######OpenITI# #META# URI: 1450DiyaWarrad.YutubiyyaMuqaddimaQasira.Hindawi41930368 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41930368 #META# Title: اليوتوبية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 50864626 #META# Author: لايمان تاور سارجنت #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 18393159 #META# Translator: ضياء ورَّاد #META# Related_books: 1450LymanTowerSargent.UtopianismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - الأماكن الطيبة والفاسدة‏ # 2 - التطبيق العملي لليوتوبيا‏ # 3 - اليوتوبية الأصلية والكولونيالية وما بعد ~~الكولونيالية‏ # 4 - اليوتوبية في الثقافات الأخرى‏ # 5 - اليوتوبية في التقليد المسيحي‏ # 6 - اليوتوبية والنظرية السياسية‏ # 7 - اليوتوبيا والأيديولوجية‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # مقدمة‏ # 1 - الأماكن الطيبة والفاسدة‏ # 2 - التطبيق العملي لليوتوبيا‏ # 3 - اليوتوبية الأصلية والكولونيالية وما بعد ~~الكولونيالية‏ # 4 - اليوتوبية في الثقافات الأخرى‏ # 5 - اليوتوبية في التقليد المسيحي‏ # 6 - اليوتوبية والنظرية السياسية‏ # 7 - اليوتوبيا والأيديولوجية‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | اليوتوبية # | اليوتوبية # | مقدمة قصيرة ~~جدا # تأليف # لايمان تاور سارجنت # ترجمة # ضياء وراد # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إلى إيفان، وجنيفر، وإيان، وكيران. # | مقدمة # الأحلام هي النار التي تستعر بداخلنا. # مارج بيرسي # أي خريطة للعالم لا تضم «يوتوبيا» لا تستحق مجرد التطلع إليها؛ إذ إنها تغفل ~~البلد الوحيد الذي تستقر فيه الإنسانية دائما. وعندما تستقر الإنسانية هناك، فإنها ~~تنظر خارجا، وعندما تجد بلدا أفضل، تنطلق إليه؛ فالتقدم هو تحقيق اليوتوبيات على ~~أرض الواقع. # أوسكار وايلد # آخر ما نحتاجه بالفعل المزيد من الرؤى اليوتوبية. # إيمانويل فالرشتاين # إذن هذه هي اليوتوبيا! # أليس كذلك؟ حسنا ... # أستميحك عذرا؛ # اعتقدت أنها الجحيم. # ماكس بيربوم # فدان في ميدلسكس أفضل من إمارة في اليوتوبيا؛ فأقل القليل من الخير الواقعي ~~أفضل من أكثر الوعود روعة بالمستحيلات. # توماس بابنجتون ماكولي # اليوتوبيات كثيرا ما تكون حقائق لم تنضج بعد. # ألفونس ماري لوي دي برا دي لامارتين # صاغ توماس مور (1478-1535) كلمة «يوتوبيا» لتكون اسم البلد الخيالي الذي وصفه في كتابه ~~القصير الذي ظهر في عام 1516، والمنشور باللاتينية تحت اسم «كتاب مفيد وممتع حقا عن ~~الحكومة المثلى للجمهورية والجزيرة الجديدة المسماة يوتوبيا»، والمعروف الآن باسم ~~«يوتوبيا». والمقابل الإنجليزي لكلمة يوتوبيا # utopia # مأخوذ ~~من الكلمة الإغريقية # topos # التي تعني مكانا أو موقعا، ~~والحرف # u # مأخوذ من البادئة # ou # التي تعني لا أو بدون. وفي كتاب مور «ستة أسطر عن ~~جزيرة يوتوبيا»، قدم للقارئ قصيدة تطلق على يوتوبيا كلمة # Eutopia ~~(أي الأرض السعيدة أو المكان الطيب). نتيجة ms001 ~~لذلك، أصبحت كلمة يوتوبيا، التي تعني لامكان أو ليس في أي مكان، تشير إلى مكان طيب غير ~~موجود. # مع أن أغلب المثقفين في القرن السادس عشر كانوا يقرءون باللغتين الإغريقية واللاتينية، ~~فإنه سريعا ما دخلت كلمة # utopia # اللغات الأوروبية الأخرى ~~مع نشر كتاب مور بالألمانية في عام 1524، والإيطالية في عام 1548، والفرنسية في عام 1550. ~~ونظرا لأن مور قد عارض ترجمة كتابه إلى الإنجليزية، فلم يتح الكتاب بالإنجليزية حتى عام ~~1551 عندما ترجمه صهره. # وفي كتابه «يوتوبيا»، صور مور سفينة تكتشف جزيرة غير معروفة تأسس عليها مجتمع قائم على ~~مساواة واسعة النطاق، لكنه كان يحكمه رجال حكماء كبار السن. إنه مجتمع هرمي أبوي، له ~~قوانين صارمة جدا وعقوبات قاسية، لكنه كان يوفر حياة لمواطنيه أفضل كثيرا من الحياة ~~المتوفرة لمواطني إنجلترا حينها. تلك هي خصائص اليوتوبيا. إنها تتحدث عن أماكن طيبة (تصبح ~~فيما بعد سيئة)، وتمثلها كما لو كانت حقيقية، فتستعرض أناسا يعيشون حياتهم اليومية، ~~وتصور الزواج والأسرة والتربية والوجبات والعمل وما شابه ذلك، إضافة إلى النظم السياسية ~~والاقتصادية. إن هذا التصوير للتحول الحادث في الحياة اليومية هو ما يميز اليوتوبيا، وما ~~اليوتوبية إلا هذا التحول في مجريات الحياة اليومية. # شكل 1: كان توماس مور (1478-1535) محاميا وسياسيا وكاتبا إنجليزيا ~~معروفا بأنه ذو توجه إنساني ينتمي لعصر النهضة، ومناهض لحركة الإصلاح ~~البروتستانتي. أنعم عليه هنري الثامن برتبة فارس نظير خدماته التي ~~قدمها له، وأعدم بسبب رفضه التوقيع على قسم يعترف فيه بهنري الثامن ~~رئيسا للكنيسة في إنجلترا، وأعلنته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية قديسا ~~في عام 1935. وأشهر كتبه كان «يوتوبيا» (1516). وقد رسم هانز هولباين ~~الصغير (1498 تقريبا-1543) هذه اللوحة الشهيرة لمور في عام ~~1527. # رغم أن توماس مور هو من صك كلمة «يوتوبيا»، فللفكرة نفسها فعليا تاريخ طويل ومعقد؛ فقد ~~ظهرت الفكرة قبل ابتكار مور للكلمة بوقت طويل، وأضيفت إلى اللغة كلمات أخرى لوصف أنواع ~~مختلفة من اليوتوبيات، مثل «ديستوبيا» التي تعني المكان ~~السيئ، والتي استخدمها لأول مرة، على قدر علمنا، هنري لويس يونج (المولود في ms002 عام 1694) وذلك ~~في عام 1747 في عمله «يوتوبيا: أو أيام أبوللو الذهبية»، وأصبح استخدامها شائعا الآن. ~~وأمسى - منذ وقت مبكر جدا - وصف شيء ما بأنه «يوتوبي» طريقة لصرف النظر عنه؛ لكونه غير ~~واقعي. # دائما ما يستاء الناس من ظروف معيشتهم، ويكونون رؤى لحياة أفضل وأطول، ويتطلعون ~~لحياة أحسن وأبدية تستمر بعد الموت. وفي بعض الأحيان، ساور البعض القلق من احتمال أن ~~يعيشوا حياة أسوأ بعد الممات، واعتقدوا أنه مهما كان سوء هذه الحياة، فيمكن أن تصبح أسوأ؛ ~~ومن ثم ظهر أول انقسام كبير في اليوتوبية بين الأفضل والأسوأ في وقت مبكر ~~جدا. # لا يمكننا معرفة متى حلم أحدهم لأول مرة بحياة أفضل، ~~لكن يجب أن نعتمد على أولى الرؤى التي وصلت إلينا، أيا كان أصحابها وثقافاتهم، وهذه الرؤى ~~موجودة في أقدم السجلات المكتوبة التي وصلت إلينا، مثل أحد الألواح السومرية الطينية الذي ~~يعود تاريخه لعام 2000 قبل الميلاد. كانت الرؤى الأولى لليوتوبيا أشبه كثيرا بالأحلام، ~~التي لم يكن للبشر فيها دخل نهائيا؛ أي شيئا يحدث على نحو طبيعي أو بسبب مشيئة أحد ~~الآلهة. # كل أشكال اليوتوبيا تطرح أسئلة؛ فهي تسأل إن كان يمكن تحسين الطريقة التي نحيا بها، وتجيب ~~بأنه يمكن ذلك، ويقارن أغلبها بين الحياة الحالية والحياة في اليوتوبيا، وتوضح أوجه الخطأ ~~في الطريقة التي نحيا بها الآن؛ وبذلك تقترح ما ينبغي القيام به لتحسين الأوضاع. # كما هو الحال مع أغلب الموضوعات، ثمة اختلافات على التعريف. إحدى المسائل التي تحير الناس ~~دائما تنشأ من عدم التمييز بين اليوتوبية باعتبارها فكرة عامة، والأدب اليوتوبي باعتباره ~~فرعا من فروع الأدب؛ فاليوتوبية تشير إلى الأحلام والكوابيس المتعلقة بالسبل التي تنظم بها ~~الجماعات البشرية حيواتها، التي عادة ما تضع تصورا لمجتمع مختلف كليا عن المجتمع الذي ~~يعيش فيه الحالمون. واليوتوبية، على العكس من معظم النظريات الاجتماعية، تركز على الحياة ~~اليومية، إضافة إلى المشكلات المتعلقة بالأمور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. # ويمكن التعرف على نطاق الكلمة في وصف الفيلسوف البولندي ليشك كولاكفسكي (1927-2009) ~~للعملية التي بموجبها ms003 برزت الكلمة: # كاسم مصاغ اصطناعيا، واكتسبت، في القرنين الماضيين، معنى واسعا لدرجة أنه ~~لا يشير إلى جنس أدبي وحسب، وإنما أيضا طريقة في التفكير، إلى عقلية، إلى موقف ~~فلسفي، وتستخدم في تصوير ظواهر ثقافية تعود إلى الماضي البعيد. # يعرض كولاكفسكي التعقيد الذي تنطوي عليه اليوتوبية. إنني أطلق على اليوتوبية: «الحلم ~~الاجتماعي»، في حين تطلق عليها عالمة الاجتماع روث ليفيتاس (المولودة في عام 1949): ~~«الرغبة في طريقة أفضل للوجود»؛ بحيث تكون اليوتوبيا جانبا في «تثقيف هذه الرغبة». وفي ~~إطار هذا النطاق العريض للكلمة، يكمن ما أطلق عليه «أوجه اليوتوبية الثلاثة»: الأدب ~~اليوتوبي، والتطبيق العملي لليوتوبيا، والنظرية الاجتماعية اليوتوبية. وكما توضح الاقتباسات ~~المعروضة في صدر هذه المقدمة، أصبحت الكلمة تحمل معاني مختلفة لأشخاص مختلفين. # يستخدم الباحثون اليوم - على نحو عام - تعريفين متشابهين جدا للأدب اليوتوبي: الأول ~~وضعه المنظر الأدبي داركو سوفين (المولود عام 1930)، أما الثاني فأنا الذي وضعته: # البناء اللفظي لمجتمع شبه بشري خاص تنظم فيه المؤسسات الاجتماعية السياسية، ~~والأعراف، والعلاقات بين الأفراد حسب أسس أكثر مثالية من تلك الموجودة في مجتمع ~~المؤلف؛ وهذا البناء يقوم على انفصال ناشئ عن فرضية تاريخية بديلة. # مجتمع غير موجود معروض بتفصيل كبير، عادة ما يشغل زمانا ومكانا. وفي الاستخدام ~~القياسي، تستخدم اليوتوبيا كما هي معرفة هنا، وأيضا باعتبارها مرادفا للمجتمع ~~السعيد الطيب؛ أي المجتمع غير الموجود المعروض بتفصيل كبير، الذي عادة ما يشغل ~~زمانا ومكانا، والذي يقصد المؤلف أن يراه القارئ المعاصر أفضل كثيرا من المجتمع ~~الذي يعيش فيه. # وحيث إن الكتاب الذين يؤلفون أعمالا عن اليوتوبيا يبتكرون باستمرار أشكالا جديدة من ~~اليوتوبيا لعرض أفكارهم، فيجب أن يكون لأي تعريف لليوتوبيا حدود مرنة نوعا ما. واليوتوبيات ~~المعاصرة لا تشبه على الإطلاق ما كنا نطلق عليه في السابق يوتوبيا؛ فهي على وجه الخصوص أكثر ~~تعقيدا، وأقل تحديدا في مقاصدها، وتسعى لتوضيح عيوب البشرية. # ينطوي التطبيق العملي لليوتوبيا على ما نطلق عليه - في أغلب الأحيان - الآن المجتمعات ~~المقصودة أو الكوميونات، إلا أنه كان يطلق عليها في السابق أسماء ms004 أخرى كثيرة، بما في ذلك ~~المجتمعات اليوتوبية، والتجارب اليوتوبية، واليوتوبيا العملية. هنا، لا يوجد أي تعريف ~~متفق عليه، لكن يستخدم كثير من الباحثين تعريفي كثيرا مع تغييرات طفيفة، والذي ينص ~~على ما يلي: # المجتمع المقصود هو مجموعة من خمسة أفراد بالغين أو أكثر وأطفالهم، إن وجدوا، ~~قادمين من أكثر من أسرة نووية، واختاروا أن يعيشوا معا لتعزيز قيمهم المشتركة، أو ~~لغرض ما آخر اتفقوا عليه فيما بينهم. # كان التطبيق العملي لليوتوبيا في وقت من الأوقات مقصورا - بوجه عام - على تلك المجتمعات، ~~ولكن نظرا لاستخدام كلمة «يوتوبيا» الآن باعتبارها وصفا لكثير من أنواع النشاط الاجتماعي ~~والسياسي التي تسعى لإقامة مجتمع أفضل، وفي بعض الحالات تحولا شخصيا؛ فهي فئة أوسع مما ~~كانت عليه في السابق. وكل عمليات التطبيق العملي لليوتوبيا تتناول التحول الفعلي لا ~~الخيالي للمجريات اليومية؛ فالمنضمون إلى المجتمعات المقصودة يختارون محاولة تغيير ~~حياتهم، كما يفعل المشاركون في أشكال أخرى من التطبيق العملي لليوتوبيا، لكن بطرق ~~مختلفة. # تتضمن النظرية الاجتماعية اليوتوبية: اليوتوبيا باعتبارها طريقة في التحليل؛ والعلاقة بين ~~اليوتوبيا والأيديولوجية، التي كان المنظر الاجتماعي كارل مانهايم (1893-1947) أول من ~~أشار إليها في عام 1929، والتي استخدمها آخرون بطرق مختلفة منذ ذاك الحين؛ والطرق التي ~~استخدم بها مفكرون مثل الفيلسوف الماركسي الألماني إرنست بلوخ (1885-1977)، وعالم الاجتماع ~~الهولندي فريدريك إل بولاك (1907-1985) اليوتوبية لتفسير التغير الاجتماعي؛ ودور اليوتوبية ~~في الدين، لا سيما في علم اللاهوت المسيحي؛ حيث رأى البعض أنها نوع من الهرطقة، في حين رأى ~~آخرون أنها مفهوم أساسي؛ ودور اليوتوبيا في نظريتي الكولونيالية وما بعد الكولونيالية؛ ~~والمناظرات بين المؤيدين للعولمة والمناهضين لها. وسنتناول هذه المداخل كلها بين دفتي هذا ~~الكتاب. # اليوتوبية والمجتمعات المقصودة ظاهرتان معقدتان لهما تاريخان طويلان حدثتا في أطر عديدة ~~ومختلفة؛ نتيجة لذلك، فهما تختلفان اختلافا كبيرا من زمان لآخر، ومن مكان لآخر؛ لذا فإن ~~التعريف على مستوى من التعميم يجمع كل شيء قد يكون نقطة بداية مفيدة، لكنه لن يخبرنا إلا ~~بالقليل عن الظواهر الفعلية وهي تحدث؛ ومن ms005 ثم ينبغي علينا تحديد مواصفات مختلف الفئات ~~الفرعية على نحو مناسب، بحيث نصل لأوجه التشابه، ونتعرف على أوجه الاختلاف فيما بينها. ~~وعلى وجه الخصوص، يجب أن يكون أي نقاش حول المجتمعات المقصودة مدركا أن لكل مجتمع دورة ~~حياته الخاصة، التي تبدأ بالرؤى والتخطيط المسبق إلى الميلاد والنمو والنضج، وغالبا الموت؛ ~~ويكون الموت ممكنا في أي مرحلة من مراحل حياة المجتمع. # ومن الممكن أن توجد اختلافات جوهرية حول العناصر المشكلة للمكان الطيب. والحالة ~~الكلاسيكية التي تعود إلى القرن العشرين هي رواية «والدن تو» (1948)، لصاحبها عالم النفس بي ~~إف سكينر (1904-1990)؛ وهي رواية تصف مجتمعا صغيرا - أنشأه عالم نفس سلوكي - رآه كثيرون ~~على نحو واضح باعتباره مكانا طيبا، بل وحتى دليلا للمجتمع المقصود المثالي. أقيمت بعض ~~المجتمعات على هذا النموذج، ولا يزال بعضها قائما، في حين رأى آخرون الرواية باعتبارها ~~صورة لمجتمع شمولي. تختلف النظرة للمجتمعات من قبل من يلاحظونها من الخارج مقارنة بمن ~~يعيشون فيها، وتتغير تلك النظرات مع تغير المجتمعات والناس. على سبيل المثال، كثيرا ما ~~ينظر إلى المجتمعات المقصودة على أنها أماكن رائعة إن كنت طفلا تعيش فيها، وأماكن بغيضة ~~إن كنت مراهقا. # للأدب اليوتوبي ستة أهداف على الأقل، رغم أنه لا يمكن الفصل بينها بالضرورة. يمكن أن تكون ~~اليوتوبيا مجرد فانتازيا، أو يمكن أن تكون وصفا لمجتمع مرغوب أو غير مرغوب فيه، أو ~~استقراء أو تحذيرا أو بديلا للواقع، أو نموذجا يجب أن يتم الاقتداء به. والمجتمع ~~المقصود المقدم على هيئة يوتوبيا يضيف غرضا سابعا؛ ألا وهو إثبات أنه من الممكن عيش ~~حياة أفضل في الوقت الحاضر. ينظر المؤيد لليوتوبية إلى البشرية ومستقبلها نظرة أمل أو نظرة ~~خوف. إن كانت النظرة نظرة أمل، فعادة ما تكون النتيجة يوتوبيا. أما إن كانت نظرة خوف، ~~فتكون النتيجة في العادة ديستوبيا. لكن اليوتوبية هي في الأساس فلسفة أمل، وتتسم بتحويل أمل ~~عام إلى وصف لمجتمع غير موجود. وبالطبع، كثيرا ما لا يزيد الأمل على كونه تلبية لرغبة ~~ساذجة نوعا ما، كما ms006 في بعض الحكايات الخرافية (وإن كانت معظم الحكايات الخرافية تتحول إلى ~~ديستوبيات إن جرى تحليلها بدقة). على الجانب الآخر، فإن الأمل ضروري لأي محاولة لتغيير ~~المجتمع إلى الأفضل. لكن هذا يطرح احتمال أن يحاول أحدهم فرض فكرته عن المستقبل المرغوب ~~على الآخرين الذين يرفضونها. ودائما ما يواجه اليوتوبيون هذه المعضلة عندما يحاولون نقل ~~حلمهم إلى أرض الواقع؛ هل حلمهم متوافق مع فكرة فرضه على الآخرين؟ وهل يمكن أن تتحقق الحرية ~~من خلال اللاحرية؟ أو المساواة من خلال اللامساواة؟ # ثمة أسباب وجيهة لكل من التقييمات السلبية والإيجابية لليوتوبية منعكسة في الاقتباسات ~~المعروضة في صدر هذه المقدمة، وسيجري تناول تلك الأسباب عبر صفحات الكتاب. كانت التقييمات ~~السلبية قوية في القرن العشرين نتيجة لمحاولة فرض نسخ بعينها من الحياة الطيبة، لا سيما ~~الشيوعية في الاتحاد السوفييتي والصين وفي أماكن أخرى، وكذلك الاشتراكية القومية في ألمانيا ~~ونسخة طالبان من حركة الإسلام السياسي في أفغانستان. كانت نظرة آخرين إلى اليوتوبية إيجابية ~~بوصفها الوسيلة الرئيسية لمواجهة مثل هذه المحاولات. # على الرغم من أنني أهدف إلى تقديم عرض شامل ومتوازن في هذا الكتاب، فإن لي طرحا معينا ~~أود تناوله؛ في المجمل العام، طرحي هو أن اليوتوبية ضرورية لتحسين وضع البشر. وبهذا ~~المضمون، فالمناهضون لليوتوبية مخطئون ويمكن أن يشكلوا خطرا. لكني أدفع أيضا بأنه إن ~~استخدمت اليوتوبية بشكل خاطئ - وقد حدث هذا بالفعل - فهي خطيرة. وبهذا المضمون، فالمؤيدون ~~لليوتوبية مخطئون ويمكن أن يشكلوا أيضا خطرا؛ لذا تستكشف الخاتمة الطبيعة المتناقضة ~~لليوتوبية، وتسعى إلى تداركها. # الفصل الأول # | الأماكن الطيبة والفاسدة # (1) تقليدا اليوتوبيا # بداية، كان السلام مكفولا ~~للجميع كماء الشرب. لم تنبت الأرض خوفا ولا مرضا؛ فكل ما احتاجوه ظهر ~~تلقائيا، فكان النبيذ ينساب بالجداول، وكعكات الشعير تزاحم أرغفة الخبز أمام ~~أفواه الناس، متوسلة إليهم كي يتناولوا أكثرها بياضا، إن سمحوا بذلك. # تليكليديس، «أمفيكتينيز» # لم يتزوجوا من زوجات، بل كانت نساؤهم مشتركة بينهم، والأطفال الناتجون عن هذا ~~الوضع تربوا على نحو مشترك فيما بينهم، وعاملهم الجميع بالقدر نفسه من الحب. ms007 ~~وعندما كانوا أطفالا رضعا، كانت النساء اللائي يرضعنهم عادة ما ~~يتبادلن إرضاعهم؛ بحيث لا تستطيع الأمهات التعرف على أطفالهن؛ ومن ثم لم تكن ~~هناك غيرة بينهن، وعاشوا دائما دون أي مشاحنات ، معتبرين الوفاق رأس كل ~~النعم. # إيامبولوس، «هليوبوليس» # شكل 1-1: الصورة المواجهة لصفحة عنوان كتاب توماس مور «يوتوبيا» في طبعته ~~التي ظهرت في عام 1518، والتي تصور جزيرة يوتوبيا. والصورة لرسم ~~منحوت على الخشب من صنع أمبروسيوس هولبيان (1494 ~~تقريبا-1519 تقريبا). # شكل 1-2: لوحة بيتر بروجل الأكبر (1525 تقريبا-1569) «أرض كوكين» (1567) ~~تصور الوفرة الشديدة في الشراب والطعام في كوكين، وهي أرض الوفرة ~~التي تروي كثير من القصص أنه لا يمكن أن يصل إليها سوى ~~الفقراء. # رغم أن توماس مور صك كلمة «يوتوبيا» في عام 1516، ونشأ فرع من فروع الأدب من رحم ~~كتابه؛ ففكرة اليوتوبيا أقدم من ذلك بكثير، والاقتباسان أعلاه والشكلان # 1-1 # و # 1-2 # يعكسان نسختين مختلفتين تماما من الحياة ~~الطيبة. تركز إحداهما على المتعة، لا سيما المتعة الجسدية، ومحورها وفرة الطعام ~~والشراب، مع إتاحة الكثير من الممارسات الجنسية في بعض النسخ؛ في حين تركز الأخرى على ~~التنظيم الاجتماعي. الأولى فانتازيا تحققها الطبيعة أو الرب أو الآلهة، أما الثانية ~~فمقدمة على نحو واقعي، ويحدثها بشر باستخدام ذكائهم. كلتا النسختين عتيقتان، ولا ~~تزالان موجودتين حتى اليوم. بالنسبة للبعض، ~~لا ترقى سوى الثانية لتكون يوتوبيا، لكن يرى آخرون الأولى باعتبارها رافدا مهما في ~~النهر المعروف باليوتوبيا. # أطلق على النسخة الأولى «يوتوبيا الهروب» أو «يوتوبيا الجسد»، ولا توجد ثقافة لا ~~تضم مثل هذه اليوتوبيات. في التراث الذي يشكل تاريخها في الغرب، توجد في جنة عدن، ~~والقصص الإغريقية والرومانية عن جنة الأرض، وفكرة الجنس أو العصر الذهبي الذي كان ~~موجودا في الماضي، و«رؤية ماكونجلين» الأيرلندية. وتنتقل إلى تراث «العالم المقلوب ~~رأسا على عقب» لتظهر في عيد الإله الروماني ساتورن، وعيد البلهاء، وأرض كوكين، والصور ~~المبكرة من الكرنفال (وهو موسم الاحتفالات المسيحي السابق على «الصوم الكبير»)؛ جميعها ~~تضع الفقراء والمقهورين على نحو مؤقت في مراكز قوة، ms008 في حين تضع سادتهم المفترضين في ~~مراكز أدنى منهم ليوم أو أسبوع. وعادة ما يعاد ابتداع تلك النسخة من جديد، وتعاود ~~الظهور في المجموعات المقهورة، وفي أوقات الأزمات الاقتصادية. ~~(2) الأساطير الكلاسيكية # على الرغم من وجود اختلافات بين هذه الأساطير، فإنها اشتركت في الكثير؛ فبعض الأجزاء ~~كانت مقدمة على نحو إيجابي، فكان الناس والآلهة قريبين بعضهم من بعض، وكانت الأرض تنتج ~~تلقائيا وفرة من الطعام وأي شيء آخر كان يحتاجه الناس. لكن أغلب الأجزاء عرض على ~~نحو سلبي، وكان معنيا بحل مشكلات الحاضر؛ فلم يكن هناك خوف من الحيوانات البرية، ولم ~~يكن هناك صراع بين البشر، ولم تكن هناك حاجة للعمل، ولم تكن هناك تجارة أو حكومة؛ لأنه ~~لم تكن هناك حاجة لهما. كانت بداية الحياة ونهايتها سلستين؛ كانت النساء يضعن ~~أطفالهن دون ألم، أو لا يضعن على الإطلاق؛ فلم تكن هناك وفيات؛ ومن ثم لم تكن هناك حاجة ~~للمواليد، ولا لموت مريح. فسر بعضها أيضا كيف أننا انتقلنا من الحياة الطيبة إلى ~~الحياة الصعبة التي نعيشها في الوقت الراهن. على سبيل المثال، معصية الرب في جنة عدن ~~أفضت إلى الخوف والعناء والموت وآلام الوضع بالنسبة للنساء. # أكثر تلك الأساطير المبكرة تأثيرا هي الأساطير الخاصة بعملية الخلق، مثل العصر ~~الذهبي، وجنة الأرض، وأساطير الحياة الآخرة، مثل «جزر المباركين» - حيث يذهب الأبطال ~~بعد الموت - وأسطورة إله العالم السفلي هاديس. كانت تلك الأساطير التي تعود للحضارة ~~اليونانية والرومانية والسومرية والديانة اليهودية في بداياتها مهمة لتطور اليوتوبية ~~الغربية. كما توجد أساطير مشابهة، مثل أسطورة «أرض أزهار الخوخ» الصينية، في أغلب ~~الحضارات القديمة. والنسخة الغربية الكلاسيكية من العصر الذهبي هي نسخة هيسيود الشاعر ~~الإغريقي (التي ظهرت في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد)، الذي كتب يقول: # كان الجنس البشري الذي أنعم عليه بالكلام، والذي أوجده الخالدون - أولئك ~~الذين يسكنون في قصور على جبل الأوليمب - جنسا ذهبيا. عاش هؤلاء في زمن ~~كرونوس عندما كان ملك السماء؛ وتماما مثل الآلهة، أمضوا حياتهم، بروح تخلو من ~~الهم، بعيدا عن ms009 التعب والبلاء. لم تطلهم يد الشيخوخة العقيمة، وكانوا دوما ~~متساوين في كل شيء، وتمتعوا بالأعياد والاحتفالات، وسلموا من كافة الشرور، ~~وماتوا كما لو كان غلبهم النعاس. كانت لهم كل الأشياء الطيبة؛ فحقول الحبوب ~~كانت تنبت محاصيل من تلقاء نفسها، كانت تنبت الكثير منها وبوفرة. أما هم، ~~فتشاركوا ثمار العمل معا - طواعية، وبنبل كبير - إضافة إلى أشياء طيبة أخرى ~~كثيرة، وكان لهم من الغنم الكثير، وكانوا مقربين من الآلهة. # لكن نسخة العصر الذهبي التي ورثتها العصور الوسطى كانت نسخة الكاتب الروماني أوفيد ~~(43-17 / 18 قبل الميلاد)، في حين أكد هيسيود على الوفرة التي تشاركها الجميع بالتساوي، ~~والحياة السعيدة، والموت المريح. أضاف أوفيد، في استجابة منه لقضايا عصره، التحرر من ~~القوانين والمحاكم، وتجنب نشوب الحروب، ووجود مجتمع محلي، قائلا: # في الماضي، كان الناس يعيشون في عصر ذهبي، حين كان الناس يتصرفون وفق ~~إرادتهم، دون خوف من عقاب، دون قوانين، وكانوا يتمتعون بإيمان سليم، ويقدمون ~~على فعل كل ما هو صحيح. لم تكن هناك عقوبات يخشونها، ولم تكن هناك لوحات ~~برونزية منصوبة محفور عليها القوانين تحمل تهديدات باتخاذ إجراء قانوني، ولم ~~تكن هناك حشود من المذنبين المتطلعين للرحمة، والمرتعشين أمام قاضيهم. في ~~الواقع لم يكن هناك قضاة؛ إذ عاش الناس في أمان دونهم. وإذ لم تكن هناك أشجار ~~صنوبر يتم قطعها من موطنها على الجبال لصنع سفن تسير عبر أمواج المحيطات ~~ليبحروا إلى أراض أجنبية، فلم يعرفوا سوى شواطئهم، ولم تكن مدنهم محاطة بعد ~~بخنادق مائية عميقة، ولم تكن لديهم أبواق نحاسية طويلة، أو خوذ نحاسية ملتفة، ~~أو سيوف. تمتعت شعوب العالم، التي لم يعكر صفوها أي مخاوف، بحياة الدعة ~~والسلام، ولم تكن هناك حاجة لجنود. # تبدي التغييرات التي أدخلها أوفيد كيف أن تلك الروايات عكست قضايا معاصرة في الوقت ~~الذي بدت فيه خارج إطار الزمان تماما. # الاقتباس الذي أخذناه من تليكليديس، في بداية هذا الفصل، مثال آخر على الحياة في عصر ~~كرونوس، وكتب الشاعر الروماني لوقيان السميساطي (125 تقريبا-ما بعد 180 ميلاديا) ms010 ~~يقول على لسان كرونوس: # خلال الأسبوع غير مسموح بأي أمر جاد، غير مسموح بالقيام بأي عمل. الشرب ~~والسكر، والصخب والألعاب والنرد، وتعيين الملوك، وإقامة احتفالات العبيد، ~~والغناء عريانا، والتصفيق الشديد، وغمر الوجوه الثملة في الماء المثلج من آن ~~لآخر : هذه هي المهام التي أقوم بها. # كان احتفال الرومان بعيد الإله ساتورن مهرجانا فعليا يستعيدون فيه العصر الذهبي ~~لفترة وجيزة؛ حيث كان يعمل السادة على خدمة الخدم، ويطعم الأغنياء الفقراء. وفي بعض ~~النسخ من المهرجان، كانوا يعفون عن ديونهم. بالنسبة للجميع، كان هناك إسراف شديد في ~~الطعام والشراب ودرجة من الحرية الجنسية. وبدون الإسراف في المأكل والمشرب والحرية ~~الجنسية، فإن فكرة وجود فترة يتم فيها الإعفاء من الديون، ومن ثم منح المدين فرصة ~~جديدة، مذكورة في العهد القديم: «يبرئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه. لا يطالب صاحبه ~~ولا أخاه؛ لأنه قد نودي بإبراء للرب» (سفر التثنية، 15 : 2). # في العصور الوسطى، تسببت الاحتفالات التي انحدرت من عيد الإله ساتورن - مثل الكرنفال ~~السابقة الإشارة إليه حين كان الفقراء يحكمون لبعض الوقت، وعيد البلهاء، والذي كان فيه ~~يجري عكس التراتب الكنسي لفترة وجيزة، وكان له شعبية على نحو خاص في فرنسا - في مشاكل ~~خطيرة؛ فمن وقت لآخر، كان احتفال الكرنفال يخرج عن السيطرة، على الأقل من وجهة نظر ~~المتقلدين للسلطة؛ لأن المغلوبين على أمرهم ظنوا أن قلب الأوضاع يجب أن يستمر لفترة ~~أطول من بضعة أيام. أما عيد البلهاء، فقد وقفت ضده الكنيسة بقوة حتى ألغته. لا يزال ~~احتفال الكرنفال يقام ببعض الأماكن، مثل نيو أورليانز وريو دي جانيرو، لكنه لم يعد ~~يعتبر تهديدا. # في العصور الوسطى، كان يجري إسقاط الآلهة الإغريقية والرومانية، ونشأت قصة مشابهة ~~معروفة باسم «أرض كوكين»، التي أطلق عليها «جنة الفقير»، في عدد من البلدان الأوروبية. ~~وجاء بإحدى نسخ تلك القصة التي ترجع للقرون الوسطى ما يلي: # توجد أنهار تجري في نعومة وسعة # أنهار من الدهن واللبن والعسل والخمر، # تنساب المياه هناك دون هدف # سوى أن تسر من ms011 ينظر إليها ومن أراد أن يغتسل بها. # تنبت ثمار كثيرة في هذا المكان # تحمل البهجة وتسلي حلاوتها الجميع. # تتكرر تلك الصورة الخيالية مرارا تحت أسماء مختلفة عبر التاريخ؛ فعندما يفقد الأمل ~~في كل شيء، تكتسب الفانتازيا قوة خاصة. # أدخل الكاتب الروماني فرجيل (70-19 قبل الميلاد) تغييرات كبيرة على تلك الأساطير؛ ~~أولا، وفوق كل شيء: في أنشودته الرابعة الشهيرة، المعروفة بأنشودة المخلص التي تبشر ~~بقدوم المسيح، من عمله «أناشيد الرعاة»، انتقل بالعصر الذهبي من الماضي إلى المستقبل. ~~ثانيا: أصبح العالم الأفضل قائما على النشاط البشري لا على مجرد أن يكون هبة من ~~الآلهة؛ فالناس يعملون، لا سيما في الزراعة، ويستمر هذا باعتباره أسطورة الفلاح أو ~~المزارع السعيد؛ لتصبح نسخة أكثر واقعية، وإن كانت لا تزال مثالية. لم تمت الأسطورة ~~أبدا، وهي توجد اليوم باعتبارها جزءا جوهريا من اليوتوبية الحديثة. # الصور التي ساقها فرجيل للحياة البسيطة في «أركاديا» تمثل نقلة بين فانتازيا ~~التقليد الأول لليوتوبيا، ويوتوبيا التقليد الثاني التي صنعها الإنسان. إن المجتمعات ~~التي صنعها البشر وصورها الكتاب الإغريق والرومان هي الأكثر شبها ب «يوتوبيا» ~~توماس مور والأعمال التي تلتها. وهذا الفرع من التقليد اليوتوبي يمنح الناس الأمل؛ لأنه ~~أكثر واقعية، ولأنه يركز على بشر يحلون مشاكل البشر، مثل كفاية الطعام والمسكن والملبس ~~والأمن، لا الاعتماد على الطبيعة أو الآلهة. # وفي الغرب، يبدو أن اليوتوبيا الرسمية نشأت في العصر الكلاسيكي لليونان القديمة، وطغت ~~أوصاف أسبرطة، الدولة-المدينة الإغريقية، عليها. فصور الكاتب الإغريقي بلوتارك ~~(46-120 ميلاديا) دافع ليكرجوس، المؤسس المفترض لأسبرطة - ويمكن أن يناسب تصويره ~~آخرين - قائلا: # كان مقتنعا أن إدخال تغيير جزئي في القوانين لن يكون له أي فائدة تذكر، بل ~~ينبغي له أن يمضي كالطبيب الذي يعالج مريضا أعياه المرض وهو مصاب بكافة أنواع ~~الأسقام؛ فيجب أن يغير وضع الحالة التي أمامه باستخدام العقاقير والمطهرات، ~~ويوصي له بنظام علاج جديد ومختلف. # كان المجتمع الذي أسسه ليكرجوس في أسبرطة قائما ~~على أعلى درجات المساواة بين المواطنين، لكن بين المواطنين فحسب (كان هناك عبيد، ms012 ولم ~~تكن النساء من المواطنين). كان نظام الحكم في أسبرطة عسكريا. وفي أسبرطة، في ظل حكم ~~ليكرجوس، كان على كل شخص أن يهب نفسه تماما لخدمة البلد. كان عليهم أن يفقدوا ~~ذواتهم من أجل الكل؛ «فقد عود مواطنيه على ألا تكون لديهم الرغبة أو القدرة على العيش ~~من أجل أنفسهم.» # يربط كثير من المعلقين بين أسبرطة و«الجمهورية»، يوتوبيا الفيلسوف الإغريقي أفلاطون ~~(428 / 427-348 / 347 قبل الميلاد) الذائعة الصيت، والتي تعتبر معين اليوتوبية ~~الغربية. وجمهورية أفلاطون معنية في المقام الأول بالوصول لفهم لمفهوم العدالة، وهي ~~حوار أفلاطوني نموذجي يمتد من بداية إلى منتصف الفترة التي يطرح فيها سقراط (469-399 ~~قبل الميلاد) سؤالا، وتستمر عملية السؤال والجواب حتى يتم الوصول لعدد من المواقف، ~~التي يرفضها سقراط كلها، ثم يقدم إجابته، وبالتدريج يهيمن على النقاش محولا إياه إلى ~~حوار أحادي، ولا يصدر عن الآخرين المشاركين في الحوار سوى تعليقات روتينية تعوزها ~~الحماسة. # إن المجتمع الذي يصفه أفلاطون في «الجمهورية» هو الأقرب إلى المجتمع المثالي. يضم هذا ~~المجتمع ثلاث طبقات، تقابل العناصر الأساسية الثلاثة للروح أو الذات. والطبقات الثلاث ~~هي طبقة الملوك الفلاسفة (أو العقل)، وطبقة الحراس (الذين يمثلون عنصر العاطفة)، وطبقة ~~الحرفيين والتجار (الذين يمثلون ضبط النفس والاعتدال). يعنى أغلب الحوار في عمل ~~«الجمهورية» بأول طبقتين، وهما المعروفتان إجمالا باسم ولاة الأمر. ولا يتحدث أفلاطون ~~كثيرا عن الأغلبية العظمى من أهل الجمهورية، باستثناء التلميح إلى أن كل فرد في تلك ~~الدولة المدينة المنظمة بشدة، سيعمل في المكان الذي يناسبه تماما؛ ونتيجة لذلك، سيغدو ~~الجميع سعداء. # إلا أن أي مجتمع من صنع البشر لا يمكن أن يعدو كونه انعكاسا ضعيفا للمجتمع المثالي، ~~ويجب أن يفشل. يتناول أفلاطون عملية الفشل بإسهاب كبير. وفي إسهابه، يضع نظرية للفساد ~~ويطبقها على الأفراد والمجتمعات. والمهم هنا ليس النظرية، بل النقطة الأساسية المتمثلة ~~في أنه لا يمكن أن يوجد مجتمع أو إنسان مثالي على هذه الأرض. وأفضل ما يمكننا تحقيقه هو ~~الاقتراب من هذه الصورة المثالية، وهذا التقريب سينهار ms013 حتما في نهاية الأمر. # بينما تتطابق المقومات الأساسية (التناغم، والمعرفة، والحياة الطيبة للشخص الصالح) في ~~يوتوبيا أفلاطون الكبيرة الأخرى، محاورة «القوانين»، مع المقومات الأساسية لتلك الخاصة ~~بمحاورة «الجمهورية»، فإن الطريقة التي تتحقق بها هذه المقومات مختلفة؛ فهناك الاختلاف ~~الواضح المتمثل في أن الدولة في محاورة «القوانين» تقوم على القانون، في حين أن الدولة ~~في محاورة «الجمهورية» تقوم على حكمة البشر المتجسدة في الملوك الفلاسفة. ويبدو أن ~~أفلاطون إذ فقد الأمل في إيجاد أو خلق الظروف المثالية لتنشئة الملوك الفلاسفة، كان ~~عازما على تقديم أفضل ثاني خيار: النظام القانوني الذي سيفرضه الملوك الفلاسفة للدولة، ~~التي لا ترقى إلى الوصول لمستوى الدولة في «الجمهورية»، بل وقدم بديلا للملوك ~~الفلاسفة في مجلس ليلي بإمكانه إسقاط القوانين إن اختار ذلك. # كان اليوتوبيون الإغريق، بمن فيهم أفلاطون، يعتبرون ما نطلق عليه المجتمع الصغير أو ~~المتفاعل افتراضا أساسيا. لم يمكنهم تصور أن مجتمعا طيبا يمكن أن يكون كبيرا بحيث ~~يعجز فيه جميع المواطنين عن الالتقاء والتحاور بانتظام، ولم تظهر فكرة إمكانية وجود شيء ~~أكبر إلا مع سقوط الدولة الإغريقية وصعود الدولة الرومانية. # كان أول مناهض عظيم لليوتوبيا، المؤلف المسرحي الكوميدي الإغريقي أرسطوفانيس ~~(448-380 قبل الميلاد)، يكتب وفي الوقت نفسه يناقش الكثير من الموضوعات التي كان ~~يناقشها الكتاب المؤمنون باليوتوبية. من المنظور اليوتوبي، كانت أهم مسرحياته ~~«برلمان النساء»، وفيها نجحت مجموعة من النساء في الاستحواذ على المجلس التشريعي وسن ~~شكل من أشكال الشيوعية، وفشلت تشريعاتهن ليس لأنها كانت سيئة، ولكن لأن الجنس البشري لم ~~يكن قادرا على قدر الإيثار المطلوب. وهذا سبب نموذجي يساق لرفض اليوتوبيات. ساق ~~أرسطوفانيس نقطة مماثلة في مسرحيته «بلوتوس»، وفيها يرد البصر إلى إله الثروة ~~الكفيف، وعندئذ يعيد توزيع الثروة على مستحقيها، ثم ما يلبث الجشع البشري أن يعيد ~~توزيعها مرة أخرى على نحو غير عادل. # ولما كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو (384-322 قبل الميلاد) قد رفض يوتوبيا أفلاطون، ~~وتهكم بشدة على الدول المثالية الأخرى التي ناقشها، فعادة لا يعتبر من المؤمنين ~~باليوتوبية، لكنه ms014 في الباب السابع من كتابه «السياسة» عرض بنوع من التفصيل للخصائص ~~الأساسية للدولة المثالية. # رأى أرسطو أن أفضل دولة هي دولة تكون قريبة من الاكتفاء الذاتي قدر الإمكان في إطار ~~الحدود التي يفرضها عدد قليل من السكان وإقليم صغير المساحة، وقامت اليوتوبيا التي ~~تصورها على إمكانية معرفة المواطنين بعضهم لبعض. كما وفرت يوتوبيا أرسطو أفضل حياة ~~لمواطنيها: حياة العقل، أو الحياة التأملية، التي ليست حياة انعزالية متقوقعة، بل حياة ~~التواصل الفكري. رأى أرسطو أن من شأن هذا أن يستلزم وجود فئة من الناس لا تتمتع بحق ~~المواطنة لتقوم بالعمل الحقير؛ مما يحرر المواطنين ويجعلهم يعيشون حياة كاملة ورائعة. ~~وناقش في مواضع أخرى - بعبارات أعم - خصائص ما قد يطلق عليه أفضل دولة ممكنة. ~~(3) الأساطير والأدب بعد توماس مور # بعد أن كتب مور كتابه «يوتوبيا»، فقدت معظم الأساطير قوتها تدريجيا، لكن استمر ~~جوهرها في القصص الأمريكية الأفريقية التي على غرار قصة أرض كوكين، التي وجدت بالتوازي ~~مع الأناشيد الدينية الزنجية التي تحدثت عن مباهج الحياة الآخرة، والأغاني المرتبطة ~~بحالة الكساد التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة، مثل «ذا سويت ~~بوتيتو ماونتينز» و«ذا بيج روك كاندي ماونتينز». # وتطلعنا قصة أحد العبيد على اقتناعه بما يلي: # في أركانساس ترقد الخنازير حولنا مطهية، والشوك والسكاكين مغروسة بها تدعوك ~~لتناولها، والفطير في كل مكان يقلى في برك من الدهن، والأشجار تثمر بالمال، ~~وكل ما كان عليك فعله هو التقاط المال من عليها كما تلتقط القطن من منبته ~~... # وتضم أغنية «ذا سويت بوتيتو ماونتينز» ما يلي: # أوه، تنمو السجائر على النباتات المعرشة، وينبت البيض ولحم الخنزير على ~~الأشجار، والأرض تثمر الخبز، وتنضح الينابيع بالخمر حتى ركبتيك، والخير حولك ~~كثير ووفير. # يمكن إيجاد صورة مختلفة من الأسطورة اليوتوبية التقليدية في رواية «الأفق المفقود» ~~(1933)، التي أنتجت في فيلم من إخراج فرانك كابرا (1937)، المستندة في جوانب منها إلى ~~أسطورة شامبالا، الأسطورة البوذية التبتية التي تدور حول مملكة أسطورية مخفية في مكان ~~ما داخل قارة آسيا حيث يعيش ms015 بعض من البوذاسفيين؛ وهم أكثر البوذيين استنارة. تتحول ~~المملكة في الرواية إلى شانجري-لا؛ وهو مجتمع مفقود في هضبة التبت يعيش الناس فيه ~~لأعمار مديدة للغاية. # ليس هذا الموضع الملائم لسرد تاريخ الأدب اليوتوبي، لكن من الضروري ذكر نبذة عنه ~~وعن كيفية استخدامه. غالبا ما اتسمت اليوتوبيات التي ظهرت بعد يوتوبيا مور بالتركيز ~~على المدينة. زعم - على وجه الخصوص - المؤرخ والناقد المعماري لويس مامفورد (1895-1990) ~~أن المدينة واليوتوبيا مرتبطتان ارتباطا وثيقا، والاقتباسات التالية من يوتوبيات تعود ~~إلى أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين تصور رؤى للعمارة ~~اليوتوبية. # تحت أقدامي تقبع مدينة عظيمة. أميال من الشوارع العريضة، تظلها الأشجار، وتصطف ~~على جانبيها مبان أنيقة، ولم تكن المباني في أغلبها في مربعات سكنية متصلة، بل ~~تكونت من مناطق مسيجة أكبر أو أصغر حجما تمتد في كل اتجاه. ضم كل حي ~~ميادين مفتوحة كبيرة تعج بالأشجار، تتلألأ بينها التماثيل وتلمع النافورات في ~~ضوء شمس الأصيل. والمباني العمومية ذات الحجم الضخم والأبهة المعمارية التي لا مثيل ~~لها في أيامي تقف شامخة على كل جانب. # إدوارد بيلامي، «نظرة إلى الماضي» # رأت ... نهرا ومباني ضئيلة غير ذات أهمية، وهياكل غريبة تشبه الطيور الطويلة ~~السيقان التي لها أشرعة تتحرك مع حركة الريح، وبضعة مبان كبيرة ذات لونين أصفر ~~وبني محمر، وقبة واحدة زرقاء غير ذات شكل منتظم، لا تزيد في حجمها عن حجم ~~السوبر ماركت في أيامها؛ أي سوبر ماركت عادي في أي مركز تسوق كبير. كانت الأشياء ~~التي على شكل طيور هي الأطول في الأنحاء، وكانت بالكاد أطول من بعض أشجار الصنوبر ~~التي أمكنها رؤيتها. كما شاهدت بضع هيئات لا شكل محدد لها عليها بعض النباتات ~~المعرشة الخضراء. # مارج بيرسي، «امرأة على حافة الزمن» # على النقيض من كثير من التعليقات التي نزعت للنظر لليوتوبيا حتى منتصف القرن العشرين ~~باعتبارها شكلا من أشكال الملكية المشتركة، فقد كتب عن اليوتوبيا من كل مشرب يمكن ~~تخيله؛ فهناك يوتوبيات اشتراكية ورأسمالية وملكية وديمقراطية ولا سلطوية وبيئية ~~ونسوية وأبوية ومساواتية وتراتبية ms016 وعرقية ويسارية ويمينية وإصلاحية، وثمة يوتوبيات تركز ~~على الحرية الجنسية، والأسرة النووية، والأسرة الكبيرة، والمثليين والمثليات، وغيرها ~~الكثير من اليوتوبيات. ونشرت كل هذه الأنواع فيما بين عام 1516 ومنتصف القرن العشرين، ~~قبل أن يهيمن التنوع فعليا وتكون له الغلبة. ونتيجة لوجود تقليد قوي مناهض لليوتوبية، ~~يمكن مضاعفة العدد بمجرد وضع كلمة «مناهض» قبل أي من الأنواع السابقة. وبعد بداية ~~القرن العشرين، كتبت ديستوبيات تعبر عن هذه المواقف كافة. # كانت كل هذه الأعمال المختلفة استجابة لقضايا رأى أصحاب تلك الأعمال أنها مهمة للوصول ~~لمجتمع أفضل. وأغلب هذه القضايا قضايا دائمة الحضور؛ مثل: القانون والنظام، والدين ~~اعتقادا وممارسة، والعلاقات الاقتصادية، ونظام الحكم، وتربية الأطفال والتعليم. لكن ~~تتغير أهمية القضايا تبعا للزمن الذي كتبت فيه اليوتوبيا؛ فاليوتوبيات تأملات في ~~القضايا التي كانت مهمة بالنسبة للفترة التي عاش فيها أصحاب تلك الأعمال. # والحلول المقترحة تكون أكثر محدودية من القضايا من حيث النوع، إن لم يكن من حيث ~~التفصيل؛ فمن بين الحلول الأكثر شيوعا صورة إصلاحية من الدين يتبعها معتنقوه ~~فعليا، وقوانين ونظم قانونية جديدة مطبقة بإنصاف، وأنظمة اقتصادية أفضل، وأنظمة ~~سياسية محسنة، وتعليم متطور، والاستخدام الذكي للعلم والتكنولوجيا. والكثير من ~~اليوتوبيات تحن إلى الماضي؛ إذ تنظر إلى الخلف، إلى ماض مثالي، ثم تنقله إلى ~~المستقبل. وتكون اليوتوبيا في العيش في النسخة المنقحة لا على الطريقة التي كان يعيش ~~بها الناس في الماضي بالفعل. ومن بين الموضوعات النموذجية الأخرى عيش حياة أبسط، وتحقيق ~~توازن أفضل بين المدينة والريف. لكن هذه الموضوعات كافة قدمت أيضا بوصفها نفذت على ~~نحو سيئ، أو أنها كانت في مصلحة أفراد أو مجموعات بعينها (سواء اقتصادية أو جنسية أو ~~سياسية أو غير ذلك)، ويتمخض عنها ديستوبيات. بالنسبة للمؤيدين لليوتوبية، لا توجد ~~حدود للذكاء والإبداع الإنساني. أما بالنسبة للمناهضين لليوتوبية، فلا حدود للغباء ~~والجشع الإنساني. ويبدو أن كليهما على حق. # وكما هو الحال مع أي فرع من فروع الأدب، يوجد كتاب أو نصوص معينة ذائعة الصيت يبدو ~~أنها تحدد ملامح الأدب اليوتوبي. ms017 وبينما قد تكون النصوص الأقل شهرة أكثر تمثيلا في ~~الواقع لفترتها، فإن الأعمال الأشهر هي التي تدفع بقاطرة هذا الفرع من فروع الأدب ~~للأمام. ~~(4) «يوتوبيا» مور # إن عمل توماس مور «يوتوبيا» كتاب صغير معقد تناوله الشراح من مواقف مختلفة ~~اختلافا جذريا؛ من الكاثوليكية الرومانية التقليدية إلى الإمبريالية البريطانية إلى ~~الماركسية، وأحيانا بمجرد إهمال التعقيد الذي يكتنفه، وفي أحيان أخرى بإضفاء المزيد من ~~التعقيد عليه. تنشأ مجموعة من المشاكل من حقيقة أن هذا الكتاب يبدو في الظاهر أنه ~~مباشر، في حين أنه هزلي وساخر تماما. وقد ضلل أجيال من المترجمين قراءهم بتجاهلهم ~~التلاعب بالألفاظ الذي سيكون واضحا لمن يقرءون النص اللاتيني الأصلي. صحيح أنه لا ~~يحتوي على الكثير من تلك الأساليب، لكن عندما تكتشف أن ~~أنيدروس - اسم النهر الرئيسي - يعني «لا ~~ماء»، ولقب الشخص الذي يصف اليوتوبيا «هيثلوديوس» يعني «اللاغي»، يجب أن تبدأ في ~~التساؤل. لكن رفائيل، اسم هيثلوديوس الأول، يعني «الشافي بمشيئة الرب»، فلا يمكنك أن ~~تخلص إلى استنتاج واضح. وفي خطاب أرسله مور إلى بيتر جايلس، منشور في طبعة 1517 من ~~الكتاب، يعلق مور ساخرا على التلاعب بالألفاظ. وفي نقاش بين مور وأحد النقاد الذي لم ~~يستطع تحديد إن كانت «يوتوبيا» حقيقية أم من وحي الخيال، رد مور بأنه لو كان الكتاب ~~من وحي الخيال لكان أشار إلى ذلك، وكتب يقول: # لذا، لو لم أكن قد فعلت شيئا سوى إطلاق الأسماء على الحاكم والنهر والمدينة ~~والجزيرة التي توحي للمثقفين أن الجزيرة لا توجد في أي مكان، والمدينة عبارة عن ~~سراب، والنهر لا يجري به ماء، والحاكم لا يحكم شعبا؛ لكان ذلك سيصبح أكثر ~~ذكاء مما فعلت في واقع الأمر. وإذا لم تكبلني أمانة المؤرخ، فأنا لست من ~~الغباء كي أفضل استخدام أسماء فظة عديمة المعنى؛ مثل: يوتوبيا، وأنيدروس، ~~وأموروتوم، وأديموس. # لكن يوتوبيا تعني الجزيرة الواقعة في لامكان، وأموروتوم تعني مدينة السراب، وأنيدروس ~~تعني النهر الذي لا يجري به ماء، وأديموس تعني الحاكم الذي لا يحكم شعبا. # ثمة مشكلة أخرى ms018 تكمن في أن كتاب ~~«يوتوبيا» ضم أعرافا قدمها مور على نحو إيجابي، وهي التي كانت مناهضة لتعاليم ~~الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، مثل القتل الرحيم الاختياري، أو نبذها مور بعد ذلك في ~~مرحلة متقدمة من حياته، مثل التسامح الديني. بالنسبة لبعض الشراح، يجب إيجاد طريقة ~~لاستبعاد هذه الأعراف. بالتأكيد لم يفكر قط القديس توماس مور، الذي مات بسبب تمسكه ~~بمبادئه، على نحو مختلف عن الطريقة التي ظن شراح عمله أنه ينبغي أن يكون قد فكر ~~بها، أو - مثل صديقه المقرب إرازموس (1466 / 1469-1536) صاحب التوجه الإنساني وعالم ~~اللاهوت الهولندي - يجرب على نحو هزلي أفكارا ثم ينبذها فيما بعد. # يرى المعاصرون أن المجتمع الموصوف في كتاب «يوتوبيا» ليس جذابا للغاية، بل هو مجتمع ~~سلطوي، تراتبي، أبوي، ويطبق عقوبة العبودية على مرتكبي المخالفات البسيطة نسبيا. لكن ~~القارئ في بداية القرن السادس عشر كان سيرى أن تلك الأشياء كانت هي العرف السائد، وأن ~~العبودية في «يوتوبيا» كانت عقابا أكثر إنسانية من صور كثيرة للعقاب كان يمكن تطبيقها ~~آنذاك، حين كانت بعض المخالفات البسيطة تعاقب بالموت. وفوق كل ذلك، لم يكن هناك أحد في ~~«يوتوبيا» غنيا أو فقيرا. وقد تحقق ذلك من خلال تخفيض الطلب، وعمل الجميع، والمشاركة ~~في كل شيء بالتساوي، والحياة البسيطة؛ وعليه، ستبدو «يوتوبيا» لكثيرين في القرن السادس ~~عشر مثل الجنة. ~~(5) السخرية # إن السخرية التي تحفل بها «يوتوبيا» مور جوهرية في تقليدي اليوتوبيا؛ لأن أحد أهداف ~~أغلب اليوتوبيات هو السخرية من الحاضر، وبقيامها بذلك، تستخدم الكثير من اليوتوبيات ~~أداة نموذجية من أدوات السخرية وهي المبالغة. في بعض اليوتوبيات، مثل رواية الروائي ~~الإنجليزي صامويل بتلر (1835-1902) «إيروان أو اللامكان» (1872)، من المستحيل التأكد ~~من الموقف الإيجابي، إن وجد، الذي تؤيده؛ ففي تلك الرواية، على سبيل المثال، يعامل ~~المجرمون على أنهم مرضى ويرسلون إلى الأطباء، أما المرضى، فيزج بهم في السجون. ~~ونشأ ضرب أدبي فرعي عن تلك الرواية يمكن أن نطلق عليه الأدب «الإيرواني». # والأكثر تمثيلا للسخرية هو رواية «رحلات إلى العديد من أمم العالم البعيدة» ms019 (1726)، ~~المعروفة الآن باسم «رحلات جاليفر»، لصاحبها الروائي الساخر الأيرلندي جوناثان سويفت ~~(1667-1745). والجزء الرابع في «رحلات جاليفر» يصور المكان الطيب بالرواية، لكن غالبية ~~قاطنيه من الخيول وليس البشر؛ فالبشر - أو الياهو - همجيون، أما ~~الخيول - الهوينم - فعقلانية، فما الذي ~~يقوله سويفت عن الإنسان والعقل؟ تمخض عن رواية «رحلات جاليفر» ضرب فرعي مهم من الأدب ~~يعرف باسم الأدب «الجاليفري»، القليل منه ببراعة الأصل، في حين أن أكثره يمنح ببساطة ~~بعض الحيوانات صفات بشرية. ومؤخرا، كتب الكثير عن زوجة جاليفر التي كان يهجرها ~~كثيرا. # في غضون الفترة نفسها تقريبا التي كان سويفت يكتب فيها، نشر الكاتب الإنجليزي دانيال ~~ديفو (1660-1731) رواية «الحياة والمغامرات الغريبة المثيرة لروبنسون كروزو، البحار ~~القادم من يورك» (1719)، المعروفة الآن باسم «روبنسون كروزو»، المستندة إلى أحداث ~~واقعية، وفيها غرقت سفينة رجل، البحار الاسكتلندي ألكسندر سيلكيرك، وحط وحيدا على ~~جزيرة منعزلة لمدة أربع سنوات. ولما كان كروزو وحيدا وغير قانع بالوضع أغلب الرواية، ~~فمن الصعب تحديد إن كان إيجابيا أم سلبيا، ولا يتغير ذلك عندما ينضم فرايداي إلى ~~كروزو، وهو أحد سكان إحدى الجزر القريبة الذي ينقذه كروزو من آكلي لحوم البشر. لكن ~~تمخض عن رواية «روبنسون كروزو» ضرب فرعي كبير من ضروب الأدب، يطلق عليه الأدب ~~الروبنسوني، اليوتوبي غالبا، والمشتمل عادة على مجموعة من البشر تتحطم سفينتهم، وأشهر ~~أعماله «عائلة روبنسون السويسرية» (1812 / 1813)، للكاتب السويسري يوهان ديفيد فيس ~~(1743-1818)، التي تحولت إلى فيلم شهير. ~~(6) تأثير بيلامي # كانت اليوتوبيات العظيمة التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ~~هي أعمال الكاتب الأمريكي إدوارد بيلامي (1850-1898)، والكاتبين الإنجليزيين ويليام ~~موريس (1834-1896) وإتش جي ويلز (1866-1946). حققت رواية بيلامي «نظرة إلى الماضي: ~~2000-1887» (1888) مبيعات مرتفعة حول العالم، ونتج عنها زيادة كبيرة ومفاجئة في إنتاج ~~اليوتوبيات التي امتدت حتى نشوب الحرب العالمية الأولى. وقعت أحداث يوتوبيا بيلامي في ~~بوسطن، ماساتشوستس، في المستقبل، والتي تطورت إلى مجتمع تم التغلب فيه على العداء بين ~~الرأسماليين والعمال. وعندما أخذت الشركات تكبر وتكبر عن ذي قبل ms020 وتحولت إلى شركات ~~احتكارية تتحكم في معظم الاقتصاد تم تأميمها، أو ببساطة استحوذت عليها الدولة، وتحول ~~العمال بها إلى موظفين لدى الدولة، وتنوعت ساعات العمل على أساس ثقل العمل والخطر الذي ~~يكتنفه، وتقاعد الجميع في سن الخامسة والأربعين. # كتب ويليام موريس نقدا لتلك الرواية استنكر فيه «الحياة الآلية» التي تقدمها، ~~وتأكيد الرواية على جعل العمال يطيقون العمل بتخفيض مقدار العمل بدلا من تخفيض «ألم ~~العمل إلى الحد الأدنى». كتب موريس بعدها رواية «أخبار من لامكان، أو زمن للراحة» ~~(1890)؛ لتصوير مجتمع يؤكد على الحرف والمجتمع المحلي. وبينما استخدم بيلامي نظاما ~~سياسيا معقدا، استخدم موريس مقرات المجالس النيابية لتخزين السماد وقال: «لم يعد ~~لدينا ما يمكن أن نطلق عليه سياسة.» كتب بيلامي نقدا مؤيدا بشكل عام لرواية موريس، مع ~~أنه قال إنها تحتاج إلى مزيد من التفصيل. # إلا أن أغزر كتاب اليوتوبيا إنتاجا كان إتش جي ويلز، الذي كتب يوتوبيات إيجابية، ~~وكذلك ديستوبيات. وعلى تنوعها الكبير، كانت لها موضوعات أساسية، أحدها كان الصراع بين ~~الرأسماليين والعمال، وماذا يمكن أن يحدث إن لم يجر حل هذا الصراع، وكيف يمكن حله. ~~وأحد الموضوعات الأخرى كان مدى مرغوبية فكرة الحكومة العالمية. # أفضل وصف أطلق على ويلز أنه يوتوبي متشائم؛ أي رجل يؤمن بإمكانية تحسين حياة البشر ~~على نحو جذري، لكنه يشك في وجود الإرادة اللازمة للقيام بذلك. لم ييأس ويلز قط، لكنه لم ~~يتوقف قط عن الشك أيضا. تدور أحداث رواية «آلة الزمن» (1895)، إحدى روايات ويلز الأولى ~~وأكثرها نجاحا، في زمن بعيد بالمستقبل؛ حيث لا يزال الصراع دائرا بين أحفاد ~~الرأسماليين والعمال. وتقع أحداث أغلب ما كتبه من يوتوبيات وديستوبيات في المستقبل ~~الأقرب، وبعضها - لا سيما الديستوبيات - يمكن قراءته بوصفه مراحل نحو المستقبل المصور ~~في «آلة الزمن»، ومع تصاعد الانقسام بين الرأسماليين والعمال أكثر فأكثر. تشير ~~اليوتوبيات التي كتبها ويلز وكثير من كتاباته السياسية غير المتصلة باليوتوبيا إلى طرق ~~يمكن بها تجنب احتمالات المستقبل المظلم. رأى ويلز أن الحل يكمن في استخدام الذكاء، لا ~~سيما ms021 الذكاء العلمي، لمعالجة المشاكل الاجتماعية. وفي عمله «يوتوبيا حديثة» (1905) ~~يصور جماعة من الرجال والنساء تعرف بالساموراي، يعيشون وفق ميثاق سلوكي صارم، ~~ومكرسون للخدمة، وقد أسسوا مجتمعا أفضل كثيرا وصانوه، وهو المجتمع الذي كان يراه ~~ويلز ممكنا. # دعا ويلز إلى تكوين مثل هذه الجماعة، التي كثيرا ما أطلق عليها «المؤامرة المفتوحة»، ~~في كثير من أعماله، وأيد الكثير من صور الإصلاح، بداية من تحديد النسل إلى إنشاء ~~موسوعة عالمية؛ لتكون خطوات صغيرة في الاتجاه الصحيح. كان واضحا إصابة ويلز بالإحباط ~~بسبب عدم تبني أفكاره على نحو واسع، وعمل بجدية لاستمالة الناس لأفكاره ولتطوير ~~التعليم، لا سيما التعليم العلمي، على أمل ظهور مجتمع أفضل تعليميا يكون أكثر ~~تقبلا لمقترحاته. إلا أن ويلز معروف أكثر بأعمال الخيال العلمي غير اليوتوبية التي ~~قدمها، وكذلك ديستوبياته وبعض رواياته الهزلية، لا بيوتوبياته وكتاباته ~~السياسية. ~~(7) صعود الديستوبيا # مع نشوب الحربين العالميتين الأولى والثانية، وظهور وباء الأنفلونزا، وحدوث الكساد ~~العظيم، ونشوب الحرب الكورية، والحرب في فيتنام، وغيرها من أحداث القرن العشرين؛ أصبحت ~~الديستوبيا هي الشكل الغالب من الأدب اليوتوبي. ومع أن كلمة «ديستوبيا» استخدمت أول ~~مرة في منتصف القرن الثامن عشر، واستخدمها الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل ~~(1806-1873) في خطاب أمام البرلمان في عام 1868، لم يشع الشكل الأدبي واستخدام ~~الكلمة لوصفه حتى وقت لاحق في القرن العشرين. # في عام 1883، صك فرانسيس جالتون (1822-1911) مصطلح «تحسين النسل» للإشارة إلى القدرة ~~على إنتاج نسل أفضل، مع التركيز أكثر على البشر لا الحيوانات. نشأت حركة حملت فكرة ~~تحسين الجنس البشري من خلال الانتخاب الوراثي من أجل اختيار سمات معينة (تحسين النسل ~~الإيجابي)، أو الانتخاب الوراثي من أجل تجنب سمات محددة (تحسين النسل السلبي). كتب ~~كثير من اليوتوبيات، بما فيها اثنتان لم تنشرا لجالتون («لا أعرف أين» و«آل دونوهيو من ~~دانو فير»)، تعبر عن تلك الحركة. وكثير من اليوتوبيات، بما فيها عملا جالتون، التي ~~كانت تؤمن بأن الانتخاب الوراثي وحده لن يكفي لتحقيق الغاية المنشودة؛ كانت معنية ~~بالظروف الاجتماعية التي يولد الأطفال فيها، ms022 وكيفية تربيتهم بالقدر نفسه الذي كانت به ~~معنية بالسمات البدنية والأخلاقية للآباء. أما الأعمال الأخرى، فكان شاغلها الأساسي ~~الانتخاب الوراثي، مع التركيز على تنحية السمات غير المرغوبة؛ بمنع من ظهرت عليهم ~~السمات من إنجاب أطفال، أو بإلزام حاملي السمات المرغوبة بالزواج وإنجاب أطفال. نتج عن ~~كلا النهجين ديستوبيات؛ إما بسبب الخلافات على السمات المختارة، أو القلق من احتمال ~~إساءة استخدام إمكانية انتقاء السمات. # شاعت دعوات الانتخاب الوراثي على أساس عرقي وعنصري، وطبقت حيث وجدت القدرة على ~~القيام بذلك. كان أكثر البرامج شهرة هو برنامج ألمانيا تحت حكم النازيين، عندما لم يتم ~~منع حاملي السمات المنشود إقصاؤها من الإنجاب وحسب، بل قتلهم أيضا. إلا أن ما لا يعرفه ~~الكثيرون هو أن ألمانيا طبقت أيضا تحسين النسل الإيجابي؛ إذ خططت لإنتاج أشخاص من ~~حاملي الصفات المرغوبة. نشرت يوتوبيات في ألمانيا وغيرها من البلاد وصورت المجتمع ~~الأفضل المزمع تكوينه باستخدام هذه البرامج. # نشر عدد من اليوتوبيات النازية، مثل عمل إرنست بيرجمان «ألمانيا الأرض الثقافية ~~للإنسان الجديد» (1933)، لكن كان هناك أيضا عدد ضخم من الديستوبيات المناهضة لألمانيا ~~وللنازية، من بين أهمها تأثيرا «ليلة الصليب المعقوف» (1937)، للكاتبة كاثرين بوردكين ~~(1896-1963)، التي كانت تكتب تحت اسم موراي قسطنطين. # الفترة نفسها التي أفرزت الكثير من الديستوبيات المناهضة لألمانيا والمناهضة للاتحاد ~~السوفييتي، شهدت أيضا نشر ثلاثة أعمال بارزة؛ وهي: رواية «نحن»، للكاتب الروسي يفجيني ~~زامياتين (1884-1937)، المكتوبة بالروسية في عام 1920، لكنها نشرت بالإنجليزية لأول ~~مرة في عام 1924، ورواية «عالم جديد رائع» (1932)، للكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي ~~(1894-1963)، ورواية الكاتب الإنجليزي جورج أورويل (1903-1950) - الذي ولد حاملا اسم ~~إريك بلير - «ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون» (1949)، والتي أصر أورويل على كتابة عنوانها ~~بالحروف لا بالأرقام. ومع أن الأعمال الثلاثة كانت تتحدث عن إساءة استخدام السلطة، فإن ~~كلا منها عمل معقد، متعدد الجوانب، ذو شواغل متنوعة، وجميعها يهاجم الرأسمالية ~~بالقدر الذي يهاجم به الشيوعية. وهي تصور المحاولات الفاشلة جزئيا للتحكم في قوة ~~الرغبة الجنسية؛ فرواية «نحن» تسمح بالعلاقات الجنسية على نحو المقصود منه ms023 الوفاء ~~بالاحتياجات الفردية، ورواية «عالم جديد رائع» تبيح العلاقات الجنسية دون قيود، أما ~~رواية «ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون» فتفرض قيودا صارمة على الجنس. وتتضمن الأعمال ~~الثلاثة الإشارة إلى أن تلك المسألة قد لا يتمكن حتى أي نظام شمولي من التحكم ~~بها. # كتب هكسلي في رواية «إعادة زيارة عالم جديد رائع» (1958) أنه ببساطة تخيل أشياء ~~مستقبلية كان قد لاحظها في وقت كتابة الرواية، وأنها أثارت قلقه، وأنه بعد مضي 25 عاما ~~بدا أن المستقبل الذي صوره في رواية «عالم جديد رائع» كان يقترب أسرع كثيرا مما ~~توقع في ثلاثينيات القرن العشرين، كما كتب أنه لو قدر له إعادة كتابة «عالم جديد ~~رائع»، لكان سيقدم بديلا أكثر إيجابية. وقد قام بذلك بالفعل في اليوتوبيا التي كتبها ~~تحت عنوان «الجزيرة» (1962) التي تصور مجتمعا صالحا تتحول فيه الإباحية الجنسية إلى ~~حرية جنسية، مع التأكيد على فكرة الحب، مع الاستعاضة عن عقار «سوما» المستخدم في رواية ~~«عالم جديد رائع» للهروب من المشاكل، ب «دواء موكشا» (الشبيه بنبات البيوط المستخرج منه ~~مادة الميسكالين المهلوسة، أو عقار الهلوسة) المفضي إلى التنوير، كما تحولت السلبيات ~~الأخرى في رواية «عالم جديد رائع» إلى إيجابيات، على الأقل جزئيا من خلال قوة الدين. ~~لكن في النهاية يدمر العالم الخارجي اليوتوبيا؛ لأنها تمتلك نفطا. # أصبح تصور هكسلي للاتجاهات المستقبلية التي رآها في زمانه أو استقراؤه لها المعيار ~~للديستوبيات. ومع أن الديستوبيات تختلف عادة عن اليوتوبيات في عدم وصفها من قبل زائر ~~خارجي، بل يتم وصفها من الداخل، فهي مرتبطة بوضوح بالحاضر الذي كتبت فيه. وهكذا، فإنها ~~تقدم رسالة إيجابية على نحو واضح إلى جانب رسالتها السلبية. فهي تقول، كما كان يقول إتش ~~جي ويلز على الدوام، إن هذا ما سيحدث إن لم نتخذ الإجراءات اللازمة، لكن إن اتخذنا ~~الإجراءات اللازمة، يمكننا تجنب هذا المستقبل. توقف أغلب كاتبي الديستوبيات عند هذه ~~النقطة، وهي تقديم جرس إنذار، لكن ويلز بذل مجهودا أكبر في توضيح ما رأى أنه من ~~الضروري عمله وكيفية القيام به. # رغم ms024 أن الديستوبيا أصبحت الشكل الأدبي المهيمن في القرن العشرين، فإنها لم تزحزح ~~اليوتوبيا من موقعها، وفي الوقت الذي كانت تنشر فيه ديستوبيات النصف الأول من القرن ~~العشرين العظيمة، كانت هناك يوتوبيات كثيرة منشورة، وازدهرت الحركات اليوتوبية لا سيما ~~إبان كساد ثلاثينيات القرن العشرين. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، جمع الروائي أبتون ~~سنكلير (1878-1968) بين الاثنين فكتب عددا من اليوتوبيات، مثل «نحن، شعب أمريكا وكيف ~~أنهينا الفقر » (1935)، وترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا ببرنامج اسمه «إنهاء الفقر في ~~كاليفورنيا». كما أن حركة التكنوقراط التي اقترحت إحلال المهندسين والعلماء محل الساسة ~~تمخض عنها عدد من اليوتوبيات، لا سيما «الحياة في ظل تكنوقراط» (1933)، لصاحبها هارولد ~~لوب (1891-1974). نشأت حركات مشابهة أخرى في أغلب البلدان التي كانت تواجهها المشاكل ~~الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بذلك الوقت. ومع تنامي الخوف من إمكانية نشوب حرب أكثر ~~وأكثر، هيمنت الديستوبيا على المشهد حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. # وفي بريطانيا، إبان الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة، تنبأت أعمال مثل مسرحية ~~«نزلوا مدينة» (1944)، للكاتب جيه بي بريستلي (1894-1984)، و«مغامرات الجندي الشاب ~~بحثا عن العالم الأفضل» (1943)، لسي إي إم جود (1891-1953)، بالمجتمع الأفضل الذي يمكن ~~خلقه بعد تحقيق النصر. وبعد فوز حزب العمال بانتخابات عام 1945، هاجمت كتب مثل «ما رآه ~~فارر» (1946)، لجيمس هانلي (1901-1985)، و«دولة الممتنعين عن الشراب» (1947)، لسومرست ~~دي تشير (1911-1995)، سياسات حزب العمال. ~~(8) حقبة «الستينيات» # رغم أن هناك يوتوبيات نشرت خلال الفترة التي ~~هيمنت فيها الديستوبيات، فلم يلاحظها أحد حتى الصعود المفاجئ لليوتوبية فيما يعرف بحقبة ~~«الستينيات» (تتنوع التواريخ الفعلية من بلد لبلد). انتقل جانب كبير من الدافع اليوتوبي ~~في تلك الفترة إلى الشوارع، وأدى - على سبيل المثال - إلى انتفاضة عام 1968 في ~~تشيكوسلوفاكيا، واحتجاجات عام 1968 في باريس، التي حملت رسالة يوتوبية واضحة؛ وهي «كن ~~واقعيا واطلب المستحيل»، وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، ~~تأسس الكثير من المجتمعات المقصودة المعروفة آنذاك عالميا باسم الكوميونات، ولا يزال ~~الكثير منها موجودا بعد مضي أكثر من 40 عاما. ازدهر الأدب اليوتوبي، ms025 لكنه كان أدبا ~~مختلفا؛ أدبا أدرك أن إقامة مجتمع أفضل لن تكون مهمة سهلة. والمجتمعات التي ظهرت في ~~هذا الأدب سكنها رجال ونساء لديهم نقاط قوة وضعف بشرية حقيقية، بل إن المجتمعات الأفضل ~~كثيرا كانت تعاني من مشاكل، بل ومشاكل خطيرة. وحملت رواية «المسلوب» (1974)، لأورسولا ~~كيه لي جوين (المولودة في عام 1929)، العنوان الفرعي «يوتوبيا غامضة»؛ وهذا العنوان ~~الفرعي يتناسب مع الكثير من الأعمال الأخرى المنشورة في تلك الفترة. أطلق الباحث الأدبي ~~توم مويلان (المولود عام 1943) على هذه الأعمال «اليوتوبيات النقدية»، وأطلقت عليها ~~المنظرة السياسية لوسي سارجيسون (المولودة في عام 1964)، مركزة على اليوتوبية ~~النسوية، «اليوتوبيات المتجاوزة»، وأنا أطلق على بعضها «اليوتوبيات المعيبة» لتوضيح ~~الطريقة التي يعرض بها بعض المؤلفين، مثل أورسولا كيه لي جوين في روايتها «الخارجون من ~~أوميلاس» (1973)، ما يبدو أنه يوتوبيا، لكنه في الحقيقة قد يكون ديستوبيا. # كانت اليوتوبيا النسوية أهم الروافد التي خرجت من يوتوبية حقبة الستينيات، وتمخض عنها ~~أغلب روايات تلك الحقبة التي لا تزال تقرأ حتى الآن. وفي عام 1972، نشرت جوانا روس ~~(المولودة 1937) مقالة بعنوان «ماذا بوسع البطلة أن تفعل؟ أو لم لا تستطيع النساء ~~الكتابة؟» تقول فيها إن المجتمعات المعاصرة تميز على أساس النوع لدرجة أنه لن يمكن ~~إنتاج شخصيات نسائية ناضجة بالكامل إلا بخلق عوالم جديدة. وكانت اليوتوبية النسوية ~~جزءا مهما من الحركة النسوية. ضمت أشهر اليوتوبيات النسوية رواية «الرجل الأنثوي» ~~(1975) لجوانا روس، ورواية «امرأة على هامش الزمن» (1976) لمارج بيرسي (المولودة عام ~~1936)، وعددا من القصص القصيرة لأليس برادلي شيلدون (1915-1987)، التي كانت تكتب تحت ~~اسم جيمس تيبتري الابن، مثل «هيوستن هيوستن، هل تتلقون بثي؟» (1976). ~~(9) اليوتوبيا اليوم # كانت سمات اليوتوبية في حقبة الستينيات جزءا من التغييرات الطويلة الأمد التي حدثت ~~في المجتمعات الغربية، لكن كانت هناك حركة رجعية ضد هذه التغييرات. ومع استمرار نشر ~~اليوتوبيات، عاد الأدب اليوتوبي في الأغلب إلى الديستوبيات. وباستثناء يوتوبيات ~~المثليات، اختفت اليوتوبيات النسوية تقريبا في تسعينيات القرن العشرين، رغم أنه حدث ~~إحياء لها من جديد منذ عام 2000. كان الاستثناء الكبير ms026 للعودة إلى الديستوبيا هو ظهور ~~اليوتوبيات البيئية، فبالتأكيد صور عدد كبير من الديستوبيات مخاوف حدوث انهيار بيئي ~~بالمستقبل، إلا أن كيم ستانلي روبنسون (المولود عام 1952) وآخرين نشروا يوتوبيات بيئية ~~مهمة؛ فقد نشر روبنسون ثلاثيتين تدوران حول موضوعات بيئية: ثلاثية «المريخ» (التي ظهرت ~~أجزاؤها في أعوام 1992، و1993، و1996) وثلاثية تدور حول التغير المناخي/الاحترار ~~العالمي يصور الكتاب الأول منها، «علامات المطر الأربعون» (2004)، ديستوبيا نتجت عن ~~فشل الساسة في التعامل مع مشكلة الاحترار العالمي، في حين يصور الكتابان الآخران، ~~«خمسون درجة أقل» (2005) و«ستون يوما ويزيد» (2007)، حدوث تغيير في السياسة والنتائج ~~الإيجابية التي ترتبت عليه في النهاية. واليوم، يعد النوع الأدبي الفرعي المسمى ~~الإيكوتوبيا أو اليوتوبيا البيئية - والذي سمي بهذا الاسم على اسم رواية إرنست ~~كالينباخ (المولود عام 1928)، الصادرة عام 1975 - أقوى تيار يوتوبي، والكثير من ~~اليوتوبيات البيئية نسوية أيضا؛ ومن ثم فإن أقوى تيارين في الخمسين عاما الأخيرة ~~كثيرا ما يجتمعان معا الآن. على سبيل المثال، روايات سالي ميلر جيرهارت (المولودة عام ~~1931) مثل «أرض الطواف: قصص نساء الجبل» (1978) و«القائدة» (2003) تجمع بين المنظورين ~~النسوي والبيئي. # إن الأدب اليوتوبي يتغير باستمرار مكتسبا أشكالا جديدة. واليوم أغلبه معقد أو ~~مبهم، يقدم مجتمعات أفضل لكنها معيبة، أو مجتمعات أسوأ لا تزال تحتفظ بشيء طيب فيها. ~~هناك تغير حديث يتمثل في انتقال اليوتوبيات إلى الإنترنت والناشرين الذين يستخدمون ~~أسلوب النشر عند الطلب (ظهر هذا التغير في الشكل السابق لطريقة النشر هذه، والمتمثل في ~~نشر الأعمال على نفقة المؤلف). وأغلب الأعمال المنشورة على الإنترنت أو التي يتم الحصول ~~عليها باستخدام أسلوب النشر عند الطلب يزيد احتمال قراءتها، مثل بعض اليوتوبيات ~~القديمة، والتي تحمل إجابات موحدة بسيطة تناسب جميع الأسئلة المعقدة، لكن بعضها، مثل ~~«الوعي باليوتوبيا» (2002) لميريت أبراش (المولود عام 1930)، معقد مثل الأعمال المعاصرة ~~الأخرى. وقد أدت هذه الأشكال من النشر إلى نمو الأدب اليوتوبي في الوقت الحاضر، لكن كما ~~هو الحال مع الكثير من اليوتوبيات في الماضي، فإن الكثير منها لا يقرأ مما يصيب ~~كاتبيها بالإحباط. # الفصل الثاني # | التطبيق ms027 العملي لليوتوبيا # على مدار قرون، حاول الكثير من الأفراد والمجموعات تطبيق رؤاهم على أرض الواقع. حاول ~~البعض الحصول على السلطة السياسية للقيام بذلك (نجح القليلون)، وأنشأ آخرون حركات اجتماعية ~~(محققين نجاحا أكبر في ذلك). واليوتوبيون الذين حازوا على السلطة السياسية خلقوا في الغالب ~~ديستوبيات وليس يوتوبيات، مع كون بلدان في القرن العشرين مثل ألمانيا النازية تحت حكم ~~أدولف هتلر (1889-1945)، وكمبوديا/كمبوتشيا في ظل حكم بول بوت (1928-1998)، أمثلة جديرة ~~بالملاحظة في هذا الشأن . # لكن الشكل الأشيع لتطبيق رؤية بعينها على أرض الواقع كان خلق مجتمع صغير للانعزال عن ~~المجتمع الأكبر؛ لتطبيق معتقدات أعضائه دون تدخل أو تطفل من أحد، أو لإثبات أن اليوتوبيا ~~التي يؤمنون بها قابلة للتطبيق للمجتمع الأكبر. ورغم أن المؤرخ آرثر يوجين بستور الابن ~~(1908-1994) أنكر علاقة النهج الأخير باليوتوبيا، فقد أطلق عليه «نماذج أصلية للمجتمع ~~الطيب»، وهو لقب في الواقع يؤكد تلك العلاقة. # إضافة إلى ذلك، ينظر الآن إلى الإجراءات الصغيرة المؤقتة على أنها يوتوبية؛ لأنها توظف ~~بشكل عام صورة يوتوبية في مقابل الديستوبيا التي تعارضها، كما يرى مؤيدوها. وتتخذ تلك ~~الإجراءات عدة أشكال مختلفة من الأداء الفني إلى الاحتجاج. ~~(1) المجتمعات المقصودة # ما نطلق عليها الآن في أغلب الأحيان المجتمعات المقصودة، المعروفة للعامة باسم ~~كوميونات، كان لها أسماء كثيرة في الماضي، يرتبط عدد منها على نحو مباشر باليوتوبية؛ ~~مثل: المجتمع اليوتوبي، والتجربة اليوتوبية، واليوتوبيا العملية، والمجتمع البديل، ~~والمجتمع التجريبي. لم يجر القبول بهذه الأسماء وأشكالها المختلفة، أو تم التخلي عنها ~~من أجل مصطلح أكثر حيادية، وكثير من الأفراد الذين يعيشون بتلك المجتمعات يرفضون أن ~~يطلق عليها «مجتمعات يوتوبية»، ويفضلون «المجتمعات المقصودة». إلا أنه رغم هذا الرفض، ~~ورغم أن أغلب تلك المجتمعات لم تكن يوتوبية بالمعاني التي يشيع استخدام الكلمة بها، ~~فثمة علاقات وثيقة بين اليوتوبية وتلك المجتمعات. # لا يوجد تعريف متفق عليه بالكلية للمجتمع المقصود، لكن سيوافق كثيرون على شيء قريب من ~~تعريفي التالي: # مجموعة من خمسة أفراد بالغين أو أكثر وأطفالهم، إن وجدوا، قادمين من ms028 أكثر من ~~أسرة نووية، اختاروا أن يعيشوا معا لتعزيز قيمهم المشتركة أو لغرض ما آخر ~~اتفقوا عليه فيما بينهم. # الجزء الأهم من هذا التعريف، والجزء الذي يربط بين هذه المجتمعات واليوتوبية هو ~~التأكيد على عيش حياة تقوم على «قيمهم المشتركة» أو «غرض اتفقوا عليه فيما ~~بينهم». # كل تلك المجتمعات، حتى تلك التي تؤمن أنها تنتظر المجيء الثاني للمسيح في المستقبل ~~القريب، لها دساتير و/أو قواعد ولوائح و/أو اتفاقات (رسمية أو غير رسمية ) حول الكيفية ~~التي ينبغي على أفرادها أن يعيشوا حياتهم بها. فإن كانت تلك الوثائق والاتفاقات أعمالا ~~أدبية، كنا سنطلق عليها يوتوبيات بلا شك، وغالبا ما تكون أعمالا أدبية من منطلق أنها ~~لا تعكس بدقة الكيفية التي يعمل بها المجتمع في واقع الأمر. # أقيمت المجتمعات المقصودة حتى يستطيع أعضاؤها اتباع أسلوب حياة معين. وقد سعى ~~بعضها إلى تغيير السلوك الجنسي تغييرا جذريا، وغير كثير منها الطريقة التي يتناول ~~بها أعضاؤها طعامهم؛ فالمجتمعات النباتية غيرت ما يأكله أعضاؤها، وغير كثير منها ~~كيفية تنظيم العمل، وعلى وجه الخصوص ألغت الفوارق بين الجنسين في الكيفية التي ينبغي ~~بها تخصيص العمل، وعمدت أخرى - محرزة بعض النجاح - إلى إلغاء التمييز بين العمل العقلي ~~والبدني. # الكثير من هذه المجتمعات كانت دينية، وحاولت أن تتبنى أسلوب حياة يؤمن أعضاؤها أن ~~إيمانهم يقتضيه. وتبع الكثير منها قائدا ذا شخصية كاريزمية، وأخذت تبشر بنسختها من ~~المعتقد الديني، واكتسبت أتباعا كثيرين، وأسست مجتمعات أخرى، في حين اتبع غيرها أفكار ~~أحد المنظرين الاجتماعيين. وثمة أسباب أخرى كثيرة تجعل الناس ينسحبون من المجتمع ~~ليعيشوا على نحو مختلف. # ربما كان أول هذه المجتمعات الدينية الأشرام الهندوسية، ومن بعدها الأديرة البوذية. ~~من بين أولى تلك المجموعات التي انسحبت من أجل ممارسة معتقداتها فيما أصبح جزءا من ~~التقاليد الغربية كانت الأسينيون، وهي جماعة دينية يهودية ظهرت في كثير من المدن، من ~~القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي، وأسست مجتمع خربة قمران، وكتبت ~~مخطوطات البحر الميت التي يعتقد أنها كانت مكتبتهم. كان أغلب ms029 الأسينيين متبتلين، ~~وعاشوا على نحو جماعي. وفي وقت لاحق، بعض من المجتمعات المسيحية بالتحديد التي تكونت ~~في زمان مبكر تشكلت حول رجال دين، عادة نساك، يعرفون جملة باسم «آباء ~~الصحراء». # استند كثير من المجتمعات المنعزلة الدينية في طقوسها على تأويلها للكنيسة الأولى في ~~القدس، لا سيما وصف مجتمع الخيرات في سفر أعمال الرسل (2: 44-45) - «وجميع الذين ~~آمنوا كانوا معا، وكان عندهم كل شيء مشتركا، والأملاك والمقتنيات كانوا يبيعونها ~~ويقسمونها بين الجميع كما يكون لكل واحد احتياج» - الذي كان يشار إليه باستمرار في وصف ~~المجتمعات اللاحقة لنفسها. وآمن كثير من مؤسسي المجتمعات أن الطقوس الكوميونية التي ~~مارستها الكنيسة الأولى عكست نية المسيح. وفيما بعد، ارتأت تلك المجتمعات أن الملكية ~~المشتركة مناسبة لمن يكرسون أنفسهم للكنيسة وليس للناس العاديين. ~~(2) أديرة الرهبان في المسيحية # كانت الخطوة الكبيرة الأولى نحو قيام ~~تقليد الرهبنة المسيحية كتاب «مبادئ القديس بندكت»، وفيها عرض بندكت (480؟-543؟) تفاصيل ~~نظام رهبنة مصمم ليوفر إطارا بنيويا من الممكن من خلاله أن يتم عيش حياة أفضل، تكون ~~أقرب إلى الحياة المسيحية المثالية. تقتضي مبادئ بندكت ألا يحوز أي راهب أي ملكية، ~~فيقول: «يجب استئصال رذيلة الملكية هذه تماما من الدير أكثر من أي شيء آخر.» وفصل ~~مسألة الطعام الذي سيوزع (المبدأ رقم 39)، ومقدار النبيذ المسموح به، وهو نصف لتر في ~~اليوم (المبدأ رقم 40). وثمة مبدأ يحدد مقدار العمل اليدوي ويعترض على الكسل (المبدأ ~~رقم 48)، ويعرض تفاصيل الملابس التي سيجري توزيعها (المبدأ رقم 55)، وبالطبع التسلسل ~~الكهنوتي في الدير، والطقوس الدينية، وإجراءات القبول بالدير. ساعدت تلك المبادئ على ~~خلق مجتمعات مصممة من أجل جعل الحياة المستقيمة ممكنة. والمدافعون عن الرهبنة كانوا ~~مقتنعين تماما بأن أغلب الناس لم يكونوا قادرين على مثل تلك الحياة، وأنه لن يمكن ~~تحقيق هذا الهدف اليوتوبي على نحو واضح إلا داخل الدير. # مع ازدهار الأديرة وعدم تمسك الرهبان بأسلوب التقشف الموصى به من قبل القديس بندكت، ~~أدخل القديس الفرنسي أودو الكلوني (878 تقريبا-942) إصلاحات أرسى من خلالها الشكل ~~الكلوني للأديرة، ms030 بغرض تصحيح ما اعتبره إفراطا في رتب الرهبنة الأخرى. وشدد القديس ~~فرانسيس الأسيزي (1181 / 1182-1226) أيضا على ضرورة الإصلاح، واقترح رتبة جوالة من ~~الرهبان الذين يعتمدون في حياتهم على الاستجداء. أفسد المحافظون بالكنيسة منهج فرانسيس، ~~وتأسست في النهاية رتبة فرانسيسكانية أكثر تقليدية. # تعتبر محاولة إعادة تحقيق مبادئ بندكت وأودو وفرانسيس وغيرهم موضوعا متكررا في ~~تاريخ الرهبنة. توضع قواعد جديدة يطلقها أحدهم ويجري تطبيقها؛ فتصبح الأديرة ناجحة ~~وتمر بفترات ازدهار تكون هي سبب انهيارها؛ حيث يصاب الرهبان بالكسل ، ويعتادون على ~~الحياة الطيبة، ثم تدشن قواعد جديدة وتستأنف الدورة من جديد. # تمخضت عن حركة الإصلاح البروتستانتي مجموعات كثيرة أملت في تكوين حياة تستند إلى ~~تأويلهم للعهد الجديد. على سبيل المثال، تأسست الأخوية الهوترية إبان حركة الإصلاح ~~الراديكالي في القرن السادس عشر. سمي الهوتريتيون، كما كانوا يعرفون أيضا، بهذا ~~الاسم على اسم مؤسسهم، وهو جاكوب هوتر (1500 تقريبا-1536)، الذي أصر على إقامة مجتمع ~~يقوم على الملكية المشتركة واللاعنف. # شكل 2-1: تعد المجتمعات الرهبانية من ضمن أقدم المجتمعات المقصودة، وهي ~~لا تزال تنمو وتتكيف مع التغيرات في المجتمعات التي توجد بها، بما في ~~ذلك البنية المعمارية للأديرة، كما يتضح من هذا الدير التابع لجماعة ~~البندكتيين في سانت لويس، ميزوري. # وللهرب من الاضطهاد، انتقل الهوتريتيون إلى ~~بلدان عدة في أوروبا قبل أن يستقروا في أمريكا الشمالية في أواخر القرن التاسع عشر. وفي ~~الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب العالمية الأولى، جرت ملاحقتهم بسبب اتباعهم ~~مذهب اللاعنف، وانتقل الكثير من الجماعات إلى كندا. واليوم توجد حوالي 500 جماعة من ~~الهوتريتيين، أغلبها في كندا. # لا تزال توجد جماعات أخرى قليلة من عصر حركة الإصلاح البروتستانتي، لكن كثيرا من ~~الجماعات التي ظهرت بأوروبا إبان المائتي عام اللاحقة أسست مجتمعات في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، لا سيما «جماعة الوحي الحق»، المشهورة باسم «جماعات أمانا»، في آيوا، التي ~~تعود أصولها إلى ألمانيا في عام 1714، وتعاليم إبرهارد لدوفيج جروبر (المتوفى في عام ~~1728)، ويوهان فريدريش روك (1678؟-1749)، اللذين اعتقدا أنهما كانا يتلقيان وحيا ~~مباشرا ms031 من الرب. # نشأت جماعات دينية أخرى في بريطانيا والولايات المتحدة، واختارت إنشاء مجتمعات ~~تمكنها من ممارسة معتقداتها. من أشهر تلك الجماعات «الشيكرز» (المعروفة رسميا باسم ~~الجمعية المتحدة للمؤمنين بالظهور الثاني للمسيح) وجماعة أونيدا. لا تزال توجد جماعة ~~شيكرز واحدة تمارس معتقداتها في ولاية مين، لكن اليوم أفراد جماعة الشيكرز معروفون ~~بالأعمال الحرفية. لم تستمر جماعة أونيدا لنفس الأمد وتحولت إلى شركة مساهمة تنتج آنية ~~أونيدا الفضية. لكن في أوج ازدهار تلك الجماعتين، عرف عنهما أنهما كانت لهما ممارسات ~~جنسية خاصة بهما ؛ فأفراد جماعة الشيكرز كانوا متبتلين. أما جماعة أونيدا، فمارست ما ~~أطلقت عليه «الزواج المعقد»؛ حيث يفترض أن جميع أعضاء الجماعة متزوجون بعضهم من بعض، ~~مع أن العلاقات الجنسية لم تكن - بوجه عام - مباحة دون قيود. آمنت كلتا الجماعتين ~~بالمساواة بين الجنسين وحاولت تطبيقها؛ إذ آمنت جماعة الشيكرز بأن المجيء الثاني للمسيح ~~قد حدث متخذا شكلا أنثويا متمثلا في مؤسستها آن لي (1736-1784). وبدأت جماعة ~~أونيدا إجراء تجربة تقوم على عملية تحسين النسل باختيار المسموح لهم بإنجاب أطفال معا. ~~وتعتبر - بوجه عام - تلك التجربة ناجحة من منطلق أن أغلب الأطفال الذين نتجوا عنها ~~كانوا أصحاء وأذكياء على حد سواء. وفي أغلب الأحوال استمر الحال هكذا في ~~نسلهم. # شكل 2-2: ملتقى جماعة الشيكرز في كانتربيري، نيوهامبشير، ويظهر فيه بابان ~~منفصلان أحدهما للرجال والآخر للسيدات. # تأسست مجتمعات أخرى بناء على أفكار ~~إصلاحيين، مثل الرجال الذين حددهم فريدريش إنجلز (1820-1895) بوصفهم اشتراكيين ~~يوتوبيين؛ لتمييزهم عن الاشتراكية العلمية الماركسية. حدد إنجلز ثلاثة منظرين بوصفهم ~~اشتراكيين يوتوبيين: الويلزي روبرت أوين (1771-1858)، والفرنسيين تشارلز فورييه ~~(1772-1837)، وهنري سان-سيمون (1760-1825). ورغم أن أيا منهم لم يكتب رواية يوتوبية، ~~فقد نشروا رؤيتهم للمجتمعات المثالية، وكتب آخرون روايات يوتوبية استندت إلى أفكار أوين ~~وفورييه. أسس أوين مجتمعات مقصودة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، في حين أسس ~~آخرون مجتمعات بناء على أفكاره في هذين البلدين وفي أيرلندا. كان أوين منشغلا بإدخال ~~إصلاحات في المصانع، والإصلاحات التي أدخلها بمحلج القطن خاصته ms032 في قرية نيو لانارك، ~~اسكتلندا، حققت نجاحا كبيرا. وقرية نيو لانارك الآن بقائمة اليونسكو لمواقع التراث ~~العالمي. والمجتمعات التي قامت على مقترحات فورييه وسان-سيمون تأسست في فرنسا، وفيما ~~بعد في الولايات المتحدة الأمريكية. # شكل 2-3: كانت قرية نيو لانارك الموقع الذي شهد أول خطوة كبرى في حياة ~~روبرت أوين (1771-1858) باعتباره إصلاحيا. عندما تولى أوين منصب مدير ~~محلج القطن في تلك القرية، وفر لسكانها اللائق من المسكن والتعليم ~~والرعاية الصحية والطعام بأسعار في المتناول، والتي لم يكن أي منها ~~متاحا في أغلب البلدات التي تتكون حول المصانع . ألغى أوين أيضا وسائل ~~العقاب البدني، ووضع قيودا على عمل الأطفال. حققت تجربة أوين نجاحا ~~عظيما من منطلق أنها زادت من الإنتاجية، وفي الوقت نفسه كان العمال في ~~حال أسعد. وقرية نيو لانارك الآن بقائمة اليونسكو لمواقع التراث ~~العالمي. ~~(3) الكيبوتسات # تأسس الكثير من المجتمعات الدينية والعلمانية ~~خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلا أن الحدث الكبير اللاحق في تاريخ ~~المجتمعات المقصودة كان تأسيس ديجانيا، أول كيبوتس، في فلسطين في عام 1920. انتقل ~~الكثير من اليهود، أغلبهم من الشباب، إلى المنطقة لتأسيس كيبوتس عبر ما يعرف الآن ~~بإسرائيل. كانت الكيبوتسات الأولى علمانية في الأساس، رغم تأسيس مجتمعات دينية أيضا ~~أطلق عليها الموشافات. # كانت الكيبوتسات ناجحة - بوجه عام - حتى أجبر اجتماع العولمة، مع المشكلات التي طرأت ~~على اقتصاد إسرائيل، الكثير منها على إدخال تعديلات كبيرة على اقتصاداتها الداخلية. ~~تجاوزت أغلب الكيبوتسات أوقاتها العصيبة، لكن الكثير منها أيضا لم تعد كوميونية أو ~~ميسورة الأحوال كما كانت في السابق. # يصف هنري نير، مؤرخ حركة الكيبوتسات، الكيبوتسات اليوم ب «ما بعد اليوتوبية»، دافعا ~~بأن تأسيسها كان يوتوبيا بوضوح من منطلق أن مؤسسيها توقعوا أنها ستخلق حياة أفضل ~~وجديدة بالكامل لأعضائها، لكن لأنه لم يحقق أي شعب أو أي نظام اجتماعي الآمال التي قام ~~عليها تأسيسه، فعلى الناس التكيف مع واقع الحياة اليومية مع غيرهم وفقدان الرؤية ~~الأصلية. وهي «ما بعد يوتوبية»؛ من منطلق أن كثيرا من أعضائها كيفوا ms033 رؤيتهم ~~اليوتوبية مع الواقع، والبعض ببساطة غير حلمه، والبعض عده من الماضي، والبعض الآخر ~~خلص إلى أن الموقف الحالي أفضل من البدائل، وأرجأ آخرون تحقيق اليوتوبيا إلى أجل غير ~~مسمى بالمستقبل. # في أوج صعود حركة الكيبوتسات، اجتذبت دعما أخلاقيا وماليا كبيرا من حكومة ~~إسرائيل، ورأت بعض البلاد الأخرى مزايا في تأييد المستوطنات الكوميونية. وفي الولايات ~~المتحدة، إبان كساد ثلاثينيات القرن العشرين، أنشئ حوالي 100 مجتمع على سبيل الإغاثة ~~وإعادة التوطين. وفي نيوزيلندا، في سبعينيات القرن العشرين، طبق برنامج لتأسيس مجتمعات ~~عرفت باسم «الأوهو»، وهي كلمة باللغة الماورية تعني تحقيق شيء ما «عن طريق العمل ~~والمساعدة الودية». وأنشئت بعض المجتمعات، لكن سرعان ما ضعفت بفعل ~~البيروقراطية. ~~(4) المجتمعات الديستوبية # كانت الكوميونات الصينية التي تأسست في عهد ماو تسي تونج (1893-1976) نسخة سلطوية من ~~الكوميونية. ويظهر لنا أنها يمكن أن تكون ديستوبية من منطلق أن حياة الكثيرين من أهلها ~~الذين فرض عليهم الانضمام إليها كانت أسوأ بوضوح مما كانت عليه من قبل، كما تشير ~~حوادث الانتحار الجماعي في جونزتاون ومعبد الشمس إلى أن الانضمام إلى مجتمع له قائد قوي ~~وصاحب شخصية كاريزمية على نحو استثنائي، يمكن أن يجعل الناس يقدمون على فعل أشياء ~~ربما لن يقوموا بها في أي حال آخر، بما في ذلك قتل أنفسهم. وفي حين أن كثيرا من ~~التهم التي وجهت إلى المجتمعات المقصودة اتضح أنها كاذبة، ثمة ما يكفي من الأمثلة ~~على إساءة المعاملة تقتضي التسليم بالجانب الديستوبي من الكوميونية. ~~(5) مجتمعات حقبة «الستينيات» # أفرزت حقبة الستينيات زيادة عظيمة في المجتمعات المقصودة عبر العالم، ضمت آلافا من ~~المجموعات الحضرية التي لم يكتب لأغلبها البقاء طويلا، والتي عرفت نفسها على أنها ~~كوميونات، والمئات من المجموعات الريفية التي تأسست على رؤى يوتوبية مختلفة. أنشئت ~~هذه المجتمعات في أوروبا وأمريكا الشمالية. وبسبب فكرة الصحافة عن تلك المجتمعات، ~~والمتمثلة في أن بها حرية جنسية، أو أنه لا توجد أي قيود على العلاقات الجنسية بها (كان ~~بعضها كذلك، في حين لم يكن البعض الآخر كذلك)، ms034 فقد انبهرت بكوميونات الهيبيز؛ مثل: ~~«دروب سيتي» الريفي، و«هوج فارم»، و«كريستا» في منطقة هيت أشبري، سان فرانسيسكو. كانت ~~بعض الكوميونات الحضرية «منازل آمنة» للنشطاء المناهضين للحرب الذين حاولوا تجنب ~~اعتقالهم؛ وأدى هذا بالصحافة إلى إدانة جميع المجتمعات؛ لأنها تؤوي راديكاليين خطرين. ~~في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية، كانت الغالبية العظمى من تلك المجتمعات تحاول فحسب ~~تطبيق ما يراه أعضاؤها أسلوب حياة أفضل، وأقل مادية، وأكثر حرية. واستمرار وجود عدد ~~كبير منها لأكثر من أربعين عاما يشير إلى أن بعض الناس وجدوا ما كانوا يبحثون ~~عنه. # شكل 2-4: كان «دروب سيتي» مجتمعا مقصودا تأسس في جنوب كولورادو في ~~منتصف ستينيات القرن العشرين، ورغم أن من أسسه في الأصل طلاب ~~الفنون من جامعتي كولورادو وكانساس، فقد أصبح أيقونة لكوميونية ~~الهيبيز. وهو يشتهر بتصميمه المعماري المقبب. # كذلك، انجذب في فترة الستينيات كثيرون إلى الأديان الشرقية، لا سيما البوذية ~~والهندوسية؛ نتيجة لذلك، بدأ الرهبان البوذيون في الانتقال إلى البلدان الغربية بهدف ~~التبشير وإنشاء الأديرة، كما قدم مدرسون ومعلمون روحيون من الهندوس إلى أوروبا ~~وأمريكا الشمالية وأسسوا أشراما. # لكن المجتمعات التي كانت الأقرب شبها بالمجتمعات المبكرة لم تقم على الأديان ~~الشرقية، بل على رؤية جديدة، مثل المجتمعات التي ألهمتها الرواية اليوتوبية لعالم النفس ~~السلوكي بي إف سكينر «والدن تو». وأشهر هذه المجتمعات «توين أوكس» في فيرجينيا ترك منذ ~~أمد بعيد نموذج سكينر، لكن المجتمع الآخر الذي استمر حتى الآن من مجتمعات سكينر الأصلية ~~«لوس هوركونز» في المكسيك لا يزال يحمل مظاهر من الرؤية الأصلية التي تستخدم مؤسسات ~~المجتمع لتعديل السلوك وتحسينه. ~~«توين أوكس» عضو باتحاد المجتمعات المساواتية، وهو مجموعة صغيرة من المجتمعات التي ~~تحاول أن تستوفي سبعة معايير. وهذه المعايير أهداف تطمح المجتمعات إلى تحقيقها ولم ~~تحققها بعد، لكنها تعبر بوضوح عن رؤية يوتوبية. ويقوم كل مجتمع من مجتمعات الاتحاد بما ~~يلي: ~~(1) # مشاركة الأرض والعمل والدخل وغيره من الموارد بين الجميع. ~~(2) # تحمل المسئولية فيما يتعلق بحاجات أعضائه، وتلقي نواتج عمله وتوزيعها ~~هي وجميع الموارد الأخرى ms035 بالتساوي حسب الحاجة. ~~(3) # تطبيق أسلوب اللاعنف. ~~(4) # استخدام شكل من أشكال اتخاذ القرار يتمتع فيه الأعضاء بفرص متساوية ~~للمشاركة؛ إما عبر إجماع الآراء، أو التصويت المباشر، أو حق الاستئناف، أو ~~النقض. ~~(5) # العمل دون كلل على إرساء المساواة بين الجميع، وعدم السماح بالتمييز على ~~أساس الجنس، أو الطبقة الاجتماعية، أو العقيدة، أو الأصل العرقي، أو السن، ~~أو النوع، أو التوجه الجنسي، أو الهوية الجنسية. ~~(6) # العمل على الحفاظ على الموارد الطبيعية لأجيال الحاضر والمستقبل مع السعي ~~إلى التحسين المستمر للوعي والممارسة البيئية. ~~(7) # إنشاء عمليات من أجل المشاركة والتواصل بالمجموعة، وتوفير البيئة التي ~~تدعم تطوير الناس. # وتوجد شبكة من المجتمعات في الولايات المتحدة الأمريكية يتم تناول أخبارها في مجلة ~~«كميونيتيز: لايف إن كواوبراتيف كالتشر»، التي تنشر منذ عام 1972، وثمة شبكة مماثلة ~~بالمملكة المتحدة يتم تناول أخبارها في دورية «ديجرز آند دريمرز»، التي تنشر منذ بداية ~~تسعينيات القرن العشرين، وهناك شبكة عالمية من القرى البيئية. ~~(6) المجتمعات المقصودة المعاصرة # ثمة حركتان حديثتان مرتبطتان ارتباطا مباشرا بالكوميونية أو ذات صلة بها؛ فحركة ~~القرية البيئية هي بوضوح جزء من الكوميونية، وفيها تحاول مجتمعات صغيرة موجودة في ~~جميع أنحاء العالم الوصول لنمط حياة وبنية معمارية وتصميم مجتمعي أكثر توازنا ~~بيئيا. وبعض من هذه المجتمعات، مثل «فارم» في تينيسي بالولايات المتحدة الأمريكية، ~~تقدم أيضا الدعم لتطوير المجتمعات الأخرى التي من هذا النوع. وبعض هذه المجتمعات أو ~~أعضائها تستخدم الخبرة التي اكتسبتها في أوقات الحاجة للوصول إلى اتفاق في الآراء؛ ~~لتدريب الناس في المجتمعات الأخرى وخارج الكوميونية على ديناميكيات الجماعات. # توجد صلات بين حركة الإسكان المشترك، التي نشأت في الدنمارك وانتشرت في أرجاء البلدان ~~الغربية، والمجتمعات المقصودة. في إطار تلك الحركة، تكون الملكية مزيجا من الملكية ~~الخاصة والجماعية؛ فتكون ملكية الموقع والمنشآت المشتركة جماعية، عادة على شكل مساهمة، ~~في حين تكون ملكية منازل الأفراد ملكية فردية. وتؤكد شخصية الجماعة على أهمية التفاعل ~~داخل المجتمع. وترى بعض مجتمعات الإسكان المشترك نفسها مجتمعات مقصودة، إلا أن ~~مجتمعات أخرى ترفض الفكرة. وهذا الانقسام يعكس ms036 بدقة واقع هذا النوع من المجتمعات. وعادة ~~ما يكون شكل الملكية في تلك المجتمعات واحدا أو متشابها على الأقل، إلا أن حدود ~~الحياة الاجتماعية داخلها تختلف اختلافا كبيرا؛ فمن ناحية، تكون الاجتماعات المجتمعية ~~والعمل المجتمعي والوجبات المشتركة وما إلى ذلك هي المعيار السائد، ومن الناحية ~~المقابلة، يكون التفاعل في المجتمع قليلا، ولا يوجد إلا بالحدود التي تفرضها الاتفاقات ~~القانونية الملزمة. وأغلب المجتمعات يقع في موقع متوسط بين هذين النقيضين. # وجمعيات الإسكان التعاوني، التي تتنوع من منزل وحيد يوفر الإقامة لطلاب الجامعة إلى ~~المجمعات السكنية الضخمة، هي أيضا مجتمعات مقصودة. ورغم أن الكبرى منها قد لا تستوعب ~~نشاطا كوميونيا كبيرا، فالصغرى منها غالبا ما تبدو كمجتمع حضري مقصود، وتعمل على ~~نحو كبير بالطريقة نفسها التي يعمل بها. علاوة على ذلك، بعض الجمعيات الخاصة بالمنتجين، ~~مثل «موندراجون» في إسبانيا، عادة ما تعتبر مجتمعات مقصودة من منطلق أنها لا توفر فقط ~~وظائف لعمالها، بل أيضا تشركهم في إدارة العمل، وتوفر لهم وسائل الراحة، التي غالبا ~~ما تشمل المسكن، التي تفوق كثيرا ما توفره أغلب الشركات. # ينبغي أن يكون من الواضح أنه لا يوجد نموذج واحد فقط للحياة المجتمعية؛ فللمجتمعات ~~المقصودة أغراض كثيرة؛ فعلى سبيل المثال، كان مجتمع «بلاك ماونتن كوليدج» مجتمعا ~~بمنزلة مركز ثقافي وسياسي، وضم في عضويته المطرب بيت سيجر (المولود عام 1918)، والملحن ~~جون كيدج (1912-1992)، والراقص ومصمم الرقصات ميرس كنينجهام (1919-2009). # لسنوات طوال، ضمت بلجيكا مجتمعات مصممة للمرضى العقليين، وانتشرت هذه المجتمعات ~~العلاجية بعد ذلك في دول العالم؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية، وفر مجتمع «جولد ~~فارم» في ماساتشوستس ومجتمع «كوبريس» في نورث كارولاينا منذ فترة طويلة مثل هذا الإطار. ~~ومجتمعات كامبهيل في جميع أنحاء العالم، التي تقوم على تعاليم المفكر النمساوي رودولف ~~شتاينر (1861-1925)، تعمل مع أصحاب إعاقات التعلم، والذين لديهم مشكلات عقلية وغيرها من ~~ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفر لهم بيئة آمنة وداعمة يستطيعون فيها باعتبارهم أفرادا ~~تطوير مهاراتهم قدر الإمكان. # ثمة مجموعة من المجتمعات تعتبر نسخة مختلفة من المجتمعات العلاجية ms037 هي مجتمعات العمال ~~الكاثوليك، التي تأسست لمساعدة مدمني الكحوليات ومدمني المخدرات وغيرهم ممن هم موجودون ~~بقاع السلم الاجتماعي على تحسين حالهم. تضم تلك المجتمعات منازل العمال الكاثوليك ~~الموجودة في أسوأ المناطق بالمدن الكبرى وعددا من المجتمعات الريفية؛ حيث يمكن للناس ~~الذهاب إليها لاستنشاق بعض الهواء النقي وممارسة بعض النشاط البدني للمساعدة على ~~شفائهم. وكانت هناك نسخة أقدم ومماثلة جدا من تلك المجتمعات، تمثلت في المجتمعات التي ~~أسسها «جيش الخلاص» في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تأسست كل من ~~المستعمرات الحضرية والريفية، وكانت الخطة تتمثل في التوسع في بناء مستعمرات خارج ~~البلاد؛ حيث يستطيع من أحرزوا نجاحا في المجتمعات الريفية بدء حياة جديدة ~~تماما. ~~(7) عوامل نجاح المجتمعات أو إخفاقها # ما الذي يجعل مجتمعا ما ناجحا أو فاشلا؟ ثمة إجابة نموذجية؛ وهي فترة استمراره. ~~كان المعيار النموذجي هو 25 عاما، واقترحته روزابيث موس كانتر (المولودة عام 1943)، ~~الأستاذة التي تشغل كرسي إرنست إل آرباكل بكلية هارفرد لإدارة الأعمال، في كتابها ~~«الالتزام والمجتمع» (1972)، لكن بالنسبة لأغلب أعضاء المجتمعات، فإن هذا معيار معيب ~~بصورة بالغة؛ ففي حين توجد مجتمعات كثيرة اليوم تجاوزت معيار الخمسة والعشرين عاما ~~بزمن طويل، بما فيها عدد كبير تأسس في فترة الستينيات، ويعتقد عموما أنها انتهت منذ ~~أمد بعيد، فإن فترة الاستمرار ليست هي المعيار الأهم لنجاح المجتمع أو فشله بالنسبة ~~للكثيرين. # لا يعني استمرار المجتمع أنه ضم نفس السكان. بعضها فعل هذا، وأما البعض الآخر فلا، ~~لكن أغلب المجتمعات حظي بمعدل تعاقب سكاني ضخم. يبدو في الواقع أن افتراضات كانتر ~~تناسب المجتمعات الدينية التي استمر بعضها لعدة أجيال. فإن أمرك الرب أو ممثل الرب ~~بالبقاء فستبقى. وفي حين أن فترة الاستمرار يمكن أن تكون مقياسا للنجاح عندما تجتمع مع ~~عوامل أخرى، فهي وحدها لا تشكل أي معنى. ومع أن كانتر نفسها كانت تدرك ذلك، فإن هذا ~~المعيار البسيط مع ذلك جرى تطبيقه على يد آخرين منذ ذاك الحين. # يورد المفكر التقدمي الأمريكي هنري ديمارست لويد (1847-1903) أحد المداخل ms038 لتناول ~~مسألة نجاح أو فشل المجتمعات: # هل تفشل المجتمعات على الدوام؟ لم تشاهد إلا في تلك المجتمعات، في الحدود ~~الواسعة للولايات المتحدة، حياة اجتماعية امحى فيها الجوع والبرد، ~~والدعارة، وإدمان الكحوليات، والفقر، والعبودية، والجريمة، والشيخوخة المبكرة، ~~وارتفاع معدل الوفيات والذعر والهلع الصناعي. لو كانت قد فعلت ذلك لعام فحسب، ~~لكانت استحقت أن توصف بأنها «المجتمعات» الناجحة الوحيدة بهذه القارة، وبعضها ~~يبلغ من العمر أجيالا عديدة. وكل هذا لم يقم به قديسون بالسماء، بل على ~~الأرض على يد رجال ونساء عاديين. # ثمة معيار آخر، وهو معيار سيقدره أفراد المجتمعات، يتمثل في أن نجاح المجتمع يعتمد ~~على قدر وفائه باحتياجات أعضائه مهما بلغت مدة عضويتهم فيه. بالنسبة لأغلب الأعضاء، فإن ~~نجاح المجتمع لا يقاس بفترة استمراره، وإنما بمدى تحسينه أو عدم تحسينه لحياتهم في ~~الفترة التي كانوا فيها أعضاء فيه. بالطبع تتنوع الاحتياجات بوضوح من عضو لآخر، وتتغير ~~بتغير الناس؛ ومن ثم ستتغير الديناميكيات الداخلية للمجتمع بمرور الوقت. ~~(8) التطورات الحديثة في التطبيق العملي لليوتوبيا # ثمة شكلان من أشكال التطبيق العملي الحديث لليوتوبيا، أحدهما متعلق بالمجتمعات ~~المقصودة، يوضحان النحو الذي ابتعدت به اليوتوبية عن الفئات التقليدية. أولهما - الذي ~~أطلق عليه حكيم بك (بيتر لامبورن ويلسون، المولود عام 1945) «المنطقة المستقلة ~~المؤقتة»، وأطلق عليه جورج ماكاي (المولود عام 1960) ثقافة «افعلها بنفسك» - مساحة من ~~النشاط المنشأة لغرض معين. يركز كل من حكيم بك وماكاي في هذا الشأن في المقام الأول ~~على الاحتجاجات، إلا أنه يمكن إدراج مخيم الموسيقى السنوي للمثليات في ميشيجان وغيرها ~~من الأماكن المؤقتة. وبالنظر إلى الماضي، يمكن أن نصف تلك الأماكن بأنها يوتوبية؛ ~~لأنها أفرزت على نحو مؤقت ما رآه المشتركون بها حياة أفضل، وإن كانت لفترة قصيرة، وهي ~~ترتبط بما سبقها من يوتوبيات مؤقتة مبكرة مثل الاحتفال بعيد الإله ساتورن، والصورة ~~المبكرة من الكرنفال، وعيد البلهاء، وخيم الاجتماعات التي تقام من أجل إيقاظ الروح ~~الدينية، و«أحداث» فترة الستينيات. وبعضها أنشأ مجتمعات دامت لفترة طويلة، مثل مخيم ~~السلام النسائي في قاعدة جرينهام كومون ms039 الجوية في بيركشاير، بإنجلترا، الذي استمر من ~~سبتمبر من عام 1981 حتى عام 2000. # يمكن كذلك وصف ظواهر مؤقتة على نحو أكبر بأنها يوتوبية؛ فهناك، على سبيل المثال، ~~مبادرة «فري» الفنية الجماعية البريطانية التي تنشئ احتجاجا سياسيا في مكان عام من ~~خلال، مجرد قصد مكان ما، عادة، حاملين شعارا ما، والوقوف هناك لساعات مكونين «منطقة ~~مستقلة مؤقتة» أو مساحة يوتوبية مؤقتة حول أنفسهم، وهذا مجرد أسلوب من ضمن أساليب أخرى. ~~ويصنع الأعمال الفنية الأشخاص الذين يتفاعلون معهم. وثمة الكثير من هذه المجموعات، ~~لكن مجموعة «فري» تصف ما تفعله بأنه يوتوبي. # أحد جوانب تلك الظاهرة الأداء الفني. وفي كل أداء، سواء كان موسيقى أو رقصا أو ~~تمثيلا مسرحيا أو بعض أشكال الفن الجماهيري، ثمة أمران على الأقل يحدثان؛ أحدهما بين ~~المؤدين، والآخر لدى المشاهدين. وفي حالات نادرة، يجتمع الاثنان وتتشكل لحظة يوتوبية ~~بحق، لكن في الأغلب، يوجد ما قد نفكر فيه على أنه لحظات يوتوبية أصغر. في الغالب، وإن ~~كانت تلك حالات نادرة، يخلق المؤدون المساحة اليوتوبية فيما بينهم من خلال الأداء ~~الفني. وقد أشار منظرو الأداء إلى هذا. فعلى سبيل المثال، كتبت جيل دولان، أستاذة ~~المسرح بجامعة تكساس (المولودة عام 1957) تقول: # أرى أن المسرح والأداء الفني يمكن أن يعبرا معا عن مستقبل مشترك؛ مستقبل ~~أكثر عدالة وإنصافا، مستقبل يمكننا جميعا أن نشارك فيه على نحو متساو أكثر، ~~مستقبل يحفل بفرص أكبر للحياة الكاملة، وللمساهمة في صنع الثقافة. # يوجد الكثير من مثل تلك اللحظات، وفي حين أننا نعلم أن العرض القادم قد لا يبلغ نجاح ~~سابقه، فمعرفة أن الأمر ممكن وأن المشاعر التي يطلقها عندما يجري هي الأمر المهم. وهذا ~~مهم من نواح ربما تكون سياسية؛ لأن الرضا في تلك اللحظة يمكن أن يتسرب خارج مكان ~~الأداء ليلقي الضوء على الاستياء الذي نشعر به في الحياة اليومية. # والاستياء هو بداية اليوتوبية، واليوتوبية في النهاية تدور حول تغيير الحياة اليومية. ~~تواجه اليوتوبيا حقيقة أن الحياة هي كل متكامل، وأن الأطفال والعائلات والزواج ~~والتربية ms040 والاقتصاد والسياسة والموت وغير ذلك مرتبطة كلها. والمجتمعات المقصودة ~~راديكالية بوجه خاص من منطلق أن أعضاءها لا يمانعون في تغيير حيواتهم. ويكون على جميع ~~أعضاء تلك المجتمعات التعامل مع هذا التغيير كل يوم. # الفصل الثالث # | اليوتوبية الأصلية والكولونيالية وما بعد ~~الكولونيالية # كان يوجد صنفان من المستعمرات، وكلاهما هدفه خدمة مصالح البلد المستعمر، لا مصالح ~~المستعمرة. كان القصد الأساسي من أحدهما استغلال عمالة المستعمرة وموادها الخام ~~وثرواتها. أما الثاني، فكان الهدف منه الاستيطان؛ إما للتخلص من الزيادة السكانية، وإما ~~كأماكن لإرسال غير المرغوب فيهم إليها. والمستعمرات مهمة بالنسبة لليوتوبية من حيث إنها ~~مثلت أحلاما يوتوبية، لكن أيضا بسبب أنه - إجمالا - كتبت يوتوبيات أدبية، وأنشئت ~~مجتمعات مقصودة فيها أكثر من البلاد التي أنشأتها. وكان للمستعمرات تأثيرات على السكان ~~الأصليين، واختلف تفسير تلك التأثيرات على مر الزمن، وحسب القائم بالتفسير. ~~(1) مستعمرات المستوطنين # التفسير النموذجي لعملية الهجرة إلى مستعمرات المستوطنين هو أن الناس يخرجون من بلدهم ~~الأم، بسبب الفقر والمرض وغيرهما من الظروف المحلية، ويستوطنون البلد الجديد تحدوهم ~~الرغبة في الحصول على حياة أفضل، أو الأمل في القدرة على ممارسة معتقداتهم السياسية أو ~~الدينية. عرض جيمس بالتش (المولود عام 1956) في كتابه «إعادة إعمار الأرض» (2009) أن ~~هذه الصورة شديدة البساطة. ولكن أيضا في الحقيقة من بداية القرن السابع عشر وحتى منتصف ~~القرن التاسع عشر، كان الناس يتركون بلادهم ~~ويسافرون، في بعض الحالات لمسافات طويلة حول العالم، ~~عاقدين الأمل على أن يتمكنوا من أن يعيشوا حياة أفضل مما أتيح لهم في مسقط رأسهم. وجد ~~البعض حياة أفضل في المكان الجديد، في حين لم يجدها البعض الآخر، فأقاموا في البلد ~~الجديد في الظروف السابقة نفسها، أو في ظروف أسوأ منها، أو عادوا إلى بلدهم الأم، إلا ~~أن الحلم بحياة أفضل، الذي قاد الكثيرين، كان يوتوبيا على نحو واضح، ومستعمرات ~~المستوطنين كلها كانت وراءها أحلام يوتوبية. يمكن أن نجد مثالا لذلك في الأغاني التي ~~غناها المهاجرون، والتي وصفت عادة المكان الذي انتقلوا إليه بأوصاف يوتوبية. فعلى ~~سبيل المثال، ms041 تبين الأغنية الأيرلندية «الولايات المتحدة الأمريكية العظيمة والحرة» ~~الوصف اليوتوبي: # إن عملت في أمريكا، # فستتقلب في النعيم، # فلا توجد ضرائب ولا عشر هناك # ولا إيجار يثقل كاهلك، # إنه بلد حر وعظيم، # يرحب بكل البشر، # فهيا أبحروا إلى أمريكا، # بأسرع ما يمكنكم. # ووفرت أيضا مستعمرات المستوطنين أو المهاجرين، رغم أن ذلك لم يكن جزءا من القصد ~~الأساسي، مساحة لمختلف أنواع المنشقين، أغلبهم من الدينيين، لتجربة أفكارهم، غالبا ~~في مجتمعات مقصودة. كانت اليوتوبية محورية بالنسبة للهويات الوطنية لنيوزيلندا ~~والولايات المتحدة. ~~(2) اليوتوبية الأصلية # لكن أحلام المستوطنين اصطدمت بتوقعات الأشخاص الذين كانوا يعيشون أصلا في تلك ~~البلاد ، وأفرزت بوجه عام ديستوبيات حقيقية بالنسبة لهم. ضمت تلك الشعوب المستعمرة ~~ثقافات حضرية بالغة التطور لشعوب الآزتك والإنكا والمايا، إضافة إلى ثقافات غير حضرية؛ ~~مثل السكان الأصليين لأستراليا، والماوري في نيوزيلندا، والشعوب الأولى والإنويت في ~~كندا، والهنود الأمريكيين الأصليين في كندا والولايات المتحدة. # كان لهذه الشعوب كلها أساطير عن الخلق فسرت كيف نشأ العالم والكائنات التي تأهله. ~~وفي كثير من تلك الأساطير، كان الخلق الأول أفضل مما لحقه، وضمت الأساطير تفسيرا لما ~~وقع من إخفاق. # ولأن مستعمرات المستوطنين غالبا ما دمرت - على نحو ممنهج - ثقافات السكان ~~الأصليين إلى جانب ذبحهم، فلا نعرف عن أساطيرهم أو أحلامهم بالحصول على حياة طيبة ~~سوى القليل جدا مقارنة بما نعرفه عن أحلام المستوطنين. ولكن في بعض الحالات، توجد ~~نسخ حديثة بعثت من جديد، وأحيانا ما تضفى عليها صبغة رومانسية من تلك الأحلام، ~~والأبحاث الحديثة بصدد إطلاعنا على المزيد فيما يتعلق بأساطير وقصص تلك الشعوب. ونحن ~~نتعلم أشياء جديدة كل يوم؛ لأنه في حقبة ما بعد الكولونيالية، الثقافات التي تعرضت ~~للقمع لكن لم تختف في واقع الأمر تستكشف الآن هي والقصص القديمة. وقد كتب كاتب معاصر ~~مجهول - تعود جذوره إلى القبائل الهندية الأمريكية - يقول: # يعني أن نستكشف تاريخ القدماء أن نعيش على النحو المقدس، أن ننصب قامتنا، ~~ونسير باعتدال، أن نحترم إخواننا وأخواتنا من الأمم المختلفة والأعراق ~~المختلفة. يعني هذا أن ننفتح ms042 مثل الهواء، مثل السماء؛ كي نتعرف على الجبال ~~والمياه والرياح، وأضواء السماء، والنباتات، والكائنات ذوات الأربع، وذوات ~~الست، والزواحف، والطيور. يعني هذا أن نقتل على النحو المقدس، أن نعرف الحب ~~والأسف والغضب والسعادة على النحو المقدس، وأن نموت على النحو المقدس. # في حين أن هذه رؤية للماضي مصطبغة بصبغة رومانسية، فمن الواضح أنها تعبير عن حلم ~~يوتوبي. # ثمة تقاليد يوتوبية بين سكان أستراليا الأصليين والشعوب الأولى في كندا، وشعب الماوري ~~في نيوزيلندا، والهنود الأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة. وأفرز الصراع المناهض ~~للكولونيالية حركات ألفية تضم عناصر يوتوبية قوية، مثل حركة «رقصة الشبح» في الولايات ~~المتحدة. ثمة العشرات من تلك الحركات في أمريكا الجنوبية، ولا يزال عدد منها يعيش بين ~~جماعات الماوري في نيوزيلندا، مثل كنيسة راتانا. وقد أحيت بعض جماعات الماوري أشكالا ~~تقليدية من الكوميونية التي يظنون أنها توفر حياة أفضل لشعبهم من الحياة التي يمكن ~~بلوغها عبر الاندماج في المجتمع الأكبر. # وهكذا، في مستعمرات المستوطنين في أمريكا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وأستراليا ~~ونيوزيلندا، يمكننا أن نتتبع نمطا شائعا تدمر فيه مستعمرة يوتوبية ثقافات حية ~~ومهمة بأساطيرها وقصصها التي كانت تعبر عن أحلام يوتوبية، ويستمر فيه حلم المستوطنين ~~بحياة أفضل، ثم تنتهي الكولونيالية وتبزغ أحلام جديدة لكل من ذرية المستوطنين وذرية ~~السكان الأصليين، ويعاد استكشاف الثقافات التي جرى قمعها. # أحيانا، اكتسبت الثقافات التي جرى تدميرها صبغة يوتوبية من قامعيها. حدث ذلك في ~~مفهوم «الهمجي النبيل» الذي ظهر جليا أكثر من أي وقت آخر عقب الاحتكاك بالسكان ~~المحليين في أمريكا الشمالية والجنوبية، على الرغم من أنه كانت له نماذج مماثلة في شعوب ~~مثل السكوثيين التي وصفها الكتاب الإغريق والرومان الكلاسيكيون. كان ينظر إلى الهمجي ~~النبيل على أنه أقرب إلى الطبيعة؛ ومن ثم على نحو ما أنقى وأبسط وأفضل من الذين ~~يفترض أنهم متحضرون. ورغم المبالغة الواضحة في التبسيط، يؤكد البعض على وجود حقيقة ~~خفية في الصورة. وقد نقل روجر ويليامز (1603-1683)، أحد المنشقين الدينيين الأمريكيين، ~~عن أحد الهنود قوله: «نحن لا نرتدي ms043 ملابس، ونعبد آلهة عدة، لكن خطايانا أقل. أنتم ~~بربريون وثنيون متوحشون، أرضكم هي أرض الهمجية.» # لكن أغلب الأدب اليوتوبي الذي كتبه السكان الأصليون هو ديستوبيات تصف المعاملة التي ~~تلقوها على يد المستوطنين في زمن الاستيطان وحتى الوقت الراهن. على سبيل المثال، ~~تقارن رواية «حدائق بين كثبان الرمال» (1999)، للكاتبة ذات الأصول الهندية الأمريكية ~~ليزلي مارمون سيلكو (المولودة عام 1948)، بين يوتوبيا الحياة الهندية الأمريكية ~~التقليدية والديستوبيا التي خلقتها سياسة الولايات المتحدة، وتصف قصيدة «المزرعة» ~~(1996)، للكاتب ذي الأصول الهندية الأمريكية شيرمان ألكسي (المولود عام 1966)، الولايات ~~المتحدة في المستقبل وهي تضم معسكرات اعتقال للهنود الأمريكيين. ~~(3) الهجرة القسرية # أحيانا لم تكن عملية الاستيطان طوعية. جلب الأفارقة كعبيد إلى الولايات المتحدة ~~وأمريكا الجنوبية، وكان المدانون بجرائم ينقلون إلى أستراليا وبعض المستعمرات ~~الفرنسية، وكان الفرنسيون ينقلون عددا من العبيد إلى مستعمراتهم بالبحر الكاريبي أكثر ~~مما كانوا ينقلون إلى أمريكا الشمالية أو الجنوبية. مكث الكثير منهم في تلك ~~المستعمرات، لكن وقع عدد من ثورات العبيد، وأنهت ثورة هاييتي التي وقعت فيما بين عامي ~~1791 و1804 العبودية في ذلك البلد. # العبيد الذين كان يتم اصطحابهم إلى المكان الجديد نادرا ما كانوا في وضع يسمح لهم ~~بكتابة رؤاهم عن حلمهم بحياة أفضل، لكن لا يعني ذلك أنه لم تكن لديهم مثل تلك الرؤى، ~~وقد أنتجوا أغاني وقصصا وصل إلينا بعضها، وأشهرها الأناشيد الدينية الزنجية التي كان ~~يتغنى بها العبيد في جنوب الولايات المتحدة، التي عادة ما كانت تعرض صورا للجنة التي ~~سيفوزون بها بعد مآسي الحياة الدنيا، والأقل شهرة قصص «المكان الطيب العظيم» التي ~~يرويها نفس هؤلاء الأشخاص؛ وهي قصص تناظر مباشرة قصة «أرض كوكين» التي ترجع للعصور ~~الوسطى، أو حكايات الوفرة التي كانت تروى أثناء فترة الكساد العظيم؛ فالطعام الذي يأتي ~~دون كد، والتحرر من أي سلطة، والدعة؛ كانت موضوعات أساسية فيها. # كما أنه نتيجة للمجاعة، كانت هجرة الأيرلنديين خارج أيرلندا في الغالب قسرية، وكانت ~~أيرلندا حالة خاصة لسببين؛ إذ إنه بالنسبة لكثير من الأيرلنديين، ظلت أيرلندا مستعمرة ~~بسبب ms044 أيرلندا الشمالية، وعلى النقيض من أغلب المهاجرين، كانت المجاعة تعني أنه كان من ~~الصعب، إن لم يكن من المستحيل، العودة إن لم تسر الأمور على ما يرام بالأرض الجديدة؛ ~~ومن ثم كان الأيرلنديون من بعض النواحي لاجئين أكثر من كونهم مهاجرين، واستمر كثير ~~منهم في التنقل من بلد إلى بلد حتى قبل استقرارهم في النهاية في مكان ما أو ~~وفاتهم. ~~(4) إسرائيل/فلسطين # ثمة بلد نادرا ما يوصف بأنه مستعمرة مستوطنين، رغم أنه كذلك بوضوح؛ هو إسرائيل. تضم ~~الأعمال اليوتوبية اليهودية المبكرة قصة جنة عدن في سفر التكوين، والأنبياء، ونصوص ~~عديدة غير موجودة في العهد القديم المسيحي ، بما فيها بعض الكتب والنصوص التي تعالج ~~فكرة نهاية العالم، وتصف مجيء المخلص المنتظر، والمجتمع الديني المنعزل في خربة قمران ~~ومجتمع شبيه يسمى ثيرابيوتاي في مصر. وفي القرن الثاني عشر، وضع الكاتب اليهودي يهودا ~~اللاوي كتابا بعنوان «الخزري: الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل»، الذي يعتبر ضمن ~~الأعمال الأولى، إضافة إلى كتابين إسلاميين من الفترة نفسها؛ وهما: «حي بن يقظان»، ~~و«الرسالة الكاملية في السيرة النبوية»، التي تصف شخصا يعيش وحيدا على جزيرة منعزلة، ~~وهي فكرة اشتهرت فيما بعد مع رواية دانيال ديفو «روبنسون كروزو». # يؤمن الكثير من اليهود أنهم لم يقدموا إلا على استيطان الأرض التي كانت ملكا لهم ~~في الماضي، والتي وهبهم الرب إياها. وهذا منعكس في ظهور اتجاه يوتوبي متنام داخل ~~إسرائيل من جانب اليمين الديني، الذي يبرر الاستحواذ على المنازل والأراضي التي يملكها ~~فلسطينيون، ربما لأجيال. لكن بدأ الاستيطان اليهودي الجديد كجزء من سلسلة من المشروعات ~~اليوتوبية على نحو واضح، مثل كتابات تيودور هيرتزل (1860-1904)، بما فيها «الدولة ~~اليهودية» (1896)، و«الأرض الجديدة القديمة» (1901)، وإنشاء أول كيبوتس في عام 1920. ~~كان لحركة الكيبوتسات أكبر تأثير على اليوتوبية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ~~وكان لنجاحات وإخفاقات الحركة تأثير على المجتمعات المقصودة حول العالم. # في المقابل، تتخذ اليوتوبية الفلسطينية شكلين. بالنسبة للبعض، هي تمثل رغبة ~~الفلسطينيين في الحصول على أرض لهم، أو استعادة الأرض التي يرون أنها ms045 كانت ملكا لهم ~~بعد أن كانت بحوزتهم لسنوات طوال، وأحيانا لمئات السنين. وبالنسبة للبعض الآخر، هي ~~مجرد جزء من حركة الإسلام السياسي. وقد وردت إلي معلومات عن وجود بعض الرؤى اليوتوبية ~~الفلسطينية منذ النصف الأول من القرن العشرين، لكن يبدو أنه لا توجد أي منها في أي ~~كتاب صادر بأوروبا أو أمريكا الشمالية. ~~(5) الاستقلال # اختارت بعض مستعمرات المستوطنين الاستقلال الكامل، مثل الولايات المتحدة الأمريكية ~~والبرازيل والمستعمرات الإسبانية في أمريكا اللاتينية والجنوبية، في حين اختار البعض ~~الآخر الحفاظ على الروابط، التي تفككت تدريجيا، مع القوى الاستعمارية التي كانت خاضعة ~~لها، مثل أستراليا وكندا ونيوزيلندا. لكن في تحول مثير للانتباه، استخدمت حركات ~~الاستقلال، أينما توجد، وحركات الاعتراف وإثبات الحقوق في مستعمرات المستوطنين لغة ~~البلد المستعمر والمستوطنين، إضافة إلى لغتهم اليوتوبية، ضدهم. وكان من المعتاد قول ~~شيء من قبيل: «إن كنت تؤمن بما تقول إنك تؤمن به، فيجب ألا تستمر في معاملتنا المعاملة ~~الحالية. إننا نطلب منك فحسب ما تقول إنه الصواب.» نتيجة لذلك، لعبت اليوتوبيات الأصلية ~~والكولونيالية دورا مهما في حقبة ما بعد الكولونيالية. ~~(5-1) الولايات المتحدة # إحدى المستعمرات الناجحة الأولى كانت مستعمرة لم تكن العوامل الاقتصادية على قمة ~~أولويات مستعمريها. كانت تلك هي المستعمرة التي تأسست في بليموث في عام 1620، والتي ~~أصبحت فيما بعد ولاية ماساتشوستس. هناك كانت الاعتبارات الدينية هي التي تأتي في ~~المقام الأول؛ فقد أراد المستعمرون أن يتمكنوا من ممارسة أسلوب الحياة الذي اعتقدوا ~~أن دينهم يفرضه. فعلى سبيل المثال، قال جون وينثروب (1588-1649)، أول حاكم لمستعمرة ~~خليج ماساتشوستس، إن البيوريتانيين سافروا إلى أمريكا لبناء «مدينة موضوعة على ~~جبل»، ليطبقوا ما جاء بإنجيل متى. وفي حين كان وينثروب يحذر أتباعه من أن «عيون ~~الجميع تتوجه إلينا»، وكان يقصد بقوله أن يحذرهم من الفشل، يفسر قوله الآن ~~باعتباره إعلانا عن اليوتوبية الأمريكية المبكرة. # لم تمتد حرية ممارسة معتقداتهم الدينية إلى السماح للآخرين بممارسة معتقداتهم ~~الدينية. كان أعضاء جمعية الأصدقاء الدينية، أو الكويكرز، الذين استقروا في ~~بنسلفانيا، أول مستعمرين استوطنوا ms046 لأسباب دينية، ومارسوا الحرية الدينية فيما أصبح ~~لاحقا الولايات المتحدة. وكانت المستعمرة الثالثة التي تأسست في الأساس لأسباب ~~دينية هي ماريلاند، التي استوطنها الكاثوليك الرومان. # انطوت مستعمرتا ساوث كارولاينا وجورجيا على خطط يوتوبية محددة، رغم أنه لم يتم ~~تنفيذها؛ ففي ساوث كارولاينا، وضع اللورد أشلي، أول إيرل لشافتسبري (1621-1683)، ~~بالتعاون من الفيلسوف والمنظر السياسي جون لوك (1632-1704) ما أطلقا عليه «الدساتير ~~الأساسية»، التي اقترحت تكوين طبقة أرستقراطية شبه إقطاعية وطبقة نبلاء أمريكية ~~جديدة. وفي جورجيا، وضع السير الاسكتلندي روبرت مونتجومري (1680 تقريبا-1731) خطة ~~لإقامة يوتوبيا تعرف باسم «أزيليا»، وحاول المبشر الألماني كريستيان برايبر ~~(1697-1744) إنشاء مجتمعات يوتوبية بين الهنود. وفيما بعد، كان المقصود من التأسيس ~~الفعلي لمستعمرة جورجيا على يد الجنرال البريطاني جيمس أوجلثورب (1686-1785) أن ~~تكون للفقراء المحتاجين والمدينين، إضافة إلى توفير ربح لملاك الأراضي. # كان الهدف من المستعمرات الأمريكية المبكرة الأخرى في الأساس هو تحقيق ربح لأصحاب ~~امتيازات تمليك الأراضي، لكن بث الأمل في حياة أفضل في المستوطنين كان جانبا من ~~طريقة هؤلاء في محاولة الربح. وكما هو الحال مع معظم هذا النوع من المستعمرات، كانت ~~الحياة الأفضل تعني العمل الشاق جدا لسنوات عديدة من أجل التجميع التدريجي ~~للأموال من قبل المستوطنين، والذي سيسمح لهم بشراء أرض أو تأسيس متجر أو ~~تجارة. # تعاقد الكثير من المهاجرين الأوائل إلى الولايات المتحدة على العمل لعدد معين من ~~السنوات لدى أصحاب الأعمال مقابل السماح لهم بالمرور إلى أمريكا. وفي حين بذل ~~بعض أصحاب العمل كل ما في وسعهم كي يتأكدوا من أن عمل هؤلاء لديهم لن ينتهي، هرب ~~بعض هؤلاء المهاجرين من أصحاب الأعمال (دائما ما كانت الأرض التي بدت خالية في ~~الغرب مكانا مغريا للهرب بالنسبة لهم). في معظم الأحيان، كان النظام يعمل كما كان ~~المستهدف منه بالنسبة للغالبية. وبعد أن كان العمال يعملون سنوات العمل المطلوبة ~~منهم، كانوا يعملون لحسابهم حتى يتمكنوا من شراء أرض أو يؤسسوا - على نحو مستقل - ~~متجرا أو تجارة. بطبيعة الحال، فشل البعض، لكن كانت ms047 هناك فرص حقيقية لتحسين ~~المستوى، وكانت هناك ممارسات شبيهة في الكثير من المستعمرات؛ لأن تكلفة المرور فاقت ~~بكثير موارد الأشخاص الأشد حاجة للرحيل. # بالتأكيد كان البعض أفضل حالا؛ ومن ثم تمكنوا من الاستقرار على نحو أيسر. على ~~سبيل المثال، استقر جيه هيكتور سان جون دي كريفكور (1735-1813) فيما أصبح - فيما ~~بعد - الولايات المتحدة في عام 1759، واتخذ اسم جون هيكتور سان جون عندما أصبح ~~مواطنا، وتزوج واشترى مزرعة، وبدأ في الزراعة والكتابة عن تجربته. وفي عام 1782، ~~نشر «خطابات من مزارع أمريكي» (إضافة إلى طبعات مزيدة منها في عامي 1784 و1787)، ~~وفيها وصف أمريكا لجمهور أوروبي مستخدما مصطلحات شبه يوتوبية. كانت خطابات كريفكور ~~أقل إيجابية في الطبعات اللاحقة، إلا أن هذا الوصف اليوتوبي من قبل المستوطنين ~~أصبح شيئا معتادا، وساعد في جذب المهاجرين إلى أغلب مستعمرات المستوطنين. وفي بعض ~~الحالات، نشر وكلاء الأراضي أوصافا خيالية وخطابات خيالية في بلادهم لجذب ~~المهاجرين. # شكل 3-1: أعلنت وثيقة «إعلان الاستقلال» استقلال ثلاث عشرة مستعمرة ~~أمريكية عن الحكم البريطاني. وأكدت على أن للشعب «حقوقا محددة لا ~~يمكن التصرف فيها.» وأكدت على حق الثورة. # اضطلعت عادة اليوتوبيات المبكرة في مستعمرات المستوطنين بمسائل عملية، مثل توزيع ~~الأرض وبنية الحكم. وفي نهاية الحقبة الكولونيالية، ومع انفصال المستعمرات ~~الأمريكية عن بريطانيا وتحولها إلى ما يعرف بالولايات المتحدة الأمريكية، تم وضع ~~ثلاث وثائق، اثنتان منها ألهمت قيام يوتوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية ~~وغيرها. أكدت الأولى، والمتمثلة في «إعلان الاستقلال»، على الحرية والمساواة وبررت ~~الثورة. أما الوثيقة الثانية، والمتمثلة في «مواد الكونفدرالية»، فينساها الكثيرون، ~~ويعدها الكثيرون - بوجه عام - فاشلة؛ لأنها لم تنص إلا على حكومة مركزية ضعيفة، ~~وتركت أغلب السلطة للولايات، إلا أنه بموجبها انتصرت الولايات المتحدة الأمريكية ~~على الثورة، وأسست علاقات دبلوماسية، ووسعت من أرضها. والوثيقة الثالثة، والمتمثلة ~~في الدستور الأمريكي، المعروف عادة بأنه أول دستور مكتوب - مع تجاهل مواد ~~الكونفدرالية - كانت نموذجا لكثير من الدساتير الأخرى. وبعد التصديق على الدستور، ~~أدخلت عشرة تعديلات، معروفة ب «وثيقة الحقوق»، وأضحت تلك التعديلات ms048 وثيقة يوتوبية ~~محورية في الولايات المتحدة الأمريكية. وفكرة توضيح بنية الحكم وحقوق وواجبات كل ~~من المواطنين والحكومات ألهمت الكثير من الدساتير ووثائق الحقوق اليوتوبية، إضافة ~~إلى الكثير منها التي جرى تفعيلها. ~~(5-2) كندا وأستراليا ونيوزيلندا # في كندا، كانت العلاقة بين الإنجليز والفرنسيين ذات أهمية خاصة في اليوتوبيات ~~الكندية المبكرة، واستمرت مسألة جوهرية في كندا الفرنسية. فعلى سبيل المثال، تحمل ~~يوتوبيا كندية مبكرة مكتوبة بالإنجليزية، وهي «الإقطاعي الشاب، أو صنع أمة» ~~لويلفريد شاتوكلير (1888) اسما مستعارا نصفه إنجليزي، ونصفه الآخر فرنسي، ~~وتتناول على نحو مباشر العلاقات الإنجليزية الفرنسية. وركزت أول يوتوبيا كندية ~~فرنسية «رحلتي إلى القمر»، التي حملت الاسم المستعار نابليون أوبين (1839)، على ~~الاستقلال عن كندا الإنجليزية. # في أستراليا، كان هناك موضوع سائد يتعلق بكيفية التعامل مع الجزء الأوسط من ~~البلد الكبير الخالي، والظروف الطبيعية ~~القاسية - بوجه عام - السائدة فيه، ~~والذي يواجه - على نحو منتظم - الحرائق والجفاف من ناحية، والفيضانات من ناحية ~~أخرى، وهي مشكلات ما زالت موجودة حتى الآن؛ أدى هذا ربما إلى ظهور أول ديستوبيا ~~تتحدث عن الاحترار العالمي، وكانت بعنوان «الغبي وميراثه» (1911)، كتبها جيمس ~~إدموند (1859-1933) الذي ترأس لفترة طويلة تحرير المجلة الأسترالية «ذا ~~بوليتين». # تناولت غالبا يوتوبيات نيوزيلندا، مثل عمل ألكسندر ~~جويس (1840 / 1841-1927) «الأرض! حوار ~~في 1933» (1881)، إعادة توزيع الأرض وغيرها من سبل تحقيق قدر أكبر من المساواة. ~~وفي الوقت نفسه، صور كثير من يوتوبيات نيوزيلندا المبكرة نيوزيلندا ذاتها ~~باعتبارها يوتوبيا. على سبيل المثال، تصور القصائد اليوتوبية المبكرة مثل ~~قصيدتي «نهر أفون» (1854) لهنري جاكوبس (1824-1901)، و«لا يوجد مثيل حتى الآن ~~لأوتاجو» (1861) لجون بار من كريجيلي (1809-1889)، جزأين من نيوزيلندا: كانتربري ~~وأوتاجو على الترتيب، على أن كلا منهما يوتوبيا جاهزة، واستمر هذا النهج لوقت ~~طويل حتى أواخر القرن العشرين. ~~(5-3) أمريكا اللاتينية والجنوبية # كان الأدب السياسي في أمريكا اللاتينية والجنوبية مهتما في الأصل بالاستقلال، ~~ولم يظهر الأدب اليوتوبي على وجه الخصوص نسبيا على نحو سريع، رغم وجود بعض ~~الاستثناءات. وعندما ظهر الأدب اليوتوبي، كان منشغلا بالقضايا نفسها التي انشغلت ms049 ~~بها مستعمرات المستوطنين الأخرى، وكانت التفاوتات في الثروة والفقر هي الأشيع. ~~وبمرور الوقت، تغيرت القضايا مبدئيا قليلا، لكن زاد تعقد اليوتوبيات مع زيادة ~~عددها. وفي أواخر القرن العشرين، بدأت الشعوب الأصلية هي الأخرى تكتب يوتوبيات، وقد ~~كتبوا غالبا ديستوبيات تصور على نحو روائي المعاملة التي يلقونها على يد ~~المستوطنين. # إبان حقبة الكولونيالية، كانت العلاقة بين المستعمرين والسكان الأصليين تتسم ~~بالعنف في الغالب، لكن كانت هناك محاولات - أحيانا ما استندت مباشرة إلى كتاب ~~«يوتوبيا» لمور - لتكوين علاقات أفضل. وفي حين أن هذه المحاولات تبدو من منظور ~~القرن الحادي والعشرين أقل إيجابية مما تبدو في أعين أصحابها، فقد كانت نماذج ~~لاتجاه يوتوبي أبوي كان له أوجه شبه مع رؤية مور، رغم وجود اختلافات فيما يتعلق ~~بالمؤسسات المتضمنة. # كتب بارتولومي دي لاس كاساس (1484-1566)، وهو دومينيكي إسباني، «في حق الجزر ~~الهندية» (1516)، الذي ربما تأثر به مور. كما حاول تأسيس مجتمع في فنزويلا كان ~~سيضم مزارعين إسبانيين يعلمون أساليب الزراعة الحديثة للسكان الأصليين، الذين ~~كانوا سيدفع لهم أجر عادل بدلا من أن يتم استعبادهم، وهو الأمر الذي كان سائدا ~~حينها. كانت الخطة تنصير الهنود وجعلهم متحضرين، وفي الوقت نفسه تحسين العلاقات بين ~~المستعمرين والمستعمرين. # في عامي 1552 و1553، أسس فاسكو دي كيروجا (1470-1565)، وهو علماني إسباني تم ~~ترسيمه باعتباره أول أسقف لميتشواكان بالمكسيك، مستشفيات هندية أو بلدات كوميونية ~~في سانتا في دي مكسيكو، بالقرب من مكسيكو سيتي وسانتا في دي لا لاجونا خارج ~~ميتشواكان. وقام كلا المجتمعين مباشرة على تفسيره ليوتوبيا مور، وكان القصد ~~منهما تحسين حياة الهنود وتنصيرهم في الوقت ذاته. استمر كلا المجتمعين، لا سيما ~~المجتمع الموجود خارج ميتشواكان، لبعض الوقت، وحققا نجاحا من حيث البعدين ~~الاقتصادي والديني. # وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، أسس اليسوعيون «بلدات تبشيرية» أو مجتمعات ~~مصممة لتنصير شعوب المنطقة وحكمهم وتعليمهم. وتأسست هذه البلدات في الأرجنتين ~~وبوليفيا والبرازيل وباراجواي، واتخذت صورة مجتمعات حتى طرد اليسوعيون خارج تلك ~~المناطق. ~~(5-4) جنوب أفريقيا # تأخرت جنوب أفريقيا في إنتاج أدب ms050 يوتوبي، وعندما أنتجته كان منشغلا في المقام ~~الأول بقضايا التمييز العنصري، وكان قسم كبير منه يبرر الفصل العنصري ويدافع عنه. ~~ومن الأمثلة على هذا الأدب عمل جيمس مارشال ومارجريت سكوت مارشال «1960 (نظرة إلى ~~الماضي)» (1912) المكتوب بالإنجليزية، و«الأرض الموعودة» (1972) لكاريل شومان ~~باللغة الأفريقانية. # لكن أفرز آخرون صورة أكثر تعقيدا، وكتبت نادين جورديمر (المولودة عام 1923 ~~والحاصلة على جائزة نوبل في الآداب لعام 1991) عددا من الروايات حول ما أطلقت ~~عليه «الفجوة» بين هيمنة البيض والتغيير القادم، والتي كانت أحداثها تدور غالبا في ~~المستقبل القريب. وتصور رواياتها، مثل «شعب يوليو» (1981) و«رياضة الطبيعة» ~~(1987)، نطاق العلاقات العرقية بأكمله في جنوب أفريقيا، وأحيانا ما تبسطه إلى ~~أجزاء أخرى من أفريقيا، ولكن تؤكد على أن التغيير آت لا محالة، وأنه، رغم أن اتجاه ~~التغيير كان إشكاليا، يمكن تحسين الديستوبيا الحالية. # وعندما حدث التغيير، كانت أول قضية يتم تناولها هي ضرورة وضع دستور جديد، ويعتقد ~~الكثير من الجنوب أفريقيين أن الدستور يوتوبي بحق، رغم أن تفعيله لم يكن كذلك. وفي ~~الواقع، يراه كثيرون ديستوبيا. واليوم، كثير من الجنوب أفريقيين، سواء السود أو ~~البيض أو الملونون، غير راضين بشدة عن إيقاع و/أو اتجاه التغيير، ونشر عدد من ~~الأعمال الجنوب أفريقية في حقبة ما بعد الفصل العنصري اهتمت بالمستقبل، أغلبها - ~~كما هو الحال في سائر العالم - ديستوبية، وبعضها يصور مستقبلا انتكست فيه جنوب ~~أفريقيا وعادت إلى نظام الفصل العنصري، مثل «جنوب أفريقيا 1994-2004» (1991)، التي ~~نشرت تحت الاسم المستعار توم بارنارد، و«جاكوب» (1993)، لإدوارد لوري، و«قناع ~~الحرية» (1994)، لبيتر فيلهيلم (المولود عام 1943). ~~(6) يوتوبية ما بعد الكولونيالية # رغم استمرار عدد قليل جدا من المستعمرات على الطراز القديم، فلا تزال الهجرة قائمة ~~في ظل بحث الناس عن حياة أفضل. وإطلاق أحفاد المهاجرين الأوائل على مهاجري اليوم ~~«المهاجرين الاقتصاديين» استخفافا بهم يتجاهل حقيقة أنه دائما ما كان للهجرة بعد ~~اقتصادي، رغم أنه في حالات معينة كان لعوامل أخرى أهمية مكافئة أو أكبر. # وتختلف بعض الشيء يوتوبية ما بعد الكولونيالية في مستعمرات المستوطنين عن يوتوبية ~~ما ms051 بعد الكولونيالية في المستعمرات التي صممت في الأساس لاستغلال مواردها البشرية ~~والمادية. ورغم أن ذرية السكان الأصليين كانت تستخدم يوتوبيات المستوطنين لتبرير ~~التغيير؛ فإنه في بعض البلدان كانت ذرية المستوطنين تشرع في استيعاب أساطير السكان ~~الأصليين، بما فيها أساطيرهم اليوتوبية، ودمجها في يوتوبياتهم الجديدة. وفي المستعمرات ~~الاستغلالية، استخدم نفس الإرث السياسي للقوى الكولونيالية لتبرير الاستقلال، إلا أن ~~اليوتوبيات التي كتبت، التي سنناقشها في الفصل القادم، انشغلت على نحو مباشر بقضايا ~~محلية، لا سيما الإشكاليات التي صاحبت الاستقلال. ~~(7) التجارب اليوتوبية # أصبحت مستعمرات المستوطنين أماكن للتجريب اليوتوبي؛ فمنذ عام 1659، أنشئت مجتمعات ~~مقصودة داخل المستعمرات الأمريكية. وبينما أنشئ أول مجتمع على هذا الغرار في ديلاوير ~~على يد الهولندي بيتر بلوكوي (1629 تقريبا-1700 تقريبا)، وكانت فيه حرية دينية، فإن ~~أغلب المجتمعات الأولى أسسها ألمان، مثل مجتمع إفرتا في بنسلفانيا، وكانت دينية دون ~~وجود حرية دينية داخلها. # وعد دستور 1917 في المكسيك باستعادة نظام زراعة الأرض الجماعية (الإيخيدو)، الذي يرى ~~المكسيكيون أنه يعود لشعوب الآزتك. وفي هذا النظام، تملك الحكومة الأرض، لكن يتم ~~الانتفاع بها على نحو مشترك، وبموجب الإصلاحات التي أدخلت في ثلاثينيات القرن العشرين، ~~كان للفلاحين حق الانتفاع ما دام أنها يتم الانتفاع بها فعليا، ويمكنهم توريث هذا ~~الحق إلى أطفالهم. ألغي هذا الحق في تسعينيات القرن العشرين، لكن لا تزال بعض المناطق ~~التي تتم زراعتها باستخدام هذا النظام موجودة حتى الآن. # لم يكن هناك الكثير من المجتمعات المقصودة في أمريكا الجنوبية، لكنها كانت موجودة أو ~~لا تزال موجودة اليوم في البرازيل وتشيلي وكولومبيا والإكوادور وباراجواي. كان «كولونيا ~~ديجنيداد» مجتمعا ديستوبيا في تشيلي تأسس عام 1961، وقد سجن قائده بتهمة الاعتداء ~~الجنسي على الأطفال. وهناك ما يشير إلى سماحه للنظام العسكري الحاكم في تشيلي تحت قيادة ~~الجنرال أوجستو بينوشيه (1915-2006) باستخدام منشآت المجتمع لتعذيب خصوم النظام. # أما باراجواي، فقد جذبت عددا من المجتمعات من بلدان أخرى لتستوطن بها؛ ففي نهاية ~~القرن التاسع عشر، تأسست منطقة نويفا جرمانيا بهدف خلق مجتمع آري نقي، ولا تزال ms052 ذرية ~~سكانها الأصليين تقطن المنطقة. وفي الوقت ذاته، أسس ويليام لين (1861-1917)، القيادي ~~العمالي الأسترالي، وأتباعه منطقتي نيو أستراليا وكوزمي. وعلى رغم أن المجتمعين ~~لم يستمرا لفترة طويلة، وعودة لين وكثيرين غيره إلى أستراليا، فلا يزال من ذرية ~~الأستراليين من يعيشون بالمنطقتين. وفي عشرينيات القرن العشرين، استقر المينوناتيون من ~~أوروبا وأمريكا الشمالية في باراجواي وأسسوا مجتمعات لا تزال موجودة حتى الآن. # أصبحت أستراليا مركزا لحركة المدينة الحدائقية، التي نشأت مع العمل اليوتوبي ~~الإنجليزي «الغد: طريق سلمي لإصلاح حقيقي» (1898)، المشهور باسم «مدن الغد الحدائقية» ~~(1902)، لصاحبها إبنزر هاوارد (1850-1928). وتأسست المدن الحدائقية في كثير من البلدان، ~~مثل مدينة ليتشورث الحدائقية ومدينة ويلين الحدائقية في إنجلترا، ورادبيرن في نيوجيرسي ~~بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن يبدو أن أستراليا ضمت مجتمعات من هذا النوع أكثر من ~~أي بلد آخر، وأن نصيب الفرد بها من المجتمعات المقصودة أكبر من أي بلد آخر غير إسرائيل، ~~كما تملك نيوزيلندا عددا كبيرا من المجتمعات المقصودة. # تتخذ المجتمعات المقصودة أشكالا متنوعة، بما فيها المجتمعات الدينية المنعزلة على ~~نحو صارم، مثل جلوريافيل في نيوزيلندا، والمجتمعات العلمانية المفتوحة للأعضاء الجدد ~~والزيارات من الغرباء، مثل توين أوكس في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تتفاوت من حيث ~~الحجم؛ ففيها ما دون الاثني عشر عضوا حتى مئات الأعضاء. ثمة مجتمعات أنشئت منذ مئات ~~السنين، وثمة مجتمعات ظلت في المكان نفسه قرابة المائة عام، وثمة مجتمعات يافعة، وهناك ~~مجتمعات مقترحة كثيرة تنتظر إنشاءها. # الفصل الرابع # | اليوتوبية في الثقافات الأخرى # القاطنون بالجزيرة الشمالية «... لا يقومون بالزراعة أو أي فن أو حرفة أخرى. تنمو ~~شجرة اسمها باديسا في تلك الجزيرة الغنية ولا تتدلى منها ثمار، بل أقمشة فاخرة من ~~شتى الألوان يأخذ منها أهل الجزيرة ما يشاءون. وبالمثل، لا حاجة لهم لزراعة الأرض ~~أو حرثها أو جني ثمارها، ولا يصطادون السمك أو الحيوانات؛ لأن الشجرة نفسها تثمر ~~لهم على نحو تلقائي نوعا فاخرا من الأرز لا تغلفه قشرة. ومتى يشتهوا الغذاء، فما ~~عليهم سوى وضع الأرز على حجر معين كبير، ms053 ومنه يتقد لهب في الحال يطهو لهم طعامهم ثم ~~ينطفئ من تلقاء نفسه. وبينما يتناولون أرزهم تتدلى من أوراق بعض الأشجار مختلف ~~أنواع اللحوم المنتقاة المطهية لهم، فيأخذون منها كما يشاءون، وما يتفضل من طعامهم ~~يختفي على الفور.» # نص بوذي بورمي، نقله الأب سانجرمانو # في بلد صغير يسكنه عدد قليل من الناس، بإمكان الحكيم أن يكون السبب في عزوف الناس ~~عن استخدام الأدوات التي تسهل لهم العمل على نحو كبير. بإمكانه أن يجعل الناس ~~مستعدين للموت فداء لوطنهم بدلا من الهجرة منها. قد تكون المراكب راسية والعربات ~~الحربية منتظرة، لكن لن يعتليها أحد. ربما تكون أسلحة الحرب موجودة، لكن لن يتمرن ~~أحد على استخدامها. بإمكانه أن يتسبب في «عودة الناس (من الكتابة) إلى عقد الحبال ~~وقناعتهم بطعامهم، وسرورهم بملبسهم ، ورضاهم عن منازلهم، وسعادتهم بعملهم وعاداتهم. ~~سيكون البلد المجاور قريبا لدرجة أن تسمع صياح الديوك ونباح الكلاب هناك، لكن ~~سيكبر الناس ويموتون دون أن يفكروا ولو مرة واحدة في الذهاب إلى هذا البلد.» # داو دي جنج، نقله جوزيف نيدهام # يذهب كريشان كومار، صاحب كتاب «اليوتوبيا والديستوبيا في العصر الحديث» (1987)، إلى أن ~~اليوتوبيا ظاهرة وجدت في الغرب، وأنها نشأت من المسيحية، وأن أي يوتوبيات غير غربية ظهرت ~~كانت نتيجة الاتصال باليوتوبيات الغربية. واليوم يختلف أغلب الباحثين مع ذلك ويذهبون إلى أن ~~اليوتوبيات ظهرت في أغلب الثقافات، مشيرين إلى الصين البوذية والكونفوشيوسية والطاوية، ~~والهند البوذية والهندوسية، والبلدان الإسلامية بالشرق الأوسط، ودول جنوب شرق آسيا البوذية، ~~واليابان البوذية والشنتوية. # ابتكر توماس مور ضربا من ضروب الأدب، لكن ثمة نصوصا عديدة ظهرت في الغرب وخارجه تسبق ~~«يوتوبيا» مور تصف مجتمعا غير موجود يتفوق في جوانب محددة على المجتمع المعاصر. ويتضح أن ~~التقاليد اليوتوبية التي تسبق عمل مور كانت موجودة خارج الغرب. وعقب الاتصال باليوتوبية ~~الغربية، بدأت كل هذه التقاليد، إضافة إلى ثقافات أفريقيا، تفرز يوتوبيات باستخدام النموذج ~~الذي وضعه مور بعد تعديله ليتوافق مع ظروفها؛ نتيجة لذلك، تتناول يوتوبياتها قضاياها الخاصة ~~التي غالبا ما تختلف ms054 اختلافا جما من حيث الشكل والمحتوى عن اليوتوبيات التي كتبت في ~~الغرب بعد عام 1516. # وكما يتضح من الاقتباسين الموجودين في صدر الفصل، ورغم وجود اختلافات مهمة بين ~~الثقافات، فثمة أوجه تشابه بين الأساطير الخاصة بها. ثمة شكلان شائعان لليوتوبيا لهما نظير ~~في الغرب وموجودان بأغلب الثقافات: مجتمع نموذجي في الماضي، وصورة ما من الجنة. على وجه ~~الخصوص، شاعت فكرة وجود حقبة يوتوبية في الماضي وكانت محورية في الاتجاه اليوتوبي بأغلب ~~الثقافات؛ ففي بورما، قبل أن تصبح ميانمار، احتوى الدستور والنظام القانوني على مقدمات تربط ~~بوضوح القوانين الحديثة باليوتوبيا التي يعتقد أنها كانت موجودة في الماضي. وهكذا، ظل ~~الماضي اليوتوبي في بورما معيارا للحياة حتى نهاية القرن العشرين. # أكبر فارق بين الماضي اليوتوبي المسيحي المتمثل في جنة عدن وغيرها من الأساطير هو عدم ~~وجود خروج من الجنة. دائما هناك تفسير ما لانتهاء الماضي اليوتوبي، لكن ليس الانفصال ~~التام عنه الذي يمثله الخروج من الجنة؛ ونتيجة لذلك، فاليوتوبية ليست هرطقة. كما تختلف ~~الأساطير الأخرى عن أسطورة العصر الذهبي الإغريقية في أن الأسطورة الإغريقية يوجد بها سلسلة ~~من عمليات الخلق المنفصلة التي أدت إلى تكوين حاضر غير يوتوبي، في حين أنه لا توجد عمليات ~~خلق منفصلة في الثقافات الأخرى أو انفصال تام؛ وهذا يعني أن الماضي اليوتوبي لم يفقد ~~بالضرورة، ويمكن استخدامه نموذجا للمستقبل. وهذا مهم - بوجه خاص - في الصين؛ بسبب الاعتقاد ~~بأن كلا من اليوتوبيا الكونفوشيوسية واليوتوبيا الطاوية كانتا موجودتين بالفعل في الماضي، ~~وأنهما من ثم يمكن أن توجدا مجددا إذا فهمت - على نحو صحيح - المبادئ التي قامتا ~~عليها، وطبقت على أرض الواقع. ~~(1) الصين # إن اليوتوبية الصينية هي الأشهر من بين التقاليد اليوتوبية التي ظهرت خارج الغرب، ~~ولها جذور في الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية، والكونفوشيوسية الجديدة، ومجموعات منشقة ~~شتى، وذلك في شكل أكثر قبولا. ذاع صيت الأدب اليوتوبي الصيني في القرنين التاسع عشر ~~والعشرين رغم ظهوره قبل ذلك، في حين ازدهر الأدب الديستوبي الصيني في القرن العشرين. ~~وكان هناك عنصر يوتوبي قوي في ms055 شيوعية ماو تسي تونج، رغم أن نتيجة سياسات ماو كانت ~~ديستوبية بالنسبة لكثيرين. # واختلفت اليوتوبية الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية المبكرة في أن اليوتوبيا الطاوية، ~~التي غالبا ما يطلق عليها «السلام العظيم»، كانت معارضة في البداية للحكومة بأشكالها ~~كافة، ويمكن أن نصفها بأنها لا سلطوية، واليوم، كثيرا ما توصف الطاوية بأنها لا ~~سلطوية. التقاليد الثلاثة جميعها تستلهم فترة ما في الماضي عندما لم تكن وظيفة الحاكم ~~ضرورية وعاش الناس ببساطة في تناغم مع الطبيعة. وتغيرت هذه اليوتوبيا تدريجيا لتركز ~~على الحاجة إلى رجال حكماء لتقديم النصح والتوجيه. والكونفوشيوسيون خاصة دائما ما ~~ينظرون لتلك الفترة من الماضي بوصفها مثلا أعلى ينبغي خلقه مجددا في الحاضر. ومن أهم ~~عناصر اليوتوبيا الكونفوشيوسية وجود تركيز على التطوير الذاتي، وهذا التركيز والاهتمام ~~بالرجال الحكماء كانا أساسين للدور الذي لعبه التعليم في المجتمع الصيني باعتباره وسيلة ~~أساسية للارتقاء المجتمعي (رغم أن الاهتمام بالحكمة حل محله القدرة على اجتياز ~~الاختبارات). # ثمة طرح يوتوبي مبكر آخر تمثل في نظام زراعي طرح فكرة التقسيم المتساوي للأرض، وقد ~~قدم على أنه كان موجودا في الماضي، وأنه يمكن تطبيقه مجددا. والفكرة تكمن في أنه ~~إذا كان كل شخص يمتلك قطعة أرض، فهو قادر على إعالة نفسه. ربما لم يوجد هذا النظام في ~~الماضي، إلا أنه طرح على نحو جدي باعتباره أسلوبا يمكن تطبيقه فيما بين نهاية فترة ~~ما قبل الميلاد وبداية فترة ما بعد الميلاد. # يضم «كتاب الشعر» - وهو أول سجل للأدب ~~الصيني - قصيدة، يطلق عليها بوجه عام «الفأر الكبير»، تشير إلى أن الناس سيتمكنون من ~~إيجاد مكان أفضل يعيشون فيه بدلا من المكان الذي يعيشون به الآن، إلا أن اليوتوبيا ~~الصينية الكلاسيكية هي «أرض أزهار الخوخ» لصاحبها تاو يوان مينج (365-427). وفي أحداث ~~هذه القصة، يقصد صياد سمك ذات يوم جدولا لم يقصده من قبل، ويصادف بستان خوخ مثمرا ~~على ضفتي الجدول. وإذ أعجبه بشدة جمال البستان، أخذ يخوض الجدول حتى وصل إلى كهف ~~صغير ينبع منه الجدول. دلف إلى الكهف بصعوبة ms056 عبر فتحة صغيرة ليجد نفسه في سهل واسع ~~تتناثر فيه منازل بسيطة وحقول وبرك بديعة، وكانت السعادة بادية بوضوح على جميع السكان ~~الذين شاهدهم، فأنزلوه منازلهم وأطعموه وأخبروه أنهم هربوا من الاضطرابات التي سادت في ~~عهد أسرة تشين القديمة، قبل أحداث القصة بنحو 600 عام، وأن أجدادهم استقروا بهذا المكان ~~المنعزل وقطعوا كل صلة لهم بالعالم الخارجي. بعد مكوثه معهم لبضعة أيام، اختار الصياد ~~المغادرة، وطلبوا منه حينها ألا يطلع أحدا بالخارج على أمر هذا المكان. وعندما عاد ~~لوطنه، أبلغ السلطات عن المكان، لكن لم يتمكن أحد قط من العثور عليه. # كان للقصة تأثير على الأدب الصيني الذي ظهر بعدها، وأعيد إنتاجها في اليابان، وكانت ~~الكلمة اليابانية المقابلة ل «أرض أزهار الخوخ» هي «شانجري-لا». وفي الصين، استخدم ~~كتاب صدر في القرن الثامن، بعنوان «كوانج-إي تشي»، نهجا مماثلا لوصف زيارات لأرض ~~يسكنها الخالدون من الطاويين، ومجموعة من النساء اللائي هربن من العمل القسري المضني في ~~بناء سور الصين العظيم، واللائي أسسن مجتمعا يوتوبيا في واد معزول حيث أمسين ~~خالدات. # تطور الأدب اليوتوبي الصيني في القرن الثامن عشر، وكان أشهر أعماله «أزهار بالمرآة» ~~(1828)، لصاحبه لي جو-تشين (1760؟-1830؟). ويشبه هذا الكتاب إلى حد ما رواية «رحلات ~~جاليفر»؛ لأنه عرض لرحلات لعدد من البلاد، مثل «تشان-تسو كو»، أو بلد النبلاء، و«تا-جين ~~كو»، أو بلد العظماء، لكن الرحلة التي حظيت بأكبر اهتمام هي الرحلة إلى «نو-إير كو»، ~~أو بلد النساء؛ حيث تتقلد النساء مقاليد السلطة كلها، ويتلقين القدر من التعليم الذي ~~يحظى به الرجال في أي مكان آخر. وفي حين يمكن اعتبار «بلد النساء» إقرارا مبكرا بحقوق ~~المرأة، فلم تنشر يوتوبيات نسوية في الصين حتى القرن العشرين. # شكل 4-1: كونفوشيوس يقدم جوتاما بوذا الصغير إلى لاوتزه، صاحب كتاب «تاو ~~تي تشينج»؛ ومن ثم تضم الصورة مؤسسي طرق التفكير الثلاث التي هيمنت على ~~الصين القديمة. # في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ركزت اليوتوبيات الصينية في معظمها على ~~ضرورة تبني التكنولوجيا الغربية، مع الإبقاء على المنظومة ms057 الأخلاقية الصينية للتخفيف ~~من وطأة تلك التكنولوجيا، وفي القرن العشرين تم إنتاج ديستوبيات ترفض التكنولوجيا ~~الغربية. وكتب الفيلسوف الاجتماعي كانج يو-واي (1858-1927) عددا من الأعمال اليوتوبية ~~يقبل فيها التكنولوجيا الغربية ويعرض لدولة عالمية ديمقراطية تقوم على مساواة واسعة ~~النطاق. وهذه الدولة لها برلمان عالمي يقوم، من بين مهامه التشريعية المعتادة، باستحداث ~~لغة عالمية، والإشراف على الخفض التدريجي في حجم الجيوش في جميع أنحاء العالم. وستلغى ~~الرأسمالية، وجميع الملكيات الخاصة. وأكدت يوتوبيا كانج على ضرورة تغيير وضع المرأة؛ ~~الأمر الذي سيقتضي، من بين جملة أشياء أخرى، السماح بالطلاق وابتكار عقود زواج محددة ~~الأجل بين الرجال والنساء. # في القرن العشرين، قدم عدد من الكتاب دساتير نموذجية لصين تقوم في المستقبل، مثل ~~«مستقبل الصين الجديدة» (1902) لصاحبه ليانج تشي-تشاو (1873-1929)، و«زئير الأسود» ~~(1905-1906) لصاحبه تشين تيان-وا؛ والكتاب المجهول الصاحب «روح الدستور» (1907). وفي ~~صين القرن العشرين، كان ماو تسي تونج يوتوبيا بجلاء في رغبته في تحويل المجتمع الصيني ~~على غرار رؤيته له، ويمكن القول بأن شيوعية ماو كانت ماركسية ولها أصول في ~~الكونفوشيوسية. ~~(2) الهند # تشير النصوص الأساسية للديانات الهندية التقليدية إلى عصر ذهبي في الماضي، وتتتبع ~~التغيرات والسقطات التدريجية في السلوك الإنساني التي تؤدي إلى نمو الخلافات الاجتماعية ~~وضرورة وجود الحاكم. وتلك الأوصاف لحقب ساد فيها السلام والازدهار في الماضي، رغم ~~اشتمالها على عناصر فانتازيا مثل المحاصيل الدائمة التجدد، أساسية في الحركات الدينية ~~والاجتماعية والسياسية اليوم. # في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نشرت أعمال يوتوبية لكاتبين ~~هنديين، وهما الكاتب الهندوسي هارا براساد شاستري (1853-1931)، والكاتبة المسلمة رقية ~~شوكت حسين (1880-1932). على الأرجح، نشر عمل شاستري «انتصار فالميكي» في نهاية ~~سبعينيات القرن التاسع عشر أو بداية ثمانينيات القرن نفسه، ونشر بالإنجليزية في عام ~~1909، ويصور الجنة الهندوسية على الأرض بوصفها يوتوبيا حديثة. وكتبت رقية عملها «حلم ~~السلطانة» (1905) ونشرته باللغة الإنجليزية. أما عملها «الياقوت» (1924)، فكتبته ونشرته ~~باللغة البنغالية. وكلا العملين يوتوبيا نسوية. ويصف «حلم السلطانة» أرض النساء، وهي ~~بلد تقطنه النساء، وأما «الياقوت»، الذي يركز على ms058 نحو أساسي على الأوضاع الفظيعة ~~للمرأة الهندية في ذاك الوقت، فيصف مجتمعا من النساء يقدم مدرسة للبنات، ومأوى ~~للنساء اللاتي تمت إساءة معاملتهن، ومشفى للمرضى من النساء. وأسست رقية مدرسة للبنات ~~عام 1910 لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. # كان موهانداس كيه غاندي (1869-1948) يوتوبيا، واستخدم مفهوم «راماراجا» الهندوسي، ~~أو حكم راما، أو العصر الذهبي باعتباره وسيلة لإيصال أفكاره. حدد غاندي ما كان يؤمن أنه ~~هيكل الحضارة الهندية القديمة ليكون أساس اليوتوبيا التي أمل في تحقيقها في الهند ~~الحديثة. # فاضل غاندي على نحو مباشر بين رؤيته للماضي/المستقبل وبين الديستوبيا، الرأسمالية ~~والاشتراكية، التي شاهدها في الغرب المادي التنافسي؛ لأنه، بالنسبة لغاندي، يجب أن يتم ~~تأسيس اليوتوبيا على الروحانية. كان المزمع أن تقوم يوتوبيا غاندي على مجتمعات صغيرة ~~سيؤدي فيها كل من المجموعات أو الطبقات الرئيسية بالمجتمع الهندي دورها المحدد ~~بالتعاون مع جميع المجموعات الأخرى. وسيحكم هذا المجتمع الصغير كبار القرى، البنتشايت، ~~ويمثلون المجتمع بأسره. وتمثلت أكثر مراجعات غاندي الجذرية لهذا الهيكل التعاوني في أنه ~~سيضم الداليت، أو طبقة المنبوذين، ولن يستثنيها، وسيحظى هؤلاء بمقاعد في البرلمان بحسب ~~الدستور، وستكون الحياة بسيطة، وسيتعاون الكل في إنتاج ما يحتاجونه. واشتهر عن غاندي ~~نفسه أنه كان ينسج القماش. # أول المبادئ التي قامت عليها يوتوبيا غاندي هو «سواراج»، أو ضبط النفس/الانضباط ~~الفردي، وتحققه الأمة بالقدر الذي يحققه مواطنوها. والمبدأ الثاني هو «أهيمسا»، أو ~~احترام الحياة، والثالث «ساتيا جراها»، أو قوة الحقيقة، والتي كان يعني بها غاندي ~~الممارسة الإيجابية للاعنف. ورابعها اشتراكية دون اختلافات طبقية. وفي ذلك كان غاندي ~~سباقا على المنظرين الاشتراكيين مثل ليوبولد سيدار سنجور (1906-2001) من السنغال، ~~وجوليوس كيه نيريري (1922-1999) من تنزانيا، وأو نو (1907-1995) من بورما. وقد كان ~~فينوبا بهافي (1895-1982)، تابع غاندي، صاحب النسخة الهندية منها. # واليوم، توجد بالهند حركة يوتوبية قريبة من مراكز السلطة السياسية. وترغب حركة ~~هندوتفا في القضاء على التعددية الدينية بالهند، وإقامة الهند - أو بحسب تعبير الحركة: ~~إعادة إقامتها - لتكون أمة هندوسية بالكامل. والمستهدفون من تلك ms059 الحركة هم المسلمون ~~والمسيحيون، وقد استخدمت السلطة القانونية والسياسية إضافة إلى العنف ضد هذين ~~الهدفين. ~~(3) اليابان # ثمة خلاف حقيقي حول وجود يوتوبية يابانية أصلية. والأساطير اليابانية إما تضم ~~يوتوبيات وإما لا. وإن كانت تضمها، كانت اليوتوبيا إما مستعارة من الصين وإما لا. ~~والجدل مستمر حتى يومنا هذا حول إن كانت اليوتوبيات اليابانية مقلدة على نحو كبير أو ~~أصلية مبتكرة. # والإجابة على هذه الإشكالية، كما هو الحال في كثير من الأحيان، موجودة بين طرفي ~~النقيض. ثمة تقليد يوتوبي ياباني قوي، بعضه تأثر تأثرا عميقا بالصين وفيما بعد ~~بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن قدرا كبيرا منه قد دخلت عليه تعديلات ~~جذرية كي يتناسب والوضع الياباني. على سبيل المثال، لم تكن أول ترجمة يابانية ل ~~«يوتوبيا» توماس مور تحت اسم «عن الحكم الرشيد » (1892) - في الواقع - ترجمة، بل مواءمة ~~لتناسب اليابان، الهدف منها حث اليابانيين على إحداث تغيير اجتماعي. # وكلمة يوتوبيا في اليابانية هي ريسو-كيو، المشتقة من كلمة طوكويو؛ أي عالم موجود ~~للأبد. واستخدمت كلمة طوكويو قديما في القرن الثامن لوصف العالم الطاوي المكون من ~~خالدين، والذي يعد في التقليدين الصيني والياباني كيوتوبيا. وتشير «طوكويو نو كوني» ~~(البلد الخالد) إلى الجزء الخامس من كون الشنتو الذي يقع بين البحار، وهو مكان يوتوبي. ~~وثمة تقليد ياباني يقوم على التطلع إلى الماضي بحثا عن يوتوبيا على أمل خلقها مجددا ~~في المستقبل. # تأثرت اليابان تأثرا عميقا بالبوذية وكذلك الطاوية، لكن دخلت تعديلات على كلتيهما ~~باليابان؛ فقد أدمجت مظاهر معينة من الطاوية في عقيدة الشنتو، واستحدثت اليابان نسختها ~~من البوذية؛ بوذية الزن، التي كان لها تأثير كبير على الغرب في وقت لاحق؛ حيث تعتبر ~~أكثر أشكال البوذية تطورا. وغالبا ما يجري تمثيل روح الزن في الغرب بالتقشف والبساطة ~~اللذين تتمتع بهما حديقة حجرية. وتقول سوزان جيه نابير، الباحثة في الأدب الياباني ~~بجامعة تافتس إنه توجد يوتوبيا جمالية يابانية تقليدية، وهي التي يمكن العثور عليها في ~~ذاك العمل الكلاسيكي من الأدب الياباني «قصة جنجي» (القرن الحادي عشر). بينما ms060 ذهب آخرون ~~إلى أن فن اليوكيو الياباني يمكن اعتباره يوتوبيا جمالية تصور المتع العابرة والجمال ~~الزائل. # شكل 4-2: تختلف حدائق الزن عن أغلب الحدائق في أنها تتكون على نحو أساسي ~~من الحجارة والرمال، وهي تعكس شكلا فنيا يابانيا. وتساعد العناية ~~بالحديقة وعملية تقليب تربتها وتسويتها الرهبان على التركيز ~~والتأمل. # وفي الوقت نفسه، يمكن إيجاد بوذية أكثر تقليدية في الجنات البوذية اليابانية، التي ~~تضم مدنا غاية في التعقيد. ويقوم قاسم من البوذية اليابانية، مثل قاسم من البوذية ~~الهندية والصينية، على ترقب ميروكو أو مايتريا؛ بوذا المستقبلي الذي سيأتي في زمن معين ~~بالمستقبل ليحيي البوذية من جديد. # ثمة قصة شهيرة، بعنوان «قصة قاطع البامبو»، تعود إلى نهاية القرن التاسع أو بداية ~~القرن العاشر، وفيها يأتي زائر من القمر ويكافئ أحد البشر على مساعدته له، وهي تعتبر ~~يوتوبيا يابانية مبكرة. إلا أن أشهر اليوتوبيات اليابانية المبكرة هي أعمال تأثرت ب ~~«أرض أزهار الخوخ»، التي جرت ملاءمتها قليلا لتتناسب مع اليابان. على سبيل المثال، في ~~«قصة أوراشيما تارو»، ينقذ ابن صياد سمك سلحفاة من الأولاد الآخرين ويكافأ برحلة ~~إلى عالم شبيه بالفردوس. وبعد عودته، يكتشف أنه غاب لوقت طويل للغاية وليس لبضعة أيام، ~~وتلك سمة معتادة في مثل تلك القصص بأغلب الثقافات. # ثمة أساطير يابانية تقليدية ذات محتوى يوتوبي، وعلى الأقل بضع قصص يابانية قديمة ~~احتوت على بعض المحتوى اليوتوبي، وكلتاهما مستمدتان من مصادر صينية ولكن جرى تعديلها ~~باليابان. لكن أغلب اليوتوبيات اليابانية جرى نشرها بعد الاتصال بأوروبا والولايات ~~المتحدة الأمريكية، ولم يظهر الأدب الياباني اليوتوبي سريعا. وفي القرن السابع عشر، ~~كان هناك عمل قصير لإيهارا سايكاكو (1642-1693) اسمه «حياة رجل عاشق» (1682) يصور في ~~أغلبه مجموعة من الرجال يعيشون من أجل المتعة فقط، لكن ينتهي بهم الحال وهم يبحثون عن ~~«جزيرة نيوجو»، وهي جزيرة منعزلة تقطنها النساء القويات فقط. في القرن الثامن عشر، كانت ~~هناك فانتازيات شتى عن السفر والرحلات، بما فيها واحدة على الأقل تقوم على رواية «رحلات ~~جاليفر» لسويفت. وضمن أندو شويكي ms061 (1701-1758) جزءا في عمله «شيزن شينايدو» (1775) ~~يوتوبيا بسيطة، وطبيعية، وذات اكتفاء ذاتي. # في نهاية القرن التاسع عشر، وبفعل تأثير الروايات الشهيرة لجول فيرن (1828-1905) ~~وبعده إتش جي ويلز، بدأ أدب الخيال العلمي الياباني يتطور؛ في البداية في صورة روايات ~~سياسية تتنبأ بالمستقبل، ثم في صورة روايات مستقبلية تكنولوجية. كانت في البداية ~~يوتوبية في المقام الأول، ثم تحولت إلى ديستوبية مثل أي مكان آخر، مع الهجوم، في بعض ~~الحالات، على الغرب بوصفه قمة الديستوبيا. وحديثا، تصور القصص المصورة اليابانية ~~المسماة «المانجا» مستقبلا ديستوبيا أو، في حالات أكثر ندرة، مستقبلا يوتوبيا ~~إيجابيا. ~~(4) الإسلام # تاريخيا، للإسلام تقليد يوتوبي محدود، لكنه يضم يوتوبيتين أساسيتين: الجنة، ~~والمجتمع المسلم المبكر بالمدينة المنورة؛ ففترة السلام بالمدينة المنورة قبل العودة ~~إلى مكة وضرورة القتال من أجل الدفاع عن الدين تمثل العصر الذهبي للإسلام. وفي ~~الواقع، يذهب بعض الباحثين المسلمين، مثل محمود محمد طه (1909-1985)، السياسي وعالم ~~الدين السوداني، إلى أنه ينبغي قراءة القرآن باعتباره يعكس حقبتين مختلفتين تماما، ~~حقبة المدينة المنورة وحقبة مكة، مع اعتبار الآيات التي نزلت في المدينة هي الأكثر ~~أهمية. وفي حين أن هذه بالتأكيد هي وجهة نظر الأقلية؛ فإن حقبة المدينة، قبل الحروب ~~والانقسامات التي خلفت طائفتي السنة والشيعة الرئيسيتين إلى جانب عدد من الفرق الأقل ~~حجما، تلعب دورا خاصا في الخيال الإسلامي. # وصفت «رباعيات» عمر الخيام (1048-1131) بأنها أول يوتوبيا فارسية، ويذكر إدوارد ~~فيتزجيرالد؛ صاحب الترجمة الإنجليزية الشهيرة لهذا العمل، أن هذا وصف صحيح لها. وتوحي ~~لنا مقاطع ذائعة الصيت، مثل «زجاجة الخمر ونصف الرغيف، وما حوى ديوان شعر طريف، أحب لي ~~إن كنت لي مؤنسا، في بلقع من كل ملك منيف»، بيوتوبيا أساسها المتعة، إلا أن ~~فيتزجيرالد قام بملاءمة لا بترجمة، وأن المقاطع كالمقتبسة لا تعكس العمل كله، وهي أقرب ~~إلى «سفر الجامعة» بتأكيده على حقيقة الموت باعتباره نهاية كافة متعنا. وفي حين أن هناك ~~مقاطع في هذا العمل تركز على المتعة والرغبة الجنسية، كان التأكيد على إيجاد السلوى في ~~الخمر؛ وهو ms062 تأكيد غير إسلامي على الإطلاق. # يعكس عملان من الزمن نفسه تقريبا على نحو أكثر دقة المعتقدات الإسلامية؛ فعمل «حي بن ~~يقظان: قصة فلسفية» الذي ظهر عام 1150 تقريبا، وعمل «الرسالة الكاملية في السيرة ~~النبوية» الذي ظهر بعد العمل السابق بحوالي 100 عام، يصوران طفلا وحيدا على جزيرة ~~معزولة للإشارة إلى أن العقل البشري يمكنه بنفسه استنتاج الحقائق الدينية؛ تلك الحقائق ~~التي تعدد أسس الإسلام. # وفي حين يرى من لا ينتسبون للإسلام أنه منظومة عقائدية واحدة ومتماسكة، فإنه في ~~الحقيقة اليوم منقسم انقساما كبيرا؛ فيوجد على أحد طرفي النقيض الليبراليون ~~والنسويون وحتى بعض المثليين الذين يحاولون تفسير القرآن على النحو الذي يؤيد موقفهم، ~~في حين يوجد على الطرف الآخر الإسلاميون الأصوليون الذين يدفعون بصحة تفسيرهم له. ~~والغالبية العظمى من المسلمين في الوسط فيما بينهما. وعلى اختلاف الإسلاميين فيما ~~بينهم ، فإنهم جميعا يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية معتبرين إياها أساسا للنظام ~~الاجتماعي، وهم أكثر المسلمين يوتوبية اليوم. ورؤية الجمهورية الإسلامية التي وضعها ~~الخميني (1900-1989) ورؤية طالبان لأفغانستان كانتا يوتوبيتين بجلاء، وبعض منشورات ~~الخميني، مثل «كشف الأسرار» (1944) و«الحكومة الإسلامية» (1971)، رغم أنها أطروحات، ~~فإنها تقدم وصفا مفصلا للمجتمع الإسلامي المثالي كما رآه، وقد تقلد فيما بعد السلطة ~~التي مكنته من محاولة تطبيق معتقداته على أرض الواقع. # ثمة أمثلة قليلة على التناول الأدبي لليوتوبيا من وجهة نظر الحركة الإسلامية، لكن ~~يوجد عملان - على الأقل - مهمان في هذا الشأن؛ يتمثل العمل الأول في «البعد الخامس»، ~~وهي مسرحية مكتوبة بسجن مصري؛ حيث أودع المؤلف السجن لانضمامه إلى جماعة الإخوان ~~المسلمين. ويبدو أن اليوتوبيا تقوم على تعاليم سيد قطب (1906-1966)؛ وهو أحد منظري حركة ~~الإسلام السياسي. أما العمل الآخر، وهو «البرنامج الثوري لفدائيان إسلام» (1950)، ~~للإيراني سيد مجتبى نواب صفوي (المولود عام 1924، والمعدم عام 1955)، فيرسم الخطوط ~~العريضة لنظام اجتماعي إسلامي مثالي. وهو مزيج غاية في البساطة، بل مفرط في البساطة، من ~~الدين الإسلامي والقواعد الأخلاقية. ~~(5) أفريقيا # يقول الناقد الأدبي الكيني سايمون جيكاندي إن محور الرواية الأفريقية هو «إشكالية ~~السلطة». ويقرأ ms063 الكثير من اليوتوبيات الأفريقية كما لو كانت روايات واقعية حول ~~الديستوبيات الموجودة في أوطانها في ظل حكم نظم ديكتاتورية مدنية أو عسكرية. وتتميز هذه ~~اليوتوبيات في الأساس بأنها تدور أحداثها في بلاد خيالية أو في المستقبل القريب. ولكن ~~الكثير من الروائيين الأفارقة كتبوا يوتوبيات إيجابية؛ فرواية الكاتبة بيسي هيد ~~(1937-1986) «عندما تتجمع سحب المطر» (1969) هي أكثر أعمالها يوتوبية، وتعرض محاولة ~~خلق قرية يوتوبية، لكن تعرض روايتاها «مارو» (1971) و«مسألة قوة» (1974) حياة القرية ~~الأفريقية الحالية من منطلق إيجابي في عمومه. كتب آيي كواي آرما (المولود 1939) ~~يوتوبيا وديستوبيا، وروايته «ألفا موسم» (1973) تقدم ماضي أفريقيا بتصور جديد في ~~صورة يوتوبيا تقوم على المساواة، لكن روايته «لم يولد الفاتنون بعد» (1968) تشبه ~~الديستوبيات الأفريقية الأخرى في عرض الوضع المعاصر في أحد البلاد، وهو الكونغو في هذه ~~الحالة، في صورة ديستوبيا. ويقدم وولي سوينكا (المولود عام 1934) يوتوبيا وديستوبيا في ~~رواية واحدة؛ فأول فصلين من روايته «موسم الفوضى» (1973) يقدمان يوتوبيا كوميونية، لكن ~~معظم الجزء المتبقي من الكتاب يعرض الواقع الحالي في صورة ديستوبيا. إلا أن بلد أييرو ~~اليوتوبي يوفر الفرصة لشيء أفضل. ومن مالي، تأتي القصيدة الملحمية «سوندياتا: ملحمة من ~~مالي القديمة» (1960) لجبريل تامسير نيان (المولود عام 1932)، التي تعرض التاريخ ~~الشفاهي لأحد ملوك مالي، وتنتهي باليوتوبيا التي نتجت عن نجاحه عندما ساد السلام ~~والازدهار. # شكل 4-3: شينوا أتشيبي (المولود عام 1930) هو كاتب نيجيري من قبيلة إجبو، ~~وقام بالتدريس في نيجيريا والولايات المتحدة، وهو مشهور بأعماله ~~الساخرة عن الحياة الأفريقية المعاصرة. # وعلاوة على اليوتوبيات المذكورة أعلاه، تضم اليوتوبيات الأفريقية؛ من كينيا، رواية ~~«محاكمة كريستوفر أوكيجبو» (1971) لعلي إيه مزروعي (المولود عام 1933)، وروايات «بتلات ~~الدم» (1977) و«الشيطان مصلوبا» (1980) و«ساحر الغربان» (2004) للكاتب نجوجي وا ذيونجو ~~(المولود عام 1938)؛ ومن نيجيريا، أعمال «اغتصاب شافي» (1983) لبوتشي إميكتا (المولودة ~~عام 1944) و«كثبان السافانا» للكاتب تشينوا أتشيبي (المولود عام 1930)، و«إدهاش الآلهة» ~~(1995) و«في أركاديا» (2002) للكاتب بن أوكري (المولود عام 1959)؛ ومن غانا، أعمال ~~«سيدة الطائرات» (1988) و«الميجور جنتل وحروب أشيموتا» (1992) للكاتب كوجو لينج ~~(المولود عام 1946)، و«ثورة السود» (1995) للكاتب كودو أبايدو؛ ومن السنغال، ms064 العمل ~~«نهاية الإمبراطورية: رواية سنغالية» (1980) للكاتب سيمبين عثمان (1923-2007). ~~(6) المجتمعات المقصودة # ازدهرت الأديرة البوذية في الهند والصين واليابان وجنوب شرق آسيا في وقت مبكر منذ عام ~~500 قبل الميلاد، وكان للأشرام تاريخ أطول؛ إذ يعود إلى نحو عام 1500 قبل الميلاد. ~~والأشرام أماكن للسكنى لمن يعيشون في نوع من الالتزام الروحاني في الهند. وهي نشأت عن ~~الهندوسية؛ ومن ثم مثلما تعتبر الرهبانية المسيحية الآن جزءا من التاريخ الطويل ~~للمجتمعات المقصودة في الغرب والمبشرة بالمجتمعات المقصودة الحديثة، لا تزال التقاليد ~~اليوتوبية في تلك المناطق مزدهرة، وتظل جزءا لا يتجزأ من الثقافة المحلية مع انتشارها ~~إلى بقاع أخرى من خلال الهجرة. # ومؤخرا، شيدت الهند أشراما مسيحية لتجذب الهنود المسيحيين إلى الكوميونية بالتوازي ~~مع الأشرام الهندوسية التقليدية، إلا أن تلك الأشرام المسيحية معرضة للخطر من حركة ~~هندوتفا. # شهدت الهند واليابان - على وجه الخصوص - في العصور الحديثة إنشاء عدد كبير من ~~المجتمعات المقصودة الدينية والعلمانية، وبعضها، مثل أوروفيل في الهند، كان له بالغ ~~التأثير على حركة المجتمعات المقصودة بأسرها. تأسس مجتمع أوروفيل في عام 1968، ~~ويقطنه حاليا حوالي ألفي شخص؛ ما يجعله - على الأرجح - أكبر مجتمع مقصود في العالم. ~~وهو يوظف حوالي أربعة آلاف شخص. # واليوم، خارج إطار المنضمين إلى حركة المجتمعات المقصودة، على الأرجح ترتبط ~~الكوميونية الهندية بالحركات الهندية التي انتقلت إلى خارج الهند، والتي يطلق عليها ~~كثيرون طوائف، مثل أتباع بهاجوان شري راجنيش (1931-1990)، الذي أسس مجتمعات في المملكة ~~المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما في أوريجون؛ حيث أوقفت أنشطتها وطرد ~~قائدها من البلد، وذلك بعد صراع مع الحكومات المحلية في المنطقة. لكن لعل أشهر مجموعة ~~اليوم هي الجمعية الدولية للوعي بكريشنا، أو حركة «هاري كريشنا»، التي يمكن رؤية ~~أعضائها يرقصون وينظمون مواكب ويغنون مرتدين أروابهم الملونة في أغلب المدن ~~الكبرى. # ولليابان تاريخ كوميوني ثري على وجه الخصوص؛ فإضافة إلى الأديرة البوذية، لا سيما ~~أديرة زن التي جذبت كثيرا من الغربيين وانتشرت في جميع أرجاء العالم، هناك حركة ~~تعاونية قوية. وقد تأثرت تلك ms065 الحركة بكتابات روبرت أوين، وتوجد جمعية روبرت أوين ~~باليابان منذ فترة طويلة. وكان باليابان أيضا ما يصل إلى 300 قرية تعاونية في سبعينيات ~~القرن العشرين. وشاعت فكرة المدينة الحدائقية في يابان ما قبل الحرب، لكنه أسيء فهم ~~الفكرة بوجه عام؛ ومن ثم، ما بني وأطلق عليه مدن حدائقية كان في الواقع قرى توجد في ~~ضواحي المدن، ولم تعكس المفهوم كما وضعه إبنزر هاوارد. # كما أنشأت اليابان مجتمعاتها الأصلية هي الأخرى، بما فيها طوائف ديستوبية مثل «أوم ~~شنريكيو»، التي قامت بمحاولة قتل الركاب في عدد من محطات مترو أنفاق طوكيو في عام 1995، ~~وذلك بنشر غاز السارين السام فيها. وقد تأسس أقدم كوميونات اليابان، «حديقة النور»، في ~~عام 1911، وانتقل إلى موقعه الحالي في عام 1928. وتأسس مجتمع «القرية الجديدة» في عام ~~1918، وتأسست مجتمعات أخرى على نحو منتظم حتى يومنا هذا، مع زيادة كبيرة في تأسيسها في ~~سبعينيات القرن العشرين بالتوازي مع الزيادة الكبيرة في إنشاء تلك المجتمعات التي شهدها ~~الكثير من البلدان الأخرى. وقامت معظم المجتمعات اليابانية على قائد ذي شخصية كاريزمية، ~~إلا أن بعضها استمر بعد وفاة هذا القائد. # شكل 4-4: مجموعة تنتمي لحركة هاري كريشنا ترقص بشارع أكسفورد بلندن في ~~عام 1980. # للصين تقليد طويل من الرهبانية البوذية، ودخلت الأديرة المسيحية البلاد مع ~~المسيحية، لكن صراعات القرن العشرين أدت إلى تعرض جميع المؤسسات الدينية للهجوم على ~~يد الحكومة الشيوعية، وتدمير كثير منها قسرا أو إغلاقها، ولم يعد فتح بعضها إلا هذه ~~الأيام. # غير أن الكوميونية الصينية في القرن العشرين ارتبطت عادة بالكوميونية القسرية الخاصة ~~بستينيات وسبعينيات هذا القرن؛ إذ نقلت الحكومة إبان تلك الفترة أعدادا كبيرة من ~~الناس من قراهم إلى مستوطنات كوميونية. وهي مجتمعات مقصودة من منطلق أن الحكومة هي التي ~~أقامتها، ولم تكن مجتمعات مقصودة من منطلق أن الأشخاص الذين كانوا فيها لم يكونوا هناك ~~بملء إرادتهم. على نحو مؤقت، بدا أن تلك المجتمعات تحقق مقاصد الحكومة المتمثلة في ~~تحقيق كفاءة أكبر في إنتاج الغذاء، وتوزيع السكان، واستغلال العمال (عن ms066 طريق إعطاء ~~النساء حرية العمل بقيامهن بالطهي ورعاية الأطفال على نحو مشترك)، والقدرة على ~~الاستفادة من العمالة من أجل تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وتوفير إسكان ومرافق صرف ~~صحي أفضل وما إلى ذلك، إلا أنه سريعا ما ثبت أنها أقل كفاءة بكثير من المأمول، وأقل ~~تخطيطا بكثير مما كان ينبغي أن تكون عليه؛ ومن ثم في حين أن المجتمعات المقصودة ~~الدينية التقليدية بدأت تظهر من جديد، فإن ذلك لم يحدث بالنسبة ل «الكوميونات ~~الصينية». # رغم بعض الاستثناءات القليلة، كانت كل المجتمعات المقصودة الأفريقية تقريبا نتاجا ~~لعملية الاستعمار؛ إذ كان الكوميونيون الأوروبيون يؤمنون بأن أفريقيا تعد المكان ~~المناسب لتطبيق أفكارهم على أرض الواقع، متجاهلين إلى حد ما حقيقة أن تلك الأرض ~~محتلة. بدأت أولى محاولات إنشاء تلك المجتمعات بمقترح لاستيطان سيراليون قدم في ~~«خطة 1789 لإقامة مجتمع حر على ساحل أفريقيا، تحت حماية بريطانيا العظمى؛ لكنه مستقل ~~تماما عن كل القوانين والحكومات الأوروبية.» لم يتحقق شيء من ذلك، لكن كانت هناك ~~محاولات شتى لاستيطان العبيد السابقين من بريطانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية ~~لسيراليون، ولم تحقق سوى نجاح محدود. ومنذ حوالي قرن مضى، اقترح تيودور هرتزكا إنشاء ~~مجتمعه الذي أطلق عليه فريلاند في أفريقيا، وحاز على تأييد كبير في البداية. لم ينجح ~~أي من تلك المقترحات، لكن كانت هناك تجربة ناجحة نوعا ما وضمت مقترحات يوتوبية، بوجه ~~عام، وبعض المجتمعات المقصودة، التي تمثلت في مستوطنة ليبيريا التي كونها العبيد ~~الأمريكيون المحررون تحت رعاية مختلف الكنائس الأمريكية، وفي بعض الأحيان، بتأييد ~~رسمي. وقد كتبت الرواية اليوتوبية «ليبيريا، أو تجارب السيد بايتون» (1853) لدعم هذا ~~المشروع. # لا يوجد أي تقليد كوميوني إسلامي، لكن تأسست في سبعينيات القرن العشرين بضعة مجتمعات ~~مقصودة حضرية وريفية في الولايات المتحدة الأمريكية على يد أمريكيين من أصول أفريقية ~~متحولين إلى الإسلام. ~~(7) المنظور العالمي # يتضح مما سبق أن اليوتوبية ليست ظاهرة خاصة بالغرب المسيحي فقط، لكنها موجودة بصور ~~شتى في أغلب الثقافات، إن لم يكن كلها. وشاع في هذا الإطار وجود أساطير ms067 تتحدث عن عصر ~~يوتوبي قديم، مع وجود اختلافات حول الجوانب التي حدث إخفاق فيها، وإن كان يمكن استعادة ~~تلك اليوتوبيا أو إعادة إنشائها أم لا. كذلك شاعت الرؤى حول الحياة الطيبة التي ينبغي ~~تحقيقها بالجهد البشري، وكانت معتمدة على الثقافة ذات الصلة. وعقب شهرة «يوتوبيا» مور، ~~صدرت يوتوبيات أدبية تستخدم نموذجه عبر أنحاء العالم، لكنها مجددا تعكس الأماكن عينها ~~التي كتبت فيها. وفي الوقت نفسه، غالبا ما كانت تواجه بلدان وثقافات مختلفة ~~مشاكل متشابهة، وأحيانا ما قدمت حلول متشابهة. وأثارت الحركات الاجتماعية، مثل ~~النسوية والمحافظة على البيئة، أسئلة تمت الإجابة عليها بطرق متشابهة في أماكن ~~مختلفة. ولكن أيضا قدمت أماكن مختلفة إجابات غير متشابهة على المسائل المثارة، ~~وعكست الإجابات بوضوح الظروف المحلية. # يبدو أن المجتمعات المقصودة الدينية نشأت على نحو مستقل في أماكن عدة، وأنها عكست ~~الظروف المحلية. نشأت المجتمعات العلمانية بعدها بفترة طويلة. واختلف بعضها حسب الظروف ~~والعادات المحلية، في حين بدا بعضها قريب الشبه بالمجتمعات في أي مكان آخر، وتوقف ذلك ~~على السبب وراء إقامة المجتمع. # الفصل الخامس # | اليوتوبية في التقليد المسيحي # لأغلب الأديان رواية ما عن حياة أفضل كثيرا، حتى وإن كانت بعد الموت فقط، لكن اليهودية ~~والمسيحية مشبعتان بالصور اليوتوبية. تعد المسيحية نبع اليوتوبية الغربية، واليوتوبية شاغل ~~جوهري، إيجابيا وسلبيا، في المعتقد المسيحي الحديث. وترتبط صور الماضي اليوتوبي (جنة ~~عدن) والمستقبل اليوتوبي (النعيم والجحيم، والمجيء الثاني للمسيح، وحكم المسيح للأرض لمدة ~~ألف سنة بعد مجيئه الثاني) بهذا العالم والآخرة، لا بمجرد ماض يتعذر بلوغه أو مستقبل مشكوك ~~فيه. أصبحت تلك الصور صورا لحياة أفضل (أو أسوأ)، غالبا في صورة فانتازيا، لكنها في نفس ~~الوقت كثيرا ما تطرح أسئلة حول الأسباب التي لا تجعل هذه الحياة حياة أفضل. في العصور ~~الوسطى، كان يبدو أن رجال الدين، لا سيما الرهبان، يعيشون حياة أفضل ممن يرعونهم، وتساءل ~~بعض الناس عن سبب عدم إتاحة تلك الحياة الأفضل لهم. وكثيرا ما تساءل الناس عن السبب وراء ~~أن الكنائس تبدو لهم أنها ms068 تساند الأغنياء وأصحاب السلطة في مواجهة أغلبية المؤمنين. ولما ~~كان الأغنياء وأصحاب السلطة يتمتعون بحياة أفضل في الوقت الراهن، فلم لا يمكن لبقيتنا ~~التمتع بها؟ ~~(1) الإنجيل # يضم العهدان القديم والجديد صورا ورسائل كثيرة غذت نشوء وتطور اليوتوبية الغربية؛ ~~فمن العهد القديم استفاد اليوتوبيون اللاحقون من تصوير جنة عدن والرؤى الكونية للأنبياء ~~ومقترحات البعض منهم، ومن العهد الجديد كان لرسالة المسيح، ووصف نهاية العالم، ومعركة ~~أرمجدون، وحكم المسيح للعالم لمدة ألف سنة في سفر ~~رؤيا يوحنا؛ أبلغ التأثير. علاوة على ذلك، تضم الأسفار الأبوكريفية (وهي الأسفار غير ~~المضمنة في الإنجيل) أوصافا لنهاية العالم، ومعركة أرمجدون، والحكم الألفي للمسيح التي ~~كان لها تأثير على المفكرين المسيحيين اللاحقين. ~~(1-1) العهد القديم # ضاعت الجنة ولا سبيل لاستعادتها. وبعد خروج آدم وحواء منها، أصبحت غير مأهولة ~~ومحظورة على الجنس البشري حتى المجيء الثاني للمسيح، لكن جنة عدن قدمت صورة ~~للتوحد مع الرب؛ للخلود والبراءة والأمان من الحيوانات البرية، والسلامة من تقلبات ~~المناخ، والوفرة دون كد. # سريعا ما أصبحت أوصاف جنة عدن أكثر تفصيلا مما كانت عليه في سفر التكوين، ~~ومثالا على ذلك وصف الشاعر اللاتيني بلوسيوس أميليوس دراكونتيوس القرطاجي (455 ~~تقريبا-505 تقريبا) الذي عاش بالقرن الخامس بشمال أفريقيا: # مكان تتدفق فيه أربعة أنهار، # مكان تزينه الورود الفيحاء، والمروج المزدانة بالجواهر، # حيث تنتشر النباتات الفواحة التي لا تذبل أبدا، # إنه أجمل حديقة في العالم الذي خلقه الرب. # هناك تنمو الثمار طوال العام بغض النظر عن موسمها، # هناك يسود الربيع الأرض على الدوام. # تكتسي الأشجار بكساء بديع، في صحبة خلابة، # وتتشابك الأوراق والفروع القوية مع بعضها # لتشكل غابة كثيفة؛ تستمد بأسها شامخة من تجمع كل شجرة # مع الشجرة المجاورة لها، أو تنتشر على بساط المروج. # لا تلفحها أبدا أشعة الشمس الحارقة، ولا تهزها # الرياح العاتية، ولا تعصف بها # العواصف العنيفة؛ فلا تهبط الثلوج من السماء، # ولا تهب العواصف الجليدية، ولا تكتسي الحقول # بالبياض جراء الصقيع. لكن بها نسائم عليلة، # تتصاعد من دفقات الينابيع المتلألئة الخفيفة. # تتمايل كل ms069 شجرة في خفة من النسيم الهادئ # ولا يغير من هذا الهدوء سوى حركة أوراق الشجر ... # لكن خروج آدم وحواء من الجنة غير كل هذا؛ فأصبح الكد والخوف والموت مصير الجنس ~~البشري. لم يعد هناك توحد مع الرب، وضاعت البراءة ليحل محلها الإثم، ممثلة في ~~ورقة التوت. كثيرا ما تفسر اليوتوبية على أنها رغبة في تجاوز الخطيئة الأصلية ~~والعودة إلى جنة عدن، أو خلق يوتوبيا جديدة مع زوال الخطيئة. وكما تقول المنظرة ~~السياسية جوديث سلار (1926-1992): # اليوتوبيا سبيل لرفض مفهوم «الخطيئة الأصلية» الذي اعتبر الفضيلة والعقل ~~البشريين على طبيعتهما ملكتين ضعيفتين أو فاسدتين على نحو يصعب إصلاحه. ~~وبغض النظر عما تقوله اليوتوبيات الكلاسيكية أو لا تقوله، فهي كلها تهاجم ~~النظرية الراديكالية للخطيئة الأصلية. # كانت هناك بعثات - حقيقية وخيالية - لاستكشاف جنة عدن، ونشرت تقارير حول موقعها؛ ~~ففي القرن الثامن عشر ظهرت عدن على الخرائط وكان موقعها في أرمينيا؛ لأن نهري دجلة ~~والفرات ينبعان من أرمينيا؛ ونتيجة لذلك، أصبحت عدن جنة أرضية من الممكن اكتشافها، ~~بل جنة سكنتها قبيلة اختفت أو حكمها أمير مسيحي عادل. وقد اعتقد المستكشفان ~~كريستوفر كولومبوس (1451-1506) وأمريجو فسبوتشي (1454-1512) أنهما ربما عثرا على ~~جنة الأرض في العالم الجديد. ~~(1-2) الرؤية الكونية للأنبياء # فزع الأنبياء من الأحوال الحالية للناس، وحذروا من نكبات أشد إن لم يقوم الناس ~~سبلهم، وتنبئوا بالحصول على حياة أفضل إن قام الناس بذلك. لم يجر التأكيد على ~~الجزء الأخير، لكنه كان موجودا؛ فكما قال النبي إرميا: # فيأتون ويرنمون في مرتفع صهيون، ويجرون إلى جود الرب على الحنطة وعلى ~~الخمر وعلى الزيت، وعلى أبناء الغنم والبقر، وتكون نفسهم كجنة ريا، ولا ~~يعودون يذوبون بعد؛ حينئذ تفرح العذراء بالرقص، والشبان والشيوخ معا، ~~وأحول نوحهم إلى طرب، وأعزيهم وأفرحهم من حزنهم. # الإصحاح 31، الآيات 12-13 # وقد قال النبي إشعياء كلاما مشابها في كلامه الشهير: # فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن ~~معا، وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا، ~~والأسد كالبقر يأكل تبنا. ms070 ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على ~~جحر الأفعوان. # الإصحاح 11، الآيات 6-8 # يؤكد إشعياء على نحو خاص على غياب البغضاء بين بني البشر والحيوانات، وفيما بين ~~الحيوانات، والتي كانت سمة مميزة لأغلب العصور الذهبية وجنات الأرض، فسيختفي خوف ~~شائع، وسيأمن الطفل بين الحيوانات التي كانت خطرة في السابق. # إلا أن رؤية الأنبياء الإيجابية كانت غامضة وبالغة التعميم. وأقرب إشارة إلى ~~يوتوبيا كلاسيكية في العهد القديم موجودة في سفر حزقيال (40-48)، وفيه وصف تفصيلي ~~للمعبد المعاد تشييده، والشعائر التي ستقام هناك، لكن هناك أيضا ذكرا للطريقة ~~التي ينبغي توزيع الأرض بها بين المعبد والأمير والقبائل المختلفة. ويشير إلى أن ~~إعادة تشييد المعبد ينبغي أن تنتهز باعتبارها فرصة لتحسين حياة الجميع. # ثمة تقليد في مختلف أجزاء العهد القديم، اعتبره الكثيرون أساسا لإقامة ~~اليوتوبيا؛ هو عام اليوبيل الموصوف في سفر اللاويين، الإصحاح 25، وسفر نحميا، ~~الإصحاح 10 الآية 31، وسفر الخروج، الإصحاح 3 الآيات 10-12، وعلى نحو أكثر ~~راديكالية في سفر التثنية، الإصحاح 15 الآيات 1-18. والمبدأ الأساسي هو أنه كل سبعة ~~أعوام تراح الأرض. ويقدم سفر التثنية المزيد من التفاصيل بذكره أنه في كل عام ~~سابع يجب العفو عن الديون كافة، عدا الديون إلى أجانب. وتؤكد كل الفقرات على مساعدة ~~الفقراء والأمانة في المعاملات التجارية. وقد استمدت حركة «يوبيل 2000» التي تدعو ~~لإسقاط ديون العالم الثالث اسمها من هذا التقليد. # شكل 5-1: لوحة «مملكة السلام على الأرض» (1834) لإدوارد هيكس ~~(1780-1849) التي تعد واحدة من إحدى وستين نسخة عن الموضوع. رسمها ~~هيكس بناء على سفر إشعياء (الإصحاح 11، الآيات ~~6-8). # وعلى مستوى أكثر تعميما، يقول النبي إشعياء إنه في المستقبل لن تكون هناك حروب أخرى: # فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين، فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم ~~مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفا، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد. # الإصحاح 2، الآية 4 # كما قدمت الكتابات اليهودية غير المشمولة في الإنجيل المسيحي صورا لمستقبل أفضل؛ ~~فقد ورد في سفر اليوبيلات (153-105 قبل الميلاد): # يتمون حياتهم في السلام والفرح. ms071 ولن يكون شيطان أو مدمر شرير، بل ~~تكون كل أيامهم أيام بركة وشفاء. # وقد ورد في «نبوءات سيبيل» ما يلي: # ستخرج الأرض الأم إلى الفانين أشهى ثمارها في صورة ذرة وخمر ~~وزيت لا يحصى. ومن السماء سينزل تيار من عسل مصفى، وستعتلي الأشجار ~~ثمارها، وستملأ الأرض قطعان الماشية والغنم وجديان الماعز. ستتفجر ~~ينابيع اللبن الأبيض الحلو، وستحفل المدن بأطيب الأشياء، وستطيب الحقول ~~بثمارها، ولن تندلع حرب أو يحدث اضطراب، ولن تعاني الأرض أنات المعذبين، ~~ولن تندلع حرب على الأرض، ولن تكون هناك مجاعة أو قحط، ولن تنال من ~~المحاصيل ريح أو زوبعة، بل سيسود السلام في شتى بقاع الأرض، وسيعم الإخاء ~~بين الملوك حتى نهاية العصر، وسيطبق قانون موحد على الجميع من مختلف بقاع ~~الأرض، في جنة الفردوس، يقتص من كافة الأشياء التي أقدم عليها الفانون ~~البائسون. # لفت قراء العهد القديم اللاحقون الانتباه إلى كل من الرسائل الإيجابية التي ~~قدمها الأنبياء، والتأكيد على القوانين المصممة لتشجيع الناس على أن يعيشوا الحياة ~~التي أرادها الرب لهم. وكتب كثيرون يوتوبيات بناء على تلك القوانين التي كان هدفها ~~تحقيق الغرض نفسه، وكثيرا ما عكست المناهج النبوية وأكدت على العواقب التي ستنزل ~~جراء عدم الامتثال لتلك القوانين. ~~(1-3) العهد الجديد # يصور العهد الجديد مجيء المسيح لإنقاذ الجنس البشري، ويتحدث عن رب المحبة لا ~~العقاب. لا توجد بالعهد الجديد يوتوبيا على غرار الموجودة في العهد القديم، لكن ~~رسالة المساواة والصفح ومحبة الغرباء والجيران شكلت أساس جانب كبير من اليوتوبية ~~الغربية والكثير من اليوتوبيات الأدبية. كان أحد الموضوعات الأساسية يتمثل في أنه ~~من الممكن إقامة مجتمع صالح إن امتثل الناس لرسالة المسيح. وأوضحت «عظة الجبل» ~~(متى، الإصحاح 5، الآيات 3-11) الثواب العظيم للسلوك القويم، فتقول: # طوبى للمساكين بالروح؛ لأن لهم ملكوت السموات. # طوبى للحزانى؛ لأنهم يتعزون. # طوبى للودعاء؛ لأنهم يرثون الأرض. # طوبى للجياع والعطاش إلى البر؛ لأنهم يشبعون. # طوبى للرحماء؛ لأنهم يرحمون. # طوبى للأنقياء القلب؛ لأنهم يعاينون الله. # طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناء الله يدعون. # طوبى للمطرودين ms072 من أجل البر؛ لأن لهم ملكوت السموات. # طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة، من أجلي، ~~كاذبين. # افرحوا وتهللوا؛ لأن أجركم عظيم في السموات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء ~~الذين قبلكم. # وكذلك ورد بإنجيل متى (الإصحاح 5، الآية 48): «فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم ~~الذي في السموات هو كامل.» ~~(2) نهاية العالم والحكم الألفي للمسيح # كانت أكثر أشكال الكتابة اليوتوبية شيوعا إبان تلك الفترة هي تلك التي تتحدث عن ~~نهاية العالم، التي تنبأت بنزول نائبة وشيكة سيدمر فيها الرب الأشرار، ويعلي من ~~شأن الأخيار في حياة في مملكة يحكمها المسيح بعد مجيئه الثاني. استبعدت أغلب تلك ~~الأعمال من الإنجيل، وسفر رؤيا يوحنا هو الاستثناء الوحيد على ذلك. وفض الختوم السبعة ~~والنفخ في الأبواق السبعة الموصوفة به هي بيان لعقوبات رهيبة ستنزل وتستمر في النزول ~~حتى تفنى الأرض بكل من يسكنها. ولكن بعد حكم الأخيار لألف سنة ومعركة أرمجدون - أو ~~المعركة الأخيرة بين الخير والشر - سيتشكل عالم جديد. # ثم رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة؛ لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا، ~~والبحر لا يوجد فيما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة ~~نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها، وسمعت صوتا عظيما ~~من السماء قائلا: «هو ذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له ~~شعبا، والله نفسه يكون معهم إلها لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت ~~لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد؛ لأن الأمور ~~الأولى قد مضت.» # الإصحاح 21، الآيات 1-4 # ثم يتبع ذلك وصف لأورشليم الجديدة، مع التأكيد على أنها مشيدة من المعادن والأحجار ~~النفيسة؛ على سبيل المثال: «وكان بناء سورها من يشب، والمدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي» ~~(الإصحاح 21، الآية 18). # أغلب الروايات التي تتحدث عن نهاية العالم غير معترف بها من الكنيسة وتصف مملكة ~~المسيح بمصطلحات تستدعي العصر الذهبي. على سبيل المثال، يقول سفر باروخ، المعروف أيضا ~~بباروخ الثاني: # سينزل الشفاء من السماء مع الندى، ms073 وسيختفي المرض، ويذهب الجزع والكرب والنواح ~~من بين بني البشر، وسيعم السرور الأرض كلها. ولن يموت أحد ثانية في غير أوانه، ~~ولن تقع أي نائبة فجأة ... ولن تتألم النساء ثانية من حملهن، ولن يتوجعن وهن ~~يضعن ما في أرحامهن. وستحل أيام لن يتعب فيها الحاصدون، ولن يصيب النصب ~~البناة؛ إذ ستجري الأمور بسرعة من تلقاء نفسها بالنسبة لمن يؤدونها، وذلك في ~~هدوء شديد. # يعرض سفر أخنوخ صورة مشابهة، وتوجد أيضا ممالك يحكمها المسيح على غرار العصر الذهبي ~~في كتابات آباء الكنيسة الأوائل؛ ففي «القوانين الإلهية» كتب لاكتانتيوس يقول: # ستفتح الأرض باطنها وتخرج وافر ثمارها، وسينزل العسل من الجبال الصخرية، ~~وستجري جداول من الخمر، ويجري اللبن بالأنهار؛ باختصار، سيبتهج العالم، وستتهلل ~~الطبيعة بأسرها؛ إذ ستتحرر من سيطرة الشر وغياب التقوى، ومن الإثم ~~والخطيئة. # شكل 5-2: أورشليم الجديدة الهابطة على الأرض موصوفة في سفر رؤيا يوحنا ~~(الإصحاح 21، الآية 16). وهذا التصوير من منسوجة يعود تاريخها إلى ~~القرن الرابع عشر. # وهكذا، في حين قد لا يتوفر سبيل لدخول جنة عدن، فثمة جنات بديلة ربما تكون ~~متاحة. # رغم أن توقعات نهاية العالم والحكم الألفي ~~للمسيح قد أسكتت بسبب مضامينها الراديكالية، فقد كانت ذات تأثير عظيم، ويمكن تتبع ~~آثارها بطول العصور الوسطى، عندما أصبح محور تركيزها الأمل على قدوم آخر إمبراطور عادل ~~يحكم العالم الذي كان من المفترض أن يقيم فترة من الإصلاح على الأرض قبل مجيء المسيح ~~الدجال. ويمكن ملاحظة هذه التوقعات في الحركات السياسية في إنجلترا في القرنين السابع ~~عشر والثامن عشر، وفي معتقدات البيوريتانيين الأمريكيين، والثورة الأمريكية في مرحلة ~~لاحقة. ومؤخرا، ظهرت سلسلة الروايات الأمريكية «المخلفون» التي تضم 13 رواية، إضافة ~~إلى قصص مصورة وأفلام وألعاب فيديو وكتب للأطفال، وغيرها من الأعمال ذات الصلة، وكلها ~~تصف المتبقين على الأرض بعد الاختطاف؛ وهو معتقد يقوم على الرسالة الأولى إلى أهل ~~تسالونيكي، وفيه ينتقل كافة المؤمنين الناجين من الأرض للسماء للقاء المسيح في وقت ~~واحد، خلال الصراع بين الخير والشر وحتى المجيء الثاني للمسيح. ~~(3) جزيرة ms074 القديس برندان وأرض برستر جون # أضيفت صورتان بالغتا التأثير إلى اليوتوبية المسيحية في العصور الوسطى؛ وهما: جزيرة ~~القديس برندان، وأرض برستر جون التي تعود لأواخر القرن الثاني عشر. ظهرت جزيرة القديس ~~برندان في الخرائط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وعندما أبحر المستكشف فاسكو دا ~~جاما (1460 / 1469 تقريبا-1534)، حمل رسائل إلى برستر جون؛ لذا ظل القديس برندان ~~وبرستر جون حاضرين في الخيال المسيحي لقرون. # مع دخول المسيحية إلى أيرلندا، اصطبغت قصص الرحلات المأثورة المعروفة باسم «الإمراما» ~~بصبغة مسيحية أو حلت محلها قصص رمزية مسيحية تستخدم الشكل نفسه. وكان أكثرها شهرة ~~«رحلة القديس برندان»، التي ربما كتبت عام 800 ميلاديا، التي توجد منها عدة نسخ ~~مختلفة بلغات شتى. وفي النسخة التي ربما تكون الأقدم، يبحث برندان وبعض رهبانه عن أرض ~~القديسين الموعودة، الموصوفة بتعبيرات تدل على التقشف. وفي نسخ أخرى أكثر تفصيلا، ~~يزور برندان ورهبانه الجنة، التي يحرس بابها تنانين وسيف عظيم، لكن يرحب بهم رسول ~~الرب ويسمح لهم بدخول الجنة؛ حيث: # لن يشقى من يسكنها، ولن تهب عليها رياح عاصفة، ولن يكون بها حر ولا زمهرير، ~~لا نصب ولا جوع، لا عطش ولا عوز. ستكون هناك وفرة من كل ما يشتهيه المرء، ~~وسيطمئن الجميع أنهم لن يفقدوا أكثر ما يريدونه ويحتاجون إليه؛ فسيكون حاضرا ~~لهم دائما وفي كل الأوقات. # أصبحت القصة العظيمة الأخرى، أرض برستر جون، من الأساطير المهمة التي تعود لأواخر ~~العصور الوسطى. ومن المفترض أن جون ماندفيل زارها ووصفها في عمله «رحلات السير جون ~~ماندفيل» (1499)، إلى جانب الكثير من الأماكن الحقيقية والخيالية، مثل مجتمع ~~الأمازونيين وأحد الوحوش. أبحر كثير من المستكشفين لإيجاد تلك الأرض؛ وقال كثيرون عند ~~عودتهم إنهم عثروا عليها. وسواء اكتشفت تلك الأرض أم لا، فقد ظلت السمات الأساسية لها ~~كما هي تقريبا. كان برستر جون هو نموذج الحاكم المسيحي المقدس، والأرض التي كان يحكمها ~~يمكن للمسيحي الحق أن يعيش عليها حياة مسيحية كاملة؛ وهو أمر لا يمكن تحقيقه في أي مكان ~~آخر. ويجب أن ms075 تكون تلك الحياة المسيحية الكاملة يوتوبية. لا يمكن أن تكون حياة مثالية ~~لأن الكمال يجب أن يرتقب الحكم الألفي للمسيح، ولكنها يمكن أن تكون أفضل بكثير في ظل ~~حكم أمير مسيحي صالح لا في ظل أي نظام حكم آخر. أطلق على أحد أشكال الأدب في تلك ~~الحقبة «دروس للأمراء»، وكان يخبر الأمراء بكيفية التصرف كي يكونوا أمراء مسيحيين ~~صالحين؛ ومن ثم يحققوا حياة أفضل لكل رعاياهم. # كافة هذه الأوصاف للأماكن اليوتوبية هي استجابات تفصيلية للعنة خروج آدم وحواء من ~~الجنة، لكن لا يمكن للجنس البشري الوصول لأي من تلك الأماكن دون تدخل الرب. حتى ~~الصالحون لا يختارون أنفسهم ببساطة، بل يختارهم الرب. وهذا حقيقي أيضا بشأن اليوتوبيا ~~الأخيرة؛ الفردوس. ~~(4) الفردوس والجحيم # لا توصف الأحوال الحقيقية للجنة أو الفردوس على النحو الذي وصفت به جنان الأرض، ~~إلا أن الفردوس شبيهة على نحو كبير بعصر من العصور الذهبية، باستثناء أنه ليس همها ~~الأساسي هو المتعة مثلها. وبطبيعة الحال، لا يوجد هناك موت لأنه قد وقع بالفعل. وعادة ~~لا يحتاج الوجود الروحي إلى الطعام أو المأوى أو الجنس أو العمل؛ فالتوحد مع الرب يوفر ~~كل ما هو مطلوب للأبد. # قدم «نهاية العالم لبولس»، الذي يعود للقرن الرابع وأصبح مشهورا في المعتقد ~~المسيحي الغربي، وصفا مبكرا للفردوس والجحيم أصبح جزءا من الثقافة الغربية. وكانت ~~الفردوس جنة نموذجية على غرار جنات الأرض. وفيما يلي جزء من وصف تلك الجنة: # ونظرت في أرجاء تلك الأرض، ورأيت نهرا يتدفق فيه اللبن والعسل، وكانت هناك ~~أشجار مزروعة على ضفة هذا النهر، مزدانة بالثمار؛ كل شجرة تثمر اثني عشر نوعا ~~من الفاكهة في العام، فترى الواحدة تحمل ثمارا شتى ومتنوعة. وشاهدت المخلوقات ~~الموجودة في هذا المكان وكل صنع الرب، وشاهدت هناك نخلا يبلغ طوله عشرين ~~ذراعا، وشاهدت آخر يرتفع لعشر أذرع، وكانت الأرض تلمع ببريق يفوق الفضة سبع ~~مرات. وكانت هناك أشجار حافلة بالثمار من جذورها حتى أعلى فروعها، وعشرة آلاف ~~نخلة مثمرة تحمل فوقها عشرة آلاف ثمرة. وعدد ms076 كرمات العنب تبلغ عشرة آلاف، وفي ~~كل كرمة عشرة آلاف عنقود، ويحمل كل عنقود ألف حبة عنب، وكل شجرة تحمل ألف ~~ثمرة. # أما الجحيم، فكان رهيبا: # ورأيت هناك نهرا يغلي ماؤه وتتصاعد منه ألسنة اللهب، مغموسا فيه حشد من ~~الرجال والنساء حتى ركبهم، وزمرة من الرجال حتى سراتهم، وآخرون حتى شفاههم، ~~وآخرون حتى شعورهم ... ورأيت صوب الشمال مكانا تنزل فيه شتى صنوف العذاب على ~~الرجال والنساء، ونهرا من النار يجري فيه. # وكانت نسخة القديس أوغسطين (354-430) المنقحة الخاصة بتصوير الفردوس والجحيم بوصفهما ~~«مدينة الرب ومدينة الأرض» بالغة التأثير أيضا. قسم أوغسطين الأرواح، الحية منها أو ~~الميتة، إلى الملعونين - وهم الأغلبية ~~العظمى - والمختارين أو المنقذين. وبين الأحياء، يعلم الرب وحده إن كان أحدهم ينتمي ~~لمدينة الرب أو مدينة الأرض، ويستحيل على الفرد أو أي شخص آخر أن يعرف ذلك؛ ومن ثم في ~~حين يمكن أن توجد ديستوبيا في هذا العالم، فإنه لا يمكن أن توجد يوتوبيا. # إلا أن نسخة الجحيم التي تغلغلت في خيال الناس كانت النسخة التي صورها دانتي ~~(1265-1321) في «الجحيم»، وهو الجزء الأول من عمله «الكوميديا الإلهية»، بما ضمته من ~~تسلسل درجات المذنبين المنزل بهم شتى صنوف العذاب. وأكثر الصور شيوعا هي صورة النار، ~~المصورة في عمل دانتي، رغم أن الدائرة الداخلية التي يعلوها الشيطان الموجودة في وسط ~~الجحيم الأعمق مجمدة في الواقع. # ورغم أنه في المسيحية يمكن أن يحدث المجيء الثاني للمسيح في أي وقت، فمن المستحيل ~~معرفة توقيت حدوث ذلك، ولا يستطيع أي شخص التأكد إن كان من بين الناجين أم لا. أجريت ~~حسابات كثيرة حول التاريخ الذي سيحدث فيه ذلك، وكانت هناك مقترحات بشأن كيفية تحقيقه، ~~لكن بمرور الوقت خبا ترقب غالبية المسيحيين، وليس كلهم، لهذا الأمر. وكان هذا الموقف ~~غير مقبول، فلم يسع البشر الإيمان بأن الحياة لا يمكن تحسينها، وتساءلوا عن الشكل ~~الذي ستكون عليه الحياة الأفضل وكيفية بلوغها. # اجتمعت الكتابات عن نهاية العالم والحكم الألفي للمسيح لدى يواكيم الفلوري (1135 ~~تقريبا-1202)، الذي ms077 أثر - على نحو مباشر أو غير مباشر - على أجيال من الكتاب ~~اللاحقين عليه. تنبأ يواكيم أنه سيأتي عصر ثالث لم يحن بعد، وفيه ستقوم حالة روحية ~~جديدة من الوجود بتغيير المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة، بما فيها الكنيسة، ~~وسيكون الأمر أشبه باليوتوبيا. # إن العناصر اليوتوبية في كتابات يواكيم وفي فكر أغلب أتباعه - على اختلافهم - كانت ~~صورة غامضة بوجه عام لفكرة الحكم الألفي للمسيح، رغم أنه كان هناك الكثير من الطوائف ~~المنشقة في الحقبة ذاتها تقريبا، التي كانت لها مفاهيم مختلفة عما ستكون عليه الحياة ~~في ظل هذا الحكم، لكن لم تتضح معالم الحياة في ظل هذا الحكم إلا في عهد حركة الإصلاح ~~الراديكالية؛ إذ قدم - على سبيل المثال - عمل ماري كاري «سقوط وهلاك القرن الصغير» ~~(1651) وصفا تفصيليا لليوتوبيا التي ستسود في تلك الفترة. ثم تطورت وازدهرت العناصر ~~الراديكالية الكامنة في المسيحية، وداعبت الكثير من اليوتوبيات المخيلات وجرى تطبيقها ~~على أرض الواقع. ~~(5) علم اللاهوت المسيحي الحديث # ذهب كريشان كومار في عمله «الدين واليوتوبيا» إلى وجود تناقض عميق بين الدين المسيحي ~~واليوتوبيا؛ فاليوتوبيا تنتمي لهذا العالم، والدين بالنسبة لكثيرين معني في الأساس ~~بالحياة الآخرة؛ ومن ثم فاليوتوبيا ضرب من الهرطقة. فعلى سبيل المثال، كتب توماس ~~مولنار، الفيلسوف المجري-الأمريكي الكاثوليكي (المولود عام 1921) يقول: «الفكر اليوتوبي ~~في حد ذاته شر.» # الحجة الدينية المناهضة لليوتوبية أبسط كثيرا من الحجة المؤيدة لها؛ لأنها مبنية على ~~الافتراض الشائع بأن اليوتوبية تقوم في الأساس على رفض الخطيئة الأصلية. اعتاد عالم ~~اللاهوت رينهولد نيبور (1892-1971) مهاجمة ما أطلق عليه «الأوهام اليوتوبية والضلالات ~~العاطفية للثقافة الليبرالية الحديثة المستمدة كلها في الواقع من الخطأ الأساسي المتمثل ~~في إنكار الخطيئة الأصلية.» خالف آدم وحواء أمر الرب وعوقبا بالطرد من جنة عدن إلى ~~حياة من النصب والألم والخوف والموت. وأي اعتقاد بأن تلك العقوبات يمكن أن يتغلب ~~عليها من خلال فعل الإنسان من المؤكد أنه ضرب من الهرطقة. # والحجة المؤيدة لليوتوبية تقوم على رسالة المسيح وخدمته، التي تعتبر يوتوبية من ~~منطلق أنها كانت موجهة ms078 غالبا نحو مشاكل البشر التي يمكن لفعل الإنسان أن يحلها. ذهب ~~علماء لاهوت مثل بول تيليخ (1886-1965) إلى أن العناصر اليوتوبية في المسيحية، لا سيما ~~طبيعتها الأخروية منها، مصدر جوهري من مصادر قوتها. علاوة على ذلك، أدمج كتاب ماركسيون ~~من أمثال إرنست بلوخ العناصر المسيحية الأخروية في مذهبهم الماركسي، وتمخض عن ذلك ~~«لاهوت» لا ديني من الأمل. أصبح هذا الخلاف مهما على نحو خاص في القرن العشرين مع ~~نشوء حركة الإنجيل الاجتماعي، والاشتراكية المسيحية، والمنافسة الجادة التي شكلتها ~~أنظمة عقائدية أخرى كالشيوعية للمسيحية. # يعتبر تيليخ من أبرز مؤيدي اليوتوبيا من بين علماء اللاهوت المسيحي الحديث، والذي ~~كتب يقول: «أعتقد أنه يمكن إثبات أن لليوتوبيا أساسا في وجود الإنسان.» فبالنسبة ~~لتيليخ، نحن يوتوبيون لأننا بشر، واليوتوبيا هي في المقام الأول رفض أو «إنكار لما هو ~~سلبي في الوجود الإنساني»؛ فكافة اليوتوبيات هي وسائل تمثل تغلب الإنسان على ~~تناهيه. وتتمتع اليوتوبيا بقسمات من الحقيقة «لأنها تعبر عن جوهر الإنسان، الهدف ~~الداخلي من وجوده، وتبدي ما يكنه الإنسان كهدف، وما يجب أن يحققه في المستقبل كشخص.» ~~إلا أن اليوتوبيا تتمتع أيضا بقسمات من الباطل؛ لأنها «تنسى تناهي الإنسان وعزلته، ~~وتنسى أن الإنسان بوصفه متناهيا يجمع بين الوجود واللاوجود، وأن الإنسان بموجب مقتضيات ~~الوجود منفصل دائما عن وجوده الحقيقي.» إضافة لذلك، اليوتوبيا مفيدة ومضرة في نفس ~~الوقت؛ لأنها تفتح الباب أمام أشياء جديدة يمكن للبشرية القيام بها، ولكنها في الوقت ~~نفسه توحي بأن الأشياء المستحيلة هي في الواقع ممكنة. اليوتوبيا مهمة لأنها «قادرة على ~~تغيير المسلم به»، وهي غير مجدية لأنها «تؤدي حتما إلى التحرر من الوهم.» ويختتم ~~كلامه بالإشارة إلى أمل مقيد، زاعما بأن اليوتوبيا دائما ما تكون معلقة بالضرورة بين ~~«الإمكانية والاستحالة». # علاوة على ذلك، دفع الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر (1878-1965)، صاحب كتاب «مسارات في ~~اليوتوبيا» (المنشور بالعبرية في عام 1946، وبالإنجليزية عام 1949)، بأهمية اليوتوبية ~~لكل من اليهودية والمسيحية، معتبرا أن اليوتوبيا هي التطبيق العملي للإيمان بفكرة ~~المخلص الذي سينقذ العالم في كلتا ms079 الديانتين. لكنه حذر من خطر تحويل اليوتوبيا إلى ~~مخطط يجب اتباع خطواته. # بتقديم اليوتوبيا صورا بديلة للمستقبل، فإنها تتحدى الحاضر لتبرير نفسها بقيم تسمو ~~فوق مسائل السلطة الراهنة. وتؤكد اليوتوبيا على أن الحياة للبشر، وأنه ينبغي تصميم ~~المجتمع بحيث يلبي احتياجات جميع أعضائه. # لوحظت مؤخرا وظيفة المعارضة التي تقوم بها اليوتوبيا في حركة «لاهوت التحرير»، والتي ~~كانت لها على نحو واضح رؤية يوتوبية في «اختيارها التمييزي للفقراء» وتضمنت شكلا من ~~أشكال المجتمعات المقصودة عرف ب «جماعات الأساس»، بوصفه جزءا جوهريا من إحداث ~~التغيير الاجتماعي. كانت الحركة صريحة في معارضة دعم الكنيسة للأغنياء والأقوياء في ~~أمريكا الجنوبية. وبقيامها بذلك، فقد احتكمت إلى المساواة التي دعا لها المسيح والقديس ~~فرانسيس على وجه الخصوص. ويشير جوستافو جوتيريز (المولود عام 1928) - وهو عالم لاهوت ~~بيروفي وأحد مؤسسي الحركة - صراحة إلى الوظيفة اليوتوبية في حركته اللاهوتية. ومع تجاوز ~~الحركة لحدود الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي قمعتها، إلى المذهب البروتستانتي، ~~وإلى لاهوت السود على وجه الخصوص، أضافت عنصر العرق ثم النوع إلى الطبقة. # واليوم، ثمة مجتمعات مقصودة مسيحية كثيرة، بعضها مغال في التحفظ، وبعضها مبالغ في ~~الراديكالية، محاولين أن يعيشوا الحياة التي يعتقدون أن المسيحية تقتضيها منهم. ويميل ~~المحافظون منهم إلى الانعزال عن المجتمع الأكبر، في حين يتجه الراديكاليون منهم إلى ~~الانخراط مباشرة في المجتمع الأكبر. # ومن ثم تستمر العلاقة الوثيقة بين المسيحية واليوتوبية حتى في الوقت الذي يؤمن فيه ~~كثير من المسيحيين أنها ضرب من الهرطقة. # الفصل السادس # | اليوتوبية والنظرية السياسية # تبدأ اليوتوبية بعدم الرضا وتقول إن احتياجات الإنسان يمكن إشباعها إن تم توفير ظروف ~~معينة. وأبسط حالات عدم الرضا تؤدي إلى أبسط حالات الإشباع وأبسط صور اليوتوبيا، التي لم ~~يتم الوصول إليها في معظم العالم؛ معدة خاوية تملأ، جسد عار يستر، سكن للوقاية من ~~التعرض للعوامل الجوية. لكن بعض منتقدي اليوتوبية ربطوها ببعض مشكلات القرن العشرين، مثل ~~الحربين العالميتين وعمليات الإبادة الجماعية في كمبوديا ورواندا. وعلى وجه الخصوص، نظر ~~إلى الشيوعية والنازية، وحديثا الحركة الإسلامية، التي ms080 يؤمن أتباعها أنها سبل لحياة أفضل، ~~بوصفها الأساس لما أطلق عليه القرن العشرين الديستوبي. وعلى الجانب الآخر، يدفع مؤيدو ~~اليوتوبية بأنها كانت الركيزة الأساسية للتغلب على أسوأ مآسي القرن العشرين، وأنها ضرورية ~~من أجل استمرار الحضارة، بل وجزء جوهري من بشرية الإنسان. وإلى حد ما، كلاهما على ~~حق. # بعد ~~عام 1989، مع سقوط حائط برلين وانهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي (لا ~~تزال الشيوعية الأيديولوجية الرسمية في الصين وكوبا ولاوس وفيتنام)، نشر الكثير من الأعمال ~~التي تعلن نهاية اليوتوبيا، تماما كما كانت هناك أعمال تتوقع نهاية الأيديولوجية في ~~خمسينيات القرن العشرين. زعمت تلك الأعمال التي تتحدث عن «نهاية اليوتوبيا» أن مناهضي ~~اليوتوبيا قد فازوا في الصراع بين مؤيديها ومناهضيها. ولأسباب واضحة، ظهر هذا الموقف على ~~أقوى نحو في ألمانيا؛ فبسبب معاناة الكثير من الألمان من كل من النازية والشيوعية، سعدوا ~~بالاعتقاد بأن اليوتوبيات لم تعد تهددهم، لكنهم اعتقدوا أيضا أن نهاية اليوتوبيا ستؤتي لهم ~~بحياة أفضل. والآن لا يرى الجميع أنها فعلت ذلك، ويرى كثيرون، لا سيما في ألمانيا الشرقية ~~السابقة، أن الحياة كانت أفضل في ظل الشيوعية؛ لأنهم شعروا - رغم الفقر وانعدام الحرية - ~~أنهم كانوا يتمتعون بالأمن الاقتصادي، وفي شعورهم هذا لا يمكن اعتبارهم محقين تماما ولا ~~غير محقين تماما. وهكذا نرى مجددا ظاهرة تخيل الوصول لليوتوبيا ثم اكتشاف أنها غير ~~ملائمة، وبداية رحلة السعي وراء يوتوبيا أخرى ستكون غير ملائمة هي الأخرى. ويقيم مناهضو ~~اليوتوبيا تلك العملية على نحو سلبي بينما يقيمها المؤيدون لها على نحو إيجابي. ~~(1) الحجة المناهضة لليوتوبيا # أعتبر أن ما أطلق عليه «اليوتوبية» ~~نظرية جذابة، وفي الواقع مبالغ في جاذبيتها؛ لأنني أعتبرها أيضا خطرة ~~وخبيثة. أعتقد أنها عقيمة وتفضي إلى العنف. # كارل بوبر # في أغلب الفظائع التي حدثت، ثمة حلم يوتوبي كبير؛ مجتمع أنظف أو مجتمع ~~أنقى. # ريتشارد موليكا # أكثر الأساليب التي يستخدمها مناهضو اليوتوبية في الهجوم عليها شيوعا هو المساواة ~~بين ما هو يوتوبي وما هو مثالي. تعني كلمة «مثالي» كامل أو مكتمل أو ms081 غير قابل للتغيير؛ ~~ولا شيء يتصل بالبشر كامل أو مكتمل أو غير قابل للتغيير؛ ومن ثم فالمساواة هنا تجعل ~~اليوتوبيا تبدو حمقاء أو - على الأقل - غير حكيمة. وقد كتبت جوديث سلار، المنظرة ~~السياسية، أن «اليوتوبيا - منتج الأخلاقيين - هي بالضرورة كل متكامل متجانس لا يتغير.» ~~وقد كتب عالم الاجتماع رالف داريندورف (المولود عام 1920)، الذي أصبح مدير كلية لندن ~~للاقتصاد، أن «جميع اليوتوبيات من «جمهورية» أفلاطون حتى عالم جورج أورويل الجديد ~~الرائع في «1984» تشترك في عنصر بنيوي واحد؛ وهو أنها كلها مجتمعات يغيب التغيير ~~عنها.» وكتب ليشك كولاكفسكي، الفيلسوف البولندي، أن إحدى ما يطلق عليها «السمات ~~العامة» للتفكير اليوتوبي هي «فكرة الأخوة البشرية المثالية الخالدة». # عدد قليل جدا من اليوتوبيات الحقيقية هي التي ~~تدعي تمتعها بقدر من المثالية؛ فلم يدع أفلاطون أو ماركس، مصدرا اليوتوبية اللذان ~~تناولهما بوبر، أنهما يتحدثان عن الكمال. أمضى أفلاطون قسما كبيرا من «الجمهورية» ~~يدفع بأن دولته المثالية يجب أن تسقط لا مناص. وكان ماركس واضحا عندما ذكر أنه لا ~~يعرف، وليس بمقدوره أن يعرف، ما سيحمله المستقبل، وطبيعية المجتمع الذي ربما يخلقه ~~الأشخاص المنعزلون. ووصفه المكون من جملة واحدة لمثل هذا المجتمع في عمله ~~«الأيديولوجية الألمانية» (1845-1846) يؤكد على التنوع والتغير. وفي رواية «رجال ~~كالآلهة» (1923)، يعرض إتش جي ويلز يوتوبيا تمر بتغيرات ضخمة، فيها يشبه السكينة ~~الظاهرة لليوتوبيا ب «ثبات تيار الماء المتدفق الذي يدير عجلة الطاحونة، الذي يبدو ~~ساكنا في تدفقه الهادئ حتى تمر به فقاعة هواء أو زبد أو عصا أو ورقة شجر فتكشف عن ~~سرعته.» # وكثير من اليوتوبيات عبارة عن صورة أو لمحة من مجتمع موجود في لحظة من الزمن يضم ما ~~يراه المؤلف أفضل، ومصمم لتحطيم حواجز الحاضر، وتشجيع الناس على التغيير والعمل من ~~أجله. تجيد أغلب اليوتوبيات تصوير التغيير من الظروف الحالية إلى اليوتوبيا عن تصوير ~~التغيير داخل اليوتوبيا، وبعضها يقصر عن عمد التغيير داخل اليوتوبيا على افتراض أنه لا ~~ينبغي تغيير شيء جيد دون تفكير متأن، إلا أن كثيرا من اليوتوبيات ms082 ترحب بإمكانية ~~التغيير كما فعل اليوتوبيون في عمل مور عندما علموا بأمر المسيحية. ويتتبع عدد كبير آخر ~~خطى رواية «أطلانتس الجديدة» (1627) لفرانسيس بيكون (1561-1626) في إرسال الناس إلى ~~العالم الخارجي، عادة لأماكن غير معلومة، لاكتشاف أي ما يكون مفيدا لليوتوبيا. وهذا ~~يشير إلى الانفتاح على التغيير. لا ينتهي التاريخ بظهور اليوتوبيا؛ فالتغيير قد يكون ~~أبطأ، لكن التغيير - ومن ثم المستقبل - سيحدث. # ثمة حجة أخرى بأن اليوتوبية تفترض أن جميع اليوتوبيات تقوم على العقلانية البشرية، ~~وأن البشر عقلانيون جزئيا فحسب. يقول جاكوب تالمون (1916-1980)؛ أستاذ التاريخ الحديث ~~بالجامعة العبرية بالقدس في هذا الشأن: # تقوم اليوتوبية على افتراض أن العقل ~~وحده - لا العادة ولا التقليد ولا التحيز - يمكن أن يكون المعيار الوحيد الحاكم ~~في الشئون الإنسانية. لكن حتى يكون هذا الافتراض صحيحا، يجب على العقل - ~~كالرياضيات - أن يحظى بموافقة عامة؛ لأن له صحة واحدة وحصرية. في الواقع، اتضح ~~أن العقل أكثر أدوات التوجيه تقلقلا وعرضة للخطأ؛ لأنه لا يوجد ما يمنع مجموعة ~~مختلفة من «العقول» من الظهور دون سابق إنذار، وأن يدعي كل منها صحته ~~الوحيدة والحصرية ، ولن يكون هناك حل وسط أو شيء يحتكمون إليه سوى القوة. # يقدم بوبر حجة مشابهة فيقول: # لا يمكن الإبقاء على النهج اليوتوبي إلا عن طريق الاعتقاد الأفلاطوني في ~~مثل أعلى مطلق غير قابل للتغيير، إلى جانب افتراضين آخرين؛ هما: أنه توجد ~~وسائل عقلانية لتحديد هذا المثل الأعلى على نحو حاسم، وكذلك وجود طرق مثلى ~~لتحقيقه. # وهذه الحجة مشابهة للزعم الذي ساقه توماس هوبز (1588-1679)؛ فيلسوف القرن السابع عشر ~~الإنجليزي، في كتابه «لفياثان» (1659)، بأنه بسبب غياب «العقل السليم»، ستكون العيشة في ~~الحالة الطبيعية للإنسان «فقيرة وكريهة وبهيمية وقصيرة.» لكن يخلص هوبز إلى أنه من ثم ~~يجب أن يؤسس نظام الحكم بوصفه «العقل السليم»؛ فهذا هو السبيل الوحيد لضمان الأمن ~~الذي سيتيح بلوغ حياة كاملة؛ ولهذا السبب وصف البعض عمل هوبز هذا بأنه ~~يوتوبيا. # شكل 6-1: كان كارل بوبر ~~(1902-1994) من بين أهم فلاسفة العلم في القرن ms083 الماضي. ولد بوبر ~~وتلقى تعليمه في النمسا، وقضى أغلب حياته العملية في كلية لندن ~~للاقتصاد. وكتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» (1945) (إضافة إلى عدد من ~~الطبعات اللاحقة) هو أهم إسهاماته في الفكر الاجتماعي ~~والسياسي. # يدفع بوبر بوجود عملية من الإصلاح المتأني، يطلق عليها «الهندسة الاجتماعية ~~الجزئية»، بدلا من «الهندسة اليوتوبية»، ويقول إنه عوضا عن النهج اليوتوبي، ينبغي أن ~~نحاول الحد من «الشرور الواقعية». وفي إطار إقامته لحجته، يقارن بوبر بين صنفين من ~~العقل، صنف يطلق عليه المنطق، وهو ما يؤيده، والصنف الآخر يساوي بينه وبين اليوتوبية؛ ~~لأنه يقتضي غاية محددة - اليوتوبيا. وما هو عقلاني بالنسبة له يتحدد حسب علاقته بتلك ~~الغاية، وهو شيء على غرار «الغاية تبرر الوسيلة». # غالبا ما يستخدم مناهضو اليوتوبية مثل بوبر كلمة «مخطط» لوصف اليوتوبيات، وهي كلمة ~~يرفضها أغلب مؤيدي اليوتوبيا رفضا باتا. وقد كتب المنظر السياسي الأمريكي جورج ~~كاتب (المولود عام 1931) أن «أي مفكر يوتوبي جاد لن يشعر بالراحة تجاه فكرة المخطط، ~~لفكرة التوصيات المفصلة لكل منحى من مناحي الحياة.» بعبارة أخرى، إن الحجة المؤيدة ~~لليوتوبية تقول بأن اليوتوبيات لا تخلق الأدوات التي يقول بوبر وآخرون إنها ~~تخلقها. # لكن مناهضي اليوتوبية ليسوا مخطئين تماما في وصفهم لما يمكن أن يحدث إن آمن شخص، ~~أو مجموعة يتمتعون بالسلطة لفرض إرادتهم على الآخرين، بأن اليوتوبيا هي الحل الوحيد ~~لمشاكل البشرية. ولا يبتعد هذا عن اليوتوبيا سوى بضع خطوات؛ حيث يجب أن تتحول اليوتوبيا ~~أولا إلى أيديولوجية (منظومة من الأفكار)، ويجب أن يتمتع المؤمنون بها بسلطة، كما حدث ~~مع الشيوعية في روسيا، والنازية في ألمانيا، وفي كمبوديا في ظل حكم بول بوت ~~(1928-1998). لكن حتى إن قبلنا بوجود يوتوبيات جاءت على إثر الفظائع التي ارتكبت ~~باسمها، لم يتمثل في أي منها اليوتوبيا المفصلة التي وصفها مناهضو اليوتوبيا. كانت ~~اليوتوبيات غامضة تماما؛ ولم تكن محددة إلا في أجزاء منها، وظهرت المشكلة عندما أعطي ~~الأفراد سلطة تحديد التفاصيل ومحاولة جعل مجتمعاتهم تمتثل لتلك التفاصيل. وقد عرض آدم ~~سميث (1723-1790)، الفيلسوف والاقتصادي الاسكتلندي، ms084 هذه المسألة على نحو بديع، فكتب: # الرجل الذي لديه نظام يسعى لفرضه على الآخرين ... عادة ما يكون حكيما جدا ~~في خيلائه، وكثيرا ما يكون متيما بالجمال المفترض لخطة الحكم المثالية التي ~~يؤمن بها، لدرجة أنه لا ينحرف قيد أنملة عن أي جزء منها، ويمضي في تطبيقها على ~~نحو كامل وبكل تفاصيلها، دون أي اعتبار للمصالح العليا أو التحيزات القوية التي ~~قد تعترض عليها. يبدو أنه يتخيل أنه بمقدوره ترتيب القطع المختلفة على رقعة ~~شطرنج، ولا يدرك أن القطع على رقعة الشطرنج لا يحكمها أي قانون آخر للحركة ~~باستثناء القانون الذي تفرضه اليد التي تحركها؛ لكن على رقعة الشطرنج الكبرى ~~التي تضم المجتمع الإنساني، لكل قطعة مفردة قانون حركة خاص بها يحكمها، ~~مختلف تماما عن القانون الذي ترتئي الجهة التشريعية أن تفرضه عليها. فإن ~~توافق كلا القانونين وعملا في نفس الاتجاه، فإن لعبة المجتمع الإنساني ستستمر ~~بسلاسة وتناغم، وأغلب الظن أن اللعبة ستكون ناجحة وسعيدة. أما إن كانا متعارضين ~~أو مختلفين، فستسير اللعبة على نحو بائس، وستجد المجتمع في كل الأوقات في أشد ~~درجات الاضطراب. # يعبر الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) عن تلك الإشكالية على نحو بارع، ~~فكتب يقول: «من الضلع البالغ الاعوجاج المخلوق منه الإنسان، لا يمكن بناء شيء قويم ~~تماما»؛ فمن يريدون إجبار «ضلع الإنسانية الأعوج» على الاستقامة ويتمتعون بالسلطة ~~للمحاولة هم المشكلة، وليس الاعتقاد بأن العالم يمكن أن يكون أفضل. وحتى بوبر يجب أن ~~يكون لديه تصور عن المقصود بكلمة «أفضل» عندما يؤيد التخلص من «الشرور الواقعية». يحمل ~~أحد أعماله - الذي هو عبارة عن مجموعة من المقالات - عنوان «بحثا عن عالم أفضل» ~~(1992)، ورغم أن بقية العمل مناهض لليوتوبية، فإن الجملة الأولى منه هي: «المخلوقات ~~كافة تبحث عن عالم أفضل.» # لكن من الممكن أن ينخدع الناس. يعلق على تلك النقطة آرثر كوستلر (1905-1983)؛ الكاتب ~~الذي كان شيوعيا من عام 1931 حتى عام 1938، في عمله «ممارس اليوجا والمفوض»، فيقول: # إن قمة اليوتوبيا شديدة الانحدار، والطريق المتعرج كالحية الذي يؤدي إليها ms085 ~~محفوف بمنحنيات ملتوية عديدة. وأنت في طريقك لأعلى لا ترى مطلقا القمة، بل ~~ترى الطريق أمامك، الذي يقودك إلى لامكان. إذا تقدمت جمهرة ضخمة من الناس على ~~الطريق المتعرج، فإنهم - حسب قوانين القصور الذاتي المهلكة - سيدفعون بقائدهم ~~بعيدا عن جادة الطريق ثم سيتبعونه، وستكون الحركة كلها عبارة عن سير في مسار ~~إلى لامكان. # المشاكل التي يشير إليها كوستلر هنا، وفي عمله الشهير «ظلام في الظهيرة» (1940)، وفي ~~إسهامه في عمل «الرب الذي فشل» (1950)؛ هي مشاكل الإيمان وميل بعض المؤمنين لاتباع ~~القائد أينما ذهب، حتى إن كان ذلك إلى ديستوبيا أو حتى إلى الموت، كما حدث في حالات ~~الانتحار الجماعية في جونزتاون. ~~(2) الحجة المؤيدة لليوتوبيا # السمة المميزة لليوتوبية هي أنها نظرية سياسية هدفها الأساسي خلق السعادة ~~البشرية. # جودوين وتايلور # لم أفهم قط سبب الاعتقاد السائد بأن التهمة الموجهة لليوتوبية هي أن هدفها ~~الاعتراض على نظرية سياسية؛ فبالتأكيد أحد التطلعات المشروعة للنظرية الأخلاقية ~~والسياسية هو أن تبدي لنا مسارات الفعل التي يجب أن نلتزم بالسير فيها من خلال ~~القيم التي نقر بقبولها. # كوينتن سكينر # إضافة إلى تأكيد المؤيدين لليوتوبية أنها ليست ما يقوله عنها المناهضون لها ، فإنهم ~~يزعمون أن اليوتوبية ضرورية، وأحيانا ما يبالغون لدرجة أنهم يعرفون البشر بأنهم ~~الحيوانات التي تخلق اليوتوبيات. وقد رأى إرنست بلوخ اليوتوبيا في كل مكان؛ ففي كتابه ~~«مبدأ الأمل» (1955-1959)، الذي صدرت الترجمة الإنجليزية منه في عام 1987، يبدأ تحليله ~~لليوتوبيا بحقيقة أننا نحلم أحلام يقظة؛ أحلاما نأمل فيها صراحة في الحصول على شيء ~~ينقصنا. وأغلب مثل تلك الأحلام ليست يوتوبية على نحو خاص، من منطلق أنها تركز على ~~أنفسنا ولا تشمل الآخرين إلا لإشباع احتياجاتنا ورغباتنا. وهي أغلب الظن تدور حول ~~الغذاء والجنس، والتحرر من العمل أو المديرين، لا حول التخلص من الجوع، وإشاعة السلام ~~العالمي، والمساواة والحرية للجميع. إلا أن هذين البعدين وثيقا الصلة. يقول في هذا ~~الشأن الباحث في مجال الدراسات الكلاسيكية إم آي فينلي (1912-1986): # يكتنف أشكال التفكير اليوتوبي كافة عنصر من الفانتازيا، أو ms086 من الحلم، أو - ~~على الأقل - من الاشتياق لحياة أفضل وعالم أفضل. والناس كافة يحلمون بتلك ~~الطريقة فيما يتعلق بأنفسهم وأسرهم، إن لم يكن فيما يتعلق بالمجتمع عامة أو ~~العالم ككل. # شكل 6-2: كان إرنست بلوخ ~~(1885-1977) فيلسوفا ماركسيا ألمانيا، ويعتبر كتابه «مبدأ الأمل» ~~(الذي ظهر في ثلاثة أجزاء فيما بين عامي 1955 و1959، وصدرت ترجمته ~~الإنجليزية في عام 1987) تأريخا لليوتوبية بكل تجسيداتها، وأيضا حجة ~~مؤيدة للدور المهم الذي تلعبه في الفكر السياسي. # إلا أن أحلام اليقظة لا تصل بنا لبعيد؛ إذ إنها علامة على استيائنا أكثر من كونها ~~مرشدا للتغيير. # بالنسبة لبلوخ، اليوتوبيا هي «الحلم المستقبلي»، وما لم يتحقق «حتى الآن» جوهري لفهمه ~~لليوتوبيا. وتحمل كلمة «الآن» أهمية خاصة؛ إذ توحي بأن اليوتوبيا تعبر عما هو ممكن. ~~يشير بلوخ إلى «أننا لا نسأم من رغبتنا في تحسين الأوضاع»، وأن «الانجذاب نحو ما نفتقر ~~إليه لا ينتهي.» لكن مثل تلك الرغبة ينقصها التوجيه، فيجب أن تصبح دافعا أو حاجة، ويجب ~~أن تنتقل مما يطلق عليه بلوخ «اليوتوبيا المجردة» إلى «اليوتوبيا الواقعية»، من ~~يوتوبيات منفصلة عن الواقع الإنساني إلى أخرى مرتبطة به. وهو لا ينكر الدافع الذي يؤدي ~~إلى اليوتوبيا «المجردة »؛ إذ يؤمن أن التفاؤل أفضل من التشاؤم، وأن اليوتوبيا المجردة ~~تعبر عن الأمل، حتى إن كان هذا الأمل منفصلا عما هو ممكن. لكن اليوتوبيا الواقعية هي ~~اليوتوبيا المضمنة في فهم الواقع الحالي، وتتصل بإمكانية إجراء تحسين اجتماعي فعلي ذي ~~أهمية. # وفي نفس السياق، وصف فريدريك إل بولاك، عالم الاجتماع الهولندي، ما أطلق عليه «صور ~~المستقبل الإيجابية»، التي يزعم أنها تجذبنا إلى الاتجاه الصحيح. كما يقول بولاك إن ~~«اليوتوبيا تهدف إلى إعلاء الكرامة الإنسانية من خلال جهودنا.» ويذهب إلى أن اليوتوبيا ~~متأصلة في القدرة البشرية على تحقيق الكرامة. # ثمة قضية مركزية في مسألة اليوتوبيا؛ وهي: هل النظام الاجتماعي الأفضل هو ما يتيح ~~للناس أن يصبحوا أفضل، أم أن الأشخاص الأفضل هم من يخلقون نظاما اجتماعيا أفضل؟ ~~كلا جانبي القضية يطرحان مسألة كيفية ms087 البدء؛ فيطرح الأول سؤالين: من أين يأتي النظام ~~الاجتماعي الأفضل؟ وهل يمكن خلقه من جانب الأشخاص المتمثلين فينا الآن؟ والثاني يطرح ~~سؤالا واحدا: من أين يأتي الأشخاص الأفضل؟ # النظام الاجتماعي الأفضل الذي يتيح ظهور أشخاص أفضل هو النموذج اليوتوبي الكلاسيكي، ~~وهو محور تركيز أغلب الهجوم الذي يشنه مناهضو اليوتوبية. وفي هذا النهج، يكتب عمل ~~يوتوبي بقصد استخدامه - أو بدون قصد ذلك - ~~نموذجا لتحقيق مستقبل أفضل؛ على سبيل المثال، قال إدوارد بيلامي إنه قصد ذلك، ولم ~~يقصده في الوقت عينه، عند كتابة روايته الشهيرة «نظرة إلى الماضي»؛ فاليوتوبيا تجتذب ~~أتباعا لها، كما فعلت رواية بيلامي، وتنشأ الحركات الاجتماعية والسياسية لمحاولة وضع ~~بعض أجزاء اليوتوبيا - على الأقل - موضع التنفيذ. وأحيانا ما تتأسس مجتمعات مقصودة ~~للغرض نفسه، وكثيرا على أمل أن إقامة نموذج ناجح سيقنع الآخرين بأهمية اليوتوبيا. وقد ~~حدث ذلك في حالة رواية بيلامي، رغم أنه عارض تلك المجتمعات. # وحيث ينتظر من أناس أفضل أن يخلقوا نظاما اجتماعيا أفضل، فإن مشكلة المكان الذي ~~سيأتي منه هؤلاء الأشخاص يحلها في أغلب الأحيان الدين. وثمة موضوع شائع في اليوتوبيات ~~المسيحية، وهو أن الناس يمارسون فيها تعاليم المسيح، وبذلك يحققون عالما أفضل. يمكن ~~أن يبدأ ذلك برجل دين ملهم أو بشخص يضرب مثلا يختار الآخرون أن يتبعوه، كما في رواية ~~تشارلز إم شيلدون (1857-1946) «على خطاه: «ماذا كان سيفعل المسيح؟»» (1897). تقوم ~~اليوتوبيات المسيحية الأخرى على المجيء الثاني للمسيح، لكن ثمة الكثير من الأعمال ~~الساخرة التي تتناول المجيء الثاني للمسيح، وتشير إلى أن المسيح سيلقى رفضا، كما في ~~مشهد «المحقق الكبير» في رواية «الإخوة كرامازوف» (1880) للروائي الروسي فيودور ~~دوستويفسكي (1821-1881). # عندما تصمم يوتوبيا بحيث تكون بديلا واقعيا، لا يكون القصد منها أن تكون ~~مجتمعا قابلا للتحقق بكافة تفاصيله، لكن وسيلة لتقديم بديل للحاضر. ومن هذا المنطلق، ~~اليوتوبيا هي مرآة للحاضر مصممة لإظهار عيوبه لتوضيح السبل التي يمكن أن تكون بها ~~الحياة أفضل، وليس بالضرورة السبل التي ينبغي أن تكون بها الحياة أفضل. # ولأننا ننشأ في مجتمع ms088 معين ويكون علينا قبول آرائه، يحتمل ألا نكون قادرين على امتلاك ~~الوعي النقدي لوضعنا؛ فيمكننا أن نعتبر غياب الحرية حرية، وانعدام المساواة مساواة، ~~وفقدان العدالة عدالة. والمنظومات العقائدية السائدة قادرة على أن تعمي أبصار الناس عن ~~حقيقة أوضاعهم. ويحاول الحلم اليوتوبي أن يخترق المواقف التي تميل إلى القبول بالوضع ~~الراهن، ويمكن أن يكون هذا تجربة قاسية؛ لأنها تشير إلى أن واقعنا الحالي خطأ. # يصور منظران اجتماعيان معاصران، وهما: فريدريك جيمسون (المولود عام 1934) ~~وزيجمونت باومان (المولود عام 1925)، الازدواجية الراهنة بشأن اليوتوبيا؛ فقد كانت ~~اليوتوبيا محورية في فكر جيمسون، بدءا من كتابه «الماركسية والشكل» في عام 1971 وحتى ~~«حفريات المستقبل» في عام 2005، وقد ناقش اليوتوبية بوجه عام، إضافة إلى عدد من الأعمال ~~اليوتوبية. وهو يدفع بأن اليوتوبية إيجابية لأنها تفتح الباب أمام إمكانية التغيير ~~المستقبلي، لكنه أيضا يقول بأن «اليوتوبيات تتحدث عن الفشل، وتطلعنا على المزيد عن ~~حدودنا ونقاط ضعفنا أكثر ما تطلعنا على المجتمعات المثالية.» ويؤكد جيمسون على أن أغلب ~~محاولات تخيل اليوتوبيات تكشف عن استحالتها؛ لأننا مرتبطون بالثقافة والأيديولوجية، ~~وهذا يمنعنا من الانفصال عن واقعنا لتخيل أي شيء مختلف جذريا، حتى إن كان أفضل. ويؤكد ~~أيضا في الوقت نفسه على أهمية الاستمرار في المحاولة، ضاربا المثل بأهمية اليوتوبيات ~~النسوية والاشتراكية التي حاولت تخيل عوالم تخلو من الهيمنة على أساس النوع أو التراتب ~~الطبقي. # ومن منظور مختلف نوعا ما، يقيم باومان حجة مشابهة؛ ففي كتابه «الاشتراكية: اليوتوبيا ~~العاملة» (1976)، يقول بأن اليوتوبيا معنية بإمكانية الوصول إلى الكمال (العملية) لا ~~الكمال نفسه (الغاية). واليوتوبيا تحض على التحرر من منطلق أنها بإمكانها أن تساعد على ~~تحرير «النفس من السيطرة العقلية والمادية الطاغية لما هو روتيني واعتيادي و«طبيعي».» ~~ولاحقا قال إن اليوتوبيات الخاصة بالحقبة التي يطلق عليها الحداثة «الصلبة» تؤكد ~~فعليا على الكمال، الذي يقارنها بحقبة ما بعد الحداثة «المائعة». وكتب أنه في ~~الحداثة: # اليوتوبيا هي رؤية لعالم مراقب، مرصود، موجه عن كثب ومدار يوميا. وفوق كل ~~شيء، هي رؤية لعالم مسبق التصميم، عالم فيه ms089 التنبؤ والتخطيط يلغيان دور ~~الصدفة. # إلا إنه يستمر في الدفع بأن اليوتوبيا جانب جوهري من بشرية الإنسان، ~~فيقول: # أن تقارن الحياة «بوضعها الراهن» بحياة «مثالية» (أي حياة «يتخيل» أنها ~~مختلفة من الحياة «الحالية»، لا سيما حياة أفضل؛ ومن ثم تكون «مفضلة» عن الحياة ~~الحالية) هي سمة مميزة وأساسية للبشر. # إلا أنه لا يحب يوتوبيات ما بعد الحداثة، التي يرى أنها يغلب عليها ~~الطابع الخاص والاستهلاكي والفردي والوحدوي، فيقول: # كل يوتوبيا مصممة خصيصى بما يخدم مصلحة الفرد، وبما يحقق استمتاعا فرديا ~~بالكامل، حتى وإن كان هذا الفرد برفقة جماعة. # كما يعلن أنه لم يعد مطمئنا لليوتوبيا التي كان يؤيدها من قبل، فيقول ~~إنه في الحداثة: # في مدينة العقل، لم تكن هناك طرق متشابكة، ولا مسالك مسدودة، ولا مواقع لم ~~تجد من يعتني بها متروكة للصدفة؛ ومن ثم لا عابرو سبيل أو متشردون أو ~~هائمون. # انتهى باومان، الذي بدأ مؤيدا قويا لنوع معين من اليوتوبيا، إلى إنكار تلك ~~اليوتوبيا واليوتوبيات التي يجدها حاليا من حوله، لكنه لا يزال يرى اليوتوبية جوهرية ~~للوجود الإنساني، لبشرية الإنسان. وهذا أساسي بالنسبة للحجة المؤيدة لليوتوبيا. ربما لا ~~تروق لك أنواع بأسرها من اليوتوبيات، لكنه لا يزال من الضروري أن نستمر في الإيمان ~~بإمكانية إقامة مجتمع أفضل حالا. ~~(3) العولمة # الجدل بين مؤيدي العولمة ومناهضيها هو جدل بين يوتوبيتين؛ أي رؤيتين عما ينبغي أن ~~يكون عليه العالم في المستقبل وكيفية الوصول إليه. ثمة عدد من اليوتوبيات، أو ~~الديستوبيات - كما يفضل البعض أن يطلق عليها - العالمية، وأشهرها اليوتوبيا التي تربط ~~العالم اقتصاديا من خلال التجارة الحرة والسوق الحرة. ويؤيد الرأسماليون والقوى ~~العالمية الكبرى هذه اليوتوبيا، إلا عندما تؤثر عليهم بالطبع بالسلب، وعندها يفضلون ~~الحماية الجمركية والرقابة. على سبيل المثال، تؤيد الولايات المتحدة الأمريكية بقوة ~~التجارة الحرة في الوقت الذي تفرض فيه رسوما لحماية صناعاتها، وتقدم الدعم المالي ~~لمزارعيها، وفي الوقت نفسه تعارض بعنف دعم الاتحاد الأوروبي لمزارعيه؛ فالسوق الحرة ~~آلية عظيمة ما دام أن الوطن فقط هو الذي يستفيد ms090 منها. وتتمثل اليوتوبيا في الاعتقاد بأن ~~الأسواق الحرة والتجارة الحرة تأتي بنتائج إيجابية دون سواها. وهذا يغفل - كما يعي ~~جميعنا اليوم - أن الأسواق تنكمش كما تزدهر. أما في اليوتوبيا، فالجميع مستفيد. سيستفيد ~~الجميع اقتصاديا من العولمة التي ستساعد على نشر الديمقراطية بفتح الأسواق أو تحريرها ~~ودمج الأسواق عالميا. # تنشأ اليوتوبيا العالمية الثانية من الحركة المناهضة للعولمة، وهي لا تعتبر يوتوبيا ~~عالمية كسابقتها؛ لأنه خرج من رحمها المئات، وربما الآلاف، من الجماعات ذات الأجندات ~~المختلفة جدا التي تشكل تلك الحركة. في جوهرها، هي ذات توجه إنساني أو معنية ~~برفاهية الإنسان، رغم أن هذا الوصف - مع تضمنه لحركة حقوق الحيوان والإيكولوجيا ~~العميقة - يقلص من معناها كثيرا جدا. وهي معنية بشأن كوكب الأرض من منطلق أنها تضع ~~تصورا لإقامة حياة أفضل لجميع الكائنات الواعية، أو - من باب إدماج الإيكولوجيا ~~العميقة - الغلاف الحيوي. # ثمة بعض التناقضات الجوهرية في هذه اليوتوبيا؛ فعلى أبسط مستوى، يجب أن يوجد عدد أقل ~~بكثير من البشر لكي تحصل الحيوانات أو الغلاف الحيوي على حقوقها. وعلى مستوى أكثر ~~تعقيدا، يريد العالم النامي أن يتمكن من توفير حياة أفضل لمواطنيه، ما قد يستتبع قدرا ~~غير يسير من التأخر بالنسبة للعالم المتقدم. # تلقت كتب «الإمبراطورية» (2000) و«الجموع» (2004) و«الثروة المشتركة» (2009) للباحث ~~الأدبي الأمريكي مايكل هاردت (المولود عام 1960)، والمنظر السياسي الإيطالي ~~الراديكالي أنطونيو نيجري (المولود عام 1933)؛ تأييدا، وتعرضت للهجوم من كل من ~~اليسار واليمين، ومن مؤيدي العولمة ومناهضيها؛ ففي «الإمبراطورية» يقولان إن الدولة ~~القومية قد بطلت، ونتج عنها «شكل عالمي جديد للسيادة» لا يقوم على أساس إقليمي. ويؤكدان ~~على أن ما نطلق عليه إمبراطورية هو مرحلة ضرورية في التطور، وهو ما يشبه تأكيد ماركس ~~على أن الرأسمالية مرحلة ضرورية في التطور نحو الشيوعية، وكما أن الرأسمالية كانت أفضل ~~من أشكال المجتمع السابقة، فإن «الإمبراطورية» أفضل من السيادة على أساس قومي. ورغم أن ~~بعض الحجج المساقة في كتاب «الإمبراطورية» قد عفا عليها الزمن، من منطلق أنه لم يعد من ~~الممكن رؤية الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة ms091 العظمى الوحيدة ذات «الهيمنة على ~~استخدام القوة العالمي»؛ فهذا يعدل وحسب من التفاصيل، لا من حجة المؤلفين ~~الأساسية. # كما أنهما يسيران على خطى ماركس في قولهما بأن «الإمبراطورية»، شأنها شأن الرأسمالية، ~~تحمل في طياتها بذور دمارها، وهو ما يطلقون عليه في هذه الحالة «الجموع»، التي يمكن ~~تشبيهها تقريبا - لكن ليس تماما - بالحركة العالمية المناهضة للعولمة. وفي «الثروة ~~المشتركة»، يركزان على «المشاعات» التي يحددانها على نحو واسع لتشمل الأرض ومواردها، ~~و«مخرجات الإنتاج الاجتماعي الضرورية من أجل التفاعل الاجتماعي والمزيد من الإنتاج، مثل ~~المعارف واللغات والشفرات والمعلومات والعواطف وهكذا.» ويقولان إن ذلك لا ينبغي أن يكون ~~ملكية لجماعة أو لدولة مهيمنة، بل يكون متاحا للاستخدام العام، كما كانت الأرض في ~~الكثير من التقاليد. # من الممكن أن تكون مؤيدا للعولمة وتعارض عملية العولمة الحالية. على سبيل المثال، ~~من منظور مختلف تماما، يهاجم جوزيف إي ستيجلتز (المولود عام 1943) - الذي شغل منصب ~~نائب أول رئيس للبنك الدولي وكبير الخبراء الاقتصاديين به، وتقاسم جائزة نوبل في ~~الاقتصاد عام 2001 - بقوة العولمة التي تجري حاليا من منظوره كشخص مؤمن بأن العولمة ~~يمكن أن تكون قوة إيجابية. # وهذا يطرح النقطة المهمة الأخيرة؛ وهي أن نظرتك للعولمة واليوتوبيا تتوقف على موقفك: ~~إن كنت لا يزال لديك دخل، فستتمكن من شراء سلع معينة بسعر أرخص؛ لأن آخرين خسروا ~~وظائفهم، وهذه هي الطريقة التي ينظر بها مؤيدو عولمة السوق إلى الأمر. لكن فكر في ~~التأثير غير المباشر لخسارة تلك الوظائف على المحال والمقاهي والحانات التي تحصل على ~~أغلب دخلها من الذين فقدوا وظائفهم؛ فمالكو الأعمال الصغيرة يخسرون أعمالهم ويخسر ~~موظفوهم وظائفهم، والأماكن التي ينفقون فيها أموالهم تتأثر كذلك، ويفقدون منازلهم جراء ~~عدم قدرتهم على سداد الرهون العقارية، وتفلس البنوك، كما شاهدنا في عامي 2008 و2009، ~~وهكذا. # ومثل تلك الأشياء تعني أنه من الأصعب بكثير بالنسبة للناس أن يروا أنفسهم شخصا ~~واحدا من أن يروا أنفسهم يتنافسون من أجل البقاء، وهو بالضبط ما يريده مؤيدو عولمة ~~السوق. لكني أعتقد أنه لا تزال ms092 هناك إمكانية يوتوبية في العولمة، لكنها يجب أن تأتي من ~~الحركة العالمية المناهضة للعولمة من خلال بناء مساحات من الأمل محليا، وذلك حسب قول ~~ديفيد هارفي (المولود عام 1933)، عالم الجغرافيا والمنظر الاجتماعي. لن نقضي على ~~الفقر بالشعارات. لن ينجح الأمر إلا بالتوقف عن خداع الناس بالعبارات الرنانة، وبناء ~~مجموعات معارضة تستطيع أن تفعل شيئا على أرض الواقع. # الفصل السابع # | اليوتوبيا والأيديولوجية # صك المفكر الفرنسي أنطوان دستوت دي تراسي (1754-1836) كلمة «أيديولوجية» في عام 1794 ~~تقريبا؛ لتصف ما كان يأمل أن يكون علما جديدا للأفكار. لم ينتشر قط هذا الاستخدام، إلا ~~أن الكلمة استخدمها آخرون، غالبا، كتوصيف سلبي للطرق التي يضلل بها الناس أنفسهم وغيرهم من ~~خلال معتقداتهم. بالتأكيد صكت كلمة «يوتوبيا» قبلها بوقت طويل، لكن آل الأمر بالكلمتين إلى ~~أن أصبحتا مرتبطتين رغم أن هذا يمكن أن يكون مربكا بعدة طرق. وقد أطلق على القرن العشرين ~~«عصر الأيديولوجية»، واستخدمت اليوتوبيا استخدامين: باعتبارها مقابلا للأيديولوجية، وفي ~~نفس الوقت باعتبارها مرادفا لها. فعلى سبيل المثال، عندما بدأت الشيوعية - إحدى أهم ~~أيديولوجيات القرن العشرين - في الانهيار، كان كثيرا ما ~~يطلق على ذلك نهاية اليوتوبيا. # كان كارل مانهايم أول من ربط بين ~~اليوتوبيا والأيديولوجية في كتابه الصادر باللغة الألمانية، المنشور في عام 1929، ~~«الأيديولوجية واليوتوبيا»، والذي أعاد كتابته باللغة الإنجليزية تحت عنوان «الأيديولوجية ~~واليوتوبيا: مقدمة إلى علم اجتماع المعرفة»، وظهر في عام 1936، لكنه كان مختلفا تماما عن ~~الكتاب الأصلي. كانت الأيديولوجية واليوتوبيا عند مانهايم أساسيتين في فهمه لكيفية وسبب ~~تفكير الناس بالطريقة التي يفكرون بها، وكان يبحث عن مفاهيم غير تقييمية تتيح له دراسة ~~المسألة بموضوعية. # شكل 7-1: كان كارل مانهايم ~~(1893-1947) عالم اجتماع ولد في المجر، واختار أن ينفي نفسه إلى ألمانيا ~~ليتجنب قسوة النظام الشيوعي المتزايدة ببلده، ثم إلى إنجلترا لتجنب النظام ~~النازي في ألمانيا. كان المؤسس الرئيسي لعلم اجتماع المعرفة. وجمع كتابه ~~«الأيديولوجية واليوتوبيا» (1929) بين مصطلحي «الأيديولوجية» و«اليوتوبيا» ~~بوصفهما طريقتين مختلفتين لفهم العالم. # قال مانهايم إن الأفكار التي نحملها، والطريقة التي نفكر ms093 بها، والمعتقدات المترتبة تتأثر ~~جميعها بموقفنا الاجتماعي. وعلى وجه الخصوص، أطلق على معتقدات متقلدي السلطة أيديولوجية، ~~ومعتقدات من أملوا في الإطاحة بالنظام يوتوبيا. وفي كلتا الحالتين، أخفت معتقداتهم أو حجبت ~~واقع مواقفهم. منعت الأيديولوجية متقلدي السلطة من أن يعوا أي نقاط ضعف في موقفهم، ومنعت ~~اليوتوبيا من خارج السلطة من أن يعوا صعوبات تغيير النظام، وكلتاهما منعت أتباعها من رؤية ~~مواطن القوة في موقف الآخر. # كان من عادة مانهايم أن يضم معا مقالات قد كتبها في فترات مختلفة دون مراجعة منهجية؛ ما ~~أدى إلى تناقضات في المفاهيم الرئيسية، لكن الطبعة الألمانية من عمله «الأيديولوجية ~~واليوتوبيا» استقبلت باعتبارها حدثا فكريا كبيرا عندما نشرت في عام 1929، وصاحبتها ~~مراجعات نقدية متحمسة وبالغة السلبية على حد سواء. وفي إعادة كتابته للكتاب باللغة ~~الإنجليزية، الذي صدر في عام 1936، والذي كان موجها للجمهور الأكاديمي المتحدث باللغة ~~الإنجليزية، حذف مانهايم التوطئة وقائمة المحتويات المفصلة جدا، وأضاف مقالات ومقدمة إلى ~~علم اجتماع المعرفة. لم تحمل الطبعة الألمانية عنوانا فرعيا. أما الطبعة الإنجليزية، ~~فحملت عنوانا فرعيا هو: «مقدمة إلى علم اجتماع المعرفة»، وكان جزء كبير من المادة ~~المضافة مخصصا لشرح علم اجتماع المعرفة، ووضع المادة المراجعة من الطبعة الألمانية في ذلك ~~السياق. # في كتابه «الأيديولوجية واليوتوبيا»، يقول مانهايم بأن الأيديولوجية واليوتوبيا نتيجة ~~للصراع السياسي. وكتب يقول: # يعكس مفهوم «الأيديولوجية» اكتشافا نبع من الصراع السياسي، وهو أن المجموعات ~~الحاكمة يمكن أن تصبح في تفكيرها شديدة الاهتمام بمصلحتها في أحد المواقف، لدرجة ~~أنها لم تعد تستطيع رؤية حقائق معينة من شأنها أن تقوض إحساسها بالسيطرة ... ويعكس ~~مفهوم التفكير اليوتوبي الاكتشاف المقابل النابع من الصراع السياسي، وهو أن مجموعات ~~مقهورة معينة مهتمة، بقوة، فكريا بتغيير وضع معني بالمجتمع، حتى إنهم عن جهل منهم ~~لا يرون في هذا الوضع سوى العناصر السلبية فقط، فلا يقدر تفكيرهم على التشخيص ~~السليم للوضع الحالي للمجتمع. إنهم غير معنيين على الإطلاق بما يوجد فعليا على ~~أرض الواقع، بل يسعون بالفعل في تفكيرهم إلى تغيير الوضع الحالي. # ولكن ms094 كما قال عالم اللاهوت بول تيليخ في مراجعة نقدية للطبعة الألمانية من كتاب مانهايم ~~الذي صدر في عام 1929: «يدرك المؤمن باليوتوبية أن أفكاره ليست واقعية، لكنه يؤمن أنها ~~ستصبح أمرا واقعا. أما الشخص الذي لديه أيديولوجية، فعادة ما لا يدرك ذلك.» # بينما يبدو أن مانهايم يؤكد على نحو كبير على أهمية الأيديولوجية، فكثيرا ما يشير إلى ~~أهمية اليوتوبيا، ويزعم أن اليوتوبيا أهم من الأيديولوجية، فيقول: # في حين أن انحسار الأيديولوجية لا يمثل كارثة إلا لطبقات معينة، ودائما ما تتخذ ~~الموضوعية المستمدة من نزع الأقنعة عن الأيديولوجيات شكل إيضاح الذات بالنسبة ~~للمجتمع ككل؛ فالاختفاء التام للعنصر اليوتوبي من الفكر والفعل الإنسانيين سيعني ~~أن الطبيعة الإنسانية والتطور البشري سيكون لهما طابع جديد تماما. واختفاء ~~اليوتوبيا يؤدي إلى جمود الأوضاع التي في ظلها لا يعدو الإنسان نفسه كونه أحد ~~الأشياء. # ورغم تناول بعض الباحثين لكل من الأيديولوجية واليوتوبيا معا، وتقديم بعضهم مساهمات ~~كبيرة في فهمنا لإحداهما أو الأخرى، فإنه بعد مانهايم، استخدمت الكلمتان غالبا على نحو ~~منفصل. لكن الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في محاضراته، التي ألقاها عام 1975 حول الموضوع، ~~أعاد الربط بينهما. قال ريكور إن الأيديولوجية واليوتوبيا لهما سمات إيجابية وسلبية على حد ~~سواء؛ فالشكل السلبي من الأيديولوجية تشويه الواقع، ومن اليوتوبيا فانتازيا. والجانبان ~~الإيجابيان للأيديولوجية هما: «تبرير الأوضاع القائمة» و«إدماج الأفراد في هوية الجماعة.» ~~أما الجانبان الإيجابيان الموازيان لليوتوبيا، فهما «تقديم شكل بديل للسلطة» و«استكشاف ~~الممكن». # شكل 7-2: كان بول ريكور ~~(1913-2005) فيلسوفا فرنسيا يعتبر من أبرز فلاسفة النصف الثاني من ~~القرن العشرين. من عام 1968 حتى 1992، عمل أستاذا لعلم اللاهوت الفلسفي ~~بكرسي جون نوفين بجامعة شيكاجو؛ حيث أعطى سلسلة من المحاضرات حول ~~الأيديولوجية واليوتوبيا والعلاقة بينهما. # فالأيديولوجيا تحكي قصة؛ قصة تبرر أو تشرعن وجود ومعتقدات جماعة ما، وهي بذلك تعطي هوية ~~لتلك الجماعة، لكن القصص هي تشويهات لما حدث فعليا، ومن المهم «كشف النقاب» عن هذا ~~التشويه. # المشكلة الرئيسية عند ريكور، كما كانت عند مانهايم، هي التأثير المتغلغل للأيديولوجية ~~وكيف ms095 يمكن التعرف عليها من داخلها. وكما يقول ريكور: «نحن نفكر من منظورها بدلا من أن نفكر ~~فيها.» # رأى مانهايم أن الانتقال بين الطبقات الاجتماعية، لا سيما لمن أطلق عليهم «المفكرين ~~المتحررين»، أتاح لهم فهم الموقف من الخارج، وقال إن اليوتوبيا يمكن أن تكون مصححة ~~للأيديولوجية. أما ريكور، فرأى أن إحدى وظائف اليوتوبيا هي تقويض الأيديولوجية. # من «اللامكان» ينشأ أصعب الأسئلة عن الماهية؛ ومن ثم تبدو اليوتوبيا في جوهرها ~~المقابل الدقيق لمفهومنا الأساسي عن الأيديولوجية المتمثل في الإدماج الاجتماعي؛ فمهمة ~~اليوتوبيا في المقابل هي الهدم الاجتماعي. # ويزعم ريكور أن اليوتوبيا تسمح بانتقاد الأيديولوجية دون الاضطرار إلى البعد عن تأثيرها، فيقول: # إليكم قناعتي: السبيل الوحيد للخروج من الحلقة المفرغة التي تدخلنا فيها ~~الأيديولوجيات هو تبني فكر يوتوبي، وإعلانه، والحكم على إحدى الأيديولوجيات على ~~هذا الأساس. ولأن المراقب المطلق [«المفكر المتحرر» عند مانهايم] مستحيل الوجود، ~~يتولى شخص من داخل العملية نفسها مسئولية الحكم. # يزعم ريكور أنه من اللامكان الخاص باليوتوبيا يبدو واقعنا غريبا، فيقول: «أليست فانتازيا ~~المجتمع البديل و«لامكان» منظوره الخارجي إحدى نقاط الخلاف العويصة فيما يتعلق بالماهية؟» ~~إن قدرة اليوتوبيا على كشف النقاب عن الأيديولوجية عن طريق إيضاح وجود بدائل لها لهي ~~بوضوح أحد جوانبها الإيجابية. ويرى ريكور أن قدرة اليوتوبيا على تحدي الأيديولوجية ~~متجددة. # ويركز ريكور على نحو خاص على كيف أن اليوتوبيا تمثل طرقا بديلة لتوزيع السلطة، وأحيانا ~~يبدو أنه يرى أن اليوتوبيات معنية في المقام الأول بالسلطة، بل وجعل ذلك أحد الجانبين ~~الإيجابيين لليوتوبيا. وهذا منطقي فيما يتعلق بعلاقتها بالأيديولوجية؛ فدور الأيديولوجية هو ~~تعزيز توزيع السلطة الحالي. أما دور اليوتوبيا، فهو هدم هذا التوزيع. # ورغم أن ريكور أمضى وقتا أطول في تناول الأيديولوجية مقارنة باليوتوبيا، فيبدو أن ~~اليوتوبيا، في نهاية الأمر، أهم من الأيديولوجية، لكن كلا منهما تؤثر في الأخرى وتغير ~~منها. # واليوم، لا يزال مصطلح الأيديولوجية يستخدم على نحو سلبي للإشارة إلى الطريقة التي تشوه ~~بها معتقدات الآخرين الوضع الحقيقي، لكن يستخدمها أيضا علماء الاجتماع للإشارة إلى ~~الأنظمة ms096 العقائدية، عادة العقائد السياسية هي التي تنظم نظرة الشخص إلى العالم. وهكذا ~~أصبحت الأيديولوجية - غالبا دون الإشارة لليوتوبيا - نقطة نقاش محورية على الصعيد السياسي ~~الدولي والمحلي، وتجري دراستها باعتبارها جزءا من الطريقة التي يفكر بها الناس ~~سياسيا. # الأيديولوجية واليوتوبيا مرتبطتان ارتباطا وثيقا؛ فثمة يوتوبيا في صميم كل أيديولوجية. ~~صورة إيجابية - بعضها غامض، وبعضها مسهب التفاصيل - عما سيكون عليه العالم إذا ما تحققت ~~آمال الأيديولوجية. ومن الممكن أن تتحول يوتوبيا إلى أيديولوجية. ولا تتضح تماما العملية ~~التي يمكن بموجبها أن تصبح اليوتوبيا أيديولوجية، وهي بلا شك تختلف من حالة لأخرى، لكن من ~~المحتمل إن كانت اليوتوبيا جذابة وقوية على نحو كاف، فيمكنها أن تحول الأمل والرغبة إلى ~~معتقد وفعل لتحقيق اليوتوبيا على أرض الواقع من خلال حركة سياسية أو اجتماعية. لا تمر ~~أغلب اليوتوبيات بتلك العملية، وأغلب التي تمر بها تفشل، لكن إذا تحولت اليوتوبيا إلى ~~منظومة عقائدية تنجح في الوصول إلى السلطة في مجتمع، أو بلد صغير، أو حتى عدد من البلدان، ~~فأغلب الظن أنها ستتحول إلى أيديولوجية. وعند تلك المرحلة، ستتحداها يوتوبيا أو أكثر قد ~~تنجح - لكنها في الغالب لن تنجح - في الإطاحة بالأيديولوجية، ولكن، بحسب زعم مانهايم ~~وريكور، اليوتوبيا هي السبيل الذي من خلاله يمكن تحدي الأيديولوجيات. # | خاتمة # كتب أرشيبالد مكليش، الذي أصبح فيما بعد رئيس مكتبة الكونجرس يقول: # الحقيقة أنه لا يوجد بديل لليوتوبيا، ولا يوجد بديل للأمل، وأن اللحظة التي يتخلى ~~فيها الناس عن حقهم في رسم مستقبلهم - ~~مهما غالوا في ذلك - ويستسلمون إلى قانون اقتصادي محتوم، وذلك كما يطلب منهم ~~الشيوعيون والرأسماليون؛ تذهب الحياة عنهم. # وكتب ليشك كولاكفسكي يقول: # أن نذهب إلى تخيل أنه بإمكاننا وضع خطة ما للمجتمع بأسره بواسطتها يحقق ~~التخطيط البشري التناغم والعدل والوفرة؛ لهو دعوة للاستبداد. # في حين أن كلمة «يوتوبيا» نشأت في زمان ومكان معينين، ظهرت اليوتوبية في كل تقليد ثقافي؛ ~~ففي كل مكان حملت اليوتوبيا الأمل في تحقيق حياة أفضل، وفي الوقت نفسه طرحت أسئلة حول كل ~~من التحسينات ms097 المحددة المقترحة وأيضا - في بعض الحالات - إن كان التحسين ممكنا. شجعت ~~اليوتوبية الناس على بذل جهود جبارة لتحقيق تحسين حقيقي. وقد أساء آخرون استخدامها للوصول ~~للسلطة، أو المكانة الاجتماعية، أو الحصول على المال، وغيرها. وقد تحولت بعض اليوتوبيات ~~إلى ديستوبيات، بينما استخدمت يوتوبيات أخرى لهزيمة هذه اليوتوبيات ذاتها؛ ومن ثم ~~فاليوتوبيات ضرورة، لكنها من الممكن أن تكون خطرة. # أدرك منظرو وكتاب اليوتوبيات قوة اليوتوبية وخطرها، وقدموا لنا يوتوبيات غامضة، وأقل ~~تحديدا، وأكثر تعقيدا. الأمثلة على ذلك ما أطلق عليه ألبير كامو (1913-1960)؛ الفرنسي ~~الجزائري الأصل الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، «اليوتوبيا النسبية»، وما أطلق عليه جون ~~رولز (1921-2002)؛ أحد كبار فلاسفة الليبرالية، «اليوتوبيا الواقعية». وهذا المنهج يتجنب ~~أحد أشد أخطار اليوتوبيا؛ وهو المبالغة في أخذها على محمل الجد بصورة مبالغ فيها؛ إذ ينبغي ~~للمرء أن يكون قادرا على أن يؤمن إيمانا قويا بمعتقداته، وفي الوقت نفسه قادرا على ~~رؤية أوجه العبث بها والسخرية منها. # يمكن لليوتوبيا أن تكون مثل إحدى المآسي الإغريقية. تقدم البشرية في غرورها على إقامة ~~يوتوبيا، وهي بذلك تنتهك حدود الدائرة المخصصة لها؛ ومن ثم تواجه انتقام الآلهة، وتخفق ~~في إقامة اليوتوبيا وتدفع ثمن تجرئها في محاولتها إقامتها. وكما يقول إم آي فينلي إن ~~حركات الإصلاح الاجتماعي: # اتضح أنها لم تحقق اليوتوبيا حتى في أفضل حالاتها، وتكتنفها خيبة أمل محتومة. ~~ارتفعت الأصوات المناهضة لكل من التغييرات الاجتماعية والأفكار اليوتوبية التي ~~تقوم عليها، المناهضة لإمكانية تقدم البشر، المناهضة للقوة الكامنة في البشر من ~~أجل التطوير. # يبدو أن هذه الجدلية المحتومة من الأمل والفشل، أو على الأقل الفشل الجزئي، والقنوط ~~وفقدان الأمل، المتبوعة عاجلا أو آجلا بتجدد الأمل؛ تمثل النمط الأساسي للتغير ~~الاجتماعي، وربما تكون هي المنطق الفعلي لليوتوبيا، جامعة أجزاء من كلا المنطقين ~~السابقين. وهذه الجدلية هي جزء من إنسانيتنا. واليوتوبيا رؤية مأساوية لحياة من الأمل، ~~دائما ما تتحقق ودائما ما تفشل. بإمكاننا أن نأمل، ونفشل، ونأمل مجددا. يمكننا أن نتحمل ~~إخفاقا متكررا ونستمر في تحسين المجتمعات ms098 التي ننشئها. # | المراجع # All passages from the Bible are from the Revised Standard ~~Version. # مقدمة # The opening quotations are taken ~~from: # Marge Piercy, # He, She and ~~It ~~(New York: Alfred A. Knopf, 1991; UK edn. as # Body of Glass ~~(London: ~~Michael Joseph, 1992)). # Oscar Wilde, # The Soul of Man ~~under Socialism ~~(Boston: John W. Luce, 1910); ~~originally published in # The Fortnightly ~~Review ~~, 55 (ns49) (February 1891): ~~292-319. # Immanuel Wallerstein, # Utopistics: or Historical Choices of the Twenty-First ~~Century ~~(New York: The New Press, ~~1998). # Max Beerbohm, 'In a Copy of More’s (or Shaw’s or ~~Wells’s or Plato’s or Anybody’s) # Utopia’, ~~Max in Verse: Rhymes and Parodies by Max Beerbohm ~~, ~~collected and annotated by J. G. Riewald (Brattleboro, VT: The ~~Stephen Greene Press, 1963), 54; ascribed to the period ~~1910-15. # Thomas Babington Macaulay, 'Lord Bacon’, # The Works of Lord Macauley, # 6 vols ~~(Boston: Houghton Mifflin, 1943). # Alphonse Marie Louis de Prat de Lamartine, # Histoire des Girondins ~~(Bruxelles: ~~Société de Belge, 1850). # Thomas More’s # Utopia # was first published as # Libellus vere aureus ~~nec minus salutaris quam festivus de optimo reip[ublicae]statu, ~~deq[ue] noua Insula Vtopia ~~(Louvain, Belgium: Arte ~~Theodorice Martini, 1516). There are many translations available: # Utopia: A Revised Translation, ~~Backgrounds, Criticism, # 2nd edn., tr. and ed. Robert ~~M. Adams (New York: W. W. Norton, 1992) includes considerable ~~additional material about the book; and # Utopia ~~, tr. Paul Turner, revised edn. ~~(Harmondsworth: Penguin, 2003) makes the satire and play on words of ~~the text clear. # Leszek Kolakowski, 'The Death of Utopia Reconsidered’, # The Tanner Lectures on Human ~~Value, # vol. 4, ed. Sterling M. McMurrin (Salt Lake ~~City, UT: University of Utah Press/Cambridge: Cambridge University Press, 1983), 227-47; reprinted in # his ~~Modernity on Endless Trial ~~(Chicago: University of ~~Chicago Press, 1990), 131-45. The lecture was delivered at the ~~Australian National University, 22 June 1982. # Lyman Tower Sargent, 'The Three Faces of Utopianism ~~Revisited’, # Utopian Studies, # 5.1 ~~(1994): 1-37. # Ruth Levitas, # The Concept of ms099 ~~Utopia ~~(Hemel Hempstead: Philip Allan/Syracuse, NY: ~~Syracuse University Press, 1990). # Darko Suvin, 'Defining the Literary Genre of Utopia: ~~Some Historical Semantics, Some Genology, a Proposal and a Plea’, # Studies in the Literary ~~Imagination, # 6 (Autumn ~~1973): 121-45; reprinted ~~in his # Metamorphoses of Science Fiction: On ~~the Poetics and History of a Literary Genre ~~(New ~~Haven, CT: Yale University Press, ~~1979), ~~37-62. # الفصل الأول # The quotations at the head of the chapter are from ~~Teleclides’s # Amphictyonies ~~, quoted ~~in Athenaeus, # The Learned ~~Banqueters, # VI: 268b-d, ed. and tr. S. Douglas Olson, ~~7 vols (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2008), 3: 235; and ~~Diodorus Siculus, # Bibliotheca ~~Historiae, # 58, tr. in Ernest Barker, # From Alexander to Constantine ~~(Oxford: ~~Clarendon Press, 1956), 63. # Lewis Mumford, # The Story of ~~Utopias ~~(New York: Boni and Liveright, 1922; ~~reprinted New York: Viking Press, 1962 with a new 'Preface’ by the ~~author). # Lyman Tower Sargent, 'The Three Faces of Utopianism ~~Revisited’, # Utopian Studies, # 5.1 ~~(1994): 1-37. # Hesiod, 'Works and Days’, # Theogony Works and Days Testimonia, # ed. and tr. ~~Glenn W. Most (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006; Loeb ~~Classical Library 57). # Ovid, # Metamorphoses, # I: 89-112, tr. Mary M. Innes (Harmondsworth: Penguin, ~~1955). # Lucian, # The Works of Lucian of ~~Samosata, Complete with ~~Exceptions Specified in the Preface, # tr. H. W. Fowler and F. G. Fowler (Oxford: ~~Clarendon Press, 1905). # A. L. Morton, # The English ~~Utopia ~~(London: Lawrence and Wishart, ~~1952). # Virgil, # tr. H. ~~Rushton Fairclough, 2 vols, revised edn. (London: Heinemann, ~~1965). Plutarch, 'Lycurgus’, in Plutarch’s Lives ~~, tr. Bernadotte Perrin, 11 vols ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~1914), 1. Plato, # The Republic, # ed. G. R. F. Ferrari, tr. Tom Griffith (Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2000). ~~'The Sweet Potato Mountains’, quoted in George Milburn, # The Hobo’s Hornbook: A Repertory for a ~~Gutter Jongleur ~~(New York: Ives Washington, ~~1930). # The slave story comes from B. A. Botkin (ed.), # Lay My Burden Down: A Folk History of ~~Slavery ~~(Chicago: University of Chicago Press, ~~1945). # Edward ms100 Bellamy, # Looking ~~Backward: 2000-1887 ~~(Boston, MA: Ticknor and Company, ~~1888). Modern editions include those edited by Alex MacDonald ~~(Peterborough, Canada: Broadview Press, 2003) and by Matthew ~~Beaumont (London: Penguin, 2007). Bellamy revised his utopia in # Equality ~~(New York: D. ~~Appleton, 1897). # Marge Piercy, # Woman on the Edge ~~of Time ~~(New York: Alfred A. Knopf, ~~1976). # William Morris, 'Looking Backward’, # The Commonweal, # 5.180 (June 1889): ~~194-5; reprinted in May Morris, # William ~~Morris: Artist, Writer, Socialist, # vol. 2, # Morris as a Socialist with an Account of William ~~Morris as I Knew Him by Bernard Shaw ~~(Oxford: ~~Blackwell, 1936), 501-7. # William Morris, # News from ~~Nowhere; or, An Epoch of Rest, ~~Being Some Chapters ~~from a Utopian Romance ~~(Boston, MA: Roberts Bros., ~~1890). Modern editions include those edited by James Redmond ~~(London: Routledge and Kegan Paul, 1970) and by Krishan Kumar ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1995). # Tom Moylan, # Demand the ~~Impossible: Science Fiction and the Utopian ~~Imagination ~~(London: Methuen, ~~1986). # Lucy Sargisson, # Contemporary ~~Feminist Utopianism ~~(London: Routledge, ~~1996). # Lyman Tower Sargent, 'The Problem of the “Flawed ~~Utopia”: A Note on the Costs of Utopia’, # Dark Horizons: Science Fiction and the Dystopian ~~Imagination, # ed. Raffaella Baccolini and Tom Moylan ~~(London: Routledge, 2003), 225-31. # Joanna Russ, 'What Can a Heroine Do? Or Why Women Can’t ~~Write’, in # Images of Women in Fiction; ~~Feminist Perspectives ~~, ed. Susan Koppelman Cornillon ~~(Bowling Green, OH: Bowling Green University Popular Press, 1972), ~~3-20; reprinted in her # To Write Like a ~~Woman: Essays in Feminism and Science Fiction ~~(Bloomington: Indiana University Press, 1995), ~~79-93. # Ernest Callenbach, # Ecotopia: ~~The Notebooks and Reports of William Weston ~~(Berkeley, CA: Banyan Tree Books, 1975; reprinted New York: Bantam, ~~1977). # الفصل الثاني # Arthur Eugene Bestor, Jr, # Backwoods Utopias: The Sectarian and Owenite Phases of ~~Communitarian Socialism in America, 1663-1829 ~~(Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1950; 2nd edn. ~~1970). # Lyman Tower Sargent, 'The Three Faces of Utopianism ~~Revisited’, # Utopian Studies, # 5.1 ~~(1994): 1-37. ~~'The Rule of S. Benedict’, # Documents ms101 of the Christian Church, # ed. Henry ~~Bettenson, 2nd edn. (London: Oxford University Press, ~~1963). # Henry Near, 'Utopian and Post-Utopian Thought: The ~~Kibbutz as Model’, # Communal ~~Societies, # 5 (1985): 41-58. # Lyman Tower Sargent, 'The Ohu Movement in New Zealand: ~~An Experiment in Government Sponsorship of Communal Living in the ~~1970s’, # Communal Societies, # 19 ~~(1999): 49-65. # Federation of Egalitarian Communities, # http://www.thefec.org/ 'Principles’ # accessed 10 ~~May 2010. # Rosabeth Moss Kanter, # Commitment and Community: Communes and Utopias in Sociological Perspective ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~1972). # Henry Demarest Lloyd, quoted in Caro Lloyd, # Henry Demarest Lloyd, 1847-1903: A ~~Biography, # 2 vols (New York: Putnam, 1912), II: ~~66-7. # Hakim Bey [Peter Lamborn Wilson], # T. A. Z.: The Temporary Autonomous Zone, ~~Ontological Anarchy, Poetic Terrorism, # 2nd edn. with ~~a new preface (ix-xii) (Brooklyn, NY: Autonomedia, ~~2003). # George McKay (ed.), # DiY ~~Culture: Party and Protest in Nineties Britain ~~(London: Verso, 1998). # Jill Dolan, 'Performance, Utopia, and the “Utopian Performative”’, # Theatre Journal, # 53.3 (October 2001): 455-79; revised as '“A Femme, a Butch, a Jew”: ~~Feminist Autobiographical Solo Performance’, in her # Utopia in Performance: Finding Hope at the ~~Theater ~~(Ann Arbor: University of Michigan Press, ~~2005), 35-62, ~~180-5. # الفصل الثالث # James Belich, # Replenishing the ~~Earth: The Settler Revolution and the Rise of the Anglo-World, ~~1783-1939 ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2009). # Robert L. Wright (ed.), # Irish ~~Emigrant Ballads and Songs ~~(Bowling Green, OH: ~~Bowling Green University Popular Press, ~~1975). ~~'The Non-progressive Great Spirit-“Traditionalism in ~~the Modern World”’, # Akwesasne ~~Notes, # 5 (1973). # John Winthrop, # Life and Letters ~~of John Winthrop, # 2 vols (Boston, MA: Ticknor and ~~Fields, 1864-7). # Roger Williams, # Key into the ~~Language of America ~~(1643), quoted in George H. ~~Williams, # Wilderness and Paradise in ~~Christian Thought: The Biblical Experience in the History of ~~Christianity and the Paradise Theme in the Theological Idea of ~~the University ~~(New York: Harper, 1962), ~~103. # Nadine Gordimer, 'Living in the Interregnum’, # The New York Review of Books, # 29.21 and ~~22 ms102 (20 January 1983): ~~21-2, 24-9; based on the ~~James Lecture at the New York Institute for the Humanities, 14 ~~October 1982. # الفصل الرابع # The quotations at the head of the chapter come from ~~Father Sangermano, # A Description of the ~~Burmese Empire Compiled Chiefly from Native Documents by the ~~Revd. Father Sangermano and Translated From His MS by William ~~Tandy, D. D. ~~(Rome, printed for the Oriental ~~Translation Fund of Great Britain and Ireland/John Murray, 1833; ~~reprinted Rangoon: The Government Press, ~~1885), pp. 8-9; and from ~~the Tao Te Ching (80th chapter) as quoted in Joseph Needham with ~~research assistance of Wang Ling, vol. 2 of # History of Scientific Thought of Science and Civilisation in ~~China ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1956). # On the proposed constitutions, see Koon-ki T. Ho, ~~'Several Thousand Years in Search of Happiness: The Utopian ~~Tradition in China’, # Oriens ~~Extremus ~~(Germany), 30 (1983-6): ~~19-35. # On K’ang Yu-wei, see Kung-Chuan Hsiao, # A Modern China and a New World: K’ang Yu-wei, ~~Reformer and Utopian, 1858-1927 ~~(Seattle: University ~~of Washington Press, 1975). # Donald Keene, 'The Tale of the Bamboo Cutter’, # Monumenta Nipponica, # 11.1 ~~(January 1956): 329-55; 'Introduction’ (329); translation with notes ~~(330-54). # Rubáiyát of Omar ~~Khayyám, # tr. Edward FitzGerald (London: Penguin, ~~1989). Originally published as # Rubáiyát of ~~Omar Khayyám, The Astronomer-Poet of Persia. Translated into ~~English Verse ~~(London: Bernard Quaritch, 1859); an ~~alternative modern translation is by Peter Avery and John ~~Heath-Stubbs (London: Penguin, 2004). # Ibn Tufail, # The Journey of the ~~Soul: The Story of Hai bin Yaqzan, as told by Abu Bakr Muhammad ~~bin Tufail, # tr. Riad Kocache (London: Octagon Press, ~~1982). Also as # Ibn Tufayl, Hayy Ibn Yaqzan: ~~A Philosophical Tale ~~, tr. Simon Ockley (London: ~~Chapman and Hall, 1929); and tr. Lenn Evan Goodman (New York: ~~Twayne, 1972). # Ayatollah Sayyed Ruhollah Mousavi Khomeini, # Islamic ~~Government, # tr. ~~Joint Publications Research Service (New York: Manor Books, ~~1979). # On the Islamist utopias, see Christian Szyska, 'On ~~Utopian ms103 Writing in Nasserist Prison and Laicist Turkey’, # Welt des Islams, # 35.1 (April 1995): ~~95-125; and Sohrab Behdad, 'Islamic Utopia in Pre-Revolutionary ~~Iran: Navvab Safavi and the Fadai’an-e Eslam [Crusaders of Islam]’, # Middle Eastern Studies, # 33.1 ~~(January 1997): 40-65. # Simon Gikandi, quoted in the # Times Literary ~~Supplement ~~, no. ~~5392 (4 August 2006): 21. # الفصل الخامس # Dracontius is quoted in Eleanor S. Duckett, # Latin Writers of the Fifth Century ~~(New ~~York: Henry Holt, 1930), 85. # Judith Shklar, 'The Political Theory of Utopia: From ~~Melancholy to Nostalgia’, # Utopias and ~~Utopian Thought, # ed. Frank E. Manuel (Boston, MA: ~~Beacon Press, 1967/London: Souvenir Press, 1973), ~~101-15. ~~'Book of Jubilees’, 'The Sibylline Book of Oracles’, ~~and 'II Baruch’ can be found in R. H. Charles, # The Apocrypha and Pseudepigrapha of the Old ~~Testament in English with Introductions and Critical and ~~Explanatory Notes to the Several Books, # 2 vols ~~(Oxford: Clarendon Press, 1913). # Lactantius, # The Divine ~~Institutes, # tr. Rev. William Fletcher, D. D. # The Ante-Nicene Fathers: Translations of ~~the Writings of the Fathers down to A. D. 325, American reprint ~~of the Edinburgh Edition, ed. Rev. Alexander Roberts, D. D., and ~~James Donaldson, LL.D, revised and chronologically arranged, ~~with Brief Prefaces and Occasional Notes by A. Cleveland Coxe, ~~D. D. # Volume VII, # Lactantius, ~~Venantius, Victorinus, Dionysius, Apostolic Teaching and ~~Constitutions. Homily, and Liturgies ~~, authorized edn. ~~(Edinburgh: T&T Clark/Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1990 ~~reprint), 219-20. # Tim LaHaye and Jerry B. Jenkins, # Left Behind: A Novel of Earth’s Last ~~Days ~~(Wheaton, IL: Tyndale House Publishers, 1995). ~~There are twelve sequels plus graphic novels, videos, video games, ~~books for children, and related products. See # http://www.leftbehind.com ~~(accessed 10 May 2010) ~~for all the books and related materials. # The Voyage of St Brendan: ~~RepresentaUtopias and Utopian Thoughttive Versions of the Legend ~~in English Translation, # ed. W. R. J. Barron and Glyn ~~S. Burgess (Exeter: University of Exeter Press, 2002; 2nd edn. ~~2005). On the Irish ms104 voyages, see Tom Moylan, 'Irish Voyages and ~~Visions: Pre-Figuring, Re-Configuring Utopia’, # Utopian Studies, # 18.3 (2007): 299-323. ~~On Prester John, see Vsevolod Slessarev, Prester John: The Letter and the Legend ~~(Minneapolis: University of Minnesota Press, ~~1959). ~~'The Apocalypse of Paul’, tr. J. K. Elliott, in # Apocryphal New Testament ~~(Oxford: Clarendon Press, 1993). # Krishan Kumar, # Religion and ~~Utopia ~~(Canterbury: Centre for the Study of Religion ~~and Society, University of Kent at Canterbury, 1985; Pamphlet ~~Library No. 8). # Thomas Molnar, # Utopia: The Perennial Heresy ~~(New York: Sheed and Ward, ~~1967/London: Tom Stacey, 1972). # Reinhold Niebuhr, # The Nature ~~and Destiny of Man, # 2 vols (New York: Charles ~~Scribner, 1941; reprinted Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 1996). Paul Tillich, 'The Political Meaning of Utopia’, tr. ~~William J. Crout, Walter Bense, and James L. Adams, in his Political Expectation ~~(New York: Harper ~~and Row, 1971), 125-80. # Martin Buber, Paths in ~~Utopia, # tr. R. F. C. Hull (London: Routledge and ~~Kegan Paul, 1949/New York: Macmillan, 1950). # الفصل السادس # Lyman Tower Sargent, 'Utopia and the Late Twentieth ~~Century: A View from North America’, in # Utopia: The Search for the Ideal Society in the Western ~~World ~~, ed. Roland Schaer, Gregory Claeys, and Lyman ~~Tower Sargent (New York: The New York Public Library/Oxford ~~University Press, 2000), 333-45. # The quotations from Karl Popper come from 'Utopia and ~~Violence’, # Hibbert Journal, # 46 ~~(January 1948): 109-16; reprinted in # World ~~Affairs ~~, 149.1 (Summer 1986): 3-9, and in his # Conjectures and Refutations: The Growth ~~of Scientific Knowledge ~~(London: Routledge Classics, ~~2002), 477-88. # Richard Mollica, quoted in Philip Gourevitch, 'Letter ~~from Rwanda: After the Genocide’, # The New ~~Yorker, # 71 (18 December 1995): ~~84. # Ralf Dahrendorf, 'Out of Utopia: Toward a Reorientation ~~of Sociological Analysis’, # American Journal ~~of Sociology, # 64 (September ~~1958): ~~115-27. # Judith Shklar, 'The Political Theory of Utopia: From ~~Melancholy to Nostalgia’, # Utopias and ~~Utopian Thought, # ed. Frank E. Manuel (Boston: Beacon Press, 1967/London: Souvenir Press, 1973), ~~101-15. # Leszek Kolakowski, 'The Death ms105 of Utopia Reconsidered’, # The Tanner Lectures on Human ~~Value, # vol. 4, ed. Sterling M. McMurrin (Salt Lake ~~City, UT: University of Utah Press/Cambridge: Cambridge University Press, 1983), 227-47; reprinted in his # Modernity on Endless Trial ~~(Chicago: University of ~~Chicago Press, 1990), 131-45. The lecture was delivered at the ~~Australian National University, 22 June 1982. # H. G. Wells, # Men Like ~~Gods ~~(London: Cassell, 1923). # Jacob Talmon, # Utopianism and Politics ~~(London: Conservative Political Centre, ~~1957). # Thomas Hobbes, # Leviathan, # ed. Richard Tuck (Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1991). # George Kateb, 'Utopia and the Good Life’, in # Utopias and Utopian Thought ~~, ed. Frank ~~E. Manuel (Boston: Beacon Press, 1967/ London: Souvenir Press, ~~1973), 239-59. # Adam Smith, # The Theory of Moral ~~Sentiments, # ed. D. D. Raphael and A. L. Macfie ~~(Indianapolis: Liberty Fund, 1982). # Immanuel Kant, quoted in Isaiah Berlin, # The Crooked Timber of Humanity: Chapters in the ~~History of Ideas, # ed. Henry Hardy (London: John ~~Murray, 1990), epigram p. v. # Arthur Koestler, 'The Yogi and the Commissar’, # Horizon, # 5.30 (June 1942): ~~381-92; reprinted in # The Yogi and the ~~Commissar ~~(London: Jonathan Cape, ~~1945). # Barbara Goodwin and Keith Taylor, # The Politics of Utopia: A Study in Theory and Practice ~~(London: Hutchinson, ~~1982). # Quentin Skinner, # Liberty Before ~~Liberalism ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1998). # Ernst Bloch, # The Principle of ~~Hope, # tr. Neville Plaice, Stephen Plaice, and Paul ~~Knight, 3 vols (Oxford: Blackwell, 1986). # M. I. Finley, 'Utopianism Ancient and Modern’, in # The Critical Spirit: Essays in Honor of ~~Herbert Marcuse ~~, ed. Kurt Wolff and Barrington Moore, ~~Jr (Boston, MA: Beacon Press, 1967). # Frederick L. Polak, # The Image ~~of the Future: Enlightening the Past, Orientating the Present, ~~Forecasting the Future, # tr. Elise Boulding, 2 vols ~~(Leyden, The Netherlands: A. W. Sythoff/New York: Oceana, ~~1961). # Fredric Jameson, 'Comments’, # Utopian Studies, # 9.2 (1998): ~~74-7. Jameson is ~~responding to a special issue of the journal devoted to his ~~work. # The quotations from Zygmunt Bauman come from # Socialism: The Active ~~Utopia ~~(New ms106 York: Holmes and Meier, 1976); ~~'Conclusion: Utopia with No # Topos’ ~~, in his # Society under ~~Siege ~~(Cambridge: Polity Press, 2002), 222-41, 251-2; ~~and # Does Ethics Have a Chance in a World of ~~Consumers? ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~2008). # Michael Hardt and Antonio Negri, # Empire ~~(Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 2000). # David Harvey, # Spaces of ~~Hope ~~(Berkeley: University of California Press/Edinburgh: Edinburgh University Press, ~~2000). # الفصل السابع # Karl Mannheim, # Ideology and ~~Utopia: An Introduction to the Sociology of ~~Knowledge, # tr. Louis Wirth and Edward Shils ~~(New York: Harcourt, Brace, 1936; new edn. London: Routledge, 1991). ~~The English edition brings together his # Ideologie und Utopie ~~(Bonn: Cohen, 1929) and other ~~essays by Mannheim. Paul Tillich, 'On Ideology and Utopia’, tr. Steven P. ~~Bucher and Denise Siemssen, in # Knowledge and Politics: The Sociology of Knowledge Dispute ~~, ed. ~~Volker Meja and Nico Stehr (London: Routledge, 1990), ~~107-12. # The quotations from Paul Ricoeur are from # Lectures on Ideology and Utopia ~~, ed. ~~George H. Taylor (New York: Columbia University Press, 1986); ~~'Ideology and Ideology Critique’, Phenomenology and Marxism, # ed. Bernhard Waldenfels, ~~Jan M. Broekman, and Ante Pažanin, tr. J. Claude Evans (Boston, MA: ~~Routledge and Kegan Paul, 1984), 134-64; and 'Imagination in ~~Discourse and Action’, # The Human Being in ~~Action: The Irreducible Element in Man. Part II: # Investigations at the Intersection of Philosophy and Psychiatry, # ed. Anna-Teresa ~~Tymieniecka, vol. 7 of # Analecta Husserliana: ~~The Yearbook of Phenomenological Research ~~(Dordrecht: ~~Reidel, 1978). # خاتمة # The quotations at the beginning of the chapter are from ~~Archibald MacLeish, 'Preface to an American Manifesto’, # Forum, # 91.4 (April 1934): 195-8; and ~~Leszek Kolakowski, quoted in George Urban, 'A Conversation with ~~Leszek Kolakowski, # The Devil in History’, ~~Encounter, # 56.1 (January ~~1981). # Lyman Tower Sargent, 'The Necessity of Utopian ~~Thinking: A Cross-National Perspective’, # Thinking Utopia: Steps into Other Worlds, # ed. Jörn ~~Rüsen, Michael Fehr, and Thomas W. Rieger (New York: Berghahn Books, ~~2005), 1-14. # Albert Camus, # Neither Victims ~~nor ms107 Executioners, # tr. Dwight Macdonald (Chicago: ~~World Without War Publications, 1972). # John Rawls, # The Law of Peoples ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~1999). # M. I. Finley, 'Utopianism Ancient and Modern’, # The Critical Spirit; Essays in Honor of ~~Herbert Marcuse, # ed. Kurt Wolff and Barrington Moore, ~~Jr (Boston, MA: Beacon Press, 1967), 3-20. # | قراءات إضافية # مقدمة # The best overviews are Krishan Kumar, # Utopia and Anti-Utopia in Modern Times ~~(Oxford: Blackwell, 1987); Frank E.Manuel and Fritzie P. Manuel, # Utopian Thought in the Western ~~World ~~(Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard ~~University, 1979); and Roland Schaer, Gregory Claeys, and Lyman ~~Tower Sargent (eds.), # Utopia: The Search for ~~the Ideal Society in the Western World ~~(New York: The ~~New York Public Library/Oxford University Press, ~~2000). # الفصل الأول # The best overview of classical utopianism is John ~~Ferguson, # Utopias of the Classical ~~World ~~(London: Thames and Hudson, ~~1975). # There is very little on the Middle Ages, but see F. ~~Graus, 'Social Utopias in the Middle Ages’, tr. Bernard Standring, Past and Present, # 38 ~~(December 1967): 3-19; and Norman Cohn, # The Pursuit of the Millennium ~~(London: Secker and ~~Warburg, 1957). # The best books on the 16th and 17th centuries are J. C. ~~Davis, # Utopia and the Ideal Society: A Study ~~of English Utopian Writing 1516-1700 ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1981); and Miriam Eliav-Feldon, # Realistic Utopias: The Ideal Imaginary ~~Societies of the Renaissance, # 1516-1630 (Oxford: ~~Clarendon Press, 1982). # On National Socialist utopias, see Jost Hermand, # Old Dreams of a New Reich: Volkish ~~Utopias and National Socialism, # tr. Paul Levesque in ~~collaboration with Stefan Soldovieri (Bloomington: Indiana ~~University Press, 1992). # الفصل الثاني # The closest there is to a general overview is Donald E. Pitzer (ed.), # America’s Communal ~~Utopias ~~(Chapel Hill, NC: University of North ~~Carolina Press, 1997). # On the kibbutz, see Henry Near, # The Kibbutz Movement: A History, # 2 vols (Oxford: ~~Oxford University Press/The Littman Library of Jewish Civilization, ~~1992-7). # For contemporary eco-villages, ms108 see Jan Martin Bang, # Ecovillages: A Practical Guide to ~~Sustainable Communities ~~(Edinburgh: Floris Books and ~~Gabriola Island, BC, Canada: New Society Publishers, 2005); Barbro ~~Grindheim and Declan Kennedy (eds.), # Directory of Eco-Villages in Europe ~~(Steyerberg: ~~Global Eco-Village Network (GEN) Europe, 1998); and Barbara Knudsen ~~(ed.), # Eco-Villages and Communities in ~~Australia and New Zealand ~~(Maleny, Queensland: Global ~~Eco-Village Network (GEN) Oceania/Asia, ~~2000). # On co-housing, see Kathryn McCamant and Charles ~~Durrett, # Cohousing: A Contemporary Approach ~~to Housing Ourselves, # 2nd edn. with Ellen Hertzman ~~(Berkeley, CA: Ten Speed Press, 1994). # On therapeutic communities, see Association of ~~Therapeutic ~~Communities- # http://www.therapeuticcommunities.org # accessed 10 May 2010. # On the utopian socialists, see Keith Taylor, # The Political Ideas of the Utopian ~~Socialists ~~(London: Frank Cass, ~~1982). # الفصل الثالث # On settler utopianism, see James Belich, 'Settler ~~Utopianism?: English Ideologies of Emigration, 1815-1880’, in # Liberty, Authority, Formality: Political ~~Ideas and Culture, 1600-1900, Essays in Honour of Colin ~~Davis ~~, ed. John Morrow and Jonathan Scott (Exeter: ~~Imprint-Academic, 2008), 213-34; and Lyman Tower Sargent, 'Colonial ~~and Post-Colonial Utopias’, forthcoming in # The Cambridge Companion to Utopian Literature ~~, ed. ~~Gregory Claeys (Cambridge: Cambridge University Press). # On utopianism in early America, see Lyman Tower ~~Sargent, 'Utopianism in Colonial America’, # History of Political Thought, # 4.3 (Winter 1983): ~~483-522. # On More’s influence in Spanish America, see Silvio ~~Zavala, # Sir Thomas More in New Spain: A ~~Utopian Adventure of the Renaissance ~~(London: The ~~Hispanic and Luso-Brazilian Councils, 1955). # On Bartolomé de las Casas, see Victor N. Baptiste, # Bartolomé de las Casas and Thomas More’s ~~'Utopia’: Connections and Similarities, A Translation and ~~Study ~~(Culver City, CA: Labyrinthos, 1990), which ~~includes a translation of # Memorial de ~~Remedios para las Indias/Memorial of Remedies for the ~~Indies ~~. # On Vasco de Quiroga, see Fintan B. Warren, # Vasco de Quiroga and His Pueblo-Hospitals of Santa ~~Fe ~~(Washington, DC: Academy of American Franciscan ~~History, 1963). # On the Jesuit 'reductions’, see Stelio Cro, 'From ~~More’s # Utopia # to the ms109 Jesuit # Reducciones # in Paraguay’, # Moreana, # 42.164 (December ~~2005): 92-117. # On the # eijdos # at ~~their peak, see Henrik F. Infield and Koka Freier, People in Ejidos: A Visit to the Cooperative Farms ~~of Mexico ~~(New York: Praeger, ~~1954). # On garden cities, Robert Beevers, # The Garden City Utopia: A Critical Biography of ~~Ebenezer Howard ~~(New York: St Martin’s Press, 1988); ~~Stanley Buder, # Visionaries and Planners: The ~~Garden City Movement and the Modern Community ~~(New ~~York: Oxford University Press, 1990); Robert Freestone, # Model Communities: The Garden City Movement in ~~Australia ~~(Melbourne: Thomas Nelson Australia, 1989); ~~and Stephen V. Ward (ed.), # The Garden City: Past, Present and Future ~~(London: Spon, ~~1992). # الفصل الرابع # The only overviews of the material in this chapter are ~~a forthcoming essay by Jacqueline ~~Dutton in # The Cambridge Companion to Utopian ~~Literature ~~, ed. Gregory Claeys (Cambridge: Cambridge ~~University Press); and Zhang Longxi, 'The Utopian Vision, East and ~~West’, # Utopian Studies, # 13.1 ~~(2002): 1-20 (revised in 'The Utopian Vision, East and West’, # Thinking Utopia: Steps into Other ~~Worlds, # ed. Jörn Rüsen, Michael Fehr, and Thomas W. ~~Rieger (New York: Berghahn Books, 2005), 207-29), which is primarily ~~concerned with China. # On Chinese utopianism, see Wolfgang Bauer, # China and the Search for Happiness: Recurring ~~Themes in Four Thousand Years of Chinese Cultural ~~History, # tr. Michael Shaw (New York: Seabury Press, ~~1976); Koon-ki T. Ho, 'Several Thousand Years in Search of ~~Happiness: The Utopian Tradition in China’, # Oriens Extremus ~~(Germany), 30 (1983-6): 19-35; and ~~Ho, 'Utopianism: A Unique Theme in Western Literature? A Short ~~Survey of Chinese Utopianism’, # Tamkang ~~Review, # 13.1 (Autumn 1982): ~~87-108. # On the Gandhian utopia, see Richard G. Fox, # Gandhian Utopia: ~~Experiments with Culture ~~(Boston, MA: Beacon Press, 1989). # الفصل الخامس # While there are many specialist articles, there are few ~~that discuss Christian utopianism generally. # On the millennium, see Kenelm Burridge, # New Heaven, New Earth: A Study of Millenarian ~~Activities ~~(Oxford: Blackwell, ms110 ~~1969). # On heaven and hell, see Colleen McDannell and Bernhard ~~Lang, # Heaven: A History ~~(New ~~Haven, CT: Yale University Press, 1988); and Alice K. Turner, # The History of Hell ~~(New ~~York: Harcourt, Brace, 1993). # On monasticism, see George A. Hillery, Jr, and Paula C. ~~Morrow, 'The Monastery as a Commune’, # International Review of Modern Sociology, # 6.1 ~~(Spring 1976): 139-54 (reprinted as only by Hillery in # Communes: Historical and Contemporary ~~, ~~ed. Ruth Shonle Cavan and Man Singh Das (New Delhi, India: Vikas Publishing House, 1979), 152-69). # On Jewish utopianism, see Michael Higger, # The Jewish Utopia ~~(Baltimore: The Lord ~~Baltimore Press, 1932). # الفصل السادس # At the time of writing, there is no general study of ~~the role utopianism plays in political ~~theory. # الفصل السابع # The best introduction to ideology is Michael Freeden, # Ideology: A Very Short ~~Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2003). # | مصادر الصور # (1) Frick Collection, New York. The Yorck Project, ~~DirectMedia/Wikipedia. ~~(1-2) Alte Pinakothek, Munich. © ~~TopFoto. ~~(2-1) © G. E. Kidder Smith/Corbis. ~~(2-2) Reproduced with permission from Donald E. ~~Janzen. ~~(2-3) New Lanark Trust. ~~(2-4) © Iwasaki/Time and Life Pictures/Getty ~~Images. ~~(3-1) US National Archives. ~~(4-1) Wikimedia. ~~(4-2) © Eightfish/The Image Bank/Getty ~~Images. ~~(4-3) Chinua Achebe. ~~(4-4) © Alan Davidson/Evening Standard/Getty ~~Images. ~~(5-1) Museum of Fine Arts, Houston, Texas. © The Granger ~~Collection/TopFoto ~~(5-2) Wikimedia. ~~(6-1) © The Granger Collection/TopFoto. ~~(6-2) © Keystone/Getty Images. ~~(7-1) © National Portrait Gallery. ~~(7-2) © Pelletier Micheline/Corbis ~~Sygma. ms111