######OpenITI# #META# URI: 1450DiyaWarrad.InsanawiyyaMuqaddimaQasira.Hindawi51918185 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51918185 #META# Title: الإنسانوية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 79293757 #META# Author: ستيفن لو #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 18393159 #META# Translator: ضياء ورَّاد #META# Related_books: 1450StephenLaw.HumanismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة: ما الإنسانوية؟‏ # 1 - تاريخ الإنسانوية‏ # 2 - الحجج المؤيدة لوجود الإله‏ # 3 - الحجة المعارضة لوجود الإله‏ # 4 - الإنسانوية والأخلاق‏ # 5 - الإنسانوية والعلمانية‏ # 6 - الإنسانوية والتعليم الأخلاقي والديني‏ # 7 - معنى الحياة‏ # 8 - المناسبات الإنسانوية‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة: ما الإنسانوية؟‏ # 1 - تاريخ الإنسانوية‏ # 2 - الحجج المؤيدة لوجود الإله‏ # 3 - الحجة المعارضة لوجود الإله‏ # 4 - الإنسانوية والأخلاق‏ # 5 - الإنسانوية والعلمانية‏ # 6 - الإنسانوية والتعليم الأخلاقي والديني‏ # 7 - معنى الحياة‏ # 8 - المناسبات الإنسانوية‏ # مراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | الإنسانوية # | الإنسانوية # | مقدمة قصيرة ~~جدا # تأليف # ستيفن لو # ترجمة # ضياء وراد # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | شكر وتقدير # أود أن أشكر بشكل خاص أندرو كوبسون (الرئيس التنفيذي للرابطة البريطانية الإنسانية)، ~~ورونالد ليندسي (المدير التنفيذي لمركز البحث) لتعليقاتهما المفصلة على المسودات ~~الأولى من هذا الكتاب. لقد كانت مساعدتهما قيمة للغاية. لكن هذا الكتاب بأكمله مسئوليتي ~~الخاصة، ولا ينبغي افتراض أنه يمثل آراء أي شخص آخر، أو أي منظمة إنسانوية بعينها. كما ~~أود أن أشكر ديفيد بابينو، وديفيد بولوك (رئيس الاتحاد الإنسانوي الأوروبي)، وجون شوك، ~~وريجينالد ويليامز، وهو مراجع لا أعرفه يعمل لصالح مطبعة جامعة أكسفورد، وختاما قراء ~~مدونتي: # http://www.stephenlaw.org ~~، ~~لمساعدتي بتعليقاتهم ومقترحاتهم البناءة. # | مقدمة: ما الإنسانوية؟ # حملت كلمة «إنسانوية» - ولا تزال تحمل - مجموعة شتى من المعاني؛ فهي تشير في معناها ~~الرحب إلى منظومة فكرية تعتبر فيها القيم والاهتمامات والكرامة الإنسانية ذات أهمية خاصة. ~~وبهذا المعنى، ربما يصبح تقريبا كل شخص منا إنسانويا (حتى الدينيون). # إلا أن المنضمين إلى لواء «الإنسانوية» اليوم، ولا سيما في المملكة المتحدة، عادة ما ~~يقصدون شيئا أكثر تحديدا؛ فهم لديهم رؤية للعالم من نوع خاص لا يقبلها الجميع بالتأكيد، ~~وتلك الرؤية هي محور هذا الكتاب. # فما الذي يميز الرؤية الإنسانوية إذن؟ من الصعب أن نكون محددين جدا في هذا الشأن؛ ~~فحدود المفهوم مطاطة، لكني أعتقد أن أغلب الإنسانويين سيتفقون على الأرجح على شيء من قبيل ~~التوصيف السباعي المختصر التالي (مع عدم وجود ترتيب معين للنقاط الواردة فيه): # أولا: ms001 يؤمن الإنسانويون أن العلم، والعقل بشكل أعم، أداتان مهمتان للغاية يمكننا - ~~ويجب علينا - أن نستخدمهما في كافة مناحي الحياة، ولا ينبغي النظر لأي معتقدات على أنها ~~ممنوع الخوض فيها وغير خاضعة للاستقصاء العقلاني. # ثانيا: الإنسانويون إما ملحدون وإما على الأقل لا أدريون. إنهم يتشككون في الزعم بوجود ~~إله أو آلهة، وكذلك يتشككون في وجود الملائكة والشياطين وغيرها من مثل هذه الكيانات فوق ~~الطبيعية. # ثالثا: يؤمن الإنسانويون أن هذه الحياة هي الحياة الوحيدة لنا؛ فلا توجد حياة أخرى تعود ~~فيها أرواحنا إلى أجسادنا بعد موتنا، كما لا توجد جنة أو نار. ولاحظ أن الموقف الإنسانوي ~~المتشكك في وجود آلهة والحياة الآخرة ليس «موقفا إيمانيا» عقائديا، بل نتيجة لإخضاعهم ~~هذه المعتقدات للاستقصاء النقدي واكتشاف أنها قاصرة بصورة خطيرة. # رابعا: تنطوي الإنسانوية على إيمان شديد بوجود وأهمية القيمة الأخلاقية. كما يؤمن ~~الإنسانويون بأنه ينبغي أن نستمد أخلاقنا عن طريق دراسة الطبيعة الفعلية للبشر وما ~~يساعدهم على الازدهار في هذه الحياة، لا الحياة الآخرة. وينكر الإنسانويون المزاعم السلبية ~~على غرار أنه لا يمكن وجود قيمة أخلاقية دون الإله، وأننا لن نكون - أو يستبعد أن نكون - ~~أخيارا دون الإله أو دون دين يرشدنا. ويقدم الإنسانويون حججا وتبريرات أخلاقية لا تعود ~~للمعتقد أو السلطة الدينية. # خامسا: يؤكد الإنسانويون على استقلالنا الأخلاقي الفردي؛ فمن مسئوليتنا كأفراد أن ~~نصدر أحكامنا الأخلاقية الخاصة لا أن نحاول تسليم تلك المسئولية إلى سلطة خارجية ما - ~~مثل زعيم سياسي أو عقيدة دينية - لتصدر تلك الأحكام بالنيابة عنا. يؤيد الإنسانويون ~~تبني أشكال من التعليم الأخلاقي تؤكد على تلك المسئولية، التي ستزودنا بالمهارات التي ~~سنحتاجها من أجل الاضطلاع بتلك المسئولية كما ينبغي. # سادسا: يؤمن الإنسانويون أنه يمكن أن يكون لحياتنا معنى دون أن يهبنا الإله إياه؛ ~~فهم يفترضون أن حيوات بابلو بيكاسو، وماري كوري، وإرنست شاكلتون، وألبرت أينشتاين - على ~~سبيل المثال - كانت حيوات ثرية ومهمة وذات معنى؛ سواء وجد الإله أم لا. # شكل 1: اختار كل من الرابطة البريطانية الإنسانية والاتحاد الإنسانوي ~~والأخلاقي الدولي، اللذين ms002 يتبعهما الكثير من المنظمات الإنسانوية حول ~~العالم؛ شكل الإنسان السعيد ليكون رمزا لهما. # سابعا: الإنسانويون علمانيون؛ بمعنى أنهم يفضلون مجتمعا ديمقراطيا مفتوحا تتخذ فيه ~~الدولة موقفا حياديا فيما يتعلق بالدين، وتحمي حرية الأفراد في اتباع واعتناق، أو ~~رفض ونقد، الأفكار الدينية والإلحادية على حد سواء. وبينما يعارض الإنسانويون أي ~~محاولة لإجبار الناس على اعتناق أي معتقد ديني، فهم معارضون بالقدر نفسه لإجبار الناس على ~~الإلحاد، كما حدث في ظل حكم أنظمة شمولية معينة. # ثمة عدد من الرؤى الأخرى التي أحيانا ما ترتبط أيضا بالإنسانوية ولم أعرضها هنا. فعلى ~~سبيل المثال، لاحظ أنه لا يجب على الإنسانوي، بوصفه الوارد هنا: # أن يكون يوتوبيا، مقتنعا أن استخدام العلم والعقل سيقود حتما إلى «عالم ~~جديد بديع» من السلام والرضا. # أن يؤمن بأن البشر «وحدهم» هم المهمون، من الناحية الأخلاقية؛ فكثير من ~~الإنسانويين يعتبرون سعادة ورفاهية الأنواع الأخرى مهمة أيضا. # أن يكون نفعيا، معتقدا أن تعظيم السعادة وتقليل المعاناة هو كل ما يهم، من ~~الناحية الأخلاقية. وبينما يعتنق بعض الإنسانويين مذهب النفعية، وجميعهم ~~تقريبا يعتقدون أن السعادة والمعاناة مهمتان من الناحية الأخلاقية؛ فليس كل ~~الإنسانويين نفعيين. # أن يعتنق أشكال المذهب الطبيعي التي تقول بأن العالم الطبيعي المادي هو ~~الواقع الوحيد الموجود، و/أو أن الحقائق الطبيعية المادية هي الحقائق الوحيدة ~~الموجودة. يعتنق الكثير من الإنسانويين، وربما أغلبيتهم، شكلا من أشكال ~~المذهب الطبيعي؛ بل إن بعضهم يعرف ضرب «الإنسانوية» الذي يعتنقه على أنه ~~يتضمن أفكار المذهب الطبيعي. إلا أن التعريف الأرحب المستخدم هنا يتيح ~~للإنسانويين نقد المذهب الطبيعي إن أرادوا ذلك. صحيح أن الإنسانويين يرفضون ~~الإيمان بالآلهة والملائكة والشياطين وما إلى ذلك، أو على الأقل يتخذون ~~موقفا لا أدريا بشأنها، لكن لا يقتضي ذلك اعتناقهم للمذهب الطبيعي. خذ ~~كمثال عالم رياضيات يؤمن أن الرياضيات تصف واقعا رياضيا غير طبيعي (جنة ~~رقمية من نوع ما). إن عالم الرياضيات هذا يرفض المذهب الطبيعي، لكن ذلك لا ~~يستلزم أنه لا يمكن أن يكون إنسانويا. أو خذ كمثال فيلسوفا يرى ms003 أنه أثبت، ~~على سبيل المثال، أن الحقائق الأخلاقية أو الحقائق بشأن ما يدور في عقولنا ~~الواعية ، هي حقائق موجودة إلى جانب جميع الحقائق الطبيعية والمادية. مجددا، لا ~~أرى سببا يمنع مثل هذا الفيلسوف من أن يكون إنسانويا. وكشف مسح حديث عن ~~أنه من المشتغلين بالفلسفة لا يؤمن بالإله سوى 14,6٪، وأنه دون 50٪ مباشرة منهم ~~يعتنقون المذهب الطبيعي. وأرى أنه لا ضرورة من التقيد بتعريف ل «الإنسانوية» ~~يستبعد على نحو تلقائي الذين لا يؤمنون بالمذهب الطبيعي أو لا يؤمنون بوجود ~~آلهة. # أن يعتنق المذهب العلمي، معتقدا أن كل سؤال جوهري يمكن من حيث المبدأ أن ~~يجيب العلم عنه. ولنأخذ الأسئلة الأخلاقية مثالا على ذلك. بإمكان الإنسانويين ~~القبول - وغالبا ما يقبلون - بأن العلم والعقل وحدهما غير قادرين على تحديد ~~الصواب أو الخطأ أخلاقيا، رغم أن قراراتنا الأخلاقية يمكن أن تستقى من ~~الاكتشافات العلمية. وقد يفترض الإنسانوي أن هناك أسئلة أخرى - مثل: «لم توجد ~~الأشياء في الأساس؟» - هي أيضا أسئلة جوهرية لا يستطيع العلم الإجابة عنها. ~~ولا يتشكك الإنسانويون إلا في إجابة واحدة بعينها؛ وهي أن الكون من صنع إله ~~واحد أو أكثر. # من أجل تفنيد الإنسانوية كما وصفتها، لا يكفي أن أفند اليوتوبية أو النفعية أو المذهب ~~العلمي أو المذهب الطبيعي. فبإمكان الإنسانوي أن يرفض هذه المذاهب الفلسفية كلها أو أن يظل ~~محايدا إزاءها. # ينتقد الإنسانويون أحيانا لأنهم لا «يؤيدون» أي شيء، وكثيرا ما يتم تصويرهم على نحو ~~مبالغ فيه في صورة معترضين، تتشكل صورتهم بالكامل من خلال ما يرفضونه؛ وهو الإيمان بوجود ~~إله أو آلهة. # لكن لاحظ أنه حتى المؤله (المؤمن بوجود إله) يرفض الإيمان بالآلهة العديدة «الأخرى» ~~التي آمن بها الناس عبر القرون (مثل آلهة الرومان والإغريق والنورديين وشعوب المايا ~~والمصريين القدماء وما إلى ذلك). ويظل الإنسانوي غير مقتنع بوجود إله من الأساس. # علاوة على ذلك، لاحظ أنه، كما أشرنا هنا، تتجاوز الإنسانوية مجرد الإلحاد أو اللاأدرية؛ ~~ومن الواضح أنها «تؤيد» الكثير من الأمور الأخرى. # فعلى سبيل المثال، تؤيد الإنسانوية ms004 حرية الفكر والتعبير ووجود مجتمع منفتح، وتؤيد ~~أشكال التعليم الأخلاقي التي تؤكد على استقلالنا الأخلاقي وأهمية التفكير على نحو نقدي ~~ومستقل. لا يرفض الإنسانويون المناهج العقائدية في الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية ~~والسياسية والاجتماعية فحسب، بل إنهم يؤيدون بشدة استحداث بدائل وضعية، وعقلانية، وفي ~~الأساس أكثر دعما للعيش في هذه الحياة وسعيا لتحسين جودتها. # وأحيانا ما يوصف الفكر الإنسانوي على ~~نحو مبالغ فيه؛ على أنه يقوم على مزيج غير متجانس من الأفكار المتباينة غير المترابطة. ~~ولكن مجددا، هذا غير صحيح؛ فتركيز الإنسانوية منصب على «الأسئلة الكبرى»، على سبيل ~~المثال: ماهية الأشياء الحقيقية، وماهية ما يجعل الحياة تستحق العيش في الأساس، وماهية ~~الصواب والخطأ أخلاقيا والسبب وراء ذلك، وأفضل سبيل لتنظيم مجتمعنا. وفي حين يتناول ~~الدين عادة مثل هذه الأسئلة، فإنها بوضوح ليست حكرا على الدين؛ فتلك الأسئلة تنتمي ~~أيضا للفلسفة، وكان يجري تناولها على نحو عقلاني لا ديني قبل ظهور المسيحية. وما يجمع ~~رؤانا السبع المميزة للإنسانوية في كيان أشبه بمنظومة فكرية ~~هو؛ أولا: تركيزها المشترك على «الأسئلة ~~الكبرى»، وثانيا: وجود درجة من الارتباط المتبادل فيما بينها (على سبيل المثال، إن كنت ~~متشككا في وجود الآلهة، فسيقودك ذلك إلى التشكك في الزعم بأن الحس الأخلاقي مغروس ~~بداخلنا من قبل إله)، وثالثا: الدور المهيمن الذي تلعبه النقطة الأولى؛ يؤمن ~~الإنسانويون بهذه الرؤى حيال «الأسئلة الكبرى»، ليس في صورة «موقف إيماني» معتنق على نحو ~~عقائدي، ولكن لأنهم يعتبرونها بشكل أكبر مواقف منطقية يمكن تبنيها، وذلك بعد أن أخضعوا ~~البدائل المختلفة للاستقصاء العقلاني. # وفي النهاية، أود أن أتحدث عن تعارض الإنسانوية الشديد مع الدين. من الواضح أن كثيرا ~~من الإنسانويين لا يعتبرون الدين زائفا وحسب، وإنما أيضا خطرا، بل يراه بعضهم شرا ~~عظيما، ولكن ليس جميعهم كذلك؛ فعدد كبير من الدينيين يؤيدون كثيرا من الرؤى التي ~~وصفت الإنسانوية في إطارها، كما أنهم علمانيون، ويقبلون بإمكانية وجود منظومة أخلاق ~~وحياة ذات معنى حتى في غياب الإله، وكذلك قد يتشاركون مع الإنسانويين في كثير من أهدافهم. ms005 ~~يسعد الكثير من الإنسانويين بالعمل مع الأشخاص الدينيين والمؤسسات الدينية لتحقيق تلك ~~الأهداف، وثمة بالطبع دينيون مستعدون للعمل مع الإنسانويين. وفي وقت كتابة هذا الكتاب، ~~تبرع المركز البحثي «ثيوس»، التابع لجمعية الكتاب المقدس، لتنفيذ حملة دعائية للرابطة ~~البريطانية الإنسانية تروج لفكرة أن الأطفال ينبغي ألا يحملوا دينا بعينه، بل ينبغي ~~السماح لهم بالنضج بحرية بحيث يتخذون قرارهم بشأن أي الأديان سيعتنقون، هذا إن اعتنقوا ~~دينا من الأديان. بالتأكيد يختلف الإنسانويون والدينيون بشأن قضايا جوهرية معينة، لكن ثمة ~~الكثير الذي يمكنهم الاتفاق بشأنه، ولا يوجد سبب بعينه يمنع المنظمات الإنسانوية من إنشاء ~~شراكات تعاون بناءة مع نظرائها الدينية. # يهدف هذا الكتاب إلى تقديم مزيد من الشرح عن الإنسانوية، كما وصفتها أعلاه، وإلى عرض ~~الحجج المؤيدة لها. # الفصل الأول # | تاريخ الإنسانوية # تعود جذور الإنسانوية الحديثة إلى الماضي حتى العالم القديم على الأقل؛ فنوعية «الأسئلة ~~الكبرى» التي تتناولها الإنسانوية - على غرار: «هل الإله موجود؟» و«ما الذي يحقق حياة ذات ~~معنى؟» و«ما الذي يجعل الأشياء صحيحة أو خاطئة أخلاقيا؟» - هي أسئلة ما فتئت ~~الإنسانية تطرحها لآلاف السنين. وفي كثير من الأزمنة والأمكنة، كان كل من المنهج ~~المتبع في الإجابة عن تلك الأسئلة والإجابات اللادينية المعطاة مشابهين للمنهج الذي ~~يتبعه الإنسانويون اليوم والإجابات التي يقدمونها. وكما سيتضح من العرض التالي، فإن ~~الإنسانوية الحديثة بإمكانها الاعتماد على إرث فكري غني وممتد. ~~(1) الفكر الهندي القديم # كان التشكك في التعاليم الدينية سمة ~~من سمات بعض الكتابات الهندية المبكرة، بل إن أحد نصوص الأوبانيشاد يشكك حتى في وجود ~~الإله براهما. وفي وقت لاحق، لم تتشكك مدرسة فكرية هندية ظهرت في القرن السادس قبل ~~الميلاد - منظومة كارفاكا - في وجود إله وحسب، بل أكدت على نحو واضح على عدم وجوده. ~~ومدرسة كارفاكا الفلسفية مدرسة إلحادية ومادية في الأساس، تصر على أن العالم ~~الطبيعي المادي يشكل كل ما هو ~~موجود، وأنه لا فائدة من الكهنة، وأن الدين بدعة بشرية زائفة، وبدلا من أن نعيش حياة ~~متقشفة، يجب علينا أن نستمتع بحياتنا إلى ms006 أقصى درجة، ونسعى خلف المتعة والسعادة. وتوضح ~~مدرسة كارفاكا أن تبني موقف تشككي من جميع المعتقدات الدينية ليس ظاهرة ~~حديثة، أو مقصورة على الغرب. ~~(2) كونفوشيوس # يعتبر كونفوشيوس (551-479 قبل الميلاد) هو مؤسس الكونفوشيوسية؛ وهي منظومة فكرية ~~هيمنت على الصين وأجزاء أخرى من آسيا لآلاف السنين. وعلى الرغم من أن كونفوشيوس سلم ~~بوجود كل من الآلهة والقوى فوق الطبيعية، فإن منظومة الفلسفة الأخلاقية والسياسية ~~التي وضعها استقلت على نحو كبير عن أي تقيد بالآلهة أو تلك القوى. وكونفوشيوس معروف ~~على نحو خاص بما يسمى بالقاعدة الذهبية؛ إذ قال: # عامل الآخرين كما تحب أن يعاملوك. حسبك هذا القانون؛ فهو الأساس لغيره من ~~القوانين. # لا يعتنق هذه القاعدة الذهبية كثير من الدينيين وحسب (فهي بالطبع مرتبطة بشخصيات ~~دينية لاحقة، مثل السيد المسيح)، ولكن كثير من الإنسانويين أيضا. ~~(3) اليونان القديمة # شهدت اليونان القديمة ازدهارا استثنائيا للثقافة البشرية، وكذلك الاستخدام المنهجي ~~للعقل في التعامل مع مختلف المسائل الاجتماعية والأخلاقية والسياسية الجوهرية، وهذا ~~الموقف التشككي الناقد أدى بالبعض إلى إنكار الإيمان بالآلهة. # ولليونان القديمة أيضا أهمية عند الإنسانويين المعاصرين؛ لأنها تقدم تطورات سياسية ~~مهمة للإنسانوية؛ ولا سيما شكل محدود من «الديمقراطية» (رغم أن صورا من الديمقراطية ~~ربما تكون قد ظهرت قبل ذلك، على سبيل المثال، في الهند في القرن السادس قبل الميلاد). ~~وكانت بعض المدن الإغريقية - خاصة أثينا - «منفتحة» نسبيا، واستوعبت على نحو كبير ~~التشكك في المعتقدات التقليدية، وشجعت على نشأة مجموعة متنوعة من الآراء ~~الفلسفية. # ويمثل ثلاثة فلاسفة إغريق أوائل - طاليس وأناكسيماندر وأنكسيمانس - أهمية خاصة؛ ~~فالطريقة النقدية المستقلة التي فكر بها هؤلاء الفلاسفة الميليتوسيين - بطرح ~~التفسيرات الميثولوجية والدينية جانبا، ومحاولة تطوير أفكارهم ونظرياتهم اعتمادا على ~~الملاحظة والعقل - تجعلهم بوضوح في غاية الأهمية من وجهة النظر الإنسانوية؛ فهم ~~يتبنون العديد من أفكار الإنسانوية الرئيسية وقيمها. ويعتبر الكثيرون ~~أناكسيماندر أبا علم الفلك؛ فقد وضع نموذجا آليا لعمل الأجرام السماوية، اختلف على ~~نحو كبير عن التفسيرات الميثولوجية التي قدمت قبله. كما وضع أناكسيماندر نظرية، ~~مبنية في أكثرها على ms007 الحفريات، مفادها أن الإنسان تطور من كائنات كانت تعيش في ~~البحر. # ثمة فيلسوف مهم آخر من وجهة النظر الإنسانوية، وهو بروتاجوراس (490-420 قبل الميلاد). ~~فقد تابع استدلاله بشأن الأخلاق والفضيلة دون أي اعتماد على مذهب أو معتقد ديني. وقد ~~أعلن بروتاجوراس أنه لا أدري؛ إذ قال: # بخصوص مسألة الآلهة، لا سبيل لي إلى معرفة إن كانت موجودة أم لا، أو ما ~~الشكل الذي قد تكون عليه، بسبب غموض الموضوع وقصر حياة الإنسان. # والاعتقاد المعروف به بروتاجوراس بشدة الآن هو: # الإنسان هو مقياس كل شيء، هو مقياس وجود ما يوجد من الأشياء، ومقياس عدم ~~وجود ما لا يوجد منها. # فسر الفيلسوف الإغريقي أفلاطون مغزى مقولة بروتاجوراس السابقة بأن ما هو صحيح وما ~~هو خاطئ نسبي بالنسبة إلى الفرد وما يؤمن به. فعلى سبيل المثال، إذا كنت أعتقد أن ~~باريس هي عاصمة فرنسا، فهذا «صحيح بالنسبة إلي»؛ وإذا كنت تعتقد أن برلين هي عاصمة ~~فرنسا، فهذا «صحيح بالنسبة إليك». لا توجد حقيقة موضوعية في المسألة؛ لا توجد حقيقة ~~مطلقة على هذا النحو تفصل أينا على حق. ولاحظ أنه من خلال هذه الرؤية المجردة، ~~النسبية للحقيقة، من الممكن جعل شيء صحيحا بمجرد الإيمان به. (فإذا كنت تريد أن ~~تتمكن من الطيران، فما عليك سوى أن تؤمن بقدرتك على الطيران.) ويشتهر عن أفلاطون ~~مهاجمته لهذا الشكل من النسبوية في محاورته «الثئيتتس»؛ حيث لفت الانتباه إلى أنه ~~إن كانت النسبوية صحيحة، إذن فهي صحيحة فقط على نحو نسبي، ويمكن أن يجعلها أفلاطون ~~خاطئة بمجرد الاعتقاد بأنها كذلك. # لم تكن رؤى بروتاجوراس النسبوية ذات أهمية تاريخية وحسب؛ فهذا الشكل من النسبوية شائع ~~اليوم. وقد كتب ذات مرة الأستاذ الأكاديمي الأمريكي آلن بلوم قائلا: # ثمة أمر يمكن لأي أستاذ جامعي أن يتأكد منه تمام التأكد: تقريبا كل طالب ~~يلتحق بالجامعة يعتقد، أو يقول إنه يعتقد، أن الحقيقة نسبية. # وفي الواقع، يعتقد على نطاق واسع أن النسبوية شيء يشبه المرض الذي يصيب المجتمع ~~المعاصر ويقوض منظومته الأخلاقية؛ فعلى ms008 سبيل المثال، عندما اكتشف أن قوات الجيش ~~الأمريكي قد عذبت مدنيين عراقيين في أبو غريب، قال ريتشارد لام، حاكم كولورادو: # هذا يعكس انهيارا في المجتمع. لقد تعطلت البوصلة الأخلاقية لهؤلاء الأشخاص ~~لسبب ما، وظني أن ذلك بسبب أن النسبوية أصابتهم. # وقد عبر بابا الفاتيكان الحالي عن مخاوف مشابهة قائلا: # إننا نمضي نحو ديكتاتورية النسبوية التي لا تعتبر أي أمر أكيدا، والتي ~~تهدف في المقام الأول إلى إرضاء غرور الذات ورغباتها. # كان لهذا القلق المعاصر بشأن النسبوية تأثير على السياسة التعليمية؛ فعلى سبيل ~~المثال، قال نيك تيت، الرئيس التنفيذي لهيئة المؤهلات والمناهج بالمملكة المتحدة (فيما ~~يتعلق بإدراج حصص المواطنة بالمنهج الوطني): # إذا كان هناك عدو يستحق الهزيمة، فإنه النسبوية. # وثمة خلاف على نطاق انتشار النسبوية الفعلي، إلا أنه من الجدير بالذكر أن النسبوية ~~ليست ظاهرة حديثة، وأنها كانت محل أخذ ورد حتى في العصور القديمة. # وكثيرا ما يتم تصوير الإنسانويين المعاصرين على نحو مبالغ فيه على يد معارضيهم على ~~أنهم مؤيدون للنسبوية، ولا سيما النسبوية «الأخلاقية»؛ وهي الرؤية القائلة بأن الحقيقة ~~بشأن الصحيح أو الخاطئ أخلاقيا هي ما يعتقده الفرد أو المجتمع. إلا أن الإنسانويين - ~~كما سأشرح في الفصل الرابع - معارضون للنسبوية عامة، وللنسبوية الأخلاقية ~~خاصة. # كما أن أرسطو (384-322 قبل الميلاد) ذو أهمية لدى الإنسانويين؛ خاصة لأنه كان يحاول ~~وضع نظرية عقلانية أخلاقية قائمة على دراسة وثيقة لطبيعة البشر، ولأن تركيز منظومته ~~الأخلاقية ينصب على كيفية تحقيق نوع معين من السعادة أو الرفاهية في هذه الحياة (وليس ~~في حياة ما ستأتي لاحقا). كان لأخلاق الفضيلة عند أرسطو - التي تركز على أهمية ~~تكوين شخصية صالحة، لا على القواعد أو العواقب - تأثير بين الأخلاقيين المعاصرين، وفيهم ~~بعض الأخلاقيين الإنسانويين. # لكن لعل أهم فيلسوف إغريقي من وجهة نظر الإنسانوية هو إبيقور (341-271 قبل الميلاد). ~~كان إبيقور ماديا يعتقد، مثل الفيلسوف ديموقريطوس، أن المادة مكونة من أجزاء أو ~~ذرات غير مرئية توجد في الفراغ وتحكمها قوانين. والبشر أيضا ماديون في الأساس، حسب ~~اعتقاد إبيقور، ms009 لا يملكون روحا غير مادية أو خالدة. وهو يرى أن العدل يتمثل في ~~التزامنا بالعقود والعهود التي نبرمها فيما بيننا، والتي مفادها ألا يؤذي أحدنا ~~الآخر. # وللفلسفة عند إبيقور وظيفة علاجية في الأساس. كان هدفه هو وضع فلسفة للحياة من شأنها ~~أن تتيح لنا التمتع بحياة سعيدة وهادئة خالية من الخوف. # شكل 1-1: إبيقور. # رغم أن إبيقور سلم بوجود آلهة، فقد افترض أنها قد لا تكون مهتمة بأمور البشر؛ فهي ~~لا تكافئنا ولا تعاقبنا؛ ولذا ليست هناك حاجة للخوف منها. ورأى إبيقور أنه لا ينبغي ~~الخوف كذلك من الموت؛ لأنه بمجرد أن نموت، ينقطع وجودنا بحيث لا نشعر بأي شيء. وحينذاك ~~لا يوجد في الموت ما نخشاه؛ لا ألم ولا معاناة. يقول إبيقور في هذا الشأن: # سواء لم يكن لي وجود، أو كان لي وجود، أو ليس لي وجود الآن، فأنا لا ~~أكترث! # كثيرا ما نقشت تلك المقولة على شواهد قبور أتباعه، ولا سيما على مدار عهد ~~الإمبراطورية الرومانية، وكثيرا ما تتلى بجنازات الإنسانويين اليوم. # أكد إبيقور تأكيدا خاصا على الصداقة وجودة الحياة. كما اعتقد أن المتعة والألم هما ~~المعياران الوحيدان لقياس الخير والشر؛ ونتيجة ذلك، كثيرا ما أسيء تفسير كلام إبيقور ~~على أنه يوصي بحياة من اللذة المطلقة العنان؛ حياة من الشره والعربدة. لكن في ~~الحقيقة، حذر إبيقور من الإفراط في إشباع الرغبات والإسراف الشديد في كل الأمور. ~~ولإبيقور حيثية لدى الإنسانويين؛ لأنه وضع منهجا لعيش حياة طيبة بمعزل تام عن أي شواغل ~~بشأن الآلهة أو الكيانات فوق الطبيعية. ~~(4) الإمبراطورية الرومانية # أنتجت الإمبراطورية الرومانية القديمة عددا من المفكرين الذين عبروا، بدرجات ~~متفاوتة، عن رؤية إنسانوية عامة. # على سبيل المثال، كان شيشرون (106-43 قبل الميلاد) متشككا، يرى أنه من المستحيل أن ~~تتأتى معرفة عن الآلهة، واعتقد أن القيم الأخلاقية مستقلة عن الدين المؤسسي، وأنها ~~تخضع للاستقصاء العقلاني الفلسفي. # كان الفيلسوف الروماني سنيكا (2 قبل الميلاد-65 ميلاديا) يرى أن: # الدين بالنسبة إلى البسطاء حقيقة، وإلى الحكماء كذب، وإلى الحكام وسيلة ~~نافعة. ms010 # ومثل أغلب الإنسانويين اليوم، أصر سنيكا على أن «الوقت المناسب للعيش هو ~~الآن.» ~~(5) ابن رشد # إبان العصور الوسطى، كان الفكر المسيحي هو المسيطر على أوروبا على نحو كبير؛ ~~فكانت جميع الأنشطة الفنية والفكرية تقريبا لاهوتية التوجه، ونادرا ما كان يتم ~~التسامح مع التشكيك في المعتقد الديني التقليدي، وغالبا ما كان يقابل هذا بالعنف ~~والتعذيب. # إلا أنه كانت توجد اتجاهات فكرية أكثر ليبرالية في العالم العربي. ولد المفكر ~~العربي ابن رشد (1126-1198) في قرطبة بالأندلس، وهي بقعة اشتهرت بحريتها الفكرية ~~النسبية. كان لشروح ابن رشد الواضحة والميسرة لأرسطو تأثير مهم على المفكرين ~~المسيحيين الأوروبيين الذين كانوا يعيدون اكتشاف أعمال أرسطو، التي غابت بصورة عامة ~~عن أوروبا المسيحية منذ القرن السادس. وفي الواقع، أطلق المفكر المسيحي توما الإكويني ~~(1225-1274) على أرسطو «الفيلسوف» وعلى ابن رشد «الشارح». # وقال ابن رشد إنه عندما يتعارض النص الديني مع ما قاله فلاسفة على غرار أرسطو، يجب ~~إعادة تفسير النص الديني باعتبار أنه يعتمد في أسلوبه على المجاز. وهذا المنهج ~~الراديكالي الليبرالي نسبيا في تناول النصوص الدينية، الذي يعطي في الواقع العلم ~~والعقل سلطة الاعتراض على الفهم الحرفي للنص، انتهى من العالم العربي. إلا أن ابن رشد ~~غرس بذرة تحررية مهمة في الفكر الغربي؛ إذ زادت أهمية النقاشات حول إمكانية التقريب ~~بين الدين والفلسفة. ~~(6) عصر النهضة # يمتد عصر النهضة من القرن الرابع عشر حتى نهاية القرن السادس عشر أو بداية القرن ~~السابع عشر، وكانت بدايته في فلورنسا بإيطاليا. تحققت الحركة جزئيا نتيجة لتجدد ~~الاهتمام بالفكر الكلاسيكي؛ فقد أعاد أرباب الحركة اكتشاف أفكار وحجج المفكرين ~~الإغريق والرومان ودراستها، تلك التي أعطت زخما عظيما للاستقصاء الفكري، الذي اتسع ~~في تلك الفترة ليتخطى حدود اللاهوت المسيحي. واتسع أيضا نطاق الفنون المرئية، التي ~~كانت تركز على نحو أساسي على الأمور الدينية، وأصبحت تركز على المذهب الطبيعي على ~~نحو أكبر، إضافة إلى اعتمادها على الميثولوجيا الكلاسيكية إلى جانب الميثولوجيا ~~اليهودية والمسيحية. ونشأ الرسم المنظوري. ودراسات ليوناردو دافنشي (1452-1519) لملامح ~~الوجه البشري وما ms011 تخبرنا به عن شخصياتنا - التي ألهمت تصويره الفني للهيئة البشرية ~~- توضح بدقة النحو الذي زاد به التركيز على دراسة الإنسان وثقافته إبان عصر ~~النهضة. # كما كانت هناك ثورات دينية مهمة أيضا؛ فقد تصاعد النقد الموجه للكنيسة ~~الكاثوليكية، التي تنامت النظرة إليها على أنها فاسدة، ولا سيما في مسألة بيع صكوك ~~الغفران، التي وهبت مشتريها، المفترض دخولهم الجنة، العتق من العذاب في المطهر. ~~وفي عام 1517، نشر مارتن لوثر (1483-1546) أطروحاته الخمس والتسعين عن قوة صكوك ~~الغفران. وأتاح اختراع الطباعة انتشار مثل هذه الأفكار الجديدة والراديكالية على نطاق ~~واسع. وأدت محاولات لوثر لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية في النهاية إلى ما يسمى بحركة ~~الإصلاح الديني ونشوء البروتستانتية، وإنهاء الهيمنة الدينية للكنيسة الكاثوليكية على ~~أوروبا. # إبان عصر النهضة، ابتكر المنهج العلمي الحديث، ربما على يد فرانسيس بيكون ~~(1561-1626) بشكل خاص. وبالتأكيد شهد هذا العصر بعض محاولات التحدي العلمي للفكر ~~الديني. كان جوردانو برونو (1548-1600) دومينيكيا موسوعيا، وهو الذي دافع عن نظرية ~~كوبرنيكوس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس. استجوبت محكمة التفتيش برونو حول آرائه ~~الكونية وكذلك آرائه الدينية غير التقليدية الأخرى؛ وفي النهاية حكمت بحرقه على ~~الخازوق. وكان الفيزيائي وعالم الفلك جاليليو (1564-1642) طرفا بأحد أكثر المواقف ~~الدرامية التي تصور التوتر المتنامي بين الفكر العلمي والفكر الديني؛ فقد حذرت ~~الكنيسة الكاثوليكية جاليليو ألا يؤكد بقوة صحة نموذج كوبرنيكوس عن مركزية الشمس ~~(حيث يمكن استخدامه كأداة تنبئية مفيدة). إلا أن جاليليو أقدم على ذلك، وعلى نحو مستفز ~~إلى حد كبير؛ ونتيجة لذلك، ألقي القبض عليه وهدد بالتعذيب والإعدام على يد محكمة ~~التفتيش العليا. وبعد أن تنصل جاليليو من أفكاره، سجن فحسب، واستبدل بهذا الحكم بعد ~~ذلك الإقامة الجبرية. # ويصر عدد من المعلقين الكاثوليك المحدثين على أنه لن يكون من المنصف وصف ~~الكنيسة الكاثوليكية بأنها كانت مناهضة للعلم في ذلك الحين. ويرى بعضهم أن آراء برونو ~~اللاهوتية، وليست آراءه الكونية، هي التي أوقعته في المشاكل مع محكمة التفتيش. إلا أن ~~وثائق الفاتيكان كشفت خطأ هذا الزعم؛ مما ms012 يشير بوضوح إلى أن التحقيق مع برونو جرى بسبب ~~آرائه الكونية. كما يذهب بعض المعلقين إلى أن جاليليو ألقي القبض عليه، لا لآرائه ~~العلمية، وإنما لآرائه حول تفسير الكتاب المقدس. ولكن هذا غير صحيح؛ فلأن جاليليو ذهب ~~إلى أن الأرض تدور حول الشمس، لم يكن أمامه خيار سوى أن يقول إما أن مزاعم الكتاب ~~المقدس المخالفة لذلك كانت خاطئة فحسب (وهو الأمر الذي كان سيعد عملا انتحاريا ~~بالطبع)، وإما أن تلك الأجزاء من الكتاب المقدس - التي «يبدو» أنها تزعم أن الأرض لا ~~تتحرك - تحتاج إلى إعادة تفسير. # وفي الواقع، اعترف بعض علماء اللاهوت الكاثوليك، مثل الكاردينال بلارمين الذي كان ~~مسئولا عن التحقيق مع جاليليو، أنه إن ثبت بالبرهان الحاسم أن الأرض تتحرك، فقد يحتاج ~~الكتاب المقدس إلى إعادة تفسير. إلا أن المشكلة أن جاليليو لم يملك دليلا ~~حاسما. # وعليه، فإن وصف موقف الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الحين بأنه كان متحجرا وغير مبال ~~«بالكامل» بالتطورات العلمية الحديثة سيكون مبالغا فيه بعض الشيء. لكن يبدو أن الكنيسة ~~كانت مؤيدة لتعذيب وقتل أي عالم مستعد للمعارضة العلنية لأفكارها الكونية القائمة ~~على مركزية الأرض دون أن يملك دليلا علميا دامغا. # وبطبيعة الحال، يتفق تماما الغالبية العظمى من الدينيين اليوم على أن استخدام العلم ~~والعقل في محاولة فهم الكيفية التي يسير بها الكون يجب ألا يخضع لأي رقابة أو توجيه ~~ديني. في عام 2000، اعتذر البابا يوحنا بولس الثاني علانية، من بين جملة أشياء أخرى، عن ~~محاكمة الكنيسة لجاليليو. إلا أنه في عام 1990، نقل الكاردينال راتسنجر، البابا بنديكت ~~السادس عشر، البابا الحالي، عن الفيلسوف بول فايراباند فيما يبدو عن تأييد منه: # في زمن جاليليو، كانت الكنيسة تؤيد العقل أكثر بكثير من جاليليو نفسه. ~~وكانت محاكمة جاليليو منطقية وعادلة. # والمعنى الدقيق الذي قصده راتسنجر بتلك الملاحظة محل خلاف، إلا أنه من الواضح أنه ~~أثار دهشة بعض الإنسانويين. ~~(7) عصر التنوير # يمتد عصر التنوير - المعروف أحيانا ب «عصر العقل» - من أواخر القرن السابع عشر حتى ~~نهاية القرن الثامن عشر. ms013 وقد شهد عصر التنوير نقدا متزايدا للمعتقدات والمؤسسات ~~الدينية التقليدية من جانب جماعات دينية حديثة أكثر راديكالية، وقد أدى ذلك إلى ~~انقسام الديانة المسيحية إلى مزيد من الطوائف. لكن رغم توجيه الانتقادات إلى الدين، كان ~~ذلك عادة من وجهة نظر معتقدات دينية بديلة؛ فحينها كان وجود المعتقدات الإلحادية ما ~~زال نادرا، وفي كثير من الأماكن كان اعتناق مثل هذه الأفكار ينطوي على المخاطرة ~~بالوقوع تحت طائلة الاضطهاد. # في فرنسا في منتصف القرن الثامن عشر، نشر مفكرا عصر التنوير دنيس ديدرو ~~(1713-1784) وجون دالمبير (1717-1783) «الموسوعة»؛ وهي ملخص محرر للمعارف احتوى على ~~العديد من الأفكار الليبرالية والخاصة بالمذهب الطبيعي والتشككية الراديكالية. كان ~~ديدرو ملحدا، وكان كلا الرجلين يوجهان انتقادات شديدة للدين المؤسسي. وقد حظر هذا ~~الكتاب قبل أن يكتمل. وعصر التنوير باعتباره حركة فكرية وصف بمجموعة مختلفة من ~~الطرق. وقد عرف ديدرو ودالمبير المفكر التنويري بأنه الشخص الذي: # يطأ بقدميه التمييز والتقليد والإجماع العام والسلطة؛ أي كل ما يستعبد ~~أغلب العقول، وهو الذي يجرؤ على التفكير بنفسه. # لكن لعل أشهر تعريف لعصر التنوير يأتي من الفيلسوف إيمانويل كانط (1724-1804)، الذي ~~كتب في عام 1784 مقالا قصيرا بمجلة حمل عنوان «ما التنوير؟» ووصف فيه عصر التنوير بأنه: # خروج المرء من إطار الطفولة الذي فرضه على نفسه. والطفولة هي غياب القدرة على ~~استخدام المرء عقله دون توجيه من شخص آخر، وهي إطار يفرضه المرء على نفسه، ~~يعتمد على نقص، لا في العقل، بل في العزيمة والشجاعة على استخدام العقل دون ~~توجيه خارجي. لذا، فإن شعار عصر التنوير هو «تجرأ على المعرفة»؛ تمتع ~~بالشجاعة لاستخدام عقلك! # يتهم بعض مفكري عصر التنوير بأنهم من أنصار «اليوتوبية»؛ أي إنهم يفترضون على نحو ~~ساذج أن عصر العقل سيجلب حتما عصر السلام والرخاء والرضا. كما أن فكر عصر التنوير متهم ~~أيضا ب «العقلانية» المفرطة، بافتراض أن المجتمع ومنظومة الأخلاق يمكن أن يكون لهما ~~أساس عقلاني «بالكامل». والآن ثمة اعتقاد واسع الانتشار بأن ذلك كان خطأ؛ فلا يمكن ~~استدعاء ms014 مبادئ الأخلاق بالكامل من عباءة العقل. وسيضيف كثير من منتقدي عصر التنوير أن ~~هذا كان خطأ خطيرا؛ فنبذ الركائز القديمة المتمثلة في التقليد والسلطة الدينية من ~~شأنه أن يؤدي إلى ترك منظومة الأخلاق والمجتمع دون أي ركائز على الإطلاق؛ وهي وصفة ~~للفشل ووقوع الكوارث. # ولكن، رغم أن بعض مفكري عصر التنوير كانوا يوتوبيين في الواقع، وبعضهم - مثل كانط - ~~افترض أنه يمكن تأسيس الأخلاق على العقل وحده، لاحظ أن توصيف كانط لعصر التنوير لا ~~يقتضي أيا من هذين الاعتقادين؛ فالإيمان بأهمية تنشئة مواطنين متنورين بالمعنى الذي ~~قصده كانط - مواطنين يجرءون على التفكير والشك، ويستخدمون قوى عقلهم لأبعد حد ممكن ~~بدلا من مجرد القبول السلبي غير الناقد لما يقال لهم من سلطة دينية ما أو غيرها - ~~لا يعني تأييد اليوتوبية أو افتراض أن الأخلاق والمجتمع يمكن أن تكون لهما ركائز ~~عقلانية بالكامل. والإنسانوية الحديثة تنطوي بوضوح على التزام بالتنوير بحسب معنى كانط. ~~وهذا لا يعني أن إنسانويي اليوم يوتوبيون، أو أنهم يبالغون في تقدير قدرات العقل (مع أن ~~كلا الاتهامين يوجهان عادة إلى الإنسانوية المعاصرة). # ثمة نقد شهير آخر يوجه إلى كثير من مفكري عصر التنوير؛ وهو أنهم يفترضون خطأ أنه ~~يمكن استخدام العقل دون الاحتكام إلى تقليد مشترك؛ فكما رأينا، عرف ديدرو ودالمبير ~~المفكر التنويري بأنه الذي «يطأ» بقدميه التقليد. ولكن ذهب كثير من الفلاسفة إلى أن ~~هذه الرؤية غير متماسكة؛ لأنه أيا كانت صور التفكير التي سنستخدمها، «فإنها نفسها ~~ستنبع من تقليد مشترك وتعتمد عليه.» على سبيل المثال، يقول الفيلسوف المعاصر أليستر ماكنتير: # كافة صور التفكير تحدث في سياق شكل تقليدي من أشكال الفكر. # فيزعم ماكنتير أنه لا يمكن «الخروج عن» التقليد بأسره والتفكير من منظور تخلى ~~تماما عن التقليد. لذا، من وجهة نظر ماكنتير، من المستحيل عمليا أن نقوم بما يحضنا ~~ديدرو ودالمبير على القيام به: استخدام العقل على أساس فردي، بمعزل عن أي تقليد. # لكن حتى لو كان ماكنتير على حق، فلا يستتبع ذلك أنه لا يجب علينا ms015 التشكيك في الفكر ~~التقليدي. وكان ماكنتير نفسه واضحا في هذا الصدد، إذ أكد: # لا شيء يمكن أن يزعم أنه مستثنى من النقد التأملي. # أن نقول - عند استخدام العقل - إنه لا يسعنا سوى أن نعتمد على التقليد، فهذا شيء؛ ~~وأما القول بأنه يجب ألا نبالغ في النقد عند فحص المعتقدات التقليدية، فهذا شيء آخر. ~~ودعوة كانط بأنه يجب علينا أن نتجرأ على التشكك والتفكير بأنفسنا، لا القبول المستسلم ~~بما يصرح به التقليد، تظل متماسكة. وإنها لدعوة التنوير التي يعتنقها الإنسانويون ~~اليوم. # يعتبر ديفيد هيوم (1711-1776) مفكرا تنويريا ذا أهمية خاصة من وجهة نظر ~~الإنسانوية. كان هيوم مؤرخا وفيلسوفا اسكتلنديا عبقريا أخضع الكثير من المعتقدات ~~المفترضة منطقيتها للاستقصاء الناقد، وفيها المعتقدات الدينية. كان متشككا في المعجزات ~~الدينية وغيرها من المعجزات. نشر كتاب هيوم «محاورات في الدين الطبيعي» بعد موته، وضم ~~بعضا من أشد الانتقادات وأقواها التي وجهت في أي وقت إلى ما يعرف ب «براهين ~~التصميم» المؤيدة لوجود الإله. ولا يزال الخلاف دائرا حول إن كان هيوم لا أدريا أم ~~ملحدا، إلا أنه لم يؤمن بالإله. # طرح هيوم بعض الأسئلة المهمة حول «حدود العقل». وقال إن المعتقدات الأخلاقية غير ~~قابلة أساسا للتبرير بالاحتكام إلى العقل أو الخبرة، مؤكدا على ما يلي: # لا ينافي العقل أني أفضل تدمير العالم بأسره على أن تخدش ~~إصبعي. # كذلك قال هيوم إن التفكير الاستقرائي - المؤسسة عليه معتقداتنا كلها حول المستقبل - ~~والعلوم التجريبية لا يمكن تبريرهما عقلانيا. وباعتبار أننا نرى الشمس تشرق كل يوم، ~~فإننا نعتقد أنها ستشرق صباح غد، وفي الحقيقة، لا يسعنا سوى اعتقاد ذلك. مع ذلك، يقول ~~هيوم إن افتراضنا أن الشمس ستشرق صباح غد ليس أكثر تبريرا من افتراضنا، على سبيل ~~المثال، أن قرصا ضخما من أزهار التيوليب يبلغ عرضه مليون ميل سيعتلي الأفق بدلا من ~~قرص الشمس. # ويتفق أغلب الإنسانويين المعاصرين مع هيوم في أن للعقل - رغم أنه يجب علينا استخدامه ~~أينما نستطيع وبأفضل ما يمكننا - حدوده (رغم الخلاف حول إن كانت تلك ms016 الحدود تقع حيث ~~افترض هيوم أم لا). ~~(8) القرن التاسع عشر # في عام 1859، نشر تشارلز داروين (1809-1882) كتابه «أصل الأنواع»، الذي شرح كيف تطورت ~~الأنواع الجديدة على مدار ملايين السنين. قبل داروين، كان الناس يفترضون أن الأنواع لا ~~يمكن خلقها إلا بواسطة الإله. في الواقع، لم يمتلك مفكرو التنوير تفسيرا بديلا ~~للطريقة التي ربما خلقت بها الأنواع. شرح داروين كيف أن آليات طبيعية بالكامل وخاضعة ~~للبحث العلمي قادرة على إنتاج أنواع جديدة، وهو ما يعد تطورا مثيرا جدا. في ~~الواقع، كان تطور الأنواع على هذا النحو مدعوما بقوة بالأدلة، وهو ما تعارض بالطبع ~~تعارضا صريحا مع الكتاب المقدس. # شهد أيضا القرن التاسع عشر تطورات مهمة على صعيد نقد الكتاب المقدس، ولا سيما في ~~ألمانيا. كان الباحثون الألمان مثل ديفيد شتراوس (1808-1874) ويوليوس فلهاوسن ~~(1844-1918) بصدد الكشف عن الطبيعة الخرافية لقسم كبير من الكتاب المقدس. وفي ألمانيا ~~أيضا، أنكر عالم اللاهوت والفيلسوف لودفيج فويرباخ (1804-1872) الأفكار الدينية ~~التقليدية، وأكد على أن رب الدين التقليدي هو الإسقاط الوهمي الخارجي لطبيعة البشر ~~الكامنة داخلهم، وانتقد فريدريش نيتشه (1844-1900) بشدة منظومة الأخلاق المسيحية، ~~واتهمها بأنها معوقة للحياة، ومحملة بمشاعر الكراهية والسخط. وبالطبع قال كارل ~~ماركس (1818-1883) إن الدين «أفيون الشعوب». # وفي بريطانيا، وضع الفيلسوفان جريمي بنثام (1748-1832) وجون ستيوارت ميل (1806-1873) ~~نظرية أخلاقية ثورية تعرف باسم النفعية، وهي التي حددت الخير الأخلاقي من منطلق ~~السعادة. وحسب بنثام، فإن «تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس هو أساس ~~الأخلاق والتشريع.» وإحدى سمات النفعية الراديكالية هي الطريقة التي تستغني بها عن ~~الحاجة إلى طرح أي كيان فوق طبيعي من أجل تعزيز أو تبرير منظومة الأخلاق. ويرى المؤمن ~~بالنفعية أنه من أجل تقييم مدى صحة شيء أو خطئه أخلاقيا، يجب ألا نركز على أي شيء آخر ~~غير ما يحدث في «هذا» العالم «الطبيعي». وبالنسبة إلى كثير من الدينيين، هذه الرؤى كانت ~~- ولا تزال - غير مقبولة مطلقا. والكثير من العادات والقوانين والمؤسسات في زمان ~~بنثام سببت الشقاء ms017 للعديدين. وتشير النفعية إلى أن تخفيف المعاناة حيث يمكننا ذلك ~~ليس أمرا مرغوبا وحسب، وإنما هو في الواقع متطلب أخلاقي؛ ومن ثم قادت النفعية - ~~ولا تزال تقود - كثيرا من النفعيين إلى الإصلاح القانوني والاجتماعي. وقد أدت نفعية ~~بنثام إلى اعتقاده أن علينا التزامات أخلاقية تجاه المخلوقات الأخرى؛ لأنها تعاني أيضا ~~مثلنا، فقد قال بنثام عن الحيوانات الأخرى: # سيحل اليوم الذي قد تكتسب فيه الحيوانات كافة تلك الحقوق التي لا يمكن أن ~~تسلب منها إلا بالطغيان. # وبالتأكيد ليس جميع الإنسانويين نفعيين. إلا أن نشوء النفعية كان مهما بوضوح لنشوء ~~الإنسانوية الحديثة، ولا سيما لأنها توضح مجددا كيف أنه يمكن التعبير والدفاع عن ~~رؤية مميزة ومحكمة فكريا لمنظومة الأخلاق بمعزل تام عن أي معتقد ديني. # ظلت الرقابة على غير المؤمنين واضطهادهم في أوروبا قائمة، وشهد عام 1826 آخر ضحية ~~لمحكمة التفتيش العليا، أعدم في إسبانيا (أعدم المدرس كايتانو ريبول خنقا لمزاعم ~~تدريسه أفكارا ربوبية). وفي عام 1842، كان جي جيه هوليوك (1817-1906) (أول من صك ~~مصطلح «العلمانية») آخر شخص (وربما أول شخص) يسجن في بريطانيا بتهمة الإلحاد. إلا أن ~~أعدادا متزايدة من الشخصيات العامة كانت مستعدة علنا للتشكيك في مزاعم الدين. ففي ~~بريطانيا، جهر الكتاب بيرسي بيش شيلي ~~(1792-1822) وجورج إليوت (1819-1880) وتوماس ~~هاردي (1840-1928) بإلحادهم. وفي عام 1880، أصبح تشارلز برادلو (1833-1891)، المؤسس ~~المشارك للجمعية الوطنية العلمانية التي ظهرت في عام 1866، أول عضو برلماني منتخب في ~~بريطانيا يجهر بإلحاده (إلا أن إلحاده كان يعني أنه لن يستطيع أن يقسم قسم الولاء؛ ولذا ~~حرم من مقعده لعدة سنوات). # شكل 1-2: مبنى كونواي هول، ميدان ريد لايون، مقر جمعية ساوث بليس ~~الأخلاقية. # شهد القرن التاسع عشر نشأة جمعيات أخلاقية، وهي التي ظهرت في أوروبا والولايات ~~المتحدة. وفرت تلك الجمعيات إطارا يمكن للناس من خلاله مناقشة المسائل الأخلاقية ~~والاشتراك في نشاط أخلاقي، مثل العمل الخيري والبرامج الاجتماعية والتعليمية. كان أعضاء ~~تلك الجمعيات مفكرين أحرارا، يشجعون على النقاش المفتوح حول المسائل الأخلاقية ~~والدينية. ورغم أن كثيرا من ms018 تلك الجمعيات وصفت نفسها بأنها «دينية»، فإنها لم تكن ~~دينية غالبا إلا من منطلق أنها أخذت على عاتقها التزاماتها الأخلاقية بجدية، وكان ~~الإيمان بوجود إله اختياريا. وقد قال فيلكس أدلر (1851-1933)، مؤسس جمعية نيويورك ~~للثقافة الأخلاقية في عام 1876: «إن الثقافة الأخلاقية دينية لأصحاب العقلية الدينية، ~~وهي أخلاقية فحسب لمن لا يمتلكون تلك العقلية.» وأول جمعية أخلاقية بريطانية - جمعية ~~ساوث بليس الأخلاقية، الموجودة حتى يومنا هذا - تأسست رسميا في عام 1888، بعد أن خرجت ~~من رحم كنيسة توحيدية. وسرعان ما تبعتها جمعيات أخلاقية بريطانية أخرى عديدة. # تحولت مختلف الجمعيات الأخلاقية التي ظهرت في القرن التاسع عشر إلى إحدى الركائز ~~الأساسية للحركة الإنسانوية الحديثة. في عام 1896، تجمعت الجمعيات الأخلاقية ~~البريطانية معا لتشكل اتحاد الجمعيات الأخلاقية، الذي أعيدت تسميته في عام 1967 ~~ليكون الرابطة الإنسانوية البريطانية. وفي عام 1952، أصبح الاتحاد الأخلاقي ~~الأمريكي، وهو منظمة جامعة لمختلف الجمعيات الأخلاقية بالولايات المتحدة، عضوا ~~مؤسسا في الاتحاد الإنسانوي والأخلاقي الدولي، وهو الجهة التي تمثل الآن الحركة ~~الإنسانية العالمية. ~~(9) القرن العشرون # في كثير من الدول إبان النصف الثاني من القرن العشرين، أصبحت الإنسانوية جزءا من ~~الاتجاه السائد. ففي أوروبا، تراجع الدين على نحو كبير؛ فعلى سبيل المثال، تشير ~~استطلاعات الرأي أنه في نهاية القرن العشرين، تبنى حوالي 36٪ من البريطانيين معتقدات ~~وقيم الإنسانوية والرابطة الإنسانوية البريطانية. وعلى مستوى أغلب أوروبا، أمكن التعبير ~~عن المعتقدات الإلحادية أو الإنسانوية دون كبير خوف من التبعات. # كان كثير من مفكري القرن العشرين البارزين من الإنسانويين؛ وفيهم برتراند راسل، الذي ~~كان لكتابه «لماذا لست مسيحيا؟» تأثير بالغ. وفي نهاية القرن العشرين، زعم عدد قليل ~~نسبيا من الفلاسفة أن الأخلاق تتطلب أساسا إلهيا من نوع ما (في الواقع، أشارت ~~نتيجة استطلاع حديث أن 14,6٪ فحسب من الفلاسفة مؤلهون). وأبرز الأخلاقيين اليوم ~~وأبلغهم تأثيرا، وهو بيتر سنجر، إنسانوي. # إبان القرن العشرين، زادت صعوبة تمييز الدين الذي يمثله كثير من علماء اللاهوت ~~وغيرهم من المفكرين الدينيين؛ إذ إنه من الأسهل بكثير توصيف تدينهم من منطلق ما ليس ms019 ~~عليه لا من منطلق ما هو عليه. وفي الواقع، يصعب تمييز معتقدات بعض علماء اللاهوت ~~المتطورين عن معتقدات بعض الإنسانويين. # لكن على مستوى الدينيين في العالم، تلك الأفكار اللاهوتية المتطورة هي الاستثناء لا ~~القاعدة؛ إذ الأصولية الدينية هي السائدة. ففي الولايات المتحدة، تشير استطلاعات ~~الرأي باستمرار إلى أن حوالي ثلث المواطنين يؤمنون بصحة كل ما جاء في الكتاب المقدس؛ ~~ومن ثم بأن عمر الكون بضعة آلاف من السنوات فقط. والملحدون من أقل الأقليات المؤتمنة ~~بالولايات المتحدة؛ إذ أشارت دراسة وطنية إلى أن الملحدين هم أبعد أقلية يسمح ~~الأمريكيون لأبنائهم بالزواج منها. وقالت دوروثي إدجيل، قائدة فريق الدراسة السابقة ~~التي أجرتها جامعة مينيسوتا: «يبدو أن نتائجنا تقوم على نظرة للملحدين مفادها أنهم ~~أفراد لا يهتمون إلا بذواتهم ولا يكترثون بالصالح العام.» فينبغي تناول المفاهيم ~~الخاطئة حول ماهية معتقدات الإنسانويين والتمييز الذي يعانون منه نتيجة لتلك المفاهيم، ~~حتى داخل أكبر الديمقراطيات الليبرالية في العالم. # وحتى في كثير من الدول الليبرالية، تحظى المعتقدات الدينية بوضعية متميزة ترعاها ~~الدولة، ولا تزال المعركة تدور من أجل إتاحة تكافؤ فرص بين الدينيين واللادينيين. ففي ~~المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تمول الدولة المدارس الدينية التي بمقدورها ~~التمييز بين كل من هيئة التدريس والطلاب على أساس معتقداتهم الدينية. ويلزم القانون ~~كل مدرسة تمولها الدولة في إنجلترا وويلز بأن تبدأ كل يوم بشعيرة من شعائر ~~العبادة الجماعية، ويجب أن تكون «ذات محتوى مسيحي الطابع على نحو كلي أو ~~رئيسي.» # وفي كثير من البلدان حول العالم، أن يخرج أحدهم عن الدين الذي ولد عليه فإنه يخاطر ~~بنبذه اجتماعيا أو ما هو أسوأ. المسلمون المرتدون يعدمون في السعودية وإيران ~~والصومال وقطر واليمن وموريتانيا. وفي مالاوي ونيجيريا، يدين القساوسة المسيحيون ~~الأطفال لممارستهم السحر، ويعاقبونهم بالضرب والتعذيب، وأحيانا القتل في مراسم طرد ~~الأرواح الشريرة. ونتيجة لممارسات جماعات الضغط الدينية، تنظر أوغندا في إنزال عقوبة ~~السجن مدى الحياة لتكون الحد الأدنى لعقوبة ممارسة الجنس المثلي. وفي بقاع كثيرة من ~~العالم، ينتشر التعصب الديني ولا ms020 تزال المعركة من أجل الحقوق والحريات الأساسية ~~دائرة. # وعلى كلا الصعيدين المحلي والعالمي، ثمة عدد ضخم من القضايا المهمة، وأحيانا البالغة ~~الأهمية بالنسبة إلى الإنسانويين؛ قضايا تواصل المنظمات الإنسانوية - مثل الرابطة ~~البريطانية الإنسانية، ومركز البحث، والجمعية الإنسانوية الأمريكية، والاتحاد الإنسانوي ~~الأوروبي، والاتحاد الإنسانوي والأخلاقي الدولي - تنظيم الحملات من أجلها. # عادة ما يكون الإنسانويون إصلاحيين. وكثيرا ما تضعهم آراؤهم في موقف المواجهة مع ~~الدينيين - ولا سيما المتحفظين منهم - حول قضايا مثل تحديد النسل وحقوق المثليين من ~~الجنسين، وحقوق المرأة، وحقوق الأطفال، وحرية التعبير، ووضع نهاية لحظوة الدين. ويرجع ~~ذلك إلى أن ما يعارضه الإنسانويون في كثير من الأحيان (لكن ليس دائما) متجذر في ~~التقاليد والمؤسسات الدينية ويحظى بتبرير ديني. # إلا أنه ثمة عدد كبير من الدينيين الذين يتفقون مع كثير مما يقوله الإنسانويون، بل مع ~~كل ما يقولونه حول تلك القضايا - الذين يرون أن التبريرات الدينية التقليدية لمثل هذا ~~التمييز والظلم والحظوة لا يمكن الدفاع عنها - ومن ثم يمكن للإنسانويين التعاون، ~~وأحيانا ما يحدث ذلك، مع الدينيين أفرادا ومنظمات لتحقيق الأهداف المشتركة. # ليس «العداء للدين» هو الذي يوجه مطامح الإنسانويين الإصلاحية كما يفترض بعض ~~الدينيين، وإنما «التزام إيجابي بتناول القضايا الأخلاقية والسياسية بأسلوب رشيد ~~ومحايد.» وبالطبع هذا الالتزام يضع الإنسانويين حتما في صراع مع كثير من الدينيين حول ~~كثير من تلك القضايا، ولكن بالتأكيد ليس معهم كلهم. # والجدير بالذكر أيضا أن الإنسانويين لا يقلون في معارضتهم للقمع والتمييز بغير ~~وجه حق عندما يكون على يد أنظمة «ملحدة»، مثل نظامي ماو تسي تونج وستالين ~~الديكتاتوريين اللذين ظهرا في القرن العشرين (حيث أقدم كلاهما على اجتثاث أصحاب ~~الفكر الحر التنويريين بالقسوة نفسها التي أقدما بها على اجتثاث الفكر الديني). ~~(10) نظرة سريعة على تاريخ مصطلح «الإنسانوية» # لعل أول استخدام لكلمة «إنسانوي» كان لوصف فرع من المناهج التعليمية: العلوم ~~الإنسانية؛ التي تضم النحو والشعر والبلاغة والفلسفة الأخلاقية. وخلال عصر النهضة، كان ~~هناك إعادة اهتمام، كما أشرنا آنفا، بالثقافة الكلاسيكية، وتركيز متزايد على الإنسان. ~~وأطلق المعلقون ms021 على القرن التاسع عشر فيما بعد على الحركة الثقافية والفكرية هذه ~~«إنسانوية عصر النهضة». # أما اليوم، فالاستخدام الرئيسي لمصطلح «الإنسانوية»، في كل من المملكة المتحدة ~~والعالم، هو لوصف الاتجاه الذي عرضت ملامحه في مقدمة كتابي هذا. وكان هذا المعنى ~~الرئيسي للمصطلح للأعوام السبعين الماضية على الأقل؛ المعنى الذي بدأ يكتسبه خلال القرن ~~التاسع عشر. وفي الولايات المتحدة، يضع البعض كلمة «العلمانية» قبل كلمة «الإنسانوية»؛ ~~كي يؤكدوا على أن معتقداتهم منفصلة عن أي معتقد ديني. وفي المملكة المتحدة، تعتبر ~~إضافة كلمة «العلمانية» إطنابا لا داعي له. # الفصل الثاني # | الحجج المؤيدة لوجود الإله # الإنسانويون إما ملحدون وإما لا أدريون، ويفترضون في المعتاد أن الإيمان بوجود إله أو ~~عدة آلهة غير منطقي أو مبرر، ويزيد آخرون على ذلك؛ إذ يؤكدون على أن الإيمان بالإله غير ~~عقلاني على الإطلاق. # وفي المقابل، فإن المؤمنين بالإله يفترضون في المعتاد أن معتقدهم عقلاني، مع تأكيدهم على ~~أن موقفهم هو «موقف إيماني». إنهم يفترضون أن الإيمان بالإله ليس مثل الاعتقاد في وجود بابا ~~نويل أو الجنيات؛ فالأمر أكثر عقلانية بكثير من ذلك. ربما يعترفون أن وجود الإله لا يمكن ~~«إثباته» على نحو حاسم، لكنهم يصرون دوما على أن الاعتقاد بوجود الإله شيء عقلاني، إلى ~~حد ما، على الأقل بالنسبة إلى شخص بالغ متعلم ومتحضر. # لكن إن كان الإيمان بالإله أكثر عقلانية بكثير من الإيمان بوجود الجنيات، على سبيل ~~المثال، فما سبب ذلك؟ ما الذي يجعل الإيمان بالإله أكثر عقلانية؟ يرد المؤلهون ~~(المؤمنون بالإله) على هذا السؤال بإجابات مختلفة؛ يحاول كثير منها عرض «حجة منطقية» ما ~~تؤيد وجود إله. # ثمة الكثير من مثل هذه الحجج، وسأعرض هنا لحجتين من أشهر الحجج المؤيدة لوجود الإله، ~~وسأشير إلى نقاط الضعف التي يراها نقادها من الإنسانويين. سأبدأ بمثال على الحجة الكونية، ~~ثم سأنتقل إلى بعض صور برهان التصميم، وفي ذلك مثالان معاصران يستند أولهما إلى التعقيد غير ~~القابل للاختزال والثاني إلى التصميم الدقيق. وهدفي ~~هنا هو مجرد عرض لإطلالة موجزة على بعض ms022 ~~المشاكل والاعتراضات التي تواجه مثل تلك الحجج في المعتاد. ~~(1) الحجة الكونية: لم توجد أشياء من الأساس؟ # نظر أغلبنا في وقت ما إلى السماء المرصعة بالنجوم وخطر له السؤال التالي: «من أين ~~أتى كل هذا؟ لم توجد أشياء بدلا من العدم؟» هذا سؤال عميق؛ سؤال جدير بدراسة ~~جدية. # بالطبع، وضع العلماء نظريات حول كيفية نشأة الكون، وحاليا يعتقد أغلب العلماء أن ~~الكون بدأ منذ 13 أو 14 مليار سنة تقريبا بالانفجار العظيم؛ ذاك الحدث الذي لم تبدأ ~~معه المادة والطاقة فحسب، وإنما الزمان والمكان أيضا. # إلا أن تلك الإجابات العلمية يبدو أنها تؤجل اللغز فحسب ولا تجيب عنه؛ فنحن نريد ~~الآن أن نعلم: لم كان هناك انفجار عظيم؟ لم كانت هناك - وما زالت توجد - أشياء من ~~الأساس؟ # وعند هذه النقطة يبدو أننا نواجه سؤالا لا يستطيع العلم، بالضرورة، أن يجيب عنه؛ ~~فالعلم يفسر الظواهر الطبيعية بالإشارة إلى سمات أخرى من العالم الطبيعي، مثل الأسباب ~~المادية أو قوانين الطبيعة. على سبيل المثال، إذا سألت عالما: لم تجمدت المياه ~~الليلة الماضية بالأنابيب؟ فربما يجيبك بما يلي؛ أولا: من قوانين الطبيعة أن الماء ~~يتجمد تحت درجة صفر مئوي، وثانيا: الليلة الماضية انخفضت درجة حرارة الماء بالأنابيب ~~لتحت الصفر. وهذا سيفسر لك لم تجمد الماء. لكن ما الذي يفسر سبب وجود أي قوانين ~~للطبيعة في المقام الأول؟ بل ما الذي يفسر سبب وجود عالم طبيعي من الأساس؟ # بالطبع عند هذه النقطة من المفترض أن يدخل الإله في الصورة. لا يستطيع العلم تفسير ~~سبب وجود الكون؛ لذا، إن لم نفترض أن وجوده حقيقة عمياء لا يمكن تفسيرها، يجب أن نتجه ~~إلى الإله بوصفه الحل لتلك المعضلة. فالإله يقدم التفسير الوحيد، أو أفضل تفسير ~~متاح على الأقل، للسبب وراء وجود أشياء من الأساس. # وفي حين يقر كثير من المؤلهين بأن الحجة السابقة لا تشكل دليلا حاسما على ~~وجود إله، يعتقد كثير منهم أن مثل هذه الحجج ~~«الكونية» - الحجج التي تستدل على وجود ~~الإله بوصفه أفضل تفسير أو ms023 التفسير الوحيد لوجود الكون - تمنح معتقدهم على الأقل قدرا ~~كبيرا من الدعم العقلاني. ~~(2) مشاكل الحجة الكونية # الحجة الكونية الموضحة ملامحها أعلاه تواجه عدة مشاكل معروفة جيدا، سأشرح الخطوط ~~العريضة لثلاث منها فحسب: # أولا، تفترض الحجة أن السؤال: «لم توجد أشياء بدلا من العدم؟» سؤال منطقي، لكن هل ~~هو سؤال منطقي؟ بإلقاء نظرة أعمق على الأمر فإن الأمر ليس بهذا الوضوح. لكن إن كان ~~السؤال غير منطقي فهو لا يحتاج لأي إجابة، فضلا عن احتياجه لإجابة دينية. فيما يلي خط ~~التفكير الذي يخلص إلى أن هذا السؤال لا معنى له في واقع الأمر. # عندما نتحدث عادة عن وجود «عدم»، فإننا نقصد مثلا وجود مساحة خالية من الفراغ؛ ~~فعندما أقول: «لا يوجد شيء في فنجاني»، أقصد بذلك أن المساحة الموجودة داخل فنجاني الآن ~~فارغة. وعندما أقول: «لا شيء أقوم به الآن»، أقصد بذلك أنني في هذه اللحظة لا أؤدي أي ~~نشاط. ويقدم الكون الزمكاني، إن جاز التعبير، الساحة التي قد تظهر عليها تلك الأمثلة ~~من الأشياء والعدم. # لكن عندما نطرح السؤال الفلسفي: «لم توجد أشياء بدلا من العدم؟» فنحن نقصد شكلا ~~أكثر راديكالية بكثير من العدم، يمكن أن نطلق عليه العدم «المطلق». والبديل لشيء ~~يفترض أننا الآن نتصوره ليس مجرد غياب للأشياء أو الأمور التي تجري. يفترض بنا أن ~~نفكر في الاحتمال التالي: ليس الأمر غياب الشيء أو عدم حدوث أي شيء فقط، وإنما ~~أيضا لا يوجد زمان أو مكان يمكن أن يوجد فيهما أي شيء أو يمكن أن يحدث أي أمر؛ فالساحة ~~نفسها اختفت الآن. # وهذا نوع عميق ومحير من الغياب؛ محير جدا لدرجة لا يتضح معها إن كانت الفكرة ~~تبدو منطقية أم لا (وهو بالتأكيد يطرح بعض الأسئلة المثيرة؛ مثل: «ما الفرق بين التفكير ~~في العدم المطلق، وعدم التفكير في أي شيء؟») # قد نسارع بقول «لكن بالتأكيد فكرة العدم المطلق منطقية، فما هي سوى فكرة عن «ما كان ~~موجودا فيما مضى»، قبل وجود أي شيء». لكن في الواقع العدم المطلق ms024 ليس ما كان موجودا ~~فيما مضى؛ فلم يأت زمن كان فيه العدم المطلق (لأنه إن كان هناك زمن كذلك، فلن يكون ~~هناك عدم مطلق). # لكن دعونا نقر، وإن كان لغرض المناقشة وحسب، أن فكرة العدم المطلق منطقية، ~~وكذلك السؤال القائل: «لم توجد أشياء بدلا من العدم؟» برغم هذا، تظل الحجة الكونية ~~تواجه مشاكل أخرى . # ثمة مشكلة واضحة في افتراض أن الإله هو الإجابة على السؤال: «لم توجد أشياء بدلا ~~من العدم؟» هي أنه بطرحنا الإله يبدو أننا طرحنا شيئا آخر يجب تفسير وجوده هو الآخر، ~~فيبدو أننا زدنا من اللغز فحسب بدلا من أن نحله. وإذا ترك وجود الإله دون تفسير، ~~فما المسوغ لطرح الإله؟ لم لا نتوقف عند الكون فحسب؟ # ومن الردود التقليدية للتأليهيين على هذا الاعتراض الإصرار على أن الإله - بعكس الكون ~~الطبيعي - كيان «ضروري»؛ شيء لا بد بالضرورة من أن يوجد. # وكيف يمكن لشيء أن يوجد «بالضرورة»؟ ربما إن كانت فكرة هذا الشيء تنطوي في الواقع على ~~فكرة الوجود. إننا يمكن أن نتصور عدم وجود الكون. لكننا، كما يزعم بعض التأليهيين، ~~لا نستطيع تصور عدم وجود الإله. فإذا تصورت عدم وجود شيء، فلا يمكن أن يكون الإله هو ~~ما تتصوره؛ لأن مفهوم الإله يكتنف مفهوم الوجود. وبذلك فإن الإله، إن اتفقت مع هذا ~~الطرح، «يفسر وجوده»، وتفسير وجود الإله هو «أنه، بطبيعته، يجب أن يوجد.» # لكن إن كان الإله كيانا ضروريا، فإن البحث عن تفسير نهائي لسبب وجود أشياء من ~~الأساس يصل إلى غاية مرضية: لا حاجة إلى البحث فيما وراء الإله عن شيء آخر لتعليل ~~وجوده (ثم عن شيء آخر وراء ذلك الشيء يعلل وجوده، وهكذا إلى ما لا نهاية)؛ ففي ظل وجود ~~الإله، نصل إلى نهاية الطريق. # إلا أن فكرة الوجود الضروري بالتأكيد فكرة خلافية. وفي واقع الأمر، فإن كثيرا من ~~الفلاسفة يتشككون في الزعم القائل بأن شيئا قد يوجد بالضرورة. # لننظر، على سبيل المثال، إلى إحدى الرؤى الفلسفية الأساسية عن الضرورة: إن ما هو ms025 ~~ضروري أو أساسي هو في النهاية نتاج لممارساتنا اللغوية و/أو السبل التي نكون بها ~~مفاهيمنا عن الأشياء. وهذا معقول للوهلة الأولى في كثير من الحالات؛ فعلى سبيل المثال، ~~أليس السبب في أن من الضروري لكي يكون كائن من الكائنات فحلا أن يكون ذكرا وحصانا في ~~نفس الوقت الذي يكون فيه هذا هو «تعريف » الفحل؟ فأن يكون الكائن ذكرا وحصانا في نفس ~~الوقت، إن اتفقت مع هذا الطرح، هما مكونان أساسيان لمفهوم الفحل. # ولكن حسب رؤية الضرورة هذه، إن كان الإله، أو شيء آخر، يوجد بفعل الضرورة، فلا يمكن ~~أن يتحقق ذلك إلا «بسبب أن الإله معرف أو متصور بهذا الشكل؛ أي على أنه شيء ~~موجود.» # والمشكلة هنا هي أنه «لا الوجود ولا الوجود الضروري يمكن الجزم بهما مفاهيميا على ~~هذا النحو.» فإن عرفت «ووزل» على أنه أول شخص سار على سطح المريخ في عام 2000، فأنا ~~بذلك أعرف أنه إن كان أي شخص ووزل، فسيكون أول من سار على المريخ في عام 2000. لكن ~~بالطبع لم يسر أحد على المريخ عام 2000. ولاحظ أنني لا أستطيع الجزم بأن مثل هذا ~~الشخص موجود بمجرد إضافة الوجود إلى تعريفي له، مثل الآتي: «ووزل» هو أول شخص يسير على ~~سطح المريخ في عام 2000 «وهو موجود». # وعلى نحو مشابه، حتى إن كان الوجود ~~مشمولا في فكرة الإله، فلن يستتبع ذلك وجود مثل ذلك الكيان، فضلا عن وجوده بالضرورة ~~(ولهذا السبب فإن الفشل مصير تلك الحجج «الوجودية» التي تحاول إثبات وجود الإله عن طريق ~~الإشارة إلى أن مفهوم الإله ينطوي على مفهوم الوجود). # ولذا، إذا كان السبيل الوحيد لإلحاق ~~صفة بشيء على نحو ضروري هو عن طريق تعريفنا أو تصورنا له بطريقة معينة، وليس من الممكن ~~إلحاق الوجود على هذا النحو؛ إذن «فالعدم يمكن أن يوجد بالضرورة.» # حتى إن أمكن التعامل مع جميع الاعتراضات المختلفة الموضحة أعلاه، فستبقى مشاكل أخرى ~~أمام الحجة الكونية، وفيها المشكلة التالية: حتى إن لم تنجح الحجة في إثبات وجود شيء ~~ما موجود ms026 بالضرورة يسير الكون، فإنها، بشكلها الحالي، قفزة أخرى ضخمة غير مبررة إلى ~~الخلوص بأن هذا الشيء أشبه بكيان ذكي، بله كيان يتمتع بخصائص أخلاقية مثل الخيرية ~~العليا، ويستجيب لدعواتنا، ويقوم بمعجزات، وما إلى ذلك. # إن الحجة الكونية على ذلك النحو لا تؤيد الإيمان بالإله كما هو في الديانتين ~~اليهودية والمسيحية بالقدر نفسه الذي لا تؤيد به الإيمان بإله عظيم القوة ومتباين ~~أخلاقيا، أو في الواقع بعدد لا يحصى من الآلهة أو الأشياء الأخرى. وهو بالطبع ما ~~تؤيده الحجة بالكاد، في كل حالة، إن كانت تؤيده من الأساس. ~~(3) برهان التصميم # دعونا نلتفت الآن إلى ما يعرف ببرهان التصميم أو الحجج الغائية المؤيدة لوجود الإله. ~~تبدأ هذه الحجج بملاحظة أن العالم الطبيعي - أو العناصر التي يضمها - يبدو أنه يتمتع ~~بسمات مميزة معينة؛ مثل الترتيب والغاية. وتخلص هذه الحجج إلى أنه بما أن الإله هو ~~التفسير الوحيد، أو أفضل تفسير متاح على الأقل، لتلك السمات؛ فالإله موجود إذن. # لعل أشهر حجة من حجج التصميم هي الحجة التي قدمها ويليام بايلي في كتابه «اللاهوت ~~الطبيعي» المنشور عام 1802. يقول بايلي إن رأى أحدهم شيئا معقدا مثل ساعة يد ~~ملقاة على الأرض، فمن غير المعقول افتراض أن تلك الساعة وجدت هناك بالمصادفة، أو أنها ~~وجدت دائما في هذا الشكل. ومع العلم بالغرض الواضح من الساعة - معرفة الوقت - ~~وتكوينها الشديد التعقيد المصمم للوفاء بهذا الغرض، فمن المنطقي افتراض أن الساعة صنعها ~~كيان عاقل من أجل هذا الغرض. لكن إن كانت تلك نتيجة منطقية تخلص إليها في حالة ~~الساعة، فبالتأكيد النتيجة نفسها التي تخلص إليها في حالة العين البشرية، مثلا، لا ~~تقل منطقية عن سابقتها؛ إذ تتمتع العين البشرية بغرض مصممة له هي الأخرى بإتقان. ~~ويفترض بايلي أن هذا المصمم الذكي هو الإله. # وفكرة أن العضو البيولوجي مثل العين البشرية يجب أن يكون له مصمم ما قام بتصميمه، ~~فكرة يقبل بها الكثيرون، وفيهم العالم تشارلز داروين، إلى أن وضع داروين تفسيره ~~التطوري البديل للكيفية التي ظهرت بها العين. ms027 # والآلية التي كان داروين يرى أنها يمكن أن تفسر التطور التدريجي للعين هي «الانتخاب ~~الطبيعي». عندما تتكاثر الكائنات الحية، قد تختلف ذريتها قليلا في مناح وراثية. ~~ويستغل مربو الحيوانات وزارعو المحاصيل تلك الطفرات التي تحدث بالمصادفة لإنتاج ~~سلالات جديدة. فعلى سبيل المثال، قد ينتقي مربي كلاب من كل جيل من الكلاب ~~الكلاب الأكبر حجما والأقل شعرا، وفي النهاية ينتج سلالة جديدة بالكامل من ~~الكلاب الضخمة العديمة الشعر. # تمثلت فطنة داروين في إدراك أن البيئة الطبيعية التي توجد بها الكائنات ستنتقي في ~~الواقع من بين ذرية تلك الكائنات؛ فالكائنات التي تمر مصادفة بطفرات تعزز من ~~قدرتها على البقاء والتناسل في تلك البيئة ستزيد احتمالات توريثها لتلك الطفرة، ~~والكائنات التي تمر بطفرات تقلل من فرص بقائها وتناسلها في تلك البيئة ستقل ~~احتمالات توريثها لتلك الطفرة. هكذا، وعلى مدار أجيال كثيرة، تتأقلم الكائنات تدريجيا ~~مع بيئتها. بل وفي ظل ظروف معينة، قد ينشأ نوع جديد بالكامل. # أطلق داروين على هذه الآلية الانتخاب الطبيعي، لتمييزها عن الانتخاب الاصطناعي الذي ~~يستخدمه مربو الكلاب وزارعو المحاصيل. وعلى عكس الانتخاب الاصطناعي، لا يستلزم ~~الانتخاب الطبيعي عقلا ذكيا لتوجيه عملية الانتخاب نحو غاية بعينها؛ فالطبيعة ~~العمياء غير المفكرة تتولى الآن عملية الانتخاب برمتها دون تخطيط. # وتوجد حفريات كثيرة وغيرها من الأدلة على أن العين البشرية تطورت في الحقيقة ~~تدريجيا على مدار ملايين السنين، وربما بدأت بظهور خلية واحدة حساسة للضوء من باب ~~المصادفة لدى كائن كان يعيش منذ ملايين السنين؛ وعلى أن الانتخاب الطبيعي هو الآلية ~~الرئيسية التي تقود هذه العلمية التطورية. # واكتشاف آلية الانتخاب الطبيعي أدى بداروين إلى رفض برهان التصميم لبايلي؛ فكتب ~~داروين يقول: # إن برهان التصميم القديم في الطبيعة، كما عرضه بايلي، وهو الذي بدا لي فيما ~~مضى برهانا قاطعا، أصبح لا أساس له، منذ أن اكتشف قانون الانتخاب ~~الطبيعي. # رغم أن ظهور نظرية داروين للانتخاب الطبيعي ومن بعدها نظرية الجينات أدى إلى انخفاض ~~في شعبية برهان التصميم، فإن حجج البرهان بصدد العودة إلى الأضواء ms028 مؤخرا، وفيما يلي ~~شكلان شهيران أكثر حداثة من تلك الحجج. ~~(4) حجة التعقيد غير القابل للاختزال # يذهب البعض، مثل أستاذ الكيمياء الحيوية مايكل بيهي، صاحب كتاب «صندوق داروين ~~الأسود»، إلى أنه توجد سمات معينة للكائنات البيولوجية لا يمكن لنظرية داروين للانتخاب ~~الطبيعي تفسيرها. وفي حين يقبل بيهي بأن الأنواع الجديدة تتطور وبأن الانتخاب الطبيعي ~~يلعب دورا في ذلك، فإنه يؤكد أن «بعض» الأنظمة البيولوجية معقد تعقيدا غير قابل ~~للاختزال؛ ومن ثم لا يمكن أن تكون قد تطورت بالانتخاب الطبيعي. # يقصد بيهي بالنظام المعقد تعقيدا غير قابل للاختزال ما يلي: # نظام واحد يتألف من عدة أجزاء عديدة متفاعلة محكمة التوافق تساهم في ~~القيام بالوظيفة الأساسية للنظام؛ بحيث تؤدي إزالة أي جزء من تلك الأجزاء إلى ~~تعطل النظام بأكمله عن أداء وظيفته بفعالية. # ويسوق بيهي مصيدة الفئران باعتبارها مثالا لتوضيح فكرته. افصل أي جزء من أجزائها ~~عنها - القاعدة أو الزنبرك أو الجبن - وستتوقف الآلة بأسرها عن أداء وظيفتها. ويضيف ~~بيهي قائلا: # النظام البيولوجي المعقد تعقيدا غير قابل للاختزال، إن كان يوجد مثل هذا ~~النظام، من شأنه أن يمثل تحديا قويا للتطور الدارويني. # ويبدو أنه توجد أنظمة معقدة تعقيدا غير قابل للاختزال في الطبيعة، ويقدم بيهي ~~عددا من الأمثلة التوضيحية، وفيها نوع من السياط لدى البكتيريا؛ زائدة شبيهة بالسياط ~~تستخدمها البكتيريا لتحريك نفسها، ولكل سوط عند قاعدته محرك جزيئي من نوع ما يضم ~~مكونات عدة، كل منها ضروري من أجل حركة السوط. # شكل 2-1: قاعدة سوط خاص ببكتيريا (هذه الصورة تبالغ في شكله ~~«التصميمي»). # لم يفترض بيهي أن نظاما معقدا غير قابل للاختزال مثل هذا السوط لا يمكن أن يتطور ~~تدريجيا عن طريق الانتخاب الطبيعي؟ لأن بيهي يظن أنه «لا يمكن أن يكون التمتع بجزء ~~واحد فقط من هذا النظام مفيدا للتناسل أو البقاء.» أزل أي مكون من المكونات ~~وستكون النتيجة سقطا لا طائل من ورائه؛ ولذا، لا يمكن أن يتطور النظام على مراحل. ~~واحتمالية ظهور النظام بأسره تلقائيا في جيل واحد نتيجة لطفرة ms029 بالمصادفة منخفضة ~~جدا؛ ما يجعل افتراض وجود مصمم ذكي من نوع ما خلق هذا النظام أكثر منطقية ~~بكثير. # وحجة بيهي المؤيدة لوجود تصميم ذكي لها رواج في بعض الدوائر الدينية، والبعض يقول إنه ~~بما أن المجتمع العلمي من المفترض أنه منقسم بشأن مسألة إن كان ذكاء ما قد لعب دورا في ~~ظهور الحياة، فإن نظرية التصميم الذكي ينبغي أن تدرس بالمدارس إلى جانب نظريتي ~~التطور والانتخاب الطبيعي، وهذا الافتراض معد ليداعب إحساسنا بالإنصاف. بالتأكيد لن ~~يكون الوضع منصفا إلا إذا حصل الطرفان في أي جدل علمي على فرصة للاستماع إلى ~~آرائهما. # إلا أن الحقيقة هي أن «الجدل العلمي» حول التصميم الذكي خرافة. لا يوجد جدل علمي؛ ~~فحجج بيهي سقطت علميا بالكامل. # وفي الواقع، ثمة آليات طبيعية معقولة لجميع الأمثلة التي ساقها بيهي على النظم ~~المعقدة تعقيدا غير قابل للاختزال. وكما يوضح أستاذ البيولوجيا كينيث آر ميلر، فإن ~~إحدى الطرق التي يمكن بها للانتخاب الطبيعي إنتاج نظم معقدة تعقيدا غير قابل للاختزال ~~هي عن طريق الجمع بين عناصر قد تطورت من قبل بفعل الانتخاب الطبيعي كي تؤدي وظائف ~~«أخرى». ولأن أي جزء على نحو منفصل من السوط سيكون عديم الفائدة في تحريك البكتيريا، ~~فهذا لا يستتبع أن يكون الجزء عديم الوظيفة. بل إننا نعلم بالفعل أن بعض مكونات سياط ~~البكتيريا لها وظائف في مواضع أخرى: # يكتب [بيهي] إنه في غياب «أي جزء تقريبا» من أجزاء سوط البكتيريا، فإن السوط ~~«لن يؤدي وظيفته.» لكن مهلا! إن مجموعة صغيرة من البروتينات في السوط تؤدي ~~وظيفتها دون بقية أجزاء السوط؛ إذ تستخدمها أنواع كثيرة من البكتيريا كوسيلة ~~لحقن السموم داخل خلايا أخرى. ورغم أن الوظيفة التي يؤديها هذا الجزء الصغير ~~عندما يؤدي عمله بمفرده مختلفة، فإن الانتخاب الطبيعي مع ذلك يمكن أن ~~يفضلها. # إجمالا، إن زعم بيهي الأساسي بأن امتلاك «جزء» واحد من آلية معقدة تعقيدا غير ~~قابل للاختزال لن يكون ذا قيمة على صعيد التناسل أو البقاء بالنسبة إلى الكائن؛ زعم ~~خاطئ تماما. ms030 إن كنت تظن أن ميلر يقول هذا لأنه ملحد يرفض أي شكل من التصميم الذكي، ~~فأعد التفكير في الأمر؛ فميلر ديني. يقول ميلر إنه ليس التحيز ضد الدين هو الذي ~~يفسر السبب وراء أن المجتمع العلمي يرفض حجج بيهي: # في التحليل النهائي، فرضية الكيمياء البيولوجية الخاصة بالتصميم الذكي خاطئة، ~~ليس لأن المجتمع العلمي منصرف عن مناقشتها، وإنما لأبسط الأسباب؛ أن الأدلة ~~العلمية تناقضها تمام التناقض. # كتب الفيزيائي لورانس كراوس يقول: # إن تضليل [التصميم الذكي] يكمن في إشارة مؤيديه إلى جدل دائر في حين أنه لا ~~يوجد أي جدل في الواقع. قام صديق لي بإعداد مسح غير رسمي عبر أكثر من عشرة ~~ملايين مقال نشر في كبرى الدوريات العلمية خلال الاثني عشر عاما الماضية. ~~والبحث عن التطور ككلمة دليلية كانت نتيجته 115 ألف مقال، معظمها عن التطور ~~البيولوجي. والبحث عن التصميم الذكي خرج بثمانية وثمانين مقالا، كلها باستثناء ~~أحد عشر مقالا منها كانت بدوريات هندسية؛ حيث لا أمل بالطبع أن تحتوي على نقاش ~~حول التصميم الذكي! ومن بين الأحد عشر مقالا المتبقية، ثمانية كانت تنتقد ~~الأساس العلمي لنظرية التصميم الذكي، والثلاثة المتبقية اتضح أنها مقالات ~~بمنشورات مؤتمرات، وليس بدوريات بحثية. وهذا هو نطاق «الجدل» في الأدبيات ~~العلمية؛ أي إنه لا يوجد جدل. # إن تلقين الأطفال أنه يوجد «جدل علمي» حول التصميم الذكي هو بمنزلة تلقينهم أكذوبة. ~~ربما يوجد جدل في الواقع، لكنه ليس جدلا «علميا». ~~(5) حجة التصميم الدقيق # طبقا لبعض نظريات الفيزياء الحالية، يبدو أن الكون «مصمم تصميما دقيقا» من أجل ~~الحياة. وتفيد بأنه لكي توجد حياة، يجب أن تكون قوانين الطبيعة والأحوال الأولى للكون ~~مضبوطة تماما. فإن كانت قوى معينة أقوى أو أضعف قليلا، وإن كانت أبعاد أو قيم ~~معينة أكبر أو أصغر قليلا، فما كانت الحياة لتتمكن من الظهور أو كانت ستقل كثيرا ~~احتمالات ظهورها. وفيما يلي رأي ستيفن هوكينج في هذا الشأن: # الحقيقة المثيرة للانتباه هي أن قيم هذه الأرقام [الرئيسية] يبدو أنها ~~مضبوطة على نحو بالغ الدقة ms031 كي تتيح نشوء الحياة؛ على سبيل المثال، لو اختلفت ~~الشحنة الكهربية للإلكترون اختلافا ضئيلا فقط، لما تمكنت النجوم من حرق ~~الهيدروجين والهليوم، أو لكانت قد انفجرت. # وكثيرا ما يقال إن احتمالية أن يتوافر للكون مثل هذه التوليفة من السمات من قبيل ~~المصادفة فقط في واقع الأمر ضئيلة جدا. إنها احتمالية بالغة الضآلة في الواقع، لدرجة ~~أن البعض يظن أن افتراض وجود عامل ذكي من نوع ما «صمم» عمدا الكون على هذا ~~النحو فرض أكثر منطقية، وسيضيف كثيرون أن هذا الذكاء هو الإله؛ فالإله يقدم تفسيرا ~~مرضيا لما سيكون من دونه مجموعة بعيدة الاحتمال جدا من المصادفات؛ ومن ثم فمن ~~المعقول الإيمان بوجود الإله. # إلى أي مدى تدعم فعليا تلك الملاحظات وغيرها عن العالم الطبيعي الإيمان بوجود ~~الإله؟ إنها بالكاد تدعمه، إن كانت تدعمه من الأساس. # بادئ ذي بدء، لاحظ أن المزاعم العلمية التي تستند إليها حجة التصميم الدقيق ليست ~~بمنأى تام عن الجدل. # يتشكك عدد من العلماء إن كان هناك نطاق محدود جدا فحسب من المعاملات الفيزيائية ~~يمكن للحياة أن تنشأ في إطاره. وقد درس الفيزيائيون، وفيهم فيكتور شتينجر وأنتوني أجيري ~~وكريج هوجان، تلك الأكوان التي تنتج عندما تتغير ستة معاملات كونية في نفس الوقت بعدة ~~قيم أسية، واكتشفوا أن النجوم والكواكب والحياة الذكية يمكن أن تنشأ على نحو يمكن ~~تصوره في إطار كثير منها. وطبقا لهؤلاء الفيزيائيين، بالتأكيد من غير المؤكد أنه لا ~~توجد سوى مجموعة ضئيلة جدا من المعاملات الفيزيائية التي قد تنشأ الحياة في إطارها. ~~فإن كانوا على حق، فالكون ليس مصمما تصميما دقيقا. # يرى علماء آخرون أنه إن كان الكون مصمما تصميما دقيقا فربما هناك أيضا وجود ~~متعدد الأكوان؛ أي عدد ضخم من الأكوان تحكمها مجموعة كبيرة من القوانين الفيزيائية ~~المختلفة. فإن كان هناك وجود متعدد الأكوان، فلا يستبعد أن يتصادف وجود كون مصمم ~~تصميما دقيقا؛ كون يتمتع بصفة مبدأ جولديلوكس - «مضبوط تماما» - للحياة. # لكن دعونا نسلم جدلا أن الجوانب العلمية التي تستند إليها حجج التصميم ms032 الدقيق الكوني ~~ثابتة على نحو لا يتطرق إليه الشك؛ لنفترض أن الكون مصمم تصميما دقيقا، وأنه لا يوجد ~~وجود متعدد الأكوان. # ثمة مشاكل أخرى كثيرة في حجة التصميم الدقيق، ثمة فكرة رئيسية تقوم عليها مثل هذه ~~الحجج - وهي أننا يمكن أن نتكلم على نحو واضح عن الكون وسماته الرئيسية على أنها إما ~~«محتملة» أو «مستبعدة» - قد اعترض عليها الفلاسفة مرارا وتكرارا (فبعضهم يقول، على ~~سبيل المثال، إن فكرة الاحتمالية المستخدمة هنا لا يمكن تطبيقها إلا فيما يتعلق بمجموعة ~~معينة من القوانين والحالات المادية، التي بالطبع لا يمكن أن تتاح إلا في إطار كون ~~مادي). # لكن دعونا نفترض جدلا أن الكون مصمم تصميما دقيقا من أجل الحياة، وأنه من ~~المستبعد إلى حد كبير أن يتمتع بتلك السمات الداعمة للحياة من قبيل المصادفة وحسب. ~~إلى أي مدى ستدعم تلك الحقيقة الإيمان بوجود كيان ذكي من نوع ما يتجاوز الوجود ~~المادي قام بتصميم الكون عن عمد على هذا النحو؟ # ثمة اعتراض آخر على حجة التصميم الدقيق - طرحه ريتشارد دوكينز وآخرون - وهو أنه ~~بالاحتكام إلى وجود مصمم ذكي للكون، فإننا نحتكم إلى كيان يجب ألا يقل تعقيدا - ~~وكذلك لا يقل استبعادا في سماته - عن الكون الذي من المفترض أنه صممه؛ فإذا كان تعقد ~~الكون سيقودنا إلى الافتراض بأن له مصمما، ألا ينبغي أن يقودنا تعقد المصمم ~~إلى افتراض أنه كان هناك مصمم للمصمم، وهكذا إلى ما لا نهاية؟ ~~(6) هل فرضية الذكاء المتجاوز للوجود المادي منطقية؟ # لكن حتى إن نحينا هذا الاعتراض جانبا، تظل هناك مشكلتان أخريان، ربما أكثر ~~عمقا؛ مشكلتان تمثلان تهديدا لجميع حجج التصميم. # المشكلة الأولى هي أنه من غير الواضح أن فكرة المصمم الذكي المتجاوز للوجود المادي ~~منطقية. # يفسر البشر سمات العالم من حولهم بطريقتين أساسيتين؛ تتمثل الأولى في تقديم ~~تفسيرات «خاصة بالمذهب الطبيعي» تحتكم إلى سمات العالم الطبيعي، مثل الأحداث والقوى ~~والقوانين الطبيعية، وتقع تفسيرات الفيزياء والكيمياء في تلك الفئة. وتتمثل الأخرى في ~~تقديم تفسيرات مقصودة؛ أي تفسيرات تحتكم إلى معتقدات ms033 ورغبات فاعلين عاقلين بنحو أو ~~بآخر. لم توجد شجرة في بقعة ما؟ لأن تيد أراد أن يرى وهو ينظر من نافذة حجرة نومه ~~شجرة، فغرس فسيلة في تلك البقعة؛ ظنا منه أنها ستنمو وتصير شجرة بلوط عظيمة. # عندما نعجز عن تفسير شيء يتوافق مع المذهب الطبيعي، سيستميلنا بالتأكيد البحث عن ~~تفسير مقصود. وعندما لا نستطيع تقديم تفسيرات تتوافق مع المذهب الطبيعي لسبب حركة ~~الأجرام السماوية على النحو الذي تتحرك به، نفترض أنه لا بد أنها، أو لا بد أن من ~~يحركها، آلهة من نوع ما. وعندما لم نستطع أن نقدم تفسيرا للأمراض والكوارث ~~الطبيعية، أرجعناها إلى أعمال فاعلين أشرار، مثل السحرة والشياطين. وعندما لم نتمكن ~~من تقديم تفسيرات تتوافق مع المذهب الطبيعي لنمو النباتات وتعاقب الفصول، استحضرنا ~~مجددا الفاعلين؛ العفاريت والجنيات والآلهة على مختلف الصور. # ومع نمو فهمنا العلمي للعالم، تقلصت الحاجة إلى استحضار الساحرات والجنيات ~~والشياطين وغيرهم من الفاعلين فوق الطبيعيين لتفسير مظاهر العالم الطبيعي. إلا أننا ~~عندما نسأل: «لم يوجد العالم الطبيعي من الأساس؟ وما الذي يفسر سبب تمتعه بالقوانين ~~الأساسية التي يتمتع بها؟» لا نجد تفسيرات تتوافق مع المذهب الطبيعي؛ ولذا، قد يبدو ~~تفسير من منطلق نشاط من نوع ما لفاعل يتجاوز الوجود المادي وجيها، بل ولا ~~مفر منه. # لكن هل هذا التفسير منطقي؟ هب أنني أزعم وجود جبل لا يشغل حيزا من الفراغ، فهو جبل ~~له قمة مدببة وتحيط به وديان وأجراف منحدرة، لكن هذا الجبل غير موجود أو ممتد في ~~الفراغ على الإطلاق، وليس لهذا الجبل أبعاد مكانية؛ فهذا الجبل يتجاوز عالمنا ~~المكاني. # ربما تسأل عن سبب افتراضي وجود مثل هذا الجبل. وإن لم أقدم لك أسبابا وجيهة، ~~فستتشكك في كلامي، ومعك الحق في ذلك. لكن في الواقع، ألا توجد مشكلة أكثر جوهرية في ~~زعمي بوجود مثل هذا الجبل؟ ألا يمكننا أن نعلم، حتى قبل أن نلتفت إلى مسألة إن كان يوجد ~~«دليل» يؤيد وجود مثل هذا الجبل أو ينفيه، أنه لا يمكن أن يوجد ms034 مثل هذا الشيء؟ إذ إن ~~فكرة الجبل الذي لا يشغل حيزا من الفراغ في حد ذاتها غير منطقية، ولجبلي ~~الافتراضي قمة وتحفه وديان ومنحدرات، لكن كلها مظاهر تستلزم امتدادا مكانيا؛ ~~فالقمة تستلزم أن يكون جزء من الجبل أعلى من جزء آخر، والوادي يجب أن يكون منخفضا عن ~~الأرض المحيطة به. فمفاهيم الجبل والقمة وغيرها لا تنطبق على نحو محسوس إلا في سياق ~~مكاني. أخرج هذا السياق من المسألة وستجد أننا في النهاية نتحدث عن هراء. # لكن عندما ننتقل الآن إلى مفهوم المصمم المتجاوز للوجود المادي، هل يبدو الأمر ~~منطقيا أكثر بأي شكل من الأشكال؟ لمفهوم الفاعل أصله في إطار زماني؛ فمفهوم الفاعل هو ~~مفهوم لشخص أو لشيء له «معتقدات» و«رغبات» قد «يتصرف» على أساسها على نحو عقلاني إلى ~~حد ما. إلا أن التصرفات هي أحداث تحدث في لحظات معينة من الزمن، والمعتقدات والرغبات ~~حالات نفسية لها مدة زمنية. # والآن عندما نفترض أن الكون الزمكاني من خلق الإله، فإننا نفترض أنه من خلق ~~فاعل لا زماني؛ أي فاعل لا يوجد في حيز الزمان (أو على الأقل لم يكن موجودا ~~حينها)؛ لأنه حينها لم يكن هناك بالطبع أي زمن كي يوجد فيه الفاعل. لكن إن كانت ~~الرغبات حالات نفسية ذات مدة زمنية، فكيف يمكن لهذا الفاعل أن يمتلك رغبة خلق الكون؟ ~~وكيف أقدم على فعل الخلق إن لم يكن هناك أي زمن تؤدى فيه الأفعال؟ من الصعب أن ~~ترى الحديث عن فاعل لا زماني أكثر منطقية بأي صورة من الحديث عن جبل لا وجود له في حيز ~~مكاني. # ربما تتفادى هذه الألغاز بافتراض أن الإله موجود، وطالما كان موجودا، في الزمن؛ فهذا ~~يوفر للإله الإطار الزمني الضروري الذي قد يمتلك من خلاله الرغبة في صنع الكون ووضع ~~تصميم له والقيام بعملية الخلق. لكن هذا يطرح مجموعة كبيرة من الأسئلة المحيرة ~~الأخرى؛ مثل: «لم استغرق الأمر من الإله طيلة هذه المدة كي يجد الوقت لخلق الكون (ومن ~~المفترض أنها فترة طويلة جدا لا ms035 يمكن قياسها)؟ هل كان يمتلك دوما الرغبة في خلق مثل ~~هذا الكون؟» إن كانت الإجابة بنعم، فلم انتظر طيلة هذه المدة قبل الشروع في الخلق ~~(وماذا كان يفعل في تلك الفترة)؟ أو إن كانت تلك رغبة جديدة تولدت لديه، فلم ~~تولدت تلك الرغبة تلقائيا لديه؟ (بل كيف يمكن أن تتولد رغبة جديدة إن كان من ~~المفترض أن الإله «غير قابل للتغير»؛ «لأني أنا الرب لا أتغير» [ملاخي، 3: 6].) # ومن جانبنا ربما نصر، مثلما يفعل كثير من التأليهيين، على أن الحديث عن وجود ~~مصمم ذكي ينبغي ألا يفهم «حرفيا»؛ فنحن لا نفترض وجود فاعل ذكي بالمعنى الحرفي، ~~بل شيء «شبيه» بمثل هذا الفاعل. # هل ينجح هذا الاحتكام إلى التشابه في ~~إنقاذ التفسير بالمعنى الوارد في التصميم الذكي؟ هب أنني أحاول تفسير ظاهرة طبيعية ~~ما بالاحتكام إلى وجود جبل لا مكاني، فيشير منتقدي إلى أن فكرة مثل هذا الجبل غير ~~منطقية، فترتسم على وجهي أمارات الضجر وأصر على أنهم يؤولون كلامي على نحو مبالغ ~~جدا في الحرفية والتبسيط؛ فأنا لا أتحدث عن جبل بالمعنى «الحرفي»، بل عن شيء «شبيه» ~~بالجبل؛ هل ينقذ هذا تفسيري؟ # هب أن التشابه الذي أطرحه كالتالي: الشعور بالذنب الذي يشعر به بلد من البلدان حيال ~~عمل فظيع أقدم عليه هو مثل جبل شاهق يطأ بوزنه على النفس الجمعية لمواطني هذا ~~البلد، وهذا بالتأكيد تشابه حسن قد نسوقه بمختلف الطرق. والآن هب أن البلد الذي نتحدث ~~عنه ضربه زلزال شديد. سأحاول تفسير الزلزال بالاحتكام إلى هذا الشيء الشبيه بالجبل، ~~بالتأكيد لن يفسر هذا الزلزال؛ فشيء «شبيه» فحسب بالجبل لن يتمتع بالقوى السببية ~~والتفسيرية نفسها التي يتمتع بها جبل حقيقي؛ فالشعور الجمعي بالذنب لا يسبب ~~الزلازل. # ويمكنك الآن أن ترى لم كان من يحاولون تفسير سمات العالم بالاحتكام إلى شيء شبيه ~~وحسب بفاعل ذكي يحملون على عاتقهم الكثير (على أقل القليل) من الأمور التي عليهم ~~تفسيرها! فعليهم مهمة تفسير؛ أولا: ما التشبيه المقصود تحديدا؟ وثانيا: كيف يفترض ~~بالتشبيه الذي يسوقونه أن ms036 يتجنب تهمة الهراء الموجهة إلى النسخة المفهومة حرفيا من ~~الزعم؟ وثالثا: كيف يفترض بهذا الشيء الشبيه وحسب بالفاعل الذكي أن تكون لديه القدرات ~~التفسيرية المناسبة التي يتمتع بها الفاعل الذكي الحقيقي؟ # هل يمكن لمن يحتكمون إلى شيء «شبيه» وحسب بفاعل ذكي أن يقدموا هذه التفسيرات؟ لا يتضح ~~لي أن بإمكانهم ذلك (وغالبا لا يكلفون أنفسهم عناء المحاولة). وهذه الاحتكامات إلى ~~التشابه تبدو لكثير من المعلقين، وأنا من بينهم، أنها تسحب الجدل حول التصميم الذكي، لا ~~إلى أعلى إلى مستوى التعقيد والعمق العظيم، بل إلى أدنى إلى مستوى المراوغة ~~والإبهام. ~~(7) لم يوجد إله؟ ولم هذا الإله بالتحديد؟ # إن طرحنا جميع هذه الاعتراضات جانبا، فيتبقى ما قد يكون أكثر الاعتراضات إسقاطا ~~للحجة على الإطلاق؛ وهو أنه ستكون قفزة ضخمة وغير مبررة، في هذه الحالة، أن نخلص من ~~النتيجة القائلة بأن الكون صنيعة ذكاء إلى نتيجة أخرى تقول بأن هذا الذكاء هو إله ~~المحبة الكلي القدرة المنان بلا حدود، الذي يعبده المسيحيون والمسلمون ~~واليهود. # وكما يوضح الفيزيائي بول ديفيز، الفائز بجائزة تمبلتون، في نهاية كتابه «معضلة ~~جولديلوكس»، فإنه حتى مع طرح جميع هذه المشكلات جانبا: # المشكلة الرئيسية الأخرى في التصميم الذكي هي أنه لا توجد ضرورة كي تكون هناك ~~علاقة على الإطلاق بين هوية المصمم وبين الإله في المعتقد التوحيدي التقليدي. ~~«القوة المعنية بالتصميم» يمكن أن تكون مجموعة من الآلهة، على سبيل المثال. ~~يمكن أن يكون المصمم كيانا طبيعيا أو كيانات طبيعية، مثل عقل فائق أو ~~حضارة فائقة متطورة موجودة بكون سابق، أو في جزء آخر من كوننا، قام بصنع كوننا ~~باستخدام تكنولوجيا فائقة، كما يمكن أن يكون المصمم كمبيوترا خارقا من نوع ~~ما يحاكي هذا الكون؛ ولذا، فإن استدعاء فكرة عقل فائق ... محفوفة ~~بالمشاكل. # ديفيز على حق بالطبع. حتى إن كانت هناك مظاهر معينة في الكون تشير إلى وجود مصمم، فهي ~~لا تشير إلى وجود الإله المسيحي بالقدر نفسه الذي لا تشير به إلى أن الكون عبارة عن ~~محاكاة من صنع كمبيوتر، ms037 أو صنيعة حضارة فائقة سابقة، أو بالطبع إله من نوع ~~مختلف. # لم يوجد إله؟ ولم هذا الإله بالتحديد؟ لم نحصل حتى اللحظة على إجابات عن هذين ~~السؤالين. # خاتمة # استعرضنا في هذا الفصل أمثلة على نوعين من الحجج التي يعتبر كثيرون أنها توفر درجة ~~معقولة من الدعم المنطقي للإيمان بالإله: الحجج الكونية وحجج التصميم. وبتناول الموضوع ~~عن كثب، اتضح أن الحجج، على أقصى تقدير، لا تدعم سوى الزعم القائل بأنه يوجد ذكاء من ~~نوع ما، أو ربما شيء ما موجود بالضرورة، يقف خلف الكون (وأنا أعتقد أننا عرضنا لأسباب ~~وجيهة لافتراضنا أنها فشلت حتى في إثبات هذا القدر). ففي كل حالة، وجدنا أن الأمر ~~سيكون، على أساس الحجة المعروضة، قفزة أخرى ضخمة غير مبررة إلى النتيجة القائلة بأن هذا ~~الذكاء هو الإله كما هو موجود في المعتقد التوحيدي التقليدي. # الفصل الثالث # | الحجة المعارضة لوجود الإله # ركز الفصل السابق على حجج مؤيدة لوجود الإله، وفي هذا الفصل، سنعرض لحجة معارضة لوجود ~~الإله. ~~(1) إشكاليتا الشر # يتمتع الإله، كما ترى المعتقدات ~~التقليدية للأديان التوحيدية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام، بثلاث خصائص مهمة ~~على الأقل؛ أولاها: أن الإله كلي القدرة أو قوي قوة مطلقة؛ فالإله يمتلك القدرة ~~على خلق الكون وتدميره. وإذ إنه خالق قوانين الطبيعة وصائنها، فله حرية خرقها بإحياء ~~الموتى أو شق البحر الأحمر، على سبيل المثال. وثانيتها: أن الإله كلي العلم؛ فمعرفته ~~لا محدودة، ويعلم حتى بواطن أفكارنا. وثالثتها: أنه من المفترض أن الإله خير خيرا ~~ساميا. وفي الحقيقة، كثيرا ما يتم وصف الإله بأنه يحمينا كأب محب يسهر على رعاية ~~أطفاله، فيقولون إن الإله محبة. # أود الإشارة إلى أنني سأستخدم كلمة «الإله» للإشارة إلى مفهوم الإله حسب المعتقد ~~التقليدي للأديان التوحيدية الثلاثة؛ ومن ثم، سأستخدم كلمة «توحيد» للإشارة إلى ~~الإيمان بهذا المفهوم للإله، أما كلمة «تأليه» فستشير للإيمان بوجود إله أو عدة آلهة، ~~سواء كان الإله أم لا. # إن كان الإله يتمتع بالخصائص الثلاث السابقة، فهذا يمثل تحديا واضحا ومألوفا ~~للمعتقد التوحيدي؛ ms038 تحديا معروفا بإشكالية الشر. وفي الواقع، ثمة إشكاليتا شر على ~~الأقل: الإشكالية المنطقية، والإشكالية الإثباتية. ~~(2) إشكالية الشر المنطقية # تبدأ إشكالية الشر المنطقية بفكرة أن الزعم القائل بأن: ~~(1) # هناك إله كلي القدرة، كلي العلم، وسامي الخير. # لا تتسق منطقيا مع الزعم بأن: ~~(2) # الشر موجود. # وبالشر نقصد هنا كلا من المعاناة والأفعال الخاطئة أخلاقيا. والجدل يكون على هذا ~~النحو: الزعم الثاني صحيح؛ ولذا فالزعم الأول خاطئ. لم؟ لأن الإله الكلي القدرة ~~سيتمتع بالقوة لمنع الشر، والإله الكلي العلم سيعرف بوجوده، والإله الواسع الخير سيرغب ~~في منعه. # لاحظ أن مقدار الشر الموجود لا علاقة له بالحجة أعلاه؛ فهي تقتضي وجود «بعض» الشر ~~فحسب، مهما كان صغر مقداره. # كثير من التوحيديين يقولون بأن إشكالية الشر المنطقية لا تمثل تحديا لا يمكن ~~تجاوزه للإيمان بالإله. وفي ردهم عليها، يحاولون توضيح أن الإله الكلي القدرة، الكلي ~~العلم، الواسع الخير؛ قد يسمح بقدر من الشر من أجل مصلحة أعلى. # فعلى سبيل المثال، كثير من هؤلاء يؤمنون أن الإله وهبنا إرادة حرة؛ أي القدرة على ~~الاختيار بحرية بين فعل الخير أو الشر. ونتيجة لتصرفنا بحرية، يوجد الشر. إلا أن ~~هذا الشر تفوقه بكثير مظاهر خير أخرى تجلبها الإرادة الحرة، مثل القدرة على إتيان أعمال ~~خيرة بمحض اختيارنا الواعي. ورغم أن ذلك قد يبدو متناقضا، فهذا عالم أفضل من عالم آخر ~~يفتقر للإرادة الحرة، رغم وجود الحرب والقتل، على سبيل المثال، نتيجة للإرادة ~~الحرة. # لاحظ أن دفاع الإرادة الحرة لا يتناول (عادة) إشكالية الشر الطبيعي؛ أي المعاناة ~~التي تنشأ بمعزل عن أفعال البشر، مثل المعاناة التي تنتج عن الأمراض والكوارث التي تحدث ~~لأسباب طبيعية. لم يوجد مثل هذا الشر؟ كما سنرى لاحقا، غالبا ما يجيب التوحيديون ~~بإجابة مشابهة، وتحديدا أن الشر الطبيعي ضروري من أجل مصلحة أعلى، مثل الاتساق في ~~قوانين الطبيعة أو إتاحة الفرصة للبشر كي يبدوا فضائل مثل الصبر والبسالة أمام ~~النوازل. ~~(3) إشكالية الشر الإثباتية # إلا أنه ثمة إشكالية شر أخرى تواجه المعتقد التوحيدي، أرى أنها أشد ms039 خطورة؛ وهي ~~إشكالية الشر الإثباتية. تقوم إشكالية الشر الإثباتية لا على فكرة أن صحة الزعم الثاني ~~تستتبع منطقيا زيف الزعم الأول، بل على فكرة أن الزعم الثاني يقدم لنا «دليلا ~~وجيها» يدحض الزعم الأول. # وهنا يصبح مقدار الشر مهما للحجة. وفي حين أننا قد نقر بأن الإله قد يسمح ببعض ~~الشر (من أجل مصلحة أعلى )، فهل يوجد أي سبب وجيه لسماحه بوجود هذا القدر الكبير من ~~الشر؟ وبإمكاننا أن نذكي جذوة الإشكالية الإثباتية بالإشارة إلى أن الإله من المفترض ~~أنه لن يسمح بوجود معاناة بلا سبب. وإذا كان الإله موجودا، فمن المفترض أن لديه سببا ~~وجيها للسماح بكل هذا الكم من المعاناة. # في نهاية حلقة عرضت مؤخرا من برنامج «الحياة» التليفزيوني، أجري لقاء مع أحد ~~المصورين. وقد ذكر أنه بعد بضعة أسابيع من العمل ضمن طاقم البرنامج، أخذ يفكر في اعتزال ~~تصوير الحياة البرية؛ لأنه وجد التجربة بالغة الإزعاج لدرجة لا يطيقها؛ فقد كان يعاني ~~من أجل التكيف مع المعاناة الاستثنائية التي تقاسيها الحيوانات التي كان يراقبها. وكان ~~هذا النوع من المعاناة - المعاناة المروعة، على مستوى عالمي شاسع - بالطبع مستمرا، ~~ليس لبضعة أسابيع فحسب، بل لمئات الملايين من السنين، قبل ظهور الإنسان الحديث جدا ~~بوقت طويل. # عندما بدأنا التفكير في مقادير المعاناة الضخمة الموجودة - وفيها مئات ملايين السنين ~~من معاناة الحيوانات التي حدثت قبل ظهور البشر - ألا يتضح سريعا أنه لا يمكن تفسير كل ~~ذلك بأنه يخدم مصلحة أعلى؟ # إذن، الزعم القائل بأن الإله في المعتقد التوحيدي التقليدي موجود، يبدو خاطئا على ~~نحو واضح على المستوى التجريبي. ~~(4) نظريات العدالة الإلهية # يرد المؤمنون بالإله على إشكالية الشر الإثباتية بعدة طرق مختلفة؛ فالبعض يؤكد على ~~وجود أسس وجيهة لافتراض أنه لا يوجد إله وحسب، بل وأن هذا الكيان يتمتع بالصفات التي ~~يعزوها إليه المعتقد التوحيدي التقليدي. ومن ثم، في حين قد توجد أدلة تعارض وجود ~~الإله، فثمة حجج مؤيدة لوجوده مقابلة لها على الأقل، وسأعود إلى هذا الطرح في وقت لاحق ~~في ms040 هذا الفصل. وقد يصر التوحيديون كذلك على أنه بالإمكان دحض إشكالية الشر الإثباتية ~~إلى حد بعيد، وجرى تقديم كثير من التفسيرات للشر من قبل هؤلاء، وفيها الأمثلة ~~الثلاثة التالية: ~~«حل الإرادة الحرة البسيط». خلقنا الإله فاعلين أحرارا متمتعين بالقدرة ~~على اختيار كيفية تصرفنا. والمعاناة تنتج عن اختيارنا القيام بأشياء خاطئة. ~~إلا أن الإرادة الحرة أيضا تتيح صور خير معينة؛ مثل القدرة على إتيان الخير ~~بمحض اختيارنا الواعي. فالمخلوقات الأشبه بالعرائس المتحركة التي دائما ما ~~تفعل كما يأمرها الإله لن ترتكب شرا، إلا أنها تفتقر إلى المسئولية ~~الأخلاقية؛ ومن ثم فهي غير قادرة على التصرف على نحو فاضل بصورة صادقة ~~وحقيقية. والإله بفك القيود عنا وإعطائنا حرية الإرادة الكاملة، سمح حتما ~~ببعض الشر (كالذي أقدم عليه هتلر). إلا أن الإرادة الحرة الخيرة تسمح بما ~~يفوق تلك الشرور. ~~«أعمال الخير من الدرجة الثانية تقتضي شرورا من الدرجة الأولى». لم يكن مفر ~~من أن يقدر الإله كما محددا من المعاناة بحيث يمكن أن تتحقق أعمال خير ~~مهمة معينة. خذ العمل الخيري مثالا؛ فكي أقوم بعمل من الأعمال الخيرية، يجب ~~أن أفترض وجود آخرين محتاجين، قد يستفيدون من عطائي؛ فالعمل الخيري يعتبر من ~~«أعمال الخير من الدرجة الثانية» التي تقتضي وجود «شرور من الدرجة الأولى» مثل ~~العوز والمعاناة (أو مظهرهما على الأقل). ولأن أعمال الخير من الدرجة الثانية ~~تفوق الشرور من الدرجة الأولى، فإن الإله يسمح بها. ~~«حل «بناء الشخصية»». طبقا لعالم اللاهوت جون هيك، هذا العالم عبارة عن ~~«أرض بناء الأرواح». جميعنا نألف فكرة أن المعاناة يمكن أن تصنع منا أشخاصا ~~أفضل وأقوى. على سبيل المثال، الشخص الذي أصيب بمرض مؤلم وخطير سيقول أحيانا ~~إنه لا يشعر بالحسرة حيال ذلك؛ لأنه تعلم الكثير من التجربة. وبإنزال الألم ~~والمعاناة علينا، يعطينا الإله فرصا مهمة، وفيها فرصة التعلم والنمو والتطور ~~أخلاقيا وروحيا؛ فمن خلال تلك المعاناة وحدها نستطيع أن نبني الأرواح ~~النبيلة التي يريد الإله أن نمتلكها. # عندما تقدم تلك التفسيرات كرد على إشكالية الشر ms041 الإثباتية، أحيانا يطلق عليها ~~«نظريات العدالة الإلهية»، وقد وضع الكثير منها. يعتقد بعض التوحيديين أنه حتى إن لم ~~تحل تلك النظريات إشكالية الشر الإثباتية بالكامل؛ فهي مجتمعة تقلص من الإشكالية ~~على الأقل إلى حجم يمكن التعامل معه، بحيث يمكننا التوقف عن قول إن المعتقد التوحيدي ~~مزيف خاطئ على نحو واضح على المستوى التجريبي. # مع ذلك ، كثيرا ما سيقر المؤمنون بالإله أنه ليس من السهل بالتأكيد شرح السبب وراء ~~إنزال الإله هذا الكم الضخم من الألم والمعاناة على سكان هذا الكوكب الواعين. لذا، يدعم ~~بعضهم هذه التفسيرات المتنوعة باحتكام آخر إلى عنصر «الغموض»، فيؤكدون على أن الإله ~~يعمل على نحو غامض، فعلم الإله وذكاؤه لا حدود لهما بالتأكيد، ومن المرجح أن مخططه ~~«خارج نطاق معرفتنا» في الأغلب. وبذلك، إن كان سبب كثير من الشر الموجود يفوق نطاق ~~فهمنا، فهذا ليس سببا وجيها لعدم وجود الإله. ~~(5) فرضية الإله الشرير # بالطبع يعتبر أغلب الملحدين هذه التفسيرات المتنوعة للنوازل الأخلاقية والكوارث ~~الطبيعية لا طائل منها مطلقا، ويبدو لكثيرين أن المقدار الضخم من المعاناة والانحلال ~~الأخلاقي الموجود في عالمنا يشكل دليلا قويا على أن الإله كما يصفه المؤمنون به ~~غير موجود. وفي الواقع يبدو جليا إلى حد كبير لكثيرين أنه لا يوجد إله. # هل يمكن أن يتضح بجلاء عدم وجود الإله، حتى مع الاحتكام إلى الغموض ومختلف نظريات ~~العدالة الإلهية وغيرها من الاستراتيجيات التي استحدثها التوحيديون للدفاع عن معتقدهم؟ ~~من وجهة نظري، نعم يمكن ذلك. # فكر في اعتقاد مختلف بعض الشيء، وهو أن الكون صمم وخلق على يد كيان كلي القدرة ~~وكلي العلم، إلا أن هذا الكيان ليس كلي الخير، بل إنه مستطير الشر، فلا تعرف قسوته ولا ~~أذاه حدودا. # لاحظ أنني أسوق فرضية الإله البديلة هذه، لا لأنني أرى أنها من المحتمل أن تكون ~~صحيحة؛ وإنما لطرح السؤال التالي: هل هذه الفرضية أقل معقولية في الواقع من فرضية الإله ~~الخير؟ # بالطبع، يعتبر الجميع تقريبا فرضية الإله الشرير عبثية. لم؟ بادئ ذي بدء، ثمة أدلة ms042 ~~كثيرة جدا تعارضها، وبالتأكيد فإن كيانا كلي القدرة وكلي العلم وكلي الشر لن يسمح ~~بوجود أشياء طيبة كثيرة بهذا القدر في خلقه؛ على سبيل المثال، لم يقوم مثل هذا الكيان ~~الشرير بما يلي: # خلق جمال طبيعي يمنحنا كل هذا القدر من البهجة؟ # منحنا أطفالا نحبهم ويحبوننا حبا بلا حدود؟ فالإله الشرير يزدري ~~الحب؛ ومن ثم لا يحتمل أن يضع دفقات من هذه البهجة في خلقه. # منحنا أجسادا فتية بحيث نستمتع بالرياضة وممارسة الجنس وما إلى ~~ذلك؟ # السماح لنا بمساعدة بعضنا بعضا والتخفيف من المعاناة التي نشعر بها، ~~وهذا بالتأكيد ليس التصرف الذي سيسمح به إله شرير، بل كان سيرغمنا على ~~التسبب في معاناة أكبر، بدلا من السماح لنا بالتقليل منها. # الإنعام على بعض الناس على الأقل بوافر الصحة وكثرة المال وجم ~~السعادة؟ # ألا تقدم لنا هذه المظاهر التي يمكن ملاحظتها في الكون أدلة قوية تعارض فرضية ~~الإله الشرير؟ بل ألا يتضح بجلاء أنه لا وجود لمثل هذا الكيان، مع وضع تلك الأدلة في ~~الاعتبار؟ ولعلنا نطلق على هذه الإشكالية التي تواجه فرضية الإله الشرير «إشكالية ~~الخير الإثباتية». # لكن ربما نكون قد تعجلنا في رفض الاعتقاد بوجود إله شرير. لاحظ أننا يمكن أن نحاول ~~الدفاع عن فرضية الإله الشرير بتقديم تفسيرات كالتالي: ~~«حل الإرادة الحرة البسيط». خلقنا الإله الشرير فاعلين أحرارا نتمتع ~~بالقدرة على اختيار كيف نتصرف. ينتج كثير من الأعمال الخيرة عن اختيارنا ~~القيام بالأمور الصحيحة. لم إذن خلق الإله الشرير الإرادة الحرة؟ لأنها ~~تسمح بشرور مهمة معينة، مثل القدرة على إتيان الشر بمحض اختيارنا الواعي. ~~فالمخلوقات الأشبه بالعرائس المتحركة التي دائما ما تتصرف حسب أوامر الإله ~~الشرير قد تنزل الألم والمعاناة بعضها على بعض، إلا أنها تفتقر إلى المسئولية ~~الأخلاقية، وستكون من ثم غير قادرة على التصرف على نحو شرير أخلاقيا بصورة ~~صادقة وحقيقية. والإله الشرير بفك القيود عنا وإعطائنا حرية الإرادة الكاملة، ~~سمح حتما ببعض الخير، إلا أن الإرادة الحرة الشريرة تسمح بشرور تفوق تلك ~~الأعمال الخيرة. ~~«الشرور ms043 من الدرجة الثانية تقتضي أعمال خير من الدرجة الأولى». ربما يذكرنا ~~التوحيديون بأن الإله كان من المحتم أن يخلق قدرا معقولا من الخير كي ~~يمكن وجود شرور مهمة معينة. خذ الغيرة مثالا؛ فالغيرة رذيلة مهمة، ~~لكنها لا يمكن أن توجد إلا بوجود أناس يمتلكون أشياء خيرة تستحق أن يشتهيها ~~غيرهم؛ مثل الصحة والثروة والسعادة. ويطلق على الغيرة «شر من الدرجة الثانية» ~~يقتضي «أعمال خير من الدرجة الأولى». ولأن الشرور من الدرجة الثانية تفوق أعمال ~~الخير من الدرجة الأولى؛ فإن الإله يسمح بوجود أعمال الخير هذه. ~~«حل «تدمير الشخصية»». هذا ~~العالم أرض لتدمير الأرواح. لم يمطر إله شرير عالمنا بالجمال؟ كي يجعل ~~وحشة الحياة اليومية وبشاعتها أكثر فداحة بكثير. لم ينعم علينا بأجساد ~~شابة فتية؟ حسنا، إنه ينعم علينا بها لوقت قصير، ثم يأخذ منا بلا رحمة ~~صحتنا وحيويتنا ببطء، حتى ينتهي بنا الحال غير قادرين على التحكم في عمليات ~~الإخراج ومصابين بالتهاب المفاصل ونتداعى جراء الشيخوخة. أن تعطي أحدهم ~~شيئا رائعا ثم تأخذه منه لهو أشد قسوة من ألا تعطيه إياه من الأساس. ~~وبالتأكيد فإن الإله الشرير يتأكد أننا حتى عندما نتمتع بوافر الصحة، يملؤنا ~~القلق لمعرفتنا أنها قد تختطف منا جراء مرض أو حادث. لم يهبنا أطفالا نحبهم ~~أكثر من حبنا للحياة ذاتها؟ لأن هذا يسمح للإله الشرير بإنزال صور أشد من ~~العذاب علينا. ولا يسعنا سوى أن نصاب بالجزع حيال أطفالنا لأننا نهتم لأمرهم. ~~وكلما زاد اهتمامنا، زادت درجة المعاناة التي يمكن أن تصيبنا. # لاحظ أنه يمكن تعزيز هذه التفسيرات ~~بمناورة إضافية؛ الاحتكام إلى عنصر «الغموض»، فالإله الشرير يعمل على نحو غامض. وإذ إنه ~~يتمتع بقدرة وعلم لا حدود لهما، فمن المحتمل أن تكون خطته الشريرة «خارج نطاق علمنا» في ~~الأغلب. وبذلك، إن كان سبب كثير من الخير الموجود يفوق نطاق فهمنا، فهذا ليس سببا ~~وجيها لعدم وجود مثل هذا الكيان الخبيث. ~~(6) تحدي الإله الشرير # لعلك لاحظت بعض أوجه التشابه الواضحة بين فرضيتي الإله الخير والشرير؛ فالمؤمنون ~~بوجود ms044 الإله الخير يواجهون إشكالية الشر الإثباتية، أما المؤمنون بوجود الإله الشرير ~~فيواجهون إشكالية الخير الإثباتية. المؤمنون بوجود الإله الخير قد يحاولون التعامل ~~مع إشكالية الشر عن طريق وضع نظريات العدالة الإلهية، مثل حلول الإرادة الحرة وبناء ~~الشخصية، والاحتكام إلى الغموض. وعلى نحو مشابه، المؤمنون بوجود الإله الشرير قد يضعون ~~نظريات عدالة إلهية موازية، وكذلك قد يحتكمون إلى الغموض، من أجل التعامل مع إشكالية ~~الخير. وفي الواقع، فإن تلك النظريات الموازية يمكن وضعها فيما يتعلق بأغلب نظريات ~~العدالة الإلهية الأخرى أيضا. # ما مدى معقولية الإيمان بوجود إله شرير، مقارنة بالإيمان بالإله كما هو موصوف في ~~المعتقد التوحيدي التقليدي؟ الجميع تقريبا مقرون، حتى مع اعتبار المناورات الدفاعية ~~المبتكرة كالتي طرحتها أعلاه، بأن الإيمان بوجود إله مستطير الشر يظل ضربا من العبث. ~~وأنا أفترض أنه من «الممكن» وجود مثل هذا الكيان. لكن بالتأكيد هو احتمال بعيد كل ~~البعد، مع اعتبار الأدلة التي نمتلكها. # لكن إن كان ذلك صحيحا، فلم ينبغي أن نعتبر أن الإيمان بوجود إله كلي القدرة، كلي ~~العلم، كلي الخير أكثر معقولية بكثير؟ إن كان مقدار الخير الضخم الذي نلاحظه في العالم ~~دليلا قويا بالفعل على عدم وجود إله شرير، فلم إذن ليس مقدار الشر الضخم دليلا ~~قويا على عدم وجود الإله الخير؟ # ومن ثم، فالمؤمنون بالإله حسب المعتقد التوحيدي التقليدي يواجهون تحديا. طالعنا ~~في الفصل السابق أن بعضا من أهم وأشهر الحجج التي يفترض كثيرون أنها توفر درجة ~~مقبولة على الأقل من الدعم العقلاني للإيمان بالإله، لا تقدم في الواقع أي دعم للإيمان ~~بوجود الإله الخير بالقدر نفسه الذي لا تقدم به سندا لوجود إله شرير، على سبيل ~~المثال. وذكرنا أن إشكالية الخير تقدم فعليا دليلا تجريبيا دامغا يعارض فرضية ~~الإله الشرير، رغم مختلف نظريات العدالة الإلهية الموازية والاحتكام إلى الغموض التي قد ~~يتم اللجوء إليها للدفاع عنها. لكن إن كان المؤمنون بوجود الإله الخير يعتبرون ~~معتقدهم، إن لم يكن مؤكدا، فهو على الأقل «عقلاني»؛ فإن المسئولية الآن تقع على ms045 عاتقهم ~~لشرح «السبب» الذي يجعلنا نعتبر معتقدهم أكثر عقلانية بكثير من الاعتقاد بوجود إله ~~شرير، ويمكننا أن نطلق على ذلك «تحدي الإله الشرير». # لا أدعي أنه لا يمكن التصدي لهذا التحدي، لكني لا أعرف كيفية التصدي له؛ ولهذا السبب ~~لا أرى أن الإيمان بالإله كما هو في المعتقد التوحيدي التقليدي أكثر عقلانية من الإيمان ~~بوجود إله شرير، وإن كان الأخير غير عقلاني على نحو كبير في واقع الأمر. ~~(7) المعجزات والتجارب الدينية # لنلقي نظرة بإيجاز على بعض الاقتراحات الخاصة بكيفية الرد على التحدي الذي يواجه ~~عقلانية المعتقد التوحيدي. إحدى الاستراتيجيات الواضحة بجلاء ستكون محاولة عرض حجج ~~لافتراض أنه لا يوجد إله خالق فحسب، وإنما هذا الكيان خير أيضا. وفي حين أن حجج ~~التصميم التي جرت مناقشتها في الفصل السابق ربما لا تدعم فرضية الإله الخير بقدر ما ~~لا تدعم فرضية الإله الشرير، فربما تكون هناك حجج «أخرى» تدعم بوضوح فرضية الإله ~~الخير. # أبرز الحجج المرشحة، تلك المستمدة من المعجزات ومن التجارب الدينية. عادة ما يتوجه ~~الناس بالدعاء كي يشفى أحدهم من مرض عضال، ويستجاب إلى هذه الدعوات بين الحين والحين. ~~يتدخل الإله بشكل فوق طبيعي للقيام بمعجزة؛ أليس هذا النشاط فوق الطبيعي دليلا وجيها ~~على وجود إله خير، لا إله شرير؟ علاوة على ذلك، عندما يروي الناس تجارب دينية، ~~فإنهم يروون بوجه عام وقائع بالغة الإيجابية، مثل المرور بشيء طيب وجميل على نحو لا ~~محدود. مرة أخرى، ألا يقدم لنا ذلك بعض الأدلة على الأقل على وجود إله، بل ووجود ~~الله؟ # لست متأكدا من ذلك بشدة. إن كنت إلها شريرا، لما كانت هناك ضرورة كي يعلم ~~الناس أني إله شرير، ولا سيما إن كنت بتظاهري بالخير، أستطيع صنع مزيد من الشر في واقع ~~الأمر. # على سبيل المثال، إن كنت إلها شريرا، فقد أظهر لمجموعتين مختلفتين من البشر في ~~شكل إله خير وأقوم بمعجزات فوق طبيعية لأقنع كلا منهما بأنني موجود. فإن قلت ~~لإحدى المجموعتين أشياء تناقض ما أقوله للمجموعة الأخرى، فإن ms046 النتيجة يمكن توقعها: ~~صراع شرس لا نهاية له، باعتبار أن كلا من المجموعتين الآن تمتلك «برهانا» على أن ~~الإله الحق إلى جانبها، وأن خصومها ناكرون لحقيقته. # إذن، هل المعجزات والتجارب الدينية أدلة تؤيد وجود الإله الخير أكثر من وجود إله ~~شرير؟ بالتأكيد الإله الخير، بمعرفته بالمصائب الأخلاقية المروعة التي ستنتج إن ظهر ~~على هذا النحو ، سيتجنب القيام بذلك. كان سيتأكد من عدم وجود مثل هذا اللبس حول من يضمن ~~وجود الإله إلى جانبه وما ينبغي أن يؤمن الناس به. أما الإله الشرير في المقابل فسيدرك ~~أن إظهاره نفسه على هذا النحو الملتبس الخادع سيخلق موقفا من المحتمل أن يزداد فيه ~~الشر. وبذلك لا يتضح إن كانت المعجزات أو التجارب الدينية دليلا على وجود الإله ~~الخير أفضل من كونها دليلا على وجود إله شرير. وفي الواقع، قد نذهب إلى أن التوزيع ~~الفعلي لهذه الظواهر يناسب فرضية الإله الشرير أكثر مما يناسب فرضية الإله ~~الخير. ~~(8) نظريات العدالة الإلهية الأخرى # هل توجد نظريات أخرى للعدالة الإلهية أكثر نجاحا في الدفاع عن المعتقد التوحيدي، ~~نظريات ربما لا يمكن وضع نظريات موازية لها؟ من بين نظريات العدالة الإلهية القياسية ~~الأخرى التي يمكن وضع نظريات موازية لها: ~~«الحل الدلالي». المقصود بمصطلحي «الخير» و«الشر»، عندما يتعلقان بالإله، ~~شيء مختلف عن المقصود بهما عندما يتعلقان بالبشر. فبما أن الإله كيان يتجاوز ~~الوجود المادي، فلا يمكن وصفه وصفا مناسبا باستخدام مصطلحات البشر. وهذا يفسر ~~السبب وراء أن فعلا يقوم به البشر ويعتبر فعلا شريرا (مثل إنزال معاناة ~~بالغة بشخص بريء) لا ضرورة لاعتباره شريرا إن قام به الإله. # لن يستغرق الأمر سوى برهة من التفكير حتى تدرك أنه يمكن تقريبا استخدام المناورة ~~نفسها لشرح السبب وراء أن إلها شريرا سيقدم على أشياء، إن ارتكبها بشر، فستعتبر ~~«خيرة». # شكل 3-1: اختار آدم وحواء ارتكاب الخطيئة. (رغم أنهما حينها لم يكونا يعرفان ~~بعد الخير والشر، فكيف يمكنهما ارتكاب الخطيئة؟) # كما أنه من الممكن وضع نظريات عدالة إلهية موازية لتلك النظريات التي ms047 تفسر الشرور ~~الطبيعية (مثل الزلازل والأمراض) على أنها ناتجة عن قوانين الطبيعة التي، بأخذ كل ~~العوامل في الاعتبار، تنتج خيرا أكثر مما تنتج شرا، وأيضا لتلك التي تزعم أن أي ~~شرور نقاسيها في هذا العالم سيتم تعويضنا عنها في الحياة الآخرة (سأدعك تكتشف تفاصيل ~~ذلك بنفسك). # إلا أنني أعتقد أنه توجد نظرية واحدة على الأقل للعدالة الإلهية لا يمكن وضع نظرية ~~موازية لها بسهولة؛ فقد حاول القديس أوغسطين تفسير الشرور الطبيعية بافتراض أنها نتيجة ~~خروج آدم وحواء من الجنة. قطن آدم وحواء عالما مثاليا لا تعكر صفوه الكوارث ~~الطبيعية ولا الأمراض؛ وعندما عصيا الإله وأذنبا، لم يفسدا أنفسهما فحسب، وإنما ~~الطبيعة أيضا؛ فالأمراض والكوارث الطبيعية والموت هي نواتج هذا الفساد. وبذلك، فإن هذه ~~الشرور هي في الواقع نتائج الإرادة الحرة. اختار آدم وحواء بحرية ارتكاب الخطيئة، ~~وكذلك نحن نفعل؛ ونتيجة لذلك، نعاني أشد المعاناة، ولن تتوقف هذه المعاناة حتى نكف ~~عن الخطيئة ونستسلم للإله. # لا يتضح لي إمكانية وضع نظرية موازية لنظرية أوغسطين السابقة حول العدالة الإلهية، ~~وستكون كافة أنواع الصعوبات حائلا أمام محاولات وضع رواية مقابلة متماسكة حتى ولو على ~~نحو غامض حول آدم وحواء آخرين، يتسببان بعصيانهما خالقهما الشرير في دخولهما الجنة؛ ~~مما يؤدي إلى أشياء جيدة في الطبيعة. وربما يمكن وضع رواية مختلفة بعض الشيء تتضمن ~~إلها شريرا قد تفسر وجود أشياء جيدة في الطبيعة، لكنه من الصعب معرفة كيف يمكنها ~~أن تنسج رواية موازية للخروج من الجنة بالتفاصيل الكافية كي تكون نظرية عدالة إلهية ~~مناقضة. # ولذا، ربما لا يمكن عكس كل نظريات العدالة الإلهية القياسية الموضوعة للدفاع عن ~~الاعتقاد بوجود الإله الخير من أجل إنتاج نظرية عدالة إلهية مناقضة قد تستخدم للدفاع ~~عن الاعتقاد بوجود إله شرير. # رغم أنه يبدو أن نظرية أوغسطين للعدالة الإلهية غير قابلة للانعكاس، فإنها ضعيفة ~~للغاية؛ فآدم وحواء لم يوجدا من الأساس، وحتى إن كانا قد وجدا، فلا يمكن لخطيئتهما أن ~~تفسر الكوارث الطبيعية المعاصرة، ولا يمكن تفسير الزلازل على أنها ms048 نتيجة لخطيئتهما؛ ~~فالزلازل تنتج عن حركة الصفائح التكتونية التي تتسبب، مع وضع قوانين الطبيعة في ~~الاعتبار، في إحداث زلازل على أي حال، سواء أخطأنا أم لا. وبالطبع نحن نعلم أن الزلازل ~~وأمواج المد وثورات البراكين والأمراض وغيرها كانت تحدث لملايين السنين قبل وجود فاعلين ~~أخلاقيين قادرين على ارتكاب الخطيئة؛ فكيف إذن يمكن أن تكون المعاناة البالغة المترتبة ~~على تلك الأحداث نتيجة لخطيئة أو لخروج آدم وحواء من الجنة؟ ~~(9) إشكالية الشر الإثباتية: خاتمة # ألقينا نظرة على إشكالية الشر الإثباتية، التي ربما تشكل الحجة المعارضة الأقوى ~~للمعتقد التوحيدي التقليدي. ونسخة إشكالية الشر المعروضة هنا، التي تتضمن رسم صورة ~~موازية منها في شكل إشكالية الخير، وضعها عدد من الفلاسفة، من بينهم بيتر ميليكان، ~~ستيفن كان، وأنا. وكان هدفي من عرضها هنا هو توضيح كيف أن هذه النسخة من إشكالية الشر ~~الإثباتية تشكل تهديدا خطيرا لمعقولية المعتقد التوحيدي. # شكل 3-2: يقول تشارلز داروين: «لا أستطيع أن أقنع نفسي أن إلها خيرا، ~~كلي القدرة كان سيخلق زنبورا طفيليا بنية أن يتغذى داخل أجساد ~~يرقات الفراش الحية.» # ولاحظ أن تركيزي انصب على الإله بحسب المعتقد التوحيدي التقليدي. قد تشكل ~~إشكالية الشر دليلا قويا يعارض وجود الإله الخير، وتشكل إشكالية الخير دليلا ~~قويا يعارض وجود إله شرير، لكن ثمة فرضيات أخرى عن الإله ربما نأخذها بعين الاعتبار، ~~وهي التي لا تمثل أي من هاتين الحجتين تهديدا لها، ولم يسبق أن اعتقدت، مثلا، في ~~وجود إله كلي القدرة، لكنه محايد أخلاقيا. لكن على الأقل فرضية الإله هذه لا ترقى ~~لتعارض الأدلة التي تتجلى بوضوح لتكذيب كل من فرضيتي الإله الشرير والإله ~~الخير. # لاحظ أن تحدي الإله الشرير يشكل تهديدا لا للمعتقد التوحيدي فحسب، وإنما للمعتقد ~~اللاأدري بخصوص الإله. بالتأكيد، ليست اللاأدرية موقفا عقلانيا بشأن وجود إله ~~شرير. وبالنظر في الأدلة المطروحة، من الواضح أنه لا يوجد مثل هذا الكيان الفائق ~~الخبيث. لكن إن لم يكن المعتقد اللاأدري عقلانيا بشأن فرضية الإله الشرير، فلم ينبغي ~~أن نعتبر اللاأدرية أكثر ms049 عقلانية بأي درجة فيما يتعلق بفرضية الإله الخير؟ ~~(10) «بالتأكيد لا يمكن أن يكون من الواضح ~~تماما عدم وجود الإله!» # بالتأكيد الاعتقاد بأنه ربما كان من الواضح تماما أن الإله بصورته في المعتقد ~~التوحيدي التقليدي غير موجود (ربما تماما مثل وضوح الاعتقاد بعدم وجود إله شرير) سيجده ~~كثيرون - وفيهم بعض الملحدين - غريبا. كيف يمكن أن يتضح جليا أنه لا وجود للإله إن ~~كان الملايين من البشر - وكثير منهم أشخاص أذكياء ومثقفون - يؤمنون بالإله؟ # لكن بالطبع للدين تاريخ طويل غريب من جعل أناس أذكياء لديهم قدر عال من العلم ~~والثقافة يعتقدون في أشياء زائفة بوضوح. فعلى سبيل المثال، تشير نتائج استطلاعات الرأي ~~بانتظام إلى أن حوالي مائة مليون مواطن أمريكي حاليا، كثير منهم حاصل على قدر معقول ~~من العلم وبعضهم ارتادوا الجامعة، يعتقدون أن الكون بأسره يبلغ عمره نحو 6 آلاف عام ~~فحسب. ينبغي بالتأكيد أن يتضح جيدا لأي شخص حصل على قدر معقول من التعليم أن الكون ~~عمره أقدم من ذلك بكثير. وهناك أشخاص آخرون من مثل هؤلاء يؤمنون بالكثير من المعتقدات ~~الواضحة العبث من كافة الأشكال؛ لأن هذا هو ما يلقنه دينهم لهم (تأمل المؤمنين ~~بالساينتولوجيا الذين يرون أن حاكما من الفضاء أحضر ملايين البشر إلى الأرض في سفينة ~~فضاء على شكل طائرات من طراز دوجلاس دي سي-10، وجمعهم حول براكين فجرها بقنابل ~~هيدروجينية)! # فعندما يأتي الأمر إلى الدين، فإن إيمان كثير من الناس الأذكياء المتعلمين بشيء ليس ~~دليلا وجيها للغاية على أن ما يؤمنون به صادق تماما. ~~(11) «قد لا أستطيع إثبات وجود الإله، لكن لا ~~يستطيع أحد إثبات عدم وجوده» # عندما يواجه التوحيديون تحديا عقلانيا لمعتقدهم، أحيانا ما يكون ردهم: «لا ~~أستطيع إثبات وجود الإله، لكن لا يمكن إثبات عدم وجوده؛ ومن ثم فإن التوحيد والإلحاد ~~يمثل كل منهما «موقفا إيمانيا»؛ ومن ثم فالاثنان منطقيان أو غير منطقيين على نحو ~~متساو.» # لكن ما المقصود تحديدا بكلمة «إثبات» هنا؟ هل المقصود الإثبات بما لا يدع أي مجال ~~«ممكن» للشك؟ الحقيقة ms050 أننا لا نستطيع إثبات عدم وجود الإله بما لا يدع مجالا ممكنا ~~للشك. لكننا لا نستطيع بما لا يدع مجالا ممكنا للشك إثبات عدم وجود جنيات أو حيوان ~~اليونيكورن الخرافي أو بابا نويل. ومن الممكن أيضا وجود تلك الأشياء (فربما توجد ~~مؤامرة كبرى محكمة تقودها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لإخفاء الحقيقة عنا). ~~لكن بالطبع لا يصر أحد على أن الاعتقاد بعدم وجود بابا نويل «موقف إيماني»، وبالتأكيد ~~لا يستتبع ذلك أن الإيمان بوجود بابا نويل على القدر نفسه من العقلانية والمنطقية مثل ~~الإيمان بعدم وجوده. # ربما سيكون الاقتراح أنه لا يمكن إثبات وجود الإله أو عدم وجوده بما لا يدع مجالا ~~«معقولا» للشك! لكن هذا اقتراح مثير للجدل بشدة. وفي الواقع، كثير من التوحيديين ~~يعتقدون أنه يمكن إثبات وجود الإله بما لا يدع مجالا معقولا للشك. والجميع تقريبا ~~على قناعة بأن الأدلة التي تحت أيدينا تثبت بما لا يدع مجالا معقولا للشك عدم وجود ~~إله شرير. إلا أن أي شخص يقر بذلك يجب عليه أن يقر إذن على الأقل «بإمكانية» وجود أدلة ~~كافية تثبت بما لا يدع مجالا معقولا للشك عدم وجود الإله الخير أيضا. ~~(12) «إذن ما تفسير الملحدين؟» # إن رفضنا الإيمان بالإله، فكيف إذن نرد على سؤال من الأسئلة التي استهللنا بها ~~الفصل الثاني، وهو: ما سبب وجود الكون؟ فماذا سيكون جوابنا؟ على المستوى الشخصي، لست ~~متأكدا تماما من كيفية الإجابة عن هذا السؤال. إنها معضلة عميقة ومحيرة لا أثق في ~~أنني أملك حلا مرضيا لها. # يعتبر بعض التوحيديين هذا اعترافا مدهشا: «إن لم تكن لديك إجابة على هذا السؤال، ~~فأنت لا تعلم إن كانت إجابتنا غير صحيحة! فرأيك لا يعدو كونه موقفا إيمانيا مثل ~~رأينا.» # لكن اعتراف المرء أنه لا يملك إجابة على سؤال لا يعني أنه لا يمكن إنكار إجابات معينة ~~على نحو معقول. هب أن شيرلوك هولمز يمر بيوم عصيب؛ فقد وقعت جريمة قتل شنيعة، وثمة ~~مئات من المشتبه بهم، وشيرلوك هولمز لا يستطيع اكتشاف من ms051 ارتكبها، إلا أنه في حين لا ~~يستطيع هولمز تحديد هوية الجاني، فإنه متأكد أن أناسا بعينهم أبرياء؛ فكبير الخدم، على ~~سبيل المثال، لديه حجة تغيب قوية عن موقع الجريمة؛ ومن ثم فهولمز واثق على نحو ~~مبرر أن كبير الخدم لم يرتكب الجريمة، رغم أنه لا يعرف من ارتكبها. # وبالطريقة نفسها، يمكن أن يقر الملحدون بوجود غموض يكتنف سبب وجود الكون، وبأنهم ~~بالغو الحيرة بشأن هذا الأمر، إلا أنهم في الوقت نفسه يؤكدون على وجود أدلة دامغة، ~~أيا كانت الصورة التي عليها هذه الأدلة، على أن الكون لم يخلقه الإله الكلي القدرة، ~~الكلي العلم الواسع الخير حسب المعتقد اللاهوتي المسيحي. ربما يكونون واثقين بذلك على ~~نحو مبرر قدر ثقتهم بأن الكون ليس من خلق إله كلي القدرة، مستطير الشر، وهو ~~الأمر الذي كلنا تقريبا واثقون بشأنه لأسباب وجيهة. ~~(13) هل يتبنى الملحدون معتقدات غير مبررة؟ # ألا نضطر «جميعا» إلى تبني «معتقدات غير مبررة»؛ أي دون أن يكون لدينا دليل عليها ~~في مرحلة ما؛ وفي ذلك الملحدون؟ فالملحدون، فوق كل شيء، يعتقدون أنهم يسكنون عالما ~~ماديا حافلا بالأشجار والمنازل والجبال والبشر، لكنهم لا يعتقدون ذلك إلا بسبب أن ~~هذا هو العالم الذي تكشفه لهم حواسهم؛ فكيف إذن يمكنهم معرفة أن حواسهم مرشد يمكن ~~الاعتماد عليه إلى الحقيقة؟ كيف يمكنهم أن يعرفوا أن خبراتهم نتاج عالم حقيقي، لا ~~كمبيوتر فائق، على سبيل المثال، يولد واقعا افتراضيا معقدا، كما في فيلم «ذا ~~ماتريكس»؟ في كلتا الحالتين، سيبدو كل شيء في النهاية بالطريقة نفسها تماما؛ من ثم، ~~لا يستطيع الملحدون تبرير اعتقادهم بأن حواسهم يمكن الاعتماد عليها إلى حد كبير؛ ~~فاعتقادهم بأن العالم الذي يبدو أنهم يخبرونه هو عالم حقيقي اعتقاد ينطوي على معتقد ~~غير مبرر تماما. # والآن يبدو لكثير من التوحيديين أنهم يتواصلون مع الإله في تجارب دينية على نحو ~~مباشر؛ ولذا، لم لا يثقون في تلك التجارب الإلهية على النحو نفسه الذي يثق به الملحدون ~~في تجاربهم الإدراكية؟ لكن يبدو أن كلا منهما لا ms052 يستطيع تبرير معتقداته بناء على ~~خبراته. إلا أننا عادة لا نعتبر ثقة الملحد في موثوقية حواسه غير عقلانية، لكن لم ~~ينبغي إذن أن نعتبر ثقة التوحيدي في موثوقية تجاربه الدينية أقل عقلانية على أي ~~نحو؟ # علاوة على ذلك، قد يزعم التوحيدي، بسبب أنه على وجه التحديد يثق في تجاربه الدينية ~~التي يتواصل فيها مع الإله، أنه غير مضطر إلى الوثوق أكثر في تجاربه الإدراكية ~~الطبيعية. إذا كان الإله خيرا بالصورة التي يراه بها الشخص الموحد له، فإنه لن ~~يسمح لحواس الموحد له بأن تخدعه بانتظام؛ ومن ثم، فإن ثقته في حواسه لا تقتضي تبني ~~معتقد آخر غير مبرر. # وعليه قد يخلص الموحد، على الأقل بالنسبة إلى شخص مر بمثل هذه التجارب الدينية، ~~إلى أن الإيمان بالإله وإيمان الملحد بالعالم الخارجي كليهما يمثلان موقفا ~~إيمانيا. # وهذه حجة بارعة، ربما تنطوي على «بعض» الحقيقة. قد تكون حقيقية من منطلق أن الإلحاد ~~موقف إيماني؛ لأن «أي» معتقد يؤمن به المرء حيال الكيفية التي توجد بها الأشياء خارج ~~عقله هو في نهاية المطاف موقف إيماني (رغم أن لدي شكوك حيال هذا الأمر؛ فعلى سبيل ~~المثال، يذهب بعض الفلاسفة إلى أن الرأي القائل بوجود الأجسام المادية والأشخاص ~~الآخرين وما إلى ذلك خارج عقلي هو «أفضل تفسير متاح» لدي لمختلف الخبرات الإدراكية ~~التي أمر بها؛ ومن ثم فهو ليس موقفا إيمانيا على الإطلاق، بل فرضية ~~مؤكدة). # إلا أنه حتى إن كان أي اعتقاد حول الكيفية التي تبدو عليها الأشياء خارج عقل المرء ~~يستلزم تبني معتقد غير مبرر، فلا يستتبع ذلك أنه من العقلاني أن يثق التوحيديون في ~~تجاربهم مع الإله كما يثق الملحدون في تجاربهم الإدراكية الطبيعية. # وإليكم مشكلة جلية تتمثل في الاقتراح القائل بأن الثقة في التجارب الدينية ~~المفترضة لا تتضمن تبني معتقد غير مبرر أكثر من الثقة فيما تقدمه لك حواسك ~~الأخرى. # تكشف الملاحظة أن الناس يمرون بنطاق شديد الاختلاف من التجارب الدينية؛ فمن خلال تلك ~~التجارب، يؤمن البعض بأن هناك آلهة كثيرة، في ms053 حين يؤمن البعض الآخر بأن هناك إلها ~~واحدا، ويرى آخرون أنه لا توجد آلهة على الإطلاق (مثل بعض البوذيين). فالبعض يؤمن ~~بالإله حسب المعتقد اليهودي والمسيحي، وآخرون يؤمنون بالإله ثور، والبعض الآخر يؤمن ~~بالإله زيوس، وغيرهم يؤمنون بالإله ميثرا ... وما إلى ذلك. لقد آمن الناس في واقع الأمر ~~بآلاف الآلهة وغيرها من الكيانات فوق الطبيعية (مثل القديسين ، والملائكة، والأسلاف)، ~~وهي كيانات ذات نطاق كبير ومتنوع من الخصائص. ووجود أي من هذه الآلهة عادة ما يستبعد ~~وجود كثير من الآلهة الأخرى، وفي بعض الحالات كلها. ومن ثم، نحن نعلم أنه على الأقل ~~«كثير» من هذه التجارب يجب أن تكون خيالية «في أغلبها» على الأقل. لكن أليس ذلك الشخص، ~~الذي بوضعه كل هذا في الاعتبار ورغم ذلك يصر على أن خبراته الدينية مؤشر للحقيقة يمكن ~~التعويل عليه، شخصا ساذجا؛ بل أكثر سذاجة بكثير من الشخص الذي يعتبر تجاربه الحسية ~~الطبيعية يمكن التعويل عليها إلى حد كبير (لأن حواسنا الطبيعية على الأقل لا تقدم ~~لنا دليلا وجيها على أنها هي نفسها لا يمكن التعويل عليها على نحو كبير)؟ # ثمة مشكلة أخرى في الاقتراح السابق؛ وهي أنه على الرغم من أن افتراض التوحيديين ~~بأنهم يمرون بتجارب دينية قد يقودهم إلى الثقة فيما تنقله لهم حواسهم الأخرى، فإن ~~حواسهم الأخرى سرعان ما تقدم لهم الكثير جدا من الأدلة على عدم وجود مثل هذا الكيان ~~المعطاء (انظر إشكالية الشر التي عرضنا لها فيما سبق). وهكذا، على عكس الافتراض القائل ~~بأن حواسنا الطبيعية يمكن التعويل عليها على نحو كبير، فإن الافتراض التوحيدي السابق ~~ينتهي به الحال في الواقع داحضا لنفسه. ~~(14) اللاهوت السلبي # لن يلتفت بعض التوحيديين للحجج التي ناقشتها في هذا الفصل والفصل الذي سبقه، وربما ~~يقولون شيئا من قبيل: # الإله الذي لا تؤمن به، أنا لا أومن به كذلك، فأنت تتعامل مع مفهوم عتيق ~~وساذج عن الإله، فلفظ «الإله» هو الاسم الذي أطلقه على أي إجابة عن السؤال: ~~«لم توجد أشياء من الأساس؟» فهذا الأمر لا ms054 سبيل إلى معرفته ولا تحديده، وهو ~~يتجاوز فهمنا. يمكننا أن نحدد الصورة التي ليس عليها الإله؛ فالإله ليس على ~~سبيل المثال «شيئا» ولا «شخصا»، لكننا لا نستطيع أن نحدد الصورة التي هو ~~عليها. # الرأي القائل بأننا لا نستطيع أن نحدد الصورة التي عليها الإله، بل الصورة التي ~~ليس عليها فقط، أحيانا ما يطلق عليه «اللاهوت السلبي». وللتأليه السلبي مزاياه، ربما ~~أوضحها أنك إن لم تحدد أبدا الصورة التي عليها الإله، فلن يستطيع أحد إثبات خطأ رأيك ~~أو مخالفتك. # للوهلة الأولى، التأليه السلبي يجعل الإلحاد غير ممكن؛ فعلى سبيل المثال، إن قلت: ~~«لا وجود لشيء يسمى الإله»، فسيوافقك التأليهي السلبي الرأي قائلا: «نعم، لا وجود في ~~الواقع لمثل هذا «الشيء»!» # عالم اللاهوت دينيس تيرنر من أشد مناصري هذا الشكل من التأليه؛ ففي محاضرته الأولى ~~بوصفه أستاذا للاهوت بجامعة كامبريدج (التي حملت عنوان «كيف تكون ملحدا؟»)، خاطب ~~الملحد قائلا: # لا داعي أن تفترض اختلافك معي إن قلت: «لا وجود لشيء يسمى الإله»؛ لأنني ~~وصلت لهذه النتيجة قبلك بكثير. فما أقول سوى أن العالم خلق من العدم، وهذه هي ~~الطريقة التي يفهم بها الإله. أنكر هذا، وستكون ملحدا جديرا حقا ~~بالاحترام. لكن لاحظ الخلاف الذي بيننا: إنه حول مشروعية ضرب بعينه شديد ~~الغرابة من الفضول الفكري، حول الحق في طرح ضرب بعينه من الأسئلة. # لاحظ أن اقتراح تيرنر الأخير بأن الخلاف بين الملحد والتأليهي مثله هو إن كان ~~الفضول العميق حيال أسئلة على غرار «لم توجد أشياء بدلا من العدم؟» فضولا مشروعا. ~~ويصف تيرنر الملحد بأنه شخص لا يلتفت إلى مثل هذه الأسئلة، شخص لا يشعر بالرهبة أو ~~الحيرة مطلقا إزاء حقيقة وجود أشياء من الأساس. # لكن إن كان هذا هو ما عليه الملحد، فأنا لست ملحدا، ولا أغلب الفلاسفة (الأمر الذي ~~سيتفاجأ به كثير جدا منهم). # بالتأكيد أغلب أنصار اللاهوت السلبي لا يعبرون عن حيرتهم ودعمهم للتأمل الفلسفي ~~فحسب؛ بل إنهم مع اعترافهم بجهلهم، غالبا ما يكون في جعبتهم الكثير والكثير ليقولوه ms055 عن ~~الإله، حتى إن كان مستغرقا ومصطبغا بشدة بلغة القياس والمجاز. على سبيل المثال، قال ~~تيرنر في الاقتباس السابق إن العالم «خلق» من العدم، وليس أنه «ظهر» فحسب من العدم أو ~~كان العدم سببا فيه. ولكن لأن فكرة أن العالم مخلوق تقود المرء على نحو طبيعي إلى ~~فكرة أن العالم له خالق أو سبب، فيبدو كما لو أن تيرنر هنا يلمح إلى شيء «مقابل» على ~~الأقل لكيان أو سبب يتجاوز الحدود المادية. وفي هذه الحالة، هو يلمح إلى شيء يمكن ~~للملحدين أن يبدءوا في تحديه. # وبالطبع، فإن كثيرا من التأليهيين أنصار اللاهوت السلبي يعتبرون هذا الكيان الغامض ~~المتجاوز للحدود المادية جديرا بالعبادة والشعور بالعرفان تجاهه؛ الأمر الذي يطرح ~~السؤال التالي: كيف يتأتى لهم أن يعرفوا أن العبادة والشعور بالعرفان موقفان مناسبان ~~لنا كي نكنهما تجاه هذا الكيان، إن كان حقا كيانا لا سبيل إلى معرفته؟ # في الواقع، إن كان تيرنر على حق والعالم مخلوق، أفلا يقدم لنا مقدار المعاناة ~~الرهيب الذي يحويه العالم أسبابا قوية لإضافة صفتين إضافيتين إلى قائمة الصفات التي ~~يقول أنصار اللاهوت السلبي إن إلههم ليس عليها: فإلههم ليس جديرا بالعبادة ولا بالشعور ~~بالعرفان له. # خاتمة # في الفصل السابق، تأملنا كيف أن عددا من أشهر الحجج المؤيدة لوجود الإله هي حجج ~~ضعيفة، كما رأينا أنه لا يتضح بأي شكل من الأشكال منطقية أن الكون من خلق كيان خارق ~~أو ذكاء فائق من نوع ما متجاوز للحدود المادية. # وفي هذا الفصل، رأينا أنه ثمة تحد قوي آخر أمام الإيمان بالإله حسب المعتقد ~~التوحيدي التقليدي؛ ألا وهو: تحدي الإله الشرير. ولأنني لا أرى سبيلا للرد على هذا ~~التحدي، فإني أعتقد أنه لا وجود لمثل هذا الإله. # الفصل الرابع # | الإنسانوية والأخلاق # من بين «الأسئلة الكبرى» التي تتناولها الإنسانوية الأسئلة الأخلاقية؛ أسئلة حول ما «يجب» ~~علينا وما «يجب علينا ألا» نفعله. والإنسانويون مؤمنون بالصواب والخطأ. وفي الواقع، كثير ~~منهم لديهم التزام أخلاقي شديد. # إلا أن كثيرا من الدينيين يتشككون في ~~الزعم ms056 القائل بأن الأخلاق شيء يمكن لمن يرفضون الإيمان بالإله أن يستخدموه في حججهم ~~المعارضة لوجود الإله. وثمة ثلاثة تحديات عادة ما تظهر في هذا الشأن؛ وهي كالتالي: # أولا: «كيف يمكن أن يوجد خير دون وجود الإله؟» بالتأكيد في معرض حديثنا عن الأشياء سواء ~~«الصحيحة» أو «الخاطئة» أخلاقيا، فنحن بذلك يكون لدينا معيار موضوعي من صنع الإله يمكن أن ~~نقيس عليه مثل هذه القيم. فإن لم يوجد الإله، فلا وجود لمثل هذا المعيار؛ ومن ثم لن يعدو ~~مثل هذا الحديث سوى تعبير عن تفضيلات شخصية. وعلى المستوى الأخلاقي، يمكننا جميعا أن نفعل ~~ما يحلو لنا. # ثانيا: «كيف يتأتى لنا أن نعرف الخير من دون الإله والدين ليرشدانا إليه؟» بالتأكيد، دون ~~البوصلة الأخلاقية التي يوفرها لنا الدين، لن نعرف أين نحن ولا وجهتنا الأخلاقية. # شكل 4-1: النبي موسى يهبط من جبل طور سيناء حاملا الوصايا العشر من الإله. وبحسب ~~بعض الدينيين، يجب أن تأتي منظومة الأخلاق من الإله. # ثالثا: «هل سنكون أخيارا من دون الإيمان بالإله؟» بالتأكيد نحن نحسن التصرف فقط ~~لإيماننا بوجود إله مطلع على ما نحن بصدده، سيحكم على أفعالنا ويعاقبنا إن أخطأنا ~~ويكافئنا إن أصبنا. من المهم أن يؤمن الناس بوجود الإله، حتى يظلوا على الطريق ~~القويم. # سيبدأ هذا الفصل بإلقاء نظرة أكثر عمقا على هذه التحديات الثلاثة. ~~(1) هل يمكن أن يوجد خير من دون وجود الإله؟ # إحدى أشهر الحجج أنه من دون وجود الإله، فإن منظومة الأخلاق مستحيلة، وهي تسير على ~~النحو التالي: # لا يمكن أن تنبع منظومة الأخلاق منا، ولا يمكن أن تكون من صنيعنا؛ فلو كانت من ~~صنيعنا، لكانت اعتباطية ونسبية؛ وهذا ما ليست عليه. # لم اعتباطية؟ لأنه إن كان لا يوجد صحة أو خطأ قبل إصدارنا حكما على شيء بأنه صحيح ~~أو خاطئ، فلن يستند حكمنا إلى أسباب أخلاقية. ومن وجهة النظر الأخلاقية، أي حكم نصدره ~~يجب أن يكون حتما اعتباطيا بالكامل. # ولم نسبية؟ إذا كان الصحيح أو الخاطئ أخلاقيا يتحدد بما نقول، إذن، لو ms057 قلنا إن ~~تعذيب الأبرياء صحيح، لكان صحيحا. وفي الواقع، بالنسبة إلى من يقولون إنه صحيح، هو ~~صحيح بالنسبة إليهم. الصحيح أو الخاطئ يعتمد تماما على ما نحكم به أيا كان. # لكن منظومة الأخلاق بالتأكيد ليست اعتباطية أو نسبية على هذا النحو، فلا يمكننا أن ~~نجعل تعذيب الأبرياء أمرا صحيحا بمجرد قولنا ذلك. مثل هذا التعذيب خاطئ من دون ~~تبرير، وليس خاطئا لأننا نقول عليه إنه خاطئ. # ختاما، وبحسب الحجة، إن لم تكن الأشياء صحيحة أو خاطئة لأننا نقول ذلك عنها، إذن يجب ~~أن تكون صحيحة أو خاطئة لأن الإله هو الذي يقول ذلك بشأنها. لم تعذيب الأبرياء خاطئ ~~مهما كان ما يمكن أن نقوله عنه أو نفكر فيه بشأنه؟ لأن الإله يقول إنه خاطئ. # والنظرية القائلة بأن الأشياء تكون صحيحة أو خاطئة أخلاقيا، طيبة أو خبيثة ~~أخلاقيا، فقط لأن الإله يقول ذلك عنها؛ معروفة باسم «نظرية الأمر الإلهي». وحسب هذه ~~النظرية، يكمن خطأ جريمة القتل ببساطة في أن الإله يأمرنا بألا نقتل. ~~(2) معضلة يوثيفرو # الحجة أعلاه المؤيدة لنظرية الأمر الإلهي جذابة وذات قبول واسع، لكن بنظرة عن كثب، ~~نجدها حجة ضعيفة؛ فثمة خلل كبير بها، أول من كشف عنه كان الفيلسوف أفلاطون في حواره ~~«يوثيفرو». # فالخلل بالحجة يتضح عندما نطرح السؤال التالي: # هل الأشياء صحيحة/خاطئة، طيبة/خبيثة أخلاقيا لأن الإله يقول ذلك، أم أن ~~الإله يقول عنها ذلك لأنه يدرك أنها كذلك؟ # أيا من هاتين الإجابتين سيكون رد التأليهي؟ إن قال التأليهي إن الأشياء صحيحة أو ~~خاطئة أخلاقيا لا لسبب إلا لأن الإله يقول بذلك، إذن يتضح أن منظومة الأخلاق لا تزال ~~اعتباطية ونسبية؛ فقبل إصدار الإله لأي أوامر، لا يوجد صواب أو خطأ؛ ومن ثم، أيا ~~كانت الأوامر التي يصدرها، يجب أن تكون اعتباطية أخلاقيا. علاوة على ذلك، إن قال ~~الإله إن تعذيب الأبرياء أمر صحيح، فإنه سيكون كذلك. لكن بالطبع هذا الزعم غير منطقي ~~بالقدر نفسه الذي عليه الزعم القائل بأننا إن قلنا إن تعذيب الأبرياء صحيح، فإنه سيكون ms058 ~~كذلك. وهكذا فإننا نواجه المشكلات نفسها مرة أخرى، إلا أنها الآن في جانب الإله. # ويؤكد بعض التأليهيين في ردهم أنه بسبب أن الإله نفسه خير أخلاقيا، فلن ~~يأمرنا بتعذيب الأبرياء. إلا أنه بحسب نظرية الأمر الإلهي، أن تقول إن الإله خير ~~أخلاقيا كأنك تقول إنه يقول إنه خير؛ الأمر الذي يمكنه أن يقوله أيا كانت الأوامر ~~التي يصدرها بشأن تعذيب الأبرياء. من ثم، وحسب نظرية الأمر الإلهي، فإن خيرية الله ~~لا تستتبع أنه لن يأمرنا بتعذيب الأبرياء. # يبدو إذن أن الإجابة الأولى - الأشياء صحيحة/خاطئة أخلاقيا لأن الإله يقول ذلك - ~~غير مقبولة بالقدر نفسه الذي لا يقبل به الزعم القائل إن الأشياء صحيحة/خاطئة ~~أخلاقيا لأننا نقول ذلك، وللأسباب ذاتها تقريبا. # ماذا إذن عن الإجابة الثانية: الإله ~~يقول إن الأشياء صحيحة أو خاطئة أخلاقيا لأنه يدرك أنها كذلك؟ إن الإله لا يجعل ~~تعذيب الأبرياء خاطئا بإصداره أمرا بشأنه؛ فمثل هذا التعذيب سيكون خاطئا أيا كان ~~ما أمر به الإله. وأوامر الإله، على حالها، تصدر لأغراض التبليغ وحسب. # بعض منظري نظرية الأمر الإلهي، بعد تعرفهم على الإشكاليات التي تعترض سبيل الإجابة ~~الأولى، والتي يبدو أنه لا سبيل لتخطيها، يجنحون إلى الإجابة الثانية. لكن لاحظ أنه إن ~~اختار التأليهي الإجابة الثانية، فستنهار «الحجة الأصلية القائلة بأن منظومة الأخلاق ~~تقوم على أوامر الإله»؛ فالتأليهي الآن يقر بأن تعذيب الأبرياء خاطئ على أي حال - إنه ~~خاطئ موضوعيا - سواء أكان يوجد إله يصدر أوامر أم لا. لكن حينها سيكون للملحدين ~~واللاأدريين حرية استخدام هذا المعيار الأخلاقي الموضوعي نفسه؛ ومن ثم، فهما ~~والتأليهيون الآن سواء في إرجاع منظومة الأخلاق إلى التفضيل الشخصي. # ولا ينكر أي مما سبق وجود معضلة بشأن موضوعية منظومة الأخلاق؛ حول الكيفية التي ~~يمكن أن تكون بها الأشياء صحيحة أو خاطئة أخلاقيا بمعزل عن الكيفية التي قد نحكم بها، ~~أو يحكم بها الإله، عليها. ومقصدي هنا هو أن نظرية الأمر الإلهي لا تقدم أي حل ~~حقيقي لهذه المعضلة. ~~(3) ربط الخير بالإله # هذا الزعم لا ينهي ms059 بأي حال من الأحوال جميع الحجج التي قد يسوقها التأليهي للنتيجة ~~القائلة بأنه لا يمكن أن يوجد خير من دون الإله. وإليكم اقتراحا مختلفا تماما. هب ~~أن القيمة الأخلاقية لا اعتباطية ولا نسبية، هب أنه يوجد معيار أو مقياس أخلاقي موضوعي، ~~وهب أن «الإله» لا يشير فحسب إلى «خالق» هذا المعيار، بل إلى «المعيار ذاته» (أو - إن ~~شئت - أحد طرفي المعيار: الخير)، لكن حينها إن أقررت بوجود معيار مطلق للصواب والخطأ ~~فهو بمنزلة إقرارك بوجود الإله. # هذا تلاعب ماهر بالكلمات. إن كان «كل» ما يعنيه التأليهي بالإله هو معيارا أخلاقيا ~~موضوعيا ما، وبالتأكيد مع الإقرار بوجود مثل هذا المعيار الأخلاقي؛ بهذه الطريقة يقر ~~المرء بوجود الإله. إلا أن هذا فهم قاصر جدا للمقصود ب «الإله». سيسلم كثير من ~~الملحدين عن طيب خاطر بأنه إن كان هذا هو جل ما يقصده التأليهي بالإله، فإنهم إذن ~~مؤمنون بالإله. إلا أنه بالطبع عادة ما يؤمن التأليهيون بمفهوم أكثر ثراء عن الإله؛ ~~فيتميز فهمهم للإله بأنه لا يشير فحسب إلى هذا المعيار الأخلاقي، بل أيضا إلى أي ~~مما يلي: خالق الكون، مصمم، كيان ذكي، فاعل على معرفة بالأشياء، يضمر نوايا، ولديه ~~مشاعر مثل الغيرة والغضب والحب وما إلى ذلك، كيان خلقنا على صورته، صانع للمعجزات، ~~إنسان كان له شأن في الماضي مات ثم عاد إلى الحياة مرة أخرى، منزل القرآن، عالم الغيب ~~أو كاشف الحقائق، شخص يعدنا بالخلود ... وما إلى ذلك. وبزعمك وجود معيار أخلاقي مطلق ~~فهذا لا يعني القبول بأي من هذه المزاعم الأخرى، كما هي مفهومة حرفيا أو حتى على ~~سبيل القياس. لكن قبولك بوجود معيار أخلاقي مطلق لا يعني قبولك بوجود «الإله»، وذلك ~~على أي مستوى ثري من فهم هذا المصطلح. ~~(4) كيف يتأتى لنا معرفة الصحيح والخاطئ؟ # دعونا نلتفت الآن إلى التحدي الثاني: كيف يمكننا أن «نعرف» الصحيح والخاطئ أخلاقيا ~~دون إرشاد الإله والدين لنا؟ هب أنه يوجد معيار أخلاقي موضوعي، فكيف يتأتى لنا معرفة ~~الوجهة التي تشير إليها بوصلة هذا ms060 المعيار؟ بالتأكيد، سواء كانت نظرية الأمر الإلهي ~~صحيحة أم خاطئة، فإننا ما زلنا في حاجة إلى الإله والدين كي يرشدانا إلى ما هو صحيح وما ~~هو خاطئ. أين يلتمس الإنسانويون الإرشاد الأخلاقي؟ # شكل 4-2: شئت أم أبيت، لمسئولية اتخاذ قرارات أخلاقية طابع ارتدادي يشبه ~~حركة البومرانج؛ جرب قذفها وستجد دائما أنها ترتد إليك. # يمكن أن يقر الإنسانويون - وهم يفعلون ذلك - بأن بعض الأشخاص ربما يكونون أكثر خبرة ~~من الآخرين عندما يتعلق الأمر بمنظومة الأخلاق؛ من حيث إنهم قد يتمتعون بمعرفة أخلاقية ~~أوسع، وقد يكونون حكاما مؤتمنين أكثر من غيرهم على الحكم على الصواب والخطأ. ~~وبالتأكيد قد يمتلك بعض الأفراد حكمة أخلاقية مهمة أو تنطوي عليها بعض النصوص. # ويكمن موضع الاختلاف بين الإنسانويين وكثير من الدينيين في الموقف الذي يتخذه ~~الأخيرون والذي يشجعون الآخرين على تبنيه، فيما يتعلق بمثل هذه المصادر؛ فبعضهم ~~يصر على أفضلية مجموعة مصادر بعينها، وأن منظومة الأخلاق الأساسية التي تعززها تلك ~~المجموعة ينبغي القبول بها بنحو أو بآخر دون شك. أما الإنسانويون في المقابل، فيؤكدون ~~على أهمية «الاستقلال الأخلاقي الفردي». # وبالطبع، لا يفترض الإنسانويون أننا يجب أن نكون أحرارا نفعل ما نشاء؛ فهم يقرون ~~بأن مجتمعنا يحتاج لقوانين وقوة شرطة وسلطة قضائية، لكنهم يفترضون أننا يجب أن نكون ~~أحرارا في «التفكير» لأنفسنا، في إصدار أحكامنا الأخلاقية الخاصة بنا والتعبير عن ~~آرائنا (باستثناء التحريض على العنف أو ما شابه)، وينكرون أنه يجب علينا كلنا أن نعهد ~~بمسئولية إصدار الأحكام الأخلاقية إلى سلطة خارجية ما، مثل قائد سياسي أو ~~ديني. # قد تتساءل حول ذلك. بالتأكيد كثيرا ما توجد مسوغات لعهدنا بمسئولية إصدار الأحكام ~~إلى شخص خبير؛ لا شك أننا نتوجه إلى طبيب من أجل الحصول على استشارة طبية، وإلى فني ~~من أجل رأيه بشأن نظام التدفئة المركزية، وما إلى ذلك. فمن العقلاني غالبا أن تأخذ ~~برأي أصحاب الخبرة في مثل تلك الحالات. # لم إذن لا نقبل، مثلا، بحكم سلطة دينية ما بخصوص المسائل الأخلاقية؟ إن كانت تلك ~~السلطة قد ms061 كرست حياتها للتفكير بعمق في القضايا الأخلاقية، فلم لا نذعن لرأيها ~~الخبير؟ # بالتأكيد سيكون ذلك ملائما، لكن للأسف ~~ليست منظومة الأخلاق مثل الطب أو الكيمياء. إن نصح أستاذ كيمياء طالبا حديث ~~السن بالتخلص من كتلة بوتاسيوم في الحوض، وقتل طالب آخر نتيجة للانفجار المترتب على ~~ذلك، فلن يتحمل الطالب الأول المسئولية؛ بل يتحملها الخبير. لكن إن نصح معلم ~~الدين طالبه الحديث السن بقتل أي شخص يرفض دينه، وأطاعه؛ فإن الطالب يستحق تحمل ~~الوزر. وبافتراض أنه لم يجبر على ذلك ولم يتعرض لعملية غسيل مخ، فهو مسئول عن الشخص ~~الذي قتله. وبديهيا، لا يمكنه التنصل من المسئولية بقوله: «لكن مرشدي الديني قال لي ~~إنه يجب علي أن أفعل ذلك»، بنفس الطريقة التي يمكن لطالب الكيمياء أن يتنصل من ~~المسئولية بقوله: «أستاذ الكيمياء قال لي إنه يجب أن أفعل ذلك.» لمسئولية إصدار الأحكام ~~الأخلاقية طابع ارتدادي يشبه حركة البومرانج؛ جرب أن تعهد بها لأحد الخبراء، وستجدها ~~دائما ما ترتد إليك. # بالتأكيد سيعتبر كثيرون الاقتراح ~~القائل بأنه يجب علينا أن نقرر بأنفسنا الصحيح والخاطئ، لا أن نعهد بهذا الأمر إلى ~~سلطة دينية، اقتراحا صادما. وقد يقولون لك: «يا للغرور! أتريد أن تؤدي دور الإله؟! ~~عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المسائل الأخلاقية، يجب أن نعتمد على الدين.» # لكن، شئت أم أبيت، لا مفر من أداء دور الإله، حتى إن قررت أن أتبع ما يقال في ~~كتاب مقدس من الكتب المقدسة أو ما يقوله أحد رجال الدين، ما زلت مع ذلك أصدر أحكامي ~~الخاصة؛ لأني ما زلت مضطرا أن أقرر أي كتاب دين سأختار، وأي أجزاء من هذا ~~الكتاب سأقرأ، ورأي أي مفسر لهذا الكتاب سأتبع، وما إلى ذلك. لا مهرب من تلك ~~الأحكام. حتى مجرد الالتزام بالتعاليم الدينية التي تربيت عليها يقتضي أن أصدر تلك ~~الأحكام، وهي نفسها أحكام أخلاقية؛ فهي تتضمن السؤال: «هل يجب علي أن أتبع النصيحة ~~الأخلاقية التي قيلت لي أم لا؟» # على كل فرد في النهاية أن يعتمد على بوصلته ms062 الأخلاقية - إدراكه الخاص للصواب والخطأ ~~- في اتخاذ القرار بشأن الجهة التي سيستمع إليها، وإن كان سيقبل بالنصيحة الأخلاقية ~~التي أعطته إياها أم لا، ويؤيد هذا التأليهيون كما يؤيده الإنسانويون. ~~(5) هل سنكون أخيارا من دون الإله؟ # سأتحول الآن إلى التحدي الثالث من تحدياتنا الثلاثة: هل سنكون أخيارا من دون الإيمان ~~بالإله؟ يعتقد كثيرون أنه إن تم تقويض الدين، فستنهار منظومة الأخلاق وسيتمزق النسيج ~~المجتمعي؛ ومن ثم، فالإنسانوية فكرة خطرة. # كثيرا ما يساق هذا الزعم، لكن ما الدليل على صحته؟ تركز إحدى أشهر الحجج ~~على وجود ارتباط بين تراجع الدين، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، وبين ارتفاع ~~مفترض في مختلف الاعتلالات الاجتماعية على مدار الفترة نفسها، بما في ذلك تزايد معدل ~~الجرائم وجنوح القصر والأمراض المنقولة جنسيا. وترى تلك الحجة أن هذا الارتباط ليس ~~مصادفة؛ فمعدل الجرائم وجنوح القصر والأمراض المنقولة جنسيا يتزايد مع تراجع مكانة ~~الدين؛ فتراجع الدين هو «السبب» الرئيسي لما سبق. # لكن هل صحيح أن مجتمعنا أقل أخلاقا بكثير مما كان عليه في خمسينيات القرن العشرين؟ ~~بالتأكيد لدينا الآن مواقف أخلاقية مختلفة تماما، لكن ليس هذا بالشيء السيئ بالضرورة؛ ~~ففي خمسينيات القرن العشرين، كان رهاب المثلية والعنصرية منتشرين، واعتبر كثيرون أن ~~مكان المرأة هو المطبخ. لقد شهدنا بالفعل أوجه تحسن أخلاقي ضخمة على مدار نصف ~~القرن الأخير أو نحو ذلك. # إلا أنه توجد أدلة تشير، على بعض «الأصعدة» على الأقل، إلى أننا في حال أسوأ. على ~~سبيل المثال، في المملكة المتحدة ترتكب حوالي 6 ملايين جريمة كل عام، أما في عام ~~1950 فكان الرقم نصف مليون، وفي الولايات المتحدة بين عامي 1960 و1992 زاد معدل ~~جرائم العنف المبلغ عنها (القتل، والاغتصاب، والسرقة، والاعتداء) التي يتعرض لها ~~المواطنون بخمسة أضعاف. حتى مع اعتبار الاختلافات في طريقة التبليغ عن الجريمة، فمن ~~الواضح أنه كانت هناك زيادة كبيرة في الجرائم؛ ألا يمكن أن يعزى ذلك إلى تراجع الإيمان ~~بالدين؟ # ليس الأمر بهذه السهولة. رغم ارتفاع جرائم العنف منذ عام 1950، فإنها في ms063 الواقع أقل ~~كثيرا (أقل بخمسين ضعفا) مقارنة بعددها منذ قرنين من الزمان، عندما كان مجتمعنا ~~متدينا جدا في الحقيقة؛ من ثم فإن ارتفاع معدلات الجريمة يمكن أن يكون له أسباب - ~~وبالفعل له أسباب - غير انخفاض معدلات التدين (إن كان انخفاض التدين سببا من ~~الأساس). # وفي الواقع، ثمة تغيرات واضحة كثيرة جرت على مدار نصف القرن الأخير أو نحو ذلك ، ~~ربما تفسر جيدا سبب حدوث ارتفاع في معدلات الجريمة. على سبيل المثال، أصبح الناس أكثر ~~تنقلا بكثير، وزادت احتمالات بقاء المنازل خالية أثناء ساعات النهار، وأصبح الناس أقل ~~معرفة بهوية جيرانهم وما هم بصدد الإقدام عليه. والمجتمعات المحلية الشديدة الترابط ~~فعالة في إيقاف الجريمة وجنوح القصر، لكن اختفاء هذه المجتمعات مرتبط بتغير الظروف ~~الاقتصادية أكثر من حدوث انخفاض في الإيمان بالدين وعدم اتباع تعاليمه. # ومن ثم، لا يتضح بأي حال من الأحوال أن تراجع الإيمان بالدين هو السبب وراء ~~ارتفاع معدلات الجرائم؛ فمجرد وقوع أمرين في الوقت نفسه لا يقيم علاقة سببية بينهما ~~(وبافتراضك غير ذلك سترتكب مغالطة «التعاقب الزمني»). # نظرة عن كثب على الأدلة تشير بقوة إلى أن تراجع الإيمان بالدين «ليس» السبب الرئيسي ~~في الزيادة في هذه الاعتلالات الاجتماعية. فعندما نلقي نظرة على ديمقراطيات العالم ~~المتقدم، نجد أن «أكثر» الديمقراطيات تدينا - وفيها بالطبع الولايات المتحدة (حيث ~~يقول 43٪ من مواطنيها إنهم يرتادون الكنيسة أسبوعيا) - عادة ما يكون لديها «أعلى» ~~معدلات جرائم القتل والأمراض المنقولة جنسيا والإجهاض وغيرها من مقاييس الحكم على صحة ~~المجتمع، في حين أن أقل البلدان تدينا، مثل كندا واليابان والسويد، من بين البلدان ~~التي تتمتع بانخفاض تلك المعدلات. إن كان انخفاض معدلات التدين هو السبب الرئيسي ~~وراء تلك الاعتلالات الاجتماعية، فلنا أن نتوقع من البلدان الأقل تدينا الآن أن ~~تعاني من أشد المشاكل. إلا أن العكس هو الصحيح. # ثمة قليل من الأدلة التي تؤيد الرأي القائل بأنه من دون الدين، تجازف الحضارات ~~بانهيارها الأخلاقي، إضافة إلى أن ثمة أدلة كثيرة تعارضه. وكما يشير فرانسيس فوكوياما ~~(المفكر الذي ms064 ذاع صيته أكثر ما ذاع لإعلانه «نهاية التاريخ»)، تقدم الصين مثالا ~~مضادا مهما على الرأي القائل بأن النظام الأخلاقي يعتمد على الدين: # كانت القوة الثقافية المهيمنة على المجتمع الصيني التقليدي، بالتأكيد، هي ~~الكونفوشيوسية، التي لا تعتبر دينا على الإطلاق، بل مذهب أخلاقي عقلاني ~~علماني. وتاريخ الصين حافل بفترات الانحدار الأخلاقي والنهضة الأخلاقية، لكن لا ~~يرتبط أي منها بوجه خاص بما يطلق عليه الغربي دينا. ومن الصعب أن نقيم ~~الحجة التي مفادها أن مستويات الأخلاق العادية في آسيا أقل من مثيلاتها في ~~أجزاء العالم التي يسيطر عليها دين غيبي. # في الواقع، ومن وجهة نظر الثقافات الأخرى، إن الافتراض الغربي القائل بأن الناس لن ~~يكونوا أخيارا من دون الإله افتراض محير، وذلك كما يشير الكاتب والمخترع الصيني لين ~~يوتانج في الاقتباس التالي: # بالنسبة إلى الغرب، يبدو من الصعب تخيل أنه يمكن الحفاظ على العلاقة الطيبة ~~بين الإنسان وأخيه الإنسان (منظومة الأخلاق) من دون الالتفات إلى كيان أعلى؛ في ~~حين أن الصينيين يندهشون من الاعتقاد بأن الناس لا يجب أو لا يستطيعون التصرف ~~باحترام بعضهم تجاه البعض من دون التفكير في علاقاتهم غير المباشرة من خلال ~~طرف ثالث. # كما يوجد كم كبير من الأدلة العلمية المتزايدة على أن منظومتنا الأخلاقية هي، إلى ~~حد ما، نتاج تاريخنا الطبيعي التطوري؛ فهناك مواقف أخلاقية معينة موجودة في العالم ~~بأسره، فعلى مستوى العالم، يمتلك الناس الأفكار البديهية الأخلاقية الأساسية ذاتها عن ~~السرقة والكذب والقتل، بغض النظر إن كانوا دينيين أم لا. وكل مجتمع تقريبا منجذب ~~إلى شيء من قبيل القاعدة الذهبية: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك! لم؟ # ثمة أدلة على أن أفكارنا البديهية الأخلاقية حول ما يجب علينا، أو ما لا يجب علينا، ~~القيام به مكتوبة، جزئيا على الأقل، في جيناتنا قبل أن تكتب في أي كتاب ديني بوقت ~~طويل (من أجل الاطلاع على تلك الأدلة ونقاشات مفيدة لها، أنصح بكتاب «أصول الفضيلة» ~~لصاحبه مات ريدلي، و«الحيوان الأخلاقي» لمؤلفه روبرت رايت، و«تطور منظومة الأخلاق» ~~لريتشارد جويس). ms065 لم يخلق الدين منظومة الأخلاق، بل قامت الأديان فحسب بتقنين ~~منظومة الأخلاق الأساسية المجبول عليها البشر من الأساس. فباعثنا الأول للتصرف على نحو ~~أخلاقي يبدو طبيعيا وغريزيا، وليس مكتسبا عن طريق التعرض للدين. ~~(6) الآثار الاجتماعية الإيجابية للدين # هناك قدر بسيط من الشك يعتري القول بأن ~~الدين قد ساعد بعض الناس على تغيير حياتهم إلى الأفضل. لقد سمعت قصصا عن سجناء «عرفوا ~~الإله»؛ ونتيجة لذلك توقفوا عن ارتكاب الجرائم وبدءوا في مساعدة الآخرين. ولا شك أن ~~التعرض للدين له تأثيرات قوية على سلوك بعض الأشخاص، ولا سيما الأفراد الذين عاشوا ~~حياة بالغة الاضطراب والعبث. # إلا أنه ثمة خلاف على مقدار هذا ~~التأثير الإصلاحي للدين في حد ذاته على السجناء، في مقابل مصادفتهم أشخاصا يبدون ~~اهتماما صادقا بهم (يجب علينا أن نتذكر أيضا أن عددا كبيرا من السجناء وجدوا هذا ~~النوع من الخلاص في الفلسفة والتعليم؛ وربما يتضح أن هذه البدائل أكثر فاعلية في الواقع ~~في مساعدة المساجين لكي يسلكوا حياة أفضل). # علاوة على ذلك، الملاحظة القائلة بأن للدين تأثيرا إيجابيا على سلوك بعض الأفراد ~~ذوي الحياة المضطربة لا يقدم سوى القليل من الدعم لوجهة النظر التي نتدارسها هنا؛ وهي ~~أنه من دون انتشار الدين، لن يكون الناس أخيارا وسيتفسخ نسيج المجتمع. وفوق كل شيء، ~~ربما سيكون للتعذيب وغسل المخ على غرار نموذج الأخ الأكبر تأثير على ضبط السلوك ~~الإجرامي. ولا تدعم هذه الحقيقة الرأي القائل بأنه دون انتشار التعذيب وغسل المخ، لن ~~يكون الناس أخيارا وسيتفسخ نسيج المجتمع. # ماذا عن الأدلة المشيرة إلى أن الدينيين أكثر مشاركة في الأعمال الخيرية من ~~اللادينيين، مثل الأدلة المساقة في كتاب «من يهتم حقا؟» لآرثر سي بروكس، الذي يشير ~~إلى أنه تزيد احتمالات تبرع الدينيين للأعمال الخيرية عن اللادينيين بنحو 25٪، ومن ~~ذلك الأعمال الخيرية اللادينية؟ (لاحظ أنه رغم أن 40٪ من المسيحيين الأمريكيين سيقولون ~~إنهم ارتادوا الكنيسة الأحد الماضي، فقد توصل باحث مسيحي إلى أن 20٪ فحسب منهم هم من ~~ارتادوا الكنيسة؛ ومن ثم فالإحصائية السابقة الخاصة ms066 بالمساهمة في الأعمال الخيرية - ~~التي تعتمد على ما «يقول» المسيحيون الأمريكيون إنهم يفعلونه - قد تكون غير جديرة ~~بالثقة هي الأخرى.) أدت مثل هذه الإحصائيات بالبعض إلى الخلوص إلى أنه من دون الدين ~~يستحيل إقامة مجتمع صحي. إلا أنه لا توجد علاقة بين الأمرين، وأكثر ما تكشف عنه ~~الإحصائية السابقة الخاصة بالمشاركة في الأعمال الخيرية هو أنه - على مقياس واحد من ~~مقاييس الصحة المجتمعية - ربما يكون أحد المجتمعات أفضل حالا إن كان معتنقا لدين عما ~~سيكون عليه إن لم يكن معتنقا لدين. ويجب علينا ألا نغفل عن أن - على مقاييس أخرى ~~ربما أكثر أهمية لصحة المجتمع - أكثر الديمقراطيات الغربية تدينا تعيش حياة أسوأ من ~~تلك الأقل تدينا. # لا شك أن الدين له بعض «المنافع» الاجتماعية، التي قد تكون من بينها وجود نزعة أقوى ~~للقيام بأعمال الخير بين الدينيين، لكن من الممكن أن تتحقق هذه المنافع من دون الدين. ~~ربما تكون زيادة الميل للقيام بالأعمال الخيرية نتيجة لإكساب ممارسة الدين الناس عادة ~~التفكير في أحوال الآخرين ومساعدتهم؛ وهو شيء يمكن أن نغفله بسهولة في سياق آخر. قد ~~تكون هناك طرق أخرى لاستمالة الناس إلى هذه العادات الطيبة. سأعرض في الفصل السادس ~~لأدلة تشير إلى أن التعرض لصنوف معينة من البرامج الفلسفية يمكنها «أيضا» أن تساعد على ~~غرس سلوك أكثر اهتماما بالآخرين واحتراما لهم لدى الشباب. ~~(7) حركة «رأس المال الأخلاقي» # كي يتعامل المفكرون الدينيون مع الملاحظة المحرجة - بالنسبة إليهم - أنه في عموم ~~الغرب يسلك الملحدون واللاأدريون بوجه عام سلوكا راشدا (في أغلب المقاييس، بالقدر ~~نفسه على الأقل من الرشد كأقرانهم من الدينيين)، فإنهم يحتكمون إلى فكرة «رأس المال ~~الأخلاقي»؛ فيقولون إن تراثنا الديني أفرز مخزونا من رأس المال الأخلاقي يعول عليه ~~الآن إنسانويو اليوم. في نهاية الأمر، سينفد رأس المال هذا وتتبع ذلك فوضى أخلاقية. ~~نحن إذن في حاجة عاجلة إلى دعم رأس المال الديني هذا إن أردنا أن نتجنب التعرض ~~لكارثة. # ويشيع مصطلح «رأس المال الأخلاقي» على نحو خاص بين المحافظين من ms067 الأمريكيين، ويستخدم ~~هذا المصطلح إرفينج كريستول (الذي كثيرا ما يشار إليه بوصفه «الأب الروحي» للمحافظة ~~الجديدة)، وذلك كما يلي: # لما يربو على 150 عاما وحتى الآن، ما برح الناقدون الاجتماعيون ~~يحذروننا من أن المجتمع البرجوازي يقتات على رأس المال الأخلاقي المتراكم من ~~الدين التقليدي والفلسفة الأخلاقية التقليدية. # وكذلك استخدمته جيرترود هيملفارب، التي تزعم أننا: # نعتمد على رأس المال الديني لجيل سابق، وأن رأس المال هذا يستنفد على نحو ~~خطير. # قال القاضي روبرت كيه بورك - الذي رشحه الرئيس رونالد ريجان لعضوية المحكمة ~~الأمريكية العليا - موافقا: # نحن جميعا نعرف أناسا ليس لهم معتقد ديني يبدون مع ذلك جميع الفضائل التي ~~نربطها بالتعاليم الدينية ... يعيش هؤلاء الأشخاص على رأس المال الأخلاقي للأجيال ~~المتدينة السابقة ... بحيث سينفد رأس المال الأخلاقي هذا في النهاية. # ما زال المصطلح يظهر بانتظام في النقاشات الخاصة بالدين ومنظومة الأخلاق، وليس فقط في ~~الدوائر المحافظة في الولايات المتحدة؛ ففي عام 2006، قال الأسقف مايكل نذير علي في ~~مقابلة معه في برنامج «توداي»: # يقوم المجتمع البريطاني على رؤية مسيحية وقيم مسيحية ... وما لم يعرف الناس ~~المصادر التي تغذي قيمنا، فإن النبع كله سيجف ... إننا ربما في واقع الأمر نعيش ~~اعتمادا على رأس مال قديم. # وقد كتب ريتشارد هاريس، أسقف أكسفورد، يقول في عام 2007: ~~... كثير من الذين لديهم التزام أخلاقي شديد دون أساس ديني تشكلوا على يد ~~آبائهم أو أجدادهم الذين كانوا متمسكين على نحو أساسي بمبادئ الأخلاق والدين ... ~~إلى أي مدى نعيش على رأس المال الأخلاقي؟ # الاحتكام إلى رأس المال الأخلاقي يقدم للمتشائمين الدينيين تفسيرا مؤاتيا لحقيقة أن ~~الملحدين واللاأدريين اليوم يسلكون مسلكا رشيدا على الأقل كأقرانهم من الدينيين؛ ~~فاللادينيون يعيشون على رأس المال الأخلاقي الديني، الذي يتعرض للنفاد، لكنه لم ينفد ~~كله «بعد». # ثمة مشكلتان خطيرتان على الأقل في هذا الاحتكام إلى رأس المال الأخلاقي. # الأولى: قد نسأل: «ما الأدلة التي تشير إلى أن تفسير «رأس المال الأخلاقي» صحيح ~~بالفعل؟» لا أرى سوى القليل جدا منها. بينما يؤكد الدينيون كثيرا على ms068 أننا نعتمد على ~~رأس المال الأخلاقي الذي سينفد في النهاية، ومن المحتمل أن يصاحب ذلك تداعيات كارثية، ~~فإنهم لا يقدمون عادة سوى أدلة أو حجج قليلة مؤيدة للتفسير، إن وجدت. # الثانية: تفشل تماما حركة رأس المال الأخلاقي في التعامل مع كثير من الأدلة المخالفة ~~للزعم القائل بأن الإيمان بالإله شرط أساسي لكوننا أخيارا. على سبيل المثال، تفشل ~~الحركة فشلا ذريعا في تفسير أسباب استمرار بلدان مثل الصين، وأحيانا ازدهارها ~~أخلاقيا، دون منظومة أخلاق أساسها الدين. كما تفشل في التعامل مع الأدلة العلمية ~~المتنامية المشيرة إلى أن الباعث على التصرف على نحو أخلاقي هو على الأقل طبيعي وغريزي ~~إلى حد ما، وليس معتمدا على التعرض للدين. # وإجمالا، في دوائر دينية معينة، أصبح الزعم القائل بأن الناس لن يصيروا أخيارا دون ~~الإله يتكرر كثيرا، لدرجة أن الجميع يفترضون ضرورة صحته، إلا أنه غير مدعوم جيدا ~~بالأدلة، ويبدو جليا في الواقع أن كثيرا من الأدلة تكذبه ببساطة. ~~(8) بم تتميز منظومة الأخلاق الإنسانوية؟ # ألقينا نظرة على ثلاثة تحديات شائعة تواجه الإنسانوية بخصوص منظومة الأخلاق، وفي كل ~~حالة واجهنا التحدي وكان لنا رد عليه. دعونا الآن نتأمل الصورة التي يمكن أن يكون عليها ~~نهج إنسانوي متفرد لمنظومة الأخلاق. # فمثلا، ما موقف الإنسانوي من زواج المثليين أو القتل الرحيم أو الإجهاض أو حقوق ~~الإنسان؟ لا يوجد أي موقف إنسانوي من هذه القضايا يزيد عن موقف الدين منها. يختلف ~~الإنسانويون حول تلك المسائل، كما يختلف الدينيون عليها. # فما يميز وجهة النظر الأخلاقية الإنسانوية إذن، إن لم تكن تلك المعتقدات الأخلاقية ~~بعينها؟ هل يعتنق جميع الإنسانويين نظرية أخلاقية عامة معينة، على سبيل المثال؟ # مرة أخرى، لا! لكن من الصحيح أن الإنسانويين كثيرا ما يصفهم خصومهم بأنهم يعتنقون ~~شكلا بدائيا إلى حد ما من النفعية، وعلى أساسه لا يهمهم - من وجهة النظر الأخلاقية ~~- سوى تعظيم المتعة التي يحصلون عليها وتقليص الألم والمعاناة اللذين يتعرضون لهما ~~للحد الأدنى. # تواجه النفعية، في أبسط أشكالها، بعض الاعتراضات المعروفة جيدا؛ فيبدو مثلا أن ms069 ~~النفعية تقتضي أنه سيكون من الصواب قتل شخص لتوفير أعضاء بشرية يمكن أن تنقذ حياة عدة ~~أشخاص آخرين؛ وهو الفعل الذي يعتبره الجميع، تقريبا، خاطئا أخلاقيا. من الممكن الرد ~~على تلك الاعتراضات، لكن حتى إن لم يمكن الرد عليها، فهذا لا يستتبع تفنيد الإنسانوية؛ ~~فالإنسانويون، حسب ظني، غير ملزمين بأن يكونوا نفعيين، وفي الواقع كثير منهم يرفض ~~النفعية . # يوافق بالطبع أغلب الإنسانويين على وجهة النظر النفعية القائلة بأن تبعات أفعالنا - ~~وفي ذلك الألم أو المتعة الناتجين عن تلك الأفعال - مهمة، على الصعيد الأخلاقي؛ ~~فالإنسانوي يميل أكثر إلى إعطاء ثقل أخلاقي أكبر لتبعات الأفعال عما سيفعل، مثلا، ~~الديني الذي يعتقد أن الأمر الصحيح أخلاقيا هو أن تقوم بما يأمرك به الإله، بغض النظر ~~عن التبعات، و/أو أن أي عاقبة سيئة تترتب على اتباع أوامر الإله في هذه الحياة ستعوض ~~بما يفوقها في الحياة الآخرة. ويعتقد الإنسانويون في الغالب أنه إن كان فعل ما سيسبب ~~قدرا كبيرا من المعاناة، فهذه حقيقة متعلقة بالمغزى الأخلاقي، وهي حقيقة ينبغي وضعها ~~في الحسبان عند الحكم على مدى صحة الفعل من الناحية الأخلاقية. # لكن الإقرار بأن تبعات أفعالنا - وفي ذلك مدى تعظيمها للمتعة وتقليصها للألم إلى الحد ~~الأدنى - مهمة أخلاقيا لا يعني القول بأنها هي «وحدها» الأشياء المهمة أخلاقيا. ~~وكما قلت، الإنسانويون غير مضطرين لأن يكونوا نفعيين. # وكما طالعنا في الفصل الأول، ثمة إرث فكري طويل يمكن أن يعتمد عليه الإنسانويون - وهم ~~يعتمدون عليه بالفعل - في صياغة التزاماتهم وحججهم، وفي ذلك التزاماتهم وحججهم ~~الأخلاقية. فبعضهم يستقي أفكاره من أخلاقيات الفضيلة عند أرسطو، والبعض الآخر يستقيها ~~من أخلاقيات الواجب عند كانط. # ينجذب كثير من الإنسانويين لفكرة مثل التبرير «البراجماتي» التالي لمبادئهم الأخلاقية ~~الأساسية. تخدم المعايير الأخلاقية مقاصد معينة، مثل السماح لنا بالحياة معا في ~~تناغم نسبي، وتسهيل النشاط التعاوني، والحد من الظروف التي تضر بنا. وبافتراض أننا نرغب ~~في السعي وراء تلك الأهداف، فثمة معايير جوهرية معينة يجب الالتزام بها، تساعد في تفسير ~~المعايير الأساسية الشائعة في ms070 كل ثقافة تقريبا، مثل منع السرقة والكذب والحنث بالعهود. ~~ومع وضع نقاط ضعف البشر في الاعتبار، وفي ذلك عدم استطاعتنا الاستمرار في الحياة ~~بمفردنا، لا مفر من وجود مجموعة أساسية من المعايير الأخلاقية. # تعرض الكاتبة الإنسانوية مارجريت نايت (1903-1983) تبريرا إنسانويا في هذا الإطار: # لم يجب علي أن ألقي بالا للآخرين؟ يمكن أن تكون تلك الأسئلة الأخلاقية ~~الأساسية ، مثلها مثل الأسئلة الأساسية كافة، عسيرة الإجابة للغاية، كما يعرف ~~كل من يدرس الفلسفة. أعتقد أن الإجابة الوحيدة الممكنة عن هذا السؤال هي ~~الإجابة الإنسانوية؛ وهي: لأننا كائنات اجتماعية بالفطرة، ونحن نحيا في ~~مجتمعات، والحياة في أي مجتمع، من الأسرة حتى الأطر الأكبر، تكون أسعد وأثرى ~~وأخصب عندما يكون أفراد المجتمع متوادين ومتعاونين عما ستكون عليه إن كانت ~~تسود بينهم العداوة والبغضاء. # فإن لم تكن هناك نظرية عامة لمنظومة الأخلاق يجب أن يتبعها الإنسانويون، أو يجب عليهم ~~اتباعها، فماذا إذن يميز منظومة الأخلاق الإنسانوية؟ في حقيقة الأمر، ما يجعل وجهة نظر ~~أخلاقية تتصف بأنها إنسانوية «ليس محتواها بقدر ما تكون الطريقة التي تم بها التوصل ~~إليها.» وبشكل خاص، تبرز أربع سمات للمنظور الأخلاقي الإنسانوي: # أولا: كما رأينا بالفعل، يؤكد الإنسانويون على «استقلالنا الأخلاقي». سيرمي ~~الإنسانوي إلى تبني موقف أخلاقي، ليس لأنه لقن ذلك، أو بسبب أن شخصا آخر يتبنى ~~هذا الموقف ويشعر الإنسانوي بالتزامه بالإذعان له، لكن لأنه هو الموقف الذي توصل إليه ~~بنفسه بعد دراسة متأنية. ومن المرجح أن يكون هذا تحديا أكثر استنزافا بكثير من ~~الالتزام الآلي بأمر في كتاب مقدس أو توجيه من قائد ديني ما. يؤكد ~~الإنسانويون على أهمية مساعدة المواطنين الجدد على الوصول للنضج الفكري والعاطفي الذي ~~يحتاجونه من أجل مواجهة هذا التحدي. # ثانيا: يرفض الإنسانويون «التبرير الأخلاقي المستند إلى مزاعم الحقيقة الموحى بها من ~~السماء.» لن يحتكم الإنسانوي إلى المعتقدات التي ترسيها الكتب المقدسة بخصوص الحياة ~~الآخرة، مثلا، والأرواح الخالدة، والثواب والعقاب الإلهي، والخطيئة، وما إلى ذلك في ~~تبرير موقفه الأخلاقي. وقد يظل الإنسانوي على معارضته ms071 للإجهاض أخلاقيا، لكنه لن ~~يعارضه لأنه يقبل، مثلا، بالمعتقد الديني القائل بأن الإله ينفخ روحا خالدة في خلية ~~لحظة حمل الجنين. # ثالثا: من وجهة نظر الإنسانوي، «منظومة الأخلاق مرتبطة على نحو أساسي برفاهية ~~الإنسان» (لكنها ليست قاصرة عليه؛ فالأنواع الأخرى مهمة أيضا). عند تفكيرنا فيما يجب ~~أن نفعل وما يجب ألا نفعل، ينبغي إذن أن تكون أحكامنا مطلعة على الأدلة العلمية ~~وغيرها من الأدلة بشأن ما سيساعد، أو يعوق، جهود الإنسان من أجل عيش حياة ثرية وسعيدة ~~ومرضية. # شكل 4-3: بينما العقل «وحده» قد لا يكون قادرا على الإجابة عن الأسئلة ~~الأخلاقية، فلا يزال يقدم لنا أداة مهمة للغاية لمساعدتنا على إيجاد ~~طريقنا الأخلاقي. # رابعا: الإنسانويون «يؤكدون على دور العقل في إصدار الأحكام الأخلاقية.» ويعتقدون أن ~~علينا التزاما باستخدام قوى عقلنا بأفضل ما يمكننا عند تناول المسائل الأخلاقية. وليس ~~معنى هذا أن الإنسانويين يفترضون أن العقل وحده قادر على التعامل مع أي معضلة أخلاقية؛ ~~لا شك في أن هذا سيكون ضربا من السذاجة! لكن للعقل دور مهم يؤديه. على سبيل المثال، ~~في الكشف عن التبعات غير الملحوظة وأوجه عدم الاتساق المنطقي في موقف من المواقف ~~الأخلاقية، وفي اكتشاف قيام موقف من المواقف الأخلاقية على استدلال خاطئ، وفي الكشف عن ~~حقائق علمية وغيرها من الحقائق ذات الصلة بالنسبة إلى قضية من القضايا الأخلاقية (على ~~سبيل المثال، الكشف عن أن النساء على القدر ذاته من الكفاءة العقلية كالرجال؛ ومن ثم ~~دحض الحجة القائلة بأن النساء لسن متطورات عقليا بالدرجة الكافية التي تسمح لهن ~~بحق التصويت). تحقق قدر كبير من التقدم الأخلاقي الذي أحرز على مدار القرون القليلة ~~الماضية؛ لأن الأفراد - الدينيين واللادينيين على حد سواء - تمتعوا بالشجاعة لاستخدام ~~عقولهم والتشكيك في الحكمة الأخلاقية المقبولة في زمانهم. وبتشغيلهم قوى عقلهم، وصلوا ~~إلى الإقرار بأن المعاملة المعاصرة للنساء أو أصحاب البشرة السوداء أو المثليين قائمة ~~على استدلال خاطئ، أو غير متسقة مع بعض معتقداتهم الأخلاقية الأساسية. عندما يتعلق ~~الأمر بإحراز تقدم أخلاقي، فالعقل أداة ms072 لا غنى عنها. ~~(9) الإنسانوية ونسبوية «كل شيء ممكن» # ختاما، أود الحديث عن أحد الاتهامات التي توجه عادة إلى ~~الإنسانوية - اتهام كشفنا عنه النقاب في ~~هذا الفصل - وهو ذلك الخاص بالنسبوية الأخلاقية. كثيرا ما يقال إن كان الإله ~~موجودا، فيمكن أن تكون الأشياء صحيحة أو خاطئة أخلاقيا فحسب «لأننا نقول ذلك عنها»، ~~إلا أن الإنسانوية هكذا تنطوي على توجه لنسبوية أخلاقية فجة؛ نسبوية «كل شيء ~~ممكن»، بناء عليها تكون حقيقة الصحة أو الخطأ هي أي شيء نقوله عنها. # لكن الحقيقة أن هذا ليس ما يعتقده الإنسانويون، وقد أصبحنا الآن في موقف أفضل كثيرا ~~لإدراك السبب إدراكا كاملا. # صحيح أن منظومة الأخلاق الإنسانوية تركز أكثر علينا نحن البشر (والأنواع الأخرى ذات ~~القدرة على الإحساس)، لكن ليس معنى ذلك أن نقول إن الصواب والخطأ هما أي شيء يقوله ~~الأفراد من البشر، أو حتى المجتمعات البشرية، عنهما. فيمكن أن يكون، وأحيانا ما يكون، ~~الأفراد - بل ومجتمعات بأسرها - مخطئين خطأ ~~أخلاقيا بالغا، والإنسانويون كلهم تقريبا يقبلون بذلك. # وفي واقع الأمر، إن اعتقاد الإنسانوي بأهمية استخدام العقل للإجابة عن الأسئلة ~~الأخلاقية ينطوي - على نحو واضح - على رفض وجهة النظر النسبوية القائلة بأن الحقيقة ~~الأخلاقية هي أي شيء نقوله عنها. وإن كان هذا الضرب من النسبوية الأخلاقية صحيحا، فلن ~~يكون هناك طائل من استخدام ملكاتنا النقدية في التوصل إلى ما هو صحيح وما هو خاطئ؛ لأنه ~~أيا كان الرأي الذي سنخلص إليه، فلن يكون أكثر صدقا من الرأي الذي بدأنا به. # بالتأكيد سيصر البعض على أنه رغم أن الإنسانويين قد لا يعتنقون رسميا هذا الضرب من ~~النسبوية الأخلاقية، فإن رؤيتهم الكونية تلزمهم به مع ذلك. لكن مجددا، هذا ~~خطأ. # سأكرر نقطة ذكرتها في موضع مبكر من هذا الفصل، وكذا في المقدمة: «الإنسانويون - بحسب ~~وصف هذا الكتاب - لا حاجة بهم لاعتناق المذهب الطبيعي» (وإن كان بعضهم يعتنقونه ~~بالتأكيد)؛ ومن ثم، رغم أن الإنسانويين لا يؤمنون بالآلهة وغيرها من الفاعلين فوق ~~الطبيعيين، فقد لا يزالون يفترضون وجود حقائق أخرى ms073 غير الحقائق الطبيعية، وأن الحقائق ~~الطبيعية تتضمن حقائق أخلاقية موضوعية. # لكن حتى إن لم يكن أحد الإنسانويين يعتنق المذهب الطبيعي، فلا يستتبع ذلك أنه سيلزم ~~نفسه بالرأي القائل إن الحقيقة حول الصواب والخطأ هي أي شيء نقوله عنها؛ ومن ثم «كل ~~شيء ممكن». # ذكرنا قبل ذلك أن الإنسانويين يرون أن «منظومة الأخلاق مرتبطة على نحو أساسي برفاهية ~~الإنسان»، وكما رأينا، فإن رفاهية الإنسان تقتضي أن نعتنق جميعا مبادئ أخلاقية أساسية ~~معينة بخصوص السرقة والكذب والقتل وما إلى ذلك، لكن الفرد الأناني الذي يقول: «أقول إنه ~~لا ضير بالنسبة إلي من السرقة والغش والقتل، إذن لا ضير منها؛ وليذهب الآخرون إلى ~~الجحيم»، لا يمكن وصفه بأنه يعتنق منظومة أخلاق إنسانوية. # الفصل الخامس # | الإنسانوية والعلمانية # (1) ما العلمانية؟ # تنطوي الإنسانوية على اعتناق للعلمانية، لكن أولا ما العلمانية؟ # يستخدم مصطلح «علماني» بطريقتين مختلفتين على الأقل؛ فأحيانا، لا يعدو معناه سوى ~~«لا ديني». وغالبا عندما يصف الناس مجتمعا من المجتمعات بأنه يصبح «أكثر علمانية»، ~~فهم لا يقصدون سوى أنه يصبح أقل تدينا. # إلا أن الكلمة لها معنى آخر على الأقل. عندما يقول الإنسانويون إنهم يريدون «مجتمعا ~~علمانيا»، فعادة ما ينادون برؤية معينة عن الكيفية التي ينبغي بها تنظيم المجتمع ~~سياسيا؛ رؤية حول نوع العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الدين والدولة. # المجتمع العلماني، بناء على ما تقدم، ليس بالضرورة مجتمعا يوجد به تجسيد قليل أو ~~غير علني للمعتقد الديني؛ فالمجتمع العلماني قد يكون مجتمعا كل من فيه بالغو التدين، ~~وفيه يجري التعبير عادة عن الآراء الدينية علانية. المجتمع العلماني هو ببساطة مجتمع ~~فيه «الدولة نفسها» تتخذ موقفا محايدا فيما يتعلق بالدين؛ فلا تنحاز الدولة إلى أي ~~وجهة نظر معينة دينية أو مناهضة للدين. # الدولة العلمانية، من المنطلق الذي نناقشه الآن، تحمي «حريات» معينة؛ فهي تحمي حرية ~~الأفراد في الاعتقاد، أو عدم الاعتقاد، وفي العبادة، أو عدم العبادة. تدافع الدولة ~~العلمانية عن حق الأفراد في اعتناق دين معين والتعبير عن معتقداتهم الدينية. لكنها ~~أيضا تحمي حقهم ms074 في رفض اعتناق أي دين وكذلك في التعبير عن آراء منتقدة للدين. # وبتوصيف العلمانية على هذا النحو، يتضح الاختلاف الكبير بينها وبين الإلحاد؛ فدولة ~~دينية إسلامية أو مسيحية من الواضح أنها ليست علمانية؛ لأن دينا واحدا بعينه يهيمن ~~على الدولة. لكن دولة إلحادية مثل روسيا تحت حكم ستالين أو الصين تحت حكم ماو لا يمكن ~~وصفها بأنها دولة علمانية كذلك. # إذن، المجتمع العلماني هو المجتمع الذي ~~تكون الدولة فيه محايدة دينيا، وليس المقصود بذلك أن تكون محايدة حيال كل شيء؛ فهي ~~ليست محايدة بشأن أهمية حماية حريات معينة، لكنها قائمة على مبادئ اتخذت شكلها ووجدت ~~تبريرها بمعزل عن أي اعتقاد مؤيد للدين أو مناهض له؛ مبادئ يجب علينا أن نكون قادرين ~~على اعتناقها سواء كنا دينيين أم لا. # المجتمع العلماني هو المجتمع الذي قد ~~يشعر فيه الدينيون بالقدر نفسه من الاطمئنان الذي يشعر به الإنسانويون. وفي الواقع، إن ~~كثيرا من الدينيين هم علمانيون سياسيا (وفي ذلك أعضاء، على سبيل المثال، في منظمات ~~مثل «إكليزيا» و«مسلمون بريطانيون من أجل ديمقراطية علمانية»). وهم يقدرون الحريات ~~الدينية التي يكفلها المجتمع العلماني. # أحيانا ما يصف معارضو العلمانية إياها بأنها تمثل الرأي القائل بأن الدولة ينبغي أن ~~تكمم أفواه الدينيين، ولا تسمح لهم بالتعبير عن وجهات نظرهم الدينية علانية. لكن هذا من ~~شأنه أن يكون تصويرا كاريكاتيريا لما أقصده بالعلمانية، وما يقصده أغلب مؤيديها ~~بالمصطلح. الرابطة البريطانية الإنسانية، على سبيل المثال، تنادي بالعلمانية، لكنها لا ~~تطالب بمنع الأفراد والمنظمات من التعبير العلني عن الآراء الدينية. وفي واقع الأمر، إن ~~العلمانية التي تطالب بها الرابطة البريطانية الإنسانية تحمي حرية التعبير عن مثل تلك ~~الآراء، وهي لا ترفض سوى منح وضع مميز للآراء الدينية. # رغم أن كثيرا من الغربيين يعتبرون حريتهم في دعم وجهات نظر دينية معينة أو انتقادها ~~علانية أمرا مسلما به، فهذه الحرية في حالات كثيرة لم تكن سهلة المنال، وعبر كثير ~~من دول أوروبا، لم توجد إلا منذ بضع مئات الأعوام فقط؛ فالمجتمع العلماني ms075 في الغرب ~~ظاهرة حديثة نسبيا. # ومن الجدير بالذكر أيضا أن دولا غربية كثيرة «ليست على هذا القدر من العلمانية»؛ ~~فالدولة البريطانية تكفل بالتأكيد الحرية الدينية، إلا أنها تعطي دينا واحدا - كنيسة ~~إنجلترا - وضعا مميزا. فعلى سبيل المثال، تخصص بريطانيا 26 مقعدا في مجلس اللوردات ~~للأساقفة - جميعهم من الرجال بالطبع - الذين يستطيعون استغلال سلطتهم في محاولة حجب ~~التشريعات التي تتمتع بتأييد شعبي ديمقراطي، مثل مشروع قانون القتل الرحيم. ورأس ~~الدولة، الملك/الملكة، هو أيضا رأس الكنيسة الوطنية. كما تستخدم الدولة البريطانية ~~الأموال العامة لتمويل المدارس الدينية، وتصر - مع بعض الاستثناءات الطفيفة - على أنه ~~في كل مدرسة تمولها الدولة في إنجلترا وويلز، يجب على كل تلميذ في كل يوم دراسي أن ~~يشترك في شعيرة من شعائر العبادة الجماعية، «ذات محتوى مسيحي الطابع على نحو كلي أو ~~رئيسي». ~~(2) إحدى ميزات المجتمع العلماني # لم الحاجة إلى مجتمع علماني؟ أحد التبريرات الواضحة يتسم بالبراجماتية. نشأت ~~المجتمعات العلمانية بأعداد كبيرة لأن الناس أدركوا أنه ثمة مخاطر في تحالف الدول مع ~~الأديان؛ فتاريخ العديد من الدول الحديثة لطخه العنف المتمخض عن جماعات دينية ~~متنافسة تتصارع مع بعضها من أجل السيطرة على الدولة: الكاثوليك في مواجهة البروتستانت، ~~والسنة في مواجهة الشيعة، والسيخ في مواجهة الهندوس، واليهود في مواجهة المسلمين. لقد ~~أدركوا في النهاية أن الدولة العلمانية توفر سبيلا للحد من هذا النوع من الصراعات، ~~من خلال موافقة جميع الأطراف على العيش في ظل دولة محايدة دينيا تحمي حرياتهم كافة ~~على نحو متساو ولا تحابي أحدا على حساب الآخر. ~~(3) التهديدات التي تواجه الدولة العلمانية # أحد السبل التي يمكن بها أن يبدأ طابع المجتمع العلماني في التآكل هو أن يبدأ ~~الدينيون في الإصرار على أن آراءهم الدينية جديرة بأشكال مؤسساتية خاصة من التمييز أو ~~الاحترام، وثمة خمسة نماذج بريطانية حديثة على هذه المطالبات: # يجب أن تنتسب الدولة إلى دين بعينه. # يجب على الدولة ألا تسمح بالمسرحيات والمنشورات وما إلى ذلك من المواد ~~التي تتهكم على معتقدات دينية معينة، أو تسيء إساءة ms076 بالغة على نحو ما ~~لمن يعتنقون تلك المعتقدات. # يجب على شركات الطيران والمدارس عدم السماح باستمرار قواعد الملبس التي ~~تمنع مضيفي الطيران أو تلاميذ المدارس من ارتداء رموز دينية، إن كان دين ~~الفرد، أو ضميره الديني، يقتضي هذا (وهكذا، في حين أن قواعد الملبس لدى ~~المدارس وشركات الطيران قد تمنع ارتداء الحلي، يجب أن يكون هناك استثناء ~~للصلبان ، على سبيل المثال). # يجب على الدولة أن تمول المدارس الدينية التي هي على نفس دين الدولة، ~~والتي يسمح لها بالتمييز ضد كل من الطلبة والمدرسين على أساس المعتقد ~~الديني. # القوانين المانعة للتمييز التي تسري على الجميع ينبغي ألا تطبق على ~~العاملين بمؤسسات التبني، على سبيل المثال، الذين هم من الكاثوليك، ~~والذين يطلب منهم مساعدة الأزواج من المثليين على تبني أطفال. # شكل 5-1: مسيحيون يحتجون على بث شبكة بي بي سي للمسرحية الموسيقية «جيري ~~سبرنجر». # في بعض الحالات، هذه الامتيازات توجد بالفعل. # يعتقد كثير من الأشخاص أن هذه المطالب مشروعة، حتى إن بعض اللادينيين يؤيدون بعضا ~~منها على الأقل، لكن هل مثل هذه المطالبات مبررة؟ ~~(4) تحد للمناهضين للعلمانية # هب أننا حذفنا كلمة «ديني» من كل من المطالبات السابقة، وأحللنا كلمة «سياسي» ~~محلها؛ ما مدى معقولية الناتج؟ # ينبغي أن تنتسب الدولة علانية إلى حزب سياسي بعينه. # يجب على الدولة ألا تسمح بالمسرحيات والمنشورات وما إلى ذلك من المواد ~~التي تتهكم على معتقدات سياسية معينة، أو تسيء إساءة بالغة على نحو ما ~~لمن يعتنقون تلك المعتقدات. # يجب على شركات الطيران والمدارس عدم السماح باستمرار قواعد الملبس التي ~~تمنع مضيفي الطيران أو تلاميذ المدارس من ارتداء رموز سياسية، إن كان حزب ~~الفرد السياسي، أو ضميره السياسي، يقتضي هذا (وفي حين أن قواعد الملبس ~~لدى المدارس وشركات الطيران قد تمنع الحلي، يجب أن يكون هناك استثناء ~~للشارات الحزبية، مثلا). # يجب على الدولة أن تمول المدارس المنتسبة إلى أحزاب سياسية والمسموح ~~لها بالتمييز ضد كل من الطلبة والمدرسين على أساس المعتقد ~~السياسي. # القوانين المانعة للتمييز التي تسري على ms077 الجميع ينبغي ألا تطبق على ~~العاملين بمؤسسات التبني، على سبيل المثال، الذين ينتمون إلى حزب سياسي ~~عنصري والذين يطلب منهم مساعدة الأزواج المختلطي الأعراق على تبني ~~أطفال. # أغلبنا، وفينا أكثرنا تدينا، سيرفض المطالبات الخمس كلها، ولسبب وجيه. ثمة أسباب ~~وجيهة وراء أنه يجب على الدولة ألا تتحيز لحزب سياسي معين، بغض النظر عن مدى سماحة ~~أو نبل مقاصد هذا الحزب. وبالطبع ينبغي السماح لنا بالسخرية من معتقدات الآخرين ~~السياسية والتهكم عليها، بصرف النظر عن الإساءة الناتجة؛ فهذا الحق سمة موجودة في أي ~~ديمقراطية قوية. # لكن التحدي الماثل أمام المؤيدين لنسخ دينية من تلك المطالبات، رغم رفضهم للنسخ ~~السياسية منها، هو تفسير سبب تبرير هذين الموقفين المختلفين من مجموعتي المطالبات ~~المختلفتين. # يمكن إذكاء هذا التحدي بملاحظة أن المعتقدات الدينية هي، في أغلب الأحيان، معتقدات ~~سياسية. تأمل مثلا المعتقدات الدينية المتعلقة بالموقف الأخلاقي من المثليين، ودور ~~المرأة في المجتمع، وأبحاث الخلايا الجذعية، والإجهاض، والجهاد، ودولة إسرائيل، ~~ومسئولياتنا الأخلاقية والمالية تجاه الفقراء؛ هذه المعتقدات كلها سياسية حتى النخاع. ~~وفي واقع الأمر، المنظمات الدينية غالبا ما تكون نشطة سياسيا، وتشكل جماعات ضغط ~~سياسية قوية. إذن، لم ينبغي أن يستتبع إضافة بعد ديني إلى مجموعة من المعتقدات ~~السياسية استحقاق تلك المعتقدات حينها ميزات ممنوحة رسميا لم تكن لتحصل عليها بوضع ~~آخر؟ ~~(5) ردود على التحدي # كيف يمكن أن يرد من يعتقدون بأن الدولة ينبغي أن تنتسب إلى دين وأن تمول المدارس ~~المنتسبة إلى هذا الدين وما إلى ذلك على هذا التحدي؟ إن كانوا ينشدون ألا يتهموا ~~بالتحيز غير المبرر، فعليهم إيجاد اختلاف بين المعتقدات الدينية وغيرها من المعتقدات ~~يبرر تمييز المعتقدات الدينية. دعونا نلق نظرة على أربعة اختلافات قد يفترض أنها ~~تقدم هذا التبرير. # أول الاختلافات بين المعتقدات الدينية والمعتقدات السياسية الأخرى هو أن المعتقدات ~~الدينية تنطوي عادة على إشارة إلى «فاعل أو فاعلين فوق طبيعيين» (الجاينية والبوذية ~~استثناءان لهذه القاعدة). إلا أن هذا بالتأكيد لا يفسر السبب وراء أنه لا ينبغي، على ~~سبيل المثال، السخرية ms078 من المعتقدات الدينية. فبعض الناس يؤمنون بكيانات فوق طبيعية أخرى ~~مثل الأشباح والجنيات، إلا أننا لا نفترض أن الدولة ينبغي أن تتدخل لمنع التهكم على تلك ~~المعتقدات. # ثاني اختلاف يفترض البعض أنه يبرر ضرورة تعامل الدولة مع المعتقدات الدينية معاملة ~~مختلفة هو أن المعتقدات الدينية غالبا ما تكون «معتنقة بحماس وعاطفة شديدين». في ~~الواقع، الناس مستعدون للموت في سبيل معتقداتهم الدينية. هل يفسر هذا السبب وراء أن هذه ~~المعتقدات ينبغي أن تمنح مكانة خاصة؟ بإلقاء نظرة عن كثب على الأمر، يسقط هذا التبرير ~~أيضا. فالمعتقدات السياسية اللادينية يمكن اعتناقها بالدرجة نفسها من الحماس والعاطفة. ~~كما أن الناس مستعدون للموت للذود عنها، وهذا أمر واقع بالنسبة إلى كثير من الشيوعيين ~~مثلا. إذن، هل ينبغي أن تمول الدولة المدارس الشيوعية التي تمارس التمييز ضد غير ~~الشيوعيين؟ وهل يجب على الدولة أن تمنع السخرية من المعتقدات الشيوعية؟ بالتأكيد ~~لا. # ثالث اختلاف يفترض البعض أنه يبرر تعامل الدولة مع المعتقدات الدينية معاملة مختلفة ~~هو أن المعتقدات الدينية كثيرا ما تشكل جزءا من «هوية» الشخص على نحو لا تقوم به ~~المعتقدات الأخرى، وفيها معتقداته السياسية. يعرف الناس أنفسهم على أنهم مثلا ~~مسيحيون أو مسلمون أو يهود أو هندوس، وغالبا ما يشعرون بتقارب قوي مع أبناء دينهم ~~الآخرين كثيرا ما يسمو فوق أي اختلافات في العرق والجنسية وما إلى ذلك (بالطبع هذا ~~غير صحيح بالنسبة إلى كل الأديان، لكنه صحيح بالنسبة إلى بعضها). وفي المقابل، إن ~~العضوية في الحركات أو الأحزاب السياسية نادرا ما تكون جزءا مهما من إحساس المرء ~~بهويته الأساسية على النحو نفسه بأي درجة (إلا أنها في ظل أنظمة شمولية معينة قد تكون ~~كذلك). # لا شك في أن شخصا تربى على حضور الشعائر الدينية بانتظام، ويسافر كي يؤدي الحج في ~~أماكن أخرى، ويتخطى مجتمعه الديني الحدود الوطنية، وتعكس ملابسه و/أو حليه ~~التزامه العميق بدينه، ويقتطع من وقته كل يوم للقراءة في الموضوعات المرتبطة به، ~~ويحفل منزله بالمعلقات ذات الصلة من أيقونات وصور، وربما ms079 يحمل جسمه علامات دائمة تدل ~~على عبادته؛ هو شخص أصبح هذا الالتزام بالنسبة إليه جزءا لا يتجزأ من إحساسه بهويته ~~الأساسية. لكن هل هذا البعد العميق المشكل للهوية يبرر منح الدولة معاملة خاصة؟ ~~بالطبع لا، فإن كانوا مشجعين متعصبين لنادي مانشستر يونايتد، فإن كثيرا منهم ستنطبق ~~عليه المعايير أعلاه. ومرة أخرى، لم ينبغي معاملة الالتزام الديني معاملة ~~مختلفة ؟ # إن بعض المتدينين يكونون ملتزمين التزاما شديدا بدينهم، بحيث يصبح جزءا من ~~إحساسهم بهويتهم، لدرجة أنه من المحتمل أنهم يحملون تعرض هذا الدين للنقد أو التهكم ~~على محمل شخصي جدا؛ ونتيجة لذلك، قد تثور ثورتهم، بل ربما يقومون بأعمال ~~عنيفة. # ومن ثم، يجب على منتقدي المعتقد الديني أن يتوخوا الحذر حيال القالب الذي يصوغون ~~فيه نقدهم. ويجب عليهم ألا يشغلوا أنفسهم بتهكم أو هجوم لا طائل كليا من ورائه والهدف ~~الوحيد منه هو مضايقة المتدينين المتحمسين. ومع وضع النتائج المتوقعة لهذا الفعل في ~~الاعتبار، فهو يعد فعلا غير مسئول على نحو واضح. # ولكن هذا لا يستتبع أن تكون الدولة نفسها مبررة في تجريم نقد المعتقد الديني أو ~~التهكم عليه. فلا يزال النقد - وكذلك التهكم والمحاكاة الساخرة والاستهزاء والهجاء ~~الشديد - مهما. والحقيقة أن السخرية كثيرا ما يكون الهدف من ورائها هو الإهانة التي ~~لا طائل منها، لكنها قد تتخذ أيضا شكلا فنيا عظيما، يقدم لنا الحقيقة بطرق أخاذة ~~ومتبصرة (خذ على سبيل المثال، أعمال جوناثان سويفت الساخرة). # في كل الأحوال، منع التهكم بالمعتقدات الدينية على أساس أن من يعتنقونها من المحتمل ~~أن يلجئوا للعنف ردا على هذا التهكم في أغلب الظن يشجع الناس على اللجوء للعنف عند ~~الهجوم على معتقداتهم. والمغزى هنا: «لتثر ثائرتك وتمارس العنف، وحينها ستمنع ~~الدولة الناس من التهكم على معتقداتك أيضا، أيا كانت هذه المعتقدات.» وهكذا، سيتم ~~حظر كافة أعمال سويفت الساخرة، اللهم إلا تلك الموجهة إلى معتقدات أشخاص أقل حدة في ~~طباعهم. # والاقتراح الرابع، وأكثرها حنكة إلى حد ما بشأن السبب وراء أن الدولة ينبغي أن ~~تمنح المعتقدات ms080 الدينية وضعية خاصة، هو أن الحقوق والحريات التي نتمتع بها في المجتمعات ~~الليبرالية الحديثة نبعت، ووجدت مسوغاتها في الأصل، من وجود إطار وقيم دينية، وأنه ~~إن لم يوجد دعم مستمر وواضح لهذا الإطار وتلك القيم، فستزداد احتمالات تعرض هذه ~~الحقوق والحريات للتهديد. وإليكم، على سبيل المثال، الفيلسوف البريطاني روجر تريج يعبر ~~عن قلقه في هذا الشأن في كتابه «الدين في الحياة العامة»: # كحقيقة تاريخية، نشأت معايير المجتمع الغربي من خلفية مسيحية ... والباعث على ~~احترام مختلف المعتقدات، وإعلاء قيمة حرية الفرد، يجب تشجيعه علنا، وإن كانت ~~الآراء الدينية هي التي أفرزته في الأصل، فسيقفز السؤال: إلى متى سيظل هذا ~~الاحترام دون دعمها الواضح؟ # لاحظ أن هذه صورة أخرى من الاحتكام إلى «رأس المال الأخلاقي» المتناقص، المولد ~~دينيا، على غرار ما عرضناه في الفصل الرابع، فنحن نعتمد على إرث ديني؛ إرث إن لم يجر ~~دعمه، فسينفد في النهاية، مع احتمال أن يكون لذلك عواقب كارثية. # لا يزعم تريج أن كل مجتمع ليبرالي يقتضي دعما دينيا كي يستمر؛ فهو يزعم زعما أبسط ~~مفاده أن تلك المجتمعات الليبرالية التي كان لها أساس ديني في الأصل معرضة للخطر إن ~~فقدت هذا الأساس. ويرى تريج أن هذا سبب وجيه للحفاظ على الأساس الديني. ويضيف: # لم ينبغي احترام الحرية، والإبقاء على المساواة بين البشر؟ لهذين السؤالين ~~إجابة حاضرة في السياق الديني؛ لأن الإله، كما سيقال، خلقنا سواسية، ويعتني ~~بنا على نحو متساو، ووهبنا إرادة حرة كي ننتقي خيارات عقلانية. وبمجرد ~~استبعاد السياق الديني، يمكن أن يبدو وجود الحقوق متقلقلا. # ويذهب تريج إلى أنه بمجرد أن يفقد هذا الأساس الديني، فثمة خطر حقيقي في أن ~~المجتمع سينزلق إلى الشمولية. فقط في حالة إدراك الدولة وجود شيء أعلى - شيء يراقب ~~تجاوزها - سيكون ميل الدولة الطبيعي للانزلاق إلى الشمولية تحت السيطرة. يقول تريج في ~~هذا الشأن: # سيرغب كثيرون في رؤية المزيد من إقرار الدولة العلني بسلطة الإله؛ لأن هذا ~~وحده، كما يبدو، قد يعد قيدا على سلطات المؤسسات البشرية. # بمجرد ms081 أن تتنصل الدولة من أي أساس ديني لها، فهي تقر بعدم وجود أي مراقبة على ~~سلطاتها عدا تلك المستعدة للإقرار بها. # وهكذا يبرر تريج تحالف الدول الغربية مع الكنائس المسيحية على أساس أن هذا يوفر ~~وسيلة الكبح الضرورية لميل هذه الدول إلى التحول إلى الشمولية؛ وهذا تبرير ذكي! لكن ~~هل يصمد أمام النقد؟ لا أعتقد ذلك. # بادئ ذي بدء، لا يتضح إطلاقا وجود دعم من الشواهد التاريخية لزعم تريج أن الدين ~~يعمل كوسيلة لكبح الميل الشمولي للدولة. وأثناء إحدى مراحل حياتي المبكرة، كانت دولة ~~شمولية تجتاح معظم أوروبا. كيف استجابت الكنائس المسيحية للتهديد المتصاعد؟ في كثير من ~~البقاع، رحب أقطاب الكنائس بقدوم النازيين. # صحيح أنه كانت هناك احتجاجات دينية من وقت لآخر على المعاملة المتزايدة الوحشية ~~لليهود، لكن ينبغي النظر في هذه المسألة في مقابل السياق الأكبر الذي شهد تفشي معاداة ~~السامية التي ساعدت الكنائس المسيحية على نشرها. # فعلى سبيل المثال، في عام 1936، بعث كبير أساقفة بولندا بخطاب يعترض فيه على العنف ضد ~~اليهود. قد ترى أن هذا أمر محمود دون تحفظ من جانبه، لكن إليك مقتطفا من خطابه: # الحقيقة أن اليهود يحاربون الكنيسة الكاثوليكية، وهم مصرون على التفكير ~~الحر، وهم في طليعة دعاة الكفر، والداعمون للبلشفية وإسقاط النظام القائم. ~~والحقيقة أن لليهود تأثيرا خبيثا على منظومة الأخلاق، ودور نشرهم تنشر ~~المواد الإباحية. والحقيقة أن اليهود مخادعون ومرابون وقوادون. والحقيقة أن ~~التأثير الديني والأخلاقي لشباب اليهود على الشباب البولندي تأثير سلبي. # هذا الخطاب، الذي كتبه أعلى قامة كاثوليكية في بولندا، قرأه الواعظ بكل كنيسة ~~كاثوليكية بولندية في عام 1936. وبينما عارض الخطاب العنف الممارس ضد اليهود، فقد أوضح ~~الازدراء الذي كان يكنه كثير من المسيحيين الأوروبيين لليهود قبل محرقة ~~اليهود. # وانتشرت كذلك معاداة السامية في الكنائس البروتستانتية الألمانية الرئيسية. ففي كتابه ~~«جلادو هتلر الطوعيون»، يورد دانيال جولدنهاجن أن أحد إصدارات كنيسة بروتستانتية: ~~... حسب تعبير مراقب معاصر: «لن نتوقف عن وصف اليهود بمنتهى الحماس بأنهم جسم ~~غريب يجب أن يتخلص منه الشعب ms082 الألماني، وأنهم خصم خطير يجب أن نشن عليه حربا ~~لا تبقي ولا تذر.» كان الاختلاف على هذا الرأي نادرا ... ويقول أحد رجال الكنيسة ~~في مذكراته إن معاداة السامية انتشرت في الدوائر الكنسية لدرجة أنه «لم يتجرأ ~~أحد على الاعتراض العلني عليها.» # قال الكاثوليكي كونراد أديناور، أول من شغل منصب المستشار بألمانيا بعد الحرب فيما ~~يتعلق بمحرقة اليهود: # أعتقد أنه لو أن الأساقفة جميعهم اتخذوا موقفا علنيا [بمعارضة معاداة ~~السامية] من منبر الوعظ، لأمكن تجنب الكثير. لكن لم يحدث ذلك، ولا عذر لهم في ~~ذلك. # لكن ربما كانت ألمانيا النازية استثناء. ماذا عن الدول الشمولية الأخرى، مثل إيطاليا ~~الفاشية؟ كيف استجابت الكنائس المسيحية لصعود الشمولية هناك؟ كانت الكاثوليكية هي دين ~~الدولة الوحيد المعترف به. ماذا عن صعود الفاشية في إسبانيا؟ كيف قاومت الكنيسة ~~الكاثوليكية إطاحة فرانسيسكو فرانكو بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا؟ لم تقاومها! # لا تتمتع الكنائس المسيحية بسجل تاريخي جيد بخصوص مقاومة الشمولية الأوروبية. وكثيرا ~~ما ارتضت التعاون مع أنظمة شمولية، بل وبناء تحالفات معها، وذلك على الأقل حتى بدأت ~~تلك الأنظمة تهدد مصالحها. وبالطبع ثمة استثناء وحيد لاتجاه التقارب الوثيق هذا لدى ~~الكنائس المسيحية مع الدول الشمولية؛ وهو الأنظمة الشيوعية الإلحادية بشرق أوروبا، التي ~~طالما اجتهدت الكنيسة الكاثوليكية من أجل الإطاحة بها. # كما ينبغي أن نتذكر، منذ وقت ليس ببعيد، أن الكنيسة الكاثوليكية نفسها كانت لا تزال ~~تنظم عمليات الإعدام خنقا التي تنفذها الدولة الإسبانية بحق المواطنين الذين لا يؤمنون ~~بما قالته لهم الكنيسة. # إذن، فالاقتراح القائل بأن انتسابهم للكنائس المسيحية هو أفضل وقاية للدول الأوروبية ~~من الانزلاق إلى الشمولية ليس اقتراحا مدعوما جيدا بالشواهد التاريخية. وفي الواقع، ~~إن التحذير الذي يسوقه التاريخ الأوروبي، إن وجد، هو ضرورة ألا نعتمد على الكنائس ~~لحمايتنا من الشمولية. ~~(6) التسليم بشيء أعلى من الدولة # من المهم بالتأكيد التسليم بوجود مبادئ أعلى من الدولة، وأغلبنا، الديني منا ~~واللاديني، يقر بأن هذا صحيح بشأن المبادئ «الأخلاقية»، وما تفرض الدولة صحته أو ~~خطأه أخلاقيا ليس بالضرورة كذلك. # حاليا ms083 «يمكن» أن تكون أي كنيسة من بين من يقدمون نقدا أخلاقيا للدولة عندما تبدأ ~~في الانزلاق نحو الشمولية. ولا شك في أن التعاون الوثيق مع الدولة قد يزيد من نفوذ ~~وسلطة الكنيسة لتكون بمنزلة كابح لسلطة الدولة. المشكلة هي أنه بمجرد أن تدخل الكنيسة ~~في مثل هذا الاتفاق، ستقل كثيرا احتمالات تقديم أي نقد كهذا إلى الدولة. وبمجرد أن ~~تدخل الكنيسة والدولة في اتفاق دعم متبادل، سيكون إذن لكل منهما مصلحة خاصة في حماية ~~نفوذ وسلطة الآخر. وبالتأكيد أغلب الظن أن الكنيسة ستقدم مثل هذا النقد عندما تكون ~~مستقلة حقا عن الدولة، وليس متعاونة عن قرب معها. ~~(7) ماذا عن أسسنا الدينية؟ # ماذا عن اقتراح تريج بأن قيمنا الليبرالية الحديثة لها أساس ديني من دونه يحتمل ~~أن تتآكل هذه القيم؟ صحيح أن حرياتنا وحقوقنا السياسية الحديثة غالبا ما نجد تبريرها ~~في الأصل على نحو ديني، لكن هذا بسبب أنه آنذاك كانت العادة تبرير كل موقف أخلاقي ~~وسياسي على نحو ديني. وكما يوضح واضعو نشرة الرابطة البريطانية الإنسانية التي تحمل ~~عنوان «الحجة المؤيدة للعلمانية»: # كانت المسيحية هي الثقافة المهيمنة؛ ومن ثم لا غرو أنها قدمت المفردات ~~لطرفي أغلب الانقسامات الأخلاقية والاجتماعية المهمة. فمن عملوا من أجل إلغاء ~~تجارة العبيد أقاموا حجتهم بقيم مسيحية؛ وكذلك فعل تجار العبيد. وكثير ممن ~~سعوا إلى تحسين ظروف العمل القاسية في المصانع والمناجم استحضروا قيما ~~مسيحية؛ وكذلك فعل أصحاب المصانع وأصحاب المناجم. والبعض على الأقل ممن نظموا ~~حملات للوصول إلى مزيد من تكافؤ الفرص، أو من أجل توسيع نطاق حق الانتخاب، أو ~~من أجل تحرير المرأة، أو من أجل وضع حد للتمييز العنصري استدعوا قيما ~~مسيحية، وكذلك فعل من دافعوا عما رأوه التراتب الاجتماعي والتفاوت ~~المفروضين من السماء، وغير القابلين للتغيير. # وكحقيقة تاريخية، رغم أن قيمنا الليبرالية الحديثة دار حولها جدل في الأصل على أسس ~~دينية، فقد قدم الفلاسفة الأخلاقيون والسياسيون مجموعة كاملة من التبريرات التي ~~يمكن أن نعتمد عليها أيضا، بما في ذلك التبرير البراجماتي الذي ms084 ألقينا عليه الضوء في ~~موضع سابق من الفصل. لا توجد ضرورة لتبرير حقوقنا وحرياتنا على أسس دينية. # بالطبع، قد يصر منتقدو العلمانية على أن هذه التبريرات اللادينية لا تفي بالغرض، ~~إلا أن التبريرات القائمة على الافتراض بأن الإله كما هو في الديانتين اليهودية ~~والمسيحية موجود تبدو تبريرات أقل منطقية في أعين أغلب المنظرين والفلاسفة ~~السياسيين. # كما ينبغي أن نلاحظ أنه في بلد مثل المملكة المتحدة، يوجد عدد كبير ومتنام من ~~المواطنين - الثلث - غير مستعدين حتى للقول بوجود علاقة ثقافية مع المسيحية؛ فنتيجة ~~إعطائنا قيمنا الأساسية تبريرا مسيحيا بالخصوص هي أنه تزيد، ولا تقل، احتمالات ~~تجاهل أو رفض تلك القيم من عدد كبير من المواطنين. وبالتأكيد، إن كنا نريد من ~~«الجميع» اعتناق قيم أساسية معينة، مثل حقوق الإنسان، أفلا يكون من الأفضل تقديم ~~تبرير محايد دينيا لها؟ # خاتمة # يفترض بعض الدينيين، لكن بالتأكيد ليس كلهم، أنه عندما تأمر شركة طيران أحد أفراد ~~طاقمها بعدم ارتداء صليب، أو عندما يكره كاثوليكي يعمل بمؤسسة تبني على تقديم ~~الخدمة نفسها التي يقدمها للجميع إلى زوجين من المثليين، يعد هذا شكلا من ~~التمييز المجحف بحق أصحاب العقائد الدينية القوية، وأن الدينيين أصبحوا ضحية للظلم، ~~وأننا لا نولي معتقداتهم «الاحترام» الجديرة به. # لكن هذا ليس هو الحال في واقع الأمر؛ ليس إذا كانت شركة الطيران تفرض قواعد ملبس ~~تقتضي حظرا شاملا للحلي، وليس إذا كان العاملون العنصريون بمؤسسة التبني مجبرين على ~~تقديم الخدمة نفسها التي يقدمونها للجميع إلى الأزواج المختلطي الأعراق. لم يجب على ~~شركة طيران لها قواعد ملبس معينة تحظر على العاملين ارتداء الحلي أن تجبر على عمل ~~استثناء للحلي الدينية؟ وإن لم نسمح للمتعصبين لأسباب لا دينية بالتمييز الظالم ضد ~~الآخرين، فلم يجب علينا أن نمنح هذا التمييز للمتعصبين لأسباب دينية؟ # لقد عرضت أربع إجابات مختلفة عن السؤال: لم يجب على الدولة منح المعتقدات الدينية ~~أوضاعا تمييزية لا تبسط نطاقها إلى المعتقدات الأخرى، مثل المعتقدات السياسية ~~(المحضة)؟ ولم تثبت كفاية أي من الإجابات. بالطبع ms085 يمكن تقديم الكثير من الإجابات ~~الأخرى؛ فهذه الإطلالة مخصصة من أجل توضيح نقطة معينة؛ وهي أنه بينما قد يجد الكثير منا ~~فكرة أن المعتقدات الدينية مستحقة لمعاملة خاصة فكرة بديهية، تفشل العديد من التبريرات ~~التي يمكن تقديمها لتوفير مسوغ لذلك، وما زلت أبحث عن أي تبرير أفضل. # الفصل السادس # | الإنسانوية والتعليم الأخلاقي والديني # ذات مرة حكت لي زميلة أنها وهي طالبة بمدرسة كاثوليكية في بريطانيا في ستينيات القرن ~~العشرين سألت في الفصل عن «السبب» وراء اعتبار استخدام وسائل منع الحمل خطأ أخلاقيا. لم ~~تعبر عن اختلافها مع الفكرة؛ لقد سألت فحسب عن تبرير للأمر. كانت النتيجة أنها أرسلت ~~إلى ناظر المدرسة كي يعنفها. إن الثقافة التي غرستها المدرسة، على الأقل فيما يتعلق ~~بالتعليم الأخلاقي والديني، كانت ثقافة الإذعان للسلطة؛ ثقافة القبول السلبي غير الناقد ~~للعقيدة الدينية. وأضافت زميلتي، التي لم تعد كاثوليكية، أنها حتى اليوم، بعد مضي أكثر من ~~نصف قرن، لا تزال تشعر بالذنب لأنها تجرأت على التشكيك في معتقد كاثوليكي. وقد نجحت تنشئتها ~~نجاحا بالغا، لا في فرض الرقابة عليها وحسب، وإنما في إكسابها عادة فرض الرقابة على ~~نفسها أيضا. وهذا الميل تأصل فيها بعمق لدرجة أنه ظل موجودا حتى الآن، بعد مضي وقت ~~طويل من تبخر إيمانها الديني. # سعى كثير من الأديان، تاريخيا، لترسيخ مثل هذه المواقف المذعنة المنصاعة بين المؤمنين ~~بها. وفي بعض الحالات، لا تزال تفعل ذلك. لكن ليست الأديان وحدها المتهمة بحبس عقول الشباب ~~على هذا النحو. الملحدون متهمون بذلك أيضا؛ ~~فالملاحدة ستالين وماو وبول بوت كانوا جميعا مهووسين بالسيطرة لا على سلوك الناس فحسب، ~~وإنما الأهم من ذلك على أفكارهم كذلك. # شكل 6-1: فرض الأخ الأكبر رقابة لا على أفعال الناس فحسب، وإنما على أفكارهم ~~أيضا. واليوم، يتفق كثير من الدينيين واللادينيين على أن التعليم الأخلاقي ~~ينبغي ألا يقوم على الخوف، وألا يدور حول تقييد الفكر. # عادة ما يعارض الإنسانويون تلك الأساليب الدينية التقليدية في التعليم الأخلاقي التي تقدم ~~منظومة الأخلاق بوصفها مجموعة ms086 من الحقائق تمررها السلطة وعلى الأفراد القبول بها دون أي ~~تشكيك من قريب أو بعيد. إلا أن معارضتهم لتلك الأساليب «التعليمية» لا تقل شدة عندما ~~تستخدمها أنظمة ملحدة. # بوجه عام، يفضل الإنسانويون اتباع منهج ليبرالي في التعليم الأخلاقي؛ منهج يؤكد على ~~المسئولية الأخلاقية للفرد. في الفصل الرابع، عرضت حجة مفادها أنه لا مفر من مسئوليتنا ~~الفردية عن إصدار الأحكام الأخلاقية؛ إنها جزء لا يتجزأ من كوننا بشرا. إن مسئوليتنا هي ~~إصدار الأحكام الأخلاقية الخاصة بنا، لا أن نحاول العهد بهذه المسئولية إلى سلطة خارجية ~~ما - مثل قائد ديني أو سياسي - لتصدرها بالنيابة عنا. # لكن إن كان هذا صحيحا، فلم لا نحرص على أن نربي الشباب على نحو يدركون من خلاله أن ~~كلا منهم عليه هذه المسئولية، ويمتلكون عبره المهارات الفكرية والاجتماعية والعاطفية ~~وغيرها من المهارات التي سيحتاجونها لإصدار أفضل ما يمكنهم من أحكام؟ هاتان السمتان من بين ~~السمات المميزة للمنهج الإنسانوي في التعليم الأخلاقي. # يبدو أن كثيرا من الناس يعتقدون أن البديل للتعليم الديني التقليدي هو ترك الأطفال ~~يبتكرون منظومتهم الأخلاقية من البداية، وإخبارهم أن كل رأي أخلاقي على الدرجة نفسها من ~~الصحة كغيره، والسماح لهم بفعل أي شيء يريدونه. لكن هذا من شأنه أن يكون تصويرا ~~كاريكاتيريا للتعليم الأخلاقي والديني الذي ينادي به أغلب الإنسانويين. # بادئ ذي بدء، لاحظ أن تشجيع الأطفال على التفكير والشك «لا» يقتضي أن نهجر القواعد وأسس ~~الانضباط. ما ينادي به الإنسانويون في الفصل الدراسي هو حرية «الفكر»، لا حرية «الفعل». مما ~~لا شك فيه أن الأطفال في حاجة إلى انضباط، وهم في حاجة إلى غرس عادات طيبة فيهم، ولكن حتى ~~ونحن نطبق القواعد، يمكننا أن نتيح للصغار الفرصة للتشكيك في تلك القواعد والتعبير عن ~~اعتراضهم عليها. # ثانيا، لاحظ أن تشجيع الأطفال على التفكير والتشكك «لا» يعني أننا لا نستطيع أن نشرح ~~لهم ماهية ما نؤمن به وسبب إيماننا به. وفي الحقيقة، لا يوجد سبب يمنع مدرسة دينية تدعو ~~لدين بعينه من تشجيع تلاميذها على ms087 التفكير والشك؛ فقد يقول مدرسوها: «هذا ما نؤمن به، ~~وإليكم الأسباب التي نفترض على أساسها صحة هذه المعتقدات، ونود منكم الإيمان بها أيضا، ~~لكننا لا نريد منكم أن تسلموا بما نقوله لكم عنها. إننا نشجعكم على الشك والتفكير وإعمال ~~عقولكم.» سيرغب الإنسانويون كذلك في إقناع أطفالهم بحقيقة الرؤى الإنسانوية، لكنهم لن ~~يريدوا من أطفالهم القبول بهذه الرؤى على نحو سلبي دون تشكيك. # ثالثا، لاحظ أن أي منهج إنسانوي «لا» يتضمن إخبار الأطفال أنه لا توجد رؤية أخلاقية ~~صحيحة وأخرى خاطئة. في الواقع، وكما رأينا في الفصل الرابع، يرفض الإنسانويون هذا الضرب من ~~النسبوية الأخلاقية. إن كانت كل رؤية أخلاقية صحيحة كالرؤى الأخلاقية الأخرى، إذن فلا طائل ~~من التفكير في القضايا الأخلاقية؛ لأن الرؤية التي ستخلص إليها لن تزيد صحة عن الرؤية التي ~~بدأت بها. سيكون التفكير مضيعة للوقت وبلا جدوى. وفي المقابل، يفترض الإنسانويون أن ~~التفكير والاستدلال يساعداننا على اكتشاف ما هو صحيح وما هو خاطئ على وجه الدقة؛ وبذلك ~~يكونان أبعد ما يكون عن اللاجدوى. ~~(1) الفلسفة في الفصول المدرسية # لا يوجد منهج إنسانوي بعينه للتعليم الأخلاقي للتلاميذ الصغار الذين يعدون بمنزلة ~~مواطنين جدد؛ فيمكن استخدام الكثير من الأساليب لتشجيع الصغار على البدء في التفكير في ~~القضايا الأخلاقية، وعلى وجه التحديد، سيعتمد جزئيا نوع النشاط التعليمي الذي ~~يوصي به الإنسانويون ومستواه على سن التلاميذ وقدراتهم. # بتشجيع الأطفال على التفكير بشكل ناقد ومستقل في القضايا الأخلاقية، نحن نشجعهم على ~~التفكير على نحو فلسفي. فكما طالعنا، يوجد تقليد فلسفي علماني طويل يمكن للإنسانويين ~~الاستقاء منه عند بحثهم عن مصادر لمساعدتهم في التعليم الأخلاقي للتلاميذ الصغار، إلا ~~أنه لا داعي أن تتخذ الفلسفة في الفصول شكل تعليم الأطفال هذا التقليد؛ تعليمهم من ~~قال هذا ومتى ولم (هذا العرض لتاريخ الأفكار قد لا يناسب أو قد يكون مثيرا لاهتمام ~~غير الأطفال الأكبر سنا). ثمة منهج بديل جرت تجربته بنجاح في الفصول المدرسية وحمل ~~أسماء مثل «الفلسفة للنشء» أو «مجموعة الاستقصاء». وينطوي المنهج على تشكيل ms088 مجموعات من ~~الأطفال وفيها يشتركون في نقاش منظم حول معضلة فلسفية معينة (غالبا ما يختارونها ~~بأنفسهم). وطبق هذا النشاط على جميع المراحل العمرية، وأثمر بعض المنافع القابلة ~~للقياس. # على سبيل المثال، فيما بين عامي 2001 و2002، درس عالم النفس كيث توبنج، بالتعاون مع ~~جامعة دندي، تأثير إدخال هذا البرنامج الفلسفي بواقع ساعة واحدة أسبوعيا بثلاث مدارس ~~ابتدائية في كلاكمانشاير. في تلك الدراسة، حصل المدرسون على يومين من التدريب، واشتملت ~~الدراسة على مجموعة كاملة من الاختبارات وكذلك مجموعة ضابطة من المدارس التي لم تقدم ~~بها أي برامج فلسفية، وانتهت هذه الدراسة بعد عام واحد إلى ما يلي: # تضاعف دعم الأطفال لآرائهم بأدلة، لكن ظلت فصول «المجموعة الضابطة» دون ~~تغيير. # كانت هناك أدلة على ارتفاع معدلات ثقة الأطفال بأنفسهم وتقديرهم لذواتهم ~~ارتفاعا ملحوظا. # تضاعف طرح المدرسين للأسئلة المفتوحة المشغلة للذهن (لتحسين عملية ~~الاستقصاء). # كانت هناك أدلة على تحسن روح الفصل ومستوى الانضباط به تحسنا ~~ملحوظا. # نسبة حديث المدرسين إلى حديث التلاميذ انخفضت للنصف بالنسبة إلى المدرسين ~~وتضاعفت بالنسبة إلى التلاميذ، وظلت فصول «المجموعة الضابطة» دون ~~تغيير. # حققت جميع الفصول تحسنا كبيرا (إحصائيا) في الاستدلال اللفظي وغير ~~اللفظي والكمي، ولم يطرأ أي تغيير على فصول المجموعة الضابطة. وهذا يعني أن ~~الأطفال أصبحوا أذكى (بلغ متوسط نسبة ذكائهم 6,5 نقاط) بعد عام واحد من ~~تطبيق البرنامج. # شكل 6-2: أطفال يمارسون الفلسفة في الفصل. # عندما أجريت الاختبارات مجددا للأطفال وهم في سن 14، بعد عامين بالمدرسة الثانوية ~~دون حصولهم على برامج فلسفية، حصل الأطفال على الدرجات نفسها بالضبط في اختبار القدرات ~~الإدراكية (أي إنهم احتفظوا بالتحسينات التي اكتسبوها قبل ذلك)، في حين انخفضت بالفعل ~~درجات المجموعة الضابطة. اشتركت في الدراسة ثلاث مدارس ثانوية، وتكررت النتائج بكل ~~مدرسة. # بالتأكيد هذه دراسة واحدة وقد يجري التشكيك في نتائجها، لكن ثمة عددا متناميا من ~~الأدلة التجريبية التي تقول بأن هذا النوع من النشاط الفلسفي له منافع اجتماعية وفكرية ~~وعاطفية قابلة للقياس للأطفال. إنه ينتج أفرادا أكثر وعيا وثقافة، لا ms089 على المستوى ~~الفكري وحسب، وإنما على المستوى الاجتماعي والعاطفي والأخلاقي أيضا. # على سبيل المثال، بعد أن طرحت مدرسة بوراندا ستيت، وهي مدرسة ابتدائية صغيرة ~~بأستراليا، بجميع فصولها برنامجا فلسفيا على النحو السابق، ذكرت في تقريرها عن الأمر ~~أنه حدث «تحسن كبير في النتائج» على مستوى السلوك الاجتماعي للطلاب: # إن احترام الآخرين وزيادة تقدير الطالب لذاته ... تغلغلا في جميع جوانب ~~الحياة المدرسية. والآن قلت المشاكل السلوكية بمدرستنا (فنحن لدينا بالفعل ~~بعض الطلاب العسيرو الانقياد). قلت درجة نفاد الصبر بين بعض الطلاب وبعضهم، ~~وزاد استعدادهم لتقبل أخطائهم باعتبارها جزءا من التعلم، وهم يناقشون ~~المشاكل حال حدوثها. وحسب كلام طالب في الخامسة من عمره: «الفلسفة نموذج جيد ~~للطريقة التي ينبغي أن نتصرف بها مع أصدقائنا بالملعب» ... يندر وجود السلوك ~~المتنمر بمدرسة بوراندا؛ إذ لم يتم التبليغ عن أي حادث تنمر هذا العام حتى ~~تاريخه. كان تعليق أحد الزوار من الأكاديميين: «أطفالكم لا يتعاركون، بل ~~يتناقشون ويتجادلون» ... ودائما ما يشير زوار المدرسة إلى «طابع» أو «روح» ~~المكان. نحن نرى أن هذا هو النهج الذي يجب على أطفالنا أن يعامل بعضهم بعضا ~~به. إن احترام الآخر المتولد في مجموعة الاستقصاء تغلغل في جوانب الحياة ~~المدرسية كافة. # والآن يقر مفتشو المدارس التابعون للحكومة البريطانية بالمنافع التعليمية لمثل هذه ~~البرامج؛ فعلى سبيل المثال، ذكر تقرير صادر عام 2001 عن مدرسة كولبي الابتدائية في ~~نورفك ما يلي: # ثمة مكمن قوة متمثل في تدريس الفلسفة ومهارات التفكير؛ ففي تلك البرامج، ~~يتعلم التلاميذ الإنصات إلى أفكار الآخرين وتدبرها والرد عليها على نحو ناضج. ~~بلغ هذا العمل مبلغا راقيا، وهو له بالتأكيد تأثير إيجابي على نشاط الطلاب ~~طوال العام الدراسي؛ إذ يمنحهم الثقة للتحدث ومناقشة الأفكار. # وبالطبع، من يرتابون في أن إيمانهم الديني لن يصمد أمام التعرض المبكر للفكر ~~المستقل الناقد سيلتمسون جميع أنواع الأعذار من أجل حماية معتقداتهم الدينية من ~~الاستقصاء لأطول فترة ممكنة. إلا أن الأدلة تشير إلى أن تشجيع الأطفال على التفكير ~~باستقلالية في الأسئلة الكبرى هو أمر ms090 محمود للغاية؛ إذ إن له منافع اجتماعية ~~وعاطفية وفكرية شتى. السؤال الآن: هل سنسمح ~~لبعض المدارس بعدم التشجيع على هذا النشاط أو منعه لأسباب دينية، وما يترتب على ذلك من ~~ضياع تلك المنافع على طلابها؟ لا أستطيع أن أرى أي تبرير لفعل ذلك. ~~(2) المدارس الدينية # للإنسانويين مواقف مختلفة من المدارس الدينية؛ فبعضهم (وإن كان عددا قليلا نسبيا ~~في رأيي) يعتقد أنه لا ينبغي القبول بالمدارس الدينية بعد الآن؛ فقد يقولون إن لم نكن ~~نسمح بالمدارس السياسية، مثلا، التي تنتقي طلابها على أساس المعتقدات السياسية، وتبدأ ~~كل يوم بإنشاد جماعي للأناشيد السياسية، وتعلق صور القادة السياسيين على حوائط ~~الفصول، وتشجع الآراء الحزبية (وهي مدارس سوف تشكل بالتأكيد خطرا على أي ديمقراطية ~~قوية)؛ إذن فلم ينبغي أن نسمح لنظيراتها الدينية؟ # إلا أن كثيرا من الإنسانويين مستعدون ~~للقبول بالمدارس الدينية، ما دامت هذه المدارس تستوفي الحد الأدنى من معايير معينة. ~~على سبيل المثال، قد يرون أن المدارس الدينية المستقلة ينبغي أن تشجع على التفكير ~~والشك، وينبغي أن تطلع الأطفال على مجموعة من الآراء الدينية واللادينية (ويفضل أن ~~تكون على لسان معتنقيها فعليا)، وينبغي أن توضح بجلاء لكل تلميذ أن المعتقدات الدينية ~~التي يعتنقها مردها إلى اختياره الحر. وحاليا، كثير من المدارس البريطانية لا تستوفي ~~هذا الحد الأدنى من المعايير. # شكل 6-3: على مر التاريخ، كان محور تركيز أديان كثيرة غرس الإذعان السلبي بين ~~المؤمنين بها. # إن القبول بالمدارس الدينية أمر، وافتراض أنه يجب على الدولة تمويلها أمر مختلف ~~تماما. يعارض بشدة كل الإنسانويين تقريبا تمويل الدولة للمدارس الدينية؛ فأفكارهم ~~العلمانية تؤدي بهم إلى افتراض عدم وجود تبرير لمنح الدولة المعتقدات الدينية مثل ~~هذه الوضعية المميزة المكفولة من الدولة. ويجد كثيرون أنه من المثير للحنق على نحو ~~خاص أن تستخدم أموال دافعي الضرائب الإنسانويين البريطانيين في تمويل المدارس الدينية ~~التي لن تسمح لأطفال الإنسانويين بدخولها. ~~(3) سبب آخر للحث على تبني نهج فلسفي # ثمة سبب آخر وراء أن التشجيع على ملكة الشك، بدلا من الإذعان ms091 للسلطة، قد يكون فكرة ~~طيبة. أجرى جوناثان جلوفر، مدير مركز قانون الطب وأخلاقياته بجامعة كينجز كوليدج ~~بلندن، أبحاثا حول خلفيات من اشتركوا في عمليات القتل في بقاع مثل ألمانيا النازية ~~ورواندا والبوسنة؛ وكذلك خلفيات من عملوا في إنقاذ الأرواح. وبحسب حوار جلوفر في جريدة ~~«ذا جارديان»: # إن تأملت في حال الذين كانوا يئوون اليهود إبان سيطرة النازيين، ~~فستكتشف عددا من الأمور بشأنهم؛ أحدها أنهم عادة ما نشئوا على نحو مختلف عن ~~الشخص العادي، فهم في الغالب قد نشئوا على نحو لا سلطوي، وتربوا على التعاطف ~~مع الآخرين ومناقشة الأمور لا مجرد تنفيذ ما يقال لهم. # ويضيف جلوفر: # أعتقد أن تعليم الناس التفكير على نحو عقلاني وناقد يمكن حقا أن يحدث ~~فارقا في قابلية المرء للتأثر بالأيديولوجيات الزائفة. # في كتابهما «الشخصية الإيثارية: منقذو اليهود في أوروبا النازية»، يورد صامويل وبيرل ~~أولينر نتائج دراستهما الممتدة والمفصلة حول خلفيات من اشتركوا في القضاء على اليهود ~~في ألمانيا النازية ومن أنقذوا الضحايا. واكتشفا أن أهم اختلاف بين آباء منقذي اليهود ~~وآباء من لم ينقذوهم تمثل في مدى حرص الآباء على تفسير الأمور لأبنائهم، لا على ~~عقابهم وتعنيفهم. فيما يلي بعض المقتطفات من الكتاب في هذا الإطار: # اعتمد آباء منقذي اليهود على نحو أقل كثيرا على العقاب البدني وعلى نحو أكبر ~~كثيرا على التفكير المنطقي. # اختلف آباء منقذي اليهود عن آباء من لم ينقذوهم في اعتمادهم على التفكير ~~المنطقي وتقديم التفسيرات واقتراح سبل لعلاج الضرر الواقع والإقناع ~~والنصح. # وبحسب ما كتبه المؤلفان: «التفكير المنطقي يوصل رسالة قوامها أن احترام الأطفال ~~والثقة بهم تتيح لهم الشعور بفاعلية الذات والدفء نحو الآخرين.» أما من لم ينقذوا ~~اليهود، فعادة ما كانوا «مجرد بيادق، تعيش تحت سيطرة سلطات خارجية.» # من يفترضون أن الإيمان الديني هو أفضل خط دفاع متاح لنا ضد تلك الكوارث ~~الأخلاقية يجب أن يلاحظوا النتيجة التي خرج بها المؤلفان، والمتمثلة في أن المعتقد ~~الديني كان عاملا من العوامل؛ «كان للتدين تأثير ضعيف على إنقاذ اليهود.» # الخطر ms092 الحقيقي في مناهج التعليم الأخلاقي التقليدية القائمة على الخضوع للسلطة هو ~~أنها تشجع على أخلاق الخراف؛ أي مواطنين مجهلين قد يصلون للشيء الصحيح ويفعلونه، لكن ~~لا لسبب إلا أن هذا هو ما تقوله لهم السلطة. فإذا ما تولت المقاليد سلطة أقل ~~اعتدالا، فسيفتقد هؤلاء المواطنون المجهلون خطوط الدفاع الفكرية والانفعالية التي ~~سيحتاجونها لمقاومة ذلك. # إن كنا نريد تنشئة مواطنين يقاومون الانزلاق إلى النوائب الأخلاقية التي لطخت ~~القرن العشرين، ينبغي أن ينصب محور تركيزنا على التعليم الأخلاقي، ولكن ليس من النوع ~~التقليدي الخاضع للسلطة. وينبغي أن نركز على تنشئة مفكرين ناقدين مستقلين. # الفصل السابع # | معنى الحياة # يرى البعض أن الأسئلة المطروحة عن معنى الحياة هي أسئلة مرتبطة بشدة بالأسئلة المتعلقة ~~بالإله والدين؛ فيعتقدون أنه من دون الإله، لا تعدو الإنسانية سوى بقعة قذرة على كرة من ~~الحجارة ضائعة في كون شاسع جدا لن يحمل في النهاية أي أثر لوجودنا في يوم من الأيام، ~~وسينهار في طيات العدم. إذن، لم نزعج أنفسنا بالاستيقاظ في الصباح؟ لكن إن كان الإله ~~موجودا، فنحن نسكن كوكبا مخلوقا «لنا»، خلقه الإله الذي «يحبنا»، والذي جعل لنا «غاية ~~مقدسة»؛ فهذا يعطي حياتنا معنى. # لكن هل الإله، أو المعتقد الديني، شرط أساسي كي نعيش حياة ذات معنى؟ كيف - تحديدا - ~~يجعل وجود الإله حياتنا ذات معنى؟ إن كان بلوغ حياة ذات معنى ممكنا سواء الإله موجود ~~أو غير موجود، فما الذي يقيم وجودا ذا معنى؟ يتناول هذا الفصل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى ~~مرتبطة بها. ~~(1) ما الذي نقصده ب «حياة ذات معنى»؟ # إحدى الصعوبات التي نواجهها عند تفصيل كيف أن الإنسانوية - أو أي رؤية أخرى لتلك ~~المسألة - يمكنها أن تتيح إمكانية وجود حياة ذات معنى؛ هي في تعيين ما يشكل حياة ~~ذات معنى من الأساس. وأتصور أن ثمة إجماعا عاما على عدم وجود تصورات محددة ~~لذلك. # شكل 7-1: كثيرا ما تزعم الأديان أنها تجعل حياتنا ذات معنى، لكن ألا يمكن ~~أن يكون الدين أحيانا عائقا أمام عيشنا لحياة ذات معنى ms093 ~~بحق؟ # بادئ ذي بدء، إن عيش حياة ذات معنى يتضمن بالتأكيد أكثر من مجرد الشعور بسعادة ~~غامرة وبرضا كبير مثلا؛ فالشخص الذي يحقن باستمرار بعقاقير باعثة على السعادة قد ~~يحظى بوقت ممتع، إلا أن هذا ليس ضمانة لحياة ذات معنى أو جديرة بالعناء. # ثانيا، من المفترض وجود طرق لعيش حياة ذات معنى أكثر من مجرد القيام بالأعمال ~~الصحيحة أخلاقيا؛ ففي حين أن عيش حياة مستقيمة جدا دون زلل «أحد» السبل التي ~~ربما يتسنى للمرء بها أن يتمتع بحياة ذات معنى؛ لكنه ليس السبيل الوحيد. كثير من عظماء ~~الفنانين والعلماء والمستكشفين والموسيقيين والكتاب والرياضيين عاشوا بالتأكيد حياة ~~ذات معنى، رغم أنه لم يظهر عليهم أنهم أكثر فضيلة من بقيتنا (بل كان بعضهم غير ملتزم ~~أخلاقيا في واقع الأمر). # يبدو أن قضاء العمر بأكمله في القيام بالأعمال الطيبة ليس ضروريا وحسب لعيش حياة ~~ذات معنى، وإنما هو غير كاف أيضا. هب أن رجلا يعيش في ظل نظام حكم شمولي يكرس ~~حياته كلها لمساعدة المرضى من الأطفال لكن لا لسبب إلا لأنه يخشى العواقب الوخيمة التي ~~ستترتب على مخالفته أوامر هذا النظام في هذا الشأن. هل عاش حياة ذات معنى؟ رغم ~~أعماله الطيبة، لا يمكن القول بأي حال من الأحوال إنه عاش حياة ذات معنى. ربما ما ~~يوضحه هذا المثال الذي ضربناه هو أنه كي تكون حياتك ذات معنى بحق، يجب أن تبدي تمتعك ~~بنوع من «الاستقلالية»؛ فيجب أن تكون أنت من يوجه أفعالك، لا أن تتبع تعليمات غيرك ~~وحسب. # وأظن أن كثيرا منا سيضيف أن أحدهم قد «يعتقد» أن حياته كانت مضيعة للوقت بلا هدف ~~لكنها كانت في الواقع ذات معنى عظيم. وفي المقابل، أظن أن أغلبنا سيقر بأن شخصا قد ~~«يعتقد» أن حياته ذات معنى عظيم لكنها في الحقيقة لم تكن كذلك. # على سبيل المثال، هب أن سيدة كرست حياتها بنجاح لقيادة حركة تنادي بسيادة البيض، ~~هل ستكون بذلك قد عاشت حياة ذات معنى؟ قد تظن هي وأتباعها ذلك، لكن هل ms094 يضمن ذلك أنها ~~عاشت حياة ذات معنى؟ يبدو لي أن الإجابة هي «لا»! فكي تعيش حياة ذات معنى، أنت لست ~~مضطرا لأن تكون أخلاقك سامية. لكن إن كان مشروع حياتك الأساسي غير أخلاقي ~~تماما، فلا يمكن إذن أن يمنح حياتك معنى. وبسبب الطبيعة غير الأخلاقية لمشروع هذه ~~السيدة العنصري، لا يمكن أن يجعل هذا حياتها ذات معنى (رغم أن حياتها يمكن أن تكون ذات ~~معنى لأسباب أخرى بالتأكيد). هكذا يمتد حبل أفكاري البديهية (مع إقراري باختلاف آخرين ~~معي). # لاحظ كذلك أن حياة ذات معنى يمكن أن تنتهي بفشل مشروعها الرئيسي. تأمل روبرت ~~فالكون سكوت الذي ناضل ببسالة كي يكون أول من يصل إلى القطب الجنوبي، ورغم فشله في ذلك، ~~يرى كثيرون أن حياة سكوت كانت مثالا مشرقا على حياة عاشها صاحبها كما ينبغي. والقول ~~نفسه ينطبق على كثير من المحاولات البطولية الفاشلة، ومنها - مثلا - الألمان الذين ~~حاولوا، لكنهم فشلوا في اغتيال هتلر من أجل إنهاء الحرب العالمية الثانية نهاية ~~سريعة. # لقد علمنا أن هناك سمات معينة ينبغي أن تتمتع بها الحياة كي تكون ذات معنى. على سبيل ~~المثال، مشروع أخلاقي أو هدف يسعى صاحبه وراءه بتوجيه ذاتي، لكن هل حتى هذا كاف؟ لا ~~يبدو ذلك؛ فسعي شخص غير كفء - وإن كان متحمسا لهدفه - طيلة حياته وراء هدف جدير ~~بالعناء غالبا ما يكون هزليا أكثر من كونه ذا معنى. ~~(2) هل البحث عن معنى الحياة سعي وراء سراب؟ # الغرض من القسم السابق هو توضيح الصعوبة البالغة لوضع تعريف فلسفي محدد لما يجعل ~~الحياة ذات معنى. # ربما جزء من الصعوبة التي نواجهها هنا هو أننا نفترض أنه من أجل تحديد ما يجعل ~~الحياة ذات معنى، يجب أن نعين سمة واحدة تتمتع بها كل الحيوات ذات المعنى ولا تتمتع ~~بها سواها؛ السمة التي تجعلها ذات معنى. ولكن لم يجب وجود مثل هذه السمة الوحيدة؟ ~~ربما يكون البحث عن معنى الحياة - تلك السمة الوحيدة المراوغة التي تمنح الحياة معناها ~~- سعيا وراء سراب. ربما يكون مفهوم ms095 الحياة ذات المعنى هو ما يطلق عليه الفيلسوف ~~لودفيج فتجنشتاين «مفهوم التشابه العائلي»؛ فأفراد العائلة الواحدة قد يشبه بعضهم ~~بعضا، رغم عدم وجود سمة واحدة مشتركة بينهم جميعا (أنف كبير أو أذنين صغيرتين). ~~ويفترض فتجنشتاين أن الأمر نفسه ينطبق مثلا على ما نطلق عليه «ألعابا»؛ فأشياء مثل ~~الطاولة ولعبة الورق سوليتير وكرة القدم والشطرنج وكرة الريشة؛ كلها يشبه بعضها بعضا ~~بدرجات مختلفة، لكن هل توجد سمة واحدة تشترك فيها جميع الألعاب، ولا تتمتع بها سواها، ~~بمقتضاها تكون كلها ألعابا؟ لا يعتقد فتجنشتاين ذلك، ويقول: # لا تقل: «يجب وجود شيء مشترك بينها، وإلا فلن تكون «ألعابا»»؛ لأنك إن ~~تأملتها، فلن ترى شيئا مشتركا بينها جميعا، لكن هناك تشابهات وعلاقات ~~ومجموعة كاملة من الأنماط على ذاك النحو. مرة أخرى: لا تفكر، بل انظر! انظر على ~~سبيل المثال إلى الألعاب اللوحية بعلاقاتها المتعددة، ثم انتقل إلى ألعاب الورق ~~حيث ستجد الكثير من أوجه التشابه مع المجموعة الأولى، لكن ستسقط الكثير من ~~السمات المتشابهة وستظهر سمات أخرى، وعندما ننتقل إلى ألعاب الكرة، ستظل كثير ~~من السمات المشتركة، لكن سيزول الكثير منها أيضا. هل الألعاب كلها «مسلية»؟ ~~قارن الشطرنج بلعبة إكس-أو؛ هل يوجد دوما فوز وخسارة، أم منافسة بين اللاعبين؟ ~~تأمل جانب الصبر. في ألعاب الكرة يوجد فوز وخسارة، لكن عندما يلقي طفل بكرته ~~إلى الحائط ويلتقطها ثانية، تختفي تلك السمة ... نتيجة هذا الاستعراض أننا نرى ~~شبكة معقدة من أوجه التشابه المتداخلة والمتقاطعة؛ أحيانا تشابهات عامة، ~~وأحيانا أخرى تشابهات في التفاصيل. لا يسعني التفكير في تعبير لوصف هذه ~~التشابهات أفضل من «التشابهات العائلية»؛ لأن التشابهات المتنوعة بين أفراد ~~الأسرة - البنية والملامح ولون العينين والمشية والمزاج وغيرها - تتداخل ~~وتتقاطع على النحو نفسه. ويمكنني القول إن «الألعاب» تكون أسرة. # إن كان فتجنشتاين مصيبا، فإن البحث عن السمة الوحيدة التي تتمتع بها الألعاب دون ~~غيرها سعي وراء سراب؛ إذ لا وجود لها. لكن بالطبع لا يستتبع ذلك عدم وجود ما نطلق عليه ~~اللعبة، أو أن السمة التي تجعل ms096 شيئا لعبة يجب أن تكون خصيصة غامضة ما لم نحددها ~~بعد. # وربما نقترف الخطأ نفسه عندما نفترض أنه إن كان بالإمكان أن نعيش حياة ذات معنى؛ إذن ~~يجب وجود سمة وحيدة تشترك فيها الحيوات ذات المعنى لا يتمتع بها غيرها. وعجزنا عن ~~تعيين تلك السمة من بين جملة السمات المادية في حياتنا قد يضللنا فنخلص إلى أن حياتنا ~~تفتقر للمعنى، أو أن السمة المراوغة التي تمنح الحياة معناها لا بد أنها تنتمي لعالم ~~آخر غير عالمنا. # عندما نتأمل الحيوات ذات المعنى ونقارنها بالحيوات الخالية من المعنى، قد لا نجد ~~سمة وحيدة تشترك فيها الأولى كلها وتفتقر إليها الثانية، لكننا سنجد الكثير جدا من ~~العوامل التي لها تأثير على إكساب الحياة معنى، من ذلك بعض العوامل التي ألمحنا إليها ~~بالفعل: مشروع جرى اختياره بمحض إرادة الفرد، أو مشروع أخلاقي إلى حد كبير، أو مشروع ~~يتم تنفيذه بتفان ومهارة كبيرين، أو الاشتراك في أنشطة تساعد الآخرين أو تثري حياتهم ... ~~وما إلى ذلك. والفكرة القائلة بأنه لا تكفي أي من تلك السمات المادية - وأن مكونا ~~سحريا ما لا ينتمي إلى هذا العالم ضروري كي يكون لحياتنا معنى فعليا - قد ترجع ~~جزئيا إلى فشلنا في إدراك أن مفهوم الحياة ذات المعنى، مثل مفهوم اللعبة، هو مفهوم ~~التشابه العائلي. والحديث عن معنى الحياة «الوحيد» قد يكون عرضا لهذا الارتباك. ~~(3) هل الإله ضروري من أجل الوصول لحياة ذات معنى؟ # في الوقت الذي نسعى فيه بصعوبة إلى وضع تعريف فلسفي محدد لما يجعل الحياة ذات معنى، ~~عادة ما سيتفق أغلبنا على الحيوات ذات المعنى والحيوات المفتقدة للمعنى؛ فثمة إجماع ~~واسع النطاق على أن ماري كوري، مثلا، وسقراط وروبرت فالكون سكوت عاشوا حيوات عظيمة ~~المعنى وبالغة الأهمية، في حين أن متبعي الأوامر دون تفكير أو شخصا كرس حياته كلها ~~لتعذيب الحيوانات الصغيرة لم يعش مثل هذا الحياة. # إلا أن بعض التوحيديين يقولون إن لم يكن الإله موجودا، فلا توجد حياة ذات معنى، ~~حتى حياة ماري كوري أو سقراط ms097 أو روبرت فالكون سكوت. والآن دعونا نلق نظرة على ثلاث ~~من تلك الحجج. ~~(3-1) الحجة الأخلاقية # إحدى الحجج البسيطة التي قد تستهوي البعض هي أن الحياة ذات المعنى هي حياة ~~مستقيمة أخلاقيا؛ لكن منظومة الأخلاق متوقفة على الإله؛ ومن ثم لا يمكن أن ~~توجد حياة ذات معنى من دون الإله. # سبق أن طالعنا سببين مفضيين إلى عدم استقامة هذه الحجة. # أولا: بالتأكيد كانت حياة كبار الفنانين والموسيقيين والمستكشفين والعلماء عظيمة ~~المعنى، رغم أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا ذوي أخلاق سامية على نحو خاص. وبينما يمكن ~~أن تكون الحياة الأخلاقية حياة ذات معنى، لا توجد ضرورة كما يبدو كي تكون ~~الحياة ذات المعنى حياة أخلاقية على نحو خاص (رغم أنه كما رأينا ثمة خلاف حول أن ~~مشروعاتهم الرئيسية يجب أن تكون أخلاقية إلى حد كبير). في هذه الحالة، حتى في ~~حالة عدم وجود ما يعرف بمنظومة الأخلاق، لا يزال بالإمكان وجود حياة ذات ~~معنى. # ثانيا: «تفترض» هذه الحجة في كل الأحوال أن منظومة الأخلاق متوقفة على الإله؛ ~~وهو زعم سبق وطالعنا أنه تكتنفه الشكوك (انظر الفصل الرابع). ~~(3-2) حجة الغاية الأساسية # حجة أخرى مؤيدة للنتيجة القائلة بأن الحياة ذات المعنى تقتضي وجود الإله، محور ~~تركيزها «الغايات أو الأغراض الأساسية». بالطبع تكون الحجة كالتالي: تتمتع أي حياة ~~بمعنى بسبب تمتعها بمسعى أو هدف نهائي ما. لا بد من وجودنا في هذا العالم ~~لغاية ما، لكن الإله وحده هو الذي يمكنه تحديد مثل هذه الغاية. # بعض الدينيين، مثلا، يعتقدون أن الغاية الأساسية هي محبة الإله وعبادته، ~~ويفترضون أنه دون الإله، لا يمكن أن يوجد مثل هذه الغاية، التي من دونها تكون ~~الحياة بلا معنى. # لكن هل الإله ضروري من أجل أن تكون هناك غاية لوجودنا؟ لا يبدو الأمر كذلك. لكل ~~كائن حي غاية يسعى وراءها؛ وهي التكاثر ونقل مادته الوراثية إلى الجيل التالي. كل ~~منا موجود لغاية ما، غاية تحددها الطبيعة، سواء أكان الإله موجودا أم لا. # ما يبرزه أيضا هذا المثال هو ms098 أن مجرد امتلاك غاية لا يكفي وحده لتوفير معنى ~~للحياة؛ فاكتشاف أن الطبيعة صممتني ليس لغاية سوى نقل مادتي الوراثية للجيل التالي ~~لا يجعل حياتي تبدو ذات مغزى كبير. وقياسا على ذلك، فحياتي لا تزيد أهمية عن حياة ~~دودة تتمتع بالغاية نفسها تقريبا التي هي لحياتي. # ردا على ما تقدم، يمكن القول إنني أغفل فارقا جوهريا بين الغايات؛ تلك التي ~~تطورنا من أجلها، وتلك التي وهبنا إياها كيان ذكي أعلى صمم الحياة. ويمكن ~~التأكيد على أن النوع الثاني من الغايات هو الذي يوفر المعنى لحياتنا. لكن هل هذا ~~صحيح؟ كلا! من السهل جدا أن نسوق أمثلة مقابلة عن كائنات فضائية خارقة ~~الذكاء؛ وإليكم مثالا من ابتكاري: # هب أن البشر تمت تربيتهم على هذا الكوكب لسبب ما، وهو غسل الملابس الداخلية ~~القذرة لجنس فضائي بالغ التقدم؛ سيأتي الفضائيون لالتقاطنا وأخذنا إلى مغسلتهم ~~الفضائية الضخمة. هل ستملأ هذه الحقيقة، أو اكتشافها، حياتنا بالمعنى؟ لا! # لعلنا سنسلم بأن مجرد تصميمنا من قبل كيان ذكي أعلى لغاية ما ليس كافيا ليوفر ~~معنى لحياتنا، يجب أن تكون الغاية غاية نسعى من أجل تحقيقها على نحو إيجابي ~~وتجعلنا نشعر بالرضا. وغسل ملابس الفضائيين الداخلية لا يحقق أيا من هذين ~~الأمرين. # هب الآن أن الفضائيين صممونا بحيث نكتشف أننا نستمتع بغسل ملابسهم الداخلية ~~استمتاعا كبيرا. في الحقيقة، بمجرد أن نبدأ بالعمل في مغسلتهم، نشعر في النهاية ~~بالرضا على نحو لم نشعر به من قبل، ونسترخي كل أمسية ونحن نشعر بشعور جم بالرضا ~~لأننا نقوم الآن بالهدف «المنوط» بنا دوما. هل من شأن هذا أن يجعل حياتنا ذات ~~معنى؟ لا يتضح بأي حال أنها سيكون لها معنى (أيا كان اعتقادنا). # ردا على ما تقدم، قد يقال إنني أركز على غاية سخيفة، وبالتأكيد ليست كذلك ~~الغاية التي من أجلها أوجدنا الإله على هذه الأرض. لقد خلقنا الإله لغاية معينة؛ ~~ألا وهي: محبته. إنه هذا الغرض الذي يجعل حياتنا ذات معنى. # لكن مرة أخرى تبدو الحجة مثيرة للشك. هب أن ms099 امرأة تريد أن تحب شخصا هو يحبها ~~بشدة في المقابل، ويخطر لها أنها يمكنها أن تنجب طفلا لهذا الغرض، وتنجبه بالفعل؛ ~~هل الغرض الذي أنجبت من أجله هذا الشخص الجديد يمنح حياتهما معنى على نحو تلقائي؟ ~~لا يبدو أن الأمر كذلك! ربما أتى بعضنا إلى الدنيا لهذا الغرض. لكن القليل سيشير ~~إلى هذه النقطة من أجل تفسير السبب وراء أن لحياته معنى، ولا أستطيع رؤية السبب ~~وراء أن خلق الإله لي كي أحبه سيمنح حياتي أي معنى إضافي. # وفي الواقع، أليس خلق البشر، لا لسبب سوى غاية ما، أمرا ينطوي على انتقاص ~~وحط من قدرهم، بوجه عام؟ لكن إذن، لم سيمثل هذا أي اختلاف إن كان من فعل الإله؟ ~~ثمة جدل حول إن كان الإله يرغب حتى في خلق البشر من أجل غرض بعينه، إن كان إله ~~المحبة موجودا أصلا. # من ثم، يبدو أنه لا توجد إجابة سهلة للسؤال عن كيف يمكن أن يوجد معنى لحياتنا ~~بالاحتكام إلى غرض إلهي. وعلى وجه التحديد، السؤال المتعلق بكيف أن هناك غرضا من ~~وجودنا في هذه الحياة حدده لنا الإله يجعل حياتنا ذات معنى؛ لم يجب عنه جوابا ~~شافيا، بحسب اعتقادي. وغالبا ما يقدم لنا تأكيد على نحو غامض يتعذر فهمه بأن ~~وجود الإله يجعل حياتنا ذات معنى، لكن لا يقدم لنا تفسير واضح لكيفية حدوث ~~ذلك. ~~(3-3) حجة الحكم الإلهي # إليكم حجة ثالثة. يبدو أن الحياة ~~لا تكون ذات معنى لمجرد أننا نحكم عليها بذلك؛ فالمفترض أن حياة مكرسة للإضرار ~~بالناس وحسب في كل فرصة سانحة لن تعتبر حياة ذات معنى، حتى إن اعتقدنا جميعا ~~أنها كذلك. # إلا أن التوحيدي قد يضيف الآن: إن لم تكن الحياة ذات معنى لمجرد «أننا» نصدر ~~عليها الحكم بذلك، إذن فهي ذات معنى لأن «الإله» يصدر عليها الحكم بذلك؛ ومن ثم ~~فإن حياة ذات معنى تستلزم وجود الإله في نهاية المطاف. # هذه حجة مشهورة، إلا أنها للأسف ~~تواجه صعوبات مشابهة لتلك التي تواجه الحجة الموازية القائلة ms100 بأنه إن لم تكن ~~الأشياء صحيحة أو خاطئة أخلاقيا لأننا نصدر عليها الحكم بذلك، فيجب إذن أن تكون ~~صحيحة أو خاطئة لأن الإله يصدر عليها الحكم بذلك (انظر الفصل الرابع). وتبرز معضلة ~~يوثيفرو هنا أيضا. ويمكننا الآن أن نطرح السؤال التالي: # هل تكون الحياة ذات معنى لأن الإله يصدر عليها الحكم بذلك، أو أن الإله ~~يصدر عليها الحكم بذلك لأنه يدرك أنها ذات معنى؟ # يبدو الافتراض الأول مضحكا ؛ بالتأكيد إن حكم الإله بأن الإضرار بالناس في كل ~~فرصة سانحة هو ما يجعل الحياة ذات معنى، فهذا لن يجعلها كذلك. إلا أن الافتراض ~~الثاني - الإله يدرك وحسب ما من شأنه أن يشكل حياة ذات معنى - يسلم بوجود ~~حقائق، تستقيم بكل الأحوال، بخصوص ما يشكل حياة ذات معنى، سواء أكان الإله ~~موجودا أم غير موجود ليصدر تلك الأحكام، لكنها حقائق يستطيع الإنسانويون الوصول ~~إليها مثل التوحيديين بالضبط؛ فلا حاجة إذن للإله. ~~(4) هل أن يكون للحياة معنى يقتضي الخلود؟ # لم نجد حتى الآن حجة جيدة تؤيد الافتراض بأن الحياة ذات المعنى تقتضي وجود الإله. ~~دعونا الآن نطرح مثل هذه الحجج جانبا، ونتأمل زعما مختلفا بعض الشيء؛ ألا وهو: سواء ~~كانت الحياة ذات المعنى تقتضي وجود الإله أم لا، فهي تقتضي على الأقل أن نكون خالدين. ~~أحيانا ما يطرح التوحيديون السؤال التالي: هل يمكن لحياة أن تكون ذات معنى أو مغزى ~~إن انتهت بالموت؟ صحيح أننا قد نحقق إنجازات تعيش بعد مماتنا، مثل كتب نؤلفها وبنايات ~~نشيدها وأطفال ننجبهم، لكن في النهاية هذه الكتب سيكون مصيرها النسيان، والمباني سيكون ~~مآلها التداعي، وسريعا ما ستخور قوى أطفالنا ويقضون نحبهم. وفي الواقع، إن الجنس ~~البشري كله سيختفي في النهاية تماما دون أن يترك أي أثر. لكن إذن، أليس وجودنا دون ~~خلود بلا جدوى؛ مضيعة للوقت لا طائل من ورائها؟ # يبدو لي أنه رغم أن طول العمر قد يكون مرغوبا لكنه ليس بالضرورة ذا معنى أكبر. صحيح ~~أنك إن عشت لمدة أطول فقد تحقق إنجازات أكبر وتقوم ms101 بالمزيد من الأعمال الخيرة وما إلى ~~ذلك، لكن هل تكون حياة طويلة تقوم فيها بمثل هذه الفضائل ذات معنى أكبر من حياة أقصر ~~منها؟ من المفترض أن الإجابة هي لا! ولا يوجد سبب يجعل إطالة مثل هذه الحياة إلى ما لا ~~نهاية يضفي عليها أي قدر أكبر من المعنى. # في واقع الأمر، أحيانا ما تكتسب حياتنا معنى ومغزى خاصين بسبب الطريقة التي ~~نموت بها. فالشخص الذي يضحي بحياته من أجل إنقاذ الآخرين غالبا ما يحتفى به باعتباره ~~مثالا لشخص كانت حياته ذات معنى متفرد. أرى أننا إذا قارنا تضحية شخص ديني اعتقد ~~طوال حياته أنه سيبعث مجددا في الجنة، بشخص ملحد اعتقد طوال حياته أن الموت هو ~~النهاية له، فالشخص الثاني بالتأكيد هو الذي يقدم التضحية الأكبر؛ ومن ثم، فإن فعله ~~أكثر نبلا وذو معنى أكبر. # وحتى إن لم يضح أحد بحياته من أجل الآخرين، فإن الطريقة التي ستنتهي بها يمكن في ~~الغالب أن تكون هي ما يميزها عن غيرها. نحن نعجب، ولنا الحق في ذلك، بمن يواجهون الموت ~~ببسالة وكرامة؛ فالموت غالبا فصل مهم في قصة حياتنا، حدث يختتم حكاية حياة على ~~نحو مرض ويضفي معنى عليها. وحقيقة أننا نموت وأن الموت هو النهاية الحقيقية لا تجعل ~~حياتنا دون معنى. بل إن نهائية الموت تقدم لنا فرصة لجعل حياتنا ذات معنى أكبر مما ~~ستكون عليه في حال آخر. ~~(5) الدين في مقابل الفردية السطحية الأنانية # والآن دعونا نلتفت إلى الممارسة الدينية. إذا طرحنا جانبا مسألة هل الإله موجود أم ~~لا، فربما سيستمر الجدل بأن التأمل الديني أو الشعائر الدينية ضرورية إن كنا نريد ألا ~~تكون حياتنا سطحية وبلا معنى. إليكم حجة من هذا القبيل. # أحيانا يوجد من يزعم، مع وجود تبريرات لهذا الزعم، أن الدين يشجع الناس على تأمل ~~الصورة الكلية للأمور والتفكر في الأسئلة الكبرى. بل إن كثيرا، حتى من اللادينيين، ~~يفترضون أن حياة عاشها صاحبها حتى نهايتها في غياب مثل هذا التأمل من المحتمل أن تكون ~~حياة سطحية ms102 جدا. إن المجتمع الغربي المعاصر مهووس بأشياء هي في الحقيقة عديمة القيمة ~~نسبيا: المال، والشهرة، والممتلكات المادية. إننا نعيش يومنا من بدايته حتى نهايته في ~~دائرة مغلقة من الشواغل الأنانية على نحو أساسي، دون أن نولي أي وقت أو نولي وقتا ~~قليلا لتدبر الأسئلة الكبرى. وكانت التقاليد والممارسات الدينية هي التي وفرت الإطار ~~الذي طرحت فيه هذه الأسئلة في السابق. لكن مع غياب الدين، انزلقنا إلى الفردية الأنانية ~~السطحية. وإذا أردنا أن يتمتع الناس بحياة ذات معنى أكبر، ينبغي أن نحيي مجددا ~~التقاليد والممارسات الدينية (سيضيف البعض أننا في حاجة خاصة إلى التأكد من استغراق ~~الصغار كما ينبغي في القيام بهذه الممارسات بالمدارس). # ثمة «قدر» من الحقيقة في الحجة السابقة. «يمكن» أن يشجع الدين الناس على تأمل ~~الصورة الكلية للأمور والتفكر في القضايا الكبرى. كما يمكنه أن يساعد على فك التعويذة ~~السحرية التي يمكن أن تفرضها الثقافة الفردية السطحية الأنانية على عقول الشباب. # إلا أن الدين نفسه يمكن أن يعزز أشكالا من الأنانية؛ مثل الهاجس المتمحور حول الذات، ~~الخاص بتحقيق المرء خلاصه أو تنويره الشخصي. وبالطبع، استخدم الدين لتعظيم شأن الثروة ~~المادية، بالإشارة إلى أن التمتع بثروة كبيرة هو علامة على اصطفاء الإله للشخص. # هل صحيح أن الدين «وحده» يشجعنا على التفكير في الأسئلة الكبرى؟ الإجابة هي لا! في ~~الفصل الأول، طالعنا أن هناك تقليدا فكريا طويل الأمد تعود أصوله إلى العالم القديم ~~يتناول أيضا الأسئلة الكبرى؛ وهو تقليد علماني «فلسفي». إن أردنا بالناس، لا سيما ~~الأطفال، التفكير في مثل هذه الأسئلة، فلسنا مضطرين أن نسلك المسلك الديني، يمكننا أن ~~نشجعهم على التفكير على نحو فلسفي. # وكما أوضحت في الفصل السادس، توجد أدلة على أن إدخال برامج فلسفة في المنهج الدراسي ~~يمكن أن يكون له تأثير كبير جدا على سلوك التلاميذ وكذلك على روح مدارسهم والمستوى ~~التعليمي بها. # يساور أغلب الإنسانويين المعاصرين القلق حيال الفردية السطحية الأنانية بالقدر نفسه ~~الذي يساور الدينيين، ويعتقدون أيضا أنه من المهم أن نتأمل أحيانا ms103 الصورة الكلية ~~للأمور ونتفكر في الأسئلة الكبرى. ويعترضون على أن السبيل الوحيد للتشجيع على تبني موقف ~~أكثر مسئولية وتدبرا من الحياة هو تشجيع الأطفال على أن يكونوا أكثر تدينا. # إن كنا نريد حقا تشجيع الصغار على «التفكير» في الأسئلة الكبرى، فالفلسفة منهج واعد ~~على نحو أكبر كثيرا في هذا الشأن. تطرح كنيسة إنجلترا السؤال التالي: «هل الحياة مجرد ~~هذا؟» على لوحات الإعلانات والحافلات، وتعد من يشتركون في الدورة الخاصة بالتعرف على ~~أساسيات الدين المسيحي التي تقدمها ب «فرصة لاستكشاف معنى الحياة». إلا أنه عندما يطرح ~~الدينيون مثل هذه الأسئلة، فغالبا ما تكون لغرض بلاغي ليس إلا. لا تطرح هذه الأسئلة ~~من منطلق الاستقصاء العقلاني المفتوح، لكن كمجرد مناورة في محاولة لاستقطاب مشتركين ~~جدد. وعلى عكس الدين، لا تدنو الفلسفة من تلك الأسئلة وقد ألزمت نفسها مسبقا بإجابات ~~معينة (مع أنها لا تسقط الإجابات الدينية بالطبع)؛ فالفلسفة تشجعك فعليا على التفكير ~~والشك وإصدار الأحكام؛ وهو منهج للإجابة عن الأسئلة الكبرى كان كثير من الدينيين حريصين ~~عادة على قمعه. # والزعم بأن الدين «وحده» يشجعنا على التفكير في الأسئلة الكبرى ليس خاطئا وحسب، بل ~~مثير للسخرية عندما تطرحه أديان ذات تاريخ طويل وأحيانا عنيف من حجب الفكر ~~المستقل. ~~(6) هل يغفل الإنسانويون شيئا؟ # قد يبدو أننا نغفل شيئا إن تخلينا عن الدين. تأمل الاعتقاد في بابا نويل؛ فالطفل ~~الذي يعتقد في وجود بابا نويل، يبدو العالم له وقد تحول على نحو بديع. فمن منظور ~~وهمه الاعتقادي، يكتسب العالم - بحلول ديسمبر - معنى ومغزى جديدين، هالة وردية ~~سحرية؛ إذ يوجد شيء يتعلق بهذا الوهم الاعتقادي بالنسبة إلى الطفل المؤمن الموقن به، ~~شيء من العسير جدا فهمه إن لم تكن قد مررت به من قبل. # شكل 7-2: الطفل الذي يعتقد في وجود بابا نويل، يبدو العالم له وقد تحول على ~~نحو بديع؛ إذ يوجد شيء يتعلق بهذا الوهم الاعتقادي بالنسبة إلى الطفل ~~المؤمن الموقن به، شيء من العسير جدا فهمه إن لم تكن قد مررت به من ms104 ~~قبل. # عندما يشب الطفل قليلا ويزول وهم بابا نويل، يمكن أن يكون هذا مؤلما له؛ فالهالة ~~الوردية تتلاشى، وتترك العالم حزينا وقاتما مقارنة بما كان عليه. # لا شك في أن زوال وهم الاعتقاد الديني يمكن أن يكون مؤلما لصاحبه. قد يبدو أن السحر ~~والمعنى ينفدان من العالم، تاركين إياه على حالة باردة مجدبة؛ أليس من الأفضل أن ~~نعيش داخل ذلك الوهم الديني إن أمكننا ذلك؟ # لا أعتقد ذلك؛ إن لم يكن الإله موجودا، فالهالة السحرية التي يكتسي بها العالم في ~~أعين المؤمنين بالوهم كانت دوما خدعة. وعندما يزول الوهم، قد يبدو العالم أكثر قتامة ~~بعض الشيء لفترة من الزمن. لكني أفضل أن أرى العالم على حقيقته على أن أراه على ~~الحال التي أحب أن يكون عليها. # في الواقع، أليس من المحتمل أن يحجب مثل هذا الوهم إدراك الأشياء المهمة حقا في ~~الحياة؟ تأمل الاعتقاد في بابا نويل ومشغله في القطب الشمالي وحيوان الرنة الطائر وما ~~إلى ذلك. عندما يزول الوهم، تتلاشى هذه الشخصيات البراقة جميعها، لكن كل ما كان مهما ~~دوما بحلول 25 ديسمبر - الحب والتجمع مع الأصدقاء وأفراد الأسرة وما إلى ذلك - يظل كما ~~هو. وبالنسبة إلينا نحن البالغين، ألن يعتبر الاعتقاد في وجود بابا نويل - وما يصاحبه ~~من أنشطة مثل إرسال الخطابات إلى القطب الشمالي ووضع فطيرة اللحم المفروم والفواكه، ~~واللبن في الخارج له - نوعا من الإلهاء المعجز يمنعنا من إدراك المسائل المهمة ~~حقا؟ # أعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على الإيمان بالآلهة والملائكة والشياطين وبالحياة الآخرة ~~وما إلى ذلك. والحقيقة أننا من دون المعتقد الديني قد نغفل شيئا، مثل رؤية العالم ~~باعتباره مملكة محكومة من السماء، والاطمئنان للوعد بأننا سيجتمع شملنا مع من نحب بعد ~~الممات. إلا أننا يمكن أن نحصل على أكثر من ذلك، مع رؤية أنضج وأوضح لما هو مهم وقيم ~~حقا في الحياة. # وكما قال الكاتب دوجلاس آدمز ذات مرة: «ألا يكفي أن نرى الحديقة بديعة دون الاضطرار ~~إلى الاعتقاد بأن الجنيات هي السبب في ms105 وجودها؟» ~~(7) الإنسانوية ومعنى الحياة # قد يشعر بعض القراء بخيبة الأمل لأنهم لم يعرفوا حتى الآن الإجابة الإنسانوية على ~~السؤال الذي كان محور هذا الفصل، وهو: «ما الذي يجعل الحياة ذات معنى؟» الحقيقة هي أنه ~~لا توجد «إجابة إنسانوية» محددة. # الحقيقة هي أن أغلب الإنسانويين يتفقون مع الدينيين (مع بضعة استثناءات واضحة، مثل ~~الحياة المكرسة للدين) حول أي الحيوات ذات معنى وأيها خالية من المعنى. فمثل أغلب ~~الدينيين، يرى الإنسانويون أن تربية أطفال صالحين والسعي الجاد وراء الاستقصاء الفكري ~~وإنتاج فن أصلي وأخاذ وما إلى ذلك، كلها سبل يمكن أن نتمتع من خلالها بحياة ذات ~~معنى. وباستثناء الجوانب الدينية، يطبق الإنسانويون «المعايير» نفسها تقريبا في الحكم ~~على أي الحيوات ذات معنى وأيها خالية من المعنى. # الإنسانويون يختلفون فحسب عن بعض الدينيين في افتراضهم أن تلك الحيوات التي نتفق ~~جميعا على أنها ذات معنى تظل كذلك حتى في حالة عدم وجود الإله، وأن الاعتقاد في وجود ~~الإله يمكن أن يكون في واقع الأمر حائلا دون أن نعيش حياة كاملة ذات معنى؛ عن طريق ~~إلهائنا عن التفكير في الأسئلة الكبرى - على سبيل المثال - أو إجبارنا على أن نعيش على ~~نحو معين بدافع من الخوف من العقاب الإلهي، أو تبديد حياتنا في تأييد معتقدات زائفة ~~بسبب الترقب الخاطئ لوجود حياة أخرى. # من وجهة النظر الإنسانوية، إن حياتنا الحالية وجملة ما فيها من ثراء هي المهم ~~حقا. # الفصل الثامن # | المناسبات الإنسانوية # ثمة خدمة مهمة يقدمها العديد من المنظمات الإنسانوية لمجتمعاتهم؛ وهي إقامة الاحتفالات ~~والمراسم الإنسانوية، ولا سيما الجنازات، وكذلك حفلات تسمية الأطفال وحفلات الزفاف ~~واحتفالات البلوغ. وتنشر الرابطة البريطانية الإنسانية كتيبات إرشادية لمن يفكرون في إقامة ~~احتفالات إنسانوية، وتوفر منظمي احتفالات مدربين من الإنسانويين. والجنازات الإنسانوية ~~شهيرة على نحو خاص؛ ففي عام 2009، أقام منظمو الاحتفالات المعتمدون من قبل الرابطة ~~البريطانية الإنسانية أكثر من 7 آلاف جنازة من تلك الجنازات. وأكثر من 70٪ من الزيجات التي ~~تعقد اليوم في إنجلترا وويلز زيجات لا دينية. # ما السبب في ms106 الشعبية المتزايدة للاحتفالات والمناسبات الإنسانوية؟ ~~(1) أهمية الطقوس والاحتفالات # ذهب السير جيمس فريزر، عالم الميثولوجيا وصاحب كتاب «الغصن الذهبي»، إلى أن الشعوب ~~البدائية تمارس طقوسا لأنها تؤمن بنظرية ساذجة حول الكيفية التي يسير بها الكون. خذ ~~على سبيل المثال الرجل القبلي الذي يغمد سكينا في دمية تمثل عدوه، لم يفعل ~~ذلك؟ يرى فريزر أن هذا يرجع إلى أن الرجل القبلي يفترض أنه قد يكون لهذا تأثير فعلي ~~على عدوه؛ فيعتقد أن طعنه الدمية في إطار هذا الطقس الذي يمارسه، قد يؤدي بعدوه ~~إلى الموت. ويمارس الناس مثل هذه الطقوس لأنهم يعتقدون فيما يسميه فريزر «قانون ~~التشابه»؛ المبدأ القائل بأن «الشيء يسفر عن مثيله». طبقا لفريزر، لأن كثيرا من ~~الثقافات البدائية تعتقد في هذا القانون فإنها تنثر الماء على الأرض لإنزال المطر، ~~وتقوم بتمثيل عمليات صيد ناجحة قبل الخروج للصيد الفعلي. وبالطبع، نحن سكان العالم ~~المعاصر لدينا فهم علمي ومتطور للكيفية التي يسير بها العالم؛ فنحن نعلم أن نثر الماء ~~لن ينزل المطر، وأن طعن الدمية لن يقتل العدو. # يرفض الفيلسوف لودفيج فتجنشتاين تفسير فريزر للسبب وراء أن الشعوب المفترض أنها ~~«بدائية» تمارس مثل هذه الطقوس، ويذهب فتجنشتاين إلى أن الرجل القبلي لا يطعن ~~الدمية لأنه يعتقد في قانون التشابه؛ فيقول: # الشخص البدائي نفسه الذي نظن أنه يطعن دمية خصمه كي يقتله، يبني كوخه من ~~الخشب ويشذب سهامه بمهارة. # بالتأكيد، لو كان الرجل القبلي يؤمن حقا بقانون التشابه، لاعتقد إذن أنه ببنائه ~~نموذجا صغيرا لكوخ، يمكنه أن يتسبب في ظهور كوخ حقيقي من العدم. إلا أنه بالطبع لا ~~يتوقع حدوث هذا؛ فالرجل القبلي لا يطعن الدمية لأنه يعتقد أن سيكون لذلك أثر حقيقي، ~~بل يقوم بذلك لسبب آخر. لكن ما هو؟ # وفقا لفتجنشتاين، هذا النوع من ممارسة الطقوس ليس بدائيا، وإنما هو جزء من طبيعتنا ~~البشرية. إنه شيء نمارسه جميعا، إلى حد ما؛ فنحن، مثلا، نقبل صور من نحب، أو ~~نمزق بغضب صور من نكره، نلمس الخشب من أجل جلب الحظ، وحتى ms107 لاعبو كرة القدم من ~~الملحدين ينظرون إلى السماء ويرفعون أيديهم لأعلى في رجاء عندما يهدرون ركلة جزاء؛ فلم ~~هذا إذن؟ يقول فتجنشتاين: # حرق الدمية وتقبيل صورة من نحب وغيرها أمور لا تستند كما هو واضح إلى ~~اعتقاد أنه سيكون لهذا تأثير فعلي على صاحب الصورة أو الشخص الذي تمثله الدمية، ~~بل يهدف إلى الشعور بالرضا على نحو ما وهذا يحققه، أو إنه لا يهدف إلى أي شيء؛ ~~نحن نتصرف على هذا النحو ثم نشعر بالرضا. # السبب الذي يجعلنا نرشق السهام في صور من نكره ليس أننا نؤمن بمبدأ التشابه ~~ونفترض أننا بقيامنا بذلك سيكون تأثير مقابل على الأشخاص المعنيين (إن نجحت هذه الطقوس، ~~لكانت مارجريت ثاتشر الآن - التي انتشرت طباعة صورتها على لوحات السهام في ثمانينيات ~~القرن العشرين - مغطاة بالعديد من الثقوب الدقيقة). في الواقع، إن هذه الطقوس تتيح لنا ~~التعبير عما يموج في أعماقنا من مشاعر، وبإمكانها أن تعزينا وتلهمنا وتساعدنا كي نكون ~~أكثر ثباتا. # أعتقد أن فتجنشتاين محق على الأقل في جزء مما قاله؛ فمن يمارسون هذه الطقوس لا حاجة ~~بهم إلى افتراض أن مثل هذا النشاط سيكون له، أو ربما يكون له، نتيجة سحرية أو خارقة ~~للطبيعة. (لكن على عكس فتجنشتاين، أعتقد أن بعضا منهم يفترضون ذلك؛ فبالتأكيد بعض ممن ~~يصلون يؤمنون بوجود كيان في الأعلى يستجيب لصلواتهم، كيان قد يتدخل بالنيابة عنهم على ~~نحو خارق للطبيعة!) وهذه الطقوس ليست بالضرورة دينية؛ فالناس يمارسونها طيلة الوقت، ~~داخل السياقات الدينية وكذلك خارجها. # وبالطبع، وفر الدين الإطار الرئيسي الذي أقيمت فيه الطقوس المنظمة. وقد لعبت ~~الطبيعة الرسمية لهذه المراسم والاحتفالات دورا مهما في لم شمل أفراد الأسر ~~المهجرة - مثلا - وتعزيز الإحساس بالقرابة والانتماء، والسماح للناس جميعا بالتعبير ~~عن عميق التزاماتهم ورغباتهم. # ومع أفول نجم الدين في كثير من أرجاء الغرب، ضاعت الفرصة للاشتراك في مثل هذه الطقوس ~~المنظمة. لكن بالطبع الحاجات التي تشبعها مثل هذه الطقوس لا تزال موجودة، ونشعر بهذه ~~الحاجات على نحو قوي، خصوصا مع المراحل المهمة ms108 في الحياة؛ مثل الميلاد والزواج ~~والوفاة. فلا عجب إذن أن اللادينيين يبحثون عن طقوس واحتفالات بديلة في مثل هذه ~~الأوقات. # وفي إطار إقامة المنظمات الإنسانوية لمثل هذه الطقوس، هل تنصب تلك المنظمات نفسها ~~باعتبارها أديانا بديلة؟ لا! فاشتراك أحدهم في مثل هذه الطقوس معناه عدم الاعتقاد ~~بوجود الإله، أو كيانات أو قوى سحرية، أو أي شكل من الواقع الخارق للطبيعة. فالمنظمات ~~الإنسانوية لا تقوم إلا بإشباع الحاجات العاطفية العميقة، الحاجات التي تشكل جزءا لا ~~يتجزأ من طبيعتنا البشرية. ~~(2) حفلات الزفاف الإنسانوية # في الوقت الراهن، ليس للزيجات الإنسانوية أي صفة قانونية في إنجلترا وويلز، على عكس ~~بلدان مثل النرويج واسكتلندا. من ثم، ومن أجل عقد الزواج بصورة قانونية، فعلى ~~الشريكين ترتيب زفاف مدني بأحد مكاتب السجل المدني. إلا أن أغلب الأزواج الذين يتزوجون ~~على هذا النحو يعتبرون الحفل الإنسانوي هو الزفاف «الحقيقي»، وأن الزفاف بالسجل المدني ~~مجرد إجراء قانوني. # توجد ميزة واضحة في إقامة حفل زفاف إنسانوي مستقل عن حفل الزفاف القانوني؛ ففي ~~إنجلترا وويلز، لا تقام حفلات الزفاف القانونية إلا في أماكن محددة، مثل مكتب السجل ~~المدني والكنيسة والمسجد والمعبد. أما حفلات الزفاف الإنسانوية، فيمكن إقامتها في أي ~~مكان مناسب. اقترنت بزوجتي على يد منظم احتفالات إنسانوي في الهواء الطلق على رابية ~~قلعة متهدمة في نورثمبرلاند، وسط صحبة كبيرة من الأصدقاء والأسرة. بالطبع أنا لست ~~محايدا، لكني أرى أن زفافي كان مناسبة سعيدة ومحركة للمشاعر على نحو بديع، على الأقل ~~على القدر نفسه من الرونق والمدلول كأي مراسم زفاف ديني حضرته. # شكل 8-1: حفل زفاف إنسانوي. ~~(3) الجنازات الإنسانوية # تقام الجنازات الإنسانوية دون أي إشارة إلى أن المتوفى قد «انتقل» إلى العالم الآخر، ~~فهي تمثل نهاية حياة شخص، وليست عملية انتقال ما إلى شكل آخر من الوجود. وتقدم ~~الجنازات الإنسانوية للأصدقاء والأهل فرصة للاحتفاء بحياة من الحيوات بأمانة وكرامة ~~وحزن وفرح معا، لكن دون أي وعود مشكوك فيها بالالتقاء مرة أخرى بعد النزول ~~للقبر. # لعل أحد الأسباب وراء أن الجنازات الإنسانوية، ms109 خصوصا، أصبحت أكثر شهرة، هو أنه في ~~حين أن كثيرا من غير المؤمنين، كي يحظوا بجنازة تقليدية، مستعدون للقبول بإقامة مراسم ~~خاصة بمعتقدات لا يؤمنون بها حقيقة، فثمة رغبة مفهومة بعدم إقامة جنازة بدافع المحافظة ~~على معتقدات المتوفى ومن يتركهم خلفه. وتعلق تانا وولين، رئيسة المراسم بالرابطة ~~البريطانية الإنسانية قائلة: # إلزام المتوفى بإله أو آلهة لا تؤمن أنت بوجودها أو توديعه إلى حياة ~~أخرى تعتقد أنها خيالية، حتى بصحبة الطقوس الدينية المهيبة ، لا يبدو ~~صحيحا. # قد يكون من الأسباب الأخرى لتنامي شعبية الجنازات الإنسانوية أن الأشكال الدينية ~~المختلفة من الجنازات عادة ما تركز على تعظيم الإله، وأحيانا ما لا يذكر المتوفى إلا ~~نادرا. أما الجنازات الإنسانوية، فهي في الأساس احتفاء بحياة الشخص الذي توفي، وهي ~~بالمقارنة بالطقوس الدينية التقليدية توفر فرصة أكبر للأصدقاء والأقرباء للتعبير عن ~~مشاعرهم والإعراب عن تقديرهم للإنسان الذي انتهت حياته. # قيل لي مؤخرا، وأعتقد لأسباب وجيهة، إن ازدياد شعبية الجنازات الإنسانوية كان له ~~تأثير غير مباشر على الكيفية التي تباشر بها الجنازات الدينية اليوم. ففي بريطانيا ~~اليوم، تميل الجنازات الدينية إلى التركيز على الاحتفاء بحياة المتوفى أكثر مما اعتادت ~~أن يكون عليه الحال، وكثيرا ما تمنح الأصدقاء والأهل فرصة أكبر بكثير للإعراب عن ~~تقديرهم للشخص المتوفى والاحتفاء بحياته، بل وربما اختيار موسيقا وقراءات غير دينية إن ~~استشعروا أنها ستلائم المناسبة أكثر. والحقيقة أن بعض الجنازات الدينية اليوم لا يمكن ~~تفريقها عن نظيراتها من الجنازات الإنسانوية، اللهم إلا أن من يباشرها شخص يرتدي ملابس ~~دينية. # لا يستحسن الجميع هذا الاتجاه. أعرب مؤخرا أحد القساوسة بمقاطعة كنت - القس إد ~~توملينسون - عن توجسه من عدد الجنازات التي يباشرها دون محتوى مسيحي أو قدر بسيط منه، ~~وهو يرى أن الجنازة المسيحية تؤدي وظيفتين: # أولا: أن تتيح الفرصة لتوديع المتوفى، وثانيا: أن نعهد بأحبائنا إلى الإله ~~الحي راجين أن يغفر ذنوبهم وأن يهبهم حياة أبدية ... وما أتحسر عليه كثيرا هو أن ~~النقطة الثانية تغيب عن المشهد، وتطغى عليه كليا النقطة الأولى. ms110 # وقد شكك القس توملينسون في طبيعة الجنازات الإنسانوية، مشيرا إلى أن أفضل ما ~~يمكنها تقديمه هو: # قصيدة تلقيها الجدة مع رسالة عذبة الكلمات من أحد نجوم البوب قبل أن يوضع ~~المتوفى بالمحرقة دون أي أمل معقود على نشوره. # مما لا شك فيه أن الجنازات الإنسانوية «يمكن» أن تكون سطحية وغير مرضية، إلا أن ~~الأمر نفسه ينطبق على الجنازات الدينية. فبالنسبة إلى اللادينيين، يمكن أن تبدو ~~الطقوس الدينية عديمة الفائدة وغير مرضية إن كان هدفها الرئيسي تعظيم الإله، ولا يقال ~~سوى القليل، إن قيل أي شيء من الأساس، حول شكل وطبيعة الحياة التي عاشها الشخص المتوفى. ~~وغالبا ما تكون الجنازات الإنسانوية مبهجة ومحركة للمشاعر، بل يمكنني القول إنها تكون ~~مناسبات روحية، رغم غياب الوعود المشكوك فيها بالنعيم في السماء عندما نموت. وأرى أنها ~~تقدم نسخة أكثر نضجا من القيم الروحية. ~~(4) ماذا تكشف المناسبات الإنسانوية عن الإنسانوية؟ # النحو الذي تطورت به المناسبات والاحتفالات الإنسانوية ويجري مباشرتها به يكشف قدرا ~~كبيرا مما يعتبره الإنسانويون الأولى بالأهمية؛ فجنازات الإنسانويين - بوجود الإنسان ~~في محور تركيزها وطابعها المخصص - هي احتفاء بهذه الحياة، لا حياة مستقبلية خرافية. ~~وينصب تركيز حفلات زفاف الإنسانويين على التعبير عن حب الشريكين أحدهما الآخر والتزام ~~كل منهما تجاه الآخر، وليس إبرامهما عقدا من نوع ما تفرضه عليهما الدولة أو السماء. ~~والاحتفالات الإنسانوية لإطلاق الأسماء على الأطفال لا تركز على إلزام الطفل بإله أو ~~دين معين لبقية حياته الطبيعية وما بعدها، بل على السماح للأبوين وغيرهما من الأصدقاء ~~المقربين والأهل بالتعبير عن التزامهما بمساعدة الإنسان الجديد القادم للحياة على النمو ~~على نحو طبيعي؛ الأمر الذي يتضمن عند الإنسانويين مساعدته على اكتساب النضج والمهارات ~~الضرورية لتحمل مسئولية تكوين معتقداته الخاصة وإصدار أحكامه الأخلاقية بنفسه. # وأحد أسباب ذيوع شهرة الاحتفالات الإنسانوية هو ازدياد إدراك الناس أن الرؤية ~~الإنسانوية لما هو أولى بالأهمية حقا في الحياة هي نفس رؤيتهم. # | مراجع # مقدمة # The survey indicating the views of professional ~~philosophers on naturalism and theism was conducted by ms111 philosophers David ~~Chalmers and David Bourget in November 2009. The results are available at: # http://philpapers.org/surveys/ ~~, accessed 24 August ~~2010. # الفصل الأول # The Allen Bloom quote is from # The ~~Closing of the American Mind ~~(New York: Touchstone, ~~1988), p. 25. # Ruchard Lamm is quoted disapprovingly at # http://www.slate.com/id/2100437/ # and approvingly at: # http://www.christianitytoday.com/ct/2004/119/42.0.html ~~, ~~accessed 24 August ~~2010. # The Cardinal Ratzinger quote is from his 2005 Homily at the ~~Mass for the election of the Roman Pontiff. # The Nick Tate quote is from a speech to the SCAA on 15 ~~January 1996. # The Cardinal Ratzinger quote on Galileo: Joseph Ratzinger, # Corriere della Sera, # 30 March ~~1990; 30 # Dias ~~, January 1993, p. ~~34. # The Alisdair MacIntyre quotes are from Alisdair MacIntyre, # After Virtue, # 2nd edn. (London: ~~Duckworth, 1985), p. 222; and MacIntyre’s 'A Partial Response to My ~~Critics’ is in J. Horton and S. Mendus (eds.), # After MacIntyre ~~(Notre Dame, IN: University of Notre ~~Dame Press, 1994), p. 289. # الفصل الثاني # The Darwin quote is from Charles Darwin, # The Autobiography of Charles Darwin 1809-1882. With ~~the original omissions restored. Edited and with appendix and notes ~~by his grand-daughter Nora Barlow ~~(London: Collins, ~~1958), p. 87. # The Behe quotes are both from his # Darwin’s Black Box: The Biochemical Challenge to ~~Evolution ~~(New York: The Free Press, 1996), p. ~~39. # The Miller quotes are from # The Flaw ~~in the Mousetrap: Intelligent Design Fails the Biochemistry ~~Test ~~. Published online at: # http://www.actionbioscience.org/evolution/nhmag.html ~~, ~~where it is reprinted with permission from # Natural History Magazine # in April 2002, accessed 24 ~~August 2010. # Krauss is quoted from # Free ~~Inquiry ~~, volume 26, ~~number 3, April/May 2006; and ~~from # Top of Form ~~, pp. 36-40, ~~available online at ~~( # http://genesis1.asu.edu/~krauss/freeinqart.html ~~), ~~accessed 24 August 2010. # The Hawking quote is from his # A ~~Brief History of Time ~~(New York: Bantam Books, 1988), p. ~~125. # The Davies quote is from his # The ~~Goldilocks Enigma ~~(London: Penguin, 2007), p. ~~300. # الفصل الثالث # That around 45% of American citizens (actually, around 135 ~~million citizens) believe the entire universe is ms112 around 6,000 years old ~~(polls usually use the phrase 'less than 10,000 years’) is supported by ~~a range of polls, such as a 2008 Gallup poll in which 44% of respondents ~~said 'God created human beings pretty much in their present form at one ~~time within the last 10000 years or so’-for a range of poll results, see # http://www.pollingreport.com/science. htm ~~, accessed ~~24 August 2010. # John Hick uses the expression 'vale of soul making’ in John ~~Hick (ed.), # Classical and Contemporary Readings ~~in the Philosophy of Religion, # 2nd edn. (Englewood ~~Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1970), p. 515. # الفصل الرابع # The Fukuyama quote is from # The End ~~of History and the Last Man ~~(London: Hamish Hamilton, ~~1992), p. 328. # The Lin Yu Tang quote is from his # My Country, My People ~~(London: Heinemann, ~~1938). # The Kristol quote is from # Neoconservatism-the Autobiography of an Idea ~~(Chicago: ~~Elephant, 1999), p. 101. # The Himmelfarb quote is from her # One Nation, Two Cultures ~~(New York: Knopf, 1999), p. ~~146. # The Bork quote is from his # Slouching towards Gomorrah ~~(New York: HarperCollins, ~~1996), p. 275. # The Bishop Ali quote appeared on the # Today # programme on Radio 4, 6 November ~~2006, and is quoted in BHA’s 2007 pamphlet # The ~~Case for Secularism ~~. # The Bishop Harries quote is from his comment piece 'It is Possible to be Moral without God’, published in # The Observer ~~, 30 December 2007; available online at ~~( # http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2007/dec/30/religion.world ~~), ~~accessed 24 August 2010. # The Knight quote is from a talk she gave on the BBC’s Home ~~Service (now Radio 4) in 1955 and is available on a webpage at ~~( # http://www.humanism.org.uk/humanism/humanist- tradition/20century/margaret-knight ~~), ~~accessed 24 August 2010. # الفصل الخامس # The various Trigg quotes are all taken from his book # Religion in Public Life: Must Faith Be Privatized? ~~(Oxford: Oxford University Press, 2007), pp. ~~3-4, 73, 12, 125. # David Ranan’s # Double Cross: The ~~Code of the Catholic Church ~~(London: Theo Press, 2006) is ~~the source of the quotations from the Primate of Poland (p. 196) and ~~Konrad ms113 Adenaur (p. 218). # الفصل السادس # For the Topping study, see S. Trickey and K. J. Topping, ~~'“Philosophy for Children”: A Systematic Review’, # Research Papers in Education, # Vol. 19, No. ~~3, September 2004. Also see, e.g., Ofsted reports for schools ~~participating in philosophy for children projects summarized in the ~~document # Extracts from Ofsted Inspection Reports ~~Highlighting the Use of Philosophy ~~, available from ~~SAPERE. # The Buranda school source is the Buranda State School ~~Showcase 2003 Submission Form. # Jonathan Glover, 'Into the Garden of Good and Evil’, # The Guardian, # 13 October ~~1999. # Much of this chapter draws on my book # The War for Children’s Minds ~~(London: ~~Routledge, 2004). # الفصل السابع # The Wittgenstein quote is from Philosophical Investigations # 1, sections ~~66-7. # الفصل الثامن # The Tomlinson quotes come from (i) his blog: # http://sbarnabas.com/blog/2009/10/19/clarification-on-funerals/ ~~; ~~and (ii) the # Telegraph # website ~~( # http://www.telegraph.co.uk/news/newstopics/religion/6375631/Vicar- feels-like-lemon-as-Tina-Turner-playedat-funerals.html ~~), ~~both accessed 24 August ~~2010. # The Wittgenstein quotes are from # Remarks on Frazer’s Golden Bough ~~(Oxford: Basil ~~Blackwell, 1975), p. 4. # | قراءات إضافية # Excellent longer introductions to humanism have been written. ~~Among the best are: # Jim Herrick, # Humanism: An ~~Introduction ~~(Amherst, NY: Prometheus Books, ~~2005). # Richard Norman, # On ~~Humanism ~~(London: Routledge, ~~2004). Peter Cave, # Humanism: A Beginner’s ~~Guide ~~(Oxford: Oneworld, 2009). Paul Kurtz, # What Is Secular ~~Humanism? ~~(Amherst, NY: Prometheus Books, ~~2006). # I also recommend the BHA’s pamphlet # What Is Humanism? ~~, available directly from the ~~BHA. # معلومات إضافية عن الإنسانوية # The national UK charity promoting humanism is the British ~~Humanist Association (BHA). The BHA campaigns for an open society and a secular ~~state, and provides non-religious celebrations and ceremonies for important ~~events such as funerals and weddings. ~~It has been supporting non-religious people and promoting humanism since 1896, ~~and it works in a wide range of contexts from schools to Parliament to achieve ~~its aims. It provides many resources and educational materials ~~online: ~~( # http://www.humanism.org.uk ~~) ~~( # http://www.humanismforschools.org.uk ~~) ~~( # www.humanistlife.org.uk ~~) # The Center for Inquiry (CFI) is one of the United States’ ~~largest humanist organizations, with ms114 branches around the world. It aims to ~~foster a secular society based on science, reason, freedom of inquiry, and ~~humanist values. The CFI website provides many links and ~~resources: ~~( # http://www.centerforinquiry.net/ ~~) # The American Humanist Association (AHA) works to ~~establish, protect, and promote the position of humanists, and has a website ~~here: ~~( # http://www.americanhumanist.org/ ~~) # The umbrella organization for all humanist organizations ~~internationally is the International Humanist and Ethical Union, which ~~represents 100 humanist, rationalist, secular, ethical culture, atheist, and ~~free-thought organizations in more than 40 countries: ~~( # http://www.iheu.org/ ~~) # | مصادر الصور # (1) Courtesy of the British Humanist ~~Association. ~~(1-1) © Luisa Ricciarini/TopFoto. ~~(1-2) © Roberto ~~Herrett/photographersdirect.com. ~~(2-1) © John Woodcock/Dorling ~~Kindersley. ~~(3-1) © The Granger Collection/TopFoto. ~~(3-2) © Scott Camazine/Alamy. ~~(4-1) © Ivan Burmistrov/iStockphoto. ~~(4-2) © Galyna Andrushko/Fotolia. ~~(4-3) © Nikada/iStockphoto.com. ~~(5-1) © Stephen Hird/Reuters/Corbis. ~~(6-1) © Columbia/The Kobal Collection. ~~(6-2) © Dan Sullivan/Alamy. ~~(6-3) © Hulton Archive/Getty Images. ~~(7-1) © TopFoto. ~~(7-2) © Blue Lantern Studio/Corbis. ~~(8-1) © Carole Kinziger. ms115