######OpenITI# #META# URI: 1450FayiqaJirjisHanna.CawdatMawtAswad.Hindawi60284826 #META# Tags: history #META# ID: 60284826 #META# Title: عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور #META# AuthorID: 46909074 :: 68074142 #META# Author: سوزان سكوت :: كريستوفر دنكان #META# EditorID: 29797462 :: 75847252 #META# Editor: هاني فتحي سليمان :: سارة عادل #META# TranslatorID: 30694819 #META# Translator: فايقة جرجس حنا #META# Related_books: 1450SusanScott.ReturnOfBlackDeath (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - مولد سفاح‏ # 2 - الموت الأسود يعبر القنال الإنجليزي‏ # 3 - ما بعد الموت الأسود: حلقة الوصل الفرنسية‏ # 4 - مجسات الطاعون‏ # 5 - إنجلترا تحت الحصار‏ # 6 - صورة وباء‏ # 7 - طاعون لندن العظيم‏ # 8 - آلية عمل البكتيريا والجراثيم‏ # 9 - تحديد ملامح السفاح‏ # 10 - كشف التاريخ‏ # 11 - بيولوجيا الطاعون الدبلي: تناول الخرافة من منظور مختلف‏ # 12 - تحليل الدي إن إيه: صرف الانتباه عن القضية الأساسية‏ # 13 - القصة الحقيقية لقرية عظيمة‏ # 14 - الصلة المدهشة بين الإيدز والموت الأسود‏ # 15 - الصورة الكلية‏ # 16 - استتار الموت الأسود في مكمنه‏ # 17 - لماذا اختفى الطاعون النزفي فجأة؟‏ # 18 - مخاطر الأمراض الناشئة‏ # 19 - عودة الموت الأسود‏ # 20 - هل هناك ما هو أبشع من الموت الأسود؟‏ # قراءات إضافية‏ # تمهيد‏ # مقدمة‏ # 1 - مولد سفاح‏ # 2 - الموت الأسود يعبر القنال الإنجليزي‏ # 3 - ما بعد الموت الأسود: حلقة الوصل الفرنسية‏ # 4 - مجسات الطاعون‏ # 5 - إنجلترا تحت الحصار‏ # 6 - صورة وباء‏ # 7 - طاعون لندن العظيم‏ # 8 - آلية عمل البكتيريا والجراثيم‏ # 9 - تحديد ملامح السفاح‏ # 10 - كشف التاريخ‏ # 11 - بيولوجيا الطاعون الدبلي: تناول الخرافة من منظور مختلف‏ # 12 - تحليل الدي إن إيه: صرف الانتباه عن القضية الأساسية‏ # 13 - القصة الحقيقية لقرية عظيمة‏ # 14 - الصلة المدهشة بين الإيدز والموت الأسود‏ # 15 - الصورة الكلية‏ # 16 - استتار الموت الأسود في مكمنه‏ # 17 - لماذا اختفى الطاعون النزفي فجأة؟‏ # 18 - مخاطر الأمراض الناشئة‏ # 19 - عودة الموت الأسود‏ # 20 - هل هناك ما هو أبشع من الموت الأسود؟‏ # قراءات إضافية‏ # | عودة الموت الأسود # | عودة الموت الأسود # | أخطر قاتل على مر ~~العصور # تأليف # سوزان سكوت وكريستوفر دنكان # ترجمة # فايقة جرجس حنا # مراجعة # هاني فتحي سليمان # سارة عادل # لوحة «الموت والبائع المتجول» التي تنتمي إلى النوع الفني «رقصة الموت» ~~للرسام هانس هولباين. أعيد نشرها بتصريح من مكتبة بريدجمان للفنون. # | تمهيد # لعبت الصدفة دورا كبيرا في ظهور هذا الكتاب إلى النور؛ فمنذ ثلاثة عشر عاما، كانت سو سكوت تبحث عن أبرشية مناسبة تجري فيها دراسة ديموغرافية متعمقة، واستقرت على بلدة ~~بنريث بمقاطعة كمبريا. ms001 ولدى تحليلها سجلات الأبرشية، توصلت إلى أن هذا المجتمع كان ~~يعاني من أحد الطواعين التي انتشرت نهاية القرن السادس عشر. إن نظرة واحدة إلى الحقائق ~~كانت كافية لأن يدرك أي عالم بيولوجيا أن هذا لم يكن نوبة تفش لطاعون دبلي (طاعون ~~الغدد الليمفاوية) بحسب الرأي التقليدي السائد عن سبب الطواعين في أوروبا. بيد ~~أنه كان لدينا برامج بحثية أخرى تحتاج إلى التعامل معها، ولم نعد إلى سؤال «ما سبب ~~الطواعين؟» لسنوات عديدة. هكذا بدأ التعاون بين باحثة في علم السكان وعالم حيوان بارز، ~~كل بخبرته الخاصة. وقد أذهلنا ما اكتشفناه ونحن نسبر الأغوار أكثر فأكثر؛ إذ ~~تأكدت بقوة معتقداتنا الأولية، وكانت أصداؤها واسعة التأثير. # كتبنا دراسة أكاديمية مفصلة باسم «بيولوجيا الطواعين» غطت جوانب كثيرة خاصة ~~بالموضوع، ولكم أذهلنا رد فعل وسائل الإعلام لدى نشر هذه الدراسة؛ فقد نشرت ~~التقارير في الصحف في كل أنحاء العالم، ودعينا إلى لقاءات في محطات إذاعية في الكثير من ~~البلدان المختلفة، وهاتفتنا محطات التلفاز للاستفسار عن إمكانية تصوير فيلم، وانهالت ~~علينا المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني التي تطرح أسئلة وتقدم اقتراحات. وكان ~~من ضمن مراسلينا فتاة في الثانية عشرة من العمر، قالت إن أمها اقترحت عليها أن تراسلنا ~~لتتأكد من أن الموت الأسود لن يعاود الظهور. اتصل أحد المحاربين القدامى من الشرق الأقصى ~~ليقول إن كتيبته قد ضربت بحمى نزفية فيروسية ولم ينج سواه. يا لها من رواية مذهلة ~~لتجربة شخصية مع هذا المرض اللعين! ووصف مراسل من مقاطعة كنت انهيار الطريق الرئيسي على ~~موقع مدفن الموت الأسود في بلدة بلاكهيث، فما كان من الشرطة المسلحة إلا أن أخلت في ~~عجالة المنازل المجاورة من قاطنيها بعد أن أعلنت عن وجود خطر بيولوجي في المنطقة ~~المتاخمة مباشرة. وكان لنا مراسلات مطولة مع كاتب سيناريو يعد سيناريو لفيلم روائي طويل ~~يتناول فيروسا تخيليا يطيح بمعظم البشرية. وقد رأى أن الطاعون النزفي «سيكون المرض ~~الأمثل لموضوع قصته»، وأراد الحصول على توقعات مفصلة لكيفية انتشار مثل هذا الوباء. # كل ms002 هذا كان في غاية الإثارة، وحفز قناعتنا بأن ثمة اهتماما عاما هائلا على مستوى ~~العالم بموضوع الطواعين. وهذا الكتاب هو محاولتنا لسرد القصة وإشباع هذا التعطش للتعرف ~~على أشهر أمراض الماضي وأكثرها بشاعة، وعن أصدائه المحتملة في المستقبل. # نعترف بكل امتنان بالدعم والتشجيع اللذين نلناهما من أشخاص كثيرين جدا. # ونوجه التحية لدكتور جراهام تويج، أول من تعرف على أن الموت الأسود لم يكن طاعونا ~~دبليا؛ فقد كان دكتور جراهام صديقا وفيا لسنوات عديدة. # دعمت الدكتورة ديبورا ماكنزي، المحرر الأوروبي لمجلة نيو ساينتيست، فكرتنا بأن ~~الطواعين كان سببها من البداية في الواقع فيروسا نزفيا، وقد ساعدتنا على أن نظل على ~~علم بالتطورات الحديثة. # نوجه الشكر لحشد غفير من المراسلين في أنحاء العالم بعثوا إلينا برسائل عبر البريد ~~الإلكتروني وخطابات ثمينة تحتوي على أخبار وتقارير وتعليقات وبيانات غير منشورة ~~واقتراحات. # أطلعنا دكتور ستيفن دنكان بجامعة أكسفورد على تعقيدات (ومباهج) تحليل المتسلسلات الزمنية ~~ثم أعد كافة النماذج الرياضية في عملنا، ودون هذه المساعدة الجوهرية، ما كان ليخرج أي ~~برنامج بحثي إلى النور. # قدمت السيدة جنيفر دنكان مساعدة لا تقدر بثمن في قراءة وثائق مكتوبة بأسلوب للكتابة بخط ~~اليد كان مستخدما في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا وفي ترجمة مقالات ~~أصلية. # نكن تقديرا خاصا لسالي سميث، محرر نشر أول بمؤسسة وايلي للنشر، لدعمها هذا المشروع ~~بكل إخلاص وحماس. نتقدم بالشكر أيضا إلى كل من نيكي ماكجير، وجوليا لامبام، وجيل جيفريز ~~لدعمهن المتقد بالحماس. # | مقدمة # على مدار أكثر من 600 عام، وكلمة «طاعون» تبث الرعب في قلوب الرجال والنساء؛ فهي تثير ~~سيناريو مرعبا لمرض شديد العدوى لا يمكن ردعه، ولا علاج له، ولا مفر من أن يموت ~~صاحبه ميتة مؤلمة. بالنسبة لقاطني أوروبا في العصور الوسطى الذين عاشوا يوميا تحت تهديد ~~هجوم الوباء على مجتمعهم، كان هذا الخوف مبررا تماما. ومنذ اختفائه من المشهد في منتصف ~~القرن السابع عشر، استمر هذا العهد من الرعب في تشويق الأفراد وإثارة ما هو أكثر من مجرد ms003 ~~مشاعر خوف، حتى أقل أطفال المدارس تركيزا يستمتعون بشدة بدروس «طاعون لندن العظيم»، حيث ~~الحرق والدمار في عامي 1665 و1666 المحفوفين بالمخاطر. # والآن في القرن الحادي والعشرين، صار لدينا معرفة أكبر من أي وقت مضى بالمرض، وعدد من ~~اللقاحات والعلاجات الفعالة، وخبراء متمرسون في علم الأوبئة والبيولوجيا الجزيئية، ~~ومجموعة من الاختبارات التشخيصية والتقنيات الحديثة التي من شأنها تحديد تسلسل جينوم أي ~~فيروس جديد في خلال أشهر من ظهوره الأول. ومع ذلك يظل الرعب من أن يظهر مرض جديد - ربما ~~طاعون آخر - يهدد بقاءنا، بنفس القوة التي كان عليها فيما مضى. # إن ظهور سارس (المتلازمة التنفسية الحادة الشديدة) عام 2003 أثبت بجدارة الدمار الذي ~~يمكن أن يحدثه مرض جديد. وردت أنباء عن ظهوره في آسيا في يناير من نفس العام، وتصدر ~~عناوين الأخبار على مدار الأشهر القليلة التالية. أكان يمكن أن يصبح سارس الطاعون ~~الفتاك الجديد؟ عم الذعر على نطاق واسع وفر الأفراد من المناطق المصابة؛ مما ساهم ~~في نشر المرض إلى مسافات أبعد. ولم يمض وقت طويل حتى وردت أنباء عن ظهور حالات في ~~أوروبا وبالمثل في الأمريكتين الشمالية والجنوبية. مقارنة بأوبئة طاعون الماضي، كان ~~إجمالي الوفيات التي تسبب فيها سارس قليلا نسبيا، فإجمالي عدد المصابين به 8000 ~~حالة في 27 دولة، لم يمت منهم سوى 780 شخصا. وبالرغم من ذلك بذلت الهيئات المعنية ~~بالصحة قصارى جهدها للتعامل بفعالية مع المرض، فمنع السفر من بلاد بأكملها لغير الضرورة، ~~وتعرضت شركات الطيران للإفلاس، وانهارت اقتصادات محلية، وكان هناك خوف حقيقي من انهيار ~~الأسواق المالية العالمية. وارتفعت مبيعات أقنعة الوجه الورقية في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، مع أنه لم يكن هناك سوى 192 حالة إصابة بسارس تماثلوا جميعهم للشفاء. # ترى لماذا أثارت هذه المشكلة الصحية ~~التافهة نسبيا الذعر والفزع العالميين، حتى في البلاد التي لم يكن بها أي ~~حالات سارس أو كان بها حالات قليلة؟ في أبريل من عام 2003، كتب دكتور ستيوارت دربيشير أننا ~~نعيش وسط «أفراد متعطشين إلى الشعور بالهلع، ومتلهفين إلى ms004 سماع رسالة الدمار التي ~~تستدعي مثل هذه التحذيرات، فهذه التحذيرات من شأنها أن تمتزج بتوقعاتنا المفرطة في الخوف ~~والحذر بشأن خراب هذا الكوكب، بل حتى كبار الأساتذة الذين يبدون متزنين لا يسعون ~~إلا إلى صرف المشتتات عن الشيء الحقيقي المتوقع وحسب. لا يرعبني أي من عائلتي «سارس ~~الكامنتين » الفيروسيتين مثلما يرعبني فيروس إنفلونزا جديد خبيث.» # في أبريل عام 2003، كتب ديكلن ماكولا؛ وهو مراسل سياسي يقطن واشنطن: # سارس هو أول فيروس يتفشى في عصر الإنترنت، فانتفع من حقيقة أنه فيما أصبحت ~~المعلومات أكثر قابلية للانتقال، تصبح الشائعات أكثر قابلية للانتشار أيضا. ~~أثارت خدعة أحد المراهقين على الإنترنت التي ادعى فيها أنه سيتم غلق حدود هونج ~~كونج هرع المواطنين لشراء الأطعمة المعلبة والمناديل الورقية. قضى صاحب متجر ~~بقالة في ساكرامنتو أسبوعين في محاولة إثبات أنه وعائلته ليسوا مصابين بسارس، وأن ~~متاجره آمنة تماما على عكس ما أثير من شائعات. وفي يوم الثلاثاء، حاول أحد ~~العاملين بالمجلس المحلي لمدينة ساكرامنتو تبديد الهلع حيث تناول بكل شجاعة تفاحة ~~خضراء من قسم المنتجات أمام المراسلين الصحفيين. # لكن بالنسبة لبعض الناس، قد ينذر خطر يتهدد الصحة على الصعيد العالمي ~~بسيناريو «نهاية العالم الآن»، أو ظهور «الوباء الكبير» التالي، عندما يتسبب وباء كبير ~~لمرض معد فتاك لا علاج ولا لقاح له في كارثة عالمية ويهدد وجود البشرية. ~~(1) ماذا نعرف عن الطواعين؟ # هذا الخوف من مرض غير معروف له أساس راسخ في التاريخ، ولعل أقدم إشارة إلى ~~الطواعين ظهرت في الكتاب المقدس في سفر صموئيل الأول؛ فنحو عام 1320 قبل الميلاد ~~سرق الفلسطينيون «تابوت العهد» من الإسرائيليين وعادوا به إلى أرضهم: # فثقلت يد الرب على الأشدوديين، وأخربهم ~~وضربهم بالبواسير في أشدود وتخومها. وانتشرت الفئران في ~~أرضهم ... وكان بعدما نقلوه أن يد الرب كانت على ~~المدينة باضطراب عظيم جدا، وضرب أهل المدينة من ~~الصغير إلى الكبير ونفرت لهم البواسير. # تعلم كل منا في المدرسة وقرأ في الكتب عن أشهر مرض على مر ~~العصور - الموت الأسود - ذاك المرض الفتاك الذي ms005 ظهر من العدم، وانتشر سريعا، ومحا ~~قرابة نصف الأوروبيين في العصور الوسطى من على وجه البسيطة. لقد سمعنا أغنية الأطفال ~~التالية التي يقال إنها تحيي ذكرى الطواعين المريعة: # هيا نرقص في دائرة من الورود، # وبصحبتنا باقات الزهور، # نعطس كثيرا، # فنسقط جميعا. # يصور البيت الأول من الأغنية الطفح الجلدي المحمر المستدير الذي ~~كان يظهر على جلد ضحية الطاعون. كانت باقات الزهور حلوة الرائحة هي ما يشتمه ~~الأفراد لدرء العدوى، وأما العطس فهو أحد الأعراض المبكرة للمرض؛ الأمر الذي كان ~~يتبعه على الفور «السقوط» أو الموت المفاجئ. # في منتصف القرن السابع عشر، ضرب طاعون عظيم لندن وأودى بحياة ما يصل إلى خمس السكان. ~~سجل صموئيل بيبس الأحداث في يومياته، ويمكننا أن نتتبع هذا التفشي عن كثب ونتوحد مع ~~الضحايا بسبب رواياته الواقعية للأحداث. # قد يعرف بعضنا أيضا أشهر قصة طاعون على الإطلاق: توغل الوباء في قرية تلية ~~صغيرة تدعى إيم بمقاطعة ديربيشير التي تقع على حافة منطقة التلال بيك ديستريكت في ~~شمال إنجلترا؛ حيث قدم الكاهن وشعب كنيسته تضحية بطولية حين اتفقوا على رسم نطاق ~~للحجر الصحي حول القرية وأخضعوا أنفسهم بمحض إرادتهم للحجر الصحي؛ فلم ~~يكن مسموحا لأي شخص أن يهرب من العدوى والموت المحقق. بهذه الطريقة كان لديهم أمل ~~في منع استشراء المرض والحيلولة دون وصوله إلى المجتمعات المجاورة. وطيلة محنتهم، ~~كانوا يحصلون على الطعام من خلال القرويين القريبين الذين كانوا يحضرونه إلى حدود ~~أبرشيتهم، ولم يكن في مقدورهم في محبسهم سوى الانتظار ومشاهدة أنفسهم وهم يموتون، ~~ببطء في البداية، في حين أنه في ذروة توغل الوباء كان الكاهن يدفن عددا كبيرا من ~~شعبه كل يوم. استمر الوباء اللعين فترة بشعة وصلت إلى خمسة عشر شهرا حتى صارت إيم في ~~النهاية أشبه بقرية أشباح. إلا أن تضحيتهم لم تذهب سدى؛ إذ لم تنتقل العدوى إلى ~~مجتمع آخر وتنتشر فيه. # ولكن، هل هذا هو مقدار ما لدينا من معرفة عن الطواعين؟ على سبيل المثال، كم منا ~~يستطيع أن يحدد بدقة متى ms006 وقعت هذه الأحداث الكارثية؟ هل بمقدورنا أن نحدد ما إذا كانت ~~أوبئة انفجارية لنفس المرض أم لا؟ الأرجح أننا نستطيع القول إن طاعون لندن العظيم كان ~~نتيجة للطاعون الدبلي، وهو مرض تنشره براغيث الفئران المصابة، وإن لم يكن ~~بمقدورنا أن نحدد السبب وراء اعتقادنا ذلك، باستثناء أننا نتذكر أنهم أخبرونا في ~~المدرسة أن «حريق لندن الكبير» الذي شب عام 1666 قتل كل الفئران وأنقذ إنجلترا من ~~المزيد من نوبات استشراء الطاعون. ~~(2) رحلة بحثنا # في عام 1990 كان هذا أيضا هو كل ما نعرفه عن الطواعين التي كان لها أثر بالغ في ~~التاريخ. لم نكن نعرف الكثير مثل جميع الناس إلى أن عثرنا - بمحض المصادفة - على ~~سجل مختصر لوباء كارثي استشرى في بلدة إنجليزية صغيرة يقام فيها سوق مركزية نحو ~~نهاية العصر الإليزابيثي. كانت هذه هي المرة الأولى التي نصادف فيها الطاعون في أبحاثنا ~~حول تاريخ السكان، وقد أثارت اهتماما سرعان ما تحول إلى افتنان وعزم على اكتشاف أكبر ~~قدر يمكن أن تطوله أيدينا عن هذا المرض الذي يخشاه الناس بشدة. # في بداية رحلة بحثنا لم نكن ندرك جيدا أن هذا سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى فضح ~~خطأ التصورات الشائعة حول هذا الرعب القديم. كنا على مشارف قلب التاريخ رأسا على ~~عقب، فلدهشتنا، بل الأكثر أهمية، أننا أمطنا اللثام عن رسالة مرعبة لنا اليوم: قد يكون مرض القرون الوسطى راقدا في مهجعه منتظرا اللحظة المواتية ليضرب من ~~جديد. # هذه هي قصتنا. ~~(3) البدايات # كانت سو سكوت تجري دراسة تاريخية متعمقة عن المجتمع في بنريث بداية من القرن السادس ~~عشر حتى القرن التاسع عشر. تقع هذه البلدة الصغيرة في وادي آيدن بمقاطعة كمبريا في شمال ~~إنجلترا، بالقرب من الحدود الاسكتلندية. وكان أهلها معزولين عن بقية إنجلترا؛ إذ إنها ~~محاطة بجبال بحيرة ديستريكت الخلابة غربا، وسلسلة جبال بيناينز الوعرة شرقا، وجبال ~~ويستمورلاند الأقل وعورة جنوبا. إلا أن الطريق المؤدي إلى اسكتلندا كان يقطع مركز ~~بنريث مباشرة، وطيلة قرون كان المسافرون والتجار ورعاة الماشية ms007 يتنقلون عبره. كان من ~~الممكن أن يجلب كل هؤلاء من بعيد أمراضا معدية تؤدي إلى الموت، كالطاعون والجدري، ~~حتى من لندن التي كانت تبعد نحو 280 ميلا (450كم) من جهة الجنوب الشرقي، تلك المسيرة ~~التي تستغرق عدة أيام بالجياد. # عرفنا من دراسات سو أنه في نهاية القرن السادس عشر كانت أرض وادي آيدن تعتبر بعيدة ~~عن المراكز الصناعية والتجارية الكبيرة؛ فقد كان الغرباء ينفرون منها؛ إذ كان ~~المسافرون يجدون صعوبة في الوصول إليها، وملاك الأراضي غائبين باستمرار، وقطاع ~~الطرق يجولون بلا رادع. في قلب هذه المنطقة كانت تقع بلدة السوق الصغيرة بنريث التي ~~كانت - كما يتضح من خريطة نشرت بعدها بمائتي عام - مقسمة إلى تجمعات حول كنيسة ~~القديس أندراوس، ومتاخمة لأطلال إحدى القلاع المهجورة منذ زمن طويل، التي بنيت لدرء ~~غارات المخربين الاسكتلنديين المتكررة. كانت الحياة صعبة على قاطني بنريث، وكثيرا ~~ما اضطروا إلى العيش في ظل ظروف أشبه بالمجاعة. ونتيجة لذلك، كانت الخصوبة ضعيفة، ~~وعادة ما كان يولد أربعة أطفال في الأسرة، لا يبلغ منهم سوى طفلين فحسب سن ~~الخامسة عشرة. # وهكذا بدأت الرحلة، حيث سو جالسة إلى واحدة من الطاولات الكبيرة المصنوعة من خشب ~~الماهوجني في مكتب السجلات بمدينة كارلايل. يتمتع هذا المكتب بموقع مميز؛ إذ تطل ~~بنايته المصنوعة من الطوب والمكونة من طابقين على أحد جوانب ساحة قلعة كارلايل حيث ~~كانت ماري ملكة اسكتلندا معتقلة، كما يضم المكتب كافة السجلات التي تخص مقاطعة ~~كمبرلاند القديمة، التي أصبحت جزءا من كمبريا الآن. كانت سو تدرس سجلات أصلية ~~للأبرشية، الوثائق الرسمية لكنيسة إنجلترا، التي يعود بعضها إلى عام 1538، والتي ~~كانت تودع للحفظ عموما في مكاتب سجلات المقاطعة المختلفة المتناثرة في أنحاء ~~البلاد. وبالإضافة إلى كون هذه الوثائق الخاصة بالمعمودية والزواج والدفن، ~~والمحفوظة بعناية، مصدرا لأخصائيي علم الأنساب ومؤرخي العائلات، فإنها تقدم أيضا ~~بيانات قيمة للباحثين المحترفين؛ لما تقدمه من فهم عميق فريد عن تاريخ العائلة ~~والمجتمع على مدار ثلاثة قرون. # مع أن أهل بنريث ظنوا أنهم في مأمن لكونهم ms008 معزولين عن بقية البلاد؛ فقد اكتشفت سو ~~أنه لم يكن هناك مخبأ من الطاعون. تقول سجلات الأبرشية: # طاعون عنيف في ريتشموند، وكيندال، وبنريث، وكارلايل، وأبلبي وأماكن أخرى ~~بمنطقة ويستمورلاند وكمبرلاند في سنة 1598 بعد الميلاد. # حفظت سجلات الأبرشية بالكامل أثناء هذه الفترة، وبالفعل ~~عندما توصلت سو إلى المدخلات المناسبة وجدت: # سجلات مدافن بنريث، 1597 # سبتمبر # 22 # أندرو هوجسون، غريب ~~(ها هنا بدأ الطاعون (عقاب الله) في ~~بنريث) ~~(أولئك ~~المشار إليهم بحرف بي P # لقوا ~~حتفهم بفعل المرض، وأولئك المشار إليهم بحرف إف # F ~~(اختصارا لكلمة # fell # بمعنى منحدر) دفنوا أعلى ~~منحدر جبلي.) # آنذاك، تعين على الكهنة بموجب القانون تمييز وثائق دفن ضحايا ~~الطاعون من خلال إضافة كلمة Pest ~~(اختصارا لكلمة # pestilence ~~، الاسم الشائع للطاعون) أو مجرد إضافة ~~حرف P # إلى أسمائهم. # من الواضح أن العدوى وصلت المجتمع الصغير عن طريق أحد الغرباء الذي يفترض أنه أتى ~~عبر الطريق الرئيسي الذي يقطع المدينة. وكانت النتيجة كارثية: فقد تبع قيد أندرو هوجسون ~~موجة مريعة من وثائق الدفن المضاف إليها حرف P ~~. دام ~~هذا الوباء العنيف 15 شهرا، لكن مع أن الوقت كان عصيبا بلا شك بالنسبة لكاهن المنطقة ~~(إذ فقد زوجته وابنه الصغير)، فإنه سجل الأحداث التي وقعت إبان هذا الابتلاء المرعب ~~بكل إخلاص في سجلات الأبرشية. وكما جرت العادة، أخبر الكاهن شعبه أن هذا كان ~~عقاب الله لهم على خطاياهم. # واحد من الألغاز التي سبرنا غورها في التو لدى دراسة السجلات: أنه عقب موت ~~أندرو هوجسون، لم يكن هناك حالات موت بسبب الطاعون لمدة 22 يوما. أليست هذه فترة ~~كمون طويلة للغاية بالنسبة لعدوى عادية؟ # في لحظة ما، عند توقف توغل الوباء أخيرا، نقش على جدران الكنيسة ببنريث أعداد ~~الأفراد الذين ماتوا في وادي آيدن: # بنريث # 2260 # كيندال # 2500 # ريتشموند # 2200 # كارلايل # 1196 # ثم نقل هذا الإهداء إلى جدار محراب الكنيسة عند إعادة بنائها عام ~~1720، لكن على ما يبدو طمست معالمها أثناء الترميم؛ فقد حل محلها طبقة نحاسية، وقد ~~تحققت سو ms009 من الأرقام إبان زياراتها إلى بنريث. وكانت سو تعرف من دراساتها السابقة ~~تقديرا مؤكدا بأن بنريث لم يكن يقطنها سوى 1350 شخصا قبل بدء تفشي الطاعون ~~مباشرة، وعليه فمن الواضح أن رقم 2260 حالة وفاة، المذكور في النقش على جدار الكنيسة، ~~كان رقما غير دقيق بالمرة، فعدنا إلى السجلات وأحصينا 606 وثيقة دفن مضافا إليها ~~حرف P ~~، إلا أنه كانت هناك فجوة في سجلات الدفن بلغت 11 ~~يوما عندما كان الوباء في ذروته، وقدرنا أن تعداد الوفيات النهائي بلغ نحو 640 حالة ~~وفاة في الغالب. ومع أن هذا الرقم كان يمثل نحو 50٪ من تعداد سكان هذا المجتمع الصغير - ~~كثافة مرعبة للموت بالنسبة لفترة مدتها 15 شهرا - فقد كان من الواضح أنه أقل كثيرا من ~~الرقم المنقوش على جدار الكنيسة. إذن ما الخطب هنا؟ أثار هذا حيرتنا، وقررنا أن ~~نمعن البحث أكثر في الموضوع. # كان واضحا من النقش الموجود على جدار الكنيسة أن هذا الوباء الغريب والمخيف لم ~~يكن قاصرا على بنريث، وإنما كان منتشرا على نطاق أوسع في وادي آيدن. كشف بحث ~~سجلات ومحفوظات أبرشيات المنطقة أن العدوى انتقلت من نقطة تمركزها الأساسية ~~في بنريث إلى كارلايل التي تبعد 20 ميلا (32كم) شمالا، وكيندال التي تبعد 32 ميلا ~~(51كم) جنوبا. الأمر المثير هو أن أولى حالات الوفاة في كلتا المدينتين وقعت في ~~اليوم نفسه، بعد مرور 11 يوما على أول حالة وفاة في بنريث. ذهلنا من اكتشافاتنا ~~واندهشنا لدى معرفة أن هذا المرض كان بمقدوره أن ينتقل لمسافة بعيدة وبسرعة كبيرة. ~~بيد أننا لم نندهش لدى علمنا بتسجيل معدل وفيات مروع مرة أخرى في كل من كيندال ~~وكارلايل. # إن اكتشاف هذا الوباء غير المعروف على نطاق واسع، الذي ضرب ثلاثا من البلدات التي ~~كانت تعقد فيها سوق مركزية في شمال غرب إنجلترا في نهاية القرن السادس عشر، حملنا ~~على التفكير. في التو اعتبر الكاهن وأبناء البلدة هذا الوباء نوعا من الطاعون ~~أو الوباء اللعين؛ لقد كانت لديهم خبرة عن هذا ms010 المرض، من المفترض أنها خبرة شخصية ~~مباشرة. لكن كان هناك عدد من السمات المحيرة في هذا الوباء: هل كانت نوبة تفشي ~~بنريث عادية؟ هل كان هذا المرض هو نفس نوبات تفشي الطاعون الأخرى في أنحاء أوروبا؟ هل ~~كان هو الموت الأسود؟ وعليه عقدنا العزم على تقصي الأمر. ~~(4) الخيوط الأولى # كما سيخبرك أحد المخبرين السريين الأكفاء، يتطلب التعرف على قاتل ما فحصا شاملا ~~لمسرح الجريمة، ومعرفة تفصيلية بكافة الأدلة. اليوم لدى علماء الأوبئة الذين يدرسون ~~مرضا ظهر حديثا مجموعة من الأساليب العلمية الحديثة. في الواقع هم بمقدورهم أن يفحصوا ~~مرضاهم ويسجلوا ملاحظات مباشرة. بيد أن مؤرخي علم الأوبئة مهمتهم أصعب بكثير؛ ~~لأنه لا يكاد توجد معلومات بمقدورهم الاعتماد عليها للتشخيص. الأمر صعب لأنه مر زمن ~~طويل على الأحداث؛ ومن ثم لا بد أن يستخدموا كل ما في جعبتهم من فطنة للتمييز بين ~~الحقيقة والخيال. # وهكذا، تمثلت مهمتنا الأولى في تلخيص ما عرفناه حتى الآن عن هذا المرض الغامض في بنريث: # مرض فتاك؛ إذ لم نعثر على أية أدلة تشير إلى أي شخص أصيب بالعدوى ~~وعاش. # مرض معد جدا؛ فقد انتشر المرض انتشار النار في الهشيم، وبالأخص في ~~صيف عام 1598. # وصول العدوى إلى المجتمع حدث عن طريق مسافر غريب. # بعد أول حالة وفاة، كانت هناك فترة كمون مدتها 22 يوما قبل دفن ثاني ~~ضحية، وبالتأكيد كان هذا أمرا لافتا للنظر. # سرعان ما قطع الوباء مسافات كبيرة ليصل إلى كارلايل وكيندال؛ حيث ~~مات أول ضحيتين هناك في ذات الوقت بعد مرور 11 يوما على دفن ~~هوجسون. # تمثلت الخطوة التالية على طريق البحث في الرجوع إلى الروايات الأصلية ~~عن الطاعون الذي اجتاح أوروبا التي تطيح بكل التأويلات والروايات الزائفة التي أضيفت ~~خلال المائة عام الأخيرة، وفي البحث عن المزيد من الخيوط. نستهل رحلتنا بالسنة المشئومة ~~سنة 1347 عندما ظهر الطاعون أول ما ظهر دون سابق إنذار وضرب الحضارة الأوروبية تاركا ~~آثارا كارثية. # الفصل الأول # | مولد سفاح # «ثم كانت تظهر بثرة على أفخاذهم أو على ms011 أعضادهم ... كانت هذه تصيب الجسم بأكمله، فكان ~~المريض يتقيأ دما بشدة. كان هذا التقيؤ للدم يستمر بلا انقطاع طيلة ثلاثة أيام، ولم توجد ~~وسيلة لعلاجه، ثم يلقى المريض حتفه.» هكذا وصف الراهب الفرنسيسكاني مايكل من بلدية ~~بياتسا كرب أولى ضحايا الموت الأسود. # في أكتوبر عام 1347، كان كل ما يعرفه الأشخاص الذين عاشوا في هذا الزمن هو أن مرضا ~~معديا فتاكا وغير معروف من قبل قد ظهر من العدم في جزيرة صقلية. ولم يكن ~~بمقدورهم أن يجدوا سبيلا لفهم طبيعة خصمهم. # كان حجم الكارثة غير مسبوق؛ إذ لم يكن يوجد أي علاج، وكان كل شخص يصاب بالعدوى يموت ~~ميتة شنيعة بحق. كان هذا أول ظهور لطاعون من شأنه أن يدمر أوروبا على مدار الثلاثمائة عام ~~التالية، ويحصد أرواح ملايين لا حصر لها من الضحايا؛ أكبر سفاح على مر العصور وأكبر ~~حادث مأساوي في تاريخ البشرية. ~~(1) قصة الضحايا الأوائل # إن الروايات المعاصرة عن أول ظهور للطاعون تتحدث إلينا عبر القرون، ناقلة شيئا من ~~الرعب والإحباط المطلقين اللذين ابتليت بهما شعوب بأكملها. وصف الراهب مايكل من ~~بلدية بياتسا كيف أن 12 سفينة قادمة من مدينة جنوة الإيطالية، قيل إنها خرجت من القرم، ~~قد دخلت ميناء مسينة في صقلية، وأطقمها الذين حملوا مثل هذا المرض المعدي «في عظامهم ~~حتى إن كل شخص تحدث إليهم فحسب كان يصاب بمرض مهلك يستحيل معه الفرار من الموت. ~~انتقلت العدوى إلى كل شخص تعامل مع المريض بأي شكل، وقد شعر المصابون بألم يخترق كل ~~أنحاء جسدهم.» # يبدو أن أطقم السفن كانوا أصحاء ولم تظهر عليهم أية أعراض، ومع ذلك خر أهل مسينة ~~صرعى سريعا. عندما أشارت السلطات بأصابع الاتهام إلى السفن، باعتبارها المسئولة عن ~~جلب هذا المرض المخيف، طردوها من الميناء وأجبروا أطقمها على الإبحار مرة أخرى. أما ~~أطقم البحارة، الذين كانوا لا يزالون يتمتعون بوافر الصحة، فلا بد أنهم كانوا في حيرة ~~وسخط. # قيل إنهم أبحروا من هناك إلى جنوة، ولدى وصولهم بدأت نوبة تفش جديدة للوباء ms012 ~~المميت، حيث انتشر المرض سريعا، تقريبا في نفس الوقت الذي رست فيه السفينة. مرة أخرى، ~~تشير التقارير إلى أن أفراد الأطقم نجوا من الطاعون، ومع ذلك: # ظهرت العدوى في جنوة في أبشع صورها بعد يوم أو يومين من وصول السفن، «مع أنه ~~لم يكن أي من أولئك الموجودين على متنها يعاني من الطاعون» لأننا نعلم ~~أنه لم تكن توجد حالات طاعون على متن السفن، مع أن هواء أو رائحة القادمين ~~الجدد بدت كافية لتلويث هواء جنوة ونقل الموت إلى كل جزء في المدينة في ~~غضون أيام قلائل. # من الواضح أن هذه التقارير انطوت على مبالغة كبيرة، وقد خلصنا إلى أن ~~الوباء كان قد تفشى بالفعل بحلول الوقت الذي وصلت فيه السفن إلى مسينة. ونظرا لأن ~~أطقم السفن كانوا يتمتعون بوافر الصحة بعد رحلة دامت على الأقل شهرا، بالإضافة إلى ~~الرحلة الأبعد إلى جنوة، فمن المستحيل أنهم كانوا يحملون العدوى. ومجرد وصولهم في ~~الوقت الذي أدرك فيه أهل مسينة أنهم يتعرضون لوباء كان حتما مجرد صدفة بحتة. ~~ونخلص من هذا إلى أنه كان يوجد في الغالب ضحايا لم يتعرف عليهم ماتوا من الطاعون ~~في مسينة على مدار بضعة أسابيع قبل وصول السفن. # في غمرة آلام الوباء الناتج، رأى أهل مسينة أن أدنى اتصال مع المصاب يضمن سرعة حدوث ~~العدوى. كتب الراهب مايكل قائلا: # سرعان ما مقت الناس بعضهم بعضا بشدة؛ لدرجة أنه إذا ما هاجم المرض ~~ابنا، فإن أباه ما كان ليعتني به، وإذا حدث - وبالرغم من كل المخاطر - وتجرأ ~~ودنا منه، فإنه كان يصاب بالعدوى في الحال، ولا مفر من الموت في غضون ~~ثلاثة أيام. لم تكن هذه نهاية المطاف؛ فكل أولئك الذين يخصونه أو يقيمون ~~في المنزل نفسه، حتى القطط والحيوانات الداجنة الأخرى، كانوا يتبعونه إلى ~~القبر. وفيما تزايدت أعداد الموتى في مسينة، تمنى كثيرون أن يعترفوا بخطاياهم ~~للكهنة، وأن يحرروا وصاياهم وشهاداتهم الأخيرة، إلا أن القساوسة والمحامين ~~والوكلاء القانونيين رفضوا الدخول إلى منازل المرضى، فإذا ما وطئ أحدهم ms013 ~~بقدمه مثل هذا المنزل ليحرر وصية أو لأية أغراض أخرى، حكم عليه بالموت ~~المفاجئ. الرهبان المنتمون إلى رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) والرهبان ~~الدومنيكان وأعضاء الرتب الدينية الأخرى الذين استمعوا إلى اعترافات ~~المحتضرين، كان يقعون فريسة للموت في الحال، بل إن البعض ظلوا في غرف ~~المحتضرين. # وسرعان ما كانت الجثث ترقد مهملة في المنازل، فلا قس ولا ابن ولا أب ولا أي ~~ذي صلة قرابة كان يجرؤ على أن يقترب منها، لكنهم كانوا يدفعون أجورا كبيرة ~~للخدام لدفن الموتى. وظلت منازل المرضى مفتوحة بكل مقتنياتها الثمينة والذهب ~~والمجوهرات؛ فمتى قرر أحد الدخول لم يكن يوجد من يمنعه؛ لأن الطاعون شن ~~هجمة شرسة لدرجة أنه سرعان ما حدث نقص في أعداد الخدم، ولم يتبق أحد في ~~نهاية المطاف. # قد يكون بعض أجزاء هذه الرواية مبالغا فيه، إلا أنها تنقل بصورة حية ~~الرعب والفزع الذي انتاب كل شخص عندما ضرب هذا الطاعون الجديد أول ما ضرب. لقد رزحوا ~~تحت وطأة ضراوة هذا المرض الغامض الذي كان يفوق تماما نطاق خبرتهم في الحياة. ثمة ~~شيء واضح وضوح الشمس - وهو خيط مهم - ألا وهو أنهم أدركوا في الحال أن انتقال العدوى ~~يحدث مباشرة من شخص لآخر. # مع موت المئات وحدوث العدوى المؤكدة مع أضعف احتكاك بالمرضى، تملك الذعر أهل ~~مسينة المتبقين وفروا. لكن فيما ظنوا أنهم يتمتعون بوافر الصحة، فإنهم لم يكونوا على ~~دراية بأنهم يحملون الطاعون معهم دون أن يدروا. # استقرت مجموعة من اللاجئين في حقول وكروم جنوبي صقلية، إلا أن كثيرين منهم خروا ~~صرعى في الطريق ولقوا حتفهم. التمس آخرون اللجوء إلى الميناء المجاور، ويدعى ~~كاتانيا، حيث جرت رعايتهم في المستشفى إلى أن صرعهم الموت، إلا أن أهل كاتانيا سرعان ~~ما أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه؛ فما كان يجدر بهم أن يستقبلوا هذه العدوى المروعة في ~~بلدتهم، وسرعان ما طرحت الجثث في خنادق خارج الأسوار، وجرى فرض القيود الصارمة على ~~الهجرة إليهم. # يروي الراهب مايكل أن «أهل كاتانيا كانوا أشرارا وكان يتملكهم الخوف ms014 لدرجة أنه لم ~~يكن أحد منهم يتعامل مع اللاجئين أو يتحدث إليهم، إنما كل كان يفر سريعا لدى ~~اقتراب هؤلاء اللاجئين». سواء أكانت هذه علامة على «الشر» أم تصرفا بدهيا ~~محضا، فقد سبق السيف العذل واجتاح الموت الأسود البلدة: «فقدت بلدة ~~كاتانيا جميع قاطنيها ليطويها النسيان في نهاية المطاف.» على الأرجح كان الراهب مايكل ~~يغالي مرة أخرى، إلا أن الصورة واضحة. # لقد فر أهل مسينة في هلع جنوني، ~~ناشرين الطاعون في كل أنحاء صقلية. كان تعداد الوفيات كبيرا في سيراقوسة، ويقال إن ~~ميناء تراباني أصبح خاليا من السكان. ~~(2) أعراض الطاعون # كيف كانت أعراض الإصابة بالموت الأسود؟ فيما يلي وصف الراهب مايكل لأعراض الطاعون، ~~وهذا وصف لا يصلح لضعاف القلوب: # ظهرت «تقرحات حارقة»، وتكونت البثور في أجزاء مختلفة من الجسم: عند ~~البعض على الأعضاء التناسلية، وعند آخرين على الأفخاذ أو الأذرع، وعند فريق ~~ثالث على الرقبة. في البداية كانت هذه البثور في حجم البندقة وكان المريض ~~تستبد به نوبات رعشة عنيفة، سرعان ما تتركه في حالة هزال شديد حتى ~~إنه لم يكن يقوى على الوقوف، إنما كان يضطر إلى الاستلقاء في ~~الفراش، تنهشه حمى عنيفة ويرزح تحت وطأة الكرب الشديد الذي ~~أصابه. بعد قليل تكبر البثور لتصير في حجم ثمرة الجوز، ثم في حجم بيضة ~~الدجاجة أو بيضة الإوزة، وهي مؤلمة للغاية وتؤدي إلى تهيج الجسم؛ ~~فيتقيأ دما من خلال إتلاف العصارات. كان الدم يرتفع من الرئة المصابة إلى ~~الحلق فيحدث تعفنا، وفي نهاية المطاف تأثيرا تحليليا في الجسم ~~بأكمله. كان المرض يدوم ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع - على أقصى تقدير - يموت ~~المريض. # ربما يكون ممكنا تكملة هذه الرواية بالوصف الآتي الذي قدمه عالم ~~الإنسانيات الفلورنسي جيوفاني بوكاتشيو عندما اجتاح الطاعون فلورنسا: # على عكس ما شوهد في الشرق حيث النزف من الأنف نذير للموت، شهدنا نحن هنا ~~أوراما في منطقة أعلى الفخذ أو منطقة الإبط، بعضها في حجم التفاحة الصغيرة ~~وبعضها في حجم البيضة، بعدها تغطي بقع أرجوانية معظم أجزاء الجسم: ms015 في ~~بعض الحالات تكون كبيرة وقليلة العدد، وفي حالات أخرى تكون صغيرة وكثيرة ~~العدد، وكان كلا النوعين نذيرين معتادين للموت. لم يكن لكل من المعرفة ~~الطبية وقوة العقاقير أي تأثير في علاج هذا المرض ... جميع المصابين تقريبا ~~لقوا حتفهم في اليوم الثالث من بدء ظهور الأعراض، كان البعض يموت أسرع ~~من البعض الآخر، وكان ذلك يحدث دون الإصابة بأي نوع من أنواع الحمى أو أية ~~أعراض ثانوية أخرى. ما جعل هذا الطاعون فتاكا، أنه لما كان ينتقل من المرضى ~~إلى الأصحاء، فإنه كان ينتشر بصفة يومية ... ليس فقط من خلال مجرد التحدث إلى ~~المريض أو الاقتراب منه، لكن حتى من خلال لمس ملابسه. # سرعان ما أصبح جليا أنه لم يكن يوجد علاج: فما إن تظهر ~~الأعراض المخيفة، حتى كانت النهاية المؤلمة تبدو حتمية، فعندما كانت «أمارات الرب» - ~~بقع نزفية ناتجة عن تسرب الدم من الأوعية التالفة تحت الجلد - تظهر على الجسم، فإنها ~~كانت بمنزلة شهادة الموت وبداية أربعة أو خمسة أيام من الآلام المبرحة والهياج ~~والهذيان. وكان عطش الضحايا لا يروى حتى إن بعضهم كان يجري عاريا في الشوارع وهو ~~يصرخ ثم يلقي بنفسه في صهاريج المياه. آخرون كانوا يفقدون صوابهم بالكامل من الألم، بل ~~كانوا يلقون بأنفسهم من النوافذ. كان يحدث نزيف داخلي، وفي الأيام الأخيرة كانت ~~أعضاء الجسم الحيوية تبدأ في الذوبان. كان الموت عتقا رحيما لهم بحق. ~~(3) انتشار الذعر في أنحاء إيطاليا # منذ بداية الطاعون وهو ينتقل إلى الخارج من خلال وسيلتين: السفن، حيث يمكنه أن يقطع ~~أميالا عديدة ليظهر في ميناء جديد تماما، وسيرا على الأقدام حيث يزحف ببطء لكن بشكل ~~مؤكد على الأرض. # وصول الموت الأسود إلى مسينة في جزيرة صقلية وانتشاره بعدها في أنحاء ~~مدن البحر المتوسط عن طريق السفن. # تحتل جزيرة صقلية موقعا محوريا في البحر المتوسط، وكان كل من مينائي مسينة ~~وكاتانيا محطة توقف مهمة للتجارة البحرية. كانت التجارة هي السبب في انتشار الطاعون، ~~ومن صقلية انتشر المرض إلى شمال أفريقيا عن ms016 طريق تونس، وإلى جزر البليار وقبرص، وإلى ~~كورسيكا وسردينيا. لو أن الطاعون اقتصر على هذه المناطق، فلربما اندثر بل لربما أغفله ~~التاريخ، إلا أن الطاعون شن بعض الضربات الحرجة في الوقت نفسه تقريبا. # وصل الطاعون إلى جنوة، ميناء إيطاليا الشمالي، في يناير عام 1348 (بعد مرور نحو ثلاثة ~~أشهر على رسو السفن في مسينة). كما أنه قفز قفزة قصيرة عبر المضيق إلى جنوبي ~~إيطاليا. # في يناير عام 1348 وصل المرض البندقية أيضا ربما عن طريق البحر من صقلية. يفيد أحد ~~التقديرات المعاصرة أن تعداد الوفيات كان 100 ألف نسمة، مع أن هذا رقم مبالغ فيه على ~~الأرجح. كتب أحد أهل البندقية قائلا: # أجرى شخص معين عملية فصد لدمي، فانفجر الدم في وجهه. في اليوم نفسه سقط ~~مريضا، وفي اليوم التالي وافته المنية؛ وبنعمة الله نجوت أنا. أسجل ~~هذا لأن مجرد التواصل مع المريض كان ينقل الطاعون المميت إلى الشخص السليم ... من ~~أجل ذلك كان الأصحاء يحرصون بشدة على تجنب المرضى. حتى الكهنة والأطباء كانوا ~~يفرون من المرضى في خوف، والجميع كانوا يتحاشون الموتى. وفي أماكن ومنازل ~~كثيرة، عندما كان يموت أحد قاطنيها، سرعان ما يلحق به الباقون واحدا تلو ~~الآخر. وكانت أعداد الموتى هائلة بحق، حتى إنه تعين تخصيص مدافن جديدة في كل ~~مكان. # هل يمكن أن يستوقفنا شيء هنا؟ أكان الرجل الذي فصدت دماؤه يعاني ~~من الطاعون ومع ذلك شفي؟ # يعتقد أن شخصا غريبا (على ما يبدو هو شخص مصاب فعليا بالعدوى) قد جلب المرض إلى ~~بادوفا، وكان الدمار الناتج هائلا؛ فقد مات ثلثا السكان، وهو عدد صاعق؛ فكان إذا مرض ~~أحد أفراد الأسرة، سرعان ما تلحق به الأسرة بأكملها. أكان هذا خيطا مهما لفهم طبيعة ~~المرض؟ # ضرب الطاعون بيزا، في الغالب عن طريق ميناء ليجهورن، في مارس عام 1348. من هناك انتشر ~~الطاعون شمالا إلى توسكانا وجنوبا إلى روما. لقد كانت إيطاليا مدمرة بحق. # في تلك الآونة كانت أوروبا فعليا تخوض حربا مع الطاعون، وعلى ما يبدو كان هذا ms017 ~~الصراع ميئوسا منه؛ إذ كان هذا المرض يفوق قدرة الأفراد بالكامل على الاستيعاب أو ~~تجاربهم في الحياة. كان العدو خفيا ولم يكن أحد يدري متى وأين سيظهر بعد ذلك. وعندما ~~كان يوجه ضربته، لم يكن بمقدور الناس الدفاع عن أنفسهم وكان الكثيرون يسقطون أمامه، ~~وكلما انتابهم الهلع وهربوا، ازداد انتشار المرض. كانت الغلبة للطاعون دائما. # من جنوة انتقل الطاعون إلى بياتشنزا التي تبعد نحو 60 ميلا (100 كيلومتر) إلى الشمال ~~الشرقي، كتب جابرييل دي موسي، أحد قاطني بياتشنزا، الذي كان يعمل كاتب عدل: # لكن بصفتي أحد قاطني بياتشنزا طلب مني أن أكتب المزيد عنها، لعله يتضح ما ~~حدث هناك عام 1348. بعض من أهل جنوة الذين فروا من الطاعون المتفشي في ~~مدينتهم ارتحلوا شمالا وسكنوا في ~~بوبيو، وهناك باعوا السلع التي جلبوها معهم. وسرعان ما كان المرض يضرب الشاري ~~هو وكل أفراد عائلته وكثير من جيرانه ليموتوا جميعا. تمنى أحد هؤلاء أن يحرر ~~وصيته؛ فاستدعى كاتب عدل والكاهن الذي يعترف له بخطاياه والشهود اللازمين، ~~وفي اليوم التالي دفن كل هؤلاء معا. اشتدت البلية لدرجة أنه سرعان ما ~~سقط كل سكان بوبيو تقريبا ضحايا للمرض، ولم يتبق في المدينة سوى ~~الأموات. # في ربيع عام 1348 قدم فرد آخر من أبناء جنوة المصابين بالطاعون ~~إلى بياتشنزا. لقد قصد صديقه فولتشينو ديلا كروتشا الذي استضافه في منزله، بيد أنه ~~مات بعدها مباشرة، وسرعان ما مات فولتشينو أيضا هو وكامل عائلته وكثيرون من جيرانه. ~~رأى جابرييل دي موسي بوضوح أن هذا المرض ينتقل مباشرة من إنسان إلى آخر. استطرد جابرييل قائلا: # كان الطاعون قد انتشر في كل أنحاء المدينة خلال فترة زمنية قصيرة. لا أعرف من ~~أين أبدأ: النحيب والعويل في كل مكان، معدل الوفيات كان هائلا جدا؛ ومن ~~ثم تملك الناس رعب شديد. أعداد الموتى أصبحت لا حصر لها، والأحياء حسبوا ~~أنفسهم في تعداد الهالكين واستعدوا للقبر. # توضح روايته لنا حجم الكارثة المرعب: # عجزت المدافن عن أن تسع جثثا أكثر من ذلك، فتعين حفر ms018 الخنادق لدفن ~~الموتى. كثيرا ما كان يلقى بعائلات بأكملها معا في نفس الحفرة. لم يختلف ~~الحال عن المدن والقرى المجاورة. استدعى شخص يدعى أوبيرتو دي ساسو - الذي كان ~~قد وفد من أحد الأماكن المصابة إلى كنيسة رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) ~~ليحرر وصيته - كاتب عدل، وشهودا، وجيرانا. كل هؤلاء ومعهم ستون آخرون ماتوا ~~في غضون فترة زمنية قصيرة. # كانت فلورنسا، التي تبعد 40 ميلا (60 كيلومترا) من بيزا، واحدة من ~~أعظم المدن في أوروبا، ومركزا ديمقراطيا للثقافة والفنون والتعلم، ومن ضمن كنوزها ~~أعمال دانتي وجوتو. لم تفلت فلورنسا؛ إذ ضربها الموت الأسود ضربة قاسية ، على الرغم من ~~اتخاذ كل الاحتياطات الحكيمة والتوسلات إلى الله. كتب بوكاتشيو في كتابه «ديكاميرون» ~~رواية مهمة عن فلورنسا إبان هذه الفترة: # عزل البعض نفسه تماما عن الناس وتجنب أشكال التواصل الاجتماعي كافة وجميع ~~أنواع الترف، في حين احتسى البعض الآخر الخمر وغنى وعربد بحرية ~~معتقدا أن هذه الطريقة في العيش هي العلاج القوي والفعال لمثل هذه الكارثة ~~الهائلة. # تجنب المواطن أخاه المواطن، وقليلون هم من أبدوا أي مشاعر تعاطف ~~مع غيرهم، وعزل الناس أنفسهم عن الآخرين؛ فلم يلتقوا أقاربهم قط، بل «الأدهى من ذلك، ~~الذي يكاد لا يصدقه عقل، أن الآباء والأمهات هجروا أطفالهم تاركين إياهم بلا عناية ~~ليواجهوا مصيرهم، كما لو كانوا غرباء.» # ما من امرأة مهما، كانت جميلة أو حسنة المنظر أو عريقة النسب، كانت تعزف ~~عن تلبية كل ما يطلبه من يحاول علاجها لدى إصابتها بالمرض، ولا يهم إذا كان من ~~يعالجها شابا أم كهلا، كما أنها لم تكن تتورع عن كشف كل جزء من جسدها له دون ~~أن يعتريها الخجل، كما لو كانت تتعرى أمام امرأة؛ من شدة ما تعانيه من ~~مرض. # كثيرون لقوا حتفهم أثناء النهار أو الليل في الشوارع العامة، أما رحيل ~~الكثيرين الذين ماتوا في منازلهم فلم يكن الجيران يدرون به غالبا إلى أن ~~تنتشر الرائحة النتنة للجثث المتعفنة، ونتيجة للجثث المنتشرة في كل الأرجاء صار ~~المكان بأكمله بمنزلة ms019 قبر. # كان من عادة معظم الجيران، الذين كان يحركهم الخوف من التلوث الناجم ~~عن الجثث المتعفنة أكثر من الإحسان إلى المتوفين، أن يجروا الجثث إلى خارج المنازل ~~ويلقوها أمامها، ثم كانوا يحضرون النعوش أو الألواح الخشبية التي يسجى عليها ~~الموتى، حين يكون هناك نقص في النعوش. # كان حاملو الجثث، أو ما يطلق عليهم عاملو المقابر، يؤدون خدماتهم بالأجرة، وكانوا ~~يحملون النعوش بسرعة إلى المدافن. كانوا يحفرون خنادق هائلة «يلقون فيها الجثث ~~بمجرد وصولهم، مئات الجثث في المرة الواحدة، مكدسين إياهم بنفس الطريقة التي تحفظ ~~بها البضائع في مخازن السفن، طبقة فوق الأخرى، وكل جثة مغطاة بقليل من التراب، إلى أن ~~يصبح الخندق غير قادر على تحمل المزيد من الجثث.» # ولم يكن عاملو المقابر بأناس لطفاء، فعلى ما يبدو أنهم كانوا وحوشا مجردة من ~~الإنسانية يقومون أيضا بدور أكثر شرا؛ مما ساعد في استفحال البؤس العام؛ إذ كانوا ~~يقتحمون منازل الأشخاص الذين لا يزالون على قيد الأحياء ويجرونهم لينضموا إلى صفوف ~~الموتى ما لم يدفع الرجال لهم أموالا من أجل سلامتهم وما لم تدفع النساء من ~~عفتهن. # بلغت الوفيات في فلورنسا ما بين نحو 45 ألف نسمة و65 ألف نسمة، وهي نسبة تعادل على ~~الأرجح 50 بالمائة من وفيات مدن وبلدات إيطاليا. مرة أخرى تكررت الرواية من جديد؛ ~~فإبان طاعون سيينا، وصف أنيولو دي تورا (الذي دفن خمسة من أبنائه) كيف كان الأب يهجر ~~أبناءه، وهكذا يموتون واحدا تلو الآخر. لم يكن ممكنا العثور على شخص ليدفن أكوام ~~الموتى الضخمة في الحفر العميقة، إنما كان ينثر التراب عليها لدرجة أن الكلاب كانت ~~تجرهم إلى الخارج وتنهش أجسامهم. يا لها من صورة مرعبة. # واجه الشاعر بترارك الطاعون في بارما ووصفه في خطاباته. حاول السكان إقامة ~~حجر صحي حول أنفسهم لمنع أي تواصل مع البلدان التي كانت مصابة بالفعل، ولم يصل ~~الطاعون إلى هناك حتى يونيو عام 1348. لكن عندما وصل، وقعت نفس الأحداث المقيتة؛ ~~بلغت الوفيات نحو 40 ألف نسمة في غضون ستة ms020 أشهر. # استشرى الوباء في إيطاليا لمدة بلغت نحو عام قبل أن يبدأ في الانحسار. كتب بترارك ~~في أسى شديد إلى أخيه، الناجي الوحيد من بين خمسة وثلاثين شخصا بأحد الأديرة بمونريو: # خيم الحزن على كل الأرجاء، وكان الخوف في كل مكان. ليتني لم أولد قط يا أخي، أو على الأقل ليتني مت قبل أن أرى هذه الأيام. كيف ستصدق ذريتنا أنه ~~أتى زمان أصبح العالم بأكمله تقريبا غير مأهول بالسكان؟ # متى سمع أو شوهد أي شيء مثل هذا؛ في أي حوليات قرئ قط عن أن ~~المنازل تركت غير مأهولة، والمدن مقفرة، والبلاد مهملة، والحقول صغيرة ~~للغاية عن أن تسع الموتى، وسادت عزلة مخيفة وعامة في كل أنحاء الأرض؟ # هل ستصدق الأجيال القادمة هذه الأمور، في الوقت الذي يصعب علينا نحن الذين ~~شهدناها أن نصدقها؟ كنا سنظن أننا كنا نحلم لو أننا لم نر بأم أعيننا ~~المدينة وهي في حداد جنائزي عند خروجنا من المنزل، ونجدها خاوية لدى عودتنا؛ ~~فنعلم أن ما نتحسر عليه واقع فعلي. # لعلنا اكتشفنا خيطا مهما هنا: أخو الشاعر بترارك كان الناجي ~~الوحيد في مجتمع رهبنة مغلق، ومع ذلك فلا بد أنه كان على مقربة كبيرة من زملائه ~~الرهبان، فكيف تحاشى العدوى؟ هل هذا دليل على أن بعض الأشخاص في أوروبا أظهروا ~~نوعا من المقاومة لهذا المرض اللعين؟ ~~(4) اجتياح فرنسا # بعد أن ضرب الطاعون فرنسا في أواخر عام 1347 أو مطلع عام 1348، ربما يكون تقدير ~~الوفيات بنحو 57 ألف نسمة في مارسيليا وما حولها مبالغا فيه، إلا أن أحداث الرعب ~~والوفيات هناك هي ما توقعناه تماما. دون سيمون دو كوفينو، وهو طبيب من باريس، ~~ذكرياته عام 1350، وهي تقدم قراءة باعثة على الانقباض: # صارت الوجوه شاحبة، والهلاك الذي يهدد الناس كان موصوما على جباههم. كان ~~يكفي أن تنظر في وجوه الرجال والنساء لتقرأ فيها أن البلية أوشكت أن تحدث؛ ~~إذ كانت تعلوها صفرة مميزة تنبئ بدنو العدو، وقبل يوم الهلاك، كان حكم ~~الإعدام يكتب بوضوح على وجه الضحية. ms021 لم يبد أن أي مناخ له أدنى تأثير في ~~هذا المرض الغريب؛ فما من حرارة أو برودة أمكنها أن تردعه، فالبيئات ~~الصحية المرتفعة عرضة له مثلها مثل البيئات الرطبة المنخفضة. كان ينتشر في برد ~~الشتاء بنفس القدر من السرعة التي ينتشر بها في حرارة الصيف. # يمكننا معرفة بعض الأمور المهمة عن طبيعة هذا المرض من هذه الرواية ~~القيمة. لاحظ كوفينو أيضا أن الطاعون بدا معديا للغاية لدرجة أن نفسا ~~واحدا من المصاب، أو قطعة من ملابسه، كافية لنقل المرض. # انتشر الطاعون غربا من مارسيليا إلى مونبلييه، ونربونة، وبيربينيا، وقرقشونة التي ~~وصلها في مايو عام 1348، ومن هناك انتقل إلى تولوز ، ومونتوبان، وهكذا وصل إلى ميناء ~~بوردو على الساحل الأطلسي في الفترة ما بين يونيو وأغسطس عام 1348. كان متوسط معدل ~~انتشاره بين ميل وخمسة أميال (2-8 كيلومترات) في اليوم؛ مما يوحي أنه كان ينتقل في ~~المقام الأول عن طريق الأفراد المصابين المسافرين سيرا على الأقدام وليس على صهوة ~~الجياد. # انتشر الموت الأسود شمالا أيضا من مارسيليا، ووصل أفينيون في مارس 1348، حيث ضربها ~~بوحشية. عدد الوفيات المسجل، مع أنه رقم مبالغ فيه بكل تأكيد، هو عدد صاعق: 1800 ~~نسمة خلال ثلاثة الأيام الأولى، وإجمالي 150 ألف نسمة في المدينة وضواحيها الريفية. ~~فر كثيرون من المدينة، إلا أن البابا كليمنت السادس ظل في عزلة على مقربة، محيطا ~~نفسه بألسنة النيران الهائلة التي كان من المفترض أنها تنقي الهواء. # كتب أحد الكهنة المجهولين خطابا إلى أصدقائه يروي فيه القصة الكاملة للطاعون في ~~أفينيون. استهل الكاهن خطابه بتقديم وصف قيم لمسار تطور المرض ومجريات التحقيقات ~~التي أمر بها البابا: # يمكن أن يظهر المرض في ثلاثة أشكال مختلفة: في الشكل الأول، يعاني الأفراد من ~~آلام في الرئة وصعوبة في التنفس، ولا ينجو هؤلاء الضحايا حتى لو كان المرض قد ~~هاجمهم هجوما طفيفا، ولا يعيشون بأي حال من الأحوال أكثر من يومين. أجرى ~~الأبحاث أطباء من مدن كثيرة بإيطاليا، وأيضا في أفينيون، بناء على أمر من ~~البابا للوقوف ms022 على منشأ هذا المرض. فتح الأطباء الكثير من الجثث وشرحوها، ~~ووجدوا أن جميع الذين قضوا نحبهم فجأة بهذه الطريقة قد أصيبت رئاتهم ~~وكانوا يبصقون دما. الطبيعة المعدية للمرض هي حقا الأكثر بشاعة؛ لأنه ~~فيما يموت أي مصاب، فإن كل من رآه في مرضه، أو زاره، أو دخل معه في أية تعاملات ~~تجارية، أو حتى حمله إلى القبر، سرعان ما يلحق به إلى هناك، ولم تكن ~~توجد سبل معروفة للوقاية منه. # ثمة شكل آخر من أشكال المرض، يستكمل دورته بالتزامن مع الشكل الأول؛ بمعنى أن ~~أوراما معينة تظهر في الإبطين، وسرعان ما يموت الأفراد نتيجة لذلك. الشكل ~~الثالث للمرض - على غرار الشكلين السابقين - يصيب الأفراد من كلا الجنسين ~~بأورام أعلى منطقة الفخذ، وهذا النوع يفضي سريعا إلى الموت أيضا. # افترض الكاهن، كالجميع، أن هذا المرض معد عن طريق الاتصال المباشر ~~وكرر ما كتبه الآخرون: # تفاقم الوباء بالفعل لدرجة أن الطبيب كان لا يزور المريض خوفا من العدوى، ~~حتى لو أعطاه المريض كل ما يملك عن طيب خاطر، ولم يكن الأب يزور ابنه ولا الأم ~~ابنتها. في الحقيقة لم يكن أحد يزور أحدا مهما كانت صلة قرابتهما إلا إذا ~~كان مستعدا للموت معه، أو اللحاق به سريعا. # على ما يبدو فإن التجنب التام حتى لأقرب الأقربين كان السلوك ~~السائد، وما من أحد شكك في فكرة أن المرض كان معديا نتيجة الاتصال المباشر. استطرد ~~الكاهن قائلا: # قضى نصف أو أكثر من نصف سكان أفينيون نحبهم بالفعل. يوجد الآن أكثر من ~~7 آلاف منزل مغلق بداخل جدران المدينة، لا أحد يقطن هذه المنازل، فكل قاطنيها ~~رحلوا، والضواحي شبه خاوية من السكان. اشترى البابا حقلا قريبا من كنيسة ~~«سيدتنا العذراء مريم صانعة المعجزات» ودشنه لدفن الموتى، فدفن فيه 11 ألف ~~جثة. هذا بخلاف أولئك الذين دفنوا في مدافن مستشفى سانت أنطوني، والمدافن ~~التابعة للهيئات الدينية، والمدافن الأخرى الكثيرة الكائنة في أفينيون. وفيما ~~يتعلق بالمناطق المجاورة، أود أن أشير إلى أن كل بوابات مارسيليا، باستثناء ~~بوابتين ms023 صغيرتين، مغلقة الآن؛ لأن أربعة أخماس السكان لقوا حتفهم. # من الواضح أن تعداد الوفيات كان مرتفعا في فرنسا مثلما كان مرتفعا ~~في إيطاليا. # لا يختلف الحال في مدن وبلدات منطقة بروفنس. لقد عبر المرض بالفعل نهر ~~الرون، واجتاح كثيرا من المدن والقرى البعيدة التي تماثل في بعدها تولوز. إنه ~~يزداد ضراوة وهو يتقدم. يوجد خوف كبير من الموت لدرجة أن الناس لا يجرءون على ~~التحدث حتى إلى أي شخص مات له قريب؛ لأنه كثيرا ما لوحظ أن العائلة التي يموت ~~فيها فرد، يلحق به كل أقاربه تقريبا بلا استثناء. هذا اعتقاد شائع بين الناس. ~~لا يقوم على رعاية المرضى الآن أقاربهم. يعامل المرضى معاملة الكلاب؛ إذ يوضع ~~الطعام لهم بالقرب من الفراش ليأكلوا ويشربوا، وبعد ذلك يسرع الأصحاء إلى ~~مغادرة المنزل. وعندما يقضي رجل نحبه يحضر بعض الرجال الأفظاظ - الذين يطلق ~~عليهم عاملو القبور - إلى المنزل، وبعد تقاضي مكافأة كبيرة بما يكفي يحملون ~~الجثة إلى القبر. لا يزور الأقارب ولا الأصدقاء المريض، بل لا يستمع الكهنة إلى ~~اعترافاتهم ولا يناولونهم القربان المقدس، إنما كل شخص لا يزال سليما يعتني ~~بنفسه. من المشاهد المتكررة يوميا أن يحمل هؤلاء الأوغاد ثريا يحتضر إلى ~~القبر دون مصابيح، ودون أن يتبعه أحد سوى هؤلاء النادبين المأجورين. عند حمل ~~جثة في الشوارع يهرع الجميع إلى منازلهم. حتى «عاملو القبور» المذكورون ~~قبلا، بالرغم من كونهم أقوياء، فلم ينجوا من المرض؛ فقد أصيب معظمهم ~~بالعدوى بعد فترة من الزمن وماتوا. # من الظاهر أن الأفراد بحثوا عن كباش فداء للطاعون؛ لأن الكاهن يقول: # بعض البؤساء قبض عليهم وبحوزتهم نوع معين من المساحيق، ووجهت إليهم تهمة ~~تسميم المياه، ووحده الله الذي يعلم هل كانت هذه التهم عادلة أم جائرة، ~~وامتنع الناس في خوف عن شرب المياه من الآبار، فكثيرون أحرقوا من أجل هذه ~~الجريمة، وتوالى حرق المتهمين بصفة يومية. # كان ذلك بحق ظلما للأبرياء. ويختتم الكاهن كلامه ببعض النصائح البدهية: # أكتب إليكم يا أصدقائي لعلكم تعرفون المخاطر التي نعيش ms024 فيها. وإن كانت لكم ~~رغبة في حماية أنفسكم، فإن أفضل نصيحة هي أن تعتدلوا في المأكل والمشرب، وإياكم ~~والبرد. عليكم أن تتجنبوا الإفراط في أي نوع، وفوق كل شيء عليكم أن تقللوا ~~من الحديث مع الآخرين ولا سيما في هذه الآونة، باستثناء القلة القليلة ذات ~~النفس الحلو. وإن كان من الأفضل أن تلزموا منازلكم إلى أن يزول هذا ~~الوباء. # استمرت الهجمة الشرسة للطاعون على أفينيون طوال صيف عام 1348 الطويل ~~حتى الشتاء. تبعثرت الأجساد في الشوارع، وامتلأت ~~المدافن عن آخرها؛ لدرجة اضطر معها ~~البابا كليمنت السادس إلى خلع القدسية على نهر الرون وألقيت الجثث فيه. لا يمكن تخيل ~~مدى بشاعة الروائح النتنة التي كانت تنبعث من الجثث وحجم التلوث الناشئ عن تحللها. ~~وإليكم ما هو أسوأ: كثيرون من المرضى، الذين أصبح مؤكدا أنهم سيموتون لا محالة، دفنوا ~~أحياء. # في تلك الأثناء، واصل الطاعون قبضته المرعبة وزحف شمالا حيث وصل ليون في مطلع الصيف، ~~ثم باريس. يصف جيوم دو ناجي في سرده التاريخي وباء باريس قائلا: # كانت أعداد الوفيات هائلة من كلا الجنسين، وكان الموت يحصد أرواح الصغار أكثر ~~من الكبار. لم يكن يتوافر في كثير من الأحيان أماكن لدفن الموتى من فرط ~~عددهم. علاوة على أنهم غالبا ما كانوا ليمرضوا أكثر من يومين أو ثلاثة، ~~وكثيرا ما كان بعضهم يموت على حين غرة؛ لدرجة أن الرجل الموفور الصحة ~~اليوم، يحمل إلى القبر جثة هامدة في اليوم التالي ... جموع الناس التي ماتت في ~~غضون عامي 1348 و1349 كانت كبيرة للغاية، على نحو لم يسمع بمثله أو ير أو ~~يقرأ عنه في العصور الماضية. وغالبا كان نفس هذا الموت أو المرض ينبع من ~~الخيال، أو من المجتمع والعدوى من الآخر؛ لأنه غالبا ما كان لينجو رجل سليم ~~يزور مريضا من الموت. وهكذا في بلدان كثيرة، الصغير منها والكبير، ترك الكهنة ~~رتبهم الكهنوتية من الخوف، تاركين مهمة تقديم القربان المقدس للمرضى لكهنة ~~أكثر جراءة. باختصار، في بقاع كثيرة، كان بالكاد يعيش شخصان من ms025 بين كل عشرين ~~شخصا (أي معدل الوفيات كان يصل لنسبة صاعقة تبلغ 90 بالمائة). كان معدل ~~الوفيات هائلا في فندق أوتيل ديو في باريس، حتى إنه لفترة ليست بالقصيرة كان ~~يحمل كل يوم أكثر من خمسين جثة على عربات إلى الخارج لتدفن ... دام الطاعون ~~في فرنسا معظم عامي 1348 و1349، وبعد ذلك ظلت منازل في العديد من البلدات ~~الصغيرة والمناطق الريفية والمدن الكبيرة غير مأهولة بالسكان. # يدعم هذا التسجيل التاريخي الرأي القائل بأن حجم الكارثة كان غير ~~مسبوق؛ لم ير شخص شيئا مثله من قبل قط. سرعان ما كان الموت يعقب ظهور ~~الأعراض. # كتب رئيس دير سانت مارتن الذي يقع في بلدة تورناي عن بلدات الأشباح التي بقيت بعد ~~انحسار الوباء: # يستحيل أن تصدق معدل الوفيات في كل أنحاء البلاد بأكملها. يصف المسافرون ~~والتجار والحجاج وغيرهم ممن مروا بها كيف وجدوا الماشية تجول بلا رعاة في ~~الحقول، والبلدة مهجورة، والأرض بلا زراع، والمنازل خاوية من السكان، ولا ~~يوجد سوى عدد محدود من الناس. كانت أعداد الوفيات هائلة؛ لدرجة أن مدنا ~~وبلدات وقرى كثيرة كان يبلغ تعداد سكانها من قبل 20 ألف نسمة، أصبح لا يتجاوز ~~تعداد سكانها ألفي نسمة، ومدنا ومناطق ريفية كثيرة كان تعداد سكانها من قبل ~~1500 نسمة، لم يتبق فيها غالبا سوى 100 نسمة. وفي مناطق كثيرة مختلفة، بارت ~~الأراضي والحقول. # واستطرد يقول إن العصور اللاحقة سيصعب عليها أن تصدق الرعب الذي ~~سببه الطاعون. # تحرك الموت الأسود من باريس نحو الشمال الغربي حيث الساحل الذي وصله في أغسطس عام ~~1348. مرة أخرى أبطأ الشتاء عنف العدوى (هل حصلنا على خيط جديد هنا؟)، إلا أنه عاد ~~إلى كامل شراسته وعنفوانه. قدر شاهد عيان في مدينة روان معدل الوفيات بنحو مائة ~~ألف نسمة - مرة أخرى قد يكون هذا الرقم مبالغا فيه - ووهب دوق نورماندي أرضا ~~لاستخدامها كمدافن جديدة. # في بلدية لاجريفري، التي تبعد أربعة أميال (ستة كيلومترات) من بلدية فير، «تحللت جثث ~~الموتى وتعفنت على النقالات حيث لفظوا أنفاسهم الأخيرة». ms026 حلق علم أسود فوق الكنيسة ~~كما حدث في كافة قرى نورماندي الأكثر تضررا. ~~(5) سقوط إسبانيا # في تلك الأثناء، ضمنت السفن التجارية نشر المرض في كل أنحاء البحر المتوسط. كان معدل ~~الوفيات في الموانئ هائلا جدا حتى إن الجثث كانت تلقى في البحر مباشرة. ضرب ~~الطاعون قبرص بشراسة مدمرة. ولما وجد القبرصيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع ~~الفاجعة، جمعوا كافة العبيد والسجناء المسلمين، وخصصوا فترة ظهيرة كاملة حتى مغيب الشمس ~~لذبحهم؛ خشية أن يحكم المسلمون قبضتهم على الجزيرة، حيث كان مسيحيون كثر يموتون ~~أو يولون الأدبار في هلع. # أثار الموت الأسود ذعر الملك بيدرو الرابع ملك منطقة أراجون عندما وصل الطاعون جزيرة ~~ميورقة في أبريل عام 1348. أصدر بيدرو أوامره للحكومة باتخاذ الخطوات اللازمة لوقف زحف ~~المرض، إلا أن قادة الجزيرة كانوا لا حول لهم ولا قوة، وبلغت الخسائر في الأرواح نحو 15 ~~ألف نسمة في شهر واحد، وهو رقم مهول. قيل إن 80٪ من سكان الجزيرة قضوا نحبهم، ~~وسرعان ما صارت الحكومة تشكو من أن الناس أوهنها المرض بشدة؛ لدرجة أنهم لم يعودوا ~~قادرين على حماية أنفسهم من هجمات القراصنة وهجمات والي تونس الملقب بلقب باي تونس. ~~بل أمر حاكم ميورقة في يونيو عام 1349 أن يرسل قوات إلى جزيرة منورقة المجاورة، حيث ~~كان الخراب أعظم؛ لمساعدتها في درء هجمات الأعداء. # غزا الطاعون شبه الجزيرة الإيبيرية عبر موانئ برشلونة وفالنسيا في البحر المتوسط، حيث ~~وصل إلى هناك في مايو عام 1348. في البداية انتشر المرض ببطء إبان الخريف والربيع ~~موديا بحياة نحو 70 فردا في اليوم الواحد. زحف المرض جنوبا إلى العرب الذين كانوا ~~يهاجمون ألفونسو الحادي عشر ملك قشتالة؛ مما روع صفوفهم، وقد دون فيليب زيجلر في كتابه ~~«الموت الأسود» أن خيبة الأمل أصابت كثيرين منهم لدرجة أنهم فكروا في اعتناق المسيحية ~~كنوع من العلاج الوقائي، لكن سرعان ما تفشى المرض في صفوف قوات قشتالة، وعندما «علموا ~~أن الطاعون طال المسيحيين حينئذ، تلاشت نواياهم الحسنة وعدلوا عن رأيهم.» # نجا جيش قشتالة سالما ms027 في منطقة جبل طارق ثم بعدها ضربه الطاعون في مارس عام 1350. ~~اقترح ضباط الجيش أن يترك الملك ألفونسو القوات ويسعى إلى السلامة في العزلة، إلا أنه ~~رفض أن يترك مكانه، وهكذا مات إبان تفشي الوباء. وقد كان الملك الحاكم الوحيد الذي ~~يلقى حتفه إبان الموت الأسود، وإن كان الملك بيدرو قد فقد زوجته وابنته الصغرى ~~وابنة أخيه. # وفي آخر المطاف جرى خرق القانون في إسبانيا، وجالت عصابات قطاع الطرق في أنحاء ~~الريف، ونشر مرسوم يأمر بإنزال أشد العقاب بكل من يقبض عليه أثناء قيامه بنهب ~~منازل ضحايا الطاعون. ~~(6) ثلاث سنوات من الدمار # اندفع الموت الأسود بلا هوادة شمالا في أنحاء أوروبا كموجة عملاقة. استغرق الأمر ~~ثمانية أشهر من الضربة الأولى كي يبيد الوباء كل مدينة يدخلها ، ولم يرخ قبضته ~~قط. وكان تقدمه أكثر سرعة في المراحل الأولى من ديسمبر 1347 إلى يونيو 1348، وهو ~~الوقت الذي انتشر فيه في إيطاليا وجزء كبير من فرنسا، وإسبانيا والبلقان. وبعد أن ~~عبر جبال الألب وجبال البرانس، واصل زحفه شمالا حيث وصل في آخر المطاف إلى السويد ~~والنرويج ودول البلطيق بحلول ديسمبر عام 1350. # الغريب أن بضعة أماكن نجت تماما من المرض، منها مدينة ميلانو ومدينة لييج ومدينة ~~نورنبرج الألمانية، ومنطقة صغيرة شرق بلدة كاليه الفرنسية، ومنطقة كبيرة في شمال فيينا، ~~ومنطقة صغيرة في الطرف الشمالي الغربي من جبال البرانس (على الرغم من أن المرض كان ~~موجودا في أنحاء بقية السلسلة الجبلية). # انتشار الموت الأسود الأشبه بالموجة في أنحاء أوروبا جهة الشمال من ~~عام 1347 إلى عام 1350. # ساد الهلع في كل أنحاء أوروبا لأن الطاعون غطى مساحة واسعة، مهلكا كل شيء في ~~طريقه. لم يعرف أحد طريقة لتجنب الطاعون سوى الفرار. لا بد أن الفرار أمامه بدا ~~استراتيجية دفاعية واضحة، إلا أنها لم تجلب معها كثير نفع، بل أدت في الغالب إلى ~~استفحال الجائحة. الشيء المأساوي أنه لو أن كل شخص مكث مكانه فلربما اقتصر الطاعون على ~~إيطاليا وجنوبي فرنسا ولربما جرى التخلص منه. # حان الآن ms028 دور البلدان المنخفضة (بلجيكا ولوكسمبورج وهولندا) لتذوق كأس المعاناة، وكما ~~هو متوقع تماما، تسبب الموت الأسود في حالة من الهلع والدمار كعادته. كتب جيل لي ميوسي: # يكاد يستحيل تصديق معدل الوفيات في كل أنحاء البلاد بأكملها. يفيد ~~المسافرون والتجار والحجاج وغيرهم ممن مروا بها بأنهم وجدوا الماشية تجول ~~بلا رعاة في الحقول، والبلدة مهجورة، والأرض بلا زراع، والمنازل خاوية من ~~السكان، ولا يوجد سوى عدد محدود من الناس ... وفي مناطق كثيرة مختلفة، بارت ~~الأراضي والحقول. # وصل الموت الأسود تورناي، الكائنة في بلجيكا حاليا، في صيف عام ~~1349، وكان الأسقف من أوائل الذين سقطوا صرعى، ثم سادت فترة سكون قبل أن يكشر ~~الوباء عن أنيابه. # في كل يوم كانت تحمل أجساد الموتى إلى الكنائس، خمس جثث، ثم عشر جثث، ثم ~~خمس عشرة جثة، وفي أبرشية سانت برايس في بعض الأحيان، كان يسقط عشرون أو ~~ثلاثون جثة في المرة الواحدة. وفي كل كنائس الأبرشية، يقرع الخوريون ~~والخدام العلمانيون وخدام الكنيسة الأجراس الجنائزية صباحا ومساء وليلا ~~كي يحصلوا على أجورهم، فما كان من سكان المدينة بأكملهم رجالا ونساء على حد ~~سواء إلا أن يتملكهم الرعب. # تصرف مجلس المدينة بصرامة لاسترداد ثقة الجمهور؛ فمنع قرع الأجراس في ~~الجنازات، وحظر لبس الملابس السوداء، وكذلك منع التجمعات في منازل الموتى، وخصصت ~~مدافن جديدة خارج جدران المدينة كان يدفن فيها كل الموتى مهما كانت مكانتهم في ~~المدينة. # وهكذا واصل الطاعون زحفه بلا هوادة شمالا في أنحاء ألمانيا؛ فكان يجلب معه خسائر ~~فادحة في الأرواح على نفس المنوال، وكان يتسبب في بعض الأحيان في انهيار القانون ~~والنظام والمسئوليات المدنية. تضمنت الخسائر المريعة في الأرواح 2000 نسمة خلال 72 ~~يوما في فرانكفورت إم ماين: ما يزيد على 50 بالمائة من سكان هامبورج، و6000 نسمة في ~~ماينتس، و11 ألف نسمة في مونستر. لقي نحو 12 ألف نسمة حتفهم في إرفورت ونحو 7000 في ~~بريمن، ربما ما يعادل 70 بالمائة من السكان. علاوة على أنه قيل إن 200 ألف بلدة ريفية ~~صغيرة ms029 في ألمانيا محا الطاعون كل سكانها. وكان رعب وفزع أولئك الذين واجهوا الموت ~~المحقق يفوق الخيال. # يقول السجل التاريخي لبلدية نويبرج المدون في نوفمبر من عام 1348: # منذ أن استشرى هذا الوباء الفتاك في كل الأنحاء، صارت المدن التي كانت عامرة ~~بالسكان حتى هذه اللحظة خربة. محا الطاعون سكانها بأعداد مهولة؛ لدرجة أن ~~أولئك الذين ظلوا على قيد الحياة، أوصدوا أبوابهم، وراقبوا في حماس لئلا يسرق ~~أحد ممتلكات من قضوا ... وصل الوباء اللعين إلى كارينثيا، ثم أحكم قبضته على ~~ستيريا تماما؛ لدرجة أن أهلها لما استسلموا لليأس هاموا على وجوههم كما لو ~~كانوا قد فقدوا صوابهم. # تأكدت الطبيعة المعدية والمرعبة للطاعون من جديد: # انبعثت الروائح الوبائية من عدد كبير جدا من المرضى، فكانوا ينقلون العدوى ~~إلى من يزورونهم أو يخدمونهم، وكثيرا ما كان يموت أحد أفراد العائلة فيلحق به ~~كل أفرادها واحدا تلو الآخر ... ونتيجة لهذا البلاء الهائل، تركت الماشية ~~تهيم على وجهها في الحقول دون حراس؛ لأنه لم يكن أحد ليفكر في المستقبل، ~~وهكذا قدمت الذئاب من الجبال لتهاجمها. تحاشى الجميع بحذر بالغ الممتلكات، ~~سواء المنقولة أو غير المنقولة التي تركها المرضى في وصيتهم كما لو كانت موبوءة ~~هي الأخرى. # ضرب الموت الأسود فيينا في ربيع عام 1349، ويقال إنه في كل يوم من ~~أيام الصيف الطويل كان يموت ما بين 500 إلى 600 ضحية، وفي أحد الأيام المرعبة لقي قرابة ~~الألف شخص حتفهم. وإجمالا توفي نحو نصف السكان - على الأرجح - بسبب ~~الوباء. # كالعادة، دفنت الجثث خارج المدينة في حفر عميقة احتوى كل منها على 6000 جثة، ~~وبسبب رائحة الجثث وحالة الفزع الشديد التي أثارتها، منعت الكنيسة الدفن في مدافن ~~الكنيسة، فحالما يموت أحد الأفراد يحمل جسده إلى خارج المدينة ليدفن في أحد المدافن ~~العامة التي يطلق عليها «مدافن الله». كانت الحفر الواسعة العميقة هناك سرعان ما تمتلئ ~~عن آخرها بالموتى. ~~(7) أراضي الفايكينج # ثمة رأي سائد يرى أن الطاعون انتقل إلى النرويج في صيف عام 1349 على متن قارب قادم من ms030 ~~لندن، لكن الأرجح أنه صنع تلك القفزة القصيرة عبر المضيق من كوبنهاجن، ثم سرعان ما ~~انتشر المرض «في كل أنحاء النرويج»، ووردت أنباء عن وصوله إلى أرخانجلسك، وهو ميناء على ~~البحر الأبيض في شمال غرب روسيا جنوب الدائرة القطبية الشمالية مباشرة. والمذهل أنه ~~يقال إن ثلثي سكان النرويج قضوا نحبهم؛ حيث أصبحت قرى كثيرة خاوية من السكان ~~واختفت. # يروي فيليب زيجلر في كتابه «الموت الأسود» الرواية القديمة التي تقول إنه عندما وصل ~~الطاعون إلى برجن فر الكثير من العائلات البارزة إلى تيوسديدال (يوستيدال) على سفح ~~الجبال، حيث شرعوا في بناء مدينة على أمل أن يكونوا في مأمن، لكن لم يقدر لهم هذا؛ ~~ففي الغالب كان أحدهم مصابا بالفعل؛ ما أدى إلى تفشي الوباء وموت المجتمع بأكمله ~~باستثناء فتاة واحدة. اكتشفت الفتاة بعدها بسنوات وهي لا تزال تعيش في المنطقة، إلا ~~أنها كانت تتصرف بوحشية وتعرض عن رفقة البشر. ومع ذلك، عادت في آخر المطاف إلى ~~المجتمع وتزوجت في سعادة، وآلت إليها جميع الأراضي التي كانت قد استحوذت عليها جماعتها، ~~وصارت عائلتها من بين كبار ملاك الأراضي في الجوار لقرون عديدة. # عندما اكتشفنا هذه القصة أصابتنا الحيرة من السؤال الذي طرح نفسه: لماذا نجت ~~هذه الفتاة من العدوى؟ حتما كانت هذه الفتاة تحتك احتكاكا مباشرا بعائلتها وأفراد ~~المجتمع الآخرين وهم يموتون فردا تلو الآخر، وغالبا تعين عليها أن تدفن بعضهم. لقد ~~رأينا هذا من قبل وتعجبنا إن كان هذا مثالا آخر على شخص كان مقاوما للمرض. # في الغالب وصل الطاعون السويد عام 1350 عن طريق العبور من الدنمارك، وأيضا عن طريق ~~رحلة بحرية عبر بحر البلطيق من ميناء جدانسك حيث كان الوباء متفشيا. أعلن الملك ماجنوس ~~الثاني ملك السويد أن الله ضرب العالم بعقاب عظيم في شكل موت مفاجئ، وأن معظم الناس ~~القاطنين غرب بلاده لقوا حتفهم: «هو يخرب الآن النرويج وهولندا ويقترب من مملكتنا ~~السويد.» وقد أمر شعبه في أيام الجمعة بالإمساك عن الطعام عدا الخبز والماء، وأن يسيروا ~~إلى ms031 كنائسهم حفاة، وأن يطوفوا حول المدافن حاملين الرفات المقدس لتهدئة الغضب ~~الإلهي. مرة أخرى، لم يحقق ذلك نفعا؛ فعندما وصل الوباء العاصمة، كانت الجثث مبعثرة في ~~الشوارع من جديد، وأصبح كل من هاكون وكنوت، شقيقي الملك، من بين الضحايا. # لقد انتشر الموت الأسود في أنحاء أوروبا القارية في غضون فترة لم تتجاوز ثلاث ~~سنوات مرعبة. لسوء حظ هؤلاء الرجال والنساء التعساء، كانت أوروبا في طريقها لأن تصبح ~~موطن الوباء ومرتعه على مدار القرون الثلاثة التالية. ومع ذلك، كان هناك المزيد من ~~الأراضي التي لا تزال أمامه ليقهرها. # الفصل الثاني # | الموت الأسود يعبر القنال الإنجليزي # لطالما أنقذ القنال الإنجليزي بريطانيا من الغزو على مر التاريخ، بدءا من أسطول ~~الأرمادا الإسباني ووصولا إلى الحرب العالمية الثانية. وهناك داء الكلب، ذلك المرض ~~المستوطن في البر القاري الرئيسي، لكن حتى مع وجود نفق للقنال، فإنه لا يزال ~~نادرا في إنجلترا، إلا أن القنال الإنجليزي لم يحل دون وصول الموت الأسود. # في عام 1348، عاش شعب إنجلترا في ظل مجتمع ~~إقطاعي، حيث عمل الفلاحون في أراضي علية القوم. كانت القرى تتكون من أكواخ ذات أسقف ~~مصنوعة من الأغصان ومغطاة بالجص، وكانت تتألف من طابق واحد وغرفة واحدة. وكانت هذه ~~الأكواخ رطبة وباردة ومظلمة حيث لم تكن توجد مداخن أو نوافذ، وكانت الأرضيات مغطاة بالقش ~~والطين، أما الأثاث فمنضدة مزدوجة الأرجل، وزوج من المقاعد الطويلة ثلاثية الأرجل، وفراش من ~~القش أو أوراق الشجر. # وكان النظام الغذائي للأفراد مكونا في الأساس من الثريد والجبن والخبز الأسود، وبعض ~~الخضراوات المزروعة في المنزل. إلا أن صيف هذا العام كان رطبا على نحو غير طبيعي، ~~وتعفن الشوفان والقمح والتبن والقش في الحقول بسبب الأمطار التي كادت لا تنقطع. ~~انتشرت المخاوف من أن يكون المحصول ضعيفا، ومن أن يكون في انتظارهم شتاء من القحط والجوع، ~~لكنهم كانوا يجهلون أن عدوا أسوأ بكثير وشيك الظهور. # أغلب الظن أن الطاعون دخل بريطانيا من بلدة مالكوم ريجيس (يطلق عليها الآن وايمث) ~~بمقاطعة دورست، التي كانت ms032 آنذاك بلدة وميناء مهما على الساحل الجنوبي، وإن كان يعتقد ~~أيضا أن مدينتي بريستول وساوثهامبتون هما نقطة الدخول. وربما يكون قد أتى من جزر القناة، ~~التي كانت مضطربة بالفعل، وكان الصيادون غير قادرين على دفع الضرائب لأنهم كانوا جميعا قد ~~أصيبوا بالطاعون. جرى تأريخ وصوله في أيام مختلفة في الفترة ما بين يونيو ومطلع أغسطس ~~عام 1348. # حركة الموت الأسود في أنحاء إنجلترا عقب وصوله إلى وايمث بمقاطعة دورست ~~عام 1348. # مع أن ثمة قليلا من الروايات المعاصرة عن الطاعون في بريطانيا (على عكس أوروبا ~~القارية)، فإن الشعور السائد بالكرب واليأس يتضح جليا في هذا السرد التاريخي لما وقع ~~من أحداث: # سطرت أنا الراهب جون كلاين من رهبنة الإخوة الأصاغر ومن دير كيلكني في هذا ~~الكتاب الأحداث البارزة التي وقعت في زماني، والتي شهدتها بعيني أو علمت بها من ~~أشخاص موثوق فيهم. وخشية أن تندثر أمور جديرة بالتذكر مع الزمن، وتسقط من ذاكرة ~~الأجيال الآتية بعدنا، أنا شاهد على هذه الشرور الكثيرة عندما أصبح العالم كله في ~~قبضة إبليس، وسط الموتى منتظرا قدوم الموت. بناء على ما سمعت وتحريت بحق، ~~اختصرت كل هذه الأمور في كلمات. وخشية أن تفنى الكلمات مع كاتبها، والعمل مع ~~صانعه، أترك هذه المخطوطة كي يستكمل العمل الذي قمت به، إذا حدث وتصادف أن نجا أي ~~إنسان، وفر أي شخص من نسل آدم من براثن هذا الوباء اللعين، وأكمل العمل الذي ~~بدأته. # يمكن تحديد المسار العام لانتشار الموت الأسود من السجلات الكنسية التي ~~تصف مدى السرعة التي تعين بها على الأساقفة في كل أسقفية أن يعينوا كهنة جددا ليحلوا محل ~~أولئك الذين لقوا حتفهم. اجتاح الطاعون أول ما اجتاح دورست ثم صوب حرابه غربا ~~نحو مقاطعتي ديفون وكورنوال مسفرا عن عدد الوفيات المعتاد المرتفع، ثم شرقا نحو ~~مدينة ساوثهامبتون والمقاطعات الجنوبية. أما الصفعة التي تلقاها الشمال فقد كانت بمنزلة ~~الضربة القاضية؛ إذ شق الطاعون طريقه في مقاطعة سومرست (حيث أصيبت معظم البلدات) إلى ميناء ~~بريستول حيث «قضى الأفراد ms033 نحبهم كما لو كان الموت المفاجئ قد اختطف كامل قوة المدينة». ~~«استشرى الطاعون هنا في بريستول عام 1348 إلى الدرجة التي لم يستطع معها الأحياء في الغالب ~~دفن موتاهم.» ثم واصل الوباء انتشاره إلى مدينة جلوستر حيث حاول السكان عزل أنفسهم بلا ~~طائل؛ فقد وصل عدد الوفيات إلى نسبة صاعقة؛ حوالي 90 بالمائة من السكان. # واصلت موجة الهجوم المدمرة زحفها إلى أكسفوردشير ومنها انتقلت عبر وادي نهر التيمز إلى ~~لندن، حيث وصلها الطاعون في نوفمبر عام 1348. في يناير التالي، أجل الملك البرلمان بسبب ~~أن «وباء فتاكا استشرى فجأة في المكان المشار إليه ومناطق الجوار، وكان قد ازداد حدة ~~بصفة يومية؛ من ثم أخذت المخاوف الشديدة في الاعتبار في سبيل سلامة أولئك الوافدين إلى ~~هناك آنذاك.» # أورد روبرت من آفيزبيري أنه كان يجري دفن أكثر من 200 جثة كل يوم في مدفن واحد في لندن، ~~حيث كان قائما نصب تذكاري على شكل صليب مكتوب عليه أن أكثر من 50 ألف جثة دفنت هناك، مع ~~أن هذا في الغالب هو على الأرجح مبالغة أخرى في الأرقام بعد انقضاء الحدث. وهكذا استمر عدد ~~الوفيات الهائل، وسرعان ما اكتظت المدافن الموجودة بالجثث وجرى تخصيص وتدشين أراض جديدة ~~للدفن في منطقتي سميثفيلد وسبيتل كروفت. # رفض سائقو عربات النقل من الريف المحيط بلندن نقل المؤن الغذائية إليها خشية أن يصابوا ~~هم أنفسهم بالمرض، ونتيجة لذلك غادر كثيرون المدينة بحثا عن الطعام، حاملين المرض معهم. ~~كتب ويليام دين، وهو راهب يقطن مدينة روتشستر بمقاطعة كنت، عندما توغل الطاعون هناك: # اجتاح طاعون لم يسمع بمثله من قبل إنجلترا في هذا العام ... يا للحسرة على مصابنا ~~الجلل! قضى هذا الموت على جمع هائل من كلا الجنسين حتى إنه لم يتبق أحد ليحمل ~~الجثث إلى القبور. كان كل من الرجال والنساء يحملون أولادهم على أكتافهم إلى ~~الكنيسة ثم يلقون بهم في حفرة جماعية. كانت تنبعث من هذه الحفر روائح نتنة ~~للغاية حتى إنه لم يكن أحد يجرؤ على المرور بالقبور. ms034 # للأسف كانت هذه هي القصة المألوفة للموت؛ معاناة وحسرة. # يختلف المؤرخون حول إجمالي عدد الأفراد الذين لقوا حتفهم جراء الطاعون في لندن؛ ~~فقد أشار البعض إلى أن عدد الوفيات بلغ 100 ألف نسمة، إلا أن التقدير الأكثر منطقية يتراوح ~~في الغالب ما بين 20 و30 ألف نسمة من الوفيات، من إجمالي عدد سكان تراوح ما بين 60 و70 ~~ألف نسمة، وهو ما يتناغم مع معدلات الوفيات في المدن الإنجليزية الأخرى. # آنذاك انتشر الموت الأسود شمالا على جبهتين رئيسيتين، الجانبين الشرقي والغربي من ~~إنجلترا، وقد تلاقت الجبهتان وسط إنجلترا التي عانت خسائر فادحة في الأرواح. # اتسع نطاق الجبهة الغربية ليصل إلى جنوبي ~~ويلز. في مدينة كارديجان كان معدل الوفيات هائلا والخوف من العدوى عظيما، حتى إنه كاد ~~يستحيل أن تجد أشخاصا يشغلون وظائف معينة مثل شماس، أو موظف إداري (حاجب المحكمة أو ~~مراقب) أو عريف. من إجمالي 104 مستأجرين، مات 97 فردا أو فروا قبل منتصف الصيف. تحرك ~~الموت الأسود أيضا إلى أعلى الحدود بين إنجلترا وويلز ومنها إلى منطقة سنودونيا، وفي آخر ~~المطاف وصل إلى جزيرة أنجلسي. في تلك الأثناء ساعدت الجبهة الشرقية - التي تبدأ على الأرجح ~~من مدينة كامبريدج، ومنطقة إيست أنجليا التي ضربها الطاعون ودخول المزيد من الأوبئة عبر ~~الموانئ التي تقع على الساحل الشرقي - في استفحال الطاعون هناك. انتقل أيضا الطاعون عبر ~~طريق جريت نورث رود إلى مدن يورك ودرم ونيوكاسل. وفي الغالب عبر الوباء جبال بيناينز ~~سالكا الطريق الروماني بمحاذاة سور هادريان، وهكذا وصل كارلايل. # حارب السير ويليام دو ويكبريدج إلى جانب الملك إدوارد الثالث في حرب المائة عام مع فرنسا، ~~وقد ورث ضيعة كريتش (المعروفة باسم كارديل في المسلسل التلفزيوني «بيك براكتيس») بمقاطعة ~~دربيشير. بعدما حل الموت الأسود، كان هذا الرجل قد فقد خلال ثلاثة أشهر والده وزوجته ~~وثلاثة إخوة وأختين وأخت زوجته. ما إن رحل الطاعون، حتى أصبح ثمن الأرض بخسا للغاية، ~~واستطاع السير ويليام أن يبرم مجموعة من الصفقات الناجحة، حيث استفاد من ms035 هذا في وهب ~~مذبحين بداخل كنيسة كريتش، كانا كنيستين صغيرتين بداخل الكنيسة الكبيرة مخصصتين لإقامة ~~القداسات اليومية على روح مؤسسهما. # وهناك قصة ذلك الفلاح الذي كان يقطن مقاطعة ~~درم وفقد كل أفراد عائلته في الوباء، فما كان من الرجل المسكين إلا أن جال لسنوات في ~~أنحاء الريف بحثا عنهم. # حتى ذلك الحين كان الطاعون قد تقدم بثبات نحو شمال إنجلترا عبر جبهات منفصلة بطول طرق ~~التجارة، بمعدل انتشار يشير إلى أنه انتقل على الأرجح عن طريق المسافرين الحاملين للعدوى. ~~لقد استنتجنا من فحص السجلات الكنسية أنه حالما كان يصل الطاعون إلى بلدة، فإنه كان يمكث ~~بها نحو تسعة أشهر. إلا أن هذا النمط تغير بعد ذلك وبدأت الأوبئة تظهر حينذاك على نحو غير ~~متوقع في أماكن متفرقة على نطاق واسع. من الظاهر أنه كان هناك نمطان من انتقال العدوى: ~~أحدهما بطيء وتدريجي، والآخر غريب الأطوار وقادر على قطع مسافات طويلة. على الأرجح كان ~~النوع الثاني من انتقال العدوى يحدث عن طريق مسافر على صهوة الجياد. # ربما وصل الطاعون اسكتلندا عن طريق كل من نيوكاسل وكارلايل، لكن قليلة هي المعلومات التي ~~وصلت إلينا بهذا الصدد. ولعل الجيش الاسكتلندي هو من جلب العدوى لنفسه: # ظنا منهم أن قصاص الله المريع قد انصب على الإنجليز، انضموا إلى القوات في ~~غابة سيلكيرك وخططوا لغزو مملكة إنجلترا، إلا أن موتا قاسيا حل بهم وحصد بوحشية ~~أرواح الاسكتلنديين على حين غرة. وسرعان ما مات منهم خمسة آلاف شخص، وقرر ~~البقية، المرضى منهم والأصحاء، أن يعودوا أدراجهم، إلا أن الإنجليز تعقبوهم وقتلوا ~~جمعا غفيرا منهم. # تشتت الجنود المذعورون في أنحاء اسكتلندا، فمنهم من مات إلى جانب الطريق ~~ومنهم من حمل العدوى معه إلى منازلهم. # كتب جون فوردون، الذي كان ينتمي إلى أبرشية فوردون والذي عاش إبان انتشار الموت الأسود: # كان هناك في مملكة اسكتلندا وباء ~~وطاعون هائل انتشر بين الناس ... منذ بدء العالم حتى العصر الحالي لم يسمع بمثل هذا ~~قط، ولم يوجد مثله في الكتب بغية ms036 توعية الأجيال القادمة؛ لأنه إلى مثل هذه ~~الدرجة صب هذا الطاعون جام غضبه على البشر، حتى إن نحو ثلث البشرية قضت ~~نحبها. علاوة على أنه، بسماح من الله، أدى هذا الشر إلى نوع من الموت غريب وغير ~~مألوف، حتى إن لحم المريض كان ينتفخ ويتورم بطريقة ما، وبعده لا تستمر حياته سوى ~~يومين على الأكثر ... أصاب الأفراد خوف شديد منه حتى إنه خشية العدوى لم يجرؤ ~~الأبناء على رؤية آبائهم وهم في سكرات الموت، وكانوا يفرون كما يفر المرء من مجذوم ~~أو أفعى. # أكد أندرو واينتاون، المعاصر لجون فوردون، أن اسكتلندا عانت بشدة: # أول وباء لعين في اسكتلندا، # استشرى بعنف وبشراسة، # حتى قيل إنه أطاح بثلث الأحياء، # وبعدها بعام أو أكثر # كشر عن أنيابه في اسكتلندا، # قبل ذلك الحين، لم ير # الوباء في أرضنا قط، # كان نادرا أن يصيبها وباء، # فلم يتورع عن قتل # الرجال والنساء والأطفال على حد سواء. # انتقلت العدوى أيضا إلى أيرلندا، وكان ذلك على الأرجح على متن قارب غادر ~~من بريستول في خريف عام 1348. الدليل التاريخي غير قاطع، لكن الطاعون ضرب دبلن بشدة، ومن ~~هناك انتقل برا إلى داخل البلاد وبمحاذاة الساحل الغربي. # كتب جون كلاين: # في شهري سبتمبر وأكتوبر (1348)، وفد مطارنة وأساقفة وكهنة ورهبان ونبلاء ~~وغيرهم، النساء كما الرجال، بأعداد غفيرة من كل بقاع أيرلندا إلى مركز الحج. كانت ~~أعدادهم غفيرة حتى إنه كان من الممكن في أيام كثيرة أن ترى آلاف الأشخاص محتشدين ~~هناك، بعضهم أتى من أجل العبادة إلا أن البعض (الأغلبية في الحقيقة) أتوا خوفا من ~~الطاعون، الذي استشرى بشدة هناك. بدأ الطاعون بالقرب من دبلن في بلدتي هوث ~~ودروهيدا. دمرت هاتان البلدتان على نحو شبه تام وخلتا من سكانهما حتى إنه في دبلن ~~وحدها مات 14 ألف نسمة في الفترة ما بين أغسطس وعيد الميلاد. # يصف أيضا السرد التاريخي لجون كلاين الأعراض التي ظهرت على الضحايا: ~~«مات كثيرون من الخراريج والبثور والتقرحات التي ظهرت على سيقانهم وعند آباطهم؛ آخرون ~~ماتوا من ms037 آلام في الرأس، كما لو كانوا قد دخلوا في نوبة جنون، وفريق ثالث ماتوا بعد أن ~~تقيئوا دما.» ويقول: إن المرض كان معديا للغاية حتى إن أولئك الذين لمسوا الموتى أو حتى ~~المرضى، كانوا يصابون بالمرض في الحال ويموتون. ويضيف قائلا: إنه كان «يحمل كل من التائب ~~والكاهن الذي يتلقى الاعتراف معا إلى نفس القبر.» هكذا كان الخوف والفزع من الطاعون حتى ~~إنه «لم يجرؤ سوى قلة قليلة من الرجال على الإشفاق على الآخرين، وبالأخص زيارة المرضى ودفن ~~الموتى.» # تصف قصة معاصرة أخرى الحبوب السوداء الصغيرة والبقع المزرقة على الصدر. كانت هذه ~~الأمارة الخاصة والمميزة للطاعون، وكانت تعرف باسم «أمارات الرب». دائما ما كان يتبع ~~الموت ظهورها. كان المرض «سريعا في أداء مهمته؛ فاليوم الناس يتمتعون بوافر الصحة وغدا ~~موتى في القبور.» # ثمة خيط مشترك يجمع بين كل هذه الروايات؛ فنفس المرض بالتأكيد انتشر في كل مكان. ~~(1) عالم ترتعد فرائصه # قد تكون الروايات التي رواها الناجون من الموت الأسود المقتبسة أعلاه مثيرة في بعض ~~المواضع، إلا أنها تتحدث إلينا بوضوح عبر القرون المتخللة، ناقلة شعورا فعليا ~~بالرعب والفزع اللذين استحوذا على أوروبا. يمكننا أن نتصور بسهولة الهلع الذي يتملك ~~الأفراد لدى العثور على بقع نزفية مخيفة أو أمارات الرب على صدورهم؛ إذ كانت هذه شهادة ~~موتهم ونذيرا بأربعة أو خمسة أيام من الآلام المبرحة والجنون والهذيان. # كاد هذا الطاعون يجتاح عالمهم المعروف بأكمله. كانت درايتهم بالطاعون قليلة بحق، لكن ~~هذا الوباء اللعين كان في طريقه لأن يمكث معهم طيلة الثلاثمائة سنة التالية. كانت هذه ~~بمنزلة ضربة ساحقة لحضارتهم - حيث كان عصر النهضة قد بدأ انطلاقته - ضربة لم ير لها ~~مثيل من قبل قط، أو منذ ذلك الحين. لقد كانت حقا أكبر مأساة شهدها تاريخ البشرية، ~~وكان العالم في طريقه إلى أن يتغير إلى الأبد. # ثمة حقيقة واحدة بدهية: أدرك الجميع من البداية أنه كان مرضا معديا بغيضا. ~~كان مألوفا لهم أن يروا أمراضا فتاكة غامضة، إلا أنهم لم يروا شيئا ms038 مثل هذا من ~~قبل قط. وقد اتخذوا في الحال خطوات لحماية أنفسهم؛ فقد فروا، وحاول أفراد وبلدات ~~بأكملها عزل أنفسهم، كما أنهم تجنبوا التواصل مع أي من المشتبه في إصابتهم ~~بالمرض. # قرأنا مرارا وتكرارا عن أنه حتى الآباء تركوا أولادهم المحتضرين بلا عناية، وهو ~~شيء يصعب تخيله. لكننا لم نواجه في حياتنا قط شيئا يشبه الرعب الشديد الذي أصاب ~~الناس جراء الموت الأسود، ذلك المرض المعدي الذي ظهر دون سابق إنذار. لم يكن هناك ~~علاج، ولا طريقة لتخفيف الآلام المبرحة، ولا مستشفيات نظيفة يموت فيها المرء بسلام، ~~ولا مسكنات للألم، لم يكن يوجد أي شيء على الإطلاق يمكن للمرء أن يفعله. كان ~~الناس خائفين وعاجزين تماما وهالكين لا محالة إذا احتكوا بشخص مصاب. # هناك أيضا الكثير من الروايات البطولية والتضحيات، روايات عن أشخاص ظلوا في أماكنهم ~~ولم يفروا، عن أطباء وممرضات اعتنوا بمرضاهم وماتوا. والشيء الجدير بالملاحظة، ~~فيما خلا بضعة استثناءات خاصة، أنه لم يحدث خرق كامل للنظام والقانون في ~~إنجلترا. # أشارت دورية «نيو ساينتيست» في فبراير 2002 إلى أنه: # من المحتمل أن يتفوق الإيدز على الموت الأسود باعتباره أسوأ جائحة في ~~التاريخ. في القرن الرابع عشر اجتاح الموت الأسود أوروبا وآسيا موديا بحياة ~~نحو 40 مليون شخص. الآن بعد مرور قرابة السبعمائة عام، يكرر التاريخ نفسه؛ ~~فبنهاية هذا العقد سيكون مرض نقص المناعة البشرية، أو الإيدز، قد حصد أرواح 65 ~~مليون نسمة. ومع أن الملاريا والسل يصيبان الآن أشخاصا أكثر من مرض نقص ~~المناعة البشرية، فإن تأثيرهما الاجتماعي والاقتصادي أقل وطأة من ~~الإيدز. # هذه استهانة بتأثير الموت الأسود. لقد اكتشفنا الإيدز منذ 20 عاما، ~~وخلال هذا الوقت انتشر ببطء في أنحاء العالم. وإجمالي عدد وفيات الإيدز بعد هذه المدة ~~الذي بلغ 40 مليون نسمة هو جزء بسيط فحسب من عدد سكان العالم اليوم الذي يبلغ ~~مليارات. علاوة على أنه، بفضل العلم والطب الحديثين، أصبح مرض نقص المناعة ~~البشرية/الإيدز مفهوما تماما، ويمكن الاستدلال على وجوده بفحص عينات الدم. فلا هلع ms039 ~~ولا غموض حول المرض؛ إذ نعلم أنه ينتقل من خلال الجماع الجنسي غير الآمن، ويمكن وقف ~~انتشار الإيدز من خلال تغير واع مستنير في السلوك الاجتماعي. # وعلى النقيض، أطاح الموت الأسود في ضربة واحدة بنحو نصف سكان أوروبا، وظل يضرب مرارا ~~وتكرارا على مدار الثلاثمائة عام التالية. وكان الناس عاجزين تماما أمامه. # ولأن الدمار الذي سببه الموت الأسود فاق قدرة الناس على الاستيعاب، فإنهم قبلوا بلا ~~أدنى تشكك المرسوم الذي أصدره البابا والكنيسة يعلنان فيه أن هذا الابتلاء هو عقاب من ~~الله على كثرة خطاياهم، كما رأينا في بنريث. راج هذا المرسوم غير المجدي طيلة ~~الثلاثمائة سنة التالية وبعدها. ذكر الكاردينال بول كورديس، رئيس مكتب الفاتيكان ~~للمساعدات الإنسانية، في رسالة الصوم الكبير التي كان يقدمها نيابة عن بابا الفاتيكان ~~في فبراير 2002، أن هناك سلطانا إنجيليا لفكرة أن أولئك الذين يصابون بالأمراض يحدث ~~لهم ذلك لأنهم أخطئوا؛ فقد أكد أن المرض هو عقاب على الخطايا، وأن الأفراد لديهم رغبة ~~فطرية لأن يكونوا أصحاء ويظهروا بمظهر جيد. ~~(2) ماذا عن الناجين من الموت الأسود؟ # بعدما أيقن الناجون أن الطاعون رحل عن مدينتهم - في الغالب بعد انقضاء نحو ثمانية ~~أشهر من وصوله - لا بد أنهم تنفسوا الصعداء وكانوا على أعتاب عالم مختلف؛ ففي الغالب ~~مات نصف أو ثلاثة أرباع سكان بلدتهم، وعلى حد علمهم حينها، كانت نفس القصة تنطبق في كل ~~مكان آخر؛ فقد كانت هناك روايات لا حصر لها عن مدن الأشباح؛ حيث كان الناس في كرب شديد، ~~لكنهم كانوا في الوقت نفسه يحاولون أن يلموا شتات أنفسهم وأن يبدءوا حياتهم من ~~جديد. # لقد انهار النظام القديم، وكان هناك الكثير من العمل الذي يتعين على الناس القيام به. ~~بداية، تعين على الأفراد أن يعثروا على طعام؛ لأن الزراعة أهملت في المقام الأول ~~إبان محنتهم. لم تكن قد حرثت الحقول أو بذرت فيها البذور، وكان متوقعا أن يكون ~~المحصول محدودا ذلك العام. لم يكن هناك قاطفو ثمار ليتم استئجارهم، وحتى الثمار ~~القليلة تعفنت في ms040 الحقول. كما أهملت تربية الحيوانات وكثير من البهائم شردت أو ~~فقدت. # بعد ذلك تعين التخلص من النفايات المرعبة؛ إذ كان لا بد أن يستمر دفن الجثث التي لا ~~يزال بعضها متعفنا في المنازل أو الحقول. هل كانت هذه الأجساد لا تزال معدية؟ هل كان ~~يمكن الإصابة بالمرض من ملابسهم أو من منازلهم التي ماتوا فيها؟ لم يكن مجديا تمني ~~إغاثة خارجية؛ فالجميع كان في نفس القارب، وسيحتاج الأمر وقتا طويلا قبل أن يبدأ أي ~~شخص في موضع سلطة في حل المشكلة. # الأمر الجدير بالملاحظة أنه بعد أن مات نحو 50 بالمائة من السكان على جناح السرعة، ~~سرعان ما تعافت أوروبا؛ إذ زحف الناس من الريف الذي لم يصبه الطاعون، وشغلوا المساحات ~~الفارغة وفلحوا الأراضي القابلة للاستزراع وشغلوا المنازل غير المأهولة، وسرعان ما ~~عاد كل شيء إلى طبيعته؛ ظاهريا فقط. ~~(3) ماذا نستنتج عن طبيعة هذا الوباء الكارثي؟ # ما الخيوط التي يمكن أن نضيفها إلى دفتر تحرياتنا؟ ثمة القليل نسبيا من المعلومات ~~الموضوعية والكمية التي يمكن قبولها بلا نقاش، إلا أن بعض الاستنتاجات عن الضربة ~~الأولى واضحة. تحرك الموت الأسود من أقصى جنوب أوروبا نحو الشمال، حيث الدائرة القطبية ~~الشمالية المتجمدة غير المواتية للسكنى، التي تبعد نحو 2200 ميل (3500كم)، في أقل من ~~ثلاث سنوات، وهو معدل كبير للغاية في زمن كانت فيه وسائل المواصلات محدودة جدا. ~~عبر الطاعون البحر إلى سواحل شمال أفريقيا وإلى إنجلترا وأيرلندا وإلى جزر بعيدة عن ~~الشاطئ. ظل الطاعون نشطا في إنجلترا إبان الشتاء مع أنه تبين من فحصنا للسجلات ~~الكنسية أنه انتشر على نحو أبطأ في هذا الوقت من السنة. # كان الطاعون عنيفا للغاية بحيث يستحيل ردعه، وقد حصد أثناء تقدمه أرواح نحو نصف ~~سكان العالم الغربي المعروف، مخلفا وراءه حضارة أوروبية مدمرة بالكامل. ولم يتراجع ~~قط، مهاجما من جديد بلدات كان قد ضربها من قبل، مع أنه واصل توغله خلف الخطوط ~~الأمامية؛ فقد تقدم بلا هوادة للأمام وشمالا. # كانت القصة نفسها في كل مكان؛ فكل ms041 وباء في كل مدينة اتخذ مسارا مطابقا وروع ~~المواطنين وأثار هلعهم على النحو المتوقع. كان هذا المرض اللعين يفوق تماما قدرة ~~الأفراد على الاستيعاب، وإن كانوا يدركون في الحال أنهم أصيبوا به متى احتكوا بشخص ~~مصاب. # لقد سجلنا عددا من التقارير عن أشخاص نازعوا الموت أو أصيبوا بالمرض على نحو شبه ~~فوري عند احتكاكهم بأشخاص مصابين. لا يتفق هذا مع أي مرض معد معروف، ولا مع ما رأيناه ~~في بداية استشراء المرض في بنريث، حيث كان قد مر 22 يوما منذ دفنت أول ضحية (أندرو ~~هوجسون) إلى أن ماتت الضحية الثانية. في هذه المرحلة من بحثنا، رأينا أنه من الأفضل أن ~~نتجاهل هذه القصص إلى حين، وأن نفترض أن هؤلاء الضحايا قد أصيبوا في وقت ما في الماضي، ~~وحدث أنهم أدركوا هذه الإصابة على حين غرة عند تواصلهم مع شخص ينازع الموت. # أصيبت القرى الصغيرة والبلدات الكبيرة على حد سواء، وفي هذا الصدد، كان هذا ~~الوباء الأول في طريقه لأن يكون مختلفا اختلافا كبيرا عن نوبات التفشي اللاحقة. في ~~عام 1894، كتب دكتور تشارلز كريتون، وهو خبير بارز في الأمراض المعدية يقول: # لكن الطاعون من هذا الحين فصاعدا قلما يكون مرضا عاما؛ فهو يتحول أكثر ~~فأكثر إلى مرض من أمراض البلدات، وعندما يحدث أن يظهر في بلدة، فإنه عادة ما ~~ينتشر في بقاع محدودة. # ما من تشكيك في قدرة المرض المرعبة على العدوى أو التدمير إبان ~~استشرائه بلا هوادة، لكن ليس هناك أدلة تفسر سبب نجاة بضعة أفراد ممن احتكوا قبلا ~~بأشخاص مصابين. أكانت لديهم حصانة ضد المرض أم أنهم تعافوا؟ كان هذا أحد عناصر البحث ~~التي نوينا اتباعها. # ظهر أحد الخيوط الضرورية من خلال دراسة السجلات الكنسية الخاصة بالإتيان بكاهن بدل من ~~ذلك الذي توفي إبان الطاعون في إنجلترا. ورغم أن هذه السجلات لم يجر إعدادها ~~على نحو جيد، فإنها تفي بالغرض، وذات أهمية كبيرة؛ ففي جميع الأسقفيات الإحدى عشرة التي ~~جرى تحليلها، لوحظ أن الوباء استمر في كل بلدية ms042 ثمانية أو تسعة أشهر. لا عجب في أنه كان ~~سفاحا شديد الفتك بالبشر. # عندما اختفى على ما يبدو الطاعون إلى الأبد في القرن السابع عشر، خلف وراءه كثيرا ~~من الأسئلة التي بلا أجوبة عن أكبر حدث كارثي في التاريخ، الحدث الذي هيمن على حياة ~~أسلافنا من القرن الرابع عشر حتى القرن السابع عشر. ماذا كانت حقيقة هذا المرض المعدي ~~الغامض؟ من أين جاء، ولماذا اختفى عام 1670 عندما كان في ذروة قوته على ما يبدو ويفرض ~~سطوته على أوروبا بضراوة؟ # الفصل الثالث # | ما بعد الموت الأسود: حلقة الوصل الفرنسية # ما إن خمد الموت الأسود عند حواف الدائرة القطبية الشمالية واختفى على ما يبدو، حتى ظن ~~الناس أنه ربما يكون قد اندثر إلى الأبد. للأسف لم يكن هذا هو الحال؛ ففي العام التالي، ~~1351، وردت أنباء عن ظهور الطواعين في 11 مكانا على الأقل (منها البندقية) في أنحاء ~~متفرقة من أوروبا القارية. وبالفعل عندما فحصنا السجلات، وجدنا أنه كان موجودا في مكان ~~ما في فرنسا - حتى لو كان في بضع بلدات متفرقة فحسب - كل عام على مدار الثلاثمائة عام ~~التالية. كل هذا كان بمنزلة لغز كامل لنا؛ لأنه وفقا لكل أساسيات الأمراض المعدية، كان من ~~المفترض أن يكون الموت الأسود قد اختفى لدى انتهائه. شعرنا أن الخيط الحيوي التالي الذي من ~~شأنه أن يفسر سبب نجاح الطاعون في الهيمنة على أوروبا على مدار ثلاثة قرون مستتر هنا؛ ~~فقررنا أن نتقصى بدقة عن سلوك الطاعون في فرنسا في رحلة بحثنا عن إجابات. ~~(1) خلفية حربية # عانت فرنسا على نحو أقل قسوة إبان الفترة من عام 1450 إلى 1520، التي شهدت نهاية ~~حرب المائة عام، ونهضة في الرفاهة وإعادة الإعمار العام للأماكن التي خربتها المعارك، ~~ونقص الغذاء والكوارث الطبيعية. حدث أسوأ انتشار للطاعون في هذه الفترة في الأعوام ~~1464، و1478-1484، و1494، و1502، و1514-1519. # إلا أن العواقب المشئومة للطواعين كانت واسعة التأثير، ولأنها كانت تظهر دون سابق ~~إنذار، فقد نشأ اعتقاد شائع بأن السحرة هم من كانوا يستحضرونها. ms043 كان يحاكم المشتبه ~~بهم، وحكم على رجال ونساء كثيرين بالإعدام؛ زعما أنهم يزاولون فنون السحر الأسود. ~~استشرى أحد الطواعين في باريس عام 1466 وكان شديد الشراسة - حصد أرواح 40000 شخص - ~~وكالعادة سعى أهلها إلى تقديم كباش فداء، من بينها سحرة ويهود وبرصان وظواهر ~~فلكية. كانوا يلقون باللوم أيضا على ارتفاع الحرارة الشديد لشهر أغسطس، ولجأ المواطنون ~~إلى التوسلات الدينية وصنعوا موكبا دينيا عظيما يجوب الشوارع، ولكن دون جدوى؛ فقد ~~كان الوباء لا يزال في مرحلته الثائرة، بل ازداد عنفا حيث توغل في ضواحي ~~المدينة. # تأخرت فرنسا عن إيطاليا في اتخاذ التدابير الوقائية؛ فقد كانت السلطات في بلدة برينول ~~في منطقة بروفنس هي أول من يفطن عام 1451 إلى دور المسافرين الخطير في نقل الطاعون. وقد ~~كانت خطوة كبيرة للأمام في مكافحة انتشار المرض عندما منع دخول الأشخاص إذا كانوا ~~وافدين من بلدة عانت من الطاعون من قبل. بعد ذلك، طردت سلطات برينول أيضا أولئك الذين ~~حامت حولهم الشكوك في إصابتهم بالطاعون، والذين حتما ماتوا في عزلة بعيدا عن ~~الأنظار. وفيما بعد كانت السلطات، إلى جانب تفتيش المسافرين لدى وصولهم، تطلب إثباتا ~~منهم بأن كافة البلدات التي سافروا عبرها كانت خالية تماما من الطاعون. من الواضح أنهم ~~حددوا مصدر الخطر الأساسي: «جلب مسافر قادم من بعيد الطاعون إلى البلدة». نذكر أن ~~الطاعون وصل إلى بنريث عن طريق أندرو هوجسون، ذلك الغريب الذي وفد من «مكان ~~بعيد.» # اتخذ المزيد من تدابير الصحة العامة على نحو متزايد في فرنسا خلال القرن الخامس ~~عشر؛ فقد جرى حظر بيع أثاث منازل وملابس الضحايا، بل كانت توجد محاولات لتطهير المنازل ~~التي توفي بها شخص ما جراء إصابته بالطاعون. وعين جراحون ومساعدون، وكان ~~يطلق عليهم الغربان لأنهم كانوا يرتدون أقنعة على شكل منقار طائر، وكانوا ~~يلبسونهم عباءات سوداء خاصة أعطتهم مظهرا شريرا. كانت هذه ممارسة سليمة، وكانت أول ~~صورة من صور الملابس الوقائية، وهي تؤكد على اعتقاد الأفراد الذين عاشوا في ذلك الزمان ~~أن الطاعون يمكن أن ms044 ينتقل من شخص إلى آخر. كانت وظيفة الغربان هي تفقد الموتى ~~وحملهم ودفنهم. اعتبر هؤلاء الجراحون ناقلين للعدوى، وكانت ملابسهم الغريبة بمنزلة ~~تحذير للآخرين بالابتعاد. # أنشئت المستشفيات من أجل عزل الضحايا، وكان أولها في بلدية بورج أون بريس عام 1472، ~~وأصبحت هذه المستشفيات تعرف فيما بعد باسم «بيوت الطاعون»، وكانت مجرد غرف انتظار ~~للموت، وكانت حالما تغص بجثث الموتى لا تلبث أن يحل محلها آخرون ينتظرون الموت. ~~أنشئت مكاتب خاصة في بلدات كثيرة من أجل تطبيق اللوائح المكافحة للطاعون. # كثيرا ما تعين إقامة الجنازات ليلا أو حظر إقامتها بالمرة بغية تقليل هلع ~~العامة. وفيما بعد، نفي الفقراء وأمر الشحاذون والصعاليك بترك البلدة، وإلا عوقبوا ~~بالجلد. نلمس هنا من جديد صورة من صور العدالة الجائرة. في آخر المطاف اتبعت فرنسا ~~قواعد السلطات المعنية بالمسائل الطبية في إيطاليا، وبدأت في تنفيذ حجر صحي مدته ~~أربعون يوما. # وبميزة الحكم على ما جرى من موقعنا الحالي، يمكننا أن نرى أنه لم تكن جميع هذه ~~التدابير فعالة بنفس القدر، إلا أنه من الواضح أنه حتى في القرن الخامس عشر، فهم ~~الأفراد أساسيات الأمراض المعدية، مميزين إياها عن الخرافات العمياء السائدة؛ فقد ~~حاولوا بقوة مكافحة الوباء اللعين واستحدثت تدابير معقولة للصحة العامة في وقت مبكر ~~جدا من عصر الطواعين. ~~(2) القرن السادس عشر وحالة من عدم الاستقرار # خلال الفترة ما بين عامي 1520 و1600، في ظل فترة صاحبها نقص الغذاء، والمجاعات، ~~والفيضانات، وانتفاضات الفلاحين والحروب الدينية، انتشرت أوبئة طاعون معدية ومتكررة ~~على نحو متزايد في فرنسا، وكثيرا ما كان مكتب الصحة يعين رجالا مسلحين لتنفيذ اللوائح ~~ولحفظ النظام المدني. دائما ما كان يسبب ظهور المرض في بلدة ما اضطرابا مجتمعيا، ~~وكانت الجماهير الحانقة تهاجم المسافرين والسحرة والبرصان بالإضافة إلى سلب ~~المنازل، وكانت السلطات تنزل بأولئك الذين يخالفون القواعد عقوبات شنيعة قد تصل إلى ~~الإعدام. # أصبحت جنيف، بسبب موقعها المركزي في أوروبا واتباعها المبكر لمبادئ الإصلاح ~~البروتستانتي في مطلع القرن السادس عشر، ملجأ للمضطهدين ونقطة انطلاقة للإرساليات ~~التبشيرية. وقد ms045 اكتظت بالمهاجرين والنازحين الذين كانوا ينوون الاستقرار هناك، وكانت ~~بؤرة لتمركز الطاعون. كانت حكومة جنيف على دراية بهذا الوضع، وبناء عليه اتخذت بعض ~~التدابير الوقائية؛ فقد أنشأت بيتا للطاعون في وقت مبكر، كان مزودا بممرضين وممرضات، ~~وعين مساعدون وحمالون بصفة رسمية من أجل نقل المرضى والموتى، وكان دورهم أيضا الإبلاغ ~~عن ظهور حالات جديدة مصابة بالطاعون. الأرجح أنهم انخرطوا في عمليات نهب وابتزاز، هم ~~أيضا بطبيعة الحال، لكن عام 1530، اتهم مواطنو جنيف الموقرون بعضا من هؤلاء المساعدين ~~بنشر الطاعون عن عمد أثناء تأديتهم عملهم، واعترف أحد المقبوض عليهم تحت ضغط التعذيب، ~~وبعدها خضع اثنان للتعذيب بالكماشة الملتهبة قبل قطع رأسيهما. جرد كاهن يدعى دون دوفو ~~من رتبته الكهنوتية، وجرى تسليمه إلى السلطة العلمانية وأعدم. قطعت يدا امرأتين أمام ~~منازل الضحايا المفترضين، ثم لقيتا نفس مصير الرجال. # اكتشفنا المدونة التاريخية التالية في الدورية الطبية البريطانية الصادرة عام 1869. ~~في أوائل عام 1563، احتلت القوات الإنجليزية بقيادة اللورد وارويك ميناء هافر الذي يقع ~~على الساحل الشمالي الفرنسي. كان الميناء تحت الحصار، وكانت القوات البالغ عددها 7000 ~~جندي مكتظين معا ؛ ما يمثل ظروفا مثالية لاستشراء مرض معد. في السابع من يونيو ~~أبلغ وارويك أن مرضا غريبا تفشى، وأن تسعة أفراد ماتوا على نحو مفاجئ. وبحلول السابع ~~والعشرين من نفس الشهر، كان الجنود يموتون بمعدل 60 جنديا في اليوم الواحد، وقلما ~~تعافى أولئك الذين أصابهم المرض. في اليوم التاسع والعشرين من الشهر، كان قد لقي 500 ~~فرد حتفهم. هاجم المرض الجنود في المقام الأول، حيث إن معظم الضباط فروا، ~~والأطباء ماتوا. لم تكن القوات مكدسة فحسب، بل عانت أيضا من الحرمان؛ إذ لم يكن ~~بمقدورهم الحصول على الماء العذب، حيث اقتصر الأمر على الخمر ومشروب التفاح، ولم يكن ~~لديهم خضروات طازجة ولا لحوم. # بانتهاء يونيو، كان قد تبقى من السبعة آلاف رجل، ثلاثة آلاف فحسب مؤهلين لأداء ~~الواجب. لم تدفن الجثث وطفت في مياه الميناء. أرسلت قوات جديدة، لكن حتى هؤلاء ~~سرعان ما سقطوا أيضا ضحايا ms046 للمرض. # بحلول الحادي عشر من يوليو، تبقى 1500 فرد فحسب، وأورد وارويك أنه بمعدل الموت الحالي ~~إذا مرت عشرة أيام أخرى فلن يتبقى معه سوى 300 جندي حي. وبتصريح خاص من الملكة ~~إليزابيث، سلم ميناء هافر للفرنسيين في التاسع والعشرين من يوليو. وعندها صرح اللورد ~~كلينتون، قائد الأسطول الإنجليزي قائلا: إن «الطاعون ذا العدوى الفتاكة قد فعل بهم ما ~~لم تكن لتستطيع القوات الفرنسية كافة أن تفعله قط.» # عادت القوات الإنجليزية المتبقية إلى وطنها، وعندما وطئت أرض إنجلترا، أصدرت ~~الملكة إليزابيث مرسوما يحث كل الأفراد على استقبالهم بحفاوة وإجلال، لكن لما عاد ~~الجنود إلى أوطانهم، نشروا العدوى في كل أنحاء إنجلترا وعانت كل البلدات والقرى على ~~السواء. # لا يبدو أن اهتياج البشرة، أحد الأعراض المصاحبة للطاعون عادة، كان حاضرا في ~~هذه النوبة من الابتلاء. كان العرض الأول هذه المرة هو حمى عنيفة وحرارة ~~مرتفعة للغاية بالتناوب مع نوبات ارتجاف، ثم يحدث جفاف في الفم وجفاف في ~~اللسان، مع الشعور بوخزات في الصدر والخصر، ثم يعقبه ألم في الرأس وهزال ~~ورغبة في النوم، وبعد النوم، كان يأتي الموت في أغلب الأحيان. # لمنع انتشار العدوى، كانت تنظف المنازل والسلالم والشوارع ~~تنظيفا شاملا، وتفتح النوافذ على مصارعيها، ويتدلى منها أغصان بلوط أو ~~صفصاف خضراء نضرة، ويبعثر على الأرضيات نبات الحماض البستاني والخس والزهور ~~وأوراق البلوط، وترش باستمرار بمياه الينابيع أو بالخل ومياه الورد. ومن السرداب ~~إلى الغرفة العليا، كانت المنازل تبخر لمدة ست ساعات يوميا بأعشاب الصندل ~~والمسك والصبار والكهرمان والقرفة، وفي أسوأ الأكواخ حالا، كانت تتصاعد ~~بخور عشب إكليل الجبل (الروزماري) وعشب الغار، ومع ذلك، لم يجد أي علاج ~~نفعا. # كانت ليون مدينة ثرية تضم بين جدرانها العديد من الصناعات الرئيسية التي تشمل غزل ~~الحرير والطباعة، وتأوي 60 ألف نسمة. وكانت إحدى نقاط تقاطع طرق التجارة الدولية، ~~وتقام فيها أربعة معارض تجارية سنوية، فعانت على نحو منتظم من الأوبئة التي كان يجلبها ~~المسافرون والتجار إليها. كان عام 1564 مدمرا على نحو خاص، ms047 وخلال شهرين، كادت المدينة ~~تصاب بالشلل التام وأغلق ثلث المنازل. وحتى القلة القليلة من الضحايا الذين كانوا ~~يتعافون في بعض الأحيان ماتوا من الجوع بعدها. تراكمت الجثث في الشوارع؛ إذ لم يوجد ~~مكان لدفنها ولا المال الكافي لاستئجار حاملي الجثث. ببساطة كانت الجثث تلقى في نهر ~~الرون، ونتيجة لذلك، كان لا بد من إغلاق صناعة صيد الأسماك. # بحلول صيف عام 1564، كانت كل من منطقة بروفنس ومقاطعة لانجيدوك قد ضربتا بالوباء، ~~وكذلك أصيبت مدينة نيم بحلول منتصف يوليو. حدث كمون للوباء في شهر أغسطس، وإن كان ~~قد وردت أنباء عن حدوث حالات تفش قرب نهاية العام في منتصف ديسمبر تقريبا، إلى أن ~~وضع شتاء قاس حدا لمعاناتهم. إن هذا بمنزلة خيط مهم؛ لأنه يوضح أن الطاعون كان ~~سريع التأثر بدرجة حرارة الشتاء، حتى في جنوبي فرنسا. لقد اكتشفنا أن الأوبئة يمكن أن ~~تستمر في المناخ قارس البرودة، لكن نقل العدوى كان أكثر صعوبة في ظل هذه الظروف. على ~~الأرجح كانت الإصابة بالعدوى مستحيلة خارج المنازل. ~~(3) الأوبئة في أوج نشاطها # عانى الفرنسيون أشد ما عانوا في الفترة ما بين عامي 1622 و1646، على عكس الوضع في ~~إنجلترا حيث ظهرت أخطر الأوبئة فيما بعد، بين عامي 1620 و1666. ومما زاد من المأساة ~~في فرنسا انتفاضات الفلاحين، وعمليات السلب والنهب التي كان يقوم بها الجنود، والظهور ~~المتوحش لأمراض أخرى. اضطر الناس إلى فتح المزيد والمزيد من المدافن، وبالرغم من ~~ذلك، كثيرا ما تعين دفن الموتى في الحدائق أو المواقع البديلة. وكانت الخسائر ~~المالية المترتبة على تفشي أحد الأوبئة هائلة: من تكلفة عناية بالمرضى، إلى أجور أطباء ~~وحراس وشرطة، وإلى مدافن وأطعمة وأدوية وإنشاء بيوت للطاعون. وكلها كان يتعين دفع ~~تكلفتها من الضرائب والاستدانة. # بحلول هذا الوقت كانت اللوائح والتدابير المكافحة للطاعون قد تأسست على نحو سليم، ~~وكان الفقراء يعاملون على نحو أكثر سخاء. في عام 1636، دفعت سلطات بورج أون بريس ~~للفتيان والفتيات الصغار أجورا مقابل احتجازهم - في منازل جرى تبخيرها حديثا - ~~لمدة 40 يوما، ms048 هي مدة الحجر الموحدة؛ لاختبار مدى كفاءة عملية التطهير، مما يعد مثالا ~~مبكرا على الاختبار التجريبي لتدابير الصحة العامة. # ضربت ليون مرة أخرى في صيف عام 1628، واتهم جنود مروا بها بأنهم حملوا الوباء ~~اللعين معهم «وكذلك أمتعتهم»، ربما لأن إحدى أولى الحالات التي وردت أنباء عن موتها ~~كانت في مهجع جنود في قرية قريبة. مرة أخرى يبدو أن مسافرا مصابا جاء من مكان بعيد ~~جلب الطاعون إلى المجتمع. طبقت السلطات اللوائح المعتادة؛ حيث عين الحراس على ~~بوابات المدينة، وتعين على أي شخص ممن يسعون إلى دخول المدينة تسليم شهادات ~~صحية، ومرة أخرى فرض حجر صحي مدته 40 يوما. وجرى تهيئة بيت طاعون لعزل المصابين ~~كان يكتظ في أي لحظة بأربعة آلاف محتضر. لكن ضحايا كثيرين اضطروا إلى بناء أكواخ ~~صغيرة لأنفسهم والبقاء فيها إلى أن يلقوا حتفهم، وآخرون اضطروا إلى الاختباء من ~~الرياح وراء أكوام الجثث، منتظرين موتهم هم أنفسهم، وما أرهبها صورة لنهاية مؤلمة ~~ومفزعة للحياة. صارت البلدة في الواقع مستشفى كبيرا؛ فقد تبعثرت في الشوارع والمنازل ~~الجثث التي كانت تدفن في بعض الأحيان في عجالة في الحدائق والأقبية، وكان الرهبان ~~والراهبات يضطرون إلى الصعود فوق الجثث الملقاة على الأرضيات والسلالم لتقديم يد ~~العون إلى أولئك الذين لا زالوا يتنفسون. # انحسر عدد الوفيات نحو نهاية شهر ديسمبر، إلا أنه ارتفع مرة أخرى ارتفاعا هائلا ~~باكر العام التالي، قبل أن يضمحل تدريجيا خلال الربيع والصيف. للغرابة الشديدة، بلغت ~~الوفيات في ليون خلال الوباء الذي دام اثني عشر شهرا نحو 35 ألف نسمة. ~~(4) التجارة: شريان حياة الطاعون # ثمة بعض بلدات فرنسية نادرا ما هاجمها الطاعون، في حين أن البعض الآخر كثيرا ما ~~قاسى من أوبئة طاعون. في أشنع ضربات الطاعون، عاش جيل بعد جيل في رعب لا ينقطع تقريبا ~~على مدار 100 عام، غير أن نمط حدوث الطاعون تغير بالفعل تدريجيا، فبينما كانت كل من ~~ستراسبورج وباريس هما المدينتان اللتان يضربهما الطاعون بصفة عامة خلال النصف الثاني من ~~القرن الرابع عشر، ms049 ذهب هذا الشرف المريب إلى بورج أون بريس، وبحلول القرن السابع عشر ~~كانت لوكسمبورج تسجل أكبر عدد لحالات تفشي الطاعون. ماذا أدى إلى حدوث تغير في تفضيل ~~الطاعون لأماكن بعينها؟ # وصل الموت الأسود إلى ستراسبورج عام 1349، لكن خلت المدينة بعدها من المرض حتى عام ~~1358، ومنذ ذلك الحين فصاعدا أخذ المرض يهاجمها على نحو متكرر على مدار المائة ~~والخمسين عاما التالية. كانت ستراسبورج مدينة عامرة ثرية؛ بفضل أنشطة أبنائها من طبقة ~~التجار وأيضا بحكم موقعها وسط طرق برية ومائية متعددة. كانت هذه العوامل سبب دمارها ~~أيضا؛ حيث إن هذا أدى إلى استقبالها زيارات منتظمة من تجار ومسافرين مصابين. # طرق التجارة الرئيسية في أوروبا في العصور الوسطى. سافر عبر هذه ~~الطرق المسافرون المصابون، وهكذا جلبوا الطاعون إلى مراكز التجارة ~~الرئيسية. # كانت بلدية بورج أون بريس البوابة إلى جنيف وإلى أحد شعاب جبال الألب. وهي تقع على ~~بعد نحو 38 ميلا (60 كيلومترا) من شمال شرق ليون، على الحافة الغربية من جبال جورا ~~بالقرب من أنهار الرون والسين والأين. كما كانت تقع على الطريق التجاري الذي يربط ~~تروا وليون ومارسيليا، وهي كلها مدن كان يزورها الطاعون بانتظام. # أما لوكسمبورج فكانت تقع في موقع استراتيجي على حدود ما يعرف الآن ببلجيكا وفرنسا ~~وألمانيا. وقد كانت يوما ما نقطة مفترق طرق رومانية، وتقع في قلب شبكة طرق تجارة تربط ~~الإمبراطورية الرومانية المقدسة وفرنسا. وقد عانت من 20 وباء هائلا خلال 50 ~~عاما. # يتضح من هذه الأمثلة أن الطاعون كان يتنقل في أنحاء فرنسا كل عام عن طريق مصابين ~~يسافرون عبر طرق التجارة الرئيسية الطويلة، غالبا عن طريق الجياد أو الصنادل البحرية. ~~وما إن يبدأ الطاعون في أحد هذه المراكز التجارية الرئيسية، حتى يتمكن عندئذ من القفز ~~إلى البلدات القريبة عن طريق وسائل النقل المحلية. # بعد الانتشار المستمر الأشبه بموجة للطاعون الأسود في الفترة 1347-1350، تغير نمط ~~توغله تماما، وبات مستقرا في موطنه وقاعدته في فرنسا. ولم يكن ينتشر أبدا في كل ~~مكان وإنما كان يظل ms050 كامنا ثم يتفشى كل عام في أماكن قليلة متفرقة وشديدة التباعد لكن ~~مهمة في الوقت نفسه. # بمرور القرون بدا أن الطاعون يزداد شراسة، وفيما شهدت وسائل المواصلات تحسنا ~~مستمرا ونمت التجارة المحلية والعالمية، أصبح الطاعون أكثر انتشارا. ازداد تعداد ~~سكان البلدات والمدن على نحو دائم في العدد والكثافة السكانية؛ مما سهل استيطان ذلك ~~الوباء، وبالتبعية ارتفع أيضا عدد الضحايا المحتملين. ~~(5) العناد المميت للطاعون # عندما خمد الموت الأسود أخيرا، بالقرب من حدوده الشمالية عند دوائر العرض العليا ~~لأوروبا، كان من الممكن أن يختفي إلى الأبد. لو كان فعل هذا، لسرعان ما تعافت أوروبا ~~على الأرجح، ولبات هذا الابتلاء مجرد كابوس مرعب. لكن بطريقة ما وفي مكان ما، ربما في ~~مناخ جنوبي فرنسا الريفية الأكثر دفئا، تشبث الطاعون هناك بشراسة. ولا بد أنه استمر ~~بنسبة منخفضة في عدد محدود من المناطق المنعزلة في القرى، حيث كان كل ضحية ينقل العدوى ~~في المتوسط على الأرجح إلى شخص واحد آخر فقط. لقد كان يتحين الفرص المناسبة، فإذا ما ~~وصل مسافر حامل العدوى إلى مجتمع صغير بلغ التعداد السكاني فيه مستوى مناسبا، كان من ~~الممكن أن يتفشى وباء محدود. كانت هذه فرصة المرض؛ إذ يمكن أن ينتشر على المستوى ~~المحلي، ثم ينطلق المزيد من المسافرين المصابين، وعندئذ كانت هناك دائما إمكانية ظهور ~~أوبئة جديدة، لكنها ما كانت لتعود قط بنفس قوة الموت الأسود الهائل الذي قهر كل شيء ~~اعترض سبيله. # ما الخيوط الخاصة بهذا المرض الغامض التي أمطنا اللثام عنها؟ الواضح وضوح الشمس ~~أن هذه الطواعين، التي استمرت لأكثر من 300 عام بعد الموت الأسود، كانت كلها نوبات ~~تفش لنفس المرض. في الواقع، لم يرحل الموت الأسود قط؛ فقد استمر الطاعون بنفس ~~النمط، وكانت الأعراض المريعة التي تصيب الضحايا هي نفسها بحذافيرها. # كانت الأوبئة تضرب عادة المدن الأكبر، ولا سيما إن كانت تقع على طرق التجارة المحلية ~~والدولية. ومن ثم كانت التجارة هي محرك الطواعين. # فطن الفرنسيون شيئا فشيئا إلى أن المرض يصل إلى مدنهم ms051 عن طريق مسافر غريب يبدو في ~~الظاهر أنه صحيح بدنيا، وغالبا ما يكون تاجرا مصابا في حقيقة الأمر (كان أندرو ~~هوجسون هو ذاك المسافر إلى بنريث). ولم تطبق تدابير ضبط الحدود المناسبة إلا بالتدريج، ~~ولم يكن معمولا بها على نحو كامل. # لم تنعم فرنسا قط بفترة خالية من الطاعون، وكان المرض موجودا باستمرار في مكان ما ~~على مدار أكثر من 300 عام. شكلت البلاد معقلا للطاعون، وكانت بمنزلة مستودع فعال ~~للعدوى. ومن هنا نشأت جميع الأوبئة التي أصابت بقية أنحاء أوروبا. # أما في شمال أوروبا، وكذلك شبه الجزيرتين الإيبيرية والإيطالية وإنجلترا، فقد كان ~~الوضع مختلفا تماما: إذ عانت هذه المناطق من حالات تفش كبيرة ومتقطعة، وصلت إليها ~~من خلال مصابين قادمين من فرنسا، وكانت تدوم لفترة قصيرة نسبيا، وبعدها يختفي المرض ~~تماما إلى أن يصل مصاب آخر من فرنسا. # الفصل الرابع # | مجسات الطاعون # كثيرون منا شاهدوا أو قرءوا مسرحية روميو وجولييت، لكن على الأرجح لا تدرك سوى قلة قليلة ~~أن المسرحية تدور حول القيود التي كانت مفروضة على الانتقال ومطبقة بصرامة أثناء تفشي أحد ~~أوبئة الطاعون في إيطاليا. # القس جون ~~: # كنت خرجت لأبحث عن قس # من نفس الطائفة ليصحبني # أثناء زيارته للمرضى في هذي البلدة. # لكني حين عثرت عليه # انقض علينا بعض رجال التفتيش الطبي؛ # إذ ظنوا أن المنزل قد حل به الطاعون المعدي، # فغلقت الأبواب علينا ومنعنا من أن نمضي؛ # وبذلك لم أقدر أن أرحل إلى مانتوا في الموعد وتأخرت. ~~(مسرحية روميو وجوليت، ويليام شكسبير، الفصل الخامس، المشهد الثاني.) # نلاحظ الإشارة إلى رجال تفتيش طبي معينين بصفة رسمية. كان حبس القس جون ~~بالمنزل في فيرونا عنصرا مهما في أحداث القصة، حيث إنه لم يتمكن من تسليم رسالة إلى ~~روميو في مانتوا تشرح أن جولييت لم تمت، وإنما تجرعت دواء منوما فحسب؛ ومن ثم ~~يعود روميو إلى فيرونا وتتوالى الأحداث التراجيدية المعروفة. # تدور القصة حول صراع بين عائلتين نبيلتين، آل مونتاجيو وآل كابيوليت (يلعن مركوشيو ~~الأسرتين قائلا: «لينزل الله بهما ms052 الطاعون!») والعواقب المأساوية لذلك على اثنين من ~~الأبرياء الشباب. يمكن أن تكون القصة بمنزلة صورة تمثيلية عن بلدان إيطاليا المتحاربة في ~~هذه الآونة، عندما كان التعاون عن كثب لمكافحة عدو مشترك، ألا وهو الطاعون، ضرورة ~~ملحة. # مع أن إيطاليا كان لديها لغة مشتركة، فإن الولاء المحلي كان قويا للغاية، فلم يسمح بنمو ~~وحدة وطنية، وانقسمت إيطاليا إلى ثلاثة تجمعات من الدول: # الدول المدن في الشمال: البندقية، وميلانو (لومبارديا)، وجنوة، وفلورنسا ~~(توسكانا)، تلك الدول شديدة الثراء، التي تكن مشاعر الغيرة بعضها ~~لبعض. # الدول البابوية، «إرث القديس بطرس الرسول»، حيث كان البابوات لديهم نهم قوي ~~لزيادة سلطتهم الدنيوية الزائلة في إيطاليا. # مملكة الصقليتين جنوبا، أكثر دول المدن الإيطالية تخلفا وفقرا، تتكون من ~~منطقتين مختلفتين، هما نابولي وصقلية، اللتين خضعتا فترة طويلة لحكم الملك ~~أراجون في إسبانيا. # أثارت العداوات بين هذه الدول الإيطالية الثرية مطامع حكام إسبانيا ~~وفرنسا العتاة الذين تدخلوا في تناحراتهم في محاولة لإحكام قبضتهم. شن كل من ملكي ~~فرنسا تشارلز الثامن ولويس الثاني عشر غزوات كانت ناجحة في البداية، إلا أن تحالفا بين ~~الدول الإيطالية وإسبانيا أسفر عن طردهما، وكانت النتيجة إحكام ملوك إسبانيا قبضتهم على ~~نابولي. في ظل هذه الخلفية من الصراع كان الإيطاليون يحاولون مكافحة هجمات الطاعون. ~~(1) رواد الصحة العامة # بدأت الطواعين في إيطاليا بوصول الموت الأسود إلى جزيرة صقلية عام 1347. وكما ~~رأينا، أدرك أهلها في الحال أنه مرض معد، وسرعان ما استحدثوا التدابير الأساسية ~~للصحة العامة. قادت دول مدن شمالي إيطاليا بقية أوروبا في اتخاذ التدابير اللازمة ~~للتعامل مع الوباء، فأنشئوا الحجر الصحي، وبيوت الطاعون، والهيئات الصحية. وبحلول عام ~~1400 كانوا قد ابتكروا «تصاريح سفر» رسمية في أزمنة الطاعون. تكبد الأطباء في إيطاليا ~~معاناة كبيرة عند القيام بالفحص الدقيق عن كثب لحالات من أجل تحديد ما إذا كان طاعون ~~حقيقي قد تفشى؛ فقد كانوا حريصين على التمييز بين ما أطلقوا عليه طواعين «كبيرة» ~~وطواعين «صغيرة». كانت الطواعين «الكبيرة» هي الطواعين الحقيقية، في حين أن ~~الطواعين «الصغيرة» كانت ms053 في الغالب نوبات تفش لمرض أقل خطورة، ولم تكن السلطات ~~الصحية تنزعج من أمرها كثيرا. # كانت إيطاليا مهددة باستمرار بسبب المصابين الذين يصلون بحرا؛ فقد كانت التجارة ~~البحرية بكافة عالمها المعروف هي شريان حياة الحضارة الإيطالية الرفيعة. أنشئ ~~الحجر الصحي البحري للسفن عام 1377 في مستعمرة راجوزا الخاضعة لسيطرة البندقية، وكان ~~الغرض الأصلي منه هو منع توريد المرض إلى شمالي إيطاليا وليس عزل المرضى الفعليين. كانت ~~مدة الحجر في البداية 30 يوما، لكن القائمين على الحجر سرعان ما أدركوا أنها مدة ~~قصيرة للغاية؛ فقد استمر الأشخاص يسقطون من المرض ولم يتأثر زحف المرض إلا بمقدار ضئيل ~~جدا. أما في حال عدم حدوث وفيات في المجتمع لمدة 40 يوما، فإن القاطنين الناجين ~~كانوا يعرفون أن الخطر قد زال وأنهم في مأمن على الأقل إلى حين انتشار الوباء التالي؛ ~~ومن ثم أصبحت مدة الأربعين يوما هي مدة الحجر الصحي الرسمية. # في جنوة عام 1652 وضع الأفراد الذين تواصلوا تواصلا مباشرا وعن كثب مع مصابين ~~أو تجار في حجر تام لمدة أربعين يوما أو أكثر، بالإضافة إلى فترة أخرى من العزل ~~وصفت بأنها فترة نقاهة، واتبع الميناء إجراءات حجر صارمة: # السفن القادمة من إنجلترا، التي أتت بشكل مباشر دون أن تحتك بمكان مصاب ~~أو مشتبه فيه وذات الشهادة الصحية الخالية من الأمراض، كان يسمح لها ~~بالدخول بعد بضعة أيام، إلا أن البضائع والتجار كانوا يرسلون أولا إلى ~~بيت الطاعون حيث يجري تطهيرهم لمدة 20 يوما، وإذا كانت السفن قد احتكت بأي ~~أماكن مصابة، كان يتعين أن تخضع لحجر صحي كامل. # السفن القادمة من موانئ غير مصابة، لكن مشتبه فيها، كانت تخضع لحجر صحي ~~مدته 30 أو 35 يوما، إلا أن البضائع كانت ترسل مباشرة إلى بيت ~~الطاعون. # إذا وقعت أي حالات وفاة أو مرض أحد إبان الرحلة أو إبان الحجر، ~~تمد هذه الفترة إلى 50 أو 60 يوما على حسب الخطر والظروف، وترسل ~~البضائع والناس إلى بيوت الطاعون. # السفن الوافدة من بلاد الشام ms054 تخضع لحجر صحي مدته 30 أو 35 أو 40 يوما ~~إذا كانت لديهم شهادة صحية تفيد بخلوها من الأمراض المعدية، وتطهر البضائع ~~في بيوت الطاعون لنفس المدة. # عندما كان ينحسر وباء في فلورنسا، كما حدث عام 1630، كان من المألوف أن تعلن السلطات ~~الصحية عن حجر صحي عام يمكث خلاله أكبر عدد ممكن من الناس في منازلهم لمدة 40 يوما، ~~وهكذا يقل الاحتكاك البشري إلى أدنى حد ممكن. كان من المفترض أن ينهي هذا الإجراء ~~الوباء على نحو أسرع. # هكذا شيئا فشيئا صارت فترة الحجر التي مدتها 40 يوما مقبولة في كل مكان إبان ~~عصر الطواعين. تم الوصول إلى هذا المعيار تجريبيا من خلال المحاولات التي قامت ~~بها العديد من السلطات الصحية في أوروبا العصور الوسطى، التي كانت تعمل دون ما يتوفر ~~لدينا من فهم حالي عن الأمراض المعدية، وكان هذا إنجازا رائعا جرى تحقيقه منذ ستة ~~قرون. يسلط هذا الضوء على ما كان يتمتع به هؤلاء الأطباء الأوائل من فطنة، وكانت هذه ~~أهم قفزة في محاولات التغلب على هذا المرض الغريب. # كانت إنجلترا أكثر تراخيا في إدخال هذه التدابير، لكن في آخر المطاف أنشئ حجر ~~صحي مدته 40 يوما في لندن والأقاليم أثناء حكم الملك هنري الثامن. وفي وقت ما، خفضت ~~السلطات هذه المدة، لكن سرعان ما أعيد تمديدها إلى 40 يوما مرة أخرى بموجب القانون ~~عندما تبين أن الفترة الأقصر غير فعالة بالمرة. وقد رأينا أن هذا دليل مهم آخر. تؤكد ~~الإدارة الناجحة لحجر صحي مؤسس على نحو سليم ما كان يعتقده الجميع: كان هذا مرضا ~~معديا «بسيطا» ينتقل مباشرة من شخص إلى آخر. علاوة على ذلك فإن مدة 40 يوما هي فترة ~~طويلة للغاية على حجر صحي. بدأ يبدو كما لو أن هذا المرض سيظل معديا لزمن طويل ~~للغاية، وهذا على العكس تماما من الروايات الكثيرة التي تشير إلى أن الناس كانوا ~~يموتون بعد فترة وجيزة من الاتصال بأحد الضحايا الذي تظهر عليه الأعراض. # كانت السلطات اليقظة المعنية ms055 بالصحة في شمالي إيطاليا تبحث عن أعراض بعينها لأحد ~~الطواعين «الكبيرة»، بقع ولطخات بنفسجية وسوداء، وبقع حمراء صغيرة على الصدر، وحبوب ~~وأورام في أعلى الفخذ وفي منطقة الإبط. كانت بداية الإصابة بالوباء تتميز بارتفاع درجة ~~الحرارة، والقيء، والإسهال، وتغير لون البول، والعطش الشديد. صاحب الحمى الشديدة لدى ~~البعض جنون وهذيان، «على نحو حاد لدرجة أن البعض كانوا يلقون بأنفسهم من ~~النوافذ.» ~~(2) طواعين متقطعة لكن كارثية في إيطاليا # كانت جبال الألب حاجزا نافعا لشمال إيطاليا، وفي السنوات الأولى التي أعقبت الموت ~~الأسود، كانت معظم إصابات الطاعون تأتي عبر البحار من خلال الموانئ. لكن في وقت لاحق، ~~وفد المصابون عبر شعاب الجبال. # كشفت دراسة دقيقة للطواعين عاما تلو الآخر في شبه الجزيرة الإيطالية أنه لم يكن ~~يوجد سوى نحو 11 وباء كبيرا على مدار هذه المدة التي دامت لثلاثمائة عام، على الأرجح ~~بفضل المجهود الرائع الذي بذلته السلطات الصحية، ومع ذلك عندما كان يحل الطاعون، يصبح ~~معدل الوفيات مرعبا. عثرنا بمحض المصادفة على خيط آخر، وهو أن سلوك الطاعون كان ~~مختلفا تمام الاختلاف في فرنسا عن إيطاليا، فقد كان مستمرا بلا انقطاع في فرنسا، في ~~حين أنه في إيطاليا كان متقطعا ويندثر تماما بعد كل حالة تفش. وقد تساءلنا عن السبب ~~وراء هذا الاختلاف الكبير. # فحصنا تسلسل الأحداث خلال الأوبئة التي تفشت عقب خلو إيطاليا من الطاعون بعامين ~~على الأقل، حتى نضمن أن هذه الأوبئة كانت نتاج موجة جديدة للطاعون. # على سبيل المثال، استشرى طاعون عام 1456 بعد أربع سنوات من الهدنة في صقلية ووسط ~~إيطاليا والدول المدن الشمالية. أكانت هذه موجات جديدة منفصلة دخلت عن طريق البحر من ~~خلال موانئ نابولي وباليرمو والبندقية (كما هو مرجح على ما يبدو) أم أن الطاعون انتشر ~~بطول البلد؟ في عام 1457، وردت أنباء عن استشراء الطاعون في جنوب إيطاليا، وانتقل من ~~مدينة فليتري إلى روما، إلا أنه اختفى من نابولي، وكان متوغلا في البندقية، كما ظهر ~~أيضا في بولونيا في الشمال. # مرة أخرى، صارت إيطاليا ms056 خالية من الطاعون إلى حد بعيد لمدة ثماني سنوات عندما وردت ~~أنباء عن وجود المرض في جنوبي سردينيا عام 1476. في عام 1477 ظهر الطاعون في البندقية، ~~وبلغ أوجه عام 1478؛ حيث لقي 30 ألف شخص حتفهم. ضرب الطاعون صقلية أيضا في نفس ~~الوقت، حينذاك كان المرض قد تحول إلى جائحة في الشمال، حيث انتشر على الأرجح في شكل ~~شعاع ممتد من البندقية نحو الخارج غربا وجنوبا، وبلغت الوفيات 40 ألف نسمة. في ميلانو ~~لقي 22 ألف شخص حتفهم، عانى بعض المحتضرين من هذيان مصحوب بحمى شديدة، لدرجة أنهم ~~ألقوا بأنفسهم من النوافذ، كان هذا أحد الأعراض المميزة للطاعون. كان يموت نحو 200 ~~شخص كل يوم طيلة الأربعة أشهر الأولى في مدينة بريشا بإقليم لومبارديا، حيث بلغ ~~إجمالي الوفيات 34 ألف نسمة، بمعدل وفيات 90 بالمائة من السكان. رفض كهنة ورهبان ~~كثيرون إغاثة المرضى، وعوضا عن ذلك شجعوا إقامة المواكب الدينية التي لم تؤد إلا ~~لاستفحال المرض. وكانت الكلاب تأكل أكوام الجثث، واتهم حاملو الجثث بنهبها بل ~~وبالتحرش الجنسي بها أيضا. # استشرى وباء مريع في الدول الشمالية عام 1629، وربما وفد المرض من البندقية (حيث مات ~~46 ألف نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ 140 ألف نسمة)، لكن يزيد احتمال أنه عبر ~~جبال الألب مرة أخرى؛ إذ كان الطاعون مستشريا آنذاك في فرنسا وألمانيا وسويسرا، ~~وموجودا في جنيف وبازل. قيل إن القوات الألمانية والفرنسية قد حملت الوباء إلى مانتوا ~~في شرقي إقليم لومبارديا، حيث كانت فرنسا تشن حربا ضد النمسا وإسبانيا. في نهاية ~~المطاف حصد الطاعون عدد أرواح هائلا بلغ 280 ألف نسمة. ومرة أخرى، بدأ كل هذا بوصول ~~الغرباء القادمين من بعيد. # ظهرت أهمية لوائح الحجر الصحي بوضوح في هذا الوباء. طبقت تدابير وقائية صارمة مهمة ~~وإن لم تلق تأييدا شعبيا كبيرا عندما وصل الطاعون ميلانو في أكتوبر عام 1629، ~~منها عزل كل من احتكوا بالمصابين، كان ثمة اعتقاد بأن هذه الممارسة سيطرت على تفشي ~~الطاعون. لكن بحماقة حدث تراخ في تطبيق هذه ms057 اللوائح في مارس عام 1630 أثناء أحد ~~المهرجانات الشعبية في ميلانو وعاود الطاعون الانتشار، وفي ذروته كان يموت 3500 شخص ~~يوميا. # عانى الضحايا من حمى مفاجئة وشديدة، وكان يتكون لديهم بثرات كبيرة نتنة الرائحة، وفي ~~بعض الأوقات يصيبهم الهذيان، وكان الصداع الشديد هو النذير المعتاد بالموت. كان يمثل ~~نسبة كبيرة من الموتى حرفيون ورهبان من طائفة الرهبنة الكبوشية أو أفراد ممن يزاولون ~~الكثير من الأعمال الوصائية إبان الطاعون. لم يكسر أحد مدة الحجر الصحي الموحدة ~~التي تمتد إلى 40 يوما، وتفانى أولئك الذين عينهم مكتب الصحة العامة في أداء مهامهم، ~~من تبخير، وحرق المراتب والملابس، وتنظيف الأرضيات وحمل الموتى بعيدا لدفنهم. # وصل الطاعون إلى ترسبيانو، وهي قرية صغيرة تبعد بضعة أميال شمال فلورنسا، في يوليو ~~عام 1630 عن طريق رجل كان في رحلة عمل إلى مدينة بولونيا المصابة، مخترقا بذلك «طوق ~~الحجر الصحي». كان هذا بمنزلة خرق فادح ومكلف للأرواح. في شهر أغسطس جرى تسجيل وفيات ~~مريبة في قرية تافولا المجاورة وفي فلورنسا نفسها. أخبر أهل فلورنسا أن العدوى ~~الكارثية ناجمة عن غضب الله، واستجابوا لذلك بمحاولة تقويم سلوكياتهم، فأقيمت القداسات ~~في الشوارع، وكرست أصوام خاصة، وهكذا تحولت فلورنسا إلى مدينة شديد الالتزام من ~~الناحية الأخلاقية، على الأقل إبان نوبة تفشي الطاعون. وانصاع الناس انصياعا كاملا ~~للوائح الصحة العامة، وكان دوق توسكانا الأكبر يقوم بجولة يومية للتأكد من أن كل شخص ~~يحصل على الطعام ويتلقى العناية المناسبة. # غالبا ما كانت معدلات الوفيات من جراء هذه الأوبئة الكبيرة في إيطاليا مرتفعة ~~للغاية؛ إذ كانت على الأرجح تصل في المتوسط إلى 40 بالمائة من السكان، لكنها كانت تصل ~~في بعض الأحيان إلى ما يزيد على 60 بالمائة من السكان، كما حدث في فيرونا في الفترة ~~1630-1631. تكبدت نابولي التي كان يصل إجمالي عدد قاطنيها إلى نحو 300 ألف نسمة خسائر ~~في الأرواح بلغت 150 ألف نسمة عام 1656، وبلغت الوفيات في الريف المحيط نحو 66 بالمائة ~~من السكان. دامت هذه الأوبئة لمدة تراوحت ms058 ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام في المدن الكبرى ~~قبل أن تخمد، ربما بسبب المناخ الأكثر دفئا في الشتاء ومطلع الربيع، مع أنه كان لا ~~يزال هناك انخفاض في عدد الوفيات أثناء الأشهر الأكثر برودة. ~~(3) شبه الجزيرة الإيبيرية: وصول المرض بحرا # تفصل جبال البرانس إسبانيا عن بقية أوروبا، وتختلف قصة الطواعين هناك تماما عما ~~رأيناه في فرنسا، فمع أن عدد الوفيات ظل مرعبا، فإن الأوبئة كانت أقل تكرارا في ~~إسبانيا والبرتغال، وفي آخر المطاف اندثر سكان كلا البلدين عن بكرة أبيهما، حيث إن ~~نوبة التفشي التالية حدثت نتيجة لوصول مصابين عبر البحار. لطالما سعت السلطات الإسبانية ~~دائما إلى تحديد مصدر أي وباء، وعادة ما كانت تشير بأصابع الاتهام (كما رأينا من قبل) ~~إلى جنود أو مسافرين وصلوا مؤخرا من الخارج. وفي بعض المواقف كانت تشتبه في شحنة بضائع ~~مستوردة، وفي أغلب الأحيان، كانت أطقم السفن والمسافرون هم المصابون بالعدوى ~~فعليا. # بعد الموت الأسود، كان هناك العديد من نوبات التفشي المحلية العنيفة في إسبانيا ~~والبرتغال، لكن منذ عام 1506 حتى عام 1652، لم يكن قد انتشر سوى أربعة أوبئة كبيرة. ولم ~~يصل المرض بصفة عامة، كما سيتضح، عن طريق أناس يسافرون بالقرب من الحافة الشرقية ~~لجبال البرانس من مدينة أربونة، ولكن عن طريق أولئك المسافرين بالقوارب. تقع نقاط ضعف ~~إسبانيا في الموانئ البحرية؛ فقد كانت عرضة للخطر لأن لشبونة في البرتغال وإشبيلية في ~~منطقة أندلوسيا في جنوب إسبانيا كانتا مركزين رئيسيين للتجارة الدولية، وكانتا نقطتي ~~دخول عامتين للوباء. # تعد إشبيلية بالنسبة لمعظم الناس هي قلب إسبانيا في الرومانسية والفنون، ومسقط رأس ~~شخصية دون خوان الأسطورية وشخصية كيجارو في أوبرا حلاق إشبيلية، وهي محل ميلاد كل من ~~الرسامين دييجو فيلاثكيت وبارتولومي موريللو، ويقع على أحد أجناب حديقة ماريا لويزا ~~مصنع السجائر، حيث عملت كارمن، بطلة الأوبرا التي سميت باسمها. # على مدار 2000 عام، كانت إشبيلية ميناء على المنبع الصالح للملاحة لنهر الوادي ~~الكبير، وسوقا عملاقا لنهر الوادي الكبير، ومفترق طرق بين شمال وغرب ms059 شبه الجزيرة ~~الإيبيرية. كان عام 1492 مهما في تاريخ إسبانيا، فقد شهد الجلاء النهائي للمورسكيين، ~~وهم السكان المسلمون لشبه الجزيرة الإيبيرية، واتحاد إسبانيا تحت عرش واحد، واكتشاف ~~أمريكا، فقد أبحر كولومبوس لدى عودته من رحلته الأولى إلى إشبيلية يوم أحد الشعانين عام ~~1493 منتصرا حاملا معه طيورا ونباتات غريبة، وهنودا «لم ير مثلهم في أوروبا من ~~قبل قط». ويدعي أهل إشبيلية أن كولومبوس المكتشف قد خطط رحلتيه الثالثة والرابعة من ~~المدينة، ويمكن مشاهدة مقبرته الفخمة في كاتدرائيتها. # على مدار المائتي عام التي تلت كولومبوس، صارت إشبيلية هي بوابة الدخول إلى العالم ~~الجديد، وقبلة التجارة الأوروبية، والمدينة الرئيسية في إسبانيا. أكان موقعها الجغرافي ~~وأهميتها الاقتصادية، بالإضافة إلى مناخها (إذ تتنوع درجات الحرارة فيها تنوعا طفيفا ~~على مدار العام، وصيفها طويل وجاف وحار، أما شتاؤها فدافئ) بمنزلة ظروف مثالية يترعرع ~~فيها الطاعون؟ # وصل الطاعون إلى إشبيلية عام 1506 مصحوبا بجفاف حاد ونقص في الأغذية. انتشر ~~الطاعون على نطاق واسع في منطقة أندلوسيا حيث قيل إن 100 ألف شخص لقوا حتفهم، ثم ~~قفز قفزة خطيرة شمالا نحو مدريد التي تبعد 250 ميلا (400 كيلومتر)، وهو مثال آخر على ~~انتقال العدوى واسع المدى. # تكرر هذا النمط بحذافيره، وكذلك الدخول عبر إشبيلية في وباء طويل الأمد بدأ عام 1596. ~~في الوقت نفسه وصل الوباء اللعين إلى ميناء سانتاندير الذي يقع على الساحل الشمالي ~~لإسبانيا عندما رست سفينة روداموندو، محملة بالبضائع من ميناء دنكيرك الفرنسي. استشرى ~~الوباء عام 1599 وانتشر على نطاق واسع في أنحاء شبه الجزيرة. فقدت مدينة شقوبية الصغيرة ~~12 ألفا من قاطنيها خلال 6 أشهر، وقد تفاعلت مع الطاعون بهمة ونشاط: فقد أنشئت ~~المستشفيات المؤقتة، وأقيم الحراس عند أبواب المدينة للحيلولة دون دخول مصابين، ودفن ~~الضحايا بسرعة، وحرقت فرش الأسرة. بلغ إجمالي عدد الوفيات خلال هذا الوباء ~~الممتد ما يزيد عن النصف مليون نسمة. ~~(4) الإمبراطورية الرومانية المقدسة # شكلت ألمانيا الحالية والنمسا وبوهيميا وهولندا وسويسرا جزءا كبيرا من الإمبراطورية ~~الرومانية المقدسة إبان عصر الطاعون. على ms060 مدار المائتي عام التي تلت الموت الأسود، ~~كان عدد محدود من حالات الطاعون يظهر على نحو متقطع في أنحاء المنطقة، وحتما وصلت هذه ~~الحالات عن طريق مسافرين مصابين وافدين من فرنسا. كان الاستثناء الوحيد هو الثلاث ~~السنوات التي تخللت عامي 1462 و1465، عندما استشرت أوبئة مريعة أودت بحياة الآلاف في ~~مدن شديدة التباعد في ألمانيا. وهنا دليل آخر يوضح أن الطاعون كان يظهر دون سابق إنذار ~~في كل أنحاء المكان. وكما هو الحال مع بقية أوروبا، يكمن التفسير في التوسع التجاري ~~وانتقال التجار المصابين المزاولين أعمالهم كالمعتاد. # على مدار مائة عام عقب الموت الأسود، كانت هناك مجموعة من البلدات في الشمال تتصدر ~~قائمة أكثر الأماكن التي وردت أنباء عن تكرار ظهور الطاعون بها، كانت هامبورج ميناء ~~كبيرا على نهر إلبه وكانت بالفعل بلدة تجارية مزدهرة بحلول القرن الثالث عشر، وكان ~~ميناء لوبيك هو المنفذ الرئيسي لتجارة بحر البلطيق. # عقب عام 1450، انتشرت الأماكن التي سجلت فيها أوبئة متكررة جنوبا بمحاذاة طريق ~~التجارة الرئيسي للعصور الوسطى: لوبيك - هامبورج - ماجديبورج - نورنبرج - أوجسبورج. كان ~~الطاعون يضرب هذه الأماكن على نحو متكرر وعنيف؛ ومن ثم ساد «الموت المرعب في كل ~~الأرجاء في البلدات والريف»، وألغيت المهرجانات، وتفاقمت المعاناة بانتشار مجاعة. ها ~~هي القصة نفسها تتكرر مرة أخرى: بؤس ورعب وموت. وسرعان ما تعلمت الطبقات الثرية ترك ~~البلدات، إلا أن أغلب السكان لم يكن لديهم رفاهية هذا الاختيار. # تغير الموقف بعد عام 1450 واستمر حتى عام 1670. استمر الطاعون في الاستشراء على نطاق ~~واسع، وكانت الأوبئة لا تزال تحدث في البلدات الشمالية، إلا أن موضع تمركزها الأساسي ~~حيث يوجد أكبر عدد من الأوبئة أصبح حينذاك في الجنوب الغربي حيث تصدرت بازل وجنيف قوائم ~~الأماكن الأكثر إصابة، بالإضافة إلى بأوجسبورج وبلدات أخرى على طريق التجارة المؤدي إلى ~~ميلانو وإنسبروك والبندقية. # كما رأينا، احتلت جنيف مكانا مركزيا في أوروبا، وكانت نقطة تمركز مثالية لأوبئة ~~الطاعون. وكانت أوجسبورج مدينة مهمة؛ فهي مقر الكرسي البابوي، وموطن التجار والمصرفيين ~~النبلاء، ومركز هائل ms061 لتجارة أوروبا الشمالية والبحر المتوسط والشرق. # أما بازل فقد كانت ميناء نهريا كبيرا يقع على نهر الراين، وكانت منفذ سويسرا ~~الوحيد إلى البحر، ونهاية ملاحة نهر الراين، ولقرون عديدة كان جسر ميتلير بروك في بازل ~~هو الجسر الوحيد على نهر الراين. كانت المدينة مركزا تجاريا مزدحما. عانت بازل من ~~وباء استمر 15 شهرا في الفترة ما بين 1610 و1611 عندما أصيب بالمرض نحو 6000 مواطن، ~~من إجمالي السكان البالغ عددهم 15000 مواطن، ومات نحو 3600. هل هذا دليل على أنه بمرور ~~العقود تعافى المزيد من الأفراد من عدوى الطاعون؟ ~~(5) جزيرة الحقول الثلجية والأنهار الجليدية # اعتدنا الآن على مسألة قفز الطاعون عبر البحر المتوسط والقنال الإنجليزي، لكن ما ~~أدهشنا بقوة هو معرفة أن أيسلندا عانت أيضا من وباءين حادين في مطلع القرن الخامس ~~عشر ونهايته. رويت بالتفصيل قصة هذين الطاعونين المدمرين في مجتمع معزول، وهي تقدم أهم ~~الأدلة وأكثرها إقناعا حتى الآن بشأن طبيعة هذا المرض. # كانت الرحلة البحرية من اسكتلندا، حيث موطن القوارب التي حملت أطقما مصابة، تقطع ~~1000 ميل (1660 كيلومترا)، ونظرا لأن المراكب المتاحة كانت بدائية، فلا بد أن هذه ~~الرحلة كانت قد استغرقت وقتا طويلا للغاية، ربما أسبوعين أو أكثر في ظل الرياح ~~العادية. # جرى بحث هذين الطاعونين في أيسلندا بحثا دقيقا، ومن المؤكد أن نفس المرض الذي أصاب ~~البر الرئيسي لأوروبا كان هو المسئول. # وحيث إن المصادر الطبيعية لأيسلندا كانت محدودة، فإنها اضطرت إلى الاعتماد بقوة على ~~النرويج في تشكيلة كبيرة من البضائع المستوردة، لكن عندما لقي نحو 40 بالمائة من سكان ~~النرويج حتفهم بسبب الموت الأسود، توقفت تجارتها الخارجية على نحو شبه تام، وقطع ~~عنها خط الإمداد. وزادت الانفجارات البركانية والزلازل والمجاعات مصاب أهل أيسلندا في ~~النصف الثاني من القرن الرابع عشر، وعاش جميع الناس تقريبا في مزارع فردية؛ فلم يكن ~~يوجد على الأرجح أية قرى، ومن المؤكد أنه لم يكن يوجد أية مدن. # معظم ما نعرفه عن الوباء الأول، الذي ضربها في سبتمبر عام 1402، مدون ms062 فيما يعرف باسم ~~«الحوليات الجديدة»، وهي مخطوطة قديمة. وصل القارب الذي جلب الطاعون على نحو شبه ~~مؤكد ميناء والفيوردور في الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة، وبحلول وقت عيد الميلاد كان ~~المرض قد بلغ المقر البابوي في سكالهولت في الجنوب وسكاجافيوردور في الشمال؛ ومن ثم ~~يكون قد انتشر عبر مساحة 200 ميل (320 كيلومترا) في غضون 16 أسبوعا، وهو معدل انتقال ~~سريع على نحو مذهل في ظل ظروف صعبة. تطلق الحوليات الجديدة على عام 1403 عام ~~الوفيات الهائلة، ولم يبدأ الوباء في التقهقر حتى فصح عام 1404. من الواضح أنه حتى ~~مناخ شتاء أيسلندا القارس البرودة لم يحل دون تقدم الوباء، وحتما انتشرت العدوى ~~بداخل المزارع الدافئة. # وصل الطاعون كامل أيسلندا تقريبا وكان معدل الوفيات مرعبا؛ إذ لقي 60 إلى70 بالمائة ~~من السكان حتفهم، وهلك سكان الجزيرة ودمرت بنيتها واقتصادها، وكانت الآثار بعيدة ~~المدى هائلة. عائلات بأكملها اختفت من على وجه الأرض، واستغرق التعداد السكاني خمسمائة ~~عام أخرى ليتعافى كسابق عهده. تغيرت أيضا أنماط الإرث التقليدية؛ فقد أصبحت الأراضي ~~الزراعية في قبضة بضعة ملاك أثرياء، على رأسهم الكنيسة الكاثوليكية التي تبرع لها ~~كثيرون بممتلكاتهم على أمل درء الموت الناجم عن الطاعون. # في العقود الأولى من القرن الخامس عشر، بدأ التجار الإنجليز والألمان القيام بزيارات ~~منتظمة إلى أيسلندا، أحيانا بعشرات القوارب كل عام، فجلبوا الحبوب وخشب البناء والسكر ~~ومنتجات أخرى يحتاجها أهل أيسلندا بشدة. أغلب الظن أن طاعون أيسلندا العظيم الثاني قد ~~جاء عبر هذا الطريق عام 1494، حيث وصل إلى جنوب غرب أو جنوب الجزيرة. تؤكد وثائق معاصرة ~~أن المرض كان نشطا في المناطق الغربية والشمالية الغربية في شتاء عامي 1494-1495. كتب ~~أحد الكهنة المعروفين، ويدعى جوتسكوك جونسون ، عام 1495: «مرض وطاعون عظيم في كل أرجاء ~~البلاد، فيما خلا ويستفيوردور (شبه جزيرة كبيرة)، فكان خراب في البلدات عموما.» # يقدم جون إجيلسون، مؤلف «حوليات البابوات» صورة مؤثرة لمعدل الوفيات: # خلال هذا الطاعون كان معدل الوفيات هائلا للغاية، فلم يذكر أو يسمع عن شيء ~~مماثل، حيث ms063 خربت مزارع كثيرة، وفي معظمها لم ينج سوى شخصين أو ثلاثة. كان ~~الضحايا في بعض الأحيان أطفالا بعضهم يبلغ من العمر سنة واحدة وبعضهم يمصون ~~أثداء أمهاتهم الميتة. رأيت واحدا من هؤلاء كان يدعى تونجوفيل-مانجا. وحيثما ~~وجد تسعة أطفال، لم يكن يتبقى منهم على قيد الحياة سوى طفلين أو ثلاثة. # أغلب الظن أن ما بين 30 إلى 50 بالمائة من السكان لقوا حتفهم ~~خلال الطاعون الثاني. # يمكننا أن ندرك أن هذا المرض المرعب أمكنه اجتياز رحلة بحرية طويلة، وبعدئذ استشرى ~~بوحشية مدمرة في جزيرة من الحقول الثلجية والأنهار الجليدية على حافة الدائرة القطبية ~~الشمالية. اجتاز الطاعون شتاء قطبيا، بل ترعرع في وقت بلغ فيه متوسط درجة الحرارة في ~~البقاع الداخلية في شمال أيسلندا ثلاث درجات مئوية تحت الصفر. شتان ما بين هذه ~~الظروف المناخية وبين تلك التي نعم بها أهل إشبيلية وصقلية والسواحل المطلة على ~~البحر المتوسط. علاوة على ذلك، فإن سكان أيسلندا لم يتمركزوا في بلدات أو مدن، إنما ~~عاشوا عموما في مزارع متفرقة؛ مما أدى بالتأكيد إلى زيادة صعوبة نشر العدوى. من الواضح ~~أن هذا المرض كان قادرا على التكيف. # فيما كنا نبحث هذين الطاعونين اللذين اجتاحا أيسلندا، عثرنا بالمصادفة على دليل مذهل ~~سنعود إليه في وقت لاحق. تقول إحدى النظريات الحالية عن الموت الأسود إن البراغيث ~~والفئران هي التي كانت تحمل العدوى، وقد ثبت بتأكيد دامغ أنه لم يكن يوجد أي نوع من ~~الفئران في أيسلندا أثناء هذين الطاعونين، علاوة على أنه لم يكن يوجد براغيث فئران في ~~أرضها الباردة القاسية. كان هذا خيطا قيما حفظناه جانبا لنستخدمه فيما بعد. ~~(6) الصورة الكلية في أوروبا # كل شيء علمناه عن الموت الأسود تؤكده دارسة الطواعين التي ضربت أنحاء أوروبا على ~~مدار الثلاثة القرون التي أعقبته. كان توجد دائما نفس الضراوة والفتك البشع، وظهر على ~~الضحايا نفس الأعراض والكرب الشديد في الساعات الأخيرة، وكان انتشاره قويا داخل ~~العائلات وفي الأجواء المزدحمة، ومرارا وتكرارا رأينا أنه انتقل مباشرة من شخص إلى ms064 ~~آخر، كانت ردة الفعل في كل بلدة فرار الأثرياء واندلاع الاضطرابات الأهلية بين أولئك ~~الذين بقوا، ودائما ما أدى الموت الجماعي إلى ظهور مشكلات في التخلص من الجثث. وكان ~~يتم التعرف على المرض في الحال، ويبدو أن العامل المسبب للعدوى ظل ثابتا على نحو مذهل ~~على مدار الثلاثمائة عام، وهي فترة عهده المرعب. وهو في هذا الصدد، كان على العكس من ~~فيروس الإنفلونزا الذي يستطيع أن يتحور ليقدم سلالة جديدة كل عام. # بيد أننا اكتشفنا بعض التغيرات الطفيفة فيما كانت السنوات تمر ببطء؛ فبرغم كل شيء، ~~تعد ال 300 عام مدة طويلة بالنسبة إلى البشر؛ فهي تعادل نحو 12 جيلا. في القرن ~~الرابع عشر، ضرب الموت الأسود سكانا لم يسبق لهم أن عانوا هذا المرض، وقد زحف ببطء ~~كموجة عنيفة تبتلع ما يأتي في طريقها. وفي السنوات التي أعقبت ذلك، انتشرت الأوبئة ~~الكبيرة على نحو متقطع، قافزة من بؤرة إلى أخرى، وتطورت وسائل المواصلات والتجارة على ~~نحو متزايد، وقد أسهم ذلك إسهاما كبيرا في الانتشار الواسع للأوبئة. # بالرغم من أن الطاعون لعب دور إبادة فعالا للغاية، فقد زادت أعداد سكان أوروبا بشكل ~~مطرد؛ مما ساعد على ما يبدو في زيادة العدوى القوية. لقد قتل المرض المزيد من الأشخاص ~~ببساطة لأنه كان يوجد المزيد من الضحايا المحتملين. أصبحت الأوبئة في القارة الأوروبية ~~متكررة الحدوث على نحو متزايد على مدار القرون، ووصلت إلى ذروتها في الوباء المرعب ~~الأخير الذي بدأ في فرنسا عام 1630 واستمر إلى عام 1637، ومن بعدها تراجع معدل حدوث ~~الأوبئة هناك تراجعا كبيرا. # في الوقت الذي كان ينشر فيه المسافرون الطاعون على نطاق أوسع في أنحاء الكتلة ~~اليابسة من قارة أوروبا، هل كانت إنجلترا في مأمن في جزيرتها التي ساعدت في ~~تحصينها؟ # الفصل الخامس # | إنجلترا تحت الحصار # كل وباء طاعون ظهر في إنجلترا وصلها بالضرورة ~~عن طريق القوارب المحملة بالبحارة والتجار والمسافرين المصابين، الذين وفدوا عموما عن طريق ~~القنال الإنجليزي وبحر الشمال، وإن انتقل المرض في بعض الأحيان جيئة ms065 وذهابا بين تشستر ~~وأيرلندا. ونتيجة لذلك، كانت الموانئ المصابة بالطاعون عموما هي موانئ لندن وإيست أنجليا، ~~مع أن نيوكاسل ويورك وهال ضربت بالطاعون أيضا. ما إن يبدأ الطاعون في أحد الموانئ، حتى ~~ينتقل منه نحو الخارج، منتشرا عبر نهر التيمز أو أنظمة أنهار إيست أنجليا، أو من خلال ~~مسافرين تنقلوا على الأقدام أو على صهوة الجياد. بهذه الطريقة أمكن أن تنتقل العدوى ~~بالتدريج إلى القرى والبلدات المجاورة، أو أن تقفز عبر الطرق وتبدأ نوبة تفش على بعد ~~أميال كثيرة. ما إن بدأ الوباء الجديد نشاطه مثيرا فزع المواطنين، فإنه كان يصبح على ~~استعداد للمضي قدما وبدء المزيد من نوبات التفشي على نطاق أوسع، فكان من الممكن أن يتسبب ~~القارب الواحد الذي يحمل مصابا أو اثنين في تفشي عشرين وباء أو أكثر من الأوبئة الكبيرة، ~~وإلى نوبات تفش محدودة لم يبلغ عنها في أي عام في إنجلترا. # ومع ذلك اكتشفنا أهم نقطة لدى دراسة الطاعون في إنجلترا: كانت كل نوبة طاعون تستمر عامين ~~على الأكثر، بعدها يزول الوباء وتصبح إنجلترا خالية تماما من المرض إلى حين وصول القارب ~~التالي محملا بأطقم مصابة. # لهذا السبب خلت إنجلترا من الطاعون لمدة 10 أعوام أو 11 عاما بعد الموت الأسود، قبل أن ~~يستشري المرض بضراوة عام 1360 أو 1361. وصف هذا ~~باعتباره الطاعون الثاني، «وإذ بالطاعون المميت المتفشي مؤخرا الآن في مدينة لندن كما في ~~البقاع المجاورة يضرب جموعا غفيرة من الناس، وها هو يستفحل بصفة يومية.» امتد الوباء إلى ~~ليسترشير، ووركشير، ولنكولنشير، وجميعها عانى بشدة، وقد انتقل من هناك إلى يورك ولانكشير. ~~ولقي العديد من الشخصيات المهمة حتفهم، منهم ثلاثة أساقفة وهنري دوق لانكستر بقلعته ~~في ليستر. # مع أن الطاعون لم يكن ليصل إنجلترا إلى على نحو متقطع على مدار المائة والخمسين سنة ~~التالية، فإنه بحلول القرن السادس عشر تطورت وسائل المواصلات على نحو هائل وتشكل لدينا ~~انطباع بأن الطاعون كان مستفحلا في مكان ما معظم السنوات. من المحير بحث الروايات ~~المتنوعة، ومن الصعب ms066 جدا استخراج الدليل الذي يمدنا بخيوط عن هذا المرض. # فحص البروفيسور جيه إف دي شروزبري، عالم الأحياء الدقيقة الطبية فحصا دقيقا أغلب القصص ~~المحلية المنشورة وسجلات الأبرشيات، وقرأ قراءة موسعة في السجلات التاريخية والمذاكرات ~~المعاصرة. وقد نشر كتابه «تاريخ طاعون دبلي في الجزر البريطانية»، وهو موجز معلوماتي عن ~~الأوبئة. صحيح أنه دون شك كتاب كئيب ومربك في بعض المواضع، إلا أن حسه الفكاهي يخفف من جفاف ~~تناوله بين الفينة والأخرى. # للأسف فسر شروزبري كل الروايات بحيث تتناغم مع معتقداته بأن الطاعون لم يكن مرضا ~~ينتشر من شخص لآخر، لكننا عولنا على الروايات والأدلة الأصلية أينما أمكن. وكالمعتاد، ~~من الواضح وضوح الشمس أن الأشخاص الذين عاشوا آنذاك قد أدركوا أن الطاعون معد بشكل ~~مباشر. ~~(1) أول مئتي عام من الطواعين في إنجلترا # سرعان ما قبل الإنجليز حقيقة أن الطاعون صار جزءا من نمط حياتهم. كان جون بيرجوين ~~يشكو بالفعل في زمن ريتشارد الثاني من أن الأطباء الممارسين كانوا يحتالون على الناس ~~ويستغلون الأوبئة لجني المال: # ومع ذلك كان شخصا شحيح النفس، # واكتنز المال الذي جناه إبان الطاعون؛ # فالذهب يصنع الدواء الذي يطيب القلب، # هكذا صار عاشقا للذهب. # ثمة مخطوطة أخرى كانت متداولة في إنجلترا صدرت نحو عام 1480 واعتبرت ~~في غاية الأهمية، لدرجة أنها اعتبرت واحدة من أوائل المخطوطات التي تطبع في الصحف ~~الإنجليزية. وأعيد طبعها عام 1536، وأصبحت مرجعا قياسيا لعصرها حول تجنب الطاعون ~~والوقاية منه وعلاجه. يصف الكاتب نفسه، بصفته أسقف مدينة آرهوس بالدنمارك ويزعم أنه ~~زاول مهنة الطب في مونبلييه، ويشرح التدابير الوقائية التي توصل إليها: # لعلي لم أتحاش صحبة الأشخاص في جبل بيسيولين؛ حيث كنت أتنقل من منزل إلى ~~آخر بسبب الفاقة؛ لأشفي القوم السقماء. من ثم كنت أحمل بحوزتي كسرة خبز أو ~~إسفنجة مغموسة في الخل؛ لأضعها على فمي وأنفي؛ لأن كل الأحماض (المواد اللاذعة) ~~من شأنها أن تعوق سبل أخلاط الجسد، وتحول دون دخول المواد السامة إلى جسد ~~الإنسان، وهكذا نجوت من الطاعون، في الوقت الذي اعتقد ms067 فيه زملائي أنني لن أنجو. ~~وقد برهنت بنفسي صحة هذه الأمور المذكورة آنفا. # أحد الأمور المثيرة هنا هو أن الإسفنجة المنقوعة في الخل ربما كانت ~~طريقة فعالة لدرء الإصابة بالمرض الذي كان ينتقل عن طريق العدوى الرذاذية. # ثمة بعض الملامح التي كانت تميز الوباء اللعين حيرته: # إلا أنه كانت هناك قضيتان وثيقتا الصلة: أولهما تتعلق بسبب موت أحدهما وعدم ~~موت الآخر، ففي بلدة واحدة يلقى أناس حتفهم في منزل، وفي منزل آخر لا يلقى ~~أحد حتفه. [لقد ذكرنا بالفعل هذه الظاهرة.] وثانيهما تتعلق بمسألة ما إذا ~~كانت القرح الجلدية للطاعون معدية أم لا. # بشأن القضية الثانية أرى أن القرح الجلدية للطاعون معدية بفعل السوائل ~~الحيوية المعدية، وتكون الانبعاثات أو الروائح الكريهة لمثل هذه القرح سامة ~~وملوثة للهواء؛ ومن ثم فمن المفترض أن تبتعد عن مثل هؤلاء الأفراد لأنهم ~~يحملون العدوى. # ويبدو أنه يشير إلى أنه من الممكن أن تكون واقفا بالقرب من شخص يبدو ~~صحيحا وسط حشد من الناس وتنتقل إليك العدوى انتقالا مباشرا: # في زمن الطاعون ينبغي ألا يقف أحد وسط الجموع الغفيرة المكتظة، لأنه ربما ~~يكون أحدهم ناقلا للعدوى؛ ومن ثم يقف الأطباء الحكماء عند زيارة السقماء ~~بعيدا عن المريض مديرين وجوههم نحو الباب أو النافذة، هكذا أيضا ينبغي أن يقف ~~خدام السقماء. # رأى الأسقف أيضا أن الهواء كريه الرائحة كان ينقل المرض: # إن إخلاء المكان المعدي وتغييره علاج جيد، لكن ربما لا يستطيع البعض تغيير ~~أماكنهم، ومن ثم يتعين عليهم أن يتحاشوا بقدر المستطاع كل مسببات العفونة، ~~وتحديدا كل شهوة جسدانية مع امرأة. من نفس المنطلق، يتعين تحاشي جميع الروائح ~~الكريهة كتلك المنبعثة من الحظائر أو الحقول أو الطرق أو الشوارع المتعفنة ~~وتحديدا الرمم الميتة النتنة، ومعظم المياه النتنة، حيث تترك المياه في أماكن ~~كثيرة لمدة يومين أو ليلتين، أو تكون هناك مجاري مياه تحت التربة تسبب عفونة ~~وتلوثا هائلين. ولهذا السبب يموت البعض في المنزل الذي تحدث فيه هذه الأمور، ~~ولا تجد موتى في منزل آخر، ms068 كما ذكرت قبلا، ومن ثم لا تدع الهواء المحمل ~~بالعدوى يدخل إلى منزلك؛ لأن الهواء المحمل بالعدوى يسبب عفونة في الأماكن ~~والمنازل التي ينام فيها الأفراد؛ ومن ثم اجعل بيتك نظيفا، وأشعل نارا من ~~الحطب لتطهر منزلك ببخور الأعشاب. # وقد فطن إلى فكرة الحجر الصحي التي لم تكن مفعلة في إنجلترا ~~آنذاك: «أيضا خلال الطاعون، من الأفضل أن تلزم المنزل؛ إذ ليس جيدا من الناحية ~~الصحية أن تخرج إلى المدينة أو البلدة.» # كما قدم تعليمات واضحة من أجل التشخيص والعلاج: # لكن البعض سوف يفهم كيف عساه أن يشعر المرء لدى الإصابة بالعدوى. أقول إن ~~المرء المصاب يجب ألا يتناول الكثير من اللحم في هذا اليوم؛ إذ سيمتلئ جسده ~~بالأخلاط السامة، وبعد العشاء مباشرة تسيطر عليه رغبة في النوم، ويشعر بحرارة ~~شديدة في الأجواء الباردة، كما يشعر بألم مبرح في الجبهة ... وبتورم تحت ~~الإبط، أو بالقرب من منطقة العانة، أو بالقرب من الأذن ... عندما يشعر شخص بأنه ~~معد، حالما قد يشعر بذلك، اجعله ينزف بغزارة إلى أن يفقد الوعي، ثم أوقف ~~النزيف، حيث إن قليلا من فصد الدم يحرك السم أو يثيره. # بالتأكيد التزم الأفراد بفكرة أنه ينبغي الابتعاد عن الآخرين عندما ~~يوشك الطاعون على التفشي. تقدم البرلمان بعريضة إلى الملك هنري الرابع عام 1439 مطالبا ~~بإلغاء مراسم تقبيل الملك إبان حفل منح الأراضي للفرسان؛ لأن «مرضا يسمى الطاعون ~~توغل عموما في أنحاء إنجلترا على نحو أعنف مما هو معتاد ولأنه معد للغاية.» ونقل ~~البرلمان إلى ونشستر عام 1449؛ للابتعاد عن «هواء ويستمنستر الموبوء.» # ضرب طاعون عنيف لندن في عامي 1499-1500 عندما لقي 20 ألف شخص حتفهم، وكانت ~~العدوى لا تزال نشطة حتى قرب نهاية شهر أكتوبر عام 1501 إبان حفل استقبال الأميرة ~~الصغيرة كاثرين أراجون في بلدة جريفزند . وكانت كاثرين قد وفدت من أجل زواجها من الأمير ~~آرثر، واشتهرت في التاريخ بزواجها من أخيه الملك هنري الثامن. أعطى الملك هنري السابع ~~الأوامر التالية: # سوف يوضح القهرمان أو يأمر أحدا بالتوضيح للأميرة ms069 المذكورة أن سمو الملك ~~الذي ينظر بعين الرأفة إلى المشقة الكبيرة والطويلة التي تكبدتها وسفرها عبر ~~البحر، وأنه كان سيسعد كثيرا بوصولها وإقامتها لتلك الليلة في جريفزند، إلا ~~أنه نظرا لانتشار الطاعون هناك مؤخرا، ولأن المكان لم يطهر منه بعد، يرى ~~الملك أنه لا ينبغي أن تتعرض لمثل هذه المجازفة أو الخطر، من ثم أمر سموه ~~بتجهيز الزورق وترتيبه لإقامتها. # بكل تأكيد تسبب الطاعون في بعض الاضطرابات بين أسرة تيودور المالكة: # كتب سفير البندقية عام 1511 أن الملكة الأرملة (والدة هنري الخامس) توفيت على إثر ~~الإصابة بالطاعون، وأن هنري الثامن كان خائفا، فدأب على نقل بلاطه بانتظام إلى قصر ~~هامبتون كورت أو إلى جرينتش أو جريفزند، وكان في الغالب يسافر بحرا لتحاشي الإصابة ~~بالمرض. كتب إرازموس عام 1514 أنه كان مشمئزا من لندن و«اعتبرها مكانا غير آمن ~~للإقامة فيه» بسبب الطاعون. وقد آثر الملك لدى ذهابه في موكب إلى كاتدرائية القديس بولس ~~بإنجلترا أن يظل على صهوة جواده «ليتجنب الاتصال بالجمع بسبب الطاعون». # كتب مبعوث البندقية في مذكراته عن عام 1513 يقول: # كان ضحايا الطاعون يسقطون باستمرار، مرض اثنان من خدامه في الثاني ~~والعشرين من أغسطس، لكنهما لم يتعرفا على المرض، وفي الخامس والعشرين من ~~أغسطس نهضا من فراشيهما، وذهبا إلى حانة ليحتسيا مشروبا معينا يطلق عليه ~~«المزر» ولقيا حتفهما في اليوم نفسه، وألقي سريراهما وفرشهما وغير ~~ذلك من متعلقاتهما في البحر (على الأرجح في نهر التيمز). # في السابع عشر من سبتمبر كتب إلى البندقية أن «البقاء في لندن خطر؛ ~~إذ يقال إن الوفيات تصل إلى 200 شخص في اليوم الواحد، ولا يزاول أحد أية أعمال، ~~فجميع تجار البندقية في لندن اتخذوا لهم منازل في المدينة، وكان الطاعون قد انتشر أيضا ~~في الأسطول الإنجليزي.» وفي أكتوبر تراوح عدد الوفيات ما بين 300 و400 فرد في اليوم كما ~~أورد المبعوث الذي أقام في المدينة. في السادس من نوفمبر والسادس من ديسمبر، كتب أن ~~الطاعون لا يزال يسبب الكثير من الدمار. # أيضا ms070 نشط وباء عنيف في لندن في خريف عام 1531، مسببا خسائر في الأرواح تراوحت ما ~~بين 300 إلى 400 شخص أسبوعيا. تكفل هنري الثامن بنفقات فقراء جرينتش الذين طردوا في ~~الحال من باب الحيطة لدرء انتقال العدوى إليه عندما لجأ إلى هناك. ~~(2) طاعون في الشمال # يبدو أن معظم الأوبئة التي ظهرت في النصف الأول من القرن السادس عشر في شمال إنجلترا ~~كانت مقتصرة على الجانب الشرقي من البلاد، من يورك إلى برويك آبون تويد على الحدود ~~الاسكتلندية. # في وقت مبكر من عام 1538، نحو شهر مارس، كان الطاعون يحصد أرواح مواطني يورك، وفي ~~مطلع شهر أبريل كان تأثيره شرسا للغاية حتى إن جهاز المدينة أمر بالزج بكل المرضى في ~~منازل خارج بوابة لاثروب التي خصصت لاستقبالهم، وبغلق البوابة وبعدم دخول أو خروج أي ~~مصاب. قرب نهاية هذا العام، انتشر الوباء أكثر، وأبلغ مجلس الشمال الملك هنري الثامن أن ~~الطاعون كان مستشريا في درم ومدينة نيوكاسل آبون تاين. # مرة أخرى ضرب يورك طاعون جرى الاعتراف به رسميا في يناير عام 1550، عندما أمر جهاز ~~المدينة جميع «القاطنين في لاثروب» بإخلاء منازلهم اللازمة لإقامة المرضى. كانت هذه ~~المنازل هي نفسها التي بنيت منذ 12 عاما لنفس الغرض، شغلها، سواء عن طريق الإيجار ~~أو بوضع اليد، من يقطنون المنازل المهجورة في الفترة التي تخللت الوباءين. ولما ثبت أن ~~هذه المنازل غير كافية، أنشئ مبنيان آخران في هوب مور، وذلك في فبراير من نفس العام. ~~وفي وقت لاحق من نفس الشهر، فرض الجهاز أموالا على الدوائر الانتخابية الأربع بالمدينة ~~من أجل إغاثة الفقراء من المرضى. # وفي ربيع عام 1551، ظهر الطاعون بقوة متجددة في المدينة، وفي مطلع شهر مايو، بدأ يسبب ~~اضطرابات للسلطات، فعلى ما يبدو امتلأت بنايات لاثروب وهوب مور بالمرضى بحلول ذلك ~~الوقت، حيث إن جهاز المدينة أمر في السابع من مايو جميع مرضى الطاعون بالتزام منازلهم ~~الخاصة، ونظرا لاستمرار المرض في التفاقم، ألغى جهاز المدينة عرض مسرحية «جسد المسيح» ~~في الثامن عشر من نفس الشهر. ms071 # وإبان نوبة تفشي الوباء، أصدر مجلس المدينة قرارا بأن يضع كل منزل مصاب «صليبا ~~أحمر على الباب»، وهو على ما يبدو أول استخدام لهذا اللون كعلامة على الطاعون في ~~إنجلترا. وقد فقدت يورك على الأرجح نصف سكانها على الأقل في هذا الوباء. # استشرى طاعون عظيم في مدينة مانشستر عام 1558، وقد استبد القلق الشديد بسلطات ليفربول ~~خشية أن يمتد إليهم. ولسوء الحظ، طالتهم أنيابه، وأشير بإصبع الاتهام إلى رجل أيرلندي ~~يحمل اسما ويلزيا وهو جون هيوز. وقد اتهم بأنه كان مريضا لدى وصوله إلى البلدة من ~~مانشستر، وأنه أخذ ملابسه المتسخة لغسلها في منزل رجل يدعى نيكولاس براي. أصيب أحد ~~أبناء براي بالعدوى ومات. مثل هيوز أمام العمدة وخضع لتحقيق قاس، لكن لم يكن ~~ممكنا إثبات الاتهامات. ومع ذلك، سواء كان الشخص الذي نقل الطاعون أو أن الطاعون قد ~~وصل عن طريق قنوات أخرى، فإن آخرين كثيرين في نفس المنزل لقوا حتفهم بعدها بفترة ~~وجيزة، «وهكذا منذ تلك الواقعة ازداد عدد ضحايا الطاعون بصفة يومية ليصل عدد الذين ~~ماتوا بين عيد القديس لورانس (في العاشر من أغسطس) وعيد القديس مارتن التوروزي (في ~~الحادي عشر من نوفمبر) من بعده، 240 شخصا تقريبا.» وبلغ الحد بقسوة نوبة تفشي الطاعون ~~في ليفربول أن معرض عيد القديس مارتن قد ألغي ولم تقم أية أسواق لمدة ثلاثة ~~أشهر. ~~(3) أول مرسوم للطاعون # صدر إعلان رسمي عام 1543 وقدم تعليمات كاملة حول تدابير الصحة العامة التي يتعين ~~تنفيذها إبان الطاعون. # صدر مرسوم إلى أعضاء المجالس المحلية أنه: # ينبغي عليهم أن يجعلوا شمامستهم يضعون علامة الصليب على كل بيت من ~~المفترض أنه مصاب بالطاعون، ويظل الصليب هناك لمدة أربعين يوما [على ما يبدو ~~أن فترة الحجر الصحي الموحدة في القارة الأوروبية صار معمولا بها حينذاك في ~~إنجلترا]. # يحظر على أي شخص قادر على العيش بمفرده ومن المفترض أنه مصاب بالطاعون، أن ~~يخرج من المنزل أو يذهب إلى أي تجمعات لمدة شهر من بعد إصابته بالمرض، وأن كل ~~الذين لا ms072 يستطيعون العيش دون عملهم اليومي، ينبغي عليهم - بقدر إصابتهم بالمرض ~~- أن يحجموا عن الخروج من المنزل، وينبغي عليهم لمدة أربعين يوما أن يحملوا ~~في يدهم باستمرار قضيبا أبيض طوله قدمان. # ينبغي على كل شخص كان بيته مصابا أن يحمل بعد انتهاء الابتلاء كل القش ليلا ~~في الخفاء إلى الحقول وحرقه، وينبغي عليه أيضا أن يحمل ملابس المصاب إلى ~~الحقول كي يشفى. # يحظر على أي صاحب منزل طرد أي مصاب بالمرض من منزله إلى الشارع أو أي مكان ~~آخر ما لم يقدم له سكنا بديلا في منزل آخر. # جميع الأشخاص الذين يقتنون كلابا في منازلهم بخلاف سلالة كلاب الهاوند (كلاب ~~الصيد) أو السبانيل أو الماستيف (الدرواس)، الضرورية لحماية أو حراسة منازلهم، ~~ينبغي أن يبدءوا على الفور في نقلها خارج المدينة، أو قتلها وحملها خارج ~~المدنية ودفنها في مقالب القمامة والنفايات العامة [بني هذا الأمر على ~~الاعتقاد بأن الكلاب كانت تحمل العدوى في شعرها، وفي وقت لاحق إبان ~~الطواعين العظيمة في الأعوام 1603، و1625، و1665، قتل آلاف من الكلاب، ~~وكان كثير منها قد تركتها الطبقات الموسرة لدى فرارها.] # ما دام المرء محتفظا بكلاب الهاوند أو السبانيل أو الدرواس، يحظر عليه أن ~~يسمح لها بالخروج من المنزل، وإنما يحكم حبسها. # يتعين على وكلاء الكنائس في كل أبرشية أن يعينوا شخصا ما كي يمنع ~~دخول جميع المتسولين البذيئين إلى الكنائس في أيام الأعياد المقدسة، وإبقائهم ~~في الخارج. # يتعين تطهير كافة الشوارع والطرقات، إلى آخره، الواقعة في ضواحي ~~المدينة. # يتعين على أعضاء المجالس المحلية التأكد من تلاوة هذا المرسوم في ~~الكنائس. # استخدمت القضبان البيضاء التي يبلغ طول كل منها قدمين، والتي تعين ~~على أولئك المضطرين إلى الخروج من منازل ضربها الطاعون حملها والمنصوص عليها في الفقرة ~~الثانية خلال معظم القرن السادس عشر في إنجلترا وفرنسا. وكل من يخالف هذا المرسوم كان ~~«يودع في الزنزانة». كتب مبعوث البندقية في فرنسا من إحدى ضواحي باريس عام 1580: # أسمع أن هذه المدينة موفورة الصحة للغاية، إلا أنه حالما دخلت من ms073 بوابة ~~المدينة، القريبة من محل إقامتي، التقيت رجلا وامرأة حاملين عصا الطاعون ~~البيضاء في يديهما ويطلبان صدقة، لكن البعض يعتقد أن هذه ما كانت إلا حيلة ~~منهما لجني المال. # في طواعين القرن السابع عشر في لندن والبلدات الإقليمية، استخدمت ~~العصا البيضاء كشارة خاصة للمفتشين عن المنازل المصابة ولحاملي الموتى. وصار القضيب ~~الأبيض أو العصا البيضاء التي يحملها نزلاء المنازل المصابة قضيبا أحمر إبان طاعون ~~عام 1603. # في ظل حكم الملكة إليزابيث الأولى، أصبحت بنود المرسوم التي تخص النظافة المدرجة ~~أعلاه أكثر صرامة، فكان من ضمن المهام الأخرى التي يزاولها «عمال النظافة» الإشراف على ~~الأرصفة، التي كان يجري كنسها بصفة أسبوعية، وعلى المسالخ وأماكن جمع القمامة وما شابه، ~~وعلى المباني الخطيرة، وانتهاكات الشوارع، والمداخن والتدابير الاحترازية التي تتخذ ~~للحيلولة دون اندلاع الحرائق (بحيث تكون أحواض المياه جاهزة على الأبواب لإخماد الحرائق ~~ونظافة الشوارع). إبان طاعون عام 1563، عين مجلس العموم «رجلين فقيرين لحرق ودفن ~~القش والملابس وفرش الأسرة، التي يجدونها في الحقول بالقرب من المدينة أو بداخل ~~المدينة، التي استلقى أو مات عليها أي شخص إبان الطاعون.» # في أبريل عام 1552، غرم جون شكسبير - وهو والد الكاتب المسرحي ويليام شكسبير وكان ~~صانعا للقفازات ومواطنا ميسور الحال من بلدة ستراتفورد أبون آفون أصبح فيما بعد عمدة ~~المدينة - اثني عشر بنسا لعدم التخلص من كومة القمامة والفضلات المنزلية التي كانت قد ~~تراكمت أمام باب منزله. وعندما زارت الملكة إليزابيث مدينة إبسويتش، لم تكتف بتوبيخ ~~الكهنة بسبب تراخيهم، بل وبخت أيضا السلطات المدنية بسبب الحالة القذرة ~~للشوارع. # مع أن تدابير تعزيز الصحة العامة المطورة هذه كانت رائعة، فإنها لم تحدث أدنى تأثير ~~على تطور أو شدة الطاعون، حتى عندما كانت تنفذ بحذافيرها. # كانت أكثر التدابير صرامة في طاعون عام 1563 تلك التي وضعتها الملكة إليزابيث من أجل ~~سلامتها الشخصية: # علقت مشنقة في السوق بمدينة وندسور لشنق كل ما يأتون من لندن. يحظر جلب ~~بضائع إلى أو عبر أو بواسطة وندسور، كما يحظر على أي شخص أن يحمل ms074 أخشابا أو ~~بضائع أخرى إلى أو من لندن عبر النهر الذي يمر بوندسور. بمثل هؤلاء تنزل عقوبة ~~الإعدام شنقا بلا محاكمة. وأما أولئك الذين يجلبون أية بضائع من لندن إلى ~~وندسور فيطردون من منازلهم، وتغلق تلك المنازل. # قطعا أدرك الناس أن الخطر يصاحب وصول المسافرين. # جرى تحديث مراسيم الطاعون هذه عام 1568. تمثلت أحد البنود الضرورية لوسائل مكافحة ~~الطاعون في تعيين المفتشين. في مراسيم عام 1543، أمر أعضاء المجالس البلدية بإرسال ~~شمامستهم لوضع علامة الصليب على المنازل المصابة. بيد أنه في الوقت المناسب ~~انتقلت هذه المهام المتضمنة تفتيشا وإخطارا وعزلا وتسجيلا في لندن إلى أيدي رابطة ~~موظفي الشئون الإدارية بالأبرشية. وكان النشاط الأساسي لموظفي الشئون الإدارية ~~بالأبرشية هو موسيقى الكنيسة. وكان الإرث والوقف ينتقلان إليهم مقابل أداء خدمات ~~معينة أو من أجل تشجيعهم عموما. وكان جميع أعضاء رابطة موظفي الشئون الإدارية ~~بالأبرشية يحضر في تلك الآونة جنازة بعض الأثرياء، وهكذا استطاعوا بسهولة أن ~~يتكيفوا مع دورهم الجديد. اشتملت مهامهم على تجميع قوائم أسبوعية بالوفيات في كل ~~أبرشية. # تلزم مراسيم عام 1581 «أن يقسم مراقبان متحفظان بداخل كل أبرشية قسما ~~أمينا بتفقد جسد كل من يموت بداخل نفس الأبرشية وأن يبلغ موظف الأبرشية ~~الذي يعمل لدى مراقبي الموظفين الإداريين بالأبرشية». اقتصرت وظيفة هؤلاء ~~المراقبين المتحفظين على تحديد ما إذا كان الموت قد حدث بسبب الطاعون أو لأسباب أخرى، ~~إلا أنهم كانوا يحلفون على أداء مهامهم بكل أمانة، حيث كانت مراسيم القسم تتم داخل ~~كنيسة سان ماري لو بو بشارع تشيبسايد في لندن. ~~(4) نجاة ويليام شكسبير # ضرب الطاعون بلدة ستراتفورد آبون آفون مرارا وتكرارا. دون في السجلات ~~التاريخية يوم الحادي عشر من يوليو 1564 أنه «ها هنا بدأ الطاعون»، وأن أول شخص لقي ~~حتفه هو أوليفر جونه، تلميذ توماس ديجي. بعدها بتسعة أيام، دفنت جوانا ديجي زوجة ~~توماس ديجي. نقل أوليفر جونه المرض إلى خمس أسر أخرى، وبفحص السجلات يتبين أنه نقل ~~العدوى هو وجوانا ديجي إلى نحو 20 مصابا. وهكذا بدأ الوباء حيث ms075 وصل ذروته في سبتمبر ~~قبل أن يخمد تدريجيا في يناير من العام التالي. وسجل نحو 220 شهادة دفن على إثر ~~الإصابة بالطاعون الذي كان يمثل وباء كبيرا، إلا أنه لم يكن بنفس القدر من الحدة ~~مثل بعض الأوبئة الأخرى. # كان ويليام شكسبير هو المولود الثالث لجون شكسبير وزوجته ماري أردن، لكنه المولود ~~الأول الذي عاش إلى ما بعد مرحلة الطفولة. كان ويليام شكسبير يبلغ من العمر ثلاثة أشهر ~~عندما تفشى الطاعون عام 1564، وكان محظوظا أن ينجو من العدوى ويظل على قيد الحياة بعد ~~فترة الرضاعة؛ فمن المرجح أن تكون والدته قد فرت إلى منزل عائلتها في قرية ويلمكوت ~~التي تبعد نحو ثلاثة أميال (خمسة كيلومترات)، وكان هذا المنزل لا تزال تقطنه زوجة أبيها ~~الأرملة. لو كان الأمر جرى على خلاف ذلك، لربما لم تصل إلينا أعمال شخص عبقري. ~~(5) القيمة الحقيقية لسجلات وقوائم وفيات ~~الأبرشيات للباحثين في تاريخ الطواعين # كما ذكرنا قبلا، تعود ممارسة الاحتفاظ بسجلات الأبرشية الخاصة ~~بالمعمودية والزواج والدفن إلى نحو عام 1540. في البداية كانت مهلهلة، إلا أنها ~~صارت أكثر تنظيما شيئا فشيئا، وقدمت معلومات أكثر قيمة في كل بند من بنودها، فهي لا ~~تقدم مجرد بيانات رقمية بشأن البلديات المصابة وعدد المصابين وتواريخ الدفن، إنما تقدم ~~أيضا أسماء الضحايا وتفاصيل أخرى عنهم. ظلت هذه السجلات المفصلة لما يقرب من ~~الأربعمائة عام، وهي سجلات تنفرد بها إنجلترا. في العصر الإليزابيثي سن قانون يلزم ~~الكاهن أو موظف الأبرشية بتسجيل أي حالات وفاة من الطاعون في سجل الأبرشية. ~~سوف نوضح في وقت لاحق كيف يمكن تحليل هذه السجلات التي لا تقدر بثمن لإماطة اللثام عن ~~خيوط مهمة. # منذ منتصف القرن السادس عشر تقريبا بدأ حفظ قوائم بيانات أخرى مثل قوائم وفيات لندن، ~~وهي قوائم أسبوعية، وملخصات شهرية وسنوية بوثائق الدفن، التي اشتملت فيما بعد على أسباب ~~الوفاة. وقد كانت في الأساس بمنزلة نظام تحذير مبكر لرصد وصول وباء طاعون؛ لذلك يوجد ~~كم وفير من المواد التي قد تفيد المؤرخين بشأن المائة ms076 سنة الأخيرة من عصر ~~الطواعين. ولسوء الحظ، ليس هذا هو الحال بالنسبة إلى الفترة من عام 1350 إلى عام ~~1550. ~~(6) آخر مائة عام من الطاعون # فيما توالت السنون، ارتفع تعداد سكان البلدات والمدن بمعدل ثابت، وتحسنت وسائل النقل ~~والشحن بشكل ملحوظ، وانتعشت التجارة والحركة بالتبعية، وكانت قوات الجيوش في حراك دائم. ~~ضمنت كل هذه الأنشطة انتشار أوبئة الطاعون؛ فكانت تضرب مرارا وتكرارا بعنف متزايد، ~~وكلما زاد عدد الأشخاص في التجمعات الحضرية، زاد عدد الوفيات. ومع بزوغ القرن السابع ~~عشر، كان الطاعون يتفشى في مكان ما في بريطانيا كل عام تقريبا. # في يونيو عام 1580، نظرا لتفشي الطاعون في لشبونة، أمر اللورد بيرلي، وزير الخزانة، ~~باتخاذ الاحتياطات اللازمة لدى وصول السفن من هناك للحيلولة دون وصول العدوى إلى لندن؛ ~~فلم يكن مسموحا للتجار أو البحارة بالإقامة في المدينة أو الضواحي، كما لم يكن مسموحا ~~بتفريغ البضائع «إلى أن تتعرض للتهوية لبعض الوقت.» # في وقت لاحق من هذا العام، منع مجلس جلالة الملكة كافة السفن والبضائع بميناء راي ~~بمقاطعة ساسكس على الساحل الجنوبي، حيثما كان الطاعون هائجا، من مواصلة مسيرتها إلى ~~لندن «إلى أن تتعرض للتهوية.» علاوة على أنه لم يكن مسموحا لقاطني ميناء راي بالذهاب ~~إلى المدينة أو بإرسال أي بضائع برا، ما دام الطاعون منتشرا هناك. # إلا أن الملكة أبلغت في سبتمبر من عام ~~1581 أن زيادة استشراء الطاعون «تعود إلى حقيقة أن الأوامر الصادرة بشأن المصابين لا ~~تنفذ.» ونتيجة لذلك، «أجبرت الملكة على الانتقال بعيدا وإرجاء تنفيذ القانون» (أي ~~إنها قامت بإجراء مراوغ وفرت). # في أبريل عام 1582، أصدر لوردات المجلس تعليمات «لمنع الدفن في فناء كنيسة سان بول» ~~لأن فناء الكنيسة كان مكتظا للغاية لدرجة أنه «لم يكن يوجد أي قبر دون جثث ~~مكشوفة.» # وفي أكتوبر عام 1582، أصدرت الملكة أوامر بمنع أي تجار أو أشخاص آخرين من المدينة كان ~~لديهم مصابون في منازلهم من اللجوء إلى مقاطعة هارتفورد أو بلدة وير أو بلدة هوديسدون ~~أو إرسال أي أنواع من البضائع أو ms077 الأطعمة أو ما شابه إليها. # وفي أبريل عام 1583 تفاقمت العدوى بشدة، وأمرت الملكة بما يلي: # يجب غلق المنازل المصابة، وتوفير الطعام للمرضى ومنعهم من الخروج، ويجب تمييز ~~المنازل المصابة، وتطهير الشوارع تطهيرا شاملا. وأعربت جلالتها عن دهشتها ~~لعدم بناء مستشفى خارج المدينة لنقل المصابين إليه، بالرغم من أن مدنا أخرى ~~ذات آثار أقل عراقة وأقل صيتا وثراء وشهرة قد بنت لنفسها مثل هذه ~~المستشفيات. ~~(7) اسكتلندا # في تلك الأثناء لم تنج اسكتلندا، بل في وقت مبكر وتحديدا في عام 1475، استخدمت ~~جزيرة إنشكيث عند مصب نهر فورث كمحطة حجر صحي. وفي وقت لاحق، استخدمت أيضا جزيرتا ~~إنشكولم وإنشجارفي لنفس الغرض. # صار الطبيب جيلبرت سكين طبيب الملك جيمس السادس عام 1568، عام الطاعون العظيم في ~~إدنبرة، وقد خط أطروحة حول المرض، فيقول إن الطاعون دخل المدينة في الثامن من سبتمبر ~~حيث جلبه إلى المدينة «تاجر يدعى جيمس دالجليش.» # قدم آر تشامبرز، الذي كتب «حوليات الشئون الداخلية لاسكتلندا»، الوصف التالي عن ~~ممارسات الصحة العامة التي كانت تطبق إبان هذا الطاعون: # جرت العادة في إدنبرة أن تجبر العائلات التي يثبت إصابتها بالطاعون على ترك ~~المدينة بكل متعلقاتهم الخاصة وأثاثهم المنزلي والذهاب إلى بيرج مور، حيث ~~يقيمون في أكواخ رديئة أنشئت في عجالة لإقامتهم. وكان من المسموح أن يزورهم ~~الأصدقاء بمعية أحد الضباط بعد الساعة الحادية عشر صباحا، وأي شخص كان ~~يذهب قبل هذا الوقت المحدد يصبح عرضة للعقاب موتا [تدابير وحشية حقا]، ~~وكذلك كان يعاقب موتا أولئك الذين يتسترون على الطاعون في منازلهم. في الوقت ~~نفسه كان تطهير ملابسهم يتم بغليها في مرجل كبير مقام في الهواء الطلق، ~~وكان الضباط المناسبون يطهرون منازلهم. كل هذه القواعد تتم تحت إشراف ~~مواطنين منتقين من الشعب؛ من أجل هذا الغرض يطلق عليهم «قضاة المور أو الأرض ~~السبخة»، ويرتدي كل منهم، شأنهم شأن غاسلي وحاملي الموتى، ثيابا رمادية، ~~عليها من الأمام والخلف صليب القديس أندراوس الذي يأخذ شكل حرف إكس. # وقيل إن الأعراض التي ظهرت على الضحايا هي: # الإغماء، ms078 قشعريرة البرد والتصبب عرقا، القيء، عفن الفضلات وتصلبها، ~~بول لونه أسود أو له لون الرصاص، تشنج العضلات، واختلاج الأطراف، وعسر ~~الكلام، ورائحة أنفاس كريهة، ومغص، وانتفاخ الجسد كما يحدث في داء الاستسقاء، ~~ووجه متغير اللون، وبقع حمراء [أمارات الرب] سرعان ما تظهر وتختفي. # دام هذا الوباء في إدنبرة حتى فبراير عام 1569 ومات على إثره 2500 ~~شخص. ~~(8) طواعين في مطلع القرن الجديد # كتب توماس ديكر، الكاتب المسرحي الذي قيل عنه إنه «عرف لندن قدر معرفته بديكنز»، ~~كتابا بعنوان «السنة الرائعة 1603: لندن على فراش المرض من الطاعون». وصف ديكر أول ما ~~وصف حالة «ضواحي لندن الملوثة بالخطية»: # من خلال التجول في أنحاء الشوارع الساكنة الكئيبة في ساعات الليل المائتة. ~~تتناهى إلى مسامعه من كل بيت: تأوهات مرضى مصابين بالهذيان، وغمرات الموت ~~تكتنف الأرواح المحتضرة، وعبارات الحسرة المثيرة للفزع. يصيح الخدم كمدا على ~~أسيادهم، والزوجات على أزواجهن، والآباء على أبنائهم، والأطفال على أمهاتهم. ~~هنا يقابل بعض الأشخاص وهم يهرولون في جنون ليوقظوا خدام الكنيسة، وهناك يلتقي ~~آخرين يتصببون عرقا في خوف كي يسرقوا الجثث في عجالة حتى لا ~~يمسهم المرض ويكتب الموت بيده على منازلهم. # وعندما يأتي الصباح، يقف مائة قبر جائع فاغرين أفواههم، وكل قبر يبتلع ~~عشر جثث أو إحدى عشرة جثة هامدة كإفطار له. وقبل حلول وقت الغداء، يلتهم نفس ~~القبر ضعف ما التهمه في الإفطار وأكثر، وقبل أن تخلد الشمس إلى مهجعها، ~~تتضاعف هذه الأعداد، 60 جثة مكومة معا على نحو مهمل في حفرة الروث! # إحدى القصص المروعة التي رواها عن وباء عام 1603 لصعلوك فقير في ~~أبرشية ساوثورك لكاتدرائية سان ماري أوفيري. ألقي هذا الصعلوك مع الموتى على ~~كومة من الجثث في الصباح، ووجد في المساء يلهث من أجل الحياة. آخرون كان الأسياد ~~القساة الأفئدة يطردونهم خارج المنزل ليموتوا في الحقول والخنادق، أو في الأكواخ ~~العامة أو الإسطبلات. وضع صبي مريض بالطاعون على متن زورق ليرسو به أينما يحط ، لكن ~~رجال جيش الحراب البنية (حراب بنية اللون كان ms079 يستخدمها جنود المشاة الإنجليز) ~~الذي كان يحرس الشاطئ منعوه من الرسو؛ من ثم كان من الضروري أن يؤخذ إلى المكان الذي ~~جاء منه ليلقى حتفه في قبو. # فيما كان الطاعون ثائرا في الضواحي ~~الفقيرة من المدينة، «حاصدا الأرواح شيئا فشيئا»، شعر المقتدرون بالخطر وولوا ~~الأدبار: «البعض على صهوة الجياد والبعض الآخر سيرا على الأقدام، البعض حفاة والبعض ~~الآخر يرتدي خفا، فروا بحرا، وبرا، نازحين بأعداد كبيرة غربا، ولم تكن الأحصنة ~~الصغيرة، والبحارة والعربات، مستخدمة على الإطلاق لسنوات طويلة، لدرجة أنه في غضون فترة ~~وجيزة لم يكن يوجد حصان واحد أو عربة واحدة في سميثفيلد كلها.» لكن لعل مكوثهم لم ~~يكن يختلف كثيرا عن إلقائهم لأنفسهم بين الأيدي غير الرحيمة لأبناء الريف قساة ~~الأفئدة. إن رؤية الريفي لشخص لندني يرتدي قبعة مسطحة كان أمرا مرعبا، كانت رؤية ~~الطوق الثلاثي الذي يرتديه أبناء لندن يجعل قرية بأكملها تذوب من الرعب. # انطلق أحد أبناء لندن إلى بريستول، ظنا منه أنه لن يرى مسقط رأسه مرة أخرى قبل ~~حلول عيد الميلاد. لكن عندما سافر مسافة أربعين ميلا من البلدة «باغته الطاعون» ~~وحاول الدخول إلى حانة. عندما انكشف أمره، أوصدت الأبواب في وجهه، «وأغلقت النوافذ ~~ذات الشرفة الواحدة بإحكام شديد فلم يكن هناك منفذ قيد أنملة، وتعذبت النوافذ ذات ~~الشرفتين من كثرة المسامير والطرق الذي خضعت له، ما من فتحة إلا سدت، فلم يترك ~~ثقب إبرة مفتوحا.» من شدة الفزع تدافع رواد الحانة بعضهم فوق بعض عند محاولة ~~الهروب، وفرت النادلات إلى البستان والسقاة إلى القبو. ساعد مواطن لندني ظهر في ~~المشهد المريض اللندني البائس، وحمله ليموت على حزمة من القش في ركن أحد الحقول، إلا ~~أن الخوري والكاهن رفضا دفنه، وألقي في حفرة في نفس المكان الذي لقي حتفه ~~فيه. # استطرد ديرك قائلا: # إن الطاعون في تلك الأثناء اخترق بوابات المدينة وشق طريقه في أنحاء شارع ~~تشيبسايد، فخر أمامه رجال ونساء وأطفال، وسلب اللصوص المنازل ونهبوا الشوارع، ~~وكسر الورثة السفهاء والخدام الوضعاء خزائن الأثرياء ms080 وتقاسموها فيما ~~بينهم. # بمقدوري أن أجعل وجنتيك تشحبان وقلبك يضطرب خوفا، بأن أخبرك كيف أن ~~البعض كان لديهم ثماني عشرة قرحة جلدية في آن واحد، والبعض الآخر كان لديهم ~~عشر أو اثنتا عشرة قرحة جلدية، وكثيرون كان لديهم أربع أو خمس قرح، وكيف أن ~~أولئك الذين أصابتهم عدوى هذا العام بأربع قرح لقوا حتفهم على إثر الإصابة ~~بآخر قرحة، في حين أن البعض الذين أصابتهم العدوى بقرح كثيرة لا يزالون ~~يجولون وهم أصحاء. # يبدو كما لو أن بعض الضحايا تعافوا أثناء وباء عام 1603 في ~~لندن. # توالت الجنازات واحدة تلو أخرى، لدرجة أن 3000 نائح خرجوا كما لو كانوا محتشدين معا، ~~وقد حشوا آذانهم وفتحات أنوفهم بأعشاب السذاب والشيح فبدا منظرهم مثل رءوس ~~الخنازير البرية الكثيرة العالقة في أغصان نبات إكليل الجبل. زار أحد الجيران الودودين ~~مصابا يعالج سكرات الموت ووعده بأن يحضر له نعشا، إلا أن هذا الجار لقي هو ~~نفسه حتفه قبل موت صديقه المصاب بساعة واحدة. ولدى سؤال أحد وكلاء الكنيسة في شارع ~~تيمز عن مكان لدفن أحد الموتى في فناء الكنيسة أجاب ساخرا أنه يريده لنفسه «وبالفعل في ~~غضون ثلاثة أيام كان قد دفن في المكان.» # وصف جون ديفيز، أستاذ جامعي من مقاطعة هيرفورد، طاعون لندن عام 1603 في قصيدة بعنوان ~~«انتصار الموت، أو صورة الطاعون، وفقا للحياة كما كانت معاشة عام 1603 ~~ميلادية»: # يصرخ حامل الجثث: ألق موتاك، # كان يدفنها بالأكوام في قبور متقلقلة ... # لقد لفظت ممرات لندن # ما يزيد عن حاجتها من الموتى، # الذين حملوا ملء عربات إلى القبور، # فقد كانت كل هذه الممرات تتغذى لحد التخمة على هذه الجموع. # وذكر أن السجناء في الزنازين نجوا نسبيا من الطاعون. يشير بيت ~~واحد إلى الحجم الهائل الذي كانت تبلغه قروح الطاعون في بعض الأحيان: # ها هنا ينتفخ قرح ملتهب قدر ما يستطيع الجلد أن يتمدد. # ويذكر ديفيز أن كلتا الجامعتين قد هجرتا. # كل قرية خالية من الطاعون تنتصب في حالة يقظة ... # وغالبا تمتلئ المروج بأكوام ms081 القش # بالأجسام المضروبة بالطاعون، الحي منها والميت، # كان في استخدام تلك الأكوام هلاك لكل إنسان وبهيمة. # اقتبس ديفيز أحد الحوادث الشنيعة (في إحدى الحواشي الجانبية) على أنها ~~وقعت في بلدة ليومنستر بمقاطعة هيرفوردشير. أغرق أحد المصابين بالطاعون لمنع انتشار ~~العدوى بأمر من السير هيربرت كروفت عضو مجلس الحدود الويلزية. ~~(9) الطاعون يعاود ضرب لندن # التقى تشارلز الأول ملك إنجلترا عروسه المستقبلية، الأميرة هنرييتا الفرنسية، ببلدة ~~دوفر في الثالث عشر من يونيو عام 1625 ودخلا لندن في الثامن عشر، متجهين على متن صندل ~~ملكي عبر النهر إلى «القصر الدنماركي» بسومرسيت وسط حشد هائل من الناس على أسطح المنازل ~~والسفن والقوارب في النهر، وقد صاحب ذلك إطلاق نيران المدفعية ومظاهر الترحيب بالأميرة ~~الكاثوليكية. بيد أنه قبل ذلك بخمسة أيام، كان قد كتب حارس الختم الملكي العظيم ~~بالفعل إلى كونواي، وزير الدولة، يخبره بظهور حالات طاعون بويستمنستر وأنه يتمنى أن ~~يكون سمو الملك قد قرر ألا يتجاوز جرينتش. # أمرت السلطات النبلاء بالمكوث في البلدة في انتظار قدوم الملكة الجديدة، وقد صدرت ~~هذه الأوامر للبعض منهم من قبل البرلمان. والتقت المجالس في الثامن عشر من يونيو، ~~ونصحهم الملك في خطابه بتعجيل أعمالهم بسبب الطاعون. وبعدها بفترة وجيزة، لما تعين ~~على اللورد فرانسيس راسل (الذي سيصبح فيما بعد أيرل بيدفورد) «الذهاب إلى البرلمان، ~~استدعى صانع أحذيته ليرتدي حذاءه عالي الساق، فخر صانع الأحذية ميتا في حضرته بسبب ~~الطاعون»، وهكذا تجنب سموه المجلس. # احتفظ سالفيتي، مبعوث دوق توسكانا الأكبر، بمفكرة يومية كتب فيها أنه في الأول من ~~يوليو عام 1625، كان الطاعون قد انتشر في كل الشوارع وبلغ أجزاء أخرى من المملكة، وحدث ~~نزوح عام إلى البلدة من كل شخص استطاع إليها سبيلا (كالمعتاد)، فمرة أخرى ترك القضاة ~~والأطباء والوزراء والأثرياء المدينة لتتدبر حال نفسها. وفي التاسع من أغسطس كتب ~~سالفيتي الذي هرب هو نفسه إلى بلدة ريتشموند: # أزاح القضاة عن كاهلهم كل التزام في يأس، وفعل كل شخص ما يحلو له، واقتحم ~~الناس منازل التجار الذين تركوا ms082 لندن ونهبوها. # كتب الدكتور ميدوس، كاهن كنيسة سان جابرييل بشارع فينتشيرتش في الأول ~~من سبتمبر: # بلغ عدد الفقراء والبؤساء هنا عددا لم يشهده أي إنسان عاش من قبل على وجه ~~الأرض، وانعدمت التجارة انعداما تاما، ورحل جميع الأثرياء، وأخذ مديرو ~~المنازل ومتدربو الحرف اليدوية يتسولون في الشوارع بطريقة مأساوية تؤثر حتى في ~~أشد القلوب قسوة. # صور إبراهام هولاند، ابن الطبيب فيليمن هولاند، هذا المشهد في أحد ~~الأبيات: # أي مظاهر لتلك الصحافة التي كانت تعمل حتى منتصف الليل # منذ وقت ليس ببعيد. # سر في الشوارع البائسة (يا من لا زلت تجرؤ # على المغامرة بالسير في هواء موبوء كئيب)، # ولسوف تصادف منازل كثيرة موصومة بصليب الطاعون الأحمر، # كما لو كانت المدينة شارعا واحدا على شكل صليب أحمر. # كما كتب جون تايلور، الذي أطلق على نفسه اسم «شاعر الماء»، والمسئول عن ~~مركب الملكة: # ربما تجد في شارع بأكمله متجرا أو متجرين، # مفتوحين لإدرار دخل بسيط ومكسب قليل. # وكل نافدة وباب وحظيرة مغلقة، # تجعل كل يوم يبدو كما لو كان عطلة رسمية. # كل التعاملات قد توقفت، أو كادت تتوقف تماما، # انقسم الناس فريقين: فريق يعاني مرضا وآخر يصارع موتا. # كانت الظروف هي نفس تلك التي عاشها الناس عام 1603: فخدام الكنيسة، ~~وصناع النعوش، وحاملو الموتى، والمفتشون، والصيادلة، والدجالون كانوا جميعا يعينون ~~بالأجرة: # ويغدق بالمال الوفير على قاتلي الكلاب؛ # لتحطيمهم رءوس الكلاب المتناحرة وكلاب الصيد الممتلئة. # وعن المرضى قال تايلور: # إنه كان يوجد البعض الذين يهذون في جنون، ~~والبعض الآخر الذين يبكون بحرقة. # وكانت نفس القبور العامة المكتظة كما في ~~عام 1603، أغلب الظن في نفس المدافن: # قبوري الكثيرة التي تفغر أفواهها عن آخرها، # يطعمونها كل ساعة بجثث الرجال. # ومع أنها تجد صعوبة في بلعها، فإنهم يطعمونها جثثا من جديد. # أو كما عبر تايلور عن ذلك: # تظل جثث الموتى تحمل مرارا وتكرارا، # مع أن قبرا واحدا لا يمكن أن يتسع لخمسين جثة. # من الواضح أن القروح والبثور قد تظهر لدى نفس الشخص أكثر من مرة، ~~وكانت تحين ms083 أفضل فرصة للنجاة عندما تظهر التقيحات: # البعض عندما ظهرت لديهم خراريج وقروح جديدة، # امتلئوا بالأمل ظنا منهم أنهم اجتازوا مرحلة الخطر. # تمثل الأمل الأساسي في الهروب، بيد أنه أثناء رحلة هروبهم «كانت ~~القوات التي تحمل الحراب والأسلحة المصنوعة من مناقير الطيور تعيدهم إلى بلداتهم، ~~فكانوا يجتازون وهم في حالة خزي قرية تلو الأخرى إلى أن ينهوا رحلتهم، وكانوا ينامون في ~~الحظائر، أو مخازن الحبوب والمباني الملحقة بالمنازل الأساسية، أو حتى بجانب الطريق في ~~الخنادق وفي الحقول المفتوحة.» # كان هذا مصير الرجال الأثرياء نسبيا. ذكر تايلور أنه عندما كان على متن مركب الملكة ~~في قصر هامبتون وفي إبحارهم عبر النهر إلى أكسفورد، انتابه الكثير من مشاعر الأسى ~~والشفقة لدى رؤية وسماع الترحيب البائس والجاف لكثير من أبناء لندن: # بات سماع اسم لندن الآن يبث # الذعر في كل البلدات والقرى بين قاصيها ودانيها. # فأن تنعت بأنك من أبناء لندن أسوأ من # أن تنعت بأنك لص ينهب البيوت أو سارق يخطف حافظات النقود ... # كان اللندنيون غير مرحب بهم # حتى في الأكواخ المتواضعة المصنوعة من القش وذات الأجر الزهيد # أزال الأجلاف الذين يرتدون الأحذية الثقيلة محببة النعال. # أولئك أصحاب القلوب المتحجرة كالصخور. # كانوا ينهرون الغرباء في الحقول # بدلا من أن يعطوهم أو حتى يبيعوا لهم كوبا من الماء. # كانت الحلابات وزوجات الفلاحين يتمتعن بصحة جيدة، # كن ينظرن إلى اللندني كما لو كان مخلوقا همجيا، # وكانت السيدات ذات المقام والنسب والمتسمات بالحشمة والرشاقة، # يعرضن عنه كما لو كان وحشا بربريا. # كما قدم المثل التالي: # كان هناك رجل مصاب بنوبة حمى ورجفة مستلقيا على الأرض في بلدة ميدينهيد ~~بمقاطعة بيركشير، وكانت نوبة الحمى قد اشتدت به. أخذ رجلان من البلدة (أستطيع ~~أن أسميهما) يضربانه بالحجارة، ولما لم يفلحا في دفعه على النهوض، تناول ~~أحدهما أنشوطة أو عقافة مراكب طويلة، وشبكها في بنطال الرجل المريض، ~~ساحبا إياه للخلف ووجهه مجرور على الأرض إلى أسفل الجسر في مكان جاف حيث ~~استلقى إلى أن زالت نوبته، وبعد أن فقد ms084 قبعة جديدة، ذهب إلى حال سبيله. # في ريتشموند، أخذ زوجة وصبي يجران الزوج عاريا أثناء الليل ~~وألقياه في نهر التيمز حيث عثر على جثته في اليوم التالي. وفي ساوثهامبتون في السابع ~~والعشرين من أغسطس مات شخص غريب في الحقول: «لقد قدم من لندن وكان بحوزته مبلغ كبير من ~~المال أخذ منه قبل موته.» # أكد الدكتور دون، رئيس رهبان كاتدرائية سان بول هذه المواقف في خطاب أرسله من تشيلسي ~~في الخامس والعشرين من نوفمبر: # ولى المواطنون الأدبار، كما لو كانوا قد فروا من منزل اشتعلت فيه ~~النيران، وحشوا جيوبهم بأفضل مقتنياتهم، وألقوا بأنفسهم على قارعة الطرق ~~الرئيسية، ولم يكن الناس يستقبلونهم حتى في مخازن الحبوب، ولقوا حتفهم ~~على هذا النحو: كان بحوزة البعض منهم مال يكفي لشراء القرية التي لقوا فيها ~~حتفهم ويفيض. أخبرني أحد قضاة الصلح عن شخص توفي هكذا وبحوزته 1400 ~~جنيه. # تناقل الناس قصة عن امرأة فرت إلى بلدة كرويدون التي تبعد 10 ~~أميال (16 كيلومترا) جنوب لندن، وفيما نظرت وراءها على تل ستريتم وقالت «وداعا أيها ~~الطاعون»، مرضت بعدها بقليل و«ظهرت أمارات الرب على صدرها.» ~~(10) وباء محدود في أبرشية مالبس: وافد من لندن يحمل العدوى # عاد راف داوسون من لندن، حيث كان الطاعون متفشيا، إلى منزل أبيه في برادلي، وهي ضيعة ~~بأبرشية مالبس بمقاطعة تشيشير، مسيرة نحو 185 ميلا (300 كيلومتر). ذكرت سجلات ~~الأبرشية على نحو مفصل ومحدد أنه كان قد أصيب بالعدوى وهو في لندن، وهو مثال ~~جيد آخر على قدرة المرض على الانتقال عبر مسافات طويلة. ظهرت لدى راف داوسون الأعراض ~~المميزة للمرض ولقي حتفه أخيرا في الخامس والعشرين من يوليو عام 1625. حسبنا ~~في وقت لاحق أنه حتما أصيب بالمرض وهو في لندن في الثامن عشر من يونيو تقريبا. وكان ~~لا بد أن يدفن بالقرب من منزل العائلة؛ نظرا لأنه لم يكن مسموحا بدفن جسده الموبوء ~~في فناء الكنيسة. # بعدها أصيب كل أفراد العائلة وخدامها بالعدوى، واحدا تلو الآخر، ودفنوا أيضا ~~بالقرب من المنزل. من ms085 المؤكد أن راف داوسون نقل العدوى إلى خمسة أفراد من العائلة بشكل ~~مباشر، وربما إلى اثنين آخرين، عمه ريتشارد داوسون وأخيه الصغير جون. من الواضح أن معدل ~~الاحتكاك الأسري كان مرتفعا. # وهكذا عندما وجد ريتشارد داوسون البقع النزفية - تلك الأمارات المرعبة - على صدره، لم ~~يكن هناك من بقي على قيد الحياة سوى ابن أخيه جون وخادمه. ذكرت السجلات القصة ~~المؤثرة الآتية عن ملحمة بطولية لم تلق من يحتفي بها: # نظرا لأنه كان مريضا بالطاعون ~~وكان يدرك أنه من المؤكد أن يموت في ذلك الوقت، نهض من فراشه، وصنع قبره، وجعل ~~ابن أخيه جون داوسون ينثر بعض القش في القبر الذي لم يكن بعيدا عن المنزل، ثم ~~ذهب واستلقى عليه، وهكذا رحل عن هذا العالم، لقد فعل هذا لأنه كان رجلا ~~قويا، وأثقل وزنا من ابن أخيه، وكانت الخادمة الأخرى قادرة على دفنه. # كانت الخادمة آخر من ~~لقي حتفه في هذه العائلة، إلا أنها كانت قد حملت العدوى بالفعل إلى عائلة كلوتون ~~المجاورة، في الوقت الذي كانت أعراض المرض تظهر عليها. ووافت المنية بعد ذلك ~~طفلين والأم مود كلوتون، لكنهم كانوا قد نقلوا العدوى إلى طفل ثالث، وهو آخر من تلقى ~~العدوى في الوباء المحلي بالضيعة الصغيرة. # توضح قصة هذا الوباء المحدود ~~بأبرشية مالبس كيف أنه يمكن للطاعون أن يقفز لمسافة كبيرة من لندن، وهي رحلة لا ~~بد أنها استغرقت عدة أيام سفرا بالجياد. كانت نوبة تفشي الطاعون في مالبس تحت السيطرة، ~~ولم يكن هناك سوى ثلاث عشرة ضحية إجمالا؛ بسبب المساحة الصغيرة للضيعة ووسائل العزل ~~المتبعة هناك. # عاش جون هاندلي في شكلتش، الأبرشية المجاورة لمالبس التي زارها إبان الطاعون ~~الصغير هناك. ووقع ضحية للطاعون أيضا ودفن في الثالث من سبتمبر عام 1625. ومرض ابنه ~~جون (15 عاما) وابنته إليزابيث (19 عاما) في الثالث والعشرين من سبتمبر، ومات جون ~~بعدها بيومين. # ونظرا لأنه لقي حتفه ~~على حين غرة، ولأنه ظهرت البقع الحمراء (أمارات الرب) عليه، افترض أنه مات ~~على إثر الإصابة بالطاعون. ms086 وعليه حملته أمه إيلين هاندلي وأخوه غير الشقيق ~~راندل جيلبرت على عربة نقالة إلى الكنيسة. ودفن في فناء الكنيسة، عند طرف برج ~~الكنيسة خارج الممر، دون إقامة المراسم الجنائزية أو قرع الأجراس أو أية مراسم ~~كنسية أخرى. # لقيت إليزابيث هاندلي حتفها بعدها بيومين في السابع والعشرين من ~~سبتمبر. # ولما ظهرت عليها البقع الحمراء وبعض القرح عند إبطها، اشتبه بالمثل في ~~أنها ماتت بسبب الطاعون. وعليه دفنت في مزرعة أمها بالقرب من البستان في ~~الثامن والعشرين من سبتمبر. وفي يوم الاثنين الموافق الثالث من أكتوبر، أخرج ~~راندل جيلبرت المذكور أعلاه أخته غير الشقيقة إليزابيث هاندلي من القبر وحملها ~~على نقالة إلى الكنيسة حيث دفنها بالقرب من أخيها الأصغر جون هاندلي دون أي ~~مراسم كنسية. # دفنت إيلين هاندلي (الأم) في التاسع من أكتوبر عام 1625. # نظرا لأن ولديها لقيا حتفهما وعلى جسديهما بقع حمراء (أمارات الرب)، ~~اشتبه في أنها ماتت بسبب الطاعون؛ لهذا حملها ابنها راندلي جيلبرت على نقالة ~~إلى الكنيسة ووضعها إلى جانب جسدي ولديها جون وإليزابيث هاندلي. # أجبر راندل جيلبرت (البالغ من العمر 28 عاما)، الذي ساعد في دفن ~~هذه العائلة والذي كان «من المفترض أنه جلب هذه المتاعب والمرض إلى أبرشية ~~شكلتش، على ملازمة منزل والدته، حيث مكث هناك تحت المراقبة والحراسة المستمرة ليل ~~نهار، وحيدا لمدة طويلة.» وفي آخر المطاف جرده بعض الجيران وسكان الأبرشية من ~~ملابسه وفحصوه، «فلم تظهر على جسده أي علامات على أية قروح.» لقد نجا من الطاعون وتزوج ~~في العام التالي. ~~(11) حجر صحي ناجح # كانت نوبة تفش حادة للطاعون في لانكشير ويوركشير عام 1631 قد أودت بحياة أعداد ~~كبيرة من البشر، بيد أن مدينة مانشستر نجت تماما؛ نظرا لأن الحانة التي ظهر ~~فيها الطاعون كانت معزولة بالكامل: # في عام 1631، أرسل الرب ملاكه المهلك إلى حانة في مانشستر، فمات ريتشارد ~~مريوت وزوجته، وسيد وسيدة المنزل، وكل من كان في المنزل أو دخله على مدار ~~أسابيع. أحرقت أو دفنت كافة الأمتعة بالمنزل ... فلم تمس العدوى أي شخص ms087 آخر ~~في هذا العام . # كان هذا مثالا على التطبيق الناجح لتدابير الصحة العامة. ~~(12) الأرقام القياسية في العدوى # في بلدة ميرفيلد بغرب يوركشير (حيث ذهبت ~~الأخوات برونتي فيما بعد إلى المدرسة)، لقي 130 شخصا حتفهم على إثر الإصابة بهذا ~~الوباء الذي تفشى عام 1631. يمكن تشكيل صورة عن مسار الأحداث هناك وخطوط انتقال العدوى ~~من سجلات الأبرشية. نرى من جديد أن «جالب العدوى» كان شخصا غريبا، وهي إليزابيث ~~برينس التي أقامت مع الأرملة جانيت فرانس ونقلت إليها العدوى في البداية. بعدها نقلت ~~العدوى إلى خمسة أطفال بالمنزل قبل أن تلقى حتفها، تلك قصة معتادة لبدء الكثير ~~جدا من الأوبئة، ثم نقلت جانيت فرانس العدوى إلى 33 شخصا آخر في تسع عشرة عائلة ~~إبان الأسبوع الأول من فترة نقل العدوى، وهو شيء غير مسبوق بالنسبة لبلدة صغيرة ~~إبان شهر أبريل المعتدل البرودة، ولعلها استمرت في نقل العدوى إلى المزيد من الأفراد. ~~نتساءل بدورنا أي وظيفة هذه التي تجعل هذه الأرملة على احتكاك مع عدد كبير للغاية من ~~العائلات في مثل هذه المدة الزمنية القصيرة، أكانت تعمل في غسل الملابس أم كان لديها ~~عربة لبيع الخضروات في السوق؟ ~~(13) قصة شخصية # كتب ليونارد جيل القصة التالية عام 1687 عندما كان في السابعة والستين من عمره: # ولدت في أبرشية سفينوكس بمقاطعة كنت، وكان لدى والدي، الذي كان ~~يعمل صائغا ... ولدان من زوجة سابقة وثلاثة أبناء وابنة من أمي. وعندما كنت في ~~سن يتراوح بين السادسة عشرة والسابعة عشرة، ذهب أبي وأمي لزيارة صديقة بقرية ~~سنسوم في المقاطعة المذكورة فأصيبا بالعدوى، وسرعان ما مرضت أمي بعد رجوعهما ~~إلى المنزل ولقيت حتفها خلال ستة أيام تقريبا، ولم يخطر على بال أحد أن هذا ~~المرض هو السبب. أقام أبي جنازة عظيمة من أجلها، ووفد إليها أعداد غفيرة من ~~الناس لا يراودهم الخوف من أي شيء، ومع أن العديد من النساء أعددن جثمان أمي ~~للدفن، وبالرغم من الملابس التي أخذت من الغرفة عند وفاة أمي، فإنه لم يصب ~~شخص واحد ms088 بالعدوى. # وبعد دفنها، أمضينا جميعا أسبوعا كاملا معا، وتردد الكثير من الناس على ~~منزلنا، وترددنا نحن على منازل جيراننا، إلا إنه في نهاية الأسبوع، وفي خلال ~~يومين، مرض أبي وأخي الأكبر وأختي وأنا أيضا، وفي خلال ثلاثة أيام بعدها مرض ~~أخواي الأصغرين إدوارد وجون، وبالرغم من اعتلالي الشديد، فإن أبي أرسلني إلى ~~السوق كي أشتري أشياء كنا بحاجة إليها، لكن قبل أن أعود إلى المنزل، كان الناس ~~يتحدثون عن الطاعون، وما إن وطئت قدماي عتبة المنزل حتى أمروني بالتزام ~~المنزل، وعينوا حراسة مشددة علينا. كل هذا ولم يصب أي شخص بعدوانا ولم ~~ننقلها لأحد. ونحو اليوم السادس على مرض أفراد عائلتي، لقي ثلاثة منهم ~~حتفهم في غضون ثلاثة ساعات، واحد تلو الآخر، ودفنوا جميعهم في قبر واحد. ~~وبعدها بنحو يومين، مات أخواي الصغيران معا، ودفنا في قبر واحد. كل هذا وأنا ~~طريح الفراش، وكان الحارس يترقب موتي كل ساعة، إلا أن الله شاء أن يحفظني على ~~نحو معجز، بل حتى دون تفشي أي قروح في جسدي. كل ما هنالك أنه كان لدي ~~تورم في المنطقة العليا من الفخذ، وقد استغرق وقتا طويلا قبل أن ينحسر ~~ويختفي. شعرت بإعياء شديد خلال تلك الفترة، وعندما تعافيت، جرى احتجازي مع ~~امرأتين ورجل وطفل لمدة ثلاثة أشهر، ولم يصب أي منهم بالعدوى. # هذه قصة شاهد عيان عن اقتصار الطاعون على أسرة واحدة، الأمر الذي ~~ربما يعود جزئيا إلى سبل العزل القياسية. أدرجنا هذه الرواية بالتحديد لأن ليونارد ~~جيل أصيب بالمرض فعليا لكنه تعافى. هل كان مقاوما للمرض بشكل جزئي؟ ~~(14) الدور الرئيسي للتجارة # كان الموقف في إنجلترا مختلفا اختلافا جوهريا عن الموقف في فرنسا؛ فكل وباء تفشى ~~في إنجلترا حتما بدأ بوصول أحد الأشخاص الحاملين للعدوى على متن قارب قادم من أوروبا ~~القارية، رسا في لندن أو في أحد الموانئ الكثيرة على السواحل الجنوبية والشرقية. ~~وما إن يحكم وباء قبضته في ميناء، فسرعان ما ينطلق المسافرون المصابون حاملين ~~الطاعون في كل أنحاء البلاد. بحلول القرن ms089 السابع عشر، ربما تسبب قدوم طاعون واحد في ~~تفشي 25 وباء تابعا. # كما رأينا بالفعل، بعد مضي 18 شهرا أصبحت إنجلترا خالية من الطاعون تماما، إلى ~~أن بدأ كل شيء في الحدوث من جديد لدى وصول حامل العدوى التالي على متن قارب. على الأرجح ~~لم يكن انتقال المرض في اتجاه واحد بالكامل، فلعل الأطقم المصابة بالمرض حملت ~~الطاعون بالمثل في طريق عودتها من إنجلترا إلى أوروبا القارية؛ ومن ثم ساعدت ~~في استمراره هناك. # مرت على إنجلترا سنوات كثيرة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر وهي خالية تماما من ~~الطاعون أو لم يكن فيها سوى ميناء واحد مصاب. لكن بحلول منتصف القرن السادس عشر، ومع ~~زيادة التجارة والسفر، كانت هناك أوبئة منتشرة انتشارا واسعا وأكثر وحشية تنطلق كل ~~عام تقريبا من موانئ مختلفة. # بعد وصول الوباء إلى أحد الموانئ، كان ينتشر في أنحاء إنجلترا عن طريق مصابين مسافرين ~~على أقدامهم أو على ظهر الجياد، أو على نحو أقل شيوعا، عن طريق النقل النهري أو ~~الساحلي. وكان ينتقل إلى البلدات القريبة من خلال الانتقالات الداخلية ثم ينتشر على نحو ~~متزايد عبر طرق التجارة الرئيسية. كان يحدث بعض من هذا الانتشار للطاعون عن طريق الحركة ~~التجارية العادية. لكن سرعان ما بات معروفا، ولا سيما في لندن، أن أسلم ردود الأفعال ~~لدى اكتشاف أحد الأوبئة هو الفرار، وهو خيار متاح فقط لموسري الحال وذوي النفوذ، أما ~~الفقراء فلم يكن لديهم بديل سوى المعاناة، وقد كانوا يموتون بالمئات؛ لهذا السبب وصف ~~الطاعون بأنه مرض الفقراء. وبات واضحا أنه من أجل السلامة من الضروري الابتعاد عن لندن ~~مسيرة يوم، مسافة نحو 20 ميلا. وقطعا، حمل الفارون - ولا سيما أولئك الذين لم ~~يغادروا إلا في اللحظات الأخيرة - العدوى معهم انطلاقا من المدينة نحو الخارج في ~~اتجاهات شتى. # ساهمت تجارة الصوف في العصور الوسطى إسهاما كبيرا في التنقل عبر مسافات طويلة في ~~إنجلترا. استمر شحن ونقل الأصواف على مدار السنة على نطاق واسع؛ ومن ثم كان هذا ~~عاملا ms090 رئيسيا في نشر الطاعون. كان تجار الصوف والسلع الأخرى المستقلون رحالة وذوي ~~وجهة فردانية في التفكير؛ فقد كان هؤلاء الرجال يسافرون بمفردهم في طلب الماشية والذرة ~~والصوف، وكانوا على استعداد لإهمال عائلاتهم وبيوتهم سعيا وراء مكاسب فردية. كانوا ~~يشترون ويبيعون في الحانات، وهناك كانوا يلتقون تجارا آخرين؛ مما أتاح طريقة مثلى ~~لانتقال عدوى الطاعون بنجاح، وهي التحدث باستفاضة مع السكان المحليين في أجواء ~~مغلقة. # عادة ما كانت تغسل الخراف ويجز صوفها في شهر يونيو، وكان الذي يفعل ذلك في الغالب ~~عمال مأجورون يجولون في أنحاء البلاد، عندئذ يعبأ الصوف ويسلم إلى المشتري، سواء ~~في الحال أو في وقت لاحق. وغالبا ما كان صناع الثياب يأتون ومعهم وسيلة نقل لأخذ ~~الصوف من مربي الماشية، أحيانا على دفعات، مع أنه كان يتم الاستعانة بالحمالين ~~أيضا، وكان صناع الثياب والموزعين إما أن يخزنوا الصوف وإما أن يبيعوه في ~~الحال. # كان يباع كم هائل من الصوف في القرنين السادس عشر والسابع عشر من خلال الأسواق ~~العامة التي كانت تقام خصيصا بصفة أسبوعية في البلدات المصنعة والمقاطعات التي تربي ~~الأغنام لبيع أصوافها. باع التجار الكثير من بضاعتهم بشارع ليدن هول بلندن، الذي لم يكن ~~مجرد سوق وإنما كان أيضا أكبر مستودع للصوف في إنجلترا. وهكذا لأن لندن كانت مركز ~~التجارة، فإنها صارت بكل تأكيد مركز وفيات الطاعون في إنجلترا. ~~(15) المعارض الضخمة # كانت المعارض الضخمة المقامة سنويا وسيلة رئيسية أخرى لنشر الطاعون في إنجلترا، كما ~~كانت في الغالب أحد مصادر جلبه إلى البلاد في المقام الأول. أدركت السلطات هذا، وكانت ~~المعارض تلغى دائما مع أول علامة على ظهور الطاعون. وكانت أهم المعارض تقام جنوب ~~وشرق خط ممتد من مدينة إكزتر إلى مدينة يورك، وكانت تقام على الأنهار القابلة للملاحة ~~أو الطرق المؤدية إلى الموانئ البحرية، أو بالقرب منها. # وصف البروفيسور جيه إف دي شروزبري الصورة بقوله: # كان المعرض الضخم المقام في ستربريدج [في إيست أنجليا]، الذي افتتح في ~~الثامن عشر من سبتمبر، واستمر لثلاثة أسابيع أهم ms091 المعارض الإنجليزية، وكان ذائع ~~الصيت بما يكفي لجذب التجار من الكثير من المراكز التجارية الأوروبية. يمكنك ~~وأنت في معرض ستربريدج الهائل أن تجد الزجاج الذي تشتهر به مدينة البندقية، ~~وكتان مدينة بروج، والحديد الإسباني، والقار النرويجي، وفرو الرابطة ~~الهانزية، والقصدير الكورنوالي، والخمر الكريتي، كل هذا للبيع في البقعة البالغ ~~مساحتها نصف ميل مربع المستخدمة على مدار ثلاثة أسابيع كاملة. وإبان معرض ~~ستربريدج، كانت موانئ بليكني، وكولتشيستر، وكينجز لين، وربما نورتش تعج بالسفن ~~الغريبة. كانت المراكب تجلب سلع بلاد الشام من البندقية وسلعا أخرى من بلاد ما ~~وراء البحار. # كانت الموانئ، وبالأخص ميناء لندن، هي بؤرة التركيز، فكما هو الحال ~~في بقية أوروبا، كانت التجارة هي محرك نشر الطاعون في أنحاء إنجلترا. # لأكثر من 200 عام قاوم الأفراد في كل أنحاء أوروبا وفيات الطاعون الهائلة، وقد ~~صمدوا صمودا مثمرا؛ إذ استمرت أعداد السكان في النمو، وإن كان نموا بطيئا للغاية، ~~إلا أن العدو كان يحكم قبضته شيئا فشيئا، فكما رأينا؛ نتيجة للتجارة المتزايدة ~~باستمرار، استشرى الطاعون على نطاق أوسع، واجتاح أماكن أكثر وارتفعت أعداد الوفيات على ~~نحو هائل. منذ نهاية القرن السادس عشر وعلى مدار نحو 80 عاما، كان عدد سكان أوروبا ~~(وبالأخص في إنجلترا حيث تتوافر إحصائيات أكثر تفصيلا) ثابتا، بل انخفض انخفاضا ~~طفيفا. كان الطاعون يحرز انتصارا تلو الآخر، ولو قدر لهذا الاستمرار لاندثرت ~~حضارتنا. # الفصل السادس # | صورة وباء # عرفنا المزيد والمزيد عن الطاعون وبدأت الأدلة تتراكم. وقد انبثقت شيئا فشيئا صورة أكثر ~~وضوحا حول خصائصه، بيد أن هذا نبع من تشكيلة هائلة من المصادر المتناثرة والمتبعثرة من ~~كافة أنحاء أوروبا، التي اقترنت بروايات شهود العيان المختلفة. لقد عقدنا العزم على العودة ~~إلى تحليلنا المفصل لسجلات أبرشية بنريث لنرسم صورة أحد الأوبئة التي تعكس تماما ~~الحال في البلدات الإقليمية في المملكة المتحدة، وربما في أنحاء أوروبا كلها أيضا في ~~القرنين السادس عشر والسابع عشر. لطالما تكرر كثيرا هذا النمط من الأحداث وقصص الرعب ~~والفجيعة والبطولة. # لم يكن الطاعون الذي ms092 تفشى في بنريث عام 1597، والذي تناولناه في المقدمة، حدثا منفصلا؛ ~~فقد كان واحدا من سلسلة أوبئة اجتاحت شمال إنجلترا وكانت تنتقل على نحو متسلسل من إحدى ~~بلدات السوق إلى البلدة التالية. لقد قررنا دراسة هذه النوبة الكبيرة، بعيدا عن لندن، ~~بالتفصيل كي نميط اللثام بالضبط عن كيفية انتشاره ومن أين جاء. بنهاية القرن السادس عشر ~~كانت جميع بلدان أوروبا قد عايشت الطاعون لمدة 250 عاما، وكانت في حالة رعب مستمر من أنه ~~يوما ما سوف يفد إليهم مسافر مصاب، أو أن أحد أبنائهم سوف يعود من مكان ضربه ~~الطاعون. وإذا حدث السيناريو الأسوأ، تجاوبوا بصرامة وبطريقة أكثر تنظيما من الهلع الأهوج ~~الذي استقبلوا به الموت الأسود. # تذكرنا أن سجلات أبرشية بنريث قد ذكرت أنه ظهر «طاعون مصحوب بقرح» في نيوكاسل ودرم ~~ودارلينجتون عام 1597، فكان من الواضح أن خطوتنا التالية ستكون فحص سجلات ومحفوظات الأماكن ~~المذكورة لنرى كيف تصرفت إبان الطاعون. ~~(1) بداية الرعب # كانت نهاية القرن السادس عشر فترة ضنك ومجاعة عظيمة في شمال إنجلترا، وسجلت ~~وفيات هائلة في العديد من الأبرشيات. كتب رئيس رهبان كاتدرائية درم في يناير عام 1597 يقول: # زحف تأثير العوز والقحل إلى مقاطعات نورثمبرلاند وويستمورلاند وكومبرلاند، ~~وبلغت ندرة الطعام الحد الذي اضطر معه الأفراد إلى السفر من كارلايل إلى ~~درم، مسافة 60 ميلا (100 كيلومترات) مجتازين بعضا من أسوأ القرى الريفية في ~~المملكة؛ من أجل شراء الخبز. # أول أنباء وردت عن ظهور المرض كانت في الميناء البحري لمدينة نيوكاسل ~~في شمال شرق إنجلترا؛ مما يشير إلى أن الطاعون وصل عبر بحر الشمال من أوروبا القارية. ~~إبان صيف عام 1597، اجتاح الطاعون نيوكاسل، وإن كان لا يوجد أرقام بإجمالي عدد ~~الوفيات. # في السادس والعشرين من مايو عام 1597 اشتكى رئيس كاتدرائية درم مرة أخرى من أنه يوجد ~~قحط كبير في درم، في بعض الأيام كان يصل عدد الأحصنة المحملة بالذرة المستوردة من ~~الخارج في نيوكاسل إلى 500 حصان، مع أن هذه البلدة وبلدة جيتشيد تفشى فيهما الطاعون على ms093 ~~نحو خطير. وفي السابع عشر من سبتمبر، أخبر اللورد بيرلي، وزير الدولة، أن الطاعون ~~استفحل في نيوكاسل؛ ومن ثم «لا يمكن أن يقترب مفوضو الحكومة بعد من هذا المكان» (في ~~حقيقة الأمر، لم تكن الجلسات تعقد على الإطلاق بسبب الطاعون في نيوكاسل ودرم). كان ~~التجار الأجانب يبيعون الذرة بسعر مرتفع إلى أن طرح بعض أعضاء مجلس المدينة مخزونا ~~للبيع بسعر أقل بمقدار شلن لكل بوشل (المكيال الإنجليزي للحبوب). # الانتشار الجغرافي للطاعون من شمال شرق إلى شمال غرب إنجلترا عبر ~~شعاب جبال بيناينز، 1597-1598. يحيط الخط المنقط بيابسة ممتدة على ~~مساحة 500 متر. يوضح الخط المكون من شرط الطريق المحتمل الذي سلكه ~~أندرو هوجسون. # تحرك الطاعون شمالا عبر الطريق الشمالي الكبير (الذي أطلق عليه لاحقا إيه 1)، الذي ~~يمتد إلى غرب جبال بيناينز وبلغ مدينة درم نحو منتصف صيف عام 1597، وبحلول فصل الخريف ~~كانت السجلات تحوي ما يزيد على الألف حالة وفاة. في تلك الأثناء كانت العدوى تقفز من ~~مكان إلى آخر من جديد، فانتقلت نحو الجنوب وظهرت في الوقت نفسه في بلدة دارلينجتون ~~بمقاطعة درم وريتشموند في صيف عام 1597. # كانت ريتشموند بلدة في القسم الشمالي من يوركشير تقام فيها سوق مركزية، وقد عانى ~~أهلها مدة طويلة بلغت 16 شهرا. كانت أعداد الوفيات النهائية ضخمة للغاية لدرجة أن فناء ~~الكنيسة لم يكف، وتعين دفن الكثير من الموتى في أراض مؤقتة في كاسل يارد وكلاركس ~~جرين. خمد الوباء في فصل الخريف وترنح عبر الشتاء معاودا الظهور في الربيع التالي مع ~~بلوغ الوفيات أوجها في صيف عام 1598، وأخيرا زال بحلول شهر ديسمبر. ~~(2) وصول الطاعون إلى بنريث # في الوقت نفسه لم يكن المرض ثابتا في مكانه، وإنما سافر بطول طريق التجارة عبر جبال ~~البيناينز من الشرق إلى الغرب، عن طريق الشعاب التي تربط منطقة ستينمور وأراضي بوز مور ~~المستنقعية، مستشريا في بنريث. كانت البلدة قد عانت من مجاعة شنيعة عام 1596 مات على ~~إثرها 153 شخصا، ولم يكن المجتمع الصغير قد تعافى عندما تلقى ضربة ms094 مدمرة ثانية بوصول ~~الطاعون في العام التالي. كما رأينا، جلب الطاعون أندور هوجسون الذي وفد على ما ~~يبدو من ريتشموند أو ربما من مكان أبعد من ذلك مثل دارلينجتون أو درم، حيث كان الطاعون ~~مستفحلا. # يشير بوضوح القيد الذي أعقب قيد دفن هوجسون في السجلات إلى أن الكاهن وسكان البلدة ~~أدركوا في الحال من العلامات التي ظهرت على الرجل الذي ينازع الموت أنه ثمة ابتلاء ~~طاعون بين أيديهم، وقد كانوا على صواب. لا بد أن الذعر والهلع انتشرا سريعا في أنحاء ~~البلدة، ولا بد أنهم انتظروا بأنفاس لاهثة ليروا ما إذا كانت توجد أية حالات إصابة ~~أخرى. لعل الحظ كان سيحالفهم وكانوا سينجون من وباء مكتمل الأطوار. # لم يحدث شيء على مدار ثلاثة أسابيع، وكان الأمل قد بدأ يدب في قلوبهم، إلا أن ~~إليزابيث ريلتون ماتت بعدها وواجه المجتمع قدرا محتوما، ففي تعاقب سريع أصيب أفراد ~~أسرتها؛ مما يشير إلى معدل احتكاك مرتفع داخل الأسرة. # وصل الوباء إلى قمة محدودة في شهري نوفمبر وديسمبر، مع أن تسع عائلات فقط هم الذين ~~أصيبوا إجمالا. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، اختفى تقريبا الطاعون إبان برودة الشتاء ~~الشمالي، ولم تحدث أية وفيات بسبب الطاعون في شهر يناير، وحدثت حالة وفاة واحدة فقط ~~في فبراير من عام 1598. # إلا أن نوبة الطاعون انفجرت مجددا خلال الظروف المناخية في شهر أبريل الأكثر دفئا ~~وارتفع عدد الوفيات اليومي على نحو ثابت، بالغا أقصى معدلاته في يوليو قبل أن يخبو ~~شيئا فشيئا. تعين تخصيص مدفن مؤقت على التلة إبان فوضى الصيف ودفن 213 جثمانا ~~هناك، ودفن البعض في فناء مدرسة القواعد النحوية، والبعض الآخر في الحدائق الخاصة ~~بمنازلهم. بلغ عدد الوفيات النهائي نحو 640 شخصا على الأقل، وهو ما يعادل أكثر من نصف ~~السكان. # قدم فيرنس في كتابه «في تاريخ بنريث منذ أقدم السجلات حتى الوقت الحاضر» قصة ~~الأحداث التي وقعت إبان الطاعون مع أنها معتمدة على الأرجح على روايات شخصية غير ~~موثوق بها. # لا يمكن تخيل الحالة الفعلية ms095 لبنريث إبان هذا الوقت المرعب. لم تسجل ولا ~~حالة زواج واحدة إبان الصيف بأكمله. تجنب الناس تماما المنازل التي يفترض ~~أن بها عدوى، وعانى قاطنوها حتى الموت دون تلقي مساعدة. كاد الناس يخشون حتى ~~من نظرات بعضهم بعضا. وكان للمساء - الوقت الذي كانت تحدث فيه عموما هجمات ~~هذا المرض - مصدر رعب ووحشة إبان قدوم هذا الطاعون. كانت النوبة أو الفترة ~~الأولى التي تضمنت المساء والليلة التالية، مميتة عادة. وكان اليومان الثالث ~~والخامس في المجمل أخطر يومين، وإذا عاش الشخص لليوم الخامس واكتملت أطوار ~~المرض، فعندئذ كان ينظر إلى المريض بأنه قد تجاوز مرحلة الخطر تقريبا. لم تكن ~~كل هذه الملابسات معروفة جيدا إلا في الأماكن التي تفشى فيها الطاعون لبعض ~~الوقت. جرد المشهد البائس والجنوني الذي صاحب المرض في مرحلته الأولى - ~~التي كان ينبغي أن تثير الشفقة لحال المصاب - أولئك الذين شاءت الظروف أن ~~يلتقوا بهؤلاء المرضى من المشاعر الإنسانية. وكان الترنح الناتج عن خور القوة ~~الشديد بمنزلة تحذير لجار المصاب ليفر هاربا. كان المصاب الفقير يلجأ إلى ~~منزله - ربما كان آخر أفراد أسرته - وكانت اللامبالاة بالتعافي وحدها، التي ~~كانت تعد أحد أكثر الأعراض غير المحبذة، تخفف نوبات الهذيان الناجمة عن حالته ~~اليائسة والموحشة. ~~(3) تدابير الصحة العامة # وضعت سياسة عزل جزئي قيد التنفيذ إبان الوباء المتفشي في بنريث، فلم يكن مسموحا ~~للمزارعين من خارج البلدة (وهو أمر واضح المغزى) الدخول أثناء تفشي الطاعون؛ إذ أوقفت ~~جميع الأسواق التي كانت تقام بانتظام وأقيم بدلا منها أسواق مؤقتة في الضواحي. أورد ~~فيرنس أن «قاطني الوديان، الذين كانت ترتعد فرائصهم قطعا أكثر من غيرهم، لم ~~يتجاوزا قرية بولي.» (التي كانت تبعد نحو أربعة أميال). وكان سكان البلدة يدفعون نقود ~~مشترياتهم من خلال رمي العملات في أحجار طاعون مجوفة تحتوي على مادة خام، من المفترض ~~أنها سائل مطهر، وفي الغالب كانت خلا. انتشر استخدام أحجار الطاعون إبان الوباء ~~في إنجلترا ولا يزال أحدها محفوظا في أحد الحقول في بنريث. بلا ريب، يستدل من ذلك ms096 على ~~أن الجميع اعتقدوا أن عدوى الطاعون تنتقل من خلال الاحتكاك المباشر بين الأفراد. ~~(4) الضحايا يتكلمون # عدنا مرة أخرى إلى أرشيف مكتب السجلات بكارلايل للعثور على وجهة نظر أخرى عن الأحداث ~~إبان الأزمة في بنريث. كانت سو تستعين في هذه الحادثة بمعلومات من مصادرها الأصلية ~~مباشرة حصلت عليها من فحص وصايا الأفراد الذين ماتوا في الوباء. # إن قراءة وصايا أولئك الذين ماتوا خلال الطاعون تتيح فهما عميقا لسرعة زحف المرض ~~المدمرة، كما أنها تميط اللثام بالأخص عن مآسي العائلات التي ضربها الطاعون والتي ~~واجهت القدر بعزة وجلد. # طيلة كل هذا البؤس والخوف والمعاناة، واصل المواطنون حياتهم اليومية قدر ~~استطاعتهم، فبالرغم من حقيقة أنهم كانوا على مشارف مواجهة موت مؤلم، فإن أولئك الرجال ~~والنساء حرروا وصاياهم بكل دقة، مانحين اهتماما خاصا إلى حضانة أبنائهم لو قدر ~~لهم النجاة (مع أنهم قلما نجوا). # ولم ينسوا في وصاياهم فقراء الأبرشية، فكثيرا ما كانوا يتركون لهم كمية من ~~أحد أنواع الشعير الرديئة، وكان عدد منهم يترك النقود من أجل بناء وإصلاح الكباري في ~~البلدة، وكثيرون ورثوا لآخرين ممتلكات تركها لهم آباؤهم المتوفون بالفعل خلال ~~الطاعون، لكنهم لم يكونوا قد تسلموها منهم بعد. # وحدهم فقط من يمتلكون مقتنيات ثمينة هم الذين حرروا وصايا إبان الطاعون. وكان جميع ~~أعضاء البلدة موسري الحال - الذين كانوا في أغلبهم تجارا ناجحين - تجمعهم روابط قوية ~~بعضهم مع بعض وبينهم وبين شهودهم. وكانوا يمثلون مجموعة منفصلة عن طبقة الأعيان، الذين ~~لم يمت منهم سوى ثلاثة أفراد في نوبة الطاعون؛ فقد ولى معظمهم الأدبار بمجرد أن ~~عاود الطاعون الظهور في الربيع. إليكم مقتطفات من بعض الوصايا التي حررها أولئك الذين ~~ماتوا على إثر الإصابة بالطاعون. # تزوج مايكل دوبسون البالغ من العمر 20 عاما في العشرين من يوليو عام 1598، إلا أنه ~~لم ينعم بحياته الزوجية طويلا، فحرر وصيته بعد مرور شهر واحد على زواجه في السابع ~~والعشرين من أغسطس 1598، ودفن بعدها بخمسة أيام في الأول من سبتمبر. ترك دوبسون لزوجته ~~إيزابيل (التي نجت ms097 من الطاعون) «جميع ما كان بحوزته من ممتلكات ومخازن غلال وأراض ~~وعقارات عقب وفاته». # حرر جون ستينسون وصيته في الثلاثين من أغسطس عام 1598 ودفن بعدها بثلاثة أيام في ~~الثاني من سبتمبر. وقد ترك المنزل بأكمله - الذي كان ملكا لأبيه - إضافة إلى ملحقاته، ~~لابنه الأكبر توماس (الذي نجا على الأرجح من الطاعون) وقد آلت بقية ممتلكاته المنقولة ~~وغير المنقولة لابنه ريتشارد وابنته مارجريت. الشيء المفجع أن ريتشارد دفن بعد يومين ~~من دفن أبيه، بينما ظلت مارجريت على قيد الحياة لفترة أطول قليلا؛ إذ لقيت ~~حتفها على إثر الإصابة بالطاعون بعدها بنحو ستة أسابيع. وترك جزء صغير من التركة ~~لفقراء الأبرشية، وهو ستة أرباع بوشل من دقيق الشوفان. # ضرب الطاعون عائلة آرثر جيبسون بقوة؛ إذ فقد ابنته إليزابيث في العاشر من يوليو 1598، ~~قبل أن يضرب الطاعون عائلته مرة أخرى بعدها بنحو عشرة أسابيع، ودفنت إليزابيث على ~~التل، ودفن أحد أبنائه في التاسع عشر من سبتمبر 1598 وحرر آرثر وصيته بعدها بيومين في ~~الحادي والعشرين من سبتمبر. لقيت زوجته حتفها في اليوم التالي وكان لديه طفلة أخرى ~~(آن البالغة من العمر تسع سنوات) وافتها المنية في الرابع والعشرين من سبتمبر. ~~تمنى آرثر في وصيته قائلا: # أود أن يدفن جثماني بجوار جثامين زوجتي وأولادي، ومن ثم عندما يموت ~~كثيرون منا في هذا الوقت، سوف يدفنون بداخل فناء كنيسة أبرشية بنريث ... ~~تئول جميع أراضي وممتلكاتي إلى ابني الأكبر جون الذي نجا من الطاعون، ربما ~~كان يعيش في الأرض الخاصة به بعيدا عن المنزل ... أهب جين ابنتي الكبرى البقرة ~~الرقطاء، وأيضا إذا توفي جميع أبنائي باستثنائها، أهبها عشرين من ~~الأغنام. # توصف جين بأنها خادمة ولعلها كانت تعيش بعيدا عن المنزل. لقيت جين ~~حتفها عام 1606 في عمر السادسة والعشرين. # كتب روبرت هولم وصيته في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1598 ودفن في الثالث من ~~أكتوبر. إليكم بعض المقتطفات: # أهب وأترك ستة شلنات وأربعة بنسات من أجل بناية ساندجيت بريدج، وكذلك أربعة ~~شلنات وثلاثة بنسات مدين ms098 بهما لويليام بومان لي، وثلاثة شلنات وأربعة بنسات من ~~أجل صيانة كوبري ميدلجيت بريدج. # تئول ملكية كافة أراضي ومنازلي وأرباحي وممتلكاتي إلى ابنتي مارجريت ~~وفرانسيس ... لقد نجوتا من الطاعون إلا أنهما كانتا في عمر الثالثة والعشرين ~~والخامسة والعشرين، وربما غادرتا المنزل. # أهب زوجتي أجنيس بقرتين من أسمن أبقاري. (كانت أجنيس زوجته الثانية وغالبا ~~نجت من الطاعون.) # حرر ستيفن جاكسون وصيته في الثالث من يوليو عام 1598 إلا أنه لم ~~يلق حتفه حتى الأول من أغسطس، فمن الواضح أنه بادر بالتعبير عن أمانيه بمجرد ظهور ~~الطاعون بين أفراد عائلته لا عندما ظهرت لديه الأعراض أول ما ظهرت: دفن ولده البالغ من ~~العمر ثلاثة عشر عاما في الثالث أو الخامس من يوليو ودفنت زوجته دوروثي في الخامس عشر ~~من يوليو، أي قبل أن يلقى هو حتفه بنحو 17 يوما، ونجا ابنهما جون. ولم يأت ستيفن ~~على ذكر زوجته في الوصية، فمن الواضح أنه افترض أنها هالكة لا محالة. إذا كانت قد أظهرت ~~الأعراض المميزة للطاعون في الثالث من يوليو، فإن معاناتها استمرت 12 يوما. # حررت إيزابيل نيلسون العزباء وصيتها في الثالث والعشرين من يوليو عام 1598 ودفنت في ~~اليوم التالي. لقد وهبت وتركت كل نصيبها في التركة المستحق لها بموجب الشهادة والوصية ~~الأخيرة لوالدها الراحل ستيفن نيلسون. (من الواضح أنها لم تكن قد تسلمت إرثها ~~بعد.) # حرر روبرت جيبون وصيته في الأول من أكتوبر عام 1598 ودفن بعدها بأربعة أيام. وقد كتب ~~المطالب التالية: # وصيتي إلى أخوي جيلبرت جيبون وويليام جيبون أن يتكفلا برعاية وتعليم ابني ~~أنطوني (البالغ من العمر ثلاث سنوات) وأعهد إليهما بمنزلي وفناء منزلي ~~وملحقاته، إضافة إلى نصيب ابني أنطوني لعدم بلوغه السن القانونية (أي إلى أن ~~يبلغ سن الرشد). وأوصي بأن يكون أنطوني هو المنفذ لوصيتي الأخيرة، وإذا وافتني ~~المنية أنا وابني تئول كافة ممتلكاتي إلى أخوي ويليام وجيلبرت. # دفن روبرت جيبون وزوجته وابنهما الصغير أنطوني جميعهم في اليوم ~~نفسه، في الخامس من أكتوبر 1598. ولم تكتب النجاة لأحد ms099 من العائلة. # حرر جيفري ستيفنسون وصيته في العشرين من أكتوبر، في نفس اليوم الذي دفنت فيه ابنته ~~إيزابيل، ولقي حتفه بعدها بيومين. وقد وهب كل أراضيه ومروجه وكل ما يمكن أن يورث من ~~مقتنيات وجميع ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة إلى ابنته إليزابيث. وقد نصبها منفذا ~~للوصية وعهد بمصاريف ابنته إليزابيث والوصاية عليها إلى أخويه أجنس ستيفنسون وجون ~~ستيفنسون إلى أن تبلغ السن القانونية. قدم جيفري المزيد من التوجيهات في حال وفاة ابنته ~~إليزابيث، ووزع حصص إرث صغيرة على النحو التالي؛ إذ كتب في وصيته يقول: «أهب سوزان ~~إمرسون أفضل معطف وحذاء لدى زوجتي، وأهب مارجريت تود أفضل قبعة لدى زوجتي.» # دفنت إليزابيث ستيفنسون في الثالث والعشرين من أكتوبر، في اليوم التالي لدفن والدها. ~~ولم يأت جيفري على ذكر زوجته جانيت في وصيته، بل وهب بعضا من أفضل ثيابها، مع أنها ~~لم تكن قد دفنت حتى الرابع والعشرين من أكتوبر. (هل ظهرت لديها بالفعل أعراض المرض في ~~حين لم تظهر الأعراض على ابنتها إليزابيث، مع أنها ماتت سريعا؟) # حررت إليزابيث براون، وهي أرملة، وصيتها في التاسع والعشرين من مايو 1598. من الواضح ~~أنها كانت تعاني من الطاعون، وكانت عائلة كروسبي تعتني بها؛ لأنها كتبت أن توماس كروسبي ~~المذكور وزوجته سوف يتوليان رعايتها خلال محنتها. تركت إليزابيث الجزء الأكبر من ~~مقتنياتها لعائلة كروسبي، إلا أنها وهبت إلينور كروس، قطعة ملابس واحدة، وملابس ابنتها ~~جين، كما وهبت إليزابيث كروسبي حقيبة مصنوعة من الكتان مدرجة في البيان التفصيلي ~~بقيمة ثمانية شلنات وأربعة بنسات. وقد نجا كل أفراد عائلة كروسبي الذين كانوا قد ~~تولوا رعايتها من الطاعون. # حرر توماس ساتون، حائك الثياب، وصيته في تاريخ غير معروف ودفن في الثاني والعشرين من ~~يوليو عام 1598. من الواضح أنه فطن إلى أن الطاعون قد يضرب زوجته، مع أنها في حقيقة ~~الأمر لم تدفن إلا بعد وفاته بشهر في الثاني والعشرين من أغسطس. وقد وزع حصص الميراث التالية: # أهب إلى فقراء الأبرشية 10 شلنات ولمبنى ساندجيت بريدج 5 شلنات ms100 في أي ~~وقت. # أهب ابني توماس ساتون ... منزلي في بنريث عقب وفاة زوجتي مابيل، وأهبها إيجار ~~نصف قطعة الأرض التي أمتلكها. # أهب جون ساتون، الابن الأكبر لأخي جون، سيفي الفولاذي وسهامي التي استخدمتها ~~في خدمة الأمير. # أما عن بقية أقواسي فأترك قوسي الثمين لجون نجل جون تيرنر مع 12 حربة وإلى ... ~~جعبة سهامي بكل ما فيها من أسهم. وإلى ريتشارد سيل ... صهري، معطفي الأزرق ~~الأنيق وصدرية حفل زفافي، وإلى أخي ... حلتي المصنوعة من الجلد. # أترك لروبرت ويلسون قوسي المصنوع من جلد النعاج، بالإضافة إلى سهام ورأس حربة ~~... وحربة. وإذا ترأف الله علي وعلى زوجتي أعطي روبرت المذكور صندوقا. # وأترك لزوجتي الصندوق الكبير وما به من دقيق الشوفان، وإذا أخذ الله روحها، ~~يباع الصندوق والشوفان لتسديد ما علي من ديون. # وإذا شاء الله أن يقبض روحي أنا وزوجتي في هذا الابتلاء ... يقسم أصدقاؤها ~~وأصدقائي بقية أمتعتي بالتساوي فيما بينهم. # أنوط إلى مابيل زوجتي بتنفيذ وصيتي. # أعطي لهنري إيري إذا مات كلانا ربع بوشل من الشعير وملء خمس عربات من فحم ~~المستنقعات. ~~(5) لماذا نجا البعض من العدوى؟ # من المؤكد أنه لم يمت كل من اتصل بشخص مصاب؛ فقد رأينا إليزابيث براون تلك الأرملة ~~التي تولت عائلة كروسبي رعايتها في أيامها الأخيرة، ونجوا جميعا. وثمة الكثير من ~~الحالات التي نجا فيها من الطاعون فرد أو أكثر من أفراد العائلة؛ في الغالب كان طفلا ~~صغيرا. ووجدنا أن كثيرين ممن شهدوا على وصية أحد ضحايا الطاعون الذين كانوا يعانون ~~سكرات الموت نجوا كذلك حتى لو كان الطاعون قد أصاب عائلاتهم هم أيضا. لم يكن يوجد ~~على ما يبدو أية صعوبة في إيجاد شخص لديه الاستعداد للتعرض للعدوى أثناء الشهادة على ~~الوصية، بل توفر للبعض أكثر من ستة شهود. يشير هذا إلى أن بعض الأشخاص كانت لديهم ~~مقاومة للعدوى في هذا الوباء، وهي نقطة أشرنا إليها في روايات الموت الأسود ~~والطواعين الأخرى. # مع أننا وجدنا أمثلة على أشخاص انتقلت إليهم العدوى بلا شك من شخص على ms101 فراش الموت، ~~فإننا رأينا أنه عادة ما كان الشخص أقل قدرة على نقل العدوى بمجرد ظهور الأعراض. ربما ~~يفسر هذا نجاة الكثير من الشهود. # وماذا عن الناجين في بنريث؟ على غرار الناجين من الموت الأسود الأول، عاود المجتمع ~~الصغير الوقوف على قدميه سريعا جدا؛ إذ أقيمت الأسواق مرة أخرى ووفد الأفراد من ~~المقاطعات المجاورة ليستحوذوا على الأراضي والمنازل الشاغرة ويغتنموا جميع الفرص ~~الوظيفية. أظهرت الأبحاث التاريخية التي أجرتها سو سكوت أن المجتمع صار كأنه بلدة ~~حدودية وارتفعت معدلات النغولة ارتفاعا هائلا. من يلومهم على ضرب الحيطة بعرض الحائط ~~وهم الذين يناضلون من أجل إعادة بناء حيواتهم؟ # اليوم تبرز المدافن المؤقتة على تلة بنريث على خريطة هيئة المسح البريطانية، إلا أنها ~~مغطاة الآن بمنطقة سكنية. من السهل تخيل أن أشباح أولئك الذين ماتوا إبان ابتلاء ~~الطاعون لا تزال تحوم هناك. ~~(6) انتشار الوباء في أنحاء شمال غرب إنجلترا # كما رأينا من قبل، انتشر المرض بسرعة كبيرة من بنريث إلى كارلايل، حيث اتخذت السلطات ~~المدنية تدابير في الصحة العامة أكثر صرامة. من الواضح أنه بحلول عام 1597 كانت حتى ~~البلدات الريفية النائية على دراية بما ينبغي فعله عندما ضربها الطاعون. سجل ما يلي ~~في أحد لقاءات مجلس المدينة: # في اليوم الثالث من نوفمبر 1597، رأت الجهات المختصة أنه ينبغي حصر المرض في ~~هذه المدينة بغية تجنب المزيد من التفشي لعدوى مرض الطاعون المشتبه في ظهوره ~~هناك حينها، إن كانت هذه مشيئة الله كي يبارك مساعيهم الحذرة هناك. # كانت المنازل المصابة تشمع، وكانت ترتب عملية إمداد قاطنيها ~~بالمؤن، وكانت تتخذ ترتيبات ممنهجة لإزالة الجثث والتخلص منها، وكان رجال أمناء ~~محنكون يزورونهم يوميا لاكتشاف حالات مرضية. # فرض أحد القرارات التي اتخذت جمع تبرعات أسبوعية من كل شارع من أجل تخفيف معاناة ~~كل مصاب فقير. من إجمالي 209 جنيهات إسترلينية و9 شلنات و10 بنسات، كان المبلغ الذي ~~تبرع به المواطنون أنفسهم 14 جنيها إسترلينيا و4 شلنات و10 بنسات فقط، أما المبلغ ~~الأكبر فقد جاء من الصندوق العمومي ms102 ومن تبرعات قدمها العديد من أفراد الطبقة العليا. ~~كان الفقراء يتلقون الرعاية دون مقابل أو تكبد نفقات العلاج، إلا أن أولئك ~~الذين كانوا في مستوى يسمح لهم بدفع تكاليف العلاج كان من المتوقع منهم فعل ذلك. # وضعت بوابات المدينة تحت حراسة رجال أمناء يتعين عليهم منع دخول أي شخص معروف بأنه ~~مصاب أو يشتبه في إصابته أو جاء من أي مكان يعتقد أن العدوى قد أصابته، وكان ~~«الأجانب» والشحاذون المتشردون يطردون من المدينة إبان ابتلاءات الطاعون، ولم يكن ~~مسموحا لأحد الدخول دون تصريح من المسئول القضائي بالمدينة، وكانت الحركة بداخل ~~المدينة نفسها محدودة أيضا. # كانت الطبيعة المعدية للمرض مفهومة تماما، وكانت المنازل المصابة مميزة كالعادة ~~بصليب أحمر، «وتظل هكذا إلى أن تفتح مرة أخرى بموجب أمر قانوني». حددت فترة الحجر ~~الصحي بأربعين يوما (كالمعتاد). كان أهل كارلايل على دراية بكل ما يتعلق بالطاعون. لقد ~~أدركوا المخاطر المقترنة بوصول الغرباء واتخذوا تدابير وقائية سليمة لتقليل انتشار ~~المرض بأقصى درجة ممكنة، مثل عزل المصابين في منازلهم. # أجريت الترتيبات اللازمة لدفع رواتب المسئولين وخدام الكنيسة وحاملي الجثث ومتفقدي ~~الجثث، وكان متفقدو الجثث يتقاضون على ما يبدو تعريفة موحدة مقدارها 10 شلنات في ~~الأسبوع. وكان يتقاضى مبلغا مماثلا أولئك الذين كانوا ينظفون المنازل التي مات جميع ~~قاطنيها أو فروا إلى الحقول حفاظا على سلامتهم. كانت أيضا تقدم معونة للناجين من ~~الفقراء، مع أنهم كانوا في حالة اتصال يومي مع المرضى، كما كانت تقدم لأولئك ~~المتعافين من الطاعون. # يعزز هذا استنتاجنا المذكور سابقا بأنه ليس كل من كانوا على احتكاك بالمصابين ~~لقوا حتفهم، فهل كانت لديهم مقاومة للعدوى؟ يشير هذا أيضا إلى أن التعافي من هذا ~~المرض لم يكن مستحيلا. # لا يعرف متى بدأت ممارسة نقل المصابين إلى بيوت الطاعون (التي كانت بمنزلة مراكز عزل ~~بدائية) في كارلايل، بيد أن الممتلكات كانت تنتزع للتعامل مع الطوارئ، وسرعان ما ~~بنيت العديد من مستشفيات العزل خارج أسوار المدينة. وكانت تنفذ أوامر صارمة بشأن دفن ~~الموتى: كانت توفر ms103 نعوش خاصة لحمل الجثث، التي كان يتعين دفنها بين الساعة العاشرة ~~صباحا والرابعة مساء. لم يكن ينقل جثمان إلى أن يعلن قارع الأجراس أنه جرى تجهيز ~~القبر، وكان الشماس يسير أمام حاملي الجثمان ليعظ الناس وهو سائر. # ضرب الطاعون كيندال أول ما ضربها في نفس اليوم الذي ظهر فيه في كارلايل. لا تتوفر ~~تفاصيل كثيرة عن الوباء هناك نظرا لأن سجلات الأبرشية غير مكتملة، لكن من الواضح ~~أن نوبة التفشي في كيندال كانت عنيفة. في تلك الأثناء، توقفت أقسام وثائق التعميد ~~والزواج والدفن من السجلات في الصيف، ولم تستأنف حتى وقت عيد الميلاد. كانت مدة هذه ~~الفجوة خمسة أشهر، وقبل هذه الفجوة ببضعة أشهر، كان هناك بعض أقياد الدفن المميز إلى ~~جانبها في الهامش بحرف P # أو Pla ~~(الحرف الأول أو الحروف الثلاثة الأولى من ~~كلمة طاعون، # plague ~~، بالإنجليزية). # أثناء الطاعون كان أهل البلدة يأتون بالطعام إلى كونيبدس، حصن على سفح جبل هاي، ~~ويتركونه لسكان كيندال «حيث كان هذا احتكاكهم الوحيد أثناء تلك الفترة المدمرة.» # لم نعثر على أية سجلات للطاعون المتفشي في كزيك بشمال بحيرة ديستريكت، بيد أن ~~بارنز، وهو مؤرخ محلي، حكى ما يلي عام 1891: # كان هناك عرف في كزيك أنه متى هاج الطاعون، ولم تعقد الأسواق خشية العدوى، ~~كان أهل الوديان يأتون بغزلهم ونسيجهم إلى حجر كبير، يكون واضحا وضوح ~~الشمس على إحدى الروابي المنخفضة لجبل أرمبوث، وهناك يلتقون بصفة دورية لمزاولة ~~المعاملات التجارية مع التجار. ولا يزال يطلق على هذا الحجر اسم «حجر ~~النسيج». يقول لي السيد جيه فيشر من قرية كروستويت أنه سمع العجائز يقولون إنه ~~متى ظهر طاعون في كزيك، كان أهل البلدة يفدون إلى نبع «كادي بيك»، لكنهم لا ~~يعبرون الجدول الصغير. كان أهل كزيك يضعون النقود في الماء ثم يأخذها التجار ~~الذين يضعون لهم منتجاتهم على الأرض ليأخذوها مقابل ما دفعوا من نقود. # كانت الأوبئة الكبيرة تتوغل فقط في بلدات ومدن الأسواق الكبيرة. أظهر ~~تحليل السجلات المتاحة لأبرشيات وادي آيدن الصغيرة أنه ms104 لم تسجل حالات دفن على إثر ~~الإصابة بالطاعون إلا في أماكن معدودات، وفي بعض الحالات، بلغ إجمالي حالات الدفن أقل ~~من اثنتي عشرة حالة. أكد هذا اعتقادنا بأن نوبة التفشي مكتملة الأطوار لهذا المرض لم ~~تكن تحدث إلا في مجتمعات فوق حد أدنى لحجم معين، مثل بلدات ومدن الأسواق التي كانت ~~مركزا للتجارة المحلية والتي كان يزورها بانتظام الرعاة وتجار الصوف. كان الصوف، السيئ ~~الجودة على نحو واضح، أحد الصادرات المهمة التي تصنع في وادي آيدن. # في ووركوب (وهي قرية تبعد 15 ميلا أو 23 كيلومترا، جنوب شرق بنريث)، بدا أن المرض ~~مقصور على جزء واحد من الأبرشية، وعلى عائلتين فحسب؛ فقد قضى آدم موس وولداه ~~نحبهم على إثر الإصابة بالطاعون «كما ظن الناس» في التاسع عشر من أكتوبر 1597، وفي ~~الرابع من نوفمبر، دفنت مارجريت موس وأجنس لانكستر في حوش محاط بدير يقع في بلاتارين. ~~حدثت حالات الدفن التالية في الخامس والعشرين من مايو 1598 (من المفترض أنها نوبة تفش ~~جديدة)، عندما لقي ريتشارد لانكستر وزوجته «حتفيهما في حالة يرثى لها بسبب ~~الطاعون ودفنا بفنائهما في بلاتارين على ما يعتقد.» ذكر قيد آخر في السادس من يونيو ~~1598: «وافت المنية توماس بن ريتشارد لانكستر من قرية بلاتارين وحرق مخزن الغلال الذي ~~توفي فيه ودفن جثمانه بعد ذلك.» ومع أن الطاعون لم يذكر كسبب للوفاة، فإن حقيقة ~~أن التطهير باستخدام النيران كان يعد ضرورة تشير إلى وجود مرض شديد العدوى يرتعد منه ~~الناس بشدة. # تذكر سجلات الأبرشية في بنريث أن الطاعون ضرب أيضا بلدة أبلبي الواقعة عند ~~الطرف الشمالي من وادي آيدن، ومن إدراجه بجانب كيندال وكارلايل نستنتج أن تلك كانت هجمة ~~شرسة للطاعون. على ما يبدو أن نوبة التفشي حدثت قرب نهاية الجائحة، وفي الغالب وصلت ~~العدوى مرة أخرى من ريتشموند. # بعد مضي وقت طويل تحرك المرض من كارلايل شمالا ووصل بلدة دومفريس باسكتلندا بحلول ~~شتاء عام 1598. تسبب الوباء في عوائق للتجارة بل أدى أيضا إلى ندرة الطعام؛ في أحد ~~المواقف ms105 أوقف رجلان، أرسلا من دومفريس إلى منطقة جالواي، في بلدة السوق ويجتون ~~وبحوزتهما 38 رأس ماشية، وقد طلب دفع تعويض لأن الماشية التي صودرت صارت ~~عجافا. ~~(7) معاناة الضحايا # لم نعثر على أية روايات تتناول الأعراض التي ظهرت على ضحايا الطاعون في بنريث ~~وكارلايل، على أن ريتشارد ليك، «مبشر بكلمة الله في كيلنجتون في بارونية كيندال ~~ومقاطعة وستمرلاند»، ألقى خطبه المزعومة بشأن الطاعون عام 1598 أو عام 1599 التي قال فيها: # شاء الله أن يذيق بلادنا خلال سنتين متصلتين (في الأجزاء الشمالية من ~~الجزيرة) قدرته على الدينونة، لما أثارت خطايانا الكثيرة الهائلة غضبه، ~~لقد ضربنا بأوجاع كثيرة ومؤلمة، مثلما حدث عندما ظهرت في البداية الحمى ~~الشديدة، وبعدها مشكلة النزيف، وآخرها وأكثرها رعبا الوباء اللعين الذي أصاب ~~الكثيرين ونشر الفزع والرعب في جميع أنحاء البلاد. ومع أنني لم أصب ولم يصب ~~أي من الأفراد الذين أتولى رعايتهم، فجميعنا كان مسئولا عن هذا المرض بسبب ~~قلوبنا المذنبة. # عانى الضحايا من الحمى ~~الشديدة المعتادة التي كان يعقبها «مشكلة النزيف»، مع أنه لم يكن واضحا مصدره. كنا على ~~يقين من أن المرض المعدي نفسه كان المسئول عن هذه النوبة الوبائية مثلما كان مسئولا عن ~~جميع طواعين أوروبا الأخرى. ~~(8) ظهور ملامح السفاح # كانت هذه إذن صورة وباء نمطية عن وباء شرس اجتاح المقاطعات. كان الطاعون قد تفشى من ~~قبل في بعض البلدات الأكبر في الشرق مثل نيوكاسل ودرم، على أن بلدات السوق الأصغر في ~~الغالب لم تتعرض لرعب الطاعون إلا نادرا. # فحصنا الكثير من الأوبئة في الأقاليم باستخدام السجلات المعاصرة للأبرشيات، ~~وتدريجيا صرنا أكثر دراية بالطاعون، وجمعنا الأدلة: # غالبا كان تسجل نوبة تفشي الطاعون في سجل الدفن على أنه بدأ عن طريق ~~مسافر أو غريب أو أحد قاطني المدينة الذي كان قد عاد من مكان كان معروفا ~~باشتداد الطاعون فيه. من الواضح أن هؤلاء الأشخاص أصيبوا بالعدوى في مكان ~~آخر. على سبيل المثال، تذكر سجلات بلدة السوق أوندل بمقاطعة نورثانتس أن ~~الوباء الذي بدأ عام 1625 ms106 كان قد وصل عن طريق ابنة ويليام آبلز «التي ~~انحدرت من لندن» (حيث كان الوباء ثائرا) لزيارة والدها ولقيت حتفها ~~في الرابع عشر من يوليو، وكان برفقتها ابنتها التي وافتها المنية ~~بعدها بتسعة أيام. # كان الطاعون عدوى انتهازية وقد سلك في الأساس نفس الطريقة في كل نوبة ~~تفش. # لكننا أدركنا نوعين من الوباء مختلفين تماما في إنجلترا، يحكمهما الحجم ~~والكثافة السكانية: ~~- أولا: لم ينجح الطاعون مطلقا في القرى والأبرشيات المتفرقة. لم تكن ~~العدوى تنتشر لمسافة بعيدة قط، مع أنها كانت تطيح بعائلات بأكملها إذا ~~وجدت لها موطئ قدم في أحد المنازل. مع أن الطاعون ربما يكون قد كشر عن ~~أنيابه لبضعة أشهر، فإن معدل الوفيات كان منخفضا دائما. الأرجح أن الكتلة ~~الحرجة للوباء كانت تبلغ نحو 1000 ساكن. ~~- ثانيا: في البلدات الأكبر حيث كان يتكتل عدد كاف من السكان معا، كان ~~الوباء ينفجر في أشهر الصيف، وكان دائما ما ينتشر ببطء في البداية إلا أنه ~~كان يزداد زخما بالتدريج. # كانت هذه الأوبئة المكتملة الأطوار التي تعكس ملامح الطواعين الكبيرة ~~تدوم لثمانية أو تسعة أشهر، من الربيع حتى شهر ديسمبر. # كان معدل الوفيات مرعبا - في الغالب نحو 40٪ من السكان - مع أنه ليس ~~لدينا وسيلة لحصر عدد الأشخاص الذين كانوا قد ولوا الأدبار لدى رؤية ~~الأمارات الأولى على الاضطرابات. # كان المرض يشق طريقه في الشتاء بصعوبة، فالوباء الذي كان يبدأ في الخريف ~~كان يسير بخطى متعثرة وغالبا ما كان يخمد تماما في الشتاء، الأمر الذي ~~كان يخفف معاناة الأفراد دون شك. # حالما يوطد الوباء قدميه، كان المواطنون ينفذون الأوامر المتبعة ~~إبان الطاعون، مع أن هذا كان يحدث فارقا طفيفا في النتائج. # كان معدل انتقال العدوى هائلا، فعلى سبيل المثال: كانت تقطع مسافة تزيد ~~عن المائة والخمسين ميلا (240 كيلومترا) في نحو ستة أسابيع في نوبة ~~الوباء في شمال غرب إنجلترا، وكانت العدوى تواصل زحفها بلا هوادة، ضاربة ~~على نحو انتهازي في أي مكان يمكن أن توطد قدميها فيه. # كان الوقت الذي يتخلل ms107 ظهور الأعراض المخيفة والموت قصيرا للغاية، ربما ~~خمسة أيام في المتوسط. # ماذا كان نمط الأحداث وسط تجمع سكني هائل مثل لندن عندما كان الطاعون ~~في أشد عنفوانه؟ # الفصل السابع # | طاعون لندن العظيم # من بين كل ابتلاءات الطاعون في أوروبا، نعرف ~~عن «طاعون لندن العظيم»، الذي بدأ عام 1665، أكثر مما نعرف عن أي طاعون آخر. قدم صموئيل ~~بيبس في يومياته الشهيرة تسجيلا تاريخيا لواقعة عن أحد شهود العيان. استرجع دانييل ديفو، ~~الذي لم يكن قد تجاوز سن السادسة في تلك الأثناء، القصة عام 1722، ومع أن هذه القصة بلا شك ~~قصة مثيرة وممتعة، فإن بعض المؤرخين شككوا في مصداقيتها، إلا أن دبليو جيه بيل الذي ألف ~~الكتاب الحاسم «طاعون لندن العظيم» دافع عن ديفو قائلا: إن هذه التصريحات «تعجز عن الوصف ~~الفعلي لمدى المعاناة التي تكبدها ديفو لدى استخدام مثل هذه المصادر التاريخية التي كانت ~~متاحة أمامه.» # كانت قوائم الوفيات الأسبوعية تحفظ (مع أنها غالبا ليست على نفس القدر المرجو من الدقة ~~لأن الأرقام كانت تخفض عن واقعها الفعلي لتحسين معنويات الناس)؛ مما يعني توفر إحصاءات ~~مفصلة. كان عدد الوفيات رهيبا؛ فقد كان الطاعون في أشد عنفوانه في إنجلترا. لكن، للمفارقة، ~~كانت هذه رقصته الأخيرة؛ فقبل انقضاء خمس سنوات كان قد اختفى إلى الأبد. ~~(1) من أين جاء؟ # كان الطاعون هائجا في هولندا عام 1664 ووجه تحذير مسبق إلى مفوضي إدارة الجمارك ~~لضمان عدم دخول لاجئين مصابين إلى أرض بريطانيا. لكن لم يكن هذا التحذير مجديا؛ فقد ~~وردت أنباء عن وفاة فرنسيين على إثر الإصابة بالطاعون بشارع لونج إيكر بلندن في ~~نهاية العام. # كان شتاء عام 1664 قاسيا؛ فقد كان الصقيع الجاف الأسود يكسو الأرض على نحو شبه ~~دائم منذ نوفمبر، ولم ينحسر حتى مارس عام 1665. استمر البرد الجاف بعد انكسار موجة ~~الصقيع؛ مما أسفر، كما قيل، عن «عدد كبير من حالات التهاب غشاء الجنبة المحيط بالرئة، ~~والالتهاب الرئوي والذبحة الصدرية»، نتيجة «لأعنف شتاء وربيع وصيف سمع عنه إنسان عاش ~~على وجه الأرض. ms108 بارت الأراضي الزراعية، ولم يكن في أرض المروج سوى أربع شحنات من القش ~~التي كانت تصل من قبل إلى أربعين شحنة على الأقل.» # كان لهذا الشتاء البارد تأثير سلبي على تقدم الوباء، فكما يقول الطبيب هارفي في كتابه ~~«مؤرخو المدينة» الذي نشر عام 1769: # ونظرا لاقتصاره على منزل أو اثنين، انحسر المرض خلال فصل الشتاء الجليدي ~~القارس الذي دام قرابة ثلاثة أشهر متواصلة؛ فقد دخل في سبات عميق من وقت عيد ~~الميلاد إلى منتصف شهر فبراير، ثم تفشى مرة أخرى في نفس الأبرشية، وبعد ~~فترة هجوع طويلة أخرى استمرت حتى شهر أبريل، مارست العدوى تأثيرها الخبيث من ~~جديد حين أمدها دفء الربيع بالقوة الكافية. # بلغ عدد وفيات الطاعون المسجلة أسبوعيا 43 ضحية إجمالا في مطلع ~~يونيو 1665، وكان أول إخطار رسمي هو ذلك الإعلان الصادر في الرابع عشر من يونيو بإلغاء ~~معرض بارنويل «خشية انتشار الطاعون». كان هذا احترازا حكيما، لكن لم يكن بمقدور شيء ~~أن يردع العدوى حينذاك. # في نهاية شهر يونيو جرى تمرير المرسوم الذي صاغه عمدة مدينة لندن وأعضاء المجلس ~~المحلي، وقد تضمنت هذه الوثيقة التفصيلية ما يلي: # على رب كل بيت، ما إن يشكو أي فرد من أفراد بيته إما من بقع سوداء أو ~~بنفسجية أو من تورم في أي جزء من أجزاء الجسم، أو يصاب بمرض خطير دون سبب ~~واضح يشير إلى مرض معين آخر، أن يخطر مفتش الصحة في غضون ساعتين من ظهور ~~الأمارة المذكورة. # أوضح ديفو: # خلال الفاصل الزمني بين إصابة ~~أحد الأفراد بالمرض ووصول المفتشين، كان لدى رب البيت الفرصة والحرية في أن ~~يغادر هو أو كل أفراد عائلته، إذا كان يعرف وجهته، وقد فعل الكثيرون هذا. إلا ~~أن الطامة الكبرى هي أن كثيرين فعلوا ذلك بعد إصابتهم هم أنفسهم، وهكذا حملوا ~~المرض إلى منازل أولئك الذين كانوا في غاية السخاء واستقبلوهم، الأمر الذي لا ~~بد من الاعتراف بأنه كان في غاية القسوة وقمة نكران الجميل. # كانت لندن في تلك اللحظة على أهبة الاستعداد ms109 وفي كامل حذرها، ~~وكانت جميع التدابير الصحية المثبت فعاليتها تطبق بصرامة. ~~(2) يوميات صيف مريع # مكث صموئيل بيبس في المدينة أثناء الطاعون، وزاول مهامه اليومية كالمعتاد. ومن ~~يومياته الشهيرة نحصل على لمحة عما كانت عليه الحياة في تلك الأيام المرعبة: # السابع من يونيو: # أشد الأيام التي مرت بي قسوة في حياتي. في هذا اليوم، حدثت أشياء ~~ما كنت أرغبها: رأيت في شارع دروري لين منزلين أو ثلاثة منازل وضع ~~على أبوابها صليب أحمر وعبارة «نرجو رحمتك يا ألله»، أحزنني رؤية ~~هذا؛ حيث إنني لم أر في حياتي قط - بقدر ما تسعفني ذاكرتي - ~~شيئا من هذا المثيل. # الخامس عشر من يونيو: # البلدة تزداد مرضا، ويرتعد الناس من العدوى. # السابع عشر من يونيو: # كنت بصحبة سائق عربة وجدته يقود عربته بسلاسة، وأخيرا وقف بلا ~~حراك، وترجل من العربة وهو يكاد لا يستطيع الوقوف، وأخبرني ~~أن الطاعون ضربه بقوة فجأة، وقد صار كفيفا تقريبا، لا يستطيع أن ~~يرى، وعليه ترجلت من العربة واتجهت إلى عربة أخرى وأنا أشعر ~~بالحزن على الرجل المسكين، خشية مني أن يكون قد نقل إلي عدوى ~~الطاعون. # الحادي والعشرون من يونيو: # وجدت أهل البلدة جميعهم يهجرونها، اكتظت العربات والمركبات ~~بالأفراد الفارين [إلى الريف]. # الثاني والعشرون من يونيو: # أرسل بيبس والدته ~~مارجريت بيبس، بعيدا. لقد تأخرت في مكتب البريد وفقدت مكانها في ~~العربة المكتظة بالأفراد و«كانت مستعدة لأن تركب في جزء الشحن ~~الخلفي من العربة.» # الخامس والعشرون من يونيو: # الطاعون يزداد شراسة. # التاسع والعشرون من يونيو: # الاتجاه إلى طريق قصر وايت هول، حيث اكتظت الساحة بالشاحنات ~~والأفراد الذين كانوا على أهبة الاستعداد للرحيل من المدينة. ~~يزداد هذا الطرف من البلدة سوءا كل يوم بسبب الطاعون. اقترب معدل ~~الوفيات في هذا الأسبوع من 267، أي أكثر من إجمالي وفيات ~~الأسبوع المنصرم بنحو 90 فردا. # الثاني والعشرون من يوليو: # وأنا متجه إلى المنزل التقيت بعربتين لنقل البضائع وليس عربتي ~~ركاب. كانت الشوارع خالية تماما من المارة. # الثلاثون من أغسطس: # خرجت واتجهت صوب كنيسة مورفيلدز ms110 كي أعرف (اصفح عن ذنبي يا الله!) ~~ما إن كان بمقدوري أن أرى أي جثة ميته محمولة إلى القبر، لكن شاء ~~الله ألا أرى. لكن يا إلهي! كيف حال الجميع، والأحاديث في شوارع ~~الموت تدور حول البلدة البائسة وكيف أصبحت مكانا كئيبا ~~مهجورا. # الثالث من سبتمبر: # أردت ارتداء باروكتي البيضاء الجديدة التي اشتريتها منذ وقت طويل ~~لكن لم أجرؤ على ارتدائها ؛ لأن الطاعون كان قد انتشر في ويستمنستر ~~عندما اشتريتها، وتعجبت ترى ماذا عساها أن تكون موضة الشعر ~~المستعارة لدى انتهاء الطاعون؛ لأنه ما من أحد سيجرؤ على شراء أي ~~شعر مستعار خوفا من العدوى؛ لئلا يكون مقصوصا من جثث أفراد ماتوا ~~بسبب الطاعون. # السادس من سبتمبر: # اتجهت صوب لندن، وهناك رأيت نيرانا مشتعلة في الشوارع في كل ~~أنحاء المدينة بأكملها، بأمر من عمدة المدينة. # الرابع عشر من سبتمبر: # سمعت في ذلك اليوم ~~أن نادلي باين المسكين دفن طفلا، وأنه هو نفسه ينازع الموت. وسمعت ~~أن عاملا أرسلته اليوم التالي كي يتقصى كيف أصبح الحال هناك ~~مات بسبب الطاعون، وأن أحد الملاحين الذين يعملون لدي والذي كان ~~يقلني بالقارب بصفة يومية مرض بمجرد أن رسا بي صباح يوم ~~الجمعة الماضي، بعدما أمضيت الليل بطوله في المياه، وقد مات بسبب ~~الطاعون. تناهى إلى مسامعي أن القبطانين لامبرت وكاتل قد قتلا ~~لدى الاستيلاء على تلك السفن، وأن السيد سيدني مونتاجيو يعاني من ~~حمى شديدة بمنزل الليدي كارتريت بقاعة سكوت. سمعت أن السيد لويس ~~لديه ابنة أخرى مريضة. وأخيرا أصابني خبر فقد خادمي دبليو ~~هيور وتوم إدواردز أبويهما جراء الطاعون هذا الأسبوع بحزن بالغ، ~~وثمة سبب وجيه لهذه الكآبة. # العشرون من سبتمبر: # اتجهت إلى منطقة لامبيث. يا له من مشهد حزين عندما لا ترى أية ~~قوارب على صفحة النهر، والعشب يكسو كل أرجاء قصر وايت هول، ~~والشوارع خالية تماما إلا من البؤساء! # السادس عشر من أكتوبر: # اتجهت إلى البرج، كم كانت الشوارع خالية وكئيبة، فقراء مرضى ~~كثيرون تملؤهم القروح في الشوارع. لقد أخبروني ms111 أنه لا يوجد طبيب ~~واحد في ويستمنستر، فقط صيدلاني واحد هو من بقي على قيد الحياة، ~~الجميع لقوا حتفهم. # مكث في لندن أيضا في تلك الآونة توماس فينسنت الخادم السابق بكنيسة ~~القديسة مريم المجدلية الكائنة في شارع ميلك، وقد خط كتاب «صوت الله المرعب في ~~المدينة»، الذي وصف من جديد المشهد بوضوح: # لكم كانت الزيادة في عدد الوفيات مرعبة في شهر أغسطس! الآن السحب شديدة ~~السواد، وتعصف بنا الرياح العاتية بقوة بالغة. الآن يطوف الموت شوارعنا على ~~صهوة جواده الباهت في زهو وانتصار، ويقتحم كل منزل حيثما يجد مقيمين فيه. في ~~ذلك الوقت، كان الناس يرتجفون بسبب الرياح العاتية. الآن ثمة عزلة موحشة في ~~شوارع لندن، يبدو كل يوم وكأنه يوم سبت [بوصفه يوم راحة وعبادة] يعامل بهيبة ~~أكثر مما هو معتاد في المدينة. الآن المتاجر مغلقة، لا ترى سوى قليل من الأفراد ~~يجولون في المدينة، حتى إن العشب بدأ ينبت في بعض الأماكن، وقد عم كل الأرجاء ~~تقريبا سكون عميق، بالأخص بداخل جدران المدينة، فلا خيول متبخترة ولا عربات ~~مطقطقة، وليست هناك صيحات نداء على الزبائن، ولا معروضات من البضائع، لا يسمع ~~صدى صيحات لندن في الآذان. وإن وجدت أي أصوات، فإنها كانت أنات الأفراد ~~الذين ينازعون الموت الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة، وأجراس النعي التي تعلن أن ~~الجثث جاهزة لنقلها إلى قبورها، يمكننا أن نتحدث دون توقف عما رأينا وسمعنا: ~~فالبعض كانوا في غمرة جنونهم ينهضون من فراشهم ويتقافزون في أنحاء غرفهم، ~~والبعض الآخر يصرخون ويزمجرون من نوافذهم، والبعض الثالث يخرجون شبه عراة ~~إلى الشوارع. ~~(3) أشباح الموت: ممرضو الطاعون والحراس المخيفون # توضح يوميات بيبس، كما هو الحال مع الطواعين السابقة، أن كل من استطاع الهروب ~~فر من لندن، إلا أنه لم يكن بمقدور أفراد الطبقات الأرق حالا في الضواحي ~~الشعبية على جانبي نهر التيمز فعل ذلك، وكانوا هم من عانوا أكثر من غيرهم. توقفت عملية ~~التوظيف لدى رحيل الأثرياء، ومن ثم توقفت أغلب الأجور، وعليه فقد أضيف سوء التغذية ms112 ~~والموت جوعا فوق المحن التي عانى منها الشعب. # كان موقفهم ميئوسا منه للغاية حتى إن البعض اضطر إلى مباشرة الأعمال الخطيرة ~~المتمثلة في وظيفة حراس البيوت المغلقة على مدار الليل والنهار، ودافني الموتى، وممرضي ~~الطاعون المخيفين الذين كانت تتولى السلطات تعيينهم، والذين كان يقال إنهم كانوا ~~يسهمون في الموت المبكر لمرضاهم. قال فينسنت: «كان الأفراد المصابون بالطاعون ~~يخشون ممرضي الطاعون أكثر من الطاعون نفسه.» ليس هذا غريبا؛ فهؤلاء الممرضون لم ~~يكن لديهم أية مهارات أو خبرة في التمريض، وفي معظم الأحوال كانوا شخصيات مريبة. كانت ~~الأبرشية هي التي تدفع أجورهم، وكانت هذه الأجور لا تفي بحد الكفاف؛ ومن ثم فكي ~~يسدوا رمقهم اضطروا إلى الاعتماد على فرص السلب والنهب التي تأتي في طريقهم. # كان ديفو أكثر صراحة: # يخبرنا عدد كبير من الروايات المرعبة عن ممرضين وحراس اعتنوا بأشخاص ~~محتضرين، ممرضين مأجورين تولوا رعاية مصابين، فاستغلوهم بوحشية، أو جوعوهم، ~~أو كتموا أنفاسهم، أو عجلوا أجلهم باللجوء إلى وسائل أخرى شريرة، أي إنهم ~~اغتالوهم. وحراس كانوا معينين من أجل حراسة منازل كانت مغلقة لم يتبق من ~~أفرادها سوى شخص واحد ربما كان طريح الفراش. كان هؤلاء الحراس يقتحمون المنزل ~~ويقتلون هذا الشخص، ويرمونه في الحال في عربة الموت التي تذهب به إلى القبور ~~لدفنه. # بالمثل استخدم العنف مع الحراس في أماكن كثيرة حسبما أفادت تقارير، وأعتقد ~~أنه منذ بداية الطاعون حتى نهايته قتل على الأقل 18 أو 20 شخصا أو أصيبوا ~~إصابات بالغة حتى إنهم اعتبروا في عداد الموتى؛ بسبب الاعتداءات التي يعتقد ~~أنه قام بها الأفراد المحتجزون داخل المنازل الموبوءة التي كانت مغلقة وتحت ~~الحراسة، حيث حاول هؤلاء الخروج فمنعهم الحراس. على بعد خطوات من نفس المكان ~~فتكوا بحارس باستخدام البارود، وحرقوا الرجل المسكين بطريقة شنيعة، وفيما كان ~~يطلق صرخات مرعبة، ولم يجازف أحدهم بالاقتراب منه ومد يد الغوث إليه، فر ~~أفراد العائلة الذين كانوا قادرين على الرحيل بأكملهم من النوافذ التي تقع على ~~ارتفاع طابق واحد [وهكذا فروا]، وتركوا وراءهم ms113 اثنين من المرضى يستغيثان ~~طلبا للعون. ~~(4) قصص بطولية # لم يفر كل الأطباء والصيادلة لدى بدء انتشار الوباء، فالبعض ظلوا بجسارة في ~~وظائفهم وقدموا النجدة قدر استطاعتهم. وكانت النتيجة أن معظمهم لقي حتفه مع ~~مرضاه. روى الطبيب بوجهيرست الذي زاول مهنته في مستشفى كنيسة سان جايلز إن ذا فيلدز، ~~والذي نجا من الطاعون، الرواية التالية عن خدماته: # مع أنني كنت حائرا للغاية في البداية في إصدار حكم، فإنه مع الممارسة ~~والملاحظة الطويلة للتفاصيل، اكتسبت مهارة أكبر؛ إذ أصبحت معتادا على المرض، ~~وانطلاقا من إدراكي أن وسيلة فعل الخير هي ألا أخاف بلا شك؛ من ثم كنت أتولى ~~عادة تضميد أربعين قرحة يوميا، وأقيس نبض المرضى الذين كانوا يتصببون عرقا ~~في فراشهم كل عشر دقائق، وأمارس فصد الدم، وأحقن المرضى بحقن شرجية، وأساعدهم ~~على النهوض من فراشهم كي لا يحدث لهم اختناق. لقد عانيت من «تنفسهم في وجهي ~~مرات عديدة وهم يحتضرون.» كنت آكل وأشرب معهم، وبالأخص مع أولئك الذين لديهم ~~قروح. كنت أجلس إلى جانبهم وعلى فراشهم، وأتحاور معهم طيلة ساعة. وإن وجدت ~~مساحة من الوقت، كنت أمكث إلى جانبهم كي أراهم وهم يموتون، وأرى طريقة موتهم، ~~وكنت أغلق أعينهم وأفواههم؛ لأنهم كانوا يموتون وهم فاغرو الأفواه ومحدقو ~~الأعين. وإذا لم يوجد من يتولى أمرهم بعد مماتهم، كنت أساعد في رفعهم من الفراش ~~ووضعهم في النعش، وفي النهاية أرافقهم إلى القبر. # الشيء المذهل في هذه الرواية هو كيف نجا هذا الرجل من العدوى. لقد ~~كان دائما على احتكاك مع عدد غفير من الضحايا ومع ذلك لم يمت. # روى ديفو أيضا القصة المؤثرة التالية: # أصيب رب أسرة في المنطقة التي أقطن فيها بعدوى يعتقد أنها انتقلت إليه من ~~عامل مسكين يعمل لديه، وكان قد ذهب إلى منزل ذلك العامل ليتفقده، وقد كانت لديه ~~بعض التوجسات حتى وهو بعتبة دار العامل المسكين، إلا أنه لم يعرف السبب، لكن ~~في اليوم التالي اتضح الأمر وأصاب المرض الشديد الرجل، ولتوه أمر بحمله إلى ~~مبنى خارجي ms114 بفناء منزله حيث توجد غرفة تعلو مصنع نحاسيات، إذ كان الرجل يعمل ~~نحاسا. رقد الرجل على فراش الموت حتى وافته المنية في ذلك المكان. لم ~~يتلق الرعاية من أي من جيرانه إلا من ممرضة من خارج المنطقة، ولم يسمح ~~لزوجته ولا أولاده ولا خدامه بالدنو من غرفته لئلا تنتقل العدوى إليهم، ~~وإنما كان يرسل إليهم دعواته وصلواته مع الممرضة التي كانت تنقلها إليهم من ~~مسافة بعيدة، كل هذا خشية أن ينقل العدوى إليهم، وكان يعلم أنهم ما داموا بمعزل ~~عنه فلن يصيبهم المرض. # لعل أكثر قصة تمس شغاف القلب في كتاب ديفو هي تلك التي تحكي عن ملاح ~~مسكين استطاع أن يعول عائلته التي أصابها الطاعون من خلال عزل نفسه بعيدا عنهم. لقد ~~حمد الله أنه حفظهم من العوز: «يا الله! ... يا لعمق الرحمة إذا أبقيت على حياة أي ~~منا، ومن أنا حتى أتذمر من أحكامك؟» ~~(5) دليل الموت # كان عدد الوفيات في لندن يفوق العقل. اتبع الوباء النمط المعتاد للطاعون حيث ارتفع ~~عدد الوفيات ارتفاعا هائلا في البداية ليصل إلى الذروة منتصف شهر سبتمبر ثم لينخفض ~~إبان الخريف والشتاء. بلغ الإجمالي الرسمي لعدد الوفيات 68595، إلا أن هناك ~~إجماعا عاما بأن هذا الرقم أقل بكثير من الرقم الحقيقي. كان دبليو جي بيل على يقين ~~من أن كثيرا من وفيات الطاعون إما حجبوا عن عمد عن أعين «نساء التفتيش الطبي» أو ~~أنه تم رشوة هؤلاء الموظفات أو تخويفهن للامتناع عن الإبلاغ الكامل عن عدد الضحايا. أكد ~~هذه الآراء القيد المذكور في يوميات بيبس بتاريخ الثلاثين من أغسطس عام 1665: # كنت بالخارج والتقيت مستخدمنا الذي يدعى هادلي. لدى سؤاله عن مجريات ~~الأمور بالنسبة للطاعون، أخبرني أنه يتفاقم بشدة في أبرشيتنا؛ لأنه كما ~~يقول لقي تسعة أشخاص حتفهم هذا الأسبوع، رغم أنه لم يعلن رسميا إلا ~~عن ست حالات، ويا لها من ممارسة دنيئة تجعلني أظن أنها تحدث في أماكن أخرى، ~~وهكذا كان الطاعون أكبر كثيرا مما كان يظن الناس. # علاوة على ذلك، رفضت جماعات ms115 الكويكرز واليهود والمنادون بتجديد ~~العماد إدراج وفيات الطاعون من أعضائها في تقارير الكنيسة؛ ومن ثم تملصت هذه الجماعات ~~في المقام الأول من القوائم. كتب بيبس في الحادي والثلاثين من أغسطس 1665: # توفي في المدينة هذا الأسبوع 7496 شخصا من بينهم 6102 بسبب الطاعون. ~~لكن يخشى أن يكون عدد الوفيات الحقيقي لهذا الأسبوع يقترب من 10 آلاف ضحية ~~(عدد إجمالي صادم)، معظمهم من الفقراء الذين لا يلتفت أحد إليهم من كثرة عددهم، ~~ومن الكويكرز وغيرهم الذين لا يسمحون بقرع أية أجراس من أجلهم. # دون ديفو الآتي: # بلغت الحيرة بالناس مبلغا لا يمكن وصفه، ولا سيما داخل المدينة في ذلك ~~الوقت. بلغ الفزع مداه في النهاية لدرجة أن شجاعة المأجورين لنقل الموتى بدأت ~~تخذلهم، بل مات أيضا كثيرون منهم، مع أنهم أصيبوا بالعدوى من قبل وتعافوا ~~منها، والبعض منهم سقط صريعا وهو يحمل الجثث وعلى وشك أن يلقيها في القبر. ~~وكان حجم الحيرة في المدينة يفوق ذلك بكثير؛ لأن الأفراد هناك منوا ~~أنفسهم بآمال النجاة، وظنوا أن مرارة الموت قد اجتازتهم. # مع أن عدد الأفراد الذين لقوا حتفهم في لندن خلال نوبة ~~التفشي هذه أكبر من عدد الذين ماتوا في أية نوبة تفش أخرى، فإنه ينبغي النظر إلى ذلك ~~في ضوء الزيادة الحادة في عدد السكان التي بلغت نحو 460 ألف نسمة؛ ومن ثم بلغت ~~وفيات الطاعون وفقا للأرقام الرسمية 15 في المائة من السكان، تلك النسبة التي تقترب ~~من نسبة وفيات الوباء السابق عام 1625 التي بلغت 13 في المائة. ~~(6) الموت: عتق مبارك # تشير التقارير الطبية إلى أن قلة قليلة حالفها الحظ ولقيت حتفها سريعا بعد ~~ظهور أمارات الرب، لكن بالنسبة للأغلبية كانت النهاية هي المسألة المعتادة الممتدة ~~والمليئة بالأوجاع. روى ديفو الروايات التالية التي ترسم على نحو محزن معاناة الضحايا ~~الفقراء: # يمكننا أن نتحدث دون توقف عما رأينا وسمعنا: فالبعض كانوا في غمرة جنونهم ~~ينهضون من فرشهم ويتقافزون في أنحاء غرفهم، والبعض الآخر يصرخون ويزمجرون من ~~نوافذهم، والبعض الثالث يخرجون شبه ms116 عراة إلى الشوارع. آخرون تحدثوا وفعلوا أشياء ~~غريبة في مرضهم، إلا أنه كان أمرا محزنا للغاية أن نسمع عن شخص كان مريضا ~~ووحيدا، وعلى ما يبدو انتابته حالة هياج، فأحرق نفسه في فراشه. # عندما لا تزول الأورام تصبح موجعة للغاية حتى إنها كانت تضاهي في وجعها أشد وسائل ~~التعذيب، والبعض عندما لم يستطيعوا تحمل الآلام ألقوا بأنفسهم من النوافذ أو ~~أطلقوا النار على أنفسهم، أو قتلوا أنفسهم بطرق أخرى، وقد رأيت أشياء محزنة كثيرة ~~من هذا القبيل. آخرون لم يستطيعوا كبح آلامهم فنفسوا عنها بزمجرة لا تنقطع، وكنا ~~نسمع مثل هذه الصرخات العالية البائسة ونحن نسير في الشوارع، كان التفكير في هذا ~~يذيب أقصى الأفئدة ولا سيما لدى التفكير في أن نفس الفاجعة المرعبة يتوقع أن ~~تلم بنا في أي لحظة. # سمعت عن مصاب هرول من فراشه مرتديا قميصه وكان يعاني العذاب والوجع من ~~أورامه التي كان لديه ثلاثة منها، وارتدى حذاءه ومضى ليرتدي معطفه، لكن عندما ~~قاومته الممرضة وخطفت المعطف منه، طرحها أرضا وداسها بقدميه وهرول عبر السلالم إلى ~~الشارع متجها إلى نهر التيمز مباشرة وهو يرتدي القميص فحسب. ركضت الممرضة وراءه ~~وأخذت تستغيث بالحارس ليوقفه، إلا أن الحارس، لأنه كان خائفا من الرجل ويخشى أن ~~يلمسه، تركه يمضي. أسرع الرجل المصاب ليصل إلى سلم ستيليارد، ونزع عنه قميصه ~~وألقى بنفسه في مياه التيمز؛ وحيث إنه كان سباحا ماهرا، فقد سبح إلى أن وصل إلى ~~اليابسة إلى حيث سلم فالكون. رسا الرجل ولم يجد أحدا هناك لأن الوقت كان ~~ليلا، وركض في الشوارع عاريا، وأمضى وقتا طويلا إلى أن رجع إلى النهر مرة أخرى، ~~وسبح عائدا أدراجه إلى سلم ستيليارد. # كان الأفراد لدى اشتداد مرضهم، أو في خضم ما يعانونه من ألم يفوق الاحتمال ~~نتيجة لأورامهم، يطير عقلهم ويهيجون ويجن جنونهم، ولطالما كانوا يؤذون أنفسهم: ~~فيلقون بأنفسهم من النوافذ، ويطلقون النار على أنفسهم، وما إلى ذلك. الأمهات ~~في نوبة جنونهن كن يقتلن أطفالهن. مات البعض كمدا، والبعض الآخر من ms117 الرعب الشديد ~~والذهول الجم دون أن تصيبهم أي عدوى على الإطلاق. البعض ارتاعوا لدرجة أن أصابهم ~~العته والبلاهة، والبعض فزعوا إلى حد يأسهم وفقدان صوابهم، وآخرون أصابهم الخوف ~~الشديد حتى إنهم أصيبوا بالخرف والجنون. كانت هذه الأورام شديدة للغاية لدى البعض ~~لدرجة أنه ما من أدوات جراحية استطاعت استئصالها، فكانوا يحرقونها بآلات كي، ~~وعليه مات كثيرون من الجنون والبعض الآخر أثناء العمليات الجراحية نفسها. في خضم ~~هذا العذاب، تعرض البعض لأنفسهم بالإيذاء بسبب حاجتهم إلى من يمد لهم يد العون ~~ليرعاهم في فراشهم أو يعتمدون عليه كما رأينا سابقا. البعض ركض إلى الشوارع ربما ~~عراة، وكانوا يهرولون نحو النهر مباشرة، إذا لم يعترض الحراس طريقهم، ويلقون ~~بأنفسهم في النهر في أي بقعة يطولونها منه. ~~(7) الرعب من الحفرة # كان «الفقراء يمتلئون رعبا من حفر الطاعون؛ فكانوا يبذلون قصارى جهدهم للحيلولة ~~دون دفن موتاهم هناك.» على ما يبدو فإن جثث الضحايا كانت تدفن ليلا دون إقامة أي ~~مراسم جنائزية أو دون حضور أحد خدام الكنيسة، وقد ذكر دبليو جي بيل أن أي شخص قاده ~~حظه العاثر إلى أن يكون على مقربة من عربات الموتى عندما تفرغ شحناتها المرعبة «كان ~~يفر في عجالة من ذلك الموقع الذي كان كفيلا أن يذيب قلب حتى أصحاب أقسى الأفئدة. أضاء ~~المشهد - الذي من الأفضل تركه لخيال القارئ - ألسنة اللهب المنبعثة من ~~الشعلات.» # يصف لنا ديفو: # الحفرة الكبيرة التي حفروها بفناء كنيسة أبرشيتنا ألدجيت كانت حفرة هائلة، ولم ~~أستطع مقاومة فضولي في الذهاب لرؤيتها. على حد تقديري، بلغ طولها نحو 40 قدما ~~وعرضها نحو 15 أو 16 قدما. وللوهلة الأولى التي نظرت فيها إليها قدرت عمقها بنحو ~~تسعة أقدام، لكنني سمعت أنهم حفروا جزءا منها بعد ذلك على عمق بلغ نحو 20 قدما. ~~لم يستطيعوا الحفر أعمق من ذلك بسبب المياه؛ لأنهم على ما يبدو حفروا عدة حفر ~~كبيرة قبل هذه الحفرة في أرض أخرى، عندما بدأ المرض ينتشر في أبرشيتنا، ولا ~~سيما عندما انتشر استخدام عربات ms118 نقل الموتى. ربما كانوا قد ألقوا في كل حفرة من ~~هذه الحفر نحو 50 أو 60 جثة، ثم حفروا حفرا أكبر كانوا يدفنون فيها جميع الجثث ~~التي كانت تأتي بها العربات على مدار أسبوع، والتي تراوح عددها من منتصف أغسطس حتى ~~نهايته ما بين 200 إلى 400 جثة في الأسبوع الواحد، ولم يستطيعوا تعميق الحفر أكثر ~~من ذلك بناء على أوامر القضاة بعدم دفن جثث على عمق يقل عن 6 أقدام من سطح الأرض، ~~وكانت المياه تظهر على عمق 17 أو 18 قدما، فلم يستطيعوا وضع المزيد من الجثث في ~~الحفرة الواحدة. # أهمل سائقون عربة كانت متجهة إلى ضاحية شورديتش، أو أنهم كانوا قد أودعوها لسائق ~~واحد ومات في الشارع، وواصل الحصانان سيرهما فقلبا العربة وتركا الجثث ملقاة هناك، ~~بطريقة مرعبة. وجدت عربة أخرى على ما يبدو في الحفرة الكبيرة بحقول فينزبيري، فقد ~~مات السائق أو رحل وترك العربة، ولما ركض الحصانان بالقرب من الحفرة، سقطت العربة ~~وسحبت معها الحصانين أيضا. وقد رجح البعض أن السائق ألقي في الحفرة مع العربة، ~~وأن العربة هي التي وقعت عليه فأودت بحياته؛ ذلك لأن السياط شوهدت في الحفرة ~~بين الجثث. ~~(8) صبية وخدم: المهاجرون السذج # أصابنا ذهول شديد لدى معرفة أنه كثيرا ما كان أول الضحايا في كل أبرشية من ~~الصبية الحرفيين أو الخادمات، وأن وفياتهم شكلت النسبة الأعلى من الضحايا. لكن ~~في حقيقة الأمر، أكد ضعف هذه الفئة من المجتمع ببساطة تحليلاتنا للأوبئة المريعة ~~السابقة في لندن في الأعوام 1603، و1625، و1636. أشار ديفو إلى هذا أيضا: # بصفة عامة كانت العدوى تصل إلى منازل المواطنين عن طريق خدمهم الذين ~~أرسلوهم مضطرين إلى الشوارع القريبة والبعيدة من أجل قضاء الضروريات، كشراء ~~الطعام أو الدواء، وشراء الخبز والجعة وغير ذلك. وبالضرورة من يسير في الشوارع ~~ليتجه إلى المتاجر والأسواق وما على شاكلتها، لم يكن هناك مفر من أن يلتقي ~~بطريقة أو بأخرى بمصابين «ينقلون النفس المميت» إليهم؛ ومن ثم ينقلونه هم ~~بدورهم إلى منازل العائلات التي ms119 يعملون لديها. # من الواضح أن ديفو سبر غور عواقب العدوى الرذاذية، وربما ~~حمل تلميحه إلى أن الخدم كانوا المسئولين عن نشر العدوى في سياق عملهم شيئا من ~~الحقيقة. لقد خطر هذا ببالنا، لكن من الصعب تعليل زيادة عدد الوفيات بين الصبية وبالمثل ~~الخدم، ونحن نرجح سيناريو بديلا؛ فنظرا لأن الطاعون هاجم لندن منذ نهاية القرن ~~السادس عشر، فإن العائلات التي عاشت هناك لوقت طويل كانت قد شكلت لديها على ما يبدو ~~نوعا من المقاومة. لقد كانت النسبة المئوية لعدد الوفيات تنخفض بمعدل ثابت بالفعل على ~~مدار القرن السابع عشر. # كانت لندن مكانا غير صحي على نحو استثنائي؛ فلم يكن الطاعون وحده المتوغل هناك، ~~إنما أمراض كثيرة أخرى أيضا. كان معدل الوفيات كبيرا، ومتوسط عمر الفرد منخفضا؛ ~~ونتيجة لذلك كان ثمة طلب نهم على العمالة. تدفق المهاجرون، أمثال ديك ويتينجتون إلى ~~العاصمة سعيا لتحقيق الثروة والنجاح. لقد وفدوا من أماكن نائية تبعد أحيانا عن يورك، ~~وبأعداد غفيرة؛ فقد وفد في عام 1600 وحده ما بين 32 ألف إلى 40 ألف صبي. سد هذا ~~الانتقال، ولا سيما انتقال الأفراد الأحدث سنا، الفجوات التي خلفها عدد الوفيات ~~الهائل. # بلا ريب، لم يكن لدى هؤلاء المهاجرين الصغار السذج أدنى درجات المقاومة للطاعون التي ~~أظهرتها عائلات لندن التي اكتسبت مناعة؛ ومن ثم لقي الآلاف منهم حتفهم. حتى في ~~وقت مبكر وتحديدا في منتصف القرن السادس عشر، وافت المنية نحو 15٪ من الصبية ~~المشتغلين بحرفة النجارة والمرتبطين بعقود عمالة قبل أن يتمكنوا من إنهاء مدة ~~عملهم. # رأينا في ضربة الموت الأسود الأولى أدلة على بضعة أفراد كانوا مقاومين للمرض على ما ~~يبدو. بعد مرور 300 عام، انتشرت تلك المقاومة على الأرجح في أماكن مثل لندن التي كانت ~~خاضعة لهجوم طاعون لا ينقطع تقريبا لعقود. ترى ما تفسير هذا؟ لما كان الطاعون ~~يودي بحياة ضحاياه، لم يكن يوجد مجال للمناعة المكتسبة. كانت هذه المقاومة أكثر ~~تأصلا، ولا بد أن هؤلاء الأشخاص المحظوظين قد ورثوها عن آبائهم. ازداد الموقف ms120 تعقيدا ~~وغموضا، ومن الواضح أنه كان لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه عن هذا المرض ~~المدمر. ~~(9) ما بعد الطاعون # لسوء حظ اللندنيين، استمر الوباء طوال شتاء عام 1665، معاودا الظهور مرة أخرى في ~~الربيع التالي، وإن كانت ذروته قد انتهت. بدأ الأفراد الذين كانوا قد فروا في العودة ~~ومحاولة استئناف حياتهم مرة أخرى. بيد أن الطاعون استمر وتوالت الوفيات بمعدل منخفض ~~على مدار العام التالي؛ مما أسفر عن وفاة 2000 ضحية إضافية. باستثناء بعض نوبات التفشي ~~العشوائية والمتقطعة، كانت هذه نهاية الطاعون؛ فبعد أن ضرب أطنابه واستشرى بلا رادع في ~~أنحاء أوروبا طيلة 300 عام، اختفى وهو في ذروة قوته، فجأة وبدون سبب واضح، مثلما ظهر ~~فجأة في المشهد دون سبب واضح. # لا بد أن شعب أوروبا ظل في حالة ترقب لسنوات عديدة، متسائلا هل اختفى عدوه ~~القديم إلى الأبد أم أنه توارى ليس إلا، في مكان ما، مترقبا حتى تسنح الفرصة أمامه ~~لمعاودة الظهور. ماذا كان يعيق ظهوره في المشهد مرة أخرى؟ إلا أنه سرعان ما انتابتهم ~~مخاوف أخرى؛ فقد تصدر المشهد شكل خبيث من الجدري في ثلاثينيات القرن السابع عشر، ~~ولم يمض وقت طويل حتى تقلد هذا المرض دور الطاعون السفاح المرعب، مع أنه لم يصل ~~قط إلى مرتبة الطاعون. # لقد أمطنا اللثام عن صورة تاريخية دقيقة لعهد الطاعون المرعب الذي دام لزمن طويل، وقد ~~جمعنا كما هائلا من الأدلة، لكن ظل بجعبتنا الكثير من الأسئلة التي لم نجد لها ~~إجابات. من بينها، من أين بالتحديد جاء المرض عام 1347؟ ولماذا اختفى عام 1670؟ # قبل أن نتمكن حتى من البدء في الإجابة على مثل هذين السؤالين، لا بد أن نقر أننا ~~لا نفهم بعد الطبيعة الحقيقية لهذا المرض الفتاك الغامض. بلغة متخصصة، ماذا كانت ~~حقيقة العامل المعدي؟ # هل يمكننا أن نستعين بكامل قوة العلوم الحديثة المتعلقة بالأمراض المعدية لنربطها ~~بأدلتنا التاريخية؛ ومن ثم نرسم ملامح سفاح القرون الوسطى؟ # الفصل الثامن # | آلية عمل البكتيريا والجراثيم # لقد عرفنا قدرا لا بأس به عن هذا ms121 المرض الغريب الذي أرهب أوروبا منذ ضربته الأولى خلال ~~الموت الأسود عام 1347 حتى طاعون لندن العظيم عام 1665. لقد كان واضحا وضوح الشمس من ~~الروايات المعاصرة أن الناس الذين عاشوا في تلك الآونة قد أدركوا منذ البداية أنه كان مرضا ~~معديا بالاحتكاك المباشر وينتقل من شخص إلى آخر. يؤكد نجاح قاعدة الحجر الصحي الذي ~~كانت مدته أربعين يوما أنهم كانوا على صواب. لكن ماذا كان العامل المعدي ولماذا كان نشطا ~~على نحو مخيف للغاية؟ بداية، نحتاج أن نعرف المزيد عن أساس البكتيريا والجراثيم. # إن الإنسان في حرب مع الأمراض المعدية منذ فجر التاريخ. وحتى عهد قريب نسبيا، ومع ~~المعرفة المتزايدة بالأسباب الكامنة وراءها وظهور المضادات الحيوية واللقاحات، لطالما كانت ~~معركة من طرف واحد إلى حد بعيد. لقد أشارت أمهاتنا وجداتنا إلى «الجراثيم» ببساطة، ~~وقد انتابتهن مخاوف شديدة من آثارها على سلامة وصحة أطفالهن، وكان لديهن سبب وجيه وراء هذه ~~المخاوف؛ حيث إنهن نشأن على سماع روايات عن وفيات الأطفال الهائلة بسبب الأمراض المعدية في ~~العصور السابقة؛ إذ رأى البعض بأعينهن مباشرة التأثير المدمر لجائحة الإنفلونزا عام 1918، ~~وقد شهدن الكساح المريع والوفيات المتكررة نتيجة لمرض شلل الأطفال قبل اختراع لقاح سالك عام ~~1954. كانت مخاطر الطفولة كثيرة ومتنوعة: الدفتيريا، والسعال الديكي، والحصبة، والجدري، ~~والإنفلونزا، ونزلات البرد، والالتهاب الشعبي، والالتهاب الرئوي، والتهاب غشاء الجنبة ~~المحيط بالرئة، والتهاب المعدة، وتعفن سكروت، والديدان الأسطوانية، والسلاق، والقوباء، بل ~~أيضا المهانة التي يتعرض لها المرء المصاب بسعفة الرياضي والثؤلول الأخمصي عند زيارته ~~لحمامات السباحة. في عائلتي، عائلة دنكان، عانينا من كل هذا في الأيام التي سبقت ظهور ~~المضادات الحيوية والتطعيمات، مع أننا حاولنا جاهدين تجنب حمى الخنادق. وقد رأينا حولنا ~~أشخاصا يعانون من السل، وشلل الأطفال، والتهاب السحايا الدماغية، ويموتون منها في بعض ~~الحالات. # دون شك، شهد أجدادنا الأوائل الكثير من هذه الأمراض، مع أن الجدري كان المرض الفتاك ~~الأول بالنسبة للأطفال على مدار قرون. وعقب حملة تطعيم على مستوى العالم عام 1977، محي ~~هذا المرض بنجاح، فيما ms122 خلا بعض العينات منه التي حفظت من أجل الأبحاث العلمية، لكن ليس من ~~المستغرب أن الجدري والطاعون هما المرضان الأكثر تأثيرا في إثارة الخوف ونشر الفزع إذا ~~ما استخدما في هجوم إرهابي. # الجدري هو مرض نعرفه نحن الكاتبين حق المعرفة؛ فمنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين ونحن ~~ندرسه دراسة دقيقة، ولا نتعامل مع الفيروس الفعلي، لكننا نعمل بطريقة آمنة في مكاتبنا حيث ~~نستعين بالبيانات الموجودة في قوائم وفيات لندن، وسجلات الدفن الخاصة بالأبرشيات، وسجلات ~~وزارة الصحة. لقد أمدتنا هذه المصادر الرائعة بمعلومات عن أولئك الذين لقوا حتفهم من ~~المرض بدءا من أقدم نوبة تفش مسجلة في القرن السادس عشر حتى آخر وباء كبير اجتاح أوروبا ~~عام 1870. لطالما نجحنا في تبسيط عرض نوبات التفشي المختلفة في المناطق الريفية والحضرية، ~~وأوضحنا العوامل التي لعبت دورا كبيرا في إثارة الأوبئة. لقد نشرنا أبحاثنا في عدد من ~~الدوريات العلمية، ولا بد أنه ذاع صيتنا؛ ذلك لأنه في أعقاب الهجمات الإرهابية على ~~الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، إذ بنا نفاجأ بإقبال كبير على ~~خبراتنا، ووجدنا أنفسنا نساعد في محاولات تحليل النتائج المحتملة لإطلاق الإرهابيين ~~للفيروس. # بطريقة ما أو بأخرى، تعلم الإنسان اليوم التعايش مع الأمراض المعدية، ولا يؤدي السعال ~~الديكي والحصبة إلى وفيات كبيرة إلا بين الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في البلدان ~~النامية. والأكثر خطورة في المنطقة الاستوائية هي الأمراض المعدية الأخرى المميتة مثل ~~الملاريا، ومرض النوم، والبلهارسيا، والكوليرا، التي تعد من الأسباب الخطيرة للوفاة ~~حاليا. والجميع يعرف عن جائحة فيروس نقص المناعة البشري والإيدز. يواصل مستودع أسلحتنا ~~الذي يقاوم الأمراض المعدية النمو ونكسب بعض المعارك بجدارة، لكن الحرب مستمرة بلا ~~شك. # يمكن استخدام تشبيه مماثل لوصف الصراع الدائر عندما يصاب الجسد البشري بالعدوى. الجراثيم ~~أو العوامل المعدية هي طفيليات تشترك جميعها في خاصية واحدة تتمثل في أن الإنسان هو البيئة ~~الملائمة التي يعيشون فيها؛ حيث يجدون المأوى والمأكل ويمكنهم التكاثر بغزارة. كل عدوى هي ~~صراع بين العامل المعدي والعائل: فالطفيل ms123 يكافح من أجل البقاء والتكاثر، فيما يشن الجهاز ~~المناعي للعائل ما يشبه دفاعا حربيا مصمما للعثور على الميكروب وتدميره والتخلص ~~منه. # ثمة عامل آخر ذو أهمية كبرى للغاية للعوامل المعدية، ألا وهو أنه يتعين عليها الانتقال من ~~إنسان إلى آخر؛ فهذا أمر جوهري في استراتيجية نجاة كافة الأمراض المعدية؛ لأنه في آخر ~~المطاف سوف يتخلص العائل من العدوى أو يموت. قد يحدث انتقال للمرض على نحو مباشر من شخص إلى ~~آخر (كما هو الحال مع الحصبة والجدري)، أو على نحو غير مباشر، حيث يتضمن الأمر حيوانا ~~وسيطا (كما هو الحال مع البعوضة التي تنقل الملاريا). وعلى مدار آلاف السنين يحابي التطور ~~تلك الجراثيم التي يمكنها أن تنقل العدوى بنجاح من ضحية إلى أخرى. ~~(1) دراسة الأوبئة # علم الأوبئة فرع مهم من فروع الطب، وأحد الأمثلة على تطبيقه المعتاد هو الدراسة ~~العالمية السنوية التي تجري لتحديد سلالة فيروس الإنفلونزا المحتمل أن يضرب الأفراد ~~إبان الشتاء التالي؛ فما إن يتم التعرف عليها حتى يمكن إتاحة كميات كافية من اللقاح ~~المناسب. واليوم عندما يظهر مرض جديد مثل حمى لاسا النزفية، أو إيبولا، أو سارس، أو ~~الإيدز، يكون لدى علماء الأوبئة مجموعة من التقنيات المتاحة لتحديد طبيعة العامل ~~المعدي. من ضمن هذه التقنيات الفحص الفوري للضحايا، وفحص عينات دم وأنسجة أخرى، واقتفاء ~~أثر خطوط العدوى، وتحديد مسار المرض وخواصه، وتقدير درجة خطورته وقدرته على نقل العدوى. ~~وبالتدريج من كل هذه المصادر يمكن تكوين صورة للمرض وتكملتها بتقنيات مستمدة من ~~الإحصاءات الرياضية وبناء النماذج، وعلم الأحياء الدقيقة، وعلم الأمصال، وعلم الأحياء ~~الجزيئية، بما فيها تحديد تسلسل الدي إن إيه. # على أن مؤرخي علم الأوبئة يجابهون مهمة أصعب بكثير، ولا سيما عند التعامل مع أوبئة ~~أمراض معدية كانت سائدة في العصور الوسطى؛ ذلك لأن الأدلة الحاسمة قليلة للغاية ~~غالبا، فيما خلا بعض الروايات التي لم يعرف مدى موثوقيتها، والتي صمدت رغم مرور ~~الزمن. ثمة مثال نموذجي ألا وهو «مرض التعرق» الإنجليزي المحير والفتاك الذي انتشر في ~~القرنين ms124 الخامس عشر والسادس عشر (سنتناوله باستفاضة في الفصل الثامن عشر). أضف إلى ذلك ~~أنه من الصعب تمييز ما هو موثوق به عما هو مختلق في القرون المتخللة بما يتوافق مع ~~الأفكار السائدة في ذلك الزمن. على أنه، بالرغم من تلك المشكلات، يمكننا الاعتماد على ~~حقيقة أن كل مرض يترك بصماته. إن أي محاولة جادة لفهم العامل المعدي المسئول عن الطاعون ~~لا بد أن تبدأ بدراسة عملية لبيولوجية الطاعون وخواصه، بقدر ما نتمكن من اكتشافها. ~~(2) قراءة البصمات # قبل أن نتعمق أكثر في بحثنا، لا بد أن نذكر حقيقة واحدة مهمة، ألا وهي أن كل مرض ~~معد يتميز بحقيقتين ثابتتين مهمتين: «فترة حضانة المرض»، و«فترة انتقال العدوى». ~~فترة الحضانة هي الفترة التي تتخلل الإصابة بالمرض وظهور أولى أعراضه. تتكاثر أثناء تلك ~~الفترة الجرثومة الغازية بسرعة داخل ضحيتها، دون أن تدري الضحية بوجودها عموما. فترة ~~انتقال العدوى هي الفترة التي يمكن أن ينقل الفرد خلالها العدوى إلى آخرين. # يظهر في المخطط أدناه تسلسل أحداث مرض بسيط ينتقل مباشرة (مثل الحصبة أو ~~الجدري). # يعقب الإصابة فترة كمون تتكاثر خلالها الجراثيم بغزارة إلى أن تصبح الضحية ~~معدية. تستمر الجراثيم في التكاثر إلى أن يتوافر منها ما يكفي لظهور الأعراض، وهي تلك ~~اللحظة التي يدرك عندها الشخص أنه أصيب ويعاني من المرض. من ثم فترة الحضانة هي صفة ~~مميزة لكل مرض معد؛ لأنها تعتمد في المقام الأول على معدل نمو الجراثيم ~~الغازية. # إذا كانت فترة كمون المرض أقصر من فترة حضانته، فإن المصاب سوف يكون معديا قبل ~~ظهور الأعراض، وعليه فقد ينقل المرض إلى آخرين دون أن يدري. تلك طريقة فعالة للغاية ~~تتيح للعامل المعدي نقل العدوى إلى عائل آخر. ربما تظل أو لا تظل الضحية معدية بعد ظهور ~~الأعراض، على حسب المرض، وتصبح احتمالات انتقال العدوى أقل وإن ظلت العدوى ممكنة ~~الحدوث. # تسلسل الأحداث أثناء الانتقال المباشر لمرض بسيط من شخص إلى آخر. ~~يشار إلى الفترة التي تتخلل الإصابة بالمرض وظهور الأعراض بفترة ~~الحضانة. إبان ms125 فترة الكمون لا تكون الضحية معدية. # في نهاية المطاف يكمل المرض مراحل تطوره في جسد الإنسان، ولكي تستمر العدوى لا بد أن ~~تكون قد أصابت شخصا آخر على الأقل. في لحظة ما ينتقل المصاب إلى مرحلة اللاعدوى، ويحدث ~~ذلك غالبا قبل أن تختفي الأعراض ويصبح نقل العدوى من بعدها مستحيلا. # وهكذا فالمدد الزمنية للحضانة وفترات الكمون والعدوى وعلاقة إحداهما بالأخرى مختلفة ~~في كل مرض معد، وهي موضحة في الجدول أدناه: # المرض # فترة حضانة المرض (أيام) # فترة الكمون (أيام) # فترة انتقال العدوى (أيام) # هل المريض معد قبل ظهور الأعراض؟ # الحصبة # 8-13 # 6-9 # 6-7 # نعم # النكاف # 12-26 # 12-18 # 4-8 # نعم # السعال الديكي # 6-10 # 21-23 # 7-10 # لا # الحصبة الألمانية # 14-21 # 7-14 # 11-12 # نعم # الدفتيريا # 2-5 # 14-21 # 2-5 # لا # الجديري المائي # 13-17 # 8-12 # 10-11 # نعم # شلل الأطفال # 7-12 # 1-3 # 14-20 # نعم # الإنفلونزا # 1-3 # 1-3 # 2-3 # أحيانا # الجدري # 10-15 # 8-11 # نحو 6 # نعم # مدة انتقال العدوى هي أهم ما في هذه المعالم المتغيرة لأنها أقصى مدة زمنية يمكن أن ~~ينتقل المرض خلالها من شخص إلى آخر. جميعنا تساءلنا لدى إصابتنا بنزلة برد شديدة ~~وشعورنا بالأسى على أنفسنا، عن المدة التي نظل خلالها ناقلين للعدوى. يكشف الجدول أن ~~قصة آلية عمل الأمراض المعدية أكثر تعقيدا مما افترضنا حتى يومنا هذا؛ إذ يختلف طول ~~مدة العدوى اختلافا كبيرا بين الأمراض. الإنفلونزا مثال مثير للاهتمام بشكل خاص؛ ~~فهناك ثلاثة أيام فقط كحد أقصى يمكن أن ينتقل المرض خلالها إلى الآخرين، ولجزء من هذه ~~الفترة، يكون الضحية شديد الاعتلال فلا يقوى على أن يغادر الفراش. من ثم ما كان وباء ~~الإنفلونزا لينتشر عبر مسافات بعيدة في الأيام التي كان يقتصر فيها سفر معظم الأشخاص ~~على الانتقال سيرا على الأقدام. يختلف الموقف اليوم اختلافا تاما مع توفر السفر ~~الجوي. # في العديد من أمراض الطفولة الشائعة - مثل الحصبة، والحصبة الألمانية، والجديري ~~المائي - تكون فترة الكمون أقصر من فترة الحضانة؛ ومن ثم تصبح الضحية معدية قبل ظهور ~~الأعراض. هذه الأمراض بالأخص يصعب ms126 التغلب عليها؛ فالطفل الذي يبدو معافى يمكنه أن ينقل ~~العدوى إلى أطفال آخرين كثيرين في المدرسة، والعزل في الحجر الصحي بعد ظهور الأعراض ~~محدود النفع. # وعلى النقيض من ذلك، فإن فترة حضانة كل من الدفتيريا والسعال الديكي قصيرة للغاية؛ ~~فالأعراض تظهر بعد وقت قصير من الإصابة، لكن لا تصير الضحية معدية إلا بعد مرور أسبوعين ~~آخرين. من المفترض أنه يسهل التغلب على هذه الأمراض التي يمكن أن تؤدي إلى الوفاة، ~~شريطة أن يتم تشخيصها في وقت مبكر، وعندئذ يعزل المريض. لعل هذا أنقذ حياة أحد مؤلفي ~~هذا الكتاب، كريس دنكان، عندما كان - وهو طفل صغير إبان الحرب العالمية الثانية - في ~~حالة إعياء هو وأخوه الأصغر كولين، واحتجزا في الفراش في نفس الغرفة. كان كولين يعاني ~~من التهاب حاد في الحلق، وكان طبيب العائلة يأتي كل يوم ليدهن حلقه بمطهر، وهي إحدى ~~أكثر التجارب الكريهة بالنسبة لصبي صغير. أخيرا بعد بضعة أيام من العلاج (الذي كان غير ~~مجد بالمرة) أدرك الطبيب أن كولين مصاب بالدفتيريا، وسرعان ما احتجز في مستشفى ~~العزل. الأمر الذي أذهل العائلة أن كريس لم يصب بالدفتيريا مع أنه كان على احتكاك مع ~~كولين في الوقت الذي كانت تظهر عليه أعراض المرض؛ فبفضل التشخيص المبكر الذي توصل إليه ~~الطبيب، الذي عزل كولين قبل أن يصير معديا، لم ينقل كولين المرض إلى أي شخص ~~آخر. # فيروس نقص المناعة البشرية هو مثال على مرض ذي فترة حضانة طويلة؛ مما يجعل من الصعب ~~التغلب عليه. تستمر فترة الكمون لمدة تتراوح من أيام إلى أسابيع تقريبا، في حين أن ~~فترة حضانة المرض، قبل ظهور أية أعراض، تبلغ نحو 10 سنوات. يمكن إرجاع جانب كبير من ~~نجاحه إلى هذه المدة الزمنية الطويلة جدا عندما تكون الضحية معدية. والمرض الأكثر ~~إثارة للذهول هو الصورة الجديدة لمرض كروتزفيلد جاكوب (المعروف باسم مرض «جنون البقر» ~~البشري)، الذي أودى بحياة 100 شخص منذ عام 1996 - إذ تزيد فترة حضانة هذا المرض عن 40 ~~عاما. # يتبين مما تقدم ms127 أن كل مرض له فترتا الكمون والعدوى المميزتان له، وهما اللتان تحددان ~~مسار الأحداث إبان الوباء. هل من الممكن تحديد هذه المتغيرات بالنسبة للطاعون، حتى مع ~~توافر معلومات قليلة الآن للاستفادة منها؟ بادئ ذي بدء، فإننا نحتاج إلى المزيد من ~~المعلومات حول سلوك الأمراض التي تنقل العدوى مباشرة، والأساس العلمي لها، وأسباب ~~انتشارها. ~~(3) كيف ينتشر مرض ما؟ # ليست جميع الأمراض معدية بنفس القدر. أخبرنا صديق محنك أنه علم طلابه هذه ~~الحقيقة الأساسية بمثل بسيط: إذا ذهبت إلى حفلة وأنت مصاب بالجدري، فسوف تنتقل العدوى ~~إلى الأفراد الذين يرقصون معك، على أنه إذا ذهبت وأنت مصاب بالحصبة، فإن جميع من ~~بالقاعة سوف يصاب بالعدوى. # يقودنا هذا إلى سؤال: هل بمقدورك قياس العدوى؟ أحد المقاييس النافعة يتمثل في متوسط ~~عدد الأشخاص الذين ينقل المصاب العدوى إليهم إبان فترة المرض. يمكن توضيح هذا بقصة: ~~تخيل رجلا سافر إلى لندن إبان طاعون من الطواعين الكثيرة التي كانت مستشرية ~~في القرن السابع عشر وأصيب بالطاعون، بعدما أنهى أعماله، عاد بتمهل إلى القرية مسقط ~~رأسه، التي تبعد 185 ميلا (300 كيلومتر)، جالبا العدوى معه دون أن يدري. لدى وصوله ~~إلى منزله، بدا ظاهريا أنه يتمتع بوافر الصحة لأن المرض لا يزال في فترة حضانته. ~~نظرا لأنه المصاب الذي وصل أولا إلى المجتمع الصغير، يطلق عليه الحالة «الأولى» ~~وتظهر قصته في المخطط التالي: # قصة الرجل، الحالة الأولى، الذي جلب الطاعون إلى قريته ونقل العدوى إلى ~~أربعة أشخاص (الحالات الثانوية (1)، (2)، (3)، (4)). # هب أنه أصاب أربعة أشخاص آخرين إصابة مباشرة (يطلق عليهم حالات المرحلة الثانية). ~~فهو ينقل العدوى أولا إلى زوجته (1) التي تنقل بدورها المرض إلى ثلاثة من أطفالهم. ~~يلقى آخر هؤلاء الأطفال حتفه بعد مرور 11 أسبوعا على إصابة والدهم في ~~لندن. # ثانيا: ينقل العدوى إلى عامله (2)، الذي يموت بمفرده في كوخه الصغير ولا ينقل العدوى ~~إلى أي شخص آخر. # ثم ينقل الرجل العدوى إلى ابنة العائلة (3) التي تقطن كوخا قريبا عندما تأتي للعب ~~مع أطفاله؛ ونتيجة لذلك تحمل ms128 الفتاة المرض إلى أفراد عائلتها الآخرين. # في النهاية، يذهب إلى الحانة مع صديق ~~قديم (4)، الذي يصاب بالعدوى. بعدها بأسبوعين يذهب (4) إلى معرض قريب حيث ينقل المرض ~~إلى كثيرين آخرين ممن كانوا يستمتعون باللهو واللعب هناك. بالتأكيد هو السبب الأولي في ~~انتقال العدوى. # في هذه القصة يعود الرجل صاحب الحالة الأولى من رحلته خارج مجتمعه، وينقل العدوى إلى ~~أربعة أشخاص، وهكذا تبدأ أربعة مسارات للعدوى. شخص واحد من حالات عدوى المرحلة الثانية ~~(العامل (2)) لا ينقل العدوى إلى أي شخص آخر؛ من ثم يختفي مسار العدوى. يصيب شخصان من ~~حالات عدوى المرحلة الثانية (الزوجة (1) والطفلة (3)) أفراد عائلتيهما، الذين قد ينقلون ~~العدوى بدورهم فيما بعد إلى أشخاص آخرين في القرية يكونون على احتكاك بهم. الآن يجمع ~~الوباء زخما شيئا فشيئا. يذهب الرجل (4) إلى المعرض في أواخر الصيف إبان فترة ~~عدواه، ويختلط بالحشد هناك وينقل الطاعون إلى سبعة أشخاص. # ينقل حالات المرحلة الثانية الأربعة العدوى إلى 12 شخصا (يطلق عليهم حالات المرحلة ~~الثالثة) فيما بينهم؛ ومن ثم فكل حالة من حالات المرحلة الثانية تنقل العدوى إلى ~~ثلاثة أشخاص آخرين في المتوسط. # من خلال تتبع جميع مسارات العدوى في أحد الأوبئة بمزيد من التدقيق، من الممكن الوصول ~~إلى مقياس عام لعدوى الطاعون في ضوء إجمالي متوسط عدد الأفراد الذين ينقل المصاب ~~العدوى إليهم. # بالطبع سوف يضمن السلوك البشري وجود تنوع كبير في معدلات نقل المرض. على سبيل المثال، ~~الشخص المحبوس وحيدا في منزله لن ينقل العدوى إلى أحد، في حين أن الرجل الذي يذهب إلى ~~الكنيسة قد ينقل العدوى إلى ثلاثة أشخاص أثناء القداس. والرجل الذي يقضي أمسية في ~~الحانة مع الأصدقاء قد ينقل المرض إلى أربعة أشخاص آخرين في زيارة واحدة، في حين أن ~~الرجل الذي يذهب إلى السوق ويحتك بجموع الناس ويتجاذب أطراف الحديث مع معارفه، قد ينقل ~~العدوى إلى عشرة أشخاص. # توضح هذه القصة كيف أن معدلات نقل العدوى ~~عبر مسارات العدوى يمكن أن تتنوع تنوعا كبيرا. يتضح مما علمناه أنه كان ms129 من السهل ~~نسبيا نشر الطاعون بداخل العائلة الواحدة، لكن الأكثر صعوبة نقله إلى عائلة أخرى. أضف ~~إلى ذلك أن المرض كان ينتشر بسهولة أكبر في الأماكن التي يحتشد فيها الأفراد. وكما ~~رأينا تعلمت السلطات في إنجلترا هذه الحقيقة الحياتية الصعبة بحلول القرن السادس عشر؛ ~~إذ كانت تلغي المعارض السنوية الكبيرة مع أول أمارة لوجود وباء طاعون. ~~(4) ملامح الوباء # يطلق على متوسط عدد الأفراد الذين تنتقل إليهم عدوى المرض من أحد المصابين «معدل ~~انتقال العدوى». يمكن معرفة قدر لا بأس به من المعلومات عن المرض من خلال تتبع المسارات ~~الفعلية لنقل العدوى التي وصفناها آنفا: # إذا نقل كل مصاب المرض «في المتوسط» إلى شخص واحد آخر عرضة ~~للإصابة، فسوف يستمر المرض في الانتقال ببطء بنفس المعدل تقريبا. في مثل ~~هذه الظروف يقال على المرض وباء مستوطن. # إذا نقل كل مصاب المرض «في المتوسط» إلى أكثر من شخص واحد، فسوف ينفجر ~~الوباء، وكلما كان معدل انتقال العدوى أكبر، كان معدل الانفجار أكبر وأسرع. # إلا أنه، إذا نقل كل مصاب المرض «في المتوسط» إلى أقل من شخص واحد آخر ~~(على سبيل المثال، إذا نقل أربعة مصابين العدوى إلى شخصين فقط في المجمل)، ~~فقطعا سيختفي الوباء. تحدث نقطة التحول في أحد الأوبئة عندما يقل معدل ~~انتقال العدوى عن شخص واحد. # يمكننا الآن أن نجمع كل هذه التفاصيل الخاصة بنظرية الأوبئة للأمراض المعدية معا. ~~نوضح في المخطط التالي المسار الزمني لوباء الطاعون في مدينة نيوكاسل آبون تاين، ~~بإنجلترا في صيف عام 1636. # وفيات الطاعون الأسبوعية في نيوكاسل آبون تاين بعد بدء الوباء في ~~الرابع عشر من مايو 1636. عادة ما يرتفع معدل الوفيات ارتفاعا حادا ~~ليصل إلى ذروته في الأسبوع السادس عشر قبل أن يستوي عند مرحلة استقرار ~~تدوم 6 أسابيع ليتهاوى الوباء بعدها ويزول. # تذهلنا جسامة الوفيات في الحال؛ إذ يزيد إجمالي الخسائر في الأرواح عن 4000 شخص؛ ~~نظرا لأن عدد الوفيات قد بلغ في ذروة الوباء 350 شخصا أسبوعيا. يتضح من المخطط ~~أيضا أن المجتمع ms130 عانى من هذا الوباء لمدة تزيد على التسعة أشهر، وهي فترة زمنية طويلة ~~للغاية بالنسبة لنوبة تفشي مرض معد. # يمكننا أن نقسم هذا الوباء في نيوكاسل إلى ثلاث مراحل؛ أولا: مرحلة تصاعد مبدئية ~~عندما يبدأ الوباء في الزحف. ترتفع الوفيات تدريجيا ثم تجمع زخما متزايدا باستمرار. ~~من الواضح أن كل مصاب ينقل المرض إلى أكثر من شخص واحد آخر إبان هذه المرحلة. # ثانيا: مرحلة استقرار تدوم لنحو ستة أسابيع في ذروة الوباء، عندما يظل معدل الوفيات ~~الأسبوعي ثابتا تقريبا. عند هذه النقطة سوف ينقل كل مصاب المرض في المتوسط إلى شخص ~~واحد آخر فقط. مع أن معدل الخسائر في الأرواح الأسبوعي يصل إلى ذروته، وتبدو الدنيا ~~قاتمة لدى سكان نيوكاسل. في حقيقة الأمر، تلوح النهاية في الآفاق. # وأخيرا، مرحلة الانحسار التي يندثر فيها الوباء. يتراجع بثبات متوسط معدل انتقال ~~العدوى في تلك المرحلة، وطوال هذه المرحلة الأخيرة ينقل الفرد المصاب العدوى في المتوسط ~~إلى أقل من شخص واحد آخر. # ينطبق هذا المنحنى الذي يأخذ شكل جرس على جميع الأوبئة المعدية، إلا أن الأمراض تختلف ~~اختلافا كبيرا من حيث تفاصيلها، ولا سيما في معدل التصاعد إبان المرحلة الأولى ومدة ~~الوباء. ما سبب هذا؟ # عندما يصل طاعون إلى مجتمع ما، بسبب أول حالة تظهر، فإن جميع الأفراد الذين لديهم ~~قابلية للإصابة يكونون جاهزين لغزو الطاعون. يكون انتقال العدوى سهلا نسبيا في ~~البداية، فعلى سبيل المثال: إذا كان كل مصاب ينقل المرض في المتوسط إلى أربعة أشخاص، ~~فإن عدد الضحايا في كل موجة متتالية سوف يتصاعد سريعا من 4 إلى 16 إلى 64 إلى 256، ~~وهكذا. وهكذا ينفجر الوباء بمعدل متزايد على الدوام. هذه هي بداية المرحلة الأولى من ~~الوباء. # لكن هذا لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية؛ نظرا لأن عدد الوفيات يتزايد باستمرار ~~ويواجه العامل المعدي صعوبة متزايدة في العثور على ضحايا جدد. وعليه فلا مفر من أن يبدأ ~~معدل انتقال العدوى في الهبوط، ويصل الوباء إلى مرحلة استقرار عندما ينقل ms131 كل مصاب «في ~~المتوسط» العدوى إلى شخص واحد آخر فحسب. مع أن المجتمع المصاب سوف يفكر عكس ذلك، فإن ~~عالم الأوبئة سوف يدرك أن الخطر زال، فهذه بداية النهاية. # ربما تكون فترة الاستقرار قصيرة للغاية نظرا لأن معدل انتقال العدوى حتما سيستمر في ~~الهبوط، ولا يلبث أن يقل عن الواحد حتى يبدأ الوباء في الانزواء إبان الفترة ~~النهائية. قد تستغرق عملية الإنهاء بعض الوقت حيث إنه مع وجود فترة حضانة طويلة يكون ~~لدى العدوى الانتهازية متسع من الوقت لاستهداف ضحايا عشوائيين باقين. # بلا ريب يمكن للسلوك البشري أن يغير مسار أحد الأوبئة، فإذا أسرع المجتمع في اتخاذ ~~تدابير الحجر الصحي، عازلا الضحايا الأوائل ومن هم على احتكاك بهم، وإذا حبس بعض ~~الأفراد أنفسهم في أجواء آمنة داخل منازلهم، فسوف يقلل هذا معدل انتقال المرض بدرجة ~~كبيرة. # يعد المسار الزمني لوباء الطاعون، مثل ذلك الموضح في المثال أعلاه، هو النوع المفضل ~~من الأدلة التي يمكن أن يستند إليه مؤرخ علم الأوبئة. تشبه هذه المخططات بصمات الإصبع ~~التي تركها مجرم منذ 400 سنة. ~~(5) تفسير منحنى الجرس # رأينا أن شكل منحنى الجرس الدقيق الذي يصف الوباء يتحدد من خلال عاملين خاصين ومميزين ~~للمرض. أولهما: طول فترة الحضانة التي تحدد الوقت الفاصل بين أي عدويين متتاليتين ~~في أحد مسارات انتقال العدوى، فكلما طالت فترة الحضانة، بطؤ تطور الوباء ودام لوقت ~~أطول. ثانيهما: حجم عدوى المرض في ضوء متوسط عدد الأفراد الذين ينقل المصاب المرض ~~إليهم، فالمرض يتطور على نحو أسرع عندما يكون حجم العدوى كبيرا. # بما أننا نفهم العاملين اللذين يحددان الشكل الجرسي للمخطط، فمن الممكن أن نصوغ ~~معادلة تصفه، وبعد ذلك نطور برنامج كمبيوتر يمثل أحد الأوبئة. كل ما علينا فعله هو ~~إدخال المتغيرات، مثل: فترة الحضانة، ومعدل انتقال العدوى عند بدء الوباء، وحجم السكان، ~~وسوف ينتج البرنامج الحاسوبي مخططا للمسار الزمني المتوقع للمرض. # يمكن توضيح هذه النقطة من خلال إلقاء نظرة على نموذج حاسوبي يصف وباءين في نفس ~~المجتمع لمرضين مختلفين تماما: ms132 الإنفلونزا (ذات فترة الحضانة القصيرة التي تدوم لثلاثة ~~أيام) وطاعون افتراضي (ذو فترة حضانة أطول بكثير). يفترض أن نفس معدل نقل العدوى ~~المبدئي واحد في كلا الوباءين. # نموذج حاسوبي يوضح الفارق الكبير بين وبائي الإنفلونزا والطاعون. # ثمة اختلاف هائل بين المنحنيين: يصل وباء الإنفلونزا إلى ذروته بسرعة شديدة وينتهي في ~~غضون نحو أسبوعين، في حين أن وباء الطاعون يستجمع قواه ببطء شديد ويستمر بين الأفراد ~~لنحو ثمانية أشهر. # شغلنا البرنامج الحاسوبي مرات عديدة، مع تغيير طول فترة الحضانة، ووجدنا أن مدة ~~بقاء الوباء تزيد بزيادة فترة الحضانة. بالاستفادة من هذا الإدراك المتأخر تكون النتيجة ~~واضحة، بيد أن لدينا الآن حقائق ملموسة يمكننا الاعتماد عليها. # بما أن هذا النموذج يتبع قواعد علم الأوبئة، فثمة احتمال قوي، كما ظننا بالفعل، أن ~~وباء الطاعون في نيوكاسل كان نتيجة نوبة تفش لمرض معد كان ينتقل على نحو مباشر من ~~شخص إلى آخر. ولأن هذه النوبة وكثيرا من الطواعين في إنجلترا دامت لنحو ثمانية ~~أشهر، فقد أشار النموذج الحاسوبي بقوة إلى أن هذا المرض كان له فترة حضانة طويلة - شهر ~~على الأرجح - على العكس تماما من الانفجار السريع لوباء إنفلونزا. نحن الآن على ~~استعداد تام لاستخدام هذه المعلومات في الفصل التالي. # الفصل التاسع # | تحديد ملامح السفاح # من خلال العمل الدءوب، يمكن استقاء جميع المعلومات الضرورية التي نحتاجها من مصدر واحد لا ~~يقدر بثمن، ألا وهو سجلات الأبرشيات الإنجليزية. والشيء الغريب أنه ما من مؤرخ انتفع ~~انتفاعا كاملا من هذا المصدر الرائع للمعلومات لدراسة الأساس العلمي ومنشأ مرض معد فتاك. ~~لا يمكننا زيارة المشهد الفعلي للجريمة مثلما يفعل المفتشون الشرطيون؛ ومن ثم يكون من ~~الضروري تجميع جميع تفاصيل أحداث وباء توغل منذ 400 عام. لهذا نحتاج إلى أن نعرف من كان ~~يعيش في كل عائلة في ذلك الوقت، والعلاقات المتشابكة التي تربط بين العائلات. إن فحص هذه ~~الأمور مهمة تستغرق وقتا طويلا، إلا أن سو سكوت في دراساتها التاريخية لبنريث، حددت ~~بالفعل بنية جميع العائلات في ms133 الأبرشية، وهي مهمة ضخمة نظرا لأنه كان يوجد 40 ألف ~~قيد على مدار 300 عام. وقد حددت التجمعات العائلية وأعمار عدد كبير من الأفراد الذين كانوا ~~على قيد الحياة عندما تفشى الطاعون. شعرنا أن لدينا صورة حية عن المجتمع هناك، وأننا نعرفهم ~~مثلما نعرف جيراننا اليوم إلى حد بعيد. # وعليه فقد عدنا للمرة الثالثة إلى النتائج التي توصلت إليها سو، إلى أقرب نقطة أمكننا ~~الوصول إليها كي نشهد مسرح الجريمة. هكذا تمكننا من تحقيق الإنجاز. ~~(1) مؤرخون محققون قيد العمل # إن أول مهمة في التعامل مع سجلات الدفن مباشرة هي إحصاء أعداد وفيات الطاعون في كل ~~شهر ووضع علامة عليها. # وفيات الطاعون كل شهر في أبرشية بنريث إبان الوباء الذي بدأ في ~~سبتمبر عام 1597. كان يوجد عدد قليل من الوفيات أثناء الخريف واختفت ~~النوبة تقريبا في الشتاء، إلا أنها عاودت الظهور في الربيع ووصلت إلى ~~أوجها في صيف عام 1598. # كانت أول حالة وفاة بسبب الطاعون في الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1597، وكانت ~~الأخيرة مسجلة بتاريخ السادس من يناير عام 1599. استمر ابتلاء الطاعون في بنريث لمدة 15 ~~شهرا، وهي مدة طويلة على نحو ملحوظ بالنسبة لوباء معد. مرة أخرى ترك الوباء اللعين ~~بصمته. # الأمر الذي يصبح جليا في الحال هو أن الوباء على ما يبدو كان يحدث على مرحلتين ~~منفصلتين لا تتصلان إلا اتصالا ضعيفا أثناء الصيف؛ ومن ثم قسمنا النوبة إلى ثلاث ~~مراحل: # حدثت المرحلة الأولى إبان خريف عام 1597، عندما بدأ الأمر بوباء صغير. بعد حالة ~~الوفاة الأولى في الثاني والعشرين من سبتمبر، كانت هناك فترة توقف طويلة على نحو يدعو ~~للغرابة حيث لم تقع أية وفيات حتى الرابع عشر من أكتوبر، أي على مدار ما يزيد على ثلاثة ~~أسابيع لاحقة. هذا هو الخيط التالي لعلم وباء الطاعون. من الواضح أنه كانت هناك بداية ~~تدريجية للوباء، حيث بدأت الخسائر في الأرواح ترتفع بعد ذلك رويدا رويدا لتصل إلى قمة ~~صغيرة في شهري نوفمبر وديسمبر. # كما رأينا من قبل، كانت بداية فصل ms134 الشتاء في المرحلة الثانية من الوباء تكبح جماح ~~الطاعون. في نهاية القرن السادس عشر، إبان فترة العصر الجليدي الصغير، كانت فصول ~~الشتاء قارسة وطويلة على نحو غير معتاد. كانت الأحوال الطقسية في وادي آيدن قاسية ~~على نحو خاص؛ نظرا لأن مساكنهم (على غرار مساكن معظم سكان إنجلترا) باردة، ومعرضة ~~للتيارات الهوائية، ومعزولة عزلا رديئا، وكان يوجد نقص في الوقود، وكانت ملابس ~~الخروج بسيطة على عكس حالنا اليوم. وجد هذا المرض صعوبة بالغة في الانتقال إلى الضحية ~~التالية، وبدا أن الوباء قد اندثر؛ فلم تحدث خسائر في الأرواح بسبب الطاعون في يناير ~~عام 1598، ولم تحدث سوى حالة وفاة واحدة في شهر فبراير. اجتاز الطاعون الشتاء بصعوبة ~~بالغة، وتخللت فترات فاصلة طويلة للغاية الوفيات المتتالية في هذا الوقت. لو أن خط ~~العدوى كان قد انكسر انكسارا كاملا، لنجا المجتمع من الأسوأ الذي لم يكن قد حل ~~بعد . # استعاد الوباء نشاطه في مرحلته الثالثة مرة أخرى، وذلك في شهر مارس من نفس العام، ~~وبدأ معدل الوفيات يرتفع بثبات، مع حدوث زيادة هائلة في الوفيات في شهر مايو. كانت هذه ~~أكثر مراحل نوبة التفشي تدميرا، ووصلت الخسائر في الأرواح ذروتها في يوليو ~~وأغسطس. # في آخر المطاف اضمحلت المرحلة الثالثة، وبعد حالة الوفاة الأخيرة في السادس من يناير ~~عام 1599، كتبت العبارة التالية في السجلات: «هنا انتهى الابتلاء»، وهي كلمات تبدو ~~بطريقة ما واهنة على أن تعلن نهاية ما كان بلا شك أسوأ فترة في تاريخ هذه البلدة ~~الصغيرة بأكمله. # يتطابق نمط الوفيات في الفترة الممتدة ~~من مارس حتى ديسمبر 1598 في المرحلة الثالثة بحذافيره مع تسلسل أحداث كل وباء مرض معد: ~~منحنى صعود أولي لانتقال العدوى، يعقبه مرحلة استقرار قصيرة قبل أن تخمد النوبة. علاوة ~~على أن المرحلة الثالثة تتطابق بحذافيرها مع الوباء في نيوكاسل، فكلاهما دام تسعة ~~أشهر. ~~(2) القيمة الحقيقية لسجلات الأبرشية # حتى الآن اكتفينا باستخدام سجلات الوفاة كي نحصي وفيات الطاعون الشهرية. تعلمنا من ~~خلال تحليل هذه الإحصاءات المباشرة قدرا لا بأس به ms135 من المعلومات حول الطاعون. على أن ~~السجلات تخفي ما هو أكثر من ذلك بكثير، إنها تخفي معلومات قيمة للغاية عن المرض؛ فهي ~~تحوي معلومات خاصة بأحداث مهمة في حيوات الأشخاص الحقيقيين. # نجد فيما يأتي اقتباسا من سجلات بنريث يبدأ من اليوم المشئوم الثاني والعشرين من ~~سبتمبر، ويغطي المرحلة الأولى من الطاعون. تقدم هذه القائمة من الأسماء لمحة صغيرة عن ~~تاريخنا، ونتعجب بشأن قصة «الغلمان المساكين المجهولين» الذين دفنوا في الخامس عشر ~~من أكتوبر والثامن من نوفمبر. # سجلات مدافن بنريث، 1597 # سبتمبر # 22 # أندرو هوجسون، غريب ~~(ها هنا بدأ الطاعون (عقاب الله) في ~~بنريث.) ~~(أولئك ~~المشار إليهم بحرف بي P # لقوا ~~حتفهم بفعل المرض، وأولئك المشار إليهم بحرف إف # F ~~(اختصارا لكلمة # fell # بمعنى منحدر) دفنوا أعلى ~~منحدر جبلي.) # 24 # جريس ووكر، خادمة مسكينة. # 25 # توماس هيرد من منطقة موراي جيت. # 27 # جون ستيل من ضاحية كارلتون. # 27 # طفل مسكين. # أكتوبر # 3 # نفس اليوم الذي بدأ فيه الطاعون في كارلايل. # 5 # توما إس بن إدموند بلاكبيرن. # 10 # إليزابيث ستيل، أرملة. # 11 # إليزابيث دي ابنة توماس. # 13 # غلام مسكين يدعى روبت ويلسون. # 14 # إليزابيث دي ابنة جون ريلتون. P # 15 # صبي مسكين مجهول الهوية. # 15 # ستيف نيلسون دي كيل. # 15 # لانسيلوت موسجريف من النبلاء. # 15 # آنز كارتميل. # 20 # أحد أبناء جون ريلتون. P # 22 # توماس بانتينج، بناء. # 24 # جون ريلتون، صانع أدوات المائدة. P # 24 # إكسبوفر (= كريستوفر) إس بن جون ستيل. # 25 # مارجريت دي بنت ويلم بليسي. # 26 # جون إس بن ستيفن نيلسون. # 27 # جانيت بنت ستيفن نيلسون. # 28 # السيد ريتشارد دروري توفي في بنريث. # 28 # ريتشارد إس بن السيد ويلم هاتن. # 28 # إيزابيل دي بنت توماس ويندر. # نوفمبر # 1 # أنطوني ريلتون، صبي. P # 1 # إكبسوفر إس من آل جون ستيل. # 4 # مابيل، زوجة جون ريلتون. P # 4 # سوزان ريلتون، أرملة. P # 6 # كاثرين زوجة روبت جاكسون. # 6 # إليزابيث ريلتون. P # 8 # هيلين زوجة جيمس إميرسون. # 8 # صبي مسكين مجهول الهوية. # 10 ms136 # مابيل بنت جون جيبسون. # 10 # أنطوني إس بن توماس هيور. P # 12 # مارجريت دي من آل توماس هيور. P # 13 # توماس هيور. P # 15 # إيزابيل زوجة رولاند وود. # 16 # جون جيبسون من قرية دوكراي. # 16 # أمبروز بوب. # 20 # جون هاسكيو، عامل نظافة. P # 20 # جين ابنة توماس سكليتر. # 22 # ماريون ابنة توماس بارني. # 23 # كاثرين ابنة توماس هيور. P # 23 # باربرا زوجة مايلز تيرنر. # 24 # جون ابنة روبرت سيمسون. # 24 # جيلبرت إس بن جون واطسون. P # 24 # جين ابنة توماس هاين. # 24 # ماري ابنة جون واطسون. # 24 # توماس بن ويلم هاسكيو. # 26 # جون بن توماس هيور. # ديسمبر # 3 # كاثرين زوجة جون كوك. P # 3 # آنز كلارك. # 3 # مايكل بن جون ووكر. P # 3 # إليزابيث بنت جون واتسون. # 3 # جيلبرت بن جون كوك. P # 6 # جون إس من آل روبرت ريتشاردباي. # 9 # جانيت زوجة روبت ليديمان. P # 12 # جون ليفوك، نجار. P # 16 # إحدى بنات ريتشارد بليسي. P # 22 # أليس ابنة جون ووكر. P # 22 # إليزابيث زوجة جون سمولمان. # 24 # آنز دي ابنة ريتشارد بليسي. P # 24 # ماريون زوجة توماس هورنزبي. P # 25 # جون بن ريتشارد بليسي. P # 26 # جين ووكر، أرملة. # تفقدنا مرة أخرى تواريخ الوصايا الأصلية للأشخاص الذين ماتوا بسبب ~~الطاعون، ومنها استنتجنا أن الفترة التي كانت تفصل بين ظهور الأعراض، عندما كان الضحية ~~يدرك أنه هالك، وبين موته بلغت خمسة أيام. # من نموذجنا الحاسوبي الذي أشرنا إليه قبلا خمنا أنه ربما كانت فترة حضانة المرض ~~طويلة. لكن هل يتطابق هذا مع الأحداث الفعلية في بنريث؟ بعد إدخال التعديلات على ~~النموذج الحاسوبي، وصلت فترة الحضانة إلى 32 يوما وفق حساباتنا، وعليه كافتراض عملي، ~~بدأنا ب 32 + 5 أيام أي ما يساوي 37 يوما، للفترة من بدء الإصابة حتى الوفاة. # لحساب تسلسل الإصابات يتطلب الأمر بعض العمل المفصل والدقيق ونحتاج إلى ترتيب ~~معلوماتنا في شكل جدول خاص. بمقدور أي شخص تجربة الأمر بنفسه إذا حصل على نسخة من أحد ~~السجلات ms137 الكثيرة المطبوعة الرائعة للأبرشية التي تحصر الوفيات إبان إحدى هجمات ~~الطاعون، يمكن أن تتوافر هذه النسخ في الكثير من مكتبات المراجع المحلية. إليك الكيفية ~~التي تبدأ بها في التعامل معه: # إن بداية نوبة الطاعون لها أهمية كبرى في هذا العمل؛ فالأحداث تتطور بالتدريج في هذه ~~المرحلة والتحليل أمر ممكن، والوفيات العديدة في أي يوم من الأيام والفوضى العارمة في ~~ذروة الوباء؛ كل هذا يجعل من الصعب جدا - ما لم يكن مستحيلا - فرز مسارات العدوى ~~الكثيرة. # بادئ ذي بدء رتبنا الضحايا في عائلات، الذين كانوا مصنفين حينها على نحو متسلسل ~~على حسب ترتيب إصابتهم بالطاعون. تظهر الأشهر القلائل الأولى للوباء، بدءا من السادس ~~عشر من أغسطس 1597 في المخطط اللآتي: # بداية الطاعون في بنريث في خريف عام 1597. ينقسم الخط الموجود أمام كل ~~ضحية إلى فترتي كمون وعدوى، ويشار إلى الموت بالنقاط الكبيرة. نقل أندرو ~~هوجسون، الغريب الذي كان مقيما عند جون ريلتون، العدوى إلى ثلاثة أفراد ~~فحسب من العائلة قبيل موته. ولا بد أن العدوى انتقلت إلى مابيل من أحد ~~أبنائها. # لقي الضحية الأولى، أندرو هوجسون الغريب، حتفه في الثاني والعشرين من سبتمبر، ~~ويمكن تمييز يوم وفاته في المخطط البياني بنقطة. ولأننا نعتقد أنه أصيب قبل ذلك ب 37 ~~يوما، فيمكن رسم خط يمتد إلى الوراء إلى السادس عشر من أغسطس أمام اسمه، إشارة إلى ~~الفترة من بدء الإصابة إلى الوفاة. # وصل هوجسون في الفترة ما بين الثالث والعشرين من أغسطس والسادس من سبتمبر عام 1597، ~~وأقام لدى جون ريلتون، صانع أدوات المائدة الذي كان يقطن في كوخ سقفه مصنوع من ~~الحجارة ومطلي بدهان أبيض. كان هذا الكوخ واقعا في نيذر إند الذي كان جزءا من ~~الطريق الشمالي الغربي الكبير الذي كان يقطع مركز المدينة. نقل هوجسون العدوى إلى ثلاثة ~~أفراد فقط من العائلة عندما كانوا محتجزين جميعا بداخل المنزل، غير أنه لم يمرر ~~المرض إلى أي شخص آخر؛ فعلى ما يبدو أنه لم يقض وقتا طويلا في الحانة، ولم يتنقل ~~كثيرا ms138 في أنحاء البلدة. # عائلة جون ريلتون هي العائلة المدرجة بعده في المخطط. يشار إلى يوم وفاة الابنة ~~إليزابيث (22 عاما)، والابن جون (20 عاما) وجون ريلتون نفسه بنقط، مع امتداد كل خط 37 ~~يوما إلى الوراء للإشارة إلى الوقت الذي أصيبوا فيه. يتضح من المخطط أن هوجسون نقل ~~المرض إلى كل منهم قبل موته إبان الفترة التي كان معديا خلالها. تشير السجلات إلى أن ~~مابيل، زوجة جون ريلتون، لقيت حتفها في الرابع من نوفمبر، لكن يمكن أن يظهر من ~~المخطط أنها أصيبت بالعدوى بعد موت هوجسون. إذن لا بد أن المرض قد انتقل إليها من خلال ~~أحد أفراد عائلتها، على الأرجح من ابنتها إليزابيث. وعليه، فالرجل الذي جلب الطاعون ~~مباشرة إلى بنريث نقل العدوى إلى ثلاثة أشخاص فحسب هناك. # انتقل المرض بعدها إلى عائلة أنطوني ريلتون، شقيق جون. نقل إليزابيث وجون ريلتون ~~الطاعون أولا إلى أبناء عمومتهما، أنطوني (14 عاما) وإليزابيث (22 عاما)، حيث نقلا ~~العدوى إليهما داخل المنزل عندما كانا في زيارتهم. # تخطى الطاعون حاجزه الأول؛ حيث قفز إلى عائلة أخرى. فاستمرار العدوى داخل العائلة كان ~~أمرا سهلا نسبيا، لكن إذا لم يقدر للمرض أن يندثر تماما، فحتما انتقل إلى ~~عائلة أخرى. كان الطاعون قد أتم المهمة بنجاح الآن. # أصيب أفراد عائلة هيور بعدها، حيث لقي الأب توماس وثلاثة من أطفاله حتفهم في ~~الفترة ما بين العاشر من نوفمبر والثالث والعشرين من نفس الشهر. يظهر المخطط أن جون ~~ريلتون وابنته وابنه حتما كانوا هم السبب في نقل المرض إليهم. كان أنطون ريلتون الأب ~~قد تزوج من إيزابيل هيور، أخت توماس هيور؛ وعليه فلم يكن غريبا أبدا أن تزور إليزابيث ~~ريلتون قريبتها إليزابيث هيور التي كانت في نفس عمرها. ولسوء الحظ، فأثناء زيارتها نقلت ~~العدوى إلى ثلاثة أفراد من عائلة هيور. # هكذا استجمع الوباء طاقته تدريجيا في خريف عام 1597. رأينا من تحليلنا أن المرض ~~انتشر في المقام الأول عن طريق أفراد في سن المراهقة وصغار يزورون أقاربهم. على سبيل ~~المثال، ms139 يظهر السجل أن ماري واطسون (17 عاما) وجيلبرت واطسون (8 أعوام) قد دفنا في ~~الرابع والعشرين من نوفمبر، وقد كانا أيضا من أبناء عمومة عائلات ريلتون. # يمكن بسهولة تتبع مسار الوباء وتصويره بهذه الطريقة، على الأقل في مراحله الأولى. وقد ~~واصلنا التحليل حتى شهر مايو التالي. بحلول هذا الوقت كان مخططنا قد أصبح ضخما وغطى ~~المكتب؛ فقد امتد لما يزيد عن 220 يوما، وكانت وفيات أكثر من 75 ضحية من ضحايا الطاعون ~~قد سجلت. # حالما خطونا إلى الوراء لنرى الصورة الكلية وفحصنا الوصف الواضح للطاعون، أصبح كل شيء ~~جليا: لم يكن هناك أدنى شك في أن هذا كان مرضا معديا «بسيطا» انتقل مباشرة من شخص ~~إلى آخر؛ إذ كان ينتقل إلى الأفراد من شخص مصاب، بنفس الطريقة التي ينتقل بها الجديري ~~المائي اليوم، فالشخص كان معديا قبل أن تظهر عليه الأعراض بفترة طويلة. كان المرض ~~ينتشر بسهولة أيضا داخل العائلة الواحدة أثناء الخريف، إلا أنه كان من الصعب أكثر في ~~هذا الوقت من السنة أن يقفز إلى عائلة أخرى. وعلى العكس قفز المرض بسهولة بين العائلات ~~في الصيف التالي، عندما انتشر الوباء بسرعة وعلى نطاق واسع. # بل والأمر الأكثر أهمية هو أننا تمكننا من تحديد الإحصاءات المهمة للطاعون: # فترة الكمون = 10 إلى 12 يوما. # فترة انتقال العدوى قبيل ظهور الأعراض = 20 إلى 22 يوما. # من ثم فترة حضانة المرض = 32 يوما تقريبا. # متوسط فترة ظهور الأعراض قبل الموت = 5 أيام. # إجمالي فترة انتقال العدوى 27 يوما، على افتراض أن الضحية ظل معديا حتى ~~مماته، وإن كنا نعتقد أن حجم العدوى غالبا ما يتراجع بمجرد ظهور الأعراض. ~~(يشير التحليل إلى أن الأفراد كانوا أكثر عدوى غالبا بعد بداية فترة ~~انتقال العدوى.) # متوسط الوقت المنقضي ما بين لحظة الإصابة والموت = 37 يوما. # استطعنا الآن أن نقسم الخط الأفقي أمام كل ضحية على المخطط إلى فترتي كمون ~~وعدوى. # ذهلنا لدى اكتشاف طول هذه المدد المهمة التي وسمت الوباء في بنريث، ورأينا أن ~~حساباتنا ms140 غالبا ما انطبقت على جميع الطواعين الأخرى في أوروبا. أكد التطابق مع ~~فترة الحجر الصحي العمومية التي مدتها 40 يوما أننا كنا على صواب. كانت هذه الصورة ~~المجمعة بناء على شهود العيان لسفاح خطير، أو لنقل كانت الإحصائية الجوهرية لأكثر ~~مجرم مطلوب القبض عليه في العصور الوسطى، كانت بمنزلة قفزة هائلة. # بعد ذلك درسنا ما يزيد على 50 نوبة طاعون مختلفة في إنجلترا، وتحققنا من طول فترتي ~~الكمون والعدوى مرات كثيرة. لم يكن هناك أية استثناءات لهذه القاعدة. # هنا وأمام أعيننا وجد التفسير وراء استمرار تلك الأوبئة، لقد كان واضحا أن سر ~~نجاح الطاعون في العصور الوسطى يكمن في فترة حضانته الطويلة للغاية. من خلال فترة ~~الحضانة استطاع الطاعون القفز لمسافات طويلة للغاية حتى في زمن وسائل المواصلات ~~البدائية، واستطاع الظهور من العدم كما بدا، كما استطاع معاودة الظهور على نحو غامض بعد ~~موت الضحية الأخيرة بأيام كثيرة؛ فنظرا لأن مدة حضانة الطاعون كانت 32 يوما، كان لدى ~~الشخص من بدء إصابته ما يزيد عن شهر يمكنه السفر خلاله لمسافة كبيرة قبل أن تظهر عليه ~~الأعراض المخيفة، عندما كان يبدأ في الشعور بالإعياء الشديد، وعندما كان الناس يدركون ~~أنه لا بد من عزله. أثناء هذه الفترة الطويلة للغاية، كان الفرد ينقل العدوى على مدار ~~نحو ثلاثة أسابيع، وهو متسع من الوقت كي ينقل العدوى دون أن يدري إلى الجميع بلا ~~استثناء، وهكذا يعم الوباء بسرعة هائلة. # لقد اكتشفنا السلاح الخفي للطاعون! # الفصل العاشر # | كشف التاريخ # يتنافى جميع ما أمطنا اللثام عنه حتى الآن تماما مع التعليم التقليدي على مدار القرن ~~العشرين بأكمله، الذي يشير إلى أن جميع الطواعين لم تكن نتاج مرض معد عادي. اعتقد ~~الجميع أن الطاعون كان ينتقل عن طريق الفئران والبراغيث، لكن كما رأينا، اعتقد على الفور ~~كل من كان في أوروبا في القرن الرابع عشر أنه لربما تنتقل إليه هذه العدوى المريعة من شخص ~~التقاه المرء، وقد استمر هذا الاعتقاد طيلة عصر الطواعين (ولسبب وجيه، فالأدلة ms141 كانت ~~أمام أعينهم) واستمر على مدار ما يزيد عن المائتي عام حتى نهاية القرن التاسع عشر. # كان دانييل ديفو قد أشار إشارة ثاقبة الفكر إلى أنه في طاعون لندن العظيم عام 1665: # بسبب الطبيعة المعدية للمرض، لعله كان ينتشر عن طريق أشخاص يبدون أصحاء في ~~الظاهر ويأوون المرض، إلا أن الأعراض لم تظهر عليهم بعد. كان يعد مثل هذا الشخص في ~~الحقيقة ساما ومدمرا، يتحرك ربما لأسبوع أو أسبوعين قبل مماته، والذي ربما يكون ~~قد دمر أولئك الذين كان سيجازف بحياته كي ينقذهم ... ناقلا الموت إليهم، ربما حتى ~~بقبلته وأحضانه الحانية لأطفاله. # يتضح من هذا أنه، على الأقل في القرن السابع عشر، فهم الناس ~~البيولوجيا الأساسية للطاعون، وبالأخص، النطاق الزمني الذي يمكن أن ينقل المصاب المرض ~~خلاله، والخطر المحدد للعدوى الرذاذية. إن فهمهم لهذا دون المعرفة الطبية الحديثة يكشف ~~بشدة عن قدرتهم على الملاحظة الموضوعية. ومع ذلك، سار الناس عكس المنطق السليم تماما على ~~مدار القرن العشرين بأكمله؛ فقد جرى الاعتقاد دائما وعلى نحو قاطع بأن كافة الطواعين ~~كان سببها مرضا يصيب القوارض يدعى الطاعون الدبلي، وأن العدوى كانت تنتقل من الفئران ~~إلى الناس عن طريق البراغيث. إن الفئران والبراغيث هي الاعتقاد الراسخ في كافة كتب التاريخ ~~اليوم. بكل أسف لم ينتبه الناس جيدا إلى ملاحظة ديفو. # يشرح هذا الفصل كيف تكون هذا التفكير المشوش ويصف الجدل العلمي العنيف الثائر ~~الآن. ~~(1) الطاعون الدبلي # يخفى على معظم الناس أن مرضا مختلفا تمام الاختلاف لطالما كان كامنا في هدوء في ~~الهند وأماكن أخرى من آسيا لقرون، وعادة ما كان هذا المرض فتاكا متى ظهر لدى الإنسان، ~~وقد تميز بتورم «الغدد» أو العقد اللمفاوية في منطقة الإبط والمنطقة العليا من ~~الفخذ، تلك الأورام التي كانت تسمى دبل؛ فأطلق على هذا المرض الطاعون ~~الدبلي. # نحو نهاية القرن التاسع عشر، استشرى الطاعون الدبلي وصار مشكلة طبية خطيرة في ~~الهند، وقد انتشر أيضا على نطاق واسع في جنوب شرق آسيا. أرسلت فرق الأبحاث، وبالطبع ~~فالعالم مدين بالجميل ms142 لألكسندر يرسين - وهو عالم أحياء دقيقة فرنسي مولود في سويسرا - ~~ولبعثة الطاعون الهندية؛ لما قدموه من بحث ممتاز في مجال التفتيش العلمي الذي أماطوا ~~فيه اللثام بدقة متناهية عن البيولوجيا المعقدة للطاعون الدبلي والأساس العلمي له ~~ومنشئه وأسبابه. # تدرب يرسين على يد باستير في باريس، ووصل هونج كونج عام 1894 بناء على تلبية لطلب ~~استغاثة من المستعمرة المضروبة بالطاعون التي كانت راضخة تحت وطأة جائحة كبيرة. نظرا ~~لأن يرسين اشتغل بمساعدة محدودة جدا في كوخ من القش بناه بنفسه، حيث رفض المسئولون في ~~هونج كونج توفير مختبر له، فإنه انحط إلى درجة رشوة حراس المشرحة ليسمحوا له بالدخول ~~إلى الجثث التي خلفها الطاعون. برهن يرسين على نحو قاطع أن الطاعون الدبلي مرض يصيب ~~القوارض، وينتشر من أحد القوارض إلى آخر عن طريق البراغيث. وقد أثبت أن مسار الوباء بين ~~البشر يتوقف على عوامل كثيرة نتيجة لتعدد العوائل المقحمة في الأمر، وأنه يختلف تمام ~~الاختلاف عن وباء عدوى بسيطة تنتقل مباشرة من إنسان إلى آخر. أثبت يرسين أن عامل العدوى ~~الذي ينتقل من الفأر إلى البرغوث ومنه إلى الإنسان هو بكتيريا، سميت «يرسينية ~~طاعونية»: يرسينية نسبة إلى مكتشفها يرسين، وطاعونية على اسم المرض (الطاعون) الذي ~~اعتقد أن هذه البكتيريا تسببه. # لتجنب التشويش وسوء الفهم، نطلق الآن على أوبئة الموت الأسود وجميع الطواعين ~~اللاحقة «الطاعون النزفي» (لأن النزيف الممتد كان أحد الأعراض المهمة) لنفرق بوضوح ~~بينها وبين الطاعون الدبلي. # إن العرض المميز (وإن كان غير قاطع) للطاعون الدبلي هو ظهور الدبل. بمجرد أن ~~أعلن يرسين نتائجه المهمة، أدرك الناس أن ضحايا الطاعون النزفي ظهرت عليهم أيضا في بعض ~~الأحيان أورام الغدد الليمفاوية. على ما يبدو فإن الناس افترضوا في الحال أن الطاعون ~~الدبلي هو المسئول عن الموت الأسود. لم يكلف أحد نفسه عناء عقد مقارنة موضوعية ~~بين المرضين، وطيلة القرن العشرين بأكمله كتب هذا الرأي، الذي اكتفى بالاستناد إلى ~~ظهور عرض واحد، على ألواح مقدسة، وقبل عموما بلا نقاش. # لا ينبغي لأي ms143 عالم أن يبني استنتاجات أو يكون افتراضات بناء على ملاحظة أو تجربة ~~وحيدة؛ فما من طبيب يشخص مرضا بناء على عرض وحيد، وإنما بالأحرى سوف يفحص المريض ~~بدقة متفقدا جميع العلامات والأعراض، بل في الغالب سوف ينتظر نتائج المزيد من التحاليل ~~المختبرية، وسوف يصنع قرارا عندما يتمكن من رؤية الصورة الكلية. ينبغي أيضا على ~~العلماء والأطباء أن يكون لديهم استعداد لتغيير آرائهم إذا فشلت التجارب اللاحقة في ~~التأكيد على فرضياتهم المبدئية، أو إذا لم يستجب المريض للعلاج الموصوف. # بطبيعة الحال، كان هذا القبول العمومي والمطلق - في نحو عام 1900 - للرأي القائل بأن ~~الطاعون النزفي لم يزد عن كونه سلسلة من أوبئة الطاعون الدبلي مناقضا بالمرة ~~للرأي الذي طالما اعتنقه الناس فيما مضى طيلة 500 عام، وكان لا بد من معاودة كتابة ~~التاريخ من جديد، ومن نسج العديد من روايات الطواعين المبالغ فيها من وحي ~~الخيال أو حتى تعديلها، كيما تتفق مع قصة الطاعون الدبلي الجديدة. # بل حتى باحثون بارزون ساهموا في هذا التشويش، مثل عالم الميكروبيولوجيا البروفيسور ~~شروزبري، الذي تعرضنا له من قبل، ففي عام 1970 نشر أثناء تقاعده دراسة أكاديمية رائعة ~~بعنوان «تاريخ الطاعون الدبلي في الجزر البريطانية». لقد بحث وجمع بدقة متناهية كل ~~معلومة مرتبطة بالطواعين في بريطانيا، وإن كان لم يبسط دراساته لتغطي أوروبا ~~القارية، وكانت النتيجة مرجعا موثوقا به لجميع دارسي الطواعين ~~الجادين. # وكما تستنتج من العنوان، آمن شروزبري والجميع بقوة أن الطاعون الدبلي كان المسئول ~~عن جميع الطواعين في بريطانيا، ومع ذلك كان عالما متمرسا بالإضافة إلى كونه ~~ممارسا كفئا للطب. لقد رأى بوضوح أنه في الكثير من نوبات التفشي كان يستحيل من ~~الناحية البيولوجية أن يكون الطاعون الدبلي هو السبب. لقد كان هو بالأخص يعرف، أكثر ~~من أي شخص آخر، ماهية ما كان يتحدث عنه، ولعله كان أول من أشار إلى العيوب الكامنة في ~~أساسات القصة المقبولة. # لقد بدأ باستبعاد (على نحو صحيح كما سنرى) احتمالية كون الكثير من الأوبئة طاعونا ~~دبليا، مشيرا عادة ms144 (على نحو غير صحيح) أن داء التيفوس هو المسبب لها. عندما وردت ~~الأنباء عن أوبئة في المناخ البارد (غير الملائم لانتشار الطاعون الدبلي)، رجح أن ~~يكون هذا المناخ شتاء معتدلا. وعندما اكتشف أن السجلات أشارت إلى أن نحو 50 بالمائة ~~من السكان ماتوا على إثر الإصابة بالموت الأسود (وهي نسبة مرتفعة للغاية بالنسبة ~~للطاعون الدبلي) اضطر إلى اقتراح أنه من المحتمل أن السجلات كان مبالغا فيها ~~بشدة، وأن عدد الوفيات الحقيقي ربما اقترب من 5 بالمائة (وهو تقدير منخفض على نحو غير ~~معقول). # على أن شروزبري ظل مدافعا صارما عن الرأي القائل بأن الكثير من الأوبئة في بريطانيا ~~كانت نوبات تفشي للطاعون الدبلي، وأنه كان يندهش من النقد الذي قوبل به تقييمه ~~الأمين. على ما يبدو، لم تكن جريمته تتمثل في قبول المستحيل، وإنما في الإشارة إلى عدم ~~وجود ثغرات على الإطلاق في الفرضية المعمول بها، وأنه لم تكن كل الأوبئة نوبات تفش ~~للطاعون الدبلي. ~~(2) الموت الأسود: إعادة تقييم بيولوجية # الدكتور جراهام تويج هو عالم حيوان بارز تخصص طوال حياته المهنية في بيولوجيا ~~القوارض بصفة عامة والفئران بصفة خاصة، وهو أحد الخبراء البارزين في العالم اليوم في ~~بيولوجيا الطاعون الدبلي، وقد نشر كتابا بعنوان «الموت الأسود: إعادة تقييم ~~بيولوجية» عام 1984، الذي جمع فيه بدقة جميع الأدلة. الكتاب يتضح تماما من عنوانه، فهو ~~تقييم نقدي ودقيق للموت الأسود (لا يتناول الطواعين التالية) قام به رجل محنك، ~~وهو يخلص إلى أن هذا الوباء لم يكن ناجما عن الطاعون الدبلي. كان تويج أول ~~شخص يدرك ذلك ويصرح به على الملأ. كان هذا بمنزلة عمل ريادي بارز. # لكن، وبكل أسف، تجاهل الناس هذا العمل بالمرة، واستمر مجرى الكتب والبرامج ~~التليفزيونية التي تصف سلوك الفئران والبراغيث في أوبئة الطاعون في التدفق. قال المؤرخ ~~آر إس براي ببساطة إنه «ثمة الكثير من الاعتراضات على بحث تويج وحصرها كلها أمر ~~مضجر.» # يواصل جراهام تويج بكل فرح بحثه في مجال الطواعين، وهو يصب تركيزه الآن على ~~الأوبئة اللاحقة ms145 في إنجلترا. ويستمر في نضاله من أجل أن تلقى آراؤه المهمة قبولا، ~~ويكتب بانتظام أبحاثا تعكس منطقه السليم وخبرته الواسعة من خلال نثره المنمق. ~~(3) الخطوة التالية # لو كان صحيحا الاعتقاد السائد بأن الطاعون الدبلي و«اليرسينية الطاعونية» كانا ~~المسئولين عن العدد الهائل من أوبئة الطاعون النزفي المريعة، فسيبطل سؤال: هل سيعود ~~الموت الأسود أم لا؟ فالطاعون الدبلي لم ينمح قط؛ فهو في واقع الأمر، منذ ~~اكتشاف يرسين والطاعون الدبلي ينتشر في كل أنحاء المعمورة، وقد تعلمنا أن نتعايش ~~معه. ثمة العديد من الحالات الفردية وبعض الأوبئة الصغيرة كل عام، لكن ما من سبب للخوف ~~من نوبة تفش؛ فهو سهل العلاج إذا شخص في الوقت المناسب، ولا يمثل تهديدا ~~للبشر. # لقد رأينا بالفعل أن الطاعون النزفي، المسبب للطاعون الأسود وطواعين أخرى، كان مرضا ~~معديا ينتقل بالاحتكاك المباشر. في الفصل التالي، نشرح طبيعة الطاعون الدبلي، ~~ونفحص إلى أي مدى لا تتطابق الحقائق. # الفصل الحادي عشر # | بيولوجيا الطاعون الدبلي: تناول الخرافة من منظور مختلف # أيها السيدات والسادة أعضاء لجنة المحلفين الموقرين، إن المتهم الرث الهيئة ~~الماثل أمامكم في قفص الاتهام مع حاشيته من البراغيث، هو السيد «فأر». ودائما ما ~~كانت توجه إليه إصبع الاتهام طيلة القرن العشرين بأكمله بتهمة أنه المسئول غير ~~المباشر عن الموت الأسود، أبشع مرض ضرب البشرية على الإطلاق. ولسوف أثبت بالدليل ~~القاطع أن موكلي جرى تلطيخ سمعته بشدة، وأنه بريء تماما من التهم المنسوبة ~~إليه على نحو جائر منذ 100 عام. أطالب بإطلاق سراحه طاهر اليدين. # عانى الإنسان من الطاعون الدبلي لمئات السنين، وبالأخص في منطقة ~~الهضبة الآسيوية الوسطى التي اعتبرت مسقط رأس المرض؛ حيث قيل إنه وقع هناك 232 نوبة تفش ~~في الصين ما بين عامي 37 و1718 ميلادية. وقد أصبح مستوطنا في إقليم يونان الصينية، وفي عام ~~1855 أرسلت قوات لقمع تمرد حدث هناك حيث انتشر بعدها مباشرة الطاعون الدبلي أكثر، ~~ربما نتيجة لتنقل اللاجئين. وقد وصل عاصمة الإقليم كونمينج عام 1866 ثم مدينتي كانتون وهونج ~~كونج بعدها ms146 بثماني سنوات، وهو معدل انتشار بطيء إلى حد ما. ثم تحركت العدوى إلى الوراء ~~نحو الهند عبر مدينة كلكتا عام 1895 ونحو مومباي ~~في العام التالي. وبدأت جائحة القرن العشرين الكبيرة. انتقل الطاعون الدبلي إلى ~~القارتين الأفريقية والأمريكية، واستمر هناك وفي آسيا حتى يومنا هذا، مع أن الطواعين ~~اختفت من أوروبا نحو عام 1670، منذ أكثر من 300 عام. ~~(1) قوارض منيعة: المفتاح إلى فهم الطاعون الدبلي # الطاعون الدبلي هو مرض يصيب القوارض ولا ينتقل إلى الإنسان إلا من حين لآخر أو ~~على نحو عارض، والمفتاح إلى فهم هذا المرض يكمن في الفروق الواضحة أيما وضوح بين ~~القوارض من حيث قابلية الإصابة بالعدوى عن طريق البكتيريا. الفئران معرضة بشدة للموت ~~من اليرسينية الطاعونية، في حين أن قوارض أخرى مثل اليرابيع وفئران الحقل، مقاومة ~~للطاعون، ويمكنها أن تنجو من العدوى دون الكثير من الضرر على ما يبدو. هذا الفرق له ~~أهمية كبرى في تحديد استمرارية نوبة تفش لطاعون دبلي في إحدى جماعات القوارض؛ ذلك لأن ~~المرض سوف يخمد إذا كانت جميعا لديها قابلية شديدة للإصابة، في حين أنه يستمر في ~~المناطق التي يوجد فيها توازن بين العوائل التي لديها قابلية للإصابة بالعدوى والعوائل ~~المقاومة. على سبيل المثال: في كولورادو الوسطى محا المرض عن وجه الأرض تماما ~~مستعمرة معزولة من كلاب البراري عندما وصل إلى هناك؛ لأن الكلاب كان لديها قابلية ~~كبيرة للإصابة وماتت جميعها. الدرس المستفاد هو أن الطاعون الدبلي يمكن أن يستمر ~~لدى القوارض المحلية فقط إن كان يوجد بينها مستودع من الأنواع المقاومة. ~~(2) أوكار الطاعون الدبلي # عادة ما ينتقل الطاعون الدبلي حول موانئ العالم عن طريق الفئران المصابة الموجودة ~~على متن القارب. لدى وصول الميناء في الموضع المناسب، ينتقل المرض من الفئران عن طريق ~~براغيثها إلى أنواع القوارض المحلية المقاومة، مثل اليرابيع أو السناجب الأرضية، وبهذه ~~الطريقة يمكنه أن يستمر لفترات زمنية طويلة. ثم من حين إلى آخر ينتقل المرض على نطاق ~~واسع وسريعا إلى القوارض التي لديها قابلية للإصابة؛ مما ms147 يترتب عليه هلاك أعداد هائلة. ~~في بعض هذه النوبات كانت تكدس الفئران الميتة أكواما في عربات، وغالبا ما كانت جثثها ~~من الأمارات الأولى على وجود الطاعون الدبلي في المنطقة. # إن التوزيع الجغرافي للقوارض (باستثناء الفئران) التي ورد إصابتها بعدوى اليرسينية ~~الطاعونية مهم للغاية: # أمريكا الشمالية # 51 # أمريكا الجنوبية # 42 # آسيا (باستثناء الهند) # 44 # أفريقيا # 44 # الهند # 11 # أوروبا # 0 # إبان القرن العشرين، أشار تطوير واستخدام سفن بخارية أسرع إلى أنه ~~أمكن نقل الطاعون الدبلي بسهولة أكثر إلى الموانئ في أنحاء المعمورة قبيل موت جميع ~~الفئران الموجودة على متن السفن؛ ومن ثم انتشر المرض من آسيا، وصار مستوطنا في أمريكا ~~الشمالية وأمريكا الجنوبية وجنوب أفريقيا. # النقطة الضرورية هنا هي أنه على الرغم من هذه السهولة في الانتشار، فإن اليرسينية ~~الطاعونية لم تدم قط في أي قوارض أوروبية (التي ليست منيعة)؛ ومن ثم لم يكن ~~ممكنا أن يكون الطاعون الدبلي قد استوطن هناك إبان عصر الطواعين، والأهم أنه ~~حتى لم يستوطن هناك في القرن العشرين حينما كان المرض منتشرا في مكان آخر من العالم. ~~ولا مفر من النتيجة النهائية: من المستحيل أن يكون الطاعون الدبلي هو السبب وراء ~~الطواعين النزفية في إنجلترا وأوروبا القارية. ~~(3) الفئران المخيفة # في أوروبا اليوم لا يوجد سوى نوعين من الفئران: الفأر البني والفأر الأسود. الفأر ~~البني حيوان قوي، وهو الفأر الذي نراه عموما اليوم. والأهم من وجهة نظرنا أن هذا ~~النوع من الفئران نشأ في روسيا في مطلع القرن الثامن عشر، ولم يصل إلى بريطانيا إلا ~~بعد نحو 400 عام على الموت الأسود، وبعد 60 عاما من آخر طاعون؛ لذلك فمن المستحيل أن ~~يكون لهذا النوع علاقة بانتشار الطاعون، بل ربما من المستبعد أن يكون له أي دور محتمل ~~في قصتنا. # من ناحية أخرى، ينحدر الفأر الأسود من حيوان نشأ غالبا في الهند واستوطن في المنطقة ~~الاستوائية في كل من البلدات والمناطق الريفية. ومع أن التاريخ الدقيق غير مؤكد، ~~فيعتقد أنه وصل إلى إنجلترا في وقت ما ms148 في العصور الوسطى. # إذا وصل هذا النوع من القوارض إلى أحد الموانئ في المنطقة الاستوائية حيث لا يوجد ~~منافسون، فإنه ينتشر سريعا. إلا أنه عند خطوط الاعتدال يقتصر وجوده على المباني لأنه ~~في معظم أوقات السنة تكون درجة الحرارة بالخارج شديدة الانخفاض إلى حد لا يناسبه. وعلى ~~عكس الفأر البني، يتمتع الفأر الأسود بقدرة عالية على التسلق، ويمكنه بسهولة الوصول ~~إلى السفن التي كانت تحمله لأنحاء كثيرة من العالم، وهو يعيش في أسقف المنازل، لكن ~~نادرا ما يسكن الجحور أو الخنادق في الأرض. # في العصور الوسطى، ربما استطاع الفأر الأسود أن يحيا في مناطق جنوب فرنسا وإسبانيا ~~وإيطاليا الأكثر دفئا، ولربما تواجد في موانئ الحبوب بشمال فرنسا وجنوب بريطانيا، وإن ~~كان بأعداد صغيرة فقط. ومن المحتمل أن تكون الفئران السوداء في بلدة من البلدات قد ~~اختفت بعد بضع سنوات دون معاودة الوصول إلى هناك. # الموطن الأصلي لهذا النوع من القوارض اليوم هو منطقة البحر المتوسط، ويوجد في بعض ~~الأحيان في إنجلترا في الموانئ، لكن لا ينتشر عادة لأكثر من بضعة كيلومترات برا. ~~اعتمدت جماعات الفئران في بقائها في إنجلترا في القرن العشرين على استكمال التعبئة ~~المتكرر عن طريق الاستيراد في شحنات، لكن مع توقف حركة التجارة بالقنال الإنجليزي ~~وإحلال الحاويات محكمة الإغلاق محل الشحنات السائبة، بدأ الحيوان يختفي حتى من الموانئ ~~لدرجة أنه بات من الثدييات النادرة في بريطانيا الآن. ولا تزال جماعات صغيرة موجودة في ~~جزر لوندي بقناة بريستول وجزر شاينت في جزر هيبرايدز الخارجية. # كان الفأر الأسود النوع الوحيد من القوارض الموجود الذي كان بمقدوره حمل الطاعون ~~الدبلي في أوروبا في العصور الوسطى، إلا أنه يحتاج الدفء المنبعث من المساكن ~~البشرية ولا ينتشر بعيدا عنها. حتى عندما يظهر الطاعون الدبلي في الإنسان في ~~البلدان الدافئة، فإن المناخ يتحكم في انتشاره. من المستحيل أن يكون الفأر الأسود قد ~~استطاع نقل الطاعون الدبلي بسرعة وعلى نطاق واسع في الشتاء. ~~(4) ريف إنجلترا خال من الفئران # واصل الدكتور تويج دراسته الدقيقة للفأر ms149 الأسود في إنجلترا إبان عصر الطواعين ~~وقد جمع أدلة في غاية الأهمية لم تنشر من قبل تفيد بأنه لم ينتشر في المناطق الريفية. ~~ونحن نكن له الامتنان لأنه أخبرنا بمثالين على هذه الأدلة: لم يتغير مطلقا تصميم ~~أبراج الحمام في إنجلترا حتى عشرينيات القرن الثامن عشر، أي بعد اختفاء الطاعون ~~بخمسين عاما؛ إذ لم يكن الحمام عرضة لافتراس الفئران. على أنه لدى وصول الفأر ~~البني وانتشاره في الريف، سرعان ما اكتشف كيف يخرب الأعشاش ملتهما كلا من ~~الطيور وبيوضها، واضطر الناس إلى إعادة تصميم أبراج الحمام بحيث تكون مضادة ~~للفئران. # لم يعان الفلاحون أيضا من مشكلات الخسائر في الحبوب المخزنة حتى ظهور الفئران ~~البنية. وبنيت مخازن الذرة المصنوعة من القش على الأرض، فبعد عام 1730 تعين لأول ~~مرة تخزين الحبوب في بنايات صممت خاصة على شكل عش الغراب مضادة للفئران أطلق عليها ~~قواعد القش التي كان محفورا عليها تاريخ إنشائها. يمكن تمييز انتشار الفأر البني ~~بالتواريخ المحفورة على هذه القواعد الحجرية. # إن هذه أجزاء من دراسة أكاديمية رائعة تؤكد على استحالة نقل الفئران السوداء للطاعون ~~الدبلي في أنحاء ريف إنجلترا إبان الثلاثة القرون التي ثار فيها الطاعون النزفي ~~بحرية. ~~(5) الطواعين في أيسلندا # رأينا أن الطاعون الدبلي انتقل عبر البحر إلى أيسلندا وأنه كان هناك وباءان حادان ~~وحقيقيان في القرن الخامس عشر. ومع ذلك من المعروف يقينا أنه لم توجد فئران في الجزيرة ~~إبان القرون الثلاثة من الطواعين. فلم تظهر الفئران إلا بعد مئات السنين. # كان معدل الوفيات بين البشر مرتفعا ولقي 60٪ من السكان المبعثرين في أنحاء الجزيرة ~~حتفهم في النوبة الأولى من الطاعون. وتوالت العدوى خلال الشتاء عندما كان متوسط درجة ~~الحرارة ثلاث درجات مئوية تحت الصفر؛ ومن ثم كان انتقال العدوى عن طريق براغيث ~~الإنسان مستحيلا. هذا الدليل وحده قاطع وحاسم؛ فمن المستحيل قطعا أن يكون الطاعون ~~الدبلي هو الذي سبب الوباءين في أيسلندا. ~~(6) غياب الفئران الميتة # كثيرا ما ترددت أنباء عن أن بداية انتقال نوبة تفشي الطاعون الدبلي ms150 إلى الإنسان ~~كان ينذر بها ظهور الفئران الميتة في الشوارع، بأعداد قليلة ربما في إحدى القرى ~~الصغيرة، لكن بملء عربات كثيرة كما في إحدى البلدات الريفية بجنوب أفريقيا. ومع ذلك، ~~فثمة إجماع عام على أنه لم يرد ذكر في أي من الروايات لأي حالات نفوق من الفئران ~~إبان أوبئة عصر الطواعين في أوروبا. كان هناك تعليق واحد فحسب يقول: «أشار ~~المؤرخون إلى أن الروايات المعاصرة تحذف أي ذكر لحالات نفوق من الفئران»، لكنهم قرروا ~~إغفال هذه النقطة الهامة. ~~(7) سرعة الانتشار # في إنجلترا، وفي فرنسا بالأخص، كان الطاعون يقفز لمسافات كبيرة، كانت هذه المسافات ~~تصل في بعض الأحيان إلى 100 ميل (150 كيلومترا) في غضون بضعة أيام، دون حدوث نوبات ~~تفش تخللية. وكما رأينا في أبرشية مالبس بمقاطعة تشيشير عام 1625، انتقل ~~الطاعون مسافة 185 ميلا (300 كيلومترا) من خلال شخص عائد من زيارة إلى لندن. وانتقل ~~الموت الأسود من جنوب إيطاليا إلى الدائرة القطبية الشمالية في خلال ثلاث سنوات. # يتعارض هذا القفز السريع مع انتشار الطاعون الدبلي الذي يعتمد على نشاط القوارض ~~المحدود. قدمت لجنة أبحاث الطاعون بالهند مثالا على ذلك؛ إذ استغرق الطاعون الدبلي ~~في عام 1907 ستة أسابيع للانتقال مسافة 100 ياردة (160 مترا). وفي جنوب أفريقيا في ~~الفترة ما بين عامي 1899 و1925 كان يتحرك لمسافة تتراوح من 8 إلى 12 ميلا (من 13 إلى ~~20 كيلومترا) فقط في العام. ~~(8) قوارض تعرضت لهجوم البراغيث # رأينا أن الطاعون الدبلي يستطيع أن ينتشر بين البراغيث والفئران والإنسان ~~والقوارض المقاومة. من الواضح أن هذا المرض هو أكثر تعقيدا مما ظننا. سنفحص الآن ~~دور البرغوث. # البراغيث البالغة هي حشرات صغيرة عديمة ~~الأجنحة لديها القدرة على التعلق عن طريق خطاطيف، وأرجلها ملائمة للقيام بقفزات كبيرة، ~~وهكذا تنتقل إلى مختلف عوائلها. إن أجزاء فم البرغوث مصممة لثقب جلد الثدييات ذوات الدم ~~الحار الملائمة، حيث يسحب الدم بعدها مباشرة من وريد صغير إلى معدة البرغوث . يمتص ~~البرغوث عددا كبيرا من البكتيريا في وجبة الدم التي ms151 يحصل عليها من أحد القوارض ~~المصابة، التي تكون عندئذ كتلة صلبة من خلال الانقسام السريع. عندما يهاجم البرغوث ~~المصاب أحد القوارض الأخرى، تتجه اليرسينية مباشرة إلى مجرى دم العائل الذي تعرض ~~للهجوم، وبهذه الطريقة تنتقل البكتيريا من كائن ثديي إلى آخر. # في الحياة البرية، يتوقف بقاء البرغوث ~~على قيد الحياة على قدرته على التكاثر وتربية المزيد من البراغيث، الأمر الذي يتوقف ~~بدوره على عوامل بيئية وعوامل أخرى. يمكن أن يضع برغوث الفأر من 300 إلى 400 بيضة ~~تقريبا (البرغوث البالغ هو ماكينة إنجاب فعلية)، لكن تضر درجة الحرارة والرطوبة في ~~البيئة المحيطة بشدة بكل من البيض الموضوع ونمو اليرقات. تعتبر درجة الحرارة ما بين 18 ~~و27 درجة مئوية والرطوبة النسبية البالغة 70٪ هي ظروف مثالية لوضع البيض، في حين أن ~~درجة الحرارة الأقل من 18 درجة مئوية تعيق هذه العملية. # جمع جراهام تويج جميع البيانات المناخية المتاحة لوسط إنجلترا في الفترة ما بين ~~عامي 900 و1900 ميلادية، وبرهن أنه لم يحدث أن تخطى متوسط درجة الحرارة في شهري يوليو ~~وأغسطس 18,5 درجة مئوية بحيث تكون مناسبة لفقس البيض. لم تمر بريطانيا بمناخ قادر ~~على إيواء نوبات تفش موسمية منتظمة للطاعون الدبلي الذي تنقله البراغيث، حتى في ~~شهور الصيف، وبالطبع ليس في الشتاء. في حقيقة الأمر، ربما لم تتوفر ظروف مناخية مواتية ~~في أوروبا إلا في منطقة الجنوب الغربي، في المنطقة الساحلية للبحر المتوسط وشبه ~~الجزيرتين الإيطالية والإيبيرية. # لا يمكن تقبل فكرة أن البراغيث استطاعت أن تتكاثر وأن الفئران السوداء كانت نشطة ~~إبان الأوبئة في لندن واسكتلندا، وكذلك الحال في أيسلندا والنرويج القريبتين من ~~الدائرة القطبية الشمالية. من الضروري أن نضع في الحسبان أنه إبان العصر الجليدي ~~الصغير، حينما كان الطاعون على أشده، أكدت الظروف المناخية أن تكاثر البراغيث كان ~~مستحيلا. # متوسط درجة حرارة شهر يوليو بالمقياس المئوي في غرب أوروبا في القرن ~~العشرين. لم تكن درجات الحرارة في الصيف مناسبة لإيواء نوبات تفش ~~موسمية للطاعون الدبلي الذي تنقله البراغيث إلا في ms152 إسبانيا وساحل ~~فرنسا على البحر المتوسط. ~~(9) الطاعون الدبلي عند الإنسان # النقطة المهمة التي تأكدت سابقا هي أن الطاعون الدبلي مرض طبيعي يصيب ~~القوارض، ولا يصيب الإنسان إلا من حين لآخر أو على نحو عارض من خلال لدغات براغيث ~~الفئران «التي هجرت عائلها الطبيعي بعد موته.» وعليه، فظهور الطاعون الدبلي في ~~الإنسان غير متوقع بالمرة. إذا شردت إحدى القوارض البرية المصابة بالقرب من سكنى ~~البشر، وعندئذ نقلت براغيثها مع الفئران التي تعيش في الجوار، فإن اليرسينية يمكن أن ~~تنتقل من هذا القارض إلى الفأر، ومن الفأر إلى الإنسان. الفأر مجرد وسيط وليس مستودعا ~~للطاعون الدبلي؛ إذ يقتصر دوره على الموت ثم تمرير العدوى. # ثمة العديد من الطرق الأخرى التي يمكن أن يصاب بها البشر، فعندما يخرجون - على سبيل ~~المثال من أجل الصيد أو التنزه - ربما ينتقل إليهم الطاعون الدبلي مباشرة من ~~البراغيث التي تعيش على القوارض البرية. عادة ما يحدث هذا النمط من العدوى على نطاق ضيق ~~عند حبس الحيوانات أو سلخ جلدها أو تناول القوارض البرية، وإن كان قد أصيب في ~~منشوريا بين عامي 1910 و1911 نحو 60 ألف صياد بالطاعون الدبلي من حيوان المرموط ~~الذي كانوا يصطادونه من أجل الحصول على فرائه، ومن حين إلى آخر يصاب شخص بالطاعون ~~الدبلي عند تناول لحم حيوان من الحيوانات المنزلية (مثل الماعز أو الجمل) التي كانت ~~ترعى في منطقة يسكنها قوارض برية مصابة. # يلعب البرغوث دورا محوريا في نشر الطاعون الدبلي بين عوائله المختلفة. ولا عجب ~~في أن معدل وفيات البشر في نوبات تفشي الطاعون الدبلي منخفض نسبيا دائما؛ لأنه ~~مرض يصيب القوارض وتنشره البراغيث على نحو عشوائي، في حين أنه عندما ضرب الطاعون ~~الدبلي السكان المحليين في إنجلترا أو أوروبا القارية كانت الخسائر في الأرواح ~~تصل في الغالب إلى نحو 30 إلى 40 بالمائة، وإن كان واردا أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت ~~لتصل إلى 60 بالمائة من السكان. # الدور المحوري الذي تلعبه البراغيث في تمرير اليرسينية الطاعونية بين ~~القوارض المقاومة ms153 والفئران التي لديها قابلية للإصابة وفي نقل الطاعون ~~الدبلي إلى البشر. لا يمكن أن تنتقل العدوى مباشرة من شخص إلى آخر ~~إلا في حال الطاعون الرئوي. # ثمة نوعان من الطاعون الدبلي لدى البشر: الدبلي والرئوي (الذي سنتناوله ~~على نحو أكثر تفصيلا). في أي نوبة من نوبات التفشي بين البشر اليوم، يوجد مرضى الطاعون ~~الدبلي في عنابر مفتوحة؛ فقد أصيبوا من خلال البراغيث، وعموما هم غير ناقلين ~~للعدوى للأشخاص الآخرين. # الدبل هو عرض مميز للطاعون الدبلي (لكنه لا يظهر في حال الطاعون الرئوي) ~~وقد سمي المرض على اسمه. وهو كتلة متنوعة الأحجام تتكون من خلال تورم الغدة ~~اللمفاوية التي توجد عموما في المنطقة العليا من الفخذ، إلا أن مكانه يعتمد على الموضع ~~الذي لدغ فيه البرغوث الإنسان، الأمر الذي يعتمد بدوره على شكل ملابس الضحية. يقول ~~الدكتور إيه بي كريستي، الذي كتب تقريرا دقيقا عن الأمراض المعدية إن الفلاح ~~الإندونيسي الذي لا يرتدي سوى سروال تحتي وقبعة، يمكن أن تلدغه البراغيث في أي مكان، ~~وعلى الأخص ساقاه. أما المزارع الليبي الذي يرتدي حذاء عالي الساق وبنطالا قصيرا ~~لركوب الخيل وثيابا فضفاضة متدلية، فيحتاج البرغوث أن يستخدم كل ما أوتي من قوة ~~للوصول إلى جلده، ولعل الذراع أو الرقبة أسهل في الوصول إليهما من الساق. عندما يصاب ~~المريض بالطاعون من سلخ جلد حيوان ما، ستكون الإصابة من خلال يديه وسوف يتكون الدبل ~~في منطقة الإبط. أما إذا تناول لحم الحيوان، فربما تستقر البكتيريا على اللوزتين وسوف ~~يتكون الدبل في رقبته. من الواضح أن إصابة الإنسان باليرسينية الطاعونية مسألة ~~عشوائية. # يظهر الدبل في مرحلة مبكرة من المرض، في اليوم الأول أو الثاني، وعادة ما يكون ~~مؤلما ولينا للغاية. في المرضى الذين يعيشون لفترة طويلة بما يكفي أو يظلون على قيد ~~الحياة، ينفتح الدبل ويفرغ الصديد. # ثمة تنوع كبير في بدء المرض ومساره؛ إذ ربما يكون طفيفا على نحو لا يمكن ملاحظته ~~أو ربما يظهر بقوة. والأهم أن فترة الحضانة عادة ما تتراوح ما ms154 بين يومين إلى ستة أيام ~~فقط بعد الإصابة، وهي مدة مختلفة بدرجة كبيرة عن التقدير الذي استنتجناه عن الطاعون ~~النزفي. # لقد فحصنا تقريرا تشريحيا لبحار لقي حتفه على إثر الإصابة بطاعون دبلي ~~فعلي عام 1900، ولاحظنا أن الأعضاء الداخلية لم تظهر سوى أمارات محدودة على موت ~~أنسجتها. ستتجلى أهمية هذه النقطة فيما بعد عندما نتناول تقارير التشريحات المبدئية ~~لجثث المتوفين بسبب الطاعون النزفي في القرن السابع عشر. ~~(10) الطاعون الرئوي: نسخة مختلفة فتاكة من الطاعون # في نحو 5 بالمائة من حالات الطاعون الدبلي، قبل أن تموت الضحية تصل البكتيريا إلى ~~الرئتين، وإذا عاش المريض لوقت طويل للغاية فإنه يسعل البكتيريا في بلغمه. وأي شخص ~~في احتكاك مع المريض ربما يستنشق البكتيريا ويصاب بالطاعون الرئوي. منذ ذلك الحين ~~فصاعدا، يمكن لمريض واحد أن ينقل مباشرة إلى شخص آخر عدوى الطاعون الرئوي بنفس ~~الطريقة وبدون تدخل برغوث واحد. ويكون بدء المرض مباغتا وحادا، والأهم أن المرض ~~يقهر الضحية سريعا وتموت في اليوم الثالث تقريبا، ولا تعيش أبدا بعد اليوم السادس. ~~إن الطاعون الرئوي دون العلاج الطبي الحديث فتاك دائما. # إن الفهم الكامل للطاعون الرئوي له أهمية خاصة لدى فحص الطواعين في أوروبا؛ إذ ~~لم يكن بمقدور الطاعون الدبلي أن يقفز فجأة لمسافات بعيدة في مناخ بارد حيث لا ~~توجد أنواع مقاومة من القوارض ولا براغيث نشطة، إنما فقط فئران سوداء خاملة لنقل ~~المرض. لهذا السبب زعم كثيرون أن عدوى الطاعون الرئوي التي تنتقل مباشرة من شخص إلى ~~آخر كانت السبب وراء أوبئة طاعون أوروبا. # إلا أنهم يتجاهلون ثلاث نقاط مهمة؛ أولا: ثبت بكل وضوح أن الطاعون الرئوي لا يمكن أن ~~يحدث دون الطاعون الدبلي وأنه لا يمكن أن يستمر بمعزل عنه. وعليه فلا تزال جميع ~~الاعتراضات على وجود الطاعون الدبلي قائمة. في الغالب أدت الإصابة بالطاعون ~~الرئوي إلى استفحال أعداد الوفيات الناجمة عن نوبات الطاعون الدبلي على نحو ملحوظ، ~~إلا أن تأثيرها الرئيسي انحصر بين أفراد العائلة، والعائلة التي اعتنت بالمريض، ~~والجيران الذين وفدوا ms155 لزيارته. # ثانيا: ثمة إجماع عام على أن الفترة الفاصلة ما بين بدء الإصابة والموت بسبب الطاعون ~~الرئوي قصيرة، ربما نحو 5 أيام، بل إن المريض يكون معديا لفترة أقصر. ومن المستبعد أن ~~شخصا أصابه المرض الشديد، وسرعان ما أنهك تماما لدى إصابته بالطاعون الرئوي، ولم يكن ~~بينه وبين الموت سوى ثلاثة أيام، كان بمقدوره أن ينشر المرض عبر مسافات طويلة سواء ~~برا أو بحرا؛ ونتيجة لذلك، ستكون نوبة تفشي الطاعون الرئوي قصيرة الأمد، وسرعان ما ~~يندثر الوباء. وهذا عكس ما رأيناه تماما في منحنى الجرس لوباء الطاعون الدبلي طويل ~~الأمد. # ثالثا: يستبعد ظهور الدبل إبان طواعين أوروبا احتمالية أن الطاعون كان ~~رئويا لأن الدبل لا يظهر في هذا النوع من الأمراض. ~~(11) هل كان برغوث الإنسان هو المسئول؟ # خطرت لمؤرخين آخرين ممن قبلوا على مضض أن الطاعون كان ينتقل مباشرة من شخص ~~إلى آخر فكرة جديدة، فقد زعموا أن الطاعون الدبلي كان ينتشر عن طريق براغيث ~~الإنسان. لكن مع أن انتقال العدوى عبر هذا المسار ممكن ويحدث بالفعل، فإنه أقل فعالية ~~من مسار براغيث الفئران بدرجة كبيرة، لدرجة أن جميع الاعتراضات الموجهة نحو تورط ~~البراغيث التي حصرناها سابقا لا تزال سارية، بل وبدرجة أكبر. # على أي حال، لا يذكر مؤيدو هذا الاقتراح بعيد الاحتمال، الذي يبدو مثالا على محاولة ~~طرق كل الأبواب حتى تلك المستبعدة، كيف حدث أن أصيبت براغيث الإنسان ببكتيريا ~~«اليرسينية الطاعونية» في المقام الأول. لو كانت قد أصيبت بها من وباء مبدئي للطاعون ~~الدبلي العادي مع القوارض المقاومة والفئران والبراغيث، لانطبقت كل الحجج المطروحة ~~سابقا، مع تعقيدات إضافية غير ضرورية تجعل هذا السيناريو مستبعدا أكثر. ~~(12) استمرار خرافة # إننا على يقين تام من أن الطاعون الدبلي قد وضع خطأ في موضع الاتهام وأن ~~السيد الفأر بريء تماما نتيجة للأسباب التالية: # انعدام القوارض المقاومة في أوروبا. # عدم وجود فئران في ريف إنجلترا. # الطاعون الدبلي ينتشر ببطء شديد. # درجة الحرارة قارسة البرودة على أن تعيش فيها البراغيث. # وفيات الطاعون الدبلي منخفضة ms156 للغاية. # انتشار الطاعون الدبلي كان مستحيلا في ظل الظروف المناخية ~~بأيسلندا. # لماذا استمرت إذن نظرية الطاعون الدبلي؟ لا يملك معظم المؤرخين ~~معرفة مفصلة بالبيولوجيا المعقدة للطاعون الدبلي؛ ولهذا السبب خصصنا فصلا كاملا ~~لشرح التفاعلات بين البراغيث والقوارض المقاومة والفئران والإنسان والبيئة الضرورية ~~لحدوث وباء بهذا المرض. # قليلون هم من درسوا نوبات تفشي أوروبا القارية إلى جانب تلك التي وقعت في ~~إنجلترا. على سبيل المثال، لو أن البروفيسور شروزبري قد درس الطواعين في أوروبا، ~~لما كان قط ليصف البعض منها بأنه داء التيفوس، وما كان قط ليقدر الخسائر في ~~الأرواح إبان الموت الأسود بخمسة بالمائة فقط، إلى حد أنه اضطر إلى فعل ذلك كي ~~يبرر اعتقاده بأن الطاعون الدبلي كان العامل المعدي. # عندما أعلن يرسين عن نتائج أبحاثه البارزة، كان من السهل جدا أن يقفز الأفراد إلى ~~استنتاج أن اليرسينية الطاعونية هي المسئولة أيضا عن جميع طواعين أوروبا دون أن يكلفوا ~~أنفسهم عناء فحص الأدلة والحقائق بموضوعية. ما إن قرر المؤرخون، فإنهم تمسكوا برأيهم ~~بكل عناد، وقبل الجميع رأيهم بلا نقاش طيلة القرن العشرين بأكمله. # مع توافر جميع الأدلة أمام أعيننا، فمن المستحيل التملص من استنتاج أن الطاعون ~~النزفي ليس له علاقة بالطاعون الدبلي. وفعليا، بخلاف حقيقة أن ضحايا كلا المرضين ~~عانوا من تضخم الغدد وأورام تحت الجلد، فآخر ما يمكن الإشارة إليه بإصبع الاتهام على ~~أنه العامل المعدي للطاعون النزفي هو اليرسينية الطاعونية. لقد رفضنا بشكل قاطع احتمال ~~أن يكون للطاعون الدبلي أي دور في قصتنا. ومع ذلك، فهل تفشى المرض على نحو متقطع، ~~وإن كان لفترات قصيرة، في مناطق مناسبة من أوروبا؟ # الفصل الثاني عشر # | تحليل الدي إن إيه: صرف الانتباه عن القضية الأساسية # كان الطاعون النزفي، منذ عام 1347 حتى نحو عام 1670، قاصرا على أوروبا، ومن حين إلى آخر ~~على سواحل شمال أفريقيا. من ناحية أخرى، كان الطاعون الدبلي منتشرا ومستفحلا في أنحاء ~~آسيا والشرق الأوسط إبان الثلاثة قرون التي كان فيها الطاعون الغامض محكما قبضته على ~~أوروبا. ms157 في الواقع، تغلغل حتى وصل إلى أعتاب أوروبا. ندرك الآن أن الطاعون الدبلي لم ~~يكن من الممكن أن يرسخ أقدامه بإحكام هناك؛ حيث إنه لم تكن توجد قوارض مقاومة بإمكانها ~~أن تشكل مستودعا دائما للمرض، بالإضافة إلى أن الظروف المناخية لم تكن مواتية ~~بالمرة في أنحاء الكثير من هذه المنطقة الواسعة كما رأينا. وهكذا كان لكلا الطاعونين معاقل ~~منفصلة. # إلا أنه ثمة استثناء واحد: كان جراهام تويج أول من أظهر أن مناخ ودرجة حرارة سواحل البحر ~~المتوسط كانتا مناسبتين لتكاثر البراغيث إبان الصيف. فحتما كانت السفن القادمة من بلدان ~~شرق البحر المتوسط وشمال أفريقيا تجلب بانتظام الفئران السوداء المصابة بالطاعون الدبلي ~~إلى موانئ إيطاليا وإسبانيا وجنوب فرنسا إبان عصر الطواعين. هل رست أي من هذه الفئران ~~على الشاطئ وتسببت في وباء سريع وسط الفئران السوداء المحلية والقوارض الأخرى التي لديها ~~قابلية للإصابة؟ # عقدنا العزم على فحص سجلات الموانئ المحتملة، واكتشفنا أنه كانت توجد بالفعل أدلة على ~~نوبات تفش صغيرة للطاعون الأسود بمحاذاة سواحل البحر المتوسط. # في إيطاليا أطلقت السلطات الصحية للدول-المدن الشمالية على هذه النوبات للطاعون ~~الدبلي «طواعين صغيرة» لتميزها عن «الطواعين الكبيرة» (التي كانوا يأخذونها بجدية ~~أكثر). كانت الأوبئة تبدأ في الموانئ، وفي بعض الأحيان تنتشر لمسافة محدودة برا، لكنها لم ~~تستمر ولم يصبح المرض مستوطنا قط. # ضربت إحدى عشرة نوبة طاعون دبلي على الأقل ميناء برشلونة على البحر المتوسط في الفترة ~~بين عامي 1370 و1590، إلا أنها أسفرت عن وفيات محدودة للغاية، وكانت تحدث على نحو متقطع. ~~في القرن الخامس عشر كانت برشلونة مدينة عامرة بالتجار والملاحين والباعة والمحترفين، وكان ~~لها تجارة مع جميع بلدان المتوسط، وهكذا كانت تستقبل بانتظام أعدادا كبيرة من الفئران ~~السوداء والبراغيث المصابة. لم تنتشر الأوبئة لمسافة بعيدة برا أو إلى أية مدينة أخرى، ~~والأهم أن الخسائر في الأرواح لم ترتفع إلى نقطة ذروة ثم تهبط بعد ذلك كما رأينا في أي وباء ~~معتاد لمرض معد. على سبيل المثال، شهدت نوبة التفشي التي وقعت ms158 في برشلونة عام 1497 ~~وفيات فردية يوميا من شهر يوليو إلى سبتمبر، وهذا على العكس تماما من مسار الأحداث في ~~الطاعون النزفي. # الموقف أكثر تعقيدا مما ظننا في البداية؛ فقد كانت توجد بلا شك أوبئة طاعون دبلي ~~عارضة في موانئ البحر المتوسط أثناء تفشي الطاعون النزفي في أنحاء أوروبا. وحتما كانت ~~قصيرة لأنها كانت تخمد بمجرد نفوق جميع القوارض المحلية. لم تكن لأوبئة الطاعون الدبلي ~~المحلية المتقطعة القصيرة الأمد هذه أهمية، مقارنة بالوفيات المرعبة والمعاناة التي تكبدها ~~الناس جراء الطاعون النزفي، إلا أنها جعلت مؤرخي اليوم يشعرون بالمزيد من ~~الحيرة. ~~(1) طاعون دبلي مؤكد في مارسيليا عام 1720 # بعد مرور 50 عاما على اختفاء الطاعون النزفي تماما، عانى ميناء مارسيليا بفرنسا من ~~وباء طاعون كبير جرى توثيقه بعناية. لقد حللنا تسلسل الأحداث تحليلا كاملا ومن دون ~~شك نقول: كان هذا وباء طاعون دبلي حقيقيا. وشتان ما بين نمط وتفاصيل نوبة تفشي ~~الطاعون الدبلي وتلك التي للطاعون النزفي. من ثم كان اقتراح جراهام تويج بأن ~~المناخ والظروف في موانئ البحر المتوسط كانت مناسبة لإيواء «اليرسينية الطاعونية» بلا شك صحيحا. # وحتى بالرغم من أن السلطات الصحية لم تشهد وباء طاعون كبير على مدار 50 عاما، فإنهم ~~أدركوا ما يتحتم عليهم فعله؛ فقد وضعوا التدابير الراسخة القديمة للحجر الصحي الذي مدته ~~40 يوما و«أطواق الحجر الصحي» موضع التنفيذ. وفي نهاية المطاف أنشئوا أسوارا دائرية ~~لمسافة أميال كثيرة. بالطبع كانت هذه الاحتياطات غير مجدية بالمرة لأنهم كانوا ~~يتعاملون مع مرض لم يعرفوه من قبل. فلا يمكن مكافحة الفئران والبراغيث المصاحبة لها ~~بأطواق صحية، ولا هي تخضع لأي نوع من أنواع الحجر الصحي. كان أهل مارسيليا مقدرا لهم ~~الموت الحتمي؛ فكل ما تعلموه على مدار 300 عام من المعاناة من الطاعون النزفي كان عديم ~~الجدوى أمام هذا العدو الجديد. # بحلول عام 1720 كان الفأر البني قد وصل على الأرجح إلى الميناء وتكاثر بغزارة. في ~~عام 1966 روى ريموند روبرتس في أحد اجتماعات جمعية الطب الملكية أن ms159 الصيادين جمعوا في ~~شباكهم 10 آلاف فأر ميت في الميناء وجروا الجثث وألقوها في البحر. يسلط هذا ~~الضوء على معدل النفوق الهائل للفئران عندما تصيبها عدوى بكتيريا «اليرسينية ~~الطاعونية». # في نهاية المطاف، تحرك الطاعون الدبلي نحو الخارج إلى ريف منطقة بروفنس، زاحفا ~~ببطء نحو القرى والضياع وبعض البلدات في المنطقة. ~~(2) الجدل الثائر اليوم ~~«نرى أنه بمقدورنا حسم هذا الجدل: الموت الأسود الذي تفشى في العصور الوسطى كان ~~طاعونا دبليا.» هكذا كتب ديديير راؤول وميشيل درانكورت وزملاؤهما بجامعة البحر ~~المتوسط بمارسيليا في أكتوبر عام 2000. وكانوا قد نقبوا هياكل عظمية عثر عليها في قبور ~~في منطقة بروفنس في السواحل الفرنسية المطلة على البحر المتوسط. وقد زعموا أن هذه ~~الهياكل تخص ضحايا الطاعون الذين ماتوا في الموت الأسود في القرنين السادس عشر والثامن ~~عشر. وقد استخرجوا عينات للحمض النووي من لب الأسنان، وبالاستعانة بأدوات ~~البيولوجيا الجزيئية، زعموا أنهم اكتشفوا وجود اليرسينية الطاعونية. # هذه الأخبار محيرة للوهلة الأولى؛ فهي عكس كل ما أثبتناه. لكن يوجد عدد من الأسباب ~~وراء إمكانية عدم أخذ تأكيدهم غير الناضج والقاطع في الحسبان بثقة. ~~(3) التحقق من القبور المنقبة # استخدمت مقابر القديسين قزمان ودميان بمدينة مونبلييه بجنوب فرنسا كمدافن خارج أسوار ~~المدينة منذ القرن التاسع حتى القرن السابع عشر. استنتج راؤول وزملاؤه أنه: # من بين الثمانمائة قبر الموجودة في هذا الموقع، يحتمل أن أربعة منها كانت ~~قبور كوارث؛ لأنها احتوت على هياكل عظمية دون أكفان. أرخت هذه القبور ~~الأربعة على أنها حفرت في الفترة ما بين القرن الثالث عشر وأواخر القرن الرابع ~~عشر نظرا لموقعها بأعلى سد يعود إلى القرن الثالث عشر، خلف جدار يعود إلى ~~النصف الثاني من القرن الرابع عشر ... وعليه فقد وضعنا افتراضا مفاده أن ~~الهياكل العظمية الموجودة بهذه القبور هي هياكل ضحايا الموت الأسود. # ما من سبب يجعلنا نفترض بناء على هذا التنقيب الأثري المتراخي أن ~~الهياكل العظمية كانت تخص ضحايا الموت الأسود بمنطقة بروفنس عام 1348. كل ما يمكننا أن ~~نخلص إليه هو أن الجثث دفنت ms160 في وقت ما بين القرنين التاسع والسابع عشر. # اكتشف ثاني قبر جماعي في بلدية لامبسك بمنطقة بروفنس. وقد احتوى على 133 هيكلا ~~عظميا و«تشير البيانات التاريخية إلى أن هذه الهياكل لضحايا مستشفيات حجر صحي قديم ~~لطاعون دبلي، وقد دفنوا في الفترة ما بين مايو وسبتمبر 1590.» مرة أخرى، الأدلة ~~التاريخية والأثرية ناقصة. # احتوى القبر الثالث على نحو 200 هيكل عظمي دفنت في مايو عام 1722 في مارسيليا. كان ~~هذا بعد اختفاء الطاعون النزفي بأكثر من 50 عاما، وكما رأينا كان هذا موقعا لنوبة ~~تفشي طاعون دبلي حقيقي، ولا عجب في العثور على آثار لبكتيريا اليرسينية الطاعونية لدى ~~هؤلاء الضحايا. ~~(4) هل تقنية اختبار الدي إن إيه يعتمد عليها؟ # في اجتماع للجمعية البريطانية لعلم الأحياء الدقيقة بمانشستر في سبتمبر عام 2003، ~~أشار آلان كوبر، رئيس قسم الجزيئات الحيوية القديمة بجامعة أكسفورد، إلى أن تقنية تحليل ~~الدي إن إيه التي استخدمها راؤول ودرانكورت كانت مشوبة بالعيوب. علاوة على أنه يرى ~~أن عملية شق الأسنان وكحت ما بداخلها، كما فعل الفريق الفرنسي، قد لوثت العينات ~~بالبكتيريا. والأمر المريب، أن كل العينات الفرنسية تقريبا احتوت على اليرسينية ~~الطاعونية، وهو معدل نجاة مرتفع للدي إن إيه في مناخ مونبلييه الدافئ. # إن مجال الدي إن إيه هو مجال سريع التطور اليوم، إلا أنه شاب تاريخه مشكلات تلوث من ~~الدي إن إيه الموجود دائما في يد الإنسان والبكتيريا والمصادر الأخرى. على سبيل ~~المثال، أسفر اختبار سن لأحد رجال الفايكينج بجامعة أكسفورد عن مادة جينية من 20 شخصا ~~على الأقل. ومما يزيد المشكلة تعقيدا، أنه حتى العظام الحديثة نسبيا تحتوي على كميات ~~صغيرة تكاد لا تذكر من الدي إن إيه يصعب استخراجها. # لا يزال آلان كوبر مقتنعا بأن دي إن إيه اليرسينية، الذي عثر عليه راؤول وزملاؤه في ~~أسنان مأخوذة من جثث كانت مدفونة بمارسيليا وبروفنس، مسألة اكتشاف خاطئ نتيجة لتلوث ~~عارض للعينات. ~~(5) هل عثر على آثار لبكتيريا اليرسينية الطاعونية لدى ضحايا ~~طاعون في أماكن أخرى من أوروبا؟ # حلل آلان كوبر ms161 وزملاؤه، باستخدام تقنيات البيولوجيا الجزيئية التي يرون أنها ~~مصممة خاصة من أجل اليرسينية، 121 سنا من 66 هيكلا عظميا عثر عليها في خمسة ~~قبور جماعية، منها قبر يقع في إيست سميثفيلد بلندن حفر من أجل ضحايا الطاعون عام 1349. ~~وقد فحصوا أيضا حفر طاعون مشتبه فيها بأبرشية سبيتالفيلدس بلندن، وفودروفسجارد ~~بكوبنهاجن، ومدينتي أنجيه وفردان بفرنسا. لم تحتو سن واحدة على دي إن إيه ~~بكتيريا يرسينية مميز. # يوضح كوبر أن نتائجه التي تنفي وجود اليرسينية لا تعد دليلا على أن هذه الضحايا لم ~~تمت من جراء الإصابة بالطاعون الدبلي فلربما لم تخترق البكتيريا الأسنان، أو ~~لعل دي إن إيه اليرسينية لم ينج. # لا نشعر بأي نوع من الدهشة حيال هذه النتائج الأخيرة؛ فنحن على قناعة بأن هؤلاء ~~الضحايا قد لقوا حتفهم على إثر الإصابة بمرض فيروسي هو الطاعون النزفي. # ولسنا مؤهلين للحكم على موثوقية تحليلات الدي إن إيه، ولكن حتى لو تكررت نتائج راؤول ~~ودرانكورت وزملائهما وثبت صحتها، فإنها من المستحيل أن تثبت بأي شكل من الأشكال أن ~~«الموت الأسود كان طاعونا دبليا». كان هذا المرض الذي يصيب الفئران يظهر، كما ~~رأينا، من حين إلى آخر في مارسيليا والمنطقة المحيطة، وعليه فقد كان بقاء آثار ~~اليرسينية الطاعونية ممكنا. # الفصل الثالث عشر # | القصة الحقيقية لقرية عظيمة # عدنا ونحن مسلحون بما اكتسبناه من معرفة جديدة عن الطاعون النزفي إلى واحد من أشهر ~~ابتلاءات الطاعون كي نعيد فحص مساره. هذا الابتلاء يقدم صورة معبرة عن الرعب الذي أثارته ~~إحدى نوبات التفشي. # لقد توصلنا أيضا إلى اكتشاف مذهل، فحتى في ضربة الطاعون الأولى، المعروفة باسم الموت ~~الأسود، رأينا أمارات على أن بعض الأشخاص الذين حتما كانوا معرضين للإصابة بالعدوى، كانوا ~~على ما يبدو محصنين ضد هذا المرض الجديد. وفيما ثار الطاعون على مدار الثلاثمائة عام ~~التالية، وتكشفت أحداث قصتنا شيئا فشيئا، جمعنا المزيد والمزيد من الإشارات والأدلة عن ~~هذا الأمر. # نبحث في هذا الفصل الوباء في إيم (التي نقشت فيها على الألواح المقدسة فكرة الطاعون ~~الدبلي ms162 باعتباره العامل المسئول عن الطاعون) ونكتشف خيطا مهما آخر عن طبيعة مقاومة ~~الطاعون الدبلي، التي تكونت تدريجيا لدى الأشخاص في أوروبا إبان عصر ~~الطواعين. ~~(1) صنع خرافة # المرة الأولى التي رويت فيها قصة قرية إيم بمقاطعة دربيشير، أشهر قرية ضربها ~~الطاعون على الإطلاق، كانت عام 1855. يتضح بشدة من هذه الرواية أن الجميع بما فيهم ~~القرويون اعتقدوا أنه كان مرضا معديا ينتقل مباشرة من إنسان إلى آخر. أقنع الكاهن ~~ويليام مومبسون أهل القرية أن من واجبهم أن يقيموا طوقا صحيا حول حدود إيم، وأن ~~يمنعوا أي شخص من الدخول إليها (وكأن ثمة شخصا سيرغب في الذهاب إلى هناك من الأساس)، ~~أو الأهم من ذلك، مغادرة القرية. لم يكن مسموحا لأي شخص بالفرار من القرية؛ فمن ~~يفر فسوف يأخذ العدوى إلى القرى أو البلدات الأخرى (مع أن البعض هرب بالفعل في ~~المراحل الأولى من موجة التفشي). مكث قاطنو القرية هناك محتجزين، وشاهد بعضهم بعضا وهم ~~يموتون واحدا تلو الآخر. نجحت هذه التضحية البطولية أيما نجاح وجرى احتواء الطاعون ~~داخل القرية. # بعدما أوضح يرسين طبيعة الطاعون الدبلي في نهاية القرن التاسع عشر، وترسخت فكرة ~~أن المرض كان السبب في الطواعين، عدل الناس قصة إيم وحرفوها، وهكذا تشكلت قصة ~~شعبية خرافية. وقد حفظها المؤرخون المحليون بعناية واهتمام كبيرين. وأصبحت القصة ~~التقليدية تقول الآن (مع بعض الاختلافات): إن ألكسندر هادفيلد، خياط القرية، تسلم ~~صندوقا به أقمشة مبللة، خرج منها برغوث مصاب (أو فأر مصاب كما في بعض الروايات) لدغ ~~مساعده جورج فيكرز عندما علق الملابس لتجفيفها، عندئذ أصيب فيكرز بإعياء شديد؛ فقد ~~أصيب بالهذيان وظهرت أورام كبيرة على رقبته ومنطقة أعلى الفخذ. في اليوم الثالث، ظهرت ~~بقعة الطاعون المميتة على صدره ومات من الطاعون الدبلي. # من المهم بصفة خاصة أن نكتشف على نحو قاطع حقيقة الطاعون في إيم؛ لأن الجميع لا ~~يزالون يتشبثون بعناد بهذه القصة ذات المائة عام عن إحدى نوبات تفشي الطاعون الدبلي ~~على الرغم من تناقض جميع الأدلة. على سبيل المثال، في الرابع ms163 والعشرين من فبراير 2002، ~~بثت القناة الرابعة بالإذاعة البريطانية برنامجا بعنوان «أسرار الموتى» كان يهدف إلى ~~تقديم قصة عن إيم، وقد عرض البرنامج رجلا ينفض قطعة قماش تحتوي على براغيث مصابة، ومع ~~أنه صور وصول الطاعون الدبلي على هذا النحو، فإن بقية الحلقة صورت بوضوح انتشار ~~مرض معد بسيط ينتقل مباشرة من شخص إلى آخر في أنحاء القرية. # قررت سو سكوت أن تقوم بالعمل الميداني على النحو المناسب، وقادت سيارتها عبر جبال ~~البيناينز في يوم شتوي بارد لاستطلاع إيم. عاينت سو مسرح الجريمة بالاستعانة بخريطة، ~~وشاهدت ما تبقى من الأدلة التي منها أكواخ الطاعون التي التقط لها العديد من الصور ~~والتي شهدت بدء الوباء، وخزانة في الهيكل الشمالي من الكنيسة يقال إنها صنعت من ~~الصندوق الذي احتوى على القماش الشهير. كما زارت المتحف القومي، وعلمت أن تعدين الرصاص ~~وصنع الأحذية ونسج الحرير كانت ذات يوم المهن التي يمتهنها أهل القرية. # خريطة قرية إيم بمقاطعة دربيشير. # لم يشكك أحد في شجاعة أهل إيم، لكن عادة ما يشير المعلقون إلى أن طوق الحجر الصحي ~~كان وسيلة عديمة الجدوى لمكافحة الفئران والطاعون الدبلي، وبعبارة أخرى، ذهبت تضحية ~~القرويين سدى. هذا مخالف للمنطق؛ لأن ما حدث بالفعل هو أن حيلة تطويق البلدة نجحت ~~نجاحا كاملا، ولم يفلت الطاعون ليهاجم أي مجتمع آخر على مقربة من البلدة. وكما رأينا ~~فإن هذا يناقض تماما السلوك الفعلي للطاعون الدبلي في المنطقة الخلفية من ميناء ~~مارسيليا في الفترة ما بين عامي 1720 و1722، التي أخفقت فيها الأطواق الصحية تماما، ~~وزحف الطاعون الدبلي، وانتقل إلى الكثير من القرى والضياع المجاورة. ~~(2) المحقق التاريخي يعمل من جديد # كما هو الحال دائما، توجد الحقيقة في سجلات الأبرشية، التي حفظها كاهن إيم ~~باهتمام كبير، وهي عبارة عن دفتر يومي للطاعون. # استهللنا عملنا بتحديد إجمالي وفيات الطاعون شهريا، ووجدنا تشابها ملحوظا مع ~~أحداث بنريث. بدأ الطاعون في أوائل سبتمبر 1665، ووصل إلى ذروة صغيرة في فصل الخريف، ~~وتحديدا في شهر أكتوبر. انحسر بعدها الوباء تدريجيا واستمر ms164 بصعوبة طيلة الشتاء. ~~انفجرت المرحلة الثالثة من الوباء في مايو التالي وارتفعت سريعا لتصل إلى ذروتها في ~~أغسطس. بعدها خمد الوباء واختفى بحلول ديسمبر عام 1666. # بثت النتائج التي توصلنا إليها حتى ذلك الحين الحماس في نفوسنا، ورسمنا جدولا ~~يوضح انتشار العدوى داخل العائلات وبينها، وكانت النتائج حاسمة. مرة أخرى وصلت العدوى ~~إلى القرية عن طريق مسافر غريب، وكان نمط نوبتي العدوى الثانية والثالثة مطابقا ~~لذلك الذي لبنريث. كانت فترة كمون المرض 12 يوما، والوقت بين الإصابة والموت 37 ~~يوما. لم يكن هناك أدنى شك بأن نفس المرض المعدي كان السبب وراء الأوبئة في بنريث، ~~وبعد مرور قرابة السبعين عاما، في إيم. # كي نميط اللثام عن القصة الحقيقية للطاعون في إيم، لا بد أن نعود إلى الأدلة الأصلية ~~التي اشتملت على وصايا أهل القرية وسجلات الأبرشية. تقوم القصة التي سنقدمها على ~~حقائق مأخوذة بدقة قدر المستطاع من المصادر الأولية. وقد أعدنا بالأخص ترتيب العائلات ~~في إيم، واقتفينا أثر خطوط العدوى بينها. # وفيات الطاعون الشهرية في إيم. كما الحال في بنريث، كانت هناك نوبة ~~تفش صغيرة في خريف عام 1665 أعقبتها فترة خمود في الشتاء، قبل أن ~~يعاود المرض الظهور في الربيع ليصل إلى ذروته المعتادة في الصيف. # إيم واحدة من مجموعة قرى قديمة منعزلة على الحافة الشرقية من مقاطعة بيك في ~~دربيشير، تقع على منحدرات فوق وادي ديروينت. ولما كانت مكانا نائيا ومنعزلا عام 1665 ~~وتقع على ارتفاع 245 مترا فوق سطح البحر، فإن الوصول إليها كان عن طريق مداق وعرة ~~وضيقة. وحتى اليوم يمكن أن تسهو بسهولة عن اللافتة الموضوعة على الطريق التي تشير إلى ~~وادي إيم ديل المنحدر والمغطى بالأشجار الكثيفة، وهي تقع على الطريق الخارج من ستوني ~~ميدلتون، القرية القريبة التي قدمت مثل هذا الدعم الباسل لأهل إيم عندما كانوا ~~يجلبون لهم الطعام ويضعونه على حجر الطاعون إبان أشهر الأزمة. وتقع أقرب بلدات ~~منها وهي ماتلوك وتشيسترفيلد وباكستون وشيفيلد على بعد نحو 12 ميلا (19 كيلومترا) ~~وتقع مدينة ms165 السوق المحلية بيكويل على بعد 7 أميال (11 كيلومترا) جنوبا. # بنيت معظم الأكواخ من الحجارة، وسقفت بالبلاط الحجري، وفي الغالب كانت أرضياتها ~~مصنوعة من الحجارة. لا تزال إيم قرية نشطة، ومع أنها تجذب عددا هائلا من السائحين ~~سنويا فهي ليست خلابة المناظر ولا تحتوي على متاحف. ~~(3) الخياط المتجول # كانت ماري كوبر قد تزوجت من أحد العاملين بتعدين الرصاص، وأنجبت منه ولدين، هما: ~~جوناثان، الذي كان في الثانية عشرة من عمره حين توفي الزوج، وإدوارد في الثالثة. ~~عندما توفي زوجها تركها بلا سند في الحياة. لكن ماري تكيفت مع صعوبات ~~الحياة، وتزوجت من ألكسندر هادفيلد في السابع والعشرين من مارس عام 1665، وعاشت العائلة ~~معا في أحد الأكواخ المكونة من طابقين غرب فناء الكنيسة في إيم. # بعد ذلك بخمسة أشهر، في التاسع من أغسطس 1665، كانت ماري تعيش وحدها مؤقتا برفقة ~~ولدها الأصغر؛ لأن ألكسندر والابن الأكبر كانا في مهمة بعيدا؛ ليعملا بالأجرة في ~~موسم الحصاد. قرع جورج فيكرز، خياط متجول، باب ماري، وسألها إن كان ممكنا أن ~~توفر له إقامة مؤقتة وهو يمارس عمله في القرية؟ فرحبت به بحفاوة؛ إذ لم يكن ~~بحوزتها نقود على الإطلاق تكفي لشراء قوتها، وبضعة بنسات أخرى ستعينها في ~~نفقاتها. # خصصت ماري غرفة صغيرة لفيكرز في الكوخ، حيث كان ينام ويزاول أعماله، وكان لا بد من أن ~~يلتف حول المائدة مع بقية العائلة لتناول الطعام. في الصباح التالي كان يروج ~~لمنتجاته في الأكواخ المجاورة وفي المنازل الصغيرة القائمة على قارعة الطريق. وسرعان ما ~~قبل الناس في المجتمع الصغير فيكرز، وعندما كان يعرج الجيران على ماري لرؤيتها، ~~كانوا يجدون الوقت للتحدث معه ويمكثون في غرفته الصغيرة. # في صبيحة الثاني من سبتمبر، لم يحضر فيكرز لتناول الإفطار ووجدته ماري طريح حمى ~~خبيثة. كان يشعر بالظمأ الشديد وتجرع كوبا من الماء تلو الآخر. # في صبيحة اليوم التالي، كان من الواضح أن حالته أسوأ كثيرا وكانت تتدهور بسرعة. وقد ~~كان سقيما طوال الليل ويصرخ بحرقة. وكما رأت ماري، فقد تقيأ دما ms166 وبدأ ينزف من ~~أنفه. # أخيرا ذهبت ماري لطلب يد العون والنصيحة من الكاهن، الذي كان يسكن قريبا. كان ~~القس ويليام مومبسون رجلا نشيطا، في الثامنة والعشرين من عمره، يأخذ مهامه ككاهن ~~أبرشية إيم مأخذ جد وبضمير حي. وكان قد رأى الطاعون من قبل، وفي الحال تعرف ~~على البقع النزفية، التي هي أمارات الرب، على صدر فيكرز. # لقي جورج فيكرز نحبه في السابع من سبتمبر، وكان الموت بمنزلة عتق رحيم له. أقام ~~ويليام مومبسون صلاة الجنازة عليه، ولم يحضرها سوى ألكسندر (الذي استدعي في عجالة) ~~وماري هادفيلد. ساد القرية صمت كئيب حينذاك، فهل أصاب المرض المرعب أي شخص آخر؟ ~~(4) تفشي الوباء # بمرور الوقت بدأ بعض أهل القرية يراودهم الأمل في أن المرض لم يصب أحدا، مع أن ~~هذا كان أمرا بعيد المنال. إلا أنه في السابع عشر من سبتمبر، أي بعد مرور 10 أيام على ~~موت فيكرز، اشتكى الصغير إدوارد هادفيلد من الشعور بالإعياء، وانهارت ماري، وأدرك ~~الجميع أن المرض كان نشطا. تطابق هذا التوقف المؤقت بحذافيره مع التوقف الذي حدث عقب ~~موت أندرو هوجسون في بنريث. وهكذا انتشرت العدوى بنفس الطريقة المتوقعة التي لطالما كان ~~ينتشر بها الطاعون. وقد كان وحشيا. # في البداية، لقي جيران ماري القريبين، الذين كانت تربطهم علاقة مودة بفيكرز، ~~نحبهم، وسرعان ما بات جليا أن الخياط المتجول كان قد نقل الطاعون إلى خمس عائلات ~~أخرى، جميعهم يعيشون على مقربة من آل هادفيلد، ويتبادلون الزيارات مع ماري. مزق ~~المرض هذه العائلات على نحو متزايد كانتشار النيران في الهشيم. وكان آل سيدول يعيشون ~~على الجانب المقابل من منزل ماري، ودفنت ابنتهم سارة البالغة من العمر اثني عشر عاما ~~في الثلاثين من سبتمبر، وكانت قد نقلت العدوى وقتئذ إلى أربعة من إخوانها وأخواتها، ~~إلى جانب والدها جون. لم تنج فقط سوى أمها إليزابيث وأختها إيموت، وهما شخصيتان ~~مهمتان في قصتنا التي تتكشف شيئا فشيئا. # عانت ماري هادفيلد من مأساة ثانية عندما توفي ابنها الأكبر جوناثان في الثامن ~~والعشرين من ms167 أكتوبر؛ فلقد انتقلت إليه العدوى من أخيه إدوارد قبيل موته. # استمر الوباء طيلة خريف عام 1665، واستمر الكاهن مومبسون في زيارة المرضى والمحتضرين ~~والاعتناء بهم، كما ساعدهم أيضا في تحرير وصاياهم، وأقام جميع الصلوات الجنائزية ، وسجل ~~بعناية جميع الوفيات في سجلات الأبرشية. # مع دنو الشتاء، لاحظ مومبسون أن الوباء يخمد على ما يبدو. ترى أيمكن أن يقضي عليه ~~شتاء إيم البارد حقا؟ لكن هذا لم يحدث؛ لأن المراهقين ساعدوا على استمراره؛ فقد ~~انتقلت العدوى إلى إليزابيث وأرينجتون من هيو ستابز في الثالث والعشرين من أكتوبر؛ ~~وكانا كلاهما في الثامنة عشرة من العمر وفي الغالب كانا حبيبين. كانت إليزابيث حلقة ~~ربط مهمة في السلسلة؛ فحالات الوفاة القليلة التي حدثت في نوفمبر وديسمبر بسبب الطاعون ~~كانت إليزابيث مصدرها جميعا. # اجتاز المرض الشتاء في إيم بصعوبة؛ فقد استمر خط العدوى على نحو واهن طوال الفترة ~~الطويلة الممتدة من ديسمبر 1665 حتى مايو 1666، التي حدثت خلالها وفيات قليلة من ~~الطاعون. # استعد مومبسون للأسوأ عندما وجد أن الطاعون لا يزال نشطا، وإن كان على نحو واهن، في ~~أوائل الربيع. وطلب من زوجته كاثرين أن تأخذ أطفالهما ويمكثوا عند أصدقائهما في ~~يوركشير، إلا أنها عادت لتبقى إلى جانب زوجها بعد أن أودعت أطفالها مكانا آمنا. ~~وقد كلفها ذلك القرار حياتها. # والآن نأتي لقصة إيموت سيدول المؤثرة التي نجت كما رأينا من تفشي الطاعون في ~~عائلتها في أكتوبر. كانت إيموت مخطوبة لرولاند توري الذي كان يعيش في ستوني ميدلتون، ~~ضيعة تقع على بعد نحو ميل، وكان يأتي ليراها كل يوم إبان الشتاء. لكن عندما عاود ~~الطاعون الاستشراء في الربيع اتفقا على أن يأتيا كل ليلة إلى الجانبين المتقابلين لوادي ~~كوكلت دلف، وهو مدرجات طبيعية، ويتواصلان بالصياح والإشارات. حضرت إيموت مراسم زواج ~~أمها، التي كانت قد نجت أيضا من موجة الوباء الأولى، والتي عاودت الزواج ثانية في ~~الرابع والعشرين من أبريل عام 1666. في الليلة التالية للزفاف، أخلفت إيموت موعد ~~اللقاء؛ إذ انتقلت العدوى إليها بالفعل وأصيبت بإعياء شديد. توقع ms168 رولاند أسوأ ~~الاحتمالات، إلا أنه استمر في المجيء إلى وادي كوكلت دلف كل ليلة، وعندما رحل الطاعون ~~أخيرا ورفع طوق الحجر الصحي، كان رولاند أول من هرع إلى القرية. والأمر المفجع ~~أنه وجد أن إيموت كانت قد فارقت الحياة ومنزلها كان خاويا. # كان زفاف إليزابيث سيدول حدثا خطيرا، فهناك انتقلت العدوى إلى إيزاك ثورنلي، البالغ ~~من العمر ثلاثة عشر عاما، من إيموت سيدول. وبعد موت إيموت أصبح إيزاك حلقة الوصل ~~الوحيدة الباقية على قيد الحياة في سلسلة العدوى، ولو كانت العدوى قد توقفت عنده لما ~~كان هناك وباء، إلا أنه نقل العدوى إلى نحو 15 إلى 18 شخصا آخر، وانفجر وباء الصيف ~~بوفيات مرعبة، ووصل الوباء ذروته في أغسطس ثم انحسر تدريجيا. # ماذا ألم بماري هادفيلد؟ لقد نجت من الطاعون بالرغم من اعتنائها بكل أفراد ~~أسرتها وفقدانهم جميعا، وتزوجت للمرة الثالثة بعدها بست سنوات في الخامس من يونيو عام ~~1672. وكان زوجها هو مارشال هول (أو هاو). # تدون سجلات الأبرشية بالتفصيل الممل الأشهر المريعة لعامي 1665 و1666 ~~عندما استقبل رجال ونساء وأطفال الموت الشنيع بشجاعة. ولا نتعجب من شجاعتهم ~~وثباتهم فحسب، بل هم أيضا شهادة لنا عبر القرون؛ إذ يبعثون إلينا برسالة ثمينة عن ~~طبيعة التصدي للطاعون النزفي. ~~(5) طوق الحجر الصحي الشهير # تصرف الكاهن بحزم في أواخر مايو عام 1666، ومع أن إجراءاته نجحت نجاحا كاملا في ~~احتواء الوباء داخل القرية، فقد تأخر للغاية في منع الطاعون من تدمير أهل ~~أبرشيته. # بادئ ذي بدء، أقنع الكاهن أهل الأبرشية بوضع طوق الحجر الصحي الشهير. وكان ~~بضعة أفراد من أهل القرية قد فروا بالفعل، وأبعد عدد من الأهالي أطفالهم عن ~~القرية. كان بعض أهالي القرية يعيشون خارجها على سفح تل خارج الطوق. # ثاني قرار اتخذه أهل القرية في يونيو عام 1666 تمثل في إلغاء الجنازات المنظمة أو ~~الدفن في فناء الكنيسة؛ إذ نصحهم الكاهن بدفن موتاهم في الحدائق أو البساتين أو ~~الحقول. # كان ثالث قرار اتخذه الكاهن هو غلق الكنيسة وإقامة العبادة والصلوات في ms169 الهواء الطلق؛ ~~ومن ثم تجنب احتشاد الناس معا في الأماكن المغلقة. وكانت العبادة تقام في مدرج كوكلت ~~دلف الطبيعي حيث كان يلازم كل فرد عائلته، التي كان يفصل كل منها عن الأخرى مسافة ما ~~(على الأقل 4 أمتار)، فيما كان مومبسون يقف على صخرة بارزة ليعظهم. # كانت كل هذه التدابير احتياطات سليمة لمكافحة مرض معد، وساعدت على حصر الإصابات ~~بداخل العائلات، وفي الغالب ساعدت في كبح جماح نوبة التفشي. وفي آخر المطاف فشلت هذه ~~التدابير وجرى الوباء مجراه الطبيعي (وإن كانت تدابير الصحة العامة ربما قد أوهنته) ~~لثلاثة أسباب رئيسية: # أولا: لم تبدأ ممارسات العزل في خريف عام 1665. ثانيا: لم يفهم الناس دلالة فترة ~~الحضانة الطويلة على نحو صحيح، وإنما صبوا تركيزهم، بدلا من ذلك، على الضحايا مع ظهور ~~الأعراض. بحلول وقت ظهور الأعراض كانت تقل فعليا درجة نقل المرضى للعدوى؛ فمعظم الضرر ~~يكون قد وقع بالفعل. أخيرا: كان المرض ينتشر بسهولة أكبر بكثير في الهواء الطلق في ~~مناخ الصيف الدافئ، وكان التغلب على العدوى أكثر صعوبة في هذا الوقت. ~~(6) روايات وباء إيم # عاش مارشال هاو، الذي كان عاملا في منجم للرصاص، في كوخ على الجانب الغربي من إيم، ~~وقيل إنه أصيب بالمرض لكن تعافى منه، مع أنه فقد في وقت لاحق زوجته وابنه. ولما رأى ~~أنه في مأمن من المرض، تطوع لدفن الجثث حينما تعجز العائلات عن القيام بهذه المهمة. بعد ~~ذلك بدأ يفرض رسوما للدفن، وكثيرا ما كان يستولي على مقتنيات المتوفين. يبدو أنه كان ~~شخصية بغيضة، وكان يستغل مصائب الآخرين، وتذكر السجلات أنه بينما كان يجر جسد رجل ~~يدعى أنوين، ظانا أنه ميت، استعاد الرجل - أنوين - وعيه وطلب رشفة ماء ونجا من ~~الطاعون. نعتقد أنه ربما وقع خطأ صغير في السجلات في مكان ما، وأن هذا الرجل مارشال هاو ~~هو نفسه الرجل الذي تزوجته ماري هادفيلد؛ ففي النهاية، فقد كلاهما زوجه بسبب الطاعون. ~~وهي ليست بالنهاية الرومانسية بالنسبة لماري. # رأت إليزابيث هانكوك عائلتها تنمحي من على وجه ms170 الأرض في أسبوع واحد؛ حيث فقدت اثنين ~~من أطفالها في الثالث من أغسطس، أعقبهما اثنان آخران وزوجها جون في السابع من أغسطس، ثم ~~لقيت ابنتان أخريان حتفهما في التاسع والعاشر من نفس الشهر. رأى أهل ستوني ميدلتون - ~~وهم يتسلقون الحد الصخري ليجلبوا المؤن والطعام إلى القرية المنكوبة - إليزابيث وهي ~~تجر الجثث لدفنها في حقل بالقرب من منزلها. وعقب انتهاء الوباء، ذهبت لتعيش برفقة ~~ابنها المتبقي الوحيد في شيفيلد. وقد عاد أحد أحفاده إلى إيم، وجمع شواهد قبور الأبناء ~~المتفرقة وجمعها حول قبر أبيهم، حيث يحوطها الآن سور لحمايتها، وهو المكان الذي يطلق ~~عليه قبور رايلي. # استمر مومبسون وزوجته في دأبهما على زيارة أهل أبرشيته. وذات أمسية، نحو التاسع عشر ~~من أغسطس 1666، فيما كانا عائدين من إحدى هذه الزيارات، يقال إنها صاحت فجأة في حماس ~~قائلة: «ما أطيب رائحة الهواء.» لا بد أن يكون الكاهن قد شل من الصدمة؛ إذ لم يكن ~~يشم أي شيء غير مألوف، لكنه كان يدرك أن هذه واحدة من العلامات المميزة للطاعون. وماتت ~~زوجته بين ذراعيه في الخامس والعشرين من أغسطس، ويمكن رؤية قبرها، الذي تلتقط له ~~الكثير من الصور، في فناء الكنيسة. # على ما يبدو فإن هذه الرائحة الطيبة كان يشمها الضحايا قبيل ظهور الأعراض المؤلمة ~~مباشرة. نجد مثالا آخر على موضوع الرائحة الطيبة مسجلا في ضيعة كوربار، التي تبعد ~~ميلين جنوب شرق إيم، والتي كانت قد عانت من وباء قبل 30 عاما في 1632؛ حيث كانت امرأة ~~في زيارة لمنزل إحدى الضحايا، ولدى مغادرتها قالت لزوجها: «آه يا عزيزي، ما أحلى رائحة ~~الهواء.» وفي تلك الليلة ظهرت على المرأة الأعراض الرئيسية، ووافتها المنية بعدها بخمسة ~~أيام. هذه الرائحة الناتجة عن المرض هي في الغالب علامة مبكرة على موت أنسجة الأعضاء ~~الداخلية. ترجع أهمية هذه القصة أيضا إلى أنها توضح أن الطاعون كان متواجدا في وقت ~~غابر في هذه المنطقة النائية من دربيشير. # كانت مارجريت بلاكوول (التي لا يزال منزلها قائما في إيم) تعيش مع أخيها ms171 فرانسيس؛ ~~فقد توفي أفراد عائلتهما الآخرون قبل ذلك. وفي نهاية المطاف أصيبت مارجريت ~~بالمرض، وبدا أنها في المراحل الأخيرة عندما صب أخوها - الذي كان قد أعد الإفطار ~~لنفسه - الدهن الزائد في وعاء وتركه في المطبخ. وعندما غادر المنزل كان على يقين ~~من أنها ستكون قد فارقت الحياة لدى عودته. وبعد رحيله بقليل، تغلب العطش الشديد ~~(أحد الأعراض التقليدية للطاعون) على مارجريت التي كانت محمومة، فقامت من فراشها، وما ~~إن وجدت الدهن الدافئ الذي ظنت أنه لبن، حتى ازدردته بشراهة، ما جعلها تتقيأ أغلب الظن. ~~وعندما عاد فرانسيس وجد مارجريت لا تزال على قيد الحياة، بل أقوى بكثير على نحو باد ~~للعيان كذلك. تعافت مارجريت وظلت على قناعة بأن دهن الخنزير قد عالجها. # إنه لمن المدهش أن تعرف أن فرانسيس ومارجريت بلاكوول هما على الأرجح، في رأينا، أهم ~~شخصيتين تاريخيتين في هذا السجل التاريخي للطاعون في قرية إيم. ثمة واحدة من أحفاد ~~فرانسيس بلاكوول على قيد الحياة وتعيش في إيم اليوم. وكما سنرى لاحقا، فحص علماء ~~البيولوجيا الجزيئية تكوينها الجيني، وتمكنوا من إثبات الكيفية التي تمكنت بها مارجريت ~~بلاكوول منذ 300 عام أن تصاب بالطاعون ثم تنجو، لم يكن للأمر علاقة بدهن ~~الخنزير. ~~(7) المقاومة الغامضة للمرض # يتضح لنا عند إعادة تركيب الأحداث في إيم أن بعض الأفراد كانوا مقاومين للمرض. أنوين ~~ومارشال هول (أم هاو؟) ومارجريت بلاكوول، جميعا أصيبوا بالمرض لكنهم نجوا من ~~الموت، ولا بد أن ماري هادفيلد كانت على اتصال مباشر بأفراد عائلتها، وكانت تعتني بهم ~~خلال مرضهم الأخير، وأما إليزابيث هانكوك، فقد دفنت جميع أفراد عائلتها. # عمل الكاهن مومبسون بهمة ونشاط وسط رعايا أبرشيته المحتضرين، وماتت زوجته بين ذراعيه. ~~وقد كتب بعدها: # خلال هذا البلاء العظيم، لم يبد علي أقل عرض من أعراض المرض، ولم أكن ~~يوما في صحة أفضل مما كنت في ذلك الوقت. أصيب خادمي بالمرض، ولدى ظهور ~~الورم، أعطيته بعضا من مضادات السموم الكيميائية التي أتت بمفعول، وبعد زوال ~~الورم، بات في أتم صحة. وظلت ms172 خادمتي بصحة جيدة، وكان ذلك نعمة من الله؛ لأنها ~~لو كانت قد مرضت، لاضطررت لغسيل ملابسي وشراء مؤن الطعام بنفسي. # لقد نجا كل من ماري هادفيلد وإليزابيث هانكوك ومومبسون أيضا. ~~(8) تقدم الوباء # أصيب الخياط جورج فيكرز بالعدوى في الأصل في الأول من أغسطس من عام 1665 في مكان ~~كان فيه وباء عادة ما يكون جامحا في الصيف. أين كان هذا المكان تحديدا؟ وإلى أي ~~حد سافر فيكرز؟ لا توجد آثار لأية أوبئة في دربيشير أو المنطقة المحيطة في ذاك الوقت، ~~بيد أن طاعون لندن العظيم كان يكسب زخما حينذاك، وبالطبع فمن المحتمل أن يكون جورج ~~قد أصيب هناك. # كما رأينا بدأت موجات التفشي في إيم وبنريث في الخريف، وكانت تتشكل من وباءين ~~منفصلين، لتبلغ مستوى ذروة طفيف في شهري أكتوبر ونوفمبر، ثم تخمد وتهدأ أثناء الشتاء، ~~لتثور مرة أخرى في الربيع التالي، وتصل إلى ذروتها نحو شهر أغسطس، وبعدها بدأت تخمد، ~~وقد عجل بزوالها الأخير بدء الشتاء التالي. # درسنا بعدها عددا كبيرا من أنواع الطاعون، ووجدنا أن هذا النمط كان مطابقا تماما ~~للأوبئة التي بدأت في الخريف في إنجلترا. فلم يجد المرض متسعا من الوقت ليبدأ في ~~الانتشار بأقصى سرعة قبل أن تدخل برودة الطقس، عندما كان استمرار انتقال العدوى في ~~الهواء الطلق أمرا شبه مستحيل. وعندئذ كان يشق طريقه بصعوبة بالغة عبر أشهر الشتاء. ~~حتما كان يوجد كثير من الأوبئة التي لم تسجل في إنجلترا؛ حيث كانت العدوى تخمد ~~إبان شهري يناير وفبراير، وكان المجتمع ينجو منها بأقل خسائر. ~~(9) شتاء قارس البرودة # كانت الظروف المناخية في منطقة بيك دستركت قاسية، وفي عام 1665 «قيل إنه في شهر ~~ديسمبر تساقطت الثلوج غزيرة يصاحبها صقيع شديد قارس ... وكان المناخ في مطلع عام 1666 ~~يزداد برودة وقسوة.» كان الشتاء البارد في إيم إبان العصر الجليدي الصغير باردا ~~حقا بمقاييس اليوم. ومع الترشيد في استخدام الفحم والحطب ووجود نوافذ غير محكمة ~~الغلق، كانت الأكواخ الحجرية قارسة البرودة وغير ملائمة بالمرة لقيام مستعمرة من ms173 ~~الجرذان السوداء، التي تحتاج إلى ظروف مناخية دافئة وأسقف مغطاة بالقش، كما يستحيل ~~أن تنشط البراغيث في ظل هذه الظروف. # لا يمكن تفسير القصة الشهيرة لبدء الوباء في إيم على أنها موجة تفش لطاعون ~~دبلي. يحتمل من الناحية المنطقية أن يكون فيكرز قد لدغ من برغوث مصاب خرج من صندوق ~~ملابس، لكن من المستحيل أن يكون فيكرز قد نقل العدوى إلى أي شخص آخر مباشرة (أي من ~~خلال الطاعون الرئوي) لأن الضحية التالية (إدوارد كوبر الصغير) لم يتوف إلا بعده ~~بخمسة عشر يوما، ولا ننسى أن ضحايا الطاعون الرئوي يموتون في غضون ستة أيام. # كان أهل قرية إيم على حق تماما في افتراض أن هذا كان مرضا معديا يمكن احتواؤه ~~بنجاح من خلال إقامة طوق حجر صحي محكم. من الواضح أن مثل هذه الإجراءات كانت تفشل ~~فشلا ذريعا أمام موجة تفشي طاعون دبلي؛ فالقوارض لا تتأثر بالأسوار الدائرية التي ~~يقيمها البشر؛ إلا أن أقوى حجة لقبول أن الطاعون في إيم كان موجة طاعون نزفي ينتقل ~~من شخص إلى آخر تكمن في الانتشار المتوقع بالكامل للعدوى الذي وضحناه، في إطار ~~تحقيقاتنا التاريخية. ~~(10) ملحق # عندما أعلن ويليام مومبسون أن الوباء قد انتهى وأن المحنة قد ولت، لا بد أن الناجين ~~تنفسوا الصعداء، فمن حسن حظهم أنهم ظلوا على قيد الحياة. ولم تكن هناك مظاهر فرح ولا ~~بهجة، فعدد كبير جدا من أفراد هذا المجتمع الصغير قد قضوا، وعدد كبير من الأكواخ ~~كان مغلقا ومهجورا. # أمر الكاهن مومبسون بحرق كافة الملابس الصوفية وحاشيات الفرش، وبدأ بنفسه؛ إذ ~~أحرق هو نفسه أمتعته، حتى إنه، حسبما ذكر في خطاب إلى عمه، كان ما تبقى لديه من ملابس ~~يكفيه بالكاد: # إن حالة هذا المكان صارت مرعبة للغاية حتى إني أقول لنفسي إنها فاقت كل ~~الحدود والعبر على مر التاريخ بأكمله. لربما لا أبالغ في قولي إن بلدتنا ~~صارت كجلجثة بحق - موضع للجماجم - ولولا أنه تبقى منا بقية صغيرة، لصرنا ~~مثل سدوم وشابهنا عمورة. لم يطل أذني ms174 قط مثل هذا العويل ~~المقبض، ولم تشتم أنفي مثل هذه الروائح النتنة، ولم تقع عيني قط ~~على مثل تلك المشاهد المرعبة. # يا له من نعي مريع للقرية، وإن كان لا بد أنه تكرر مرارا ~~وتكرارا إبان عصر الطواعين. # ماذا حدث لمومبسون؟ لقد تزوج من إليزابيث، أرملة تشارلز نيوبي، نحو عام 1669 تقريبا، ~~وأنجبت له أربعة أطفال آخرين، بنتين وولدين، لكن كلا الولدين ماتا وهما رضيعان، وقد ~~كافأه راعيه بتعيينه في منصب كاهن يتقاضى راتبا في أبرشية إيكرينج، التي تبعد 30 ~~ميلا (47كم) شرق إيم، حيث يقال إن وصوله هناك عام 1670 بث الرعب في نفوس أهل ~~الأبرشية. وقد كان بالغ الانشغال قبل وصوله بإعادة بناء الكنيسة هناك. وفي ~~غضون عام عين أيضا كاهنا براتب ثابت لدى كنيسة نورمانتون، وبعدها نصب كذلك ~~كاهنا براتب في يورك، وبعدما أصبح يتقاضى الآن ثلاثة رواتب، كان ميسور الحال إلى حد ~~معقول. وقد توفي في التاسع من مايو عام 1708 عن عمر يناهز السبعين عاما، ودفن في ~~إيركينج. # الفصل الرابع عشر # | الصلة المدهشة بين الإيدز والموت الأسود # عند اجتياح الموت الأسود للمرة الأولى عام 1347، وتوغله في أنحاء أوروبا، يبدو أن كل شخص ~~احتك احتكاكا قويا بأحد المصابين أصيب بالمرض ولقي حتفه. يعزى هذا إلى أن ~~أحدا لم يتعرض للمرض من قبل. بعدها بثلاثمائة سنة، وفي القرن السابع عشر، كانت هناك أدلة ~~على أن في البلديات التي سبق أن ضربها الطاعون، تشكل لدى بعض سكانها نوع من المقاومة ~~المتأصلة. كما رأينا أن الصبيان والخدام في لندن، الذين كانوا وافدين من الريف ~~والبلديات الإقليمية الصغيرة التي نادرا ما كانت تشهد أي موجة وباء كبيرة (إن كان هناك ~~وباء من الأساس)، غالبا ما كانوا أول من يصابون بالطاعون. على الناحية الأخرى، بدا أن نسبة ~~السكان الذين كانت عائلاتهم تعيش في العاصمة لعدة أجيال، كانوا يتمتعون بشيء من المقاومة ~~للعدوى. # يوضح الفحص الدقيق لسجلات الأبرشية أن أشخاصا كثيرين حتما كانوا في اتصال مباشر ~~بالمصابين داخل المنازل لكنهم لم يصابوا ms175 بالطاعون، ويشير هذا إلى أنه في ذلك الوقت كانت ~~نسبة من العائلات، ولا سيما تلك التي كانت تقيم في لندن لوقت طويل، تتمتع بقدرة على مقاومة ~~المرض. واصل صمويل بيبيس أعماله في لندن (وإن كان قد اتخذ بعض الاحتياطات الأولية) ولم ~~يصب بالطاعون أثناء موجة التفشي الكبيرة في عامي 1665-1666. وقد رأينا أن بعض الأشخاص ~~في إيم وبنريث كانوا على اتصال مباشر مع الضحايا لكنهم لم يموتوا. # فكيف كانت آلية العمل في هذه الحالات؟ يمكننا الحصول على بعض الأفكار المتعلقة ~~بالوراثيات الجزيئية لمقاومة الطاعون منذ 600 عام من مصدر مهم ومختلف إلى حد مثير للدهشة ~~اليوم. ~~(1) فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز # ليس من بيننا من لم يعرف عن وباء نقص المناعة البشرية، لكن ليس معلوما على نطاق ~~واسع أن نسبة كبيرة من الأشخاص من ذوي الأصول الأوروبية لا يصابون بالمرض، حتى بعد ~~التعرض المستمر له؛ فهم مقاومون لعدوى فيروس نقص المناعة البشرية. # عندما يدخل فيروس نقص المناعة البشرية الأساسي إلى جسم الإنسان، فإنه يستهدف مباشرة ~~خلايا بيضاء بعينها في مجرى الدم ثم يدخل إليها من خلال مركب جزيئي موجود على غشائها ~~الخارجي يطلق عليه باللغة التقنية المتخصصة «مستقبل سي سي آر 5». يعمل هذا ~~المستقبل كممر دخول الفيروس (أو مدخل كيميائي له) إلى خلية الدم، وحالما يصبح ~~الفيروس بداخل الخلية، يمكن أن يظل خاملا لسنوات عديدة قبل أن تظهر أعراض الإيدز ~~أخيرا على الضحية. بيد أنه حالما يكون الفيروس بالداخل فإنه سرعان ما يبدأ في ~~ممارسة أعماله الدنيئة، وسرعان ما تصبح الضحية مسببة للعدوى لسبب غير معروف لأحد. هنا ~~تكمن المشكلة الأساسية في مكافحة انتشار فيروس نقص المناعة البشرية. نعلم أن المرض له ~~فترة حضانة طويلة بنحو استثنائي تقاس بالسنين. يعمل مستقبل سي سي آر 5 أيضا كوسيلة ~~لدخول فيروس الجدري الذي يسبب الورم المخاطي عند الأرانب، ويحتمل أن عوامل أخرى ~~متعددة مسببة للعدوى تستخدم هذا المستقبل نفسه كمدخل سوف تكتشف قريبا. ~~(2) الطفرة دلتا 32 # ورث الأوروبيون الذين يتمتعون بمقاومة لعدوى ms176 فيروس نقص المناعة البشرية طفرة ~~جينية في مستقبلات سي سي آر 5 الموجودة على خلايا الدم البيضاء لديهم، التي من شأنها ~~الحيلولة دون عمل المستقبلات كممر لدخول الفيروسات. يطلق على هذه الطفرة سي سي آر ~~5-دلتا 32، والأشخاص الذين ورثوا زوجا من هذه الجينات الطافرة من كلا الأبوين ~~يتمتعون تقريبا بمقاومة كاملة لعدوى فيروس نقص المناعة البشرية ، في حين أن أولئك الذين ~~لديهم نسخة واحدة فحسب من الطفرة يتأخر بدء ظهور أعراض الإيدز عليهم. # مع أن هذه الطفرة تحدث بمعدل كبير في الجماعات العرقية الآسيوية الأوروبية اليوم، ~~فإنها منعدمة بين سكان أفريقيا جنوب الصحراء والهنود الحمر والجماعات العرقية الشرق ~~الآسيوية. وقد يكون هذا هو السبب وراء الانتشار السريع لفيروس نقص المناعة البشرية في ~~أفريقيا جنوب الصحراء، في حين ربما تأخر تقدم حمل الطفرة في أوروبا. ~~(2-1) متى ظهرت هذه الطفرة الواقية؟ # متى ولماذا نشأت هذه الطفرة في المقام الأول؟ على أية حال، ظهر فيروس نقص المناعة ~~البشرية/الإيدز لتنغيص عيش الجنس البشري فقط منذ بضعة عقود (وهي مدة زمنية لا ~~تذكر من المنظور التطوري)، وعلى ما يبدو فإن الطفرة لم تكن ذات ميزة انتخابية ~~في سباق التطور البشري المحموم قبل هذا الوقت. # يمكن أن نعبر عن هذا بعبارة أخرى: أي طفرة جديدة تكون عرضة بنسبة كبيرة للتلاشي ~~في غضون بضع عشرات الأجيال لو لم تتمتع بميزة انتخابية واضحة في الأشخاص الذين ~~يملكونها. إن حمل طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 هو ميزة واضحة اليوم؛ إذ يمنح الحماية ~~من مرض فيروس نقص المناعة البشرية الفتاك. لكن ترى ماذا كان يحتمل أن تكون فوائد ~~حمل هذه الطفرة قبل ظهور فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز وانتشاره في أنحاء ~~العالم في القرن العشرين؟ من المستبعد جدا أن تكون طفرة مستقبل سي سي آر 5 التي ~~لم تمنح ميزة انتخابية للأفراد التي ظهرت لديهم قد تمكنت من الانتشار عشوائيا ~~بين سكان أوروبا. بلغة مبسطة: إذا لم تقدم طفرة جديدة ميزة في الصراع من أجل ~~البقاء، فإنها ستختفي في ms177 نهاية المطاف من الجماعة. # قدر علماء البيولوجيا الجزيئية باستخدام تقنياتهم البالغة التعقيد أن طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 ربما ظهرت أول ما ظهرت في أوروبا منذ حوالي 2000 عام. ثمة ~~إجماع عام على أن معدل حدوثها لا بد أن يكون قد ارتفع إلى النسب الحالية التي ~~تشهدها أوروبا التي تبلغ ما بين 5 إلى 20 بالمائة بفعل حدث تاريخي وقع منذ حوالي ~~700 سنة، الذي يحتمل أن يكون وباء مرض معد استخدم نفس ممر الدخول الموجود على سطح ~~الخلايا البيضاء، على غرار النوع الأول من فيروس نقص المناعة البشرية اليوم. # من الواضح أن الموت الأسود مرشح جيد لمثل هذه الكارثة؛ فالتوقيت مطابق لتوقيت ~~ظهور الطفرة، وثمة طرح واسع النطاق وإجماع عام على أن الأشخاص القليلين الذين ~~حالفهم الحظ في أوروبا إبان زمن الموت الأسود وكانوا يحملون طفرة سي سي آر 5-دلتا ~~32 قد نجوا بحياتهم وأنجبوا أطفالا حملوا أيضا الجين الطافر. بلغ معدل حدوث ~~طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 بين الأوروبيين في ذلك الوقت فردا واحدا في كل 40000 شخص ~~تقريبا. كل أولئك الذين لم يحملوا طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 (الأغلبية العظمى) ~~والذين كانوا على اتصال فعلي بأحد المصابين لقوا حتفهم لا محالة. بهذه ~~الطريقة، ارتفعت نسبة السكان الحاملين للطفرة ارتفاعا هائلا. ولعل بعضا ممن ~~كانوا يحملون الطفرة أصيبوا بالطاعون النزفي لكنهم تعافوا، وعاشوا ليقاوموا ليوم ~~آخر، واستمروا في إنجاب أطفال حمل معظمهم طفرة دلتا 32. ~~(2-2) مشكلة هذه الفرضية لنشأة طفرة دلتا 32 # ثمة اعتقاد راسخ لدى العلماء الذين اكتشفوا أن طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 ظهرت في ~~زمن الموت الأسود تقريبا بأن هذا كان وباء طاعون دبلي. ومن ثم، فلكي يجعلوا ~~قصتهم ملائمة للحقائق، اضطروا إلى افتراض أن بكتيريا اليرسينية الطاعونية تدخل إلى ~~خلايا الدم البيضاء عن طريق مستقبل سي سي آر 5. وقد رأينا نحن بالفعل الأدلة ~~القاطعة التي تفيد بأنه لم يظهر قط وباء طاعون دبلي في أوروبا، لكن ثمة المزيد ~~من الأدلة ms178 التي لا يمكن دحضها على أن نظريتهم خاطئة تماما: # لا تخترق بكتيريا مثل اليرسينية الطاعونية الخلية عبر المستقبل ~~سي سي آر 5، ذلك الممر الذي تستخدمه بعض الفيروسات. يشير هذا إلى أن ~~فيروسا وليس بكتيريا هو المسئول عن الطاعون النزفي. # معدل الوفيات الناجمة عن الطاعون الدبلي منخفض دائما؛ ومن ثم ~~فإنه معدل غير كاف لأن يكون ذا تأثير كبير في رفع معدل حدوث أي ~~طفرة وقائية. # لا تحدث طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 إلا بين الأفراد من ذوي الأصول ~~الأوروبية، المنطقة الوحيدة التي اجتاحتها الطواعين. على النقيض من ~~ذلك، لا تظهر الطفرة لدى شعوب شرق آسيا، ولا شعوب أفريقيا جنوب ~~الصحراء، ولا لدى الهنود الحمر، وهي المناطق التي كان الطاعون ~~الدبلي متفشيا فيها. وكلها أدلة إضافية - إن كنا بحاجة إلى ~~المزيد من الأدلة - على أن الطاعون الدبلي ليس السبب وراء الموت ~~الأسود. ~~(3) أخيرا: تفسير مقاومة الطاعون # وهكذا ثمة سبب وجيه وراء اقتراح أن وباء الطاعون النزفي الفيروسي إبان الموت ~~الأسود منح فجأة ميزة انتخابية قوية لتلك القلة القليلة المحظوظة من الأفراد ~~الذين كانوا يملكون طفرة سي سي آر 5-دلتا 32، وبذلك رفع من معدل تكرارها بشدة. إلا أن ~~هذا التفسير الشائع مبسط أكثر من اللازم؛ فوباء واحد مثل الموت الأسود لم يكن ~~بمقدوره أن يكون له مثل هذا التأثير واسع النطاق طويل المدى، لكنه أنذر بعصر ~~الطواعين. وفي رأينا فإن كل موجة متعاقبة من موجات التفشي على مدار الثلاثمائة عام ~~التالية زادت على نحو ثابت عدد الأفراد الذين ورثوا طفرة سي سي آر 5-دلتا 32؛ فإن ~~لم يكن المرء حاملا الطفرة، فثمة فرصة كبيرة أن يموت لدى موجة انتشار المرض ~~التالية. # إلا أن هذا لا يزال إفراطا في تبسيط الموقف، فحالات التفشي الوبائي الكبرى للطاعون ~~النزفي كانت قاصرة في الأساس على مجتمعات ينيف حجمها على حد أدنى معين، وكانت هناك ~~مناطق ريفية شاسعة من أوروبا تمارس الاقتصاد الزراعي غير المنظم، التي نادرا ما كان ~~الوباء يضربها، هذا إن ضربها من الأساس. أما ms179 ضغوط الانتخاب الطبيعي القوية المستمرة ~~التي تدفع إلى زيادة معدل تكرار حدوث طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 فلا تعمل إلا في ~~الحضر، ولا سيما في لندن؛ لأن الطاعون النزفي بات دائم الحضور هناك بعد عام 1580. ~~نتيجة لذلك، فلا بد أن التوزيع الإجمالي لطفرة سي سي آر 5-دلتا 32 في أوروبا لم يكن ~~منتظما خلال القرن السابع عشر؛ إذ لا بد أن معدل الأشخاص الذين تمتعوا بقدرة على ~~مقاومة المرض في الحضر كان يزيد بكثير عن النسبة الحالية التي تصل إلى 20 بالمائة، ويقل ~~عن ذلك هذه النسبة بكثير في المناطق الريفية. # ويعزى المعدل الحالي لتكرار ظهور الجين الطافر في أوروبا إلى نسبة الاختلاط ~~والهجرة الكبيرة على مدار الثلاثمائة والخمسين سنة الأخيرة منذ اختفاء الطاعون؛ عملية ~~مساواة عامة اختفت في خضمها الفروق بين حياة الريف وحياة الحضر. # كما رأينا، كان الطاعون موجودا باستمرار في لندن عبر القرن السابع عشر مع حدوث موجات ~~تفش كبرى على فترات زمنية غير منتظمة، وإن كانت نسب الوفيات منخفضة نسبيا. وعليه ~~فإنه مع معاناة سكان لندن من الهجمات الشرسة للمرض، بالإضافة إلى انخفاض مستوى توطن ~~العدوى، فإن ذلك يرجح أن نسبة كبيرة منهم كانوا يحملون الطفرة على الأغلب وكانوا ~~مقاومين للمرض. انخفضت نسب الوفيات إلى أدنى من 15 بالمائة في ذلك الوقت، وغالبا ما ~~كان أولئك الذين يموتون جراء الإصابة بالطاعون في لندن خلال القرن السابع عشر من ~~النازحين والغلمان والخدم؛ فكل وباء أو مجاعة كانت تجلب معها موجات جديدة من ~~المهاجرين السذج من الريف ممن لم يكن لديهم مقاومة للمرض، وكانوا يشكلون ~~جزءا كبيرا من الموتى خلال موجات تفشي الطاعون. ~~(4) إرث إيم # أتذكر قصة مارجريت بلاكوول - واحدة من أهل قرية إيم - التي نجت من الطاعون على ~~ما يبدو بتناولها دهنا دافئا؟ زارت مجموعة من علماء البيولوجيا الجزيئية قرية إيم ~~عام 2001 وأخذوا عينات من أفواه مائة شخص من أهل القرية «ممن أمكن تتبع ~~أنسابهم إلى أقدم سلف ممكن» ووجدوا أن طفرة سي سي آر ms180 5-دلتا 32 موجودة في 14 ~~بالمائة منهم، وهي على الأرجح نسبة تعلو قليلا عن متوسط المعدل الأوروبي. والأهم من كل ~~هذا أن جون بلانت - التي تعيش اليوم في إيم - هي سليلة مباشرة من فرانسيس أخو مارجريت ~~بلاكوول الناجي من الطاعون، وتحمل طفرة سي سي آر 5-دلتا 32. # وقد فسرنا هذه المعلومات على النحو التالي: كانت مارجريت بلاكوول تحمل طفرة سي سي آر ~~5-دلتا 32، وقد أصيبت بالمرض إلا أنها لم تمت منه كما رأينا، ولم يصب أخوها ~~فرانسيس بالطاعون على الإطلاق، وكان مقاوما تماما للمرض، وقد ورث نسخا من ~~الطفرة إلى حفيدته جون بلانت. # غير أن قصة إيم الكاملة يشوبها الغموض؛ إذ لم نستطع اقتفاء أثر أي بيانات مسجلة ~~تشير إلى أن الطاعون قد ضرب إيم قبل عام 1665؛ ومن ثم فلا توجد أدلة على حدث أدى ~~إلى زيادة معدل حدوث طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 هناك. ونخلص من ذلك إلى أن العائلات في ~~إيم (أو آباءهم) ممن كانوا مقاومين للمرض في زمن الطاعون كانوا قد تعرضوا للطاعون في ~~وقت أسبق وفي مكان آخر ثم انتقلوا للعيش في القرية، ففي عام 1538، كان الطاعون قد اجتاح ~~بعنف قرية ثورب التي تبعد 18 ميلا (29كم) جنوبا وكذلك ضيعة كوربار القريبة قبل 30 ~~عاما من ذاك الوقت، كما اجتاح الطاعون مقاطعة دربي مرارا وتكرارا، بدءا بالموت ~~الأسود الذي صال وجال في أنحاء المقاطعة وسجل انتشاره في قرية كريتش، التي تبعد 17 ~~ميلا (27كم) إلى جنوب إيم. وعلى ما يبدو، كان الأب مومبسون مقاوما للمرض، وقد ~~ذكر أنه قد شهد الطاعون في مرحلة أسبق من حياته في مكان آخر. # هكذا حمل عدد من أولئك الناجين في إيم طفرة سي سي آر 5-دلتا 32؛ ومن ثم كانت نسبة ~~الجماعة السكانية المقاومة للمرض تزداد في الجيل التالي؛ بيد أنهم لم يكونوا ~~يتمتعون بميزة انتخابية لأن المرض اختفى الآن. وقد انتقل الأفراد إلى القرية لملء ~~الفراغ البيولوجي، وعلى مدار الثلاثمائة عام التالية، فإن أعدادا هائلة من كل من ~~الأفراد المقاومين ms181 وغير المقاومين للمرض نزحت وهاجرت إلى إيم. ونتج عن كل هذا ~~الامتزاج وجود 14٪ من الأشخاص المقاومين للطاعون في إيم اليوم. # لم يكن أهالي قرية إيم محظوظين؛ ذلك أن الوباء هناك كان تقريبا آخر موجة تفش ~~للطاعون على الإطلاق. لقد نجوا على مدار 300 عام كونهم جمعا قليلا يقطنون منطقة ~~نائية، لينال منهم الطاعون في ضربته الأخيرة. ~~(5) ماذا حدث للطفرة بعد الطواعين؟ # ما إن اختفى الطاعون تماما من أوروبا بحلول عام 1670، حتى انتهى على ما يبدو أي نفع ~~يعود على أي شخص من حمل الجين الطافر. وعليه، تغيرت الطفرة على الأرجح من طفرة مفيدة ~~إلى طفرة لا تنفع ولا تضر، وعلى مدار الثلاثمائة عام التالية (وحوالي 12 جيلا)، كان من ~~المتوقع أن تنخفض تكرارية وجودها بين السكان الأوروبيين بالتدريج، وتتأرجح نسبة ~~تكراريتها اليوم ما بين 5 إلى 20 بالمائة، وهي نسبة أقل مما كانت عليه في القرن السابع ~~عشر على الأغلب، إلا إذا كانت طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 قد منحت حامليها المحظوظين ~~مزية انتخابية أخرى لا نعرفها ... # في سبتمبر عام 2003، أعلنت أنباء مذهلة ومثيرة. كانت عديد من التقارير السابقة قد ~~طرحت فكرة وجود صلات بين الوقاية من فيروس الجدري والوقاية من فيروس نقص المناعة ~~البشرية؛ فالأفراد الأكبر سنا الذين قد حصلوا على تطعيم ضد الجدري كانوا أقل عرضة ~~للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. والآن أثبتت التجارب الأولية التي أجريت على ~~خلايا الدم البشرية بجامعة جورج ميسن بولاية فيرجينيا أن التطعيم يحد من قدرة فيروس نقص ~~المناعة البشرية على العدوى أربع مرات في المتوسط، كذلك يستخدم فيروس الورم المخاطي ~~الجديري، وهو ينتمي إلى عائلة فيروس الجدري، مستقبل سي سي آر 5 للدخول إلى ~~خلايا الدم التي يستهدفها. # لدى اختفاء الطاعون، حل محله الجدري باعتباره الابتلاء المرعب، فهل من الممكن ~~أن يكون حمل الأوروبيين طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 في القرن الثامن عشر قد وفر لهم ~~أيضا حماية ولو جزئية على الأقل، سواء من عدوى الجدري أو الموت بسببه؟ إن ms182 كان الأمر ~~كذلك، إذن لبقيت الطفرة أو حتى زادت بقدر معقول حتى عام 1900 عندما قضي بنجاح على ~~الجدري في أوروبا. مما تقدم، ربما يتوقع من المنظور التاريخي أن تكون الأجناس غير ~~الأوروبية كانت عرضة إلى حد بعيد للإصابة بالجدري، فكل من السكان الأصليين ~~للأمريكتين الشمالية والجنوبية قد ضربهم الجدري بقوة عندما جلبه إليهم الغزاة ~~الأوروبيون. # ومن ثم يدين هؤلاء الأوروبيون الأصليون الذين يتمتعون اليوم بالمقاومة لفيروس نقص ~~المناعة البشرية لحسن حظهم إلى حدث جيني تصادفي في أجدادهم أمدهم بالحماية من ~~الطاعون. # الفصل الخامس عشر # | الصورة الكلية # في عالمنا اليوم، عندما يكون هناك شهود عيان على جريمة ويتوافر وصف مناسب للجاني، ~~تتمثل الخطوة التالية في استعراض المشتبه فيهم للتعرف على هوية الجاني، لكن لفعل هذا ~~يجب تحديد المشتبه فيهم أولا. # دون كل العوامل المسببة للعدوى، تعتبر البكتيريا والفيروسات أهم الأنواع التي تلائم ~~أغراضنا. يطلق أحيانا على هذه الكائنات الحية الدقيقة ميكروبات، كما أطلق عليها هيلير ~~بيلوك في كلماته الخالدة: # الميكروب صغير للغاية، # لا يرى بالعين المجردة على الإطلاق. # لكن كثيرين من المتفائلين يأملون # أن يرونه عبر الميكروسكوب. ~~(1) البكتيريا # البكتيريا كائنات وحيدة الخلية يتراوح طولها ما بين نصف مليمتر إلى واحد على ~~عشرة آلاف من المليمتر، فهي أصغر كثيرا من أن ترى بالعين المجردة. عند فحصها تحت ~~الميكروسكوب، يتبين أنها قد تأخذ شكل القضبان أو الحلزونات أو الكرات، ولكن على ~~الرغم من صغر حجمها فإن تركيبها غاية في التعقيد، وهي الأكثر وفرة في أعدادها من بين ~~كل الكائنات الحية، وتلعب كثيرا من الأدوار الجوهرية في الحفاظ على الحياة على الأرض، ~~إلا أن قلة قليلة فحسب من أنواع البكتيريا يمكنها أن تصيب الإنسان وتسبب له أمراضا ~~خطيرة. # تنتقل بعض الأمراض البكتيرية بواسطة الحشرات أو القراد أو القمل، ومن ضمن هذه ~~الأمراض الطاعون الدبلي (الذي ينتقل عن طريق البرغوث) والتيفوس الوبائي الذي كان ~~يوما مرضا فتاكا خطيرا ينتشر في الأماكن المزدحمة التي تعاني سوء الصرف الصحي. وهو ~~ينتقل من إنسان إلى آخر عن ms183 طريق القمل، وما لم يعالج بالمضادات الحيوية، فإنه يفضي ب 20 ~~بالمائة من الحالات إلى الموت. أحيانا يحاول المؤرخون (خطأ) تفسير موجات تفشي الطاعون ~~التي لم يكن محتملا أن يكون سببها طاعونا دبليا على أنها نتيجة ~~للتيفوس. ~~(2) الفيروسات # مع أن الفيروسات متباينة الأحجام، إلا أن جميعها أصغر من البكتيريا كثيرا، ولا يمكن ~~رؤيتها إلا تحت ميكروسكوب إلكتروني. وعلى خلاف البكتيريا، لا تستطيع الفيروسات أن ~~تتكاثر إلا بداخل خلايا حية أخرى، خلايا حيوانات أو نباتات، بل حتى بكتيريا. ونظرا ~~لأنه ليس بمقدور الفيروسات أن تتكاثر بمعزل عن الخلايا الحية الأخرى، فلا يمكن اعتبارها ~~حية بالمعنى الكامل. # إذن، فإن جميع الفيروسات طفيليات تدمر الجماعات البشرية عبر التسبب في أمراض وبائية ~~خطيرة. تبدأ الفيروسات عملها بالدخول بدهاء إلى خلايا بعينها في أجسادنا، وما إن ~~تصبح بالداخل، حتى تواصل عملها في السيطرة على الآلية الجينية للخلية، التي تضطر ~~حينئذ إلى الانصياع لأوامرها. رأينا كيف يدخل فيروس نقص المناعة البشرية إلى خلايا دم ~~بيضاء بعينها عن طريق بوابة المستقبل سي سي آر 5، حيث يشرع في تأدية عمله ~~المخرب. # إن الفيروس المعدي هو ببساطة مجموعة من التعليمات مثل برنامج كمبيوتر. عادة ما تعمل ~~أي خلية في أجسادنا بناء على أوامر مشفرة في الدي إن إيه خاصتها، إلا أن الفيروس الذي ~~يغزو الخلية بمقدوره أن يستحدث مجموعة جديدة من الأوامر؛ مما يترتب عليها توقف الخلية ~~عن عملها الطبيعي، وتركز جهودها في صنع نسخ من البرنامج المستحدث. بهذه الطريقة، يستعبد ~~الفيروس الخلية المضيفة، ويجبرها على أن توفر كافة المواد الخام والطاقة اللازمة ~~للتكاثر. وتتكاثر الفيروسات بمعدلات هائلة؛ إذ يستطيع فيروس واحد من فيروسات البرد ~~الشائعة أن ينتج 16 مليون نسخة من نفسه في اليوم الواحد. # فيما يلي استعراض مصغر «لصور المجرمين» من الأمراض الفيروسية: ~~«فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز»: ~~يدمر فيروس نقص المناعة البشرية وسائل دفاع الجهاز المناعي بالجسم، وفي ~~النهاية تموت الضحية من عدوى أخرى أو من السرطان. وهو ينتقل مباشرة عن طريق ~~سوائل الجسد أو المني. وحتى ms184 الآن لا يوجد له علاج. ~~«الإنفلونزا»: ينتقل هذا المرض بالعدوى ~~المباشرة ويتحور بسهولة؛ ففي الماضي كانت بعض السلالات منه مسئولة عن ~~أعداد وفيات كبيرة. غالبا ما ينشأ في الحيوانات، فالمستودعات الرئيسية ~~له هي البط والدجاج والخنازير في آسيا، ولا يوجد علاج له كذلك، إلا أن ~~لقاحاته متوافرة الآن. ~~«الحصبة»: عادة ما ينتشر هذا المرض ~~المعدي للغاية عن طريق العدوى الرذاذية، ويمكن أن يفضي إلى الموت في ~~البلدان النامية التي تعاني من سوء التغذية. لا يوجد علاج له، إلا أن لقاحه ~~متوافر. ~~«شلل الأطفال»: كان شلل الأطفال هو المرض ~~الوبائي الرهيب الذي ضرب البلدان المتقدمة منذ أواخر أربعينيات القرن ~~العشرين حتى مطلع ستينيات القرن نفسه. وهو عدوى فيروسية حادة تصيب الجهاز ~~العصبي المركزي، متبوعة بآثار خطيرة منها الشلل، بل قد تصل إلى الموت ~~أحيانا. لا يوجد علاج له، إلا أن لقاحه متوافر الآن. ~~«الجدري»: فيما مضى كان هذا المرض ~~قاتلا خطيرا للأطفال، إلا أن حملة تطعيم على مستوى العالم تمكنت من ~~القضاء على الفيروس تماما، باستثناء بعض المخزون منه المحفوظ في المعامل. ~~يعتبر الجدري بمنزلة سلاح إرهابي محتمل. وهو يفضي إلى الموت في أغلب ~~الأحيان، ولا علاج له، إلا أن لقاحه متوافر. # لقد مكننا علم الطب من التوصل إلى مكافحة فعالة لكثير من الأمراض ~~المعدية (لكن ليس جميعها، والإيدز دليل على هذا)، فقد صنعت مجموعة شاملة من المضادات ~~الحيوية من شأنها أن تعالج العديد من حالات العدوى البكتيرية، وإن كان ظهور سلالات ~~مقاومة من البكتيريا بات اليوم يسبب مشكلات. بيد أن هناك حقا قلة قليلة من الأدوية ~~الفعالة في علاج الأمراض الفيروسية. ومع ذلك، فإن الوقاية خير من العلاج، وقد غير ~~تصنيع اللقاحات - بدءا من جهود إدوارد جينر في اكتشاف لقاح للجدري في القرن الثامن ~~عشر - من قدرتنا على مجابهة هذه العدوى القاتلة. ~~(3) خطر الحيوانات العائلة المستتر # جميع الحيوانات تعول طفيليات، وقد تطورت هذه الطفيليات بمعية عوائلها من ~~الحيوانات على مدار مئات الآلاف من السنوات، وقد رسخت طريقة تمكنها من التعايش ms185 معا، ~~وإن لم يكن تعايشا متناغما كليا، فإنها تتعايش دون أن تسبب كثيرا من الضرر بعضها ~~لبعض. إلا أنه من حين إلى آخر تهرب الفيروسات أو البكتيريا الطفيلية من عوائلها الثديية ~~الطبيعية لتنتقل إلى أنواع أخرى، بما فيها الإنسان. وهكذا تنشأ كثير من الأمراض التي ~~تصيب الإنسان. # لا تنتقل عادة بعض هذه الأمراض - مثل داء لايم (الذي يكون فيه الحيوان العائل غزالا) ~~والطاعون الدبلي (الذي يكون فيه الحيوان العائل حيوانا قارضا) - جراء انتقال ~~العدوى من شخص إلى آخر؛ فانتشارها يعتمد بدرجة كبيرة على الحيوان وليس على الإنسان؛ ومن ~~ثم تكون آليات العدوى أكثر تعقيدا مما لو كانت في الأمراض الفيروسية المعدية «ذات ~~آليات العدوى البسيطة» مثل الحصبة أو الجديري المائي أو الجدري، والطاعون ~~النزفي. # نشأت أمراض فيروسية أخرى - مثل الإيدز والإنفلونزا وإيبولا - في الحيوانات ثم أصابت ~~الإنسان، والأهم من ذلك أنها يمكنها أن «تنتقل مباشرة من إنسان إلى آخر». يطرح هذا ~~مشكلة أكثر جسامة؛ فهي في الغالب تكون مميتة، وحالما ترسخ في الإنسان، يكون انتشارها ~~محكوما بنفس العوامل التي تحكم أي مرض معد آخر ينتقل انتقالا مباشرا، وفي الحال ~~يصبح منشؤها الحيواني في طي النسيان، ويطلق عليها أمراضا فيروسية ناشئة. ~~(4) تضييق دائرة المشتبه فيهم # هل بمقدورنا أن نخلص إلى تخمين مستنير بشأن ما إذا كان الطاعون النزفي بكتيريا أم ~~فيروسا بناء على التحقيقات التي أجريناها؟ تشير خصائص ~~المرض - الملخصة في الفصول السابقة - إلى أن ~~العامل المسبب للمرض كان فيروسا. يدعم هذه الفرضية تلك الملاحظة التي مفادها أنه على ~~ما يبدو كان هناك بين سكان أوروبا في العصور الوسطى انتخاب جيني قوي لصالح طفرة ~~سي سي آر 5-دلتا 32، المعروفة بأنها تقي من فيروس نقص المناعة البشرية. # على ما يبدو أيضا فإن العامل المعدي كان ثابتا إلى حد بعيد؛ إذ يبدو أنه على مدار ~~الثلاثمائة عام التي استشرت خلالها الطواعين - والتي أعقبت سنوات الموت الأسود - لم ~~تتغير خصائص العامل المعدي إلا تغيرا طفيفا للغاية. ربما كانت هناك بعض الطفرات ~~الصغيرة، إلا أن ms186 هذه كان لها قليل الأثر على المسار الزمني للمرض، وعلى قدرته على ~~العدوى، وعلى أعراضه، وعلى قدرته على الفتك. # إن معظم التغيرات التي طرأت على نمط المرض منذ القرن الرابع عشر حتى القرن السابع عشر ~~يمكن تفسيرها على أنها تغيرات في السلوك البشري وعلم وراثة الإنسان، وليس على أنها أي ~~تغيرات في الفيروس؛ ومن ثم، فإن الزيادة التدريجية في نسب طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 ~~البشرية في أنحاء أوروبا رفعت من نسبة مقاومة الأفراد للمرض؛ ومن ثم غيرت معدل ~~انتشار أوبئة الطاعون ومعدلات الوفيات جراءها. # ينتقل كثير من الأمراض الفيروسية التي تصيب الجهاز التنفسي مباشرة من شخص إلى آخر عن ~~طريق العدوى الرذاذية. ويفسر المراسل الطبي لصحيفة التايمز دكتور توماس ستاتافورد ~~العدوى الرذاذية بأنها مصطلح أقل وطأة يستخدمه الأطباء لوصف انتشار مرض ما عن طريق ~~رذاذ اللعاب والإفرازات الأنفية المحملة بمزيج من الكائنات الحية الدقيقة ~~والفيروسات والبكتيريا، والتي تنتشر مع كل سعلة أو عطسة، فالعطسة يمكن أن تنتج ~~ملايين القطيرات التي يمكنها أن تنتقل لأي مسافة حتى 90 ميلا في الساعة (145كم في ~~الساعة)، بل تنقل القبلات جرعات أكبر منها، أو عندما يعطس شخص مصاب في يده ثم يصافحك ثم ~~تفرك أنت عينيك، فوقتها يمكن أن ينتقل الفيروس إلى أنفك وحلقك عن طريق قناتك ~~الدمعية. نتذكر أنه كان يعتقد أن الطاعون النزفي ينتقل عن طريق العدوى ~~الرذاذية، وكان يعتبر أنه من الآمن أن يبقى المرء على مسافة لا تقل عن (4 أمتار) ~~بينه وبين الشخص المصاب في الأجواء المفتوحة. # يمكننا الآن أن نقارن الطاعون النزفي بمرضين فيروسيين آخرين، هما الإنفلونزا وفيروس ~~نقص المناعة البشرية، اللذان نشآ في مستودعات حيوانية قبل مهاجمة الإنسان. طورت ~~الفيروسات المسئولة عن هذه الأمراض الثلاثة استراتيجيات مختلفة تماما لتعظيم فرصها ~~في البقاء والانتشار. يلخص الجدول أدناه خصائصها الأساسية: # المرض # فترة انتقال العدوى # طريقة انتقال العدوى # القدرة على العدوى # مدة الوباء # الإنفلونزا # يومان # الرذاذ # عالية # 3 أسابيع # الطاعون النزفي # 4 أسابيع # الرذاذ # متوسطة # 9 أشهر # فيروس ms187 نقص المناعة البشرية # 10 سنوات # سوائل الجسم # منخفضة # غير محدودة # تستمر الإنفلونزا في البقاء لأنها تتمتع بقدرة عالية على العدوى، وتنتقل إلى عدد كبير ~~من الأشخاص الآخرين حتى إبان فترة انتقال العدوى القصيرة. يستمر فيروس نقص المناعة ~~البشرية في الانتشار ببطء نظرا إلى أن فترة انتقال العدوى طويلة جدا؛ مما يعوض قدرته ~~المنخفضة على العدوى والناتجة عن طريقة انتقاله الصعبة. # يقع الطاعون الدبلي في نقطة في المنتصف بينهما؛ ففترة انتقال العدوى الخاصة به ~~كانت طويلة بما يكفي لأن ينتقل المرض عبر مسافات طويلة، وكانت قدرته على العدوى كافية ~~لانطلاق أي وباء بسهولة؛ نظرا لوجود عدد كاف من الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالمرض ~~والمناخ الدافئ المواتي. ~~(5) ما نوع الفيروس الذي تسبب في الطاعون؟ # لدينا الآن فئة عامة يمكننا أن نضع فيها المتهم، لكن هل بمقدورنا أن نقلص هذه الفئة ~~أكثر بإلقاء نظرة على الأعراض التي ظهرت على الضحايا؟ # تتفق أوصاف أعراض الطاعون الأحدث في القرن السابع عشر مع الروايات السابقة من الموجة ~~الأولى للوباء. عادة ما كانت الأعراض تظهر على الضحية لمدة حوالي 5 أيام قبيل ~~الموت، مع أنه من قراءة الروايات المعاصرة خلصنا إلى أن هذه الفترة كان يمكن أن تتراوح ~~ما بين يومين واثني عشر يوما. غير أننا عثرنا على تقرير واحد استثنائي عن إحدى الضحايا ~~في لندن استمرت هذه الفترة معها عشرين يوما. # كانت العلامة التشخصية الرئيسية هي ظهور البقع النزفية، حمراء اللون في الغالب، ~~لكن لونها كان يتباين من الأزرق إلى الأرجواني ومن البرتقالي إلى الأسود، وغالبا ~~ما كانت تظهر على الصدر، لكنها كانت ترى أيضا على الحلق والذراعين والساقين، وكانت ~~تنشأ نتيجة حدوث نزف تحت الجلد ناتج بدوره عن تلف الشعيرات الدموية. كانت هذه البقع ~~هي التي يطلق عليها «أمارات الرب»، وقد كتب الصيدلي دكتور هودجز يقول: # كانت العلامة التي يخشاها الناس أكثر ما يخشون هي تلك التي أطلقوا عليها ~~«الأمارات». اعتبرها المتدينون والذين يؤمنون بالخرافات على حد سواء أنها ~~«أمارات الرب»، أما «المنكرون لوجود الله ms188 فكانوا خائفين من الأمارات». أطلق ~~عليها البعض «تحذيرات الرب»؛ فقد كانت تقريبا النذر المؤكدة بالموت. ~~بناء على الملاحظة الطبية، فإن قلة قليلة جدا ممن كانت تظهر عليهم هذه ~~العلامات تعافوا. كانت «الأمارات» بقعا فوق الجلد، تنتشر بأعداد كبيرة، ~~وتتنوع في ألوانها وأشكالها وأحجامها. والبعض منها، حين كانت تلتحم معا، تصبح ~~في عرض ظفر إصبع اليد، والبعض الآخر كان صغيرا في حجم رأس الدبوس، إلى أن ~~تتضخم وتنتشر. قد يكون لونها أحمر وتحيط بها هالات تميل إلى الزرقة، وفي ~~أشخاص آخرين، يكون لونها أزرق باهتا وتميل الهالات إلى السواد، فيما كانت بقع ~~أخرى تأخذ درجة اللون البني القاتم. في الغالب تظهر البقع على اللحم ~~البشري حتى عندما لا يكون هناك لون على الجلد من الخارج؛ فلم تكن هناك بقعة من ~~الجسم حصينة ضد هذه البقع المستديرة، وإن كانت الرقبة والصدر والظهر والأفخاذ ~~هي الأماكن الأكثر شيوعا لها. وفي بعض الأحيان، كانت «الأمارات» شديدة الغزارة ~~لدرجة أنها كانت تغطي الجسم بأكمله. # أما دانييل ديفو، فقد كتب يقول: # لم يكن كثير من الأشخاص يدركون أنهم مصابون إلى أن يجدوا الأمارات تظهر ~~عليهم مما كان يثير ذهولهم غير القابل للوصف، وقلما عاشوا بعدها لأكثر من 6 ~~ساعات؛ لأن هذه البقع التي يطلقون عليها الأمارات كانت مصابة بالغنغرينة ~~الشديدة، أو كان اللحم فيها نخرا، تنتظم في عقد صغيرة في عرض البنس الفضي ~~الصغير وصلبة في صلابة الثفنة (بقعة من البشرة يكون الجلد فيها صلبا وسميكا) ~~... لم يكن هناك شيء يمكن تتبعه سوى الموت المحقق. # في عام 1665 وصف دكتور هودجز أيضا «حالة خادمة لم يكن لديها أدنى ~~فكرة عن أنها مصابة بالطاعون؛ فنبضها سليم وحواسها في أتم عافية، ولم تكن قد اشتكت ~~من أي اضطراب أو ألم، إلا أنه بفحص صدرها، اكتشفت الأمارات هناك، وفي غضون ساعتين أو ~~ثلاث ساعات كانت قد وافتها المنية. في بعض الأحيان كانت الأمارات تظهر أول ما ~~تظهر بعد الموت.» ويذكر أن من أغرب ما رآه على مدار تجربته مع ms189 الطاعون، أن أشخاصا ~~كثيرين قد خرجوا من هذيانهم بمجرد ظهور «الأمارات»، ظنا منهم أنهم يتعافون ~~وفي حالة موحية بالأمل. لم يدرك المرضى المساكين أن موتهم محقق. # كانت أيضا الأورام المتنوعة من سمات المرض: تضمنت هذه الخراريج والقروح والدبل التي ~~كانت عبارة عن تورم الغدد الليمفاوية في الرقبة وتحت الإبطين وأعلى الفخذ. في القرن ~~السابع عشر، كانت الحالات التي لم يظهر فيها الدبل تعتبر الأخطر. أورد دكتور هودجز أنه ~~إذا لم ينشق الورم بالشكل الطبيعي، كان الجراح يشقه. «لسوء الحظ كان دبل الطاعون ~~مصحوبا بمثل تلك الآلام الحادة، والإحساس بالتهاب غير محتمل يعادل ذلك الذي يحدث وقت ~~اقتراب حدوث التقيح، حتى إن المرضى كان يجن جنونهم.» وكانت عمليتا الشق ~~(التي تجرى دون تخدير بالطبع) والتضميد في غاية الألم حتى إن المرضى في الغالب كانوا ~~ينهارون عند إجراء الجراحة. كان الدبل إذا أخفق في التورم والانفجار، يكون الأمل في ~~البقاء على قيد الحياة ضعيفا، لكن إذا انفتح، كانت الحمى تقل على ما يظهر. اعتقد بعض ~~الأطباء أن شق الدبل كان من شأنه أن يمنع المرض من المضي قدما في تكوين الأمارات ~~المرعبة. # أجرى جراح - كان يخدم في الموقع العسكري بقرية دونستر بمقاطعة سومرست بجنوب إنجلترا ~~عام 1645 - عمليات فصد دماء لكافة الجنود المرضى لدى ظهور أولى علامات المرض عليهم ~~«حتى أوشكوا على السقوط أرضا»، وقيل إن كافة مرضاه قد تعافوا. من الواضح أن عمليات ~~الفصد هذه كان تجرى عند أول ظهور العلامات، أي بعد حوالي 30 يوما من الإصابة، فهل ~~من الممكن أن تكون هذه الطرق العلاجية - التي تشق فيها العقد الليمفاوية المتورمة ~~أو ربما يتم التخلص عبرها من نسبة كبيرة من خلايا الدم البيضاء المصابة - قد مكنت ~~الجهاز المناعي من قهر العدوى؟ # بالإضافة إلى الأورام، كان الضحايا ~~يصابون بالحمى، وارتفاع درجة الحرارة، والقيء المستمر، والإسهال، ونزيف دائم من الأنف. ~~كان الأطباء في ميلانو في القرن الخامس عشر يعتبرون البول المخلوط بالدم، والبقع ~~النزفية، أدلة على الإصابة بالطاعون. أيضا غالبا ما كان ms190 يصاحب بدء المرض ظمأ شديد، ~~وكان يصاحبه عند البعض جنون وهذيان شديدان، «حتى إن البعض كانوا يلقون بأنفسهم من ~~النوافذ.» # أكدت شهادة أحد شهود العيان من تشستر عام 1647 هذه الواقعة: # يسيطر الطاعون عليهم على نحو غريب؛ إذ يصيبهم بالاكتئاب من ناحية فيجن ~~جنونهم، فكان بعضهم ينتحرون غرقا، وآخرون يقتلون أنفسهم، كانوا يموتون في ~~غضون ساعات قليلة، وكان بعضهم يهرول جيئة وذهابا في الشارع، ~~متسربلين بقمصانهم مما يثير ذعرا كبيرا بين سكان المدينة. # جاء في واحدة من الروايات المعاصرة التي تصف العذابات التي كان ~~يذوقها ضحايا طاعون عامي 1665-1666 في لندن: # كان القيء يسيل من على جانب الفم، والنزيف مستمر من الأنف، والتقيحات تتقلص ~~وتتحول إلى اللون الأسود على حين غرة ... وكان بعض المصابين يجولون ~~مترنحين كالسكارى، ويخرون ويلقون مصرعهم في الشوارع، فيما ~~كان البعض يجثون بين الحياة والموت في حالة غيبوبة ... وكان بعضهم يتقيأ ~~باستمرار كما لو كانوا قد تجرعوا سما. # شرح دكتور جورج طومسون جثة شاب مات إثر الإصابة بالطاعون: # كان سطح الجلد مشوها بعديد من الندبات الكبيرة كريهة المنظر شديدة ~~التورم والانتفاخ، يبرز على جزء منها عفن مدمى شبيه بالرواسب، وصديد شاحب ~~خال من الدماء. وكانت المعدة تحتوي على مادة سوداء لزجة تشبه الحبر، وكان ~~جزء من الطحال يفرز مادة صديدية. كان الكبد مصفرا والكلى خاوية من الدم، ~~وتوجد علامات كبيرة غامضة على السطح الداخلي للأمعاء والمعدة، والتجويف ~~البريتوني يحوي صديدا سميا أو سائلا خفيفا مائلا إلى الاصفرار أو ~~الاخضرار. وفي البطين الأيمن جلطة عديمة اللون، لكن لم يكن هناك في هذا ~~الجسد الذي نخره الطاعون ما يكفي لملء ملعقة واحدة من هذا السائل الأحمر ~~الذي يطلق عليه «الدم». # أورد دبليو جي بيل في إيجاز أن هذا التشريح قد أظهر أن المرض أحدث ~~تغييرات واسعة التأثير في الأعضاء الداخلية، بالإضافة إلى أنه أصاب الجلد بعدد كبير من ~~البقع الزرقاء أو السوداء التي احتوت على دماء متجلطة. «في الحقيقة ما من عضو لم ~~تمسه هذه التغييرات.» # يؤكد التقريران ms191 التاليان لعمليتي تشريح لضحيتين من ضحايا طواعين عامي 1656-1657 في ~~روما ونابولي - على التوالي - التدهور العام للأعضاء الداخلية: # وجد أن الجزء الخارجي من الجسم مغطى بالبثور السوداء ... وغشاء الأمعاء ~~الشحمي (الثرب) متعفن، والأمعاء شديدة السواد، والغشاء البريتوني مصاب ~~بالزراق، والمعدة دقيقة للغاية، والطحال متعفن، والكبد ضعف حجمه لكنه رديء ~~اللون ومهترئ، والمرارة مليئة بالعصارة السوداء ... وغشاءا الجنبة متعفنان، ~~والشغاف متصلب للغاية، وكان المنصف والحاجز السهمي مزرقين، والقلب ~~مزرقا وطرفه المستدق أسود، وكلا البطينين مليئين بدم شديد السواد. ~~والرئتان - المهلهلتا القوام والرديئتا اللون - تغطيهما البثور ~~السوداء. # وقد لوحظ أن جميع الأعضاء - وتحديدا القلب، والرئتين، والكبد، والمعدة، ~~والأمعاء - مغشاة ببقع. هذا علاوة على أن المرارة مليئة بالعصارة السوداء ~~التي كانت شديدة الاكتناز ودهنية ... إلا أن الأوعية الدموية الرئيسية للقلب ~~بالأخص كانت ممتلئة بالدم المتجلط المسود. # لقد كشفنا عن الخاصية الرئيسية للطاعون النزفي: ألا وهي أن الموت كان ~~يسبقه موت شامل لأنسجة الأعضاء الداخلية. كان الأمر يشبه كما لو كانت الأعضاء الداخلية ~~للضحية قد تحللت. كانت ميتة مرعبة بلا شك. # أما أمارات الطاعون الدبلي وأعراضه والتقارير التشريحية لضحاياه، فكانت مختلفة ~~تماما عن خصائص الطاعون النزفي؛ فضحايا الطاعون النزفي لا تظهر عليهم أمارات الرب ولا ~~يعاني المصابون بموت عام لأنسجة الأعضاء الداخلية. # تقدم الرواية التالية تقريرا جيدا عن انتشار الطاعون بين أفراد أسرة واحدة، وتوضح ~~الخصائص الطبية الواردة سابقا: # كنا ثمانية أفراد في العائلة - ثلاثة رجال، وثلاثة غلمان، وعجوزا وخادمة - ~~كلهم جاءوا بعدما تناهى إلى سمعهم أنني مقيم في البلدة، جاء بعضهم ليرافقني، ~~وجاء بعضهم الآخر لمساعدتي [فقد كان رجل دين ذائع الصيت له كثير من الأتباع]. ~~وكان شهر سبتمبر قد أوشك على الانتهاء قبل أن يمس أي منا بسوء ... لكن ~~الطاعون هاجمنا أخيرا ... في البداية أصيبت خادمتنا، بدأ الأمر برجفة ورعشة في ~~جسدها، وسرعان ما نال المرض من معنوياتها ... عدت إلى المنزل والخادمة على فراش ~~الموت، وكانت تصرخ صرخة استغاثة أخرى، حيث كانت وحدها في نوبة تعرق وإغماء. ~~كان اليوم يوم إثنين عندما ms192 أصيبت الخادمة، ووافتها المنية يوم الخميس، ~~وكان جسدها ممتلئا بالأمارات. ويوم الجمعة، ظهر ورم لدى أحد الشبان عند أعلى ~~الفخذ، وتوفي يوم الأحد وعليه أمارات المرض. في اليوم نفسه مرض شاب آخر، ~~وتوفي يوم الأربعاء التالي. ليلة الخميس، أصيب سيده بالمرض، وفي غضون ~~يوم أو يومين كانت البقع تغطي جسده، لكن الأمر الغريب أنه تعافى ... وحفظ ~~الباقون من المرض. # يمكننا أن نجزم أن الفيروس المسئول عن الموت الأسود ليس من الفيروسات ~~المعروفة اليوم. في الواقع، من المحتمل أنه لا ينتمي إلى أي من عائلات الفيروسات ~~المعروفة، إلا أن الأعراض أقرب ما تكون إلى أعراض فيروس إيبولا، وفيروس ماربورج، ~~والحميات النزفية الفيروسية. ورغم أن أعراضه بالطبع لم تكن مطابقة لأعراض أي من هذه ~~الأمراض بحذافيرها، فإن هذه الأمراض تبدو - من بين كل الأمراض المعروفة اليوم - الأقرب ~~له. # يطلق على العوامل المسببة لهذه الأمراض الفيروسات الخيطية، وتتسم هذه بارتفاع معدل ~~الإماتة بين الحالات، وهي عادة ما تحدث في ~~حالات انفجار وبائي ناجمة عن العدوى المباشرة من إنسان إلى آخر. لا يمكن التنبؤ بحدوث ~~موجات التفشي الوبائية، ولا يوجد علاج للأمراض التي تسببها، ولا تعرف مستودعاتها ~~الحيوانية بعد. يغطي مصطلح «حمى فيروسية نزفية» العديد من الأمراض المختلفة والمتنوعة ~~التي تتسم بالحدوث المفاجئ، والآلام، ونزيف الأعضاء الداخلية، والحمى، وصدمة، وبقع تنتج ~~عن نزيف تحت الجلد - شبيهة ب «أمارات الرب». تبدأ أعراض الإيبولا بحمى مفاجئة، وتموت ~~الضحية من انحلال الأعضاء الداخلية. ~~(6) خصائص أخرى مميزة للطاعون النزفي ~~(6-1) موسمي # كان المرض يجد صعوبة في البقاء خلال أشهر الشتاء بإنجلترا، ولا سيما إبان العصر ~~الجليدي الصغير. حتى في جنوب فرنسا، كانت شراسة الطاعون تقل بوضوح إبان الأشهر ~~الأكثر برودة. وبحلول القرن السابع عشر، بات معروفا بشكل عام أن قدرة الوباء على ~~العدوى تقل في الطقس البارد. سجل دبليو جي بيل - الذي كتب عام 1924 التاريخ المؤكد ~~لطاعون لندن العظيم - أنه في السادس من فبراير عام 1666: # أقر الجميع أن ذاك اليوم كان من أشد الأيام التي شهدوها في ms193 إنجلترا ~~برودة؛ ففي شهرين منفصلين سد الجليد مجرى نهر التيمز مما أسفر عن تعطل ~~حركة المرور النهري، إلا أن الطاعون كان يطل برأسه من حين إلى آخر حتى في ~~وسط الصقيع. هنالك شهادة الدكتور هودجز التي مفادها أن قليلين جدا هم من ~~ماتوا في ذاك الموسم، إلا أنه قام بنفسه في يناير على حالة كانت بقعة ~~الطاعون واضحة عليها، وتماثل المريض للشفاء. أقام جوشيا ويستوود في أثناء ~~موجة الصقيع أيضا على مرضى ميز حالاتهم على أنها طاعون، وقد تماثلوا ~~للشفاء؛ «إذ كان الهواء حينها صديقا للطبيعة وعدوا للطاعون.» تظهر ~~مؤشرات أخرى أن حالات الطاعون كانت شائعة، إلا أن المرض لم يستفحل قط في ~~المناخ البارد، وقد انخفضت حدة الأعراض المميتة التي صارت مألوفة فيما ~~بعد. # أغلب الظن أنه كان من المستحيل تقريبا أن تنتقل العدوى إلى ~~أحدهم في الهواء الطلق في الشتاء البارد، بل انخفض معدل انتقال العدوى بداخل ~~المنازل، مع أن العائلات كانت تحتشد معا في أكواخها الباردة المعرضة للتيارات ~~الهوائية. من الواضح أن هذا الفيروس لم يكن يستمتع بالتعرض للهواء البارد. # كان انتقال العدوى أيسر كثيرا في المناخ الأدفأ، وتعطينا هذه الملحوظة فكرة ~~تقودنا إلى مصدر المرض الذي نناقشه في الفصل التالي. ~~(6-2) انحسار المرض في أوروبا # قبيل عام 1670، لم تلتق المناطق المصابة بالطاعونين النزفي والدبلي ~~إلا في ساحل البحر المتوسط. استوطن الطاعون النزفي أوروبا، بالإضافة إلى بعض موجات ~~الاجتياح العارضة على شمال أفريقيا وشرق المتوسط، فيما أقام الطاعون الدبلي في ~~معقله في آسيا وسواحل شمال أفريقيا إلى جانب بعض موجات التفشي النادرة في إيطاليا ~~وجنوب فرنسا وبرشلونة التي لم تدم. # فلم أقام كل منهما في هذه الأقطار المنفصلة؟ لقد سردنا بالفعل الأسباب التي ~~حالت دون استيطان الطاعون الدبلي أوروبا قط، لكن لماذا اقتصر الطاعون النزفي ~~على أوروبا حيث تنوع الطقس تنوعا كبيرا من جنوب البحر المتوسط حتى الدائرة ~~القطبية الشمالية؟ لماذا لم ينتقل إلى آسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء؟ # كانت هناك أسباب متعددة على الأرجح. كانت طرق ms194 التجارة الرئيسية في هذه الأماكن - ~~مثل طريق الحرير والطرق التي تقطع الصحراء الكبرى - طرقا شاسعة طويلة للغاية لا ~~تقطعها بلدات كبيرة؛ ومن ثم يرجح احتمال أن يكون المسافرون المصابون هلكوا ~~إبان الرحلة دون أن يطلقوا حالة تفش وبائي. أيضا ساعد غياب التجمعات السكانية ~~بمحاذاة الطريق في الحيلولة دون استيطان الأوبئة، وسرعان ما كانت تخمد أي عدوى ~~تماما. # وكانت التجارة أقل كثافة مقارنة بطرق التجارة الداخلية في أوروبا؛ ومن ثم كان ~~عدد أقل من العوامل التي يحتمل أن تكون مسببة للعدوى يجتاز الطريق من وإلى ~~آسيا، وكان من المستحيل تأسيس نقطة تمركز دائمة. أخيرا، لربما كان المناخ في هذا ~~الطريق شديد الحرارة والجفاف بما لا يسمح للعدوى الرذاذية أن تنجح في ~~الانتشار . ~~(6-3) هل كانت فرنسا وحدها مستودع الطاعون؟ # كانت الظروف في فرنسا مواتية بشدة لبقاء الطاعون المستمر بسبب درجات الحرارة ~~الأدفأ، وبالأخص في الشتاء، وقد سهلت الرطوبة المرتفعة نسبيا هناك استمرار ~~العدوى وانتشارها. وكانت المساحة كبيرة بما يكفي لانتشار الطاعون بين البلدات ~~الكبيرة، وقد كانت هناك شبكة اتصالات داخلية جيدة. # وعلى النقيض من ذلك، في المناطق حيث لم تكن موجات تفشي الطاعون منتظمة تنعدم فيها ~~بعض هذه الظروف أو كلها: # كانت إيطاليا بلدا صغيرا للغاية على أن تقوم بدور مستودع فعال؛ فقد ~~كانت فصول الصيف شديدة الحرارة والجفاف، وقد وضعت وفرضت تدابير ~~قوية للحفاظ على الصحة العامة بما في ذلك قواعد الحجر الصحي الصارمة ~~في الموانئ. # في شبه الجزيرة الإيبيرية كانت فصول الصيف شديدة الحرارة والجفاف، ~~وكانت وسائل الاتصال الداخلية محدودة، ولم تكن العدوى تصل إلا عن ~~طريق البحر، وقد شكلت سلسلة جبال البرانس حاجزا منيعا فعالا من جهة ~~الشمال. # كان الطقس في شمال أفريقيا حارا وجافا، والمساحة المأهولة ~~بالسكان صغيرة، وكان السكان متفرقين، ووسائل الاتصال محدودة. # في الإمبراطورية الرومانية المقدسة كانت فصول الشتاء باردة، وكانت ~~إسكندنافيا وأيسلندا شديدتي البرودة على مدار العام. # في إنجلترا، كانت فصول الشتاء باردة أيضا، ولم يكن للعدوى أن تصل ~~إلى هناك إلا عن طريق ms195 البحر. # لقد استعنا بكل الأدلة الواردة في الفصول السابقة من أجل ~~الإجابة على السؤال: ما خصائص الفيروس الذي سبب الدمار المترتب على الطواعين؟ ~~إلا أن هذا سيظل أمرا مشوبا بالغموض دائما؛ لأن المرض كما هو واضح لم يعد ~~موجودا، إلا أننا كشفنا بالفعل عن كثير من أسراره. وفي الفصول الثلاثة التالية ~~نتعمق أكثر في الإجابة عن سؤال: من أين جاء الطاعون عندما ظهر في صقلية؟ وكذلك نعقد ~~مقارنة بين الطاعون والأمراض الفيروسية الغامضة الأخرى التي ظهرت فجأة على مدار ~~الثلاثة الآلاف عام الأخيرة. # الفصل السادس عشر # | استتار الموت الأسود في مكمنه # ما دام الناس كانوا يعتقدون أن الموت الأسود كان نوبة تفش للطاعون الدبلي، فلا غموض ~~بشأن منشئه إذن؛ فقد افترضوا أنه لا بد أن يكون آتيا من غرب آسيا، بالتأكيد عبر تلك السفن ~~الشهيرة القادمة من القرم كما رأينا في الفصل الأول. # لكن الآن بعد أن صرنا على يقين من أن الموت الأسود كان موجة تفش لمرض فتاك تنتقل ~~عدواه مباشرة من إنسان إلى آخر، فإننا أمام مشكلة جديدة تماما: من أين جاء ~~فعليا هذا المرض المريع؟ لا يمكن أن يظهر مرض فيروسي مكتمل التطور من العدم. إذا كان ~~قد جاء من العالم الغربي المعروف آنذاك، فبكل تأكيد كانت الوفيات المرعبة ستلاحظ ~~وتسجل. ~~(1) منشأ الموت الأسود # دعونا نبدأ بحثنا عن منشأ الموت الأسود بتتبع وصوله إلى جزيرة صقلية. لعلنا نتذكر ~~أن القصة التقليدية تخبرنا كيف أن أطقم البحارة الأصحاء على متن سفن جنوة كانوا قد ~~جلبوا المرض لدى وصولهم إلى مسينة. كان البحارة في البحر لأسابيع عدة وقد رسوا ~~ومعهم شهادة صحية تثبت خلوهم من الأمراض. وعندما نزلوا من متن سفنهم، راح الطاعون ~~يصيب كل شخص يلتقون به على الفور. # تتنافى هذه الرواية تماما مع سلوك أي مرض معد، وإن كان هناك أي شيء من الصحة في ~~هذه القصة، فهو أن السفن لا بد أنها كانت قد وصلت إلى الميناء في مسينة في نفس الوقت ~~الذي كان الوباء في ms196 صقلية قد اجتاز بالفعل مرحلته الأولى، وكان على وشك أن يبلغ ذروته. ~~لقد اتحد كل من عنصر الخرافة، والرغبة في العثور على كبش فداء، وغياب المعرفة الطبية، ~~وسرد الروايات المبالغ فيها، معا لتوجيه إصبع الاتهام نحو البحارة الأبرياء. من ~~المؤكد أن الوباء بدأ قبل وصول البحارة بأسابيع في الصيف. # إلا أنه ثمة احتمال كبير أن الموت الأسود قد بدأ في الأساس عن طريق شخص مصاب أو أكثر ~~وصلوا بالمراكب؛ فأولا وأخيرا فإن مسينة وكاتانيا، وهما ميناءان على الساحل الشرقي ~~لجزيرة صقلية، كانتا نقطتي دخول مهمتين للمراكب التجارية الآتية من شرق البحر المتوسط ~~وساحل شمال أفريقيا. # لكن أين نشأت العدوى؟ ثمة اعتقاد قديم بأن سفن جنوة قدمت من القرم حيث كان أحد ~~أنواع الطاعون منتشرا، فهل بدأ الطاعون النزفي في القرم؟ بحثنا في الأدبيات المكتوبة ~~عن الطاعون في منطقة المتوسط في القرن الرابع عشر، وتوصلنا إلى أنه يوجد مكانان محتملان ~~عام 1347 من الممكن أن يكون الموت الأسود أتى منهما، وهما القرم وبلاد الشام؛ فقد ~~توصلنا إلى الكثير من سجلات أوبئة الطاعون في بلاد الشام الواقعة على الخط الساحلي لشرق ~~المتوسط لما قبل وبعد الموت الأسود. كان المرض قد اجتاح سوريا والعراق فعليا في ~~القرنين الثامن والتاسع، وقد خلصنا إلى أن موجات التفشي ظهرت بشكل متقطع في هذه المنطقة ~~على مدار سنوات كثيرة جدا. على ما يبدو كانت الأراضي المحيطة بمصر وسوريا بؤرة نشطة ~~للطاعون وقادرة على أن تنشر أذنابها لتدمر الحضارات الأوروبية لأكثر من 1000 عام قبل ~~الموت الأسود. إلا أن هذا الاستنتاج الهام يقودنا مباشرة إلى المعضلة التالية: كيف أرسى ~~الطاعون قاعدته في بلاد الشام في المقام الأول؟ لنجيب عن هذا السؤال لا بد أن نرجع إلى ~~الأصول القديمة للإنسان في شرق أفريقيا. ~~(2) إثيوبيا بلد المنشأ # يحتمل أن أسلافنا من فصيلة القردة العليا التي تضم الإنسان الحديث قد ظهروا في شرق ~~أفريقيا الوسطى، وأن مهد تطور الإنسان كان في «الوادي المتصدع الكبير» (أخدود أفريقيا ~~العظيم) الذي يمتد مما يعرف ms197 الآن بموزمبيق إلى إثيوبيا شمالا حتى البحر الأسود. وكان ~~قد عثر على بقايا حفرية لقرد منقرض من أشباه البشر يعرف بالأسترالوبيثكس في شرق ~~أفريقيا، وبالأخص في إثيوبيا وكينيا. وأغلب الظن أن جنس الهومو تطور من الأسترالوبيثكس، ~~وعندئذ انتشر الهومو إيريكتوس (الإنسان المنتصب) من أفريقيا تدريجيا، حيث راح يتحرك ~~شمالا على طول «وادي النيل» أو الوادي المتصدع الكبير باتجاه أوروبا وآسيا. # أصول الطاعون النزفي في الوادي المتصدع العظيم. انتقل الطاعون على ~~طول وادي النيل وأرسى قاعدته في بلاد الشام، ومن هناك حقق ثلاث ضربات ~~تاريخية كبرى: طاعونا أثينا وجستينيان والموت الأسود. # تطور نوعنا نحن، الهومو سابيانس، من الهومو إيريكتوس في أفريقيا منذ فترة تتراوح ما ~~بين 100 ألف سنة إلى 200 ألف سنة. وقد قدر له أن يستوطن كل قارات العالم باستثناء ~~أنتاركتيكا، وفي الغالب بدأ بتتبع مجرى النيل شمالا باتجاه مصر وسوريا، ومنهما تفرع ~~شرقا نحو آسيا وغربا نحو أوروبا. # كان هؤلاء الأسلاف الأوائل من الصيادين وجامعي الطعام الذين تحولوا تدريجيا - منذ ~~حوالي 10000 عام - إلى نمط حياة يعتمد على الزراعة على مساحات متباعدة. وقد كانوا ~~يعانون الأمراض المعدية بنحو عشوائي، إلا أنهم كانوا في مأمن من الأوبئة الخطيرة التي ~~لا تستوطن إلا في الأماكن التي تعيش فيها أعداد غفيرة من الأفراد معا. # أرجعت مجموعة من الكتابات التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد الطواعين إلى ~~إثيوبيا. تذكر العديد من المصادر العربية استمرار الطاعون في هذه المنطقة الواقعة في ~~شرق أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي، وتشير إلى الكيفية التي انتشرت بها الأوبئة من ~~خلال تجارة القوافل من هناك إلى السودان، ومنها إلى مصر وشمال أفريقيا. # أهي مجرد مصادفة محضة أن البشر وهذه الطواعين نشئوا على ما يبدو في نفس ~~المنطقة من أفريقيا؟ يعتقد دبليو إتش ماكنيل الذي ألف كتاب «الطواعين والناس» عام ~~1997، أنها ليست مصادفة؛ فهو يشير إلى أن أفريقيا تأوي أكبر عدد من مسببات الأمراض ~~للإنسان؛ وذلك ببساطة لأن هذا هو المكان الذي تطور فيه الإنسان وعاش فيه لأطول ms198 فترة من ~~الزمن. ~~(3) نشأة الطاعون النزفي من أفريقيا # إن معظم الأمراض التي ظهرت فجأة في القرن العشرين نشأت في الحيوانات؛ عادة الثدييات ~~أو الطيور. قد نرجح على سبيل التجريب السيناريو التالي: في البدء أصاب الطاعون النزفي ~~رئيسيات أخرى، لكن بنحو غير مدمر، وإلا لماتت كافة عوائله. في الغالب لم تتأثر ~~الرئيسيات من الناحية الظاهرية، ولربما كانت العدوى تنتقل إلى أسلافنا من فصيلة ~~القردة العليا من حين إلى آخر، ولربما قد تسبب في موتهم وربما لم تفعل. في جميع ~~الأحوال، ما كانت العدوى لتنتشر لمسافات بعيدة في هذه المجتمعات البدائية والمتفككة ~~المشتتة من البشر الأوائل، وما كانت بضعة حالات وفاة لتخلف عواقب وخيمة. وكان الفيروس - ~~الذي يتكاثر بثبات وهو في مأمن في مستودعه الحيواني - يظل بعيدا عن أي عوامل مؤثرة على ~~الإطلاق، وكان يستمر في التكاثر بغزارة. # مع تطور البشر، زادت المسافات الفاصلة بينهم وبين العوائل من الحيوانات. وعندما غادرت ~~مجموعات البشر أفريقيا لاستعمار أوروبا وآسيا وأخيرا لتؤسس الحضارات العظيمة والدويلات ~~وما بينها من حركة مرور كثيفة، خلقت الأجواء المثالية لإرساء ونشر أوبئة مدمرة. ومن ~~حسن حظهم أن مصادر الطاعون كانت في تلك الآونة على بعد مئات الأميال، ويفصلها عنهم ~~البحر المتوسط الشاسع. # ومع ذلك، كانت هناك أوقات عديدة عبر التاريخ طال فيها الطاعون النزفي تلك الحضارات؛ ~~إذ يفترض أن أفريقيا أو أكثر قد التقطوا عدوى من حيوان عائل ثم انتقل الفيروس عن ~~طريق مصابين مسافرين عبر وادي النيل؛ فأرسى المرض لنفسه قاعدة في بلاد الشام، وعندئذ ~~صار على بعد رحلة بحرية طويلة فحسب من مراكز الحضارات. # ومن ثم باتت المنطقة المحيطة بشرق المتوسط محورية تلعب دورا محوريا في قصتنا، ~~فلعها كانت لمئات السنين بمنزلة مستنقع للعدوى الآتية من أفريقيا الشرقية أو أفريقيا ~~الوسطى، ونقطة انطلاق لنقل العدوى المستمرة إلى الحضارات الغربية. ~~(4) طاعون أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد # لطالما ناقش كثير من العلماء الوباء المدمر الذي ضرب أثينا عام 430 قبل الميلاد، ~~ومع ذلك يظل الوباء أحد الألغاز الطبية الكبيرة ms199 في العصور القديمة. # كانت حضارة أثينا في أوج مجدها حينذاك، إلا أنها كانت تصب جام تركيزها على سلسلة ~~كبيرة من الحروب مع إسبرطة - الحرب البيلوبونيسية - التي كانت صراعا على الأرض ~~وصراعا أيديولوجيا دام ما بين عامي 431 و404 قبل الميلاد. كانت أثينا تنادي ~~بالديمقراطية من جانب، وعلى الجانب الآخر كانت إسبرطة، المعروفة بحكم الأقلية الذي حصر ~~الامتيازات على بضعة أفراد. في عام 443 قبل الميلاد ظهر بريكليس قائدا سياسيا ~~وعسكريا وثقافيا لأثينا، وقد أصبح مهندس استراتيجياتها العسكرية. # ظهرت حالات الطاعون الأولى في بيريوس التي كانت ميناء ومحطة لكثير من المسافرين ~~والتجار الذين جلبوا المرض من الخارج. سرعان ما انتشر المرض إلى علياء المدينة حيث ~~لقيت عائلات بأكملها حتفها، وكان معدل الوفيات بين الأطباء وآخرين ممن ~~كانوا مصاحبين للمرضى مرتفعة بدرجة واضحة . # كان ثوسيديديس كاتبا أثينيا من الطبقة العليا، أصيب بالطاعون وتعافى، ويذيع ~~صيته الآن بسبب الكتاب الذي ألفه، وهو بعنوان: «تاريخ الحرب البيلوبونيسية». خط ~~بعدها رواية شاهد عيان بالغة القيمة عن تلك الأيام المرعبة، وكان غرضه الواضح أن يقدم ~~وصفا دقيقا للمرض حتى يمكن التعرف عليه إذا عاود الظهور مرة أخرى. # يروي ثوسيديديس أن الأفراد كانوا يشكون فجأة من آلام حادة في الرأس وتلتهب ~~أعينهم ثم يبدءون في السعال دما. كان يعقب هذا سعال وعطس وآلام في الصدر، ثم تقلصات ~~في المعدة، وقيء وإسهال شديدان وظمأ لا يروى. كان الجلد يحمر، وتطفح عليه بثور ~~صغيرة وتقيحات مفتوحة، كما كان الضحايا يعانون من حمى شديدة ولم يكونوا يتحملون ~~الغطاء، مؤثرين أن يظلوا عراة. ولما أضناهم الظمأ، انتابتهم رغبة عارمة في الإلقاء ~~بأنفسهم في المياه الباردة، وقفز كثيرون في صهاريج المياه العمومية. معظمهم فقد ~~صوابه، ومات في اليوم السابع أو الثامن من بدء هذه الأعراض. ومن بين الذين ~~تعافوا، فقد كثيرون أطرافهم أو ذاكرتهم أو بصرهم. # كان الأثينيون على دراية تامة بأن المرض معد؛ فقد تحاشى الأصحاء المرضى، ولم ~~يقيموا شعائر الدفن المعهودة للعائلة والأصدقاء، وتركت أجساد الموتى في الشوارع ~~والمعابد. # يشبه ms200 وصف ثوسيديديس بشكل ملحوظ روايات شهود عيان الموت الأسود، وهي قطعا ليست ~~أوصاف الطاعون الدبلي، ولا أي مرض آخر من أمراض اليوم. من المحتمل أن هذه كانت موجة ~~تفش مبكرة لشكل من أشكال الطاعون النزفي. # نظرا لأن بريكليس كان يخشى هجمات الإسبرطيين، فإنه أمر الناس في الريف المحيط بأن ~~ينتقلوا إلى داخل جدران المدينة الحصينة. احتشد هؤلاء الناس بداخل مدينة مكتظة بالفعل ~~بعدد كبير من السكان، ولم يكن لهم مكان للعيش. كان الصيف حارا، وكانت المدينة تحت ~~الحصار، وهي ظروف مثالية لانتشار العدوى. # واصل المرض زحفه بمعدل منخفض طوال عام ~~429 قبل الميلاد - عندما لقي بريكليس حتفه منه - ثم عاد بقوة في صيف عام 428 ~~قبل الميلاد، خلال حصار آخر من الإسبرطيين. خمد المرض منذ شتاء عام 428 قبل الميلاد ~~حتى صيف عام 427 قبل الميلاد، إلا أنه عاود التفشي مرة أخرى وأخيرة في خريف ذلك ~~العام. ~~(5) طاعون جستينيان في القرن السادس الميلادي # وفقا لما جاء عن المؤرخ بروكوبيوس، فقد بدأ طاعون جستينيان بالقرب من إثيوبيا، ثم ~~انتقل إلى جنوب وادي النيل سنة 541 ميلاديا، قاطعا الطريق إلى ميناء الفرما على ~~البحر المتوسط في مصر، ومن هناك اندفع بقوة عبر مصر باتجاه الشمال إلى سوريا وفلسطين. ~~وحينئذ «بدا أنه انتشر في كل أنحاء العالم [المعروف]، وكانت هذه الكارثة هائلة جدا، ~~لدرجة أن الجنس البشري بدا على حافة الاندثار.» اتبع الطاعون في المقام الأول طرق ~~التجارة على الأرجح، التي من الواضح أنها وفرت سبلا «لتبادل العدوى بالإضافة إلى ~~البضائع.» # أضاف بروكوبيوس أن المرض دائما ما كان يبدأ من الساحل ثم كان ينتقل إلى الجزء ~~الداخلي من البلدة، ومن الواضح أنه عادة ما كان يصل على متون المراكب. وقد بدا أنه ~~يتحرك «بترتيب ثابت ويمكث لفترة معينة في كل بلدة»، أي إن الأوبئة، على غرار كافة ~~الأمراض المعدية، اتبعت نمطا ومسارا زمنيا مميزين. # عندما وصل الطاعون إلى القسطنطينية عام ~~542 ميلاديا، وضع نهاية كارثية لحلم الإمبراطور البيزنطي جستينيان بإعادة تأسيس ~~الإمبراطورية الرومانية. ms201 استمر الوباء في حالة الذروة لحوالي 4 أشهر وارتفع معدل ~~الوفيات من 5000 فرد في اليوم إلى 10000 فرد في اليوم، وقيل إن 300000 شخص قد ~~توفوا في القسطنطينية في السنة الأولى وحدها، مع أنه ربما تكون هناك مبالغة في ~~هذه الأرقام. أنهكت مهمة التخلص من الجثث المسئولين؛ فقد حفروا الخنادق، لكنها سرعان ما ~~امتلأت بالجثث عن آخرها وفاضت، وانتشرت رائحة نتنة كريهة في أجواء المدينة. # ثم نشرت السفن التجارية والقوات المحاربة الطاعون إلى أنحاء العالم الغربي ~~المعروف، وقد تفشى مرارا وتكرارا على مدار الخمسين سنة التالية مما أسفر عن معدلات ~~وفيات هائلة. يروي بروكوبيوس أن الناس كانوا مرعوبين؛ إذ كانوا يفطنون إلى أن الطاعون ~~سوف يصيبهم دون سابق إنذار. كان أول عرض يظهر على الضحايا هو الحمى الخفيفة، إلا أنه ~~كان يتبعها الأورام الدبلية في خلال الأيام القلائل التالية. عقب ظهور الأورام، ~~كان معظم المصابين إما يدخلون في غيبوبة عميقة أو في حالة هذيان عنيفة كانت تصل في ~~بعض الأحيان إلى ذهان جنون الاضطهاد والإقدام على الانتحار. عندما كان الأطباء يفتحون ~~الأورام، كانوا يجدون خراجا بداخلها. كانت البثور السوداء - التي لا يزيد حجم كل ~~منها عن حبة العدس - تنتشر في أجساد بعض الضحايا الذين كانوا يموتون دائما في خلال ~~24 ساعة. وكان يغلبهم الظمأ، وكان كثيرون يلقون بأنفسهم في البحر. وكان معظم الضحايا ~~يتقيئون دما ويموتون في غضون بضعة أيام من ظهور الأعراض. كانت البثور السوداء تعتبر ~~علامة أكيدة على الموت الوشيك، لكن بخلاف هذا لم يستطع الأطباء التنبؤ بسهولة بمسار ~~المرض، أو نجاح وسائل العلاج المختلفة التي كانوا يحاولون تطبيقها. وعلى ما يبدو لم ~~تتوف جميع الضحايا. # من الظاهر أن الاحتكاك بالأفراد الذين كانت تظهر عليهم الأعراض لم يكن يشكل ~~خطرا. يتفق هذا مع النتيجة التي توصلنا إليها بشأن الطاعون النزفي التي تفيد أن ~~احتمالات انتقال العدوى ترتفع خلال بداية الفترة المعدية وليس أثناء الأيام الأخيرة بعد ~~ظهور الأعراض الأولى. # على خلاف طاعون أثينا، استمر طاعون جستينيان لسنوات ms202 عدة، مع تفشي الأوبئة مرارا ~~وتكرارا. ومن المثير أنه كان يعاود الظهور في دورات تراوحت مدة كل منها من 9 سنوات ~~إلى 12 سنة، وبلغ الانخفاض في معدل سكان منطقة المتوسط في الفترة ما بين عامي 541 ~~ميلادية و700 ميلادية حوالي 50 بالمائة تقريبا من السكان. ذكر أحد المؤرخين في كتاباته ~~عن نوبة تفش ثانية عام 558 ميلادية أن الوباء لم يتراجع قط بعد نوبة الوباء ~~الأولى، كل ما هنالك أنه تحرك من مكان إلى آخر، وهي قصة شبيهة بقصة الطاعون النزفي في ~~فرنسا. وهكذا فمن الممكن أن المرض كان يتنقل من مكان إلى آخر بواسطة السفن التجارية ~~البطيئة التي كانت سائدة في ذلك الحين طول فترة الحضانة. ومجددا، بالتأكيد لم يكن ذلك ~~طاعونا دبليا. # ثمة أوجه تشابه مذهلة بين هذا الطاعون وطاعون أثينا - الذي وقع قبله بألف عام ~~تقريبا - والطاعون النزفي، وهي النشأة المفترضة في إثيوبيا، وأورام العقد ~~الليمفاوية، والهذيان، والحمى، والبثور السوداء، وانتقال العدوى من شخص إلى آخر، ~~وقصر فترة ظهور الأعراض قبيل الموت، والعطش الشديد. يشير كل شيء إلى أن هذه كانت موجات ~~تفش مبكرة للطاعون النزفي. ~~(6) قاعدة الطاعون النزفي في بلاد الشام # كان الطاعون معروفا لدى شعوب الشرق الأوسط قبل الموت الأسود بوقت طويل؛ ومن ثم ~~أدرك الناس المرض لدى معاودته الظهور في منتصف القرن الرابع عشر. كان طاعون جستينيان ~~إحدى الضربات المبكرة. بإمكان المسلمين تذكر التاريخ المرعب للمرض من فتوحاتهم للشرق ~~الأوسط في القرن السابع. تذكر السجلات التاريخية أنه حدثت خمس فاشيات كبرى في التاريخ ~~الإسلامي، وبدأت الضربة الأولى عام 627 ميلاديا. وقضى نحو 25000 جندي مسلم نحبهم عام ~~638 ميلادية في الوباء الثاني الذي كان منتشرا في سوريا وممتدا حتى العراق ومصر. ~~أطلق على ضربة الطاعون التالية الطاعون العنيف لأنها اجتاحت البصرة «كالطوفان» عام 688 ~~ميلادية، وضرب الطاعون الرابع الكبير هذه المدينة مرة أخرى عام 706 ميلاديا. عانت ~~العراق وسوريا من «طاعون النخبة» عام 716 ميلاديا. وكانت سوريا تتعرض لموجات تفش ~~أخرى كل عشر ms203 سنوات تقريبا في الفترة ما بين عامي 688 و744 ميلاديا. # عندما اجتاحت الأوبئة الإمبراطورية الإسلامية الأولى، استجاب المسلمون للخطر، ~~فسعوا إلى تفسير هذه الأوبئة ومعالجة الضحايا. كان للأوبئة دلالات دينية خاصة بسبب ~~تنبؤ النبي محمد بها، حتى إنها حددت التوجهات الثقافية للمجتمع الإسلامي التقليدي. تكشف ~~السجلات التاريخية لهذه الجائحات أنها كانت مشابهة للموت الأسود (الذي تفشى بعدها ب 600 ~~عام) من حيث انتقال عدواها ومن حيث العواقب الاجتماعية والاقتصادية ومعاودة الظهور ~~الدورية. # من الواضح أن الطاعون النزفي كان موجودا ونشطا ويقوم بعمله على أكمل وجه في معقله ~~ببلاد الشام والشرق الأوسط لمئات السنين قبل الموت الأسود. وكما هو الحال دائما، كان ~~ينتقل عن طريق التجارة. ~~(7) الطاعون الأصفر الغامض # ضرب وباء فتاك يعرف باسم «الطاعون الأصفر» أوروبا في القرن السادس الميلادي، ثم عاود ~~الظهور في القرن السابع واستمر لسنوات عديدة. وقد استشرى في جنوب إنجلترا عام 664 ~~ميلاديا، وقد انتقل منه في آخر المطاف إلى نورثمبريا وأيرلندا. جدير بالذكر أن هذا ~~الطاعون كان ينشط أثناء أشهر الصيف. ثمة أيضا روايات معاصرة عنه في إيطاليا وفرنسا ~~وإسبانيا. لا يوجد كثير من الحقائق عن هذا الطاعون، لكنه حتما استمر لوقت طويل (ربما ~~ل 600 عام)، مع أنه يبدو أن الأوبئة في إنجلترا كانت تحدث على فترات متقطعة. ولعل هذا ~~المرض كان مستوطنا في جنوب أوروبا القارية، وفقط كان يعبر القنال الإنجليزي من حين ~~إلى آخر كي يبدأ موجات التفشي في الصيف في إنجلترا. # هل كان طاعونا أثينا وجستينيان، وطواعين الإمبراطورية الإسلامية الأولى، وأشكال ~~الطاعون الأصفر، من الطواعين النزفية؟ إذا كان الأمر كذلك فهل تسببت تلك الطواعين ~~(وبالأخص الطاعون الأصفر) في زيادة تكرارية حدوث طفرة سي سي آر 5-دلتا 32 بالتدريج ~~لتصل إلى نسبتها التي تبلغ فردا واحدا في كل 40000 فرد قبل ظهور الموت الأسود؟ يبدو ~~هذا في نظرنا سيناريو محتملا. ~~(8) ثوران الطاعون النزفي في القرم # لم يتوقف الطاعون عند بلاد الشام كما رأينا؛ فقد كان يزحف باستمرار شمالا إلى ~~أنطاكية، ومن هناك ms204 يواصل المسير عبر تركيا وآسيا الصغرى وأوكرانيا، ويضرب الإمبراطورية ~~الإسلامية بانتظام. # في عام 1266، شيد أهل جنوة مدينة كافا (يطلق عليها الآن فيودوسيا) في القرم وأصبحت ~~الميناء الرئيسي لسفنهم التجارية العظيمة. وأسست صناعة ملاحة ساحلية إلى بلدة ~~تانا (يطلق عليها الآن آزوف في روسيا) على نهر الدون، واستمرت التجارة عبر هذا ~~الطريق المائي إلى وسط روسيا، ومن هناك إلى مدينتي سراي من خلال طرق القوافل. # بحلول أربعينيات القرن الرابع عشر (قبل الموت الأسود مباشرة) كانت كافا مدينة ~~مزدهرة، ومحصنة بشدة داخل جدارين متحدي المركز: الجدار الداخلي يسور 6 آلاف منزل ~~والجدار الخارجي يسور 11 ألف منزل. اشتمل السكان، الذين كانوا مزيجا من مختلف الأمم، ~~على أفراد من جنوة والبندقية ويونانيين وأرمن ويهود ومغول وأتراك. # حاصر المغول كافا وتانا عام 1343. وفر التجار الإيطاليون الموجودون في تانا إلى ~~كافا حيث دام الحصار حتى شهر فبراير عام 1344، وذلك عندما قتلت إحدى قوات الإغاثة ~~الإيطالية 15 ألف شخص من القوات المغولية ودمرت آلات الحصار. جدد المغول حصار كافا عام ~~1345، إلا أنهم اضطروا بعد عام إلى رفع الحصار لأن وباء فتاكا دمر ~~قواتهم. # انتقالات الطاعون النزفي في أنحاء بلاد الشام والقرم قبل وأثناء ~~الموت الأسود. # أتينا بالفعل في الفصل الأول على ذكر كاتب العدل جابرييل دي موسي أحد أهالي مدينة ~~بياتشنزا. كتب جابرييل أيضا عن أحداث القرم، مع أنه في الغالب لم يكن شاهد عيان. ~~وقد وصف كيف أنه في عام 1346 في بلاد المشرق، أصاب مرض غامض يسبب الموت المفاجئ ~~أعدادا لا حصر لها من التتار والمسلمين، وكان التتار قد حاصروا كافا لمدة تقارب الثلاث ~~السنوات، إلا أن مرضا ما أصاب هذا الجيش «وراح يقتل الآلاف والآلاف كل يوم.» وبالتأكيد ~~هذه مبالغة؛ فقد كان الجنود يموتون حالما تظهر أعراض المرض على أجسادهم: من أورام في ~~منطقة تحت الإبط أو أعلى الفخذ، متبوعة بحمى العفن (اسم قديم لحمى التيفوس). # وضع التتار جثث رفقائهم في المجانيق وقذفوها بداخل جدران كافا؛ على أمل أن تقتل ~~الرائحة النتنة التي ms205 لا تطاق الجميع هناك، فما كان من المسيحيين بداخل المدينة ~~المحاصرة إلا أن ألقوا أكبر عدد ممكن من الجثث في البحر، إلا أن الجثث النتنة سرعان ~~ما لوثت الهواء وسممت موارد المياه. # أغلب الظن أن هذا الشكل البدائي للحروب البيولوجية الذي شنه التتار لم يسهم في نشر ~~الوباء، إلا أنه سرعان ما سقط كل شخص في المنطقة تقريبا ضحية للمرض الغامض. «يكفي أن ~~ينظر المصاب إلى الأماكن والأشخاص فحسب حتى يصيبهم بالمرض وينقل السم إليهم.» لقد سمعنا ~~بمثل هذه النوعية من التعليقات قبلا. # هرب بعض البحارة الذين أصيبوا بالمرض من كافا بالمراكب، البعض اتجه إلى جنوة، فيما ~~اتجه آخرون إلى البندقية. لدى وصول البحارة إلى هناك، «تسممت كل الأماكن بالطاعون ~~المعدي ومات قاطنوها على حين غرة.» وعندما كان يصاب فرد واحد بالمرض كان يسمم ~~عائلته بأكملها «حتى وهو يموت.» من المفترض أن هذه قصة أخرى لوصول الموت الأسود إلى ~~شمال إيطاليا عام 1348. ~~(9) هل جاء الموت الأسود من القرم؟ # يتضح أيما وضوح من الوصف الذي قدمه جابرييل دي موسي أن هذا الوباء الغامض الذي ضرب ~~المنطقة المحيطة بالقرم لم يكن موجة تفش للطاعون الدبلي، فهل كان طاعونا ~~نزفيا؟ إن أخذ المغالاة المعتادة والتقارير الوصفية بعين الاعتبار، على الرغم من ~~ندرتها، يشير بقوة إلى أنه كان طاعونا نزفيا، ويربط دي موسي بوضوح بين الوباء ~~وظهور الموت الأسود في شمال إيطاليا. # إذن هل جاء الموت الأسود من كافا مباشرة في أعقاب إنشاء شبكة الطرق التجارية ~~القوية؟ إن وجه الاعتراض الأول هو طول الرحلة. قام جراهام تويج بدراسة خاصة لحركة ~~الملاحة في هذا الوقت، وخلص إلى أن السفن ما كان بمقدورها أن تتمم الرحلة من القرم ~~إلى جنوة عبر صقلية في أقل من أربع أو خمس أسابيع، وربما استغرقت ثلاثة أشهر. نرى أن ~~هذه مدة طويلة للغاية حتى بالنسبة لمرض معد تستغرق فترة حضانته 32 يوما. # إنما يزيد احتمال أن الوباء في كافا عام 1346 قد انتشر عبر البحر الأسود ووصل إلى ~~القسطنطينية بعدها ms206 بعام في ربيع عام 1347. وعندئذ تكون الرحلة أقصر فيستطيع أن يقفز إلى ~~صقلية، جالبا الموت الأسود إلى مسينة بعدها بستة أشهر في أكتوبر عام 1347، مع أنه ربما ~~يكون قد انتقل عبر اليونان. هذا السيناريو أكثر إقناعا فيما يتعلق بتوقيت ~~الأحداث. # بالتالي نستطيع أن نحبك ترتيب الأحداث إبان وباء جنوبي غرب آسيا المريع. على ما ~~يبدو بدأ هذا الوباء بالقرب من بحر قزوين في مدينة أستراخان وسراي عام 1345، أي قبل ~~ظهور الموت الأسود بعامين. انتقل الوباء إلى تانا في ربيع 1346، وسرعان ما انتقل إلى ~~كافا. كانت هاتان المدينتان تخضعان لحصار التتار الذين سرعان ما تساقطوا قتلى جراء ~~الإصابة بالمرض الذي انتشر انتشار النار في الهشيم بين قواتهم. لقيت أعداد كبيرة ~~حتفها لدرجة أن التتار فكوا الحصار في آخر المطاف، وفي الغالب عززت حركة ~~اللاجئين والقوات انتشار الوباء في أنحاء المنطقة. # على مدار العام التالي، انتقل هذا المرض الفتاك عبر البحر الأسود إلى القسطنطينية في ~~الربيع وإلى طرابزون في خريف عام 1347. في الوقت نفسه انتقل باتجاه الجنوب من أستراخان ~~إلى تبريز في إيران الحالية، حيث وصل هناك في شتاء 1346-1647، ثم واصل مسيره من هناك ~~حيث ظهر في بغداد على نهر دجلة في وقت غير محدد من عام 1347. من الواضح أن هذا المرض ~~استطاع أن يقطع مسافات كبيرة على طول الطرق التجارية، ومرة أخرى أؤكد أنه قطعا لم ~~يكن طاعونا دبليا. # لربما تمكن الموت الأسود من الوصول إلى مسينة عن طريق السفن التجارية القادمة من ~~القسطنطينية، ربما عن طريق اليونان. إلا أن بعض الروايات تحدثت عن وجوده في ميناء ~~الإسكندرية أيضا في سبتمبر عام 1347، أي قبل وصوله إلى صقلية بحوالي شهر. # لا زال لدينا أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، فهل جاء الموت الأسود إلى صقلية من ~~القسطنطينية أم من الإسكندرية؟ وهل موجة التفشي في الإسكندرية كان منشؤها القسطنطينية ~~أيضا؟ يستحيل أن نبت في هذا الأمر، لكن الوباء في مصر لم يقف بلا حراك؛ فقد ~~اتبع مساراته المعتادة عبر الطرق التجارية، ووصل عام ms207 1348 إلى دمشق شمالا، وإلى ~~مكة في شبه الجزيرة العربية جنوبا. كان الطاعون يغطي مساحات شاسعة في أوراسيا خلال ~~فترة الثلاث السنوات من عام 1345 إلى 1348، وبحلول عام 1350 كان قد وصل إلى الدائرة ~~القطبية الشمالية. # بعد عام 1348، يبدو أن المرض قد اندثر من جنوب غرب آسيا إلى الأبد؛ فقد تكسرت سلاسل ~~انتقال العدوى - ربما أثناء الشتاء - وتوقفت الأوبئة ولم تظهر مرة أخرى. ~~(10) ما بعد الموت الأسود # تشير الدلائل إلى أنه بعد الموت الأسود استمر الطاعون النزفي في بلاد الشام، بنسبة ~~متغيرة ولكنها منخفضة بصفة عامة. في مصر وحدها كان يبلغ عن ظهور الطواعين ~~كل خمس سنوات على مدار 150 عاما بعد الموت الأسود. # بالطبع بلغت كثير من موجات تفشي الطاعون النزفي إيطاليا عبر الموانئ، وكما رأينا ~~كانت السلطات الصحية الحذرة للدويلات الشمالية تأخذ حذرها من المراكب الآتية من ~~الشام، ومن الواضح أنهم أدركوا خطر طاعون نزفي قوي قادم من هذه المنطقة. # ربما يستمر الوباء الواحد في المناخ الدافئ هناك لمدة حوالي ثلاث أو أربع سنوات، إلا ~~أن القطاع الساحلي لكل من سوريا ولبنان وإسرائيل ومصر صغير نسبيا؛ لذا كان الوباء ~~يندثر في النهاية. ومن ثم، لو كانت هذه المنطقة اعتبرت خطرا دائما، فإن ذلك يرجع في ~~الغالب إلى الأوبئة المتكررة المتقطعة هناك، التي كان كل منها يبدأ من جديد عن طريق ~~وصول مصاب من وادي النيل. # إلا أن طول نهر النيل يبلغ حوالي 1500 ميل (2400كم)، وعليه، فلم يكن انتقال المرض ~~ممكنا - على الأرجح - خلال فترة حضانة مصاب واحد للمرض، حتى لو كان مسافرا بالقارب في ~~اتجاه مجرى النهر، إنما بالأحرى كانت هناك سلاسل لانتقال العدوى والأوبئة التي كانت ~~تتحرك باستمرار على طول الوادي جيئة وذهابا عبر المراكب أو القوافل. # الفصل السابع عشر # | لماذا اختفى الطاعون النزفي فجأة؟ # كان الطاعون في إنجلترا وفي أوروبا القارية الشمالية يجتاز فصل الشتاء بصعوبة، وكما ~~برهنا، كان استمراره على مدار القرون معتمدا بالكامل على الوصول المتكرر للمصابين من ~~فرنسا. اختفى الطاعون من اسكتلندا ms208 عام 1649، وسرعان ما اندثر من إنجلترا بعد عام 1666 لأنه ~~لم يستطع أن يجتاز أشهر الشتاء، ولم يكن هناك المزيد من المصابين الذين يفدون من أوروبا ~~القارية لأنه اختفى من هناك. إذن فالسؤال المهم الآن هو: لماذا اختفى الطاعون أخيرا من ~~معقله في فرنسا؟ # في الغالب لا يوجد جواب وحيد لهذا السؤال، إنما بالأحرى لا بد أن مجموعة من العوامل - ~~بعضها أهم من بعض - اتحدت معا للقضاء على المرض من مستودعه في فرنسا. من بعدها لم ~~يكن هناك أمل للطاعون أن يعيش طويلا، كانت المسألة مسألة وقت ليس أكثر. ~~(1) العصر الجليدي الصغير # صار المناخ العالمي باردا بدرجة كبيرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، واتسمت ~~بداية العصر الجليدي الصغير بانخفاض نشاط البقع الشمسية، وزحف الكتل الجليدية، ~~وانخفاض درجات الحرارة. ولم تبدأ فترة البرودة الأساسية حتى عام 1560، إلا أنه حتى في ~~وقت سابق نحو عام 1506، قاسى جنوب فرنسا من شتاء قارس وتجمد البحر المتوسط عند ~~مارسيليا. # في أوروبا، كان شهر مارس هو الذي يعكس التغير المناخي دائما تقريبا. صار هذا الشهر ~~باردا شتويا مع سقوط الأمطار الخفيفة، وغالبا كان يسود الطقس في هذا الوقت من ~~السنة مرتفعات جوية حاجزة ورياح شمالية. علاوة على أنه كانت تعقبه أشهر ربيع باردة ~~وجافة، وكان شهر يونيو باردا ورطبا. # من ثم ربما كان استمرار المناخ البارد خلال الربيع وأوائل الصيف هو العامل المهم الذي ~~كبح قدرة الطاعون على إعادة توطين نفسه بعد الشتاء؛ ومن ثم إخماد كثير من الأوبئة ~~الوشيكة. # كانت هذه الظروف المناخية الأشد برودة ستسهم في اختفائه من إنجلترا، لكن الأمر ~~الأهم من أجل خدمة أهدافنا هنا هو أن هذه الظروف ربما حدت أيضا من انتشار الطاعون ~~وساهمت في زواله من جنوب فرنسا. # إلا أن ثلاثينيات القرن السابع عشر شذت عن النمط المناخي العام للعصر الجليدي ~~الصغير؛ لأن الطقس كان دافئا نسبيا إبان هذا العقد. كان هذا هو الوقت الذي كان فيه ~~الطاعون في أوروبا القارية في أسوأ حالاته - إذ انتشرت الأوبئة على ms209 نطاق واسع في ~~فرنسا وألمانيا - في حين كانت أربعينيات نفس القرن هي الأكثر برودة على الإطلاق من بين ~~كل عقود عصر الطواعين، وكان هذا هو الوقت الذي بات فيه المرض أقل حدة بكثير، ~~فلم يكن هناك سوى بضعة موجات تفش محدودة فحسب في القارة. ~~(2) تدابير الصحة العامة # صارت السلطات الصحية في أنحاء أوروبا أكثر كفاءة بالتدريج في رصد المرض ومنع الأوبئة ~~من الظهور والانتشار. بحلول القرن السابع عشر، سرعان ما كان يجري التعرف على حالات ~~الطاعون - حتى في الأقاليم - وتقديم التدابير المناسبة لها، التي شملت العزل في مستشفى ~~مخصص لمرضى الوباء، والتطويق، والحجر الصحي. # أنشئت خدمة استعلامات منتظمة غير رسمية بين البلدات، وكانت المراكب الداخلة إلى ~~الموانئ، وكذلك الغرباء الذين يصلون يشكلون مثارا لشك عارم إذا كانوا وافدين من ~~مكان كان معروفا بانتشار العدوى فيه. وفي فرنسا كان يشترط أن يقدم المسافرون شهادات ~~صحية تثبت خلوهم من الأمراض قبل دخولهم المدن. # لم تنجح هذه التدابير كثيرا في احتواء الأوبئة، مع أنها قللت من معدل الوفيات على ~~الأرجح. ومع ذلك فلعلها ساعدت بعد عام 1646 - عندما كان المرض ينحسر بالفعل في فرنسا - ~~في تحجيم انتشاره إلى حد بعيد ومن ثم عجلت من اندثاره. ~~(3) اختفاء الطاعون من بلاد الشام # إذا كانت هناك نقطة تمركز للطاعون في منطقة شرق المتوسط، فلعلها اندثرت بسبب انعدام ~~وفود المسافرين المصابين عبر وادي النيل الذين كانوا يجددون الطاعون ويعززونه. في ذلك ~~الوقت، انعدمت الفرص لاستحضار المرض من جديد إلى جنوب فرنسا لتعزيز الأوبئة ~~هناك. ~~(4) تحسن التغذية # ربما أدى التحسن العمومي في التغذية - بالأخص في جنوب فرنسا - إلى زيادة قوة الجماعات ~~السكانية وتحسين صحتهم وتعزيز أجهزتهم المناعية لتصبح قادرة على مقاومة المرض. يضاهي ~~هذا تقليل خطورة السعال الديكي في إنجلترا في القرن التاسع عشر، الذي ارتبط بوضوح ~~بتحسن النظام الغذائي. # في فترة عامي 1628-1629، عمت مجاعة شمال إيطاليا؛ إذ ارتفعت أسعار الحبوب بشدة، ~~وأعقب ذلك أكبر موجة تفش للطاعون على الإطلاق في أوروبا القارية. بعد عام 1662، ~~انخفضت أسعار ms210 الحبوب في فرنسا؛ مما أدى إلى تحسن تغذية الغالبية العظمى من ~~السكان. ~~(5) تطور مقاومة المرض # كان هذا أهم عامل أدى إلى اختفاء الطاعون؛ فبحلول القرن السابع عشر، صار بعض سكان ~~أوروبا المحظوظين إما مقاومين تماما وإما جزئيا للفيروس لأنه كان لديهم - كما رأينا ~~- طفرة سي سي آر5-دلتا 32. كانت هذه النسبة من الأشخاص المحميين تزيد بمعدل ثابت على ~~مر السنين، وبالأخص في البلدات المهمة التي تقع على الطرق التجارية في فرنسا؛ فترتب ~~على ذلك انخفاض عدد وكثافة الأشخاص الذين كان لديهم قابلية للإصابة بالمرض في هذه ~~الأماكن الحيوية. # كي يتمكن وباء كبير من البقاء، فلا بد من توافر كثافة سكانية كافية من الأشخاص الذين ~~لديهم قابلية للإصابة بالمرض. ومع ارتفاع أعداد الأفراد المقاومين، راحت الأوبئة في ~~البلدات الكبرى في فرنسا تواجه صعوبة متزايدة في الانطلاق وإنتاج موارد من المسافرين ~~لنقل العدوى إلى أماكن أخرى، وهكذا فقد الطاعون نقطة انطلاقه في فرنسا. كانت هذه بداية ~~النهاية المفاجئة للطاعون النزفي. ~~(6) نهاية عصر # لربما تضافرت هذه الزيادة المستمرة في نسب المقاومة في المدن الفرنسية مع العوامل ~~الأخرى المدرجة سابقا. وعلى ما يبدو فإنها أدت معا في نهاية المطاف إلى اختفاء مفاجئ ~~للفيروس. وكان يتعين أن تنكسر سلسلة العدوى نهائيا في غضون عام كي يختفي الفيروس. ~~بعدها لا يمكن للأوبئة أن تظهر إلا في أعقاب وصول جديد للمرض من خارج أوروبا. # الفصل الثامن عشر # | مخاطر الأمراض الناشئة # لطالما استخدمنا باستمرار في كل أجزاء هذا الكتاب لفظة «الطاعون»، مع أنها في الواقع ليس ~~لها تعريف محدد. وقد تم استخدامها للإشارة إلى مجموعة كبيرة من الأحداث الكريهة بدءا من ~~استخدامها لوصف ضربة الجراد «طاعون الجراد» في العهد القديم ووصولا إلى جائحة الإنفلونزا ~~التي حدثت بين عامي 1917-1919. تشكل اللفظة جزءا من الأسماء الشائعة لبعض الأمراض (مثل ~~«الطاعون الدبلي») كما تستخدم أيضا للإشارة بشكل محدد إلى تسلسل من الأوبئة في أوروبا ~~في أعقاب الموت الأسود. # إلا أنه ثمة فئة مثيرة ومهمة من الأمراض التي تتوافق إلى حد ما ms211 مع فكرتنا البديهية عن ~~الطاعون، ألا وهي الأمراض الناشئة التي عرضنا لها في الفصل الخامس عشر. # بمجرد قبولنا أن الموت الأسود لم يكن ناتجا عن الطاعون الدبلي، يصبح جليا أنه لم ~~يكن ناتجا عن عامل معد معروف، وأنه لم يكن سوى مرض واحد ضمن سلسلة طويلة من الأمراض ~~الناشئة - مع أنه بالطبع أكثرها بشاعة - التي أصابت البشرية منذ فجر الحضارة. تظهر هذه ~~الأمراض المعدية الفتاكة من العدم بنحو غامض، وتأخذ مسارها ثم تختفي، وأحيانا تستطيع أن ~~تعاود الظهور. # عندئذ لا بد أن نقبل الاحتمالية المرعبة التي تشير إلى أن الموت الأسود يستطيع أن يعاود ~~الظهور، أيا ما كان المكان المتواري فيه؛ فمثل هذا الحدث قد يقضي على حضارتنا. # كان جليا لنا أننا لا بد أن نفحص الآن بيولوجيا الأمراض المعروفة التي نشأت في عوائل ~~حيوانية في القرن العشرين فحصا متمعنا. لقد سمعنا جميعا عن تفشي فيروس نقص المناعة ~~البشرية أو الإيدز الذي يستحيل ردعه، وقد اكتشفنا ظهور أمراض كثيرة أخرى جديدة تماما على ~~مدار الثلاثين عاما الأخيرة. إذا كان هناك أي احتمال لمعاودة الموت الأسود - أبشع مرض فتاك ~~ضرب البشرية على مدار تاريخها - الظهور مرة أخرى، ينبغي علينا أن نكون مستعدين. ~~(1) خطر الأمراض الناشئة المستتر # نقدم في هذا الفصل نظرة عامة عن بعض الطواعين التي أصابت البشرية بعد الموت ~~الأسود. لا تزال الأمراض الناشئة تظهر اليوم بتواتر متزايد مثير لأقصى درجات القلق. ما ~~خصائصها البارزة؟ قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نضع في اعتبارنا بعض الأمثلة ~~الشهيرة للأمراض المعدية التي «ليست» طواعين. # إن أمراضا مثل الحصبة موجودة منذ زمن طويل. الحصبة مرض شديد العدوى، وتنتشر موجات ~~فاشياتها الوبائية انتشار النار في الهشيم بين الأطفال المعرضين للإصابة، وهي لا تمثل ~~خطرا على الأطفال الذين يحصلون على التغذية الجيدة في البلدان المتقدمة، لكن في ~~القرون الماضية - وفي البلدان الفقيرة اليوم - ربما كانت 15٪ من حالات الإصابة قاتلة، ~~وإذا تعافى طفل مصاب، تصير لديه مناعة من المرض، ولا يصاب به مرة أخرى. يمكن اعتبار ms212 ~~هذا الفيروس طفيلا ناجحا يتعايش في توازن مع عائله؛ وهو الإنسان. ما دام ثمة أطفال ~~يولدون على الأرض، فسوف يتعايش الفيروس مع الإنسان إلا إذا أبيد ببرنامج تطعيمي ~~للطفل. # ربما كان الجدري في أول ظهوره مرضا حميدا نوعا ما؛ كونه يأتي من الحيوانات ~~الداجنة، إلا أنه تحور نحو عام 1630 ليصبح أكثر فتكا، وقد كان أكثر الأمراض المرعبة ~~في أوروبا بعد اختفاء الطاعون. وكما هو الحال مع الحصبة، يؤدي التعافي منه إلى اكتساب ~~مناعة؛ ومن ثم لم يكن يصاب به سوى الأطفال، وقد كان أقل قدرة على العدوى من ~~الحصبة، إلا أنه أكثر فتكا. # أمكن التغلب على الجدري بالتدريج، أولا عن طريق التطعيم بجرعة من الفيروس الحي ~~نفسه ثم عن طريق التطعيم بنسخة مضعفة منه، ثم ظهرت طفرة أخرى مميتة من المرض في ~~أوروبا عام 1869 أدت إلى معدل وفيات مريع بالرغم من الحصول على التطعيم. وأخيرا ~~قضي على الجدري عن طريق برنامج تطعيم خاضع لرقابة مشددة على مستوى العالم. إلا أنه ~~الآن، وبعد أن أصبح التطعيم غير إجباري، إذا انطلق الجدري - سواء بشكل غير متعمد أو ~~بفعل إرهابيين - فإن نسبة ضئيلة فقط من السكان هي التي سيكون لديها مقاومة أو مناعة ~~ناجحة ضده. # مرض الكوليرا هو عدوى قاتلة تصيب الجهاز الهضمي، وينتقل عن طريق شرب الماء الملوث، ~~وهو يودي بحياة الكثير من الأشخاص في معسكرات اللاجئين اليوم، وكانت الخسائر في ~~الأرواح جراء الإصابة به في القرن التاسع عشر مرعبة؛ إذ لقي 10٪ من سكان مدينة ~~سانت لويس بالولايات المتحدة حتفهم بسببه في خلال ثلاثة أشهر عام 1849، ونصف مليون ~~شخص في ولاية نيويورك عام 1832. والكوليرا مرض لا يشوبه الغموض؛ فهو لا ينتقل من شخص ~~إلى آخر، ولا يظهر من العدم، ويتوقف الوباء بتوقف تناول الماء الملوث. # أصيب خمس سكان لندن عام 1665 بالسل النشط، واستمرت المعدلات في الارتفاع. لم ~~تكن لندن مكانا صحيا بالمرة. جلب المهاجرون المرض إلى الولايات المتحدة، وقد أحكم ~~قبضته على المدن الشمالية تزامنا مع اندلاع الحرب الأهلية. ms213 وقد تسبب المرض في معدل ~~وفيات هائل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ولا يزال يفعل ~~ذلك في البلدان الفقيرة. إن السل ليس مرضا شديد العدوى ولا يسبب أوبئة حقيقية، وقد ~~قضي عليه تقريبا بتحسن التغذية وظروف المعيشة حتى قبل اختراع المضادات الحيوية، إلا ~~أنه عاد إلى التزايد مرة أخرى. # على الرغم من خطورة بعض من هذه الأمراض، فإنها لا تعتبر طواعين، وهي تستمر في ~~البقاء عادة بين السكان بنسب منخفضة، مع ظهور أوبئة عارضة، وهي موجودة منذ وقت طويل، ~~وطرقها في العدوى مفهومة جيدا. لقد تعلمنا كيف نتعايش معها، وقد هزمناها في بعض ~~الحالات عن طريق برامج التطعيم، إلا أن بعضها يمثل أسلحة محتملة للهجمات الإرهابية ~~البيولوجية. ~~(2) كيف نستطيع أن نميز الطواعين الفتاكة الناشئة؟ # على العكس تماما، تتميز الطواعين الناشئة بالخصائص التالية: تتميز بقدرة عالية ~~على الإماتة، قد تقترب غالبا من 100٪، ويبدو أنها تظهر من العدم - مع أنه بحلول النصف ~~الثاني من القرن العشرين بات علماء الأوبئة قادرين على تحديد الأصول الحيوانية المحتملة ~~- وتنتقل عدواها مباشرة من شخص إلى آخر، وهي عادة ما تكون فيروسية، وغالبا ما تتسبب ~~في حالات تفش وبائية. # عادة ما تنسب طواعين القرن العشرين ~~الناشئة إلى أصول حيوانية، وهنا يكمن مفتاح نجاحها. لما كانت هذه الطواعين تقتل ~~عائلها البشري، فإنه يمكن اعتبارها طفيليات فاشلة من الوهلة الأولى؛ فأي وباء ينتهي ~~حالما تموت جميع الضحايا وعندئذ تموت الطفيليات أيضا لا محالة، لكن في حالة الأمراض ~~الناشئة، يستمر العامل المعدي، وفي الوقت نفسه يعيش في تناغم في عائله الحيواني ولا ~~يؤثر عليه إلا بمقدار طفيف، وهذا مثال على الطفيل الناجح حقا؛ يرقد هذا المرض خاملا ~~في مستودعه (هنا يكمن الخطر على الإنسان) ويكون قادرا في الغالب على الهجوم مرة أخرى ~~إذا اتصل إنسان بمحض المصادفة اتصالا مباشرا بحيوان عائل للطفيل. ~~(3) مرض التعرق الغريب # في خريف عام 1485 ظهر مرض غريب في إنجلترا، قيل إنه وصل إلى هناك عن طريق المرتزقة ~~الذين كانوا عائدين لتوهم ms214 من فرنسا. استمر المرض طوال الخريف وأوائل الشتاء، ~~وصار معروفا في أوروبا باسم «التعرق الإنجليزي» بسبب شدة قابلية الأفراد للإصابة به في ~~إنجلترا. # عاود مرض التعرق الغامض الظهور أربع مرات أخرى - في عام 1508، وفي 1517، وفي 1528، ~~وفي 1551 - واختفى بعدها من إنجلترا إلى الأبد. معظم الروايات الباقية عن موجات التفشي ~~الوبائية هذه قاصرة على لندن، باستثناء الوباء الأخير، الذي بدأ في بلدة شروزبري ~~بمقاطعة شروبشير، ثم انتقل إلى لندن حيث «أسفر عن معدل وفيات هائل.» إلا أنه بتحليل ~~سجلات 680 أبرشية تبين أن هذا المرض كان في حقيقة الأمر مرضا ريفيا في الأساس، ~~قادرا على الانتقال السريع جدا عبر الطرق الرئيسية، وكان يودي بحياة 30٪ من سكان ~~البلدات التي كان يضربها. # على ما يبدو كان التعرق يصيب الأثرياء ~~على وجه الخصوص؛ فقد أصيب به الكاردينال وولسي ثلاث مرات عام 1517، لكنه نجا. وسقط ~~كثيرون في بلاط هنري الثامن مرضى بالتعرق؛ فانتاب الملك خوف قهري من المرض لدرجة ~~أنه كان يغير مقر إقامته كل يومين في محاولة لتحاشي الاتصال بأولئك الذين أصيبوا ~~في بلاطه. # كان هجوم مرض التعرق يبدأ دون سابق إنذار، وعادة ما كان ينتشر في الليل أو الصباح ~~الباكر، وكان المصاب به يشعر ببرودة ورجفة يعقبها حمى التهابية حادة مع تصبب عرق ~~غزير، وغالبا ما كان يصاحبه طفح جلدي، كما كان يعاني من آلام مفاجئة في الرأس وألم ~~العضلات وصعوبة في التنفس. لم يكن يستمر أكثر من 24 ساعة، وإذا حالف الحظ الضحية، فإن ~~العرق كان يقل ويحل محله التبول بغزارة، وتتماثل الضحية للشفاء التام خلال أسبوع أو ~~اثنين. بخلاف هذا سرعان ما كان يعقب آلام الرأس الشديدة والتشنجات الدخول في ~~غيبوبة ثم الوفاة. لقي كثير من الضحايا حتفهم بعد بضع ساعات من ظهور الأعراض، مع ~~أن معظم الضحايا كانوا يبقون على قيد الحياة لمدة 24 ساعة. لم يكن مرض التعرق ~~يصيب الرضع أو الأطفال الصغار أو الطاعنين في العمر، ولم يكن التعافي من المرض ليضمن ~~اكتساب مناعة ضده. # في عام 1528 ms215 كتب السفير الفرنسي لدى البلاط الإنجليزي: # أصيبت خادمة من خادمات السيدة بولين يوم الثلاثاء بمرض التعرق؛ فغادر الملك ~~في عجالة شديدة وابتعد لمسافة اثني عشر ميلا ... هذا المرض هو أسهل مرض في ~~العالم يمكن أن يموت المرء منه؛ فالمرء يشكو آلاما خفيفة في الرأس والقلب، ~~وفجأة يبدأ في التصبب عرقا. ولا داعي لإحضار الطبيب؛ لأنه إذا كشفت الغطاء ~~عنك بأقل قدر ممكن، أو غطيت نفسك أكثر قليلا من اللازم، فستموت بلا ~~معاناة. وصحيح أن مجرد إخراج يدك من تحت الفراش إبان الأربع والعشرين ساعة ~~الأولى من شأنه أن يودي بحياتك. # كانت أوبئة مرض التعرق قصيرة المدة: «إذ كانت تهاجم جماعة بعينها ثم ~~تختفي، وكان المرض يجتاح أبرشية بأكملها في غضون أيام قليلة جدا، على الأكثر ~~أسبوعين.» # أيا كان السبب وراء مرض التعرق، فإنه لم يكن الطاعون الدبلي، ولا الطاعون ~~النزفي، الذي كان متزامنا معه. لكن الأسئلة المثيرة هي: أين ذهب في السنوات التي تخللت ~~الأوبئة، وهل كان له عائل حيواني في مكان ما؟ ~~(4) «موت أسود» في آسيا الوسطى # لفت جراهام تويج بكل دماثة انتباهنا إلى تقرير كان قد أعده الحاكم العام ~~لتركستان ظهر في الصحيفة الطبية البريطانية عام 1892. تغطي بلاد تركستان مساحة ~~شاسعة من آسيا الوسطى، ووفقا لما جاء في التقرير «هاجم الموت الأسود المنطقة هجمة ~~عنيفة»، وكان الموت الأسود قد ظهر فجأة في عشق آباد في سبتمبر عام 1892. أوضح الحاكم ~~العام قائلا: # يعرف الناس في غرب آسيا الموت الأسود منذ زمن بعيد باعتباره ابتلاء أشد ~~فتكا من الكوليرا أو الطاعون [الدبلي]؛ فهو يظهر فجأة، مجتاحا منطقة ~~بأكملها وكأنها رياح سموم طاعونية [رياح صحراوية حارة جافة]، فيأتي على ~~الحيوانات والبشر على حد سواء، ثم يتلاشى فجأة كما ظهر، قبل أن يتوافر لديك ~~الوقت لتتحقق من طبيعته أو طريقة تغلغله. # في عشق آباد، قتل الطاعون في 6 أيام 1303 أشخاص من إجمالي تعداد ~~سكان بالغ 30 ألف نسمة، ثم اختفى «دون أن يترك أي أثر على وجوده سوى جثث ضحاياه. ~~أنتنت ms216 هذه الجثث سريعا حتى إنه لم يمكن القيام بفحص تشريحي سليم للجثث.» كانت ~~الإصابة تبدأ برعشة شديدة العنف؛ إذ كان المريض يرتجف فعليا من أعلى الرأس إلى أخمص ~~القدمين، وكانت الرعشة تحدث كل خمس دقائق لمدة ساعة، بعدها يشكو المريض من إحساس غير ~~محتمل بالسخونة، وتتصلب الشرايين وتتزايد سرعة النبض، وفي الوقت نفسه ترتفع درجة ~~الحرارة بانتظام. كانت التشنجات تتناوب مع نوبات إغماء، وكان المرضى يعانون من آلام ~~شديدة، وفجأة كانت الأطراف تتيبس وتصير باردة، وفي غضون 10 إلى 20 دقيقة، يدخل المريض ~~في غيبوبة سرعان ما كانت تنتهي بالموت. وفي الحال، بعد توقف الضحية عن التنفس، تتكون ~~فقاعات سوداء كبيرة على الجسم سرعان ما تنتشر على سطح الجلد، ويتحلل الجسد في غضون ~~دقائق قليلة. # ترى ماذا كان هذا المرض الغريب الذي ضرب آسيا الوسطى، والذي كان يظهر فجأة ثم يختفي ~~بسرعة كبيرة بعدها؟ ولماذا كانت الجثث تتحلل بهذه السرعة الكبيرة؟ فهل من الممكن أن ~~يكون ذلك شكلا طافرا من الطاعون النزفي؟ ~~(5) أسوأ جائحة بعد الموت الأسود # الإنفلونزا هو مرض يصيب الحيوانات، ويمكن أن ينتقل إلى الإنسان، ويتحور سريعا. وقد ~~ظهرت سلالة من فيروس الإنفلونزا عام 1917. بعد أن بدأ الفيروس في الولايات المتحدة ~~الأمريكية في شكل غير فتاك من الإنفلونزا. اجتاح العالم، لكنه لم يسفر إلا عن بضع حالات ~~وفاة (معظمها بين الشباب). بيد أنه في أغسطس عام 1918 تحور الفيروس، مطلقا أكثر ~~أوبئة الإنفلونزا فتكا على مر التاريخ. ظهر الوباء في ثلاثة موانئ في نفس الوقت ~~تقريبا حيث تجمعت قوات ومؤن من جميع أنحاء العالم وأرسلت إلى الخنادق في الجبهة ~~الغربية: مدينة بوسطن بأمريكا الشمالية، ومدينة فريتاون بسيراليون، ومدينة بريست بمنطقة ~~بريتاني. # بمساعدة وسائل النقل السريعة في القرن العشرين، استطاع هذا الوباء أن يودي بحياة ~~نصف مليون نسمة في الولايات المتحدة، وأبلغت بريطانيا عن سقوط 2000 ضحية أسبوعيا، ~~وفي الهند، قضى 20 مليون شخص. بلغ العدد النهائي للوفيات على مستوى العالم حوالي 30 ~~مليون شخص تقريبا، فيما أصيب بالمرض ms217 200 مليون شخص على الأقل، وفي وقت لاحق أوضحت ~~اختبارات الدم أن المرض مس الأغلبية العظمى من الجنس البشري. بدأ هذا الوباء المرعب ~~في التراجع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسرعان ما تلاشى تماما. # عادة ما يكون معتلو الصحة والصغار والطاعنون في السن أكثر عرضة من غيرهم ~~للإصابة بالإنفلونزا، إلا أن الأمر المثير للغرابة أن هذا الوباء أصاب أكثر ما أصاب ~~أشخاصا أصحاء في العشرينات من العمر، وزاد على الأعراض المعتادة للإنفلونزا (من آلام ~~بالرأس، وبرد شديد، وحمى، ورجفة، وألم في العظام والعضلات) مضاعفات مثل الالتهاب ~~الرئوي الحاد، والتهاب الشعب القيحي، واضطرابات في القلب. اعتبرت هذه السلالة أكثر ~~فتكا من الإنفلونزا العادية بمقدار 25 مرة؛ إذ كانت فعليا تغرق الضحايا بملء رئاتهم ~~بالدماء. # تنتج سلالات الإنفلونزا الجديدة القادرة على إثارة أوبئة عن طفرات جينية جذرية تنشأ ~~عادة في آسيا. تحدث هذه الطفرات في فيروس يصيب حيوانا، وفي الغالب يكون هذا الحيوان ~~إما بطا وإما دجاجا وإما خنازير، ثم يمرر إلى البيئة وإلى الإنسان. # في عام 1998، عثر على بقايا فيروس الإنفلونزا في ضحايا جائحة عام 1918: في رئتي ~~امرأة كان جسدها محفوظا بولاية ألاسكا، وفي رئات وأدمغة عمال مناجم الفحم بجزيرة ~~شبيتسبرجن الذين دفنوا في التربة الصقيعية. فك العلماء شفرة التسلسل الكامل لأحد ~~جينات الفيروس المهمة، الذي ثبت أنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالشكل الأساسي ~~للإنفلونزا التي تصيب الخنازير. # هناك دائما خطر قائم، متمثلا في ظهور السلالة التي تسببت في وباء عام 1918 من ~~جديد، ربما في شكل له نفس القدرة على الفتك. وقد تبين مؤخرا أن فيروس إنفلونزا ~~الطيور ينتقل من المرضى إلى العاملين بمجال الرعاية الصحية بهونج كونج، والشيء المقلق ~~أن ثمة إشارة إلى أن هذا الاكتشاف ربما ينذر بفيروس «إنفلونزا جديد له قدرة على إطلاق ~~تفش وبائي.» # في فبراير من عام 2003، أثار تفشي «إنفلونزا الطيور» في عائلة بهونج كونج - كانت قد ~~زارت مقاطعة فوجيان بجنوب الصين - المخاوف من أن البلدة سوف تكون مصدرا لجائحة ~~الإنفلونزا العالمية التالية. تنتاب المخاوف علماء ms218 الإنفلونزا لأن الممارسة الصينية ~~المتمثلة في تربية أعداد كبيرة من مختلف الطيور على مقربة شديدة من البشر، تدعم ظهور ~~سلالات جديدة من المرض. زارت العائلة مقاطعة فوجيان للاحتفال برأس السنة الصينية، ~~فضربتها فاجعة عندما مرضت الابنة البالغة من العمر 8 سنوات وتوفيت، ثم مرض ~~الأب وأحد الأبناء بأعراض شبيهة. توفي الأب بعد رجوع العائلة إلى هونج كونج بفترة ~~وجيزة، واحتجز الابن في المستشفى حيث شخصت السلطات الصحية مرضه على أنه فيروس إنفلونزا ~~الطيور إتش 5 إن 1. # أثار تفشي وباء إنفلونزا الطيور في العديد من دول شرق آسيا في مطلع عام 2004 مخاوف ~~كبيرة وذعرا للمستهلكين، ومع أنه بحلول منتصف فبراير، كان 18 شخصا قد توفوا، ~~فمن حسن الحظ أن الفيروس لم يطور بعد الطفرة التي من شأنها أن تسمح للإنفلونزا بأن ~~تنتقل مباشرة من إنسان إلى آخر. # ولا يعرف سبب تحول الفيروس في بعض الأحيان إلى فيروس قاتل، لكن أسوأ موجات تفش ~~للفيروس هي تلك التي تنطلق عندما يلتقط فيروس إنفلونزا بشري جينات جديدة من فيروسات ~~إنفلونزا طيور، أو عندما ينتقل الفيروس مباشرة من الدجاج إلى البشر. ~~(6) موجة تفش في بلدة أفريقية نائية # إن حمى لاسا - التي ورد أول ذكر عنها في خمسينيات القرن العشرين - هي مرض فيروسي ~~حاد ناشئ تتراوح مدته من أسبوع إلى أربعة أسابيع، وتختلف أعراضه في حدتها ما بين ~~لا شيء على الإطلاق إلى بالغ الخطورة قد يؤدي إلى الموت، وهي تظهر الآن في غرب أفريقيا ~~في الأساس حيث توجد باستمرار في بعض المناطق، وهناك ما بين 100 ألف إلى 300 ألف حالة ~~إصابة سنويا تسفر عن حوالي 5000 حالة وفاة. # تنتقل حمى لاسا إلى الإنسان من أحد القوارض البرية التي تعرف باسم «الفئران عديدة ~~الأثداء». تعيش هذه الحيوانات بالقرب من المستوطنات البشرية، وعادة ما تنتقل العدوى عن ~~طريق الاتصال المباشر أو غير المباشر مع براز الفئران الذي يسقط على الأرضيات أو الفراش ~~أو الطعام أو المياه. تتراوح فترة حضانة هذا المرض ما بين 6 أيام ms219 و21 يوما. تنتقل ~~العدوى أيضا من إنسان إلى آخر من خلال الاتصال المباشر بالدم أو افرازات الحلق أو ~~البول أو الاتصال الجنسي. ~~(7) فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز # إن فيروس نقص المناعة البشرية وباء عالمي الآن، وله أهمية خاصة من وجهة نظرنا؛ لأنه ~~كما رأينا - على غرار الطاعون النزفي - يستخدم مستقبل سي سي آر 5 كممر دخول إلى ~~خلايا الإنسان. نشأ هذا المرض الناشئ الفتاك في الشمبانزي بغرب أفريقيا الوسطى، وكان ~~الصيادون يتعرضون للدم المصاب بالفيروس أثناء قتل حيوانات الشمبانزي وتحضيرها. يعرف ~~أيضا أن قردا واحدا من بين ستة قرود من تلك التي تؤكل في الكاميرون كلحم أدغال يكون ~~مصابا بنسخة مختلفة من فيروس نقص المناعة البشرية، وقد أثار هذا مخاوف من إمكانية ~~تطور سلالات جديدة من المرض. # يعتقد أن فيروس نقص المناعة البشرية نشأ منذ أكثر من مليون سنة من اتحاد فيروسين ~~كانا يصيبان أنواعا مختلفة من القرود. كان الفيروس على الأرجح يعيش بشكل غير مؤذ في ~~الرئيسيات لمئات السنوات، ويعتقد العلماء أنه قفز إلى البشر في وقت ما بعد عام 1700، ثم ~~تحور إلى شكله الحالي نحو عام 1930. وقد اقتضى تغير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في ~~أفريقيا بدء انتشار فيروس نقص المناعة البشرية على نطاق واسع من خلال الاتصال الجنسي ~~في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. # لم تعد أصول المرض تحظى بأي أهمية فعلية، وقد صارت في طي النسيان، وبات معظم ~~الناس يعتبرونه مجرد مرض معد قاتل يصيب البشر. # يختلف وباء فيروس نقص المناعة البشرية عن معظم موجات تفشي الأمراض الناشئة الأخرى؛ ~~يعزى هذا جزئيا إلى فترة حضانته الطويلة إلى حد استثنائي، وأيضا إلى انخفاض معدل ~~العدوى، إلا أن وسائل السفر الحديثة أتاحت للمرض الانتشار في أنحاء العالم. ومع ذلك، ~~فحتى في أكثر المناطق إصابة بالمرض، فإنه يتقدم ببطء شديد، ولا يحتمل أن يتوقف في ~~المستقبل القريب. لطالما حاول العلماء على مدار عقدين من الزمان تقريبا إنتاج ~~لقاح لمكافحة المرض، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل؛ إذ تخيب آمالهم دائما أمام ~~قدرة الفيروس ms220 على تغيير تركيبه. ومع ذلك فقد كان من الممكن الحد من انتشار فيروس نقص ~~المناعة البشرية من الناحية النظرية، بالالتزام بالتدابير الطبية - مثل إبر الحقن ~~المعقمة - والاحتياطات المناسبة أثناء الاتصال الجنسي. # بيد أن حوالي 40 مليون شخص تقريبا في العالم يعيشون الآن بفيروس نقص المناعة ~~البشرية أو الإيدز، منهم 2,5 مليون طفل تحت سن الخامسة عشرة. وكان هناك 5 ملايين حالة ~~إصابة جديدة، وما يزيد عن 3 ملايين حالة وفاة عام 2003. # تظل منطقة جنوب الصحراء الأفريقية المنطقة الأكثر تضررا، حيث يوجد بها 27 مليون مصاب ~~بفيروس نقص المناعة البشرية و11 مليون طفل يتيم بسبب موت أحد أبويه من الإيدز. وقد أمكن ~~تفادي خطر المجاعات والموت الجماعيين الذي يهدد جنوب أفريقيا نتيجة النقص الشديد في ~~الطعام - حسبما أعلن رئيس برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عام 2002 - وذلك ~~نتيجة للتجاوب السريع من العاملين في المساعدات الإنسانية وهيئات المعونة، إلى جانب ~~تقديم المتبرعين الدوليين تبرعات سخية. ومع ذلك، فإن أفريقيا تواجه الآن شيئا مختلفا ~~تماما عن أي شيء شهده العالم مؤخرا؛ فبوتسوانا تحتل أعلى معدل عدوى بفيروس نقص ~~المناعة البشرية في العالم؛ حيث إن 39٪ من سكانها حاملون للفيروس، وذلك فيما تضم جنوب ~~أفريقيا أعلى أعداد مرضى: 5,3 ملايين مصاب بالمرض، وتتوقع وزارة الصحة في زامبيا أن ~~يموت نصف السكان من الإيدز، وحوالي 25٪ من الأفراد في زيمبابوي مصابون بفيروس نقص ~~المناعة البشرية. إن الجائحة مستمرة في الخروج عن نطاق السيطرة وتهدد بتمزيق نسيج ~~المجتمع: المستشفيات ترزح تحت ضغط الأعداد الهائلة للمصابين، والأشغال تفقد العاملين، ~~والإنتاج الزراعي يتهاوى. # في أغسطس 2003، أعلنت المنظمة الوطنية الهندية لمكافحة مرض الإيدز أن عدد المصابين ~~بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز في الهند قد ارتفع بنسبة نصف مليون فرد في العام ~~الأخير وحده، وأن إجمالي عدد المصابين به 4,6 ملايين شخص تقريبا. لم يعد ~~المرض قاصرا على قاطني المدن الأكثر عرضة للخطر، مثل متعاطي المخدرات عن طريق ~~الحقن، لكنه بدأ في الانتشار إلى المناطق الريفية. تزداد الجائحة سوءا بشدة في ms221 البلدان ~~التي نجت بأقل الخسائر إلى الآن، وبالأخص الصين وروسيا وإندونيسيا، ويرجع ذلك بدرجة ~~كبيرة إلى تعاطي المخدرات عن طريق الحقن الوريدي وممارسة الجنس غير الآمن. # بل إن التوقعات بعيدة المدى أكثر رعبا؛ فقد أعادت الأمم المتحدة النظر في توقعاتها ~~بشأن النمو السكاني العالمي؛ إذ تتوقع وفاة قرابة الثلاثمائة مليون شخص بسبب الإيدز في ~~خلال نصف القرن التالي، وهو رقم يماثل تعداد سكان الولايات المتحدة الأمريكية. في عام ~~2001، صرحت شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة أنها كانت تتوقع زيادة سكان العالم من 6 ~~مليارات نسمة إلى 9,3 مليارات نسمة بحلول عام 2050. إلا أنه من المتوقع الآن أن يصل ~~التعداد السكاني إلى 8,9 مليارات نسمة فحسب. تبين جائحة فيروس نقص المناعة البشرية ~~بكل وضوح المخاطر المريعة للأمراض الناشئة ما لم يتم السيطرة عليها سريعا لدى بداية ~~ظهورها. قد تكون التدابير الصارمة ضرورية. # ظهرت مؤخرا ملاحظة مثيرة للاهتمام بشأن فيروس نقص المناعة البشرية: يبلغ معدل ~~الإصابة بالإيدز لكل فرد من السكان في المملكة العربية السعودية واحدا في المائة من ~~معدل الإصابة بالمرض في الولايات المتحدة الأمريكية. لا يعلل هذا بزيادة تكرار طفرة ~~سي سي آر 5-دلتا 32 هناك؛ لأنه بين 105 من العرب المتبرعين بالدم المقيمين في السعودية، ~~لم يكن لدى أي منهم الطفرة المزدوجة وشخص واحد فقط كان يحمل الطفرة المفردة. لا بد أن ~~هناك تأثيرات واقية أخرى (غير معروفة في الوقت الحالي) مؤثرة ، فهل يمكن أن يكون الطاعون ~~النزفي ضرب السعودية منذ مئات السنوات، فنتج عن ذلك أن طور الناس هناك مقاومة جينية ~~ذات شكل مختلف؟ وعلى كل حال، كان البشر الأوائل خلال ترحالهم شمالا على طول الوادي ~~المتصدع الكبير من إثيوبيا والسودان يمرون بشاطئ البحر الأحمر، وربما دخلوا شبه الجزيرة ~~العربية عبر شبه جزيرة سيناء والعقبة، وقد رأينا بالفعل أن الطاعون النزفي اخترق شبه ~~الجزيرة العربية في أربعينيات القرن الرابع عشر. # إضافة بشأن فيروس نقص المناعة البشرية: في خلال ما يزيد قليلا عن اثني عشر عاما ~~انخفضت أعداد الأسود الأفريقية ms222 من 230 ألف أسد لتصل إلى 20 ألف أسد اليوم؛ ذلك لأن ~~أجهزتها المناعية تحطمت بفعل نسخة فيروس نقص مناعة الأسود. هذا يأتي في صالح الحمير ~~المخططة، لكن الأسود تواجه خطر الانقراض. وهكذا فإن الإنسان ليس وحده الذي يواجه خطر ~~الفيروسات الناشئة. ~~(8) أبشع طريقة لموت الإنسان اليوم # إن فيروسي إيبولا وماربورج مرضان ناشئان فتاكان واسعا الانتشار، يتسمان بعدوى ~~الأنسجة وتلفها وبالنزيف والحمى. ظهر الفيروس الخيطي الإيبولا عام 1976 في شمال زائير، ~~حيث كانت هناك 318 حالة إصابة بمعدل إماتة 90 بالمائة، ثم أودت الإيبولا بحياة 150 ~~فردا بين 250 حالة إصابة في السودان. وتواصل موجات تفش أصغر الظهور بشكل متكرر ~~وبالأخص في شرق ووسط وجنوب أفريقيا. في عام 2002، حذرت المفوضية الأوروبية في بروكسل من ~~أن الأعداد المتزايدة من السياح الوافدين من أفريقيا تجلب معها فيروس الإيبولا إلى ~~أوروبا. # إن فيروس الإيبولا هو - كما يزعم - أبشع طريقة للموت اليوم، وهو يشبه الطاعون النزفي ~~إلى حد مخيف؛ إذ لا يتوقف المريض عن القيء، فيتقيأ سائلا يعرف بالقيء الأسود، وهو في ~~الواقع مزيج ملطخ من الأنسجة التالفة ودم شرياني أحمر جديد ناتج عن نزيف داخلي، ويكون ~~القيء محملا بالفيروس وشديد العدوى. وأقول مرة أخرى: إن هذا الفيروس حيواني المنشأ ~~أيضا؛ يشتبه أن مستودعه الحيواني إما الغوريلا أو الشمبانزي. في مارس عام 2003، ~~انتشرت أخبار عن موت ما يزيد عن 100 شخص في منطقة غابات نائية في جمهورية الكونغو في ~~موجة تفش وبائي منتشرة لفيروس يشتبه في أنه الإيبولا، يعتقد أنه متعلق بتناول لحوم ~~قرود مصابة. في محمية لوسي للغوريلات وحدها، مات ما بين 500 إلى 800 حيوان. وفي ~~محاولة للحد من انتشار الفيروس، أغلقت كافة المدارس والكنائس في المنطقة، وطلب من ~~الأفراد التزام منازلهم، إلا أنه كان من الصعب تطويق المنطقة بأكملها بسبب شبكة مسالك ~~الغابات الضيقة. # أودى وباء له أعراض شبيهة بأعراض الإيبولا بحياة 63 شخصا في مايو عام 1999 في ~~منطقة الحدود الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية المنكوبة بسبب الحرب، إلا أن ~~السلطات ms223 المعنية بالأمور الطبية أعلنت أن الحمى النزفية لم تكن بسبب فيروس ~~الإيبولا. وكانت المنطقة قد عانت من موجات تفش شبيهة في وقت سابق بين عامي 1994 ~~و1997. تمركزت موجة تفش عام 1999، في بلدة تعدين الذهب دربا الواقعة بالقرب من ~~الحدود مع أوغندا والسودان. ويعتقد أن معظم الضحايا كانوا من عمال المناجم غير ~~الشرعيين الذين يعيشون في أوضاع غير صحية. على الأرجح كانت هذه فاشيات لمرض ناشئ آخر ~~في أفريقيا. ~~(9) المرض الأكثر ترويعا في وقتنا الحاضر # تنتمي حمى القرم-الكونغو النزفية إلى فئة الحمى النزفية الفيروسية الكبيرة التي ~~تعد - بأعراضها المأسوية ومعدلات وفياتها المرتفعة - من أكثر الأمراض غموضا ~~وأكثرها ترويعا اليوم. هذا الفيروس - الذي شخص للمرة الأولى في القرم عام 1944 ~~ثم اكتشف في الكونغو عام 1956 - ينتشر عبر مساحات شاسعة من العالم عن طريق القراد ~~الذي ينقله إلى الإنسان والحيوانات المجترة. يمكن أيضا أن يصاب الإنسان بالعدوى ~~عن طريق الاتصال المباشر بالدم أو غيره من الأنسجة المصابة من الماشية. # عادة ما يتوفى المريض بعد ستة أيام من بدء المرض، وتضم قائمة الأعراض مجموعة ~~مألوفة: حمى، وآلاما بالرأس، وقيئا، وإسهالا، وأورام الغدد الليمفاوية، ونزيفا من ~~الأنف والحلق واللثة والقولون، ونزيفا تحت الجلد؛ مما يسفر عن طفح جلدي نزفي ~~شامل. ~~(10) الفيروس الغامض # تعرف الآن المتعضية المحيرة التي ضربت السكان الأصليين لأمريكا عام 1993 باسم فيروس ~~«سين نومبري» (المعنى الحرفي: «عديم الاسم»). تطلب الأمر ثلاثة أشهر و40 حالة وفاة ~~قبل أن يتمكن الخبراء من فهم طريقة التعامل مع الموقف، حيث أثبتوا أن فأر الإيل هو ~~مستودع المرض. وقد قفز الفيروس من القوارض إلى الإنسان وصنف على أنه فيروس ~~هنتا. # الأمر المثير للقلق هو ظهور فيروس هنتا جديد كل عام، بعضه يستعمر المناطق ~~الجغرافية التي كانت سالمة من هذا البلاء فيما مضى. ويحتمل أن فيروس سين نومبري ~~كان قد ظهر من قبل؛ إذ يحكي الأدب الشعبي لأهل نافاجو (أحد شعوب أمريكا ~~الشمالية) عن وباءين غامضين ظهرا عامي 1918 و1934 ويحذر من مخاطر الاقتراب الشديد من ms224 ~~القوارض. ~~(11) الوحش النائم # عندما بدأ البشر أول ما بدءوا العيش معا على مسافات قريبة في المدن، وما بينها من ~~طرق تجارية مزدحمة، وجدت الظروف المثالية تماما للظهور الحتمي للأمراض ~~الفتاكة حيوانية المنشأ، وقد تناولنا لتونا بعضا من أكثر الأمثلة بشاعة. في ~~الولايات المتحدة، لطالما كان فيروس غرب النيل يمثل مشكلة لسنوات، وهو مستوطن ~~حاليا في الكثير من أجزاء البلاد، وقد ظهر في أوغندا عام 1937. تقوم طائرات القوات ~~الجوية الأمريكية برش المياه الراكدة والمستنقعات حيث يعيش البعوض الذي ينقل الفيروس ~~للحيلولة دون تفاقم المرض. وتنشر الطيور المصابة العدوى ومن بعدها البعوض. ~~أعلن العلماء بجامعة أكسفورد في خريف 2002 عن اكتشافهم لأجسام مضادة للفيروس في عدد من ~~الطيور الميتة في إنجلترا، وهي علامة مؤكدة على العدوى سواء أكانت سابقة أم ~~حالية. # يزداد العالم تقاربا في القرن الواحد والعشرين، وبدأنا نحن ننتقل إلى مزيد من ~~المناطق التي لم يطأها أحد قبلا. عندما تنخرط أعداد كبيرة من الأشخاص في السياحة ~~البيئية أو يدخلون إلى الغابات المطيرة لقطع الأشجار، فإنهم يحتكون بآلاف ~~الفيروسات التي لم يسبق لها أن اقتربت من الإنسان من قبل. ومع أن الأغلبية ~~العظمى من هذه الفيروسات لن تستطيع تخطي الحاجز النوعي، فإن القليل منها سوف يتمكن ~~من ذلك. # إذا كانت طواعين أثينا وجستينيان والإمبراطورية الإسلامية الأولى والطاعون ~~الأصفر من أشكال الطاعون النزفي كما أشرنا؛ إذن فلا بد أن الفيروس المسئول عن الموت ~~الأسود ظل كامنا في جماعات حيوانية لقرون، متفشيا من حين إلى آخر على مدار أكثر من ~~ألفي عام؛ لذا، لا يوجد سبب للاعتقاد في أنه رحل إلى الأبد عام 1670. # والآن ومع التزايد اللانهائي لأعداد المسافرين بسرعة كبيرة من مكان إلى آخر، أصبح ~~الموقف حرجا. لقد شهدنا منذ منتصف القرن العشرين ما يزيد عن 30 مرضا مروعا ~~يخرج من عائله الحيواني بمعدل تواتر مثير للقلق، فماذا يكون بعد؟ هل يعود ~~الموت الأسود؟ # الفصل التاسع عشر # | عودة الموت الأسود # هل اختفى الطاعون النزفي أخيرا عام 1670، أم أن هذا لم يحدث؟ عندما ms225 كانت محطة تليفزيون ~~دنماركية تعد برنامجا عن عملنا، أخبرنا المنتج عن طاعون كوبنهاجن عام 1711؛ فكل شيء ~~متعلق بهذا الوباء يتطابق مع أوصافنا لانتشار الطاعون النزفي كما ذكر. حملنا هذا على ~~التفكير حقا؛ لأنه لو كان هذا صحيحا، فإن المرض لم يختف تماما عام 1670 كما ~~اعتقدنا واعتقد الجميع، ولكنه عاود الظهور بعدها بأربعين عاما، وغالبا في أكثر من ~~مناسبة، كما اكتشفنا من قراءتنا اللاحقة. إذا كان قد نجح في معاودة الظهور مرارا ~~وتكرارا على مدار 2000 عام من مكمنه أينما كان، فلم يفترض أنه لن يجدد ~~الكرة؟ # باستخدام مخيلتنا وما توصلنا إليه فعليا حتى الآن، يمكننا أن نوضح كيف ظل هذا ~~المرض متربصا وقادرا على الانقضاض مرة أخرى فجأة على الجنس البشري. يبدو السيناريو ~~الآتي نصا سينمائيا لفيلم رعب، لكن هل هو شديد البعد عن الحقيقة؟ ~~(1) في وقت ما من القرن الواحد والعشرين # أعاد علماء البيولوجيا الذين كانوا يعملون عن كثب مع الرئيسيات في غابات وسط ~~أفريقيا الكثيفة الطاعون النزفي إلى العالم الغربي؛ فقد عادوا إلى مسقط رأسهم في ~~لندن، ونشروا العدوى عن دون قصد على نطاق واسع لدى تنقلهم بشكل يومي في المواصلات ~~العامة المزدحمة. وقد سمح مترو أنفاق لندن، المزدحم بالركاب المتغيرين باستمرار، ~~بانتقال الفيروس إلى عدد كبير من الضحايا الوافدين إلى العاصمة في نطاق دائرة نصف قطرها ~~25 ميلا. بعض هؤلاء الضحايا كانوا زوارا من مختلف أنحاء العالم. نشرت كافة الرحلات ~~إلى النوادي الرياضية، والمسارح والسينمات العدوى على نطاق واسع قبل ظهور الأعراض ~~على أي من الضحايا. # عندما لقيت الحالات الأولى حتفها، أدركت السلطات الصحية أن مرضاها كانوا قد ~~أصيبوا بمرض خطير مجهول؛ فاتخذوا الاحتياطات المناسبة، بما في ذلك ارتداء ملابس ~~الوقاية الكاملة لدى تمريض الضحايا في أيامهم الأخيرة. وضعت الجثث في أكياس خاصة ~~محكمة، وفيما عدا ذلك لم يكن بمقدورهم فعل شيء آخر. # لم يتضح حجم الوباء إلا عندما بدأت جموع حالات المرحلتين الثانية والثالثة في ~~الظهور في كل أنحاء المملكة المتحدة. في نهاية المطاف أعلن ms226 رئيس الخدمات الطبية أنه ~~يوجد وباء كبير لمرض فتاك مجهول، ينتشر سريعا وعلى نطاق واسع، وأن الموقف خارج عن ~~نطاق السيطرة. واعتقد أنه مرض ناشئ جديد قادم من أفريقيا، وأغلب الظن أنه انتشر عن ~~طريق العدوى الرذاذية، وفيما خلا ذلك لم يعرف الأفراد أي شيء عن الأسس العلمية ~~لطبيعة هذا الوباء ومنشئه، وكان قد فات الأوان فقد وقعت الخسائر بالفعل، وانعزلت ~~بريطانيا تماما، فلم يكن شيء يدخل عبر الموانئ أو نفق القنال الإنجليزي، فما من أحد ~~في العالم سيجازف بالمجيء إلى وكر مثل هذا المرض الشنيع. كان البريطانيون وحدهم، ~~وتعين عليهم أن يعولوا أنفسهم. # ثبت أنه من المستحيل فرض حجر صحي على التمدد العمراني الشاسع لضواحي لندن، وفي ~~جميع الأحوال كان ذلك عديم الفائدة، بسبب الانتشار السريع للمرض عبر الأقاليم. لقد كان ~~خارجا عن نطاق السيطرة؛ فقد كان هناك أناس كثيرون مكتظون في جزيرة بالغة ~~الصغر. # فضلت الآفة المرعبة بالأخص المراقص، ومراكز التسوق، والسينمات، ومباريات كرة ~~القدم، والمكاتب والحانات مركزية التدفئة، فأغلقت جميعها بأمر القانون. في غضون ~~أسابيع قليلة، استطاعت العدوى أن تودي بحياة معظم أطفال إحدى المدارس، الذين ذهبوا ~~إلى منازلهم - إبان فترة الحضانة الطويلة - وحملوا الآفة إلى عائلاتهم. وهكذا أغلقت ~~جميع المؤسسات التعليمية. # في النهاية، رفضت المستشفيات استقبال أي ضحايا لهذا المرض المريع والغامض؛ فقد ~~امتلأت عن آخرها، ولم تشأ استقبال المزيد من الأفراد حاملي العدوى، وعلى كل حال كان ~~استقبالها لهم عديم الفائدة؛ إذ إنها لم تستطع علاج هؤلاء المرضى. # من المثير للدهشة أن مجموعة من الأشخاص في إنجلترا كانوا مقاومين للمرض (نحن نعرف ~~السبب الآن)؛ فلم يصابوا بالمرض حتى بعد الاتصال المتكرر عن قرب بالأشخاص حاملي ~~العدوى، بل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن بعض الأشخاص كانوا يصابون بالمرض، لكنهم ~~تعافوا تماما رغم مرضهم مرضا شديدا. كانوا يبرزون من بيوتهم، راجفين ومهازيل، ~~ينظرون إلى العالم المتحول بالخارج. لكنهم ما لبثوا أن صارت لديهم مشكلات ملحة ~~أخرى يقلقون بشأنها. # واحدة من المشكلات التي لم تكن لتخطر على ms227 بال، كانت التخلص من جثث الضحايا. أكانت ~~الجثث معدية؟ لقد تطور كل شيء سريعا جدا، لدرجة أن علماء الأحياء الدقيقة الطبيين ~~كانوا عاجزين عن الإجابة على هذا السؤال البدائي. ورفض الأصحاء الاقتراب سواء من الجثث ~~أو المنازل التي مات أصحاب الجثث فيها. هكذا كان الأفراد يجرون الجثث فحسب إلى ~~الحدائق في الضواحي والريف، وفي البداية كان يدفنونها في قبور ضحلة، إلا أنهم سرعان ما ~~أصابتهم حالة من اللامبالاة المخيفة؛ فهم على كل حال سوف يموتون جميعهم ميتة مرعبة، ~~فتركوا الجثث تحت رحمة الظروف المناخية والكلاب الضالة والجرذان. لم يكن هذا ~~خيارا لقاطني المدينة، وبالأخص لأولئك الذين يعيشون في وحدات سكنية في ناطحات السحاب، ~~ففي يأس، كانوا يلقون الجثث هناك إلى الشوارع، ويتركونها لتتعفن، وكانت النتائج ~~تفوق كل وصف. # عندئذ تفشت أوبئة الكوليرا والتيفود في الكثير من البلدات، وخرجت ملايين الجرذان ~~البنية بكل جراءة من المجارير، وكانت على وشك احتلال تلك الأماكن. # بدأت مظاهر الحياة في التوقف تماما، وأغلقت معظم المكاتب والمصانع؛ ونظرا لأن ~~الجميع تقريبا كانوا يعملون في وظائف غير حيوية، لم يمثل ذلك أهمية كبرى، لكن الأمر ~~الكارثي هو أن سبل التوزيع والحصول على المؤن توقفت أيضا. # للتو بدأ التهافت على الشراء وجنون تخزين الغذاء. ارتفعت الأسعار إلى عشرة ~~أضعافها واكتظت الأسواق المركزية بالأفراد الذين كانوا يحاولون تفريغ الأرفف، وهي ~~ظروف مثالية لنشر المرض. # حالما جرى استهلاك هذه الأغذية، لم يتبق هناك سوى مؤن محدودة أخرى، ولم ~~ترس مبادئ ترشيد الاستهلاك لأن الغذاء المتوافر كان محدودا للغاية بحيث تعذر ~~توزيعه، ولم يكن هناك متسع من الوقت لتأسيس بنية تحتية للمؤن والإنتاج ~~الغذائي، وقد كان من المستحيل أن تختبئ وتعزل نفسك؛ لأنه كان لا بد أن تتحرك وتبحث عن ~~أي مصدر للغذاء إن كان مقدرا للعائلة النجاة. وانتشر النهب والسرقات الصغيرة، وطافت ~~العصابات المسلحة بالسكاكين - أو أي أسلحة أخرى طالتها أيديها - في الشوارع، مستولية ~~على أي طعام يمكن أن تجده. # لجأت الكثير من المجتمعات الريفية إلى الذبح الجماعي للخراف والغنم، ms228 ولم يكن بيد ~~المزارعين كثير من الخيارات، مع أنهم كانوا يطلقون النار بلا رادع على من يضبطونه. ~~خفف هذا ظروف المجاعة إلى حين، إلا أنه لم يكن ذا نفع كبير لقاطني المدينة؛ إذ لم ~~يكونوا قادرين على بلوغ الريف، وحتى لو تمكنوا من الاستيلاء على خروف، فلم يكونوا ~~ليستطيعوا ذبحه وسلخه وتقطيعه. # أسدت السلطات نصيحة - فيما ينم عن حكمة كبيرة - ما مفاده أن تجمع ~~الناس في مقار أعمالهم يمثل خطورة عليهم، إلا أنه عندما امتنع عمال مصانع الطاقة عن ~~الحضور إلى العمل تدهورت إمدادات الكهرباء. ولم تجد وعود الحكومة بأجور مبالغ ~~فيها للغاية؛ فقد صارت النقود الآن بلا قيمة على الإطلاق. كانت الكهرباء - وليس ~~البنزين - هي شريان حياة هذا الاقتصاد المتطور، ولم يعد حتى بمقدور كثير من الناس ~~تعقيم مياه الشرب بغليها. # انهار نسيج الحياة المعقدة في القرن الواحد والعشرين تماما. لقد ولى منذ زمن طويل ~~الاستقلال والاكتفاء الذاتي الصارمان اللذان عاشهما الأجداد، وبات الناس ~~يحيون حياة مصطنعة تماما بناء على تكنولوجيا الكمبيوتر، التي يحركها الوضع ~~المالي الدولي والاقتصاد العالمي. لقد كانوا محاطين بالتدفئة المركزية، والثلاجات، ~~والتليفزيونات، ووسائل المواصلات السريعة، والأطعمة المعالجة، وأجهزة الميكروويف، ~~ومجموعة من الأجهزة الكهربائية، والصناعات الدوائية. لم تكن هناك مشكلة تعجز ~~التكنولوجيا عن حلها. # كان الناس مهرة في تصفح الإنترنت، إلا أنهم فقدوا رغبتهم الغريزية في البقاء. ~~لقد ابتعدوا عن جذورهم للغاية ولم يعودوا قادرين على تحقيق الاكتفاء الذاتي. لقد اكتظ ~~المكان بهم ومن ثم أنهكوا التربة، وكانوا يعولون بشدة على مؤن الطعام التي ~~تأتي من الخارج. أفراد قليلون في القرن الواحد والعشرين هم من رأوا الطعام في مرحلة ~~إنتاجه، ولعل أطفالا كثيرين اعتقدوا أن الدجاج الذي يتناولونه على طاولة الطعام نشأ ~~تلقائيا في مجمد الأطعمة، ملفوفا بالبلاستيك. # لم تكن الحضارة التكنولوجية العالمية متينة، وأي خلل في عملها، سيسفر عن كارثة. ~~وكان هذا الوباء الغامض والمرعب حادثة على وشك الوقوع. # على العكس من ذلك، نجت أستراليا تماما تقريبا؛ فقد أغلقت السلطات هناك كافة ~~منافذ الدخول، وأقامت ms229 عزلا كاملا لدى ورود الأنباء عن نوبة تفش. # تم اكتشاف المصاب الوحيد الذي وصل إلى ملبورن وعزله. والأهم من ذلك، أن كل تواصل ~~أجراه على أرض أستراليا أو على متن الطائرة جرى تتبعه بشكل دقيق وعزل أصحابه، ~~الذين جرى تتبع من تواصلوا معهم بدورهم وعزلهم. بهذه الطريقة أحكمت السلطات الصحية ~~قبضتها الصارمة على المرض، ثم طوقت المناطق التي استشعرت أنه ربما يكون فيها ~~بقايا مخاطر للعدوى، وأمروا الأفراد بارتداء أقنعة في جميع الأوقات التي يتواجدون ~~فيها في الأماكن العامة وسط الجموع. أغلقت المدارس والسينمات والمراقص والحانات ~~في هذه المناطق إلى حين. # كانت هذه التدابير الصارمة فعالة للغاية، وسرعان ما انزوى الوباء الناشئ. وبلغ ~~إجمالي الوفيات 20 فردا. # تغطي أستراليا مساحة شاسعة، وتتمتع بالكثير من الموارد الطبيعية، وشعبها قليل ~~العدد، لدرجة أنه حتى في ظل العزل الكامل كانوا قادرين على التعويل على أنفسهم بسهولة. ~~لقد كانوا يتمتعون بالاكتفاء الذاتي وبارعين في فعل الأمور بأنفسهم. وقد تعين إدخال ~~بعض التعديلات وترشيد استخدام بعض الأطعمة والسلع، وبعدها استطاعوا التفاوض بشأن إمداد ~~نفطي محدود. وعندما ينتهي هذا الوباء المروع أخيرا (إذا كان له نهاية من الأساس) فهل ~~سيستعمر الأستراليون العالم؟ # وعلى النقيض من ذلك، كانت النتائج كارثية حقا عندما انتشرت الجائحة في الهند ~~والصين؛ إذ لم يكن التصدي لها ممكنا. كانت التدابير الصحية للطوارئ محدودة وغير ~~فعالة في المقام الأول، وسرعان ما نفدت موارد مسكنات الآم والمهدئات، ولم يظهر ~~أي فرد أي أمارات مقاومة للمرض (على عكس الموقف في أوروبا، حيث كان هناك شخص ~~مقاوم للمرض من بين كل سبعة أشخاص ؛ مما كان يثير الدهشة) وقد انتشر الوباء بين السكان ~~المكتظين انتشار النار في الهشيم. # لما انتاب الجميع الرعب، قام الجميع برد الفعل المعتاد، ففروا بالحافلات ~~والقطارات ناشرين المرض في كل حدب وصوب. وعندما منعت السلطات كافة أشكال ~~المواصلات، سعى الناس إلى الفرار سيرا على الأقدام، جارين عربات يد وراءهم. إلا ~~أن هذا كان عديم الجدوى؛ فقد حملوا المرض معهم، وانتشر الوباء بثبات وبلا ms230 هوادة في ~~صورة أشعة منطلقة من المركز وكأنه موجات تنتشر في بركة لدى إلقاء حجر فيها، موجة ~~عنيدة وكريهة وهائلة من الرعب والمعاناة المفجعة. ثم التقى الفارون موجة اللاجئين ~~القادمة من الاتجاه المعاكس. كانت الظروف مثالية للآفة، وقد وفرت الملايين الغفيرة ~~المكتظة مصدرا لا ينضب على ما يبدو من الأفراد الذين لديهم قابلية للإصابة. قدر ~~فيما بعد أن التعداد النهائي للخسائر في الأرواح سوف يحصى بالمليارات في النهاية. ~~وقد استحال دفن الأجساد التي تحللت سريعا في ظل درجة الحرارة المرتفعة؛ مما ~~أسفر عن مشاهد لا يمكن تخيلها. # لقد عاد الموت الأسود بعد مرور 700 عام من ظهوره الأول، وكان نمط انتشاره في ~~البلدان النامية مشابها إلى حد بعيد لنمط انتشار الوباء الأصلي، باستثناء أنه كان ~~هناك الآن مصدر لا ينضب من الضحايا المكتظين معا بشدة في نطاق ضيق. من المفارقة أن ~~انتقال العدوى كانت غاية في السهولة في البلدان المتقدمة، وقد انهار اقتصادها ~~تماما. # فهل يستطيع العالم أن يتعافى من مثل هذه الكارثة؟ ~~(2) هل الوقت موات لظهور الطاعون النزفي من جديد؟ # لقد اقترحت كثير من السيناريوهات الكارثية التي تنبئ بنهاية العالم كما نعلم، ~~منها الاحترار العالمي، واصطدام النيازك بالأرض، وموجات المد والجزر الهائلة، ~~والانفجارات البركانية، وبالطبع الحروب النووية الشاملة. تستثمر الحكومات مبالغ ~~مالية وجهودا متفاوتة استعدادا لهذه التهديدات المحتملة، إلا أن قليلين هم من ~~أخذوا على محمل الجد احتمال أن يظهر مرض فيروسي فتاك، مثل الموت الأسود أو ما ~~شابه، بدون سابق إنذار - في الغالب من أحد العوائل الثديية في أفريقيا، كما ~~ألمحنا سابقا - ويدمر حضارتنا. # إن ظروف الحياة البشرية في القرن الواحد ~~والعشرين - التي تختلف تمام الاختلاف عن ظروف الحياة البشرية في أوروبا العصور الوسطى ~~- سوف تسهل كما أشرنا من قبل تطور مثل هذا الوباء أكثر مما ستعوقه، ~~وسيكون الدمار على نطاق أوسع كثيرا. يسافر السياح بأعداد غفيرة الآن إلى أفريقيا وينقل ~~السفر جوا الفيروس سريعا في أنحاء العالم؛ إذ لم ينطلق وباء الإيدز إلا عندما هرب ~~فيروس نقص ms231 المناعة البشرية من أفريقيا إلى هايتي ومنها إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية. # بدأت قصتنا بظهور البشر في الوادي المتصدع الكبير في شرق أفريقيا من حوالي ~~ربع مليون سنة، في زمن كان يعيش فيه نوعنا في ارتباط وثيق بمجموعة كبيرة من الحيوانات ~~البرية. حتى بعد قيام الثورة الزراعية الأولى منذ حوالي 12 ألف عام، عندما حلت ~~الزراعة محل الصيد وجمع الطعام كعماد حياة الإنسان، عاش الناس في مستوطنات صغيرة ~~ولم يعانوا من الأوبئة، ولم تبدأ الأمراض المعدية الفتاكة في الظهور إلا عندما بدأ ~~الناس يتجمعون في المدن. ومع ذلك، فعلى مدار حوالي 3000 سنة لم يكن هناك سوى عدد قليل ~~من مثل موجات التفشي هذه. أغلب الظن أنها خرجت من أفريقيا، وأسفرت عن أعداد وفيات ~~هائلة، لكن الناجين كانوا أقوياء وواسعي الحيلة، وسرعان ما أعادوا بناء مجتمعاتهم. بل ~~حتى بعد الرعب المترتب على الموت الأسود في القرن الرابع عشر، عادت أوروبا إلى وضعها ~~الطبيعي تقريبا في غضون سنوات قليلة. # ثم قامت الثورة الزراعية الثانية في القرن الثامن عشر. لقد أدى إدخال الآلة والإدارة ~~الأكثر تعقيدا للمحاصيل إلى زيادة الإنتاجية، التي كانت ضرورية لإطعام السكان سريعي ~~التزايد. كان الطاعون قد اختفى وقتئذ، إلا أن المدن الكبرى كانت أماكن غير صحية. ~~فقد أودت أمراض الجدري والحصبة والسعال الديكي والدفتيريا وغيرها من الأمراض ~~المعدية بحياة نحو ربع الأطفال في إنجلترا، وتوفي الكثير من الكبار على إثر ~~الإصابة بالسل والإنفلونزا، ومع ذلك تعلم الناس أن يتعايشوا مع هذه الأمراض، ~~وبالرغم منها استمر السكان في النمو. # ثم جاءت الثورة التكنولوجية في القرن العشرين. وبفضل التطورات الرائعة في علوم الطب، ~~واختراع المضادات الحيوية وتصنيع اللقاحات، لم تعد الأمراض المعدية تزعج الدول ~~المتقدمة تقريبا الآن، لكن هذا ليس الحال في البلدان الفقيرة، حيث تواصل الأمراض ~~المعدية التي تسببها الطفيليات الحيوانية (مثل الملاريا) قتل أعداد كبيرة من ~~الناس. # في هذه الأيام، في البلدان المتقدمة، نقلق بشأن السرطان، وأمراض القلب، والشيخوخة ~~أكثر كثيرا من الأمراض المعدية. لعلنا نعيش في وهم؛ فالميكروبات ms232 تتكاثر بمعدلات هائلة ~~وتتطور على الدوام وتأتي بأسلحة جديدة في الحرب البيولوجية للبقاء على قيد الحياة؛ ~~فالسرعة التي تطور بها مقاومتها للمضادات الحيوية هي دليل على عبقريتها. # إننا عاجزون تماما أمام أي فيروس جديد إلى أن يمكن التعرف على سماته وتصنيع لقاح ~~له، وإذا حدث وكان فيروسا فتاكا ومعديا للغاية، فإنه يمكن أن يأتي على الأخضر ~~واليابس، بل الأسوأ من ذلك، إذا كانت فترة حضانته طويلة، فإن بإمكانه أن يتسبب في ~~جائحة قبل أن يفطن أي أحد إلى ظهوره. # بمساعدة محرك الاحتراق الداخلي، يستطيع معظمنا الآن السفر إلى مسافات بعيدة كل ~~يوم؛ فقد وسع السفر جوا، بغرض العمل والاستمتاع، آفاق الأفراد أكثر. على النقيض ~~من ذلك، كانت القلة الأوفر حظا هي من تملك جوادا في القرن الرابع عشر، ولم يكن يسمع ~~بالسياحة، وكان السفر بحرا بطيئا وعشوائيا. وليس من المستغرب أن الأمراض الناشئة ~~قلما كانت تهرب من أفريقيا في تلك الأيام. # كان الموت الأسود محصورا في أوروبا، وقد أقام معقله في فرنسا، وكان يبعث الأوبئة ~~إلى بقية القارة بانتظام، بيد أنه، إن كان مقدرا له أن يعود، فإن الموقف ~~اليوم سيكون مختلفا تماما. # فلسوف توفر أجزاء من جنوب الولايات المتحدة، والهند، والصين، وأستراليا، وساحل ~~المتوسط ظروفا مثالية للفيروس كي يقيم معاقل حيثما يمكنه الاستمرار. وفي ظل ~~الاحترار العالمي، يوجد الآن المزيد من مثل هذه المناطق. وسيكفل السفر جوا ~~وصول الفيروس إلى هذه المناطق؛ فمصاب واحد كفيل بأن ينقل المرض، الذي ينتشر بعدها بلا ~~هوادة بمساعدة التدفئة المركزية وتكييف الهواء، ولا يردعه مناخ الشتاء البارد. ستوجد ~~قلة من الأفراد المقاومين الحاملين لطفرة سي سي آر 5-دلتا خارج أوروبا، وحالما تترسخ ~~المعاقل، سرعان ما سيكون المصابون في حالة تنقل منتظمة إلى أجزاء أخرى من العالم سواء ~~برا أو جوا. # إن كوكب الأرض أكثر ازدحاما بكثير مما كانت أوروبا في القرن الرابع عشر. ولسوف ~~يهيئ مليارات الناس الذين يقطنون آسيا بالأخص مرتعا مثاليا للفيروس. لا بد أن ~~نتذكر أن ثلثي الوفيات التي سقطت ms233 في وباء إنفلونزا عام 1918 كانت في الهند. ~~أيضا، تتجمع نسبة أكبر كثيرا من الأشخاص اليوم معا في البلدات؛ إذ يتكدسون في ~~الأسواق المركزية، والسينمات، ومباريات كرة القدم، ويتنقلون في المواصلات العامة. ومن ~~شأن أي وباء أن يستفحل سريعا في مثل هذه الظروف. # نحيا الآن في ظل اقتصاد عالمي، على المستويين المالي والاجتماعي. تتجاوب أسواق ~~المال في كل مكان في الحال مع أي حدث يقع في أي مكان في العالم ويرى المتداولون أنه ~~سوف يؤثر في قيمة الأسهم. والنتائج المترتبة على أي اضطراب في المجتمع العالمي المعقد - ~~مثل وباء كبير - تؤثر في الحال في كل أنحاء العالم من فورها. # أخيرا، وبسبب الثورة التكنولوجية، صار الناس في البلدان المتقدمة معزولين عن ~~الطبيعة؛ فنحن لسنا أقوياء أو مرنين أو نتمتع بالاكتفاء الذاتي بنفس القدر الذي كان ~~عليه أجدادنا، فإنتاج السلع وتوزيعها يعتمد على مجموعة محيرة من التقنيات، ~~بالأخص الكهرباء ومحركات الاحتراق الداخلي. وإذا بدأت أعداد كبيرة من الناس تموت ~~جراء الموت الأسود، ولجأ آخرون إلى التملص والهروب، فإن نسيج مجتمعنا ~~التكنولوجي المعقد سوف يتمزق؛ مما يترتب عليه استفحال آثار الوباء استفحالا هائلا. ~~بعدئذ كيف سيتمكن الناجون من بدء حياتهم من جديد؟ معظمنا سيعجز حتى عن إشعال النيران ~~من دون ثقاب. ~~(3) خطوط المكافحة # هل من الممكن الاستعداد لمثل هذه الاحتمالية؟ # المعرفة قوة. لقد صرنا ندرك الآن أن وجهة النظر التقليدية عن الموت الأسود خاطئة؛ ~~فهو لم يكن موجة تفش للطاعون الدبلي، ولم يكن ينتقل عن طريق الفئران والبراغيث، ~~فلو أنه كان طاعونا دبليا وعاد إلى أوروبا، ما كان هناك مدعاة للقلق لأن الطاعون ~~الدبلي يعالج بسهولة، وأي وباء كان سيمكن التغلب عليه بسهولة. إلا أن الموت ~~الأسود كان في الواقع نتيجة لفيروس غير معروف يحتمل أن يعاود الظهور في أي ~~وقت. إلا أنه لن يكون جديدا بالكامل علينا. نأمل أن يعرف أي شخص قرأ هذا الكتاب ماذا ~~يتوقع. # إذا عاود الموت الأسود الظهور فعليا، فسوف تظهر على أول الضحايا أعراض مشابهة ~~لتلك الأعراض ms234 الموصوفة في الروايات المختلفة التي اقتبسناها من قبل. نأمل أن يتم ~~تمييز هذه الأمارات في الحال على أنها طاعون نزفي وألا يتم تشخيصها عرضا على ~~أنها «مجرد مرض ناشئ آخر»؛ ذلك لأن نجاح أي مكافحة للموت الأسود سوف يعتمد على التشخيص ~~المبكر واتخاذ الإجراءات الفورية. # للأسف، ليس هناك ما يمكن فعله من أجل الضحايا، إلا أنه ينبغي فرض تدابير صحية ~~صارمة في الحال لمحاولة التغلب على العدوى المبدئية إن أمكن. ستتضمن هذه التدابير: عزل ~~الضحايا، والاستخدام واسع النطاق والإجباري للأقنعة الطبية (نظرا لأن انتقال العدوى ~~يحدث عن طريق العدوى الرذاذية)، وإلغاء كافة التجمعات العامة التي تقام على مساحة ~~كبيرة، وفرض حجر صحي مدته 40 يوما على أي شخص مشتبه في إصابته بالعدوى، وارتداء ~~الملابس الواقية، وتحريم كافة التنقلات من المنطقة المصابة وإليها، وبالأخص التنقلات ~~جوا. # لكن كما بينا، فالسلاح الخفي للطاعون النزفي الذي جعله فعالا إلى حد مرعب هو ~~فترة حضانته الطويلة إلى حد استثنائي؛ لهذا السبب، سيستحيل تقريبا تعقب كل شخص ~~ربما يكون أصيب، فلن تكون السلطات الصحية مستعدة كما ينبغي. والإجراءات المذكورة ~~سابقا لن تكون وحدها كافية، مثلما وجدها شعب أوروبا من واقع خبرتهم السيئة في ~~القرن الرابع عشر. # سيحتاج مسئولو الصحة العامة تبني استراتيجيات أكثر جذرية؛ فالأعراض الأولى لن ~~تظهر إلا بعد مرور شهر على الأقل من إصابة الضحية الأولى - أغلب الظن ستكون في أفريقيا ~~- وفي خلال هذا الشهر ربما يكون قد سافر لمسافات كبيرة ونقل العدوى عن غير قصد إلى ~~أشخاص كثيرين. # من ثم سيكون هناك ضرورة لخط مكافحة ثان. كما شرحنا، يمكن تحديد تواريخ إصابة ~~الضحايا ومتى يصيرون قادرين على نقل العدوى بدقة من تاريخ الوفاة. لا بد من التتبع ~~الصارم لتنقلاتهم من اليوم الذي يصبحون فيه قادرين على العدوى، واقتفاء أثر كل الأشخاص ~~الذين يحتمل أن يكونوا قد احتكوا بهم. ستكون هذه مهمة شاقة للغاية تقتضي ~~تعاونا دوليا كاملا ونشطا. في أفضل الأحوال الممكنة، حيث لا تتنقل الضحية كثيرا ~~إبان الفترة التي تكون فيها ms235 قادرة على نقل العدوى، ستتمكن تقنيات العزل الشامل من ~~التغلب على موجة التفشي. # الاحتمال الأغلب أن الضحايا سيكونون قد انتقلوا عبر مساحات كبيرة، بل نقلوا العدوى ~~إلى ركاب على متن رحلات الطيران الدولية القادمة من أفريقيا، ولربما استقلوا وسيلة ~~مواصلات عامة مزدحمة، وحضروا مباريات رياضية، وتواجدوا وسط تجمعات أخرى. إن تعقب كافة ~~الأشخاص الذين احتكوا بهم سيكون مستحيلا، وستكون هناك ضرورة عاجلة لتنفيذ عزل ~~ومنع شاملين لكافة التحركات في أي منطقة من المناطق التي زاروها. ستكون السلطات ~~الصحية في كل أنحاء العالم في حالة تأهب لموجات العدوى الثانية والثالثة؛ فنظرا لأنهم ~~يعرفون صفات الفيروس، فإنهم سيتمكنون من تحديد التواريخ التقريبية للوقت الذي يتوقع ~~ظهور الأعراض فيه. سيتعين تطبيق نفس التدابير - من عزل، وارتداء الأقنعة الطبية، ~~واقتفاء أثر من تعرضوا للعدوى - تطبيقا صارما في كل مرة تظهر فيها حالة جديدة. # لا مناص من هروب الفيروس وانتشاره في كل حدب وصوب، موديا بحياة ~~الكثيرين، لكن من المفترض أن تكون مكافحته والتغلب عليه ممكنين في النهاية، ~~بالاستعانة بالتدابير السليمة. سيتمثل الهدف الأول في كبح معدل انتشاره في كل منطقة بدأ ~~فيها. عندما يعزل الوباء بالكامل، فسيتعين إجراء عملية اجتثاث كبرى لأية جذور ~~متبقية من خلال فرض حجر صحي مدته 40 يوما. ستكون المهمة هائلة، وسيقتضي الأمر توافر ~~حشود من المسئولين المعنيين بالصحة للتصرف سريعا لاقتفاء أثر من تعرضوا للعدوى، ~~ولتطبيق التدابير الضرورية. لكن لو تحلينا باليقظة وتصرفنا بسرعة وبحكمة، قد تنجو ~~قارات بأكملها. # إذا لم يتم التغلب على الفيروس في هذه الموجة الثانية، فسيكون قد فات الأوان ~~وسينتشر المرض في أنحاء المعمورة في آخر الأمر. ~~(4) ثمن السلامة # ليس الإنسان وحده هو المعرض للأمراض الناشئة؛ ففي النصف الثاني من القرن العشرين، ~~انمحى شجر الدردار كله تقريبا من إنجلترا بفعل مرض فطري انتقل إليه عن طريق خنافس ~~صغيرة؛ مما ترتب عليه تغير وجه الريف بلا رجعة. قد تعاني قريبا بعض الأشجار الأخرى ~~من مصير مماثل؛ فقد اكتشف مرض موت البلوط المفاجئ - ومرض فطري يقتل جنسي ms236 ~~نباتات الرباطية والرودودندرون - في إنجلترا في مايو من عام 2002، ويمكن أن يترتب عليه ~~مضاعفات كارثية. طبقت تدابير مكافحة صارمة، منها الاستعانة بفريق مكون من حوالي ~~100 مفتش في مجال الصحة النباتية. وكان هذا المرض قد دمر أعدادا كبيرة من شجر ~~البلوط ذي لحاء الدباغة في كاليفورنيا الساحلية وجنوب أوريجون. وفي ديسمبر 2003، ~~أطلقت حكومة المملكة المتحدة إنذارا جديدا لأن الفطريات وجدت للمرة الأولى في ~~أشجار الزان والكستناء الحلو، والتنوب السيتكي، ودوجلاس التنوب، بالإضافة ~~إلى الكاميليا، والكلمية، والليلك، والبيريس، ونبات الطقسوس المزروعة كنباتات زينة في ~~مراكز الحدائق. يبدو أن المرض ينتقل إلى الأشجار من نباتات الرودودندرون المصابة، وكان ~~يتعين غالبا تدمير رواب فسيحة من هذه الشجيرات. # أصابت الحمى القلاعية (داء القدم والفم) الأغنام والماشية في بريطانيا عام 2001، ~~وانتشرت انتشارا هائلا ومرعبا، على الرغم من شن حملة عملاقة للتغلب على المرض ذبحت ~~فيها آلاف من الحيوانات غير المصابة، ويعد ذلك أحد تدخلات الصحة العامة التي لا ~~يمكن - لحسن الحظ - تطبيقها مع الإنسان عندما تظهر الأمراض الفتاكة التي تصيب ~~البشر. # مرض اللسان الأزرق هو مرض فيروسي يصيب الأغنام، وتحمله بعوضة صغيرة ماصة للدماء. ~~يترك المرض الحيوانات في حالة هزال شديد حتى إنها لا تقوى على الرؤية أو تناول الطعام ~~أو الحركة، وتنفق سبعين بالمائة من القطعان المصابة، وتضاهي قدرته على الفتك ~~قدرة الحمى القلاعية. عبر البعوض - المنتشر في شمال أفريقيا - البحر المتوسط ~~ووصل إلى جنوب أوروبا عام 1998. أسفرت موجات تفشي الوباء في أنحاء إسبانيا وإيطاليا ~~واليونان وبلغاريا عن نفوق ما يزيد عن نصف مليون من الأغنام. ذكر المتحدث الرسمي باسم ~~معهد بحوث الصحة الحيوانية أنه يرى أن انتشار مرض اللسان الأزرق ربما يعود إلى التغير ~~المناخي؛ فمع كل ارتفاع - ولو لدرجة واحدة مئوية في متوسط درجات الحرارة السنوية - تمد ~~البعوضة مداها أكثر شمالا لمسافة 56 ميلا في المتوسط، بل الأمر الأكثر إنذارا بالسوء ~~أن مدى البعوضة يتداخل الآن مع مدى نوع آخر من البعوض وثيق الصلة بهذا النوع الأول، ~~الذي يستطيع أن يعيش في ms237 مناطق أبعد من الشمال؛ مما يثير احتمال وصول خطر المرض إلى ~~مناخات أكثر برودة. # عودة إلى الإنسان، إن الطبيعة قادرة على تدمير البشرية أكثر تقريبا مما يستطيع أي ~~هجوم إرهابي أو كارثة بيئية. تمثل الأمراض المعدية أكثر من 40٪ من عبء المرض العالمي، ~~ويلقى الملايين حتفهم كل عام بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والسل، ~~والملاريا، كذلك يلقى نحو 70 ألف فرد حتفهم سنويا في إنجلترا بالأمراض المعدية، ~~والأمر المزعج أن 5000 فرد منهم تنتقل إليهم العدوى في المستشفيات. # تتعايش الفيروسات والبكتيريا مع الإنسان وتشاركه البيئة، إلا أن المشكلة لا تقف أبدا ~~عند حد معين، ومن المتوقع أن تتفاقم بدرجة كبيرة. يسرد تقرير صدر مؤخرا عن رئيس ~~الخدمات الطبية بالمملكة المتحدة، الأسباب وراء عدم إمكانية التنبؤ بانتشار الأمراض ~~المعدية والتغلب عليها، وأسباب تزايد صعوبة التعامل معها: # زيادة التنقل بين أنحاء الكرة الأرضية، وقد عكس الاتجاه الجديد إلى السفر ~~إلى أماكن أكثر غرابة، وازدهار سياحة المغامرات، اتجاها جديدا للإصابات ~~بالأمراض المعدية، مثل أنواع الملاريا الأكثر حدة. # تأثير التكنولوجيا؛ فيمكن أن يكون لوسائل التكنولوجيا الحديثة آثار غير ~~متوقعة على صحة الإنسان (على سبيل المثال، ثمة صلة مباشرة بين مكيف ~~الهواء وداء الفيالقة). # التغير البيئي؛ فقد تفضي التغيرات المناخية المستقبلية إلى زيادة في بعض ~~الأمراض التي تنتقل عن طريق المياه، بالإضافة إلى زيادة حالات التسمم ~~الغذائي، التي ترتبط بالمناخ الأكثر دفئا في المملكة المتحدة وصارت أكثر ~~انتشارا بالفعل. # قد تسهل التغيرات في أنماط السلوك البشري انتشار أحد الأوبئة. (على ~~سبيل المثال، تعزى زيادة نسبة الأمراض التي تنتقل عن طريق العلاقات ~~الجنسية مؤخرا - منها فيروس نقص المناعة البشرية - مباشرة إلى تغيرات في ~~السلوكيات الجنسية.) # المتعضيات المقاومة للعقاقير؛ فيمكن للأمراض التي صارت تمثل خطرا بسيطا ~~نسبيا على صحة الإنسان أن تعاود الظهور لأن العوامل المعنية تكون ~~مقاومة للعقاقير التي صنعت لعلاجها. بكتيريا مرسا (أو المكورات العنقودية ~~الذهبية المقاومة للميثيسيلين) هي جراثيم خارقة يمكنها أن تقاوم الكثير من ~~المضادات الحيوية، ولطالما كانت تمثل مشكلة خطيرة في المستشفيات وبيوت ~~الرعاية؛ ms238 حيث تصيب جروح المرضى الذين أوهنهم مرض أو إصابة. بل الأمر ~~الأكثر إثارة للإزعاج، أنها هربت الآن من المستشفيات حيث تطورت، وأصبحت ~~تكمن في الأنحاء المحيطة بنا. عند أخذ عينات عشوائية، عثر على البكتيريا ~~على قلم في أحد بنوك الشوارع الرئيسية، وعلى مقعد في مترو الأنفاق، ~~وعلى أحد أزرار شارة عبور المشاة، وعلى أرضية متجر بيع ملابس. # يبدو الآن أن سلالة جديدة من سلالات مرسا آخذة في البزوغ، وهي تنتقل ~~عبر الاتصال الجلدي، بل يمكنها أن تصيب حتى الأصحاء، وهي تنتشر كالنار ~~في الهشيم داخل الزنازين المكتظة بالأفراد، وقد كان هناك أيضا العديد ~~من موجات التفشي ضيقة النطاق مؤخرا في مدن وبلدان في أنحاء ~~الولايات المتحدة الأمريكية. معظم المصابين يكونون من الذكور ~~المثليين، لكن قطعا لا تنحصر جراثيم مرسا الخارقة في هذه الفئة ~~فقط؛ فقد سقط رياضيون، وأطفال مدارس، وحديثو ولادة ضحايا أيضا، وأولئك ~~الذين يمارسون رياضات تقتضي التلامس في خطر أيضا؛ ففي ولاية تكساس في ~~سبتمبر عام 2002، على سبيل المثال، ظهرت 50 حالة بين أطفال المدارس في ~~باسادينا، بعضهم كانوا مشتركين في فريق كرة القدم. # انتقلت جراثيم مرسا الخارقة إلى الحيوانات المستأنسة؛ مما أثار المخاوف ~~من أن تصيب أصحاب هذه الحيوانات، وقد تأكد ظهور حالات بين القطط ~~والكلاب وفئران التجارب والخيول في الولايات المتحدة الأمريكية. وذكر ~~تقرير صادر في ديسمبر 2003 رصد حالات في القطط والكلاب وأرنب واحد في ~~المملكة المتحدة. # تستطيع الميكروبات الموجودة أن تتحور إلى أشكال أكثر خبثا. على سبيل ~~المثال، ثمة خطر دائم من ظهور جائحة إنفلونزا فتاكة أخرى مثل تلك التي ~~ظهرت عام 1918 بسبب ظهور سلالة جديدة. # يوضح التقرير أن أنماط السلوك البشري اليوم تحول الأمراض المعدية إلى خطر ~~عالمي، ليس فقط على صحة السكان، وبقائهم على قيد الحياة، ورفاهتهم، وإنما أيضا على ~~اقتصادات كثير من البلدان، بل على الاستقرار والأمن الاجتماعيين وفي بعض الأجزاء من ~~العالم. يتخفى حجم الخطر تحت قناع حقيقة أن هذه التغيرات تحدث تدريجيا. على ما يبدو، ~~لا يزال معظم ms239 الناس على قناعة بأن الإجراءات المعتادة لمكافحة الأمراض المعدية ستكون ~~قادرة على مواكبة التغيير. الأمر المذهل هو اكتشاف حوالي 400 مرض يمكنها أن تنتقل من ~~الحيوان إلى الإنسان، لكن العمل الصبور والدقيق الذي يقوم به علماء الأوبئة والأحياء ~~الدقيقة يشير إلى أنه يمكننا الآن أن نتعامل معها وأن ننعم بنوم هادئ ~~ليلا. # بيد أن الخطر الأكثر جسامة يتمثل في انبثاق أمراض فيروسية جديدة ومريعة من ~~الحيوانات. لقد ظهر فعليا منذ عام 1970 على الأقل 30 مرضا معديا لم تكن معروفة ~~قبلا وليس لها علاج فعال تماما. ويفوق عدد هذه الأمراض الأمراض التي ظهرت في خلال ~~الثلاثة الآلاف عام السابقة، وإن كانت التطورات الحديثة في الطب وعلم الأحياء قد سهلت ~~بالطبع التعرف عليها. في الغالب نشأت أمراض كثيرة - بما فيها الطاعون النزفي - في أوقات ~~مختلفة في حيوانات أفريقية لتصيب قرى وقبائل صغيرة؛ مما أسفر عن حالات وفاة غامضة ~~لم يأت أحد على ذكرها، وبعدها صارت في طي النسيان. بالتأكيد كان هذا هو الحال ~~قبل عهد الطبيب ليفنجستون. # ظهر مرض غير معروف في قرية أفغانية في مارس 2002، وأودى بحياة 40 شخصا. والسبب ~~الحقيقي للذعر هو حتمية ظهور المزيد من الأمراض الفتاكة في السنوات المقبلة. ها ~~هنا تكمن المشكلة: فبمقدورنا مكافحة حتى الأمراض شديدة البشاعة، مثل الإيبولا والنسخة ~~الجديدة من سلالة مرض كروتزفيلد جاكوب، والتعامل معها، وإن كانت حمى غرب النيل ~~والحمى النزفية لا تزالان تثيران بعض المخاوف ويجري ترصدهما بحذر شديد، لكن مثال ~~فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز ينتصب بارزا أمام أعيننا؛ فهذا الفيروس ظهر وهرب ~~وانتشر في أنحاء العالم قبل أن يتم التعرف عليه بالكامل، وحتى بعدما تم التعرف ~~عليه، أبى الأفراد فرض التدابير اللازمة للفحص والمكافحة الجماعيين. على سبيل ~~المثال، عولت السلطات الصحية في بريطانيا على حملة دعائية. واليوم يدفع العالم ~~الثمن؛ فلسوف يفقد 42 مليون طفل في 27 دولة أحد والديهم أو كليهما بالإيدز بحلول ~~عام 2010، مع أنه مرض لا ينتقل بسهولة، فالعدوى الرذاذية أكثر فاعلية بدرجة ~~هائلة. # من المستبعد ms240 أن يتم القضاء على فيروس نقص المناعة البشرية تماما الآن؛ فلسوف يواصل ~~الانتشار ببطء وإزهاق أرواح الأفراد على نحو متزايد باستمرار. بيد أن سكان العالم ~~يواصلون النمو بمعدل أسرع، ووفيات فيروس نقص المناعة البشرية تافهة مقارنة بالوفيات ~~المترتبة على ضربة مفاجئة من مرض جديد شديد العدوى مثل الموت الأسود. ~~(5) حالة فزع # حتى الأوبئة التافهة بمقدورها أن تثير حالة هلع واسعة النطاق، تعقبها مضاعفات ~~دولية، إذا كانت موجة التفشي لمرض مجهول. ظهر فيروس رئوي مجهول في إقليم جوانجدونج في ~~جنوب الصين في ديسمبر 2002، وبعدها بشهرين، كانت حالة من الهلع قد انتشرت على نطاق ~~واسع، ووصلت إلى شنغهاي، التي تبعد مسافة يوم سفر بالقطار. اجتاح ملايين الصينيين ~~الصيدليات والمتاجر لشراء المضادات الحيوية ومضادات الالتهاب والخل والأقنعة الجراحية ~~بكميات ضخمة، ونفد كل مخزون هذه الأشياء بالرغم من ارتفاع أسعارها. # أثر الهلع على أسواق الأوراق المالية الإقليمية، وأدى إلى ارتفاع أسهم شركات ~~الأدوية، ولم يتفوق عليها سوى مصنعي الخل. كان كثير من الصينيين يعتقدون أنه إذا ~~غلي وعاء من الخل حتى يتبخر، فإن البخار سيكون مطهرا فعالا لمكافحة المرض. ~~أبلغ عن وقوع 4 حالات وفاة أخرى نتيجة غلي الخل فوق مواقد تعمل بحرق الفحم مما أدى ~~إلى انبعاث أبخرة قاتلة. # كل هذا الهلع نتج عن وجود 300 حالة مصابة بالالتهاب الرئوي في المستشفى - ثلثهم أطباء ~~وممرضون، وعاملون آخرون بمجال الصحة - عن طريق الفيروس. إلا أن 5 أفراد فقط لقوا ~~حتفهم بحلول فبراير 2003. # بالرغم من أن هوية الشيء الذي اعتقد أنه فيروس لم تكن معروفة، فإن أحد العاملين ~~بمركز إقليمي للوقاية من الأمراض المعدية ومكافحتها أعلن أن: «المرض تحت السيطرة، ~~ونولي أولويتنا الآن لاكتشاف سببه. لم ندرك في البداية أنه وباء خطير ؛ ومن ثم لم ~~نتعامل معه بجدية.» # ناشدت حكومات المنطقتين الإداريتين ماكاو وهونج كونج السكان أن يلتزموا بضبط النفس، ~~إلا أنهم كانوا أكثر دراية من غيرهم بأن جنوب الصين قد ضرب بفيروسات جديدة فتاكة ~~مرارا وتكرارا في السنوات الأخيرة. # لربما استفحلت موجة التفشي في ms241 إقليم جوانجدونج لتصبح وباء صغيرا هو سارس. نروي في ~~النقاط التالية قصة سارس الآخذة في التكشف شيئا فشيئا: ~~«26 فبراير 2003»: سافر رجل أعمال صيني ~~أمريكي جوا إلى هانوي بفيتنام بعد قضاء وقت في شنغهاي وهونج كونج. مرض ~~الرجل بعد ذلك بيومين، وفي السادس من مارس نقل إلى المستشفى حيث تدهورت ~~حالته، ومات في الثالث عشر من مارس، فترك وراءه في فيتنام نوبة تفش لنوع ~~فتاك من الالتهاب الرئوي أصبح معروفا باسم المتلازمة التنفسية الحادة ~~الوخيمة (سارس)، وقد نقل العدوى إلى العاملين بالمستشفى الفرنسي بهانوي ~~حيث تلقى العلاج. ~~«5 مارس»: في تورنتو توفيت العجوز ~~سوي تشو كوان، وتبعها ابنها كاي واي تسي البالغ من العمر 44 عاما في اليوم ~~التالي، وقد كانا في زيارة إلى هونج كونج. أصيب أيضا 4 من الأقرباء وشخص ~~وطيد العلاقة بالعائلة. وأبلغ عن وقوع ضحيتين في كولومبيا البريطانية ~~لنفس المرض الغامض. ~~«6 مارس»: وصول المرض إلى سنغافورة، حيث ~~أبلغ عن ظهور الأعراض على ثلاثة أشخاص كانوا في زيارة لهونج كونج. بحلول ~~السادس عشر من مارس، كان قد دخل إلى المستشفى 10 من أقاربهم وأصدقائهم و7 ~~أفراد من العاملين بالرعاية الصحية، الذين كانوا قد تولوا رعايتهم، ~~بنفس المرض. # لم يكن هناك علاج لأن الأطباء لم يكونوا قد عرفوا حتى تلك اللحظة ~~ما إذا كان المرض بكتيريا أم فيروسيا. لقد استنتجوا أن المرض ينتقل من ~~شخص إلى آخر وأن فترة حضانته قصيرة تتراوح ما بين يومين إلى سبعة أيام. ~~وعادة ما تتضمن أعراضه ارتفاعا في درجة الحرارة أكثر من 38 درجة مئوية، ~~مصحوبا بمشاكل تنفسية مثل السعال أو قصر النفس أو صعوبات في التنفس أو ~~آلام العضلات. قد تتضمن الأعراض الأخرى الصداع وتيبس العضلات وفقدان ~~الشهية وتوعك اضطراب ذهني وطفحا جلديا وإسهالا. ~~«10 مارس »: في تايبيه، مرض ثلاثة ~~أشخاص، منهم سيدة في الرابعة والستين من العمر كانت قد وصلت إلى ديارها عن ~~طريق هونج كونج بعد زيارة بر الصين الرئيسي. كان هناك شعور بالحساسية ~~في هونج كونج جراء ms242 اعتبار أنها مصدر المرض لأن هذا قد يطيح بقطاعها ~~السياحي. جرد المتسوقون في هونج كونج - تلك المستعمرة البريطانية السابقة ~~- الصيدليات من الأقنعة الجراحية ومن الأدوية التقليدية لعلاج الإنفلونزا ~~الصينية، حيث احتجز 42 شخصا، منهم كثيرون من العاملين بمجال الصحة، ~~بالمستشفى. أخليت ثلاثة عنابر، واضطرت عيادة متخصصة في علاج أمراض ~~القلب إلى تخفيض خدماتها، وألغيت العمليات الجراحية غير العاجلة، كل هذا ~~من أجل توفير أسرة العناية المركزة. بعدها بثمانية أيام ارتفع ~~إجمالي عدد الأفراد الذين سقطوا مرضى في هونج كونج - الذين كان معظمهم من ~~القائمين على الرعاية الطبية - إلى 100 فرد. ~~«15 مارس»: وصل المرض إلى أوروبا عندما ~~مرض طبيب كان عائدا من مؤتمر في نيويورك إلى دياره على متن طائرة قبل ~~توقف طائرته مؤقتا بفرانكفورت بألمانيا. وكان هذا الطبيب قد عالج بعض ~~الضحايا في سنغافورة. اتخذت السلطات الألمانية إجراء حكيما غير مسبوق ~~بإخضاع ركاب الطائرة لحجر صحي معظم يوم السبت قبل إطلاق سراحهم ~~لمواصلة رحلاتهم. ~~«18 مارس»: استقبل المستشفى رجلا كان قد ~~سافر من هونج كونج إلى مانشستر بالمملكة المتحدة للاشتباه في إصابته بسارس، ~~وهي أول حالة في بريطانيا. أطلقت منظمة الصحة العالمية إنذارا بشأن انتشار ~~المرض، واصفة إياه ب «خطر عالمي على الصحة»، ونصحت المسافرين من الصين ~~وهونج كونج وجنوب شرق آسيا الذين ظهرت عليهم أعراض المرض الاتصال بالخدمات ~~الصحية المحلية لبلادهم. ~~«19 مارس»: جرى تشخيص المرض مبدئيا على ~~أنه ينتمي إلى عائلة الفيروسات المخاطية، لكن بعدها بستة أيام تغير ~~التشخيص إلى نوع جديد من الفيروسات التاجية (كورونا). حتى ذلك الحين، كانت ~~نزلة البرد هي المرض البشري الوحيد المعروف أنه يحدث بسبب فيروس ~~تاجي. ~~«1 أبريل»: أشارت صحيفة ذا تايمز إلى أن ~~انتشار سارس قد لا يمكن ردعه الآن. وذكر المحللون أن اقتصاد الشرق الأقصى ~~يمكن أن يكون الضحية التالية للفيروس ؛ فالسياحة انهارت وتصدع النشاط ~~التجاري تصدعا عميقا. ~~«2 أبريل»: طبقت المصارف حول العالم ~~إجراءات طوارئ في محاولة لمنع موظفيها من الاتصال بسارس. أخضع بنك يو بي إس ~~- بنك ms243 سويسري يعمل لديه آلاف الموظفين في مدينة لندن - موظفيه العائدين من ~~المناطق المنكوبة لظروف حجر صحي؛ إذ طلب منهم المكوث في المنزل لمدة ~~10 أيام. منع بنك ستاندرد تشارترد - واحد من أكبر البنوك الاستثمارية في ~~هونج كونج - موظفيه من السفر من وإلى الشرق الأقصى. ~~«3 أبريل»: تصدر صحيفة الديلي ميل ~~العنوان التالي: «أيمكن أن يكون هذا إنذارا مبكرا بشيء أكثر ~~فتكا؟» # نقلت هونج كونج أكثر من 200 مقيم في المجمع السكني أموي جاردنز بمنطقة ~~كولون إلى معسكرات العزل بعد تفشي سارس؛ لأن منظمة الصحة العالمية أعلنت أن ~~«إفرازات الجسم» التي تحتوي على الفيروس قد تتسلل بطريقة ما إلى الأنظمة ~~المشتركة التي تربط الغرف أو الوحدات السكنية. # وعلى متن رحلة متجهة من هونج كونج إلى بكين، انتقل المرض إلى 22 شخصا من ~~مصاب واحد فحسب. ~~«4 أبريل»: خفضت شركة الخطوط الجوية ~~الأسترالية كانتاس رحلاتها الجوية بمعدل رحلة واحدة من كل خمس رحلات بسبب ~~انخفاض الحجوزات؛ نظرا لامتناع العملاء عن السفر بالطائرات في أعقاب تفشي ~~سارس. أعلنت الخطوط الجوية البريطانية أيضا انخفاض أعداد المسافرين ~~بنسبة 11 بالمائة بسبب الوباء، وتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن ~~الخطوط الجوية يمكن أن تواجه خسائر مذهلة بنسبة 6,5 مليارات جنيه ~~إسترليني. ~~«7 أبريل»: توقع خبراء وول ستريت أن نوبة ~~تفشي سارس يمكنها أن تسفر عن كساد عالمي؛ ومن ثم تدفع الاقتصاد العالمي ~~إلى الركود. ~~«15 أبريل»: أفاد العلماء بأن ثمة ~~حيوانات كثيرة يمكنها أن تقوم بدور العائل لسارس؛ مما يزيد احتمالات أن ~~المرض كان متواريا عن الأنظار في مكان ما، وقد توقعوا بقاء المرض في ~~آسيا. # على الرغم من خطورة موجة التفشي تلك، فإنها كانت وباء صغيرا ~~فحسب؛ فقد كانت القدرة على نقل العدوى منخفضة، ولم يتوف من الضحايا سوى 4 ~~بالمائة، كما يوضح الجدول الآتي. وهذه موجة صغيرة مقارنة بموجات تفشي الموت الأسود في ~~حال إذا ما عاود الظهور. # عدد الحالات # الوفيات # أستراليا # 1 # 0 # بلجيكا # 1 # 0 # البرازيل # 1 # 0 # كندا # 69 # 0 # الصين ms244 # 1220 # 49 # هونج كونج # 800 # 20 # تايوان # 15 # 0 # فرنسا # 3 # 0 # ألمانيا # 5 # 0 # إيرلندا # 1 # 0 # إيطاليا # 3 # 0 # رومانيا # 1 # 0 # سنغافورة # 100 # 5 # إسبانيا # 1 # 0 # سويسرا # 2 # 0 # تايلاند # 7 # 2 # المملكة المتحدة # 3 # 0 # الولايات المتحدة # 100 # 0 # فيتنام # 59 # 4 # الإجمالي # 2392 # 87 # فيما استمر الوباء جنوبي شرق آسيا، تمت السيطرة على المرض عن طريق اتخاذ تدابير ~~الصحة العامة السليمة في أماكن أخرى من العالم التي ظهر المرض فيها، من خلال المسافرين ~~جوا. حدد العلماء تدريجيا بعضا من خواص المرض. تتراوح فترة حضانة المرض ما بين ~~يومين إلى عشرة أيام، ولا يكون الأفراد قادرين على نقل العدوى أثناء تلك الفترة على ~~الأرجح - على خلاف الطاعون النزفي - من ثم من المفترض أنه يسهل التغلب على سارس من ~~خلال العزل الفوري للحالات المصابة. # ينتقل المرض أيضا عن طريق الرذاذ وليس الهباء الجوي، ويبدو أن انتقال العدوى يتطلب ~~اتصالا أقرب كثيرا بسوائل وإفرازات الجسم. قد ينتقل الفيروس إليك بمجرد لمس سطح طاولة ~~أو زر مصعد أو مقبض باب ملوثين، ويمكن أن ينتقل عبر مواسير المجاري أو ~~الهواء بداخل طائرة. بيد أن وكالة حماية الصحة بلندن صرحت أنه إذا كان سارس ينتقل ~~عن طريق الهباء الجوي، لتراوح عدد المصابين ما بين 10-100 مرة أمثال المصابين ~~الفعليين. # سلط وباء سارس الصغير الضوء على العديد من التحذيرات الهامة. أولها: أن أمراضا جديدة ~~آخذة في الظهور طوال الوقت، وعلى السلطات الصحية في أنحاء العالم أن تكون في حالة ~~يقظة مستمرة. يعتقد أن فيروس سارس ظهر أول ما ظهر في حيوان شبيه بالقط يطلق عليه ~~زباد النخيل المقنع، ثم اخترق الحاجز النوعي ليصيب الإنسان. يعتبر لحم الزباد لحما ~~شهيا في إقليم جوانجدونج. # ثانيا: أن أي مرض جديد يمكنه أن ينتشر سريعا إلى جميع أرجاء الكرة الأرضية عن طريق ~~السفر جوا. # ثالثا: دائما ما يثير أي وباء حالة فزع؛ لأنه في هذه المرحلة، يكون كل من ~~العامل المعدي والعواقب مجهولين، ولهذا الوضع ms245 عواقب وخيمة، مثل التوقعات بتكبد الخطوط ~~الجوية الدولية خسائر هائلة، والإشارة إلى احتمال انهيار الاقتصاد العالمي. # أخيرا: لا بد من اتخاذ إجراء فوري بمجرد اكتشاف موجة التفشي. يشير تقرير في «دورية ~~الجمعية الطبية الأمريكية» إلى أنه سرعان ما أمكن السيطرة على وباء سارس في بكين بمجرد ~~أن توقفت السلطات الصينية عن التكتم على وجوده، ففي خلال ستة أسابيع فقط، تراجع ~~الوباء بحيث لم تعد هناك حالات إصابة جديدة على الإطلاق بعد أن كان المستشفى يستقبل ~~كل يوم 100 حالة جديدة في ذروة الوباء. ~~(6) هل تعلمنا الدرس؟ # بصفة عامة، تدرك السلطات الصحية في كل أنحاء العالم جيدا مخاطر الأمراض الناشئة، ~~وثمة فرق دولية في حالة تأهب للتعامل مع أي موجة تفشي يبلغ عنها، لكن هل تعلمنا ~~الدروس المستفادة من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز؟ فلو حدث وظهر مرض له شراسة ~~وقدرة على الفتك تضاهيان تلكما اللتين كانتا للموت الأسود، حينها لن تكون مجرد حماقة ~~من الحكومة أن تحذر منه بحملات دعائية، وإنما سيكون هذا أمرا كارثيا، وكذلك إذا ~~فكر أي شخص قائلا: «مستحيل أن يحدث هذا في بلدي.» حالما يتم التعرف على طرق انتقال ~~العدوى وتحديد طبيعة المرض، فسيتعين في الحال اتخاذ تدابير مكافحة وسلامة صارمتين. يكمن ~~السر في تحديد فترتي الحضانة وانتقال العدوى. وبالطبع ينبغي أن تتوافر المساعدة ~~والتعاون الدوليان الكاملان؛ إذ لا بد أن تعمل فرق من علماء الأوبئة والأحياء ~~الدقيقة بلا انقطاع على مدار الساعة لتحديد خصائص المرض الجديد، حتى يمكن التنبؤ ~~بانتشار الوباء وعواقبه، وبناء على ذلك تتخذ التدابير المناسبة. # كما هو الحال دائما، فثمن السلامة هو اليقظة الأبدية. # الفصل العشرون # | هل هناك ما هو أبشع من الموت الأسود؟ # نعلم أن القوى العظمى في العالم لطالما عملت في الخفاء لعقود عديدة على ابتكار ~~الأسلحة البيولوجية. كان تطوير هذه التكنولوجيا الضرورية هو نتيجة حتمية للاكتشاف الذي ~~حدث عام 1953 بشأن الكيفية التي يحكم بها الدي إن إيه الوراثة ويتحكم في آلية عمل كافة ~~الكائنات الحية، بدءا من الميكروبات ووصولا ms246 إلى الإنسان. أنفقت الحكومات كما هائلا ~~من الوقت والمال في سبيل ابتكار طرق لمهاجمة الأفراد في مجموعات وقتلهم من خلال إطلاق ~~كائنات حية فتاكة أو سمومها، وكذلك في سبيل إعداد وسائل للتصدي لمثل هذه الهجمات. # إن الحرب الجرثومية هي بديل القنبلة النووية الرخيص؛ لأن الأسلحة النووية باهظة ~~التكلفة وصعبة النقل وسهلة الرصد. توضح مقاومة صدام حسين لوقف برنامج الأسلحة البيولوجية ~~الخاص بالعراق، الذي كبده الحرمان من وضع يده على مليارات الدولارات من عوائد النفط، ~~توضح الأهمية التي عقدها على هذه الطريقة في الهجوم. وقد تلجأ أي منظمة إرهابية - إلا ~~إذا كانت مدعومة من قوة عظمى يمكن أن تمدها بالأسلحة النووية وسبل نقلها - إلى الحرب ~~الجرثومية، وبمقدور أي عالم أحياء دقيقة محنك بسهولة أن يعلم مثل هذه الجماعة من ~~المتطرفين كيفية صنع أسلحة بيولوجية فتاكة، «باستخدام القليل من قاذورات فناء المنزل ~~الخلفي، وبعض معدات المعامل المتوافرة في كل مكان» (مقتبسة من كتاب «الجراثيم: السلاح ~~الأخير»، انظر الآتي). # في نظر الإرهابي، ثمة ميزة إضافية للأسلحة البيولوجية متمثلة في غموض عواقبها، فبمجرد ~~انفجار قنبلة تقليدية، يمكن تحديد حجم الدمار الذي ألحقته وعدد الوفيات الذي أسفرت عنه، ~~لكن في حال وقوع هجمة بيولوجية، فلن تستطيع السلطات الصحية أن تعرف طبيعة الضربة ولا ~~حجمها، ولن تستطيع التنبؤ بالتطورات المستقبلية أو عدد الوفيات النهائي. كل ما يمكنها فعله ~~هو الاستعداد للسيناريو الأسوأ، الذي قد يكون استجابة مبالغا فيها لهجمة صغيرة. ~~(1) الإرهابيون البيولوجيون الأوائل # إن تاريخ الحروب البيولوجية طويل وغير مبتكر. إن قصة العهد القديم المذكورة في ~~سفر الخروج في الإصحاح التاسع والعددين 8 و9 التي ينصح فيها الرب موسى أن ~~يذر الرماد أمام فرعون تعد مثالا على حرب جرثومية ووصفا لموجة ~~تفشي الجمرة الخبيثة؛ إذ لا بد أن الغبار قد تحول إلى هباء جوي من بكتيريا العصيات ~~لأنها صارت «دمامل متقيحة على كل من الإنسان والحيوان.» # في القرن السادس قبل الميلادي لوث الآشوريون آبار أعدائهم بمهماز الشيلم ~~(فطر الإرجوت)، وهو نوع من المرض الفطري. واستخدم حكيم ms247 أثينا سولون عشب الخربق ~~في تسميم موارد مياه أهل مدينة كريسا. # منذ ما يزيد عن ألفي عام، غمس رماة السهام السكوثيون رءوس سهامهم في روث ~~الحيوانات والجثث المتعفنة لرفع قدرة أسلحتهم على الإماتة. وكما رأينا قبلا، قذف جثث ~~ضحايا الطاعون من فوق جدران المدينة على أمل نقل العدوى إلى العدو إبان طاعون ~~أثينا وحصار كافا. # وبات الجدري طريقة لإخضاع القبائل الهندية في أمريكا الشمالية. في إحدى المرات، ~~إبان الحرب الفرنسية والهندية في كندا، قيل إن السير جيفري أمهيرست أهدى زعماء ~~القبيلة أغطية ملوثة بقشور الجدري؛ مما نقل العدوى إلى السكان وسهل الزحف ~~البريطاني. استخدم البريطانيون أيضا أغطية ملوثة بالجدري لنقل العدوى إلى أفراد ~~قبيلة في معقل فورت بيت على حدود بنسلفانيا عام 1763. # كل هذا عاد ليطاردنا. جريج بورلاند، زعيم قبيلة تشايين ريفر سيوكس بجنوب ولاية ~~داكوتا، سليل امرأة من الأمريكيين الأصليين لقيت حتفها جراء الإصابة ~~بالجدري، وكانت تدعى بلو إيرنجز. وهو يزعم أنه، على عكس الأوروبيين، لم يكون ~~السكان الأصليون لأمريكا الشمالية مناعة ضد المرض، ويطالب بتطعيم جماعي لأبناء ~~قبيلته تحسبا لوقوع هجوم بيولوجي. # في عام 1797، نقل نابليون إلى أهل مدينة مانتوفا عدوى حمى المستنقعات. وثمة روايات عن ~~جنود قاموا إبان الحرب الأهلية الأمريكية بتسميم موارد المياه عن طريق الإلقاء ~~عمدا بجيف الحيوانات في برك المياه. ~~(2) كابوس وقتنا الحاضر # تظهر هذه الجهود البدائية في الحروب الجرثومية وكأنها لا شيء مقارنة بطرق اليوم. ~~يصف كل من جوديث ميلر وستيفن إنجلبرج وويليام برود في كتابهم «الجراثيم: السلاح ~~الأخير»، كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي قد كرسا إبان ~~الحرب الباردة أموالا طائلة وعمالة بشرية هائلة من أجل تطوير أسلحة بيولوجية؛ فمع ~~مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كان البنتاجون ينفق في الخفاء 91 مليون دولار سنويا ~~على ما يطلق عليه الدفاع البيولوجي. وكان إرث هذا السباق في تطوير الأسلحة السرية ~~نفعا غير متوقع لصالح الإرهابيين. # وقعت كافة الأمم معاهدة عام 1972 تحرم تصنيع الأسلحة البيولوجية، لكن في صدام ~~مباشر مع جوهر المعاهدة، قرر السوفييت ms248 سرا توسيع برنامجهم ليصبح على مستوى صناعي ~~هائل. قدم ميلر وإنجلبرج وبرود قدرات إنتاج الجراثيم الصناعية المذهلة الآتية (بالأطنان ~~المترية للعام الواحد) عند أعلى مستوياتها: # الولايات المتحدة الأمريكية # الاتحاد السوفييتي # الجمرة الخبيثة # 0,9 # 4500 # فيروس التهاب الدماغ الخيلي الفنزويلي # 0,8 # 150 # اليرسينية الطاعونية # 0 # 1500 # فيروس الجدري # 0 # 100 # فيروس ماربورج # 0 # 250 # ترتبت على الحرب الباردة عاقبتان في غاية السوء؛ أولهما: مخزون من الجراثيم لا يمكن ~~تخيله بمعنى الكلمة، وثانيهما: عدد كبير من العلماء المدربين القادرين على إنتاج ~~ميكروبات وتعديلها على حسب الطلب. كان من ضمن المشاريع العمل على جعل اكتشاف الهجوم ~~البيولوجي أكثر صعوبة، وعلى تمكين الجراثيم من التغلب على اللقاحات. # كان كل من المخزون الهائل من الجراثيم والعلماء متاحين لأن تشتريهما البلدان ~~المعادية والجماعات الإرهابية. وحتى عام 1989 كان أمن الولايات المتحدة الأمريكية ~~متساهلا للغاية، لدرجة أن إحدى الشركات كانت تبيع سلالات من الجمرة الخبيثة للعراق ~~عن طريق الطلب بالبريد. وفي تدريب أمني أجري مؤخرا، تمكن فريق من العملاء ~~الأمريكيين من إنشاء معمل حرب جرثومية فعلي بتكلفة مليون دولار فقط دون أن تعرف ~~وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بما كانوا يفعلون. وفي أعقاب انهيار الاتحاد ~~السوفييتي عام 1991، اكتشف أن علماء سابقين من السوفييت ساعدوا العراق في حيازة ~~مخزون من بكتيريا الكلوستريديوم (المطثية) والبوتولينيوم (الوشيقية) والجمرة ~~الخبيثة. # هاجمت طائفة أوم شنريكيو مترو أنفاق طوكيو عام 1995 بعبوة غاز الأعصاب سارين؛ مما ~~أسفر عن مقتل 11 شخصا وإصابة 5500 آخرين. عثر المحققون بعدها على معمل أبحاث للأسلحة ~~البيولوجية في مجمع الطائفة، وكان أتباعها قد حاولوا بالفعل إطلاق سم الجمرة الخبيثة ~~والبوتولينيوم على السكان، ولكن المحاولة باءت بالفشل من حسن الحظ. وكان أعضاء من هذه ~~الطائفة قد زاروا زائير إبان موجة تفشي وباء الإيبولا عام 1992، في محاولة للحصول ~~على عينات من الفيروس من أجل استزراعه وتصنيع الأسلحة. بل اكتشف المحققون أنه كان ~~هناك تخطيط لهجوم أكثر خطورة باستخدام أجهزة من شأنها أن تضخ عوامل بيولوجية ~~وكيميائية في شوارع طوكيو. # إن أبحاث ms249 الحروب الجرثومية، ونشاط الإرهاب البيولوجي العارض، والتخطيط المحتمل ~~لمكافحة مخاطر إطلاق عمدي لعامل بيولوجي، تجري في المملكة المتحدة والولايات ~~المتحدة الأمريكية منذ عقود عديدة دون أن تجذب قدرا كبيرا من اهتمام العامة، إلا أن ~~أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بدلت كل هذا، وبينت للجميع حقيقة الموقف. إن كون ~~الولايات المتحدة الأمريكية الأمة العظمى الوحيدة في العالم جعل الهجوم البيولوجي هناك ~~أكثر احتمالا، كما أن الثورة التكنولوجية في القرن العشرين (بما اشتملت عليه من بناء ~~ناطحات سحاب ضخمة) والكثافة المرتفعة للأشخاص المتدفقين باستمرار إلى المدن زادتا من ~~ضعف المجتمع الحديث إلى أقصى حد. # أخيرا استجاب العالم الغربي سريعا، وبات يتفهم الآن أن خطر شن هجوم بيولوجي ~~على السكان المدنيين هو خطر قائم ومستمر. قدر تحليل أجري عام 1997 أنه في بعض ~~السيناريوهات المحتملة للهجوم ستصل نسبة التأثر الاقتصادي إلى 26 مليار دولار عن كل ~~100 ألف شخص يتعرض للجمرة الخبيثة، وقد كان خطر الأسلحة البيولوجية كافيا بما يكفل ~~تصنيع مخزون مدني غير مسبوق من الأدوية واللقاحات. # أعلن الرئيس الأمريكي بوش تخصيص 11 مليار دولار كنفقات جديدة في ميزانية الصحة ~~للسنة المالية 2003 لمكافحة الإرهاب البيولوجي، وينوي الجيش الألماني مضاعفة استثماره ~~في مجال أبحاث الوقاية من الأسلحة البيولوجية ثلاث مرات، إلا أن رئيس معهد روبرت كوخ ~~الأستاذ راينهارد كورت يرى أنه ينبغي وضع برامج التطعيم المدنية بمعزل عما يقوم به ~~الجيش؛ ومن ثم بناء مصد من الأفراد المطعمين في حال وقوع وباء محلي، ويخلص إلى الآتي: # في رأيي، وهو الرأي العام للخبراء في هذا المجال، أن الخطر المحتمل للأسلحة ~~البيولوجية أشد فتكا من خطر الأسلحة الكيماوية والذرية. # في يناير 2002، أعلن رئيس الخدمات الطبية عن خطط إنشاء هيئة وقاية ~~جديدة تتمتع بصلاحيات واسعة لتسيير خدمات مكافحة العدوى والتغلب عليها، بما فيها ~~الأمراض الناشئة في المستقبل (التي تعتبر حتمية الحدوث) وتلك الأمراض التي يصنعها ~~الإرهابيون. ويرغب مدير «المعهد الوطني لأمراض الحساسية والأمراض المعدية» أنطوني فوتشي ~~«في إدراج الإرهاب البيولوجي تحت مظلة الأمراض المعدية ms250 الناشئة وتلك التي تعاود ~~الظهور.» # بيد أن مادلين دريكسلر تقول في كتابها «العملاء السريون: خطر الأمراض المعدية ~~الناشئة»: إننا لا يجدر بنا أن نستهين بالطبيعة الأم التي ربما تكون أكثر الإرهابيين ~~البيولوجيين وحشية على الإطلاق. فأيا كان هو العامل المعدي، بما في ذلك بعض التهديدات ~~الميكروبية الجديدة التي لم نكتشفها بعد، فالخلاصة هي أن المراقبة الدقيقة ~~والاستجابة السريعة هما السلاح الوحيد في ترسانتنا. ~~(3) عملية يوم الدينونة # ثارت رؤية مرعبة لبريطانيا وهي معرضة لهجوم إرهابي في فبراير 2003 عندما كشفت ~~الحكومة البريطانية النقاب عن أكبر عملية تغيير لتدابير التخطيط للكوارث منذ الحرب ~~الباردة؛ فقد أوضحت بتفاصيل مرعبة كيف أن خدمات الطوارئ سوف تطهر أولئك الذين تعرضوا ~~لهجمة كيميائية أو بيولوجية أو نووية. # تنطوي هذه الخطط التي تتحسب ليوم هلاك كهذا أن يقوم طاقم مكافحة حرائق متخصص - ~~يرتدي أفراده ملابس واقية - بتشغيل وحدات التطهير الجماعية التي فيها يجرد ~~الناجون من ملابسهم ثم يتعرضون لحمامات مياه دافئة لإزالة آثار المواد الخطيرة بمعدل 15 ~~ثانية لكل شخص. وسوف تصادر منهم ساعاتهم ونظاراتهم والوسائل السماعية الخاصة بهم، ~~وعندئذ يرتدي الضحايا أثوابا بيضاء ثم يرسلون إلى محطات تطهير المصابين. # رصد مبلغ 56 مليون جنيه إسترليني لمعدات التطهير والمراقبة الجماعية، وتضاعف عدد ~~البدلات الواقية المانعة لتسرب الغاز إلى 4000 بدلة، ولسوف تخصص أطواق من أفراد ~~الشرطة بالإضافة إلى قوات عسكرية مسلحة احتياطية لدرء حالة الفزع الحتمية وضمان ~~تطهير المصابين قبل علاجهم. ~~(4) الحرب الجرثومية # جرى تحديد حوالي 25 ميكروبا أو سما بكتيريا باعتبارها أسلحة بيولوجية محتملة. ~~وتعتبر الجمرة الخبيثة والجدري والطاعون الدبلي والحمى النزفية الفيروسية أخطر ~~هذه التهديدات؛ إما لأنها سهلة الانتشار، أو لأنها تنتقل من إنسان إلى آخر، أو لأنها ~~تؤدي إلى معدل وفيات كبير، أو لأنها قد تثير ذعرا واضطرابا اجتماعيا على نطاق ~~واسع. ذكر مركز مكافحة الأمراض واتقائها أن منها الحمى النزفية الفيروسية باعتبارها ~~تمثل أكبر خطر - وهي نقطة في غاية الأهمية في بحثنا - إذا ما استخدمت كسلاح ~~بيولوجي لما تتمتع به من قدرة على ms251 الانتقال عن طريق الهباء الجوي وارتفاع معدل ~~وفياتها. إن تصنيع العوامل المسببة لهذه الأمراض يحدث بسهولة الآن، إلا أن إنتاجها ~~في صورة تمكن من إرسالها بسهولة ومن إلحاق الضرر بأعداد كبيرة من البشر، يكون ~~أكثر صعوبة من الناحية الفنية في الوقت الراهن. ~~(5) الخوف من الجمرة الخبيثة # إذن ماذا حدث في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبدل تماما تفكير ~~الجميع وتقييمهم لاحتمال وقوع هجمة إرهابية بيولوجية، وأدى إلى إعادة تخصيص مبالغ ~~مالية ضخمة لهذا الغرض؟ السلاح الذي استخدم في هذه الواقعة هو أبواغ الجمرة الخبيثة ~~التي أرسلت عبر البريد إلى الولايات المتحدة؛ مما أسفر عن خمس حالات وفاة، صاحبها ~~اضطراب كبير وذعر بين صفوف العامة. # وإلى جانب الخوف من هجوم بريدي آخر، أشار الخبراء إلى أن الأبواغ الصغيرة التي ~~يحملها الهواء يمكن إقحامها في نظم تكييف الهواء في التجمعات السكنية أو في مناطق ~~التسوق وفي المباني الحكومية مثل البيت الأبيض أو مقر البرلمان الأمريكي الكابيتول. ~~هجمة مثل هذه من شأنها أن تودي بحياة الآلاف من البشر، بل أن تثير نوبة ذعر جماعية ~~في أنحاء أمريكا كذلك. # قارن باتريك كيلي - مدير أنظمة المراقبة والاستجابة للأمراض المعدية الناشئة على ~~مستوى العالم التابع للبنتاجون - هذه الهجمة بنتائج فيروس نقص المناعة البشرية ~~والملاريا في كل أنحاء العالم قائلا: «لا يمكنك أن تتوقع منهم الاكتراث لخمس حالات ~~وفاة من الجمرة الخبيثة.» ومع ذلك كان لهذه الحملة الإرهابية التي تبدو تافهة عواقب ~~هائلة على نطاق واسع. أرسل مكتب التحقيقات الفيدرالي خطابا إلى أعضاء الجمعية ~~الأمريكية للأحياء الدقيقة في يناير 2002 يشير فيه إلى أن بكتيريا الجمرة الخبيثة التي ~~استخدمت في هذه الهجمات ربما جاءت من معمل بالولايات المتحدة كان يجري أبحاثا ~~لمكافحة الأسلحة البيولوجية. وقد أثبت التأريخ باستخدام الكربون المشع الآن أن ~~الجمرة الخبيثة التي أرسلت عبر البريد إلى عضوين بمجلس الشيوخ وصحفيين بارزين قد ~~صنعت وطحنت لتصبح مسحوقا ناعما في خلال العامين السابقين للهجوم. # قطعا هناك آلاف الأطنان من أبواغ الجمرة الخبيثة المخفية في مستودعات ms252 حول ~~العالم، ما يكفي لإبادة البشرية إذا ما تم إرسالها على نحو سليم. وقد أنتج العلماء ~~الروسيون بالفعل سلالة من الجمرة الخبيثة مقاومة للقاح. تستطيع 100كجم فحسب ~~من الأبواغ التي تطلق في صورة هباء جوي عكس الرياح في منطقة حضرية كبرى أن تودي ~~بحياة مليون شخص، علاوة على أن الأبواغ قوية للغاية وسيكون من الصعب جدا القضاء عليها ~~وتطهير المنطقة المعرضة للهجوم؛ ومن ثم سيكون الخلل في الخدمات ونمط الحياة الطبيعي ~~كبيرا وطويل المدى. # على الرغم من المخاوف المبررة بشأن الإطلاق الجماعي العمدي لأبواغ الجمرة ~~الخبيثة، فإن إجمالي آثارها على العالم لن يذكر مقارنة بعودة الموت الأسود أو مرض ~~ناشئ مشابه. حتما ستكون هناك معدلات وفيات هائلة، إلا أن الجمرة الخبيثة ليست سلاحا ~~مثاليا لأنها لا تنتقل من إنسان إلى آخر، وستكفي احتياطات العزل بإقامة الحواجز ~~لدرئه. ستكون موجة التفشي قاصرة في المقام الأول على المنطقة التي تكون باتجاه الريح ~~من نقطة الانطلاق، ولن يتأثر بقية العالم. من المفترض ألا يكون هناك جائحة. أضف إلى هذا ~~أن السلطات الصحية صارت متأهبة الآن لمكافحة أي هجمة بالجمرة الخبيثة، وستتمكن من تقليل ~~عدد الوفيات على نحو كبير. ~~(6) اليرسينية الطاعونية # وماذا عن الطاعون الدبلي؟ قيل إنه إبان الحرب العالمية الثانية أسقط اليابانيون ~~براغيث مصابة بالطاعون الدبلي على المدن الصينية، وربما نجحت في قتل بعض الأفراد ~~من خلال إطلاق موجات تفش محلية للطاعون الرئوي كما يفترض. وإبان الحرب الباردة ~~أولى الاتحاد السوفييتي اهتماما كبيرا لأبحاث اليرسينية الطاعونية باعتبارها ~~سلاحا محتملا، وهي تتصدر قوائم معظم الحكومات للعوامل المعدية التي لا بد أن تكون ~~سبل مكافحتها جاهزة، لكن لماذا؟ # لا ينبغي أن ينزعج أي شخص على الإطلاق من احتمال حدوث هجوم إرهابي باستخدام الطاعون ~~الدبلي. لقد عاشت الولايات المتحدة بهذا المرض على مدار المائة عام الأخيرة، وهو لا ~~يسفر إلا عن عدد محدود من الحالات سنويا. إن إرسال وباء من الطاعون الدبلي ~~وترسيخه سيكون في غاية الصعوبة؛ لأن عوامل كثيرة جدا - كما رأينا في الفصل الحادي ms253 ~~عشر - سوف تؤثر بقوة في النتائج، وانتشار الوباء سيكون مستحيلا. في جميع الأحوال، ~~يعالج الطاعون الدبلي بسهولة باستخدام المضادات الحيوية. # إذن لماذا كرست الحكومات الكثير من الجهد والمال من أجل إنتاج اليرسينية الطاعونية ~~كسلاح بيولوجي؟ الإجابة واضحة: هم يعتقدون أن الطاعون الدبلي كان السبب في الموت ~~الأسود الذي أودى بحياة نصف سكان أوروبا في ضربة واحدة ، وفي رأيهم لا بد أنه بكل ~~تأكيد السلاح المثالي. # هذه حماقة بالتأكيد؛ إذ لم يكن هناك أي اعتبار للبيولوجية الأساسية للطاعون ~~الدبلي، وقد ازداد الأمر سوءا بشدة بسبب المبالغ المالية الهائلة المتوفرة بلا ~~حدود لأي شخص يعمل في أي شيء له صلة من بعيد بالإرهاب البيولوجي. وكنتيجة لذلك، تتولى ~~العديد من الفرق الآن نمذجة آثار وقوع وباء للطاعون الدبلي الذي قد يطلقه إرهابي. ~~في رأينا هذا إهدار تام للوقت والموارد. يجدر بعلماء هذه الأبحاث قراءة الفصل الحادي ~~عشر، إلا أن لديهم رغبة راسخة ومالية في الحفاظ على الوهم الحالي. نرى أنه من الضروري ~~أن يفهم كل فرد - وبالأخص أولئك الذين يوزعون مبالغ كبيرة من الأموال العامة بلا ~~داع - الطبيعة الحقيقية للطاعونين الدبلي والنزفي والمشكلات الحقيقية للحرب ~~الجرثومية. ~~(7) الفيروسات الفتاكة # يجدر بنا أن نولي اهتماما أكثر لاحتمال أن يستخدم الإرهابيون الأمراض الفيروسية؛ ~~فهي رخيصة وسهلة النقل ويقوم المصابون أنفسهم بكل العمل الذي يساعد على تكاثرها ونشرها؛ ~~فالفيروس يتكاثر بداخل الضحية بمعدل مذهل، وسرعان ما يكون جاهزا للانتقال المستمر ~~ليصيب كثيرين آخرين. ومع وجود السفر الجوي الحديث، ستكون النتيجة وباء ~~عالميا. # لطالما اعتبر فيروس الجدري سلاحا بيولوجيا محتملا، ومن المعروف أن كميات ~~مخزنة منه جاهزة للاستخدام، وفي نوفمبر 2002 حددت الولايات المتحدة الأمريكية أربع ~~دول لديها عينات سرية غير معلن عنها من الفيروس: وهي العراق وكوريا الشمالية وروسيا ~~وفرنسا. كل ما يحتاجه الإرهابي هو إرسال مصاب واحد ليتنقل باستمرار، وليكن على سبيل ~~المثال في مترو أنفاق لندن؛ كي يبدأ وباء كبير. قدم برنامج تليفزيوني مدته 90 دقيقة في ~~محطة البي بي سي هذا السيناريو التخيلي في ms254 فبراير 2002، الذي فيه وصل إجمالي العدد ~~النهائي للوفيات إلى حوالي 60 مليون شخص. تعمل الحكومات في الخفاء للتنبؤ بعاقبة ~~هجوم بفيروس الجدري ولتنظيم سبل المكافحة عن طريق اتخاذ تدابير الصحة العامة ~~المناسبة. # لقد أمضينا العديد من السنوات في بحث أوبئة الجدري عبر التاريخ، مع أن موجة تفشي ~~هذا المرض ستكون مرعبة، فإننا لا نظن أن ضربة إرهابية باستخدام الفيروس العادي سوف تسفر ~~عن كارثة كاملة. إن سلالة الفيروس التي كانت في إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن ~~عشر أودت بحياة 20٪ فقط من الأطفال المصابين. # بمجرد أن يتم التعرف على المرض في أعقاب هجمة إرهابية، يمكن تقليل انتقال العدوى ~~بنسبة كبيرة عن طريق استخدام الأقنعة، والأهم من ذلك، أن اللقاح الوقائي متاح. إن هذا ~~المرض الفيروسي المعدي معروف جيدا، ومع التخطيط المستقبلي المسبق، وتوافر تدابير صحية ~~جيدة للتعامل مع الطوارئ، والتشخيص المبكر، والاستجابة السريعة والتطعيمات الجماعية، ~~يمكن احتواء وباء الجدري الناتج عن ضربة إرهابية في مدينة كبيرة والسيطرة عليه في ~~النهاية. # قررت حكومة الولايات المتحدة تصنيع وتخزين لقاح يكفي سكانها بالكامل: وهي مهمة ~~عملاقة سوف تكلف مئات الملايين من الدولارات. بدأ الرئيس بوش التنفيذ في الثالث عشر من ~~ديسمبر 2002، عندما أعلن أنه بحلول الخامس عشر من مارس 2003 سيكون نصف مليون فرد من ~~المدنيين العاملين بمجال الصحة بالإضافة إلى نصف مليون جندي قد تلقوا تطعيمات ضد ~~المرض. من حسن الحظ أن الأعراض الجانبية الحادة كانت نادرة، إلا أن هدف الولايات ~~المتحدة المتمثل في تطعيم 10 مليون شخص بحلول يوليو 2003 يبدو بعيد المنال. # إلا أن ثمة تحفظا كبيرا؛ فقد حذرت الدكتورة فيفيان نيثنسون من الرابطة الطبية ~~البريطانية من أن استعدادات المكافحة الميدانية يمكن أن تساعد في مكافحة الهجمات التي ~~تتم باستخدام العوامل البيولوجية «المعروفة» فقط. # لا توجد استجابة طبية لمواجهة أسلحة بيولوجية مجهولة أو سلالات معدلة ~~وراثيا لجراثيم خارقة لا يتوافر لقاح لها. المكافحة الحقيقية الوحيدة ~~لاستخدام الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية هو منع تصنيعها في المقام ~~الأول. # الخلاصة: إن الكم الهائل ms255 من الوقت والمال المكرسين حاليا ~~لمكافحة الأمراض المعدية الناجمة عن هجمة إرهابية ضروري ومحبذ. لكن ينبغي ألا ننسى أن ~~هذا النشاط الرائع لم يثره سوى وفاة خمسة أشخاص بعد إرسال أبواغ الجمرة الخبيثة ~~عبر البريد الأمريكي، وهناك إشارة واضحة إلى المبالغة في الاستجابة. لم يكن هناك قط ~~- وبالطبع لا يكون هناك الآن مع كل هذه الاحتياطات المحبذة - أي إشارة إلى أن تأثير ~~هجمة إرهابية بيولوجية أو حرب جرثومية باستخدام أي من الجراثيم المعروفة في العالم ~~اليوم لن يكون سوى أكثر قليلا من نتفة مقارنة بتأثير عودة الموت الأسود. ~~(8) نهاية العالم؟ # لماذا إذن أدرجنا نشاط الإرهاب البيولوجي في هذا الفصل كطريقة يمكن أن يعود بها ~~الموت الأسود أو أي شيء مشابه له؟ تكمن الإجابة في ثورة التكنولوجيا الحيوية. عندما ~~أبلغ للمرة الأولى عن تفشي سارس في الشرق الأقصى، وضع الإرهاب البيولوجي في ~~الحسبان كسبب محتمل، وجرى التعامل معه بجدية على جانبي المحيط الأطلنطي. ذكرت وزارة ~~الصحة البريطانية: «بلا شك يبدو نمط الإصابة كمرض طبيعي لكننا بالطبع ننتظر حتى تظهر ~~كافة الحقائق قبل أن نحكم. من السخافة أن نستبعد أي شيء في هذه المرحلة.» # يبقى الاحتمال المرعب أن بمقدور الإرهابيين تصنيع شيء شبيه بالموت الأسود. ثمة الكثير ~~من علماء الأحياء الدقيقة وخبراء الحرب الباردة الذين انتقلوا من تصنيع كميات كبيرة ~~مخزنة من أبواغ الجمرة الخبيثة وتصنيع نسخ مقاومة للقاح من الأمراض المعروفة، إلى ~~إنتاج جراثيم خارقة مصممة خصيصا على حسب الطلب. إن إمكانيات التكنولوجيا الحيوية ~~رائعة، وقد بات إنتاج كائنات بيولوجية جديدة متناهي السهولة. إن الميكروبات والسموم ~~التي تهاجم الجهاز المناعي للإنسان أو الأغماد العصبية موجودة بالفعل، وقد نجح كل من ~~الأمريكيين والروسيين في إنتاج نسخ أكثر فتكا من الجمرة الخبيثة والجدري وإيبولا ~~والطاعون الدبلي. # في نوفمبر 2003، أعلن عن أن عالما كان يحصل على تمويل من حكومة الولايات المتحدة ~~أنتج عمدا عن طريق الهندسة الوراثية شكلا شديد الفتك من جدري الفئران، وهو ~~فيروس قريب من فيروس الجدري. # أثبت العلماء الأمريكيون مؤخرا مدى ms256 سهولة إنتاج جراثيم فتاكة من أجل الأسلحة ~~البيولوجية؛ فقد ركيبوا نسخة من صنع الإنسان من فيروس شلل الأطفال من خلال استخدام ~~الدي إن إيه وخريطة جينية لمسبب المرض متاحة على الإنترنت. كانت هذه هي المرة الأولى ~~التي يستخدم فيها فريق من العلماء التكنولوجيا المتاحة في صنع فيروس صناعي بالكامل من ~~البداية. ولاختبار مدى كفاءته حقنوا به الفئران، التي عانت أولا من الشلل ثم ~~ماتت. # في الواقع، إن استخدام مرض ناشئ أو جرثومة خارقة معدلة بيولوجيا سيكون حيلة ~~ماكرة من الإرهابيين. قد لا يثير هذا الشكوك لمدة طويلة يمكن أن تتكون خلالها جائحة ~~عالمية، في حين أن تفشي الجدري في أي مكان في العالم سوف يعرف في الحال أنه من صنع ~~الإنسان. # بلا شك، يوما ما عما قريب، سوف يبدأ شخص ما في مكان ما بالعبث بالحمى النزفية ~~الفيروسية. تخيل جرثومة خارقة معدلة وراثيا أشد فتكا وأكبر قدرة على العدوى من ~~الموت الأسود؛ حينئذ سينتشر هذا المرض عن طريق العدوى الرذاذية، ولن يحتاج الأمر إلا ~~إلى مصاب واحد (وإن كان الإرهابي سيتمنى وسيعمل من أجل إصابة المزيد، ويفضل في مختلف ~~البلدان لتوفير مساحة لوقوع أخطاء) كي يحدث الدمار التام. هذا هو خطر اللعب بالنار، وهو ~~نتيجة مباشرة للثورة التكنولوجية الحيوية التي حدثت في أعقاب الاكتشاف المصيري للبنية ~~الحلزونية المزدوجة للحامض النووي. وهكذا صارت خريطة الحياة خريطة للموت. ~~(9) دعوة لليقظة # لقد اكتملت رحلتنا. لقد قلبنا التاريخ رأسا على عقب. ومن اكتشافنا الذي حدث بمحض ~~المصادفة لسجل أحد الأوبئة في بلدة تقام فيها سوق مركزية بشمال إنجلترا، نعرف ~~الآن أن الموت الأسود والطواعين كان سببها أكثر الأمراض المعدية الناشئة رعبا على ~~مر التاريخ. بعد أن هرب الطاعون النزفي من إثيوبيا منذ حوالي 3000 سنة، متنقلا كما ~~هو الحال دائما من خلال حركة التجار المصابين، وطد قاعدته في بلاد الشام، ومن هناك ~~ضرب الحضارتين اليونانية والبيزنطية والإمبراطورية الإسلامية الأولى، وكانت الدويلات ~~العامرة هي ضحاياه المفضلة. # وأخيرا، في منتصف القرن الرابع عشر، دمر الطاعون النزفي ms257 سكان أوروبا، وهي أعظم كارثة ~~بشرية على مر التاريخ. في الأيام التي كانت فيها وسائل المواصلات محدودة للغاية، ~~استطاع أن يصنع هذه الضربات طويلة المدى فقط بسبب فترة حضانته الطويلة للغاية، وعلى ~~مدار الثلاثة القرون التالية، أحكم قبضته القاسية على أوروبا، ولم يختف أخيرا إلا ~~بفضل وجود طفرة جينية لدى قلة محظوظة. # لا بد أن ندرك الأخطار المرعبة للأمراض المعدية الناشئة ونقبلها. قلما كانت تحدث ~~هذه الأمراض حتى حوالي عام 1970، عندما تغير نمط حياتنا سريعا وكلية، وباتت ~~تتوارد البلاغات عن مرض جديد كل عام. لكن، رغم خطورة هذه الأمراض وقدرتها الكبيرة على ~~الفتك، فإنها لا تبلغ وحشية سفاح العصور الوسطى على الإطلاق. تظهر الروايات التي ~~عرضناها بكل وضوح المعدل الصاعق للخسائر في الأرواح؛ فقد لقي نحو نصف سكان العالم ~~الغربي حتفهم في وباء واحد للموت الأسود، وهو حدث لا مثيل له. إن وصف الميتات ~~الأليمة التي كان يلقاها الشخص وحيدا تقشعر له الأبدان ويجعل الدم يتجمد في ~~عروق كل منا. # إننا مدينون لأنفسنا ولمن ماتوا بأن نظل محترسين على الدوام لئلا يعاود الطاعون ~~النزفي الظهور، وأن نتأكد أنه ليس لديه فرصة لإعادة تأسيس معقل له من خلال الجهل ~~والتحريف. بهذه الطريقة لن تذهب معاناة وموت الملايين سدى. # | قراءات إضافية # There have been many books written about plagues and in ~~particular about the Black Death, but most promulgate the theory that ~~bubonic plague was responsible or are concerned with the social consequences ~~of the pandemic. # Twigg, G. (1984) # The Black Death: A ~~Biological Appraisal ~~, London: Batsford Academic. This was the ~~first book to assemble the evidence and to show convincingly that bubonic ~~plague was not responsible for the Black Death. # Shrewsbury, J. F. D. (1970) # A History ~~of Bubonic Plague in the British Isles ~~, Cambridge: Cambridge ~~University Press. This gives a comprehensive account of the epidemics in ~~England, although it is a rather boring read. Shrewsbury believed ~~whole-heartedly that # Yersinia pestis # was ~~responsible ms258 for the pestilence but, as a medical microbiologist, realized ~~that this was an impossibility in many of the epidemics. His repeated ~~attempts to rationalize the situation spoil an important compendium. A must ~~if you want to find out about recorded plague epidemics in your local ~~area. # We have presented a new, scientific and mathematical approach ~~to the epidemiology in Scott, S. and Duncan, C. J. (2001) # Biology of Plagues: Evidence from Historical Populations ~~, Cambridge: Cambridge University Press. # McNeill, W. H. (1977) Plagues and People ~~, Oxford: Blackwell gives a general ~~account. # An account of events during the arrival of the Great Pestilence ~~is given in Ziegler, P. (1969) # The Black ~~Death ~~, London: Collins. # Biraben, J. N. (1975) # Les hommes et la ~~peste en France et dans les pays Européens et Méditerraneens, Vols 1 and ~~2 ~~, Paris: Mouton & Co and École des Hautes Études en ~~Sciences Sociales. An invaluable compilation of the recorded plagues in ~~Europe, listed by geographic area. There is a comprehensive bibliography. ~~Biraben also gives an authoritative account of true bubonic plague at ~~Marseille in 1720-22. Pepys, S. (1665-1906) # Diary of Samuel Pepys ~~, London: J. M. Dent. The Great Plague of London in ~~1665-66 is the best documented of all the epidemics in Europe. Samuel Pepys ~~stayed in London throughout and went about his daily business. His diary is ~~lively and provides an invaluable eye-witness ~~account. # Defoe, D. (1722) # Diary of a Plague ~~Year ~~, London: Everyman’s Library. Daniel Defoe was six in ~~1665 and did not write his very readable story of the Great Plague until ~~1722. It has been criticized as being fictional, but checking against ~~contemporary sources suggests that this is an accurate account of life ~~during one of the terrible epidemics. # Bell, W. G. (1924) # The Great Plague in ~~London in 1665 ~~, London: John Lane. Probably the definitive ~~account. # Creighton, C. (1894) # History of ms259 ~~Epidemics in Britain ~~, Cambridge: Cambridge University Press. ~~Creighton is the doyen of epidemiologists. Although medically qualified, his ~~approach in this classic work, which was to provide a chronicle of death and ~~disease in the people of the UK, was that of a professional historian and he ~~worked with great care on his sources. # An account of the epidemic at Eyam published 30 years before ~~Yersin’s work on bubonic plague is given by Wood, W. (1865) # The History of Antiquities of Eyam ~~, 4th edn, ~~London: Bell and Daldy. It contains no confusing mention of rats and ~~fleas. # The plagues of Iceland are of particular interest because they ~~were constrained within this isolated island community and were initiated by ~~the arrival of a single ship. Karlsson, G. (1996) 'Plague without rats: the ~~case of fifteenth century Iceland’, # Journal of ~~Medieval History, # 22: 263-84. It would be particularly ~~interesting to measure the frequency of the CCR5-Δ32 mutation in Iceland ~~today. # An erudite account of plagues in the early Islamic Empire is ~~Dols, M. W. (1977) # The Black Death in the Middle ~~East ~~, Princeton, NJ: Princeton University Press. # The effect of the plagues in controlling the demography of ~~Europe is covered in two of our books: Scott, S. and Duncan, C. J. (1998) # Human Demography and Disease ~~, ~~Cambridge: Cambridge University Press, and Scott S. and Duncan, C. J. (2002) # Demography and Nutrition ~~, Oxford: ~~Blackwell. # There are many papers or books that cover specialized aspects ~~of our story, for example: # Davis, D. E. (1986) 'The scarcity of rats and the Black ~~Death: An ecological history’, # Journal of ~~Interdisciplinary History, # XVI: ~~455-70. # Dyer, A. (1997) 'The English Sweating Sickness of 1551: An ~~epidemic anatomized’, # Medical ~~History, # 41: 362-84. # Taviner, M., Thwaites, G. and Grant, V. (1998) 'The English ~~Sweating Sickness, 1485-1551: A viral pulmonary disease?’ # Medical History ~~, 42: 96-8. # Furness, W. (1894) # The History of Penrith from the Earliest ms260 Period to the Present Time by Ewanian ~~(William Furness) ~~, Penrith: William ~~Furness. # Hughes, J. (1971) 'The plague at Carlisle 1597/8’, # Transactions of the Cumberland and ~~Westmorland Antiquarian and Archaeological Society ~~, 81: ~~52-63. # Longrigg, J. (1980) 'The great plague of Athens’, # History of Science ~~, 18: ~~209-25. Pfister, C. (1980) 'The Little Ice Age: Thermal and wetness ~~indices for Central Europe’, # Journal of ~~Interdisciplinary History, # 10: ~~665-96. # Twigg, G. (1978) 'The role of rodents in plague ~~transmission: A worldwide review’, # Mammal ~~Review, # 8: 77-110. # Twigg, G. (2003) 'The Black Death: A problem of ~~population-wide infection’, # Local Population ~~Studies, # 71: 40-52. Covers evidence that the black rat ~~was not present in rural England during the ~~plague. # A detailed account of the array of newly emerging diseases ~~in a world out of balance is given by Garrett, L. (1994) # The Coming Plague ~~, New York: Penguin ~~Books. # Miller J., Engelberg, S. and Broad, W. (2001) # Germs: The Ultimate Weapon ~~, New York: Simon ~~& Schuster. Comprehensive coverage of biological weapons of mass ~~destruction and current fears of bioterrorism. ms261