجدر بالمرء التكتم عليها، حيث إنها لا تخص أي ~~أحد. لو كان في الأمر أي منفعة لسيد النحل، لكنت تحملت أي مشقة ~~للقيام به؛ لكن ما دام محض هراء، فما الجدوى منه؟ إن سيد النحل ~~يحبني وإلا ما كان سيطلب رؤيتي، وهو لم يرني قط متأنقا كما أنا ~~الآن!» # تلوى قائد الكشافة، ومد ساقا غطاها جورب وحذاء من جلد ~~لامع. ~~«فلتنظر إليها! ألا تثير اشمئزازك؟ ما فائدة السيقان إذا كنت لا ~~تستطيع أن تستخدمها وحدها؟ من الذي اخترع الجوارب من الأساس؟ إنها ~~أشياء شائكة وتسبب حكة، وفي بلد لن تحتاج إليها فيه! لتعلم أنني ~~كنت سأخلع جواربي أيضا، لكنني أدركت أنني تأخرت. هيا بنا، ~~لنذهب!» # علق جيمي قطعة القماش، واستخدم المنشفة، وشرع يستخدم المشط. ~~فتراجع قائد الكشافة بيدين ممدودتين. # وصاح: «لا، لا تفعل ذلك!» وتابع: «ليس مسموحا لي باستخدام أمشاط ~~أناس ms170 آخرين. فقد يكون بها رتيلاء (نوع من العناكب) أو هيلية (عظاءة ~~أمريكية ضخمة) أو أخطبوط!» # وضع جيمي المشط مكانه ومد يده. فوضع قائد الكشافة يده القوية ~~المليئة بالندوب النحيلة في يده وسار بجانبه برزانة حتى اجتازا ~~البوابة الأمامية. # حينئذ نظر الطفل لأعلى وقال: «أعتقد أنه من الأفضل أن نفلت يدي من ~~يدك الآن. فربما أفقد عرشي، إذا رآنا أحد من الرفاق. وفتيان الكشافة ~~هم كل ما أستطيع السيطرة عليه هذه الأيام، على أي حال.» # وحين بلغا الترام واتخذا مجلسهما، أحنى جيمي بصره إلى الجسد الجالس ~~بجانبه وخال له أنه نحيف جدا، وأن حالته الجسدية لا ينبغي أن تكون ~~هكذا. # فسأله: «هل تمانع إخباري كم تبلغ من العمر؟» # فقال قائد الكشافة: «لا، لا أمانع. أبلغ من العمر عشر سنوات، ودعني ~~أخبرك بأنني عشتها بالتمام والكمال! لقد عشتها من المحيط الأطلنطي ~~إلى المحيط الهادئ، وعشت في مدن حيث عليك دائما التهرب من الشرطة، ~~وقطاع الطرق والخاطفين، في خيال أمي. لكن لا يمكن لخاطف أن ~~يلمسني ولو من بعيد. فهم يرون أنني شديد تماما!» # ارتأى جيمي أن أفضل سبيل للحصول على معلومات هو التزام الصمت، فلم ~~ينبس بكلمة. ~~«لقد ركبت سفنا وقوارب وزوارق بخارية وجدفت بزوارق وسافرت في ~~قطارات من نيويورك ليميتد (قطار سريع كان مخصصا للطبقة العليا من ~~المسافرين) إلى قطار ميشنري، وصدقني لقد ظللت منتبها ومصغيا طوال ~~الطريق! حين سافرنا آخر مرة فاتنا قطار ليميتد الذي حجزنا فيه فكان ~~أمامنا إما ركوب قطار ميشنري أو البقاء خمسة أيام في شيكاغو، وما كان ~~أحد منا يستطيع البقاء فأخذنا قطار ميشنري. وقد ناموا جميعا مثل ~~الموتى، أما أنا فلهوت كثيرا، ودعني أخبرك بشيء، لقد زادت نقودي ~~للغاية. إذ كنت أتجول في العربات وأقول بأسلوب لطيف ومهذب للناس ~~الشاعرين بالحر ومتسخين: «سأحضر لكم شربة ماء طيبة باردة مقابل ~~خمسة سنتات.» وإن بدوا في غاية الثراء أجعلها عشرة؛ لأنهم ينخدعون ~~أكثر منا. كان لا بد أن تراهم والخدعة تنطلي عليهم! لقد كسبت ~~الكثير جدا من ms171 النقود فجمعتها داخل حقيبتي في مقصورتنا الخاصة، وقد ~~رأتني نانيت فصاحت منادية على أبي، فقلت لنفسي: «سأخسر كل ~~شيء».» ~~«حسنا، وهل حدث ذلك؟» سأله جيمي. ~~«ليس تماما. إذ لم يكن أبي وأمي موجودين. في البداية بدت جامعة ~~التذاكر في حيرة من أمرها، لكنها في النهاية استغرقت في الضحك حين ~~أخبرتها أن المال كان حصيلة استغلال الأغنياء العاطلين لعامة الشعب، ~~فقد كانت شخصية طيبة. وقالت إن باستطاعتي الاحتفاظ به إذا تقاسمته مع ~~دار تقويم العظام. وكنت على استعداد لأن أفعل ذلك.» هنا توقف الكشافة ~~الصغير عن الكلام. ثم تابع: «هل سبق وحمدت الرب لكونك سريع ~~الحركة؟» # قال جيمي بحماس: «أجل!» فابتسم الكشافة الصغير وواصل كلامه: «لقد ~~قمت بالكثير من العمليات الاستكشافية في الأنحاء مع فتيان الكشافة، ~~وقد لازمتني بطبيعة الحال في المدرسة في بعض الأحيان. أما أمي فهي ~~ليست بطيئة للغاية، لكن أبي يمكنك أن تتعلم منه بضعة أشياء! قد تظن أنه ~~رجل غير نشيط! لكن على العكس؛ إنه يعمل محرر أخبار محلية في جريدة ~~كبيرة، وقد ظل طوال عامين يحلق في طائرة استكشاف فوق ألمانيا، ويعلم ~~كيف تصور الأفلام. إن أبي شخص شديد النشاط!» # قال جيمي: «سوف أقابله ذات يوم قريبا.» # رفع الكشافة الصغير عينيه سريعا. ~~«أين؟» # كان الاستفسار مقتضبا وحادا. ~~«حين اتصلت بهاتفك لأخبرك بشأن اليوم، دعتني أمك للعشاء.» # بدا الامتعاض على وجه الكشافة الصغير. ~~«أف!» جاءت الصيحة مفعمة بقدر بالغ من الاستنكار لا يخفى عن ~~الملاحظة. ~~«بالطبع إذا كنت لا تريدني أن آتي ...» # هنا قال الصغير: «ها هو أمر آخر من تلك الأمور المزعجة. أريد بالطبع ~~أن تأكل! يمكنك أن تأكل ما شئت من الشمام والكركند والمشروبات المعدة ~~في البيت؛ فإنني لا أبالي البتة. لكن ما فائدة إقحام أمي وأبي ونانيت ~~وجيمي والعائلة المالكة للدنمارك في علاقتنا؟ لماذا لا نكتفي ~~بالاستمرار في صداقتنا كما نحن؟» # قال جيمي: «حسنا.» وتابع: «لن أفكر في القدوم إذا كنت لا ~~تريدني.» # قال الصغير: «ها أنت تكررها مرة أخرى!» وأضاف: «هل قلت مطلقا ms172 ~~إنني لا أريدك؟ هل قلت قط إنني لست منجذبا إليك غاية الانجذاب؟ هل ~~قلت مطلقا إنني لا أصبح في أحسن حالاتي في كل مرة أراك فيها؟ لا، لم ~~أفعل قط! لكن لمجرد أنني أقول إنه ثمة أماكن أريد أن أراك فيها ~~وأماكن أخرى لا، تتسرع وتجعل الأمر يبدو كأنني لا أريد أن أراك في ~~أي وقت ولا أي مكان! ظننت من وجهك أنك ستكون شخصا منصفا!» # فقال جيمي: «حسنا، إنني أحاول أن أكون منصفا.» # قال الصغير: «حسنا، لقد خانك الحظ، وحدت تماما عن الحق! ما دمت ~~تعتقد أنك منصف حين تخبرني أنني لا أريدك لمجرد أنني لا أريد أن أراك ~~في أماكن معينة! ألا يمكن لأي شخص أن يكون لديه أسباب؟ ألا يمكن أن ~~يكون للمرء بعض الأشياء التي لا يريد أن يجهر بها على الملأ؟» # مد جيمي ذراعه ووضعها حول الصغير وجذب جسده الضئيل إليه فوجد أن ~~الجسد الذي ضمه إليه كان يرتعد من رأسه إلى قدميه. # فسأله جيمي: «هذه المرحلة شاقة عليك، أليس كذلك؟» # فأجابه الكشافة الصغير: «أعتقد أنها لا بأس بها.» وتابع: «إنها ~~المرحلة نفسها التي يمر بها الأطفال الآخرون، والكثير منهم يزدادون ~~سمنة فيها. فلتنظر إلى بيل السمين الطيب إن كنت غير مصدق. كل ما ~~في الأمر أنني أحيانا أكاد أدرك أن عملي هو كل ما أستطيع القيام ~~به.» # فسأله جيمي: «ما المشكلة؟» ~~«حسنا، أعتقد أنك تعرف كيف يتأتى لك أن تصبح قائد كشافة، أليس ~~كذلك؟» # ولأن جيمي كان يريد معلومات، فقد قال إنه ليس متأكدا. # فهز الكشافة الصغير كتفين ساخطين. ~~«حسنا، أما أنا فمتأكد! متأكد تماما أنك تصبح قائد كشافة من خلال ~~السيطرة على فتيان الكشافة، تلك هي الطريقة! إذا قفزوا، قفزت أبعد ~~منهم. وإذا وثبوا، وثبت أعلى منهم. وإذا ركضوا، بسطت جناحين ~~أبيضين وسبقتهم. وإذا ركبوا دراجات، استلقيت فوق المقود ونهبت ~~الأرض كمن يفر بحياته تاركا الباقين يتأخرون خلفك. وإذا جدفوا ~~بزوارقهم، قلبت أمواج زورقك زوارق الباقين. وإذا كانت مباراة ~~ملاكمة، فعليك أن تتمرن ms173 جيدا جدا على الجوجوتسو بحيث تستطيع أن ~~تطوح أي واحد في المجموعة في أي اتجاه تريده أن يندفع فيه. أن تكون ~~قائد كشافة هو أن تسيطر على الجماعة، وإن بيل السمين الطيب يتطلب ~~مني أن أبذل بعض جهدي لأسيطر عليه! أما الطفل المطيع فأمره أسهل، لكن ~~دعني أقل لك إن ذا الوجه الملائكي بدأت تنمو له عضلات حديثا! وهو ~~لم يكن في حالة جيدة قبل ذلك. إذ كان يشكو من التهاب الزائدة الدودية. ~~كان حسبك أن تتغلب عليه بضربة خفيفة في أي مكان في نطاق جانبه ~~الأيمن فتجعله في جهد شديد. لكن تبدل حاله الآن وصار سليم الجسد. ~~وسوف يصبح رجلا ضخما كبيرا قويا. وخلال عام آخر فقط سيكتشف ~~الأشياء التي أعرفها الآن، وإذا صار لديه ما لدي من معلومات، فسوف ~~يعلم أن سيطرتي عليه الآن ليست إلا من قبيل الحظ. ومتى يكتشفون ذلك ~~فسيتمردون علي، وسيحق للشخص الذي يستطيع السيطرة على المجموعة أن ~~يستولي على العرش. لقد عرفت ذلك من كتاب تاريخ، وإنها معلومات قيمة. ~~تبدو مزعجة، لكنها بيان واضح بالحقائق. إن قائد الكشافة والمزعج هما ~~الشيء نفسه.» # قال جيمي: «بعبارة أخرى، أنت تبالغ في العمل الشاق. لقد تدربت ~~حتى بالغت في إنقاص وزنك لأقصى حد، وبينما ازداد الباقون قوة، فقدت ~~أنت قوتك. أليس ذلك هو جوهر الأمر؟» # استغرق قائد الكشافة في التفكير. ~~«أعتقد أن المسألة الحقيقية على وجه التحديد أنني واحد وهم ثلاثة، ~~وفي بعض الأحيان يلحون إلحاحا شديدا حتى نضم اثنين أو ثلاثة ~~آخرين فلا أستطيع أن أخضعهم؛ علي إما أن أبسط سيطرتي عليهم أو ~~أتركهم. تكاد تنفد مني طاقتي تلك الأيام. وتقول نانيت إنني أظل ~~أتشاجر وأتقلب في الفراش وأركل حتى أتطفل على منطقتها أحيانا، لكنها ~~لا تعرف عني شيئا تعايرني به. فإنني لم أصب قط بحالة هيستيرية ~~وصرخت حتى أيقظت أسرتنا لمجرد أن السلاحف لم تأكل جثة الغريق ~~بالكامل!» # شد جيمي ذراعه حول قائد الكشافة ومال بجسده فجعله كنفا مريحا، ~~وخلال ثلاث دقائق كان يضم ms174 إليه الصغير المتعب لحد الإنهاك في ~~منتصف اليوم والذي استغرق في نوم عميق. # حين وصلا إلى المستشفى هز جيمي قائد الكشافة برفق، فاستيقظ الصغير ~~في الحال بعينين تطرفان وابتسامة تودد، استعدادا لإثبات أنه لم يكن ~~الشخص الذي استغرق في النوم؛ فذلك الشخص دون الكل منتبه دائما ~~وطالما كان كذلك. وبمجرد دخولهما المستشفى مد قائد الكشافة يده إلى ~~يد جيمي، وتزاحم معه، وسار إلى المصعد وراح يخطو مثل القطة في ~~الأروقة الطويلة. # من الواضح أن قدومهما كان متوقعا. فقد كان باب سيد النحل ~~مفتوحا؛ بينما مد ستار ليحجب الفراش عن أعين العابرين. أرسل قائد ~~الكشافة نظره في أنحاء الحجرة ونحو النافذة المفتوحة، ثم لكز جيمي ~~بمرفقه لكزة حادة. ~~«هل لاحظت أن ورود مارجريت كاميرون تتناقص تفتحا مؤخرا؟» # كان الصوت هامسا؛ لكن سمعه جيمي وابتسم حين لاحظ الزهور، ثم سمع ~~همسا آخر. ~~«إنها دائمة التقرب إليه. فهي تعتقد أنه من ممتلكاتها الخاصة. لقد ~~أوشكت أكثر من مرة أن تضحي بأغلى ما لديها مقابل أن أرحل لمنزلي، ~~لكن ما دام سيد النحل يقول «ابق»، فسأبقى!» # دار جيمي حول الستار وتبعه قائد الكشافة وظل واقفا في الخلف حتى ~~صافح جيمي سيد النحل وتنحى جانبا. عندئذ تقدم الكشافة الصغير ~~قبالة فراش سيد النحل، بعينين متسعتين، وألقى نظرة متملية فتبدل ~~لونه، تبدل رويدا من شفتين حمراوين ووجنتين مضرجتين حمرة إلى ~~اللون الأبيض. لكنه ضم كعبيه محدثا صوتا. ووقف الجسد مستقيما ~~بشدة. كانت التحية حسب الأصول وسريعة لأقصى درجة. وكانت الابتسامة ~~المنبسطة على أساريره الصغيرة ودودة. فمد سيد النحل يدين مرتعشتين ~~وعلى نحو مفاجئ - ظن جيمي أنه لم ير قط حركة سريعة جدا هكذا؛ فهو ~~لم يعرف كيف قطعت المسافة التي بينهما - قفز الجسد الصغير وغاص في ~~الفراش. وقد أحسن سيد النحل التقاطه، وإن كان قد التقط أنفاسه في ~~الوقت نفسه؛ لأنه بهت من مفاجأة القفزة. لكنه ضم الكشافة الصغير ~~بشدة بين ذراعيه، وتعلق الطفل تماما بصدر سيد النحل. أمسكت يد ~~صغيرة بالرأس العجوز الأبيض من الجانبين، ms175 وانهال على وجه سيد النحل ~~وابل من القبل القصيرة الحارة من جبهته لذقنه. جلس الكشافة الصغير ~~منتصب القامة على الفراش وإذ بغتة تدفقت دموع كبيرة واحدة تلو ~~الأخرى على الوجه الطفولي، وانطلق نحيب قصير حاد جرحه أنفذ من ~~السكين: «يا إلهي ! أتمنى لو لم تعان كل ذلك العناء!» # كانت ذقن سيد النحل مرتفعة إلى السقف. فرفع يده اليمنى وضم شفته ~~السفلى في ثنايا وأعطاها ضغطا خارجيا ليدعمها. # وقال: «أجل يا صديقي، أنا نفسي فكرت في ذلك، وتمنيته نوعا ما، ~~لكن يبدو أن الأمر مقدر في الخطة الربانية، أو أنه نتيجة بعض ~~الإهمال من جانبي في رعاية جسدي وأنا أتقدم في العمر، ومن ثم لا بد ~~أن أتقبل العواقب. لكن لا تشغل بالك.» # قال الكشافة الصغير: «حسنا، إنني منشغل!» ثم واندفعت يده إلى الخلف ~~في اتجاه جيمي وقال: «إنه لا بأس به. إنه كشافة بارع. فقد أحسن ~~التصرف بالاختباء وراء الشجرة واستخدام ما وصلت إليه يداه حين ~~هاجمنا الهنود الحمر. إنه ماهر، ومن المؤكد أنه سيفلح في العمل، لكنه ~~يعلم أنه ليس مثلك.» # رمق سيد النحل جيمي والتقت عيناهما واستقرت. # فقال لجيمي: «لتأخذ كرسيا. واقترب مني. أريد أن أخبرك بشيء، لكن ~~أود أن أسألك أمرا أولا.» ونظر إلى قائد الكشافة مباشرة. وقال له: ~~«هل أنت متأكد تماما أن الرجل الذي تركته ليرعى النحل هو الرجل ~~المناسب؟» # فقال قائد الكشافة على الفور: «أجل، إنني متأكد.» ثم أضاف: «فلا يمكن ~~لأحد إقناعه بالإقدام على خدعة حقيرة خسيسة لإنقاذك!» # فقال سيد النحل: «لا بأس إذن.» ثم اتجه نحو جيمي. وقال له: «وأنت؟ ~~هل أصبحت إلى حد ما على معرفة بمساعدي الصغير هذا؟» # فقال جيمي: «أوه، لقد بدأنا.» وتابع: «لكن لم تسنح لنا فرص كثيرة. ~~فالكشافة الصغير يذهب إلى المدرسة، كما تعلم.» # فقال سيد النحل: «حسنا، ما يهمني معرفته هو ما إن كنت ترى أن ~~مساعدي الصغير يتصرف بأمانة، ولا يأتي أي حيل وضيعة، وعلى استعداد ~~لمساعدة زميل آخر، ويعلم كيف يحيي علم بلدنا ويحترمه، ms176 ويبجل ~~المعطي الأعظم على كل نعمه الطيبة الكاملة.» # جعل جيمي يفكر لبرهة ثم هز رأسه بالإيجاب. # وقال: «نعم، نعم، أعتقد أننا تقاربنا بعض الشيء بما يسمح على ~~الأقل بالاطلاع على ذلك الجانب جيدا. وأعتقد أنك إن بحثت في العالم ~~بأسره فلن تستطيع أن تجد شخصا صغيرا أكثر منه أمانة ليصبح مساعدك ~~في رعاية النحل.» # قال سيد النحل: «لا بأس إذن، هذا كل ما أردت معرفته. إن كان كل ~~منكما يحب الآخر فحسب. إذا كنتما منسجمين معا. أردت فقط أن أعرف إن ~~كنتما ستحافظان على ازدهار الحديقة وصحة النحل، إذا اضطررت إلى ~~البقاء هنا وقتا طويلا، أو إذا تحسنت وكان علي الذهاب في ~~رحلة طويلة جدا. إذا كنتما تدرسان الكتب باهتمام فستعلمان أن الأمر ~~أشبه بحيلة؛ ستعلمان أنه ليس بالشيء الذي يستطيع أي أحد أن يفعله، ~~الحفاظ على رخاء فدانين من النحل؛ لتظل الحياة فيهما ~~مزدهرة.» # ثم اتجه بالحديث إلى جيمي مباشرة. # فقال: «ستأتيك أوقات يجب أن تستعين خلالها بمساعدة. وقد أخبرتك ~~بالرجل المناسب حين جئتني هنا. إذا اتصلت بالسيد كاري وأخبرته بالظروف ~~حين تجد أثناء الفحص أن الخلية الأخيرة من أحد القفائر قد امتلأت، ~~وأن النحل صار مضطربا، فسيأتي ويساعدك في جمع العسل. سوف يريك كيف ~~تفعل ذلك. ويمكنك بعد ذلك أن تؤدي له الخدمة نفسها، وبذلك لن ~~يضطر أي منكما إلى تكبد نفقات الاستعانة بطرف قد يكون غير ~~منسجم مع النحل. سوف يعلمك ما هي أول علامات تعفن الحضنة وكيف ~~تتولى أمرها، أما بقية الأمور فإن مساعدي الصغير هذا يستطيع أن ~~يخبرك بأي شيء تريد معرفته بخصوص رعاية النحل. أليس كذلك يا صديقي؟» ~~سأله سيد النحل، وهو يشد ذراعه حوله. # أجابه الصغير: «بالطبع أستطيع!» وتابع: «لقد أطلعته على كل شاردة ~~وواردة أخبرتني بها يوما عن النحل. فإنني لم أنس مبادئ أي شيء ~~أخبرتني به، وأستطيع أن أذكر بدقة أي شيء قرأته لي من الكتب. ~~ربما لا أتذكر كل الكلمات الفخمة الرنانة، لكنني أنقل المعنى ~~الصحيح.» # فقال سيد النحل: «أجل، ms177 أعتقد أنك تستطيع.» وأضاف: «أقر لك بذلك. ~~فإنني لم أقرأ لك أي شيء قط وأخفقت في فهم المعنى الصحيح.» # فقال الكشافة الصغير: «وأنت أيضا كما تعلم تقرأ بطريقة رائعة ~~للغاية! فإنك تقرأ بتأن شديد، وتنطق كلماتك بطريقة تجعل أي شيء ~~تقرؤه تقريبا كأنه شعر، وتعطي شروحا بسيطة حين تكون اللغة صعبة. ~~حتى إن أي شخص يستطيع أن يفهم ما تقرؤه.» # وبعدئذ بحركة مباغتة انسل الكشافة الصغير من الفراش، وبينما هو ~~يستدير، مهد الغطاء ودب يده عميقا في جيب السروال وأخرج زوجين من ~~النرد متسخا، مستدير الزوايا. ووضعه بزهو انتصار أمام سيد ~~النحل. # قال قائد الكشافة: «لن أزعجك بلعب النرد معك اليوم. هذه أكثر ~~المجموعات التي لدي جلبا للحظ. سأتركها معك بحيث تلعب بها في ~~الأوقات التي تتمكن فيها من الحصول على وسادة لتستند إليها. هل ~~الممرضات حمقاوات للغاية فلا يعرفن كيف يلعبن معك؟ هل تستطيع أن ~~تعلمهن كيف يلقين النرد بطريقة صحيحة؟ هل تستطيع تعليمهن؟» وفجأة ~~أمسك قائد الكشافة عن الكلام. ثم تابع: «ما دام لدى إحدى النساء القدر ~~الكافي من العقل لرعاية أناس مرضى وإعطائهم أدويتهم وتحميمهم ودهنهم ~~وإزالة آلامهم، فأعتقد أنها تستطيع إلقاء النرد. إذن بالطبع سيصبح ~~لديك شخص ليلعب معك. لكن لدي شعور ما أنه لا يمكن أن يكون هناك ~~أي شخص يفعل أي شيء تماما كما نفعله أنا وأنت.» # نظر قائد الكشافة إلى سيد النحل ونظر سيد النحل إلى قائد الكشافة ~~وابتسم كل منهما ابتسامة نادرة الجمال حتى تبدلت بها ملامح وجهه ~~كلها. ~~«حسنا، سأخبرك بسر بيني وبينك، فلا ندع ذلك الرجل الاسكتلندي ~~طويل القامة النحيف هناك يسمع ما نقوله، بالطبع، فإننا أصدقاء قدامى، ~~ظللنا معا سنوات عديدة، وبالتأكيد لدينا أمور لا يستطيع أحد غيرنا ~~أن يفهمها. ويقنع كل منا بصحبة الآخر أكثر من صحبة أي شخص آخر. ~~لدي ممرضة لطيفة للغاية. وسوف تلعب معي، ولا أستطيع إخبارك كم أراك ~~كريما لتترك لي مجموعتك المفضلة. سوف أرعاها أشد رعاية، وإن ~~تبين أن الممرضة في غاية الحماقة ms178 لدرجة أنها لا تستطيع رمي النرد ~~بطريقة صحيحة، فسأطلب من جيمي أن يعيدها إليك يوما.» # هز قائد الكشافة رأسه. ثم أخرج من جيبه الخلفي لفة صغيرة من ~~المناديل الورقية. ومن ثم بسطها وفتحها، وأمام عيني جيمي وسيد النحل ~~المندهشة ترامت فوق الفراش ياردات وياردات من الشرائط المصنوعة من ~~الحرير الفاقع والساتان، والمزخرفة بالورود وبنقوش مربعة ومخططة. ~~وقد أجرى قائد الكشافة أصابعه بمهارة على المجموعة المبهرجة ~~لينشرها. ~~«لن تحزر قط كيف حصلت عليها. قبل بضع سنوات، قبل أن تقبل كل ~~الفتيات على طلاء شفاههن ووجوههن مثل الهنود، ويصبن جميعا بداء ~~القوباء، كن مولعات بالشرائط. كانت الشرائط منتشرة للغاية. وكن ~~يحببنها زاهية للغاية، وعريضة للغاية، ويابسة للغاية. اعتادت نانيت ~~أن تبدو مثل طاولة الشرائط في متاجر ووناميكرز أو مارشال فيلدز أو ~~روبينسونز حين كانت تنزل لتناول الفطور. وبعد ذلك، على نحو مفاجئ» ~~طرقع قائد الكشافة بإبهامه وسبابته ليوضح كم كان ذلك الأمر فوريا ~~«على نحو مفاجئ اختفت الشرائط، وكانت نانيت قد أنفقت كل مصروفها ~~على الشرائط حتى إنها كانت تبدو نحيلة وجائعة كلما مرت بكشك لبيع ~~السجق أو عربة لبيع المثلجات. أليست بديعة للغاية! كم أحب رؤية نانيت ~~وهي ترتديها. كانت تحبها زاهية لكن ليس للدرجة التي تروق لي وعريضة ~~للغاية ومنقوشة بالزهور. كان لديها درج مليء بها. لكن حين أصيبت ~~بالقوباء سألتها إن كنت أستطيع الحصول عليها. لكن كم هي مادية! لقد ~~غرمتني ربع دولار، لكنني دفعته لأنني كنت أعرف أنها تستحق. بعد ذلك ~~أخذتها إلى الأميرة في المطبخ وأخبرتها أنها تستطيع الحصول على أكثر ~~اثنين يروقان لها لصنع حقائب تضع فيها خيوطها الحريرية المستخدمة ~~في التطريز إذا غسلت المتبقي وكوته لتخلصه من كسراته، وجعلته ~~يبدو جميلا من أجلي. لم أكن متكاسلا عن فعل ذلك بنفسي، لكنني لم أكن ~~متأكدا تماما من كمية الصابون الواجب وضعها عليها أو نوعه، كما ~~أن استخدام المكواة الكهربائية مهارة يجب تعلمها. لا يمكن أن تزيل ~~حملا عن كاهلك وتلقيه على كاهل شخص آخر إلا إذا ms179 كان ثقيلا عليك، ~~وهذا ما كان في مسألة استخدام المكواة الكهربائية. لا بد أن تعرف كيف ~~تستخدمها لتحقق النتيجة المرجوة.» # هز قائد الكشافة الشرائط. ~~«حسنا، من الأشياء التي يمكن أن تفعلها بها أن تأخذ كل شريط منها ~~على حدة وتمرره بين أصابعك وتتأمل كم هو ناعم، وكم هي بديعة ~~الزهور التي تزينه وكم هي جميلة ألوانه وكم هي منسجمة معا.» # وعندئذ حمل شريطا رقيق الألوان قبالة عيني سيد النحل. # وقال الصغير: «أوتعلم؟ إن الرجل الذي ابتكر ذلك - إن لم تكن امرأة ~~- أيا كان الذي ابتكره؛ كان مهووسا بقوس قزح. أترى البنفسجي ~~والبرتقالي والأرجواني؟ هل ترى كيف تختلط الألوان وتمتزج؟ يكاد يكون ~~مثل قوس قزح الذي وضعه الله في السماء ليعطي إشارة للبشر بأنه ~~سيحافظ على عهوده مع الإنسان. م. أ. أي مدرسة الأحد.» # بأصابع مشغولة بالشرائط، سدد قائد الكشافة نظرة في اتجاه ~~جيمي. ~~«هل لديك معرفة جيدة بالإنجيل؟» # فقال جيمي: «كان أبي قسا. إنني على دراية تامة به.» # سأله قائد الكشافة: «إذن هل تعرف بأمر أقواس قزح؟» # فقال جيمي: «أجل. أعرفها.» # فسأله قائد الكشافة: «وهل تعرف أي شيء يفوقها جمالا؟» # فقال جيمي: «لا. لم أر في أدب أي لغة من اللغات التي تعلمت ~~قراءتها شيئا أكثر جمالا من الوعد المتجسد في قوس قزح.» # وقف قائد الكشافة ساكنا. وسقطت يداه النحيلتان المسمرتان بين ~~الشرائط. وارتفعت عيناه العميقتان المعبرتان الرقيقتان إلى عيني سيد ~~النحل. # قال قائد الكشافة: «هل تعتقد أن العهد بين الله والإنسان يشبه ~~قليلا العهد بيننا بشأن النحل وبشأن أسرارنا؟» # كانت عينا سيد النحل الطيبتان العجوزتان رقيقتين ورصينتين وكان ~~صوته يشي بالحب وهو يقول للطفل الصغير: «حسنا، إن العهد هو كما تعلم ~~تفاهم؛ إنه عادة اتفاق بين شخصين فقط، اتفاق بخصوص شيء مهم وشيء ذي ~~شأن.» # فقال الكشافة الصغير: «حسنا، هكذا كان العهد بيننا، وإنني ما زلت ~~أحفظه، وسوف أظل أحفظه. وهذا الشريط، الآن هذا الشريط كأنه حوض زهور ~~منظم باقاته مصطنعة تماما، وهذا منقوش بخطوط رومانية مثل الذي ~~ارتداه ms180 بن هور (شخصية في رواية تاريخية تدور أحداثها في زمن المسيح، ~~عولجت في عدة أعمال مسرحية وسينمائية) حزاما حين قاد النسر ~~الطائر وقلب العقرب والدبران ورجل الجبار (الخيول الأربعة التي تجر ~~عربته في أحداث الرواية وهي مسماة بأسماء نجوم). يا إلهي ! ويحي! ألن ~~يصبح شيئا رائعا إن كان فعلا لدينا الآن حلبة وخيول تدار ~~بأمانة وصدق مثل تلك وسباقات مثل تلك؟ أما في تلك السباقات التافهة ~~الصغيرة التي تجري هنا فالخيالة يأتون ويقررون نتيجة السباق قبل أن ~~يجروه، ويجرون قرعة في الصباح ليقرروا من يفوز في ذلك اليوم، يا ~~للقرف! ألا تثير اشمئزازك؟ لقد أصبح العالم في غاية الفساد حتى إنهم ~~لم يعودوا يقيمون معرض الخيول الصغيرة!» # فقال له سيد النحل: «يؤسفني أن أقول إنك محق في كلامك. وإن لم ~~نتوقف وقفة صارمة، وإن لم نرجع إلى طريق الصواب، وإن لم نثب ~~لرشدنا قريبا جدا، فلن يتبقى لدينا الكثير من الشرف القديم، الذي ~~كان سائدا بين الرجال، في أي مكان من هذا العالم سواء في الرياضة أو ~~العمل.» # وحين لاحظ اليد القابضة للكشافة الصغير ووجهه الكالح، أردف قائلا: ~~«هل ما زلت باسطا سيطرتك على فتيان الكشافة هذه الأيام؟» # كانت هناك لحظة تردد من جانب قائد الكشافة. ~~«الطفل المطيع لا بأس به، أما بيل السمين الطيب وذو الوجه الملائكي ~~فقد اشتدت عريكتهما كثيرا. إذا تمردا علي كل على حدة ~~فسأستطيع السيطرة عليهما. لكن إذا جاء اليوم وجعل اثنان أو ثلاثة منهم ~~يشاغبون مجتمعين» هنا استقام قائد الكشافة ورفع وجها التوت قسماته في ~~عبوس منزعج «فالويل لي!» # لم يقو جيمي وسيد النحل على كبت الضحك، رغم الاحترام البالغ ~~الذي يكنانه لعقلية رفيقهما الصغير. # استأنف الصغير كلامه فقال: «حسنا، كما كنت أقول لك، تستطيع أن ~~تتأمل جمالها، وتستطيع أيضا أن تجدلها. فقط اجعل إحدى الممرضات ~~تعطيك دبوسا وابدأ باثنين ثم واصل في حياكتها هكذا، وبذلك تستطيع ~~صنع غطاء يكفي ليغطي كتفيك ويقيك من الهواء البارد، وتستطيع أن ~~تجريها مثل الأمواج، وتستطيع أن تلفها ms181 في دوائر. لا أعرف شيئا ~~أسهل أن تلهو به أو تحصل منه على تشكيلات أكثر وأنت مريض ومضطر ~~إلى البقاء في الفراش من مجموعة من الشرائط الجميلة. إنها تبقي ذهنك ~~مشغولا بما تفعله، لكنها ليست مثل السوليتير (لعبة من ألعاب الأوراق ~~التي يلعبها الشخص بمفرده) أو بعض الأشياء التي تستطيع أن تلعبها ~~بمفردك، لكن تجعلك تجتهد في التفكير لدرجة أن تصاب بوجع في الرأس إن ~~لم تكن تؤلمك بالفعل. والآن أعتقد أنه من الأفضل أن نرحل. فإن سيد ~~النحل سيعتريه التعب. وأمي قالت إنني لا ينبغي أن أبقى طويلا حتى ~~يحل برجل مريض التعب، وإنني لا بد ألا أتكلم كثيرا حتى أجعله ~~أسوأ حالا، وماذا قالت غير ذلك؟ صحيح، تذكرت. إنني يجب ألا يبدو ~~علي أنني أريد أن آكل أي شيء؛ لأنه لا يوجد أي شيء للأكل في ~~المستشفى.» # وبحركة متلكئة أقصى قائد الكشافة الشرائط المبهرجة، ورمقها ~~لوهلة باشتهاء، ثم انحنى على سيد النحل وطبع قبلة رقيقة على جبينه، ~~وقال: ~~«لتكن فتى مطيعا وتناول دواءك ونم حين تؤمر وتعال سريعا ~~للمنزل، بأسرع ما تستطيع!» # وبذلك دار قائد الكشافة وخرج على الفور من الحجرة. # انتظر جيمي لتبادل بضع كلمات ثم تبعه. وبمجرد خروجهما من ~~المستشفى وعودتهما إلى الشارع مرة أخرى، رفع قائد الكشافة وجها ~~محيرا. ~~«إن لك باعا طويلا مع المستشفيات، أليس كذلك؟» # فصدق جيمي على كلامه. # فقال قائد الكشافة: «أجل، تبدو شخصا تنتمي للمستشفيات الآن، لكن ليس ~~كما كنت تبدو حين رأيتك أول مرة. حين رأيتك أول مرة بدوت كأنك وحدك ~~مستشفى. لكنك لا تبدو إلا كنصف مستشفى الآن. تبدو كأنك تنتمي إلى ~~الحدائق بقدر ما تنتمي للمستشفيات. أعلم أنها ضرورية، لكن، يا للهول! ~~أليست قاسية؟ كل شيء زلق جدا وهادئ للغاية وفي غاية النظافة، والكل ~~يسيرون بحذر ويهمسون. لو كان لدي ثروة، لو كان معي تلال وأكوام من ~~المال، كنت سأبني مستشفى تطل كل نوافذه على مضمار سباق حيث تستطيع ~~أن تشاهد سباق خيل وسباق سيارات مرتين يوميا، وكنت ms182 سأضع فرقا ~~موسيقية وأجهزة راديو وشاشات لعرض الأفلام. ويحي! إن المستشفيات ~~الموجودة حاليا تصيبني بالمرض من دون أن تكون بي علة!» # ثم أمسك قائد الكشافة بيد جيمي على نحو مفاجئ ورفع إليه ~~ناظريه. ~~«لتخبرني، ما خطب السيدة كاميرون؟ ما الذي يجعلها تبكي كثيرا ~~جدا، ولماذا تبدو كأنها في جنازة ولم يمت أحد، ولماذا لم تعد ~~لولي إلى المنزل؟» # فقال جيمي: «لتسمعني، إنك تسألني أسئلة لا أملك لها إجابة. ~~أولا: أنا لم أكن أعلم أن مارجريت كاميرون تبكي. ولم يخطر لي أنه ~~يمكن لأي حدث أن ينتزع الدموع من عيني امرأة رابطة الجأش للغاية ~~مثلها. وثانيا: ما أدراني أنا بأمر لولي؟» # فقال له قائد الكشافة: «حسنا، عرفت أنها تبكي كثيرا هذه الأيام ~~لأني أجدها عند نهاية خط الترام حيث أنزل مع فتيان الكشافة لنلعب ~~لعبة قاطعي الطريق في الوادي، ومغارة اللصوص في الجبال، ولنتعارك ~~بالرمال على الشاطئ، ولنسبح. أجدها في المكان نفسه الذي أراها فيه كل ~~مرة حين أمر، وفي كل مرة تقريبا رأيتها فيها مؤخرا كانت تمسح ~~دموعها. قد يكون بكاء على سيد النحل، لكن لا جدوى من سكب دموعها في ~~حين أنه من المحتمل أن يتحسن ويعود إلى المنزل. لو كانت على علم ~~بأنه لن يعود أبدا، كنت سأتفهم. أعتقد أنها تبكي من أجل لولي ~~لأنها على ما يبدو لم تعد إلى المنزل، وحيث إنها ليست في المنزل، فإن ~~السيدة كاميرون لا تعلم بالطبع إن كانت مريضة أو بخير، وما دامت لا ~~تعرف فلن يهدأ لها بال.» # سكت قائد الكشافة مستغرقا في التفكير لدقيقة ثم واصل كلامه وقال: ~~«أعتقد أن ما قلته كان فيه بعض الحماقة. فإن لولي تعمل بالتدريس ~~في إحدى المدارس، وهي بالطبع لا تستطيع أن تأتي إلى المنزل حين تكون ~~في المدرسة تعمل، إلى أن تأتي الإجازة على الأقل. إن كانت الإجازة ~~بدأت وكان باستطاعتها أن تأتي ولم تأت، فالأمر مختلف إذن، وعندئذ ~~يصبح هناك سبب للحزن.» # للاستمرار في المحادثة لا غير؛ سأله جيمي: «هل لولي ms183 فتاة ~~جميلة؟» # وبينما كان قائد الكشافة يسير متخبطا على الرصيف، متلفتا يمينا ~~ويسارا، متفاديا المشاة، ومتفقدا أرقام العربات المارة ~~واتجاهاتها؛ رد عليه قائلا: «حسنا! ربما تراها جميلة. إذا كنت ~~تحب الشعر بلون حلوى الدبس والعينين نجلاوين وزرقاوين والوجنتين ~~متوردتين وابتسامة الأطفال وكنت مثل الموجة في البحر لا تحسن ~~التميز، بالقطع، عندئذ سترى لولي فتاة جميلة. لكن إن سألتني رأيي، ~~فسأقول إنك إن أردت أن ترى فتاة جميلة، إن أردت أن ترى فتاة مخلصة ~~وراقية وممتازة بحق، فلتلاحق مولي بناظريك.» # فقال جيمي: «يبدو الأمر مثيرا للاهتمام. هل تستطيع أن تدلني أين ~~أذهب حتى «ألاحق مولي بناظري»؟» # فأجابه قائد الكشافة: «لا، لا أستطيع ذلك أثناء موسم الدراسة. الأمر ~~يسير في العطلات، إلا إن كان الحال سيختلف في العطلة القادمة عن كل ~~العطلات الماضية. في كل العطلات الماضية، لبعض الوقت على الأقل، كانت ~~مولي تعود إلى الديار ثم تذهب في نزهات وتتجول معنا وتستكشف معنا، ~~ونحظى بوقت رائع حقا حين تكون مولي موجودة.» ~~«هل منزلها قريب من هنا؟» سأله جيمي وقد بدأ يهتم بالأمر. # فصاح قائد الكشافة: «حسنا، يا للعجب! لقد عشت شهرا بجوار السيدة ~~كاميرون ولم تحدثك قط عن مولي ولولي ودون؟» # فقال جيمي: «لقد تصادف أننا كلما تحدثنا معا كان حديثنا عن النحل ~~والزهور والطعام. لكنها لم تحدثني كثيرا عن أبنائها.» # فقال له قائد الكشافة: «حسنا، إنهم ليسوا أبناءها. أو على وجه الدقة ~~مولي ودونالد ليسا كذلك. فإن مولي ودونالد توءمان وكان أبوهما والسيد ~~كاميرون شقيقين، وحين تحطم بهما كليهما القارب ليلة العاصفة الكبيرة، ~~حسنا، جاءت السيدة كاميرون بالطفلين إلى منزلها وساعدتهما في ~~دراستهما، حتى استطاعت مولي أن تصبح مدرسة وأمكن لدون الحصول على ~~عمل. إنه كهربائي. يعلم الكثير عن أجهزة الراديو ويضع الأسلاك في ~~مختلف الأماكن. أعتقد أن تلك الأشياء تسمى «تركيبات.» «تركيبات» ~~هي الكلمة الصحيحة، أليس كذلك؟» # فقال جيمي: «تبدو صحيحة. ومن هي لولي؟» ~~«حسنا، لولي ابنة مارجريت كاميرون قبل أن تتزوج. لا بد أنها كانت ~~متزوجة من أحد ms184 الرجال، في وقت ما، في مكان ما، ولا أعلم إن كان ~~الموت الذي أقصاه أم قاضي الطلاق. يتراءى لي أحيانا أنني أود أن ~~أصبح قاضي طلاق. سيكون من المسلي أن أسمع الناس وهم يحكون ~~مشكلاتهم ولماذا لا يستطيعون التوافق ومن المسئول ، فإنني أحيانا أرى ~~نساء أود لو أطلقهن تلقائيا من أي رجل. أرى الكثير من النساء ~~اللواتي لا يهتممن بمنازلهن ولا يعتنين بأطفالهن ولا يكترثن بتاتا ~~إن كانت أظفار أقدام أطفالهن مقصوصة أو كانت أذانهم نظيفة، وسائر تلك ~~الأشياء، التي تثير أمي ضجة بشأنها دائما. وبطبيعة الحال، أرى بحق ~~في الحياة أحيانا من الرجال من يستحقون القمع.» # وعندئذ أنزل يديه وأرسلهما بعيدا. فكأن الرجال الذين يستحقون ~~القمع قد قمعوا في تلك اللحظة. ~~«هناك رجال، كما تعلم، تافهون للغاية ويسرفون للغاية في احتساء ~~المشروبات الكحولية المعدة في منزل، أو ربما في أي مكان آخر، حتى إنه ~~لا يمكن لامرأة أن تعيش معهم وتحتفظ بكرامتها البتة. ربما لن يروق ~~لي هذا الأمر. فقد تكون وظيفة متعبة نوعا ما. لست متأكدا من أنني ~~سأود العمل بها. لكن دعني أخبرك بالأشياء التي أريدها بحق: سوف ~~أموت محبطا إن لم يتسن لي قط أن أجول في هذا البلد من المحيط إلى ~~المحيط في سيارة! سيارة من النوع الذي به مقاعد أمامية ترد إلى ~~الوراء وتتحول إلى فراش، وخزانة صغيرة وثلاجة ومطبخ، وحصائر للنوم وكل ~~شيء. ربما أحصل على مقطورة. وقد ألتقط بعض الأشياء من الطريق وأعود بها ~~من أجل حديقة أمي. لا أعلم ما الذي سأفعله على وجه التحديد، لكن تذكر ~~قولي هذا؛ سوف أتحايل على الظروف بطريقة ما حتى أستطيع أن أمضي في ~~خطتي في وقت قريب! لا شك أن أفضل ما في الأمر هو التخييم على جانب ~~الطريق والنوم على الأرض، ومقابلة أناس مختلفين ورؤية البلد، بينما ~~لديك الوقت لرؤيته. فإنك لا تستطيع رؤية الكثير وأنت منطلق في قطار ~~السكك الحديدية، وكل الأماكن التي ترى أنها قد تكون مثيرة للاهتمام ~~قليلا أو ربما ms185 بها دب أو غزال، أو قد يكون بها هندي أو قاطع ~~طريق، هي الأماكن التي تنطلق فيها بأقصى سرعة.» # قال جيمي: «هذا حقيقي.» وأضاف: «حقيقي تماما.» # حينئذ جاء الترام فاتجه قائد الكشافة إلى رصيف المحطة قبل أن يتأكد ~~جيمي تماما من أن الرقم والوجهة كانا صحيحين وأن بإمكانه اتباعه. ~~ومرة أخرى في طريقهما للعودة مال قائد الكشافة بحرية على جيمي ~~وانتظر أن يحيطه بذراعه، ثم غط في سبات عميق حتى جاءت اللحظة التي ~~لم يكن فيها بد من الاستيقاظ. # وفي طريقهما بالقرب من كشك السجق عند أحد النواصي شعر جيمي باندفاع ~~طفيف نحوه حين نزل من الترام، فقال لقائد الكشافة: «أتعلم أيها ~~الصغير، إنك «تحمل نفسك ما لا طاقة لك به مثل شمعة تحترق من ~~الناحيتين» بلغة الكبار؟» # ومما أدهشه، أن قائد الكشافة أجابه ببيت شعر ملائم إذ قال: ~~«لكن آه، يا أعدائي، وآه، يا أصدقائي # إنها تعطي ضوءا جميلا!» # فقال جيمي: «قد يكون أسلوبا لا بأس به، وقد يكون نوعا من الفلسفة ~~الملائمة للكبار، لكنها مؤذية للصغار. فلا يوجد أي شيء مما تفعله ~~يستحق أن تضعف نموك من أجله.» ~~«أضعف ماذا؟» تساءل قائد الكشافة. # فأجابه جيمي: «أقصد أنك تجهد نفسك كثيرا في التمرين وتنام قليلا ~~جدا، متبعا نهجا لا يزيدك حجما ولا قوة كما ينبغي لك. إنك ~~تعاني إجهادا كبيرا للسيطرة على أولئك الصبية الضخام الثلاثة الذين ~~تلعب معهم مما يجعلك لا تكتسب في ساعديك وساقيك قوة مثل التي ~~لديهم. إن لم ترفق بنفسك قليلا وأكلت المزيد من الطعام المطهو ~~بطريقة صحية في المنزل وقللت من تناول السجق أثناء جولات الكشافة، ~~فسيلم بك ما تنبأت به بالضبط. ما دمت مزهوا للغاية لكونك قائد ~~الكشافة، فمن الأفضل أن تتذكر أنك لا تستطيع الاحتفاظ بذلك المنصب إلا ~~وأنت لائق بدنيا. من المستحسن أن تتوقف عن بعض الجولات وبعض ~~المعارك والكثير من الأكل غير المنتظم.» # خاطبه قائد الكشافة بسخرية: «يا للهول!» وتابع: «تتحدث كأنني ~~مصاب بداء الفم والحافر.» # وعندئذ لقي جيمي وجها ms186 في غاية الجدية، ويدين مضمومتين وعينين ~~مرتفعتين - خطر له لوهلة التعبير الذي كان معروفا به في طفولته - حتى ~~إنه لم يقو على كبت الضحك. # قال جيمي برصانة شديدة: «أتعلم أنني أصبحت مؤخرا أعتقد أن العمل ~~واعظا ليس بالعمل السيئ. فهناك أشياء كثيرة أسوأ من محاولة نصح رجال ~~آخرين أن يتطهروا، ويسلكوا سلوكا قويما، ويجتهدوا في العمل، وأن ~~يكونوا رجالا بحق معنويا وجسديا.» # تقدم قائد الكشافة في السير وسبق جيمي إلى كشك السجق. وكذلك أخرج ~~من جيبه ثمن شطيرتين. ~~«سأدفع أنا اليوم! وإنه لمعيب نوعا ما أن أجعلك تدفع الحساب ~~المرة الماضية حين كنا خمسة وأدفعه أنا اليوم ونحن اثنان فقط. لذلك ~~سأدعوك أنا المرة القادمة ونصف مرة.» # ظل جيمي واقفا يحدق. ~~«هل تحسب نقودك حسابا شديد الدقة؟» # فأجابه قائد الكشافة: «أجل.» وتابع: «فإن أسوأ المآزق التي قد تتورط ~~فيها في هذا العالم هي تلك التي تقع فيها حين لا تنظم أموالك. يقول ~~أبي إنه يعتقد أن كل المشكلات التي في العالم إن لم تكن بسبب النساء ~~فهي بسبب المال، وفي أغلب الأحوال التي يكون فيها أحدهما هو المسئول ~~عنها يكون الآخر ضالعا فيها أيضا.» # بعد تسوية الجزء النقدي من عملية الشراء، ولى قائد الكشافة كامل ~~اهتمامه للسجق. بدا لجيمي في مزيج الشطيرة ما كان يريده هو الآخر. ~~لكن بدا له كذلك أنه لا يمكن له، في تلك المرحلة الحرجة، المشاركة في ~~الوجبة التي فرضتها عليه رؤية قائد الكشافة للمكافأة المثالية. وقد ~~تردد إزاءها للحظة، ثم حسم أمره منتصرا، وإن ساوره قليل من الخجل ~~لفشله في أن يكون رفيقا جيدا. # فقال لقائد الكشافة: «أتعلم، لقد كنت عليلا جدا، ولم أخرج من ~~المستشفى وأبتعد عن رعاية الأطباء إلا منذ مدة قصيرة. وأعتقد أنه يجدر ~~بي ألا أعرض معدتي لتلك الوجبة الخاصة بك. سوف أذهب إلى المنزل ~~وأتناول كوبا من عصير البرتقال بدلا منها.» # وقد لمس قلبه بسحر خاص أن قائد الكشافة قال من فوره: «حسنا، سوف ~~أذهب وأتناول معك عصير البرتقال، لكنني ms187 بدأت شراء الشطائر ولا يمكنني ~~التراجع، من ثم علي دفع ثمنها وتناولها، لكن المرة القادمة سنحتسي ~~عصير البرتقال معا، ما دام عصير البرتقال هو المسموح لك حتى ~~تستعيد عافيتك.» # بعد ذلك، وهو يسير هرولة في الشارع بجانب جيمي، بعد أن أخذ قضمة من ~~الطعام المغري، قال قائد الكشافة: «يا إلهي! أليس من المزعج أن تكون ~~مريضا؟ لا أعلم ماذا كنت سأفعل إن لم أكن أستطيع تناول السجق متى ~~أردته. فإنني لا أرى شيئا يروق لي أكثر منه بين كل الأشياء المتاحة ~~للأكل في العالم كله. أمي أيضا تحبه. أما أبي فلا يهواه كثيرا لأن ~~معدته تؤلمه بين الحين والآخر. أظن أن ذلك بسبب عمله صحفيا محليا ~~وتغطيته لأخبار الحرب أيضا. لكن حتى الآن، ولله الحمد، لم ينهني أي ~~منهما عن تناولها. وحين يأتي ذلك اليوم، سأقفز من فوق ذروة (لقد درست ~~مصطلح «الذروة» في الجغرافيا) أعلى صخرة على الخليج وأرحل مع ~~التيار.» # فقال جيمي: «ستكون فاجعة مؤسفة. لماذا تريد أن تسبب كل تلك التعاسة ~~لأصدقائك وتحرم سيد النحل من مساعده وتحرمني أنا من الصديق الوحيد ~~الذي لدي في العالم، إلا إذا كان سيد النحل قد قرر أن يصبح ~~صديقي.» # قال الكشافة الصغير: «لقد أصبح سيد النحل صديقا لك بلا شك.» وتابع: ~~«لقد عرفت أن سيد النحل صديقك لحظة أن وقفت أمام شجرة الجاكرندا ~~ورأيتك جالسا على مقعده الخاص. ألم تلحظ أنني واظبت على المجيء ~~إليك؟» # فقال جيمي: «لاحظت بالتأكيد.» وأضاف: «بل إنني دونت تلك الواقعة ~~في ذاكرتي بفخر وسعادة بالغين. سأظل دائما أتذكر أنك منذ أبصرتني ~~أول مرة ظللت تواظب على زيارتي.» # فقال له قائد الكشافة: «لقد جرى الأمر نفسه مع مولي». وتابع: «من ~~بعد أول مرة لمحتها على الإطلاق ظللت أزورها. أقبلت عليها مباشرة ~~واقتربت منها بقدر ما يمكنني الاقتراب في أول لقاء روحي. هل تعلم معنى ~~«لقاء روحي»؟» # فقال جيمي إنه يعرفه. ~~«حسنا، لا بأس. إنه مصطلح تافه للغاية ظننت أنني لا بد أن أشرحه ~~لك مثل النحل ms188 وسائر الأشياء التي لا بد أن تعيها. لكن لنعد إلى ~~مولي، إن بها شيئا جذابا. فكل واحد من الصبية أولع بها تماما ~~كما تولع بكعك الحنطة السوداء وشراب القيقب أو فطائر الوافل التي ~~تحصل عليها من بائع الوافل على الشاطئ، أو أي شيء من تلك الأشياء ~~التي تريد أن تحصل على أكبر قدر ممكن منها كلما خطرت لك وتريد ~~العودة إليها بعد بضعة أيام لتحصل على المزيد. هكذا هي مولي. تهفو ~~إليها بشدة حين تراها وتشتاق إليها بالقدر نفسه كل بضعة ~~أيام.» # قال جيمي: «احك لي عن مولي. فإنها تبدو مثيرة للاهتمام.» # عندئذ كانا قد وصلا إلى البوابة. ففتحها جيمي وتقدمه قائد ~~الكشافة إلى المقعد الموجود أسفل شجرة الجاكرندا. ~~«حسنا، إن حكاية مولي حكاية طويلة بعض الشيء. كان حظ مولي ~~عثرا. إذ توفيت أمها وهي رضيعة، وبعد ذلك توفي أبوها. ثم ظلت ~~مدة طويلة تعاني الأمرين مع دون. فقد بدا كأنه مصر على أن يفعل ~~أي شيء ما عدا ما تريده منه. حتى إنها ظنت عدم وجود أمل يرجى منه ~~أبدا. بل إنها كانت على يقين قاطع بأنه سيسلك سبيلا يضل بعده ~~ضلالا شديدا، ولا أدري إن كانت ستتمكن من إنقاذه أم لا لو لم تكن ~~لولي موجودة بجواره دائما. فلا أذكر مرة منذ عرفتهم إلا وكان ~~يراها كأنها فاكهة خوخ وكاكي وكمثرى عتيقة، وسائر تلك الأشياء ~~الطرية. ولا أذكره إلا رافضا أن يفعل شيئا معينا لأنه أمين وشريف ~~ومستقيم، ولأنه الواجب فعله ولأن مولي تريد منه ذلك، في حين أنه قد ~~يفعل الشيء نفسه من أجل لولي إذا هي قبلته أو ربتت عليه قليلا أو ~~ضحكت له أو استمالته بالذهاب إلى حفل للشباب. لكنني أحب مولي ~~لأنها ليست معسولة اللسان. إنها تدخل في صلب الموضوع مباشرة وتعرف ~~هدفها قبل أن تسعى إليه. فإن مولي لا تعرف اللف والدوران ~~بتاتا!» # وضح قائد الكشافة بحركة سريعة من يده كيف تمضي مولي في ~~أمورها. ~~«وأعتقد أنني حين أكبر وأرغب في عمل لأكسب ms189 منه قوتي، سأفضل العمل ~~الذي اختارته مولي عن أي عمل آخر في العالم.» # فقال له جيمي: «لقد أدهشتني.» وأضاف: «لقد حيرتني! كنت أعتقد أن ~~التدريس في المدارس هي آخر مهنة قد تختارها في العالم.» # فقال له قائد الكشافة: «أجل، لكن يوجد حاليا أنواع مختلفة من ~~التدريس.» وتابع: «إن التدريس الذي تمارسه مولي ليس من النوع الذي في ~~بالك. إنه ليس التزام الصمت في الفصل وملازمة مكان واحد وفعل الشيء ~~نفسه مرارا وتكرارا. يسمى التعليم الذي تمارسه مولي «تدريس ~~التربية القومية الأمريكية». هل خطر لك قط كم يمكن للفيف كبير من ~~الأطفال الصغار من حول العالم أن يكونوا ساحرين ومثيرين للاهتمام، ~~الكثير من أطفال إيطاليا واليونان وإسبانيا والهند وهاواي واليابان ~~والصين، كائنات صغيرة لطيفة للغاية وسمراء بعيون كبيرة مستديرة؟ لا بد ~~أن تسمعهم وهم يغنون نشيد «بك يا بلدي أتغنى!» لا بد أن تراهم وهم ~~يحيون العلم! لا بد أن تسمعهم وهم يتعلمون الكلمات التي تقول إنه لا ~~يوجد في العالم بأسره بلد كبير وجميل ويطيب العيش فيه مثل الولايات ~~المتحدة. لا بد أن تراهم وهم يتعلمون أن أدمغتهم خلقت ليفكروا ~~بها، وأياديهم خلقت ليعملوا بها، وأن أقدامهم خلقت ليسيروا بها، وأن ~~عيونهم خلقت ليروا بها؛ يروا ما أمامهم، ويروا كل ما حولهم. يا ~~إلهي! كم أحب عمل مولي! أحب أن أساعدها حين تتنزه على الشاطئ ~~معهم.» # قال له جيمي: «أنا نفسي أعتقد أن تلك المدرسة تبدو رائعة للغاية.» ~~وأضاف: «هلا اصطحبتني ذلك اليوم حين تدرس مولي مادة التربية القومية ~~الأمريكية على الشاطئ؟» # قال قائد الكشافة: «سأفعل بالتأكيد!» وتابع: «ستسر مولي لرؤيتك. ~~يسر مولي دائما أن ترى أي شخص مؤمن بأمريكا ومؤمن بالله. إن ~~إيمانها بالاثنين قوي. وكذلك أي شخص يسلك سلوكا قويما ويجد في ~~السعي ويتصرف بأمانة كما أخبرتك. لا بد أن تراها وهي تصوب وتمتطي ~~الخيل. لو كنت مليونيرا وكان لدي فائض من الأموال، كان أول شيء ~~سأشتريه، بعد شراء حصان من النوع الذي أريده لنفسي، هو حصانا من ms190 النوع ~~الذي تريد مولي الحصول عليه.» # وإذا بقائد الكشافة ينهض. # ويقول: «لا بد أن أهرع حالا إلى المنزل؛ فإني لا يكاد يكون لدي ~~وقت لارتداء ملابسي الأخرى، في حال أنها لم تسرق وتصبح هناك كارثة ~~في انتظاري.» ~~«هل هناك أي شيء أستطيع فعله لأجنبك المتاعب؟» سأله جيمي. # فأجابه قائد الكشافة: «ولا أي شيء يا عزيزي الطيب. ولا أي شيء. لكن ~~شكرا، أشكرك شكرا جزيلا على نواياك الطيبة.» # ضم قائد الكشافة كعبيه محدثا صوتا، ووضع كفه على بطنه، وانحنى. ~~بعدئذ دار الصغير، ليمضي في الممشى. وبعد بضع خطوات استدار قائد ~~الكشافة وهتف مجددا قائلا: «لم يتسن لي الوقت اليوم، لكن ذكرني ~~المرة القادمة حين آتي وسأؤدي لك حركتي البطة العرجاء والدجاجة ~~المبتلة. لقد ابتكرتهما بنفسي. لا بد أن يكون معي ثوب السباحة ~~ورصيف للقفز لأؤديهما بشكل صحيح، لكن يمكنني التظاهر بأنني ~~ارتديت ثوب السباحة وأن الممشى هو الرصيف وتحته المياه، وأريك كيف ~~تبدو. إنني بارع في حركة الدجاجة المبتلة. أعتقد أنني أؤديها بأسلوب ~~رائع.» # فقال له جيمي: «سوف أتذكر. سوف أتذكر بالتأكيد.» # انتظر جيمي قليلا قبل أن يتجه إلى المنزل لأنه كان يحب أن يرى ~~الخفة، والانطلاق الحر، والرشاقة المطلقة التي يثب بها الكشافة ~~الصغير على السياج الفاصل بين أرض سيد النحل وأرض مارجريت ~~كاميرون. # في الصباح التالي، قبل أن يمضي جيمي في سبيله إلى الشاطئ، دعا ~~جارته لزيارته. وحيث إنها لم تقل شيئا هي نفسها فقد تغافل عن أن ~~عينيها كانتا حمراوين ويديها كانتا مرتعشتين، لكنه تساءل حقا. ~~تساءل كثيرا ما إن كانت لولي التي لم ترق له كثيرا من وصف قائد ~~الكشافة لها، أم مرض سيد النحل هو الذي أهم امرأة برقي أخلاق ~~مارجريت كاميرون. # تمدد جيمي على فراشه ووضع يديه على الضمادات التي غطت جانبه. ثم ~~رفع ناظريه إلى جارته. # وقال: «مارجريت كاميرون، فلتحلفي يمينا!» وتابع: «ارفعي يدك ~~اليمنى في الهواء وأقسمي يمينا مغلظة أنك ستخبرينني ما إن كان شهر ~~من اتباع أفضل نظام استطعنا التوصل إليه قد ms191 أزال اللون والحرارة ~~عن هذا الجرح ولو قليلا. لم تواتني الشجاعة لأراه بنفسي، فإنني لا ~~أستطيع أن أواجهه جيدا إلا في المرآة، وهي ليست كافية بالمرة. فهيا ~~بنا!» # لم يدر جيمي، لم يدر حين أغمض عينيه أن بشرة وجهه كانت مشدودة ~~بشدة على عظامه. ولم يدرك أن يديه كانتا ترتجفان وهو يرفعهما ليكشف عن ~~الجانب الأيسر من صدره. ومن ثم جاءت مارجريت كاميرون إلى جانب الفراش ~~وانحنت فوقه وأمعنت النظر. ~~«تحول تجاهي قليلا!» نطقت الأمر بحدة. # تفتحت عينا جيمي فجأة، ومما رآه على وجهها راح قلبه يقفز، وقبل أن ~~يعرف ما هو فاعل قام وأمسك بيديها. # وصاح: «آه، يا مارجريت! هل أنت متأكدة؟ هل أنت متأكدة أنه تحسن ~~لهذه الدرجة؟» # كانت مارجريت قابضة على يديه بقدر ما استطاعت. # فقالت له: «آه، يا عزيزي جيمي، إن اللون يتلاشى فيما يشبه المعجزة، ~~ويبدو واضحا وضوح الشمس أن الجرح بدأ يندمل من أسفل! إنه في سبيله ~~لأن يبرأ، وكذلك اكتست ضلوعك وصدرك بمزيد من اللحم! لم تعد ~~هزيلا جدا! كان قد خطر لي أنني رأيت ذلك في يديك ووجهك، وإن كنا ~~لم نهتم كثيرا بزيادة وزنك كما اهتممنا بمسألة تطهير الدم. لأننا ~~إذا استطعنا تطهير مجرى الدم، استطعنا في أي وقت البدء في اكتساب ~~الوزن. أرى أنك سوف تنجو يا عزيزي جيمي. أرى أنك إذا ظللت متماسكا ~~واستمر التحسن طوال ستة أشهر، ستستطيع أن تقضي على تلك البقعة ~~القبيحة. سوف تترك ندبة بغيضة، لكن الندبات هي حصيلة أي حرب. إذا تطهر ~~دمك، وإذا تمكنت من الوصول لحالة تسمح بالعمل، فليس هناك ما يعوقك عن ~~أن تصبح الرجل الذي أراد الله أن تصير إليه حين ولدت.» # وهنا ضم جيمي مارجريت كاميرون بشدة بين ذراعيه وقبلها مرة تلو ~~الأخرى على أم رأسها. ثم أطلقها ولاحقها بعينيه متعجبا، إذ كانت ~~وهي تخرج من الباب الخلفي، يهتز كتفاها ببكاء أعمق وأطول من الذي قد ~~تبكيه أشد النساء حنانا من فرحتهن بخطوة في الاتجاه الصحيح، حتى إن ~~كان ms192 البكاء لجار عزيز جدا. # على مهل تحول جيمي عن الباب الخلفي. وعلى مهل عاد إلى الفراش الذي ~~كان ممددا عليه. وعلى مهل جثا على ركبتيه وضم يديه المرتجفتين ووضع ~~جبينه عليهما، وعندئذ، بخشوع، وبتأثر، من أعماق قلبه شكر الله. # ثم توجه إلى الثلاجة مباشرة واحتسى نصف لتر من عصير ~~الطماطم. # الفصل الثالث عشر # | مربي النحل # توالت بضعة أيام على جيمي حين كان الاستيقاظ في حد ذاته كل صباح ~~بمثابة معجزة صغيرة له. أن يستيقظ مستريحا ومنتعشا، أن يستيقظ بأمل ~~في قلبه، وينظر إلى امتداد الحديقة المتباين ونحو تلاطم أمواج البحر ~~بلا توقف، ويقول لنفسه: «اليوم سأنقل الزنابق. سأشذب نباتات بنت ~~القنصل. سأزرع بعض الطماطم.» أن يكون قادرا أن يقول لنفسه إنه سيفعل ~~شيئا بناء، ولديه اليقين في قلبه أنه يمتلك القوة ليفعله والإقبال ~~في روحه الذي سيجعله يستمتع بما يفعله؛ لأنه من ذلك الوقت فصاعدا، كان ~~الاستيقاظ كل صباح معجزة جديدة بطريقة ما. بدا له كأنه يستطيع أن ~~يشعر بالنقاء، بنظافة الدم الذي يتدفق في أوردته. كان يشعر أن القلب ~~الذي في صدره قد هدأ، وراح ينبض بانتظام واطمئنان لم يعهدهما منذ زمن ~~طويل؛ إذ توقف عن الاضطراب، حتى عند تسلق ارتفاع يتطلب مجهودا ~~شاقا. أحس أن العضلات صارت تتشكل تدريجيا في أطرافه ويديه وأن ~~ذهنه بات صافيا. فلم يعد الكائن الرعديد الذي يسير بتوان متسائلا ~~كم من العمر تبقى له. إذ صار رجلا مصلوب العود متفائلا، لديه هدف ~~محدد وهو أن يستمر في المباراة للنهاية ما دام الفوز متوقفا عليه ~~هو ومارجريت كاميرون وكاليفورنيا. وقد كانت مباراة طويلة تلك التي هو ~~بصددها. # يجري النضال من أجل الحياة من الإنسان مجرى الدم. فهو يطيق أي شيء ~~إلا الموت. وقد جلس جيمي على جانب الفراش وجعل يتأمل كم هو غريب أن ~~البشر قد يشكون من الألم والفقر والإحباط والانهزام من كل نوع، لكن حين ~~يوشك الموت، الموت الذي قال الكشافة الصغير إنه جميل، يتسلح البشر في ~~مواجهته ويقاومون حتى النفس الأخير، ms193 كما قاومه هو. وأقر بأنه قد يكون ~~مخطئا، وأنه قد يكون مفرطا في التفاؤل، بل أن رؤية مارجريت كاميرون ~~ربما تأثرت بآمالها من أجله. لكن ثمة شيء وحيد لا يمكن أن يكون ~~مخطئا بشأنه. وهو أن جسده لم يعد بالغ النحافة ، وأن يديه صارتا ~~أكثر ثباتا، وصار باستطاعته المشي دون أن تتقوس ساقاه تحته، وأنه ~~أمسك عن نظرته السقيمة لذاته. كان قد وصل إلى المرحلة التي قام فيها ~~مرات عديدة وهو وحده في المساء بإزاحة كتب النحل جانبا وانتقاء أعظم ~~الكتب جميعا وقراءة فصلا تلو الآخر، فأدرك أنه لم يفعل ذلك قط ولو ~~مرة دون أن يغلق الكتاب المقدس وقد اعتراه شعور بأنه قد اكتسب شيئا ~~بطريقة ما؛ قد تكون كلمة واحدة فقط، أو فكرة ما، شيء يبقى معه ويعينه ~~على أن يصنع يومه التالي. # وحينئذ نهض جيمي، وأمسك بقلم رصاص ورسم دائرة حول اليوم السابق في ~~التقويم، ومن الدائرة مد خطا إلى الهامش وكتب الحرفين «ميم، كاف». أي ~~مارجريت كاميرون، والتاريخ كان يوم اكتشافها أنه تحسن. سوف يتابع ~~النظام نفسه شهرا آخر وبمزيد من الدقة، وبعد ذلك ستلقي عليه ~~نظرة أخرى، وقد حفظ في ذاكرته عهدا وهو يرتدي ملابسه بأن تجده أفضل ~~حالا. # وبينما هو ينظم الضمادات على جانبه المصاب، نظر عن كثب إلى الطبقة ~~التي أزالها، وإذا بجيمي يجد نفسه فجأة يفعل ما كان الصغير سيسميه ~~دورانا على ساق واحدة. فبالكاد كان هناك رشح طفيف شبه وردي. وظل ~~يشعر طيلة الأيام التالية أن البقع لم تعد بالغة الضخامة ولا ~~بالغة السوء. في ذلك الصباح كان هناك دليل عيني لا يمكن تجاهله. ~~فقد كان البرهان على أن مارجريت محقة ماثلا أمام جيمي، أوضح من أن ~~تنكره كلمات. وقبل أن يدرك جيمي ماذا كان يفعل، وجد نفسه يرقص في ~~أنحاء المخدع بتحفظ أقل كثيرا وحماس أكثر من الكشافة الصغير ~~وهو يرقص في ممشى الحديقة. حتى إنه كان يضحك من نفسه فعلا وهو يرتدي ~~ملابسه، وحين سمع مارجريت كاميرون في المطبخ ms194 وقد جاءت بفطوره، فتح ~~الباب ونادى عليها قائلا: «يا سيدة اسكتلندا!» # دوى صوته بنبرة لم تلحظها مارجريت كاميرون من قبل. # قال جيمي: «فلتتفضلي إلى هنا.» وتابع: «أمس رأيت العرض الأول. ~~وهذا الصباح ستشاهدين العرض الثاني!» ومن ثم التقط جيمي الضمادة ~~من سلة كانت تعبأ للذهاب إلى فرن حرق النفايات، وفتحها لتتمكن ~~مارجريت كاميرون من رؤيتها. # قال جيمي: «منذ شهر مضى، كانت تلك الضمادات متشربة تماما بلون فاقع. ~~أما هذه التي أزلتها للتو فهي تكاد تكون رطبة وبلون وردي شاحب ~~جدا. آه، يا مارجريت، يا عزيزتي! سوف أنجو! سأعود رجلا مكتمل الصحة ~~مرة أخرى!» ~~«ستنجو بالتأكيد!» بادرته مارجريت كاميرون، وكانت على استعداد أن ~~تبث في نبراتها جزما أكبر مما لديها في قلبها في سبيل هدف نبيل. ~~لكن الفتى كان أفضل حالا. كان بمقدور أي شخص أن يرى ذلك. فقد بدا ~~واضحا أن عظامه اكتست بمزيد من اللحم. ولم تعد بشرة وجهه شديدة ~~الشحوب. راحت حمرة باهتة تتسلل إلى وجنتيه وشفتيه، فربما كان نصف ~~المعركة يكمن في تصديقه أنه صار أفضل فحسب. كان ذلك على أي حال أفضل ~~كثيرا من السلوك الكئيب حين كان يحسب أيامه معدودة ويقضي أغلب وقته ~~في تخمين أكبر عدد. # خلال ذلك الشهر ظل الاثنان يعملان ويتشاوران باستمرار. فقد راجعا ~~قوائم الحمية الغذائية مرارا، فجعلا الطعام الذي شعرا أنه مناسب ~~ومفيد يتكرر أكثر، وحذفا الأشياء التي لم تكن مفيدة والتزما ~~التزاما صارما بعصير الطماطم في الصباح، وعصير البرتقال في العصر، ~~وأفضل حليب يمكن التحصل عليه بأكبر كميات يستطيع جيمي احتساءها. في ~~ذلك الشهر كانا يسيران بانتظام. وكانا أحيانا يتبادلان الحديث الهادئ. ~~من ناحية جيمي كان الشهر مفعما تماما بما يمتن له مسرورا. إذ أصبح ~~قادرا في كل يوم على رؤية الإنجاز الذي أحرزه والشعور به. أصبح قادرا ~~في كل يوم على زيادة إنجازه قليلا في الحديقة. في كل يوم كانت ~~معلوماته عن النحل تزيد. # في ذلك الشهر نشأت لديه عادة أن يضع الإنجيل بجانبه ليكون آخر شيء ~~يفعله ms195 قبل الذهاب إلى الفراش هو أن يقرأ بضع آيات، ومن التفكير في ~~الصلاة ومن تأمل الشكر، تطور به الحال حتى واتته الشجاعة ليجثو ~~على ركبتيه ويصلي صلاة شكر، في ظل هدوء الحجرة الصغيرة وسكونها. ثم ~~تبعها بصلاة طلب. وجد نفسه يطلب من الله أن يتولى العالم كله ~~برعايته، وأن يساعد كل من هو بحاجة إلى مساعدة، وأن يزرع الحماس ~~والشجاعة في كل قلب للخروج والإقدام على المغامرة الكبرى لصالح ذلك ~~القلب. وعند الدعاء الخاص، طلب الطاقة لرعاية النحل والحديقة رعاية ~~صحيحة، وطلب العون، جسديا ومعنويا، ليصبح الرجل الذي يمكن لأبيه ~~وأمه أن يفخرا به عن حق. ثم طلب من الله أن يرعى مارجريت كاميرون، وأن ~~يخفف المتاعب التي بدت كامنة في قلبها أيا كانت. وبعدئذ، من أول ~~مرة يجثو فيها ويرفع وجهه نحو العرش بحق، ذكر جيمي الكشافة الصغير. ~~فقد أخبر الله عن الروح الطيبة والذهن المتقد اللذين يتمتع الصغير ~~بهما، وكم كان الطفل محبا للغير وكم كان إحساسه بالحق بالغ ~~النضج، وطلب رعاية الطفل الصغير وهدايته للسبيل الصحيح وإعطاءه الفرصة ~~لأن يصبح مواطنا تنتفع به الأمة. # وحين جاء لسيد النحل، ازداد جيمي تضرعا، وتوسل إلى الله العظيم، ~~إن كان ذلك مما ينسجم مع الخطة الإلهية ولو قليلا، أن يمد في عمر ~~سيد النحل، وأن يعيده إلى بيته والأشياء المألوفة البسيطة التي تعطي ~~للبيت روحه، وأن يدعه يتمتع ببضع سنوات أخرى في حديقته وألق ألوانها ~~لتعزيه في أيام سهاده ونشيد البحر ليرسله إلى نوم هادئ. وأخيرا وصل ~~إلى فتاة العاصفة، فطلب جيمي من أجلها الأمان والرحمة وأن يمنح ~~القدرة على مساعدتها. ثم نهض، شاعرا بالاستقواء بطريقة ما، وأنه ~~أعظم شأنا بقدر قليل، وأكثر اعتزازا بالنفس بنسبة ضئيلة، وأشد ~~بأسا، وأكثر إنسانية مما كان في اليوم السابق. لقد طلب العون وشعر ~~أنه سيتلقى العون، وشعر أنه لن يخجل ثانيا أبدا من مواجهة أي رجل، ~~أو شخص من البشر، وسيخبرهم أنه قد طلب العون وأن العون آت في الطريق، ~~وأن تلك التجربة ms196 في متناول كل رجل إذا قرر فقط أن يصدق كلمات ~~الله؛ فقط إذا فعل ما يدعى كل الرجال دعوة جادة إلى فعله، أن ~~يؤمن. # مر ذلك الشهر طيبا على جيمي. فقبل نهايته أصبح جيمي ينزع الضمادات ~~التي تغطي جانبه ليجدها جافة ونظيفة. وبات الآن يستخدمها على سبيل ~~الحماية للحم الرقيق الذي تكون حديثا ويغطيه جلد بالغ الرقة حتى ~~يبدو كأن نفسا قد يمزقه، لا بسبب أي ارتشاح. حين كان جيمي يذهب إلى ~~البحر فهو يستخدم ذراعه اليمنى فقط في السباحة. وحين كان يرفع حملا ~~ثقيلا فهو يحمي جانبه الأيسر. وكان ليحضر شيئا من مكان عال فهو ~~يستخدم ذراعه اليمنى. لكن لم يحدث قط ولو للحظة، خلال النهار أو في ~~ساعات استيقاظه من الليل، أن توقف بين جنباته نشيد الشكر بسيطا ~~خفيضا هامسا. ظل يغنيه طوال اليوم، مرارا وتكرارا، لكن كلماته ~~كانت قليلة جدا. إذ كان يقول: «الحياة! الحياة! حياة نافعة! أحمدك، ~~يا ألله، على فرصة الحياة، وفرصة العمل الجميل، وفرصة الأصدقاء ~~الطيبين. أحمدك، يا ألله، على الحياة!» # كان كلما ذهب إلى المستشفى حمل معه زهورا من الحديقة، وأحيانا ~~فاكهة ورسائل محبة من الكشافة الصغير، وهدايا طريفة متباينة تباينا ~~كبيرا من مدية جيب بالية وعصا للكشط، إلى مجموعة مهترئة من أوراق ~~اللعب للعب سوليتير. # ذات يوم وهو ذاهب إلى المستشفى قابل مارجريت كاميرون أثناء ~~خروجها؛ فعرف أنها كانت في زيارة لسيد النحل وأنها لم تكن قد أخبرته ~~بذهابها، وعرف من شحوب وجهها والألم البادي في عينيها أن حال سيد ~~النحل لم يتحسن، وأنه لم يكن يستجمع قواه، وأن الأمل في رجوعه يوما ~~إلى منزله الودود المحاط بحديقة من الحب زادته جمالا، ربما كان ~~يتضاءل ببطء، يوما بعد يوم. # صعد جيمي إلى حجرة سيد النحل وطالع الحقيقة بنفسه. إذ كان السيد ~~بصعوبة قادرا على الكلام. ولاحت على الملامح الكريمة شحوب بدا لجيمي ~~مؤذنا بأن الروح النبيلة العجوز الماثلة أمامه باتت قريبة جدا ~~من التأهب كي تصعد إلى بارئها. وحين نهض ليرحل واجه ms197 صعوبة بالغة في ~~الحفاظ على صوته ثابتا وعينيه بلا دموع. # قال جيمي: «أريد أن أبلغك بمدى امتناني لك على الفرصة التي منحتني ~~إياها لاستعادة رجولتي وتعلم عمل ما زال حبي له ينمو كل يوم ~~أكثر فأكثر. وأود أن أشكرك على إعطائي في بيتك فرصة للرجوع إلى ~~اتفاق سري مع الله، من أجل العثور على السلام والقوة الداعمة التي ~~يمنحها طواعية لكل رجل يستطيع حشد شجاعته لتلقي الهدية.» # انحنى جيمي وطبع قبلة على جبهة سيد النحل. ~~«هذه بالنيابة عن الكشافة الصغير، الذي بعث لك بفيض من ~~المحبة.» # ثم قبله مرة أخرى، وأضاف بعفوية: «وهذه من جيمي. إنه يعرب لك عن ~~المقدار نفسه من الحب.» # ظل سيد النحل قابضا على يدي جيمي بشدة طوال دقيقة، ثم قال فيما ~~يشبه الهمس: «أشكر الله أنك قد تعلمت استيعاب وعده. إنني ممتن أنك ~~تعلمت أن تقبل عطاياه، كذلك أعتقد أنك قد تعلمت ما يكفي من الحياة وما ~~يكفي من الحب في منزلي وفي حديقتي لتصبح مستعدا لقبول أي هدية تنبع ~~من الحب والثقة.» # خرج جيمي وهو يتساءل ما المقصود بذلك. وفي اليوم التالي عرف. إذ ~~جاءه الاتصال مبكرا من المستشفى. لقد وجد سيد النحل سبيله لذلك العبور ~~الجميل الذي وصفه الكشافة الصغير باستيعاب بالغ. بيديه مطويتين على ~~صدره، أثناء نومه، أجاب النداء الذي جاءه في رفق شديد حتى إن الممرضة ~~وجدته على الحال نفسه الذي تركته فيه. كان قد أوصى بأن تنقل رفاته ~~على الفور إلى عنوان تركه في الشرق. فقد أراد أن يرقد في نومته ~~الأخيرة بجوار الماريتين؛ ماري التي أحبها وتزوجها، وماري التي منحها ~~حبهما الحياة. وحيث إن ثلاثتهم قد ماتوا الآن، فقد دعا جيمي في الصلاة ~~التالية التي نطق بها أن تجدهم تلك الساعة متماسكي الأيدي هائمين وسط ~~مواقع أروع جمالا من التي ضمتها الحديقة الصغيرة قط، بل وسط ~~مباهج وديان الجنة. # أثناء إبلاغه بالخبر، طلب منه الدكتور جرايسون أن يأتي إلى المستشفى ~~من أجل عقد لقاء، وعند وصول جيمي إلى المستشفى ms198 بعد ساعة أصابه ~~الذهول لما وضع بين يديه آخر وصية لسيد النحل، جاهزة للتنفيذ. وقد ~~جاء فيها، أنه بدافع الحب والمودة، توهب الأملاك الموصوفة في هذه ~~الوصية ويوصى بها، للساكن والراعي الحالي، جيمس لويس ماكفارلين، ~~ومساعده الأول، جين ميريديث. تقسم الأملاك المذكورة بالتساوي بين ~~المستفيدين، على أن يكون الفدان الواقع على اليمين في مواجهة الشارع ~~بما عليه من قفائر نحل من نصيب جين ميريديث. ويكون الفدان الواقع على ~~اليسار في مواجهة الشارع من نصيب جيمس لويس ماكفارلين بكل ما عليه من ~~ملحقات. تبع ذلك بند آخر يقضي بأن على الوريثين الاقتراع على ~~حيازة المسكن، على أن يصبح من يفوز في القرعة هو مالك المنزل، ~~وتسدد نفقات النقل من أموال الإرث الموجودة في البنوك، وهي التي ~~ستوهب أيضا، النصف بالنصف، للمستفيدين من الوصية. ومن هذه الأموال ~~نفسها يسحب مبلغ كاف لبناء نسخة مطابقة للمنزل، أو بناء منزل بنفس ~~عدد الحجرات، والمظهر العام، والمرافق على أرض الخاسر. أما الجزء ~~المتبقي من الأموال التي في البنك، بعد إجراء هذه العمليات، فيقسم ~~بالتساوي بين الطرفين المستفيدين من الوصية. # بعد شرح هذه الوثيقة العجيبة شرحا دقيقا لجيمي، جلس وهو ينظر نحو ~~الدكتور جرايسون وقد بدا عليه الحزن. ولم يخجل البتة من الدموع ~~الغزيرة التي جرت على وجنتيه. # ثم قال محتجا: «لكنني لا أستطيع. فأنا لا أستحق ذلك المكان. لا ~~بد أن هناك شخصا أقرب مني لسيد النحل.» # فقال له الدكتور جرايسون: «حسنا، إن كان هناك فلا تقلق. فسوف يصلك ~~منهم خبر. إذا كان هناك على قيد الحياة أناس يشعرون أنهم أحق منك ~~بتلك الأملاك، فسوف يظهرون. في الوقت نفسه، سنذهب وراء الاعتقاد بأن ~~سيد النحل كان واثقا من رغبته وعالما بشئونه وأنه، بمنحك هذا ~~المكان، أراده أن يصبح في يد الرجل الذي سيقدره، ويحبه، ويحافظ عليه ~~كما تركه سيد النحل، مهما كانت الظروف.» # ظل جيمي جالسا يحملق، ويمعن التفكير، وعندئذ أدرك ماذا كان سيد ~~النحل يعني حين قال في الليلة السابقة إنه يجب أن يتعلم ms199 أن يقبل أي ~~هدية نابعة من الحب كما يقبل عطايا مالك السموات. كان سيد النحل يشعر ~~أن ساعته قد حانت، وأن أجله قد اقترب، وكان يرمي بطريقة ما إلى إعداد ~~جيمي لواقع أن البيت الصغير والنحل والحديقة المتألقة ستصبح، جزئيا ~~على الأقل، هدية محبة له. وعلى نحو مفاجئ اعتدل جيمي في جلسته ~~وكرر الاسم ببطء. ~~«جين ميريديث.» # عندئذ أدرك أنه لا يزال على جهله. لم تزد معرفته شيئا عن ذي قبل. ~~فإن جين قد يكون صبيا وقد يكون فتاة. وهنا نظر إلى الدكتور ~~جرايسون. # وسأله: «هل يعلم جين ميريديث بهذا الأمر؟» ~~«لقد أعطاني سيد النحل رقم الهاتف وقد اتصلت بالأب والأم. أجل، عرف ~~صديق سيد النحل الصغير بالأمر.» # تساءل جيمي: «وهل سيقبل الأبوان بتلك الهدية بالنيابة عن ~~الطفل؟» # فأجابه الطبيب: «بكل تأكيد.» وتابع: «ولم لا؟ فربما لم يكن لسيد ~~النحل على وجه الأرض شخص ارتبط به ارتباطه الشديد بذلك الصغير الذي ~~كان يشير إليه دائما بصفته شريكه. وما دام ليس لديه طفل من صلبه، ~~فلا يوجد سبب يمنعه من ترك أملاكه لأي شخص يختاره. وكان لديه كل الحق ~~أن يتركها للرجل الذي رعاها في غيابه، الرجل الذي وثق فيه، وللطفل ~~الذي ربما خفف من ضجر ساعات حالكة في حياة سيد النحل أكثر من العالم ~~بأسره مجتمعا. لقد بدا لي من الصواب واللائق تماما أن يفعل سيد النحل ~~ما فعله بالضبط. نسيت أن ألفت انتباهك إلى بند أخير وملحوظة لاحقة ~~في شكل ملحق للوصية بشأن مفروشات المنزل. فكل ما في غرفة المعيشة ~~والكتب تئول للكشافة الصغير؛ أما باقي المفروشات فهي لك.» # نهض جيمي. ومد يده للدكتور جرايسون. # وقال: «سأخرج للهواء حيث أستطيع أن أمشي وأفكر.» وأضاف: «لكنني ~~أخبرك من الآن أنه لا جدوى من إثبات صحة تلك الوثيقة. فقد كتبها رجل ~~مريض ...» # فقال له الطبيب: «لقد كتبها رجل كان يناضل للبقاء على قيد الحياة ~~بعد خضوعه لعملية جراحية.» وتابع: «كان ذهنه صافيا مثل ذهنك وذهني حين ~~قلت له تصبح على خير ms200 في الساعة العاشرة ليلة أمس. لا توجد محكمة في ~~البلد تستطيع أن تمس تلك الوصية.» # فقال له جيمي: «مستحيل تماما. فلن أفكر حتى في الأمر.» # فقال له الدكتور جرايسون: «بلى، ستفكر، لأنك إن لم تثبت صحة تلك ~~الوصية، فسأفعل أنا ذلك بالنيابة عنك ولتتأكد تماما أن السيد ~~ميريديث سوف يحرص على رعاية مصالح طفله. لتقبل التركة سواء كنت راغبا ~~فيها أو لا. وإن لم ترد الاحتفاظ بها، فلتتنازل عنها بمجرد أن تصبح ~~في يديك، إذا كان يرضيك أن ترى شخصا كان سيد النحل سيبغضه يدخل ~~المنزل الصغير ويتاجر بالحديقة، فالأمر يعود إليك، فيما له صلة بالنصف ~~الخاص بك. بإمكانك أن تقرر موقفك عندما يحين الوقت. وما دمت في شك ~~كبير من الأمر، فأعتقد أنه من الأفضل أن تحيل الوثيقة للسيد ميريديث، ~~لكن من الوارد أن يرغب في تعاونك معه.» # قال جيمي بعناد: «حسنا، لن أفعل!» وأضاف: «لن أقبل شيئا لم أكتسبه ~~بنفسي!» # قال الدكتور جرايسون بنفاد صبر: «أوف، سحقا للاسكتلنديين!» وأضاف: ~~«إنني سعيد بكوني إنجليزيا وعلى استعداد لقبول كل ما أستطيع ~~الحصول عليه، وإنك أول اسكتلندي أراه لا يرغب في الاستحواذ على كل ما ~~يمكنه الحصول عليه، ناهيك عن أنه جاء فعلا على سبيل الهدية. وما دمت ~~لا تقبل الأشياء التي لم تكسبها بنفسك، فمن الأجدر بك أن تتوقف عن ~~التنفس، وأن تتوقف عن الاستمتاع بأشعة الشمس، وأن تتوقف عن تناول ~~ثمرات الأرض. فكلها هبات قبلتها، وقبلتها بكل سرور!» # فقال جيمي: «إن الهبة من الله شيء. أما الهبة من شخص عرفته مدة ~~بالغة القصر فهي شيء مختلف.» # فأجابه الطبيب: «لا فرق بين الهبتين. فكلاهما عطايا، وإنني أقول ~~مرة أخرى إنك ستصبح أحمق إن لم تقبلها بقلب ممتن!» # هز جيمي رأسه، مبتعدا من المكتب، لينزل إلى الشارع ثم يعود إلى ~~المنزل وإلى الحديقة الزرقاء التي حدا حب الزهور وحب الجمال في قلب ~~رجل عاطفي به ليبنيها حول أحد البيوت. خطا برفق أثناء دخوله من ~~الباب. وحمل قبعته في يده ونظر حوله ms201 باحثا عن مكان، غير مرتبط ~~ارتباطا وثيقا بسيد النحل، حيث يمكن له الاستلقاء. # ماذا كان ذلك الذي قالته تلك الوصية المدهشة؟ فدان من التربة ~~الخصبة المزدحمة لأقصى حد بزرع رائع، وصف من القفائر البيضاء ~~الممتدة على طولها، وأموال في البنك، والكثير من الملابس المريحة ~~الملائمة له، وفراش لينام عليه، وكلها ملك له إذا أراد أن يمد يده ~~ويأخذها؟ وإذا بجيمي يكتشف أنه ليس قويا كما ظن نفسه؛ لأنه راح ~~يرتعش حتى اصطكت أسنانه وجعلت الدموع تنهمر على وجنتيه حتى بات ~~مجهدا. ومن ثم نهض وسار في الممشى الخلفي حتى بلغ أقصاه، وفتح ~~البوابة وخطا إلى المدق الهابط إلى رمال البحر البيضاء. وهناك وقعت ~~عيناه على منظر عجيب. # إذ تراجع اثنان من الأطفال مرتدين عند أحد الصخور، وهما يقومان ~~بمحاولات خائرة للدفاع عن النفس، وأمامهما وقف شخص ضئيل بمجرفة ~~رمال جعل يستخدمها بدقة المحراث الدوار وسرعة الدوامة. كانت ~~الضحيتان المحاصرتان عند الصخرة تفركان أعينهما وتلهثان وتبذلان جهدا ~~غير مجد للرد. وبدا واضحا لجيمي أن الرمل المتطاير كان قد أوشك ~~جدا على خنقهما. وببضع خطوات واسعة ذهب إلى هناك لإنقاذهما. إذ ~~أمسك بالكشافة الصغير من حزامه وجذبه بشدة. # وقال: «رفقا، يا صديقي! مهلا!» وتابع: «سوف تخنق هذين ~~الطفلين!» # انتشل الكشافة الصغير المجرفة ورفع وجها غاضبا وهو يفسر ما حدث: ~~«هما من بدآ! لقد ضايقاني! ظللت دون أن أفعل شيئا حتى رمياني ~~بالرمال عدة مرات!» # فقال جيمي: «بالتأكيد. بالتأكيد، لكن ليس هذا بالسبب الكافي الذي ~~يدفعك إلى خنقهما. إنك تهاجمهما مثل الزوبعة!» # شد الكشافة الصغير قامته. وتنفس نفسا عميقا ملأ صدره الذي راح ~~يرتفع وينخفض. لم تكن الحجة المطروحة محل نقاش. ~~«مجددا، لقد ألقيت على كل واحد منهما الكمية نفسها التي بإمكان ~~كليهما إلقاؤها علي؛ كان لا بد أن ألقي كمية كبيرة!» # استوعب جيمي ذلك الأمر ببطء. # ثم قال: «وربما فعلت. هل هذه المجرفة لك أم لهما؟» # فأجابه الكشافة الصغير: «إنها مجرفتهما. لقد أخذتها من أكبرهما، ~~فلتلحظ أنه أطول وأشد مني. وكان ذلك ms202 ما حدث.» # فقال له جيمي: «لتأت معي. هيا نصعد إلى هذه الصخرة ونجلس لمشاهدة ~~المحيط. متى كنت في المنزل آخر مرة؟» # فأجابه الكشافة الصغير: «لقد غادرته بعد الفطور مباشرة.» وتابع: ~~«فاليوم هو السبت، كما تعلم. وقد أتيت لمساعدتك في رعاية النحل ، لكنك ~~لم تكن موجودا، فنزلت إلى الرمال وخطر لي أن أبحث لأرى إن كان ثمة ~~شيء لأفعله، وفي الحال بدأ ذانك الصبيان مضايقتي، فرأيت أنه من ~~الأفضل أن ألقنهما درسا.» # اتجه جيمي نحو العرش وإلى جانبه سار الكشافة الصغير هرولة. # وحين جلسا أخيرا يطلان على المحيط، قال جيمي: «إذا كنت لم تعد ~~للمنزل منذ الفطور، إذا كنت لم تعد للمنزل منذ الفطور، يا جين ~~...» # قاطعه الكشافة الصغير: «من أخبرك أن اسمي جين؟» # فأجابه جيمي: «الدكتور جرايسون. لقد أخبرني هذا الصباح في المستشفى ~~أن اسمك جين ميريديث.» # استفسر الكشافة الصغير: «ما الذي ثرثر به عني غير ذلك؟» بدا جليا ~~لجيمي أن الجسد الصغير الجالس بجواره قد فاض تماما على نحو مفاجئ ~~بالتمرد، وصار مستنفرا لمعركة. # فقال جيمي: «لم يقل أي شيء، عدا أن لديك من الحكمة ما يجعلك تقبل ~~الهدية الرائعة جدا التي ستقدم إليك.» # سأله الكشافة الصغير على الفور، وقد بدأ تمرده يخفت: «هل هي ~~حصان؟» # فقال جيمي: «لا، إنها شيء أغلى ثمنا من عدد كبير من الخيل. دعك من ~~أمرها الآن. ثمة شيء آخر أريد إخبارك به. لقد أتيت لتوي من ~~المستشفى.» # انسحب الصغير من جيمي شيئا فشيئا. وببطء اتسعت العينان الرماديتان. ~~وببطء انقبضت يداه. وببطء راح صدره الصغير يرتفع وينخفض مرة ~~أخرى. ~~«آه!» جاءه صوت الصغير مبحوحا. «آه! لا، لم يرحل ليخلد للنوم ~~الهانئ، أليس كذلك؟» # جلس جيمي ساكنا وجال ببصره في أنحاء المحيط. كان الخبر بمثابة ضربة ~~وجد نفسه عاجزا عن تسديدها. وببطء تحولت عيناه إلى الوجه المفزوع ~~للطفل الذي بجانبه، وإذا بالكشافة الصغير يرتمي بجسده المرتجف بين ~~ذراعيه ويدفن وجهه المنقبض في صدره، ولمدة قصيرة من الوقت وجد جيمي ~~صعوبة في احتواء الجسد المتلوي بين ms203 ذراعيه. فطرأت على باله فكرة ~~غريبة. تلك الصخرة التي كان قد سماها العرش لم يكن ذلك الاسم الأنسب ~~لها. فقد بدا أنها مكان يأتي إليه الناس بمتاعبهم. إذ كان في موقف ~~سابق عليها ضم بين ذراعيه جسد امرأة معذبة لأقصى درجات الاحتمال. ~~والآن يضم جسد طفل هزيل وخفيف للغاية حتى إنه لا يكاد يقدر على ~~التحكم في ذراعيه الطويلتين لإعطائه الدعم المطلوب. # قال جيمي متوسلا: «توقف!» ثم أردف قائلا: «لا تنظر إلى الأمر هكذا! ~~دعني أخبرك شيئا. لقد جرى الأمر كما جرى مع عمتك بيث. كان في الليل من ~~دون حتى أن يوقظ سيد النحل. وكانت يداه مضمومتين على صدره هو الآخر. ~~وكان على وجهه ابتسامة رائعة، الابتسامة نفسها التي وصفتها بالضبط، ~~الابتسامة التي تبدو وكأن هناك سرا عظيما كانت الشفتان المضمومتان ~~ستنطق به لو أنهما تستطيعان الحركة.» # تلمس جيمي منديله وأخذ وجه الكشافة الصغير ومسح الدموع المنهمرة ثم ~~وضع يده الكبيرة تحت الوجنتين المرتعشتين وظل متشبثا بهما. # ثم قال يرجوه: «لا تبك هكذا.» وتابع: «إنك تعذب نفسك تعذيبا ~~بالغا! ما كان سيد النحل ليروقه ذلك. ألا تذكر حين قلت إن كل ~~الملائكة ستسر حين ترى عمتك بيث وهي آتية تسير، مستقيمة القامة ~~وشامخة، وبخطوات واثقة، على الطرق المزروعة بالزهور في الجنة؟ هذا ما ~~سيحدث مع سيد النحل. إنك تتصرف بأنانية حين تبكي هكذا. فإنك لا تفكر ~~فيه، وعن رجوعه لماري وفتاته الصغيرة؛ إنك تفكر في نفسك.» # على الفور استقام الجسد الصغير. ~~«بالتأكيد أفكر في نفسي! ولماذا لا أفكر في نفسي؟ فهي كل ما لي، أليس ~~كذلك؟ من الذي سيتألم حين أشعر بوجع أو لا أقوى على السيطرة على بيل ~~السمين الطيب، أو حين لا أستطيع أن أجعل أحدا يفهم أي شيء من الأشياء ~~التي كان دائما يفهمها؟ فلم يكن هو الوحيد الذي باح بأسراره. حين ~~أخبرني بكل شاردة وواردة عن خيبة مسعاه والناس الذين جنوا عليه، لم ~~يكن وحده من تكلم. فقد عرف عني بقدر ما عرفت عنه، والآن ms204 ليس لدي ~~إنسان على قيد الحياة لأذهب إليه ويفهمني! ماذا سأفعل؟ فقط أجبني على ~~ذلك السؤال! ماذا أنا فاعل؟» # وعلى نحو مفاجئ وجد جيمي نفسه يأخذ الوجه البائس الذي أمامه بين ~~يديه؛ وجد نفسه يضعه على وجهه، على إحدى صفحتي وجهه أولا ثم على ~~الأخرى؛ وجد نفسه يحتضن الجسد الضعيف حتى شعر أنه يكاد يهشم عظامه، ثم ~~سمع صوته عميقا ومبحوحا وهو يقول: «تأتي إلي مباشرة! حين يكون ~~لديك سر تريد حفظه، وحين لا يبدو أن هناك من يفهمك، وحين ينقلب عليك ~~بعض أفراد مجموعتك وتتعقد الأمور، تعال إلي!» # على الفور تملص الكشافة الصغير منه. ولقي جيمي نظرة ثابتة ذات ~~عمق ورجاء لم ير لهما مثيلا قط في عيون البشر. # بينما يسأله الكشافة الصغير: «هل أنت صادق فيما تقول؟» ثم قال: «هل ~~تتعهد بأن تنتزع قلبك، وتمزقه، وتلقي كل قطعة منه في جهة من جهات ~~الأرض الأربع؟» # فسأله جيمي: «أي المنظمات الأخوية (مجموعات من أشخاص لهم نفس ~~الأهداف) كنت تقرأ طقوسها؟» # فقال الكشافة الصغير بهدوء: «منظمة أبي. إنما جعلنا العهد الخاص ~~بنا قاسيا بقدر ما استطعنا.» ثم قبض أصابعه مرة أخرى. ~~«بأمانة؟ هل تقصد حقا ما قلته مخلصا؟» # فقال جيمي: «بأمانة. مخلصا فيما وعدت به. وأقسم عليه ~~بحياتي.» «احمل يدي اليمنى واتل القسم أمام الله العظيم! سأظل صديقك ~~دائما. سأحفظ أي سر تخبرني به. سأفعل أي شيء في العالم يمكنني أن ~~أفعله في أي وقت، في أي مكان، لأكون عونا لك.» # اندفعت إليه يد ثابتة. # قال الكشافة الصغير: «فلتصافحني!» وتابع: «كل ذلك سيسري علي. كل ~~ما وعدتني به، أعدك به. سوف آتي إليك كما كنت آتي إلى سيد النحل. ~~سنصبح شريكين كما كنت أنا وهو. وسوف أساعدك بقدر ما أستطيع. لكن صحيح، ~~ماذا سيحدث للنحل؟ وماذا سيحدث للحديقة؟ وماذا سيحدث لذلك المنزل ~~الجميل؟» # تردد جيمي. يجب على أحد الأشخاص أن يخبر الطفل. وها هما معا. ~~كانت هذه فرصته. فقد أراد أن يسمع وجهة نظر طفل. ولم لا؟ # ومن ثم فقد ms205 قال بهدوء: «هل تعتقد أن هناك في العالم كله أي شخص كان ~~سيد النحل يحبه أكثر مما أحبك؟» # فأجابه الكشافة الصغير: «لست مضطرا إلى إهدار أدنى مجهود في شرح ~~أي ظنون بذلك الشأن.» وتابع: «فلدي معلومات واقعية، وقد حصلت ~~عليها من الزعيم الأعظم؛ حصلت عليها من الخالق الكائن في السموات؛ لقد ~~عرفتها حين اقتربت بشدة من قلب سيد النحل؛ عرفتها من قبلة حانية ~~وإنه سر لن أخبر به أحدا سوى الرجل الذي سيحل محله. تذكر أنك حلفت ~~يمينا وهذا أول ما سأخبرك به لأنه كان سرا بيننا. ربما كان هناك ~~ناس لن يروقها السر لو كانوا اطلعوا عليه. كان هناك من الناس من ~~سيستاء منه. لم يكن ليروق مارجريت كاميرون، من ناحية، لأنني أشك إن ~~كانت تهتم لأمر لولي أكثر مما كانت تهتم بسيد النحل. بناء على ما ~~رأيته منها، طريقة تنظيفها لمنزله ورعايتها له! أعتقد أنني رأيت أمي ~~وهي تتودد إلى أبي من قبل. وأعتقد أنني أعلم القليل عن المتزوجين، ~~وأظن بناء على ما رأيته منها أنها كانت ستسر سرورا بالغا لو كان ~~سيد النحل قال لها: «هل تقبلين الزواج بي؟» وكانت ستقبل بكل تأكيد! ~~كانت ستقبل أيما قبول! لكنه لم يسألها الزواج قط، ولم ينو أن ~~يسألها قط. فإنه لم يحب البتة أي امرأة في العالم كله سوى ماري، ~~وكان قد سمح لامرأة واحدة بخداعه حين كان في غاية الوحدة بعد رحيلها، ~~مثل دجاجة تحاول أن تتطلع حولها ورأسها مقطوع، حسنا، ذلك أيضا ~~سر! يبدو أنني أفشي إليك بكل ما أعرفه مرة واحدة. ربما تسمعها منظمة ~~أكثر وتبقى في ذاكرتك بشكل أفضل إذا أخبرتك بكل واحد على حدة، وعلى ~~أي حال، سيكون منطقيا أكثر أن أخبرك بأسراري. فربما لا يروق له أن ~~أخبرك بأسراره. وإنني لم أقصد كذلك. لكنه الحديث عن مارجريت كاميرون ~~جعلني أتذكر كيف كان باستطاعتي أن أخبرها، في أي مرة من المرات وهي ~~تدور حول نفسها، أن كل ما هنالك أنه كان يراها امرأة مهندمة، ms206 وكان ~~يرى أنها كريمة، وكان يفضل أن يلعب معها أحد ألعاب الكوتشينة أو ~~الداما على أن يفكر في الشيء الفظيع الذي ألم بأكثر سيدة أحبها ~~وبصغيرته ماري. كلا، ما كان يجب أن تظن قط أنه أحبها أكثر؛ لأنه لم ~~يفعل. وإنما كان يحبني أنا بكل تواضع! أما كيف عرفت فقد أخبرتك من ~~قبل. لأنه أخبرني! وما كان سيضطر لأن يقول ذلك لو لم يرد. فلم ~~يطلب منه أحد ذلك. لم يدفعه أحد لذلك. بل كان هو من أقبل عليه من ~~نفسه.» # فقال له جيمي: «حسنا، إذن، ما دام قد أحبك لتلك الدرجة، وأنت تعلم ~~ذلك، وإذا كان ذاهبا في رحلة طويلة ولديه شيء عزيز جدا عليه ~~سيتركه، فمن تعتقد سيكون الشخص الذي سيتركه له؟» # سيظل جيمي ما دام حيا يتذكر رد فعل الكشافة الصغير على ذلك ~~السؤال. فقد انتصبت قامته النحيفة. ورفع رأسه عاليا للغاية. وشمخ ~~بذقنه. وراح يطرف بعينيه. ووضع يدا على صدره أسفل عنقه؛ ثم فتح فمه ~~وأغمض عينيه، وجعل الكشافة الصغير يمثل ابتلاع لقمة كبيرة أكبر ما ~~يمكن نزوله على الإطلاق في حلق صغير. ثم تكلم بصراحة من دون مواربة، ~~وقد بدأ جيمي يدرك أن ذلك شأن الكشافة الصغير في كل تصرفاته. ~~«حسنا، بالقطع سيتركها لي بطبيعة الحال!» # جاءت الكلمات بهدوء وعفوية واقتناع من شفتين مطمئنتين. «سيتركها ~~لي، وربما يترك لك بعضا منها لأنك التزمت بالعمل حين كنت تكاد لا ~~تكون قادرا على ذلك، وواجهت النحل كما يجدر برجل حقيقي أن يفعل، وكنت ~~أمينا في رعايتك شئونه. بإمكانك أن تدون إجابتي على ذلك السؤال: ~~سوف يترك لي جزءا، وإذا فعل الصواب، كما كان يفعل دائما، فسيترك لك ~~جزءا.» # فقال له جيمي: «حسنا، يا لك من بارع في التخمين يا جين! هذا ما ~~فعله سيد النحل بالضبط. فقد ترك رسالة يعتقد الدكتور جرايسون أن ~~المحاكم ستعمل بها، وتقول الرسالة إن الفدان الغربي من تلك الحديقة ~~البديعة والقفائر التي عليه من حقك، والفدان الشرقي وما عليه من ~~قفائر من ms207 حقي. من ناحيتك لك حرية أن تفعل أيا ما تراه أنت ووالداك ~~مناسبا. أما أنا، فهي تبدو لي كهدية لا يمكنني قبولها.» ~~«كيف ذلك؟» # وجه الكشافة الصغير السؤال لجيمي بحزم. # فقال جيمي: «مهلا، إنني لم أفعل أي شيء لأستحقها. كل ما فعلته ~~هنا هو نقطة في بحر مقارنة بقيمة فدان الأرض الواقعة أسفل ذلك ~~المنحدر، بما فيها من زرع، والنحل الذي يملؤها. إنه ببساطة بمثابة ~~الانتقال إلى منزل ومعيشة مريحة ومهنة أعلم يقينا أنني مؤهل ذهنيا ~~لإتقانها خلال بضع سنوات من العمل بحب واجتهاد، ولدي كل الكتب التي ~~أحتاج إليها وكل المواد التي أحتاج إليها، واسم رجل سيساعدني. الأمر ~~في غاية السهولة! كأنها قصة خيالية! إنه حلم! والأمور لا تجري هكذا في ~~الواقع.» # هنا جعل الصغير يقلب الأمر على وجوهه. # ثم قال بصوت رصين: «فلتصغ إلي» ووضع يده الصغيرة على خد جيمي ~~وحول إليه وجهه فورا بحيث يتلقى نظرات المتحدث. ثم تابع: «أصغ ~~إلي! ربما تظن أن الضمادات التي ترتديها لا تظهر من وراء القميص على ~~ظهرك؛ لكنها تظهر حين تنحني. إنك تحسن إخفاءها ولا تتذمر، لكنك ما ~~كنت سترضى أن تصبح مقيدا تماما هكذا لو لم تكن مضطرا إلى ذلك. ~~وذلك معناه أنك واجهت في طريقك متاعب وأشياء آذتك وضرتك ضررا ~~بالغا، وكان ذلك من أجلنا جميعا، «من أجلك يا بلادنا.» لكنك ثابرت ~~وتحملت آلامك، ولم تشتك، ونجوت منها. فقد عرفت، وحدك تماما، أنه ~~قد تنالك أشياء بشعة وأشياء بغيضة، وربما أشياء لم تكن تستحقها ~~على الإطلاق. فلماذا إذن لا يحدث لك شيء رائع وجميل بنفس الطريقة؟ ~~لماذا لا يمكن لشيء جميل أن يحدث لك تماما كما ألم بك أمر بغيض؟ ~~لماذا لا يمكن أن تحصل على فدان أرض بقفائر نحل وزهور تماما كما ~~أصابتك كارثة كدت أن تموت منها كمدا؟ هلا تغاضيت عن هذا ~~الأمر؟» # فقال له جيمي: «حسنا، بعد تأمل الأمر، تذكرت قانون التعويض. ~~حسب قانون التعويض حين تمضي الأمور في اتجاه ما حتى تبلغ أقصاه، ~~فإنها ms208 أحيانا ما ترتد وتمضي بالقدر نفسه في الاتجاه الآخر.» # جاءه رد الصغير: «بالتأكيد!» ثم قال: «ذلك هو الصواب! هكذا تنظر ~~إلى الأمر! فلا تجلس وتقول إنك لا تفهم ما حدث ولا تستحق هذه ~~الأشياء. لأنك تستحقها، وإلا ما كنت ستحصل عليها ! ما دامت فيك صفات ~~مميزة، وأعتقد أنك ولدت بها تماما كما ولد بها أخي الصغير. فمنذ ~~جاءوا به من المستشفى وترى فيه صفات من أبي، وترى فيه أشياء من أمي، ~~وأرجو من الله أن تصبح به صفة واحدة تشبهني! حين ركبت قاربا ~~ومررت بالكهف الكائن في الصخور، حيث تستطيع أن ترى ~~الضوء، إن أمعنت النظر، قالت مولي إنني إن تمنيت أكثر شيء أرغب فيه في الدنيا عند ~~رؤية الضوء فسوف يتحقق. لذلك فقد تمنيت أمنية وأرادت مولي أن ~~تعرف ما تمنيته، لكنني لم أخبرها. إنني أحب مولي، لكنه ليس من ~~شأنها. إنني أحبها، لكنها ليست كاتمة أسراري كما كان سيد النحل وكما ~~ستصبح أنت الآن من بعده. لذلك سأخبرك بما تمنيته من أجل أخي الصغير ~~حين رأيت الضوء الذي يجعل الأمنيات تتحقق. لقد خطر لي هو فقط لحظة أن ~~رأيت الضوء؛ لأن رغبتي في الشيء الذي أتمناه لأخي الصغير أكبر حتى من ~~رغبتي في حصان. لذلك بأسرع وبأقوى ما استطعت، قلت بنية صادقة موجها ~~نظري إلى الضوء مباشرة: «أتمنى ألا يصبح صغيرنا جيمي شخصا نذلا ~~حين يكبر أبدا»!» # نهض جيمي وأخذ الكشافة الصغير من يده. # وقال: «هيا يا جين، لنعد للمنزل.» # جعل الكشافة الصغير يقفز من شق إلى شق هابطا الصخرة أمام جيمي ثم ~~انتظره أسفلها. ~~«يبدو أن اسمي قد راق لك.» # فقال جيمي: «حسنا، إنه اسم غاية في الجمال. وإنه معلومة مؤكدة ~~عرفتها عنك، بيد أنه لا يخبرني ما إن كنت فتى أم فتاة.» # وعندئذ رأى جيمي التمرد الذي لاح في الحال في العينين المرفوعتين ~~إلى عينيه. # سأله الصغير في حدة: «أما زلت تجتر ذلك الهراء القديم؟» وتابع: ~~«ما زلت مشغولا بالتفاهات ومعك ما هو أهم. ما دمت ms209 شريكك وأنت كاتم ~~أسراري، وما دمنا عائدين للمنزل معا، أفليس ذلك كافيا لك؟» # فأجابه جيمي: «يجدر بذلك أن يكون كافيا لأي شخص.» # ومضى الاثنان عبر المسار متجهين إلى البوابة الخلفية. لكن توقف ~~الكشافة الصغير في منتصف الطريق ونظر إلى جيمي مخمنا . ~~«هل علي أن أناديك سيد النحل من الآن؟» # فقال له جيمي: «لا. لن تناديني سيد النحل، بل ربما لن تناديني بهذا ~~الاسم إلا بعد عدة سنوات. فإن سيد النحل مسمى لا بد أن يكتسب ~~بالعمل الشاق وصواب الآراء والعمليات الدقيقة. إنه مسمى اختص به ~~عن جدارة الرجل الذي توفي الآن. لقد استطاع أن يسير به بسمو ~~وشموخ. لكنه يعلو كثيرا عن مقامي. سيكون علينا أن نجد لي مسمى ~~بمعنى مواصلة السير رغم العقبات باستكانة وتواضع، دراسة ما أعمل ~~والاستمتاع به لأقصى حد كل يوم، الإقبال على الأشياء بكل حماس وبذل ~~أقصى ما أستطيع من جهد، الالتزام بالعمل لأنني أحببته فحسب، كما ~~توقعت لي.» # بين الصور الذهنية الباقية في وعي جيمي ترسخ ما رآه من ارتفاع ~~الكتفين، وميل الرأس للوراء، وارتفاع الذقن، والتلويح بكلتا اليدين، ~~حين سقط على أذنيه القول الفصل إذ قال: «حسنا، إذن، ما دمت تريد أن ~~تكون متواضعا وبسيطا، وما دمت تريد التعمق في أصول العمل، فيجدر بك ~~أن تجيب عن النداء الذي يصفك، مربي النحل. إنه اسم رائع لأي ~~رجل.» # فقال جيمي: «أتفق معك تمام الاتفاق. إنه لقب رفيع. إنه يرضيني ~~تماما، بل أكثر مما يمكن لأي لقب من الألقاب ذات الأصل ~~الألماني.» # تساءل الكشافة الصغير: «هل «سيد النحل» ألماني الأصل؟» # فجاوبه جيمي: «أجل، ذلك اللقب ألماني الأصل.» ~~«هل كان سيد النحل ألمانيا؟» # فقال جيمي: «لا. مطلقا! إن سيد النحل بريطاني النشأة والتعليم. ~~تصادف وجوده في بلدنا، لكنه بريطاني الأصل وحسبما أظن فقد يكون ~~بريطاني المولد.» # فقال الصغير: «حسنا، إن ظنك ليس في محله.» وأضاف: «وذلك شيء آخر ~~أخبرني إياه بنفسه. لقد ولد في بنسلفانيا، ولقي ماري هناك وتزوجها ~~هناك وعاش هناك، وكانت الصخرة المائلة البغيضة ms210 في الجبال ~~هناك.» # سأله جيمي: «أي صخرة مائلة؟» # أحنى الكشافة الصغير نظره. # وقال بعد حسم أمره: «أعتقد أنني مضطرب نوعا ما اليوم. أعتقد أنني ~~ذكرت أمرين أو ثلاثة كان يجدر بي التزام الصمت حيالها. لن نتحدث عن ~~تلك الصخرة اليوم. ربما أحكي لك عنها ذات يوم. إنها حكاية مروعة ~~جدا وحين أفكر فيها لا أنام جيدا. وحين أفكر فيها باستغراق، لا ~~أستطيع التوقف البتة. أريد أن أراه قبل أن يرسلوه بعيدا. أريد أن ~~أسوي شعره وأضبط ربطة عنقه وأطوي يديه بنفسي. أريد أن أضع قدميه في ~~وضع مريح وأود أن ألبسه نعله كذلك.» # وعندئذ بالتحديد انهار جيمي. كانا آنذاك قد بلغا المقعد الكائن أسفل ~~الجاكرندا. فجلس عليها ودفن وجهه في يديه وعلا صوته بالنحيب. بينما ~~وقف الصغير بجانبه ووضع ذراعيه الصلبتين حول عنقه. # ثم قال وقد جاء صوته خشنا من الانفعال: «آه، لا تقل إنهم مضوا في ~~الأمر وأرسلوه بالفعل؟ إنهم وضعوه في قطار الصباح؟ إنهم لم يعطوني ~~فرصة؟ إنهم سمحوا لأحد آخر بضبط هندامه؟» # استقام جيمي في جلسته. # ثم قال: «أخشى أن هذا ما حدث، يا عزيزي.» # قال الكشافة الصغير مجهشا في البكاء: «بئس ما فعلوا!» وتابع: «إن ~~هذا لم يمنح سيد النحل أي مظهر فخم، ولم يمنحني أي مظهر فخم أيضا! ~~إنما كان سيريدني أنا أن أضبط مظهره؛ لأنه كان يحبني أكثر. كانت أمي ~~ستأتي معي وكذلك أبي. إن الدكتور جرايسون يعرفني جيدا، وسوف أخبره ~~برأيي في ذلك الأمر! كنت قد اتصلت به هاتفيا ربما عشر مرات وأتيت به ~~هنا وكنت أهرول بأقصى سرعة لإحضار ما يريد ولتسخين المياه ولمساعدته. ~~وكان يعرف تماما من الذي يفضل سيد النحل أن يسوي له هندامه عند ~~ذهابه للقاء خالقه! ليس هذا عدلا!» # وعندئذ انهار الصغير، فحانت لجيمي فرصة مواساته. وبعد برهة، حين ~~أصبح كلاهما أهدأ حالا، جلسا على المقعد متجاورين وجففا دموعهما ~~بالمنديل نفسه. # وفي تحول مفاجئ كما كان دأبه، قال الصغير متسائلا: «هل قسم ~~الأشياء على النحو الذي كنت ستريده؟ ms211 هل منحك من الحديقة الجانب الذي ~~كنت ستفضل الحصول عليه؟» # فجاوبه جيمي: «بالقطع، إنني راض تماما. ولا أرى أي فرق.» # فقال الكشافة الصغير: «أما أنا فأرى فرقا. لو كان لي حق الاختيار، ~~فسأختار الجانب الشرقي.» # سأله جيمي: «وما الفرق؟» ثم أضاف : «هناك في الجانب الغربي قفائر ~~بنفس عدد الموجودة في الشرقي. وإن لم تكن كذلك، فسنحصيها ونجعلهما ~~متعادلين. إنني على استعداد تام لنقل النحل الألماني الأسود وإعطائه ~~لك مكافأة. هل النحل الألماني الأسود ما كنت تريده؟» # قال الصغير: «لا، ليس النحل الألماني الأسود ما أردت. وإنما زنابق ~~مادونا. فإنني أسبق النحل إليها في كل مرة. كم أحب امتصاص الرحيق ~~منها! فإنه شديد الحلاوة، من المصدر مباشرة، وأنا تروق لي الأشياء ~~الأصلية! كذلك أرغب بشدة في الحصول على ذلك الجزء من السياج حيث نسقط ~~الهنود.» ~~«ألن يؤدي السياج الغربي الغرض نفسه؟» ~~«أوه، أعتقد أنه سيؤدي الغرض نفسه. الفرق الوحيد أنني لست معتادا ~~على السياج الغربي، وكذلك بيل السمين الطيب والطفل المطيع وذو الوجه ~~الملائكي. كلنا معتادون على الشرقي، لكن أعتقد أننا نستطيع استخدام ~~الغربي كذلك.» # ثم نظر الصغير إلى جيمي نظر تكهن. ~~«لقد خاب ظني فيك نوعا ما.» # استقام جيمي في جلسته. # وقال: «أنا لا أعلم ماذا فعلت.» # فقال الصغير: «هذا هو الأمر بالضبط. ليس ما فعلته. ولكن ما لم تفعله. ~~حين قلت إن الأمر سواء بالنسبة إليك، وأوضحت لك بجلاء أن ما يهمني ~~هو زنابق مادونا وفخ الهنود، كان بإمكانك أن تعرض علي أن نتبادل ~~الجهات! ربما ما كنت سأوافق. ربما ما كنت سأحصل على أي شيء غير ما ~~أراد لي سيد النحل الحصول عليه. ربما كنت سأدخر نقودي وأشتري بعض ~~زنابق مادونا وأزرعها في جانبي لنفسي، لكنني ظننت أنك ستعرض علي ~~التقايض.» # استوعب جيمي المسألة ببطء. # ثم قال: «أستمحيك عذرا. لا بد أنها كانت غفلة من جانبي. فإن رأسي ~~أكبر سنا من رأسك، وقد أدركت أننا لا نستطيع التبادل دون الذهاب ~~إلى المحكمة وإجراء قياسات وكتابة صكوك وسداد أتعاب ms212 موظفين لإجراء ~~التغيير، وأعتقد أن تلك المعلومة هي ما منعني من القول بأنني موافق ~~على التبادل حيث إنها لن تفرق معي مطلقا حقا أي جانب تحصل عليه ~~ولن تفرق البتة حتى إن حصلت عليهما معا.» # فقال الصغير من فوره: «لكنني لن أقبل الحصول عليهما جميعا». ثم أضاف: ~~«لو كان سيد النحل قد قال بأن يئول الجانبان لي، ما كنت سآخذ سوى ~~النصف؛ لأنه ليس تصرفا شريفا، بعد أن طلبت منك البقاء وفعلت كل ما ~~بوسعي لأجعلك تبقى. ليس من العدل أن آخذها كلها.» # نظر الصغير إلى جيمي مرة أخرى نظرة متسائلة. ~~«ماذا سيحدث لكل الأموال التي لديه في البنك؟» # فأجابه جيمي: «حسنا، وفقا لنص الوصية، فإنه بعد سداد مصاريف ~~الجنازة وديونه المستحقة، يخضع ما يتبقى في البنك لبنود الوصية ~~التي سيشرحها لك والدك بعد أن يدرس الوثيقة دراسة وافية. لكن ~~أستطيع إخبارك بأن هناك أموالا مخصصة لدفع تكاليف نقل المنزل لأرض ~~من سيفوز به منا، وهناك أموال لبناء منزل صغير آخر يتكلف قيمة ~~هذا المنزل نفسها، وما يتبقى سيقسم بالتساوي بيننا.» # قال الصغير بتأن: «هممم. هل تعتقد أنه من المرجح أن سيد النحل قد ~~أعطاني بعض المال علاوة على النحل والزهور؟» # فقال جيمي: «بلغني أنه فعل هذا، إن أثبتت صحة تلك الوصية. إن ~~لم يتبين أن لديه بعض الأقارب بالدم في مكان ما، يستطيعون إثبات ~~أنهم أقاربه ومن حقهم بالقانون الحيازة. ينبغي ألا يحملك الحماس ~~بعيدا. لا بد أن تعلم أن سيد النحل أراد أن تحصل على إرثه، لكن هناك ~~احتمالا كبيرا أنه يمكن لرجل أو امرأة في مكان ما في العالم أن يأخذه ~~منك، وأغلب الظن أنه سيفعل ذلك عند علمه؛ لأن الأقربين أولى ~~بالمعروف، على كل حال، ومن ثم فإن أي شخص على صلة قرابة بسيد النحل ~~سيصبح أحق مني ومنك.» # فقال الصغير: «نعم، إنني مدرك لذلك. وأفهمه تماما. لكن في حالة إذا ~~كان سيد النحل على علم بشئونه وقال القاضي إن الأشياء من حقنا، فهل ~~ستئول لي ms213 النقود؟» # فرد جيمي عليه وقال: «نعم، أعتقد أنها ستئول لك، لكن أشك أنها ~~قد تذهب إليك قبل بلوغك السن القانونية. أعتقد أنه من المرجح أن ~~يتعين على أبيك توليها من أجلك والحفاظ عليها من أجلك حتى يقول ~~القانون إنك كبرت كفاية لتصبح في حيازتك.» # صاح الصغير: «آه!» وتابع: «آه، الأمر نفسه مجددا!» وجعل يركل ~~بالقدم الصغيرة حصى الممشى حتى طار بعيدا عدة ياردات. ثم أضاف: «الأمر ~~نفسه مجددا! دائما مضطر إلى الانتظار، دائما محبط ~~الآمال!» # سأل جيمي: «ما الذي كنت ترغب فيه بشدة؟» # قال الصغير الساخط: «وما جدوى أن أخبرك ما دمت لن أناله؟» وتابع: ~~«ماذا تظن أنني أريد؟» # فقال جيمي: «حسنا، على سبيل التخمين عشوائيا سأقول إنك تريد ~~حصانا.» ~~«أصبت، يا بني!» # ووثب قائد الكشافة في الهواء. ~~«لقد أصبت! إذا كان هناك أي شيء أريده من الأساس، إذا كان هناك شيء ~~أريده بشدة في هذا العالم، فإنني أريد حصانا! أريد حصانا خاصا ~~بي! كوين رائعة وهانس ممتاز، لكنني أريد حصانا خاصا بي! أود أن ~~أحيط عنقه بذراعي وأحبه هو دون غيره. أود أن يعرفني ويتبعني كما ~~يفعل كلب أبي. أريده أن يأتيني حين أناديه. أريده أن يتعلم أسلوبي. ~~ولا أريد أن يمتطيه أي شخص آخر أبدا؛ لا نانيت، ولا أخي الصغير، ولا ~~أي شخص، وإنما وحدي أنا أمتطيه! أريده ليصبح ملكا لي وليس ملكا ~~لأي أحد. أريد أن أكون أنانيا غاية الأنانية معه!» # فقال جيمي: «حسنا، حيث إنني لم أقابل أباك وأمك من قبل فإنني ~~لست متأكدا، لكن يبدو لي من نبرات صوت أمك حين تحدثت معي على الهاتف ~~...» # فقال الصغير: «نعم، أعلم كيف يكون صوتها على الهاتف.» ثم أضاف ~~قائلا: «أنا نفسي أحبه. فإنني أقف وأستمع إليها أحيانا وهي تتحدث ~~لمجرد أن أرى كم تستطيع أن تضفي العذوبة على طريقة قولها ~~الأشياء.» ~~«أما والدك، فلأنه والدك فإنني أعتقد أنه من رأيي ما دامت هذه ~~الأموال وهذه الأرض هدية لك من مربي النحل فأظن أنه ...» # بادره الكشافة الصغير مقاطعا: ms214 «هذا ما تظن بالطبع!» وتابع: «أي ~~شخص كان سيظن أنهما سيسمحان لي بشراء حصان من مال الوصية. ألا نستطيع ~~الاحتفاظ به هنا؟» # فقال جيمي: «لا أعرف إلى أين تمتد حدود المدينة لكننا سنتحرى ~~الأمر. سيبقى الأمر سرا بيننا وسنتحرى بشأنه. سنرى ما بوسعنا فعله. ~~إذا كنت تعتقد أنه ليس من المرجح الموافقة على امتلاكك حصانا في ~~البلدة، فلا تنبس بكلمة بهذا الشأن. لنتكتم عليه ونر كيف يمكننا ~~حل المشكلة وحدنا.» # فقال الصغير: «اتفقنا. لن أبوح لهما بكلمة. سنرى ما سنتوصل إليه. ~~والآن أعتقد أنه من الأفضل أن أذهب إلى المنزل. قد يكون الدكتور ~~جرايسون اتصل بأبي. وقد يكون في انتظاري. وربما تود أمي رؤيتي. وربما ~~أيضا أنهم لم يأخذوه بعيدا بعد.» # فقال له جيمي: «إنني آسف. إنني في غاية الأسف، لكنني عرفت أنهم ~~أخذوه. لا ينبغي أن تعلق أي آمال حيال ذلك. فقد عرفت أنه قد ~~ذهب.» # ظل الصغير واقفا يحدق بشدة في حوض زهور الزينيا، محاولا جهده ~~الحفاظ على شفتيه دون ارتعاش وعينيه دون دموع. ثم حدث المعتاد من ~~تغييره الموضوع بسرعة البرق. # إذ قال الكشافة الصغير: «إنني أرجو، أرجو بحق ألا يكون لدى سيد ~~النحل مال كثير في البنك. أرجو ألا يكون هناك إلا القليل ~~منه.» # سأله جيمي: «لماذا؟» # فقال الكشافة الصغير: «أوه، إنني لا أرى فائدة في امتلاك الناس ~~الكثير من المال. فهي لا تفعل سوى جلب الكثير من المتاعب كما يبدو. ~~فقد ظللت أشاهد المواقف طوال سنوات عديدة، ويبدو لي أن أغلب ~~المشاجرات والمشاحنات والدعاوى القضائية وتدهور العلاقات تحدث بين ~~الناس الذين لديهم ثروات طائلة. لم لا يمكن للناس الاكتفاء بمبالغ ~~معقولة من المال؟» # فقال جيمي، سعيدا بتغيير الموضوع: «حسنا، وما المبلغ الذي تعتقد ~~أنه كاف؟ ما المبلغ المناسب لنا في نظرك؟» # جعل الكشافة الصغير يفكر بإمعان ثم أفصح بحسم: «أرى أن أي شخص ~~لديه الفدان الشرقي أو الغربي من هذا المكان، وصف طويل من قفائر ~~النحل والكثير من أشجار الفاكهة والزهور والمزيد والمزيد من الزهور، ms215 ~~ورمال وبحر، وبيت صغير يهتف بصوت واضح على الطريق قائلا: «فلتتفضل ~~بالدخول!» أرى أن من أسعده الحظ بامتلاك ذلك، والحصول على خبز وزبد ~~ومياه غازية بنكهة الفراولة وسجق، لا يحتاج إلى شيء آخر في العالم، ~~والملابس بالطبع، نسيت أن أقول ملابس كافية لتستره.» # قال جيمي: «ألم تنس أن يكون لديه حصان؟» ~~«أوه، حسنا، بالطبع أردت أن أذكر الحصان. أردت أن أذكر الحصان أولا ~~قبل أي شيء آخر ما عدا مكان للاحتفاظ به. لا يمكن أن تربي حصانا من ~~دون مكان لتضعه فيه. ظلت تلك مشكلتي طيلة سنوات. كان بإمكاني ~~امتلاك حصان متى أردت. لكن لم يكن هناك أي إصطبل له ولا أي برسيم ~~أو شوفان أو أي شخص للحفاظ على نظافة الإصطبل. كانت تلك مشكلتي طوال ~~الوقت. الحصان ضروري بالتأكيد!» # فقال جيمي مقترحا: «وقارب بالطبع. فلا فائدة من المحيط من دون قارب، ~~أليس كذلك؟» # تريث الكشافة الصغير. «أوه، حسنا، بالطبع، ما دام لدينا المحيط ~~عند بابنا الخلفي، فقد نحتاج إلى قارب بالطبع. أخبرني سيد النحل ذات ~~مرة لماذا وضع السياج حيث وضعه، وهو يملك كل الأرض الممتدة حتى ~~المحيط. أراد رجل أن يشتري أرضه التي على الشاطئ ويضع كشكا للسجق ~~هناك لكنه قرر ألا يسمح له بذلك لأننا نستطيع الحصول على السجق من ~~عند الناصية. وقال سيد النحل إن أحد أعظم الرجال الذين عاشوا في ~~إنجلترا مطلقا، أحد أكبر مفاخر ذلك البلد القديم الطيب كان رجلا ~~يدعى ويليام بلاكستون. وقد جعلني أكرر مرارا بشأن موضوع كشك السجق ~~ما قاله ويليام بلاكستون. وسوف أخبرك به الآن.» # وتقدم الكشافة الصغير أمام جيمي، وضم قدميه الصغيرتين، وأبرز كتفيه ~~النحيلتين، ورفع ذقنه، واستطاع أن يأتي مظهرا نبيلا مدهشا. لم يفهم ~~جيمي كيف يمكن لذلك الوجه الملطخ بالدموع، وذلك الشعر الأشقر المليء ~~بالرمال، والحاجبين والأذنين اللذين غطتهما الرمال أن تكتسي بمظهر ~~الوقار والرزانة الذي لاح على وجه الصغير وهو يلقي هذه الجملة: «لا ~~يحق لك حجب الضوء العتيق عن جارك!» # وإذ فجأة، بالتغيير المباغت نفسه ms216 المألوف في الكشافة الصغير، ~~تراخى جسده كله، وعاد إلى المقعد، وجلس بجانب جيمي ومال إليه. # قال الكشافة الصغير: «المقصود بذلك «الضوء العتيق» أشعة الشمس وضوء ~~القمر والهواء النقي الآتي رأسا من الصين. اعتاد سيد النحل النزول ~~والاستلقاء على الرمال لمدة تصل لساعة حيث يترك المحيط يخبره بأشياء ~~تواسيه. وقد قال إنه لو باع تلك الأرض سيكون الرجل المجاور له هو ~~المالك، وسيكون هو الجار، وهو لم يرد أن يفسد كشك سجق «ضوءه العتيق»، ~~ولم يرد أن يصبح إرثه من الهواء النقي المشبع بالملح الذي يحمله إليه ~~البحر مباشرة مضببا تماما بدخان السجق. ولا يهم البتة إن كان يجعل ~~لعابنا يسيل، فباستطاعتنا الحصول عليه من عند الناصية.» # ثم وضع الكشافة الصغير ذراعيه بإحكام حول رقبة جيمي وأحاط بها حتى ~~كاد يخنقه، ثم حصل مربي النحل على قبلته الحارة الصغيرة الثانية ~~قوية على خده. # وقال الكشافة الصغير: «أشكرك أنك حللت محله لدي، وإنني سعيد أنك ~~قد حصلت على زنابق مادونا وأرض المعركة، وسعيد أنك حصلت على الفدان ~~الشرقي ونصف قفائر النحل. سوف آخذ النحل الألماني الأسود إن كنت لا ~~تريده. وإنني سعيد، حتى إن كان سيد النحل قد اضطر إلى الرحيل، أسعد ~~مما يمكنني الوصف أنك سوف تبقى وترعى النحل!» # الفصل الرابع عشر # | معجزة بشرية # لم تتطلب تسوية تركة سيد النحل إلا القليل من الوقت. إذ كان جل ~~ما يملكه فدانين من سفح الجبل والشاطئ والأموال التي أودعها في بنك ~~سيتيزنز. ولأنه كان على دراية تامة بأمنيات سيد النحل؛ فقد وافق ~~الدكتور جرايسون على أن يصبح هو منفذ الوصية. وقد تقرر من الذي ~~سيحوز المنزل وفقا للطريقة المنصوص عليها، فكان من نصيب جيمي. ~~واتفق على تقييم المنزل، ووضع قيمته جانبا لتدر فائدة بنكية ~~للكشافة الصغير حتى يحين الوقت ويرغب في إنشاء منزل آخر على الفدان ~~الغربي. واتفق على بقاء المنزل مكانه حتى يرغب جيمي في نقله. ~~واقتطع مبلغ كاف لسداد تقدير المقاول لهذه التكلفة ووضع جانبا في ~~رصيد جيمي. وكان الكشافة الصغير ms217 ليحصل على أثاث المكتبة وغرفة المعيشة ~~بالكامل عند الطلب. وقسمت الأموال المتبقية في البنك بالتساوي، فوضع ~~نصيب جيمي جانبا في رصيده، ووضع الجزء الخاص بالكشافة الصغير ~~ليدر فائدة بنكية حتى بلوغه السن القانونية. وتقرر تقسيم ~~عائدات العسل والحديقة بالتساوي بعد خصم أجور أي عمال يستعان بهم، ~~مع وضع نصيب الطفل في البنك. كان سيد النحل يجني المكافأة التي ~~وهبها الخالق العظيم لرجل ظل على إيمانه، وقد جعل من نفسه إنسانا ~~دارسا ونبيلا من عطاياه الدنيوية. # بعد توزيع التركة لاحظ جيمي وأسرة الكشافة الصغير أن الأملاك قد ~~أتت بمشكلات ومسئوليات للصغير. فقد أصبح ينزع لتناول عدد أقل من ~~السجق وادخار المزيد من النقود، وسريعا ما تبين أن أول تغيير ~~خطط له الكشافة الصغير في الفدان الغربي هو زراعة حوض كبير من ~~زنابق مادونا، التي تعتبر أسعار جذورها باهظة مقارنة بالسجق. إذ إن ~~زراعة حوض يمكن الحصول منه على مبلغ كاف صاف من المال يتطلب الكثير ~~من التضحيات. وكذلك لاحظ جيمي مرارا الطفل وهو يتفحص الأرض، ~~بحثا على ما يبدو عن منطقة مستوية متصلة بالطريق ولا تشوه ~~المكان، وقد عرف هدفه من ذلك. حيث يخطط لبناء إصطبل للحصان الذي كان ~~رغبة سرية في قلب الصغير. # أما جيمي، فقد كان محتارا حقا. صحيح تماما أنه ولد في هذا ~~البلد، وبدأ تعليمه في مدارسنا الحكومية وأتمه في واحدة من أفضل ~~كلياتنا. وصحيح أنه انتمى لبلدنا بالميلاد والنشأة. لكن صحيح أيضا أن ~~الدماء التي في عروقه كانت دماء رجل وامرأة ولدا هما الاثنان في ~~اسكتلندا وترعرعا فيها، وأن عادات وسمات الاسكتلنديين كانت الغالبة ~~عليه. كان كل الاسكتلنديين الذين تعامل معهم من قبل قد ورثوا ما ~~لديهم من ذويهم، أو اكتسبوه بالعمل الشاق. ولم يكن جيمي معتادا على ~~الهبات. فهو لا يذكر على الإطلاق أن أي أحد قد منحه أي شيء يذكر. ~~فلماذا إذن، فجأة ومن دون سابق إنذار، قد يقدم له فدان مغطى ~~بالفاكهة، ومفروش بالزهور المتألقة، ويعج بالنحل الذي يؤدي عمله ~~موفرا له الدخل ms218 الذي سيعيش عليه؟ ربما شعر جيمي في باطنه أن حكومته ~~كانت مدينة له بشيء؛ لكن لم يكن ذلك شعوره حيال سيد النحل. # قال جيمي صراحة للدكتور جرايسون، ولوالد الكشافة الصغير، ولقاضي ~~محكمة الوصايا، إنه لا يشعر بأن له أي حق في الحصول على نصف حديقة ~~النحل. ووافق تحت ضغط على تولي مسئولية رعايتها مؤقتا، لكنه قال ~~بحزم إنه في حال ظهور أي قريب من أقارب سيد النحل ومطالبته بالأرض، ~~فإنه سيتنازل عنها في الحال. وقد انتقده على ذلك صراحة ثلاثة من ~~الرجال الخبراء شديدي الحنكة. إذ أشار الدكتور جرايسون إلى أن سيد ~~النحل كان أدرى بمن لديه من أقارب وأين كانوا، ولو أنه أراد حصولهم ~~على أملاكه لتركها لهم. كان من رأي الطبيب أن سيد النحل أراد أن يقيم ~~في الحديقة الزرقاء رجل راقي الحس، ذو عقل خبير، قدراته وتقديره ~~للأشياء ممتازة، رجل مهتم بالألوان والموسيقى ومظاهر البهاء ~~والجمال الصغيرة التي تتضافر لتعطي الحياة مباهجها ~~الصافية. # وقال السيد ميريديث إن معرفته بسيد النحل كانت سطحية، لكنه أدرك أنه ~~كان سيدا نبيلا رفيع الثقافة، وحاسم القرارات، وذا ذهن صاف ~~للغاية، وأن ما رآه مناسبا ليفعله بأملاكه كان مما يوافقه تماما. ~~أما قاضي محكمة الوصايا فقال إن القانون قانون. إذ إن أوراق الملكية ~~واضحة، وقد مثل المستفيدان أمامه؛ إذن فالعمل الوحيد الواجب عليه ~~فعله هو اتباع الإجراءات القانونية المعتادة. وسواء أراد جيمي أو لم ~~يرد، لقد أصبح الفدان الشرقي من الحديقة ملكا له. أصبح هو والمنزل ~~في حيازة جيمس لويس ماكفارلين. ويتعين عليه أن يتولى مسئولية ~~المالك، ويدفع حصته من ضرائب التركات، ويصبح مستعدا لضرائب الملكية ~~التي ستقيم وفقا للإجراءات القانونية المعتادة. # وهكذا عاد جيمي إلى الحديقة، وقد اشتعل رأسه حيرة. كان أمامه ~~الكثير من أعمال الرش، ومن ثم يمكنه التفكير أثناء قيامه بها. كما ~~يمكنه التساؤل حول أسباب ما جرى بينما يقلم الشجيرات ويستخدم ~~المجرفة. لكنه حين جاء لرعاية النحل، منحه انتباهه كاملا. لكن بعد ~~أن انتهى من كل الأعمال التي ms219 يقوم بها يوميا في الحديقة، موليا ~~ربما اهتماما أكثر قليلا للجزء الغربي لمجرد أن هذه هي أخلاق جيمي، ~~انشغل بتطبيق نظام الغذاء والتمارين الذي وضعه هو ومارجريت كاميرون. ~~وخلال ساعات المساء الممتدة، يظل ساعات منكبا على كتب النحل، ثم ~~يخرج في ساعات النهار ويحاول تطبيق ما تعلمه في تجاربه ~~الشخصية. # لم يكن مسيطرا على ذهنه في تلك الأيام. كان يحلق به في آفاق ~~عجيبة، فإذا به يجد نفسه وقد نشأت لديه عادة، وهي أن يأخذ كتابا متى ~~يتاح له وقت فراغ، وتحت ظلال شجرة برتقال بعينها عند نهاية الحديقة، ~~يظل يقرأ تارة ويراقب الشاطئ تارة. كان لديه شعور أنه ذات يوم، ~~عاجلا أو آجلا، ستأتي فتاة طويلة تمشي بخطوات واسعة مثل الصبية، ~~فتقطع الشاطئ وتتسلق المدخل الخلفي للعرش، وقد أراد جيمي أن يكون ~~موجودا ليشاهدها حين يحدث ذلك. كان الخطاب الذي في جيبه بحالته ~~نفسها بالضبط منذ قرأه أول مرة، وقد قرأه مرات لا تحصى منذ ذلك ~~الحين وتأمل كل حرف بكل تفاصيله. كان باستطاعته أن يجد انسجاما بين ~~الخطاب والفتاة التي ضمها بين ذراعيه، والسيدة التي وقفت ملاصقة ~~له لتتلقى عهود الزواج. لكنه لم يستطع أن يجد انسجاما بين أي من ~~هذين الشخصين والفتاة التي عقدت أمورها الشخصية لدرجة جعلتها في ~~حاجة ماسة إلى علامات ودلالات خارجية على عفتها. # وكان كلما أطال التفكير في الموقف، ازداد ذهنه تصديقا على الأقل ~~للاعتقاد بأن فتاة الوديان والجبال والصحراء، الفتاة التي تعبق ~~على الدوام بعبير المريمية، ذات الخطوات الحذرة، ذات النظرة ~~البعيدة التي تراها في عين الشخص المحب للطبيعة؛ لم تكن لتخضع ~~للإغواءات والإغراءات التي تخضع لها الفتاة التي تحب الحياة في المدن ~~تحت ضغوطها الشديدة. استطاع جيمي أن يرى كيف قد تقع في مشكلة خطيرة ~~أي فتاة تعيش حياتها مأخوذة بنفسها وبالملابس الأنيقة وترتاد في ~~النهار العروض السينمائية بالغة الابتذال والفحش، وترتاد ليلا ~~قاعات الرقص المكتظة عشوائيا بأناس من كل حدب وصوب، بغض النظر ~~عن أوضاعهم في الحياة. استطاع أن يرى ms220 كيف أن الاندفاع المجنون ~~بالسيارات من أحد أماكن الترفيه إلى آخر، وتناول الطعام المشبع ~~بالتوابل دون انتظام، وقلة النوم، والتواصل المستمر برجال لم ~~يربوا تربية صارمة على عادات وأعراف ومبادئ الجيل أو الجيلين ~~الماضيين؛ ربما أدى إلى كارثة عند الفتيات اللواتي هن أصغر من أن ~~يدركن أنهن يرهقن أجسادهن أو يعرضن أرواحهن للخطر. وكلما أمعن ~~التفكير، زاد تعجبه من نجاة أي فتاة في تلك الظروف بشرفها أو قدر ~~كاف من العافية تعيش بها عمرا معقولا حتى. لم يكن يدري بالضبط أي ~~فائدة تعود على البيت أو الأمة من فتاة فاقدة الشرف والصحة. لكن الشيء ~~الوحيد الذي كان يعرفه يقينا هو أن أولئك الفتيات كن النوع الذي ~~يريد تجنبه. # وبينما يقف أمام المرآة ليتفحص بإمعان الجانب الأيسر من صدره، وفي ~~يده الضمادة التي انتوى وضعها وربطها في مكانها بعد الفحص، شل جيمي ~~عن الحركة لأول مرة بخاطر لم يجل بخاطره من قبل. لم يدر بالضبط ~~لماذا لم يفكر في ذلك الشيء تحديدا من قبل. وبعد أن فكر فيه ~~بالفعل، بدا له أنه الشيء الذي كان يجب أن يفكر فيه أولا. لكنه لم ~~يفعل. # صحيح أن أي سيد اسكتلندي يضع في أعماق قلبه ربه وبلده وشرفه ~~وأولئك الذين يحبهم فوق أي شيء آخر، لكن طالما كان متأصلا في قلب كل ~~رجل اسكتلندي حب المال، والمكان الذي يستطيع الحصول منه على المال، ~~والسلطة التي يمكنه شراؤها بالمال، والراحة التي سيمنحها له، والرفاهية ~~التي سيوفرها لأحبائه، والاطمئنان لأنه سيتقي ما في العالم من برد ~~وجوع وبؤس. كانت الدفعة الأولى من النقود التي وضعها سيد النحل بين ~~أصابع جيمي قد أثارت في روحه اضطرابا حتى الأعماق. إذ أمسكها بين ~~أصابعه. وظل يحدق فيها غير مصدق. فالحقيقة أنه لم يسبق له قط أن ~~امتلك مالا يخصه لينفقه كيفما يحلو له. فكل ما حازه من نقود من قبل ~~كان ما يعطيه له أبوه وأمه لشراء ملابسه وسداد نفقات دراسته، وكان ~~يرهقهما أشد الإرهاق أن يوفرا الموارد الكافية ms221 ليفعل أكثر ما ~~يحتاج إليه من دون توفير أي كماليات. فهو لم يعرف قط كيف هو شعور أن ~~يصبح لديه نقود في جيبه لينفقها كما يريد، فكانت النتيجة أن أول ~~مكاسبه بصفته مربي النحل حفزته للمعركة التي يبدو الآن أنها من ~~الممكن أن تنتهي بانتصاره. # ما زال أمامه بضعة أيام قبل أن تجري مارجريت كاميرون فحصها ~~الثاني. وقد بدت الضمادة التي أزالها جيمي هذا الصباح نقية ونظيفة ~~كما كانت حين وضعها. عصير الطماطم في الصباح، وعصير البرتقال بعد ~~الظهر، والاستنقاع في البحر، والاستلقاء على الرمال الساخنة، والهواء ~~النقي الخالي من الغبار والمشبع بالملح، والعمل المسلي، وقضاء النهار ~~كله بالخارج، مع ذهن لديه ما يستغرق فيه من أشياء مقدسة وجميلة، ~~ماذا يأمل أي طبيب لينافس ذلك المزيج، ذلك المعرض لقدرات الطبيعة ~~على الإبراء؟ ربما كانت الضمادة النظيفة التي أزالها، هي الدليل على ~~أن صدره أصبح مكسوا بجلد متين كفاية لتحمل العمل في النهار، ~~والشعور بالهدوء والشبع في معدته، وزوال الحرارة والاضطرام عن ~~دمائه؛ ربما كان مزيج من كل هذه الأشياء هو ما جعل جيمي، وهو واقف ~~يطالع المرآة ذلك الصباح، يعبر عن يقينه المغتبط ويقول: «سوف أنجو! ~~وبقدر اليقين بوجود خالق كريم في السموات، سأصبح رجلا معافى البدن ~~ثانية!» # وهنا بالضبط تلقى جيمي صفعة، صفعة شديدة، صفعة جعلته ينكمش ووجهه ~~يبهت ويداه ترتعشان. وبدا صوته لأذنيه متوترا لأنه قال بصوت ~~عال: «وقد أقسمت بكل المقدسات إنني سأموت! كان جزءا من اتفاقي أن ~~أغادر الحياة خلال ستة أشهر على الأكثر! لقد قلت إنه لا يوجد أمل في ~~بقائي على قيد الحياة، وربما ما كانت الفتاة التي تزوجتني ستقدم على ~~ذلك إن لم تعتقد أنني رجل شبه ميت.» # وقف جيمي ساكنا، بينما يحدق في الضمادة. واستطاع أن يشعر بأصابع ~~الفتاة وهي تمر على صدره مستكشفة. أمكنه أن يشعر بالقشعريرة، ~~الناتجة ربما عن شفقة، التي سرت فيها وهو يمر بأصابعها على طرف ~~الضمادات والأربطة التي كان يرتديها آنذاك. لقد أعطاها بذلك برهانا ~~لإثبات كلامه. ms222 وقد صدقت البرهان، ووثقت في كلماته، وها قد ارتد ~~على عقبيه وأخذ يفعل كل ما في إمكانه، ويبذل قصارى جهده ليبقى ~~حيا. # بهدوء وضع جيمي الضمادة وربط اللفافة التي تثبتها في مكانها. ~~وبهدوء ارتدى ملابسه وخرج إلى عمله. كان كل بضع دقائق يتوقف ~~ويقف محدقا فيما أمامه. فقد قال لنفسه خمسين مرة ذلك الصباح: «لا ~~يوجد أدنى احتمال أن أموت خلال ستة أشهر أو ست سنوات، أو ستين سنة، ~~ما دمت مستمرا في التعافي كما أنا الآن. الطريقة الوحيدة التي ~~أستطيع بها الموت هي أن أهلك نفسي، فإذا جاء يوم والتقيت بأليس ~~لويز وجها لوجه، وبدت ظروفها مشفوعة بالتخفيف، فماذا ستظن بي لبقائي ~~حيا؟» # عندئذ ظهر على السطح حس الدعابة لدى جيمي. ~~«إذا آلت الأمور ذلك المآل وحظيت بفرصة للعيش، فلا أظنها ستطلب ~~مني أن أقتل نفسي ما دام الجرح لم يقتلني، وإذا فعلت، فلا أظنني ~~قد أتبع أوامر حتى سيدة من السيدات إلى ذلك الحد. سأخبرها أنني كنت ~~صادقا، وأن ليلة العاصفة كانت حالكة علي كما كانت عليها، وأن الصراع ~~الذي اضطرب في قلبي كان مثله مثل العاصفة التي ثارت في قلبها، أو ~~العاصفة التي ثارت في البحر. سأخبرها أنني لجأت إلى الله فهب لنجدتي ~~بحياة وعمل وأمل في السعادة. سأخبرها أنها إن لجأت إلى الله فستجد ~~أن في وسعه حل مشكلاتها كما حلت مشكلاتي. سأخبرها أنه ليس خطئي ~~أنني ما زلت حيا. لا، لا أستطيع مطلقا أن أقول لها ذلك أيضا. لقد ~~أعطاني الله البداية. ويحسب لي أنني اغتنمتها. أعتقد أنه كان ~~بإمكاني الاستمرار في تناول أصناف غير متناسبة من الطعام وحمل ~~الهموم على كاهلي؛ كان بإمكاني المضي بينما تستهلكني حسرتي على ~~نفسي وتملؤني السموم. حسبي من الأمر مسئوليتي عن اتخاذ القرار، ~~والقدرة على القيام بالأشياء الضرورية حين أتيح المجال. اعتاد أبي أن ~~يقول من منبره إن زمن المعجزات قد ولى؛ أما الآن فإن الله يمنحنا ~~الفرص، وإذا أردنا المعجزات فعلينا أن نصنعها نحن البشر بأنفسنا.» ~~استغرق حل ms223 هذه المشكلة الجزء الأكبر من اليوم، لكنها انتهت بأن ~~توصل جيمي إلى الخلاصة بأنه كان صريحا فيما قاله، وأمينا فيما ~~فعله، لكن تبدلت الأحوال بتغير الظروف. # ستسر مارجريت كاميرون سرورا بالغا حين تتفحص صدره المرة ~~القادمة. وقد وجد نفسه مبتهجا جدا ، ومفعما بالأمل، حتى إنه كان ~~في غاية الحرص على حماية ذراعه اليسرى وجانبه الأيسر. فقد بدا لجيمي ~~أنه إن حدث أي شيء وتهتكت تلك الطبقة الحساسة من الجلد التي غطت ~~صدره وعادت البقع الزاهية للظهور في الضمادة التي وضعها فإنه لن يقوى ~~على احتمالها. إذ أدرك أنه إن حدث فسيأتي على ما تبقى لديه من سلامة ~~عقل حتى إنه سيجلس ويبكي مثل أصغر الأطفال. فكان عليه الحفاظ على ~~سلامة تلك الطبقة الرقيقة الحساسة مهما كلفه ذلك. # في بداية عمله كان جيمي نادرا جدا ما يغادر الموقع. فهو لم يذهب ~~إلى البلدة قط، إلا للضرورة القصوى. لكن تدعوه الآن الضرورة القصوى ~~للذهاب إلى هناك كثيرا. إذ دائما ما ينشأ شيء بشأن تسوية شئون سيد ~~النحل، أو سبب يحمله على الذهاب لرؤية الدكتور جرايسون أو قاضي ~~محكمة الوصايا أو إلى البنك المحتفظ بأموال تركة سيد النحل. كان علاوة ~~على ذلك قد شرع يعتاد على الذهاب في زيارات عابرة إلى الرجل الذي كان ~~سيد النحل يتبادل معه الخدمات. فقد وجد جون كاري رجلا ذا شخصية آسرة، ~~رجلا مسليا، رجلا يستحق أن تتخذه صديقا. فقد كان جيمي في بعض ~~الأحيان لا يفهم التعليمات الموجودة في كتب النحل فهما دقيقا. فيوضح ~~له كاري كل شيء، ويشرحه بسرعة ومهارة بالغة مما جعل معرفته مفيدة حتى ~~إن اقتصرت على العمل فقط. ومن ثم ظل مربي النحل يكثر من إنجازه عمله ~~سريعا والذهاب لقضاء بضع ساعات في منحل رجل آخر. # سرعان ما بدأ جيمي يلاحظ أن مارجريت كاميرون كانت تراقبه أثناء ~~عملها في المنزل وفي حديقتها. وما جعله يلاحظ ذلك أنه كان في كل مرة ~~يغيب عن المنزل يجده عند عودته مرتبا، ويجد الأثاث وقد أزيل عنه ms224 ~~الغبار، وملاءات الفراش جديدة، والمطبخ نظيفا، وإناء زهور على منضدة ~~حجرة المعيشة. # وذات يوم عاد إلى المنزل فوجده متألقا. كانت مارجريت كاميرون في ~~صباح ذلك اليوم قد تفحصت صدره للمرة الثانية وأخبرت جيمي بما كان ~~يعرفه مسبقا، أنه مهما كان ضعيفا ، ومهما كان حساسا ورقيقا، ومهما ~~كان معرضا للتشقق من أقل ضغط؛ فلا شيء يغير حقيقة أنه كان هناك ~~نسيج من الجلد يغطي الجرح الذي في صدره بالكامل. كانت مارجريت ~~كاميرون في مثل عمر أمه. وقد ألقت ذراعيها حول عنقه وقبلته، ~~ورقصا رقصة مرتجلة بفرحة عامرة في الغرفة الصغيرة. كانت مارجريت قد ~~نسقت ورودها الصفراء في المزهرية. وسحبت مقعد سيد النحل للأمام ~~ووضعت أمامه الخف الذي ينتعله جيمي. كانت هذه طريقتها لدعوته ~~لاتخاذ وضعه بصفته رب المنزل. كما وضعت منضدة عليها الجريدة ~~اليومية بجانب المقعد، وقد تزين بالزهور كل ما في المنزل من ~~مزهريات وأباريق سبق أن وضعت فيها زهور من قبل. # ابتسم جيمي سعيدا وهو يجول بنظره في أنحاء حجرة المعيشة. وتأمل ~~كم هم قليلون في العالم الرجال الذين يستطيعون أن يأتوا بأشياء جامدة ~~ويجعلوا منها حجرة مناسبة للمعيشة؛ كما فعل سيد النحل بالحجرة التي ~~طبعها إلى الأبد بذوقه وفكره ونزعاته الفنية. بعد ذلك فتح جيمي ~~الباب ووقف ساكنا؛ ساكنا مثل السكون الأخير قبل اندلاع عاصفة ~~عاتية. إذ وجد حجرة النوم قد أزيل عنها الغبار، ووضع فرش نظيف؛ ~~كانت متألقة، وتعبق برائحة المريمية - رائحة لم تقترن قط بمارجريت ~~كاميرون ولو بأقل درجة - وعلى المنضدة المجاورة للفراش حيث مكان ~~المصباح وقارورة المياه الحافظة للحرارة، وضع الوعاء النحاسي، وقد فاض ~~بزهور رعي الحمام الرملي. كانت الزهور البديعة، مع التأثير المنعش ~~للمياه في ساعة المساء، كعادتها تنكمش وتنشر في الأنحاء عبيرها الخفيف ~~الرقيق، أجمل عطر لزهرة في عالم الزهور بأسره في رأي جيمي. تقدم ~~جيمي وتناول الوعاء. ونظر أسفله. وتفحص المنضدة بحرص. ونظر في ~~أنحاء الأرض. ورفع الوسادة. وبحث في أركان الحجرة الأربعة. فربما كانت ~~هناك رسالة، وطيرتها بعيدا نفحة رياح. وبعد ms225 ذلك توجه مباشرة ~~إلى مارجريت كاميرون. # وقد وجدها في الحديقة. فأخذ مقص تقليم الزرع من أصابعها واصطحبها ~~إلى مقعد مصنوع من فروع الأشجار تحت غصون ظليلة لشجرة سنط كانت قبل ~~بضعة أشهر مثل شلال من الذهب المتدفق، مثل الذهب السائل في انسكابه ~~وتدفقه وانسيابه. ثم جلس بجانبها وقبض على يديها وحول وجهها ~~نحوه. # وقال: «تعلمين يا مارجريت كم أنا ممتن لك على كل ما تفعلينه لي من ~~أشياء تراعينني بها وتحنين بها علي كالأمهات، أفعال كريمة ~~تشدين بها من أزري. من الوارد أن تكوني مدركة لما كان عليه منزل ~~صباي من نظافة وحرص على طهارة لا يشوبها دنس. إنك تدركين كم أقدر ~~وأستريح وأزداد بأسا وأشعر بتحسن مع رعاية المنزل على النحو الذي ~~كانت ستتبعه أمي، لو لم يتوفها الله قبل رجوعي. أشعر أن منزلي أروع ~~منزل في العالم كله اليوم. فلن أقايض به مقابل أي منزل لأي ~~مليونير في أي مكان في ولاية كاليفورنيا. الكشافة الصغير محق في ~~اعتقاده أنه من الممكن أن يشعر الإنسان بالرضا بما يمتلكه؛ فحسبه أن ~~يكون لديه منزل وحديقة زهور وضمان قوت يومه. الحياة رائعة اليوم يا ~~مارجريت، رائعة للغاية. فقد قضيت وقتا ممتعا مع كاري ونحله. لقد ~~حسمت أمري وقررت أنه ما دام سيد النحل أراد أن أحصل على المنزل ~~والحديقة، فسوف أحرص عليهما بقدر ما أراد حصولي عليهما. لم يكن ثمة ~~شك مطلقا في رغبتي فيهما. وإنما كنت أشعر أنني قد أسطو على حقوق ~~رجل آخر. أما إذا طرأ أنها امرأة التي سطوت على حقوقها، فبالطبع ~~...» # قاطعته مارجريت كاميرون: «فبالطبع، ستبلغ بك الحماقة أن تهم ~~بالمغادرة وتترك ما يحق لك شرعا!». # فقال جيمي: «إذا استطاعت إقناعي بأن لها حقا في المكان فعلا، ~~فسوف أغادر، بالطبع، مهما كان حبي له.» ثم أضاف: «لكنني لم آت ~~للحديث عن المغادرة. لقد جعلت حجرة المعيشة رائعة، يا مارجريت، بما ~~وضعته فيها من زهور كثيرة. فلتخبريني بحق، هل أنت من وضع الزهور في ~~غرفة نومي؟» # أدارت مارجريت ms226 كاميرون نحوه وجها مندهشا اندهاشا حقيقيا. # وقالت: «لا، لم أفعل. فإنني لا أحب مطلقا أن تكون حجرة النوم مكتظة ~~بالزهور. فلا يروقني النوم مع عطر زهور أقوى من الذي يأتي من ~~النوافذ. لا أعتقد أنه من الصحي الاستلقاء طوال الليل في جو ~~معبأ. إنني لم أضع أي زهور في غرفة نومك.» # فقال جيمي: «حسنا، إذن، لو أنك لست من وضعهم، فإنك الوحيدة التي ~~لديها مفاتيح الغرفة وتملكين دخولها. وباستطاعتك إخباري من فعل ~~ذلك.» # فقالت مارجريت كاميرون: «ذلك ليس باستطاعتي مطلقا؛ فلا دراية لي به ~~البتة.» # سألها جيمي: «هل جاء الكشافة الصغير إلى هنا؟» # فأجابته مارجريت كاميرون: «على حد علمي لا.» وتابعت: «إنني بالطبع ~~لا أدعي أنني أراقب ذلك الصغير في ذهابه ومجيئه، لكنني لن أنفي ~~أن النافذة قد تشكل مدخلا أنسب من الباب. تعلم أن ثمة بوابة بيننا، ~~وتعلم أنك لم تر الكشافة الصغير قط إلا قافزا من فوق السياج.» # ابتسم جيمي. ~~«أعلم. إنه جزء من نظام التدريب. لقد أصبحت معرفتي بالكشافة الصغير ~~قوية. أولا: الصغير ليس مغرما بجمع الزهور. وثانيا: هذه الزهور ~~قصت بعناية شديدة بمقص أو سكين، وثالثا: لقد نسقت بذوق وجمال ~~لم يبلغهما الصغير بعد. بعض السيقان طويلة والبعض الآخر قصير، وبعض ~~الرءوس منتصب والبعض الآخر، الذي لديه أوراق أقل، تدلى على حافة ~~الوعاء وخرج إلى مفرش المنضدة، وهي إجمالا بديعة بدرجة كافية لإرضاء ~~ذوق أشد فناني اليابان تدقيقا في تنسيق الزهور. إن كان الكشافة ~~الصغير من جمعها كانت ستحشر في حزمة ضيقة وتلقى عشوائيا في ~~الوعاء بأبسط طريقة. ألا تعتقدين ذلك؟» # أجابته مارجريت كاميرون قائلة: «أعتقد أنه محتمل جدا.» # ابتسم جيمي ابتسامته بالغة الود. # وقال: «سوف تخبرينني إذا عرفت، يا مارجريت، أليس كذلك؟» # فأجابته مارجريت، وهي تسايره وترد على ابتسامه بابتسام: «حسنا، ~~بالقطع أعتقد أنني سأفعل». وتابعت: «فلا أرى أي سبب يجعلني لا أفعل ~~ذلك. أعتقد أنني سأخبرك إذا عرفت؛ لكنني بصراحة وصدق يا جيمي ليس ~~لدي أدنى فكرة من عساه قد يكون الذي نسق الباقة ms227 بالذوق الفني ~~الرفيع الذي وصفته بحماس شديد. هل صادقت أيا من الجيران؟» # قال جيمي: «تعلمين أنني لم أفعل!» وتابع: «لا يوجد أي جيران على ~~الجانب الغربي. قد يصبح هناك جيران في المستقبل، وأنت جارتي من الجهة ~~الشرقية، ولا معرفة لي بمن بعدك من جيران. بالطبع يوجد بالأسفل على ~~الشاطئ يوميا مئات الناس، لكن بعيدا عن كونها أشد زرقة، ربما ~~تبدو هذه الحديقة مثل أي حديقة أخرى منحدرة إلى الشاطئ. فلا يأتيها ~~زوار على حد علمي. الحقيقة يا مارجريت أن المنزل اليوم يشوبه شيء ~~يحيرني. والباقة التي في غرفة نومي أحد الأشياء. كما أن كرسي سيد ~~النحل سحب إلى جانب المدفأة ووضع أمامه الخف الذي أرتديه، فهل ~~أنت من فعل ذلك، ما دمنا نتحدث في الموضوع؟» # فقالت مارجريت كاميرون: «لا، لم أفعل ذلك. لقد شعرت أن كرسي سيد ~~النحل شيء جدير بالتبجيل والتكريس له، وقد احترمت نقاء سجيتك ~~الذي منعك من الاستيلاء عليه. لا بد أن أوطن نفسي على عدم المبالاة ~~برؤية رجل آخر يستخدمه. وإنني صراحة أفضل أن أراك أنت تستخدمه عن ~~أي شخص آخر أعرفه، لكنني لا أستطيع أن أراك جالسا عليه الآن من دون ~~أن أستاء.» # قال جيمي: «خيل لي أنه سيعتريك ذلك الشعور الذي اعتراني، ورغبة ~~في أن أكون أكثر جدارة باكتساب المزيد من السنوات والمزيد من المعرفة، ~~لأبلغ أفضل مستوى أستطيع الوصول إليه؛ فلا أجرؤ على الطموح بشغل ~~ذلك الكرسي قبل أن أرتقي وأصل لأقصى ما في وسعي. لقد أخبرتني ~~أن لديك ابنة مسافرة للتدريس في إحدى المدارس وأن لديك ابنة ~~صهر تأتي لزيارتك باستمرار، وإنني أتساءل إن كانت إحداهن قد تكون ~~أتت معك وربما هي التي رتبت الأشياء بطريقة مختلفة عن ~~طريقتك.» # هزت مارجريت كاميرون رأسها نفيا. ~~«لقد سافرت لولي إلى أقصى شمال الولاية مع المدرسة التي قبلتها، ~~متجهة إلى ساكرامنتو رأسا. ولا يمكنها التنقل مجيئا وذهابا حتى ~~انتهاء الفصل الدراسي. لا أجد غضاضة في الإقرار بأن المنزل أشبه ~~بالقبر من دونها، وقد ذرفت الدموع ms228 لأنها في واحد أو اثنين من آخر ~~خطاباتها ألمحت إلى أنها قد لا تعود للديار لقضاء إجازة الصيف، وأنها ~~قد تذهب مع معسكر للبنات إلى يوسيميتي. ولأحدثك بالحقيقة، لقد ~~انتابني شيء من الاستياء من مولي. إذ أشعر في قرار نفسي أنها أسهمت ~~في إلحاق ابنتي بمدرسة بعيدة عن المنزل، ولا أعلم لماذا فعلت ذلك. ~~التذرع بأنها ستحصل على راتب أكبر لا يضع في الاعتبار أنها ستضطر ~~إلى إنفاق جزء كبير جدا من راتبها على الطعام والسكن، في حين أنها ~~لو ذهبت للتدريس في المدينة، لأمكنها استخدام الترام والعودة إلى ~~المنزل للمبيت ليلا وقضاء يومي السبت والأحد. لم أجرؤ على قول أي ~~شيء لمولي إذ إنني قبل بضعة شهور - ذلك الوقت حين كنت مسافرة عندما ~~جئت أنت - ذهبت إلى المدينة لرؤيتها. كانت مصدومة صدمة مروعة. لم يكن ~~لها سوى قريب واحد مباشر في الدنيا، هو أخوها التوءم دونالد، ومنذ غرق ~~أبوها وزوجي في البحر معا، آويتهما في منزلي حتى بلغا في التعليم ما ~~يؤهلهما للعمل والتكفل بأنفسهما. كانوا كلهم أصدقاء. لكن كانت ~~الصداقة بين دون ولولي أشد مما أردتها. فلم يكن دون متمتعا بما لدى ~~مولي من حزم، ولا برؤيتها للحياة. أعتقد أنه كان خائر القوى وواهن ~~العزيمة نوعا ما، وقد ظللنا جميعا نجاهد سنوات لمنعه من التورط ~~في العديد من الأشياء التي ما كان يجب أن ينجرف إليها. كانت لولي ~~دائما من تستطيع كبح جماحه والسيطرة عليه، إذا أمكن من الأساس. ~~كنت سعيدة بعض الشيء حين التحق بعمل وابتعد، لكن ذهاب مولي للعمل ~~في مدرسة في المدينة جعل هذا المنزل خاويا وموحشا للغاية حتى إن ~~ابنتي سارعت لحزم أمتعتها ورحلت هي الأخرى، وأنا أشعر في قرارة نفسي ~~أن مولي خططت لذلك، وهو ما لم يرق لي. # ومن ثم، على نحو مفاجئ، اتصلت بي مولي لآتي سريعا، إذ كانت في ~~ضائقة، وحين وصلت وجدتها في حالة من الانهيار لم أتخيل قط أنها قد ~~تصل إليها. فقد جاء خبر بوفاة دون. كانوا ms229 قد وجدوا له عملا؛ وظيفة ~~جيدة، في مصنع كبير للمساحيق في سان جواكين، وبدا أنه كان يحبه ~~ويبلي فيه بلاء حسنا. لست على علم كاف بالكهرباء لأعرف كيف حدث ~~ما حدث، لكنه ارتكب خطأ ما؛ فما لبث أن مات مصعوقا بالكهرباء على ~~نحو سريع. وقد استدعينا لولي، لكنها لم تأت. بعثت برسالة تقول ~~إنها حزينة حزنا بالغا حتى إنها مرضت ولازمت الفراش، ولن تستطيع ~~الحضور، وقد توقعت أن تحزن حزنا بالغا يجعلها سقيمة وتلازم ~~الفراش. فإن لولي ابنتي. رزقت بها في زواجي الأول. فلم تكن قريبة ~~قرابة حقيقية للطفلين الآخرين. كان السيد كاميرون زوج أمها، وربما ~~كانت مشغولة بدونالد أكثر بكثير مما كنت أعتقد. على أي حال، ~~اضطررت أنا ومولي إلى دفنه وحدنا. وكانت مولي في كرب شديد حتى ~~إنني أكاد أكون سامحتها. كما أنني لا أدري حقا، إن كانت هي التي ~~خططت لإبعاد لولي عن المنزل. كان ذلك شعوري فحسب. لقد انزعجت من ~~الأمر برمته كثيرا مؤخرا، حتى مولي لم تعد تأتي كثيرا كما ~~اعتادت أن تفعل، ولا أعرف السبب، فأنا في الحقيقة كان يهمني كثيرا ~~أمر الفتى وكان من الممكن أن أشاركها الحداد عليه بصدق ~~وإخلاص. # والآن تأتيني خطابات من لولي تلمح إلى أنها ستذهب إلى أقاصي الشمال ~~في الولاية في إجازة الصيف ولن تأتي الديار إلا بضعة أيام قبيل ~~نهايتها، وتعود بعدها مرة أخرى للعمل من أجل العام الدراسي الجديد. ~~ما كان يفترض أن يصبح هذا حالنا. أتساءل أحيانا إن كنت أبالغ في ~~التهذيب والتدقيق بشأن خروج الفتيات وما يفعلنه. لا يبدو من الحال ~~الذي أصبح عليه الشباب اليوم أنه يمكن للأم أن تبالغ في التدقيق، ~~فهي إن فعلت فستبعد صغارها عن البيت، ولا أظن أنها ستجني من ذلك سوى ~~حسرة شديدة. ومن ثم، كلا، لم تكن أي من فتاتي معي. وإذا كان ثمة ~~لمسة أنثوية في منزلك اليوم لا تعرف مصدرها، فإنني أقول لك صراحة ~~إنني لا أعرف من صاحبتها أو من أين جاءت.» # جعل جيمي ms230 يمعن التفكير. # ثم قال أخيرا: «حسنا، ما دمت لا تعرفين فلا بأس، ذلك جل ما أردت ~~معرفته. سينبغي علي أن أقوم بتحرياتي الخاصة.» # قال قوله ذلك مازحا، لكن ظلت الفكرة تراوده. إذ إنه عاد للمنزل ~~ومنه إلى الممشى الخلفي. ثم رفع مزلاج بوابة الشاطئ بأصابع مستكشفة. ~~واتخذ المسار الممهد بالطين الصلب والحصى نزولا إلى حيث تلتقي ~~الرمال بالبحر، ووقف يجول بنظره بإمعان شديد وحرص بالغ في الرمال. ~~وبعد برهة خيل له أنه بدأ يميز أثر قدم، وبعد بضع ياردات وجد ما ~~كان يبحث عنه، أثر كان قد رآه من قبل، شكل الحذاء نفسه، العرض ~~نفسه، والكعب العريض نفسه الدال على رجاحة العقل. وعندئذ أيقن من ~~دون أي شك أن فتاة العاصفة كانت في منزله. # مضى متقدما في الشاطئ نحو الجنوب، مقتفيا آثار الأقدام، وأخيرا ~~وجد الأكمة الرملية نفسها حيث كانت تنمو زهور رعي الحمام. ووجد ~~السيقان التي قصت منها الزهور. ثم خطرت لجيمي فكرة، فدار وكاد ~~يركض في اتجاه العرش. وبقلب خافق صعد المسار المؤدي إلى القمة، ~~وتسلق الصخور، حتى أصبح في مواجهة الموضع الذي صمد فيه هو وفتاة ~~العاصفة أمام العاصفة معا. # راحت الشمس في ذلك المساء تهبط إلى المحيط في هالة من الجلال ~~حمراء اللون. فيما كان الغيم في الأفق يبدو أقرب إلى حمرة الدم في ~~أشعتها، والمياه تلونت بزرقة نيلية داكنة في أبعادها الممتدة ~~حتى الصين، وبلون زمردي فاتح ساحر قرب الشاطئ، بينما تلون السطح ~~في بهاء تارة أرجواني وتارة وردي داكن مع الأمواج الخفيفة التي جعلت ~~تتدفق في هوادة. وكان زبد الشاطئ والرمال نفسها متلونة بألوانها ~~في رقة. وفي موضع قريب جدا راح طائر محاك يغرد ونوارس بيضاء ~~تحلق عائدة لأعشاشها، وبضعة طيور طيطوي صغار تتشاجر على الشاطئ. كان ~~ثمة أشياء كثيرة أجدر بجيمي أن يراها ويعجب بها ويحمد الله ~~عليها، لكنه لم ير سوى أن سيدة العاصفة جلست في مكانها ونسقت الزهور ~~التي أحضرتها له. حيث ألقيت على الصخور عند قدميه أوراق صغيرة ~~ذابلة من ms231 رعي الحمام، وأسقطت براعم مهملة لكونها عجوزا جدا. ~~تقدم جيمي خطوة أخرى وجعل ينظر، فكان في مكانه على الصخور ثلاثة ~~براعم بديعة، وساق طويلة ممتدة وأخرى متوسطة وأخرى قصيرة محبوكة ~~معا ببراعة، ومجدولة من بعد الأوراق وقد وضعت حيث كان يجلس كما قد ~~نضع إكليلا جميلا على قبر أحد الموتى. وعندئذ طرأت لجيمي تلك ~~الفكرة نفسها. # فقال: «يا إلهي! ترى ماذا قد تظن إن عرفت أنني أفضل عشر مرات ~~عما كنت يوم تزوجتها! أتساءل إن كانت ستظن أنني كنت مخادعا إن ~~عرفت أنني أبذل قصارى جهدي لأصبح بكامل صحتي. وأتساءل ماذا ستظن ~~إن عرفت أنني لم أحفظ وعدي بعدم محاولة البحث عنها. أتساءل ماذا ستظن ~~إن عرفت أنني حنثت به حين ذهبت إلى مارجريت كاميرون لأرى إن كانت ~~تستطيع إخباري بأي شيء، وحنثت به مرة أخرى حين قطعت الشاطئ مقتفيا ~~أثر قدم أعرفه. أتساءل ماذا ستظن إن عرفت أنني من أعماق قلبي أكاد ~~أكون عاشقا لها. أتساءل ماذا ستظن إن عرفت أنه منذ الليلة التي ~~ضممتها فيها بين ذراعي لم تمر علي بضع دقائق دون أن ترد ~~على ذاكرتي وأريدها وأتألم من أجلها وأعمل من أجلها وأفكر فيها، ~~حتى بلغ بي الحال أنني لم أعد أكترث كثيرا لسبب احتياجها إلى اسمي. ~~وأتساءل ماذا ستظن إن عرفت كم مرة قرأت خطابها وكم راق لي، ~~وأتساءل ماذا خطر لها وهي تجمع زهور رعي الحمام لتضعها بين أصابعي ~~وتحملها على بعد بضع أقدام من وسادتي. ويحي! أتساءل إن كانت قد ~~اطمأنت لي كفاية حين تزوجتها حتى إنها قد تأثرت قليلا بشخصيتي! ~~أتساءل إن كانت تشعر أنني بحق حطام رجل على أي حال. أتساءل إن ~~كانت الأيام الصعاب قد أوشكت وإن كانت بحاجة إلى رجل بمقدوره ~~رعايتها والتسرية عنها وفعل ما بوسعه ليمدها بالقوة. أتساءل إن ~~كانت تلك الزهور إلى جانب وسادتي هي طريقتها لتطلب مني مخالفة وعدي، ~~والبحث عنها، ومساعدتها؟ أتساءل إن كانت هي طريقتها لتقول إنها تحتاج ~~مني إلى أكثر من اسمي؟» ms232 # ظل جيمي جالسا حتى الغسق، ثم نهض ببطء وسلك الطريق إلى منزله ~~لتناول غدائه. وبينما يعبر الرواق الخلفي طرأت له فكرة. سار عبر ~~الممشى وانعطف إلى نافذة غرفة نومه، وبينما كان يتفحصها عن كثب ~~لفت نظره كومة من رعي الحمام على الأرض. لقد أخبرته مارجريت ~~كاميرون الحقيقة. إنها لا تعرف من هي فتاة العاصفة. ولم تزود أحدا ~~بالمفتاح لتتيح الدخول إلى منزله. لقد فعلت فتاة العاصفة ما كانت ~~قادرة تماما على فعله. فقد تخفت في الممشى الخلفي في خلوة ~~الشجيرات، التي حجبتها عن الشوارع والمنازل المجاورة ودخلت من ~~نافذته. كان ذلك ما حدث إذن، وهو ما لم يساعده البتة على اتخاذ خطوات ~~نحو الموت. بل إنه دعاه، في واقع الأمر، إلى التفكير أكثر وأعطاه ~~المزيد من الأسباب للعيش أكثر من أي أسباب سيطرت عليه من ~~قبل. # بعد تلك الواقعة عاش جيمي في ترقب دائم. فلا شك أنها يوما ما ~~ستأتي مرة أخرى. يوما ما سيوجد في الحديقة حين تأتي، أو سيجدها على ~~العرش. كاد يحمله الهوى على كتابة رسالة وتركها هناك، لكن أثناه ~~عن ذلك معرفته أن العديد من الناس يتسلقون المسار الوعر المؤدي ~~لقمة الصخرة المتعرجة. لم يستطع أن يجازف فيعثر أي شخص آخر على ~~الرسالة الموجهة لفتاة العاصفة. لم يستطع في أعماق نفسه الامتناع عن ~~التفكير فيها كما رآها، مكروبة وحزينة في وهج البرق، أو بشفتين ~~مرتعشتين وعينين محدقتين كما كانت حين تركته. لم يستطع ألا يحاول ~~تخيل كيف قد يبدو وجهها وهو متلهف ومتوهج بالسعادة، وكم قد تلمع ~~عيناها وهي مسرورة ومتحمسة، وكم ستصبح رفيقة رائعة عند مواجهة ~~الأمواج أو تسلق الجبل، أو العمل في الحديقة، أو عند الجلوس قبالة ~~المدفأة. مهما يكن ما قد ظنه عنها حين رآها امرأة غامضة، امرأة ~~تجلى عرقها وأصلها في وجهها وحركاتها ونبرات صوتها، امرأة يملك ~~دمه حق أن يهفو إليها لأنهما ينتميان للجنسية نفسها، من ناحية ~~الجد، تظل الحقيقة أنه لا يمكن أن تكون غامضة بالنسبة إليه قط. فقد ~~انطبعت ms233 في ذاكرته في وعيه بطريقة مختلفة عن أي امرأة أخرى. # قال جيمي: «لأنها زوجتي أمام الله وأمام القانون، وهو الواقع الذي لا ~~يمكنني التملص منه، ولا تستطيع هي التملص منه. لا يمكنها أن ~~تتزوج أي رجل آخر من دون الإعلان عن نفسها والطلاق مني.» # وإذا بجيمي يتلقى صفعة أخرى أردته فاقد النطق وربما فاقد ~~الحس لبرهة. # إذ قال لنفسه وكل ما حوله حين اكتسب طاقة كافية ليتحدث: «كذلك أنت ~~يا جيمس لويس ماكفارلين، لا تستطيع الزواج من أي امرأة، ولا يمكن أن ~~يصبح لديك بيت حقيقي ولا عائلة ما دمت متزوجا شرعا من فتاة لا ~~تريد سوى اسمك، أو على وجه الدقة من واحدة لا تريدك أنت شخصيا على ~~الإطلاق!» # جلس جيمي بغتة وأقر بأنه كان مشغولا بسبيل واحد. فقد كان ذاهبا ~~في السبيل المؤدي إلى الموت والزوال حين أقدم على مغامرة الزواج ~~الحمقاء هذه. أما الآن فهو في السبيل المؤدي إلى بيت، وإلى مهمة في ~~الحياة، وإلى الأشياء التي يرغبها كل الرجال حين يكونون عقلاء ~~وأصحاء، لكنه أصبح مقيدا بأشد القيود التي يستطيع القانون تقييده ~~بها بالسجلات الموجودة في مكتب أذون الزواج التابع للبلد الذي يعيش ~~فيه. كان ذلك أمرا آخر يستدعي التفكير. وهكذا مضى جيمي يؤدي مهام ~~مربي النحل، وسيد المنزل، وشريك الكشافة الصغير، بينما ذهنه منشغل ~~بعدة مشكلات ملحة جدا. # الفصل الخامس عشر # | حصاد العاصفة # بدأت الأيام تنسل سريعا. وحين أصبح جيمي أكثر دراية بالعمل ~~الذي عليه القيام به وجد أنه كثيرا ما يستطيع أن يرى من تلقاء نفسه ~~أشياء لم يخبره أحد بها، لكنها أشياء زادت نشاط النحل، أشياء ~~أضافت إلى جمال الحديقة، أشياء أدت إلى إنتاج كميات أكبر من مختلف ~~أنواع الخضراوات. كذلك اكتشف أن هناك أكشاك فاكهة وخضراوات في ~~موقع غير بعيد عنه على استعداد لشراء أي شيء لم يمكنه استخدامه هو ~~ومارجريت كاميرون من هذه الأصناف مقابل أسعار مجزية. وبعد ذلك بدأ ~~يملأ سلالا من أجل الكشافة الصغير ليحملها إلى منزله حتى لا ms234 تثار ~~تساؤلات بشأن عدم العدالة في التقسيم. # مرت عشرة أيام كان نادرا ما يرى فيها الكشافة الصغير، ثم جاء ~~يوم بهيج إذ جاء الصغير إلى الحديقة صاخبا يتبعه بيل السمين الطيب ~~والطفل المطيع وذو الوجه الملائكي. فأشاعوا جوا من المرح، وملأت ~~ثرثرتهم الأجواء، وضحك جيمي حتى استلقى على قفاه. حيث كانوا يحتفلون ~~بنهاية الدراسة. فأخذوا يخططون لصيف طويل سيشمل المزيد من الشغب أكثر ~~ربما مما كانوا يملئون به المدة الزمنية نفسها فيما قبل. # وجد جيمي نفسه في غاية الامتنان لوجود الكشافة الصغير في ~~الحديقة. لم يكن حصوله على الكثير من المساعدة المفيدة في رعاية النحل ~~وتقليم الزرع وريه هو السبب الوحيد؛ وإنما لأنه أصبح يحب الصغير ~~حبا جما. ولما ترسخ في نفسه اهتمامه بالطفل أكثر، انتابه القلق ~~وأصبح مشغولا بإحساسه بأن الأمور ليست كما ينبغي لها أن تكون؛ إذ إن ~~قائد الكشافة لم يكن طوله يزيد، ولا يكتسب القوة البدنية التي يفترض ~~أن تؤدي إليها التمارين التي كان جميع فتيان الكشافة يؤدونها. وقد ~~فكر جيمي جديا عدة مرات في زيارة أم قائد الكشافة وسؤالها إن كانت ~~لا ترى أن جين يجهد نفسه للغاية في التمارين، ويرهق ذهنه لأقصى درجة، ~~جاعلا من كل يوم سلسلة من نشاط لا ينتهي. وقد أدرك جيمي من بعض ~~الأخبار هنا وهناك أن الطفل لم يكن ينام جيدا البتة في الليل. إذ كان ~~الكشافة الصغير يتسلل إلى حجرة المعيشة أحيانا ويتمدد في الشرفة، ~~أو إلى حجرة جيمي، وينام بضع ساعات كما قد ينام الموتى، عند نهاية ~~الفراش. # ومع تنامي قوة جيمي، وازدياد سمك الجلد المغطي لصدره وزوال ~~لونه، ومع تحقيق المواظبة على النظام الغذائي الدقيق وحمامات الملح ~~والعلاج بالشمس وعصير الطماطم والبرتقال أهدافها، أصبح ذهن جيمي ~~صافيا بالتناسب مع قوته بدنيا. وجعل ينمو لديه شعور بالقوة، ~~والقدرة على تحمل المسئولية. فكاد يتوقف تماما عن التفكير في نفسه. ~~وأصبح كل تفكيره منصبا على عمله، والكشافة الصغير، ومارجريت ~~كاميرون، ووجد أنه لم تمر ساعة من يومه وإلا وكان ms235 ذهنه في صراع ~~يكر فيه ويفر، ويقبل ويدبر، فيما يخص الفتاة التي ~~تزوجها. # ومن ثم تساءل إن كان لا بد أن يبدأ بحثا منظما عنها، وإن كانت ~~ستسر أم تبتعد عنه في غضب، إذا عثر عليها. وتساءل إن كان ثمة ~~مساعدة يستطيع أن يقدمها لها. وتساءل إن كانت ثمة ظروف تشفع لها. ~~لم يستطع جيمي أن يحمل نفسه على رؤية فتاة العاصفة بصفتها فتاة ~~خالفت القوانين؛ قوانين الخالق وقوانين الإنسان. # في تلك الأيام كان لديه قلق دائم بخصوص مارجريت كاميرون. كان قد ~~ألف أن يحترم جارته غاية الاحترام. وكان قد ألف أن يقدر أفعالها ~~الكريمة الطيبة العديدة بالغ التقدير. وقد شعر بأنه لو كان العالم ~~كله مليئا بأمهات مقبلات على البقاء في المنزل، وتحمل واجبات ~~رعاية البيت، والتمسك بالمنطق السليم والآراء السديدة كما فعلت ~~مارجريت كاميرون، لكان هناك المزيد من الفتيان والفتيات المقبلين على ~~البقاء بالمنزل، والمقبلين على البحث عن التسلية فيه بدلا من البحث ~~عنها في الشواطئ والوديان وقاعات الرقص الرخيصة. ثم تصور أن مشكلة ~~مارجريت كاميرون في تلك اللحظة، حسب تخيله، هي أن ابنتها الوحيدة قد ~~غادرت المنزل وستظل بعيدة عنه عن عمد. كانت مارجريت قد أخبرته ~~لتوها ذلك الصباح أن لولي قد حسمت قرارها بالذهاب مع مجموعة من ~~الشباب إلى يوسيميتي وغابات موير. وقد قالت في خطابها إنها ستحاول إن ~~أمكن أن تعود إلى المنزل لقضاء بضعة أيام قبل بدء الدراسة في الخريف، ~~وبذلك كان أمام مارجريت كاميرون صيف طويل موحش، وقد اعترفت لجيمي بأن ~~ثمة قلقا، وخوفا يتملكها حتى إنه يستحيل عليها تماما ~~صرفه. # لذلك كان جيمي حين يفكر في مارجريت، يفكر متعاطفا ومتعجبا، وفي ~~كثير من الأحيان بكثير من السخط. فلم يملك سوى الشعور بأنه ثمة واجب ~~تجاه الآباء والأمهات الذين حافظوا على بيوتهم، وصمدوا في وجه ~~السنوات، وطببوا أبناءهم وتعهدوهم بالرعاية وصلوا من أجلهم، ~~الذين بذلوا أقصى ما في طاقتهم وأحبوا من أعماق قلوبهم، الذين أعطوا ~~بلا مقابل، ومنحوا كل ما يملكونه، لكنهم لم ms236 يجنوا من ذلك أي شيء ~~مطلقا فيما يبدو، ولا حتى الامتنان. لم يستطع جيمي تصديق أن الاهتمام ~~الذي كانت مارجريت توليه إياه كان متأثرا بعمق التفاني ومشوبا ~~بنوعية الاهتمام والحب الذي منحته أيا من الثلاثة الصغار الذين ~~أحبتهم وتفانت من أجلهم حتى بلغوا السن التي استطاعوا فيها ~~إعالة أنفسهم. فقد حلت الإجازة. وحان وقت رجوع الأطفال الآخرين إلى ~~منازلهم، لكن لم تكن أي من ابنتي مارجريت كاميرون قادمة؛ لا الفتاة ~~التي أنجبتها، ولا الفتاة التي منحتها المأوى. لماذا لم تأت كلتاهما ~~لقضاء بضعة أسابيع؟ لماذا لم تخططا للحضور واحدة تلو الأخرى بحيث ~~تحظى مارجريت بإجازتها كما سيحظى بها الآخرون؟ لماذا لم تضعا من ~~أجلها بعض الخطط؟ لماذا لم تفعلا شيئا لكسر وتيرة الضجر والتضحيات ~~والعمل الشاق في حياتها؟ # ومن ثم قرر أن يجتهد جدا في العمل. ثم يأخذ بضعة أيام إجازة ~~ويطلب من مارجريت كاميرون أن تذهب معه لالتماس بعض البهجة. فيذهبان ~~حيث يستجم الناس على الشواطئ. وقد يذهبان إلى مكان ما على متن مركب. ~~وربما يذهبان إلى المدينة ويستمعان لبعض الحفلات الموسيقية الرائعة، أو ~~يشاهدان بعض الأفلام الجيدة، أو مسرحية مسلية. فسوف يحاول أن يرد ~~فعليا بعضا مما كانت تفعله لتضفي على حياته معنى. وقد عزم على ذلك ~~عزما لا رجوع فيه. # وذات يوم ذكر جيمي موضوع أولاد مارجريت أمام الكشافة الصغير، فوجد ~~أن الطفل كان ساخطا بقدر سخطه. # إذ قال الكشافة الصغير: «لا يعلم أحد متى ستأتي لولي. إنها لا تفكر ~~إلا في نفسها وغالبا تفعل ما يحلو لها، أما مولي فسوف تأتي. فإنها ~~تعمل عملا صعبا وربما تضطر إلى الراحة بضعة أيام. قد تكون مضطرة ~~إلى إغلاق مسكنها وتسكين شخص آخر فيه، أما إذا لم تأت فسيكون لديها ~~سبب وجيه جدا، لكن عندما تأتي ستبدأ المعسكرات والنزهات، وسيكون ~~هناك أشياء لنقوم بها في هذه الأنحاء. حين تأتي مولي ستكون مستعدة ~~للانطلاق بكل همة، وعندئذ ننطلق!» # استخدم الكشافة الصغير يديه ليمثل كيف يمرحون حين تعود مولي ~~للديار. ~~«إنها ms237 مرحة حتى النخاع! إذ ترتسم على وجهها ابتسامة طفولية عريضة ~~كما أنها لا تخشى الأوساخ. ولا تخشى المياه، ولا تخشى الجهد، ولا تخشى ~~إنفاق النقود. إنها مبهجة كالفاكهة الناضجة! هذه هي مولي!» # قال جيمي: «أنتظر بلهفة، لرؤية مولي.» # فقال الصغير: «حسنا ، فلتظل منتظرا.» وتابع: «لتبق على موقفك، ~~وما دمت تهتم بالتعرف إلى الفتيات، فبالقطع، ستجد فيها فتاة ذات ~~جاذبية، حين تأتي!» # فقال له جيمي: «أصدق ما تقول. أعتقد أنك أعلم بالأمر، وإنني أثق ~~تماما في آرائك.» # راح الكشافة الصغير يفتت خبزا على امتداد حافة الممشى الخلفي من ~~أجل أنثى طير محاكي عششت على نخلة تمر بجانب العريشة. ووضع ~~بجانب الخبز قطعة كبيرة من تفاحة جعل يلتهمها من دون مضغ. وفي ثلاث ~~قضمات أخرى اختفت التفاحة، بلبها وبكل ما فيها. مسح الكشافة ~~الصغير أصابعه المبللة في مقعدة سرواله القصير بالغ الاتساخ، ووضع ~~يده فوق يدي جيمي اللتين قبض بهما على فروع بعض زهور السوسن التي ~~كان يستزرعها. أدت القوة الإضافية التي هبت للمساعدة إلى خلع الجذور ~~من الأرض، فتدحرج كل من قائد الكشافة ومربي النحل فوق الآخر ~~عشوائيا هابطين جانب الجبل حتى اصطدما صدمة قوية بشجرة كريفون. ~~فنهضا يضحكان، والتقط جيمي السوسن. ووقف قائد الكشافة رابط الجأش ~~برشاقة. ثم أخذ نفسا عميقا، وسحب شفته العليا، ومد شفته السفلى، ~~لينفث الغبار عن عينيه الرماديتين الداكنتين. وكان المفترض أن ~~الاهتزاز مثل كلب خرج من الماء كاف لطرح الأوساخ المتراكمة. واستقر ~~على الوجه الصغير تعبير مغتبط أقرب إلى العذوبة الساذجة. وبإبهام ~~اليد اليمنى والسبابة نفض بدقة قطعة كبيرة من الأوساخ عن الكتف ~~اليسرى. ثم راح بالإيماءات يتفحص حالة جيمي من خلال نظارة تظاهر ~~بمهارة بأنه يرتديها حتى إن جيمي رآها جيدا رغم أنها لم تكن ~~موجودة. # قال الكشافة الصغير: «أرجو حقا ألا يكون قد أصابك ضرر ~~دائم.» # فقال جيمي: «لا، لم يصبني، وأرجو لك الأمنية الطيبة ~~نفسها.» # قال الكشافة الصغير: «شكرا جزيلا!» وبالحماس نفسه استأنف كلامه ~~قائلا: «أراهنك ...» ودفع يده في جيبه، وأخرج عملة ms238 صغيرة وتفحصها ~~جيدا. ثم وضع جانبا قيمة شطيرة سجق وزجاجة مياه غازية بنكهة ~~الفراولة وحسب المتبقي. وتابع: «أراهنك بسبعة سنتات أنني أستطيع ~~التدلي بقدم واحدة من عمود العريشة القائمة هناك!» # جعل جيمي يتأمل الموقف. # وقال: «لن أجاريك في رهانك. إذا انسلت قدمك وسقطت فسينكسر ~~رأسك.» # فقال قائد الكشافة: «لن ينكسر إن وقعت على التربة.» ~~«سينكسر إن وقعت على الصخور الواقعة على بعد ست بوصات من ~~التربة.» # فقال الصغير: «نعم، وهذا المثير في الأمر، مجرد ترقب أين سأسقط!» ~~وفي الحال بدأ يتسلق العريشة. # قال جيمي: «انتبه، فلتعدل عن ذلك! لن تتدلى من قدم واحدة من ذلك ~~الجزء المتقاطع. لا أعلم كم مضى على بناء تلك العريشة، وقد ألقي عليها ~~الكثير من المياه لغسل الكروم. فقد يكون خشبها تحلل ~~تماما.» # واصل قائد الكشافة التسلق بتمكن وسريعا ما جلس على العمود ~~الثاني، وجعل يقفز عليه للتحقق من ثباته. # عندئذ بدا جيمي حادا. # وحثه قائلا: «قلت لك ألا تفعل ذلك!» # فأجابه قائد الكشافة بهدوء: «لن أفعل. لقد سمعتك. فلست أصم. ~~أستطيع أن أؤدي حركة أخرى لها الجودة نفسها، وإذا نجم عنها كسر فلن ~~يصيب سوى ساقي. سوف أتدلى من إصبعي الصغير!» # قبل أن يتسنى لجيمي الوقت ليقول أو يفعل أي شيء، كان جسم قائد ~~الكشافة متدليا لا يمسكه سوى إصبع يده اليمنى الصغيرة فحسب. # صاح الصغير وهو يتأرجح: «لقد تعبت!» وأضاف: «انتبه! فسأهبط! سأستهدف ~~النزول على التربة. اتصل بجرايسون إن هبطت على الحجر!» # وهبط قائد الكشافة، فحط برشاقة وبمنتهى الدقة على تربة الحديقة ~~التي كانت مروية حديثا، على بعد أربع بوصات تقريبا من الأحجار ~~التي كانت من الممكن أن تكسر ساقه بمنتهى السهولة. # فقال له جيمي: «فلتنصت لي. لقد أخبرتك أنني لم أكن على ما يرام ~~في وقت من الأوقات، أليس كذلك؟» # أجابه قائد الكشافة: «نعم، ولم تكن بحاجة إلى إخباري!» ثم أردف ~~قائلا: «كان بإمكاني أن أرى ذلك وحدي، لكن أرى الآن أنك في غاية ~~البأس. تستطيع قيادة محراث بخاري أو تشغيل كسارة ms239 أحجار أو ضرب أحد ~~اللصوص إن أردت. لن أفعل ذلك مجددا.» # وبعد ذلك ثبت قائد الكشافة قدميه الصغيرتين أمام جيمي مباشرة ~~ونظر إليه وفي أعماق عينيه الداكنتين تتراقص الشقاوة نفسها. # سأل الكشافة الصغير ساخرا: «لقد أثرت حنقك، أليس كذلك؟» وتابع: ~~«وجعلتك تظن أنك ستضطر إلى الذهاب إلى الهاتف وتتصل بأمي لتأتي ~~بسيارة الإسعاف. عجبا! ها هو هاتفك يرن!» # جاوز جيمي مرحلة حين كان رنين الهاتف حدثا، فقد أصبح يرن كثيرا ~~تلك الأيام. قد يكون كاري هو المتصل ويريد مساعدة. وقد يكون جرايسون ~~ليشرح تفصيلة قانونية جديدة قابلته. وقد يكون اتصالا من البنك. وقد ~~تكون أم قائد الكشافة تريد أن يعود طفلها إلى المنزل. مسح جيمي يديه ~~في سرواله وسار إلى الهاتف ورفع السماعة. جلس قائد الكشافة على الصخور ~~التي ابتعد عنها عند نزوله فلم تكسر عظامه، وبزهو شغوف راح يتفحص ~~النصف الغربي من الحديقة الذي كانا يعملان فيه والذي شكل أملاكه ~~الشخصية المحببة إلى نفسه. # وبينما كان يجول بنظره في أنحاء الفدان الممتد حتى البحر، قال ~~الكشافة الصغير: «بعد أن أفرغ من المدرسة الثانوية سآتي لأعيش هنا. ~~فليهنئوا هم بكلياتهم اللعينة ويفعلوا بها كيفما شاءوا! أما أنا ~~فسأتعلم من الكتب التي وضعها سيد النحل في مكتبته. فكما كانت نافعة ~~له فستصبح نافعة لي، وبينما أقرأ كتبه سأظل أفكر فيه. من الأسباب ~~التي ستجعلني أحافظ على نقاء سيرتي وأسلك سلوكا قويما وأصبح محترما ~~مثلما كان هو رغبتي في الذهاب حيث ذهب، حتى نرى ما يمكننا الفوز به ~~من الجنة معا مثلما استمتعنا كثيرا على الأرض. ويحي! ليته يعلم كم ~~أشتاق إليه!» # بداخل المنزل، وقف جيمي أمام الهاتف بوجه شاحب، متشبثا بالهاتف ~~التماسا للدعم، بينما راح كل جزء من جسده ينتفض، وقد فارقته قوته ~~التي استعادها منذ مدة ليست بالبعيدة، متمزقا حتى الأعماق. كان قد ~~رفع السماعة وقال «مرحبا!» بلا مبالاة كما قد يقولها أي رجل آخر، ~~ورد بعد ذلك بالإيجاب على استفسار: «هل أنت جيمس لويس ماكفارلين من ~~منحل سييرا مادري!» ms240 فجاءه الصوت مستأنفا: «أنت مطلوب حالا وضروريا ~~في مستشفى التوليد، الواقعة عند زاوية تقاطع شارعي أيرولو ~~وسفنتينث.» # فأجاب جيمي لاهثا: «أجل.» # فواصل الصوت الحديث قائلا: «لقد وضعت زوجتك طفلا سليما ليلة ~~أمس، لكنها لم تفق من التخدير كما ينبغي، مما أثار قلقنا. لقد وجدنا ~~عنوانك بين أغراضها. نرجو أن تصل إليها بأسرع ما تستطيع. فمن المحتمل ~~أن تطلب رؤيتك قريبا جدا.» # وضع جيمي السماعة، والتقط قلما وكتب: «شارعا أيرولو وسفنتينث»؛ حتى لا ~~ينسى. ثم هرع إلى غرفة النوم وشرع يرى السرعة التي يستطيع بها ارتداء ~~ملابس مناسبة للخروج إلى الشارع. وبينما يفعل ذلك نادى الكشافة ~~الصغير، وحين ظهر الطفل قال له: «أغلق الأبواب سريعا. وجهز مفتاح ~~الباب الأمامي من أجلي. جاءني استدعاء لأجل مسألة طارئة في المدينة ~~ولا أعلم متى سأعود.» # قال الكشافة الصغير بنبرات تبرم: «أوه!» وأضاف: «لقد جئت لأمكث ~~طوال اليوم! ثمة أشياء كثيرة أردت إنجازها في أرضي.» # فقال جيمي: «أجل، أعلم ذلك.» وتابع: «ربما نفعلها غدا. من الأفضل أن ~~تتصل بالرفاق وتلهو ما تبقى من اليوم على الشاطئ أو تنصرف إلى ~~المنزل.» # خرج جيمي من الباب، وأوصده خلفه. واندفع مسرعا في الممشى والشارع ~~متجها صوب خط الترام. # وقف الكشافة الصغير يراقبه. # وقال: ««مسألة طارئة!» حسنا، سأخبر العالم بشأنها! لعل المنزل اشتعل ~~أو عض الكلب أخي الصغير، أو ضاع صندوق مساحيق الزينة الخاص بأمي، أو ~~سقطت الحكومة. لقد انقلب الحال، ولم يعد ثمة أي شيء صحيح في العالم ~~كله! فلتسرع يا جيمي! عالج كل المشاكل! يا للعجب!» # دار الكشافة الصغير حول المنزل، ودخل متسلقا النافذة الخلفية، ~~وأوسع وسادة جيمي ضربا، ثم استلقى عند نهاية الفراش. # انطلق جيمي إلى أقرب عربة ترام واستقلها حتى المدينة، وفي الطريق ~~سأل أين يجد شارعي أيرولو وسفنتينث، وحين نزل بعيدا بعض الشيء ~~استقل سيارة أجرة. وبمجرد أن جلس تحسس الدفتر الذي دسه في جيبه وكل ~~النقود المعدة للطوارئ التي كانت في صندوق صغير على الرف العلوي في ~~الجانب الأيسر من المكتبة الذي يضم ms241 كتب النحل العملية. كانت أفكاره ~~تدور في فوضى. فتاة العاصفة. لقد بلغت ساعة الآلام، بشجاعة، من دون ~~مساعدة، كما كان يجدر بها. فلم تطلب منه المساعدة. لقد جاءت بطفل ~~للعالم، صبي. «طفل سليم»، كما قال الصوت، لكن لم يبد أنها كانت على ما ~~يرام. بدا الخبر منذرا بالسوء لجيمي. لم يكن يعرف أن التخدير جزء من ~~ولادة الأطفال. لقد وقعت خلال الست السنوات الماضية أشياء كثيرة ~~جدا لم يعلم جيمي بها. وفي البداية لم يكن يعلم شيئا ذا بال عن ~~الطريقة التي يأتي بها البشر إلى العالم، لكنه أخبر بها، وفهم بنفسه ~~أنها ليست رحلة سهلة سواء على الأم أو الطفل، وفي هذا المستشفى الذي ~~كان ذاهبا إليه ثمة صبي حي صغير، وكانت المراسم التي خضع لها جيمي من ~~أجل إنقاذ الطفل باسم يستمد منه الاحترام. كان «الطفل الصغير ~~الجميل» الذي أعلم بشأنه هو جيمس لويس ماكفارلين، الابن، والفتاة ~~الجميلة، فتاة العاصفة، الفتاة الناهدة ذات العينين الداكنتين، الفتاة ~~ذات الوجه البارد المبلل واليدين المتشبثتين، الفتاة ذات الشفتين ~~المرتعدتين والعينين المحدقتين؛ ماذا حدث لها؟ لم تفق من التخدير؟ ~~لم تستعد الوعي كما كان ينبغي لها، وبين أغراضها وجدوا عنوانه؛ لذا ~~هو في طريقه إليها. بعد دقيقة سيكون في الحجرة حيث تمكث. سوف يرى ~~جبهتها، وشعرها الكثيف وهو مسترسل على الوسادة، وعنقها الأبيض. # عرف جيمي ماذا سيفعل. لقد اتخذ قرارا نهائيا. سوف يتناول يديها ~~ويقبض عليهما بكل قوته. سوف يضم وجهها إلى وجهه كما أسلمته هي إياه ~~طواعية ذات مرة. وسوف يغمره بسيل من القبلات المتوجعة. سوف يخبرها ~~أنه لا يأبه البتة لما حدث أو كيف حدث. فإنه لا يمكن أن يصدق أبدا ~~ولن يصدق مطلقا أن العار قد مسها أو قد يمسها أبدا. سوف يجعلها ~~تتعافى، وسيأخذها إلى المنزل، وسوف يعتني بها. سوف يعيشان معا ~~ويتحابان معا، وسيصنعان من الحياة شيئا غاية في الروعة. أخذت ~~الدماء الجديدة، الدماء المنتعشة، الدماء النقية تتدفق في عروق جيمي ~~حتى كاد شعر رأسه يقف. وقد ms242 أخذ يفرك يديه دون أن يدرك ما الذي كان ~~يفعله. # أخذ جيمي يتوعد قائلا: «إنهم ليسوا أكفاء! إنهم لا يقومون ~~بواجبهم! سوف أقتل الطبيب وأخنق كل ممرضة في ذلك المستشفى إن لم ~~يتصرفوا. إن الولادة عملية طبيعية. لا تخبروني أن فتاة كبيرة قوية ~~مثلها قد تتلقى الرعاية المناسبة ولا تنجو منها.» # هرع جيمي إلى المستشفى ثم إلى المكتب ومنه إلى الرواق فإلى ~~المصعد، ومنه إلى حجرة صغيرة. حيث وقف بجانب الفراش وألقى نظرة ~~طويلة. ثم حول نظره من الطبيب المنتظر بجانب الفراش ممسكا رسغ السيدة ~~منقطعة النفس إلى الممرضة. # وقال: «لقد ارتكبت خطأ. لقد أعطوني رقما مغلوطا. هذه ليست ~~زوجتي.» # تقدمت الممرضة والتقطت من بين محتويات الدرج عقد زواج كان قد رآه ~~من قبل. # وقرأت منه قائلة: «جيمس لويس ماكفارلين»، ثم وضعته في الدرج. # تمسك جيمي بنهاية الفراش وانحنى عليه. لم تكن الفتاة الراقدة عليه ~~تشبه أي فتاة رآها من قبل، لم يكن من الممكن، حتى في أبعد ~~الاحتمالات، أن تكون فتاة العاصفة. تشبث جيمي بالخشب عديم الحس ~~أكثر وانحنى أكثر، وجعل يحدق بعينين متسعتين. ما معنى ذلك؟ كيف ~~لهذا أن يحدث؟ لماذا قد تحوز هذه الفتاة العقد الذي يمثل زواجه من ~~فتاة العاصفة؟ # توجه إلى جانب الفراش ونظر بإمعان إلى اليد اليسرى المرتخية على ~~الغطاء. كان الخاتم الذي اشتراه في الإصبع الثالثة، خاتم الزواج الصغير ~~الرخيص. التقط اليد وتفحص الخاتم حتى تأكد. كان يعلم أن كلا من ~~الطبيب والممرضة يشاهدانه. # ثم تحدث الطبيب. فقال: «كم مضى منذ رأيت زوجتك؟» # افترت شفتا جيمي ليقول إنه طوال حياته لم ير قط المرأة الراقدة ~~أمامه، لكنه توقف دون أن ينطق بالكلمات. # إن قال ما كان يجول في خاطره، إن أنكرها، إن تركها للحياة أو للموت ~~وهو أشد رحمة معلنا أنه لا يعرفها، أنه لم يرها قط، فأين إذن ~~رونق الفعل الذي حاول القيام به ليستر باسمه امرأة كانت بحاجة إلى ~~اسم؟ فلم يكن ليفرق معه، على أي حال، في ليلة العاصفة أي ms243 امرأة تحمل ~~اسمه ما دامت كانت ستستعيد به الكبرياء وإرثا لائقا لطفل لم يولد، ~~الذي قال الطبيب إنه «طفل صغير معافى.» لكنه إن نطق فلن يظل الطفل ~~الصغير المعافى بخير. سيصبح طفل العار، مجرد شيء يستدعي الشفقة، ~~مثارا للسخرية، ينقل من منظمة خيرية إلى أخرى. سيلقى به إلى ~~العالم محروما من حقه في بيت أو محبة أو تربية لائقة. ولن يصبح من ~~المستغرب إن ابتلعته أي موجة من موجات الجريمة أو العار مما لا يخطر ~~على بال إنسان. والفتاة. أخذ جيمي يحملق بشدة. وأدرك أنه لو كان ثمة ~~دماء في ذلك الوجه الشاحب شحوب الخزف، ولو كان ثمة حمرة في شفتيها، ~~ولو كان ثمة لمعة في شعرها، ولو كشف هذان الجفنان الرقيقان عن عينيها، ~~متضرعتين يملؤهما الحزن، كانت ستبدو جميلة. ربما هناك في العالم رجل ~~استطاع أن يتبرأ منها. لكن جيمي لم يستطع. ليس جيمي ماكفارلين من ~~يفعل ذلك. لقد ماتت الكلمات دون أن ينطق بها. # قال بصوت أجش: «هل تقصد أنه من الغريب أنني لم أتعرف عليها؟ ربما ~~الألم هو السبب، لقد تزوجنا منذ شهور عديدة.» # فقال الطبيب: «لقد علمت أن في هذا العالم الكثير جدا من الأشياء ~~الغريبة وبعض الأشياء المستعصية على التفسير، لكنني لا أستطيع ألا ~~أعرب عن رأيي بأنك زوج سيئ ما دمت تركت زوجتك تمر بشيء عصيب مثل ~~الاقتراب من الوضع بما فيه من ألم عصبي وألم جسدي من دون أن تبدي أي ~~تعاطف أو تبادر بأي اهتمام. إنه تصرف لا يكاد يبدو إنسانيا.» # لعق جيمي شفتيه وخضع للتوبيخ. لم يستطع أن يقول أي شيء يدافع به ~~عن نفسه من دون أن يلقي بظلال الشك على الفتاة أمامه، وخلال الدقائق ~~القليلة التي قضاها واقفا يحملق فيها أدرك أن أنفاسها تتلاحق. وصارت ~~اليد التي كان يحملها ثقيلة في أصابعه. فقبض عليها وشرع ~~يفركها. # وهتف قائلا: «بحق الله! حاول أن تفعل شيئا! دعك من وعظي الآن! ~~افعل شيئا! لا ... لا تتركها تضيع هكذا!» # نظر الطبيب إلى جيمي ms244 وقال بهدوء: «لم يترك ثلاثة من أفضل الأطباء ~~في المدينة شيئا مما يعرفونه في علم الطب دون أن يفعلوه طوال الليل، ~~كذلك أدت بعض الممرضات الممتازات واجباتهن على أكمل وجه. يجدر بك أن ~~تعي أن نهايتها وشيكة جدا. اعتقدت أنها قد تتحسن. اعتقدت أنها ~~ربما قد تريد إخبارك بشيء. اعتقدت أنك ينبغي أن تكون هنا حين تحتاج ~~إليك، وقد أخبرتك بالحقيقة حين قلت إن ابنك صبي صغير جميل. فإنه ~~مثال على جمال الطفولة. وبداخله بذرة رجل محترم، ونحن بحاجة إلى ~~الرجال في هذا البلد. إذ يبدو أن لدينا فائضا من المنحطين في الوقت ~~الحالي.» # مرة أخرى تجرع التوبيخ. وكان مذاقه مرا على لسانه؛ لأنه ليس ~~«منحطا». ولم يكن كذلك قط. فلم يكن عليه أدنى التزام تجاه السيدة ~~الراقدة أمامه، بخلاف الالتزام الذي يدين به أي رجل لكل النساء؛ ~~أن يحبهن بإخلاص، ويهتم بهن برفق، ويحترم أجسادهن باعتبارها ~~الأوعية التي يعمر من خلالها العالم. وقد غرس فيه ذلك المبدأ منذ ~~أصبح بالغا كفاية ليفهم معناه ولو فهما طفيفا. لا بد أن يكون ~~مهذبا مع النساء. لا بد أن يكون كريما معهن. لا بد أن يلقين الرعاية ~~لأن بهن تكتمل الأسرة؛ فهن من ينجبن الأطفال الصغار. لا بد من ~~احترامهن. إنهن الأوعية التي تحتوي بذور الحياة. ومن أرحامهن يخرج ~~الرؤساء والساسة، والمحافظون ورجال الأعمال، والقباطنة والبحارة ~~والجنود وفلاحو الأرض والقساوسة الذين يملئون المنابر والمعلمون ~~الذين يشكلون عقول الصغار في مدارسنا. # وأمامه كانت تحتضر واحدة من النساء؛ تحتضر في شبابها، تموت وهي ~~جميلة، من خجلها من نفسها، في خزي، وكرب شديد؛ لأن رجلا ما، في ~~مكان ما، استخف بجسدها واستباحه ليحكم عليها بشهور من الوجع ~~المعنوي، وساعات من الكرب المؤلم، ووحشة الموت من دون حبيب. ومن ثم ~~ترنح جيمي فدفعت الممرضة مقعدا تحته. # ونظرت إليه نظرة نافذة ثم قالت بترو: «في الأمر شيء لا أعيه ~~أيها الطبيب، لكنني لن أشاركك في الاعتقاد باقتران أي من صفات ~~انعدام الرجولة بالسيد ماكفارلين. فخلال الأيام التي ms245 قضتها السيدة ~~ماكفارلين هنا قبل ولادة الطفل بدا لي أنها تعشقه. فهي لم تبح بأي ~~كلمة خبيثة في حقه.» ~~«ماذا تقولين؟» سألها الطبيب محتدا. # فأجابته الممرضة: «أخبرك بالحقيقة. لقد قالت إنه أنبل الرجال، أرقى ~~الرجال في العالم بأسره. قالت إنه أتى فعلا غاية في العظمة والسمو ما ~~كان ليفعله أي رجل آخر. وقالت إنها تشعر أنها لن تعيش بعد ولادة ~~الطفل. وحين أرتني عقد زواجها، اعتقدت أنها تريد مني استدعاءه. فبحثت ~~عن عنوانه. فقد قالت إنه إن كتب لطفلها العيش، فقد أعدت له السبل ~~لذلك، لكنها أبدت لي أمنيتها في أن يذهب إلى رجل شديد الفضل مثله. لا ~~أدري كيف أفسر سبب انفصالهما بعضهما عن بعض خلال هذه الشهور، ~~لكنني أعلم يقينا أن الخطأ ليس من ناحية السيد ماكفارلين.» # فقال الطبيب لجيمي: «في تلك الحالة، يبدو من المرجح أنني مدين لك ~~بالاعتذار. فإنني أرى هذه الأيام الكثير من الأمور التي لا تصح ~~البتة حتى إنني صرت فظا بعض الشيء. أعتذر بحق إن كنت قد تفوهت ~~بشيء ما كان يجب أن أتفوه به. أما ابنك والاحتياطات التي اتخذت ~~من أجله، فأمره يعود إليك. إن كنت تريد الطفل، فسوف يعطيك القانون ~~إياه بموجب عقد الزواج هذا.» # تحول جيمي نحو الممرضة. ~~«ما الذي قالته؟» سأل جيمي الممرضة. # فردت عليه الممرضة وقالت: «قالت ذات مرة، إنه مستحيل، لكن لو كان ~~ممكنا، فهي ستضحي بحياتها مسرورة إذا بلغها أنك ستأخذ الطفل وتجعله ~~رجلا من نفس عينتك.» # فقال جيمي باقتضاب: «حسنا. سوف آخذ الطفل. بإمكانك أن تجهزيه. ~~لدي منزل مريح. ويمكنني تدبر طريقة لرعايته جيدا. سوف أبذل قصارى ~~جهدي لأجعل من الفتى الذي يحمل اسمي رجلا من النوع الذي أرادته ~~أمه.» # عندئذ اندهش جيمي والطبيب والممرضة وبهتوا. فقد صدرت ضحكة خفيفة ~~عن شفتي الفتاة المستلقية على الوسادة، ضحكة خفيضة متهللة سعيدة، ~~ضحكة مليئة بالاندهاش والبهجة وعدم التصديق، ومعها نفدت الأنفاس ~~الأخيرة الباقية من الجسد المعذب، فتراجع الرأس المبتهج على الوسادة ~~وظل راقدا بلا حراك. # غطى جيمي ms246 وجهه وجلس صامتا، وحين ألقى نظرة أخرى رأى جسدا تحت ~~الملاءة. فنظر إلى الممرضة بعينين بائستين. # فسألها: «هل لديكم تعليمات بالترتيبات اللازمة؟» # هزت الممرضة رأسها بالإيجاب. ~~«لقد اتخذت كل الاحتياطات، والأغرب أن كل النفقات سددت حين ~~دخلت السيدة ماكفارلين المؤسسة. وقد أمرنا في مثل هذه الحالة بإعداد ~~الجثمان وإرساله إلى ذويها.» # فقال جيمي ناهضا من مجلسه ومستجمعا قوته: «حسنا. أين ~~الصبي؟» # بدا على الطبيب التردد. # سأل الطبيب جيمي: «هل لديك شخص مؤهل لتولي مسئولية طفل حديث ~~الولادة؟» # فرد عليه جيمي قائلا: «لدي امرأة فاضلة منظمة ربت ثلاثة أطفال ~~حتى بلغوا مرحلة النضج.» # فقال الطبيب: «ليكن إذن. أعطيه الطفل.» # اختفت الممرضة وعادت بعد قليل. فوضعت بين ذراعي جيمي قطعة من قماش ~~تفوح منه رائحة الصابون بزيت الزيتون وحمض البوريك المطهر، ملفوف على ~~شيء دافئ وحي ويتحرك. ووضعت حقيبة سفر في متناوله، فاعتمر جيمي ~~قبعته، وضم ذراعيه حول اللفة النابضة بالحياة، والتقط الحقيبة وخرج ~~من الحجرة. # نظرت الممرضة إلى الطبيب ونظر الطبيب إلى الممرضة، وقال كل منهما ~~للآخر: «أيعقل هذا؟» # سأل الطبيب: «ما الذي حدث بينهما في ظنك؟» ثم استأنف قائلا: «إن ~~كانت قد قالت أشياء كتلك عنه، فلماذا تركها، من دون أن يراها ثانية، ~~من دون دمعة ندم، من دون لمسة حنان؟ لقد مررت بالعديد من التجارب ~~الغريبة جدا خلال الثلاثين سنة التي مارست فيها الطب، لكن هذه ~~الحالة تفوقها جميعا. فإنني لا أفهمها!» # فقالت الممرضة: «ولا أنا، والأكثر من ذلك أنني لا أعتقد أنه يفعل. لا ~~بد أن أذهب لأجري اتصالات بالطرف الذي طلب مني استدعاؤه في حال ~~موتها. أعتقد أنها كانت متوعكة بشدة طوال الوقت. وأعتقد أنها جاءت ~~شاعرة أنها لن تنجو، وأعتقد أن ذلك الشعور انتابها لأنها لم تكترث ~~بتاتا سواء عاشت أو لم تعش.» # التقطت الممرضة منشفة وجعلت تمسح يديها بهمة. # وقالت: «يغيظني ذلك النوع من الأشياء أحيانا، حتى إنني أود أن ~~أخرج وأقف على المنصات وفي المنابر، وأود أن أخبر الناس ببعض من ~~الأشياء التي رأيتها ms247 وسمعتها. أود أن أقضي يوما بطوله أتحدث مع ~~فتيات هذا البلد. أريد أن أحدثهن عن الأسى وخيبة الرجاء والألم ~~والخزي الذي يخترنه لأنفسهن في حياتهن المستقبلية حين يقررن أن ~~يحدن عن الطريق الضيق القويم ويسمحن لأنفسهن طواعية أن يصبحن لعبة ~~في أيادي الرجال؛ حين يتركن شرفهن يسلب منهن، وحين يسمحن بمحو ~~حسناتهن، وحين يتركن سنوات التربية والرعاية المكللة بالحب التي ~~أنفقت عليهن تذهب هباء، ويجلبن الخزي والعار على أهاليهن، ويفعلن ~~بأرواحهن وأجسادهن ما فعلته هذه الفتاة الميتة المسكينة بروحها ~~وجسدها.» # فقال لها الطبيب: «من الواضح أنك من الناس التي ما زالت تؤمن ~~بالجحيم والخطيئة.» # فقالت الممرضة: «أجل، إنني كذلك. وإنني مؤمنة بأن أعلى درجات جهنم ~~وأقصى درجات اللعنة هي جزاء الرجال المسئولين عن مثل ذلك الكرب الذي ~~رأينا هذه الفتاة تكابده، وعن مثل تلك الميتة التي رأيناها ~~تعانيها. أود أن آخذ الرجال الذين لا يطيقون الانتظار حتى يتزوجوا ~~زواجا شريفا وحتى يصبح بإمكانهم أن يعولوا زوجة ويوفروا لها ~~البيت ويمدوها بالوسيلة لتقوم بمهام الزوجة؛ من رعاية الأبناء ~~وإنشاء منزل، الرجال الذين يقلبون كل الموازين ويفسدون كل شيء من ~~أجل إشباع رغباتهم الشخصية الوقتية، أود أن آخذهم جميعا وأشنقهم من ~~على الارتفاع نفسه الذي شنق عليه هامان. أشعر أحيانا أنني إنما ~~أكره الرجال فحسب!» # ومما أثار دهشته أن الممرضة أجهشت بالبكاء واستخدمت المنشفة في ~~تجفيف دموعها. # قال لها الطبيب: «لكن رويدك!» وتابع: «لقد دافعت عن السيد ~~ماكفارلين. وقلت إنه ليس مسئولا عما حدث.» # قالت الممرضة: «وسأقولها ثانية!» ثم أضافت: «ألا ترى مما أخبرتني ~~به، ومن الطريقة التي جاء بها، ومن الطريقة التي غادر بها، أنه لم ير ~~الفتاة من قبل قط، وأنه لا يعلم من تكون؟ لكن لأنه كان هناك اتفاق ما ~~من أجل أن يحمل الطفل اسمه، فقد تحمل مسئوليته. لكن مهلا، لن تستطيع ~~إقناعي ولا بعد عشرة أعوام أنه رأى تلك الفتاة التي على الفراش من قبل ~~قط، أو أن عقد الزواج الذي عبأته بين أغراضها بحيث يصبح مع ms248 الطفل ~~كان عقدا رسميا! ألا تعتقد ذلك!» # بعد ذلك ذهبت الممرضة في سبيلها وذهب الطبيب في سبيله، وركب مربي ~~النحل سيارة الأجرة وأمر السائق بإعادته إلى الحديقة الزرقاء. # الفصل السادس عشر # | طفل الشراكة # بعد أن صرف جيمي السيارة الأجرة وسار عبر المسار الأمامي ومعه ~~اللفة والحقيبة، فوجئ حين وجد الكشافة الصغير جالسا على الدرجات ~~الأمامية وبجانبه زجاجة حليب شرب نصفها، وقد ظهرت آثار فتات على فمه ~~حينما رفع وجهه في اتجاهه مستفسرا. # وقال الكشافة الصغير: «حسنا، انظروا من جاء!» وتابع: «يا إلهي، تبدو ~~تماما مثل أبي حين أحضر جيمي من المستشفى!» # فقال جيمي: «حسنا، إنه منظر جميل لأبدو به. هل ظللت جالسا هنا ~~منذ غادرت؟» # فرد عليه الكشافة الصغير قائلا: «كلا. لقد دخلت من خلال النافذة ~~الخلفية واضطجعت عند نهاية فراشك ونمت نحو ثلاث ساعات، ثم شعرت ~~بالجوع، فذهبت إلى مارجريت كاميرون لأطلب منها شيئا آكله، فصادفتها ~~وهي في طريقها للمغادرة. إذ قالت إن مولي قد هاتفتها لتطلب منها ~~المجيء لبضعة أيام. وما زلت أنتظرك لأخبرك بأنه سيتعين عليك أن تجد ~~أي طريقة للحصول على طعام لحين عودتها. ولم يخطر لي أنني نسيت أن أطلب ~~منها أي شيء لآكله أنا إلا بعد أن رحلت، لكنني أعلم أنها ما كانت ~~ستهتم؛ لذلك تسلقت للدخول من نافذة الرواق الخلفي وأخذت قطعة خبز من ~~صندوق الخبز. زجاجة الحليب تخصك ... ما تبقى منها. فلتخبرني بصراحة، يا ~~صديقي، ما هذا الذي معك؟» # جلس جيمي من فوره. كان الحل الذي لديه بشأن ما هو فاعل بجيمس لويس ~~ماكفارلين، الابن، أن ينقله إلى كنف مارجريت كاميرون. حيث خطط لأن ~~يطلب من جارته أن تأخذ الطفل وترعاه إلى أن يستطيع العثور على السيدة ~~المناسبة لتولي المهمة. وقد طاف به أمل عند مغادرته أن تستخدم ~~مارجريت مع الطفل نفس النظافة والمهارة والعناية البارعة التي لم ~~يشك جيمي، مما رآه من أسلوبها في تدبير المنزل والطهو، أنها أنشأت ~~بها أسرتها. لكن من بين كل سوء الحظ الذي صادفه في الأيام ms249 التي ~~جانبه فيها التوفيق، لا يوجد ما هو أسوأ من خروج مارجريت كاميرون ~~للترفيه، واختيارها أن تبدأ عطلتها في اليوم الذي هو في أشد الحاجة ~~إليها فيه. وضع جيمي الحقيبة وأخرج مفتاح الباب الأمامي. # وقال للكشافة الصغير: «افتح الباب»، ثم دخلا معا. # وضع جيمي اللفة الصغيرة على الأريكة ثم تراجع وضم يديه إلى وجهه ~~المتحير وقال للكشافة الصغير: «أرجو أن تنصحني ماذا أفعل.» # سأله الصغير باستخفاف: «ما سبب قلقك؟» # فأشار جيمي إلى اللفة. # وقال له: «هذا طفل؛ طفل حي بحاجة إلى رعاية وتغذية وحب، وأنا ~~ظننت أن مارجريت كاميرون هي السيدة التي ستفعل ذلك. هل أنت متأكد ~~أنها قالت إنها ذهبت في زيارة وإنها ستغيب مدة غير محددة؟» # فقال قائد الكشافة: «لم تقل «مدة غير محددة». لقد قالت «بضعة ~~أيام». أعتقد أن بضعة أيام قد تصل إلى أسبوع غالبا.» # فتساءل جيمي بحدة: «وماذا سأفعل طوال «أسبوع غالبا» مع طفل ~~حي؟» # فقال الكشافة الصغير: «أف، فلتطعمه للطيور ودعنا نباشر عملنا! ~~إننا نضيع الكثير من الوقت في الحديقة.» # قال جيمي: «أصغ إلي!» وتابع: «إنك لا تتحدث عن كسرة خبز. يوجد ~~طفل في هذه اللفة، طفل صغير يتوق بشدة لفرصته في أن يعيش ويكبر ~~ويجدف بزورق ويمتطي جوادا وأن يصبح قائد كشافة تماما كما تبتغي ~~أنت!» ~~«أف!» كان رد الصغير الساخط. # بعدها تقدم قائد الكشافة ورفع قطعة مربعة من القماش الرقيق ~~المؤطرة برسومات لزهور أذن الفأر وجعل يتطلع فيما تحتها. وإذا ~~بقائد الكشافة يهبط جاثيا على ركبتيه، ويميل إلى الأمام ويمعن ~~النظر. ثم التفت بوجه زال عنه التجهم نحو جيمي من فوق منكبه ~~الهزيل. # وقال: «عليك أن تحضر زجاجة رضاعة.» وتابع: «إنه طفل جميل. إنه طفل ~~غاية في الجمال! إنه مخلوق صغير لطيف للغاية. إنه جميل مثلما كان ~~جيمي شقيقي حين رأيته أول مرة، وظننت أنني لن أرى أبدا طفلا في مثل ~~جماله. لكنه كذلك. فمما أراه، هذا الطفل لديه الملابس الرقيقة نفسها ~~والوجه الجميل نفسه واليدان الصغيرتان الرقيقتان نفسهما كما كان لدى ms250 ~~صغيرنا. أخبرني، من أين حصلت عليه!» # فقال جيمي: «إنه ابني. ويدعى جيمس لويس ماكفارلين، الابن.» # قال الكشافة الصغير: «يا للهول!» ثم استأنف قائلا: «ألم يمتلئ ~~العالم بمن يدعون جيمس وجيميس وجيميز! أعرف نحو عشرة منهم. اسم أبي ~~يبدأ بجيمس، وأخي الصغير يدعى جيمي، وهذا الطفل سيصبح جيمي وأنت ~~جيمي. إنه مما لا يخطر على بال أحد أنه رغم كل الأسماء الموجودة في ~~آخر القاموس والأعداد الكبيرة من الأسماء في الإنجيل والأسماء الغبية ~~التي يبتكرها الناس، أن يحمل الكثير جدا من الناس اسم جيمس. قل ~~لي، ماذا ستفعل به؟» # فقال جيمي مجيبا إياه: «هذا هو السؤال بالضبط. ماذا سأفعل ~~به؟» # قال الكشافة الصغير: «هممم! دعني أفكر.» # خطر لجيمي أنه كاد يرى عملية التفكير كما لم يسبق له من قبل قط. فقد ~~كان وجه الصغير منهكا من التفكير. في البداية هبط بجسده إلى ~~قدميه، ثم طوى قدميه تحته جاعلا الأرض مقعده. واستند بذراع إلى ~~الأريكة. وجعل بيد واحدة يلامس الغطاء متسللا عليه ليحتوي بها ~~الأصابع الحمراء الصغيرة للطفل حديث الولادة. بعد ذلك رفع الكشافة ~~الصغير ناظريه. # ليصدر أمرا قائلا: «أسدل ستار النافذة.» وتابع: «لا بد أن يكون ~~الضوء خافتا. فإن عيونهم تكون حساسة خلال الأيام الأولى. ولا ~~يستطيعون الرؤية. وإن واجهوا ضوءا أكثر من اللازم أصابهم ~~الحول.» # ثم عاد للتفكير لبضع دقائق. وبعد ذلك بدأ الكشافة الصغير يفكر بصوت ~~عال. «ويحي، ألسنا ننمو ونتزايد! أقصد من حيث الفائدة المركبة! أرى ~~أن هذه الشراكة آخذة في الازدياد! فمن حيث لا ندري مطلقا أصبح لدينا ~~منزل وزهور وأشجار ونحل، وها نحن لدينا الآن طفل، يا إلهي! وبالطبع، ~~ما دام لدينا وهو ابنك، فعلينا أن نرعاه. لكن أخبرني، أين ~~أمه؟» # تردد جيمي للحظة ثم ارتأى أن الحقيقة هي السبيل الأسرع ~~والأيسر. # فقال: «يؤسفني ما سأخبرك به يا صديقي. يؤسفني أن أخبرك بذلك، لكن ~~الحقيقة أن الطفل ليس لديه أم. فقد كانت مهمة إحضاره إلى العالم شاقة ~~جدا عليها. ودفعت حياتها ثمنا لحياته. ستسر حين تعلم ms251 أنها كانت ~~مثل عمتك بيث. فقد رحلت لترى ما الذي تخبئه لها السموات وهي تضحك، ~~تضحك عاليا، تضحك أروع ضحكات الرضا والبهجة.» # من موقعه على الأرض جعل الكشافة الصغير يحدق إلى جيمي بعينين ~~مفتوحتين على اتساعهما وهز رأسه موافقا ببطء. «أعتقد أن تلك كانت ~~ابتسامة العمة بيث وقد تحققت. إنها نوع الضحكة التي كانت تقصدها ~~بتلك الابتسامة لو كانت صدرت منها وجاءت عالية. لقد أخبرتك أن الموت ~~شيء جميل، لكنني لا أعلم ماذا سيحدث لجيمي الصغير الجديد هذا. فإنك لم ~~تر قط كم الترطيب بالزيت والتحميم والتضميد وتغيير الحفاظات ~~والإكساء وقياس الوزن ... لم تر قط شيئا يعادل الأشياء التي تفعلها ~~أمي بصغيرنا جيمي.» # وبعد ذلك نهض الكشافة الصغير فجأة على إحدى ركبتيه ثم على الأخرى، ~~وإذا به يقوم واقفا بتأن، وفي غمرة انهماكه، سار مرتبكا إلى ~~الهاتف وأخذ السماعة وطلب رقما. فيما ظل جيمي واقفا لاهث الأنفاس، ~~خائفا، يستمع إلى طرف واحد من المحادثة. ~~«أريد أمي.» ~~«أهلا يا أماه، أهذه أنت؟» ~~«اسمعي يا أماه، لقد وقعنا في مأزق صعب للغاية هذا الصباح! فلدينا ~~طفل صغير نحيف حديث الولادة، يبدو تماما مثل جيمي حين جاء من ~~المستشفى، مثله في الرقة والجمال وكل شيء. لكن سأخبرك بأصعب ما في ~~المسألة يا أماه. إن إحضاره للدنيا كان شاقا جدا على أمه. فقد ~~ماتت أمامنا ولم تعد معنا، فأخذنا الطفل بالطبع، وهو يدعى جيمي على ~~اسم أبيه، مثل صغيرنا بالضبط! وقد ظننا يا أماه أن مارجريت ~~كاميرون سوف تأخذه وترعاه من أجلنا لكن طرأت مشكلة أخرى. فقد ذهبت في ~~زيارة ولن تكون في المنزل مدة ثلاثة أيام أو أربعة، وليس لدينا شيء ~~لنطعمه إياه!» # أحكم الكشافة الصغير يده على ميكروفون السماعة، والتفت إلى جيمي، ~~وسأله بهمس متوتر: «هل لدينا أي ملابس؟» # فقال جيمي: «أعتقد ذلك.» # التفت الصغير ليكمل المكالمة. ~~«لدينا الكثير من الملابس. كل ما نحتاج إليه. ما نريده هو شخص ~~ليدهنه بالزيوت ويطعمه ويغير ...» # عندئذ قفز الكشافة الصغير في الهواء وندت عنه صيحة. ms252 ~~«أحسنت، يا أماه! كنت أعلم أنك ستستجيبين! هل تعلمين لماذا لم ~~أطلب منك ذلك؟ حتى أعطيك الفرصة! كنت أعلم من البداية أنك ~~ستفعلين. على الأقل، كنت متأكدا تماما من ذلك. اسمعي يا أماه، ~~فلتأخذي السيارة المكشوفة وأسرعي في القيادة! فقد يبدأ في الصراخ في ~~أي لحظة، ونحن لا ندري ما العمل. لقد ولد لتوه الليلة الماضية. جيمي ~~مرتبك للغاية، وأنا خائف. خذي أقصر الطرق، وإذا قابلك شرطي السرعة ~~فاهربي منه، وامضي في طريقك!» # وضع قائد الكشافة السماعة والتفت إلى جيمي. ثم رفع منكبيه، وشمخ ~~بذقنه، وارتسم على ملامحه تعبير بالرضا، ثم انطلقت بغتة أنفاسه التي ~~كانت مكتومة. # قال قائد الكشافة: «همم! أليست رائعة! ألاحظت ما حدث! لم أضطر ~~حتى إلى أن أطلب منها المجيء! ستأتي في الحال، وبمنتهى السرعة! ما كان ~~بيب روث لاعب البيسبول الشهير ليستجيب أسرع من ذلك! لقد قالت، قالت: ~~«سوف أرعاه من أجلك»، بمنتهى البساطة!» وبرشاقة متناهية راح يؤرجح ~~يديه جيئة وذهابا كأنه يمسك مضرب بيسبول. «بمنتهى البساطة! لو ~~كانت الحياة مضمار خيل، فسوف أراهن بما معي من نقود على أمي!» # أثناء ذلك أعاد جيمي الغطاء فوق وجه الطفل النائم ونظر مرتابا إلى ~~الحقيبة. ما الذي قالته الممرضة بشأن وضع أغراض خاصة بالطفل؟ من ~~الأفضل أن يخرج تلك الأشياء ويحتفظ بها في حوزته. وبناء على ذلك حمل ~~الحقيبة وأخذها إلى غرفة نومه، وفتحها على فراشه، وفتح أحد أدراج ~~خزانة الملابس، فأزاح ما فيه من ملابس، وشرع يفرغ الحقيبة. أخرج ~~ثياب نوم وفساتين صغيرة وأنواعا شتى من الملابس الناعمة النسائية ~~والأكوام المطوية على شكل مربع، وحين عثر أسفل الحقيبة على صرة ~~مربوطة، فتحها ووجد بداخلها عقد خرز وأساور وحليا نسائيا ~~زهيدا. # لم يكن لديه الوقت بعد للتفكير في فتاة العاصفة. لكنه أدرك حين فكر ~~فيها فعلا أن الوقت قد حان للبحث عنها، وأن الوقت قد حان ليصفي معها ~~حسابا طويلا بعض الشيء. فقد ارتكبت خطأ. ولم تكن أمينة. ~~«ومن بين كل النساء في العالم، ما كنت لأصدق ms253 أنها كاذبة!» قال ~~جيمي ذلك وكان إحساسه بالحنق في تلك اللحظة طاغيا جدا لدرجة ~~أنسته الارتياح الذي كان لا بد أن يشعر به لمعرفته أن السيدة التي ~~هرع إلى المستشفى لمساعدتها لم تكن فتاة العاصفة. فقد جاشت بداخل ~~جيمي النزعة الواقعية الاسكتلندية والنزاهة الاسكتلندية والعناد ~~الاسكتلندي الحرون، التي لم تحد منها البيئة الأمريكية التي كانت ~~كفيلة بتلطيفها إلى حد ملحوظ. # قال جيمي: «من الأفضل كثيرا لو كانت ذات سريرة صافية وماتت مثل ~~أم الطفل على أن تسير بين الناس متعالية ومتمتعة بالصحة وتتحدث ~~كذبا»، ثم ألقى الصرة بعنف وأعاد ربطها ووضع بعضا من ملابسه فوقها، ~~وأغلق الدرج محدثا دويا. # وعاد من بعد ذلك إلى الفراش وأعاد تنظيم ملابس الطفل بحرص. كان ~~بعضها مزينا بقطع من الدانتيلا، وكانت خاماتها رقيقة جدا حتى ~~إنها كانت تلتصق بأصابعه التي باتت خشنة من العمل وتعلق بها فكان ~~يضطر إلى نزع بعضها عنها. لكنها بدت على كل حال دافئة، وبدا أن ~~هناك منها ما يكفي طفلين أو ثلاثة، وبدت حتى لعيني جيمي غير ~~المتمرستين أشياء فاخرة، ومصنوعة بعناية، ومصممة بحب، زينت في ~~أماكن متفرقة برسومات براعم قرنفل وأذن الفأر زرقاء وزهور أقحوان ~~صفراء صغيرة. ما إن أغلق جيمي الحقيبة، حتى وقف منتصبا مواجها ~~النافذة الخلفية. وربما كان يخاطب المحيط الذي تلألأ بالأزرق والذهبي ~~خلفه. # حيث قال صوت الواعظ، صوت القاضي، صوت الناقد الصارم بداخل جيمي: «في ~~هذه اللحظة، في هذه اللحظة إنما أحترم السيدة التي قضت نحبها أكثر ~~مما أحترمك!» # حمل الحقيبة وأنزلها على الأرض بجانب الطفل النائم. ثم جلس وأزاح عنه ~~غطاء الوجه وحسر الملابس وفك خيوط غطاء الرأس المربوطة أسفل ذقنه، ~~وجعل ينظر طويلا وممعنا إليه. لم يذكره بأي شخص. كان صغيرا ~~جدا. كان له عينان وأنف وفم. وكان بالغ الاحمرار. لم ير جيمي به ~~شبها من الفتاة التي كانت مستلقية على الوسادة. وعندئذ، كما فعل ~~قائد الكشافة، راح يتفحص يديه. وقد استغرق فيهما أكثر مما استغرق ~~في الوجه. كانتا يدين مثاليتين، بديعتي ms254 الخلقة؛ بأصابع طويلة ~~رشيقة، أصابع دقيقة الأطراف على نحو جميل، بأظفار صغيرة مكتملة ~~ومستطيلة لما بعد أطراف الأصابع، في خلق مثالي، وقد بدت كأصابع ~~خلقت لترسم لوحات وتعزف على الكمان وتمسك بشغف كتبا من نوعية ~~الكتب التي وهبها سيد النحل للكشافة الصغير. # وأثناء ذلك، التفت جيمي، قائلا: «هل لاحظت يديه كيف هما جميلتان؟» # لم يتلق جوابا، فالتفت أكثر. كان الكشافة الصغير قد عبر الشرفة ~~وقطع الممشى كله وفتح البوابة، ووقف منتظرا بلهفة في أقرب مسار ~~للعربات، متطلعا بكامل اهتمامه نحو المدينة. # وخلال مدة قصيرة لدرجة لا تصدق، توقفت سريعا، عربة رياضية ~~أنيقة، سيارة جميلة تصلح لتكون محط الأنظار في معرض للسيارات وقبل ~~أن تتوقف مباشرة كان الكشافة الصغير فوق دواستها الجانبية. واستطاع ~~جيمي أن يرى أن ذراعيه المتسختين قد اندفعتا بداخلها بينما ارتفع وجهه ~~تجاه وجه امرأة متجهة نحو الباب. لم يستطع أن يسمع الحوار الذي تلا ~~ذلك. كان ثمة طلب من ناحية قائد الكشافة، وقد قوبل ذلك الطلب بضحكة ~~كان وقعها عذبا ورقيقا على أذني جيمي. لكن منع الباب من الفتح، ~~فقد كان الكشافة الصغير مصرا، ووضع يده المتسخة على يد أمه التي ~~حاولت فتح الباب، ثم سمع جيمي بوضوح عبارة: «آه، لا يا أمي، ~~أرجوك!» # ثم سمع الإجابة: «ليكن، إذن.» # قفز الكشافة الصغير من فوق الدواسة الجانبية وفتح الباب، فدخلت ~~امرأة بدت لجيمي بالشكل الذي يجدر بأي امرأة أن تبدو عليه حتى ~~تكون في أفضل صورة، صورة مشرقة بوافر الصحة. رأس بخصلات ملتفة من ~~الشعر البني الذهبي الناعم، قصر ليصبح مريحا، وملابس عملية، مهندمة ~~وجميلة، بالغة الأناقة من ناحية حياكتها. وبخفة عبرت الحديقة، ودخلت ~~من البوابة وسارت الممشى ذاهبة إلى جيمي، والكشافة الصغير يهرول ~~أمامها. ثم انفتح الباب السلكي وتراجع جيمي، بينما انطلق منه الكشافة ~~الصغير. ~~«هذا هو جيمي يا أماه!» # انحنى جيمي لتحيتها على أفضل نحو ممكن ووقف ليخضع للفحص. فخضع له. ~~كان فحصا دقيقا وثاقبا لكن ليس طويلا لدرجة مهينة. ثم امتدت ~~نحوه يد راسخة. # تحدث ms255 الصوت الذي عرف فيه جيمي ذلك الذي سمعه مرارا على الهاتف: ~~«كنت أنوي المجيء منذ وقت طويل. لكنني كنت مشغولة إلى حد ما بصغيري ~~جيمي، وأميرة دنماركية ترأست مطبخنا، وانتظام الأطفال في المدرسة. ~~أعتقد أنني افترضت أنه من البديهي أن يكون أي شخص يتركه سيد النحل ~~ليتولى مسئولية المكان سيكون صالحا، ومن ثم لم آت لأتعرف عليك كما ~~كان يجدر بي. لكن لا شك أن الكشافة الصغير كان معينا لك.» # تصادف أن عيني جيمي كانت على وجه الكشافة الصغير عند استخدام ~~التعبير، وقد رأى زفرة ارتياح عميقة تفلت من شفتي الطفل. ثم على ~~نحو مسرع ذهبت وراءه المرأة التي كان الكشافة الصغير قد دعاها «أماه». ~~وجثت على ركبتيها أمام الأريكة. ثم رفعت الغطاء وضحكت برقة. وكان ~~وجهها الذي رفعته نحو جيمي جميلا، وجها أشبه بمريم العذراء، وجه ~~امرأة خلقت من أجل الأمومة. # وقالت له: «يؤسفني أن طفلك كلف أمه حياتها. إنني آسفة. لكن لا بد ~~أن أهنئك على الطفل نفسه. سوف تجد فيه ما يعوضك. إنه طفل جميل، طفل ~~غاية في الجمال!» # واندست اليدان الماهرتان، المتألقتان بخواتم لامعة، أسفل الطفل ~~وحملته، وجلست الأم التي لديها نزعة أصيلة لأن تصبح أما لأي طفل، ~~لكل الأطفال الذين يحتاجون إليها، على مقعد سيد النحل لتكون أول من ~~يشغله منذ وفاته، ورفعت الطفل وضمته إلى صدرها ووجهها، وضحكت له ~~وقالت له كلمات حلوة صغيرة لا معنى لها البتة، ومدحته وانحنت عليه ~~واحتضنته، ثم توقفت ونظرت إلى جيمي. # ثم قال الصوت الرقيق: «لم أكن أعرف أنك متزوج.» # فقال جيمي: «أنا نفسي كنت لا أكاد أعرف. كان زواجا سريعا جدا ~~بسبب ظروف ربما أشرحها لك يوما ما. لقد كنت خارج البلاد وعدت ~~بإصابة، وهناك أسباب لعدم بقائنا معا لمدة طويلة. إنني مصدوم لدرجة ~~تفوق الوصف لموت أم الطفل. فلم أتخيل قط أن يقع شيء من هذا القبيل، ~~وكنت معتمدا على مارجريت كاميرون. لم أكن أعلم أن الطفل قد ولد حتى ~~هاتفوني من المستشفى. فقررت أن أبقى ms256 مع الطفل وأترك أسرة أمه تتولى ~~أمرها. لم يكن باستطاعتي أن أترك الحديقة، وكنت واثقا من وجود ~~مارجريت لمساعدتي، لكنني عدت لأجد أنها تلقت اتصالا للذهاب في ~~رحلة ما، فذهبت فجأة. وقبل أن أدرك ما الذي يفعله الكشافة الصغير، كان ~~قد اتصل بك. أخشى أنني ألقي عليك عبئا فاق كل الحدود.» # لكن الوجه الذي لقي وجه جيمي كان ضاحكا. # وقالت السيدة ميريديث: «لا تقلق من تلك الناحية.» وتابعت: «إنني على ~~استعداد لمنح بضعة أيام من أجل طفل جميل يدعى جيمي. سيكون الأمر أشبه ~~بولادة طفلي من جديد. لست بحاجة إلى القلق مطلقا. هل لديك ملابس من ~~أجله؟» # أشار جيمي إلى الحقيبة. ~~«ملابس تكفي طفلين أو ثلاثة، على ما أعتقد.» # لإثبات قوله، فتح جيمي الحقيبة. فراحت عيناها الفضوليتان تستكشفان ~~محتوياتها من خلف الطفل. ~~«مهلا، تلك الأشياء جميلة، رائعة الصنعة! حتى إنني مترددة بشأن ~~استخدامها. يمكنني استخدام بعض أشياء جيمي في البداية فقط حيث يدهن ~~الأطفال كثيرا بالزيت، فالأطفال حديثو الولادة أمورهم تتسم بالفوضى ~~بعض الشيء.» # فقال جيمي: «أظن أنك ستعاملين تلك الأشياء بحذر أكثر من المستشفى، ~~وحتى من مارجريت كاميرون. فهلمي واستخدميها. وحين تبلى سيحصل جيمي ~~الصغير على المزيد.» # قالت السيدة ميريديث: «هذا أمر جيد!» وتابعت: «هذا أمر جيد! سيصبح ~~لديك شيء خاص بك لتعمل من أجله الآن.» # شعر جيمي أنه منافق بعض الشيء وهو يقر بهذا القول، لكن لم يكن ذلك ~~الوقت المناسب للمعارضة في وجود الكشافة الصغير، فأمسك عن البوح ~~باعتراضه وأغلق الحقيبة، وحين نهضت السيدة ذهب ليرافقها إلى السيارة. ~~وهناك قابلتهم مشكلة. # إذ قالت السيدة ميريديث: «لا يمكنني القيادة وحمل الطفل في آن ~~واحد.» # قفز الكشافة الصغير سريعا إلى المقعد الأمامي ومد ذراعيه ~~بحماس. ~~«بإمكاني أنا أن أحمله! أستطيع حمله كما تفعلين بالضبط والحفاظ على ~~وجهه مغطى. أريد أن أحمله!» # ابتسم جيمي باندهاش. ~~«وإذا جاء بيل السمين الطيب والطفل المطيع وذو الوجه الملائكي ~~محتشدين على الطريق وشاهدوك تحمل طفلا ...» # قاطعه الكشافة الصغير قائلا: «مهلا، اسمع ما سأقوله!» وتابع: ms257 ~~«فليفعل بيل السمين الطيب وذو الوجه الملائكي والمجموعة كلها ما يحلو ~~لهم! فلا عمل لهم سوى أن يزدادوا بدانة. أولئك الضعاف شديدو السمنة! ~~أي شخص لديه أي اعتراض على أن يحمل شخص طفلا حديث الولادة ليس لديه ~~أم وبحاجة إلى من يطعمه سأسدد له أشد ضربة لدي في نظامي ~~التدريبي، وسوف يحصلون عليها سريعا! أسرعي، يا أماه، لنصل به إلى ~~المنزل قبل أن يبكي!» # شد قائد الكشافة ذراعين حذرتين حول اللفة الصغيرة وهتف مرة أخرى ~~قائلا: «سوف أتصل بك مرتين يوميا. فسوف أبقى بالمنزل وأقوم بكل ~~واجبات رعايته بنفسي ما عدا إطعامه وتغيير ملابسه وتحميمه. اتصل بي ~~حين تأتي مارجريت وترتب أنت أمورك على نحو جيد.» # عاد جيمي إلى داخل المنزل وجلس من فوره على أول مقعد رآه. حاول أن ~~يفكر تفكيرا بناء ومنطقيا وإنسانيا. إنها لتجربة غير ~~متوقعة، تجربة مباغتة، تجربة مؤسفة، لم يحسب لها حسابا في مغامرته. ~~لكنها وقعت، ولم يستطع جيمي أن يعرف السبب على وجه التحديد. # وأخيرا قال: «أعتقد أن الخالق كان يعلم حين خلق الأشجار والثمار ~~والبذور فيما سيستخدمها. لم يكن يقصد بها أن توجد دون هدف، وعلى ~~الأرجح فإن الخالق حين خلق الناس كان هدفه أن يستخدمهم. وقد جاء جيمي ~~الصغير بيد رائعة إلى العالم. قد تصبح يدا مفيدة بقدر ما هي يد ~~جميلة. وربما إذا تدربت هذه اليد بعناية، فستجد في العالم عملا ~~تستطيع القيام به أفضل من أي يد أخرى خلقت يوما. فمن حين إلى آخر ~~تأتي فعلا إلى العالم يد تستطيع أن تؤدي عملا ما أفضل قليلا، ~~أحسن بقدر طفيف، من أي يد أخرى فعلته على الإطلاق. ثمة شيء واحد ~~مؤكد تماما في هذه التجربة. وهو أن هذا الطفل لن تلحق به أي وصمة ~~عار ما دمت حيا ولي فؤاد ينبض. سوف يحصل على فرصته، أيا من كانت ~~أمه. أما تلك الأم المسكينة، بتلك الضحكة غير المتوقعة والعجيبة ~~على شفتيها، وهي تعبر للعالم الآخر لتقابل خالقها ...» وقبل أن يعلم ما ~~هو ms258 فاعل، هبط جيمي إلى الأرض، وجثا على ركبتيه. وضم يديه، ورفع وجهه، ~~وجعل يتضرع: «يا إلهي! يا ربنا العظيم، يا خالق الكون والرجال والنساء ~~وكل ما في هذا العالم؛ رباه، أنزل رحمتك، أنزل رحمتك على الفتاة التي ~~توفيتها هذا الصباح! ومهما كانت زلتها، ومهما كانت خطيئتها، تذكر ~~معاناتها والثمن الذي دفعته وارحمها! أغدق عليها من عطفك، وتقبلها ~~في ملكوتك الأزلي حيث الأمان وطهارة البدن ونقاء السريرة، تقبلها مع ~~أبي وأمي وكل الملائكة الأبرار، وعلمها أن ثمة طريقا أفضل من الطريق ~~الذي اختارته. ارحمها، يا رباه!» # متعثرا، نهض جيمي وذهب إلى غرفة النوم. فجلس على جانب الفراش ووضع ~~يديه على وجهه وبكى حتى اهتز جسده الهزيل، بكى بكاء غزيرا. وبعد وقت ~~طويل، حين هدأت عاصفته، مسح عينيه واكتشف، حين بلغ الرواق الخلفي، ~~أنه جائع. فذهب إلى مطبخ مارجريت كاميرون ودخل من خلال النافذة ~~الخلفية. وعبأ في السلة التي تستخدمها كل ما استطاع العثور عليه مما ~~سيفسد في غيابها وحمله معه للمنزل. بعد ذلك، أقدم لأول مرة على محاولة ~~أن يطهو طعاما لنفسه. كان يعلم أين يمكنه ركوب الترام والعثور على ~~مقهى صغير غير بعيد، لكنه لم يكن في حالة مزاجية لمقابلة الرجال. ~~ولم يكن في حالة مزاجية تسمح بمواجهة نساء. فقد أراد أن يفكر. تساءل ~~أين سيدفن ما تبقى من أليس لويز. تساءل إن كان سينصب شاهد صغير فوقها ~~وإن كان اسمه سينقش عليه. وتساءل إن كان سيكتب عليه: «زوجة جيمس ~~لويس ماكفارلين الحبيبة.» # ثم تساءل ماذا عساه كان اسم أم الطفل، وخطر له أنه لديه طريقة ~~لمعرفته. بإمكانه في أول زيارة للمدينة أن يذهب إلى مكتب أذون الزواج ~~ويطلب رؤية بعض السجلات بأي حجة قد يأتي بها بحلول ذلك الوقت. سيستطيع ~~أن يكتشف الاسم الذي كتبته فتاة العاصفة ليتناسب مع أليس لويز. لم ~~يتفحص جيمي من قبل في حياته عقد زواج. والعقد الذي كان يعنيه كتبه ~~الموظف، وكشف لجيمي عن سطر ليوقع عليه، ثم وقعت فتاة العاصفة ~~باسمها واستحوذت على ms259 الورقة على الفور. # حين وصلت أفكاره إلى فتاة العاصفة أصبحت في فوضى على الفور. ولم ~~يتح له الوقت حتى تلك اللحظة ليتبين بتعقل السبب على وجه ~~التحديد. سيطر عليه شعور بأنه قد خدع، وبأنه كان في غاية الحماقة، ~~بيد أنه يعلم أن ذلك الشعور لم يكن منصفا. فالفتاة لم تطلب منه أي ~~شيء. كان هو من جعل يتوسل بالذرائع جهد طاقته قبل أن تحكي له في ~~كلمات قليلة مقتضبة ما الذي تحتاج إليه بالضبط. لكن ما جعل جيمي يشعر ~~بالاستياء أنها لم تكن أمينة. فهي لم تقل الحقيقة. قالت ما كانت بحاجة ~~إليه؛ لقد تركته يشعر أن الخدمة التي قدمها وقبلت بها كانت من ~~أجلها. # وما علمه هذا الصباح أثبت أنها لم تستغله لخدمة أغراضها، ولكن ~~لأغراض امرأة أخرى. أدرك جيمي أنه كان سيفعل ما تريده. في تلك العاصفة، ~~مواجها نهايته في وقت قريب جدا، إذ كان يشعر آنذاك أنه سيواجهها، ~~كان سيعطي أي فتاة يتصادف أن تبدو له في محنة حق الاستفادة من ~~اسمه وما يمكنه تقديمه لحمايتها. لم يكن سيشكل أي فرق من تكون ~~الفتاة ما دامت في ضيق شديد. كل ما في الأمر أنه قد ذهب إلى المستشفى ~~وهرع إلى الحجرة متوقعا أن يجثو بجانب فراش فتاة العاصفة، وأن يأخذ ~~يدها في يده ويقاوم من أجل حياتها في معركة أحس نوعا ما بالثقة من ~~الانتصار فيها. لكنه حين رأى وجها غريبا كانت صدمته شديدة حتى إنه ~~جلس في خضوع وامتثل لما قال الطبيب والممرضة إنه لا مفر منه، من دون ~~حتى أن يبدأ المعركة التي كان ينوي شنها من أجل المرأة التي اعتقد ~~أنه سيراها. # لقد انهزم. وضاعت من يديه مرة أخرى، وكان هذه المرة غاضبا، مغتاظا ~~بحق. لم يتح له سوى وقت قصير للتفكير، وخلال ذلك الوقت ظل يردد ~~لنفسه: «إنها لم تكن أمينة!» ومن وجهة نظر جيمي كانت تلك أسوأ خطيئة ~~يمكن لأحد أن يرتكبها على الإطلاق. وخلال الشهور التي تعامل فيها مع ~~الكشافة الصغير ms260 إنما اشتدت مشاعره في ذلك الصدد. فقد كان الكشافة ~~الصغير شديد الاهتمام بالأمانة مثله، وكان في غاية الحرص في كل نشاط ~~يمارسه. تذكر جيمي بشيء من التفكه وشعور بالكبرياء أنه حين استفسر ~~عن جنسه بسؤال مباشر، رد بإجابة ليست بالكذب ولا بالمراوغة، وإنما ~~إجابة مباشرة: «ما دمت لا تستطيع أن تعرف، فهل ثمة فرق؟» كان ذلك ~~موقفا أمينا. فقد ترك المجال مفتوحا. كان ذلك الأسلوب الذي يروق ~~لجيمي. # قبل أن يذهب إلى الفراش اتصل بالسيدة ميريديث. كان الطفل على ما ~~يرام. لم يكن مزعجا. قال الصوت الذي حسبه جيمي أعذب الأصوات التي ~~سمعها يوما على الهاتف إنه قد دهن بالزيت وأطعم ووضع في لفة ~~مستدفئا، وإن الكشافة الصغير هو من قام بالمهمة. «لا يحظى أحد منا ~~بأي وقت مع جيمي الصغير الجديد. فإن الكشافة الصغير قد استحوذ عليه ~~وتولى أموره. أعتقد أنك ستحتاج إلى مساعدة كبيرة في رعاية النحل قبل ~~أن يأتيك خلال الأيام القليلة المقبلة. يبدو أن لديه شعورا ~~بالمسئولية لا أحد منا يفهمه. أعتقد أن الأمر برمته قد يكون جزءا من ~~شعوره بالفخر النابع عن الامتلاك، امتلاك فدان من الأرض وصف من قفائر ~~النحل وبستان وحديقة بديعة المنظر. حتى إنني لاحظت أن الكشافة الصغير ~~يقول بزهو: «طفلنا»!» # حين عاد إلى غرفة نومه، كان جيمي لا يزال يفكر. # وقال لنفسه: «حسنا، مهما يكن من أمر، فإن «طفلنا» لا يشوبه العار. ~~فلديه اسم مشرف تماما في السجلات، وسوف يحصل على فرصة عادلة تماما، ~~أما فتاة العاصفة فلا تهمني البتة! فقد فرغت من أمرها!» # ثم أطفأ جيمي الأنوار واستلقى على وسادته وقرر أن يخلد للنوم سريعا ~~جدا. لكن جاءه صوت من قلب العتمة يخاطبه بلهجة الكشافة الصغير ~~الدارجة قائلا: «ما الذي يعكر صفوك؟ هل كنت تريدها هي أن تموت؟ هل ~~كنت تريدها أن تخوض الأهوال التي تواجه جسد أليس لويز ~~الجميل؟» # تقلب جيمي ودفن وجهه في الوسادة وصاح: «يا إلهي، كلا! لم يخطر لي ~~ذلك! لا أريد أن ينفطر قلبها! لا ms261 أريدها أن تموت! إنما أريد أن أعرف ~~من هي، وأين هي، وأن تعتمد علي، ويصبح بإمكاني أن أساعدها، وأتحرر ~~من وعدي لها بعدم البحث عنها. لا! لا! أريد لها الحياة؛ أريد لها ~~السعادة!» # الفصل السابع عشر # | الدخيلة # لو لم يكن الكشافة الصغير يضطلع بضعف نصيبه من المسئولية عن جيمي ~~الطفل الجديد، لكان من المرجح جدا ألا يحدث لجيمي الكبير قط ما ~~حدث له خلال هذه المدة، وهو الذي لم يبتعد كثيرا هو نفسه عن كونه ~~طفلا في الظروف الحالية. بداية، لم يستطع جيمي بعد أن يوطن نفسه ~~على واقع امتلاكه فدانا من أرض كاليفورنيا، ومنزلا أنيق الأثاث ~~باستثناء حجرة واحدة. لم يستطع أن يستوعب أنه أصبح يمتلك كما كبيرا ~~من الزهور، وبستانا من أشجار الفاكهة، وحديقة خضراوات، وصفا طويلا ~~من قفائر النحل الذي ينتج أشهى عسل؛ إذ جمعت نسبة كبيرة جدا منه ~~في حديقة النحل الزرقاء الرقيقة والحدائق المجاورة، لم يستطع بعد ~~استيعاب أن أبهى بيت صغير شاهده في حياته ونصف منحل سييرا مادري ~~أصبحا ملكا له. لم يستطع أن يحمل نفسه على الشعور بأنه من العدل ~~أو الصحيح أن تصبح تلك الأشياء من نصيبه. # كان لا يزال ينظر إلى أملاكه وهو في حالة من الذهول. لكن صحيح أنه ~~مثل أمام قاضي الوصايا، وأوفى بمتطلبات القانون. وانتقلت الأملاك ~~إليه هو وجين ميريديث وفقا لمقتضيات القانون. وسحبت الأموال من ~~البنك وسددت ضريبة المواريث كما أمر سيد النحل. ورغم ذلك فما زال ~~جيمي لا يشعر أنه يمتلك بالفعل الفدان الذي في حوزته. كان لديه شعور ~~أنه لو مكث هناك مدة طويلة، لنقل عشر سنوات مثلا، ودرس النحل وعمل ~~بإخلاص، ولو اتخذ من سيد النحل موقع الابن طوال تلك المدة، ثم توفي ~~سيد النحل وترك له أملاكه؛ لأنه يعرفه معرفة جيدة ويشعر بأنه يستطيع ~~الاعتماد عليه، كانت تلك ستصبح لجيمي صفقة مناسبة ومنطقية. وهو لم ~~يدرك أن أي شخص يلقاه ويتمتع بنظرة ثاقبة تمكنه من الحكم على طبيعة ~~البشر، كان من نظرة واحدة ms262 لجيمي من رأسه لأخمص قدميه، سيقول حتما ~~رأيه فيه بالدقة نفسها التي كان سيصفه بها بعد عشر سنوات من معرفته ~~به. # فقد كان جيمي من نوعية الرجال التي تثق فيها النساء والأطفال ~~والرجال الآخرون من دون طرح أي أسئلة. كان جيمي من نوعية الرجال ~~الذين قد ينسون أكبر المشاكل التي تكدر صفوهم لربط ساق مكسورة ~~لكلب، أو لتضميد جرح طفل. وإن مأزقه الحالي دليل على ما قد يفعله ~~من أجل رجل آخر، دليل ساطع على ما قد يفعله من أجل امرأة. لم يكن من ~~طبعه قط أن ينشغل بنفسه جديا إلى أن مزق جرح الشظية صدره، ~~فاضطر إلى الانشغال به طوال عامين. في ظل نظام المستشفيات والعلاج ~~الطبي ظل يواجه مدة طويلة جدا فكرة أن نهايته لم تكن بعيدة حتى ~~إنها صارت هاجسا. لكن شيئا فشيئا أتت الحديقة سحرها حتى صار جيمي ~~رجلا من جديد، رجل يهتم لأمر الكشافة الصغير، ومارجريت كاميرون، ~~والفتاة التي جازفت بحياتها وفقدتها، وتركت له بموتها إرثا ثانيا، ~~إرثا كان لدى جيمي استعداد أكبر لقبوله من الأول. # كان جيمي في غياب مارجريت كاميرون ينظف المنزل. فقد عودته أمه ~~المدبرة على أن يكون مساعدا لها في طفولته. فكان يعرف كيف يكنس ويزيل ~~الغبار، وكيف يرتب الأثاث، وكيف يحافظ على نظافة المنزل. وبينما كان ~~يعمل المكنسة في رواق المدخل توقفت سيارة أجرة أمام الباب. خرجت ~~منها شابة شديدة الأناقة وتحققت من رقم المنزل. تفحصت المكان ~~بعينين مستحسنتين وابتسامة ثقة على شفتيها أثارت الذعر في قلب ~~جيمي. لم يكن قد شعر بأنه استحق الأملاك، ولم يكن يشعر بأن له أدنى ~~حق فيها، لكنه كان على يقين تام من أن الله يعلم كم أحبها، وكم ~~رغب فيها، وحين تفحصت هذه السيدة الشابة الجذابة المكان بابتسامة ~~ثقة، ثقة بالغة حتى تكاد تجافي التربية الحميدة، وتساءلت: «هل أنا ~~مخطئة في الظن بأن هذا هو مقر إقامة السيد مايكل ورذينجتون؟» هز ~~جيمي رأسه نافيا. # فقالت السيدة الشابة بنبرة ثقة: «أعتقد أنني أستطيع تمييز ms263 منزل أبي ~~عن أي منزل آخر في هذا الشارع. فإنه يبدو مثله تماما.» # كان جيمي يعتقد أنه متأهب لهذا الموقف بالذات، لكنه أدرك حين حدث ~~أنه لم يكن مستعدا بالمرة. فقد شعر كأن أحدا قد ضربه على رأسه ~~بقطعة ضخمة من الخشب بالغ الصلابة. كان ما تبقى لديه من وعي كافيا ~~فقط ليلاحظ شيئا هو أكثر تأدبا من أن يجازف بالتعبير عنه، فحدث ~~نفسه به قائلا: «حسنا، ربما يبدو المنزل تماما مثل «أبيك»، لكن ~~الحق أنك لست كذلك!» وزاد على ذلك قوله: «وطالما سمعت أن احتمال أن ~~تبدو الفتيات مثل آبائهن احتمال قوي.» # أما ما فعله جيمي ظاهريا فكان أن ضم قدميه، وشد قامته، ~~وانحنى. # وسألها: «هل أفهم من ذلك أنك ابنة سيد النحل؟» # نظرت السيدة الشابة إلى جيمي وابتسمت، ربما بأقصى ما استطاعت من ~~إغراء. # وقالت: «لست فقط ابنته، لكنني أسرته كلها. بالطبع، حين جاء خبر ~~وفاة أبي فجأة وعلى حين غفلة، كان لا بد أن أقضي بعض الوقت للتأكد ~~من دفنه على النحو الذي كان سيرضيه وفعل كل ما في وسعي لمواساة ~~أمي.» # فجأة وجد جيمي نفسه يبدي ما اعتبره مقاومة. # إذ قال: «لكنني فهمت من سيد النحل أن كلا من زوجته وابنته قد ~~توفيتا.» ~~«لا أعرف الكثير عن زواجه الأول. لا شك أن زوجته الأولى ماتت قبل أن ~~يتزوج أمي، وأعتقد أنهما كان لديهما طفلة فعلا. أعتقد أنه ذكر على ~~مسامعي، لكن ذلك كان قبل أن أولد بزمن طويل بالطبع.» # قال جيمي: «فهمت.» ~~«وما دمت مسئولا هنا، فيجوز لي أن أخبرك أيضا بأن أمي وأبي لم ~~يستطيعا الانسجام قط. فدائما ما كانت تقابلهما صعوبات، وفي النهاية ~~اضطرت أمي إلى الحصول على الطلاق. فإنها لم تستطع الحياة مع رجل ~~حاد الطبع وشديد الصرامة، رجل لا يريد أن يفعل أي شيء سوى ~~العكوف على كتاب أو الانشغال بأمور على شاكلة الثقافة الرفيعة التي ~~لا يمكن أن تثير اهتمام أحد من البشر. وأنا لم ألمها البتة. بل ~~كنت في صفها ms264 تماما. بعد أن حصلت على الطلاق، ذهب أبي إلى مكان ما. ~~ولم تعلم قط أين ذهب. فإنه لم يتواصل معنا مباشرة. كان محاميه يرسل ~~النقود لنفقاتي، وأعتقد أنه هو الذي لا بد أن ألجأ إليه للحصول على ~~التركة التي تحق لي قانونا بصفتي طفلته الوحيدة، والوحيدة من ~~ورثته على قيد الحياة.» # فسألها جيمي قائلا: «ألم يخبرك أحد أن سيد النحل قد ترك وصية ~~وهب فيها هذه الأملاك لمساعده الذي كان قد ظل معه بضع سنوات، ~~ولي؟» # ضحكت السيدة الشابة ضحكة لطيفة. ~~«كانت هناك إشاعة. قال أحد الأشخاص شيئا عن عدم وجود أملاك - ربما ~~في خطاب من الممرضة التي كانت في المستشفى الذي مات فيه أبي - لكن ~~بالطبع، حين يعلم الناس هنا أنني الآنسة ورذينجتون والابنة الوحيدة ~~لأبي، لن يكون هناك أي شك بشأن من يستحق المكان قانونا.» # جعل جيمي يمعن النظر في الشابة الماثلة أمامه. لم يستطع أن يرى ~~سببا يجعله لا يصدق ما قالته، لكنها لم تكن تشبه سيد النحل بأي ~~طريقة، ولو قليلا؛ لا في حركاته، ولا مفرداته، ولا شكل يديه أو ~~قدميه، ولا في ملامح الوجه وتعابيره. وفي الوقت نفسه، إن كانت هي تحمل ~~وثائق تثبت هويتها وأن ادعاءها صحيح، فليس ذلك سوى ما توقعه، ~~وما هو إلا ما ظل يؤكد أنه سيحدث؛ لذلك فقد قال لها: «إن تقدمت ~~بالدليل على أن سيد النحل كان أباك بالقرابة، إن تقدمت بالدليل على ~~أن لك حقا قانونيا في تركته، فلن يكون هناك مجال للاعتراض ~~على أن تئول لك؛ لكن سيد النحل كان في كامل وعيه، حسب شهادة الأطباء ~~والممرضات، حتى وافته المنية وهو نائم، وكان جازما جدا في ~~قوله بأن ليس له وريث مباشر من دمه. ما سيتحتم عليك فعله هو أن ~~تعرضي دليلك، وتفصحي عن هويتك، وتجعلي ادعاءاتك مقنعة أمام ~~محكمة الوصايا في هذه المقاطعة. إذا استطعت أن تفعلي هذا، فلا شك أن ~~التركة ستصبح من حقك. أما الآن فهي مسجلة في الأوراق باسمي واسم ~~مساعد سيد النحل، ms265 وأنا المسئول عنها وسأظل مسئولا لحين التحقق من ~~هويتك وإثبات ادعاءاتك.» # فصاحت السيدة الشابة: «وأين لي أن أقيم؟ إن كنت سأضطر إلى ~~الذهاب إلى المحكمة والدخول في صراع قانوني، فقد يستغرق هذا أسابيع ~~أو شهورا، وما لدي من نقود كان كافيا بصعوبة لآتي هنا. فالمصروف ~~الذي خصصه لي أبي لم يكفني أبدا.» # فقال جيمي: «لا علم لي بذلك الأمر. وليس لي علاقة به. لكن أعلم ~~أنه ثمة ثروة صغيرة في نحل هذه التركة وأشجارها وزهورها، وأن ~~قيمتها متوقفة على مراقبة النحل، حيث يغير الكثير منه مسكنه في ~~الوقت الحالي. وهناك عسل لا بد من نقله لأحمي النحل من البدء في ~~سرقته، وفي كاليفورنيا لا بد دوما من الاهتمام بالري بنظام. إن حدث ~~وأثبت أمام المحكمة ما تمناه سيد النحل وأراده، فلن أحبذ، لخاطر ~~مساعده، الذي صار مساعدا لي، ولخاطري، أن تتراجع قيمة المكان، كما ~~سيحدث إن خرجت وتركته في رعاية شخص غريب.» # عندئذ ظهرت أول خصلة قبيحة بحق في سلوك الفتاة. إذ ضحكت ضحكة ~~بغيضة. # وقالت: «حسنا، لا شك أنك ستخرج وستخرج بسرعة عاجلة. لا توجد محكمة ~~في العالم تحرم ابنة وحيدة ووريثة وحيدة من ميراثها وتمنح تركة ~~رجل لشخص يكاد يكون غريبا تماما. سيصبح ذلك تصرفا في غاية ~~الوضاعة. وحيث إن هذا منزل أبي، فأعتقد أن لدي كل الحق في البقاء ~~فيه.» # والتفتت نحو الشارع وأشارت لسائق سيارة الأجرة. # وقالت له آمرة: «أحضر لي صندوقي وحقائبي!» # وضع سائق سيارة الأجرة صندوق أمتعة صغيرا على عاتقه، وحمله إلى ~~داخل المنزل فأنزله في منتصف حجرة المعيشة، واضعا فوقه حقيبة سفر ~~وحقيبة ملابس. ثم أخذ مقابل خدماته وركب سيارته وانطلق بعيدا، وخلعت ~~شابة ذات سمت شديد العزم قبعتها وجعلت تنظر حولها. # انهزم جيمي في الجولة الأولى. ما كان يجب أن يسمح لها بدخول المنزل. ~~ما كان يجب أن يدع سائق السيارة الأجرة يترك الصندوق. لكنها قالت إن ~~النقود التي لديها غير كافية بالمرة، وهناك احتمال أن يثبت القاضي ~~ادعاءاتها، ومهما كان ما ms266 سيفعله جيمي أو لا يفعله فلا بد أن يكون ~~رجلا نبيلا. فجعل يفكر سريعا وكان تفكيره صائبا. إذ حدث نفسه ~~متأملا: «مارجريت كاميرون مسافرة. لو كانت هنا في هذا الظرف الطارئ ~~لمنحتني حجرة. وسمحت لي بالنوم في فراش ابنة أخيها، وحيث إنني أعلم ~~مؤكدا أن هذا ما ستفعله، فلم لا أدخل من نافذتها الخلفية وأستحوذ ~~عليه؟ سوف أروي حديقتها وأحرص على رعاية زهورها حتى عودتها، وأستطيع ~~في مطبخها أن أطهو شيئا لآكله.» # من ثم دخل جيمي غرفة النوم وجمع الملابس التي كان قد أتى بها، ~~والأشياء التي اشتراها منذ سكناه، والصرة التي ضمت أغراض أليس ~~لويز الشخصية. ووضعها كلها في حزمة وسلك الممشى، ومن خلال ~~البوابة الجانبية، دخل المنزل من نافذة خلفية، وأقام نفسه في الحجرة ~~التي تأكد له، من زينة جدرانها وموقعها، أنها تخص ابنة صهر ~~مارجريت كاميرون. ثم ذهب إلى البقالة الواقعة في الزاوية واشترى بعض ~~الطعام الذي ملأ به صندوق الثلج. وعلق لافتة «مطلوب ثلج» وأخرج ما ~~يخصه من حليب وعصير طماطم وبرتقال في صندوق الثلج الخاص بسيد النحل، ~~وخلال ساعة كان قد طرد؛ لكنه ظل محتفظا بعمله، ظل يقتلع الحشائش، ~~وظل يروي الزرع ويقلمه ويراقب النحل وأشياء أخرى جيدا. # وبينما هو يعمل بدا له أن أول ما يجب عليه القيام به هو أن يتصل ~~بالسيد ميريديث ويتركه يتخذ الإجراء الذي يراه في صالح صغيره. فذهب ~~إلى الهاتف، وبعد أن سمع كل التفاصيل الأخيرة بشأن جيمي الصغير ~~مروية بحماس، طلب السيد ميريديث. فأخبر بأنه خارج البلدة وسيغيب ~~أسبوعا أو عشرة أيام. عندئذ تردد جيمي. فهو يستطيع رعاية مصالح ~~شريكه الصغير بالأسلوب نفسه الذي سيرعى به مصالحه. يمكنه أن يرى ~~الإجراء القانوني الواجب اتخاذه ويعلن عنه عندما يحين الوقت. ~~فلم يكن ثمة ضرورة لإثارة قلق السيد ميريديث والكشافة الصغير وغالبا ~~ليس في وسعهما فعل شيء. وهكذا وضع جيمي السماعة دون أن يقول إن ~~المنحل كان في تلك اللحظة بين يدي شخص دخيل. # وبينما كان جيمي يعمل، جاءت الدخيلة ms267 إلى الحديقة في جولة للمراقبة. ~~كانت قد بدلت فستانها بآخر، خفيف وجذاب. وقد بدت بعد إزالة آثار ~~السفر أشبه بكثير من الفتيات اللواتي يراهن جيمي كل يوم في كل ~~مكان. المشكلة أنها بدت شديدة الشبه بهن لدرجة أنها لم تثر اهتمام ~~جيمي. فلا بد أن تكون الفتاة غير عادية، مختلفة، يبدو عليها ولو ~~أقل أمارة من أمارات التمتع بقلب كريم وثقافة رفيعة والاهتمام ~~بالآخرين حتى تشد انتباه جيمي. لكن كان جليا أن هذه الفتاة تفكر ~~في نفسها أكثر من أي شيء آخر. شاهدها جيمي وهي تتقدم نحوه في الممشى ~~الخلفي وقد جعلتها أشعة الشمس واضحة المعالم فكان أول ما خطر له: ~~«إنها تبدو قاسية». # ظل هو يواصل عمله. حتى صارت الفتاة على بعد بضع ياردات منه. ~~فتوقفت وجعلت تتفحصه بإمعان. # ثم قالت: «لقد خطر لي أنه لا يوجد من الأشياء التي هنا ما قد يتدهور ~~تدهورا كبيرا خلال الأيام القليلة التي سنحتاج إليها لترتيب الأوراق ~~حتى أتمكن من الاستحواذ على أملاكي. لذلك أفضل أن تتركني في ~~ملكي بلا منازع.» # نظر جيمي إلى الفتاة وابتسم، فكانت ابتسامته ساحرة، ابتسامة ~~جذابة. # وسألها: «ألا تعتقدين أن طلبك ثقيل جدا على أي كائن ذي طبيعة ~~بشرية؟ فقد ظللت أرعى هذا المكان مدة طويلة، وظللت بعض الوقت ~~أعتقد أنه ملكي. وإنك لتتمتعين بثقة غير عادية إن كنت تعتقدين ~~أنني سأرحل وأسلمك الأملاك المكتوبة باسمي في السجلات دون أن أرى ~~أي دليل لديك، ومن دون أن أعلم إن كنت تستطيعين إثبات ادعاءاتك ~~أمام المحكمة. فهل تنوين إن استحوذت على هذا المكان أن تعيشي هنا، ~~وتجعلي منه منزلك؟» # أخذت الفتاة تنظر حولها. فقد أثار حنقها شك جيمي. # ثم سألته: «يبدو أنك شخص متخلف، أليس كذلك؟» وتابعت: «أعتقد أننا ~~ابتعدنا نحو عشرين ميلا عن المحطة التي نزلت فيها حتى نصل ~~هنا.» # فأجابها جيمي: «هذا صحيح. إنك تجيدين التخمين.» ~~«ولماذا قد ترغب فتاة في أن تنعزل في مكان كهذا، ولديها الحق في ~~الاستمتاع بحياتها؟ فإن أكثر ما أخاف منه ms268 هو النحل. وأكثر الأشياء التي ~~أبغضها هو الجبل. وما أبغضه أكثر من الجبل هو البحر. وإن أكثر ~~الأشياء التي لا أطيقها بضع ساعات متواصلة هو هذا الهدوء، هذا الهدوء ~~المضجر المنفر. هل تقع أي أحداث على الإطلاق هنا؟» # فأجابها جيمي: «أجل ؛ فقد جئت بينما النحل قد بدأ يغير مسكنه. ~~والثمار قد حان قطفها. والزرع لا بد من رشه. وهناك أعمال عزق ~~وتنظيف وأعمال كثيرة، أكثر من أن يستطيع شخص واحد أن يؤديها ~~بالإتقان الذي يجب إنجازها به.» # فقالت له الفتاة: «إنك بعبارة أخرى تقترح البقاء هنا ~~ومراقبتي.» # فقال لها جيمي: «هذا قولك أنت. أما ما قلته أنا فهو الاقتراح ~~بالبقاء هنا ورعاية الأرض، ورش الزرع، ورعاية النحل.» # فقالت الفتاة: «لست مغفلة حتى لا أدرك سبب رفضك للرحيل.» # فأجابها جيمي: «هذه استنتاجاتك الخاصة.» وأضاف: «هذا الجانب من ~~الحديقة بحاجة إلى الري اليوم. وسوف أرويه.» قال قوله ثم واصل ~~عمله في هدوء. # وقفت الفتاة ساكنة لبرهة ثم قالت: «أريد مفاتيح الصندوق الذي كان ~~أبي يحتفظ فيه دائما بأوراقه. فلا شك أن فيه أشياء ستساعدني في ~~إثبات حقوقي.» # فقال لها جيمي: «أخبري قاضي الوصايا بذلك. إن أراد فتح الصندوق ~~وتسليم الأوراق التي بداخله لك، فسيرسل موظفا للاطلاع معك عليها ~~وتسجيلها ووضعها بين الأدلة قبل أن يتلاعب بها أحد.» # تصادف أن جيمي كان يتطلع إلى وجه الفتاة؛ بعينين مواربتين لكن ~~يقظتين، وهو يدلي بقوله ذلك. فرأى أنفاسها وقد احتبست، ورأى وجهها ~~وقد بهت، ورآها وقد سكتت تماما واستغرقت في التفكير، وقال له ~~الصوت بداخله الذي يتحدث إليه أحيانا: «لا يروق لها ذلك. فهي لا ~~تريد أن يكون أي شخص موجودا عند فتح الصندوق. لا تريد كتابة محضر ~~بتلك الأوراق. لا تروقها فكرة أن يطلب من قاضي الوصايا إرسال رجل ~~ليطلع عليها معها.» # وفي الحال أطال جيمي الخرطوم وجعل يعمل صاعدا المنحدر حتى صار في ~~مواجهة النافذة التي لها أفضل إطلالة من غرفة المعيشة. # ومضى الوقت على هذا المنوال. حيث أقام في منزل مارجريت وظل ms269 يراقب ~~الفتاة على مدى يومين وليلة، وكان متعبا بشدة حين مرت الفتاة ~~بمنزل مارجريت كاميرون فشاهدها وهي تستقل الترام متجهة إلى ~~المدينة. ثم مضى إلى المنزل. فلم يفهم كيف استطاعت واجهته أن تظل ~~محتفظة بالتعبير نفسه الذي طالما بدا عليها. كان سيعزيه لو أنها ~~بدت مشمئزة ومتكدرة بشدة، لكنها لم تبد كذلك. وإنما ظل المنزل ~~يطل على الطريق وجانب الجبل مبتسما تماما ابتسامة الترحيب ~~الهادئة الرائقة نفسها التي طالما طالعه بها. حاول فتح الأبواب، ~~لكنها كانت جميعا موصدة. ونظر من النافذة، لكنه لم يستطع أن يرى أي ~~شيء سوى صندوق الأمتعة واقفا في منتصف حجرة المعيشة وملابس الفتاة ~~وقد بسط أغلبها على ما يبدو على مقعد سيد النحل. رأى أن هذا الوقت ~~سيصبح مناسبا للعمل في حديقة مارجريت كاميرون، فذهب إليها وفتح ~~خرطوم المياه. وكان منهمكا حين سمع خلفه خطوات خفيفة لحذاء شاطئ ~~فالتفت ليجد الكشافة الصغير في وجهه. ~~«مرحبا! كيف الأحوال؟» ~~«بل كيف الأحوال لديك؟» بادره جيمي متفاديا الإجابة. # أجابه الكشافة الصغير: «بخير!» ثم واصل كلامه فقال: «ما زلت أتولى ~~كل تلك الأشياء التي أخبرتك بأنني سأفعلها لطفلنا. سوف يصبح طفلا ~~لطيفا للغاية. إن أمي مهووسة به. إنها تحتضنه وترعاه تماما كما ~~كانت تفعل مع جيمي، إلا أنها لا تستهويها زجاجات الرضاعة. فهي تقول إن ~~تثبيت الزجاجة أمر مزعج، وتقول إنه مؤسف جدا أن يكتب على أي طفل ~~أن يفقد أمه؛ لأنها تقول إن الطفل، وهو في مثل تلك السن الصغيرة، ~~يحصل على أشياء أخرى من أمه بخلاف اللبن. فهي تقول إنه يحصل على ~~فيض متواصل من الحب. تقول إن الرضيع الذي ينام على صدر أمه وينظر في ~~عينيها ويضع يده الصغيرة على عنقها، يحصل مع الغذاء على شيء يبقى ~~معه طوال حياته. وتقول إنه ليس من الطبيعي ولا الصحيح أن تضع ~~الرضيع وحده تماما على وسادة مثبتا زجاجة رضاعة قديمة في فمه. ~~لكن ليس هذا حال جيمي؛ لأنني أحملها من أجله، ولحسن الحظ أنه جاء ~~أثناء الإجازة المدرسية، ms270 فلن تصدق كل الأشياء التي أفعلها حين لا ~~يراني أحد. فإنني أحمل الزجاجة وأحيط جيمي بذراعي فربما أستطيع ~~بذلك أن أشعره نوعا ما بأنه حصل مع الحليب على فيض الحب نفسه الذي ~~حصل عليه جيمي شقيقي. لكن الحقيقة أن جيمي صغيرنا رائع للغاية. يا ~~إلهي! ها أنا قد استخدمت كلمة نانيت! إنه النعت الوحيد الذي تعرفه ~~نانيت. فحذاؤها رائع، وفستانها رائع، وقصة شعرها رائعة، والحفل ~~رائع، والصورة رائعة، وقد سمعتها كثيرا جدا حتى إنني أتمنى ألا ~~أصبح أنا الآخر رائعا أيضا!» # ضحك جيمي. # وقال له: «لست بحاجة إلى أن «تصبح رائعا» يا سيدي قائد الكشافة.» ~~وتابع: «فطالما كنت في غاية الروعة منذ ولادتك.» # بدا السرور جليا على الكشافة الصغير. فقد طالت قامته قليلا، وهز ~~رأسه بمرح. ~~«حسنا، من عساه يرمي النرد فيحسن الرمية، ويسيطر على مجموعة من ~~فتيان الكشافة، ويفعل جملة الأشياء الأخرى الكثيرة التي ظللت أخوضها ~~طوال حياتي، ولا يكون رائعا جدا؟ وأؤكد لك أنني حريص على هذا ~~المكان! بل إن حماسي له شديد. كنت أخبر أمي هذا الصباح أنني بمجرد أن ~~أفرغ من دراسة «القراءة» و«الكتابة» و«الرياضيات»، سآتي إلى هنا ~~وأباشر عملي. إنها تقول إنني سأذهب إلى الكلية، لكن هناك أشياء ~~كثيرة جدا لا تعلمها عني كما ينبغي لها، والكلية واحدة ~~منها.» # ثم أثبت قائد الكشافة لجيمي أفضل إثبات ما كان قد زعمه. فقد شعر ~~جيمي به يطالعه بنظرة طويلة. وشعر بجسده الصغير يقترب منه. وشعر بيده ~~نظيفة على غير العادة تتلمس جانبه الأيسر. وسمع صوتا في غاية ~~الرقة والعذوبة حتى إنه ذكره بصوت معين على الهاتف ~~يعرفه. # إذ قال الصوت بعويل: «أوه، يا جيمي! هل تمزق جانبك؟ هل ستضطر ~~إلى اتباع كل إجراءات علاجه مرة أخرى؟» # وضع جيمي ذراعه حول الكشافة الصغير. # وقال: «مهلا، بالقطع لا، إن جانبي على ما يرام! فهو يتحسن كل ~~يوم. حتى إنني أنوي ألا أضع له ولو ضمادة أو رباطا خفيفا بعد ~~شهرين أو ثلاثة.» # رفع قائد الكشافة ناظريه. # وقال: «ما الأمر ms271 إذن؟» # تردد جيمي. ~~«يبدو وجهك شاحبا وعيناك متعبتان بشدة. تبدو في غاية الإنهاك. تبدو ~~تماما مثلي حين يشاغب فتيان الكشافة وأضطر إلى ضربهم. أحيانا ~~أطالع وجهي في المرآة وأنا أغسل أسناني فأستطيع أن أرى كم هي كبيرة ~~المسئولية التي على عاتقي. أستطيع أن أرى ذلك حول عيني. والآن ~~أستطيع أن أرى أشياء حول عينيك. فما الخطب؟» # فكر جيمي سريعا. لم يرد أن يخبر الكشافة الصغير ما الخطب، في ~~غياب السيد ميريديث. إذ لم يرد أن يشغل السيدة ميريديث بتعقيدات ~~قانونية وهي ترعى رعاية مفرطة الرضيع الذي تحملت مسئوليته. فكر ~~سريعا وبإمعان وجعل الموقف يمر بسلام. # فقد قال: «إنك على حق أيها الكشافة الصغير. أنت قوي الملاحظة بعض ~~الشيء. لقد كنت قلقا ليلة أمس ولم أنم جيدا. إذ ظللت أراقب ~~أرضنا وأرض مارجريت.» # فقال قائد الكشافة: «ألم تعد مارجريت بعد؟ تبدو الأمور محاطة ~~بسرية تامة.» # فقال جيمي: «أعتقد أنها ذهبت إلى المدينة في زيارة بهدف الترفيه مع ~~مولي التي تتحدث عنها دائما. وأنا أرعى لها شئونها في ~~غيابها.» # قال قائد الكشافة مبتسما لجيمي ابتسامة عريضة: «أعتقد أنني سأذهب ~~إلى هناك وألقي نظرة على أرضي.» # فقال جيمي: «حسنا.» # لم يلحظ أي منهما أن الدخيلة كانت قد مرت بمنزل مارجريت كاميرون ~~بينما كانا يرويان حديقتها وفتحت الباب الأمامي ودخلت المنزل ~~المرحب بالزوار. قفز قائد الكشافة من فوق السياج، وسار في الممشى ~~المفروش بالحصى هرولة، ولوح محييا شجرة الجاكرندا، وانعطف ~~مارا بمقدمة المنزل لسبب بديهي؛ ألا وهو أن الفدان المكتوب في ~~سجلات المقاطعة باسم جين ميريديث يقع على يمين المنزل حين تأتيه من ~~المدخل. وحين عبر الطفل الممشى كان ثمة حركة ملحوظة في غرفة ~~المعيشة، ونفحة عطر كان وقعها على الكشافة الصغير مثل وقع نفحة ~~قوية من حمض الفورميك، الذي يفرزه الإنسان عند الشعور بالخوف، حينما ~~يشمها حيوان ما. بفيض هائل من الاطمئنان عبر قائد الكشافة ~~الرواق بقفزة واحدة، وفتح الباب الأمامي، فوجد في وجهه صندوق ~~الأمتعة المفتوح، والفساتين المبسوطة على مقعد سيد النحل، ms272 ووجد أيضا ~~فتاة ذات شعر مصبوغ صبغة غير لائقة ووجه مبالغ في زينته، فتاة ~~بدت لعيني قائد الكشافة مزيجا فريدا من كل الأشياء التي لا يجدر ~~أن تجدها في أي فتاة لطيفة. جعل الصغير يحدق مشدوها. ~~«كيف هذا؟» كانت التحية التي وجهها إلى الدخيلة. وأشار بيديه ~~معبرا عما كان يجيش في نفسه، واحدة في اتجاه صندوق الأمتعة، والأخرى ~~في اتجاه المقعد. # قالت الفتاة: «مرحبا أيها الصغير. إنه لمن حسن حظي أنك قد جئت ~~الآن! خذ العشرة السنتات هذه واذهب إلى أقرب بقالة وأحضر لي زجاجة ~~حليب، وحين تعود لي بها سأعطيك نكلة مقابل ذهابك.» # وقف قائد الكشافة ساكنا وجعل يحدق في الفتاة، نظر إليها طويلا ~~وبإمعان وتذكر شيئا لكنه لم يستطع أن يعرف ما هو على وجه ~~التحديد. ~~«لست؛ لست أم جيمي، أليس كذلك؟ بالطبع لا يمكن أن تكوني أم ~~جيمي؛ لأن مجيء جيمي جعلها في غاية التعب حتى إنها اضطرت إلى ~~الانتقال إلى الرفيق الأعلى رغم أنفها. فمن أنت وماذا تفعلين ~~هنا؟» # فأجابته الفتاة قائلة: «هذا أمر لا يخصك. اجر وأحضر لي ~~الحليب، وعندي بعد ذلك نحو خمسين حاجة أريدك أن تقضيها. تستطيع ~~الحصول على جزء كبير من الفكة التي لدي خلال الساعة أو الساعتين ~~التاليتين إن كنت نشيطا.» # وقف قائد الكشافة دون حراك. وبعينين محدقتين، تكادان أن تكونا ~~مغتاظتين تفحص وجه المرأة. تفحص عينيها على وجه الخصوص باستغراق. ~~صندوق الأمتعة والملابس، والروائح الكريهة للصابون الرخيص والعطور ~~الرديئة، كلها أشياء انطبعت في ذهن الطفل بالسلب. هذه المرأة في ~~المنزل وجيمي في منزل مارجريت كاميرون، لا يفعل شيئا حيال الأمر! ذلك ~~هو طبع جيمي بالضبط. طالما كان من رأي الكشافة الصغير الخاص أن جيمي ~~كمقاتل قد يصمد بين الألمان، لكنه لم يبد رغبة كبيرة في الصمود ~~حين أراد أحد الأشخاص أن يعطيه جزءا رائعا من أملاكه. وبطريقة ما ~~أخذت تتطور الفكرة التي بزغت في رأس قائد الكشافة واتخذت شكلا. ~~فمد يده الصغيرة. # وقال: «أعطني العشرة السنتات! سأقضي لك حاجاتك بالطبع!» ms273 # قابضا على العشرة السنتات بإحكام في إحدى يديه؛ قفز قائد الكشافة من ~~على السياج وحط قرب قدمي جيمي، وعندئذ جعل الطفل يحملق فيه ~~بعدوانية. ~~«من تلك المرأة ذات الماكياج السيئ والتنورة القذرة؟» # كان السؤال موجزا ومباشرا. # فسأله جيمي: «هل هناك أحد في المنزل؟» # كان مرتبكا للغاية حتى إنه تحدث بلكنة أبيه (الاسكتلندية) التي ~~كان يتحدث بها في طفولته. # صاح الكشافة الصغير باللكنة نفسها: «أقول لك إن ثمة أحدا في ~~المنزل!» وتابع: «ثمة مهرجة هناك»! تلك المرأة غطت ملابسها مقعد ~~سيد النحل بالكامل وصندوقها مفتوح في منتصف الغرفة! لماذا أدخلتها ~~المنزل؟» # فقال جيمي: «هي التي دخلته.» # سأله الكشافة الصغير بحدة: «ألست كبيرا كفاية لمنعها؟» واشرأب ~~برأسه لينظر نحو جيمي الذي يفوق طوله ست أقدام. # فقال جيمي: «بلى، إنني كذلك، إن كنت سأستخدم القوة، لكنني لست ~~معتادا على استخدام القوة مع السيدات.» ~~«ولذلك انسحبت وجئت إلى هنا مسلما أملاكنا لتلك المرأة الشبيهة ~~بجبن ليمبورجر (نوع من الجبن قوي الرائحة)!» # قال جيمي: «للأسف هذا ما فعلته.» # قال قائد الكشافة: «حسنا، لقد وضعت أكبر عقبة وضعها أحد يوما في ~~طريقي. إنني متأكد أنك خرجت مثل ديك رومي وديع، دون حتى أن تطلق ~~صيحته العدوانية!» # فقال جيمي: «لقد طلبت منها أن تخبر قاضي الوصايا بالأمر.» ~~«آه!» صاح قائد الكشافة بأجش وأخشن نبرة سمعها جيمي تأتي من ~~حنجرته الصغيرة. «آه! ما نفع قاضي الوصايا؟ لقد كنت تعرف سيد النحل ~~وتعرف أنه لم يكن ليفعل أي شيء غير منصف أو غير صحيح. إن أردت أن تكون ~~متراخيا، فكن كذلك! بإمكانك أن تعطيها نصيبك إن كنت تريد ذلك، لكن ~~تأكد» راح يتكلم معبرا بيديه «تأكد، يا سيد جيمس لويس ماكفارلين ~~أنك لن تضيع النصف الخاص بي من حديقة النحل تلك؛ لأنها كانت الفرصة ~~الوحيدة التي تسنت لي يوما للحصول على حصان. لم يكن السبب لعدم ~~حصولي على حصان أن أسرتي ليس لديها المال الكافي لشراء حصان، وإنما ~~لأنني لا أستطيع الاحتفاظ بحصان في المدينة. أما هنا فلا أرى ms274 سببا ~~يمنعني من ذلك. فلا يوجد جيران بجانبي ليعترضوا. سأرى إن كانت تلك ~~المرأة ذات الشعر المستعار الأشقر هناك ستستطيع أن تحول بيني وبين ~~امتلاك حصان!» # مد الكشافة الصغير يدا وكشف عن عشرة سنتات. ~~«سأذهب إلى البقالة وأشتري لها حليبا، ويوجد «خمسون مهمة أخرى» بعد ~~ذلك»، ثم على نحو مفاجئ قلد الكشافة الصغير تلك المرأة التي في ~~المنزل بالنبرة والأسلوب نفسهما اللذين تعرف عليهما جيمي، إذ قال: ~~««يوجد نحو خمسين مهمة أخرى بإمكانك إنجازها لي، أيها الصغير».» ثم ~~تغيرت نبرته مرة أخرى. واستأنف: «تأكد تماما أن «الصغير» سوف يؤدي ~~المهام، فسوف يجد «الصغير» طريقة ما ليخرج بها تلك المرأة من ~~المنزل وسوف يخرجها منه بأقصى سرعة. فقد تصادف أن «الصغير» على علم ~~بأشياء جمة لا تعرفها أنت، وقد بدأ لتوه يدرك من هي تلك ~~الخصم!» # ثم لوح بيديه؛ إحداهما مبسوطة، والأخرى قابضة على العشرة السنتات. ~~«أؤكد لك أن «الصغير» يدخر سهما أخيرا لتلك الخصم التي بالداخل! ~~فإن «الصغير» مدين لسيد النحل بأن أصيبها فلا أترك فيها موضعا ~~سليما! ربما تظن أنني لا أعلم حقيقتها الآن. ربما تظن أنني لا أعلم ~~من الذي دفع بماري الصغيرة فحطم ظهرها وجعلها تموت! فلتر ماذا ~~سأفعل! إن كنت لا تنوي المقاومة، فإنني سأقاوم. كيف دخلت هذا ~~المنزل؟» # فأجابه جيمي قائلا: «سرت عبر الباب.» # فقال الكشافة الصغير: «حسنا. سوف أهاتف أمي وأكلف فتياني ~~بالمهمة، أما أنت فضع أذنك على الأرض وأصغ للمعركة. وثق أن ~~«الصغير» سوف يشعل فتيل الحرب!» # أنزل قائد الكشافة قدميه محدثا صوتا معبرا، وفي الحال سمع جيمي ~~رنين الهاتف وسمع أيضا صوت الكشافة الصغير. ~~«مهلا يا أمي! لقد سافرت مارجريت كاميرون وشريكي هنا بحاجة إلي. ~~غالبا سأضطر إلى أن أطهو له العشاء. وربما لا أعود إلا متأخرا. ~~إن تأخر الوقت كثيرا، فسيصحبني. لا تقلقي علي. إنني بخير، لكن ~~هذا الطفل الكبير الذي هنا بحاجة إلى رعاية أكثر من جيمي الطفل. وسوف ~~أقص ذلك على كل الناس!» # ارتطمت السماعة بالحامل ارتطاما كاد أن ms275 يحطمهما، ثم جاء قائد ~~الكشافة من الباب الأمامي ومضى يجري بخفة في اتجاه البقالة الواقعة ~~في الزاوية بعيدا. أما جيمي فقد جلس وجعل يفكر. ثم ذهب إلى الهاتف ~~واتصل بجون كاري. وسأله إن كان بإمكانه الاعتماد عليه ليساعده إذا ~~أنذر أي من النحل بتغيير مكانه في اليوم التالي. فكان جوابه ~~بالموافقة. حيث سيأتي كاري في الصباح ويتفحصان القفائر، ويحضران ~~بعض القفائر الجديدة الجاهزة لسكن النحل. # وبعد قليل رأى جيمي قائد الكشافة وهو يدخل من البوابة الأمامية ~~ويسير في الممشى ومعه زجاجة الحليب. ورآه بعد ذلك يحمل رزمة من ~~الأوراق وأشياء متفرقة إلى فرن النفايات. ثم رآه وهو يجمع الطماطم ~~والخضراوات، ويقطف الفاكهة ويحملها إلى المطبخ، وحين اقترب ليفهم ما ~~كان يحدث، رأى أثناء مروره بإحدى النوافذ قائد الكشافة واقفا في ~~منتصف حجرة المعيشة يعلق الفساتين على شماعات معاطف سيد النحل ~~ويعلقها في خزانة ملابسه. وبعد قليل خرج إليه الكشافة ~~الصغير. # كان جيمي مندهشا من التعبير الذي ارتسم على الوجه الصغير. فقد صار ~~غامضا تماما. لا يشبه أي شيء رآه جيمي يوما. كان شاحبا قليلا، ~~وجامدا قليلا، وثابتا لأقصى درجة. فقط حين دنا جيمي بنظره رأى أن ~~جسده كله كان متأهبا مثل وتر كمان، مشدودا وموترا ومستعدا ~~للاستجابة بالنغمة التي تطلب منه. وعلى نحو مفاجئ بزغ في قلب ~~جيمي شعور بالثقة. فقد قال سيد النحل إن الكشافة الصغير على علم ~~بأسراره. وعندئذ بدا لجيمي أنه سيصبح من الحكمة أن يتولى هو ~~الحراسة بينما يتصرف الكشافة الصغير بناء على ما لديه من معلومات ~~أيا كانت. # قال قائد الكشافة: «إنها تجرب كل المفاتيح التي في المنزل لتفتح ~~بها صندوقي، وقريبا جدا ستجد مفتاحا مناسبا، وذلك الصندوق إنما ~~هو مليء بأشياء لا تخصها البتة. فبداخله أغراض ماري هايلاند وأغراض ~~ماري الصغيرة. وبه عقود زواج وحجج. وبداخله أوراق عمل. وبداخله ~~الاتفاق الموقع الذي يجعل تلك الفتاة التافهة تستقر هناك مدى ~~الحياة. فإنني أعلم من هي. وأعلم ماذا تظن أنها فاعلة. وصدقني إنها ~~ستستطيع أن تفعله ms276 إن فتحت ذلك الصندوق، وذلك الصندوق يخصني. فماذا ~~ستفعل حيال ذلك؟» # سأله جيمي: «أين المفتاح؟» # فأجابه الكشافة الصغير: «إنه مع أبي.» وتابع: «لقد كان بين الأشياء ~~التي بحوزة سيد النحل في المستشفى، ويوم تسوية الأمور أعطاه قاضي ~~الوصايا لأبي ليحتفظ به حتى أبلغ السن القانونية. إنه في مكتبه في ~~المنزل. بإمكاني إحضاره بالذهاب سريعا إلى هناك، لكنني لن أفعل ~~ذلك. فقد تذكرت أنها لن تستطيع أن تفتح ذلك الصندوق بأي مفتاح تجده ~~في المنزل، ولا أي مفتاح يصنع لها؛ لأن ذلك الصندوق به قفل من نوع ~~خاص فهناك نقش لورقة شجر حيث يجب أن تضغط على زنبرك حتى يعمل ~~القفل. في تلك الأيام حين كنت أفرغ من كل الأعمال وأستعد للذهاب ~~إلى منزلي، وكان سيد النحل يشعر بوحشة شديدة لشيء حي وشخص ليتحدث ~~إليه، كان يسمح لي بفتحه بتلك الخطوات ويريني ما بداخله ويسمح لي ~~بمطالعة الصور ورؤية ما بداخله من الأشياء الخاصة بماري الكبيرة وماري ~~الصغيرة. وذلك ما كان يجول بخاطري. فثمة صورة في الصندوق لتلك المرأة ~~وهي صغيرة، وكانت تبدو قميئة الشكل كما تبدو الآن. وقد كتب عليها ~~اسم وتاريخ، أيضا، ومن شأن ذلك أن يردعها إلى حد ما إن لم تراع ~~ما ستخبر به قاضي الوصايا. ولا يمكنها أن تفتح ذلك الصندوق إلا إذا ~~حطمته بمطرقة، فإن أقدمت على ذلك بالفعل ... ويحي!» # كان الوجه الذي تطلع نحو جيمي وجه شخص وثني صغير يحقق العدالة. ~~لم يبد عليه ذرة رحمة، ولم يش بلمحة تسامح. كان عازما، وساكنا ~~مثل وجه تمثال العدالة الذي يحمل الميزان فوق مقعد القاضي في مكتب ~~محكمة الوصايا. وقد شعر جيمي بقشعريرة باردة تتسلل إلى ظهره. ~~ولأول مرة خاطب شريكه الصغير باسمه. # إذ خاطبه قائلا: «توخ أشد الحذر فيما ستفعله يا جين. لا ~~أدعي أنني لا أتألم بالغ الألم من احتمال طردي من الحديقة، ~~والتنازل عما أراد لي سيد النحل امتلاكه، لكن مهما كانت أهمية ~~نصيبك لديك فهذا لا يبرر أن تفعل شيئا فظيعا فتؤدي ms277 بنفسك إلى ~~السجن أو يشينك طوال حياتك. ثمة طريقة واحدة لعلاج هذه الأمور، وهي ~~ترك العدالة تأخذ مجراها.» # جاءه قول الكشافة الصغير متفقا معه: «هذا ما خطر لي بالضبط!» ~~وتابع: «لا أعتقد أنه لا يوجد عدالة في هذه القرية ، ولا أعتقد أنها لن ~~تأخذ مجراها إذا قفزت في الوقت المناسب من مكمني مثل زعيم من الهنود ~~الحمر. لقد أخبرتك من قبل، وأقول لك الآن ابتعد عن المسألة وشاهد ما ~~سأفعله!» # استدار الكشافة الصغير وعاد أدراجه إلى المنزل. وبينما يواجه ~~الدخيلة، وبنبرات مهذبة دمثة، أبلغها هذه الرسالة: «يقول السيد ~~ماكفارلين إن مفاتيح صندوق السيد ورذينجتون في عهدة السيد ميريديث، ~~وإن السيد ميريديث سيظل خارج البلدة عدة أيام ولا يمكن إحضارها قبل ~~رجوعه.» # قالت الآنسة ورذينجتون: «حسنا، وأنا ليس لدي وقت لأنتظر!» ~~وتابعت: «لا بد أن أطلع على الأوراق الموجودة في ذلك الصندوق. لا بد ~~أن أفتحه حتى إن كنت سأحطمه!» # ابتسم الكشافة الصغير. ~~«كان السيد ورذينجتون قد قال إن الصندوق جاء من الجهة الأخرى من ~~المحيط مع أغراض جده المنزلية وهو منحوت نحتا يدويا وكان في ~~الماضي يخص إحدى الملكات. فإن حاولت كسره لفتحه وأتلفته، وإن ~~لم يرض ما وجدته بداخله قاضي الوصايا بشأن من تكونين وما تفعلينه ~~هنا، فسوف توقعين نفسك في مشكلة خطيرة؛ لأننا هنا في كاليفورنيا ~~نبدأ تربية الأطفال وهم ما زالوا يرضعون من زجاجتهم - وهي مخالفة ~~للطبيعة ولا أحبذها، لكنني رأيت أنها ستبدو أكثر تهذيبا من ذكر ~~الطريقة الأخرى للرضاعة - على أي حال، نبدأ تربيتهم من تلك السن ~~المبكرة على الانحناء احتراما أمام أي شيء «عتيق». ونضربهم على ~~رءوسهم ضربة شديدة إن لم يفعلوا ذلك. فإننا نعشق العتيق من الصناديق ~~والطاولات والمقاعد والأبسطة وغيرها، ويحسن بك توخي الحذر لأنه ~~ليس مقبولا في كاليفورنيا أن تتلفي أي شيء عتيق.» # قالت الآنسة ورذينجتون: «مهلا، فلتخبرني!» وأضافت: «من ~~أنت؟» ~~«آه، إنني طفل من هذا الحي. ما هو طلبك التالي؟» ~~«جر صندوق الأمتعة ذلك إلى حجرة النوم.» # تقدم قائد الكشافة وانحنى ms278 عند أحد زوايا الصندوق، ونظر عن يمينه وعن ~~يساره ثم قال بتهذيب: «أرجوك أن تحملي الطرف الآخر. فهذه الأبسطة ~~عتيقة هي الأخرى ولا يجوز جر الأثاث فوقها، كما أن صندوقك يزيد ~~عن حجمي مرتين، مع أنه مجرد صندوق أمتعة .» # ترددت الآنسة ورذينجتون لوهلة ثم تناولت الطرف الآخر للصندوق ~~وساعدت في حمله إلى غرفة نوم سيد النحل. نظر الكشافة الصغير إلى ~~خزانة الملابس المفتوحة التي أخذت منها ملابس جيمي، والأدراج ~~المفتوحة التي أخذ منها متعلقاته، فهاجت بداخله مشاعر غضب كادت ~~تخل بطابع الرصانة الذي حاول قائد الكشافة الصغير الحفاظ عليه. ~~كان التساؤل الذي طرأ في الرأس الصغير آنذاك هو ما إن كان بقبضات ~~محكمة بما يكفي وعضلات مفتولة كما ينبغي قادرا على مهمة إلقاء هذه ~~الدخيلة من النافذة لتهبط على جانب شديد الانحدار من الجبل يؤدي ~~بها إلى البحر. لكن عقل الصغير هو الذي علا صوته. ~~«امض وألق بها من النافذة! أغلب الظن أن جيمي ضخم الجثة رقيق ~~القلب سيكون واقفا بالخارج ليتلقفها في ملاءة ويحملها إلى الداخل ~~ويضعها في الفراش ويظل واقفا طوال الليل بنفسه ليرى إن كانت ~~ستفتح ذلك الصندوق أم لا، واحتمال ألا يمنعها إن فعلت. فما ~~الفائدة إن رميتها؟ فإنه لن ينفعني شيئا. من الأفضل أن ألازم ~~المكان وأواصل مهمتي فحسب لأرى ماذا ستفعل.» # من ثم أدى قائد الكشافة عددا لا حصر له من المهام وشاهد ودماؤه ~~تكاد تغلي حرفيا المنزل وهو يفتش من أعلاه لأدناه. فقد أفرغت ~~الأدراج، ونقلت الكتب من أماكنها على الرفوف. حتى نفد أخيرا صبر ~~الكشافة الصغير. ~~«حسنا، ما الذي يثير جزعك؟» # فزعت الآنسة ورذينجتون بعض الشيء. ~~«هل تعتقدين أنك ستعثرين على جوهرة كوهينور أو طبول الخطر؟» # سألت الآنسة ورذينجتون بحدة: «ماذا تقصد؟» # فقال قائد الكشافة: «يبدو غريبا جدا أن أسمعك تقولين إنك ~~الآنسة ورذينجتون، ثم تتحدثين بلهجة دارجة. أعتقد أن سيد النحل كان ~~سيعلمك وأنت في الثانية من عمرك تقريبا أن تتحدثي بلهجة رصينة، ~~ولم أفترض أنك ستعرفين ما الذي كنت أشير ms279 إليه، لكن من الغريب أنه لم ~~يثقف ابنته. فهو من علمني أن كوهينور هي أكبر ماسة في ~~العالم، أما طبول الخطر فهي أكبر أحجار زمرد. لقد علمت بها من أحد ~~الأفلام. لقد كان مثيرا أيضا. وبه فتاة غاية في الحسن، فتاة داكنة ~~العينين والشعر وتضع كمية معقولة من أحمر الشفاه ومساحيق زينة ~~بسيطة، وكانت تجيد التمثيل علاوة على ذلك! أرى أنها إنما كانت ~~رائعة!» # فقالت الآنسة ورذينجتون: «ما دمت قد تعلمت تعليما رفيعا فلماذا ~~تتحدث العامية؟» # ضحك الكشافة الصغير. ~~«أوه، لا بد أن أستخدم هذا النوع من اللغو حتى أحافظ على حظوتي ~~لدى فتيان الكشافة. فإنني إن تحدثت معهم بالأسلوب الذي يجعلني أبي ~~أتحدث به في البيت فلن أبقى قائد الكشافة على مجموعتي مدة طويلة. ~~إننا حين نلعب نمثل أدوار هنود وقطاع طرق وقراصنة وأشياء من ذلك ~~القبيل، ونتحدث بتلك الطريقة ليبدو الأمر أكثر واقعية، وعلى أي ~~حال لا أحد يتوقع من طفل في العاشرة من العمر أن يتحدث مثل امرأة ~~في الثلاثين.» # قالت الآنسة ورذينجتون محتدة: «لست في الثلاثين!» # فقال قائد الكشافة: «معذرة، أعلم أنك دنوت من الأربعين. وإنما ~~قلت ثلاثين من باب التأدب.» # فقالت الآنسة ورذينجتون: «لقد فرغت من أمرك الآن.» وتابعت: «يمكنك ~~العودة إلى منزلك، لكن يفضل أن تعود مرة أخرى في الصباح لنرى إن كان ~~هناك ما يمكن أن تفعله من أجلي.» # قال قائد الكشافة: «حسنا. سوف آتي في الصباح، أما الآن فسأنصرف إلى ~~منزلي متى دفعت لي أجري على ما فعلته اليوم. فقد ظللت أدور بنشاط ~~بالغ وقت ما بعد الظهر بأكمله، وإنني أتضور جوعا لدرجة أنني على ~~استعداد لالتهام كل السجق الموجود في كشك الزاوية!» # فقالت الآنسة ورذينجتون: «سوف أدفع لك في الصباح.» # فقال الكشافة الصغير: «سآخذ أجري الآن.» وتابع: «فليس معي فكة، كما ~~أنني جائع كما قلت لك.» # أخرجت الآنسة ورذينجتون محفظة جيبها، وأخذت منها بعض الفكة ~~الصغيرة وأسقطتها في اليد الممدودة. فعدها الكشافة الصغير ~~مرتين. ~~«مهلا، هل تلقين بهذه الفكة إلى الطيور؟» ms280 # بيد أنه كان استفسارا مرحا. فقد قرر قائد الكشافة استئناف ~~مهمته في الصباح. ~~«متى تريدين أن آتي؟» ~~«يفضل أن تأتي قرب التاسعة.» # فقال قائد الكشافة: «حسنا؛ قد أستطيع المجيء قبل ذلك بساعة فأزيل ~~الغبار عن الأثاث أو أنظم الأشياء من أجلك، أو ألمع أحذيتك. ~~فإنني كثيرا ما ألمع أحذية أمي. وأعرف الطريقة.» # فقالت الآنسة ورذينجتون: «فليكن؛ فلتأت مبكرا كما تريد.» # فقال الكشافة الصغير: «سوف آتي مباشرة، من أجلك أنت؛ لأنني أكترث ~~لأمرك، ولذلك أؤكد عليك قبل أن أذهب أنه من الأفضل أن تتذكري ~~كيف تقدر كاليفورنيا الأثاث العتيق.» # أغلق الكشافة الصغير الباب ومضى في الممشى، وقفز من فوق السياج ~~وقال لجيمي: «لا أستطيع أن أتعلل بسبب للبقاء هنا أكثر من ذلك، كما ~~أنني أتضور جوعا. إذا استطعت البقاء ليلا وفعل شيء لردعها عن ذلك ~~الصندوق حتى الصباح، فسوف أستأنف مهمتي بعد السابعة بوقت قصير ~~وسأظل مرابطا عليها حتى أتأكد من أنه ليس في وسعي شيء.» # ثم اتخذ خط سير نحو أقرب كشك للسجق. وبعد عدة ياردات استدار ~~الكشافة الصغير. ~~«دعني أنبهك إلى شيء؛ إن استبدت بها الرغبة في الليل شأن ~~المجرم العتيد، فربما تحاول كسر صندوقي. لذلك من المستحسن أن تأخذ ~~المطرقة أو أي شيء يمكنها خلعه به من مخزن الأدوات وثبت النوافذ ~~من الداخل حيث تقفل وأوصدها من الخارج. فإن لم تستطع العثور على أي ~~شيء مناسب لتستخدمه في التكسير، فربما تترك الأمر حتى الصباح.» # وكان ذلك ما فعلته الآنسة ورذينجتون. فقد كانت متعبة هي نفسها. ~~ولتكاسلها عن الطهو، تناولت خبزا وحليبا، ثم تحممت، وذهب إلى ~~الفراش مبكرا، وكانت لا تزال نائمة حين وصل قائد الكشافة في ~~الصباح. ومعتمدا على التأكيد باستدعائه إن لزم الأمر، جعل جيمي ~~يترنح من قلة النوم، ثم استلقى على الفراش وراح في النوم. ومن ثم ~~أصبح الموقف في ذلك اليوم معتمدا على الكشافة الصغير. # الفصل الثامن عشر # | الكشافة الصغير يستعد للحرب # ظل الكشافة الصغير حتى الساعة العاشرة يؤدي مهام الطاهي والوصيفة ~~وخادمة المنزل والمرسال، ms281 وأي شيء تطلبه الدخيلة. وفيما بعد أرسلت ~~كومة من الأوراق غير المهمة إلى فرن النفايات القائم في منتصف ~~الجزء الأسفل من جانب جيمي من الحديقة، في منتصف الطريق بين قفائر ~~النحل الأسود الألماني والصف الطويل لقفائر النحل الإيطالي. وحين ~~أشعل قائد الكشافة عود الثقاب وأشعل النار في الأوراق ووقف بضع ~~دقائق ليشاهدها وهي تحترق، بلغه دوي مشئوم من مكان ما في اتجاه ~~النحل الإيطالي حتى بات ملحوظا. # فقال الكشافة الصغير: «هممم. لا أدري سوى أنه من الأفضل استدعاء ~~جيمي. فسوف يهاجر بعض من نحله.» # وبينما كان يسير في الممشى راجعا توقف برهة بجانب صنبور المياه. ~~فقد أراد قائد الكشافة رش بضع قطرات للحفاظ على انتعاش حوض ~~النعناع، لكن كان الخرطوم الأثقل وزنا هو المتصل به وممتدا في ~~الممشى. حيث يمكن رؤية فوهته فوق إحدى أشجار الجاكرندا، مفتوحة ~~بالحد الذي يسمح بخروج سيل ضعيف من القطرات بسرعة مناسبة لتمتصه ~~الأرض وتروي الأشجار. بدا أن شجرة الجاكرندا تلك ذات معزة خاصة، ~~فتحت ظلها الرقيق الأزرق الهادئ أمضى سيد النحل بعضا من أفضل ~~الساعات التي عاشها في حياته وهو يسلي الكشافة الصغير. من ثم غادر ~~قائد الكشافة الممشى الخلفي ودار حول المنزل، وفتح الفوهة أكثر ~~بدرجة صغيرة، وأنزلها في موضع جديد كتعبير صغير على اهتمامه بتلك ~~الجاكرندا المميزة. # حين لمست الفوهة الأرض بلغه من داخل المنزل صوت شيء يتحطم. ~~فانتصب الكشافة الصغير بقامته بغتة، واتسعت عيناه، وانقبضت ~~عضلاته، وبخطوة أخف من خطوته وهو يؤدي أفضل دوران أداه يوما، ~~عبر نحو النافذة الجانبية. وبحذر، جعل الكشافة الصغير يشب حتى ~~أطل من خلال النافذة المفتوحة في الوقت المناسب ليرى غطاء الصندوق ~~العتيق مفتوحا عن آخره. وكانت المطرقة، التي لا بد أنها أخذت ~~وخبئت في مكان ما في المنزل قبل أن يحكم جيمي إغلاقه، ملقاة على ~~الأرض. # بأنفاس لاهثة تشبث قائد الكشافة بالنافذة وجعل يمعن النظر. لقد ~~فات أوان الدبلوماسية. وأعلنت الحرب. فقد غزا العدو أقدس حصن ~~لسيد النحل والكشافة الصغير ومربي النحل. وحان وقت التصرف. ms282 متشبثا ~~بحافة النافذة، بعينين متسعتين وفم فاقهما اتساعا بكثير، جعل ~~الكشافة الصغير يشاهد سلة المهملات التي كانت بجوار طاولة كتابة ~~سيد النحل، سلة الطهي الهندية الكبيرة، وهي تملأ عشوائيا بكل ما ~~يمكن التقاطه من الصندوق من صورة أو ورقة بدا أنها قد تحتوي على ~~أقل تسجيل لأي معاملة. لم يترك سوى لعب ومجوهرات وحلي وأشرطة ~~وأوشحة. كانت السلة مكدسة عن آخرها. بعد ذلك نهضت الآنسة ~~ورذينجتون، وأخذت حفنة من عيدان الثقاب من صحن فوق رف المدفأة، ~~والتقطت السلة، ومضت نحو الباب الخلفي. # بخفة هبط قائد الكشافة من حافة النافذة، وأسرع إلى شجرة الجاكرندا، ~~والتقط الخرطوم، وانطلق بجانب العريشة المحملة بالكروم حتى وصل إلى ~~الصنبور. توقف ليغلق الخرطوم ويفتح الصنبور حتى انتفخ الخرطوم ~~وتلوى مثل الثعبان. جثم الكشافة الصغير وراء جدار الكروم شديد ~~السمك وتشبث بالخرطوم، موجها عينيه نحو فرن النفايات، وما ~~زال ينبعث منه دخان الأوراق التي كانت تحترق بداخله. حين اختلس النظر ~~من خلال كروم العريشة وجد قائد الكشافة أن الفتاة لم تأت بعد، ومرة ~~أخرى استرعى الطنين الرقيق انتباهه للمنطقة المجاورة للفرن. انحنى ~~الكشافة الصغير وجعل يختلس النظر ذات اليمين وذات اليسار، وبينما هو ~~يخطو بخفة، مع بقائه مستترا ليحصل على رؤية واضحة، شاهد الفتاة ~~وهي تقترب. ثم جاء من قفيرين للنحل الإيطالي في الوقت نفسه ~~تقريبا، مع هدير مشئوم، أسراب متدفقة من النحل مغادرة قفائرها، ~~التي امتلأت بأقراص العسل واكتظت بالنحل، باحثة عن منازل جديدة ~~بأمر من الملكة القديمة. # زاد اتساع عيني الكشافة الصغير. وسقط الخرطوم من أصابعه الصغيرة. ~~وانتقل بقفزة واحدة إلى فتحة في العريشة. فخرج منها، وركض مسرعا ~~بقدميه الصغيرتين في الممشى الخلفي ومنه إلى الرواق الخلفي ~~والتقطت يداه المرتعشتان طبلة النحل. حين رنا إلى المطبخ كانت الآنسة ~~ورذينجتون جاثية على ركبتيها بجانب السلة تفرز بأصابع متوترة ~~الأوراق والأشياء التي دستها فيها بقليل من التمييز. # فقال قائد الكشافة وهو يلتقط الطبل: «لا شك أنني سأحظى بوقت ~~قصير.» ثم بدأ يعدو سريعا نحو منطقة الفرن، ليتصاعد ms283 في نسيم الصباح ~~برفق الإيقاع البطيء: «دوم دوم دوم»، فبدأ يتجمع النحل الذي كان ~~سارحا في الهواء. قادهم الطبل في البدء إلى شجرة برتقال على بعد ~~ثلاث ياردات من الفرن، ثم غير اتجاه مجموعة أخرى ووجههم نحو فرع ~~شجرة تين على الجانب المقابل. «دوم، دوم»، وقف الكشافة الصغير بعينين ~~جاحظتين وشفتين مفترتين في سحابة من النحل، يشاهد سربا ومن ~~بعده سربا آخر. كان الجو ما زال ممتلئا به، لكن كان واضحا للعين ~~الخبيرة أن ملكة كل سرب قد استقرت وكان ذلك كل ما يلزم. ~~«دوم، دوم، دوم دوم دوم.» تنقلت عيناه بين النحل والرواق الخلفي. ~~حتى جاءت؛ بالسلة ممتلئة حتى فاضت، وقد أحاطت بها بيد ممتلئة بعيدان ~~الثقاب، بينما امتلأت اليد الأخرى بالأوراق التي وجب إتلافها. ~~مستترا بستار الأشجار والزهور والعريشة، منحنيا، من دون إحداث ~~جلبة، تسلل الكشافة الصغير عائدا إلى الصنبور، فتأكد من أنه ~~مفتوح إلى آخره، ورمى الطبل، والتقط فوهة الخرطوم الذي كان في ~~اندفاعه بضغط المياه الجارية بتلك القوة مثل تيار جار في أنابيب ~~كبيرة لدرجة الانطلاق بسيارة صغيرة والانتقال إلى أماكن عدة هابطا ~~سفوح الجبال. # ظل الخرطوم يتلوى كأنه كائن حي، فأغلق الكشافة الصغير الصنبور ~~قليلا؛ خوفا من احتمال انفجار الخرطوم. # هرعت الدخيلة في الممشى الخلفي سريعا بقدر ما حملتها قدماها ~~في سبيله المتعرج المنحدر، ثم أسقطت محتويات السلة في الفرن. وألقت ~~فوقها الأوراق المهمة، ثم حكت عود الثقاب وحملته للحظة للتأكد ~~من اشتعاله قبل أن تشعل الأوراق من فوق. وعندما امتدت اليد الحاملة ~~عود الثقاب نحو الأوراق، أصابها تيار من المياه هز قاعدة الفرن ~~وراح يغرق محتوياته كلها من فوره، ثم صاح صوت حاد، علا لأقصى درجة ~~من فرط الهياج: «انتبهي! فأسراب نحل تحيط بك من كل جانب! سوف ~~يلدغك حتى الموت في غضون دقيقة، فرائحتك حقا لن تروق له!» # لم يكن قدر معرفة الآنسة ورذينجتون بالنحل أمرا معلوما. إلا أن ~~الكشافة الصغير أدرك شيئا واحدا؛ إنها تعرف ما يكفي ليجعلها خائفة. ~~فقد نظرت عن ms284 يمينها وعن يسارها وقررت المجازفة، حتى مع اقتراب النحل ~~أكثر. # وصرخت: «أغلق ذلك الخرطوم! أغلق ذلك الخرطوم!» # أجابها الكشافة الصغير محتدا: «مستحيل!» وتابع: «فلن تحرقي تلك ~~الأوراق! إنها لا تخصك. فلا تلمسيها. لا تلمسي واحدة منها! إن ~~لمستها فسأصيبك بهذا الخرطوم حتى أطيح بك مباشرة عند النحل ~~الذي وراءك! إنك لا تعرفين قوة ضغط مياه الجبال، لكنني أستطيع أن ~~أفعل ذلك!» # صاحت الفتاة: «أغلق ذلك الخرطوم!» بينما تتشبث بجانب الفرن وهي ~~تنظر بعينين جاحظتين إلى سربي النحل الذي راح يحتشد مقتربا ~~لدرجة تثير الفزع، وتنظر عاليا إلى الجو من فوقها وهو يمتلئ ~~رويدا بأزيز أجنحة النحل الذي شم شيئا لم يرق له، نحل متوتر ~~مسبقا من ضغط مغادرة القفير الذي نشأ فيه، متبعا ملكته إلى ~~موقع جديد. # صرخت الآنسة ورذينجتون: «ما الذي تحاول فعله؟» # فهتف قائد الكشافة: «إنني لا أحاول». وتابع: «إنني أفعل! سوف أنتزع ~~منك الحقيقة أو أطلق عليك سربي النحل، فيلدغونك حتى تصبحي ~~جثة هامدة، لتموتي الميتة الشنيعة التي تستحقينها جزاء لك على ما ~~فعلته بماري الصغيرة. فإنني أعلم من أنت! لقد رأيت صورتك! التي ~~وضعتها هناك في ذلك الفرن. أنت لست ابنة سيد النحل مطلقا! فقد ~~أنجبتك أمك حين أغوته حتى يتزوجها. وأنت تحاولين الادعاء ~~بأنك ماري. تحاولين الخداع حتى تحصلي على هذه الأرض. شاهديه وهو ~~يحيط بك. شاهديه وهو يقترب أكثر! اسمعي أزيزه!» # نظرت الفتاة المرتعبة حولها. كان سبيل الهروب مقطوعا من الخلف، ~~والخرطوم الهادر يتهددها من الأمام. إن غادرت الفرن بالأوراق التي ~~أودعتها فيه دون أن تحرقها فلن يصبح ثمة أمل لإثبات ادعائها، ~~ولا أي فرصة لأي برهان أحضرته معها حتى يؤتي أثره. لا بد أن تحصل ~~على الأوراق أو تنهزم. لكن العفريت الصغير الواقف عند طرف الخرطوم ~~الهادر ... بعزم انحنت على الفرن وبدأت تلتقط الأوراق بيدين ~~مرتجفتين. وفي تلك اللحظة صوب الكشافة الصغير الخرطوم، الذي انطلق ~~بأقصى قوته، على ظهر قفائر النحل الألماني الأسود بالضبط، وظل مصوبا ~~وحاملا إياه حتى اهتزت قوائم القفائر فتدفق ms285 منها في حشود مبعثرة ~~أشرس نحل شهده تاريخ تربية النحل يوما. كان الهدف الأبرز أمامه هو ~~الفرن وقد تصاعد منه الدخان، والتلوث الذي انتشر في الجو، أشد ~~أنواع التلوث التي عرفها إثارة للسخط، تلوث من إنسان ينفث عبر ~~كل مسامه رائحة حمض الفورميك؛ رائحة الخوف. بدأ النحل الألماني ~~الأسود يرتفع في الجو محدثا هديرا. فتح الكشافة الصغير صنبور ~~المياه عن آخره وبلغ بفوهة الخرطوم أقصى قوتها وشاهدها وهي تحدث ~~ثقبا في حوض زهور المخملية، وتقتلعها من الأرض. وطغى على هدير النحل، ~~وعلى تدفق المياه، الصوت الأنسب للوجه الذي كان جيمي قد رآه في ~~الليلة السابقة، صوت إنسان وثني صغير عازم على إقامة العدل، وهو ~~يعلو ويجلجل ويقول: «ها قد حوصرت! ها قد أحاط بك من ثلاث جهات! ها ~~هو يحيط بك تماما! الآن ستنالين عقابك! لكنني سأمنحك فرصة ~~واحدة فقط! اتركي تلك الأوراق!» # نظرت الفتاة لأعلى. فمن جانبها كان النحل الإيطالي يهدر على بعد ~~بضع ياردات منها. ومن خلفها وأكثر اقترابا سرب آخر، بينما جعل يهبط ~~عليها من الأمام النحل الألماني الأسود. # فصرخت: «وجه ذلك الخرطوم نحوي!» «احمني بالمياه! صده عني ~~بها!» # فخرج الكشافة الصغير حتى أصبح ظاهرا تماما على أطراف أصابعه ~~محتفظا بالخرطوم حيث كان بالضبط. ~~«هل تريدين مني أن أطلق ذلك الخرطوم على نحلنا، نحلنا اللطيف ~~البريء، الذي يؤدي عمله، ويصنع الأطياب ليغذي بها العالم؟ هذا ~~النحل صديقي! إنني مساعد سيد النحل. وقد أعطاني نصف هذا المكان. ~~تعتقدين أنك ستسرقينه! تعتقدين أنك ستحرقين أوراقه! اعترفي بالحقيقة ~~الآن، وإلا نال منك النحل، وفي ظرف خمس دقائق ستصبحين جثة هامدة ... ~~ستهلكين مثل أي كاذب بل أشد هلاكا! انتبهي! إنه أمامك! ~~اعترفي بالحقيقة! قولي إنك لست ابنة سيد النحل!» # وبينما هي متشبثة بالفرن، ألقت الفتاة نظرة مذعورة حولها. كانت في ~~وسط دائرة من النحل وهي قد سمعت عن النحل الألماني الأسود. وتعرفت ~~إليه بمجرد أن رأته. فقد رأت في طفولتها حدائق النحل حين كانت تسكن ~~منزل سيد النحل. ومن ثم صرخت ms286 بأعلى صوتها. # قال قائد الكشافة: «توقفي عن الصراخ!» وتابع: «اعترفي بالحقيقة، ~~في رأيي، عليك أن تعترفي بالحقيقة! قولي: «مايكل ورذينجتون لم يكن ~~أبي».» # وفي تلك اللحظة أصابت أول نحلة من النحل الألماني ضحيتها في ~~رأسها في مكان غير بعيد عن أذنها اليمنى وواصل البقية مهمته. # فصرخت الفتاة: «لا! لا! لم يكن أبي!» # قال الكشافة الصغير: «قولي إنك تحاولين سرقة هذا المكان وإنك لا ~~تملكين حقا فيه.» # اعتدلت الفتاة وحاولت أن تخطو خطوة إلى الأمام. لكن أصابتها ~~نحلة ألمانية سوداء أخرى في جبهتها مباشرة. # فاستمرت في الصراخ: «نعم! نعم! إنني أحاول سرقته! وليس لي حق ~~فيه!» # قال الكشافة الصغير: «آمم! والآن قولي إنك تحاولين حرق تلك الأوراق ~~للتخلص من كل الأدلة التي ستحول دون ارتكاب السرقة التي تحاولين ~~ارتكابها! قولي ذلك، وقوليه بأقصى سرعة!» # قالت الفتاة المعذبة بأنفاس متقطعة: «نعم! نعم! سأقول أي شيء! ~~أسرع! أسرع، وإلا فات الأوان!» # فقال الكشافة الصغير: «ستقولين الحقيقة بشأن شيء آخر ~~أولا.» # كان الخرطوم الفائر في تلك اللحظة يحدث حفرة في حوض زهور ~~المخملية، حفرة كبيرة حتى ليغرق فيها عجل. جعل الكشافة الصغير يقفز ~~من قدم إلى الأخرى، متمسكا به بكل ما في ذراعيه الفتيتين بالغتي ~~الصلابة من قوة. ~~«قولي حقيقة ما حدث لماري الصغيرة أيضا! قولي إنك دفعتها! أعلم ~~أنك فعلت ذلك. كان سيد النحل يعلم أنك فعلت ذلك، لكنه لم يستطع ~~إثباته. سأجعل النحل يلدغك حتى ينفذ إلى أحشائك إن لم تقولي ~~حقيقة ذلك الأمر!» # أحدثت النحلة الألمانية الثالثة أثرها في العضلات الرقيقة قرب ~~إحدى العينين. # قالت الفتاة المنكمشة وهي تلهث: «أجل! أجل! أجل! الخرطوم بحق الله! ~~وجه الخرطوم نحوي!» # هتف قائد الكشافة: «خري إلى الأرض ملاصقة لها!» ثم أضاف: «ارقدي ~~على بطنك وازحفي! ازحفي مثل الدود الذي تنتمين إليه! لن أحول ~~الخرطوم على نحلنا. انبطحي على الأرض، يا نبوخذ نصر، ألصقي بطنك ~~بالأرض وكلي الحشائش! كلي الأوساخ، إنني لا أكترث! يمكنك بعد ذلك أن ~~تبدئي الزحف! يمكنك أن تبدئي الزحف مثل دودة ms287 حقيرة! توجهي إلي ~~وسوف أرشك بالمياه حتى لا يصل إليك! لن أوجه الخرطوم نحو ~~أصدقائي! سدي أنفك! فسوف تنزل الثلوج.» # أصاب الخرطوم ببالغ قوته الكائن البائس المنبطح على الأرض، أصابها ~~وانطلق فوقها وأصاب بضعة من النحل الذي كان يطير على ارتفاع منخفض ~~شاردا. جاءت المخلوقة الجديرة بالرثاء تزحف مرتقية التلة، تلهث ~~لالتقاط أنفاسها، وقد راحت إحدى عينيها تنغلق ببطء، وأصبح ألم ~~القرصات الثلاث أشبه بعذاب لا يحتمل، يزوم فوقها نحل يصل عدده إلى ~~ألف. تراجع الكشافة الصغير على مهل صاعدا التلة، يجرجر الخرطوم ~~الملتوي، متوقفا كل بضع ثوان ليطلقه على الضحية مرة أخرى. ~~وأخيرا وصل إلى مسافة كافية للسماح بإقامة هدنة. # أمرها قائد الكشافة، وهو يدور سريعا ليقلل من اندفاع المياه: ~~«توقفي الآن حيث أنت!» وتابع: «توقفي حيث أنت بالضبط!» # صاحت الفتاة، وهي تنهض على ركبتيها بمشقة: «لا! لن أتوقف في ~~مكاني! سأمسك بك وأفصل رأسك عن عنقك! يا أيها الشيطان الصغير! أيها ~~الشيطان الدنيء الصغير!» # انطلقت الفوهة، فتدفقت المياه على رأس الفتاة وكتفيها بالضبط. ~~فسقطت. ~~«هل هذه نيتك إذن؟ هكذا تشكرينني على إنقاذك، أيتها الكاذبة ~~اللصة! لم تعرفي أن باستطاعتي سحر النحل، أليس كذلك؟ لم تكوني على ~~دراية بأنني أستطيع الركض إلى الجانب الآخر منه ورشه برفق حتى ~~أسوقه نحوك، أليس كذلك؟ ولم تعلمي أنه ما زال لدي في جعبتي حيلة ~~أفضل من تلك، أليس كذلك؟» # كادت الفتاة أن تنهض على ركبتيها مرة أخرى، ومجددا اقترب الخرطوم ~~منها وهو يفور مهددا. # قال الكشافة الصغير: «توقفي الآن، توقفي عن اندفاعك الأهوج حيث ~~أنت تماما إلى أن تدركي مقصدي.» # من الحبل المتسخ حول عنق الكشافة الصغير ظهرت صافرة الشرطة. ~~واستجابة للنغمة الحادة انبثق من وراء شجيرة الليلك، ومن وراء ~~البلمباجو، ومن وراء بنت القنصل، ثلاثة عفاريت صغيرة بعيون متسعة ~~يتقافزون هائجين وقد جعلهم ما شهدوه في انسجام مع روح ~~المعركة. # ثبت قائد الكشافة صافرة الشرطة أمام قميصه المتسخ. ~~«فتى الكشافة رقم واحد!» جاء الأمر مقتضبا، فأمسك بيل السمين ~~الطيب عن الحركة ms288 وأدى التحية. ~~«فتى الكشافة رقم اثنان!» # وهنا قفز الفتى المطيع في مكانه. ~~«فتى الكشافة رقم ثلاثة!» # فانتظم ذو الوجه الملائكي في الصف. # قال قائد الكشافة: «فلتمسك بهذا الخرطوم يا فتى الكشافة رقم ~~ثلاثة! فقد أوشك أن ينهكني في السيطرة عليه. ساعدني في تصويبه ~~قريبا من رأس السيدة الشابة التي راحت تصلي أمامنا. لقد هددت ~~بإيذائي. # صاح بيل السمين الطيب: «حسنا، فلتقدم على إيذائك!» وتابع: ~~«فلتقدم على إيذائك! فلتحاول ذلك! فلتحاول ذلك! فما الذي ستجده يا ~~رفاق؟» # هتف فتيان الكشافة في نفس واحد: «المزعج!» # عندئذ أيقظت جيمي صافرة الشرطة والصخب، ليدور حول منزل مارجريت ~~كاميرون من الخلف بعدها بقليل فيلتقي بجون كاري الذي كان يدور حوله ~~من المقدمة. # إذ قال له: «شيء ما يدور في حديقة النحل. أعتقد أن فتيان الكشافة ~~يتعاركون في إحدى معاركهم التمثيلية. ابق خلف الشجيرات واتبعني. ~~قد تجد ما يثير اهتمامك فيما ستراه وستسمعه. فأحيانا يكون الأمر ~~ممتعا!» # ومن ثم مر الرجلان من البوابة، وفي ستار الأشجار والشجيرات، ~~اقتربا كثيرا من سياج الزهور القائم خلف شجرة الجاكرندا، حيث ~~توقفا. # قال قائد الكشافة آمرا: «فتى الكشافة رقم واحد! فلتخبر قاضي ~~الوصايا بما سمعت. هل سمعت الشاهدة التي أمامك تقول إنها ~~كاذبة؟» ~~«سأخبر العالم أجمع بذلك! وقالت إنها سرقت الأوراق، وإنها كانت ~~تحاول حرقها حتى تتمكن من سرقة هذه الحديقة. لا شك أنني سأخبر ~~القاضي!» ~~«فتى الكشافة رقم اثنان!» قال قائد الكشافة، بينما مال جيمي وجون ~~كاري إلى الأمام يحدقان من خلال الشجيرات، بعيون متسعة كعيون ~~الصغار. # رد عليه ذو الوجه الملائكي: «بالتأكيد! بالتأكيد سمعتها!» وتابع: ~~«لا شك أنني سمعتها تقول إنها كذبت، وإنها حاولت سرقة هذا المكان ~~وإنها دفعت ماري الصغيرة كي تموت. سمعتها بالتأكيد! ورأيناك وأنت ~~تطلق عليها النحل فعلا! ولا شك أننا رأيناه وهو يقرصها من رأسها! ~~ولا شك أننا نعلم أنها نالت ما تستحق! ولا شك أننا سنخبر القاضي ~~بذلك!» # قال قائد الكشافة: «فتى الكشافة رقم ثلاثة. ماذا عنك؟ فلترني ما ~~لديك!» # كان الخرطوم قد ms289 سلم وسط المعمعة ليسيطر عليه فتى الكشافة ~~الثالث، الذي فعل كل ما في استطاعته لكبحه. أما الكشافة الصغير فقد ~~ذهب ليخفف من ضغطه. ~~«مثل الباقين. كل شيء. سمعت كل شيء من البداية للنهاية. وأستطيع ~~أن أحكي له بالتأكيد. كل شيء عن كذبها. وكل شيء عن سرقتها. وكل شيء عن ~~الفتاة الصغيرة التي دفعتها كي تموت. بالتأكيد أستطيع أن أخبر أي ~~قاض طيب بالأمر!» # جعل قائد الكشافة يتراقص ويتمايل ويحيط ركبتيه النحيلتين بكفيه ~~مطلقا صيحة حرب لعلها كانت ستصل إلى أجزاء كثيرة من الكرة الأرضية ~~لو كانت بثت بطريقة مناسبة من جهاز لاسلكي أحسن ضبطه. ~~«وأنا سأخبر العالم بما حكاه لي سيد النحل، كما أن الأوراق التي في ~~الفرن آمنة ولم تتعرض للإتلاف، يحرسها ثلاثة أسراب من النحل، وإن لم ~~نستطع نحن الأربعة السيطرة عليك، فإنني أعرف شخصا يستطيع ذلك! ~~انهضي أيتها الدودة! انهضي أيتها الكاذبة! انهضي أيتها اللصة! انهضي ~~أيتها المخلوقة الكريهة! انهضي واقفة! اذهب إلى الهاتف يا فتى الكشافة ~~الأول واتصل برقم صفر صفر سبعة خمسة. اتصل بعربة الأجرة التي كنت ~~أنا وسيد النحل نركبها دائما لتأتي إلى هنا سريعا. كشافة رقم ~~اثنان، ابق مع الكشافة رقم ثلاثة. كشافة رقم ثلاثة، احتفظ بالخرطوم ~~حيث أنت تماما. فإن تحركت فأمطرها به. لا تكن متهاونا. لم ترق ~~كاليفورنيا للسيدة؛ فهي قاسية عليها. لذلك تريدني أن أجهز صندوق ~~أمتعتها. أستمحيكم عذرا!» واختفى قائد الكشافة في منزل سيد ~~النحل. # بعد الانتهاء من الاتصال الهاتفي، جر الكشافة الأول وقائد الكشافة ~~صندوق الأمتعة بينهما إلى وسط حجرة المعيشة وألقيا فيه بملابس ~~الدخيلة. وأزاحا أغراض الزينة من فوق خزانة الأدراج الخاصة بجيمي إلى ~~صندوق الزينة. وانتزعا قبعة ومعطفا من خزانة الملابس، وسحبا لوازم ~~السفر حتى الرواق الأمامي، بينما وقف جيمي ماكفارلين وجون كاري وراء ~~سياج زهر العسل يشاهدان الأحداث شبه مشلولي الحركة. # وأسرع مما توقعا، توقفت عربة الأجرة لدى البوابة، بينما سار ~~قائد الكشافة مثل شاب متأنق شبه مخمور يؤدي رقصة ريل الأيرلندية، ~~يتبختر ويتمايل يمينا ms290 ويسارا، واضعا يديه على خاصريه حين لا ~~ينهمك في التلويح بهما في الهواء موزعا حركات مستفيضة، ثم قال ~~آمرا: «ضع ذلك الصندوق في المقعد بجوارك. وضع حقيبة السفر وحافظة ~~الملابس في الخلف. سوف أخرج هذا المشهد كما يخرج أبي المشاهد في ~~الاستديو الكبير. سيدي سائق سيارة الأجرة، خذ هذا المعطف وضعه على ~~السيدة وخذ هذه القبعة وألبسها إياها، وأحطها بذراعك، وإن لم ~~تستطع المشي، فاحملها إلى الخارج وضعها في السيارة. اتجه بسيارتك ~~إلى محطة سانتا في مباشرة، وإن احتاجت إلى مساعدة، فساعدها في ~~الحصول على تذكرة إلى أي مكان في بنسلفانيا تقول إنها ذاهبة إليه، ~~ولتفعل ذلك سريعا جدا أيضا!» # وقف قائد الكشافة ساكنا حتى اختفت السيارة، ثم استدار وقال: ~~«أشكركم أيها الفتيان! سأغيب اليوم. فلدي عمل، لكنني لن أنسى ~~مكافآتكم، وسوف أضاعفها لكم! أؤكد لكم أنها ستكون رائعة. أفضل من ~~سائر المكافآت. ولا ينس أحد منكم كلمة مما سمعتموه أو رأيتموه. ثمة ~~احتمال أن تذهبوا إلى المحكمة وتخبروا قاضي الوصايا به كما قلت، أما ~~الآن فقد انتهت حاجتي منكم وأريدكم أن تتفرقوا سريعا. سوف ~~أكافئكم غدا ولترفعوا رءوسكم عاليا جدا؛ لأن ما حدث اليوم لم يكن ~~تمثيلية. فقد كنتم فتيان كشافة، فتيان كشافة بحق، وقمتم بمهمة ~~حقيقية، وقد أديتموها على أكمل وجه! تبقى شيء واحد فقط. تذكروا ~~عهودكم المغلظة. تذكروا واجباتكم وما إلى ذلك. تذكروا أنكم إن ~~أخبرتم أحدا، فستفصلون وتنبذون. فلتتفرقوا تصحبكم السلامة. أما ~~أنت يا فتى رقم ثلاثة، فأرجو أن تهرع لغلق الصنبور قبل ذهابك، لأنني ~~لا أخفي عليكم يا رفاق أن هذه المناوشة كانت شاقة جدا وأنني في ~~غاية التعب! والآن انطلقوا في مسيرتكم معتزين بأنفسكم.» # وقف قائد الكشافة مستقيما، يراقب البوابة بينما فتيان الكشافة ~~رقم ثلاثة واثنين، وبيل السمين الطيب وراءهم، يومئون جميعا، ~~ويتحدثون جميعا في الوقت نفسه، إلى أن اختفوا عبر الطريق. ~~وبعدئذ، على الفور، هبط الكشافة الصغير بوجهه على الوحل وراح يصرخ ~~بأعلى صوته، وهو يبكي ويرتعش، صياح حاد مقتضب، صيحات مذعورة أوجعت ms291 ~~فؤاد جيمي، فاخترق زهرات العسل وأخذ الكشافة الصغير بين ذراعيه، وجلس ~~على المقعد أسفل شجرة الجاكرندا وقد ضم إليه حمله الصغير بشدة ~~وراح يمطر الوجه والرأس الصغيرين بقبلات لا حصر لها. # من شأن الرجل الاسكتلندي أن يكون متحفظا في كلامه، بيد أن لسان ~~جيمي سبقه في تلك اللحظة المحمومة. # إذ قال: «أيها الصغير! أيها الصغير الشجاع! لقد نجحت. لقد أنقذت ~~هدية سيد النحل لنا. كان جون كاري معي هناك في الخلف وشاهدنا وسمعنا ~~ما يكفي لإرسال تلك المرأة إلى السجن. فلا تبك بعد الآن! دعني أضمك ~~بشدة واسترح قليلا. كان جهدا كبيرا. كان مجهودا شاقا عليك يا ~~أيها الصغير العزيز!» # لوهلة ظن جيمي أن الحمل الذي بين ذراعيه سينطلق بعيدا عنه ~~تماما، فقد اشتد عوده واستقام على حين غرة. # قال قائد الكشافة مستهزئا: ««الصغير العزيز»!» ثم أضاف: ««الصغير ~~العزيز!» أظن أنك ستدعوني بعد ذلك ب «الطفل»! فذلك هو الاسم الذي ~~نادتني به تلك الفتاة. إن ناداني أي شخص يوما في العالم مرة أخرى ب ~~«الطفل» فسأحطم أسنانه. حسم الأمر!» # جعل قائد الكشافة يبحث عن شيء مناسب ليجفف به عينيه، ولما لم يجد، ~~جلس ساكنا تماما أثناء استخدام جيمي منديله. # قال الكشافة الصغير مزدردا لعابه: «لا أعلم ماذا ستفعل بي. أعتقد ~~أنني كدت أدمر حوض زهور المخملية، وكان الجزء الخاص بك هو الذي ~~أصابه الضرر.» # فقال جيمي: «حسنا، انس تماما أمر المخملية. فبإمكاننا زراعة حوض ~~جديد وغرس المزيد من البذور. دعك تماما من أمر المخملية! وأخبرني ~~بما حدث.» # فقال قائد الكشافة: «كان هذا جل ما استطعت فعله للسيطرة على ~~الخرطوم وهو مفتوح عن آخره، فقد كنت مرعوبا لدرجة الموت من أن ~~ينفجر. فقد ظل يتلوى ويتقلب مثل الحية، وكان لا بد أن أبقيه ~~قريبا منها؛ لأنه لو كان النحل بدأ يحيط بها حقا، لكنت سأضطر ~~إلى صده، لكنني ما كنت سأفعل ذلك لأنه أصابها مرتين أو ثلاثا؛ إذ ~~كان لا بد أن يصيبها بعض الأذى وإلا ما كانت ستعترف. ما كنت ms292 سآبه ~~لو حدث التلف في الجانب الخاص بي، لكنني مستاء بشدة من تدمير ~~جانبك. بإمكانك أن تأخذ الخرطوم في الحال وتذهب إلى جانبي وتحدث ~~حفرة في مثل حجم الحفرة التي أحدثتها لديك.» # قال جيمي: «إنني مندهش من كلامك. أن يأتي من شخص لديه من رجاحة ~~العقل ما لديك! كيف لحفر حفرة بالحجم نفسه في أرضك أن يساعدني في ~~استعادة حوض زهور المخملية الخاص بي؟ ليس هذا منطقيا.» # قلب الكشافة الصغير الأمر على وجوهه، ثم نظر لأعلى نحو جيمي ~~بعينين متسعتين متعبتين. # ثم رد قائلا: «حسنا، إنما أرى أنها مسألة عدل.» # فقال جيمي: «ربما، لكن العدل وحسن التمييز الحق لا يتفقان ~~دائما.» # وإذا بالكشافة الصغير يبتهج. ~~«حسنا، على أي حال لست وحدك من أصابك بعض الدمار. انظر ما الذي ~~تجرأت وفعلته تلك الفتاة بصندوق الملكة! حسبك أن تدخل وتنظر ما ~~فعلته بأملاكي!» # قال جيمي: «في «صندوق الملكة»؟ ماذا تقصد؟» # صاح الكشافة الصغير: «ماذا أقصد؟» وتابع: «أقصد أنها ذهبت إلى مخزن ~~الأدوات قبل أن توصده، وأخذت المطرقة، وخبأتها في المنزل. وفتحت ~~صندوق الملكة محطمة إياه، مستخدمة المطرقة.» # فقال جيمي: «ويحي، يا للقسوة! لكن لا تستأ. سوف أصلحه حتى إنك لن ~~تلحظ الفرق أبدا حتى إن اضطررت إلى ترميم الجزء الأمامي ~~كله.» # فقال الكشافة الصغير: «لقد حطمت الجزء العلوي من حول القفل ~~حيث يعمل الزنبرك الخفي.» ثم أضاف: «الأمر وما فيه أنني لا أحب أن ~~تحطم الأشياء ثم ترمم. أحبها وهي سليمة كما كانت حين أعطاها لك ~~الشخص الذي تحبه.» # فقال جيمي: «حسنا، دعك من هذا. فذلك الصندوق لم يكن جديدا من ~~الأساس. أعتقد أن عمره يقدر بنحو خمسمائة عام على الأقل، وعلى أي ~~حال، يستطيع الناس الآن إصلاح مثل تلك الأشياء ببراعة شديدة. وما دام ~~الكسر حول القفل فقط، فإنني متأكد أننا سنستطيع إصلاحه فلا يلحظ ~~أحد أبدا ما كان به.» # استخدم الكشافة الصغير منديل جيمي في تجفيف عينيه الحمراوين. ~~«فليكن إذن» جاءت موافقة الصغير في واحدة من التغيرات السريعة ~~المعتادة منه ms293 ثم استأنف: «فليكن إذن. سوف نصلحه، غير أننا لم نكن ~~بحاجة إلى صندوق مرمم ليذكرنا بها. فلدينا الحديقة بأكملها ~~تذكارا من تلك السيدة!» # وعلى نحو مفاجئ شرع الكشافة الصغير في الضحك. ~~«ويحي! ألم تبد مذهلة وسائق السيارة يلبسها قبعتها ومعطفها؟ ~~ألم تبد السيدة أنيقة؟ ترى لو كانت نانيت قد رأتها هل كانت ستقول ~~إنها تبدو رائعة؟» # فأجابه جيمي مقهقها. # وقال: «لا؛ لا أعتقد أن النعت المفضل لدى نانيت كان سينطبق عليها. ~~لا أعتقد حتى أنها كانت سترى أن السيدة عند رحيلها بدت رائعة.» # فقال الكشافة الصغير: «سيتعين عليها الذهاب إلى غرفة الملابس ~~مباشرة وتبذل أفضل ما في وسعها في وضع أصباغ الحرب ~~والريش.» # فسأله جيمي: «هل تعتقد حقا أنها سترحل؟» # تنهد الكشافة الصغير تنهيدة عميقة. ~~«لا آبه البتة إن ذهبت أو بقيت. فإن المهر الذي راهنت عليه ~~بنقودي في هذا السباق يخبرني بأن تلك السيدة لن تعود إلى منحل سييرا ~~مادري أبدا. لقد نالت نصيبها من العقاب المؤلم، وإنني على يقين من ~~أنها لا ترجو المزيد، سواء من الخرطوم بتدفقه الشديد، أو قرصات ~~النحل في عينها، أو أي شيء آخر! لقد حصلت على نصيبها حتى وإن كنت ~~اضطررت إلى إتلاف زهور المخملية كي أعطيها إياه!» ~~«أستحلفك بالله ألا تقلق بشأن حفرة في حجم حوض الاستحمام وقد ~~تمكنت لتوك من أن تنقذ لي فدانا!» # فقال قائد الكشافة: «حسنا إذن. ما دام هذا ما تراه فأنا أوافقك ~~فيه. هل تمانع إن لبثت هنا قليلا؟» # كان جيمي يعلم ما المقصود بذلك. المقصود أن يذهب شريكه الصغير ~~ويعتلي نهاية فراشه ويذهب في سبات عميق، وقد رأى أن ذلك أفضل شيء ~~ممكن. ولذلك لم يمانع البتة؛ لأنه وجون كاري كانا سيعودان لتسكين ~~النحل. فانسل قائد الكشافة إلى الأرض. وشعر جيمي بغتة بذراعين ~~صغيرتين نحيلتين حول عنقه تضمانه بشدة حتى شعر كأن رأسه سينخلع. ثم، ~~وللمرة الثالثة، تلقى على خده بالضبط قبلة أخرى صغيرة وقوية ~~وحارة أدرك أنه لن ينسى وقعها وأسلوبها أبدا. # مضى الكشافة الصغير ms294 نحو المنزل، لكن بعد بضع ياردات فقط أمسك عن ~~الحركة، ثم التفت الصغير. وقال: «هلم! يا للحماقة! لقد نسينا الفرن! ~~فأشياء هايلاند ماري وماري الصغيرة وسائر الأوراق المهمة غارقة وسط ~~الرماد وقد يكون مشتعلا تحتها قبس من النار! عليك أن تحضرها ~~سريعا، وعلي أن أفتح عليك الخرطوم أثناء ذلك! أيا كان الشيء الذي ~~أرادت بشدة أن تحرقه، فهو بالضبط ما يجب أن يكون بحوزتنا لإثبات أننا ~~نستحق ما أعطانا إياه. ولا يمكننا أن نخبر قاضي الوصايا ليصدقنا ~~بذلك من دون الأوراق التي في الفرن، ولا يبدو أنك رابط الجأش بما يكفي ~~لمعالجة أمر الفرن الآن من دون التعرض لخليط من النحل الألماني ~~الأسود والإيطالي والألماني، يهجم دون مقدمات!» # فقال جيمي: «اذهب أنت في سبيلك. فسوف أرتدي الملابس الخاصة بالنحل. ~~وربما أرتدي فوقها معطف المطر، ومن المحتمل أن أضع قناع النحل بما أن ~~الحال مضطربة، لكن لا تقلق، فسوف أصل إلى الفرن وأخرج كل ما فيه. ~~ولن أتوقف لأسكن النحل حتى يصبح كل شيء على طاولة المطبخ موزعا ~~عليها ليجف.» # أسرع جيمي إلى الرواق الخلفي ليعد نفسه، وبينما كان يدور حول ~~زاوية المنزل، جاء جون كاري مرتقيا السلم الخلفي مخلفا رمادا في ~~أثره، حيث وضع الفرن في الرواق الخلفي. ~~«رأيت أنه من الأفضل أن أحضره ونترك الأشياء لتجف تماما. لم أرد ~~أن نخرج أيا من الأشياء مخافة فقدان شيء أو ضياعه. وأريدك أنت أن ~~تفعل ذلك بنفسك.» # فدخل جيمي إلى حجرة المعيشة وهتف قائلا: «لقد أحضر جون كاري الفرن ~~من أجلنا. إن لديه مناعة من النحل بحق!» ~~«إنني على يقين من ذلك»، جاء صوت الكشافة الصغير، لكنه بدا مكتوما ~~كأنه صدر منه وكأنه قد دس رأسه في الوسادة. # جمع الرجلان بعض المناشف الناعمة وجعلا يعملان حثيثا، فجففا ~~الوثائق والدفاتر المصرفية والأوراق المهمة والخطابات والصور التي ~~عثرا عليها، ووضعاها على طاولة المطبخ. ثم أسرعا إلى السقيفة لإعداد ~~قفائر جديدة للنحل الذي غادر قفائره. وحين وصلا إليه، كان نحل ~~السربين اللذين قد خرجا ms295 رابضا على فروع الأشجار حول ملكاته ولا ~~يحتاج إلا إلى القليل من الدخان ليفقده الحس حتى يسهل تنظيم ~~عملية انتقاله. أما النحل الألماني الأسود، فهو ما زال هائجا، لكنه ~~ربض بعيدا، بينما جعلت الشمس الحارة تجفف محيط قفائره سريعا ، ~~وقد توقف ضجيج الخرطوم، وزالت الرائحة التي نفر منها، فأخذت ~~ثائرته تهدأ بالوتيرة المتوقعة من نحل عصبي المزاج. # وأثناء عملهما، راح الرجلان يتبادلان الحديث؛ أحاديث لاهثة، ~~عبارات دهشة في أغلبها. فكان مما يسمعه المنصت لحديثهما، كلام في ~~فحواه مثل: ~~«يا للعجب! لقد أخضعها ذلك الكشافة الصغير وحده وجعلها تعترف! إنني ~~لأدفع خمسين دولارا لأرى المشهد بأكمله!» # كان هذا كلام جون كاري. # فقال جيمي: «إنه يستحق أكثر من ذلك.» ~~«لقد تجنبت غالبا دعوى قضائية كانت ستستمر شهورا وتكلفك ~~أموالا طائلة وتثير الكثير من الدعاية السيئة.» ~~«بعد أن نجهز هذا النحل سأذهب إلى منزل مارجريت كاميرون وأرتب كل ~~شيء هناك وأستعيد أغراضي. فقد كنت أنوي البقاء هناك إلى حين عودة ~~مارجريت.» ~~«كان من الحماقة أساسا أن تسمح لتلك الشخصية بدخول المنزل، ثم ~~تغادره تاركا لها الأشياء!» # ابتسم جيمي، ابتسامة اسكتلندية بطيئة. # ثم قال: «لتعلم أننا لا نعرف من أمور أنفسنا في هذا العالم شيئا. ~~فقد كنت أظن أنني لم أستحق هذه الأرض، وأنها ليست من حقي، وأنها من ~~حق شخص تربطه به صلة دم؛ لم أظن أنني متعلق بها، لكنني حين ~~خرجت منها وشرعت في محاولة التنازل عنها وجدت أن خسارتها تكاد ~~تقتلني. صدقني؛ إنني لن أتنازل عنها بعد الآن لأي أحد، وهذا ~~قرار نهائي!» # من ثم أسكنا النحل الذي غادر قفائره، وتفحصا القفائر الأخرى ~~لإزالة الملكات القديمة وتدمير خلايا الملكات والبحث عن أنسجة عثة ~~على الأقراص، وحين أصبح كل شيء في موضعه المناسب عاد جون كاري إلى ~~منزله، وأخذ جيمي جاروفا وبدأ إصلاح التلف في حوض المخملية. ثم ذهب ~~لينظف منزل مارجريت كاميرون، واستعاد بعض أغراضه بقلب مفعم ~~بالامتنان حتى إنه تذكر فجثا على ركبتيه وشكر الله. # حين استيقظ الكشافة الصغير في ms296 منتصف وقت ما بعد الظهر، كان جيمي في ~~انتظار إعادة أغراضه إلى خزانة الأدراج وخزانة الملابس. ثم ذهبا إلى ~~المطبخ وجمعا أغراض سيد النحل، التي كان الهواء البارد الجاف قد ~~أتى أثره عليها، فأعاداها بحرص إلى الصندوق، وأعادا الخشب المهشم ~~في مكانه، وقيما التلفيات. خطر لجيمي أنه قد يعثر على رجل يستطيع ~~إصلاحه بمهارة شديدة فلا يدرك أحد أن ذلك الصندوق الجميل كان قد ~~تحطم. ثم ذهب إلى حجرته ليعلق ملابسه ويعيد أشياءه إلى خزانة ~~الأدراج. # لم يعهد أحد يوما قائد الكشافة الصغير وهو يضيع أي وقت. فلم ~~يكن في هذا الجسد الصغير ذرة كسل. ومن ثم حصل جيمي على مساعدة في ~~تطبيق الأوراق ووضعها في الصندوق. وكذلك أيضا في إعادة قمصانه ~~وملابسه الداخلية وجواربه في أماكنها الصحيحة. وحين بلغا الصرة ~~الصغيرة، محكمة الربط، دس قائد الكشافة يديه الصغيرتين تحتها ~~ورفعها، ثم نظر إلى جيمي بعينين متسائلتين. ~~«تبدو مثل متعلقات نسائية.» # ابتسم جيمي للتعليق. ~~«إنها «متعلقات نسائية». إنها أشياء تخص أم جيمي الصغير.» # وقف الكشافة الصغير ساكنا جدا وهو يحمل الصرة نحو جيمي، ورأى ~~جيمي شفتيه تفتران فعرف أنه سيسأله على النحو التالي: «هل يمكنني ~~أن أرى ما بداخلها؟» لكن بطريقة ما لم يشعر أنه يطيق لمس تلك ~~الأشياء. فمد يده وقال على عجالة: «سوف أسمح لك يوما ما برؤية ما ~~بداخل تلك الصرة.» ولم يخطر للكشافة الصغير أن جيمي نفسه لا يعرف ~~ما بداخلها. ومن ثم أعادا الصرة داخل الدرج وغطياها بالملابس، ثم ~~ذهبا إلى بقالة الزاوية واشتريا ما أسماه الكشافة الصغير «لوازم ~~الاحتفال». # وبعد أن فرغا من «الاحتفال»، وأخبر جيمي بكل تفاصيل ما حدث في ~~الصباح، نهض الصغير عن الطاولة وساعده في رفع الطعام ومسح ~~الصحون. # تساءل جيمي: «والآن ماذا نفعل؟» # فقال الصغير: «حسنا، إنني لا أدري ما الذي ستفعله، لكنني أعلم ماذا ~~أنا فاعل. سوف أذهب إلى المنزل لأمي وجيمي. فقد كنت أرعاه كثيرا في ~~الأيام القليلة الماضية حتى إنه بات يألفني أكثر مما يألف أي شخص ms297 ~~آخر، ويحبني أكثر أيضا. وأصبحت الآن أعرف كيف أجهز زجاجته، ~~وأجعل حرارة الحليب مناسبة له مستخدما ميزان الحرارة وسائر تلك ~~الأشياء. وأستطيع الاعتناء به بنفسي في الأمور الأخرى إذا اضطررت إلى ~~ذلك. لقد اقتربت جدا من ذلك، على أي حال.» # فأشار جيمي قائلا: «لكن ذلك من عمل الفتيات.» # فقال الكشافة الصغير: «أجل، أعلم ذلك، ولأنه العمل الذي يجدر ~~بالفتيات أن يقمن به بالفعل، فمن الغريب نوعا ما أنني أرغب في ~~القيام به، لكنني أريد حقا الاعتناء بجيمي. فأنا أرغب بشدة في ~~رعايته حتى إنني بالكاد أطيق أن أرى أمي تلمسه. إنه شيء غريب جدا. ~~كنت أظن أنني أحب الخيل أكثر من أي شيء آخر في العالم، لكنني لست ~~كذلك الآن. فإنني أحب جيمي شقيقي أكثر من الخيل، وأحب جيمي ابنك ~~كما أحب شقيقي. أعتقد أنني أحبه مثله بالضبط، ولا أكترث البتة ~~من يراني وأنا أعتني به. وذلك أمر غريب أيضا. فإن الفتيات لا يثرن ~~اهتمامي. وليس بيني وبينهن شيء مشترك. ولا أستطيع أبدا أن أفكر في ~~شيء لأقوله لهن. ولا أعرف كيف ألعب معهن، ولا تروق لي الأشياء التي ~~يفعلنها على أي حال. إنهن واهنات جدا. ولسن مفعمات بالحماس. فلا ~~يحدوهن حماس ولا نشاط. ولا يلعبن لعبة الهنود أو اللصوص أو رجال ~~الشرطة أو الكشافة.» # فقال جيمي: «مهلا، ارجع عما قلت.» وتابع: «إنك مخطئ. الفتيات ~~يلعبن لعبة الكشافة. بل إنهن لا يلعبنها فقط، وإنما هن من ~~الكشافة، وأن تفعل الشيء خير من أن تدعي فعله تحت أي ظرف. هناك ~~معسكرات لفتيات الكشافة وهناك فتيات يستطعن امتطاء الخيل والتصويب ~~بدقة والصيد وفعل كل ما يفعله الفتيان، بل فعل بعض الأشياء أفضل من ~~الفتيان، وكلهن فخر أنهن فتيات.» # لم يبد على الكشافة الصغير تأثر بالغ. ~~«أف للفتيات! إنني لا أحبهن مطلقا! لكنني ذاهب إلى المنزل ~~وسأقوم بعمل الفتيات لأنني أريد أن أتأكد بنفسي أن جيمي على ما يرام. ~~إنه صغير ولطيف للغاية. يا إلهي! سوف تحبه! ويحي! سوف يسرك أنك ~~رزقت به!» ms298 # سأله جيمي: «هل سأسر حقا؟» ~~«بالتأكيد! لا بد أن ترى أبي وهو مع جيمي شقيقي. إنما هو مهووس به. ~~فهو يقول إن جيمي شقيقي قد فاق كل أطفال العالم.» # سأله جيمي: «وهل تعتقد أن جيمي ابني لديه فرصة أن يصبح طفلا ~~طيبا هكذا؟» # فقال الكشافة الصغير: «لا أعتقد أي شيء بهذا الشأن. إنني على ~~معرفة جيدة بكليهما وليس هناك ما يعيب جيمي ابنك. إنه لا يبكي ولا ~~يثير ضجة. إنما هو يتناول طعامه ويخلد للنوم ويظل راقدا رقيقا ~~جدا وساكنا جدا حتى إنه يكاد يمزق قلبك أنه لا يملك من أمره ~~شيئا، وليس لديه أم لتحتضنه. وإنه يستحق بعض الرعاية، وسوف أذهب ~~لأتأكد أنه يحصل عليها.» # فقال جيمي: «نعم، لقد خطر لي ذلك أنا أيضا. لا شك أنه مسكين ~~صغير لا حول له ولا قوة.» # فقال قائد الكشافة مؤيدا له بشدة: «أجل، إنه كذلك. إنه مسكين صغير ~~لا حول له ولا قوة. وهنا تأتي وظيفتنا؛ لذلك لا بد أن نباشر عملنا ~~ونتعهده برعايتنا.» # فقال جيمي: «حسنا، سنباشر عملنا ونرعاه. فلتفعل أفضل ما في وسعك ~~بضعة أيام أخرى حتى تعود مارجريت كاميرون.» # عند ذكر مارجريت كاميرون نظر كلاهما في اتجاه منزلها، فرأياها في ~~اللحظة نفسها وهي تدخل من بابها الخلفي وتتحرك في أنحاء الجزء ~~الخلفي من منزلها. # هتف الكشافة الصغير: «عجبا، ها هي قد أتت!» ثم أضاف: «هل أذهب ~~إليها وأخبرها بأمر جيمي وأسألها إن كانت ترضى أن تأخذه؟» # فقال جيمي: «لا، لنمهلها وقتا لتخلع قبعتها وترتب منزلها، ~~فربما ما اعتبرته ترتيبا لن تعتبره هي كذلك. سوف أتحدث إليها هذا ~~المساء، ثم أهاتفك لأبلغك بما قالته.» # فقال الكشافة الصغير: «حسنا.» # ربما تحتوي تلك الكلمة على السر الذي اكتسب به الكشافة الصغير ~~أصدقاء عدة؛ فهو كشافة صغير محبوب. إذ لم يكن في عالم ذلك الشخص ~~الصغير وقت للمجادلة. فقد طبق الدرس نفسه الذي تلقاه في تدريب ~~الكشافة على حياته الشخصية. لقد تعلم قائد الكشافة كيف يطيع. ومن ~~ثم راقب جيمي الجسد المبتعد ms299 عبر الطريق والمتجه إلى الترام، ~~مستعدا لتولي مهام الفتيات في هذا الموقف؛ لأن «المسكين الصغير ~~كان بلا حول ولا قوة». فابتسم جيمي على نحو مفاجئ ومضى لمقابلة ~~مارجريت كاميرون. # الفصل التاسع عشر # | مسئولية الصديق # وقف جيمي عند الباب الخلفي لبيت مارجريت كاميرون وهتف بمرح قائلا: ~~«أين كنت طوال المدة الطويلة الماضية، يا أيتها الجارة؟» # تقدمت مارجريت كاميرون إلى باب حجرة المعيشة واستندت بيديها إلى ~~جانبي إطار الباب، فأصابت جيمي صدمة هزته حتى الأعماق. وما لبث ~~أن عبر الحجرة في خطوة واسعة سريعة ليتلقفها بين ذراعيه. # وهو يصيح: «أوه، مارجريت! مارجريت!» # أمسكها بعيدا عنه لينظر إليها، فبدا وجهها وجه امرأة في مصيبة. ~~لكنها كانت أمامه. وهي في حالة جيدة. فلم يخطر على باله سوى شيء ~~واحد. # فسألها: «هل هي لولي؟» وتابع: «ماذا حدث لابنتك؟» # فتحت مارجريت كاميرون فمها، لكن لم تخرج منه كلمات. ساعدها جيمي ~~حتى جلست على مقعد وهرع إلى المطبخ ليأتي بكوب ماء. ثم جثا على ~~إحدى ركبتيه بجانبها وأخذ بيديها بينما يحدق فيها بعينين ~~متسائلتين. # وجعل يحثها قائلا: «أخبريني يا صديقتي. أخبريني ما الذي يمكنني ~~أن أفعله لك. أين أذهب؟ بمن أتصل؟» # على مهل هزت المرأة رأسها، وأخيرا جاء صوتها، صوت مبحوح ~~أجش لم يألفه من قبل. ~~«لقد ذهبت في تلك الرحلة للتجوال في شمال الولاية. وسقطت من فوق ~~منحدر وأصيبت إصابة بالغة. لم يدرك أحد مقدار خطورتها. إذ كانوا في ~~مكان لا يمكنهم فيه الحصول على أي شيء. لا بد أنه كان التهاب الزائدة ~~الدودية أو التهاب الغشاء البريتوني. كان جسدها بأكمله مضمدا. على ~~أي حال، إن لولي الآن راقدة بجوار أبيها في مقابر باينهيرست.» # صاح جيمي: «أوه. أوه!» # هبط إلى الأرض وأمسك بيدي مارجريت كاميرون وجلس يحدق فيها. # فقالت من فورها: «لقد تلقيت اتصالا هاتفيا من ابنة صهري، ~~مولي، تريدني أن آتي عاجلا لمسكنها في البلدة؛ لأنها قلقة بشأن ~~لولي. قالت ذلك لأن هذا من شأنه أن يجعلني أذهب إلى هناك. لا بد أنهم ~~قد أبلغوها ms300 بأن لولي كانت قد رحلت. كانت مولي قد أرسلت إليها ~~خطابا وقد حصلوا على العنوان منه وأرسلوا لولي إليها. لقد كانتا ~~دائما، ليس شقيقتين، وإنما أقرب من شقيقتين. لو كانتا شقيقتين ما ~~كانتا ستنسجمان مثلما كانتا منسجمتين. لقد ظللت مستاءة من مولي وقتا ~~طويلا. فقد ظننت أنها ضالعة بدرجة كبيرة في موت لولي، لكنها ربما لم ~~تكن كذلك. ربما كنت متألمة للغاية من رحيلها حتى إنني تخيلت ذلك ~~فحسب. فالأم كما تعلم تفكر كثيرا جدا، وأبناؤها هم قرة عينها ~~حتى إنها لا تملك ألا تنشغل بهم ولو كلفها ذلك حياتها. لكنني لم ~~أعد بحاجة إلى القلق بشأن لولي بعد الآن. فلم يعد بيدي شيء لأفعله ~~لها على الإطلاق.» # وجلست ساكنة في حالة من الاستسلام الذي خلا من الدموع. # فأمسك جيمي بيديها. # وقال: «فلتبكي! ابكي ملء جفنيك على الأمر!» وتابع: «ضعي رأسك ~~على كتفي ودعيني أضمك بشدة. ما دام الأمر يمزقك أشلاء فمن ~~الأفضل أن تبكي على أن تجلسي بلا دموع هكذا.» # هزت مارجريت كاميرون رأسها. # وقالت: «أعتقد أن جرحي أعمق من أن يطيب بالدموع. أعتقد أنني أشبه ~~بمن قتل. ليته كان لدي شيء أفعله بخلاف الأعمال المنزلية ~~اليومية، شيء مختلف، شخص يحتاج إلي! أردت أن تعود مولي معي، لكن ~~بدا أن لديها أشياء تستدعي أن تمكث في البلدة، فأرادت هي أن أبقى ~~معها؛ لكن رغم بشاعة المنزل الآن ولولي لن تعود إليه مجددا أبدا ~~فإنني لا أراني قادرة حتى على التفكير في مغادرته. لقد كان مصابي ~~أليما جدا، لخسارتي جاري وكل الضوء والحب والمرح الذي كان في ~~حياتي وبيتي. وأنا لن أتحرج من إخبارك يا جيمي بأن سيد النحل لم ~~يحبني البتة. فقد كان قلبه محطما من ناحية النساء. # لا أعلم كل التفاصيل، لكنني أعلم المهم. فقد كان متزوجا من زوجته ~~الأولى التي يعشقها، وبعد موتها استسلم لخداع امرأة أخرى أوهمته ~~أنها سترعى طفلته وتعطيه أسرة وتواسيه. لكنها لم تكن امرأة ~~مناسبة وقد جاءته ومعها ابنة، ثم وقعت مأساة ألمت ms301 بابنة سيد النحل ~~الصغيرة. لا أعتقد أنه استطاع إثبات ما حدث، لكن أظن أنه كان يشعر ~~في سريرة نفسه أن الطفلة الأخرى قد دفعتها كي تموت، وحين وصلوا ~~إليها كان عمودها الفقري قد أصيب ولم تستطع السير مرة أخرى أبدا. ~~وكان عذابها رهيبا حتى إنها لم تستطع تحمله طويلا. وحين ماتت ترك ~~كل شيء لتلك المرأة مستبقيا ما يكفي لشراء هذا المكان، ثم طلب من ~~المحكمة أن تمنحه حريته كي يطلقها ثم جاء إلى هنا. كان حرا بعد أن ~~طلقها وكان باستطاعته أن يتزوجني، لكنه لم يرغب في. لم يرغب في ~~أي امرأة بتلك الطريقة. لقد نال عقابه. فقد أنهكه الأسى والإحباط. ~~إنه لم يحبني، لكن آه، يا جيمي! لقد أحببته! لم أستطع أن أمنع ~~نفسي من حبه. وكلما نظرت إلى مقعده بجانب المدفأة، رأيت شعره ~~الأبيض الحريري، وجبهته الشماء، ووجهه النحيف النحيل الرقيق مثل ~~الورق المصنوع من الجلد، دوما كريم، ودوما صبور ... كنت على استعداد ~~للتضحية بحياتي لمواساته! وحين أدركت أن هذا لا يمكن أبدا، رحلت ~~لولي، رحيلا مباغتا ومن دون أي داع. # إنني لا أستطيع أن أفهم ما حدث يا جيمي! لم يكن ثمة سبب يستدعي ~~رحيلها عن ديارها. فقد كانت درجاتها جيدة دائما. وكانت متفوقة في ~~دراستها. وقد عرض عليها وظائف هنا مع نهاية الحرب حين كان المدرسون ~~قليلين جدا، حين كان العديد جدا من الفتيات يفضلن حرية العمل ~~في المتاجر والمكاتب على قيود التدريس. لا أستطيع أن أجد مفرا من ~~حقيقة أنها رحلت لأنها لم ترد البقاء في المنزل. لم ترد البقاء ~~قربي، ولا أعلم السبب. فقد كنت أمضي الأيام وأسهر الليالي وأنا ~~أحاول التفكير في أشياء ترضيها، لكنني لم أستطع مواكبة التطور. لا ~~أستطيع الإقرار بأن الكثير من الأشياء التي يفعلها الشباب صحيحة. ~~ولا بأنهم لن ينتهي بهم الحال في مهانة وألم وربما موت، وها هي قد ~~لاقت حتفها ومن حادثة تافهة هينة فحسب. لا بد أن قدمها زلت ~~على الجبل، وذلك ما لا أستطيع ms302 استيعابه. فقد كانت قدمها راسخة مثل ~~الماعز. فقد قضت حياتها كلها على الجبال. آه يا جيمي، لا جدوى من ~~ذلك كله. ماذا أنا فاعلة؟» # عندئذ تردد جيمي. # ثم قال: «لقد جئت إليك، يا مارجريت، لأخبرك بقصة مفجعة، لكن ما ~~سأحكيه يبدو هينا مقارنة بما تقاسينه.» # استقامت مارجريت كاميرون في مقعدها. وسحبت يديها من بين يدي جيمي ~~ووضعت إحداهما على رأسه. # وصاحت: «آه، يا بني، يا بني المسكين!» وتابعت: «هل فعلها ذلك ~~الجرح الفظيع وانفتق مرة أخرى؟ هل سنضطر إلى أن نعيد الاعتناء به ~~مجددا؟» # أسرع جيمي ليطمئنها: «لا! لا!» ثم أضاف: «ليس ذلك. إن جانبي على ~~ما يرام. وإنني متأكد بدرجة كبيرة أنني لن أضطر إلى وضع ضمادات ~~أو أربطة لمدة تزيد عن شهرين أو ثلاثة أشهر أخرى. لم أستطع أن ~~ألتزم تماما بالنظام الغذائي منذ غيابك لأنني لا أجيد الطهو على ~~نحو جيد؛ لذلك لم يتيسر لي الحصول على ما كنت بحاجة إليه.» # راحت مارجريت كاميرون تمسد شعره. # وقالت: «أعتقد أنك كل ما تبقى لي يا جيمي. أعتقد أنك صرت شغلي ~~الشاغل. إن بقائي في المنزل لهو الجحيم بعينه والأشد عذابا هو ~~مغادرتي إياه. لا أظن أنني قادرة على الذهاب إلى مولي. إن أرادت هي ~~أن تكون معي، فستضطر إلى أن تأتي إلى هنا. وأما أنت يا فتى، فإن لم ~~يكن جنبك ما يتعبك فما هو؟» # فأخبرها جيمي بالأسلوب الاسكتلندي الموجز. ~~«لقد تزوجت من فتاة إبان قدومي إلى هنا. ومنذ بضعة أيام وضعت ~~طفلها في مستشفى ستار أوف ميرسي، لكنها لم تكن بالقوة الكافية لتنجو. ~~ولم يتبق لي منها سوى الطفل.» # فأبعدته مارجريت كاميرون وراحت تنظر إليه بهدوء. # وقالت: «مهلا يا جيمي، ذلك شيء لا أستطيع فهمه. لماذا لم تأت بها ~~هنا في الحديقة؟ لماذا لم تجعلني أرعاها هي الأخرى؟ ربما لو كانت ~~اتبعت نظاما غذائيا صحيا ووجدت الرعاية التي تجدها الفتاة لدى ~~أمها، لما كان حدث ذلك.» # فقال جيمي: «كلها احتمالات لا تجدي أي نفع الآن. فقد أملت ms303 ~~علي الظروف ألا آتي بها إلى هنا. المهم أنها قد رحلت وتركت لي ~~فتى بديعا يدعى جيمس لويس ماكفارلين، الابن.» ~~«في المستشفى؟ هل هو في المستشفى؟» # فأجابها جيمي قائلا: «لا. فقد أخبرتهم قبل أن أصل إلى هناك أنها ~~تريدني أن أحتفظ به، وأنها تريد تسميته باسمي. وقد جهزوه تماما ~~ووضعوه بين ذراعي، ومن دون أن أدري ماذا أنا فاعل، خرجت به. إنني ~~من فصيلة البشر نفسها التي أنت منها يا مارجريت. إنني أعود لمكاني، ~~للمكان الوحيد الذي لدي، للمكان الوحيد الذي يعرفني أو يحتاج إلي ~~على وجه الأرض. لم يمض علي وقت طويل فيه، لكن ما دمت أعيش في هذه ~~البقعة فستظل لي سكنا. ومن ثم عدت إلى داري ومعي طفل صغير حديث ~~الولادة.» # هنا نهضت مارجريت كاميرون. # وسألته: «هل هو هناك في المنزل؟» وتابعت: «هل تحاول أن ترعاه ~~بنفسك؟» # هز جيمي رأسه نافيا. # وقال: «لا، لم أستطع فعل ذلك.» وأضاف: «فإن يدي غليظتان ~~ومرتبكتان. ولست على دراية كافية. كان الكشافة الصغير هنا فذهب إلى ~~الهاتف وأجرى مكالمة، وبعد نصف ساعة جاءت السيدة ميريديث. فلديها طفل ~~صغير ويبدو أن وجود واحد آخر لم يزعجها.» # صدر عن مارجريت كاميرون صوت غريب، شهقة مبهمة كان ليظن أنها ~~ضحكة مقتضبة لو لم تكن في حال أتعس من أن تضحك. # ثم قالت باقتضاب: «لا؛ لن يزعج طفل آخر تلك المرأة! فقد سمعت ~~عنها. عند ولادة طفلها الأول كان في المستشفى نفسه طفل يعيش على ~~الصدقات وطفل ثري صغير وكان كلاهما يتضوران جوعا، وقد أرضعتهما ~~طوال الوقت الذي أمضته هناك، مع طفلها فأنقذتهما. لقد ساعدتهما ~~خلال مرحلة حرجة حيث استطاعا الحصول على التغذية السليمة والاستفادة ~~منها، وبعد ذلك استطاعوا أن يستمروا في تغذيتهما. وحين جاء طفلها ~~التالي كان هناك طفلان آخران يتضوران جوعا وقد أخذتهما في ~~كنفها وشاركتهما غذاء طفلها. وحين جاء طفلها الثالث كانت إحدى ~~النساء ولدت ولادة قيصرية قبلها بعدة أيام فعاش الطفل لكن لم يكن ~~هناك لبن لإرضاعه، فأرضعته كما أرضعت طفلها. ms304 إن السيدة ميريديث لا ~~تتوانى عن فعل أي شيء لأي طفل، ذلك مما تستطيع أن تعول عليه. وليس ~~من الصعب أن تعرف من أين جاء الكشافة الصغير بالكثير من الصفات ~~المحببة، بيد أنه ما دام لديها طفل صغير لترعاه فإنها ليست بحاجة ~~إلى طفلك. قد تكون هذه هي المهمة التي كنت أبحث عنها. قد يكون وجود ~~كائن حي بحاجة إلي هو الشيء الذي سيساعدني على تجاوز محنتي. فلتذهب ~~وتأت بصغيرك يا جيمي، أحضره لي.» # نهض جيمي وذهب إلى الهاتف. حيث اتصل بالسيدة ميريديث وطلب منها أن ~~تعيد الطفل إليه. فقد عادت مارجريت كاميرون وهي على استعداد لأن ~~تقوم على رعايته. وسرعان ما ظهرت في الشارع سيارة بنية صغيرة. ~~ووقف جيمي عند البوابة يشاهدها آتية. كانت السيارة بلون شعر المرأة ~~التي تقودها. كانت عيناها نجلاوين ولامعتين، متألقتين بابتسامة. وفي ~~المقعد الأمامي بجانبها جلس الكشافة الصغير، حاملا اللفة بحرص. أخذ ~~جيمي ينظر إليه بفضول متسائلا ما كان سيدور في رأسه وكيف كان سيشعر ~~لو كان ذلك الطفل ابنه بحق. # في محاولة لتوفير العناء على مارجريت كاميرون مد جيمي ذراعيه ~~لتناول الطفل، لكن السيدة ميريديث كانت شخصية لطيفة الطبع. وأصرت ~~على أن توصل الطفل بنفسها. كان لا بد أن تبسط ملابسه وتشرح كيف ~~استخدمت أغراضه. فقد شكت أن مارجريت كاميرون، التي لم تنجب منذ ~~أكثر من عشرين عاما، ستعلم كيف تدهن الطفل وتلبسه الملابس ~~المناسبة وتحمله بالطريقة المناسبة للزمن الحالي. فإن عشرين عاما ~~مدة طويلة والعلم يتوصل إلى أشياء عدة في تلك المدة الزمنية. كانت ~~في غاية من كرم الطبع، وغاية من انشراح الصدر، راضية جدا عن نفسها ~~لرعايتها الطفل حتى عادت مارجريت كاميرون، حتى إنها لم تلحظ وجه ~~المرأة في شحوبه وذبوله، المرأة التي كادت لا تعرفها من ~~الأساس. وقد صدمت مارجريت كاميرون عتيقة الطباع حين وضعت بين ~~ذراعيها طفلا لا يرتدي ملابس تحتانية من الصوف الناعم، وبقدمين ~~حافيتين يركل بهما، ورداؤه لا يتعدى قدميه. فبدا لمارجريت كاميرون ~~أن الشيء الوحيد الذي ms305 فعلته السيدة ميريديث على غرار ما كان ~~للأطفال قديما هو الحرص على تغطية عيني الطفل، لكيلا يمتد إليهما ~~الضوء الساطع. # رفعت مارجريت صوتها اعتراضا. # وقالت: «أين ملابسه التحتانية الصوفية؟» فلوحت السيدة ميريديث ~~بيديها في حركة معبرة تعرفت عليها مارجريت وجيمي في ~~الحال. # وردت عليها ضاحكة: «إنه لن يرتدي ملابس تحتانية صوفية!» وتابعت: ~~«إذ لم يعد أطفال كاليفورنيا يرتدون الملابس التحتانية الصوفية. فهي ~~تشعرهم بحرارة شديد وتحك جلودهم الرقيقة وتجعلهم يتضايقون ~~ويبكون.» # قالت ذلك وجلست على الأريكة وفتحت سلة الأطفال التي جاءت بها ~~وعرضت الأدوات التي كانت تستخدمها في العناية بجيمس لويس ماكفارلين، ~~الابن، خلال الصباح. # وجلست مارجريت تحدق. فأصغت إلى ما قيل. وشاهدت ما فعل. ~~وتفحصت الطفل ثم هزت رأسها. # ثم قالت: «إن أخذت هذا الطفل، يا جيمي، وحاولت رعايته بهذه الطريقة ~~ومات، هل تحملني وزره؟» # وهنا ضحك جيمي والسيدة ميريديث ما شاء لهما الضحك. # فقال جيمي على سبيل الوعد: «كلا، لن أحملك وزره، وبما أن السيدة ~~ميريديث قد وفقت كما يبدو مع صغيرها الذي لا يكبر جيمي صغيرنا ~~بشهور كثيرة، فلنا أن نجرب ما تقوله. أما الأشياء التي معها هنا فهي ~~الأشياء التي صنعتها أم الطفل من أجله. إنك ترين أنها قصيرة. ~~لكنها كانت تريد استخدام الأردية والملابس الصغيرة التي ~~صنعتها.» # فقالت السيدة ميريديث: «أجل، بالقطع، كل هذه الأشياء أحضرها السيد ~~ماكفارلين من المستشفى.» ثم قالت متوجهة إليه: «هل لديك ~~المزيد؟» # فقال جيمي: «أجل، يوجد. لكن الممرضة قالت إن الصرة الصغيرة بها ~~أغراض شخصية تخص أم الطفل. إنها في الدرج الأوسط في خزانة ~~الأدراج يا مارجريت. متى احتجت إلى شيء غير موجود فربما تجدينه هناك. ~~لست قادرا بعد على محاولة الخوض فيها بنفسي، لكنني لا أبالي بأن ~~تبحثي فيه لتري إن كان فيها أي شيء ربما يحتاج إليه الطفل.» # فقالت مارجريت: «حسنا، لا بد أن أقول صراحة إنني مندهشة! فإنني ~~متأكدة أنه سيلقى حتفه. إنني متأكدة أنه سيصاب ببرد ويموت ~~جراء التهاب الحنجرة. فإنني أعتقد أن الأطفال والملابس التحتانية ms306 ~~الصوفية لا ينفصلان.» # فقالت لها السيدة ميريديث ضاحكة: «حسبك إزالة حرف النفي. تخلصي ~~من حرف النفي وقولي إنهما «منفصلان!» إن طفلي الصغير أفضل طفل سترينه ~~أبدا. فإنه لا يصرخ من المغص المعوي ويحرمنا النوم ليلا. ويزداد ~~وزنا حتى صار وجهه مستديرا مثل البدر. ولا نشعر به في المنزل مطلقا ~~إلا إذا شعر بالجوع أو احتاج إلى اهتمام، فإنه مثل سيد نبيل صغير ~~يعلمني في الحال حين يكون بحاجة إلى اهتمام. أما فيما عدا ذلك ~~فإنني لا أشعر أن لدي طفلا صغيرا البتة. فلتجربي الطريقة ~~الجديدة مع جيمي الصغير الآخر؛ جربيها معه، وإن لم تجديه في حال ~~أفضل وأسهل في رعايته، أقل مشقة في كل شئونه، وأكثر سعادة، فعندئذ ~~تستطيعين استدعاء الطبيب لتتبيني ما الأفضل له.» # ثم توجهت بحديثها إلى جيمي. ~~«لا بد أن تعد فراشا من نوع ما من أجله. ولا بأس إن أحضرت سلة ~~ملابس. فوضعت بها بضع وسائد ووضعت عليها شيئا على سبيل البطانة. ~~سوف يأتي لك صغيرنا الكشافة بوسادة رخوة تماما من أجل رأسه. فلدى ~~صغيرنا جيمي وسادتان أو ثلاث. وبإمكانه دائما أن يتقاسم أشياءه مع ~~طفل آخر، وأعتقد أن لديه ما يكفي من الأغطية الصغيرة حتى إنه من ~~الممكن الاستغناء عن بعضها، ويوجد الكثير من الملابس في تلك الحقيبة. ~~وسيظل عدة شهور دون أن يحتاج إلى أي شيء، إلا إذا نما حجمه سريعا ~~حتى تضيق عليه.» # ونهضت وذهبت إلى الهاتف، فتناولت قلم رصاص مربوطا بسلك وعلى هامش ~~قائمة معلقة هناك كتبت رقما. ~~«ذلك رقمي، اتصلي وستجدينني عندك في الثامنة صباحا، أو الثانية ~~عشرة ظهرا، أو السادسة مساء. إذا طرأت مشكلة، هاتفيني وسوف آتي في ~~الحال لأرى ما في وسعي فعله لأساعدك.» # ثم حملت الطفل وضمته إليها بشدة وقبلت وجهه الصغير ويديه ~~وانتهت بقدميه، ثم ناولته لمارجريت كاميرون. رافق جيمي السيدة ~~ميريديث والكشافة الصغير في عودتهما إلى السيارة. وبينما كان يغلق ~~الباب، مال قائد الكشافة إلى الأمام ووضع يده على يد جيمي ورفع شفتيه ~~يريد أن يقول ms307 شيئا. فاقترب جيمي بأذنه منه. # فسأله هامسا: «هل أخبر أمي بشأن تعدي فتاة سانتا تلك على ~~حديقتنا؟» # ارتد جيمي إلى الوراء ونظر إلى الصغير في اندهاش. # وسأله: «ألم تخبرها؟» # فهز الكشافة الصغير رأسه بشدة نافيا. ~~«لا. لقد قلت إنها قد تقلق، ورأيت ألا أخبرها حتى يأتي أبي، لكنه ~~سيأتي الليلة.» # فقال جيمي: «حيث إن المسألة برمتها قد انتهت، فلا يوجد ما يستدعي ~~القلق. فإنك لم تترك للسيدة حجة لتستعين بها. وجعلتها تعترف أمام ~~ثلاثة شهود ثقة، وتصادف أنه كان في الخلفية شاهدان آخران لم تعرف ~~بوجودهما. وبحوزتنا الأوراق، وذلك يذكرني بأنه ما دام قفل الصندوق ~~مكسورا فمن الأفضل أن أراجع ما بداخله وأنتقي الأشياء المهمة بحق ~~لأضعها في مكان آمن. أعتقد أنه من الأفضل أن أسلمها للسيد ~~ميريديث.» ~~«ما الذي تتحدثان عنه؟» استفسرت السيدة ميريديث. # فقال جيمي: «حيث إنني لم أشهد المشهد كاملا فمن الأفضل أن يقص ~~عليك الكشافة الصغير ما جرى من البداية للنهاية، وإن كان بإمكاني ~~إضافة أي تفاصيل مما رأيته وسمعته بنفسي، فسيسرني أن أتقدم بكل ~~ما لدي من أدلة مصدقة.» # ومع تحرك السيارة سمع جيمي صوت الكشافة الصغير وهو يقول: «منذ مدة ~~طويلة، أخبرني سيد النحل ذات يوم حين كان حزينا ...» وهذا هو ما ~~سمعه من القصة. لكن ما رآه منها كاف بالنسبة إليه. ومن ثم عاد إلى ~~المنزل وهو يضحك ومن دون أن يدرك أن مارجريت كاميرون تتوقع أن يكون ~~في حداد. وقد رأى الدهشة في عينيها فاعتدل وجهه عن الابتسام في ~~الحال. وسريعا ما فرضت صراحته الاسكتلندية نفسها. # فقال: «مارجريت، لا أنوي الاستمرار في خداعك. ثمة أشياء لا أريد ~~الخوض فيها لأنني لا أفهم من أمرها ما يكفل أن أوضحها لأي شخص ~~آخر. لكنني سأخبرك بما لدي. لقد رأيت الفتاة التي تزوجتها مرة ~~واحدة فقط، وعرفت من أمرها أقل القليل قبل زواجنا، ولم أرها بعد ~~ذلك إلا عند رحيلها عن العالم. هذا الطفل يحمل اسمي وقد ترك لي، وسوف ~~أبذل ما في وسعي لتربيته ms308 على النحو الصحيح، لكنني لست في حداد على ~~أمه، ولا تتوقعي مني إظهار أي مظهر من مظاهر الحزن العميقة؛ ~~لأنني لا أستطيع ذلك ما دمت لا أشعر به.» # وقفت مارجريت كاميرون جامدة، تنظر إلى الطفل. # وقالت: «لا تبدو تلك القصة لائقة بك يا جيمي، لكن إن كنت على أي ~~وعي بمسئوليات الصديق فهي في أغلبها التزام الصمت وفعل الأشياء التي ~~تعود بأكبر قدر من المنفعة. وأنا أود بالطبع أن أعرف كيف كانت تبدو ~~أم هذا الطفل، وأي نوع من الفتيات كانت، لكنني أظن على أي حال ~~أنها كانت تشبه الطفل حيث إن الصبية في العموم يشبهون أمهاتهم، وإنني ~~لا أستطيع أن أتبين شكل طفل في عمر ثلاثة أيام أو أربعة. إن كنت ~~سأحكم عليها من ناحية حقيبة ملابس الرضيع، فسأقول إنها ذات ذوق رفيع ~~جدا. فهذه الأشياء الصغيرة الأنيقة مصنوعة بحرص وإجادة. وذلك يشي ~~بأشياء كثيرة عن أي أم.» # ومع مرور الأيام، بدا لجيمي أنه لم تحظ امرأة في يوم بنعمة ~~تجاوز نعمة طفل العاصفة لمارجريت كاميرون. فقد ساوره شعور قوي جدا ~~بأن ذلك الإنسان الصغير كان له على مارجريت كاميرون تأثيره نفسه على ~~السيدة ميريديث والكشافة الصغير. فهو ذو جاذبية شديدة. فكان يختلق ~~بعض الأعذار عدة مرات يوميا ليتسلل إلى حجرة المعيشة ويلقي ~~نظرة على السلة التي وضع فيها جيمي الصغير. فإن كان الصغير نائما، ~~كان يغطيه ويرحل بهدوء. وإن كان مستيقظا، فهو ينحني فوقه ويظل ~~يحدثه ويتفحص يديه وقدميه. كانت يداه كأنما خلقتا لعزف ~~الموسيقى، ورسم اللوحات، وحمل الكتب النادرة، وربما لكتابتها. # وكان أحيانا حين يذهب يجد مارجريت كاميرون مشغولة بتحميم الصغير، ~~أو إلباسه، أو غسيل ملابسه الصغيرة، أو كيها بعناية. وذات يوم أدرك ~~فجأة أن الشيء نفسه الذي طلبته مارجريت قد منح لها. فهو شيء حي، ~~شيء تعمل من أجله، شيء مختلف، شيء سوف يقدر ما تفعله. ولذلك توقف ~~عن الشعور بالذنب حيال الجهد البدني الذي كان يطلب منها بذله مع الطفل ~~الصغير، وشعر بدلا من ذلك ms309 أن الطفل هو ربما أعظم نعمة أتت في حياتها. ~~وقد أمضى وقتا صعبا يوم حاول أن يناقش مع مارجريت الأمور المالية ~~الخاصة بالطفل. فبعد بضع كلمات رفضت رفضا قاطعا الإصغاء ~~إليه. # وأخيرا قالت له: «إن هذا الطفل كان بمثابة نعمة لي يا جيمي؛ فقد ~~خفف حبه ورعايته ما أعانيه في ذهني من توتر بدرجة كبيرة حتى ~~إنني أجدني عاجزة عن شرح ما فعله لي. ولا أستطيع أن أتقاضى مالا ~~مقابل العناية به. لا أستطيع حقا! لكن مع مرور الوقت، حين يحتاج إلى ~~مزيد من الملابس أو تنشأ له حاجة، مثل حوض استحمام صغير بالشكل ~~المناسب للأطفال، الأشياء التي لا بد له من الحصول عليها، فسوف ~~أخبرك، وإنه من حقك واختصاصك أن تأتي بها، أما تقاضي المال ~~مقابل ما أفعله له، فهو ما لا طاقة لي به. ونحن لن نتحدث في ذلك ~~الأمر ثانية.» # فقال لها جيمي: «حسنا»، وخرج من المنزل وشرع في عملية تفقد أرض ~~مارجريت بدقة ليكتشف ما يسعه القيام به في الحديقة التي صارت ~~تهملها، وللزهور التي باتت ترويها على عجالة، وهو ما رأى أنه سيكون ~~مكافئا لرعاية الطفل. # ما لبثت مارجريت أن أدركت أن هذا ما كان يحدث، وقد ناسبها ~~الترتيب تماما. فقد ظلت بضعة أيام لا تأبه إن عاشت الزهور أو ~~ماتت. ولم تكترث ما إن كان المنزل نظيفا ومنظما، أو إن كان الطعام ~~في مكانه من أجل الطيور المحاكية والعصافير الوردية. لكنها الآن ~~تهتم بكل هذه الأشياء اهتماما لا حدود له لأنه سريعا جدا ما ~~سيكبر جيمي الصغير فيلاحظ الزهور الجميلة، ويلقي بالفتات للطيور، ~~ولا بد دائما من حماية صحته بمراعاة النظافة التامة والظروف الصحية ~~فيما حوله. وهكذا صارت مارجريت كاميرون أشد اهتماما بشئون المنزل ~~وأقل ميلا إلى الخروج، ووجد جيمي مع الاستيقاظ كل صباح أنه ~~اكتسب المزيد من البأس ليعينه على أن يضيف إلى أعمال يومه ما ينبغي ~~إنجازه من مهام في المنزل المقابل للسياج الأبيض. # والتزم جيمي مواظبا بتناول عصير الطماطم في الصباح، ms310 وعصير البرتقال ~~في العصر، والحليب ليكون شرابه مع الوجبات، النظام الغذائي الذي طالما ~~أكدت مارجريت كاميرون أن لديها كل الوقت لتحضيره له. وبدأ يشعر ~~أنه أصبح رجلا بحق، شديد الثقة من قوته، شديد الاعتزاز بنسيج الجلد ~~الذي صار أغمق لونا، وأكثر سمكا، ممتدا بأمان على جانبه ~~الأيسر، شديد الاعتزاز بالدماء الحرة النقية المتدفقة في عروقه، ~~شديد الامتنان لله على فرجه، على الفرصة التي منحه إياها، ومن ثم ~~وجد شفتيه مضمومتين تصفران صفيرا خافتا كل لحن من الألحان ~~التي يعرفها أثناء مباشرة عمله. كان بعضها من أغنيات الجيش، الألحان ~~التي ينشدها الصبية في المعسكرات، لكن أغلبها أغنيات كان ينشدها ~~في مدرسة الأحد أو أشياء سمع أمه تتغنى بها وهو صغير. كان أحيانا ~~يحفظ الألحان التي يسمعها في الشارع أو وهو مستلق لينعم بالشمس على ~~الشاطئ. فقد تنوعت مجموعة أغاني جيمي من «فلتسمعني يا يسوع، أيها ~~المخلص الطيب!» حتى «لن تمطر السماء مرة أخرى»، وبينما هو يعمل ~~الخرطوم للمساعدة في إنتاج أغزر محصول عرفه يوما من الثمار ~~والزهور، وبينما يفكر في جانبه الملتئم والمعجزة النادرة التي حدثت ~~بشفائه، بدا له أنه لن يفرق كثيرا سواء أمطرت السماء أم لم تمطر. إذ ~~يبدو أن كاليفورنيا في خير حال من دون مطر. # لكن كل هذا كان سطحيا؛ فكلها أمور تجري لضروريات الحياة. لكن ~~الفكرة الكامنة، الشيء المعتمل في أعماق قلب جيمي، الشيء الذي جعله ~~في اضطراب وجعله يضرب أخماسا في أسداس منذ ذلك الحين، الشيء الذي لم ~~يفهمه ولم يستطع أن يغفره، هو الشيء الذي خادعته فيه فتاة ~~العاصفة. # إذ ظن مما قالته أنها بحاجة إلى مساعدته من أجل نفسها، وقد منحها ~~إياها في الحال، بلا مقابل. لكن لم يعجبه أن يكذب عليه. لم يعجبه ~~أن يخدع. لقد تزوج من فتاة، ودعي لتولي مسئولية تربية طفل لفتاة ~~مختلفة تماما. لم يكن هذا تصرفا عادلا. ولم تكن تلك أمانة. إذا كان ~~خاتمه وإذا كان عقد الزواج الذي حرر له من أجل فتاة العاصفة قد ~~أعطيا ms311 لفتاة أخرى في محنة بحيث تستخدمه حتى لا يزعجها الأطباء ~~والممرضات، فبإمكانه أن يفهم فيما كان استخدامهما. لكن إذا كان الاسم ~~الذي وثق به الزواج لم يكن الاسم الحقيقي للفتاة التي تزوجها، ~~فالزواج لم يكن شرعيا، ومن يدقق في الأمر يجد أن الطفل الصغير طفل ~~خطيئة بعد كل ما حدث. لقد جرت المسألة بأسلوب أحمق. كان جيمي، ~~بالحال التي كان عليها آنذاك، وبالمشاعر التي اعترته، سيعطي اسمه لأي ~~امرأة بحاجة إليه في أي مكان. أخرج جيمي الخطاب الذي يعتز به من ~~جيبه ووضعه بعيدا. فلم يعد من المقتنيات الشخصية. فالمسألة ~~برمتها ليست منصفة. # وحين بلغ سخطه الذروة، وفاق غضبه الحدود، نشأ في قلبه شعور قوي ~~نابض ومتدفق وطاغ بالراحة. فمهما كان كذبها، وأيا كان دافعها إلى ~~خداعه، فقد ظلت حقيقة واحدة في أفق جيمي. لقد كان ظنه في فتاة ~~العاصفة في محله. إذ لم يشعر أن امرأة يعبق شعرها بعبير المريمية ~~وتفوح رائحة زهور رعي الحمام الرملية وزهور الربيع حول ركبتيها مثل ~~البخور وقد فاحت بهذه الروائح ملابسها الليلية، لم يخطر له أن الشعر ~~الحرير الذي التصق بوجهه، وأن القوة البدنية، والردود الحاضرة ~~الواثقة، لم يخطر له أن هذه الأشياء قد تقترن بامرأة سوء. وكان على ~~استعداد لقبول أي عذر، وتصديق أي شيء. أما الآن فلا يوجد شيء ليصدقه ~~عدا أنه قد كذب عليه، لكن في العالم من الكذب ما كان نبيل القصد ~~نوعا ما على أي حال. وثمة احتمال ضئيل أن تكون هذه الكذبة، ذلك ~~الشيء الذي حدث، وراءه سبب ربما يجد استعدادا لقبوله. وهكذا أمضى ~~جيمي جل أيامه وبعض لياليه ممزقا بين عواطف متضاربة. # الفصل العشرون # | تمرد الكشافة # حل منتصف الصيف في الحديقة، وجاءت أيام الإجازة الطويلة المشمسة. ~~وأصبح النحل مزدهرا. حيث امتدت أسراب لا حصر لها في صفوف القفائر ~~على جانبي الحديقة، بل تخطت حدودها، فبدأ جيمي يشعر بأنه يجب أن ~~يستغني عن بعضه بحلول الموسم التالي وإلا فسيصبح لديه أكثر مما ~~يستطيع السيطرة عليه. وازدهرت الزهور ms312 في استعراض صاخب للألوان. ~~وأصبحت الأشجار محملة بالثمار. وقد اقترب هو من الشفاء التام حتى ~~إنه بدأ يستخدم ذراعه اليسرى وهو يكاد لا يشعر بشيء من استخدامها. كان ~~يدهن جلده الرقيق بالزيت بحرص. وهو ما زال يحميه بضمادة خفيفة . كما ~~أن الأربطة خفيفة للغاية حتى إنه لم يكن يشعر بها ولا بالإسار ~~الخفيف الممتد حول كتفيه ليبقيها في مكانها. كان كل يوم هو يوم ~~عمل يهواه في موقع يحبه. وفي كل مساء يجد ملاذا في الكتب التي ~~علمته الأشياء التي يجب أن يعرفها لإتقان مهنته الجديدة، وقد بدأ ~~الآن يتفرع لتلك الكتب الأخرى، إبداعات أنبغ العقول في أقدم الأعمال ~~الأدبية المجمعة. # وبعد أن أصبح له دخل، وأصبح مطمئنا لأنه لن يقع مرة أخرى تحت ~~رحمة الحكومة أو الناس، فقد أقدم جيمي على الاشتراك في ست من أكثر ~~المجلات الكبرى التي أثارت اهتمامه، وقد جلبت إليه قصصا رائعة ~~عن العالم الذي ظل مدة طويلة فاقدا الاتصال به. وكانت بعض ~~الأشياء التي جلبتها مسلية وتثقيفية جدا، والبعض الآخر مزعجا، مما ~~جعله يشرع في التساؤل عن الاتجاه الذي سيأخذه بلدنا، وما المتوقع ~~على وجه التحديد كنهاية للبدايات الفريدة التي حدثت. ومن بين الأشياء ~~التي اطلع عليها، والتي بدت مقبولة ويكتب عنها من حين إلى آخر ~~وتذاع في العالم مطبوعة ومنطوقة، ما جعل وجنتيه تشتعلان وألهب مكامن ~~روحه الاسكتلندية. # وعندئذ بدأ يحمل في صدره شعورا بأن الوقت قد حان ليخرج إلى ~~العالم، ويحطم قيود الأمان والسلام التي ربطته بالحديقة، ويفتش عن ~~الرجال الذين يؤسسون رابطة المحاربين القدامى التي يجدر به ~~الانتماء إليها. وبدأ يستمع، في صباح أيام الأحد المتراخية الناعسة، ~~لرنين أجراس الكنائس، ويتساءل إن كان من الممكن بأي حال من ~~الأحوال أن يجد في مكان غير بعيد كنيسة بروتستانتية فيها قس من ~~اسكتلندا بحيث يجد في صوته ولو أثرا خفيفا لحرف الراء المفخم ~~المحبب إليه. وبدأ يشعر أنه قريبا جدا سيهم بالسعي بحثا عن ~~هذه الأشياء. # وبينما هو منهمك يفكر في الأمر ذات ms313 صباح وصل بالخرطوم الذي ~~يستخدمه لحوض من زهور البتونيا قبالة شجرة الجاكرندا مباشرة، ~~فانحنى ليغمر بالماء جذور الزهور الزاهية. والتقطت أذناه ~~المستكشفتان وقع أقدام مندفعة، وصوت البوابة تصفق، ولاح لناظريه ~~الكشافة الصغير يتقدم نحوه مادا ذراعيه، بوجه مكفهر، وملابس ~~ممزقة تمزيقا. فرمى جيمي الخرطوم وأسرع بذراعين ممدودتين. فأخذ في ~~حضنه الجسد الصغير المرتجف وجلس برفق على المصطبة أسفل شجرة ~~الجاكرندا وهو يضم الطفل، الجسد الذي جعل يتلوى ويرتجف، وقد جاشت ~~نفسه، بينما تنهمر دموعه وتتدفق في سيل من كبر حجمها. كان جل ~~ما في وسعه أن يلملم الصغير ويضمه وينتظر. شرع يملس بوجنتيه على ~~الرأس الصغير وهو يهمس، بأفضل ما في وسعه، بكلمات لمواساته. # فقال بأنفاس متقطعة: «أيها الكشافة الصغير، عزيزي الكشافة الصغير، ~~فلتخبر جيمي ما الذي آذاك هكذا؟ آه، ما الذي آذاك هكذا؟ أيها الكشافة ~~الصغير، يا شريكي الصغير!» # وبعد ذلك على نحو مفاجئ ضم جيمي الجسد الصغير أكثر بين ذراعيه ~~وتوغل بشفتيه في شعره حتى وصل إلى وجنته المتسخة، فأخذ يقبل ~~الكشافة الصغير بكل ما في جسده من طاقة مرارا. # وهمس له قائلا: «يا حبيبي، يا أيها الصغير الحبيب العزيز؛ فلتخبر ~~جيمي، أخبر جيمي بما حدث.» # وأخيرا، صدرت من الجسد الهزيل المحتشد على صدره همسة لاهثة: «من ~~الذي أخبرك؟» # فقال جيمي: «لم يخبرني أحد بأي شيء. فلتخبرني أنت. ما الأمر؟ ماذا ~~حدث لك؟ أين كنت؟ إن كان أحد آذاك ...» وهنا اندلعت ثورة في صدر جيمي، ~~واشتعل في عينيه غضب متأجج. وتابع وهو يلهث: «هل مسك أي صبي من ~~الصبية بسوء؟» # هز الكشافة الصغير رأسه بالنفي. # قال جيمي وهو يستحثه: «من إذن؟ ماذا؟» وأضاف: «إنني على أهبة ~~الاستعداد لارتكاب جريمة قتل. فلتخبرني أين أذهب، وماذا أفعل!» # اندس الرأس باهت اللون في صدره أكثر، وأحكمت اليدان المتسختان ~~قبضتهما عليه أكثر. وهمس بشيء ما. مال جيمي بعنقه إلى أقصى حد ممكن ~~وهو ينزل بأذنه بحيث يسمعه. # فاندفعت الكلمات مصحوبة بأزيز: «فتيان الكشافة» - تدفقت الدموع ~~غزيرة مرة أخرى وشهق لاهثا مرة ثانية ms314 - «تمردوا علي! أرادوا ... ~~الذهاب إلى الشاطئ، وحدهم، وخلع ملابسهم بالكامل والسباحة، وأنا ... وأنا ~~...» # وهنا فهم جيمي كل شيء وفهم أنها فتاة لا صبي، وضمها بشدة وبسط ~~يديه الكبيرتين على الجسد الصغير ليغطيه بقدر ما يستطيع. وانحنى ~~ليلتقط الهمس. ~~«... لم أستطع. فتمردوا علي وكادوا يمزقونني أشلاء!» # فقال جيمي مستفسرا: «هل تقصدين أن أولئك المتوحشين الصغار هجموا ~~عليك وضربوك؟» # تلوت فتاة الكشافة الصغيرة بين ذراعيه. # وقالت بأنفاس متقطعة: «أعتقد أنني كنت أتوقع ذلك. أعتقد أنني كنت ~~أوسعهم ضربا بما فيه الكفاية. لكنني كنت متعبة هذا الصباح. ولم ~~أستطع أن أبسط سيطرتي المعهودة عليهم. لم أستطع السيطرة عليهم، ~~فتمكنوا مني.» # سألها جيمي وهو منقطع الأنفاس: «وماذا حدث؟» ~~«جاء رجل، رجل على صهوة حصان، فمد يده ورفعني على حصانه وابتعد ~~بي عنهم حتى طلبت منه أن ينزلني هنا. آه يا جيمي! لقد هلكت! سوف أصعد ~~إلى الصخرة وألقي بنفسي في التيار حيث لا أستطيع أن أنجو بنفسي وإن ~~أردت.» # ضمها جيمي بشدة. # وقال: «مهلا، أيتها الحمقاء الصغيرة. فلتفكري في أبيك، فكري في ~~أمك، فكري في نانيت وجيمي الصغير! فكري في! لا يمكن أن تفعلي ~~ذلك!» # قالت الكشافة الصغيرة وهي تبكي: «لم يتبق لي أي شيء. ليس لي رغبة ~~في فعل أي شيء. إن كنت لن أستطيع أن أقود فتية الكشافة، فلن أرغب في ~~اللهو في أي مكان!» # خاطبها جيمي بصرامة، وقد خشن صوته من الانفعال: «أصغي إلي!» ~~وتابع: «أصغي إلي، يا عزيزتي! لقد أخطأت من البداية لأنك لم ~~تحبي ما تفعله الفتيات، فظللت ترافقين الفتيان حتى صرت بلا ~~هوية أنت نفسك. وما الذي جنيته من ذلك؟ الإحراج وخيبة الرجاء ~~وجسد منهك. لا يجدر بك أن تظني أنك الفتاة الوحيدة من نوعك في ~~العالم. لا تظني أنه لا يوجد أخريات كثيرات لا يروق لهن البقاء ~~في المنزل والقيام بالأشياء الواجب على الفتيات القيام بها. لا تظني ~~أنه لتصبحي قائدة كشافة يجب أن تكوني قائدة لمجموعة من الفتيان. ~~سحقا لهم!» # نهض جيمي. # وقال: «ادخلي معي إلى ms315 المنزل.» وتابع: «سوف أنظفك وآخذك إلى ~~أمك، وسوف تلبسك بعض الملابس المناسبة لنخرج وحدنا اليوم. سوف ~~نذهب إلى مكان سيروق لك. سنفعل شيئا ترغبين فيه أكثر من أي شيء في ~~العالم. وسأخبرك هنا في التو ماذا نحن فاعلان. سنذهب لنأتي لك بأفضل ~~حصان صغير مشى على الأرض يوما! ظللت أبحث عنه وأنشر إعلانات في ~~الصحف، حتى عثرت عليه. وقد حصلت عليه، وهو جاهز تماما من أجلك. ~~إنما كنت سأنتظر بضعة أيام لأنني قد طلبت بعض الأخشاب. إذ كنت أنوي ~~بناء إسطبل على الجزء الخاص بك حيث لا يجاوره أحد. كان جون كاري ~~سيأتي غدا ليساعدني، وكنت بعد أن أفرغ منه سآتي بالحصان الصغير ~~هناك لأفاجئك، لكن بإمكانه أن ينتظر الإسطبل. فسوف نذهب ونحضره ~~اليوم.» # أفلتت فتاة الكشافة الصغيرة من بين ذراعي جيمي ووقفت أمامه. ومدت ~~يدها طلبا للمنديل الذي بات ملكية مشتركة لهما. حيث قدمه جيمي ~~واستخدمته فتاة الكشافة الصغيرة. ~~«حصان حقيقي، حصان جميل، حصان خاص بي وحدي لا يمتطيه أحد ~~غيري؟» # فأجابها جيمي، مستعدا لأن يعد بأي شيء في العالم: «أجل، ~~أجل.» ~~«هل بإمكاننا أن نشتريه، بإمكاننا أن نشتريه اليوم؟» # قال جيمي، وهو ما زال مستعدا للوصول إلى أقصى حد من الوعود: ~~«نعم.» # قالت فتاة الكشافة الصغيرة: «يا للروعة!» ثم أضافت: «لن ألقي ~~بنفسي في التيار إذن. ولن أكترث عندئذ لما يقوله بيل السمين الطيب ~~والطفل المطيع وذو الوجه الملائكي. إن أراد أي منهم الحصول على سيف ~~القيادة وكل شاراتها، فليحصلوا عليه. فليحصلوا على كهف اللصوص ووكر ~~قطاع الطريق، وليستولوا على معركة الهنود. أما أنا فسأذهب معك، وسأحصل ~~على حصاني.» # قال جيمي: «ستحصلين على حصانك بكل تأكيد!» وتابع: «سأتجول معك، ~~وسنرى ما في الوديان وما قد نجده فيثير اهتمامك بالخلاء، ~~ولتعلمي أنك إذا خرجت للاستكشاف، فستجدين معسكرات للفتيات حيث ~~يقمن بكل حيل الكشافة التي يفعلها الصبية، ولا أشك أنهن يفعلن ~~بعضا منها على نحو أفضل حتى!» # انتصبت قامة قائد الكشافة السابق وأخذت نفسا عميقا. ~~«هل تعتقد ذلك يا جيمي، ms316 هل تعتقد بأمانة أنهن يفعلنها أفضل ~~منهم؟» # قال جيمي: «أراهنك بربع دولار أنهن يستطعن!» وأضاف: «سأعرف أين ~~مواقعهن، وسوف أذهب معك وسنرى. لكنني أراهنك بربع دولار أن أولئك ~~الفتيات يستطعن إشعال النار بالطريقة الصحيحة ويجعلن الشرر يتطاير ~~أسرع، أراهن أنهن يستطعن إقامة الخيام، ويفعلن أي شيء يردنه، ~~ويفعلنه أسرع من فتيان الكشافة أولئك الذين كنت تتدربين معهم على ~~أي حال. وما كنت لأتعامل مع أولئك الكشافة المستقلين. إنهم مثل ~~الخارجين عن القانون. وكنت سأبتعد عن أولئك الفتية تماما!» ثم تجاسر ~~مربي النحل أكثر وقال: «كنت سأبتعد عنهم، يا جين. ولو كنت مكانك، ~~كنت سأرى أين أجد فتيات من جنسي وأصاحب من هم من نوعي، ولا أشك ~~أنك مع التدريب الذي حصلت عليه والحيل التي كنت تؤدينها ~~ستستطيعين الترقي حتى تصبحي القائدة ربما خلال ستة أشهر. ستستطيعين ~~أن تفعلي شيئا ليس هو باللهو وإنما شيء حقيقي، أنشطة كشافة مفيدة، ~~شيء تتقدمين به للأمام. ستستطيعين التدرب حتى يصبح بإمكانك ~~المساعدة في إطفاء حرائق الجبال، أو العثور على طفل مفقود، أو فعل ~~شيء جيد ومفيد، وليس مجرد لهو. وسيصبح لديك حصان تستطيعين اصطحابه ~~وامتطاءه. وأنا نفسي أجيد ركوب الخيل بعض الشيء. ولا توجد مهارة من ~~مهارات ركوب الخيل لا أستطيع تعليمك إياها.» # عاد المنديل إلى صاحبه. وبدأت جين ميريديث تتحسس جسدها لترى إن ~~كان تبقى لديها ما يكفي من الملابس ليسترها. # ومن ثم سألها جيمي: «هل اتفقنا؟» وتابع: «هل ستركبين السيارة ~~وتسلكين طريق الشاطئ إلى الإسطبلات حيث ينتظرك هذا الحصان المخصوص ~~الذي حدثتك عنه؟ هناك ثلاثة ممتازون. لك أن تختاري من بينهم. هلا ~~ذهبنا؟» # جاءت صيحتها في دهشة شبه منقطعة الأنفاس: «يا إلهي!» وتابعت: ~~«هلا ذهبنا؟ هلا صبغنا زهور البتونيا، هلا عطرنا الورود؟ هلا ~~مشينا مشية عسكرية أمام النحل الألماني الأسود؟ هلا حثونا التراب ~~في وجه أول فتى كشافة نلقاه؟ فلنذهب بكل تأكيد! أما بيل السمين ~~والطفل المطيع وذو الوجه الملائكي فليذهبوا إلى الجحيم رأسا! فلن ~~ألعب معهم ثانية أبدا، حتى إن جاءوا ms317 راكعين، حتى إن رجوني ~~بالدموع في عيونهم. لن ألعب معهم ثانية أبدا ...» # قاطعها جيمي قائلا: «أجل، وإنني أراهنك بربع دولار آخر. أراهنك ~~بربع دولار أنهم خلال أسبوع سيأتون ويطلبون اللعب معك ~~مجددا!» # دست جين ميريديث ذيل قميصها في حزام سروالها. كانت ابتسامة الخجل ~~التي رسمتها على وجهها الملطخ المبلل بالدموع بديعة. ثم انحنت ~~بجسدها. ولمست بسبابتها اليسرى شفتها السفلى لمسة خفيفة. ونفضت ~~بيدها اليمنى من فوق كتفها اليسرى كتلة من الطين لم تكن خيالية ~~بالمرة. # ثم قالت بلكنة شابات تلك الأيام: «آه، شكرا!» وتابعت: «آه، شكرا ~~يا فتياني الأعزاء! إنكم رائعون، رائعون حقا، لكنني تجاوزتكم. لقد ~~تخطيت مرحلة الصغار وصرت من علية القوم. فلتمرحوا في سحابة التراب ~~التي سأثيرها حين أمضي ممتطية حصاني!» # وإذا بالشابة المعاصرة تعود لتصبح فتى الكشافة الصغير مرة ~~أخرى. ~~«هل حصاني حصان ذكر أم حصان أنثى يا جيمي!» # فقال جيمي: «يوجد اثنان أو ثلاثة. لم أستقر عليه تماما. يوجد ~~اثنان أو ثلاثة في المكان الذي سأصطحبك إليه. أود أن أرى ما إن ~~كنت ستفضلين الحصان الذي فضلته أنا. ولك أن تحصلي على ذلك الذي ~~تريدينه على كل حال.» # قالت جين: «حسنا. حسنا. لقد خطر لي أنه إن كان حصاني ذكرا ~~فسأسميه تشيف، وإن كان أنثى فسأسميها سوالو، وأيا كان فسوف أمتطيه ~~هناك، سواء كنا أعلى سفح الجبل أو في أعماق المحيط. أنا وحصاني سنسبح ~~مثلما سنتسلق!» # فقال جيمي، مادا يده التي سريعا ما قبلت: «حسنا، هيا ~~بنا!» # بعد أن ارتدت جين ملابس مناسبة واستقر بهما المقام في السيارة ~~المتجهة نحو الإسطبل الذي سمع جيمي عن بيع خيل ركوب فيه على بعد عدة ~~أميال على امتداد الشاطئ، تطرق جيمي مرة أخرى لموضوع الحصان. # إذ سألها: «هل لديك فكرة محددة في رأسك بخصوص نوع الحصان الذي ~~تريدينه بالضبط يا جين؟» # جعل جيمي يشاهدها بنظرات جانبية. فرأى نظرة عابسة عبوسا طفيفا، ~~وتصلبا بسيطا في جسدها، فعرف المغزى وراء ذلك. ومرت دقيقة أو ~~دقيقتان من الصمت، وبدلا من إجابة السؤال، ms318 جاء سؤال بصدد موضوع ~~مختلف. ~~«ألن تناديني «الكشافة الصغير» مرة أخرى أبدا؟» # فكر جيمي جديا وسريعا. # وقال: «لا، لن أفعل. لن أفعل مجددا أبدا. من الآن فصاعدا سأدعوك ~~باسمك. إنه اسم جميل للغاية ومن الأسماء التي أحبها كثيرا. إنه ~~اسكتلندي، وكذلك أنا، حتى النخاع. وأرى أنه يجدر بك التوقف عن ~~التنكر. ولتكوني على طبيعتك من الآن فصاعدا، حين تكونين معي. ~~فإنك تؤكدين بشدة على أهمية أن يسلك الناس سبيل النزاهة في الحياة. ~~وقد نجوت بفعلتك مرات كثيرة حتى الآن بحق، لكنك من الآن فصاعدا ~~ستصيرين كبيرة بما يكفي لأن تثيري انطباعات سيئة للغاية إن نويت ~~الاستمرار في التنكر.» ~~«هل تقصد أنك لا تريد أن أرتدي السراويل أمامك بعد الآن؟» # قال جيمي: «بالقطع لا، أيتها الحمقاء!» وأضاف: «أعتقد أن السراويل هي ~~الملابس المناسبة لترتديها وأنت تعملين في الحديقة وتمتطين الخيل، ~~وأثناء اللعب، وحين تؤدين التمارين. ما أريده منك هو أن تتوقفي عن ~~اللعب مع الصبية وأن تعرفي مدى روعة نوعك. لا تظني أنك الفتاة ~~الوحيدة في العالم التي تحب ركوب الخيل أو التسلق أو الخروج أو ~~قيادة فريق كشافة. أريدك أن تكوني في مكانك الطبيعي، حيث ~~تنتمين.» # تفكرت جين في الأمر بتأن، كما كان دأبها. # ثم قالت ببطء لكن بنبرات أكثر مرحا: «حسنا، قد تكون محقا في ~~هذا الشأن، لكن عليك أن تدلني على السبيل؟» # فقال جيمي: «حسنا، سوف أدلك! أول ما سنفعله هو التوجه مباشرة ~~إلى مكان معي عنوانه هنا في هذا الجيب. سوف نشركك في معسكر لفتيات ~~الكشافة، وسأرافقك للاجتماع الذي ينعقد مرة أسبوعيا. إن لم يسمحوا ~~لي بالدخول، فسأظل أتسكع بالخارج حتى تفرغي من الاجتماع، لكن لست ~~بحاجة إلى أن تخبريني أن أي فتاة قد تنضم لمعسكر فتيات الكشافة لا ~~بد أن تكون من الفتيات اللواتي يهوين السباحة والتجديف بالزوارق ~~وامتطاء الخيل والخروج إلى الطبيعة. ولست بحاجة إلى أن تخبريني سيكون ~~بين كل الفتيات اللواتي يتكون منهن المعسكر ولو فتاتان أو ثلاث على ~~الأقل حسناوات المظهر، ومهذبات السلوك، ms319 فتيات من أسر كريمة، ~~ممن يسر أمك أن ترافقيهن.» # قالت جين: «حسنا. سنلعب لعبة «احذ حذوي.» أنت تحدد الوجهة وأنا ~~أتبعك مباشرة.» # لم تواجههما أي صعوبة من أي نوع في العثور على مكان السكرتير الذي ~~رحب بتسجيل جين ميريديث ، وتزويدها بالبطاقات والمعدات اللازمة، ~~بينما دفع جيمي الفواتير. وعندما ركبا مرة أخرى في السيارة المتجهة ~~إلى الإسطبل، نظرت جين إليه. # وقالت: «إن المبلغ الذي دفعته هناك كبير يا جيمي. لم أر كم كان، ~~لكنه أكثر مما يجدر بك أن تدفعه لي. لا بد أن تخصمه من نصيبي عند ~~بيعة العسل القادمة. وسوف أخبر أبي أنك فعلت ذلك.» # فقال جيمي: «لا تنشغلي بتلك الأمور. فأنا وأبوك سنهتم بالمسائل ~~المالية. ولا تنزعجي من إنفاقي القليل من المال من أجلك؛ لأنني لم ~~أبدأ إنفاق المال بعد. فثمة شيئان آخران سأفعلهما قبل أن ينتهي ~~اليوم. وكلاهما سيكلفانني مبلغا كبيرا، لكنها ستكون أسهل النقود ~~التي أنفقتها يوما في حياتي لأنه لولا أنك أعدت لي ميراثي، ما كان ~~سيصبح معي أي نقود لأنفقها على أي شيء، باستثناء ما ادخرته من ~~أجري هذا الصيف. لولاك ما كان سيمضي وقت طويل قبل أن أهوي إلى ~~الحضيض ماديا، ومعي جيمي الصغير لأرعاه علاوة على ذلك. من ثم، ما ~~دمت قبلت منك فداني الشرقي بكل ما عليه، فليتك تقبلين ما أريد أن ~~أعطيك إياه اليوم من دون إبداء أي اعتراضات على ذلك، هل تستطيعين ~~ذلك؟» # قالت جين: «بالطبع أستطيع»، وتسللت إلى عينيها اللمعة التي كان ~~جيمي يعرفها. «لقد قلت شيئين. ما هو الشيء الآخر علاوة على ~~الحصان؟» # فقال جيمي: «سنتوقف هنا وستعرفين.» # غادرا السيارة مرة أخرى، وأخذ جين هذه المرة إلى متجر حائك حيث ~~أخذت مقاساتها لتحصل على سروال فتيات لائق خاص بركوب الخيل ومعطفين، ~~أحدهما بكمين والآخر من دون، وكلاهما مزود بمشد وتنانير ~~متسعة بعض الشيء عند الأطراف وذات جيوب أنيقة. كانت الملابس ~~ستفصل من قماش بديع ناعم رمادي ضارب إلى الزرقة قريب جدا من ~~لون عيني الصغيرة التي ستلبسها. ms320 ثم اختار جيمي من المكملات ~~المعروضة قميصين حريريين وربطة عنق زرقاء في رمادي، ومناديل ~~بحواف تليق بالقمصان. انطلقت صيحات بهجة خافتة فرحا بقياس زوجين ~~من الأحذية الرمادية طويلة الرقبة ذات ثنايا ناعمة حول الكاحلين ~~ورقاب صلبة، وقفازات تليق أساورها عليها. رمقت جين القفازات ~~بنظرات تردد. وهزت أصابعها وتحدثت صراحة. ~~«من المؤسف أن تنفق نقودك عليها. فإنني أراهن بدولار أنني سأضيعها ~~في أول يوم أخرج بها.» # فقال جيمي: «لا أعتقد أنك ستبدين لي حق التقدير حين تستخفين ~~بأول هدية أهديك إياها على الإطلاق لدرجة أن تضيعيها. ما كنت لأفعل ~~ذلك إن أهديتني زوجي قفازات.» # فقالت جين: «حسنا، هذا لأن لديك الكثير من الجيوب.» # فأجابها جيمي: «وأنت أيضا ستحصلين على جيوب»، ثم التفت إلى الحائك ~~المبتسم وطلب منه قائلا: «فلتزود تلك المعاطف بجيوب داخلية، ~~وجيوب صدر على اليسار من الخارج، وزود السروال بكثير من الجيوب. لا ~~نريد أن نعطي هذه الآنسة الشابة أي فرصة لفقد مناديلها ~~وقفازاتها.» # وأثناء مغادرتهما المتجر، قال جيمي: «بذلك نكون عكسنا الأمر بحق. ~~فقد اشترينا اللوازم أولا. والآن سنشتري الحصان، وبعد أن نختار ~~الحصان، سنذهب إلى متجر جلود ونبتاع سرجا وسوطا أنيقا.» # هزت جين رأسها. # وقالت: «لا تنفق نقودك على أي سياط. فإنني لا أستخدمها! إنني أوجه ~~حصاني مستخدمة يدي.» # فقال جيمي: «ومع ذلك يا آنستي الشابة تمر على أي فارس أوقات حيث ~~يتعرض للخطر إن لم يكن مسلحا بسوط جيد لاذع. فإن ارتعب الحصان على ~~الجبال وجعل يتراجع نحو منحدر تهبطين منه إلى العالم الآخر، وكان في ~~يدك سوط سميك متين تستطيعين أن توقعي به بضع ضربات توجعه وجعا ~~شديدا، فربما تفلحين في جعل الحصان ينسى ذعره ويمضي بك ~~قدما.» # وافقته جين الرأي على الفور قائلة: «ليكن ذلك أيضا. لم يخطر لي ~~ذلك لأنني لم أمتط الخيل كثيرا في أماكن خطيرة بحق من قبل. لقد ~~تسلقت أنا وكوين بضع مرات، لكن كوين أعقل من أن تتراجع على ~~مرتفع.» # قال جيمي: «إنني لا أراهن على ما لدى الحصان ms321 من عقل؛ لأنه إن طرأ ~~شيء على غفلة وجعله في ذعر شديد فسيقفز ليحمي نفسه، وسيقع الضرر ~~قبل أن يدرك الحصان حقا ما حدث. لا يمكن أبدا أن تكوني في أمان على ~~صهوة جواد حقيقي من دون سوط سميك متين. إنه جزء من المعدات ~~الضرورية، ومهما تكن نظريتك بشأن المعاملة بلين وعطف، ففي هذا ~~العالم بعض الكائنات التي لا يمكن السيطرة عليها إلا بالقوة حين ~~يصيبها الذعر.» # فقالت جين معلقة: «تماما مثل الآنسة ورذينجتون.» وتابعت: «والحق ~~أنه مما يثير غيظي أن أدعوها «ورذينجتون»، فقد تصادف أنني أعلم أن ~~اسمها يانج، مجرد يانج عادية الملامح، صهباء، بأنف أفطس ووجه ~~مليء بالنمش. إنني لم أر قط شخصا لم أطقه البتة مثل تلك الشخصية ~~التي ظلت تدعوني ب «الصغير». لم يكن الأمر يسيرا، لكن من المؤكد ~~أنها نالت ما تستحق، وإنني ربما أصادف حالة أخرى مثلها تماما. ~~فلتشتر السوط!» # حين وصلا إسطبل الخيل، انعطف جيمي ليصل إلى البوابة. كان يعلم ~~مكان البوابة جيدا فأدركت جين أنه قد ذهب هناك من قبل، وأدركت ~~أيضا أن الرجال الذين جاءوا لملاقاته كانوا على معرفة به. # خاطبهم جيمي قائلا: «أود أن أعرفكم إلى الآنسة جين ميريديث، ~~وأود أن تعرضوا عليها الخيول الثلاثة التي رأيتها ذلك اليوم.» # وقفت جين مفتونة والخيول الثلاثة تساق أمامها. كانت أمهارا ~~بحق، حيوانات بالحجم المناسب لتمتطيها وتبدو على صهوتها بمظهر ~~حسن، وتكون لديها القوة لتجعلها تطيعها. # قال جيمي: «حسنا، سوف نضع السرج عليها الواحد تلو الآخر، ~~وبإمكانك ركوبها لساعتين أو ثلاث ساعات. بإمكانك أن تجربيها مرارا ~~حتى تتبيني أيها يعدو بالطريقة التي تناسبك. لقد تفحصتها ~~بإمعان شديد. كلها بأعمار معقولة، وكلها في حالة جيدة. والاختلاف بين ~~أسعارها قليل جدا.» # ثم أدرك جيمي أنه كان يحدث نفسه. إذ لم تكن جين مصغية لكلمة مما ~~قاله. وإنما ظلت واقفة أمام الخيول الثلاثة، تحدق فيها. وبتأن ~~ذهبت إلى الأول وشدت رأسه لأسفل. ومرت بيدها على جبهته. وجعلت ~~تنظر بإمعان في عينيه. وأخذت أذنه بين يديها. ثم ms322 وضعت يدها اليسرى ~~أسفل ذقنه وفرقت بين شفتيه بيدها اليمنى ونظرت إلى أسنانه. ثم طافت ~~بجانبه نزولا بالعنق وحول الصدر حتى هبطت للقائمتين الأماميتين. ~~قارنت بينهم من حيث العمود الفقري، والخاصرة والجوانب والذيل، من كل ~~زاوية. مثلما يبحث الجراح عن الداء الخفي، راحت الصغيرة تتفحص تلك ~~الخيول، وقد أدرك جيمي فجأة أنها تعلم من أمر الخيول أكثر مما يعلم ~~هو. إذ راحت تتفقد نقاطا لم تخطر له. هكذا وقف على مسافة مستمتعا ~~وظل يشاهدها وهي تتفحص الخيول الثلاثة فحصا دقيقا. وحين فرغت من ~~الأمر، تقدمت أمامهم. # وأشارت إلى واحد وقالت: «ذلك أفضلهم طباعا، لكنه ضعيف وبطيء. ~~وذلك حسن الطباع. سوف يكون رزينا ويعمل اليوم بطوله. أعتقد أن ~~نفسه طويل.» # ثم نظرت إلى الأخير. ~~«وهذا بداخله قدر كبير جدا من المشاغبة. لن تعلم متى سيرفس ومتى ~~سيشب، لكنه لن يعلم حين تريده أن ينعطف سريعا أو ينزلق على سفح جبل ~~بدلا من أن يسير. ربما هذا يجعلكما متعادلين. إنه سيذهب إلى أي ~~مكان وسيظل محتفظا بنشاطه لأطول وقت، لكنه سيستغرق وقتا طويلا قبل ~~أن يستطيع الشخص الذي يملكه أن يثق فيه بحق.» # قال جيمي: «حسنا، غالبا ما يكون الأمر كذلك بقدر ما أعلم. الآن، ~~فلتضعي السرج وسأعطيك ساعتين لتجربيهم. سوف أمضي للشاطئ وأستلقي في ~~الشمس بعض الوقت. لقد اعتدت ذلك في هذا الوقت من النهار حتى إنني ~~أشتاق إلى حمام الشمس حين لا أحصل عليه. أما الماء المالح فسأستغني ~~عنه اليوم.» # قالت جين: «انتظر برهة. ابق قليلا.» # أطلقت ساقيها السريعتين للريح متجهة إلى كشك قريب. وعند رجوعها ~~جاءت لجيمي وناولته كيسا ورقيا. # فقال جيمي بجدية وهو يتناول الكيس: «شكرا جزيلا.» # ثم اتجه للعامل. # وقال: «فلتسمح لهذه السيدة الشابة بركوب كل من الخيول الثلاثة ~~في أنحاء المضمار بقدر ما تريد. وحين تقرر ما ستختاره، سأعود ~~لأصطحبها إلى المنزل. هلا حرصت على أن تحصل على أي شيء تريده إذا ~~تكرمت؟» # قال العامل إنه سيفعل وذهب لإحضار السرج. نكزت جين بمقدمة حذائها ~~تراب الإسطبل ms323 ثم رمقت جيمي بنظرات جانبية. # وسألته: «ما الغرض من الإصرار على ذكر الأمر؟» # ولم يلجأ جيمي إلى حيلة أن يسأل: «ذكر أي أمر؟» إذ كان يعلمه، ~~وكان طبعه الاسكتلندي لا يسمح له بالتظاهر بعدم معرفة شيء وهو ~~يعرفه. # قال جيمي: «إنك لا تستسلمين بسهولة، أليس كذلك؟» وتابع: «لكن أعتقد ~~أنك ما دمت قد قضيت حياتك كلها في هذه التمثيلية فإنك لن ~~تستطيعي التخلص منها تماما في لحظة. وسأشرح لك على أي حال لماذا ~~ألح إلحاحا على ذكر أنك فتاة. أقر بأنك تبدين كثيرا مثل ~~الصبية حتى إنه من الممكن أن يظنك البعض واحدا منهم وأنت ~~تبذلين ما في وسعك لإثبات أنك كذلك. وإنني أؤكد أنك فتاة لأن ~~الرجال أحيانا فيما بينهم يصيرون غليظين بعض الشيء ويقولون أشياء ~~ويأتون تصرفات لا يقولونها ولا يأتونها إن عرفوا أن الطفل الموجود ~~بينهم هو فتاة. إن ما أحاول أن أفعله يا جين هو أن أوفر لك النوع ~~نفسه من الرعاية والحماية النابعتين من المحبة اللتين كنت سأمنحك ~~إياهما لو كنت شقيقتي الصغيرة.» # نظرت جين إلى جيمي وجعلت تتفرسه بإمعان. ثم فاجأته بسؤال ~~غريب. ~~«لن أكون أبدا بالغة ولا كبيرة بما يكفي لأصبح حبيبتك، أليس ~~كذلك؟» سألته السؤال ببساطة كأنها تطلب شربة ماء. # لاحت في مخيلة جيمي في اضطراب صورة الحبيبة التي ستبدو عليها ~~الطفلة التي أمامه بعد عشر أو اثنتي عشرة سنة، فجمح الخيال برأسه ~~قليلا؛ بيد أن الرجال الاسكتلنديين مشهورون بالعقل والرصانة والنزاهة؛ ~~لذا تماسك وأجاب برصانة قائلا: «لا أتخيل أنني قد أريد في العالم ~~حبيبة غيرك يا جين، لكنه لن يكون منصفا لك. فإنني أكبر منك ~~بكثير. والشباب يريد الشباب. وأي شيء خلاف ذلك ظلم. ومن تجاربي في ~~الحياة لاحظت أن الأوضاع تسوء دائما حين يكون الرجل أكبر من المرأة ~~بكثير. ليس من الإنصاف لفتاة أن تربط برجل في عمر أبيها. إذا ~~تزوجت مرة أخرى يوما، فسوف أتزوج من امرأة أقرب لسني.» # سألته جين بهدوء: «هل كانت أم جيمي قريبة جدا من ms324 سنك؟» # فقال جيمي: «حسنا، كانت أقرب بكثير منك.» ثم أضاف: «فلتذهبي الآن ~~لتمتطي الخيل وسأمضي أنا لأحصل على حمام شمس، وحين تختارين حصانا ~~سأختار السرج المناسب له، وإنني لست متأكدا تماما من أننا لم نخطئ ~~بطلب الملابس أولا. ربما يجب أن تليق بالحصان هي الأخرى.» # تفكرت جين في الأمر. ~~«حسنا، لا أعتقد أن البدلة ستقص وتفصل في الحال. ربما نستطيع ~~أن نغير الألوان عصر اليوم بالهاتف. كان هناك قماش أسمر في بني مثل ~~ذلك الأزرق في رمادي.» # قال جيمي: «صحيح. ربما نضطر إلى تغييره. فلتفكري في الحصان ~~الآن، وتأكدي من الحصول على الحصان المناسب. فلا نريد أن نكتشف لاحقا ~~أنك حصلت على وحش عضاض يستنزف طاقتك في كل مرة تخرجين به. ~~إنك بحاجة إلى جواد يصبح صديقا لك؛ تجدين فيه بعض الراحة، ~~ويحبك.» # فقالت جين: «أجل، ذلك هو نوع الجواد الذي أريده بالضبط. أريد حصانا ~~يحبني مثل كلب أبي في حبه له.» # فقال جيمي: «حسنا، أشك أنك ستجدين حصانا لديه ما لدى الكلب من ~~قدرة على الحب. فقد جاور الكلب الإنسان قرونا عديدة ونال اهتماما ~~كبيرا جدا حتى إنه أصبح أشبه بالبشر. فقد سبق ورأيت كلبا يفكر، ~~وسبق وكدت أسمع كلبا يتكلم، وسبق وتمكنت الكلاب من أن تأتي ~~أصواتا تفصح عما تريده.» # قالت جين: «بالتأكيد!» وتابعت: «كثيرا ما يستطيع كلب أبي أن يفعل ~~ذلك، وكذلك تشام كلب أمي أيضا.» # ثم ذهبت هي إلى الخيول وذهب جيمي نحو الشاطئ. # الفصل الحادي والعشرون # | ثم تأتي رؤية # حين بلغ جيمي الطريق، عبره ومضى هابطا عبر جسر منحدر يؤدي لرمال ~~البحر الساخنة وأمواجه المتلاطمة. وأثناء نزوله، لاحظ على يمينه صخرة ~~ناتئة بطريقة جعلت منها مقعدا ذا جاذبية خاصة. ومن خلال ملمس الكيس ~~الذي يحمله ظن أنه عرف ما بداخله. ومن ثم مضى جيمي ليجلس على ~~الصخرة، التي ظللتها من ناحية نبتة داتورا ضخمة ضخامة غير مألوفة، ~~وقد تألقت تألقا شديدا أبواقها البيضاء الشبيهة بالزنابق بحوافها ~~الزرقاء. وعلت بجانبها نبتة خطمي وردي، بارتفاع عشر أقدام، ms325 في ~~سحابة زاهية ذات لون قرنفلي ضارب للوردي زادها تألقا أوراق ~~خضراء فضية شبيهة بأوراق القيقب. مد يده في جيبه، وأخرج سكينه ~~وفتحها، وفتح الكيس أيضا، ووجد ما توقعه؛ ثمرتي طماطم كبيرتين ~~جدا وشديدتي الحمرة. فقد حان ميعاد احتسائه عصير الطماطم ~~الصباحي. وقد اهتمت جين بحاجته؛ إذ رأت أنه إن كان لا يستطيع الحصول ~~على العصير، فبإمكانه تناول الطماطم والحصول على فيتاميناته بشكل ~~مختلف قليلا. وهكذا وضع جيمي إحدى الثمرات على الورقة بجانبه ونزع ~~بسكينه طرف الساق واللب من الأخرى وبدأ ينزع القشر الرقيق قطعا ~~صغيرة ويقطع الطماطم إلى شرائح صغيرة. وقد وجد نفسه مستمتعا بها ~~أيما استمتاع. لقد أصبح معتادا على تناول الطماطم. وقد بلغ مرحلة ~~تثور فيها معدته وتطالب به إن لم يحصل على عصير الطماطم في الساعة ~~العاشرة وثلاثين دقيقة. # بينما هو جالس يستمتع بثمراته ويشاهد المئات يتدفقون جيئة ~~وذهابا على الشاطئ، وجماعات أسرية هنا وهناك يحتمون بمظلات الشاطئ، ~~وأناس بملابس السباحة يستلقون على الرمال، وأطفال يلعبون في الأمواج، ~~وسباحون يسبحون بعيدا - وهي مظاهر الحياة اليومية للشاطئ في أوان ~~الصيف - تنامى إلى أذنيه من خلفه جلبة أقل ما يقال عنها إنها ~~تسترعي الانتباه، ثم جاء في تدافع على الجسر الذي على يساره أعجب ~~تجمع من البشر رآه يوما مجتمعا في حشد. مكسيكي صغير ذو شعر أملس ~~أسود وعينين سوداوين، ووجنتين متوردتين وشفتين حمراوين وأسنان لامعة. ~~وشخص من الياكي، وهي إحدى قبائل السكان الهنود الأصليين، صغير ~~رزين، ذو شعر أسود مزرق، ووجه مربع صغير، وفم واسع وعينين ~~لامعتين وشفتين حمراوين. وإيطالي صغير، وسيم للغاية، بخصلات شعر ~~مسترسلة ووجنتين بلون قمحي وكالعادة شفتين حمراوين وأسنان بيضاء. ~~وهناك أيضا صغير إسباني وسيم ذو عينين نجلاوين، ومن الصين واليابان ~~واليونان، ووجوه هندية صافية صغيرة نحاسية اللون بشعور ملساء وعيون ~~غائرة يقظة، ووجنات بارزة ووجوه رزينة، ذات أجسام رشيقة مستقيمة ~~ورءوس مرفوعة بإباء من ينتمي إلى أشد الأجناس التي سارت على الأرض ~~فخرا. # أثناء تدفق هذا الخليط العجيب على الجسر من حوله، ms326 لاحظ جيمي أن كل ~~واحد من الصغار كان إما يحمل سلة صغيرة أو يمسك بكيس صغير. بعضهم ~~من الفتيان، والبعض الآخر من الفتيات. وجميعهم ذوو عيون متألقة، ~~وجميعهم صغار، وجميعهم يتمتعون بالجمال، كل بطريقته، جميل جمال ~~الشيء المثالي في زهرة الصبا. # توقف أولئك الذين وصلوا الشاطئ أولا ونظروا وراءهم، فيما جاء عند ~~نهاية الجسر، بجانب جيمي، قريبا جدا منه حتى إنه كان بإمكانه أن ~~يمد يده ويطولها، قدم صغيرة مقوسة وساق رفيعة تنتعل حذاء برقبة ~~مرتفعة مخصصا للمسافات الطويلة. ثم ظهر سروال ذو لون كاكي، وبعد ~~لحظة أخرى ظهرت فتاة طويلة رشيقة، مولية ظهرها له. كان الشكل لا ~~ينم عن صبي بالمرة. فقد بدت واضحة ربلتا الساقين اللتين ~~غطاهما الحذاء ذو الرقبة. كما بدت الأرداف والذراعان مستديرة ~~والصدر ممتلئا. وكان العنق مشرئبا بسمو، يعلوه رأس جرى قص ~~شعره شديد الكثافة على نحو جعله يبدو واقفا على الجوانب ومن الأعلى ~~بينما تبعثر في خصل ملتفة كبيرة ناعمة، وتدلى على العنق من ~~الوراء مثل شعر صبي. # حين رفعت القدم وأخذت خطوة إلى الأمام، نزل جيمي بنظره إلى ~~المسار الممتد في الرمال وأخذ نفسا عميقا تعرف فيه على عبير ~~المريمية وزهور الربيع وزهور رعي الحمام الرملية، رغم أن الهواء يمتلئ ~~بشدة برائحة الثوم والمانجو والتامال (طبق مكسيكي). عندئذ تحديدا ~~توقف قلب جيمي وظل متوقفا وقتا طويلا جدا حتى إنه لم يعرف إن ~~كان سيعود للنبض ثانية أم لا. أغمض عينيه بشدة فرأى خصلة من شعر ~~مبلل ترتطم بوجهه وتجتذبه. ثم فتح عينيه ليتأكد فرأى الرأس ذا الشعر ~~المقصوص، فصاح في أعماقه وقال: «آه، يا لها من خسارة! يا لها من خسارة ~~كبيرة! كيف تأتى لها أن تضحي بتاج جمالها، شعر حريري كشعرها؟» # جعل يشاهد الفتاة الرشيقة وحركاتها الخفيفة وهي تسير عبر الشاطئ ~~وتجلس قبالته على بعد بضع قصبات. ثم اجتمع الحشد الصغير حولها. ~~وسمع الصوت الذي سمعه من قبل، والذي يعرفه حق المعرفة، وهو يقول: ~~«والآن، يا أيها الصغار، قبل أن نتناول غداءنا ms327 وقبل أن نبدأ اللعب، ~~لا بد أن نتعلم درسنا، لنرى فقط إن كنتم تتذكرون حتى وأنتم في ~~إجازة. ما هذا الذي أمامكم؟» # هتف الأطفال مجتمعين: «المحيط الهادئ!» ~~«وما الذي وراءكم؟» ~~«جبال سييرا مادري!» ~~«وما الذي فوقكم؟» ~~«السماء!» ~~«وما الذي تجلسون عليه؟» ~~«رمال!» ~~«وبلد من هذا؟» # فهتف كل من الصغار سواء صبي أو فتاة: «بلدي!» ~~«ومن يستطيع أن يلقي علينا نشيد «بلدي»؟» # جعلت الأيادي الصغيرة تلوح في الهواء. وأشارت المعلمة في اتجاه ~~الصبي الياكي الهندي الصغير. ~~«فلتجرب، يا إزادور!» # وقف الطفل الصغير، وضم قدميه معا، وخلع قبعة القش التي يعتمرها، ~~ولأن جيمي كان يعلم ما سيقوله الطفل قبل أن يبدأ، فقد استطاع أن ~~يميزه: ~~«بك يا بلدي أتغنى، # يا أرض الحرية الجميلة ...» # ابتسمت معلمة مادة القومية الأمريكية للطفل وقالت: «أصبت يا ~~إزادور! يكفي هذا. الآن، من يستطيع أن يخبرنا ما هي «الحرية»؟» # مرة أخرى زخر الهواء بالأيادي. # أشارت المعلمة إلى فتاة صغيرة مكسيكية. ~~«فلتجيبي، يا ماريا.» # أجابت ماريا على الفور، ملوحة بذراعيها مثل طاحونة هواء نحو الرمال ~~وصوب الجبال والسماء والبحر: «كل هذا ... من دون معارك.» # صفقت المدرسة. ثم سألت: «ومن هو مؤسس بلدكم؟» # كان الياباني الصغير يعلم فقال: «جورج واشنطن.» ~~«ومن رئيسنا؟» # هتف الصغار اليوناني والإسباني والصيني في فم واحد: «ألفين أوليدج ~~(كالفين كوليدج)!» فضحكت المعلمة وصفقت مرة أخرى. # في هذه الأثناء اجتمع حشد كبير. إذ احتشد أطفال بوجوه ذات بشرة ~~فاتحة وراحوا يستمعون ويتطلعون. ومر أناس كبار أمام وخلف المجموعة ~~المكونة من واحد وعشرين شخصا، حسب إحصاء جيمي. لكنهم ظلوا ~~يباشرون شئونهم من دون إبداء أي اهتمام. وفتحت المعلمة كتابا بحجم ~~أطلس المدرسي، وتناولت قلما وشرعت ترسم. # في حركات آلية، انتهى جيمي من الطماطم، ومسح سكينه في الرمال ثم في ~~ساق سرواله، وأغلقها وأعادها إلى جيبه. ثم نهض وسار على الشاطئ حتى ~~صار على بعد ثلاث أقدام من ظهر الفتاة التي كان يعرفها ووقف ينظر من ~~فوق كتفها بصحبة عدة أشخاص آخرين. # كانت الفتاة قد رفعت إحدى ركبتيها إلى ms328 جسدها ووضعت عليها الكتاب ~~الكبير. بينما تمددت الساق الأخرى على الرمال بمرونة وراحة. وانحنى ~~رأسها وهي ترسم بيدها اليمنى بحركات سريعة دقيقة ما ظنه جيمي رسما ~~كروكيا لجسد رجل. حين انتهت من العمل بما يكفي لتبدو الأعضاء الرئيسية ~~واضحة ، وضعت القلم على الرأس المستدير، وفي الحال لمس أغلب الأطفال ~~رءوسهم وهتفوا: «رأس!» ثم انتقلوا لأسفل الجسم، ذاكرين العنق والكتفين ~~والذراعين واليدين والجسم والركبتين والقدمين. ثم عادت بالقلم إلى ~~الرأس وبدأت ترسم عليه خطوطا واقفة فرفع كل واحد من الصغار يده أو ~~يدها إلى رأسه أو رأسها وصاح: «شعر!» ثم جاءت الجبهة والحاجب والعينان ~~والجفنان والأهداب، وعندئذ كانت المعلمة مع ذكر اسم كل جزء من الوجه ~~ترسم خطا ممتدا لهامش الورقة ينتهي بدائرة وداخل تلك الدائرة تكتب ~~بخط واضح جدا: «أنف». «عين». «أذن». كان كل ملمح من ملامح الوجه ~~يرسم ويكتب اسمه. # لاحظ جيمي مع تقدم هذه العملية من الأذنين إلى أسفل أن الفراغ الذي ~~خصص للفم كان كبيرا. وقف شبه منقطع الأنفاس وهو يشاهد كتابة ~~لثة في دائرة الفم، ثم الأسنان وسن واحدة. كان صوت المعلمة العذب ~~يكاد لا ينقطع. وقد فتحت فمها فكشفت عن أسنان قوية في بياض الحليب. ~~ومرت بممحاة القلم الرصاص عليها لتشير إلى أنها جميعا أسنان. فكشف ~~كل الأطفال عن أسنانهم ومروا بأصابعهم عليها وصاحوا: ~~«أسنان!» # ثم لمست إحدى أسنانها الأمامية وقالت: «سن»، ورفعت إصبعا واحدة ~~وأشارت إلى سن واحدة. فأشار كل الأطفال الصغار ذوي البشرة ~~البنية إلى سن «واحدة». أخرجت لسانها، وهي تضحك، لسانا في غاية ~~التورد ينطق بالصحة، لا أثر لصفار على امتداده، فأخرج كل الصغار ~~ألسنتهم وضجوا بالضحك وسريعا ما شرع كل منهم يتلاعب بملامح ~~وجهه للآخر. وقد أغاظ إزادور الطفل المكسيكي بعد أن افتعل وجها ~~قبيحا جدا حتى إن المكسيكي رماه بحفنة من الرمال ونشبت مشاجرة على ~~الهامش. بينما جلست المعلمة تشاهدهما وهي تضحك. ثم علا صوتها ~~لتدعوهما للهدوء. ونطقت كلمة «لسان» نطقا شديد الوضوح، فظل الصغار ~~يظهرون ألسنتهم وهم يقول بعضهم ms329 لبعض إنها ألسنة. ثم رسمت لسانا ~~داخل فم الشكل الذي صاغته، ومن طرفه جرت القلم حتى الهامش ورسمت ~~دائرة أرادت أن تكتب بداخلها الكلمة. # في تلك الأثناء ثارت خلفها حركة غاية في الخفة. إذ جثا شخص على ~~ركبتيه وراءها . ثم امتدت يد كبيرة بنية اللون من فوق كتفها وقبضت ~~بإحكام على يدها وهي تمسك القلم، وأمسكت بها في قبضة لا خلاص منها، ~~وبوضوح شديد انكتب في الدائرة التي كانت قد رسمتها، كلمة صغيرة ~~قبيحة مكونة من أربعة حروف. وأجبرت على كتابتها ثلاث مرات أخرى، ~~وتحت الأولى وضع خط واضح، وتحت الثانية خطان، وتحت الثالثة ثلاثة ~~خطوط، عريضة جدا وسوداء. كانت الكلمات التي كتبت: # ثم حررت يدها. وصار لها حرية استئناف درس مادة التربية القومية ~~الأمريكية. # ظلت عينا جيمي على ظهر الفتاة وهو ينهض على قدميه، فرأى أنه، ~~باستثناء التوتر البسيط في جسدها الذي شعر به وهو يميل إلى ظهرها، لم ~~تظهر أقل إشارة على أنها أحست بوجود أي أحد وراءها. لم تكن اليد ~~التي أمسك بها قد أظهرت مقاومة. فقد استسلمت لاستخدامه، فاستخدمها في ~~كتابة الكلمة البغيضة بقدر ما تأتى له من قوة. وبعد أن أطلق اليد، ~~رأى اللون الأحمر وهو يتصاعد ملتهبا في الوجنة المجاورة له، ورأى ~~القلم وهو يرسل سريعا ليبدأ في مسح الكلمات التي كتبها. # كان قد نهض على قدميه وسار عبر الشاطئ. كان متلهفا للنظر خلفه، ~~لكنه لم يفعل. وكان السؤال الذي ظل يلح في قلبه وعقله هو ما إن كانت ~~ستتبعه، ما إن كانت ستحدثه. ليت هناك حجرا على الشاطئ. ليت بإمكانه ~~أن يصدم إصبع قدمه؛ ليت باستطاعته التظاهر بأنه قد سقط، فينظر خلفه ~~ويرى ما إن كانت ستأتيه. لكن لم يكن هناك حجر. ولم يكن ثمة أدنى عذر ~~للنظر خلفه إلا أن يفعل ذلك عمدا، وقد كان عناده الاسكتلندي أقوى من ~~أن يسمح للفتاة أن تراه وهو يدير رأسه من أجلها، هذا إن كانت تنظر ~~نحوه. # كان الأمر برمته مباغتا جدا ومربكا للغاية حتى ms330 إن دماغه توقف ~~عن العمل مع انتهاء الموقف. فلم يستطع بعده أن يفكر مستشرفا التبعات ~~مخمنا لها. إنما كان يضع مسافة بينه وبين الفتاة التي كذبت عليه؛ ~~كذبا شنيعا. وقد شعر براحة أنه أعلمها بمعرفته بها وأنه نعتها ~~بالكاذبة بقدر ما يتيسر لرجل من تأكيد وتشديد، لكنه لم يكن قد تمادى ~~في أفكاره أكثر مما تمادى في فعله. # وعندئذ بلغ نتوء صخري يمتد لأسفل حيث تتكسر الأمواج عند قاعدته، ~~وكل موجة تعلو عن التي قبلها. لم يكن جيمي في حالة مزاجية تسمح ~~بالتوقف من أجل المياه. فمضى في سبيله، وأثناء انعطافه وراء الصخور، ~~بدت له الفرصة سانحة ليلقي نظرة سريعة وراءه من دون أن ينكشف. فألقى ~~نظرة سريعة وراءه وما رآه جعل قلبه يتوقف مرة أخرى. # حيث وقف بعيدا خلفه على الشاطئ في دائرة هادئة، صامتين وبعيون ~~متسعة، قابضين على غدائهم بإحكام، منتظرين الأمر من معلمتهم المحبوبة، ~~أطفال صغار ببشرات سمراء وحمراء وبلون الشوكولاتة والنحاس، ~~ولدوا في الولايات المتحدة، من إنتاج أرضنا، منحتهم قوانيننا ~~وحكومتنا حق أن يتعلموا مع أطفالنا، ويعيشوا معهم، ويحبوا معهم، ~~ويحاربوا معهم، ويموتوا معهم، جميعهم أحرار، وجميعهم متساوون أمام ~~القانون. وقد تجمعوا هناك وينتظرون، بينما راحت معلمتهم تقطع الشاطئ ~~بخطوات سريعة. # خال لجيمي أنه لم ير قط شيئا بهذا الجمال. إذ كانت فتاة العاصفة ~~تركض كما يركض الهنود، لكن ربما كانت قامتها أكثر استقامة قليلا، ~~وذقنها أشد شموخا قليلا. بينما يلتقط نسيم المحيط شعرها الكثيف ~~البني الضارب للحمرة ويرسله للخلف. فاستطاع أن يرى جبهتها الواسعة ~~البيضاء. ولمعة عينيها الرماديتين الضاربتين للبني. وتدفق الدم ~~ليصبغ وجنتيها وشفتيها، بل عنقها أيضا. استطاع أن يرى تناثر النمش ~~الكثيف الذي لم تكتف الشمس بعبوره قصبة أنفها فوزعته في أنحاء ~~الوجه بالكامل. كانت ستصل إليه خلال دقيقة بالسرعة التي تعدو بها. ~~وكل ما استطاع جيمي أن يفكر فيه هو أنه لا ينبغي أن يضبط وهو يختلس ~~النظر من وراء الصخرة. حفظا لكرامته لا بد أن يمشي سريعا على الشاطئ ~~برأس مرفوع، ms331 وقامة منتصبة، موليا ظهره لها. فلتركض الكاذبة ~~الصغيرة وراءه! فلتلحق به إن كانت تظن أن لديها ما تقوله ~~له! # وفي تلك اللحظة، والغضب مستعر في صدره منها، استدار جيمي سريعا ~~ونظر وراءه. فاكتشف أنه يقف قبالة صدع في الصخرة المعلقة يؤدي إلى ~~الخلف لما بدا أنه قد يكون ممرا تحت الأرض من نوع ما. وقبل أن ~~يدرك ماذا يفعل، راح يتوغل في لجاج الظلام حتى اصطدم فجأة بجدران ~~لم تتح له أن يتراجع أكثر من ذلك. فالتفت في الحال ليرى ظل فتاة ~~العاصفة وهي تسير خلال الأمواج أثناء مرورها أمام الفتحة. فعاد على ~~الفور إلى المدخل. كانت لا تزال تركض عبر الشاطئ في بحث منهمك. ~~انطلق جيمي عبر الماء متخذا مسارا دائريا وجعل يعدو هو الآخر. ~~حين استطاعت فتاة العاصفة أن تعود إلى حيث كانت، أصبح هو على الجهة ~~الأخرى من الطريق محتجبا وراء أشجار البلوط الحي والمادرونو ~~والمانزانيتا ونباتات المريمية التي تنمو على سفح الجبل. وعلى عجل أخذ ~~طريق العودة إلى الإسطبل. # وقد وجد جين تماما حيث توقع أن يجدها، على صهوة فرس، تدور في ~~المضمار الذي أحاط بالإسطبل حيث تباع الخيول. # وحين رأته، تقدمت للسياج وسألته: «ما رأيك في هذا؟» # كان «هذا»، من وجهة نظر جيمي، أسوأ الخيول الثلاثة. # سألها جيمي: «ما هي مميزاته؟» ثم ضحك على الفور من النزعة الأنثوية ~~في الرد الأول. ~~«حسنا، إنه يليق على بدلتي من ناحية. فلن نضطر إلى إجراء اتصال ~~هاتفي. ومن ناحية أخرى، نفسه طويل ويسهل امتطاؤه، كما أنه يحبني. ~~يبدو أنه يحتاج إلى من يجزل له الحب والتدليل. ويبدو أنه سيصبح ~~أفضل شكلا إن تحمم كثيرا، وتغذى تغذية سليمة، وامتطي ببعض ~~الحكمة. فأغلب الأطفال الذين يمتطون هذه الخيول يعتقدون أنهم راكبون ~~آلة، ولا يهتمون بالرفق بها وعدم تعريضها للإجهاد، ما دامت لا ~~تخصهم. هذا الحصان يستحق حقا أن يعامل معاملة لائقة.» # وقفت جين على أحد الركابين، وسحبت ساقها الأخرى من فوق الحصان ~~وهبطت إلى الأرض بخفة. # وقالت: «لم أخضع أيا ms332 منهم للاختبار النهائي. فهيا نجريه.» # ثم نادت العامل وقالت: «فلتأت بخيولي وأوقفها في صف مواجه لي. ~~هناك بالضبط.» # كان المقصود ب «هناك بالضبط» خطا خياليا على بعد أربع أقدام ~~تقريبا قبالتها. وحين رتبت الخيل على هذا النحو، وقفت جين أمامها. ~~وتفحصتها بعناية. حيث اقتربت من كل حصان، وألقت برأسه كله على ~~جسمها، واحدا تلو الآخر. وأحاطت أذنيه بيديها، وضغطت على قاعدتها، ~~وشدتها بيديها مرتين أو ثلاثا، ثم نزلت بيدها تحت كل من خديه ~~وتحت عنقه واحتضنت الرأس بشدة. لم يستطع جيمي أن يفهم ما الذي كانت ~~تفعله على وجه التحديد بالعنق والخطم. وقد كررت هذه الحركات مع كل ~~منهم، وحين جاءت للحصان الذي كانت تمتطيه أخيرا بدا لجيمي أن ~~لمساتها كانت متأنية، وأنها ضمته أشد قليلا. وبالطبع أنهت الأمر ~~بوضع خدها أمام أنف كل منها. ثم تراجعت مبتعدة ثماني أقدام أو عشرا ~~وأطلقت صهيلا غريبا قصيرا، ومن بين الخيول الثلاثة تقدم ~~الحصان الذي ركبته أخيرا وذهب إليها في الحال وأحنى رأسه مرة أخرى ~~لتلمسه. # وضعت جين يدها عليه وقالت لجيمي: «إذا كان هذا الحصان كما أظنه، ~~إذا كان حصاني، فسوف يتبعني.» # وربتت عليه بخفة مرة أخرى حول أذنيه وفوق أنفه وقالت للحصان: ~~«هيا، يا تشيف!» وسارت عبر الإسطبل. فتبعها الحصان كما قد يتبعها كلب ~~ظلت تدربه مدة طويلة. # وهكذا حسمت مسألة الحصان. كل ما تبقى لجيمي ليفعله هو أن يحجزه، ~~ويحدد التاريخ والمكان الذي سيصل فيه تشيف، ثم التوقف في طريق العودة ~~لشراء السرج والسوط اللذين أصر عليهما، ثم الذهاب إلى حديقة ~~النحل في أقصر مدة ممكنة؛ لأنه من المفترض وصول أخشاب لبناء الإسطبل ~~كما سيأتي جون كاري في اليوم التالي لمساعدته وكذلك النجار الذي ~~استعان به لبناء مكان لمبيت تشيف. # حين غادرا السيارة ومشيا في الطريق متجهين إلى حديقة النحل، بدافع ~~لم يستطع أن يخمن منشأه، واجه جيمي جين. # وسألها: «هل لاقى كل شيء قبولك؟» # وقفت جين ساكنة، وأخيرا رفعت عينيها فرأى جيمي فيهما ما رآه ~~بالضبط في وجه ms333 فتاة العاصفة حين تركته من دون كلمة لتكتب له خطابا ~~فيما بعد تبوح فيه؛ ومن ثم فقد تفهم. # قبلها مرة أخرى وقال: «فلتهرعي إلى المنزل الآن وسوف أتصل بك ~~حين أنتهي من بناء الإسطبل ويأتي الحصان. تستطيعين عندئذ أن تأتي في ~~السيارة وتحضري أباك وأمك ونانيت لتريهم تشيف وتريهم كيف ~~تستطيعين امتطاءه. سوف أخبرهم أن الحصان ولوازمه هدايا مني لك ~~لإعفائي من الدخول في دعوى قضائية أو أي تعقيدات مزعجة من أجل الحفاظ ~~على أملاكي. هل سيصبح ذلك مناسبا؟» # لكن جين واسعة الحيلة، جين المستعدة دائما للكلام، جين المسيطرة ~~على فناء المدرسة، المحبة لطوف الغطس، والشواطئ والجبال، واستديو ~~التصوير، والمدينة والريف على حد سواء، أدارت ظهرها الصغير وهي ~~ترتجف، ومضت بعيدا، وهي صامتة، بلا كلام. # ذهب جيمي إلى بابه وحيدا ليكتشف أي هاجس منعه من إحضار الطفلة ~~معه. # الفصل الثاني والعشرون # | الكذبة النبيلة # حين فتح البوابة ودخل، لاحظ جيمي أن الباب الأمامي كان مفتوحا. ~~مما يعني أن مارجريت كاميرون، التي لديها المفتاح، موجودة في المنزل ~~لتنظيم المكان. وبينما هو يفتح الباب السلكي ويجتاز الباب أيقن أنه ~~يسمع أنينا منخفضا. فاجتاز حجرة المعيشة على عجل ووقف عند باب غرفة ~~نومه. كان الفراش أول ما رآه، وقد تناثرت عليه تشكيلة نسائية من ~~الخرز والدبابيس والخواتم والأساور والأمشاط، أغراض الزينة التافهة ~~لفتيات اليوم، وقد ألقي بجانبها مفتوحا عقد الزواج الذي لم يكن قد ~~تفحصه هو نفسه عن قرب بعد. وعلى مقربة شديدة منه وضعت لفة صغيرة ~~بدا أن ما بداخلها حي، بينما جثمت مارجريت كاميرون على ركبتيها بجانب ~~الفراش، بذراعين ممدودتين، ويدين قابضتين ممتلئتين بالخرز والأساور، ~~وهي ساكنة تماما حتى إنه لم يدل على أنها تتنفس إلا أنينها ~~الخافت. # كانت خزانة الأدراج مفتوحة، وقد تكوم فوقها جوارب جيمي ~~الملفوفة وقمصانه وملابسه الداخلية، فأدرك أن مارجريت كاميرون كانت ~~تتفحص ملابسه، بحثا عن القطع التي بحاجة إلى ترقيع. فعثرت تحت ~~قمصانه على الصرة التي أعطيت له في المستشفى. كان فحوى ما حصل له ~~ولها مبسوطا ms334 أمامه، مكتوبا بخط غاية في الوضوح. استطاع أن يفهم ~~كل شيء، من العقد الماثل أمامه الذي كتب فيه: «أليس لويز كاميرون»، ~~لولي. # قبل أن يتحرك، وقبل أن تشعر مارجريت بوجوده، كان ثمة شيء على جيمي ~~أن يفعله. كان لا بد أن يقرر ما إن كان سيخبرها أنه كان متزوجا ~~زواجا شرعيا من الفتاة التي كانت تعشقها لحد العبادة بتفان مزدوج ~~لأم مترملة. فهو إما أن يخبرها بالحقيقة، أو يضطر إلى العيش في ~~كذبة. لا بد أن يلتزم بقوله إن الطفل ابنه واسمه جيمس لويس ماكفارلين. ~~قرر أن هذا ما سيضطر إلى فعله. بيد أنه إذا جعل مارجريت كاميرون تظن ~~أنه كان متزوجا من لولي، وأنه يأبه لأمرها ولو بأقل درجة، وأن ~~الطفل ابنه، فإنها ستتوقع منه الالتزام بمدة حداد على الأقل. وكان قد ~~أخبرها بالفعل أنه لا يستطيع التظاهر بأنه في حداد على أم الطفل، ~~التي لا يكاد يعرفها. كانت تلك أول مشكلة تخطر له. على جيمي أن يكون ~~نبيلا مهما كبده ذلك من معاناة ذهنية أو جهد بدني، أو كلفه ~~ماديا. ومن ثم فقد حسم أمره. فتقدم خطوة للأمام ومد ~~ذراعيه. # وقال: «أماه، أيتها الأم كاميرون» لكنه لم يزد على ذلك. # ضغطت مارجريت كاميرون، التي كانت لا تزال قابضة على الخرز والأساور، ~~بيديها على الفراش لتتوكأ عليه ونهضت. والتفتت نحوه، غير أن وجهها ~~لم يعد الوجه الجامد المتصلب لامرأة معرضة لفقد صوابها. وإنما ~~أصبح وجها منكسرا مليئا بالخطوط والتجاعيد من الأسى، لكنه وجه قد ~~انسابت عليه دموع الارتياح المباركة حتى كادت منابع الحزن أن تجف. ~~كان جيمي في دهشة شديدة حتى إنه لم يدر ماذا يقول. وكانت مارجريت ~~كاميرون من بادر بالكلام. # إذ قالت: «لست بحاجة إلى اختلاق أي كذبة نبيلة يا جيمي. لست ~~بحاجة إلى أن تجعلني أصدق أنك أبو هذا الطفل. لست بحاجة إلى أن ~~تجعلني أصدق أنك خضعت قط لمراسم زواج من ابنتي أليس لويز شخصيا. ~~لا يمكن أن تكون فعلت ذلك. فإنك لا تعرفها. إنني ms335 متأكدة أنك لم ~~ترها قط. لا أعلم أين صادفت مولي. هناك على الشاطئ وأنت تأخذ حمام ~~شمس، على الأرجح. ولا أعلم ما الذي رتبتماه فيما بينكما لتحاولا ~~إنقاذ الموقف، لكنني متأكدة من شيء؛ إنني متأكدة مثلما أنا متأكدة ~~من وقوفي أمامك أن دون كان الفتى الذي أحبته لولي. فكل مشكلة ~~تورطت فيها يوما، كانت بسبب دون. فلم أعهدها مع أي شخص آخر. لم ~~تحب أي شخص آخر ذلك الحب الذي أنساها نفسها. فهمت الآن أنهما ~~ظلا طيلة حياتهما يهوى أحدهما الآخر، وحين أتأمل الأمر، أدرك أنه ~~لا بد أن خطأ ما قد ارتكب بطريقة ما. لكنني لا أفهم الأمر بالضبط ~~فحسب.» # أحاطها جيمي بذراعيه. # وقال: «صحيح يا مارجريت أنني لم أر ابنتك قط إلا حين استدعوني ~~إلى المستشفى حيث جعلهم ذلك العقد يتوقعون مني أن أتسلم الطفل. لقد ~~أعطيت مولي حق استخدام اسمي. وهي استخدمته في صالح أليس لويز. ~~أعتقد أن من شأن ذلك أن يساعدك على فهم الأمر.» # ظلت مارجريت كاميرون واقفة بلا حراك، قابضة على عقود الخرز الرخيص ~~والأساور البائسة الزهيدة، والدموع تنحدر على وجنتيها، وعيناها ~~مثبتتان على جيمي. # ثم قالت: «حيث إن دون هو والد الصبي، فإنني على استعداد لأن أذكره ~~بالخير بقدر ما أستطيع، وإنه مما يسرني أن تمحى في قلبي مشاعر ~~الاستياء التي ظللت أكنها ضد مولي طيلة شهور. كنت أعلم أنها من ~~ساعد أليس لويز على الرحيل، لكنني بالطبع لم أعلم أنها كانت تفعل ذلك ~~لتنقذني، أنها كانت تبذل محاولات محمومة في تدبر طريقة ما تخفي ~~بها عني المعلومة التي ستؤلمني أشد الألم. لم أكن على علم بذلك، ~~لكنني عرفت الآن. ثمة شيء واحد فقط بإمكانك أن تفعله من أجلي. قد ~~تكون هناك بعض التعقيدات القانونية. ربما يستطيع طبيب لويز أن ~~يتدبرها من أجلك. لكن مهما يكن من أمر فلن يحمل هذا الطفل اسمك. لن ~~يدعى جيمس لويس ماكفارلين. وإنما سيكون دونالد كاميرون. لا شك أن لي ~~حقا في هذا القرار. سوف يسمى في ms336 السجلات باسم أبيه، وسوف يظل ~~معي بالطبع. هلا غيرت أوراقه من أجلي؟» # فأجابها جيمي: «سأفعل بالطبع، فهو جائز قانونيا. سوف أتحدث مع ~~الطبيب وأرى. أعتقد أنه غالبا سيستطيع تسوية الأمور على النحو الذي ~~تريدينه من دون أي متاعب كبرى .» # ومن ثم اقترب من مارجريت كاميرون وأخذ من بين أصابعها الأغراض ~~البائسة المتبقية من ابنتها وكومها. وأعاد عقد الزواج في ~~الدرج. # وقال على سبيل التوضيح: «ربما أحتاج إليه في إنجاز ما تريدينه. ~~أقسم لك إنني لم أكن قد اطلعت على العقد وهذه الأشياء. لم أكن أعلم، ~~حين غادرت المنزل هذا الصباح، أنه سيحدث أي فرق إن صادفت تلك ~~الصرة. لم أكن أعلم أنني قد تبرعت باسمي لأنقذ ابنتك حتى رأيت ~~ذلك العقد على الفراش حين دخلت الحجرة.» # حمل جيمي الطفل والصرة وأحاط مارجريت كاميرون بذراعه وساعدها على ~~العودة إلى منزلها. وفي طريقهما إلى هناك، حاول أن يقول لها كل ما ~~أمكنه التفكير فيه لعله يعزيها، ولعله يهون عليها. وحين بلغا ~~حجرة المعيشة، تحررت من ذراعه، وأخذت الصرة الصغيرة التي كانت ~~تحملها فوضعتها على الطاولة، ووضعت الطفل برفق في سلته. # ثم قالت: «إنني ممتنة لك يا جيمي على لين قلبك وعلى نواياك ~~الطيبة. أعلم أنك تحاول تعزيتي، لكن شاءت الظروف أن أصبح في اللحظة ~~الراهنة امرأة لا يعزيها شيء. ربما أستطيع بعد سنوات أن أحظى بشيء ~~من صفاء الذهن بشأن لولي. ربما أستطيع بعد سنوات أن أحب طفلها، ~~وأستطيع أن أحبه ملء قلبي وأجد فيه نوعا من السلوى في مواجهة ~~الشيخوخة، لكنني أؤكد لك الآن أن ذلك يبدو لي أشبه بافتراض ميئوس منه. ~~يبدو لي أن شباب هذه الأيام، بجموحهم وهروبهم، في حالتي على الأقل، ~~قد أصابتهم مصائب بغيضة. كان دون شابا طيبا، وتحت ضغط الحاجة إلى ~~السفر وكسب المال وكسبه سريعا حتى يتمكن من الزواج من لولي، التحق ~~بعمل قاده لهلاكه، وقضت هي مدة حملها في عذاب. ويشهد على مقدار عذابها ~~أن صحتها تدهورت حتى إن العملية التي لا يفترض أن ms337 تسبب لها أذى ~~دائما، قضت عليها. وها قد مات الاثنان. وها هو طفل من دون حق واضح ~~وقانوني في اسم، ووصمة عار تلاحقه طوال حياته مع علم عدة أشخاص. وها ~~هي مولي قد عانت معاناة تفوق التحمل طوال شهور . وها أنا ذا، بعد أن ~~عشت حياتي أفعل أفضل ما في وسعي، لم يتبق لي سوى أن أحني رأسي ~~لضربة لا يمكن تأويلها بأي شيء سوى أنها ضربة شائنة. لم يعد لي ~~فيما تبقى من أيام سوى الاستكانة، والعلم بأن لدي شيئا لا بد أن ~~أخفيه، لا بد أن أبقيه سرا، وأنني لن أرفع رأسي ثانية أبدا ~~بكبرياء آل كاميرون أو كبرياء أسرتي. لا جدوى، يا جيمي. عد إلى منزلك، ~~وإذا حدث واكتشفت أنت ومولي أنكما يحب أحدكما الآخر، فلا تستبقا ~~الأمور. استقيما أمام الرب وأمام القانون. التزما بالشرف الأصلي ~~لقومك وعشيرتك. التزما بقوانين بلدكما، وشرائع كنيستكما وشرائع ~~الخالق. قد يبدو كلامي وعظا، لكن من أحق مني بالوعظ ولدي جنازتان ~~بين يدي، جنازتا صغيرين ربيتهما في منزلي وأقسم أمام الله إنني ~~فعلت أفضل ما في وسعي. # لكنه لم يكن كافيا. فقد اعتقد الصغيران أنهما يعرفان سبيلا أفضل، ~~وتجاهلاني وتركاني، وإنني أتمنى أن يجعل الخالق الرحيم بطريقة ما ~~آلاف الشباب في أنحاء البلاد، الذين يفكرون في تجربة نفس السبيل، آه، ~~أتمنى أن يطلعهم الخالق الرحيم على الوجهين الميتين اللذين رأيتهما ~~مؤخرا، وقد ماتا في ريعان الشباب، ماتا في عز رونقهما، غابا عن ~~الحياة، وانتفى عنهما الحب! لا يستطيع ذانك الطفلان الوقوف بين يدي ~~خالقهما والإجابة بأي شيء سوى أنهما «مذنبان»، ولا بد طوال ما تبقى ~~لي من عمر أن أحمل عبء خطيئتهما. وإنني على حق حين أقول إن علي ~~السير في ذلة محنية الرأس خلال ما تبقى لي من أيام. عد إلى منزلك ~~واتركني، يا جيمي. فهذا أمر لا بد أن أخوضه وحدي.» # أخذ جيمي السيدة المكروبة بين ذراعيه وقبلها ثم تركها. لم يكن في ~~يده شيء آخر يفعله. كان ما قالته ms338 صحيحا. لا سبيل لإنكاره. ولا مفر ~~منه. ولا توجد كلمات عزاء يمكنه التفوه بها. لكنه عقد العزم على أن ~~يحاول استخدام كل ما قد يكون لديه من تأثير على الشباب الذين ~~يتعامل معهم من أجل التمسك بشريعة الخالق، وقوانين الإنسان، وقوانين ~~الطبيعة التي تحث على عفة وطهارة الجسد. # الفصل الثالث والعشرون # | ما زالت المغامرة مستمرة # سلك جيمي طريقه إلى المنزل متعثرا وسط الظلام الذي راح يهبط ~~سريعا. تعثر لأن عينيه كانتا مشغولتين بمنظر ألهاه عن أي شيء آخر، ~~حتى الطريق الذي يسير فيه. فكل ما استطاع أن يراه هيئة فتاة رشيقة ~~ممشوقة القوام ممتلئة المنحنيات، ذات وجنتين متوردتين، وشعر طيرته ~~الريح، ولهيب السخط يتطاير من عينيها الرماديتين البنيتين وهي تجري ~~على الشاطئ بحثا عنه. خطر له أنه ربما كان في صالحه أنها لم تعثر ~~عليه، فربما تتوفر له فرصة أفضل معها إذا تسنى لها مزيد من ~~الوقت لتفكر قبل أن يحاول التحدث معها. # حين وصل إلى المقعد الواقع تحت شجرة الجاكرندا هوى إليه وجلس هناك، ~~رجلا حائرا ومحطما. وراح يفكر في أنه قد تصرف تصرفا متسقا ~~مع الصفة التي اشتهر بها الاسكتلنديون. فقد كبح غضبه وتحين فرصته ~~وانتظر طويلا حتى يضرب ضربته. لكنه حين ضرب، كانت ضربته غاية في ~~القسوة، غاية في العنف. لم تكن ثمة جدوى من محاولة تخيل أي شيء ~~آخر، من التفكير بأي طريقة أخرى. لقد أصبح الموقف بأكمله واضحا أمامه ~~الآن. لا يمكن أن تكون فتاة العاصفة أي أحد سوى مولي كاميرون، ابنة ~~صهر جارته وصديقته. لا يمكن أن تكون سوى معلمة التربية القومية ~~الأمريكية التي تعشقها فتاة الكشافة الصغيرة، وربما ما شهده كان نزهة ~~أعقبت نهاية العام الدراسي مع مجموعة من التلاميذ الصغار. إذ أتى ~~أمامه جمع متألق من الوجوه الصغيرة منها السوداء والسمراء والحمراء، ~~ومنها ما هو بلون الشوكولاتة وبلون النحاس، وجوه أطفال ولدوا في ~~أمريكا متمتعين بجميع حقوق المواطن الأمريكي. ثم جاء الوجه المنهمك ~~للفتاة التي تقبلت الوضع على ما هو عليه إسهاما ms339 بنصيبها في سبيل ~~النهوض ببلدنا وأمانها عبر محاولة تشكيل هذه المادة الغريبة واستخدامها ~~لتصبح قوى يستعان بها مع مرور الوقت لتؤدي دورها في المساعدة ~~على الحفاظ على حكومتنا وحمايتها. # بدا لجيمي في تلك الساعة أن الرجال الذين سافروا للخارج من أجل ~~الحرب لم يفعلوا شيئا أنبل، ولا أشجع ولا أهم مما تفعله هذه ~~الفتاة، هذه الفتاة التي تعايش الموقف عن قرب، التي تعد هؤلاء ~~الأطفال الذين يمثلون لأوطانهم البذور التي قد تزدهر وتصبح أشجارا ~~باسقة. # لن تواجهه صعوبة في العثور على فتاة العاصفة الآن. فإنه يعرف ~~اسمها. ولمعرفة مكانها فكل ما عليه أن يسأل مارجريت كاميرون. كما ~~أدرك، أيضا، وهو جالس في العتمة بينما يهب عليه عبير الزهور، ~~وتلوح النجوم المتلألئة من خلال الفروع المتداخلة لشجرة الجاكرندا، ~~التي ظلت طيلة شهور متتالية مغطاة بزهور في زرقة سماء الليل، أدرك ~~لأول مرة حجم الألم الذي كان يمتلئ به قلب فتاة العاصفة يوم أتته ~~وهو جالس بمفرده يحارب معركته على العرش بجوار البحر. كان يظن أنه ~~أمام قلب جريح، مفطور من مشكلاته الخاصة. والآن أدرك أن ما كانت ستشعر ~~به فتاة مثل مولي كاميرون، كيفما عهدها، حيال نفسها هو لا شيء ~~مقارنة بما لا بد أنه قد اعتراها حين استيقظت على الحقيقة المزعجة أن ~~شقيقها التوءم، القريب الوحيد الذي تبقى لها في العالم، هو المسئول ~~عن الحسرة التي تقود أليس لويز كاميرون إلى هلاكها. لا بد أنه قد أثقل ~~على عقل مولي كثيرا اليقين من أن وقوع لولي في مأزق سيودي بعقل ~~العمة مارجريت العزيزة، إن لم يود بحياتها، وهي التي فتحت لهما ~~بيتها حين كانا بلا مأوى ولا صديق ولا مال. استطاع جيمي أن يرى، ~~متخيلا السنوات، كيف شعرت فتاة العاصفة بواجبها نحو امرأة فاضلة مثل ~~مارجريت كاميرون، واستطاع أن يفهم لماذا كانت جزعة لدرجة أنها عزمت ~~على أن تلقي بنفسها في التيار السفلي للمحيط لأنها لم تستطع تدبير ~~المفر، لم تستطع أن تتصور سبيلا لتصحيح الخطأ الذي وقع، حيث امتدت ms340 ~~يد القدر التي لا يمكن لقانون أن يتحكم فيها أو يصرفها وصرعت ~~دونالد قبل أن تتاح له أي فرصة لإصلاح الضرر الذي كان سيصلحه قطعا ~~كونه ليس رجلا نذلا. فقد قالت مارجريت إنه لم يكن فتى فاسدا، وقد ~~رغبت أن يسمى ابنه على اسمه. # ظل جيمي جالسا تحت شجرة الجاكرندا حتى وقت متأخر من الليل، وحين ~~بدأ أخيرا يتألم من وجع عظامه جراء البرد، نهض ودخل المنزل. أشعل ~~المدفأة وجلس قبالتها على كرسي مقابل لكرسي سيد النحل ليمد ~~ساقيه الطويلتين مستدفئا بالنيران. وبينما كان قلبه مضطربا وذهنه ~~مشوشا لدرجة استعصاء التفكير منطقيا، تمنى من أعماقه أن يرى سيد ~~النحل. تمنى لو يعود مايكل ورذينجتون إلى ذلك البيت الصغير، وهو الذي ~~ظل سنوات عديدة روحه وحياته، فيستطيع الجلوس ساعة في كرسيه ~~المعتاد بجانب المدفأة ويتشاور معه، ويساعده على أن يجد الأمل ~~والتفاؤل، ويخبره ما الذي عليه فعله للتصالح مع فتاة فاضلة فضلا ~~تعجز الكلمات عن وصفه، حتى إن جيمي لم يجد طريقة يصف بها رأيه ~~فيها. # في ذلك اليوم، أجبر يدها، مكرها إياها بوحشية، على أن تكتب أمام ~~العيون المندهشة لمجموعتها واحدة من أكثر الكلمات رداءة في أي لغة، ~~ليس كتابتها فحسب، وإنما إعادة كتابتها ووضع خط تحتها. لقد أوجعها ~~بالطريقة التي يعلم أنها ستوجعها، ثم اختفى وتركها موصومة بوصمة ~~كريهة لنفسها ربما مثل أي شكل من العذاب خلق خصيصى لها. # جعل جيمي يحملق في الكرسي الشاغر متسائلا. إذ وجد نفسه يبتهل ~~بالدعاء أن يحضر سيد النحل. لكنه لم يأت. ظل الكرسي شاغرا. في خياله ~~فقط أمكن لجيمي أن يرى الرأس الأبيض، والوجه النحيف، والعينين ~~الكبيرتين الداكنتين، واللحية الحريرية، واليدين النحيفتين الحساستين ~~التي ترافق الأرواح المرهفة والمبدعة. لكنه لم يأت. وقد أحس في ~~أعماقه أنه يعلم لماذا لم يأت. كان سيد النحل سيسلك سلوك الرجل ~~النبيل، فقد هذبته معاناته الخاصة بعذاباتها المصيرية، وكان ~~سيتصرف برقة بالغة، وما كان سيلقي بتلك الكلمة البشعة في وجه ~~امرأة، وما كان سيجبرها على كي قلبها ms341 بها. ما كان سيد النحل سيفعله ~~هو أن يقول: «عزيزتي مولي، يبدو أنك لم تقولي الحقيقة، أنك لم تكوني ~~صريحة؛ لكن حيث إنني أعرفك حق المعرفة، فإنني أعلم أن هذا لا يمكن ~~أن يكون حقيقيا، فهلا شرحت لي حقيقة الأمر؟ ما الذي حدث ~~حقا؟» # أما الآن فلم يعد ضروريا أن يخبر جيمي بأي شيء. فقد عرف ~~المسألة برمتها حين أرسل بصره فوق رأس مارجريت كاميرون المحني ~~والحلي الزهيد الذي قبضت عليه بيديها؛ ليرى عقد الزواج مبسوطا على ~~الفراش أمامها مكتوبا فيه اسمه واسم طفلتها الوحيدة. # كان الصباح بلونه الرمادي قد بدأ يتسلل للنوافذ حين ألقى مربي ~~النحل بنفسه على الفراش من دون أن ينزع ملابسه ليستغرق في نوم مضطرب. ~~ولم يستيقظ حتى سمع مارجريت كاميرون في المطبخ ومعها فطوره. فنهض وخرج ~~إليها. نظرت إليه نظرة واحدة وقالت: «إنك لم تخلع عنك ملابسك يا ~~جيمي، وأشك أن تكون قد نمت من الليل كله ساعة!» # فأجابها: «كذلك أنت يا مارجريت، ومن ثم ليس لديك أي أساس ~~تستندين إليه في تأنيبي.» # فقالت مارجريت: «بل لدي. فإنني لم أمرض يوما في حياتي مرضا ~~حقيقيا. ليس في صدري جرح لا بد من رعايته بعناية قصوى شهورا ~~قادمة. إنما أحتمل جراحي حيث لا يمكن للعالم أن يكتشفها.» # صاح جيمي: «لا تفعلي ذلك!» وتابع: «لا تصبحي ناقمة يا مارجريت. ~~إننا لا نعلم، ولا نستطيع أبدا أن نعلم لماذا تجري الأمور في هذا ~~العالم على النحو الذي تجري عليه بالضبط؛ لكننا نعلم شيئا: نعلم أن ~~الله موجود في ملكوته السماوي، وأنه رحيم ويحب العفو والرحمة، ~~ونعلم أننا إذا عصيناه واتبعنا أهواءنا وخالفنا وصاياه سنعاقب ~~عقابا قاسيا. ولكن للأسف لا يوجد إنسان يمكن أن ينال عقابه بمفرده ~~في هذه الحياة. ولا يمكن لأحد أن يعاني دون أن يجعل شخصا آخر يعاني، ~~لكن بطريقة ما لا بد أن تنتهي الأمور لصالح الجميع، حتى إن لم نستطع ~~أن نرى كيف يمكن ذلك ونحن نلاقي من أحداث الدهر ما يؤلمنا أشد ~~الألم. ms342 لقد ظننت حين نهضت وخرجت من المستشفى أنني سأقدم على مغامرة ~~كبرى تخصني وحدي. وشعرت بحماس شديد للوقوف على قدمي ولفعل ما يحلو ~~لي لبضعة أيام، ولتنفيذ أوامري أنا. وقبل الاسترسال فيما حدث لي، قد ~~يكون هذا دليلا على أن الله قد أمرني بالنهوض والهروب وأن أكون تحت ~~رحمة الطريق؛ لعلي أصبح ممتنا بحق حين يأتيني المأوى، وربما أرادني ~~أن أكون هنا لتقديم ما أستطيع من عون لروح فتاة كسيرة في الأيام التي ~~عاندتها فيها الحياة لدرجة مثيرة للشفقة.» # كانت مارجريت كاميرون تجهز أصناف الفطور على الطاولة والدموع ~~الغزيرة تجري على وجنتيها، دموع امتن لها جيمي امتنانا تعجز ~~الكلمات عن وصفه. فمن الممكن أن يعول على العقل في الحفاظ على توازنه ~~حين يمنح الله راحة سكب الدموع في وقت الأزمة. # قال جيمي: «الآن سأتناول فطوري وأغتسل هنا في المنزل. وبعد ذلك ~~سأرتدي أفضل ثيابي وأذهب للبحث عن مولي كاميرون. وبإمكانك تسهيل ~~ذلك البحث علي بدرجة كبيرة إذا أعطيتني عنوانها، إذا أخبرتني أين ~~قد أجدها.» # سألته مارجريت كاميرون: «منذ متى وأنت تعرف مولي؟» # قال جيمي: «منذ جئت إلى هنا تقريبا، لكن أرجو أن تدركي أنني لم ~~أعلم أنها جارتي في الدار المجاورة، وأنها ابنة صهرك، حتى ~~أمس.» # فقالت مارجريت كاميرون: «يمكنني أن أفعل شيئا. من الممكن أن أتصل ~~بها على الهاتف وأسألها أن تأتي إلى المنزل اليوم وإذا كان من الممكن ~~أن تأتي لتراها وفي أي ساعة تود أن تراك.» # سألها جيمي: «هلا تكرمت وفعلت ذلك؟» # جلست مارجريت حتى انتهى جيمي من فطوره. ثم مضى معها ليحمل الأشياء ~~في طريق العودة، بزعم رؤية دونالد الصغير، والحقيقة أنه أراد أن يوعز ~~إليها بالاتصال ومعرفة ما سيكون الرد. وحين ألمح إليها به فعلا، ~~اتصلت مارجريت كاميرون مرتين أو ثلاثا ولم تلق ردا. كان رنين ~~الهاتف على الطرف الآخر مسموعا بوضوح، وهكذا أدركا أن مولي ليست في ~~المنزل. فقالت مارجريت إنه ليس بيدهم شيء سوى الانتظار لحين عودتها. ~~وهكذا عاد جيمي إلى منزله في ms343 خيبة أمل. وبدلا من الاغتسال في حوض ~~الاستحمام كما كان ينوي نزل إلى البحر، وفي مياهه الباردة المالحة ~~ألقى بعضا من الألم والتعب من جسده. ثم استلقى على الرمال الساخنة ~~وراح في النوم على الفور تقريبا. # ظل نائما حتى كاد النهار أن ينتصف. ثم عاد مارا بمارجريت ~~كاميرون، وهذه المرة نسخ رقم الهاتف وأخذه معه. فقد عزم أن يبقي ~~الخطوط مشغولة حتى يلقى ردا. بعد فشله المرة الأولى، أخرج أبهى ~~الملابس التي استطاع أن يعثر عليها بين أشيائه وبين تلك التي منحه ~~إياها سيد النحل وبسطها. متكلفا أقصى درجات الاهتمام التي تكلفها ~~يوما، فاختار قميصا حريريا فاخرا ذا لون أرجواني شاحب رقيق مع ~~ربطة عنق أغمق لونا لتناسبه. وارتدى السروال الرمادي والحذاء ~~الأسود وأخرج المعطف الأسود. ساوره شعور أنه يود الظهور بأفضل ~~مظهر في إمكانه. فقد كان سجله حافلا بما يؤخذ عليه لدرجة أنه شعر ~~بأن عليه التأنق في مظهره الشخصي بقدر ما يستطيع. وبينما هو يرتدي ~~قميصه أمام خزانة الأدراج، ويربط بعناية ربطة العنق التي أراد ~~ارتداءها، سمع صوت سلك الباب الأمامي ينفتح وينغلق ثم أتاه صوت واضح، ~~غشيته قليلا النبرات التي يحبها، مناديا: «هل أنت هنا يا مربي ~~النحل؟» # تقدم جيمي إلى باب غرفة النوم، فأصبح في مواجهة مولي كاميرون على ~~الجهة الأخرى من حجرة المعيشة. كان من المفاجأة في غاية حتى إنه لم ~~يقو على قول «يا إلهي!» للتعبير عن مفاجأته. شعر أنه مجنون لاعتقاده ~~أنه عثر على لمعة في العينين الرماديتين المائلتين للون البني، ~~ونصف ضحكة التوت بها شفتا هذا الفم الفاغر الحمراوان. بينما تقف ~~مولي كاميرون أمامه، مرتدية حذاء عالي الرقبة وسروالا قصيرا كما ~~لو كانت على سفر، مع شعرها القصير الذي بعثرته الريح، ووجنتيها ~~المتوردتين من الجهد، أو لعله الغضب. # لكن لا يمكن أن يكون غضبا؛ فإنه على يقين تام من أنه رأى الضحك ~~على وجه مولي وهي تسأله: «جيمي ماكفارلين، هل ما زلت على اقتناع راسخ ~~بأنني كاذبة؟» # مد جيمي ذراعين متوسلتين. # وقال: ms344 «يا فتاة العاصفة، إنني على اقتناع راسخ بأنك رائعة للغاية. ~~ولطالما كان هذا ما اعتقدته. إذ لم أستطع أن أصدق، قط، ولو للحظة، ~~أن حاجتك إلي كانت لنفسك، وقد تأكدت الآن من ذلك، علمت بشجاعتك ~~وجسارتك، ولا أملك كلمات لتفسير التصرف الجبان الذي أقدمت عليه ~~أمس. هل من الممكن أن تسامحيني؟ هل من الممكن أن تسامحيني، يا عزيزتي ~~مولي؟» # لم يبد الأمر ممكنا بالفعل أن مولي كاميرون كانت تقف في مدخل بيته ~~تنظر إليه بوجه مبتهج، يكاد يضحك. # وهي تقول: «بالنظر إلى ما حدث، وبالنظر إلى الطريقة التي استغللتك ~~بها لتحقيق أغراضي؛ فلا بد أن أقر بأنني قصدت خداعك؛ أردت أن ~~تصدق أنني أردت المساعدة لنفسي وأنا كنت أريدها طوال الوقت من أجل ~~لولي، وكنت في أمس الحاجة إليها، لما أحمله من دين أنا ودون ~~لأمها ...» # أمسكت بغتة عن الكلام، واختفت ضحكتها. # واستأنفت حديثها فقالت: «لقد تحدثت مع العمة مارجريت، وعرفت الآن ~~أنك علمت بكل جوانب الموقف ما عدا شيئا واحدا. ثمة شيء آخر لا بد ~~أن تعرفه. نتيجة لضياع أو تأخير في البريد، وصلني بعد شهر من وفاة ~~دون خطاب منه فكان ذلك العزاء الوحيد لي أنا ولولي في الأيام المريرة ~~حين كنت أخفيها في مسكني في المدينة وأتدبر خطاباتها لأمها، التي ~~كان يفترض أنها تكتبها من ساكرامنتو. ستخمن بالطبع أنني رتبت ~~دخولها المستشفى، وسددنا الفواتير من دخولنا مجتمعة. لم يخطر لي ~~قط أنها لن تستطيع تحمل ولادة الطفل. لم أتوقع أن تغيب عن ~~عالمنا، لكن أعتقد أنها توقعت ذلك لأنها أصرت على اتخاذ الاحتياطات ~~لتلك الطارئة. لقد صغنا خطاباتها بحيث لا تفاجئ العمة مارجريت ~~مفاجأة بالغة، وظننت أننا احتطنا لكل شيء. لكن لولي أخذت معها ذلك ~~العقد في المستشفى. فقد كانت تشعر بالخزي الشديد، فأرادت أن تأخذه ~~معها فقط حتى يمكن للأطباء والممرضات أن يروه. كانت مضطرة إلى تقديم ~~دليل إذ كانت كرامتها في خطر كبير، وكان جرحها مؤلما؛ ومن ثم ~~تصادف أن عثرت عليه العمة مارجريت أمس ms345 حين ذهبت لتبحث بين أشيائك ~~لترى الثياب التي هي بحاجة إلى الرتق.» # قال جيمي: «فلتصدقيني أنني لم أفتح تلك الصرة. ولم أعلم لمن ~~أعطيت العقد والخاتم. ولم أعلم باسم من استخرجت رخصة الزواج. لم ~~أعلم سوى أنني لو كنت قد فتحت فمي وقلت إنني لم أر قط الفتاة التي ~~اقتادوني إليها حين وصلت المستشفى كنت ربما عرضتها علانية للخزي ~~الذي فقدت حياتها وهي تتحمله وحدها، فلزمت الصمت حتى حين وبخني ~~الطبيب توبيخا لاذعا.» # مدت مولي كاميرون يديها وتقدمت لمنتصف الحجرة. # وهي تصيح: «ويحي!» وتابعت: «ويحي، وا أسفاه! لكن لولي أخبرت ~~الممرضة - سمعتها وهي تخبرها - أنك كنت رائعا، أنك كنت كريما، أنه ~~ما من رجل كان سيفعل مكرمة واحدة من المكارم التي فعلتها! لقد ~~سمعتها!» # قال جيمي: «لقد دافعت الممرضة عني.» وتابع: «لقد أخبرته بأشياء ~~جعلته يعتذر. دعك من ذلك! فليس له علاقة أو، على وجه الدقة، هو وثيق ~~الصلة بما فعلته أمس.» # وعندئذ تقدم جيمي وفتح ذراعيه. ~~«هل هناك أي أمل على الإطلاق، يا فتاة العاصفة؟ هل هناك أي أمل ~~على الإطلاق، يا مولي كاميرون، أن تستطيعي الصفح عني؟ وهل ستصدقين ~~أن الجرح الذي كنت مصابا به تلك الليلة على الصخرة، الجرح الذي كنت ~~مؤمنا إيماني بوجود الله، بأنه سينهي حياتي خلال بضعة أشهر على ~~الأكثر، هل ستصدقين أننا عالجناه، أنا وعمتك مارجريت، بالماء ~~المالح وأشعة الشمس والغذاء الصحي؟ هل ستصدقين أنني أصبحت رجلا ~~سليم البدن مرة أخرى، حتى إذا ترك الجرح في جسدي ندوبا؟ هل ~~ستصدقين؟» # قالت مولي: «مهلا، يا جيمي! لم أعرف قط اسكتلنديا يستطيع أن يطيل ~~الحديث هكذا! لقد أثرت عليك أمريكا تأثيرا فظيعا! لست رجلا ~~اسكتلنديا حقيقيا على الإطلاق! إن الاسكتلندي الحقيقي كان سيختصر ~~المسافات التي بيننا ويسألني: «هل تتزوجينني؟» ثم يعتبر موافقتي أمرا ~~مسلما به وينصرف للمفيد!» # رفع جيمي منكبيه. وأخذ نفسا بلغ أعماق رئتيه وفعل ما ~~قالته. # وبعد برهة، حين استعادت أنفاسها لتقوى على فعل أي شيء، أدارت مولي ~~كاميرون رأسها وولت وجهها للسقف ms346 وقالت بلكنة اسكتلندية: «سأفعل. ~~وقتما تريدني، سأفعل!» # فقال جيمي: «إنني أريدك حالا، اليوم إذا وافقت، بمجرد أن نصل إلى ~~مكتب الزواج ونحصل على الوثائق الرسمية. فقد سئمت من المغامرات. ~~وأريد أن أستقر وأقضي ما تبقى من حياتي أحبك وأرعى ~~النحل.» # فسألته مولي كاميرون: «وماذا سيظن مكتب الزواج إذا جاءته الفتاة ~~نفسها من أجل إذن آخر باسم آخر في تلك المدة القصيرة؟» # نظر جيمي إلى عينيها مباشرة وضحك وهو يحيطها بذراعيه بقوة. ~~وأجاب: «فلتتركي لي مسألة المكتب! لا بد أنه في عهدة شخص إنساني ~~النزعة. سأذهب وأتحدث معهم، وسأحرص على ألا يقع أي شيء مزعج حين ~~تأتين. فقد استطعت في أوقات من حياتي إقناع الناس بمهارة.» # فقالت مولي كاميرون مصدقة على قوله: «صحيح، لا بد أن أؤكد على صحة ~~ذلك القول! فإنني أوافق الرأي أنك أكثر الناس الذين عرفتهم يوما ~~قدرة على الإقناع! إن لم يكن لديك قدرة هائلة على الإقناع ما كان ~~سيخطر لي أن أعرضك لكل الإزعاج الذي عانيته بسببي منذ العاصفة ~~العاتية.» # قال جيمي: «لا تشغلي بالك بالإزعاج أو معاناتي بسببك.» وتابع: ~~«ثمة شيء واحد أريدك أن تعرفيه. هل تدركين في أعماق قلبك أنني لم ~~أستطع قط أن أصدق أنك أردت ذلك العقد وذلك الخاتم واسمي ~~لنفسك؟» # نظرت مولي كاميرون في عينيه مباشرة. # وقالت: «لم تستطع بالطبع!» وتابعت: «بالطبع لم تستطع! فأنت نفسك ~~رجل مجبول على الانطلاق في الطبيعة بما يكفي لتعرف الفتاة التي تهوى ~~الطبيعة حين تلتقيها. بالطبع ما كنت ستظن بي مثل هذا الظن!» # ثم وضعت ذراعيها حول عنق جيمي، ولم تشد رأسه إلا مسافة قصيرة ~~حتى أصبح في مستوى رأسها. # ثم قالت: «إن رأيي فيك يا جيمي ماكفارلين ليس مما يكتب في كتب ~~كثيرة، لكن لدي شيء أريد معرفته قبل أن تذهب إلى مكتب الزواج. هل ~~ستسمح لي بالاستمرار في تدريس التربية القومية الأمريكية مرتين أو ~~ثلاث مرات أسبوعيا؟ فإنني شغوفة بعملي! وأعتقد أنها من أهم ~~الوظائف لأي امرأة في هذا البلد في عصرنا الحالي!» ms347 # فقال جيمي: «بالطبع، بالطبع سأسمح لك. سوف أسمح لك بفعل ما يحلو ~~لك تماما، وسوف أذهب معك لأرى قدر العون الذي أستطيع تقديمه في ~~تدريس التربية القومية الأمريكية. فقد حصلت على قدر من التدريب ~~الصارم بعض الشيء؛ مما يجعلني ملائما لتدريس التربية القومية ~~الأمريكية. وأعلم عن الحرب بضعة أشياء كما يجدر بأي رجل أن يعلم ~~بها. ولدي سؤال أود أن أسألك إياه قبل الذهاب إلى مكتب الزواج. ~~أود أن أعرف هل من الممكن أن نأتي بقس اسكتلندي من الكنيسة ~~المشيخية البروتستانتية ليزوجنا هنا في هذا المنزل الذي يخصنا؟ ~~أود أن أعرف هل ستذهبين إلى الكنيسة ومدرسة الأحد معي فيما بعد؟ أود ~~أن أعرف هل سنراعي الله وتسود الأجواء الدينية في منزلنا؟ أود أن أعرف ~~هل من الممكن لأولادنا أن ينشئوا على تقاليد كالتي ورثتها، والتي ~~ورثتها بالطبع من والديك؟» # قالت مولي كاميرون: «بالطبع. بالطبع. لن أرغب في أن تسير الحياة على ~~أي نحو آخر، وسيسرني كثيرا أن أتزوج هنا في المنزل الصغير الذي ~~هو صرح مشرق للرجل الذي كان صديقا لنا نحن الاثنين. فأنا أيضا كنت ~~أعرف سيد النحل وأحبه. لقد قرأت كل الكتب التي في مكتبته ~~تقريبا. وكنت أنفض الغبار عن صوره وأثاثه الثمين. ولولا سقوطه مريضا ~~كنت ستلقاني هنا قبل وقت طويل.» # قال جيمي: «لكن يبدو لي أنك جئت هنا عدة مرات.» # فقالت مولي: «قليلا جدا. فإنني لم أستطع الابتعاد طوال الوقت، ~~يا عزيزي جيمي. فمنذ تلك الليلة على الصخرة وأنا غير قادرة على حمل ~~قلبي على حسن التصرف متى فكرت فيك. لأحدثك بالحقيقة المحضة، إنني ~~أحبك! أحبك يا جيمي ماكفارلين! أحببتك في العاصفة، وأحبك هنا وأنت ~~في الحديقة، وأحببتك حتى على الشاطئ أمس حين واتتك الجرأة لتخبرني ~~برأيك عني حقا. كنت حانقة إلى حد ما حين ركضت في أثرك، لكن ~~حتى لو كنت وجدتك وفرغت من قول ما لدي فقد كنت غالبا سأخبرك ~~بأنني أحبك، يا عزيزي مربي النحل.» ~~«مهلا، كيف هذا؟» قال صوت من ورائهما، فاستدار ms348 جيمي ومولي ليريا ~~فتاة الكشافة الصغيرة واقفة في المدخل بعينين متسعتين دهشة. # حياها جيمي تحية رقيقة: «مرحبا يا جين ميريديث!» وتابع: «تعالي ~~لتري ماذا حدث في هذه العائلة للتو؟» # دخلت جين ميريديث ووضعت يديها عند محيط خصرها، وبمرفقين في ~~مستوى خاصرتيها ورأس مائل، أخذت تحدق في الاثنين. # وقالت: «حسنا، إن سألني أحد عنك فسوف أقول إنك سريع في اغتنام ~~الفرص! لا أظن أنه قد مضى أسبوع على وفاة زوجتك، وها هي مولي تتودد ~~إليك، تماما مثل أبي وأمي! أيعقل ذلك!» # فقال جيمي: «ليس الأمر كذلك.» ثم أضاف: «لا بد أن تسلمي بأن في ~~العالم بعض الأشياء التي لا يفهمها الصغار في سنك.» # فقالت: «حسنا، لا تبالغ أنت في التسليم بالأشياء. فربما أدرك أكثر ~~مما تظن. لا تظن على أي حال أنني صدقت مطلقا أن جيمي الصغير كان ~~له أم وماتت فأخذته أنت ورحلت تاركا إياها. ليست تلك الطريقة ~~التي يتصرف بها الرجال حين تموت زوجاتهم. كانت قصة جيدة، لكن تستطيع ~~أن تحدث بها من تشاء. أما أنا، فلا! يبدو منطقيا أكثر أن أجد ~~مولي بين ذراعيك. ذلك مما أصدقه! لو كنت مكانك كنت سأفعل ذلك. ~~صحيح، هل الأخشاب المكدسة في الخارج من أجل إسطبل تشيف؟» # فقال جيمي: «إنها كذلك.» ~~«حسنا، أليس من الأفضل أن نبدأ العمل إذن؟» # ابتسم جيمي. # وسألها: «أليس من الممكن أن تمهليني يوما إجازة؟» وتابع: «ألا ~~تعلمين أنني أرتدي معطفي حين أكون في كامل أناقتي بملابس يوم ~~الأحد؟» # فقالت جين: «بلى، أعلم، لكن مولي ليست متأنقة بملابس يوم الأحد، ~~وأنا لست متأنقة بملابس يوم الأحد. إن أنسب ما يمكنك فعله أن تذهب ~~وتخلع عنك ملابسك وترتدي ملابس العمل وتأتي لتبدأ العمل في بناء ~~إسطبلي. كذلك إن لم تكن أذناك مسدودتين تماما فقد كنت ستسمع أسراب ~~النحل الثلاثة التي انتابتها حالة هياج؛ واحد منها يخصني، ~~والاثنان الآخران يخصانك. لقد سمعتها من بعيد في آخر ~~الشارع.» # تردد جيمي، وانفتح فمه، ونظر إلى مولي كاميرون. لكن مولي نفسها ~~كانت تنتسب ms349 إلى أبوين اسكتلنديين. # فقالت: «لا بد أن تنقذ النحل بالطبع!» وأضافت: «ارتد ملابسك ~~الخاصة بالنحل وسيطر على الأسراب. إذا كنت تريد الاحتفال فسأذهب حيث ~~أستطيع التزين وسوف نحتفل هذا المساء.» ~~«حسنا»، قال جيمي ذلك، وذهب إلى حجرته. # وبينما كان يغير ملابسه على عجالة سمع صفيرا حادا، فنظر من ~~النافذة في الاتجاه الذي جاء منه الصوت. فرأى في اللحظة المناسبة بيل ~~السمين الطيب والطفل المطيع وذا الوجه الملائكي، يطلون من فوق السياج ~~من الموقع المميز الذي تكدست عليه الأخشاب، صف من الوجوه الحزينة ~~إلى حد يفوق الوصف. يبدو أن أذني جين ميريديث قد انتبهت إلى ~~أصوات أخرى غير النحل. فقد شاهدها جيمي وهي تقترب من جانب المنزل ~~وتمضي صوب النداء، وهي تبدو تماما بهيئة الكشافة الصغير نفسها الذي ~~عرفه من البداية. # فتح جيمي الباب ونادى على مولي بصوت خفيض: «تعالي لتشاهدي هذا. ~~لقد تمرد فتيان الكشافة من بضعة أيام وضربوها ضربا مبرحا حتى كاد ~~قلبها ينفطر. والآن ينادونها.» # وقف الاثنان عند النافذة ليشاهدا ما سيحدث. # توقفت جين على بعد عدة ياردات من السياج، وعلقت إبهاميها في ~~حزام سروالها، وجعلت تتفحص فتيان الكشافة بوجه جامد. # وقالت باقتضاب: «حسنا. ماذا تريدون؟» # يبدو أن بيل السمين الطيب كان قد اختير متحدثا. # إذ وقف وقال: «هيا بنا! لننزل إلى الشاطئ لنلعب! سوف نلعب لعبة ~~الهنود أو القراصنة أو قطاع الطرق، أو أي شيء تأمر به!» # أجابته قائدة الكشافة السابقة بسخرية متقنة: «أجل، بالطبع!» ثم ~~أضافت: «أجل، بالطبع! بعد الطريقة التي عاملتموني بها ذلك اليوم! بعد ~~الطريقة التي حنثتم بها في قسمكم! يا لكم من فتيان كشافة مطيعين، ~~تقسمون يمينا مغلظة، ثم تتراجعون عنها. أجل، سأظل دائما ~~أرافقكم!» # عندئذ عمد الطفل المطيع إلى استخدام عينيه السوداوين على أكمل ~~وجه. # وتوسل إليها قائلا: «مهلا، أرجوك!» وتابع: «لم يعد هناك شيء ~~مسل من دونك! لم ندرك أنك كنت تبتكر كل شيء. صراحة لم ندرك ذلك! ~~لم نكن ندرك أننا ننفذ ما تخبرنا به. لقد أصبحنا بلا شاغل ينظر ms350 ~~كل منا إلى الآخر مثل ثلاثة حمقى أغبياء. لم نعد نجد تسلية منذ ~~أتينا ذلك الفعل بالغ الوضاعة. أرجوك! لن نفعل ذلك مرة أخرى! إننا ~~في غاية الأسف. ألسنا كذلك يا بيل الطيب! ألسنا كذلك يا ذا الوجه ~~الملائكي ؟ ألسنا في غاية الأسف؟» # قال ذو الوجه الملائكي: «بلى، إننا في غاية الأسف. ونقدم اعتذارنا. ~~وكما قالا. لم نعد نجد أي متعة في اللعب. هلا أتيت أرجوك؟ بإمكانك ~~أن تصبح القائد المزعج مرة أخرى. لن ينبس أي منا بكلمة.» # ارتفع منكبا جيمي، وانقبض صدره. ومال إلى الأمام وأراح يديه على حافة ~~النافذة وجعل وجهه على مستوى رأس الطفلة نفسه. فتح فمه ثم تريث ~~لحظة ليتأكد. لكن لم تبد جين ميريديث أي تردد البتة من جانبها؛ ~~إذ جعلت تهز رأسها بتأن. # وقالت: «يحسن بكم أن تذهبوا وتتدبروا شيئا يمكنكم القيام به. ~~كرروا كل الأشياء التي اعتدنا فعلها، وافعلوها على نحو أفضل. أما ~~أنا فقد فرغت من أمركم. لن أعرض نفسي مرة أخرى لما فعلتموه بي ~~ذلك اليوم! وأنا أغسل أسناني هذا الصباح رأيت التقويم ووجدت أن تاريخ ~~اليوم هو الحادي والثلاثين. وأنا لن أعرض نفسي للضرب من ثلاثة صبية ~~مرة أخرى إلا في الثاني والثلاثين من الشهر! هل فهمتم؟ فلتمضوا في ~~سبيلكم فحسب! إنني لست خائفة منكم. فما زلت أستطيع أن أضرب أيا ~~منكم، بل أستطيع ضربكم جميعا. ولست خائفة منكم. وإنما فرغت من ~~أمركم. وعلى كل حال، تلك الألواح التي تقفون عليها هي من أجل بناء ~~إصطبل لتشيف، وسوف أؤدي الحركات التي يؤديها معسكر الكشافة رقم ~~اثنان وعشرون. فقد انتهيت من التمثيل. ومن الآن سأصبح من الكشافة ~~الحقيقية، وسوف أمتطي حصانا وأحمل سوطا وأقرعه به إن راح يتراجع ~~فوق مكان شديد الانحدار. لكنني لن أضربه فيما عدا ذلك. ولن أضرب أي ~~شيء لا يعادلني في حجمي وقوتي. دعوا عنكم أمري! فقد انتهيت من ~~أمركم!» # دارت جين ميريديث على عقبيها، ورفعت سروالها، وسارت في اتجاه ~~الرواق الخلفي. كان مربي النحل متكئا على ms351 حافة النافذة، فأحكم ذراعه ~~حول فتاة العاصفة وجعل يتفرس وجه جين وهي تتجه نحوه. كانت ملامحها ~~ثابتة لا تتغير. # فقالت مولي كاميرون: «إنها تقصد ما قالته! سوف تثبت على ~~موقفها!» # فضمها جيمي بشدة وقال: «آمين!» ms352