######OpenITI# #META# URI: 1450FatimaNacut.AshyaTaraktihaWaraki.Hindawi35092585 #META# Tags: novels #META# ID: 35092585 #META# Title: الأشياء التي تركتِها وراءكِ: مختارات قصصية لجون ريفنسكروفت #META# AuthorID: None #META# Author: None #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 96907318 #META# Translator: فاطمة ناعوت #META# Related_books: 1450JohnRavenscroft (TRANSL) #META#Header#End# # تصدير المؤلف‏ # مقدمة المترجمة‏ # الأشياء التي تركتها وراءك1‏ # البومة1‏ # رأس الدودة‏ # أحوال المادة1‏ # باراكودا1‏ # أغنية من أجل «جيني»1‏ # قتل الأرانب1‏ # الجرس1‏ # النبتة الصغيرة1‏ # وجبة إفطار مع «آندي»1‏ # رحم يتأهب1‏ # أحلام أسامة‏ # اللغة غير مقدسة مثل شجرة الميلاد1‏ # تصدير المؤلف‏ # مقدمة المترجمة‏ # الأشياء التي تركتها وراءك1‏ # البومة1‏ # رأس الدودة‏ # أحوال المادة1‏ # باراكودا1‏ # أغنية من أجل «جيني»1‏ # قتل الأرانب1‏ # الجرس1‏ # النبتة الصغيرة1‏ # وجبة إفطار مع «آندي»1‏ # رحم يتأهب1‏ # أحلام أسامة‏ # اللغة غير مقدسة مثل شجرة الميلاد1‏ # | الأشياء التي تركتها وراءك # | الأشياء التي تركتها وراءك # | مختارات قصصية لجون ريفنسكروفت # جمع وترجمة # فاطمة ناعوت # إلى زوجتي آسترا ريفنسكروفت؛ امتنانا لدعمها لي، وإلى صديقتي فاطمة ناعوت؛ امتنانا ~~لجهدها وإيمانها الطيب بي. # ج. ريفنسكروفت # إلى مازن، # نقطة النور الأولى. # فاطمة # | تصدير المؤلف # | ما يوحدنا أهم # أكتب هذه الكلمات يوم 25 يوليو 2005، الشهر الذي قام فيه انتحاريون بضرب لندن بالقنابل ~~والمتفجرات للمرة الأولى. الشعور العام في المملكة المتحدة في هذه اللحظة هو الحدس ~~بأن مثل تلك الهجمات سوف تحدث أكثر وأكثر بشكل متكرر في المستقبل، وثمة كلام كثير وجدل ~~حول كيف يمكن السيطرة والتعامل مع موقف يبدو جديدا كل الجدة على الشعب. المواطن الإنجليزي ~~العادي يحاول أن يفهم ما الذي حدث كي يصبح العالم على هذه الصورة، ويسأل نفسه أسئلة لم ~~يسألها حقيقة من قبل. # الحاجة إلى تواصل البشر عبر حواجز الدين والعرق، من أجل الالتقاء والسعي الحقيقي ~~ليفهم بعضهم بعضا، لم تكن ملحة وحتمية مثل الآن. # أومن أن السرد القصصي - كل ألوان الكتابة الإبداعية في واقع الحال - هو بالأساس معني ~~بفكرة التواصل. الرغبة في الاتصال والتواصل مع الآخرين هي أحد المحثات الأساسية التي ~~تحرك حاجتي الخاصة للكتابة. من أجل ذلك كنت مبتهجا للغاية حينما أخبرتني الشاعرة ~~المصرية فاطمة ناعوت عن عزمها على ترجمة مجموعة من قصصي إلى العربية، ومن ثم وافقت على ~~الفور. أحببت الفكرة، فكرة أن تصل كلماتي إلى قراء أبعد من المتحدثين والناطقين ~~بالإنجليزية، قراء آخرين نشئوا في بيئة وثقافة شديدتي الاختلاف عن بيئتي ms01 وثقافتي. وهذا ما ~~سوف يكون عبر ترجمات قصص مثل: «أحلام أسامة، أحوال المادة، البومة، الأشياء التي تركت ~~وراءك»، وغيرها من القصص التي سوف تقرءونها الآن. # لا أستطيع أن أوفي فاطمة شكرا من أجل كل هذا الجهد، وآمل أن يحدث يوما وألتقي بها ~~مباشرة كي أظهر لها امتناني العميق شخصيا. # قراء كثيرون أخبروني أن سردي القصصي يتمحور حول علاقات بين أشخاص غير سعداء؛ أشخاص ~~خبروا الفقد والخسارة، أو هؤلاء الذين مروا بألم ما. ورغم أنني لا أبدأ الكتابة بنية ~~مسبقة عن إنتاج ذلك النوع تحديدا من القص، أو حين أشرع في رسم شخوص سردي - زوجان مفجوعان ~~بفقد طفلتهما في «البومة» على سبيل المثال، أو هذان الرجلان المحطمان في «أحول المادة» - ~~إلا أنه من الواضح أن تلك التيمات بالفعل تظهر بجلاء على سطح أعمالي مجددا ومجددا. حسنا، ~~لقد قيل مرات عديدة إن الكتاب لا خيار لهم إلا الكتابة عن آلامهم، وإن سرد وخيال الكاتب ~~يخففان من ضغوطه وأزماته النفسية. أظن أن ذلك صحيح بالنسبة لي مثلما هو صحيح بالنسبة ~~للكتاب الآخرين. # مع هذا أتمنى أن يجد القارئ شيئا أبعد من استكشاف الألم في قصصي. أتمنى أن يجد مساحة من ~~الأمل، بعض خيوط البهجة التي لا بد أن تمنحها الحياة رغم كل شيء. إذا ما استطاع قارئ أن ~~يخرج من قصصي بشعور يقول إن الحياة رغم صعوبتها وتعنتها بوسعها أن تكون، بين وقت وآخر، ~~شيئا مجيدا رائعا، شيئا يجب أن نرعاه ونعتز به، إذا استطاع ذلك سأكون قد نجحت ~~ككاتب. # أرجو أيضا أن أؤكد بطريقة ما عبر بعض قصص هذا الكتاب على شيء أثق أنكم تعرفونه بالفعل ~~جيدا، إن البشر سواء في كل أركان الأرض، بصرف النظر عن موقعهم، وجنسهم، وعرقهم، ودينهم. ~~يجب في النهاية أن نتعلم الدرس الجلي في ذاته: أن ما يوحدنا أهم بكثير جدا مما ~~يشتتنا ويقسمنا. وبمجرد أن نتعلم ذلك الدرس، يجب أن نعمل رأسا على الاحتفال بحقيقة أننا ~~جميعنا مخلوقات غير مكتملة، سوى أننا جميعنا نتشارك في شيء ms02 أهم: الإنسانية. # لو أخفقنا في عمل هذا، سيلوح المستقبل موحشا بالفعل. # من أجل ذلك يجب ألا نخفق. # أشكركم على قراءة مجموعتي القصصية. # جون ريفنسكروفت # لينكولنشاير # يوليو 2005 # | مقدمة المترجمة # يلتقي القارئ في هذه المجموعة باثنتي عشرة قصة للأديب الإنجليزي المعاصر «جون ريفنسكروفت» # John Ravenscroft ~~، الذي فاز بجائزة رفيعة في لندن ~~العام الماضي 2004 هي «كاتب هذا العام # Writer of the Year ~~». بالإضافة إلى حوار أجريته معه وترجمته لجريدة «القاهرة» المصرية، يجده ~~القارئ في نهاية هذا الكتاب. # جون ريفنسكروفت، قاص وروائي إنجليزي معاصر ولد عام 1954م ويعمل محررا لمجلة ~~«كادينزا # Cadenza ~~» البريطانية. وهي مجلة ثقافية فكرية ~~أدبية تعمل، حسب محرريها، على تبني الرفيع من الأدب الإنجليزي من قص وشعر ورواية ونقد. ~~حصدت قصصه العديد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة الكومنولث. وقد عمدت إلى اختيار ~~وترجمة مجموعة من أعماله التي فازت بجوائز أدبية إنجليزية أو عالمية. # منهجه السردي يمتاز بالتقاطه دقائق الحياة غير الملفتة واقتناص الشعرية منها عبر ~~الموقف الدرامي أو من خلال المونولوج الداخلي الطويل راسما صوره التشكيلية في نقلات ~~مباغتة ومفارقة، وساخرة أحيانا، ليكون بنية سردية تنبع من وتصب غالبا في أحد ~~الأسئلة الوجودية. يستلهم مفردات تأمله من «الشيء» ومدى تأثره ب/ وتأثيره على ~~«الإنسان»، انطلاقا من كون المرء والموجودات في حال دائمة من الجدل والحوار. يناقش ~~القاص أزمة الإنسان عبر مواقف حياتية تبدو، ظاهريا، بسيطة وبديهية، بل تكاد تكون ~~يومية عابرة غير ملفتة، سوى أنه ينجح في اقتناص العمق الوجودي منها والمحنة التي ~~تعانيها شرائح محددة من البشر. # أبطال قصه نماذج بشرية غير نمطية، ذات طبيعة خاصة، قد تنسحب خصائصها على غير ~~الأسوياء، أو السجناء، # 1 # أو المنقسمين على ذواتهم من البشر، أو ذوي الحساسية الشفيفة مثل شريحة ~~الفنانين، أو المرضى # 2 # أو حتى العشاق الذين دحرهم الفقد. # 3 # الإنسان على الخط البياني للزمن في حالاته «الحدية» مثل «المعمرين» # 4 # في مراحل حيواتهم الأخيرة حين تنكشف لهم الحياة كاملة مثل كتاب انتهت ~~قراءته للتو. هؤلاء الموغلون في الحياة ms03 والزمن والتجربة عبر جدليتهم الإنسانية ~~الملتبسة بين الوهن الفيزيقي من جانب، وحدة البصر الرؤيوي من الجانب الآخر. أو نقيض ~~ما سبق تماما، أي الإنسان (تقريبا)، الإنسان قبل نقطة «الصفر» على منحنى الزمن، الإنسان ~~قبل أن يكتمل، أي «الجنين». # 5 # كيف يرى الجنين العالم وكيف يتطلع إلى رؤاه المستقبلية؟ أو الإنسان في حال ~~الهروب إلى «الحلم»، # 6 # الحلم النومي أو حلم اليقظة، حين يتحرر ذهنه من عوائق وأحابيل المنطق ~~وقوانين الفيزيقا ليحلق حرا طليقا في رحابة الميتافيزيقا وفانتازيا الخيال الحر. أو ~~الإنسان في علاقته مع الكائنات الأخرى من حيوان أو نبات، كيف يحدد قانون الموت والحياة ~~بالنسبة لتلك الموجودات التي تشاركه العالم. # 7 # أو حتى في علاقته مع الجوامد، ذكرياته مع الأشياء التي تجادله طوال اليوم وكيف ~~يمكن أن تأسره في عوالمها الخاصة. # 8 # كل الشرائح السابقة تلك، أو لنقل كل حالات الإنسان المتباينة تلك تلتقي كثيرا، برأيي، ~~وتتقاطع؛ إذ إنها مرايا للنفس البشرية في أصفى حالاتها وأكثرها أثيرية وبعدا عن الأرض. ~~إنه الإنسان بكل ما يحمل من ضعف وقوة، في آن، في مختلف درجات إنصاته للوجود ~~والموجودات تبعا لفرادته ولأسلوب رؤيته العالم، ووجهة نظره الخاصة عن فكرة الخلق ~~والحياة. # أجاد القاص معالجته تيمة «الفقد». ربما براعته تلك بلورتها محنة شخصية مر بها حين ~~فقد شقيقته، كما سنعرف من خلال الحوار معه. حين يفقد الإنسان شريكه الأهم في الحياة، هل ~~يحاول أن يستبدل بالمفقود بعضا منه؟ أشياؤه التي تركها مثلا؟ قصاصات الورق؟ قلامات ~~الأظافر؟ شعرة من جسده؟ أو حتى بعضا من بوله؟! كيف يمكن أن تشف روح الإنسان في وحدته ~~إلى درجة أن يتوسل محبوبه الغائب عبر مخلفاته الصغيرة؟! # يجمع أسلوبه اللغوي بين الكلمة الإنجليزية (البريطانية) الرفيعة وبين التعبيرات الدارجة ~~الحديثة. يجيد القفز بينهما في نقلات رشيقة، لا نتوءات حادة تعرقل استرسال التلقي، ~~وبغير إثقال من أي منهما على الأخرى. كما يجيد الجمع بين الجملة الطويلة التي تزخر ~~بالجمل الاعتراضية، وبين الجملة الخاطفة المباغتة التي تشبه الومضات أو الطلقات التي ~~تعمل ms04 على إنارة النص حينا، وفي حين آخر تعمل على تسريب شحنة من الصدمات المتوالية التي ~~قد تحول فكر القارئ عن المسار الذي كان قد ركن إليه قبل لحظات. # وعن المعجم الخاص بالكاتب، لا بد أن نذكر أنه لم يكتف بمعجمه البريطاني، بل انفتح ~~على ثقافات العالم مثلما نجد في قصة «أحلام» حين استعار مفردات من المعجم العربي، بل ~~الإسلامي، مثل كلمات: مجاهدين - أمة ( # ummah - ~~mujahedin ~~)، أو حتى تراكيب عربية من قبيل «العين بالعين والسن ~~بالسن» ( # An eye for an eye, A tooth for a tooth ~~) تلك ~~القصة، «أحلام»، حين جمع على نحو ساخر «أحلام» الأقطاب الأربعة المشتجرة فوق مسرح الإرهاب؛ ~~أمريكا بوصفها القوة المهيمنة في العالم، الدين، وأسامة بن لادن والمدنيون الأبرياء ~~الصرعى. جمع أحلام هؤلاء ورصدها على نحو أقرب إلى الحياد مما يسمح للقارئ أن يصدر حكمه ~~الخاص على من يراه مذنبا ومستحقا للقصاص. # مثل كثيرين من كتاب القصة القصيرة الحديثة، يبدأ ريفنسكروفت نصه، أحيانا، من منتصف ~~الموضوع، أو ربما من نقطة الذروة، ثم يعمل على «لملمة» الزمن من الأمام ومن الخلف حتى ~~تكتمل قصاصات الصورة المشهدية في آخر سطر ربما. # ويقودنا هذا إلى الكلام عن النهايات؛ فهو أحيانا - برأيي الخاص - يثقل النهاية بإيضاح ~~وشروح قد تفسد جمال ورهافة الوقفة المفاجئة المبتسرة التي يجيدها بعض الكتاب ~~المرموقين والتي أجادها هو نفسه في أكثر من قصة في هذه المجموعة. تلك الوقفة التي شأنها أن ~~تدع للقارئ ثغرة يدخل منها إلى فضاء التأويل وثراء الدلالة. فلا هي أغلقت النص على ~~أحادية التلقي ولا هي عطلت القارئ عن عمله في إكمال المشهد مع الكاتب عبر معينه ~~المعرفي الخاص ودرجة نفاذه إلى النص. فيما النهايات الوافية الشافية المكتملة التي «لا ~~غبار عليها» تفوت على القارئ - برأيي - فرصة المشاركة الإبداعية كما أنها تحرمه من ~~متعة الارتطام بالمفارقة وتؤدي إلى استلابه لذة الصدمة. وفي سؤال لي حول ذلك الأمر أجاب ~~ريفنسكروفت بأنه يود أن يخاطب أكبر شريحة من القراء، على تبايناتهم، ولذا يحاول أحيانا ~~أن ms05 يطرح الغموض عن قصه ما أمكنه ذلك. # لا تخلو قصص ريفنسكروفت من ومضات من الواقعية السحرية واستجلاب الميتافيزيقا أحيانا ~~(كما نلمس في: رحم يتأهب - النبتة الصغيرة)، أو الاتكاء على الحلم بكل ما فيه من ~~فوضى وخرق لقوانين المنطق والتعليل (الجرس)، إلى جوار الواقعي والمتعين الممسوس بخيط من ~~الرومانسية أحيانا (البومة) تلك القصة الحافلة بكثير من الصور الشعرية وكثير من أسباب ~~الشجن الإنساني الرفيع. وفي حين آخر قد يوسل الحقائق العلمية في بناء شعرية نصه ما ~~يحقق الجديلة الثرية الجميلة بين العلم والأدب (أحوال المادة). كل تلك الخيوط، التي ~~ينجح ريفنسكروفت في غزل نسيجه عبرها، تجعل من تجربته مشروعا أدبيا متنوعا وثريا ~~وجديرا بالترجمة. # ورغم أن السرد أحد أقدم الفنون الإبداعية التي عرفها الإنسان إلا أن فن القصة القصيرة لم ~~يتم تأصيله في العالم إلا في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر فيما فن الرواية أكثر ~~إيغالا في القدم. فقد غدت الرواية شكلا مستقلا من أشكال الأدب في القرن الثامن عشر ~~الميلادي في إنجلترا، حتى ولو استطعنا رصد جذورها الممتدة بعيدا في الأدب الإغريقي ~~القديم. # ظهرت ملامح النضج القصصي الأولى في أعمال بعض الكتاب مثل تشيكوف وموباسان بينما لم تتجل ~~ملامح التكثيف الدلالي والتعبير الفني الحداثي العالي إلا في أعمال المحدثين في بداية ~~القرن العشرين مثل جويس وكافكا وهيمنجواي وغيرهم، ورغم ذلك لم تسد نظرية واحدة وقتئذ ~~تحدد معايير هذا الفن. # ويمكن لمتتبع الإبداع الروائي أن يلمس كيف تطورت طرائق السرد عند المبدعين منذ بداية ~~القرن العشرين وحتى نهايته مرورا بالمرحلة الوسطى التي تحول فيها السرد نوعيا على يد ~~رواد الحداثة من أمثال بروست وجويس وفرجينيا وولف. # ظهرت بادرات التجديد عبر أعمال تعتمد التجريب في محاولة التعبير عن أزمة الإنسان ~~الروحية في العصر الصناعي الحديث، عن نوازعه النفسية وأعماقه الخبيئة ومزاجه القلق. ~~وتجلى خط التأزم الروحي والأخلاقي في بطل كافكا الذي يعيش صراعا ضاغطا في مواجهة ~~العالم المادي المميكن البيروقراطي الذي أحال البطل إلى صرصار في رواية «المسخ». وتزامن ذلك ~~مع ms06 تجريب مارسيل بروست وفرجينيا وولف في تقنية الكتابة بوصفها حفرا في الذاكرة مختلطة ~~برؤى تصنعها أحلام اليقظة عبر تفتيت الزمن والأحداث وانتثار وتشظي الوقائع إلى دقائق ~~صغيرة، فيما عرف بتيار الوعي الذي حاول رسم الرؤى والمشاعر والذكريات التي تفيض بها عقول ~~الشخوص وقد برعت فيه وولف مع إضافة تقنية الرمز لتؤكد هشاشة العلاقات الإنسانية في عالم ~~انهارت قيمه الاجتماعية، كما نلمح في العديد من أعمالها مثل «صوب المنارة، وبين فصول ~~العرض». كما أثرت الحركة الوجودية بشكل كبير على الأدب في الثلاثينيات والأربعينيات من ~~القرن العشرين، فظهرت أعمال تكرس عبثية الحياة وتشوشها ولا جدواها كما في أعمال سارتر ~~وكامو. # تبنى الفن بعدئذ نهج هدم المسلمات القائمة في تصوراتنا عن الأشياء، إذ لا شيء ~~محددا يمكن أن نطلق عليه واقعا إلا عبر رؤيتنا له من منظورات متباينة تبعا للظرف ~~والعين الراصدة وزوايا النظر. وقد ترتب على ذلك تطور في الأدوات الفنية فيما يتعلق ~~بالبنية السردية للنص، فأصبح السارد يعتمد العبارات المبتسرة الحادة المتشظية محاولا ~~الوصول إلى شيء من الحيادية في رصد العالم، متخلصا من النزعة الذاتية التي تخالط عادة ~~الأعمال الأدبية. حاول بعض المبدعين تنحية النوازع البشرية من حب وكراهية وانفعالات ~~وثورية تاركا للقارئ حرية بناء رؤاه الخاصة. وظل التجريب في الأدب معنيا طوال الوقت ~~بالبحث عن أشكال جديدة تناسب العصر. وقد ترافق مع هذا التوجه بروز تيارات عالمية في ~~الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين في فن السرد الذي غدا يمتلك القدرة العالية على ~~الإيحاء رغم التصاقه الشديد بالواقع، والذي قد يجمع بين الوثائقية والانغماس المفرط في ~~التفاصيل الصغيرة التافهة حد الملل، ثم المرور العابر على الأحداث الكبرى مثلما نجد في ~~رواية «العطر» الشهيرة لزوسكيند. # ما الذي فجر هذا التغير تحديدا؟ هل هموم الإنسان ذاته (كموضوع)، أم إن الذي تغير ~~هو رؤية المبدع (كفاعل) لموضوعه وطرائق توسله الجماليات الفنية الجديدة لبناء هيكله ~~الدرامي؟ أم إن الثورة الصناعية واشتعال الحروب الكونية، ودخول الحرب الكيماوية (تلك التي ~~أبرزت نزعة الإنسان الوحشية التدميرية) ضمن تقنية ms07 الحرب العالمية الأولى وتبدل خريطة ~~العالم كان لها انعكاسها المنطقي على الفن باعتباره انعكاسا لمجريات الحياة؟ # القرن العشرون يعكس سمات التناقض الشديدة في الإنسان. إذا ما تأملنا المنجزات ~~الصناعية والتكنولوجية الكبرى سيما الثورة النووية ثم الرقمية التي أنتجتها عقول لامعة من ~~العلماء من جهة، والتي تزامنت مع، وربما أدت إلى، النزعات السيادية التخريبية الكبرى ~~التي تجلت في الحروب ومحاولة الاستئثار بالهيمنة على العالم من جهة أخرى، تزامنا مع ~~العديد من النظريات الوضعية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أنتجتها ~~مجمل الفلسفات الحديثة على تناقضها، ثم المناداة بسقوط مجمل السلطات الفكرية والدينية، ~~لاكتشفنا كم هو قرن ثري غرائبي مشحون بالمفارقات. وكان بديهيا أن يتأثر الفن بوجه ~~عام بكل تلك الالتباسات والهزات التي خلخلت ثوابت الإنسان التي كانت زرعتها، إلى حد ~~بعيد، العقائد الدينية. # إلى أي مدى انزاحت طرائق تناول الكاتب لهموم الإنسان سياسيا واجتماعيا ووجوديا منذ ~~الكلاسيكية كما في «الحرب والسلام» لتولستوي أو حتى «الدون الهادئ» لشولوخوف، رغم انزياحها ~~قليلا عن الواقعية الاشتراكية بمعناها المثالي بالمفهوم الأدبي النقدي، وحتى الآن؟ # إلى أي مدى تبنى المبدعون مبدأ الفن للفن الذي بدأ التنظير له إدجار آلان بو، وإن ~~اكتفى بالتنظير ولم يتجل ذلك كثيرا في سرده وشعره، عوضا عن مبدأ الفن ذي الرسالة ~~المحمل بأثقال القضايا وهموم المجتمع والوطن؟ وكيف يحاول كتاب اليوم عمل معادلة محسوبة ~~تجمع بين المبدأين الواقفين على طرفي النقيض؛ بحيث لا تطغى الأيديولوجيا على الفن، أو ~~يحلق الفن منفصلا عن الحياة والأرض؟ هل من الممكن حقا الوقوف على أرض سواء بين الفن ~~والرسالة؟ # ربما عبر هذه المجموعة ومقارنتها مع معيننا المدخر من قراءاتنا المتراكمة يمكننا أن ~~نقف على إجابة للسؤال التالي: كيف عبر قلم المبدع عن محنة الإنسان عبر الزمن؟ هل تغيرت ~~رؤية المبدع للوجود؟ أم إن الذي تغير هو شكل التعبير عن تلك الرؤية؟ هل تغير «البطل» ~~المروي عنه من الفارس إلى «المهمش» المطحون الذي لم يكن ليغري الكتاب القدامى ~~بتبنيه كموضوع؟ هل تباينت أزمات الإنسان منذ بداية القرن ms08 الماضي وحتى نهايته؟ خلال ~~فترة خاض خلالها حربين كونيتين، وتغيرت ملامح الخارطة؟ فترة صنع فيها الإنسان وعاش ~~تحولات سياسية واجتماعية وتكنولوجية وثقافية وفلسفية وفكرية كبرى، قرن من الزمان ~~نشأت خلاله مدارس وانهدمت أخرى، كيف تبدل الإنسان وكيف تبدلت همومه وأحلامه؟ # والأهم من ذلك كيف تبدلت العين الراصدة له: عين المبدع؟ # فاطمة ناعوت # مدينة الرحاب # يونيو 2005 # | الأشياء التي تركتها وراءك1 # طوال الأسبوع الماضي، لم يكن بوسعي النظر إلى سلة الغسيل بالحمام. ما زالت ملأى ~~بأشيائك. والحقيقة هي أنني أصبحت خائفا منها، مرعوبا مما قد أجده داخلها. قطع الملابس ~~الداخلية، مشدات الصدر، بنطلون الركض الخاص بك. جواربك. أنا واثق تقريبا أن زوج الجوارب ~~الذي أهديته لك في عيد ميلادك الأخير كان هناك؛ الجورب الذي يحمل تطريزا عند الكاحل يمثل ~~رمز إلهة الأنوثة بخيوط ذهبية. لو رأيت أشياءك ثانية، لا أعرف ماذا سيفعل ذلك بي، لذلك، ~~كلما أردت استخدام التواليت، أدير وجهي للحائط، وأحملق في الرسومات على ورق الحائط. ~~أتظاهر وكأنني في عالم مختلف، حيث الحمامات خاوية، وسلال الغسيل ليست موجودة. # لكنها هناك، أعلم أن سلال الغسيل موجودة. في العالم الذي تركتني به، سلال الغسيل ~~موجودة في كل مكان. كلما استعملت التواليت، أعلم أنني على بعد قدم من أشيائنا، من ~~الأشياء الخبيئة بالداخل. إنها تناديني. الأشياء التي خلفتها وراءك. # لذلك سوف أتعامل معها اليوم. اليوم سأفرغ السلة. # وها هي الطريقة التي سيتم عليها الأمر. # سأجد قطعة الملابس الداخلية التي تخصك، لونها أصفر فاتح ولها أحزمة حول الخصر. شعرتان ~~ملتفتان مشتبكتان ببطانة السروال. إنه شعرك. # سأجلس لبرهة بعدما أضعهما في راحة يدي، ثم آتي بقصاصة ورق. سأفرد الشعرتين على ~~الورقة وأحاول أن أقيس طولهما. يبدو ذلك أفضل ما يمكن فعله، أوقن أن فعل ذلك سيجعلني ~~في حال أفضل. مثل ذاك اليوم الذي أعاد فيه البوليس أغراضك الشخصية، قلت شكرا، أنتم طيبون ~~جدا، وبعدما مضى رجال البوليس، تناولت ميزان المطبخ وشريط القياس ورحت أزن أغراضك ~~وأقيسها. # هل تذكرين مفاتيحك؟ وزنهم 78 جراما، وكان الأكبر ms09 بين المجموعة (مفتاح سيارتك) بطول 73 ~~مليمترا. # شعرتاك ستكونان وغدتين إلى حد ما. تتصرفان على نحو سيئ. كلما شددتهما تلتفان حول ~~إصبعي من جديد. لا جدوى، لن يفعلا ما أريد. # تبدوان مألوفتين؟ # سوف أنجح في النهاية. إحدى الشعرتين ستكون 24 مليمترا طولا، والأخرى 27,5 مليمترا. ~~سوف أقيس بعضا من شعيراتي لأقارن. ستكون أطول بكثير، وسوف أتساءل ما إذا كانت هذه ~~اختلافات أساسية بين الذكر والأنثى، أم إن الشعيرتين اللتين وجدتهما في سروالك تصادف ~~أن كانتا قصيرتين. # سألصق شعرتيك على الورقة، واحدة جوار الأخرى، أغطيهما بشرائح اللاصق الشفاف، وأدون ~~تفاصيلهما. ثم أضع الورقة في مظروف أكتب عليه بخط أنيق «شعيرات كاثي (2)»، ثم أضعه في ~~الصندوق، في محاذاة بقية الأشياء التي نجحت في استنقاذها من الغرق. # بعد ذلك، في نهاية إحدى ساعات الليل المرهقة، سوف يغدو المنزل كبيرا جدا، ولن يكون ~~بوسعي النوم، ولن يكون هناك شيء بالتلفزيون سوى بعض برامج البورنو الخفيفة وعروض ~~المسابقات، لذلك سوف أخرج الصندوق من مخبئه، وأتفحص ما به مليا، ببطء، أستنشق، لن ~~أتعجل، سوف أمتص آثارك وشذراتك بشفتي وأنفي ولساني وأصابعي. # مداخل المباني، هكذا أفكر بها. الأشياء التي تركت وراءك هي المداخل، مداخل ~~الذكريات، ممرات الوميض والتحولات. أمر عبر هذه، أو تلك، لأجد نفسي في بقعة مختلفة ~~منك. بقعة مختلفة منا. # لدي خاتم الزفاف الخاص بك. حين ألتقطه، لا أتذكر مكتب «باكستون» لتوثيق الزواج، ~~ولا كعكة الزفاف ذات الخمسة عشر جنيها إسترلينيا، التي كانت شديدة الصلابة حتى إننا لم ~~نستطع تقطيعها، ولا حتى حقيقة أنك لم تستطيعي نطق كلمة «عائق ~~شرعي». تلك الأشياء تأتي لاحقا. الذي أتذكره أولا ~~هو اللحظة التي قذفت فيها بالخاتم، هذا الخاتم الذي اشتريته من أجلك، ومررته حول ~~إصبعك. قذفته لي. طوحت به في وجهي. وأتذكر كيف ضاع وانتهى به الحال في وعاء الكلب، ~~وبعدها بلحظات، داخل الكلب ذاته. وأتذكر الراحة على وجهك حين خرج أخيرا من الناحية ~~الأخرى. # أتذكر كيف جعلت الماء الصافي ينساب فوقه في حوض المطبخ لتنظيفه من غائط ms10 الكلب، ~~تضحكين قائلة: «يجب أن يصبح هذا الأمر رمزا!» # وكنت محقة، فقد كان. # لكنني لا أذكر ماذا تعني تلك الرموز يا كاثي. لا أذكر ماذا يعني أي منها. ربما تعني لا ~~شيء، ربما كما قلت أنت مرة، الأمر كله نكتة كونية. # حتى ولو كان الأمر كذلك، سوف أستمر في تجميع الأشياء. # الأسبوع الماضي وجدت قلامة ظفر إصبع قدم ضالة كانت مختبئة تحت حوض الحمام. بها أثر من ~~طلاء أظافر أحمر، لهذا عرفت أنها لك. وكذلك - أظن في اليوم ذاته - صادفت قائمة مشتريات ~~مكرمشة في جيب معطفك، وكذا إحدى شخبطاتك: أرنب رسوم متحركة مرسوم بعشوائية على ورقة ~~ملاحظات صفراء، كنت وضعتها داخل الكتاب كي تحددي أين وقفت. «هاري بوتر» وحجر الفلاسفة. ~~الكتاب الأخير الذي كنت تقرئينه، لكن الأرنب أخبرني أنك لم تنتهي من قراءته. وصلت إلى ~~صفحة 29، تماما مثل عمرك. هل يعني ذلك أي شيء؟ # لا أظن يا كاثي. لكنني سوف أحتفظ بالكتاب وبالعلامة وبالشخبطة وبقلامة الظفر وبشعيرات ~~العانة وبمفتاح سيارتك وبخاتم الزفاف وبكل القطع الصغيرة الحزينة الآسفة التي تركتها ~~وراءك. سوف أحفظها جميعا في صندوقي. # وسوف أعمل قدر إمكاني على الاحتفاظ، لأطول وقت ممكن، بالشيء الأشد حزنا والأشد أسفا ~~منها جميعا. # سوف أحتفظ بنفسي. # | البومة1 # كان الكوخ بديعا؛ كل النوافذ من ألواح خشب الصنوبر الثقيلة بارتفاع من الأرض إلى ~~السقف، على مدار ثلاثة أوجه من أوجهه الأربعة. كان «سايمون» قد أحب شكل الكوخ بمجرد ~~أن رأى صورته في كتيب الإجازات. غير أنه أحب الكوخ الحقيقي أكثر. # سأل «ماري» بينما تخشخش سيارتهما عند المدخل المغطى بالحصى الصغير: «ما رأيك؟» # التفتت إليه وتنهدت قائلة: «أعطني فرصة.» # قال سايمون: «آسف!» # أوقف السيارة وهبطت ماري. مشت صوب سياج مطلي يفصل واجهة الكوخ عن الحقل. سياج من ~~الأوتاد البيضاء، يشبه ذلك الذي يعرف أنها حلمت به حين كانت فتاة صغيرة. تحقق حلمها عبر ~~قرار سايمون الأخير. كان هذا الحلم هو أحد أسباب اختياره هذا الكوخ تحديدا وهذا الموقع ~~تحديدا. # راح يتأملها لحظة، ويفكر: «زوجتي، «ماري» ms11 التي تخصني.» # شاهدها وهي تثبت أطراف أناملها واحدا إثر واحد فوق حافة السياج، وتذكر كيف اعتادت أن ~~تفعل الشيء نفسه فوق ذراعه العارية. قبل زمن من الآن. زمن طويل. # نزل من السيارة ولحق بها. كانت فرصة ليريح ساقيه ويمدهما. بالطبع شيء من الشراب ~~القوي سيكون فيه راحة أكبر، لكنه كان قد وعد، وبوسعه أن ينتظر. وقف جوار سياج ماري، ~~يدلك عقد التوتر المتجمعة في عموده الفقري، يعب من هواء الريف المضفور بروائح ~~الأرض والغابة الدافئة والأعشاب النامية. # الحشائش الخضراء المزالة من المرج العشبي الخشن أمامهما كانت منحدرة بعيدة عن الكوخ - ~~الذي سيكون كوخهما على مدى الأسبوعين القادمين، أو طالما استطاعا أن يبقيا في رفقة بعضهما ~~البعض - ومكومة في اتجاه شلال المياه الذي يلمع في الوادي المنبسط بالأسفل. وخلف الماء، ~~ربما على بعد خمسين مترا، كانت ثمة غابة. جذوع الأشجار وأوراقها المتحورة بدت رائعة ~~الجمال في ضوء الشمس المائلة. # نظرت ماري نحو المشهد غير أنها ظلت صامتة، وتصور سايمون ماذا يمكن أن يعني ذلك، ~~كل منهما محبوس داخل عالمه الخاص المنفصل، هو يمشي وحيدا خلال الغابة التي تناديه، ~~الغبار والجذور المتكسرة تحت قدميه. هو لا يريد ذلك. # قال: «حسنا!» لمحة من التوتر شابت صوته. سرعان ما ندم عليها. # حولت ماري عينيها إليه في ضوء الشمس المحتضر، لكنها لم ترفع يدها لتظلل عينيها. ~~أطراف أصابعها كانت مربوطة فوق قضبان السياج. # أجابت: «إنه جيد.» ~~«جيد وحسب؟» # أدارت رأسها ونظرت مجددا نحو الحقل. حاول أن يرى المياه والغابة خلال عينيها. # قالت: «كلا! ليس جيدا وحسب. أفضل من جيد. ربما مثالي!» # أومأ برأسه. # قال: «حسنا، كل شيء على ما يرام إذن!» # بعد برهة عادا إلى السيارة وبدآ في تفريغ أغراضهما. ~~••• # كان بالكوخ سريران متشابهان. سألها إذا كانت ترغب في ضمهما معا. نظرت إليه، لكنه لم ~~يستطع قراءة التعبير فوق وجهها. # قالت: «هل يزعجك إذا لم نفعل؟ ليس الليلة على أية حال. ربما فيما بعد.» ~~••• # جلس على أحد المقاعد ذات المساند داخل الكوخ، زجاجة خمر على ms12 الطاولة إلى جواره. شاهد ~~«ماري» تتجول في الخارج. بعد برهة عادت أدراجها إلى مكانها جوار السياج وزرعت نفسها ~~هناك، متوجهة بنظرها إلى القمر. كانت ليلة دافئة. النشرة الجوية وعدت بهذا. كل شيء على ~~ما يرام حتى الآن. # كانت الكلمات قليلة، لكنهما أفرغا أمتعتهما، أعدا وجبة سويا، جلسا، تناولاها معا. ~~أطلق نكتة، وابتسمت ماري. لم تذكر شيئا بشأن إسرافه في الخمر. وهو لم يثر مشكلة بشأن ~~السريرين. # قال للغرفة الخاوية: «هذا مكان جميل!» # رفع كأسه، وشاطر الكوخ نخبه، شرب نخب الغابة، شلال الماء، شرب نخب قراره. ثم نظر عبر ~~الزجاج، ورأى ماري في ضوء القمر وقد تحولت إلى تمثال من الذهب. # كان قد حجز للإجازة من غير أن يخبرها، باغتها بالخبر أمس، وضعها أمام الأمر الواقع. ~~اشتعلت غضبا، وكادت ترفض المجيء. مر الوقت فيما يقود السيارة إلى هنا على نحو غير ~~مريح على الإطلاق. لكنهما هنا الآن، كان سعيدا وتمنى أن تكون سعيدة أيضا. # قال ثانية: «مكان جميل!» رجع الصوت إليه، دافئا خشبيا عبر الكوخ الصنوبري. # التفتت ماري. توقفت. ثم رمت بصرها إلى البعيد مجددا. # في القديم كانت تستطيب صوته. كم قالت: «حسنا، رغم إنك تشبه الكلب، لكن على الأقل لك ~~صوت لطيف!» # كانت تضحك ضحكة واسعة وتلوي شفتيها بسعادة حين يعرض عليها أن يقرأ لها في السرير. كم ~~أحب أن يراها تسقط في النوم على صوته فيما يقرأ. ما زال بوسعه أن يشعر بأناملها ترتاح ~~فوق فخذه، بوسعه أن يتذكر شعوره بالأمان وهي تنجرف بعيدا في قصص «ه. إي بيتس» # 2 # أو «توماس هاردي». حتى بعد أن تنام كان يواصل الحكي، كان يحبها بصوته ~~ويود أن يرسله إليها في أحلامها. # عند نقطة ما توقفا عن فعل ذلك. لا يتذكر لماذا، أو متى. # رشف من كأسه وفكر في اليوم الذي حملها فيه إلى أعلى السلم في بيتهما الأول، شقة ضيقة ~~أعلى دكان بيع الطلاءات. تألم ظهره يومها، واضطر إلى النوم على الأرض ثلاث ليال. كانت ~~تطعمه حساء، وفي يوم جاءت البيت ms13 بكلب صغير. في تلك السنوات الأولى كانوا غالبا يجلسون ~~ثلاثتهم في الشرفة يشاهدون العابرين، وحركة المرور، ويشاهدون السيارات التي تزحف صوب ~~الشارع الرئيسي. # قالت ذات مرة: «تحب أن تراقب الحياة، أليس كذلك؟» # تأمل انعكاسها الباهت على الزجاج، ورآها تنظر إليه. ~~- «نعم. مراقبة الحياة ليست مخيفة مثل معيشتها!» # داعبت شعره ولامست النافذة بأنفها. # قالت: «مراقبة الحياة عبر الزجاج !» وبقيت الكلمة معه. # ضحكا وقتها كثيرا. حتى كلبهما ابتسم. بالتأكيد لم يكونا قد عرفا، لم يكونا قد قدرا ~~الزمن قدره، ولا المكان. ~~••• # كان نصف نائم في مقعده حين دخلت ماري الكوخ راكضة. # قالت: «تعال إلى الخارج، أسمع شيئا.» # وضع كأسه وتبعها. استقبله الليل والنجوم والفضاء. شبح أسود اللون قطع الهواء فوق ~~رأسيهما، بصوت كالنداء. # همست: «أليست هذه بومة؟» ~~«لا أدري.» رد هامسا أيضا: «جائز.» # جاء النداء ثانية، من وراء الشلال هذه المرة، هناك عند الغابة. صوت حزين، هكذا فكر ~~سايمون. صوت محزون شجي شق طريقه عبر حوائط دفاعه فتذكر طفلتهما، طفلتهما تقريبا. ~~كانا سيدعوانها «كيت»، اشتريا ملابس أطفال، ورسما الخطط. بلا جدوى. لم تعد ماري تتحدث ~~عنها بعد ذلك. لم يصبح أبا، لكن ذلك لم يعد مهما الآن. حتى وقتها، لم يكن الأمر ~~مهما جدا. الأشياء كانت مرتبكة، و«كيت» كانت مجرد احتمال. ضاعت منهما. الكوخ كان ~~احتمالا آخر، فرصة، ربما فرصتهما الأخيرة. لا يريد لتلك الفرصة أن تضيع منهما ~~أيضا. # قالت ماري: «أعتقد أنها كانت بومة.» # نظر إليها، عيناها تتألق في ضوء القمر. أراد أن يقبلها. تمنى لو لم يترك الخمر في ~~الكوخ. # قال: «أعتقد ذلك أيضا!» # لمس يدها. فابتسمت. ~~••• # في الثالثة صباحا كف عن محاولة النوم. تسلل خارج غرفة النوم. صب كأسا آخر من ~~الاسكوتش، ثم عاد إلى مقعده جوار النافذة. كانت ماري أسدلت الستائر. قام ورفعها، ونظر إلى ~~الخارج صوب الحقل المضاء بنور القمر. كانت السياج شديدة البياض، بدت وكأنها تطفو في ~~الظلام. # سألت قبل أسبوعين: «هل انتهى كل شيء؟» تذكر جهاز التليفزيون القابع في ركنه، يغمغم ~~بأخبار السادسة. # أجابها ببطء: ms14 «ماذا؟» زلزال آخر في مكان ما جنوب أمريكا. تظاهر بأنه يستمع. ~~- «هل انتهى الأمر؟» # لم يكن قادرا على ملاقاة عينيها. رشف من كأسه كما يرشف منها الآن. # قال أخيرا: «لا أدري!» # لم تتكلم لبرهة. ثم قالت: «أظن ذلك.» # من خلف السياج ذات الأوتاد البيضاء لمح شيئا يقترب، شبحا قاتما يحلق في الهواء. ~~كان هجوما مباغتا، قويا بما يكفي لجعل الكوخ يرتعد، وعالي الصوت بما يكفي لجعله ~~ينكفئ إلى الوراء، فاندلق الخمر على السجادة. # تصدعت النافذة طوليا من أعلى إلى أسفل. ثم سمع ماري تصيح من غرفة النوم. ~~- «سايمون؟ ما هذا؟ يا إلهي! ماذا فعلت؟» # رد عليها: «لا شيء! شيء ما خبط النافذة. أنا ذاهب لأرى.» # كان ضوء القمر خافتا لكنه ساطع. استغرق ثواني قليلة ليحدد موقع الطائر الجريح. كان ~~هناك جوار السياج. راقدا على جانبه، ينتفض بعنف. ركض سايمون نحو المدخل ذي الحصى ~~المجروش، وقرفص جواره. # هتفت ماري من باب الكوخ، حبكت قميص نومها ليقيها هواء الليل. وكان شعرها معقوصا ~~لأعلى. # سألت: «ما هذا؟» # احتوى الطائر بيديه ثم انتصب واقفا. كان الطائر يرتعد بين يديه ولم يكن فيما يبدو ~~واعيا. # قال: «هذه بومة ... أعتقد أنها بومة من نوع ما!» # أحد الجناحين كان متدليا بزاوية عجيبة، العظام تطقطق بوضوح، والرأس لم تكن في ~~موضعها. # قالت ماري فيما تلحق به عند السياج: «ماذا بوسعنا أن نفعل؟» # هز سايمون رأسه: «لا أعتقد أن بوسعنا فعل أي شيء، أظن أنها ماتت بالفعل.» ~~- «لكنها تتحرك. انظر إليها. ياللكائن المسكين! فقط انظر إليه.» # اهتزت البومة بين يدي سايمون. فتحت منقارها في ارتجافة أخيرة، ثم توقفت الرعشة. ~~اختبر سايمون النبض بجسدها، لم يكن واثقا أين يضع إصبعه. لكن شيئا لم يكن هناك على ~~الإطلاق. # قال: «ماتت.» # نظر إلى ماري ورأى الدموع بعينيها. # قال: «لا أظن أنها تألمت طويلا، إنها صفعت النافذة وحسب، ربما طارت مباشرة صوب تلك ~~النافذة اللعينة. أعتقد أنها خبطتها فماتت من فورها.» # مدت ماري يدها وداعبت ريش البومة. لا دم هناك. لا قطرة واحدة. ms15 نفس الشيء كان مع «كيت». ~~نفس الشيء تماما. # قالت ماري: «إنها جميلة جدا، هل تعتقد أنها هي ما سمعناها تنادي؟ أظنها هي. يا إلهي، ~~ياللعار!» # ثمة شيء في نبرة صوتها حرك ثقلا جبارا في صدره. كان عليه أن يزدرد لعابه قبل أن ~~يمكنه الكلام. # قال: «سوف ندفنها في الصباح، سنأخذها إلى الغابة في الأسفل هناك، ونبحث عن بقعة جميلة ~~وندفنها سويا.» # رفعت ماري بصرها إليه وقالت: «نعم، يبدو هذا مناسبا. فلنفعل!» # ألقت لمحة سريعة إلى الكوخ ثانية ثم همست: «وربما علينا أن نأتي بأحدهم ليصلح تلك ~~النافذة. إذا قامت عاصفة سوف تطيح بنا.» # أومأ سايمون. كانت على حق، لكن شيئا داخله لا يريد للنافذة أن تصلح. فقد نال الكثير من ~~مراقبة العالم عبر الزجاج. # قال: «لا أظن أن عاصفة سوف تهب.» # وقفا للحظة جوار السياج، ينظران خلال ضوء القمر إلى جسد الطائر بين كفي سايمون. ~~تتأرجح ماري قليلا من جانب إلى آخر، كعادتها حين تقوم بتقدير الأشياء والتفكير بها. ثم ~~لمست ذراعه بأطراف أناملها، انحنت إلى الأمام، ثم طبعت قبلة مفاجئة على وجنته. # قالت: «سوف أضم السريرين إلى بعضهما، أنا مجهدة يا حبيبي. هل تأتي؟» # أزاح خصلة من شعرها فوق وجنتها وقال: «سآتي خلال دقيقة.» ~~- «لا تتأخر!» # شاهدها تعود إلى الكوخ، رفع يده إلى البقعة التي قبلته فيها. ثم أخذ البومة إلى ~~السيارة وأرقدها بعناية على المقعد الخلفي «شكرا لك!» قال. طوى جناحها المكسور برقة، ~~وأراح ريشها الطويل الغزير الناعم. «شكرا لك!» # أخرج كتابه المفضل من تابلوه السيارة. مجموعة من القصص القصيرة ل ه. إي. بيتس. وضعه في ~~جيب بيجامة النوم وأغلق السيارة. # عند مدخل الكوخ وقف في الهواء المنعش لدقيقة أو اثنتين، ينظر صوب القمر. ثمة بومة تمر ~~عبره، تنادي نداء حزينا وخافتا. # استدار. دخل إلى الكوخ. ثم أغلق الباب. # | رأس الدودة # موجة كهربائية طفيفة سرت بين الجمهور المحتشد بمجرد أن دخلت المكتبة المرأة ذات ~~القبعة الحمراء. كما قال مرة صديقي الطيب «جوزيف هيللر»: شيء ما قد حدث. # ورغم ms16 أنها وقفت في الصف مع الآخرين انتظارا لتوقيعي على نسخ «رأس الدودة»، إلا أنها ~~ظلت تبدو وكأنها تقف وحدها منفصلة. نظراتها ومظهرها ساهمت دون شك. الوجه تحت تلك ~~القبعة الصادمة وتحت شلال الشعر الأصفر الكثيف كان جميلا؛ أما الشخص الكائن تحت الوجه، ~~إن كان ثمة، فقد كان أجمل. # رغم هذا، فلم تكن نظراتها الجميلة ما ضربتني للخلف في مقعدي. ما ضربني أكثر كان الحقيقة ~~المؤكدة بأنها كانت «المؤمن الحقيقي». كان ذلك مكتوبا على كل أجزائها. # الوساوس تجلب قوتها الخاصة، بؤرتها الخاصة، وكل كاتب ناجح يحدث أن يتعرف عليها قريبا ~~أم بعيدا. اسأل «جون جريشام»، اسأل «ستيفن كينج». # 1 # اسألني أنا. جميعنا سوف يخبرك بالشيء ذاته. بعد فترة، سيحدث أن تشم ~~رائحة «الإيمان الحقيقي» لحظة دخوله الغرفة. والآنسة الشابة ذات القبعة الحمراء كانت ~~تجسيدا للإيمان الحقيقي. يمكنك أن ترى ذلك في جلستها، مشيتها، في طريقة ارتدائها ~~ثيابها. كان في وميض النار في عينيها، في تكور لسانها حين يتحرك للخارج ليتذوق ~~الهواء. # اقتربت أكثر، أظن أنني سمعت الخفقان. # واصلت توقيع الكتب، ألقي النكات، أكتب ما يطلبون مني أن أكتبه: «إلى سوزان والعائلة ... ~~إلى ماري ومايك ... أطيب الأمنيات ... سيمون كيركبي ...» # حين وصلت أخيرا القبعة الحمراء إلى طاولتي توقفت عن التوقيع. وضعت قلمي، رفعت كأس ~~الماء الخاص بي، وأخذت رشفة. هي انتظرت، راقبت. شعرت بصدمة مباغتة حين تلاقت العيون، ~~وأرسلت نظرة محدقة شاخصة. # نسختها من «رأس الدودة» كانت مشدودة بإحكام إلى نهدها الأيسر، محتضنة بمحبة أم ~~تحمل طفلها الرضيع. كنت منوما مغناطيسيا بالأفعى الصفراء المطبوعة على الغلاف ~~الخارجي الواقي للمجلد، مأخوذا بالطريقة التي تتماوج بها وهي تتحرك على إيقاع ~~تنفسها. أفعى كليوباترا تصعد وتهبط. # قالت: «أنا أعشق كتبك يا مستر كيركبي.» # صوتها كان خافتا مغويا ومغريا. مغر مثل كل شيء آخر حولها. ~~- «صحيح؟» ~~- «نعم، صدقني، أنا لا أكذب مطلقا.» ~~- «لا، بالطبع لا. أنا لم ...» ~~- «خاصة» رأس الدودة «إنها تعلمني. # إنها ... تتكلم معي.» ~~«صحيح؟» ~~«أوه أجل!» ~~«وماذا تقول لك؟» # دون تحذير أو مقدمات ركعت على ms17 ركبتيها. احتشد الناس رجوعا إلى الخلف. وأنا لو لم أكن ~~مأسورا في فخ مقعدي لفعلت مثلهم. ~~- «من بوسعه أن يفهم مثلي؟ من فضلك دعني ...» # أحنت رأسها وانتزعت قبعتها الحمراء اللامعة. وللصدمة، خرجت خصلة شعرها الصفراء معها. ~~وجدت نفسي أنظر إلى جمجمة عارية، عارية إلا من جديلة الشيب التي تغطيها الديدان. عشرات ~~من الديدان، كل واحدة مثبتة بمسمار لامع مدقوق عميقا في العظام. # نظرت إلى الأعلى وكانت عيناها متوهجتين. # همست: «رأس الدودة.» # قالت وابتسمت: «نعم.» # | أحوال المادة1 # نجلس على الشاطئ سويا، الرجل العجوز وأنا، نحدق بعيدا صوب البحر. النوارس ~~تحلق في دوائر فوق رءوسنا، تصرخ كما تفعل النوارس عادة. ملاعين كبار، أكبر حجما ~~وأعلى صخبا من النوارس التي تحملها ذاكرتي من أيام العطلات، حين كنت طفلا. # يظلل العجوز عينيه بيده ويقول إنه يستطيع أن يرى السفن في البعيد. # أنظر، محاولا ألا أفكر في «ماري»، محاولا ألا أتذكر الماء في شعرها، في ~~فمها. سوى أنني أتذكر كل شيء على أية حال. # أسأله: «أية سفن؟» # يهتف صوت في رأسي: «المجيء إلى هنا كان غلطة، يجب أن تبقى بعيدا عن البحر.» # أعلم. لكنني لا أستطيع. لم أعد أستطيع أكثر من ذلك. # يقول العجوز: «ثلاث منها، ما زال أمامها طريق طويل حتى تخرج، كنت بحارا فيما مضى يا ~~«جاك»، لي عين مدربة!» # أمسح الأفق بعيني بحثا عن سفن العجوز، سوى أنني لا ألمح شيئا. # فيما أبحث أسمعه يسعل، يتنخع ويبصق بعض البلغم ~~على الرمال. مرت خمس دقائق، ربما عشر، منذ فعل الشيء نفسه آخر مرة. أرمق البصقة ~~المختلطة. الآن بها دم أقل. # يقول: «هل ترى ذلك؟» ~~- «نعم، إنها إشارة طيبة.» # يومئ موافقا، يربت على فمه، ثم تغوص يده عميقا في طيات معطفه المبقع المجعد. ~~يجذب شيئا من جيب داخلي، يضعه على كفه، ثم يرفعه عاليا أمامي كي أراه. # يسأل: «هل ترى هذا؟» # مدى إبصاري ليس قويا لرؤية السفن، وهو أسوأ حتى من أن يرى الأشياء القريبة. ألقي نظرة ~~جانبية، شيء يشبه القنينة. قنينة زجاجية بالغة ms18 الصغر. أمد يدي، لكن العجوز يغلق كفه ~~ثم يهز رأسه. ~~- «انظر وحسب يا «جاك». لا تلمس. مثلما تفعل مع النساء وراء الفاترينات.» # اسمي ليس «جاك»، غير أن العجوز ظل يناديني هكذا منذ التقينا، كل شيء كان منذ ساعة. ليس ~~مهما بما يناديني. «جاك» سوف تفي بالغرض. إنه اسم أفضل من كثير من معظم الأسماء، اسم ~~أفضل مما أستحق . # يده تنفتح لي ببطء، مثل وردة متسخة من اللحم البشري، القنينة تلمع في المركز مثل الخباء. # 2 # أتزحزح، مجرجرا قدمي على لوح الخشب الذي نتقاسمه حتى صرت لصيقا به، ساقي اليسرى ضغطت ~~بقوة على ساقه اليمنى، إحدى طيات معطفه بيننا. رائحته الكريهة تجعل تنفسي سريعا وغير ~~عميق، لكنني لم أعد مميزا كما تعودت أن أكون. كل من أعرفهم هذه الأيام ينشرون رائحة ~~كريهة. أنا أيضا لي رائحة كريهة. كما تقول الأغنية، «بالفعل لم يعد أي شيء يهم». ~~- «هل تراها؟» # شفتاه متورمتان بسبب الركلة التي أخذها. صوته مثل نعيق الغراب. # أنحني تجاهه، أنفي على بعد ست بوصات تقريبا من رأسه. # القنينة تشبه الأخرى تماما. الأخرى التي سرقها الأولاد. ملأى بسائل أصفر داكن. # قلت: «نعم، أراها، ماذا بها؟ ويسكي؟» # أبدو ممتلئا بالأمل، يقهقه العجوز بصوت يشبه صوت الدجاج. ~~- «ويسكي؟ لا. كان فيما مضى. لكنه لم يعد كذلك!» # أهز رأسي. لا أحب أن أبدو محبطا، لكنني كنت كذلك، العجوز لاحظ ذلك. # قلت: «ماذا عن الأخرى؟» # يسعل ويبصق ثانية. لا دماء تقريبا هناك هذه المرة. ~~- «كلا. لا ويسكي هناك أيضا. الأوغاد الصغار. اللصوص». # الولدان اللذان قفزا عليه وخطفا القنينة الأخرى ذهبا بعيدا جدا. لا يمكن أن يكونا قد ~~تخطيا ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاما بحال. لم يرياني ناعسا وراء كثبان الرمال، أحلم ~~بالأمواج، لم يعرفا أنني هناك إلى أن وجدا يدي فوقهما. # ماشيا عبر الرمال، ليس بسرعة، ولا ببطء، كنت أفكر في «ماري». صوت البحر يستحضرها ~~مجددا، يستدعي الصور. هذا هو سبب انجذابي للشواطئ على هذا النحو. أنا بحاجة لأن أراها من ~~جديد فوق كرسي ms19 البحر ذاك، بقبعتها الوردية على رأسها، وسلتها القش عند قدمها. الجانب ~~السلبي في الأمر أنني أراها أيضا في المياه، مفتوحة الذراعين، يداها مرتخيتان على ~~معصميها، شعرها طاف حول عنقها مثل «أوفيليا»، # 3 # الغارقة التعسة. # الولد الأصغر كان أقرب؛ نموذج قبيح برأس مطلي بالأزرق وخاتم معلق من أنفه. كان بالفعل ~~قد ركز وعقد العزم على وجه العجوز، أرجع قدمه ذات الحذاء الطويل للوراء، تأهبا لتصفية ~~الرجل بركلة. قبضت عليه من الخلف، أمسكت بالخاتم وجذبته عنوة ممزقا أنفه. صرخ بحدة ~~عاليا مثل خنزير صغير، كور كفيه صانعا بهما كأسا يجمع دمه النازف من الأنف. # الصبي الآخر كان حوضا من الشحم، وكان وجهه قد غدا رخوا من الرعب. # أمسكت بالاثنين من شعرهما وصفقت رأسيهما معا بعنف. ليس بأقصى قوتي، لكن بما يكفي من ~~قسوة. # حين تركتهما يمضيان استطعت أن أخمن أن الرأس الأزرق لن يدع الأمر يمر، ورغم أنني لم ~~أعد كما كنت من قبل، إلا أنني أستطيع دوما أن أستخدم مظهري الخاص ونظرتي عند اللزوم. ~~اتخذت شكل الأخبار السيئة، ثم حررت سكيني، جعلتها تلمع في ضوء الشمس، وابتسمت بعذوبة ~~لهما. نحن الآن في خندق التأمل والصمت، داخل اللحظة. لحظة القرار. في لحظات كهذه، يحضر ~~«كلنت إيستوود» # 4 # في رأسي ويتحدث مليا: وإذن، أخبرني أيها المشاكس، ... هل تشعر أنك محظوظ؟ # كان العجوز يتأوه ويئن. تدحرج على جانبه، ارتكز على يده، ثم نهض. # نظرت إلى الولد البدين، رفعت حاجبي، وتقدمت إلى الأمام. ارتعد الولد وهرب ناحية ~~كثبان الرمل، قابضا على قنينة العجوز. استدرت صوب الرأس الأزرق. توهج في وجهي وحملق ~~شذرا، لكن لم يكن ثمة لهب حقيقي. بعد لحظات قليلة لحق بصديقه ماشيا بظهره، صائحا بكلمات ~~قذرة، ومتوعدا بالثأر. نفس القذارة القديمة. لا شيء لم أسمع به من قبل. # ساندت العجوز ليقف على قدميه، وتحركنا صوب اللوح الخشبي. جلسنا ونظرت داخل فمه. سنتان ~~مخلخلتان. وقطعة كبيرة من اللسان معضوضة ومتدلية من الجانب. مؤلم، لكن لا شيء خطير ~~جدا. # أخبرته: «سوف تكون على ما يرام.» ms20 # كنت أشعر بالزهو والتألق، التألق بالنسبة لي على الأقل. اليوم عملت شيئا مختلفا، كنت ~~مفيدا لأحد ما لأول مرة منذ ... منذ متى؟ لا أعرف، لكنه كان شعورا طيبا. # كانت الشمس تميل، تغطس ناحية البحر الأزرق الهادئ. العجوز وأنا جلسنا على لوحنا الخشبي ~~مثل صديقين حميمين، نتقاسم مشهد احتضار اليوم. # عندئذ أخرج قنينته ... # قال ضاحكا في سره: «ويسكي!» # يده الخاوية تمسح على فمه من جديد، برهافة على شفته السفلى المتورمة. ~~«لا، ما تراه هنا يا جاك، هو كل ما تبقى لي من امرأتي العجوز.» # دق القنينة الصغيرة بإصبعه الأصغر. الظفر مشقوق في موضعين، وقذر بشكل مدهش. # سألت: «امرأتك العجوز؟» # يومئ موافقا ويقول: «ساندي.» ~~- «زوجتك؟» # يصدر شخيرا. ~~- «زوجة؟ اللعنة، لا. لم يكن لدينا أوراق. لكنها كانت أكثر من زوجة بالنسبة لي، أكثر من ~~المرأة التي تزوجتها. عشنا سويا لعشرين عاما، ساندي وأنا.» # قلت: «هذا زمن طيب! زمن طويل طيب.» # العجوز لا يقول شيئا. أحدق في البعيد صوب الماء، والآن غدا بوسعي أن أرى سفنه، ثلاث ~~سفن غامضة ملتحفة بالضباب حيث تلتقي السماء بالبحر. ~~- «وإذن، ماذا حدث لها؟» # ينظر إلي ويحرك رأسه، وكأنه لا يستطيع أن يصدق أنني هكذا غبي. ~~- «إنها ماتت، ذهبت وماتت عني.» يقذف القنينة من كفه ويلتقطها بين سبابته وإبهامه. «وهذه ~~... هذه هي كل ما تبقى لي منها.» # نجلس هناك، هو وأنا، كل منا مثبت بقنينته الخاصة، كل منا يفكر في أفكاره الخاصة. ~~أنا أفكر في «ماري»، وأتساءل عن «ساندي». ربما في حياة أخرى، في كون آخر، كان بوسعنا نحن ~~الأربعة أن نكون أصدقاء. ربما كان بوسعنا أن نحيا حياة طبيعية. وظائف، حفلات عشاء، ~~أطفال. # أسأله: «وإذن، ماذا بها؟ ما زالت تبدو لي لطيفة الشكل كأقرب ما تكون إلى ~~الويسكي.» # العجوز يرفع القنينة إلى شفتيه ويقبلها. يرفعها إلى السماء فترسل الشمس المنخفضة عبر ~~القنينة سهم حربة حادة من ضوء الكهرمان. ~~- «ما تنظر إليه هنا يا «جاك» هو قنينة بول. بول حبيبتي «ساندي». بوسعك أن تقول: ماء ~~«ساندي» الطيب!» # أحدق فيه، ms21 أتساءل إن كان جادا، لكن شيئا ما في طريقة ولعه وتعلقه بتلك القنينة ~~جعلني أقتنع أن ما يقوله هو الحقيقة. ~~- «بولها؟» # أومأ. # أومئ أنا أيضا. # قد تأخذ كل أنواع المعاني، أقول لنفسي. لو كان ثمة شخص يعلم، سأعلم. ~~- «منذ متى تحتفظ بها؟ متى ماتت؟» ~~- «11 أغسطس 1990، الساعة الثالثة والربع عصرا. يوم حار، مثل اليوم.» # أركز تفكيري لثانية أو اثنتين، أعد على أصابعي للخلف. ~~- «11 أغسطس؟» # يومئ من جديد. ~~- «في أي يوم نحن الآن؟» # أجاب: «11 أغسطس ... عيد وفاة «ساندي». هل لديك ساعة يد؟» # لا أعرف ماذا أقول. أعرف كم أبدو قبيحا، وقد تسببت في إيلام حصتي الخاصة من البشر، ~~لكنني لست خبيرا فيما يتعلق بأمور الموت. حينما أرادت والدة «ماري» التحدث معي، ~~التحدث حول ما جرى، حينما أرادت أن يجيب أحد على أسئلتها، لم أستطع أن أفعل ذلك. لم أستطع ~~أن أساعدها. قلت لوالدة «ماري» إنني آسف، # 5 # ثم مضيت. # الآن، أنا أقول للرجل العجوز الكلام ذاته. قلت له: «أنا آسف»، و«كلا، ليست لدي ساعة ~~يد، لكن انظر، الشمس منخفضة عند خط الأفق. إنها ربما الثامنة، أو التاسعة.» # العجوز لا يقول أية كلمة، وظللنا نجلس في الصمت لبرهة. # سمعت صوتا يشبه الركض والشجار من ورائي ويدور حولي، أفكر أن الرأس الأزرق والولد ~~البدين ربما عادا وسط شلة من الصبية بعد كل ما جرى، لكنه لم يكن سوى طائر يركل الرمل ~~لأعلى. # ننصت إلى الأمواج المتكسرة، وإلى صرخات النوارس في السماء. الطائر وراءنا يتوقف عن ~~الضجيج والركض، ثم يطير بعيدا. # أخيرا، أسأله. ~~- «إذن كيف حدث أن حملت في جيبك قنينة بول عمرها ثلاثة عشر عاما لتتجول بها أينما ~~ذهبت؟» # ينظر إلي ثم يهز رأسه مجددا. ~~- «ماذا يعرف طفل مثلك؟ لن تفهم!» # أهز كتفي. إذا ما أغلقت عيني الآن، سوف أرى «ماري» في المياه. أفكر في أن أعرض ~~على العجوز تذكاري الخاص: خصلة من شعرها. ربما كي أريه أن لدينا أشياء مشتركة. # قلت له: «جربني.» # يحرك لسانه دائريا داخل فمه، محاولا عض ms22 شيء ما. وفجأة يضع نصف يده بالداخل، ~~يأخذ شهيقا عميقا، ثم يشد بغتة. عندما جذب يده إلى الخارج، كانت تحمل أحد أضراسه ~~المخلخلة. ثم يبصق على التراب. لون أحمر من جديد. # يقول: «الأوغاد الصغار! ما الذي جرى للأطفال هذه الأيام؟ لم يعد لديهم احترام.» ~~- «أليست تؤلم؟» # مرة أخرى، النظرة البلهاء. ~~- «تؤلم؟ بالطبع تؤلم. إنها تؤلم مثل الجحيم. لكن الألم لا شيء، ألم تتعلم ذلك بعد يا ~~«جاك»؟ الألم كله في الرأس، # 6 # مجرد كيمياء وكهرباء، مثل كل شيء آخر يجعلنا نرتعد.» # أتذكر شيئا اعتادت «ماري» أن تقوله عن الناس. «إنهم ذاخرون بالحكايا، الحكايا المدهشة. ~~حتى هؤلاء الذين يبدو عليهم أن شيئا لم يحدث لهم أبدا.» # أنا، لم يكن لدي أبدا الوقت للإنسانيات، لكن ثمة شيء ما حول هذا الرجل العجوز. حتى ~~أنا كان بوسعي أن أرى ذلك. # سألته: «ما اسمك؟» # يهز رأسه للمرة الثالثة. ~~- «الأسماء مثل الألم يا «جاك»، لا تساوي شيئا. إلا حين تموت بالطبع.» # يبتسم لي ردا لابتسامتي، أسنانه حمراء بالدم. ~~- «وإذن ... أتحب أن تسمع عن «ساندي»، أم لا؟» # أومئ. # يضع ضرسه على راحة كفه، بمحاذاة القنينة الصغيرة الملأى ببول الميتة «ساندي»، ثم يضمهما ~~لصق بعضيهما. # يقول فيما يواجهني بابتسامة عريضة: «اجتمع شملهما معا.» # ألاحظ للمرة الأولى أن عينيه ليستا متماثلتين. اليسرى بنية، اليمنى خضراء. تبدوان ~~مجهدتين وثقيلتين، لكنهما ما زالتا حيتين. ~~- «حسنا يا جاك. الشيء الذي لا بد أن تفهمه عن «ساندي» هو أنها عاشت في «السوائل». ~~ولدت في المطر جوار البحر، في العراء تماما على أحد الشواطئ. هكذا أخبرتني هي على أية ~~حال. كل حياتها كانت لها علاقة ما بالسوائل. «أنا إنسان سائل، أنا الحالة الثانية للمادة.» # 7 # هكذا كانت تقول. # أتذكر دروس الفيزياء الأولى. المعلم الذي كانت لديه «تفاحة آدم» بحجم بيضة دجاجة. ~~مساعدة المعمل الشابة ذات الصدر الضخم، كان الأولاد يتأملونها وهي تتحرك عبر ~~المعمل. # أقول: «المواد الصلبة، السوائل، الغازات.» ~~- «لقد فهمت الآن يا جاك. الآن أنت وأنا، نحن اثنان من «المواد الصلبة» إذا ms23 أتيح لنا أن ~~نرى. الحالة الأولى للمادة، كلانا. كل من له عينان بوسعه أن يرى ذلك. لكن ليس حبيبتي ~~«ساندي». إنها حتى كانت تتحرك مثل موجة. «ساندي» لم يكن لها «مشية» كان لها «تدفق». # فهمت ماذا كان يعني. عرفت فيما مضى نساء قليلات مثل ذلك. يعود السبب عند بعضهن إلى ~~التنورات الطويلة أو الكعوب العالية، لكن القليلات منهن «يتماوجن ويتدفقن» حتى وهن ~~عاريات. «ماري» كانت واحدة من هؤلاء. كنت أراها تتماوج من المطبخ إلى غرفة النوم، ثم تعود ~~تتدفق صوب المطبخ. # الرجل العجوز يواصل الحديث. ~~- «ساندي، كان لديها حوض استحمام كبير وقديم. كانت ترقد فيه لساعات، بشرتها تجعدت كلها. ~~تمكث هناك طيلة اليوم وطيلة الليل إن استطاعت. وكانت تصب تلك المستحضرات واللوسيونات. يا ~~الله، كانت تنفق نصف دخلي على هذه المستحضرات النسائية. لكنها كانت تأتي إلى الفراش ناعمة، ~~والطيب يفوح منها إلى درجة لا يمكن أن تتخيلها.» # كان مخطئا. أستطيع أن أتخيل، لكنني لا أحتاج أن أفعل. فأنا أتذكر. # أمد يدي إلى جيبي، أخرج صندوقي الصغير، أعرض عليه خصلة شعر ماري. يتفرس فيها، يلمسها ~~بإصبع قذر، ثم يومئ. ~~- «رحلت هي الأخرى؟» # شخص غريب هذا الرجل العجوز. أنا سعيد أن كان بوسعي مساعدته. # أرقب الشمس تغطس أكثر قليلا. ~~- «نعم، «ماري». كانت فتاة من نوع الحالة الثانية أيضا.» # أشعر بالغصة التي تنتاب أعماقي، حنين لم أشعر به منذ سنوات. يوما ما في القريب سوف ~~أحاول أن أعود إلى البيت ثانية. لأرى إن كان ثمة من ما زال يذكرني. # لم نتكلم لبرهة. # فجأة، يقف العجوز ويمشي صوب البحر. سفنه قريبة الآن. ألحق به، خصلة شعر ماري ما زالت ~~معي. # يقبل قنينة ساندي، يمسكها لدقيقة أخرى، ثم يقذف بها في الماء. # يقول: «جئت هنا لأقذفهما الاثنتين في البحر، ما زالت ... ثمة واحدة يجب أن ترمى.» # ينظر إلى شعر «ماري» ويرفع حاجبيه، لكن الوقت ليس مناسبا لي، ليس بعد. أخرج صندوقي، ~~أضع داخله الخصلة، ثم أعيد الصندوق إلى جيبي. # أقول له: «ربما يوما ما.» # الرجل ms24 العجوز يومئ. ~~- «لقد تأخر الوقت، هل لديك مكان ننام فيه؟» # شاحنتي تقف فيما وراء الكثبان. # أجيبه: «نعم.» # النوارس تزعق فوق رءوسنا، والبحر يجيش بعنف إلى الأمام وإلى الخلف، محركا جزيئات ~~المادة. # | باراكودا1 # الشابة الصامتة، التي ترقد في السرير رقم «6» تدعى «ياسمين». هكذا أدعى أنا أيضا. ~~سوى أن الأسماء محض نعوت قشرية، تطفو كالزبد، متأرجحة فوق سطح الماء. غير أن أمورا ~~أكثر عمقا كنا نتقاسمها. تلك الأمور التي جعلتها ترتاح إلي وحدي، والتي جعلتني لا أقضي ~~يوم عطلتي إلا إلى جوارها. # كان اليوم صعبا. عنبر المستشفى يئن بالمرضى، الأمر الذي جعل نهاري كله مشحونا ~~بالعمل: تفريغ السلال جوار الأسرة، ملء نماذج التقارير الخاصة بالمرضى، تبديل ~~الضمادات وتغيير الملاءات. وأخيرا، في نهاية اليوم تقريبا، تمكنت من اقتناص بضع ~~دقائق لإعداد فنجان من القهوة، أخذته إلى حيث المقعد البلاستيكي برتقالي اللون ~~جوار سريرها. أشعر بالامتنان لتلك الدقائق التي أريح فيها قدمي، وأنعم فيها بصحبتها من ~~جديد. ~~- «مرحبا يا ياسمين.» # أقولها، وكأنني أرحب بنفسي. إنها لا ترد. «ياسمين» لا ترد مطلقا، إنها مكتئبة حتى ~~العمق. # كانت «ياسمين»، مثلي تماما، إحدى الضحايا التي دمرها البحر. أنا أيضا كنت ابنة لأحد ~~الصيادين، من أجل هذا، أخرج الكلمات من فمي مثل طعم في شص سنارة صيد، أصب في ~~أذنيها الكلمات، ثم أتخيلها تغطس في عمق الماء البارد داكن الزرقة، عميقا بالأسفل ~~حيث ترقد هي على الأرجح. ~~- «لدي قليل من الوقت اليوم!» # أخبرها بينما أمسح بأناملي على شعرها. مع فتاة كهذه، يكون من الصعب دائما ألا ~~تلمسها. كانت «ياسمين» شيئا نادرا، امرأة شديدة الجمال. من أجل هذا، كان الناس ~~يختلقون الأسباب من أجل المرور في فضائها. أضبطهم يتأملونها، يشربونها داخلهم، ~~يمضغون تفاصيلها. إنهم «باراكودا»، جميعهم. # الممرضون الذين يدفعون الكراسي المتحركة، يبطئون، حد الزحف، حين يقتربون من ~~سريرها. الزوار المتجولون ذوو العيون الجسورة الجشعة. الأطباء، الذين يتوقفون فجأة ~~يسحبون الستارة الشفيفة ثم يعيدون اختبار أشياء ليست في حاجة إلى اختبار. # الجمال الباهر هو شيء لم نتقاسمه سويا، وأنا غير ms25 سعيدة بذلك. # قلت لها: «والدك ربما يكون هنا حالا، لقد قال الأسبوع الماضي أنه سوف يأتي.» # لم تقل «ياسمين» شيئا. فقط ارتجف جفن عينها اليسرى، أو هكذا خيل إلي. # مر شهران منذ وقعت تلك الحادثة فوق قارب الصيد الخاص بأبيها. منذ سقوطها إلى البحر، ~~لتغور في عمق الماء، ثم تتشابك أطرافها في خيوط الشبك. مر وقت قبل أن يكتشف الأمر ~~أحد، ثم بدأ الذعر والفزع. سحبها أبوها إلى متن القارب، ثم أبحر صوب القرية. حين وصل ~~أخيرا، حمل إلى الشاطئ ما كان يظنه جثمان ابنته. ~~- «ياسمين!» أهمس. أريدها أن تلتقط اسمينا مثل طعم السمكة. أريدها أن ~~تبتلعه. # لحسن الطالع جاء طبيب شاب إلى قريتهم ذلك الصباح، ليزور أقارب له بالجوار. كان هو من ~~استعاد الفتاة الغريقة من حافة الموت، هو من أخبرني بقصتها: «فتحت عينيها، نظرت إلى ~~أبيها وقالت كلمة واحدة، ثم غرقت من جديد، في الغيبوبة هذه المرة.» ~~«باراكودا.» هذا ما قالته «ياسمين». # حين يزورها أبوها، يمسح على شعرها، يقبل وجنتها، ثم يجلس على المقعد البلاستيكي ~~برتقالي اللون جوار سريرها، آخذا كفها بين راحتيه. مثلما أبي، لديه الكف ذاتها، ~~البنية الضخمة التي خشنتها الحياة، كف صياد. هو أيضا تفوح منه رائحة البحر، يتظاهر ~~بأنه رجل بسيط وطيب! ~~«ياسمين.» نشترك في أشياء كثيرة، نحن تقريبا كيان واحد. # أتذكر تلك الصباحات الباكرة، شعري يمس كي أستيقظ، يرفعني أبي من سريري نصف ~~نائمة، يحملني بين ذراعيه، ثم يلقيني فوق قاربه. # صوته خشن في أذني، يداه خشنتان فوق جلدي، لم أرغب في الذهاب أبدا، لكنني كنت مجرد ~~طفلة، وكان يفعل ما يريد. # أتذكر الماء المالح، الشمس الحارقة، وأمي تنكمش وتتضاءل فوق الشاطئ. أتذكر ألواح ~~القارب الخشبي وصخرة التثبيت، أتذكر صرخات النوارس. ~~«ياسمين، لديك حياة في داخلك، ألا تسمعينها تنادي؟» # لا شيء! # يصفق باب العنبر بشدة، ألمح والد «ياسمين» يمشي صوبنا، حاملا الزهور، ويبتسم ~~لي. # حتى في الموت، الطفلة الكامنة داخلي ترى ابتسامة أبي، «ياسمين» كذلك، سوف تنال ابتسامة ~~هذا الرجل. أعرف ذلك. # يقف ms26 جوار سريرها، يمسح على شعرها، شيء يمور عميقا في داخلي. # أراقب جفن ياسمين وأنتظر ارتجافتها. # | أغنية من أجل «جيني»1 # كان «توم» يتجه صوب غرفة المعيشة، بحرص رجل عجوز يحمل صينية شاي، حين سمع «جيني» ~~تتكلم. توقف فجأة حد أن صحن البسكويت وفنجاني الشاي جميعها انزلقت إلى الأمام ~~واصطدمت بحاجز الصينية. بعض الشاي تناثر داخل صحن الفنجان، فوجد نفسه للحظة يحملق في ~~الفوضى، قبل أن يرفع رأسه لينظر ، عبر الغرفة، إلى زوجته. # كانت «جيني» تجلس على الأريكة ذات المقعدين، تماما على الحال التي تركها عليها، لكنه لمح ~~الاختلاف واضحا في عينيها. كانتا منتبهتين من جديد، مشتعلتين بذكاء مشوش، وكانت ~~تنظر نحوه مباشرة، بدت حاضرة على الحال التي لم تكنها منذ شهور. لقد حدث الأمر مجددا. ~~بينما كان في المطبخ يعد الشاي، حدث الأمر مجددا. # فتح فمه ليتكلم، لكن كلمة لم تخرج. رأى «جيني» تمسح على تنورتها برقة، ولاحظ ومضة ~~زرقاء على الأرض جوار قدمها اليسرى. إحدى فردتي قرطها. أصلح حنجرته وحاول من جديد. ~~- «جيني؟» # برقت عيناها وركزت، ثم رمت نظرة إلى الصينية. ~~- «لقد سكبت الشاي يا توم.» # نظر إلى الأسفل مرة أخرى، ثم إلى الأعلى، أحس بشفتيه تناضلان من أجل ابتسامة ما. ~~- «نعم فعلت يا حبيبتي. هكذا فعلت. وأنت أسقطت إحدى دلايتيك.» # عبر الغرفة، ووضع الصينية المرتبكة ذات الصليل فوق مائدة القهوة، ثم انحنى ليلتقط ~~قرطها. طقطقت مفاصل فخذه عاليا وهو يعتدل، وكذلك حين جلس جوارها، غير أنه لم يلحظ ~~تقريبا. «خذ الأمر بهدوء»، هكذا قال لنفسه. خذ الأمور بهدوء وبطء وثبات. # اختطفت «جيني» القرط من راحته. # قالت فيما تريح يدها الأخرى فوق رسغه: «لقد انخلعت.» كاد ينسى كم كان صوتها جميلا، كم ~~كانت لمستها رقيقة. بعد كل تلك الشهور. ~~- «هل حدث ذلك الآن؟ هذا لا يمكن أن يكون، أليس كذلك؟ لقد كلفني الأمر دهورا طويلة هذا ~~الصباح كي أجعلك تبدين على هذا النحو الجيد، وها أنت تفسدين كل شيء، دعوني أضرب ظهرها ~~عقابا لها، إيه؟» # عقص شعر «جيني» خلف أذنها، ms27 وشبك قرطها في مكانه من جديد. ابتسمت له وبدت وكأنها ~~ستتكلم، سوى أن جبينها ارتخى وابتسامتها تلاشت. رآها فارغة وغائبة في البعيد مجددا، رأى ~~يدها ترتفع في الهواء وتبقى هناك، تحوم في حيرة. ثم فقاعة من اللعاب تنتفخ فوق شفتها ~~السفلى. سحب «توم» منديلا نظيفا من جيبه ومسحها. # قال بهدوء: «جيني! جيني حبيبتي، هل تسمعينني؟» # سيل من قطرات العرق تشكلت فوق فوديه كحبات خرز وهو ينتظر إجابتها . شعر بالدماء تخفق ~~في عنقه. مغلقا عينيه، أخذ يصلي من أجل أن يعود الضوء الواهن إلى عينيها من جديد. # كان لا بد أن يلحظ هذا في الصباح، حين كان يساعدها كي ترتدي ملابسها. كان من الواضح ~~وقتها أنها أفضل من المعتاد، يكفي أنها اختارت فستانا بعينه من بين العشرين المعلقة في ~~خزانتها. كان مسرورا، لسبب ثانوي هو أن ذاك الفستان كان المفضل لديه، البيج ذو الوردات ~~الزرقاء الخفيفة، أما السبب الرئيسي فلأنها بدت وكأنها تذكرت أنه المفضل لديه. كما أن عملية ~~إدخالها فيه كانت أقل صعوبة من المعتاد. مجرد عرجة واحدة حين أصرت على إدخال قدمها ~~اليمنى في حذائها الأيسر، ويسراها في الأيمن. بالطبع لم تستطع أن تسير هكذا. انكفأت على ~~السرير واستطاع «توم» أن يبدلهما، باستثناء ذلك لا عقبات على الإطلاق. # فتح عينيه، ورمق قدميها في الأسفل، وخاف أن ينظر إلى الأعلى، لم يرد أن يلتقي بذلك ~~الخواء المفرغ الرهيب. كان يفكر أن هذا الحذاء اللطيف، حذاء محظوظ. كانت تلبسه حين ~~حدث ذلك الأمر آخر مرة. ~~- «توم؟» # ارتجفت رأسه لأعلى. لقد عادت، النور في عينيها مرتعش وغير واثق مثل لهب شمعة في نسمة ~~ليل، لكنه كان هناك رغم هذا. ركزت بصرها عليه، طوحت يدها لأسفل وأراحتها من جديد فوق ~~ذراعه. ~~- «الصورة يا توم، أريد صورتهم.» ~~- «أي صورة يا طفلتي المدللة؟ أي صورة تقصدين؟» # نتشت كم قميصه وهزته، كما كانت تفعل أحيانا في الأيام القديمة حين كان يبدو غبيا ~~وغير متجاوب على وجه التحديد. ~~- «أنت تعلم! صورتهم وهم يرقصون! يرقصون من أجل جيني ms28 المسكينة!» # عرفها، عرف الصورة فورا. ~~- «إنها في الطابق الأعلى يا طفلتي. في أحد ألبوماتك.» لم يجل بخاطره أن عليه أن ~~يتركها. ~~- «هل تريدينني أن أحضرها لك؟» ~~- «نعم. الصورة.» # انتصب مترددا على غير إرادته. ~~- «فقط ابقي كما أنت الآن، سأعود حالا.» # كانت أمتعتها محزمة، مثل عتاب صامت أنيق، ينتظر جوار الباب الأمامي. يحاول ألا ينظر ~~إليها، بدلا من ذلك راح يحدق في الساعة المثبتة على الحائط في قاعدة السلم: 4:10 ~~بعد الظهر. موعد «ديفيد» في الخامسة تماما. خمسون دقيقة إذن هي كل ما تبقى. دع أو خذ ~~الأمر. # ترك باب غرفة المعيشة مفتوحا كي يتمكن من رؤية «جيني». أما هي فقد التفتت بجسدها كي ~~تنظر إليه، صانعة بيديها تلويحات تستحثه، بنفاد صبر، على المضي. ابتسم لها، وبدأ رحلة ~~الصعود الطويلة إلى غرفة نومهما، مفاصله تصطك مع كل خطوة. # سوف يأتي «ديفيد» في موعده بالطبع. اعتاد أن يكون دقيقا في مواعيده، حتى حين كان صبيا. ~~لم يكن هناك داع للقلق من أن يفوته باص المدرسة، وحين كان أكبر سنا، لم يخلف وعده إذا ~~قال إنه سيهتم بالحديقة أو سيأخذهما للخروج في نزهة. طبيعته المتزنة والعملية أفادته ~~كثيرا. كانا دائما فخورين بأسلوب تناوله لأعماله وجعلها تسير في طريقها، حتى في أوقات ~~الركود. وكان ديفيد على حق بالطبع. دار «شجرة الأرز» للمسنين كانت الحل العملي ~~الوحيد. جادل «توم» ضد ذلك طويلا وبصوت عال، لكن «ديفيد» كان مصرا على رأيه. ~~- «أبي، أنت نفسك لست على ما يرام، وأمي سوف تتدهور حالها، لن تتحسن أبدا. إنه الخيار ~~الأصوب بلا شك. بوسعك زيارتها كلما أحببت. ولا داعي للقلق بشأن الرسوم. سوف أدبر الأمر ~~كله.» # لقد صمد. صمد وقاوم لأسابيع. إلى أن كانت الليلة التي صحا فيها على صوت الأجراس ليجد نفسه ~~وحيدا في الفراش. لن ينسى مطلقا تلك القفزة المسعورة صوب الباب الأمامي (مفصل فخذه ظل ~~يصرخ بسببها فيما بعد). مشهد «جيني» وهي تمشي في الحديقة لا ترتدي سوى معطف السيد ~~«داوسون»، والعلامات الدامية التي تركتها قدماها ms29 على أرضية المدخل، ومشهد ارتجاف جسدها في ~~البرد، كان قلبه على وشك الانخلاع. ~~«ديفيد» على حق. إنه الحل العملي والأنسب فعله. # رغم ذلك، حين وصل «توم» إلى أعلى درجات الدرج وراح يترنح صوب غرفة النوم، وجد نفسه يتمنى ~~للمرة الأولى في حياته أن يتأخر ابنه عن موعده. # ألبومات الصور، «جيني» ملأت العشرات منها خلال السنوات، كانت مكدسة فوق الرف أسفل ~~النافذة. جميعها مؤرخة بخطها الأنيق والمنتظم الذي كان لديها دوما. لم يأخذ «توم» ~~الكثير من الوقت ليجد الألبوم الذي يريد. فتحه وبدأ يقلب صفحاته. الصورة التي أرادتها ~~«جيني» كانت في منتصف الألبوم تقريبا. سحبها من غلافها البلاستيكي وأخذ طريق العودة ~~للأسفل. كانت الرابعة وخمس عشرة دقيقة. # شاهدته «جيني» يعبر الغرفة، ثمة تعبير على وجهها لم يستطع قراءته. جلس جوارها وعرض عليها ~~الصورة. ~~- «هذه يا جين؟» # أومأت، أخذتها منه وقبضت عليها بأصابع مرتعشة. حين نظرت إلى الأعلى كانت عيناها ~~مبتلتين بالدموع. ~~- «أوه يا توم! انظر! كانوا صغارا جدا! صغارا جدا!» ~~- «أعلم يا حبيبتي، أعلم.» # كان حفل عشية الكريسماس، هو يتذكر. فريق «إخوة إلى الأبد» في الصورة يؤدون أغنية ~~«جيني البائسة». كانت كلما أذيعت في الراديو تغني «جيني» معها، وتريد أن ترقص. «توم» كان ~~يرقص لإسعادها، ويشعر بنفسه قويا واثقا من نفسه. ~~- «صغار جدا.» # طوقها بذراعه، وجلسا ينظران إلى نفسيهما، يرقصان «الروك آند رول»، بين بالونات الجليد ~~والقبعات الورقية، يضحكان عاليا للمصور الذي طال نسيانه. برقة، وبصوت أعلى بالكاد ~~من همسة، شرعت «جيني» في الغناء. ~~- «حسنا، جيني لديها أخ يتعقبني أينما ذهبت، أبوها يريد أن يرسلني خارج البلدة في ~~قطار. # أرجو أن أظل هناك حتى تخرج «جيني» من السجن، جيني البائسة ...» # أرخت رأسها على صدر «توم» الذي أخذ يهدهدها بحنو. حين تكلمت ثانية كانت مجرد همهمة ~~خافتة داخل قميصه. ~~- «تلك الأشياء. تلك الحقائب جوار الباب. هل هي أغراضها # 2 # يا توم؟» # خرجت كلماته متكسرة وغير واضحة. ~~- «نعم يا حبيبتي.» # أحس أنها أومأت. ~~- «إنه مكان رائع وفسيح، كما تعلمين. سوف تقضي «جين» أيام ms30 حياتها قبل أن تستوعبه ~~كاملا!» ~~- «هل «ديفيدهم» # 3 # سوف يأتي؟» ~~- «أجل، يا حبيبتي، خلال لحظة.» ~~- «هل ستبدو هي ... هل سأبدو أنا ... لطيفة في عينيه؟» ~~- «لطيفة» ليست الكلمة المناسبة يا قطتي الحبيبة، تبدين جميلة مثل لوحة.» # رفعت رأسها وابتسمت، وحين أراد أن ينظر في عينيها، حين انحنى ليقبلها، لمح النور يرتعد ~~ثم ينطفئ. لهب الشمعة ارتعش ثم خبا. لكنه قبلها على أية حال، آملا ... غير أن شفتيها ~~كانتا غير مستجيبتين. حين انسحب ونظر إلى وجهها ثانية، كان الخواء العميق العميق قد ~~عاد. ~~- «جين؟» # لا شيء على الإطلاق. # 4 # احتضنها، وأرجحها بلطف. # قال: «جيني البائسة! جيني حبيبتي التعسة البائسة.» # رن جرس الباب في الخامسة تماما. حين فتح «توم» الباب كان «ديفيد» واقفا عند العتبة. مسح ~~بعينيه القاعة بحثا عن حقائب أمه، وبدا محبطا قليلا حين لم يجد أيا منها. ~~- «أبي؟ ماذا هناك؟ أليست مستعدة؟» # نظر «توم» إلى ولده. كانت به ملامح من «جيني»، منعكسة في جبهته العالية الناصعة، وفي ~~زرقة عينية الوفيرة. # هز «توم» رأسه. ~~- «لا، ليست مستعدة، كلانا غير مستعد إن أردت الحقيقة. لقد أعدنا التفكير قليلا، ~~والدتك وأنا، تحول في القلب، يمكنك أن تقول.» ~~- «لكن يا أبي ...» ~~- «توم؟ توم، هل هذا هو «ديفيدنا»؟» # جاء صوت «جيني» طافيا خلال غرفة المعيشة، فأوقف ولدها في منتصف الجملة. حملق في والده، ~~الذي رد عليه بابتسامة عريضة. # قال له فيما يأخذه من ذراعه: «هل أخبرك بأمر يا فتى؟ لماذا لا تأتي للداخل؟ سأضع غلاية ~~الشاي على النار. أمك تبتهج برؤيتك دوما، سواء أظهرت هذا أم لم تظهره. وبعد ذلك سنمضي ~~ثلاثتنا في الدردشة، ما رأيك؟» # | قتل الأرانب1 # لم أتطلع يوما إلى قتل الأرنب. # لا تقللوا من شأن هذا الأمر؛ فقد كنت أرتعد من الفكرة. كنت أفزع منه مثلما يفزع ~~القتلة من أنشوطة المشنقة، أو كما يفزع غواصو البحار العميقة من التواءات العضلات، أو ~~مثلما يفزع المدرسون التعساء من صباحات يوم الإثنين. # 2 # قالت زوجتي «ماري»، التي كان القلق يزيد وجهها رهافة: «لست مضطرا إلى ms31 فعل ذلك!» ~~وكان هذا لطيفا منها، غير أن كلينا كان يعلم أن تلك لم تكن الحقيقة. # الحقيقة كانت حتمية أن أفعل ذلك. إذا لم أفعل، إذن ما الذي كنا نمثله هنا تحديدا؟ إعادة ~~عرض لكوميديا «الحياة الطيبة»؟ # 3 # إذا لم أستطع أن أجبر نفسي على قتل أرنب واحد أعزل، فإن كل كلامنا حول أسلوب الاكتفاء ~~الذاتي، ومحاولة الخروج من جنس الفئران، وإقامة حياة أكثر صحية، لن يغدو كل ذلك أكثر من ~~كلام. مجرد كلام . وبوسعي الآن أن أسمع والدة «ماري»، بوسعي أن أرى حاجبيها المقوسين، ~~وابتسامتها التي تقول: ألم أقل لك؟ وتهكمها الواثق: «أوه نعم، أنت دائما بارع في الكلام ~~عن الأشياء، أليس كذلك يا جون ...!» # حسنا، لم تكن هي من يستحق هذه الترضية على أية حال، لكن ماري وأنا كنا في طريق أكثر ~~إيغالا من إمكانية التراجع، تجاوزنا منذ زمن نقطة اللاعودة. تركنا وظيفتينا، تركنا ~~بيتنا، ثم انتقلنا نهائيا إلى منطقة ريفية من البلد، والآن انظروا إلينا. # أعجوبة العجائب، كنا نفعل الشيء الذي ظللنا نحلم به طيلة العامين الماضيين. وها نحن ~~أخيرا، برغم كل العقبات، ندير أرضا صغيرة تخصنا. # الأسابيع القليلة الأولى من محاولة تحويل المكان إلى شكل مقبول كانت شاقة، لكن مرضية ~~تماما. لا شك، فقد كانت الأرض المحيطة بالكوخ الريفي وعرة، وثمة أعمال بناء ناقصة، لكن ~~المحيط العام كان رائعا. لدينا ثمانية هكتارات من تربة عفية خصبة، محاصيل تزرع وتنمو، ~~دجاجات تنقنق، بطات توقوق، إوزات تزمر، بضعة خراف تمأمئ، وبطبيعة الحال كان لدينا ~~أرانب، أرانب مشغولة بما تحب أن تفعله الأرانب عادة. # هل كان من الممكن أن أغامر بكل هذا، لمجرد أنني لا أستطيع أن أواجه ببسالة مذبحة ~~صغيرة، الشيء الذي هو ركن ركين من حياتنا الراهنة؟ # كلا. إنه الوقت الحاسم. الوقت الحاسم بالنسبة لي، الوقت الحاسم بالنسبة للأرنبة. # كان اسمها «تاج»، إحدى ثلاثة أرانب نيوزيلندية بيضاء. الذكر الضخم أطلقنا عليه اسم ~~«بوبتيل»، أما الأنثى الأخرى فتدعى «راج». كانت «راج» دائما حبلى بحمل ثقيل، ولو اتبعت ~~«تاج» ms32 النهج نفسه لأصبح ثالوثنا الصغير في طريقه الصحيح المأمول نحو تزويدنا بحوالي 200 رطل ~~من اللحم كل عام. هكذا تقول الكتب على كل حال. # لكن كان ثمة مشكلة؛ فرغم كل جهود «بوبتيل» (وكي أوفي الولد حقه لا بد أن أقول إنه بذل ~~قصارى جهده بالفعل)، إلا أن «تاج» رفضت ترمي كرتها. أسبوعا بعد أسبوع بعد أسبوع، ~~و«بوبتيل» يؤدي واجبه الرجولي بحماس مذهل، غير أن «تاج» ظلت على عقمها العنيد. # يقول خبراء الاكتفاء الذاتي: إذا كانت الأنثى غير منتجة، فإن مكانها الوحيد إناء الطهو! ~~وكانت «تاج»، تلك الأرنبة اللطيفة حلوة الطبيعة، من دون شك غير منتجة. حسنا، لا مكان ~~للعائشين على الصدقات في مزرعتي الصغيرة. «تاج» لا بد أن ترحل. # أخبرت ماري: «إذا لم تصبح حبلى على نهاية الأسبوع، إذن سيكون ... سنجلب أنثى أخرى، ~~وسيكون علي أن ... أنت تعرفين.» # وجاءت نهاية الأسبوع، وكل ما يمكنني قوله إن «تاج» ظلت عاقرا كما هي دائما. # أعلنت بينما أتجه إلى زر الكهرباء لأطفئ المصباح جوار السرير: «غدا، سوف أفعلها ~~غدا.» # في الظلام كنت أسمع تنفس «ماري». ~~- «هل أنت واثق؟» ~~- «نعم، لقد حان الوقت.» # لم أستطع النوم تلك الليلة. سقطت في النوم للحظات قليلة، فإذا بالذي سوف أفعله في الصباح ~~يقفز في أحلامي على هيئة شبح أرنب مخبول يتلوى، طوله 15 قدم، يترنح في خطوته على طريقة ~~مشاهد أفلام الرعب. # رقدت في الفراش، عيناي شاخصتان، أحملق في الظلام، أفكر، أتذكر. # أعود بالزمن إلى الوراء، حين كان قرار الانتقال إلى الريف ما زال في طور المناقشة، كان ~~أصدقاؤنا يستمتعون باستجوابنا حول طبيعة حياتنا الجديدة والنتائج التي سنتورط فيها بناء ~~على ذلك. اهتموا على نحو خاص بالجزء الخاص بعملية الذبح. بدا أن أحدا لا يعاني مشكلة كبيرة ~~في التعامل مع الدجاج، أو الإوز أو الخراف، غير أن الكثير منهم روعتهم فكرة أن نربي، ~~نقتل ثم نأكل الأرانب. # صديقانا الحميمان، «ستيف وبولين»، كانا يربيان زوجا من الأرانب المنزلية الأليفة غزيرة ~~الشعر ذات الحيوية التي تنطق بالجمال واللطف، اقتنى ms33 الصديقان هذين الأرنبين من أجل تسلية ~~أطفالهما، ولذا لم يكن مدهشا أن يكون انزعاجهما شديد الخصوصية. # قال «ستيف» في إحدى ليالي لقائنا في الحانة: «لن تقدر مطلقا أن تفعل ذلك، ليس حين تنظر ~~إلى الأسفل فتجد هاتين العينين البنيتين الواسعتين تنظران إليك، وذاك الأنف الصغير ~~المرتجف ...» # قلت له: «الأرانب النيوزلندية البيضاء لها عيون حمراء.» # هزت «بولين» رأسها. ستيف معه حق، ما زلت أذكر الحال التي انتابتك حين تعثرت وانقلبت ~~فوق قطتنا.» # أجفلت. دهسي لقطتهما كان أسوأ ما مر بي في حياتي كلها. أدركت منذ عهد بعيد أن «بولين» ~~لن تتركني أنسى ذلك الحدث أبدا. # أجبتها بينما أختبئ خلف كأس البيرة: «الأمر مختلف ... الأمر مختلف تماما.» # قالت بابتسامة نصفها غضب ونصفها استهزاء: «ياللكائنات الصغيرة التعسة! على الأقل لا ~~تتوقع مني أن أكون لطيفة معك بعد أن تكون قد اغتلت ملايين من الأرانب الرضيعة البريئة، ~~هذا كل ما في الأمر. أنا أتكلم عن الدماء التي تلوث يديك ...» # كانا على حق بلا ريب. أدركت دائما أنني سأواجه معضلة مع عملية القتل تلك، لكني استطعت ~~أن أطمئن نفسي ما دام الأمر ما زال رهنا بالمستقبل البعيد. # بوسعك أن تصنع حالة ذهنية تمكنك من الكلام عن القتل، سلخ الجلد، التقطيع ... إلخ، ~~مستخدما تلك المصطلحات العملية الهادئة ذاتها التي تتداولها كتب الزراعة. بوسعك أيضا أن ~~تتعلم كيف تلهي نفسك عن المظهر الريفي غير المبهج عن طريق أن تتخيل كم هو رائع أن تعيش في ~~مكان ريفي بسيط مع «فليسيتي كاندال». # 4 # غير إني عدلت تماما عن فكرة النوم، ومع بداية تسلل الضوء الخافت عبر الستائر، كان ~~علي قبول حقيقة أني لن أستطيع مجددا أن ألهي نفسي أو أصرف تفكيري بالأمر. الوقت الحاسم. ~~أما فيما يخص «فليسيتي كاندال»، فلم تكن في أي مكان حتى ترى. # حول الخامسة صباحا، انزلقت من السرير، ارتديت ملابسي وتسللت ببطء إلى الطابق الأسفل، ~~تاركا «ماري» تتنازعها أحلامها الخاصة. وددت أن أنهي الأمر بأسرع ما يمكن، ومن الأفضل أن ~~يتم بينما هي ما ms34 زالت في نومها. # في الخارج، كانت شبورة الصباح الباكر تتدفق وتغطي الأرض. بدا ذلك مناسبا على نحو ~~ما. # كان كل من «راج، وتاج، وبوبتيل» في أقفاصهم المنفصلة في الحظيرة الصغيرة خلف الكوخ. كانت ~~أنوفهم تختلج تجاهي كلما اقتربت أكثر، بينما أخذ «بوبتيل» يضرب الأرض بأقدامه. # إذا قدر لك أن تقتل أرنبا، فإليك ما يجب أن تفعله: # تأخذ ساقيه الخلفيتين بيدك اليسرى، تقبض على رأسه بيمناك، ثم تلوي الرأس إلى الوراء. في ~~ذات الوقت تضغط يدك إلى الأسفل كي تشد العنق. إذا أديت الخطوات على نحو صحيح، ستنكسر ~~عظمة العنق ويحدث الموت تقريبا في لحظة. # قرأت التعليمات عشرات المرات. أحفظها عن ظهر قلب. بل إني مارست كل تلك الخطوات من قبل على ~~منشفة الصحون باعتبارها أرنبا! غير إني بمجرد أن أخرجت «تاج» من قفصها؛ ارتعشت ~~يداي. # حملتها إلى الخارج حتى لا يتمكن «راج وبوبتيل» من رؤية الذي سوف يحدث. داعبتها، أخبرتها ~~أني آسف، ثم، بأسرع وأدق ما يمكن. # قتلتها. # كان الأمر رهيبا، سوف لا أنساه مطلقا. ولن أنسى أبدا كم القسوة التي كان علي أن ~~أجذب بها. # غير إني أنجزت الأمر على نحو صحيح. نعم على الأقل أنجزته على نحو صحيح. إذا كانت قد ~~تألمت، فلم يكن ذلك إلا لثوان قليلة. # بعدما قتلتها، كان علي أن أنجز عمليتي السلخ والتقطيع. أعرف النظرية، عليك أن تحزم ~~ساقي الأرنبة الخلفيتين فوق مفصل القدم مباشرة ثم تعلقها على خطافين. بعدها تشق قطعا ~~صغيرا أعلى مفصل كل كاحل من ساقيها الخلفيتين، ثم تمد القطع حتى فتحة الاست. بعدئذ ~~تنزع طبقة الفراء عن الجلد عند ساقيها ثم تقشرها عن سائر الجسد. # فعلت كل ذلك، فعلته على نحو جيد. لقد هيمنت على الموقف الأساسي، جابهت الأمر الذي طالما ~~أفزعني، تصرفت كرجل. وكنت بالفعل راضيا عن نفسي. ~~••• # حين فتحتها لأفرغ أحشاءها، تبخرت كل مشاعر الغبطة. ~~••• # هبطت «ماري» إلى الطابق الأسفل ووجدتني جالسا في المطبخ. # قالت: «ماذا هناك؟» # أخبرتها. # تعرفت على الكبد، القلب، الكليتين، لكن ثمة أشياء أخرى في ms35 الداخل لم أستطع التعرف عليها ~~مطلقا. أشياء لم تكن في الكتب. # عشرة أشياء. ~~- «كان يجب أن أنتظر يا ماري، «تاج» كانت ملأى بالصغار.» # كانت «تاج» حبلى. بعد كل هذا. # | الجرس1 # في أحلامي، أحلامي الطيبة، «ماري آيريس ماك كورماك» - التي أسميها اختصارا «ميم» ~~- دائما ما تمارس الشقلبة، تقف على يديها، ركبتاها ~~مثنيتان، وقدماها مزروعتان بثبات صوب حائط الملعب ذي الطوب الأحمر. تنورة زيها المدرسي ~~تتدلى مثل جرس ناعم أخضر اللون حول مطرقة الناقوس نصف المختفي: رأسها، وحين تدير رأسها ~~لتواجهني، أرى عينين غريبتين ذكيتين مقلوبتين ترمقانني من أسفل الأهداب المقلوبة. تنظر ~~بعيدا، وبحركة خاطفة من شعرها الأشقر تكنس غبار الأسفلت فيتحرك في دوامات. # حالما، نصف واع بالحقيقة، أتساءل كم من الوقت مضى منذ تلك الظهيرة الحارة ~~الزرقاء-الصفراء، داخل خيمة شقيقتها في تلك البلدة الصغيرة. تسعة وثلاثون عاما؟ أربعون؟ هل ~~يمكن أن يكون ذلك حقيقيا؟ هل مضى بالفعل كل ذلك الزمن الطويل منذ أن تركتني وانتقلت ~~إلى المدينة، إلى حيث الأضواء البراقة، لندن؟ # من قمة رأس التنورة (الناقوس)، ترتفع في الهواء ~~ساقان مضبوطتان، زوجان متماثلان من الدعامات الطائرة تقبلان الحائط من أجل أن تبقيه ~~مكانه. تنفردان فجأة، تنفصلان بكل مهارة، فتصبحان حرف # V # يتحرك بينما تتقدم «ميم» نحوي ببطء، متزنة، مستقرة، كفاها تشكلان زاوية قائمة ~~مضبوطة مع معصمين قويين مرنين. مدهش. # V # 2 # يعني النصر. # أسمع جلجلة عالية النبرة لضحكة صادرة من باطن ~~الناقوس، وفي ظلمة البقعة المحرمة - ذاك المكان الذي ليس لعيني عمل شرعي فيه - أبصر ~~قطعة ملابسها الداخلية داكنة الزرقة. # ثلاث مرات في الأسبوع الماضي أصحو عند هذه النقطة من الحلم، وأنظر صوب بحيرة النور حيث ~~تجلس ممرضات الليل. أعرف إحداهن جيدا؛ الممرضة «ماري أوكانر»، ذات الشعر الأحمر ~~واللكنة الأيرلندية المحببة. أبوها كان ساعي البريد الخاص بي، يتسلم رسائلي، يجمع ~~ردودي، يجلب لي الصحيفة الجافة والإحباطات. أخبار المدينة الضخمة، المدينة التي هي أضخم مما ~~يحتمل ولد مثلي من بلدة «فريستون» الصغيرة. # آه يا «ميم». # حين تتحرك الممرضة «ماري أوكانر» على ms36 هذا النحو الواثق، وتضحك بتلك الطريقة، تذكرني ~~بك. # أحب أن أتخيلها واقفة، تتثاءب، تفكك نفسها من مركزها ومن بحيرتها النورانية ~~الساطعة الصغيرة. أحب أن أتصورها وهي مقلوبة، تمشي على يديها صامتة عبر جناح النوم، ~~ثوبها الأبيض الهش أضيق من أن يصنع شكل الناقوس، غير أن قبعتها الجادة ستسقط، ويتماوج ~~شعرها الأحمر على الأرض حرا طليقا. # أراها تقف عند سريري، تبتسم ابتسامة واسعة، تستدير ببطء، ثم تعود أدراجها إلى طاولتها. ~~نعم. حتى من دون جرس، حتى من دون أن ألمح قطعة ملابسها الداخلية داكنة الزرقة، سوف يظل ~~ذلك شيئا جديرا بالاستيقاظ من أجله. # أغمض عيني وأفكر فيك يا «ميم»، ما زلت تمارسين الشقلبة في أحلامي، ما زلت ترينني قطعة ~~ملابسك الداخلية، ما زلت تسببين لي المتاعب ... بعد كل تلك السنوات. # | النبتة الصغيرة1 # إنه الصباح الباكر، صباح عيد ميلاد «سايمون» الحادي عشر، وها هو يحلم ب «كانوني» ~~ثانية، يحلم بالعالم الغريب الذي يشاركها فيه أحيانا. ولو أن هذا المرة مختلفة. فهو ~~أبدا لم يرها من قبل بمثل هذا الوضوح، لم يكن يقظا وواعيا بالفروق بين عالمها وعالمه ~~قبل الآن. تغمره مشاهد أفريقيا وأصواتها وروائحها. ~~«كانوني» تمتطي فرع شجرة تحلق في الهواء على بعد مترين فوق فراش «سايمون»، تتدلى ~~ساقاها الطويلتان، وقدماها الحافيتان تتأرجحان بالقرب من وجهه. ثمة جرح في الجانب الأسفل ~~من أحد أصابع قدميها، وكان بوسعه أن يرى كعبي قدميها العاريتين بشقوقهما السميكة وبشرتهما ~~الغليظة. # خارج شرفة حجرة نومه، تزأر حركة المرور في لندن تحت الغيوم الرمادية. ثمة كلب ينبح. ~~ومن بعيد يصرخ جهاز إنذار إحدى السيارات. # قالت كانوني: «مرحبا أيها النبتة الصغيرة، عيد ميلاد سعيد!» # يبصر «سايمون» شفتيها تتحركان، ويسمع كلامها داخل رأسه، لكنه يعلم أن صوتها لم يدخله ~~بالطريقة المألوفة. «كانوني» تتكلم لغتها الخاصة، فمها يتشكل على نحو غريب، يأخذ ~~أشكالا متحركة، غير أن الكلمات التي يسمعها كانت دائما كلمات إنجليزية. # قال لها: «شكرا لك يا كانوني.» # يتكلم بهدوء لأن نوم أبويه خفيف وهو لا يريد أن يسمعاه يكلم ms37 نفسه ثانية. ليس ~~بعد الذي أجبراه على فعله في المرة الأخيرة. # ابتسمت «كانوني» ابتسامة عريضة، فظهرت أسنانها مثل صدمة بيضاء داخل الإهليليج المظلم ~~من وجهها. # قالت، وهي تهبط للأسفل: «تعال.» # يدفع لحافه بعيدا، يأخذ بيدها، وبقفزة واحدة يسيرة يلحق بها فوق غصنها الإفريقي، ~~قشرة الشجرة خشنة تحت فخذيه النحيلتين. يبصر في الأسفل الطريق الجافة القاحلة التي تصل ~~بين الشجرة وبين القرية، ويرى الشمس، كرة برتقالية ضخمة، تصعد فوق مجموعة من الأكواخ ~~الصغيرة المتربة. السماء في الأعلى مثل صحن مقلوب من الأزرق والذهبي. # إذا ما أدار رأسه قليلا، سيظل بوسعه أن يرى غرفة نومه، والملصقات على حوائطها، ~~وتليفزيونه، وحاسوبه. # توقف إنذار السيارة، في حين يظل الكلب ينبح. # بينما يشعر باتزانه واستقراره فوق نقطة التقاء عالمين قال: «هذا عجيب!» # تقول كوناني: «نحن فوق صهوة حصان، منطلقين صوب «مومباسا». حصان خشبي على شكل ~~شجرة.» # تضحك، ومعا يشاهدان فجر يوم إفريقي جديد. # فجأة ينتبه «سايمون» إلى بيجامته التي على شكل «الرجل العنكبوت». كيف يبدو شكله الآن، ~~وهو يمتطي هذه الشجرة؟ يبتسم ابتسامة عريضة. # تقول كانوني: «انحني قليلا إلى الخلف، أيها النبتة الصغيرة.» # يفعل ذلك، فتطوقه بذراعيها. يشعر بدفء جسدها، يستنشق الرائحة الطيبة لبشرتها، ويشعر ~~بالأمان. يشعر بالانتماء. # تقول «كانوني» فيما تقرأ أفكاره: «بالتأكيد أنت تنتمي ... كلانا منتميان سويا. أنت وأنا. ~~بذرتي تنمو داخلك، بذرتك تنمو داخلي.» # يضع «سايمون» يده في يدها. تتلمس الكدمات الزرقاء، والخطوط الحمراء الغاضبة على معصمه. ~~تمسح عليها بإصبعها. # تهمس وهي تقبل أذنه: «والدك؟» # يومئ «سايمون» برأسه موافقا. # تتنهد «كانوني». يستطيع أن يخمن أنها تنظر الآن في أرجاء غرفة نومه. # تقول كانوني: «أنت تملك الكثير جدا، ورغم ذلك أنت تملك القليل جدا.» # ينظر «سايمون» إلى القرية المغبرة، يرى والد «كانوني» يبرز فجأة من أحد الأكواخ. يقف في ~~مدخل الباب، ملوحا في الضوء الذهبي. # يقول سايمون: «أنت تملكين القليل جدا، ومع هذا أنت تملكين الكثير جدا.» # تعانقه «كانوني». ~~«اليوم عيد ميلادك أيتها النبتة الصغيرة. أنت كبير بما يكفي. لدي الكثير مما يجب ms38 أن ~~أخبرك به.» # لفترة من الوقت يجلسان سويا في الشمس المشرقة، يتكلمان عن نفسيهما، وعن النبتات ~~الصغيرة الأخرى. # يتكلمان عن كيف سيجعلان كل شيء في العالم يتغير. # | وجبة إفطار مع «آندي»1 # يقول شقيقي الأكبر «آندي»: «افتحي فمك يا لوسي.» لكنني لن أفعل. أنا خائفة جدا، ~~لكنني لن أفتح فمي مهما قال، ومهما بدا عصبيا ومهما فقد عقله. # فقد أعصابه صباح أمس. واليوم، رغم عنادي، لم يكن عصبيا جدا. ليس بعد، على أية حال. ~~ظل لبرهة يؤرجح ملعقته تحت أنفي كما اعتاد أبي أن يفعل حين كنت طفلة. لكنه حين وجدني ~~ما زلت أرفض الطعام، لم يثر علي ولم يضربني. فقط يتوقف عن أرجحة ملعقته. بعد ذلك يهز ~~كتفيه استنكارا ثم بدا حزينا، كأنني خيبت رجاءه. يهز رأسه ويسحب الملعقة بعيدا عن ~~وجهي ويقول: «سوف تغيرين رأيك يا «لوسي لوكيت»، سوف تنصاعين.» # لكنه مخطئ. لن أفعل. # يواصل «آندي» إفطاره. لا أريد أن أشاهد ذلك. أنظر إلى الأشياء الأخرى بدلا من ذلك. أرقب ~~البقع على الطاولة، موقد الطعام، الثلاجة، خزائن الأكواب بأقفالها الجديدة الضخمة. «آندي» ~~حول مطبخنا إلى فوضى ولخبطة عظيمة. وفعل الشيء ذاته في كافة أرجاء المنزل، ملابسه وكتبه ~~وأوراقه في كل مكان. الوحل على الأرضية من حذائه الطويل، صحون الأمس ملقى بها في الحوض كما ~~تلقى النفايات، وفي الركن جوار الباب الخلفي بوسعي أن أرى زوجا من جواربه المتسخة. # أكره حال الفوضى تلك. حين كان أبي هنا، كنا دائما نحافظ على البيت نظيفا منظما، ~~وشديد الأناقة. أحبه هكذا. لو سمح لي «آندي»، سوف أقوم بتنظيف كل شيء فورا، في هذه ~~اللحظة تحديدا، لكنني أعلم أنه لن يسمح لي. وإذا فعلت ذلك بغير موافقته، فسوف أقع في مشكلة ~~ضخمة. # الساعة بطيئة جدا. أحدق فيها وأحاول أن أجعل العقارب تمشي أسرع. أريدها أن تأتي على ~~الوقت الذي يخرج فيه «آندي» إلى العمل. الوقت الذي أصبح فيه نفسي. حين أكون نفسي سوف أكتب ~~في دفتر مذكراتي من جديد. # أجعل عيني تخرجان من البؤرة ms39 وأحاول التفكير في لا شيء، غير أنني لا أستطيع. أفكر في ~~الوقت، في ساعات الحائط وساعات اليد وكيف يمكن أن نشاهد الساعة. أبدأ في التفكير في ~~الطعام، وبعدها لا أستطيع التوقف. # يقول «آندي»: «اللعنة!» فيجعلني أقفز. أنظر إليه فأراه وقد أسقط بعض الطعام مع اللعاب ~~جوار ذقنه. ثمة بقعة مبتلة فوق قميصه، لا أريد أن أرى أيا من ذلك، أنظر بعيدا. # أتمنى لو لم أكن جائعة إلى ذلك الحد. أنا جائعة كما لم أكن في حياتي كلها. # أرفع كأسي وآخذ رشفة فتصدر معدتي جلبة أثناء نزول الماء. يسمع «آندي»، ورغم أنني لا ~~أنظر إليه، لكن بوسعي أن أشعر بابتسامته العريضة. هو يحسب أن صرير معدتي يعني أنني سأفعل ~~ما يريد. يظن أنني سرعان ما سأشاركه إفطاره، لكنني لن أفعل. رغم أني لم آكل أي شيء منذ ~~مدة طويلة، أيام وأيام، ورغم أنني في طريقي لأبدو مثل هؤلاء الأطفال الأفارقة الذين تراهم ~~في التليفزيون يتضورون جوعا، لكنني لن أشارك «آندي» إفطاره. إلى الأبد. أنا مثل ذلك ~~الرجل البدين فوق الدراجة البخارية، الرجل الذي غني تلك الأغنية التي اعتاد أبي أن ~~يحبها: «بوسعي أن أفعل أي شيء من أجل الحب. # لكنني لن أفعل ذلك.» # أتمنى أن يأتي وقت ذهاب «آندي» إلى العمل. أتمنى ذلك جدا، جدا. # الثلاثاء # مفكرتي الحبيبة. لم يضربني هذا الصباح، لكنه يكلم نفسه كثيرا. ليست كلمات منطقية، بل ~~تلك الكلمات المصنوعة التي يستعملها أحيانا. يفعل ذلك أكثر وأكثر منذ أن مات أبي، وهذا ~~مخيف. هو يصيح ويتوعد ويسب كثيرا أيضا. # يفحص كل مزاليج الخزانات مرتين قبل خروجه إلى للعمل. وكان اشترى قفلا جديدا، قفلا ~~أكبر للثلاجة. وبينما كان يركبه أخبرني أنني أصبحت جلدا على عظم، وتظاهر بالقلق ~~الشديد. ثم الآن، بعد أن حبسني في غرفتي، قال الشيء الذي أرعبني جدا. وقف في الخارج وقاله ~~بصوت عال، من خلال الباب. # قال: «تعرفين ماذا يجب عليك فعله يا «لوسي»، لن تبرحي الغرفة الآن، لن تبرحيها حتى وقت ~~متأخر جدا.» # كان يصفر ms40 وهو يغادر المنزل. سمعت الشاحنة تدور ورأيته يقودها إلى أسفل الطريق. والآن، ~~أنا وحدي من جديد. وحدي تماما. # لا يزعجني أن أكون وحيدة، لكنني أكره أن أحبس هكذا. حين أسجن على هذا النحو أشعر أنني ~~على وشك الجنون، وذلك حين أفكر أنني لن أعيش طويلا. عيد ميلادي الشهر القادم، لكن إذا لم ~~أخرج من هذه الغرفة بشكل أو بآخر، وإذا لم أجد شيئا آكله، أعتقد أنني لن أصل السادسة ~~عشر. # السادسة عشر # يقول «آندي» أحيانا: «ترقبي يا «لوسي لوكيت، السادسة عشر على الأبواب.» # سوف يلمسني حين يقول ذلك، إلا إذا رأيته قادما فأنسحب سريعا. أكره أن يمسني. # يقول: «سن الرشد، قريبا جدا.» ثم يضحك ضحكته المقرفة. # أعتقد أنني ربما لا أود أن أبلغ السادسة عشر. أظنني لا أريد أن أصل إلى السن ~~القانونية. # الأربعاء # يومياتي الحبيبة. أمس كان يوما طيبا. يوما مهما. وجدتها! وجدت طريقة للخروج من ~~غرفتي. # ما فعلته هو التالي: # انتظرت حتى خرج «آندي»، تسلقت خارج النافذة، دسست أصابعي في الفجوات بين قوالب الطوب. ~~تحركت بمحاذاة الحافة حتى الماسورة الضخمة في زاوية البيت. كان شيئا خطرا لأن غرفتي ~~مرتفعة جدا، وتألمت أصابعي جدا، وكدت أسقط مرتين، لكن، كان لا بد أن أفعل ~~ذلك. # بمجرد وصولي إلى الماسورة كان من السهل أن أهبط للأسفل. ذهبت رأسا إلى شجرة التفاح ~~الكبيرة وأكلت ثلاث تفاحات. كنت أرغب في المزيد لكنني أرغمت نفسي على التوقف بعد الثالثة ~~مخافة أن أصاب بالإعياء. بعدها ذهبت للنظر داخل السقيفة. الأغراض التي أردت كانت ما تزال ~~هناك. الحبل كان مخبأ وراء بعض الصناديق، لذلك لن يلحظ «آندي» غيابه إلا إذا احتاجه، ~~وهذا احتمال ضعيف. # لم آخذ كل صندوق السم قاتل الأعشاب الضارة. فقط أفرغت بعضا من محتوياته في منديلي، ثم ~~ربطته في حزامي. كنت مرتعبة من أن يعود «آندي» مبكرا ويمسك بي، لذلك خبأت تفاحتين أخريين ~~في جيبي، ربطت الحبل في كاحلي، وتسلقت عائدة إلى غرفتي. كدت أسقط مرة أخرى، لكنني لم ~~أسقط، والآن والحبل لدي، ms41 بوسعي الخروج والدخول وقتما أشاء. # خبأت الحبل والسم تحت إحدى بلاطات الأرضية المفكوكة. لو اكتشف الذي أفعله أعتقد أنه ~~سيقتلني. # الخميس # يومياتي العزيزة. اليوم على الإفطار كنت خائفة حقا أن يلحظ «آندي» الاختلاف. فكرت أنه ~~ربما يوجد مذاق لاذع أو شيء من هذا القبيل. راقبته جيدا، كان مسرورا لأنني أراقبه، لكن ~~يبدو أنه لم يلحظ شيئا. أظن أن خطتي قد تنجح. # وأنا أشاهد «آندي» يأكل اليوم، تذكرت الصباح الذي رأيته فيه يأكل ملعقته الأولى من جسد ~~والدنا. بدا ذلك منذ أمد بعيد. كأنه شهر تقريبا، كان يجب أن أبدأ في الاحتفاظ بك مبكرا ~~يا مذكراتي. # كان يوما مشمسا، ليس ممطرا مثل الآن، أتذكر حين نزلت لتناول الإفطار، وكان «آندي» قد ~~جلس بالفعل على السفرة. بدا وكأنه ظل ينتظرني. بدا متوترا. # قال: «اليوم، هذا هو اليوم يا لوسي الصغيرة.» وأجلسني جواره. ثم جعلني أشاهده وقد شرع في ~~أكل أبي. # كان يتحدث عن اشتغاله على الأمر لأسابيع، منذ ذلك اليوم الذي أحضرنا فيه جرة رماد ~~الوالد من محرقة الجثث. أمطرت في ذلك اليوم أيضا، وصرخت طويلا. وضعنا الجرة على رف ~~عال في المطبخ، وبعدها أقام «آندي» احتفالا صغيرا بالشموع ونحوها. كان يتظاهر بأنه يقرأ ~~مادة في كتاب، مادة بلغة هزلية، غير أني أعتقد أنه اختلق اللغة. # ذاك الحفل كله كان فكرته هو. بدأ كل شيء على ما يرام لكن سرعان ما غدا الأمر بشعا. ~~لم أرد أن أشارك، لكنه أرغمني، وبعد ذلك اضطررت إلى الذهاب إلى التواليت للتقيؤ. وحين ~~دخلت فراشي في الليل، أتى إلي وأخبرني ماذا ينوي أن يفعل. ماذا سيفعل بأبي. أخبرني ~~بالخطة. # قال: «إنها مادة مهمة يا لوسي، إنه الشيء الذي فعله الناس في العصور القديمة، قبل ~~المسيح وقبل كل شيء. حين كانوا يعيشون في الكهوف ويصطادون الحيوانات المتوحشة بالرماح. ~~إنها تعطيك القوة. تحولك إلى كائن خاص متميز.» # بعد ذلك وبعد أن أنهى عبثه معي، قال: «أريدك أن تكوني شخصا مميزا أيضا يا ~~لوسي.» # في البدء، ظننت أن الأمر ms42 كله مجرد كلام. أنت تعرفينني يا مذكراتي. فأنا غبية. ~~أسيء فهم الأمور أحيانا. لكنك تعرفين «آندي» أيضا، تعرفين كيف يكون. يمكنك أن تدركي ~~كيف وقعت في غلطة كتلك. «آندي» يتكلم كثيرا. ولد تحت فأل سيئ، أبي اعتاد أن يقول ~~إنه ملعون بلسان أنشط مما ينبغي. يقرأ تلك الكتب، يكون تلك الأفكار، ثم يتكلم ~~ويتكلم ويتكلم حتى تضطر إلى الخروج من البيت من أجل نزهة حول النهر لإطعام البط وما ~~شابه. لأنك لو لم تفعل، فمن المحتمل جدا أن ترتكب شيئا شريرا. ربما تأخذ سكين تقطيع ~~اللحوم الحادة من درج المطبخ وتطعنه في قلبه، ربما تقتله. # أعرف أنني يجب ألا أفكر بهذه الطريقة، أعرف أن ذلك خطأ، لكنه اعتاد أن يثير أعصابي حد ~~الجنون أحيانا. الجنون بالفعل. والآن الأمر أسوأ، أسوأ بكثير لأن أبي رحل ولم يعد لدي ~~أي شخص أكلمه، حين تهاجمني المشاعر الشريرة، سواك أنت. # 2 # كنا نتكلم، أبي وأنا. كان يأخذني لإطعام البط أحيانا، كان يحكي لي قصصا عن أمي، ~~ويخبرني ألا أدع «آندي» يدخل تحت جلدي. كان يمسك يدي بلطف، ليس مثل «آندي»، ينظر في ~~عيني ويبتسم. كم كان الحال أفضل حين كان أبي هنا! كان يعرف كيف يعمل الكوابح وكيف ~~يجعل الأمور أكثر بطئا. حين كان أبي هنا كانت الأفكار والأحاديث بعيدة كبعد خطط ~~«آندي». # لكنه رحل الآن، ولم يعد هناك من يضع الكوابح في وجه «آندي». فقط أنا. # الجمعة # مذكراتي الحبيبة. «آندي» في التواليت. وأنا محبوسة في غرفتي، لكن بوسعي سماع جلبته. آمل ~~أن يخرج اليوم للعمل. # حلمت حلما سيئا عن أبي الليلة الماضية. حلمت أنني عدت إلى البيت من المدرسة ووجدته ~~ميتا عند قاع السلم، عنقه مثني ورأسه ملتو تماما. «آندي» كان يجلس على الدرج ينظر ~~بفزع، وبعدها صحوت وتذكرت أنه لم يكن حلما. هذا ما حدث بالفعل. # بكيت طويلا. بكيت نهرا كاملا. أتذكر كيف جعلني «آندي» أجلس معه على الدرج ~~وأنظر إلى الأسفل حيث أبي، وكيف كان يفتعل ضجيجا هزليا، وكيف أنه لم ms43 يبك. ربما لم ~~يبك لأن أبي كان يضربه أحيانا. ربما كان ذلك هو السبب. لا أدري. # بعد برهة راح إلى الهاتف وكلم بعض الناس. # أتذكر كيف جاءت سيارة الإسعاف وأخذت أبي. وضع «آندي» ذراعيه حولي وأمسكني لمدة طويلة. ~~ربما لساعة أو نحو ذلك. # قال: «لوسي، لم يعد هناك غيرك وغيري الآن.» # وكان على حق، لأن أحدا لم يأت لزيارتنا بعد ذلك. كنت أحب أن أسكن على بعد أميال من أي ~~مكان قبل أن يموت أبي، قبل أن ينزع «آندي» الهاتف. أكره ذلك الآن. الأشياء حولنا أصبحت ~~عبثية منذ ذلك الحين. ليست عبثية بمعنى ها - ها، بل شاذة العبث. # لا أظن أن «آندي» افتقد أبي، ولو قليلا، لكنني أفتقده. أفتقده بشدة. أبي الآن مجرد ~~حفنة رماد في جرة، وإذا أخفقت خطتي أعرف أن «آندي» سيستمر في التهامه كل يوم، ملء ~~ملعقة من جسد أبي كل صباح. ويوما ما سيفنى أبي تماما. سوف يغدو مجرد جرة فارغة فوق ~~رف المطبخ. # ذهب آندي إلى العمل. شاهدته يمشي صوب الشاحنة. لم يكن على ما يرام. # السبت # يومياتي الحبيبة. هذا الصباح نزلت للإفطار وكان «آندي» جالسا هناك إلى طاولة المطبخ. بدا ~~مريضا جدا ومعتوها جدا. أشفقت عليه، تقريبا. # همس: «لوسي الصغيرة ... لوسي لوكيت الصغيرة.» # كنت أحب أن يناديني هكذا. جلست إلى الطاولة. # كان انتهى من إعداد مكونات صحنه الخاص من «الكورن فليكس»، السكر، زجاجة الحليب، لكنه لم ~~يملك القوة لفتح غطاء جرة أبي. ذهبت إليه وفتحتها له. نظر إلي وتدلى فكه ~~مفتوحا. # سأل: «هل تشاركينني؟» # أجبته: «لا، لكنني لا أمانع أن أساعدك.» # بدا سعيدا إلى حد ما. كان لا بد أن أوقف نفسي من الشعور بالتعاطف معه. # أغمد «آندي» ملعقته في جرة أبي، وقتها بدأت كل ذرة من طاقته تتلاشى، ولم يستطع إخراج ~~الملعقة ثانية. راح يبكي. # قال: «أنا آسف أني حبستك في غرفتك، أنا آسف على الكثير من الأشياء يا لوسي. ساعديني أكثر ~~من فضلك.» # مددت يدي، جذبت الملعقة ورششت خليط رماد أبي مع ms44 سم الأعشاب فوق صحن «الكورن فليكس» ~~الخاص بآندي. ثم أضفت السكر واللبن. ابتسم لي «آندي» بامتنان. # بعد برهة، بدأت أطعمه بنفسي. # | رحم يتأهب1 # تقولها شقيقتي ثانية: «الماما المنتفخة # 2 # لن ترغب فيك.» # أخبرتها من قبل كم تزعجني جدا قولتها تلك، لكنها لا تكترث. هي لا تكترث مطلقا ولا ~~تستمع. لذا أقرر للمرة الأولى ألا أضيع وقتي في التفكير والكلام. بدلا من ذلك سأنتظر ~~حتى تنام، ثم أمد كلتي يدي - هذان الذراعان الغبيان ما زالا نحيفين جدا، قصيرين ~~جدا، الكفان والأصابع لم تكبر بما يكفي بعد - ثم أمسك بحبلها السري. أقبض عليه ~~بيمناي، على بعد شبر من النقطة التي يختفي فيها داخل بطنها البدين، ثم تلويه يدي ~~اليسرى إلى أسفل. قطر حبلها السري أكبر من حبلي بمقدار الضعف، من أجل هذا هي ~~كبيرة وأنا صغير. ليس بوسعي فعل شيء حيال هذا الأمر. تغني ماما الكبيرة حين تكون عكرة ~~المزاج: «يا أطفالي، الحياة غير عادلة.» وهي على حق. تعلمت ذلك مبكرا حالما أدركت أن ~~شقيقتي الشرهة تلتهم، ليس فقط نصيبها مما تمنحنا الماما من غذاء وفير، بل نصف نصيبي ~~أيضا على الأقل. # أتوقف برهة وأنظر إليها، لدي قدرة فائقة على الإبصار الليلي، تطفو إلى جواري. هي ~~مقلوبة، أو ربما أنا. الأمر نسبي كله. أهز رأسي وأقول لنفسي أنني على وشك ارتكاب ~~خطأ غير محسوب، فشقيقتي الخنزيرة هي الأكبر حجما حتى وهي نائمة، هي الأكثر قبحا وبشاعة، ~~وتمثل أكثر الأشياء تهديدا لي في فضائي الراهن، وأعرف أنها تكره معدتي وقناتي الهضمية ~~التي تكونت حديثا. حين تفكرون في ذلك الأمر ستجدون كم هو مدهش أنني ما زلت أحيا إلى ~~الآن. # كلا، يجب ألا أفعل ذلك، أعلم أني يجب ألا أفعل. لكنني الآن غاضب. الآن نالني ما يكفي ~~من تغوطها: «ماما المنتفخة لن ترغب فيك.» وأريد قليلا من الترضية، قليلا من الثأر. ~~لذلك سأمضي في طريقي. أحكم قبضتي على الحبل السري لشقيقتي الفظة، أضغط بأكثر ما ~~يمكنني، ثم أعطيه شدة محكمة عنيفة. # تستيقظ ويعوى صوت ms45 تفكيرها في رأسي: «هيه، أنت يا كيس الحثالة! ماذا بحق الجحيم ~~...» # تطيح بيدي بعنف بعيدا عن حبلها، وتركل بكعب قدمها اليمنى جانب رأسي، لكن حتى ~~قدمها كانت مبطنة بكثير من الشحم لهذا لم تؤلم كثيرا على كل حال. # أصرخ فيها: «أخبرتك من قبل، ليس لديك الحق في قول ما تقولين. أنت لا تعرفين، لا ~~تعرفين المشاعر التي تحملها الماما نحوي!» # شقيقتي الفظة تمدد جسمها، تحتل معظم فراغي الخاص. بوسعها تصفيتي في لحظات، كلانا ~~يعرف ذلك. # قالت: «اسمع أيها التحفة الصغيرة، إذا كنت لم تلحظ، فأنا أكبر من ضعفي حجمك الآن، ~~ويزداد حجمي طيلة الوقت. والسبب الوحيد في أنك ما زلت تحيا حتى الآن هو أنني لا أريد أن ~~يطفو جثمانك حولي هنا ويلوث سوائلي. هل تفهم ذلك؟» # أفكر في الخضوع لها، لكنني أقاوم ذلك. ما الذي يمكن أن يحدث؟! اخترت المظهر الذي ~~يبديني متمردا، غير أني أومأت برأسي أيضا. ~~«حسنا، والآن دعني أخبرك بشيء آخر. أشك في أنك ستنجو في عملية الولادة - أتمنى بإخلاص ~~ألا يحدث هذا - لكن إذا لمست حبلي مجددا، إذا فقط وضعت عليه إصبعك الضئيل القذر، أضمن لك ~~أنك لن تعرف طريقك أبدا، أرجو ألا توصل الأمر إلى ذلك.» # تعطيني ركلة ممتازة. في ذات الموضع. لكن على نحو أعنف هذه المرة. ~~- «اتفقنا أيها الدمية العتيقة؟» ~~- «على أي شيء؟» ~~- «هل كلامي واضح؟» # لم أجب بالسرعة المناسبة، لذا ركلتني ثانية. سمينة كانت أو غير سمينة، فإن قدمها ~~آلمتني هذه المرة. أراها تسحب ساقها للوراء للمرة الرابعة. ~~- «حسنا، نعم كلامك واضح. الآن دعيني وشأني.» # ابتسمت وأظهرت بتأن لثتها القذرة. لو لم أكن أعي الأمر لأقسمت أنها تمتلك مجموعة ~~كاملة من الأسنان. ~~- «وشيء آخر ...» ~~- «ماذا؟» ~~«إذا أردت لعضوك البائس المثير للشفقة هذا ألا يمضغ، فالأفضل لك أن تبعد هذا الشيء ~~المقرف عن وجهي!» # أسقطت يدي لأغطي نفسي. لا أعتقد أن الأمر سيصل بها إلى هذا الحد، لكنني تعلمت من ~~خبرتي السابقة أن الأفضل أن تكون آمنا لا نادما. أحاول أن ألتف ms46 بحيث أعطيها ظهري، لكن ~~هذا ليس سهلا. نحن في شهرنا الثامن ولم يعد ثمة مكان للمناورة. # بالتدريج عدنا إلى حال التجاهل المتبادلة كالعادة. # أتكور على نفسي وأنصت إلى الضجيج بالخارج. الماما المنتفخة لديها أصدقاء مدعوون على ~~القهوة، يأتيني صوتها المكتوم عبر الجدران. أحب صوتها. حين أولد أتمنى أن تحب ماما ~~صوتي. أتمنى أن تحبني. أتمنى أن تحبني أكثر مما تحب شقيقتي الخنزيرة. # ماما المنتفخة تضحك لأن جنينيها يتحركان ويخبطانها من الداخل. رحمنا يترجرج، وثمة ~~شخص آخر يضحك، وآياد تضغط على بطنها فتؤلم جانب جبهتي حيث ركلتني شقيقتي البشعة. قاومت ~~نفسي كيلا أحك موضع الألم. هي تراقبني، أعلم أنها تراقبني، ولن أمنحها الشعور ~~بالرضا. # أغمض عيني وأحاول أن أهدأ، لكن رأسي يكاد ينفجر من فكرة أن أمي لو أتمت شهور ~~الحمل، سيكون أمامي شهر آخر في هذه الحال، وللحق، أنا لست واثقا أن بوسعي تحمل ذلك ~~والتعامل معه. شيء قاتل أن تسجن في فراغ محدود مع عدوك اللدود. في المرات شديدة السوء ~~أفكر أن أعض حبلي الخاص وأنهي الأمر كله، حتى قبل أن يبدأ. # غير أنني أفكر وقتئذ في «البنت». البنت التي تعد نفسها «لتولد شرسة». البنت تلك هي ~~سري الخاص، قوتي الداخلية. أعرف أنها السبب الذي من أجله سأتجاوز كل تلك الأوقات المظلمة. ~~أغير رأيي في الأمور. # تعلمون؟ الأمور لم تكن دائما هكذا. أتذكر الأسابيع الأولى من الحمل، لا تبدو الآن شديدة ~~السوء - أفضل من الآن على كل حال. صحيح أن الطفو داخل كائن بشري آخر لم يكن أبدا ~~فكرتي عن البهجة - لكن على الأقل في تلك الأيام المبكرة كان هناك متسع من الفضاء ~~لتتحرك، لتتمدد، لتضرب بأطرافك هنا وهناك. وقتها لم أكن أعرف أن الأمر أفضل، لكنه كان. ~~أنت تعيش، أنت تتعلم. لكن للأسف فبينما تعيش وتتعلم فإن حجمك يكبر أيضا. # هناك أغنية أخرى تلخص تلك الحال بالنسبة لي، أغنية تغنيها الماما المنتفخة. هي ~~تحب موسيقاها وتغنيها أثناء تنظيف البيت. تلك الأغنية القديمة عن التاكسي الأصفر ~~الكبير. تؤديها على ms47 نحو لا بأس به، ليس تام الإتقان، لكن بما يكفي لوضوح القصيدة ~~والنغمة. «ألا تبدو الحياة مسرعة على الدوام، حتى أنك لا تستوعب قيمة ما امتلكت إلا بعد ~~أن يذهب؟» # كاتب تلك الأغنية يعرف شيئا أو اثنين. خذوني مثالا، فبمجرد أن تصل إلى علامة «جنين ~~ذي سبعة أشهر»، فإن الكلوستروفوبيا # 3 # تدخل بيتك فورا. خاصة إذا كنت مجبرا على مشاركة الحيز مع آخرين. # تلك هي المشكلة الكبرى لدى الشقيقة البشعة حسب ظني. هي لا تجيد فن المشاركة. # تعرفون؟ حين أولد سأتعقب ذلك الرجل (أراهن بعمري أنه ليس امرأة) الذي صمم ~~الرحم، وسوف أضعه أمام بعض الحقائق الأساسية. لقد ارتكب عدة أخطاء برأيي المتواضع. ~~لا أعني ضيق الحيز وحسب. بل أيضا ندرة وسائل التسلية (كتلك التي تقدمها شركات ~~الطيران على طائراتها مثلا) ما يعد غيابها جريمة في تلك المرحلة من العمر. يا يسوع، ~~أليس عجيبا أن كل جنين قابلته كان مختلا عقليا؟ ماذا تتوقع حين لا يكون هناك ما ~~تفعله في تلك الأرحام المتأهبة للولادة سوى التصنت على الأصوات المكتومة لخفقان قلوب ~~الأمهات المنتفخات، أو ربما عد قرقرات المعدة؟ وطبعا يمكنك قياس كم كبر ذراعاك وساقاك، ~~أو يمكنك أن تمر بإصبعك على فتحة اليافوخ لتستحث مخك وتوقظه، لكن تلك الأفعال سرعان ~~ما تمر. حتى النشوة التي تحصلها أخيرا من امتصاص إبهامك (بعد أن ينمو لك فم ليمتص، ~~وإبهام ليمتص) لا تستمر طويلا. # المرة الوحيدة التي خفت فيها حال الضجر كانت في الماضي حين كنا جنينين في شهرنا ~~الخامس ولم تكن شقيقتي قد تحولت بعد إلى ذلك الوحش. الماما المنتفخة أخذت ثلاثتنا إلى ~~عيادة الطبيب وظللت طوال مدتنا هناك أتسمع إلى الأصوات. يروحون ويجيئون. الخنزيرة لم يبد ~~عليها أنها لاحظت، لم يدهشني ذلك. فهي ليست ممن يمكن أن تعتبرهم مرهفي الحس. # كنت هناك، أطفو هنا وهناك منشغلا بأموري الخاصة حتى سمعت فجأة: «هذه المرأة بلهاء، ~~بلهاء تماما. هذا حظي أن ...» # لم يكن صوت الخنزيرة. النبرة مختلفة، الصوت مختلف. ثم سمعت واحدا آخر. ms48 «إنه مظلم، مظلم ~~جدا. ربما أمكنني أن أحفر نفقا ...» # استغرقت برهة لأستوعب ماذا يحدث، لكنني فهمت في النهاية. المكان لا بد مكتظ ~~بأمهات منتفخات أخريات، العشرات منهن، وكلما مرت واحدة منهن متباطئة على مقربة منا أسمع ~~قرقرة جنينها عن طريق موجات الفكر. تعودت على الكلام القذر الذي تطلقه شقيقتي - كان ~~عادة عن الطعام أو عن عروسة «باربي» التي سمعت عنها في تليفزيون الماما، أو عن مدى ~~كراهيتها لي - لكنني لم أتخيل، حتى ذلك الوقت، أن بوسعي التقاط موجات أخرى من محطات ~~خارجية كما حدث . كان هذا محفزا طيبا لكنه في ذات الوقت مخيف جدا. صدقوني ثم ~~الكثير من اللغط لأجنة تسبح في السوائل هناك. # كان هناك جنين ظل يكرر نفس المقولة مرات عديدة، نفس الصرخة العجيبة ذات النبرة ~~العالية التي تأتيني عبر الذهن. «أيها المسيح في عليائه ... ليس من مكان يكفي ثلاثة! يا ~~يسوع، المكان لا يتسع لثلاثة!» ظل يكررها مرات ومرات، وكأنه يستنجد. أذكر أنني فكرت ~~وقتئذ أن وضعي، رغم كل شيء، لم يكن بهذا السوء. شيء واحد مؤكد، أن أمه كانت في لحظة ~~بهجة حين انبثق هو وإخوته. # عندئذ سمعتها. البنت. سرى الحميم جدا، البنت التي سأعثر عليها يوما. أحببت صوتها ~~فورا لأنها كانت تغني الأغنية التي كانت ماما تغنيها أحيانا، «ولدنا كي نكون شرسين»، ~~يأتي صوتها ليطغى على صوت الضربات العالية والخافتة لأضلع أمها. # خذ دراجتك البخارية واركض، # اتجه صوب الطريق العام، # فتش عن مغامرة، # ومهما يحدث في طريقنا، # اجعله يحدث يا عزيزي، # عانق العالم بحب، # أطلق كل رصاصاتك مرة واحدة، # وفجرها في الفضاء، # مثل طفل الطبيعة الحقيقي، # نحن ولدنا، # ولدنا، # كي نكون شرسين. # بوسعنا أن نتسلق عاليا، # لا أريد أن أموت أبدا. # كنت منوما مغناطيسيا. كان بوسعي أن أراها ترقص في الرحم، وكنت أتوق ~~بكل قوة أن أجاور البنت تلك، طفلة الطبيعة الحقيقية، بدلا من أن أسجن مع هذه الخنزيرة. ~~هي وأنا، كان بوسعنا حالئذ أن نحصل سويا على الكثير من البهجة. # تعرفون؟ حين أجد طريقي، ms49 يوما ما، سنحصل على بعض البهجة سويا. مهما قالت شقيقتي ~~الخنزيرة، سوف أولد، وسوف أحيا وسوف تحبني الماما، وسوف أحبها بالمقابل. يوما ما حين ~~أغدو قويا وصحيحا، حين أغدو كبيرا، سوف أتعقب تلك الفتاة وأريها أن كلينا خلق من أجل ~~الآخر. نعم. سوف يجد كل منا الآخر، وسوف نظل معا، وسوف نقود دراجتينا البخاريتين ~~صوب الطريق العام وسوف نفعل كل شيء يمكننا فعله من أجل أن نجعل تلك الأغنية ~~حقيقة. # هذا حلمي، وذلك ما سوف يكون. # صدقوني. # | أحلام أسامة # 1 # الليلة، في مكان ما بعيدا عن نيويورك، ثمة امرأة شابة تحلم. اسمها «مارسيا». ~~وحيدة في فراشها تحلم بالأوقات الأجمل، بلحظات المشاركة: نزهات خلوية، رحلات إلى ~~حديقة الحيوان، عرض سينمائي، دعوة إلى العشاء. تبتسم في نومها حين تتحرك أصابع ~~زوجها الميت فوق كفها، حين تقبل شفتاه الميتتان النبض الحي في أسفل عنقها. هي ~~تحلم بالذي «كان»، تحلم بحفنة السنوات التي لم تكن فيها وحيدة. # في الليالي الطيبة ترسو أحلامها عند تلك اللحظات، تلك الأمكنة. لكن الليالي الطيبة ~~نادرة، وهذه الليلة لم تكن واحدة منها. الليلة، أمام عينيها الشاخصتين، يتناثر طعام ~~نزهتها الخلوية فوق الأرض المعشوشبة: يتعكر، يتعفن، يفور بالديدان. الليلة ~~تتحول حيوانات الحديقة إلى حشود مزمجرة تطارد بالسياط وحوشا وتهدم أقفاصها. ~~الليلة يرعبها الفيلم السينمائي، والوجبة التي هي مجبرة على أكلها كان لها طعم ~~التراب في لسانها، والرماد في حلقها. # الليلة، مرة أخرى، مارسيا تكافح وتتصبب عرقا وتئن، ورغم أنها قد باعت شقة ~~نيويورك وانتقلت بعيدا، بعيدا جدا، إلا أنها تعلم أن ليس بوسعها أبدا أن تنتقل ~~بعيدا بما يكفي للهروب من أحلامها. أحلامها تتتبعها، تجدها أينما ذهبت، ليلة بعد ~~ليلة. أحلام عن الأبراج، عن الطائرات، عن الحجارة المتكسرة المتساقطة، أحلام عن ~~الموت. # الليلة، المرة تلو المرة تلو المرة، ترى الجثث تتبعثر من النوافذ، تسمع الأبراج ~~تنهدم وتدك على الأرض، تشعر بروحها تهوي إلى حفرة لا قاع لها من الخسران ~~والفقد، كوة جحيم من التشوش والحيرة. # والآن، هذه الليلة، ثمة أمر ms50 جديد. الليلة، حين فتحت عينيها الحالمتين وجدت مدى ~~صحراويا متراميا أمامها. قفر، جدب قاحل، وذو جمال غريب. الهواء المتحرك كان ~~معبئا بالغبار والدعاءات. الله، الله، الله. # في الصحراء وجدت متاهة من الكهوف. وفي العمق الأقصى، في أكثر الكهوف إعتاما، ~~وجدته يرقد مجهدا على سرير من الحبال. رجل وسيم، أسود العينين، قاتم اللحية. رجل ~~نائم، رجل أعزل غير محصن. # ووجدت مارسيا في قلبها كراهية، وفي روحها رغبة قاتمة، وفي يدها وجدت سكينا. ~~سكين صغيرة، نعم هذا حقيقي، لكن في مثل هكذا أوقات تستطيع السكاكين الصغيرة أن تنجز ~~الكثير. ومن بوسعه أن يعرف حقيقة السكاكين الصغيرة أكثر من هذا الرجل؟ سكيني حادة، ~~فكرت مارسيا، نعم، حادة جدا. ~~«أنت قتلت زوجي، «تهمس». أنت قتلت نومي.» # والليلة، هذه الليلة، في صمت كهف صحراوي، تركع مارسيا بهدوء جوار سرير الحبال وتحلم ~~بأنها تأخذ الثأر. # 2 # كمسمار منتصب على أحد المقاعد الخشبية في كنيسته الخاصة، بينما المسيح على صليبه ~~ينظر إليه من أعلى مثلما ينظر إلى نكتة رديئة، يجلس الأب «أوو دونيل» سكران قليل ~~الإيمان. يحلم أيضا. يحلم ويصرخ. # في حلمه، كان أيضا راكعا على ركبتيه. يركع في الشوارع المتكسرة. التراب في كل ~~مكان حوله. شعره مبيض بالغبار، عيناه مكسوتان بالغبار، رئتاه محترقتان بالغبار. ~~راكعا، أبيض، مكسوا، محترقا، كان الأب «أوو دونيل» يلعن الله. ~~«كيف أمكنك أن تسمح بذلك؟» يصرخ. «كيف أمكنك؟» # يحتضن رأس رجل يحتضر، يستمع إلى آخر همسة يقولها: مارسيا، مارسيا، مارسيا، مارسيا، ~~مارسيا. لكن الله لا يقول شيئا. الرب صامت. ~~«تكلم إلي!» يهتف الأب «أوو دونيل»: «دعني أفهم!» # البرج الثاني يسقط. غير واقعي. تصاريف الأحلام. شيء من أفلام سبيلبرج # Spielberg ~~. # 1 # الرجل يموت. # الرب يتحرك بطريقة غامضة، ولا يعبأ أن يناقشه. # والليلة يتقاسم الأب «أوو دونيل» الصحراء الباردة مع مارسيا، يشاركها الكهف، ~~يركع جوار سرير الحبال. # بينما عيناه مثبتتان على نصل السكين اللامع يخبرها: «هذا الرجل قتل إيماني ... هذا ~~الرجل قتل ربي.» # والليلة، الأب «أوو دونيل» سوف يحلم أيضا بثأره. # 3 # جورج، ابن ms51 جورج، يقضي الليلة بالخارج، يحلم أحلامه. البيت الأبيض ينبسط فوقه وحواليه ~~مثل زوج من أجنحة عظيمة واقية، تحفظ وتؤمن حياة أكثر الرجال قوة فوق الأرض. لكنه في ~~أحلامه ليس سوى جورج الضعيف، جورج المتعب، جورج غير الآمن. في أحلامه يبحث عن شيء ~~ما، يبحث، لكن لا يجد أبدا. ومثل الأب «أوو دونيل» يركع على ركبتيه في التراب، يرفع ~~الصخور، ينظر تحتها. لا شيء. فقط المزيد من التراب. # طائرات (لعبة)، العشرات منها، تئز حول رأسه، تشتت انتباهه، تزيد حنقه. يمد ~~يده ويمسك واحدة، يحطمها. ~~«يا ألله!» # يهتف الطيار المتناهي الصغر وهو يسقط. يسحقه جورج في التراب تحت إبهامه. حين يرفع ~~يده يجد إبهامه مصبوغا بحمرة الدم. يمسحه في جاكيت الرئاسة قبل أن يرفع صخرة ~~أخرى. # مختبئين تحت هذه الصخرة، يجد شخصا نائما على سرير حبال، وامرأة وقسا يركعان ~~كأنهما يصليان. # يسأل جورج: «هل يمكن أن أنضم إليكم؟» مكرمشا جسمه، قلبه يدق بسرعة. الصخرة تغدو ~~كهفا. يركع بهدوء جوار الكاهن، يحدق في الرجل النائم، ثم يشكر الله أن انتهى بحثه ~~أخيرا. # يقول: «العين بالعين، والسن بالسن.» # تهمس مارسيا: «الثأر!» # يقول: يومئ جورج: «الثأر!» # 4 # في صحراء ما، في كهف ما، فوق سرير من الحبال، كان أسامة يحلم الليلة. # مرة أخرى يرى نصف مليون أمريكي ملحد ينهمرون في أراضي السعودية، مدعوين، ~~مدعوين إلى تربة بلاده، بينما جنود جيشه الخاص من «المجاهدين» الأمجاد ممنوعون من ~~قبل الحكومة الكافرة. لمرة أخرى يتذوق المهانة، ينزف ألما من جراء تدنيس الأرض ~~المقدسة، الخيانة التاريخية التي ضربت مقدساته. # يحلم بمكة، بالمدينة وبأورشليم، يحلم بالتحرير. # يرى أطفال أشقائه ينسحقون تحت عجلات الدبابات الإسرائيلية. يرى «الأمة»، يحلم ~~بالأمة، يحلم بعقيدة غالية جدا، يحلم بأماكن مقدسة هي فوق الدماء، وفوق ~~الأرواح! # يهمس لأشقائه: «التزموا بعهدكم، سيروا على تعاليم الله وصراطه وامشوا على درب ~~الجهاد. دماؤكم دماؤنا، شرفكم شرفنا، وأطفالكم هم أطفالنا.» # كانت هناك خشخشة بجواره. # الليلة، مثل كل ليلة، كان أسامة يحلم بالثأر. # | اللغة غير مقدسة مثل شجرة الميلاد1 # (حوار مع ms52 جون ريفنسكروفت) # كيف تقدم نفسك إلى القارئ العربي؟ # حين سألتني فاطمة ناعوت هذا السؤال أجبت كالتالي: # جون ريفنسكروفت، كاتب حر يعيش في لينكولنشاير بإنجلترا. يقضي معظم وقته في عراك السرد ~~والقص وفي تحرير مجلة «كادينزا». وفازت قصصه القصيرة بجوائز أدبية عديدة، ونشرت أعماله ~~في ال # BBC ~~. # لكن يبدو أن هذا الرد لم يرق لها؛ إذ قالت: هذا هو جون الكاتب، من هو جون ~~الإنسان؟ # أخفق دوما في الكلام عن نفسي، غير أنني سأحاول باختصار أن أرصد حياة هذا الشخص. ولد في ~~إنجلترا عام 1954م. ذهب إلى المدرسة ثم أصبح معلما، تزوج وعاش حياة تقليدية حتى عام ~~1994 حين قرر أن يحاول في مجال الكتابة. كانت تلك نقطة تحول في حياته. # كتابة القص تتطلب قدرا كبيرا من اختبار النفس. وعبر عملية الكتابة أفترض أنني ~~تعلمت العديد من الأشياء عن نفسي، نوازعها وسماتها، تلك التي انعكست بجلاء على مضامين ~~أعمالي. # تأثرت عميقا بمصرع شقيقتي في حادث سيارة حين كنت في الحادية عشرة، وأعتقد أن هذه ~~التجربة أدت بي إلى التحفظ على العقيدة الدينية. لدي اهتمام قوي بالعالم المادي، في ~~محاولة لفهم كيف جاء هذا الكون المدهش الذي نحياه وكيف يعمل. أخضع لنزعتين متوازيتين: ~~ولع شديد بلغز الإنسان، ورغبة شديدة في فهمه. أومن أنني، واعيا أو غير واع، أستكشف تلك ~~النوازع في قصي. # حين لا أكون في حال كتابة، أستمتع بتمضية الوقت مع زوجتي ومع أصدقائي. ومثل كل الكتاب، ~~أقرأ كثيرا. ومنذ أصبحت مشاركا في تحرير مجلة «كادينزا» غدا علي مطالعة عدة أكوام من ~~القصص القصيرة يوميا مما ترد للنشر في المجلة. هذا يضعني في دائرة تواصل مع الكتاب ~~بشكل حميم، وهو نوع من العمل أراه مثريا ومفيدا للغاية. # ولقارئي العربي أقول: # قبل لحظة من جلوسي إلى مكتبي لأجيب عن هذا السؤال كنت في نزهة بالخارج مع كلبي حول بحيرة ~~على مقربة من بيتي. إنه صيف إنجلترا، حيث سياج الشجيرات حي بأعشاش الطيور. يخطر على بالي ~~الآن سؤال حول مدى اختلاف بيئتي المحيطة ms53 عن بيئتك بمصر، وكيف أنه من المدهش أن أتواصل معك ~~مخترقين حواجز اللغة والجغرافيا! أتمنى أن تستمتع بقراءة مجموعتي هذه. وأشكر المترجمة أن ~~أوصلت كلماتي إليك وإلى عدد أكبر من المتلقين. # هل يتكئ ريفنسكروفت في قصه على الواقع المحض أم يلعب الخيال دوره ~~أيضا؟ # سؤال مثير. ربما أقول إن كل كاتب يسحب من رصيد خبرته في الحياة لتغذية مادته القصصية. ~~لذا ربما توافقينني أن ثمة مفردات من الواقع وأخرى خيالية في كل قصة. في تجربتي الشخصية ~~تجدين بعض القصص معتمدة بشدة على حياتي الخاصة، «سهرة مع الأم» نموذج لذلك، غير أن بعضها ~~ذو روابط أوهن مع الحياة الواقعية. # إلى أي مدى مراقبة العالم تفيد كاتب القصة في عملية ~~الإبداع؟ # أعتقد أن مراقبة العالم أمر أساسي ومنشط للفكر. حين نكتب سردا، نحاول أن نوهم ~~القارئ أن ما يقرؤه يحدث بالفعل ويحتل مكانا ما من العالم. كي نجعل ذلك العالم «الوهمي» ~~يبدو حقيقيا، نستعير مفردات عادية وحقيقية من عالمنا ونفيد منها في العمل، فتبدو حقيقية ~~حين يجدلها القارئ مع تجربته الخاصة. لذلك فمراقبة العالم بدقة من قبل الكاتب تساعد ~~قارئه على «تسكين» القصة موضعا ما من الحياة. # كيف يرى القارئ الإنجليزي الأدب العربي؟ # أخشى أن معظم القراء الإنجليز على غير دراية بالأدب العربي بشكل عام. أشعر بالخجل أن ~~أعتبر نفسي ضمن تلك الشريحة. # يمكننا لمس كثير من الخيوط في سردك: الخيط الوجودي في «قتل ~~الأرانب» و«رحم يتأهب»، والخيط الرومانسي في «البومة» و«أغنية من أجل جيني»، والخيط ~~الفانتازي في «الجرس» و«النبتة الصغيرة». أي تلك الخيوط يستهوي قلم ~~ريفنسكروفت؟ # أعتقد أن هذا يعتمد على حالتي المزاجية. ثمة أوقات أجلس فيها للكتابة، ويكون الفضاء ~~الخارجي معتما، تلك القصص تتمحور حول الموت أو الفقد بشكل عام. في أوقات أخرى، أنتج ~~أعمالا أكثر إشراقا، أو حتى أعمالا هزلية مثل «حكاية الجنيات». أزعم أن أفضل قصصي هي ~~تلك التي تميل للعبوس. # هل تؤمن بمبدأ «الفن للفن»؟ أم ترى أن للفن رسالة نحو العالم يجب أن ~~يؤديها؟ # إذا كنت ms54 تقصدين ب «رسالة نحو العالم» أن تسألي عما إذا كنت أعتقد بأن الأدب يجب أن يقول ~~شيئا ما، أو يجب أن يحمل بدلالة ما، فالإجابة نعم. لا ضير مطلقا من الكتابة من أجل ~~المتعة وحسب، لكنني كقارئ أحتاج أكثر من ذلك. أحتاج أن يكون للقصة شيء من الثقل، شيء من ~~الرؤية، شيء من المغزى. وككاتب، ذاك هو القص الذي أسعى لكتابته. القصص الممتعة وحسب سرعان ~~ما تنسى، لكن القصص التي تقول شيئا عن الإنسان وشرط الحياة ربما تدوم معك إلى نهاية ~~الحياة. # تتباين شخوصك كلية: المعمر، الذي لم يولد بعد، غير الواثق، ~~الحالم، المرزوء بالخطوب ... إلخ، كيف تبتكر شخوصك وتبنيها؟ # هذا يتوقف على كيف تأتيني فكرة القصة. أحيانا تكون بذرة القصة هي «الموقف» أكثر منها ~~«الشخصية». أعمل الآن على قصة تعتمد على الموقف. البطل بدأ في سماع أصوات داخل رأسه، حين ~~واتتني الفكرة، لم يكن لدي شخصية بعينها في رأسي، وتتخلق الشخصية بالتدريج حين أبدأ في ~~طرح الأسئلة على نفسي. بدأت بنوعها واخترته أنثى، ثم العمر وكان 14 عاما. لكن مع تحرك ~~العمل إلى الأمام، وجدت أن الأحداث ستتواءم أكثر لو كانت الشخصية ذكرا بالغا. وهكذا ~~تتخلق الشخصية بالتدريج إذا كانت القصة تتكئ على ~~الموقف أو الحدث. غير أن أحوالا أخرى تكون فيها بذرة القصة هي الشخصية ذاتها التي تقفز ~~فجأة إلى رأسي مكتملة تقريبا. تكون تلك الشخصية قد تولدت من شخص ما قابلته في الطريق، في ~~الحلم، أو من الذاكرة. ما علي فعله حينئذ هو خلق الموقف الذي من خلاله تخرج تلك الشخصية ~~للحياة لتقول شيئا يستحق أن يقال. # هل مجلة «كادينزا» التي تعمل على تحريرها تعنى بالأدب العربي؟ أم ~~هي مسورة بسياج حديدي على الأدب الإنجليزي والأوروبي؟ # كادينزا تعنى بتقديم الأدب القوي مهما كان مصدره. سوى أنها لا بد أن تظهر ~~بالإنجليزية؛ لأن قراءها ومحرريها جميعا من الناطقين بالإنجليزية. # إلى أي مدى يقتل العمل في الصحافة الإبداع داخل ~~الكاتب؟ # تجربتي في العمل الصحافي مقصورة على تحرير المجلة، وأؤدي ms55 ذلك العمل في المنزل. أي ليس ~~علي أن أذهب للمكتب كل يوم. لكن على أية حال التحرير عملية مستهلكة للوقت جدا، أنا ~~واع تماما أن إبداعي لم يعد يأخذ الانتباه الكافي الذي اعتاده من قبل عملي في الصحافة، ~~لذلك أتفق معك تماما. # بوسعنا لمس اهتمامك بعالم الحيوان، هل تؤمن بثراء ذلك العالم بوصفه ~~منبعا خصبا يمكن للكاتب أو الشاعر النهل من معينه؟ # أعتقد أن الناس عادة ينسون أننا ننتمي إلى عالم الحيوان أيضا. أنا أحب الحيوان، ونعم، ~~أومن بأن ثمة روابط عميقة بين الإنسان والحيوان من شأنها خلق إبداع مختلف. # جعلتنا نشارف البكاء في «أغنية من أجل جيني» و«الأشياء التي تركتها ~~وراءك»، نضحك في «رحم يتأهب»، نرتعد خوفا في «وجبة إفطار مع آندي»، وحركت مشاعرنا ~~العاطفية مع «البومة» و«الجرس». هل عادة ما تستحضر قارئا افتراضيا لحظة الكتابة ~~وتفكر في تأثيرك عليه؟ # عادة حين أشرع في الكتابة، أعمل على شحن القارئ بخبرة انفعالية ما. أومن أن ذلك أحد أهم ~~الأسباب التي من أجلها يقرأ الناس القص. لذلك، نعم، أفكر في أثر ما أكتب على مشاعر قارئي. ~~وحتما فإن الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هو استجلاب واستجماع انفعالاتي الخاصة، وأعتقد أن ذلك ~~هو السبب في أن الكتابة كثيرا ما تكون شاحذة للعاطفة. بين حين وآخر أجد نفسي أبكي فيما ~~أكتب. حين يحدث ذلك فتلك إشارة على أنني وقعت على شيء قد يحرك القارئ أيضا. # كتبت في مقاربتي النقدية لمشروعك الأدبي أنك كثيرا ما تلتقط ~~بمهارة ملامح شعرية من موجودات عابرة وغير ملفتة، هل تظن أن الكاتب لا بد وأن يمتلك ~~عينا حادة بوسعها اقتناص الشعرية من العالم المحيط؟ # أعتقد أن تلك العين يمكن أن تفيد كثيرا. قال ريموند كارفر ذات مرة: «من الجائز، في ~~القصيدة أو القصة القصيرة، أن تكتب عن الأشياء التافهة أو العادية مستخدما لغة عادية ~~ومألوفة لكن دقيقة ونافذة، يمكنك أن تشحن تلك المألوفات: الكرسي، ستارة الشرفة، الشوكة، ~~الحجر، قرط المرأة، بطاقة مذهلة وهائلة.» أتفق مع ذلك التوجه تماما وهو ms56 الذي أجتهد أن ~~أصنعه في قصصي. # كتبت كذلك أنك أحيانا ما تضعف من توتر الحبكة في آخر سطر في ~~قصصك، حين تعمد إلى التعليلية والشرح غير الضروري، الأمر الذي يغلق الدلالة على القارئ ~~ويحرمه لذة الخوض والمشاركة في الكتابة معك، هل تتفق معي في ذلك الرأي؟ وما مدى ~~خضوعك تحت وطأة القارئ والخوف من استغلاقك عليه؟ # على الكتاب أن يجوبوا طرقا وعرة صعبة المسالك. أي كم من الفكر وهبناه للقارئ؟ كم من ~~الجهد جعلناهم يبذلون حتى ينكشف لهم العمل؟ ولأننا لا يمكن أن نعرف كل قرائنا شخصيا، ~~ربما بدا ما نقوله أكثر مما يجب لبعضهم، بينما يكون أقل مما يجب لآخرين. هذا شيء آخر يجعل ~~من الكتابة عملية معقدة. # كيف يرى المواطن الإنجليزي، العادي والمثقف، المواطن العربي، ~~بعيدا عن الحكومات والسياسة، خاصة في هذه الأوقات؟ # نظرة الشعب الإنجليزي إلى العرب تعتمد بشكل أساسي على: عمن تتكلم. الكثير منهم ~~يدركون أن ما يحدث في العالم من إرهاب مثل تفجيرات لندن الأخيرة هو نتاج لأسباب مركبة ~~ومعقدة سياسيا واجتماعيا وتداعيات مباشرة لسياسات عدم المساواة في العالم. البعض الآخر، ~~بكل أسف، يتمنى ببساطة أن يزيح هؤلاء البشر الذين باتوا يرون فيهم «العدو» المهدد لحق ~~الحياة. # في قصة «أحلام أسامة» رسمت صورا رمزية للأقطاب الأربعة الضالعة في ~~كارثة الإرهاب: كتلة المدنيين الأبرياء (مارسيا)، الدين (الأب أوو دونيل)، القوة ~~المهيمنة الأولى في العالم (جورج)، ثم رأس الإرهاب (أسامة). كيف استقبل القراء هذه ~~الرموز؟ # لم أحصل على ردود فعل كثيرة عن «أحلام أسامة» تحديدا ربما لأنها حديثة الكتابة. أذكر ~~أن قارئا أمريكيا قال إنها «تبسيط للقضية»، لكن قارئا عربيا قال إنها أعطته رؤية ~~كاشفة تظهر تعقد الحال وتأزم أزمة الإرهاب لدى الغرب. باستثناء قراءتك لم أحصل، حتى ~~الآن، على ردود فعل سوى هذين. # هل الرأي العام الإنجليزي يميز بين المتطرفين الإسلاميين وبين ~~كتلة المسلمين والعرب المعتدلين العلمانيين الذي يشجبون التطرف ويدينون ابن لادن ~~ويصطلون بناره ربما أكثر مما يفعل الغرب؟ # من جديد يعتمد هذا على الشخص ms57 وطريقته في التفكير وتناول الأمور، وعلى مدى معرفته بالمجتمع ~~العربي والإسلامي. معظم الشعب الإنجليزي الأبيض يعلمون أقل القليل عن العقيدة الإسلامية ~~رغم أن مسلمين كثيرين الآن يحيون في المملكة المتحدة. القسم المتعلم من الإنجليز يفهمون ~~جانبا من الوضع على صورته الصحيحة، لكن القسم الأعظم من الشعب الإنجليزي يشعر أن القليل ~~جدا من المسلمين يمكن الوثوق بهم. «توني بلير» رئيس الوزراء كان يتكلم أمس مع بعض ~~القيادات الإسلامية حول البحث عن طرائق لمد جسور الوعي بالآخر من أجل رأب صدع التباينات ~~الواسعة في رؤية العرب من قبل المواطن الإنجليزي بين أقسام المجتمع المتباينة، لكن الشاهد ~~أن الكثير جدا من العمل ما زال يجب أن يتم. # أحيانا ما تمزج في قصصك بين اللغة الإنجليزية الكلاسيكية الرفيعة ~~وبين الدارجة البريطانية، هل فكرت أبدا كم يكون ذلك صعبا على القارئ غير الإنجليزي ~~اللسان؟ # يجب أن أعترف أنني لم أفكر في ذلك الأمر من قبل. حتى وقت قريب لم تكن أعمالي تقرأ سوى في ~~أمريكا والمملكة المتحدة وحسب. غير أن مبادرتك الطيبة، بترجمة مختارات من قصصي إلى العربية ~~مما سيساهم في معرفة القارئ العربي بي، سوف تجعلني أفكر فيما بعد في القارئ ~~الأجنبي. # ذكرت في تصدير مجلة كادينزا أنكم تبحثون عن الكاتب الذي بوسعه ~~التجرؤ على اللغة، والذي لا يخاف المغامرة. هل تعتقد في ضرورة أن يكون الكاتب ~~مخاطرا؟ وهل تعتقدون في قداسة اللغة أيا كانت، أو أنها كيان يجب ألا ~~يمس؟ # المغامرة في مادة الكتابة، نعم. يجب أن نتحرى الاحتمالات والإمكانيات الخاصة بالقص ~~ونأتي باكتشافاتنا الخاصة من أجل متعة القارئ الذهنية. أما عن خوض المخاطر في اللغة، فيجب ~~أن يتم ذلك بحذر بالغ، وبعد أن يكون الكاتب موغلا بعمق في قواعد وأسرار اللغة. وعن قداسة ~~اللغة، لنقل إن اللغة مثل شجرة عيد الميلاد، علينا أن نعرف كيف نرعاها لتنمو. لا أومن ~~بقداستها في ذاتها، أو في وجوب عدم المساس بها. لكنني أعتقد أن أية تغييرات بها لا بد أن ~~تضيف إليها، فقط إذا «حسنت» ms58 الإضافات من قيمة اللغة كأداة. كثير من التغييرات تجعل اللغة ~~أقل تأثيرا وتلك يجب أن نتجنبها. # ما هي طقوسك في الكتابة؟ الوقت، الحالة المزاجية، كم من الوقت تأخذ ~~قصصك عادة؟ # هذه الآونة أكتب كلما ساعدتني الظروف. اشتريت حديثا كمبيوتر نوت بوك (حاسوب متنقل)، ~~وهو أداة رائعة لأنه ببساطة يعني أنني لم أعد مجبرا على أن أظل مربوطا إلى مكتبي. أجلس ~~في الحديقة الآن وأنا أكتب، وأشاهد الشمس تشرق خلف غيمة لوهلة. أهمية أخرى لذلك الحاسوب ~~المتنقل أنه يجذبني بعيدا عن الإنترنت وعن بريدي الإلكتروني. اكتشفت أنني كنت أمضي ~~الساعات داخل الإنترنت بغير أن أكتب حرفا! أما عن كم من الوقت تأخذني القصة فلا إجابة ~~محددة على ذلك. بعضها يأتي في يوم أو يومين، والبعض ربما يستغرق شهورا. # فزت بالعديد من الجوائز في القصة القصيرة. أي تلك الجوائز هي الأقرب ~~إليك والأعز؟ # أحبهم جميعا. لكن عادة الأحدث هي الأقرب إلى قلبي ربما لفترة، لذا فإن تلك التي أنا ~~بصدد تسلمها في لندن مع سبتمبر القادم هي الأعز وهي جائزة «كاتب هذا العام». كم أنا فخور ~~أن قرأتني يا فاطمة وسعيد أن جعلت القارئ العربي يقرؤني. ms59