######OpenITI# #META# URI: 1450FahmiSacidShaykhu.Jinusayid.Hindawi79158682 #META# Tags: novels #META# ID: 79158682 #META# Title: جينوسايد: الأرض والعِرق والتاريخ #META# AuthorID: 97172706 #META# Author: فهمي سعيد الشيخو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # شكر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # الإهداء‏ # شكر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # الفصل السابع والأربعون‏ # الفصل الثامن والأربعون‏ # | جينوسايد # | جينوسايد # | الأرض والعرق والتاريخ # تأليف # فهمي سعيد الشيخو # | الإهداء # إلى أول قتيل في التاريخ .. الحياد. # | شكر # بضعة توضيحات قبل أن أبدأ بالشكر. # إن قرية أنجرلك مكان خيالي غير موجود في الواقع. # إن أسماء ms001 المدن والبلدات والقرى المذكورة في الرواية، مأخوذة من ~~خريطة في الأرشيف العثماني المنشور بعنوان: «خارطة مستحدثة لولايات ~~المملكة العثمانية في آسيا 1893م»، طبعت بمطبعة الأميركان في بيروت ~~أيام خلافة السلطان عبد الحميد الثاني. # بداية أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور والكاتب أمجد الجنابي لقراءته ~~المخطوطة وملاحظاته وتعليقاته القيمة، وأيضا الشكر موصول إلى الصديق ~~العزيز محمود وهاب للدعم الكبير وإيمانه بالقصة وملاحظاته القيمة في ~~رفع جودة السرد التاريخي. # وأخيرا أتقدم بالشكر الجزيل للأخت أشواق الرفاعي على التعب ~~المضني في التنقيح اللغوي الأولي للمخطوط. # شكرا لكم جميعا. # إن التاريخ هو أخطر ما أنتجه الفكر؛ # فهو الذي يرمي بنا في أحضان الحلم، # فيثمل الشعوب ويولد لديها ذكريات زائفة، # ويقودها إلى جنون العظمة أو جنون الاضطهاد، # إنه يجعل الشعوب عظيمة أو رهيبة أو هامشية ... # بول فاليري # | الفصل الأول # إسطنبول - تركيا 1891م # كانت أعين الحاضرين تتفحص الصالة التي لم يروا مثل جمالها قط؛ ~~فالسقف المزين بالألواح الذهبية البراقة على شكل سداسيات متداخلة، ~~منقوشة بنقشات الطراز العثماني، والأرضية الواسعة المكسوة بسجادة ~~الهركة التي ملأتها دون وجود قطع تكمل بعضها بل صنعت خصوصا لها ~~بمساحة أكثر من 400 متر مربع، والجدران البيضاء المزخرفة التي تحوي تسع ~~عشرة نافذة مستطيلة متوزعة على ثلاثة جدران عدا الجدار الرابع الذي ~~يحوي أربعة أبواب خشبية بيضاء مزخرفة بالأزهار البرية الملونة، وفيها ~~مرآتان ضخمتان بينهما لوحة كبيرة مرسومة فيها أزهار متنوعة بشكل ~~فني رائع. # كان السلطان دقيقا في مواعيده، لكن الولاة قد حضروا قبل الموعد ~~بكثير احتراما له وخوفا منه؛ فهو معروف بشدته في إصدار العقوبات ~~الصارمة لمن يخالفون الدولة وقوانينها؛ إذ لم يبلغ الولاة سبب ~~الاجتماع الطارئ إلا أنهم كانوا يتوقعون أنه من أجل الأوضاع التي ~~تعيشها ولاياتهم، كان الخوف ظاهرا جليا على وجوههم، خوف خسارة ~~المنصب والامتيازات، وخوف من العقوبة الجماعية بسبب عدم قدرتهم على ~~تسيير شئون ولايتهم بالشكل الأمثل. # قبل حلول الموعد بقليل، سمعوا أصوات ذف أحذية قادمة خلف الباب مع ~~صوت ضربة مختلف عن ذف الأحذية، عدل الحاضرون جلستهم وتهيئوا، ms002 ~~ازدادت ضربات القلب ، وهم ينتظرون ولوج السلطان من الباب إليهم، ثم ~~فتح الباب، دخل أحد الحراس ونادى بأعلى صوته: «جلالة السلطان المعظم ~~عبد الحميد الثاني قادم.» # وقف الجميع احتراما للسلطان، كان بكامل قيافته المعروفة، ف ~~«القفطان» الأزرق الباهت الذي كسا معظم جسده، مفتوح من الأمام وفيه ~~قطع مثلثة الشكل على الجانبين، وتحته جلباب أسود فيه نقشات خاصة ~~بالسلاطين العثمانيين، يصل إلى ما فوق ركبتيه، وسروال من نفس لون ~~الجلباب، وعلى رأسه طربوش أحمر ويحمل في يده عكازه الذي لا يفارق مقبض ~~يده أبدا. # ألقى السلام على الجميع وهو يتوجه إلى كرسيه، وكفه اليمنى على ~~صدره ثم التفت، ألقى نظرة سريعة بوجوه الحاضرين قبل أن يجلس، ثم أشار ~~بيده باسطا كفه اليمنى: تفضلوا بالجلوس. # ساد صمت مخيف الصالة كلها، جلس الولاة دون أدنى حركة وكأن على ~~رءوسهم الطير، كان يبدو على وجه السلطان الغضب، ونظراته تملؤها الثقة ~~والهيبة. بعد مضي وقت ليس بالقليل على السكون المخيف تحدث أحد ~~مستشاريه: أيها السلطان المعظم، هؤلاء ولاة المدن الستة «أرضروم، ~~ووان، وبتليس، وسيواش، ومعمورة العزيز، وديار بكر»، قد حضروا لأجل ~~الاجتماع الطارئ الذي طلبته. # هز رأسه ورفع عكازه ثم ضربه على البلاطة بشكل خفيف موحيا بأنه ~~سيبدأ بالكلام: لقد جمعتكم هنا اليوم بعدما وصلتني برقيات لا تسرني ~~ولا تسركم عن حال ولاياتكم؛ لقد عمت الفوضى في الشرق، ويترصد أكبر ~~أعدائنا خلفه، ونعلم أنهم وراء الدعم الذي يحصل عليه المخربون الأرمن ~~وبعض العصابات الكردية، لكن يجب ألا يستمر الوضع هناك هكذا، لا بد من ~~وضع حل نهائي للفوضى، وبما أنكم أقرب مسئولي الدولة الكبار هناك ~~إلى الواقع فأشيروني إلى حلول جذرية للقضية. # أنهى كلامه بضربة عكازة على البلاطة أقوى من الأولى موحيا إلى شدة ~~غضبه مما يجري هناك. # استأذن والي أرضروم من السلطان فأومأ إليه موافقا: حضرة السلطان ~~المعظم نحن بحاجة إلى زيادة عديد القوات هناك؛ فالقرى متباعدة ونحن ~~لا نملك العدد الكافي لتغطية تلك القرى بالجنود، وعادة ما يكون عدد ~~المهاجمين أكبر من عدد ms003 الجنود الموجودين في مخافر القرى؛ ولذلك لا ~~نستطيع إلقاء القبض عليهم أو حتى مجابهتهم، إضافة إلى وجود العصابات ~~الكردية والنسطورية التي تقطع الطرق على قوافل التجار والمسافرين بين ~~المدن وهم يقطنون الجبال، ولا قدرة لنا على الإغارة عليهم لنفس ~~السبب. # التفت السلطان إلى بقية الولاة ليسمع منهم ما يرون في حل المشكلة، ~~فكانت آراء البقية نفس رأي والي أرضروم، ومن ثم تدخل المستشار ~~الاقتصادي للسلطان وأخذ الإذن منه بالكلام: جلالة السلطان المعظم، إن ~~زيادة عدد الجنود تحتاج إلى ميزانية ضخمة، والدولة تمر بظروف ~~اقتصادية صعبة، أنا أقترح إرسال جنود من المناطق ذات المشاكل الأمنية ~~القليلة إليهم، وبذلك نسد النقص ولا نؤثر على ميزانية ~~الدولة. # كانت تلك فكرة جيدة، وبدا التفاؤل يعتلي وجه السلطان إلى أن أخذ ~~المستشار العسكري الإذن بالكلام من السلطان: أظن أن المستشار ~~الاقتصادي قد نسي أننا طبقنا هذه الفكرة في زيادة عدد الجنود في ~~المعارك الجارية مع اليونانيين على جزيرة كريت من جهة، والمعارك ~~الجارية على حدود الدولة المترامية الأطراف من جهات أخرى، ولم يبق في ~~المدن الآمنة إلا ما يسد الفراغ الأمني الضروري، برأيي لا بد أن نبحث ~~عن حل آخر. # ساد الصمت مرة أخرى حتى أدار السلطان وجهه إلى شاكر باشا «القائد ~~العام للقوات العثمانية» الذي كان جالسا يستمع طوال الجلسة إلى آراء ~~الولاة والمستشارين: لم نسمع رأيك بالأمر؟! # تنحنح شاكر باشا وعدل جلسته قبل البدء بالكلام: جلالة السلطان ~~المعظم، كما تعلمون أن تلك الولايات يقطنها أغلبية كردية، وكما هو ~~معلوم لديكم أن الأكراد في بنيتهم الهيكلية ينتمون إلى عشائرهم أكثر ~~من انتمائهم للدولة، وهذه العشائر تمتلك مقاتلين وخيالة متمرسين، وقد ~~قاتل بعضهم معنا في حربنا ضد الروس واستبسلوا فيها، نعم توجد هنالك ~~مجموعات منهم يعملون كعصابات سلب ونهب وقطع الطريق أحيانا، إلا ~~أنهم يأتمرون بأوامر رؤساء عشائرهم ولا يخرجون عن طاعتهم .. لذا أنا ~~أقترح أن نكسب رؤساء العشائر الكردية ونعطيهم بعض الامتيازات الخاصة، ~~ونجعل فرسانهم تحت إمرة الحكومة، وبذلك نضمن أمرين رئيسيين في تقليل ms004 ~~حدة الفوضى وإعادة سلطة الدولة في المدن الستة إلى سابق عهدها وقوتها ~~بأقل التكاليف الممكنة. # أولهما: ~~«أننا نقلل من العمليات التي تقوم بها بعض ~~العصابات المنتمية إليهم، وذلك بأمر من رؤساء عشائرهم ~~بالعدول عنها والانضباط تحت سلطة الدولة التي أصبحوا ~~جزءا منها.» # وثانيهما: ~~«ننظم جيشا كاملا بهم، يسدون النقص في الخيالة ~~العثمانية على الحدود الروسية، وكذلك نقمع بهم الثورة ~~الأرمنية في مهدها، ولا ندع مجالا للأرمن بكسبهم إلى ~~جانبهم فتقوى ساعد ثورتهم.» # ابتهج السلطان بما سمع من شاكر باشا، ونظر إلى مستشاريه ليسمع رأيهم ~~بالفكرة المطروحة، فقال المستشار العسكري: الفكرة جيدة، وأنا أقترح أن ~~ننظمهم على شكل فرق مسلحة كما هي موجودة في القوات الروسية «فرق ~~القوازق»، فهم كانوا أيضا مثل الأكراد فلاحين ومزارعين من أوكرانيا ~~وغرب روسيا، وقد أدت القوازق دورا كبيرا في اتساع رقعة ~~الإمبراطورية الروسية في خمسينيات هذا القرن، وكان دعمهم للأباطرة ~~الروس غير محدود خاصة بعدما انخرطوا في الجيش الروسي، وبإمكاننا جمعهم ~~تحت مسمى الجيش الرابع للمنظومة العسكرية العثمانية، لكن يجب أن يدخل ~~مقاتلوهم في دورات تدريبية تحت إشراف الضباط النظاميين من الجيش ~~العسكري، ولا بد من إعطائهم زيا موحدا ورسميا من مخازن الألبسة ~~العسكرية المستعملة حتى يكونوا أقرب ما يمكن للقوات النظامية. # وعلى هذه الآراء انتهى الاجتماع الطارئ بقرار تشكيل فرق القوازق، ~~الذي كان يحمل في طياته الكثير من التفاؤل لمصير المدن الشرقية ~~للأناضول، وكان لا بد من قائد محنك لهذا الجيش الجديد حتى يستطيع ~~أولا: كسب العشائر الكردية وإقناعهم للانضمام إليه. وثانيا: لا بد أن ~~يحمل مكانة كبيرة في الدولة، فأوعز السلطان بتولي هذا المنصب إلى ~~عديله «زكي باشا»؛ حتى يقود الفرق باسم السلطان. # بعدها بعدة أيام أصدر السلطان فرمانا يوصي بإنشاء كتائب «الفرسان ~~الحميدية» مما أعطى للمنضمين لها مكانة عالية عندما ربط اسمه بها، ~~وجاء ضمن الفرمان وعود كثيرة للعشائر التي تقبل الانضمام إليها، وكان ~~الغرض المعلن من هذه التشكيلات هو الجهاد؛ أي الدفاع المقدس عن ~~الإمبراطورية العثمانية، وفيها وجهوا دعوات إلى الكثير ms005 من رؤساء ~~العشائر الكردية لزيارة السلطان في الآستانة ولبى الكثير منهم ~~الدعوة. وعند زيارتهم الآستانة أبهرهم الاحتفال الكبير الذي استقبلوا ~~به، حيث استقبلهم السلطان في قصر يلدز بنفسه، وبقي رؤساء العشائر ~~قرابة شهر في ضيافة السلطان وقدم لهم الهدايا والألقاب والأوسمة ~~والرتب العسكرية ومخصصات شهرية بعد أن وعدوا السلطان بتقديم الرجال ~~إليه وبأعداد تفوق ما كانوا يستطيعون تأمينه من كثرة ما حصلوا عليه ~~من هدايا، وإضافة إلى ذلك أمر السلطان بإعفائهم من الضرائب التي كانت ~~تفرض على أراضيهم وممتلكاتهم. # | الفصل الثاني # القدس - فلسطين 1943م # إن في اللغة العربية كلمات جاءت من الصوت الذي يصدر عن الفعل، ~~فنسمي الصوت الصادر من ضرب معدن بآخر ب «الطرق»، وهذه الكلمة ~~مأخوذة من الصوت نفسه، وأخذ يضرب قطعتي حديد ببعضهما ويقول: أتسمعون ~~كمية التشابه بين الصوت والكلمة؟ # سكت هنيهة ثم قال: وكذلك العقوق يا أبنائي؛ فهي كلمة مأخوذة من صوت ~~تدفق الدم من عنق الدابة عند ذبحها، فيصدر صوت أشبه ب «عق، عق»، ~~وكأنها توحي أن تسمية «العقوق» جاءت لتشبه الخروج عن رضا الوالدين ~~بذبحهما، لكن من دون سكين! # كان حسن ينصت إلى أستاذ اللغة والدين «محمود الخطيب» صاحب العلم ~~الغزير والحضور المهيب الذي ملأ الحصة صمتا تاما إلا من صوت كلماته ~~القليلة والمليئة بالمعاني العميقة، على عكس بقية الأساتذة الذين لا ~~يستطيعون السيطرة على الطلاب في حصصهم. # وما إن انتهى الدرس حتى خرج حسن بصحبة صديقه المقرب هشام «ابن ~~أكبر تجار الحي»، وكان من عادتهما أن يقضيا بعضا من الوقت في ~~باحة الأقصى الشريف، يتأملان المارة تحت ظل شجرة معمرة، عند باب ~~المغاربة قبل عودتهما إلى البيت. # نظر هشام إلى قبة الصخرة وهي تلمع وكأنها ياقوتة صفراء في قاع ~~نبع صاف تعكس ضوء الشمس على الماء فتزيده عذوبة ونقاء أكثر، وقال ~~لحسن: أتعلم .. لو بإمكاني تملك هذه القبة لأقنعت أبي ~~بشرائها. # أخرج حسن ضحكة هازئة، وقال: تشتري بيتا من بيوت الله، أمجنون ~~أنت؟! ولمن تدفع المال مقابله؟ ~~- لا أدري، ألا يدور على ألسنة ms006 الناس أن البريطانيين وعدوا اليهود ~~به؟ كيف يعدون بشيء ليس لهم ويتصرفون به؟! # ثم أليس هنالك مقابل لهذا الوعد؟ إذن من الممكن بيعه وشراؤه. ~~- أتصدق هذه الترهات! بريطانيا الآن منهمكة في حرب كبرى، ~~وأعداؤها أقوياء فلتحافظ على أراضيها إن استطاعت، لا يمكنها فعل شيء، ~~أيامهم معدودة هنا، ما إن تتعرض بلادهم لخطر محدق حتى يجروا ذيول ~~الهزيمة من فلسطين فجأة ويبقى الوعد حبرا على ورق، ثم إن المسلمين ~~يفدون البيت بأرواحهم. # هز هشام رأسه مؤيدا ومد يده نحو حسن، وقال: هيا بنا لنعود إلى ~~البيت. # في طريق العودة بعدما أوصل حسن صديقه إلى دارهم كان الحاج صالح ~~الكفيف يجلس على عتبة الباب الخارجي لداره، سلم عليه حسن وقبل يده ~~وطلب خدمته وحاجته، فلم يسمع منه سوى عبارة يكررها دائما: «الله يرحم ~~ترابك يا عبد الحميد»، ولم يخطر على باله يوما أن يسأله من هو عبد ~~الحميد؟ لعله يقصد أحد أولاده الذي فقده، أو أحد أصدقائه القدماء. ~~وأثناء ذلك أقبل رجل كبير في السن يبدو من هيئته أنه ليس بعربي، شعره ~~أبيض ناصع وبشرته حمراء، فيه من دم وملامح بني الأصفر، ونظراته الثاقبة ~~القاسية لم يلينها الزمن وطول العمر، سلم على الحاج صالح، وصافح ~~حسن وهو يبتسم ثم قال: سمعتك من بعيد تترحم عليه! أما آن لتبصر الحقيقة ~~بقلبك بعدما فقدت البصر بعينك، وتكف عن الترحم عليه؟ ~~- سأبقى أترحم عليه حتى تغادر الروح الجسد. ~~- دعك من ذلك، وأخبرني عن تاجر أحجار كلسية، لدي ترميمات في ~~بيتي. # رد عليه حسن دون أن يستأذن من الحاج صالح: أبي يعمل في تجارة ~~الأحجار الكلسية. # تحسس الحاج صالح بكفه على ظهر حسن حتى وصل كتفه، ثم ربت عليه، ~~وقال لصاحبه العجوز: نعم، أبو خالد يعطيك أحسن الأنواع، ويراعيك في ~~السعر إن أخبرته بأنك صاحبي. ~~- وأين دكانه؟ ~~- في خان تنكز «أوتوزبير»، اسأل عن أبي خالد السرابي يدلك أهل الخان ~~عليه، دكاننا صغير، لكن أبي معروف هناك. # أشاح الرجل بوجه حسن ونظر إليه، وقد قطب حاجبيه: لا ms007 تلفظ تلك ~~الكلمة التركية اللعينة أمامي، تنكز يكفي، إنني أكره الترك ولغتهم ~~وكل شيء يتعلق بهم. # راود حسن الكثير من الأفكار وهو يرمقه بأطراف عينيه وقال في نفسه: ~~أبي رجل عصبي لا يحتمل مثل هؤلاء الزبائن الثقيلي الظل، أخشى أن ~~يضربه بحجرة كلسية يعجل أجله. # سأل حسن عن اسمه، ليخبر والده أنه سيأتي إليه فقال: العم ~~أرتين. ~~••• # كانت الأزقة الضيقة والقناطر التي تربط البيوت المتقابلة، تفوح ~~من نوافذها الخشبية روائح الأطعمة المتنوعة في مثل هذا الوقت من ~~الظهيرة، المسخن والمفتول والمقلوبة التي تجعل حسن يعجل خطواته ~~ليصل إلى البيت ويمني النفس أن يكون المسخن الذي تبدع بتحضيره ~~والدته أم خالد هو الطبق الرئيسي للغداء اليوم. # كان الجوع قد أخذ مأخذه من حسن، فبدأ يأكل بشراهة كبيرة حتى غص ~~بلقمة واحمر وجهه من الاختناق وهو يطلب الماء، ضحك أخوه الأكبر ~~خالد، وربت على ظهره: على رسلك، على رسلك، الصحن لك وحدك. مع ~~من تتسابق في الأكل؟! # قطبت الأم حاجبيها وهي تنظر لخالد، وقالت: عليك بالعافية حبيبي ~~حسن. وسقته الماء. ~~- تذكرت .. هنالك رجل كبير في السن يدعى العم أرتين يكون صاحب ~~الحاج صالح، سأل عن بائع للأحجار الكلسية، فأشرته إلى دكاننا في ~~الخان. # قال الأب وهو ينظر إلى صحنه ويحرك الملعقة عليه دون أن يأكل، ~~وكأنه غارق في تفكير عميق: خيرا فعلت. # وبينما هم كذلك انتبه حسن إلى أخته «سكينة» وهي تضرب بكتفها، على ~~كتف أمها لتوحي لها أن تتكلم .. تنحنحت أم خالد ونظرت نحو زوجها: ~~أبا خالد، أريد شراء بعض الحاجيات للبيت وقطعة قماش أخيط بها ~~فستانا لسكينة؛ فعرس ابنة أختي فاطمة الخميس القادم، وهي لا تملك ~~فستانا يليق بالمناسبة. # ساد الصمت بعدما توقفت أم خالد عن الكلام وتوجهت الأنظار خلسة ~~إلى أبي خالد، رفع رأسه من صحنه ونظر بوجه ابنته التي احمرت وجنتاها، ~~وقال كلمة واحدة وهو يغادر المائدة: حسنا. # همس خالد لأمه: أبي في ضيق مادي: الناس يشترون بالدين، والسوق ~~متوقف تقريبا، والأوضاع في البلد غير مستقرة حتى إننا ms008 لا نملك ثمن ~~بضاعة جديدة، لا تكثروا عليه بالطلبات، أنا في الدكان وأعلم ما يدور ~~هناك. ~~- سأقنعه ببيع قطعة من أرضنا الزراعية المتروكة على أطراف ~~القدس. ~~- ومن يشتري غير اليهود؟ وأنت تعلمين أن أبي لو متنا من الجوع لن ~~يبيع شبرا لهم. ~~- ولم اليهود؟ أبو هشام هو من يشتري، كنت عند أم هشام وأخبرتني أن ~~زوجها يشتري الأراضي والبيوت من غير حاجة، فقط لكيلا يضطر الناس ~~لبيعها لليهود. # نعم، السعر الذي يدفعه اليهود أكثر مما يدفعه أبو هشام، لكن الناس ~~رغم حاجتهم الماسة لا يحبذون البيع لليهود. ~~- لكن هنالك الكثيرين ممن باعوا ويبيعون لليهود! قال حسن ~~ذلك. # رد خالد بحزم: الذي يبيع لهم وهو يعلم طمعهم بأرضنا وحلمهم ~~بإقامة دولة عليها، لا يملك مبادئ في الحياة، وهو خائن للأرض، وسيلعنه ~~التاريخ. ~~- ومن يهتم للتاريخ! ومن يكتبه أصلا، الحاجة لا تعترف بالمبادئ! ~~تمتم حسن وهو يغادر المائدة متوجها إلى غرفته. # ترك كلام أمه عن أبي هشام وما يفعله من أجل الحفاظ على الأرض ~~بعيدا عن أطماع اليهود أثرا في نفس خالد، وتمنى لو أنه يملك مال ~~قارون ليفعل مثل أبي هشام وأكثر، ويسد حاجة الناس ويمنعهم من ~~اليهود. # آثر حسن أن يسأل الأستاذ محمود الخطيب عن أطماع اليهود في فلسطين؛ ~~فهو لا يمانع أن يخرج عن المادة المقررة في الحصة، وبالأخص لأجل ~~موضوع مهم كهذا. ~~- بني: قبل الخوض في هذا الموضوع يجب أن تفرق بين اليهود ~~والصهاينة؛ اليهود أهل الكتاب، ولنا معهم تاريخ مشترك لآلاف السنين على ~~هذه الأرض، كما لنا مع المسيحيين مثل ذلك، بالرغم من كل المعارك ~~والقتال الذي حصل على مر التاريخ بقيت الجيرة والعلاقات الطيبة ~~بيننا. لكن الصهاينة هي مجموعة ذات فكر منحرف تريد بسط سيطرتها على ~~اليهود أولا، ومن ثم على جميع سكان البلد، وهي على علاقة وطيدة ~~بالمحتل البريطاني، وهؤلاء لا مانع لديهم أن يقتلوا اليهود أبناء ~~جلدتهم من أجل بلوغ أهدافهم .. أذكر مرة دخلت بنقاش مع أحدهم عن ~~فلسطين فقال لي: لو عدنا بالتاريخ ms009 لألفي سنة، كانت هذه الأرض ملكنا ~~نحن؛ يقصد «مملكة داوود». فقلت له: ولماذا لا نعود بالتاريخ ثلاثة آلاف ~~سنة لنجد أن هذه الأرض للكنعانيين الذين قدموا من جزيرة العرب وسكنوا ~~فيها، وكتابكم التوراة يشهد بذلك، فلمن الأحقية إذن؟ # سكت ولم يلق جوابا، ثم عاد يهدد بأن هذه المرة ستكون الأرض لهم ~~إلى الأبد. # صمت قليلا، ثم استرسل بالكلام: من يظن أن هذه البقعة المباركة له ~~وحده دون الآخرين فهو واهم، وإن توافرت له المقومات الكاملة بأن ~~يسيطر عليها لفترة من الزمن، إنه صراع تاريخي على السيطرة، لكن يجب ~~أن تدركوا يا أبنائي أنها لن تدوم تحت سيطرة أحد، لا نحن المسلمين ولا ~~المسيحيين ولا حتى اليهود. # أبنائي .. إن مقاييس التاريخ الزمنية لا تشبه مقاييسنا نحن البشر؛ ~~فالتاريخ يتكلم بالقرون والسنين الطوال، ويذكرها بكلمة أو كلمتين ~~أحيانا، ونحن نتكلم بفترات أقصر بكثير، ولأجل ذلك تمر الأمم بفترات ~~قوة وفترات ضعف، ومن يعيش في فترة القوة يظن أنها ستستمر إلى ~~الأبد. # فينتشي ويتكبر ويتكلم بعلو صوته. # ومن يبلغ فترة الضعف يصيبه الهوان ويشعر بأنه يبقى ضعيفا أبد ~~العمر، ويصل إلى مرحلة اليأس كما حصل للناس في زمن التتار؛ إذ يذكر أن ~~جنديا من التتار أراد أن يقتل رجلا في بغداد، وما كان يحمل سلاحه ~~معه، فقال: انتظرني هنا، سآتي بسلاحي وأعود، فبقي ولم يحرك ساكنا ~~حتى عاد وقتله! # دهش الطلاب من كلامه وسألوه مستغربين: كيف يمكن ذلك كيف؟! كان ~~بإمكانه الهرب على الأقل! ~~- لا تلوموه، فلو كنتم مكانه لربما فعلتم ما فعل، الهوان والخوف من ~~التتار كان قد بلغ في نفوس الناس مبلغه، وظنوا أن هؤلاء لا يهزمون ~~ولا يمكن لأحد أن ينتصر عليهم! وهذه المرحلة من أخطر المراحل التي تصل ~~إليها أية أمة بأن تفقد الثقة بنفسها ويصيبها الخور، وهذا ما يريده ~~أعداؤنا لنا ويحاولون في كل مرة هز ثقة الناس بما يستقوون به، ولعل ~~فشل الثورة الكبرى قبل سنوات قليلة مثال قريب عشناه ورأينا ما خلفته ~~من هوان وخيبة لدى ms010 البعض. # | الفصل الثالث # ميونخ - ألمانيا 1938م # دفعت ريح قوية وباردة باب النافذة المطلة على الرواق من الطابق ~~الثالث للمبنى، فأصدر صوت تحطم زجاج مع تطاير الستائر البيضاء ~~الشفافة. هرع مايكل ليتأكد ما الذي انكسر، فإذا المرآة التي على ~~الحائط المقابل للنافذة قد سقطت، فصاحت الأم: ما الذي انكسر؟ ~~- المرآة. ~~- ألم أقل لك قم بإصلاح القفل منذ البارحة؟! لماذا لا تسمع الكلام ~~يا بني؟ ~~- لقد أوصيت ديفيد بأن يشتري قفلا جديدا؛ لأن هذا القفل لا يمكن ~~إصلاحه. # وضع مايكل قطعة خشب صغيرة على باب النافذة وأحكم غلقها بالمطرقة ~~لكيلا ينفتح مرة أخرى لحين مجيء ديفيد، ثم أقبلت أخته الصغيرة «سارة» ~~ذات العشرة أعوام لتلملم الزجاج من الأرض. # كانت ليلة هادئة لا يشجب هدوءها سوى صوت صرير الرياح الشمالية التي ~~تحاول التسلل إلى البيوت بأي وسيلة كانت .. خطر في ذهن مايكل وهو ~~متكئ على الأريكة يراقب سارة وهي تحمل القطع الزجاجية المتناثرة بحذر ~~وتضعها على سلة القمامة، شؤم انكسار المرايا في البيت؛ ففي الأعراف ~~اليهودية تحطم المرآة ليس بالعلامة الإيجابية، إنها تدل على حدوث ~~مكروه ما، وحتى في الأعراف الرومانية القديمة كانت له دلالات سيئة؛ إذ ~~اعتقدوا «أن المرآة تحوي وتعكس روح صاحبها، وكسرها دليل على فنائه ~~وموته»، وذهبت الأسطورة الرومانية إلى أنها تجلب سبع سنوات من الحظ ~~السيئ؛ لأن الروح بعد موت صاحبها تحتاج إلى سبع سنوات حتى تتشكل من ~~جديد. # هز مايكل رأسه محاولا إزاحة هذه الأفكار المشئومة عن ذهنه وعاد ~~ليقرأ الجريدة على مهل، كانت إحدى المقالات تتحدث عن التحريض ضد ~~اليهود، قرأ الأسطر الأولى فأصابه الضجر فطوى الجريدة وهو يقول: ~~كالعادة مقالات فارغة، مشحونة بالكراهية. # وضع الجريدة على الطاولة الخشبية قربه، ثم نظر إلى الساعة ~~المعلقة على الحائط، كانت العقارب متراكبة فوق بعضها وهي تشير إلى ~~السابعة وثمان وثلاثين دقيقة. قال في نفسه: لقد تأخر ديفيد على غير ~~عادته! # ثم فجأة طرق الباب بضربات قوية وبطيئة، خفق قلبه خوفا وقال في ~~نفسه: ما قصة الأبواب اليوم؟! # أخرجت الأم ms011 رأسها من باب المطبخ المطل على الصالة، وعلامات الشحوب ~~ظاهرة على وجهها، تحرك مايكل لفتح الباب، فنادى قبل أن يفتح: من ~~الطارق؟ # لم يسمع ردا فانتابه الخوف أكثر. كانت الطرقات تتسارع، مد مايكل ~~يده على قفل الباب وسحب المزلاج ثم فتح الباب، وإذ بديفيد يسقط أمامه، ~~وقد لطخ وجهه بالدماء. هرعت الأم وأطلقت صيحة ملأت البيت، حمل ~~ديفيد بحضنه وسحبه إلى الداخل. ~~- من الذي فعل بك هذا؟ من؟! # رد عليه وهو يئن ألما، وكأن خروج الكلمات من فمه كانتزاع ~~الشوك من الجرح: النازية قادمون. # ولم تمر إلا دقائق معدودة حتى بدأت الأصوات تتعالى في الحي، ~~وتناهت إلى مسامعهم أصوات تحطم الزجاج وكسر لأبواب الدكاكين ~~وصيحات وهتافات عنصرية ضد اليهود، كانت الأم قد نسيت كل مخاوف ~~التهديدات المرعبة القادمة من الخارج وهي تبكي وتمسح الدماء من جراح ~~ديفيد وتتمتم بالدعاء عليهم حتى جفلت بصوت تحطم زجاج النافذة، وبدأت ~~الحجارة تنهمر كحبات البرد من خلالها، كانوا ينادون «أيها اليهود ~~القذرون، اخرجوا إن كنتم رجالا، هيا اخرجوا لا تختبئوا مثل الأرانب»، ~~«لا مكان لهؤلاء الخنازير بيننا بعد اليوم». # كانت سارة ترتعد خوفا وهي تحضن أمها من الخلف، لم يكن بمقدورهم ~~فعل شيء سوى الترقب وانتظار ما سيحدث، هل سيدخلون البيوت؟ أم الأمر ~~مقتصر على الشوارع والأزقة، وكل عاثر حظ يصادفهم خارج بيته من اليهود ~~يقع فريسة الوحشية المفرطة تحت أيديهم كما حصل لديفيد؛ إذ إن النازية ~~بعد وصولها إلى الحكم شرعت إلى تمييز اليهود، وذلك بوضع حرف # J # باللون ~~الأحمر دلالة على كلمة # Jude # يهودي باللغة الألمانية على البطاقة ~~الشخصية لكل فرد منهم، حتى المحال التجارية والبيوت والأملاك العائدة ~~لليهود تم رسم النجمة السداسية عليها باللون الأصفر. # استمرت عمليات الشغب الجماعية من ليلة التاسع من نوفمبر 1938 إلى ~~العاشر منه، وتم فيهما قتل أكثر من تسعين يهوديا وحرق عشرات المحال ~~التجارية وسرقة محتواها، وكذلك حرق المعابد في كل أرجاء ألمانيا، وتم ~~تبرير هذه الأعمال لقيام أحد الشبان اليهود الذي يدعى «هرشل غرينشبان» ~~بإطلاق ms012 النار على السكرتير الثالث في سفارة ألمانيا بباريس «السير ~~أرنست فون رات»، الذي مات على إثر تلك الحادثة تعصبا منه لطرد ~~عائلته من ألمانيا إلى بلدة زبونشين الحدودية ورفض بولندا استقبالهم، ~~ليجد المنفيون أنفسهم بلا مأوى في العراء. ~~••• # خرج مايكل ليتفقد خسائر متجره لبيع الأقمشة في السوق القريب ~~للحارة التي يقطنها، كانت كل التخيلات المتوقعة لحال المتجر التي ~~خطرت له في الأيام الماضية وهم يخشون الظهور إلى الشوارع العامة، لم ~~تكن بكل تلك البشاعة التي رآها. كان يقول في نفسه وهو يراقب المارة ~~من النافذة المطلة على الرواق: «لربما كسروا الأبواب فقط أو سرقوا نصف ~~الأقمشة أو حتى كلها.» # وقف قبالة متجره الصغير وقد تحول كل شيء فيه إلى رماد، سواد في ~~سواد؛ الجدران والباب الخشبي الذي لم يبق منه سوى الإطار الحديدي، ضرب ~~كفا بكف وهو يتمتم متحسرا: كسرت أيديكم، هدمت دوركم! ثم انتبه ~~إلى السقف، فرأى فيه شقا طوليا من شدة اللهب جراء احتراق الأقمشة ~~والرفوف الخشبية. # كانت إعادة ترميم المتجر تحتاج إلى مبلغ كبير عوضا عن البضاعة ~~الجديدة إذا ما أراد العودة للسوق مرة أخرى، لكن اليأس تملكه؛ فمن ~~يدري لربما تعاد الكرة، ويتم حرق المتجر من جديد، وفي خضم هذه ~~الأفكار المتشابكة في ذهنه سمع صوت جاره آيخمان: لا تحزن، نستطيع ~~إعادته مثل السابق، أنا معك بكل ما تحتاج إليه. ~~- شكرا لك، لا أظنني أفكر في فتح تجارة بهذه المدينة مرة أخرى، ~~نحن بتنا لا نضمن حياتنا هنا، فكيف نضمن تجارتنا؟! ~~- الذي حصل لكم في تلك الليلة لم يكن يمثل توجه أهل المدينة ~~كلها، أرجوك لا تظن أن الذي حصل يؤيده الجميع، بل هؤلاء ثلة ممن أعمى ~~بصيرتهم التعصب العرقي. ~~- وما فائدة ظني بكم؟ هل سيعيد خسارتي الظن السوء أو الظن الحسن ~~بكم؟ ~~- لم أقصد هذا .. لكنك تعلم جيدا أن الكثير من اليهود يعيشون هنا ~~في ألمانيا ولم نفرق يوما بينكم وبين أي ألماني آخر. وجرت بيننا ~~مصاهرات كثيرة، وتجد الكثير من الألمان من أب يهودي ms013 أو أم ~~يهودية، لكن هذه الفكرة العرقية، وفصلكم أنتم والغجر وغيركم من البشر، ~~وجعل المواطنة على أساس العرق؛ أمرا طارئا وشاذا لا يمكن أن ~~يستمر. ~~- لو لم تكن شيوعيا ... # وضع كفه على فم مايكل، وهمس في أذنه: إن سمعك أحد أفراد ~~الجستابو فسيخفونني من الأرض. # فقال هامسا: لو لم تكن شيوعيا ومعارضا للحكم النازي لما انتقصت ~~من فكرهم هكذا. ~~- مايكل اهدأ! لا تدع غضبك يعميك ويشكل عليك عدوك من صديقك، ~~أنسيت كم قتلوا منا قبل أربع سنوات في ليلة «السكاكين الطويلة»؟ ~~- لم أنس .. لكن كيف لي أن أهدأ؛ ففي تلك الليلة عاد ديفيد ملطخا ~~وجهه بالدماء وقد شج رأسه وتكسرت أضلاعه، واليوم أرى تجارتي أصبحت ~~رمادا، وتريد مني أن أهدأ وأميز من حولي! ~~- أحقا ما تقول؟ وكيف هو الآن؟ ~~- تحسن قليلا .. لكنه طريح الفراش. ~~- كسرت أيديهم. ~~••• # في طريقه نحو البيت وهو يمشي الهوينا من زقاق إلى آخر لاحظ المتاجر ~~المحترقة لليهود هنا وهناك، كل متجر مرسوم على حائطه النجمة ~~السداسية قد تم إحراقه. # حاول أن يقارن خسارته بخسارة غيره ليخفف الوطء على نفسه، ثم شعر أن ~~الخطأ الكبير الذي فعله اليهود هو خروجهم من عزلتهم واندماجهم في ~~المجتمع، لطالما كنا أقوياء في عزلتنا نقاوم كل خطر فكريا كان أم ~~جسديا يحدق بنا. # يبدو أننا لم نستطع تغيير النظرة السيئة تجاهنا من قبل المجتمعات ~~بعد انصهارنا فيها، حتى وصل الحال لبعض اليهود أن قاموا بتغيير دينهم ~~إلى المسيحية والاستغناء عن الزي اليهودي المعهود، وبالرغم من ذلك ~~النظام النازي عاد إلى الوراء وفتح سجلات قديمة لنفوس الآباء ~~والأجداد، وأن كل مسيحي ألماني حتى لو كان قسا ويحمل عرقا يهوديا ~~يعتبر من اليهود ويلاقي ما يلاقيه اليهود الأصليون. # توقف هنيهة، أخرج سيجارة من جيب معطفه الأيمن أشعلها بعود ثقاب، ~~وحرك يده ليطفئ العود قبل أن يرميه، ثم وضع السيجارة على الطرف ~~الأيسر من فمه وعاد في تفكيره من جديد. # كل الأمم لديها ماض أسود معنا، التاريخ حافل بعشرات المرات من ~~الطرد والتشريد لأجدادنا ms014 من كل بقاع الأرض من الأسر البابلي، إلى محاكم ~~التفتيش في إسبانيا، إلى المجازر في روسيا، ويبدو أن النازية ماضون في ~~طريق أولئك في ظلمهم لنا. ~~••• # في البيت كانت سارة قد عادت من المدرسة مبكرا، وهي تبكي بحضن ~~أمها. ~~- ما بها، لماذا تبكي؟ ~~-لقد طردوا أطفال اليهود من المدارس. # لم يعلق شيئا .. توجه إلى غرفة ديفيد ليطمئن عليه، فتح باب ~~غرفته بلطف، فرآه نائما واللفائف البيضاء قد حولت جسده إلى مومياء ~~لا ترى منه سوى عينيه، وقد علق الطبيب أثقالا من قدمه اليسرى .. عاد ~~إلى الصالة، جلس على الأريكة منهكا من التفكير وكأنه يحمل هم الدنيا ~~أجمعها. # ديفيد طريح الفراش. # سارة طردت من المدرسة. # المتجر احترق، وأصبح رمادا .. وضع يديه على رأسه وهو يقول: أي ~~المصائب تتكالب على رأسي يا ألله! # لم يشعر بالحاجة إلى أبيه منذ وفاته قبل سنتين كما في تلك اللحظة، لم ~~يتخيل يوما أن مسئولية البيت بهذه الصعوبة، مع كل الذي حصل لا بد أن ~~يبقى واقفا يبتسم في وجوههم حتى لا يشعروا بالضعف وهو مهدم من ~~الداخل، محطم الأركان. # استلقى فوق الأريكة على جنبه الأيسر، واضعا كفه تحت خده، فكان جهاز ~~الراديو أمام عينيه مباشرة وكأنه يناديه. # شعر أن هذا المزاج السيئ لا يغيره إلا الموسيقى التي تبثها بعض ~~المحطات. أدار الراديو وبدأ صوت التشويش والالتقاط من محطة إلى أخرى. ~~لم يكن يبحث إلا عن الموسيقى، لكن عندما سمع صوت المذيع في إحدى ~~المحطات وهو يقول: «لماذا يجب علينا كره اليهود وطردهم من بلادنا؟» ~~أوقفته الجملة، وكأنه سأل ما يريد معرفة إجابته. # رفع الصوت، وبدأ المذيع يسرد الأسباب بذكر مقولة لريتشارد فاجنر: ~~«إن اليهودي هو الشيطان المسئول عن فساد البشرية»، هل رأيتم اليهود ~~يقومون بعمل نافع يوما؟ أو أنهم تجمعوا للقيام بعمل تطوعي؟ لا، ~~أبدا، فالحكومة العسكرية هي من تسوقهم إلى ذلك، يبدو أنهم غير ~~معتادين على العمل أو يكرهونه، بينما نجد الألماني ذا العرق النقي ~~يعمل بجد في مصانع الإنتاج ويبذل طاقة كبيرة لأجل ms015 ألمانيا، أما هم ~~فلا يظهر معدنهم الحقيقي إلا في التجارة التي لا تحتاج إلى جهد ~~بدني بقدر ما تحتاج إلى المكر والخداع الذي يبرعون فيه؛ فديانتهم ~~تنص على أن الربا والغش واجب كما جاء في أسفار موسى الخمسة: «لا ~~تقرض أخاك بربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء ما مما يقرض ~~بربا. للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا، لكي ~~يباركك الرب، إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل ~~إليها لتمتلكها.» # فهم يرون أن كل غير يهودي هو أجنبي، ويتعاملون معه بالربا الذي ~~بارك به الرب علينا وحرمه فيما بينهم! ولأجل ذلك يقدسون التجارة ~~التي تدر عليهم فوائدها الأرباح الهائلة من المال جراء استغلالهم ~~حاجة الناس. # بينما يقضي الآري أياما وأسابيع وحتى أشهرا من العمل الشاق ليصنع ~~آلة أو ليبني منزلا أو يزرع أرضا أو أي شيء له قيمة لدى الإنسان؛ ~~ليحصل مقابل ذلك على المال بكده وتعبه، في حين يحصد اليهودي أضعاف ~~ذلك المال بالربا والغش على من يوفرون له كل متطلبات الحياة .. نعم ~~يا سادة! # إنهم كائنات طفيلية تعيش على ما يصنعه الآخرون، ويمكننا وصفهم ~~بجماعة وضيعة موقعها عند حافة المجتمعات وفي الشقوق، إنهم كالإسفنجة ~~التي يستخدمها الحاكم لامتصاص فائض القيمة من المجتمع ثم يعتصرها ~~لحسابه، ورغم أن الإسفنجة مختلفة عن الكائن الطفيلي - إذ إن الكائن ~~الطفيلي يمتص رزق الآخرين لحسابه، على حين أن الإسفنجة تمتصها لحساب ~~الآخر - فإن الجماهير التي جرى امتصاص رزقها لم تر سوى الجزء الأول من ~~عملية الامتصاص؛ فالإسفنجة والكائن الطفيلي يشتركان في أنهما دون أهمية ~~بالنسبة للجسم الذي يعيشان عليه، بل إنهما يشكلان خطورة شديدة عليه ~~ويهددان حياته؛ إذ يقول عالم البيولوجيا إروين باور: «إن كل مرب ~~للماشية يعلم أنه إذا ذبح أفضل ما عنده من الحيوانات دون أن يتركها ~~تتكاثر واستمر في تربية الأنواع الرديئة فإنه خاسر لا محال .. هذا ~~الخطأ لا يرتكبه أي فلاح مع حيواناته وزراعته، نسمح به نحن فيما ~~بيننا إلى حد ms016 كبير .. ولكي نستعيد إنسانيتنا اليوم لا بد أن ندرك أن ~~الأنواع الرديئة من البشر ليس لها أن تتكاثر.» # كبس زر إطفاء الراديو وهو مذهول بما سمع، كانت أغلب الصحف تنشر ~~مقالات كراهية من النوع المبتذل المليء بالسخافات والتهم المضحكة، ~~لكن هنا على الراديو الدعاية النازية مختلفة تماما على الرغم من أنه ~~يهودي؛ فقد اقتنع ببعض ما جاء في كلام المذيع، فكيف بالألمان ~~أنفسهم؟ # كانت قوة التأثير الذي تروجه الماكينة الدعائية في نشرها للأفكار ~~النازية من خلال آلاف أجهزة الراديو التي تم توزيعها على المواطنين مما ~~أدى إلى سرعة انتشار هذه الأفكار وترسيخها في عقول وأذهان الجيل ~~الجديد على وجه الخصوص. # | الفصل الرابع # قرية أنجرلك - تركيا 1895م # كانت الأدخنة الرمادية الباهتة تعرج إلى السماء من المداخن التي تعلو ~~البيوت الحجرية، والديكة تتنافس في صياحها وهي تعتلي السور الخشبي الذي ~~يحيط ببعض منازل القرية، والنساء في الحظائر يحلبن الشياه ويضعن الحليب ~~في أوعية خاصة، والرعاة يتجهزون لسوق القطعان إلى المرعى، وفي ~~أقصى القرية أربع عربات خشبية تجرها البغال تتجهز للرحيل إلى مدينة ~~وان لبيع محاصيل مزارعي القرية من الخضار والفواكه والحليب. # مع بزوغ الشمس خلف التلة البعيدة انسلت أشعتها من خلال فتحات ~~النافذة إلى فناء الغرفة. شعر أرتين وكأن لمسات يد دافئة توقظه من ~~نومه في ذلك النهار الربيعي البارد، فارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة ~~قبل أن يفك جفون عينيه، وتملكه شعور قوي بالبقاء هكذا دون أية ~~حركة، مستمتعا بالدفئين .. دفء الشمس، ودفء السرير، لكنه فجأة بادر ~~إلى سمعه صيحات نساء وبكاء أطفال أعقبتها إطلاقات نارية. هرع نحو ~~بارودته المعلقة على جدار مضافة أبيه مختار القرية «تلمكيان» حملها ~~ثم اعتلى سطح البيت من السلم الخشبي على عجل .. ألقى نظرة من إحدى ~~الزوايا، فإذا هم عصابات الحيدرانلي التي لا تفتأ تهاجم القرية وتنهبها ~~وتقتل من يعترضها منذ انتهاء الحرب بين روسيا والدولة العثمانية التي ~~أدت هزيمة العثمانيين فيها إلى ضعف سلطة الحكومة على تلك المناطق، ~~وانتشار العصابات وقطاع الطرق فيها. # صوب أرتين فوهة ms017 بارودته نحو أحد الخيالة المهاجمين وأطلق النار ~~عليه فأصابه على كتفه اليمنى وأوقعه أرضا، وما إن اكتشفوا مكان أرتين ~~حتى انهالت الإطلاقات النارية صوبه، استند إلى جدار السطح؛ ليتلافى ~~الطلقات التي كانت ترتطم بالجدار وتتطاير من فوق رأسه، اقتربت ~~الخيالة من منزل أرتين ليثأروا لصاحبهم، لكن طلقات بارودة غريغور ~~المباغتة من الخلف جعلتهم يفرون هاربين خارج القرية. # تجمع رجال القرية في مضافة المختار تلمكيان؛ للحديث عن مواقفهم في ~~الدفاع عن القرية ضد المهاجمين، كان أرتين حينها من أشد المتحمسين ~~للانضمام إلى حزب الطاشناق الذين كانوا يوفرون الأسلحة لمؤيديهم من ~~الأرمن، لكنه في كل مرة لا يستطيع طرح فكرة انضمام شبان القرية إلى ~~الحزب خشية أبيه الذي كان يعارض ما يقوم به الثوار ضد الحكومة، لكنه ~~لم يتمالك نفسه هذه المرة، فخرج ما كان يكتمه لسنوات ككتلة متدحرجة من ~~قمة جبل. ~~- أبي إلى متى سنبقى هكذا نخسر رجالنا ومواشينا أمام هذه العصابات، ~~إلى متى؟ # التفت الحاضرون إليه وهم في نظرة ذهول؛ لأنه تكلم مع المختار بصوت ~~مرتفع! نظر تلمكيان إليه، وقال بحزم: إن الثوار طموحهم أكبر من حجمهم؛ ~~فالعداء الذي سينتج من هذا الحزب وهذه الثورة أخطر علينا من عداء هذه ~~العصابات، أنتم تعلمون أن قادتهم متعاونون مع الروس وهم أعداء حكومتنا، ~~إنك لا تدرك مدى خطورة الوقوف أمام الدولة يا بني. ~~- لكن القرى المنضمة إليهم لا يستطيع مهاجمتهم أحد. ~~- مهما يكن حالهم فلن أقبل أن تنضموا إليهم، سأذهب غدا إلى والي ~~مدينة وان «بحري باشا»، وأطلب منه زيادة عدد الدرك في القرية. ~~- وماذا سيفعلون؟! ها هم اليوم قد اختبئوا في المخفر كالفئران في ~~جحورها، ولم يطلقوا رصاصة واحدة حتى في الهواء خوفا من عصابات ~~الحيدرانلي! ~~- سأنقل للوالي ما حدث اليوم وأطلب منه تغييرهم، لكن فكرة الانضمام ~~إلى الحزب لن تتم وأنا حي. # سكت الجميع، ولم يعلق أحد على كلامهما، ثم تفرقوا إلى بيوتهم .. ~~لحق أرتين بصديقيه غريغور وبانوس اللذين يؤيدان الثوار الأرمن ~~وأخبرهما أن هناك أمرا ضروريا يجب التحدث فيه. ms018 ~~••• # تحت ظل شجرة الجوز الكبيرة الموجودة على سفح الجبل شمال القرية، سأله ~~غريغور: تحدث! ما الأمر الضروري الذي تود إخبارنا به؟ ~~- لقد نفد صبري من حالنا البائس هذا، إلى متى نبقى ضعفاء هكذا ننتظر ~~الموت كالخراف عند باب المجزرة؟ # في كل مرة يقتلون رجالنا وينهبون أموالنا ومواشينا، ويفسدون زرعنا، ~~ونحن لا نفعل شيئا سوى الدفاع عن أنفسنا بثلاث بواريد قديمة وصدئة، ~~كفانا هوانا كفانا! ~~- ما الذي تفكر به يا أرتين أخبرنا، نحن معك في أي شيء ~~تريده. ~~- لا حل أمامنا سوى الانضمام إلى الثوار. ~~- لكن كيف؟ ~~- يجب أن نسافر إلى مدينة «وان» فننضم إلى الثوار هناك. # تساءل بانوس: ولمن نبقي القرية؟! العصابات ما لبثوا يهاجمونها منذ ~~سنوات طويلة. ~~- في القرية رجال كثر، سأعطي بارودتي لأحدهم، وأنت يا غريغور أعط ~~بارودتك إلى أخيك أغوب، نحن الثلاثة لا نؤثر على قوة القرية، «هذا إن ~~كنا نعتبر قوة بالأصل»؛ قالها متهكما. ~~- أنا موافق؛ قال غريغور. ~~- وأنت يا بانوس؟ # بدا أنه يفكر بالأمر. كان «غريغور» حماسيا من الدرجة الأولى ~~ويأخذ قراراته بسرعة دون تفكير إذا أعجبته الفكرة، أما بانوس فيفكر في ~~كل خطوة يخطوها، ودائما ينظر إلى عواقب الأمور قبل كل شيء. ~~- قل يا بانوس، ما الذي يدور في خلدك؟ لا تحرج نفسك، بإمكانك رفض ~~الفكرة. ~~- فلننتظر بماذا يعود والدك من عند الوالي، فإن جاء ببعض الدرك ~~وغير هؤلاء الجبناء، عندها سنرحل عن القرية مطمئنين على ~~أهلها. ~~- وإن لم يستجب الوالي للمختار، ماذا سنفعل؟ ~~- إن لم يستجب له، لا أظن أن قرار سفرنا إلى «وان» صحيح، نحن ندافع ~~عن أهلنا هنا وسندافع عن أبناء جلدتنا من الأرمن هناك، ما الفرق في ~~ذلك؟ لا، بل أهل القرية بحاجتنا أكثر من غيرهم. ~~- إذن، ننتظر ما يعود به أبي من عند الوالي، بعدها نقرر السفر من ~~عدمه. # على طول الطريق المتعرج التي تؤدي إلى القرية من جهة الجبل كان ~~أرتين يفكر بالأمر وهو عائد إلى المنزل مع صاحبيه، ماذا لو جيء ~~بالدرك واستطعنا رد هجمات العصابات دون ms019 خسائر؟ لم السفر إلى وان ~~بعدها وقد تحققت الغاية ؟ أعلم أن أبي يستطيع إقناع الوالي بما ~~يريد؛ لأن مكانته كبيرة عنده؛ إذ لم يمتنع يوما من دفع الجباية ~~للحكومة، فهو يؤمن أن هذه دولته ويجب عليه الولاء لها وطاعة ~~أوامرها. # لكن هل الغاية هي الدفاع عن قريتنا فقط؟ # ماذا عن بقية القرى الأرمنية التي تتعرض للسلب والنهب والقتل، من ~~يدافع عنهم؟ # حكومة والدي تدافع عن القرى القريبة من مراكز المدن، وحتى أحيانا لا ~~تستطيع ذلك؛ ففي قرية «كيفاش» التي لا تبعد عن المدينة سوى عدة أميال ~~هاجمتها العصابات المسلحة وقتلوا اثنين من الرعاة وسرقوا المواشي، ثم ~~أغاروا على البيوت ونهبوها، وبعد مرور نصف ساعة من فرارهم وصل الدرك ~~هناك! ولا أستبعد اتفاق بعض الضباط مع العصابات ليتقاسموا المسروقات ~~مقابل عدم التعرض لهم. # الحياة في هذه الأراضي أصبحت كالغابة، القوي يأكل الضعيف، المزارعون ~~وأصحاب المواشي والحرفيون والباعة المتجولون كلهم يدفعون الجبايات ~~الكبيرة للدولة، ولا يلقون بالمقابل الحماية الكافية، فيعطون ~~الإتاوات إضافة إلى ذلك لبعض العشائر التي تمتلك الأسلحة بغية حمايتهم ~~من العصابات، والناس هنا بالكاد يجدون قوت يومهم! كل هذا يحصل بسبب ~~ضعف الدولة هنا؛ لذا يجب علينا أن ننضم للثوار؛ قالها بصوت ~~عال. # فنظرا إليه وحدقات أعينهما ظهرت كاملة، قال غريغور: لا تقلق سننضم ~~إليهم مهما حصل. ~~••• # عاد المختار من عند الوالي محمر الوجه من الفرح، تجمع أهل القرية ~~عند الساحة ليستقبلوه وهو على جواده العربي الأصيل ذي اللون البني ~~الغامق واللامع، الذي اشتراه من حلب في إحدى زياراته التجارية، ~~وبارودته على ظهره، وقد لف شريط الطلقات من كتفه اليسرى إلى خصره ~~اليمنى. وكان أهل القرية يحيونه وهو يشير بيده إليهم مع ابتسامة ~~صغيرة، وخلفه سيمون وبوغوز من شجعان القرية اللذان يرافقانه دوما في ~~زياراته خارج القرية. # عندما وصل المختار تلمكيان وسط الناس رفع يده إلى الأعلى، ثم ضم ~~أصابعه مشيرا للأهالي بالسكوت حتى يبدأ بالكلام .. فقال: لقد تكلمت مع ~~الوالي «بحري باشا» وأخبرته بحال قريتنا التي تتعرض لها العصابات، ms020 ~~وأن الدرك الموجودين فيها في آخر مرة قد اختبئوا في المخفر ولم ~~يقوموا بواجبهم بالدفاع عن الأهالي. # فانتفض الوالي ونادى حاجبه فورا، وأبلغه أمامي أن يعاقب الدرك، ~~ويتم نقلهم إلى القرى المتاخمة مع الحدود الروسية، وإبدالهم بدرك أكثر ~~شجاعة، وزيادة العدد إلى الضعف وإرسالهم غدا إلى مركز عملهم ~~الجديد. # ابتهج الأهالي فرحا بما سمعوه، وتعالت الأصوات باسم المختار واسم ~~الوالي: «فليحفظكم الرب .. فليحفظكم الرب.» # أتت الرياح بما تشتهي سفن أفكار أرتين؛ فالشرط الذي وضعه بانوس ~~لرحيلهم قد تحقق، وها قد اطمأنوا على أهل القرية. # ثم فجأة دفعه أحدهم بكتفه حتى أوقعه أرضا وهو يضحك ويرقص: سنرحل .. ~~سنرحل. # استشاط أرتين غضبا. ~~- غريغور المجنون، أيها الثور الهائج كدت أن تكسر ذراعي! # لم يبال غريغور وظل يرقص ويرقص وكأنه في عرس. ~~- أعلم أنك لست فرحا بالرحيل بقدر فرحك بسبب بانوس الذي أصبح لا ~~يملك عذرا لعدم المجيء معنا. ~~- نعم، إنه لا يريد ترك القرية من أجل «باتيل». ~~- يا لك من ماكر! لن أصر عليه بالمجيء معنا، فليبق في القرية، لا ~~أريد أحدا يبقي قلبه وعقله هنا، ويأتي معي بجسده فقط .. الهدف الذي ~~أنوي الوصول إليه يحتاج منا التركيز عليه فقط. ~~- لكن بانوس لا يستطيع تركنا «لقد ابتلاه الرب بصديقين مجنونين، وهو ~~العاقل المسكين». # قالها غريغور وهو مغمض العينين ويحرك يديه كالشعراء عند إلقائهم ~~القصائد .. أثناء ذلك أقبل بانوس، وهو يبتسم. ~~- ما بال المجنون يحرك يديه كالشعراء، هل يظن نفسه «نرسيس ~~شنورهالي»؟! ~~- لا، إنه يدعو الرب لأجلك. ~~-فليدع الرب بأن يخلصه من جنونه. ~~- بانوس، اسمعني جيدا، بعد الأخبار السارة التي أتى بها والدي من ~~عند الوالي، أنا وغريغور قد عزمنا الرحيل، أما أنت فلست مضطرا لذلك، ~~تستطيع البقاء هنا لا أريدك أن تحرج، القرار لك. ~~- دعاني أفكر بالأمر جيدا. ~~- فكر كما تشاء، لديك ثلاثة أيام فقط، بعدها لن تجدنا في ~~القرية. ~~••• # مرت الأيام الثلاثة سريعة، تجهز أرتين للسفر، وكالعادة كان أول ~~تنبيه له من قبل المختار ألا يغرر به هناك وينضم للثوار، وشدد على ms021 ~~ذلك، قال أرتين في نفسه: «لا أدري هل كان بالفعل محقا أن خطر ~~الثوار على الأرمن أكبر من خطر العصابات، أم إنه كان خائفا من نقمة ~~الوالي عليه إذا سمع أن ابن المختار «تلمكيان» قد أصبح مع الثوار، أو ~~ما يسميهم الحكومة العثمانية ب «المتمردين»، كان هذا التساؤل يشغل ذهن ~~أرتين دائما.» # حل فجر يوم الرحيل، حضر غريغور وقد ارتدى أجمل ما لديه من الثياب، ~~نظر إليه أرتين مبتسما: يبدو أن بانوس قد قرر عدم المجيء؛ فمنذ ذلك ~~اليوم لم نره. ~~- أنا كنت متأكدا أنه لن يأتي لأنه «جبان». ~~- لا تظلمه يا غريغور. # تحركت العربة مبتعدة عن القرية شيئا فشيئا إلى أن سمعوا أحدهم ~~ينادي: توقفوا. # توقفوا! سآتي معكم. ~~-وقف غريغور على العربة ووضع كفه فوق عينيه عله يعرف من ~~المنادي. ~~- إنه بانوس! # ابتهج أرتين وضرب كفه بكف غريغور من الفرح، ثم صاح: ~~- أيها السائق، توقف قليلا، هنالك من يريد المجيء معنا. # توقفت العربة، فوصل بانوس وهو يلهث، سحبه أرتين من يديه وأجلسه ~~قربه على العربة، ثم مضوا في طريقهم. ~~- أخبرنا ما الذي حدث معك في الأيام الثلاثة التي لم نرك فيها؟ ~~حسبنا أنك لن تأتي معنا وتخجل من قول ذلك. ~~- كنت أفكر في ماذا سأقول لباتيل، أبي أخبرته بالأمر وقلت له ~~إنكما معي فلم يمانع، لكن المشكلة كانت عندها هي، البارحة ليلا بالكاد ~~استطعت إخبارها بالأمر، عندما سمعت بالسفر بدأت تبكي، قلت لها سآتي ~~كل شهر وأراك فيه لا تقلقي، وأجلب لك هدايا جميلة من هناك، لكنها ~~لم تكف عن البكاء. # رفع غريغور رأسه إلى السماء وقال: لماذا أنا لا أشعر بهذا؟! جميل أن ~~تبكي فتاة من أجلك، سأجرب الحب هناك مع فتيات وان الجميلات، نعم ~~سأجعلهن يولولن على فراقي. ~~- أنت؟ إن كن بنات القرية لم يعجبن بك، هل تريد بنات المدينة ~~يبكين من أجلك أيها الفتى الوسيم؟ ~~- دعكم من هذا الهراء، أكمل يا بانوس، كيف أقنعتها بالمجيء ~~معنا. ~~- لم تقتنع إلى أن قلت لها سأذهب هناك للعمل وأجمع ms022 ما يكفي من المال ~~لأجل زواجنا، هنا سكتت ومسحت دموعها وقالت: أحقا ما تقول؟ قلت لها ~~أجل؛ فهناك أجور العمال كبيرة، سأجمع المال بوقت قصير وأرجع إليك، ~~اطمئني. # هكذا استطعت إقناعها، كان الوقت متأخرا حينها ولم أستطع إخباركما ~~أني سآتي .. وشكرا للرب الذي جعلني ألحق بكما قبل فوات ~~الأوان. # | الفصل الخامس # القدس - فلسطين 1943م # في تلك الأزقة الضيقة والجدران الحجرية العتيقة وتكاتف البيوت مع ~~بعضها البعض بقناطرها المقوسة الجميلة وروائح الياسمين التي تفوح بين ~~حناياها وتتدلى أغصانها الرقيقة من منافذها العلوية، كان حسن يدفع ~~العربة مع أخيه خالد متوجهين إلى الحي الأرمني، يتقدمهما العم أرتين ~~بخطوات وئيدة متكئا على عكازه الخشبي المصنوع من خشب الزان المزخرف ~~بأشكال وألوان مميزة. # وكان خالد يوبخ حسن طوال الطريق؛ لأنه لا ينتبه معه على تعرجات ~~الطريق فيدفع العربة بقوة ويسبب اهتزازها وتحرك الأحجار عليها، ~~فصاح خالد بأعلى صوته: يواش يواش ستنكسر زوايا الأحجار هكذا! # التفت العم أرتين ووبخ خالدا، وقال له: لا تستخدم كلمات تركية ~~أمامي مرة أخرى! # ثم أدار وجهه وأكمل السير، ارتسمت علامات التعجب على وجه خالد وظل ~~صامتا مذهولا، وحسن بالكاد يكتم ضحكته وهو فرح؛ لأن العم أرتين أخذ ~~بحقه من خالد ووبخه .. اقترب من حسن وهمس بأذنه: ما به يكره الأتراك ~~هكذا؟ ~~- لا أعلم، أنا أيضا ذكرت أمامه خان «أوتزبير»، فوبخني مثلك، ولولا ~~كبر سنه وصحبته للحاج صالح لما سكت عنه. ~~- وأنا أيضا لولا البضاعة لما سكت عن توبيخه لي، أخشى أن يردها ~~وأتسبب في خسارة زبون دفع نقدا. # عجوز أخرق .. تمتم خالد وعاد ليدفع العربة. # عند وصولهم إلى بيت العم أرتين أوصاهما بأن ينزلا الأحجار ويضعاها ~~عند باحة المنزل تحت نافذة الغرفة المقابلة للباب الخارجي، وشرع الباب ~~على مصراعيه ثم توجه إلى الداخل، وهو يقول: أكملا عملكما وأغلقا ~~الباب وارحلا. # استشاط خالد غضبا من تصرفه وكلامه معهما بهذه الطريقة غير ~~المهذبة، وقال لحسن: دعنا نكمل العمل بسرعة، بت لا أتحمل فظاظته، ~~أخشى أن أفقد أعصابي وأرميه بحجر على رأسه ms023 فأدعه ينسى لغته ويتكلم ~~اللغة التركية فقط. # رد عليه حسن وهو يضحك ويقطع حديثه من شدة الضحك: لا أستبعد أنه ~~سيقص لسانه، وسيفضل أن يكون أخرس على أن يتكلم تلك اللغة. # في باحة الدار انتبه حسن إلى حركة خلف ستارة النافذة التي يضعون ~~تحتها الأحجار، في البداية قال لنفسه: إنه العجوز الأخرق يراقبنا، وخشي ~~أنه استمع إلى حديثهما عنه، لكن عندما اقترب من النافذة وهو يحمل بحضنه ~~الحجر ظهرت أمامه فتاة لم ير مثل جمالها قط، ابتسمت بوجهه برهة ثم ~~اختفت. بقي حسن واقفا كالصنم غير مصدق ما رأى أمامه حتى إنه لم ~~يعد يشعر بثقل الحجر الذي كان يحمله. كانت الفتاة تراقبهما من خلف ~~الستارة كلما اقترب حسن من النافذة أظهرت وجهها وابتسمت له، وكأنها ~~تلعب معه كما يفعل الأطفال، لكن حسن كان قلبه يتراقص لرؤيتها. وظل ~~يتساءل طوال فترة نقل الأحجار من العربة إلى الباحة كيف تمكنت منه ~~بهذه السرعة! وما هذا الخفقان الغريب الذي يشعر به؟ نظر إليه خالد ~~بريبة وكأنه قرأ بوجه حسن ما كتم عنه. ~~- حسن، لا ترفع بصرك إلى النافذة كثيرا، هذه ليست من أخلاقنا، والله ~~لئن سمع بك أبي ليكون عقابك وخيما، نحن ندخل بيوت الناس هنا، ولكل ~~بيت حرمته، فلا يجب أن تنتهكه وإلا هتك الله حرمة بيتنا ~~أيضا. # هز حسن رأسه مؤيدا، وطأطأ رأسه وهو يقول بشيء من التوسل: ~~وتخبره؟ ~~- سأفعل إن عدتها مرة أخرى. # عند عودتهما إلى خان تنكز بقي حسن صامتا طول الطريق وهو يجر العربة ~~ويفكر فيما رأى، صورة طبعت في ذهنه وشعور غريب بدا يسري في جوفه لم ~~يخفق قلبه هكذا لأية فتاة من قبل، وبدأ يحاول فك أحجية ذلك الوجه ~~الملائكي الصغير والابتسامة الخجولة التي ارتسمت على وجهها حينما كانت ~~تنظر إليه. # لم يكن لديه من يحمل عنه ثقل ما شعر به سوى هشام، فاستأذن من أبيه ~~ثم توجه إلى باب المغاربة إلى تحت ظل الشجرة المعمرة؛ فهناك بالتأكيد ~~سيجد هشاما؛ إذ إنه يقضي طوال يومه ms024 هناك أحيانا، يتأمل القبة التي ~~ملكت قلبه كما ملكت تلك الفتاة قلب حسن وأحيانا يقوم بمساعدة زائري ~~الأقصى من المدن والبلاد البعيدة، ويدلهم على أماكن الوضوء وأماكن قضاء ~~الحاجة وأحيانا أخرى يجمع لجدته حبات الصنوبر الخشبية الصغيرة ~~التي يلتقطها من باب الأسباط المؤدي إلى المصلى القبلي حيث تتواجد ~~أشجار الصنوبر على جانبي الطريق وتتساقط منها الحبات مع هبوب الريح، ~~ولها نكهة خاصة كأنك تتذوق الشمس والهواء والأرض. ~~- أنت هنا؟ خشيت ألا أجدك. ~~- لا، لست هنا! أولا تراني أيها الأبله؟ كيف تسأل أنت ~~هنا؟! ~~- هذا سؤال توكيد أيها الفطن ودلالة على موضوع مهم يقال بعده، ~~ألم تقرأ قوله تعالى # وما تلك بيمينك يا ~~موسى ~~؟ هل تظن أن الله لم يكن يعلم ما في يمينه حتى ~~يسأله؟! لكنه أراد أن يخبر موسى عن المعجزة التي وضعها في ~~العصا. ~~- وأنت أية معجزة تريد أن تخبرني بها؟ ~~- أما والله إنها معجزة فتاة لم أر مثل جمالها قط، لمحتها عدة ~~مرات ووددت أن يتوقف الزمن عندها، لربما لن تصدقني إن أخبرتك بأن ~~النظرة الأولى فقط كانت كافية بأن تملك فؤادي حتى شعرت بها تسري في ~~عروقي وتسير إلى أطراف أصابعي وتداعبها كما يداعب النسيم أوراق ~~الشجر. ~~- قد أوغلت ورب الكعبة، هيا أخبرني بنت من هي؟ ~~- ليست من حارتنا، إنها من الحي الأرمني. ~~- مسيحية؟ ~~- نعم، ما الضير في ذلك؟! ~~- لا ضير، لكن قصص الحب مثل هذه لا تسير على ما يرام، سترى الرفض ~~حتى في منامك .. نصيحتي أن تجهضها في قلبك قبل أن تولد. # نظر حسن في وجه هشام وظل صامتا وهو يفكر فيما قال عقله، فاستجاب ~~للكلام واقتنع به، أما قلبه فكان كالمرأة التي تبشر بالحمل بعد ~~سنوات طويلة من الانتظار، من يستطيع أن يقنعها بالإجهاض ولا حتى مجرد ~~التفكير به؟! إنها مسألة مستحيلة. ~~- لا أدري ماذا أفعل، ثم إنني لا أعرف هل ستبادلني الشعور أم لا؟ ~~وكيف لي أن أراها مجددا وأتحدث معها، لا أعرف عنها سوى أنها حفيدة ~~ذلك العجوز المزعج أرتين أو ms025 قريبته. # لكن دعنا من هذا الكلام، لدي عتب عليك، كيف لك أن تخبئ عني ما ~~يقوم به والدك في الحي؟ ~~- لم أخبئ عنك شيئا، كنت أحسب أنك تعلم ذلك، فكل أهل الحي ~~يتكلمون بالأمر ويجلون ويحترمون أبي، ويقول بعضهم لو كان كل تجار ~~القدس مثل أبي هشام، لما بيع شبر لليهود .. لكن حتى اليهود أنفسهم قد ~~اتخذوها تجارة، بعضهم يشتري من اليهود ويبيع لمن يدفع أكثر حتى وإن لم ~~يكن الشاري يهوديا! هكذا يقول أبي وليس كلهم يهتم بما يشاع بين ~~الناس بحلم دولتهم المزعومة، إنهم عباد المال لا يهمهم غير المال، ~~وأن يعيشوا إلى أرذل العمر، وأي خطر يهدد حياتهم أو مصالحهم ~~التجارية تراهم يهربون كالفئران المذعورة، لكن ما يفعله أبي سأقوم به ~~أنا أيضا، لكن من جانب آخر. ~~- ماذا تقصد ب «من جانب آخر»؟ ~~- سأنضم للمقاومة، هو يدافع عن الأرض بماله، وأنا أدافع عنها بنفسي ~~ودمي. # شعر حسن بالخجل من نفسه ومن تفاهة ما يفكر به، هو يتكلم عن ~~الحب وفتاة أغرم بها، وصديقه يفكر بمستقبل الوطن والأرض ويفدي ~~نفسه من أجلها، وتذكر حال والده الذي لا يهمه شيء سوى توفير قوت ~~يومهم، ووالد هشام الذي يقدم ماله فداء للوطن وللأرض، كانت مقارنة ~~أليمة غرزت في نفسه ألما عميقا، وشعر أنه هو وأهله عديمو الفائدة ولا ~~خير فيهم لوطنهم! # لم يستطع حسن أن يكمل الحديث ويسأله كيف ينضم إليهم، وأين ~~سيتلقى التدريبات، وهل سيترك القدس أم يبقى فيها؟ # كان شعوره بالتقصير وتألمه لذلك يحتم عليه عدم الخوض في الموضوع ~~أكثر، فاتكأ على جذع الشجرة وأخرج من جيبه حبة صنوبر اشتمها قليلا ~~قبل أن يمضغها كي يخفف الوطء على نفسه ويعدل مزاجه قليلا. # ومع كل هذا الشعور السيئ الذي اجتاحه، كانت صورة تلك الفتاة لا تفارق ~~مخيلته وكأنها الداء والدواء، حبها تسبب له في ذلك الشعور السيئ ~~بعد كلام هشام، وخيالها من أخمده! # | الفصل السادس # معسكر داخاو - ألمانيا 1938م # اقتربت أصوات العربات العسكرية الخاصة لنقل الجنود والمعروفة من صوت ms026 ~~عادمها العالي والتي تحجب الرؤية لمن يقبع خلفها؛ لكثرة الدخان الأسود ~~الصادر منها صوب الزقاق، ثم توقفت العربات على طول الزقاق المرصع ~~بالحجر الأسود على شكل مربعات متداخلة، استرق مايكل النظر من خلف ~~ستارة النافذة، وإذ برجال فرق «الإس إس» المعروفين من بزاتهم ~~العسكرية المميزة والمدججين بالأسلحة الرشاشة يدخلون الأبنية على ~~طرفي الزقاق، تسرب الخوف إلى قلبه وبدأ يسري في جوفه فأصبح يرتجف ~~دون إرادة، ثم قال في نفسه مخففا عليه وطء الخوف: لعلها إخبارية ~~على أحد المعارضين أو الشيوعيين. # ثم وضع أذنه على الباب عله يخمن أي شقة يريدون. فاقتربت ~~أصوات أقدامهم كثيرا حتى طرقوا الباب بقوة، انسحب مايكل للوراء ولم ~~يدر ماذا يفعل، لم يكن أمامه خيار آخر. تشجع ومضى بخطوات وئيدة نحو ~~الباب الذي كاد أن ينكسر من شدة الطرق، وما إن فتح الباب حتى ضربه ~~الجندي بكعب بندقيته وأوقعه أرضا، ثم انقض عليه اثنان منهم أبرحاه ~~ضربا دون أي سؤال أو استفسار، ثم فتشوا البيت بعدها فوجدوا ديفيد طريح ~~الفراش، سأله الضابط: ما به هذا الخنزير؟ # صرخت الأم وارتمت فوقه تمنعهم منه، لكن الجندي أمسكها من شعرها ~~ورماها جانبا، أطلقت الأم صرخة ثانية من شدة الألم، ثم ارتمت سارة ~~بحضنها وهي ترتعد عند زاوية الصالة قرب الأريكة وهي تنظر إلى مايكل ~~بيأس شديد وعينين دامعتين، حاول مايكل الجلوس مع تألم شديد، مسح ~~الدماء من على شفتيه بكم ردائه، وأجاب الضابط: لقد وقع من الدرج ~~قبل عدة أيام وهو يريد مغادرة المبنى. # نظر إليه بحدة، وتوجه صوب ديفيد ليتأكد من صحة كلامه، أمر ~~رجاله بفتح لفائف الجروح، كان صراخ وآهات ديفيد يملأ غرفته وكأنهم ~~ينتزعون جلده من لحمه، ثم أمرهم أن يتوقفوا، فخرج من البيت وأشار ~~بإصبعه إلى مايكل. # وضعوه في صندوق العربة الخلفي مع بقية المعتقلين دون معرفة الأسباب ~~بعدما قيدوا يديه من الخلف. # نظر بأطراف عينيه إلى وجوه الذين معه من المعتقلين فرآها شاحبة ~~خائفة كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون، ثم مضت العربات إلى ms027 وجهتها ~~.. وبعد مرور أقل من ساعة توقفت العربات أنزلوهم واحدا تلو الآخر ~~كالخرفان، وتم رصهم على شكل أربعة صفوف، في كل صف عشرة أشخاص، في ~~مكان يبدو عليه أنه ساحة لمصنع متروك تم تحويله إلى سجن كبير، انتبه ~~مايكل أن هنالك المئات من الأشخاص المعتقلين حوله، فشعر حينها بنوع من ~~الارتياح، فالتعرض للاعتقال وحدك أو مع مجموعة قليلة هذا يعني أن ~~التركيز سيكون عليك كبيرا إن حصل تعذيب أو قسوة في التعامل، لكن بوجود ~~هذا العدد الكبير يوحي إلى أن الأمر عام لا تحديد فيه. ~~••• # كانت السماء ملبدة بالغيوم وتوشك أن تمطر، والريح باردة تصفع ~~الوجوه وتصدر صوت صرير قويا، وكان مايكل يرتجف وتصطك أسنانه، ~~تخلله شعور غريب .. فهل كان يرتجف من البرد أم من الخوف؟ ثم تساءل ما ~~علاقة الخوف بالبرد ليكون تأثيرهما مشابها إلى هذا الحد؟ هل الجسم ~~يخشى فقدان حرارته المعهودة بالبرد فتصيبه الرجفة كما تصيب الروح عندما ~~يشعر بخطر محدق مجهول الأسباب والنتائج؟ # أطلق الضابط في وسط الجموع صفارته معلنا بدء أمر لم يدركه مايكل، ~~لكن كان عليه أن يتبع المعتقل الذي أمامه، يفعل ما يفعله بحذافيره؛ ~~فالجندي الذي يحمل سوطا أمام الطابور هو من يسوقهم، بعدها أدخلوهم ~~إلى ثكنة يبدو أنها كانت مخزنا ضخما، يجلس بالقرب من بابها الخارجي ~~على جهة اليسار جندي بكامل قيافته النازية وأمامه طاولة خشبية وسجل ~~أسماء، وجندي آخر يقف قربه وهو يحمل شيئا داخل كيس ورقي، ثم بدأ ~~الجندي ذو الوجه الشديد الحمرة والعيون الزرقاء الباهتة المخيفة بقراءة ~~الأسماء من السجل، وكل شخص يسمع اسمه يأخذ كيسا ويدخل إلى غرفة فارغة ~~داخل الثكنة، عندما نادى اسم مايكل توجه بحذر وخوف شديدين .. أخذ ~~الكيس من الجندي ودخل الغرفة، فتح الكيس وإذا هي ملابس مخططة، ~~فتلمس سمك القماش كونه تاجر أقمشة واللمس أصبح من عاداته اللاإرادية ~~في معرفة نوع القماش وجودته، فكان من القطن المصنوع الرديء النوعية، ~~وأثناء ارتدائه القميص المخطط رأى شارة صفراء مثلثة مع رقم 1216 ~~مطرزا فيه، التفت حوله ms028 فرأى شارة بنفسجية وأخرى سوداء وخضراء على ~~قمصان المعتقلين، لفت انتباهه هذه الشارات الغريبة، وتساءل إذا كان ~~الأمر تصنيفا، فمنذ متى تم ذلك ونحن لم يمض على اعتقالنا سوى سويعات ~~قليلة؟ # بعدها تم حلاقة شعره ولحيته بالكامل، ثم عادوا أدراجهم بنفس الطريقة ~~إلى الساحة، ثم إلى الثكنات المرصوصة خلف بعضها البعض والموزعة بشكل ~~منتظم على مساحة المعتقل الذي تحيطه أسلاك شائكة مكهربة وستة أبراج ~~مراقبة يتناوب الحراسة فيها جنديان طيلة اليوم، كانت الثكنات من ~~الداخل عبارة عن مضاجع خشبية من ثلاثة رفوف متوزعة على طول الجدار ~~وكأنها توابيت ليست أسرة، الأفرش والأغطية مهترئة ومتسخة. # شعر مايكل بضيق شديد عند رؤيته المكان والرائحة النتنة التي تفوح ~~منها، مما جعله يسعل عدة مرات .. عند فتح الباب لأي سبب كان يجب على ~~الجميع الوقوف في حالة الاستعداد أثناء دخولهم إليها الواحد تلو ~~الآخر، كانت نظرات المعتقلين السابقين مليئة بالريبة والخوف، كانت ~~نظرات بعضهم تحمل في جوفها الانزعاج بسبب تضييق المكان عليهم، لكنهم ~~ليسوا أهل الدار حتى يمانعوا، وبما أنهم ليسوا كذلك فلا ملامة أنهم لم ~~يستقبلوا النزلاء الجدد؛ فيبدو من وجوههم الشاحبة وأجسادهم المتهالكة ~~أنهم منهارون منهكون لا يقوون على الجدال والسؤال. # بعد حلول الظلام وقبل أن يرقدوا إلى النوم آثر مايكل التقرب من ~~أحد المعتقلين وسؤاله: مرحبا أنا مايكل. # مد يده إليه مبتسما، ونظر في وجه مايكل الذي لم ير بعد التعب ~~والمشقة من أعمال السخرة في المعسكر، ثم صافحه مع ابتسامة شاحبة، ~~وقال: أنا بيتر، أو بالأحرى 711. ~~- وما الفرق بين الاسم والرقم؟ ~~- هنا لا أهمية للأسماء، لا أحد يناديك به، سيتم تجريدك منه مع ~~مرور الزمن دون أن تشعر؛ فوجبة الطعام على الرقم هذا، عملك اليومي ~~عليه، تسجيل الحضور في الطابور الصباحي عليه، عقوبتك عليه، وكذلك إذا ~~حصلت على كابونات إضافية فعليه أيضا، كل شيء متعلق فيه، دعك من هذا ~~الهراء وأخبرني لماذا أتوا بكم هنا؟ ~~- لا أعلم السبب بالضبط، لكن يبدو أن الكراهية التي كانت تبث على ~~الراديوهات وتكتب في ms029 الجرائد ضد اليهود قد انتقلت إلى مرحلة ~~التنفيذ. ~~- يهودي، نعم شارتك الصفراء تؤكد ذلك. ~~- حقا ما تقول؟ الشارة الصفراء ترمز لليهود؟! ~~- نعم، هي كذلك، وأنا من شهود يهوا، وهذه الشارة ترمز إلينا ~~عندهم. ~~- إذن هذه الألوان تعني فصل المعتقلين عن بعضهم، كنت أحسبها تدل على ~~سنين مكوث المعتقل وأنه يتدرج بالألوان فيها. ~~- لا، ليست كذلك. ~~- لكن لماذا هذه الألوان؟ ألم يسجل لديهم أنك من شهود يهوا وأنا ~~من اليهود؟! هل هناك اختلاف بالتعامل مثلا؟ ~~- لا يوجد اختلاف كبير في التعامل، لكن قسوتهم على المعارضين ~~الألمان من الشيوعيين شديدة؛ إذ يرونهم الخطر الأكبر على الرايخ، أما ~~البقية نحن وأنتم اليهود والغجر والمثليون جنسيا فالقسوة متشابهة إلى ~~حد كبير. # تذكر مايكل حينها كلام المذيع في محطة الراديو المحرضة على ~~كراهية اليهود، كان يظن أن النازية همها الوحيد هو التخلص من اليهود ~~بأي وسيلة كانت، لكن اليوم رأى أن القضية أكبر من كونها يهودا فقط؛ ~~فهنالك الكثير من الألمان أصحاب العرق النقي وطوائف متعددة ~~غيرهم! ~~- لكن لماذا تعتقلكم النازية؟ ~~- إنها مسألة دينية مكسوة بالسياسة. ~~- لم أفهم. ~~- هنالك من يروننا خطرا على المسيحية في البلاد، وهذا الاختلاف ~~الديني ليس مبررا للاعتقال؛ لذلك كسوها بالسياسة، وأن هذا التوجه ~~خطر على مستقبل الرايخ الثالث، وهذا سبب ومبرر كبير للاعتقال هنا ~~كما تعلم. # أومأ مايكل برأسه مؤيدا وعلى وجهه علامات الاستغراب. ~~- المعذرة، أنا قد ولدت وعشت طفولتي وشبابي في ألمانيا، ولم أسمع ~~بشهود يهوا يوما، هل هي طائفة باطنية أم إنها جديدة؟ ~~- لا لسنا باطنيين، لكننا فئة من المكرسين أنفسهم لفعل إرادة الله ~~بقيادة ابنه يسوع المسيح، نجمع رابطة الشهادة بأن الإله وحده «يهوا» ~~هو المتسلط الأوحد والعلي المفرد في الكون، وأنه هو المبدع والخالق ~~لحكومة البر والحق؛ الحكومة السماوية التي تسيطر على الأرض إلى الأبد، ~~الحكومة التي علم يسوع المسيح تلاميذه أن يطلبوا مجيئها من عند الإله ~~القدير. ~~- إذن أنت مسيحي تؤمن بيسوع؟ ~~- نعم نحن مسيحيون نؤمن أن يسوع هو السبيل إلى الخلاص؛‏ إذ «‏ليس ~~اسم ms030 آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس، به ينبغي أن نخلص‏»، إلا ~~أننا نختلف في عدة نواح عن باقي الفئات المسيحية .. ‏ مثلا نحن نؤمن ~~بناء على الكتاب المقدس أن يسوع هو ابن الله،‏ وليس أقنوما فيما ~~يدعى الثالوث. ولا نؤمن بأن النفس خالدة أو أن الروح تبقى حية بعد ~~الموت، وما من أساس في الأسفار المقدسة يجعلنا نعتقد أن الله يعذب ~~الناس في جهنم إلى الأبد.‏ ~~- إذن يبدو أن هنالك دوافع من الطوائف المسيحية الأخرى ضدكم، وقد ~~يكونون وراء هذا الحقد النازي عليكم. ~~- الآن بدأت تفهم ما قلت لك، مسألة دينية مكسوة بالسياسة، طبعا ~~هنالك بعض الكتابات الأرثوذكسية والكاثوليكية اتهمتنا أننا حركة مارقة ~~عن المسيحية نتظاهر بالمسيحية والتمسك بالتقوى ونخفي السم الزعاف ~~الذي يهدف إلى تدمير المسيحية كليا والقضاء عليها. # أثناء حديثهما أقبل معتقل آخر وضرب بكتف بيتر، وقال مازحا: أيها ~~المبشر المعتوه، كفاك تفسد عقول السجناء، ألا يكفيهم هذا ~~الجحيم؟ ~~- إن كان يكفيك فربما لا يكفيهم، تعال واجلس معنا لأعرفك على ~~النزيل الجديد. ~~- أجلس معكم شريطة ألا تحدثنا عن يهوا، لقد صدعت رءوسنا من ~~كثرة ذكرك إياه، وما أنت هنا إلا بسببه. ~~- جحيم بسببه ولا جنة بغيره .. هذا مايكل يهودي من ميونخ. # مد يده إلى مايكل: أنا روبرت، أو بالأحرى 923. # ابتسم مايكل بوجهه: نفس إجابة بيتر. هل يعلمونكم هذه الإجابة ~~هنا؟ # تعالت ضحكاتهم، التفت إليهم بقية المعتقلين بوجوه ممتقعة، هذا وقت ~~استراحتهم بعد يوم طويل وشاق من العمل .. جلس روبرت بقرب مايكل، فقال ~~له بيتر: انظر إلى لون القطعة المثلثة على صدره، إنه أخضر. ~~- على أي دين أو طائفة يدل؟ ~~- إنه من الغجر، وهنالك لون آخر يعود أيضا إلى الغجر وهو ~~الأسود. ~~- ماذا يعني ذلك؟ # رد روبرت بدلا من بيتر: اللون الأخضر مثلي يدل على الغجر من نوع ~~«المجرمين المحترفين» لدى النازية، أما اللون الأسود فيدل على الغجر من ~~نوع «أعداء المجتمع». ~~- أنت مجرم محترف؟! ~~- ألا يبدو على وجهي ذلك؟! # شعر مايكل أنهما ذوا روح مرحة رغم كل التعب ms031 والمشقة والضغط النفسي ~~المسلط عليهما. ~~- أعتقد أن المجرم الحقيقي هو الذي جمعنا هنا دون ذنب اقترفناه، ~~وليس أنت أو أحد من المعتقلين هنا، لكن ماذا عن عرقكم؟ ~~- العرق كذبة نازية، هذه وغيرها من الاتهامات ليست إلا تبريرات لقتل ~~معارضيهم ومن يقفون أمام الرايخ وحلم بناء ألمانيا الكبرى، ألم يتم ~~اعتقالك دون سبب؟ فقط لأنك يهودي؟ ~~- بلى. ~~- هل تعلم أن هنالك الكثير من اليهود في المنظومة النازية وفي مناصب ~~كبيرة قد تم تغيير نسلهم في سجلات الدولة من قبل النازية أنفسهم؟ وحتى ~~هنالك معهم من الغجر وشهود يهوا وغيرهم، لم لا يتم استبعادهم أو ~~معاملتهم مثلنا؟ إن كان هدفهم العرق النقي من عدمه؟ القضية ليست ~~عرقا يا صديقي، إنها أكذوبة يضحكون فيها على عقول الحمقى. ~~- أذكر أنني قبل الاعتقال كنت أستمع إلى إحدى محطاتهم المحرضة على ~~الكراهية ضدنا، وقد ذكر المذيع أشياء غير العرق، منها أن اليهود ~~طفيليون ويعيشون على الآخرين ولا يحبذون العمل إلا في التجارة التي ~~يتعاملون فيها بالربا ويمتصون دماء شعبنا الآري، في الحقيقة أنا قد ~~اقتنعت ببعض كلامه حينها. ~~- فلنفرض أنكم بالفعل كما يصفون كائنات طفيلية، ماذا عنا نحن ~~الغجر نعمل في المصانع وإعمار البيوت ولا نتخلف بأي عمل عنهم، لماذا ~~يتم معاملتنا هكذا؟ لماذا تم إدراجنا تحت قوانين نورمبرغ، وسلب ~~ممتلكاتنا وحقوق المواطنة منا؟ # نظر إليه مايكل باستغراب شديد وحرك رأسه: لا أعلم .. أمرهم محير ~~فعلا. ~~- لا يا صديقي ليس محيرا؛ فقد حصدوا الكثير من الأموال جراء ~~طردهم لنا، ممتلكاتنا وتجاراتنا ومتاجرنا وبيوتنا كلها صودرت، أنتم ~~اليهود أصحاب البنوك والتجارة، كلها تم وضع أيديهم عليها، حتى وإن كان ~~بعض الألمان رافضين هذا التعامل القاسي تجاهنا إلا أن الأمور تجري ~~لصالحهم ماديا، وهذا أهم شيء في الحياة، وليذهب الضمير إلى ~~الجحيم. # استمر الحديث تلك الليلة وكل منهم يتكلم عما تقاسيه طائفته من ~~ظلم واضطهاد شديدين، وأثناء كلامهما كان مايكل يتأمل وجوه المضطجعين ~~حوله ويقول في نفسه: يا لغرابتنا نحن البشر ألا تسعنا هذه الأرض كلنا؟ ~~أليست خيراتها ms032 تكفي وتزيد عن حاجاتنا؟ # ألسنا مخلوقات متشابهة الخلق؟ # هل لأحد منا أعضاء زائدة تميزه وترفع من شأنه؟! # لم هذا الإقصاء والاضطهاد والقسوة والقتل والتدمير والسجن ~~والاعتقال، لماذا؟! # كل من هؤلاء لديه أم سهرت الليالي حتى أوصلته إلى هذا العمر، ~~وأب احدودب ظهره وهو يتحمل ظروف الحياة ليوصل ابنه إلى ما وصل إليه، ~~ثم يأتي أحدهم بدم بارد وفي أقل من ثانية يضع في رأسه طلقة بمسدسه ~~لينقض ويهدم كل تلك الأيام والليالي من السهر والتعب؟ أو يضعهم في ~~المعتقلات دون جريرة اقترفوها، لماذا كل هذه الوحشية والجبروت، ~~لماذا؟! # | الفصل السابع # مدينة وان - تركيا 1895م # كان سوق مقاطعة غاردن عبارة عن شارع طويل ومزدحم بالناس والباعة ~~المتجولين الذين يتنافسون فيما بينهم برفع أصواتهم ترويجا لتجارتهم .. ~~أما الدكاكين فكانت متوزعة على طرفي الطريق «العطارين والصفارين ~~والبزازين والنجارين»، وكل ما يحتاجه الناس هنا متوافر وبكثرة، بسبب ~~موقع المدينة التي تعتبر مركزا تجاريا لقوافل التجار التي تمر من ~~خلالها في طريقها إلى بغداد والتي تبدأ من مدينة «باتوم» مرورا ب ~~«يريفان» في أرمينيا الشرقية إلى «وان»، ومنها إلى جولميريك مرورا من ~~الموصل وصولا إلى بغداد، وكذلك القوافل التي تمر منها إلى مدينة تبريز ~~الإيرانية. # استيقظ أرتين على أصوات العربات التي تجرها البغال، انتبه إلى ~~غريغور وبانوس كانا غارقين في نوم عميق، فتح شباك الغرفة الخشبي المطل ~~على السوق، كانت الشمس تولد من خلف التلة شيئا فشيئا وتحيط بها هالة ~~من اللون البرتقالي الممزوج بالأحمر وكأنها توحي إلى مخاض عسير في ~~السماء! كانت العربات المحملة بالفواكه والخضراوات التي تأتي من ~~القرى تدخل تباعا إلى السوق، وأصحاب الدكاكين يضعون بضاعتهم أمام ~~الباب بقليل، والعجائز في المقهى الملاصق للخان يحتسون الشاي ويتبادلون ~~الأحاديث. # في زحام السوق كان البحث عن طرف خيط يوصلهم إلى الثوار كمن يبحث عن ~~إبرة في كومة قش؛ فالثوار يعلقون البيانات الصادرة عن الحزب على ~~الجدران في الليل، يحثون فيها الشبان الأرمن بالانضمام إليهم، ~~ويتوعدون فيها بعض الأرمن المتعاونين مع الحكومة بالقتل، لكن البيان ms033 ~~لأرمن المدينة الذين يعرفون بعضهم جيدا، ويستطيعون الوصول إليهم ~~بسهولة، أما الغريب عن المدينة فيصعب عليه ذلك؛ فهم لا يملكون مركزا ~~أمام أنظار الحكومة التي إن اعتقلت أحدهم، فقد ينتهي أمره في أحد سجون ~~الآستانة أو حلب؛ فالوالي «بحري باشا» قد وضع أعينا كثيرة على السوق ~~بعدما تكررت مشاهد الاغتيالات لبعض الضباط والجنود، وحتى بعض ~~الأثرياء الذين يرفضون دفع الإتاوة للثوار. ~~- أرتين يبدو أن بقاءنا هنا سيطول، وأن الانضمام إليهم ليس بالسهولة ~~التي كنا نتوقعها؛ لذا أقترح أن تحاول أنت الوصول إليهم بأي طريقة ~~كانت وتتفرغ لذلك، أما أنا وغريغور فنبحث عن عمل يعيننا على ~~البقاء. ~~- بانوس: محق يا أرتين. # أومأ أرتين برأسه موافقا وربت على كتف بانوس مبتسما، ثم وجه ~~نظره نحو السوق الذي كان يعج بالمارة، تأمل الوجوه، ثم قال بصوت ~~مسموع: يا ترى من من هؤلاء سيوصلنا إليهم؟ ~~- أنت. ~~- أنا؟! لكنني لست منهم؟ ~~- يجب أن تكون لنصل. # تفاجأ أرتين من عمق إجابة بانوس، فالتفت إلى غريغور: ألم أقل لك في ~~القرية إننا سنكون بحاجة إلى أفكاره كثيرا. ~~- وأي فكرة عظيمة هذه؟ كيف ستكون منهم، أخبرني؟ # هل ستتزوج من إحدى بناتهم لتكون منهم؟ إنك تبالغ في مدحه يا ~~أرتين. ~~- يا لك من أحمق يا غريغور! أنا قصدت أن يخالطهم، يجلس في المقهى، ~~يحاول الاقتراب من أرمن المدينة، يكسب ودهم وثقتهم فيكشفون له ~~الأسرار التي توصلنا إلى الثوار. # تنحنح غريغور وهو يحك فروة رأسه بأصابعه الأربعة، وشعر أنه أحمق ~~بالفعل، فأراد أن يغير مجرى الحديث. ~~- ألا تشعرون بالجوع؟ # ابتسم أرتين بوجه بانوس. ~~- هيا بنا. ~~••• # في أحد الأيام، وبينما أرتين كان جالسا في المقهى قرب الخان، ~~منشغلا في تفكير عميق وقد تخلل اليأس إلى جوفه، وبدأ يفكر بالعودة ~~إلى القرية؛ لأن البقاء في المدينة بات لا يجدي نفعا، وأرمن مدينة ~~وان حذرون جدا مع الغرباء حتى لو كانوا أرمنا مثلهم، ولا يخوضون في ~~أحاديثهم عن الثوار وعملياتهم ضد العثمانيين ولا يتناقشون حول البيانات ~~التي تصدر منهم وتعلق على الجدران في ms034 الليل، الخوف يتملك الجميع ~~والكل هنا يبعد الشبهات عن نفسه؛ فالأعين التي وضعها الوالي كثيرة، ~~ومصير من يؤيدهم مجهول، والناس هنا لا يأبهون كثيرا بما ينوي به ~~أرتين ومن أجله ترك أهله وقريته، وفي خضم هذه الأفكار سمع أصوات ~~أشخاص يصيحون: «افتحوا الطريق، إنه موكب الوالي! افتحوا الطريق! هييه، ~~أنت صاحب العربة، تنح جانبا، هيا افتحوا الطريق.» # توجه أرتين صوب مكان تجمع الناس ليلقي نظرة على موكب الوالي ~~كما يفعل الحاضرون؛ فعلى الرغم من ذهابه مع أبيه المختار تلمكيان ~~لزيارة الوالي عدة مرات، لكن لم يكن يسمح له بمقابلته، فكان لديه فضول ~~كبير لرؤية هذا الشخص الذي يبجله ويحترمه المختار كثيرا. # كان الجنود يحيطون بموكب الوالي؛ أربعة جنود من المشاة على طرفي ~~العربة التي تقل الوالي، وفارسان على صهوة جواديهما أمام العربة، ~~واثنان آخران خلفها .. كان الوالي «بحري باشا» ذو اللحية البيضاء ~~والشارب الطويل المعقوف النهايتين جالسا على مقعده في منتصف العربة، ~~وقد لبس رداء أسود مزخرفا بخيوط ذهبية، وعلى رأسه «طربوش» أسود ~~مزخرف أيضا، وقد وضع يده اليمنى على اليسرى متكئا على عكازه. # وأثناء مرور العربة من أمام أرتين كان الوالي يطلق ابتسامات صغيرة ~~للناس ويشير إليهم بيده وهم يهتفون باسمه وباسم السلطان، لكن فجأة ~~سمع صوت طلقة نارية ثم أعقبها صوت آخر، وآخر، فردت حماية الوالي ~~على المهاجمين، وتطايرت الطلقات من كل مكان. أخفض الجميع رءوسهم وهربوا ~~باتجاهات مختلفة، حاول أرتين الهرب نحو الزقاق الذي يوصله إلى الخان من ~~الباب الخلفي، لكنه انتبه إلى سطح أحد الدكاكين فرأى شخصا ملثما ~~بكوفية يحمل مسدسا، أطلق رصاصة ثم اختفى. شعر أرتين أن تلك فرصته ~~الأخيرة للوصول إلى الثوار، لحق به إلى الزقاق الخلفي للدكاكين، فرأى ~~الملثم نفسه يريد ركوب حصانه. أسرع أرتين خطاه وقفز خلفه فوق ~~الحصان: انطلق، أنا معكم في العملية. # فانطلق كالبرق بين الأزقة والأفرع الضيقة التي بدا أنه يعرفها ~~جيدا حتى وصلا خارج المدينة، فسأله أرتين: هل تمت العملية ~~بنجاح؟ ~~- لقد رأيت الوالي يسقط من العربة، أظن ms035 أن أحدنا قد أصابه. ~~- لكن ما الفائدة من قتل الوالي؟ ~~- إنها أوامر القيادة ، لا أعرف السبب، علي تنفيذ المهمة ~~فقط. # ثم فجأة أوقف الحصان وقفز إلى الأرض، وأوقع أرتين من على الحصان ~~وانقض عليه. ~~- كيف تقول لي أنا معكم في العملية وأنت لا تعلم أنها أوامر القيادة؟ ~~هيا تكلم، من أنت؟! ~~- فك خناقي .. دعني أوضح لك. # أنا أرمني مؤيد لكم وأريد الانضمام إليكم، تركت قريتنا منذ شهر ~~وأتيت إلى «وان» من أجل ذلك، لكنني لا أعرف أحدا يدلني إليكم، صدقني ~~أرجوك! # حاول أرتين كسب ثقته، فتكلم معه بالأرمنية، وأقسم بالرب أنه صادق ~~فيما يدعي. ~~- حسنا سآخذك إلى القائد لينظر في أمرك، لا وقت لدينا للنقاش، هيا ~~ننطلق. # مضيا كالبرق باتجاه الشرق حتى بلغا مشارف بلدة «أرجاك»، فنزع اللثام ~~عن وجهه وخفف من سرعة الحصان إلى أن وصلا أحد البيوت التي تقع على ~~أطراف البلدة. خرج مجموعة من الشبان أمامه وهم متشوقون لسماع الأخبار ~~المفرحة. ~~- هل نجحت المهمة؟ ~~- رأيت الوالي يسقط من عربته أرضا، لقد أصيب بطلقة نارية، لكنني ~~لست متأكدا من مقتله. # استبشر الجميع بأنه قتل، وبدا على وجوههم الفرح. ~~- وأين البقية الذين كانوا معك، ومن هذا الغريب؟ ~~- لا أدري أين هم، أنتم تعرفون منهجنا في مثل هذه العمليات نهاجم ~~بمفردنا ونهرب بمفردنا، لكن هدف الجميع واحد، أما هذا الأرمني فخذوه ~~إلى غرفة الضيافة وأنا سأخبركم بأمره بعد ذلك، دعوني أقابل ~~القائد. # أخذه اثنان منهم إلى غرفة صغيرة خلف الدار لا تبدو أنها غرفة ~~ضيافة، غرفة مظلمة فيها فانوس صغير معلق خلف الباب والكثير من الحطب ~~المقطع والمكدس فوق بعضه البعض في الزاوية البعيدة، وضعاه فيها ~~وأغلقا الباب عليه، استغرب أرتين من تصرفاتهم الغريبة معه، شعر ~~بالفرح المشوب بالخوف، فرح الوصول إليهم أخيرا والخوف من عدم ~~تصديقهم له. # بعد قرابة نصف ساعة وضع أحدهم أمامه خوانا فيه خبز وحساء العدس ~~وجرة ماء، ثم خرج وأغلق الباب. رفع أرتين الجرة على رأسه حتى ارتوى، ~~ثم أسند ظهره إلى الحائط فأغمض عينيه ms036 وصلى للرب بأن يصدقوه. # بعدها فتح الباب فجأة، فإذا برجل طويل القامة ضخم الجثة عريض ~~المنكبين دخل الغرفة وخلفه الملثم الذي هرب أرتين معه من وان، جلسا ~~بالقرب منه، كانت ملامح الرجل قاسية وعيناه ثاقبتين ترى فيهما الشدة ~~والغلظة دون أن ينطق بحرف. # دب الخوف في قلب أرتين وشعر أنه في ورطة حقيقية، ثم بدأ الرجل ~~بالكلام: لقد أخبرني «ديكران» عن الذي حصل بينكما، والآن أخبرني عنك ~~ابن من أنت؟ ومن أي قرية؟ ~~- أنا من قرية «أنجرلك»، وأبي مختارها «تلمكيان». ~~- تلمكيان والدك لديه علاقة طيبة مع الوالي! ~~- أوتعرفه؟ ~~- نحن نعرف الجميع هنا. ~~- أبي يتنازل ويتقرب من الوالي لأجل أبناء قريته، للحفاظ على ~~حياتهم من هجمات عصابات الحيدرانلي، وأنا تركت القرية لأجل الانضمام ~~إليكم، في النهاية كلنا نريد حماية أبناء جلدتنا من الأرمن. # انتصب واقفا وأدار ظهره على أرتين، وخطا بخطوات بطيئة نحو الحائط ~~المقابل، كان يبدو عليه أنه يفكر بشيء ما، وهو يمسح لحيته ويحكها ~~بأصابعه، ظل صامتا على هذا الحال والكل يترقب ما ينجم عن هذا الصمت ~~المخيف، ثم أدار وجهه وقال: حسنا، سأرسلك غدا مع بعض رجالنا إلى ~~«تبريز» لتهريب الأسلحة منها إلى مدينة وان. إن نجحت في إيصال الأسلحة ~~إلى الثوار داخل المدينة فستنضم إلينا، وإن فشلت .. فستعود إلى قريتك، ~~فما رأيك في هذا العرض؟ ~~- موافق لكن لدي صديقان قد بقيا في «وان» ولا يعرفان عني شيئا، ~~هل تسمح لي أن أذهب إليهما وأطمئنهما عني ثم أعود ونذهب إلى تبريز، ~~أخشى أن يخبرا والدي وتعج القرية بالخبر، لا أريدهم أن يقلقوا ~~علي. ~~- لن تذهب إلى «وان»، سنرسل إلى صديقيك من يطمئنهما عنك، فقط أعط ~~عنوانهما إلى «ديكران»، وهو سوف يتولى الأمر، أما أنت فتجهز للسفر ~~غدا. # وضع رأسه على الوسادة وبدأ يرحل بتفكيره بعيدا إلى تبريز ورؤية ~~الأسلحة والمهمة الأولى له في مسيرته النضالية، كان شعورا لا يمكن ~~وصفه بعدما يئس من الوصول إليهم، وكاد أن يعود إلى القرية حاملا ذيول ~~الخيبة .. تأمل سقف الغرفة والابتسامة تعلو ms037 جبهته منذ خروجهما وقال ~~في نفسه: ليت المجنون غريغور والمتردد بانوس كانا معي في هذه المهمة ~~لقضينا الطريق في المزاح والضحك ولم نشعر بالتعب. ~~••• # امتطوا الأحصنة وتوجهوا باتجاه الشمس عندما تكون في كبد السماء، ~~مضوا قرابة الساعة على طريق «طرابزون-إيران» الذي يمر من وان أيضا، ~~بعدها حادوا عن الطريق وتوجهوا صوب جبل «أرارات» الذي يفصل بين الدولة ~~العثمانية وإيران (بلاد فارس)؛ الجبل الذي استقرت على قمته سفينة ~~نبي الله نوح، كما جاء في أول سفر من «أسفار العهد القديم». # كانت الطرق متعرجة، والوديان عميقة تغطيها الأشجار، وصوت خرير ~~المياه العذبة يملأ المكان، توقفوا على حافة الوادي. انتبه أرتين إلى ~~قائد المهمة كان يتفحص المكان وكأنه يبحث عن شيء لم يعرفه، ثم جر ~~لجام فرسه مبتعدا، وقال: اتبعاني. # عند أسفل الوادي قرروا أخذ استراحة بسيطة لتناول الغداء تحت ظل ~~أشجار الجوز الكثيفة. كان أرتين مستمتعا في تلك الرحلة وكأنه يعيش في ~~حلم لطالما تمنى أن يتحقق، لكن الغريب في الأمر أن الرجلين اللذين ~~معه كانا قليلي الكلام ولا يتكلمان إلا للضرورة، ولم يسمع منهما غير: ~~«سنسلك هذا الطريق»، «من هنا تستطيع الذهاب شمالا حيث يأخذك إلى ~~مدينة يريفان»، «الطريق وعر على سفح الجبل، كن حذرا عندما نصل ~~هناك». # لم يتكلما إلا عن الطرق، وإلى أين يؤدي كل واحد منها، وخطورة كل ~~طريق .. وبينما هم على غفلة من أسلحتهم حاصرتهم مجموعة من الجنود، ~~صاح القائد: العثمانيون! # وقبل أن يخرج مسدسه من خصره ضربه أحد الجنود بكعب بندقيته على ~~قفاه فسقط مغشيا عليه، حاول أرتين الهرب، فصاح أحد الجنود: توقف ~~وإلا أطلقت النار عليك! # قيدوا أيديهم وفتشوا عن أسلحة بحوزتهم، وربطوا الأحصنة مع بعضها ~~البعض بحبل طويل، ثم حملوا قائد المهمة ووضعوه فوق الحصان مستلقيا على ~~بطنه. # كانت الحادثة أكبر صدمة لأرتين في حياته، بقي مذهولا بالذي حدث، في ~~لحظة واحدة انقلب كل شيء رأسا على عقب! تساءل كيف حصل كل هذا في ~~غفلة منهم؟! وكيف لهم ألا يستطلعوا الطريق قبل إرسالنا في ms038 هذه المهمة! ~~همس في أذن صديقه الذي كان يردفه على الحصان: ألم يستطلعوا الطريق قبل ~~خروجنا؟ ~~- لا أعتقد ذلك؛ لأن هذا الطريق من آمن طرقنا إلى تبريز .. سنوات ~~عديدة نمر من هنا ولم نصادف يوما دورية واحدة! ~~- لكن كيف حصل ذلك؟! ~~- لربما بعد عملية البارحة على الوالي قد أتوا بعساكر إضافيين من ~~البلدات الأخرى بغية البحث عن المنفذين. # كفوا عن الكلام! صاح أحد الجنود. # بعدها وصلوا إلى قرية صغيرة على سفح الجبل من الجهة البعيدة عن ~~المكان الذي تم إلقاء القبض عليهم فيه، أدخلوهم أحد البيوت هناك، كان ~~لا يبدو عليه مركزا للجيش العثماني. فكر أرتين في الأمر وقال: لربما ~~لا يريدون كشف مكانهم في هذه القرية النائية؛ فالمهربون والعصابات ~~العشائرية تكثر في مثل هذه المناطق. وضعوهم في غرفة صغيرة وأغلقوا ~~الباب الحديدي عليهم. # كانت الغرفة باردة ومظلمة، فيها نافذة علوية صغيرة ورائحة رطوبة ~~ثقيلة تملأ المكان، كتابات قديمة على الجدران تدل على ذكريات أليمة ~~لمن كان فيها. بعدها فتح الباب فجأة، دخل أحدهم وهو يحمل دلو ماء ~~بارد سكبه على وجه قائد المهمة، فصحا من غيبوبته وهو يشهق، ثم سحبه من ~~يديه إلى الغرفة المجاورة. # كان صدى صراخه تحت التعذيب يرج في قلب أرتين ويدب الرعب فيه. ~~تسلل الخوف إلى كل أرجاء جسده وبدأ يرتجف ويشهق من شدة الارتجاف، انتبه ~~إلى صديقه فرآه ينظر إليه بنظرات تملؤها الثقة، فخجل من نفسه أرتين ~~وأراد أن يستدرك الموقف: البرد قارس هنا. # هز رأسه وأشاح بوجهه عن أرتين الذي كان يحاول بث الشجاعة في ~~نفسه: «مهما يكن فلن أعترف بشيء، إن اعترفت بمكانهم فسوف يخسر الأرمن ~~من يدافعون عنهم، وأحمل عار هذه الخسارة طوال حياتي.» # وفي خضم التحضير الذهني للتعذيب دفع الباب مرة أخرى ورمي ~~القائد إلى الغرفة وانقض على أرتين اثنان منهم وأخذوه إلى غرفة ~~التعذيب حتى إنه لم يستطع الاطمئنان على القائد. نزعوا قميصه ثم ~~قيدوا قدميه ويديه بسلاسل حديدية مثبتة على الحائط، حتى شل عن ~~الحركة، وقبل أن يسألوه ms039 شيئا بدأ حامل السوط بالضرب على بطنه وصدره، ~~كلما زاد الجلاد قوته في كل ضربة ارتفع صراخ أرتين أكثر فأكثر وكأن ~~الصراخ هو المنفذ الوحيد للألم. تدلى رأسه للأسفل من شدة التعذيب، ~~فانتبه إلى آثار السياط على جسده الأبيض؛ خطوط مستقيمة حمراء داكنة ~~كأنها أعواد خيزران منثورة على الأرض. # | الفصل الثامن # القدس - فلسطين 1943م # إنها حرب باردة يا أبا خالد، اليهود يحاولون شراء الأراضي بشتى ~~الطرق، واليوم لا يمتلكون القوة الكافية ليجبروا الفلاحين على بيع ~~أراضيهم ومزارعهم، ولا ندري غدا ما سيحصل إن امتلكوا القوة والهيمنة، ~~وها هي ألمانيا تجبر اليهود على الهجرة من أراضيها، وهؤلاء فيهم من ~~الأغنياء أصحاب الثروات الكبيرة، وفيهم الفنيون والصانعون وغيرهم ~~الكثير، وجميعهم تحاول الحركة الصهيونية جلبهم إلى فلسطين أرض ~~الميعاد كما يسمونها، وبذلك يزداد خطرهم أكثر فأكثر، وها هم يسيطرون ~~شيئا فشيئا على القطاع المصرفي والاستثمارات الصناعية في البلاد، ~~حتى أصبحت لهم أياد طويلة في السوق. إنهم ينتشرون بيننا كالورم ~~الخبيث، ونحن لا نفعل شيئا لنستأصلها .. هز رأسه متحسفا. # ظل أبو خالد ينصت جيدا إلى كلام أبي هشام الذي كان يسرد تفاصيل ~~دقيقة للأوضاع المتأزمة في البلاد، ودب في قلبه خوف شديد، ومع ذلك ~~كان يشعر بالطمأنينة لأنه سيبيع أرضه إلى رجل يحمل هم البلد ويقف ~~سدا منيعا أمام الأطماع اليهودية على قدر استطاعته. ~~- أبو هشام: إن كلامك هذا على خطورته الكبيرة يبعث في نفس من يبيعك ~~أرضه الطمأنينة، وما حميتك هذه إلا دليل حرص منك، وقد سمعنا ~~تجارا يشترون ممن يرفضون البيع لليهود بأسعار زهيدة مستغلين ~~حاجتهم الماسة، ثم يبيعون تلك الأراضي لليهود بأضعاف ذلك، أنت ومن ~~مثلك امتلكتم ثقة الناس، وهذا والله لشرف كبير لأي رجل وطني يحب أهله ~~وأرضه. ~~- هذا واجب يتحتم علينا يا أبا خالد، ولا منة لنا به على أحد، ~~لكن أخبرني لماذا تريد بيع أرضك؟ إن كنت في حاجة قضيتها لك. ~~- بارك الله لك في مالك، هي أرض متروكة منذ زمن انشغلنا عنها في ~~تجارة الأحجار الكلسية علها ms040 تستر الحال، لكن المال في يد الناس ~~قليل، والديون تراكمت على زبائني، وأنا أخجل من أن أطالب أحدا في هذه ~~الظروف الصعبة التي نمر بها. # تنحنح أبو هشام وصب فنجان قهوة ثانية لأبي خالد، وقال: رحم الله ~~جدي سالم، كان يقول إن الأراضي كانت تدار على نظام المشاع في ~~القرى، ولم يكن هناك بيع وشراء، إنما تقسم بين الأهالي بالتراضي حتى ~~أصدر الباب العالي للحكومة العثمانية فرمانا بتمليكها وتسجيلها عند ~~الحكومة بغية معرفة كمية الأراضي المزروعة وتنظيم خراجها، واحتساب ~~كفاية الدولة لمحاصيلها، ومنذ ذلك اليوم بدأت مشاكل الأراضي الزراعية؛ ~~وبسبب جهل الفلاحين بالنظام الجديد حينها تم تسجيل آلاف الدونمات ~~الزراعية بأسماء الموظفين المتنفذين في الدولة، عندها تحول الفلاح من ~~مزارع يملك أرضه بنظام المشاع ويجني المحصود لنفسه إلى عامل في أرضه ~~لا يكاد يجد قوت يومه! وتسببت تبعات ذلك الفرمان بعد عقود من الزمن ~~في ازدياد هجرة الفلاحين للمدن. # هز أبو خالد رأسه مؤيدا وقال: رحم الله أجدادنا، كانت أيامهم ~~أيام خير وبركة. ~~••• # كانت أصوات زغاريد النساء تصدح عاليا في ذلك المساء الربيعي الهادئ، ~~إنها ليلة الحناء لابنة خالة حسن، كانت أم هشام وأم أحمد زوجة حلاق ~~الحارة ومعهما أخريات من أهل العريس يحملن الحناء ويرقصن حول ~~العروس، ثم يقمن بلطخه على يد العروس ورجليها وجبينها، ومن ثم يوزعن ~~ما تبقى منه على النساء .. وليلة الحناء كانت بمثابة حفل زفاف ~~العروس بحضور صديقاتها، ورسم الحناء على اليدين والجبين هو بمثابة ~~إعلان أن الفتاة انتقلت إلى بيت عريسها. # كان يقع على عاتق حسن وأخيه خالد توفير جميع متطلبات النساء من ~~خارج البيت من كاسات وملاعق وأطباق وصوان إضافية من بيتهم أو بيت ~~الجيران، وتحضير المعجنات من فرن الحي وإحضار كل ما يحتاجونه عند ~~باب بيت خالته، فتخرج أم خالد أو سكينة لتأخذها إلى الداخل، كانت ليلة ~~شاقة لحسن الذي جلس عند الباب يتذمر ويقول: هم يفرحون ويمرحون في ~~الداخل، ونحن نركض لخدمتهم، فليقم بذلك أقرباء العريس، ما لي ولهم؛ ~~لقد أنهكتني ms041 طلباتهم الكثيرة. ~~- كفاك تتمتم وتتذمر، غدا ستتزوج أنت أيضا، وسيفعل لك يومها ~~ما تفعله الآن وأكثر، ومن ثم هل تريد أن يقوم بهذا شخص غريب فتخرج ~~إليه أختك وهي قد تزينت وتعطرت! # احمر وجه حسن وقال بصوت منخفض بالكاد سمعه خالد: لم أقصد هذا، ~~لكنني تعبت ليس إلا. # أدار حسن وجهه عن أخيه ونظر نحو الجهة الأخرى من الحارة الضيقة ~~المتعرجة وانتبه إلى ظل امرأة وفتاة سافرتين كانتا مقبلتين تجاههما ~~من أقصى الحارة، كانت الإضاءة الخارجية للأزقة لا تظهر ملامحهما ~~جيدا، وعند اقترابهما تسمر حسن واقفا وكأنه صعق مما رأى .. سألت ~~المرأة حسن: العرس هنا؟ ~~- نعم. # طرقت الباب، وكانت الفتاة تنظر إليه بأطراف عينيها خلسة عن أمها ~~حتى خرجت سكينة واستقبلتهما وتبادلت القبلات مع الفتاة ثم ~~أدخلتهما. # ابتهج حسن فرحا وهو يقول لنفسه إنها هي، والذي آمنت به بنو إسرائيل ~~هي، لم يصدق الذي حصل، إنها صديقة أخته سكينة، أية هبة من السماء ~~هذه، وأية فرحة سرت فيه وهو يسمع النساء يرددن الأهازيج على وقع ~~الطبلة، ويغنين: # سبل عيونه ومد يده .. يحنونه # خصره رقيق وبالمنديل .. يلفونه # سبل عيونه ومد يده على راسي # خصره رقيق وودعني ومش ناسي. # فقام حسن يرقص على أصوات الأهازيج ويصفق من شدة الفرح، ويتخيل ~~المقصودة بالأغنية هي تلك الفتاة، ويتم تجهيزها له في الداخل، وخالد ~~يهز رأسه يائسا ويقول: أعانني الله على هذا الأخ المجنون، قبل قليل ~~كان يتذمر من التعب، والآن يرقص ويصفق، اللهم ثبت علينا العقل ~~والدين. # لم ينم حسن تلك الليلة حتى عرف من سكينة أن اسمها أنوشكا، وعمرها ~~سبعة عشر عاما، لكنه استغرب من اسم أبيها «أرتين». قال حسن مندهشا: ~~أرتين العجوز لديه بنت في السابعة عشرة من العمر! # ردت سكينة: نعم وهي ابنته الوحيدة؛ لأن أباها تزوج وهو على مشارف ~~الخمسين من عمره، إن شئت أخبرتها أنك تحبها ومغرم بها ولا تنام الليل ~~من شدة التفكير بها. # قال حسن وهو يحرك حاجبيه ويبتسم ابتسامة هازئة: ليس وقت مزاحك ~~الثقيل هذا، واحذري ms042 أن تخبري أحدا في البيت عنها! # كان حسن يلوح بسبابته وكأنه يهددها. ~~- اطمئن ، لن أخبر أحدا، لكن لا تنس شرطنا، أنا أعطيتك معلومات ~~عنها مقابل أن تأخذني للسوق وتطعمني كنافة نابلسية من مصروفك، ثم ~~نزور الأقصى سويا ونعود. # هز حسن رأسه موافقا .. وتوجه إلى غرفته، ارتمى على سريره وبدأ ~~يكرر في داخله اسمها الغريب؛ أنوشكا، أنوشكا، أنوشكا، يا له من اسم ~~غريب! يا ترى ماذا تعني أنوشكا؟! ظل صامتا يعصر ذهنه ليخرج جوابا ~~لشيء لا يعلمه، وانتهى إلى أنه بالتأكيد معنى جميل كجمال وجهها ~~الملائكي، ثم تذكر أن والدها أرتين ذلك العجوز الأخرق الذي لا يعجبه ~~شيء، فشعر بالخوف المشوب بالفرح. ~~••• # في تلك الفترة كان هشام يتغيب عن مكانهما المعتاد تحت الشجرة ~~المعمرة عند باب المغاربة، وكان حسن يقضي أوقاته هناك وحيدا غالب ~~الأحيان، وعند مجيء هشام لا يسأله عن غيابه المتكرر لأنه يعلم أين ~~يذهب وبمن يلتقي، والحديث عما يقدم عليه هشام يجلب له شعورا سيئا؛ ~~فهو غير قادر على أن يخطو خطى هشام وينضم للمقاومة؛ لأنه يخشى صوت ~~البنادق والقنابل حيث يسبب له رجفة مستمرة تفقده السيطرة على ~~نفسه، إضافة إلى بنيته الجسمانية الضعيفة التي لا تتحمل التدريبات ~~الشاقة، فكيف به في ساحات القتال؟ الأمر الذي جعله يخبر الأستاذ محمود ~~الخطيب عن شعوره السيئ هذا تجاه نفسه في هذه المسألة، عله يجيب بما ~~يخفف عنه ويزيح بعضا مما أثقل كاهله. # عندما سمع الأستاذ محمود الخطيب، حسن، ورأى شدة تأثره بذلك، ربت ~~على كتفه ومسح على رأسه وأعطاه ابتسامة صغيرة: اسمعني يا بني ليس ~~شرطا أن يقاتل الجميع ويكونوا مع المقاومة في ساحات القتال أو في ~~تنفيذ عملياتهم ضد المحتلين وأعوانهم الصهاينة، مجرد أنك تحمل هذا ~~الشعور تجاه القضية فهو كاف لأن يرتاح ضميرك، واعلم أن الله يقول في ~~كتابه: # وما كان المؤمنون لينفروا كافة ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~. فلو خرج ~~جميع من يستطيعون حمل السلاح ms043 للقتال، من سيدرس الطلبة في ~~المدارس؟ ومن سيعالج المرضى في المستشفيات؟ من سيزرع الأرض ويسد حاجة ~~الناس؟ من ومن ومن؟ ستتوقف الحياة إذا فكرنا بهذه الطريقة، ~~والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: «كل ميسر لما خلق له.» ~~وأنت لم تخلق لتقاتل .. جد واجتهد في دراستك علك تكون طبيبا ~~تنقذ أرواح الناس أو تكون مدرسا مثلي تزرع في نفوس الأجيال القادمة ~~هذه القيم والمشاعر الأصيلة التي تحملها، فاطمئن يا ولدي وطب ~~خاطرا. # | الفصل التاسع # معسكر داخاو - ألمانيا 1939م ~~«ها هو اليوم الحادي عشر ينتهي في المعسكر، العمل منهك ~~جدا، هنا نحن نحمل القطع الحديدية الثقيلة ونقترب كثيرا ~~من أفران صهر الحديد وتسخينه إلى درجات حرارة عالية حتى يسهل ~~تشكيله من جديد، قبل عدة أيام احترق باطن يد أحد المعتقلين ~~بالكامل؛ لأنه حمل قطعة ساخنة وهو لا يدري، فتم معاقبته ~~بتركه يصرخ من شدة الألم ولم يحصل على الإسعافات الأولية؛ لأنه ~~تصرف من تلقاء نفسه دون الرجوع إليهم، نظرت إلى لون شارته ~~المثلثة فرأيته أسود «إنه من الغجر»، لا أدري لماذا ~~تستهويني هذه الألوان، هل لو كان اللون أصفر لمالت إليه عاطفتي ~~أكثر من كونه أسود، أم إنني كنت في موضع لا فرق فيه بين ~~يهودي وغيره، مما جعلني أفقد شعور الألم تجاه أخي اليهودي ~~وأتألم للجميع بنفس المستوى؟! لا أدري؛ فالكل هنا يقاسون ~~العذاب بمقياس واحد.» # كان مايكل يحاول كتابة بعض المذكرات اليومية بعد عودته ليلا إلى ~~الثكنة لعلها تخفف عنه بعضا من قسوة ما يعيشه في المعسكر؛ فالكتابة ~~تريح الأعصاب كدموع العين التي تخدر الألم، وقد حصل على قلم وورقة ~~بعدما نسيهما أحد المراقبين الألمان على بدن إحدى الآلات ~~الكبيرة. # كان العمل الشاق يبدأ من الساعة السادسة فجرا دون توقف حتى ~~الثانية عشرة ظهرا، حيث فترة استراحة الغداء الذي كان عادة من حساء ~~البازيلا، عشر حبات من البازيلا فقط لكل معتقل مع قطعة خبز صغيرة، ~~هذه قيمة الكابونة الواحدة، كان المساجين يلتهمون الخبز التهاما ~~وأصوات الملاعق كأنها في معركة طاحنة ms044 بالسيوف. # كان ألم الجوع في أول الأيام يؤثر كثيرا في مايكل؛ فالهم المشترك ~~بين الجميع في المعسكر هو الرغبة في الطعام؛ لأنها الغريزة البدائية ~~التي تتمركز حولها حياة الإنسان؛ فكان الحديث عن الأطباق الشهية ~~والوعود بينهم إن حصل وخرجوا من هذا الجحيم أن يقيموا وليمة فيها ما ~~لذ وطاب، ويدعون إليها كل من ذاق مرارة المعسكرات وسوء التغذية؛ ~~أحلام وأمنيات كانوا يتكئون عليها بغية التخفيف على أنفسهم، لكن مايكل ~~كان يحمل هما آخر؛ الخوف على مصير أمه وسارة وديفيد، مجرد ~~التفكير في حالهم يؤرقه كثيرا، يخشى أنهم تعرضوا لاعتداء أو حتى ~~اعتقال كما حصل له، نادى بيتر من مضجعه. ~~- ما بك يا مايكل، هون عليك، كفاك تسرح في تفكيرك خارج أسوار ~~المعسكر، لم يبق شيء في حياتنا يستحق التفكير، سنغادرها قريبا، هيا ~~أقبل نجلس قليلا. # أطرق مايكل وفي وجهه ابتسامة صفراء وهو يقبل نحوه: أنا لا أفكر ~~بنفسي، بل بأهلي الذين تركتهم خلفي. ~~- دع التفكير جانبا، فلا يمكن الخروج من هنا إلا لسببين. ~~- وما هما؟! ~~- إخراج جثمانك إلى المقبرة أو الانتقال إلى معسكر آخر. # فلا تحلم بغيرهما؛ لذلك اعتبر نفسك ميتا، وعش أيامك الأخيرة دون ~~مبالاة. # نظر مايكل في وجهه متحسرا: لا مبالاة؟! كأنك وهنت يا بيتر ~~وتمكنوا منك. ~~- هيه، لا يمكن لأحد على وجه الأرض أن يتمكن من بيتر. ~~- دعك من هذا وقل لي، ما رأيك بالموت؟ ~~- ما بك يا مايكل، هل تفكر في الانتحار، لم يمض على قدومك الكثير، ~~أنا الذي وهنت أم أنت؟! ~~- السؤال لا يعبر عن النية، بل مجرد أريد أن أعرف رأيك ~~به. ~~- الموت يختلف الرأي عنه حسب الأجواء؛ فالموت هنا هي حياة بحد ذاتها، ~~والموت بين أهلك وأحبابك هو الموت الحقيقي كما ينظر إليه البشر. ~~- لا، بل أسألك عن الموت بعيدا عن الأجواء. # صمت هنيهة وهو يفكر، ثم نظر على امتداد الأسرة الخشبية صوب ~~الباب. ~~- الموت ليس بالضرورة نهاية كل شيء، لربما يكون البداية الحقيقية ~~التي طالما انتظرناها في الحياة، هو كالنوم .. رقود وسكينة. ms045 # ألم تنتبه إلى السكينة في وجوه الموتى؟ يذكر عن اليسوع أنه قصد ~~الرقود بالموت فقال: «تكلم بهذا.»‏ ثم قال لهم:‏ «لعازر ~~صديقنا راقد،‏ لكني ذاهب لأوقظه من النوم.» فقال له ~~التلاميذ:‏ «يا رب،‏ إن كان راقدا فسيتعافى.» غير أن يسوع ~~كان قد تكلم عن موته.‏ وأما هم فظنوا أنه يتكلم عن ~~رقاد النوم.‏ فقال لهم يسوع حينئذ صراحة:‏ «لعازر ~~مات.» ~~- كم نحن بحاجة إلى هذا الرقود يا بيتر! ~~- سنرقد يوما إلى الأبد لا تقلق، يومها سينتهي كل هذا الألم وتصبح ~~هباء وكأننا لم نعشه. ~~••• # في فجر اليوم التالي دوت صفارات الإيقاظ وتعالى صراخ بعض المعتقلين ~~الذين تأخروا عن الاستعداد ليوم بائس جديد، خلال ثوان معدودة ~~اصطف جميع من في الثكنة على امتداد الأسرة. دخل الضابط بزيه ~~النازي الأنيق حاملا بيده اليمنى سوطا أسود مصنوعا من ذيل الحصان ~~ومثبتا بخشب مكسو بمادة مطاطية سوداء، وفي يده اليسرى سجل ~~الأرقام. قرأ الأرقام وكان من بينها 1216 رقم مايكل، ثم وقف جانبا مع ~~من قرئت أرقامهم، وصاح بالبقية: إلى الطابور في الساحة، أما أنتم ~~فابقوا هنا حتى الصباح. # ثم خرج من الثكنة، كان الخبر حينها مفرحا ومخيفا في نفس الوقت؛ ~~فمنذ دخولهم إلى المعسكر كان مايكل يكره هذه الساعة، لكن اليوم لن يكون ~~مع العمال، انتبه إلى شارات الذين بقوا، كانت كلها صفراء، تساءل في ~~نفسه ما الذي يريدونه منا نحن اليهود بالذات، هل جاء أمر بتصفيتنا؟ أم ~~بنقلنا إلى معسكر آخر؟ كما قال بيتر هنا لا يوجد سوى طريقين أمامنا، ~~إما إلى المقبرة أو إلى معسكر آخر. # عندما حل الصباح فتح الباب فجأة، قفز الجميع من أسرتهم المتعفنة ~~التي لم تر نور الشمس مذ دخلوا المعسكر، وقفوا على حالة الاستعداد ~~كالعادة، فدخل أحد ضباط السجن وفي وجهه ابتسامة حقيرة مليئة بالحقد ~~وقال: اليوم يوم سعد لكم أيها الخنازير، هيا اصطفوا خلف بعضكم البعض ~~وتوجهوا نحو الساحة. # تسلل الخوف إلى قلب مايكل عندما سمع كلمة «يوم سعد لكم» هذه الجملة ~~عادة في السجون ms046 تقال لمن ينتظره يوم لن ينساه في حياته، تعذيب من نوع ~~آخر لربما، لكن خاصة لليهود دون غيرهم، قال في نفسه: كنت متأكدا أن ~~هنالك نوعا من الحقد الخاص تجاهنا نحن اليهود، حتى وإن اقتنعت ببعض ~~كلام روبرت حول عدم تفرقتهم بين اليهود وغيرهم من المعتقلين. مروا من ~~الساحة كلها وهو غارق في التفكير وبمصيرهم المجهول الذي يتغير من لحظة ~~إلى لحظة. # وقف السير أمام إحدى الثكنات التي تبدو أنها خاصة بضباط المعسكر، نظر ~~يمينا فرأى مجموعات أخرى يتم سوقها تجاههم، الكل يحمل في صدره ~~مثلثا أصفر اللون، كانت الغرفة التي دخلها مايكل مع من كانوا معه ~~مختلفة تماما عن ثكنتهم المتعفنة والكئيبة والمظلمة، النوافذ كبيرة ~~ومشرعة، والهواء نقي مع رائحة ورود خفيفة، وأشعة الشمس قد تسللت بلطف ~~إليها لتسلك طريقا مستقيما من النافذة وقد رسمت على الأرضية شكلا ~~مستطيلا، وطاولة كبيرة في المنتصف عليها الكثير من الأوراق والأقلام ~~المبعثرة ودمى جنود نازية صغيرة صنعت من الحديد، ويجلس خلفها ضابط ~~بملامح هادئة يبدو عليه الترف من تقاسيم وجهه الجميل وشعره الأصفر ~~الممشط نحو اليسار وخلفه على الحائط علم أحمر كبير في وسطه شعار ~~النازية «الصليب المعقوف»، كان منشغلا يقرأ ورقة ما حين دخلوا عليه ~~ولم يعر لوجودهم اهتماما إلى أن تنحنح الحارس وقال: هؤلاء المجموعة ~~الأولى من اليهود كما طلبتم سيدي. # رفع رأسه ونظر إلى وجوههم واحدا تلو الآخر ولم يتكلم بشيء، بعدها ~~قام من مقعده وتوجه نحو النافذة، أطرق نظره نحو الساحة، وقال: إذن ~~أنتم اليهود. ~~- نعم سيدي. # بعدها توجه نحو طاولته وحمل ورقة مكتوبا عليها بعض الكلمات وما ~~بينها فراغات، رفعها بيده اليمنى عاليا من الطرف العلوي للورقة، وقال: ~~هذا صك حياة كل واحد منكم، نحن هنا في معسكر داخاو، كنا مسرورين ~~جدا بتواجدكم معنا، وأعتقد أنتم كذلك بلا شك، لكن اليوم القرار موكل ~~إليكم؛ فلقد جاءتنا أوامر من القيادة العليا أن كل يهودي في المعسكر ~~يوقع تعهدا بترك ألمانيا بغضون ثلاثة أشهر من توقيعه التعهد ~~سيتم الإفراج ms047 عنه، أما الذي يرفض فسيبقى معنا وبالطبع نحن نسعد ببقائه ~~.. قالها مع ابتسامة معروفة السبب بالنسبة للمعتقلين. # عندما سمع مايكل كلمة «الإفراج» خفق قلبه من الفرح وكأنه ولد من ~~جديد، وبدأ شعور غريب بالخلاص يسري إلى كل أرجاء جسده لربما كان يحمل ~~خبر عودة الحياة من جديد إلى كل جزء فيه، قال في نفسه: أية ألمانيا ~~هذه؟ أريد الخلاص من هذا الجحيم فقط لم أصدق أنني سأخرج من المعسكر ~~أبدا، ولم يخطر لي أنهم سيطلقون سراحنا، يا لفرحتي سأرى اليوم أمي ~~وأختي وديفيد. # جلس الضابط خلف مكتبه: من يريد التوقيع على التعهد فليقترب، ~~ومن لا يريد فليخرج إلى الساحة حتى يلتحق بالعمل. # أقبل الجميع على التوقيع؛ فلا يمكن لعاقل أن يمتنع من فرصة الخلاص ~~التي لربما تكون الوحيدة من هذا الجحيم، وقبل أن يكملوا ملء أوراق ~~التعهد والتوقيع عليها، تناهت إلى مسامعهم أصوات نفس العربات التي ~~جاءت بهم إلى هنا تقترب من الثكنة، أكمل الجميع، ثم بعدها تم سوقهم ~~إلى صندوق العربة والابتسامة تعلو شفاه الجميع لأول مرة مع الشعور ~~بالفرح الشديد. # عند العودة نحو ميونخ لم يعصبوا أعينهم ولم يضعوا القيود بأيديهم ~~وحتى لم يمنعوهم من الكلام فيما بينهم، التفت مايكل إلى الجالس بقربه: ~~لم أصدق أننا سنخرج من ذلك المكان إلا إلى المقبرة. # كان الرجل مطأطئ الرأس، يرسم خطوطا مستقيمة على أرضية صندوق العربة ~~الخشبية، رفع بصره إلى مايكل وقال: كنت متأكدا بأننا سنخرج لهذا ~~السبب، متأكد كما أراك. ~~- وكيف لك أن تتأكد؟! ~~- لا تشغل نفسك بالإجابة، المهم أننا خرجنا. ~~- أخبرني، هل أنت ساحر مثلا، هل تعلم الغيب؟ # ابتسم في وجه مايكل: هل ترى في وجهي ما يدل على قولك؟ ~~- لا، لكنك تقول: كنت متأكدا من خروجنا، لا بل من سبب خروجنا أيضا ~~.. كيف عرفت السبب إذن؟ ~~- سأخبرك، لكن عدني بأنه سيبقى سرا؟ ~~- اليوم يوم العهود، نعم أعدك كما وعدتهم بترك هذه ~~البلاد. ~~- حسنا، قبل عدة أعوام كنت أعمل خادما لدى أحد أثرياء اليهود، لا ~~أريد ذكر اسمه، ms048 فهو من الذين لهم علاقات وصلات بمسئولين كبار في ~~الحكومة الألمانية، كان الرجل كريما معي ومعاملته طيبة جدا لي .. في ~~أحد الأيام زاره أحد كبار الضباط النازيين، بالعادة أنا أكون قريبا ~~منهم لألبي طلبات ضيوفه دون تأخير؛ لذا عادة أسمع ما يدور من حديث ~~بينه وبين من يأتون إليه .. جرى في ذلك اليوم حوار حول اليهود في ~~ألمانيا وإمكانية دفعهم للهجرة إلى أرض الميعاد «فلسطين»، والغريب في ~~الأمر أن اليهودي طلب من الضابط ذلك! حينها حاولت الاقتراب أكثر ~~منهما حتى أستمع جيدا لما ينوون فعله، بعدها اقترح على الضابط ~~النازي القيام بزيارة إلى فلسطين على حسابه الخاص هو وزوجته لدراسة ~~كيفية تهجير اليهود إليها. # أصابت مايكل الدهشة مما سمع. ~~- أحقا ما تقول؟! هل تقصد أن بعض اليهود الأثرياء هم أنفسهم من ~~دفعوا النازية إلى طردنا من ألمانيا؟ ~~- هذا ما سمعته من حديثهما. ~~- لكن عندما وقعنا التعهد بترك ألمانيا لم يشترطوا علينا الرحيل ~~إلى فلسطين، كيف تفسر ذلك؟ ~~- الأمر بسيط .. ففي «مؤتمر إيفيان» رفضت جميع الدول الأوروبية ~~استقبال اليهود، عندها سيعرضون علينا السفر إلى فلسطين حيث ينتظرنا ~~الدولة التي ستبنى لأجلنا. ~~- وماذا عن الأموال؟ ~~- بالطبع لا يستطيع اليهودي أخذ كل ماله معه أثناء السفر، لا بد ~~أن يودعه في أحد البنوك الألمانية، عندها لا تجد بلدا يمكنك سحب ~~أموالك فيه إلا البلد الذي يريدونك أن تتوجه إليه، وبذلك سيدفعوننا ~~هناك وستجني ألمانيا أموالا طائلة من هذا، ولذلك أطلق سراحنا. ~~- لكن ما تقوله خطير جدا! أكمل، ماذا حصل بعد ذلك، هل سافروا إلى ~~فلسطين؟ ~~- نعم، بعدها بعدة أيام توجهوا إلى فلسطين وبقوا هنالك شهرا ~~كاملا، وبعد عودتهم وقعوا على ما أسموها «اتفاقية هافارا» لتهجير ~~يهود ألمانيا إلى فلسطين، وكان الاقتراح بأن يتم فك الحصار عن ~~ألمانيا «المفروض من قبل الدول الأوروبية»، على أن يودع اليهودي ~~أمواله في أحد بنوك ألمانيا، ويقوم البنك بشراء الآلات الزراعية ~~والآلات العسكرية والمعدات ويرسلها إلى فلسطين، وهناك يذهب المزارع ~~فيستعيد ثمنها من أحد بنوك فلسطين. ~~- لكن لماذا ms049 تم حرق ممتلكاتنا في ليلة الزجاج المحطم؟ لماذا لم ~~يخبرونا بذلك قبلها، لكنا تركنا لهم ألمانيا وما فيها، لماذا هذه ~~الأعمال إذن؟ ~~- من المنطق أن يقوموا بذلك، كيف يجعلون اليهودي يقتنع بترك بيته ~~وتجارته وحياته الهادئة هنا حتى يرحل إلى بلد آخر لا تجارة فيه ولا ~~حياة سوى المشاكل والمخربين الذين يهاجمون الجنود البريطانيين ~~ويقتلونهم يوميا. # ساد الصمت بينهما .. شعر مايكل أن فرحة الخروج من المعسكر قد فقدت ~~طعمها، كان في حالة صدمة شديدة .. بالرغم من التجربة القاسية التي ~~قضاها في المعسكر إلا أنه توصل إلى حقائق لم يكن يتصورها يوما، ~~لربما كل ذلك العذاب كان ثمن الوعي الذي بلغه وكشف عما يجري حولهم ~~«اليهود ليسوا فقط هم المستهدفين من النازية»، «العرق الآري كذبة ~~للضحك على عقول الألمان بسمو عرقهم من أجل تقبلهم الجرائم ضد ~~بقية الأعراق، أو للاستيلاء على أموال بقية الأعراق»، «هنالك ضباط ~~يهود في المنظومة النازية»، «الغجر وشهود يهوا وغيرهم من الطوائف لا ~~يفرقون شيئا عن اليهود في تعامل النازية معهم»، وأخيرا الصدمة ~~الكبيرة «بعض أصحاب النفوذ والمال من اليهود لديهم أياد كبيرة فيما ~~يلاقيه اليهود المواطنون من قتل وتخريب لممتلكاتهم». # | الفصل العاشر # جبل أرارات - الحدود التركية الروسية 1895م # كان أرتين يرتل بعض الآيات، ويدعو يسوع أن يخلصه من هذا العذاب ~~«لأني أنا الرب إلهك الممسك بيمينك، القائل ~~لك: لا تخف أنا أعينك»، «الرب معين لي فلا أخاف ~~ماذا يصنع بي إنسان»، أعني يا يسوع وخلصني منهم، ما ~~خرجت إلا لأجل المؤمنين بك حقا أدافع عن المظلومين، عن الذين لا ~~يستطيعون الوقوف أمام سيوف الجلادين، خرجت لأجل خلاصهم وأنت المخلص ~~يا يسوع، فخلصني منهم، لا أمل لي سواك، فلا تخيب ظني، وإن كان هذا ~~امتحانا منك فهبني القوة الكافية لتحمله، كن معي ولا تتركني، كن ~~معي ولا تتركني، كن معي ولا تتركني. # مارسوا مع أرتين في تلك الليلة كل أنواع التعذيب، جلد وفلقة، ~~وأغطسوا رأسه في الماء لدقائق حتى كاد أن يموت غرقا، وتنفس الماء ~~بدل الهواء ms050 وشعر أن روحه تخرج من جسده شيئا فشيئا ببطء شديد، ثم فجأة ~~سحب رأسه من الماء ، وشهق شهقة أعادت الروح إليه. # عندما وضعوا رأسه في الماء تذكر أرتين يوم كان مع غريغور وبانوس ~~على شاطئ بحيرة «وان» الزرقاء، يومها تحداه غريغور بالغطس وقال ~~لبانوس: أنت الحكم بيننا، وتعد ببطء من يستطيع البقاء تحت الماء ~~لمدة أطول. بدأ أرتين التحدي، وضع كفه على فمه وأنفه وغطس تحت ~~الماء، بدأ بانوس بالعد، واحد، اثنان، ثلاثة، إلى أن وصل العدد 33 لم ~~يستطع أرتين البقاء أكثر فأخرج رأسه وهو يلهث، ضحك غريغور بصوت ~~عال وهو يقول باستهزاء: ثلاث وثلاثون. # كان يضحك ويعيد الرقم مرة ومرتين وثلاثا. ~~- كفاك ضحكا، هيا أبهرنا أنت أيها الغاطس الماهر! # استنشق غريغور كمية من الهواء وأغلق أنفه بالإبهام والسبابة ونزل ~~تحت الماء، ثم بدأ بانوس بالعد، واحد، اثنان، ثلاثة وصل إلى خمس ~~وعشرين، ثم إلى ثلاثين فاجتاز رقم أرتين ولم يخرج غريغور، فوصل إلى ~~خمسين حتى صاح بانوس: لقد غرق المجنون فلننقذه بسرعة! # أخرجاه إلى الشاطئ، بدا أنه مغشي عليه. # غريغور! غريغور! هل أنت بخير؟ # كان بانوس يضغط على بطنه لعل الماء يخرج من فمه، ركضا صوب ~~الصيادين: أغيثونا، لقد غرق صاحبنا أغيثونا! # فأقبل أحدهم وهو يقول: أين الغريق، أين هو؟ عندما التفتوا إلى ~~الوراء رأوا غريغور يضحك ويضرب بقدميه على الأرض من شدة الضحك ويؤشر ~~عليهما: «لقد خدعتكما، لقد خدعتكما.» # زرع ذلك الموقف البسمة في وجه أرتين ورأسه تحت الماء. # خارت قواه وأغشي عليه، ولم يدر ما حصل له بعدها. ~~••• # عندما فتح عينيه كانت أشعة الشمس قد تسللت من نافذة الغرفة ~~العلوية، خطوط مستقيمة تتراقص فيها ذرات الغبار، وكل ذرة تخرج عن ~~المسار تختفي وكأن طرفي الحزمة هي مقيدات الحياة، حرك ناظريه وقال ~~لنفسه: هذه ليست غرفة التعذيب، إنها الغرفة التي وضعونا فيها ~~البارحة. # حاول الجلوس فلم يستطع، فمجرد الحركة كانت تؤلمه جدا، تساءل ~~بينه وبين نفسه: أين اللذان كانا معي؟! # لا أسمع صراخ تعذيب، إذن ليسا هناك، ms051 أين هما إذن؟ # خطرت في ذهنه أسئلة كثيرة، لكنه كان مشوشا، فلم يستطع فك ~~أحجية اختفائهما فجأة . # اقترب ذف أقدام أحدهم من الباب، وسمعه يقول: «افتح الباب.» جر ~~المزلاج الحديدي ثم دفع الباب، دب الخوف في قلب أرتين من جديد ~~تذكر الليلة الماضية، القيود الحديدية، السوط الأسود، وجه الجلاد ~~المخيف وعضلاته الضخمة، كانت أسوأ ليلة مرت في حياته. اقترب من رجل ~~ضخم الجثة عريض المنكبين، صدم أرتين للوهلة الأولى حتى إنه جلس ولم ~~يشعر بالألم من شدة الصدمة، قال في نفسه: «إنه نفس الرجل الذي أمرني ~~بالمهمة في تلك الليلة!» لم يتمالك نفسه فصرخ بوجهه: أيها الخائن ~~اللعين، وبصق بوجهه. # مسح البصقة من وجهه بكم ردائه وابتسم، ثم ربت على كتف أرتين ~~وقال: لقد نجحت في المهمة. ~~- عن أي مهمة تتحدث؟ أنت عميل للحكومة أيها الخائن! ~~- نحن لسنا عثمانيين، نحن الطاشناق، ومهمتك لم تكن تهريب الأسلحة، ~~بل أردنا التأكد منك، خشينا أنك من رجال الوالي من الأرمن ~~الخونة. ~~- وما الذي حصل باللذين كانا معي؟ وكيف كنتم تعذبون قائد ~~المهمة؟ # ابتسم وربت على كتف أرتين. ~~- لم نعذبه كانت تمثيلية لتخويفك ودب الرعب في قلبك. ~~- لكن لم كل هذه التمثيلية؟ هل تفعلون هذا لكل من ينضم ~~إليكم؟! ~~- لا، بالطبع لا نفعله مع الجميع، لكنك في أخطر فصيل بالحزب وعموده ~~الذي يستقوي به بقية الفصائل، نحن «فصيل الاغتيالات»، لا ينضم إلينا ~~أحد مباشرة إلا بعد أن نتأكد منه مائة في المائة، وبعد أن يقاتل مع ~~الفصائل الأخرى ويحصل على إشادة قادته في الشجاعة والفطنة والبسالة، ~~حينها نضمه إلينا، أما أنت فقد كشفت مكاننا وعرفت بعض الوجوه التي ~~يجب ألا تعرفها، كان بإمكاني إرسالك إلى فصيل آخر، عملهم فقط في قتال ~~العصابات أو نصب الكمائن على دوريات الدرك، لكنني أعجبت بالحركة ~~التي فعلتها يوم عملية اغتيال الوالي، نحن بحاجة إلى رجال من أمثالك ~~لا يهابون الموت، ومع ذلك كان لا بد من اختبارك، وها قد نجحت فيه ~~واجتزته كما توقعت ذلك، والآن يمكنك أن ms052 تكون ضمن فصيلنا، فأهلا بك ~~بيننا. # دهش أرتين للوهلة الأولى من دهائه وتفكيره العسكري، على الرغم من كل ~~آلام صدره وقدميه إلا أن الفرحة كانت تغمره بوصوله إلى أخطر فصيل ~~في الحزب بهذه السرعة، والفرحة الكبرى كانت أنه سيعمل مع أناس ~~يحملون هذا العقل والتدبير. ~~- أرتين ستبقى هنا عدة أيام إلى أن تتعافى ثم تعود إلى «وان»، ~~وبعدها سأرسل اسمك إلى القيادة العليا وأوضح لهم كل الذي جرى في ~~اليومين الماضيين ببرقية، وانتظر الموافقة الرسمية لانضمامك ~~إلينا. ~~- وماذا عن صديقي؟ ألا يمكنك أن تضمهما معي ونعمل كفريق معا تحت ~~إمرتكم؟ ~~- لا، لا يمكنهما الانضمام لفصيل الاغتيالات مباشرة، يجب أن يعملا ~~في فصائل أخرى ويحصلا على إشادة قادتهما، حينها أستطيع إقناع القيادة ~~بضمهما إلينا، لكن في النهاية سنرسلكم إلى يريفان سويا للتدريب، ~~أما الآن فعلي الذهاب؛ فلدي مهام كثيرة يجب أن أقضيها، وأنت ~~انتظر مني الخبر اليقين في وان. ~~••• # قبل حلول الظلام سمع أرتين صوت غريغور قادما من ممر غرف الخان ~~العلوي، فاختبأ خلف الباب بسرعة، دخلا الغرفة وهما يضحكان على ما يبدو ~~لموقف حصل لهما أثناء العمل، وعندما أراد غريغور غلق الباب رأى أرتين ~~أمامه، لم يصدق عينيه فحضنه بقوة مما جعل أرتين يصرخ من شدة الألم ~~فانسحب غريغور متفاجئا. ~~- ما بك يا صديقي؟ ما الذي حصل؟! # خرج بعض الدم من صدر أرتين وبان على ثيابه فبقي غريغور ~~مشدوها. ~~- من فعل بك هكذا؟ هيا تكلم بسرعة! ~~- سأخبركما بكل شيء، لكن قبل ذلك ماذا حصل للوالي، هل قتل في ذلك ~~اليوم؟ ~~- لا لم يقتل، لكنه أصيب إصابة خطيرة، والآن هو طريح ~~الفراش. # ضرب أرتين كفا بكف، وقال متحسرا: إذن المهمة فشلت. ~~- لكن توقف، من هذا الذي جاء وطمأننا عنك ثم رحل سريعا؟ # أخبرهما أرتين بالذي حدث معه منذ لحظة الهجوم على موكب الوالي ولحين ~~عودته إلى وان، وكانت عيناهما مفتوحتين طوال سماعهما القصة من أرتين، ~~وعندما أكمل الحديث بقيا كذلك. ~~- ما بكما اصح يا بانوس، أنت العقل المدبر عندنا، كيف يصيبك ms053 العجب ~~هكذا؟! # حرك بانوس رأسه وكأنه لا يصدق الأمر. ~~- قد فعلوا بك كل هذا من أجل فقط أن يتأكدوا منك! # طبطب غريغور على كتف بانوس: تعلم كيف يفكر الناس، تعلم يا ~~مفكر مجموعتنا. # ثم ابتسم ابتسامة استهزاء وقال: لو عشت ألف سنة فلا تستطيع أن ~~تفكر ربع هذا التفكير. ~~- دعاكم من هذا وأخبراني ماذا حصل بعد الحادثة، ماذا كانت ردة فعل ~~الحكومة؟ ~~- بعد الحادثة مباشرة أعلن منع التجوال في المدينة كلها، وتم ~~تفتيش دكاكين السوق بالكامل، واعتقلوا بعض أصحاب الدكاكين في الزقاق ~~الذي حصل فيه الهجوم، وفي اليوم التالي فتح منع التجوال وزيدت ~~الدوريات في السوق، وبالتأكيد رأيت التشديد على مدخل المدينة. ~~- نعم، رأيت ذلك. ~~- لكن بعدها بيوم واحد كنا في طريقنا إلى الطاحونة التي نعمل فيها ~~أنا وغريغور، رأينا على الطريق قصاصات ورق منثورة على الأزقة، حملت ~~واحدة منها، كان مكتوبا فيها «تبني الثوار لعملية الاغتيال»، وفي ~~أسفل الورقة ختم حزب الاتحاد الثوري الأرمني .. وفي نفس اليوم قامت ~~دوريات من الحكومة بأعمال انتقامية ضد الأرمن؛ فقد شنقوا ثلاثة من ~~السجناء المتهمين بتعاونهم مع الثوار وسط السوق وأبقوهم على المشانق ~~ثلاثة أيام ليكونوا عبرة لمن يعتبر، وبعدها تم تسليم جثثهم إلى ~~أهاليهم بحضور أحد القساوسة .. وأيضا قاموا بالهجوم على عدة قرى ~~أرمنية يشتبه بتعاونهم مع الثوار واحتضانهم لبعض أعضائها فتم قتل ~~العشرات منهم وهدموا بيوتهم وأحرقوا زرعهم واعتقلوا الباقي. ~~- سنثأر لهم، لا تحزنوا؛ لأجلهم سنرد الصاع صاعين فقط، ~~اصبروا. ~~- لكن يا أرتين فلنكن منصفين، هذه الأعمال الانتقامية لم تحصل إلا ~~بعدما ألقى الثوار المنشورات وتبنوا العملية، أنت تقول هم يفكرون ~~بحذر وحيطة قبل القيام بأي شيء، كيف لم يفكروا أن تبنيهم للعملية ~~سيولد أعمالا انتقامية ضد أبناء شعبنا؟ أليسوا هم من يريدون ~~الحفاظ على أرواح الأرمن، كيف لهم أن يتسببوا في الذي حصل؟! # نظر أرتين بوجه غريغور ورآه ينظر إلى بانوس ويفكر بالكلام، كان ~~استغراب بانوس من هذا التبني للعملية في محله، بقي أرتين صامتا ~~يفكر في كلامه وفيما يحصل ms054 حولهم. ~~- لا أدري، أنا متفق معك تماما أن تبني العملية كان خطأ وسببا ~~بزهق أرواح إخوتنا، لكن لا يمكننا التأكد من شيء إلا بعد معرفتنا ~~سياسة الحزب وأهدافه، ولعل إرسالنا إلى يريفان جاء بعد التشديدات ~~الأمنية للحكومة في المنطقة. # | الفصل الحادي عشر # دير ياسين - فلسطين 1944م # انتابت البهجة والسرور وجه حسن عندما رأى هندام والده الجديد، وقد ~~ارتدى القمباز والعقال على الغترة البيضاء رابطا الحزام اللاوندي ~~المصنوع من الجلد الطبيعي على خصره، وانتبه حوله فرأى أن هناك من ~~تشاركه هذا الشعور الجميل تجاه والده؛ فقد كانت أم خالد تنظر إليه ~~نظرات حب مشوبة بالحياء، وتقول: ربي يحميك من العين يا زينة ~~الرجال. # كان حسن يتجهز أيضا للذهاب مع والده إلى دير ياسين لأول مرة؛ إذ ~~بعد بيعهم الأرض إلى أبي هشام، تحسنت حالتهم المادية قليلا، وارتأى ~~أبو خالد شراء كمية إضافية من الأحجار الكلسية، من كسارة الحاج أسعد ~~في مدخل قرية دير ياسين، وكانت تربطه علاقة جيدة مع صاحب ~~الكسارة. # في طريقهم نحو القرية التي تبعد عن القدس عدة كيلومترات باتجاه ~~الغرب كانت الباصات التابعة لشركة «باصات لفتا ودير ياسين» تمر من ~~خلال مستعمرة جفعات شاءول اليهودية - الطريق الوحيد المؤدي إلى القرية. ~~انتبه حسن إلى والده فرآه ينظر من نافذة الباص ويتمتم بكلمات غير ~~مفهومة، لكن من ملامح وجهه يبدو أنه منزعج جدا منهم، تنحنح حسن ليجلب ~~انتباه والده وقال: أهؤلاء مثل يهود القدس؟ أقصد هل هم من أهل البلد ~~الأصليين؟ ~~- فيهم من يهود فلسطين الأصليين، لكن أغلبهم ليسوا كذلك، وهذه ~~المستعمرة بنيت أواخر أيام السلطان عبد الحميد الثاني «الله يرحم ~~ترابه» كما يرددها الحاج صالح في الحارة بصوت مرتفع. # قطع حسن حديث والده، دون أن يشعر: وأنا كنت أتساءل دائما من يقصد ~~بتلك الرحمات المتكررة؟ ~~- هو على هذا الحال منذ أن فقد بصره وظل حبيس داره وعتبة ~~بابه. ~~- لكن لماذا يترحم عليه هكذا؟ بالتأكيد هنالك سبب، أليس ~~كذلك؟ ~~- نعم؛ فقد كان من حرس قصر يلدز (قصر السلطان ومقر خلافته) ms055 عندما كان ~~شابا، وقضى سنوات طويلة هناك في الآستانة حتى سمعنا يوما أنه أصيب ~~بانفجار هناك وتدهورت حالته الصحية، وتم نقله إلى القدس وبقي يعمل في ~~متصرفية القدس إلى حين سقوطها بيد القوات البريطانية قبل ميلادك ببضع ~~سنوات .. بعد عودتنا من دير ياسين اذهب إليه واسأله، فهو لا يمانع أن ~~يقص لك سيرة حياته وأيامه الخوالي في الآستانة والنعيم الذي كان فيه ~~بالقرب من السلطان المعظم. # قبل الوصول إلى القرية، طلب أبو خالد من السائق أن ينزلهما على جانب ~~الطريق، مشيا باتجاه محجر الحاج أسعد، كانت أصوات الطرق على الحجر ~~وتكسيره تأتي من هنا وهناك؛ بسبب انتشار الكسارات في تلك المنطقة ~~الصخرية، والعمال يضعون الأحجار الثقيلة على السيارات الخاصة لنقل ~~الأحجار من المقالع إلى مكان الكسارات. ~~- أبو خالد، يا أهلا وسهلا، يا أهلا وسهلا. # ردد الحاج أسعد ذلك عند رؤيتهما واستقبلهما بحفاوة كبيرة، ثم سلم ~~على حسن ومسح رأسه متلطفا وسأل عن خالد: لماذا لم يأت معكما؟ # فأخبره أبو خالد أنه بقي في الدكان هناك في الخان .. بعدها صاح الحاج ~~أسعد بأحد عماله وقال في أذنه شيئا ثم ابتسم بوجههما، وردد مرة ~~أخرى: أهلا وسهلا بأبي خالد، نورت الديار بمجيئك، أخبرني كيف حال ~~السوق في القدس؟ ~~- والله يا حاج أسعد، الناس في ضيق، والتجار يشكون الركود، لكن ~~ندعو الله ألا يستمر الركود طويلا، وتعود الحركة للسوق مرة ~~أخرى. ~~- لا، لن يستمر هكذا .. بعد شهرين من الآن سيبدأ الحصاد والأمطار ~~كانت وفيرة هذه السنة، بعد الحصاد سينتعش السوق بإذن الله. # هز رأسه أبو خالد وقال بإذن الله، ثم وضع يده في جيبه وأخرج منه ~~رزمتين من الجنيهات، ومد يده نحو الحاج أسعد وقال: تفضل، هذه سداد ~~ديني الذي عندك، وهذه لأجل بضاعة جديدة. # لم يقبل الحاج أسعد أن يأخذها مباشرة إلا بعد ملحة شديدة من أبي ~~خالد، وبعدما أخبره أنه باع أرضه لأجل أن يسدد الديون التي عليه ~~ويتخلص من الهم الجاثم على صدره. ~~- لمن بعتها؟ سأل الحاج أسعد وهو يبحث ms056 عن اسم أبي خالد في دفتر ~~الديون لكي يشطبه. ~~- لجار لي يدعى أبا هشام، من خيرة تجار القدس ، يصرف ماله لشراء ~~الأراضي والعقارات التي لا حاجة له بها، فقط لأجل أن يمنع وصولها ~~لليهود. ~~- بارك الله في ماله وكثر من أمثاله. # لم يتكلم حسن منذ وصوله مع والده، كان ينصت لحديثهما وفي وجهه ~~مسحة خجل من الحاج أسعد، واحمر وجهه أكثر عندما نظر إليه الحاج ~~مبتسما وقال: هذا الفتى الجميل قد بلغ سن الزواج، ألا تنوي تزويجه ~~يا أبا خالد؟ # رد أبو خالد وهو يضحك: لم أزوج أخاه الأكبر بعد. # فرد الحاج أسعد مازحا: وما الضير في ذلك، العيد الأصغر يسبق العيد ~~الأكبر في الإسلام، فقط انو أنت وسنزوجه أجمل فتاة في القرية. # انتاب حسن شعور سيئ عند سماعه ذلك، وضاق صدره وتذكر أنوشكا ~~الجميلة التي ملكت قلبه، فأعطى ابتسامة صفراء بوجه الحاج أسعد، وقال ~~في نفسه: الكبار لا يشغلهم سوى الزواج والحديث عن تزويج الأبناء ~~والبنات وهم يقررون ويتفقون ويعطون ويأخذون، ونحن فقط علينا السمع ~~والطاعة وكأننا آلات لا نملك أحاسيس ومشاعر. # بعدها سجل أبو خالد كمية الأحجار وأنواعها لكي يتم نقلها بسيارة ~~النقل التي تعود للحاج أسعد إلى مخازن الخان في القدس؛ إذ كانت البضائع ~~توضع في المخازن ويتم عرض نماذج منها في الدكاكين، وعند الاتفاق مع ~~الزبون كان يتم التجهيز والنقل من المخزن إلى بيت الزبون. # لم يسمح الحاج أسعد لأبي خالد، وحسن، بالعودة إلى القدس قبل أن ~~يتناولا الغداء في بيته. # أسرت دير ياسين قلب حسن من الزيارة الأولى، كما أسرت قلبه ~~أنوشكا من النظرة الأولى؛ فالهواء النقي وبساتين العنب والزيتون وأشجار ~~التين واللوز التي تنتشر هنا وهناك جعلت من القرية وكأنها جنة من جنان ~~الله على الأرض .. بساطة الناس ونظراتهم التي تحمل الحب والفضول تجاههم ~~وهم في طريقهم نحو بيت الحاج أسعد، ودعواتهم لهم على الغداء، فيرد ~~عليهم الحاج أسعد، بوركتم واضعا يده على صدره دلالة على الشكر ~~والامتنان. # كانت الوليمة على قدر المعزة، فرشت ms057 المضافة بأنواع الطعام وأشكاله ~~من المفتول والمسخن والمقلوبة، ودعي على شرف أبي خالد وجهاء القرية ~~والجيران، وأكل المدعوون حتى أتخموا. # انتبه حسن أثناء تناول الطعام إلى أحد المدعوين وهو يأكل بشراهة ~~ويهمهم وكأنه يأكل بفمه وأنفه سويا، ينهش نهش السباع ويلقم لقم ~~الجمال ثم يكرع اللبن من الطاسة وتبقى نقاط من اللبن عالقة على ~~شاربيه فيمسحه بكم ردائه، حتى قال أحدهم له: على رسلك يا أبا محمد، ~~على رسلك، ستغص بلقمة هكذا وتموت من الاختناق، فيكتب أهل القرية ~~على شاهدة قبرك شهيد اللقمة. # ضج الحاضرون ضحكا وتعالت الأصوات، ثم قال أحدهم وكان يبدو عليه ~~أستاذا في مدرسة القرية، يذكرني هذا الموقف بشعر موسى الدهمراوي ~~صاحب كتاب «نزهة القلوب في لذة المأكول والمشروب»؛ إذ يقول فيه: # وباكر إلى لحم سمين وجرة # إلى أن يصير اللحم والدهن كالسلا # وخذ ورق النعناع واترك عروقه # واخلط عليها الآن إن شئت فلفلا # فارتفعت أصوات الضحك مرة أخرى وقالوا أكمل، أكمل: # وخذ من رقاق البيت واحشو بلحمه # وسويه بالدخان إن رمت تأكلا # وخذ من حليب الضأن روبة حامض # ودوبه بالثوم الجديد مغربلا # شعر حسن بطيبة غير معهودة لدى سكان دير ياسين، أناس بسطاء وكرماء، ~~إضافة إلى الروح المرحة والحب المتبادل فيما بينهم، تذكر الأستاذ ~~محمود الخطيب عندما أخبرهم عن معنى كلمة «قرية» المأخوذة من القرى، ~~وكيف أن القرية التي لا تقري الضيف تفقد تلك المكانة فتسمى «مدينة»؛ ~~إذ إن القرآن الكريم لمح لذلك بقصة موسى عليه السلام مع الخضر # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا ~~فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ~~، في ~~بادئ الأمر وصفها «قرية»، لكن عندما أبوا الضيافة تغير الوصف في ~~الآيات المقبلة وكأنها فقدت تلك الميزة ببخلها واتصفت بصفات المدينة ~~فأصبحت # وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين في المدينة ~~. # | الفصل الثاني عشر # ميونخ - ألمانيا 1939م # عند باب المبنى كان قلبه يخفق شوقا لرؤيتهم؛ فقد مرت سبعة أشهر ~~على اعتقاله في معسكر داخاو، تذكر ذلك اليوم البائس وهو ينظر ms058 نحو ~~الزقاق المتعرج المرصوص بالحجر الأسود على شكل مربعات متداخلة عندما ~~امتلأ بالعربات والجنود، وقف مترددا خائفا وكأن قدميه شلتا عن ~~الحركة، كان يخشى إن حل لأهله مكروه ما خلال تلك الأشهر السبعة، ~~فكر ماذا لو فتح غيرهم الباب؟ ماذا لو تم نفيهم من ألمانيا كلها؟ ما ~~الذي سأفعله حينها؟! بقي هذا الشعور يرافقه طيلة مكوثه عند الباب ~~كالصنم، حتى أقبل أحد الجيران وأطلق بوجهه ابتسامة دون أن يقترب منه ~~مباشرة، حلل وفسر الابتسامة بعدم حدوث مكروه لهم، تشجع وصعد ~~الدرج حتى وصل الباب، فطرقه طرقة خفيفة حتى لا يخيفهم، سمع صوت أمه: ~~من الطارق؟ # عندما سمع دفء صوتها لم يتمالك نفسه ودمعت عيناه، ثم رد عليها ~~بصوت مبحوح: أنا يا أمي. # سمع شهقة خلف الباب، فتحت له الباب وقد وضعت يديها على فمها وهي لا ~~تصدق ما ترى، ارتمى مايكل إلى حضنها، تبادلا عناقا طويلا، كانت ~~تبكي وتقول: ما الذي فعلوه بك يا ولدي، تتفحصه وتعود لتضمه وتقبله، ~~ثم خرج على صوتها ديفيد وسارة، وأقبلا إليهما، وتعانقوا عناقا ~~جماعيا شعر فيه مايكل أن الروح عادت إلى بدنه وعاد إلى كونه إنسانا ~~من لحم ودم، بعدما تحول إلى رقم مجرد من الأحاسيس في ذلك ~~الجحيم. ~~••• # كان ديفيد قد استعاد عافيته، لكنه لم يتجرأ على الخروج من البيت ~~كثيرا خشية تكرار ما حصل له في تلك الليلة البائسة؛ فكانت أم مايكل ~~تقوم بإحضار جميع حوائج البيت لهم وأحيانا سارة تخرج معها، لكن بعد ~~عودة مايكل وإخباره لهم بتعهده ترك ألمانيا خلال مدة أقصاها ثلاثة ~~أشهر، حاول مع ديفيد جمع ما لديهم من ديون لدى زبائنهم، تحضيرا ~~للرحيل .. في طريقهما إلى بيوت الزبائن كان ديفيد يقرأ على أبواب بعض ~~المحال: «يمنع دخول اليهود». كانت هذه العبارة معلقة على أبواب ~~السينما والمسارح، وحتى بعض المطاعم والمقاهي والمحال التجارية، لم يكن ~~شعور مايكل تجاه هؤلاء كما هو شعور ديفيد الذي يجهل مسببي هذه ~~المضايقات لدفع اليهود إلى ترك البلاد كلها والتوجه طوعا أو كرها ms059 ~~أو هربا من الاحتقار والعنصرية .. كان بعض الزبائن يمتنعون عن سداد ~~الديون ويصرخون بوجه مايكل وهم ينعتونه بأبشع الأوصاف أو يطردونهما من ~~الباب، والبعض الآخر يدفع نصف المبلغ أو ربعه معللا عدم إمكانيته ~~لسداد الديون كلها. # مرت الأيام والأسابيع، باعا كل ما يستطيعان بيعه في البيت ولم ~~يبقيا سوى الأفرش للنوم وبعض أدوات المطبخ لتحضير الطعام والراديو ~~لمتابعة ما يجري في البلاد والمنطقة كلها. كان مايكل يفكر في الرحيل ~~قبل شهر من الموعد المحدد في منتصف أكتوبر، لكن في فجر الأول من ~~سبتمبر؛ أي قبل أيام قلائل لموعد الرحيل، اجتاحت القوات الألمانية ~~بولندا، كبس زر الراديو وأداره ليسمع ماذا حصل. كانت الأغاني الحماسية ~~والخطابات التي تدعو إلى النيل من المعتدين على سيادة ألمانيا تصدح ~~عاليا، لم يفهم سوى أن البولنديين قد اعتدوا على موقع للجيش الألماني ~~على الحدود بين البلدين وقتلوا عددا من الجنود الليلة الماضية، واليوم ~~جاء الرد النازي لاجتياح بولندا. # تسارعت الأحداث فجأة حتى أعلنت بريطانيا وفرنسا حربهما ضد ألمانيا ~~بعد يومين من الاجتياح، كانت بولندا فيها مئات الآلاف من اليهود، وبعد ~~سيطرتهم على جزء منها كان لا بد من قرارات جديدة تتخذ حول اليهود ~~هناك. # أثناء الاجتياح النازي تطوع الكثير من اليهود البولنديين في الجيش ~~البولندي وقاتلوا ضد النازية، كانت المقاومة البولندية في بداية الغزو ~~على أشدها، لكن عندما أخل الروس بالاتفاقية المبرمة مع بولندا سنة ~~1932 بعدم الاعتداء عليها إلى سنة 1945، ودخول قواتها من الجبهة ~~الشرقية بالاتفاق مع النازية، انهارت المقاومة البولندية وتمت السيطرة ~~على بولندا وتقسيمها بين الروس والنازية. # ثم أصدرت النازية قرارا بوضع شارة نجمة داوود زرقاء اللون على ذراع ~~كل يهودي؛ لتمييزه بين الناس في الشارع والأماكن العامة، كانت ~~المضايقات على أشدها بالأخص من بعض الشباب الطائشين. حصلت حادثة أمام ~~مايكل دون أن يحرك ساكنا؛ امرأة كبيرة في السن تضع الشارة على ~~ذراعها، كانت بالكاد تستطيع المشي متكئة على عكازها، أثناء ذلك جاء أحد ~~الشبان ودفعها بكتفه متقصدا فسقطت أرضا ثم بدأ يشتمها ms060 ويشتم اليهود: ~~«أيها الخنازير، متى سنتخلص منكم، أنتم قذارة المجتمع، وللقذارة مكان ~~خاص لا بد أن يأتي يوم ونجمعكم فيه .» أثناء صراخه بوجه تلك العجوز ~~تجمع الناس حوله دون أن ينهروا الشاب أو يقدموا المساعدة لها، ~~بقيت تبكي ولا تقوى على الوقوف على قدميها مرة أخرى. # كان هنالك دفع للمجتمع بكل الوسائل إلى تقبل تلك المعاملة مع ~~اليهود والمحاولة لدفعهم إلى فعلها بشكل طبيعي لتخرج القضية من بوتقة ~~رؤية نظام الحكم إلى بوتقة الشعب والمجتمع الرافض لوجود هذا العنصر ~~الغريب، لم يكن هناك مجال للإصلاح؛ فاليهودي يبقى يهوديا في أعينهم ~~مهما كان ودودا ومهما كان مواطنا صالحا، ولا يوجد عليه أي تهمة أو ~~حركة ضد النظام، لكن مجرد كونه يهوديا فهذه هي الجريمة التي يجب أن ~~ينال أبشع العقوبات والتعامل القاسي بسببها! كانوا يصفون اليهود ~~بالأورام السرطانية والآفات والحشائش التي لا يؤبه لها، رغم أنها لم ~~ترتكب خطيئة، بل تعيش وفق طبيعتها وحسب، ولا يوجد شيء تعاقب على ~~فعله، لكن طبيعة شرها تستوجب استئصالها. # بقيت المرأة العجوز لا تستطيع النهوض، ولا أحد يقترب منها ليساعدها، ~~شعر مايكل أن أمامه مهمة أخلاقية يجب القيام بها مهما كلفه الأمر، ~~مد يده إليها فرأى ابتسامة رسمت في وجه قد حفر الزمن فيه أخاديد ~~متعرجة وملأت تلك الأخاديد الدموع، دموع من لا قوة لها حتى تنهض ~~وتكمل طريقها، وضعت يدها الباردة على يد مايكل، وأثناء محاولته إيقافها ~~على قدميها عاد الشاب نفسه وصاح بالناس: انظروا انظروا، هذا مشهد ~~حقيقي أمامكم لو لم تكن المرأة يهودية لما ساعدها، نعم هؤلاء ~~الخنازير لا يتألمون إلا لبعضهم البعض، لا يتعاملون بالربا فيما بينهم، ~~أما معكم فالأمر مختلف يأكلون لحمكم نيئا. # لم يرد عليه مايكل بكلمة واحدة، لكن الشاب ظل يشتمهم ويلفق عليهم ~~ما فعلوا وما لم يفعلوا، حتى مل الناس منه ومضوا في طريقهم، سأل ~~مايكل العجوز: إلى أين وجهتك؟ # أشارت بيدها نحو أحد الأزقة الضيقة. ~~- دعيني أوصلك إلى بيتك. ~~- لا حاجة لذلك، شكرا لمساعدتك بني، وانتبه ms061 لنفسك جيدا. # ثم مضت العجوز في طريقها على مهل، ولحقها مايكل إلى أن وصلت بيتها ~~مخافة أن يتعرض لها أحدهم مرة أخرى. # كانت وتيرة الحرب تتصاعد حينها شيئا فشيئا؛ إذ وقعت ألمانيا ~~وإيطاليا واليابان على الاتفاقية الثلاثية التي عرفت باسم «تحالف قوى ~~المحور»، ثم انضمت إليها رومانيا وسلوفاكيا وتبعتها دول أخرى بعد ~~ذلك، وفي الطرف الآخر تكونت دول الحلفاء بقيادة المملكة المتحدة ~~«بريطانيا» مع فرنسا والصين، ولم تتدخل أمريكا في الحرب إلا بعد ~~حادثة الهجوم الياباني المباغت على ميناء «بيرل هاربر» باستخدام أسراب ~~كبيرة من الطائرات اليابانية التي ألحقت خسائر كبيرة في الأرواح ~~والمعدات العسكرية من السفن والطائرات الحربية الأمريكية. # لم تقتصر الحرب على ساحات المعارك، بل كان لكل طرف حملاته الدعائية ~~عن طريق الراديو والإذاعات التي تدعي نبل مساعي دولها والسلام الذي ~~تنوي تحقيقه من خلال الحرب! كانت وسيلة مؤثرة في النفوس، لو سمع أي ~~إنسان من دولة بعيدة لم ير ظلم النازية لشعر أنها بالفعل تريد إحلال ~~السلام في الأرض جراء القيم الإنسانية التي تبثها إذاعاتها، لكنها ~~بالفعل استطاعت أن تجعل شعوبها أولا راضية عن القيام بحرب عدوانية، ثم ~~قامت بتفتيت خصومها للحصول على النصر جزءا بعد آخر، وكان عليها أن ~~تخيف أعداءها المباشرين، وأن تهدئ خصومها المنتظرين .. وقد اقتضت ~~كل المحاولات التي سبقت العمليات العدائية استخداما واسع النطاق ~~للدعاية السوداء برغم ما بذل من جهد كبير لإخفاء تلك الدعاية، وحقق ~~الألمان في ميدان الدعاية انتصارات كبيرة من خلال تأثيرها على الرأي ~~العام الدولي بأن مستقبل العالم يتوقف على الاختيار بين الشيوعية ~~والفاشية، وكذلك في الميدان السيكولوجي باستخدام الذعر الكامل بجعل ~~الشعب الألماني نفسه يخشى من تصفية الشيوعية له، كما استخدمت أفلام ~~عمليات الحرب الخاطفة لإخافة الجماعات الحاكمة في دول أخرى ولتحطيم ~~المعنويات، وتسبب عن ذلك ما يسمى بالانهيار العصبي للأمم، وذلك ~~بإبقائها دائما في حالة شك وعدم تيقن مما يمكن أن يحدث لها ~~غدا. ~~••• # قبل غروب شمس الجمعة آثرت أم مايكل تحضير الطعام ليوم غد السبت ~~كالعادة؛ ms062 فالسبت يوم مقدس لا يقومون بفعل أي شيء فيه، إنه يوم ~~الراحة، اليوم الذي يترك فيه الإنسان أشغاله المادية حتى يستريح؛ إذ ~~جاء في سفر الخروج: «يجب أن نستريح في اليوم السابع؛ لأن الله استراح ~~فيه من الخليقة. وقد منع الله نزول المن لإسرائيل في اليوم السابع ~~حتى يستريحوا.» # وكانت شرائع البابليين تقول إن الملك لا يأكل اللحم المطبوخ على ~~الفحم في هذا اليوم، ولا يغير ثياب جسده، ولا يلبس ثيابا نظيفة، ~~ولا يقم ذبيحته، ولا يركب في عربة، ولا يتكلم في قضية، ولا يجوز ~~للرائي في هذه الأيام أن يقدم للناس ما يرى، ولا يجوز للطبيب أن يضع ~~يده على جسد إنسان. فقدسية هذا اليوم لديهم كبيرة جدا. # في صباح يوم السبت، كانت الساعة تشير إلى العاشرة وعشر دقائق، الجو ~~كان غائما كليا مع برودة خفيفة، تعالت الأصوات في الزقاق، ألقى ~~مايكل نظرة من النافذة، فرأى النازية يقفون على امتداد الرصيف وعلى ~~الشارع يمر مجموعات من الرجال والنساء والأطفال وهم يحملون حقائب ~~السفر، انتبه إلى أذرعهم فرأى الجميع يحملون شارة نجمة داوود الزرقاء، ~~قال في نفسه: «يا إلهي! هذه المرة الاعتقالات ليست فقط للرجال حتى ~~النساء والأطفال والشيوخ.» توجه مباشرة صوب غرفة والدته، أخبرها أن ~~أمرا جللا يحصل في الزقاق، سيأتون حالا، هيا أسرعي، وقفت جامدة ~~عندما سمعت الخبر. ~~- ما بك سيأتون الآن هيا، سأخبر سارة وديفيد لكي يحضرا أمتعتهما، ~~إنهم يخرجون اليهود من بيوتهم. # بعدها بدقائق أصبحوا وسط الزقاق مع بقية اليهود، كان العدد كبيرا؛ ~~لذلك لم يأتوا بالعربات العسكرية لنقلهم .. أثناء السير انتبه مايكل ~~إلى امرأة عجوز تنظر إليه وهي تبتسم، كانت تلك العجوز التي ساعدها ~~مايكل يوم اعتدى عليها ذلك الشاب في السوق، ابتسم في وجهها وفكر في ~~أمرها «عجوز في عقدها السابع أو لربما الثامن، ما الخطر الذي تشكله ~~على النازية؟ هي بالكاد تستطيع حمل جسدها، لا أدري أهي القرارات ~~النازية لا استثناء فيها أم إنها مسألة أرقام كما كانت في ~~المعسكر؟» # كان أفراد كل ms063 عائلة يمسك بعضهم يد بعض لكيلا يتم تفرقتهم إذا ما تم ~~توزيع اليهود فجأة إلى العربات العسكرية، لنقلهم إلى المكان المحدد. ~~أثناء سيرهم نحو المجهول كان الألمان واقفين على طرفي الطريق، البعض ~~مستغرب مما يحصل والبعض الآخر فرح وآخرون لم يهمهم الأمر كثيرا، ~~كانت نظرات البعض فيها الكثير من الشفقة وعدم الرضا بما يحصل، لكن لا ~~يمكنهم فعل شيء سوى هز الرأس وإظهار التعاطف. # من بين الواقفين كان أحدهم يلوح بيده نحو مايكل والدموع تذرف من ~~عينيه، أمعن النظر فيه وإذا به آيخمان صاحب المتجر المجاور لمتجره في ~~السوق الشيوعي المعارض للحكم النازي، كان ذلك التصرف فيه الكثير من ~~الخطورة وجذب أنظار الجستابو عليه، لكن أحيانا نشعر أن بعض المواقف ~~الأخلاقية تعني الكثير لمن نحب، خاطر بنفسه فقط حتى يوصل رسالة إلى ~~جاره منذ عشرين سنة، إنه غير راض عما يحصل، ولا شيء أكبر من أن ~~يقدمه سوى تلك الدموع والتلويح باليد .. صرف مايكل نظره عنه حتى ~~يقلل من تفاعله معه لأجل ألا يصيبه مكروه من الجستابو. # كانت المجاميع اليهودية يتم سوقها من الأزقة وتنضم إليهم تباعا، ~~حتى المعاقون والمرضى تم حملهم على الأكتاف ولم توفر لهم عربات ~~خاصة لحملهم .. في ذلك اليوم الذي لا يجوز فيه حمل أي شيء، حملوا فيه ~~كل شيء، وكأنهم اختاروا ذلك اليوم قصدا ليغرسوا في نفوسهم الخطيئة في ~~أقدس يوم لدى اليهود .. بعد مضي أكثر من خمس ساعات سيرا على الأقدام ~~وصلوا محطة القطار، أمروا الجميع بالجلوس في الساحة المقابلة للمحطة ~~لحين قدوم القطار، كانت سارة بحضن أمها خائفة ترتعد، وضعها مايكل في ~~حضنه وقبل من رأسها: لا تخافي نحن معك ولن نتركك، بعد قليل سيأتي ~~القطار ونصل إلى المكان الذي يريدون نقلنا إليه، وهناك سأشتري لك أي ~~شيء تريدينه. # وصل القطار إلى المحطة، كانت لا تبدو عليها عربات لنقل البشر، ~~أبوابها كبيرة ذات أقفال حديدية ضخمة، ولا يوجد شبابيك فيها بل فتحات ~~مربعة للتهوية تبين بعد وضعهم فيها ومن الروائح أن القطار مخصص ms064 ~~لنقل المواشي. # كانت العربة التي لربما لا تسع سوى خمسين رأس غنم فيها قرابة المائتي ~~شخص لا مجال للجلوس فيها ؛ إذ تم وضع العوائل فيها حتى تحمل أكبر عدد ~~ممكن لتقليل عدد المرات التي يتوجب للقطار نقل جميع اليهود إلى الوجهة ~~المحددة، بعدها سدت الأبواب وأوصدت الأقفال، وتحرك القطار نحو ~~المجهول. # | الفصل الثالث عشر # يريفان - أرمينيا الشرقية 1896م # كان المركز في يريفان عبارة عن معسكر تدريبي بمساحة مربعة كبيرة ~~محاط بالأسلاك الشائكة وأبراج مراقبة وأضواء كاشفة، المتدربون في ~~الساحات يرتدون الزي العسكري الأخضر، يركضون بشكل غريب، يرفعون ركبهم ~~إلى مستوى البطن بشكل متناسق، إذا أمعنت النظر فيهم شعرت أنهم متدرب ~~واحد، وأمامهم أحد المدربين يبدو من هيئته وملامحه أنه ليس أرمينيا، ~~كانت أصوات الطلقات النارية تأتي من بعيد، ومجموعات أخرى يتدربون على ~~القتال الفردي بالأيادي، انتبه أرتين إلى غريغور ورآه فاغرا فاه يلتفت ~~يمنة ويسرة كالمجانين وكأنه وجد نفسه في تلك الأجواء الحماسية الذين ~~هم فيها. # استقبلهم السيد نيكولاي مسئول الأفراد أمام المبنى المخصص للمبيت، ~~كان المبنى عبارة عن بناء حجري مصبوغ باللون الأخضر الباهت فيه باب ~~رئيسي كبير وأبواب صغيرة متفرقة، مكون من عدة طوابق، وكل طابق يحوي ~~ممرا طويلا متوزعا فيه الغرف على الجانبين، وفي نهاية الممر توجد ~~الحمامات، والطابق الأرضي يحوي المطبخ ومكان الاستراحة للمتدربين. فتح ~~السيد نيكولاي إحدى الغرف الصغيرة لهم كانت تحوي أربعة أسرة. ~~- هذه غرفتكم من الآن فصاعدا وهذا المفتاح سيبقى معكم، وإن جاء ~~متدرب آخر فسيكون معكم في السرير الرابع، إنكم محظوظون لوصولكم في ~~هذا الوقت المناسب والجميع في التدريب؛ لذا أنصحكم بالاستعجال إلى ~~الاستحمام؛ لأنه بعد ساعة من الآن سيعود الجميع ويكون حينها أمامكم ~~طابور طويل أمام أبواب الحمامات. ~~••• # في اليوم التالي دخل القاعة أحد المدربين كان رجلا في مقتبل ~~الخمسين من عمره، لكن حركته وجسمه المتناسق يبدو عليه عشرينيا رغم ~~الشيب الذي قضى على آخر شعرة في رأسه! رجل وسيم وبشوش الوجه، صافحهم ~~واحدا تلو الآخر وهو يقول: أنا المدرب «كيفورك» ms065 أهلا بكم في ~~يريفان. # ثم تعرف على أسمائهم: غريغور، أرتين، بانوس. # بعدما رحب بوجودهم في المركز وقبول انضمامهم للثوار طرح سؤالا ~~مباشرة: لماذا أنتم هنا؟ أو بشكل أكثر وضوحا: ما الذي دفعكم للانضمام ~~إلى الثوار وترك قريتكم وأهلكم؟ # أخبره أرتين بالدافع الأساسي الذي جعلهم يفكرون بالانضمام ~~إليهم. ~~- جميل، جميل، وأنتما ماذا تقولان؟ ~~- لا نزيد على قول أرتين؛ فهو صاحب الفكرة. ~~- حسنا، ماذا تعرفون عن الحزب؟ ~~- الذي نعرفه عن الحزب أنه يدافع عن الأرمن ويحافظ على قراهم ويوفر ~~لهم الأسلحة للدفاع عن أنفسهم، والغاية الأسمى هي بلوغ الاستقلال ~~والخلاص من الحكم العثماني. # بعدها أخبرهم السيد كيفورك أنه من مدينة يريفان نفسها لديه ابنة في ~~الخامسة عشرة من العمر وصبي في العاشرة وهما يكملان تعليمهما في ~~المدارس، كان يأمل أن يكبر ابنه وينضم إلى الحزب لأجل أرمينيا، كان ~~رجلا وطنيا لأبعد الحدود تحدث لهم عن مشاركته في الحرب الروسية ~~العثمانية سنة 1876، وكيف استبسل في المعارك وقتل العديد من الجنود ~~العثمانيين، وكيف وصلوا إلى مشارف الآستانة، فلم يكن أمام العثمانيين ~~إلا اللجوء إلى الهدنة ووقف إطلاق النار، وبذلك تم عقد معاهدة سان ~~ستيفانو (بلدة قرب الآستانة)، التي نصت على مجموعة من البنود المهينة ~~للعثمانيين من ضمنها تعهد الباب العالي بحماية «الأرمن» والمسيحيين ~~من الأكراد والشركس. # كانت صراعات دولية تجري حينها؛ فقد تدخلت الدول العظمى في ذلك مثل ~~بريطانيا وألمانيا وفرنسا خوفا على مصالحهم في المنطقة ولم يقفوا بهذا ~~الحد، بل تم إبدال معاهدة «سان ستيفانو» في السنة نفسها إلى معاهدة ~~«برلين» التي أخذت وعودا من الباب العالي للحكومة العثمانية بإدخال ~~التحسينات والإصلاحات للولايات التي يقطنها الأرمن وضمان أمنهم من ~~العمليات الانتقامية جراء مشاركة بعض الأرمن مع الروس في الحرب، لكن ~~كلها مجرد كلام على ورق لم ينفذوا شيئا منها في الواقع والحقيقة، أخذ ~~نفسا عميقا ثم قال: مع ذلك فقد كانت تلك تجربة أولى لنا في فهم ~~الواقع السياسي للمنطقة، والآن نحن نعمل في تحقيق الاستقلال بشكل ~~أكثر دقة وأكثر فهما للخطوات التي ms066 نسير عليها، حينها شاركنا مع الروس ~~وكنا لا نملك رؤية لمستقبلنا، كنا نتلقى الأوامر ولا نستطيع العصيان ~~أو حتى المناقشة، القادم أفضل لشعبنا، هذا إيماني بالحزب وبالذي نقوم ~~به. # ثم بدأ يسرد بعض القضايا التاريخية القديمة والحديثة، حتى وصل إلى ~~التحدث عن نظام الملل الذي اتبعته الدولة العثمانية عندما قام ~~السلطان محمد بن مراد الثاني، الذي يلقبه المسلمون ب «محمد الفاتح»؛ ~~لأنه احتل القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، بتأسيس بطريركية ~~أرمنية فيها فأصبح البطريرك الأرمني مسئولا عن الموظفين والإدارة ~~الروحية والتعليم العام والمؤسسات الدينية والخيرية لملته (أي ملة ~~الأرمن)، وانتقل العديد من الأرمن للعيش في الآستانة تاركين مدنهم ~~وقراهم، وتكونت هناك شريحة من الأثرياء الذين تعاونوا مع الحكومة ~~ووصلوا في مؤسساتها إلى مراتب متقدمة، فتقلدوا أعلى الوظائف بسبب ~~استعدادهم لخدمة الدولة بإخلاص تام وافتقارهم إلى طموحات الاستقلال، ~~حيث وصل عدد الأرمن في الحكومة العثمانية إلى «22» وزيرا عملوا في ~~الخارجية والمالية والبريد والتلغراف والخزانة، وعملوا أيضا قناصل في ~~عدة دويلات أوروبية. # بان على وجوههم الاستغراب من وصول هؤلاء الأرمن إلى هذه المراكز ~~المهمة في الدولة، فرفع أرتين يده: سيد كيفورك، كيف وثق العثمانيون ~~بهؤلاء الأرمن وأعطوهم هذه المناصب؟! ~~- كانت السلطات العثمانية تتصرف بذكاء حيال هذه القضية؛ فهم كانوا ~~يظهرون للدول الأخرى أن ليس لديهم تفرقة بين الترك وبقية القوميات ~~والملل الأخرى، ومن جهة أخرى كان تركيز الدولة يصب على هذه الفئة فقط ~~دون الشعب الأرمني فأغدقوا عليهم النعم برعاية السلاطين حتى غدوا من ~~أرقى العناصر في الدولة، وهكذا أظهروا هؤلاء أمام الدول الأخرى فتم ~~خداعهم أن جميع الملل متنعمون في الدولة، وأنا أعلم الضيق الذي كنتم ~~تعيشون فيه، وما زلتم، وعدم اهتمام الحكومة لأمركم. # هكذا يا شباب أكون قد أعطيتكم نبذة سريعة عن الأحداث التي حصلت منذ ~~عدة قرون للأرمن وأراضيهم، ولعلكم انتبهتم أننا في كل مرة تحت حكم ~~دولة ما، وبقيت أرضنا مطامع القوى العظمى في المنطقة وساحة معاركهم، ~~وأصبح شعبنا وقود تلك المعارك بسبب انعدام وجود دولة أرمنية قادرة على ms067 ~~الدفاع عن أرضها وشعبها، ولهذا نحن هنا وإن بقينا كالحمقى نخدم ~~العثمانيين أو الروس أو الفرس ولا نفكر بمصالحنا ومستقبل أمتنا ، ~~سيستمر حالنا هكذا إلى الأبد .. نعم نحن نتعاون مع الروس لأنهم أقرب ~~إلينا من أية دولة أخرى وقدمت لنا تسهيلات كثيرة، لكنها بالمقابل لا ~~تفعل ذلك لأجلنا فهي أيضا لديها مطامعها في زعزعة الداخل العثماني بنا ~~وإضعافهم بغية الوصول إلى المياه الدافئة ومضيق البسفور .. لا أريد أن ~~أتعمق في سياسات الدول وأطماعها، لكن أريد أن أبين لكم أننا لسنا ~~أداة بيد أحد، وأننا فهمنا الجو العام للمنطقة ونعمل لأجل مصالحنا ~~المستقبلية. ~~- لكن يا سيد كيفورك عندما كنا في وان حصلت حادثة اغتيال فاشلة ضد ~~والي المدينة عندما مر موكبه من السوق، وبعد الحادثة قامت الحكومة ~~بتطويق المكان وتفتيش الدكاكين واعتقال بعض أصحاب المحلات فقط، لكن بعد ~~عدة أيام ألقى أعضاء الحزب على شوارع وأزقة المدينة منشورات يتبنى ~~فيها العملية ويتوعد بالمزيد، وحالما علمت الفرسان الحميدية تبنيهم ~~للعملية وكأنهم كانوا يبحثون عن سبب ليقوموا بشنق بعض المساجين ~~والهجوم على عدة قرى أرمنية وقتل العديد من أبناء شعبنا. # سؤالي هو: كيف يقوم الحزب بمثل هذه الحركة وهم يعلمون أن وراءها ~~ستقوم الفرسان الحميدية بأعمال انتقامية؟ كما حدث بالفعل، هل يمكن لك ~~أن تشرح لنا المبررات لهذه الخطوة غير الموفقة، حسب نظري ونظر ~~أصدقائي، ولا أخفي لك أننا تناقشنا كثيرا بهذا الأمر لكننا لم نتوصل ~~إلى جواب مقنع فيه؟ # ابتسم السيد كيفورك وقال: في الحقيقة نحن لا نتطرق لمثل هذه المواضيع ~~الحساسة أثناء إعطاء الدروس النظرية للمتدربين. # ثم سكت ونظر إلى بلاطة القاعة والابتسامة تعتلي جبهته وأكمل: لكن بما ~~أنك سألت عن ذلك يا بانوس، سأجيب على سؤالك وسبب إجابتي لأن الذي قلته ~~ينم عن مدى حرصك واهتمامك على سلامة أبناء شعبنا، وهذا أمر جيد، لكن ~~اسمح لي أن أقول لك إن نظرتك هذه، نظرة عاطفية بحتة، أما نظرة الحزب ~~للأمر فهي نظرة بعيدة المدى وفيها بعض الفوائد العظيمة مستقبلا للشعب ~~الأرمني، ms068 ولربما حتى الخلاص من الحكم العثماني والوصول إلى الاستقلال ~~.. وحتى أقرب لكم الصورة سآتي بمثال بسيط وقريب منا نحن الأرمن، ~~هل سمعتم كيف حصلت بلغاريا على حكم ذاتي؟ # ردوا بصوت واحد: لا. ~~- حسنا، دعوني أخبركم بذلك، سعى الثوار البلغاريون للتخلص من ~~الحكم العثماني بكل السبل، ولم يقدروا على ذلك، كانت روسيا والدول ~~الأوروبية تريد مساعدتهم ولكنهم لم يستطيعوا فعل أي شيء لأجلهم؛ لأن ~~ذلك كان يعتبر تدخلا في الشئون الداخلية العثمانية، ولا توجد أية ~~ذريعة للقيام بذلك، فعمد الثوار إلى تحريك روح الانتقام لدى العثمانيين ~~وقتلوا ألفا منهم بكل وحشية وعمدوا على ذلك، حتى إنهم قطعوا بعضهم ~~إربا إربا ومثلوا بجثثهم، مما جعل الحكومة مدعومة بالأهالي تقوم ~~بأعمال انتقامية كردات فعل لما حصل للمسلمين فقتلوا أكثر من عشرة ~~آلاف مسيحي بلغاري، مما أدى إلى ضجة كبيرة في الأوساط الأوروبية، ~~فتدخلت روسيا عسكريا وتدخلت الدول الأوروبية معها للحفاظ على ~~مسيحيي بلغاريا من الأعمال الانتقامية ومن المجازر، وحصلت ضغوطات ~~دولية على الباب العالي، وبذلك تمكنت بلغاريا من الحصول على الحكم ~~الذاتي. ~~- لكن هذا يعني أننا نجعل من بعض أفراد شعبنا طعما لهم لكي نحصل ~~على التدخلات الخارجية المساندة! ثم ألا توجد طريقة أخرى غير ذلك! ~~أوليست هذه جريمة بحقهم؟! ~~- الحقيقة نحن لا بد أن نعترف أننا لا نمتلك القوة الكافية لمجابهة ~~دولة عظمى وجيش مدرب وذي إمكانيات عالية من التسليح، نحن شعب في ~~بداية ثورتنا ولا يمكننا الوصول إلى الغاية إن لم ندفع ثمنا لذلك، ~~شعبنا يقتل ويذبح يوميا من خلال غارات العصابات التي لا تهدأ ~~وأطماع الولاة والإقطاعيين في أراضي الفلاحين المساكين واستخدامهم قوة ~~الحكومة لصالحهم، فلماذا لا يقتلون من أجل قضيتنا حتى يعيش أبناؤهم ~~وأحفادهم حياة أفضل! أنتم لا تعلمون ماذا تكتب الصحف البريطانية وبعض ~~الصحف الأوروبية عن مظالم الشعب الأرمني تحت الحكم العثماني، وهذا لم ~~يحصل إلا بعدما دخلت الإرساليات الأوروبية وقناصلهم وبدءوا يرسلون ~~برقيات إلى حكوماتهم عن الذي يقاسيه الأرمن المستضعفون؛ فالأعمال التي ~~تقوم بها العصابات لا تؤثر ms069 كثيرا على الرأي العام؛ لأن في كل الدول ~~هنالك عصابات تقتل وتخرب أما الأعمال الانتقامية التي تقوم بها ~~الحكومة وبهذا الشكل من الوحشية فتحشد لنا دعما كبيرا ويمكنهم ~~التدخل كثيرا في شئون الحكومة العثمانية والضغط على الباب العالي، ~~وإلا فلن يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لأجلنا .. نعم غايتنا الدفاع عن ~~حياة كل أرمني موجود في العالم، لكن لا بد من هذه التضحيات للوصول إلى ~~الغاية. # ساد الصمت في القاعة، نظر أرتين إلى بانوس وبدا أنه يفكر في الأمر، ~~كانت فكرة جعل بعض الأرمن طعما للحكومة بغية الحصول على الدعم ~~الأوروبي، غير قابلة للهضم العقلي والعاطفي لدى بانوس، يبدو أنه لم ~~يصدق أن الحزب يخطو مثل هذه الخطوة ويفرط بدماء الأرمن! كانت تلك ~~المشاعر ظاهرة على تقاسيم وجهه. # وحتى يدرك السيد كيفورك الموقف تحول بكلامه إلى العاطفة الدينية، ~~حيث فيها يمكن إقناع المؤمن بما لا يمكن إقناعه في غيرها، فنظر إلى ~~بانوس وقال: يبدو أنك لم تقتنع من وجوب التضحية لأجل أن يعيش البقية ~~بسلام وأمان وخلاصهم من الظلم، لكن ألم يبذل المسيح نفسه ويصلب ~~من أجل خطايانا! ألم تقرأ ما جاء في رسالة بولس إلى تيتس: «الذي ~~بذل نفسه لأجلنا، لكي يفدينا من كل إثم، ~~ويطهر لنفسه شعبا خاصا غيورا في أعمال ~~حسنة.» فما قيمة تضحية هؤلاء وبذل أنفسهم من أجل إخوانهم أمام ~~بذل المسيح نفسه! إنه لشرف عظيم لهم أن يكونوا شهداء هذه القضية ~~وسيخلد التاريخ ذكرهم بأنهم كانوا سببا رئيسيا في إقامة دولة ~~أرمينيا، نعم لم يحدد أسماءهم، لكنهم سيبقون في ذاكرة الشعب بأسماء ~~المذابح التي راحوا ضحيتها .. ثم سكت وبدا على وجهه التأثر، وكادت ~~عيناه أن تدمعا، تأثر بانوس أيضا وحرك رأسه مؤيدا لكلامه وهو ~~يمسح دموعه بكم ردائه. ~~••• # على وجبة الغداء عاد النقاش مرة أخرى، حول ما جرى في الدرس وخصوصا ~~في نهايته، فقال غريغور: إن كلامه كان مقنعا بالنسبة لي قبل أن يذكر ~~المثال، لكن بعدها أصبحت أكثر إيمانا وقناعة بالحزب وأفكاره. ~~- وأنت، ماذا عنك يا ms070 بانوس؟ لقد رأيتك تمسح دموعك بعدما ذكر ~~المثال. # وضع بانوس الملعقة من يده وحدق في عيني أرتين: لم تدمع عيناي على ~~موقف المسيح بقدر ما دمعت عيناي لحالنا وما الذي وصلنا إليه حتى ~~أصبحنا نضحي من أجل البقاء بأغلى ما نملك، ولماذا نحن في كل مرة! ما ~~ذنب الأطفال والنساء والشيوخ الذين يقتلون في مدننا خلال سنين وعقود ~~خلت، نعم أنا اقتنعت أن الحزب يريد خلاص الشعب من هذا الظلم بالفداء ~~وبذل الجزء من أجل الكل، لكن قناعتي قناعة مؤلمة وجارحة في نفس ~~الوقت. ~~- ماذا نفعل يا بانوس، لا بد من أن نتحمل ونصبر حتى بلوغ الغاية، ~~ونذكر أنفسنا بوعد الرب: «لأنكم تحتاجون إلى الصبر، ~~حتى إذا صنعتم مشيئة الله تنالون الموعد، ~~لأنه بعد قليل جدا سيأتي الآتي ولا يبطئ.» ~~وسيأتي اليوم الذي يكون فيه خلاصنا منهم؛ لأن الرب معنا ويرى ما نحن ~~فيه من ظلم وضياع وهلاك. # | الفصل الرابع عشر # القدس - فلسطين 1944م # عند حائط المبكى جلب انتباه حسن أحد اليهود وهو يهز نصف جسده ~~بشكل متناسق مستقبلا الحائط واضعا على رأسه طاقية صغيرة تغطي ~~جزءا من رأسه، تشبه كثيرا الطاقية التي يضعها بعض المسلمين على ~~رءوسهم عند الصلاة، لكن بحجم أكبر مما عند اليهود، وتغطي الرأس كله ~~وكأنها دلالة أن الإسلام مكمل لليهودية ومغط لما نقص منها، أو أن ~~اليهودية ديانة محصورة في دائرة صغيرة، والإسلام ديانة للناس ~~أجمع. # كان اليهودي يبكي وينوح ويهتز جسده أكثر فأكثر ويناجي بكلمات غير ~~مفهومة، انتظره حسن حتى يكمل صلاته، ومن ثم حاول أن يقتل فضوله ويسأله ~~عله يتكلم العربية. ~~- عذرا، هل تتكلم العربية؟ ~~- نعم؛ فأنا من يهود اليمن «الإسفارد»، العربية لغتنا كما هي ~~لغتكم. ~~- أتمنى ألا أسبب لك إزعاجا أو ألا يكون تدخلا فيما لا يعنيني ~~لو سألتك عن سبب البكاء الشديد في الصلاة. # ابتسم اليهودي واضعا طاقيته في الجيب الداخلي لردائه، ثم أمسك يد ~~حسن وقال دعنا نجلس في فناء تلك الحديقة ونتبادل الحديث. استغرب حسن من ~~دماثة الرجل الذي ms071 كان يبدو عليه في نهاية عقده الرابع وسار معه إلى أن ~~جلسا وجها لوجه. قبل الحديث عرف بنفسه: «أنا بنيامين.» فأخبره حسن ~~باسمه فأردف قائلا: بنيامين اسم الأخ الشقيق للنبي يوسف المذكور قصته ~~في كتابكم القرآن، أتعلم بذلك يا حسن؟ ~~- نعم أخبرنا بذلك أستاذ الدين في المدرسة، محمود الخطيب، وأخبرنا ~~أيضا أن أغلب الناس يظنون أن اسمه «نكتل» وليس بنيامين، # فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له ~~لحافظون ~~، لكن «نكتل» هنا فعل وليس اسما حسب سياق ~~النص، وهو مشتق من كال يكيل كيلا؛ أي تقدير الأشياء بحجمها. ~~- جميل، لكن قل لي: ما الذي لفت انتباهك في صلاتي وهنالك الكثير من ~~اليهود عند الحائط يصلون؟! ~~- لا أدري، ربما شدة تأثرك حتى حسبتك كبعض أهل التصوف عندما يحيون ~~طقوسهم الخاصة في إحدى زوايا القدس، فيصل بهم الحال إلى فقدان ~~الوعي. ~~- نعم هو تصوف يهودي، والحقيقة يا حسن أنا بالرغم من عدم اعتقادي ~~بالحركة الحسيدية الأشكنازية فإنني متأثر ببعض أفكارهم، ولعلك لم تسمع ~~بالحسيديم؛ لأنها حركة انتشرت في أوروبا الشرقية قبل قرابة مائتي سنة ~~أسسها الحاخام «بعل شم طوب»، ولاقت هذه الفرقة رفضا كبيرا من قبل ~~الكثير من حاخامات اليهود آنذاك، وتم اتهام معتنقيها بالزندقة ~~والهرطقة. # قاطعه حسن: ما علاقة الحسيديم بسؤالي عن شدة تأثرك ~~بالصلاة؟! ~~- سآتيك بالكلام، اصبر قليلا، يبدو أن الأستاذ محمود لم يعلمكم ~~الصبر. # قال ذلك مازحا ثم استرسل: حتى لا أطيل الكلام، هنالك وصف جميل عن ~~كيفية أداء الصلاة عند هؤلاء يسمونه ب «الدبقوت»، وأنا متأثر فيه ~~جدا، يقولون فيه: «على الإنسان عندما يصلي يجب أن يضع كل قوته في ~~نطق الحروف وتلفظها، وينتقل من حرف إلى حرف حتى ينسى طبيعته المادية، ~~ويجب أن يتأمل حول فكرة أن هذه الحروف قد تركبت وانضم بعضها إلى ~~بعض، وهذه سعادة عظمى؛ لأنه إن كانت السعادة قد حصلت بالتوحيد في ~~العالم المادي، فكم تكون السعادة إذن في عالم الروح، وهذه هي مرحلة ~~التكوين .. ثم بعد ذلك عليه أن يصل إلى مرحلة كون الحروف ms072 في ذهنه فقط ~~بحيث لا يسمعها عند نطقها، وهنا يدخل عالم التكوين، ثم بعد هذا يجب أن ~~يصل إلى حالة اللاشيئية، حيث ينعدم جانبه المادي تماما، وهذه هي مرحلة ~~عالم الفيض، عالم الحكمة.» لأجل ذلك سألتك ما الذي لفت انتباهك في ~~صلاتي عن البقية؛ لأنني كنت خارج العالم المادي، ولا أشعر أن تأثري ~~الشديد مرئي من خلال حركتي وبكائي حسبت أنه تأثر روحي فقط. # لم يفهم حسن العوالم التي ذكرها وكذلك بعض المصطلحات التي لم يسمع ~~بها من قبل ك «حالة اللاشيئية» و«انعدام الجانب المادي»، لكنه أظهر ~~الفهم بهزة رأس بسيطة، ولم يكن يتصور أن هناك عمقا لهذا الحد في ~~الديانات الأخرى، كان يظن أنهم يؤمنون بالخرافات والخزعبلات، وكان ~~يتساءل دوما في نفسه كيف يؤمن الآلاف باليهودية والملايين بالمسيحية ~~وغيرهم الكثير بالأديان والمعتقدات الزائفة ولا يؤمنون بالإسلام الدين ~~الحق والطريق القويم المؤدي إلى الله؟ وهنا وجد الجواب أن إيمان الناس ~~له أسباب وأفكار قد لا ندرك عمق تأثيرها فيهم وجعلهم يتمسكون بها ~~أيما تمسك، كما هم لا يدركون عمق تأثرنا وبكائنا الشديد عند ~~رؤية الكعبة لأول مرة أو حتى عند سماع بعض الآيات القرآنية بصوت ~~خاشع. # ثم عاد حسن ليسأله: وهل كنت تدعو لأحد في صلاتك، أم إنها كانت خالية ~~من الدعاء؟ ~~- نعم كنت أدعو الرب أن ينجي إخوتنا اليهود من عذابات النازية هناك ~~في ألمانيا. ~~- وتؤيد تجمعهم هنا في فلسطين؟! # سأله حسن بنبرة غاضبة وأكمل قائلا: أنا لا أتمنى لهم السوء، لكن ~~تجمعهم هنا يسبب الكثير من المشاكل لنا ولكم أيضا. # سكت بنيامين هنيهة، ثم قلع نبتة خضراء من الحديقة التي يجلسون في ~~فنائها وقال لحسن: ما مصير هذه النبتة؟ ~~- الجفاف ثم الموت. ~~- وهكذا نحن اليهود نموت إذا تم اقتلاعنا من أرضنا هذه. ~~- لكنكم لم تموتوا لقرون طويلة وأنتم بعيدون عنها، ولم تجف ~~أغصانكم حتى، ومن ثم من يثبت أنها أرضكم حتى إن اقتلعتم عنها ~~أصابكم الموت؟! # اشتد الكلام واحتد بينهما بعد أن بدأ لطيفا، ودب الخوف في قلب ms073 ~~بنيامين عندما اكفهر وجه حسن واستشاط غضبا من كلامه، لكنه لم ~~يتوقف عن استفزاز حسن وقال له: «ثمة قول مأثور عندنا : «إن سقط حجر ~~على إبريق فإن الإبريق ينكسر، وإن سقط الإبريق على الحجر فإن الإبريق ~~ينكسر أيضا»، ونحن الحجر وكل من يعادينا إبريق.» # ثم حمل نفسه ورحل غير آبه لرد حسن مستنكفا عن أن يكمل الحديث ~~معه. # أثناء ذلك وجده هشام على حاله وغضبه فقال له: ما بك، ومن هذا الرجل ~~الذي كنت تجالسه؟ ~~- لا شيء، يهودي أرعن يظن أن هذه أرضهم وفيها جذورهم العفنة. ~~- ولماذا تدخل في مثل هذه النقاشات العقيمة معهم! لن يقتنعوا ~~بالكلام، هؤلاء لا تجدي معهم غير القوة هم ومن يركنون إليهم. ~~- دعك منهم وأخبرني عنك، فمنذ عودتي من دير ياسين لم أرك. # كانت الفرحة ظاهرة على وجه هشام الذي لم يعتد أن يخبئ سرا عن حسن ~~منذ طفولته، فأخبره عن أول عملية قام بها ضد جنود الاحتلال وكأنه ~~سيطير من الفرح، وبدأ يصف لحسن بصوت منخفض كي لا يسمعه المارة كيف ~~عمدوا إلى كمين على الطريق الخارجي بين القدس ورام الله وتوزعوا على ~~جانبي الطريق، وأخذ كل مكانه وصوب الجميع فوهة بارودته نحو ~~الطريق الذي ستمر الدورية منه، منتظرين الإذن بالإطلاق من قائد العملية ~~في الوقت المناسب. ~~- وبعد انتظار دام قرابة الساعة سمعنا أصوات العربات العسكرية تقترب ~~شيئا فشيئا، تجهز الجميع وبدأ قلبي ينبض بسرعة، كان شعورا ~~متداخلا بين الفرح والخوف، الحماس والارتباك، الاندفاع والتراجع ~~والشدة واللين، تلك الدقائق القليلة التي انتظرتها حتى تصل العربات ~~العسكرية إلى منتصف الكمين، كانت طويلة بقدر تعدت حدود الزمن، شعرت ~~أن الساعة توقفت عن الدوران في تلك اللحظة، وبت أقول بنفسي: هيا ~~هيا، نفد صبري وأنا أراقب القائد وأنتظر أن ينزل يده لكي تبدأ أول ~~معركة لي مع الحق ضد الباطل، مع المظلوم ضد الظالم، مع المغتصب ضد ~~الغاصب. # وما إن وصلت العربات وأصبحنا نرى الجنود أمامنا بوضوح حتى أنزل ~~القائد يده إيذانا ببدء المعركة، فخرجت الطلقات الأولى ms074 من فوهات ~~بواريدنا المصوبة عليهم، فتساقط الجنود أمامنا كتساقط أوراق الشجر في ~~يوم عاصف من أيام الخريف، بعدها حمي وطيس المعركة ولم يكن لصالحنا ~~استمرارها أكثر، فتقدم المقاتلون ليقضوا على من بقي من الجنود ~~الذين احتموا بين عرباتهم، أصيب عدد من مقاتلينا لكن لم يمت أحد، ~~وقتلنا جميع من في الدورية، ثم حملنا الأسلحة وأضرمنا النار في ~~العربات، ثم انسحبنا من المنطقة كلها، قبل أن تصل الإمدادات العسكرية ~~لهم. # | الفصل الخامس عشر # وارسو - بولندا 1940م # الأسوار المبنية من الطوب الأحمر الفاصلة بين الغيتو ووارسو كأنها ~~الحد بين الجنة والجحيم، بين النور والظلام، بين الحرب والسلم. هنا ~~الأوبئة والأمراض وافتقار لأقل ما يحتاجه الإنسان من سبل العيش، وخلف ~~هذا السور يبقع الألمان ومن يواليهم من البولنديين في رغد ~~ونعيم. # كان الغيتو على هيئة دولة كاملة، لكن داخل سجن كبير محاط بأسوار من ~~كل جوانبه، وضع المجالس اليهودية فيه ليقوم بدور الحكومة؛ إذ كانت لديه ~~منظومة شرطة تنفذ ما تريده بالقوة، ويحتفظ بأسماء جميع الموجودين في ~~الغيتو، ويقدم أسماء الوفيات والولادات، وأعمار الشباب القادرين ~~على العمل ومهنهم، والعجائز والمعاقين وغيرهم، إلى النازية في سجلات ~~منظمة ومرتبة تحت إشراف النازية. # في بداية الأمر أخبروهم أن هذا المكان مؤقت ولأجل اليهود أنفسهم؛ ~~لأن بقاءهم في المدن والقرى خطر على حياتهم جراء أعمال الشغب ~~المتوقعة كما حصلت في ليلة التاسع من نوفمبر 1938 «ليلة الزجاج ~~المحطم»، ومن هنا سيتم نقلهم إلى الأماكن الأكثر أمنا بعد تهيئتها ~~ضمن «برنامج إعادة التوطين»، هكذا انتشرت الأخبار بين سكان ~~الغيتو. # تم توزيع القادمين الجدد من جميع أنحاء ألمانيا إلى الشقق في ~~الأحياء المتفرقة داخل الغيتو، حصل مايكل على غرفة في شقة أحد اليهود ~~البولنديين، كان رجلا ستينيا أخبرهم أن هذه شقته قبل دخول الألمان ~~إلى وارسو، وقد تم إجباره على استقبال اليهود فيها، كان كلامه فيه ~~الكثير من جرح للمشاعر يظهر دوما انزعاجه الشديد من وجودهم في ~~بيته، سأله مايكل في أحد الأيام: كيف تم بناء الغيتو وفصلكم عن ms075 المدينة ~~قبل مجيئنا؟ ~~- الغيتو من أحياء المدينة نفسها، لكن هذه الأحياء كانت اليهود ~~تقطنها بكثرة؛ لذا تم عزلها وأصدروا الأوامر ببناء السور بين البيوت ~~والبنايات وحتى الشوارع والأزقة، وتم نقل بقية اليهود من الأحياء ~~الأخرى إلى هنا قسرا. ~~- وماذا عن البولنديين أصحاب البيوت والمتاجر هنا في هذه ~~الأحياء؟ ~~- أيضا تم إجبارهم على ترك ممتلكاتهم بالاتفاق مع البلدية، وتم ~~تعويضهم من ممتلكات اليهود في الأحياء الأخرى، هكذا أصبحت العملية ~~متوازنة بين هنا وهناك. ~~- لكن عند مجيئنا هنا رأيت زحاما شديدا في الأحياء، كيف حصل ~~التوازن، هل أحياء وارسو كان الزحام فيها طبيعيا قبل ~~الاحتلال؟ ~~- لا، بالتأكيد، لكن بعد الاحتلال تم جلب اليهود من جميع أرجاء ~~المدينة إليها، إضافة إلى اليهود القرويين، فحصل الزحام ومن ثم أتوا ~~بكم، فأصبح الزحام هنا لا يطاق. # حملق مايكل بوجهه مقطبا حاجبيه عند سماعه الجملة الأخيرة، شعر ~~الرجل بالخجل فأراد أن يدرك الموقف. ~~- لا أقصدكم أنتم بالذات، بل الوضع العام للغيتو أصبح الزحام فيه ~~شديدا. ~~••• # وقف مايكل على الشرفة المطلة على الزقاق يتأمل الحي والمارة، كان ~~الناس في حال يرثى له، الأطفال المشردون وثيابهم الرثة وهم يستجدون ~~المارين بأي شيء يملكونه حتى وإن كانت قطعة خبز يابسة أو متعفنة، ~~والمرضى ملقون على قارعة الطرقات، ترى في وجوههم سوادا مخيفا وكأنهم ~~قد أخرجوا من قبورهم، ولم يتوفر لهم في الغيتو مشفى يسع هذا الكم ~~الهائل من المرضى .. كانت الرطوبة والقذارة ورائحتها الكريهة وكثرة ~~الجرذان في أغلب بيوت الغيتو سببا في انتشار الأمراض المعدية ~~كالتيفوئيد والكوليرا .. ففي إحدى الليالي أفاق مايكل صوت أنين سارة، ~~اقترب منها كانت أمه قد وضعتها بحضنها على طرفها الأيسر ويدها على ~~جبين سارة. ~~- إنها مصابة بالحمى، اعتن بها، سأجلب ماء باردا وقطعة قماش أضعها ~~على جبينها علها تخفف من حرارتها. # وضع مايكل رأسها على فخذه، كانت سارة تهذي من الحمى وتنطق أسماء ~~صديقاتها في المدرسة بصعوبة «مينا سالي كاثرينا ...» لقد اشتقت إليكم ~~كثيرا. ثم نظرت إليه وقالت: متى سنعود إلى بيتنا، أنا لا ms076 أحب هذا ~~المكان. ~~- سنعود قريبا يا حبيبتي، حالما تتحسن صحتك، سنعود. ~~- حقا؟ ~~- نعم يا حبيبتي، فقط كوني قوية، لم يبق الكثير ونعود هناك . # أعطته ابتسامة صغيرة بوجه شاحب، صلى للإله ألا تكون قد أصابتها حمى ~~التيفوئيد، سهرت الأم الليلة كلها وهي تضع الكمادات الباردة على ~~جبينها ثم تعصر الماء منها وتعيد الكرة ودموعها تسيل على خديها. # في الصباح خرج مايكل يبحث عن طبيب في الأزقة والأماكن العامة، وبات ~~يسأل الناس كالمجنون. ~~- من يعرف طبيبا هنا؟ من يدلني إلى طبيب؟ هيا أخبروني. # لم يبق زقاق أو حي لم يدخله ويسأل من فيه، لكن دون جدوى. اتكأ ~~على جدار بيت في قارعة الطريق واضعا يداه على رأسه ويفكر، كانت ~~الأفكار متداخلة في رأسه، وكل ما يخشاه أن تكون قد أصيبت ~~بالتيفوئيد، وبينما هو كذلك جلس أحدهم قربه وأعطاه ابتسامة صغيرة وقال: ~~هل كنت تبحث عن طبيب؟ # التفت إليه مايكل وقد اغرورقت عيناه بالدموع، رد عليه بصوت مبحوح: ~~نعم. ~~- أنا من أشهر أطباء وارسو. # انفرجت أساريره ومسح الدموع من عينيه. ~~- أرجوك، أنقذ أختي الصغيرة في البيت قد أصابتها حمى شديدة من ~~ليلة البارحة. ~~- انتظرني هنا، سأجلب العدة ونذهب إليها، لن أتأخر. ~~- أجل، استعجل أرجوك. # في الغرفة سأل الطبيب الأم: هل استطاعت أن تأكل؟ ~~- حاولت معها، لكنها لا تشتهي الأكل وتقول بطنها يؤلمها كثيرا حتى ~~نامت بعدها من شدة الإرهاق. # وضع الطبيب يده على جبينها بلطف، بعدها تفحص أسفل حنكها ثم توقف ~~ومشى بخطوات وئيدة نحو الشرفة لحق به مايكل. ~~- أخبرني ما بها؟ ~~- لا أخفيك، إنها أعراض التيفوئيد، من الأجدر ألا تبقى في البيت، ~~مرضها معد، سينتقل إليكم أنتم كذلك، يجب نقلها إلى المشفى بأسرع وقت، ~~أنصحك أن تكلم أحد أعضاء المجالس علهم يقتنعون بنقلها إلى مشفى ~~خارج الغيتو. ~~- وهل يقبلون بذلك؟ الغيتو مليء بالمرضى، كيف لي أن أقنعهم؟ ~~- بالمال يا مايكل، المال يفتح الأبواب الموصدة في هذه ~~الحياة. # | الفصل السادس عشر # قرية أنجرلك - تركيا 1896م # كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف التلة البعيدة ms077 والغيوم مجتمعة ~~حولها على شكل كتل متراصة تلونت بلون قرمزي وكأنها تشيع الشمس ~~إلى مثواها الأخير، والعربات المتجمعة في الساحة الخلفية للسوق يضفو ~~عليها شيء من لون ذلك الحداد السماوي المتكرر، والتعب المشوب بالفرح ~~يعتلي وجوه المزارعين بعد يوم طويل وشاق، وهم يتجهزون للرحيل إلى ~~قراهم .. تفحص الوجوه أرتين باحثا عن مزارعي قريته لكنه لم يجد ~~أحدا، توجه إلى السوق حيث يتواجد الباعة علهم هناك ولم يكملوا ~~بيع محصودهم، لكن الساحة كانت فارغة إلا من الأوساخ المتناثرة هنا ~~وهناك. # على ظهر العربة المتوجهة إلى القرية المجاورة لقريتهم سأل أرتين ~~أحد المزارعين: ألم يخرجوا معكم اليوم لبيع محاصيلهم؟! ~~- لقد تعرضت العصابات للقرية منذ الصباح الباكر ولم يستطيعوا ~~الخروج. ~~- ماذا تقول؟! هل سمعت شيئا عنهم؟ أخبرني أنا ابن مختار ~~القرية! ~~- لا أعلم سوى أن سبب عدم مجيئهم إلى السوق هو الذي قلته لك ~~توا. # انتفض غريغور غاضبا وضرب بقبضة يده على أحد الألواح الخشبية في ~~أرضية العربة فكسره، عندها ساد صمت بينهم كان بانوس بالكاد يكتم ضحكة ~~عارمة حتى احمر وجهه، وأرتين يرمقه بأطراف عينيه، حملق صاحب العربة ~~بوجه غريغور وقطب حاجبيه وكأنه يقول: ما ذنب عربتي بالذي حصل؟ ~~- أعتذر، لم أقصد كسرها، سأصلحها لك. # صد صاحب العربة وجهه عن غريغور وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة ~~ويحرك رأسه متذمرا. ~~- اهدأ يا غريغور سنصل بعد قليل ونرى ماذا حل بهم، هذه ليست المرة ~~الأولى التي يغيرون فيها على القرية. ~~- أعلم أنها ليست المرة الأولى، لكن لا أستطيع أن أتمالك نفسي، ~~سأنتقم من هذه العصابات مهما حصل، وأقطعهم بيدي هاتين. ~~••• # كانت وجوه الرجال شاحبة غزاها الخوف والهوان، في مضافة المختار ~~تلمكيان في تلك الليلة البائسة عندما دخل أرتين مع غريغور وبانوس ~~إليهم، رفعوا رءوسهم كانت نظراتهم تحمل الأسى واللوم معا، لم يتحرك ~~أحد من مكانه حتى المختار تلمكيان كان جالسا مطأطئ الرأس، اقترب منه ~~أرتين وقال: أبي، أرجوك أخبرني ما الذي حصل؟ # رفع المختار رأسه بعينين دامعتين، فرأى أرتين فيهما انكسارا لم يره ~~في ms078 وجه أبيه قط، وكأنهم كسروا كبرياءه وهدموا جبروته، وقطعوا كل سبل ~~قوته، كانت نظراته تحمل في جوفها بكاء طفل يتوق إلى حضن يشعره ~~بالأمان ، شعور بالضعف وقلة الحيلة وهو المسئول عن حياة أهل ~~القرية. ~~- لقد أثخنوا في القتل هذه المرة. ~~- لا تطأطئ رأسك يا أبتي، سننتقم ونثأر منهم قريبا. ~~- لا يا بني، لا قدرة لنا بهم، أنا لدي حل آخر. # قام المختار تلمكيان من مجلسه وانتصب واقفا وكأن الروح عادت إلى ~~كبريائه وامتلأ المكان بهيبته، ارتسمت البهجة في وجه أرتين وظن أن أباه ~~قد قرر الانضمام إلى الثوار واقتنع أخيرا أن لا فرصة لديهم للبقاء ~~على قيد الحياة إلا بهذه الخطوة. ~~- اسمعوني جيدا يا رجال، لقد حاولنا بكل الطرق صد العصابات التي ~~ما لبثت تهاجمنا منذ سنوات، وفي كل مرة تزداد قوتهم ووحشيتهم أكثر ~~فأكثر، طلبت الدعم من الوالي فاستجاب لكن العصابات زاد عددها وعدتها ~~ولم نستطع ردهم مرة أخرى، وساءت أحوالنا؛ لذلك أرى أننا نترك القرية ~~جميعا ونتوجه إلى قرية قريبة من مدينة «وان»، والذي لديه القدرة أن ~~ينتقل للعيش في المدينة لا مانع من ذلك، الغاية هي الخلاص من شر هؤلاء، ~~والابتعاد عنهم لفترة حتى تستقر الأوضاع ويتم القضاء على العصابات ثم ~~نعود إلى ديارنا، فإن قبلتم فسأرسل إلى الوالي برقية أوضح فيها ~~حالنا، كي يرسل إلينا دعما أثناء التنقل، وكذلك أطلب منه بعض ~~المساعدات لأجل هذا القرار، فما رأيكم ومشورتكم؟ # هز أرتين رأسه يائسا وهو ينظر بوجه بانوس، كانت فكرة المختار لا ~~تحمل أي شجاعة وليس فيها تمسك بالأرض كما كان يظن، كيف فكر بترك ~~أرض آبائه وأجداده بهذه السهولة؟ كان ذلك السؤال يراوده وهو يستمع ~~إليه. # سكت رجال القرية وبدا أنهم يفكرون في كلام المختار، كانت حادثة ~~اليوم لها تأثير كبير في نفوسهم وتعبهم الشديد من جراء عدم وجود حل ~~جذري لمشكلتهم .. ثم أبدوا جميعا أنهم موافقون على الفكرة، كان بانوس ~~أكثر المتحمسين لفكرة المختار على عكس غريغور وأرتين؛ لأن باتيل ستكون ~~قريبة من «وان». ~~••• # كانت ms079 مقاطعة غاردن تعيش حالة من الهلع، والخوف قد غزا وجوه المارة في ~~السوق، ففي أي لحظة يوشك أن يحدث اغتيال للدرك المنتشرين هنا أو ~~هناك، أو مشاحنات بين الأرمن والأكراد التي عادة ما تتحول إلى شجار ~~بالسكاكين وتوعد بالويل، كل يهدد الآخر بشكل مبطن، هذا متكئ على ~~الفرسان الحميدية، وذاك بالثوار الأرمن، والقتل غدا الحل الوحيد بينهما ~~بعد قرون طويلة من الجيرة والامتداد التاريخي المشترك، وكأن التعصب قد ~~محا كل تلك السنين وبرز الوجه الأسوأ للطرفين. ~~- أرتين: المدينة ستنفجر بأي لحظة. ~~- وهذا ما نريده. ~~- كيف؟ نحن الطرف الأضعف إذا انفجرت حتما ستكون خسائر الأرمن أكثر ~~منهم بكثير. ~~- إنها معادلة التضحية التي لم تعجبك في يريفان. ~~- لكن هذه المرة لا تشبه عواقب عملية اغتيال الوالي الفاشلة. ~~- كلما كانت التضحيات كبيرة كلما اقتربنا من الغاية أكثر. ~~- علها تكون التضحية الأخيرة. # أطرق أرتين نظرة استغراب بوجه بانوس. ~~- أخيرة! ~~- أعلم أنها أمنية مستحيلة، وأعلم أننا في بداية طريق سيطول بلوغ ~~نهايته، لكن ما لنا غير الأمنيات نوهم أنفسنا بها ونخفف الوطء ~~عليها. # هز أرتين رأسه، ثم ساد صمت بينهما كانا جالسين على تلة مرتفعة ~~يتأملان بحيرة وان الزرقاء، ومراكب الصيد تتأرجح على الماء وكأنها ~~مهد طفل تحركه الأم بلطف شديد. ~~••• # في صباح أحد الأيام تفاجأ أهالي الحي الأرمني بانتشار الثوار في ~~الأزقة وهم مدججون بالأسلحة، وأقيمت الحواجز حول كنيسة «ديره» ~~ومبنى الإرسالية البروتستانتية ومحلة «نورشين» و«حاج بوغان» من جانب ~~كنيسة «إيريك»، باستخدام جذوع الأشجار وأغصانها وكذلك بطوب اللبن، ~~وبذلك سد الثوار كل منافذ الجزء الأرمني من المقاطعة، فأصبح تحرك ~~الثوار بحرية أكبر داخله. # سمع أرتين صوت إطلاق نار من جهة محلة «نورشين»، لكن تبين فيما بعد ~~أن مجموعة من العمال كانوا قادمين إلى مكان عملهم الحي الأرمني، وتم ~~إطلاق النار في السماء حتى يعودوا أدراجهم، كان أرتين يبحث بين الثوار ~~عن غريغور وبانوس، بعدما أصبحت حركتهم حرة في الجزء الغربي من مقاطعة ~~غاردن، وبالأخص فصيل الاغتيالات كانت مهمتهم ليست بخط الصد الأمامي مثل ~~بقية ms080 الفصائل المدربين على مثل هذه الاشتباكات، فقد تم اختيار أمهر ~~القناصين في الفصيل ووضعهم في أعلى أسطح البيوت العالية وسطح الكنيسة، ~~ولم يكن أرتين ممن اختيروا لتلك المهمة. # تجول بين الأزقة حاملا سلاحه، كان القادة مجتمعين ويوجهون ~~مقاتليهم ويدبون فيهم روح الحماسة، وعند وصوله قرب كنيسة «ديره» ~~انتبه إلى غريغور وهو متكئ على حائط الكنيسة يمسح بارودته بقطعة قماش ~~على مهل، تعانقا عناقا طويلا. # أثناء تبادلهما الحديث أمطر موقعهما بوابل من الطلقات، اتكأ ~~أرتين على جدار الكنيسة، بينما غريغور كان يصيح كالمجانين وهو يطلق ~~النار باتجاه العدو خلف جدار من طوب اللبن ويرفع حماس الذين معه، ~~بعدها وصلت إمدادات إلى هذا الجزء الذي يبدو أن العدو قد ركز عليه في ~~بدء الهجوم .. سقط العديد من الشهداء في تلك الهجمة المفاجئة، لكن لم ~~يستطيعوا اختراق الحي الأرمني، لاستبسال غريغور ومن معه من ~~المقاتلين. # استمرت المعارك من الصباح حتى غروب الشمس يومها، في كل الجهات من ~~الجزء الأرمني، وبسبب التمركز الجيد ووجود القناصين وبسالة المقاتلين ~~لم تستطع قوات «سعد الدين باشا» دخول أي محلة فيه، وبقي الحي الأرمني ~~محصنا ومنيعا. # أقبل أحد المقاتلين نحو أرتين وهو يلهث. ~~- أرتين، أرتين، لقد أصيب بانوس بطلقة نارية على كتفه. ~~- ماذا تقول؟ أين هو الآن؟ ~~- دعني آخذ نفسا. # جلس بقرب أرتين ورفع الكوفية من على وجهه، ثم وضع يده على صدره ~~والأخرى على الأرض. ~~- هناك في حاج بوغان. # | الفصل السابع عشر # القدس - فلسطين 1944م # من على شرفة غرفته المشتركة مع خالد والمطلة على باحة منزلهم جلس حسن ~~يتأمل بزوغ الفجر، يتمعن في الخط الفاصل بين الليل والنهار، الضوء ~~والظلام وكأن أحدهم يسحب البساط الأسود شيئا فشيئا ليعلن ولادة يوم ~~جديد .. قال في نفسه: «الليل والنهار موت أحدهما هو بولادة الآخر، وبما ~~أن لكل موت سكرات كان لا بد لكل منهما نصيب منها، الفجر سكرات ~~الليل، والغروب سكرات النهار، وما أشبه أجواء السكرتين، ليسا بالظلام ~~الدامس كما الليل، وليسا بالنور الكاشف كما النهار، هما ما بين بين، ms081 ~~كأن روح النهار تغرز في جسد الليل عند الفجر فتضيئه، وروح الليل تغرز ~~في جسد النهار عند الغروب فتظلمه، ولعل الله أعطى شيئا من التمييز ~~لسكرة الليل حين قال # والصبح إذا ~~تنفس ~~، ولم يقل «وإذا المغرب تنفس» لسكرة النهار، ~~فهل كان ذلك دليلا على تفضيل النهار على الليل بتلك البداية؟ أم إنه ~~كان تكريما لليل بتلك النهاية؟» # كانت أم خالد تعد الفطور في المطبخ، وأبو خالد جالسا قرب شجرة ~~النارنج في الباحة حاملا سبحته المصنوعة من حجر اليسر الكريم التي ~~ورثها عن أبيه، يحرك حباتها ببطء شديد غارقا في تفكير عميق ~~كعادته. # خرجت سكينة من غرفتها لتجهز المائدة في الباحة قرب النافورة ~~الصغيرة، رتبت الكراسي الخشبية حول الطاولة ثم فرشت الغطاء القماشي ~~الأبيض والمطرز من الحواف عليها، وأحضرت الكئوس والفناجين ووضعتها ~~فوق الطاولة، الزيت والزعتر والزيتون والخيار مع الجبن المقطع كل ~~في طبقه الخاص، كانت تتنقل بين المطبخ والباحة جيئة وذهابا تأخذ ~~الأطباق من يد أم خالد وتضعها على الطاولة، وحسن يراقب المشهد من على ~~الشرفة. # أثناء الإفطار اقترح حسن أن يوصل سكينة إلى مدرستها اليوم على غير ~~العادة، نظر إليه خالد نظرة شك وريبة، وتنحنح وهو يبلع ابتسامته، ~~احمر وجه حسن وشعر بضيق في النفس عندما تأخر الرد من أبيه الذي ~~يوصلها إلى المدرسة كل يوم حتى قال: حسنا، أوصلها ثم عد إلى ~~مدرستك. # أكمل حسن إفطاره بسرعة ثم توجه إلى غرفته، ارتدى بنطاله الأسود ~~وقميصه السمائي ثم سرح شعره على الجانب ووضع العطر من القنينة ~~النحاسية على يده ثم مسحه على رقبته وقميصه ومسح حذاءه ثم حمل حقيبته ~~وخرج، كان اهتمامه بأناقته فجأة لافتا للانتباه في البيت وشك ~~الجميع بأن حسن قد وقع في شباك الحب، لكن لم يظهر أحد له ذلك سوى ~~ابتسامات يتبادلونها فيما بينهم خلسة منه. # كانت سكينة تستنزف مصروف حسن اليومي؛ لأنها لا تلبي له طلبا دون ~~مقابل، وهذه خطتها بأن تدبر لقاء بين حسن وأنوشكا عند باب المدرسة ~~وتعرفهما على بعض مقابل جولات ms082 في السوق وشراء ما تريد من الباعة ~~المتجولين دون أن تصرف قرشا واحدا. # سألها حسن: كيف أتكلم معها إن كان العجوز أرتين سيوصلها؟ ~~- ومن قال لك ذلك؟ ~~- من يوصلها إذن؟ هل ستأتي وحدها؟ ~~- هي تأتي مع بنات حارة الأرمن يتجمعن هناك ثم يخرجن سويا، لا ~~يوصلهن أحد، اطمئن. ~~- وكيف لي أن أتكلم معها وهي بينهن؟ ~~- سأناديها عند الباب فتأتي وحدها وأعرفكما على بعض. # كان قلب حسن يخفق طول الطريق غير مصدق كيف سيتكلم معها وكيف ~~سيصمد أمام جمال عينيها ولا يضيع فيهما، كيف ستخرج الكلمات والأحرف من ~~شفتيها الرقيقتين؟ .. لم ينم الليلة الماضية كلها وهو يفكر باللقاء ~~الأول، أخبرته سكينة دون ذكر للتفاصيل وها هي تسير بثبات لتحقيق ~~السعادة العارمة لأخيها، اختلجه شعور غريب تجاه ما تفعل من أجله ~~فرمقها بأطراف عينيه وفكر في نفسه ماذا لو كانت هي من تحب أحد ~~أصدقائي، هل كنت سأفعل ما تفعله من أجلي؟ وهل كانت تستطيع أن تخبر ~~أحدا في البيت أنها تحب؟! لكن كيف تكونت هذه النظرة في مجتمعنا حتى ~~اقتنعت الأنثى بذلك وباتت تقدم المساعدة وهي تعلم أننا لا نتقبل أن ~~تحب لا أن تخبرنا من تحب وتطلب المساعدة من الأساس؟ ربما يبرر هذا ~~تحت مسألة الخوف على سمعتها أو من كلام الناس عليها، جميعها مبررات ~~غير مقنعة في أصلها، لكنها أصبحت مقنعة مع مرور الزمن وتتابع ~~الأجيال. # عند باب المدرسة وقف حسن مع سكينة وأظهر الانشغال بحقيبته وكأنه ~~يريد إعطاءها شيئا قبل المغادرة، كانت حركة لعدم لفت الانتباه وكسب ~~الوقت لحين مجيء أنوشكا. ~~- لقد تأخرت كثيرا. ~~- اصبر ستأتي الآن، هذا وقت مجيئهن. ~~- ألا ترين كيف يرمقني حارس المدرسة وقد قطب حاجبيه. ~~- لا عليك منه، هذه نظراته الطبيعية. # ثم همست له: عقله ليس سليما. # أثناء الحديث عن الحارس، انتبهت سكينة إلى الزقاق المقابل لباب ~~المدرسة ورأت الفتيات الأرمنيات تتوسطهن أنوشكا وهن يتكلمن قليلا ~~ويضحكن كثيرا. ~~- لقد وصلت. # التفت حسن فرآها بزي المدرسة الضيق وقد رسم انحناءات جسدها الناعم، ~~وبرز قدها الممشوق، ms083 وبينما حسن يتأملها بكل تفاصيلها نادتها سكينة ~~فأقبلت تمشي على استحياء .. سلمت عليها وسألت عنها، وحسن قربهما واقف ~~كالصنم وقد تجمدت عروق الدم على جبينه. ~~- هذا أخي حسن. # نظرت إليه ونظر إليها فاهتز عرش قلبه، وبدأ يرتجف من شدة وقع ~~الموقف، رأى في عينيها السماء والبرق قد رسم في زرقتها بشكل دائري ~~وكأنه ينبع من الحدقة وتتفرع منها إلى الأطراف، لم يكن هناك تشبيه ~~دقيق لتلك العينين بمخيلة حسن سوى قوله تعالى: # إذا السماء انشقت ~~، # فكانت وردة كالدهان ~~. # قطعت أنوشكا وصال عينيهما وأسدلت ستارها برجفة وقالت: أهلا حسن، ~~أنا أنوشكا. ~~- أهلا بك. # عندما سمعها تنطق اسمه بصوت يكاد يمازح الأرواح لرقته، وتشربه ~~النفوس من عذوبة مذاقه، هوى قلبه بواد سحيق، فأطرق رأسه ونكس بصره ~~وكأن لسانه اعتقل من الخجل وقطعه الحياء من الكلام، كانت أنوشكا ~~أكثر جرأة منه، فأردفت قائلة: أعتقد أنني رأيتك في ليلة حناء «فاطمة» ~~عند الباب أتذكرتني؟ ~~- نعم، كنت مع والدتك على ما أظن. # هزت رأسها مبتسمة، ثم استأذنت بالرحيل. # لم يشعر حسن بالفرح مثلما شعر في ذلك اليوم، كاد يطير من سعادته، ~~بالأخص عندما أخبرته سكينة أنها أحست بها تبادلك الشعور، كانت ~~نظراتها لك تنم عن حب لا يقل عن حبك لها. # في الأيام التي تلت اللقاء كان حسن يخرج من الصباح الباكر ينتظر ~~أنوشكا في الزقاق المقابل للمدرسة، وعند الظهيرة ينتظرها لتخرج فيلحقها ~~مع صديقاتها إلى الحي الأرمني ثم يعود للبيت. # استمر حسن على هذا الحال أياما وأسابيع، وكانت صديقات أنوشكا على ~~علم بحاله ويرمقنه بنظرات غريبة ثم يجمعن رءوسهن بشكل دائري ويتكلمن ~~بكلمات هامسة ثم تتعالى ضحكاتهن .. كانت تصرفاتهن تزعج حسن كثيرا ~~لكن حبه لأنوشكا أكبر من أن ينصرف إلى سخافتهن ويترك المجيء ~~لرؤيتها، الرؤية التي تمده بالقوة والإصرار وتخفف عنه بعضا من ~~الشوق الذي يرهق القلب ويوهن الأوصال. # جلس في إحدى الليالي وقد أثقلت على قلبه المشاعر، فأراد أن يريح عن ~~كاهله ويبوح لأحد عما يثقله فلم يجد غير الورقة ليبوح لها وتكون ms084 البئر ~~العميقة لأسراره وخواطره؛ فالأوراق لا تفشي الأسرار ولا تخون الثقة .. ~~حمل القلم المترجم الوحيد بينه وبين الورقة وشرع يكتب أبياتا شعرية ~~على عدم معرفته بالبحور ولا بالأوزان الشعرية .. فتذكر التتار الذين ~~كانوا يقتلون الناس دون سبب وبلا رحمة، القصة التي سردها لهم الأستاذ ~~محمود الخطيب، فكتب: # عيناها تترية الهوى، # تفضل القتل على السؤال، # لا غمد لسيف نظرتها، # تقطع المشاعر إذا ما عنقها طال، # لا هزل في جد نواياها، # حازمة في القطع والوصال، # لكن في تقوس عينيها # يدرس أبجديات الجمال، # محراب، آذانه رجفة رمش # إذا ما الدمع منها سال، # وهزي إليك بجذع القلب # تساقط عليك الأوصال، # ويجثو كل ركن فيني، # صوت أنيني صمته عال، # فهل لي بوصالك لحظة # عمرها ألف عام من الإهمال؟ # | الفصل الثامن عشر # غيتو وارسو - بولندا 1940م # في طريقه إلى مبنى أعضاء المجالس اليهودية، كان المرضى والمعاقون ~~ملقين على الأرصفة والشوارع، وقد تغوط بعضهم على نفسه وتجمع ~~الذباب عليهم، وهم يطلقون تلك النظرات المحيرة للمارة لا تعرف أهي ~~نظرة حقد وحسد، لماذا أنا هكذا وليس أنتم؟ أم إنها نظرة تستجدي ~~الشفقة لحالهم؟ شعر مايكل بحيرة كبيرة عندما وقعت عيناه بعيني أحدهم ~~وبدأ شعور اليأس يجري في داخله، أيعقل أن يقبلوا بنقل سارة إلى المشفى، ~~وكل هؤلاء المرضى والمعاقين في الشوارع لا أحد يلقي لهم بالا؟ # كان الناس قد تجمعوا أمام باب المبنى، حاول التقدم من بينهم ~~عله يستطيع التحدث إلى مسئول الشرطة الواقف على عتبة الباب ويحمل ~~بيده سوطا وعلى ذراعه قرب الكتف نجمة داوود الزرقاء، وينظر نظرة ~~ترفع واستحقار نحو الواقفين ولا يقبل التحدث إلى أحد، كان الحاضرون ~~من يأسهم للوصول إليه يوجهون مطالبهم بصوت عال: «يا سيدي دعني ~~أدخل، أطفالي سيموتون»، «يا سيدي لقد تم مصادرة دكاني»، وتعالت الأصوات ~~فشعر بعدم جدوى إشراك صوته إلى صوتهم غير المسموع، فآثر الخروج من ~~بينهم، وقف بعيدا ينظر ما تئول إليه هذه الأصوات المتعالية، هل ~~سيسمعهم أحد أم إنها تذهب أدارج الرياح؟ # حاولت الشرطة تفرقة الناس بالكلام والرفض ms085 لدخول أي أحد ولم ينفع، ~~كان لا بد من استخدام القوة كالعادة؛ فالشرطي غير محاسب مهما فعل هنا، ~~ما قيمة البشر في الغيتو حتى يتم محاسبة أحد من السلطة المزعومة أو ~~ممن يحمونها، لم يلزم الأمر سوى سحب أحد الواقفين وإشباعه ضربا ~~بالسياط، فارتدع الباقون وتفرقوا صامتين خائفين، كان صوت السياط أقوى ~~أثرا من الصياح كالعادة. # بقي هناك ينتظر الفرصة المناسبة لكي يجازف بالسؤال عن إمكانية دخوله ~~إلى المبنى لمقابلة مسئول شئون مرضى الغيتو في المجلس، لكن الخوف قد ~~تسلل إلى جوفه عندما رأى سياطهم تشق الملابس المهترئة لذلك المسكين، ثم ~~تذكر مقولة الطبيب «المال يفتح الأبواب الموصدة في الحياة»، فأخرج ~~خمسة ماركات من جيب معطفه، ثم سار بخطوات ثابتة واقترب من أحد رجال ~~الشرطة الواقفين في زاوية المبنى من الجهة الشمالية وقال له بصوت ~~منخفض: إن استطعت إقناع مسئولكم للسماح لي بالدخول فسأعطيك خمسة ماركات ~~وأعطيه ما يشاء. # حرك العملة الورقية بيده ليتأكد من امتلاكه لها، انفتحت عيناه ~~وانفرجت أساريره فرحا. ~~- اصبر هناك قليلا. # قال مايكل في نفسه: «أنا لا أعلم مدى حب البشر للمال، لكنني أجزم أن ~~لا أحد يحب المال كما نحن اليهود، هناك عشق أزلي بيننا وبينه حتى أشعر ~~أن بعضنا يعبده!» # بعدها تحرك الشرطي نحو مسئوله وهمس في أذنه، وأشار إلى مايكل ~~بإصبعه، وتحدثا قليلا ثم عاد إلى مكانه، غمز بعينه اليسرى لمايكل ~~فاقترب منه مرة أخرى. ~~- أخبرني هل قبل؟ ~~- نعم، لكنه يريد ثلاثين ماركا. ~~- ثلاثين! ~~- نعم، وبدونه لا يمكنك الدخول. # فكر قليلا، كان المبلغ ضخما بالنسبة لما هم فيه، لكن لا خيار ~~أمامه، سارة أم ثلاثون مع خمسة له، خمسة وثلاثون ماركا! هذا المال ~~يكفينا مدة شهر هنا، يا لطمعهم، يهود بيننا وهكذا نبتز ونستغل بعضنا ~~بعضا، لم يكن مخطئا ذلك المذيع الذي اتهم اليهود بالاستغلال ~~والابتزاز يوم كنا في ميونخ، أخرج ثلاثين ماركا ووضع فوقها خمسة ~~ماركات وأعطاه مع ابتسامة صفراء، أخذها الشرطي ووضع في جيبه خمسة عشر ~~ماركا ثم توجه إلى مسئوله، ms086 بقي مايكل مصدوما مما فعل، قال في نفسه: ~~عليك اللعنة. # كان وراء الباب موظف استعلامات سأله مباشرة: ماذا لديك؟ ~~- أختي الصغيرة مريضة بالتيفوئيد، علني أستطيع إقناع مسئول شئون ~~المرضى بنقلها إلى المشفى خارج الغيتو. ~~- إلى الطابق الثاني من هنا ستجد أمامك ممرا مثل هذا الممر، مكتبه ~~هي الغرفة الثالثة من على اليمين. # وبينما مايكل يعتلي الدرج رأى ضابطا نازيا بكامل قيافته صدم ~~للوهلة الأولى، إنه نفس الضابط الذي وقع عنده تعهد ترك ألمانيا في ~~معسكر داخاو، توقفت كل جوارحه عن الحركة، أصابه الجمود وتذكر أيام ~~المعسكر المريرة، مر من جانبه والابتسامة تعلو جبهته، لو رأيته في ~~الشارع لقلت إنه من ألطف وأرق ما خلق الله، لكن مجرد رؤيته بالنسبة ~~لمايكل ولنزلاء المعسكر يسبب ضيقا في التنفس وشللا عن ~~الحركة. # أخذ نفسا عميقا كي يعيد نشاط الدورة الدموية في جسده، ثم أكمل ~~طريقه إلى الطابق الثاني وهو يتساءل: ماذا يفعل هذا الضابط هنا؟ لا بد ~~من أن هنالك أوامر جديدة ببرنامج إعادة التوطين. # طرق باب الغرفة الثالثة من الجهة اليمنى. ~~- تفضل. # عندما دخل رأى المسئول قد وضع كفه على جبينه والأخرى على خصره، ~~ويخطو ذهابا وإيابا خلف مكتبه وكأن أمرا جللا سيحصل وهو في حيرة ~~من أمره، التفت إلى مايكل وأشار بيده: اجلس هناك. # مرت دقائق على جلوسه والمسئول غارق في التفكير والحيرة، تنحنح ~~مايكل قليلا: سيد «مارك»، هل أستطيع التحدث إليك؟ # قرأ مايكل اسمه من اللوحة الخشبية الموضوعة في مقدمة مكتبه، نظر إليه ~~ثم جلس. ~~- هات ما عندك! ~~- أختي الصغيرة يا سيدي. ~~- ما بها؟ ~~- لقد أصابتها حمى شديدة منذ ليلة البارحة، واليوم صباحا بالكاد ~~وجدت طبيبا ليفحصها، فأخبرني أن أعراض المرض توحي أنها مصابة ~~بالتيفوئيد ويجب نقلها إلى المشفى خارج الغيتو حالا وإلا ستموت وتنقل ~~المرض إلينا. ~~- خارج الغيتو! # قالها متعجبا. ~~- سأعطيك المبلغ الذي تريده، فقط أنقذها يا سيدي ودعهم ينقلونها إلى ~~المشفى أرجوك. # أخذ نفسا عميقا ثم زفيرا بصوت مسموع وهو يخرج سجلا من تحت ~~الأوراق المبعثرة على مكتبه: ms087 ما اسمها الكامل وعنوانها؟ # ارتسمت الفرحة على وجه مايكل، ذكر له الاسم والعنوان ~~بالتفصيل. ~~- عرفت العنوان، إنه نفس المبنى الذي تسكن فيه عمتي لكن في الطابق ~~الثالث. ~~- الحقيقة نحن لم نتعرف على الجيران بسبب الوضع الخاص للحياة هنا، ~~معذرة يا سيدي، لكن هناك نظرة احتقار من يهود وارسو الأصليين ~~تجاهنا. ~~- أعلم ذلك، لا تكمل، ليس ذنبكم الذي يحصل ولستم سعداء بهذا السكن ~~أو بالأحرى بهذا الجحيم، لكن الكل هنا مغلوب على أمره تحملوهم، ماذا ~~تفعلون؟ لا خيار أمامكم. ~~- لم أقصد التحمل، بل قصدت لا نستطيع إقامة علاقة عائلية معهم؛ ~~ولذلك قلت لك إنني لا أعرف عمتك. ~~- لا تتعرف عليها، خذها نصيحة مني. # قالها متهكما، ابتسم مايكل بوجهه وهو يقول: أتمنى أن تزورنا إذا ~~قدمت إليها. ~~- أنا أزورها كل شهر مرة، إن حصلت لي فرصة سأزوركم. ~~- أهلا بك سيدي، لكن معذرة كم سيأخذ من الوقت لحين نقلها إلى ~~المشفى؟ ~~- الحقيقة كان ضابطا رفيع المستوى من النازية قبل قليل هنا ... لا، لا ~~شيء، غدا صباحا سأبعث من يأخذها من البيت فجهزوها، ولا يمكنكم ~~مرافقتها هي فقط من ستخرج من الغيتو، حاولوا أن تودعوها جيدا، فهذا ~~المرض خطير كما تعلم. # صافحه مايكل بحرارة وشكره كثيرا على تعاونه معه ثم خرج. عند عودته ~~إلى البيت، رأى قرب الباب الرئيسي للغيتو قد تم جمع قرابة ثلاثمائة شاب ~~من أحياء الغيتو، كانت الشرطة اليهودية من تنظم الطابور، والضابط ~~النازي قرب الباب يتأكد من الأرقام والعدد المطلوب، قالوا إن هؤلاء ~~يتم ترحيلهم ضمن برنامج إعادة التوطين، لكن لماذا الشباب الذين تتراوح ~~أعمارهم بين العشرين والأربعين فقط يتم ترحيلهم، أين زوجاتهم وأطفالهم ~~وأهلوهم؟! هل التوطين للشباب فقط؟ لا بد أن هناك سرا وراء هذه ~~التصرفات الغريبة. # لم يكن الخبر الذي حمله إلى أمه حول سارة مفرحا كما كان يتوقع، ~~كيف تتركها وحيدة وهي مريضة وبأمس الحاجة إليها، هذا الذي لم يفكر به ~~مايكل، قال في نفسه: «إن محبة الأم تزداد لأولادها كلما كانت حاجة ~~أحدهم إليها أكثر.» وهكذا ms088 كان حالها جراء خبر أخذ سارة وحدها إلى ~~المشفى دون أن ترافقها هي، فبقيت الليلة كلها تبكي على رأسها وتقرأ ~~المزامير وتدعو الله أن يعيدها سالمة بأسرع وقت. # في الصباح جهزت الأم سارة وألبستها أجمل ما لديها من الثياب وبقيت ~~تحضنها طول وقت الانتظار. ~~- كفاك يا أمي، سينتقل المرض إليك، من لنا غيرك إذا وقعت طريحة ~~الفراش؟ دعيها أرجوك ستعود قريبا سالمة وتحضنينها كما تشائين. # وبينما مايكل يقنعها بترك سارة طرق الباب، فتح ديفيد لهم، فدخل ~~رجلان قد وضعا الكمامات على أفواههما إلى البيت، وضعاها على الحمالة ~~وأنزلاها إلى العربة الخاصة لنقل المرضى، ثم انطلقت السيارة مسرعة نحو ~~البوابة الرئيسية. # | الفصل التاسع عشر # مدينة وان - تركيا 1897م # كيف يمكن أن ينتصر الضعف على القوة، والقلة على الكثرة؟ هل الإيمان ~~بالقضية أم العزيمة والإصرار عليها؟ ثم من يقول إن أصحاب القوة ~~والكثرة لا إيمان لهم ولا إصرار لديهم على قضيتهم؟! كل الأمم مؤمنة ~~بقضيتها وترى أنها عادلة فيها وتدافع عن الحق من وجهة نظرها؛ إذ إن ~~الحق حمال أوجه. يذكر في الموروث العربي أن رجلا تخاصم مع جاره ~~فجاء شاكيا إلى جحا الأذى الذي ألحقه جاره به، بعد سماع شكواه قال له ~~جحا: «الحق معك.» وما إن خرج الرجل حتى دخل خصمه على جحا فأخبره ~~بالقصة من وجهة نظره، فقال له جحا: «الحق معك.» خرجت زوجة جحا إليه ~~وقالت مستغربة: «كيف يكون الخصمان على حق؟!» فرد عليها جحا: «وأنت ~~أيضا على حق.» على الرغم من الطرافة الموجودة في القصة فإن فيها ~~مدلولا عميقا في مفهوم الحق؛ إذ نستطيع الجزم أن الأرض تكاد تخلو من ~~أمة على باطل، الكل على الحق وإن ظلموا وإن قتلوا واستباحوا ما ليس ~~لهم؛ فلديهم مبررات وتفسيرات منطقية أو دينية تخصهم لكل ~~شيء. # كانت الأفكار المكسوة باليأس تدور في خلد أرتين بعدما فشلت الثورة ~~في «وان»، وانسحبت جميع الفصائل منها إلى الجبال والقرى الأرمنية ~~الموالية للثورة .. ولم تنجح خطة التضحية البلغارية مرة أخرى، لم ~~تتدخل روسيا عسكريا ms089 ولا الدول الأوروبية، وساءت أحوال الأرمن في ~~المدينة. كان أرتين يحدث نفسه عن النتيجة التي خرجوا بها من الثورة ~~وخسارة عشرات المقاتلين، ويقول: «دخلنا المدينة لنصرة أبناء شعبنا ولم ~~نستطع الصمود، ولا الوصول إلى هدف العملية، ومن ثم فررنا منها وتركنا ~~الأرمن وراءنا يلاقون جريرة أفعالنا، وأصبح حال الأرمن في المدينة، ~~إذا خرجوا إلى السوق خرجوا على شكل مجموعات خشية الوقوع فريسة ~~الأعمال الانتقامية الفردية، وكل ذلك لم يحصل لولا الثورة الفاشلة، لا ~~أدري ماذا نفعل نحن؟! أحيانا أظن أحلامنا أكبر بكثير مما نعمل من أجل ~~الوصول إليه، وأننا نرتكب الحماقات ضد شعبنا الذي لا يعلم من أين ~~يتلقى الضربات الموجعة.» # كان الطبيب يعالج إصابة بانوس في الغرفة المقابلة حيث يجلس أرتين، ~~وغريغور قد تجمع حوله خمسة مقاتلين في باحة الدار يتكلم بحماس شديد ~~عن بطولاته في الثورة، وأنه لم يرض بالانسحاب، كان بإمكانه رد ~~العثمانيين لو حصل على العتاد الكافي وبعض المقاتلين الأشداء؛ ~~فالانسحاب بنظر غريغور جبن لا يليق بالرجال، كان يتكلم متحسرا ~~على ذلك القرار غير الموفق حسب رأيه، لكنه يعود ويبتسم وبحركة مضحكة ~~يمثل لهم كيف انقض على الجندي الذي حاول التسلل إلى الحي الأرمني ~~في الليل، ثم أمسك من رأس أحد الجالسين ليبين لهم كيف كسر رقبة ذلك ~~العثماني، كان المقاتلون لا يحلو لهم السمر إلا مع غريغور، فحديثه ~~شيق ومليء بالبطولات التي تهفو نفوسهم إليها، وهو لا يتكلم دون ~~فعل؛ فالجميع يشهدون بشجاعته وإقدامه. كان غريغور يحمل في جوفه قلب ~~طفل ببساطته ووجهه الدائم الابتسامة والمرح حتى في أشد الأوقات لا ~~يصيبه اليأس ولا يهتز حماسه، لا يفكر كأرتين وبانوس بالنجاحات ~~والإخفاقات، فهو يحارب لأجل أن يحارب؛ لأنه يجد نفسه بتلك الأجواء ~~القتالية. ~~••• # كان ديكران يجري نحوهم على ظهر فرسه الأسود اللامع كالريح وكأنه ~~يحمل خبرا مصيريا في جعبته، وما إن وصل مشارف القرية التي احتموا ~~بها بعد فشل الثورة حتى خرج إليه أحد المقاتلين، أخذ اللجام من يده، ~~ثم ولج هو على عجل عند ms090 القائد فارتان بعدها استدعي أرتين إلى ~~الداخل. # حينما ولج الغرفة رأى فارتان قد وضع أحجارا متفرقة على سجاد فارسي ~~أحمر منقوش عليه طاووس كبير يغطي الجزء الأكبر منه، يشرح الخطة ~~للحضور، جلس قرب ديكران ليستمع. ~~- الطريق من هنا يمر خلال نتوءات صخرية وأخاديد رسمتها مياه الأمطار ~~الغزيرة على جانبيه، وفيه يضعف أي قوة مهما كان عددهم وعدتهم، يحتمي ~~المقاتلون خلف الصخور ونطوق هذه النقطة ويكون القناص هنا في أعلى ~~نقطة. # كان اختيار المكان دهاء كبيرا من قائد العملية «فارتان» ودليلا ~~على معرفته الجيدة بكل تضاريس المنطقة. # كانت العملية تستدعي الكثير من المقاتلين لأجل نصب كمين كبير ~~لقافلة زكي باشا القادمة من أرضروم مقر قيادة الفرسان الحميدية نحو ~~مدينة وان، ثأرا لقتلى الثورة. # في صباح يوم العملية انطلق أرتين على صهوة جواده خلف قائده المباشر ~~ديكران إلى الوادي الذي سيمر منه موكب زكي باشا، وأخذ كل مقاتل ~~موقعه في المهمة كما خطط فارتان، تركز مواقع القناصة في أعلى نقطة ~~على جانبي الطريق، وانتشر المقاتلون خلف الصخور متأهبين للعملية، كانت ~~مهمة أرتين هي التركيز بالتصويب على الحراس القريبين من زكي باشا، لفتح ~~باب الرؤية للقناص في الأعلى على الهدف حسب الخطة المرسومة. # كانت منطقة صخرية جرداء فيها منحدرات شاهقة، وعلى الحافة وقف طائر ~~بري رمادي اللون يصدر صوتا متقطعا، ثم يطير من قمة صخرة إلى أخرى، ~~انتبه أرتين على يساره فإذا بحرباء أخرجت رأسها من ثقب صغير على ~~الصخرة تراقبه بصمت وحذر متلونة بلون الصخور لا يمكن تمييزها إلا إذا ~~دققت النظر فيها، ابتسم بوجهها أرتين وقال لها اطمئني لم نأت هنا ~~لقتلك، فقط سنزعجك قليلا بأصوات البنادق، ولأجل ذلك سنترك لك جثة زكي ~~باشا بعدما نقتله هو وجنوده، ستكون وجبة دسمة لك ذلك الدود الذي ينهش ~~لحمه. # سمعت أصوات أحصنة تقترب من المكان، بدأ المقاتلون يشيرون بأيديهم ~~ملوحين بأيديهم أنهم قد وصلوا، كان نظام الحراسة العثمانية للقادة ~~والشخصيات الكبيرة في الدولة مشابها تماما في جميع المواكب؛ ففي ~~المقدمة كانت هنالك أربعة ms091 فرسان بزيهم العثماني الخاص للحرس على صهوة ~~جوادهم، يليهم فارسان أمام عربة «زكي باشا» وفارسان خلفها، وفي النهاية ~~أربعة فرسان أيضا، والجنود المشاة على جانبي العربة قد جعلوا طوقا ~~مستطيلا حول العربة. # عندما وصلت العربة إلى منتصف الكمين رفع «فارتان» يده وأنزلها إشارة ~~ببدء إطلاق النار. # في الطلقات الأولى أصاب أرتين أحد الفرسان الأماميين فسقط من على ~~جواده، وبدأ تبادل الإطلاقات النارية، فتوجه جزء من المشاة إلى ~~العربة لحماية «زكي باشا»، واشتبك الباقون مع المهاجمين، كان الحرس ~~يسقطون قتلى تباعا لكنهم يستبسلون بالدفاع عن زكي باشا حتى بعد ~~إصابتهم، يقفزون بأجسادهم إليه لكيلا يصيبه أذى وهم على وشك الموت! ~~ثم كانت المفاجأة، صاح ديكران: احذروا هنالك هجوم من الخلف! # ارتبك المقاتلون، أدار وجهه أرتين، وإذ بجنود يلبسون نفس زي حرس ~~زكي باشا يطلقون النار من الخلف، سقط القناص من أعلى المنحدر، كانوا ~~يعلمون بخطورة المكان، فتم إرسال جزء من حماية الموكب خلف الوادي ~~تحسبا لتعرضهم إلى كمين محتمل، حينها تحول حالهم من أصحاب ~~الكمين والمسيطرين على المكان إلى فرائس كمين آخر، لكن كثرة عددهم ~~وتمركزهم الجيد خلف الأحجار الكبيرة ووجود الأخاديد ساعدتهم في ~~الاختباء. # تحول القتال نحو الوراء، ولم يكن بمقدور حماة الباشا المهاجمة؛ لأن ~~الكثير منهم قتلوا في بداية الهجوم. كان ديكران قرب أرتين حين أتت ~~طلقة برأسه فأردته قتيلا على الفور، صرخ أرتين بأعلى صوته ديكرااااان! ~~ثم وضع رأسه المخضب بالدماء في حضنه وتكور عليه، كان الدم يتدفق ~~من رأسه وكأنه نبع ماء لا ينضب، صرخ أرتين: ديكران أرجوك لا تمت، ~~ديكرااان! # ضمه أرتين إلى حضنه والدموع تذرف من عينيه دون إرادة، مر على ~~مخيلته اللقاء الأول بينهما يوم أردفه على الحصان بعد عملية ~~الاغتيال الفاشلة لبحري باشا، تذكر ابتسامته، مواقفه، إقدامه، شجاعته ~~في ثورة وان، إخلاصه للثورة حتى وهب أغلى ما يملك لأجلها، أقسم أرتين ~~أن ينتقم له، قبل جبينه وأغلق عينيه بمسحة من كفه ثم وضعه متكئا ~~على الصخرة وحمل بارودته وهو يصيح بأعلى صوته وكأنه ms092 يزأر كالأسد ~~المجروح ويدب الحماسة في قلوب المقاتلين، إلى أن أمرهم فارتان ~~بالانسحاب ولم تلحق بهم الفرسان الحميدية؛ لأن غايتهم كانت حماية ~~الباشا. # كان تأثير فشل العملية وخسارة ديكران والمقاتلين معه شديدا في ~~أنفسهم فأغاروا على قرية كردية في طريقهم ثأرا للقتلى، كانت القرية ~~مشابهة تماما لقرية أرتين اشتبكوا مع درك المخفر، حتى ألقوا أسلحتهم ~~واستسلموا، فتم اقتيادهم مع بعض رجال القرية إلى الساحة، كانوا يرتجفون ~~من الخوف ويبكون كالنساء. ~~- أرجوكم لا تقتلونا، لدينا أطفال ونساء. ~~- هيا، هيا تحركوا. # تم رصهم وسط الساحة، جهز المقاتلون بنادقهم، ركعوا الدرك مع ~~رجال القرية على ركبهم ووجوههم نحو البعيد، صوب ثلاثة من المقاتلين ~~فوهة بواريدهم إليهم، رفع القائد فارتان يده، ثم أنزلها مشيرا ~~بتنفيذ الإعدام، فانهالت الطلقات على أجسادهم، فبدءوا يتساقطون كأوراق ~~الشجر الصفراء في يوم خريفي عاصف. # كان أرتين في تلك اللحظة يعيش صراعا نفسيا مريرا في داخله، فكل ~~ما في تلك القرية يذكره بقريته وبالعصابات الذين تسببوا في انضمامه ~~للثوار جراء الظلم الذي كان يلحق بهم، وها هو يفعل ما كانت تفعله تلك ~~العصابات فيلين قلبه ويشعر بالذنب تجاه هؤلاء الذين لا ناقة لهم ولا ~~جمل بالذي حصل، لكنه يعود ويتذكر لحظة سقوط ديكران جثة هامدة بقربه ~~وتدفق الدم من رأسه، ودموع والده المختار وانكساره في ذلك اليوم، ~~فيقسو قلبه ويدفعهم بشدة إلى الموت. # كان أرتين قد صد وجهه عنهم أثناء التنفيذ وهو يصلي للرب بأن يغفر ~~لهم ما فعلوه؛ ففي كل مرة يتم محاسبة الأشخاص الذين لا علاقة لهم بما ~~حصل، لا يمكن السيطرة على روح الثأر عند المقاتلين بعد خسارة أصدقائهم ~~في الاشتباكات، فيتحول كل من في الطرف الآخر إلى عدو يجب قتله، ~~وهكذا بالنسبة للفرسان الحميدية في قتل الأرمن الأبرياء. # رفع الصليب إلى جبهته وأغمض عينيه، ثم بدأ يناجي الرب أن يغفر لهم عن ~~كل دم بريء سفكوه أو شاركوا بسفكه دون حق: «أيها السيد الرب يسوع ~~المسيح، الابن الوحيد وكلمة الله الأب، الذي غفر كل خطايانا، بآلامه ms093 ~~المخلصة المحيية، الذي نفخ في وجه تلاميذه القديسين ورسله الأطهار ~~قائلا: اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن منعتم ~~عنه الغفران، يمنع عنه. نسألك يا محب البشر، من أجلي أنا الخاطئ، ~~ومن أجل إخوتي وأخواتي، نحن المنحنين أمام مجدك القدوس، ارحمنا واغفر ~~خطايانا، التي ارتكبناها، بالفكر، والقول، والفعل، والإهمال. اغفرها ~~لنا، بالسلطان الذي أعطيته لكنيستك المقدسة، الرسل الأطهار. باسم ~~الثالوث القدوس، الأب والابن والروح القدس، الإله الواحد. ~~آمين.» # | الفصل العشرون # القدس - فلسطين 1944م # ما فتئ البشر يقتتلون فيما بينهم على الخيرات والأراضي على مر ~~التاريخ، كل فرقة ترى الأحقية المطلقة لها في الأرض دون غيرها، وما ~~إن توافرت لها أسباب القوة والتمكين حتى بطشت بغيرها، وليس المظلوم هنا ~~مظلوما بالمعنى الحقيقي، فلو تمكن وتوافرت له الأسباب لفعل ما فعل ~~به هو أيضا، في حين أن الخير يكفي الجميع، والأرض تسعهم وتزيد، لكن ~~الإنسان مجبول على الطمع والزيادة ولا يشبعه سوى التراب. وفي هذا ~~المعنى قصة لثلاثة رجال من بني إسرائيل خرجوا يوما في سفر، وعلى ~~طريقهم وجدوا صخرة كبيرة من ذهب لا يستطيعون حملها من شدة ثقلها، ~~فاتفقوا فيما بينهم أن يرسلوا أحدهم إلى إحدى القرى القريبة فيأتي لهم ~~بزاد وفأس ليحطموا بها الحجر فيسهل حملها بعد توزيعها بينهم ~~بالتساوي. # بعد رحيل أحدهم إلى القرية، اتفق الاثنان على قتله حالما يعود ~~ليتقاسما الذهب بينهما، وفكر الثالث بأن يضع سما في الطعام ~~ويوهمهما أنه أكل في القرية ليأخذ الذهب له وحده بعد موتهما بالسم، ~~فما إن عاد حتى أخذه أحدهما على غفلة وضرب قفاه بحجر فسقط ميتا في ~~مكانه، وقبل أن يحطموا الصخرة الذهبية جلسا يأكلان الطعام الذي أتى ~~به صاحبهما، وما إن انتهيا حتى سقطا أرضا وفارقا الحياة، وفي النهاية ~~ماتوا جميعا حول الصخرة ولم يحظ أحد منهم بالذهب، في حين كان ~~باستطاعتهم جميعا الحصول عليه لو اقتنعوا بحصتهم .. والقدس كالصخرة ~~الذهبية يا أبنائي ومعتنقي الأديان من «اليهود والمسيحيين والمسلمين» ~~كهؤلاء الثلاثة. # استغرب هشام من كلام الأستاذ محمود ms094 ووضعه للمسلمين في خانة الاتهام ~~بالظلم وعدم تفريقه لهم عن البقية! فلم يتمالك نفسه حتى رفع يده ليسأل، ~~فسمح له الخطيب بالكلام: أستاذنا الفاضل، كيف يمكن وضع المسلمين في ~~خانة واحدة مع النصارى الذين اغتصبوا أرضنا مع أعوانهم اليهود الطامعين ~~بها؟ # دهش الطلاب من كلام هشام الذي استشاط غضبا وحمية على أرضه ووطنه، ~~والتفت الجميع إليه يرمقونه بنظراتهم .. فابتسم الأستاذ محمود ورد ~~عليه بهدوء كعادته: بني: هنالك فرق كبير بين الأديان وبين أغلب ~~معتنقيها؛ فليس كل من قال أنا مسلم فهو مسلم حقيقي يمثل الإسلام ~~الصحيح الذي يأمر به كتابنا وسنة نبينا الشريف، وكذلك الحال عند اليهود ~~والنصارى. الأديان الثلاثة من مصدر واحد # وإلهنا وإلهكم واحد ~~، وهذه الأرض المباركة ~~هي أرض للجميع لا يمكن لأحد إزاحة الآخر عنها، ولم يأمر الله في ~~كتبه المنزلة بإزاحة أحد منها والاستيلاء عليها بالكامل لصالح ~~دين معين، لكن الإنسان يستخدم الدين على هواه ولأغراض سياسية ~~تارة، وبسط للنفوذ تارة أخرى، فيقتل باسم الدين ويذبح ويهجر ~~ويستبيح، وكلها تأويلات غير صحيحة للنصوص الدينية، ولو أمر الله في ~~كتابه أن نستولي على الأقصى لنا وحدنا ونخرج البقية منها لتساءلنا ~~لماذا جعل هذه الأهمية للقدس في الأديان الثلاثة، ثم أمر أتباع كل ~~دين بأن يستولوا عليها بكتابهم؟! ولقلنا لماذا جعل القبلة الأولى ~~للمسلمين الأقصى وقدسه عندهم ثم غير القبلة إلى الكعبة وبقي ~~التقديس؟ كان يكفي أن يجعل القبلة هي الكعبة من البداية ولا يضع أي ~~قدسية لها عندنا وينتهي الأمر، وكذلك لماذا أخرج اليهود من مصر إليها ~~وأمكنهم فيها على قوم جبارين ولم يمكنهم هناك في مصر وجعلهم ~~يقدسون هذه الأرض؟ ولماذا بعث عيسى هنا ولم يبعثه في روما مثلا ~~وجعلها مقدسة عند أتباعه وانتهى الأمر؟ هذه الأسئلة يجب أن نفهم ~~رسالة الله لنا فيها قبل أن نجيب عليها وإلا لقلنا إن الله يريد الشر ~~بأتباع رسالاته وقد وضع بينهم العداوة والبغضاء في ذلك، لكن الله ~~سبحانه يريدنا أن نفهم أن هذه الأرض للجميع لا يلغي أحد ms095 وجود الآخر، ~~وهي دلالة مادية بائنة ومثال حي على أن منبع الرسالات السماوية ومصدرها ~~واحد لا يتجزأ ومن عنده هو وحده وتأكيد على أن الأديان مكملة وناسخة ~~لبعضها وليست مبطلة لما قبلها. # لم يقتنع كثيرا بما قاله الأستاذ وهم بأن يرد عليه، لكن حسن أدرك ~~صاحبه فسحبه من أسفل قميصه لينبهه بعدم الرد واحترام رأي الأستاذ، ~~فسكت وبلع ما أراد قوله. # عند باحة الأقصى عاد الحوار من جديد، وكان حسن قد اقتنع بكلام ~~الأستاذ محمود، لكن هشاما ظل في ذهنه أسئلة كثيرة فنصحه حسن: اذهب ~~إليه في مكتبه وحاوره وحدكما، لا تطرح مثل هذه الأسئلة أمام الطلاب ~~فتنفتح الأعين عليك وتجلب الشكوك حولك، وأنت منتم للمقاومة، وكلامك ~~وتحركاتك يجب أن تكون مدروسة؛ فهنالك الكثير بيننا ممن يعملون مع ~~الاحتلال وينقلون لهم الأخبار في السر. # اقتنع هشام بكلام حسن، لكن بقي الدم يغلي في عروقه، فحماسه الشديد ~~وانتماؤه الجديد للمقاومة ومشاركته الأخيرة في العملية الناجحة ضد ~~دورية جنود الاحتلال زرعت في نفسه مفاهيم أكثر حدة في التعامل مع ~~المحتل وأعوانه. ~~- ومن ثم يا حسن، هؤلاء معتدون قد أتوا من بلاد بعيدة ليحتلوا ~~أرضنا وينهبوا خيراتها، ومن قال نحن طردنا المسيحيين من القدس أو حتى ~~اليهود، فأهل البلد هم أهلنا وما دفاعنا عن الأرض إلا دفاع عن الجميع ~~أمام العدو الغريب عن الأرض، وهل رابطة الدين أقوى من رابطة الأرض ~~والتاريخ المشترك لكي ينسلخ الإنسان نحو من ينتمون إلى دينه ويخون من ~~يتقاسم معهم الأرض والجيرة لقرون طويلة؟ ~~- لا بالتأكيد، لذلك ليس كل المسيحيين يؤيدون الاحتلال، ولا حتى كل ~~اليهود يؤيدون الهجرة إلى هنا. ~~- ولا نحن نعتدي عليهم. ~~- لكن هذا لا يخفى على المحتل الغريب الذي بدأ بزرع بذور الفتنة ~~بيننا وبينهم وتسبب في حوادث قتل مفتعلة هنا وهناك؛ ليدفع كل طرف ~~إلى الاستقواء بقومه وأتباع دينه، وهكذا فرق الصف وكسب الكثيرين منهم ~~بدعوى الأخوة الدينية وتوفير الحماية لهم. # وبينما هم كذلك خرج بنيامين أمامهم فجأة، ومن دون أي مقدمات وجه ~~سؤالا ms096 لحسن: أتؤمن بكل الكتب السماوية؟ # دهش حسن من تصرفه وقطب حاجبيه مستغربا وهو ينظر بوجه هشام، ثم ~~التفت إليه مبتسما: نعم أومن؛ فهو الركن الثالث للإيمان ~~عندنا . ~~- وتؤمن بإبراهيم؟ ~~- عليه السلام أبو الأنبياء وخليل الله، بالتأكيد أومن، لكن أين تريد ~~أن تصل؟ كفاك أسئلة غريبة. ~~- ما دمت تؤمن بالكتاب والنبي فاسمع ماذا جاء فيه: «في ذلك اليوم قطع ~~الرب مع إبرام ميثاقا قائلا لنسلك أعط هذه الأرض، من نهر مصر إلى ~~النهر الكبير، نهر الفرات.» فكيف تقول هذه الأرض ليست لكم؟ # سكت حسن هنيهة، كانت تلك المرة الأولى التي يسمع فيها آية من كتاب ~~اليهود «التوراة»، ارتسمت ابتسامة على وجه بنيامين وظن أنه أسكت حسن ~~وحاصره في زاوية ضيقة، فجاءه الرد مباغتا. ~~- لو كانت الأرض له بالأصل لماذا يعده الرب بها إذن؟ أليس هذا ~~دليلا صريحا أنها لم تكن له؟ ~~- الأرض للرب يهبها لمن يشاء. ~~- ومن قال إن نسل إبراهيم اليهود فقط؟! أليس إسماعيل من نسله وأكبر ~~أبنائه؟ ~~- هو ابن جارية، ولم يكن وعد الرب يشمل نسله، الوعد لنسل إسحاق ~~فقط. ~~- وهل الرب الذي تؤمنون به يفرق بين الأبناء ويميز بين خلقه على ~~شيء هو خلقه فيهم ولم يختره الإنسان بنفسه؟ ومن ثم لو كنتم مؤمنين ~~حقا بهذا الوعد الرباني لما تركتموه وراءكم واتكأتم إلى وعد بلفور ~~البشري؟ ألهذا الحد استهنتم بوعد الرب حتى لجأتم إلى البشر؟ # ارتسم على وجه بنيامين الدهشة، وحار ماذا يجيب وبماذا يرد؟ فحمل نفسه ~~ورحل دون أن ينبس ببنت شفة، فتعالى صوت ضحكهما وهما ينظران إلى ~~بنيامين وهو يمشي ثم يركض ثم يلتفت وكأنه مخبول. # كان تأثر حسن الشديد بالأستاذ محمود الخطيب وكثرة سؤاله له حول هذه ~~المسائل ودخوله في نقاشات كثيرة معه، قد كون عنده سرعة البديهة مع ~~مخزون جيد من المعلومات الدينية التي تعينه في مثل هذه ~~المواقف. # | الفصل الحادي والعشرون # غيتو وارسو - بولندا 1941م # هؤلاء الأطفال المشاكسون لا يعرف الخوف طريقا إلى قلوبهم، إنهم ~~يفعلون ما لا يستطيع الكبار مجرد التفكير فيه ms097 هنا في هذا الغيتو ~~اللعين، لكن الحاجة لا تعرف المستحيل، إنه الحرمان من أبسط متطلبات ~~الحياة، والجميع يدرك، صغارا وكبارا، أن هذا الجدار العازل المبني من ~~الطوب الأحمر هو الحد الفاصل والحجب والتقنين، وكل من يعبره يعبر إلى ~~الحياة، وكل من يقبع خلفه يقبع في الجحيم، في الجوع والعوز والموت ~~البطيء. # كان أولئك الأطفال قد تمكنوا من عمل فتحة صغيرة تسمح لأجسادهم ~~النحيلة بالعبور من خلالها في إحدى الزوايا البعيدة عن الأنظار لسور ~~الغيتو، صادفهم مايكل وهم يحملون البعض من قطع الخبز والحلوى والفواكه ~~التي سرقوها من الدكاكين، كانت الفرحة المرتسمة على وجوههم بالعودة ~~سالمين مع الغنيمة أجمل شيء ممكن رؤيته في ذلك الجحيم، تمنى مايكل ~~لو أنه طفل مثلهم ويخوض معهم تلك التجربة الخطيرة والمسلية كثيرا ~~بالنسبة لهم، ما أعظم تلك الطفولة التي خرقت قانون أعتى وأجرم منظومة ~~عسكرية في العالم، واستطاعت أن تغتنم منهم ما تريد دون سلاح أو تخويف ~~كما يفعلون هم في العادة. شعر مايكل حينها أن الشجاعة لا تحتاج إلى ~~سلاح أو قوة عضلية بقدر ما تحتاج إلى قلوب لم تذق ذل الخضوع، ولا ~~تعترف بمن حولها مهما كان إجرامه وبطشه شديدا ولا تمتلك الرحمة ~~والشفقة طريقا إليها. # كان الوقت بعد الغروب والجو مائلا إلى العتمة مع القليل من ضوء ~~النهار الخافت، حتى توقيت دخولهم كان مدروسا؛ ففي هذا التوقيت يقل ~~نشاط الحرس بعد دخولهم جميعا إلى الغيتو أعادوا رص الطابوق فوق ~~بعضها البعض لغلق الفتحة وعدم إثارة الانتباه لوجودها، ثم فروا ~~هاربين إلى مأواهم. # مرت ثلاثة أيام على أخذهم سارة إلى المشفى، شعر مايكل بأمر غريب ~~وهو يتجول كالعادة في أزقة الغيتو؛ إذ لم يعتد الجلوس في البيت مذ ~~كان في ميونخ، ما عاد يرى أولئك المرضى والمعاقين الملقين على قارعة ~~الطريق، لقد اختفوا جميعا! قال في نفسه متسائلا: ما الذي حل بهم ~~يا ترى؟ هل وجدوا من رفق بهم وأنقذهم من القذارة التي كانوا عليها؟ ~~لكن الكل مرة واحدة؟! لا يعقل ذلك، لا ms098 بد من أمر قد حصل لهم، ~~التغييرات التي يمكن ملاحظتها في الغيتو لا تكون إلا بالتدخل النازي ~~وأوامرهم إلى عملائهم في المجالس اليهودية. # في زقاق المبنى رأى سيارة شرطة واقفة أمامه، للوهلة الأولى تسلل ~~الخوف إلى قلبه، لكنه تذكر وجود عمة السيد مارك في المبنى، ويبدو من ~~وقوف الحرس والهدوء في المكان أنه قد أتى لزيارتها، ولا داعي للخوف من ~~اعتقال أو ضرب لأسباب مجهولة عادة، أسرع خطواته ليصل إلى البيت ~~وينتظره عند الباب لعله يستطيع سؤاله عن أوضاع سارة في ~~المستشفى. # انتظره عند الباب قرابة النصف ساعة حتى سمع صوته وهو يودع عمته ~~ويوصيها: «إذا احتجت شيئا فلا تترددي في إخباري.» ثم نزل من الدرج ~~وأحد حراسه خلفه، توجه إليه مايكل وقابله بابتسامة. ~~- السيد مارك أهلا بك في بنايتنا، هلا تفضلت بزيارتنا كما ~~وعدتني. ~~- أووه أنت، أذكر وجهك لكنني نسيت اسمك، اعذرني؛ فأنا أنسى الأسماء ~~عادة لكنني لا أنسى الوجوه. ~~- أنا مايكل كنت في مكتبك من أجل أختي المريضة بالتيفوئيد قبل عدة ~~أيام. ~~- آه! تذكرت أختك الصغيرة. ~~- بالضبط هي، تفضل لنضيفك شيئا. ~~- لا يمكنني الآن، لقد تأخرت كثيرا. ~~- أود أن أسألك عن حال سارة فقط ... ~~- نعم، نعم سأخبرك بكل شيء، تعال إلى الحانة غدا، سألتقيك هناك ~~ونتكلم بما تشاء. # إلى اللقاء الآن. ~~••• # كان رواد الحانة عادة من أعضاء المجلس والطبقة الراقية من الأغنياء ~~المتعاونين مع النازية وغيرهم من أصحاب النفوذ والسلطة؛ إذ تقام فيها ~~حفلات غناء ورقص، ويتم تقديم أفخر أنواع المشروبات والأطعمة الشهية ~~للحاضرين، وتلك كانت من سياسة النازية للحفاظ على عملائها ومن ~~ينفذون أوامرها دون نقاش من اليهود ضد اليهود. كان الحراس عند باب ~~الحانة من الشرطة اليهودية الحاملين لشارة نجمة داوود السداسية الزرقاء ~~على أذرعهم أسفل الكتف. عندما اقترب مايكل من باب الحانة وهو يريد ~~الدخول، أمسكه أحد الحراس من ياقته ودفعه بكل قوة حتى أوقعه ~~أرضا. ~~- هيا ارحل من هنا أيها القذر! # بالرغم من أن ملابسه كانت نظيفة وقد وضع عطرا خفيفا إلا أنه لم ms099 ~~يرق إلى طبقة زبائن الحانة بأناقتهم ورقيهم المصطنع، وقف ورتب ~~ياقته وقال للحارس: لقد أتيت لرؤية السيد مارك مسئول شئون المرضى في ~~المجلس، إنه ينتظرني في الداخل، أخبره أن مايكل عند الباب. # نظر إليه بحقد، وقال لصاحبه: أمسك به، سأذهب إلى السيد مارك وأعود، ~~وأرجو أن تكون كاذبا فيما ادعيت حتى أجعلك عبرة لأولئك القذرين الذين ~~يتربصون كالقطط السوداء حول الحانة. # بلع مايكل ريقه من الخوف، وقال في نفسه: ماذا لو نسي اسمي السيد ~~مارك وقال لهذا الخنزير إنه لا يعرف أحدا بهذا الاسم؟ لقد أخبرني ~~البارحة أنه ينسى الأسماء كثيرا، ما هذه الورطة الكبيرة التي وقعت ~~فيها يا مايكل؛ فأفراد الشرطة اليهودية كانوا يعتبرون أنهم كلما قسوا ~~على يهود الغيتو تزداد ثقة النازية بهم، وبذلك يحصلون على الترفيعات ~~أكثر فأكثر؛ لذا كانت قسوة الشرطة اليهودية في التعامل تفوق أضعاف ~~أضعاف قسوة أفراد الفرق النازية، حتى وصل الحال بين أفراد الشرطة إلى ~~التسابق فيما بينهم على البراعة في الإهانة والتعذيب أو حتى القتل. من ~~حسن حظه خرج السيد مارك إلى الباب مع الحارس ليتأكد من هو مايكل، ~~يبدو أنه قد نسي اسمه أيضا! لكن خروجه إلى الباب أنقذ مايكل من بطش ~~الحارس، عندما رآه مايكل عادت الروح إليه، ابتسم السيد مارك. ~~- أووه! أنت أهلا بك، هيا تفضل معي. # سحبه من يده وأدخله إلى الحانة وعينا مايكل في عين ذلك الشرطي وهو ~~ينظر إليه نظرة ذهول وخشية فاصفر وجهه، شعر مايكل أن الخوف قد انتقل ~~من قلبه إلى قلب الحارس، ماذا لو أخبر السيد مارك عن تعامله القاسي ~~معه؟ ماذا سيحل به؟ # كان السيد مارك في الحانة يبدو عليه نوع من السذاجة، يضحك كثيرا، ~~حركات يده الغريبة عندما يتكلم مع ملامح وجهه تظن أنه مجنون فعلا، ~~صاحب لهو ومرح واجتماعي لدرجة كبيرة ولديه علاقة جيدة مع كل الحاضرين، ~~فلمجرد الوصول إلى طاولته الخاصة استغرقا أكثر من ربع ساعة، كلما مر ~~أمام أحدهم ألقى التحية وهمس بأذن الشخص شيئا وتعالت ضحكاتهم، ثم ms100 ~~يكمل الحديث مع هذا وذاك. استغرب مايكل كثيرا، هذا نفسه السيد مارك ~~الذي التقاه في مكتبه؟! غريب أمره فعلا .. هنالك جدي إلى حد كبير ~~وهنا هكذا! # جلسا أخيرا وحدهما على طاولته الخاصة في إحدى زوايا الحانة، ألقى ~~مايكل نظرة حوله، الجدران البيضاء الناصعة والستائر الشفافة النظيفة ~~والروائح الزكية المتداخلة، روائح عطور نسائية مفعمة بالحياة والإثارة، ~~والندل يحملون كئوس الشراب ويوزعونها على الواقفين والجالسين، ~~أصوات ضحكات وتمايل وإغراءات جسدية ومفاتن ظاهرة ومكسية للحسناوات، ~~وبينما هو يتفحص المكان نسي أن السيد مارك جالس أمامه حتى أصدر صوت ~~ضحك وقال: هيه! أين أنت يا رجل؟ # وأتبع ذلك بضربة خفيفة على الطاولة. ~~- معذرة يا سيدي، لقد أشغلتني الأجواء الجميلة هنا؛ فقد مر وقت ~~طويل ولم أدخل مكانا كهذا. ~~- لا عليك، فالحسناوات أبسط ما لديهن أن يسلبن عقولنا ويأخذننا ~~بعيدا بعيدا جدا. # قالها وهو مغمض العينين وقد رفع رأسه إلى الأعلى ويلوح بيده، ثم ~~فتح عينيه وقال: دعنا منهن وقل لي ماذا تشرب؟ ~~- قهوة مرة. ~~- قهوة مرة! ألا تكفيك مرارة الحياة في الغيتو؟ # هز رأسه وهو يبتسم: لا عليك. ثم نادى النادل وطلب القهوة لمايكل ~~وشرابا له وبعض المقبلات والفواكه. عندما رحل النادل سحب منديله من ~~جيب ردائه ومسح جبينه وقال دون أن ينظر بوجه مايكل: لربما تظن بأنني ~~أسعد إنسان على وجه الأرض. ~~- الحقيقة نعم عندما رأيتك هنا وبهذا النشاط والحيوية، وكلا عندما ~~رأيتك حائرا ضجرا تفكر في مكتبك يوم جئت لزيارتك. ~~- أوه واو! لقد أعجبني تركيزك يا مايكل، لكن أيهما تظن حقيقة حياتي ~~والآخر تمثيلا؟ ~~- ولم الحقيقة والتمثيل، كل مكان له قوانينه وأجواؤه الخاصة، ~~هناك عمل ووظيفة رسمية تتطلب منك الجدية، وهنا مكان لهو ومرح، فلا ~~يعقل الجدية هنا كما لا يعقل الهزل هناك. ~~- ربما تكون محقا فيما تقول، لكن يبدو أنني لم أستطع إيصال فكرتي ~~إليك جيدا، المهم أنت هنا من أجل أختك المريضة التي تم نقلها إلى ~~المشفى. ~~- نعم، سارة، أخبرني أرجوك ألم تشف من المرض؟ أرأيتها؟ أخبرني ~~عنها أرجوك! ~~- مايكل، ms101 أريدك أن تسمعني جيدا، أنا لم أرد إخبارك بمصير سارة ~~عندما دعوتني إلى بيتكم البارحة خشية أن تسمع والدتك بما أقوله ~~لك. # تسلل الخوف إلى قلب مايكل. ~~- ما بها، لا تقل إنها ... أرجوك ما زالت صغيرة! ~~- اهدأ، اهدأ قليلا، لا تلفت انتباه الحاضرين إلينا، سأخبرك بكل ~~شيء. ~~- كما تشاء، هدأت، هيا تفضل. ~~- أتذكر الضابط النازي الذي أخبرتك بزيارته لي قبل مجيئك إلى مكتبي ~~يوم أردت إخبارك بشيء ثم غيرت الكلام؟ ~~- نعم أذكره جيدا، وأذكر كيف تلعثمت يومها. ~~- في ذلك اليوم جاء هذا الضابط بأوامر يجب تنفيذها خلال مدة أقصاها ~~ثلاثة أيام، وهو جمع كل المرضى والمعاقين المسجلين لدي، وبالأخص ~~مصابو الأمراض المعدية كالتيفوئيد والكوليرا. ~~- وماذا بعد؟ ما الغاية من الجمع؟ ~~- للتخلص منهم ضمن برنامج القتل الرحيم. # للوهلة الأولى بقي مايكل مصدوما لا يصدق ما سمع «للتخلص منهم»، ~~هكذا بكل هذه البساطة! خارت قواه وارتجفت يداه، أعاد عليه السؤال: ماذا ~~قلت؟ ~~- اسمعني يا مايكل، أنا لم أكن لأخبرك إلا أنني واثق بأنك ستتفهم ~~الأمر، هذا المرض معد ولا شفاء منه، ولو بقيت عندكم لانتقل إليكم ~~جميعا، كانت ستموت في النهاية وتميتكم معها. # انهمرت الدموع من عيني مايكل دون إرادة، شعر وكأن مقبضا حديديا ~~يعصر قلبه، لم يكن بمقدوره تخيل أن سارة ماتت! وبهذه السهولة ~~والبشاعة. تذكر وجهها في تلك الليلة عندما كانت تهذي وتنادي بأسماء ~~صديقاتها، تذكر ملامحها البريئة، العرق المتصبب على جبينها ~~المتورد، يديها الباردتين وارتجافها بحضنه كورقة صفراء تكاد الريح ~~تقطع وصلها بالغصن، وتهوي بها إلى مكان سحيق، ثم أجهش بالبكاء حتى صوت ~~نحيبه لم يتغلب على أصوات رواد الحانة وهم في نعيمهم المزيف ~~يتضاحكون ويتمايلون على أنغام الموسيقى. تحول بذهنه بياض الصالة إلى ~~سواد قاتم، ووجوه روادها إلى وحوش ومصاصي دماء بملابس أنيقة، إنهم ~~عبيد عصر الحداثة الزائف، عبيد لا يختلفون عن أجدادهم سوى بالمظهر ~~المتصنع. # ضاق نفسه ولم يعد يحتمل البقاء أكثر، كان يريد أن يصرخ، يصرخ ~~فقط، لا يوجد شيء آخر غير الصراخ ليعبر عما يشعر ms102 به تجاه كل هذا ~~الظلم والوحشية التي يقبعون تحت ظلها. # بعدها انتصب واقفا وهم بالخروج، فأمسكه من يده السيد مارك وسحبه ~~إليه وهو يطلق ابتسامة لمن انتبهوا إليهما وهمس بأذن مايكل: اهدأ ~~واجلس، لا تزد علي ما أنا فيه. # حاول مايكل سحب يده معترضا، فعاد السيد مارك وسحبه بقوة. ~~- قلت لك اجلس! # خارت قواه، فوضع رأسه على الطاولة وهو يبكي ويقول: كيف تسمحون ~~لأنفسكم أن تكونوا أداة قتل لأبناء جلدتكم، كيف؟ أخبرني: هل أنتم ~~يهود حقا؟! هكذا يفعل اليهودي بإخوته اليهود الضعفاء، هكذا يضعونهم ~~بيد المجرمين؟ وأنا أقول لنفسي أين اختفى أولئك المرضى والمعاقون من ~~الأزقة والطرقات، يا لإجرامكم وبشاعتكم! سيلعنكم التاريخ إلى الأبد ~~أيها الخونة! ~~- مايكل اسمعني جيدا، أنا لم أكن مضطرا لأخبرك هذا الكلام، ولو ~~علمت النازية أني أخبرت أحدا من سكان الغيتو بهذا ستكون نهايتي في أحد ~~معسكرات السخرة حيث الموت البطيء هناك، افهمني أرجوك، أنا بحاجة إلى ~~من يسمعني سأنفجر من التفكير وملامة النفس، أنا مذ أصبحت في المجلس لم ~~أنم وأنا صاح آتي كل ليلة هنا أشرب وأشرب حتى أثمل وأقع طريح ~~الفراش بعد العودة إلى البيت لكيلا أفكر قبل النوم. ~~- ولماذا لا تتركهم إن كنت تعاني مما تفعل هكذا؟! ~~- لمن أترك الوظيفة؟ لضباط النازية؟! أتعلم لو قام أحد منهم بتنفيذ ~~هذه الأوامر لتم قتل أضعاف العدد الذي أرسلته إليهم؟ نحن نضحي ~~بالبعض لإنقاذ الكثيرين، نحن لا نقرر من يموت يا مايكل، نحن نقرر ~~فقط من سيعيش. # بقي مايكل صامتا مذهولا يفكر بما سمع «نحن نضحي بالبعض لإنقاذ ~~الكثيرين»، كانت الجملة فيها نوع من العقلانية البعيدة عن العواطف؛ ~~فالموت واقع لا محال. ~~- أنتم تقررون من سيعيش؟! لكن أخبرني من الذي أعطاكم دور الإله ~~في شئون خلقه؟! ~~- نحن لا نقوم بدور الإله ولسنا فرحين بما نفعل، وليس همنا من ~~سنفقد، بل كم سننقذ، لكن أخبرني أنت، ماذا كنت ستفعل لو كنت في ~~مكاني؟ ~~- أنا لا أضع نفسي في هذا المكان مهما حصل، لن أكون أداة قتل ms103 بيد ~~المجرمين، لن أعطيهم معلومات من يجب قتلهم حتى لو اضطررت للانتحار، لن ~~أقوم بهذا العمل المخزي والمهين. إن أفعالكم هذه تتنافى تماما مع ~~تعاليم الدين اليهودي، ألم تقرأ عن موسى بن ميمون أنه قال: «لو أن ~~الوثنيين خيروا اليهود وقالوا: أعطونا واحدا منكم لنقتله وإلا ~~سنقتلكم جميعا، فعليهم أن يختاروا الموت جميعا ولا أن تزهق روح ~~يهودي.» ~~- لكن بهذه الحالة سيفنى اليهود ولا يبقى لهم أثر إلى الأبد. أقنعني ~~ماذا نفعل؟ نتركهم يقتلون الجميع وننتظر الذبح نحن كذلك كالخراف في ~~المسالخ؟ ماذا بوسعنا فعله ولم نفعله؟ أنا أردت أن أزيل الهم عن ~~كاهلي قليلا بالبوح فيما أثقل علي، وأنت زدت ما أنا عليه من تأنيب ~~الضمير. سارة كانت ستموت في نهاية الأمر، أرجوك تفهم الأمر. ~~- ماذا تريدني أن أفعل الآن؟ ~~- لا تفعل شيئا، فقط اسمعني، لا أريد شيئا آخر منك، فقط سماعي، ~~سأجن إن بقيت أكتم هكذا، أريد أحدا من أهل الضحايا لأشرح وأبين ~~موقفي أمامه، وأن يكون الشاهد الوحيد أمام تلك الأرواح التي لي يد في ~~إزهاقها، ولطالما أنني كنت مرغما على ما فعلته. # بعدها جاء النادل ووضع كأسا كبيرة من الشراب أمامه، ووضع فنجان ~~القهوة أمام مايكل، والمقبلات والفواكه في منتصف الطاولة، لم يستطع ~~مايكل أن يأخذ رشفة واحدة من الفنجان، كانت نفسه لا تتقبل أي شيء ~~بعد سماعه بموت سارة، وما يحصل في الخفاء لسكان الغيتو. ~~- لماذا لا تحتسي القهوة؟ ~~- لا أستطيع، لقد سدت شهيتي، أشعر بضيق تنفس شديد. ~~- أنا آسف، لكن هذا الذي حصل والقادم أسوأ على ما يبدو. ~~- إن سمحت لي، سأغادر المكان، بت لا أستطيع التحمل. ~~- سأقبل بمغادرتك شريطة أن تعدني بالمجيء مرة أخرى. ~~- أعدك. # خرج من الحانة وهو يركض من زقاق إلى زقاق لا يدري إلى أين وجهته، ~~أو بالأحرى كانت وجهته كل الأمكنة إلا البيت ووجه أمه، شعر أن هنالك ~~شيئا ما سيخنقنه؛ فالخبر قد جثم على صدره، انفجرت الدموع من عينيه ~~مرة أخرى وعاد يبكي بشدة وبصوت مبحوح على قارعة ms104 الطريق، تذكر سارة ~~عندما كانت صغيرة يلاعبها ويشتري لها الهدايا ويراها تطير من الفرح ~~وتحضنه وتقبله، يوم كانا يركضان سويا عندما يوصلها إلى المدرسة، ~~يوم كانت تغفو بحضنه وهو يقرأ لها قصة ما قبل النوم، كان أباها بعد ~~وفاة والدهما. # بعدما هدأ قليلا وشعر ببرودة آثار الدموع على خده في تلك الليلة ~~القارسة، مسح وجهه بكم ردائه، وبات يفكر «هل أخبرها بموت سارة، ~~أم أجعل الانتظار يعطيها أملا بالعودة المستحيلة؟ أيهما أقل وطأ ~~على القلب؟! يا إلهي! ألم كبير دفعة واحدة بقول الحقيقة، أم ألم صغير ~~مستمر طوال العمر بكذبة الانتظار؟ لكن ما الذي يضمن تحملها صدمة ~~الفقد؟ إنها سارة آخر العنقود المدللة، ابنتها الوحيدة، لا، لا، لن ~~أخبرها بالحقيقة، لا يمكنني تحمل حدوث مكروه لها، الانتظار هو الحل ~~.. نعم لا شيء غيره». # عند بداية الزقاق رأى أمه من بعيد واقفة على الشرفة متحملة ~~البرد القارس وتنتظره، تأملها وهي لا تراه، وقال في نفسه: «آه لو ~~تعلمين يا أمي كم أحمل من شؤم وبؤس وحزن اليوم، سامحيني لأنني سأكذب ~~عليك بعد قليل، لكن ليس في اليد حيلة، من لنا أنا وديفيد إذا حدث ~~مكروه لك أنت أيضا؟» # اقترب من المبنى أكثر فأكثر، فرأته، لوح إليها بيده مع ابتسامة ~~كاذبة، فأسرعت هي إلى الداخل لتفتح الباب. ~~- هيا أخبرني ماذا قال عن سارة؟ ~~- دعيني أدخل أولا، سنتحدث بغرفتنا، وأخفضي صوتك لئلا يستيقظ ~~الرجل الفظ ويسمعنا كلاما يذهب فرحتنا. ~~- هيا ادخل بسرعة، والآن أخبرني عنها؟ ~~- هي بخير، لكن مرضها سيطول الشفاء منه، ويجب أن تلقى عناية خاصة ~~في المشفى. ~~- وكم سيطول؟ كم سننتظر بعد؟ # قال في نفسه: «العمر كله يا أمي، العمر كله.» ~~- سألته ذلك، فأخبرني أن الطبيب يقول إن الأمر بيد سارة، كلما ~~استطاعت التجاوب مع العلاج سريعا ستشفى وتعود إلى أهلها. # ابتهجت الأم وانفرجت أساريرها. ~~- لقد أرحت قلبي يا ولدي. ~~- سارة قوية وستعود قريبا، لا تقلقي. # استرسلت الأم تردد الترانيم والمزامير وتشكر الله الذي لطف بحال ~~ابنتها وأراح بالها، وطلبت العون ms105 والرحمة منه بأن يعجل عودتها إليهم، ~~كان مايكل يسمعها من تحت الغطاء ودموعه تذرف دون إرادة، ويكتم بكاءه ~~لكيلا يخرج صوتا يثير انتباهها. قال في نفسه: «ما أبشع هذه الحياة ~~وأقذرها .. وما أبشع أن تكون ضعيفا إلى هذا الحد فيها، ترى كل يوم ~~وجوه من قتلوا أهلك وسلبوا مالك ودارك وحريتك وكل شيء جميل في ~~حياتك، ثم وضعوك في قفص كبير كفئران التجارب وليس بوسعك فعل أي شيء ~~لهم حتى مجرد وضع عينك بأعينهم مخافة العقاب والعذاب الشديد، أي ~~إهانة للإنسانية هذه؟» # | الفصل الثاني والعشرون # قرية أنجرلك - تركيا 1898م # إنها الفوضى يا بانوس، لقد تحولت المنطقة بأسرها إلى ساحة قتال ~~همجية، ونحن أيضا تحولنا إلى وحوش فيها، دعني أخبرك سرا، لقد ~~قتلت إلى الآن عشرة من العثمانيين، أتدرك ماذا يعني أن تقتل عشرة ~~أنفس؟ وأنت تعلم جيدا أن ليس جميعهم يستحقون الموت، إنه أبشع شعور ~~يمكن أن يصيب الإنسان، كل الأشياء السيئة في الحياة أمامها حاجز ما، ~~وهذا الحاجز إما موجود فطريا في دواخلنا أو وضعته قيم وأعراف ~~البيئة التي ولدنا وعشنا فيها، هذه الحواجز تحدد إنسانيتنا في ~~الحياة، وما إن كسرنا واحدا منها للمرة الأولى، مالت إنسانيتنا نحو ~~الهاوية واعتلينا تدريجيا سلم التوحش وتوحلنا فيه، حتى الشعور ~~بالذنب لا يعود له ذلك التأثير الكبير على النفس، وكأن القتل يصبح ~~أمرا اعتياديا كالنوم والاستيقاظ! ~~- لكننا نعيش في غابة يا أرتين، إن لم تقتل تقتل، ثم نحن لم نختر ~~هذا الطريق بإرادتنا، بل فرض علينا، لربما سمعت أن النساطرة أيضا ~~شكلوا مجموعات مسلحة في مدينة «تياري» جنوب «وان»، وفي كوجنيس ~~المقر الرئيس للبطريرك النسطوري قرب «جوليميريك». وأغاروا على بعض ~~القرى الكردية وقتلوا الكثير منهم وحرقوا قراهم بالرغم من علاقاتهم ~~الوثيقة والقديمة معهم بحكم الجيرة في المنطقة ذاتها لقرون عديدة، وهم ~~لا يسعون إلى الاستقلال من العثمانيين أصلا، الكل تلطخت أيديهم ~~بالدماء هنا يا أرتين، لم يبق مجرم وبريء أو ظالم ومظلوم، أي طرف ~~يملك القوة يبطش بالآخر. # حتى الولاءات في المنطقة ms106 أصبحت على حساب المصالح المشتركة والتجارة ~~المتبادلة والحصول على الأراضي أو الدعم أو الحماية أكثر من كونها ~~ولاءات للدين أو القومية بالنسبة للسكان؛ لذلك تجد بعض العشائر ~~الكردية كانت تقاتل معنا نحن الأرمن ضد الحكومة العثمانية بسبب رفضها ~~الضرائب الضخمة التي تطلبها الدولة. ~~- دعك من الولاءات وأخبرني كيف أصبحت؟ ~~- أيام قلائل ويطيب الجرح، هكذا أخبرني الطبيب. # ربت على كتفه أرتين مع ابتسامة يملؤها الحب والطمأنينة. ~~••• # كان لتدخلات القوى الأوروبية عن طريق الضغط على الباب العالي ~~بإدخال الإصلاحات الفعلية، والاتفاق مع مهاجمي البنك العثماني من ثوار ~~الآستانة، الذي نكثت الحكومة العثمانية الشروع به، وأخبار المجازر ~~المتكررة التي انتشرت في الصحف الأوروبية؛ دور كبير في إجبار الحكومة ~~على إصدار قرار بتغيير والي وان، وجعل النائب الأول للوالي الجديد من ~~الأرمن. وتمتع النائب بصلاحيات واسعة فاقت صلاحيات جميع المسئولين ~~عدا الوالي، وتم إلغاء ضريبة الإعفاء من الخدمة العسكرية التي توجبت ~~على غير المسلمين لمدة سنتين، وكذلك أصدر الوالي الجديد «طاهر باشا» ~~أوامر بمنع جباية الضرائب من محدودي الدخل، وجرت تغييرات كبيرة في ~~سياسة الدولة تجاه الأرمن، كما أرسل القوات النظامية لاسترجاع بعض ~~القرى والبيوت التي هجرها الأرمن واستولى عليها الفرسان الحميدية ~~وبرروا ذلك بأن أهالي القرى كانوا موالين للثوار. # كانت الإصلاحات التي قامت بها الحكومة في وان سببا في ميل الكثير ~~من الأرمن نحوها وابتعادهم عن الثورة التي ضرت بمصالحهم أكثر من ~~الفائدة التي يروج لها الحزب في بياناته. # بعد مقتل «ديكران» اختار القائد فارتان أرتين لقيادة مجموعته في فصيل ~~الاغتيالات، حينها استطاع أرتين ضم «غريغور وبانوس» إلى مجموعته، كان ~~غريغور قد اشتهر بين المقاتلين ببطولاته أثناء ثورة وان، وفي ~~الاشتباكات التي حصلت في طرق التهريب مع الفرسان الحميدية، أما بانوس ~~فلم يتميز بين المقاتلين كثيرا، لكن وضع الثورة المتفكك حينها كان ~~له دور في قبول أية حركة داخلية تؤدي إلى تنظيم صفوف المقاتلين وزيادة ~~الروح القتالية لديهم، فتمت الموافقة عليهما سريعا. # كانت تلك الفترة هادئة بعض الشيء، وبالأخص بالنسبة لمجموعة أرتين ~~التي ms107 لم تتلق مهمة اغتيال مذ أصبح قائدا عليها، وفي هذه الأثناء ~~أجروا بيتا في الحي الأرمني؛ إذ بعد تولي «طاهر باشا» وحصول الحوادث ~~مع النساطرة والأكراد وانشغال الحكومة بهم خفت الأنظار الحكومية عن ~~الثوار في الحي الأرمني. ~~- ألا تعتقدان أننا بحاجة إلى امرأة في هذا البيت، فقد تحول ~~المطبخ إلى مكب نفايات، وأصبحت رائحته مقرفة، وغرفة نومنا في الحالة ~~الطبيعية كأنها غرفة تعرضت للتفتيش أو السرقة، كل شيء فيها ليس في ~~مكانه الصحيح الوسائد على الأرض، الأغطية متجمعة بشكل دائري وكأنها ~~ثعبان ضخم، الفرش لم تغسل منذ شرائها، لا شيء في مكانه ~~الصحيح. # ثم التفت نحو بانوس وقال له: ألم يحن الوقت لزواجك يا بانوس؟ ~~- لكن يا أرتين أنا لا أملك المال الكافي، كيف أتحمل تكاليف ~~الزواج؟! ~~- سمعت أن الحزب يدعم أي مقاتل يريد الزواج ويقدم له مبلغا من ~~المال. # ابتهج بانوس، ورد بحماس شديد: أحقا ما تقول؟ ~~-نعم يا بانوس، هذا ما أخبرني به فارتان، لكن لا أظن المبلغ المخصص ~~يكفي لكل تكاليف الزواج، وبما أنها ستأتي هنا وتخلصنا من هذا القرف ~~الذي نحن فيه سنساعدك أنا وغريغور. # احمر وجهه خجلا، كان غريغور في المطبخ يعد الطعام ويتنصت إلى ~~حديثهما، فقال بصوت مرتفع: أخشى أنها مثل حبيبها، لا تعرف سوى إشباع ~~بطنها والرقود إلى النوم! # حمل بانوس غطاء قدر بجانبه وقذفه صوب غريغور: اسكت أيها الأبله، ~~إنها أنظف من أمك التي تنام في حظيرة الأغنام. # وقع أرتين أرضا من شدة الضحك؛ فقد كانت أم غريغور مشهورة في القرية ~~أنها تفضل النوم في الحظيرة على النوم في بيتها، وكانوا يقولون «إن ~~لم تجدوا أم غريغور يوما في القرية بعد هجوم العصابات عليها فاعلموا ~~أنها اختفت مع الخرفان المسروقة»، كانت تعتبر الخرفان أولادها ~~ولعلها لم تهتم بغريغور قدر اهتمامها بهم. ~~••• # قرب مقاطعة «أرتميد» كان أهالي القرية قد خصص لهم جزء من الأراضي ~~في الجهة الجنوبية للقرية، وتم فيها بناء بيوت متقاربة من الطوب اللبن ~~وإعطاؤهم أراضي أقل بكثير مما كانوا يمتلكون ms108 في «أنجرلك». # بالرغم من أنهم منذ قدومهم إلى هذه القرية لم يتعرضوا لأي هجوم ولم ~~يحصل أية حادثة قتل للرعاة أو سرقة لمواشيهم، فإن أوضاعهم المادية كانت ~~على المحك بالكاد، كانوا يجدون قوت يومهم وليس بإمكانهم مجاراة أهل ~~القرية الحقيقيين في التجارة، ولم تعد المحاصيل التي تباع في سوق ~~مدينة وان كالسابق؛ فعندما كانوا في «أنجرلك» كانت تخرج عدة عربات ~~محملة بالمحاصيل المتنوعة والطازجة إلى وان، أما هنا فالقافلة تخرج ~~بعربتين وأحيانا بعربة واحدة لكل محاصيل الأهالي، ولا تعود بذلك ~~المردود الذي يسد حاجاتهم اليومية. كانت معادلة حياة أهل القرية تدور ~~حول «إن حصلوا على الأمان جاعوا، وإن شبعوا فقدوا الأمان»، لم يحصلوا ~~عليهما سويا يوما، ولربما هذه المعادلة التعيسة ليست لأهل القرية ~~فقط، لربما هي معادلة الحياة في أصلها، يجب أن تفقد شيئا أساسيا في ~~حياتك لكي تحصل على شيء أساسي آخر! # تحدث أرتين إلى والده المختار تلمكيان بأمر زواج بانوس من ~~باتيل. ~~- نعم يا بني ستكون خطوبتهما هنا، لكن الزواج سيكون في قريتنا ~~«أنجرلك». ~~- ماذا تقول! هل تريد العودة إليها بعدما استقر بكم الحال ~~هنا؟! ~~- لا، لست أنا من قرر هذا، لقد جاءتنا أوامر من الوالي الجديد ~~«طاهر باشا»، وأعطانا ضمانات كبيرة بحماية قريتنا بعد عودتنا إليها؛ ~~فقد جاء بإصلاحات كبيرة وأعاد العديد من الأرمن إلى قراهم ~~وبيوتهم. ~~- ومتى الرحيل إذن؟ ~~- أخبرت رجال قريتنا بالتجهز للعودة، وسنقوم بعمل وليمة كبيرة ~~لرجال هذه القرية ونشكرهم على استضافتهم لنا وتحملهم وجودنا في ~~الفترة الماضية. ~~••• # كانت الحشائش قد نبتت وتسلقت جدران البيوت، والأمطار الغزيرة قد ~~أوقعت جزءا من أسقف بعضها، وأسوار الحظائر الخشبية قد تعرضت ~~للتخريب. كان أرتين يراقب وجوه العائدين المملوءة فرحا لرؤيتها ~~وشوقا إليها، والابتسامة تعلو شفاههم الخاوية، نظر نحو سفح الجبل، ~~كانت شجرة الجوز ما زالت شامخة بأغصانها المتفرعة وتبدو حزينة لفراقهم ~~لها. # استطاع الأهالي في فترة قصيرة إعادة الروح إلى قريتهم، ودبت ~~الحياة فيها من جديد، من حسن الحظ كانوا في فصل الربيع؛ لذا لم يواجهوا ~~صعوبات ms109 كبيرة في ترميم البيوت وتنظيف الحظائر وحرث الأراضي الزراعية، ~~كان الجميع يعملون كالنمل في القرية؛ فحماس العودة وهدوء المنطقة نوعا ~~ما كان دافعا كبيرا لهم. # في يوم عرس بانوس قاموا بتنصيب خيمة كبيرة أمام بيته، وبدأ الجميع ~~بالاحتفال «الدبك والغناء وإلقاء الأشعار العاطفية»، أما الإكليل فكان ~~يتم في بيت العريس حيث يحضر الكاهن ليعقد قرانهما ويبارك لهما، خرجت ~~باتيل وحولها نساء القرية وهي ترتدي فستانا أحمر مزركشا وتضع على ~~وجهها منديلا شفافا أحمر اللون، والخجل قد اعتلى وجهها وهن يطلقن ~~الزغاريد ويغنين ويصفقن حولها، وأهل العريس يرشون الأرز تعبيرا عن ~~الفرحة بها واستقبالا لها. # صعد أرتين وغريغور مع العريس «بانوس» إلى سطح بيتهم وأجلساه على ~~كرسي خشبي، وكل منهما كان يحمل ديكا معلقا من قدميه بغصن شجرة في ~~نهايته، والرجال في الأسفل يرقصون على أصوات الطبل والمزامير، وعندما ~~وصلت العروس مع نساء القرية وهن يصفقن ويغنين، ألقى أرتين وغريغور ~~الديكين فوق رأس القادمين، وهذه من التقاليد الأرمنية الموروثة، وكانت ~~أم بانوس تحمل مغرفة بيد ورغيفا من خبز التنور السميك باليد الأخرى، ~~وترقص وتتنقل بين الحاضرين، فتعثرت بحجر وسقطت أرضا، اعتلى ~~المكان صوت ضحك، وتهامست النساء فيما بينهن «لم تصدق أنها ستزوج ~~ابنها». ~~- غريب أمر الأمهات يا بانوس، هذه التي سقطت أرضا من الفرح تراها ~~بعد أيام تتشاجر مع زوجتك! ~~- أمي ليست كذلك يا أرتين. ~~- كل الأمهات هكذا، هنالك شعور لدى جميعهن أن الزوجة تسرق ابنها ~~منها، وهي بنفسها كانت تلح عليه بالزواج، هذه الأحجية لم يستطع ~~تفسيرها أعظم المفكرين. ~~- دعكما من هذا الهراء، العروس قد وصلت، هيا يا بانوس انزل إليها ~~لتكسر الجرة بوجودك. # كانت الجرة مليئة بالزبيب والسكاكر والحمص موضوعة عند عتبة الدار، ~~كسرتها باتيل بمعول صغير، ثم وضعت قدمها على العتبة، واعتلت الزغاريد ~~والأهازيج وضرب الطبول وهي تدخل مع بانوس الدار. # | الفصل الثالث والعشرون # القدس - فلسطين 1944م # من أقصى الزقاق الضيق ذي الأرضية المرصعة بالحجر الرمادي على شكل ~~مربعات متناسقة تتوسطها ساقية متعرجة تصب مياهها في الهوة ~~المغطاة ms110 بالحديد المثقب قرب أرجل حسن، تناهى إلى سمعه أصوات ضحكات ~~وغنج بنات لطالما شعر أنه المقصود بها وأنهن يتحدثن عنه ويضحكن، لكن ~~ما المضحك في الأمر؟! ذلك سؤال لم يجد له جوابا البتة. عندما اقتربن ~~منه تفحص حسن الوجوه فلم يجد بينهن من تهز عرش قلبه رؤيتها، ~~فسرى خوف في جوفه وتسلل أسوار قلبه وانقض عليه شعور بالفقد، ~~خطر على باله ألف سؤال وسؤال عن سر غيابها المفاجئ، مررن من أمامه ~~يرمقنه بأطراف أعينهن وهو كالصنم متجمد في مكانه، أوقعت إحداهن ورقة ~~صغيرة من يدها على غفلة من صديقاتها وغمزت له ثم أكملت طريقها معهن. ~~دبت الروح من جديد في جسد حسن، تحرك نحو الورقة حملها بيد مرتجفة ~~فتحها وقرأ فيها «ابق مكانك لا ترحل»، أعاد القراءة مرة ومرتين ~~وثلاثا لم يفهم شيئا، ما هذا الطلب الغريب؟ تمعن في الخط وتساءل: ~~هل خطها هي أم خط صديقتها، اشتبكت الأمور عليه وتداخلت الأفكار في ~~رأسه، لكنه فهم شيئا واحدا وهو أن يبقى في مكانه. # مرت نصف ساعة تقريبا، وحسن قد تأخر على مدرسته، وظل حائرا بين ~~أن يبقى أو أن يلحق الحصة الأولى، والورقة بيده يقرأ المكتوب فيها رغم ~~حفظه للجملة ثم يضعها في جيبه. فجأة سمع من خلفه صوتا ناعما يتراقص ~~نحو مسامعه، لم يكن غريبا ذلك الصوت بل مألوفا، مألوفا جدا في أذن ~~قلبه المتيم. ~~- حسن! ~~-أنوشكا! هذه أنت، لا أصدق عيني. # احمر وجهه وتضاربت نبضاته وبدأ يرتجف ولا يسيطر على ارتباكه، ~~ابتسمت أنوشكا وقالت: انتظرني غدا في الطرف الآخر من هذا الزقاق في ~~مثل هذا الوقت. # ثم أعطته ابتسامة وتوجهت إلى مدرستها. # لم يصدق حسن ما سمع، ظن أنه في حلم لطالما تمنى أن ~~يتحقق. # ظل طول الطريق يتكلم مع نفسه كالمجانين وهو يمر من زقاق إلى ~~آخر نحو مدرسته، ويقول بصوت مسموع: أنوشكا تريد لقائي؟! لقائي أنا! يا ~~لسعادتك يا حسن! ~~••• # التقيا على الموعد في اليوم التالي، كانت أنوشكا قد ارتدت فستانا ~~أحمر اللون وتحته سروال طويل، ms111 وتزينت بحزام قماشي مع صدرية مزركشة ~~ملونة، وعلى رأسها قلنسوة حمراء فيها شراشيب سوداء، تفحص حسن وجهها، ~~ملامحها وملابسها بنظرات بطيئة مسفرا عن ابتسامة تملأ وجهه، وقال في ~~نفسه .. والله لقد وقع في قلبها ما وقع في قلبي حتى فعلت كل ذلك من ~~أجلي وتزينت هكذا للقائي .. غمرت الفرحة أرجاء قلبه ولم يدر ماذا ~~يفعل وهي واقفة أمامه، استمر يتأمل عينيها، شفتيها، وجنتيها ~~الحمراوين، وتذكر قول أبي نواس: # الورد في وجنتيه # والسحر في مقلتيه # وإن عصاه لساني # فالقلب طوع يديه # ثم قال لها: القلب طوع يديك ماذا نفعل الآن؟ ~~- دعنا نذهب من هنا. ~~- إلى أين؟ ~~- خذني بجولة كما تفعل مع سكينة. ~~- وهل أخبرتك عن جولاتنا؟ ~~- هي لا تخبئ عني سرا، ولا أنا. ~~- هيا إذن نبدأ بقطعتي نابلسية عند «أبي أحمد النابلسي» مع قدحي ~~شاي في بداية السوق كما تحب سكينة. # ردت .. هيا بشكل طفولي، شعر حسن أنها بريئة أكثر مما كان ~~يظن. # في الطريق لم يستطع كسر حاجز التحدث عن المشاعر، تحدثا عن كل ~~شيء إلا المشاعر أخبرته أنوشكا أنها وحيدة أهلها وتتمنى لو أن لها ~~أخا أو أختا يكسر وجود أحدهما وحدتها. ~~- أبي كبير في السن كما تعرف، تزوج متأخرا جدا وهو على مشارف ~~الخمسين من عمره، كان يعيش في قرية على أطراف مدينة «جنين»، ثم انتقل ~~إلى القدس وتزوج فيها، لكن بيتنا هناك ما زال قائما، نزوره مرة كل ~~شهر أو شهرين. ~~- وكم تبقون هناك في كل مرة؟ # شاح وجه حسن، ابتسمت أنوشكا وقالت: لا نتأخر كثيرا، يومين أو ~~ثلاثة أيام إلا في الصيف نبقى أسبوعا أو أسبوعين أحيانا، فالجو هناك ~~معتدل جدا في الصيف. ~~- وأنا! ~~- ماذا أنت؟ # تلعثم حسن وبلع ريقه. ~~- أقصد كيف أتحمل فراقك وعدم رؤيتك كل هذه المدة؟! # قالها بعينين ممتلئتين شوقا وحبا، احمر وجهها خجلا، كانت تتهرب ~~عن الخوض بأحاديث المشاعر في كل مرة. ~~- هناك يوجد قبر جدتي، ماتت قبل أن أولد، يقول أبي إنني أشبهها ~~كثيرا. ~~- هل كانت اسمها أنوشكا أيضا؟ ~~- لا، سماني ms112 أبي على اسم بنت صديق له. # سكت حسن هنيهة، نظر صوب سور المدينة القديمة جهة باب العامود وكأنه ~~يريد جنين. ~~- أهي بعيدة من هنا؟ لم أزرها من قبل. ~~- أتقصد جنين ؟ # هز رأسه، دون أن ينظر إليها. ~~- نعم هي بعيدة؛ فعندما نزورها نخرج من الصباح الباكر بسيارة نقل ~~خاصة إلى رام الله، ثم إلى نابلس ثم طولكرم ثم من هناك إلى جنين ومنها ~~إلى القرية. الطريق متعب جدا ومرهق، أبقى بقية اليوم كله نائمة ~~بعد وصولنا من شدة التعب. # ساد صمت بينهما، كانا يجلسان في مكان مرتفع يتأملان المدينة ~~والبيوت القديمة، الداخلين والخارجين منها وإليها، عربات محملة ~~بالأكياس تجرها البغال، رجال ونساء وأطفال وأصوات الباعة تتعالى ~~من هنا وهناك، مدينة تعج بالحياة، فيها اجتمعت الأعراق والأديان ~~والملل والطوائف واللغات والألوان، وكأنها فسيفساء، كل قطعة فيها ~~من بقعة مختلفة، فيها ترى الأرض وأنت جالس في مكانك، نظر إليها حسن ~~وهي تتأمل الناس وقال: أتعلمين يا أنوشكا؟ # التفتت إليه والخجل قد اعتلى وجهها الملائكي. ~~- ماذا؟ ~~- عيناك تشبه القدس، فيها من كل شيء شيء. # زاد خجلها خجلا واحمرت وجنتاها أكثر فأكثر، اقترب حسن منها وهو ~~يرتجف، أمسكها من يديها الناعمتين، أغمض عينيه، انحنى نحو أذنها ~~اليسرى، همس فيها بكلمة «أحبك»، ثم طبع في خدها قبلة رقيقة، أخرجت ~~أنوشكا شهقة، وكأن الكلمة حبست أنفاسها والقبلة طرحتها. لم تستطع ~~تحمل كل تلك المشاعر الهائجة، حملت نفسها وقالت: لقد تأخرت عن ~~البيت، يجب أن أذهب. ~~- متى نلتقي مجددا؟ # لم ترد بشيء، شعر حسن أنه تجرأ كثيرا، وأن القبلة كانت غير ~~موفقة، فأراد أن يستدرك الموقف: أنا آسف. ~~- لماذا تتأسف؟ ~~- ربما تجاوزت حدي واستعجلت ما يجيء بالتأني. # اغرورقت عيناها بالدموع، جثت على ركبتيها، وبدأت تبكي وتجهش بالبكاء ~~وتشهق من شدة التأثر. ~~- حسن، أرجوك لا تفض علي بكل تلك المشاعر مرة واحدة، أنا لا ~~أتحمل كل هذا، ولا أعلم شعوري تجاهك حتى الآن، عندما سمعت من سكينة ~~عن جولاتها معك ورأيت سعادتها الكبيرة وهي تتكلم، تمنيت أن يكون لي ms113 أخ ~~يفعل ما تفعله معها، وعندما تتحدث الفتيات عن الحب وتقص إحداهن عن ~~الهدايا التي تأتيها ممن تحب وعن الاهتمام الشديد بها، أتمنى أن يكون ~~لي حبيب كالذي عندها، أنا أريد أخا وسندا وأمنا واهتماما وحتى ~~حبا، كل هذه المشاعر حاضرة في ولا أعرف كيف أتصرف وكيف أكون ~~حبيبة أحد. # مد يده حسن ليمسح الدموع من على خدها، ولم يعلق شيئا على قولها، ~~أعطاها ابتسامة طمأنينة ثم أمسك يدها وقال: هيا بنا لنعود. # | الفصل الرابع والعشرون # غيتو وارسو - بولندا 1941م # هكذا هي الحياة، عادة تفرض إرادتها بكل قسوة، وليس لك من الأمر سوى ~~الرضوخ لها، عندما تشعر أنك تؤدي مهمة أخلاقية غايتك فيها إنقاذ ~~الكثير ببعض التضحيات البسيطة تحت المبدأ المقيت «الغاية تبرر ~~الوسيلة»، ثم تكتشف أنك سلكت طريق اللاعودة، وتراكمت عليك التضحيات ~~حتى صرت تتجه نحو الجريمة التي جاهدت ألا تقع فيها، وتوحلت في ~~الطين أكثر مما كنت تتصور، فلا يمكنك العودة كما كنت في السابق ولا ~~الاستمرار فيما أنت عليه، هكذا كان يشعر السيد مارك في عمله؛ لذا كان ~~سكون الليل أعتى أعدائه فيقاتله في الحانة بالإفراط في الشرب لكيلا ~~يستذكر ما حل بمن أرسلهم إلى الموت ويخدع نفسه بتلك الضحكات ~~والسعادة الظاهرية المزيفة وفي جوفه جحيم مستعر. لكنها شجاعة عظيمة أن ~~تتحمل كل ذلك الشعور المؤلم وتأنيب الضمير فقط من أجل تقليل عدد ~~القتلى لسكان الغيتو، لعل النازية تهزم في الحرب القائمة قبل آخر قسط ~~من اليهود، وبذلك يحقق الإنجاز العظيم بالحفاظ على أرواح ما كانت ~~تزهق لو لم يقم بتلك المهمة الثقيلة والبشعة. # كان هناك الكثير من الأسئلة يدور في خلد مايكل، ولا بد أن الإجابة ~~لديه ما دام يريد أن يبوح له ويزيح عن كاهله ثقل ما يحمل، كانت فرصته ~~في إدراك ما وراء الحوادث التي تحصل يوميا في الغيتو. # في اليوم الذي وعد فيه السيد مارك بالمجيء إلى الحانة، اعتقلت الشرطة ~~ديفيد مع عشرات الشباب من الحي، حاول سؤالهم: لماذا؟ ما السبب؟ ما الذي ms114 ~~اقترفه ديفيد؛ فهو لا يغادر المنزل منذ قدومنا إلى الغيتو؟ # كان ديفيد يرتعد خوفا؛ فقد حصلت له حالة نفسية من مثل هذه المشاهد ~~يوم تم إشباعه ضربا ليلة الزجاج المحطم، ومن ثم ما فعلوا به يوم ~~اعتقلوا مايكل وفتحوا لفائف جروحه بقسوة وهو يصرخ وجعا ليتأكدوا من ~~جراحه، ومن ثم التعامل القاسي في الترحيل من ميونخ إلى هنا، لكن ~~الشرطة لم يخبروه بشيء سوى أنها أوامر المجلس. # لحق بهم حتى يعرف أين سيتم اعتقالهم، لعل السيد مارك يساعده ~~بإخراجه، تم جمعهم ورصهم بعضهم خلف بعض عند الباب الرئيسي، ثم ~~بدءوا يتأكدون من الأرقام والعدد المحدد، وأصوات العربات العسكرية ~~تأتي من خلف الباب، تذكر مايكل قبل أكثر من أسبوع تم أخذ مجموعة من ~~الشباب أيضا بهذه الطريقة، ظن حينها أنها عملية ضمن برنامج إعادة ~~التوطين، لكن بعد معرفته بما حصل للمرضى لم يعد يصدق بهذه الدعايات ~~المخدرة للنفوس. عند عودته إلى البيت سألته أمه: هل سيرحلونهم إلى ~~فلسطين، كما أرادوا ترحيلنا يوم كنا في ميونخ؟ ~~- نعم، هكذا يبدو الأمر. ~~- لكن ماذا عنا أنا وأنت؟ ~~- وماذا عن سارة؟ أنسيتها؟ هل كنا سنتركها هنا وحدها في ~~بولندا؟ ~~- لم أنسها، لكن لا أدري من أين تحل علينا كل هذه المصائب دفعة ~~واحدة يا بني؟! ~~- لربما من شؤم انكسار المرآة في تلك الليلة التعيسة. # امتلأت عيناها بالدموع، سمع مايكل صوت حركة خلف الباب، أدرك أنه ~~صاحب البيت كالعادة، كان يتنصت إلى حديثهما ويريد معرفة مصير ديفيد، ~~هو لا يهمه أحد منهم، ويوم سعد عنده إن رحلوا وتركوا له البيت، ~~لكن لا يمكنه النوم إلا بعدما يتنصت إلى حديثهم كل يوم، فلا يتنازل عن ~~أنفته التي وهم نفسه بها، ويجالسهم ولا يتركهم في حالهم. # في المساء كانت هناك زخات مطر خفيفة تهطل مع رياح شمالية باردة، ~~أسرع مايكل خطاه حتى يصل إلى الحانة قبل أن يهطل المطر بغزارة، كانت ~~قطرات المطر تبدو تحت أضواء أعمدة الإنارة الصفراء التي رسمت دوائر ~~مضاءة تحتها كأنها لوحة فنية بديعة ms115 كست بؤس ذلك المكان وتعاسة من ~~يقبعون فيه بوشاح جميل. عند باب الحانة كان ذلك الحارس اللعين واقفا ~~كالعادة، رمقه مايكل بنظرة غاضبة، فما كان منه إلا أن فتح له الباب ~~وقال: تفضل بالدخول «سيدي». # قال مايكل في نفسه وهو يدخل: سيدي؟ تبا لك ولأمثالك يا كلاب ~~النازية! الآن أصبحت سيدك؟ توجه مباشرة إلى طاولة السيد مارك في ~~الزاوية اليمنى للحانة، ألقى التحية عليه وجلس. ~~- توقعت عدم مجيئك يا مايكل. ~~- ولماذا؟ ~~- قلت لربما حمل علي في قلبه شيئا وكرهني من أجل موت أخته ~~الصغيرة بسببي. ~~- ليس ذنبك، لقد فكرت فيما قلت يومها ولم أجد حلا أفضل مما تقوم ~~به، أما التعاليم الدينية فليست قابلة للتطبيق في كل الحالات «يجب أن ~~يموتوا جميعهم»، ضرب من المثالية، الواقع والحقيقة تختلف ~~كثيرا. ~~- الآن أصبحت تفهم الواقع، وتستطيع أن تفرق بينه وبين المثالية ~~المفرطة في بعض النصوص الدينية. ~~- يبدو ذلك، لكن ماذا عن تأنيب الضمير؟! ~~- دعني أخبرك شيئا، لو فرضنا أنني وضعت شخصا في حفرة عميقة ~~واتفقنا أنك تسأله أسئلة محددة، إذا أخطأ في الإجابة سكبت عليه دلو ~~ماء، هل في الأمر خطورة؟ تجربة جميلة ومسلية، أليس كذلك؟ # أومأ مايكل برأسه، وبدا على وجهه علامات الاستفهام والتعجب، وشعر ~~أن السيد مارك ثمل منذ بداية الليلة .. لكن ما الذي يخسره؛ فقد أتى ~~لسماعه لربما الإنسان يكون أكثر صدقا عندما يفقد عقله، فقال: ~~أكمل! ~~- مع كثرة أخطائه سيرتفع منسوب الماء في الحفرة، في كل مرة أكثر ~~فأكثر، وفي مرحلة معينة سيغمر الماء كامل جسده إلا رأسه، ويبدأ يستنجد ~~بك بألا تسكب دلوا آخر ويتوسل إليك لأنه سيغرق، على الرغم من أنه ~~نفس مقدار الدلو الذي لم يؤثر عليه في البداية! وهنا يكمن السؤال ~~عندما تقرر أن الدلو التالي غير مقبول ومؤذ جدا له، فماذا كان ~~مبرر الدلو الذي قبله؟! إن السلوك الأخلاقي الذي وصلت إليه تشكك في ~~أخلاقية الخطوة السابقة. وهكذا تكون قد وقعت في المصيدة بالالتزام ~~التدريجي لارتفاع الماء في الحفرة غير المؤذي وصولا إلى ms116 المؤذي بسبب ~~ضآلة المسافات غير الملحوظة بين الخطوات. فيتصاعد مقدار تأنيب الضمير ~~مع تصاعد التأثير فيه، فتكون كمن يقوم بنفس العمل دون زيادة في كل مرة، ~~لكن مقدار تأثيرها يزداد في كل مرة، حينها تكون قد أوغلت في التجربة ~~ووصلت طريق اللاعودة. هذه المصيدة تكشف مفارقة مهمة؛ «لا أحد يستطيع أن ~~ينظف نفسه من الوحل دون أن يلطخ نفسه به، وإذا أراد المرء أن يخفي ~~الوحل فلا بد أن يغوص فيه للأبد». هكذا حالنا بالضبط في المجالس يا ~~مايكل، لقد وقعنا في المصيدة، فلا نستطيع أن ننقذ اليهود إذا لم نضح ~~بالبعض، هذا إذا أردنا أن ننظف الوحل الذي أوغلنا فيه أو أن نخفيه ~~ويفنى سكان الغيتو بأجمعه. # بقي مايكل صامتا مندهشا بعمق الفهم للواقع الذي يعيشه السيد مارك، ~~إنه مصاب بداء الوعي المفرط، إنها لعنة حقيقية أن يكون وعيك إلى هذا ~~الحد في مثل هذه الظروف غير الآدمية. # رفع السيد مارك يده ملوحا للنادل، فأقبل إليه. ~~- أحضر لنا فنجان قهوة، مع شرابي المفضل، هيا بسرعة. ~~- لعل القهوة تعيد تركيزك معي. # قالها مع ابتسامة صغيرة. ~~- بالفعل تفعل ذلك وأكثر؛ فهي تعدل المزاج وتريح الأعصاب. ~~- أووه كل هذا الوصف للقهوة، ماذا لو كنت مدمن كحول، ماذا كنت ستصفه، ~~وهو يزيح الهم ويجلي الغم ويهبك سعادة غامرة. ~~- ها قد أجدت في وصف تأثيره أحسن مني. # تعالى صوته ضحكا، وضرب طرف الطاولة بأصابعه الأربعة. بعدها استأذن ~~لدقائق إلى أن يأتي النادل بما طلب منه ليقوم بجولة تحايا وضحك مع ~~بعض الحاضرين، ثم بعض القبلات الحارة من شفاه إحدى الحسناوات. أحضر ~~النادل فنجان قهوته، وبدأ يرتشف منها وينتظر عودة السيد مارك ليكملا ~~الحديث ويسأله عما سيحصل بمصير ديفيد ومن معه. عاد منتشيا، حمل الكأس ~~وأفرغها في جوفه مرة واحدة ثم جلس وهو يبتسم، فسأله مايكل: هل بالفعل ~~هنالك إعادة توطين؟ وأن هؤلاء الشباب يتم سوقهم في كل حين لأجل هذا ~~الغرض؟ ~~- إنها كذبة. ~~- أيضا! ~~- كل شيء جميل تسمعه هنا كذبة. ~~- وأين يتم سوق أولئك ms117 الشباب، لقد أخذوا أخي ديفيد اليوم، لا تقل لي ~~سيقتلونهم، لا يعقل هذا الأمر فليقتلونا جميعا وينهوا الأمر، لم ~~هذا الانتظار كله؟ ~~- لا، لا، اهدأ قليلا، عدنا إلى قتل الجميع! ما بك؟! لم أتصور ~~أنك عصبي إلى هذا الحد. ~~- لست كذلك، لكن الأمر بات لا يطاق. ~~- لقد تم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال، النازية بحاجة للأيدي ~~العاملة في مصانعها لرفع اقتصادها في ظل الحرب. ~~- معسكرات الاعتقال، الموت البطيء .. لقد كنت معتقلا في معسكر داخاو ~~قبل ترحيلنا إلى هنا بعدة أشهر، إنه الجحيم بعينه. ~~- هل كنت معتقلا من قبل؟ # دهش بما سمع. ~~- نعم، وبقيت فيه قرابة السبعة أشهر، إلى أن تم إكراهنا على التوقيع ~~في تعهد لترك ألمانيا في غضون ثلاثة أشهر، لكن غبائي المفرط قادني ~~إلى التأخر في الرحيل حتى احتلت ألمانيا بولندا، وتغير كل شيء. حتى ~~إن الضابط الذي وقعت في مكتبه التعهد في معسكر داخاو كان هو نفسه ~~الذي جلب لك الأوامر بقتل المرضى، لقد رأيته على الدرج في طريقي إلى ~~مكتبك. ~~- الهر اللعين، لم يترك مكانا إلا ولديه بصمة قذرة فيه. ~~- لكن لماذا غيرت النازية رأيها بترحيلنا إلى فلسطين بعد نشوب ~~الحرب؟ ~~- إن النازية بحاجة للأيدي العاملة في مصانعها المتنوعة، وبالأخص ~~مصانع الذخائر، لإدامة انتصاراتها على الأعداء، وبما أن الفيرماخت ~~(الجيش الألماني) لا يمكن لليهود ولا لبقية الأعراق أن يكونوا جنودا ~~فيه، وكذلك الخوف من تكرار الخيانة التي يتهمون يهود ألمانيا فيها ~~بالحرب العالمية الأولى بضرب اقتصاد ألمانيا الذي أدى إلى خسارتها ~~وتوقيع معاهدة فرساي المخزية لها، وخسارة أجزاء كبيرة من أراضيها، ~~وتحميلها مسئولية الحرب وإجبارها على دفع غرامات مالية للدول المتضررة، ~~مما دفعها إلى جمع اليهود إضافة إلى بقية الأعراق في الغيتوات لضمان ~~عدم تكرار الخيانة التي حملوها لنا، واستخدام الطاقات المتوافرة ~~لمصلحة ألمانيا وحربها. ~~- لكن إذا كان الأمر كذلك لماذا يتم قتل المرضى والمعاقين والأطفال ~~والشيوخ؟! ~~- ببساطة إنهم ينظرون إلينا نظرة مادية بحتة، ما الفائدة من أناس ~~على قيد الحياة مستهلكين غير منتجين؟! بقاؤهم تجارة خاسرة. ms118 ~~- وأطفالهم هم ونساؤهم وآباؤهم؟! ~~- كل من لا يحمل عرقا آريا، فهو لا يعتبر من البشر، وبذلك لا ~~يستحق التعامل الإنساني بل المادي؛ لذا يتم إرسال الشباب والشابات ~~أصحاب الطاقة الإنتاجية إلى معسكرات السخرة، ويتم إبادة البقية على ~~مهل. ~~- لماذا لا يتم إرسالهم إلى المعسكرات دفعة واحدة إذن؟ ~~- العدد كبير، والغيتوات كثيرة ومنتشرة في كل أرجاء سيطرتهم، آلية ~~النقل إلى المعسكرات حسب الحاجة؛ لذلك في كل فترة يأتي طلب بعدد ~~معين إلى المجلس فيقوم العضو المسئول بجمع العدد عشوائيا من ~~الغيتو، وكما تعلم معلومات وعناوين جميع الحاضرين موجودة في السجلات، ~~ويتم إرسالهم إلى المعسكرات. ~~- يكفي إلى هذا الحد، ليتني لم أعلم حقيقة ما يدور هنا، يا لبشاعة ~~مصيرنا! ~~- أوما تراني أبالغ في الشرب حتى أستطيع الخروج من هذا ~~الجحيم؟ ~~- وكيف برجل أدخلته الجحيم وهو لا يشرب؟ ~~- لا بد أن يشرب كي ينسى .. خذ الكأس من يدي وجربها، لن تندم. ~~اسمع نصيحتي. ~~- اشربه أنت، علي أن أغادر. ~~- عدني بأن تأتي مرة أخرى إلى هنا. ~~- أعدك. ~~••• # كانت الرياح شديدة مع زخات مطر غزيرة، تبلل رداؤه بعد دقائق من ~~مغادرته للحانة، خطا خطوات كبيرة، من زقاق إلى آخر، ومن ظل حائط ~~إلى آخر، وما إن دخل الباب الخارجي للمبنى، حتى سمع صوت صراخ وطرق ~~باب عاليا يصدر من طابقهم، صعد الدرج كالبرق، وإذ به رأى الجيران ~~قد تجمعوا على باب بيتهم وصياح أمه يأتي من الداخل، ركل الباب ~~بقدمه فانكسر القفل وانفتح، كان صاحب البيت ثملا قد تهجم على أمه ~~ومزق ثيابها وهي تصرخ وتدافع عن نفسها، ركل مايكل رأس صاحب البيت ~~بقدمه فأوقعه أرضا، ثم انهال عليه بالضرب دون أن يشعر وكأنه يخرج ~~فيه كل ما أثقل عليه سماعه من السيد مارك، ثم أمسكه من أذنيه وبدأ ~~يضرب رأسه على الحائط ضربات عدة وهو يصرخ في وجهه: «أيها الحقيييير»، ~~«أيها الخنزييير»، «ألا يكفي ما يحل بنا ثم تأتي لتعتدي على أمي؟» ~~«سأقتلك، سأقتلك»، خرج الدم من رأسه وأنفه وفمه، حاول الجيران تخليصه ~~من ms119 يديه حتى انتزعوه منه. فأقبلت الشرطة وتم اعتقاله ونقل صاحب البيت ~~إلى المشفى وهو بين الحياة والموت. # | الفصل الخامس والعشرون # إسطنبول - تركيا 1905م ~~«أيها القادة الحضور يا أبطال شعبنا الأبي، إن التاريخ ~~سيسجل تضحياتكم في الدفاع عن قضيتنا العادلة التي رويت ~~وتروى بدماء شهدائنا الزكية، وستتناقل الأجيال بطولاتكم في ~~ساحات القتال ضد أكثر قوة ظلمت شعبنا وسلبت حقوقه وهويته ~~واحتلت أرضه لقرون عديدة. # لقد كلفتني قيادة الحزب رسميا بإعادة تنظيم الفصائل ~~المسلحة والتخطيط لعمليات نوعية كبيرة بعد فشل ثورة وان وما ~~ردفها من انتكاسات شتى، لتسريع الخطى والخلاص من سلطتهم على ~~رقابنا، ولعلكم سمعتم أن الجناح السياسي للحزب قد تحالف مع حزب ~~الاتحاد والترقي المعارض في الخارج بعدما رأينا أن أهدافهم ~~تتوافق إلى حد كبير مع أهدافنا. # إننا اليوم نمر بمنعطف كبير نحو بلوغ الغاية، وما كان ~~مستحيلا في الأمس أصبح ممكنا اليوم، وما كان حلما غدا ~~واقعا وحقيقة، وكأني أرى أمامي العلم الأرمني يرفرف شامخا ~~على قلعة وان، لقد أبدت جميع الدول الأوروبية دعمها لقضيتنا ~~وأن المسألة خرجت من كونها شأنا عثمانيا داخليا إلى شأن ~~دولي وما يتطلب منا سوى زيادة نشاطنا والقيام بعمليات ترج ~~الدولة العثمانية ويصل صداها لكل الدول.» # كان مانوكيان خطيبا مفوها، يدرك كيف يتلاعب في نفوس المستمعين ~~ويدب في قلوبهم الحماس وإن كانوا في حالة يرثى لها، رجلا في منتصف ~~عقده الرابع، ذا شارب كثيف مقسم من المنتصف وكأنه ورقتان من شجرة ~~البرتقال يغطي شفته العليا بالكامل وعينين حاذقتين، ملامحه توحي أنه من ~~أرمن روسيا، يرتدي جاكيتا أسود مع بنطال من نفس لون الجاكيت، يحمل ~~غليونا في يد وقبعة سوداء في الأخرى، يتكلم بهدوء عند النقاش ويبتسم ~~كثيرا، كان أرتين يتأمله وينظر إليه بنوع من الإجلال ويزداد يقينا ~~وإيمانا بالثورة التي تملك قادة أمثال مانوكيان. # ثم قدم مانوكيان للقادة الحضور مساعديه «دافيت» و«سركيس» كان ~~دافيت شابا نحيلا سبط القوام أهيف القد، وكأن ماء الجمال قد ~~ترقرق في وجهه، يرتدي قميصا أبيض مع بنطال من قماش ms120 بني سميك، ~~حركاته توحي بالخجل والحرج أمام أنظار الحضور وهو يقف قرب مانوكيان، ~~على عكس زميله سركيس الذي كان يحملق في الوجوه وكأنه نسر يبحث عن ~~فريسته بين الأدغال، رجلا مربوع القامة قصير الأخدعين، أصلع الرأس ~~عرفه مانوكيان بالدكتور سركيس. # بعدما أكمل كلامه الموجز أجرى «مانوكيان» ومساعداه مقابلات مع قادة ~~الفصائل، دخل أرتين مع قائده فارتان الغرفة وجلسا بالمكان المخصص ~~لهما. كان «دافيت وسركيس» قد وضعا أمامهما دفترا لكتابة ما يدور في ~~اللقاء. بعد الترحيب بهما وجه «مانوكيان» السؤال إلى قائد الفصيل ~~«فارتان»: أخبرنا عن الفترة الماضية وعن العمليات التي قمتم بها؟ أنا ~~لدي معلومات عنها لكن أريد السماع منك كقائد ميداني. # تنحنح فارتان وعدل جلسته ثم بدأ بالكلام: سيدي، نحن كفصيل ~~اغتيالات عملنا في الساحة لا يشبه كثيرا أعمال بقية الفصائل، وكذلك ~~نحن لا نقرر الشخصيات التي يجب اغتيالها، بل تأتينا أوامر مباشرة من ~~القيادة بذلك، ونادرا ما نرفع بعض الأسماء التي تسببت في قتل ~~الكثير من الأرمن، أما العمليات التي قمنا بها فكانت تتراوح بين النجاح ~~والفشل حسب ظروف العملية. فشلت محاولة اغتيال «بحري باشا» والي وان ~~السابق، استطاع مقاتلونا إصابته لكنه لم يمت، وأكثر عملية أعترف ~~بخطئي فيها هي عملية اغتيال «زكي باشا» على الرغم من أخذ جميع ~~التدابير اللازمة إلا أنني لم أضع في الحسبان أنهم يدركون نقطة ~~الضعف في ذلك الطريق مما أدى إلى خسارة أحد قادتنا الشجعان وبعض ~~المقاتلين. وكذلك قمنا بالعديد من عمليات التهديد بالسلاح لأثرياء ~~الأرمن من أجل دعم الثورة، واستطعنا بذلك توفير ميزانية جيدة ~~للعمليات في الولاية كلها. # ساد صمت في المكان، كانوا في بيت أحد رجال الأرمن الأثرياء من مؤيدي ~~الثورة في السر، ولديه علاقة وثيقة مع مسئولي الدولة في العلن، كان ~~بيته آمن مكان لاجتماع قادة فصائل الثورة في الحي الأرمني بمقاطعة ~~غاردن. # انتصب واقفا مانوكيان، ثم خطا بخطوات وئيدة نحو اللوحة المعلقة ~~على الجدار البعيد، بقي يتأملها وكأنه يفكر في شيء لم يدركه ~~الحاضرون، كانت اللوحة تصور معركة ms121 طاحنة بين الجيشين العثماني ~~والبيزنطي، وقد تداخلت السيوف والرماح بين الصليب والهلال، بارزة صورة ~~السلطان سليمان القانوني بتفاصيل وجهه، الأنف الطويل المدبب والبشرة ~~البيضاء واللحية الطويلة وزيه السلطاني وعمامته البيضاء الكبيرة وهو ~~على صهوة جواده وسيفه يهوي على رقبة خصمه لينقض عليه وحوله الجنود ~~برماحهم وسيوفهم التي تقطر منها الدماء. # ثم كسر مانوكيان صمته قائلا: ما أبلغ رسالة الفنان في هذه اللوحة، ~~لقد رتب سلم الأهمية في الحرب بلمسة فريدة، فبرز قادة الطرفين ~~وأعطاهما تفاصيل أدق بكثير وألوانا حية عن الفرسان والجنود ثم ~~أعطى هالة كبيرة للسلطان على حساب خصمه؛ فالناظر لهذه اللوحة يدرك من ~~الوهلة الأولى ودون أن يفكر من هو الطرف الأقوى والأشجع ومن ~~المنتصر في الحرب. # ثم غطى بكفه صورة السلطان في اللوحة، والتفت إليهم قائلا: إن ~~اختفى، انتهى أمر جيشه وخسروا المعركة. # رفع كفه عن الصورة وأكمل: وإن بقي حيا يقودهم انتصروا. # ونحن الآن في معركة مشابهة، إن أردنا النصر وجب علينا أن نقضي على ~~السلطان عبد الحميد الثاني بأي ثمن كان، وإلا فلن تقوم لنا ~~قائمة. ~~••• # على مشارف الآستانة من جهة البوابة الجنوبية المبنية من الحجر ~~والمزينة بالنقشات الدقيقة من الطراز العثماني، بوابة عظيمة ~~ارتفاعها أكثر من خمسة أمتار تذكر أرتين ببوابات قلعة وان الحجرية، ~~لكنها لم تكن بهذه الضخامة. # بعد تفتيش القافلة من قبل الجنود، سمح لهم بالدخول إلى المدينة ~~التي لم يروا مثل جمالها قط، حيث البيوت الفاخرة للأثرياء والمبنية من ~~الرخام الأبيض والمآذن الطويلة التي تعانق السماء والأزقة المرصعة ~~بأحجار مربعة دقيقة وتفوح منها روائح الأزهار المتسلقة على الجدران، ~~أما الناس فكثر من كل بقاع الأرض يملئون الأسواق وأرصفة الشوارع ~~والحدائق وشواطئ البسفور، وهي مدينة تعج بالحياة ليلا ونهارا. # كان «تهلريان» الرجل المسئول عن إيصالهم إلى الآستانة في تلك ~~القافلة، وهو من أرمن الآستانة ولم يفصح لهم عن عمله في الحزب، كان ~~يدخلهم من زقاق إلى زقاق ومن سوق إلى آخر، وهم لم يأبهوا به؛ فقد ~~أخذت المدينة عقولهم وشغلت أذهانهم وكأنهم ms122 تحولوا إلى آلة للنظر، ~~مرت أمامهم دورية للجنود يسيرون بشكل منضبط وكأنهم في ساحة استعراض ~~عسكري، ضربات أقدامهم كأنها ضربة قدم واحدة، كل شيء حولهم كان لافتا ~~للانتباه ومثيرا للاهتمام. ~~••• # كان القبو واسعا ومظلما تملؤه رائحة رطوبة ثقيلة، مكونا من عدة ~~غرف وممر ينتهي إلى بهو صغير، تناهت إلى مسامعهم أصوات بعيدة غير ~~مفهومة، ساروا باتجاه الممر البعيد ثم توقف تهلريان فجأة أمام باب ~~خشبي متهالك، طرقه ثلاث مرات متتالية، مرت دقائق سمعوا ذف أحذية ~~تقترب، سأل من خلف الباب عن كلمة السر فقال تهلريان: «رأس الحية.» فتح ~~لهم الباب شاب عشريني يحمل قنديلا بالكاد يضيء الممر أمامه، ثم قال: ~~الحقوا بي. # عند نهاية الممر ولجوا غرفة مضاءة بالكامل، كان الحاضرون قد ~~التفوا حول طاولة خشبية مستطيلة وعليها خارطة الآستانة، وعلى رأس ~~الطاولة شخص منحن يحمل قضيبا طويلا يشرح مخطط العملية بشيء من ~~التفصيل ويشير إلى قصر يلدز وميدان تقسيم، والأسواق المزدحمة في ~~المدينة ويضع في مكان مجموعة لتنفيذ المهمة التي ستزلزل الآستانة ~~والعالم برمته. # كان أرتين يظن وهو في «وان» والقائد فارتان يتكلم عن العملية النوعية ~~ويزيد من حماسه ومعنوياته أثناء توجيهه للمهمة، أنه هو ومجموعته من ~~سيقومون بالعملية، فكانت المفاجأة عندما تم توزيع المهام أن مجموعة ~~أرتين ليست من ستقوم بعملية اغتيال السلطان؛ فقد أنيط بهم القيام ~~بتفجير القنابل في «ميدان تقسيم» بعد التأكد من نجاح عملية ~~الاغتيال. # كان «إدوارد جوريس» خبير متفجرات تم جلبه خصيصا للتخطيط وصناعة ~~القنابل التي ستستخدم في العملية؛ إذ لا يمكن إدخال المتفجرات إلى ~~الآستانة بسبب التشديد الأمني في مداخلها؛ لذا فقد تكفل بتحضير ~~المتفجرات اللازمة لكل مجموعة من بعض المواد الأولية التي يسهل ~~توفيرها من السوق، وتم استغلال فترة صناعة القنابل بالذهاب إلى ميدان ~~تقسيم للتعرف على المكان والأزقة التي سيتم سلكها بعد التفجيرات، ~~وأماكن الضعف والقوة في الميدان، وهكذا فعل بقية المجموعات لتتم تكملة ~~العملية بنجاح بعد اغتيال السلطان. # تمت التحضيرات الكاملة لكل المجموعات وإيصال المتفجرات الخاصة بهم ~~داخل أكياس الخضار ms123 والفواكه الورقية، عن طريق أرمن الآستانة الذين ~~يعرفون المدينة وأزقتها جيدا، وكذلك تمت إضافة عنصرين مهمتهما نقل ~~الخبر اليقين بمقتل السلطان بعد العملية إلى المجموعات خارج المسجد ~~للبدء بالتفجيرات التي تهز المدينة وتخلق نوعا من الفوضى، فيستغل حزب ~~الاتحاد والترقي تلك الأجواء للانقلاب على الحكم بعد مقتل ~~السلطان. # كان كل شيء يجري كما هو مخطط له بإحكام، وفي يوم الجمعة 21 تموز من ~~سنة 1905 خرجوا نحو «ميدان تقسيم»، كان أرتين حاملا على كتفه اليسرى ~~حقيبة مصنوعة من الصوف وضع فيها القنابل بعدما لفها بعدة أقمشة ~~وجعل جزءا من القماش يتدلى خارج فتحة الحقيبة لكي يظهر للمارة أنه ~~يحمل نماذج أقمشة يعرضها للتجار بغية تحديد النوع قبل الاتفاق بجلب ~~الكمية المطلوبة. # في الجهة الأخرى توجهت المجموعة المنفذة للعملية إلى مسجد قصر ~~يلدز، قبل وصول السلطان إليه وحسب مراقبة السلطان في الجمع الماضية، ~~كان الحرس يوقفون عربته في باحة المسجد ثم يتوجه السلطان مع حاشيته ~~إلى الحرم في الصف الأول للمصلين، ويبقى حارسان قرب العربة مع مجموعة ~~من الحراس المتوزعين في باحة المسجد. حسب خبرة «جوريس» فقد تم حساب ~~الزمن الذي يتأخر فيه السلطان بعد انتهاء الصلاة، فالقنبلة المجهزة ~~للاغتيال كانت تحوي مؤقتا زمنيا للانفجار عكس القنابل التي تم ~~توزيعها للمجموعات، التي تحتاج إلى إشعال فتيلها ثم رميها إلى المكان ~~المستهدف. # وصل السلطان المسجد والجميع منشغلون به، والبعض يحاول الوصول إليه ~~بغية طرح مشكلته أو مظلمته عليه، والحرس يحيطون به من كل الجوانب ~~ويمنعونهم منه. جلس السلطان في المكان المخصص له كالعادة، قرئ ~~القرآن ورفع الأذان ثم اعتلى الخطيب المنبر، كان صوته يصدح خارج ~~المسجد والحاضرون في خشوع تام وهو يتكلم عن فضل الجهاد في سبيل الله ~~ضد أعداء الله من الكفار وأعوانهم من الخونة، ثم أكمل الخطبة بالدعاء ~~للسلطان وحفظه بكنف الرحمن، أقاموا الصلاة وكبروا في جو إيماني ~~كبير. # عندما انتهت صلاة الجمعة، وبينما كان السلطان يتجه مع حاشيته إلى ~~باحة المسجد نحو العربة، أوقفه شيخ الإسلام جمال الدين أفندي، ms124 صافحه ~~بلطف وقبل كتفه ثم جرى بينهما حديث داخل المسجد، مما أخر خروج ~~السلطان إلى العربة، حينها وقبل أن يكملا حديثهما انفجرت القنبلة في ~~الباحة على الحراس والمصلين الذين كانوا ينوون مغادرة المسجد ، وأدى ~~الانفجار الذي أحدث فجوة كبيرة في مكانه وقذف الزجاج في جميع الأنحاء، ~~إلى مقتل ثلاثة من العساكر وأربعة صحفيين وثلاثين شخصا من العامة، ~~وجرح 58 شخصا نتيجة لتطاير عظام الخيول في الهواء. عند حدوث الانفجار ~~هاجت الناس وماجت في ميدان تقسيم. نظر أرتين تجاه غريغور وقد أدخل يده ~~في حقيبته يريد إخراج القنبلة أومأ إليه أرتين برأسه لينتظر قليلا؛ ~~لأن الخطة تقتضي وصول الأرمني الذي سيجلب لهم الخبر اليقين بمقتل ~~السلطان، كان الناس يركضون صوب مكان الحادث، حاول غريغور تفجير ~~قنبلته. ~~- ماذا تنتظر يا أرتين، لقد قتل هيا نكمل العملية. ~~- توقف يا غريغور، يجب أن نلتزم بالخطة وننتظر الخبر اليقين، فإن ~~لم يقتل سيكون مصيرنا الاعتقال، ومن بعدها الإعدام شنقا في هذه ~~الساحة، اصبر قليلا، إن قتل فسينشغلون بالانقلابيين، وإن لم يقتل ~~فسينشغلون بالمنفذين. # بعدها وصل الخبر اليقين من صاحب المهمة بأن العملية فشلت. ~~- ارحلوا من المكان بسرعة، وتخلصوا من القنبلة بأية طريقة. # اتجهوا نحو الأزقة الضيقة والمتفرعة في تقسيم، كان التعرف على ~~المكان قبل العملية مفيدا جدا؛ إذ أمكنهم معرفة الأزقة من الوصول ~~سريعا إلى بيت تهلريان. # بعدما علم تهلريان أن العملية فشلت، لم يدعهم يمكثون في البيت، ~~بسبب معرفته بما يحصل في مثل هذه الحوادث لبيوت الأرمن في إسطنبول، من ~~مداهمات وتفتيش واعتقالات وضرب في الشوارع كما حصل بعد حادثة الهجوم ~~على البنك العثماني قبل عدة سنوات، وكذلك عمليات الانتقام التي ينفذها ~~أهالي المقتولين. ~~- أرتين إن فرصتنا الوحيدة بالنجاة هي الخروج من الآستانة الآن ما ~~دامت المدينة تعج بالفوضى وخبر عملية الاغتيال، إن تأخرنا فسيتم ~~إلقاء القبض علينا. # توجهوا سريعا إلى البوابة الجنوبية التي دخلوا منها أول قدومهم ~~إلى المدينة، توقف تهلريان فجأة! ~~- هنالك تشديد كبير على البوابة، مخاطرة كبيرة خروجنا هكذا ونحن ~~أرمن. ms125 ~~- ما العمل إذن؟ # خطرت فكرة مجنونة في ذهن أرتين، ومن دون أن يشرح لهم، حمل حجرة ~~كبيرة من الأرض وضربها على رأس غريغور من الخلف، فأغمي عليه وسقط ~~أرضا والدماء تسيل من رأسه، بقي بانوس وتهلريان مصدومين من ~~فعلته. ~~- ما هذا الذي فعلته بحق السماء؟ ~~- لا مجال لدينا للنقاش هيا نحمله، إلى البوابة، وأنتما ابكيا عليه ~~وقولا لحرس البوابة إنه مات جراء إصابته في تفجير مسجد قصر يلدز، ~~هز تهلريان رأسه وبدا أنه فهم الفكرة، عندما وصلوا البوابة هرع ~~إليهم الحرس مسرعين: ما الذي حصل له أخبرونا هيا! ~~- لقد شج رأسه بانفجار القنبلة في باحة المسجد، ولم نلحق أن نوصله ~~إلى المشفى حتى مات. ~~- وأين تأخذونه؟ يجب أن يدخل المشفى ويتم إعطاؤه بيان وفاة له من ~~الطبيب. # هنا بدأ أرتين يرفع صوته في البكاء عليه: «كيف تركتني وحيدا يا أخي ~~كيف؟» وانقض عليه يحضنه ويزيد من صوت صراخه وبكائه، وتهلريان يحاول ~~إسكاته: «هذا قضاء الله، هذا قضاء الله وقدره»، استرق النظر أرتين في ~~وجه حارس البوابة فوجده متأثرا بما يحصل أمامه، توسل إليه تهلريان: ~~أرجوك يا سيدي، دعنا نوصل الجثة إلى أمه أرجوك، الآن ليس وقت الأوراق ~~والطبيب، ألا ترى الدماء التي عليه؟ # نظر الحارس يمينا فرأى إحدى العربات تغادر المدينة. ~~- هييي يا صاحب العربة، احمل هذا الميت ومن معه على عربتك وأوصلهم ~~إلى قريتهم. # شكره تهلريان كثيرا وهم يغادرون البوابة، بعد عبورهم البوابة ~~تنفس الصعداء، وكأن الروح قد عادت إليهم من جديد، تبادلوا ~~الابتسامات فيما بينهم خلسة والمجنون ممدد على أرضية العربة، وعندما ~~ابتعدوا عن المدينة أخبر أرتين صاحب العربة أن قريتهم خلف تلك التلة ~~القريبة، وشكره على إحسانه معهم، لم يهتم صاحب العربة أن هنالك قرية ~~خلف التلة أم لا، توقف مباشرة وكأنه يريد الخلاص منهم بأي وسيلة ~~كانت. # | الفصل السادس والعشرون # القدس - فلسطين 1945م # أصوات ضحكات تتعالى هنا، نقاشات حادة هناك، منافسة شديدة تجري بين ~~أبي هشام وأبي خالد في لعبة «طاولة الزهر» وقد التف حولهما ~~المتابعون، ms126 والمشجعون، يسحب أبو هشام نفسا من الأرجيلة، يرمق ~~خصمه بنظرة ثاقبة، ثم يرمي النردين، فيتدحرجان على نفسيهما وكأنهما ~~يؤديان الرقصة المولوية على الخشبة الرقيقة، ويصيح هيا «دو شيش، دو ~~شيش»، تستقر النردان على «يك دو »، فيخرج صوت حسرة ويضرب كفا بكف: ~~يا لحظي العاثر! يطلق أبو خالد ابتسامة مع هزة رأس، ويقول هذا ~~«دو شيش» يا أبا هشام، فيرمي النرد وإذ به هو، يصدر قهقهة ويعتلي الفرح ~~أساريره، لقد انتهت اللعبة، لن تلحق بي بعد. أثناء ذلك يدير صاحب ~~المقهى الراديو فيخرج صوت مذيع يقلد «كمال سرور» الذي كسب قلوب ~~الجماهير بصوته الرنان وبإلقائه الفريد من خلال إذاعة البي بي سي ~~باللغة العربية منذ انطلاقتها الأولى بتلك الجملة الشهيرة منه «هنا ~~لندن .. سيداتي سادتي .. نحن نذيع اليوم من لندن باللغة العربية للمرة ~~الأولى في التاريخ.» معلنا أخبار السادسة مساء. يعم صمت مفاجئ إلا ~~من صوت المذيع، وكأن المقهى خلا من رواده. ~~«تتوالى انتصارات قوات الحلفاء في الحرب ضد قوات المحور؛ هذا وقد ~~تقدمت قوات مشتركة من الحلفاء في بولندا نحو مدينة أوشفيتز التي تضم ~~معسكر الاعتقال «أوشفيتز بيركناو» أحد أكبر معتقلات ألمانيا النازية ~~التي تعيش أواخر أيامها بهزائمها المتتالية.» أخفض صاحب المقهى صوت ~~المذياع، التفت إلى الحاضرين، كانت أخبارا سيئة، شاحت الوجوه، خرجت ~~أصوات اتهامات: «إنه يكذب، ألمانيا ستنتصر، نعم ستنتصر ~~وتكمم أفواههم»، رد ~~آخر: «أحسنت، فهؤلاء لو سقطت لندن بيد قوات المحور لقالوا سقطت ~~برلين بيد الحلفاء.» علت الأصوات الناقمة، غادر البعض المقهى غاضبا، ~~وظل آخرون، كل يدلي برأيه فيما يجري، والكل يمني النفس بأن تكون ~~أخبارا كاذبة ومفبركة سببها سياسة المحطة غير المحايدة؛ فهزيمة ~~ألمانيا تعني انتصار المحتل البريطاني واستمراره في الهيمنة على ~~البلاد. # غادر حسن المقهى وأجواءه الصاخبة، اعتلى الدرج الحجري في الحارة ~~المؤدية إلى بيت أبي هشام، مفكرا بالذي جرى بينه وبين أنوشكا في آخر ~~لقاء بينهما، تلمس شفتيه بظهر كفه اليمنى، شعر بالقبلة اليتيمة ~~التي زرعها على خدها، قطف ياسمينة متدلية من إحدى النوافذ الخشبية ms127 ~~وضعها على أنفه، أخذ نفسا عميقا انتشى بعبق الياسمين، تسارعت خطواته ~~بين تلك الأزقة الضيقة، سمع صوتا قد ألفه أهل الحي جميعا، إنه ~~الحاج صالح كعادته يرسل الرحمات بين الفينة والأخرى بصوت مرتفع: «الله ~~يرحم ترابك عبد الحميد!» تذكر كلام والده عن المقصود بتلك الرحمة ~~المتكررة، يوم كانوا في الباص المتوجه إلى دير ياسين، فاقترب منه حسن ~~وقال: اللهم آمين. # رد الحاج صالح: من؟ ~~- حسن أوما حفظت صوتي إلى الآن؟! ~~- بلى، لكن آفة النسيان تغزو الذاكرة كلما تقدمنا في العمر يا ~~بني. ~~- ولم تنس السلطان المعظم؟! ~~- في اليوم الذي لا تسمع صوتي أترحم عليه هنا، توجه إلى الأقصى ~~ستجد المصلين هناك يكبرون أربعا على جنازتي. ~~- أطال الله بعمرك، أخبرني إذن قصة ما أنت فيه. # أخرج الحاج صالح تنهيدة طويلة، ثم اتكأ على حائط الدار وبدأ يسرد ~~قصته، وحسن يتأمل ملامح وجهه الذي سطت عليه أخاديد الزمن، وأظهرت ~~تقسيمات على التقاسيم وتعرجات لا متناهية فيه. ~~- انتدبني إلى حرس القصر رجل من علية القوم كان يتردد على دكان ~~أبي هناك في السوق القديم، كنا نبيع أجود أنواع زيت الزيتون الفلسطيني ~~في الآستانة كلها، لكنني لم أرغب يوما في تلك المهنة، وأبي لم يكن ~~بحاجتي في الدكان بوجود أخي الأكبر «محمد»، هو من كان يدير التجارة ~~بالكامل، يجهز طلبات الزبائن، يوصي التجار بالكميات المطلوبة من ~~الزيتون الذي يجلبونه من فلسطين، يقيد سجلات الديون، يحسب الربح ~~والخسارة يجهز القناني الزجاجية الخاصة بالزيت، يفعل كل شيء وحده في ~~الدكان، وأبي كان المسئول عن المعصرة، غايته الحفاظ على إنتاج زيت ~~نقي على نفس الجودة والطعم في كل مرة، كنت أشعر بينهما أنني حجر ~~عثرة، فلا أستطيع أن أكون مثل محمد بهمته العالية ونشاطه الكبير، ولا ~~أحب دخول المعصرة والعمل مع أبي، لكنها مهنة في النهاية، ومن الواجبات ~~المسلمة عند الآباء الحث أو حتى إجبار أبنائهم على تعلم مهنة ~~العائلة. وكم حاول معي لكن دون جدوى، كنت أريد الخروج من ضيق المعصرة ~~والدكان إلى مكان أكبر وأوسع. ms128 # بعدما يئس أبي من تعلمي مهنته ووجد أن خير وريث له فيها هو محمد، ~~أصبحت من حرس القصر بعد طلب من أبي وموافقة من ذاك الرجل الذي علمت ~~فيما بعد أنه مسئول حرس القصر والقائم على شئونهم. # قصر يلدز، ياه يا حسن! لم تر عيني أجمل منه قط، بالرغم من أننا ~~كحرس حول القصر لا يسمح لنا بالدخول لكل زواياه وأجنحته، وبالأخص جناح ~~السلطان، إلا أنه كان يأسر القلب من المرة الأولى، الأسوار العالية ~~المبنية من الرخام الأبيض والزخارف والنقوشات المنحوتة فيها على الطراز ~~الأوروبي على امتداد القصر الواقع على تلة مرتفعة مطلة على داخل ~~المضيق كانت غابة «قازنجي أوغلو» العجيبة التي فيها من الأشجار ~~المتنوعة والأزهار النادرة التي تم إحضارها من جميع أنحاء العالم، ~~عندما تجوب في هذه الغابة تشعر أنك خرجت من أسوار هذا العالم وولجت إلى ~~عالم آخر مليء بالجمال والألوان الزاهية والأصوات العذبة والروائح ~~الزكية، أما داخل القصر فقد كانت الأجنحة وصالات الاستقبال وغرف ~~الطعام فيها من الرقي والفخامة ما يبهر العقول، من دقة التصميم ~~وانسيابية اللمسات الفنية الساحرة وكأنه صرح ممرد من قوارير كما ~~وصفت ملكة سبأ صرح سليمان، حيث إن سقف الصالات والغرف يتكون من ~~الألواح المطلية بالذهب، أما أرضياتها فقد بنيت من الباركيه تغطيها ~~المفروشات الصدفية المزينة بالصدف والأحجار الصغيرة اللؤلؤية كأنها ~~السماء التي تزينها النجوم في الليالي المظلمة، إضافة إلى «الصالة ~~الصدفية» ذات الأبواب المكسية بالصدف، المصنوعة في ورشة قصر يلدز بأمر ~~من السلطان نفسه. # تحفة فنية معمارية تليق بمقام سلطان بقدر ومكانة السلطان المعظم ~~عبد الحميد الثاني الذي كانت هيبته تطغى على كل هذا الجمال بأعيننا، ~~وما إن يمر في عربته الخاصة ملوحا بيده للناس الذين يحيطون جانبي ~~الطريق أينما حل وأينما ذهب، كانت تصيبني رؤيته بتجمد في العروق ~~وكأنني أتحول إلى صنم لا أقوى على الحركة. # في أحد الأيام بينما كنا نحرس عند البوابة الرئيسية، خرج موكب ~~السلطان من القصر. مرت العربات والفرسان على أحصنتهم في المقدمة ~~والمؤخرة ونحن في ms129 وضعية الاستعداد. حبست أنفاسي عندما مرت عربته من ~~أمامي كنت أراقبه بأطراف عيني دون أن ألتفت، ثم توقف الموكب فجأة نزل ~~السلطان من عربته وأقبل إلينا وعلى وجهه ابتسامة تكسوها هيبة عظيمة، ~~تكلم مع مسئول الحرس رمقنا بنظرة مليئة بالثقة ورفع يده مسلما ~~فأعدنا السلام بالتحية السلطانية وضربة قدم قوية على الأرض، ثم وضع يده ~~على صدره وقال: «إي ڤالله.» # ولا أنسى فرحة ذلك اليوم عندما انتشر في القصر خبر رفضه عرضا ضخما ~~لتسديد ديون الدولة العثمانية مقابل أن يتنازل عن فلسطين لليهود، لقد ~~كان سدا منيعا يا حسن ويهابه الأعداء ويخشونه أيما خشية. لكن ~~الطعنة أتت من الظهر ومن داخل القصر، جاءته ممن كان يخشى عليهم أكثر ~~من نفسه، تكالبوا عليه وأجمعوا أمرهم بأن يخلعوه ويقضوا بذلك على ~~خلافة امتدت لأربعة قرون، ثم وضعوا بمكانه أخاه محمد رشاد كهيئة ~~وصورة مسلوبة الإرادة والصلاحية، مهمته استقبال الرؤساء والقادة ~~وتوديعهم لا أكثر. ~~- لكن الخلافة العثمانية انتهت بعد خلع السلطان عبد الحميد بأكثر من ~~أربع عشرة سنة؟ استفسر حسن مستغربا. ~~- هذه النهاية الصورية، لكن السلطان عبد الحميد كان آخر السلاطين ~~الفعليين للدولة العثمانية، وبعد خلعه انتهت فصول تلك الدولة العظيمة، ~~وانجلى تأثيرها وتهدمت أركانها بعد الخطوة الغبية عندما دخلوا الحرب ~~الكبرى. ~~- وماذا عن الانفجار الذي أصبت فيه؟ ~~- من أخبرك بذلك؟ ~~- أبي. # سكت برهة، ضرب عكازه بالأرض ضربة خفيفة وقال: الأوغاد أرادوا قتله، ~~لكن الله نجاه لصدق سريرته، كنت يومها مع مجموعة من الحرس خرجنا ~~لحماية موكب السلطان لتأدية صلاة الجمعة في مسجد «يلدز»، كان الناس ~~سيحيونه عند خروجه كالعادة، لأجل ذلك تطلب منا الخروج معهم ~~وإبعاد الناس من أمام موكبه، كنت في باحة المسجد ذي الشكل المستطيل، ~~أتأمل مئذنته ذات الشرفة، المصممة بطراز عمارة المقرنص، وهي محززة ~~حتى القمة؛ إذ إن العمارة العثمانية كانت تراعي التسلسل التاريخي للحكم ~~الإسلامي، فترى في الأعلى التقوس الأموي يدنوه التقوس العباسي ومن ~~ثم اللمسة النهائية على الطراز العثماني، وكانت قبته المذهلة مثبتة ~~على أربعة أعمدة حديدية ms130 سميكة، ومزينة ومنقوشة بالنجوم على أرضية ~~زرقاء. # كانت الأمور تسير على ما يرام، صوت الخطيب يصدح من الداخل، وأصوات ~~خرير المياه تأتي من أماكن الوضوء، انتهت الصلاة، بدأ المصلون يخرجون، ~~فتجهز سائق عربة السلطان وفتح الناس الطريق، تأخر السلطان بالخروج ~~من حرم المسجد على غير عادته، يبدو أنه انشغل لسماع مظلمة أحد أو سار ~~في حديث مع أحد المشايخ الحاضرين، في هذه الأثناء حصل دوي انفجار في ~~الباحة لم أسمع مثله قط، وقعت أرضا لا أشعر بشيء إلا بسائل دافئ يخرج ~~من بطني، هاجت الناس وماجت وتناثرت الأشلاء وتطايرت عظام الحصان الذي ~~انفجرت القنبلة الموقوتة بقربه، بدت الرؤية تضمحل شيئا فشيئا، وبدأت ~~أشعر ببرودة تسري في داخلي حتى أغشي علي، ولم أفتح عيني إلا في ~~المشفى. تعرضت لإصابات خطيرة ومكثت على السرير شهرا كاملا، أخبرني ~~الطبيب أنني لن أستطيع العودة للعمل كحارس من جديد؛ فالوقوف لمدة طويلة ~~يؤثر على صحتي. # بعد شفائي من الإصابة، عرض علي وظائف أخرى لا تتطلب جهدا كبيرا ~~وقد أوصى بنا السلطان بنفسه وأمر بأن يتم تلبية طلباتنا كلها وتعويضنا ~~بمبلغ كبير وفاء لنا للسلطان والدولة، لم أستطع البقاء في الآستانة ~~أكثر، بعد الحادثة تغير كل شيء، انتباني شعور قوي بالعودة إلى القدس، ~~لا أدري ما حصل لي وتغير تفكيري وحبي في البقاء داخل القصر ونعيمه، ~~شعرت أن الجرح لم يبرأ وأن موتي اقترب، فقلت أكون بقرب الأقصى علني ~~أدفن بقربه إن مت، لكن العمر طال بي حتى أرذله، طلبت العمل في متصرفية ~~القدس، ودعت أبي وأخي وتوجهت إلى هنا. # | الفصل السابع والعشرون # معسكر أوشفيتز - بولندا 1942م # كانت البرودة تتسلل إلى جوفه شيئا فشيئا، بعدما تجمد جسده من ~~الخارج وبات لا يستطيع تحريك أطرافه من شدة البرد، نزعوا ثيابه وقيدوا ~~يديه وقدميه بالسلاسل الحديدية، ثم رموه في الساحة قرب الباب الرئيسي ~~للغيتو تحت المطر والرياح الشمالية العاتية. كانت تلك عقوبة ما ألحقه ~~مايكل بذلك الخنزير اللعين الذي اعتدى على أمه، بقي كالجثة الهامدة ~~ينظر إلى السماء ms131 ودموعه تذرف دون إرادة، وتختلط مع قطرات المطر ~~المنهمرة على وجهه، كان يقول في نفسه: يا إلهي، ما هو الذنب العظيم ~~الذي اقترفته في حياتي حتى تحل كل هذه المصائب على رأسي. انتزع هذه ~~الروح الشقية من جسدي وأرحني يا إلهي، أرحني منها إلى الأبد .. أرحني ~~من هذا الشقاء. # مرت تلك الليلة كأنها دهر. ومع بزوغ الفجر وتغاريد العصافير ~~القادمة من أعلى السور، ركله الحارس الذي مضى ليلته معه ينظر إليه من ~~محرسه الدافئ بين الفينة والأخرى على بطنه الفارغ منذ البارحة حتى قطع ~~أنفاسه، وراح يضحك ويبتعد وهو يقول: «إنها هدية الوداع أيها القذر.» ~~أتى زميله في الحراسة مزهوا قد نام ليلته كلها ليأخذ مكان الأول، ~~حمله من ياقته وأجلسه. ~~- ما الحقارة التي فعلتها أيها القذر؟ ~~- هل لديك أم؟ # صفع مايكل وقال ما لك ولها، سألتك فأجبني ما هي جريمتك؟ ~~- ماذا تفعل لو رأيت أحدهم يعتدي عليها؟ ~~- هل اعتدى أحدهم على أمك؟ # أومأ مايكل برأسه. ~~- ماذا فعلت به؟ ~~- أدميته، حتى فقد وعيه. # ترك ياقته وبقي صامتا ينظر في وجه مايكل، ثم توجه إلى محرسه، جلب ~~نصف رغيف خبز ملفوف على قطعة جبن وكوب ماء، التفت يمينة ويسرة ~~فلم ير أحدا، أطعم مايكل بيده وسقاه على عجل ثم ربت على كتفه مع ~~ابتسامة صغيرة. ~~- أحسنت صنعا. # ثم عاد إلى محرسه، بقي مايكل مدهوشا يتساءل، أيعقل هذا منهم وهو ~~يحمل كل تلك الغيرة والشهامة حتى خاطر بنفسه فأطعمني وسقاني؟ لا بد أن ~~دمه لم يخالطه لحم الخنزير كما أولئك السفلة العديمي الشرف، كيف يعتقل ~~ويهان من يدافع عن أمه؟ # بزغت الشمس وراح ضوءها القرمزي يحدد على الساحة نهايات الأبنية ~~والبيوت وشرفاتها بكل دقة متناهية، ويضفي على المكان الذي يقع فيه ~~بريقا لامعا مظهرا جمال المطر الذي غسلت الساحة والأزقة والحارات ~~وأحجارها السوداء المستطيلة المصفوفة قرب بعضها البعض كأنها قطعة كعكة ~~مقسمة بسكين طباخ ماهر. التفت يمنة فرأى ثلاثة من الشرطة قادمين ~~نحوه، حرك جسده محاولا ضم ركبتيه إلى صدره، وقف اثنان ms132 منهم على ~~رأسه وتوجه الثالث نحو المحرس، تكلم مع ذلك الحارس الشهم ثم ~~توقفا عن الكلام، قدم لهم شرابا ساخنا شعر مايكل أنهم ينتظرون ~~شيئا من أجله، فلو لم يكن الأمر يخصه لما أتى الاثنان قربه، بل لذهبا ~~إلى المحرس مباشرة مع زميلهما، بدأ يفكر ما الذي سيفعلونه بي؟ هل مات ~~ذاك الرجل؟ ما عاقبة القاتل في الغيتو؟ ليتني سألت السيد مارك عن ذلك ~~.. ثم ما الذي حل بأمي، ليتني استطعت إخبار ذلك الحارس عن عنوانها ~~لعله يعتني بها إذا ما تم إصدار أوامر بقتلي أو زجي في ~~السجن؟ # السجن! حاول كتم ضحكة ساخرة ما كانت إلا تجيء بآخرته لو خرجت، وهل ~~أنا حر حتى أسجن؟ وهل يسجن المسجون أصلا؟ لن أكلفهم سوى طلقة ~~في الرأس وينتهي الأمر كله، كلب مات وفطس، ما المهم في الأمر؟! # اقتربت العربات العسكرية المعروفة من أصوات عوادمها التي تصدر دخانا ~~أسود كثيفا، وحال وصول العربات خلف الباب، توجه الحارس حاملا ~~مفتاحا حديديا كبيرا، وضعه في قفل الباب وأداره بكلتا يديه بقوة، ~~أمسك مقبض الباب وراح يسحبه إليه، دخل أحد ضباط النازية بزيه ~~الزيتوني الباهت وقبعته المرتفعة من الأمام بشعار النسر على الصليب ~~المعقوف المصنوع من المعدن. كان طويل القامة، نحيل الجسد ذا نظرة ~~ثاقبة، يمشي بخطوات ثابتة ورزنة، حاملا بيده ورقة صفراء، تكلم مع من ~~أتوا قبل قليل ووقفوا عند المحرس، فأشار أحدهم إلى مايكل وأكمل الحديث ~~معه، ثم وقع على الورقة، عصبوا عيني مايكل بقماش صوفي أسود وحملاه ~~إلى الصندوق الخلفي لإحدى العربات، ثم سارت نحو المجهول. # شعر مايكل بالدفء قليلا، الأرضية مكسوة بطبقة من الخشب والسقف ~~مغطى يمنع تسرب الماء والهواء إليه، تذكر هذه العربات منذ أيام ~~معسكر داخاو، لم يكن بحاجة لأكثر من هذا الدفء البسيط الذي أنقذ جسده ~~من زمهرير الليلة الفائتة. ولم يعد يخيفه الأمر حتى إنه لم يرتجف من ~~الخوف للمرة الأولى، قال في نفسه: «فليفعلوا بي ما يشاءون، أكثر ما ~~يخشاه الإنسان في الحياة هو الموت، وأنا ms133 أصبحت أتمناه، لعلي تجاوزت ~~عتبة الألم وباتت الأشياء لا تفرق عندي كثيرا، تعذيب أم سجن أم حتى ~~قتل وتنكيل لا شيء يفرق، الأهم أن عالم الأموات ليس فيه هؤلاء، هي ~~لحظة، لحظة فقط ويتغير كل شيء مهما كان سيئا ومفاجئا سيكون ~~بالتأكيد أفضل من جحيم الحياة هذه.» # مر وقت طويل ولم تتوقف العربات، حرك يديه المكبلتين فلمس ~~قدم أحدهم، كان حافيا مثله، أدرك أنه ليس وحده، هنالك معتقلون آخرون ~~معه أو على الأقل معتقل واحد يتقاسمه الشعور ويخفف عنه لمجرد وجوده ~~معه. # توقفت العربة فجأة فدفعت الاستمرارية جسده إلى الأمام وارتطم رأسه ~~بنهاية صندوق العربة، عض شفته السفلى من شدة الألم. سمع صوت جنود ~~وبوابة كبيرة تفتح بعدها تحركت العربة مرة أخرى، ثم استدارت ~~وتوقفت. # فتحوا العصابة من عينيه والقيود من يديه وقدميه، وأنزلوه على مهل، ~~كان معه أربعة معتقلين آخرين في العربة نفسها، تم سوقهم إلى إحدى ~~الثكنات في المعسكر لم يكن يعلم ماهية المكان، الطريق إلى الثكنة كان ~~مبلطا بالحصو والأحجار الصغيرة السوداء المتكسرة التي كانت تقرص قدميه ~~فتجعله يمشي بأطراف أصابعه متمايلا، أدخلوهم ثكنة تبدو أنها مخزن ~~ملابس كبير جدا، وقد تم رص الملابس فيها داخل أكياس ورقية بنية ~~اللون مفتوحة النهاية وظاهرة جزء منها للعيان في الزاوية اليسرى ~~للثكنة، كان المشهد مشابها كثيرا ليوم دخل معسكر داخاو لأول ~~مرة. # عاد هوس المثلثات ذات الألوان المختلفة على صدور المعتقلين إلى ~~مخيلته، كان لون المثلث على صدر أحد الذين معه مثل اللون الذي على ~~قميصه «أصفر»، واثنان آخران يحملان مثلثا أسود والأخير يحمل مثلثا ~~بنفسجيا، شعر بضيق نفس شديد، قال في نفسه: «الجحيم مرة أخرى يا ~~مايكل نجوت منه مرة ولن تتكرر النجاة منه مرة أخرى، الفرص في الحياة لا ~~تتكرر، ومن لا يستغلها لا يجدي بعد زوالها ندم ولا حسرة. ماذا لو تركنا ~~هذه الأرض الملعونة ورحلنا إلى فلسطين حال خروجي من داخاو؟! ما حجم ~~العناد الأحمق الذي كنت أحمله يومها وآثرت البقاء إلى نهاية أيام ~~التعهد! ms134 سامحيني يا سارة، وأنت يا أمي سامحوني كلكم أنا السبب بما ~~حصل لكم.» # في الليل كان المعتقلون قد عادوا إلى الثكنة وتوزعوا إلى مخادعهم ~~منهكين من يوم شاق، وجوههم شاحبة، عظام وجناتهم بارزة، والبعض قد نحل ~~جسده حتى تدلت ملابسه البالية كأنه هيكل عظمي، أبصر الوجوه وكأنه رأى ~~فيها مستقبل أيامه، وفجأة وقعت عينه على أحدهم كان يحمل على صدره ~~مثلثا أخضر اللون «لا بد أنه من الغجر»، نصف وجهه الظاهر من زاويته ~~يبدو ليس غريبا عنه تساءل: «أين رأيت هذا الوجه من قبل يا مايكل؟ ~~أين؟» اقترب منه، كان فكره منشغلا سارحا بعيدا جدا خارج الأسوار ~~الكهربائية التي تحيط بالمكان، واضعا كفيه تحت رأسه وقد أرخى جسده ~~بطول السرير، كلما اقترب مايكل منه أكثر بانت ملامحه وزادت ظنونه ~~يقينا بأنه يعرفه، عندما وقف على رأسه صدم! ~~- روبرت! # التفت إليه مدهوشا ولم يحرك ساكنا، اختلجت عيناه وهز رأسه: أوه ~~مايكل، صديقي العزيز! # تعانقا عناق الأحبة بعد غياب طويل. ~~- كم أنا مشتاق إليك، هكذا تركتنا ورحلت فجأة حتى لم تودعنا .. يومها ~~كنت أتمنى رؤيتك لكن في غير هذا الجحيم يا عزيزي. # أجلس مايكل بقربه وسأله: هل تم نقلكم هنا من معسكر داخاو يوم أبقوكم ~~في الثكنة؟ ~~- ما بك يا روبرت، حينها لم تكن بولندا محتلة من قبل الألمان، كيف ~~يتم نقلنا إلى هنا؟ ~~- ومن أين أعلم بذلك، أنا معتقل منذ سنوات، ولا أدري ماذا يجري خارج ~~المعتقلات. # قص له مايكل ما جرى له يومها، وأخبره عن حماقته بعدم مغادرة البلاد ~~خلال تلك الأشهر الثلاثة من التعهد، إلى أن نشبت الحرب وتغيرت كل ~~الموازين، ومن ثم تم سوقهم إلى بولندا بقطار خاص لنقل المواشي. ~~- يااه يا مايكل! كيف فعلت ذلك؟ من يجازف بالبقاء هناك بعد ما رأى ~~كل ذلك العذاب؟! لو أتتني فرصتك لكنت الآن في أبعد مكان عن هذه البلاد ~~الملعونة. ~~- دعك من ذلك وأخبرني، أين بيتر؟ ما الذي حل به؟ # صمت هنيهة وأطرق يقول بحسرة: إيه يا بيتر، ما الذي ms135 فعلته ~~بنفسك؟ ~~- أخبرني ماذا حصل له؟ ~~- ما لبث يذكر يهوا ويتنقل بين المعتقلين يبشرهم إلى معتقده ويقول ~~الموت قادم لا محال، موتوا على الطريق الصحيح، لا تخسروا يهوا، إنه ~~ينتظركم بعد الموت، سيكافئكم بما تحملتم من عذاب وصبرتم في الدنيا، ~~ويصدون عنه ويصر عليهم ويذكرهم بيهوا هكذا حتى وصل خبره إلى النازية، ~~تخيل يا مايكل هو معتقل لأنه كان يبشر الناس بعقيدته ويتنقل بين ~~بيوتات الألمان يبشرهم ثم يجازف هنا أيضا ويبشر المعتقلين الذين ~~لا طاقة لهم لسماع أي شيء من التعب والمشقة. ~~- ماذا فعلوا به؟ ~~- أعدم. ~~- أحقا ما تقول؟! ~~- نعم، أعدم أمام الجميع في الساحة وهو يصيح: آمنوا بيهوا، آمنوا ~~به، إنه المنقذ سأنتظركم هناك، مصيري اليوم هو مصير جميعكم غدا ... ولم ~~يكمل كلماته الأخيرة حتى حالوا بينه وبينها، فانهمر الرصاص من فوهات ~~البنادق على جسده فسقط جثة هامدة. ~~- أووه يا بيتر! لروحه السلام، لقد كان يحمل إيمانا كبيرا بيهوا، ~~عله هناك في السماء الآن في نعيم عنده. ~~- ربما .. أنا لا أومن بهذا كله. ~~- دعك من ذلك، وأخبرني أنت لماذا نقلت إلى هنا؟ ~~- لم يتم نقلي أنا فقط، بل قاموا بنقل جميع من في الثكنة، وتم ~~توزيعنا على المعسكرات المتفرقة بكل أنحاء سيطرة ألمانيا، وكان نصيبي ~~هنا في هذا الجحيم الأكثر قسوة من داخاو. ~~- في أي معسكر نحن؟ ~~- في أوشفيتز، أكبر معسكر اعتقال في بولندا، حسب قول السجناء هنا، ~~مساحته أكثر من 40 كيلومترا مربعا، وقد بني فوق قاعدة عسكرية سابقة ~~جنوب بولندا قرب مدينة كراكوف، وخلال إنشاء المعسكر أغلقت جميع ~~المعامل فيها، وتم إجبار سكان المناطق المجاورة على إخلاء منازلهم لغرض ~~هدمها. الأمر المضحك أنه مكتوب في أعلى بوابة الدخول للمعسكر: «العمل ~~يجعلكم أحرارا!» والعمل هنا جعلنا عبيدا! # ساد الصمت بينهما، ثم سأله مايكل: كيف تحملت هذه السنين في ~~المعتقلات يا روبرت؟ فالذي يلاقيه السجناء في المعتقلات من نقص الغذاء ~~والعمل المنهك للجسد لساعات طويلة دون توقف لا يمكن تحمله لمدة ~~طويلة، لكل شيء حد وللقدرة البدنية حد ms136 أيضا. ~~- أليست معجزة أنني حي إلى يومنا هذا؟ # قالها مبتهجا وكأنه هزم النازية بعزيمته. ~~- إنها كذلك وأكثر. ~~- أتعلم أن ثلث عمري قضيته في السجون؟ ~~- هل سجنت من ذي قبل؟ ~~- نعم، حكم علي عشر سنوات مع الأعمال الشاقة، قبل وصول هتلر للحكم ~~بعشر سنوات. ~~- ماذا فعلت؟ ~~- كان في قريتنا رجل غني جدا يمتلك ثلثي أراضي القرية، يبتز ~~الفقراء ويستغلهم، يتفق معهم على أجور للعمل في أراضيه ورعي مواشيه ~~وتنظيف الحظائر والاسطبلات، ثم لا يدفع أجورهم أو يأكل نصفها ويؤخر ~~دفعها، متكئا على السلطة في القرية، ولا أحد يستطيع تقديم شكوى ضده، ~~أو حتى إن قدمت شكوى ضده لا تحرك السلطة ساكنا؛ فهو الآمر الناهي ~~والمتسلط على رقاب أولئك المساكين. لا أدري لسوء حظه أم لسوء حظي أنا، ~~كنت بحاجة إلى المال حتى أسدد بعض الديون المترتبة علي، فاضطررت ~~للعمل عنده، كنت شابا حينها في مطلع العشرين من عمري، مفتول العضلات ~~شديد البأس لا أهاب أحدا في الدنيا، ولا أحسب لأي إنسان حسابا وأفعل ~~ما أريد حتى ولو كان جنونيا. ~~- كفاك تمدح بنفسك، أخبرني الآن لماذا حكم عليك عشر ~~سنوات؟ ~~- آتيك بالكلام، عملت عنده مدة ثلاثة أشهر في الأرض أحرثها وأزرعها ~~وأسقيها، وبعد كل ذلك التعب والإرهاق اليومي، لم يدفع لي سوى أجرة نصف ~~شهر، وكلما ذهبت لأطلب منه الباقي زجرني وقال إنك لا تستحق أكثر مما ~~أعطيتك، الأرض لم تحرث جيدا، والزرع قد جف، إن شئت ابق وسأعطيك ~~أجور الأشهر المقبلة إن صلح الزرع، وإلا فاذهب في سبيلك، هنالك العشرات ~~من يقبلون شسع نعلي حتى أشغلهم عندي، قالها بتكبر رافعا رأسه ~~إلى السماء، وقبل أن يدير ظهره لي لم أتمالك أعصابي إلا وأخرجت الخنجر ~~من خصري وطعنته في بطنه عدة طعنات ثم وليت هاربا، لم أستطع الخلاص ~~من رجاله الذين هبوا أمامي من كل حدب وصوب، أمسكوا بي وأشبعوني ~~ضربا، وتم تسليمي إلى مركز الشرطة في القرية. ~~- وهل مات؟ ~~- ليته! ~~- وكنت تتمنى موته؟ أنت مجنون حقا. ~~- ولماذا طعنته إذا؟! هل كنت ms137 ألاعبه مثلا؟ موت مثل أولئك الكلاب ~~خير للإنسانية جمعاء. ~~- ماذا حصل بعد ذلك؟ أكمل! ~~- نقلوني إلى المدينة وتمت محاكمتي خمس عشرة سنة مع الأعمال ~~الشاقة، ثم تم تخفيف الحكم إلى عشر سنين بعد الطعن، وتقديم أدلة أنه ~~لم يعطني أجور عملي عنده منذ أكثر من شهرين. وقد شهد بعض أهل القرية ~~بذلك وأخبروا القاضي باستغلاله لهم وإهانته لكرامتهم. ~~- قضيت عشر سنوات مع الأعمال الشاقة؟ ~~- قضيتها نعم، وتعود جسدي على التعب وتحمل المشقة، لعل تلك ~~السنين كانت مقدمة بسيطة لهذه الأيام التي سأقضيها هنا إلى نهاية ~~العمر. ~~••• # في فجر اليوم التالي تم سوق المعتقلين حفاة إلى الساحة على شكل ~~طابور طويل، المسافة بين معتقل وآخر شبر واحد، الجميع مطأطئ الرأس وقد ~~وضع كفيه على كتفي الذي أمامه، إلا الذي في المقدمة منسدل الذراعين ~~ينظر إلى الأمام ويقود السير والحراس الألمان يحيطون بهم من كل جانب ~~وفوهات بنادقهم مصوبة تجاههم، الطريق قد صار معبدا من وطأة أقدام ~~المعتقلين عليه يوميا، كان العمل مقسما إلى مجموعات، فالمعتقل ~~الجديد يوكل إليه مهمة تنظيف المراحيض، وإذا حدث أن بعضا من البراز قد ~~تناثر إلى وجهه أو ثيابه وتقزز منها أثناء نقله عبر طريق وعر وأظهر ~~انزعاجه من ذلك فكان يلقى العقاب مباشرة بالسوط من أحد الحراس. أما ~~بقية المعتقلين فيتم توزيعهم بين حفر نفق لممر مائي تحت طريق من ~~الطرق، أو قطع الأشجار ونقلها إلى مكان العمل في البناء وترميم البيوت. ~~في اليوم الواحد كان يسقط العديد من المعتقلين ويغشى عليهم من التعب، ~~فيتم حملهم وتكويمهم فوق بعضهم البعض على العربات التي تجرها الدواب ~~في الأماكن الوعرة، وأحيانا في عربات عسكرية حسب موقع العمل، ويتم ~~نقلهم للكشف عن حالتهم، والويل لمن يقع مغشيا عليه كذبا لغرض ~~الاستراحة، على الفور يتم نقله إلى قسم التجارب الطبية وتكون أعضاء ~~جسده أمام مشرحة الأطباء كجرذان المختبرات. # كان مايكل يحمل دلوا مليئا بالقذارة، ويتحاشى الأحجار أمامه لكيلا ~~يتعثر بها ويسقط أرضا، فيكون من نصيبه سوط يرسم خطا مستقيما ~~محمرا ms138 على ظهره، عند موضع جمع القذارة، انتبه من بعيد إلى أعمدة دخان ~~أسود يتصاعد من أربع مداخن عالية تحيطها عدة ثكنات، قال في نفسه لربما ~~مصنع للبلاستيك أو حرق للفحم بغية صهر المعادن وإعادة تشكيلها. عاد ~~أدراجه نحو المراحيض اللعينة وهو يفكر في حال من يعملون هناك ~~وتذكر تلك الحادثة التي حصلت في معسكر داخاو يوم حمل ذلك المسكين ~~قطعة حديدية ساخنة بالخطأ واحترق باطن كفه ولم يتم إسعافه فبقي يتلوى ~~على الأرض من شدة الألم. # | الفصل الثامن والعشرون # مدينة وان - تركيا 1905م # عند سور القلعة على التلة المرتفعة المطلة على مدينة وان كان أرتين ~~يجلس مع دافيت يتأملان المدينة والبحيرة الزرقاء خلفها، توثقت ~~صداقتهما بعد سكن دافيت في الحي الأرمني، كان شابا مثقفا وقارئا ~~شغوفا، يحدث أرتين عن التاريخ والدين وقصص عن حياة الأرمن ~~وتقاليدهم في الماضي. ~~- أتعلم يا أرتين، هذه القلعة التي خلفنا بنيت قبل ثلاثة آلاف سنة ~~في عهد الملك الأرمني ساردوري الأول، كان ملكا عظيما حكمت مملكته ~~أورارتو «المأخوذة من اسم جبل أرارات» هذه المنطقة لأكثر من قرنين، ~~وكانت تسمى هذه القلعة باسم «توشبا» أيضا، وذلك البناء الذي يبدو ~~جزء منه خلف السور كان معبد «أنالي قز»، وهنالك قبور صخرية لكل من ~~آرغيشتي الأول، والملك منوا، وساردوري الثاني داخلها. ~~- هذا يعني أننا نملك حقا تاريخا هنا؟ ~~- لا أحد يعترف بالحقوق التاريخية يا أرتين، القوة والغلبة هما ما ~~تحددان الحقوق في كل الأزمنة، دعني أخبرك حقيقة توصلت إليها ~~من قراءة التاريخ: إذا أردت أن تعرف أصحاب الأرض الحقيقيين في أية ~~مملكة كانت، فابحث عن الأقلية فيها، وهذه بلاد الرافدين أقرب مثال ~~لنا، كانت من أعرق الحضارات التاريخية على وجه الأرض، والآن تجد ~~مثلا الآشوريين والسومريين أقلية فيها! ~~- إنك محق. # ثم ساد صمت بينهما، أدار دافيت وجهه نحو بحيرة وان يتأملها وأرتين ~~يسترق النظر إليه بأطراف عينيه. ~~- وكأنك تحمل هما كبيرا لا يسعه حتى تلك البحيرة الزرقاء؟ # ارتسمت في وجه دافيت ابتسامة صفراء، أومأ برأسه دون أن يلتفت ms139 إلى ~~أرتين .. ثم سأله: أرتين، ألا تفكر بالزواج؟ # أصدر أرتين قهقهة وهو يقول: أنا متزوج منذ سنوات. ~~- لم تخبرني بذلك؟! ~~- لقد تزوجت الثورة. ~~- دعك من هذا وقل لي لماذا؟ ~~- لا أدري، لربما لن تصدقني إن قلت لك لم أفكر بالزواج، ومن ثم إن ~~مصيرنا مجهول ونحن على حافة الموت مذ دخلنا هذا المعترك، لا أريد توريط ~~فتاة معي، ما ذنبها أن تترمل على صغر؟! ~~- لكن بانوس كان معك منذ البداية وقد تزوج وأنجب فتاة كأنها القمر ~~ليلة البدر. ~~- أنوشكا، بالفعل هي كذلك، لكن بانوس كان يحب زوجته قبل أن ينضم ~~للثورة، وأنا أدرك تماما ما الذي يقاسيه من الشوق واللهفة والحنين ~~إليها في كل مهمة نتأخر فيها أشهرا عدة ولا نعلم أنعود منها أحياء أم ~~لا، مجنون من يتزوج من هو في مثل حالتي. ~~- لا أدري ما أقول، لكن أتمنى أن يذكر أحفادنا ما نذرت لأجلهم ~~به. ~~- لا يهمني ذلك بقدر أن نصل إلى الغاية، وألا نفرط بالدماء التي ~~أسيلت من أجل قضيتنا العادلة. # دعك مني وأخبرني عنك. ~~- أنا؟! # هز رأسه أرتين. ~~- نعم، أنت، من غيرنا في هذا المكان؟ ~~- فاتان! # التفت أرتين يمنة ويسرة ولم ير أحدا. ~~- من هذه؟ ~~- إنها معي دائما، مذ رأيتها أول قدومنا إلى وان، لم أعد وحدي، لقد ~~فقدت وحدتي، فهي تشاركني في كل شيء دون أن تكون معي! ~~- ما بك يا دافيت؟ هذا كلام المجانين. ~~- ومن قال لك لست كذلك؟! ~~- المجنون لا يرى الجنون في نفسه. # أخرج قهقهة وربت على كتف أرتين. ~~- يا لك من نبه! # سكت هنيهة، ثم نظر نحو وان وكأنه ينظر إلى فاتان ويتكلم. ~~- بعد قدومنا إلى وان والسكن في الحي الأرمني، كانت مهمتي كتابة ~~المقالات عن أوضاع الأرمن في وان، إضافة إلى كوني المساعد الأول ~~لمانوكيان، أكملت يومها كتابة المقالة ووضعتها في ظرف خاص ثم توجهت ~~إلى الإرسالية الأمريكية لأسلمها هناك ويتم نشرها في الصحف الأمريكية ~~باسم وهمي، كانت فاتان تعمل في الإرسالية، وهي من تستلم التقارير ~~والمقالات، عندما دخلت غرفتها ms140 كانت تقرأ تقريرا واضعة يدها على كفها ~~وكأنها في عالم آخر، وصلت مكتبها ولم تشعر، تنحنحت لتنتبه، ثم فجأة ~~رفعت رأسها فوقعت عيني بعينها وكأن سهما غرز في أعمق نقطة في قلبي، ~~تجمدت العروق على جبيني، احمر وجهي وارتبكت حتى إنني نسيت سبب ~~قدومي للإرسالية، ابتسمت هي فازداد الارتباك أكثر، كان قلبي ينبض بسرعة ~~ويخفق بين نبضة وأخرى حتى قالت بلطف شديد: هل أستطيع أن أخدمك بشيء يا ~~سيدي؟ # تراقص صوتها إلى أذني وكأنه موسيقى ناي عذبة. # حاولت صرف النظر عن عينيها عل الارتباك يخف وأستطيع الكلام، انتبهت ~~إلى الظرف في يدي. ~~- أنا دافيت كاتب مقالات للصحف الأمريكية، أخبروني أنك الموظفة ~~المسئولة عن استلام المقالات. ~~- نعم، تفضل بالجلوس من فضلك. # بعدها كنت أتردد للإرسالية كثيرا، وأحاول كتابة أكثر من مقالة ~~في الأسبوع لغرض رؤيتها أكثر فأكثر، شعرت بأنني معجب بها، لكن عيني ~~كانت تقول أكثر من ذلك. كانت تتهرب من نظراتي وأحيانا أقبض عليها ~~متلبسة بالنظر إلي. # ثم سكت هنيهة .. أخرج حسرة من جوفه وهو يقول: لكن الحب لعنة يا ~~أرتين. ~~- لعنة؟! وكيف يكون لعنة وكل هذا الشعور الجميل فيه؟! لقد كدت تقنعني ~~أن أجرب الحب. # أطلق دافيت قهقهة وهو يقول: إذن جرب وتعرف حينئذ أنه لعنة. ~~- دعك من هذا وأخبرني ما الهم الذي يأكل قلبك؟ # عاد يتأمل البحيرة من جديد، ظل صامتا لدقائق، تدحرجت دمعة على ~~خده، شعر أرتين بثقل الحمل الذي في جوفه؛ فالرجل ليس هينا عليه البكاء ~~أمام رجل آخر .. ثم تحركت شفتاه وخرجت الكلمات تترى. ~~- قبل شهر من الآن كنت ذاهبا كالعادة إلى مركز الإرسالية الأمريكية ~~صباحا لأعطيها التقرير الأسبوعي، ونتبادل أطراف الحديث، وبيدي هدية ~~صغيرة لها، لكن قبل أن أطرق الباب سمعت صوت ضحك وغنج ومغازلة خلف ~~الباب، انقبض قلبي وكأن مقبضا حديديا عصره، كان صوت الرجل مألوفا ~~على أذني، لكنني أردت التأكد أكثر فاسترقت النظر من الشباك وإذ بي ~~أرى «فاتان» جالسة على ركبة «مانوكيان» وهما في جو رومانسي مريب ~~وكأنهما في ملهى وليس ms141 في إرسالية محترمة. كانت الصدمة كبيرة يا ~~أرتين. ~~- ومانوكيان يعلم بحبك لها؟ ~~- للأسف نعم. # دهش أرتين بذلك. ~~- القائد مانوكيان يفعل ذلك؟! ~~- أنت لا تعرف «مانوكيان» كما أعرفه، أناني خبيث لا يحب إلا نفسه، ~~لكن لا، لن أدعه يفعلها، لن أدعه مهما كلفني الأمر. # شعر أرتين بالخوف، لم يكن خوفه على دافيت ولا على مانوكيان، كان خوفه ~~على الثورة من هكذا قادة يتنافسون فيما بينهم على فتاة جميلة بينما ~~المقاتلون نذروا أنفسهم للثورة والشعب! كانت مفارقة مؤلمة لم يشعر ~~بالهوان تجاه الحزب كما شعر في ذلك اليوم، لكنه تعاطف مع دافيت وشعر ~~أنه قد ظلم. ~~- يا صديقي، لو كانت تحبك لما أسلمت نفسها إليه، اتركها فهي لا تستحق ~~كل هذه المشاعر الصادقة. ~~- لكن لولا تدخل مانوكيان لكانت لي أنا، لقد استغل مكانته ومنصبه ~~وكسبها إليه. ~~- التي تبيعك من أجل المكانة والمنصب لا تستحق أن تجعلها زوجة لك يا ~~دافيت. ~~- لكنني أحبها. ~~- إنه لعنة كما وصفته. ~~••• # حاول دافيت التوسط عند صديق له وهو مسئول كبير في الحزب بمدينة ~~«بتليس» عله يتدخل في الأمر ويقنع مانوكيان بالابتعاد عنها، لكن قبل ~~عودته من «بتليس» تزوج مانوكيان من فاتان، فانقطعت الأخبار عن دافيت. ~~بعدها بيومين فقط داهمت قوة عسكرية نظامية البيت الذي كان يسكن فيه ~~مانوكيان، لكنه استطاع الفرار قبل مجيئهم وحصلت إبلاغات على عدة مخابئ ~~للأسلحة في الحي وتمت مصادرة خمسمائة مسدس واعتقال بعض الثوار ~~معها. # أحدثت تلك العمليات المفاجئة صدمة للثوار وجعلت وجودهم في الحي ~~الأرمني يشكل خطورة كبيرة، ولا أحد يعلم ما الذي يحصل، لكن مداهمة ~~بيت مانوكيان وكشف مكانه بهذه الطريقة كان دليلا واضحا أن دافيت قد ~~تحول إلى مخبر سري لدى الحكومة. # وبسبب تبليغات دافيت صادرت الحكومة ما يقارب ألفي قطعة سلاح والمئات ~~من رزم الديناميت وأحزمة الذخائر، وفي فترة قصيرة اشتهر دافيت في «وان» ~~كلها وكرمته الحكومة على أفعاله تكريم الأبطال، ولأجل زيادة ~~الحماية على حياته أعلن دافيت إسلامه وأطلق على نفسه اسم «محمد» مما ~~أثار ذلك حفيظة الثوار ms142 ولقب بالخائن الأكبر بينهم، ولعل أرتين كان ~~الشخص الوحيد الذي يعلم مدى صدق وأمانة دافيت للثورة والقضية الأرمنية، ~~ولم يكن ليفعل ما فعل لولا ظلم مانوكيان له وأخذ روحه منه، لكن من ~~يفهم هذا الكلام ومن يصدقه ومن يبرره ! الناس لا ينظرون إلى ~~الأسباب ولا إلى الدوافع، هم لا يرون سوى النتائج فقط! # بعدها صدرت الأوامر بالتخلص من الخائن دافيت بأي وسيلة كانت، صلى ~~أرتين للرب بألا يتم اختياره في تلك العملية، ولأجل ذلك طلب الإذن من ~~القائد «فارتان» لزيارة قريته بضعة أيام، لعل المهمة توكل لغيره هذه ~~المرة. ~~- لا أستطيع إعطاءك إجازة يا أرتين، إن القائد مانوكيان قد اختارك ~~أنت بالذات لهذه العملية، وأخبرني أن كل ساعة إضافية في حياة دافيت ~~تقابل سنة كاملة من تهريبنا للأسلحة، لا بد أن يتم التخلص منه بأي ~~طريقة كانت وعلى الفور، اقض هذه المهمة يا أرتين وبعدها سأعطيك ~~إجازة مفتوحة تعود إلى وان متى شئت. # وضعت الحكومة دافيت في بيت «أحمد بيك» الذي كان يعمل ضابطا في سلك ~~الشرطة، بالجزء الغربي من مقاطعة «غاردن»، كانت مهمة أرتين لا تستدعي ~~الكثير من المقاتلين، بل مراقبة البيت واغتنام فرصة خروجه إلى الشرفة ~~وإطلاق النار عليه، أو ضجر دافيت من البيت وخروجه مع عدد قليل من ~~الحراس. # بعد مرور شهر كامل من المراقبة، أخيرا خرج دافيت مع مسئول حماية بيت ~~الضابط وحارسين إلى السوق القريب من البيت، كانت تلك فرصتهم في الوصول ~~إليه، وفي زحام السوق أشار أرتين على من معه في المهمة بإطلاق النار ~~صوب الحرس، فهاجت الناس وماجت وبدأت الطلقات تتطاير في السماء، ولحق ~~الحراس بمن أطلقوا النار، حينها هرب دافيت بين الناس متوجها إلى ~~بيت الضابط «أحمد» فلحق به أرتين بين الأزقة الضيقة حتى اقترب منه ~~فمد قدمه بين رجليه وأسقطه أرضا، ثم انقض عليه كالنسر وقد وضع ~~كوفية على وجهه، حاول دافيت الدفاع عن نفسه بكل قوته ومنعه من غرز ~~الخنجر في صدره؛ إذ لم يكن بمقدور أرتين استخدام المسدس في ms143 الزقاق ~~خشية أن يعرف مكانه وهو في حي المسلمين، كان دافيت قويا لكن الرهبة ~~التي في قلبه جعلت أرتين يتمكن منه، وقبل أن يدخل الخنجر في صدره ~~كشف بيده عن وجه أرتين حينها خارت قواهما، نظر في وجه أرتين وقال: أنت؟ ~~أنت تريد قتلي يا أرتين؟ # صرف أرتين نظره عنه ولم يستطع أن ينظر في عينيه. ~~- هيا افعلها يا أرتين، لم يبق لي في الحياة ما يستحق البقاء، كل ~~من أحببتهم غدروا بي، افعلها هيا! ~~- سامحني يا دافيت سامحني، لقد بعتم الثورة من أجل فتاة لا تساوي ~~قطرة من دم شهيد. # ثم غرز الخنجر في صدره حتى خرج الدم من فمه، وبقي دافيت ينظر إليه ~~نظرة المظلوم وهو يفارق الحياة، أغلق عينيه أرتين بمسحة كف ولف ~~كوفيته ثم فر هاربا من الحي. # بقيت تلك النظرة تلاحقه في المنام كل ليلة فيرى نفسه وسط آلاف ~~الجثث كلهم دافيت، وينظرون إليه تلك النظرة القاسية البريئة، يهرب ~~يمينا تخرج له صورته من الأرض، ينظر إلى السماء وكأنها تحولت إلى ~~صورته ونظرته تلك، فيهب من نومه وهو يصرخ سامحنيييي. # | الفصل التاسع والعشرون # القدس - فلسطين 1945م # في إحدى ليالي الصيف المقمرة كانت باحة الأقصى تحتضن بين حناياها ~~مجموعات متفرقة من الرجال وكبار السن هنا وهناك، يتسامرون على أحاديث ~~الأيام الخالية وأخبار أهل الكرامات والأولياء، وما يدخل العقل وما لا ~~يدخله من قصص وحكايات الأولين، ويحيط بهم الفتيان الذين يتشوقون ~~لسماع تلك الأحاديث الشيقة، ويقوم الشباب في خدمة الجمع من سقي الماء ~~وتوزيع الأطعمة والحلويات وفناجين القهوة وأقداح الشاي، وسط جو من ~~الفرح الذي يعتلي الوجوه. # اتجهت الأنظار نحو الشيخ إبراهيم ذي اللسان المفوه واللغة الفصيحة ~~والبلاغة المبهرة، ليقص لهم ما يريح النفس ويجلي الهم ويحلي ~~الجو. فبدأ بمقولة لحسن بن سهل: «الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، ~~وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن، فأما ~~الشهرجانية، فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصوالج. وأما ~~الأنوشروانية، فالطب والهندسة والفروسية. وأما العربية فالشعر ~~والنسب وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت ms144 عليهن، فمقطعات الحديث ~~والسمر وما يتلقاه الناس بينهم في المجالس.» فنحن ما بين الثلاثة ~~العربية والواحدة التي أربت عليهن، أقص عليكم من أخبار العابدين ~~الحامدين الأولياء المنزهين الذين وصلوا المقامات العلى وكشفت لهم ~~الأسرار وعلموا بالأحوال والأهوال وزهدوا في الدنيا ، وقلوا وأقلوا ~~ولبسوا الصوف واخشوشنوا ولم ينعم لهم سرير، ولا ملأ النوم لهم ~~جفنا. وصدق ابن معتز حين قال: «وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى ~~تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طواحة طراحة، آسية ~~جراحة، كم راقدا في ظلها قد أيقظته، وواثقا بها قد خانته، حتى يلفظ ~~نفسه، ويودع دنياه، ويسكن رمسه، وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، ~~وقد رجح الموت بحياته، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، ~~وقطع نظام صورته، وصار كخط من رماد تحت صفائح أنضاد، وقد أسلمه ~~الأحباب، وافترش التراب، في بيت نجرته المعاول وفرشت فيه الجنادل، ~~ما زال مضطربا في أمله، حتى استقر في أجله، ومحت الأيام ذكراه، ~~واعتادت الألحاظ فقده.» فخرجت أصوات من هنا وهناك: «صدق القائل وأجاد ~~الناقل»، «أحسنت التذكرة وأجزت الوصف». التفت حسن إلى هشام فرآه ~~يتأمل القمر، سارحا في تفكير عميق غير آبه بما يجري في المجلس من ~~أحاديث شيقة وقصص معبرة وتذكرة بزوال الدنيا الفانية والآخرة ~~الباقية، فهمس حسن في أذنه: أين أنت يا هشام؟ ~~- هناك، حيث يجب أن أكون. # استغرب حسن من إجابته المبهمة، ثم افترقا عن أهل المجلس خلسة وهم ~~غارقون في لج قصة من قصص الشيخ إبراهيم. ~~- أخبرني ما الذي يجري معك؟ ~~- لا شيء، أخبرني عنك أنت. ~~- دعك مني وقل لي ما بك؟ # امتلأت عينا هشام بالدموع، مسح وجهه بكفه، أخذ نفسا عميقا، كان ~~كل شيء فيه يريد البكاء والبوح إلا أنه يقاوم ذلك ويصد وجهه عن ~~حسن. ~~- دعني وعد إلى المجلس. ~~- لا أدعك إلا بعد أن تخبرني، ما الذي جرى؟ هيا تكلم. # التفت إليه وقال بصوت مبحوح: لقد استشهد «عمر». ~~- رحمه الله، ومن يكون عمر؟ ~~- عمر الصفدي، التقيت به للمرة الأولى في عملية الكمين الذي ms145 ~~نصبناه على طريق القدس-رام الله، أتذكر يوم أخبرتك عنها؟ ~~- أذكر جيدا. ~~- بعد تلك العملية المشتركة بين فصيلنا وفصيلهم تعرفنا على بعض، من ~~الوهلة الأولى شعرت أنني أعرفه منذ زمن، لربما خالجك مثل هذا الشعور أن ~~تتحدث مع إنسان للمرة الأولى فتشعر أنك تعرفه منذ زمن بعيد بعيد ~~جدا، كان يحمل في وجهه البشوش صدق ثورتنا وجهادنا. كل مقاتلي الفصيل ~~كانوا يكنون له الحب والاحترام ويتحدثون عن إقدامه وبسالته في ~~المعارك، كان على وشك الزواج، أخبرني قبل عملية الهجوم الأخيرة على ~~إحدى ثكنات الجيش البريطاني، أنه إذا خرج منها سالما فسيأخذ إجازة ~~طويلة ليتزوج هناك في قريته على أطراف صفد، كان متحمسا جدا يجوب بين ~~المقاتلين ويبث روح الحماسة فيهم، وكأنه ماض إلى عرسه لا إلى ~~حتفه. # كانت الثكنة محصنة بشكل جيد، أخذنا مواضعنا حولها فرمى قائد ~~العملية قنبلة يدوية على مدخل الثكنة فسقط جنديان على الأرض وبدأت ~~المعركة، كانت مفاجأة غير متوقعة للعدو، فالهجوم حصل مع بزوغ الفجر، ~~قتلنا كل الجنود عند الباب، لكن الجندي صاحب مدفع الرشاش في أعلى ~~الثكنة شل حركتنا، ينهمر الرصاص كالمطر من سلاحه لا يستطيع أحد ~~تركيز الهدف عليه من شدة الرمي، كان التأخير ليس لصالحنا؛ فالإمدادات ~~العسكرية إذا وصلت سنخسر الكثير من مقاتلينا، نادى القائد إن لم نقض ~~عليه سيقضى علينا، أثناء ذلك انبرى عمر من بيننا فجأة أطلق رصاصة من ~~بارودته فانهمرت الطلقات على صدره وهوى الجندي من أعلى الثكنة ميتا، ~~وسقط عمر بيننا يلفظ أنفاسه الأخيرة، هرعت إليه وأنا أصيح بصوت ~~عال: «عمر!» حملت رأسه بكفي اليسرى، كان يبتسم وبالكاد يستطيع ~~الكلام، يأخذ نفسا يخرج حشرجة من صدره وهو يقول لي: يبدو أن الله أراد ~~عرسي في السماء لا في الأرض. # وأنا أبكي وأهز رأسي ولا أستطيع الكلام، بقي هكذا حتى فارق الحياة، ~~وعيناه مفتوحتان وكأنه يراقب سمو روحه إلى السماء. ~~- يا لشجاعته! رحمه الله. ~~- لو ترى يا حسن كيف كان تشييع جنازته في القرية، منظر مهول تجمع ~~المئات من الأهالي .. أطفال ms146 ونساء ورجال وكبار بالسن، والبعض قدم من ~~القرى المجاورة، وآخرون من المدينة «من صفد نفسها»، أطلقنا الرصاص في ~~السماء تكريما له، وارتفعت أصوات التكبير: «الله أكبر ولا إله إلا ~~الله، والشهيد حبيب الله». # | الفصل الثلاثون # معسكر أوشفيتز - بولندا 1945م # غطت الثلوج المعسكر بطبقة سميكة، وكست أسطح الثكنات والطرقات ~~والأشجار بمنظر أبيض جميل. مع توالي ضوء الفجر كان الطابور الصباحي في ~~الساحة مميتا، البرد يتسلل إلى أجسادهم الهزيلة التي تمكن منها ~~الوهن واعتراها الجوع الشديد. تعالت صيحات الأوامر وصفارات القيادة، ~~معلنة بدء يوم تعيس آخر، كان سماع تلك النبرات الفظة الصاخبة ~~روتينا يوميا يستمتع بها أولئك الوحوش بأجساد وأشكال ~~آدمية. # كانت فكرة الانتحار تراود الكثير من المعتقلين؛ فالإحساس بالعجز وعدم ~~القدرة على المواصلة أكثر وتحمل كل ألوان التعذيب والقسوة ودنو خطر ~~الموت كل مرة وقتل البعض أمامهم أو وقوعهم جثة هامدة قد كسرت من ~~هيبة الموت لديهم، الموت الذي يخشاه الإنسان بفطرته، كانت الإرادة على ~~البقاء تنهار يوما بعد يوم حتى يصل حال من يقرر الانتحار أنه يبقى ~~على سريره وهو يسمع صفارات القيادة وصراخ الحراس. # في ذلك الصباح تعالت الأصوات من إحدى الثكنات وبدا أنهم قد انهالوا ~~بالضرب على أحد المعتقلين، ثم سحبوه من قدميه ووجهه مخضب بالدماء نحو ~~الساحة، كان يبدو عليه فاقدا للوعي للوهلة الأولى، وكانت دماؤه ترسم ~~خطا أحمر على الثلج خلفه، تركوه وسط الساحة ليعطوه درسا أمام ~~الجميع ويكون عبرة لمن يعتبر، انتبه مايكل إليه وهم يركلونه ببساطيلهم ~~الثقيلة المتجمدة أنه لم يفقد الوعي، بل فقد الإرادة. كانت ملامح ~~وجهه لا يظهر فيها التأثر بالضرب، لكنه كان يبتسم رغم كل ذلك، فقد ~~بلغ حد اللاشعور. كانت ابتسامته تستفزهم كثيرا فتزداد الضربات شدة ~~ووحشية، حتى أخرج الضابط مسدسه الشخصي من أعلى ركبته وأطلق على صدره ~~ثلاث رصاصات، كانت الحد الفاصل بين العذاب والرحمة والسكون ~~الأبدي. # منذ نقل مايكل من غيتو وارسو إلى أوشفيتز كان يبحث في وجوه المعتقلين ~~عن ديفيد، ويمني النفس أن يجده كما وجد روبرت ms147 بالصدفة، لكن المعسكرات ~~كثيرة في كل أنحاء الرايخ، وحتى أوشفيتز تضم أكثر من أربعين معسكرا ~~ثانويا داخلها، كلها منفصلة عن بعضها البعض، ولا أمل برؤية جميع ~~المعتقلين، والوصول إليه يحتاج إلى معجزة إلهية. ~~- روبرت كيف يمكن للمعتقل أن ينتقل إلى معسكر آخر داخل ~~أوشفيتز؟ ~~- ولماذا تسأل؟ هل مللت من صديقك؟ ~~- ليس كذلك، بل أبحث عن أخي ديفيد، بحثت عنه هنا ولم أجده بين ~~المعتقلين عله في معسكر آخر من معسكرات أوشفيتز. ~~- لا يمكن نقلك من هنا إلا في حالة أنك صاحب حرفة خاصة ويكونون ~~بحاجة لتلك الحرفة في معسكر آخر، أو أن يتم نقلك بوساطة ضابط من فرق ~~الإس إس، وهذا من مستحيلات الحياة بالنسبة لنا. ~~- حرفة؟ أنا لم أعمل في غير التجارة. ~~- إذن لا يمكنك الانتقال، الظروف الذي نعيشها هنا لا تتحمل البحث ~~عن أحد، أنت لست حرا حتى تبحث وتجتمع مع من تريد، نحن هنا عبيد ~~والعبد لا أهل له فاترك عنك هم البحث، وحتى إن وجدته ما الذي يمكنك ~~تقديمه له، هل تستطيع أن تنقذه من هذا الجحيم؟ ~~- لكن ... ~~- اسمع نصيحتي يا مايكل، لربما إن وجدته ستندم كثيرا لأنك ستراه ~~يتعذب أمامك ولا يمكنك فعل شيء لأجله، اهدأ يا صديقي واطلب من الرب ~~أن يغمره برحمته ويهبه القوة والصبر لتحمل العذاب والمشقة أينما ~~كان. # هز مايكل برأسه مقتنعا، فربت روبرت على كتفه وأعطاه ابتسامة ~~مليئة بالعطف. ~~- محق فيما تقول يا روبرت، إنك محق. ~~••• # فتح باب الثكنة ودخل ضابط مع حارسين خلفه، وصفارته في فمه يصدر ~~صوت صفير متقطعا، وبيده سوط يضربه على خشبة الأسرة ذي الطوابق ~~الثلاثة، قفز مايكل من سريره، ووقف بوضعية الاستعداد منسدل اليدين ~~ورأسه إلى الأمام. سار الضابط بكامل قيافته النازية المعروفة، وسط صفين ~~متقابلين من المعتقلين ثم بدأ يتكلم: اليوم سيتم نقلكم إلى المعسكرات ~~الأخرى للعمل، الأجواء في الخارج لا تساعد على العمل بالإنتاجية ~~المعتادة. # سكت قليلا وخطا خطوات ثابتة، ثم أدار وجهه إلى المعتقلين في الصف ~~المقابل لمايكل، وبدأ يختار منهم ليكون ms148 مجموعات متفرقة، كل خمسة ~~معتقلين مجموعة، بعد اختيارهم أمر الحارسين باقتيادهم خارجا. ~~- هؤلاء إلى ثكنة فرز حقائب النزلاء الجدد. # أدار وجهه إليهم فاختار عشرة أشخاص هذه المرة، من بينهم مايكل مع ~~روبرت، ثم أمر الحارسين بنقلهم إلى عربات معسكر بيركناو ، انتبه مايكل ~~إلى روبرت، كان وجهه قد اصفر وشحب أكثر مما هو مصفر وشاحب في الأصل، ~~شعر أن هناك سرا خطيرا في ذلك المعسكر، لماذا امتقع وجه روبرت عند ~~سماعه بيركناو. # حال نزولهم من العربة في المعسكر ألقى مايكل نظرة في المكان فرأى ~~المداخن الطويلة التي تعلو الثكنات، تذكر أعمدة الدخان الأسود ~~المتصاعدة التي رآها في ذلك اليوم عندما كان ينقل البراز بالدلو .. ~~دهش للوهلة الأولى، إنها نفس الثكنات المستطيلة ونفس المداخن، لكن لا ~~توجد أعمدة دخان يتصاعد منها، يبدو أن العمل لم يبدأ فيه بعد. # لم يكن المعسكر يختلف كثيرا عن الأماكن التي قضى فيها من قبل، ~~فالبؤس نفسه والعمل شاق أينما كان، استقبلهم في الفراغ بين الثكنتين ~~المتجاورتين مجموعة من الجنود وهم قد وضعوا الكمامات على أفواههم، ~~نادوا على أحد المعتقلين باسم «آفيرام» وأدخلوه إلى غرفة خاصة كانت ~~تبدو غرفة ضابط من فرق الإس إس تأخر فيها قرابة عشرين دقيقة، ثم ~~خرج إليهم، بعدها تم توزيع كمامات وقفازات لهم أيضا، ثم انسحب الجنود ~~وأمروهم باتباع ما يقول «آفيرام» بدقة تامة لحين انتهاء العمل. وقف ~~آفيرام والأنظار متجهة صوبه، بلع ريقه بصعوبة ثم بدأ يتحدث: القدماء ~~منكم يعلمون ما سنقوم به اليوم، أما الذي جيء به للمرة الأولى هنا، ~~فأطلب منه أن يتماسك قليلا، لكي نحافظ على حياتنا يجب أن نطبق ما ~~أرادوه منا بحذافيره وأن نكمل المهمة اليوم. ~~- فصاح أحدهم: كفاك تلمح، أخبرنا ماذا سنفعل؟ # وكأنه قال ما كان ينوي مايكل قوله. ~~- لقد تم تجميع جثثت المرضى المصابين بالأمراض المعدية كالتيفوئيد ~~والكوليرا من معسكرات أوشفيتز والغيتوات القريبة منها، وهم الآن داخل ~~هذه الثكنة الخاصة، وأشار بيده نحو باب على اليمين، هذه الأمراض ~~معدية، ودفن هؤلاء قد يتسبب في ms149 انتشار المرض وموت الكثير من البشر، ~~لا يوجد حل سوى حرق جثثهم. # صدم مايكل بما سمع، التفت إلى روبرت فأومأ إليه بوجه شاحب. ~~- حرق؟! ~~- نعم، مهمتنا اليوم حرق الجثث. ~~- ماذا تقول؟ كيف نحرق البشر؟! ~~- أقول ما سمعتم، سيقوم كل اثنان منا بحمل جثة ونقلها إلى غرف ~~المحارق الأربعة أسفل المداخن، ويجب أخذ الحيطة والحذر، لا أريد أحدا ~~منكم أن ينزع قفازته من يده أو كمامته من على فمه، لئلا ينتقل المرض ~~إليه، وينتهي الأمر به إلى الحرق هنا بعد موته. # خارت قوى مايكل، في بداية الأمر لم يكن يصدق ما سيقوم به، فتح ~~آفيرام الباب ثم ولجوا خلفه إلى الثكنة، كانت الجثث مكدسة فوق بعضها ~~البعض كأنها سيقان أشجار مقطوعة ومكومة، نساء ورجال شبان بعمر الورود ~~وأطفال ومراهقون وشيوخ. # كان مايكل يتحاشى النظر إلى الوجوه، لكن ما من سبيل، لا بد من النظر ~~قبل حملهم إلى المحرقة، وكان روبرت يتشارك معه في حمل الجثة من قدميها ~~وهو من يديها أو العكس، ذهابا وإيابا من الثكنة إلى المحرقة، حتى ~~يتكدس المكان بالجثث، فيأتي آفيرام ويغلق باب المحرقة الحديدي من ~~الداخل ثم الباب الثاني ويفتح صمام الوقود الذي يصل بأنابيب داخل غرف ~~المحرقة لدقائق معدودة فيتم رشها بالوقود، ثم يوصد قفل الصمام ويضرم ~~النار في فتيل ويقذفه من فتحة دائرية إلى الغرفة، فيهب النار فيها ~~وتحترق الجثث وهم يسمعون أزيز احتراق جلودهم وخروج دهون ~~أجسادهم. # كان المشهد أقسى ما يمكن أن يراه الإنسان في حياته، بشر يحترقون ~~أمامهم وهم يسمعون أزيزا مقرفا ويشمون رائحة نتنة، كان بعضهم لا ~~يستطيع تحمل المنظر والرائحة فيستفرغ كل ما في جوفه، ويسقط أرضا ~~وهو يسعل ويبكي. رفع مايكل بصره نحو المدخنة فرأى أعمدة الدخان تتصاعد ~~منها إلى السماء وكأن أرواحهم تتطاير بهدوء وسكينة لم يعهدوها منذ مدة ~~طويلة وهي تعرج إلى السماء، قال في نفسه: «ليتنا لا ندرك حقيقة كل ~~ما يلفت أنظارنا في الحياة، ما أجمل توقعاتنا وما أقسى الواقع ~~والحقيقة، حين رأيتها في ذلك ms150 اليوم توقعت أنها احتراق للفحم من أجل ~~أفران صهر الحديد! لا عزاء لإنسانيتنا اليوم؛ فقد تبخرت إلى الأبد. ~~أي قلب يتحمل كل هذا؟ إني أعجب كثيرا من تحملنا مثل هذه ~~المواقف دون أن يغشى علينا! يبدو أن الإنسان يمكنه القيام بكل الأعمال ~~البشعة والشنيعة لمجرد أن يفعلها مرة واحدة، مرة واحدة فقط ويكسر ~~الحاجز، ونحن لم يبق حاجز ولم نكسره بإرادتنا أو رغما عنا.» # في الجولة الثانية من عملية نقل الجثثت، سحب مايكل جثة شاب من بين ~~الجثث المتكومة من يديه فسقط أمامه، توجه روبرت إلى الجهة الأخرى ~~ليحمله من قدميه، لكن مايكل بقي صامتا ينظر في وجهه ويداه ~~ترتجفان. ~~- ما بك يا مايكل؟ ما بك ترتجف؟! ~~- إنه ديفيد، ديفيد! # ثم صرخ مايكل بأعلى صوته «أخيييي» ضمه إلى حضنه وهو يبكي ويلعن ~~نفسه ويندبها: أنا الذي قتلتك يا ديفيد، أنا القاتل، سقط روبرت منهارا ~~مدهوشا أمامه، تجمعوا فوق رأسه وهم يحاولون تهدئته ثم أقبل آفيرام ~~مسرعا. ~~- مايكل هون عليك، يجب أن تتركه، سينتقل المرض إليك. # كان يبكي بكاء الأطفال ويحرك جثة أخيه بحضنه والدموع تذرف من ~~عينيه وكأنه يبكيه بكل ما فيه، لم يرد على آفيرام. ~~- هيا انتزعوا الجثة من يديه. ~~- لا تقتربوا منه، سأحرق من يحمله هناك، ابتعدوا عنه. ~~- اهدأ يا مايكل اهدأ، لا يمكننا إبقاء أية جثة هنا، سيتم قتلنا ~~جميعا .. الحي أبدى من الميت يا مايكل. ~~- وهل تعتبرون أنفسكم أحياء؟ إن الموت أشرف من هذه الحياة القذرة ~~التي تحاولون الحفاظ عليها! # حاول روبرت تهدئته لكنه لم يستطع؛ فالمشهد الذي أمامه كتم على صدره ~~وبات يخرج صوته مبحوحا .. عندما رأى آفيرام ألا جدوى من انتزاع جثة ~~ديفيد منه، أمر البقية بإكمال عملية النقل بعيدا عن مايكل .. بقي ~~ديفيد بحضنه إلى أن تم حرق جميع الجثثت إلا جثته .. أقبلوا إليه ~~جميعا. ~~- مايكل، إن كانت حياتك لا تهمك فهي تهمنا نحن، أرجوك أن تعطينا ~~الجثة قبل أن يأتوا ويروك هكذا، سيضعوننا في المحرقة أحياء ويضرمون ~~النار فينا .. هيا لا نريد ms151 إجبارك بالقوة. # حدق في وجوههم الشاحبة وبحث عن وجه روبرت فأبصر في عينه ما في أعين ~~البقية .. ثم قال: أنا من سيضعه في المحرقة. # انفرجت أساريرهم جميعا، وربت آفيرام على كتفه .. حمل جثة أخيه، ~~حاول روبرت مساعدته لكنه امتنع بحركة من يده، عندما دخل المحرقة سحب ~~الباب على نفسه ونادى: إن أردتم حياتكم فاحرقوني مع أخي، وإلا فسنحترق ~~جميعا! # من سوء الحظ لم يكن هناك قفل من الداخل، القفل خارجي فقط، سحبوا ~~الباب وأخرجوه منها بالقوة وهو يصرخ ويبكي. ~~- دعوني أحترق معه، اتركوني مع أخي، لا أريد حياتكم هذه، أنقذوني ~~منها وأنقذوا أنفسكم! # لكن دون جدوى .. أغلقوا الباب على ديفيد وأضرموا النار فيه، فعاش هو ~~ومات مايكل في الحياة. # | الفصل الحادي والثلاثون # مدينة وان - تركيا 1909م # كان شعورا أشبه بالنشوة عندما سمع أرتين الخبر؛ فبعد عقدين من ~~القتال والمذابح التي راح ضحيتها الآلاف ومحاولة اغتيال فاشلة، ها هو ~~السلطان ينتهي به الأمر في المنفى يناظر سلطانه الزائل من خلف البسفور، ~~ويرى أولئك الذين استهان بقدرتهم يجوبون في حنايا قصره على قمة تلة ~~قازانجي أوغلو ويتنعمون بملكه وحديقته الغناء ويستقبلون المهنئين ~~بصالة استقبال الضيوف التي منها نشأت الفرسان الحميدية وظلمت وطغت في ~~الولايات الأرمنية تحت إمرة زكي باشا وزبانيته، يطلق حسرات وزفرات ~~ويحوقل جيئة وذهابا. من كان يصدق أن الأتراك أنفسهم دون الملل ~~الأخرى القابعة تحت الحكم العثماني يخلعون السلطان بتلك الطريقة ~~المهينة! # آه يا عبد الحميد! كيف يمكن التغاضي عن نواياهم التي بانت لك ~~واتقيت الظلم فيهم فأطاحوا بسلطانك؟ أما كنت تتصف بالشدة والحنكة؟ ~~كيف وهنت وتساهلت، وأنت تدرك أن «الحكم والزهد لا يجتمعان»، والحاكم ~~الزاهد بالدنيا الذي لا يتقي شر أقرب الناس إليه مصيره الموت أو ~~النفي كما حصل للخلفاء الثلاثة، عمر وعثمان وعلي، حتى أدرك ذلك المفهوم ~~بنو أمية فأحاطوا سلطانهم بالحذر والحيطة والشدة وقطع رأس الفتنة أول ~~بزوغها، فاستمر حكمهم أكثر من الخلفاء الراشدين، وعندما أراد عمر بن ~~عبد العزيز أن يعيد الزهد إلى الحكم سمم وقتل؟! ms152 # انتشر خبر خلع السلطان عبد الحميد الثاني كالنار في الهشيم بكل أرجاء ~~الدولة العثمانية، وتناقل أرمن المدينة أخبارا تفيد بأن الإصلاحات ~~التي وعد بها حزب الاتحاد والترقي حليف حزب الطشناق الأرمني ستكون على ~~رأس القائمة، واستبشروا خيرا بطي صفحة السلطان إلى الأبد. كانت الفرحة ~~ظاهرة على وجوه رواد المقهى قرب الخان، وكأن الأرمن ولدوا من جديد ~~وأزيح عنهم الخوف القابع في صدورهم لعقود خلت، وتم تغيير الولاة ~~التابعين للسلطان المخلوع وإعادة العمل بمجلس المبعوثين (البرلمان) ~~ومجلس الأعيان لتشارك جميع القوميات والملل في القرار ~~العثماني. # كان سوق مدينة وان يعج بالناس والباعة المتجولين والعربات التي ~~تجرها البغال، وأصوات مناقشات حادة تأتي من هنا وهناك وكلام حول ~~إهانة السلطان بكلمة «الخلع» ودفاع وذم ومناوشات واتهامات بالظلم ومدح ~~بالعدل، كان الكلام حول السلطان وخلعه وتنصيب أخيه محمد رشاد ذي ~~الشخصية الضعيفة بمنصب شكلي مسلوب الإرادة الشغل الشاغل للأهالي لشهر ~~كامل، وحدثت حالات مشاحنات وقتال بالسكاكين في ساحة السوق بين ~~المؤيدين والمعارضين للخلع أدت إلى تدخل الدرك أكثر من مرة، ~~كانت حادثة لا يمكن أن تمر مرور الكرام؛ فللسلطان هيبته ومكانته في ~~نفوس المسلمين؛ لأنه يحمل صفة خليفة رسول الله، وهو من سلالة السلاطين ~~العثمانيين الشرفاء. ~~••• # كانت باتيل في المطبخ تجهز العشاء ورائحة اللحم المسلوق مع ~~البهارات وحبات القرفة قد ملأت باحة البيت، نادت بانوس بأن يحضر ~~الطاولة ويفرش القماش الأبيض المزخرف عليها ويجلب الكراسي من غرفة ~~أرتين وغريغور، ويخبرهما بأن العشاء قد جهز. # على المائدة كان غريغور يأكل بشراهة كعادته وباتيل تطلق الابتسامات ~~خلسة مع زوجها بانوس، لم تكن ابتسامة استهزاء بقدر ما كانت شعورا ~~بالسعادة؛ فكل النساء تحبذن من يأكل طبخهن بهذا النهم، إنهن يشعرن ~~أن ساعات التعب والتحضير لم تذهب سدى. ~~- برأيك كيف سيكون حال الثورة بعد عبد الحميد يا بانوس؟ # وضع الملعقة من يده على الصحن والتفت إلى أرتين: بالتأكيد سيكون ~~أفضل بكثير. ~~- لكن مانوكيان في آخر اجتماع للقادة قال: «لا يغرنكم شعارات ~~الاتحاد والترقي بالإصلاحات والوعود بالحكم الذاتي للأرمن، ms153 إننا ندرك ~~جيدا أنها يكذبون ويماطلون، وهذا ما رأيناه في أول اجتماع معهم بعد ~~خلع السلطان.» ~~- حتى لو كانت الوعود كاذبة، لكن التضييق على الثوار سيقل، وستكون ~~حركتنا أكثر حرية من ذي قبل و... # قاطعه أرتين قائلا: أصبت، وهذا ما نوه إليه مانوكيان، قال يجب أن ~~نستغل فترة التغاضي عن الثوار بانشغالهم في توطيد أركان الحكم، ونعمل ~~على زيادة تهريب الأسلحة نحو وان والقرى الأرمنية، فلا يمكن تخمين ما ~~تئول إليه الأمور في البلاد، السلطان حي ومؤيدوه من المسئولين والضباط ~~في الجيش ينتهزون الفرصة لزعزعة الأوضاع وإشاعة الفوضى في البلاد لكي ~~يثور الشعب على حزب الاتحاد والترقي ويعيدوا السلطان من المنفى إلى ~~سدة الحكم من جديد. # عندما سمع غريغور بإمكانية عودة السلطان رفع رأسه عن الصحن، كانت ~~حبات الأرز عالقة على شاربيه وقطرات من مرق اللحم تطفو على لحيته، ~~تجهم وجهه وكأن الكلام انتزع لذة الطعام لديه فانتصب واقفا وقال: إن ~~عاد السلطان من جديد إلى الحكم فسيكون أشد بطشا من ذي قبل، وسيكسب ~~تأييدا منقطع النظير، ويكسر شوكة معارضيه ويستأصل شأفتهم إلى ~~الأبد. # رد عليه بانوس: أرى أن الخوف من السلطان المخلوع قد تمكن منك ~~أيها البطل المقدام! # أطلق أرتين قهقهة امتقع وجه غريغور بسببها، وعلم أن بانوس يريد أن ~~يستفز غريغور المجنون، فهو يتقبل أبشع الأوصاف إلا أن يتهم بالخوف ~~أو أن يتم وصفه بالجبان، ولولا وجود باتيل وخجله منها لانقض على ~~بانوس وأشبعه ضربا، لم يتمالك نفسه فرد عليه وقد اكفهر وجهه من ~~الحنق: الخوف يعرف أهله يا بانوس الشجاع! وثورة وان الأخيرة خير دليل ~~على ذلك، وهي شاهدة على من كان في الصفوف الأمامية يقاتل العدو ويقتل ~~العديد من الجنود والفرسان الحميدية ومن أصيب من أول لحظة وبقي ~~بالصفوف الخلفية طيلة أيام الثورة؟ إن وصفك هذا مجرد خرقة كانت بالية ~~عليك فرميتها بي، وأحذرك من أن تعيدها، أحذرك! # كان غريغور يحرك سبابته متوعدا وهو يغادر المائدة، وبانوس يحرك ~~رأسه هازئا وعلى وجهه ابتسامة مستفزة ويرد عليه: ms154 افعل ما ~~بوسعك. # كان بانوس يدرك أن وعيد غريغور مجرد كلام؛ فهو طيب القلب يهدد ~~ويتوعد في كل مرة ولا شيء وراء ذلك، كما أنه لا يريد أن تظن باتيل بأن ~~زوجها محق بما وصفه، إنه شعور قابع في مخيلة جميع الرجال، لا يجب ~~الظهور أمام النساء بما يعيب رجولتهم وينتقص منها، لربما يظهر الرجل ~~ضعفه بين أقرانه، يتعرض للإهانة ولا ينتفض، يهزم ويستسلم بسهولة، ~~إلا أن حضور امرأة واحدة يكفي بأن يظهر القوة مهما شعر بالضعف ~~وينتفض ولا يستسلم لآخر نفس. # | الفصل الثاني والثلاثون # القدس - فلسطين 1946م # في باحة الدار جلس حسن على كرسي خشبي واضعا قدميه إلى الكعبين في ~~ماء النافورة البارد، يحركهما ببطء فتظهر موجات صغيرة على الماء، ~~تتراقص الموجات على السطح ثم تختفي شيئا فشيئا، يغرف منه بكفيه ~~مجتمعتان يغسل وجهه ويبرد جسمه من حر ذلك اليوم، سمع أم خالد في ~~الداخل ترد على سكينة التي تتذمر من شدة الحر وتقول لها: «في تموز ~~بتغلي المية في الكوز»، لكن لولا هذا الحر الشديد والشمس القوية لما ~~نضجت الثمار على الأشجار، وما يبس القمح والشعير في سنابلهما، ولما حصد ~~الناس تعبهم ومجهودهم طوال السنة، كلها خير يا بنيتي كلها خير. # فجأة طرق الباب، انبرى حسن من مكانه وهو ينادي «آت آت»، لكن ~~الطارق لم يتوقف وكأن أمرا جللا قد حصل، أسرع حسن خطواته نحو الباب ~~وهو يقول بصوت عال: على رسلك ستكسره هكذا، فتح الباب وإذ بأنوشكا ~~أمامه، صدم للوهلة الأولى، رأى الدموع في عينيها الواسعتين. ~~- ماذا حصل؟ ~~- أبي بين الحياة والموت، الحق به يا حسن. ~~- هيا عودي إلى البيت، وأنا سأجلب الطبيب وألحق بك. # نادت أم خالد: من الطارق يا حسن؟ لم يرد عليها، ارتدى ثيابه على ~~عجل، ووضع كل ما يملك من جنيهات في جيبه، ثم خرج كالبرق من البيت، ~~كان يركض كالمجنون بين الأزقة الضيقة نحو بيت طبيب الحارة، كان الفرح ~~يختلج صدره لأن أنوشكا فكرت به دون غيره ليقف معهم، أخذته أفكار ~~كثيرة ms155 وهو يعبر زقاقا تلو الآخر، وقال في نفسه إنها فرصة كبيرة للتقرب ~~من عائلتها. # دخل الطبيب إلى غرفة المريض، خرجت أنوشكا مع أمها من الداخل، رمقت ~~الأم حسن بنظرة غريبة، همست بأذن أنوشكا، ودار حديث هامس بينهما، انتهى ~~الحديث بابتسامة من أمها وكلمة شكر لحسن، هز رأسه وقد تجمدت عروق ~~الدم على جبينه من الخجل، تأخر الطبيب في الداخل، كانت الأم لا ~~تستطيع الجلوس من شدة القلق فتروح وتجيء ذهابا وإيابا في باحة المنزل ~~وتتمتم بأدعية وتصلي للرب من أجل زوجها، وأنوشكا تسترق النظر إلى حسن ~~وتبتسم. # خرج الطبيب من الغرفة، فهرعت الأم إليه: أخبرنا عن وضعه، أهو ~~بخير؟ ~~- هو بخير، أعطيته بعض المهدئات، سيستريح ويخلد للنوم بعد قليل، ~~حرارته مرتفعة وجسده الهزيل لا يتحمل ذلك، عندما يستفيق في المساء ~~أعطيه ملعقة من هذا الدواء، وغدا عند الصباح ملعقة أخرى، وهكذا لمدة ~~ثلاثة أيام، وإن لم يتحسن حاله فأخبروني. # مكث حسن النهار كله في بيت العم أرتين، أكل للمرة الأولى بمائدة ~~واحدة مع أنوشكا وأمها وهو في قمة السعادة، شعر وكأنه أصبح من أهل ~~الدار، قالت له الست مريم: وجهك ليس غريبا عني، أظنني قد رأيتك في ~~مكان لا أذكره. ~~- نعم، عند باب أم فاطمة في ليلة حناء ابنتها. ~~- آه تذكرت، لقد كبرنا وغزا النسيان ذاكرتنا. ~~- ما زلت شابة، لا بل إنك أجمل من صديقات أنوشكا. # ضحكوا جميعا من مقولته، فردت الست مريم وهي ترمق أنوشكا بأطراف ~~عينيها: وأجمل من أنوشكا أيضا؟ # سكت حسن واحمر وجهه وتلعثم لا يدري ماذا يرد حتى نظر في عينيها ~~وقال: جمالها من جمالك، وما سعة العينين التي عندها إلا من عينيك، ~~باختلاف اللون الذي أخذته من أبيها. ~~- تهرب واضح. # ابتسم حسن ولم يستطع الرد، ثم دار حديث طويل بينهما، كانت امرأة ~~خفيفة الظل حلوة المعشر، لكنها تثرثر كثيرا، قصت لحسن حياتها منذ ~~الطفولة إلى ذلك اليوم، وكم تقدموا لخطبتها من شبان الحي ومن خارجه حتى ~~من خارج القدس قدموا لخطبتها، لا بل حتى ضابط ms156 بريطاني أغرم بها، لكنها ~~كانت ترفض وترفض، فسار العمر على عجل وقلت الخطى إلى بابها، وبدت ~~ملامح الكبر تظهر عليها حتى قبلت برجل على أبواب الخمسين من عمره ~~هربا من فك العنوسة! قال حسن في نفسه: هذه نهاية أغلب الجميلات، ~~يقتلن الفرص الكبيرة بأيديهن في زهرة العمر، ثم عندما تذبل تقبل بأي ~~كان، ثم تفتأ تندب حظها طول العمر! # بعدها تحسنت صحة العم أرتين، شكر حسن كثيرا على وقفته معهم وقال: ~~بارك الرب بك يا بني. # كان الطبيب حاضرا يكشف على حاله فأضاف إليه: ليس غريبا عنه ذلك؛ ~~فحسن من زينة شباب حارتنا. # اعتلى الاحمرار وجه حسن، فرد على خجل: شكرا لكما. # التفت العم أرتين إلى الطبيب وسأله: هل يمكنني السفر بهذا ~~الحال؟ ~~- سفر بعيد أم إلى أطراف القدس؟ ~~- بعيد إلى قرية قرب جنين، هناك الجو معتدل والهواء نقي وأجواء ~~القرية الهادئة تعيد لي بعضا من نشاطي. ~~- ومن يعتني بك هناك إن ساءت حالتك، أو يجلب لك طبيبا من المدينة ~~أو يأخذك إليه؟ إن كنت عازما على السفر فخذ حسن معك. # صدم حسن عندما سمع اسمه، انتابه شعور بالفرح وتذكر وصف أنوشكا ~~لذلك المكان يوم التقيا للمرة الأولى، تحمس للسفر معهم، لكن كيف له ~~أن يقنع والده بذلك؟ التفت الاثنان إلى حسن ثم تكلم الطبيب: ما رأيك ~~يا حسن؟ ~~- أتمنى، لكن ... ~~- لكن ماذا؟ ~~- «لا تضغط عليه.» قال العم أرتين للطبيب. ~~- كيف أقنع أبي بالموافقة؟ ~~- لا عليك، أنا أقنعه، لقد كبرت وتستطيع السفر وحدك وليس مع عائلة ~~لطيفة مثل هؤلاء، ستقضي أياما لا تنساها هناك في أجواء القرية ~~الخلابة. ~~- بيتي في أجمل مكان هناك في القرية. # وضع الطبيب أدوات الفحص في حقيبته ثم ربت على كتف حسن: هيا بنا إلى ~~مقهى الحي علنا نجد أباك فيه وأكلمه عن سفرك. # في الطريق قص الطبيب لحسن مغامراته عندما كان شابا بمثل عمره، ~~وذكر قصة طريفة حصلت له في القطار المتوجه إلى يافا، يقول: صادفت في ~~تلك الرحلة عائلة من الغجر، أما مع ابنتيها ms157 وهن على الزي الغجري ~~المعروف، فساتين طويلة ومزركشة بالتطريز الغجري الخاص ذي الألوان ~~المتعددة، والحلقات المتدلية من الشال الملفوف على الرأس التي تصدر ~~صوتا بأدنى حركة منهن وتجلب الانتباه إليهن، رمقنني بنظرات غريبة ~~وأنا أحضن حقيبتي وأحاول صرف النظر عنهن نحو نافذة القطار، اقتربت ~~البنت الكبيرة مني وقالت دعني أقرأ لك الطالع، قلت لها لا أريد، ~~شكرا لم ترد على رفضي ففرشت منديلها الأسود المزخرف بألوان وخطوط ~~ومربعات متداخلة ورمت أحجارا صغيرة فوقها أخرجت صوت دهشة جلبت ~~انتباهي لها ثم قالت: أخبرني عن اسم أمك. # شدني الأمر فأخبرتها، وبدأت تسرد عني معلومات عامة بعبارات غامضة، ~~وقالت ستتعرض لمشكلة أو مخاطر في يافا، فيجب أن تكون حذرا جدا ثم ~~انسحبت إلى مقعدها ولم تطلب مقابلا على غير عادة الغجريات. بعد وصولنا ~~للمحطة في يافا نزلت من القطار وضعت يدي في جيبي ولم أجد الجنيهات، ~~فتشت جيوبي كلها والحقيبة فلم أجد شيئا، اكتشفت حينها أني تعرضت ~~للسرقة، الأخت الكبيرة ألهتني بالطالع والصغيرة سرقتني، لا يوجد أي ~~احتمال آخر، بحثت في كل زوايا المحطة عنهن ولم أجد لهن أثرا، عندها ~~أدركت أنها كانت صادقة فيما أخبرتني به «ستواجه مشكلة في يافا». أخرج ~~الطبيب قهقهة وقال: الحمد لله أنني صادفت في المحطة صديقا لي من يافا ~~أخبرته بالذي جرى معي واستدنت منه بعض الجنيهات، أجرة الفندق وتذكرة ~~العودة إلى القدس في اليوم التالي. لذلك يا حسن، في السفر احذر لطف ~~الغرباء. ~~••• # على متن سيارة الكاديلاك كان العم أرتين جالسا على المقعد الأمامي ~~والست مريم تتوسط أنوشكا وحسن على المقعد الخلفي متوجهين إلى جنين، كان ~~السائق صديق العم أرتين كثير التفاخر بسيارته التي اشتراها من ضابط ~~بريطاني باعها له قبل أن تنتهي خدمته العسكرية في القدس ويعود إلى ~~لندن. # إنها مريحة وسريعة وأنيقة، لقد صممت للملوك والوزراء والرؤساء، ~~سيارة لا مثيل لها في القدس كلها. # قاطعه العم أرتين: وها أنت تملكها، ولست بملك ولا وزير! ~~- لست أقل منهم. ~~- هون على نفسك يا أبا يوسف، المال ms158 الكثير دون سلطة لا يجلب لك صفة ~~الملوك ولا الوزراء. ~~- لو أردت ذلك لنلته. ~~- ربما. # ساد صمت بينهما، وحسن يتأمل الطريق، وهو في قمة السعادة التفت نحو ~~أنوشكا فرأى خصلات شعرها الحريري المتموج تلمع وكأنها خيوط ذهبية تحت ~~أشعة الشمس فتتطاير خارج نافذة السيارة وتضرب وجهها وهي تزيحه بلطف عن ~~عينيها. # مروا بمدن وقرى كثيرة حتى وصلوا جنين ومنها إلى القرية، كان بيت ~~العم أرتين يقع خارج القرية على سفح جبل مطل على سهل مرج ابن عامر، ~~إطلالة ساحرة وهواء بارد رغم فصل الصيف، وقف حسن على شرفة المنزل ~~يتأمل المنظر يستنشق الهواء ويشعر أنه يتسلل إلى أطراف أصابعه، لم ~~يكن يحمل في ذهنه صورة مقاربة لما يرى إلا غابة «قازنجي أوغلو» ذات ~~الأشجار والأزهار المتنوعة التي تحيط قصر يلدز يوم وصفها له الحاج ~~صالح. # | الفصل الثالث والثلاثون # معسكر أوشفيتز - بولندا 1945م # قبل الغروب وصل الجنود مع أحد الضباط، تفحصوا المكان، لم تبق أي ~~جثة، كلها تحولت إلى رماد، أثنى على ما قام به آفيرام بإكماله ~~المهمة، كان الذي يقوم بهذه العملية يحصل على كابونات إضافية، كل ~~كابونة يمكن فيها طلب وجبة إضافية من الطعام أو سجائر بعدد محدد، ~~وكانت تلك هبة عظيمة لدى المعتقلين في المعسكر. كان مايكل متكئا على ~~جدار الثكنة القريبة لا يقوى على الوقوف على قدميه وقد طأطأ رأسه ويصدر ~~نحيبا من شدة البكاء، فتوجه نحوه الضابط غاضبا وضربه بسوط على ~~كتفه: هيا قم أيها الخنزير! # لم يشعر بأي ألم من ضربة السوط وكأن جسده مخدر، حاول آفيرام إدراك ~~الموقف. ~~- اعذره يا سيدي؛ فقد كان أخوه من بين الجثث التي حرقناها. ~~- أخوه؟! ~~- نعم يا سيدي. # يبدو أنه تأثر بالموقف، فأمر الجنود بتحويله إلى المشفى والاعتناء ~~به في تصرف أذهل الجميع حتى مايكل رفع رأسه وعيناه غارقتان بالدموع ~~غير مصدق بما سمع، ثم أمر البقية بالعودة إلى أوشفيتز في العربة ~~المخصصة لنقلهم. # مكث مايكل في المشفى عدة أيام لا يقوى على الحركة، ولا يشتهي الأكل ~~رغم ألم ms159 الجوع الشديد الذي كان يشعر به، كلما أغمض عينيه رأى وجه ديفيد ~~المزرق وعظام وجنتيه البارزتين من الشحوب وبرودة يديه عندما سحبه من ~~فوق الجثث، وكأن تلك الصورة قد التصقت على جفنه من الداخل. # رأى في الحلم ذات ليلة أنه في بيتهم بميونخ جالسا على الأريكة قرب ~~جهاز الراديو وأمامه ديفيد وسارة يحدقان به، وهو منشغل بسماع ما ~~تذيعه المحطة النازية المحرضة على اليهود غير منتبه لهما، فجأة اقتربا ~~نحوه وعيناهما مفتوحتان بالكامل اقتربا كثيرا وهو يحاول دفعهما عنه ~~والصراخ ومناداة أمه لكنها كانت تسمع ولا تبالي، بعدها اختفت ~~أجسادهما ولم يبق منهما سوى حدقات العيون، وهي ما زالت تكبر وتقترب ~~أكثر فأكثر حتى دخلتا في عينيه، ولم يشعر إلا أنه فزع من النوم بصراخ ~~جلب الممرضة المناوبة من الردهة المجاورة إليه. # ظل هذا الكابوس يلازمه فترة طويلة حتى بعدما رأف بحاله الضابط ~~النازي «آرنست» للعمل في بيته نهارا والعودة إلى المعسكر في الليل، ~~ومع مرور الوقت أصبحت حالته الصحية أفضل من بقية المعتقلين، أما حالته ~~النفسية فبقيت منهارة، قبل حادثة حرق جثة ديفيد كان يحلم بالحصول على ~~رغيف خبز مع صحن من الأرز أو حتى وعاء حساء كبير مع عدد حبات بازيلا ~~أكثر، أما الآن فالأطعمة أصبحت متوفرة أمامه، والضابط يحسن معاملته، ~~لكنه فقد شهيته بالحياة. # كان في الليل يحدث روبرت عن منزل الضابط الواسع والأدوات المنزلية ~~الفخمة والأطعمة المتنوعة التي يتم تحضيرها في المطبخ، وعن الحياة ~~المرفهة التي يعيشها مع زوجته الحسناء «تريسا» التي كانت تشمئز من ~~وجود مايكل في بيتها لكنها لا تستطيع منع زوجها من أي شيء يريده، مع ~~توءميهما «ويلدا» و«فاندا» ذواتي العيون الزرقاء كأنها تعكس لون السماء ~~الصافية في الشتاء، والشعر الذهبي المتموج واللامع .. بريئتان إلى ~~الحد الذي لا تظن أن أباهما ضابط في أبشع منظومة أباحت أرواح ~~الأبرياء واستخدمتهم كعبيد لتنفيذ مصالحها. ~~- براءة الطفولة لا تعرف الكراهية والحقد يا مايكل، لكن عندما تكبران ~~ستغيرهما البيئة المحرضة والكراهية المقيتة للآخرين، سيضحكون عليهما ~~بعرقهما النقي ms160 .. حينها تدفن كل هذه البراءة وترحل بلا عودة .. ويظهر ~~الوجه النازي المنزوع الرحمة بدلا عنها. ~~- ربما أنك محق، لكن أليس من الجرم أن تتحول كل هذه البراءة إلى ~~البشاعة النازية؟! ~~- كلهم كانوا بريئين في طفولتهم .. وأصبحوا مجرمين عندما كبروا، ~~دعنا منهم ومن براءتهم وأطفالهم سفاحي المستقبل، وأخبرني إذا طلبت منك ~~شيئا أتستطيع جلبه لي من بيته؟ ~~- لا يمكنني جلب شيء أو أخذ شيء؛ لأنهم يفتشونني جيدا عندما يتم ~~نقلي إلى بيته وحين عودتي منه .. ماذا كنت تريد؟ ~~- لا شيء انس الأمر. ~~- أخبرني، ماذا تخسر؟ ~~- كنت أشتهي بعض الأطعمة التي لم أذقها منذ زمن، حلوى، فطائر، فواكه ~~أي شيء غير هذا الحساء ذي الرائحة الكريهة والخبز المتعفن. ~~- ليتني أستطيع يا صديقي، ليتني. ~~••• # في أحد الأيام عاد السيد آرنست إلى المنزل بسيارته العسكرية مع ~~مرافقيه، محمر الوجه يبدو عليه الخوف والتوتر الشديد، كان مايكل في ~~الباحة تحت شجرة الصنوبر يصنع أرجوحة لويلدا وفاندا من الحبل وإطار ~~سيارة قديمة، وهما حول مايكل تراقبانه بشغف كبير والابتسامة تعلو ~~شفاههما الجميلة، دفع الباب الرئيسي للمنزل بقوة لم يعر مايكل ~~انتباها للصوت أكمل عمله، لكن فكره كان منشغلا ويتساءل ما الذي حصل؟ ~~هل تم نقله أم أنه قد عوقب؟ وجهه لا يسر. # بعدها خرجت السيدة تريسا ونادت ويلدا وفاندا بصوت عال على غير ~~عادتها، كانت عادة ترسل الخادمة «ماتيلدا» لأخذهما حين يجهز الغداء أو ~~حين تريد أن تحممهما، أو تبدل ملابسهما. جرت التوءمتان نحوها وهما ~~تلوحان إلى مايكل بيديهما للعودة حالا. # مرت ساعة تقريبا، ثم خرجت السيدة تريسا ممسكة بيد ويلدا وفاندا ~~وركبت السيارة في المقعد الخلفي، ثم وضعت الخادمة ماتيلدا حقيبتين ~~كبيرتين في صندوق السيارة، ثم تحركت نحو الباب الخارجي للمنزل والسيد ~~آرنست يلوح بيده مودعا زوجته وطفلتيه وهن يلوحن له. كان المشهد ~~غريبا جدا، ازدادت التساؤلات في ذهن مايكل ما الذي حدث؟ إن أرسلهم ~~السيد آرنست إلى زيارة بيت أهلها، فلماذا هذه العجلة والحركات ~~المربكة كأنها تريد الهرب لا الخروج إلى الزيارة! غريب أمرهم ms161 اليوم! ~~بعدها لوح بيده إلى مايكل فهرع إليه. ~~- نعم سيدي. ~~- مهمتك من اليوم فصاعدا هي مساعدة «ماتيلدا» في المنزل. ~~- أمرك سيدي. # في الأيام التي تلت رحيل زوجة السيد آرنست وطفلتيه من المنزل، حضر ~~ضباط آخرون إلى منزله وأصبحوا مقيمين دائمين فيه، كان مايكل يراهم ~~يجتمعون ويخططون لشيء لم يستطع معرفته إلا أن حالهم كان لا يسر؛ ~~لقد تغيرت تلك الوجوه الجبارة التي لم يدخلها الخوف من أي شيء مذ ~~رآها قبل عدة سنوات، أما اليوم فبات الخوف العنصر الأبرز فيها والأكثر ~~وضوحا. لم يكن يعلم مايكل أن النازية بدأت تخسر الحرب وتتراجع وتفقد ~~البلدان التي احتلتها تباعا، حتى وصلت قوات الحلفاء مشارف ~~بولندا. # كانت الإذاعات النازية تصدح بالأغاني الحماسية وتحاول قدر الإمكان ~~التماسك، ورفع الروح الحماسية لدى مواطنيها، ولا تنقل الصورة الحقيقية ~~لمجريات الحرب، لكنها لا تجد مبررات لتلك الطائرات التي تقصف وتدمر ~~المدن وتقتل العشرات منهم في عمق الأراضي الألمانية. يومها دعا السيد ~~آرنست الضباط إلى اجتماع عاجل في مكتبه الخاص بالطابق الثاني للمنزل، ~~كانت ماتيلدا كالعادة تنظف الصالة وتمسح الغبار من أطراف الأرائك ~~الخشبية والطاولات وزجاج النوافذ بقماش ودلو صغير فيه ماء، بعد إكمالها ~~التنظيف أبقت النوافذ مفتوحة وذهبت إلى المطبخ لتحضر وجبة الغداء. ~~كان مايكل جالسا على الأريكة في الصالة حين هبت ريح قوية ودخلت من ~~النوافذ المفتوحة وأوقعت المرآة المعلقة على الحائط المقابل ~~لها. # هرع إلى أبواب النوافذ وأغلقها جميعا، ثم أقبلت ماتيلدا لترى ما ~~الذي انكسر .. وقبل أن تصل هي وصل صوتها وهي تنادي: ما الذي ~~انكسر؟ # أصاب مايكل الذهول لبرهة، هز رأسه واختلجت عيناه، إنه نفس المشهد ~~يوم هبت ريح قوية وانكسرت المرآة في بيتهم بميونخ قبل سبع سنوات ~~تقريبا، يوم نادت أمه من المطبخ «ما الذي انكسر»، أيعقل أن الأسطورة ~~الرومانية تكون صحيحة؟! «إن المرآة تحوي وتعكس روح صاحبها، وكسرها دليل ~~على فنائه وموته. وانكسارها يجلب سبع سنوات من الحظ السيئ؛ لأن الروح ~~بعد موت صاحبها تحتاج إلى سبع سنوات حتى تتشكل من ms162 جديد». حصلت تلك ~~الحادثة في نوفمبر من سنة 1938 وهم الآن في يناير 1945، سبع سنوات ~~تقريبا! # هل كان ذلك دليلا أن السنة السابعة هي الخلاص النهائي من القتل ~~والتعذيب وأعمال السخرة وحرق الجثث، والتجارب الطبية الشنيعة، أم إنها ~~أسطورة لا تحصل إلا على الضعفاء من البشر؟! # | الفصل الرابع والثلاثون # قرية أنجرلك - تركيا 1914م # على سفح الجبل المطل على القرية تحت ظل شجرة الجوز كان أرتين يتأمل ~~المنظر أمامه، البيوت المبنية من الحجر والطين ومداخنها المرتفعة التي ~~يتصاعد منها دخان رمادي باهت، الطريق المتعرج المؤدي إلى الجبل، حيث ~~تجلس مجموعة من النساء يخبزن بتنور ملاصق لبيت المختار تلمكيان، ~~وأخريات ينظفن الحظائر ويجهزنها ويملأن السواقي بالماء قبل قدوم الرعاة ~~مع المواشي. كانت القرية تعيش شيئا من الهدوء الذي لم تعهده منذ ~~انتهاء الحرب الروسية العثمانية قبل أكثر من ثلاثة عقود، التفت يمنة ~~على صوت أنوشكا، كان بانوس يلاعبها، يقذفها في السماء ثم يلتقطها وهي ~~تطلق ضحكة تملأ المكان. ~~- انتبه! # وضعها بانوس بحضنه وقبل خدها ثم توجه نحو أرتين: لن تفلت من يدي، ~~جاذبية حبي لها أقوى من جاذبية الأرض. # ابتسم أرتين، ثم أردف بانوس قائلا: أحيانا يراودني شعور بأننا ~~خلقنا من روح واحدة، ثم جزأها الرب إلى ثلاث أرواح. ~~- ولم ثلاث، أتود أن تبقيها وحيدة دون أخ أو أخت؟! ~~- لا أدري، أظن أننا اكتملنا. ~~- غريب ما تفكر به يا بانوس. # قاطعتهما أنوشكا بابتسامتها البريئة، فقال أرتين: إنها تشبه باتيل ~~كثيرا. ~~- وأمي تقول ذلك، بل إنها تردد دائما «باتيل ولدت نفسها.» ~~- العجائز لديهن عبارات جاهزة لكل شيء. ~~- إنها حكمة السنين وتجارب الحياة. ~~- لا تنس الموروث الشعبي لا يحفظه عن ظهر قلب سواهن. # ساد صمت بينهما، عاد أرتين يتأمل ويفكر بمصير الثورة بعد سنوات ~~طويلة من القتال والنجاحات الصغيرة والفشل الكثير، سنوات مرت كالبرق، ~~تذكر يوم التقوا هنا تحت ظل شجرة الجوز واتفقوا على الانضمام إلى ~~الثوار، وها هم على حالهم الذي لم يتغير كثيرا حتى بعد مرور خمس ~~سنوات على خلع السلطان عبد ms163 الحميد. # كانت الدولة العثمانية تخسر أراضيها هنا وهناك، بعد معركة البلقان ~~قبل سنتين وهزيمة العثمانيين فيها استقلت بلغاريا وصربيا والجبل ~~الأسود، وتم تهجير مئات الآلاف من المسلمين منها نحو الداخل العثماني، ~~وكان نصيب الولايات الأرمنية كبيرا من أولئك المهجرين لقرب مناطقهم ~~إلى البلقان .. قاطع تفكيره بانوس وهو يقول: أنور باشا سيعجل ~~نهايتهم، ويدخل الدولة العثمانية في الحرب الكبرى مهما كلفه الأمر، ~~وما إن دخلتها لن تخرج منها حية. # شعر أرتين أن بانوس كان يشاطره التفكير، ولربما التفكير بالفوضى التي ~~كانت تعيشها المنطقة يشغل فكر الجميع، وقد تحول كل فرد في شرق ~~الأناضول إلى محلل سياسي لديه رؤيته الخاصة في الأوضاع، وأن الحرب ~~القائمة بين الدول الكبرى هي بداية النهاية وستطرأ تغييرات كبرى في ~~العالم كله، «إنها الحرب التي ستنهي كل الحروب»، بدأت بين إمبراطورية ~~النمسا وصربيا ثم توسعت ودخلت فيها إمبراطوريات ودول عظمى على ~~الطرفين، إنها الحرب الأكبر في التاريخ. # أومأ برأسه أرتين وأخبره: سمعت أنه طلب من قيادة الحزب تحريض أرمن ~~روسيا ضد جيش القيصر نيكولاس الثاني مقابل الاستقلال لولاياتنا، إنه ~~يريد استعادة البلقان من الروس والثأر لخسارتهم، لكنه طلب غبي، هل ~~يرانا حمقى لنصدق وعوده؟ ~~- وهل رفض الحزب طلبه؟ ~~- دون تردد، سمعت فارتان يقول إن روسيا جندت أكثر من مائة ألف من ~~أرمن روسيا في الحرب الكبرى مع جيشها، ونحن لن نقاتل إخوتنا الأرمن ~~مهما كلفنا الأمر. ~~••• # باءت محاولات أنور باشا مع الأرمن بالفشل، ولم يكن بمقدوره الاستفادة ~~منهم إلا بزجهم أمام الروس بعد دخوله الحرب الكبرى وتحالفه مع ألمانيا ~~للدفاع المشترك عن مصالحهما. # ستون ألفا من الأرمن جندوا في الجيش العثماني، وانضم إليهم ~~مئات الآلاف من العرب والكرد والشركس، تم سوقهم طوعا أو كرها من ~~بلدانهم تحت مسمى النفير العام «سفربرلك» للجهاد من أجل الخلافة ~~العثمانية ضد المعتدين الكفار على الرغم من تحالفهم مع الألمان غير ~~المسلمين! # جرت محاولات فرار للمجندين الأرمن من كل وحدات الجيش الثالث المسئولة ~~عن شرق الأناضول وحصل تقهقر للقوات العثمانية في أغلب ms164 معاركها ضد الروس ~~مما دفع القيادة العثمانية إلى الإسراع بقرار سحب الأسلحة من الجنود ~~الأرمن وزجهم في أعمال السخرة وإصدار بيان بالخيانة العظمى للجنود ~~الأرمن بحق دولتهم، وأصدر أنور باشا تعليمات صارمة في ذلك «يحظر إشراك ~~الجنود الأرمن في الجيوش المتنقلة ووحدات الدرك المتنقلة ~~والثابتة في الخدمات القتالية أو توظيفهم في مكاتب المقرات العامة أو ~~أجنحة القادة، وكذلك من واجب الجيش وقادة فيالق الجيش والمناوبين عنهم ~~والقيادات كافة أن يقمعوا سريعا وبأقسى الطرق أي معارضة أو اعتداء ~~مسلح أو مقاومة لأوامر الحكومة، وأن يقضوا على أي أعمال عدائية أو ~~مقاومة ويسمح للقادة أن يعلنوا العمل بالأحكام العسكرية فورا وحيثما ~~يرون ذلك ضروريا.» # تحول الجنود الفارون من الخدمة العسكرية داخل الأراضي العثمانية ~~إلى مجموعات قتالية صغيرة، حاولت زعزعة الأمن في المدن وقطع طرق ~~الإمداد للجيش العثماني ومهاجمة خطوط التلغراف بين الوحدات العسكرية، ~~واستخدمت الأسلحة التي تم تهريبها طوال الفترات الماضية من روسيا ~~وإيران، في استمرار عمل هذه المجموعات الثورية. # كانت معركة صاريقاميش على الحدود العثمانية الروسية من جهة أرضروم ~~القشة التي قصمت ظهر البعير في شرق الأناضول بالنسبة للقوات ~~العثمانية؛ إذ جازف أنور باشا بإرسال تسعين ألفا من الجنود في أجواء ~~برد قارسة وعواصف ثلجية ليتسللوا جبل الله أكبر ويفاجئوا العدو ~~الروسي بحركة غير متوقعة، لكن التجهيزات العسكرية لتلك الأجواء ~~الثلجية لم تكن كافية، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من الجنود العرب في ~~جيش أنور باشا الذين لم يستطيعوا تحمل تلك الأجواء القارسة فسقط ~~عشرات الآلاف من البرد على سفح الجبل وخسر العثمانيون المعركة قبل ~~بدايتها، كانت تلك الخطوة الجنونية من أنور باشا سببا كبيرا في تقهقر ~~العثمانيين في شرق الأناضول. # كان أرتين مع مجموعة من الجنود الأرمن الذين فروا من الجيش ~~العثماني باتجاه الحدود الروسية، قرب «بحيرة بالق» الصغيرة، ثم انضمت ~~المجموعة إلى القوات الروسية الزاحفة نحو مدينة وان. # دهش أرتين وهو يسير بين جنود المشاة الروسية بالأسلحة الحديثة التي ~~يحملها الجنود والعربات العسكرية والمدرعات والمدافع التي تجرها سيارات ~~خاصة، ms165 كان لأول مرة في حياته يشاهد جيشا منتظما ومسلحا بهذا ~~القدر، شعر أن الجنود الأرمن الفارين من الجيش العثماني عنصر نشاز ~~بينهم، أو قوة فائضة لا يمتلكون ميزة إلا معرفة جغرافية المنطقة ~~والقرى الأرمنية منها والكردية أو التركية. # | الفصل الخامس والثلاثون # القدس - فلسطين 1946م # كانت شمس ذلك اليوم تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي على حافة السماء ~~البعيدة، تحيط بها هالة من اللون الأحمر الممزوج بالأصفر الداكن، ~~وكأنهما يشيعانه إلى مثواه الأخير معلنين نهاية النهار، ولعل ~~نهاية اليوم نفسه؛ ففي معركة بني إسرائيل مع القوم الجبارين هنا في أرض ~~فلسطين استمرت المعركة إلى حين الغروب فخشي نبي الله يوشع بن نون أن ~~تغيب شمس الجمعة بالكامل فيحرم عليهم القتال بدخول يوم السبت، ~~فنادى: «اللهم احبسها علينا.» فاستجيبت دعوته وتوقفت الشمس عن ~~الحركة حتى أتاهم النصر ودخلوا بيت المقدس، ثم عادت الشمس إلى حركتها ~~الطبيعية فدلت تلك الحادثة على أن نهاية اليوم كانت مع غروب الشمس ~~ولم تكن لحين منتصف الليل. # عند الزقاق المؤدي إلى البيت انتبه حسن إلى رجل بالزي الريفي ~~متلثم بكوفية لا ترى من وجهه إلا عيناه، قد انبثق على عجل من بيت ~~أبي هشام، مر الرجل من جانبه كالبرق وهو يحمل ظرفا توضع فيه الأوراق ~~المهمة عادة. كانت الأزقة خاوية على عروشها وحسن عائد من حارة الأرمن ~~بعد وصولهم من جنين فكر الطريق كله وتساءل، يا ترى من يكون هذا ~~الشخص الغريب؟ لم يخطر في ذهنه إلا أن أبا هشام يدعم المقاومة بماله ~~أيضا، اختلجه شعور بالتعظيم لعائلة أعز صديق لديه، كم ستكون فلسطين ~~مدينة لهذه العائلة العظيمة، أب يمنع الأرض عن اليهود ويدعم المقاومة ~~بماله، وابن يقاتل في سبيل الأرض والوطن .. أخذ نفسا عميقا وتمنى ~~أن يكون كاتبا يوما ما ليخلد أسماءهم على صفحات التاريخ. # لم تكن تلك حادثة عابرة؛ ففي اليوم التالي اختفت عائلة أبي هشام من ~~الحي كله، تجمع أهل الحارة عند الباب، طرقوه مرات عديدة ولم يخرج ~~لهم أحد، بدأ الناس يتساءلون عن سر اختفائهم، ms166 فقال أبو أحمد حلاق ~~الحارة: يا أهل الحارة، إن أبا هشام لا يختفي هكذا دون أن يعلم أحدا ~~بذلك، لا بد أنه أخبر أحدا من أهل الحي. # التفت إلى أبي خالد وكأنه يقصده ثم استرسل: ومن حق الجيرة عليه أن ~~يخبرنا ويطمئننا عنه، فهو عزيز علينا جميعا ونحن نفخر بوجود رجل ~~كأبي هشام بحينا وإن كان قد تعرض لتهديد أو مخاطر فنحن له سد ~~منيع ونفديه بأرواحنا. # ساد صمت بين الحاضرين، ثم علت الأصوات بينهم، هذا يقول: «إنهم ~~الصهاينة قد لفقوا عليه تهمة عند البريطانيين، فعلم بذلك واختفى قبل ~~أن يعتقل.» وأضاف آخر: «لعلهم علموا أن هشاما مع المقاومة.» خرجت ~~أصوات دهشة من بعض الحاضرين وتهامسوا بينهم «هشام معهم»، كبر شأن ~~العائلة في نفوس أهل الحارة أكثر فأكثر، ثم أخبرهم حسن عن ذلك الرجل ~~الغريب المتلثم الذي رآه يخرج من بيت أبي هشام حينها كأن الجميع ~~اقتنعوا أن الأمر متعلق بالمقاومة، وجنود الاحتلال سيحضرون في أي ~~وقت للتفتيش والبحث عنه، فقال أبو خالد: «هيا تفرقوا إذن.» أثناء ذلك ~~سمع دوي انفجار هز المدينة كلها هرع الحاضرون إلى خارج الحي ~~ليروا أين موقع الانفجار، ارتفعت أعمدة دخان من خارج السور القديم، ~~سمعوا أصوات تكبيرات، لقد تم تفجير «فندق الملك داوود» مقر حكومة ~~الاحتلال البريطاني. أمسك حسن ياقة أحد المكبرين: اصمت، لحاك الله! ~~المقاومة لا تفجر مكانا يعج بالمدنيين، ولا تمتلك متفجرات بهذه ~~القوة المدمرة. # تجمع الناس حول مكان الحادث الذي طوقته الجنود البريطانيون ~~بعرباتهم العسكرية، تدافع حسن ليصل إلى مقدمة الجمع فرأى الجانب الأيمن ~~من الفندق قد تهدم من الأمام بطوابقه السبعة وأشلاء الضحايا قد ~~تناثرت على المكان وبين الأنقاض وتحت الركام، لم يسمحوا للناس بالقرب ~~من المكان أكثر، كانت فرق الإسعاف تحمل الجثث وتنقلها إلى المشفى، ~~السيارة تلو الأخرى، تناقل الحاضرون بينهم: الضحايا كثر خمسون، لا بل ~~مائة وأكثر. وكأنهم في مزاد! شعر حسن بالضيق الشديد وقال في نفسه: ~~«بأي ذنب قتلوا يا رب؟» ترحم عليهم وقرأ الفاتحة على أرواحهم، ms167 ~~ثم عاد أدراجه إلى الحي. # وقبل حلول الظلام جاءت دورية للجيش البريطاني طرقوا باب أبي هشام، ~~فخرج أهل الحارة إليهم، وصل مختار الحي: ما الذي يجري؟ أهل البيت ليسوا ~~هنا! ~~- أليس هذا بيت أبي هشام؟ سأل مترجم الدورية. ~~- بلى، يبدو أن هناك سوء فهم، أخبرونا ماذا يحصل؟ ~~- عن أي سوء فهم تتكلم، لقد وجدنا جثة ابنه هشام بين ضحايا ~~التفجير، أخبروهم بأن يأتوا لتسلم جثته من المشفى. # عندما سمع حسن الخبر لم يتمالك نفسه، خارت قواه وبرك في أرضه غير ~~مصدق بما سمع، هشام مات! بقي كالصنم توقف عقله عن التفكير، أقبل ~~إليه خالد يخفف عنه ويربت على كتفه، ثم فجأة انبرى حسن من مكانه ~~وهرع نحو المشفى، كانت دموعه تتطاير وهو يركض من زقاق إلى زقاق، ~~وشريط ذكرياتهما معا يظهر أمامه، بمقاطع سريعة وكأنه طائر نسر ~~يحلق فوق أرضية الذكريات يصور له المواقف بعيدا عن متحكمات ~~الزمان، أصوات ضحكاتهما تأتي على مسامعه، صور من المواقف الأخوية، ~~باحة الأقصى، باب المغاربة، ظل الشجرة المعمرة، قبة الصخرة، حبات ~~الصنوبر، وكأن كلها تركض معه نحو هشام الذي أحبهم وأحبوه، تذكر كلامه ~~عن «عمر الصفدي» في تلك الليلة وتأثره به، يبدو أن روحيهما تآلفتا ~~وتعانقتا في السماء الآن. # حضر تشييع جنازته أهل الحي جميعا، أطفال ونساء، شيب وشبان، وأهل ~~الأحياء المجاورة من المسيحيين العم أرتين والست مريم وأنوشكا، امتلأت ~~باحة الأقصى بالمشيعين مع غياب لافت لأبي هشام الذي اختفى مع عائلته ~~اقترب أحدهم من حسن أثناء التشييع: أأنت حسن؟ ~~- نعم أنا هو. ~~- هذه رسالة كتبها هشام لك، قبل موته وأوصاني أن أوصلها إليك عند ~~تشييعه في باحة الأقصى. # انسحب حسن جانبا، جلس تحت الشجرة المعمرة وفتح الورقة بيدين ~~مرتجفتين سقطت دمعة من عينه على الرسالة وبدأ يقرأ: «عزيزي حسن، أرجو أن تكون بخير عندما تقرأ رسالتي، أنت أخي ~~الذي لم تلده أمي، أحببت أن أخبرك بسر أتمنى أن تخفيه عن ~~أهل الحي كلهم، وعلى رأسهم أبوك، سر مؤقت لا بد من أن يتم ms168 ~~كشفه يوما ما.» اختلج حسن شعور بالخوف والفضول ابتلع ريقه، ~~وعاد للقراءة: «بعد آخر لقاء بيننا في باحة الأقصى عدت إلى ~~البيت، لفت انتباهي حركة في غرفة أبي، كانت ستارة غرفته ~~مفتوحة شيئا ما، رأيته يحمل رزما من الجنيهات وأوراقا ~~ومستندات يحاول جمعها على عجل ، ووضعها في حقيبة خاصة، ~~أحسست أنه يخبئ سرا كبيرا، بعدها خرج إلينا وأخبرنا بوجوب ~~الرحيل من القدس خلال أيام قلائل، عارضته وسألته عن السبب فلم ~~يجب، وحصلت بيننا مشادة كلامية، هرعت إلى غرفته وأخرجت ~~الحقيبة والمستندات، حاول أن يمنعني منها لكنني استطعت أن أكشف ~~سره، لقد خان أبي الجميع، خان الأرض والوطن وباع كل ~~الأراضي التي اشتراها من الفلسطينيين بأبخس الأثمان لليهود ~~بأضعاف أضعاف سعرها، كانت كلها سندات بيع للأراضي ~~والعقارات؛ أرضكم في أطراف القدس، وأراضي كثيرة، حتى بيتنا ~~الذي في الحارة باعه لهم.» توقف حسن عن القراءة وتذكر ~~الرجل الغريب الذي كان يحمل ظرفا عندما مر من جانبه ~~البارحة، شعر بوخزة في قلبه، وعاد ليكمل القراءة: «حسن، أرجوك ~~إذا انكشف سر أبي لا تكرهني بسببه، أنت، أنت بالذات من يعرف ~~هشاما حق المعرفة، أنا لا أخون ولو على دمي، أعلم أن أهل ~~الحي سيندمون على تشييعهم لي يوما ما، أخبرهم أنني تركت ~~البيت لهذا السبب وأخبرت عنه قيادة المقاومة، وأنني صادق في ~~تضحيتي لأرضنا، أخبرهم أن هشاما ضحى بنفسه من أجل فلسطين ~~ولم يرض بفعلة أبيه، أخبرهم أن روحه كانت رخيصة من أجل ~~وطنه.» ~~«وأنا أكتب هذه الرسالة لك أشعر أن الموت قريب مني قريب ~~جدا، وروح عمر الصفدي تأتيني كل يوم في المنام وتناديني: ~~لقد اقترب موعدنا، لقد اقترب لقاؤنا. هذه رسالتي لك، وأستحلفك ~~بالأخوة الصادقة التي جمعتنا، ألا تترك زيارة قبري كل ~~حين، وتتحدث إلي كما كنا نتحدث تحت ظل الشجرة المعمرة ~~عند باب المغاربة. وأخبرني عن أنوشكا وحبكما، أخبرني عن كل ~~شيء، وأنهي بما قال الشيخ إبراهيم: «وعد الدنيا إلى خلف، ~~وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، ~~طواحة ms169 طراحة».» «أخوك ورفيق عمرك، هشام». # وضع حسن الورقة على صدره وبكى بكاء شديدا على الرسالة وما فيها من ~~أوجاع ومآس، خيانة ووفاء، صدقه وكذب أبيه، أمانة وخداع وإيثار ~~وطمع، اجتمعت في وصيته كل النقائض التي تزيد الألم ألما وتعمق ~~الجراح جرحا. ثم قال في نفسه : بعد فقدك لعزيز كأن كل شيء يموت معه، ~~ثم تولد الأشياء بعده من جديد! # أول يوم دونه، # أول أسبوع دونه، # أول شهر دونه، # أول رمضان دونه، # أول عيد دونه، # أول دخول من باب المغاربة دونه، # أول جلسة تحت ظل الشجرة دونه، # أول قضمة لحبة صنوبر دونه، # أول نظرة إلى قبة الصخرة دونه، # كل شيء حولك يولد من جديد ويرتبط به وكأنه يصفر عداد السنين في ~~رزنامة حياتك. # | الفصل السادس والثلاثون # معسكر أوشفيتز - بولندا 1945م # لم يتخيل مايكل يوما أن يرى الشحوب والاصفرار في وجوه ضباط فرق ~~الإس إس الألمان أصحاب العرق النقي كما يصفون أنفسهم، حسب أن ملامح ~~الخوف لا تعرف طريقها إلى تلك الوجوه القاسية من بأسها وشدة بطشها، أو ~~أنها ملامح ظالمة طاغية لا تعرف سوى وجوه الفقراء والمساكين أمثال ~~المعتقلين في المعسكرات والغيتوات والمحتشدات، لكن ما من سبيل، الجميع ~~من طينة واحدة لا عرق ولا أصل يؤثر أو يقف عائقا أمامها، كان مايكل ~~من قلائل اليهود الذين غمرتهم الفرحة العارمة برؤية تلك الملامح التي ~~كسرت العظمة النازية وأنفتها وكبرها. # قبيل الغروب خرج السيد «أرنست» من مكتبه، تقدم صوب مايكل بخطوات ~~وئيدة وهو يحمل بعض الماركات النقدية بيده، ابتسم في وجهه وقال: هذه ~~أجرة الأشهر الستة التي قضيتها في خدمتي. # حدق مايكل في عينيه مستغربا، ثم أشار بإصبع السبابة نحو صدره: ~~أجري أنا؟! ~~- نعم يا مايكل، أنت تستحقها، خذها من يدي ستنفعك. ~~- لكن يا سيدي إن أخذتها فسيعاقبني حرس باب المعسكر؛ فهم يفتشونني ~~حين أغادره وحين أعود إليه، سيتهمونني بالسرقة، ولربما أعدم عند ~~الباب، ونحن منذ متى نأخذ أجرا يا سيدي! نحن نخدمكم دون مقابل، مجرد ~~نقلك لي إلى هذا المكان فضل لن ms170 أنساه لك طوال حياتي. ~~- خذها، وأنا سوف أوصي الحرس بألا يتم تفتيشك اليوم عند ~~الباب. ~~- هل هنالك أمر خطير يا سيدي؟ معذرة لكن الذي أراه منذ رحيل ويلدا ~~وفاندا والسيدة تريسا هو أن الأمور قد تغيرت كثيرا. ~~- لا توجد خطورة عليكم .. هيا عد إلى المعسكر. ~~«لا توجد خطورة عليكم». كانت الجملة التي تشغل تفكير مايكل طول طريقه ~~إلى المعسكر: «لماذا خصنا نحن؟ ثم من نحن بالتحديد؟ المعتقلون ~~جميعهم؟ أم اليهود فقط؟ ثم ما هي هذه الخطورة أصلا؟» # عندما دخل من باب الثكنة تذكر روبرت فضرب كفا بكف ندما، آه ~~كيف نسيت جلب بعض الأطعمة التي كان يشتهيها روبرت ما دام السيد آرنست ~~أوصى بعدم تفتيشي عند العودة؟! دخل الثكنة وهو يردد: غدا سأجلب له، ~~غدا أفعلها وإن اضطررت للتحدث إلى السيد آرنست عن ذلك. ~~- روبرت، أين أنت؟ ~~- أين أكون أيها الأبله! في غرفة مسئول المعسكر أحتسي ~~القهوة؟! # ضحك مايكل بأعلى صوته، ثم قفز إلى سريره. ~~- انظر، إنها ماركات قد أعطانيها السيد آرنست. ~~- وكيف سمحوا لك بإدخالها إلى هنا؟ ~~- لقد أوصى حراسه بعدم تفتيشي لدى الباب. ~~- وما فائدتها هنا؟! لا تفرق شيئا عن الأوراق العادية ما دمت لا ~~تستطيع بها شراء رغيف خبز. ~~- لا أدري، لكنه قال خذها ستنفعك. روبرت لقد تغيروا كثيرا، لو ~~رأيت أولئك الضباط لما حسبت أنهم يمتون بصلة إلى النازية سوى بزاتهم ~~العسكرية تلك، والصليب المعقوف أعلى قبعاتهم. ~~- لم يحصل شيء، إنك واهم، لربما هؤلاء أدركوا أن عقوبة ما ~~ستطالهم؛ فالمنظومة النازية مهما كانت قاسية معنا فهي أقسى على من ~~يخونها أو يتردد في تنفيذ أوامرها من المنتمين إليها بأضعاف ~~كثيرة. ~~- ربما يكون كما وصفت، لكنه ذكر جملة شغلتني منذ خروجي من منزله «لا ~~توجد خطورة عليكم»، هنالك خطورة قادمة، لكن لم يفصح عنها. ~~- لعلهم سينقلونه من هنا، أو أنه يتعرض لضغوطات من القيادة، نحن لا ~~نعلم ماذا يدور في الكواليس يا صديقي. ~~- إذا كان الأمر كذلك فالسيد آرنست كان مقصده من إعطاء الأجر أن ~~اليوم كان ms171 آخر يوم لي عنده. ~~- متوقع جدا. ~~- وأعود للعمل الشاق مرة أخرى؟ لقد اعتاد جسدي على الراحة. ~~- استعد للغد يا صديقي، المعول قد اشتاق إلى قبضتك. ~~- يااه! ~~- هيا ارحل إلى سريرك، أنا متعب ولا أقوى على الكلام بعد. # كانت فكرة العودة إلى الحفر وتكسير الحجارة وحمل المعول من الفجر إلى ~~حين غروب الشمس والمشقة والعناء، هما شغل فكر مايكل وعقله مع شعور ~~بقبضة في القلب لرؤية تلك المساحات الشاسعة اللعينة ومنظر العمال هنا ~~وهناك بملابسهم الرثة وأجسادهم الهزيلة. # وبينما هو في قمة البؤس ويمني النفس أن تطول تلك الليلة قدر البعد ~~بينه وبين الموت، فجأة سمع صوت انفجار قريب هز الثكنة كلها وأيقظ ~~جميع الراقدين على أسرتهم، وتلا الانفجار أصوات طلقات نارية، ~~واكتمل المشهد بتحليق الطائرات فوق المعسكر، تجمعوا قرب الفتحات ~~الهوائية الصغيرة أعلى الجدار في الثكنة يحدقون منها لعلهم يبصرون ~~شيئا يقودهم لفهم ما الذي يجري في الخارج، العربات العسكرية كانت لا ~~تهدأ وهي تصدر أصوات عادمها العالي والطائرات تحلق بشكل منخفض، ~~والمدفعية تطلق الصواريخ، إنها معركة لا محال. أقبل روبرت نحو مايكل ~~وسحبه من وسط الجموع التي تراقب ما يحصل في الخارج. ~~- الآن فهمت مقصد السيد آرنست. ~~- ماذا فهمت؟ ~~- «لا توجد خطورة عليكم»، يقصدنا نحن المعتقلين، الحلفاء قادمون ~~سينقذوننا يا مايكل. ~~- هذا يعني أني غدا لا أحمل المعول اللعين؟ # قالها بفرح يغمر وجهه. ~~- هذا الذي يهمك، المعول؟ فعلا إنك أبله، سنكون أحرارا يا أحمق! ~~عن أي معول تتكلم؟! ~~- لا تسبق الأحداث، من قال إن الحلفاء سينتصرون؟ ~~- أنا أقول ما دام حال ضباط النازية كما وصفت، فتلك دليل الهزائم ~~المتكررة .. أرجو من الرب أن يحمينا في هذه الليلة. ~~- مم تخاف؟ ~~- أخشى أن يقوموا بتصفيتنا قبل الانسحاب .. صبرنا كل تلك السنين ~~ونموت قبل أيام أو ساعات من التحرير! أي قدر تعيس هذا إن ~~حصل؟ ~~- لا يهمني البقاء على قيد الحياة بعد الآن، المهم أني رأيت الأيام ~~الأخيرة للنازية. # استمرت المعركة إلى منتصف الليل، الطائرات لم تهدأ في سماء ~~المعسكر، والمدفعية ما ms172 لبثت تقصف منذ بدء المعركة وأضواء الانفجارات ~~ترى من بعيد وتضيء المكان لبرهة وتختفي. # بعدها فجأة ساد صمت مخيف سوى طلقات نارية متقطعة، وصوت طنين طائرة ~~يبدو أنها تحلق على ارتفاع عال. ما الذي جرى؟ هل انسحبت النازية من ~~المعسكر؟ أم انتهت المعركة بانتصارهم على المهاجمين ؟ كان كسر الباب ~~والخروج مجازفة كبيرة، والبقاء دون معرفة ما الذي جرى لا يمكن ~~تحمله .. لم ينم أحد تلك الليلة إلى الفجر. # حان وقت مجيء الجنود لسوقهم إلى الطابور المقيت، لكنهم تأخروا على ~~غير عادتهم، زادت الظنون يقينا وبدت البهجة تظهر على وجوه ~~المعتقلين، الالتزام بالوقت من المقدسات النازية الأساسية، تأخرهم ~~يعني وجود أمر مستجد .. لم يأتوا بأية حركة خشية من أنهم ألغوا ~~الخروج للعمل جراء معركة الليلة الماضية، لربما الوضع في المنطقة ~~غير مستقر ويتوقعون هجوما في أي لحظة. # تأخروا كثيرا حتى بزغت الشمس وتسلل ضوءها من فتحات التهوية ~~المستطيلة للثكنة، في مثل هذا الوقت في العادة يكون كل معتقل في ~~المكان المخصص له للعمل، وبما أن للصبر حدودا، وهذه الحدود لم يتم ~~رسمها لكل البشر بنفس المقياس، يبدو أن أحد المعتقلين لم يتحمل أكثر ~~من ذلك، فركل الباب بكل ما أوتي من قوة، لكنه لم ينفتح، أصدر صوتا ~~عاليا فصمت الجميع فجأة وشحبت الوجوه مرة أخرى، إن سمعوا الصوت ~~فالعقاب الجماعي آت لا محالة، انتظروا وقتا كافيا ليصل الجنود إلى ~~الثكنة، لكن ما من أحد .. تشجع آخر وآخر وتناوبوا على ركل الباب ~~حتى كسر القفل وانفتح الباب. # خرجوا إلى الساحة، لا يوجد أحد .. هدوء مخيف، ألقى مايكل نظرة إلى ~~أبراج المراقبة، الحراس غير موجودين، بدأ المعتقلون يركضون كالمجانين ~~نحو الثكنات يكسرون الأبواب فيخرج معتقلون آخرون وآخرون، حتى عج ~~المكان بهم بلباسهم الرث المخطط وأجسادهم النحيلة والمثلثات ~~الملونة على صدورهم مع أرقامهم. # حالما سمعوا صوت دبابة تقترب من الساحة هرع الجميع إلى ثكناتهم، ~~حسبوا أن النازية قادمون، أغلقوا الباب على أنفسهم وتسلق البعض ~~ليسترق النظر إلى الساحة من فتحة التهوية في أعلى الحائط، ms173 وبدأ يخبرهم ~~بما يرى، بلغت القلوب الحناجر، والكل يمني النفس بالخلاص. ~~- وصلت دبابة. # ثم يسكت. ~~- وصلت عربة عسكرية غريبة. # سأل أحد المعتقلين: أخبرنا هل هم النازية أنفسهم؟ ~~- وكيف لي أن أعرف؟ ~~- من البزة العسكرية أيها الأحمق! ~~- لم ينزل أحد من الدبابة ولا من العربة. # ظل يراقبهم إلى أن صاح: نزل أحد الجنود لقد نزل. ~~- أمن النازية؟ ~~- لا أظن، إنني لأول مرة أرى هذا الزي العسكري، ها قد خرج إليهم ~~المعتقلون ولم يفعلوا لهم شيئا، إنهم ليسوا نازيين. # عمت الفرحة والبهجة والسرور المكان وطغت على وجوه المعتقلين، ~~وتعانق الجميع مع بعضهم البعض، ركض روبرت نحو مايكل فاتحا كلتا يديه ~~وعانقنه بكل ما أوتي من قوة وهو يبكي ويضحك في الآن نفسه. ~~- لقد تحررنا يا مايكل، تحررنا! # لم يفرح مايكل كثيرا كما فرح الجميع، كانت دموعه تذرف دون إرادة ~~وكأن السعادة التي نحلم بها تتفق مع أسوأ الأوقات؛ لتحمل في جوفها ~~ألما يزيح بهجة مجيئها، قال في نفسه: ماذا لو وصل هؤلاء قبل موت ~~ديفيد وأنقذنا حياته؟ ما الذي ربحته النازية من التسبب في موتك يا ~~ديفيد؟ كيف لي أن أسعد بحريتي وأنا السبب الأساسي بموتكما أنت وسارة؟ ~~فليغفر لي الرب خطيئتي! ~~- أين ستكون وجهتك؟ ~~- سأرجع إلى وارسو علني أجد والدتي هناك، وأنت؟ ~~- أنا أنتظر دخول الحلفاء إلى ألمانيا، ثم أعود لقريتنا علني أجد ~~أحدا من أهلي، هذا إن بقوا على قيد الحياة إلى الآن. ~~- تعال معي إذن، تمكث في وارسو لحين دخولهم ألمانيا. # قبل العودة كان الجوع قد أخذ منهما مأخذه، هرعا نحو بيت من بيوت ~~ضباط فرق الإس إس، كان جنود الحلفاء فيها يبحثون عن الأوراق ~~والمستندات والخرائط، توجها مباشرة إلى المطبخ لم يمانعوا تحركاتهم ~~في المعسكر، كان المطبخ مليئا بالأطعمة، اللحم والخضار والفواكه ~~والحليب والجبن والخبز الطري وكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كان ~~روبرت يأكل بكلتا يديه بشراهة حتى تنتفخ وجنتاه وبالكاد يستطيع إغلاق ~~فمه، لا يدري أيمضغ الطعام أم يبلعه حتى كاد أن يختنق. ~~- ما بك تأكل ms174 كالمشردين! لن يسرق طعامك أحد، على رسلك. ~~- لو لم يشبع بطنك ذلك النازي اللعين لكنت تفعل مثلي أو ~~أكثر. ~~- السيد أرنست يختلف عن النازية كثيرا يا روبرت، على الأقل كان يحمل ~~في قلبه قليلا من الرحمة تجاهنا. ~~- مهما يكن فهو نازي لعين. ~~- أكمل طعامك، سأبحث عن ملابس نرتديها عند عودتنا إلى وارسو. ~~- خيرا تفعل. # | الفصل السابع والثلاثون # مدينة وان - تركيا 1915م # أعمدة دخان أسود كثيف كانت تتصاعد من أحياء متفرقة في وان، أصوات ~~طلقات نارية متقطعة تأتي بين الفينة والأخرى، المدفعية العثمانية تقصف ~~الحي الأرمني بالقنابل، حركة الجنود ترى من التلة البعيدة وهي تستعد ~~للمواجهة المرتقبة، الأعلام الحمراء ترفرف فوق المباني العالية، مشاهد ~~نزوح للأهالي بالاتجاه البعيد نحو القرى الغربية لمدينة وان، كان هنالك ~~خوف ورعب من القوات الروسية والمجاميع الأرمنية التي عمدت إلى مجازر ~~بشعة بحق الأكراد والأتراك في تقدمها نحو مدينة وان، وهول الناس ~~أخبار تلك المجازر حتى أصبحت هذه القوى تحتل القرى دون مقاومة ~~تذكر. # أثناء تقدم أرتين مع الجيش في وحدة المشاة القتالية، تعرضوا ~~لإطلاق نار من إحدى القرى الكردية على طريقهم، وقع عدد من الجنود ~~جرحى وتم إسعافهم سريعا، بعدها وجهت المدفعية على القرية وتم قصفها ~~بست قنابل، فتهدمت بعض البيوت الطينية من جراء القصف وهزة ~~الانفجارات، كانت أصوات بكاء الأطفال وصيحات النساء قادمة منها، في ~~مدخل القرية ظهرت أمامه امرأة من أحد البيوت وهي تحتضن رضيعها وتهرع ~~خارج القرية هاربة، كانت ترتدي الزي الكردي النسائي؛ جلبابا أزرق ~~فضفاضا مع عباءة سوداء ذات أكمام طويلة تتطاير مع الريح، وجه ~~أرتين فوهة بندقيته صوبها، وقبل أن يرديها قتيلة تذكر العصابات ~~التي كانت تغير على قريتهم وتقتل النساء والأطفال دون رحمة، تخيل أنه ~~لو فعلها، لا يختلف شيئا عمن كانوا سببا في انضمامه للثوار، وفي ~~خضم هذه الأفكار في مخيلة أرتين والمرأة تبتعد عن ناظره سقطت ~~فجأة، ظن أن تعيسة الحظ قد تعثرت، التفت إلى يساره وإذا بجندي ~~يلوح بيده فرحا وينادي: «لقد أصبتها.» بعدها توجه إليها، ms175 كان ~~الطفل يصرخ من شدة البكاء، وقف الجندي على رأسها وأطلق النار على صدر ~~الرضيع وكأنه يقتل كلبا لا إنسانا من لحم ودم. # بعدها تم إعدام جميع من وجدوا في القرية من النساء والأطفال والشيوخ ~~رميا بالرصاص، إلا أولئك المسلحين الذين استسلموا بعد قتال دام لعدة ~~ساعات ، فتم تعذيبهم حتى الموت، ثم حرقت تلك الجثث ومنازل القرية ~~بالكامل، كانت حربا شعواء منزوعة الرحمة من الطرفين، حرب إبادة ~~جماعية، كانت وحشية المقاتلين الأرمن أضعاف وحشية الجنود الروس، دوافع ~~الثأر جعلتهم لا يميزون بين مذنب وبريء، الكل أصبحوا أعداء ويجب ~~قتلهم. لم يستسغ أرتين تلك الوحشية ولم ير لها أي مبرر، لكن لا ~~سيطرة له عليهم، هو الآن ليس قائدا لمجموعة الاغتيالات كما كان أيام ~~الثورة، بل جنديا بسيطا تحت إمرة الجيش الروسي لا يتقدم خطوة ~~للأمام إلا بأمر ولا يتراجع إلا بأمر. # على المدخل الشرقي لمدينة وان تحركت قوات المشاة ومعهم بعض من ~~الجنود الخيالة بهجوم مكثف لفتح الطريق إلى الحي الأرمني، وبعد قتال ~~شرس وقصف بالمدفعية واشتباكات بين الجنود دامت إلى حلول الظلام، انسحبت ~~القوات العثمانية إلى حي المسلمين خلف سوق المدينة، وتم فتح الطريق ~~أمام دخول القوات الروسية داخل الأحياء الأرمنية، ولاقتهم الأهالي من ~~الأرمن بالأهازيج والفرح بوصول المنقذين لهم من الحصار والقصف اليومي ~~لعدة أسابيع. # توجه أرتين سريعا إلى منزلهم في الحي الأرمني لعله يجد بانوس أو ~~غريغور هناك، لكن المفاجأة كانت أن البيت كان مهدما بقنابل المدفعية ~~العثمانية، صلى للرب أن تكون زوجته وابنته قد أرسلهما بانوس إلى ~~القرية قبل نشوب المعركة. وبينما أرتين يتفحص البيت وينبش عن ~~الذكريات بين الحطام والجدران المهدمة، سمع رجلا يتنحنح خلفه، التفت ~~إليه فإذا بغريغور واقف أمامه والدموع تذرف من عينيه، انقض عليه أرتين ~~وأمسكه من ياقته بشدة وغريغور مرتخ لم يأت بحركة. ~~- أخبرني ماذا حصل؟ تكلم هيا! ~~- لقد ماتت باتيل وابنتها أنوشكا في القصف قبل عدة أيام. # عندها خارت قوى أرتين وصرخ بوجهه: هذا ليس وقت مزاحك الثقيل يا ~~غريغور. ms176 ~~- هذه ليست مزحة، لقد دفنتهما بيدي هاتين. ~~- يا يسوع عونك، أخبرني أين بانوس الآن، أين هو؟ ~~- اهدأ يا أرتين، أرجوك أن تهدأ، سأخبرك بكل شيء، فقط اهدأ قليلا ~~واترك ياقتي ستخنقني هكذا. ~~- حسنا تركتها، هيا تكلم، أين هو؟ أريد رؤيته، هيا خذني ~~إليه. ~~- بعدما أخرجنا جثة زوجته وابنته من تحت الأنقاض ورآهما في تلك ~~الحالة، صار كالأسد المجروح حتى إنه لم يبك عليهما من هول الصدمة، جلس ~~بقربهما ووضع يديه على رأسيهما وأقسم أن يثأر لهما. بعدها حمل سلاحه ~~وتوجه إلى الخطوط الأمامية، حاولت أن أمنعه لكنني لم أستطع. # للمرة الأولى أعترف أنه كان أشجع منا جميعا، كانت عيناه تقدحان ~~شرارا، لم يكن بانوس الذي أعرفه، حتى إنه لم يفكر بدفنهما، لا أدري ~~لربما لم يرد أن يجف الدم قبل أن يثأر لهما. # ثم سكت غريغور وصد وجهه عن أرتين وهو لا يريد أن يكمل ~~الحديث. ~~- هيا أكمل، ماذا حدث بعد ذلك؟ ~~- قاتل بكل شراسة في الخطوط الأمامية، وكان سببا رئيسيا في صد ~~إحدى الهجمات المباغتة للجيش العثماني من جهة كنيسة ديره التي لو وقعت ~~بأيديهم لسقط الحي الأرمني بأكمله ولحدثت مجزرة عظيمة للأهالي، فقتل ~~منهم عشرة جنود، لكنه ... ~~- لكنه ماذا؟ ~~- سقط شهيدا بعدها، كان في صدره آثار ثلاث طلقات نارية. # وقع أرتين أرضا من شدة هول الخبر، حمله غريغور إلى أقرب حائط اتكأ ~~عليه، فنظر إلى غريغور مبتسما وعيناه تذرفان الدموع بلا ~~إرادة. ~~- عندما كنا على سفح الجبل قال لي: «يراودني شعور بأننا خلقنا من ~~روح واحدة ثم جزأها الرب إلى ثلاث أرواح.» لم أفهم يومها ماذا كان ~~يقصد، لم أفهم أنه كان يريد القول إن موت أحدنا هو موتنا جميعا؛ لأن ~~الروح واحدة .. لم نفهمك يوما يا صديقي. # أومأ غريغور مبتسما والدموع تنهمر من عينيه: آه يا بانوس، ليتني ~~سمعت كلامك يوم ترددت بالخروج معنا من القرية إلى «وان»، وقلت يومها: ~~«نحن ندافع عن أهلنا هنا في القرية، وهناك سندافع عن أبناء جلدتنا من ~~الأرمن، ما الفرق في ms177 ذلك، لا، بل أهل القرية بحاجتنا أكثر من غيرهم.» ~~ليتنا بقينا نقاتل العصابات التي كان همها سرقة الخراف والأموال، ~~ليتنا يا بانوس ليتنا. # ثم أجهش بالبكاء، اقترب منه غريغور وحاول أن يهدئه: كفاك تعاتب نفسك ~~يا أرتين، الموت بيد الرب «ليس لإنسان سلطان على الروح ~~ليمسك الروح ، ولا سلطان على يوم الموت». هيا يا ~~أرتين أعني على نفسك ودعني آخذك إلى مكان آمن، سيبدأ القصف في أي ~~وقت لا محال. # كان غريغور يردد آيات من الإنجيل بصوت مبحوح، وقد لف أرتين ~~ذراعه حول رقبته ويمشيان الهوينا في الزقاق المؤدي نحو الإرسالية ~~الأمريكية القديمة، مر على ذاكرته أيامهم الجميلة مع بعض، أخرج ~~شهقة وهو يقول لغريغور: كنا عندما نذكر الموت نضحك ونقول لبعضنا ~~البعض: إذا مات أحدنا فسيرقص الباقيان في عزائه ويوزعان الحلوى فرحا ~~بخلاصهما منه. # أصدر غريغور نحيبا وهو يهز رأسه دون أن يستطيع الكلام. ~~- كنا نقول: الأرض لا تتحملنا في بطنها يوما واحدا؛ لذلك فهي تدعو ~~وتصلي للرب كل يوم ألا يأخذ أرواحنا كي لا تتأذى معدتها الكبيرة ~~بسببنا. يا للطفولة! كم هونت وحقرت أخطر ما يخاف منه الإنسان في ~~الحياة حتى جعلتنا نضحك للموت! # | الفصل الثامن والثلاثون # القدس - فلسطين 1946م # الخيبة اعتلت الوجوه، والصمت ساد المكان، تصاعد دخان القهر والحيف من ~~أفواه الحاضرين وكأن المقهى تحول إلى عزاء مفتوح لأهل الحي جميعا، ~~عزاء الثقة التي اهتزت في النفوس، عزاء الوفاء للأرض والوطن. اكتشف حسن ~~يومها أن العزاء ليس فقط لمغادرة روح جسد إنسان، لا، بل هنالك عزاءات ~~أعظم أثرا وأعمق جرحا في النفوس منها في الحياة. # بعدما انكشف سر الاختفاء المفاجئ لأبي هشام، وتناقل الناس أخبارا ~~تقول إن هناك من رأوه يركب سفينة متجهة إلى بريطانيا مع عائلته وقد ~~ارتدى لباسهم وحلق شاربيه ووضع قبعة سوداء على رأسه. خرج صوت من بين ~~الحاضرين: «لقد باع نفسه وشرفه قبل أن يبيع أرضه.» أردف آخر «سيلحقهم ~~العار إلى أحفاد أحفادهم.» لم يحتمل الموقف حسن، وثقل عليه أجواء ~~المقهى المليء بالخيبة ms178 والخذلان، ضاق نفسه، تذكر يوم الخيبة عند فشل ~~الثورة الكبرى قبل عدة أعوام، وخيبة هزيمة ألمانيا في الحرب الأخيرة. ~~قال في نفسه: خيبات متكررة تنهال علينا من القريب والبعيد، أينما ~~أدرت وجهك رأيتها بارزة ظاهرة على الوجوه وكأنها أصبحت السمة التي ~~تميزنا عن باقي الشعوب! # لم يكن لديه من يخفف عنه ثقل ما يحمله غير هشام، حتى لو كان تحت ~~التراب فمجرد شعوره بالقرب منه يخفف عنه الكثير. جثا على ركبتيه ~~ونثر حبات الصنوبر على قبره، قرأ سورة الفاتحة على روحه، ثم أخبره أن ~~أهل الحارة لا يذكرونه بشيء، لا بخير ولا بشر، وكأن ما فعله أبوك ~~قد أنساهم إياك، لا تحزن يا صديقي؛ فالشر يغطي الخير مهما كان حجمه ~~صغيرا، هكذا نحن البشر، بل هكذا هي الحياة، لا إنصاف فيها لأحد. وما ~~دمت خرجت من الدنيا فلا يضيرك نسيانهم ما ضحيت به من أجلهم. # سمع حسن خلفه حركة، التفت وإذا بأنوشكا وعليها فستان أسود طويل ~~وشال أبيض شفاف يغطي جزءا من شعرها المنسدل على وجهها، مسحت الدموع ~~من عينيها بأطراف أناملها، صلت للرب من أجل هشام، وقبلت الصليب ~~الذهبي الذي كان يتدلى على رقبتها وجلست بقرب حسن. ~~- تبكينه وأنت لم تريه في حياتك! ~~- أبكيه لأجلك، عندما رأيت تأثرك وبكاءك الشديد في يوم التشييع ~~علمت مدى حجم فقدك الكبير له، شعرت أن لا أحد يشيعه بصدق ~~غيرك. ~~- هشام لم يكن صديقي فقط يا أنوشكا، هشام كان أخي وسندي وموضع ~~سري، وشريك ذكريات لا تنسى. بفقده هوى ركن كبير في وتحطم إلى ~~الأبد، هشام لا يعوض أبدا يا أنوشكا. # ساد صمت بينهما، مكثا يتأملان القبر لدقائق حتى فاجأت أنوشكا حسن ~~بقولها: إن تزوجنا ورزقنا الرب بطفل فسنسميه هشاما. # ابتهج حسن وقال بدهشة: أحقا ما تقولين؟ ~~- نعم؛ فاسمي كان على اسم بنت بانوس أعز أصدقاء أبي كما أخبرتك من ~~قبل، ما الضير أن يكون اسم ابني على اسم أعز صديق لزوجي. يبدو أن ~~قدر أسمائنا متعلق بأناس ضحوا بأنفسهم من أجل أن ms179 يحيا ~~الآخرون. # أعطاها حسن ابتسامة مليئة بالدفء ونظرات مليئة بالحب، وأمسك يدها ~~بلطف، هاجه شعور كبير بأن يرتمي إلى حضنها ويبكي كما يبكي الأطفال ~~بأحضان أمهاتهم، لكن موانع كثيرة حوله حالت بينه وبين ما يريد. ~~- حسن أريد أن أخبرك بأمر مهم. # هز رأسه دون أن يتكلم. ~~- لقد قرر أبي الرحيل من القدس. ~~- أنت أيضا تتركيني كما فعل هشام! ~~- أنا لا أريد ذلك، لكن أبي غير مطمئن للأوضاع هنا، يقول جنين أكثر ~~أمنا وأبعد عن المشاكل. تفجير الفندق زاد الأمور سوءا، ولربما يعقبه ~~تفجيرات أخرى، من يدري. ~~- قبل قليل كنت تتكلمين عن زواجنا وسنسمي ابننا هشاما، والآن ~~تخبرينني بأن هذا لقاؤنا الأخير! ~~- لم أقل هذا لقاؤنا الأخير، قد زرت بيتنا هناك وتستطيع زيارتنا متى ~~شئت. ~~- افعلي ما تشائين. ~~- لا تتكلم معي هكذا. ~~- وكيف أتكلم معك؟ تتركينني وأنا بأمس الحاجة لوجودك بقربي؟! ماذا ~~أقول لك! رافقتك السلامة، انتبهي لنفسك كما يفعل الغرباء! # اغرورقت عيناها بالدموع، كان حسن يتجنب النظر إلى عينيها لكيلا ~~يضعف ويبكي هو أيضا. ~~- حسن أرجوك افهمني، أنا لا أريد ذلك، هنا أنت وصديقاتي ومدرستي ~~وذكرياتي، أتظن أنني فرحة على فراقكم جميعا والذهاب للعيش وحدي هناك ~~في تلك القرية النائية؟ كيف أمنع أبي وقد عزم الرحيل وأخبر صديقه أبا ~~يوسف بذلك؟ # أطلق حسن زفيرا طويلا واقترب من شاهد قبر هشام وقال: أتسمع يا ~~صديقي؟ ستتركني أنوشكا أيضا. # أخرج قهقهة مليئة بالأسى، ثم رفع رأسه إلى السماء ونادى: يا إله ~~الأرض والسماء، إن كنت قد كتبت علينا الفراق فلماذا عرفتني بهم من ~~الأساس؟ ما ذنبي وما جرمي لأعذب هكذا؟ ~~- اهدأ يا حسن، ولا تسيء الظن بالرب. # انكب على قبر هشام وهو ينتحب بصوت مسموع، لم تدر أنوشكا ماذا تفعل، ~~أخرجت منديلها ووضعته بيد حسن، ثم هرعت نحو الحي وهي تبكي. # لم يحتمل حسن فراقين مرة واحدة، فراقا تحت ظل التراب وفراقا تحت ~~ظل المسافات البعيدة، مكث في غرفته أياما لا يخرج منها لا للعمل مع ~~والده ولا لأي شيء آخر، لا ms180 يوجد شيء يستحق الخروج من أجله، لا هشام ~~ينتظره تحت ظل الشجرة المعمرة عند باب المغاربة، ولا أنوشكا ستعود من ~~المدرسة ليوصلها إلى البيت. # كانت سكينة تحاول جاهدة أن تخرج أخاها من جو اليأس الذي أحاطه ~~بنفسه، لكن دون جدوى. ~~- لقد التقيت بها قبل أن ترحل. # لم يجلب انتباهه ذلك الخبر. ~~- كانت تذرف الدموع دما على فراقك، لقد أوغلت في قلبها يا ~~فتى. ~~- أرجوك يا سكينة اتركيني وحدي. # بعد الحادثة تغير حسن جذريا وكأنه أصبح إنسانا آخر، لا يمزح مع ~~أحد، لا يضحك البتة، بالكاد يظهر ابتسامة بوجه أحد إذا مازحه، صار ~~جديا على غير عادته، يتكلم بثقة كبيرة، ولا يسمع له صوت في البيت، ~~لا يبادر بالكلام مع أحد، لزم الصمت فوهب الهيبة، شعر أبو خالد أن ~~ابنه أصبح رجلا للتو، وتخلص من مراهقته وأصبح بالإمكان الاعتماد عليه ~~الآن، زاد احترام خالد له في البيت والدكان، حتى في المقهى وبين أهل ~~الحارة تغيرت نظرة الناس إليه، وتعاملهم معه. # عند قبر هشام، وضع حسن يده على شاهده، وأقسم بتراب قبره الشريف ~~وبدمائه الزكية التي أريقت من أجل هذه الأرض المباركة أن يكمل ما ~~انتهى إليه هشام وينضم للمقاومة. # في أول عملية له مع المقاومة، استبسل حسن وقاتل بشراسة واستطاع قتل ~~ضابط الدورية بحركة بطولية لفتت انتباه الجميع، والتف حوله المقاتلون ~~بعد العملية، يحيونه ويمدحون شجاعته وكيف انقض على الضابط وقتله، سمع ~~حسن القائد يقول لأحد مساعديه: «أين كان يختبئ هذا الأسد عنا؟» ~~أطلقوا عليه خليفة «عمر الصفدي» تثمينا لشجاعته وإقدامه في ~~القتال. # كان يمر على حسن لحظات يستغرب فيها من نفسه، كيف يمكن لذلك الفتى ~~الذي كان يخشى صوت الطلقات النارية على بعد مئات الأمتار، وتصيبه ~~رعشة ورهبة منها، أن يدخل اشتباكا ضاريا مع قوات الاحتلال ويطلق ~~النار من بارودته هو، ويقتل الأعداء دون أن يهتز له جفن! كيف كان ~~يجهل كل هذه الشجاعة المطمورة في جوفه؟ # | الفصل التاسع والثلاثون # وارسو - بولندا 1945م # كانت رائحتهما كريهة؛ إذ لم يكن يسمح ms181 لهم بالاستحمام لفترات طويلة، ~~اعتلى الدرج الخشبي نحو الطابق العلوي حيث غرفة نوم الضابط، فتش ~~الخزانة، كان فيها بزتان عسكريتان وثلاثة بناطيل وخمسة أقمصة ورداءان، ~~أحدهما أسود اللون والآخر أخضر باهت، وملابس نوم وثلاثة أزواج أحذية من ~~الجلد الطبيعي، لفت انتباهه صورة مؤطرة على طاولة خشبية صغيرة قرب ~~السرير ، ألقى نظرة فيها، كانت صورة امرأة تحمل طفلا في الخامسة من ~~عمره، يبدو أنها زوجته وابنه، استلقى على السرير حاملا الصورة بيديه ~~ويفكر في غرابة الإنسان، هذا المخلوق العجيب كيف كان يقتل ويتسبب ~~في قتل الأطفال والنساء في النهار ثم في الليل يضع هذه الصورة على صدره ~~ويحضنها شوقا إلى طفله وزوجته؟! كيف يقسو من يحمل هذه المشاعر ~~المرهفة؟! ألم يفكر يوما ماذا لو حل بابنه ما يحل لأبنائنا ~~بسببهم؟ أسئلة لا يمكن إيجاد أجوبتها حتى لو كان صاحب الصورة ~~أمامه. # توجها إلى وارسو بإحدى العربات العسكرية للحلفاء، وللمرة الأولى ~~صعد مايكل على الصندوق الخلفي لعربة عسكرية دون الخوف من مصير مجهول ~~أو اعتقال بلا سبب يذكر، كانت نظراتهما هو وروبرت تتحدث دون النطق ~~بكلمة وترتسم على وجهيهما البسمة والفرح، أمر لا يصدق، البارحة في ~~مثل هذا الوقت كنا معتقلين يائسين عبيدا مذلولين مهانين في بقعة ~~صغيرة لا نخطو فيها إلا بأمر، ولا نعيد الخطوة للوراء إلا بأمر، ~~واليوم نحن أحرار وكأن الدنيا فتحت أبوابها لنا وكتبت لنا حياة جديدة! ~~كل الناس ولدوا مرة واحدة في حياتهم إلا نحن، ولدنا مرتين ~~فيها. # على الضفة الثانية لنهر فيستولا الذي يمر من منتصف وارسو، كانت ~~أسوار الغيتو المبنية من الطوب الأحمر وأبنيتها تبدو محطمة ومحترقة ~~من بعيد. وصلا قرب البوابة الرئيسية للغيتو؛ المكان الذي تم نقل مايكل ~~منه إلى معسكر أوشفيتز. نزل من العربة مسرعا متلهفا لرؤية أمه ~~والخوف قد سرى إلى جوفه بعد رؤيته المباني المهدمة. كان المكان يبدو قد ~~فرغ من البشر والباب الرئيسي مخلوع، كان روبرت يتفحص المكان، ومايكل ~~يخبره عن بعض الذكريات في طريقهما نحو المبنى الذي كان يسكن ms182 فيه مايكل. ~~حطام المباني المهدمة كان قد سد بعض الأزقة بالكامل. ~~- روبرت، هنا في هذه الساحة بت ليلة كاملة تحت المطر والبرد، ~~وهناك في تلك الغرفة الصغيرة المحطمة كان المحرس، يومها أتى ذلك ~~الحارس الشهم بقطعة جبن ملفوف عليه الخبز وأطعمني. # ثم سارا يمينا ودخلا أحد الأزقة ثم يسارا . ~~- هذا مبنى المجلس اليهودي، كان أعضاؤه من اليهود يديرون شئون سكان ~~الغيتو ويقدمون القرابين لأسيادهم، بعضهم كان يفعل ذلك ليحيا حياة ~~طيبة على حساب الآخرين، والبعض الآخر كان يبرر فعلته بالقول: «إذا ~~تركنا الأمر للنازية فسيكون عدد الضحايا أكثر.» حتى وصل الحال بهم ~~ليكونوا آلهة يقررون من سيبقى ومن سيرسل للموت. وهذا مبنى الشرطة ~~اليهودية، كانوا يتنافسون في البطش بأبناء جلدتهم حتى ينالوا الرضا من ~~النازية ويحصلوا على الترفيعات! ~~- مايكل، إن هذا الحطام قديم، يبدو أن المدينة تحررت منذ زمن .. ~~انظر إلى الأعشاب التي نبتت بين الحطام. ~~- إنك محق .. لكن بالرغم من ذلك لدي بصيص من الأمل أنني ~~سأجدها. # كل شيء حولهما كان يقول إن المكان مهجور، أسرعا الخطى حتى وصلا ~~زقاق المبنى، فجأة توقف مايكل. ~~- ما بك يا مايكل، هل وصلنا؟ ~~- لقد تذكرت يوم عدت من مقابلة السيد مارك في الحانة لأجل مرض ~~سارة وعلاجها ثم أخبرني أنها ماتت، هنا في هذا المكان وقفت يومها ~~أحدق إلى والدتي وهي على الشرفة تنتظر مني خبرا سارا عنها .. انظر ~~يا روبرت تلك هي شرفة غرفتنا. ~~- المبنى مهدم يا مايكل، والشرفة آيلة إلى السقوط .. مؤكد أن لا ~~أحد فيه. ~~- لا أريد الاقتراب أكثر، دعنا نخرج من المكان يا روبرت، بدأت ~~أختنق، كل شيء هنا مرتبط بذكريات سوداء تعيسة، هيا علنا نجد أحدا ~~خارج السور نسأله ماذا حل بأهل الغيتو. ~~- هيا بنا. # صادفا رجلا طاعنا في السن خارج السور، كان بالكاد يستطيع المشي وهو ~~متكئ على عكازه الخشبي اللامع .. اقترب مايكل منه وأعطاه ابتسامة ~~صغيرة. ~~- هل بإمكاني أن أسألك سؤالا؟ # حدق بوجهه وتفحص ملابسه، ثم قال: إن كنت من أهل الحاجة فليس عندي ~~ما ms183 أعطيك. ~~- وهل يبدو على هيئتي ذلك؟! ~~- حسن، وماذا تريد إذن؟ ~~- دعني أجلسك على تلك المصطبة الحجرية، يبدو عليك التعب. # أمسكه من ذراعه اليمنى وتوجها بخطوات بطيئة نحو المصطبة الحجرية .. ~~بعدما أخذ الرجل نفسا سأله مايكل: هل أنت من وارسو؟ ~~- نعم أنا من يهودها. ~~- يهودي! ~~- نعم، وهل هناك ضير في ذلك؟ لم يمر بالوقت الطويل حتى تخلصنا ~~من أولئك النازية الملاعين، ثم تأتي وتستغرب أني يهودي! # وكأنه كان يوبخ مايكل بتلك الكلمات. ~~- على رسلك، أنا أيضا يهودي مثلك، وقد كنت معتقلا في هذا الغيتو، ~~ومن ثم تم نقلي إلى أوشفيتز. ~~- أحقا ما تقول؟! ابتهج الرجل .. وكيف نجوتم من المعسكر؟! ~~- تم تحريرها البارحة ليلا من قبل قوات الحلفاء .. لكن أخبرني، هل ~~هذا الدمار حصل للغيتو أثناء التحرير؟ ~~- لا، الدمار سببه الثورة التي حصلت ضد النازيين قبل سنتين في ~~وارسو. ~~- ثورة! وما الذي حل لسكان الغيتو؟ ~~- نعم، ثورة قام بها الآلاف من سكان المدينة، كانت مقاومة شرسة ~~استمرت أكثر من شهرين على أمل تحرك القوات الروسية لمساندتهم، ~~لكنهم خذلوا ولم يحرك الجيش الأحمر ساكنا. أنهكتهم بشاعة الرد ~~النازي، فهدمت الأسوار وبعض البنايات وتم حرق بعضها الآخر، وقتل ~~الكثير من السكان، ونقل الباقون إلى المعسكرات النازية. ~~- إلى أي معسكر تم نقلهم؟ ~~- لم يحدد معسكرا معينا. # وضع كفيه على وجهه كما يفعل الأطفال حين يشرعون بالبكاء، وقال: يا ~~إلهي! أي عذاب هذا، وأي شقاء، لم يبق لي في الحياة سواها وأخذتها ~~مني، أبقيت من تسبب في موتهم بغبائه وحمقه وعناده وأخذت الأبرياء، ~~أما كان الأجدر أن يعيشوا هم وتنتزع روحي أنا المذنب بحقهم؟! هل ~~تعاقبني فيهم يا إلهي؟ # اقترب منه روبرت وهو يربت على كتفه. ~~- هون عليك يا مايكل، هون عليك، من قال إنها ماتت؟ لربما تكون ~~قد تحررت مثلنا من معسكرها .. الأحرى بك أن تبحث عنها، لا أن تندب ~~وتنوح كالنساء. # صمت فجأة، كان تفكيره مشوشا لا يستطيع التركيز في شيء. ~~- إنك محق فيما تقول، هنالك احتمال أنها على قيد الحياة. # مسح الدموع من ms184 على وجهه بكم ردائه. ~~- وأين تقترح أن أبحث عنها؟ ~~- نسأل الجنود عن المعسكرات التي تم تحريرها، وبالتأكيد لديهم سجلات ~~بأسماء المعتقلين الذين تم تحريرهم، كما تم تسجيل اسمينا عند مغادرة ~~أوشفيتز. # عرضا على الرجل الطاعن في السن المساعدة لإيصاله إلى بيته، لكنه رفض ~~وقال: اذهبا وابحثا عنها، ولا تيأسا . # بحثا في الكثير من المعسكرات المحررة ولم يجدا لها أثرا، كانت ~~الماركات التي أعطاها السيد آرنست لمايكل لها الدور الكبير في سرعة ~~تنقلهما من معسكر إلى آخر بتأجير سيارات خاصة لأجل ذلك، أمضيا عدة ~~أيام في التنقل والسؤال هنا وهناك لكن دون جدوى. # أخبرهما أحد المحررين من معتقلات النازية عن حدوث حالات هروب قد ~~حصلت من المعسكرات قبل التحرير، وبهذا لا يمكن إيجاد اسمها في أي معسكر ~~محرر إن استطاعت الهرب، وآخرون أخبروهما أنها لربما قد نقلت إلى ~~المعسكرات التي لم تتحرر بعد في الداخل الألماني. ~~- ماذا ستفعل الآن يا مايكل؟ ~~- لا أعلم، دعني أفكر، لقد تشابكت علي الأمور، وبت لا أستطيع ~~التركيز. ~~- أقترح أن تنتظر تحرير بقية المعسكرات لعلك تجدها. ~~- لكن ماذا لو وجدت اسمها من بين الذين تم تحريرهم ولم أجدها ~~هي؟ ~~- عندها تكون قد خرجت تبحث عنكم كما تفعل أنت. ~~- احتمال وارد جدا .. إذا كان الأمر كذلك فهي لن تفكر في العودة ~~للغيتو للبحث عنا؛ فقد تم نقلنا أنا وديفيد منه قبل الثورة. # عندما ذكر اسم «ديفيد» خطر في ذهنه أنه قال لأمه: تم اعتقال ديفيد ~~في الغيتو ليرحل إلى فلسطين ببرنامج إعادة التوطين. ~~- وماذا تعني بذلك؟ ~~- أخشى أنها بقيت تصدق تلك الإشاعات التي كانت منتشرة في الغيتو ~~بقضية الترحيل إلى فلسطين، ولربما تتوقع أنه تم ترحيلي إليها أنا ~~أيضا. ~~- إذن وجهتها هناك في النهاية إن هربت أو إن تحررت من المعسكرات ~~المتبقية. ~~- هذا الاحتمال المنطقي. ~~- وترحل؟ ~~- لا خيار أمامي. # | الفصل الأربعون # مدينة وان - تركيا 1915م # عمت الأفراح مدينة وان كلها، تجمع الأهالي في ساحة السوق ورقصوا ~~وغنوا على أصوات الطبول والمزامير مع الجنود الروس، محتفلين بالنصر ~~العظيم ms185 وتحرير المدن الأرمنية من الاحتلال العثماني الذي دام لقرون ~~عديدة، وإقامة دولة أرمينيا من جديد. أقبل غريغور يتمايل في مشيته، ~~ثملا، يحمل كأسه وتتساقط من لحيته قطرات من الشراب الأحمر، يتحدث ~~بكلمات متقطعة غير مفهومة مع أرتين الذي لم يكن قادرا على مشاركتهم ~~تلك الفرحة التي لطالما انتظرها، فرحة النصر وبلوغ الغاية جاءت ناقصة ~~بغياب بانوس، كان يشعر بتأنيب الضمير تجاهه، تمنى لو أنه خرج وحيدا ~~من القرية يومها ولم يصحب معه حتى غريغور، قال في نفسه: كانت فكرتي، ~~وكان من الأجدر بي أن أقوم بها وحدي، آه يا بانوس، لقد تركت في قلبي ~~ندبة لا تندمل إلى الأبد وخلفت وراءك جرحا لا يلتئم وألما لا ~~ينقطع. # بعدها أعلن عن تعيين «مانوكيان» حاكما على وان، وتم إعطاؤه ~~الصلاحيات العامة في حكم المدينة، بالتشاور مع الجنرال «نيكولاف» الذي ~~لاقى ترحيبا كبيرا من الأهالي عندما أعلن عن إقامة حكومة وان الجديدة ~~بقيادة حاكم أرمني. # وقبل سقوط هذه المدن على أيدي الروس بمساعدة الأرمن العثمانيين مع ~~وجود أرمن روسيا، أصدرت الحكومة العثمانية بيانا اتهمت فيه الأرمن في ~~الولايات الستة بعبارة «خونة الأرض والوطن». وفي 24 نيسان 1915 اعتقلت ~~السلطات العثمانية قرابة 250 من مثقفي وأدباء ومفكري الأرمن في ~~الآستانة، وتم قتلهم جميعا بذريعة التعاون مع قوات الحلفاء، وخشية ~~قيامهم بإثارة الأوضاع في المدينة، وكتبت الصحف العثمانية حينها عن ~~خيانة الشعب الأرمني للوطن وتأييدهم للأعداء. ~~«إذا أردت أن تعرف كيف تسير الأمور في الحرب الكبرى فما عليك سوى ~~النظر إلى وجه الأرمني، إن كان شاحبا فاعلم أنها تسير لصالح قوات ~~المركز، وإن كان زاهيا فاعلم أنها تسير لصالح قوات الحلفاء.» # استقرت الأوضاع في وان بعدها، ودبت الحركة في السوق، بغياب ~~التجار الأكراد والأتراك فيه، وانتقلت العوائل التي هدمت بيوتها ~~والعوائل القادمة من القرى التي حرقتها القوات العثمانية إلى الجزء ~~الغربي (حي المسلمين) من مقاطعة غاردن، وسكنوا في البيوت التي لم ~~تتعرض للهدم والحرق في المعارك الأخيرة، وعمد الروس إلى انتزاع ~~السلاح من أيدي المجموعات ms186 الأرمنية وضمهم إلى الجيش النظامي، وأبقت ~~السلاح بيد الحكومة فقط بعد محاولات لبعض الثوار في سرقة أثاث بعض بيوت ~~المسلمين أو حرقها، وحصل تبادل إطلاق نار بينهم لمرات عديدة. ~~••• # بعد زوال نشوة النصر وعودة الحياة إلى طبيعتها لم تكن الأوضاع ~~الاقتصادية للمدينة على ما يرام؛ فالحرب أثرت على طريق التجار الذي ~~كان يمر من وان، فأدى ذلك إلى شحة في توافر الاحتياجات الضرورية ~~للسكان، وقلت العملة بيد الناس، وارتفعت أسعار السلع إلى ضعفين أو ~~أكثر، كانت الجهة الغربية والجنوبية للمدينة موصدة في وجه التجار ~~الأرمن؛ لأنها تحت سيطرة العثمانيين، وفي الجهة الأخرى روسيا كانت ~~تمر أيضا بأزمة اقتصادية بسبب الحرب الكبرى، فلا تستطيع توفير ما ~~يسد رمق الناس تحت ظل سيطرتها، بل العكس كانت تعمل على تصدير خيرات ~~المدن التي سقطت بيدها نحو مدن روسيا لتخفف الغضب الشعبي من تردي ~~الأوضاع المعيشية. # بدأ السكان يتحسرون على أيام العثمانيين في الخفاء، شعروا بأنهم ~~كانوا في نعيم من العيش لم يدركوها. سمع أرتين في المقهى قرب الخان ~~أحدهم يقول لصاحبه: لقد كانت أحلام الحزب والثوار وردية إلى حد ~~كبير، هل كانوا يظنون أن حكم البلاد أمر يسير إلى هذا الحد؟! وأن غاية ~~الناس أن يعود الحكم للأرمن مهما كانت النتيجة؟! هذا الغباء بعينه، إن ~~الناس لا يهمهم من يحكمهم إن كان أرمنيا أم تركيا بقدر ما يهمهم ~~من يوفر لهم سبل العيش، وكثرة الموارد، وتوفر العمل. لربما لا ~~تصدقني إن أخبرتك منذ سيطرة الروس على المدينة وتنصيب مانوكيان حاكما ~~عليها لم يدخل بيتنا ليرة واحدة؟! انظر إلى تلك الدكاكين المحترقة على ~~امتداد السوق، إنها لتجار الأكراد والأتراك كانت تغذي المدينة بكل ما ~~تحتاجه، وتوفر العمل للكثير من أبنائها، ولم يكن أولئك الأتراك أو ~~الأكراد يفرقون بين أرمني وكردي أو تركي. رد صاحبه: صدقت والله، ~~لقد كنا جيرانا منذ أمد بعيد ولم يحصل بيننا إلا كل خير، ما لنا ~~ولهذا الأمر كله، هم يتنعمون بالخيرات مع الروس، ونحن لا نحصد سوى ~~الجوع والعوز، ms187 وإن عاد الجيش العثماني فسنكون نحن الضحية، وهم سيفرون ~~مع من أتوا بهم. # كان هاجس الخوف بين الأهالي في وان يدور حول ما سيحصل بمصيرهم إذا ~~انتهت الحرب الكبرى بهزيمة الحلفاء، وبالأخص «الروس»، كيف سنواجه ~~الوعيد العثماني بعدما وضعونا في قائمة الخيانة العظمى للأرض ~~والوطن؟ # لربما لم يفكروا بهذه المخاوف إلا بعد السيطرة على المدن ونزوح ~~قاطنيها من الأتراك والأكراد والمذابح التي جرت للباقين منهم، فتحولت ~~جراءها القضية في تلك المناطق إلى بقاء الطرف الأقوى على الأرض، لا ~~يمكن العودة إلى التعايش المشترك بين الطرفين مرة أخرى وكأنهم عبروا ~~نقطة اللارجوع، لا يمكن أن يعيش على هذه الأرض الأرمن مع الأتراك ~~والأكراد من جديد. ~~••• # كان المختار تلمكيان طريح الفراش، غير راض بما آلت إليه أوضاع ~~البلاد، على الرغم من أن القرية لم تتأثر كثيرا بالأوضاع الاقتصادية ~~المتردية في المدينة بسبب اعتمادهم على الزراعة وتربية الحيوانات، إلا ~~أن المختار تلمكيان كانت له نظرة بعيدة ولم يؤثر في رأيه السابق ~~انتصار الثورة وبلوغ الغاية بالحكم الذاتي. # قبل رأسه أرتين وطلب رضاه، ثم جلس قربه على كرسي خشبي، كانت غرفة ~~المختار دافئة بالرغم من البرد القارس في الخارج، ورائحة حساء الفطر ~~المجفف تملؤها، أقبلت أمه وهي تحمل وعاء فخاريا بيدها وملعقة ~~خشبية، سكبت لهما وجلست قرب النار تتمتم بأدعية، وتدعو يسوع بأن يشفي ~~زوجها ويعيد له صحته. # تناول أرتين ملعقتين من الحساء وهو يراقب والده الذي كان يأكل ببطء ~~شديد، وشعر أنه غير آبه بوجوده بعدما علم بعمل أرتين مع الثوار ~~سنوات طويلة دون علمه ورضاه. ~~- أبي، ها قد انتصرت الثورة وبلغنا الغاية. # ارتسمت على وجه المختار ابتسامة صغيرة ورد هازئا: انتصار! أمتأكد من ~~ذلك يا بني؟ ~~- بعد شفائك سآخذك إلى المدينة لترى بعينك، لربما هنا في القرية لا ~~يمكن تمييز ذلك، لقد وضعوا مانوكيان الأرمني حاكما على وان بدلا من ~~واليها العثماني، وتم بناء قوات أرمنية لتحافظ على أمن المدينة، ~~وتحول الثوار من مقاتلين إلى جنود منظمين، وهذه حال الدول الفتية يا ms188 ~~أبي، تبدأ ضعيفة متكئة على حليف قوي حتى تقوى ساعدها وتبني مؤسساتها ~~وتقف وحدها وتستمر. ~~- لكن الحرب لم تنته بعد، والعثمانيون ينتهزون الفرصة ليعيدوا هذه ~~المدن تحت سيطرتهم، ومن اتكأتم عليها تفكر في مصالحها قبل كل شيء، ~~وإن حصل تعارض بينكم وبين تلك المصالح فسيتركونكم لقمة سائغة للضباع. ~~عندما كنت طفلا صغيرا يا بني حدثت حرب بين الدولتين، واستطاع الروس ~~بلوغ مشارف الآستانة، وفرح الأرمن بتلك الانتصارات واستبشروا خيرا بأن ~~روسيا ستعيد لهم حقوقهم المسلوبة بإقامة دولة أرمينيا المستقلة، لكن ~~فجأة جلسوا على طاولة المفاوضات ووقعوا معاهدة بينهما، حصدت روسيا ~~منها ما تريد وبقيت الأرض للعثمانيين. # ساد صمت بينهما، تذكر أرتين كلام السيد كيفورك في يريفان بالمركز ~~التدريبي، عندما ذكر لهم أحداث الحرب وتلك المعاهدة الغريبة في ~~توقيتها، الروس لا يؤتمنون وليس لهم صديق دائم ولا عدو دائم، الصديق ~~الدائم هو مصالحهم فقط، سرى فيه شعور بالخوف وأحس أن كلام والده فيه ~~من الخطورة الكثير، إن صدق ما يلمح إليه فإن حياة الأرمن على ~~المحك، لكن ما من سبيل ولا خيار آخر، ولا يمكن العودة إلى الوراء، ~~الذي حصل بين الأرمن والعثمانيين كعقارب الساعة يستحيل أن تدور للخلف ~~وتعيد أيام الألفة والتعايش. # | الفصل الحادي والأربعون # القدس - فلسطين 1947م # أخبرتك يومها أن كل إنسان خلق لتأدية رسالة ما في الحياة، وهذه ~~الرسالة هو من يختارها بإرادته، لا تفرض عليه، يومها رأيت فيك مما ~~بان لي ومما ظهر عليك، أنك لا تصلح للقتال، وأخبرتك أنه ليس بالضرورة ~~أن نقاتل جميعا، لكن هذا لا يعني أننا مجبرون على ذلك؛ فالإنسان ~~مخير، وليس مسيرا. ~~- «هل سمعت بالمجبرة يا حسن؟» سأله الأستاذ محمود الخطيب. # هز حسن رأسه نافيا. ~~- إذن دعني أخبرك عنهم قليلا، هذه الفرقة اعتقدت أن الإنسان مسير ~~«مجبر على كل أفعاله»، وليس مخيرا فيها، يستدلون ببعض آيات القرآن، ~~منها: # وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله ~~، وكذلك: # قال أتعبدون ~~ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون ~~، ثم يفسرونها أن أعمالنا من عند الله ~~وبمشيئته، وما ms189 نحن إلا منفذون لتلك الأعمال دون أن يكون لنا رأي أو ~~إرادة فيها! ومن غريب ما يذكر في هذا، أن هشام بن عبد الملك قبل ~~توليه الحكم استمع إلى خطيب تكلم على بني أمية، في زمن خلافة عمر ~~بن عبد العزيز، فتوعده بالعقاب فور استلامه السلطة، وحين تولى ~~الحكم اعتقله وأمر ببتر ذراعيه وساقيه ، ثم قال له: «انظر إلى ما فعل بك ~~ربك.» وهو يشير إلى أن ما فعله ليس بإرادته، بل هذا ما أراده الله، وهو ~~نفذ به إرادة الله! # صدم حسن بما سمع، وبدا عليه الاقتناع بأن الذي نقوم به من خير ~~وشر كله من الله! ~~- لا يا بني، هذه نظرة ظاهرية للأمر، ولو كان الله خلق أعمالنا ~~وأجبرنا عليها دون إرادتنا، فلماذا يعذبنا في النار على شيء لم ~~نختره نحن ولم نفعله؟! هذا ظلم كبير لا يمكن أن يخرج من رب استهل ~~كتابه الكريم بالرحمة، ثم إن الآية على هذا الفهم الجبري فيها تناقض ~~كبير، كيف يتعجب منهم بقوله: # أتعبدون ما ~~تنحتون ~~، ثم يقول: # والله ~~خلقكم وما تعملون ~~، فإذا كان عملهم من خلقه ~~فلم العجب إذن لعبادتهم لما ينحتون؟! ~~- صحيح، استفسار في مكانه. ~~- لأجل ذلك، هنا يأتي معنى # وما ~~تعملون ~~؛ أي ما تصنعون بأيديكم لتعبدوه؛ أي الحجارة ~~التي يصنعون منها الآلهة ليعبدوها، الله الذي خلقها كما خلقهم. فهم في ~~الخلق سواء، فكيف يعبد المخلوق مخلوقا آخر شكله بيده ويترك عبادة ~~الذي خلقهما! # دهش حسن للفهم العميق لمعنى الآية والتفصيل الدقيق للمسألة، ثم ~~تذكر ما خرج من لسانه يوم فراقه لأنوشكا عند قبر هشام. ~~- هل كان الله يعلم قبل أن أتعرف على هشام أنني سأفارقه يوما، ~~وأنه سيموت، وأتعذب هكذا على فراقه؟ # ابتسم الأستاذ محمود واتكأ على طرف الأريكة التي كان يجلس عليها، ثم ~~أخذ نفسا عميقا وقال: أنا أفهم إلى أين تريد أن تصل، وهذه النقطة ~~بالذات فيها الكثير من الإشكاليات. ~~- كيف؟ ~~- سأشرح لك، بداية لا يمكن قطعا نفي العلم عن الله؛ لذلك جواب ~~سؤالك مبدئيا نعم، ms190 الله كان يعلم بما سيحصل. ستسألني إن كان يعلم ~~بذلك فلماذا عرفني به وتسبب لي في كل هذا العذاب، أليس ~~كذلك؟ # هز حسن رأس موافقا. ~~- هل كان هشام وحده من تعرفت عليهم، أم كان لك معارف كثيرة ~~غيره؟ ستقول عرفت غيره الكثير. جميل، هل أجبرك أحد على تعميق علاقتك ~~به إلى هذا الحد دون غيره ممن عرفتهم، أم إنك أنت من رأيت فيه الشخص ~~المناسب ليكون صديقك المقرب؟ ~~- أنا طبعا. ~~- ألم يكن بإمكانك ترك صداقته منذ البداية؟ ~~- بلى. ~~- إذن ما علاقة الله بالذي اخترته أنت لحياتك؟ أم إنك مثل المجبرة ~~تفعل الأمر ثم تنسب عواقبه لله! الله لم يسلب إرادة أحد، وأعطانا ~~الحرية التامة في الاختيار والقيام بالأفعال بإرادتنا نحن، وهذه الحرية ~~والإرادة ثمنهما حساب في الآخرة، وهنا تتحقق العدالة الإلهية. # سكت حسن، وشعر أنه أساء الظن بالله، لم يدر ماذا يفعل، فقام وقبل ~~رأس الأستاذ محمود الخطيب، ودعا له: «زادك الله من علمه، وفتح بصيرتك ~~وسدد خطاك.» ثم خرج من مكتبه إلى باحة الأقصى تحت ظل الشجرة المعمرة ~~قرب باب المغاربة، جلس حسن يتأمل المارة يفكر في سرعة ما حصل له، ~~وكيف دارت رحى الأيام هكذا، وبشكل فظيع جدا اختلجه شعور غريب وتمنى ~~أن يفاجئه هشام، وينبثق من باب المغاربة والابتسامة تعلو شفاهه وهو ~~مقبل إليه كعادته، أو أنه ينتظر أنوشكا هناك عند الزقاق المقابل ~~لمدرستها، وكل ما جرى له كان مجرد حلم مزعج في ليلة مضطربة. يبدو أن ~~كل شيء بالحياة لا يبقى على ما هو عليه مع مرور الزمن، وأن ثمن ~~الاستمرار بها باهظ جدا، وأن من يبقى على قيدها يجب أن يدفع الثمن ~~مرغما، ثمن خسارة صديق أو أخ أو حبيب أو حتى أرض أو وطن. كل الذين ~~قتلوا في معارك الدفاع عن الأرض والوطن، لم يخسروا بالمفهوم الحقيقي ~~للخسارة، من خسر هم الذين بقوا على قيد الحياة! وعاشوا مرارة الفقد ~~والحرمان. هشام دفن في أرضه، وإن اغتصبت منا يوما ما فسنخسرها ~~نحن ويبقى هو فيها ms191 منتصرا رغم هزيمتنا! # أثناء ذلك لفت انتباهه بنيامين وهو يدخل من باب المغاربة مع رجل ~~غريب وعليه رداء أسود طويل مع قبعة سوداء وضفيرتاه تتدليان إلى ~~الكتفين. كانا يتكلمان بالإشارة وينطق له بنيامين الكلمات العربية ببطء ~~شديد ومخارج دقيقة للحروف مع توصيف بحركات اليد، اقتربا من حسن، أصدر ~~بنيامين صوت دهشة، أوه حسن هنا ! لم يأبه به حسن، أراد بنيامين أن ~~يستفزه فقال: أتدري من أين هذا الرجل؟ # رمقه حسن بنظرة غاضبة، التفت إلى الرجل، تفحص وجهه، كانت ملامحه ~~تدل على أنه ليس من أهل هذه البلاد. ~~- لا يهمني من أين يكون، الأفضل له أن يرحل من هذه البلاد، فالحرب ~~على الأبواب. ~~- إنه من يهود ألمانيا، أتذكر يوم التقينا لأول مرة وسألتني لمن كنت ~~تدعو بصلاتك؟ # لم يجب حسن بشيء، فأكمل بنيامين: كنت أدعو الله لأجلهم، ها قد ~~نجاهم الله من النازية ووصل إلى أرض أجداده. ~~- متى تعقل يا بنيامين، أي من أجدادك لديه هذه الملامح الأوروبية، ~~أكاد لا أميزه عن الجنود البريطانيين، لا تقل لي إن أجداد ~~البريطانيين أيضا كانت هذه أرضهم! # أردف حسن كلامه بابتسامة هازئة: إنه من يهود الأشكناز، يهود ~~أوروبا. ~~- ها أنت تقول بلسانك «يهود أوروبا»، ماذا يفعل هنا إذن؟ ~~- أخبرتك يومها: «إن النبتة إذا اقتلعت من أرضها تجف وتموت.» جاء ~~ليحيا على أرضه. ~~- عن أي حياة تتكلم؟! رائحة الموت تفوح في كل مكان هنا، من يبحث ~~عن الحياة لا يأتي إلى فلسطين، هذه الأرض لم تهدأ منذ آلاف السنين، وما ~~زالت الدماء تسيل فيها والأرواح تزهق من أجلها وكأنها مصب دماء الأمم ~~ومنتهى آجالها. # كان الرجل يرمق حسن بنظرات غريبة ويبتسم له وكأنه مجنون أو لم ير ~~بشرا من ذي قبل! # شعر حسن أن النقاش مع بنيامين غير مجد كالعادة، كلام لا طائل منه ~~حتى لو اتفقا على رأي واحد وخرجا بنتيجة، من منهما يستطيع تطبيقها ~~وفرضها على الطرفين! فتركهما ومضى باتجاه المصلى القبلي. # | الفصل الثاني والأربعون # القدس - فلسطين 1946م # كانت الحارات القديمة وأزقتها الضيقة، ms192 والقناطر التي تتدلى منها ~~أغصان الياسمين، والأسواق المزدحمة بالمارة والباعة المتجولين، ~~وروائح الأطعمة الزكية التي تفوح منها، قد شغفت قلب مايكل منذ زيارته ~~الأولى إلى القدس؛ إذ وفرت له الوكالة اليهودية المسئولة عن الهجرة ~~اليهودية إلى فلسطين في المادة الرابعة لصك الانتداب، غرفة في أحد ~~بيوتات حي مونتفيوري خارج أسوار القدس القديمة الذي بناه أحد أثرياء ~~اليهود في عهد محمد علي باشا. فكان يزور هذه الحارات بين الفينة ~~والأخرى مع بنيامين الذي تعرف عليه في أحد التدريبات القتالية بمنظمة ~~الأرغون التي انضم إليها بعد أشهر قليلة من قدومه إلى فلسطين، وكانت ~~المنظمة تقدم مغريات كبيرة للشباب الجدد المهاجرين من البلدان ~~المتفرقة للانضمام إليها. # كان بنيامين شغوفا بالتعرف والتقرب من القادمين الجدد من اليهود ~~الذين تعرضوا للاضطهاد في المعسكرات النازية، ويرى بنجاتهم استجابة ~~دعواته وصلواته المتكررة لأجلهم. كانت الفرحة تعتلي وجهه وهو يحاول ~~التحدث إليهم بالرغم من عدم إجادته لغير العربية. خلال الفترة ~~التدريبية القصيرة التي جمعته مع مايكل توطدت علاقتهما ~~كثيرا. # عند مدخل باب المغاربة انتبه بنيامين إلى شاب يجلس تحت شجرة معمرة ~~وهو سارح في تفكير عميق أصدر صوتا لفت انتباه مايكل إليه. ~~- أوه إنه حسن! # مضيا نحوه وبنيامين كأنه يطير من الفرح، شعر مايكل أن حسن من أعز ~~أصدقائه؛ فالفرحة التي ارتسمت على وجهه بعد رؤيته له لا تدل إلا على ~~ذلك. عندما اقتربا منه أصاب مايكل الذهول، كانت ملامح حسن تشبه كثيرا ~~ملامح أخيه ديفيد، ظل مايكل يتأمل وجهه المليء بالحزن والأسى وينظر ~~إليه وهو يتذكر ابتسامة أخيه وذكرياته معه في ميونخ، تسلل إلى ~~قلبه شعور ممزوج بالسعادة والحزن، تمنى لو أنه لم ير بعينيه جثته في ~~معسكر بيركناو ولم يسمع أزيز احتراقها وتطاير رمادها إلى السماء؛ ليخدع ~~نفسه بأن ديفيد قد وصل هنا قبله وتعلم لغتهم وصار منهم! ثم انتبه إلى ~~حديثهما، كان النقاش حادا، قال في نفسه: «يبدو أنهما ليسا صديقين ~~حميمين كما ظننت في البداية، بل عدوين حميمين!» تركهما حسن بعدما أكمل ~~حديثه دون ms193 أن ينتظر بم يرد بنيامين، فكان الرد إليه مع ابتسامة ~~عريضة: أرأيت! لقد انسحب ضعيف الحجة. # ظلت ملامح حسن في مخيلة مايكل حتى بعدما عاد إلى غرفته في ~~مونتفيوري، ارتمى على فراشه وشعر أن هنالك سببا ما ربطه بهذه البلاد؛ ~~فقد كان شعور الهجرة إلى أمريكا يراوده بين الفينة والأخرى، وبالأخص ~~بعدما وجد اسم أمه في سجل الوفيات لدى الوكالة اليهودية. يبدو أنها ~~نجت من النازية لكنها لم تنج من صدمة الفقد لأولادها، فحدث لها ما كان ~~يحدث للسجناء من فقدان الإرادة بالحياة، ثم الموت تدريجيا. ~~••• # عند قبر أمه مسح يده على الشاهد الحجري وتلمس الأحرف البارزة ~~المكتوبة باللغة العبرية، ثم انتبه إلى تاريخ الوفاة 25 / 11 / 1945 ~~فاختلجه شعور غريب، لمعت عيناه وهو يحاول فك شفرة الأرقام وكأنها ~~كانت تدل على سر وفاتهم جميعا إلا هو! مرر إصبعه على الرقم 19 وهو ~~يقول عمر ديفيد حينما توفي وأحرقت جثته، ثم الرقم 45 عمرها هي عند ~~وفاتها، كانت الدموع تذرف من عينيه دون إرادة، 11 عمر سارة حينما ~~أرسلها السيد مارك إلى الموت من غيتو وارسو، إلا الرقم الأخير خيب ظن ~~التاريخ المشئوم ولم يوافق القدر. ~~- هون عليك يا رجل. # التفت مايكل بعينين محمرتين من البكاء. ~~- ليس كل شيء يهون في الحياة يا بنيامين. ~~- أعلم أن خسارتك كبيرة، لكن هذا قدرهم، لم يكن بإمكانك تغييره، ~~فلماذا تلوم نفسك إلى هذا الحد؟ ~~- وهل القدر خط مستقيم نساق إليه دون إرادة؟! إن كان الأمر كذلك ما ~~قيمة وجودنا في الحياة إذن؟! ~~- ليس مستقيما إلى هذا الحد، أحيانا يتغير في اللحظات الأخيرة، ~~وأحيانا أخرى لا نفهم مغزاه فنظن بسوء أقدارنا، ولربما كانت في ~~الحقيقة اختبارا لمدى تحملنا وصبرنا في الحياة؛ ففي رحلة إبراهيم ~~مع ولده إسحاق إلى موريا أراد الرب اختبار إبراهيم وطلب منه تقديم ولده ~~إسحاق قربانا له بذبحه. # على الطريق ظهر الشيطان إلى إبراهيم على هيئة رجل طاعن في السن وقال ~~له: «أأبله أنت لترتكب هذه الحماقة مع ابنك الذي رزقت ms194 به على كبر؟! ~~ثم كيف لك أن تقوم بذبح من ليس له ذنب؟! كيف ستقوم بعمل لا يفعله سوى ~~الرب؟!» # كان مايكل ينصت إليه بتركيز شديد، ويطلب من بنيامين لفظ الكلمات ببطء ~~لكي يفهم القصة التي لم يسمع بتفاصيلها من قبل. # لم يأبه إبراهيم بكلام الرجل فصد عنه، عندها عاود الشيطان محاولته ~~فظهر أمام إسحاق على هيئة شاب وسيم ابتسم في وجهه وقال له: «كيف ترضخ ~~لوالدك الأبله الذي يريد ذبحك دون ذنب؟! لا تنصت إليه ولا تدع روحك ~~السامية وصورتك الجميلة تفنيان من الحياة.» لكن إسحاق أيضا لم يأبه ~~بوساوس الشاب الوسيم فمضى مع أبيه إلى قدره بثبات، حينها وكأن إبراهيم ~~أحس أن الشيطان يحول بينهما وبين ما خرجا من أجله، فسأل ابنه إسحاق: ~~هل يساور قلبك الشك بصحة ما نقوم به يا بني؟ ~~- لا يساورني الشك لأحيد عن الكلمات التي حدثك الرب بها يا أبتي، ~~ولم يدب الخوف في قلبي مما سيحصل، بل امتلأ بالسعادة؛ لأن الرب ~~اختارني لأكون قربانا له. # سعد إبراهيم بكلام ابنه، ومضيا نحو المكان الذي تحدث الرب عنه، ثم ~~على المذبح الذي بناه إبراهيم، وضع إسحاق خده مستسلما لقدره على ~~الخشب في أعلى المذبح، وقال: أبتاه، شد وثاق يدي وقدمي، أخشى أن أضعف ~~عند رؤية السكين فأمنعك مني رغبة بالحياة، وأجرح نفسي فلا أصبح ~~صالحا لأكون أضحية، حد سكينك جيدا ولا تتوان عن تنفيذ مشيئة ~~الرب، تماسك ولا تضعف، فإن ضعفك يؤخر خروج روحي ويطيل عذابي. # كانت الدموع تذرف من عينيه على الخشب كما تذرف من عيني أبيه، لكنها ~~لم تكن سخطا على قضاء الله وقدره، بل حزنا على فراقهما، ثم أغمض ~~عينيه مستسلما، واستجمع قواه إبراهيم، ثم رفع ثوبه بجانبه وضم ركبتيه ~~على إسحاق بقوة ليمنعه من الحركة ومقاومة الرغبة في البقاء رغم خضوعه ~~للأمر الرباني، وعندما هم إبراهيم بذبحه ووضع السكين على رقبة ابنه ~~صرخ الملاك ميخائيل: إبراهيم، إبراهيم، ارفع يدك عنه! # دب الفرح في قلبه، لكنه رد متسائلا: أمرني الرب بذبحه، ms195 وتأمرني ~~أنت بألا أذبحه، أيكما أحق بالطاعة؟! ~~- إنه أمر الرب. # وهكذا في لحظة تغير قدر إسحاق ودبت فيه روح الحياة من جديد، ~~وبارك الرب بهما وفداهما بكبش من السماء يكون أضحية إبراهيم بدلا من ~~ابنه إسحاق؛ لذا فالقدر قابل للتغيير أحيانا وليس خطا مستقيما ~~نساق فيه دون إرادة، حتى إن إسحاق كان بمقدوره عدم تلبية رغبة ~~أبيه. ~~- لكنه في النهاية لم يمت، فيما يعني أنه لم يقدر له الموت في ~~أي طريقة كانت بقبوله أو حتى برفضه. ~~- أنت الآن أجبت على تساؤلك الأول بنفسك، فلربما لو رحلت من ألمانيا ~~قبل الحرب لغرقت السفينة التي كانت ستأتي بكم إلى هنا وماتوا هم وبقيت ~~أنت وحدك على قيد الحياة. # شعر مايكل لأول مرة منذ سنوات طويلة براحة نفسية، وكأن هما ثقيلا ~~أزيح عن كاهله بتلك الكلمات من بنيامين. # | الفصل الثالث والأربعون # مدينة وان - تركيا 1916م # كان أرتين يجري كالبرق على جواده متجها من وان نحو قريتهم وغريغور ~~يحاول اللحاق به بغية دفع أهل القرية إلى التوجه إلى وان، ومن ثم ~~إرسالهم إلى الأراضي الروسية مع المهاجرين. في الطريق كانت الأهالي ~~تنزح زرافات زرافات نحو وان تاركة وراءها قراهم، يحملون ما خف ~~حمله وغلا ثمنه وفي وجوههم الهلع والخوف؛ فالناس هنا لديهم ذكريات ~~سيئة مع العثمانيين، ففي أيام الثورة كانت المذابح لا تعرف مذنبا أو ~~بريئا، فكيف الآن وقد تم اتهام الأرمن جميعا بالخيانة العظمى للأرض ~~والوطن؟ # وقبل وصولهما إلى القرية صادفا رجالا يلوحون لهم من بعيد بالتوقف ~~.. عندما اقتربا منهم صاح غريغور: هؤلاء رجال قريتنا. ~~- ما الذي تفعلونه هنا يا بوغوز؟ ~~- لقد هربنا من القرية بعدما دخلتها القوات العثمانية. ~~- وأين البقية؟ هل خرجوا معكم؟ ~~- الجميع كانوا يجهزون أمتعتهم للنزوح، لكن البعض تأخروا ولم ~~يلحقوا بنا، ولا نعلم من بقي، لكن حوالي نصف الأهالي نزحوا منها قبل ~~وصول العثمانيين. ~~- أبي «تلمكيان»، هل حاول الخروج معكم؟ # قالها وعيناه تبرقان من الأسى. ~~- لا أعتقد المختار قادرا على الحركة بسبب المرض، من المؤكد أنه ~~بقي في ms196 القرية. ~~- وتركتم المختار وحده أيها الجبناء؟! # طأطأ رأسه بوغوز ولم يجب، أدار أرتين وجهه للبقية فصدوا وجوههم عنه ~~خجلا من موقفهم. ~~- لقد دخلوا القرية على حين غفلة منا، كانوا كثرا يا أرتين لم ~~نستطع مجابهتهم، يجب أن نسرع إلى وان، العثمانيون في تقدم مستمر ~~وسيصلون هنا في أية لحظة. # كانت الثورة العمالية على سلطة القيصر الروسي «نيكولاس الثاني» في ~~بدايتها، اضطر القيصر الروسي إلى سحب قواته من الغرب لإخماد الثورة ~~الشعبية التي ضاقت ذرعا من سياسات القيصر في زج أبنائهم بالحروب، ~~والأوضاع المعيشية الصعبة التي يقاسونها من جرائها. ومع بدء انسحاب ~~القوات الروسية نحو الشرق هاجر عشرات الآلاف من الأرمن معهم إلى داخل ~~الأراضي الروسية وراء الحدود القديمة خشية الانتقام العثماني. استغلت ~~القوات العثمانية الانسحاب الروسي بالتقدم نحو الأراضي التي فقدوها، ~~وبدأت القرى الأرمنية تسقط تباعا تحت سيطرتهم. # على امتداد طول طريق العودة كان أرتين كمن فقد كل شيء يثبته ~~بالحياة، شعر لأول مرة أن أباه كان على صواب عندما كان يمنعهم من ~~الثوار، لكن لم يستطع إظهار ذلك الشعور المميت في داخله، رفع رأسه ~~ونظر يمنة ويسرة تأمل وجوه الهاربين نحو بر الأمان وهم يتركون وراءهم ~~الأرض التي قاتلوا من أجلها سنين خلت، وتساءل هل تلك الفترة القصيرة ~~تحت حكمنا كانت تستحق منا كل ذلك القتال والدماء التي أريقت من ~~أجلها! عشرون سنة من القتال وهذه هي النهاية المنتظرة! # عند مدخل وان كان بعض المقاتلين يحفرون الخنادق حول المدينة تحضيرا ~~للقتال، وآخرون يتدربون ويستعدون للمعركة المرتقبة، كان أرتين يتفحص ~~البيوت والأزقة كالأب الذي ينظر إلى وجوه أولاده وهو يحتضر، نظرة مليئة ~~بالألم والشوق قبل الفراق. ثم كان لا بد من وداع طويل على قبر بانوس ~~الذي لربما ستطول زيارته له في المرة المقبلة أو لربما هي ستكون ~~الأخيرة، جلس قرب شاهد قبره وقال بصوت يملؤه الأسى: «بانوس يا صديق ~~الدرب، ها نحن اليوم نمر بأخطر أيام تاريخ شعبنا، لقد قاتلت قتال ~~الأبطال، وفديت بنفسك وأهلك في سبيل أن تحيا ms197 أمتنا، ورويت بدمائك ~~الزكية أرضنا الطاهرة، أعدك إن بقي في العمر المزيد أن أخلد ذكرك بين ~~أبنائنا وأحفادنا إلى الأبد، ارقد بسلام يا صديقي، ارقد بسلام أنت ~~وأهلك.» ثم قبل الصليب الذي كان يتدلى من رقبته، ومضى إلى ~~المدينة. # جنود مشاة وخيالة وأعلام حمراء وسوداء ترفرف على مشارف مدينة وان، ~~والعثمانيون يحملون الشر في أعينهم والثأر في قلوبهم، ثأر الخيانة ~~العظمى للدولة العليا، أي مصير أسود ينتظركم أيها الأرمن؟! كانت ~~الغربان تجوب سماء المدينة وتصدر صوت نعيقها، وتنذر بشؤم ما سيحصل ~~بعد حين. ثم بدأت المدفعية بالقصف كعادة استراتيجيات الجيوش قبل اجتياح ~~أية مدينة. ومن حسن حظ الثوار الأرمن كان الروس قد تركوا خلفهم عددا ~~من مدفعياتهم التي فاجئوا بها العثمانيين، واستطاعوا تأخير تقدمهم ~~لعدة أيام، كانت الروح الحماسية بين المقاتلين عالية، فلا خيار أمامهم، ~~إما النصر أو الاستشهاد في سبيل الأرض، حتى بعض الفتيات والنساء الأرمن ~~أبين الرحيل من المدينة وبقين لتحضير الطعام للمقاتلين وإسعاف ~~الجرحى، استبسل الجميع حينها وفقدوا الكثير من القتلى جراء القصف. كانت ~~تمر أوقات هدوء بين الطرفين من النهار أو الليل، ثم تعاود أصوات ~~الطلقات والمدفعيات عزف سيمفونية الموت في الهواء الطلق وتحت أنقاض ~~البيوت. # استمرت المعركة قرابة شهر كامل ولم تستطع القوات العثمانية دخول ~~المدينة، إلا حينما شعر الثوار أن الأسلحة لا تكفي لمدة أطول، حينها ~~انسحبوا تدريجيا نحو ساراي تاركين خلفهم مجموعات فدائية لتعيق ~~التقدم السريع للعثمانيين، لم يمتلكوا خطوط إمداد بالأسلحة، وكذلك لم ~~يكن بمقدورهم الصمود أكثر أمامهم، وبالأخص بعدما حصلت حالات فرار بعض ~~المقاتلين من المعركة فأثرت على معنويات الباقين، وعندما كثرت هذه ~~الأفعال الفردية لبعض المقاتلين أصدر «مانوكيان» أوامر بقتل كل من ~~يفر من أرض المعركة دون أوامر بالانسحاب من قادة الوحدات المقاتلة، ~~وإن فر قائد الوحدة يقتل من قبل الجنود، لكن كل هذه القرارات كانت ~~غير مجدية أمام الاجتياح العثماني المدجج بالأسلحة المتطورة التي ~~حصلوا عليها من حلفائهم الألمان. # ولم يمض الوقت الطويل حتى أدركوا أن زحف القوات العثمانية ms198 اقترب من ~~بلدة ساراي عندما شاهدوا جنود استطلاع الجيش العثماني على أحصنتهم ~~يجوبون بعيدا، لم تكن لدى مقاتليهم الروح المعنوية العالية للقتال ~~بوجود مجموعة كبيرة من الجرحى الذين لا بد من نقلهم بعيدا حتى لا ~~يقعوا لقمة سائغة لدى الأعداء، وآخرون قد خارت قواهم وانهارت معنوياتهم ~~من كثرة الهزائم التي ألحقها بهم العثمانيون، فنتجت هذه الأسباب عدم ~~إطالة مقاومتهم لهم حتى فر الجميع وتشتت المقاتلون، كل يريد ~~إنقاذ نفسه، حتى إن بعضهم قد ألقى سلاحه وفر هاربا بحصانه نحو ~~الحدود الروسية. ~~- غريغور لا بد من العودة إلى القرية، لقد بقي أبي وأمي هناك، وإخوتي ~~لا أعلم ما الذي جرى لهم، سأصل إليهم مهما كلفني الأمر. ~~- أجننت؟! كيف يمكننا العودة ونحن ملاحقان من قبلهم، سيقطعوننا ~~إربا إن حظوا بنا. ~~- لم أعد أخشى شيئا، إن كنت لا تريد المجيء فلا تحملني ذنبا آخر ~~كما أشعر تجاه بانوس. ~~- لم أرفض فكرتك، لكن كيف يمكننا الوصول إليهم؟ # نظر إليه وهو يفكر في سؤاله: لا بد من طريقة توصلنا ~~إليهم. # في الطريق نحو الحدود الإيرانية مروا بقرية خاوية على عروشها كانت ~~تبدو أنها قرية كردية تم إحراق بيوتها وقتل أهلها أثناء الاجتياح ~~الروسي، دخلا البيوت بحثا عما يسد الرمق، فالجوع قد أخذ منهما ~~مأخذه، وبينما أرتين يجوب غرف أحد البيوت الذي لم يحترق بالكامل وجد ~~صندوقا خشبيا مقفلا، كسر القفل وإذا به ممتلئ بالملابس الكردية، ~~نادى غريغور بأعلى صوته. ~~- لقد وجدتها، وجدتها. # جاء غريغور وقد أمسك بدجاجة وهو يلهث: لقد أنهكتني حتى استطعت ~~الإمساك بها، قل لي ماذا وجدت؟ ~~- انظر، إنها ملابس كردية. ~~- وماذا نفعل بها! ~~- أيها الثور الهائج، أعلم أنك عندما ترى الطعام، حتى وإن كان كائنا ~~حيا في يديك، تنسى نفسك. ~~- دعك من ذلك، قل لي ماذا نفعل بهذه الملابس. ~~- سنرتديها ونتجه نحو قريتنا ونظهر لهم أننا أكراد، وبذلك لن يعترض ~~طريقنا أحد. ~~- وماذا لو سألونا عن بطائقنا التعريفية وعلموا أننا أرمن؟ ~~- ومن يلتفت للبطائق بهذه الأجواء المضطربة في المنطقة، إضافة إلى ~~أننا ms199 سنتجنب القرى والأقضية في طريقنا، وإن رأينا دورية أو مجموعات ~~من البشر فسنحاول الاختباء أو الفرار منهم إن تطلب الأمر ذلك. ما بك يا ~~غريغور، أصبحت تذكرني ببانوس في تساؤلاته، هيا اختر منها ما يناسبك ~~وقم بارتدائها. # كانت تلك القرية النائية توحي بنوع من الطمأنينة، لذلك قررا ~~الاستراحة فيها؛ لأن أبدانهما لم تذق طعم الراحة منذ شهرين من القتال ~~والانسحاب والفرار. # على امتداد الحدود الإيرانية توجها غربا نحو قرية «ديز» ~~العثمانية، وفجأة في الطريق رأيا من بعيد رجلين يركضان بكل ما أوتيا ~~من قوة، فأسرع أرتين وغريغور بالاختباء وراء صخرة كبيرة على سفح ~~تلة، لاح لهما بعد ذلك ثلاثة من الخيالة بالزي العسكري العثماني، ~~أطلقوا النار عليهما فسقط أحدهما مصابا، رجع صديقه يريد مساعدته، ~~فأشار الثاني بيده إليه بالمضي دونه، وصل الجنود إلى الرجل المصاب فوقف ~~اثنان على رأسه، والثالث أكمل طريقه خلف الرجل الثاني الذي قرر أن ~~يتجه نحو التلة التي يختبئ فيها أرتين وغريغور بسبب وجود الصخور ~~الكبيرة التي تعيق سرعة من يطارده، عندما وصل التلة استطاع أن ينجو ~~بنفسه من الجندي الذي وقف غاضبا وهو يطلق النار التي ترتطم على الصخور ~~وترتد إلى السماء، وصل الرجل قربهما وعندما أدار ظهره لكي يحتمي بصخرة ~~كبيرة تفاجأ بوجودهما حوله فأصابه الجمود، حسب أنهما من العسكر بالزي ~~الكردي، وضع غريغور إصبع سبابته على شفتيه بشكل عمودي موحيا له ~~بالسكوت، حينها انفرجت أساريره وهز رأسه مبتسما ابتسامة صفراء ~~بوجه شاحب من شدة الخوف. # بعدها نادى الجنديان على صاحبهما لكي يعودوا أداراجهم، وتم ربط الشخص ~~المصاب بحبل وجره حصان أحدهم طول الطريق وهو يصرخ من شدة الألم، وضع ~~الرجل كفيه على أذنيه وتكور على نفسه وهو يبكي حتى لا يسمع صراخ ~~صديقه، توجه إليه أرتين وربت على كتفه: هون عليك يا أخي. # عدل جلسته ونظر في وجه أرتين، كانت نظراته تحمل وجعا عميقا ~~مغمورا بتلكما العينين الغائرتين: أخبرنا لماذا كانوا ~~يلاحقونكما؟ ~~- أنا أرمني. # قالها وهو يرتجف خوفا، ثم أكمل: لكن والذي تؤمنان ms200 به لم أكن مع ~~المتمردين. # شعر أرتين بانتكاسة كبيرة عندما رأى الهوان الذي وصل إليه الأرمن ~~حتى يقول تلك الجملة مع كل هذا الخوف. ~~- وهل كلمة أنا أرمني تجلب كل هذا الانكسار في الوجوه؟ # صمت الرجل ولم يجب بشيء، كان يرتجف ويشهق دون إرادة من شدة ~~الخوف. ~~- لا تخف، نحن من أرمن مدينة «وان»، وقد تنكرنا في الزي الكردي حتى ~~لا يعترضنا أحد، اهدأ قليلا، ثم أخبرنا ما الذي حصل حتى كانوا يريدون ~~قتلكما. # سقاه غريغور ماء ثم رشه على وجهه ومسح الدموع من عينيه، تخلص من ~~الخوف وشعر بالأمان بعدما احتضنه غريغور وهو يخفف عنه. ~~- عندما سيطروا على قريتنا بعد انسحاب الروس منها حاول الثوار صد ~~الهجوم العثماني لكنهم لم يستطيعوا الصمود ففروا هاربين إلى قرية ~~«زرناق»، ولم نستطع الفرار من القرية، بعدها جمع العثمانيون الأهالي ~~في وسط القرية، الرجال في مجموعة والنساء والأطفال وكبار السن في ~~مجموعة أخرى، ثم أحضروا أحد الخونة من أهالي القرية فجال الخائن ~~بيننا وأي شخص يؤشر عليه يتم ضربه بالعصي وسوقه على جنب، فأخرج من ~~بيننا كل من تعاون مع الثوار أثناء المعركة وعمل مع الروس عندما ~~سيطروا على القرية في الأشهر الماضية، إلا أنا وأخي الكبير الذي أخذوه ~~قبل قليل كما رأيتم. ~~- كان أخاك؟! ~~- نعم، لم يؤشر علينا الخائن فنجونا، اقتادوا أولئك المساكين خارج ~~القرية، وسمعنا بعدها أصوات طلقات نارية «تم قتلهم جميعا»، وبدأت ~~النساء بالبكاء والصراخ، لكنهم لم يأبهوا بذلك وأخبرونا أن نحضر ~~أنفسنا جميعا للرحيل من القرية غدا صباحا. ~~- هل فعلوا ذلك فقط في قريتكم أم جميع القرى المجاورة؟ ~~- يبدو أنه كان فرمانا حكوميا؛ لأننا رأينا في اليوم التالي ~~مجموعات من قرى مجاورة يسوقهم الجنود على الطريق، الجميع قد واجهوا ~~مصيرا مشابها. ~~- أكمل، أكمل كيف استطعتم الهرب؟ ~~- قبل أن تصل القوات العثمانية إلى قريتنا أرسلنا عائلتنا مع الذين ~~نزحوا في بداية الأمر إلى مدينة وان، ومنها إلى الأراضي الروسية، ~~وبقينا أنا وأخي مع الثوار نقدم لهم المساعدة في الخطوط الخلفية ms201 ~~أثناء القتال، لكننا لم نستطع الهرب معهم؛ إذ لم يكن هناك تنسيق عال ~~بين المقاتلين. هرب القادة فجرا، وفي الصباح تفاجأ المقاتلون بذلك، ~~ولم يستطع الكثير منهم الهرب فقتل من قتل في المعركة، والباقون ~~قتلوا بسبب الخائن. ~~- لكن لماذا لم يؤشر عليكما؟ ما دمت تقول إنكم ساعدتم ~~الثوار؟ ~~- هذا الخائن عندما كان صغيرا، مات أبوه بعدما سقط على رأسه من سطح ~~بيتهم ؛ لأنه كان ثملا، وتزوجت أمه بعد ذلك من تاجر أرمني مرت ~~قافلته من القرية فرآها وأعجب بها، فتركته أمه وراحت مع زوجها الجديد ~~إلى بتليس حيث أهله، فأشفقت عليه أمي وربته كابنها معنا، لقد عاش ~~بيننا ولم يشعر يوما أنه فاقد لأبويه؛ لذلك لم يؤشر علي وعلى أخي ~~يومها. # أما كيف هربنا .. فعندما خرجنا من القرية مع الأهالي كلفوا عشرة ~~جنود لحمايتنا في الطريق وبعدما ابتعدنا عن القرية قليلا أوقفونا ~~وطلبوا منا أجور الحماية وإلا سيتركوننا في الطريق لقمة سائغة ~~لقطاع الطرق، فجمعوا من الأهالي كل ما يملكون من ذهب ومصوغات، ~~وكانوا يعتدون على الفتيات الجميلات ونحن لا نستطيع فعل شيء لهم، سوى ~~سماع بكاء أمهاتهن عليهن، وتم بيع بعضهن إلى أثرياء القرى التي مررنا ~~منها للعمل في خدمة الحرملك، لم نتحمل وجودنا بينهم ونحن لا نستطيع ~~فعل شيء لأجلهم؛ لذلك خططنا الهرب منهم نحو إيران إلى روسيا، ومن ~~ثم إلى أوروبا. كان الوقت الأمثل للهرب هو قبل الفجر؛ إذ كان الحراس ~~لا يستطيعون مقاومة النعاس حينه، انتهزنا الفرصة اليوم فجرا أنا وأخي ~~وهربنا لا ندري بأي اتجاه، فقط نريد الابتعاد عنهم، لم يكشف أمرنا في ~~البداية، لكن يبدو أنهم أحسوا بذلك بعد طلوع الشمس، ومن حسن حظنا أن ~~هذه الأراضي ليست مستوية فلا يمكن رؤية أحد من بعيد بسبب التلال ~~المتوزعة فيها، لكن لا أدري كيف لحقوا بنا ولم نشعر إلا وهم خلفنا ~~يأتون كالبرق على صهوة خيولهم، وأظنكما تعرفان ماذا حصل بعد ~~ذلك. ~~- أتعلم ما حل بأهلي قرية «أنجرلك»؟ ~~- أظن أنهم رحلوا إلى ولاية الموصل منذ ms202 مدة، لكن بالتأكيد إنهم لم ~~يصلوا بعد؛ فالسير بهذه الأعداد الكبيرة من الأشخاص وبوجود الأطفال ~~وكبار السن والتوقفات التي تحصل في القرى يؤخر وصولهم كثيرا، هم ~~لا يسلكون الطرقات العامة الرئيسية بين المدن، بل يحبذون الطرق ~~الفرعية بين القرى لأجل الوقوف فيها والتزود بالمؤن. آخر قرية مررنا ~~منها إن لم تخني الذاكرة كانت قرية «باش قلعة». ~~- لم تخبرني ما اسمك؟ ~~- اسمي «ديرون »، وأنتما؟ ~~- أنا اسمي أرتين وهذا غريغور، أخبرنا ماذا ستفعل الآن بعد خلاصك ~~منهم؟ ~~- سأتجه إلى إيران وأحاول الوصول إلى روسيا ومنها أخرج إلى ~~أوروبا. ~~- إذن سر من هذا الاتجاه ستجد في طريقك قرى كردية مهدمة، ابحث في ~~البيوت عن ملابس كردية، وارتدها، ثم بعد ذلك توجه إلى إيران وكن ~~حذرا. # | الفصل الرابع والأربعون # قرية عين كارم - فلسطين 1948م # على خط الصد الأمامي قرب قرية «عين كارم» كان حسن متكئا على صخرة ~~كبيرة، يحمل رشاشه نوع ستن الذي اغتنمه من أحد جنود الجيش البريطاني، ~~يضع الطلقات النارية بحذر في مخزنه، وقد انتشر المقاتلون على امتداد خط ~~الصد، كل يجهز سلاحه ويتجهز لأي هجوم وشيك من عصابة الهاغانا ~~الصهيونية؛ إذ بعد قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، تراجعت ~~القوات البريطانية خطوة إلى الوراء وخطت العصابات الصهيونية «الهاغانا ~~والأرغون وشتيرن وغيرها» خطوة للأمام في ساحة المعارك، فطرأت تغييرات ~~كبيرة على القتال؛ إذ إن الاشتباك مع القوات النظامية يعني أنك لا تخشى ~~على الأهالي من القتل الجماعي والمصير المجهول إن هزمت أو انسحبت من ~~الاشتباك، لكن القتال مع العصابات الصهيونية التي تنتهج معركة الأرض ~~المحروقة وتتبع سياسة زرع الرعب في نفوس أهالي القرى العربية ~~والمجازر التي يتعمدون إليها، جعل التراجع أو الانسحاب أمرا مستحيلا، ~~بالنسبة للمقاتلين إما النصر وإما الشهادة. # كانت السماء ملبدة بالغيوم الرمادية الثقيلة، وتنذر بهطول أمطار ~~غزيرة في أي لحظة، ولعلها تنتظر بدء القتال لتنخرط السماء في معركة ~~الأرض المرتقبة بين الحق والباطل وتنهمر منها القطرات كما تنهمر ~~الطلقات من فوهات البنادق، لكن قطرات السماء تنهمر على الطرفين ms203 على ~~الحق والباطل! إذن هي ليست مع الحق لتدافع عنه ولا مع الباطل لتقاتل ~~دونه، تذكر حسن بنيامين الذي يعتقد جازما أنهم على حق، وقال في نفسه ~~لربما هي معركة بين الحق والحق لكن بوجهات نظر مختلفة، أو كما بوجهة ~~نظر السماء! # اقتربت أصوات العربات العسكرية، تأهب حسن وصوب سلاحه نحو جهة ~~الصوت، رمق بنظرة خاطفة صاحب مدفع الرشاش الذي كان يعتلي مكانا ~~مرتفعا وقد أمسك مقبضي سلاحه وتجهز للرمي، وكأنه فارس يمسك لجام ~~فرسه وهو يسابق الريح. وما إن برزت العربات لهم حتى سمع تكبير أحد ~~المقاتلين وبدأ الاشتباك، كانت العربات العسكرية المصفحة تتقدم السير ~~وخلفها يختبئ مقاتلو الهاغانا، كانت الطلقات التي تصطدم بالعربات لا ~~تحدث فيها أي أثر، فأخرج حسن قنبلة يدوية ورماها بأقصى ما لديه من ~~قوة لعلها تقع خلف العربات، لكن المسافة كانت بعيدة فارتطمت بواحدة ~~منها وانفجرت دون أن تحدث تأثيرا كبيرا فيها، كانت مدافع الرشاش ~~المنصوبة على تلك العربات تمطر الطلقات دون توقف ولا تدع مجالا ~~للتصويب، سقط بقربه أحد المقاتلين، هرع إليه حسن مطأطأ الرأس، كانت ~~الطلقة قد اخترقت صدره، والدم يتدفق من مكان الإصابة وهو يلفظ أنفاسه ~~الأخيرة، حاول حسن أن يلقنه الشهادة، لكنه لم يلحق به، انتبه إلى يده ~~فرآه قد رفع السبابة، أغمض حسن عيني الشهيد بمسحة على وجهه، ثم تابع ~~القتال بحماس أكبر وبدأ يكبر ويدب الحماس بنفوس المقاتلين ويطلق ~~النار تجاه العربات، سقط العديد من الشهداء هنا وهناك، والعربات تقترب ~~ببطء وثبات شديدين، كان تسليح جنود الهاغانا على أتمه، والعربات ~~المصفحة لها دور كبير في تقدمهم نحو القرية. # حاول حسن مع ثلاثة من المقاتلين الالتفاف على العدو ومفاجأتهم من ~~الخلف، وفتح ثغرة في صفوفهم بحركة بطولية، لكنها باءت بالفشل ووقعوا ~~تحت نيران المدفع الرشاش، فأصيب حسن في ساقه اليسرى ووقع في حفرة ~~كبيرة، واستشهد اثنان ونجا الثالث من الإطلاقات، حاول الثالث أن يحمل ~~حسن وينسحب لكن التحرك من مكانهم والخروج من الحفرة كان يعني الموت ~~المحتم، نزع المقاتل ms204 قميصه وشقه من النصف ثم ربط به مكان الجرح، شعر ~~حسن ببرودة تسري بداخله وظن أن الموت دنا إليه أكثر من أي وقت مضى، ~~نظر إلى السماء رأى فيها وجه أنوشكا وهي تذرف الدموع، سقطت قطرة في خده ~~ظن أنها دموع أنوشكا، اختلجه شعور غريب اعتلت ابتسامة على وجهه، ~~سقطت قطرة ثانية وثالثة، ثم أنيرت السماء ببرق رسم على خدها مسارا ~~معوجا أردفه صوت رعد عال، ثم هطلت الأمطار بغزارة، ظن حسن أنها ~~النهاية وأن روحه ستلحق بروح هشام هناك في السماء. لكن فجأة علت أصوات ~~التكبيرات، حاول المقاتل الذي معه في الحفرة أن يسترق النظر تجاه ~~القرية، فصاح بلهفة الفرج هو أيضا: الله أكبر! واقترب من حسن: تحمل ~~قليلا يا صديقي، لقد وصلت الإمدادات العسكرية وجنود جيش الإنقاذ ~~العربي المرابط في الجهة الثانية للقرية. # بعدها بدقائق بدأت أصوات العربات العسكرية تبتعد شيئا فشيئا من ~~مسامع حسن وتقدم المقاتلون للأمام حتى وصلوا الحفرة. وضعوا حسن على ~~حمالة نقل الجرحى على عجل وأسعفوه إلى مؤخرة الصفوف. # مكث حسن في أحد بيوت قرية عين كارم لحين تماثله للشفاء بعدما أخرج ~~الطبيب العسكري الرصاصة من ساقه وربط موضع الإصابة باللفائف البيضاء. ~~كان صاحب البيت «أبو عثمان» يشعر بفخر كبير؛ لأنه يستضيف مقاتلا من ~~المقاومة في بيته، يسهر الليل كله عند رأسه، وعندما يستيقظ حسن يسأله ~~عن حاجته ويحضر أنواع الطعام إليه، ويبادله الحديث لكيلا يضجر، وكأن ~~حسن ملك نزل عند أحد رعيته، كان حسن يردد كل مرة: يا أبا عثمان، لا ~~تتكلف كثيرا، البلد يمر بظروف صعبة، ونحن على أبواب حرب لا ندري ~~كم ستطول. ~~- أنا لا أتكلف، هذا أقل من واجبك، ثم إن دماءك التي أريقت من ~~أجلنا تستحق هذا وأكثر. الخير كثير والحمد لله، وذبيحة واحدة لأجل بطل ~~مثلك لا تساوي شيئا في مقاييس الكرم عند العرب. # لم يرد حسن بشيء؛ فالجود والكرم وواجب الضيف عند العرب وأهل القرى ~~مسألة لا نقاش فيها، ثم ابتسم بوجه أبي عثمان وقال: تذكرني يا ms205 أبا ~~عثمان بقصة ذكرها لنا ذات مرة أستاذ الدين «محمود الخطيب» عن حاتم ~~الطائي. يقول: قرأت ذات مرة أنه «قيل لحاتم: هل في العرب أجود منك؟ ~~فقال: كل العرب أجود مني. ثم أنشأ يحدث قال: نزلت على غلام يتيم ~~من العرب ذات ليلة، وكانت له عشرة من الغنم، فذبح لي شاة منها وأتاني ~~بها. فلما قرب إلي دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ ! فذهب، فلم يزل ~~يأتيني منه حتى قلت: قد اكتفيت. فلما أصبحت إذا هو قد ذبح العشر شياه، ~~ولم يبق له شيء .. قيل: فما صنعت به؟ فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت ~~به كل شيء. قال: على كل حال أعطيته مائة ناقة من خيار إبلي.» ~~- وأين نحن من جودهم وكرمهم يا حسن؟! ~~- يا أبا عثمان، يقول أبو الطيب المتنبي: # لولا المشقة ساد الناس كلهم # الجود يفقر والإقدام قتال # ربت أبو عثمان على كتف حسن وقال: نعم الفقر الذي يأتي من الجود ~~يا بني. # | الفصل الخامس والأربعون # القدس - فلسطين 1947م # الخوف خيم على المدينة العريقة التي تمتد إلى جذور التاريخ وارتسم ~~على وجوه سكانها، وتحولت الأحياء إلى غيتوات بعد حوادث القتل الفردية ~~والمناوشات بين العرب واليهود، وقلت حركة الناس في الأسواق وخارج ~~المدينة، وارتفعت الأسعار إلى الضعف، واتجه الأهالي إلى التزود ~~بالمؤن تحسبا لأي طارئ، وكأن ملامح حرب قادمة تلوح في الأفق؛ لأن ~~البريطانيين يلمحون بالانسحاب من الساحة، ولا بد لنهاية الانتداب من ~~معركة مصيرية. # ضغط مايكل زر الراديو، ثم اتكأ على الأريكة الخشبية كما كان يفعل ~~في ميونخ، كانت الأخبار باللغة العربية والمذيع ينطق الكلمات بمخارج ~~حروف متقنة وبصوت جهوري: «هذا وقد حصلت اشتباكات عنيفة في مدخل حي ~~قطمون جنوبي القدس بين الثوار والعصابات الصهيونية المجرمة، مما أدى ~~إلى مقتل اثنين منهم وجرح ثلاثة آخرين، إلى أن تدخلت القوات ~~البريطانية إلى جانبهم وانسحب الثوار دون خسائر تذكر.» لم تكن تلك ~~الأخبار سارة بالنسبة له، شعر بضيق شديد، ثم أقبل إليه بنيامين ~~وهو يبتسم: ~~- يا لكذبهم! لقد كنت في ms206 الاشتباك ولم يقتلوا منا أحدا غير إصابات ~~طفيفة. ~~- بدأت الأوضاع تتأزم هنا كثيرا يا بنيامين، أحيانا أفكر في ~~ترك هذه البلاد، إن الأجواء تذكرني بأيام ما قبل الحرب العالمية ~~الثانية، لقد تعبت من الحروب والقتال، ألا تسع الأرض الجميع؟ ~~- المسألة ليست بهذه البساطة، إنها أرضنا وفيها كان هيكلنا، أرض ~~الميعاد ونهاية الشتات، هنا حكمنا أربعة قرون، وكانت لنا وستعود لنا ~~وحدنا بوعد الله لإبراهيم «لنسلك أعطي هذه الأرض»، ولم يكن ليعده ~~بذلك لو لم نكن شعبه المختار لنكون بعدها أسيادا على باقي ~~البشر. ~~- كلامك يذكرني بالنازية والعرق الآري وسيادة الإنسان الأعلى الذي ~~يخصهم دون غيرهم! # قطب بنيامين حاجبيه وأظهر انزعاجه من كلام مايكل الذي شبههم ~~بالنازية. ~~- أعلم أن الكلام لم يرق لك، لكن كل الشعوب تظن أنها شعب الله ~~المختار، والله في الحقيقة لا يعترف بالشعوب، بل بالأفراد، بكل إنسان ~~وما يفعل من خير وشر دون النظر إلى قومه وشعبه وحتى دينه إن كان يؤمن ~~به. # رد عليه بنيامين: إذن كل واحد منا «فرد الله المختار». # هز مايكل رأسه يائسا. ~~- دع الله في شأنه وأخبرني هل صحيح ما يشاع أن البريطانيين قد ~~عزموا الرحيل؟ ~~- يبدو ذلك. ~~- ويتركونا وحدنا أمام العرب؟! ~~- لن يتركونا وحدنا، بل نهاية الانتداب تعني بدايتنا. ~~- لم أفهم. ~~- حلم هرتزل سيتحقق. ~~- أي حلم؟ ومن يكون هرتزل هذا؟ ~~- يهودي ولا تعرف هرتزل! إن خنقتك بيدي هاتين من سيعاتبني؟! ~~- لا يعاتبك أحد، لكن لو قضيت يوما واحدا في معسكرات النازية لنسيت ~~أنك إنسان أصلا ولك اهتمامات معرفية أو ثقافية، هيا أخبرني ماذا كانت ~~خطته؟ ~~- حسنا .. قبل خمسين عاما كتب هرتزل خطة اقتصادية كاملة لكيفية ~~إقامة دولة يهودية هنا على هذه الأرض على شكل كتاب صغير، حينها كانت ~~هذه المنطقة بأسرها تحت الحكم العثماني، ولم يسمح العثمانيون بتمليك ~~الأراضي لليهود فيها، فحاول إقناع السلطان ببيع أراض لليهود مقابل سد ~~ديون الدولة العثمانية، لكن السلطان رفض عرضه وطرده. بعدها بسنوات مات ~~هرتزل بعمر ناهز ال 44 سنة. ~~- مات صغيرا! ~~- لكن فكرته عاشت ms207 طويلا، وستعيش إلى الأبد. ~~- ماذا كانت خطته؟ ~~- لو سألتك لم تأخرت الرحيل من ألمانيا، لقلت إنك كنت تأمل في ~~تحسن الأوضاع والبقاء هناك. ~~- ربما. ~~- هذا وأنت من عائلة متوسطة الدخل، فكيف يمكن إقناع اليهود أصحاب ~~رءوس الأموال الكبيرة بترك تلك البلاد التي ألفوها وأسسوا فيها ~~حياتهم وتجارتهم ثم دعوتهم للمجيء إلى أراض مقفرة لا حياة فيها؟ ~~بالتأكيد لن يتركوا حياتهم هناك. ~~- كلام منطقي، لكن أين الخطة؟ ~~- ببساطة كانت خطته تقول: «في بداية الأمر يهاجر الفلاحون اليهود من ~~أصحاب الدخل المحدود وصغار الكسبة والحرفيين إلى فلسطين بسهولة إذا ما ~~تم توفير الأراضي وفرص العمل لهم، مقابل الحصول على أجور تكفيهم ~~للمعيشة .. هؤلاء يعبدون الطريق أمام أصحاب الدخل المتوسط من التجار ~~والمستثمرين؛ لأن العمال والفلاحين يكونون نواة لفتح الأسواق ~~التجارية، وهؤلاء التجار يلبون متطلباتهم واحتياجاتهم .. وهؤلاء ~~التجار أيضا يجلبون رءوس الأموال الكبيرة والمستثمرين الكبار إليها، ~~وهكذا بالتدريج تتحول أرض قاحلة إلى مركز تجاري كبير، في حين لا ~~يمكنك إقناع أي تاجر كبير أو صغير بالهجرة إلى أرض لا حياة فيها .. ~~إذن البداية بالفلاحين وصغار الكسبة، والنهاية مركز تجاري ضخم ينافس ~~فيه التجار على مستوى دولي .. وهذه صلب فكرته الاقتصادية.» # ساد صمت بينهما، كان مايكل يفكر بما سمع وهو يتأمل السماء ~~الملبدة بالغيوم من خلال نافذة الغرفة، ثم أطرق قائلا: أظن أن الخطة ~~تصلح في مكان آمن، وتلك هي فكرته لما أراد أن يشتري أراضي من السلطان ~~بشكل رسمي ولم يرد الدخول في صراع مع الفلسطينيين هنا، أما وقد حصل ~~ما حصل لا أظن أن الفكرة قابلة للتطبيق الآن. # | الفصل السادس والأربعون # ديار بكر - تركيا 1916م # برقت السماء وأنارت بوميض أبيض رسمت على خدها خطوطا متعرجة طويلة ~~لامست الأرض عند نهاية المدى، وكأنها توحي إلى طرق الهجرة القسرية ~~للشعب الأرمني من موطنهم الأصلي إلى أرض الشتات يسوقهم الجنود بالسياط ~~دون رحمة لأيام وليال. وجوههم شاحبة غزاها الخوف من المصير المجهول، ~~وأسبالهم رثة حفاة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يتساقطون على ~~قارعة الطرقات جثثا هامدة ms208 من شدة الجوع والعطش والبرد القارس، والسير ~~لا يتوقف لأجل أحد، كل من يحتضر يترك في مكانه يجابه مصيره لوحده ~~في الفلاة، ثم يكون لقمة سائغة للوحوش البرية. # كان نهر دجلة شاهدا على أرواح لأجساد ناعمة بيضاء لم تطأها يد ~~إنسان بسوء مذ خلقها الله، تعرضت للاعتداء الجسدي فلم تحتمل البقاء ~~على قيد الحياة، فغسلت نفسها بالنهر ثم ارتقت إلى السماء، تبعتها ~~صرخات الأمهات الثكالى دون أن يسمع لهن صوت أو يرأف بهن قلب، جثث تطفو ~~على النهر، تجري الهوينا وكأنه مشهد تشييع تلاحقها أسراب من النوارس ~~إلى مثواهم الأخير. كانت في مؤخرة الركب عربة يجرها أحد الشبان ~~بصعوبة بالغة عليها رجل مسن يبدو أنه مريض أو لا يستطيع المشي، شيخ ~~طاعن في السن ما كان قوته وتأثيره على الدولة حتى يهجر قسرا! لكن ~~الفرمان، فرمان لا يفرق بين مذنب وبريء أو بين كبير وصغير. ~~••• # انكسرت عجلة العربة ووقع الشيخ أرضا، توقف الجميع عن المسير ~~وتجمعوا حوله، جرى حديث بين الشاب والجنود، كان يبدو عليهم الاستعجال ~~لإنهاء مهمتهم. بعدها أجبروا الباقين بالمسير وتركوا الرجل المسن مع ~~عجوز بدت أنها زوجته، على قارعة الطريق حاول ذلك الشاب إقناعهم ~~بالبقاء معهما لكنهم أبوا ذلك، وانطلقوا في طريقهم، بقي الشاب يبتعد ~~عنهما وهو يلتفت إليهما ويلوح بيد ويمسح دموعه بالأخرى. # بعد اختفاء المجموعة من على امتداد البصر، هرع أرتين مع غريغور ~~نحوهما، عندما رأت المرأة العجوز القادمين صوبها راحت تحضن الشيخ، ~~تبكي وترتجف من الخوف وتناجي الرب أن يحفظهما من شر القادمين، كلما ~~اقترب أرتين منهما كانت الرؤية تتضح أمامه وضربات القلب تتسارع مع ~~خفقان كبير، التفت إليه غريغور بوجه يعتليه الشوق: ~~- ويكأنني أعرف هذه الهيئة وإن شحب الجسد. # ابتسم أرتين وكأنه ازداد يقينا بما شك فيه، لكن العجوز كانت قد ~~ضمت رأس الشيخ إلى حجرها وتكورت عليه، فلا يرى منها سوى ثوب ~~أسود وإشارب أبيض. عندما بلغا المكان قال أرتين لها: لا تخافي، نحن ~~لسنا عثمانيين ولا قطاع طرق. # أخرجت المرأة شهقة ms209 عندما سمعت الصوت، ثم رفعت رأسها وصاحت بأعلى ~~صوتها. ~~- أرتين! ~~- أمي. # ارتمى إلى حضنها وكأنه طفل صغير، كان وجهها شاحبا، وثيابها رثة ~~تبكي وتشم أرتين وهي تكاد لا تصدق رؤيته، كان المختار تلمكيان يئن من ~~الألم بسبب وقوعه من العربة، فقال غريغور: إن وجودنا هنا خطر، يجب أن ~~نبتعد عن طريق الدرك ونحاول إيجاد مكان آمن. # حملاه على جواد أرتين وسارا مبتعدين عن الطريق، انتبه أرتين إلى ~~أبيه وقد ذوى عوده، وخوي عموده، وانحنى صلبه، ورق جلده، ودق ~~عظمه، ولم يبق من هيبته وكبريائه سوى ذلك الجسد الهزيل والوجه ~~الشاحب، واللحية البيضاء الطويلة. # قرب شجرة جوز وحيدة على سفح التلة تنحنح المختار، ثم قال بصوت أجش: ~~أنزلاني. # كان يبدو عليه الاحتضار .. ارتمى إليه أرتين. ~~- أبي لا تمت أرجوك، سنصل إلى قرية «المنصورية» ونجلب لك الطبيب، ~~تحمل قليلا، أرجوك يا أبي تحمل. # تنفس المختار بصعوبة، ثم قال: كانت أمنيتي أن أموت وأدفن بأرضنا ~~هناك في «أنجرلك» في مقبرة العائلة، لكن ما من فائدة، لم تفهموا خطورة ~~ما فعلتم، أهذا الذي يرضيكم؟ أن نموت مثل الكلاب على الطرقات؟ ~~- سامحني أرجوك، نعم أنا لم أسمع كلامك، لكن الثورة كانت ماضية بي ~~وبدوني. ~~- قل لي أين قادتكم؟ لماذا لم يلاقوا ما يلاقيه شعبنا؟! ~~- لكن الحكومة التي أفنيت عمرك بالولاء لها، ها هي اليوم أخرجتك من ~~دارك، لماذا لا تلومهم بما يفعلون من جرائم بحق شعبنا؟ # التفت إليه غريغور ينهره: هذا الكلام ليس وقته الآن يا أرتين! ~~- دعه يا غريغور، هذا النقاش عمره أكثر من عقدين. # ثم التفت إلى أرتين وقال: وماذا تريد منهم أن يفعلوا بعد وقوفكم مع ~~الروس؟ لم تبقوا لنا عذرا أو تبريرا نستطيع الاتكاء عليه ~~أمامهم. # كان يتكلم ويستنشق الهواء مع صوت صفير يخرج من صدره يظهر مدى صعوبة ~~التنفس. ~~- أبتي، لم تكن الغاية أن نوصل شعبنا إلى ما وصل إليه حالهم اليوم، ~~نحن أردنا إعادة بناء دولتنا المستقلة، أردنا خلاصهم من ظلم الحكم ~~العثماني يا أبتي، ثم نحن الثوار الذين ms210 وقفنا أمامهم وقاتلناهم ~~وتحالفنا مع الروس، فلماذا يتم تهجير الشعب بأكمله؟ فليحاسبونا نحن لا ~~الشعب الأرمني كله. ~~- ألم يهجر المسلمون من البلقان بمئات الآلاف؟ لقد كانت ~~إمبراطورية عظمى تدعمهم، ومع ذلك تم قتلهم وتشريدهم من أراضيهم، لماذا ~~لم تأخذوا العبرة منهم وتعدلوا عن قرار وقفوفكم مع روسيا في الحرب؟ ~~لقد باعوكم في أول اختبار حصل لهم، فروسي واحد عندهم أهم من ألف ~~أرمني. # طأطأ رأسه أرتين وهو يقول: لقد أخطأنا، أعترف بذلك. ~~- وما فائدة هذا الاعتراف بعدما خسرنا كل شيء وتحولنا من أمة ~~لها أرضها وتاريخها إلى مشردين وعبيد وخدم، وبيعت نساؤنا في الأسواق، ~~وتشردنا بين الأمم، من يجمعهم ويعيدهم إلى أرضنا مرة أخرى؟! هل ~~الروس أم الأوروبيون وإرسالياتهم! ثم أين هم مما يقاسيه إخوتهم في ~~الدين، هذا إن كان لديهم دين وانتماء للمسيحية. ستلعنكم الأجيال ~~القادمة يا ولدي ويحملونكم خسارة أرضهم وتاريخهم، لكنني أعلم أن ~~قادتكم الجبناء الآن يجلسون في قصور سادتهم وملوكهم ليكتبوا التاريخ ~~على أهوائهم ويبرئوا ساحتهم من المسئولية في هذه الجريمة التي كان لكم ~~فيها اليد الأولى، ويضعوا الإجرام والوحشية بحق العثمانيين والأكراد، ~~وأنا لا أبرئ هؤلاء أيضا، لكنهم لم يفعلوا هذا دون سبب. ~~- لكن يا أبتي ألم تر كم جرت على أيديهم من مذابح طوال سنين خلت، ~~كيف لنا أن نقف معهم؟! ثم إن التهجير القسري والمذابح التي يقومون بها ~~الآن ما هي إلا تكملة لتلك المذابح ومخطط لها مسبقا. ~~- مخطط لها مسبقا! # قالها وهو يبتسم ابتسامة استهزاء، ثم استرسل بالكلام: أنا أعرفك ~~أذكى من ذلك يا بني، أية حكومة غبية هذه التي تريد إبادة شعب كامل، ~~وقبل الإبادة يزج أبناءها في جيشها ويدربهم على القتال ويعطيهم ~~السلاح! هل العثمانيون حمقى حتى يعطوكم السلاح الذي كانوا في أمس ~~الحاجة إليه؟ ألم تخونوا الدولة عندما فررتم من المعارك مع أسلحتكم ثم ~~تجمعتم على شكل عصابات لضرب خطوط الإمداد العسكري؟ قل لي ماذا ~~يفعلون بنا بعد كل هذا؟ أتستغرب من قتلنا وتهجيرنا؟ أية حكومة هذه ~~التي تتهاون ms211 مع هكذا خيانة، كم خسروا من جنود وأراض بسبب خيانتكم ~~لهم؟ قل لي كم؟! ~~- هون عليك يا أبتي، لا تتعب نفسك بالكلام أرجوك. ~~- لقد قتلتم كل أمل لشعبنا في الحياة .. فليسامحكم الرب على ~~فعلتكم، فليسامحكم الرب! # بعدها بدأ يتنفس بصعوبة أكبر ويصدر صوت حشرجة من صدره. ~~- عندما أموت ادفنوني في قبر من دون شاهد، لا أريد أن يعرف أحفادي ~~بمكان رفات جدهم الذي لم يستطع الحفاظ على أرضهم. ثم نظر في عيني ~~أرتين نظرة تحمل كل آلام الأرمن ومآسيهم فيها وأغلق عينيه إلى ~~الأبد. # صرخت أمه ونثرت التراب فوق رأسها وهي تبكي وتنوح عليه، ارتمى أرتين ~~على صدره وهو يبكي ويقول: قم يا أبي أرجوك قم، أبي أرجوك لا تحملني ~~ذنب الأمة كلها، نعم عصيتك ولم أسمع قولك! نعم أذنبت بحقك وبحق كل ~~من أوذي وخسر أهله وماله وأرضه جراء ما حصل! # لكنني أشهد الرب أن نيتي كانت الخير لهم، لقد بعت الحياة لأجل ~~راحتهم، ودخلت المعارك والحروب، وعرضت نفسي للموت مرات ومرات من ~~أجل أن يعيشوا بعزة وكرامة، قتلت بيدي هاتين كل من ظلمهم وأخذ ~~حقهم وقتل أبناءهم، أبي هل هذا جزاء من أراد الخير لأمته وأفنى عمره ~~في سبيلهم؟ هل هذا جزاؤه؟! # حاول غريغور أن يهدئه فسحبه إليه وضمه إلى صدره: ~~- كفاك تقسو على نفسك وتحملها ما لا ذنب لها. # ثم وضع غريغور يده على جبين المختار وبدأ يردد: ~~«بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد .. أيها الإله ~~العظيم الذي تعذبت على خشبة الصليب من أجل خطايانا، كن معنا ~~يا يسوع المسيح بصليبك المقدس، ارحمنا، نجنا من كل أذى، ~~نجنا من كل سلاح ماض، من كل خطيئة مميتة، أوصلنا إلى طريق ~~الخلاص، نجنا من كل خطر جسدي أو روحي، كن تعزيتنا وقوينا ~~على حمل الشدائد لأجل محبتك، زدنا إيمانا وثبتنا بمحبتك ~~تعالى إلى الأبد. لصليبك يا سيدي نسجد، ولقيامتك المقدسة يا ~~رب نمجد، بحق ميلادك العجيب ودمك الثمين وموتك على الصليب ~~لأجل خطايانا، احفظنا، آمين، احفظنا يا يسوع ms212 لأنك قادر أن ~~تقودنا إلى طريق الخلاص، واجعلنا نكون من مختاريك .. ~~آمين.» # تحت ظل شجرة البلوط الوحيدة على سفح التلة وارى الثرى المختار ~~تلمكيان بعيدا عن قريته، دفنه أرتين مع غريغور كما أراد دون شاهد أو ~~اسم. كان أرتين يبكي بحرقة وهو ينثر التراب على جثمانه وكأنه يدفن ~~كل آمال الأرمن بأرضهم وثورتهم إلى الأبد، حتى هبت ريح قوية أصدرت ~~الشجرة حفيفا قويا وكأنها تحتفي بروح المختار وتستقبل رفيقها ~~الأبدي. # | الفصل السابع والأربعون # دير ياسين - فلسطين 1948م # امتلأت باحات الأقصى بالمشيعين، وكأن أهل القدس كلهم قد تجمعوا ~~فيها، كانت الجنازة الخشبية المغطاة بالعلم بالفلسطيني قد وضع فوقها ~~إكليل من الورود بشكل دائري تكريما للشهيد، يحملها على الأكتاف ستة ~~رجال يتقدمهم ضابط ببزته العسكرية الرسمية، وعلى جانبي الجنازة صفوف ~~من الجنود يرتدون زيهم العسكري الأخضر، وعلى رأسهم الغترة والعقال، ~~وخلفها القادة والضباط وشخصيات القدس المعروفون، يمشون الهوينا مع حشد ~~غفير من الناس الذين يكبرون ويهللون، أطلق الجنود الرصاص نحو ~~السماء، بكت فلسطين شهيدها بعيون أبنائها ونعاها كما تنعى الأم ~~وحيدها، ثم شيعوه إلى المصلى القبلي، ليصلوا عليه. لم تشهد القدس ~~صلاة جنازة مثلها قط، اصطف الناس في الباحات والحدائق والطرقات وحتى ~~البعض اعتلى الجدران لضيق المكان، ولأن الصلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، ~~لم يكن يفصل بين صف وآخر سوى شبر واحد، كانت مآذن الأقصى وجوامع ~~القدس تصدح بالتكبيرات وأجراس الكنائس تدق بحزن على رحيله. # انتشر خبر استشهاد عبد القادر الحسيني وتشييعه المهيب كالنار في ~~الهشيم، في كل أرجاء فلسطين. كان حسن في قرية عين كارم عندما سمع ~~الخبر يحاول الوصول إلى القدس بعد تماثله للشفاء، لكن الطرق سدت، ~~والمعارك كانت دائرة على أطراف القدس. ~~- «لقد خسرت الثورة أعظم رجالاتها يا حسن.» قال أبو عثمان ذلك وهو ~~يحوقل ويضرب كفا بكف. # هز حسن رأسه متأسفا، أدرك أن الأمور ستزداد سوءا بعد استشهاد ~~الحسيني، استأذن منه ليتمشى قليلا في أزقة القرية، ويمرن ساقه على ~~المشي. ~~- «أمامنا أيام عصيبة يا أبا عثمان.» قال ms213 حسن ذلك وهو يبتعد منه. ~~سار بين تلك البيوت المبنية من الأحجار الكلسية، ذات النوافذ الخشبية ~~المقوسة النهايات والأبواب المحفوفة بقنطرة تتخلف قليلا كالمحراب عن ~~واجهة البناء، تذكر حارات القدس ورائحة الياسمين، وصل قرب جامع ~~القرية، اغترف بيده من ماء عين مريم البارد الذي يجري من خلاله فابترد ~~به، ثم توجه إلى ساحة «الحرجة» حيث يتجمع رجال القرية وتجارها ~~هناك يتبادلون أطراف الحديث وأخبار القتال الدائر في البلاد، والآمال ~~المعهودة بجيش الإنقاذ العربي. لكن في ذلك اليوم كان الحزن والحداد ~~والخيبة التي تعتلي الوجوه سيدة الموقف، خيبة أخرى من خيبات هذا ~~الشعب المخذول دوما، تذكر حسن وجوه الرجال في مقهى الحي بعد خيانة ~~أبي هشام. # اقترب منه أحد جنود جيش الإنقاذ العربي، ألقى السلام، ثم صافحه ~~بحرارة وهو يقول: الحمد لله على سلامتك. # استغرب حسن من حفاوته الكبيرة به، فقال: يبدو أنك تعرفني. ~~- نعم، فقد كنت مع الجنود الذين أسعفوك في ساحة الاشتباك يوم أصبت ~~في ساقك. # شكره حسن كثيرا، ثم دار بينهما حديث طويل عن المعارك وإمكانية جيش ~~الإنقاذ مقابل الإمكانية الضخمة للعدو الذي اشترى عتاد القوات ~~البريطانية المنسحبة من فلسطين وامتلك حتى الطائرات، كان الجندي شابا ~~في نهاية عقده الثاني ذا ملامح سمراء جميلة، يتكلم باللهجة العراقية ~~المحببة، يقول: قد شارك أبي في ثورة العشرين هناك في العراق، وقتل ~~العديد من جنود الاحتلال البريطاني، وما إن سمع أنهم فتحوا المجال ~~للجهاد في فلسطين حتى أرسلني مع أول مجموعة غادرت العراق، كانت وصيته ~~لي قبل السفر: «بني، إن وصلت الأقصى صل ركعتين فيها، ثم عاهد الله ~~وأنت تنظر للقبة المشرفة وتمد يدك نحوها على ألا تعود للعراق إلا بعد ~~تحرير فلسطين بالكامل أو شهيدا على جنازة.» ~~- وهل عاهدت الله في الأقصى؟ ~~- فور وصولي إلى القدس. # نظر حسن إليه فرأى في عينيه ما رآه في عيني هشام يوم أخبره عن ~~استشهاد عمر الصفدي في تلك الليلة القمراء في باحة الأقصى، وكأن ~~الشهادة سمة تظهر في العيون التي تصبو إلى المعالي، ms214 وتزرع في النفوس ~~الهمم العالية، فما الذي يدفع شابا إلى ترك حياته ومدينته الآمنة ~~وعيشه الرغيد ليقطع آلاف الأميال ويرخص نفسه من أجل فلسطين إلا تلك ~~الهمة العالية التي تنبع منها. ~~••• # تسللت أشعة الشمس خلسة من النافذة الخشبية لغرفة حسن في بيت أبي ~~عثمان، وأيقظته بأناملها الدافئة وهي تتلمس وجهه وكأنها أنامل ~~أنوشكا، وحالما فتح عينيه هاجه شعور قوي بالشوق إليها؛ فقد مر وقت ~~طويل على رحيلها ، فجأة تذكر أنه رآها في الحلم الليلة الماضية، كانت ~~جالسة على شرفة منزلهم في جنين تتأمل مرج ابن عامر وشعرها المنسدل ~~كذيل حصان يتطاير مع الريح، ثم فجأة مدت يدها ناحية المدى ونادت ~~بأعلى صوتها: حسن، حسن، وهي تبكي وتذرف الدموع، ثم انتهى الحلم هكذا. ~~لم يخطر في ذهنه تفسير لذلك الحلم إلا أنها بحاجته والشوق قد أخذ منها ~~مأخذه كما فعل به هو أيضا. # أثناء ذلك تناهى إلى مسامعه أصوات صيحات نساء وبكاء أطفال قادمة من ~~ساحة الحرجة، ظن أن القرية تعرضت للهجوم من العصابات الصهيونية، لكن ~~الغريب في الأمر أنه لا يوجد صوت إطلاقات نارية، فز من فراشه ارتدى ~~ملابسه وحمل جعبته ورشاشه الستن المركون في زاوية الغرفة، ثم هرع ~~إلى الساحة. # كانت النساء تصيح وتندب وتستنجد برجال القرية أن يلحقوا الأهالي في ~~قرية دير ياسين التي تعرضت لهجوم مباغت منذ الفجر من قبل العصابات ~~الصهيونية، وصل ضابط جيش الإنقاذ العربي المرابط في أطراف القرية إلى ~~الساحة، ارتفعت صيحات النساء عند رؤيته، كانت إحداهن تبكي وتقول: «لقد ~~قتلوا زوجي وابني وحرقوا الدار، إن لم تلحقوا بهم فسيقتلون أهل القرية ~~جميعا.» كان الضابط يردد كل مرة: لا توجد أوامر بالتحرك، لا ~~توجد أوامر! # صاح أحد شبان القرية: أعطونا أسلحتكم ونحن نذهب للقتال هناك. ~~- الأمر ليس بهذه البساطة، اهدءوا، يجب أن نتبع أوامر القيادة، أخشى ~~أن نتحرك إلى دير ياسين، فتتعرض القرية إلى هجوم أيضا، من يدافع عنها ~~حينها؟! # بين جموع أهالي القرية الغاضبين لعدم تحرك جيش الإنقاذ لنجدة أهالي ~~القرية، همس أحدهم ms215 بأذن حسن وقال: هيا أيها البطل، لا وقت لدينا ~~لنضيعه. # كان الشاب متلثما بكوفية، انتبه حسن إلى سلاحه فعرف أنه أحد جنود ~~جيش الإنقاذ، كشف عن وجهه وإذا به ذلك الشاب العراقي. ~~- وتخالف الأوامر؟ ~~- أية أوامر هذه، إخوتنا يتعرضون للموت إن لم ننجدهم ونقاتل دونهم ~~فلماذا أتينا للقتال إذن، وما فائدة السلاح الذي نحمله؟! ~~- صدقت. # كانت قرية دير ياسين على بعد ميلين عن قرية عين كارم، وكلما اقتربا ~~منها تناهت إلى مسامعهما أصوات الانفجارات والإطلاقات النارية، فيسرعان ~~خطاهما، أخبره حسن أنه قد زار القرية من قبل يوم أتى مع والده إلى ~~بيت الحاج أسعد. ~~- أعتقد أن الهجوم حصل من مستوطنة جفعات شاءول الواقعة شرق القرية ~~من جهة القدس، إضافة إلى وجود مستوطنات أخرى إلى جنوبها. ~~- كيف استطاعت تلك النسوة الهرب مع أطفالهن إذن؟ ~~- لا يوجد منفذ إلا من الجهة الغربية، ومنها سنتسلل للقرية. # عند مشارف القرية، صادفا مجموعة أخرى من النساء والأطفال وكبار ~~السن وهم يفرون منها مذعورين وقد شاحت وجوههم وبلغت القلوب الحناجر، لم ~~يتأثر حسن ببكاء الأطفال ولا صيحات النساء بقدر تأثره لدموع ذلك ~~الشيخ الطاعن في السن، عندها أدرك حجم ما يتعرض له أهالي القرية من ~~الوحشية والإجرام. ~~- «اتجهوا نحو تلك التلة، الطريق آمن إلى عين كارم لا تخشوا ~~شيئا.» قال كاظم ذلك للأهالي. ~~- «أين الإمدادات العسكرية؟ أين جنود جيش الإنقاذ العربي؟» سألت إحدى ~~النسوة ذلك. # نظر حسن إلى كاظم وقد طأطأ رأسه ولم يدر ما يقول. ~~- سيأتون، سيأتون الآن، هيا امضوا في طريقكم على عجل. # لم يتمالك كاظم نفسه فهرع نحو القرية وهو يكبر ويطلق الرصاص نحو ~~السماء، لحق به حسن بين البساتين وأشجار العنب والتين فولجا بيتا في ~~مدخل القرية كان الباب مفتوحا على مصراعيه، استطلع حسن الغرف بحذر ~~واعتلى كاظم السطح ليلقي نظرة إلى داخل القرية، وكيف يمكن لهما ~~التقدم والوصول إلى مقاتلي القرية لمساندتهم، انتبه حسن إلى سفرة ~~على الأرض وأطباق الزيتون والجبن والزيت والزعتر عليها وأكواب شاي ~~مملوءة للمنتصف وقطع خبز متروكة ms216 على أطراف السفرة، اختلجه شعور ~~بالحزن لحالهم، جلس متكئا على سلاحه، أغمض عينيه وأخذ نفسا عميقا ثم ~~حوقل وقام من مكانه. سمع أصوات أقدام تقترب خارج البيت، اتكأ على حائط ~~الغرفة وصوب سلاحه نحو الباب، فجأة بدأت الإطلاقات النارية تنهمر على ~~البيت، وكاظم على سطح المنزل يكبر ويطلق النار، وينادي حسن ليصعد إلى ~~السطح. # شعر حسن أن الموت لا محال هذه المرة، ألقوا قنبلة يدوية على باحة ~~المنزل فتهاوت قطع من السقف وامتلأ المكان بالدخان والغبار، فتح ~~النار حسن من رشاشه وهو ينسحب من الغرفة إلى الدرج، خرج أمامه جندي ~~فأرداه قتيلا بثلاث رصاصات متتالية، سمع تكبير كاظم وكأنه أصاب أحد ~~المهاجمين وصل قربه. ~~- كاظم لا تطلق إلا لهدف! نحن محاصرون هنا، سنموت عندما تنفد ~~ذخيرتنا! ~~- لا عليك، لقد قتلت اثنين منهم وأصبت الثالث. ~~- وأنا أيضا قتلت واحدا. ~~- هؤلاء جبناء، ولولا أسلحتهم الحديثة وذخيرتهم التي لا تنتهي ~~لهزمناهم أنا وأنت وحدنا. ~~- سنهزمهم بإذن الله، ابق أنت هنا وأنا أذهب للطرف الآخر، يجب أن ~~نقتل هذه المجموعة قبل أن تصلها الإمدادات. # استمر القتال قرابة النصف ساعة، كان كاظم يقاتل بشراسة واستبسل في ~~القتال، حتى رمي بقنبلة يدوية فسقط يلفظ أنفاسه الأخيرة، هرع إليه ~~حسن، حمله إلى حضنه، كانت الابتسامة تعلو شفاهه وهو يقول لقد وفيت ~~عهدي لله بوصية أبي، ثم أخذ نفسا وصوت الحشرجة يخرج من صدره، ثم شهق ~~وغادرت الجسد روحه الزكية إلى السماء. وبينما هو يمسح وجهه بكفه ~~ليغلق عينيه، وضع أحدهم فوهه سلاحه على رأس حسن وقال بلغة ركيكة: ~~ارفع يديك! # | الفصل الثامن والأربعون # دير ياسين - فلسطين 1948م # اتجهت ثلاث عربات عسكرية من حي مونتفيوري محملة بالمقاتلين ~~المدججين بالأسلحة في تلك الليلة الربيعية الهادئة من شهر نيسان إلى ~~مستوطنة جفعات شاءول، وكان مايكل في الصندوق الخلفي لإحدى تلك العربات ~~مع مقاتلي الأرغون وقد حمل بندقيته بيديه وجلس القرفصاء متكئا على ظهر ~~مقاتل آخر خلفه، التفت يمنة ويسرة، بالكاد استطاع رؤية ملامح من ~~معه من الظلام المخيم على الطريق، ms217 تذكر أيام معسكرات الاعتقال ~~والغيتو، لم يكن يمتلك ذكريات جميلة في أي صندوق خلفي لعربة عسكرية سوى ~~يوم التحرير عندما خرج مع روبرت إلى وارسو، شعر بضيق في التنفس على ~~الرغم من الهواء البارد الذي يصفع وجهه من سرعة سير العربة. # أخبروهم بأن العملية التي سيقومون بها لا تقل أهمية عن عملية قتل ~~عبد القادر الحسيني أحد أكبر قادة العدو نهار ذلك اليوم في معركة ~~القسطل، لقد دب الخوف والانكسار في قلوب مقاتلي العدو، وتلك العملية ~~حسبت للهاغانا، ولا بد للأرغون وشتيرن أن تظهرا للرأي العام ~~اليهودي أن أي عملية مشتركة بينهما ستغير الكثير من مجريات المعركة ~~لصالحهم. # عند وصولهم إلى ساحة المستوطنة وثب مايكل من العربة خلف المقاتلين ~~ثم اصطفوا خلف بعضهم البعض، كان هنالك مقاتلون آخرون وصلوا قبلهم وهم ~~بكامل جهوزيتهم، خرج إليهم قائد العملية بن تسيون كوهين بزي عسكري، ~~وقد شمر عن ذراعيه ووضع بيريته السوداء أسفل موضع الرتبة العسكرية ~~على كتفه، كانت ملامحه قاسية ونظراته ثاقبة، خطى بين صفوف المقاتلين ~~بخطوات وئيدة ثم عاد إلى المقدمة وأدار وجهه نحو المقاتلين: اليوم ~~سنثبت للجميع أن الأرغون وشتيرن لهما ثقلهما في هذه المعركة المصيرية ~~للأمة اليهودية وهي تحاول استعادة أرضها من الغاصبين لقرون طويلة، لا ~~مكان للرحمة اليوم، كل رجال قرية دير ياسين يجب تصفيتهم، وكل من يقف ~~بجانبهم إن كانوا نساء أو أطفالا أو شيوخا، ستكون دير ياسين عبرة ~~لكل أهالي القرى الأخرى. أريد أن يرتجف كل من يسمعون بقدوم الأرغون ~~وشتيرن نحوهم، هؤلاء العرب لديهم شرف نسائهم أهم من كل شيء، فاعتدوا ~~عليهن، فإن اجتمع في قلوبهم الرعب من قوتنا ووحشيتنا والخوف على ~~نسائهم وبناتهم من الاعتداء هربوا أمامنا كالفئران المذعورة. ~~••• # قبل حلول الفجر كان المقاتلون قد توزعوا إلى مجموعات صغيرة للهجوم ~~على القرية من أربعة محاور مختلفة، كان مايكل مع المجموعة التي ستقتحم ~~القرية من جهة الجنوب الغربي، تحت إمرته سبعة من المقاتلين للسيطرة على ~~المرتفعات بين دير ياسين ومستوطنة بيت هكيرم، صوب المقاتل الذي ms218 تم ~~تزويده بمدفع رشاش نوع # Bren # نحو بيوت ~~القرية منتظرا إشارة البدء بالهجوم برشقة ضوئية في السماء من سلاح أحد ~~مقاتلي مجموعة القائد كوهين. # كان الهجوم على دير ياسين بالنسبة لمايكل يمثل إثبات النفس أمام ~~القيادة بعد توليه إمرة مجموعة من المقاتلين، على الرغم من عدم ~~اقتناعه بكلمة قائد العملية كوهين قبل التحرك نحو القرية، لكنه ظن ~~أنه كان يريد دب الحماسة في قلوبهم، وشعر لأول مرة أن الحياة ~~أحيانا تفرض قوانينها بالقوة، إن لم تقتل تقتل، هكذا هي المعادلة ~~اليوم، والبقاء له ثمن، يجب أن تفقد شيئا من إنسانيتك لتستمر فيها، ~~كل الذين تمسكوا بالقيم قذفتهم الحياة من الحافة وكأنهم الفرخ الأضعف ~~في عش طائر اللقلق. # انطلقت الرشقات الضوئية في الهواء وكأنها نجوم تصعد إلى السماء ~~إيذانا ببدء المعركة، كانت السيارة المصفحة تتجه نحو منتصف القرية ~~ببطء وترشق بوابل من الطلقات النارية يمنة ويسرة، وتشتبك مع مقاتلي ~~القرية، تسلل مايكل مع مقاتليه الواحد تلو الآخر حتى أصبحوا على ~~مقربة من ثلاثة منازل متلاصقة، ثم فجأة سكنت طلقة في صدر أحد مقاتليه ~~فأردته قتيلا، انبطحوا جميعا، نادى مايكل صاحب المدفع الرشاش: ~~- إنه على السطح! # انهمرت الطلقات على جدران السطح، فأتت طلقة برأس صاحب مدفع الرشاش، ~~كان المقاتل الذي أمامهم قد اتخذ موضعا يصعب الوصول إليه، مما شل ~~حركة مجموعة مايكل، شعر أنه في ورطة كبيرة، لقد خسر اثنين من مقاتليه ~~في الدقائق الأولى للمعركة، يبدو أن الذي يقبع خلف الجدار قناص ماهر، ~~أخرج مايكل من جعبته قنبلة يدوية، سحب المفتاح ورماها بقوة نحو مكان ~~القناص، فانفجرت القنبلة على سطح المنزل وأصدرت دخانا كثيفا استطاعوا ~~خلاله التراجع للخلف والابتعاد عن مكان الخطر. بقوا منبطحين لحين بزوغ ~~النهار وظهور ملامح البيوت أمامهم، كانت أصوات الطلقات النارية تأتي من ~~كل جهات القرية، أرسل مايكل أحد مقاتليه إلى مقر قيادة العملية في ~~الخطوط الخلفية ليخبرهم بأمر القناص ومعالجته، ثم تحرك مع الباقين ~~بعيدا عن تلك المنازل الثلاث. # خلال الساعات الأولى للعملية استطاعوا التوغل إلى ms219 منتصف القرية، ~~كانت صيحات النساء وبكاء الأطفال تتعالى مع أصوات الإطلاقات النارية ~~والانفجارات المتقطعة هنا وهناك، وصل مايكل وسط ساحة القرية مع ~~مجموعته، كانت السيارة المصفحة تتوسط الساحة والمقاتلون قد أعدموا ~~عشرة من رجال القرية وكدسوا الجثت فوق بعضها البعض وتجمعت النساء ~~في زاوية قريبة منهم ويتم سوقهن الواحدة تلو الأخرى من خلال باب خشبي ~~داخل بيت كبير وصرخاتهن تتعالى مع ضحكات المقاتلين المتمتعين بهن، ~~للوهلة الأولى صدم مايكل بما رأى، التفت إلى يساره فرأى أحد المقاتلين ~~يسحب شابا من قدميه وقد تخضب وجهه بالدماء وقطرات من دمه ترسم ~~نقاطا متقطعة على التراب، اختلطت المشاهد بذاكرة مايكل، فتذكر ~~الدماء التي كانت ترسم خطا أحمر على الثلوج عندما كان حراس النازية ~~يجرون قدم ذلك المعتقل الذي فقد إرادته في الحياة في معسكر أوشفيتز، ~~خارت قواه وجلس متكئا على حائط أحد المنازل يراقب ما يحدث أمامه ~~مذهولا، كانت أصوات صاخبة تتعالى في مخيلته، أصوات صفارات القيادة ~~هناك وصيحات النساء وبكاء الأطفال هنا، صور القتل بدم بارد هنا وهناك ~~حتى اشتم رائحة لم تكن غريبة على أنفه، لكنه لم يكن ليصدق أن غير ~~النازية يفعلونها، انتصب واقفا واتجه نحو تلك الرائحة النتنة ~~المألوفة، ولج أحد البيوت فرأى المقاتلين يتضاحكون وقد جمعوا أطفالا ~~ونساء وشيوخا في غرفة يحرقونهم بعد القتل، وصوت أزيز احتراقهم يصدر ~~منها، بشكل يبعث الاشمئزاز ويظهر مدى التوحش لدى الإنسان، لم يتمالك ~~نفسه مايكل، وقع على ركبتيه ثم أخرج كل ما في جوفه وهو يسعل ويبكي ~~ويتذكر وجه ديفيد، برودة يديه، أزيز احتراق جثته، شعر أن اليهود ~~تحولوا إلى نازية جدد وأنهم يحرقون جثة ديفيد وكل من يقف في ~~وجههم، لم يكن بمقدوره الانسحاب، فحمل سلاحه وانطلق إلى حيث لا يدري، ~~لحق به مقاتلوه من زقاق إلى آخر حتى ولجوا كرم عنب على أطراف ~~القرية، كان مقاتلوه ينادونه: «الى أين يا مايكل؟ إلى أين؟» وهو لا ~~يبالي ولا يسمع غير صخب الذكريات الأليمة في مخيلته، إلى أن تعرض ~~لطلقات نارية من ms220 سطح منزل وحيد بين تلك الأشجار، لم يبغ القتال مايكل، ~~لكن مجموعته اشتبكوا معه، في البداية ظنوا أنه بمفرده على السطح، لكن ~~تبين فيما بعد أنهما اثنان، سقط أحد مقاتليه أرضا بعدما أصيب بطلقة ~~في صدره، ثم سقط آخر فبقي معه مقاتل واحد ولج البيت بحركة بطولية. ~~سمع مايكل إطلاقات نارية داخل البيت فعلم أنه قتل هو الآخر، لم يكن ~~أمامه خيار آخر سوى القتال، فأخرج قنبلته اليدوية الثانية ورماها نحو ~~السطح، فسمع صراخا ظن أنه أصابهما بتلك القنبلة، ولج البيت بحذر ~~شديد، تفحص الغرف فلم يجد أحدا، اعتلى الدرج بخفة مصوبا ~~بندقيته نحو الأعلى، اتكأ على حائط الدرج وصعد بحذر دون أن يصدر ~~صوتا، استرق النظر نحو السطح فرأى في الجهة البعيدة شابا يودع ~~صديقه الذي يحتضر، اقترب منه مايكل ببطء ووضع فوهة بندقيته على رأسه ~~وقال: ارفع يديك! # وضع الشاب رأس صاحبه على مهل ثم رفع يديه، وعندما التفت نحوه سقطت ~~البندقية من يد مايكل ونادى بأعلى صوته: «ديفيد»، وسحبه إلى حضنه. ~~كانت تأثيرات المجزرة في ذهن مايكل قد أعادته إلى معسكر أوشفيتز، ولم ~~يكن يرى أمامه سوى ديفيد. بكى مايكل بحرقة ومظاهر الاستغراب والدهشة ~~مرسومة على وجه الشاب، انتبه إلى بندقية مايكل على بعد قريب منه، خطر ~~في ذهنه أن يحمل السلاح ويفاجئه بحركة مباغتة، وقال في نفسه: ما الذي ~~يضمن لي أن ليس هنالك جنود آخرون سيأتون بعد قليل؟ إن لم يقتلني هو ~~فسيقتلني أولئك .. لكنه شعر أن ما فعله الرجل معه لا يمكن رده بهذه ~~الطريقة، الغدر ليس من شيم الرجال ولو تعرضوا للموت المحتم. # ابتعد عنه مايكل وقال: يجب أن نغادر من هنا، سيأتون في أية ~~لحظة. ~~- أخبرني من أنت، ولماذا فعلت ما فعلت؟! ~~- ألا تتذكرني؟ أنا صديق بنيامين، التقينا بك في باحة الأقصى عند باب ~~المغاربة. ~~- آااه! أنت الألماني. ~~- نعم. ~~- ومن ديفيد هذا الذي ناديتني به؟ ~~- لا وقت لدينا للنقاش، سأحدثك عنه لاحقا، لكن الآن يجب أن نبتعد، ~~إنهم يقتلون الجميع ويحرقون الجثث. ms221 ~~- إذن سنهرب باتجاه عين كارم، لكن يجب أن تغير ملابسك، إن رآك جيش ~~الإنقاذ العربي فسيقتلونك، انزل إلى الغرف وابحث لك عما ترتديه، وأنا ~~سأحمل كاظم على ظهري، لن أترك جثمانه مهما كلفني الأمر. # انطلق مايكل كالبرق وهو يحمل سلاحه نحو الأسفل، ثم اتكأ حسن على ~~ركبة واحدة فقبل جبين كاظم ثم رفعه على ظهره، كان كاظم ضعيف ~~البنية، لكنه كان شجاعا لا يهاب الموت، ترك أهله ودياره ومدينته ~~الآمنة بغداد وحياته المرفهة فيها، وجاء يطلب الشهادة وقد نالها، شعر ~~حسن أنه يحمل على ظهره كل شهداء الثورة .. هشام، عمر الصفدي حتى عبد ~~القادر الحسيني. ثم هبط الدرج على مهل متكئا على الحائط، أقبل إليه ~~مايكل وقد ارتدى الزي الفلسطيني القروي، حمل بندقية الجندي الميت عند ~~عتبة الغرفة وعلقها على ظهره، ثم حاول مساعدة حسن للإسراع بالخروج .. ~~اتجها نحو البساتين وبين الأشجار، تناوبا حمل كاظم حتى ابتعدا عن ~~القرية، وتضاءلت أصوات الإطلاقات النارية القادمة من القرية. # في عين كارم دفن كاظم واجتمعت الأهالي وجنود جيش الإنقاذ العربي ~~للصلاة عليه، ارتفعت أصوات التكبيرات وتهليلات النساء، كان مايكل يراقب ~~الحدث بعيدا عن الجمهور المتجمع في ساحة القرية. ~~- ماذا نفعل الآن يا حسن؟ # أطرق حسن يفكر وهو ينظر إلى مايكل ولا يراه، لم يكن باستطاعتهما ~~البقاء في عين كارم، إذا كشف أمر مايكل فمصيره مجهول، الغضب الشعبي ~~بعد مجزرة دير ياسين التي هزت فلسطين كلها ودبت في نفوس أهله الرعب ~~فأصبح الانتقام من اليهود على أشده. # شعر حسن أن مايكل يريد الهرب من صور الموت والقتل والقتال كما يشعر ~~هو أيضا بعد استشهاد كاظم بين يديه وتخاذل جيش الإنقاذ العربي عن ~~إغاثة أهل دير ياسين بحجة عدم وجود أوامر! هاجه إحساس بالشوق إلى ~~أنوشكا وعينيها وذكرياتهما الجميلة، ارتسمت ابتسامة على وجهه، لم يكن ~~في مخيلته مكان آمن لمايكل غير بيت العم أرتين هناك في تلك القرية ~~النائية على أطراف مدينة جنين. ~~- مايكل سنرحل من هنا. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى جنين عند أنوشكا. ~~- ومن تكون؟ ms222 ~~- إنها ملاذ الخائفين الهاربين من بؤس الحياة. ~~••• # ارتمت أنوشكا بحضن حسن، وتعانقا عناق العشاق بعد غياب طويل، لم ~~يشعر حسن بدفء يغمره من قبل كما شعر بجسد أنوشكا وهي تلتصق به وتبكي ~~بكاء الأطفال فرحا بقدومه. ~~- كنت على يقين بأنك ستأتي، لقد انتظرتك كثيرا. # كان مايكل يراقب المشهد أمامه والدموع تذرف من عينيه، تمنى لو كانت ~~سارة ترتمي بحضنه وتعاتبه على الغياب كما تفعل أنوشكا. # ولجا منزل العم أرتين خلف أنوشكا، ثم قادتهما إلى غرفة أبيها. كان ~~العم أرتين طريح الفراش لا يقوى على الحركة، أمسك حسن يده وقبل ~~جبينه قبل أن يجلس بقربه، ارتسمت ملامح الفرح في وجه العم أرتين عند ~~رؤيته. ~~- حسن، أما زلت تتذكرنا؟! ~~- وكيف أنساكم عماه؟! # حضن العم أرتين يد حسن بكفيه وأعطاه ابتسامة صغيرة ثم سأله: ~~أخبرني ماذا حل بالقدس؟ ~~- ما يحل به على مدار التاريخ. # حرك العم أرتين رأسه متحسفا على ضياع القدس، تذكر يوم الهزيمة ~~أمام القوات العثمانية في وان، وضياع الحلم الأرمني ببناء دولتهم، ~~تذكر وجه المختار تلمكيان قبل أن تعرج روحه إلى السماء وفي عينيه ~~كل آلام الأرمن وضياعهم وتشتتهم، مر على مخيلته وجه بانوس ~~وباتيل وابنتهما أنوشكا، ديكران، دافيت ووجوه جميع قتلى المجازر، أخرج ~~حسرة من جوفه ثم التفت إلى مايكل وتفحص وجهه: ~~- ومن يكون صاحبك يا حسن؟ ~~- إنه الضحية وأداة الجريمة. ~~- كيف يكون الضحية أداة للجريمة أيضا؟! # اتجهت الأنظار صوب حسن الذي أطرق رأسه ينظر نحو بلاطة الغرفة، بقي ~~صامتا دون أن يجيب، ثم انتصب واقفا من مكانه وخطا بخطوات ثابتة نحو ~~النافذة الخشبية المطلة على البستان المليء بالأشجار المثمرة، علق ~~يده من على بابها المفتوح وقال: كلنا ضحايا ومجرمون في الآن ~~نفسه. ~~- وكيف ذلك؟! ~~- المسيحيون الأرمن كانوا ضحية بيد العثمانيين المسلمين، واليهود ~~كانوا ضحية النازية المسيحية، والمسلمون عادوا ليكونوا ضحية اليهود ~~في فلسطين، وهكذا توازنت المعادلة، كلنا ظلمنا وظلمنا، قتلنا ~~وقتلنا، هجرنا وهجرنا، استبحنا أراضي واستبيحت أراضينا .. إلى ~~هنا لا بد أن تنتهي قصة القتل والمجازر بيننا إلى ms223 الأبد، وإلا فسيفني ~~بعضنا بعضا. ~~- لن تنتهي. ms224