######OpenITI# #META# URI: 1450FayiqaJirjisHanna.JohnLockeMuqaddimaQasira.Hindawi48252407 #META# Tags: philosophy #META# ID: 48252407 #META# Title: جون لوك: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 35085824 #META# Author: جون دَن #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 30694819 #META# Translator: فايقة جرجس حنا #META# Related_books: 1450JohnDunn.JohnLockeShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد الطبعة الجديدة‏ # تمهيد‏ # 1 - حياته‏ # 2 - سياسة الثقة‏ # 3 - المعرفة، والاعتقاد، والإيمان‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد الطبعة الجديدة‏ # تمهيد‏ # 1 - حياته‏ # 2 - سياسة الثقة‏ # 3 - المعرفة، والاعتقاد، والإيمان‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | جون لوك # | جون لوك # | ‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # جون دن # ترجمة # فايقة جرجس حنا # مراجعة # هبة عبد المولى # مهدى إلى ذكرى بيتر لازليت # | شكر وتقدير # أدين بالعرفان الشديد لمايكل إيرز لكرمه في إعارتي جزءا كبيرا من دراسته الأساسية حول ~~فلسفة لوك أثناء كتابتي لمخطوطة الكتاب، وأدين له أيضا بما استمددته من متعة وحماس على ~~مدار سنوات عديدة من معرفته البارزة بأعمال لوك وفهمه لها. كما أدين بالعرفان لمطابع جامعة ~~أكسفورد، وهنري هاردي وكيث توماس وآلان ريان الذين أسدوا لي نصائح مفيدة في إعداد النص، ~~وأشكر لهم سعة صدرهم معي على نحو فاق ما كنت أستحقه. وأدين بشدة إلى العديد من الأصدقاء ~~الذين اطلعوا على مسودات لأجزاء من الكتاب أو كله في مراحل مختلفة ولأسباب مختلفة، ~~وأخص بالشكر سينثيا فارار، ومايكل إيجناتيف، وتاكاشي كاتو، وجوناثان لير، وكوينتين سكينر؛ ~~لتشجيعهم ومساعدتهم. # | تمهيد الطبعة الجديدة # منذ صدور النسخة الأولى من هذا الكتاب ضمن سلسلة «أساتذة الماضي» الصادرة عن مطابع جامعة ~~أكسفورد عام 1984، اضطررت إلى إعادة النظر في العديد من جوانب حياة لوك بتشجيع مجموعة من ~~الأصدقاء والزملاء الباحثين الأسخياء؛ وهم: كوينتين سكينر، وجون كنيون، وجوديث شكلار، ~~وإستفان هونت، وباسكوالي باسكوينو، وبرنار مانين، وأولي جريل، وأفيخاي مارجاليت، وإيان ~~هاريس، وجون مارشال، وسوديبتا كافيراج، وسونيل خيلناني، وجاري ماكدويل، ومؤخرا إيان ~~شابيرو. ونعمت أيضا بامتياز خاص بالعمل على طبعة «الأعمال المجمعة للوك»، الصادرة عن ~~«مجلس كلارندون»، تحت إشراف المحررين الذائعي الصيت جون يولتان وساندي ستيوارت. ولقد ~~ساهمت هذه الخبرات إلى حد كبير في تشكيل رؤيتي لأهمية العديد من جوانب الإنجاز لدى ~~لوك، بيد أنها لم تغير قط نظرتي إلى لوك نفسه بينما كنت أكتب هذا الكتاب، كما لم ~~تغير الآراء المتعلقة بمحتويات أعماله التي ms001 يتناولها الكتاب. وعلى مدار هذا الوقت ، ~~تعلمت الكثير وعزب عن بالي الكثير، لكني ما زلت ألتزم بالصورة التي يحاول الكتاب أن ~~ينقلها؛ وعليه، فقد اخترت ألا أغير في الأسلوب النثري المكتوب به الكتاب، حتى لو كنت ~~سأصيغ بعض النقاط على نحو مختلف اليوم (كالحال عند استخدام لفظة «إنسان» للإشارة إلى البشر ~~كافة). # إنه لمن دواعي سروري أن أنتهز فرصة صدور هذه النسخة في شكلها الجديد، لأشكر أولئك ~~الذين دأبوا منذ عام 1983 على تحويل مجموعة من الأعمال المفتقرة إلى الخبرة والمختارة على ~~نحو عشوائي إلى حد ما، إلى عمل فكري قيم وخالد، والعديد من المحررين البارزين ~~والودودين في مطابع جامعة أكسفورد الذين اشتغلت معهم في مطبوعات لوك وموضوعاته، وعلى رأسهم ~~أنجيلا بلاكبيرن، وبيتر مومتشيلوف، والآن إيما سيمونز. وأود أن أهدي هذه النسخة الجديدة ~~إلى ذكرى بيتر لازليت، الذي حظيت به مشرفا فريدا على دراساتي خلال فترة ما بعد ~~التخرج، والذي أفتقده بشدة، والذي بفرط حماسته وعمق بصيرته ومعين طاقته الذي لا ينضب، ~~اجتهد كي يحافظ على ذكرى لوك حية، وكي يتيح للآخرين الحكم على أهدافه الحقيقية، وذلك على ~~نحو فاق ما فعله آخرون غيره على مدار ما يزيد عن القرن. # | تمهيد # وجه لوك حياته الفكرية بوجه عام للإجابة عن سؤالين مهمين: كيف يمكن للإنسان معرفة أي ~~شيء؟ وما شكل الحياة التي ينبغي أن يسعى الإنسان إلى عيشها؟ استهل لوك حياته المهنية ~~كمدرس في الجامعة وأنهاها كرجل محنك عركته الحياة. وخلال هذه الحياة، فكر - بل ~~أمعن التفكير أيضا - في مجموعة هائلة من القضايا؛ بدءا من آفاق التجارة الخارجية ~~الإنجليزية، والعواقب الاقتصادية المترتبة على حالة العملة الإنجليزية، ووصولا إلى سياسة ~~الثورة في ثمانينيات القرن السابع عشر، وتفسير رسائل القديس بولس، وزراعة أشجار الفاكهة. ~~ولأن اهتمامات لوك كانت واسعة النطاق للغاية، ولأنه باشرها بقدر كبير من الذكاء والحماس، ~~فقد خلف وراءه مجموعة هائلة وبارزة من المؤلفات؛ وإنه لمن المستحيل أن يستطيع ~~المرء في عمل مختصر أن يستوفي مجموعة أفكاره المتنوعة ويعطيها حق قدرها، ms002 فضلا عن تقييم ~~أصالتها، وإماطة اللثام عن مساهمتها المعقدة في التاريخ الفكري للقرنين التاليين له؛ وعليه ~~فلن أحاول الخوض في أي تفاصيل أثناء تقييم مساهمته في فروع الفكر الحديث المتنوعة: ~~الاقتصاد، وعلم اللاهوت، والنظرية السياسية، وتفاسير الكتاب المقدس، وعلم الأخلاق، ~~والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، ونظرية المعرفة، والتربية، وما إلى ذلك. (وعلى وجه التحديد، ~~لن أقدم شرحا ونقدا منهجيين لنظريته عن المعرفة التي صاغها باعتبارها لحظة ~~كلاسيكية في تاريخ التجريبية البريطانية؛ فذلك من شأنه أن يشوه منهجه الخاص، كما أنه لن ~~يساعد كثيرا - في رأيي - في إلقاء الضوء على الأسئلة محل الاهتمام الحالي.) وسوف أركز ~~عوضا عن ذلك على شكل حياته الفكرية ككل، وسأحاول شرح تصوره للعلاقة بين السؤالين ~~الكبيرين والصعبين اللذين تناولهما بهذا القدر من الشجاعة والإصرار على مدى سنوات ~~عديدة. # خلال العقدين الأخيرين من حياة لوك - من عام 1683 وحتى مماته عام 1704 - كانت إجابة ~~السؤال عن كيفية وصول الإنسان إلى المعرفة هي القضية التي كرس لها أقصى طاقاته الفكرية، ~~وأثرت إجابته عن هذا السؤال في أوروبا - بالرغم من سوء فهمها - وطبعت في ذهنها على مدار ~~أجيال. وثمة خلاف كبير بين الفلاسفة حاليا حول جدارة هذه الإجابة؛ فالبعض يرونها مجرد ~~إجابة خاطئة عن سؤال مشروع ومهم، والبعض الآخر يعتبرون السؤال في حد ذاته مشوشا، ويرون ~~أن طلب تفسير شامل لنطاق القدرات المعرفية للإنسان وحدودها هو أمر مناف للعقل ويستحيل ~~إيفاؤه؛ ويظل البعض يرى منهج لوك صحيحا في جوهره، مهما كانت الأخطاء التي ربما وقع فيها في ~~خضم استنباطه الإجابة. ومن الغرور أن نتظاهر هنا بحسم هذا الخلاف، لكن من الضروري أن نسعى ~~إلى توضيح الأمور التي جعلت لوك نفسه متحمسا إلى هذه الدرجة لصياغة نظرية عن ~~المعرفة. # انطلق تفكير لوك من سؤاله الثاني، الذي يدور حول شكل الحياة التي ينبغي على الإنسان أن ~~يسعى إلى عيشها. وفي السنوات الأخيرة من حياته، كان واثقا أنه استوفى إلى حد كبير ~~الإجابة على السؤال عن الكيفية التي يمكن للإنسان بها معرفة أي شيء؛ ms003 على الأقل بقدر ما ~~يتفق من هذه الإجابة مع نطاق القدرات البشرية. لكن ثقته في قدرته على توضيح الكيفية التي ~~ينبغي للإنسان محاولة العيش بها - على أساس القدرات البشرية وحدها - كانت أضعف كثيرا. كان ~~لوك في البداية يتمنى لو أن تفسير قدرة الإنسان على المعرفة يوضح للإنسان «السبب» ~~الذي لأجله ينبغي على الإنسان محاولة العيش على النحو الذي افترضه لوك. بيد أن نظرية ~~المعرفة التي صاغها لم توضح شيئا من هذا القبيل؛ ونتيجة لذلك، فشلت نظريته عن العقل ~~العملي (التي تدور حول الأمور التي يوجد لدى الإنسان سبب وجيه لفعلها) فشلا ذريعا من ~~وجهة نظره. وعلى خلاف نظرية المعرفة التي صاغها، فإن نظريته عن العقل العملي لم تنجح على ~~الأرجح في أن تقدم حتى جوهر الرأي الذي ربما نفهمه نحن أنفسنا. بل إن بعض الفلاسفة ~~حاليا لا يعتبرون السؤال عن الكيفية التي ينبغي على الإنسان محاولة العيش وفقا لها، ~~سؤالا فلسفيا من الأساس، كما أن عددا أكبر منهم لا يعتبر أن لوك قد عبر عن مكنون ~~هذا السؤال بوضوح كاف. لهذه الأسباب أو لغيرها، ربما كان محكوما على مسعى لوك بالفشل في ~~مهده، وإن ظل تنويريا ومثيرا للاهتمام إلى حد كبير. فليس السبيل الأفضل دائما إلى ~~قياس عظمة المفكر هو موثوقية حلوله الفكرية ووضوحها؛ ففي بعض الأحيان يمكن أن تتجلى ~~عظمته بنفس التأثير على الأقل في دوي فشله. # ما كان يأمل لوك أن يوضحه للإنسان هو أن الفهم العقلاني لمنزلة الإنسان في الطبيعة ~~حتم عليه العيش كمسيحي، لكن ما وضحه بالفعل هو أن الفهم العقلاني لمنزلة الإنسان في ~~الطبيعة لم - ولا - «يحتم» على الإنسان العيش وفق نمط بعينه. وأسوأ من ذلك أن العلاقة ~~الوثيقة بين المفاهيم المتعلقة بكيفية العيش وبين تاريخ لغات وثقافات بعينها، تضع حياة ~~البشر كافة تحت رحمة التاريخ. وحتى لو أن «إلها» قد صمم نظام الطبيعة ككل من أجل ~~الإنسان ليحيا في ظله حياة طيبة، فما كان للإنسان أن يستمد مفاهيمه حول كيفية العيش من هذا ~~النظام ms004 مباشرة من خلال إعمال عقله وحده، وإنما يتعين عليه أن يشكل قيمة لنفسه قدر ~~المستطاع من آراء الآخرين المستحسنة أو المستهجنة إلى حد ما، ومن خلال قدراته الخاصة على ~~التأمل. # لا يزال الفضل في آرائنا الحالية حول كيفية اكتسابنا للمعرفة يعزى في جزء منه إلى ~~لوك، ومن غير المحسوم بعد ما إذا كانت تلك الآراء ستستفيد من الاعتماد أكثر على آراء لوك ~~المفهومة جيدا، أم من التخلص من آرائه غير المفهومة التي ما زالت تعتمد عليها. أما عن ~~آرائنا الحالية حول السبيل الأمثل للعيش، فإنها لا تدين إلا بالقليل إلى معتقدات لوك، لكن ~~من المحتمل أننا لم نتمكن بعد من فهم فشله والتعامل معه. وفي المجمل، يناقش ~~المؤرخون والفلاسفة حاليا لوك باعتباره مفكرا متفائلا، ارتكز تفاؤله على عدم الفهم ~~الكافي لما نفهمه نحن أنفسنا على نحو أفضل تماما. لكن الفكرة التي أود أن أطرحها في هذا ~~الكتاب مختلفة تماما؛ ألا وهي أننا ينبغي أن نرى لوك ليس بوصفه مفكرا متفائلا، ~~وإنما بوصفه مفكرا تراجيديا استطاع أن يفهم قبل الأوان بعضا من التناقضات العميقة في ~~المفهوم الحديث لعقل الإنسان؛ ومن ثم رأى على نحو أكثر وضوحا بعضا من مآسي حياتنا ~~التي ما زلنا نراها حقا شديدة القتامة. # الفصل الأول # | حياته # ولد جون لوك في قرية سومرست في صيف عام 1632، ووافته المنية في المنزل الريفي ~~لأصدقائه آل ماشام في أوتس بمدينة إسكس، في أواخر أكتوبر عام 1704. وحتى منتصف العقد الرابع ~~من عمره، عاش لوك حياة عادية للغاية، على الأقل كما بدا من مظاهرها الخارجية؛ لكن على ~~مدار أكثر من ثلاثة عقود، بدءا من عام 1667، انخرط عن كثب في تقلبات السياسة الداخلية ~~الإنجليزية، وإذا به في أواخر الخمسينيات من عمره يصبح - على حين غرة ولأول مرة - رجلا ~~ذائع الصيت للغاية. ومنذ ذلك الحين فصاعدا، كان كل مراسليه تقريبا يصفونه دون سخرية - ~~مع الليدي ماري كالفرلي - بأنه ببساطة «أعظم رجل في العالم» (مراسلات جون لوك، المجلد ~~الرابع). وعندما حان الوقت أخيرا ليصير مشهورا، ذاع ms005 صيته بوصفه فيلسوفا، بدءا من لحظة ~~نشر مؤلفاته، ولا سيما عمله الرائع الصادر عام 1689 تحت عنوان «مقال في الفهم البشري»، ~~واستمرت هذه الشهرة - دون انقطاع - إلى يومنا هذا. # ببلوغه سن الأربعين، كان لوك قد ابتعد كثيرا عن أصوله السومرستية؛ ومن المؤكد أن ~~الفجوة الاجتماعية بينه وبين سائر أفراد عائلته أخذت تتسع باطراد بعض الشيء بقية حياته، ~~لكن في بعض النواحي الجوهرية من حياته، ظل ما اكتسبه خلال تنشئته الأولى (بغض النظر عن ~~النتيجة)، يؤثر على نحو محوري في وجدانه وتوجهاته حتى يوم مماته. من النادر أن ~~يتمكن المرء من تقييم آثار مستمرة كهذه بأي قدر من الثقة، لا سيما في حال رجل أو امرأة ~~من القرن السابع عشر. لكن من مظاهر الغرابة في مزاج لوك إعراضه المبالغ فيه عن إلقاء أي ~~ورقة كان قد كتب عليها، ولما انحدرت إلينا - لحسن الحظ الشديد - معظم الأوراق التي ظلت ~~باقية حتى مماته، استطعنا في حقيقة الأمر أن نعرف عنه أكثر مما نعرف عن جميع معاصريه ~~وأسلافه، خلا عدد قليل منهم. ويتضح من هذه المخطوطات الهائلة أن لوك اعتنق خلال مرحلة نضجه ~~نمطا وجدانيا بيوريتانيا عميقا، وهو نمط يرسخ الإحساس بالواجب ويجعله محور حياة ~~الفرد. لم يكن لوك شخصا كئيبا أو بائسا على الإطلاق، لكنه ألزم نفسه - بقدر ما ألزم ~~الآخرين - بمتطلبات صارمة للغاية؛ وكان شديد التزمت الأخلاقي في ردود أفعاله في حال ~~عدم الوفاء بتلك المتطلبات. ولم يكن ثمة ما هو بيوريتاني في معظم آرائه الفلسفية التي ~~جعلته خالد الذكر حتى يومنا، بل إن كثيرا منها كان سيشكل صدمة لأي بيوريتاني على ~~قيد الحياة عام 1632، إلا أن الهوية الشخصية التي أضفت على فكره ككل قدرا من التكامل ~~والعمق الإنساني تعكس ذاتا بيوريتانية حتى النخاع. # كان كل من والد لوك ووالدته ينحدر من عائلتين تجاريتين بيوريتانيتين؛ فعائلة الأب ~~تعمل في مجال بيع الأقمشة، وعائلة الأم تعمل في مجال الدباغة، ولم يكن دخل والده كمحام ~~وموظف في «هيئة قضاة الصلح» بسومرست كبيرا، وكان يمتلك ms006 بالإضافة إلى ذلك قطعة أرض؛ لم ~~تكن تكفي في حد ذاتها كي تمكنه هو أو ابنه من أن يحيا حياة النبلاء، لكنها كانت كافية ~~لأن يمنح الابن نفسه في سنوات لاحقة ذلك اللقب المكتوب على صفحات عناوين أعظم أعماله. لم ~~تكن هذه البيئة في حد ذاتها لتضمن للوك مستقبلا واعدا، لكن إن كان أفراد عائلته من ~~الدرجة الأولى محدودي الاهتمامات وغير طموحين إلى حد ما في مساعيهم الدنيوية، فقد كان لهم ~~معارف أكثر نفوذا ونجاحا، وكان أبرزهم ألكسندر بوفام. حارب ~~بوفام - مثل والد لوك - كضابط في سلاح الفروسية ~~التابع للبرلمان بسومرست في المراحل الأولى من الحرب الأهلية، ثم مضى في طريقه ليصير عضوا ~~في البرلمان عن منطقة وست كانتري، وشخصية بارزة في السياسة الداخلية. وفي عام 1647، بوصفه ~~عضوا في البرلمان عن مدينة باث، كان في منزلة تمكنه من أن يقدم لوالد لوك - الذي ~~كان محاميه وضابطا زميلا له - الفرصة كي يلحق ابنه الأكبر بمدرسة وستمنستر. وفي ~~السنوات اللاحقة، ظل والد لوك يأمل في الحصول على رعاية حلفائه السياسيين أصحاب النفوذ، ~~لكن يبدو أن آماله دائما ما كانت تخيب، ربما فيما خلا انتقال ابنه المصيري من مدرسة ~~وستمنستر إلى كلية «كنيسة المسيح» بأكسفورد؛ حيث يتجلى مجددا أن وجود راع من ذوي النفوذ ~~أمر لا غنى عنه. لكن إن كان لوالد لوك أثر محدود على العالم في مجمله، فمن الواضح أن هذا ~~الرجل الصارم - والساخط إلى حد ما في المراحل الأخيرة من حياته - قد ترك أثرا عميقا في ~~ابنه البارز؛ فقد علمه استقلالية الروح وقوة الانضباط الذاتي، اللتين ساهمتا في تشكيل ~~حياة لوك بأكملها. # شكل : مسقط رأس لوك في رينجتون بسومرست. لم يكن منزله مجرد كوخ صغير، حتى ~~إنه ظل صامدا لمدة قرنين من الزمان، لكنه لم يكن فخما ~~بالمرة. # من الأيسر أن ندرس حياة لوك في ضوء ثلاث مراحل أساسية، كان لكل منها تأثيره في إقصاء ~~لوك عن أصوله السومرستية. شهدت المرحلة الأولى انتقال لوك إلى وستمنستر، ومنها إلى كلية ~~كنيسة ms007 المسيح، وفيها بلغت الضغوط على الموارد المالية لأسرته وتوقعاتهم المعقولة منه ~~ذروتها. كان من الممكن أن تؤهله هذه المرحلة بسهولة لشغل وظيفة كهنوتية، سواء داخل ~~الجامعة أم خارجها، تلك الوظيفة التي لم تكن تتطلب إلا قدرا معقولا من الثروة والحصافة، ~~والتي ربما كانت ستتناسب تماما مع قدراته الفكرية. (كتب ابن عمه جون ستراتشي عنه يقول: ~~«إنه رجل نابغة. دعوه يتعلم دون إذعان، فلا حاجة له بالترقي» (مراسلات جون لوك، المجلد ~~الأول).) لكن حتى بوصفه شابا لديه فرص محدودة؛ فمن الواضح أن لوك لم يكن يرضى بالإذعان؛ ~~وعلى ما يبدو لم تستهوه فكرة الوظيفة الكهنوتية مطلقا، وكان ثمة احتمال ثان أقل ~~إمكانية وأضيق نطاقا في تطبيقه، لكنه أيضا أكثر ملاءمة؛ وهو أن يصير طبيبا. في ~~الواقع، سعى لوك نحو هذا الاحتمال بشيء من الحماس؛ حيث عكف على دراسة الطب دراسة منهجية ~~على مدى بضعة عقود، وقدم نصائح طبية مستفيضة للأصدقاء والمعارف، وعمل عن كثب مع واحد من ~~الأطباء العظماء في القرن السابع عشر، وهو دكتور توماس سيدنهام، أحد رواد علاج الأمراض ~~الوبائية، وكان منهج سيدنهام في دراسة الأمراض يتسم على نحو غير مألوف بالوعي الذاتي ~~والمنهجية، ولعل مفهوم لوك حول الكيفية التي عرف بها الإنسان العالم الطبيعي، قد ~~تأثر بنفس القدر بهذا التعاون. وجدير بالذكر أيضا أن اهتماماته الطبية - وليست خبرته ~~كفيلسوف أو عالم لاهوت - هي التي منحته أكبر فرصة في حياته. # جاءت المرحلة الثانية عام 1666؛ ففي هذا العام التقى لوك لأول مرة - عن طريق طبيب آخر ~~كان صديقا له، وهو ديفيد توماس - باللورد أشلي، الذي سيصبح فيما بعد الإيرل الأول ~~لشافتسبري، وهو إحدى الشخصيات السياسية البارزة في بلاط الملك تشارلز الثاني. جاء اللقاء ~~بالمصادفة البحتة؛ فقد كان أشلي في زيارة لأكسفورد ليشرب من المياه المعدنية العلاجية في ~~أستروب، لكن عواقب هذا اللقاء كانت على قدر بالغ من الأهمية بالنسبة إلى لوك على الأقل؛ ~~ففي غضون عام من هذا اللقاء الأول كان لوك قد انضم إلى حاشية أشلي في لندن، ثم ms008 بعدها بعام ~~- أي عام 1668 - خضع أشلي، راعي لوك، لعملية جراحية كبيرة لاستئصال كيس متقيح على الكبد ~~تحت إشراف لوك، ونجحت العملية على الرغم من صعوبتها البالغة. وعلى مدار الأربعة عشر عاما ~~التالية «تعلم الإذعان» لنزوات شافتسبري، وشارك سيده أحواله المضطربة. كان الانتقال من ~~عزلة أكسفورد الهادئة والمضطربة أحيانا خلال عصر «إعادة الملكية»، إلى حياة حاشية ~~شافتسبري الثائرة؛ انتقالا بالغ الأثر. لم يهجر لوك وظيفته في أكسفورد طواعية (ففي ~~الواقع، طرد لوك من وظيفته بناء على تعليمات من الحكومة، بعد فراره إلى هولندا عام ~~1683)، لكن جل طاقاته وآماله ومخاوفه لبقية أيام حياته استقرت في منحى آخر؛ ومنذ ذلك ~~الحين فصاعدا، ارتبط علو نجمه الشخصي وأفوله بعلو وأفول نجم سيده، وبعد وفاة ~~شافتسبري عام 1683، ارتبط بعلو وأفول نجم التجمع السياسي الكبير الذي قاده. # شكل : توماس سيدنهام، أحد رواد الطب، ومصدر الإلهام في كثير من ~~مفاهيم لوك الأولى عن المنهجين الطبي والعلمي. # في السنوات التي تخللت عامي 1667 و1683 كان شافتسبري يمثل في مراحل مختلفة ~~الشخصية السياسية الأكثر نفوذا في بلاط تشارلز الثاني، وقائد إحدى المعارضات السياسية ~~القومية لهذا البلاط، التي مثلت في نهاية المطاف خطرا عليه، بل ربما خططت أيضا ~~لثورة للإطاحة به. أثرت كل من انتصاراته وإخفاقاته على نحو بالغ في مخيلة لوك، ~~وكان شافتسبري هو من علمه فهم المسئوليات الاقتصادية للدولة الإنجليزية في السوق ~~المحلية وفي التجارة الخارجية، وكان هو من علمه أيضا النظر إلى عوامل الازدهار ~~الاقتصادي واحتمالاته، باعتبارهما موضع اهتمام رئيسيا لفن الحكم وإدارة شئون الدولة، ~~وعاملا أساسيا في تقييم مؤهلات أي مجتمع وإمكاناته. ولو أن الآلية القاسية - والمفعمة ~~بالحيوية في الوقت نفسه - للاقتصاد الإنجليزي في زمن لوك، قد سخرت في النهاية طاقات ~~لوك الفكرية تسخيرا سليما، فإن الفضل في ذلك يعود إلى شافتسبري؛ فثمة صلة مباشرة بين ~~استمرار لوك في عمله في مجلس التجارة خلال الفترة التي كان فيها ضمن هيئة مستشاري شافتسبري ~~عام 1672، وبين عمله في لجنة الشئون التجارية أثناء حكومة ويليام في تسعينيات القرن ms009 السابع ~~عشر. وبالمثل، ثمة صلة مباشرة بين الفكر الاقتصادي الذي استهله في أول مؤلفاته ~~الاقتصادية عام 1668، وبين أعماله الرئيسية عن تنظيم سعر الفائدة، وعن استرداد العملة التي ~~كتبها على سبيل إسداء النصح إلى حكومة ويليام. كما توجد صلة مباشرة من حيث المحتوى - وإن ~~لم يكن من حيث الدافع غالبا - بين تعهد شافتسبري الراسخ بالتسامح مع «المنشقين» ضد ~~الأنجليكانية في عصر إعادة الملكية، وبين حملة لوك النشطة التي قادها على المستويين العام ~~والخاص في العقدين الأخيرين من حياته، وكانت تنادي بالتسامح وحرية الصحافة. وجلي أيضا ~~الرابط بين إصرار شافتسبري المتأخر نوعا ما أثناء «أزمة الإقصاء» المزعومة (الكفاح من أجل ~~استبعاد جيمس - دوك يورك والأخ الكاثوليكي للملك تشارلز الثاني - من خلافة العرش) على ~~الأساس النيابي للشرعية السياسية، وبين دفاع لوك الهائل في عمله «رسالتان في الحكم» عن ~~حق الأفراد في ألا يحكموا إلا بالتراضي، وحقهم في التصدي للسلطة الجائرة ~~ومناهضتها. # لا شك أن حجم هذا التأثير يرجع غالبا إلى مجال الخبرة الذي انفتح عليه لوك جراء عمله ~~لدى شافتسبري، والرؤية العملية الجديدة تماما للحياة السياسية والاجتماعية التي أتاحتها له ~~تلك الخبرة. لكن من الواضح أيضا أن هذا التأثير كان شخصيا بدرجة كبيرة؛ فعلى مدار حياة ~~لوك كان لديه العديد من الأصدقاء المقربين، وعدد أكبر بكثير من الأصدقاء الذين رغم كونهم ~~أقل قربا منه، فإنهم أيضا كانوا رجالا ونساء ذوي نفوذ أو ثروة هائلين أو شديدي ~~الذكاء للغاية؛ نبلاء سياسيين أمثال بيمبروك وسومرز، وعلماء أمثال روبرت بويل وإسحاق نيوتن، ~~وعلماء لاهوت مثل ليمبورخ. ومع أن شافتسبري أحب لوك كثيرا واحترمه كإنسان، فإنه كان ~~بالطبع سيدا بقدر ما كان صديقا. ومع أنه كان جليا أن صداقتهما غير متكافئة، فإنها لم ~~تكن قط تفتقر إلى الطاقة الوجدانية؛ فعلى مدار الستة عشر عاما تلك كان من الواضح أن ~~شافتسبري - راعي لوك الأكبر - قد جعل منه رجلا مختلفا تماما. # شكل : راعي لوك الأكبر، الإيرل الأول لشافتسبري، الوزير البارز الذي سيصبح ~~فيما بعد خصما لدودا لتشارلز الثاني. # تشكلت ms010 حياة لوك في مرحلة النضج من شخصيتين مؤثرتين كونتا معا ثنائيا غريبا؛ ~~الأب غير البارع الذي يفشل فشلا ذريعا، ورجل البلاط اللامع غير الجدير بالثقة والمدهش إلى ~~أبعد حد، الذي فشل فشلا مريعا في نهاية حياته، وهو ثنائي غريب لكنه كان مفيدا إلى حد ~~كبير؛ حيث ساعد كل منهما على نحو رائع في تعويض النقائص الموجودة في مخيلة الآخر: ~~وساوس الأب الكئيبة التي يتعذر محوها، وقوة شافتسبري ورعونته وعدم شعوره بالمسئولية. ~~ومن واقع الصراع بين الشخصيتين - وبعد وفاة كليهما - تبلور الإطار الفكري الاستثنائي ~~لفلسفة لوك. # من المؤكد أن الانتقال إلى مرحلة الالتزام بالفهم الفلسفي، وهي ثالث مرحلة مؤثرة في ~~حياة لوك، كان أكثر تدرجا وأقل وضوحا لغير المطلعين بالمقارنة مع انتقاله إلى ~~وستمنستر وأكسفورد، أو مع انضمامه إلى خدمة شافتسبري. ويعود انشغال لوك بالقضايا الفلسفية ~~المتعلقة بالسلطة السياسية والتسامح الديني، وتلك المتعلقة بعلم الأخلاق ونظرية المعرفة، ~~إلى أواخر الخمسينيات من القرن السابع عشر على الأقل. وليس ثمة ما يدعو في حقيقة الأمر إلى ~~افتراض أن لوك ما كان ليقدم هذا الكم المستفيض من المؤلفات الفلسفية والفكر الفلسفي ~~لو كان دخل سلك الرهبنة ولم يلتق شافتسبري قط وظل في أكسفورد لبقية حياته؛ أو أنه ~~ما كان لينجح قط - إلى أن يصبح طاعنا في السن ويصيبه المرض - في تحرير نفسه من ~~المسئوليات السياسية والعامة التي أغرقته فيها خدمة شافتسبري منذ البداية. لكن رغم ~~استمرار الفلسفة والسياسة في تنافسهما على الاستحواذ على طاقاته واهتمامه منذ عام 1667 وحتى ~~قبيل وفاته، فإن التوازن بينهما تحقق بدرجات متفاوتة للغاية في مختلف مراحل ~~حياته. # حتى عام 1667، أثناء الخمسة عشر عاما التي قضاها لوك في أكسفورد كطالب في كلية كنيسة ~~المسيح، اقتصرت كتاباته الفلسفية في الأساس على عملين رئيسيين: أولهما مقالان حول أوجه ~~الضعف في المطالبات التي تنادي بالتسامح الديني؛ أحدهما باللغة الإنجليزية والآخر ~~باللاتينية، كتبا عامي 1660 و1661 ولم ينشرا حتى القرن العشرين، وكان عنوان هذا ~~العمل «مقالان في الحكم». وثاني هذين العملين مجموعة من المحاضرات ms011 اللاتينية حول قانون ~~الطبيعة، ألقاها عام 1664 باعتباره «مسئول الفلسفة الأخلاقية» في كلية كنيسة المسيح، ولم ~~تنشر أيضا حتى القرن العشرين، وعنوانها «مقالات حول قانون الطبيعة». ظلت القضايا ~~المتعلقة بنطاق الحرية الدينية وحدودها، والكيفية التي ينبغي أن يعيش الأفراد وفقا لها، ~~قضايا محورية في فكر لوك فيما تلا ذلك من عقود، بيد أن هذين المؤلفين الأولين ~~كانا يفتقران إلى سعة الأفق والنظرة الشمولية والأهمية التي اتسمت بها أعماله الناضجة، ~~كما أنهما أظهرا توجها سياسيا مغايرا للغاية. لم تكن أهم فرصة فكرية حظي بها لوك في ~~أكسفورد خلال تلك السنوات، أنه بدأ يصوغ ما ينبغي أن نعتبره الآن آراء فلسفية وشرع في ~~التعبير عنها بالفعل، وإنما كانت بالأحرى فرصة المشاركة في الأبحاث الكيميائية والطبية ~~لبويل وهوك، ولوار وسيدنهام؛ فقد تعلم لوك من هؤلاء الرجال قيمة الملاحظة المستمرة ~~والمنضبطة، وقيمة التواضع وسعة الصدر والمثابرة في سعي الإنسان نحو فهم أسرار الطبيعة. ~~وكما عبر سيدنهام عن ذلك عام 1669 في مخطوطة كتبها لوك بخط يده: # تنشأ المعرفة الحقيقية في العالم عن طريق التجربة والملاحظة العقلانية في ~~البداية، لكن الإنسان الطموح الذي لا يكتفي بالمعرفة التي هو مؤهل لها، والتي ~~كانت نافعة له، سيحتاج إلى أن يتغلغل في الأسباب الكامنة وراء الأشياء، وأن يؤسس ~~المبادئ، وأن يضع لنفسه مسلمات وثوابت حول عمليات الطبيعة وآلياتها؛ ومن ثم ~~يظن عبثا أن الطبيعة - أو في الحقيقة الإله - ينبغي أن تسير طبقا للقوانين ~~الواردة في مسلماته وثوابته تلك. # شكل : أكسفورد في منتصف القرن: تفاقمت مشكلة التسامح الديني إلى حد ~~المشاحنات المشينة في الكلية (إلقاء الأردية الكهنوتية البيضاء في بالوعات ~~الكلية). # كانت هذه الخلفية من البحث العلمي التجريبي هي ما تأثر به لوك أثناء قراءته ~~للفيلسوفين الأوروبيين العظيمين للثورة العلمية المبكرة؛ رينيه ديكارت وبيير جاسندي، ~~اللذين أثرت آراؤهما فيه تأثيرا عميقا في أواخر الستينيات من القرن السابع عشر. كانت ~~آراء لوك الناضجة أقرب في نواح عدة وعلى نحو ملحوظ إلى آراء جاسندي منه إلى آراء ديكارت، ~~لكن - كما أخبر ms012 الليدي ماشام - كانت آراء ديكارت ~~هي أول ما جذبه بقوة إلى مجال الفلسفة، وإلى محاولة فهم ماهية المعرفة التي يكون الإنسان ~~«مؤهلا لها» على أسس دقيقة ومنهجية. كان عمله الصادر تحت عنوان «مقال في الفهم البشري» ~~في حد ذاته، كما ذكر لوك في «رسالة إلى القارئ»، محاولة ل «اختبار قدراتنا، ومعرفة الأشياء ~~التي كان فهمنا مؤهلا أو غير مؤهل للتعامل معها.» وفي الحقيقة، لم يكن معظم المقال ~~قد كتب حتى أواخر الثمانينيات من القرن السابع عشر، إلا أن ثمة مسودات مطولة حول كثير ~~من الحجج الرئيسية كتبت في وقت مبكر من عام 1671 تقريبا. وبالإضافة إلى هذه المسودات ~~الأولى للمقال، كتب لوك أيضا أعمالا أخرى مهمة في هذه الفترة؛ فقد كتب عام 1668 مخطوطة ~~مطولة حول عدم جدوى جهود الحكومة لتنظيم أسعار الفائدة، وكتب عام 1667 مقالا عن ~~التسامح، تغلب عليه روح سياسات شافتسبري في هذا الصدد، ويتنافى على نحو قاطع مع آرائه ~~الأكثر سلطوية التي كان يعتنقها في مطلع الستينيات من القرن السابع عشر. بيد أنه في ~~المجمل كان منهمكا للغاية إبان هذه السنوات في الأعمال الإدارية لشئون شافتسبري العامة ~~أو الخاصة، بوصفه صاحب مستعمرة ومالك أراض عظيما ووزيرا للملك، حتى إن تلك الأعمال ~~لم تكن تدع له متسعا من الوقت للاستغراق في عمل فلسفي ممتد. وبحلول عام 1675، كانت ~~خصومة شافتسبري لحكومة الملك تحت رئاسة دانبي قد بلغت حد المعارضة الصارمة، وكان لوك ~~نفسه معتل الصحة للغاية. وعلى مدار السنوات الثلاث والنصف التي أعقبت ذلك - وهي الفترة ~~التي كان فيها شافتسبري معرضا لخطر كبير - سافر لوك إلى فرنسا، وكان ما ينشده من ذلك ~~غالبا هو مرافقة كالب بانكس، وهو ابن أحد أغنى معاوني شافتسبري السياسيين. وخلال سفرياته ~~التقى لوك العديد من الأطباء والعلماء ورجال اللاهوت الفرنسيين، وكون صداقات حميمة مع ~~العديد منهم، كما ترجم بعضا من المقالات الأخلاقية لبيير نيكول الجنسيني، لكنه فيما يبدو ~~لم يشرع في العمل على أي من مؤلفاته الأصلية الخاصة. # لكنه عاد إلى لندن في ms013 نهاية شهر أبريل عام 1679، وشاب حياته شيء من الغموض خلال ~~السنوات الأربع التي أعقبت ذلك، حتى أواخر صيف عام 1683، عندما فر هاربا إلى روتردام. ~~كان راعيه شافتسبري قد فقد بالفعل نفوذه السياسي في البلاط قبيل الوقت الذي فر فيه ~~لوك إلى فرنسا عام 1675. وحتى في تلك اللحظة، لم تكن خدمات لوك له «في مكتبته وحجرته ~~الخاصة» تقتصر على «شئون وزير الدولة»؛ فقد كتب لوك، على سبيل المثال، خلال هذه الفترة ~~مسودة منشور عام 1675، تحت عنوان «خطاب من شخص رفيع الشأن إلى صديقه في البلاد»، الذي ~~يعرض برنامج معارضة شافتسبري، وحاز هذا المنشور مكانة مميزة بحرقه على يد منفذ حكم ~~الإعدام العلني بالمدانين. وبحلول عام 1679 اشتدت معارضة شافتسبري لسياسات حكومة تشارلز ~~الثاني، وخلال السنوات الأربع التالية لذلك، في خضم «أزمة الإقصاء»، نظم حركة سياسية ~~وطنية ضد الملك وقادها. رمت هذه الحركة إلى تعزيز القيود الدستورية على السلطة الملكية، ~~وحماية حقوق مجلس العموم المنتخب، وإقصاء جيمس، الأخ الكاثوليكي لتشارلز الثاني، من خلافة ~~العرش. كان هذا كفاحا مريرا وخطيرا، يصعب فيه دائما تمييز الخط الفاصل بين ممارسة ~~الحقوق السياسية المعترف بها قانونا، وبين ارتكاب الخيانة العظمى؛ لكن لم يكن هناك أدنى ~~شك في رغبة تشارلز العارمة في رسم هذا الخط في أول مرحلة ممكنة. وبحلول عام 1682، إن لم ~~يكن قبل ذلك، كان شافتسبري نفسه ولوك وألجرنون سيدني ولورد ويليام راسل وإيرل مدينة ~~إسكس يقامرون بحياتهم. نجح شافتسبري في خضم تلك الأحداث، على أقل تقدير، أن يولي ~~دبره إلى هولندا؛ حيث سرعان ما وافته المنية هناك. لكن في شهر يونيو من عام 1683، بعد ~~فشل «مؤامرة راي هاوس» في اختطاف تشارلز وجيمس في طريق عودتهما من سباقات نيوماركت، ألقي ~~القبض على كل من سيدني وراسل وإسكس، بعدها انتحر إسكس في برج لندن، فيما أعدم راسل ~~وسيدني شنقا. كان من ضمن الاتهامات التي وجهت ضد سيدني أثناء محاكمته كتابة مخطوطات ~~تحريضية؛ فقد شن سيدني هجوما مطولا على كتاب السير روبرت فيلمر المغالي في تأييد ~~الحكم ms014 الملكي بعنوان «السلطة الأبوية» (الذي يدافع فيه عن الحقوق الإلهية للملك)، ذلك ~~العمل الهجومي الذي نشر لاحقا بعد إعدام سيدني، بعنوان «محادثات عن الحكومة»؛ وبالطبع ~~كان لوك أيضا يخضع لرقابة شديدة من قبل الحكومة في أواخر صيف عام 1683، مع أنه لم يكن ~~غالبا بالشخصية التي تحظى بالأهمية السياسية التي تضاهي أهمية كل من إسكس أو راسل أو حتى ~~سيدني، لكن من المؤكد أيضا - كما يتضح الآن على ما يبدو - أنه كانت بحوزته في ذلك ~~الحين مخطوطة تحريضية للغاية، وهي «رسالتان في الحكم»، هاجم فيها النظريات السياسية ~~لفيلمر، وقد أيدت صراحة حق الشعب في الثورة ضد الملك حتى لو كان ملكا شرعيا، متى ~~أساء هذا الملك استخدام سلطاته على نحو سافر. وكما اتضح، تمكن لوك من الهروب إلى ~~هولندا في سبتمبر عام 1683؛ ومع أن منحته الجامعية في كلية كنيسة المسيح قد سحبت منه عام ~~1684 بناء على أوامر ملكية، وعلى الرغم من المحاولات الفاشلة التي قامت بها الحكومة ~~البريطانية عام 1685 لمطالبة الحكومة الهولندية بتسليمه هو وآخرين من حزب الويج (الذي صار ~~يعرف في القرن التاسع عشر بحزب الأحرار البريطاني)، ممن كانوا قد غادروا البلاد أيضا، ~~فإن الخطر الذي كان يتهدده صار أقل وطأة منذ ذلك الحين فصاعدا. # لا يزال الوقت الفعلي الذي شرع فيه لوك ~~في كتابة الرسالتين والغرض الذي دفعه إلى ذلك غير واضحين، ومن المحتمل أن يظلا كذلك. ~~كان التحريض عملا خطيرا في إنجلترا خلال القرن السابع عشر، وكان عمله «رسالتان في ~~الحكم»، الذي كتب في خضم أحداث أزمة الإقصاء، عملا شديد التحريض. وبدءا من عام 1683 ~~على الأقل فصاعدا، أظهر لوك قدرا كبيرا من الحيطة والتكتم، لكننا نعرف معلومة أو ~~معلومتين من تفاصيل ما كان يفعله لوك خلال تلك السنوات؛ ففي عام 1680، على سبيل المثال، ~~قضى لوك قدرا لا بأس به من وقته في أوكلي؛ حيث يوجد المنزل الريفي لصديقه جيمس تايرل، ~~الذي نشر هو نفسه عام 1681 هجوما على النظرية السياسية لفيلمر بعنوان «لا سلطة أبوية ms015 ~~للملوك». وفي الفترة ما بين عامي 1680 و1682 تقريبا، تعاون تايرل ولوك معا في مخطوطة ~~مطولة (لم تنشر بعد)، يدافعان فيها عن مبادئ التسامح أمام أحد المدافعين الأنجليكانيين ~~البارزين، وهو إدوارد ستيلينجفليت. ومن بين كثيرين، كان تايرل - كما أورد أحد جواسيس ~~الحكومة - هو من أودع إليه لوك «كثيرا من أوراقه» بينما كان يستعد لمغادرة أكسفورد في ~~يوليو عام 1683. وبالنسبة إلى أتباع شافتسبري السياسيين خلال تلك الأعوام، كانت مهمتا ~~الدفاع عن حقوق «المنشقين» السياسية والدينية، ونقد أقوى منظر إنجليزي في مجال الحكم ~~الملكي المطلق، تحظيان بقدر كبير من الأهمية. # عندما هرب لوك من البلاد في أواخر صيف عام ~~1683 كان قد تجاوز سن الخمسين، ولم يكن قد نشر بعد أي من أعماله المهمة. كان العمل ~~الرئيسي الوحيد الذي ربما نكون موقنين أنه كتب بغرض النشر، «رسالتان في الحكم»، يشكل ~~في ذلك الحين مصدر خطر أكثر منه مدعاة للتفاخر والزهو بالنفس. من ناحية أخرى، مع أن ~~المنفى كان بغيضا وخطيرا في بعض النواحي، فقد أتاح له عددا من الفرص التي من بينها أنه ~~كون العديد من الصداقات، بعضها كان صداقات حميمة للغاية، وسط مجتمع التجار الإنجليز ~~وعلماء اللاهوت الهولنديين، وبين اللاجئين الفرنسيين البروتستانت بعد إلغاء «مرسوم نانت» ~~عام 1685. ومن الفرص الأخرى التي أتاحها له المنفى، أنه وفر له الوقت الكافي للتفكير ~~بأسلوب منهجي ومسهب، دون الخوض في الأحداث السياسية المباشرة المشتتة للانتباه. ربما لم ~~يكن لوك يتمتع بصحة جيدة، ولم تكن احتمالات نجاحه الدنيوية واعدة، لكنه وجد على الأقل ~~الفرصة ليحشد طاقاته ويترك إرثا قيما للأجيال القادمة؛ وفي غضون تلك السنوات كتب ~~كلا من «مقال في الفهم البشري»، و«رسالة في التسامح». # في عام 1688 تحسنت احتمالات نجاحه الدنيوية تحسنا كبيرا مع وفود البروتستانتي ~~ويليام - أمير أورانج - إلى إنجلترا، وهروب الملك جيمس الثاني الذي كان ينتمي إلى طائفة ~~الروم الكاثوليك. وفي مطلع عام 1689، عاد لوك إلى إنجلترا، وطبعت خلال ذلك العام أعماله ~~الثلاثة الكبرى؛ ظهر عملان منها بلا اسم؛ فقد نشر كتاب «رسالة ms016 في التسامح» باللغة ~~اللاتينية أولا في هولندا خلال شهر أبريل، ثم أعيد نشره باللغة الإنجليزية في لندن خلال ~~شهر أكتوبر، كما نشر كتاب «رسالتان في الحكم» في لندن في نهاية هذا العام. لكن صدر عمل ~~واحد، هو «مقال في الفهم البشري»، في منتصف ديسمبر في مجلد كبير فخم يحمل اسم لوك بكل وضوح ~~في صفحة العنوان، وكان هذا هو باكورة الأعمال البارزة المنشورة له. # في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة في حياته، قبل وفاته في عام 1704، ظلت التزاماته في ~~تنوع مستمر كشأنها دائما، وبعضها كان سياسيا في أضيق مفهوم، مثل: تعزيز الموقف ~~الدستوري والسياسي لويليام، وإعادة تنظيم العملة الإنجليزية، وتأسيس نظام ائتماني فعال ~~للدولة الإنجليزية من خلال بنك إنجلترا الجديد، وتأسيس المعاهد التي تستطيع الحكومة من ~~خلالها أن تمارس مسئولياتها على نحو أكثر فاعلية من أجل ازدهار التجارة الخارجية ~~الإنجليزية. كان للوك نفسه دور فاعل في كل عمل من تلك الأعمال؛ إذ كان منهمكا في الأعمال ~~الثلاثة الأخيرة بوصفه مستشارا فكريا جديرا بثقة رجال الدولة البارزين، وفي مجال ~~التجارة الخارجية بوصفه موظفا عموميا في «مجلس التجارة» الجديد يحصل على مكافآت باذخة. ~~وكانت كل مهمة من تلك المهام هي بقدر ما تنفيذا لبرنامج شافتسبري في أواخر الستينيات ~~وأوائل السبعينيات من القرن السابع عشر، وهو برنامج للإمبريالية التجارية الممنهجة للغاية ~~التي لم تكن تحظى باهتمام إنجليزي إلا في نطاق محدود. أما فيما يتعلق بالترتيبات ~~القانونية والسياسية لتسوية مطالبات الثورة المجيدة، فقد لعب فيها لوك دورا أكثر حصافة ~~وأقل تأثيرا للغاية. يبدو أيضا أن المحصلة النهائية في القضية المحورية المتعلقة ~~بالإصلاح الدستوري وزيادة النفوذ السياسي للمجلس التشريعي المنتخب، كانت على الأرجح أبعد ~~ما يكون عن أمنياته، على عكس الحال مع المحصلة النهائية للسياسة النقدية أو المالية أو ~~الاقتصادية؛ وربما الأهم أنه من الجلي أيضا أن الشكل السياسي لتسوية مطالبات الثورة شغل ~~وجدانه ومعتقداته على نحو فاق كثيرا التفاصيل الفنية للسياسة الاقتصادية للحكومة، وأنه ~~رأى أهمية الشكل السياسي لتسوية مطالبات الثورة في سياق أوسع نطاقا ms017 وأقل تعصبا ~~بكثير. # بدأ لوك يرى في خضم الجدل الدائر حول حركة الإقصاء - ولاحقا في هولندا في الصحبة ~~المتسامحة والمحنكة للتجار، وعلماء اللاهوت الأرمينيين الهولنديين، وبعض اللاجئين ~~الهوجونوت الأصغر سنا - أن ثمة علاقة وطيدة تربط مصالح الحركة البروتستانتية الأوروبية ~~بمصالح الحرية السياسية. وجاء الاستبداد الكاثوليكي للملك لويس الرابع عشر - بالتهديد ~~العسكري المباشر للدول البروتستانتية الباقية، والالتزام الشديد بالتوحيد الديني - ليجسد ~~على الجانب السياسي كل ما مقته لوك؛ الالتباس الشديد بين غرور البشر وطموحهم وفسادهم، ~~وبين مقاصد الله. وما إن انضم لوك إلى حاشية شافتسبري حتى تبدلت آراؤه بشأن التسامح ~~مع «المنشقين» عن الكنيسة الرسمية، لتصير توجها أقل صرامة وأكثر عملية. وفي السنوات ~~اللاحقة تراجع الفصل والتمييز، وبدأ لوك يرى (والأهم أنه بدأ يشعر) أن التسامح لم ~~يعد قضية تتعلق بسياسة الدولة، وإنما صار تدريجيا قضية تتعلق بحقوق الإنسان ~~الفرد. وفي المنفى لاحظ لوك بخوف متزايد على مدار ست سنوات تقريبا، أن مستقبل أوروبا ~~السياسي والثقافي - بل وربما مستقبلها الديني أيضا - يسير نحو نتيجة غير واضحة بينما ~~انتقلت السلطة الملكية الإنجليزية إلى ملك كاثوليكي، وفيما هدد لويس الرابع عشر ~~بالاستيلاء على آخر المعاقل الكبرى للبروتستانتية الأوروبية في هولندا، وألغى مرسوم نانت، ~~وانشغل بسحق كنيسة الهوجونوت (المسيحيين الفرنسيين)، وإرغام أتباعها البائسين على اعتناق ~~العقيدة الكاثوليكية بالمعنى الحرفي للإرغام (هذا الحدث الأخير كان مأساويا بدرجة ~~هائلة.) سطر لوك عمله «رسالة في التسامح» كرد فعل على تلك الأحداث، لدرء خطر أوروبي ~~لا خطر إنجليزي فحسب، وقد نشر هذا العمل - على خلاف الكتب الأخرى التي نشرها إبان ~~حياته - باللغة اللاتينية أولا، وهي اللغة التي لم تكن تزال تعتبر اللغة العالمية ~~للمفكرين الأوروبيين. # شكل : أول دفاع علني للوك عن حق التسامح الديني. لاحظ النسخة ~~المنشورة في هولندا (التي لم تكن تحمل اسمه)، والإهداء المتحفظ إلى صديقه ~~ليمبورخ، والإقرار المكتوب باللغة اللاتينية بهويته كمحب للسلام وكاره ~~للاضطهاد، وكرجل إنجليزي، وهو إقرار صاغه على القدر نفسه من التحفظ الذي ~~كان عليه الإهداء. # بحلول عام 1689 حملت «الرياح البروتستانتية» ms018 ويليام أمير أورانج بسلام عبر القنال ~~الإنجليزي، وأخيرا بدأت كفة الميزان المحبذة لدى لوك ترجح. ترجم كتاب «رسالة في ~~التسامح» إلى الإنجليزية على يد ويليام بوبل، وهو تاجر من أنصار الحركة التوحيدية، وكما ~~رأينا، فقد نشر في إنجلترا في وقت لاحق من العام نفسه الذي نشر فيه في هولندا. كان ~~الكتاب أكثر تطرفا بكثير من حيث إصراره على أن أية محاولة للتدخل البشري في ~~المعتقدات أو العبادة الدينية هي اجتراء سافر يصل إلى حد الكفر، مقارنة بحديثه عن ~~الإعفاءات المتواضعة عن «المنشقين»، التي ظن ويليام وحكومته أن من الحكمة تقديمها. ~~وفي أبريل من العام التالي، تعرض الكتاب لهجوم مسهب في عمل مطبوع كتبه جوناس بروست - ~~أحد رجال الدين من أكسفورد - ليكون بذلك أول عمل من أعمال لوك يلقى هذا الشرف. وخلال ~~السنوات القليلة التالية، نشر لوك عملين مفصلين ردا على بروست، وأعقب هذا رد آخر من ~~بروست نفسه. # لكن لوك لم يصر فقط على عدم إفشاء أمر تأليفه لكتابيه «رسالة في التسامح» و«رسالتان ~~في الحكم»، بل كان أيضا يصاب بحالة هيستريا شديدة عندما كان أصدقاؤه يهددونه - قصدا أو ~~سهوا - بكشف أمره. حتى ليمبورخ الذي كان لوك وفيا له من صميم قلبه، تعرض لتوبيخ ~~شديد من لوك لاعترافه إلى أصدقاء مشتركين لهما في هولندا بأمر تأليف لوك لكتاب «رسالة في ~~التسامح»، ونال تايرل التعيس، الذي كانت علاقة لوك به تزداد توترا، حظه من التأنيب؛ ~~حيث وبخه لوك بعنف بسبب نسبه المقالين إليه. وحتى وقت متأخر من عام 1698، رفض لوك بعناد ~~(مع أنه كان يمر حقا بظروف مضطربة للغاية على نحو يتعذر إنكاره)، أن يعترف كتابيا ~~- ولو حتى لواحد من أقرب أصدقائه وأكثرهم ائتمانا، وهو ويليام مولينيو - أنه فعلا صاحب ~~كتاب «رسالتان في الحكم»، ومما لا شك فيه أنه بحلول ذلك الوقت كانت مسألة تأليفه هذين ~~العملين معروفة للجميع. من الواضح - ليس فقط من منطلق شروط وصيته، لكن أيضا من منطلق بعض ~~مواقف الإطراء على الذات التي كانت تحدث على استحياء ملحوظ ms019 (أعمال جون لوك، المجلد الرابع) ~~- أنه استمر يجيز حتى مماته على الأقل الضروريات التي تقتضي مناقشة حججها؛ فضلا عن ذلك، ~~فقد أشرف بعناية على طباعة طبعة ثانية من كتاب «رسالتان في الحكم» عام 1694، وعمل ~~باجتهاد وجدية على إصدار طبعة أخرى تضم بعض الإضافات المهمة التي لم تظهر إلا بعد ~~وفاته. # شكل : ترهيب الهوجونوت: محور التركيز الأساسي ومدعاة التأليف الأولى لأول ~~عمل منشور يدافع فيه لوك عن حق التسامح الديني. # نشر لوك أيضا خلال تلك السنوات عددا من الأعمال الأخرى ذات الأهمية؛ تناول اثنان منها ~~- نشرا عامي 1691 و1695 - موضوع نظام سك العملة، وصدر عمل ثالث بعنوان «آراء في ~~التربية» عام 1693، وطبعت منه خلال السنوات القلائل التالية ثلاث طبعات. ظهر هذا العمل ~~في الأساس في صورة سلسلة من الخطابات المفصلة إلى أحد الأصدقاء، وهو رجل من طبقة النبلاء ~~يدعى إدوارد كلارك من سومرست، وزوجته ماري، مقدما لهما النصيحة بشأن صحة أطفالهما ~~وتنشئتهم، ويعتبر هذا العمل من أكثر أعمال لوك سهولة واستساغة، فهو يعرض وجهة نظر ~~موضوعية على نحو ملحوظ حول التطور النفسي للأطفال على المستويين الفكري والأخلاقي. ~~وبالإضافة إلى ما يلقيه هذا العمل من ضوء على مفهوم لوك حول الكيفية التي يصير بها ~~الإنسان كائنا مفعما بالإنسانية (عن طريق تعلم التحكم في رغباته الأقل استحسانا في ~~الأساس)، فعلى ما يبدو أنه حظي أيضا ببعض الأهمية التاريخية من خلال تصويره أساليب ~~الإنجليز في تدريب أطفالهم على استخدام المرحاض، على الأقل بين الطبقات المثقفة. كان ~~إعراض لوك عن الاعتراف بتأليفه تلك الأعمال أقل بالطبع، مع أنه في الواقع لم ينشر أيا ~~منها باسمه في البداية، لكن في عمله الأخير «معقولية المسيحية» الذي ظهر عام 1695، وهو عمل ~~مهم بلا شك، عاد لوك بإصرار إلى تكتمه الشديد؛ وكما اتضح لاحقا، كان لديه سبب وجيه ~~لذلك؛ حيث تبين أن الكتاب كان مثار جدل وخلاف على نحو بالغ، إذ هاجمه جون إدواردز ~~مرتين خلال عامين، مدعيا أنه ينتمي إلى فكر الحركة «السوسينية»؛ وهي حركة غامضة من ~~حركات ms020 الهرطقة الأوروبية تؤكد على سلطة العقل والكتاب المقدس، رفضت عقيدة «التثليث»، ~~وجعلها إدواردز هي والإلحاد على حد سواء. رد لوك على هذين الهجومين في «دفاعين» لا ~~يحملان اسمه، ويشوبهما الخداع إلى حد ما، وما زاد الأمور سوءا أنه تعرض للهجوم مرة ~~أخرى عام 1696 لأسباب مشابهة، لكن هذه المرة على يد خصم أكثر شراسة، وهو إدوارد ~~ستيلينجفليت شخصيا، المدافع الأنجليكاني عن التعصب الديني، الذي تعاون لوك وتايرل ~~معا لدحض آرائه إبان الجدل الدائر خلال أزمة الإقصاء، والذي كان في ذلك الوقت أسقف ~~ووستر. # كان لهذا الهجوم أثر مدمر للغاية؛ ليس فقط لأنه كان من المنطقي جدا توجيه الاتهام ~~باتباع الفكر السوسيني (على عكس الاتهام بالإلحاد) بسبب توافقه مع أفكار لوك الدينية، لكن ~~أيضا لأن ستيلينجفليت اختار ألا يستند في هجومه هذا إلى كتاب «معقولية المسيحية»، ذلك ~~الكتاب الذي لم يكن لوك على الأرجح ليعترف بتأليفه حتى هذه اللحظة، وإنما إلى كتاب «مقال في ~~الفهم البشري»، الذي لم يكن باستطاعته غالبا من حيث المبدأ أن ينكره نظرا لأنه نشر ~~باسمه، والذي كانت تساوره رغبة شديدة في الدفاع عنه على أية حال. رد لوك على ستيلينجفليت ~~ردا وافيا في ثلاثة أعمال أخرى عام 1697، وبغض النظر عن تعديلات الطبعة الرابعة من كتابه ~~«مقال في الفهم البشري» التي ظهرت عام 1700، مثلت هذه الردود في الواقع آخر ظهور فكري ~~معلن له في حياته. # في هذه المرحلة من حياة لوك بدأ نطاق اهتماماته يضيق، وبات في مقدورنا أن نميز على نحو ~~أكثر وضوحا استراتيجية وأساليب حمايته لإرثه الفكري وأساليبه في ذلك. وحري بنا أن ~~نرجئ التقييم المفصل لنطاق إنجازاته الفكرية وحدودها حتى الفصلين التاليين، لكن ربما ~~يقتضي التوضيح أن نتناول باختصار هنا بعضا من الصراعات الأكثر تعميما في هذا الإرث ~~الفكري، والآثار العملية التي ترتبت عليها. # تحمل لوك أخيرا عند موته المسئولية الكاملة عن جميع أعماله المنشورة، لكنه ظل ~~حريصا حتى ذلك الحين، كما رأينا، على فصل «مقال في الفهم البشري» - ذلك العمل الفلسفي الذي ~~طالما ms021 أقر أنه من تأليفه - عن كتاباته السياسية والدينية التي كان ينشرها دون أن تحمل ~~اسمه. لا نعرف بوضوح سبب حرصه الشديد على الفصل بينهما، بل ربما لم يكن هو نفسه يعرف السبب ~~بوضوح؛ لكن أحد الأسباب المحتملة هو الاعتراف البسيط، الذي تأكد بداية من عام 1690 ~~فصاعدا، بأن صعوبة السيطرة على الآراء المطروحة في أحد الأعمال، إنما تتجلى بقوة عند ~~وضعها إلى جانب الآراء ذات الصلة بموضوعات أخرى، المطروحة في عمل واحد أو أكثر من الأعمال ~~الأخرى. وكان الدفاع عن «مقال في الفهم البشري» أو تنقيحه مهمة كبيرة في حد ذاتها؛ وطالما ~~كان لوك واثقا أنه أعظم إنجازاته، ولديه سبب وجيه لذلك. # تثير نظرية المعرفة المطروحة في «مقال في الفهم البشري» الشكوك من عدة نواح. كان لوك ~~نفسه يرى أنها لم تشكك مطلقا في صحة العقيدة المسيحية، لكن لم يكن معظم معاصريه ~~يشاركونه غالبا هذا القدر من الثقة، فلو كانت الحجج التي وردت في مقال الفهم البشري ~~صحيحة، فلا بد أن التفاسير المحددة للمسيحية التي يؤمنون هم أنفسهم بها كانت حتما مزيفة. ~~وللأسباب نفسها، ربما يكون رأي لوك المشكك في قدرة الإنسان على المعرفة، وتأكيده القوي ~~على وجوب التسامح مع المعتقدات الدينية التي لا يؤمن بها المرء ولا يحبذها؛ هما مزيجا ~~طبيعيا في شخص قناعاته الدينية واضحة وقوية، لكن بالنسبة إلى أي شخص آخر قناعاته ~~الدينية أقل رسوخا، قد يبدو هذا المزيج اعتباطيا ومتزعزعا على نحو مقلق. لو أن أسباب ~~لوك للإصرار على التسامح الديني كانت أسبابا دينية صريحة (وكذلك الأسباب التي قادته إلى ~~رفض التسامح مع الكاثوليك والملحدين)، فإن عواقب إصراره - إلى جانب التأثير اللاحق ~~لمفهومه عن قدرة الإنسان على المعرفة - ربما تهدف ببساطة إلى إضعاف القناعة الدينية لدى ~~الآخر (وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير). كان هذا الخطر بالطبع هو ما عمد ناقدوه منذ ~~البداية إلى تسليط الضوء عليه - ليس فقط في شكل مجادلات إدواردز الانفعالية المتدنية، أو ~~غطرسة ستيلينجفليت الكنسية، لكن أيضا في شكل التقييمات الفكرية ms022 ذات الأهمية الحقيقية، ~~مثل تقييم الفيلسوف الألماني العظيم لايبنتس. بخصوص مسألة التسامح تحديدا، ربما كان لوك ~~يرى بوضوح قبيل وفاته عدم الاستقرار السياسي الشديد لموقفه بين الأنجليكانية السلطوية (مثل ~~أنجليكانية ستيلينجفليت)، التي كانت ببساطة ظلا شاحبا للذرائع الاستبدادية لملك الشمس ~~(لويس الرابع عشر)، وبين الربوبية المتحررة على نحو سافر، التي كان يعتنقها رجال أمثال ~~جون تولاند الذي ادعى بلا خجل أنه يتعقب النتائج المترتبة على نظرية لوك للمعرفة. ~~والحرية الدينية كما أيدها لوك هي حرية المرء في أن يكون متدينا بطريقته الخاصة، ولم تكن ~~الحرية بكل تأكيد - حسبما رآها تولاند مبتهجا - أن يضرب المرء بالاعتبارات الدينية عرض ~~الحائط. # ظهرت إشكالية مشابهة عام 1698 حول مفهوم الواجب السياسي الذي تناوله في عمله «رسالتان في ~~الحكم»؛ كان صديق لوك الحميم، ويليام مولينيو، عضوا في البرلمان الأيرلندي الذي كان في ~~ذلك الوقت معارضا لمجلس العموم الإنجليزي، فيما يخص أحقيته في التحكم في الاقتصاد ~~الأيرلندي ومنع منتجاته من منافسة منتجات إنجلترا، وكان لوك نفسه معنيا عن كثب بصياغة ~~سياسة الدولة الإنجليزية حول هذه المسألة، من خلال عضويته في مجلس التجارة. وفي عام 1698 ~~نشر مولينيو كتابا حول تلك القضية بعنوان «قضية أيرلندا»، الذي أصبح فيما بعد واحدا من ~~النصوص الكلاسيكية التي يدور موضوعها حول القومية الأيرلندية. رأى مولينيو في كتابه أن قيام ~~أحد البلدان بتشريع قوانين لبلد آخر لا يتفق مع نظرية الحقوق السياسية الواردة في كتابه ~~«رسالتان في الحكم»، وتسبب الكتاب في إساءة كبيرة بما استدعى إحراقه بناء على أمر من ~~«مجلس اللوردات»؛ وفي غضون أشهر وفد مولينيو إلى إنجلترا ليلتقي للمرة الأولى بصديقه ~~ويقيم معه. ومن سوء الحظ أنه ليس لدينا أدنى فكرة عما دار بينهما بهذا الصدد، لكن ~~اللقاء كان على درجة كافية من الأهمية حتى مع عدم توافر أية معلومات لدينا عنه؛ ذلك لأن ~~الحجج التي ساقها مولينيو حول تداعيات النظرية السياسية للوك تشابهت كثيرا مع حجج ~~المستعمرين الأمريكيين خلال فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الثامن عشر. وأيا كان ما ms023 ~~اضطر لوك أن يقوله ردا عليه، فإنه كان سينطبق على نحو مباشر نوعا ما على الاستفادة التي ~~كان يحققها مؤلفو الكتيبات والمتحدثون الرسميون الأمريكيون - بدءا من جيمس أوتيس إلى ~~توماس جيفرسون - من كتابه. لكن يظل الأهم - كما أشار أحد نقاد مولينيو - أنه في حال ~~أيرلندا، لم يكن ما تضمنته نظرية لوك (إن كانت طبقت من الأساس) أن طبقة الأعيان ~~البروتستانتية الإنجليزية في برلمان دبلن كان لها حق التحكم في اقتصاد البلد القاطنة ~~فيه، وإنما بالأحرى أن المواطن الكاثوليكي الأيرلندي المنشأ هو من كان له الحق في ذلك. من ~~المستحيل أن تفسيرا كهذا كان سيروق إلى لوك على الإطلاق، بالنظر إلى مقته الشديد ~~للكاثوليكية وإحساسه البالغ بالمخاطر الجغرافية والسياسية المحدقة بالبروتستانتية ~~الأوروبية. (بحلول عام 1698 كانت قد مرت ثماني سنوات فقط على معركة بوين؛ أهم اشتباك ~~عسكري اضطر ويليام الثالث أن يواجهه لتعزيز قبضته على التاج الملكي الإنجليزي.) كانت ~~الحرية السياسية التي سعى لوك إلى الدفاع عنها في عمله «رسالتان في الحكم» حرية من أجل ~~البروتستانت المقيمين داخل الدولة البريطانية، وليس ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن لوك كان ~~سيعترض على توسيع نطاقها بما يشمل الكاثوليك الأجانب في الدول الكاثوليكية الأجنبية، ولكن ~~لم يكن مقصودا بكل تأكيد أن تكون تحررا للكاثوليك الأيرلنديين من الحكم الملكي ~~البريطاني. # شكل : معركة بوين، يوليو 1690: المعركة التي شهدت الانتصار العسكري ~~المبدئي الذي أحرزه ويليام في أيرلندا، ولا تزال شعار انتصار البروتستانت ~~على خطر الكاثوليكية المزعوم. # يعزى ببساطة بعض الأثر الذي خلفته كتابات لوك إلى الحجج التي احتوت عليها تلك ~~الكتابات، وإن كان هذا ليس بالأثر الذي كان لوك سيرغب في تركه؛ فمن المحتمل أن كل ~~فكر معقد عرضة له. لكن يعزى أيضا جزء من هذا الأثر - ربما بالأخص في «مقال في الفهم ~~البشري» - إلى الشكل الذي وصلت به كتاباته إلى القراء، وإلى الفئة المعينة من ~~القراء الذين وصلتهم تلك المؤلفات؛ ففي إنجلترا، ذاع صيت «مقال في الفهم البشري» بسرعة ~~نوعا ما، حتى إنه استحوذ على اهتمام ms024 الجامعات (التي كانت بوجه عام معادية للأفكار ~~الجديدة، ولا سيما تلك الأفكار التي رأت أنها أفكار هدامة من الناحية اللاهوتية) إبان ~~حياة لوك، لكن القنوات التي وصل الكتاب من خلالها إلى العامة في أوروبا كانت أضيق نطاقا ~~وأكثر وضوحا. كان أول جزء مطبوع من الكتاب في صورة ملخص باللغة الفرنسية، صدر في ~~أمستردام ككتيب منفصل في فبراير عام 1688، لكنه كان معدا في الأساس لدورية فكرية بارزة ~~تدعى «ذا بيبليوتيك يونيفرسال»، وقد أدرج في هذه الدورية أيضا. كما ظهرت مقالات نقدية ~~مفصلة عن معظم أعمال لوك التالية لذلك، في دورية أو أخرى من مجموعة الدوريات الفكرية التي ~~كانت تنشر في هولندا على مدار العقود القلائل التالية، وكان القائمون على تحريرها في ~~سنواتها الأولى غالبا من اللاجئين البروتستانت الفرنسيين، أمثال بيير بيل وجان لو كلير. ~~ونظرا لأن العديد من هذه الدوريات كان يحظى بانتشار واسع النطاق على نحو ملحوظ، فقد وصلت ~~أعمال لوك إلى قطاع عريض من جمهور المفكرين، لا سيما في فرنسا، وبمعدل سريع نسبيا. ~~ثمة قناة انتشار مهمة أخرى، كانت أيضا نتاج علاقات لوك بالبروتستانتية الفرنسية، وكانت ~~وليدة المصادفة، والطابع الشخصي فيها أوضح؛ إذ تبادل جان باربيراك، أحد اللاجئين ~~البروتستانت الفرنسيين، مراسلات مع لوك في السنوات الأخيرة من حياته. وفي أوائل القرن ~~الثامن عشر، بدأ باربيراك سلسلته الرائعة من الترجمات والطبعات النقدية لجروتيوس وبوفندورف ~~وغيرها من النصوص الأوروبية البارزة حول «قانون الطبيعة». وفي هذه الأعمال، قدم باربيراك ~~للمرة الأولى ملخصا كاملا ومقيما بعناية فائقة لمضامين فلسفة لوك وكتاباته ~~السياسية حول القضايا المحورية في مجالي الأخلاق والسياسة. وعلى مدار عدة عقود، كانت ~~هذه النصوص تقرأ غالبا في العديد من البلدان الأوروبية أكثر من المؤلفات الحديثة ~~الأخرى في مجالي الأخلاق والسياسة؛ إذ كانت تشكل موضوع فرع رئيسي في تدريس القانون، ~~في مجموعة كبيرة من الجامعات البريطانية والأوروبية. ومثلما كان ديكارت وجاسندي هما مصدر ~~إلهام معظم الفكر الفلسفي المهم لدى لوك في البداية، كانت دائرة خبراته وصداقاته ~~الأوروبية هي الضمانة التي كفلت لأثره ms025 الفكري النجاة من خطر الانحصار في الجزر ~~البريطانية. # خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته - حين كان لوك قد صار رجلا طاعنا في العمر ~~ومعتل الصحة وذائع الصيت على نحو هائل - وجد لوك نفسه أخيرا في وضع يمكنه من أن ~~يرى حياته ككل بوضوح، وأن يدرك حجم إنجازاته ومدلولها. ترجع أهم إنجازاته إلى تجربة ~~منفاه ومشاقها؛ عندما كان لوك - الذراع اليمنى لشافتسبري - يزاحم من أجل أن يتبوأ ~~المناصب العامة، ويصل إلى السلطة السياسية في بلاده، فعاش ما لم يكن مكيافيللي نفسه ليراه ~~حياة من الفضيلة السياسية. وعندما عاد من المنفى عام 1689، استمر في أداء مسئولياته ~~السياسية، لكنه في المنفى اكتسب لأول مرة في حياته مسئوليات أخرى أكثر إلحاحا، نبعت تلك ~~المسئوليات في الأساس من تغير رأيه بشأن مسألة التسامح؛ فإذا كانت حرية الممارسة الدينية ~~أو تقييدها هي ببساطة مسألة تخص سياسة الدولة، شأنها شأن التجارة الخارجية أو الدفاع، ~~فإنه يستحيل أن يكون ثمة تعارض فعليا بين السياسة الدينية والفضيلة المدنية؛ لكن إذا ~~كان حق الإنسان في عبادة الله بطريقته الخاصة هو حقا فرديا يأتي في مقابل أي نفوذ ~~ممكن للدولة، فمن المهم والمحير إلى حد كبير أن تترك حدود السياسة الدينية لحكم ~~الفضيلة المدنية غير الناضج. وبالنظر إلى العملين الفكريين الكبيرين اللذين تمخضا عن ~~منفاه؛ «رسالة في التسامح» و«مقال في الفهم البشري»، فإن لوك صار لا يضع ثقته في القومية ~~الإنجليزية والظروف السياسية التي تمر بها الدولة الإنجليزية، وإنما في تطبيق ثقافة تقوم ~~على النوايا الحسنة المشتركة على المستوى الديني، والترويج لها ونشرها لدى جموع البشر ~~الآخرين. ولا شك أن لوك استمر - بالرغم من الإعياء والمرض - في بذل قصارى جهده كي يجعل ~~العالم بوجه عام، وإنجلترا بوجه خاص، بيئة أكثر أمانا لاستيعاب هذه الثقافة؛ بيد أن ~~طاقاته الأساسية كانت موجهة نحو تأسيس هذه الثقافة نفسها، والوصول إلى فهم شامل لها، كما ~~كانت موجهة أيضا نحو استكشاف الكيفية التي يمكن بها للقدرات البشرية أن تمكن الإنسان ~~من العيش في تناغم مع ms026 عالم الله، وإدراك كونه يعيش على هذا النحو. عول لوك في مسعاه هذا ~~تعويلا كبيرا على الدعم الوجداني الذي كان يلقاه من صديقيه ليمبورخ وويليام مولينيو، ~~وعلى رجال أصغر سنا أمثال أنتوني كولينز - أحد أتباع مذهب الربوبية - وبيتر كينج الذي صار ~~رئيس مجلس اللوردات فيما بعد. كان الوثوق في النوايا الحسنة الدينية المشتركة أيسر من ~~الوثوق في مجرد آمال شخصية؛ بيد أنه عول أيضا - بل كان أيضا في حاجة إلى أن يعول ~~- على أمل واحد على الأقل ذي طابع شخصي صرف؛ وهو الأمل في أنه كلما كان من الممكن فهم هذه ~~الثقافة على نحو أفضل، صار من الأيسر الإيمان بها والعيش وفقا لها. وظل أمله العميق هو ~~الإيمان بمستقبل للبشرية جمعاء، ليس مستقبل وحدة سياسية بعينها، وإنما مستقبل حضارة واعدة ~~مداها الجغرافي وفترتها التاريخية غير محدودين. # لا شك أن الحركات التاريخية العظيمة لا تكون أبدا ثمرة مجهودات فردية، لكن من الإنصاف ~~حقا النظر إلى حركة التنوير الأوروبية بوصفها الإرث الذي خلفه لوك، والذي يجمع كلا من ~~انتصاراته ومآسيه على حد سواء. وكما اتضح لاحقا، فإن الإيمان بتلك الثقافة التي كان لوك ~~يروج لنشرها والعيش وفقا لها لم يزدد سهولة بالوصول إلى فهم أفضل لها، وإنما ضعفت ~~تلك الثقافة وانهارت على نحو مثير للقلق؛ فتراجعت النوايا الحسنة المشتركة على المستوى ~~الديني أمام النوايا الحسنة المشتركة على المستوى العلماني، كما تراجعت الأخيرة أمام ~~الجدالات العنيفة واللاذعة حول تحديد النوايا العلمانية الحسنة حقا. وكلما اتضحت وجهة ~~نظره بشأن ما يمكن للإنسان معرفته، صارت وجهة نظره حول الكيفية التي يكون بها لدى الإنسان ~~سبب وجيه لعيش الحياة أقل إقناعا. وإذا كان التنوير هو الإرث الذي خلفه لوك حقا، ~~فإنه - على أغلب الظن - لم يكن بالإرث الذي تمنى أن يتركه. # ونحن جميعا نتاج إخفاقه في هذا الصدد. # الفصل الثاني # | سياسة الثقة # ألف لوك في عام 1660 أول عملين مهمين له (يعرفان ~~عموما باسم «مقالان عن الحكومة»)؛ أولهما مقال باللغة الإنجليزية عنوانه «سؤال: هل يجوز ~~قانونا ms027 للحاكم المدني أن يفرض استخدام أمور حيادية فيما يختص بالعبادة الدينية ~~ويحددها؟» والآخر مقال باللغة اللاتينية أشد إيجازا ولكنه أكثر منهجية حول نفس ~~الموضوع. # شهد أيضا عام 1660 إعادة تشارلز الثاني أخيرا ~~إلى العرش الإنجليزي، بعد مرور 11 عاما على محاكمة والده وإعدامه، حينما عاد إلى إنجلترا ~~من منفاه عاقدا العزم على عدم مواصلة ترحاله وسفرياته مجددا. خلال العشرين عاما ~~السابقة على ذلك، سعت سلسلة من الحكومات الإنجليزية المتعاقبة إلى فرض مجموعة كبيرة من ~~الممارسات الدينية على رعاياها المتمردين، وهو ما كان يثير دائما الاستياء لدى الكثيرين ~~ويلقى استحسانا عادة لدى قلة محدودة للغاية. وطالما كان الاضطراب السياسي والصراع الديني ~~متلازمين على نحو معقد، تاركين الأغلبية العظمى من الأمة منهكة من النزاعات المستمرة، ~~ومتعطشة للسلام والاستقرار. مما لا شك فيه أن مقالي لوك يعكسان ما كانت عليه الأجواء ~~خلال هذا العام، ويتصديان لمسألة طالما كانت محور الجدل الديني والسياسي في العقود ~~العاصفة التي أفرزت تلك الأجواء. ومع أن تفاصيل الحجج التي ساقها في كلا المقالين لم تكن ~~ذات أهمية كبرى، فمن المهم أن نفهم الملخص الرئيسي للمسألة التي عالجاها، وأن نحدد الصعاب ~~التي كانت تمثلها هذه المسألة بالنسبة إلى لوك الشاب. # كانت هذه المسألة في حد ذاتها تتعلق بوضوح بالجانب التطبيقي؛ ففي مجتمع آمن كل فرد ~~فيه فعليا بصحة الدين المسيحي، لكن سادت فيه اختلافات عميقة في الآراء حول كيفية ~~ممارسة هذا الدين، من الذي ينبغي أن يقرر أي من الممارسات الدينية جائز وأيها ~~محظور؟ هل ينبغي أن توجد، على سبيل المثال، كنيسة مسيحية واحدة تدار تحت رعاية السلطات ~~السياسية، يكون كل فرد من الرعايا مجبرا على الانتماء إليها، ومرغما على ممارسة العبادة ~~في إطارها على النحو الذي أملته عليه؟ أم هل ينبغي أن تكون العبادة الدينية - بما أنها ~~تعني بمفهومها الصحيح التعبير عن الإيمان الديني الصادق - مسألة متروكة تماما لضمير كل ~~فرد، معاملة خاصة بين الإنسان وربه، تتشكل وفقا لما يراه كل إنسان مؤمن مناسبا له؟ ~~من الصعب لأي ms028 مسيحي أن ينكر كلية قوة أي من هذين المفهومين، وكلاهما له ما يؤيده في ~~نصوص العهد الجديد. استشعر لوك نفسه في هذا الوقت قوة كلا المفهومين بوضوح؛ قوة وجود ~~مصدر واحد للدين، وأيضا قوة الواجب وآداب السلوك، لكن لم تكن لديه صعوبة في المفاضلة ~~بينهما وتحديد أولوية كل منهما بالنسبة إلى الآخر. # لو أن ممارسة الدين تترك بسلام للاختيار الشخصي، و«لو أنه يسمح لكل فرد أن يمارس ~~العبادة الدينية بطريقته الخاصة، فلا يتظاهر - ~~بدافع الزهو الشديد بذاته - بأنه أكثر معرفة ~~وأكثر اهتماما بروح غيره من البشر وخلاصهم الأبدي أكثر من اهتمامه بنفسه»، فهذا من شأنه ~~حقا أن «يعزز السلام في العالم، ويعيد في النهاية تلك الأيام المجيدة التي ظل الإنسان ~~يسعى وراءها منذ زمن بعيد، ولكن بطريقة خاطئة» (مقالان عن الحكومة). لكن أظهرت الصراعات ~~الدينية التي استمرت على مدى عشرين عاما خطورة هذا التسامح؛ إذ إن جميع «هذه الثورات ~~المأساوية التي استغلت المسيحية كل هذه السنوات اعتمدت على هذه الركيزة، حتى إنه ما من ~~مخطط شرير إلا وكان يرتدي قناع الدين، وما من تمرد إلا وكان يترفق بنفسه فيتخفى في زي ~~الإصلاح ... وما من أحد شرع في تخريب الدولة إلا وادعى أنه لإعلاء الدين.» فالخلط ما بين ~~«الطموح والانتقام» و«مشيئة الله» هو الذي مزق إنجلترا (مقالان عن الحكومة). وكان إعلاء ~~مبادئ المصدر الواحد للدين (ممثلا في الكنيسة) على مبادئ الواجب وآداب السلوك هو ما حرض ~~على حدوث اضطراب سياسي. وفي عام 1660، كان لوك - شأنه شأن معظم أبناء بلده - يخشى بشدة ~~اندلاع الاضطراب السياسي. # شكل : خطاب بطرد جون لوك من كلية كنيسة المسيح. # فضلا عن ذلك، لم يكن الصدام بين مفهومي آداب السلوك والمصدر الواحد للدين مقصورا على ~~الساحة القومية السياسية فحسب. كان الباعث المباشر لمقال لوك الصادر باللغة الإنجليزية هو ~~عملا لأحد زملائه الطلاب في كلية كنيسة المسيح، يدعى إدموند باجشو، بعنوان «المسألة ~~الكبرى بشأن الأمور الحيادية في العبادة الدينية»، نشر في سبتمبر عام 1660. كان باجشو من ~~المعتنقين المتحمسين للغاية ms029 لمبادئ المصدر الواحد للدين، في وقت كانت فيه الممارسات الدينية ~~في الكلية تعود بقوة إلى «التشدد الأنجليكاني» الذي كان ينبذه بشدة. أعيد استخدام ~~الأرغن والزي الكهنوتي الأبيض في كلية كنيسة المسيح في نوفمبر، فيما سرق أنصار باجشو ~~ومؤيدوه في شهر يناير من العام التالي أكبر عدد طالته أيديهم من الأردية الكهنوتية ~~البيضاء، وألقوا بها في بالوعات الكلية. ناصر لوك المزاعم المطالبة بالسلطة على ~~المستويين المحلي والقومي، مشددا على الحالة الصارخة لعدم الجدارة بالثقة التي عليها ~~أغلبية البشر، وهو ما يمثل في أسوأ الأحوال تهديدا حقيقيا بالفوضى، ويمثل على أحسن ~~تقدير معوقا هائلا لآداب السلوك. وكانت الآراء السياسية التي طرحها فظة ومراوغة، ~~والمثير بشأن هذه الآراء أنها كانت تخضع العاطفة الدينية للمتطلبات السياسية وتطوعها ~~لها على نحو صارم؛ فلا بد أن تكون السلطة السياسية - أيا كانت أصولها - شاملة؛ حتى ~~تستطيع الاضطلاع بمهامها. خلق الله العالم والبشر على النحو الذي يعكس تلك الحقيقة؛ ومن ~~ثم لا بد أن تكون مشيئته هي عدم تقيد السلطة السياسية بشيء ما خلا أوامره الصريحة، ~~و«الأمور الحيادية» هي كل الأمور التي لم يعلن الله - سواء أكان بالفطرة أم من خلال وحي ~~إلهي - مشيئته بشأنها. (على سبيل المثال: كانت مسألة الرغبة في ارتداء الأردية ~~الكهنوتية البيضاء من عدمها من الأمور التي افترض قلة من الناس - حتى بين الأنجليكانيين - ~~أن الله قد أعلن مشيئته بشأنها.) لم يستطع منظر سياسي مسيحي أن ينكر على الفرد حقه في ~~الإيمان بمعتقداته الخاصة، ولم تكن المراسم الدينية في حد ذاتها أمورا تتعلق بالإيمان، ~~لكنها ببساطة مسألة تتعلق بالممارسة، وينبغي على المسيحيين الصالحين أن يفعلوا ما يمليه ~~عليهم الحاكم، وأن يؤمنوا بما يؤمنون هم أنفسهم به. وظهرت المشكلة بوضوح عندما بدءوا ~~يعتقدون أنه ما من شيء يلزمهم أن يفعلوا ما أمرهم به الحاكم. أما في حال المراسم ~~الدينية، كانت هذه المشكلة تظهر على نحو متكرر بعض الشيء؛ لم يستطع مفهوم «الأمور الحيادية» ~~حسم هذه المشكلة من حيث المبدأ؛ ومن ثم لم ينجح أيضا مقالا ms030 لوك في حلها، وهي أيضا ~~المشكلة التي لم تستطع الكنيسة الأنجليكانية نفسها أن تحلها عمليا خلال فترة «إعادة ~~الملكية». # في هذه اللحظة كان لوك نفسه يتعامل مع هذه المسألة بتجاهلها غالبا؛ كانت المراسم الدينية ~~مجرد مسألة «حيادية»، متروكة لتقدير الإنسان وحرية تصرفه، وأي مسألة تتعلق ببساطة ~~بتقدير الإنسان وحرية تصرفه، كان يحددها الحاكم المدني على نحو سلطوي؛ لأن الغرض من ~~وجود حاكم في الأساس كان يتمثل تحديدا في الخروج من نطاق التحيز المتعمد للحكم ~~الشخصي لكل إنسان. اقتضى السلام وجود سلطة مدنية، ولكي تحقق السلطة المدنية السلام كان ~~بمقدورها أن تفعل أي شيء - مهما كان - لم يحظره الله نفسه صراحة. ولم يلق أي من ~~هذا الضوء بوضوح على المهام التي ينبغي على السلطة المدنية الاضطلاع بها على وجه ~~التحديد. # مقال في التسامح # بعد مرور سبع سنوات، وبعد أن هرب لوك من عالم التدريس العتيق في أكسفورد إلى العالم ~~البراق والمثير للعمل مع شافتسبري، أعاد لوك النظر في هذه المسائل من زاوية مختلفة ~~تماما، وتوصل إلى نتائج مختلفة إلى حد كبير. تظهر هذه النتائج في كتابه ~~«مقال في التسامح» الذي لم ينشره بنفسه، على عكس عمله الشهير «رسالة في التسامح». كان ~~الحكم العملي الذي توصل إليه في هذا المقال يتطابق إلى حد كبير مع رأي شافتسبري: ~~يعمل التسامح على إرساء دعائم النظام والوئام المدنيين عن طريق «زيادة القوانين التي ~~تنظم المشاركات الكنسية قدر الإمكان» (حياة جون لوك). وتظل مسئولية الحاكم صاحب ~~السيادة هي تنظيم الممارسات الدينية بما يضمن استقرار شعبه وسلامته وأمنه؛ لكن مع أن ~~الحاكم يظل هو بالتأكيد الذي بيده النظر فيما من شأنه تعزيز هذه الغايات، فإنه لم ~~يعد من المتوقع أن يحظى حكمه عمليا بثقة أكبر من حكم أي مؤمن آخر؛ إذ: # يتعين عليه أن يأخذ بالغ حذره كي لا تسن مثل هذه القوانين، ولا تفرض ~~مثل هذه القيود، لأي سبب من الأسباب فيما خلا ضروريات الدولة ورفاهية الشعب ~~الذي نادى بها، وربما لا يكفي أن يظن في ms031 ضرورة أو ملاءمة تلك التكليفات أو هذه ~~الصرامة، إذا لم يكن قد فكر فيها مليا دون تحيز، وخاض نقاشات حول ما ~~إذا كانت ضرورية وملائمة أم لا، كما أن رأيه (إذا أخطأ) لن يبرر له سن ~~مثل هذه القوانين، تماما مثلما لن يغفر له ضمير الرعية أو رأيهم مخالفته لتلك ~~القوانين، لو اتضح أن التفكير والنقاش كانا سيؤديان به إلى رأي أكثر استنارة ~~(حياة جون لوك، المجلد الأول). # يشمل نطاق الأمور التي يكون للحاكم حرية ~~التصرف فيها «الأمور الحيادية» بأكملها، لكن ممارسته لحرية التصرف محكومة بشدة ~~بالغاية التي وجد الحاكم من أجلها. وإذا بذل قصارى جهده للاضطلاع بالواجبات ~~المترتبة على هذه الغاية، فلن يكون حتى «مساءلا في العالم الآخر عما فعله بصفة ~~مباشرة من أجل حماية شعبه واستقراره، بحسب علمه» (حياة جون لوك، المجلد الأول). لكن ~~إذا حاول التدخل في القناعات الدينية لشعبه على هذا النحو (على غرار ما كانت السلطات ~~الأنجليكانية تحاوله بالتأكيد من التدخل في القناعات الدينية للمنشقين)، فإن ~~تصرفاته ستكون جائرة بقدر ما هي باطلة؛ فكل فرد مسئول عن خلاص نفسه، وما من إنسان ~~يمكن أن يكون لديه سبب وجيه كي يعهد بخلاصه لتقدير إنسان آخر، وهو ما يكون تقديرا ~~قاصرا بالضرورة (حياة جون لوك، المجلد الأول). على أية حال، وعلى نحو أكثر حسما، حتى ~~لو ابتغى الإنسان أن يعهد بخلاصه لتقدير إنسان آخر، فلا أحد «يستطيع» أن يفعل هذا ~~بمنتهى البساطة: # ما من إنسان يستطيع أن يمنح غيره سلطانا ... على شيء لا يملك هو نفسه سلطانا ~~عليه. والآن يتجلى من التجربة وطبيعة الفهم عدم قدرة الإنسان على التحكم في ~~فهمه أو تحديد الرأي الذي سيعتنقه غدا على نحو قاطع، فطبيعة الفهم لا يمكنها ~~أن تدرك إلا ما يبدو لها، مثلما لا يمكن للعين أن ترى ألوانا في قوس قزح غير ~~ما تراها، سواء أكانت هذه الألوان موجودة فعليا أم لا (حياة جون لوك، المجلد ~~الأول). # إن «مقال في التسامح» هو رسالة موجهة إلى الحاكم حول الكيفية ms032 التي ينبغي أن ~~يوظف بها تقديره الخاص وحرية تصرفه، ويتلاشى بحذر أي تلميح بأن الرعايا لديهم أي ~~حق في حرية التصرف في أمورهم في مواجهة أوامر الملك؛ فواجب الرعية هو الطاعة العمياء. ~~لكن فيما يتعلق بالأمور الحيادية، حدد لوك فعليا منطقة تستحيل فيها الطاعة ~~العمياء، والأبرز من ذلك أنه أوضح أن هذه المنطقة تتجاوز نطاق الأمور الحيادية وحدودها. ~~ولا يمكن أن يخضع الإيمان البشري لمطالب السلطة، ولا يمكن لأي إنسان أن يكون لديه سبب ~~وجيه يدفعه إلى التخلي عن معتقداته فيما يتعلق بالتكليفات التي يطلبها الله منه ~~بأمر إنسان آخر؛ فالبشر - بوصفهم معتنقين للمعتقدات، وعلى نحو أكثر تحديدا بوصفهم ~~معتنقين للمعتقدات الدينية - سواسية؛ فثمة «الأغلبية التي تضيق ذرعا بالقمع كالبحر ~~المضطرب ... التي دائما ما يراها الحكماء وحوشا جامحة، ويطلقون عليها تلك الصفة» ~~(مقالان عن الحكومة)، والحكام الذين تحتاج إليهم هذه الأغلبية لقمع احتيالها وعنفها ~~بعضها تجاه بعض (حياة جون لوك، المجلد الأول). والكل يتحمل المسئولية الكاملة عن ~~معتقداته، وسيتعين عليه الإقرار بذلك أمام الله يوم القيامة. لكن، في الوقت نفسه، على ~~الحاكم أن يولي اهتماما صارما لضرورة الحفاظ على النظام المدني وإقراره، لا أن ~~يحاول عبثا وبكل صفاقة أن ينوب عن الله ويحل محله. ولم يعد من الصعب أن نرى كيف ~~أن واجب الطاعة العمياء سيبدو من وجهة نظر لوك ضربا من الحماقة الشديدة في ظل الظروف ~~المختلفة تماما التي فرضها جدل فترة الإقصاء ومواجهة حاكم عدواني ومحب ~~للانتقام. # رسالتان في الحكم # إننا لا نعرف بالضبط الوقت الذي كتب فيه لوك «رسالتان في الحكم»، بل لا نعرف أيضا ~~يقينا مقدار ما كتبه من هذا العمل في المرة الأولى (أو ما أعاد كتابته باستفاضة) قبل ~~نشره بفترة وجيزة عام 1689. وفي الواقع، ليس لدينا فعليا دليل قاطع أنه كتب أي جزء ~~منه خلال الجدل الدائر في فترة الإقصاء، إلا أن الكتاب الذين تناولوا تلك المسألة في ~~العقود الأخيرة، والذين كانوا على درجة كبيرة للغاية من الإبداع وسعة الاطلاع، اتفقوا ~~على نقطتين على ms033 الأقل؛ أولهما: أن لوك كتب الأغلبية العظمى من النص الذي نشره عام ~~1689، في الوقت الذي رحل فيه من بلاده متجها إلى هولندا في أواخر صيف عام 1683، ~~وثانيهما: أنه كتب فقرات مختلفة من الكتاب (بهيئته التي ظهر عليها عام 1683) على مدار ~~بضع سنوات سابقة؛ ومن ثم يعكس النص عددا من الآراء المتغيرة التي تبناها حزب ~~شافتسبري على مدار فترة الصراع. # وكما نرى هذا العمل اليوم، فإن «رسالتان في الحكم» هو عمل وضع في الأساس ~~للتأكيد على الحق في مقاومة السلطة الجائرة؛ الحق في الثورة كملاذ أخير. (توجد بالطبع ~~موضوعات رئيسية أخرى للكتاب؛ منها: توضيح الأسباب التي تمنح الحكومات شرعيتها في المقام ~~الأول (نظرية التراضي)، والكيفية التي ينبغي أن يفسر بها الرعية والحكام علاقة ~~بعضهم ببعض (نظرية الثقة)، والكيفية التي يمكن أن يصير بها للبشر الحق في حيازة السلع ~~الاقتصادية ومدى أحقيتهم في فعل ذلك وحدوده (نظرية الملكية)، وأوجه التشابه والاختلاف ~~بين الأنواع المختلفة للسلطة البشرية؛ وأخيرا أوجه الاختلاف بين السلطة داخل العائلة ~~والسلطة في الدولة. تدرس كل تلك القضايا في سياق السياسة الإنجليزية في ذلك الوقت، ~~وفي سياق المبدأ الدستوري الإنجليزي.) من الواضح، حتى من الموضوع الأول، أن «رسالتان في ~~الحكم» كان يشكل هجوما على مزاعم الملكية المطلقة، وأنه توصل من خلال هذا الهجوم ~~إلى استنتاجات قاطعة بشأن الحدود الدستورية الموضوعة على سلطات ملك إنجلترا، لكن من غير ~~الواضح بالتأكيد أن لوك عندما استهل كتابة هذا العمل كان يقصد الدفاع عن حق العصيان ~~من جانب مجلس العموم المنتخب، فضلا عن حصول الرعايا الأفراد المتضررين على هذا ~~الحق واستخدامه، وهم الذين لا يشغلون منصبا رسميا داخل السلطة في مجتمعهم. ~~«رسالتان في الحكم» هو عمل طويل ومعقد يحتوي على كثير من النقاشات والحجج، التي ~~معظمها - بطبيعة الحال - حجج لم يطرحها لوك من قبل في أي عمل آخر، بيد أنه فيما ~~يتعلق بحق المقاومة فقط، غير لوك صراحة وعلى نحو قاطع أحد الآراء النظرية التي ~~كان قد دافع عنها بإسهاب في أعمال سابقة؛ ففي ms034 كل من «رسالتان في الحكم» عام 1660، ~~و«مقال في التسامح» عام 1667، أكد لوك بوضوح أن واجب الرعية في مواجهة أوامر ملكهم ~~الجائرة هو أن يطيعوا هذه الأوامر طاعة عمياء؛ ليس هذا بالطبع على سبيل الإقرار ~~بعدالتها، لكنه على أقل تقدير على سبيل الاعتراف بالسلطة التي أصدرت تلك الأوامر، ~~وبالتأكيد عدم عرقلتها بالقوة، فضلا عن مهاجمة من أصدرها. وفي وقت متأخر يرجع إلى عام ~~1676 تقريبا، رأى لوك مرة أخرى أنه على الرغم من أن السلطات السياسية البشرية تعين ~~بموجب القوانين التي وضعها الإنسان، فإن واجب الطاعة السياسية قائم بموجب القانون ~~الإلهي «الذي ينهى عن مخالفة الحكومات أو حلها»، وأنه يتعين على كل إنسان أن يطيع ~~يقينا الحكومة التي يعيش في ظلها (الفكر السياسي لجون لوك). # شكل : التأكيد على حق المقاومة: كتاب لوك «رسالتان في الحكم». لاحظ ~~غياب اسم المؤلف حتى بعد مرور ثماني سنوات على نشره للمرة ~~الأولى. # من الواضح أن الباعث وراء تغيير هذا الرأي تولد مباشرة من مشاركة لوك السياسية ~~خلال سنوات تأليف هذا الكتاب؛ فقد كان تحولا جوهريا في الحكم الفكري كما في ~~الالتزام السياسي؛ إذ كان لوك نفسه قد بدأ يفكر في الآثار المترتبة على رأيه بشمولية ~~بالغة. بالطبع، لم يفكر منهجيا في جميع الآراء التي أكد عليها في كتابه، واختار ~~بالأخص ألا يخوض على الإطلاق في مناقشة الكيفية التي يعرف بها الإنسان بالفطرة ~~قانون الطبيعة، وهو القانون الإلهي الملزم الذي - وفقا لموضوع الكتاب - تستند إليه ~~كل حقوق الإنسان، وتستنبط منه غالبا وعلى نحو مباشر أغلبية واجبات الإنسان. أثار ~~التغاضي عن مناقشة تلك القضايا كثيرا من النقد الفكري لدى كتاب النظرية السياسية ~~الذين جاءوا فيما بعد، كما أنه أثار - إبان نشر الكتاب وفي الآونة الأخيرة - بعض ~~الشكوك في أن النبرة الورعة التي يصطبغ بها نقاشه حول قانون الطبيعة ربما تكون مراوغة ~~ومخادعة، لكن الأكيد أنه حدد بالفعل في محاضراته التي ألقاها عام 1664 في كلية ~~كنيسة المسيح عن قانون الطبيعة، بعض الإشكاليات الرئيسية في المفهوم المسيحي التقليدي ms035 ~~لقانون الطبيعة، وأنه غالبا شحذ فهمه لهذه الإشكاليات - خلال عمله الأولي المسجل ~~في مسودات عام 1671 - من أجل عمله «مقال في الفهم البشري». وبحلول عام 1680، على سبيل ~~المثال، كان يعلم بكل تأكيد أن السؤال عن الكيفية التي يعرف بها الإنسان محتوى قانون ~~الطبيعة، هو سؤال إشكالي للغاية ومثار جدل بالغ، ومع ذلك يشير في «رسالتان في الحكم» ~~إلى «معرفة» قانون الطبيعة كما لو أنها معرفة ملزمة بالفعل لجميع البشر، حتى مع ~~تمتعهم بكامل حريتهم في الاختيار ما بين الإذعان لها أو الانصراف عنها؛ فهي «أمر ~~محفور بكل وضوح في قلوب البشر كافة.» # لا صلة لهذه الشكوك على وجه العموم بصلب الموضوع، ولا شك أن محاولة لوك لشرح كيفية ~~معرفة الإنسان قانون الطبيعة كانت محاولة فاشلة في نهاية المطاف حتى من وجهة نظره، ~~لكن ثمة دليلا قويا على أنه مضى في هذه المحاولة وثابر عليها على مدى سنوات ~~عديدة بعد نشر الطبعة الأولى من «مقال في الفهم البشري» عام 1689، ومن الحمق أن نظن أنه ~~ربما فعل ذلك لأنه ظل متمسكا بالأمل في نجاح هذه المحاولة. ومن الواضح أيضا أنه ~~لم يحبذ على الإطلاق - لا في هذه الفترة من حياته ولا في أي فترة أخرى - المفهوم ~~العلماني المتعنت عن قانون الطبيعة باعتباره من النظريات المتوافقة تماما مع ~~الإنسان، وهو المفهوم الذي اعتنقه أناس من أمثال توماس هوبز. وثمة احتمال آخر أكثر ~~جاذبية، استعرضه لوك فيما بعد في عمله «معقولية المسيحية»، وهو تأسيس حقوق الإنسان ~~وواجباته بصورة مباشرة على مذاهب المسيحية المنزلة. لكن، حتى لو كان قد افترض مع ~~عالم اللاهوت الفرنسي البارز بوسويه إمكانية أن تستمد المبادئ السياسية مباشرة من ~~كلمات الكتاب المقدس، لما كان لأمر كهذا أن يخدم أغراض شافتسبري السياسية في صراعه ضد ~~تشارلز الثاني. ومن وجهة نظر غير المؤمنين المحدثين، ثمة ما يدعو بالفعل إلى الشك في ~~قوة إقناع النظرية السياسية التي طرحها لوك في عمله «رسالتان في الحكم»؛ نظرا ~~لاعتماده البائس على تصوره منزلة الإنسان في الطبيعة، الذي ms036 يرى فيه أن كل إنسان ~~يعيش حياته بناء على التعليمات الكاملة التي يمليها الله عليه. يجد معظم الناس ~~حاليا (بما فيهم عدد كبير للغاية من المسيحيين المتدينين) صعوبة في فهم هذا الرأي، ~~لكن لا يوجد في التاريخ ما يدعو على الإطلاق إلى الشك في أن يكون هذا الرأي هو ما ~~تبناه لوك. # يرى لوك أن الحقوق السياسية تنبع من الواجبات السياسية، وكلتاهما مستمدة من مشيئة ~~الله وإرادته. وكما طرح السؤال على نحو بلاغي عام 1678: «إذا اكتشف الإنسان أن الله قد ~~أقامه هو وسائر البشر في دولة لا يمكنهم فيها أن يحيوا بمعزل عن المجتمع، فهل من ~~الممكن أن يتوصل إلى استنتاج آخر خلاف أنه مسير، وأن الله يأمره باتباع تلك ~~القواعد التي تؤدي إلى الحفاظ على المجتمع؟» (الفكر السياسي لجون لوك). كان التغير ~~الجوهري في آرائه السياسية، من الالتزام بالطاعة العمياء إلى الدفاع عن الحق في مناهضة ~~السلطة السياسية الجائرة والتصدي لها، هو تغيرا في مفهومه عن الكيفية التي يمكن ~~للإنسان - بل يتعين عليه أيضا - من خلالها أن يقيم ما من شأنه أن يصون مجتمعه. ~~وبدلا من ترك هذا التقدير تماما إلى الحاكم واحتفاظ بقية الشعب بالحق فقط في اعتناق ~~معتقداتهم الدينية (ذلك الحق الذي رأى لوك أنه لم تكن لديهم أي سلطة لتركه)، رأى ~~لوك في «رسالتان في الحكم» أن تقدير كيفية صون المجتمع هو حق وواجب على كل إنسان ~~بالغ. لم يكن هذا بأية حال استنتاجا محدثا أو غير مسبوق، لكن - بالنسبة إلى لوك ~~نفسه - كان الأمر يمثل بالتأكيد تغيرا كبيرا للغاية في رأيه وفكره. # كيف ينبغي بالضبط أن نرى الأسباب التي دفعته إلى تغيير رأيه؟ من الواضح أن تجربة أزمة ~~الإقصاء السياسية المباشرة كانت أسرع الضغوط التي دفعته دفعا إلى تغيير رأيه. وليس ثمة ~~ما يبرر الاعتقاد بأن لوك ما كان ليكتب عملا عن النظرية السياسية على غرار «رسالتان في ~~الحكم»، لولا دور شافتسبري في هذا الصراع السياسي. ولقد ساعد كل من المناسبة التي ~~ألف فيها لوك ms037 «رسالتان في الحكم»، والباعث الذي دفعه إلى تأليفه، في أن يجعل من ~~هذا العمل عملا خاصا بأزمة الإقصاء، لكنه في أوجه كثيرة كان ضعيفا في تصميمه حسبما ~~يتضح لنا من جزء «مقدمة إلى القارئ»، ولا يرجع هذا إلى طوله الأصلي فحسب، الذي كان أكثر ~~من ضعف النص الذي نشر في النهاية. جاءت حجج لوك مغايرة على نحو بالغ لأساليب ~~شافتسبري، حتى فيما يتعلق بالقضايا الدستورية التي كانت تحظى بأهمية مباشرة في ذلك ~~الوقت، لكن بعيدا عن هذه التفاصيل المتعلقة بالحكم السياسي العملي، يتضح من مضمون ~~الكتاب ككل أن لوك كان يفكر مليا في الآثار المترتبة على تغيير رأيه، ولم يكن ~~ببساطة بصدد تحرير ملخص شامل من أجل سيده المثير للقلاقل. لقد كانت تجربة لوك السياسية ~~في ذلك الوقت هي ما دفعته إلى تغيير نظرته إلى السياسة، وغيرت في المقام الأول نظرته ~~للعلاقة بين السياسة وسائر حياة الإنسان، وكان الحماس الذي حاول أن يفهم به الآثار ~~المترتبة على تغيير رأيه، هو ما جعل من «رسالتان في الحكم» عملا رائعا حول النظرية ~~السياسية. # لا شك أن معظم الأعمال المهمة في مجال النظرية السياسية كانت تبنى على تلك ~~التجارب السياسية الوليدة المصادفة غالبا؛ فمن الطبيعي أن يكون الدافع لإنعام النظر ~~في شئون السياسة ذا صبغة سياسية صريحة، لكن في حالة «رسالتان في الحكم» تتدخل ~~الظروف العرضية لتأليفه في نص العمل نفسه على نحو بالغ ومحير للغاية؛ فالرسالة ~~الأولى عبارة عن نقد مفصل للمؤلفات السياسية لكاتب سياسي سابق عليه، وهو النبيل ~~السير روبرت فيلمر من مقاطعة كنت، وهو من الكتاب المؤيدين للحكم الملكي في فترة ~~الحرب الأهلية. كان فيلمر من المفكرين الذين لديهم قدرة كبيرة على النقد، وكما رأينا، ~~فقد كتب كل من جيمس تايرل وألجرنون سيدني مقالين آخرين إبان أزمة الإقصاء، يهاجمان ~~فيهما أعمال فيلمر؛ ومن ثم لم يكن استهداف لوك لأعمال فيلمر وتصديه لها بالأمر ~~المستغرب. تميز فيلمر عن غيره من مؤيدي الحكم الملكي - الأحياء منهم والأموات - ~~بالطابع المتعنت لنظريته عن السلطة ms038 السياسية؛ فهي تتسم بنبرتها المتدينة، وفروضها ~~التي تبعث الطمأنينة في نفس أي أنجليكاني، لكنها أيضا ذات مطالب استبدادية بالقدر الذي ~~يجعلها تضاهي الدعوات العملية التي تنادي بها نظرية توماس هوبز الأقل تدينا على ~~نحو مقلق. ومن غير الواضح تماما، ما إذا كان اختيار فيلمر خصما في مطلع الثمانينيات ~~من القرن السابع عشر قد جاء تقديرا لشعبيته بين أنصار تشارلز الثاني، أم أنه كان ~~بالأحرى انعكاسا لملكاته التي تجعل منه هدفا فكريا جذابا. لكن، حتى فيما ~~يتعلق بهذا الجانب، لم يكن المهم في جودة الكتاب الذي سطره لوك ومحتواه، الباعث ~~الأساسي الذي دفعه إلى كتابته، وإنما التأثير الفكري لتنظيم أفكاره على هذا النحو ~~البالغ في هجومه على فيلمر، في الرسالة الثانية وكذلك الأولى. # كانت أهم نتيجة مباشرة لهذا التركيز هي معالجته للملكية، ذلك الإنجاز الذي من ~~الواضح أن لوك نفسه كان فخورا به لأقصى درجة (أعمال جون لوك، المجلد الرابع). لكن ربما ~~كان الأهم هو الأثر الإبداعي للتصدي لمثل هذا العرض الواضح للرأي السياسي، الذي بدأ لوك ~~نفسه يرفضه فيما بعد، وهو أثر شمل الكتاب بأكمله. بالنظر إلى السياق السياسي لأزمة ~~الإقصاء، والسياق الاجتماعي لإنجلترا في أواخر القرن السابع عشر قبل الإقصاء وبعده، ~~يتضح أن آراء لوك السياسية لم تكن راديكالية على نحو استثنائي؛ فهو لم يتوقع أن ~~تطبق في أيامه البرامج الراديكالية المنادية بتوسيع نطاق حق التصويت، التي اقترحتها ~~حركة أنصار المساواة إبان الحرب الأهلية الإنجليزية، أو الحركة الميثاقية بعد زمنه ~~بقرن ونصف قرن، بل لم يكن حتى ليرغب في ذلك. لكن النظرية التي طرحها في «رسالتان في ~~الحكم» كانت راديكالية للغاية؛ فهي نظرية تدعو إلى المساواة والمسئولية السياسية ~~بالاستناد إلى حكم كل فرد بالغ، وقد عبر لوك نفسه في أجزاء متفرقة من الكتاب عن ~~النظرية كما لو أنه كان يعتزم أن تفهم بالمعنى الحرفي للكلمة. وبالنسبة إلى الجمهور ~~الذي كان لوك نفسه يفترض أنه يخاطبه، فقد كان ثمة بعض الخطر في أن تؤخذ النظرية على ~~هذا النحو الحرفي. (لم ms039 يقرأ معظم البالغين في المجتمع الإنجليزي في ذلك الوقت كتاب ~~«رسالتان في الحكم» ولم يفهموه.) وفي الواقع، كان النقاد المحافظون فقط - الذين ~~تعرضوا لأعمال لوك - هم من تظاهروا بالاعتقاد أنه كان يعني أن تؤخذ آراؤه حول هذه ~~النظرية بالمعنى الحرفي أو أنها كانت تستحق أن تؤخذ كذلك، واستمر الحال على هذا النحو ~~لفترة من الوقت بعد ذلك. لكن هذه النظرية وكذلك بعض الشعارات المطروحة في الكتاب وصلت ~~في حينها إلى قطاع أكبر من الجمهور في إنجلترا وأمريكا، وعندئذ بات من الصعب جدا ~~إنكار طبيعتها الراديكالية الثورية، وكان الوضوح والقوة اللذان عرضت بهما الراديكالية ~~في «رسالتان في الحكم» نتاج استجابة لوك االمبدعة لتحدي فيلمر في المقام ~~الأول. # حقق هذا التحدي أبلغ أثر فكري له في نقده النظريات السياسية، التي سعت إلى ~~استنباط السلطة السياسية وحقوق الملكية من الاختيارات الحرة للبشر، وعلى الرغم من ~~أصدائها الأيديولوجية، فقد كان من الواضح أنها في حد ذاتها لا تليق بأن تكون نظرية عن ~~السلطة الشرعية. كان جوهر آراء فيلمر بسيطا على نحو غريب، بل إن آراءه بدت أيضا ~~لبعض معاصريه أكثر من مجرد آراء غريبة. كان فيلمر يرى أن جميع أشكال السلطة بين البشر ~~تنبثق في الأساس من نفس النوع؛ سلطة الأب في عائلته، وسلطة الملك في مملكته؛ فكل سلطة ~~يمارسها إنسان على غيره من البشر هي سلطة ممنوحة مباشرة من الله، وبما أنه ما من ~~إنسان يملك حق التحكم في حياته، وبما أنه من حق كل الحكام البشر إزهاق أرواح ~~رعاياهم أو الأعداء الغرباء متى تسببوا - بحسب تقديرهم - في الإضرار بالصالح العام، ~~فلا مفر من أن نخلص إلى أن الحكام لم يستمدوا هذا الحق من رعاياهم وإنما من الله ~~نفسه. ويستحيل التوافق بين تحريم المسيحية للانتحار وحقوق الحاكم، إلا بافتراض أن حقوق ~~الحاكم هي عطية الله له. ترصد النصوص المسيحية (أو العهد القديم، لنكون أكثر دقة) ~~مناسبة هذه العطية الربانية على وجه الدقة؛ فقد سلم الله الأرض بأكملها للإنسان ~~الأول آدم، وجميع السلطات السياسية ms040 وحقوق الملكية هي نتيجة تاريخية وشرعية لهذه ~~العطية. لقد كانت سيادة آدم حقيقة تاريخية لا يجد مدعاة لإنكارها سوى الآثمين (أو ~~أولئك الأشقياء الذين لم يصادفهم الحظ كي يتلقوا الوحي المسيحي). ومنذ أن فوض الله ~~الإنسان الأول بحكم العالم، صار سلطان آدم - الذي هو شكل من أشكال الملكية بقدر ما ~~هو أحد أشكال حكم البشر وفرض السيطرة عليهم - مقسما بحسب سياق التاريخ الإنساني ~~إلى تقسيمات فرعية، لكن كل تقسيم فرعي كان تعبيرا مباشرا عن العناية الإلهية، ولا بد ~~من النظر إليه باعتبار أنه يمثل مشيئة الله. وكانت المسئوليات السياسية لأي رجل لم ~~يصادف يوما أن صار حاكما (بل أيضا المسئوليات السياسية لأي امرأة) هي ببساطة أن ~~يفعل ما يملى عليه، وأن يقر بالعناية الإلهية في السلطة السياسية التي وجد نفسه ~~خاضعا لها؛ ومن ثم أن يحترم هذه السلطة ويدين لها بفروض الطاعة. ولم يكن بيان ~~فيلمر لهذا الرأي واضحا أو مستوفي الأركان، وكان من المستبعد تماما فيما يبدو أن ~~يقتنع من لم يشعروا أنهم ملزمون بطاعة الحاكم - وهم كثر - بأنهم ملزمون في ~~دخيلة أنفسهم بتلك الطاعة. # لكن إذا كانت نظرية فيلمر تفتقر إلى قوة الإقناع، فإنها أثارت عددا من المشكلات ~~المحيرة لأي شخص يؤمن أن المصادر العملية للسلطة السياسية بشرية محضة. وربما من ~~الأمور المهمة أيضا أن الشكل الذي اتخذته نظريته قدم مزاعم السلطة السياسية ~~المطلقة على نحو مستهجن بوضوح، وكما رأينا سابقا، لم يجد لوك حرجا في اعتبار ~~الطاعة السياسية واجبا بسيطا وجوهريا للغاية بالنسبة إلى معظم الرجال (وكل النساء ~~تقريبا) في معظم الأحيان، وهي نتيجة للقانون الإلهي «الذي ينهى عن مخالفة الحكومات أو ~~حلها.» ومما لا شك فيه أن لوك في خضم الملابسات المحيطة بأزمة الإقصاء، كانت لديه ~~دوافع قوية لإعادة النظر في نطاق هذا الواجب وشموليته، وللتشكك في فرضياته السابقة ~~حول الأمور التي جعلته واجبا بالفعل. مهدت كتابات فيلمر الطريق أمامه بسهولة؛ حيث ~~قدم عقيدة محددة لم يجد لوك عناء في رفضها؛ يرى فيلمر أن حقوق الحاكم ms041 هي عطية ~~شخصية من الله، ولا بد من فهمها في الأساس بوصفها حقوق ملكية، تسري على البشر والأرض ~~والسلع المادية؛ فالرعايا ملك للحاكم ويدينون له بالطاعة؛ لأن الله منحه إياهم من ~~خلال تدابير عنايته الإلهية. وردا على ذلك، سعى لوك إلى التمييز بوضوح بين واجبات ~~الرعايا في الطاعة وحقوق الحاكم في إصدار الأوامر وفرض السيطرة. سوف يتعين في أغلب ~~الوقت على معظم الأفراد في المجتمعات أن يطيعوا حكامهم؛ لأن السلام والنظام المدني ~~شرطان أساسيان لأن يحيا الإنسان حياة كريمة، لكن سيكون للحكام في المقابل الحق ~~في إصدار الأوامر فيما يختص بالمواضع التي تكون فيها ممارستهم سلطتهم والأوامر التي ~~يصدرونها جديرة بالطاعة. وإذا كان الحكام أنفسهم يمثلون تهديدا للسلام والنظام ~~المدني، فسيكون لرعاياهم كل الحق في تقدير حجم هذا التهديد ومدى قربه منهم، وإذا ~~بدا هذا الخطر جسيما بما يستدعي المقاومة، فعليهم أن يقاوموه ويتصدوا له بكل ما ~~أوتوا من قوة؛ ومن ثم منح فيلمر لوك ما كان يتمنى أن يدحضه؛ مساواة عملية وصريحة لكل ~~أصحاب المناصب في السلطة السياسية بطبيعتهم البشرية الصرفة مع مشيئة الله نفسه، لكنه ~~وضع لوك إزاء العديد من المسائل الفكرية الشائكة، من أبرزها مسألتان على وجه التحديد؛ ~~إحداهما: مسألة المواءمة بين المصدر البشري المحض للسلطة السياسية من جانب، وحق ~~الاستحواذ على حياة الإنسان وسجل التاريخ العلماني والديني من جانب آخر. وثانيهما: ~~هي مسألة شرح الكيفية التي استطاع من خلالها البشر أن تكون لهم ملكية فردية في أي جزء ~~من أرض الله أو خيراتها. # حق الملكية # كانت مسألة الملكية على وجه التحديد من المسائل المثيرة للتحدي. وجه فيلمر نقده ~~نحو نظرية حق الملكية الأكثر تأثيرا في القرن السابع عشر، التي صاغها كاتب القانون ~~الطبيعي الهولندي البارز هوجو جروتيوس. كان فيلمر ينظر إلى جروتيوس على أنه ينادي ~~بفكرتين متناقضتين؛ وهما: رأيه أن الطبيعة كلها بخلاف الإنسان هي ملكية مشتركة للبشر ~~جميعا، ورأيه أن الأفراد - رجالا ونساء - يمكنهم الاتفاق بالتراضي فيما بينهم على ~~امتلاك أجزاء منها. وما جعل هاتين ms042 الفكرتين متناقضتين على نحو واضح، في رأي فيلمر، هو ~~الثغرة التي انطوت عليها كلتا الفكرتين فيما يخص قوانين الله للبشر. يرى فيلمر أن هذه ~~الثغرة اتضحت في موقفي جروتيوس المتناقضين؛ اللذين في أحدهما على ما يبدو «قدم ~~المجتمع» برمته بوصفه مالك الطبيعة، في حين فرض في الآخر الملكية الخاصة. ومن وجهة ~~نظر أي شخص على دراية أكبر بالتطور التاريخي للمجتمع البشري، لم يكن هذا الاعتراض على ~~درجة كبيرة من الأهمية، إلا أن فيلمر استند إليه في صياغة رأيين نقديين آخرين كان من ~~الصعب التغاضي عنهما؛ أولهما: أن فيلمر درس بشيء من التفصيل الصحة التاريخية للتسلسل ~~الذي تصوره جروتيوس، وكان يتطلب من الجنس البشري ككل (أو مجموعات منه في مكان معين) ~~أن يتضافر ويتفق بالإجماع على تقسيم ملكيته لكل الأشياء التي يملكها على نحو جماعي؛ إذا ~~كانت الملكية من قبيل الحق، وإذا كان كل البشر في الأساس يشتركون معا في ملكية كل شيء، ~~فمن غير الممكن إذن أن يفقد إنسان حقه في كل شيء (أو أي شيء) دون أن يختار عن وعي ~~التخلي عن هذا الشيء. وثانيهما: أن فيلمر تساءل عما إذا كان الاتفاق بالإجماع بين ~~جميع البشر الذين هم على قيد الحياة في وقت معين، من شأنه أن يكون ملزما لأي أفراد ~~يأتون لاحقا ولم يكونوا هم أنفسهم طرفا في الاتفاق، أو عما إذا كان الاتفاق ~~بالإجماع سيكون ملزما بالضرورة لأي طرف من أطراف الاتفاق الأصلي، يحتمل يغير رأيه ~~بشأن مزايا هذا الاتفاق وجدواه. يرى فيلمر أن الملكية لا تكون مكفولة عمليا وجائزة ~~قانونا إلا إذا كانت تعبيرا مباشرا عن مشيئة الله، شأنها شأن السلطة السياسية ~~نفسها، وبما أنها تعتمد على قرار البشر والتزامهم، فإن أي حق يخضع لتعديلات لا ~~نهائية. في هذه النقطة على الأقل، كان لوك يتفق إلى حد كبير مع فيلمر. لقد كان السؤال ~~الخاص بكيفية كفالة حقوق الملكية القائمة، في ظل حكومة من اختيار الشعب برمته، هو سبب ~~فشل حملة «أنصار المساواة» في الحرب الأهلية. وحسبما ms043 طالب هنري إرتون بشدة قادة حركة ~~«أنصار المساواة» في بوتني في أكتوبر عام 1647: «يسعدني كثيرا أن أعرف ما الذي فعلتموه ~~أيها السادة - أنتم أو غيركم - يمنحكم الحق في امتلاك أي شيء في إنجلترا.» إذا كانت ~~السلطة السياسية لا تستمد مباشرة من الله، وإنما تعتمد على الاختيار البشري، فربما ~~تبدو فكرة حق الملكية واهية وضعيفة على نحو مقلق. # كانت استجابة لوك لهذا التهديد بارعة للغاية؛ فهو يرى أن من الصائب على مستوى العقل ~~البشري والوحي الإلهي أن تكون الأرض - شأنها ~~شأن قاطنيها من البشر (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية) - ملكا لخالقها، وأن الله ~~منحها إلى جميع البشر القاطنين فيها كي يستمتعوا جميعا بها. ويرفض لوك فكرة وجود أي ~~حق من حقوق الملكية الخاصة، استنادا إلى افتراض فيلمر أن الله منح الأرض كلها إلى ~~«آدم ونسله تباعا، ما خلا سائر ذريته»، لكنه قرر أن يجيب بنفسه إجابة وافية على ~~الهدف النقدي الرئيسي لهجوم فيلمر على جروتيوس، وهو السؤال عن كيفية أن يكون للإنسان ~~حق خاص في أي جزء من هذا الإرث العام، وكانت إجابته عن هذا السؤال هي الأشهر، وهي ~~التي منحت نظرية الملكية التي صاغها تأثيرها التاريخي البارز والمتنوع. إن العمل هو ~~ما يميز الملكية الخاصة عن الملكية العامة؛ العمل البدني للإنسان وكد يده؛ ~~فالعمل هو ملكية العامل التي لا نزاع عليها، وبمزج العمل بالأغراض المادية - مثل ~~الصيد وجمع الثمار، وأيضا زراعة الأرض - يكتسب الإنسان الحق فيما اشتغله وما صنعه ~~من هذه المواد؛ ف «حياة الإنسان تقتضي العمل ووجود مواد لاستخدامها، وهذا الشرط يستتبع ~~بالضرورة وجود ممتلكات خاصة.» لقد وهب الله الإنسان الأرض «للانتفاع بها وبخيراتها ~~ونعمها الكبرى التي يمكنه الاستفادة منها»، لكن الله منحه الأرض كي يحسن استخدامها ~~بكده، منحه إياها كي «ينتفع بها المجتهدون والعقلاء»، وليس لاستغلالها تبعا «لأهواء ~~المشاكسين والمجادلين أو أطماعهم»، وعلى المجتهدين والعقلاء أن يستفيدوا منها جيدا. ~~وهي ببساطة ليست ملكا لهم، كي يتدبروها حسبما يتراءى لهم تماما؛ فهم وكلاء على ~~العالم، ولا بد أن يظهروا ms044 وكالتهم تلك في اجتهادهم وعقلانيتهم. ربما يسيطرون على ~~الطبيعة ويستهلكون خيراتها (هذا هو حرفيا الغرض من الطبيعة)، لكنهم غير مخولين بأية ~~حال لإهدار أي منها، «فما من شيء خلقه الله للإنسان كي يفسده الإنسان أو يدمره». ~~ومن خلال ممارسة المجتهدين لوكالتهم تلك، فإنهم يغيرون العالم الذي منحه الله في ~~الأساس للبشر، بعدد من الطرق الجذرية. إن العمل نشاط إبداعي؛ فهو «يضفي فرق القيمة ~~على كل شيء»، و«يحقق أقصى استفادة من قيمة الأشياء، التي نستمتع بها في هذا العالم.» ~~وفي الأماكن التي لا يجتهد فيها الإنسان كما ينبغي، كما في منطقة مثل أمريكا الغنية ~~بالأراضي التي أمدتها الطبيعة بوفرة كبيرة في المواد، لن تحصل البلاد على جزء واحد ~~في المائة من النعم التي استمتع بها الناس في إنجلترا خلال القرن السابع عشر، «ستجد ~~هناك ملكا صاحب أراض كثيرة ومثمرة، يأكل ويسكن، ويرتدي زيا أسوأ من زي عامل ~~اليومية في إنجلترا.» العمل قوة طبيعية في الإنسان، ومزاولته فرض عليه من الله، ويحض ~~عليه الفهم العقلاني لمنزلة الإنسان في الطبيعة، وغالبا ما تكون ثماره نافعة في ~~مجملها، وهو قديم قدم سقوط الإنسان. «في البدء كانت كل الأرض خربة» (رسالتان في ~~الحكم، الرسالة الثانية)، لكن بحلول القرن السابع عشر تحسن الوضع في كثير من ربوع ~~الأرض بفضل عمل الإنسان وكده. وإذا كان العمل هو أصل الملكية، فإن الحق والأهلية ~~ينصهران معا - في هذا الأصل على الأقل، إن لم يكن بالضرورة بعد توارثه - ولا تدع ~~الثمار التي تعود على البشرية جمعاء مجالا للقلق حيال هذا الأمر. وفي البداية على ~~الأقل، سيكون الأشخاص الذين بحوزتهم ملكية أكبر هم المستحقين لتلك الملكية بالفعل، ولن ~~يكون ثمة ما يعتذرون عنه لمن في حوزتهم ملكية أقل ويستحقونها. # لكن معظم العالم لم يعد أرضا خربة؛ ليس لأن عمل الإنسان قد رفع ببساطة من ~~إنتاجيته على نحو هائل فحسب، لكن أيضا لأن البشر اكتشفوا طرقا لإيجاد شكل من التفاوت ~~الاقتصادي يختلف عن الشكل الذي أتاحته لهم الطبيعة نفسها بوسائل مباشرة. يشرع ms045 العمل ~~مبدئيا «حق ملكية» في الأشياء المشتركة في الطبيعة (رسالتان في الحكم، الرسالة ~~الثانية)، وهو حق يحدده الاستخدام؛ وبذلك فإنه يحل المعضلة التي وضعها فيلمر ~~لجروتيوس. في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ البشرية كان حق الملكية مسألة بسيطة وليست ~~موضع نزاع، «ولم يكن ثمة سبب حينها للنزاع حول حق الملكية أو الشك في ضخامة الملكية ~~التي يمنحها هذا الحق، بل صار الحق والملاءمة أمرين متلازمين؛ لأنه كما أن للإنسان ~~حقا في كل ما يستطيع أن يوظف فيه جهده، فإنه لا يبدي الرغبة في العمل بما يفوق ~~مقدار استفادته بهذا العمل وانتفاعه منه» (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية). وكانت ~~الوسيلة التي مكنت الإنسان من الهرب من هذه الحالة هي اختراع النقود، التي هي عبارة ~~عن مخزون دائم للقيمة «يستمد قيمته من رضا الإنسان فحسب؛ نظرا لأنه يمثل قيمة أقل ~~لحياة الإنسان مقارنة بالطعام والكسوة والنقل.» يزيد اختراع النقود من التفاوت بين ~~الملكيات على نحو بالغ، وهو التفاوت الذي أتاحته «درجات الاجتهاد المختلفة» التي ~~يظهرها الإنسان، وبحسب تقدير لوك، فقد أتاح هذا تقريبا للإنسان أن «يمتلك أكثر مما ~~في إمكانه استغلاله»، بما أن في مقدوره أن يكتنز - دون أن يضر بأي شخص - قيمة فائض ~~العائد الذي تدره ملكيته في صورة ذهب وفضة. ولا يعتمد التبادل النقدي على السلطة ~~السياسية، كما أن التفاوت الاقتصادي - الذي هو نتيجة للتبادل النقدي - لا يعتمد في ~~شرعيته على القانون المدني لمجتمع معين (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية). # هنا يشدد لوك على قضية بالغة ~~الحساسية؛ ففي أي مجتمع سياسي، كما يقر تماما، يكون القانون هو المنوط بتنظيم حقوق ~~الملكية (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية)، لكن من الضروري لخدمة أهدافه ألا يكون ~~هذا التنظيم تعسفيا بحق، بل ينبغي عوضا عن ذلك أن توجهه الأغراض التي توجد من ~~أجلها الحكومات والأهداف التي تمنح البشر حقوق السيطرة على العالم المادي. في رأيه، لم ~~تكن حقوق الملكية المستمدة مباشرة من العمل بحاجة إلى التشريع الذي تضعه الحكومات، ~~ولم تجز هذا القدر الكبير ms046 من تعديلات الحكومة. لكن العمل لم يقدم للبشرية سوى ~~الخير. أما دور النقود فكان أكثر غموضا في مجمله؛ فقد أوجد المال على أقصى تقدير ~~أسبابا للنزاع حول حق الملكية، وأثار شكوكا حول حجم الملكية وضخامتها. وكان المال هو ~~ما أفاد أنه لم يعد ثمة تلازم بين الحق والملاءمة، فقد تأسس النظام الاجتماعي ~~والاقتصادي بأكمله في إنجلترا خلال القرن السابع عشر على نظام بشري، شعر لوك في ~~قرارة نفسه أن وضعه الأخلاقي متناقض للغاية. وفي هذه الفكرة تحديدا من نظريته ودون ~~مفارقة تاريخية، يمكننا أن نراه وهو يركز بإيجاز - ولكن على نحو ثاقب - على فتور ~~الجانب الأخلاقي للرأسمالية التجارية، لكن بمقدورنا أن نرى ذلك بكل وضوح، ولا يعود ~~الفضل في ذلك إلى بصيرتنا الخارقة أو مزايا الإدراك المتأخر، وإنما لأن لوك نفسه لم ~~يكن يشعر برغبة كبيرة في إنكاره، ولم يكن الغرض من نظرية لوك في الملكية هو إخفاء ~~إحساسه بالخيبة بشأن النظام الاجتماعي والاقتصادي لإنجلترا في ذلك الوقت. # لكن، أي نوع من حقوق الملكية رام لوك في الحقيقة الدفاع عنه؟ من الأسهل أن ~~نحدد عن يقين نوع الملكية الذي تمنى أن ينكره، وربما كان هذا هو الأوضح بالنسبة ~~إلى لوك نفسه. كانت «الملكية» حسبما أوردها في أعماله هي الكلمة الرئيسية للتعبير عن ~~حقوق الفرد ومستحقاته، ولو لم تكن ثمة حقوق للفرد، لما ظهر الظلم؛ فإلحاق الظلم ~~بأحدهم يعني أن ينتزع منه شيء له الأحقية فيه؛ على سبيل المثال: حياته، أو حريته، أو ~~ممتلكاته المادية. والغرض من وجود الحكومات هو حماية حقوق الأفراد؛ ومن ثم فالحكومات ~~موجودة كي تكفل لكل البشر حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم المادية. لا شك أن لكل إنسان ~~الحق في صون حياته وحريته، إلا إذا أسقط هذا الحق عنه بالاعتداء العنيف على حياة ~~الآخرين وحرياتهم. بيد أن أحقية الممتلكات المادية كانت أمرا أكثر تعقيدا؛ ~~فالممتلكات المادية التي هي ثمرة مباشرة لعمل الإنسان وجهده، هي ملك له في حقيقة ~~الأمر، ولا يوجد دليل على أن لوك شعر بأدنى قدر من ms047 التأنيب لاحتمال أن تكون تلك ~~الممتلكات قد منحت لآخرين في حياة مالكها، أو أن تكون انتقلت إلى ورثته بعد موته ~~(رسالتان في الحكم، الرسالة الأولى). لكن بما أن مقدار التفاوت الاقتصادي كان يعتمد ~~على أحد أشكال العرف السائد بين البشر فحسب، كان من الأصعب تجنب الشكوك المثارة حول ~~ضخامة الملكية، ولا نعرف فعليا وعلى وجه الدقة رأي لوك في هذه المسألة، لكن ثمة ~~العديد من النقاط التي يمكن الجزم بصحتها. # أولى هذه النقاط أن الباعث الرئيسي الذي دفعه إلى أن يناقش في الفصل الخامس من ~~«الرسالة الثانية» الملكية بمفهومنا؛ ألا وهو الحق في الممتلكات المادية. كان الرغبة ~~في إنكار حق الملك الحاكم في أن يفعل ما يحلو له بالممتلكات المادية لرعاياه، دون ~~موافقة صريحة منهم. لقد كان ما زعمه الملك تشارلز الأول حول ممارسته هذا الحق من أجل ~~الصالح العام، هو أحد العوامل الرئيسية التي عجلت من اندلاع الحرب الأهلية في ~~بريطانيا، وقد مثلت احتمالية تجدد هذا الحق على يد ابنه تهديدا سياسيا مهما ~~بالنسبة إلى حزب الويج خلال أزمة الإقصاء، وهذا أيضا من الحقوق التي دافع عنها فيلمر ~~بكل حدة. وكانت الوسيلة الأولى التي استعان بها لوك في تأسيس حق الملكية على العمل، ~~هي الوضوح الذي جابه به هذا التحدي؛ إن الله - وليس العرف السائد بين البشر - هو ~~الذي منح الإنسان الحق في الانتفاع بثمار عمله. وفي الواقع، فإن العرف وحده هو الذي ~~منح الملك هذه السلطة التي يتحكم بها في رعاياه، وبدلا من أن تكون له سيادة ملكية ~~على رعاياه والأراضي التي ورثها مباشرة عن آدم حين منحه الله الأرض واستخلفه فيها، ~~كان على الحاكم ببساطة - حسبما يرى لوك - أن يستخدم هذه السلطة على قدر ما هو متاح ~~منها، وأن يستغلها في حماية الحقوق التي منحها الله نفسه لرعاياه بصورة ~~مباشرة. # كان لوك يدرك بالطبع - حسبما يتضح من ~~صياغته لهذا الرأي - أن سلطة أخلاقية مباشرة وشفافة على الممتلكات ترتكز على الجهد ~~البدني، لم تتسع (ولم يكن من المتوقع ms048 أن تتسع) لتشمل نطاق التفاوت الاقتصادي ~~الذي أفرزته عملية التبادل النقدي على مدى فترة زمنية طويلة. لكن لم يكن ما يحتاجه لوك ~~ليدحض مزاعم الملوك بأحقية التصرف في ممتلكات رعاياهم بحسب ما يرون أنه الأفضل، هو ~~نظرية توضح سبب الأحقية الكاملة والصريحة لكل فرد من الرعايا في أي شيء حاز ~~ملكيته بالوسائل القانونية والشرعية، ولكن كان ما يحتاجه ببساطة هو تفسير السبب الذي ~~يمكن به أن تكون الملكية الخاصة (وكثيرا ما كانت كذلك) حقا مناوئا حتى للسلطة ~~السياسية الشرعية. ووفقا لما أورده لوك نفسه، فإن انتزاع ثمرة مجهود شخص ما هو شكل ~~من الظلم مغاير تماما للظلم الذي يتأتى من انتزاع أرباح المضاربة، أو فرض ضرائب ~~على بيان ريع الأراضي لدى أحد الأرستقراطيين، الذي وصل إلى مالكه الحالي عن طريق أعمال ~~النهب في الماضي، أو بمحسوبية أحد الأجداد الأوائل المنتمين إلى نسل الملوك. لكن من ~~وجهة نظر لوك السياسية، كانت الاحتمالات المتعلقة بالمحسوبية الملكية هي بالطبع أبرز ~~التهديدات وأكثرها إلحاحا في ذلك الوقت؛ وما من سبب للاعتقاد بأن لوك كان سيشعر ~~باستهجان أقل في الحالة الثانية عن الأولى. # من الأمور التي يصعب تقييمها رأي لوك في نظريته عن الملكية عندما تأملها بعد ~~سنوات، ولا سيما في السنوات الأخيرة من حياته. ما نعرفه - حسبما ذكر بالفعل - أنه ~~كان يفخر بها، إلا أننا لا نعرف بالضبط الأوجه التي منحته هذا القدر من الرضا. وأجرأ رد ~~على هذه المسألة كان ما قدمه سي بي ماكفرسون على نحو مدهش للغاية؛ وهو أن لوك كان ~~يقصد من نظريته أن تكون تفسيرا للشرعية الأخلاقية للإنتاج الرأسمالي. ثمة حجة ضعيفة ~~لأخذ هذا الرد على محمل الجد، باعتباره تقييما لمقاصد لوك من صياغة نظريته. لكن ثمة ~~سؤال أكثر أهمية؛ وهو: إلى أي مدى قد يصور هذا الرأي - ولو بشيء من المفارقة ~~التاريخية البسيطة - إحساس لوك بالإنجاز الذي حققه بصياغة هذه النظرية؟ لكن يظل هذا ~~الرأي في أقوى أشكاله غير مقنع بالمرة؛ فقد اعتقد لوك - مثل توماس الأكويني - أن ms049 كل ~~البشر لديهم الحق في الكفاف المادي، وهذا الحق يتجاوز حقوق ملكية الآخرين. كان لوك يرى ~~أنه حتى إذا كان السعر العادل هو سعر السوق (الفصل الخامس)، فإن الإصرار على عدم البيع ~~إلا بسعر السوق لرجل في احتياج مميت بما يتسبب في هلاك هذا الرجل، هو ضرب من القتل. ~~وكان يرى أن أولئك الذين ظلوا يعملون طوال حياتهم، لهم الحق في أن يعيشوا في الكبر ~~حياة كريمة، وليس الحق في مجرد الكفاف فحسب، وكل هذه حقوق كانت تستند مباشرة إلى ~~منح الله الأرض للبشر أجمعين، وفكرة أن الأعراف البشرية اللاحقة (مثل التبادل ~~النقدي) ربما تكون لها الأحقية في التعدي على تلك الحقوق، تتعارض تعارضا جوهريا مع ~~مفهوم لوك عن الملكية. أقر لوك فعليا أن السيد يمكنه امتلاك العمل المدفوع الأجر ~~لخادمه. لكن هذا الإقرار العارض نسبيا لما كان على أية حال سمة رئيسية للعلاقات ~~الاقتصادية الإنجليزية في زمنه من الصعب أن يكون تأكيدا لحماسه تجاه الدور المحوري ~~لسوق العمالة بالأجر في الإنتاج الرأسمالي؛ إذ ينكر لوك صراحة أن الإنسان الذي حرم ~~من وسائل الإنتاج (التي منحها الله لكل البشر)، يمكن إجباره على الخضوع والإذعان من ~~خلال التحكم في تلك الوسائل (رسالتان في الحكم، الرسالة الأولى). # يمنح «الإحسان» كل إنسان الحق في أن ينهل الكثير مما يوجد بوفرة لدى ~~الآخر، كما يحميه من العوز الشديد؛ حيث لا يملك سبلا أخرى للعيش، وليس ثمة ~~ما يبرر استغلال شخص لحاجة شخص آخر، من أجل إرغامه على الخضوع له، بمنع تلك ~~الإعانة التي يلزمه الله بتقديمها إلى إخوانه المعوزين، أكثر من أن يكون في ~~مقدور هذا الشخص الأقوى الاستحواذ على الشخص الأضعف وتسخيره لطاعته، مطالبا ~~إياه - تحت تهديد السلاح - إما بالموت وإما بالعبودية (رسالتان في الحكم، ~~الرسالة الأولى). # شكل : جون لوك، 1676، للرسام جون جرينهيل. # ثمة سبب وجيه بصفة عامة للاعتقاد بأن لوك شعر أن مفهومه عن الملكية يمثل تقدما ~~هائلا على المنظرين البارزين في مجال حقوق الملكية؛ جروتيوس وبوفندورف، وذلك في ~~شرحه لمنظومة الحقوق ms050 التي يبنى عليها المجتمع التجاري. لكن ليس ثمة ما يدعو إلى ~~الاعتقاد بأنه كان ينظر إلى منظومة الحقوق هذه بحماس لا يميز بين الجيد والرديء. لقد ~~غيرت إنتاجية العمل البشري وجه العالم بما يحقق متعة الإنسان ، حسبما أراد الله ~~منها؛ وعزز التبادل النقدي - الذي هو وسيلة بشرية خالصة - هذا التحول بالعديد من ~~السبل، لكنه أضر أيضا بالشفافية الأخلاقية للملكية البشرية بما لا يدع مجالا ~~لاستعادتها مرة أخرى، وحيثما تصطدم الحقوق المترتبة مباشرة على العمل، مع تلك التي ~~تعتمد على التبادلات النقدية المعقدة وحدها، سيكون لوك نفسه في وضع صعب لا يسمح له ~~بإجازة الحقوق المترتبة على التبادلات النقدية المعقدة. وفي ذلك الحين كان التاريخ ~~المتشابك لنظرية القيمة المستمدة من العمل، في تبرير الإنتاج الرأسمالي ورفضه، منعكسا ~~بالفعل من خلال أوجه الالتباس في النظرية التي صاغها. # طبيعة السلطة السياسية # كان ثاني تحد أثارته كتابات فيلمر في ذهن لوك، أيسر في مجابهته في بعض النواحي، ~~وأثار ردا أقل أصالة من جهته. لكن لما كان السؤال موضع الخلاف في هذه الحالة سؤالا ~~عن الحق في مقاومة السلطة السياسية الجائرة، فقد تناوله لوك بقدر من الإسهاب والحماس ~~البلاغي يفوق ما خصصه لموضوع حقوق الملكية. كان فيلمر يعتقد - كما رأينا - أن كل ~~الرعية مدينون بالطاعة لحاكمهم؛ لأن الله أسلمهم، حرفيا، إلى هذا الحاكم بما معهم ~~من الأراضي القاطنين فيها. وعلاقة حاكمهم بهم هي علاقة مالك بممتلكاته، وكان لوك نفسه ~~يتبنى في سنوات مبكرة من حياته وجهة نظر إيجابية حول مزاعم السلطة السياسية. لكن ~~ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد في أنه كان سيجد في مذهب فيلمر المتعنت أي مصدر جاذبية على ~~الإطلاق. لقد استحسن لوك القوة التي أكد بها فيلمر على الأهمية المحورية التي ~~يمثلها حظر المسيحية للانتحار في النظرية السياسية، لكنه استخدمها لإصابة أفكار ~~فيلمر في الصميم، فلما كان الإنسان في نهاية المطاف ملكا لخالقه وليس ملكا لنفسه، ~~فإن حق أي إنسان في انتزاع حياة غيره (بما في ذلك حياته هو نفسه) يجب أن يستند ms051 ~~مباشرة إلى مقاصد الله من خلق الإنسان بوجه عام. ففكرة أن يمتلك إنسان إنسانا آخر ~~بالوراثة، فضلا عن ملايين الأشخاص، ليست لها أية علاقة منطقية بالأغراض التي خلق الله ~~الإنسان من أجلها. لقد حولت الحجج التي ساقها فيلمر كل الرعايا السياسيين إلى ~~عبيد. كانت العبودية هي الجزاء المنصف الذي يمكن أن يلقاه الإنسان جراء اقترافه ~~شرا ما، لكنها كانت على النقيض من حياة الإنسان الحقيقية، ولا يمكن تحت أي ظرف أن ~~تكون نتيجة الآثام التي يرتكبها شخص آخر. (ولا بد أن لوك شعر بإحراج شديد حيال هذا ~~التحفظ بصفته أحد المساهمين في شركة «رويال أفريكا كومبني» لتجارة الرقيق، بما أنه ~~كان يقتضي بوضوح أن العبودية كوضع لا يمكن أن تورث شرعا من جيل لآخر؛ فكل أشكال ~~العبودية الشرعية كانت في الأساس ضربا من العقاب، ولم يكن من الممكن أن تورث جرائم ~~الأب أو الأم إلى أبنائهما.) ومن وجهة نظر لوك، كانت العبودية هي النقيض الصريح للسلطة ~~السياسية الشرعية. وما جعل السلطة السياسية شرعية، وما أعطى الحكام الشرعيين حق ~~السيادة، هو الخدمات الفعلية التي بمقدورهم أن يقدموها إلى رعاياهم، وقد قدموها ~~بالفعل؛ ومن ثم، لا يعد الملوك الشرعيون مالكين لرعاياهم، بل خدم لهم. # رأى فيلمر (حسبما كان في الواقع رأي لوك في شبابه) أن الإنسان عنيد وأناني وميال ~~إلى النزاع بدرجة تحتم ألا يترك دون مساعدة للسعي نحو خلاصه الفعلي، وقد تولت ~~العناية الإلهية حمايته، وكان ذلك في المقام الأول من خلال إخضاعه دائما لمنظومة من ~~السلطة الفعالة. ظل لوك طوال حياته الفكرية متفقا مع هذا التقييم لطبيعة الإنسان ~~والسلوكيات الممكن توقعها منه، لكنه عمد بثقة في «رسالتان في الحكم» إلى توسيع نطاق ~~هذا التقييم ليشمل الحكام بقدر ما يشمل الرعية، واستخلص منه نتائج مختلفة تماما ~~عما استخلصها فيلمر. في كتاباته الأولى كانت ثمة هوة واسعة بين الحاكم الإله وبين ~~الأغلبية «التي يرى الحكماء دوما أنها وحوش جامحة ويطلقون عليهم تلك الصفة» (مقالان ~~في الحكومة)، لكن هذه الهوة اختفت في «رسالتان ms052 في الحكم»، وغالبا ما صار ينظر إلى ~~الحاكم بالصورة نفسها التي ينظر بها إلى رعاياه، على أنه يسلك طريق «القوة، التي هي ~~نهج الحيوانات والوحوش» (رسالتان في الحكم). # إن العقل على النقيض من القوة؛ فالعقل هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وطريق ~~العقل هو الطريق الذي تريد مشيئة الله أن يسلكه الإنسان، ويستطيع الإنسان - بل يتعين ~~عليه أيضا - من خلال إعمال عقله أن يعرف ما يريد الله منه أن يفعله، والعقل هو الذي ~~يتيح للإنسان تقدير النهج الأفضل في الأمور التي لا يكون لمشيئة الله دخل مباشر فيها. ~~والعقل موجود لدى كل البشر البالغين الأصحاء عقليا؛ فقد ولد جميع البشر أحرارا ~~وعاقلين، وإن كانت هذه ملكات عليهم أن يتعلموا كيفية ممارستها بمرور الوقت، وليست ~~صلاحيات وقدرات يحوزون عليها كاملة عند ولادتهم. وكل البشر - بوصفهم مخلوقات الله ~~العاقلة التي تعيش في عالم من خلق الله - سواسية، سواء في حقوقهم الرئيسية أم في ~~الواجبات المكلفين بأدائها. # وفي ظل هذه المساواة في الحقوق والواجبات، وبعيدا عن الوقائع التاريخية الفعلية لكل ~~زمان ومكان، يجابه البشر بعضهم بعضا فيما يسميه لوك الحالة الأصلية، وهذه الفكرة على ~~الأرجح هي أكثر أفكاره التي أسيء فهمها على الإطلاق؛ نظرا للدور الذي تؤديه فكرة ~~مشابهة جزئيا في كتابات توماس هوبز. يصف هوبز الحالة الأصلية للبشر (في مرحلة ما قبل ~~بناء المجتمعات) بأنها حالة صراع عنيف تتولد عن الحماس والعداء، والعقل وحده هو ~~القادر على إنقاذ الإنسان منها، والخوف من الأخطار المميتة هو الحافز الوحيد الذي لديه ~~ما يكفي من القوة للتغلب على تلك الخصال المعادية للمجتمع لدى الإنسان. ويتبنى لوك ~~وجهة نظر أقل انفعالا بشأن المخاطر الفعلية التي يمثلها البشر بعضهم لبعض، ويقر ~~بالخصال الاجتماعية واللااجتماعية في الطبيعة البشرية، لكنه في المجمل لا يختلف كثيرا ~~عن هوبز (أو في الحقيقة عن فيلمر) في حكمه على ماهية الإنسان والتصرفات المتوقعة منه. ~~لكن بينما يمكننا فهم الحالة الأصلية من وجهة نظر هوبز على أنها صورة توضح الكيفية ~~التي كان الإنسان سيتصرف ms053 بها لو لم يكن خاضعا لسلطة سياسية، فإن هذه العبارة وفقا ~~لرأي لوك لا تشير ببساطة إلى ميول الإنسان وتوجهاته على الإطلاق؛ فالحالة الأصلية من ~~وجهة نظره هي الحالة التي خلق الله عليها كل البشر عندما أتى بهم إلى العالم، قبل ~~الحياة التي يحيونها، وقبل المجتمعات التي تأسست بعيش تلك الحياة. ولم يكن الغرض من ~~ذلك هو بيان الحالة التي عليها الإنسان وماهيته، وإنما بيان حقوق البشر وواجباتهم ~~بوصفهم مخلوقات الله. # أقصى حقوق الإنسان وواجباته أن يقدر أوامر خالقه فيما يخص الكيفية التي يريده أن ~~يعيش وفقا لها في هذا العالم، الذي هو أيضا من خلق الله، وما يقتضيه الله من جميع ~~البشر في الحالة الأصلية هو أن يعيشوا طبقا لقانون الطبيعة، ويستطيع كل إنسان بإعمال ~~عقله أن يفهم مضمون هذا القانون وفحواه. لكن مع أن لوك كان مقتنعا تماما أنه ~~يتوجب على البشر فهم هذا القانون والواجب المنوطين به للالتزام بمتطلباته وقدرتهم ~~على ذلك، فإنه لم يكن واثقا البتة في مطلع ثمانينيات القرن السابع عشر في الكيفية التي ~~يعتقد - بل يتعين أيضا - أن يستخدم بها البشر هذه القدرة لفهم هذا القانون. وكما ~~سنرى، انشغل لوك طوال حياته الفكرية بمسألة الكيفية التي يستطيع بها الإنسان التمييز ~~بين القواعد التي يمليها عليه قانون الطبيعة، وأشكال التحيز والإجحاف السائدة في ~~مجتمعه؛ مع ذلك استطاع لوك أن يغض الطرف بسلام عن مسألة كيفية فهم الإنسان لمضمون ~~قانون الطبيعة في كتابه «رسالتان في الحكم»، لكن كان المهم ببساطة هو واجب البشر في ~~الالتزام بهذا القانون وقدرتهم على ذلك، مع قدرتهم أيضا - بوصفهم مخلوقات حرة ~~الإرادة - على اختيار الإخلال به وعدم الامتثال له. ولم تكن ثمة معارضة في صفوف من ~~كان يعتزم لوك الجدال معهم في هذا الوقت على هذا الحكم؛ ولو كان قد حاول إثبات هذا ~~الحكم في معرض نقاشه، لكانت تلك المحاولة غير مجدية ومستنفدة فكريا تماما، شأنها - ~~على سبيل المثال - شأن محاولة إثبات وجود خالق إلهي في هذا العمل نفسه. # في الحالة ms054 الأصلية تتساوى الواجبات المنوط بها إلى كل إنسان بموجب قانون الطبيعة مع ~~الحقوق المكفولة له بموجب هذا القانون، وأهم هذه الحقوق هو محاسبة الآخرين على خرقهم ~~لهذا القانون ومعاقبتهم وفقا لذلك: السلطة الإجرائية لقانون الطبيعة التي بمقتضاها فقط ~~يصير هذا القانون نافذا ومعمولا به بين البشر على الأرض؛ فليس لأي إنسان الحق في قتل ~~نفسه؛ لأن كل البشر ملك الله (تقييد واضح لمفهوم وجود أي ملكية للبشر في أجسادهم). لكن ~~يحق لكل إنسان إنزال العقوبات - بما يصل أيضا إلى عقوبة الموت - بأي إنسان ينتهك ~~قانون الطبيعة انتهاكا بالغا يستوجب هذه العقوبة، وبخاصة إنزالها بأي إنسان آخر ~~هدد حياة أي إنسان دون مبرر. فإفساد أي من عطايا الله وإهدارها كان يمثل مخالفة ~~لقانون الطبيعية، لكن سلب حياة أي إنسان أو إهدارها كان يمثل جرما ذا وقع خاص. كانت ~~الحالة الأصلية حالة من المساواة، وكان لا يزال من الممكن فيها - حتى في العالم المتحضر ~~في عصر لوك - أن يلتقي البشر بعضهم ببعض من حين لآخر. ومتى التقى الأفراد خارج إطار ~~سلطة سياسية شرعية مشتركة، فإنهم وفقا لهذا المفهوم يلتقون أيضا بوصفهم سواسية: سواء ~~اجتمع مواطن سويسري وآخر هندي في غابات أمريكا، أو التقى ملك إنجلترا بملك فرنسا في ~~معسكر القماش الذهبي لتقرير مصائر بلديهما. ومن وجهة نظر فيلمر، التي كانت تتفق في ~~الواقع مع وجهة نظر كثير من نقاد القرن الثامن عشر الذين تعرضوا للنظريات المتعلقة ~~بالحقوق الطبيعية، كانت الحالة الأصلية زعما مفتعلا عن ماضي الإنسان، أو تعديلا ~~ملفقا في سجل الكتاب المقدس، أو ضربا من التاريخ التدنيسي المزيف بالكامل، لكن ~~لا شك أنها من وجهة نظر لوك لم تكن ضربا من التاريخ على الإطلاق؛ إذ إنها كانت حقيقة ~~قائمة في العالم في عصره بقدر ما هي حقيقة قائمة منذ آلاف السنين، وترمي بظلالها على ~~جميع المجتمعات السياسية الإنسانية طوال أي مستقبل محتمل. ولم يكن ما أوضحته تلك ~~الحالة للإنسان الشكل الذي كانت عليه حياته في الماضي، وإنما ما يمكن أن تبلغه ms055 السلطة ~~السياسية بين البشر مستقبلا. # كانت مسألة ما يمكن أن تبلغه السلطة السياسية بسيطة بما يكفي: الجمع بين السلطات التي ~~في أيدي البشر تنفيذا لقانون الطبيعة، وما يترتب على ذلك من تخلي عموم المجتمع ~~السياسي عن هذه السلطات بمختلف أشكالها. تمثلت مزايا هذا الدمج في أنه يقدم فرصة ~~أكبر للحكم بحيادية على قواعد الحياة العامة ووضعها موضع التنفيذ، وكذلك في تحسين ~~توقعات إقرار السلام التي يطرحها هذا الحياد. أما عن خطورة هذا الدمج، وهي الخطورة التي ~~كانت تستحوذ على ذهن لوك أثناء الكتابة، فقد تمثلت في الزيادة الهائلة في السلطة ~~القسرية التي منحها هذا الدمج للحاكم السياسي صاحب السيادة، بالإضافة إلى الخطر القائم ~~على الدوام في احتمال إساءة استخدام هذه السلطة أيضا؛ فالتحيز سمة رئيسية في الطبيعة ~~البشرية، وكلما زادت السلطة زادت مخاطر التحيز وفداحة عواقبه؛ وحيثما ازداد فساد ~~السلطة بفعل المداهنة والخضوع، صارت مخاطر التحيز أوسع نطاقا. أدرك لوك ما تمثله ~~السلطة العليا من قيمة فعلية لخدمة الأغراض البشرية، لكنه كان يخشاها أيما خشية، ~~وظن - مثلما لا يزال لدينا جميع الأسباب التي تدفعنا إلى أن نظن مثله - أنه لا يمكن ~~الوثوق فيها إلا عندما يرى الأشخاص المنوطون بها أنهم مسئولون (ويمكن أن يتحملوا ~~المسئولية) تجاه الأشخاص الذين يمارسون تلك السلطة عليهم. # تشكل كثير من الدول في عصر لوك - بحسب معرفة لوك نفسه - عن طريق الغزو والمعارك ~~العنيفة؛ ومن ثم لم تكن السلطة السياسية في تلك الدول ترتكز بأية حال على دمج سلطات ~~مواطنيها تنفيذا لقانون الطبيعة. وحسبما يرى لوك، لم تكن تلك الدول تمتلك سلطة سياسية ~~شرعية على الإطلاق، بل كانت عبارة عن كيانات أسست على القوة، وليس الحق؛ فهي ليست ~~بمجتمعات مدنية على الإطلاق. ولم تكن علاقة المعتدي بالمعتدى عليه، حتى بعد قرون من ~~الزمان، علاقة سلطة سياسية، وإنما هي علاقة حرب مقنعة (رسالتان في الحكم، ~~الرسالة الثانية). # تعتمد السلطة السياسية في المجتمعات المدنية على مبدأ الاتفاق، أو التراضي، في نهاية ~~الأمر. وفي المقابل، يتعارض النظام الملكي المستبد ms056 مع المجتمع المدني (رسالتان في ~~الحكم، الرسالة الثانية)، وغالبا ما كان يتعين على المواطنين التابعين للنظام ~~الملكي المستبد أن يطيعوا الممسك بزمام السلطة السياسية، إذا كان ما يأمر به في ذلك ~~الحين فيه نفع، أو إذا كان عصيان أوامره سيلحق ضررا وخطرا بالآخرين؛ بيد أن ~~الممسك بزمام السلطة السياسية ليس له الحق بأية حال في توجيه أوامر إلى رعاياه، وما من ~~شيء يخول لإنسان أن تكون له سلطة سياسية على أشخاص بالغين إلا بموافقة هؤلاء ~~الأشخاص أنفسهم. وكان هذا رأيا خطيرا، أثار إشكاليتين أساسيتين لدى لوك؛ أولهما: ~~الإشكالية التي كانت ذات أهمية بالنسبة إلى فيلمر، وهي إثبات أن هذه الاتفاقيات قد حدثت ~~بالفعل، لا سيما في إنجلترا. وثانيهما: الإشكالية الأهم في ضوء النقد الفوضوي الحديث ~~لمفهوم السلطة السياسية نفسه؛ وهي بيان الأسس المنطقية التي يمكن على أساسها افتراض أن ~~كل فرد بالغ في أي مجتمع سياسي شرعي قد وافق على حاكمه السياسي. لم يكن رد لوك ~~بليغا في أي من الحالتين؛ فقد تملص لوك من التحدي التاريخي الذي يقتضي تقديم نماذج ~~على هذا الاتفاق، وبيان اللحظة الفعلية في تاريخ إنجلترا التي حدث فيها هذا الاتفاق، ~~وبما أن جميع أطراف النزاع في أزمة الإقصاء قد اتفقت على أن إنجلترا دولة شرعية، وتظاهر ~~الجميع بتأييده - ولو بالكلام فقط على أقل تقدير - لدور المؤسسات النيابية الإنجليزية ~~في رفع موافقتهم على التشريع، فلم يكن هذا بوسيلة مكلفة على الإطلاق. أما فيما يتعلق ~~بالتحدي الثاني المتمثل في بيان الكيفية التي يمكن بها افتراض أن كل فرد بالغ في أية ~~دولة شرعية يستطيع الاضطلاع بواجبات سياسية صريحة وواضحة تجاه تلك الدولة، وأنه يتحمل ~~تلك الواجبات بالفعل، فقد تناوله لوك على نحو أكثر تفصيلا من خلال التمييز بين نوعين ~~من الموافقة: الموافقة الصريحة (العلنية)، والموافقة الضمنية. من خلال الموافقة الصريحة ~~يصير المواطن شخصا له كامل العضوية في مجتمعه طوال الوقت، يتمتع بكل الحقوق والواجبات ~~المترتبة على تلك العضوية؛ أما الموافقة الضمنية، وهي الأسلم للمواطن، فإنها تجعل ~~المواطن ms057 خاضعا لقوانين دولته ما دام فيها، لكنها لا تمنحه عضوية المجتمع ولا الحقوق ~~المترتبة على هذه العضوية (ويقصد بها حقوق الاختيار السياسي في المقام الأول). فسرت ~~الموافقة الصريحة السبب في تمتع أعضاء نظام الحكم الشرعي بنطاق مناسب من الحقوق ~~والواجبات، لكنها فعلت ذلك من خلال التجاهل المداهن لحقيقة أنه ما من مواطن إنجليزي ~~في ذلك الوقت كان يتحمل طواعية تلك المسئوليات عند بلوغه سن الرشد؛ أما الموافقة ~~الضمنية، فإنها تضمن - على نحو تطميني - أنه على جميع المواطنين في إنجلترا الإذعان ~~للقانون، لكنها تلقي قليلا من الضوء على الذكور البالغين المعاصرين للوك الذين يرى ~~لوك أنهم يتمتعون بكامل العضوية في مجتمعه. # لكن خلال أزمة الإقصاء لم يكن نطاق العضوية في المجتمع السياسي مثار جدل وخلاف ~~بالغ، على نحو ما كان في مناقشات بوتني أثناء الحروب البرلمانية بين رواد حركة أنصار ~~المساواة، وقائديهم العسكريين كرومويل وهنري إرتون في شتاء عام 1647. صاغ لوك ~~معالجته لفكرة التراضي من أجل أن يتناول مجموعة من القضايا الأقل تطلعا، وكان الهدف ~~منها في المقام الأول أن تفسر السبب في إمكانية وجود علامة جوهرية فارقة بين ~~المجتمعات السياسية الشرعية والأخرى غير الشرعية، وهي الإمكانية التي أنكرها كل من ~~فيلمر وهوبز. المجتمعات السياسية الشرعية هي تلك المجتمعات التي يكون للحكومة فيها حق ~~الطاعة. وتقدم الواجبات التي يدين بها الأفراد بعضهم تجاه بعض بموجب قانون الطبيعة - ~~حتى في الحالة الأصلية فيما قبل بناء المجتمعات - تفسيرا كافيا لوجوب طاعة الحكام ~~على معظم الأفراد غالبية الوقت في المجتمع السياسي المستقر. لم تكن نظرية لوك عن ~~التراضي نظرية حول الالتزامات السياسية للمواطنين، والكيفية التي يتسنى بها أن تكون ~~ثمة واجبات سياسية على المواطنين. وعلى نحو أكثر تحديدا، فإنها لم تكن غالبا مجرد ~~محاولة بائسة كي يثبت للساخطين اجتماعيا أن مصدر الأمان الكامل لهم يكمن في الحفاظ ~~على النظام الاجتماعي، وإنما هي بالأحرى محاولة لشرح الكيفية التي يتسنى بها أن تكون ~~للحكام (حكام المجتمعات المدنية، على الرغم من أنهم ليسوا حكاما لأنظمة ملكية ~~مستبدة) ms058 حقوق في السلطة السياسية. # لا شك أن ما كتبه لوك كان بغرض الإعلان عن الحق في الثورة، لكنه لم يكن معاديا ~~للسلطة السياسية على الإطلاق؛ فالسلطة السياسية - ~~في إطار حدودها السياسية الواجبة - تعود ~~بنفع هائل على الإنسان. وحتى بعيدا عن التعريف التشريعي لتلك الحدود، يمكن - بل ينبغي ~~أيضا - أن تكون ممارسة الحق الملكي من أجل الصالح العام، على الرغم من حرفية ~~القانون. فمن المتوقع فعليا أن تحوز السلطة السياسية الثقة التي تستحقها إذا ~~مورست على أساس من الحكمة والمسئولية، وإذا كان التمسك بالمبادئ الدستورية بمنظوره ~~الضيق هو في نهاية الأمر محاولة لضمان حكومة تكون السيادة فيها للقانون وليس لفرد، ~~فإن لوك وضع - كملاذ أخير - نوايا البشر الحسنة فوق الصرامة الدستورية؛ وفي ~~النهاية، فإن كل الحكومات التي مرت على البشرية كانت حكومات أفراد (الفكر السياسي ~~لجون لوك). اهتم لوك في جانب كبير من الرسالة الثانية بالقضايا الدستورية، لا سيما ~~العلاقات القائمة بين الملكية الخاصة والرضا الشعبي والمؤسسات النيابية وسلطة سن ~~القوانين (السلطة التشريعية)، وحازت الرسالة الثانية على استحسان المستعمرين الأمريكيين ~~بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان، بفضل إصرارها الشديد على عدم مشروعية فرض الضرائب ~~دون تمثيل نيابي. لكن على الرغم من المعالجة البارعة للقضايا الدستورية في «رسالتان في ~~الحكم»، فإنها لم تكن في صميم التزاماتها الجوهرية عملا مؤيدا للمبادئ الدستورية، بل ~~كانت تنادي بحقين يستعصي تحقيقهما؛ وهما: حق الحاكم في مجتمع سياسي شرعي في استغلال ~~النفوذ السياسي على نحو يتنافى مع القانون من أجل خدمة الصالح العام؛ وحق جميع الأفراد ~~في الخروج على الحاكم - حتى لو كان في مجتمع سياسي شرعي - متى أساء استخدام نفوذه على ~~نحو صارخ. # مركزية الثقة # تقع فكرة الثقة في صميم مفهوم لوك عن الحكومة، وتلعب دورا محوريا في إدراك ~~ازدواجية هذه الرؤية وتناقضها؛ فالحكومة - من وجهة نظر لوك - عبارة عن علاقة بين ~~أفراد، بين أناس يتمتعون بالمقومات التي تجعلهم جميعا أهلا للثقة، ويمكن لأي من ~~هؤلاء الأفراد خيانة هذه الثقة، بل هذا ما يئول ms059 إليه الأمر أحيانا. والثقة من أقدم ~~المفردات الواردة في فكر لوك، ووجوب الثقة وخطورتها ضروريان للوجود البشري؛ فالناس ~~«يحيون بالثقة» كما كتب لوك عام 1659. وبعدها بسنوات قلائل، وجه لوك في محاضراته ~~انتقادا غاية في الحدة إلى الرأي القائل بأن مصلحة الفرد يمكن أن تكون الأساس الذي ~~يبنى عليه قانون الطبيعة، وذهب في نقده إلى أن هذا الرأي لا يجعل قانون الطبيعة ~~متناقضا في ذاته فحسب، وإنما تستحيل معه أيضا فكرة المجتمع ذاته والثقة التي هي ميثاق ~~المجتمع (مقالات حول قانون الطبيعة)، ومن أبرز الأمثلة وأوضحها على أهمية الثقة في حياة ~~الإنسان القسم وقطع الوعود؛ فالوعود والأقسام ملزمة لله نفسه (رسالتان عن الحكم). ~~ولعل اللغة هي «الوسيلة المهمة، والرابطة المشتركة التي تربط أفراد المجتمع» (مقال في ~~الفهم البشري)، لكن ما أتاح لها أن تكون فعلا وسيلة للربط بين أفراد المجتمع هو ~~قدرتها على التعبير عن التزامات بعضهم تجاه بعض، وعن التعهدات والأقسام الوعود المغلظة ~~التي تبنى عليها بالضرورة ثقة بعضهم في بعض، والتي تشكلت منها الروابط التي تربط ~~حياتهم المشتركة (رسالة في التسامح). وكانت مخاطر الإلحاد أنه أزال كل الشق الإلزامي من ~~هذه التعهدات؛ مما اختزل قانون الطبيعة إلى مصالح فردية متضاربة وبدد كل الأسس ~~التي تؤيد ضرورة وجود الثقة بين البشر. ولما حرم البشر من العناية الإلهية وتركوا ~~لحالهم، لم يكن لدى الناس أي سبب وجيه ليثق بعضهم في بعض؛ ومن ثم فقدوا القدرة ~~على العيش معا في مجتمع. ولولا فساد الإنسان (سقوط الإنسان)، لظل الناس ينتمون إلى ~~مجتمع واحد (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية). الفساد الأخير هو أن يصير الإنسان ~~غير مدرك لحقيقة اعتماده على خالقه؛ وهو ما أدى إلى تفسخ «الجماعات الصغرى ~~والمتشعبة» العديدة في زمن لوك، إلى أولئك الأفراد المنعزلين والعديمي الثقة الذين كانت ~~تتألف منهم تلك الجماعات. وبقدر ما يستحق البشر ثقة بعضهم في بعض، فإنهم يساعدون في ~~تماسك المجتمع الذي قصده الله لهم، وبقدر ما يخونون ثقة بعضهم في بعض، فإنهم يساعدون ~~في انحلاله وتفسخ ms060 أركانه. ومما لا شك فيه أن الممسكين بزمام السلطة السياسية هم ~~من لهم هذه السلطة؛ إما لتعزيز مقاصد الله، وإما لمخالفتها على نحو سافر للغاية. ~~ونظرا لأن الأفراد على دراية تامة بحاجتهم إلى أن يثقوا بعضهم في بعض، ولأنهم يستشعرون ~~العون الذي يمكن أن تقدمه لحياتهم هذه السلطة المجمعة المعنية بتنفيذ القانون ~~الطبيعي، فإنهم بوجه عام سيولون حكامهم الثقة الكاملة على نحو يفوق ما يستحقه ~~هؤلاء الحكام. ولأن السلام ضروري للغاية من أجل العيش في «أمان وراحة ورخاء» ~~(رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية)، فإن ثقتهم في حكامهم على هذا النحو هو أمر ~~مرغوب ومستحب بوجه عام. # لم يشكك لوك - على غرار اللاسلطويين المحدثين - في السلطة السياسية نفسها، على ~~الرغم من إدراكه التام بالمخاطر التي تمثلها، وإنما ما شكك فيه بالأحرى هم البشر ~~الذين ترك لهم الحبل على الغارب، أولئك الذين لم يعودوا يفهمون معنى اعتمادهم على ~~خالقهم. يرى البشر الذين لا يزالون على وعي بهذا الاعتماد أن محاولة ثقة بعضهم في ~~بعض، حكاما ومواطنين على حد سواء، هي أمر واجب في ظل قانون الطبيعة، لكنه واجب ~~طلبا للسلام وليس واجبا لإنكار الدروس المستفادة بحكم الخبرة والتجارب. ولا يعني ~~واجب الثقة أن يكون المرء ساذجا، بل ربما لا يكون أيضا حقا ممنوحا للمرء يخول له ~~ذلك، وحتى الملك المستبد - في ظل الحالة الأصلية هو ورعاياه - ليس ببعيد عن أن يكون ~~محل ثقة غيره من البشر. ويحق للحكام المدنيين أن يحظوا بثقة أكبر؛ وإذا كانوا ~~يستحقونها، فربما هم على ثقة في أن ينالوها. لكن خيانة الثقة أمر محتمل لأي إنسان، حتى ~~حاكم المجتمعات الأكثر مدنية، وهكذا هي حياة البشر، ولا بد أن نحاول الوثوق بعضنا في ~~بعض، على المستوى الشخصي وكذلك على المستوى السياسي؛ لكن علينا جميعا أيضا أن نقدر ~~الوقت والحد الذي خان به الآخرون ثقتنا فيهم. # قد تبدو الثقة مفهوما واهيا وأحمق لا يستدعي أن يتصدر مشهد الفهم السياسي، ~~والعلاقات التي تربط بين آراء لوك الدينية ومفهومه عن مدى أهلية ms061 الإنسان للثقة لن ~~تحبب الكثيرين اليوم (ومن المفترض ألا تحببهم) في تقديره لتلك الأهلية، لكن لم تكن ~~رؤيته للسياسة وحياة الإنسان بصفة عامة - حسبما ارتآهما - باعتبارهما تستندان في ~~النهاية إلى الثقة؛ وجهة نظر سطحية، وعدم دقتها كان أمرا ضروريا، وكانت استحالة ~~الهروب من حالة عدم الدقة هذه هي نقطتها المركزية، ولا يزال هذا هو النهج في عالم ~~السياسة. # الخيانة عكس الثقة؛ وكان علاج خيانة الثقة في عصر لوك هو الحق في القيام بثورة على ~~الحاكم؛ فوجود سلطة حيادية يمكن اللجوء إليها كان أعظم فائدة يمكن أن يقدمها مجتمع ~~سياسي شرعي لأفراده. وحيثما وجدت هذه السلطة، فإنها تستبعد حالة الحرب بين الأفراد، ~~وتمحو الحاجة إلى الاحتكام إلى الله مباشرة، والذي كان يمثل عنصرا جوهريا ~~وأصيلا في هذه الحالة (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية). لكن الحيادية إنجاز بشري ~~وليست إحدى وقائع القانون الدستوري؛ فالحكام بشر بالمعنى الفعلي للكلمة، وهم يتبوءون ~~السلطة بحكم القانون، وتنبع أحقيتهم في التمتع بطاعة رعاياهم من التطبيق الحيادي ~~لهذا القانون، وحيثما يأتوا بأفعال تتنافى مع هذا القانون أو خارجة عنه بما يضر بمصلحة ~~رعاياهم، فإنهم يصيرون طغاة، وحيثما ينتف القانون، يبدأ الطغيان (رسالتان في الحكم، ~~الرسالة الثانية). والحاكم متولي السلطة الذي يستخدم القوة بما فيه إضرار بمصالح ~~رعاياه وبما يتنافى مع القانون، إنما يدمر سلطته، فهو يضع نفسه في حالة حرب مع رعاياه ~~المتضررين، ولكل فرد من هؤلاء الرعايا الحق في الخروج عليه تماما حسبما كانت ~~ستتعين مقاومة أي معتد غاشم آخر (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية). # كان ينظر إلى هذا الفكر في إنجلترا في عصر لوك على أنه مذهب شديد التطرف؛ وبذل لوك ~~قصارى جهده من أجل التقليل من فداحة الآثار الفعلية المترتبة عليه، وما من حاكم يقصد ~~بحق الخير لشعبه سيخفق في أن يجعل أفراد شعبه يشعرون بذلك، ولا حاجة بمثل هذا ~~الحاكم إلى أن يخشى مقاومة شعبه، وسوف تمر أعمال الطغيان الطائشة دون مقاومة، ما دام ~~أنه لا يمكن لضحاياها توقع الدعم فعليا من إخوانهم ms062 المواطنين، ولا يمكنهم أن يأملوا ~~التصدي للطاغية ومقاومته بمفردهم، ووحده التهديد الصريح - الفعلي أو المحتمل - ~~لممتلكات الأغلبية وحرياتهم وحياتهم (وربما دينهم أيضا)، وهذه «سلسلة طويلة من ~~الأفعال»، سيكون كفيلا بإشعال فتيل المقاومة، لكن إذا اشتعلت نيران المقاومة حقا، ~~فلا غموض حول المسئول عن اندلاعها. تعتبر مخالفة الحكومة وإزعاجها خرقا لقانون ~~الطبيعة؛ والتمرد دون سبب عادل ضد حكومة شرعية يعني بدء حالة حرب (وبدء حالة الحرب ~~فعل جائر، والحروب الوحيدة التي ينظر إليها بوصفها عادلة، هي تلك الحروب التي ~~تشن دفاعا عن النفس). لكن عندما يقاوم المظلومون الطغيان، فإنهم ليسوا هم من ~~يزعجون الحكومة أو يعيدون حالة الحرب؛ فالتمرد هو «معارضة ضد السلطة، وليس ضد أشخاص»، ~~فلا سلطة للحاكم الظالم، والحكام الظالمون هم المتمردون الحقيقيون. وعلى غرار أي ~~شخص يستخدم قوة الحرب لتنفيذ أغراضه على نحو جائر وفرضها على شخص آخر، فإن الحاكم ~~الظالم ينسلخ عن طبيعته «ليتقمص الطبيعة الحيوانية عندما يتخذ القوة - التي هي من طبيعة ~~الحيوانات والوحوش - قاعدة الحق التي يحتكم إليها»، وهو بذلك الصنيع قد جعل نفسه ~~«عرضة لأن يطيح به الشخص المتضرر ومعه بقية البشر الذين سوف ينضمون إليه في تطبيقه ~~للعدالة، شأنه شأن أي حيوان ضار أو مؤذ يستحيل للبشر التعايش معه، أو الشعور ~~بالطمأنينة والأمن في وجوده (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية).» # إن القضاء على الحيوانات الضارة هو حق مكفول للبشر كافة، لكن في المجتمع السياسي ~~الشرعي لا يمكن أن ينظر حتى إلى أسوأ الطغاة على أنه حيوان ضار؛ فإلى جانب حق الفرد ~~في الثأر نظير الأضرار التي تصيبه، عليه واجب أيضا، وهو الحفاظ على المجتمع المدني. ~~الثورة من وجهة نظر لوك ليست عملا انتقاميا، وإنما هي عمل إصلاحي يهدف إلى إعادة ~~بناء النظام السياسي المنتهك. وخلال أزمة الإقصاء، ومرة أخرى إبان حكم جيمس ~~الثاني، صار الملك - من وجهة نظر لوك - طاغية، وأساء استخدام الترخيص الذي حصل عليه ~~بموجب الصلاحيات التي يجيزها له منصبه (رسالتان في الحكم، الرسالة الثانية)، وفي إطار ~~الدستور الإنجليزي، نظرا لأن ms063 الملك احتفظ بجزء من السلطة التشريعية المنوط بها سن ~~القوانين، فلم تكن ثمة سلطة أعلى منه يكون ملزما بالمثول أمامها للمساءلة؛ لكن وراء ~~الإجراءات الشكلية للدستور تكمن حقيقة المجتمع الإنجليزي، أو «جموع الشعب» حسبما أوردها ~~لوك في الرسالة الثانية. وحيثما يثار الجدل بين الحاكم وقطاع من شعبه، وحيثما يرفض ~~الحاكم قبول حكم المؤسسات النيابية التي عبرت عن إرادة شعبه، فلا بد أن يكون ~~الفيصل المناسب هو الاحتكام إلى رأي جموع الشعب، التي كانت أول من وضعت ثقتها في ~~الحاكم. وتستطيع جموع الشعب، بل يتعين عليها أيضا، أن تقدر في دخيلة نفسها ما إذا ~~كان لديها سبب وجيه تتظلم به أمام الله للخروج على الحاكم وخلعه بالقوة (رسالتان في ~~الحكم، الرسالة الثانية). وهذه المقاومة هي حق وواجب في آن واحد؛ لأن الشعب هو ~~وحده من في مقدوره الجمع بين حق الانتقام الفردي ومسئولية إعادة بناء النظام السياسي، ~~وحق القضاء على من خانوا ثقته، وواجب استعادة الثقة التي من دونها تستحيل عمليا ~~حياة الإنسان. ~~«رسالتان في الحكم» هو عمل موجه إلى المتطلبات السياسية لإنجلترا، ذلك البلد الذي ~~أثبت قاطنوه - على مدى خبرة تاريخية طويلة - أنهم يشكلون كيانا واحدا، وأن لديهم ~~الكفاءة السياسية للتصرف على هذا النحو. يوجد في إنجلترا دستور قديم ينبغي استرداده ~~وإصلاحه (تمهيد الرسالة الثانية)، وما من وسيلة يمكننا أن نعرف من خلالها إلى أي مدى ~~كان لوك يعتبر أن سكان البلدان التي نعمت بتجارب تاريخية أقل حظا تتمتع بالقدر نفسه ~~من الكفاءة السياسية العملية، ولا شك أن سكان تلك البلدان أيضا لهم الحق - أفرادا ~~كانوا أم جماعات - في مقاومة السلطات الغاشمة والانتقام منها من جراء الضرر الذي ~~ألحقته بهم. لكن حيثما لا يوجد نظام سياسي شرعي من الأساس يستدعي إصلاحه، فمن غير ~~المرجح أن تجتمع معا توقعات الانتقام والبناء. وعلى الرغم من التعقيد الاقتصادي ~~والاجتماعي والسياسي الذي يشوب النظام الملكي الاستبدادي (علينا ألا ننسى أن لوك قد عاش ~~لسنوات في فرنسا قبل الفترة التي بدأ فيها الكتابة)، فإنه لم ms064 يكن مجتمعا مدنيا على ~~الإطلاق. وفي القرن التالي على ذلك عندما شرع ديفيد هيوم في نقد النظرية السياسية ~~للوك، لم يسؤه شيء أكثر من هذا التناقض اللامبالي والضيق الأفق بين إنجلترا ~~والنظم الملكية المستبدة في القارة الأوروبية. كان هيوم في بعض النواحي ناقدا غير ~~متفهم لحجج لوك ولم يتحر الدقة فيها؛ وبحلول أواخر القرن الثامن عشر، اتضح من مسار ~~الثورة الفرنسية أنه - حتى فيما يتعلق بهذه المسألة - تحمل مفاهيم لوك أكثر مما أقره ~~هيوم. بيد أن هيوم أدرك حقا بوضوح بالغ المدى الذي اعتمدت به آراء لوك السياسية ~~في «رسالتان في الحكم» على تجربة سياسية بعينها، والثقافة التي عززتها هذه التجربة، ~~في مجتمع يتمتع فيه قطاع كبير من المواطنين العاديين بالحق في تمثيل أنفسهم سياسيا، ~~وتوقعهم ممارسة هذا الحق. وكان جوهر فهم لوك نفسه لحق الثورة أنه حق المجتمع في ~~الحفاظ على نفسه كمجتمع، وقدرته على الاضطلاع بهذا الدور، ولم يفترض لوك قط أن ~~الانتقام العادل في حد ذاته سيكفي لخلق مجتمع مدني جديد من العدم. # رسالة في التسامح # كان آخر عمل رئيسي عن النظرية السياسية هو ما كتبه لوك في منتصف ثمانينيات القرن ~~السابع عشر في هولندا، وكان يناقش قضية أوسع نطاقا؛ إنه كتاب «رسالة في التسامح»، وهو ~~أبسط وأكثر شمولية من «رسالتان في الحكم»، وتعتمد حججه في حقيقة الأمر على التسليم ~~بصحة الدين المسيحي (أو على الأقل، صحة بعض الأديان المؤمنة بوحدانية الله، التي يكون ~~فيها الإيمان الصحيح مطلبا أساسيا للعبادة الدينية السليمة، والعبادة الدينية هي ~~الواجب الرئيسي المنوط بالإنسان). لكن داخل العالم المسيحي الأوروبي الحجج محفوظة لكل ~~بلد أو طائفة، إن كانت محفوظة على الإطلاق. ولأن الواجب الرئيسي للإنسان في حياته هو أن ~~يسعى نحو خلاصه (رسالة في التسامح)، ولأن العقيدة والممارسة الدينية هما الوسيلة التي ~~يتعين على الإنسان استخدامها في الاضطلاع بهذا الواجب؛ فلا يجوز شرعا أن يطغى نفوذ ~~السلطة السياسية البشرية على أي منهما. والسلطة السياسية هي المنوط بها حماية الخيرات ~~المدنية، على نحو أكثر ms065 تحديدا ثمار جهود الإنسان والحرية والقوة البدنية التي هي وسائل ~~الإنسان لجني تلك الثمار (رسالة في التسامح)؛ فرعاية أرواح البشر ليست من سلطة الحاكم. ~~إذا رأى الحاكم أن أفعاله للصالح العام، ورأى رعاياه العكس، فلا يمكن أن يكون ثمة ~~حاكم بينهما على وجه الأرض (رسالة في التسامح)، ولا بد من ترك الحكم فعليا لله، ~~وحيثما يشكل الاضطهاد العنيف القائم على أسس دينية تهديدا لممتلكات الأفراد وحياتهم، ~~يكون للمضطهدين كل الحق في رد القوة بالقوة (رسالة في التسامح)؛ ويكون في مقدورهم ~~ممارسة هذا الحق وسيمارسونه بالفعل. ويستثنى من حق التسامح الديني فريقان رئيسيان: ~~فريق تتعارض معتقداته الدينية تعارضا مباشرا مع السلطة الشرعية للحاكم، وفريق لا ~~يؤمن بالله. # إن الحق في أن ينقذ الإنسان روحه لا يعني الحق في محاولة فرض حكم سياسي شخصي ضد ~~السلطة المدنية، فلا يوجد حق - كما شدد لوك بالفعل في مقاله الذي كتبه عام 1667 - في ~~إنكار وجود الله، ما دام أن الإيمان بالله هو «الأساس الذي تقوم عليه كل أشكال ~~الفضيلة»، والإنسان الذي يفتقر إلى ذلك هو حيوان ضار غير جدير بأن يكون عضوا في أي ~~مجتمع. لا داعي لاستخدام القوة ضد الآراء التأملية أو المعتقدات الدينية، ما دام أن ~~الحقيقة كفيلة بإظهار نفسها بنفسها، وقلما تلقت كثيرا من العون من جانب القدير ~~(رسالة في التسامح)؛ وهو أمر غير مجد أيضا، بما أنه ما من إنسان يستطيع أن يختار ~~اختيارا مباشرا ما يؤمن أو يشعر به؛ لكن الإلحاد ليس مجرد رأي تأملي، وإنما يشكل ~~أيضا أساسا لأفعال غير أخلاقية لا حصر لها. ولما كان حق التسامح يعتمد على حق كل ~~إنسان وواجبه في السعي نحو خلاصه، فهو إذن ليس بالحق الذي يمكن لأي ملحد أن يطالب به ~~على الدوام. # شكل : هل كان لوك إنسانا بلا عيوب حتى في نظر خادمه؟ لوحة من إعداد ~~كاتب لوك وخادمه الأسبق سيلفانيوس براونوفر، تصور لوك في المنفى ~~بهولندا عام 1685. # إن القناعة بأن الحقيقة كفيلة بإظهار نفسها بنفسها هي بالطبع قناعة ms066 متفائلة، بيد ~~أنها لم تكن تمثل الأساس الذي استند إليه لوك في التزامه بالتسامح. والمدهش في الأمر ~~أن وجود الله لم يكن بالحقيقة التي يمكن أن تترك لإظهار نفسها بنفسها؛ ومن ثم ~~فإن رفض التسامح مع الملحدين - على الرغم مما يمكن أن يمثله لنا اليوم من إهانة - ~~لم يكن ليتفق اتفاقا كاملا مع حجة لوك؛ فالكفر بوجود الله، حتى في مجرد الفكر فحسب، ~~يمحو وجود كل شيء (رسالة في التسامح). كتب لوك «رسالة في التسامح» في وقت متأخر من شتاء ~~عام 1685، عقب مناقشات مطولة مع صديقه ليمبورخ، وفي مواجهة الاضطهاد المتفاقم ~~للهوجونوت على يد الملك لويس الرابع عشر. لم يكتب لوك هذا العمل من أجل إنجلترا وحدها، ~~ولكن من أجل شعب أوروبي، وربما كان هذا الشعب هو المستفيد الأكبر من تطبيق مبادئ لوك في ~~هذا العمل؛ ففي القرن التالي على ذلك، رأى فولتير أن كتاب «رسالة في التسامح» يمثل ~~جوهر مفهوم لوك عن السياسة، وهي السياسة المنسجمة تماما مع رسالة مقاله الرائع التي ~~من الواضح أنها وثيقة الصلة بالحياة المدنية في كل مكان على وجه الأرض. لكن إذا كانت ~~رسالته السياسية عالمية بقدر ما هي واضحة، فإنها كانت تستند أيضا في نهاية الأمر إلى ~~قناعة واحدة، وهي القناعة بأن على الإنسان واجبات دينية، ويمكنه معرفة تلك الواجبات ~~وماهيتها، وكان كفاح لوك من أجل تبرير هذه القناعة هو ما أدى إلى وضع مؤلفه هذا، ~~الذي يعد أروع إنجازاته الفكرية على الإطلاق؛ لكن لم يكلل هذا الكفاح بالنجاح، ~~ولكن انتهى بشيء قريب جدا إلى الخضوع والاستسلام. # الفصل الثالث # | المعرفة، والاعتقاد، والإيمان # على حد معرفتنا، لم يشك لوك خلال أي مرحلة من حياته في أن بعض الأفراد على علم بالفعل ~~بواجبهم تجاه الله؛ إذ كانت هذه ببساطة حقيقة نابعة من واقع تجربته. لكنه أيضا لم يوضح ~~خلال أي مرحلة من حياته الفكرية أسباب هذه القناعة على نحو واضح وسهل التفسير. وفي أوائل ~~عام 1659، قبل أن يشرع في كتابة أي من مؤلفاته الرسمية، وضع ms067 بحماس - وتخيل - ~~تصورا للعلاقة بين معتقدات الإنسان ورغباته التي ينظر فيها إلى العقل بوضوح بوصفه ~~عبدا للعواطف؛ فبدلا من أن يسيطر العقل ببساطة على أفعال الإنسان وتصرفاته، فإنه لا يعدو ~~أن يكون أكثر من مجرد وسيلة لتبرير رغباته. وأسوأ من ذلك أن فشله لم يكن مجرد فشل في ~~السيطرة، وإنما نقيصة أخلاقية. وقد شاب الفشل الأخلاقي بدوره الفهم الإنساني في ~~مجمله، وأخل بكل مفهوم راسخ يقضي بأن لكل إنسان هويته الفردية الخاصة به (رسالة في ~~التسامح). وتتكرر هذه المفاهيم الثلاثة طوال حياة لوك الفكرية؛ تارة بثقة أكبر، وتارة ~~بعناء أكبر. وكان رأيه بأن الكثير من المعتقدات البشرية تستحق اللوم، وأن الأفراد مسئولون ~~في المقام الأول عن معتقداتهم، واحدة من أكثر القناعات رسوخا في فكره، لكنه كان أيضا من ~~الآراء التي وجد صعوبة بالغة في تبريرها. ولكي يكون ثمة ترابط منطقي في أفكاره، كان لا بد ~~من وضع تصور واضح للكيفية التي يمكن بها مبدئيا أن يتخلص الأفراد من المعوقات العاطفية ~~التي تعترض عملية الفهم؛ أي الكيفية التي يمكن أن يفهم بها الأفراد عالم الله وذواتهم، ~~ويستوعبوها بالصورة التي هي عليها وليس كما يؤثرون أن تكون. وإلى جانب ذلك، كان لا بد ~~أيضا من وضع تصور واضح لكل إنسان بوصفه كائنا قادرا على تحمل مسئولية أفعاله. وثمة ~~ارتباط وثيق بين مفهومي التفويض الأخلاقي ونطاق الفهم البشري وحدوده في فكر لوك، وحيثما ~~كان يحتدم الصراع بينهما - كما حدث في السنوات التي أعقبت نشر «مقال في الفهم البشري» - كان ~~لوك يختار تعقب الآثار المترتبة على مفهوم التفويض الأخلاقي، لكن من بين هذين المفهومين، ~~بالطبع، كان تصوره لنطاق الفهم البشري وحدوده الذي طرحه في «مقال في الفهم البشري» هو ~~المفهوم الذي أقر هو نفسه بأنه رائعته الفكرية؛ وكان هذا هو نفسه المفهوم الذي علق في ~~مخيلة الأجيال القادمة. # كان العمل الأول الذي حاول لوك فيه أن يستكشف هذه الموضوعات عبارة عن مجموعة من ~~المحاضرات التي ألقاها في كلية كنيسة المسيح بعنوان «مقالات حول قانون ms068 الطبيعة»؛ إذ كان يرى ~~أن القانون الطبيعي مصدره مشيئة الله، وأنه يمكن - بل يجب أيضا - إدراكه بنور الطبيعة من ~~خلال إعمال العقل البشري. وفي إطار النظام الطبيعي، يوضح القانون الطبيعي للإنسان ما ~~ينبغي أن يفعله وما لا ينبغي؛ ما يتطلبه هذا النظام من الإنسان باعتباره مخلوقا عاقلا ~~يتمتع بإرادة حرة (مقالات حول القانون الطبيعي). كان موقف لوك غامضا تجاه الجدل الرئيسي ~~في النظرية الأخلاقية المسيحية منذ العصور الوسطى، المتمثل في الخلاف القائم بين أولئك ~~الذين رأوا الالتزامات البشرية على أنها تعتمد اعتمادا أساسيا على مشيئة الله، وبين ~~أولئك الذين رأوا أنها تعتمد فقط على مقتضيات العقل والخصائص الفعلية للعالم الطبيعي. ومن ~~الواضح أنه شعر (بل ظل بالفعل يشعر طوال حياته) بقوة كل من هذين الرأيين، لكن كلما كان ~~يضطر إلى الاختيار بينهما (وعلى نحو أكثر وضوحا، كلما كان يشعر أن امتثال البشر لقانون ~~الطبيعة أمر مشكوك فيه عن جد)، كان يختار مشيئة الله التي يثق فيها. وفي «مقالات حول ~~القانون الطبيعي» قدم محاولة بسيطة - لكنها غير حاسمة - لبحث التعارضات الواضحة بين ~~هذين الرأيين، ولم يكترث لوك كثيرا بالدفاع عن وجود قانون الطبيعة وقوته الملزمة في ~~مواجهة الاعتراضات المشككة فيه. (لكن من الجدير بالذكر أن استجابته الأخيرة لمثل هذه ~~الشكوك، تمثلت في الجزم بأن غياب قانون الطبيعة من شأنه أن يجعل كل إنسان الحكم ~~المستقل والأعلى على أفعاله (مقالات حول القانون الطبيعي)؛ وهو اعتراض له وقع بالغ ~~الغرابة على آذان الإنسان في العصر الحديث.) # بدلا من ذلك، ركز لوك على السؤال عن الكيفية التي يمكن بها للإنسان أن يعرف بالضبط ~~ماهية قانون الطبيعة، وأوضح أربع طرق محتملة للمعرفة: الكتابة، والتقاليد، والتجربة ~~الحسية، والوحي الخارق للطبيعة أو الوحي الإلهي. لكنه استبعد الطريقة الأخيرة؛ ليس لأي سبب ~~يدعو إلى التشكيك في وجوده، وإنما لأنه من الواضح أنه ليس بالشيء الذي يمكن للإنسان أن ~~يدركه بفكره أو عقله أو تجربته الحسية فقط. (ومع ذلك، يعود لوك إلى هذه الاحتمالية بعد ~~مرور أكثر من ثلاثين ms069 عاما في «معقولية المسيحية».) استبعدت فكرة النقش؛ فلو كان قانون ~~الطبيعة منقوشا حقا في قلوب كل البشر، إذن لاتفق البشر أجمعين ببساطة على كل من ~~المبادئ الأخلاقية والتأملية التي آمنوا بها، ولاستطاع الشباب وغير المتعلمين والهمجيون ~~استيعاب تلك المبادئ بوضوح بالغ (مقالات حول القانون الطبيعي). كما استبعدت التقاليد؛ ~~لأن القناعات الأخلاقية للمجتمعات المختلفة تختلف اختلافا هائلا؛ فما يراه مجتمع على أنه ~~ملكية له، يراه مجتمع آخر على أنه سلب وسطو، وما يراه شعب على أنه فسق، يراه شعب آخر ~~على أنه صحبة جيدة أو عبادة دينية، بل يمكن أيضا أن يمتدح القتل والانتحار في ظل ظروف ~~معينة، وفي بعض البلدان. وحدها طريقة التفسير العقلاني للتجارب الحسية هي التي نجت من ~~الانتقاد، ولكن لم يتحدث لوك إلا قليلا عن رؤيته لآلية عملها، لكنه يؤكد بقوة على أن ~~الدروس الرئيسية التي تطرحها تتعلق بقدرة الله ومشيئته (مقالات حول القانون الطبيعي)، كما ~~يشير بوضوح إلى سبب اعتقاده بأن هذه الطريقة وحدها يمكن أن تقوم بدور حجر الأساس لقانون ~~الطبيعة؛ فالقانون المتسق مع الآليات الواضحة للفهم البشري، الذي يراعي جيدا الخصائص ~~الفعلية للعالم الطبيعي، هو وحده الذي بمقدوره أن يمنح سلطة عقلانية للبشر باعتبارهم ~~مخلوقات طبيعية. وبما أن معتقدات الإنسان موجودة بالفعل، فإنها - كما يصر لوك مرارا ~~وتكررا - تأتي للإنسان في المقام الأول عن طريق كلام غيره من البشر (مقالات حول القانون ~~الطبيعي). يشوب كلام الآخرين فساد الخطيئة البشرية، وفقط عندما تعتمد معتقدات الإنسان على ~~فهمه والعبرات المستمدة من تجاربه الخاصة، حينها فقط يكون لديه مبرر منطقي للوثوق في ~~الآخرين. # مقال في الفهم البشري # في «مقال في الفهم البشري» نفسه، وعلى نحو أكثر تحديدا في أطروحتيه «آراء في ~~التربية» و«آراء في أصول الفهم»، حاول لوك أن يوضح كيف أنه بمقدور الإنسان أن يستعمل ~~عقله كي يعرف ما هو بحاجة إلى معرفته، وأن يؤمن فقط بما ينبغي أن يؤمن به. ولأن البشر ~~يتمتعون بإرادة حرة، فلا بد أن يفكروا ويصدروا الأحكام بأنفسهم، ولا بد أن ms070 يكون ~~العقل هو الفيصل والمرشد النهائي في كل شيء. وحيثما لا يوجه العقل آراء الإنسان ~~وتكوينه، فإن آراءه لا تعدو أن تكون «نتائج وليدة الصدفة والمجازفة، عن عقل هائم في كل ~~المغامرات، دون اختيار ودون توجيه .» وعلى الرغم من أن للتفكير متعه الخاصة، «فإن كل ~~عمل من أعمال التفكير هو بحث وتمحيص ويتطلب الكد والمثابرة» (مقال في الفهم البشري). ~~ولأنه من السهل جدا أن يخطئ الإنسان في الأحكام التي يصدرها، ونظرا لشيوع الضلال ~~والجهل بين البشر عن الحق والمعرفة، فإن كل البشر لديهم سبب وجيه «لقضاء أيام غربتنا ~~على الأرض في كد وجزع» بحثا عن الحق. ما يحاول لوك تقديمه في «مقال في الفهم البشري» ~~هو مساعدة عملية في هذا البحث، وهو يفعل ذلك بطريقتين مختلفتين للغاية؛ أولهما: أنه ~~يحاول توضيح آلية العمل الناجحة للفهم البشري؛ مدى أهليته للمعرفة والتصديق العقلاني، ~~وما يمكن أن يعرفه البشر وما لا يمكن أن يعرفوه. وثانيهما: أنه يشرح الأسباب التي ~~تؤدي بوجه عام إلى إخفاق الفهم البشري عمليا. تمثل هاتان الفكرتان أهمية جوهرية ~~لدى لوك، فإذا كان البشر لا يستطيعون مبدئيا معرفة ما هم بحاجة إلى معرفته، فإن ~~أزمتهم تلك سوف تضع حكمة الخالق أو قدرته موضع شك، لكن إذا كان لا يسعهم التصرف ~~إلا حسبما فعلوا، فلن يكونوا مسيرين فحسب؛ ومن ثم غير مسئولين عن أفعالهم الظاهرة، ~~وإنما سيكون الله نفسه هو أصل كل ما مقته لوك في البشر أشد المقت. # تظهر تلك الفكرتان بوضوح في المسودة ~~الأولية لكتابه «مقال في الفهم البشري» (مسودة (أ) من مقال لوك في الفهم البشري). ~~ويعير النص المنشور من النسخة الأولى انتباها أشمل بكثير للفكرة الأولى، بيد أن ~~التوازن بينهما يعود جزئيا في حياة لوك من خلال سلسلة من التعديلات في الطبعتين ~~الثانية (1694) والرابعة (1700)، وتحديدا من خلال عدوله المهم عن رأيه بشأن طبيعة ~~الإرادة الحرة، ومن خلال الفصلين الجديدين اللذين يدور حديثهما حول الحماس وترابط ~~الأفكار. (كان لهذا الفصل الأخير أهمية هائلة في تاريخ علم النفس، الذي ms071 صار علما خلال ~~القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وكذلك في تطور الأخلاق النفعية.) لكن حتى بعد إدخال ~~هذه التعديلات، احتفظ «مقال في الفهم البشري» - إلى حد كبير - بشكل وأسلوب أولى ~~طبعاته المنشورة؛ ومن هذا المنطلق، فإن الصورة التي يقدمها للاعتقاد والمعرفة لدى ~~البشر هي صورة متفائلة في مجملها، ولا يعزى تفاؤلها إلى كونها تقدم وعودا ~~مبالغا فيها حول إمكانية تغيير الطبيعة البشرية من خلال التخطيط السياسي، ولا يعزى ~~أيضا إلى كونها تغالي في حدود المعرفة البشرية أو تقلل من شأن الصعوبات التي يواجهها ~~الإنسان في تنظيم أفكاره ومعتقداته بطريقة عقلانية، وإنما لأنها تدرس آليات عمل العقل ~~البشري بهذه المفردات البسيطة والرصينة والمتواضعة؛ ومن ثم فالتفاؤل فيها مسألة ~~أسلوب ونبرة أكثر منه مسألة محتوى، لكن حتى بوصفه نبرة، فقد تبين أنها نبرة ~~مراوغة للغاية. # تنطوي هذه الصورة في المقام الأول على تأكيد ملحوظ حول نطاق التماثل المحتمل في ~~الفكر البشري. # إنني أميل إلى الاعتقاد بأن الأفراد عندما يقدمون على فحص مفرداتهم، ~~فإنهم يجدون أن كل أفكارهم البسيطة متوافقة عموما، على الرغم من أنهم في ~~أحاديثهم ربما يحير بعضهم بعضا بإطلاق أسماء مختلفة عليها. وأعتقد أن ~~الأفراد الذين يجردون أفكارهم، ويدرسون الأفكار التي تجول في عقولهم جيدا، ~~يستحيل أن يختلفوا كثيرا في تفكيرهم (مقال في الفهم البشري، ومراسلات جون ~~لوك). # شكل : الطبعة الأولى من «مقال في الفهم البشري»، أول عمل فكري للوك ~~ينشره رسميا للجمهور. # إذا استخدم البشر فقط عقولهم وحواسهم - «مداخل» المعرفة - بعناية وصدق، فسيجدون ~~أنفسهم «مجبرين» على معرفة ما ينبغي عليهم معرفته والاعتقاد فيه؛ ومن ثم سيكونون ~~مجبرين على الاتفاق مع إخوانهم الذين يحققون استفادة على القدر نفسه من الرصانة ~~والإخلاص من ملكاتهم. ومن العناصر المهمة لتحقيق هذا التوافق وتعزيزه الإقرار بقيود ~~الفهم البشري وحدوده، وهو ما يطلق عليه لوك نفسه «ضحالة» الفهم البشري. وكما في غير ~~ذلك من المواضع، يكمن في مركز تفكيره نوع من التوازن الدقيق بين الشك والإيمان. # من الصعب ألا نلحظ أهمية الإيمان ~~لدى لوك عند ms072 سرده الأمور التي تدخل في نطاق معرفة الإنسان بالفعل، أو عند استعراضه ~~للأسباب الوجيهة التي يعيش الإنسان حياته من أجلها. وأهم عنصر على الإطلاق في المعرفة ~~الممكنة لدى الإنسان هو وجود الله: «إن معرفتنا بوجود الله تفوق في يقينها معرفتنا ~~بوجود أي شيء آخر فيما عدانا» (مقال في الفهم البشري). وما يضفي على هذه المعرفة ~~أهمية بالغة آثارها المباشرة والطاغية على الكيفية التي ينبغي أن يعيش بها الإنسان؛ ~~فقدرة الإنسان على معرفة أي شيء ليست في حد ذاتها بالشيء الذي ينبثق من العدم في ~~تاريخ العالم؛ لذا كان ثمة «زمن كانت فيه المعرفة منعدمة، ثم بدأت في الظهور»، وبالأحرى ~~كانت المعرفة عطية مباشرة من الله العليم الخالد. ويتمثل الأساس الفعلي للأخلاق في ~~«مشيئة وشريعة الله الذي يرى الإنسان في الخفاء، وفي يده الثواب والعقاب والسلطة ~~الكافية لمحاسبة الآثمين الطغاة» (مقال في الفهم البشري). # طبيعة المعتقدات الأخلاقية # يرى لوك أن الأخلاق علم يمكن إثباته، ~~شأنه شأن الرياضيات، حسبما أكد في «مقال في الفهم البشري»، وقد سبب له هذا الأمر ~~كثيرا من العناء فيما بعد؛ حيث ظل الجميع - أصدقاء وأعداء - يسألونه بإصرار عما ~~أنجزه في سبيل هذا الإثبات. وكان ثمة العديد من الأسباب التي تدعوه للوثوق في فكرته؛ ~~فالأفكار الأخلاقية من اختراع العقل البشري، وليست نسخا من عناصر الطبيعة المختلفة، ~~ولهذا التناقض آثار جوهرية على طبيعة الأفكار الأخلاقية، وعلى إمكانية إثباتها ~~والتحقق من صحتها، إن كانت صحيحة من الأساس. يمثل هذا الرأي الركيزة الأساسية في ~~الفكر الفلسفي الحديث الذي يفترض وجود فجوة هائلة بين الحقائق المتعلقة بالعالم ~~(التي ربما يمكن معرفتها)، والقيم الإنسانية (التي يمكن ببساطة قبولها أو رفضها). ~~وكان الفصل بين الحقيقة والقيمة هو نتاج مفهوم لوك عن المعرفة البشرية وهدم ~~معتقداته بشأن القيم الإنسانية. ولأن الأفكار الأخلاقية كانت من اختراع العقل البشري، ~~ولأنها تصاغ في صورة كلمات هي أيضا من اختراع العقل البشري، ففي مقدور الإنسان - إذا ~~هو فقط كلف نفسه عناء ذلك - أن يفهمها فهما كاملا بنفسه، ويناقشها مع ms073 آخرين ~~بطريقة تضمن لهم فهما كاملا ومساويا لفهم هذا الإنسان عنها. # أهم من ذلك أن اختراعات العقل البشري في مجال الأخلاق ليست اعتباطية؛ لأن جميع البشر ~~- بحسب رأي لوك - في مقدورهم أن يتوصلوا إلى معرفة مؤكدة بالأدلة بوجود إله قادر ~~يفرض قانونا يضبط أفعال الإنسان ويعاقب أولئك الذين ينتهكونه، ذلك لو أنهم فقط كلفوا ~~أنفسهم عناء التفكير في هذه المسألة. ابتكرت المجتمعات البشرية على مدى تاريخها مجموعة ~~كبيرة من المفاهيم الأخلاقية وتبنت قيما أخلاقية متنوعة للغاية، كما أنها نجحت إلى ~~حد ما في تطبيق هذه القيم، من خلال الإلزام المباشر، ومن خلال الضغوط غير المباشرة ~~لعاملي الاستحسان أو الاستنكار المتبادل، فيما يعرف باسم «قانون السمعة». ليس ~~الوعي الأخلاقي بالأمر المتأصل في البشر بالفطرة؛ وفي الواقع، فإنه يتخذ أشكالا شتى ~~في البلدان المختلفة، لكن من وجهة نظر لوك، ثمة شكل واحد ينبغي أن يتخذه دائما أينما ~~كان؛ وهو: الشكل المبين في الوحي المسيحي الذي يقتضيه قانون الطبيعة؛ ذلك القانون ~~الذي يستطيع الإنسان فهمه على نحو شامل ودقيق بنفس قدر فهمه للحقائق الرياضية. وليس ثمة ~~ما يدعو إلى الاعتقاد بأن لوك تخلى عن وجهة النظر هذه أبدا، لكن ما تخلى عنه بوضوح ~~حقا، بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة لبناء نهج إثباتي من هذا النوع، هو الأمل في أن ~~تمثل هذه المحاولات أية فرصة للتأثير في السلوك الذي يختار معظم الأفراد انتهاجه، ~~والطريقة التي يسلكونها فعليا. # من منطلق ما نعرفه عن تأليف «مقال في ~~الفهم البشري»، يبدو جليا أن التخلي عن هذا النهج كان يمثل تغييرا رئيسيا في ~~الرأي الفكري. وفي الحقيقة، ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن هذا التخلي قد عكس عزوف لوك ~~عن أحد أكبر طموحين لديه أثناء كتابة هذا العمل، بل تبدد أيضا الأمل والغرض ~~الأولان اللذان دفعاه في الأساس إلى كتابته منذ البداية (مقال في الفهم البشري). ~~لكن، على الرغم من الاستهجان الذي لاقته نتيجة كهذه، فإنها لم تكن بالاستنتاج المفاجئ ~~الذي يمكن أن نستخلصه من الحجج والنقاشات المطروحة في ms074 المقال ككل؛ فكل من المعرفة ~~والاعتقاد العقلاني - بحسب تفسير لوك - إلزاميان في النهاية. وفي ضوء العلاقة المدركة ~~بوضوح بين الأفكار، أو الدليل المباشر للحواس، أو التوازن الجلي بين الاحتمالات، لا ~~يسع المرء إلا أن يعرف أو يشعر أو يحكم كما تملي عليه تلك الأمور، ولكان علم ~~الأخلاق البرهاني سيتألف من تسلسل من العلاقات القائمة بين الأفكار التي إذا محصت ~~بعناية وحكمة، فلا يسع المرء إلا أن يراها كما هي؛ ومن ثم لا يستطيع إنكارها. ~~وبالمثل، فإن المرء لا يسعه في النهاية إلا أن يفعل ما هو أنسب له ولرغباته، وإن كان ~~يستطيع قطعا - بل كثيرا أيضا ما ينبغي عليه - أن يتحقق من دوافعه، ويلزم نفسه ~~بالتفكير مليا وعن وعي فيما إذا كان الأمر الذي يشعر أنه منجذبا إلى فعله فورا ~~سيكون بالفعل التصرف الأفضل من وجهات النظر كافة. (المهم تحديدا أن يفعل الإنسان ~~هذا، بما أن النعم الغائبة لا تسترعي الانتباه بنفس إلحاح المتاعب الحاضرة؛ ومن ~~ثم تكون أقل تأثيرا في رغبات الإنسان (مقال في الفهم البشري).) فآلية الفهم البشري ~~في حد ذاته وفي معظم النواحي الأكثر أهمية - «تلك النواحي التي تخص سلوكنا» - تسير كما ~~ينبغي، لكن لا يمكن لتلك الآلية أن تسير على هذا النحو إلا في حال استخدم الإنسان هذا ~~الفهم بهمة وعناية وحكمة. وإساءة استخدام العقل البشري في المعرفة العملية للطبيعة، ~~لا تكون على الأرجح متعمدة؛ لذا من المتوقع أن الاهتمام الجيد بالوسائل التي ~~ينتهجها العقل وتؤدي إلى نجاحه في أداء عمله سيساعد الإنسان مستقبلا في استخدام عقله ~~على نحو أكثر فاعلية، وذلك من خلال البحث العلمي والعملي في ماهية العالم الطبيعي، وفي ~~السعي وراء نعم الحياة وخيراتها؛ لكن عندما يتعلق الأمر بتحديد الإنسان للأسلوب ~~الذي يعيش به، فإن كل البشر لديهم دوافع قوية وملحة لعدم الاكتراث كثيرا بهذا ~~الموضوع، والتعامل معه على نحو أكثر مراوغة، وهم لا يملكون تلك الدوافع فحسب، لكن ~~معظم الأفراد - حسبما كان لوك يحاول جاهدا أن يؤكد - كانوا في الحقيقة ينصاعون ~~وراءها، ms075 ولا يبدون إلا قدرا ضئيلا للغاية من المقاومة. وبدلا من أن يحيوا حياتهم ~~في ضوء الوعيد الإلهي بالألم المطلق والأبدي، فإن كثيرين حتى في البلدان المتحضرة ~~يحيون كما لو كانوا ملحدين؛ فجميع البشر «عرضة للخطأ، ومعظمهم واقع - لأسباب عديدة ~~سواء أكان بدافع العاطفة أم الرغبة - تحت غواية الخطيئة» (مقال في الفهم البشري). ومن ~~ثم، فإن المطلب الأكثر إلحاحا لتحسين السلوك الأخلاقي لدى الفرد ليس وجود قدر أكبر ~~من الوضوح الفكري، وإنما وجود قدر أكبر من المؤازرة التصورية الفعالة في مقاومة ~~الغواية (ومن هنا جاء قرار لوك في غضون بضع سنوات من نشر «مقال في الفهم البشري» للمرة ~~الأولى بإكمال هذا العمل بعمل آخر هو «معقولية المسيحية»، الذي يستعرض لوك فيه ما ~~اعتبر أنه نسخة من العقيدة المسيحية على قدر بارز من الوضوح والبساطة ~~والتوجيه). # إن هذا التحول في الاهتمام، الذي أعقبته - حسبما حدث بالفعل - إعادة الصياغة ~~الدقيقة للغاية لرسائل القديس بولس (التي خصها لوك بجهد بالغ حتى مماته)، يكشف الكثير ~~من الأمور. وهو يؤكد على اعتماد لوك الوثيق على مفهومه عن الحياة الصالحة للإنسان، على ~~افتراض وجود إله يرى الإنسان في الخفاء، ويراقب سلوكه، ويعاقبه بعد الموت على مخالفة ~~ناموسه. وثمة إضافتان من أهم الإضافات وأروعها إلى «مقال في الفهم البشري» - وهما: ~~المعالجة المعدلة لمفهوم الإرادة الحرة، والفصل الجديد تماما عن موضوع الهوية - ~~تتمركزان حول مسألة كيف يمكن للعقاب الإلهي أن يكون منطقيا وعادلا. لم يكن لوك ~~مستعدا في أي مرحلة من حياته لأن يتأمل تفضيلا إيمانيا واعيا على استنتاجات ~~العقل، وحتى بعد كتابة «معقولية المسيحية»، ظل واثقا من إمكانية إثبات وجود إله من ~~النوع المطلوب، وأنه يمكن - بل ينبغي أيضا - اعتبار ذلك استنتاجا عقلانيا (مراسلات ~~جون لوك). ومن السهل أن نرى السبب الذي جعل هذا الحكم غاية في الأهمية، إذا تأملنا ~~تداعيات بعض الأفكار الرئيسية الأخرى للمقال في غياب هذا الحكم. # إن الإنسان بطبيعته يفتقر إلى الهدوء والثبات عند الشدائد. # قلما نشعر بالارتياح، وقلما نكون متحررين بالدرجة الكافية من ms076 إغواء ~~رغباتنا الفطرية أو المكتسبة، لكن التعاقب المستمر لحالات عدم الارتياح بسبب ~~هذا المخزون المتراكم بفعل الاحتياجات الفطرية أو العادات المكتسبة، يجعل ~~الإرادة تنجرف وراءه، وبمجرد أن يصدر فعل ما - نشرع فيه بعزيمة تلك الإرادة - ~~تظهر حالة جديدة من عدم الارتياح كفيلة بأن تجعلنا ننساق وراء رغباتنا ~~واحتياجاتنا من جديد (مقال في الفهم البشري). # الإنسان في العالم «محاط بعوامل شتى ~~لعدم الارتياح» و«مشتت برغبات مختلفة»، ويحرك رغباته الألم واللذة، الخير ~~والشر، وذلك من خلال تداخلها مع مفهومه عن السعادة؛ فكل البشر يسعون دوما وراء ~~السعادة ويرغبون في كل ما يرون أنه جزء منها، وليس هذا بالأمر الاختياري. لا يستطيع ~~الإنسان أن يختار عدم السعي وراء السعادة، لكن هذا لا يقلل بأية حال من مسئوليته عن ~~اختيار أفعاله. الله نفسه «في احتياج إلى السعادة»، ومضمون حرية الإنسان أنه ينبغي أن ~~تكون لديه السلطة والمسئولية ليحكم بنفسه على ما هو جيد حقا (مقال في الفهم البشري). ~~وكما يختلف مذاق الطعام من شخص لآخر - فبعضهم يحب الإستاكوزا، والبعض الآخر يكرهها - ~~كذلك تختلف أذواقهم في هذه المفاهيم الأوسع نطاقا والأكثر تنوعا بشأن اللذة التي ~~تعتمد على العقل؛ فالبعض يقدر الثروة، والبعض الآخر يقدر المتع الجسدية؛ والبعض ~~يقدر الفضيلة، والبعض الآخر يقدر التأمل، ولما كانت اللذة مسألة ذوق، فمن ~~العبث إنكار أن سعادة الإنسان في هذا العالم ستتخذ أشكالا مختلفة للغاية. # لو أن الإنسان فقط يكون لديه ~~أمل في هذه الحياة؛ لو أنه فقط يستطيع أن يستمتع بحياته! فليس من الغريب أو غير ~~المعقول أن يسعى الإنسان وراء سعادته من خلال تحاشي كل الأمور التي تسوءه، ~~والسعي وراء كل ما يبهجه ... لأنه إذا كانت لا توجد فرصة للحصول على هذه اللذة ~~بعد الموت، فقطعا سيصح الاستنتاج التالي: «دعونا نأكل ونشرب، دعونا نستمتع بما ~~نجد فيه لذتنا؛ لأننا غدا سنكون في عداد الأموات» ... ربما تختلف اختيارات ~~الأشخاص، لكنهم جميعا يتفقون على اختيار الصواب، على افتراض أنهم يشبهون ~~بالأحرى شرذمة من الحشرات الهزيلة، التي بعضها نحل يجد ms077 لذته في الأزهار ~~ورحيقها، والبعض الآخر خنافس تجد لذتها في أنواع أخرى من الطعام، والتي بعد أن ~~استمتعت طوال فترة حياتها، ينبغي الآن أن تنتهي حياتها وتموت، ولن يكون لها ~~وجود مرة أخرى للأبد (مقال في الفهم البشري). # يحاول لوك بين الحين والآخر أن يشير إلى أنه حتى في هذه الحياة ثواب الفضيلة يفوق ~~ثواب الرذيلة (مقال في الفهم البشري)، غير أن الأهمية الرئيسية لحكمه تتعارض بوضوح مع ~~هذا الرأي (أعمال جون لوك، المجلد الثالث). إذا كانت السعادة تعتمد على ذوق الفرد وحده، ~~والذوق نفسه فوق الانتقاد، فلا يمكن كبح شهوات الإنسان إلا بوسائل الوعيد المعلومة ~~لديه؛ النفسية والأخلاقية والبدنية. وحتى في هذا العالم، سيكون كبح شهوات الإنسان أمرا ~~لا غنى عنه إذا أردنا للمجتمع أن يظل قائما. «تكمن مبادئ الأفعال حقا في شهوات ~~الأفراد، لكنها أبعد ما تكون عن المبادئ الأخلاقية المتأصلة في الإنسان بالفطرة، التي ~~إذا تركت دون كبح جماحها، فسوف تؤدي بالإنسان إلى ما هو عكس كل الأخلاق» (مقال في ~~الفهم البشري). ولو أن طبيعة الإنسان أجبرته على أن يرى أزماته الأخلاقية كما رآها لوك ~~- «لذة تغوي، وإله قادر ترى يده مرفوعة، وعلى أهبة الاستعداد للبطش» - لكان معظم ~~البشر قطعا سيغيرون اختياراتهم المعتادة، لكن إذا بدأ عقل الإنسان يتشكك ويرفض ~~حقيقة هذا الوعيد، فسوف يتضح أن اختياراته المعتادة قد جرى التفكير فيها مليا، حتى ~~إنه يمكن مضاهاتها على نحو إيجابي باختيارات لوك نفسه. والحكم الرئيسي للوك أن ~~الإنسان يستحق العقاب على ارتكابه فعلا شريرا؛ لأن هذا الفعل يبرهن أن الإنسان «أفسد ~~ذوقه وقدرته على التمييز» (271)، ويعتمد هذا الحكم في ترابطه، وكذلك في قوة حجته، ~~على كونه مقياسا سليما لسلوك الإنسان لا صلة له بما يروق للإنسان وما ينجذب ~~إليه. # طبيعة المعرفة # لا يولي الجزء الأكبر من «مقال في الفهم البشري» اهتماما مباشرا بالمسائل ~~الأخلاقية، لكن حتى في أجزاء الكتاب التي يستعرض لوك فيها نظريته حول الكيفية التي ~~يمكن للإنسان بها معرفة الطبيعة، كثيرا ما يلعب مفهوم لوك ms078 عن العلاقات بين الله ~~والبشر دورا مهما، وهو لا يلعب هذا الدور من خلال عرض استنتاجات نظرية لوك الطموحة ~~والشديدة المنهجية، وليس أيضا من خلال التشكك في أية نظرية من هذا النوع، لكن ~~بالأحرى من خلال وضعها في إطار تصوري متجانس؛ ففي بعض النواحي، يرى لوك أن نطاق ~~المعرفة البشرية شديد التقيد والمحدودية، لكنه في حدود هذا النطاق، لا يساوره أدنى شك ~~على الإطلاق في حقيقة كونها معرفة. ومع أنه ينكر صراحة أن المعرفة تدخل التاريخ مع ~~الجنس البشري، فإنه ينظر إلى المعرفة على أنها شيء ربما نكون على يقين تام من أن ~~الإنسان مؤهل له بالفطرة، ولعل الله - بل الملائكة والمخلوقات الأخرى أيضا - لديه ~~معرفة مباشرة وأوسع نطاقا بكثير مما لدى الإنسان (استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل ~~الأشياء في أعمال الله، الطبعة السابعة). ربما جانب الصواب كل البشر في كثير من ~~معتقداتهم (مع أنه كان في الواقع يرتاب فيما إذا كانت المعتقدات التي يعتنقونها بالفعل، ~~كثيرا ما تكون على القدر نفسه من اللامنطقية الذي عليه الكثير من معتقداتهم المزعومة ~~(مقال في الفهم البشري).) لكن أي إنسان لديه من سرعة التفكير والبديهة ما يؤهله ~~لإنعام النظر في هذه المسألة، ربما يكون على ثقة ودراية تامة بأنه مؤهل ~~للمعرفة. # تغطي نظرية لوك العديد من المسائل الفلسفية الكبرى: علاقة أفكار الإنسان وخبراته ~~بأهدافه، وكيفية اكتساب الكلمات لمعانيها والاحتفاظ بها، وآلية الإدراك الحسي لدى ~~الإنسان، وآلية المعرفة والفهم البشري، وحسبما أوضح لوك، لم يكن مقصودا أن تصير ~~نظريته نظرية علمية؛ والنظرية العلمية هي نظرية تدور - على سبيل المثال - حول ~~الكيفية التي يمكن بها للأشياء المادية التي يراها الإنسان أن يكون لها دور في تعديل ~~آرائه (استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله، الطبعة السابعة)، أو ~~الأسباب الدقيقة التي تجعل أجزاء من الطبيعة تؤثر في أجزاء أخرى على النحو الذي ~~نشاهده بالفعل. كان لوك شديد التشكك فيما إذا كانت القدرات الفطرية للإنسان تؤهله ~~للفهم على نحو عميق ودقيق، ms079 وأحيانا كان ينساق وراء هذا الشك على نحو بالغ، حسبما اتضح ~~بعد ذلك. لكن على عكس هذه القيود المؤكدة دينيا، كان لوك يعتقد بشدة أن الإنسان ~~يمكنه أن يفهم بوضوح كيف يميز بين ما في وسعه أن يأمل معرفته، وما ليس كذلك؛ ولكن ~~الأهم أنه كان على يقين أيضا من أن الإنسان إذا طبق هذا الفهم فعليا في استخدام ~~عقله في الحياة الواقعية، ففي مقدوره أن يكون واثقا ليس فقط من معرفة الكثير من ~~المعلومات المفيدة عمليا، وتوسيع نطاق فهمه العلمي للطبيعة، وإنما سيكون واثقا أيضا ~~من السلوك الذي عليه أن يسلكه بوصفه مخلوقا يتمتع بقدرة على التمييز الأخلاقي، تجعله ~~يفرق بين الخير والشر. وبدلا من أن يطلق الإنسان أفكاره «في محيط الوجود الشاسع»، ~~فالأفضل هو أن ينصح الإنسان بالتفكير جديا في قدرات فهمه، وبتوجيه أفكاره وأفعاله ~~وفقا لتلك القدرات (مقال في الفهم البشري). # يقدم «مقال في الفهم البشري» نفسه تعهدا ب «التفكير في ملكات التمييز عند ~~الإنسان، فيما تستغل في التمييز بين الأشياء التي يتعين على الإنسان التعامل ~~معها.» ومن خلال «هذا النهج التاريخي الواضح»، يطمح المقال إلى تقديم «تفسير للطرق التي ~~يتوصل بها الفهم البشري إلى تلك المفاهيم التي لدينا عن الأشياء.» يهاجم لوك في ~~الجزء الأول من هذا العمل مبدأ الأفكار الفطرية المتأصلة، وهي الأفكار التي يولد ~~بها الإنسان؛ فقد كان لوك يرفض بالفعل الرأي القائل بأن الإنسان يولد ولديه أفكار ~~أخلاقية ودينية متأصلة، كما رأينا في كتابه «مقالات حول قانون الطبيعة». وبالنظر إلى ~~تنوع القيم الأخلاقية والمعتقدات الدينية في المجتمعات المختلفة التي كان على دراية ~~بها، فإنه لم تكن لديه أدنى صعوبة في إثبات حماقة هذا الرأي. تسبب التهكم الذي ~~تناول به لوك هذا الموضوع في إهانة شديدة بين رجال الدين الأنجليكانيين في ذلك ~~الوقت، وكان سببا رئيسيا لذيوع صيت لوك بوصفه مروجا للآراء المخالفة للدين، وأهم ~~من ذلك في المقال ككل أن لوك رفض الرأي القائل بأن قدرة الإنسان على فهم الطبيعة، ~~إنما تعتمد أيضا ms080 على المعرفة المتأصلة بعدد من مسلمات العقل مثل «ما سيكون سيكون» ~~(مقال في الفهم البشري)، وكان ديكارت من معتنقي هذا الرأي على سبيل المثال. وبما أن ~~معظم البشر (وفي الواقع كل الأطفال الصغار) ليسوا على دراية بأي من تلك المسلمات، ~~فمن الحمق إذن أن ننعتهم بمعرفة تلك المسلمات. إن الإنسان يتوصل إلى فهم حقيقة ~~تلك المسلمات بتجربة أمور معينة، ولما كان الإنسان يعتمد حقا في هذا الفهم على ~~إعمال قدراته العقلية، نفى هذا على الإطلاق فكرة أن معرفة تلك المسلمات متأصلة في ~~الإنسان. # تستعرض الأجزاء الثلاثة المتبقية من «مقال في الفهم البشري» نظرية لوك الحاسمة حول ~~السبيل الذي يسلكه الإنسان للمعرفة، وسبيله إلى تكوين معتقدات يرى أن من العقلاني ~~الإيمان بها. يتناول أول هذه الأجزاء تفسير لوك لطبيعة الأفكار بوصفها الموضوعات ~~المباشرة الوحيدة للفكر البشري؛ ومن ثم الموضوعات الوحيدة التي يكون لدى الإنسان ~~معرفة «متعمقة» بها (ما كان يقصده لوك ببساطة بكلمة «فكرة» هو «أي موضوع - أيا ما ~~كان - يستحوذ على فهم الإنسان وتفكيره»)؛ ويدور ثاني تلك الأجزاء حول طبيعة الكلمات، ~~واللغة بوجه عام؛ بينما يلخص الجزء الثالث نتائج الجزأين الأولين في نقاش ~~جريء حول طبيعة المعرفة البشرية. المعرفة نفسها هي نوع من الإدراك؛ إدراك «ترابط أي ~~من أفكارنا وتوافقها، أو اختلافها وتعارضها»؛ فما يدركه الإنسان - بل حتى ما يفكر فيه ~~- مباشرة، يكون دائما عبارة عن أفكار بعينها موجودة في ذهنه. وأي استنتاجات عامة ~~حقيقية يتوصل إليها الإنسان لا تصح إلا بقدر ما تتفق معها علاقات أخرى بعينها في ~~الطبيعة، أو في فكر أناس آخرين. والأفكار نفسها تكون جميعها إما بسيطة وإما معقدة؛ ~~فإذا كانت بسيطة، فإنها تكون مستمدة مباشرة من الحواس، بوصفها مداخل المعرفة؛ أما ~~إذا كانت معقدة، فإنها تتشكل من خلال الجمع العقلي الطوعي للأفكار البسيطة. تنشأ ~~كل المعرفة البشرية وتستمد في نهاية المطاف من التجربة، إما من خلال ملاحظة الأشياء ~~المحسوسة في العالم، أو عن طريق إعمال الإنسان لعقله وتمحيصه للأفكار التي تجول فيه. ~~يستطيع الإنسان أن ms081 يفكر ويعرف ويحكم بنفسه، ولا بد أن يفعل ذلك بما أنه لا يستطيع في ~~نهاية المطاف أن يضع ثقته في آخرين ليتولوا هذا الأمر عنه. عقول الأطفال عند الميلاد ~~تشبه الورقة البيضاء، ومع أنهم في البداية يتأثرون بوضوح بالتأثير الفطري تماما ~~لأفكار بعينها من خلال الحواس، فإنهم سرعان ما يشوهون أيضا بتعاليم الكبار ~~الخرافية وغير المنطقية في أغلب الأحوال، وحالما تتشوه عقولهم على هذا النحو، حيث ~~يفوق العرف في قوته قوة الطبيعة، فلا سبيل إلى إصلاح هذا التشوه إلا عن طريق ~~الجهد المتواصل الذي يستحثه الحب المتأصل لدى الإنسان لمعرفة الحقيقة. # والكلمات التي يعبر بها الإنسان عن ~~أفكاره هي إحدى الطرق الرئيسية التي يتعرض من خلالها لهذا التشويه. وحسبما يقر لوك ~~نفسه، ورد النقاش المنهجي لمسألة اللغة كفكرة متأخرة في الجزء الثالث، لكن لم يساوره ~~أدنى شك فيما يمثله هذا النقاش من أهمية عملية؛ إذ إن «الجزء الأكبر من الأسئلة ~~والمسائل الخلافية التي تحير البشرية معلق بالاستخدام المبهم والملتبس للكلمات»، ~~وبما أن معظم الأفراد يصوغون أفكارهم في أغلب الأحيان في شكل كلمات، وبما أن الحقائق ~~العامة غالبا ما يعبر عنها بالكلمات، فمن الممكن أن يؤدي الالتباس أو الغموض ~~غير اللازم في استخدام تلك الكلمات إلى حدوث ضرر هائل. ولأن الكلمات «تقحم نفسها بقوة ~~بين المفاهيم التي لدينا وبين الحقيقة»، فإن غموضها والتباسها يمكن أن «أن يلقي غشاوة ~~أمام أعيننا»، وهذا التأثير يكون مأسويا بوجه خاص في القانون واللاهوت والنقاش ~~الأخلاقي (مقال في الفهم البشري). # إن هذا الإصرار على أهمية الوضوح ~~اللفظي، والتأكيد الذي يضعه لوك على الدور المهيمن للحواس في تزويد الإنسان بمعرفة ~~الطبيعة، ومفهومه عن عقل الرضيع بوصفه ورقة بيضاء تكتب فيها الخبرات؛ ربما يكون على ~~الأرجح أكثر الموضوعات التي تناولها لوك في «مقال في الفهم البشري» تفاؤلا. لا يزال ~~الموضوعان الأولان يلقيان بعض الاستحسان في الفلسفة الحديثة؛ وكان لهذه الموضوعات ~~الثلاثة دور مهم في بلورة صورة لوك بوصفه من قدم الأساس الفلسفي لروح التفاؤل ~~التي سادت عصر التنوير. ms082 وعلى النقيض من ذلك، فإن تأكيده على قوة العرف، وعلى ~~العمليات المنمقة والخادعة التي يصوغ بها الأفراد معتقداتهم ويعدلونها ويحمونها، ~~وطبيعة الرغبات الدنيوية التي لا عظة فيها ولا عبرة لدى معظم الأفراد، يوحي على نحو ~~قاطع باستنتاجات أكثر تشاؤما؛ وبالطبع لا يشجع هذا التأكيد مطلقا على آمال عصر ~~التنوير الأكثر تطرفا المتعلقة بإصلاح الطبيعة البشرية ككل من خلال السيطرة ~~السياسية على البيئة التي ينشأ فيها الأفراد. ويمثل هذا الأمر أهمية خاصة؛ نظرا ~~للعلاقات الوثيقة التي ارتآها لوك نفسه بين الأسباب التي تدعو الأفراد إلى الثقة في ~~حواسهم من جانب، وقوة رغباتهم الدنيوية من جانب آخر. وكان الملاذ الأخير أمام لوك أنه ~~رفض الشكوك الارتيابية حول ما إذا كانت حواسنا تمدنا حقا بأي معرفة على الإطلاق، ~~واستند في ذلك إلى سببين مختلفين للغاية. ويمكن استعراض مفهومه حول كيفية قيام الحواس ~~بهذا الدور بإيجاز، لكن لا بد أولا من شرح الأسباب التي جعلته يرفض مذهب الشك. # أحد هذه الأسباب - الذي هو انعكاس لتأثير ديكارت الجزئي - بسيط وديني ومن ~~المستبعد أن يستهوي الجمهور العلماني؛ ألا وهو أن الخالق بفضل صنيعه ما كان ~~ليهب الإنسان حواس تضلله بطريقة ممنهجة («مقال في الفهم البشري»، «استعراض ~~رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله»، الطبعة السابعة). أما السبب ~~الثاني، فإنه أكثر تعقيدا للغاية ولا يقتضي التدين على الإطلاق؛ فالأدلة التي تأتينا ~~من كل حاسة لا تؤكد حقيقتها وثبوتها عبر الزمن فحسب، وإنما تؤكد أيضا حقيقة ~~الحواس الأخرى وثبوتها، والثقة في الحواس أمر لا غنى عنه للحياة العملية، ويرتبط ~~ارتباطا مباشرا بمثيرات اللذة والألم القوية للغاية - «المحاور التي ترتكز عليها ~~عواطفنا» (مقال في الفهم البشري) - حتى إن لوك لا يستطيع أن يصدق أن أي إنسان يمكن أن ~~يرتاب عن جد في صحة التجربة الحسية، فضلا عن أن يحيا كما لو كان قد افترض أنها ~~وهمية. وأيا كانت قوة الحجج التي تدعم الشك الارتيابي، فلا يمكن له إلا أن يكون ~~شكا عديم الأهمية؛ لأن الحواس تلعب ms083 دورا محوريا في طريقة تكيف الإنسان مع ~~الطبيعة وسيطرته عليها. ونظرا للمفهوم الواضح الذي اعتنقه لوك فيما يتعلق بمقتضيات ~~الفضيلة (رسالة في التسامح) وإغراءات الرذيلة، ونظرا لأن الإيمان بالله أمر بالغ ~~الضرورة لتعزيز هذا المفهوم ، لم يستخلص لوك نفسه أية نتائج قوية من هذه العلاقة ~~القائمة بين الحواس والرغبات؛ فمن وجهة نظره، التي تتفق مع وجهة نظر نيتشه الذي جاء ~~بعده بقرنين تقريبا، لو انتفى وجود الله، فإن الإنسان «ما كان ليكون لديه قانون سوى ~~إرادته، ولا غاية سوى نفسه، ولصار إله نفسه، ولأصبح إرضاء رغبته هو المقياس ~~والغاية الوحيدة لكل أفعاله» (الفكر السياسي لجون لوك)؛ ومن ثم كان سيصبح ~~الاختيار الأساسي المتاح للإنسان هو أن يختار نوع المخلوق الذي يريد أن يكونه. لكن من ~~وجهة نظر أولئك الذين كانت مخيلاتهم أقل تقيدا بالفضيلة والعفة ومتطلباتهما القمعية ~~(أمثال جيرمي بنثام)، كانت هذه العلاقات المتعددة بين الحواس والرغبات توحي بنمط حياة ~~أكثر راحة وأكثر تعلقا بالنواحي الدنيوية. لم يكن لوك نفسه نفعيا إلا في نظر من ~~أتوا بعده، لكن من السهل أن نرى كيف تمكن الفلاسفة وأصحاب الرأي الأقل تدينا من ~~أن يؤسسوا مذهبا نفعيا دنيويا خالصا على مفهومه عن الفهم البشري. وأيا كان ~~رأي لوك الفلسفي عن كيف يتسنى أن يكون لدى الأفراد الذين فقدوا إيمانهم بالله سبب ~~وجيه للحياة، فمن السهل أيضا أن نرى كيف كان لوك في ظل هذه الظروف سيتوقع منهم ~~عمليا أن يختاروا الحياة. وبالنظر إلى تاريخ الاعتقاد الديني في أوروبا الغربية منذ ~~وفاته، من الصعب أن نتصور أن تاريخ الاعتقاد والحس الأخلاقي المقابل قد أتى إليه ~~بمحض المصادفة. # أنواع المعرفة # يعبر لوك في «رسالة إلى القارئ»، التي يستهل بها «مقال في الفهم البشري»، عن ~~التطلع إلى خدمة رواد العلوم الطبيعية ومؤسسيها في القرن السابع عشر - بويل ~~وهويجنز ونيوتن - بوصفه مجرد مساعد بسيط «يزيل بعضا من المعوقات التي تعترض طريق ~~المعرفة» (مقال في الفهم البشري). ويمكن إزالة تلك المعوقات بطريقتين رئيسيتين؛ إحداهما ~~سلبية والأخرى إيجابية. فيما ms084 يختص بفهم الطبيعة، لا بد من كبح القوى الإبداعية للعقل ~~على نحو صارم، والوثوق في أقل شهادة تصورية للحواس؛ فلا يمكن للإنسان أن يأمل في فهم ~~آليات الطبيعة بذلك الوضوح الذي يفهم به علم الجبر على سبيل المثال، لكن بفهم الإنسان ~~لآلية عقله عند اكتساب المعرفة، من خلال الملاحظة المتأنية للطبيعة والتعبير الدقيق ~~عن نتائج هذه الملاحظات، في مقدوره أن يأمل في توسيع نطاق فهمه على نحو هائل. يميل عقل ~~الإنسان بطبيعته إلى المعرفة، وأحد الأسباب التي تجعل الشك الشمولي ضربا من الحمق أن ~~التباين الذي يستدعيه بين الحقيقة والوهم يعتمد على القدرة على التمييز التي ينكرها؛ ~~«لا يمكننا القيام بأي فعل إلا عن طريق ملكاتنا وقدراتنا، كما لا يمكننا أن نتحدث ~~عن المعرفة نفسها إلا بمساعدة تلك الملكات المؤهلة لفهم ماهية المعرفة نفسها» ~~(مقال في الفهم البشري). # يتمتع الإنسان بثلاثة أنواع رئيسية من المعرفة: المعرفة الحدسية، والمعرفة ~~البرهانية، والمعرفة الحسية (وضع الذاكرة في المعرفة غير واضح بعض الشيء). المعرفة ~~الحدسية هي أكثر أنواع المعرفة التي نحن على يقين بوجودها؛ لأنها أقلها من حيث ~~إمكانية تجنبها؛ فمعرفة الله معرفة حدسية، فهو يرى كل شيء في ساعته وتوه؛ ومن ~~ثم لا حاجة له إلى العقل («استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال ~~الله»، الطبعة السابعة). إن الحقيقة الأساسية التي يعرفها الإنسان حدسيا هي حقيقة ~~وجوده؛ فلا يمكن أن يشك الإنسان في ذلك. ولا شك أن الدليل السليم يعتمد على المعرفة ~~بقدر ما يعتمد على الحدس، لكن بما أنه ينطوي حتما على علاقات بين عدة أفكار مختلفة، ~~فإنه «مؤلم، وغير مؤكد، ومحدود» («استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في ~~أعمال الله»، الطبعة السابعة) بالمقارنة مع الحدس؛ ويمكن أن يكون الإنسان - وغالبا ~~ما يكون - مخطئا في افتراض أنه توصل إلى هذا الدليل. أما المعرفة الرياضية فهي ~~معرفة برهانية، لكن أهم حقيقة يمكن للإنسان أن يعرفها على نحو برهاني هي وجود الله. ~~وأخيرا المعرفة الحسية، وتنشأ من خلال التأثير ms085 الذي تمارسه العناصر الموجودة في العالم ~~على حواس الإنسان (مقال في الفهم البشري)، ولا نعرف بالضبط كيف تنشأ تلك المعرفة ~~(«استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله»، الطبعة السابعة)، لكن ~~الجهل بمنشئها لا يجعلنا أقل يقينا بها (مقال في الفهم البشري)؛ فعندما نرى ورقة ~~بيضاء أثناء الكتابة عليها، لا يمكننا الارتياب في اللون الذي نراه أو الوجود الحقيقي ~~للورقة، تماما مثلما لا يمكننا الارتياب في فعل الكتابة نفسه أو حركة اليد القائمة ~~بفعل الكتابة؛ «إنه أقصى يقين تسمح به طبيعتنا البشرية - فيما يتعلق بوجود أي شيء - ~~بعد يقيننا بوجودنا نحن وبوجود الله.» وتستحق المعرفة الحسية عن جدارة أن توصف بكونها ~~معرفة؛ فنطاقها يتسع «بالقدر الذي تستخدم به شهادة حواسنا الحاضرة في إدراك موضوعات ~~معينة، تؤثر فيها بعد ذلك، وليس لأبعد من هذا»، مع الاستثناء الأساسي بأن ذاكرتنا - ~~عندما تكون دقيقة - تمنحنا معرفة بالوجود السالف لبعض الموضوعات التي أكدتها لنا ~~حواسنا من قبل (مقال في الفهم البشري). # الذاكرة مكمل مهم للمعرفة البرهانية وكذلك للمعرفة الحسية، ومن دونها لم تكن ~~لتعرف أية حقائق عامة في مجال الرياضيات، ولم نكن لنتمكن من الوصول حتى إلى المعرفة ~~«المعتادة» لصحة أي براهين كنا قد أكملناها في الماضي، ما لم نكن نعرف في الحاضر كيف ~~نكررها؛ ولم يكن ليقال عن نيوتن - على سبيل المثال - إنه كان على دراية بما برهنه ~~في كتابه «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية»، إلا عندما صاغ سلسلة الاستدلالات العقلية ~~الكاملة الخاصة به «بمنظور واقعي» (مقال في الفهم البشري). # شكل : لوك بوصفه عدوا لدودا لما بعد الحداثة: القناعة بأن الحقيقة ~~هي عكس الزيف، وأنه يمكن العثور عليها، وأنها تستحق أن يسعى في ~~طلبها. # تعرض هذا المفهوم الخاص بالمعرفة للنقد من زوايا عدة، وربما كان من الممكن أن ~~يقبل نفر قليل من الفلاسفة المحدثين الدليل العملي الذي أقامه لوك على وجود الله، ~~لكن الهجوم الأهم والأوسع انتشارا على الإطلاق سدد إلى تحليله للمعرفة الحسية؛ فقد ~~شككت مجموعة متعاقبة من النقاد البارعين ms086 ذوي الآراء المتباينة للغاية - بدءا من ~~بيركلي وتوماس ريد وكانط، ووصولا إلى وقتنا الحالي - في توافق المكونين الرئيسيين ~~لوجهة نظره تلك؛ وهما: أن الحواس تتيح للإنسان معرفة العالم الخارجي، وأن كل أنواع ~~المعرفة تتضمن إدراكا عقليا للأفكار. في الواقع، مذهب لوك هو مذهب معقد ودقيق، ~~وكثير من الاعتراضات التي وجهت إليه باءت قطعا بالفشل؛ فقد كان يرى بالفعل أن ~~تلك الأفكار البسيطة عن العناصر الطبيعية تتطابق إلى حد كبير مع الشكل الذي عليه تلك ~~العناصر الطبيعية بالفعل؛ أي إنها تمنح الإنسان معرفة بخصائصها وصفاتها، وبذلك تختلف ~~تلك الأفكار اختلافا جذريا عن المفاهيم الأخلاقية - على سبيل المثال - التي لا ~~تتضمن محاولة لمطابقتها مع «نموذج أصلي» موجود خارج عقل الإنسان. ومما لا شك فيه ~~أيضا أنه كان يعتنق نظرية سببية في جوهرها حول الإدراك الحسي، مفادها أن الحواس ~~تتيح لنا معرفة الطبيعة عن طريق خصائص الأشياء المسببة للأفكار في عقولنا. كما ~~يتصور بوضوح الآليات السببية التي هي موضع خلاف شديد للغاية فيما يتعلق بالمفهوم ~~العلمي للمادة والحركة في القرن السابع عشر (استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل ~~الأشياء في أعمال الله، الطبعة السابعة): من الواضح أن «الحركة تستنزف في إنتاج تلك ~~الأفكار، ومن المفترض أن الحركة بهذا التعديل الذي يطرأ عليها هي السبب في تولد تلك ~~الأفكار لدينا.» بيد أنه لم يفترض لبرهة واحدة أن الإنسان في عصره كان لديه أي ~~فهم واضح بشأن الآلية الفعلية لهذه السببية، وشكك بوضوح في أن تكون الحواس حادة ~~وواضحة بالدرجة التي تهيئ الإنسان لفهمها، حتى ولو على نحو مبدئي. لكن، على الرغم ~~من أن نظريته بذلك كانت أكثر تفصيلا وتشككا مما عرف عنها أحيانا، فإنه كان ~~يشوبها الكثير من نقاط الضعف المهمة، ومن المنطقي التأكيد على أن المعرفة الكاملة تنطوي ~~على فعل عقلي وجانب ما من الوعي. ولا يزال من الآراء المنطقية، فيما يتعلق بالعالم ~~الخارجي على الأقل، أنه «بما أن الموضوعات، التي يتأملها العقل، لا يكون أي منها - ~~إلى جانب العقل نفسه - حاضرا ms087 جاهزا للفهم، فمن الضروري أن موضوعا آخر - كعلامة ~~دالة على الموضوع الذي يتأمله العقل أو تمثيل له - يكون حاضرا جاهزا للفهم؛ وتلك هي ~~الأفكار» (استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله ، الطبعة السابعة). ~~ومع ذلك، فإن الرأي القائل بأن قدرة الإنسان على المعرفة يمكن تفسيرها في مجملها ~~تفسيرا وافيا بأنها اكتساب أفكار بسيطة يدركها الإنسان عن طريق الحواس، أو يحصل عليها ~~من خلال التأمل؛ يظل غير مقنع. # على الرغم من ذلك، استطاع لوك - على هذا الأساس - أن يقدم تحليلا رائعا للفلسفة ~~الطبيعية: «معرفة الأشياء كما هي في كينوناتها السليمة، وقوانينها، وخواصها، وعملياتها» ~~(استعراض رأي بي مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله، الطبعة السابعة). أقر ~~لوك في هذا الرأي بمظاهر التضليل والخداع المحتملة للحواس والذاكرة، دون الاستسلام ~~للشك الشمولي؛ فقد ميز جيدا - إن لم يكن بوضوح شديد دائما - بين تلك الخواص ~~«الأولية» للطبيعة (مثل الشكل) التي توجد في أجسام بمعزل تام عن مشاهديها من البشر أو ~~غيرهم، وبين الخواص «الثانوية» (مثل اللون) التي تعتمد جزئيا على القدرات الإدراكية ~~لدى القائم بالمشاهدة؛ فالإنسان يدرك المكعب المصمت على هذا النحو لأن تلك هي الحالة ~~التي هو عليها ببساطة، سواء تفقده الإنسان أم لم يتفقده، لكنه يدرك اللون الأحمر ~~للوردة؛ لأنه عندما يراها في ضوء النهار تؤدي خواصها الفيزيائية إلى أن يدركها بهذا ~~اللون؛ ومن ثم فجميع الأفكار البسيطة تتسبب فيها «خواص» العناصر بوسائل لا نفهمها، ~~وغالبا لا نستطيع أن نفهمها، لكن على عكس الخواص الثانوية، لا تعتمد الخواص الأولية ~~على العلاقة بين البشر والعناصر الخارجية. ومن الطبيعي أن يفكر الإنسان في كلا نوعي ~~الخواص على أنهما موجودان ببساطة في العناصر الخارجية، لكن لا يكون هذا الاعتقاد ~~الطبيعي صحيحا تماما إلا في حالة الخواص الأولية. # تقتصر معرفة الطبيعة على الأفكار الحسية البسيطة، التي يدركها الإنسان في الحاضر أو ~~يستدعيها إلى ذهنه من خلال الذاكرة. لكن لا ريب أن اعتقاد الإنسان عن الطبيعة يمتد لما ~~هو أبعد من ذلك ms088 بكثير؛ فهو يعتمد في الأساس على أحكام الاحتمالية، بناء على مقارنات ~~مفصلة بين الأفكار البسيطة وتوليفات منها؛ ومن ثم، فهو ليس شكلا من أشكال معرفة ~~الطبيعة، وإنما شكل من التخمين المدروس جيدا عن الطبيعة. وعلى مدى معظم القضايا ~~الأكثر أهمية في حياة الإنسان، لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقا ما يفعله حيال تلك ~~القضايا أو ماهيتها، كل ما بوسع الإنسان فعله هو إبداء رأيه في هذه القضايا على نحو ~~متعقل قدر المستطاع، وهو أمر لا بد له قطعا من فعله. وإصرار الإنسان على طلب ~~المعرفة في المسائل التطبيقية التي تستحيل معرفتها يكون له أثر هدام في النفس؛ فهذا ~~من شأنه أن يعوق الإنسان عن اتخاذ أي إجراء على الإطلاق ويعطل حياته. لا يمكن معرفة ~~حقائق عامة عن الطبيعة؛ ومن ثم لا يوجد ما يسمى بعلم الطبيعة بالمعنى الصارم ~~للكلمة؛ فالإنسان محق تماما في أن يرى أنه يعرف أن أفكاره الحسية والتأملية ~~البسيطة تتطابق مع الواقع والحالة التي عليها العالم والحالة التي عليها الإنسان نفسه، ~~لكن عندما يحاول أن يفهم نفسه والطبيعة من حوله، فإن الأفكار المعقدة التي يصوغها ~~في عقله من هذه الأفكار المادية البسيطة لا يمكن التيقن من تطابقها مع الواقع؛ وما ~~يضطر الإنسان إلى فعله، بدلا من ذلك، هو أن يحكم على ما إذا كان الواقع يتطابق مع ~~أفكاره المعقدة أم لا. وإذا أصدر الإنسان حكمه هذا بإنعام وتعقل، فسوف يخدم ذلك كل ~~الأغراض التطبيقية كما ينبغي؛ فما يطلبه الله من الإنسان يستحيل ألا يكون الإنسان على ~~معرفة به، لكن التعامل بفاعلية مع الطبيعة لا يتطلب معرفة، وإنما يتطلب فقط تخمينا ~~بارعا. # لكي يكون لدى الإنسان علم حقيقي عن الطبيعة الخارجية، يجب أن تكون لديه معرفة حسية ~~بالحقائق العامة المتعلقة بآليات تلك الطبيعة، وسيتعين عليه أن يكون قادرا بالمعنى ~~الحرفي للكلمة على أن يرى الأسباب التي تتمخض عنها كل النتائج الطبيعية وكيفية ~~تمخضها عنها. يتصف الله نفسه بكل تأكيد بهذه القدرة على الرؤية المباشرة، بل من ~~الممكن أن ms089 تكون الملائكة أيضا - ولو بدرجة أقل - قادرة على إدراك بعض آليات الطبيعة ~~مباشرة. لكن البشر - نظرا لمحدودية حواسهم - لا بد أن يعتمدوا إلى حد كبير في ~~فهمهم للطبيعة على التحكم في مفاهيمهم وتصنيفاتهم على أساس من الوعي الذاتي؛ فإذا ~~كانوا لا يستطيعون أن يتوصلوا إلى معرفة حقائق عامة عن الطبيعة، فلديهم كل الدوافع ~~العملية لأن يحاولوا تكوين معتقدات عامة سليمة عن آلياتها. ولكي يزيدوا من احتمالات ~~النجاح في هذه المجازفة، لا بد أن يولوا اهتماما خاصا بالوسائل التي يصوغون بها ~~أفكارهم المعقدة، ويوظفون بها الكلمات التي يستخدمونها في تسمية هذه الأفكار؛ ~~فالأفكار البسيطة هي علامات طبيعية على خواص العناصر الطبيعية، والكلمات هي علامات ~~بشرية على الأفكار الموجودة في العقل. الأفكار البسيطة لا إرادية، في حين أن الكلمات ~~إرادية تماما، ونظرا لأن الأفكار المعقدة كانت تقع في مكان وسط بينهما، فمن ~~الممكن إخضاعها للتنظيم المدروس والمتعمد من جانب العقل، لكنها تعتمد اعتمادا ~~كليا على شهادة الحواس فيما يتعلق بعناصرها المادية. ولكي يضمن الإنسان أقصى قدر ~~من التحكم في توجيه مفاهيمه وآليات فهمه، يلزمه قدر فائق من الوعي الذاتي على ~~المستويين العقلي واللفظي. ويعتبر البحث العلمي المنهجي والخطاب الفلسفي هما الوسيلة ~~العامة والعملية للتعبير عن أحد أشكال الرعاية والمسئولية العقلية التي يتوجب على ~~جميع البشر أن يتحملوها في حدود فرصهم الاجتماعية. # إن البحث العلمي - حسبما يرى لوك - لا يؤدي إلى المعرفة؛ ومن ثم يرى لوك أنه لا ~~يستحق أن ينعت بكونه علما، لكنه قطعا يتيح للإنسان تحسين فهمه للطبيعة؛ فقد أحرز ~~البحث العلمي مؤخرا تقدما هائلا في أعمال معاصريه الموقرين أمثال بويل ونيوتن ~~وغيرهما من أعضاء الجمعية الملكية، الذين كانوا بمنزلة علامات مضيئة ورائدة في ~~مجالاتهم. ومن غير الواضح إلى أي مدى كان لوك نفسه يتوقع أن يسهم هذا البحث ~~المتخصص والمنهجي والنظري بدرجة كبيرة في العالم الطبيعي، في حد ذاته، في زيادة سيطرة ~~الإنسان على الطبيعة أو تعزيز استمتاعه بالحياة في هذا العالم. (في مجال الطب، كان لوك ~~يتمنى بالطبع أن ms090 يعود البحث العلمي على الأفراد ببعض المنافع الدنيوية المباشرة، ~~لكن من الواضح أنه لم يكن يتوقع تحولا في قدرة الإنسان على السيطرة على الأمراض أو ~~تخفيف الآلام.) ومع ذلك، أيا كانت الإسهامات المميزة للبحث العلمي ، كان لوك يرى ~~بوضوح أن البحث العلمي امتدادا طبيعيا للجهود الفعالة والعملية لفهم الطبيعة ~~والتحكم فيها، التي ميزت الأمم «الراقية» عن الأمم «الوضيعة»، وجعلت الحياة في ~~الأمم «الراقية» أكثر إمتاعا بكثير منها في الأمم «الوضيعة» بحسب رأيه (استعراض رأي بي ~~مالبرانش في رؤية كل الأشياء في أعمال الله، الطبعة السابعة). # لعل أروع ملمح من ملامح هذا الفهم عن العلوم الطبيعية هو تفسيرها لحدود المعرفة ~~الطبيعية لدى الإنسان، ومن الواضح أن لوك أساء حقا تقدير هذه الحدود في بعض ~~النواحي، عندما رأى بين التصنيف البشري وآليات الطبيعة فجوة أكثر اتساعا من تلك التي ~~بررها التاريخ اللاحق للكيمياء أو حتى لعلم الأحياء. لكن يظل تقدير لوك جيدا فيما ~~يبدو للتوازن بين الثقة في القوة التفسيرية للنموذج الميكانيكي، والقناعة بأن الإنسان ~~لا يمكنه أن يعرف آليات الطبيعة معرفة مباشرة. لدى فلاسفة العلوم الطبيعية المحدثين ~~علوم مختلفة تماما ليفكروا فيها، وبعضها له نتائج عملية مذهلة، وهم يشاركون لوك ~~عددا من الافتراضات، أو حتى الاهتمامات، وعلى خلاف لوك لا يعتقدون أيضا أن المعرفة ~~نوع من الرؤية، ولا يقارنون حدود معرفة الإنسان عن الطبيعة برؤية الله العليم التي ~~يفترض أنها رؤية كاملة؛ لكنهم على الرغم من كل اختلافاتهم، يضعون في الأغلب هذه ~~الثقة - بقدر ما يستطيعون حشده في المقام الأول - في التصرفات المباشرة للحواس، ~~وفي القوة التفسيرية للنماذج، كما أنهم ينكرون قدرة البشر على أن يعرفوا بالضبط السبب ~~وراء آلية الطبيعة وعملها على هذا النحو؛ وعليه، فإن العلوم الطبيعية ليست شكلا من ~~أشكال المعرفة (كما أشار لوك)، إنما هي بالأحرى شكل من أشكال المعتقدات المعقدة ~~والمضللة على نحو غريب؛ فهي مسألة تقدير (أو تخمين) وليست رؤية مباشرة. # لم يساور لوك الشك في أن شيئا ما يدفع الطبيعة إلى أن تعمل على ms091 ذلك النحو الذي ~~تعمل عليه بكل تفاصيله؛ فالعناصر لها خواص، والإنسان يعرف بوجود هذه العناصر لأن خواصها ~~تؤثر في حواسه بطرق معينة، لكن - على خلاف أرسطو - كان لوك يشك فيما إذا كانت ~~الطبيعة نفسها مقسمة إلى أنواع متباينة من العناصر التي توجد حدود واضحة بينها، وكان ~~واثقا من أن البشر لا يستطيعون معرفة كيفية تقسيمها بالضبط، كما كان على يقين تام بأن ~~البشر لا يمكنهم معرفتها من خلال المعرفة الدقيقة لآلية تقسيمها. لكن، أيا كانت آلية ~~تقسيم الطبيعة نفسها - سواء أكانت تشكل تسلسلا غير واضح، أم تتألف من العديد من ~~أنواع العناصر المتباينة تماما - فإنها تجعل الإنسان يراها بالكيفية التي يراها عليها، ~~ويمكن أن يرى الله بوضوح كيفية فعلها لهذا وسببه. لكن كل ما بوسع الإنسان أن يفعله ~~هو جمع أفكاره البسيطة بعناية ودقة، واستخدام العلامات اللفظية التي تشير إلى هذه ~~الأفكار المجمعة بالقدر نفسه من العناية والدقة. وما يمكن أن يعرفه الإنسان عن ~~الطبيعة (بعيدا عن الأفكار الحسية والتأملية البسيطة) هو الكيفية التي يدرك بها ~~الإنسان نفسه هذه الطبيعة ويفهمها، فهو لا يستطيع أن يعرف بصفة عامة ما يفكر فيه ~~أو يتحدث عنه، ولا يمكنه - فيما خلا لحظة بعينها - أن يعرف كنهها بحق. # لكن الأمر يختلف كثيرا في حال الأفكار التي تشكل الفعل، ولا سيما الأفكار ~~الأخلاقية؛ ففي هذه الحالة، لا توجد فجوة بين ما يفكر فيه الإنسان وما عليه الحال ~~بالفعل. من السهل أن يحتار المرء بشأن القضايا الأخلاقية، بما أنه لا يوجد ببساطة ~~معيار خارجي ملموس، توفره الحواس، يتعين على الإنسان مطابقته ومقارنة أفكاره ~~وفقا له؛ بيد أن الأفكار الأخلاقية التي يفكر فيها الإنسان بسهولة هي الحقائق التي ~~يحاول التفكير فيها. ونظرا لأنه لا توجد فجوة - وفقا لهذا المفهوم - بين ما يطلق ~~عليه لوك «الجوهر الاسمي» و«الجوهر الفعلي» للأفكار، يمكن فهم الأفكار المرتبطة ~~بالأخلاق بوضوح تفتقر إليه بالضرورة الأفكار المتعلقة بالطبيعة؛ ولهذا السبب افترض ~~لوك أن الأخلاق يمكن الاستدلال عليها، وظل يفترض ذلك حتى بعد مرور وقت ms092 طويل على ~~توقفه عن محاولة الاستدلال عليها بنفسه. # وربما ما جعل المفاهيم الأخلاقية غاية في الوضوح (وجعل سوء الفهم الأخلاقي أمرا ~~واردا للغاية من الناحية العملية)، هو غياب عالم معين لتلك المفاهيم لمضاهاتها به ~~والاحتكام إليه؛ بيد أنه من غير المستغرب أن هذا الغياب نفسه قد جعلها موضع شك ~~بطريقة أخرى؛ فكل البشر - كما رأينا - لديهم مبادئ داخلية قوية للسلوك تحثهم على ~~التصرف بطريقة مخالفة تماما للمعتقدات الأخلاقية التي كان يعتنقها لوك. إن ما أتاح ~~إقامة المجتمعات البشرية هو أن الأفراد يكبحون هذه الدوافع، بفعل الضغط الذي يمارسه ~~عليهم المجتمع في المقابل الذي يتمثل في الاستحسان والاستنكار من جانب، والتهديدات ~~النافذة للعقوبة القانونية من جانب آخر. ويمثل كلا العاملين عائقا عمليا أمام ~~سعي الإنسان وراء اللذة، ولا يمكن لهذين العاملين في حد ذاتهما أن يكونا سببا يستحث ~~الإنسان على التصرف على نحو أخلاقي، أو على اختيار التصرف على نحو أخلاقي حينما ~~يكون واثقا من تفادي تلك التهديدات؛ ومن هنا تأتي الأهمية الحتمية لمفهوم لوك عن ~~الأخلاق، المتمثل في ضرورة وجود تهديد لا يمكن لأحد أن يأمل على نحو عقلاني أن ~~يتحاشاه؛ ألا وهو عقاب الله «الذي يرى الإنسان في الخفاء». عرض لوك هذا الارتباط ~~بوضوح شديد في مسودة غير مكتملة بعنوان «حول الأخلاق بوجه عام»، التي ربما كان ~~المقصود بها أن تكون الفصل الأخير من «مقال في الفهم البشري» (مقالات حول قانون ~~الطبيعة). وفي مواجهة هذا الارتباط، يتضح في «مقال في الفهم البشري» ككل عيب صارخ؛ ~~فالحجج التي أقامها لوك على وجود الله لا تسهم مطلقا في ترسيخ حقيقة وجود «إله» ~~معني بمعاقبة البشر أو خلاصهم، ولا يمكن تبرير المفهوم المسيحي الواضح لوجود الله، ~~الذي قامت عليه قناعات لوك الأخلاقية، إلا باللجوء إلى فكرة الوحي الإلهي. (من حسن ~~الحظ أن قانون الطبيعة الإلهي ومشيئة الله المعلنة كانا متطابقين لا محالة، وقدما ~~«المحك الحقيقي والمعيار الوحيد للنزاهة الأخلاقية» (مقال في الفهم البشري).) # الإيمان # بناء على ذلك، اتجه لوك بحزم في عمله ms093 الرئيسي الأخير نحو الوحي الإلهي، وحسبما يتضح ~~من عنوان العمل، فإن السبب في ذلك يرجع جزئيا إلى رغبته في نشر «معقولية المسيحية كما ~~قدمت في الكتاب المقدس». (إن العقل هو الذي يجب أن يحكم ما إذا كانت رسالة بعينها ~~هي وحيا من الله أم لا، وهو الذي يجب أن يفسر بدقة ما تعنيه تلك الرسالة.) لكن ثمة ~~شيء أكثر إلحاحا دفعه إلى ذلك؛ لأن الوسيلة الوحيدة التي تجعله يحتفظ بثقته في أن ~~الواجبات الأخلاقية للإنسان سوف «تعلن للبشر كافة» على نحو فعال، هي الوحي المسيحي. ~~ولم يبرهن أحد قط على صحة قانون الطبيعة بمداه الكامل (معقولية المسيحية كما قدمت ~~في الكتاب المقدس)، وبحلول عام 1694 كان لوك قد فقد الأمل في إثبات صحته بنفسه ~~(مراسلات جون لوك)؛ لكن الله أظهر للبشر كافة الطريقة التي تمنى لهم أن يعيشوا ~~وفقا لها، وذلك عن طريق قانون الإيمان الذي نشره إليهم من خلال المسيح المنتظر. لقد ~~ساهمت العلاقة الوثيقة بين نبوءات العهد القديم عن المسيح المنتظر وبين أحداث حياة ~~المسيح، بالإضافة إلى المعجزات التي صنعها، في إعطاء الحواريين معرفة موحى بها بأنه ~~كان «المسيح المنتظر». ونشر المسيح نفسه قانون الإيمان؛ حيث دعا البشر إلى الإذعان ~~له ووعدهم بالخلاص في المقابل («معقولية المسيحية كما قدمت في الكتاب المقدس»، ~~«أعمال جون لوك»). # بعد مرور ما يقرب من سبعة عشر قرنا، لا يمكن أن يتوقع الإنسان ممارسة هذا النهج ~~نفسه من الإجبار المباشر لتصديق أن الحواريين استمتعوا بحياتهم، بما أن الوحي الإلهي ~~التقليدي يعتمد على الاستدلال التاريخي وليس على التجربة المباشرة (مقال في الفهم ~~البشري). لكن إذا فكر الإنسان في الأدلة وفتح قلبه، فإنه لن يحرم من الإيمان. ~~والإيمان بأن يسوع هو المسيح المنتظر، بالإضافة إلى بذل جهد حقيقي للإذعان لناموسه، ~~كافيان لخلاصه؛ فالإيمان ضرب من الثقة، وهو أمر لا يناقض العقل ولكنه يفوقه؛ فهو ~~يتطلب مجهودا (وهذا ما يمكن أن يجعل الخيانة إثما)، لكنه يتيح حقا لكل إنسان ~~الفرصة كي يحيا حياة صالحة. # وهذا ليس ms094 نتيجة ملهمة لرحلة بحث فلسفية استمرت على مدى ثلاثة عقود ونصف، وليس ثمة ما ~~يدعو إلى الاعتقاد بأن لوك نفسه قد أعارها الحماس الكافي، وغالبا ما كان ليسر ~~بتأييده لها منذ البداية؛ علاوة على ذلك ، فقد كان لهذه النتيجة عدد من الآثار ~~المفجعة؛ فقد كانت تعني على سبيل المثال أنه ليس بمقدور الإنسان - وفقا لمعيار لوك، ~~ونظرا لحدود قدراته الطبيعية - أن يعرف كيف يعيش، كما أنه ليس لديه الفرصة ليعرف ذلك. ~~ولعل الدينونة والإيمان كافيان للخلاص، لكن ما يقدمانه لا يعد شكلا من أشكال ~~المعرفة؛ علاوة على ذلك، كان من الصعب - وفقا لهذا الرأي - المواءمة بين مصير كل ~~هؤلاء البشر، الذين لم يكونوا محظوظين بالدرجة الكافية لأن يستقبلوا بشرى الوحي ~~المسيحي السارة، وبين مفهوم لوك عن منزلة الإنسان في الطبيعة وفهمه لقدرة الله ~~وإحسانه. # شكل : الرجوع إلى الإيمان، بأن يسوع هو المسيح المنتظر. ليست هذه ~~بالطبع قناعة جديدة بالنسبة إلى لوك، وإنما قفزة جديدة تماما على ~~قناعته. # لكن مع أن هذه النتيجة كانت محبطة حتما للوك نفسه، فإنها تلقي الضوء بالفعل ~~على عدد من القيود المهمة على مخيلته؛ فالدينونة والإيمان معا يمكن أن يمنحا ~~الإنسان السبب الكافي كي يعيش بالطريقة التي افترض لوك أنه يتعين على الإنسان العيش ~~وفقا لها. وفي الحالة الأخيرة، كانت ضرورة وجود سبب كاف لدى الإنسان للعيش بهذه ~~الطريقة أهم، من وجهة نظره، من ضرورة أن تكون لديه القدرة على معرفة كيفية العيش؛ ~~وعليه يتضح عمليا أن المعرفة الحقيقية بالأخلاق أمر بعيد المنال عن الإنسان بقدر ما ~~هو بعيد عنه علم الطبيعة الحقيقي. وما يحل محل المعرفة الحقيقية في حياة الإنسان ~~الواقعية، كما تصورها لوك، هو مزيج من الدينونة والثقة في الإحسان الإلهي. وكان ~~تصوره عن قدرات الإنسان على معرفة الطبيعة - باعتبارها قدرات فطرية متواضعة - عكس ~~تصوره عن قدرة الله على معرفة الطبيعة. وإزاء هذه القدرات الفطرية المتواضعة، يبدو ~~الشك الارتيابي مصطنعا وسخيفا؛ لأنه على عكس هذه القدرات، لا يمكنه أن يلعب دورا ~~في تلبية المطالب ms095 العملية للحياة اليومية، وبطريقة ما (وهنا انشغال لوك العميق بفلسفة ~~ديكارت منحه شيئا من البصيرة الحقيقية) تأتي قوة الشك في المقام الأول من تناقض ~~ضمني بين قدرات الإنسان الأكثر تواضعا، على نحو ملموس، على فهم الطبيعة، وبين نوع من ~~الفهم - الواضح والمميز والنهائي والأكيد - الذي ربما ينسبه الإنسان حقا إلى الله، ~~لكن لا يمكنه قطعا الوصول إليه بنفسه. بعبارة أخرى، ينبثق الشك - من وجهة نظر لوك - عن ~~دعوة متعجرفة بأن الإنسان ينبغي أن يكون قادرا على فهم الطبيعة بنفس الوضوح الذي يفهم ~~به الله. # مع تذبذب الثقة في وجود الله، ستبدو حتما كل من المعرفة الفطرية والأخلاق مختلفتين ~~للغاية عن الطريقة التي رآهما بها لوك؛ ومن الأكيد أن رسم ملامح الشك وحدوده في عالم لا ~~يؤمن بوجود الله كان أصعب بكثير (وهذا ما ثبت بالفعل). # | خاتمة # في يناير 1698، لخص لوك في خطاب إلى صديقه ويليام مولينيو قناعات حياته كلها، كما يلي: # إن كان بمقدوري أن أشبه العلاقة بين المناقشات والحجج وفهمها بالعلاقة بين ~~أنواع الطعام المتعددة والأذواق والرغبات المختلفة - بحيث إن ما يراه البعض كريها ~~وضارا يراه البعض الآخر لذيذا ونافعا - فلا بد ألا أفكر في الكتب والبحث ~~مرة ثانية، وحري بي أن أفكر في قضاء وقتي في لعبة مثل لعبة القبعة والدبابيس ~~بدلا من القراءة أو الكتابة. لكني على قناعة بالعكس؛ بأنني أعلم بوجود حقيقة عكس ~~الزيف، وهي أمر ربما يمكن للإنسان الوصول إليه إذا أراد، وأمر يستحق بالفعل أن ~~يسعى في طلبه، وهي ليست أثمن شيء في العالم فحسب، وإنما هي أيضا أكثر الأشياء ~~بهجة (مراسلات جون لوك). # إن فكرة أن الوصول إلى الحقيقة أمر لا علاقة له برغبات الإنسان وأذواقه، وأن جزءا ~~منه على الأقل في متناول فهم الإنسان؛ قناعة بسيطة ومنتشرة، بيد أنها ليست بالقناعة التي ~~من السهل تفسيرها وتبريرها بأي قدر من العمق. ويرى لوك أن مهمة الفيلسوف أن يقدم مثل هذا ~~التفسير والحجة، وكثيرون من الفلاسفة المحدثين يساورهم الشك فيما إذا كان من الممكن ms096 بناء ~~أي من هذه الحجج أم لا. وحتى بين الذين يؤمنون بإمكانية ذلك، قليلون هم من يرون أن ~~محاولة لوك أحرزت نجاحا استثنائيا. # شكل : لوك في السنة الأخيرة من حياته: رجل طاعن في السن، ومعتل الصحة، ~~وذائع الصيت للغاية. # ما من سبب للجدل حول هذا الرأي؛ فما يميز لوك اليوم عن الأغلبية العظمى من الفلاسفة ~~ليس قوة حجة نقاشاته بوجه عام، وإنما بالأحرى فهمه العميق لتأثير الفلسفة في أن يكون ~~لدى الإنسان سبب وجيه ليعيش حياته. إذا كانت الحقيقة في النهاية تعتمد على رغبة الإنسان، ~~وإذا لم تكن لدى الإنسان غاية إلا رغباته، فإن الحياة إذن، التي كان لوك نفسه يحياها، هي ~~ممارسة هزلية لإنكار الذات. وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة قرون، لا يزال من المحتمل أن ~~ينطبق هذا الرأي نفسه على العديد من جوانب حياتنا؛ ففكرة أن الحكم على منطقية حياتنا من ~~عدمها ربما يعتمد على مشاورات أقسام الفلسفة بالجامعات، هي فكرة تبدو للوهلة الأولى هزلية ~~بعض الشيء، لكن هذه المزحة تنقلب علينا في النهاية حسبما يرى لوك؛ فحالما نفقد الضمانة ~~الدينية بأن العقل الذي هو «نبراس الرب»، يعمل على نحو فعال بما يتفق مع جميع ~~مقاصدنا، فما لدينا من سبب قاطع بعد ذلك لأن نتوقع أن يعمل العقل على نحو فعال بما ~~يتفق مع أي مقصد. وبمجرد أن نصير غير قادرين على رؤية مقاصدنا كما كلفنا بها على نحو ~~جازم من خارج ذواتنا، يصير من الصعب للغاية أن نحدد المقاصد التي لدينا سبب وجيه ~~للتفكير فيها باعتبارها مقاصدنا الخاصة (أو كي نجعلها كذلك). # وفي مواجهة هذين الخطرين المتمثلين في تذبذب إيمان الإنسان بأبديته، وغموض الكيفية ~~التي يمكن أن يوجد بها سبب وجيه لدى الإنسان ليعيش حياته، تقدم لنا فلسفة لوك قدرا ~~أكبر من التنوير فيما يخص القضية الأولى عن الثانية. ليس هذا بالطبع ما كنا نتمناه، ~~لكنه أمر من السهل تفسيره؛ فمن غير المستغرب أن كثيرين من الفلاسفة اليوم يشاركونه ~~اعتقاده في أن الحقائق المتعلقة بالطبيعة وبالاختراعات ms097 المعقدة للعقل البشري مثل ~~الرياضيات والمنطق، لا علاقة لها برغبة الإنسان؛ لكن لوك يرى أن الحقائق المحورية بشأن ~~الكيفية التي يكون بها لدى الإنسان سبب وجيه ليعيش حياته، تكون منفصلة عما يرغب فيه ~~الإنسان عن وعي في وقت معين، وقليلون هم من يشاركونه هذا المعتقد اليوم بأي قدر من ~~الثقة؛ وربما لا توجد فكرة اليوم عن كيفية الدفاع عنه. لكن لا يزال البعض يعيشون (وعدد ~~أكبر منهم يحاولون على نحو متقطع العيش) كما لو كان هذا المعتقد حقيقيا في الواقع، ~~ووفقا لما قاله كولريدج، ذلك الناقد الشرس لأخلاقيات لوك، منذ قرن وثلاثة أرباع قرن: ~~«الجميع تقريبا في الوقت الحاضر يتصرفون ويشعرون على نحو أكثر نبلا مما ~~يظنون.» # إن الرأي القائل بأن لعبة القبعة والدبابيس (وهي لعبة كانت منتشرة منذ القرن السادس ~~عشر وحتى القرن التاسع عشر) مفيدة مثل الشعر، ما دام الإنسان يستمتع بها؛ هو شعار أكثر ~~النظريات الحديثة تأثيرا فيما يتعلق بنفع البشر وصالحهم؛ ألا وهي نظرية النفعية لجيرمي ~~بنثام؛ وما دفع لوك إلى رفضها ليس الزعم ذا النزعة النفعية المماثلة (وغير المقنع إلى ~~حد كبير) بأن الحقيقة هي أكثر شيء ممتع في العالم، وإنما القناعة الأهم بأن الحقيقة تختلف ~~عن الزيف، وأنها يمكن الوصول إليها، وأنها تستحق السعي وراءها، وأنها عند الوصول إليها سوف ~~تخبر الإنسان بكل وضوح الكيفية التي ينبغي أن يعيش وفقا لها. كانت هذه هي القناعة التي ~~وضع لوك ثقته فيها، وعاش حياته مدافعا عنها، وبسببها لا يزال يقدم لنا عبر القرون ~~القدوة في الشجاعة الفكرية الدائمة. وربما جانبه الصواب كثيرا عندما وثق فيها، وإن ~~كان الأمر كذلك، فلا يمكننا الاعتماد على تفكيره لحسم جدالاتنا، لكن الشيء الأكيد أننا ~~أيضا في أمس الحاجة إلى هذه الشجاعة الفكرية في كل منحى من مناحي حياتنا مثله ~~تماما. # | المراجع # The manuscript by Sydenham quoted on p. 10 is from Kenneth ~~Dewhurst, # John Locke, Physician and Philosopher: A Medical ~~Biography ~~(Wellcome Historical Medical Library, 1963). Henry Ireton’s ~~question to the ms098 Leveller leaders in the Putney debates quoted on p. 43 is taken from ~~A. S. P. Woodhouse (ed.), Puritanism and Liberty ~~(J. M. Dent & Son, 1938). Coleridge’s comment cited on p. 97 comes from ~~Kathleen Coburn (ed.), # The Notebooks of Samuel Taylor ~~Coleridge, # ii. 1804-1808 (New York, 1961), entry ~~2627. # | قراءات إضافية # Full bibliographical details of the editions of Locke’s works ~~that have been used in references are given in the list of abbreviations at the ~~beginning of the book. # The Clarendon Press is at present engaged in publishing an ~~edition of all Locke’s published writings and many of his unpublished manuscripts. ~~The # Essay concerning Human Understanding # and ~~(thus far) eight volumes of his # Correspondence # were the first to appear, superlatively edited by Peter Nidditch and E. S. de Beer ~~respectively. A single volume of # Selected ~~Correspondence ~~, edited by Mark Goldie (Oxford University Press), now ~~makes some of the vividness and fascination of the full # Correspondence # accessible to a wider readership. A final volume, ~~along with a full index to the # Correspondence # as ~~a whole, will be issued shortly. These two works have since been joined by A Paraphrase and Notes on the Epistles of St Paul ~~(ed. Arthur A. Wainwright, 2 vols., 1987), # Some ~~Thoughts on Education ~~(ed. John W. & Jean S. Yolton, 1989), # Drafts for the Essay concerning Human Understanding and ~~other Philosophical Writings ~~(ed. Peter H. Nidditch and G. A. J. ~~Rogers, 1990), # Locke on Money ~~(2 vols., ed. Patrick Hyde Kelly, 1991), and # The Reasonableness of ~~Christianity ~~(ed. John Higgins-Biddle, 1999). There are also ~~excellent modern editions of the Two # Treatises of ~~Government ~~(ed. Peter Laslett, Cambridge University Press, 2nd edn., ~~1988), # Two Tracts on Government ~~(ed. Philip ~~Abrams, Cambridge University Press, 1968), # Essays on the Law ~~of Nature ~~(ed. W. von Leyden, Clarendon Press, 1954), and a somewhat ~~less satisfactory edition of the # Letter on ~~Toleration ms099 ~~(ed. R. Klibansky and J. W. Gough, Clarendon Press, 1967). ~~There are also very useful selections across the range of Locke’s views about ~~politics in David Wootton’s Political Writings of John ~~Locke ~~(Penguin, 1993), a full and careful presentation of many of his ~~incidental writings on politics in Locke, Political ~~Essays, # ed. Mark Goldie (Cambridge University Press, 1997), and a ~~valuable selection of Locke’s # Writings on Religion ~~(ed. Victor Nuovo, Clarendon Press, 2002). Other published works of ~~Locke are still most conveniently consulted in the 18th - or 19th - century editions ~~of his # Collected Works. # Maurice Cranston’s # John Locke: A ~~Biography ~~(Longman, London, 1957) is informative but less vivid than ~~Laslett’s Introduction to the # Two Treatises ~~. ~~There is a major modern biography of Shaftesbury by K. H. D. Haley, # The First Earl of Shaftesbury ~~(Clarendon Press, Oxford, ~~1968), and a remarkable (if not invariably reliable) study of Locke’s role in ~~Shaftesbury’s political enterprises in the late Richard Ashcraft’s # Revolutionary Politics # and # Locke’s Two Treatises of Government ~~(Princeton University Press, ~~1986). The Introductions by von Leyden and Abrams are particularly illuminating on ~~the development of Locke’s understanding of morality. The best systematic treatments ~~of this are now provided by John Colman, # John Locke’s Moral Philosophy ~~(Edinburgh University Press, 1983) and A. John Simmons, # The Lockean Theory of Rights ~~(Princeton ~~University Press, 1992); but see also, more broadly, Ian Harris, # The Mind of John Locke ~~(Cambridge University Press, ~~1994). Locke’s religious views are clearly (and on the whole approvingly) presented ~~in M. S. Johnson, # Locke on Freedom ~~(Best Printing ~~Co., Austin, Texas, 1978). They are also now widely discussed in studies of his ~~political thinking (see, e.g., Dunn, 1969; Tully, 1980 and 1993; Marshall, 1994; ~~Harris, 1994 below). # Michael Ayers’s superb two-volume study # Locke. Epistemology and Ontology ~~(Routledge, 1991) ~~stands head and shoulders above all other modern philosophical treatments of his ~~philosophy as a whole. Amongst other helpful ms100 works, written from a wide variety of ~~perspectives, are John W. Yolton, # Locke and the Compass of ~~Human Understanding ~~(Cambridge University Press, 1970); Roger ~~Woolhouse, # Locke’s Philosophy of Science and ~~Knowledge ~~(Basil Blackwell, Oxford, 1971); Richard I. Aaron, # John Locke, # 3rd edn. (Clarendon Press, ~~Oxford, 1971); James Gibson, # Locke’s Theory of Knowledge and ~~its Historical Relations ~~(Cambridge University Press, 1917); Kathleen ~~Squadrito, # Locke’s Theory of Sensitive Knowledge ~~(University Press of America, Washington, DC, 1978); J. L. Mackie, Problems from Locke ~~(Clarendon Press, Oxford, 1976); ~~Jonathan Bennett, # Locke, Berkeley, Hume: Central Themes ~~(Clarendon Press, Oxford, 1971) and # Learning ~~from Six Philosophers ~~, 2 vols. (Oxford University Press, 2001), ~~principally in Vol. 2; Peter A. Schouls, # The Imposition of ~~Method ~~(Clarendon Press, Oxford, 1980); and the essays collected in ~~I. C. Tipton (ed.), # Locke on Human Understanding ~~(Clarendon Press, Oxford, 1977). See now, too, Peter Schouls, # Reasoned Freedom: John Locke and Enlightenment ~~(Cornell ~~University Press, 1992) and several of the chapters in Vere Chappell (ed.), # The Cambridge Companion to Locke ~~(Cambridge ~~University Press, 1994). There are a number of important articles by Michael Ayers ~~(see particularly 'Locke versus Aristotle on Natural Kinds’, # Journal of Philosophy, # May 1981; 'Mechanism, Superaddition and the Proof of God’s Existence in Locke’s # Essay ~~’, Philosophical Review, # April 1981; 'The Ideas ~~of Power and Substance in Locke’s Philosophy’, Philosophical ~~Quarterly, # January 1975). The central importance for Locke of men’s ~~responsibility for their own beliefs is brought out very elegantly in John Passmore, ~~'Locke and the Ethics of Belief’, Proceedings of the British ~~Academy, # 1978. The relation between his conception of men’s natural ~~cognitive powers and the challenges with which History confronts them is discussed ~~in J. Dunn, '“Bright Enough for all our Purposes”: John Locke’s Conception of a ~~Civilised Society’, # Notes and Records of the Royal ~~Society, # 43 (1989). On his conception of education, see (in addition ~~to the edition of J. W. and J. S. Yolton, 1989) Nathan ms101 Tarcov, # Locke’s Education for Liberty ~~(University of Chicago Press, 1984). On Locke’s conceptions of persons and their identity, see Ruth ~~Mattern, 'Moral Science and the Concept of Persons in Locke’, Philosophical Review, # January 1980, and David Wiggins, ~~'Locke, Butler and the Stream of Consciousness and Men as a Natural Kind’, in A. O. ~~Rorty (ed.), # The Identities of Persons ~~(University of California Press, Berkeley, 1976). For the formation of Locke’s own ~~identity, see J. Dunn, 'Individuality and Clientage in the Formation of Locke’s ~~Social Imagination’, in Reinhard Brandt (ed.), # John ~~Locke ~~(W. de Gruyter, Berlin and New York, 1981). The originality and ~~influence of Locke’s conception of language is discussed magisterially in Hans ~~Aarsleff, # From Locke to Saussure ~~(Athlone Press, ~~London, 1982). # The best introductions to Locke’s political thought are ~~Geraint Parry, # Locke ~~(George Allen and Unwin, ~~1978) and Richard Ashcraft, # Locke’s Two Treatises of ~~Government ~~(George Allen and Unwin, 1987); but compare Ruth W. Grant, # John Locke’s Liberalism ~~(University of ~~Chicago Press, 1987). The # Two Treatises # itself is ~~discussed in J. Dunn, # The Political Thought of John ~~Locke ~~(Cambridge University Press, 1969). There are now also ~~extremely valuable overall treatments of the # Two ~~Treatises # in A. John Simmons, # The Lockean ~~Theory of Rights # and # On the Edge of ~~Anarchy ~~(Princeton University Press, 1992). Its analysis of property ~~is best treated in James Tully, # A Discourse of Property ~~(Cambridge University Press, 1980). But compare Tully’s ~~recent collection, # An Approach to Political Philosophy. ~~Locke in Contexts ~~(Cambridge University Press, 1993), Jeremy ~~Waldron’s careful and forceful, # The Right to Private Property ~~(Clarendon Press, Oxford, 1988), C. B. Macpherson, # The Political Theory of Possessive Individualism ~~(Clarendon Press, Oxford, 1962), the Introduction to Istvan Hont and Michael ~~Ignatieff (eds.), # Wealth and Virtue ~~(Cambridge ~~University Press, 1983), and Matthew Kramer, # John Locke and ~~the Origins of Private Property ~~(Cambridge University Press, 1997). Political obligation is discussed by W. von Leyden, # Hobbes ms102 ~~and Locke ~~(Macmillan, London, 1981); compare J. Dunn, Political Obligation in its Historical Context ~~(Cambridge University Press, 1980), chapter 3. On toleration see especially the ~~essays by Dunn and Goldie in O. P. Grell, Jonathan Israel, and Nicholas Tyacke ~~(eds.), # From Persecution to Toleration ~~(Clarendon Press, Oxford, 1991), and Alex Tuckness, 'Rethinking the Intolerant Locke’, # American Journal of Political Science, # 46, ~~2002. Two major recent systematic studies of his work as a whole from a historical ~~point of view are Ian Harris, # The Mind of John ~~Locke # and John Marshall, # John Locke, ~~Resistance, Religion and Responsibility ~~(Cambridge University Press, ~~1994). Both authors (alongside John Milton and Victor Nuovo) also have extremely ~~valuable essays in M. A. Stewart (ed.), # English Philosophy ~~in the Age of Locke ~~(Clarendon Press, 2000). There are several ~~helpful articles in J. W. Yolton (ed.), # John Locke. Problems ~~and Perspectives ~~(Cambridge University Press, 1969); see especially ~~Ashcraft and Aarsleff. The most penetrating discussion of the evolution of Locke’s ~~own political commitments is to be found in Ashcraft’s study, # Revolutionary Politics ~~(Princeton University Press, ~~1986), in a number of studies by Mark Goldie, notably, 'John Locke and Anglican ~~Royalism’, Political Studies, # March 1983, and in ~~the Introduction to Laslett’s edition of the # Two ~~Treatises ~~. There is a thoughtful and politically alert analysis of ~~Locke’s understanding of the conditions for governmental legitimacy in Peter ~~Josephson’s, # The Great Art of Government: Locke’s Use of ~~Consent ~~(University of Kansas Press, 2002): compare Kirstie McClure, # Judging Rights: Lockean Politics and the Limits of ~~Consent ~~(Cornell University Press, 1996). For the pressing issue of ~~how far Locke succeeded or failed in doing justice to the formidably different ~~practical predicaments and interests of women, see especially Carole Pateman, # The Sexual Contract ~~(Polity, 1988), and A. ~~John Simmons, 'The Conjugal and the Political in Locke’, # Locke Studies, # 1 (2001), responding to Ruth Sample’s, 'Locke on Political Authority and Conjugal Authority’, ms103 # The Locke ~~Newsletter, # 31, 2000. # The writings of the main target of the # Two Treatises ~~, Sir Robert Filmer, are available in ~~convenient modern editions by Peter Laslett (Basil Blackwell, Oxford, 1949) and ~~Johann P. Somerville (Cambridge University Press, 1991). The distinctiveness of ~~Filmer’s views is best brought out in James Daly, # Sir Robert ~~Filmer and English Political Thought ~~(University of Toronto Press, ~~1979). The background to his thinking can be approached through Gordon J. Schochet, Patriarchalism in Political Thought ~~(Basil ~~Blackwell, Oxford, 1975). The relations between the political theory of Locke and ~~his 18 # th # century successors are discussed in J. Dunn, ~~'The Politics of Locke in England and America in the Eighteenth Century’, Political Obligation, # chapter 4, and 'From Applied ~~Theology to Social Analysis: The break between John Locke and the Scottish ~~Enlightenment’, in Hont and Ignatieff (eds.), # Wealth and ~~Virtue, # in Stephen Dworetz’s somewhat brash, # The Unvarnished Doctrine ~~(Duke University Press, 1990), and in ~~Michael Zuckert’s learned and intelligent # Natural Rights and ~~the New Republicanism ~~(Princeton University Press, 1995). I have ~~attempted to assess the varying longevity and weight of Locke’s impact upon ~~subsequent political thinking in 'What is Living and What is Dead in Locke’s Political Thought’, in Dunn, # Interpreting Political ~~Responsibility ~~(Polity, 1990), 'The Contemporary Political ~~Significance of John Locke’s Conception of Civil Society’, in Sudipta Kaviraj and ~~Sunil Khilnani (eds.), # Civil Society: History and Possibilities ~~(Cambridge University Press, 2001), and 'Measuring ~~Locke’s Shadow’, in # Locke’s Letter on Toleration and Two ~~Treatises of Government ~~(ed. Ian Shapiro, Yale University Press, ~~2003). There are important modern studies on Locke’s political theory in French ~~(notably those of Jean-Fabien Spitz), German, Japanese, and Italian. An annual ~~periodical, # The Locke Newsletter ~~(up to 2000), ~~now # Locke Studies ~~, published by Roland Hall, ~~Department of Philosophy, University of York, provides regular information on ~~current research into Locke’s life and thought. Its first issue was an ms104 invaluable ~~bibliography, since republished in a fuller form as Roland Hall and Roger Woolhouse, # Eighty Years of Locke Scholarship. A ~~Bibliographical # Guide (Edinburgh University Press, ~~1983). # Six works which illuminate the background to important ~~aspects of Locke’s writings are Michael Hunter, # Science and ~~Society in Restoration England ~~(Cambridge University Press, 1981); ~~Quentin Skinner, # The Foundations of Modern Political ~~Thought ~~(2 vols., Cambridge University Press, 1978); Richard Tuck, # Natural Rights Theories: Their Origins and ~~Development ~~(Cambridge University Press, 1979); and Philosophy and Government 1572-1651 ~~(Cambridge ~~University Press, 1993); John W. Yolton, # John Locke and the ~~Way of Ideas ~~(Clarendon Press, Oxford, 1956); Richard H. Popkin, # The History # of # Scepticism from Erasmus to Spinoza ~~(University of California Press, ~~Berkeley, 1979). # | مصادر الصور # (1-1) Mary Evans Picture Library. ~~(1-2) Mary Evans Picture Library. ~~(1-3) By courtesy of the National Portrait ~~Gallery. ~~(1-4) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark ~~G.A.Oxon a.25. ~~(1-5) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark 80 ~~N 67 Th. ~~(1-6) Musée Carnavalet, Photothèque des Musées de la Ville de Paris/Degraces. ~~(1-7) National Library of Ireland. ~~(2-1) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark MS ~~375/1r. ~~(2-2) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark 80 ~~Q 15 Th. ~~(2-3) By courtesy of the National Portrait ~~Gallery. ~~(2-4) By courtesy of the National Portrait ~~Gallery. ~~(3-1) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark ~~Vet. A3 c.78. ~~(3-2) The State Hermitage Museum, St Petersburg, Russia/SCR Photo Library. ~~(3-3) The Bodleian Library, University of Oxford, shelfmark ~~Vet. A3 f.532. # خاتمة ~~(1) Yale Center for British Art, Paul Mellon ~~Collection. ms105