######OpenITI# #META# URI: 1450FayiqaJirjisHanna.JekyllWaHyde.Hindawi48505939 #META# Tags: literature #META# ID: 48505939 #META# Title: الدكتور جيكل والسيد هايد #META# AuthorID: 13740737 #META# Author: روبرت لويس ستيفنسون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 30694819 #META# Translator: فايقة جرجس حنا #META# Related_books: 1311RobertLouisStevenson.DrJekyllAndMrHyde (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - الباب‏ # 2 - قصة إينفيلد‏ # 3 - حوار مع الدكتور لانيون‏ # 4 - البحث عن السيد هايد‏ # 5 - منزل الدكتور جيكل‏ # 6 - دكتور جيكل خالي البال‏ # 7 - اغتيال كارو‏ # 8 - شقة مستر هايد‏ # 9 - حادثة الخطاب‏ # 10 - أترسون يفحص الخطاب‏ # 11 - حادثة دكتور لانيون الغريبة‏ # 12 - خطاب من دكتور لانيون‏ # 13 - حادثة في الشرفة‏ # 14 - الليلة الأخيرة‏ # 15 - قصة بول‏ # 16 - على الجانب الآخر من الباب‏ # 17 - داخل المختبر‏ # 18 - خطاب من دكتور جيكل‏ # 19 - زيارة من غريب‏ # 20 - تحول‏ # 21 - منظور جديد‏ # 22 - مستر هايد الجامح‏ # 1 - الباب‏ # 2 - قصة إينفيلد‏ # 3 - حوار مع الدكتور لانيون‏ # 4 - البحث عن السيد هايد‏ # 5 - منزل الدكتور جيكل‏ # 6 - دكتور جيكل خالي البال‏ # 7 - اغتيال كارو‏ # 8 - شقة مستر هايد‏ # 9 - حادثة الخطاب‏ # 10 - أترسون يفحص الخطاب‏ # 11 - حادثة دكتور لانيون الغريبة‏ # 12 - خطاب من دكتور لانيون‏ # 13 - حادثة في الشرفة‏ # 14 - الليلة الأخيرة‏ # 15 - قصة بول‏ # 16 - على الجانب الآخر من الباب‏ # 17 - داخل المختبر‏ # 18 - خطاب من دكتور جيكل‏ # 19 - زيارة من غريب‏ # 20 - تحول‏ # 21 - منظور جديد‏ # 22 - مستر هايد الجامح‏ # | الدكتور جيكل والسيد هايد # | الدكتور جيكل والسيد هايد # تأليف # روبرت لويس ستيفنسون # ترجمة # فايقة جرجس حنا‏ # الفصل الأول # | الباب # شاع القول إن السيد أترسون اتسم بالهدوء الشديد على غير عادة المحامين. وكان يسر قلبه أن ~~ينصت إلى الناس أكثر مما يتحدث. ولم يكن يتفاخر أو يزهو بعمله أو ينشغل بنفسه. ببساطة، كان ~~رجلا نادرا ومحط إعجاب. # كان موكلوه ممن ينبذهم المجتمع ويخرقون القانون. مع ذلك لم يكن السيد أترسون يتدخل فيما ~~لا يعنيه أبدا وكان يحفظ نفسه بمنأى عن كل هذا، فهو يزاول عمله فحسب؛ إذ كان مضطلعا ~~بإعداد الوصايا وتدبير الأمور المادية، ويغض الطرف عن كل شيء سوى ذلك. وكان حريصا كل الحرص ~~على ألا يتورط في شيء. كان السيد أترسون رجلا يحب النظام والحياة النمطية، وعلى ما يبدو لم ~~يسبق له أن فعل أي شيء يمت للإثارة بصلة ms01 لا من قريب ولا من بعيد. بل كان ينتابه شعور بعدم ~~ارتياح إذا وجد أي شيء في غير موضعه. أما جدول مواعيده فلا يتغير؛ فهو ينفر من فكرة ~~التغيير. أحب أترسون المسرح، لكنه لم يذهب إليه طيلة عشرين عاما، وأحب لعبة البريدج لكنه ~~لم يلعبها أبدا. في حقيقة الأمر اعتبره كثيرون شخصا كئيبا وغامضا وباردا. # مع كل هذا كان السيد أترسون شخصا محبوبا للغاية؛ فقد رأى أصدقاؤه جانبا مختلفا من ~~شخصيته، رأوا بريقا مميزا في عينيه، وعهدوه رجلا طيبا، مهموما بالآخرين ويعتني بهم. ~~وكان ضيفا محبوبا في حفلات العشاء، ويعول عليه دائما في الإنصات إلى المشكلات وتقديم ~~النصائح السديدة، وكل من عرفه اعتبره صديقا عزيزا جديرا بالثقة. # كان أصدقاؤه إما ذوي قرابة أو رجالا عرفهم لسنوات طويلة. ولم يبحث عن أصدقاء جدد خارج ~~دائرة معارفه المحدودة، الأمر الذي توافق مع حاجته إلى الترتيب والنظام. من ثم واظب السيد ~~أترسون على اصطحاب ابن عمه السيد إينفيلد في نزهة سيرا على الأقدام كل أحد بلا انقطاع، إذ ~~كانا يلتقيان من أجل التنزه يوم الأحد لسنوات كثيرة بحق حتى إنهما نسيا عددها. # لا بد أنهما بدوا ثنائيا غريبا في ناظري كل من مر بهما؛ فقلما تحدث أحدهما إلى الآخر ~~أثناء سيرهما جنبا إلى جنب. كانا يسيران في صمت، وأيديهما في جيوبهما، كل يؤرجح عكازه ~~إلى جانبه. وما إن يريا صديقا عبر الدرب، حتى تبدو عليهما البهجة الشديدة نظرا لهذا ~~التغيير الطارئ، ودائما كانا يحثان هذا الصديق على أن ينضم إليهما في نزهتهما. غير أن ~~المظاهر يمكن أن تكون خادعة؛ فقد استمتع الرجلان بنزهاتهما يوم الأحد أيما استمتاع ورفضا أن ~~يدعا أي شيء يعطلهما عنها. # حدث في نزهة من النزهات أن السيد أترسون والسيد إينفيلد وجدا أنفسهما في جزء مزدحم من ~~لندن حيث الشوارع تعج بالناس، وبدا كلاهما مستمتعا باليوم المشمس. انعطف السيد أترسون وابن ~~عمه إلى أحد الشوارع الجانبية الهادئة. عادة كان يعج هذا الشارع بالناس، لكن المتاجر تغلق ~~أبوابها في أيام الأحد. ms02 من ثم كاد الشارع يخلو من أي إنسان سواهما. وعلى خلاف بقية المناطق ~~المجاورة، التي كانت متهالكة، كان هذا الشارع وقاطنوه في حالة جيدة؛ إذ كانت المباني رائعة ~~ونظيفة، مصاريع أبوابها مطلية حديثا وزخارفها النحاسية مصقولة جيدا، وفيما واصل السيد ~~أترسون والسيد إينفيلد سيرهما عبر الشارع راقت لهما المنازل والمتاجر. # وقبل نهاية المبنى بمنزلين برز منزل مختلف عن باقي المنازل؛ كان له ممر متهالك يؤدي إلى ~~فناء. وقد تقشر طلاء الباب وأوشك مزلاجه أن ينفصل عنه. كان المنزل مكونا من طابقين. وبناء ~~على ما استطاعا رؤيته من مكانهما في الشارع، كان المنزل في حالة سيئة حيث بدا مهملا ~~ومهجورا. ولم تكن هناك نوافذ في الجدار المواجه للرجلين، إنما الباب فحسب بدون حتى جرس أو ~~قارعة. # كانا يقفان على الجانب المقابل للمبنى عندما رفع السيد إينفيلد عكازه وأشار به إلى المنزل ~~ثم سأل ابن عمه السيد أترسون: «ألحظت هذا المنزل من قبل؟» أجاب السيد أترسون بالإيجاب، ~~فاستطرد السيد إينفيلد قائلا: «إنه يذكرني دائما بقصة غاية في الغرابة.» # نظر مستر أترسون إلى ابن عمه وقال: «حقا؟ وما هذه القصة؟» في تلك اللحظة كان السيد ~~إينفيلد غارقا في التفكير. # الفصل الثاني # | قصة إينفيلد # بعد فترة وجيزة رد السيد إينفيلد قائلا: «يا إلهي! حدث ذلك في هذا الطريق، في ليلة من ~~الليالي فيما كنت أسير عائدا إلى البيت في وقت متأخر، كان الدرب الذي سلكته خاليا تماما ~~من المارة، ولم أر إنسانا أثناء مروري ببضعة مبان، وكان الضباب يغشي الليل، لذا احتجب نور ~~القمر، فلم تؤنس وحدتي سوى أنوار الشارع. ولا أخفي عليك شعرت بشيء من الرعب؛ فمن الغريب أن ~~تكون الإنسان الوحيد في بقعة مظلمة ومهجورة. وفيما كنت أحسب أنني الشخص الوحيد على الأقل ~~الموجود خارج المنزل في هذه الليلة، إذا بشخصين آخرين في الشارع؛ أحدهما رجل شديد القصر ~~أحدب يسير بعيدا عني. وقد راعتني سرعته؛ إذ كان يسير بسرعة كبيرة محدد الهدف. أما الشخص ~~الآخر فقد كان فتاة صغيرة في الثامنة أو ms03 التاسعة من العمر تركض في شارع يقطع الشارع الذي ~~أسير فيه. وبطبيعة الحال اصطدم كل منهما بالآخر حينما انعطفت الفتاة. أطاح الرجل بالفتاة ~~أرضا، فكان هذا بشعا، غير أنه لم يتوقف عند هذا الحد! لقد خطا فوق ساقها ومضى قدما في ~~طريقه. ولم يبد أنه لحظها. وفيما كانت الفتاة الصغيرة ملقاة في الشارع تبكي، لم يتوقف ~~الرجل أو حتى ينظر باتجاهها! أعرف أن وصفي قد يبدو لا يحمل الكثير، لكن المشهد الذي رأيته ~~كان رهيبا. كانت تصرفاته شديدة الفتور، فصرخت فيه وركضت وراءه. أدركته بدون عناء وأمسكت ~~ذراعه. لم يقاومني وأنا أحضره إلى الفتاة التي تصرخ. في الواقع، بدا في غاية الهدوء، ولم ~~يظهر عليه أدنى انزعاج لما صدر عنه. وعندئذ فحسب رمقني الرجل بنظرة مريعة حتى إنني بدأت ~~أتصبب عرقا، كما لو كنت قد انتهيت لتوي من أداء تمارين رياضية. هرعت أسرة الفتاة للخارج. ~~كانت الفتاة في طريق عودتها بعد ذهابها لإحضار الطبيب عندما أطاح بها هذا الرجل. ومن حسن ~~الحظ أن الطبيب لم يكن يبعد وراءها كثيرا في الشارع، فحضر إلى الفتاة الصارخة في التو، ~~وقال إنها مرعوبة أكثر منها جريحة. لو كان الأمر في ظروف أخرى، لانتهى في الحال. لكنني كنت ~~مستاء من هذا الشخص الغريب حتى إنني قررت ألا أدع الأمر يمر مرور الكرام. لكن أكثر ما أثار ~~ذهولي هو ردة فعل الطبيب؛ فكلما نظر إلى الرجل، تجهم وجهه وشحب من شدة الغضب والحنق. في ~~بادئ الأمر ظننت أن الطبيب كان يعرف هذا الرجل الغريب، لكنني لا أظن أن هذا هو واقع الأمر ~~بالتحديد؛ فثمة شيء ما في هذا الرجل يدفع أي فرد إلى أن يتصرف بردة فعل عنيفة تجاهه، إن ~~النظر إلى وجه هذا الشرير يجعلك تشعر بعدم الارتياح، حتى إنك ترغب في الانصراف في الحال؛ ~~فعيناه جامدة وباردة، وتداعب شفتيه ابتسامة قاسية. لا يمكنني أن أصف ما اجتاحني من شعور إلا ~~بالرعب الشديد. كان أمرا بالغ الغرابة.» # سأل مستر أترسون: «وماذا فعلت؟ هل استدعيت ms04 الشرطة؟» وكان السيد أترسون قد تأثر بالقصة ~~تأثرا شديدا. وكان يرغب في سماع ما آل إليه الأمر، وكيف كان لهذا الرجل الغريب علاقة ~~بالمنزل المتهالك الكائن على الجانب الآخر من الشارع أمامهما؟ # أردف السيد إينفيلد قائلا: «جربنا طريقة مختلفة، إذ أخبرنا هذا الرجل أننا سوف ننشر أمر ~~فعلته الشنيعة في أنحاء لندن، وسيتناقلها الجميع، وحذرناه من أنه إذا كان له أي أصدقاء أو ~~عمل، فإنه سرعان ما سيفقدهم. توقعت أن يؤثر كلامنا فيه ويأسف عما بدر منه، غير أن ذلك لم ~~يحدث، وأجابني في فتور: «إذا نويت أن تثير مثل هذه الجلبة حول هذا الحادث، عندئذ سأضطر إلى ~~أن أجيب طلبك، ففوق كل شيء، ما من رجل محترم يريد أن يثير ضجة.» وكان صوته هادئا هدوءا ~~اقشعر له بدني. وعندئذ ابتسم ذلك الرجل الكريه بحق! فكانت ابتسامته كريهة وخبيثة، ثم قال: ~~«حدد المبلغ الذي تريده.» وبعد قليل من الشد والجذب، وافق على أن يدفع لأسرة الفتاة مائة ~~جنيه. واتفقت أنا والطبيب أن نلازم الرجل للحصول على المال، فتبعناه إلى المنزل - نفس هذا ~~المنزل الكائن أمامك وأمامي الآن - حيث اختفى لبضع دقائق ثم عاد حاملا شيكا بمبلغ قدره ~~مائة جنيه. تفقدت الشيك، فأصابني الذهول الشديد لدى قراءة الاسم المكتوب عليه، فهو اسم ~~مواطن معروف وبارز. من الواضح أن هذا الرجل الغريب زور توقيعه أو حصل عليه بوسائل غير ~~مشروعة. قال الرجل ساخرا: «اطمئن، سأمكث معك حتى الصباح وسأصرف الشيك بنفسي. سترى أنه ~~سليم.» وعليه عدت أنا والطبيب والرجل الغريب إلى منزلي ريثما فتحت البنوك. كان انتظارا ~~مرهقا؛ لم ينبس أحد منا ببنت شفة، وأخذت أنا والطبيب نتفرس في الرجل بفضول بالغ، وكان هو ~~يحدق في المدفأة طوال الوقت. أخيرا طلع الصبح علينا، وانطلقنا إلى البنك، وأخبرت الصراف ~~أنني أملك من الأسباب ما يجعلني أشك أن هذا الشيك مزور، لكنني صعقت لدى علمي أنه شيك ~~حقيقي.» # قال مستر أترسون: «أوف!» ثم هز رأسه مستنكرا. # قال السيد إينفيلد: «أرى أنك تشعر بمثل ما ms05 أشعر به. أجل، إنها قصة مؤسفة. كان الرجل ~~الغريب الذي التقيته شخصا كريها للغاية، شخصا لا ترغب أبدا في أن تلتقيه. فهو مرعب ~~وشرير.» ثم هز مستر إينفيلد رأسه في أسف وقال: «زد على ذلك أن الرجل المذكور اسمه في الشيك ~~اسم رجل فاضل ذي سمعة طيبة في المجتمع. لا يمكنني تخيل ما الذي يمكن أن يجمع بينهما. ومنذ ~~تلك الليلة وأنا أشير إلى هذا المنزل باسم «منزل الابتزاز»؛ فالشيء الوحيد الذي يمكنني أن ~~أفترضه هو أن الرجل الغريب الشرير يبتز الرجل المحترم بأحد الأسرار التي يعرفها عنه.» هكذا ~~راح السيد إينفيلد يفصح عما يدور بخلده. # قال السيد أترسون: «وهل أنت متأكد من أن الرجل الذي كتب الشيك يقطن هذا المنزل ~~بالفعل؟» # أجاب السيد إينفيلد وهو شارد الذهن: «أظن أنه يعيش في مكان ما في حي سوهو. أنا أراقب هذا ~~المنزل من حين لآخر، وهو يكاد لا يكون منزلا على الإطلاق؛ فلا توجد نوافذ في هذه الجهة، ~~ولا أحد يدخل أو يخرج منه فيما عدا هذا الرجل بين الفينة والفينة. اختلست النظر بضع مرات من ~~خلال الباب ولاحظت أن ثمة ثلاث نوافذ مواجهة للفناء الداخلي تنظف باستمرار. وكثيرا ما ~~يتصاعد الدخان من المدخنة، إذن لا بد أن أحدهم يعيش هناك.» # فيما واصل الرجلان سيرهما، كان السيد أترسون غارقا في تفكير عميق. قال أترسون: «إينفيلد، ~~أتمانع من أن تخبرني باسم الرجل الذي أطاح بالطفلة أرضا؟» # أجاب إينفيلد: «حسنا، لا ضير من هذا. كان اسمه هايد. إدوارد هايد.» # أخذ أترسون نفسا عميقا سريعا، إذ أدرك الاسم، وقال: «آه، أتفهم الأمر. أبمقدورك أن ~~تصفه لي؟» # أجاب إينفيلد: «كما ذكرت قبلا، لا يسهل وصفه، ثمة شيء غير طبيعي فيه، شيء مزعج، بل مرعب. ~~كان رد فعلي مليئا بمثل ذلك البغض الشديد حالما وقعت عيناي عليه. لكنني لا أعرف لذلك ~~سببا. كانت ملابسه فضفاضة وكبيرة عليه للغاية. كان يرتدي قبعة طويلة وشالا، وكانت له ~~انحناءة خفيفة. لا، بعد ترو، لا أحسب نفسي قادرا على وصفه؛ ms06 ليس لأنني نسيت مظهره، كل ما ~~هنالك أنني لا أجد الكلمات.» # سأل أترسون: «أمتأكد من أنه استخدم مفتاحا كي يدخل إلى المنزل؟» # أجاب إينفيلد: «بالطبع.» # قال أترسون: «أعرف أن أسئلتي تبدو غريبة قطعا، في واقع الأمر، أعرف أنني لست في حاجة إلى ~~أن أسأل عن اسم الرجل المحترم لأنني أعرفه بالفعل. أتعرف يا إينفيلد، أن اسم «هايد» مألوف ~~جدا لي. لا أستطيع أن آتي على ذكر أي تفاصيل، لكن كل ما أستطيع قوله هو أن له علاقة ~~بإحدى الوثائق التي أعدها لأحد أصدقائي الأعزاء، دكتور هنري جيكل. إذا كنت تكذب أو تغالي في ~~أي جزء من أجزاء هذه القصة، من فضلك أخبرني، فلا بد أن أعرف كافة الحقائق.» # قال إينفيلد: «كل كلمة تفوهت بها حقيقية.» وقد شعر إينفيلد بأنه جرح قليلا من شك ابن عمه ~~فيه، فهو لم يتعود أن يتشكك فيه أحد، ولا سيما ابن عمه. تابع إينفيلد كلامه قائلا: «إن ~~هايد معه مفتاح للمنزل، والأدهى من كل هذا أنه لا يزال بحوزته؛ لقد رأيته يستخدمه من أسبوع ~~فحسب.» # تنهد السيد أترسون بعمق، غير أنه لم ينبس ببنت شفة، فقد كان يفكر في ذلك الممر المتهالك، ~~والفناء الذي وراءه. لقد كانت تساوره المخاوف بالفعل بشأن هذا الرجل الذي يدعى «هايد». وقد ~~أدرك الآن أنه لن يستطيع أن يتجاهل هذا اللغز أكثر من ذلك. لكن للأسف، ليست لديه أدنى فكرة ~~عما ينبغي أن يقوم به. # قال إينفيلد: «أنا متأسف يا أترسون على ذكري هايد وهذه القصة. لنقطع وعدا ألا نناقش هذا ~~الأمر مرة أخرى.» ثم وضع يده على كتف ابن عمه، فقد كان من الواضح أن أترسون اغتم للغاية لدى ~~سماعه هذه الأخبار. وأراد إينفيلد أن يسمع القصة التي يعرفها أترسون عن هايد، غير أنه كان ~~على دراية بمدى احترام أترسون خصوصيات الآخرين. # قال أترسون المحامي: «سأفعل هذا بكل جهدي.» وقد أشعره بالارتياح أن إينفيلد لن يطرح المزيد ~~من الأسئلة، فقال: «دعنا نتصافح بشأن هذه المسألة وندع الأمر وشأنه.» تصافح ms07 الرجلان ومضيا ~~قدما في سيرهما، وقد قضيا بقية وقتهما صامتين. # الفصل الثالث # | حوار مع الدكتور لانيون # كان من عادة السيد أترسون في ليالي الأحد أن يمضي وقته مستمتعا بقراءة كتاب جيد إلى جانب ~~المدفأة ثم يأوي إلى الفراش عند منتصف الليل. غير أنه في تلك الليلة جلس ليتناول عشاءه وهو ~~مغتم؛ فقد كانت أمور كثيرة تدور برأسه كما كان يعاني عسر هضم طفيف. حالما رفع الطعام من ~~أمامه، ذهب إلى حجرته الخاصة وفتح الخزنة وأخرج بعض الأوراق الخاصة، وكان مكتوبا على أحد ~~المظاريف «الوصية الأخيرة للدكتور هنري جيكل». فتح السيد أترسون المظروف وجلس عابس الوجه. ~~ولم يكن أترسون راضيا عن بنود الوصية. بل في واقع الأمر تجادل مع الدكتور جيكل حول محتويات ~~الوصية: نصت الوصية على أنه في حال موت الدكتور جيكل - أو اختفائه لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر ~~- تئول كل ممتلكاته إلى السيد إدوارد هايد. ورأى أترسون أنه أمر غريب إلى حد بعيد أن يترك ~~جيكل ثروته بأكملها لرجل واحد. كان أترسون أحد الأصدقاء المقربين إلى جيكل، غير أنه لم يكن ~~يعرف أي شيء عن السيد هايد إلى أن أخبره إينفيلد بقصته. كان أترسون منزعجا أيما انزعاج من ~~عبارة «أو اختفائه لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر». فما الذي يمكن أن يضطر أي شخص إلى أن يدرج ~~مثل تلك العبارة في وصيته؟ هل يظن دكتور جيكل أنه قد يختفي؟ رأى أترسون أن في هذا ضربا من ~~ضروب الجنون، على أنه لم يكن من جيكل إلا أن ضحك على ما يقوله أترسون. ولم يكن في وسع ~~المحامي أن يفعل شيئا سوى أن ينزل عند رغبة أصدقائه. غير أن أترسون أصبح في غاية السخط ~~والحنق الآن لدى علمه أن هذا الرجل الذي يدعى هايد وغد في حقيقة الأمر. لماذا يتورط صديقه ~~الطيب جيكل مع مثل هذا الرجل؟ أعاد أترسون الأوراق إلى الخزنة بقلب حزين وقلق شديد على ~~صديقه. # لم يستطع أترسون أن يفكر في الخلود إلى النوم وهو في مثل هذه الحالة، ms08 لذا ارتدى معطفه ~~وغادر إلى «ميدان كافنديش»، حيث يقطن صديقه الدكتور لانيون. فكر أترسون في نفسه: «لو أن ~~أحدا يعرف شيئا عن هذا الرجل الذي يدعى هايد، لكان لانيون.» لانيون وجيكل وأترسون يعرف ~~بعضهم بعضا منذ حداثتهم، ومرت عليهم أوقات لا ينفصلون فيها. مع ذلك مرت سنون عديدة، ندر ما ~~التقى الأصدقاء فيها. ومضى كل من لانيون وجيكل، على وجه الخصوص، في طريقهما. قرع أترسون باب ~~الدكتور لانيون. # رحب دكتور لانيون بصديقه القديم ترحيبا حارا وقال: «لقد مر وقت طويل يا أترسون منذ أن ~~رأيتك، أين كنت مختبئا؟» كان لانيون رجلا يتمتع بوافر الصحة والنشاط، وجهه أحمر وشعره ~~أبيض تماما. وكان منزله مزخرفا على نحو جيد ومؤثثا بالأرائك والمقاعد الوثيرة، وبدت كل ~~غرفة دافئة ومريحة للغاية، فدائما هناك ألسنة لهب متأججة، وكثير من أضواء الشموع في كل ~~مكان. كان لانيون يستمتع بالصحبة والحديث الطويل مع أصدقائه، وكانت ضحكته عالية مدوية عادة ~~ما تتردد أصداؤها في جنبات منزله. # تسامر الصديقان لبعض الوقت حول الأيام الخوالي وما حدث منذ آخر مرة تحدثا فيها؛ أخبره ~~أترسون أن مزاولته لمهنة المحاماة تسير على ما يرام، وحدثه لانيون عن بعض مرضاه وذكر أنه ~~يتوق إلى التقاعد. أخيرا، عرض المحامي سبب زيارته في هذه الساعة المتأخرة من الليل: «أظن ~~يا لانيون أننا قطعا كنا أقدم صديقين لدكتور جيكل.» # قهقه لانيون وقال: «كنت أتمنى أن لو كنا صديقين أصغر سنا. لكن أتفق معك فيما قلته. وما ~~في هذا؟ نحن نادرا ما نلتقي.» # قال أترسون: «حقا؟ لقد ظننت أنكما تتمتعان بالكثير من الاهتمامات المشتركة. فلكونكما ~~طبيبين، ثمة الكثير لتتناقشا فيه.» # رد لانيون: «لقد كنا كذلك. لكن منذ أكثر من عشرة أعوام أصبح جيكل غريبا لأبعد حد بالنسبة ~~لي؛ لقد بدأ يضطرب، يضطرب أيما اضطراب، في رأيي. وكانت تراوده أفكار شاذة للغاية وغير مبنية ~~على أسس علمية بالمرة. ولست أرى أن أفكاره وتجاربه كانت غير علمية فحسب، وإنما أيضا غير ~~مقبولة أخلاقيا. لقد كان يسعى نحو بلوغ نتائج خطيرة. ms09 بوضوح تام، لم أستطع أن أواصل ~~تعضيده. قطعا بصفتي صديقا قديما، ما زلت أهتم بأن يحيا حياة كريمة، لكنني لا أريد أن ~~أتورط معه كثيرا.» # تكدر أترسون لدى معرفته أنه يوجد شجار بين لانيون وجيكل. وقد ابتغى أن يسأل عن هذه ~~التجارب الخطيرة، لكنه عرف أنه يجدر به أن يلتزم بالموضع الذي أراد بالفعل أن يتحدث عنه. ~~فسأل صديقه: «هل التقيت من قبل برجل يعرفه جيكل اسمه «السيد هايد»؟» # كرر لانيون الاسم: «هايد؟ لا لم أسمع عنه البتة.» # شعر أترسون بالإحباط، فقد تمنى أن يجد عند لانيون خيطا يقوده إلى معرفة طبيعة العلاقة ~~بينهما. وكان أترسون قد التقى جيكل مرات معدودة على مدار الأشهر القلائل الماضية. وقد انزعج ~~لدى معرفة أن لانيون التقاه على نحو أقل منه. # رجع أترسون إلى منزله بعد فترة وجيزة من حواره مع لانيون ثم أوى إلى فراشه، ومع ذلك لم ~~يهنأ بنوم مريح، فقد أخذ يتقلب في فراشه طوال الليل. ولم يستطع أن ينفض عن ذهنه التفكير في ~~جيكل وهذا المدعو هايد. أكان هذا المجرم يبتز صديقه القديم؟ لقد أطلق إينفيلد على المنزل ~~اسم «منزل الابتزاز» وربما كان محقا. هل هناك شيء ما في الماضي أراد جيكل أن يخفيه؟ ظن ~~أترسون أنه ربما تكون هذه الحقيقة، فدكتور جيكل لم يكن مثاليا إبان الشباب؛ إنما انخرط في ~~العديد من الأنشطة الطائشة، وكان أترسون قد حذره بالفعل كي يحتاط، لكن لم يكن من جيكل إلا ~~أن يضحك. فقد احتسب الطبيب الشاب أنه لا ضير في القليل من المغامرات. والآن وبعد أن مرت ~~سنون عديدة، يبتز هذا الرجل الغامض جيكل. وقد تألم المحامي لدى فكرة أن هذا الوغد هايد أيقظ ~~صديقه القديم عند منتصف الليل كي يطلب منه شيكا بمائة جنيه. والأدهى من كل هذا، أن جيكل قد ~~اقتنع بأن يترك كل متاعه الدنيوي لهايد المبتز. وساورت أترسون المخاوف بشأن أمان صديقه ~~القديم. من ثم عقد العزم على أن يرى هايد وجها لوجه. # الفصل الرابع # | البحث عن السيد ms10 هايد # بعد مرور بعض الوقت، عرج أترسون مرة أخرى في الصباح قبل أن يتجه إلى عمله، على الممر ~~المؤدي إلى المنزل حيث روى له إينفيلد القصة. وقد زاره أثناء ساعات الغداء عندما كان الشارع ~~مكتظا بالمتسوقين. وفي الليل، عندما لم يكن أحد في الشارع ، انتظر أترسون وأخذ يراقب ~~المكان. فكر أترسون في نفسه: «إذا كنا سنلعب لعبة الغميضة حيث هو «المختبئ» كما يوحي اسمه ~~فسأقوم أنا بدور «المتعقب».» # بعد طول انتظار كوفئ صبره؛ كانت الليلة صافية جافة والقمر بدرا ساطعا يضيء الشارع، ولم ~~يكن هناك أي ضباب أو أمطار. وقد أغلقت جميع المتاجر أبوابها، والشارع في غاية الهدوء. ولما ~~كان أترسون يقف بالممر، سمع صوت وقع أقدام خفيفة مسرعة تقترب منه. وحتى قبل أن يرى ظلا ~~مظلما ينعطف، أدرك أترسون أن هذا الظل هو ظل مستر هايد. # كان هايد ضئيل الحجم ويرتدي ملابس غير رسمية، ومعطفا داكن اللون. وكانت القبعة مشدودة ~~لأسفل على رأسه. للحظة ظن أترسون أن هايد يعرج، لكن يبدو أن عينيه كانتا تخونانه فحسب. فقد كانت ~~طريقة هايد في السير قوية ومفعمة بالحيوية. سار هايد نحو الباب مباشرة، وكان يخرج المفتاح ~~من جيبه فيما كان يعبر الشارع، ولم يبد لصا أو شخصا يتسلل إلى المبنى، وإنما بدا ~~مطمئنا؛ كأنه رجل يدخل إلى منزله. # خرج السيد أترسون من مكمنه ولمس كتف هايد وهو يمر به وقال: «أظن أنك السيد هايد؟» # ارتد هايد للوراء وهو يلهث. بدا عليه الفزع للحظة، لكن سرعان ما استعاد هدوءه، غير أنه لم ينظر إلى وجه ~~أترسون فيما أجابه قائلا: «هذا اسمي. ماذا تريد؟» # أجاب أترسون: «أنا صديق قديم للدكتور جيكل، اسمي أترسون. أنا على يقين من أنك سمعت عني. ~~يا لها من مصادفة أن ألتقي بك هنا في الخارج.» (وفي هذا كان أترسون يكذب.) «هل تسمح لي ~~بالدخول إلى المنزل؟» # سأله هايد: «كيف تعرفني؟» وكان لا يزال راغبا عن النظر إلى وجه أترسون، فكانت عيناه ~~تتناوبان النظر ما بين الشارع والباب، لكنها لم ms11 تتحول مباشرة نحو الرجل الواقف ~~أمامه. # قال أترسون: «أتسدي لي معروفا؟» وقد تجاهل الرد على سؤال هايد إذ رأى أنه من الأفضل أن ~~يدخل في صميم الموضوع مباشرة، علاوة على أنه شعر أيضا بالبغض والنفور الشديدين اللذين تحدث ~~عنهما إينفيلد، فثمة شيء في هايد يخلق ردة الفعل هذه. # أجاب هايد: «بالطبع. وما هذا المعروف؟» # قال أترسون: «اسمح لي بأن أرى وجهك.» # بدا أن هايد مترددا، وعندئذ بعد لحظة أو اثنتين من التفكير، نظر بكل وقاحة في عيني ~~أترسون. حدق الرجلان أحدهما في الآخر بضع ثوان. # قال أترسون: «الآن سأستطيع أن أعرف وجهك عندما نلتقي مجددا.» ثم قال أترسون بنبرة واثقة: ~~«قد يكون هذا مفيدا.» # رد هايد: «أجل. من الجيد أننا التقينا.» تحدث هايد بثقة بالمثل. وقف الرجلان وجها لوجه ~~يكاد كل منهما يتحدى الآخر من يحول نظره بعيدا أولا. أضاف هايد: «ربما يكون من الأفضل أن ~~تأخذ عنواني أيضا.» ثم سلم أترسون بطاقة مكتوب عليها أحد العناوين الكائنة في حي «سوهو»، ~~وهي بقعة من المدينة أكثر خطورة. # فكر أترسون في نفسه قائلا: «يا إلهي! هل أعطاني عنوانه بسبب الوصية؟» استبد القلق ~~بأترسون من أجل صديقه جيكل. هل تمنى هايد أن يحصل على تركته في القريب العاجل؟ غير أن ~~أترسون أخفى مشاعره، وشكر هايد على بطاقته. # قال هايد: «والآن، أخبرني كيف عرفتني؟» # أجاب أترسون: «من الوصف.» # سأل هايد: «وصف من؟» # أجاب أترسون: «لدينا أصدقاء مشتركون.» # سأل هايد: «أصدقاء مشتركون؟ ومن يكونون؟» # أجاب أترسون: «حسنا، دكتور جيكل على سبيل المثال.» # انفجر هايد في ضحكات كريهة قبيحة، وكانت عيناه داكنتين فاترتين؛ فلم تلمعا أو تتوهجا عندما ~~ضحك. لم تظهر عليه أي علامات تدل على السرور. وفي اللحظة التالية، وبسرعة مذهلة، فتح هايد ~~الباب ودخل إلى المنزل. # الفصل الخامس # | منزل الدكتور جيكل # وقف المحامي لبرهة بجانب الباب، وقد بدا عليه الشعور بالانزعاج الشديد. وفيما سار بتؤدة ~~مبتعدا عن المنزل، راح في تفكير عميق: «يا إلهي! إنه لا يكاد يبدو بشرا.» # انعطف أترسون إلى الزاوية ms12 في الجهة المقابلة من مجمع المباني، كانت معظم المباني الموجودة ~~في الشارع مقسمة إلى شقق أو مكاتب. في وقت من الأوقات كانت هذه المنطقة هي محط العائلات ~~الثرية الكبيرة. كانت الكثير من هذه العائلات تمتلك مباني بأكملها، بيد أنه لم يتبق غير ~~منزل واحد مملوك لفرد واحد، ثاني منزل من زاوية الشارع، علاوة على أن هذا المنزل كان آخر ~~شاهد على أمارات الثراء والرفاهية. كانت بوابته الأمامية حديثة الطلاء، وطارقة الباب لامعة ~~وبراقة. كانت جميع المنازل الأخرى متسخة النوافذ مكسورة البوابات، لكن هذا المنزل حظي ~~بعناية ونظافة فائقتين. ارتقى أترسون درجات سلمه الأمامية وقرع الباب. ففتح الباب كبير ~~الخدم الذي كان في كامل الأناقة. # سأل المحامي: «هل الدكتور جيكل بالمنزل يا بول؟» # أجاب بول: «سأرى يا مستر أترسون.» سمح الخادم لمستر أترسون بالدخول ثم ذهب ليبحث عن ~~سيده. # انتظر أترسون في غرفة كبيرة مريحة تدفئها نيران متوهجة بلا غطاء. وكانت هذه الغرفة واحدة ~~من الغرف المفضلة لدى المحامي في لندن بأكملها؛ كانت الغرفة مطلية بألوان قاتمة قوية، ~~وثنايا الستار مصنوعة من القماش القطيفة الأحمر القاني، والأرضيات مغطاة بالسجاد الفارسي ~~المغزول يدويا. وقد ارتصت على الجدران التحف الفنية وأرفف الكتب الممتلئة عن آخرها. أمضى ~~أترسون هنا العديد من الأمسيات بمعية جيكل يتسامران في حديث ممتع هادئ. غير أن مزاج أترسون ~~في هذه الليلة لم يكن يميل إلى الألفة ولا دفء الصحبة؛ إذ لم يستطع أن ينفض عن ذهنه صورة ~~وجه الوغد مستر هايد. # عاد بول حاملا خبر أن الدكتور جيكل ليس بالمنزل: «يؤسفني أن أخبرك أنني لا أعرف متى ~~سيعود، فلربما يظل بالخارج بقية الليلة.» # قال أترسون: «لقد رأيت مستر هايد يدخل هذا المبنى من الزاوية الأخرى يا بول، من الباب ~~المجاور للمختبر القديم. هل يصح هذا عندما يكون دكتور جيكل متغيبا عن المنزل؟» # أجاب الخادم: «مستر هايد لديه مفتاح.» # قال مستر أترسون: «يبدو أن سيدك يثق بمستر هايد ثقة كبيرة.» # رد بول: «نعم يا سيدي، هو يثق به ثقة كبيرة ms13 حقا. وقد أمرنا جميعنا بأن نقدم له فروض ~~الولاء والطاعة. ومع ذلك، قلما نراه في هذا الجزء من المنزل، فهو يذهب ويجئ أساسا من الباب ~~المجاور للمختبر.» # كان دكتور جيكل قد اشترى المنزل قبل سنوات طويلة من طبيب آخر. وكان المالك السابق قد بنى ~~مختبرا في الجزء الخلفي من المنزل؛ حجرة كبيرة عالية السقف، تصطف فيها الأرفف والدواليب، ~~ولم توجد بها أي نوافذ، مصابيح وفوانيس فحسب على الجدران. وفوق المختبر مكتب حيث يمكن ~~للدكتور جيكل أن يجلس ويعمل في هدوء. وكان المكتب أكثر جاذبية من المختبر، إذ كان به مدفأة، ~~وبعض المقاعد الوثيرة، ونافذة مطلة على المبنى الرئيسي للمنزل، وكان يوجد فناء يفصل ما بين ~~المبنيين. احتفظ الدكتور جيكل بالمختبر كما هو على حاله، فالمختبر هو السبب الرئيسي لشرائه ~~المنزل. ومع أن الدواليب والمعدات كادت تكون من الآثار، فإنها راقت لجيكل. وعادة ما تحدث عن ~~رغبته في أن تحيط به التحف الجميلة، وكان هذا شيئا مهما في المنزل وفي العمل. # قال أترسون: «أشكرك يا بول على وقتك.» وتساءل ترى ما رأي بول في مستر هايد بحق؟ كان ~~الخادم شديد الأدب على الدوام، وبالطبع ما كان لينطق بالسوء أبدا عن الدكتور جيكل. كان ~~أترسون يعرف أن بول شديد الولاء لسيده، بل في الحقيقة كان كل الخدام شديدي الولاء له، فكل ~~من التقى بجيكل اعتبره رجلا طيبا ونزيها. قال أترسون لبول: «من فضلك أخبر دكتور جيكل ~~أنني عرجت عليه.» # أجاب بول: «بالطبع يا سيدي.» ثم قاد الخادم مستر أترسون إلى الباب الأمامي. # كانت ثمة ريح باردة، لذا ثبت أترسون قبعته بإحدى يديه فيما كان سائرا في الشارع. وكان ~~غارقا في التفكير؛ لقد كان المحامي يألف أعضاء المجتمع غير المرغوب فيهم لأن كثيرين منهم ~~كانوا موكليه. وكان على دراية بالجرائم التي تحدث في المدينة والمجرمين الذين ارتكبوها، غير ~~أنه كان حريصا كل الحرص على ألا يدعهم يدخلون إلى حياته. فالعمل بالنسبة له هو مجرد عمل، ~~ولم يتركه يؤثر في حياته الشخصية. ولم يتخيل ms14 قط أنه يمكن أن يحضر أحد المجرمين إلى منزله. ~~لذا احتار بشدة في السبب الذي دفع جيكل بأن يحضر رجلا خطيرا إلى منزله. هل من الممكن ألا ~~يكون صديقه جيكل قد علم بأمر حادثة هايد عندما دهس الطفلة الصغيرة؟ وهل من الممكن ألا يكون ~~جيكل قد أدرك الخطر الذي هو فيه؟ للأسف، كان أترسون يدري أن هذا غير حقيقي، فقد عرف في ~~أعماقه أن جيكل على دراية جيدة بأنشطة هايد غير الشرعية. # تملك القلق فعليا من المحامي بشأن صديقه القديم وعلاقته بالسيد هايد. لا بد أن شبح إحدى ~~الخطايا القديمة هو الذي يسجن جيكل. فأي سبب آخر يمكن أن يدفعه إلى التعامل مع أشخاص على ~~شاكلة مستر هايد؟ كانت عائلة جيكل بالغة الثراء، ولطالما عاش حياة ترف على الرغم من دراسته ~~وتجاربه، ودافعه الوحيد للعمل هو أنه يستمتع بالعلم. وأخذ أترسون يفكر في فترة شبابه؛ ترى ~~هل كان فيها أي شيء شاء أن يتكتمه؟ ولم يستطع أن يجد أي شيء من شأنه أن يلحق به هذا الخزي ~~أو الشعور بالذنب. وساور أترسون القلق أيضا من أنه إذا علم هايد بأمر وصية جيكل - أنه من ~~المزمع أن يرث كل الثروة الهائلة التي يملكها الطبيب - فلعله يفعل شيئا ما كي يعجل من هذا ~~الأمر. هز أترسون رأسه وقال في نفسه: «ليت جيكل يدعني أساعده.» يا له من لغز يصعب ~~حله! # الفصل السادس # | دكتور جيكل خالي البال # بعد مرور أسبوعين أقام دكتور جيكل حفل عشاء لمجموعة صغيرة من الأصدقاء القدامى والأعزاء. ~~كان مستر أترسون من بين المدعوين ~~بالطبع، وكان ضيفا محبوبا على أي حفل عشاء، وكان موضع ترحيب على ~~نحو خاص في نهاية الأمسية؛ فقد كان يستمتع الضيوف بمزاحه اللاذع وحصافته. كان المحامي يوفر ~~للحاضرين استراحة هادئة بعد حفل عشاء مليء بالأحاديث، وفي هذه الليلة بالأخص حرص أترسون على ~~أن يمكث ريثما يرحل الجميع، لذا وقف بجوار المدفأة إلى أن غادر كل الحضور. # جلس دكتور جيكل على مقعد مقابل أترسون. وقد كان رجلا ms15 في الخمسين من عمره ضخم البنية ~~يتمتع بوافر الصحة وبوجه عذب. وقد اعتاد أن يدير الحوارات والمناقشات بطريقة مثيرة. غير أنه ~~في الآونة الأخيرة آثر أن ينصت إلى الآخرين في هدوء. وطيلة العام السابق أو نحو ذلك، ~~ازداد جيكل جفاء؛ إذ صار أكثر فتورا وانعزالا. ظن البعض أنه بدا أكثر نزوعا إلى إدانة ~~الآخرين، وانتقدوه كلما غاب عن إحدى المناسبات الاجتماعية أو حفلات العشاء. وعليه ازداد ~~جيكل انعزالا. وعادة ما علق أصدقاؤه على أنهم نادرا ما يرونه. في وقت من الأوقات كانوا ~~يرونه مرة كل أسبوع، لكن الآن عادة ما تمر الشهور العديدة دون أن يرى. غير أنه في تلك ~~الليلة بدا جيكل كسابق عهده؛ إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامته العذبة فيما كان يتحدث إلى ~~أترسون. جلسا يحتسيان الشاي إلى جانب المدفأة. # استهل أترسون الحديث قائلا: «كنت أرغب في التحدث إليك يا جيكل بشأن الوصية.» # أجاب جيكل: «عزيزي أترسون المسكين، لم أر قط شخصا منزعجا قدر انزعاجك عندما رأيت هذه ~~الوصية، خلا صديقنا العزيز لانيون عندما اعترض على نظرياتي المبنية على أسس غير علمية. ولا ~~أود أن أقول لك ما نعت به نظرياتي غير العلمية. إنه زميل رائع، لكنني لم يخب أملي في أي ~~إنسان أكثر مما خاب أملي فيه.» # استأنف أترسون كلامه إذ قرر أن يتجاهل مناورة جيكل من أجل تغيير الموضوع: «أنت تعرف أنني ~~لم أوافق قط على هذه الوصية.» # رد جيكل بنبرة بها شيء من الحدة: «وصيتي؟ أجل بالطبع، أدرك هذا. لقد أخبرتني بذلك.» وقد ~~اندهش أترسون لدى ردة فعل جيكل الغاضبة. # قال أترسون: «حسنا، ولسوف أخبرك بهذا من جديد.» كان أترسون مصمما على أن يناقش هذا ~~الموضوع مع جيكل. فهو موضوع في غاية الأهمية، فقال: «لقد علمت بأحد الأمور عن مستر ~~هايد.» # شحب وجه جيكل الكبير الوسيم وقال: «لا أبالي بسماع المزيد. أظن أننا اتفقنا على ألا نتطرق ~~إلى هذا الموضوع.» # قال أترسون: «ما سمعته كان رهيبا.» وشعر أترسون بالانزعاج لتدخله في شئون جيكل، فهذا ليس ms16 ~~من عادته. فقد كان أترسون محاميا ذائع الصيت بين أعضاء بعينهم في المجتمع لما عرف عنه ~~بأنه لا يطرح الكثير من الأسئلة، فهو يتابع عمله دون أن يتعمق في حياة موكليه أو أفعالهم. ~~غير أن جيكل كان أكثر من مجرد موكل، لقد كان أقدم وأعز صديق لأترسون. وأدرك أترسون أنه لا ~~بد من أن يتابع موضوع هايد وإلا لن يسامح نفسه أبدا. # أجاب الطبيب: «لن أعدل عن رأيي، أنت لا تعي موقفي. إنه موقف غاية في الغرابة، غاية في ~~الغرابة حقا.» # قال أترسون: «جيكل، أنت تعرفني، أنا رجل جدير بالثقة. ضع حدا لهذا الموضوع وأخبرني بكل ~~شيء.» # قال جيكل: «عزيزي أترسون، هذا لطف منك، ولا يسعني سوى أن أشكرك على كرم أخلاقك. أنا أثق ~~بك أكثر من أي إنسان على وجه الأرض - بل أكثر من نفسي - لكن ما بيدي حيلة في هذا الموضوع. ~~لكن لكي يطمئن قلبك، بمقدوري أن أتخلص من هايد متى شئت.» واعتدل جيكل في جلسته، ونظر إلى ~~صديقه في عينيه. وبدت نظرته العنيفة مألوفة لأترسون فأخذ يتساءل ترى أين رأى هذه النظرة من ~~قبل. # مال أترسون إلى الأمام في مقعده وقال: «إذا كنت تستطيع أن تتخلص من هايد في أي لحظة، إذن ~~أتوسل إليك أن تفعل هذا الآن.» وحاول أن يظل صوته هادئا لكن كان من العسير عليه أن يخفي ~~مخاوفه: «أرجوك يا جيكل، لا مفر من أن تقطع علاقتك بهايد.» # قال جيكل: «أشكرك على مخاوفك، لكن تذكر أن هذه مسألة خاصة. من فضلك دعك من هذا ~~الأمر.» # حول أترسون عينيه إلى المدفأة، وفكر هنيهة ثم قال أخيرا: «ليس لدي أي شك في أنك على حق ~~تماما.» وخلص أترسون إلى أنه ما بيده حيلة، وعليه أن يثق في صديقه في هذه المسألة، فنهض كي ~~يرحل. # أضاف جيكل: «ثمة أمر واحد أتمنى أن تتفهمه، أنا مهتم للغاية بأمر هايد، مهتم بأمره إلى حد ~~بعيد. لقد أخبرني أنكما التقيتما بالقرب من باب المختبر قبل أسبوعين، أخشى أنه كان وقحا ms17 ~~معك، أتأسف لك بشدة عن هذا. أعرف أنه رجل صعب المراس، لكنني أريدك أن تعدني بأنك سوف تلتزم ~~بشروط الوصية. إذا مت - أو اختفيت - من فضلك تأكد من أن يستلم هايد ما هو حقه شرعا. سيهنأ ~~بالي إن قطعت لي وعدا.» # أجاب أترسون: «لا يمكنني التظاهر أنه سوف يروق لي أبدا.» وتساءل أترسون هل بمقدوره أن ~~يسترد صديقه، وتساءل أيضا هل استسلم جيكل لهايد تماما الآن. # قال جيكل مترجيا: «لا أطلب منك هذا، كل ما أطلبه هو العدل. أسألك فقط أن تساعده من أجلي، ~~عندما أختفي.» # تنهد أترسون تنهيدة عميقة وقال: «أعدك.» # الفصل السابع # | اغتيال كارو # حدث بعد زهاء العام أن جريمة بشعة روعت لندن بأكملها؛ إذ اغتيل السياسي المعروف مستر ~~دانفرز كارو، وكانت التفاصيل المعروفة عن الحادث قليلة ومرعبة؛ كانت إحدى الخادمات بمنزل ~~دكتور جيكل قد ذهبت إلى غرفة نومها نحو الساعة الحادية عشرة، وكانت غرفتها مطلة على ممشى ~~انعكس عليه ضوء البدر فأضاءه إضاءة كاملة، جلست الخادمة في الشرفة بعض الوقت تتأمل المنظر ~~الجميل. أخبرت الخادمة الشرطة فيما بعد أنها كانت أصفى ليلة شهدتها في حياتها، إلى أن وقعت ~~عيناها على رجلين في الممشى. # لاحظت الخادمة كهلا يسير أولا عبر الدرب، وكان الكهل أنيق ~~الملابس وينسدل شعره الأبيض الجميل على مؤخرة عنقه. واستطاعت أن ترى وجهه بوضوح في ضوء ~~القمر الساطع، بدا لها الكهل وسيما طيبا. وعندئذ إذا برجل آخر ضئيل الحجم يرتدي معطفا ~~كبيرا وقبعة داكنة اللون يسير باتجاهه. وفيما اقترب أحدهما من الآخر انحنى الرجل الكهل ~~للرجل الثاني. ظنت الخادمة أن الكهل كان يسأل عن الطريق، إذ كان ممسكا بورقة أشار بها إلى ~~الممشى. ولأنها رأت وجهه بوضوح، لاحظت أنه هادئ وغاية في المرح، بل ضحك أيضا. عندئذ لمحت ~~وجه مستر هايد الذي عرفته أنه هو الزائر الذي يتردد أحيانا على سيدها. كان هايد ممسكا ~~بعكاز ثقيل في يده يؤرجحه إلى جانبه. وإذ بهايد يرفع العكاز على حين غرة، فتراجع الرجل ~~الكهل خطوة للوراء، لكن هذا ms18 لم يجد نفعا. شاهدت الخادمة في فزع هايد وهو يهوي بالعكاز على ~~الرجل الكهل الذي خر على الأرض. # فقدت الخادمة الوعي، وعندما أفاقت بعد مضي بضع ساعات، هرعت إلى الشرطة كي تبلغ عن واقعة ~~الاغتيال، فاستجابت الشرطة على الفور. في بادئ الأمر لم يعرفوا اسم الضحية، غير أنهم عثروا ~~على خطاب في ملابسه. وكان هذا الخطاب موجها إلى السيد أترسون. أيقظت الشرطة السيد أترسون ~~في منتصف الليل كي يتعرف على صاحب الجثة. # ذهب أترسون بمعية الشرطة إلى المستشفى حيث ترقد الجثة، وكانت الفكرة الأولى التي طرأت على ~~ذهنه هي أن دكتور جيكل قد قتل، فكان شديد التوتر ومرعوبا من أجل صاحبه. احتاج الأمر إلى ~~قدر هائل من الشجاعة حتى يستطيع أترسون أن يستجمع قوته وينظر إلى الجثة. ولم يكن يدري كيف ~~سيكون موقفه إن اتضح أنه دكتور جيكل. قال أترسون: «لقد عرفته، يؤسفني أن أقول إنه السير ~~دانفرز كارو.» # أجاب ضابط الشرطة: «مستحيل! ستنشر هذه الجريمة في كافة الجرائد الصباحية.» ثم هز رأسه ~~في ذهول واسترسل قائلا: «سيدي، نرجو أيضا أن يكون لديك بعض المعلومات عن الجاني.» عندئذ ~~أخبره الضابط بالقصة التي روتها الخادمة عندما انهال مستر هايد على كارو بعكازه. # اندهش أترسون بشدة مما سمع وقال: «هايد، هل قلت هايد؟» لقد أذهله أن هايد كان على علاقة ~~بشخص آخر هو يعرفه أيضا، ولا سيما شخص مثل سير دانفرز كارو. لقد كان مترقبا أن يكون هايد ~~قد ألحق الضرر - بل قتل - دكتور جيكل، وليس كارو. تساءل أترسون: أليس هناك من هو بمأمن من ~~خطر مستر هايد؟ بدا المحامي في حالة انزعاج شديد. # أجاب ضابط الشرطة: «أجل يا سيدي، لقد استخدم هذا العكاز سلاحا للجريمة.» وسلم الضابط ~~العكاز إلى أترسون. لهث المحامي، فقد تعرف على العكاز الذي أعطاه هدية إلى دكتور جيكل منذ ~~بضع سنوات. لا بد أن جيكل أعطاه إلى هايد، أو أن هايد سرقه. لم يأت أترسون على ذكر هذه ~~الحقيقة أمام الشرطة. كان يعرف أنه بهذا الصنيع يخفي ms19 أحد الأدلة، لكنه يخشى على صديقه، ~~وأراد أن يتحدث إلى دكتور جيكل أولا. # ومع ذلك، ثمة مسألة مهمة أخرى في تلك الأثناء؛ لا بد من العثور على هايد والقبض عليه. ~~وعرف أترسون أين يجده؛ فقد كان لا يزال يحتفظ بالبطاقة الخاصة بالرجل الغريب في ~~محفظته. # قال أترسون وهو يهز رأسه أسفا: «إذا أتيت معي، يمكنني أن أدلك على شقة مستر ~~هايد.» # الفصل الثامن # | شقة مستر هايد # اصطحب أترسون الشرطة إلى شقة هايد في حي سوهو. في تلك الأثناء كانت الساعة قد بلغت ~~التاسعة صباحا. وكانت الشوارع مكتظة بالناس، أما الشارع الذي يقطنه هايد فقد كان مليئا ~~بالمتاجر المغلقة والمباني المتهالكة. ووقف بأعتاب الأبواب الأطفال يرتدون الأسمال البالية، ~~وكان الشحاذون يشحذون في زاوية الشارع. تعجب أترسون مرة أخرى كيف يمكن لدكتور جيكل أن يلتقي ~~رجلا من هذه المنطقة. ذكره هذا أيضا كم لا بد أن يكون هايد راغبا في أن يرث ثروة جيكل، ~~فبالطبع سيتيح له هذا فرصة الانتقال بعيدا عن سوهو. # قرع أحد ضباط الشرطة الباب، ففتحت الباب امرأة يغطي الشيب شعرها وملأت التجاعيد وجهها ~~الجامد. سأل الشرطي هل هذا منزل مستر إدوارد هايد. أجابت المرأة بأن هذا منزله لكنه غير ~~موجود. # قالت المرأة: «إنه لا يمكث هنا دائما، في الواقع، كانت البارحة هي أول ليلة أراه فيها ~~منذ أشهر.» وكانت المرأة مرتبكة من مجيء الشرطة. ماذا عساهم يريدون من مستر هايد؟ واستنتجت ~~المرأة أن ثمة شيئا مثيرا قد حدث. لعل هايد ارتكب جريمة. ولم تنتظر المرأة حتى تسمع ~~التفاصيل، فقد بدأت بالفعل تحدد ما الذي ستقصه على مسامع جيرانها. أضافت المرأة: «غير أنه ~~مكث هنا قرابة ساعة واحدة فحسب.» # سأل أترسون: «أيمكننا أن نرى شقته؟» # نظرت المرأة إلى المحامي - ورجال الشرطة من ورائه - وقادتهم داخل المبنى وقالت: «لطالما ~~شككت أن هذا الرجل سوف يسبب المتاعب. ماذا فعل؟» # تبادل أترسون ورجال الشرطة النظرات، لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة، ثم تبعوا المرأة لأعلى إلى ~~شقة هايد. اندهش أترسون من الدفء الشديد ms20 الذي تتميز به شقة هايد؛ اتسمت الشقة بالذوق العالي ~~والفخامة البالغة، فقد ملأت التحف الفنية الجدران ورف المدفأة، وميز أترسون العديد من أعمال ~~الفنانين وأدرك أن اللوحات كانت باهظة الثمن. رأى أترسون أن دكتور جيكل ساعد في تزيين ~~المكان، فهو يفهم الفن جيدا، وكان السجاد يدوي الصنع. والستائر مصنوعة من القماش الثقيل ~~الداكن. لاحظ أترسون أيضا الأطباق الخزفية والكريستال في أنحاء الشقة. وما كان ليتخيل قط ~~أن هايد من نوعية الأشخاص الذين يمكن أن يستخدموا مثل هذه الأطباق. # كانت الشقة في حالة من الفوضى، الملابس مبعثرة على الأرض، والأدراج مفتوحة ومقلوبة، ورماد ~~الأوراق المحترقة مؤخرا تملأ المدفأة. تفقد رجال الشرطة البقايا وعثروا على جزء من دفتر ~~شيكات. ومن حسن الحظ أنهم تمكنوا من قراءة معلومات الحساب. فقد كان اسم «مستر إدوارد هايد» ~~مكتوبا بوضوح. # قال أحد ضباط الشرطة: «هذا سوف يقودنا إليه. لدينا كل المعلومات المصرفية هنا، بمقدورنا ~~أن نكمن له ونباغته عندما يحاول أن يسحب المال.» # تعجب أترسون وقال بصوت مرتفع: «من اللامبالاة الشديدة أن يترك هذه المعلومات وراءه.» ومع ~~أنه التقى مستر هايد مرة واحدة فحسب، فإنه لا يظن أنه من نوعية الأشخاص كثيري النسيان على ~~هذا النحو. بدا هايد مراوغا للغاية عندما التقيا. فكر أترسون في نفسه: «لا بد أنه كان في ~~عجالة شديدة.» # هز ضابط الشرطة كتفيه وقال: «المهم هو أننا تمكنا منه، لن يفلت مستر هايد من أيدينا.» ~~كانت الشرطة على قناعة من أن القضية كادت تنتهي في الحال. وتوقعت أن هايد قطعا سيكون طريح ~~السجن في اليوم التالي. # قال أترسون: «أتمنى أن تكون على صواب. لن يسعدني شيء أكثر من أن أرى نهاية مستر إدوارد ~~هايد.» # الفصل التاسع # | حادثة الخطاب # ذهب مستر أترسون بعدئذ في مساء ذلك اليوم إلى دكتور جيكل. أدخله بول وقاده عبر الفناء إلى ~~المختبر. قال بول: «لا يشعر دكتور جيكل أنه على ما يرام اليوم. وهو يؤثر الجلوس في هدوء ~~المختبر.» # سأل أترسون: «هل أنت متأكد من أنه على استعداد ms21 أن يلتقي زوارا؟» فنادرا ما كان جيكل ~~يقابل أحدا في تلك الأيام، وقد اندهش المحامي من أنه سيراه وهو مريض. # أجاب بول: «لقد أخبرني دكتور جيكل أنه إذا عرجت عليه، فلا بد أن أقودك إليه في الحال، أما ~~أي شخص آخر سواك فلا بد أن أصرفه.» # لم ينهض دكتور جيكل كي يستقبل زائره، وإنما ظل جالسا بجانب المدفأة يبدو مريضا للغاية. # قال أترسون ما إن تركهما بول: «لقد سمعت الخبر.» # ارتجف الطبيب وقال: «كان أول شيء تناهى إلى مسامعي هذا الصباح، وقد شاع في كل أنحاء ~~لندن.» أغمض جيكل عينيه هنيهة ثم استرسل قائلا: «جاءت الشرطة هذا الصباح لتسأل ماذا أعرف ~~عن هايد.» # قال أترسون: «أنا أسألك هذا السؤال بصفتي محاميك وصديقك. أنت لست مجنونا حتى تتستر عليه، ~~أليس كذلك؟» # قال جيكل: «أترسون، أقسم بالله.» ثم بكى واسترسل: «أقسم بالله إنني لن أرى هايد مرة أخرى. ~~لقد انتهى كل شيء. وحتى أكون أمينا، هو ليس في حاجة إلى مساعدتي. أنت لا تعرفه كما أعرفه ~~أنا يا أترسون. انتبه إلى ما أقوله: لن تأتي أي أخبار منه مرة أخرى.» # قال أترسون: «تبدو واثقا للغاية. أتمنى أن تكون على صواب. من واجبي أن أنبهك أنه إذا ~~عقدت محاكمة، فسيزج باسمك فيها.» # نكس دكتور جيكل رأسه. وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يقول: «أنا واثق بشدة من أنه رحل. ~~لقد تسلمت خطابا منه، ولا أعرف هل يجدر بي أن أسلمه للشرطة. أؤثر أن أتركه لك وأدعك تقرر ~~ماذا تفعل به. أنا أثق بك تماما.» # سأل أترسون: «هل يستبد بك القلق من أن يكشف الخطاب عن مكان هايد؟» إذ حيره سبب تفكير جيكل ~~في إخفاء الدليل، هل كان لا يزال يتستر على هايد؟ # رد جيكل: «لا، لا أكترث لمصير هايد الآن. لقد قطعت علاقتي به تماما.» # انزعج أترسون بشدة من تصرف صديقه حتى إنه بدا مستاء للغاية. لقد كان لمقتل سير دانفرز ~~وقع بالغ على الدكتور جيكل. لا بد أنه يشعر بالذنب لأنه هو من ms22 جلب هايد إلى هذه المنطقة. ~~قال أترسون: «ربما يجدر بك أن تريني الخطاب.» # كان الخطاب مكتوبا باليد بحروف مستقيمة غريبة، وبدا الخط حادا وسيئا. كان مكتوبا ~~ببساطة ووضوح أن دكتور جيكل، ولي نعمته العطوف، لا ينبغي أن يقلق لأنه هرب. لقد رحل عن ~~المدينة ولن يرجع ثانية. أثلجت الرسالة صدر أترسون للغاية، فيا له من أمر باعث على الراحة ~~أن يعرف أن هايد قد رحل! قال أترسون: «هل لي أن أرى المظروف؟» # أجاب جيكل: «لقد حرقته. فقد كنت مشوش التفكير، ومع ذلك هذا ليس بالشيء المهم، إذ لم يكن ~~هناك ختم بريدي. ما كانت الشرطة لتقتفي أثره. لقد سلمت الرسالة باليد صبيحة اليوم.» # سأل أترسون: «هل لي أن أحتفظ بهذا الخطاب وأفكر ماذا سأفعل؟» # أمسك جيكل رأسه بيده وقال: «أنا أترك الأمر برمته لك. لقد فقدت الثقة في قدرتي على الحكم ~~على الأمور.» # قال أترسون: «أخبرني يا جيكل: هل كانت الشروط الغريبة المنصوص عليها في وصيتك التي تجعل ~~من هايد الوريث الوحيد لكل ثروتك في حال الموت أو الاختفاء، هي جميعها من بنات ~~أفكاره؟» # هز جيكل رأسه بتؤدة. # تعجب أترسون قائلا: «كنت متأكدا! لقد قصد أن يقتلك.» # هز جيكل رأسه مرة أخرى وقال: «الأمر ليس كذلك يا أترسون. لا يمكنني أن أشرحه لك، لقد كان ~~أمرا بيني وبين هايد، لا يمكن أن يعرفه أحد غيرنا. ولن يعلمه أي إنسان آخر البتة. لكنني ~~تعلمت درسا! ويا له من درس!» ثم وضع رأسه بين يديه مرة أخرى وبكى. # قال أترسون بنبرة رقيقة إذ لم يشأ أن يزعج صديقه أكثر من ذلك: «ثمة شيء آخر يا جيكل؛ هل ~~لديك أدنى فكرة عن سبب ارتكاب هايد لجريمته؟ هل كان هذا بغرض السرقة أم أن لديه أسبابا ~~أخرى؟» # لم يرفع جيكل رأسه من بين يديه وقال بصوت مكتوم: «لا، ليس لدي أدنى فكرة.» # فيما كان أترسون في طريقه للخارج وقف ليتحدث إلى بول: «لقد جاء خطاب اليوم، صف لي شكل ~~الرسول الذي سلمه؟ أود أن ms23 أعثر على الشخص الذي سلمه.» # أجاب بول: «أنا متأسف سيدي، لم نتسلم أي مراسلات اليوم.» # اندهش أترسون مما سمع. لا بد أن الخطاب جاء عن طريق باب المختبر الذي اعتاد هايد أن ~~يستخدمه. من الغريب أن يجيب جيكل الباب بنفسه وهو في هذه الحالة الذهنية. ذكر الطبيب أنه ~~تسلم الخطاب بعد زيارة الشرطة له. لعل الرسالة كتبت في المكتب، إن كان الأمر كذلك، فهذا ~~يعني أن هايد كان بمعية جيكل عندما كتبها. لكن هذا قد يعني أن جيكل كذب عليه. إذا كان جيكل ~~راغبا في أن يضع ثقته بالمحامي في أمر الرسالة، لماذا لا يضع ثقته به بقول الحقيقة؟ ترك ~~أترسون منزل جيكل وهو في حيرة من أمره ممتلئا بالمخاوف. # الفصل العاشر # | أترسون يفحص الخطاب # شق أترسون طريقه إلى مكتبه. كانت كل الأحاديث التي تدور في الشوارع - بل في المدينة ~~بأكملها بشأن هذا الأمر - حول مقتل سير دانفرز كارو. فجأة أصبح الجميع على دراية باسم ~~إدوارد هايد. لقد كان عسيرا على أترسون أن يتفجع على شخص فيما هو يستبد به القلق على شخص ~~آخر. كان عقله غارقا في الأسئلة والمخاوف. غشي الضباب المدينة، فلم يعد بمقدور أي شخص أن ~~يرى من مكانه الزاوية المقابلة. بدت لندن مثل حساء رمادي ثخين. رأى أترسون أن هذا المناخ ~~يعبر عن مزاجه؛ إذ لم يعد شيئا واضحا البتة، وهو لا يفهم أي شيء. # أظهر مساعد أترسون، مستر جست، تعاطفه حالما دخل المحامي من الباب. # قال جست: «يا لشناعة ما ألم بالسير دانفرز!» # أجاب أترسون: «نعم، إنه أمر بغيض بحق. هذا الذي يدعى هايد مجنون بلا شك.» # تشارك كل من أترسون وجست العديد من الأسرار؛ فطبيعة عملهما اقتضت وجود قدر هائل من الثقة ~~بينهما، وقد ناقشا بالفعل مسألة «هايد» وعلاقته بدكتور جيكل، وكان جست قد شارك أترسون العمل ~~في إنهاء إجراءات الوصية الغريبة. وتمنى المحامي أن يجد عند جست وجهة نظر مختلفة بشأن ~~الخطاب. وأخبر مساعده بشأن زيارته لدكتور جيكل والرسالة التي تركها هايد. # قال ms24 أترسون: «بحوزتي ورقة الآن مكتوبة بخط يد القاتل.» # قال جست: «هل لي أن ألقي نظرة عليها؟» # أجاب أترسون: «رجوت أن تسدي إلي نصيحة من نصائحك الفنية المخضرمة.» فقد درس جست فن كتابة ~~اليد؛ إذ اعتقد اعتقادا شديدا في أن خط اليد ينبئ بالكثير عن صاحبه. سلم أترسون الخطاب ~~إلى جست وقال له: «ماذا يمكنك أن تخبرني عن هذا المدعو مستر هايد؟» # أمضى جست وقتا طويلا في فحص الرسالة، وأخيرا رفع رأسه من فوق المكتب وقال: «حسنا، ~~سيدي، لا أظنه مجنونا، لكن بلا شك هذا نمط كتابة غريب.» # قطع الساعي حديثهما حيث وضع المراسلات الصباحية على مكتب جست ثم غادر. بدأ أترسون يفرز ~~الخطابات. # قال جست: «سيدي، هل هذا خطاب من دكتور جيكل؟» أجاب أترسون بأنه كذلك. فتعجب جست قائلا: ~~«لقد ظننت ذلك، لقد عرفته من خط اليد. هل هذا جواب شخصي؟» # فتحه أترسون في عجالة إذ أربكته أسئلة مساعده المثيرة، وقال: «لا. إنها دعوة عشاء.» # سأله جست: «هل تمانع إذا ألقيت نظرة عليه بالمثل؟» # وضع المساعد الورقتين جنبا إلى جنب على المكتب، وفحص كليهما بعض الوقت. # سأل أترسون: «لماذا تقارنهما؟» وكان يساوره الفضول والضجر معا من تصرفات مساعده. # أجاب الموظف: «حسنا يا سيدي، ثمة الكثير من التشابه بينهما. من جوانب عدة كلا النمطين ~~متطابق. كل ما هناك أن هناك اختلافا في الميل.» # قال أترسون: «هذا غريب!» # قال المساعد: «بل غاية في الغرابة يا سيدي.» وتبادل الرجلان النظرات، ولم يكونا على يقين ~~ماذا يعني كل هذا، لكنهما كان على دراية بأنه أمر خطير. # قال أترسون: «لن أخبر بشأن هذه الورقة كما تعلم.» # رد جست: «لا يا سيدي. أتفهم الأمر.» # في تلك الليلة وضع أترسون الورقة في خزنته بالمنزل، إذ رأى أنه من الأفضل ألا تقع في أيدي ~~أي شخص آخر. فكر أترسون: «ما ظننت قط أنه يمكن أبدا أن يزور هنري جيكل ورقة من أجل قاتل!» ~~ارتعدت فرائص أترسون. # الفصل الحادي عشر # | حادثة دكتور لانيون الغريبة # عرض البوليس تقديم مكافأة تبلغ ms25 آلاف الجنيهات لمن يعثر على قاتل سير دانفرز كارو. غير أن ~~مستر هايد لم يعثر عليه في أي مكان، وكأنه قد اختفى من وجه الكرة الأرضية. لم يلمحه أي شخص ~~منذ ليلة الجريمة المروعة. غير أن هايد بات حديث المدينة بلا شك. وفي كل زاوية شارع ومكتب ~~ومنزل كان الناس يتناقلون الحكايات الشريرة التي تروي وحشيته وأفعاله الشريرة، وكانت كل ~~حكاية أشنع من سابقتها. # رأى أترسون أن هذه قضية وحشية أكثر من غيرها. لكن الأمر المثير للغرابة، أن مقتل رجل ما، ~~سير دانفرز، نجم عنه انتعاش معنويات رجل آخر؛ فقد خرج دكتور جيكل من مكمنه، وأخذ يلتقي ~~الأصدقاء القدامى مرة أخرى، ويقيم الحفلات في منزله ويحضر المناسبات الاجتماعية. لاحظ ~~أترسون أيضا أن جيكل بات أكثر تدينا؛ فطالما كان الطبيب رجلا خيريا، لكنه فجأة بات ~~أكثر انشغالا بالصلوات وحضور الكنيسة. بدا جيكل طيلة شهرين يتمتع بوافر الصحة والسعادة. ~~وعلق كثيرون على أنه كم يبدو هانئ البال وفي حالة سلام. # أقيم حفل العشاء الذي أعلن عنه في الدعوة اللافتة للنظر في الثامن من يناير/كانون ~~الثاني. وكان كل من مستر أترسون ودكتور لانيون من بين المدعوين، ولاحظ كلاهما السعادة ~~الغامرة على وجه مضيفهما طيلة الأمسية. وكان من الجلي أنه سر بأن يقضي الأمسية مع اثنين ~~من أقدم أصدقائه، قطعا كان يذكر متى كان ثلاثتهم أفضل أصدقاء. شعر أترسون بسعادة مألوفة ~~له، لقد كان على قناعة بأن الحياة عادت لمجراها. # غير أنه في الثاني عشر من يناير/كانون الثاني - وأيضا في الرابع عشر من نفس الشهر - ~~أغلق باب دكتور جيكل أمام الزوار. وفي كلتا الليلتين عرج عليه أترسون بدون سابق إخطار، ~~وأخبره بول أن الطبيب لا يرغب في رؤية أحد، وعندما صرف أيضا في الخامس عشر من نفس الشهر، ~~بدأ القلق يستبد بأترسون. لقد عاد جيكل إلى عادته القديمة في الاختفاء. وتذكر أترسون الأيام ~~التي كان يسيطر فيها هايد على صديقه. غير أن هذه المرة كانت أسوأ، إذ لم يكن من المألوف أن ~~ينعزل تماما. ms26 قرر أترسون أن يزور دكتور لانيون. فلعل الطبيب الطيب يقدم له نصيحة ~~ما. # أدخل أترسون إلى حجرة دكتور لانيون. وصدم مما وجد؛ ثمة مكروه ألم بلانيون، فقد كان ~~شاحبا وعليلا وبدا كأنما على شفا الموت، لقد بدا لانيون وكأنه تقدم في العمر ثلاثين عاما ~~طيلة الأسبوع منذ أن رآه أترسون آخر مرة. # قال أترسون فيما اقترب من صديقه: «يا إلهي، يا لانيون!» ثم انحنى إلى جانب مقعد صديقه ~~وأمسك بيده. وكان أترسون قد جاء بغرض إنقاذ أحد الأصدقاء، وقد صدمه التفكير في أنه قد يضطر ~~أن يقلق من أجل إنقاذ صديقين وليس واحدا. قال أترسون: «ما الذي اعتراك؟ كيف صرت عليلا ~~هكذا؟» # هز لانيون رأسه وقال: «لا. أنا لست عليلا. لقد صدمت صدمة عنيفة، لكنها ستكون نهايتي. ~~إن أيامي معدودة.» # سأله أترسون: «جيكل مريض أيضا. هل رأيته؟» # عبس وجه لانيون ثم رفع يده وهي ترتجف وقال في صوت مرتفع ومهتز: «لا أود أن أرى جيكل مرة ~~أخرى أو أسمع اسمه. لقد ضقت ذرعا به. هو ميت بالنسبة لي الآن.» # قال أترسون: «أوف!» وبعد فترة انقطاع طويلة عن الكلام، تساءل هل بمقدوره فعل أي ~~شيء، ثم قال مترجيا: «نحن ثلاثة أصدقاء قدامى، وليس في مقدور المرء أن يستغني عن صديق ~~قديم عزيز.» # أجاب لانيون: «لا يمكن فعل أي شيء. اسأله بنفسك إذا كنت بحاجة إلى فهم المزيد.» # أجاب المحامي: «لن يقبل أن يقابلني.» # قال لانيون: «لست مندهشا. لعلك تفهم يوما ما يا أترسون بعد موتي بعضا من تفاصيل هذه ~~القصة. لا يمكنني أن أخبرك، فهي قصة مزعجة أيما إزعاج. في نفس الوقت، إذا كنت تريد أن تمكث ~~وتتحدث في مواضيع أخرى، فعلى الرحب والسعة. أما إذا كنت مصرا على مناقشة قضية دكتور جيكل، ~~إذن لا مفر من أن أطلب منك أن ترحل لتوك.» # مكث أترسون مع صديقه، وتحدثا حول الأيام الخوالي وكل الأصدقاء المشتركين بينهما فيما خلا ~~دكتور جيكل. وبعد بضع ساعات ودع المحامي صديقه وتركه وحده. # الفصل الثاني عشر # | خطاب ms27 من دكتور لانيون # حالما عاد أترسون إلى منزله كتب خطابا إلى دكتور جيكل يعبر فيه عن استيائه بسبب صرفه ~~مرارا وتكرارا وعن قلقه بشأن صحة جيكل. وسأل أيضا عن سبب النهاية المأساوية لعلاقته ~~بلانيون. وشعر المحامي بالإحباط الشديد وكان في حيرة شديدة من أمره. # جاء الرد في اليوم التالي في خطاب مطول ومحير في بعض من أجزائه. استهل جيكل خطابه بقوله ~~إن القطيعة بينه وبين لانيون هي للأبد، كتب جيكل: «لا ألومه بالطبع. لكنني أوافق على أننا ~~لا يجدر بنا أن نتحدث إلى الأبد. في واقع الأمر، أنوي أن أعيش حياة العزلة من اليوم ~~فصاعدا. أرجوك لا تنجرح أو تنزعج إذا أغلق بابي حتى في وجهك أنت يا أترسون. هكذا لا بد أن ~~يكون الأمر. لقد جلبت هذا العقاب على نفسي. إذا كنت أكبر الخطائين، فأنا أيضا أكبر ~~المعذبين؛ فحتى ذلك الحين لم يكن لدي أدنى فكرة أن الحياة يمكنها أن تحمل مثل هذا الشجن. ~~يا أترسون إذا كنت تأمل أن تخفف من ألمي بأي شكل من الأشكال، فأرجوك احترم صمتي.» # ذهل أترسون، فلقد ولى وزال شر مستر هايد وتأثيره منذ زمن طويل. فقبل أسبوع فحسب، كان ~~جيكل سليما وسعيدا وفي طريقه إلى قضاء فترة شيخوخة هانئة. فلقد عادا إلى عادتهما في تناول ~~العشاء وقضاء الأمسيات معا إلى جانب المدفأة. وقد علق أصدقاء آخرون على معنويات جيكل ~~المرتفعة. وكان أترسون قد اعتقد أن خطر هايد قد ولى وزال. ما الذي عساه أن يحدث خلال فترة ~~وجيزة؟ وبعد مرور فترة لم تتجاوز الأسبوعين، قضى دكتور لانيون نحبه. # كانت الكنيسة مليئة بالمعزين إذ كان للدكتور لانيون العديد من الأصدقاء. وكان الجميع ~~مذهولا من السرعة التي مات بها. وحده أترسون هو الذي رأى قرب النهاية. لكن بالطبع لم يخبر ~~المعزين الآخرين؛ فكيف يمكنه أن يشرح صلة جيكل بالأمر، ولا سيما وهو يشعر أنه هو أيضا قد ~~أخفيت عنه أشياء كثيرة. # في الليلة التالية للجنازة مكث أترسون وحده في غرفته. جلس إلى جانب ضوء ms28 شمعة واحدة، وأخرج ~~مظروفا من جيبه، كان قد سلمه إياه محامي لانيون بعد الجنازة، وكان مكتوبا عليه: «يسلم إلى ~~جي جيه أترسون وحده. إذا عشت أنا دكتور لانيون إلى ما بعد مستر أترسون، يجب تدمير هذا ~~الخطاب «دون أن يقرأه أحد».» فض أترسون ختم المظروف بكل ثقة، وبالداخل وجد مظروفا آخر ~~مختوما ومكتوبا عليه: «لا يفتح حتى يموت دكتور هنري جيكل أو يختفي.» صدمت هذه الكلمات ~~أترسون، فهي نفس الكلمات التي استخدمها جيكل في وصيته الغريبة بشأن مستر هايد. كانت الكلمات ~~المكتوبة على المظروف بخط يد دكتور لانيون. لماذا يهتم لانيون باختفاء جيكل؟ ولماذا ارتاب ~~لانيون من الأساس في أن جيكل قد يختفي يوما ما؟ ولما كان أترسون صديقا جديرا بالثقة ~~ومحاميا، وضع المظروف المختوم في أبعد ركن في خزنته. وتمنى ألا يأتي أبدا اليوم الذي يضطر ~~فيه أن يفتحه. فقد خشي أن تكون الحقيقة صادمة للغاية على أن يتحملها. # استمر أترسون يتردد على جيكل لكن على فترات متباعدة. وكان لا بد أن يقر المحامي لنفسه أنه ~~عادة كان يشعر بالراحة عندما كان بول يصرفه. فقد استكن أترسون في نمط حياة جديد ووجد فيه ~~الراحة؛ إذ علم أترسون أن قلقه بشأن جيكل سيقل إذا انشغل على الدوام. # في واحدة من زياراته إلى منزل جيكل، سأل بول هل الطبيب يشعر بأي تحسن. فأخبره الخادم أن ~~ظهور سيده حتى في داخل المنزل بدأ يقل باطراد. لاحظ أترسون أمارات القلق على بول. # قال بول: «إنه يقضي معظم وقته في الغرفة التي تعلو المختبر. بل عادة ما ينام دكتور جيكل ~~هناك. أنا أترك له الطعام على باب الغرفة ثم أعود في وقت لاحق كي آخذ الأواني الفارغة.» ~~وبدا على بول أنه يريد أن يفصح عن المزيد، إذ تلجلج في بعض الكلمات، ثم توقف، لكنه قال في ~~النهاية: «سأخبر سيدي أنك كنت هنا.» # شكر أترسون بول وغادر. وكان واضحا أن القلق استبد به بشأن صحة جيكل وكم الوقت الذي يقضيه ~~جيكل في عزلة. وقد اندهش ms29 أترسون لدى علمه بأنه حتى خدم الطبيب نادرا ما يرونه. وتساءل ~~أترسون: هل فقد صديقه الطيب إلى الأبد؟ # الفصل الثالث عشر # | حادثة في الشرفة # على الرغم من الأحداث الغريبة التي وقعت خلال الأشهر الماضية، فلم يفوت أترسون قط نزهة ~~يوم الأحد بمعية مستر إينفيلد، فقد كان المحامي يستمتع استمتاعا بالغا بهذه العادة. وجاءت ~~عليه أوقات شعر فيها بأن اتصاله بالعالم من خلال هذه النزهة هو الذي حفظ سلامته العقلية. ~~فقد كانت حياته مربكة وصعبة للغاية بسبب قلقه على صحة جيكل. كانت هذه النزهات تذكره ~~بالأوقات التي كانت فيها حياته طبيعية. لقد افتقد نمط حياته اليومي إذ أنهكه بشدة القلق ~~الشديد على صديقه. تمنى أترسون أن تعود حياته إلى سابق عهدها البسيط؛ يقضي الأمسيات الهادئة ~~في منزله وحفلات العشاء بمعية أصدقائه. وتمنى أن يتحسن جيكل عما قريب. # في إحدى النزهات، تصادف أن مر أترسون وإينفيلد مرة أخرى بالباب الذي بدأت عنده القصة. خطا ~~كلاهما لينظر إليه. وكان الباب لا يزال بحاجة إلى طبقة من الطلاء وكان قفله محطما. وقد ~~بدا كأنما حاول أحد أن يفتحه ~~بالقوة. وأخذ ~~يفكر مستر أترسون كم تغيرت حياته منذ أن أراه ~~إينفيلد هذا الباب للمرة الأولى. وعلى نحو غريب، شعر أترسون بالمسئولية. ومع أنه كان على ~~دراية بأن هذا غير منطقي، فقد تساءل هل مجرد سماعه للقصة هو الذي أدى إلى كل الأحداث التي ~~توالت بعدها؟ لعل سعيه وراء هايد وبحثه عن إجابات قد سبب الأذى لدكتور جيكل أكثر مما نفعه. ~~لعل هايد سبب المتاعب لجيكل الذي ربما لا يزال يعاني الآثار السيئة لانتهاكات هايد ~~وابتزازه. وبدأ أترسون يتعلم أن يسلم بأنه قد لا يعرف الحقيقة أبدا. # قال مستر إينفيلد: «حسنا، على الأقل انتهت هذه القصة. ولن نسمع أبدا عن مستر هايد.» ~~وكان المواطنون في لندن لا يزالون يتحدثون عن اختفاء هايد. ولم يلمح له أحد ظلا منذ مقتل ~~سير دانفرز كارو. واعتقد كثيرون من الصحفيين أنه غادر إنجلترا. وراجت الإشاعات برؤيته في ~~ألمانيا وفرنسا. وفي ms30 واحدة من الإشاعات ذكر أنه وصل إلى أبعد مكان ممكن، إلى الصين، لكن لم ~~يكن هناك دليل على ذلك. ظن آخرون أن المجرم هرب إلى أسكوتلندا. وكان هناك أيضا من يظنون ~~أنه لا يزال في لندن، وكانوا على قناعة بأن هايد ينتظر اللحظة المناسبة حتى يعود ويهاجم ~~ضحيته التالية. # قال أترسون: «أتمنى أن تكون على صواب. ألم أخبرك قط أنني التقيته في إحدى المرات؟ وقد ~~شعرت بالاشمئزاز مثلك بالضبط.» # أجاب إينفيلد: «أظن أنه يستحيل ألا تنتاب المرء مشاعر الاشمئزاز هذه. وبالمناسبة، أود أن ~~أعتذر لك عن أنني لم أنتبه سريعا إلى أن هذا الباب هو المدخل الخلفي المؤدي إلى منزل دكتور ~~جيكل. لقد علمت أنه كان صديقك العزيز بالطبع، لكنني لم أدرك فيما كنت أروي على مسامعك هذه ~~القصة المزعجة أن هذا المنزل هو منزل جيكل. أنا في غاية الأسف إذا كنت قد أسأت ~~إليك.» # قال أترسون: «لا عليك. لا بد أن أخبرك أن القلق يستبد بي بشأن جيكل، فهو ليس على ما يرام ~~منذ فترة. أتمانع في أن ندخل إلى ساحة فناء منزله؟ أود أن ألقي نظرة عبر النوافذ.» # أجاب إينفيلد: «بكل سرور. لعلنا نستطيع أن نشجع جيكل على أن ينضم إلينا في نزهتنا. فكلما ~~زاد العدد زادت البهجة.» # كان الفناء باردا ورطبا قليلا. ومع أن شمس ما بعد الظهر كانت لا تزال مرتفعة في كبد ~~السماء، فإن ظلال المغيب غشيت الفناء. وقد حرص العاملون لدى دكتور جيكل على تنظيف الفناء ~~والاعتناء بالأزهار، فكان الفناء عادة مليئا بالنباتات الخضراء والأزهار الملونة. وكان ~~أترسون قد أمضى الكثير من أوقات ما بعد الظهر بمعية جيكل في الفناء يتحدثان لساعات. غير أنه ~~في هذا اليوم، بدا الفناء موحشا من الإهمال حيث تحول لون الأشجار إلى اللون البني من قلة ~~الماء، ولم تكن هناك أي أزهار لينعم بها الناظر، وقد نمت الحشائش والأعشاب الضارة حول ~~الأحجار في الممشى. وكان وعاء الماء الخاص بالطيور فارغا. رأى أترسون أن هذا نذير شر، فما ~~كان جيكل ms31 ليسمح قط أن يبدو الفناء غاية في الفوضوية إن كان سليما وسعيدا. # رفع الرجلان بصرهما إلى النوافذ التي تعلو المختبر، فكانت النافذة الوسطى مفتوحة قليلا. ~~وكان دكتور جيكل يجلس بالقرب منها غائصا في أحد المقاعد. # نادى أترسون: «مرحبا جيكل! أراك أفضل حالا الآن، أليس كذلك؟» # التفت الطبيب بتؤدة نحو الصوت الآتي من الفناء، وقد بدا متحيرا كأن لم يكن يعلم بأن هناك ~~عالما خلف نافذته. رقت عين جيكل فيما تعرف على صديقه القديم. # رد الدكتور في حزن: «أنا مكتئب للغاية يا أترسون. مكتئب بحق. حمدا لله، لن يدوم هذا ~~طويلا.» # قال المحامي: «أنت تمضي الكثير من الوقت داخل المنزل، يجدر بك أن تمارس بعض التمارين ~~الرياضية. لماذا لا تنضم لي أنا ومستر إينفيلد في نزهتنا؟ هل التقيت ابن عمي مستر إينفيلد ~~من قبل؟ هيا، ارتد قبعتك واخرج.» # قال جيكل: «أنت طيب للغاية. كان بودي أن أفعل هذا، لكن هذا مستحيل بالمرة. لا أجرؤ على ~~الخروج.» وحاول دكتور جيكل أن يبتسم واسترسل قائلا: «يسعدني أن أراك بالرغم من كل هذا. ~~يسعدني أيما سعادة. كنت أود أن أدعوك أنت ومستر إينفيلد للصعود، لكن المكان غير مناسب ~~للزوار بالمرة.» # رد إينفيلد: «لا نريد بالطبع أن نزعجك يا دكتور جيكل. لقد أخبرني ابن عمي كثيرا عنك حتى ~~إنني كنت أتوق إلى زيارتك.» # أجاب جيكل وقد بدا عليه الأسف الشديد بالفعل: «يؤسفني بشدة أنني خيبت أملك. يؤسفني أنه ~~ضاعت علينا الفرصة أن ينعم كل منا بصحبة الآخر.» # قال أترسون: «إذن أفضل ما يمكن فعله هو أن نمكث بالأسفل هنا ونتحدث إليك.» وقد حاول ~~المحامي أن يبدو سعيدا مبتهجا. # أجاب الطبيب بابتسامة واهنة: «كنت أنوي أن أقترح نفس الشيء.» لكن الكلمات كانت تخرج من ~~فمه بشق النفس قبل أن تختفي ابتسامته ويعقبها سريعا تعبيرات الفزع التام. أغمض جيكل عينيه ~~بإحكام، وانقبض وجهه، وبدا في ألم شديد. شاهده الرجلان في فزع وقد تحول جلده إلى اللون ~~الرمادي. غطى جيكل وجهه بيديه، واستدار بعيدا عن النافذة وانحنى. وسمع ms32 الرجلان تأوها ~~خفيضا فيما اختفى جيكل تحت إطار النافذة. # صدم الرجلان اللذان كانا يقفان في الفناء مما شاهدا. حاول أترسون أن ينادي على صديقه، ~~لكن لم يأته أي رد. وكان أترسون مصدوما ومرعوبا قليلا. بعدها بلحظة أسدل الستار فوق ~~النافذة سريعا. لم يكن في وسع الرجلين أن يفعلا شيئا، لذا رحلا في الحال دون أن يتفوها ~~بكلمة أخرى. # ظل الرجلان صامتين طيلة بضعة مبان. أخيرا نظر أحدهما إلى الآخر، كلاهما شاحب الوجه. ~~أراد أترسون أن يتحدث عما رأياه لتوهما. ما الذي حل بجيكل فيما كان جالسا إلى جانب ~~النافذة؟ أي نوع من الأمراض هذا الذي سبب مثل هذا التغيير الرهيب في مظهره؟ لا بد أن هذا ~~أكبر من مجرد توتر بسيط. وتساءل المحامي هل سم صديقه؟ كان أترسون يعلم أن العاملين عند ~~جيكل ما كانوا ليؤذوه البتة. ثمة شخص واحد فحسب يمكنه أن يمثل هذا الخطر. أيعني هذا أن هايد ~~لا يزال قريبا؟ أما يزال يسيطر على جيكل؟ إن الشيء الوحيد الذي يعرفه أترسون معرفة أكيدة ~~الآن هو أنه ومستر إينفيلد قد شاهدا لتوهما شيئا بشعا. لم يتمكن أترسون إلا من أن ينبس ~~ببضع كلمات: «ليسامحنا الله. ليسامحنا الله.» # لم يكن من مستر إينفيلد إلا أنه هز رأسه في جدية. إذ لم تكن هناك كلمات لتصف ما حدث. ~~وعلم إينفيلد أنه لن يصدقه أحد إذا حاول أن يصف ما حدث. واصل الرجلان سيرهما مرة أخرى في ~~صمت. # الفصل الرابع عشر # | الليلة الأخيرة # تملك الرعب من مستر أترسون بسبب ما رأى في النافذة ومع ذلك شعر بأنه عاجز عن أن يفعل أي ~~شيء من أجل المساعدة. وفعل كل ما بوسعه كي يطرد الصورة عن ذهنه. غير أنه في ليلة من الليالي ~~فيما كان جالسا إلى جانب المدفأة بعد العشاء، فوجئ ببول يزوره. # صرخ أترسون: «يا إلهي! ما الذي أتى بك إلى هنا يا بول؟ هل دكتور جيكل مريض؟» # قال الخادم لاهثا: «مستر أترسون، هناك شيء مروع للغاية.» تساءل مستر أترسون هل ms33 جاء بول ~~كل الطريق راكضا؟ # كان بول شديد التوتر، فقدم له أترسون مقعدا وقال له: «من فضلك اهدأ.» # رد بول: «أنت تعلم تصرفات الطبيب يا سيدي، أنت تعرف أنه معزول عن العالم وأغلق على نفسه ~~المكتب الذي يعلو المختبر، وأنا في غاية القلق عليه. الأمر أكثر سوءا هذه المرة. مستر ~~أترسون، أنا أخشى على سلامة سيدي. أظن أنه في خطر بالغ.» # سأله مستر أترسون: «ما الذي تخشى منه على وجه التحديد أيها الرجل الطيب؟» # أجاب بول: «تساورني المخاوف منذ أسبوع تقريبا. ولا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك.» هز ~~الخادم رأسه في إحباط، ولم يستطع أن ينظر إلى أترسون في عينيه. جلس بول ثم وضع يديه على ~~ركبتيه حتى يمسكهما عن الاهتزاز وكرر: «لا أستطيع أن أتحمل أكثر من هذا.» # قال أترسون: «بول، لا بد أن تخبرني بكل شيء. لماذا أنت خائف للغاية على دكتور ~~جيكل؟» # أجاب بول بصوت أجش: «أظن أن ثمة جريمة.» # صرخ أترسون: «جريمة!» ثم انتفض من مقعده، وتسارعت نبضات قلبه وقال: «ماذا تقصد؟» # أجاب بول: «لا يمكنني أن أجزم يا سيدي. لكن هل تتفضل وتأتي معي وترى بنفسك؟» # لم يجبه مستر أترسون وإنما انتزع معطفه وقبعته في عجالة. لاحظ أترسون انفراجة على وجه ~~بول، فوضع يده على كتفه وقال له: «سنسبر غور الأمر.» وعندئذ غادر الرجلان. # كانت الليلة موحشة وشديدة البرودة. أمسك الرجلان بقبعتيهما حتى لا تطيرا من شدة الريح. ~~وكانت الأتربة والرمال تطير في دوامات في الهواء. واندفعت الأشجار الرفيعة بعنف نحو السياج. ~~ما كان ليتحمل مثل هذا الطقس الكريه سوى عدد قليل من الناس، من ثم كادت تخلو الشوارع من ~~المارة. رأى أترسون أن الشوارع لم تبد مهجورة بشدة هكذا قط، وشعر أيضا أن ثمة شيئا سيئا ~~وشيك الحدوث. عرف أترسون أن هذا المساء سيحمل شيئا فظيعا؛ خاف أترسون من أن يكون دكتور ~~جيكل قد مات. # عندما بلغا منزل جيكل، نزع بول قبعته على الرغم من البرد الشديد كي يمسح العرق الذي كان ~~يتصبب ms34 من حاجبه لأنه كان يسير طول الطريق في عجالة لكنه توقف الآن. قال بول بصوت أجش وحزين: ~~«حسنا سيدي، ها قد وصلنا. أدعو الله أن يكون كل شيء على ما يرام بالداخل.» # أجاب أترسون: «بإذن الله يا بول.» # قرع بول الباب الأمامي بشفرة معينة: ثلاث طرقات سريعة ثم طرقتين بطيئتين. فتح الباب لبضع ~~بوصات فحسب وأطل منه وجه، وجاء صوت امرأة يقول: «هل هذا أنت يا بول؟» # قال بول: «كل شيء على ما يرام. افتحي الباب.» # دخل أترسون وبول الردهة الأمامية التي أضاءتها النيران المستعرة. فوجد جميع الخدم بالمنزل ~~جاثمين معا كأنهم قطيع من الماشية. أجهشت واحدة من الخدم في البكاء لدى رؤيتها مستر ~~أترسون. قالت الطباخة: «إنه مستر أترسون!» ثم ركضت نحوه وطوقت عنقه. # سأل مستر أترسون: «لماذا أنتم مجتمعون كلكم ههنا؟» وقد بدا عليه التوتر؛ فما كان يجدر ~~بالخدم أن يتجمعوا إلى جانب المدفأة في الردهة الأمامية. # أجاب بول: «جميعهم خائفون.» # لم يسمع صوت في الحجرة، فقط تعالت تنهدات الخادمة فوق صوت طقطقة النيران. # قال بول لأحد الغلمان بصوت حاد: «جيرمي، أعطني بعض الشموع. لا بد أن نتخذ موقفا في ~~الحال.» وكان من الواضح أنه فقد أعصابه. # أخذ بول شمعتين من جيرمي وأعطى واحدة لمستر أترسون وقال له: «تفضل. هل تتبعني من فضلك؟» ~~عندئذ تقدمه الخادم داخل المنزل ومنه إلى الفناء. # الفصل الخامس عشر # | قصة بول # همس بول وهما سائران: «لا بد أن أطلب منك سيدي أن تلتزم الصمت. أظن أنه من الأفضل ألا ~~يعرف أنك هنا. من الأفضل أن تسترق السمع.» # قال أترسون: «أتفهم يا بول.» عسر على المحامي أن يمنع يده عن الارتعاش. سقطت قطرات الشمع ~~على يده، لكنه لم يصدر أي صوت. # ارتقى السلالم وراء بول إلى أعلى المختبر. وأشار بول إلى أترسون بأنه ينبغي أن يقف جانبا ~~ويسترق السمع. أخذ بول نفسا عميقا، ثم قرع الباب بيد مرتخية قليلا. # نادى بول من وراء الباب: «سيدي، جاء السيد أترسون ليراك.» # أجاب صوت مرتعش من الداخل: ms35 «أخبره أنني لا أستطيع أن أرى أحدا.» # أجاب بول: «أشكرك يا سيدي.» وقد بدا راضيا من رد الصوت عليه. ثم بدأ يعود أدراجه نازلا ~~السلم، وتبعه أترسون. # وعندما بلغا الفناء مرة أخرى، التفت بول إلى المحامي وقال: «الآن أخبرني يا مستر أترسون ، ~~هل كان هذا صوت سيدي؟» # أجاب أترسون وهو شاحب الوجه للغاية: «يبدو أنه تغير كثيرا.» # قال بول: «قطعا أظن ذلك. أمن المعقول أنني أعمل في هذا البيت لمدة عشرين عاما ولا أعرف ~~صوت سيدي؟ لا يا مستر أترسون. هذا الصوت ليس صوت سيدي. لقد حل به شيء ما، أو أنه أخذ ~~بعيدا. مرت ثمانية أيام الآن وأنا في حيرة من أمري.» # قال أترسون: «هذا أمر في غاية الغرابة يا بول. هذه قصة غير معقولة يا رجل. لنفترض أنك على ~~صواب وأن دكتور جيكل قتل أو خطف. لماذا سيمكث الجاني في الغرفة؟ لماذا لا يهرب؟» # قال بول: «إنك لرجل يصعب إرضاؤه يا مستر أترسون، ولكنني سأبذل قصارى جهدي كي أقنعك. طيلة ~~الأسبوع الماضي، ظل من كان محبوسا بداخل المكتب يصرخ ليل نهار من أجل دواء معين. يكتب ~~طلبات أدوية على ورق ويتركها على السلم. استمر هذا الموضوع طيلة الأسبوع الماضي، لم يكتب ~~ورقة أو ورقتين وإنما عشرات الأوراق. ذهبت إلى الصيدليات في كل أنحاء المدينة أحضر الطلبات ~~وأقدم الشكاوى؛ ففي كل مرة أعود بالدواء يخبرني أنه ليس نقيا، ويأمرني بإرجاع الدواء ~~والذهاب إلى صيدلية أخرى. لا أعرف هذا الدواء مطلقا، لكنه يريده باستماتة.» # سأله أترسون: «هل لديك أي من هذه الأوراق؟» # وضع بول يده في جيبه وأخرج ورقة مجعدة. انحنى المحامي فوق شمعته وفحص الكتابة بعناية، ~~فكان مكتوبا فيها التالي: «أنا أعيد إليكم هذا الدواء المشترى منكم لأنه غير نقي ومن ثم ~~غير نافع لي. لقد اشتريت كمية كبيرة منه منذ بضع سنوات. أنا في أمس الحاجة إليه ومضطر أن ~~أطلب منكم أن تتفقدوا مصادركم بعناية للعثور على عينة نقية ومناسبة. أنا عاجز عن وصف مدى ~~أهمية هذا الدواء.» ms36 أكثر ما أزعج أترسون في المكتوب هو آخر سطر. وكانت هناك بقعة من الحبر ~~سقطت فجأة على الورقة فيما اشتدت انفعالات كاتبها، وهذا ما جاء في السطر الأخير: «أتوسل ~~إليكم، أرجوكم اعثروا لي على الدواء القديم.» # قال أترسون: «هذه ورقة غريبة» ثم قال بنبرة أكثر حدة: «لماذا هي مفتوحة؟» بدا أن ~~أترسون سيدافع عن صديقه جيكل حتى النفس الأخير. ومع أنه كان مدركا أن بول يحاول أن يساعد ~~فحسب، فقد ارتاب في أن بول فتح الأوراق الخاصة. # أجاب بول: «غضب أحد الصيادلة غضبا شديدا حتى إنه رماني بها.» # سأل أترسون: «أتستطيع أن تميز أن هذا خط يد دكتور جيكل؟» # أجاب الخادم: «أجل، يبدو خط يده.» أفشى الخادم ما بداخله من غير تدبر ووجهه أكثر تجهما: ~~«لكن ما نفع هذا وقد رأيت الرجل الذي كتب هذا؟» # قال أترسون: «أرأيته؟ أين؟ ومتى؟» # قال بول: «نزلت بغتة إلى الحديقة، وقطعا خرج هو ليأخذ الدواء. رأيته يقف بالطرف الآخر من ~~الفناء يتفقد الصناديق. عندما رآني صرخ صرخة حادة وركض نحو السلم. رأيته لبضع دقائق فحسب، ~~لكنني ارتعدت لدى رؤيته. من شدة الهلع وقف شعري بالفعل. مستر أترسون، إن كان هذا سيدي، ~~لماذا يصرخ مثل الفأر ثم يفر هاربا؟» مرر بول يده على وجهه في إحباط بالغ. # قال أترسون: «قصص غريبة تماما. لكن أعتقد أنني بدأت أفهم. لا بد أن سيدك يعاني نوعا من ~~الانهيار العصبي مما يفسر التغير الذي طرأ على صوته وتحاشيه لأصدقائه. لا بد أنه على قناعة ~~بأن هذا الدواء الغامض سيشفيه من علته. أتمنى أن يكون على صواب في هذا الاعتقاد ونتمكن من ~~معالجته.» # قال الخادم: «مستر أترسون، المخلوق الذي في المكتب ليس سيدي، هذا كل ما في الأمر!» نظر ~~بول حوله ثم بدأ يهمس: «سيدي طويل القامة، وحسن البنية، في حين أن هذا الشخص أقصر وأحدب. ~~أتظن أنه بعد كل هذه السنوات لا أعرف إلى أي ارتفاع تصل رأس سيدي عند ممر الباب؟ أتظن أنني ~~لا أعرف وقع أقدامه؟ لا ms37 يا سيدي، هذا الشيء لم يكن - وليس - دكتور جيكل. أنا متأكد من أن ~~سيدي قتل.» # قال أترسون: «بول، هل أنت متأكد تماما مما تقول؟» أخذ أترسون يتصبب عرقا، إذ يصعب تحمل ~~فكرة أن أقدم وأعز أصدقائه قتل. أومأ الخادم بتؤدة. قال أترسون : «إذن ليس أمامنا سوى خيار ~~واحد؛ أن نكسر الباب.» # الفصل السادس عشر # | على الجانب الآخر من الباب # وافق الخادم تماما، وصرخ: «أوه، يا مستر أترسون، هذا هو الكلام!» # سأل أترسون: «كيف يجدر بنا أن نتعامل مع الموقف؟ أينبغي أن نسلح أنفسنا؟ لا يمكن أن نعرف ~~ما قد نعثر عليه بداخل المكتب.» # أومأ الخادم برأسه وقال: «ثمة مضرب كروكيه في الورشة. هل لي أن أقترح عليك أن تأخذ قضيب ~~المدفأة يا سيدي!» # فكر أترسون لبرهة أنه قد يضحك، فقد كان شديد التوتر وعسر عليه أن يصدق الموقف الذي هو ~~بصدده الآن الذي بدا كأنه فقرة من رواية مغامرات. بمقدور أترسون أن يجزم أنه لم يمر بتجربة ~~مماثلة في حياته قط. بالطبع لم يكن هذا هو ما قد تصوره من أجل قضاء أمسيته أو من أجل مصير ~~صديقه الطيب دكتور جيكل. # قال أترسون: «أمدرك يا بول أننا على وشك أن نضع أنفسنا في موقف به شيء من الخطر؟» # أجابه الخادم: «أتفق معك يا سيدي.» # قال أترسون: «يجدر بنا أن يصارح بعضنا بعضا الآن. هل تعرفت على الرجل الذي رأيته في ~~الفناء؟» # أجاب بول: «من الصعب الإقرار بهذا. وقع الأمر برمته على جناح السرعة. وقد كان منحنيا ~~عندما رأيته، من ثم لا أستطيع أن أجزم. لكن إذا كنت تسألني هل كان مستر هايد أم لا، عندئذ ~~سأقول لك نعم، لقد بدا شبهه إلى حد بعيد. أكره التفكير في هذا، لكن هذه هي الحقيقة.» ثم سأل ~~بول المحامي: «هل التقيت مستر هايد من قبل؟» # أجاب أترسون: «بلى، تحدثت إليه مرة.» ~~- «إذن أنت تعرف ردة الفعل التي تتولد عند الأشخاص لدى رؤية مستر هايد.» # أجاب أترسون: «أعرفها جيدا. لقد ارتعدت فرائصي فعليا.» # همس ms38 بول: «أعرف أن هذا ليس دليلا، لكن عندما رأيت هذا المخلوق يقلب في الصناديق، انتابني ~~نفس رد الفعل؛ تجمدت عند رؤيته.» # تنهد أترسون: «آه، أخشى أن تكون على صواب. إن كان مستر هايد هو الذي رأيته، عندئذ لا مفر ~~من أن هنري جيكل مات بلا ريب. حسنا، إذن لنتحرك!» ارتجف قلب المحامي وسرعان ما تلاشى أمله ~~في أن يجد صديقه سالما آمنا. # اقترح أترسون: «ربما يجدر بك أن تستدعي برادشو البواب كي يقف حارسا، قد نحتاج المزيد من ~~المساعدة.» # وافق بول وركض عائدا إلى المنزل، وبعدها ببضع لحظات وصل برادشو شاحبا متوترا. ومع أنه ~~رجل ضخم البنية، كان ارتعاده جليا؛ كان يتصبب عرقا ويقدم رجلا ويؤخر أخرى في توتر، وقد ~~وضع يديه في جيبه كي لا يلحظ الرجلان الآخران ارتعاشهما. # قال أترسون: «تمالك نفسك يا برادشو. سأذهب أنا وبول كي نكسر باب المكتب. لا نعلم ما قد ~~نعثر عليه، أو ماذا قد يحدث. هناك احتمال أن يحاول المجرم الهرب. أتمانع في أن تقف حارسا ~~عند الباب الخلفي من فضلك؟» أومأ برادشو برأسه إيجابا. فقال أترسون: «جيد. أمامك بضع دقائق ~~لتصل إلى هناك.» ثم صافح أترسون برادشو قبل أن يمضي. # ظل الرجلان في سكون. نظر أترسون إلى سماء الليل معجبا بالنجوم والسماء. فكر أترسون في ~~نفسه: «إنها رائعة بحق. في الحياة الكثير من الالتواءات والمنعطفات لكن النجوم جميلة ~~دائما.» بعد دقائق معدودات أخذ أترسون نفسا عميقا. # قال أترسون: «والآن يا بول لا بد أن نشرع في مهمتنا.» سار الرجلان في الفناء وشمعتاهما ~~تتراقصان مع الرياح. وفيما كان يرتقيان السلم، تناهى إلى مسامعهما وقع أقدام في أرضية ~~المكتب. # قال بول: «هو على هذا الحال ليل نهار، ولا يتوقف عن تذرع المكان ذهابا وإيابا إلا عندما ~~يصل دواء جديد. وعندئذ حالما يدرك أن المزيج ليس صحيحا، يبدأ في تذرع المكان من ~~جديد.» # سأل أترسون: «أهذا هو كل ما تسمعه؟» # أجاب بول: «سمعت عويلا في مرة من المرات يا سيدي. عويلا كعويل النساء أو ms39 كشخص ~~يحتضر.» # استجمع الرجلان شجاعتهما على باب المكتب. أحكم أترسون قبضته على قضيب المدفأة بكلتا يديه ~~وصرخ بصوت مرتفع: «جيكل! آمرك أن تريني نفسك!» ثم انقطع عن الكلام هنيهة، لكن لم يكن هناك ~~من مجيب. استرسل أترسون قائلا: «لقد حذرتك. حتما ولا بد أن نراك، أيا كانت الطريقة، وما ~~لم يكن برضاك فسنضطر إلى استخدام القوة.» # أجاب الصوت: «أترسون، أرجوك ارحمني!» # صرخ أترسون: «هذا ليس صوت جيكل، إنه هايد! اكسر الباب يا بول!» # استخدم بول فأسا كي يكسر قفل الباب. أصدرت الضربة الأولى صوت ارتطام مرتفعا، أما الضربة ~~الثانية والثالثة فقد حركتا الباب بعض الشيء. وكان يسمع من الداخل صوت عواء مرعب كأنما ~~حيوان يواجه خطرا. تبادل أترسون وبول النظرات عمدا. فهجما على الباب بعد أن استعادا ~~قوتهما وعزمهما مرة أخرى. ولم ينكسر الباب إلا بعد الضربة الخامسة. # أطل الرجلان داخل الغرفة خائفين مما قد يريان. ولدهشتهما رأيا غرفة مليئة بالنيران ~~والدفء، وغلاية تغلي فوق ألسنة النيران، وفناجين الشاي معدة. وكانت هناك بطانية موضوعة على ~~أحد المقاعد وكتاب مفتوح على الطاولة كما لو كان أحد يجلس هناك حديثا، وبعض الأدراج ~~مفتوحة وأوراق مكدسة بنظام فوق الطاولة. كانت الغرفة تبدو كمعظم الغرف العادية في لندن فيما ~~عدا بعض المواد الكيميائية والأدوية الموضوعة على الأرفف والجثة الملقاة على ~~السجادة. # الفصل السابع عشر # | داخل المختبر # سار أترسون وبول بحذر على أطراف أصابع أقدامهما بالقرب من الجثة، ثم قلباها فإذا بوجه ~~إدوارد هايد، الذي كان يرتدي ملابس فضفاضة للغاية من الواضح أنها تخص دكتور جيكل. كان هايد ~~ميتا، وما زالت يده الهامدة تقبض على قارورة فارغة، كان أترسون على دراية بأنها احتوت على ~~سم؛ من الجلي أنها حالة انتحار محض. # قال أترسون بجدية: «جئنا بعد فوات الأوان. رحل هايد ولن نعثر أبدا على إجابات.» ثم رفع ~~المحامي عينيه إلى الخادم واسترسل: «لم يتبق أمامنا الآن سوى العثور على جثة سيدك.» # شرع الرجلان في بحثهما عن دكتور جيكل فبدآ أولا بالمكتب، ثم نزلا إلى الفناء ms40 حيث كان ~~يوجد العديد من غرف التخزين الصغيرة وقبو كبير يمكن البحث فيه، فتفقدوها جميعها بعناية. لم ~~يطأ أحد معظم هذه المخابئ منذ سنوات، وقد عرفا من الأتربة والخيوط العنكبوتية التي تكسو ~~الجدران أنه ما من شخص آخر قد مر من هنا . ولم يعثرا على أي أثر لدكتور هنري جيكل، حيا أو ~~ميتا. # قال أترسون: «ربما جانبنا الصواب. لعله هرب.» ثم ذهب ليتحقق من الباب الخلفي الذي وجده ~~مغلقا. وعثرا على المفتاح مرميا على الأرض بالقرب منه وكان صدئا بالفعل. # قال المحامي: «يبدو أنه لم يستخدم منذ حين.» # ردد الخادم في استنكار: «وكيف يستخدم؟ ألا ترى يا سيدي؟ إنه مكسور. يبدو وكأن أحدهم ~~سحقه تحت قدميه.» # رد أترسون: «أجل. أظن أنك على صواب.» ثم تبادل الرجلان النظرات المرتعدة وقال أترسون: «لا ~~أستطيع أن أسبر غور هذا.» # عاد الرجلان إلى المختبر في سكون، وكلاهما غارق في تفكير عميق. وعندئذ بدآ يتفقدان ~~محتويات المكتب عن كثب. حاول كلاهما ألا ينظر إلى جثة هايد الموجودة على السجادة. لا بد أن ~~هايد كان يمزج المواد الكيميائية معا على إحدى الطاولات؛ إذ عثرا على العديد من أكواب ~~القياس التي تحتوي على الملح ومواد كيميائية أخرى. خمن أترسون أنهما قد قاطعا هايد أثناء ~~قيامه بإحدى التجارب. # قال بول: «هذا هو الدواء نفسه الذي كنت أحضره له دائما. هل كان مستر هايد يقوم بنفس ~~التجارب التي يقوم بها دكتور جيكل؟ لعل الدواء كان مطلوبا من أجل مستر هايد من ~~الأصل.» # فجأة لاحظ الرجلان أن الغلاية كانت تغلي والماء يندفع منها؛ إذ كانا غارقين في عملهما إلى ~~حد بعيد حتى إنهما غفلا عن الكثير حولهما. بلغ أترسون مقعد الاسترخاء حيث كانت فناجين الشاي ~~معدة، ولاحظ كتابا موضوعا على الطاولة؛ نسخة من كتاب ديني كثيرا ما كان جيكل يتحدث عنه. ~~وامتلأت هوامش الكتاب بالكتابة، وصدم أترسون مما قرأ؛ إذ بدت الكتابة بخط يد جيكل في حين ~~أن الأفكار بدت مناقضة لأفكار الطبيب. # وفي منتصف الحجرة كانت توجد مرآة كاملة ms41 الطول، لها إطار خشبي وحامل، وكان الزجاج العاكس ~~على جانبي المرآة. أدار مستر أترسون المرآة بأن أمسك بطرفها الأعلى وقلبه ثم سأل: «لماذا ~~وضع جيكل هذه المرآة في مكتبه؟» # أجاب بول: «ليس لدي أدنى فكرة يا سيدي. هذه المرة الأولى التي أراها فيها.» # التفتا إلى المكتب، فعثر أترسون وسط رزمة الأوراق الموضوعة بعناية على مظروف موجه له، بخط ~~يد الدكتور جيكل. فك المحامي الختم، فسقط منه عدد من المظاريف الأخرى. كان المظروف ~~الأول وصية احتوت على نفس الشروط الغريبة كتلك المنصوص عليها في الوصية الموجودة في خزنة ~~أترسون. على أنه في هذه الوصية كان الوريث هو مستر أترسون وليس إدوارد هايد. نظر أترسون إلى ~~بول، ثم إلى الأوراق مرة أخرى، ثم إلى الجثة الملقاة أرضا. # قال أترسون: «أنا في حيرة شديدة، لقد كان يتحدث إلي بشق النفس في الفترة الأخيرة. أنا ~~ذاهل من هذا التغيير.» # التقط أترسون مظروفا ثانيا مكتوبا بخط يد الطبيب ومؤرخا بتاريخ اليوم فصرخ: «أوه يا ~~بول، إنه كان حيا وموجودا هنا اليوم. لا بد أنه هرب! لكن لماذا؟» # قال بول: «دعنا نقرأ ما هو مكتوب فيها يا سيدي.» # أخذ أترسون نفسا عميقا وقرأ ما بالورقة بصوت مرتفع: # عزيزي أترسون، # عندما تعثر على هذه الورقة سأكون قد اختفيت، لا أستطيع أن أشرح لك في أي ظروف ~~اختفيت، غير أنني واثق من أن هذا سيحدث قريبا وبطريقة شيطانية. من فضلك اذهب واقرأ ~~الخطاب الذي أرسله إليك لانيون قبل وفاته. إذا كنت ما زلت ترغب في سماع المزيد، ~~افتح المظروف الثالث. # صديقك الحقير والتعيس # هنري جيكل # أعطى بول المظروف الثالث لأترسون الذي كان سميكا للغاية ومختوما في مواضع عدة منه. # وضع المحامي المظروف في جيبه وقال لبول: «من فضلك لا تخبر أحدا بشأن هذا المظروف. لو أن ~~سيدك قد هرب أو مات، يجدر بنا على الأقل أن نحافظ على سمعته. الساعة الآن العاشرة، لا بد أن ~~أذهب إلى المنزل وأقرأ هذه الوثائق في هدوء، وسأعود إلى هنا قبل منتصف ms42 الليل، وعندئذ ~~سنستدعي الشرطة.» # غادر الرجلان المكتب. وتأكد بول من أن باب المنزل المؤدي إلى الفناء مغلق ومن ثم لا ~~يستطيع أحد أن يتجول في هذه الناحية. قال أترسون: «من فضلك أخبر برادشو أن يظل في مكانه، ~~لعل دكتور جيكل يعود ونحن لا نريد أن نفقده مرة أخرى.» # مر أترسون بالخدام الذين لا يزالون جاثمين بجانب المدفأة الكبيرة في الردهة الأمامية، ~~فنظروا إليه في صمت وهو يمر بهم. خرج أترسون من الباب الأمامي وشق طريقه إلى منزله. # الفصل الثامن عشر # | خطاب من دكتور جيكل # أخرج أترسون المظروف من خزنته، وجلس بتؤدة ثم بدأ يقرأ قصة دكتور لانيون: # قبل أربعة أيام، أي في التاسع من يناير/كانون الثاني، تسلمت في المساء خطابا مسجلا من ~~صديقي القديم دكتور هنري جيكل. ذهلت أيما ذهول لأننا لم نتبادل الخطابات من قبل. وكنت قد ~~رأيته الليلة السابقة لتسلم الخطاب ولم أتوقع هذا التواصل السريع. ولم أتصور قط ما هذا ~~الأمر البالغ الأهمية. زاد فضولي بعد قراءة الخطاب الذي كان مسطرا هكذا: # عزيزي لانيون، # أنت واحد من أقدم أصدقائي، وعلى الرغم من الاختلافات التي وقعت بيننا من وقت ~~قريب حول المسائل العلمية، فإني على ثقة من أن ما بيننا من مشاعر الود لم تمس بسوء. ~~وأنا على يقين من أنك تعرف أنني لن أتوانى لحظة عن المجيء لإنقاذك، وإنما سأهرع إلى ~~جانبك في الحال. يا لانيون، إن حياتي، وسمعتي، وسلامتي العقلية، جميعها تحت رحمتك. ~~إذا خذلتني الليلة فسأضيع. قد ترتاب في أنني سأطلب منك أن تفعل شيئا مخزيا، لكن ~~احكم أنت بنفسك. # أسألك أن ترجئ كل مهامك الليلة - حتى لو ظهر أمر طارئ - وتحضر هذا الخطاب إلى ~~منزلي. وقد أعطيت أوامري لخادمي؛ ستجده بانتظارك ومعه صانع أقفال. أريد منك أن ~~تقتحم مكتبي، وما إن يفتح الباب، ادخل بمفردك. انتزع الدرج الأقصى من جهة اليسار ~~من خزنة الأدوية، ستجده مليئا ببعض المساحيق والقوارير. أنا في حالة هلع شديد ~~وأخشى أن أسيء توجيهك بطريقة أو بأخرى. لذا، من فضلك ms43 خذ الدرج بأكمله بكامل ~~محتوياته معك. خذه إلى منزلك، ولسوف أرسل شخصا ليأخذه منك. # يتعاظم قلقي بشأن الوقت؛ إذا اتجهت إلى منزلي بعد تسلمك هذا الخطاب مباشرة، من ~~المفترض عندئذ أن تصل هناك قبل منتصف الليل. هناك احتمال أيضا أن تتأخر لسبب أو ~~آخر، لذا من الأفضل أن أمنحك المزيد من الوقت. أرجوك أن تكون بمفردك عند منتصف ~~الليل وتأكد من عدم وجود أي خدام على مقربة منك. وحينئذ عند منتصف الليل سيأتيك شخص ~~يقدم نفسه لك باسمي. من فضلك أعطه الدرج الذي انتزعته من مكتبي. وعندئذ سينتهي ~~دورك. إذا أردت أن تفهم المزيد، فسينكشف لك كل شيء في الدقائق الخمس ~~التالية. # لن أستطيع تحمل مجرد فكرة أنك قد ترفض تلبية طلبي. أنا في حالة تشويش شديدة وغارق ~~في الهلع. حاول أن تتخيل حالي في هذه الساعة في مكان غريب غارقا في اليأس. أعرف ~~أنني أطلب منك الكثير، لكن استعدادك لمساعدتي سيكون له تأثير السحر على ~~معنوياتي. # صديقك # هنري # أكد لي هذا الخطاب أن دكتور جيكل قد جن، لكن لم يكن بمقدوري المجازفة، إذ كنت على دراية ~~بأنني لا بد أن أنزل عند رغبته. لم أستطع أن أكون رأيا نظرا لأنني لم أكن على دراية ~~بكافة التفاصيل. وفوق كل شيء، ثمة صديق في احتياج شديد. وعليه فعلت كما هو مكتوب وتوجهت ~~مباشرة إلى منزل جيكل، فكان خادمه بانتظاري ومعه صانع الأقفال. وكان خادمه أيضا قد تسلم ~~خطابا مسجلا من جكيل. شرعنا في العمل لتونا. استغرق الأمر بعض الوقت، لكن صانع الأقفال ~~نجح أخيرا وفتح باب المكتب. انتزعت الدرج الثاني من جهة الشمال كما طلب جيكل. # حالما وصلت منزلي، تفقدت محتويات الدرج الذي كان مليئا بالمساحيق والقوارير كما ذكر في ~~خطابه. وكان جليا لي أن هذه المواد الكيميائية هي من صنع جيكل. ولم أعرف أيا منها. بدا ~~المسحوق شكلا من أشكال الملح، أما القوارير فقد كانت مليئة بسائل أحمر له رائحة غريبة، ~~تكاد تكون حلوة للغاية. لم أستطع أن أخمن أسماء ms44 المواد الكيميائية الأخرى، جميعها كانت ~~غريبة للغاية. وكان كل ما علي فعله الآن هو الانتظار، وفي النهاية سيأتي هذا الرجل ليأخذ ~~الدرج. ولم أستطع أن أفهم ما علاقة هذه المواد الكيميائية بصحة جيكل وسلامته العقلية. كل ~~هذا أقنعني أكثر من أي وقت مضى بأن جيكل مجنون. أرسلت خادمي إلى فراشه، وانتظرت زائر منتصف ~~الليل في مختبري. # الفصل التاسع عشر # | زيارة من غريب # دقت الأجراس في تمام الساعة الثانية عشرة تقريبا عندما ظهر الغريب على بابي. سألته هل ~~دكتور جيكل هو من أرسله، رد بالإيجاب، لذا دعوته إلى الدخول. كان ينظر وراءه كي يتأكد أنه ما ~~من أحد رآه من الشارع. بعدها بلحظات مر شرطي بمنزلي، فلاحظت أن هذا الرجل أخذ يراقبه من ~~نافذتي إلى أن رحل. # أقلقتني هذه التفاصيل، فتعجبت أي رجل هذا الذي أرسله جيكل إلى منزلي. فكرت في أن أفضل شيء ~~هو أن أنهي هذه المهمة الكريهة في أسرع وقت ممكن، فتقدمته إلى مكتبي حيث تركت الدرج. # أنعمت النظر في هذا الرجل الذي كان قصيرا ويرتدي معطفا ثقيلا، فكان وجهه هو أكثر ما ~~يلفت الانتباه، الكلمة الوحيدة التي أستطيع أن أستخدمها لوصفه هي أنه كريه، فما إن وقعت ~~عيناي على وجهه حتى انتابني توتر شديد للوهلة الأولى. غير أنني كنت شديد الفضول، ربما لأني ~~طبيب، لكنني لم أستطع أن أدير نظري بعيدا. لماذا هالني مظهره البدني بهذه القوة؟ # استغرقت بعض الوقت في كتابة هذه الملاحظات التي لم تأخذ سوى لحظات في الواقع. تحركنا ~~بسرعة من الردهة الأمامية إلى المكتب، فيما كان الرجل في لهفة شديدة للحصول على ~~الدرج. # صرخ الرجل: «هل أحضرت الدرج؟ هل أحضرت الدرج؟» وكان نافد الصبر حتى إنه أخذ يهزني. # دفعته بعيدا عني خطوة أو خطوتين وقلت: «على رسلك يا سيدي! لقد نسيت أنني لم أتشرف ~~بمعرفتك بعد. تفضل بالجلوس من فضلك.» وأجلست نفسي، باذلا قصارى جهدي كي أبدو طبيعيا ~~أمامه. ولا أعرف بالضبط لماذا أرجأت إعطاءه الدواء. ربما غلبني فضولي، إذ أردت أن أرى ms45 كيف ~~سيكون رد فعله. # رد الرجل في تأدب بما يكفي: «ألتمس عفوك يا دكتور لانيون. أعرف أنني نافد الصبر، لكنني ~~جئت بناء على طلب من صديقك الطيب دكتور جيكل. ولا أحب أن أجعله ينتظر.» انقطع الرجل عن ~~الكلام ووضع يده على حلقه. وبالرغم من رباطة جأشه، استطعت أن أرى أنه كان على وشك البكاء. ~~ثم قال في عجالة: «أعرف ... أنه يفترض أن أسترجع ... أحد الأدراج.» # أشفقت على زائري. لا، بل ربما كنت أكثر انشغالا بإرضاء فضولي. يصعب أن أقول هذا في هذه ~~اللحظة بعد كل المعلومات التي أعرفها الآن. # قلت له وأنا أشير إلى حيث الدرج موضوع على الأرض: «ها هو يا سيدي.» # اندفع الرجل نحوه. ثم توقف ووضع يده على قلبه. وسمعت صرير أسنانه القوي. انتزع الغطاء، ~~ولدى رؤيته المحتويات، أطلق تنهيدة ارتياح كبيرة حتى إنني جلست مرتعدا. وصدمت حينما طلب ~~بعدها بلحظة مخبار قياس. # نهضت من مكاني بشيء من الجهد وكان له ما طلب. # شكرني بإيماءة باسمة، ثم مضى قدما في مزج جرعة من السائل الأحمر بالملح الغريب. وفيما ~~امتزجت المكونات معا، اتخذ الخليط لونا فاتحا، ثم بدأ الدخان والفقاقيع تتصاعد منه، ثم ~~تحول لونه إلى لون أرجواني داكن ثم هدأ. وأخيرا بهت لونه إلى لون أخضر مائي. راقب الزائر ~~كل مرحلة بعين ثاقبة. ابتسم الرجل ثم وضع الكوب على الطاولة. وعندئذ استدار ونظر إلي في ~~جدية. # قال الزائر: «والآن، هل ستكون حكيما؟ هل ستطلب مني أن أغادر منزلك بهذا الكوب دون مزيد ~~من النقاش؟ أم أنك شديد الفضول الآن؟ فكر مليا قبل أن تقرر. إذا اخترت، بمقدوري أن أرحل، ~~أما أنت فستخسر إثارة هذه التجربة وحكمتها، أو أن أمكث وعندئذ سينفتح لك عالم جديد من ~~الفهم، عالم يصعب عليك أن تتخيله في هذه اللحظة.» # حاولت أن أبدو لطيفا وهادئا، مع أنني لم أكن كذلك بالمرة، وكان من الواضح أنه يحاول أن ~~يتحداني، ويسألني هل أنا شجاع بالدرجة التي تمكنني من أن أرى القصة حتى النهاية. أجبته: ~~«سيدي، ms46 لقد قطعت شوطا طويلا في هذا الأمر الغريب، فلا يمكن التراجع الآن، لا بد أن أرى ~~النهاية.» # قال: «حسنا. فقط تذكر أنه اختيارك أنت. تذكر أنني منحتك الفرصة كي تظل بعيدا عن هذا. ~~لقد عشت زمنا طويلا بمثل هذه الآراء المحدودة حتى إنك لا تستطيع أن تدرك أوجها من العلوم ~~والعجائب تحيط بك. انظر!» # حينئذ وضع الكوب عند شفتيه وتجرعه في رشفة واحدة، ثم صرخ صرخة أخذ بعدها يتهادى ويترنح، ~~وعندئذ أحكم قبضته على الطاولة وتماسك وهو يحدق بعينين غائمتين. وفيما كنت أشاهد ما يجري، ~~حدث تغير في هيئته؛ بدا أنه ينتفخ، وأخذ وجهه يتغير. في اللحظة التالية وثبت على قدمي ~~وقفزت للخلف نحو الجدار، ووجدت نفسي أرفع ذراعي أمام عيني كي أحمى نفسي من هذا المنظر. كان ~~ذهني يسبح في هلع ورعب. # صرخت مرارا وتكرارا: «لا، لا» عندما انتصب أمام عيني هنري جيكل شاحبا ومرتجفا وشبه ~~فاقد الوعي! # أما ما ذكره لي على مدار الساعة التالية فلا يمكنني أن أحمل نفسي على تكراره، لقد رأيت ما ~~رأيت وسمعت ما سمعت، واعتلت روحي منه. ومع أنه لا يقف أمامي الآن، فإنني ما زلت أتعجب هل ~~كان هذا حقيقيا، يبدو أمرا غريبا إلى حد بعيد. لا يمكنني الإجابة عن هذا. تزعزت أساسات ~~حياتي، وفارقني النوم، ولازمني الرعب الشديد ليل نهار. أي صوت يجعلني أنتفض من مكاني، ~~وأرتعد من الظلال والظلام. أشعر أن أيامي في الحياة معدودة، وأنني سأموت لا ريب. عبر جيكل ~~عن ندمه وحزنه - بل ذرف الدمع أيضا - غير أنني أرتاب في أن هذا كاف. لن أقول سوى شيء واحد ~~سيكون كافيا يا أترسون، الكائن الذي زحف إلى منزلي في تلك الليلة، بناء على اعتراف جيكل ~~نفسه، هو شخص معروف باسم هايد وهو مطلوب في كل ركن من أركان الأرض باعتباره قاتل سير دانفرز ~~كارو. # الفصل العشرون # | تحول # وضع أترسون خطاب لانيون جانبا، وانصرف إلى المظروف الأخير، وقبل أن يفتحه أمسكه في يديه ~~بضع لحظات؛ إذ كان يعلم أن هذا ms47 الخطاب سيكون الاتصال الأخير بينه وبين هنري جيكل. انتابه ~~الفضول والقلق مما سيقوله صديقه. فتح أترسون الخطاب بتؤدة، وفك رزمة الأوراق السميكة وشرع ~~في القراءة: # ولدت لأسرة شديدة الثراء. وكنت مولعا بالعمل الجاد والدراسة، ونعمت بصحبة الأصدقاء. ~~أنبأت كل المؤشرات بحياة واعدة مباركة بالحظ الموفور. كان الجميع على يقين من أنني أسير صوب ~~حياة مهنية عظيمة. وحقا كانت نقيصتي الوحيدة هي طبيعتي المنطلقة أيما انطلاق، وكنت أواجه ~~دائما صعوبة شديدة في إخفاء بهجتي بالحياة والظهور بمظهر أكثر نبلا. من وجهة نظر عائلتي ~~أن تظهر مفعما بالحياة ومتحمسا للغاية هو ضرب من ضروب عدم اللياقة. لذا تعلمت أن أخفي ~~سعادتي، فكنت أحيا مع عائلتي بشخصية، وأعيش بيني وبين نفسي بشخصية أخرى. كان هذا حتى منتصف ~~العشرينات من عمري حينما تأملت مليا فيما يدور من حولي وأدركت أنني أعيش حياة مزدوجة. قد ~~يتباهى البعض باكتشافاتهم، غير أنني اعتبرتها أسرارا مخجلة، وأضنيت نفسي في إخفائها عن ~~العالم. بمرور الوقت نجحت في الفصل ما بين جانبي طبيعتي؛ الجانب الطيب والجانب الشرير، ~~فلم أعد كاذبا بأي شكل من الأشكال نظرا لأن كلا جانبي طبيعتي كانا حقيقيين، فكنت نفسي ~~بالتمام عندما أنخرط في فعل مشين، مثلما كنت نفسي بالتمام عندما أحيا حياة طيبة نقية. ~~تمحورت دراستي العلمية حول هذه الطبيعة المزدوجة للإنسان التي فيها يجمع الإنسان بين الخير ~~والشر. وافترضت أن ثمة تعليلا منطقيا وكيميائيا لهذا الانفصال، ولا بد أنه جزء من ~~تركيبنا البدني. لماذا يوجد شخص أشقر وآخر أسمر؟ لماذا البعض طوال القامة وآخرون قصار ~~القامة؟ قطعا يوجد تعليل مشابه يفسر وجود الجانبين الطيب والشرير في البشر. وكنت أنا نفسي ~~حقل تجارب لنفسي، كل يوم أشعر بالدنو من فهم هذا الانفصال؛ اعتقادي القوي أن الإنسان ليس ~~واحدا وإنما اثنان. شخصان في إنسان واحد. وأنا على يقين من أن علماء آخرين سوف يواصلون ~~البحث بل يكتشفون أننا في واقع الأمر أكثر من شخصيتين. أما الآن فلا بد أن ألتزم بما أعرف ~~أنه حقيقي؛ أثناء أبحاثي وتجاربي ms48 أصبحت على قناعة بأنه يمكن فصل هذه الطبيعة المزدوجة، فقلت ~~لنفسي إنه إذا أمكن فصل كل شخصية إلى كيان منفصل، فستكون الحياة أيسر، فيستطيع الشرير أن ~~يذهب في طريقه والطيب في طريق أخرى، ومن ثم يمكن التمييز بينهما، وعندئذ سينتهي الشك ~~والتشويش، فوجود القوتين المتضادتين في نفس الجسد قد سبب الكثير من الألم بالفعل. وكان ~~سؤالي التالي: «كيف يمكن أن أفصلهما؟» # لن أخوض في التفاصيل العلمية الدقيقة لاكتشافي لسببين؛ أولهما: أرى الإفصاح عن مثل هذه ~~المعلومات خطرا للغاية، فجميعنا فضوليون بالطبيعة ولا أريد أن يؤذى أي إنسان آخر. ~~وثانيهما: أن اكتشافاتي ليست كاملة كما ستعرف من اعترافاتي. وغني عن القول، أنه بعد الكثير ~~من التجريب والمحاولة والخطأ، اكتشفت ما ظننته المزيج المثالي. # تأنيت قبل أن أضع هذه النظرية موضع التنفيذ عمليا، أعلم جيدا أنني جازفت حتى الموت؛ أي ~~عقار يمس فكرة من نحن لا بد أن يكون خطيرا. على أن فضولي كان كبيرا؛ فقد غلبت رغبتي ~~العارمة في تعلم شيء جديد أي مخاوف لدي. اشتريت كمية كبيرة من ملح معين من شركة بيع ~~بالجملة، فقد كنت على دراية بأن هذا الملح هو آخر خيط في اللغز. وفي وقت متأخر من إحدى ~~الليالي مزجت كل العناصر معا في مخبار قياس، وأخذت أراقب فيما تصاعدت الفقاعات والدخان ~~وغلى المزيج. وقد تغير لونه مرات عدة قبل أن ينتهي به الحال إلى اللون الأخضر المائي. أخذت ~~نفسا عميقا كي أستجمع شجاعتي، ثم تجرعته في عجالة. # وكم كانت دهشتي من الألم والسقم الذي أصابني، إذ أخذت أتدحرج على الأرض من الوجع، وشعرت ~~أنني قطعا ألحقت بنفسي ضررا بالغا. وعندئذ، توقف الألم وشعرت أنني على ما يرام ~~كلية. انتصبت من وقعتي وشعرت بأنني أكثر رشاقة وصحة وشبابا مما كنت على مدار سنوات عديدة. ~~وساورني شعور غريب بالهلع، بل يمكنني أن أقول إن صورا وحشية أومضت في ذهني. أرى أن كلمة ~~«وحشية» هي الكلمة المناسبة هنا. قطعا شعرت بأنني إنسان وحشي متحرر من أي التزام في ~~الحياة. ms49 مددت ذراعي ولاحظت للمرة الأولى أنني صرت أقصر؛ فقد انكمشت بطريقة أو بأخرى خلال ~~عملية التحول، وأصبحت كل ملابسي كبيرة علي الآن. لقد أصبحت مستر إدوارد هايد. # الفصل الحادي والعشرون # | منظور جديد # لم يكن لدي مرآة في المختبر. أخيرا ثبت واحدة في مكتبي حتى أستطيع أن أرى التحول. بيد ~~أنه في الليلة الأولى اضطررت أن أتسلل إلى منزلي. وفيما كنت أتسلل عبر الفناء لاحظت أن ~~السماء كانت مرصعة بالنجوم، وخطر لي أنه في خلال عمرها الذي بلغ ملايين السنين لم تنظر إلى ~~كائن مثلي من قبل. أدركت أيضا أنه إذا عثر علي خدامي أتجول في الطرقات، فإنهم سيستدعون ~~الشرطة. وفيما نظرت إلى إحدى المرايا الموضوعة في الردهة، رأيت وجها ذابلا دميما. وتعجبت ~~هل الشر في نفس الإنسان يؤثر تأثيرا قويا على وجهه؟ كان تخميني الأول بالإيجاب؛ فلا يوجد ~~تعليل آخر لمظهر هايد الكريه. يبدو أن «الجانب الشرير» في طبيعتي لم يكن قد نما مثل الجانب ~~الطيب. بالطبع يبدو هذا منطقيا نظرا لأنني لم أوفر له الوقت الكافي كي ينمو أو ينشط؛ ~~فلقد أمضيت معظم حياتي مبقيا عليه حبيسا هادئا. ومع ذلك لم أشعر بالاشمئزاز؛ فقد أدركت ~~أن الصورة المنعكسة في المرآة هي لي. فلا يزال هذا الذي أراه هو أنا. وكان رد فعلي تجاه ~~صورتي حينها يختلف عن رد فعل أي شخص آخر. كل إنسان رأى إدوارد هايد - حتى أنت يا صديقي ~~الطيب أترسون - انتفض إلى الوراء. أظن أن هذا يرجع إلى أن الناس اعتادوا أن يروا الجانبين ~~الطيب والشرير معا بداخل أي إنسان، الطبيعة المزدوجة التي تحدثت عنها آنفا. على أن إدوارد ~~هايد ليس له مثيل، فهو شر خالص. # عندئذ فقط خطرت لي الفكرة المرعبة. ماذا لو لم أستطع العودة إلى ذاتي الأخرى؟ فهرعت إلى ~~مختبري في عجالة، وسريعا أعددت المزيج مرة أخرى وتجرعته. مرة أخرى أصبت بآلام ونوبات ~~شديدة، وعندما أفقت منها، هدأت لأجد أنني رجعت إلى جسد دكتور هنري جيكل. # أؤكد لك أن خططي كانت نبيلة؛ فقد ms50 أجريت هذه التجربة بناء على دوافع علمية بحتة، لكن ما إن ~~وصلت إلى هذه النقطة الحرجة لم يكن بمقدوري العودة ثانية، فثمة شيء ما انطلق بداخلي، ربما ~~كان مجرد فضول. أخشى ألا أعرف نفسي حقا. ما إن اكتشفت مستر هايد، ألح في المزيد من ~~الانطلاق، فبدأ يتغلغل في بقية جوانب حياتي. # لم يحدث هذا التغيير بين عشية وضحاها، إذ كنت ما زلت منخرطا في دراستي، وما زلت ألتقي ~~الأصدقاء والرفقاء. بمرور الوقت شعرت بأن مستر هايد يزداد قوة. استهواني الأمر في البداية، ~~لكن بدأ وجود مستر هايد يصبح غير مرغوب فيه. سيطرت علي هذه القوة؛ فمعرفة أنه بجرعة فورية ~~يمكنني التحول ما بين جسدي وغد شرير وطبيب نبيل، هي فوق إدراك الإنسان. وصار الأمر ضربا ~~من ضروب التعذيب. وأخذ الالتقاء بالناس يزداد صعوبة أكثر فأكثر، فتركت الصداقات تنزوي. ولم ~~يؤنسني في وحدتي سوى خدمي. من ناحية أخرى لم يكن هايد مختفيا، فقد عاش بين اللصوص ~~والأوغاد، فهذه الرفقة المثلى لمستر هايد. # استأجرت أنا - أو ربما يجدر بي أن أقول هايد - تلك الغرفة في سوهو، التي كانت مأوى له كي ~~يستريح ويزاول الأعمال التي يراها مناسبة له. في الوقت نفسه أخبرت كل خدامي بأن يقبلوا مستر ~~هايد في المنزل، وبعدها حررت الوصية التي أزعجتك أيما إزعاج، إذ خشيت أن يحل مكروها بشخصية ~~جيكل، ولم أشأ أن أترك هايد دون مال، وما إن أدركت أن الرعاية مكفولة للشخصيتين، بدأت ~~فعليا أنعم بالتحرر من مستر هايد. # بمقدور هايد أن يفعل ما يحلو له دون أن يلقي أحد بلائمة على جيكل، وبمقدوره أيضا أن يقوم ~~بأفعال كريهة شنيعة دون أن يكون هذا خطأ دكتور جيكل. مرارا وتكرارا حاولت أنا - جيكل - أن ~~أصلح الخسائر التي قام بها هايد، من ثم لم أكن خالي المشاعر. لعل ابن عمك مستر إينفيلد ~~أخبرك بواقعة ألحق فيها هايد الضرر بفتاة صغيرة. لقد دفعت لأهلها مبلغا كبيرا من المال، ~~أعلم أن الشيك لم يبطل الضرر، لكن هذا كل ما كان ms51 بوسعي فعله كما تراءى لي. على أنني تغافلت ~~عن الجانب الأكبر. # الفصل الثاني والعشرون # | مستر هايد الجامح # قبل مقتل سير دانفرز بشهرين، عدت من إحدى مغامرات هايد وتحولت إلى جيكل وخلدت إلى النوم. ~~استيقظت من نومي وأنا تحت تأثير مشاعر غريبة للغاية؛ أدركت أن الغرفة من حولي هي غرفتي، لكن ~~ثمة شيئا خطأ. شعرت وكأنني لست في المكان الصحيح. استلقيت في فراشي أتساءل عن هذا الموقف. ~~وكنت على قناعة بأن ثمة إجابة منطقية علمية لهذا الانزعاج الذي انتابني. كنت غارقا في ~~التفكير عندما لاحظت يدي. لم تكن يد دكتور هنري جيكل؛ فقد كانت نحيفة، وعظامها كبيرة وبارزة. كانت يد مستر إدوارد هايد. # قطعا أمضيت ما يقرب من دقيقة أتفرس هذه اليد، وكنت مشدوها للغاية بكل ما يجري، وأخيرا ~~عندما ربطت كل الخيوط في ذهني، هرعت إلى المرآة. لم أستطع أن أصدق عيني؛ أجل، لقد ذهبت إلى ~~الفراش وأنا دكتور هنري جيكل، واستيقظت وأنا إدوارد هايد. كيف يمكن أن يحدث؟ كان السؤال ~~التالي الذي يدور في ذهني، وربما السؤال الأكثر إلحاحا: كيف يمكن علاج هذا؟ كان الوقت ~~منتصف الصباح، وجميع الخدم مستيقظون، والعقار في المختبر، ومن المستحيل أن أسير عبر الفناء ~~للحصول عليه. كان من الممكن أن أغطي وجهي، لكن هذا ما كان ليخفيني بالدرجة الكافية. ومن حسن ~~الحظ أخذت نفسا عميقا وأدركت أن خدامي قد اعتادوا بالفعل مجيء وذهاب هايد. فارتديت ملابسي ~~في عجالة وغادرت الغرفة. مررت ببرادشو الخادم، الذي ارتعد من حضور مستر هايد في وقت مبكر من ~~النهار. وقطعا لفت نظره أيضا ملابسي الفضفاضة. واختفى مستر هايد في الفناء. وبعدها بعشر ~~دقائق كان الدكتور جيكل جالسا لتناول الإفطار، متظاهرا أنه شغوف بالطعام. # كنت على دراية بأنني لن أكون قادرا على الاستمرار في حياتي المزدوجة التي كنت أفقد ~~السيطرة عليها، فيما تزيد سطوة هايد عليها الآن. وظننت أنه ازداد قوة بالفعل، إذ كنت أتحول ~~من جيكل إلى هايد دون أن أتناول الدواء. وكان عقلي - أو جسدي، لم أكن أعرف ms52 أيا منهما - ~~يتحول وحده. عندئذ بدأ الدواء يفقد مفعوله بالفعل، فكنت أضطر أن أتناول ضعف الجرعة المعتادة ~~ثلاث مرات كي أتحول ما بين الشخصيتين. في بداية هذه التجربة كان من الصعب أن أتخلى عن شخصية ~~دكتور جيكل، والآن العكس صحيح تماما ؛ فقد أكدت أحداث تلك الصبيحة أن فقد مستر هايد صار ~~أكثر صعوبة. كان من الجلي أنني أفقد التحكم في ذاتي الأصلية الأفضل؛ فشخصيتي الشريرة ~~الوحشية أخذت تتقوى. # علمت أنني مضطر أن أختار بينهما. كان جيكل قلقا ومهتما بشأن أفعال هايد وعيشه الكريم، ~~أما هايد فلم يكن مباليا بشأن جيكل بالمرة. كان فقدان هايد بالنسبة لي فقدان بعض الشرور ~~التي صرت أستمتع بها، أما التخلي عن جيكل فقد عنى أنني سأصير بلا أصدقاء ومكروها من ~~الجميع. علمت أنني لا أستطيع تحمل العيش بهذه النتيجة. # لذا تخليت عن هايد، لكنني كنت لا أزال محتفظا بالشقة الكائنة في حي سوهو، وملابس هايد ~~معلقة في دولاب مختبري، لكنني لم أستخدم الدواء. وعلى مدار شهرين حييت حياة هادئة وحذرة. ~~وقد سعدت بهذه الحياة بعض الوقت؛ إذ كان ضميري صافيا، غير أن الرغبات والغرائز لم تفارقني، ~~لكنها كانت مستكنة فحسب. مرة أخرى وجدت نفسي أعد جرعة الدواء وأتجرعها. # وظل شيطاني حبيسا زمنا طويلا، وجاء هايد مزمجرا وهائجا على نحو لم أتوقعه. وفيما كنت ~~أتجرع الدواء علمت أن هذه المرة ستكون مختلفة. كنت على دراية بأن هايد يبتغي أن يعوض الوقت ~~الضائع. وحدث أنه في هذه الحالة قابل هايد مصادفة سير دانفرز في ممر الحديقة. لا أذكر ~~كثيرا عن الحادث، لكن هايد كان غاضبا غضبا أعمى، ووقع الأمر برمته سريعا. # أنا الملام على كل هذا، لأن هايد هو من ارتكب الفعل الشنيع، لكن صدقني ما كان جيكل ليفكر ~~في الأمر من الأساس. علمت أن حياتي انتهت عند هذه اللحظة أيضا. هرب هايد أو أنا من موقع ~~الجريمة، وهرعت إلى شقة سوهو، وأحرقت كل أوراقي كي أطمث أي أدلة. وعندئذ بدأت أجول في شوارع ~~لندن. وفكر هايد ms53 في جرائم القتل الأخرى التي يحب أن يرتكبها. والآن وبعد أن تذوق طعم الدماء ~~خشيت ألا يتوقف. # وما إن تحولت إلى جيكل مرة أخرى، ركعت على ركبتي وتوسلت الرحمة من الله، وتأكدت أنه لن ~~يكون هناك هايد مرة أخرى. وشعرت بأن اتخاذ هذا القرار النهائي هو الحرية. ولم أدرك إلى أي ~~مدى كان هذا سجنا. ولكي أتأكد أنني لن أتعرض للإغواء مرة أخرى، وأن هايد لن يستطيع الدخول ~~من الباب الخلفي، كسرت القفل، وعندئذ سحقت مفتاح البوابة تحت قدمي. # علمت في اليوم التالي أن خادمتي شهدت جريمة القتل. وارتعت لدى سماع اسم هايد قاتلا. بل ~~لم أكن أدرك أن من التقيته في الممر كان سير دانفرز. كان غضب هايد شديدا حتى إنه ابتلع ~~شخصية جيكل تماما. كان للجانب الشرير من شخصيتي - مستر هايد - اليد العليا على جسدي ~~وعقلي. # عقدت العزم على أن أحيا حياة إنسان تائب، فبدأت أوالي الأعمال الخيرية، وواظبت على حضور ~~الطقوس الكنسية وأحييت الصداقات القديمة. رجعت من العزلة بكامل قوتي، أصبحت إنسانا ولد من ~~جديد. شعرت أنها معجزة أن أحظى بفرصة ثانية، ولم يكن لدي أدنى فكرة أن هذا لن يدوم. # وفي يوم من أيام الربيع الأولى، وفيما كنت أستمتع وحدي بقضاء بعض الوقت على مقعد في إحدى ~~الحدائق، وأنصت إلى العصافير تزقزق على الأشجار وأشاهد الأطفال تلهو، إذ بموجة من الإعياء ~~تجتاحني ورجفة عنيفة تهزني. ثم توقفتا تاركتين إياي فاقدا الوعي. شعرت بأن درجة حرارتي ~~ترتفع. أغمضت عيني متمنيا أن يزول هذا الشعور أيضا. ومع ذلك شعرت بأن شيئا ليس على ما ~~يرام، فإذ بجيشان مفاجئ من الطاقة يجتاحني. وشعرت بغضب يتملكني بسرعة. فتحت عيني مرة أخرى ~~لأجد ملابسي بدت فضفاضة للغاية على حين غرة، ويدي نحيفة وشاحبة. مرة أخرى أصبحت إدوارد ~~هايد. # أدركت أنه لا يصح لي أن أجلس في الهواء الطلق هكذا، فهايد رجل مطلوب للعدالة. أدركت أيضا ~~أنني لا بد أن أحصل على الدواء. لم أستطع أن أتجه إلى الباب الأمامي ذلك لأن ms54 بول سيستدعي ~~الشرطة حالما يراني، ولم أستطع الدخول من الباب الخلفي لأنني هشمت القفل والمفتاح. أدركت ~~أنني سأحتاج إلى مساعدة أحدهم عندما خطر دكتور لانيون ببالي. فكتبت خطابا إلى لانيون أطلب ~~منه أن يحضر لي الدواء. كنت متأكدا أنه سيفعل. لا بد أن تعرف أحداث تلك الأمسية الآن. ذكر ~~لانيون أنه سيكتب إليك، لذا لن أكرر عليك القصة هنا. ومع ذلك عليك أن تتفهم أنني صدمت من ~~ردة فعل لانيون. توقعت أن يحمى غضبه، لا أن يرتعد. ستلازمني ما حييت حقيقة أن هذه الصدمة هي ~~التي أودت بحياته. # بدأ نوع جديد من الخوف يستحوذ علي؛ لم أعد خائفا من الشرطة وحدها، وإنما صرت مرعوبا من ~~أنني قد أضطر أن أعيش بشخصية هايد. تمنيت لو كنت قد رأيت نهايته. لكن في اليوم التالي، ~~وفيما كنت أسير عبر الفناء، اعترتني نوبات الألم المعتادة. تناولت جرعتين من الدواء ثم عدت ~~إلى جسدي كدكتور جيكل. ثم بعدها بست ساعات، وفيما كانت أقرأ بجانب المدفأة، انتابني الخوف ~~مرة أخرى، لذا تجرعت المزيد من الدواء. إذا غلبني النوم - ولو حتى كإغفاءة - أستيقظ دائما ~~مستر هايد. كنت مرعوبا، وقد استنزفني هذا الرعب. وفيما ازداد جيكل وهنا، ازداد هايد قوة. ~~واستهلكت أنا جيكل كل طاقتي في إجبار هايد على تناول الدواء. وخشيت ألا يصلح هذا لفترة ~~أطول. ولم أعوض قط ما نقص من الملح المستخدم في الدواء. في أثناء تلك الآونة كنت أستخدم نفس ~~المورد. بدأت أبحث عن المزيد. وكنت قد افترضت أن الكمية الأصلية التي كانت بحوزتي هي شكل ~~نقي من أشكال الملح. من ثم بدأت أطلب من الصيادلة أنقى كمية لديهم. ومع ذلك لم تأت المادة ~~المطلوبة قط، لذا كنت أرجعها جميعها إليهم. وعندئذ أدركت أن الكمية الأصلية التي كانت ~~بحوزتي لم تكن مادة نقية أغلب الظن؛ قطعا كانت ممزوجة بمادة غير معروفة. إنها تلك المادة ~~الغامضة، أو مزيجها بالملح، التي تحدث الأثر المطلوب. # مر قرابة الأسبوع منذ أن بدأت في كتابة هذا الخطاب، وأنا أعمل ms55 تحت تأثير آخر جرعة من ~~الدواء. من المحتمل أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يسمح فيها لهنري جيكل أن يتكلم أو ~~يسمع. أنا مضطر أن أنهي هذا الخطاب الآن، خشية أن يسيطر علي هايد قبل أن أحظى بالفرصة ~~لغلق الخطاب ، فإذا رآه فسيمزقه قطعا. هذه هي ساعة موتي الحقيقية. بإنزالي قلمي وغلق خطاب ~~اعترافاتي، سأكون قد أنهيت حياة هنري جيكل التعيس. # أسأل الله أن يرحمني. # دكتور هنري جيكل ms56