######OpenITI# #META# URI: 1450FayiqaJirjisHanna.NashatHuquqInsan.Hindawi81820530 #META# Tags: history #META# ID: 81820530 #META# Title: نشأة حقوق الإنسان: لمحة تاريخية #META# AuthorID: 79079259 #META# Author: لين هانت #META# EditorID: 53746192 #META# Editor: محمد إبراهيم الجندي #META# TranslatorID: 30694819 #META# Translator: فايقة جرجس حنا #META# Related_books: 1450LynnHunt.InventingHumanRights (TRANSL) #META#Header#End# # ثناء على كتاب «نشأة حقوق الإنسان»‏ # إهداء‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - فيض المشاعر‏ # 2 - بشر أمثالنا‏ # 3 - لقد ضربوا مثلا عظيما‏ # 4 - لن تكون هناك نهاية‏ # 5 - القوة الناعمة للإنسانية‏ # ملحق‏ # الهوامش‏ # ثناء على كتاب «نشأة حقوق الإنسان»‏ # إهداء‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - فيض المشاعر‏ # 2 - بشر أمثالنا‏ # 3 - لقد ضربوا مثلا عظيما‏ # 4 - لن تكون هناك نهاية‏ # 5 - القوة الناعمة للإنسانية‏ # ملحق‏ # الهوامش‏ # | نشأة حقوق الإنسان # | نشأة حقوق الإنسان # | لمحة تاريخية # تأليف # لين هانت # ترجمة # فايقة جرجس حنا # مراجعة # محمد إبراهيم الجندي # | ثناء على كتاب «نشأة حقوق الإنسان» # كتاب فريد ... تغطي الكاتبة العديد من الموضوعات في صفحات معدودات، وبمثل هذا الوضوح ~~فإن كتاب نشأة حقوق الإنسان هو عمل ينم عن براعة فائقة. # جوردون إس وود، المراجعة النقدية # لصحيفة نيويورك تايمز # ربط حقوق الإنسان بالتاريخ الاجتماعي بهذه الطريقة هو أسلوب مبتكر أصيل وشائق في ~~تناول الموضوع ... تقدم [هانت] تاريخا نابضا بالحياة وثريا بالمعرفة. # جوشوا مورافتشيك، # صحيفة وول ستريت جورنال # أظهرت لين هانت في هذا الكتاب - وطوال حياتها المهنية - أن ثمة الكثير الذي يمكن ~~تعلمه عن طريق إقامة علاقات بين الأحداث السياسية التي شكلت الحياة السياسية المعاصرة ~~والتطورات الأدبية التي شكلت ملكات الحس المعاصرة. # مجلة لندن ريفيو أوف بوكس # يقدم كتاب لين هانت الرائع، «نشأة حقوق الإنسان»، إجابات واضحة وبسيطة ومبتكرة ... تضع ~~هانت ببراعة خطبهم عن الحقوق في إطار سلسلة من التغيرات الثقافية الأوسع التي غيرت ~~كيفية ارتباط البشر (الغربيين) بعضهم ببعض ... إن معرفة هانت الدقيقة بالمناخ العام في ~~أوروبا القرن الثامن عشر يجعل للكتاب قيمة مضاعفة باعتباره تفسيرا جديدا لثقافة عصر ~~التنوير. # مايا جازانوف، # صحيفة واشنطن بوست # في الوقت الذي بدأ فيه الأمريكيون يحاسبون قادتهم على الأخطاء المرتكبة في الحرب ضد ~~الإرهاب، يقوم هذا الكتاب بدور دليل للتفكير في أحد أكثر الأخطاء فداحة على الإطلاق وهو ~~خطأ الاعتقاد بأن أمريكا يمكن أن تنتصر في الحرب عن طريق إبطال «الإعلان» الذي كان له ~~الفضل في نشأة الأمة الأمريكية. # آلان وولف، مجلة ms001 كومونويل # لم تنتشر مبادرة كتابة تاريخ حقوق الإنسان إلا في العقد الماضي. وكتاب لين هانت ~~«نشأة حقوق الإنسان» هو أبرز نتائج هذه المبادرة ... كتاب ممتع. # صامويل موين، مجلة ذي نيشن # كتبت هانت كتابا بات الآن نقطة انطلاق حتمية نحو التفكير في تاريخ حقوق الإنسان. ~~كتاب غاية في الأهمية. # إس إن كاتز، مجلة تشويس # حققت لين هانت كل شيء أرادت تحقيقه تقريبا بكتابها «نشأة حقوق الإنسان» ... من الجلي ~~أن هانت شغوفة بالموضوع كما يتضح من أسلوب كتابتها والزاوية التي تتناول منها القضية ... ~~إنه سرد ثري ومتعمق. # كريستوف مارك، # صحيفة ذي ديلي يوميوري (اليابان) # يقدم الكتاب [نشأة حقوق الإنسان] ملخصا منطقيا لموضوع يمثل أهمية لكل مفكر من ~~الرجال والنساء. أوصي به. # بوب ويليامز، # مدونة ذي كومبالسيف ريدر # يؤكد التاريخ الذي خطته هانت تأكيدا متبصرا على فكرة أن حقوق الإنسان مشروع ممتد ~~بلا انقطاع، مشروع لم يتحقق المأمول منه بعد. # ألكساندر بيفيلاكوا، هارفارد بوك ريفيو # تاريخ ثقافي من طراز رفيع؛ أوصي به ليكون ضمن مجموعات الكتب الدراسية ~~والعامة. # ديفيد كيمر، مجلة لايبراري جورنال # | إهداء # إلى لي وجين. # الأختين، والصديقتين، والملهمتين. # | شكر وتقدير # أثناء كتابة هذا الكتاب استفدت من عدد لا حصر له من الاقتراحات التي قدمها لي أصدقائي، ~~وزملائي، والمشاركون في مختلف الحلقات الدراسية والمحاضرات. وما من تعبير عن الامتنان يمكن ~~أن يسدد تلك الديون التي أسعدني الحظ بها، وكل ما أرجوه أن يتعرف البعض على ما أضافوه في ~~فقرات معينة أو في حواشي الكتاب. إن محاضرات «باتين» التي ألقيتها في جامعة إنديانا، ~~ومحاضرات «ميرل كورتي» التي ألقيتها في جامعة ويسكونسن، ماديسون، ومحاضرات جميس دابليو ~~ريتشارد التي ألقيتها في جامعة فيرجينيا، منحتني فرصا لا تقدر بثمن لمحاولة اختبار ~~أفكاري الأولية. وخرجت أيضا بأفكار رائعة من الجماهير التي التقيتها بكلية كامينو، وكلية ~~كارلتون، ومركز أبحاث ودراسة علوم الاقتصاد بالمكسيك، وجامعة فوردهام، ومعهد البحث التاريخي ~~بجامعة لندن، وكلية لويس آند كلارك، وكلية بومونا، وجامعة ستانفورد، وجامعة تكساس إيه أند ~~إم، وجامعة باريس، وجامعة ألستر بولاية ms002 كارولينا، وجامعة واشنطن بمقاطعة سياتل، والمعهد ~~الذي أعمل به بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. مول معظم أبحاثي كرسي يوجين ويبر لدراسة ~~التاريخ الأوروبي المعاصر بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، وقد سهل البحث كثيرا الثراء ~~الاستثنائي الذي تتمتع به مكتبات جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. # يظن معظم الناس أن التدريس يلي البحث في قائمة أولويات أساتذة الجامعة، غير أن فكرة هذا ~~الكتاب جاءت في المقام الأول نتيجة لتجميع وثيقة حررتها وترجمتها بغرض تدريسها للطلاب: ~~«الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان: نبذة تاريخية وثائقية مختصرة (بوسطن ونيويورك: ~~بيدفورد/سانت مارتينز برس، 1996).» # وقد ساعدني في إتمام هذا المشروع الحصول على زمالة من «صندوق المنح الوطنية للدراسات ~~الإنسانية». وقبل أن أستهل كتابة الكتاب، نشرت مسودة مختصرة بعنوان: «الأصول المتناقضة ~~لحقوق الإنسان» في الكتاب الذي حرره جيفري إن واسرستروم، ولين هانت، وماريلين بي يانج ~~بعنوان «حقوق الإنسان والثورات» (لانهام، إم دي: رومان آند ليلتلفيلد، 2000)، من صفحة 3 إلى ~~صفحة 17. وقد نشأت بعض الحجج المعروضة في الفصل الثاني لأول مرة بشكل مختلف في «الجسد في ~~القرن الثامن عشر: مصادر حقوق الإنسان»، ديوجان، 203 (يوليو-سبتمبر 2003): 49-67. # ومنذ أن كان الكتاب مجرد فكرة وحتى خروجه في صورته الأخيرة، كان الطريق - على الأقل في ~~حالتي - طويلا، وشاقا في بعض الأحيان، لكن يسره علي مساعدة أولئك المقربين والأعزاء. ~~قرأت جويس آبلباي، وسوزان ديسان المسودات الأولى من الفصول الثلاثة الأولى وقدمتا اقتراحات ~~رائعة لتحسينها، وأولت محررتي في دار نشر دابليو دابليو نورتون، آمي تشري، عناية خاصة ~~للكتابة والحجج لا يجرؤ معظم مؤلفي الكتب إلا على أن يحلموا بها. ولولا مارجريت جاكوب ما ~~كنت كتبت هذا الكتاب، فقد جعلتني أواصل العمل بحماستها الشديدة للأبحاث والكتابة، وبشجاعتها ~~في المخاطرة بالتطرق إلى مجالات جديدة مثيرة للجدل، وبقدرتها على تنحية كل هذا جانبا كي ~~تعد عشاء فاخرا، وهو أمر بالغ الأهمية. إنها تعرف جيدا كم أنا مدينة لها. وقد مات أبي ~~أثناء كتابتي لهذا الكتاب، لكنني ما زلت أسمع كلمات التشجيع والدعم التي كان يقدمها لي ترن ~~في أذني. وأهدي هذا ms003 الكتاب لأختي لي وجين تقديرا لكل ما تشاركناه على مدار سنين عديدة، ~~مع أن هذا الإهداء لا يفيهما حق قدرهما؛ فقد علمتاني دروسي الأولى عن الحقوق، وتسوية ~~الصراعات، والحب. # | مقدمة # نحن نؤمن بأن هذه الحقائق من البديهيات. # أحيانا تنتج أشياء عظيمة عن تنقيح الكتابة تحت الضغط. كتب توماس جيفرسون في مسودته ~~الأولى لإعلان الاستقلال التي أعدها في منتصف يونيو من عام 1776 يقول: «نحن نعتبر هذه ~~الحقائق من المقدسات التي لا مجال لإنكارها؛ أن جميع الناس خلقوا متساوين ومستقلين، وأنهم ~~يستمدون من هذا الخلق المتساوي حقوقا متأصلة ثابتة، من بينها حق حماية الحياة والحرية ~~والسعي وراء السعادة.» وبفضل التنقيحات التي أجراها جيفرسون بنفسه في المقام الأول، تخلصت ~~عبارته من عيوبها لتتحول إلى عبارة أوضح تتسم بنبرات واضحة رنانة: «نحن نؤمن بأن الحقائق ~~الآتية من البديهيات، وهي أن جميع البشر قد خلقوا متساوين، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق ~~معينة لا يمكن انتزاعها، من بين هذه الحقوق حق الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة.» ~~وبهذه الجملة الواحدة حول جيفرسون وثيقة من الوثائق التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر ~~بشأن المظالم السياسية إلى إعلان دائم لحقوق الإنسان. # 1 # وبعد مرور ثلاثة عشر عاما، كان جيفرسون في باريس عندما بدأ الفرنسيون يفكرون في تحرير ~~بيان لحقوقهم. وفي يناير من عام 1789 - قبل ~~اقتحام سجن الباستيل بعدة أشهر - أعد صديق جيفرسون، الماركيز دي لافاييت - المحارب في حرب ~~الاستقلال الأمريكية - الإعلان الفرنسي، بمساعدة جيفرسون على الأرجح. ومع سقوط سجن الباستيل ~~في الرابع عشر من يوليو واندلاع الثورة الفرنسية بقوة، اكتسبت المطالبة بإعلان رسمي قوة دفع ~~كبيرة. وعلى الرغم من جهود لافاييت المضنية في صياغة الوثيقة، فإن أحدا لم يستطع إخراجها ~~بالشكل الذي قدمها به جيفرسون للكونجرس الأمريكي. ففي العشرين من أغسطس، فتحت الجمعية ~~الوطنية التأسيسية الجديدة باب المناقشة حول أربع وعشرين مادة صاغتها لجنة لم يكن من السهل ~~قيادتها بسبب عدد نوابها المفرط الذي وصل إلى أربعين نائبا. وبعد مرور ستة أيام من النقاش ~~المحتدم والتعديلات ms004 التي لا حصر لها، لم يصادق النواب الفرنسيون إلا على سبع عشرة مادة ~~فحسب ، ولما أنهك الجدال المرير المستمر النواب، وكانت هناك حاجة إلى الانتقال إلى بعض ~~القضايا الأخرى الملحة، صوت النواب في السابع والعشرين من أغسطس 1789 بتعليق النقاش في ~~أمر المسودة، والإقرار المؤقت بالمواد التي أجيزت بالفعل باعتبارها «إعلان حقوق الإنسان ~~والمواطن». # كان البيان الذي صيغ على نحو متسرع جدا مذهلا من حيث بساطته وسعة إحاطته؛ فقد نادى ~~الإعلان، الذي لم يأت قط على ذكر الملك، أو النبلاء، أو الكنيسة، بأن تكون «حقوق الإنسان ~~الطبيعية الثابتة والمقدسة» هي أساس أي سلطة، وقد عزا السيادة إلى الأمة، وليس إلى الملك، ~~وأعلن أن الجميع متساوون أمام القانون، ومن ثم لكل واحد الحق في الحصول على الوظائف والرتب ~~بحسب قدراته وجدارته، وضمنيا لا يفضل رجل على رجل بناء على أصوله. بيد أن الجانب الأكثر ~~إثارة للدهشة من أي ضمان بعينه تمثل في تعميم الحقوق الموضوعة؛ فإسناد البيان إلى ~~«الناس»، و«الإنسان»، و«كل إنسان»، و«جميع الناس»، و«جميع المواطنين»، و«كل مواطن»، ~~و«المجتمع»، و«كل مجتمع» جعل الإسناد إلى الشعب الفرنسي بمفرده يبدو ضئيلا تافها ~~بالمقارنة. # وعلى هذا، أثار نشر الإعلان على الفور الرأي العام العالمي حول موضوع الحقوق، سواء الحقوق ~~المستحقة للإنسان أو الواجبة عليه. وفي الرابع من نوفمبر من عام 1789، في إحدى العظات التي ~~ألقاها في لندن الواعظ والفيلسوف ريتشارد برايس، صديق بنجامين فرانكلين، الناقد المستمر ~~للحكومة الإنجليزية، أطرى برايس بحماس شديد على الحقوق الجديدة للإنسان فقال: «قد عشت حتى ~~رأيت حقوق الإنسان مفهومة للناس أكثر من أي وقت مضى، والأمم تلهث وراء الحرية، التي بدا ~~وكأنها نسيت دلالتها ومعناها.» ولما ثارت ثائرة إدموند بيرك، كاتب المقال المعروف وعضو ~~البرلمان، من حماسة برايس الساذجة من أجل «أفكار الفرنسيين التجريدية الميتافيزيقية»، سطر ~~في عجالة ردا متقدا بالغضب، ونال كتيبه «تأملات في الثورة في فرنسا» (1790) التقدير ~~الفوري باعتباره نواة مذهب المحافظين السياسي. قال إدموند بيرك بغضب: «نحن لسنا أتباع روسو، ~~نحن نعلم أننا لم نهتد إلى ms005 أي اكتشافات، ونرى أنه لن تكون هناك أي اكتشافات؛ في الأخلاقيات ~~... نحن لم نجر ونوثق كي يجري حشونا، مثل الطيور المحنطة في المتاحف، بالقش والأسمال البالية ~~وقصاصات ورق حقوق الإنسان الغامضة.» أما الشيء الذي اتفق عليه كل من برايس وإدموند فهو ~~الثورة الأمريكية؛ فكلاهما أيدها. لكن الثورة الفرنسية غالت في مطالبها أيما مغالاة، وسرعان ~~ما تشكلت خطوط المعركة. فهل كان هذا بمنزلة انبلاج لفجر عصر جديد من الحرية القائمة على ~~المنطق، أم بداية انحدار شديد نحو الفوضوية والعنف؟ # 2 # وعلى مدار قرابة قرنين من الزمان، وعلى الرغم من البلبلة التي أثارتها الثورة الفرنسية، ~~كان «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» تجسيدا لوعد حقوق الإنسان العالمية. وفي عام 1948، ~~عندما تبنت الأمم المتحدة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، نصت مادته الأولى على أنه: ~~«يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق.» وكانت بالفعل المادة الأولى من ~~إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 قد نادت بأنه: «يولد الناس ويعيشون أحرارا متساوين ~~في الحقوق.» ومع أن التعديل اللغوي كان ذا مغزى، فلا يخفى على أحد التكرار البين في ~~الوثيقتين. # لا تخبرنا أصول الوثائق بالضرورة بشيء ذي مغزى عن النتائج التي ترتبت عليها، فهل يهم بحق ~~أن نعرف أن مسودة جيفرسون الأولية قد مرت بستة وثمانين تعديلا قبل أن تصل إلى حالتها ~~النهائية سواء أجراها جيفرسون بنفسه، أو أدخلتها لجنة الخمس، أو الكونجرس؟ من الواضح أن ~~جيفرسون وآدمز كانا يظنان أن هذا مهم؛ إذ ظلا حتى عشرينيات القرن التاسع عشر - أي في العقد ~~الأخير من عمرهما المديد الحافل بالأحداث - يتجادلان حول من أسهم بماذا في الوثيقة. ومع ~~ذلك فلم يكن لإعلان الاستقلال الأمريكي منزلة دستورية؛ إذ كان يعلن عن نوايا فحسب، ومر خمسة ~~عشر عاما قبل أن تصدق الولايات المتحدة أخيرا على مشروع قانون الحقوق المختلف تمام ~~الاختلاف في عام 1791. وقد زعم الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن بأنه يحمي الحريات ~~الفردية، لكنه لم يمنع مجيء حكومة فرنسية قمعت الحقوق (عرفت باسم حكومة الإرهاب)، وصاغت ~~الدساتير الفرنسية المستقبلية - التي ms006 ظهر الكثير منها - إعلانات مختلفة أو استغنت عن ~~الإعلانات كلية . # غير أن الأكثر إزعاجا هو أن أولئك الذين أعلنوا بمنتهى الثقة أن الحقوق عالمية في أواخر ~~القرن الثامن عشر، اتضح أنهم كانوا يفكرون في شيء أقل من العالمية بكثير. ولا عجب أنهم ~~اعتبروا الأطفال، أو مختلي العقل، أو المساجين، أو الأجانب عديمي الأهلية، غير جديرين ~~بالمشاركة الكاملة في العملية السياسية، فنحن نفعل هذا أيضا، ولكنهم استثنوا أيضا أولئك ~~الذين لا يحوزون الممتلكات، والرقيق، والأحرار السود، والأقليات الدينية - في بعض الأحوال - ~~والنساء، دائما وفي كل مكان. وفي السنوات الأخيرة أثارت هذه القيود التي فرضت على «كل ~~الناس» العديد من التعليقات، حتى إن بعض الباحثين تشككوا هل حملت الإعلانات في طياتها أي ~~معنى ينطوي على تحرير حقيقي؟! بل اعتبر مؤسسو تلك الإعلانات وواضعوها ومعلنوها من الصفوة ~~والعنصريين وكارهي النساء؛ نتيجة عدم قدرتهم على رؤية الجميع متساوين في الحقوق ~~بالفعل. # لا يجدر بنا أن نغفل القيود التي فرضها رجال القرن الثامن عشر على الحقوق، لكن إذا توقفنا ~~عند هذه النقطة لنهنئ أنفسنا على «التقدم» النسبي الذي أحرزناه، فسنضل غايتنا. فكيف ~~لأولئك الرجال، الذين عاشوا في مجتمعات قائمة على الرق، والخنوع، وذل طبيعي فيما يبدو، أن ~~ينظروا إلى أناس يختلفون عنهم تمام الاختلاف، وللنساء أيضا في بعض الحالات، باعتبارهم ~~مساوين لهم؟ كيف أصبحت المساواة في الحقوق حقيقة «بديهية» في مثل هذه الأماكن التي يستبعد ~~وقوع هذا فيها؟ من المذهل أن يأتي رجال أمثال جيفرسون مالك العبيد، ولافاييت الأرستقراطي، ~~على ذكر الحقوق البديهية الثابتة لكل الناس كما فعلا، فإذا استطعنا أن نفهم كيفية حدوث هذا، ~~فسنفهم على نحو أفضل ماذا تعني لنا حقوق الإنسان اليوم. # مفارقة البداهة # على الرغم من اختلاف لغتي إعلاني القرن الثامن عشر، فإن كليهما استند على ادعاء ~~بالبداهة. أوضح جيفرسون هذا عندما كتب: «نحن نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية.» وقد نص ~~الإعلان الفرنسي صراحة على أن: «الجهل والإهمال وتجاهل حقوق الإنسان هي وحدها أسباب ~~شقاء المجتمع وفساد الحكومات.» وفي هذا الصدد ms007 لم يختلف عنهما كثيرا «الإعلان العالمي ~~لحقوق الإنسان» الذي صيغ في عام 1948. لا شك في أن الإعلان الذي أصدرته الأمم المتحدة ~~حمل نبرة أكثر قانونية عندما نص على أنه: «لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة ~~البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل ~~والسلام في العالم ...» بيد أنه شكل أيضا ادعاء بالبداهة؛ لأن عبارة «لما كان» تعني ~~حرفيا «بما أن الحقيقة هي». وبعبارة أخرى، تعد عبارة «لما كان» صيغة قانونية ~~للتأكيد على حقيقة بديهية. # هذا الادعاء بالبداهة، الذي يعد في غاية الأهمية فيما يخص حقوق الإنسان حتى في وقتنا ~~هذا، يكشف عن مفارقة: فإذا كانت المساواة في الحقوق حقيقة بديهية غنية عن الإيضاح، فما ~~الحاجة إلى هذا التشديد إذن، ولماذا لا يؤكد على هذا التشديد إلا في أوقات وأماكن ~~بعينها؟ كيف يمكن لحقوق الإنسان أن تكون عالمية ما لم يعترف بها عالميا؟ هل ينبغي أن ~~نرضى بالتفسير الوارد بالتصريح الذي قدمه واضعو إعلان عام 1948: «نحن متفقون على الحقوق ~~شريطة ألا يسألنا أحد لماذا»؟ هل يمكن أن تكون هذه الحقوق بديهية في حين قضى الباحثون ~~أكثر من قرنين من الزمان يتجادلون حول ما كان يقصده جيفرسون بعبارته؟ ولسوف يستمر الجدل ~~إلى أجل غير مسمى؛ لأن جيفرسون لم يشعر قط بالحاجة إلى توضيح مقصده، علاوة على أنه لم ~~يشأ أحد من لجنة الخمس أو من الكونجرس أن يعيد النظر في ادعائه، على الرغم من أنهم ~~أدخلوا تعديلات مكثفة على أجزاء أخرى من نسخته الأولية. لقد وافقوه الرأي فيما يبدو، ~~ناهيك عن أنه لو أن جيفرسون كان قد فسر مقصده، لتلاشت بديهية الادعاء؛ فالتأكيد الذي ~~يتطلب برهانا لا يعود بديهيا. # 3 # أرى أن ادعاء البداهة أمر في غاية الأهمية فيما يخص تاريخ حقوق الإنسان، وهذا الكتاب ~~مكرس لتفسير كيف كان هذا الادعاء مقنعا أيما إقناع في القرن الثامن عشر، ومن حسن ~~الحظ أن الكتاب أيضا يضع تحت بؤرة التركيز نقطة بعينها من هذا التاريخ المتشعب ~~للغاية. لقد ms008 أضحت حقوق الإنسان منتشرة في كل مكان في الوقت الحالي، حتى إنها تحتاج فيما ~~يبدو إلى سعة تاريخية كبيرة مماثلة لاستيعابها؛ فهي تشتمل على الأفكار اليونانية عن ~~الإنسان الفرد، والنظرية الرومانية عن القانون والحقوق، والمذاهب المسيحية في النفس ~~البشرية ... وتكمن المجازفة في أن يصبح تاريخ حقوق الإنسان هو تاريخ الحضارة الغربية، أو ~~في الوقت الحالي - في بعض الأحيان - تاريخ العالم بأسره. أفلا تقدم الحضارة البابلية ~~القديمة، والديانة الهندوسية، والبوذية، والإسلام إسهاماتها أيضا؟ كيف لنا إذن أن نعلل ~~التبلور المفاجئ لادعاءات حقوق الإنسان في نهاية القرن الثامن عشر؟ # لا بد أن تتوافر في حقوق الإنسان ثلاث سمات متداخلة: لا بد أن تكون الحقوق «طبيعية» ~~(أصيلة في الإنسان)، «متساوية» (واحدة للجميع)، و«عالمية» (قابلة للتطبيق في كل مكان). ~~ولكي تصبح الحقوق حقوقا «للإنسان»، لا بد أن يحوزها جميع البشر على قدم المساواة في كل ~~مكان على وجه البسيطة لا لسبب آخر سوى أنهم بشر. ولقد اتضح أن قبول السمة الطبيعية ~~للحقوق أيسر من قبول سمة العالمية أو سمة المساواة. ونحن ما زلنا نتصارع بطرق عدة مع ~~الآثار المترتبة على المطالبة بمساواة الحقوق وعالميتها. في أي عمر يحق للفرد التمتع ~~بالمشاركة الكاملة في الحياة السياسية؟ هل يحق للمهاجرين - غير المواطنين - أن يشتركوا ~~في التمتع بالحقوق؟ وأي حقوق؟ # ولكن حتى طبيعية الحقوق وتساويها وعالميتها ليست كافية تماما؛ فحقوق الإنسان تصبح ~~ذات مغزى ودلالة عندما يكون لها مضمون سياسي. إنها ليست حقوقا للبشر في البرية، بل هي ~~حقوق للبشر تحت مظلة المجتمع. وهي ليست حقوقا للبشر في مقابل حقوق إلهية، أو حقوقا ~~للبشر في مقابل حقوق الحيوانات؛ بل هي حقوق للبشر بعضهم إزاء بعض، ومن ثم هي حقوق ~~مكفولة في العالم السياسي العلماني (حتى وإن أطلقت عليها صفة «مقدسة»)، إلى جانب أنها ~~حقوق تتطلب من أصحابها مشاركة فعالة. # اكتسبت طبيعية الحقوق وتساويها وعالميتها تعبيرا سياسيا مباشرا للمرة الأولى في ~~«إعلان الاستقلال الأمريكي» عام 1776، و«الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن» عام ~~1789. فعلى الرغم من أن مشروع مذكرة الحقوق ms009 الإنجليزي لعام 1689 أشار إلى «الحقوق ~~والحريات القديمة» التي أرسى دعائمها القانون الإنجليزي والمستمدة من التاريخ ~~الإنجليزي، فإنه لم يناد بتساوي الحقوق وعالميتها وطبيعيتها. وعلى النقيض، شدد إعلان ~~الاستقلال الأمريكي على أن «جميع الناس خلقوا متساوين»، وأن جميعهم يملكون «حقوقا ~~ثابتة». وبالمثل، نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن على أنه «يولد الناس ويعيشون ~~أحرارا متساوين في الحقوق». لم يخص بالذكر الفرنسيين وحدهم، ولا البيض، ولا ~~الكاثوليك، بل «الناس»، اللفظة التي كانت تعني - وما زالت تعني - جميع البشر رجالا ~~ونساء. وبعبارة أخرى، في وقت ما في الفترة ما بين عامي 1689 و1776، تحولت الحقوق التي ~~غالبا ما كانت تعد قاصرة على فئة بعينها من الناس - المواليد الأحرار من الإنجليز على ~~سبيل المثال - إلى حقوق للبشر جميعا؛ حقوق عالمية طبيعية، وضع لها الفرنسيون مصطلحا ~~يعني «حقوق الإنسان». # 4 # حقوق الإنسان و«حقوق الفرد» # إذا قمنا بزيارة قصيرة إلى تاريخ المصطلحات، فسوف تساعدنا على أن نحدد بوضوح لحظة ~~ظهور مصطلح «حقوق الإنسان». على الأرجح لم يستخدم أناس القرن الثامن عشر تعبير «حقوق ~~الإنسان»، ومتى استخدموه كانوا يقصدون به عادة شيئا مختلفا عما نقصده نحن اليوم. فقبل ~~عام 1789، غالبا ما تحدث جيفرسون - على سبيل المثال - عن «الحقوق الطبيعية»، ولم يبدأ ~~في استخدام مصطلح «حقوق الفرد» إلا بعد عام 1789، وعندما استخدم مصطلح «حقوق الإنسان» ~~كان يعني شيئا ذا طابع أكثر سلبية وأدنى من الناحية السياسية من الحقوق الطبيعية أو ~~حقوق الفرد. ففي عام 1806 - على سبيل المثال - استخدم المصطلح في الإشارة إلى شرور ~~تجارة الرقيق: # أهنئكم، أيها الأخوة المواطنون، على الدنو من الفترة التي يمكن أن تستخدموا ~~فيها سلطتكم بصفة دستورية؛ لمنع مواطني الولايات المتحدة من المزيد من المشاركة ~~في هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان التي دامت طويلا ضد سكان أفريقيا الذين لم ~~يرتكبوا جرما، والتي تاقت طويلا أخلاقيات بلدنا وسمعتها ومصالحها إلى ~~تحريمها. # ومع تأكيد جيفرسون على أن الأفارقة يتمتعون بحقوق الإنسان، فلم يلمح ~~بتاتا إلى العبيد الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في الوطن. فحقوق الإنسان، وفقا ~~لتعريف ms010 جيفرسون، لا تتيح للأفارقة - ناهيك عن الأمريكيين من أصول أفريقية - حرية التصرف ~~بأنفسهم . # 5 # إبان القرن الثامن عشر، تبين أن ~~مصطلحات مثل «حقوق الإنسان»، و«حقوق البشرية»، «وحقوق الإنسانية»، في كل من اللغة ~~الإنجليزية والفرنسية، مصطلحات عامة للغاية، فلا تمت بصلة مباشرة إلى الاستخدام ~~السياسي؛ فكانت تشير إلى ما يميز ما هو بشري عما هو إلهي من ناحية، ~~وعما هو حيواني من ناحية أخرى، وليس إلى ~~الحقوق المتعلقة بالسياسة مثل حرية التعبير أو الحق في المشاركة في الحياة السياسية. ~~وهكذا، في واحدة من الاستخدامات الأولى لمصطلح «حقوق الإنسانية» في اللغة الفرنسية (عام ~~1734)، سخر الناقد اللاذع واسع الاطلاع، نيكولاس لنيجلي-دوفريسنوي، الذي كان هو نفسه ~~كاهنا كاثوليكيا، من «أولئك الرهبان الأفذاذ الذين عاشوا في القرن السادس والذين ~~تخلوا عن كل «حقوق الإنسانية»، حتى إنهم رعوا كالحيوانات وسرحوا عارين عريا تاما». ~~وبالمثل في عام 1756 ادعى فولتير على سبيل الهزل أن بلاد فارس كانت الدولة الملكية التي ~~نعم فيها الفرد أيما نعمة «بالحقوق الإنسانية»؛ نظرا لأن الفارسيين اقتنوا أعظم ~~«الموارد للتخلص من السأم». وظهر مصطلح «حق الإنسان» للمرة الأولى في اللغة الفرنسية ~~عام 1763، بمعنى مماثل «للحق الطبيعي»، لكن لم يشع استخدامه، مع أن فولتير استخدمه في ~~«رسالة التسامح» # 6 # واسعة الانتشار والتأثير. # وفي الوقت الذي ظل فيه المتحدثون بالإنجليزية يؤثرون استخدام مصطلح «الحقوق الطبيعية» ~~أو كلمة «الحقوق» فحسب، طيلة القرن الثامن عشر، ابتكر الفرنسيون تعبيرا جديدا في ~~ستينيات القرن الثامن عشر هو: «حقوق الفرد». ولكل من مصطلح «الحق الطبيعي (الحقوق ~~الطبيعية)» أو «القانون الطبيعي» (في اللغة الفرنسية، تعبير واحد يحمل كلا المعنيين) ~~تاريخ أطول يعود إلى مئات السنين، لكن ربما كان لمصطلح «الحق الطبيعي» عدة معان ممكنة ~~نتيجة لذلك؛ فقد قصد به أحيانا ببساطة جعل الشيء يبدو منطقيا في إطار النظام ~~التقليدي. ولهذا استخدم الأسقف بوسويه، المتحدث الرسمي عن الحاكم المطلق الملك لويس ~~الرابع عشر، على سبيل المثال، مصطلح «الحق الطبيعي» فقط عند وصف دخول المسيح إلى ~~السماء: («دخل إلى السماء بمقتضى حقه الطبيعي.») ms011 # 7 # شاع استخدام مصطلح «حقوق الفرد» في فرنسا بعد ظهوره في كتاب جان جاك روسو «العقد ~~الاجتماعي» عام 1762، على الرغم من أن روسو لم يطرح تعريفا للمصطلح، وعلى الرغم من أنه ~~استخدمه متلازما مع «حقوق الإنسانية» و«حقوق المواطن» و«حقوق السيادة»، أو ربما بسبب ~~ذلك. وأيا كان السبب، فبحلول شهر يونيو عام 1763، أصبح مصطلح «حقوق الفرد» مصطلحا ~~شائعا بناء على رسالة إخبارية سرية: # أدى ممثلو المسرح الفرنسي اليوم للمرة الأولى مسرحية بعنوان «مانكو» (تدور ~~أحداثها حول إمبراطورية الإنكا القديمة في بيرو) التي تحدثنا عنها آنفا. إنها ~~واحدة من أسوأ المسرحيات التراجيدية نسجا. ثمة دور لأحد الهمجيين كان يمكن أن ~~يصير دورا غاية في الروعة؛ فهو يسرد شعرا يذكر فيه كل شيء قرأناه مبعثرا عن ~~الملوك، والحرية، وحقوق الفرد، في كتب «عدم المساواة في الظروف»، و«إيميل»، ~~و«العقد الاجتماعي». # ومع أن المسرحية نفسها لم تستخدم في الحقيقة عبارة «حقوق الفرد» بدقة، ~~وإنما العبارة المرتبطة بها: «حقوق كينونتنا»، فإن المصطلح قد دخل بوضوح في إطار ~~الاستخدام الثقافي، وكان يرتبط بالفعل بأعمال روسو مباشرة. وبعدئذ استخدمه أدباء آخرون ~~من عصر النهضة أمثال البارون دي هولباخ، ورينال، وميرسيير في سبعينيات وثمانينيات القرن ~~الثامن عشر. # 8 # وقبل عام 1789 لم ينتقل مصطلح «حقوق الفرد» إلى اللغة الإنجليزية إلا قليلا. لكن ~~الثورة الأمريكية حفزت الماركيز دي كوندرسيه، بطل عصر التنوير الفرنسي، ليقوم بالمحاولة ~~الأولى لتعريف «حقوق الفرد» التي في رأيه اشتملت على أمن الفرد، وأمن الممتلكات، ~~والعدالة النزيهة المحايدة، والحق في المساهمة في صياغة القوانين. وفي مقاله الذي نشره ~~عام 1786 بعنوان «عن تأثير الثورة الأمريكية على أوروبا»، ربط صراحة حقوق الفرد ~~بالثورة الأمريكية: «إن المشهد الرائع لأمة عظيمة تؤخذ فيها حقوق الفرد مأخذ الاحترام، ~~لهو نافع لبقية الأمم، على الرغم من الفروق في المناخ والعادات والدساتير.» وصرح بأن ~~إعلان الاستقلال الأمريكي ليس أقل من «عرض بسيط وسام لهذه الحقوق التي هي شديدة ~~القدسية، وفي الوقت نفسه منسية منذ زمن طويل». وفي يناير عام 1789 استخدم إيمانويل ~~جوزيف ms012 سييس تعبير «حقوق الفرد» في كتيبه التحريضي المناوئ لطبقة النبلاء الذي حمل ~~عنوان: «ما الطبقة الثالثة؟» وأشارت مسودة لافاييت لإعلان الحقوق في يناير عام 1789 ~~إشارة واضحة إلى «حقوق الفرد»، وتكرر الأمر في مسودة كوندرسيه التي صاغها في أوائل عام ~~1789. ومنذ ربيع 1789 - حتى من قبل سقوط سجن الباستيل في الرابع عشر من يوليو - شاعت في ~~الأوساط السياسية الفرنسية الأقوال عن الحاجة إلى وجود إعلان عن «حقوق الفرد». # 9 # وعندما بزغت لغة حقوق الإنسان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يكن هناك في ~~بادئ الأمر تعريف واضح لهذه الحقوق. لم يقدم روسو أي تفسير عندما استخدم مصطلح «حقوق ~~الفرد»، وعرفها ويليام بلاكستون، فقيه القانون الإنجليزي، على أنها: «الحرية الطبيعية ~~للبشر»، بمعنى «الحقوق المطلقة للفرد، باعتباره إنسانا حرا منح القدرة على التمييز ~~بين الخير والشر». ومعظم أولئك الذين استخدموا العبارة في فرنسا في سبعينيات وثمانينيات ~~القرن الثامن عشر، أمثال رمزي عصر التنوير اللذين كانا مثارا للجدل؛ البارون دي ~~هولباخ والكونت دي ميرابو، أشاروا إلى حقوق الفرد كما لو كانت واضحة وضوح الشمس وليست ~~في حاجة إلى دفاع أو تعريف، وبعبارة أخرى، كانت حقوقا بديهية. زعم دي هولباخ - على ~~سبيل المثال - أنه متى تضاءلت خشية الإنسان من الموت، «فعندئذ سيدافع عن حقوق الفرد ~~على نحو أكثر جسارة وإقداما.» وشجب ميرابو أعداءه الألداء «معدومي الشخصية والضمير، ~~لأنهم لا يملكون أدنى فكرة على الإطلاق عن حقوق الفرد». ولم يقدم أحد على الإطلاق قائمة ~~مفصلة بهذه الحقوق قبل عام 1776 (وهو تاريخ إعلان حقوق ولاية فيرجينيا الذي صاغه جورج ~~ماسون). # 10 # ونجح في إماطة اللثام عن غموض حقوق الإنسان القس الكالفيني الفرنسي جان بول رباءوت ~~سانت إتيان، الذي كتب إلى الملك الفرنسي في عام 1787 ليتظلم بشأن إعاقة «مرسوم التسامح» ~~المقترح من أجل البروتستانت أمثاله. تشجع رباءوت بالشعور المتزايد لمصلحة حقوق الفرد، ~~فأصر قائلا: «نحن نعرف اليوم كنه الحقوق الطبيعية، وهي قطعا تمنح الأفراد أكثر مما ~~يمنحه المرسوم للبروتستانت ... لقد حان الوقت الذي ms013 لم يعد مقبولا فيه لأي قانون أن ينقض ~~جهارا حقوق الإنسانية التي باتت معروفة حق المعرفة للعالم أجمع.» ولربما باتت حقوق ~~الإنسانية «معروفة حق المعرفة»، غير أن رباءوت نفسه سلم بأن ملكا كاثوليكيا لا ~~يمكن أن يجيز رسميا حق الكالفينيين في ممارسة حقهم في العبادة العامة. وخلاصة القول، ~~اعتمد كل شيء آنذاك - كما هي الحال الآن أيضا - على تفسير عبارة الشيء الذي «لم يعد ~~مقبولا». # 11 # كيف أصبحت الحقوق بديهية # من العسير تحديد كنه حقوق الإنسان؛ نظرا لأن تعريفها - بل وجودها نفسه في واقع الأمر ~~- يعتمد على المشاعر بالقدر نفسه الذي يعتمد به على المنطق. وادعاء البداهة يعتمد في ~~آخر المطاف على مخاطبة العاطفة؛ فهو مقنع إذا مس شغاف قلب الفرد، علاوة على أننا ~~موقنون بشدة بأن حق الإنسان يكون موضع نزاع عندما ننزعج جراء انتهاكه. لقد علم رباءوت ~~من سانت إتيان أنه يستطيع أن يخاطب المعرفة الضمنية بما «لم يعد مقبولا». وفي عام 1755 ~~كتب مؤلف عصر النهضة الفرنسي المؤثر دنيس ديدرو عن «الحق الطبيعي» يقول: «إن استخدام ~~هذا المصطلح مألوف للغاية، حتى إنه يكاد يكون جميع الناس على قناعة داخلية أن هذا الحق ~~واضح وضوح الشمس. وهذا الشعور الداخلي يتقاسمه كل من الفيلسوف والرجل العادي الذي لم ~~يسبق له أن مارس التأمل قط.» وقدم ديدرو - على غرار آخرين من معاصريه - تلميحا غامضا ~~فحسب لمعنى الحقوق الطبيعية، فخلص إلى الآتي: «بصفتي إنسانا، لست أملك حقوقا طبيعية ~~أخرى ثابتة بحق بخلاف تلك الحقوق التي تملكها الإنسانية.» بيد أنه وضع يده على أهم سمة ~~من سمات حقوق الإنسان؛ أنها حتمت وجود «شعور داخلي» # 12 # معين يتقاسمه نطاق عريض من البشر. # وحتى فيلسوف القانون الطبيعي السويسري المتشدد جان جاك بورلماكي أصر على أن الحرية لا ~~يمكن بلوغها إلا من خلال المشاعر الداخلية لكل إنسان عندما صرح قائلا: «مثل هذه ~~الأدلة الشعورية تسمو فوق كل عائق وتولد أرسخ القناعات الإيمانية.» وحقوق الإنسان ~~ليست مجرد مذهب صيغ في وثائق، بل هي في جوهرها نزعة ms014 نحو الآخرين، أو مجموعة من ~~القناعات حول كنه الناس وكيف يميزون الصواب من الخطأ في العالم العلماني. وكان لا بد ~~للأفكار الفلسفية، والتقاليد الشرعية ، والسياسات الثورية أن تتحلى بمثل هذا النوع من ~~المرجعية الشعورية الداخلية كيما تصير حقوق الإنسان «بديهية» بالفعل. وكما أصر ديدرو، ~~كان لا بد أن يشعر كثير من الناس بهذه المشاعر، وليس فقط الفلاسفة الذين كتبوا ~~عنها. # 13 # كان تعزيز هذه الأفكار المتعلقة بالحريات والحقوق في جوهره مجموعة من الافتراضات عن ~~الاستقلال الفردي؛ فلكي تكون لدينا حقوق للإنسان، كان لا بد أن ينظر إلى الناس ~~باعتبارهم أشخاصا مستقلين قادرين على إبداء رأي أخلاقي مستقل، فكما وصفها بلاكستون؛ ~~حقوق الإنسان تقتضي أن يعتبر الفرد «إنسانا حرا منح القدرة على التمييز بين الخير ~~والشر». لكن لكي يصبح هؤلاء الأفراد المستقلون أعضاء في أحد المجتمعات السياسية بناء ~~على تلك الآراء الأخلاقية المستقلة، كان لا بد أن يقدروا أولا على التعاطف مع الآخرين. ~~سيتمتع كل فرد بحقوقه فقط إذا أمكن النظر لكل الناس على أنهم متساوون بصورة جوهرية. لم ~~تكن المساواة مجرد مفهوم تجريدي أو شعار سياسي، وكان لا بد أن تدمج بطريقة ما في طبيعة ~~الإنسان. # وعلى الرغم من أننا نأخذ أفكار الاستقلال الذاتي والمساواة، بالإضافة إلى حقوق ~~الإنسان، على أنها مسلم بها، فإنها لم تكتسب فعاليتها إلا في القرن الثامن عشر. ولقد ~~تعقب فيلسوف الفلسفة الأخلاقية المعاصر جيه بي شنيويند أصول ما يطلق عليه «نشأة ~~الاستقلالية»، وأكد شنيويند قائلا: «ركزت النظرة الجديدة التي بزغت في نهاية القرن ~~الثامن عشر على الاعتقاد بأن كل الأشخاص الطبيعيين قادرون بالتساوي على العيش معا في ~~إطار فضيلة الاستقلال الذاتي.» ويكمن وراء أولئك «الأشخاص الطبيعيين» تاريخ طويل من ~~الكفاح. في القرن الثامن عشر (وحتى وقتنا هذا في الواقع)، لم يمكن تصور كافة «الناس» ~~على أنهم قادرون بالتساوي على الاستقلال الذاتي الأخلاقي؛ إذ اشتمل الأمر على سمتين ~~وثيقتي الصلة لكنهما مختلفتان بوضوح: القدرة على تحكيم العقل، والاستقلالية في اتخاذ ~~القرار. ولا بد من توافر كلتيهما ms015 لكي يتمتع الفرد بالاستقلالية الأخلاقية. وتنعدم ~~القدرة الضرورية على تحكيم العقل لدى فاقدي الأهلية من أطفال ومختلي العقل، لكنهم ربما ~~يكتسبون هذه القدرة أو يستعيدونها يوما ما. وكما الأطفال، كان الرقيق، والخدم، ومن ~~ليست لديهم ممتلكات، والنساء، يفتقرون إلى وضع الاستقلال اللازم كيما يكونوا مستقلين ~~استقلالا كاملا. ولعل الأطفال يتمتعون يوما ما بالاستقلال الذاتي عندما يكبرون، ~~والخدم عندما يتركون الخدمة، ومن ليست لديهم ممتلكات عندما يبتاعون الممتلكات، بل حتى ~~الرقيق عندما يشترون حريتهم. وبدا أن النساء وحدهن ليست أمامهن أي من هذه الخيارات؛ فقد ~~وضعن في إطار أنهن معتمدات بالفطرة على آبائهن أو أزواجهن. ولو أن أنصار حقوق الإنسان ~~العالمية المتساوية الطبيعية استثنوا تلقائيا بعض فئات الناس من مزاولة تلك الحقوق، ~~فهذا يرجع في المقام الأول إلى أنهم يرون هذه الفئات أقل من أن تتمتع بالقدرة الكاملة ~~على الاستقلالية الأخلاقية. # 14 # غير أن قدرة التعاطف حديثة الاكتشاف استطاعت أن تقاوم أقدم الآراء المسبقة وأكثرها ~~رسوخا؛ ففي عام 1791 منحت الحكومة الفرنسية الثورية اليهود المساواة في الحقوق، وفي ~~عام 1792 منح حتى غير مقتني الممتلكات حق الاقتراع، وفي عام 1794 ألغت الحكومة ~~الفرنسية الرق رسميا. ولم يكن لكل من الاستقلالية والتعاطف شكل محدد المعالم، فهما ~~مهارتان يمكن اكتسابهما، كما يمكن تفنيد القيود «المقبولة» المفروضة على الحقوق، وقد ~~كانت تفند بالفعل. ولا يمكن وضع تعريف نهائي دائم للحقوق؛ ذلك لأن قاعدتها الشعورية ~~تتغير على الدوام، ويعزى هذا جزئيا إلى إعلانات الحقوق. وتظل الحقوق عرضة للمناقشة؛ ~~لأن مفهومنا عن هوية من يملك الحقوق وماهية هذه الحقوق يتغير على الدوام. إن ثورة حقوق ~~الإنسان مستمرة بحكم طبيعتها الخاصة. # إن الاستقلال الذاتي والقدرة على التعاطف هما ممارستان ثقافيتان، وليستا مجرد فكرتين، ~~ومن ثم فهما مجسمتان بالمعنى الحرفي، بمعنى أن لهما أبعادا فيزيائية تماما مثل ~~الأبعاد العاطفية. يتوقف الاستقلال الفردي على إحساس متزايد بانفصال الأجساد البشرية ~~وقدسيتها: فجسدك ملك لك أنت، وجسدي ملك لي أنا، وينبغي لكلينا أن يحترم الحدود بين ~~جسدينا. أما التعاطف فهو يتوقف ms016 على الاعتراف بأن الآخرين يشعرون ويفكرون مثلنا، وأن ~~مشاعرنا الداخلية متشابهة تشابها جوهريا. ولكي يصير الإنسان مستقلا ذاتيا، فلا بد ~~أن يكون منفصلا قانونيا، وفي انفصاله هذا يتمتع بالحماية ، لكن لكي تدعم الحقوق ~~هذا الانفصال الجسدي، لا بد أن تقدر فردية الإنسان تقديرا يغلب عليه الطابع العاطفي. ~~تتوقف حقوق الإنسان على امتلاك الذات، وعلى الاعتراف بأن كل الآخرين [يمتلكون ذواتهم] ~~على قدم المساواة. وعدم اكتمال فكرة حق ~~الآخرين في امتلاك ذواتهم هو المسئول عن ظهور أشكال عدم المساواة كافة في الحقوق التي ~~شغلتنا على مر التاريخ. # لم تظهر الاستقلالية الذاتية والتعاطف في القرن الثامن عشر بدون سابق إنذار، بل كانت ~~لهما جذور عميقة. فعلى المدى الطويل لقرون عديدة، بدأ الأفراد ينسحبون بعيدا عن حبائل ~~المجتمع وأصبحوا أفرادا مستقلين أكثر فأكثر، من الناحية القانونية والنفسية. فقد أوجد ~~الخجل المتزايد طيلة الوقت من الوظائف الجسدية والإحساس المتزايد بآداب اللياقة الجسدية ~~احتراما أعظم للتكامل الجسدي وحدودا أوضح للفصل بين أجساد الأفراد. وبمرور الوقت، بدأ ~~الناس ينامون في الفراش بمفردهم أو مع الزوج أو الزوجة فقط، واستخدموا الأواني لتناول ~~الطعام، وبدءوا ينظرون إلى السلوك الذي كانوا يقبلونه قبلا، على أنه سلوك كريه، مثل ~~إلقاء الطعام على الأرض أو مسح فضلات الجسم في الملابس. وكان التغير المستمر في الأفكار ~~والنظريات المتعلقة بدواخل النفس وعمقها، بدءا من الروح المسيحية ومرورا بالضمير ~~البروتستانتي ووصولا إلى أفكار القرن الثامن عشر عن الإدراك الحسي، قد ملأ النفس ~~بمحتوى جديد. وقد حدثت كل هذه العمليات على مدى فترة زمنية طويلة. # لكن حدثت هناك طفرة مفاجئة في تطور هذه الممارسات في النصف الثاني من القرن الثامن ~~عشر؛ صارت سلطة الآباء المطلقة على أبنائهم موضع تساؤل، وبدأت جموع الناس تشاهد العروض ~~المسرحية أو تنصت إلى الموسيقى في هدوء، نافس فن تصوير الأشخاص وتصوير مشاهد الحياة ~~اليومية هيمنة اللوحات الزيتية التي تتناول الأساطير والتاريخ التابعة للرسم الأكاديمي، ~~وانتشرت الروايات والصحف، مما أتاح وصول قصص الحياة العادية إلى أيدي قاعدة كبيرة من ~~الجموع، وبدأ ms017 الناس يستهجنون كلا من التعذيب الذي كان جزءا من العملية القضائية، ~~وأشكال العقاب البدني الأكثر تطرفا. كل هذه التغيرات أسهمت في تعزيز الإحساس بالانفصال ~~وامتلاك كل فرد لجسده، بالإضافة إلى إمكانية التعاطف مع الآخرين. # ولأفكار التكامل الجسدي والتفرد التعاطفي، التي نتعرض لها في الفصول التالية، تاريخ ~~لا يختلف عن تاريخ حقوق الإنسان، التي تجمعها بها صلة وثيقة. وبعبارة أخرى، بدا أن ~~التغيرات التي طرأت على وجهات النظر حدثت بدون سابق إنذار في منتصف القرن الثامن عشر. ~~تأمل على سبيل المثال مسألة التعذيب؛ ففي الفترة ما بين عامي 1700 و1750، أشارت معظم ~~استخدامات كلمة «التعذيب» في اللغة الفرنسية إلى الصعوبات التي جابهها الكاتب عندما كان ~~يقدح زناد فكره للعثور على التعبير الموفق. في هذا أشار ماريفو عام 1724 إلى «تعذيب ذهن ~~المرء كي يخرج بالتأملات». أما ذلك التعذيب المصرح به قانونيا للحصول على الاعترافات ~~باقتراف جريمة أو أسماء شركاء الجريمة، فقد بات قضية جوهرية بعدما هاجم مونتيسكيو هذه ~~الممارسات في كتابه «روح القوانين» (عام 1748)؛ ففي واحدة من أكثر الفقرات التي صاغها ~~تأثيرا، يؤكد قائلا: «كتب عدد هائل من الرجال الشجعان والعباقرة في مناهضة هذه ~~الممارسة (التعذيب القضائي) حتى إنني لا ~~أجرؤ على أن أنبس ببنت شفة من بعدهم.» ثم يمضي قدما في حديثه في كلمات أكثر غموضا ~~فيقول: «كنت سأقول إنها قد تليق بالحكومات المستبدة، حيث كل شيء يثير الخوف يعد جزءا ~~من أدوات الحكومة؛ كنت سأقول إن الرقيق وسط اليونانيين والرومانيين ... لكنني أسمع صوت ~~الطبيعة يعارضني بقوة.» وتقدم البداهة هنا أيضا - في قوله «صوت الطبيعة يعارضني بقوة» ~~- أساس النقاش. وقد لحق بالركب بعد مونتيسكيو فولتير وكثيرون غيره، لا سيما بيكاريا ~~الإيطالي. وبحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر، بات إلغاء التعذيب والأشكال الوحشية ~~للتعذيب البدني من المواد الهامة في مذهب حقوق الإنسان الجديد. # 15 # وقدمت التغيرات التي طرأت على ردود الفعل تجاه أجساد الآخرين والذوات الدعم الرئيسي ~~للأساس العلماني الجديد للسلطة السياسية، ومع أن جيفرسون كتب أن «خالقهم» حباهم ~~بحقوقهم، فإن دور ms018 الخالق انتهى عند هذه النقطة. فالحكومة لم تعد تعتمد على الله، ناهيك ~~عن الاعتماد على تفسير الكنيسة لإرادة الله. لقد قال جيفرسون: «أنشئت الحكومات وسط ~~الناس كي تكفل هذه الحقوق»، وهي تستمد قوتها «من رضا المحكومين». بالمثل نص إعلان حقوق ~~الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 على أن: «هدف كل اتحاد أو تجمع سياسي هو حفظ الحقوق ~~الطبيعة التي للإنسان والتي لا يجوز مسها»، و«يستند أساس كل سيادة على الأمة في المقام ~~الأول». وبمقتضى وجهة النظر هذه، تستمد ~~السلطة السياسية من الطبيعة الداخلية للأفراد وقدرتهم على خلق مجتمع من خلال الرضا ~~والقبول. وقد بحث علماء السياسة والمؤرخون هذا المفهوم عن السلطة السياسية من زوايا ~~مختلفة، لكنهم لم يولوا الكثير من الانتباه إلى وجهة نظر الأجساد والذوات التي جعلت هذا ~~المفهوم ممكنا. # 16 # وسوف يعظم نقاشي من تأثير أنواع جديدة من التجارب؛ بدءا من رؤية صور معروضة في ~~المعارض العامة ووصولا إلى قراءة الروايات الرسائلية التي تحظى بشعبية هائلة والتي ~~تدور عن الحب والزواج؛ فمثل تلك التجارب ساعدت في نشر ممارسات الاستقلال الذاتي ~~والتعاطف. زعم عالم السياسة بيندكت أندرسون أن الصحف والروايات قد خلقت ~~«المجتمع المتخيل» الذي تحتاجه القومية ~~كي تنتعش. ويعد المصطلح الذي يمكن أن يشار إليه ب «التعاطف المتخيل» حجر أساس حقوق ~~الإنسان وليس القومية، ولا يقصد بكلمة «متخيل» هنا معنى «الاختلاق»، بل معنى أن ~~التعاطف يتطلب قفزة إيمانية في تصور أن شخصا آخر هو مثلك. وقد أنتجت قصص التعذيب هذا ~~التعاطف المتخيل عن طريق رؤى جديدة للألم، كما ولدته الروايات عن طريق تحفيز أحاسيس ~~جديدة عن الذات الداخلية، وعزز كل بطريقته الخاصة فكرة مجتمع يقوم على أشخاص ~~مستقلين ذاتيا ومتعاطفين بإمكانهم التوحد بقيم كونية أعظم خارج محيط عائلاتهم ~~المباشرة، أو انتماءاتهم الدينية، أو حتى بلادهم. # 17 # وليس ثمة طريقة سهلة أو واضحة لإثبات تأثير التجارب الثقافية الجديدة في الناس الذين ~~عاشوا في القرن الثامن عشر أو حتى قياس هذا التأثير، ناهيك عن تأثيرها في مفاهيمهم عن ~~الحقوق. ولقد ثبت ms019 أن الدراسات العلمية للاستجابات في عصرنا الحالي للقراءة أو مشاهدة ~~التليفزيون صعبة للغاية، وهي التي تتمتع بمزية أن الخاضعين للتجربة أحياء يمكن تعريضهم ~~لاستراتيجيات بحث دائمة التغير. ومع ذلك يحرز أخصائيو الجهاز العصبي وأطباء علم النفس ~~الإدراكي بعض التقدم في ربط بيولوجية المخ بالنتائج النفسية وبالنتائج الاجتماعية ~~والثقافية في نهاية الأمر. لقد أثبتوا - على سبيل المثال - أن القدرة على تأليف القصص ~~تقع في نطاق بيولوجية المخ، وتعد مهمة للغاية في تكوين أي فكرة عن النفس. وتؤثر أنواع ~~معينة من التلف الذي يلحق بالمخ على فهم القصص، وثمة أمراض مثل مرض التوحد توضح أن ~~القدرة على التعاطف - أي القدرة على الاعتراف بأن الآخرين لديهم ذهن مثل ذهنك - لها ~~أساس بيولوجي. بيد أن هذه الدراسات لا تتناول غالبا سوى طرف واحد فحسب من المعادلة، ~~وهو الجانب البيولوجي. فمع أن معظم الأطباء النفسيين، بل حتى بعض أخصائي الأعصاب، ~~متفقون على أن المخ نفسه يتأثر بالقوى الاجتماعية والثقافية، فقد كانت دراسة مثل هذا ~~التفاعل أكثر صعوبة. بالفعل ثبت أن دراسة النفس ذاتها عملية غاية في الصعوبة. ونحن نعلم ~~أن لنا تجربة تتمثل في أن لكل منا نفسا، لكن علماء الأعصاب لم يفلحوا في تحديد موقع ~~هذه التجربة، ناهيك عن تفسير آلية عملها. # 18 # إذا كانت العلوم العصبية والعقلية والنفسية لا تزال متشككة في طبيعة النفس، فربما ليس ~~من المستغرب إذن أن المؤرخين لم يحاولوا تناول هذا الموضوع بالمرة. لعل معظم المؤرخين ~~يرون أن النفس قد شكلتها إلى حد ما العوامل الاجتماعية والثقافية، بمعنى أنها في القرن ~~العاشر كانت تعني شيئا مختلفا تماما عما تعنيه اليوم. ومع ذلك فلا يعرف الكثير عن ~~تاريخ النفس باعتبارها مجموعة من الخبرات؛ فقد استفاض الباحثون بشدة في الكتابة عن بزوغ ~~الفردية والاستقلالية الذاتية باعتبارهما مذهبين، لكنهم كتبوا أقل القليل عن الكيفية ~~التي قد تتغير بها النفس بمرور الوقت. وأتفق مع المؤرخين الآخرين في أن معنى النفس ~~يتغير بمرور الوقت، وأظن أن تجربة النفس - وليس مجرد الفكرة - تتغير لدى بعض ms020 الناس في ~~القرن الثامن عشر تغيرا حاسما. # تعتمد حجتي على فكرة أن الاطلاع على قصص التعذيب أو روايات الرسائل كانت له تأثيرات ~~مادية تحولت إلى تغيرات طرأت على المخ ثم ظهرت في صورة مفاهيم جديدة عن منظومة الحياة ~~الاجتماعية والسياسية. فقد خلقت أنواع جديدة من القراءة (والمشاهدة والإنصات) تجارب ~~فردية جديدة (التعاطف) أوجدت بدورها مفاهيم اجتماعية وسياسية جديدة (حقوق الإنسان). ~~وأحاول في هذه الصفحات أن أزيل اللبس عن آلية عمل العملية. ولما أغفل مجال دراستي ~~للتاريخ لزمن طويل أشكال النقاش النفسي كافة - فنحن المؤرخين نتحدث عادة عن الاختزال ~~النفسي بينما لا نأتي قط على ذكر الاختزال الاجتماعي أو الثقافي - فقد أغفل إلى حد بعيد ~~إمكانية إيراد حجة أو إجراء نقاش يقوم على سرد لما يدور بداخل النفس. # إنني أحاول الآن أن أعيد تركيز الانتباه على ما يدور في عقول الأفراد. وقد تبدو عقول ~~الأفراد مكانا واضحا للبحث عن تفسير للتغيرات الاجتماعية والسياسية القادرة على إحداث ~~التحول، ولكن عقول الأفراد - على خلاف عقول المفكرين والأدباء العظماء - قد أغفلت على ~~نحو مثير للدهشة في أعمال العلوم البشرية والاجتماعية الحديثة. لقد انصب التركيز على ~~السياقات الاجتماعية والثقافية، وليس على الطريقة التي بها تفهم عقول الأفراد هذه ~~السياقات وتعيد تشكيلها. وأظن أن هذا التغير الاجتماعي والسياسي - الذي تمثله حقوق ~~الإنسان في هذه الحالة - يحدث نتيجة لأن أفرادا كثيرين قد اجتازوا تجارب مشابهة، ليس ~~لأنهم جميعا عاشوا في نفس السياق الاجتماعي، بل لأنه من خلال تفاعلاتهم بعضهم مع بعض ~~وقراءتهم واطلاعهم خلقوا فعليا سياقا اجتماعيا جديدا. خلاصة القول أنني ما زلت ~~عند رأيي أن أي قصة موضوعها تغير تاريخي لا بد أن تعلل في نهاية المطاف التغير ~~الحادث في تفكير الأفراد، ولكي تصبح حقوق الإنسان حقوقا بديهية، اضطر الناس العاديون ~~أن يعتنقوا مفاهيم جديدة ولدتها أنواع جديدة من المشاعر. # الفصل الأول # | فيض المشاعر # قراءة الروايات وتخيل المساواة # قبل أن ينشر روسو كتابه «العقد الاجتماعي» بعام، جذب أنظار العالم إليه من خلال ~~روايته الأكثر مبيعا «جولي، ms021 أو إلواز الجديدة» (1761). ومع أن القراء المعاصرين ينظرون ~~أحيانا إلى الرواية الرسائلية أو المكتوبة في صورة خطابات على أنها بطيئة التطور على ~~نحو مثير للضجر، فإن قراء القرن الثامن عشر تجاوبوا معها تجاوبا شعوريا عميقا، لقد ~~أثار العنوان الفرعي توقعاتهم؛ ذلك لأن قصة العصور الوسطى التي تدور حول حب إلواز ~~وأبلارد المقدر له الفشل كانت ذائعة الصيت، والتي فيها أغوى فيلسوف القرن الثاني عشر، ~~رجل الإكليروس الكاثوليكي، بيتر أبلارد، تلميذته إلواز ودفع ثمن ذلك غاليا على يد عمها ~~الذي أخصاه، وبعد أن انفصل الحبيبان إلى الأبد، أخذا يتبادلان خطابات الهيام التي أسرت ~~ألباب القراء على مر العصور. وللوهلة الأولى بدت محاكاة روسو المعاصرة لهذه القصة ~~الواقعية تشير إلى اتجاه مختلف تمام الاختلاف؛ فإلواز الجديدة، التي هي جولي في قصة ~~روسو، تقع في غرام مدرسها أيضا، لكنها تتخلى عن حبيبها سانت برو المعدم نزولا على طلب ~~والدها المتسلط بأن تتزوج من وولمار، الجندي الروسي الذي يكبرها سنا، والذي أنقذ حياة ~~والدها ذات مرة. إنها لا تتغلب على مشاعرها تجاه سانت برو فحسب، بل تعلمت أيضا على ما ~~يبدو أن تحبه كمجرد صديق قبل أن تموت بعد إنقاذ ابنها الصغير من الغرق. فهل قصد روسو في ~~قصته أن يشيد برضوخها للسلطة الأبوية والزوجية، أم أنه رمى إلى تصوير تضحيتها برغباتها ~~الخاصة على أنها مأساة؟ # ولا تفسر الحبكة الدرامية - حتى مع الغموض الذي يشوبها - فيض المشاعر المتفجر الذي ~~شعر به قراء روسو؛ فما حرك مشاعرهم هو توحدهم الشديد مع شخصيات الرواية، ولا سيما ~~جولي. ولما كان روسو يحظى بالفعل بشهرة عالمية، فقد انتشرت أخبار اقتراب نشر روايته ~~الجديدة كالنار في الهشيم؛ كان أحد أسباب هذا هو أنه قرأ فقرات منها على مسامع العديد ~~من الأصدقاء، ومع أن فولتير هزأ منها واصفا إياها ب «النفاية البائسة»، ~~فإن جان لو رون دي المبير، المحرر المساعد ~~لدنيس ديدرو في «موسوعة الفنون والعلوم والحرف»، كتب إلى روسو يخبره أنه «التهم» الكتاب ~~التهاما. وقد نبه روسو إلى أن ms022 يتوقع النقد في «بلد يسهب أبناؤه في الحديث عن ~~الأحاسيس والمشاعر ولا يعرفون عنها إلا أقل القليل». أقرت صحيفة «دي سافانت» أن الرواية ~~بها عيوب، بل بعض الفقرات المليئة بالإطناب، إلا أنها انتهت إلى أن قساة الأفئدة وحدهم ~~هم من يستطيعون أن يقاوموا «فيض المشاعر الذي يجتاح النفس بشدة، والذي يعتصر من أعين ~~الناس، بقوة قاهرة مستبدة، تلك الدموع المريرة». # 1 # كتب رجال الحاشية الملكية، ورجال دين، وعسكريون، وأناس عاديون من شتى مناحي الحياة ~~إلى روسو يصفون شعورهم ب «نار مستعرة آكلة» تجتاحهم، و«تراكم لمشاعر متأججة واضطرابات ~~متزايدة». روى أحدهم أنه لم يبك موت جولي، بل بالأحرى كان «يولول ويعوي كالحيوانات» ~~(انظر الشكل رقم # 1-1 ~~). وكما علق أحد معلقي القرن العشرين على هذه ~~الخطابات التي بعثها القراء إلى روسو، فإن قراء الرواية في القرن الثامن عشر لم يقرءوها ~~بسرور، بل ب «شغف، واهتياج، وتشنجات، وتنهدات». وظهرت الترجمة الإنجليزية في غضون شهرين ~~من صدور النسخة الفرنسية الأصلية، وتبعها صدور عشر طبعات باللغة الإنجليزية في الفترة ~~بين عامي 1761 و1800. وصدرت مائة وخمس عشرة ~~طبعة من النسخة الفرنسية في نفس الفترة؛ لتسد الشهية الشرهة للجماهير من قراء الفرنسية ~~في جميع أنحاء العالم. # 2 # شكل 1-1: موت جولي. (أثار هذا المشهد الأسى أكثر من بقية مشاهد رواية «جولي، ~~أو إلواز الجديدة». رسم هذه الصورة نيكولاس ديلوناي استلهاما من لوحة ~~الفنان المعروف جان ميشيل مورو التي ظهرت في طبعة عام 1782 لمجموعة ~~أعمال روسو.) # عرضت «جولي» قراءها لشكل جديد من أشكال التعاطف. ومع أن روسو ساهم في رواج مصطلح ~~«حقوق الفرد»، فلا تكاد حقوق الإنسان بأي صورة تكون الموضوع الرئيسي لروايته التي تدور ~~عن المشاعر والحب والفضيلة. على أن «جولي» شجعت على التوحد المشحون بالمشاعر مع شخصيات ~~الرواية، وبهذا مكنت القراء من التوحد الذي يتخطى الطبقات الاجتماعية والنوع والحدود ~~القومية؛ إذ كان قراء القرن الثامن عشر - حالهم حال سابقيهم - يتعاطفون مع أولئك ~~المقربين منهم، وأولئك الذين يشبهونهم بوضوح؛ من أفراد أسرهم وذويهم وأبناء أبرشيتهم، ms023 ~~وأندادهم الاجتماعيين المألوفين لهم بوجه عام. لكن اضطر الأشخاص الذين عاشوا في القرن ~~الثامن عشر أن يتعلموا التعاطف في إطار أكثر اتساعا. يروي ألكسيس دي توكوفيل واقعة كان ~~قد رواها سكرتير فولتير عن مدام دو شاتيليه التي لم تكن تتردد في أن تتجرد من ملابسها ~~أمام خدمها «غير معتبرة أن كون الخدم من الرجال حقيقة ثابتة»، ولا يمكن أن يكون هناك ~~معنى لحقوق الإنسان إلا عندما ينظر إلى الخدم على أنهم رجال أيضا. # 3 # الروايات والتعاطف # جذبت روايات مثل «جولي» قراءها إلى التوحد مع شخصيات عادية، مجهولة للقارئ على ~~المستوى الشخصي. وتعاطف القراء مع شخصيات الرواية، لا سيما البطل أو البطلة بفضل الشكل ~~نفسه الذي صيغت به الرواية. وبعبارة أخرى، علمت الروايات الرسائلية قراءها، من خلال ~~التبادل التخيلي للخطابات، طريقة جديدة في التفكير، وخلال ذلك وضعت الأسس لنظام اجتماعي ~~وسياسي جديد. لقد جعلت الروايات من جولي التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى - بل حتى الخدم ~~من أمثال «باميلا»، بطلة رواية صامويل ريتشاردسون التي تحمل نفس الاسم - مساوية ~~للأثرياء، بل أفضل من بعضهم أمثال «السيد بي»، سيد باميلا الذي يحاول إغواءها. أوضحت ~~الروايات أن جميع الناس متشابهون في جوهرهم بفضل مشاعرهم الداخلية، وقد سلطت العديد من ~~الروايات الضوء على الرغبة في الاستقلال الذاتي بصفة خاصة، وبهذه الطريقة، خلقت قراءة ~~الروايات حسا بالمساواة والتعاطف من خلال الانغماس الوجداني في القصة. هل يمكن أن ~~يكون نشر أعظم ثلاث روايات تناولت موضوع التوحد النفسي في القرن الثامن عشر - روايتي ~~«باميلا» (1740) و«كلاريسا» (1747-1748) لريتشاردسون، ورواية «جولي» (1761) لروسو - في ~~الفترة التي سبقت مباشرة ظهور مفهوم «حقوق الفرد» محض مصادفة؟ # غني عن القول أن شعور التعاطف لم ينشأ في القرن الثامن عشر، فالقدرة على التعاطف قدرة ~~بشرية جامعة؛ لأنها متأصلة في بيولوجية المخ؛ فهي تعتمد على قدرة بيولوجية على فهم ~~ذاتية الآخرين وعلى تخيل أن مشاعرهم الداخلية تشبه مشاعر الإنسان نفسه. فمثلا: الأطفال ~~الذين يعانون مرض «التوحد» لديهم صعوبة كبيرة في فهم معنى تعبيرات الوجه باعتبارها ~~مؤشرات على ms024 المشاعر، ولديهم صعوبة عامة في أن ينسبوا الحالات الشخصية إلى الآخرين. ~~وباختصار، يتسم مرض التوحد بعدم القدرة على التعاطف مع الآخرين. # 4 # في الوضع الطبيعي يتعلم كل فرد التعاطف في مرحلة مبكرة من العمر، ومع أن البيولوجيا ~~توفر النزعة الطبيعية الأساسية للتعاطف، فإن كل ثقافة تشكل التعبير عن التعاطف على ~~طريقتها الخاصة. لا يتطور التعاطف إلا من خلال التفاعل الاجتماعي، وعلى هذا يتشكل ~~التعاطف من خلال أشكال هذا التفاعل بطرق هامة. في القرن الثامن عشر، تعلم قراء ~~الروايات توسيع نطاق تعاطفهم؛ فأثناء القراءة تمكنوا من ممارسة التعاطف بما يتجاوز ~~الحدود الاجتماعية التقليدية بين طبقتي النبلاء والعامة، وبين السادة والعبيد، وبين ~~الرجال والنساء، بل ربما أيضا بين الكبار والصغار. ونتيجة لذلك، بدءوا ينظرون إلى ~~آخرين - أشخاص لم يعرفوهم معرفة شخصية من قبل - على أنهم مشابهون لهم، ولديهم نفس ~~المشاعر الداخلية. وبدون عملية التعلم هذه، ما كان ممكنا أن تحظى «المساواة» بهذا ~~المعنى العميق، وبالأخص ما كانت لتحقق نتيجة سياسية. والمساواة بين الأرواح في السماء ~~لا تعني تساوي الحقوق هنا على الأرض؛ فقبل القرن الثامن عشر، كان يسهل على المسيحيين ~~قبول أمر المساواة بين الأرواح في السماء دون أن يقروا بالحقوق المتساوية على ~~الأرض. # وربما كان بالإمكان اكتساب القدرة على التعاطف عبر الحدود الاجتماعية بطرق شتى، ولا ~~أدعي أن قراءة الروايات كانت هي الطريقة الوحيدة لذلك. غير أن هذه الطريقة تبدو وثيقة ~~الصلة بالموضوع أكثر من غيرها، ويعزى هذا جزئيا إلى أنه تصادف بلوغ نوعية معينة من ~~الروايات - الرواية الرسائلية - ذروة رواجها في وقت تزامن مع مولد مفهوم حقوق الإنسان. ~~بزغت الرواية الرسائلية باعتبارها لونا جديدا من ألوان الكتابة في الفترة ما بين ~~ستينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر، ثم تلاشت على نحو شديد الغموض في تسعينيات القرن ~~نفسه. كانت الروايات من كل نوع قد نشرت من قبل، لكنها ازدهرت باعتبارها لونا جديدا ~~من ألوان الأدب في القرن الثامن عشر، ولا سيما بعد عام 1740 الموافق لنشر رواية ~~«باميلا» لريتشاردسون. في فرنسا، نشرت ms025 ثماني روايات جديدة في عام 1701، واثنتان وخمسون ~~رواية في عام 1752، ومائة واثنتا عشرة رواية في عام 1789. وفي بريطانيا تضاعف عدد ~~الروايات الجديدة ست مرات في الفترة ما بين العقد الأول وستينيات القرن الثامن عشر؛ كان ~~يظهر زهاء ثلاثين رواية جديدة كل عام في سبعينيات نفس القرن، وأربعين رواية كل عام في ~~ثمانينيات نفس القرن، وسبعين رواية كل عام في تسعينيات نفس القرن. علاوة على ذلك، زاد ~~عدد الأشخاص الذين يستطيعون القراءة، وأبرزت الروايات في ذلك الحين الأشخاص العاديين ~~باعتبارهم الشخصيات المحورية التي تجابه المشكلات اليومية؛ من مشكلات في الحب، والزواج، ~~والنجاح في الحياة. وارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة، حتى إن الخدم - الذكور منهم ~~والإناث - قرءوا الروايات في المدن الكبيرة، مع أن قراءة الروايات لم تكن شائعة حينذاك، ~~ولا حتى الآن، وسط الطبقات الأدنى؛ فالفلاحون الفرنسيون - الذين كانوا يشكلون ما يعادل ~~ثمانين في المائة من عدد السكان - لم يقرءوا الروايات عادة؛ هذا إن كانوا يستطيعون ~~القراءة أصلا. # 5 # وعلى الرغم من محدودية جمهور القراء، فإن الأبطال والبطلات العاديين لروايات القرن ~~الثامن عشر، بدءا من «روبنسون كروزو» و«توم جونز» ووصولا إلى «كلاريسا هارلو» و«جولي ~~دي إيتانجيه»، ذاع صيتهم في كل حدب وصوب، بل أحيانا وسط أولئك الذين لا يعرفون ~~القراءة. وفي ذلك الوقت أفسحت شخصيات الطبقة الأرستقراطية أمثال «دون كيشوت» و«أميرة ~~كليف» - التي انتشرت بشدة في روايات القرن السابع عشر - ~~الطريق أمام الخدم والبحارة وفتيات الطبقة ~~الوسطى (فحتى جولي، بوصفها ابنة نبيل سويسري متواضع الشأن، تبدو أقرب إلى الطبقة ~~الوسطى). إن سطوع نجم الرواية في القرن الثامن عشر لم يمر مرور الكرام، بل ربطه ~~الدارسون على مر السنين بالرأسمالية، والطبقة المتوسطة الطموحة، وانتشار منتديات الرأي، ~~وظهور الأسر الصغيرة، والتحول الذي حدث في العلاقة بين الجنسين، بل بظهور القومية ~~أيضا. وأيا كانت أسباب نهضة الرواية، فما يعنيني هو آثارها النفسية وكيف ترتبط ببزوغ ~~حقوق الإنسان. # 6 # ولكي نفهم كيفية تشجيع فن الرواية على التوحد النفسي، سأركز على ثلاث روايات مؤثرة من ~~الروايات الرسائلية: ms026 رواية «جولي» لروسو، وروايتين لسلفه وقدوته - باعترافه هو نفسه - ~~صامويل ريتشاردسون هما: «باميلا» (1740)، و«كلاريسا» (1747-1748). كان من الممكن أن ~~تتناول مناقشتي الرواية في القرن الثامن عشر على وجه العموم، وإذن لكنت أخذت بعين ~~الاعتبار النساء العديدات اللائي كتبن الروايات والشخصيات الذكورية أمثال «توم جونز » أو ~~«تريسترام شاندي» اللذين نالا حظهما من الاهتمام بلا شك، لكنني قررت التركيز على ~~«جولي»، و«باميلا»، و«كلاريسا»، وهي الروايات الثلاث التي كتبها رجال وركزت على أبطال ~~من الإناث، بسبب تأثيرها الثقافي الذي لا جدال فيه. هذه الروايات ليست هي المسئولة ~~وحدها عن التغيرات التي طرأت على التعاطف والتي نقتفي أثرها هنا، ولكن النظر عن كثب ~~لكيفية استقبالها يبين لنا التعلم الجديد للتعاطف أثناء حدوثه. ولكي نفهم ما الذي استجد ~~على «الرواية» - وهي كلمة اقتصر استخدامها على المؤلفين فحسب في النصف الثاني من القرن ~~الثامن عشر - من المفيد أن نرى كيف أثرت روايات معينة على قرائها. # في الرواية الرسائلية، لا توجد وجهة نظر للمؤلف خارج الأحداث وأعلاها (كما حدث لاحقا ~~في الرواية الواقعية في القرن التاسع عشر)؛ فوجهة نظر المؤلف هي نفسها آراء الشخصيات ~~كما اتضحت في خطاباتهم. لقد خلق «محررا» الخطابات - كما أطلق كل من ريتشاردسون وروسو ~~على أنفسهما - حسا واقعيا قويا، ويرجع هذا على وجه التحديد إلى احتجاب حرفتهما ~~الكتابية وسط تبادل الخطابات، مما عزز حس التوحد عند القراء كما لو كانت شخصية الرواية ~~حقيقية وليست من وحي الخيال. وقد علق كثيرون من المعاصرين على هذه التجربة؛ بعضهم بفرح ~~وإعجاب، والبعض الآخر بقلق، بل باشمئزاز. # أثار نشر روايات ريتشاردسون وروسو ردود فعل فورية؛ لم يقتصر هذا على البلد الذي ظهر ~~فيه النص الأصلي لكل رواية. وقد نشر رجل فرنسي مجهول الهوية حينذاك - وبات معلوما الآن ~~أنه كان قسا - خطابا مكونا من اثنتين وأربعين صفحة في عام 1742 وصف فيه تفصيليا ~~الاستقبال «النهم» الذي لاقته الترجمة الفرنسية لرواية «باميلا»، قال فيه: «لا يمكنك أن ~~تدخل إلى منزل من المنازل دون أن تجد فيه باميلا ما.» ومع ms027 أنه يدعي أن الرواية يشوبها ~~الكثير من العيوب، فإنه يعترف قائلا: «لقد التهمتها التهاما.» (وقد اتضح لاحقا أن ~~لفظة «الالتهام» هي الاستعارة الأكثر شيوعا عند الإشارة لقراءة هذه الروايات.) وهو يصف ~~مقاومة باميلا لمناغاة السيد «بي»، رب عملها، كما لو كانا شخصين حقيقيين وليسا شخصيتين ~~من وحي الخيال. ثم يجد نفسه مأخوذا في غياهب الحبكة الدرامية؛ فيرتجف متى كانت باميلا ~~في خطر، ويتملكه الغضب الشديد متى تصرفت الشخصيات الأرستقراطية أمثال السيد «بي» بطريقة ~~مشينة منحطة، ويعزز على الدوام اختياره للكلمات وأسلوبه في الحديث حس الانغماس العاطفي ~~الذي تخلقه قراءة الرواية. # 7 # كانت الرواية المكونة من خطابات تستطيع خلق مؤثرات نفسية أخاذة؛ لأن شكلها الروائي ~~يسر تطور «الشخصية»، أي ذات الشخص الداخلية. فعلى سبيل المثال: تصف باميلا لأمها في ~~أحد خطاباتها الأولى كيف حاول رب عملها أن يغويها، فتقول: ~~... قبلني مرتين أو ثلاث بلهفة مخيفة، وأخيرا تخلصت من قبضته، وهممت بالخروج ~~من المنزل الصيفي، لكنه جذبني وأوصد الباب. كنت أفضل الموت على الاستسلام له. ~~ثم قال لي: لن أؤذيك يا باميلا، لا تخافي مني. قلت له: لن أمكث. فقال: لن ~~تمكثي أيتها الفاجرة! أما تعلمين إلى من تتحدثين؟ تحررت من كل مخاوفي وكل حدود ~~اللياقة وأجبته: بلى يا سيدي، أعلم، أعلم جيدا! ولسوف أنسى أنني خادمتك متى ~~نسيت شيم السيد النبيل. بكيت وانتحبت بحزن هائل. فقال لي: يا لك من حمقاء ~~فاجرة! هل مسستك بأذى؟ أجبته: أجل يا سيدي، وأي ضرر أبلغ من هذا في الدنيا، لقد ~~علمتني أن أنسى نفسي وما يليق بي، ورفعت الكلفة والفوارق التي وضعها القدر بيني ~~وبينك عندما حططت من قدر نفسك بتهجمك على خادمة فقيرة. # لقد قرأنا الخطاب مع الأم؛ فلا يحول بيننا وبين باميلا راوية، وليست هناك ~~علامات اقتباس، ولا يسعنا إلا أن نتوحد مع باميلا ونعيش معها الإلغاء المحتمل للمسافة ~~الاجتماعية بالإضافة إلى الخطر المحدق باستقلال ذاتها. # 8 ~~(انظر الشكل رقم # 1-2 ~~). # شكل 1-2: السيد بي يقرأ أحد خطابات باميلا لوالديها. (في أحد ms028 المشاهد ~~الافتتاحية للرواية، يفاجئ السيد بي باميلا ويأمرها بأن تريه الخطاب ~~الذي تكتبه. تمثل الكتابة طريقتها في التعبير عن استقلالها الذاتي. ~~لم يستطع الفنانون والناشرون مقاومة إضافة تفاسير تصويرية للمشاهد ~~الرئيسية. ظهرت هذه الصورة التي رسمها الفنان الهولندي جان بونت في ~~ترجمة فرنسية مبكرة نشرت في أمستردام .) # ومع أن المشهد يحظى بالعديد من الخصائص ~~المسرحية، وأعد خاصة أثناء الكتابة لتظهر فيه والدة باميلا، فهو يختلف أيضا عن ~~الأداء المسرحي؛ لأن باميلا تسهب في الكتابة عن مشاعرها الداخلية. وبعد وقت طويل ستسطر ~~صفحات عن تفكيرها في الانتحار عندما تبوء بالفشل خططها للهرب. وعلى النقيض، ما كانت ~~المسرحية لتسير على هذا المنوال البطيء في الإفصاح عن الذات الداخلية، وهو أمر يستدل ~~عليه عادة من الأحداث أو من خلال الحديث. فالرواية المدونة في عدة مئات من الصفحات ~~يمكنها أن تظهر جوانب الشخصية بمرور الوقت، علاوة على أنها تفعل ذلك من منظور الذات ~~الداخلية. والقارئ لا يتابع أفعال باميلا وحسب، بل أيضا يشاطرها تطور شخصيتها وهي ~~تكتب، ويصبح القارئ في نفس الوقت هو نفسه باميلا، حتى حينما يتخيل نفسه صديقا لها ~~ومراقبا خارجيا للأحداث. # وما إن عرف أن مؤلف رواية باميلا هو ريتشاردسون في عام 1741 (إذ نشرت الرواية في ~~أول الأمر من دون اسم)، حتى بدأ ريتشاردسون يتلقى الخطابات، لا سيما من المتحمسين. قال ~~عنها صديقه آرون هيل: «روح الدين، وحسن التربية، وحصافة الرأي، ودماثة الخلق، والفطنة، ~~والذوق الرفيع، والفكر الراقي، والفضيلة.» وكان ريتشاردسون قد أرسل نسخة من الرواية إلى ~~بنات آرون هيل في أوائل ديسمبر عام 1740، فسطر هيل على الفور ردا فوريا متعجلا قال ~~فيه: «منذ أن تسلمتها وأنا لا أفعل شيئا سوى أن أقرأها على مسامع الآخرين، وأسمع ~~الآخرين يتلونها على مسامعي؛ أظن أنني من المرجح ألا أفعل أي شيء آخر بخلاف هذا، والله ~~وحده يعلم إلى متى سيستمر هذا الأمر ... إنها تستحوذ على خيالي طوال الليل، كل صفحة فيها ~~تحمل سحرا؛ سحر العاطفة والمعنى.» عرض الكتاب قراءه لنوع من السحر؛ ms029 فطريقة سرد ~~الرواية - بأسلوب تبادل الخطابات - تجرد القارئ من نفسه على نحو غير متوقع وتدخله في ~~مجموعة جديدة من التجارب. # 9 # ولم يكن هذا شأن هيل وبناته وحدهم، فسرعان ما اجتاح إنجلترا ولع شديد برواية ~~«باميلا»، وقد قيل إنه في إحدى القرى قرع السكان أجراس الكنيسة لدى سماعهم إشاعة بأن ~~السيد بي قد تزوج من باميلا في نهاية المطاف. وظهرت الطبعة الثانية في يناير 1741 ~~(نشرت الطبعة الأصلية في السادس من نوفمبر 1740)، ثم توالت الطبعات فظهرت الطبعة ~~الثالثة في مارس، والرابعة في مايو، والخامسة في سبتمبر. وبحلول ذلك الوقت، كان آخرون ~~قد كتبوا بالفعل آثارا مقلدة هزلية، ومقالات نقدية مطولة، وقصائد شعرية، ونسخ رخيصة ~~التكلفة مقلدة عن النسخة الأصلية. وبمرور السنين توالى ظهور العديد من المعالجات ~~المسرحية للرواية، والرسومات والصور المطبوعة للمشاهد الرئيسية. وفي عام 1744 انضمت ~~الترجمة الفرنسية إلى القائمة البابوية «للكتب المحظورة»، ولحق بها فيما بعد رواية روسو ~~«جولي»، بالإضافة إلى العديد من الأعمال الأدبية لعصر التنوير. ولم ير جميع الناس في ~~مثل هذه الروايات «روح الدين»، أو «الفضيلة» التي ادعى هيل أنه رآها. # 10 # وعندما بدأ ريتشاردسون في نشر رواية «كلاريسا» في ديسمبر 1747 ارتفعت التوقعات بشدة؛ ~~ففي الوقت الذي ظهرت فيه المجلدات الأخيرة (بلغت مجلدات الرواية في مجملها سبعة مجلدات، ~~يتراوح كل منها بين ثلاثمائة إلى أربعمائة صفحة!) في ديسمبر عام 1748 كان ريتشاردسون قد ~~تلقى بالفعل خطابات القراء الذين يتوسلون إليه أن يضع نهاية سعيدة للرواية. تهرب ~~كلاريسا مع لافلاس الماجن كي تتخلص من خاطبها الكريه الذي اقترحته عائلتها ليتزوج منها، ~~وعندئذ تضطر كلاريسا أن تدرأ اعتداءات لافلاس، الذي يتمكن في آخر الأمر من اغتصابها بعد ~~تخديرها. وعلى الرغم من عرض لافلاس التائب بالزواج منها، والمشاعر التي تكنها له، ~~تموت كلاريسا مكسورة الفؤاد جراء اعتداء الرجل الماجن على عفتها وإحساسها بذاتها. ~~تحكي الليدي دوروثي برادشاي لريتشاردسون رد فعلها لدى قراءتها مشهد الموت فتقول: «انقبض ~~صدري على نحو غريب، واضطرب نومي، واستيقظت تلك الليلة منفجرة في ms030 فورة من البكاء، وبكيت ~~أيضا على الإفطار في الصباح التالي، وها أنا ذا أبكي الآن أيضا مرة أخرى.» وكتب ~~الشاعر توماس إدواردز في يناير عام 1749 يقول: «ما شعرت في حياتي كلها بكل هذا البؤس ~~الذي شعرت به من أجل هذه الفتاة الغالية.» التي أشار إليها قبلا باسم «كلاريسا ~~المقدسة». # 11 # راقت رواية كلاريسا للقراء المثقفين أكثر من عامة الناس، ومع ذلك فقد ظهر منها خمس ~~طبعات على مدار الثلاثة عشر عاما التالية، وسرعان ما ترجمت إلى الفرنسية (1751)، ~~والألمانية (1752)، والهولندية (1755). وأظهرت دراسة للمكتبات الشخصية الفرنسية في ~~الفترة بين 1740 و1760 أن روايتي «باميلا» و«كلاريسا» قد احتلتا مرتبتين في قائمة ~~الروايات الإنجليزية الثلاث التي يرجح بشدة وجودها ضمن محتويات تلك المكتبات (كانت ~~رواية توم جونز للمؤلف هنري فيلدينج هي ثالثتهما). ولا شك أن طول رواية «كلاريسا» قد ~~ثبط عزيمة بعض القراء؛ فحتى قبل أن تدخل مخطوطات المجلدات الثلاثين مرحلة الطباعة، ~~استبد القلق بريتشاردسون وحاول أن يختصرها. قدمت إحدى الرسائل الإخبارية الأدبية التي ~~تصدر في باريس رأيا متضاربا عن الترجمة الفرنسية للرواية، قالت فيه: «لدى قراءتي لهذه ~~الرواية شعرت بشيء غير عادي بالمرة؛ أبلغ سرور، وأعظم ملل.» غير أنه بعد مرور عامين ~~أعلن مشارك آخر في نفس الرسالة الإخبارية أن عبقرية ريتشاردسون في تقديم العديد من ~~الشخصيات المتفردة جعل من كلاريسا «أروع عمل خطته يد إنسان تقريبا». # 12 # ومع أن روسو ظن أن روايته أسمى من رواية ريتشاردسون، فإنه صنف كلاريسا على أنها ~~أفضل من سائر الروايات الأخرى: «لم يكتب أحد بعد، بأي لغة من اللغات، رواية تضاهي ~~كلاريسا، أو حتى تدانيها.» واستمرت المقارنة بين روايتي «كلاريسا» و«جولي» على مدار ~~القرن. صرحت جان ماري رولاند، زوجة أحد الوزراء والمنسق غير الرسمي لحزب الجيروندين ~~السياسي إبان الثورة الفرنسية، لإحدى صديقاتها في عام 1789، أنها تعيد قراءة رواية روسو ~~كل عام، ومع ذلك لا تزال تعتبر عمل ريتشاردسون ذروة الكمال، وقالت لها: «ليس في العالم ~~من الناس من يمكنه أن يقدم رواية تضاهي كلاريسا؛ إنها ms031 تحفة هذا النوع من الأدب، وهي ~~النموذج الأسمى ومبعث اليأس لكل محاك.» # 13 # توحد الرجال والنساء على السواء مع البطلات النساء في هذه الروايات، ومن الخطابات ~~التي بعثت إلى روسو نعرف أن الرجال - حتى الضباط العسكريون منهم - تأثروا تأثرا ~~شديدا بجولي. كتب شخص يدعى لويس فرانسوا، وهو ضابط عسكري متقاعد، إلى روسو يقول: «لقد ~~جعلتني مجنونا بها! ولك إذن أن تتخيل الدموع التي اعتصرها مني موتها ... لم أبك قط في ~~حياتي مثل تلك الدموع المبهجة. كان لقراءة تلك الرواية أشد الأثر في نفسي، حتى إنني ~~أوقن أنني كنت سأرحب بالموت بكل سرور خلال تلك اللحظة السامية.» واعترف بعض القراء ~~جهارا بتوحدهم مع شخصية البطلة الأنثى. وقال سي جيه بانكوك - الذي صار فيما بعد ناشرا ~~ذائع الصيت - لروسو: «مست نقاوة مشاعر جولي شغاف قلبي.» تخطى التوحد النفسي الذي يؤدي ~~إلى التعاطف حدود النوع بالفعل؛ إذ لم يتوحد قراء رواية روسو من الذكور مع سانت برو، ~~العاشق الذي أجبرت جولي على هجره، وكان تعاطفهم أقل مع وولمار، زوجها اللطيف، أو ~~البارون دي إيتانج، والدها المتسلط. لقد توحد القراء الرجال - شأنهم شأن النساء - مع ~~شخصية جولي نفسها؛ فقد أضحى نضالها للتغلب على مشاعرها ولعيش حياة العفة هو نضالهم ~~هم. # 14 # من خلال شكلها ذاته إذن، استطاعت الرواية الرسائلية أن تبرهن أن الذاتية تعتمد على ~~صفات «الكينونة الداخلية» (أن يكون للإنسان جوهر داخلي)؛ ذلك لأن شخصيات الرواية تعبر ~~عن مشاعرها الداخلية في خطاباتها. علاوة على ذلك أوضحت الرواية الرسائلية أن كل النفوس ~~تملك هذه الكينونة الداخلية (فالعديد من الشخصيات تكتب)، ومن ثم كل النفوس متساوية ~~بطريقة ما؛ لأن جميعها متشابه في امتلاك الكينونة الداخلية. فعلى سبيل المثال: أحال ~~تبادل الخطابات الفتاة الخادمة باميلا إلى نموذج لشخصية تتمتع بالفردية والاستقلال ~~الذاتي الأبي بدلا من النمط المتكرر للخادمة التي تدوسها الأقدام. وعلى غرار باميلا، ~~تمثل كل من كلاريسا وجولي رمزا للفردية ذاتها، وهكذا يصبح القراء أكثر وعيا ~~بكينونتهم الداخلية وكينونة كل فرد آخر. # 15 # وبلا شك ms032 لم يشعر كل القراء بنفس المشاعر عند قراءة تلك الروايات؛ فمثلا سخر الكاتب ~~والروائي الإنجليزي الساخر هوراس والبول من «المناحات المملة» لريتشاردسون «التي هي صور ~~مستوحاة من حياة الترف كما رآها بائع كتب، وقصص عشق أضفى عليها أحد معلمي الميثودية ~~الطابع الروحي». غير أنه سرعان ما شعر الكثيرون أن ريتشاردسون وروسو قد أصابا وترا ~~ثقافيا حيويا. وبعد مرور شهر واحد على نشر المجلدات الأخيرة من كلاريسا، نشرت ساره ~~فيلدينج، شقيقة الغريم الأعظم لريتشاردسون، التي كانت هي نفسها روائية ناجحة، كتيبا ~~مكونا من ست وخمسين صفحة تدافع فيه عن الرواية من دون ذكر اسمها. ومع أن شقيقها هنري ~~كان قد نشر واحدة من أول الآثار المقلدة الساخرة ل «باميلا» (بعنوان: «دفاع عن حياة ~~السيدة شاميلا أندروس» يفضح ويدحض الأكاذيب والافتراءات المشينة الكثيرة لكتاب بعنوان ~~«باميلا»، 1741)، فإن ساره كانت قد كونت علاقة صداقة قوية مع ريتشاردسون، الذي طبع ~~إحدى رواياتها. وتصر إحدى شخصياتها الروائية - السيد كلارك - على أن ريتشاردسون قد نجح ~~أيما نجاح في استدراجه إلى شبكة الخيال: «من جانبي، أنا على معرفة وثيقة بكل آل هارلوس ~~(كما وردت في النص)، كما لو كنت قد عرفتهم منذ نعومة أظافري.» وتؤكد شخصية أخرى - ~~الآنسة جيبسون - على مزايا أسلوب ريتشاردسون الأدبي قائلة: «حقا يا سيدي ما قلته عن ~~أن القصة المسرودة بهذا الأسلوب لا يمكن أن تسير إلا ببطء، ولا يمكن أن نرى شخصياتها ~~إلا من خلال الانتباه الشديد للحكاية ككل، غير أن الكاتب يحظى بهذه المزية عن طريق ~~الكتابة في زمن المضارع، كما يقول هو نفسه، والكتابة بصيغة المتكلم بحيث تمس أفكاره ~~قلوبنا في الحال، ونشعر بكل الآلام التي يصورها؛ فلا نبكي من أجل كلاريسا فحسب، بل نبكي ~~معها أيضا، ونصحبها خطوة بخطوة في محنتها وآلامها.» # 16 # نشر عالم الفسيولوجيا السويسري الشهير والباحث الأدبي ألبرشت فون هالر مقالا، دون أن ~~يذكر اسمه، عبر فيه عن خالص إعجابه برواية «كلاريسا» في مجلة «جنتلمان» في عام 1749. ~~اجتهد فون هالر باستماتة كي يتعامل مع أصالة ريتشاردسون؛ ms033 فمع أنه قدر المزايا المتعددة ~~للروايات الفرنسية الأولى، فإنه أكد على أنها: «في العموم لم تقدم ما يزيد عن مجرد صور ~~للأحداث الشهيرة الخاصة بالشخصيات اللامعة»، بينما يرى القارئ في رواية ريتشاردسون إحدى ~~الشخصيات «من نفس الطبقة الاجتماعية التي ننتمي إليها». وأولى الكاتب السويسري اهتماما ~~خاصا إلى شكل الرواية الرسائلية؛ فمع أن القراء قد يواجهون صعوبة في الاقتناع بأن كل ~~الشخصيات راق لها أن تمضي وقتها في تدوين كل مشاعرهم وأفكارهم الداخلية، فإن الرواية ~~الرسائلية استطاعت أن تعرض لوحات في غاية الدقة لشخصيات الأفراد، ومن ثم أثارت ما أطلق ~~عليه هالر الشفقة حين قال: «لم يصور أحد البائسين بمثل هذه القوة قط، ويتضح هذا في ~~أمثلة كثيرة، حتى إن أكثر الطباع قسوة وجمودا تلين وتتحول إلى الشفقة، فتذرف الدمع على ~~إثر موت كلاريسا ومعاناتها وأشجانها.» ويختم بقوله: «إننا لم نقرأ أي عمل، بأي لغة من ~~اللغات، يمكن أن يرتقي لمضارعتها.» # 17 # انحطاط أم سمو؟ # عرف المعاصرون من تجاربهم الخاصة أن قراءة هذه الروايات كان لها عظيم الأثر، ليس على ~~الأذهان فحسب، بل على الأجساد أيضا، لكنهم لم يتفقوا بشأن العواقب. شجب رجال الإكليروس ~~الكاثوليك والبروتستانت احتمال ظهور الفسق والإغواء والانحطاط الأخلاقي. وفي وقت مبكر، ~~عام 1734، وجد نيكولاس لينجليت ديفرسنوي - ~~وهو نفسه رجل دين إكليريكي تلقى تعليمه في السوربون - أنه من الضروري أن يدافع عن ~~الروايات ضد انتقادات زملائه، لكنه فعل هذا تحت اسم مستعار؛ لقد فند على نحو مثير للضيق ~~كل الاعتراضات التي دفعت السلطات إلى حظر الروايات «باعتبارها وخزات كثيرة تعمل على ~~تهييج مشاعر شديدة الحيوية والقوة في نفوسنا». وأكد بشدة على أن الروايات مناسبة في أي ~~فترة زمنية، قائلا: «السذاجة والحب والنساء هيمنت في جميع الأزمنة، ومن ثم يتابع الناس ~~الروايات ويتذوقونها في جميع الأزمنة.» ورأى أنه من الأفضل التركيز على تحسينها بدلا ~~من قمعها بالكلية. # 18 # ولم تتوقف الهجمات عندما حقق إنتاج الروايات النجاح في منتصف القرن. ففي عام 1755 كتب ~~رجل دين كاثوليكي آخر، وهو رئيس ms034 دير يدعى أرماند بيير جاكوين، عملا أدبيا من ~~أربعمائة صفحة يوضح فيه أن قراءة الروايات تقوض الأخلاق، والدين، ومبادئ النظام ~~الاجتماعي كافة. كتب يقول مؤكدا: «طالع تلك الأعمال، وسوف تجد في جميعها تقريبا ~~انتهاكا للحقوق الإلهية والعدالة الإنسانية، وازدراء لسلطة الآباء على الأبناء، ~~وتحطيما لعرى الزواج المقدسة وأواصر الصداقة.» يكمن الخطر على وجه التحديد في قدرتها ~~على الجذب؛ فعن طريق اللعب باستمرار على إغواءات الحب، شجعت القراء على التصرف وفقا ~~لأسوأ دوافعهم ونزواتهم، وعدم الانصياع لنصائح آبائهم والكنيسة، وتجاهل القيود ~~الأخلاقية للمجتمع. وكانت الطمأنة الوحيدة التي قدمها جاكوين هي افتقار الروايات إلى ~~القدرة على الاستمرار؛ فالقارئ قد يلتهم إحداها في المرة الأولى لكنه لا يعيد قراءتها ~~بعد ذلك قط. يقول: «هل جانبني الصواب عندما تنبأت أن رواية باميلا سرعان ما ستنسى؟ ... ~~سينطبق نفس الشيء على روايتي توم جونز وكلاريسا في ظرف ثلاث سنوات.» # 19 # وتوالت شكاوى مشابهة في كتابات ~~البروتستانت الإنجليز. لخص الكاهن المبجل فيسيسموز نوكس عقودا من الاضطرابات الدائمة ~~في عام 1779 عندما صرح بأن الروايات هي ~~ملذات منحطة ومثيرة لمشاعر الذنب تحول عقول الشباب عن القراءات الأكثر جدية وتنويرا. ~~وقال إن الازدهار المفاجئ للروايات البريطانية لم يؤد إلا إلى نشر العادات الإباحية ~~الفرنسية، وهو يفسر الفساد المتفشي في عصرنا الحالي. وأقر نوكس بأن ريتشاردسون كتب ~~رواياته «بنوايا طيبة خالصة»، لكنه يرى أن المؤلف حتما سرد مشاهد وأثار مشاعر لا تتفق ~~مع الفضائل. ولم يكن رجال الإكليروس وحدهم من استهجنوا الروايات، فقد نظمت قصيدة في ~~مجلة ليدي عام 1771 تلخص وجهة نظر منتشرة وسط قطاع عريض من الناس: # لا أعرف رواية باميلا تحديدا # معرفة وثيقة # لأنني لا ألوث ذهني # بالروايات المقيتة # خشي كثيرون من أنصار المذهب الأخلاقي أن الروايات زرعت الشعور بالسخط في الأذهان، لا ~~سيما أذهان الخدم والفتيات الصغار. # 20 # ربط الطبيب السويسري صامويل أوجست تيسوت قراءة الروايات بممارسة العادة السرية، التي ~~أدت إلى حدوث انحطاط بدني وعقلي وأخلاقي من وجهة نظره؛ رأى تيسوت أن الأبدان تميل بحكم ms035 ~~طبيعتها إلى الفساد، وأن العادة السرية قد سرعت من حدوث عملية الفساد لدى كل من ~~الرجال والنساء فقال: «كل ما يمكنني قوله هو أن الفراغ والكسل والمكوث في الفراش لفترات ~~طويلة؛ فراش وثير للغاية، والنظام الغذائي الدسم والمملح والحار والذي يحوي الخمور، ~~والأصدقاء المشبوهين، والكتب الماجنة، هي الأسباب التي تهيئ الفرصة للانغماس في مثل هذه ~~الممارسات.» ولم يقصد تيسوت باستخدامه لفظة «الماجنة» معنى الإباحية صراحة؛ ففي القرن ~~الثامن عشر كان يقصد بلفظة «ماجن» أي شيء يرتبط بالشهوة، غير أنها كانت تختلف عن ~~اللفظة الأكثر استهجانا؛ لفظة «داعر». وهكذا انضمت روايات الغرام - وكانت أغلبية ~~روايات القرن الثامن عشر تدور عن الغرام - بسهولة إلى فئة «المجون». وفي إنجلترا بدت ~~الفتيات في المدارس الداخلية في خطر شديد؛ إذ كان في متناولهن الحصول على مثل هذه الكتب ~~«الخليعة المثيرة للاشمئزاز» وقراءتها في الفراش. # 21 # ومن ثم اتفق رجال الدين والأطباء على اعتبار قراءة الروايات مضيعة للوقت، والسوائل ~~الحيوية، والدين، والأخلاقيات، وافترضوا أن القارئة سوف تحاكي أحداث الرواية، على نحو ~~تندم معه أشد الندم. فقارئة رواية «كلاريسا» - على سبيل المثال - قد تتجاهل رغبات ~~عائلتها، وتوافق - على غرار كلاريسا - أن تهرب مع أحد الفجار أمثال لافلاس الذي ~~يقودها - شاءت أم أبت - إلى إهلاك نفسها. وفي عام 1792 أكد ناقد إنجليزي مجهول قائلا: ~~«يساعد ارتفاع عدد الروايات في تفسير ارتفاع نسبة البغاء والعدد المهول من الزناة ~~وحالات الفرار مع العشاق التي نسمع بها في بقاع متفرقة من المملكة.» وطبقا لوجهة النظر ~~هذه، أثارت الروايات الأبدان إثارة مفرطة، وشجعت على الانغماس في الذات المريب ~~أخلاقيا، وحرضت على الأفعال المدمرة للسلطة العائلية، والأخلاقية، ~~والدينية. # 22 # زعم كل من ريتشاردسون وروسو أنهما قاما بدور المحرر وليس المؤلف، ومن ثم تمكنا من ~~تحاشي السمعة المشينة التي ارتبطت بالروايات، وعندما نشر ريتشاردسون «باميلا»، لم يشر ~~إليها قط على أنها رواية؛ إذ كان العنوان الكامل للطبعة الأولى هو دراسة في الاعتراض ~~الكثير: «باميلا: أو مجازاة العفة. سلسلة من الخطابات المألوفة من صبية جميلة ms036 إلى ~~والديها: تنشر للمرة الأولى الآن كي تغرس مبادئ العفة والدين في عقول الشباب من كلا ~~الجنسين. حكاية ترتكز على مبادئ الحق والطبيعة، وفي الوقت عينه تبث المتعة والتسلية من ~~خلال مجموعة متنوعة من الأحداث المؤثرة والغريبة، وهي مجردة تماما من كل تلك الصور ~~التي تنشر في الكثير من المواضع بغرض اللهو فحسب، وتميل إلى إلهاب العقول التي يجدر ~~بها أن توجهها.» برر تمهيد ريتشاردسون، الموقع باسم «المحرر»، نشر ما أسماه ~~«الخطابات اللاحقة» تبريرا أخلاقيا؛ فهي سوف توجه عقول الشباب وتطورها، وتغرس ~~فيها الدين والأخلاقيات، وتبين الرذيلة «بالألوان المناسبة»، وهكذا. # 23 # ومع أن روسو أشار إلى نفسه بالمحرر ~~أيضا، فهو لم يعتبر العمل صراحة رواية؛ ففي الجملة الأولى من تمهيد رواية «جولي»، ربط ~~الروايات بنقده الشهير للمسرح فقال: «لا بد أن تضم المدن الكبيرة مسارح، ولا بد أن ~~يمتلك الفاسدون روايات.» وكما لو كان هذا تحذيرا غير كاف، قدم روسو أيضا تمهيدا ~~في صورة «حوار عن الروايات بين «المحرر» وأحد «الأدباء»». وفي هذا الحوار، تعرض شخصية ~~«آر» [روسو] كل التهم المعتادة التي توجه إلى الرواية للتلاعب بالمخيلة لخلق الرغبات ~~التي لا يمكن إشباعها بعفة: # نسمع شكاوى من أن الروايات تشوش أذهان الناس، وأنا أؤمن بهذا تماما؛ فعندما ~~نضع باستمرار أمام أعين قراء هذه الروايات السحر الزائف لإحدى الضياع التي لا ~~يقتنونها، فإن هذا السحر يغويهم، ويدفعهم إلى النظر إلى مقتنياتهم بازدراء، بل ~~يستبدلون بها في مخيلتهم تلك الضياع التي أغوتهم الروايات باشتهائها. إن محاولة ~~أن نكون ما ليس نحن تحملنا على أن نظن أنفسنا مختلفين عما نحن، وهذا هو الطريق ~~إلى الجنون. # غير أن روسو يمضي قدما في تقديم رواية لقرائه، بل يدعوهم للنزال ~~متحديا؛ فيقول إذا أراد أي شخص أن ينتقدني لكتابتي إياها، فليخبر بهذا كل إنسان على ~~وجه الأرض فيما عداي. وأما أنا، فلن أكن أي تقدير البتة لمثل هذا الرجل. ويعترف ~~روسو في جذل بأن الكتاب قد يصدم جميع الناس تقريبا، لكنه على الأقل لن يقدم مجرد ms037 متعة ~~فاترة. توقع روسو تماما ردود أفعال عنيفة من جانب قرائه. # 24 # ورغم المخاوف التي ساورت كلا من ريتشاردسون وروسو بشأن سمعتيهما، فإن بعض النقاد ~~بدأ بالفعل في تكوين وجهة نظر أكثر إيجابية عن تصنيف الروايات؛ ففي دفاع كل من ساره ~~فيلدينج وفون هوللر عن ريتشاردسون، لفتا الأنظار بالفعل إلى التعاطف - أو الشفقة - الذي ~~توقظه في النفس قراءة رواية «كلاريسا». وبهذه النظرة الجديدة، أثرت الروايات في القراء ~~فجعلتهم أكثر تعاطفا مع الآخرين، بدلا من مجرد الانغماس في النفس، ومن ثم سمت أخلاقهم ~~ولم تنحط. وكان من أكثر المدافعين عن الرواية فصاحة، ديدرو، وهو مؤلف مقال عن الحقوق ~~الطبيعية في «الموسوعة»، وكان هو نفسه روائيا، وعندما مات ريتشاردسون عام 1761، كتب ~~ديدرو تأبينا يشبه فيه ريتشاردسون بأعظم المؤلفين القدماء أمثال هوميروس، ويوربيديس، ~~وسوفوكليس. بيد أن ديدرو أسهب في الحديث عن انغماس القارئ في عالم الرواية فقال: «يتقمص ~~المرء، على الرغم من كل التحذيرات، أحد الأدوار في العمل الفني فيجد نفسه منخرطا في ~~حوار، يستحسن أمورا ويستهجن أخرى، وتعجبه أشياء ويسخط وينقم على أخرى. كم مرة وجدت ~~نفسي فيها - كما يفعل الصغار الذين يصحبون إلى المسرح للمرة الأولى - أصيح: «لا تصدق ~~هذا، إنه يخدعك ... إذا انخرطت في هذا فسيقضى عليك».» ويقر ديدرو بأن قصة ريتشاردسون ~~تخلق انطباعا بأنك موجود ضمن الأحداث، بل انطباعا أن هذا العالم هو عالمك، فلا تقع ~~هذه الأحداث في بلد بعيد عنك أو في موضع غريب أو في قصة من وحي الخيال: «فشخصيات ~~الرواية مستوحاة من المجتمع العادي ... والمشاعر التي يصورها هي نفس المشاعر التي أشعر ~~بها في نفسي.» # 25 # ولا يستخدم ديدرو مصطلحات مثل «التوحد» أو «التعاطف»، لكنه يقدم وصفا قويا لهما، ~~فيقر بأنك تجد نفسك في الشخصيات وتقفز على نحو تخيلي إلى قلب الأحداث، وتراودك نفس ~~المشاعر التي يشعر بها شخصيات الرواية. خلاصة القول أنك تتعلم التعاطف مع شخص هو ليس ~~نفسك، ولا يمكن الاتصال به اتصالا مباشرا أبدا (على خلاف أفراد العائلة على سبيل ~~المثال)، إلا ms038 أنه هو نفسك أيضا ولكن على نحو تخيلي، الأمر الذي يعد عنصرا في غاية ~~الأهمية في عملية التوحد. وهذه العملية تعلل سبب كتابة بانكوك إلى روسو: «مست نقاوة ~~مشاعر جولي شغاف قلبي.» # يعتمد التعاطف على التوحد. يرى ديدرو أن أسلوب ريتشاردسون الروائي يشده على نحو ~~يتعذر تجنبه إلى هذه التجربة؛ فهو بيئة خصبة لنمو التعلم العاطفي: «مررت في غضون ~~ساعات معدودات بعدد هائل من المواقف التي لا يمكن أن يمر بها إنسان طوال حياته مهما ~~طالت ... شعرت أنني اكتسبت خبرة.» ويتوحد ديدرو بشدة مع الرواية، حتى إنه يشعر بالوحشة ~~والشجن بنهاية الرواية، فيقول: «اجتاحتني نفس المشاعر التي يشعر بها أناس ارتبطوا معا ~~بعلاقات وثيقة، وعاشوا معا لفترة طويلة من الزمن، وأصبحوا الآن على شفا الانفصال. ففي ~~النهاية، بدا لي فجأة أنني تركت وحيدا.» # 26 # أثناء القراءة ينغمس ديدرو في الأحداث ويسترد ذاته في الوقت نفسه، يجتاحه شعور قوي ~~بالانفصال عن ذاته أكثر من ذي قبل - فهو يشعر بالوحدة الآن - لكن يتملكه شعور قوي بأن ~~الآخرين أيضا لهم ذوات. وبعبارة أخرى، يملك ما يطلق هو نفسه عليه تلك «المشاعر ~~الداخلية» ذات الأهمية الكبرى لحقوق الإنسان. ويدرك ديدرو بالإضافة إلى ذلك أن تأثير ~~الرواية غير محسوس على مستوى الوعي؛ إذ يقول: «يجد المرء نفسه مندفعا نحو الخير بنوع ~~من التهور لا يدركه، فعندما يجابه الظلم يجتاحه نوع من الاشمئزاز لا يعرف كيف يعلله ~~لنفسه.» أحدثت الرواية أثرها من خلال الانخراط في الحكاية، وليس من خلال الوعظ الأخلاقي ~~الصريح. # 27 # حظي الاطلاع على الأدب الروائي بأكثر المعالجات الفلسفية جدية في عمل هنري هوم - ~~الشهير أيضا باسم لورد كاميس - «عناصر النقد» (1762)، الذي لم يناقش فيه الفيلسوف ~~وفقيه القانون الاسكتلندي الروايات في حد ذاتها، لكنه أكد على أن الأدب القصصي غير ~~الواقعي عموما يخلق نوعا من «الوجود النموذجي» أو «حلم اليقظة» الذي يتخيل فيه القارئ ~~نفسه وقد انتقل إلى مكان الأحداث. ويصف كاميس هذا «الوجود النموذجي» بأنه أشبه بحالة من ~~الغفوة؛ فالقارئ «يلقى في نوع ms039 من أحلام اليقظة، وبفقده الوعي بالذات وبالقراءة، التي ~~هي النشاط الذي يزاوله الآن، يتصور كل حدث على أنه يحدث في وجوده، تماما وكأنه شاهد ~~عيان». وأهم ما في الأمر من وجهة نظر كاميس أن هذا التحول يعزز الأخلاقيات؛ إذ يعرض ~~«الحضور النموذجي» القارئ لمشاعر من شأنها أن توطد روابط المجتمع؛ فهو يجذب الأفراد ~~بعيدا عن مصالحهم الخاصة، ويحفزهم على أداء «أفعال تنطوي على الكرم والخير والبر». ~~وكان مصطلح «الحضور النموذجي» تعبيرا آخر عن عبارة آرون هيل «سحر العاطفة ~~والمعنى». # 28 # وفيما يبدو شاركه توماس جيفرسون وجهة النظر نفسها؛ فعندما كتب روبرت سكيبويز - الذي ~~تزوج من الأخت غير الشقيقة لزوجة جيفرسون - إلى جيفرسون في عام 1771 يطلب منه قائمة ~~بالكتب المقترحة للقراءة، اقترح جيفرسون عليه الاطلاع على العديد من الأعمال ~~الكلاسيكية، القديم منها والحديث في مجالات السياسة، والدين، والقانون، والعلوم، ~~والفلسفة، والتاريخ. واشتملت القائمة على كتاب لورد كاميس «عناصر النقد»، لكن جيفرسون ~~استهل قائمته بالشعر، والمسرحيات، والروايات بما فيها روايات لورنس ستيرن، وهنري ~~فيلدينج، وجان فرانسوا مارمونتل، وأوليفر جولدسميث، وريتشاردسون، وروسو. وفي الخطاب ~~الذي اشتمل على قائمة الكتب، أشاد جيفرسون بلباقة بما أسماه «متعة الأدب القصصي»، وعلى ~~غرار كاميس، شدد على أن الأدب القصصي يمكن أن يغرس المبادئ ويعزز مزاولة الفضيلة. وبعد ~~أن أشاد جيفرسون بكل من شكسبير، ومارمونتل، وستيرن على وجه التحديد، أوضح أنه بالاطلاع ~~على مثل هذه الأعمال نشعر «في أنفسنا برغبة قوية في أداء أعمال الخير والعرفان» وعلى ~~النقيض، ننفر من الأفعال الشريرة أو السلوك غير الأخلاقي، وأكد على أن الأدب الروائي ~~يولد الرغبة في المحاكاة الأخلاقية على نحو أكثر فعالية حتى من قراءة الأعمال ~~التاريخية. # 29 # كانت الفكرة المهمة التي تتعرض للخطر في صراع الآراء المختلفة ذاك عن الروايات هي ~~فكرة تقدير قيمة الحياة المدنية العادية باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق. فمن ~~وجهة نظر نقاد قراءة الروايات، شجع التعاطف مع شخصية بطلة روائية على ظهور أسوأ ما في ~~الإنسان (من رغبات غير مشروعة وتقدير مفرط للذات)، ms040 وبرهن على الانحطاط غير القابل ~~للإصلاح للعالم المدني. وعلى النقيض، يرى أنصار الرأي الجديد الذي ينادي بأخلاقيات ~~التعاطف أن مثل هذا التوحد أظهر أن إثارة المشاعر يمكن أن يساعد على حدوث تحول في ~~الطبيعة الداخلية للفرد وينتج مجتمعا أسمى أخلاقيا. لقد آمن هؤلاء بأن الطبيعة ~~الداخلية للبشر هي التي شكلت أساس السلطة الاجتماعية والسياسية. # 30 # وهكذا اتضح أن سحر الرواية يحدث تأثيرات عظيمة؛ فعلى الرغم من أن أنصار الرواية لم ~~يعلنوا ذلك جهارا، فإنهم أدركوا أن الكتاب من أمثال ريتشاردسون وروسو يجذبون قراءهم ~~جذبا فعالا نحو الحياة اليومية باعتبارها تجربة دينية بديلة من نوع ما. وقد تعلم ~~القراء أن يقدروا شدة عاطفة الأشخاص العاديين وقدرة أناس أمثالهم على خلق عالم أخلاقي ~~بأنفسهم. وقد نمت حقوق الإنسان في تربة مزروعة بهذه المشاعر، ولا يمكن لحقوق الإنسان أن ~~تزدهر إلا عندما يتعلم الناس أن ينظروا للآخرين على أنهم مساوون لهم، وأنهم يشبهونهم ~~تشابها جوهريا. لقد تعلموا هذه المساواة - جزئيا على الأقل - عن طريق التوحد مع ~~شخصيات عادية بدت مألوفة وحاضرة على نحو مؤثر، وإن كانت شخصيات قصصية خيالية في نهاية ~~المطاف. # 31 # المصير الغريب للنساء # في الروايات الثلاث المختارة هنا، كان موضع تركيز التوحد النفسي ينصب على شخصية أنثى ~~شابة من وحي خيال مؤلف رجل. وغني عن القول أنه حدث توحد مع شخصيات من الذكور أيضا، ~~فقد تعاطف جيفرسون - على سبيل المثال - بحماس شديد مع شخصية «تريسترام شاندي» التي ~~ألفها ستيرن (1759-1767)، وشخصية «يوريك» التي تمثل الأنا الثانية لستيرن في عمله «رحلة ~~عاطفية» (1768). وكان للكتاب من النساء أيضا معجبون من القراء من كلا الجنسين؛ فقد ~~اقتبس الفرنسي جاك بيير بريسو - مصلح قانون العقوبات ونصير إلغاء الرق - كثيرا من ~~رواية «جولي» لروسو، لكن روايته الإنجليزية المفضلة كانت رواية «سيسليا» للروائية فاني ~~بيرني (1782). لكن كما يؤكد نموذج بيرني، نعمت الشخصيات النسائية بأسمى مكانة؛ فقد حملت ~~رواياتها الثلاث أسماء بطلاتها. # 32 # كانت البطلات النساء آسرات للاهتمام؛ لأن سعيهن للاستقلال الذاتي ما كان لينجح مطلقا ~~على ms041 نحو كامل. فالنساء كن يتمتعن بالقليل من الحقوق الشرعية في حال انفصالهن عن الوالد ~~أو الزوج. وقد وجد القراء أن سعي البطلات للاستقلال ملوع؛ لأنهن سرعان ما يدركن القيود ~~التي تجابهها أمثالهن حتما. وفي نهاية سعيدة للأحداث، تتزوج باميلا من السيد بي وتقبل ~~القيود المفروضة على حريتها، وعلى النقيض، تموت كلاريسا، بدلا من أن تتزوج من لافلاس ~~بعدما يغتصبها. ومع أنه يبدو أن جولي تقبل أن يجبرها والدها على التخلي عن الرجل الذي ~~تحبه، فإنها تموت أيضا في المشهد الأخير. # يرى بعض النقاد المحدثين في هذه الروايات تلذذا بتعذيب الذات والألم، لكن النقاد ~~المعاصرين لزمن تلك الروايات رأوا سمات أخرى؛ فالقراء من الرجال والنساء على السواء ~~توحدوا مع هذه الشخصيات؛ لأن النساء أظهرن عزيمة بالغة وشخصية قوية. ولم يشأ القراء ~~إنقاذ البطلات فحسب، بل أرادوا أن يكونوا مثلهن أيضا، حتى مثل كلاريسا وجولي على الرغم ~~من نهايتهما المأسوية. وتكاد كل أحداث الروايات الثلاث تستخدم تعبيرات تتعلق بإرادة ~~الأنثى، وهي الإرادة التي تصطدم عادة بالقيود الأبوية أو المجتمعية؛ فباميلا لا بد أن ~~تقاوم السيد بي كي تصون حسها بالعفة وحسها بذاتها، وفي نهاية المطاف تؤدي مقاومتها إلى ~~فوزها به. وتصمد كلاريسا في حزم أمام عائلتها ثم أمام لافلاس من أجل الأسباب عينها، وفي ~~النهاية يتمنى لافلاس باستماتة أن يتزوج بها، وهو العرض الذي ترفضه. ولا بد أن تتخلى ~~جولي عن سانت برو وتتعلم أن تحب حياتها بمعية وولمار؛ فكان الكفاح كله كفاحها وحدها. في ~~كل رواية يتوقف كل شيء على رغبة البطلة في تحقيق الاستقلال، وتأتي أفعال الشخصيات ~~الذكورية لتسلط الضوء فحسب على هذه العزيمة الأنثوية. وهكذا تعلم القراء المتعاطفون ~~مع البطلات أن جميع الناس - حتى النساء - يطمحون لاستقلال أعظم، وأدركوا في مخيلاتهم ~~الجهد النفسي الذي يستلزمه ذلك الكفاح. # عكست روايات القرن الثامن عشر انشغالا ثقافيا أعمق بالاستقلال. آمن فلاسفة عصر ~~التنوير إيمانا راسخا بأنهم أحدثوا طفرة في هذا الشأن في القرن الثامن عشر. فعندما ~~كانوا يتكلمون عن الحرية، كانوا يقصدون ms042 استقلال الفرد، سواء أكانت تلك الحرية حرية ~~التعبير عن الآراء أو ممارسة شعائر الدين الذي يختاره الفرد، أو الاستقلال الذي كان ~~يعلم للغلمان إذا اتبع أحدهم مبادئ روسو في دليله التعليمي «إيميل» (1762). ووصلت ~~حكاية انتشار فكرة الاستقلال في عصر التنوير ذروتها في مقال إيمانويل كانط «ما ~~التنوير؟» عام 1784. عرف كانط «الاستقلالية» ببراعة على أنها: «خروج البشرية من عدم ~~النضج الذي ابتلت به نفسها.» ومضى قدما معرفا عدم النضج بأنه: «عدم القدرة على ~~استغلال الفهم الذي يحققه الإنسان دون الاستعانة بتوجيه شخص آخر.» والتنوير في رأي كانط ~~هو الاستقلال الفكري، أي قدرة الإنسان على التفكير بنفسه. # 33 # نبع تأكيد عصر التنوير على الاستقلال الفردي من ثورة القرن السابع عشر في الفكر ~~السياسي، التي أشعل شرارتها هوجو جروشيوس وجون لوك، اللذان أكدا على أن إبرام الرجل ~~المستقل اتفاقية اجتماعية مع أفراد مثله هو الأساس الوحيد الممكن لسلطة سياسية شرعية. ~~فلو أردنا أن يحل عقد مبرم بين رجال مستقلين محل السلطة المدعومة بالحق الإلهي والكتاب ~~المقدس والتاريخ، لكان لزاما أن نعلم الغلمان أن يفكروا بأنفسهم. وعليه تحولت ~~النظرية التعليمية، التي كان للوك وروسو أثر بالغ في تشكيلها، من التأكيد على الطاعة ~~المفروضة بواسطة العقاب إلى غرس حذر للمنطق باعتباره الوسيلة الرئيسية للاستقلال. ووضح ~~لوك أهمية الممارسات الجديدة في أطروحته «أفكار عن التربية» (1693) فقال: «لا بد أن ~~ننظر إلى أولادنا عندما يكبرون على أنهم مثلنا ... فنحن نحب أن ينظر إلينا على أننا ~~مخلوقات عاقلة، وننعم بالحرية، ونؤثر ألا نظل خاضعين للتوبيخ والتخويف المستمرين.» ~~وكما أدرك لوك، يعتمد الاستقلال السياسي والفكري على تنشئة الأطفال (صبيان وبنات، وفق ~~رأيه) على توجهات جديدة؛ فالاستقلال يتطلب علاقة جديدة بالعالم، وليس مجرد أفكار ~~جديدة. # 34 # ومن ثم كي يفكر الإنسان بنفسه ويقرر بنفسه لا بد من حدوث تغيرات نفسية وسياسية مكافئة ~~للتغيرات الفلسفية. في دراسته بعنوان «إيميل» دعا روسو الأمهات إلى بناء جدران نفسية ~~عازلة بين أطفالهن وكل الضغوط الخارجية الاجتماعية والسياسية، فحثهن قائلا: «ضعي في ~~وقت مبكر سياجا ms043 حول نفس طفلك.» وأكد الواعظ الإنجليزي ومؤلف الكتيبات السياسية ريتشارد ~~برايس في عام 1776، عندما كتب مؤيدا لسكان المستعمرات الأمريكيين، أن أحد الجوانب ~~العامة الأربعة للحرية هو جانب الحرية البدنية فقال: «مبدأ «التلقائية» هذا، أو «حق ~~تقرير المصير»، هو الذي يجعنا أحرارا.» من وجهة نظره، كانت الحرية مرادفا لتوجيه ~~الذات أو حكم الذات، وتوحي الاستعارة السياسية في هذا السياق بحكم الذات نفسيا، غير ~~أن المصطلحين مرتبطان ارتباطا وثيقا. # 35 # أراد المصلحون الذين ألهمهم عصر التنوير أن يصلوا إلى ما هو أبعد من حماية الأجساد أو ~~بناء سياج لحماية النفس بالصورة التي نبه إليها روسو، فطالبوا بتوسيع نطاق عملية صنع ~~القرار الفردي. وتوضح القوانين الثورية الفرنسية التي فرضت على العائلة عمق المخاوف من ~~القيود التقليدية المفروضة على الاستقلال. في مارس من عام 1790، ألغت الجمعية الوطنية ~~التأسيسية حق البكورية، الذي يمنح حقوق وراثة استثنائية للابن الذكر البكر، و«المراسيم ~~المختومة» المشينة التي كانت تخول للعائلات سجن أولادها بدون جلسات استماع. وفي أغسطس ~~من نفس العام، أنشأ المشرعون المجالس العائلية للاستماع إلى المنازعات بين الآباء ~~والأبناء حتى سن العشرين، بدلا من منح الآباء السيطرة المطلقة على أبنائهم. وفي أبريل ~~من عام 1791، أصدرت الجمعية مرسوما يقر بأنه لا بد أن يرث كل الأبناء، الذكور منهم ~~والإناث، بالتساوي. وبعدئذ، في أغسطس من عام 1792، ~~خفض المشرعون سن الرشد من الخامسة والعشرين ~~إلى الحادية والعشرين، وأعلنوا أن البالغين ما عادوا خاضعين للسلطة الأبوية، ولأول مرة ~~في تاريخ فرنسا أباحوا الطلاق، فجعلوه متاحا استنادا على نفس الأسس القانونية لكل من ~~الرجال والنساء. خلاصة القول، فعل الثوار كل ما في وسعهم لإزالة المعوقات التي تعوق ~~الاستقلال الشخصي. # 36 # وفي بريطانيا العظمى ومستعمراتها في أمريكا الشمالية، يمكن اقتفاء أثر الرغبة في ~~استقلال أعظم في السير الذاتية والروايات بسهولة أكبر من اقتفائه في القانون، على الأقل ~~قبل الثورة الأمريكية. في الواقع، في عام ~~1753، حرم «قانون الزواج» في إنجلترا الزواج لأولئك الذين لم يناهزوا سن الحادية ~~والعشرين إلا برضا الأب أو الوصي. وعلى الرغم ms044 من إعادة التأكيد هذه على السلطة الأبوية، ~~فإن نمط الهيمنة الذكورية القديم الذي يسود فيه الأزواج على الزوجات والآباء على ~~الأبناء تراجع في القرن الثامن عشر. وبدءا من رواية «روبنسون كروزو» للكاتب دانييل ~~ديفو عام 1719، ووصولا إلى السيرة الذاتية لبنجامين فرانكلين (التي كتبت في الفترة ما ~~بين عامي 1771 و1788)، أشاد الكتاب ~~الإنجليز والأمريكيون بالاستقلال باعتباره فضيلة أساسية. فكانت رواية ديفو التي تدور عن ~~البحار الذي تحطمت سفينته ونجا من الغرق، بمنزلة كتيب للتعليمات الأساسية عن كيفية ~~تعلم الإنسان حماية نفسه وإعالتها. لذا ليس مستغربا أن اعتبر روسو قراءة رواية ديفو ~~ضرورية لإيميل الصغير، أو أن تطبع رواية «روبنسون كروزو» للمرة الأولى في المستعمرات ~~الأمريكية عام 1774، في ذروة أزمة الاستقلال المستفحلة. وكانت رواية روبنسون كروزو ~~واحدة من أفضل الكتب مبيعا في المستعمرات الأمريكية عام 1775، ولا يباريها سوى خطابات ~~لورد تشيسترفيلد إلى ابنه، وكتاب جون جريجوري «إرث الأب لبناته»، اللذين كانا لتبسيط ~~وتعميم آراء لوك عن تعليم الصبيان والبنات. # 37 # سارت النزعات في حياة الأشخاص في عالم الواقع في الاتجاه نفسه، وإن كان على نحو أكثر ~~تذبذبا؛ فقد توقع الشباب على نحو متزايد أن يختاروا بأنفسهم عند الزواج، مع أن ~~العائلات ظلت تمارس ضغطا بالغا عليهم، كما يتضح في عدد هائل من الروايات التي تدور ~~حبكاتها عن هذه النقطة («كلاريسا» على سبيل المثال). وتكشف ممارسات تربية الأطفال أيضا ~~التغيرات الطفيفة التي طرأت على التوجه. فقد أقلع الإنجليز عن تدثير الأطفال بالأغطية ~~قبل الفرنسيين (لروسو عظيم الفضل في صرف الفرنسيين عن هذه العادة) غير أنهم ظلوا يضربون ~~الصبيان في المدرسة وقتا أطول. وبحلول خمسينيات القرن الثامن عشر، توقفت العائلات ~~الإنجليزية الأرستقراطية عن استخدام سيور الجلد التي كان يشد بها الطفل من كتفيه في ~~أثناء تدرجه نحو المشي، وفطمت الرضع بعد فترات أقصر، ولأنهم ما عادوا يدثرون الأطفال ~~بالأغطية، دربوهم على استخدام المراحيض في وقت مبكر أيضا، وجميعها علامات على التأكيد ~~المتزايد على الاستقلال. # 38 # غير أن التأريخ كان أكثر تشوشا في بعض ms045 الأحيان؛ فالطلاق في إنجلترا، على خلاف بقية ~~البلدان البروتستانتية، كان مستحيلا فعليا في القرن الثامن عشر؛ ففي الفترة بين عامي ~~1700 و1857 - حين نتج عن «قانون القضايا الزوجية» إنشاء محكمة خاصة للاستماع إلى قضايا ~~الطلاق - لم تقع سوى 325 حالة طلاق بموجب قانون خاص أصدره برلمان إنجلترا، وويلز، ~~وأيرلندا. وعلى الرغم من أن عدد حالات الطلاق ارتفع من 14 حالة في النصف الأول من القرن ~~الثامن عشر إلى 117 حالة في النصف الثاني من نفس القرن، فإن الطلاق اقتصر في الواقع على ~~عدد محدود من رجال الطبقة الأرستقراطية؛ نظرا لأن المبررات اللازمة لمنح الطلاق كادت ~~تجعل الطلاق مستحيلا أن تحصل عليه النساء. ويعني هذا الرقم أنه منح 2,34 حالات طلاق ~~سنويا فحسب في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وعلى النقيض، بعدما أباح الثوار ~~الفرنسيون الطلاق، وقعت 20000 حالة طلاق في فرنسا في الفترة ما بين عامي 1792 و1803، ~~بمعدل 1800 حالة طلاق سنويا. أما عن مستعمرات بريطانيا في أمريكا الشمالية، فقد ~~التزمت عموما بالممارسات الإنجليزية في منع الطلاق، على أنها سمحت ببعض أشكال الانفصال ~~القانوني، لكن بعد الاستقلال بدأت المحاكم الجديدة تقبل عرائض الطلاق في معظم الولايات. ~~وقدمت معظم النساء عرائض الطلاق في السنوات الأولى لاستقلال الولايات المتحدة الناشئة، ~~مرسيات بذلك نزعة تكررت فيما بعد في فرنسا الثورة. # 39 # في مذكرات دونها توماس جيفرسون في عامي 1771 و1772 عن إحدى قضايا الطلاق، ربط بوضوح ~~الطلاق بالحقوق الطبيعية، فالطلاق سوف يعيد «للمرأة حقها الطبيعي في المساواة». وأصر ~~جيفرسون على أنه من طبيعة العقود المبرمة بالرضا المتبادل أن تكون قطعا قابلة للفسخ ~~إذا أخل أحد الأطراف بالاتفاق؛ نفس الحجة التي استخدمها الثوار الفرنسيون في عام 1792. ~~علاوة على ذلك فإن إمكانية الطلاق القانوني سوف تكفل «حرية المشاعر» التي هي حق طبيعي ~~أيضا. وكان حق «السعي وراء السعادة»، الذي اشتهر من خلال إعلان الاستقلال الأمريكي، ~~يتضمن الحق في الطلاق؛ لأن «الغاية من الزواج هي التكاثر والسعادة»، لذا فإن حق السعي ~~وراء السعادة يتطلب ms046 الطلاق. وليس من قبيل المصادفة أن جيفرسون ساق حججا مماثلة عندما ~~تحدث عن انفصال أمريكا عن بريطانيا العظمى بعدها بأربع سنوات. # 40 # وفي الوقت الذي كان الناس في القرن الثامن عشر ينادون فيه بتوسيع حق تقرير المصير، ~~واجهوا معضلة: ما الذي عساه أن يقدم مرجعية المجتمع في ظل هذا النظام الجديد الذي يشدد ~~على حقوق الفرد؟ إن توضيح كيفية استخلاص الأخلاق من المنطق البشري العقلاني وليس من ~~الكتاب المقدس أو أن الاستقلال أفضل من الطاعة العمياء شيء، ومحاولة التوفيق بين ~~استقلال الفرد الذي يتمتع بالتوجيه الذاتي وبين المصلحة العامة شيء مختلف تماما. وضع ~~الفلاسفة الاسكتلنديون في منتصف القرن مسألة المجتمع العلماني في بؤرة اهتماماتهم ، ~~وقدموا إجابة فلسفية منسجمة مع ممارسة التوحد الذي تعلمه الرواية. أطلق الفلاسفة - ~~على غرار عموم الناس الذين عاشوا في القرن الثامن عشر - على إجابتهم اسم «التعاطف». لقد ~~استخدمت لفظة «التوحد» # empathy # من قبل لأنه على الرغم ~~من أنها لم تدخل اللغة الإنجليزية إلا في القرن العشرين، فإنها تعبر بشكل أفضل عن معنى ~~الرغبة القوية في التوحد مع الآخرين شعوريا. فعادة ما تدل الآن لفظة التعاطف على ~~«الشفقة»، التي تحمل في فحواها معنى التفضل، وهو الشعور الذي يتنافى مع الشعور الحقيقي ~~بالمساواة. # 41 # كان للفظة «التعاطف» معنى واسع للغاية في القرن الثامن عشر؛ فكان التعاطف في رأي ~~فرانسيس هاتشسن نوعا من الحس، أي ملكة أخلاقية؛ فالتعاطف - أو المشاركة الوجدانية - ~~الذي هو أكثر نبلا من حاسة البصر أو السمع - وهما حاستان نتشاركهما مع الحيوانات - ~~لكنه أقل نبلا من الضمير، هو ما جعل الحياة الاجتماعية ممكنة. وبفضل قوة الطبيعة ~~الإنسانية، التي تسبق أي منطق، كان التعاطف بمنزلة نوع من قوى الجذب الاجتماعية التي ~~تخرج الأشخاص من أنفسهم. وضمن التعاطف أن السعادة لا يمكن تعريفها في ضوء الرضا الذاتي ~~وحده. وخلص هاتشسن إلى أنه: «بواسطة نوع من أنواع العدوى أو التفشي، تزيد كل مباهجنا ~~- حتى أدناها - زيادة غريبة عندما نتشاركها ~~مع الآخرين.» # 42 # كرس آدم سميث - مؤلف كتاب «ثروة الأمم» ms047 (1776) وأحد تلامذة هاتشسن - أحد أعماله ~~الأولى لقضية التعاطف؛ ففي الفصل الافتتاحي من كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية» (1759)، ~~استخدم نموذج التعذيب ليصل إلى آلية عمل التعاطف. فما الذي يحملنا على التعاطف مع ~~معاناة شخص يعذب على المخلعة؟ فحتى لو كان المعذب هو أخونا، لا يمكننا البتة أن ~~نشعر مباشرة بما يشعر به، كل ما في وسعنا هو أن نتوحد فحسب مع معاناته بفعل الخيال الذي ~~يجعلنا نضع أنفسنا في مكانه ونتحمل نفس الآلام؛ «كأننا نلبس جسده ونصير هو نفسه بقدر ~~ما.» عملية التوحد الخيالي تلك - التعاطف - تسمح للمشاهد بأن يشعر بما يشعر به ضحية ~~التعذيب، غير أن المشاهد لا يستطيع أن يصبح كائنا أخلاقيا بحق إلا عندما يخطو الخطوة ~~التالية ويدرك أنه هو أيضا يحظى بمثل هذا التوحد الخيالي. وعندما يرى نفسه يحظى بمشاعر ~~التعاطف من الآخرين، يستطيع أن يخلق بداخل نفسه «مراقبا محايدا» يقوم بدور البوصلة ~~الأخلاقية. من ثم يرى سميث أن الاستقلال والتعاطف متلازمان، فالشخص المستقل وحده هو من ~~يستطيع أن يخلق «مراقبا محايدا» بداخل نفسه، على أنه لا يمكنه أن يفعل هذا ما لم ~~يتوحد مع الآخرين أولا، كما يوضح سميث. # 43 # كان للتعاطف أو الحس المرهف - وكان مصطلح الحس المرهف أكثر شيوعا بكثير في فرنسا - ~~أصداء ثقافية واسعة على جانبي الأطلنطي في النصف الأخير من القرن الثامن عشر. قرأ توماس ~~جيفرسون أعمال هاتشسن وسميث، مع أنه استشهد تحديدا بالروائي لورنس ستيرن معتبرا أنه ~~يقدم «أفضل منهج للأخلاق». وفي ضوء انتشار الإشارة إلى التعاطف والحس المرهف على ~~شاطئي الأطلنطي، لا يبدو من قبيل المصادفة أن أول رواية كتبها أمريكي، ونشرت عام ~~1789، كان عنوانها «قوة التعاطف». تغلغل التعاطف والحس المرهف في نسيج الأدب والرسم، بل ~~الطب أيضا، حتى إن بعض الأطباء بدأ يساورهم القلق بشأن الإفراط فيهما؛ إذ خافوا من ~~أنهما قد يؤديان إلى الإصابة بالمالنخوليا (وهو اضطراب ذهني حاد مصحوب بالاكتئاب ~~والشعور بالذنب واليأس)، أو الوساوس المرضية، أو الاضطرابات العصبية الهستيرية. ورأى ~~الأطباء أن السيدات اللاتي يتاح لهن وقت ms048 فراغ طويل (ممن يستطعن القراءة) أكثر عرضة لهذه ~~الأمراض من غيرهن. # 44 # جاء التعاطف والحس المرهف في مصلحة كثير من المجموعات المحرومة من الحقوق، ولكن ليس ~~النساء. واستفادة من نجاح الرواية في إبراز أشكال جديدة من التوحد النفسي، شجع أنصار ~~إلغاء الرق الأوائل الرقيق الذين أعتقوا على كتابة سيرهم الذاتية بطابع روائي، بل ~~إضافة أجزاء من وحي خيالهم في بعض الأحيان من أجل كسب مؤيدين للحركة الناشئة. وظهرت ~~مساوئ وشرور العبودية بوضوح عندما وصف رجال - مثل أولوداه إكويانو، الذي نشر كتابه ~~«القصة الشائقة لحياة أولوداه إكويانو، أو الأفريقي جوستافوس فاسا، كما كتبها» لأول مرة ~~في لندن عام 1789 - تجاربهم الشخصية مع ~~العبودية، ومع ذلك عجز معظم أنصار إلغاء الرق عن إدراك وجود علاقة بين حقوق الرقيق ~~وحقوق المرأة؛ فبعد عام 1789، كان العديد من الثوار الفرنسيين يخرجون في وقفات احتجاجية ~~عامة قوية من أجل حقوق البروتستانت، واليهود، والسود الأحرار، بل حتى العبيد، وفي الوقت ~~نفسه يعارضون بشدة منح المرأة حقوقها. ومع أن موضوع الرق أثير على الفور وأصبح مثار جدل ~~محتدم في الولايات المتحدة الناشئة حديثا، فإن موضوع حقوق المرأة أثار في أمريكا جدلا ~~أقل مما أثاره في فرنسا. ولم تنعم المرأة بأي حقوق سياسية متساوية في أي مكان في العالم ~~قبل القرن العشرين. # 45 # نظر الناس الذين عاشوا في القرن الثامن عشر - تقريبا مثل جميع من عاشوا قبلهم في ~~تاريخ البشرية كله - إلى المرأة على أنها عالة على زوجها أو والدها تبعا لوضعها ~~الاجتماعي، ومن ثم فهي لا تتمتع بالقدرة الكاملة على الاستقلال السياسي. كانوا يدافعون ~~عن حق تقرير المصير باعتباره فضيلة أخلاقية شخصية دون ربطه بالحقوق السياسية؛ فالنساء ~~لهن حقوق، لكنها ليست الحقوق السياسية. وباتت تلك النظرة واضحة عندما صاغ الثوار ~~الفرنسيون دستورا جديدا عام 1789. وضح آبي إيمانويل جوزيف سييس - وهو مفسر بارز ~~للنظرية الدستورية - الفارق الناشئ بين الحقوق الطبيعية والمدنية من ناحية، والحقوق ~~السياسية من ناحية أخرى. أكد القس جوزيف سييس أن جميع المواطنين، بمن فيهم النساء، ~~يتمتعون ms049 بحقوق تسمى حقوق المواطن المذعن؛ حقوق حماية أنفسهم وممتلكاتهم وحرياتهم، لكن ~~ليس كل المواطنين مواطنين فاعلين ينعمون بالحق في المشاركة المباشرة في الشئون العامة. ~~وكان يعرف «النساء - على الأقل بوضعهن الراهن - والأطفال والأجانب؛ أولئك الذين لا ~~يقدمون أي مساهمات في حفظ المؤسسة العامة» على أنهم مواطنون سلبيون مذعنون. أفسحت عبارة ~~سييس المقيدة التي تقول «على الأقل بوضعهن الراهن» مساحة ضئيلة لحدوث تغيرات مستقبلية ~~في حقوق المرأة، ولسوف يحاول آخرون أن يستغلوا هذه المساحة لكن دون طائل على المدى ~~القصير. # 46 # أظهرت القلة القليلة التي ناصرت حقوق المرأة في القرن الثامن عشر ازدواجية وتناقضا ~~فيما يخص الروايات. رأى المعارضون التقليديون للروايات أن المرأة عرضة بشدة لفتنة ~~القراءة عن الحب، بل حتى المدافعون عن الروايات، مثل جيفرسون، ساورتهم المخاوف أيضا ~~بشأن تأثيراتها على الفتيات؛ ففي عام 1818 حذر جيفرسون - الذي تقدم به العمر كثيرا عن ~~عمره حين كان شديد الحماس لكتابه المفضلين في عام 1771 - من «العاطفة الجامحة» التي ~~تثيرها الروايات وسط الفتيات، وقال: «إن المحصلة النهائية هي مخيلة منتفخة» و«رأي ~~مريض». لا عجب إذن أن المدافعين المتحمسين عن حقوق المرأة تعاملوا مع هذه الشكوك بجدية. ~~وكما هي حال جيفرسون، قارنت ماري ويلستونكرافت - مؤسسة الحركة النسائية الحديثة - صراحة ~~قراءة الرواية - وهي «النوع الوحيد من القراءة المقصود به إثارة اهتمام عقل بريء تافه» ~~- بقراءة التاريخ وبالفهم العقلاني الفعال على وجه العموم. ومع ذلك فقد كتبت ~~ويلستونكرافت نفسها روايتين بطلتاهما من الإناث، ونقدت العديد من الروايات في دوريات ~~منشورة، وأشارت لها على الدوام في مراسلاتها. وعلى الرغم من اعتراضاتها على إيعاز روسو ~~بتعليم الإناث في كتابه «إيميل»، قرأت رواية «جولي» بنهم شديد، واستخدمت العبارات ~~الحاضرة في ذهنها من رواية «كلاريسا» وروايات ستيرن كي تعبر عن مشاعرها الشخصية في ~~خطاباتها. # 47 # إن تعلم التوحد مهد السبيل أمام حقوق الإنسان، غير أنه لم يضمن أن كل شخص سيكون ~~بمقدوره أن يسلك هذا السبيل في الحال، ولم يدرك أحد هذا أو يتعذب بسببه أكثر من كاتب ~~«إعلان ms050 الاستقلال»؛ ففي خطاب بعثه جيفرسون في عام 1802 لرجل الدين والعالم والمصلح ~~الإنجليزي جوزيف بريستلي، عرض جيفرسون النموذج الأمريكي للعالم أجمع بقوله: «من ~~المستحيل ألا ندرك أننا نعمل من أجل خير البشرية جمعاء، وأن الظروف التي حرم منها ~~الآخرون ونعمنا نحن بها قد فرضت علينا واجب إقرار درجة الحرية وحكم الذات التي يمكن أن ~~يتركها المجتمع لأفراده.» وطمح جيفرسون إلى أقصى «درجات الحرية» التي يمكن تخيلها، ~~والتي عنت في نظره إفساح المجال للمشاركة السياسية لأكبر عدد ممكن من البيض، بل ربما ~~أيضا من الهنود الحمر في آخر المطاف، لو أمكن تحويلهم إلى مزارعين. ومع أنه اعترف ~~بآدمية الأمريكيين من أصول أفريقية، بل بحقوق العبيد باعتبارهم بشرا، فإنه لم يتصور ~~حكومة يشاركون فيها مشاركة فعالة؛ لا هم ولا النساء من أي لون. لكن كانت هذه أقصى درجات ~~الحرية التي يمكن تخيلها للأغلبية الساحقة من الأمريكيين والأوروبيين، وإلى أن مات ~~جيفرسون بعدها بأربعة وعشرين عاما. # 48 # الفصل الثاني # | بشر أمثالنا # إلغاء التعذيب # في عام 1762 - وهو نفس العام الذي ابتكر فيه روسو مصطلح «حقوق الفرد» - أدانت إحدى ~~المحاكم في مدينة تولوز بجنوب فرنسا رجلا بروتستانتيا يبلغ من العمر أربعة وستين ~~عاما ويدعى جان كالاس بتهمة قتل ابنه لمنعه من التحول إلى المذهب الكاثوليكي. أصدر ~~القضاة الحكم عليه بالإعدام بسحق عظامه على عجلة السحق، وقبيل تنفيذ حكم الإعدام تعين ~~على كالاس أن يقاسي أولا تحت الإشراف القضائي عذابا يعرف باسم «الاستجواب التمهيدي»، ~~أعد خصيصا من أجل أن يدلى أولئك الذين أدينوا بالفعل بأسماء شركائهم في الجريمة. ~~أوثق الجلادون معصمي كالاس بإحكام إلى قضيب خلف ظهره، ثم مطت آلة تعمل بالكرنكات ~~والبكرات جسمه بحيث تشد ذارعيه إلى أعلى باستمرار فيما يحفظ ثقل حديدي قدميه ثابتتين ~~في مكانهما (انظر الشكل رقم # 2-1 ~~). وعندما امتنع كالاس عن ذكر أي ~~أسماء بعد نوبتين من التعذيب، أوثقوه في مقعد، ثم صبوا قوارير الماء في حلقه عنوة فيما ~~ظل فمه مفتوحا باستخدام عصوين صغيرتين (انظر الشكل رقم # 2-2 ~~). ~~ولما ms051 عذب من جديد كي يدلي بالأسماء، جاء رده كالآتي: «حين لا توجد جريمة من الأساس، ~~لا يمكن أن يكون هناك شركاء في الجريمة.» # شكل 2-1: التعذيب القضائي. (يكاد يستحيل العثور على لوحات تصور التعذيب الذي ~~كان القضاء يبيحه. يدعي هذا النحت الخشبي المصنوع على صفحة كاملة ~~(21,6سم × 14,4سم) الذي يعود إلى القرن السادس عشر أنه يوضح وسيلة كانت ~~مستخدمة في تولوز تشبه تلك التي خضع لها جان كالاس بعدها بقرنين، وهي ~~تمثل نموذجا لأدوات التعذيب القضائي التي كانت ذائعة الانتشار في ~~أوروبا وكانت تسمى «آلة المط» # strappado ~~، وهي كلمة مشتقة عن كلمة ~~إيطالية تعني الشد العنيف أو التمزيق.) # شكل 2-2: التعذيب بالماء. (يصور هذا النحت الخشبي الذي يعود إلى القرن ~~السادس عشر (مقاس 21,6سم × 14,4سم) طريقة فرنسية للتعذيب بالماء، وهي ~~ليست نفس الطريقة التي خضع لها كالاس بالضبط، لكنها قريبة منها بالقدر ~~الكافي لتوصيل الفكرة.) # لم يكن المعذبون يموتون سريعا، ولم يكن هذا هو المراد. كان السحق على العجلات، ~~المخصص لأولئك المدانين في جرائم القتل أو السطو المسلح، يتم على مرحلتين؛ أولا: يوثق ~~الجلاد المدان على صليب على شكل حرف إكس ( # x ~~) ثم يكسر ~~على نحو مدروس عظم الساعدين، والساقين، والفخذين، والذراعين عن طريق تسديد ضربتين ~~قويتين إلى كل منها. وباستخدام رافعة مثبتة في حبل ملفوف حول رقبة المدان، يخلع مساعد ~~للجلاد يقف تحت المشنقة الفقرات العنقية عن طريق شد الحبل شدا عنيفا. في تلك ~~الأثناء يسدد الجلاد ثلاث ضربات عنيفة إلى الجزء الأوسط من الجسم باستخدام قضيب من ~~الحديد. ثم ينزل الجلاد الجسد المهشم ويوثقه إلى عجلة عربة موضوعة على قمة قضيب طوله ~~عشرة أقدام، بحيث تكون الأطراف مثنية للوراء على نحو مؤلم للغاية. ويظل المدان مربوطا ~~في هذا الوضع فترة طويلة بعدما يلقى حتفه، منهيا بذلك «مشهدا مرعبا إلى أبعد حد». ~~وبناء على توجيه سري، تفضلت المحكمة وأنعمت على كالاس بالخنق حتى الموت بعد ساعتين من ~~العذاب، قبل أن يوثق إلى العجلة. ومات كالاس وهو لا يزال يؤكد ms052 براءته. # 1 # أثارت «قضية» كالاس الانتباه عندما اهتم بها فولتير بعد مرور أشهر قلائل على تنفيذ ~~حكم الإعدام. جمع فولتير المال من أجل العائلة، وكتب خطابات باسم العديد من أفراد عائلة ~~كالاس يؤكد أنها تقدم رؤيتهم الشخصية للأحداث، ثم نشر كتيبا وكتابا يتناولان القضية، ~~وكان أشهر هذه الأعمال مقالته «رسالة عن التسامح بمناسبة موت جان كالاس»، التي استخدم ~~فيها للمرة الأولى مصطلح «حق الإنسان»؛ كان جوهر حجته أن التعصب محال أن يكون حقا من ~~حقوق الإنسان (لم يستخدم الحجة الإيجابية التي تقول إن حرية اختيار الدين حق من حقوق ~~الإنسان)، ولم يعترض فولتير في الأساس على التعذيب أو سحق العظام باستخدام عجلة السحق، ~~ما أثار سخطه هو ذلك التعصب الديني الأعمى الذي انتهى إلى أنه يحرك رجال الشرطة ~~والقضاة: «من المستحيل أن نعقل كيف يمكن لرجل، بناء على هذا المبدأ [حق الإنسان]، أن ~~يقول لآخر «آمن بما أؤمن به والذي لا يمكنك أن تؤمن به وإلا ستموت»! فبهذا الأسلوب ~~يتكلم الناس في البرتغال، وإسبانيا، وجوا» [بلدان ذات سمعة مشينة بسبب محاكم ~~التفتيش]. # 2 # لما كان التعبد علانية بالمذهب الكالفيني محظورا في فرنسا منذ ~~عام 1685، كان جليا أنه لم يكن من الصعب ~~أن تصدق السلطات أن كالاس قتل ابنه لمنعه من التحول إلى المذهب الكاثوليكي. ففي ليلة من ~~الليال، بعدما التفت العائلة لتناول العشاء، وجدوا مارك-أنطوان يتدلى من العتبة ~~العليا لأحد أبواب مخزن خلفي؛ إنه انتحار واضح، ولتحاشي الفضيحة، ادعوا أنهم عثروا عليه ~~مرميا أرضا وكأنه تعرض للقتل؛ وذلك لأن قانون فرنسا يعاقب على الانتحار؛ فالشخص ~~الذي ينتحر لا يدفن في أرض مقدسة، وإذا ثبتت إدانته في إحدى جلسات الاستماع، تخرج ~~جثته من القبر وتجر في كل أنحاء المدينة ثم تعلق من القدمين ثم تلقى في مقلب ~~النفاية. # استغلت الشرطة نقاط التضارب والاختلاف في أقوال أفراد الأسرة، وقبضت فورا على الأب ~~والأم والأخ، بالإضافة إلى الخادمة وشخص كان في زيارتهم، ووجهت لهم جميعا تهمة القتل، ~~وقضت محكمة محلية بخضوع كل من ms053 الأب والأم والأخ للتعذيب؛ بغية انتزاع اعترافات باقتراف ~~الجريمة (فيما يعرف بالاستجواب التمهيدي)، لكن عند الاستئناف نقض برلمان تولوز حكم ~~المحكمة المحلية، إذ رفض استخدام التعذيب قبل ثبوت الإدانة، وأدان الأب فحسب على أمل أن ~~يقر بأسماء الآخرين عندما يخضع للتعذيب قبيل إعدامه مباشرة. أتت الدعاية الحرون التي ~~شنها فولتير حول القضية بثمارها لمصلحة العائلة التي لم تكن قد برئت ساحتها بعد. في ~~بادئ الأمر علق المجلس الملكي الأحكام الصادرة لأسباب فنية طوال عامي 1763 و1764، ثم ~~صوت في عام 1765 من أجل تبرئة ساحة جميع المتورطين في القضية وإعادة الممتلكات ~~المصادرة إلى الأسرة. # أثناء العاصفة التي ثارت حول قضية كالاس، بدأ تركيز فولتير يتحول، وعلى نحو متزايد ~~بدأ نظام العدالة الجنائية نفسه؛ ولا سيما استخدامه للتعذيب والقسوة، يتعرض للنقد؛ ففي ~~كتابات فولتير الأولى عن قضية كالاس في عامي 1762 و1763، لم يأت فولتير قط على ذكر ~~مصطلح «تعذيب» (واستعاض عنها باللفظة القانونية الأكثر لطفا «الاستجواب»)، واستهجن ~~فولتير التعذيب القضائي للمرة الأولى عام 1766، ومنذ ذلك الحين فصاعدا كثيرا ما بدأ ~~يربط بين كالاس والتعذيب. أكد فولتير على أن مشاعر الشفقة الطبيعية تحمل كل إنسان على ~~النفور من قسوة التعذيب، مع أنه هو نفسه لم يجاهر بهذا من قبل. يقول فولتير: «ألغي ~~التعذيب في بلدان أخرى بنجاح، ومن ثم فالقضية محسومة.» حدث تحول كبير في آراء فولتير، ~~حتى إنه شعر في عام 1769 أنه يتعين عليه إضافة مقال جديد عن «التعذيب» إلى «قاموسه ~~الفلسفي» الذي نشر للمرة الأولى في عام 1764، والذي كان مدرجا بالفعل في «القائمة ~~البابوية للكتب المحظورة». وفي المقال استخدم فولتير أسلوبه المعتاد الذي يبدل فيه بين ~~السخرية والنقد اللاذع كي يستهجن الممارسات الفرنسية الهمجية؛ إذ يشير إلى أن الغرباء ~~يكونون رأيهم عن فرنسا من خلال مسرحياتها، ورواياتها، وأشعارها، وممثلاتها الحسناوات، ~~دون أن يفطنوا إلى أنه ما من أمة تفوقها قسوة، ويخلص فولتير إلى أن الأمة المتحضرة ما ~~كانت لتداوم على اتباع «العادات الوحشية الموغلة في القدم»، وما كان ms054 يبدو له ولكثيرين ~~غيره مقبولا منذ أمد بعيد أصبح الآن مشكوكا فيه. # 3 # كما هي الحال مع حقوق الإنسان بصفة أكثر عمومية، تبلورت توجهات جديدة بشأن كل من ~~التعذيب والعقوبات الآدمية للمرة الأولى في ستينيات القرن الثامن عشر، ليس في فرنسا ~~وحدها، بل أيضا في بقاع أخرى من أوروبا وفي المستعمرات الأمريكية. كان فريدريك الكبير، ~~ملك بروسيا وصديق فولتير، قد ألغى بالفعل التعذيب القضائي في مملكته ~~عام 1754، ثم تبعه آخرون في العقود ~~التالية: السويد في عام 1772، والنمسا وبوهيميا في عام 1776. وفي عام 1780 ألغت الحكومة ~~الملكية الفرنسية استخدام التعذيب بغية انتزاع الاعترافات باقتراف الجريمة قبل صدور ~~الحكم بالإدانة، وفي عام 1788 ألغت إلغاء مؤقتا التعذيب قبل تنفيذ حكم الإعدام مباشرة ~~لمعرفة أسماء شركاء الجريمة، وفي عام 1783 أوقفت الحكومة البريطانية المسيرات العامة ~~إلى منطقة تايبرن في لندن؛ حيث بات تنفيذ حكم الإعدام فيها أحد أهم مصادر التسلية ~~الشعبية ، واستحدثت الاستخدام المألوف ل «هوة المشنقة»، وهي منصة مرتفعة يسقطها الجلاد ~~كي يضمن عمليات شنق أسرع وأكثر آدمية. وفي عام 1789 ألغت الحكومة الثورية الفرنسية ~~أشكال التعذيب القضائي كافة، واستحدثت المقصلة في عام 1792 التي كان الغرض منها جعل ~~تنفيذ عقوبة الإعدام على نفس الدرجة من الألم للجميع وغير مؤلم قدر المستطاع. وبحلول ~~نهاية القرن الثامن عشر، بدا أن الرأي العام يطالب بوضع حد للتعذيب القضائي وكل أشكال ~~الإذلال المتعددة التي تتعرض لها أجساد المدانين، وكما أكد الطبيب الأمريكي بنجامين راش ~~في عام 1787 فإنه لا يجدر بنا أن نغفل أنه حتى المجرمون «لهم أرواح وأجساد مكونة من نفس ~~العناصر التي تتكون منها أرواح وأجساد أصدقائنا وذوينا. هم أمثالنا». # 4 # التعذيب والقسوة # بدأ استخدام التعذيب الخاضع للإشراف القضائي بغية انتزاع الاعترافات في معظم البلدان ~~الأوروبية - أو أعيد استخدامه - في القرن الثالث عشر؛ نتيجة لإحياء القانون الروماني ~~ونموذج «محاكم التفتيش الكاثوليكية» لمعاقبة الهرطقة. وفي القرون السادس عشر والسابع ~~عشر والثامن عشر، كرس كثيرون من أبرع رجال القانون في أوروبا أنفسهم من أجل تقنين ms055 ~~استخدام التعذيب القضائي وتنظيمه كي يحولوا دون أن يسيء استخدامه القضاة المتعصبون ~~تعصبا أعمى أو الساديون. ويعتقد أن بريطانيا العظمى كانت قد استبدلت هيئات المحلفين ~~بالتعذيب القضائي في القرن الثالث عشر، ومع ذلك ما انفك التعذيب يحدث في القرنين السادس ~~عشر والسابع عشر في قضايا مثل إثارة الفتنة ومزاولة السحر. على سبيل المثال: من ضمن ~~وسائل التعذيب التي استخدمها القضاة الاسكتلنديون الأكثر صرامة مع الساحرات: الثقب، ~~والحرمان من النوم، والتعذيب بالحذاء «عالي الساق» (سحق السيقان)، والكي باستخدام ~~الحديد المحمى، وغيرها من الطرق. أما التعذيب بغية الحصول على اعتراف بأسماء شركاء ~~الجريمة فقد كان مسموحا به بموجب قانون ماساتشوستس الاستعماري، لكن من الواضح أنه لم ~~يطبق قط. # 5 # كانت أشكال العقاب الوحشية عند الإدانة منتشرة في كل أنحاء أوروبا والأمريكتين؛ فمع ~~أن وثيقة الحقوق البريطانية لعام 1689 منعت منعا صريحا العقوبات القاسية، فإن القضاة ~~ما انفكوا يصدرون أحكاما على المدانين بالخضوع للجلد، ومقعد التغطيس، وفلقة العقاب، ~~وعمود التشهير، والوصم بالحديد المحمى، والإعدام بالسحل والتقطيع إلى أربعة أرباع ~~(باستخدام الأحصنة)، أما فيما يتعلق بالمرأة فالإعدام يكون بالسحل والتقطيع والحرق على ~~خازوق. أما ما كان عقوبة «قاسية» في نظرهم، فاعتمد بوضوح على التوقعات الثقافية. ولم ~~يمنع البرلمان حرق المرأة بالشد إلى الخازوق إلا في عام 1790. على أنه قبل ذلك كان ~~البرلمان قد رفع عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام ارتفاعا مذهلا؛ إذ تضاعف ~~ثلاث مرات طبقا لبعض التقديرات في القرن الثامن عشر، وفي عام 1752 اتخذ بعض الإجراءات ~~كي يجعل عقوبات جرائم القتل أكثر ترويعا بغية المزيد من الردع. أمر البرلمان بعرض جثث ~~القتلة كافة على الطبيب من أجل تشريحها - الأمر الذي كان يعد مشينا في ذلك الوقت - ~~وخولوا للقضاة سلطة اتخاذ قرار تعليق جثة أي قاتل ذكر في سلاسل بعد تنفيذ الإعدام. ~~وعلى الرغم من الانزعاج المتزايد من جراء تعليق جثث القتلة، فقد طالت هذه الممارسة ~~إلى أن ألغيت أخيرا في عام 1834. # 6 # ليس من المستغرب أن العقاب في المستعمرات اتبع الأنماط ms056 السائدة في المركز ~~الإمبراطوري. وهكذا، نص ثلث جميع الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا بماساتشوستس، ~~حتى في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، على عقوبات تنطوي على الإذلال على الملأ ~~تتراوح ما بين تعليق اللافتات إلى قطع إحدى الأذنين، والوصم، والجلد. وصف أحد المعاصرين ~~في بوسطن كيف «كانت تنقل النساء من السجن في قفص ضخم يجر على عجلات، ثم يخرجن من هذا ~~القفص حيث يوثقن إلى عمود عرايا الظهر فيتلقين ثلاثين أو أربعين جلدة وسط صرخات ~~المتهمات وضجيج الجموع». ولم تحم وثيقة الحقوق البريطانية العبيد الذين لم يكن ينظر ~~لهم على أنهم أشخاص لهم حقوق شرعية. وأجازت ولايتا فيرجينيا وكارولينا الشمالية صراحة ~~خصي العبيد عند اقتراف الجرائم المشينة، وفي ميريلاند كان إذا أساء العبد إساءة متعمدة ~~تقطع يده اليمنى، ثم يشنق ويقطع رأسه ويمزق جسده إلى أربعة أجزاء، ثم تعرض الأجزاء ~~المقطوعة أمام العامة. وفي وقت متأخر - نحو أربعينيات القرن الثامن عشر - كان العبيد ~~يحرقون في نيويورك حتى الموت ببطء مؤلم، أو تسحق عظامهم على عجلة السحق، أو يعلقون في ~~السلاسل ويتركون ريثما يموتون جوعا. # 7 # شكل 2-3: الطوق المعدني. (كان الغرض من هذه العقوبة الإذلال على الملأ. تصور ~~هذه الصورة المطبوعة، التي رسمها فنان مجهول، أحد المدانين بتهمة ~~الاحتيال والتشهير في عام 1760. ووفقا لما ورد في التعليق، أوثق ~~أولا إلى الطوق المعدني مدة ثلاثة أيام، ثم وصم وأرسل إلى سفينة ~~للتجديف بقية حياته.) # ظلت معظم الأحكام التي صدرت عن المحاكم الفرنسية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر ~~تتضمن شكلا ما من أشكال العقاب البدني أمام العامة مثل الوصم، أو الجلد، أو ارتداء ~~الطوق المعدني (الذي كان يثبت في العمود أو أداة التشهير، كما في الشكل رقم # 2-3 ~~). وفي نفس العام الذي أعدم فيه كالاس، نظر البرلمان الفرنسي ~~استئناف أحكام عقوبات ضد 235 رجلا وسيدة خضعوا للمحاكمة أولا في محكمة شاتيليه بباريس ~~(محكمة أدنى درجة): 82 منهم حكم عليهم بالنفي والوصم المقترن عادة بالجلد، و9 حكم ~~عليهم بنفس المزيج السابق ms057 بالإضافة إلى الطوق المعدني، و19 بالوصم والسجن، و20 بالحبس ~~في المستشفى العام بعد الوصم و/أو الطوق المعدني، و12 بالشنق، و3 بالسحق على عجلة ~~السحق، و1 بالحرق على خازوق. وإذا حسبنا الأحكام الصادرة عن المحاكم الأخرى كافة في ~~باريس، فسنجد أن عدد العقوبات التي تتضمن الإذلال على الملأ يصل إلى 500 أو 600، منها ~~نحو 18 عقوبة إعدام؛ كل هذا في عام واحد فقط وفي ولاية قضائية واحدة. # 8 # أخذت عقوبة الإعدام في فرنسا خمسة أشكال مختلفة: قطع الرأس للنبلاء، والشنق للمجرمين ~~العاديين، والسحل والتقطيع إلى أربعة أجزاء للمدانين في الجرائم المرتكبة في حق الملك ~~التي تعرف باسم «الخيانة العظمى»، والحرق على خازوق للمدانين في جرائم الهرطقة ومزاولة ~~السحر وإشعال الحرائق ودس السم ومواقعة الحيوانات واللواط، وسحق العظام على عجلة السحق ~~للمدانين في جرائم القتل والسطو المسلح. ونادرا ما أصدر القضاة أحكاما بالسحل ~~والتقطيع إلى أربعة أجزاء والحرق على خازوق في القرن الثامن عشر، أما سحق العظام على ~~عجلة السحق فقد كان حكما شائعا للغاية؛ فعلى سبيل المثال: في الدائرة القضائية ~~لبرلمان بلدة آيكس إن بروفينس جنوب فرنسا، نصت نحو نصف أحكام الإعدام التي بلغت ثلاثة ~~وخمسين حكما الصادرة في الفترة بين عامي 1760 و1762 على الموت بسحق العظام على عجلة ~~السحق. # 9 # على أنه بدءا من ستينيات القرن الثامن ~~عشر فصاعدا، أدت حملات من مختلف الأنواع إلى إلغاء التعذيب الذي تقره الدولة، وإلى ~~اعتدال متزايد في فرض العقاب (حتى للعبيد). عزا المصلحون إنجازاتهم إلى انتشار مذهب ~~الإنسانية إبان عصر التنوير؛ ففي عام 1786 تذكر المصلح الإنجليزي صامويل روميلي ~~الماضي، وأكد قائلا: «على نحو يتناسب مع تفكر الناس وتأملهم في هذا الموضوع المهم، ~~انهارت الأفكار السخيفة والوحشية عن العدالة، التي سادت لعصور طويلة، واعتنق الناس ~~بدلا منها مبادئ الإنسانية والعقلانية.» انبثقت كثير من المحفزات الفورية للتفكير في ~~الموضوع من المقال القصير الرشيق المؤثر الذي حمل عنوان «عن الجرائم والعقوبات»، والذي ~~نشره عام 1764 شاب إيطالي من الطبقة الأرستقراطية في الخامسة والعشرين من ms058 عمره يدعى ~~سيزاري بيكاريا. سلط كتيب بيكاريا - الذي دعمته الدوائر المحيطة بديدرو، وسرعان ما ~~ترجم إلى الإنجليزية والفرنسية حيث قرأه فولتير وسط أحداث قضية كالاس - الأضواء على ~~نظام العدالة الجنائية لكل أمة. لم يرفض الإيطالي المبتدئ التعذيب والعقاب القاسي ~~فحسب، بل أيضا عقوبة الإعدام نفسها في اقتراح استثنائي مدهش في ذلك العصر. وأمام ~~السلطة المطلقة للحكام، والتعصب الديني، والامتيازات التي تتمتع بها طبقة النبلاء، أدلى ~~بيكاريا بدلوه مقدما مقياسا ديمقراطيا للعدالة مفاده: «السعادة القصوى لأكبر عدد من ~~الناس.» ومنذ ذلك الحين غدا كل المصلحين تقريبا، من فيلادلفيا إلى موسكو، يستشهدون ~~بآراء بيكاريا. # 10 # ساعد بيكاريا على إعلاء شأن لغة المشاعر الناشئة حديثا. ففي رأيه، لا يمكن أن تكون ~~عقوبة الإعدام سوى «عمل خبيث ينخر في عظام المجتمع، وفقا لنموذج الوحشية الذي نراه ~~يقدمه» وفي اعتراضه على «التعذيب والقسوة العقيمة عديمة الجدوى» عند العقاب، يسخر منهما ~~واصفا إياهما ب «وسيلة التعصب المسعور». وعلاوة على ذلك، في تبريره لتدخله في الأمر، ~~عبر عن أمله أنه: «إذا ساهمت في أن أنقذ من آلام الموت أحد الضحايا الأشقياء للطغيان ~~أو الجهل، وكلاهما مدمر على قدم سواء، فإن امتنانه ودموع سعادته ستكون خير سلوى لي عن ~~ازدراء البشرية بأكملها.» وبعد أن قرأ الفقيه الإنجليزي ويليام بلاكستون أطروحة ~~بيكاريا، أنشأ العلاقة التي غدت منذ ذلك الحين فصاعدا السمة المميزة لوجهة نظر عصر ~~التنوير، ومفادها - كما شدد بلاكستون - أنه: ينبغي أن يكون القانون الجنائي دائما ~~وأبدا «منسجما مع ما يمليه الحق والعدل، ومع المشاعر الإنسانية، وحقوق البشرية ~~الثابتة». # 11 # مع ذلك، وكما يتضح من مثال فولتير، لم تدرك الصفوة المستنيرة ~~- بل حتى كثير من المصلحين البارزين - على ~~الفور أن ثمة علاقة وثيقة بين لغة الحقوق الناشئة وبين التعذيب والعقوبات القاسية. لقد ~~استنكر فولتير بشدة فشل العدالة في قضية كالاس، لكنه لم يعترض في الأصل على حقيقة أن ~~العجوز تعرض للتعذيب أو سحقت عظامه على عجلة السحق. فلو كانت مشاعر الشفقة الطبيعية ~~تحمل كل فرد على مقت قسوة ms059 التعذيب القضائي، كما ذكر فولتير لاحقا، فلماذا إذن لم يكن ~~هذا واضحا قبل ستينيات القرن الثامن عشر، حتى له هو نفسه؟ من الواضح أن ثمة غشاوة من ~~نوع ما كانت تحول دون التوحد الشعوري مع الآخرين قبل ذلك الحين. # 12 # ما إن بدأ كتاب عصر التنوير والمصلحون القانونيون يلقون بظلال الشك على قضية ~~التعذيب والعقوبات القاسية حتى وقع انقلاب شبه كامل في التوجهات الفكرية في غضون عقدين ~~من الزمن. كان اكتشاف مشاعر المشاركة الوجدانية جزءا من هذا التغيير، لكنه مجرد جزء ~~واحد فحسب. فما كان يقتضيه الأمر إلى جانب التوحد الشعوري هو اهتمام من نوع جديد بالجسد ~~البشري، وهو حقا مطلب أساسي في هذه الحالة من أجل التوحد مع الشخص المدان قضائيا. ~~فالجسد البشري الذي كان مقدسا في وقت من الأوقات فقط ضمن إطار نظام قائم على الدين - ~~فيه يمكن بتر أجزاء من الجسم أو تعذيبه من أجل المصلحة العامة - أصبح مقدسا بذاته في ~~ضوء نظام علماني قائم على الاستقلال الذاتي للفرد وحرمته. وثمة شقان لهذا التطور؛ ~~فالأجساد اكتسبت قيمة أكثر إيجابية عندما أصبحت أكثر انفصالا، ومملوكة أكثر للذات، ~~وأكثر فردية على مدار القرن الثامن عشر، في حين أثار انتهاكها ردود أفعال سلبية على نحو ~~مطرد. # الشخص المستقل # على الرغم من أنه قد يبدو أن الأجساد البشرية بالأساس منفصلة دائما بعضها عن بعض، ~~على الأقل بعد الميلاد، فإن الحدود بين الأجساد أصبحت محددة المعالم بوضوح أكبر بعد ~~القرن الرابع عشر. أمسى الأشخاص أكثر تمتعا بالاستقلال والتحفظ مع تزايد الشعور ~~بالحاجة إلى الحرص على إخفاء فضلات الجسم عن الآخرين. انخفضت عتبة الشعور بالخجل، في ~~حين زادت الحاجة إلى ضبط النفس. بات التغوط والتبول أمام الناس منفرا على نحو متزايد، ~~وبدأ الناس يستخدمون المناديل بدلا من التمخط في أيديهم، وأصبح البصق، وتناول الطعام ~~في وعاء مشترك، وتشارك الفراش مع غريب، من الأمور الكريهة، أو على الأقل غير ~~المستحبة، وأمست الانفجارات الانفعالية العنيفة والسلوكيات العدوانية غير مقبولة ~~اجتماعيا، فكانت هذه التغيرات التي طرأت ms060 على التوجهات نحو الجسم بمنزلة مؤشرات سطحية ~~للتحول الجوهري الكامن، ونوهت جميعها بظهور الفرد المتحفظ المنغلق، الذي لا بد أن ~~تراعى حدوده عند التفاعل الاجتماعي، واقتضى امتلاك الذات والاستقلال الذاتي المزيد من ~~ضبط الذات. # 13 # كانت التغيرات التي طرأت في القرن ~~الثامن عشر على العروض الموسيقية والمسرحية، وفن العمارة المنزلي، وفن الرسم، قائمة على ~~التغيرات الأطول أجلا في التوجهات الفكرية. علاوة على ذلك فإن هذه التجارب الجديدة ثبت ~~أنها غاية في الأهمية من أجل بزوغ ملكة الحس ذاتها. ففي العقود التي تلت عام 1750، بدأ ~~مرتادو الأوبرا الإنصات في سكون إلى الموسيقى بدلا من الخروج ليعرجوا على أصدقائهم ~~ويتسامروا معهم، وهو ما أتاح لهم تذوق مشاعر فردية قوية تجاوبا مع الموسيقى. روت إحدى ~~السيدات ردة فعلها لدى مشاهدة أوبرا «ألسيست» لمؤلفها الألماني جلوك التي عرضت للمرة ~~الأولى في باريس عام 1776 قائلة: «أصغيت إلى هذا العمل الجديد بكل جوارحي ... ومنذ سمعت ~~النغمات الأولى تملكني شعور قوي بالرهبة والإجلال، وشعرت بواعز ديني قوي للغاية ... حتى ~~إنني وبدون وعي انحنيت على ركبتي في مقصورتي وظللت في هذا الوضع، خاشعة مشبكة يدي حتى ~~انتهى العمل.» كانت ردة فعل هذه المرأة (التي وقعت خطابها باسم بولين دي ر...) مدهشة ~~للغاية؛ لأنها تشبه هذه التجربة صراحة بتجربة دينية. كان أساس كل سلطة يتحول من إطار ~~غيبي ديني إلى إطار داخلي إنساني، على أن هذا التحول ما كان سيبدو منطقيا في أعين ~~الناس ما لم يختبروه على المستوى الشخصي، بل عن كثب أيضا. # 14 # أظهر جمهور المسرح ولعا أكبر بإثارة ~~الجلبة من عشاق الموسيقى، لكن حتى في المسرح أنبأت ممارسات جديدة بمستقبل مختلف تؤدى ~~فيه العروض المسرحية في جو من الهدوء أشبه بالسكون الديني. في أوقات كثيرة من القرن ~~الثامن عشر، كان جمهور المتفرجين الباريسيين يفتعلون معا السعال والبصق والعطس وإخراج ~~الريح؛ بغية التشويش على العروض التي ينفرون منها، وعادة ما كانت تعترض صفوف الممثلين ~~عروض عامة للسكر والمشاجرات. وللمباعدة بين الممثلين والمشاهدين ومن ثم صعوبة التشويش ms061 ~~على العروض، ألغي الجلوس على خشبة المسرح في فرنسا ~~عام 1759. وفي عام 1782 بلغت الجهود ~~المبذولة لإرساء النظام في قاعة المسرح ذروتها بإدخال المقاعد إلى المسرح القومي ~~الفرنسي؛ فقبل ذلك الحين كان المتفرجون في الردهة يجولون بحرية، بل أحيانا يتصرفون ~~كغوغاء وليس كجمهور مشاهدين. وعلى الرغم من الجدل المحتدم الذي دار في صحف ذلك الوقت ~~حول المقاعد واعتبار البعض أنها اعتداء خطير على حرية القاعة ووضوحها، فإن اتجاه ~~التطورات بات جليا: كان الهيجان الجماعي في سبيله للاختفاء لتظهر مكانه التجارب ~~الداخلية الفردية الأكثر هدوءا. # 15 # عزز فن العمارة المنزلي هذا الإحساس ~~بالانفصال الفردي؛ إذ باتت خصوصية «الغرفة» في المنازل الفرنسية تزيد باطراد في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر. فما كان في وقت من الأوقات غرفة عامة الأغراض أصبح «غرفة ~~النوم»، وفي الأسر الأيسر حالا كان للأطفال غرف نوم خاصة بهم بمعزل عن الآباء. ~~وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، بات ثلثا منازل باريس يحوي غرف نوم، فيما ~~احتوى منزل واحد بين كل سبعة منازل على غرف طعام. وبدأ علية القوم في باريس يطالبون ~~بعمل حجرات متنوعة للاستخدامات الخصوصية بدءا من البدوار (وهي لفظة مشتقة من كلمة ~~فرنسية بمعنى «التجهم»؛ أي إنها غرفة للتجهم على انفراد) ووصولا إلى المراحيض وغرف ~~الاستحمام. ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في وصف التحول نحو الخصوصية الفردية، على الأقل ~~في فرنسا؛ فقد كان المسافرون الإنجليز يتأففون باستمرار من عادة الفرنسيين المتمثلة في ~~نوم ثلاثة أو أربعة غرباء في غرفة واحدة في النزل (مع أنهم ينامون في أسرة منفصلة)، ~~واستخدام المرحاض على مرأى من الجميع، والتبول في المدفأة، وإلقاء محتويات وعاء التبول ~~والتغوط من النافذة إلى الشارع. غير أن تأففهم يبرهن على أن ثمة عملية مستمرة للتحول ~~نحو المزيد من الخصوصية الفردية في كل البلدان. في إنجلترا، ثمة مثال جديد بارز، وهو ~~الحديقة ذات الممر الدائري التي أنشئت في الضياع الريفية في الفترة بين أربعينيات ~~وستينيات القرن الثامن عشر؛ فقد صممت الحلقة المغلقة بمناظرها وتماثيلها ms062 المنتقاة ~~بعناية فائقة بغية تعزيز التأمل واستدعاء الذكريات. # 16 # لطالما كانت الأجساد في بؤرة اهتمام الرسم الأوروبي، لكن قبل القرن السابع عشر، كان ~~التركيز منصبا في الغالب على أجساد أفراد العائلة المقدسة، والقديسين الكاثوليكيين، ~~أو الحكام ورجال حاشيتهم. وفي القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر على نحو خاص، بدأ ~~المزيد من الناس العاديين يطلبون رسم لوحات لأنفسهم ولعائلاتهم. وبعد ~~عام 1750 احتوت المعارض العامة التي كانت ~~تقام بانتظام - وكانت هي نفسها ملمحا جديدا من ملامح الحياة الاجتماعية - على أعداد ~~متزايدة من اللوحات التي تصور الناس العاديين في لندن وباريس، وإن ظلت الرسومات ~~المستوحاة من حكايات التاريخ تصنف رسميا على أنها الطراز الأصلي لفن الرسم. # في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية، ساد فن رسم الأشخاص على جميع الفنون ~~المرئية، ويعزى هذا في جزء منه إلى أن التقاليد الكنسية والسياسية الأوروبية كانت أقل ~~شأنا وقيمة في أمريكا. ولم تنل اللوحات أهمية إلا في مستعمرات القرن الثامن عشر؛ ~~فاللوحات التي رسمت في المستعمرات في الفترة بين عامي 1750 و1776 بلغت ضعف اللوحات ~~التي رسمت بين عامي 1700 و1750 أربع مرات، وكان كثير من هذه اللوحات يصور سكان المدن ~~العاديين وملاك الأراضي (انظر الشكل رقم # 2-4 ~~). وعندما نال فن رسم ~~لوحات مستوحاة من حكايات التاريخ شهرة جديدة في فرنسا في ظل الثورة وإمبراطورية ~~نابليون، ظلت اللوحات التي تصور الأشخاص تشكل 40٪ من الرسومات التي تعرض في الصالونات ~~الفنية. ارتفعت الأسعار التي كان يطلبها رسامو لوحات الأشخاص في العقود الأخيرة من ~~القرن الثامن عشر، ونشرت الطباعة اللوحات وسط جمهور عريض يتجاوز كثيرا الشخص الأصلي ~~الذي رسمت صورته وعائلته. وكان أشهر رسام إنجليزي في هذا العصر هو السير جوشوا رينولدز ~~الذي اكتسب سمعته عن طريق تصوير الأشخاص، والذي «خلص فن رسم اللوحات من التفاهة»، كما ~~ذكر هوارس والبول. # 17 # شكل 2-4: لوحة للكابتن جون بيجوت ~~بريشة الفنان جوزيف بلاكبيرن. (مثل العديد من الرسامين الناشطين في ~~المستعمرات الأمريكية، ولد جوزيف بلاكبيرن في إنجلترا وأغلب الظن أنه ~~تدرب هناك ms063 أيضا قبل الذهاب إلى بيرمودا في عام 1752، ثم إلى مدينة ~~نيوبورت بولاية رود آيلاند في العام التالي. بعد رسم أعداد هائلة من ~~اللوحات في نيوبورت، وبوسطن، وبورتسماوث في نيو هامبشير، عاد إلى ~~إنجلترا في عام 1764. تمثل هذه اللوحة الزيتية التي تعود إلى خمسينيات ~~أو مطلع ستينيات القرن الثامن عشر (مقاس 127سم × 101,6سم) لوحة رفيقة ~~للوحة أخرى رسمها لزوجة بيجوت. اشتهر بلاكبيرن بتركيزه الشديد على شريط ~~الزينة وغيره من تفاصيل الملابس.) # أعرب أحد المشاهدين المعاصرين عن استنكافه لدى رؤية عدد اللوحات في المعرض الفرنسي ~~عام 1769: # إن العدد الهائل للوحات يا سيدي الذي يباغتني في كل مكان يجبرني رغم أنفي على ~~التحدث في هذا الموضوع الآن ومناقشة هذه المسألة القاحلة المملة التي أرجأتها ~~حتى النهاية. منذ وقت طويل والعامة يشكون دون طائل من أعداد أبناء الطبقة ~~البرجوازية المجهولين الذين يتحتم عليهم المرور على صورهم ورؤيتها بلا انقطاع ... ~~إن سهولة هذا النوع من الفن وفائدته وغرور كل أولئك الأشخاص التافهين يشجع ~~الفنانين الناشئين على هذا ... وبسبب الذوق الفاسد لأبناء هذا القرن، يتحول ~~الصالون الفني إلى مجرد معرض للوحات. # جاء «الذوق الفاسد» لأبناء هذا القرن من إنجلترا، وفقا للفرنسيين، وكان ~~بمنزلة إشارة للكثيرين إلى النصر الذي توشك التجارة أن تحرزه على الفن الحقيقي. في مقال ~~الفارس لويس دي جويكورت بعنوان «بورتريه» الذي نشر في «موسوعة» ديدرو متعددة المجلدات، ~~خلص جويكورت إلى أن «أكثر ضروب فن الرسم التي يتبعها الناس ويسعون وراءها في إنجلترا هو ~~رسم البورتريه». وفي وقت لاحق من نفس القرن حاول الكاتب لويس-سيباستيان ميرسير أن يقدم ~~ملحوظة مطمئنة: «برع الإنجليز في رسم لوحات البورتريه، ولم تتفوق أي لوحة على لوحات ~~رينولز [كما وردت في النص، والمقصود رينولدز]، التي رسم أهمها بالطول الكامل والحجم ~~الطبيعي، وبنفس مستوى براعة اللوحات التاريخية.» (انظر الشكل رقم # 2-5 ~~). وضع ميرسير يده بأسلوبه البارع المعهود على العنصر الحاسم؛ ففي إنجلترا لوحات ~~البورتريه يمكن مقارنتها بنوع الفن الرائد في أكاديمية الفنون الجميلة بفرنسا، وهو فن ~~الرسم المستوحى من قصص ms064 التاريخ. فالآن يمكن أن يصير الشخص العادي شخصية بطولية بفضل ~~تفرده فحسب، وبات الجسد العادي مميزا الآن. # 18 # شكل 2-5: لوحة لليدي تشارلوت فيتز ويليام، نقشها على النحاس الفنان جيمس ~~ماكارديل محاكاة للوحة سير جوشوا رينولدز عام 1754. (نال رينولدز شهرة ~~واسعة باعتباره رسام لوحات الشخصيات البارزة في المجتمع البريطاني، ~~وعادة ما كان يرسم وجوه وأيدي المرسومين فحسب، ويكلف متخصصين أو ~~مساعدين برسم الملابس والأزياء. كانت تشارلوت في الثامنة من عمرها فحسب ~~عندما رسمت لها هذه اللوحة، غير أن تسريحة شعرها وقرطها اللؤلؤي ~~والدبوس المزخرف منحها مظهرا أكبر من عمرها الحقيقي. ساعدت لوحات من ~~هذه النوعية على زيادة انتشار شهرة رينولدز. وقد نقش جيمس ماكارديل ~~العديد من لوحات رينولدز على النحاس. ومكتوب في التعليق أسفل الصورة: ~~«رسمها جيه رينولدز. نقشها جيه ماكارديل. ليدي تشارلوت فيتز ويليام. ~~نشرها جيه رينولدز بموجب قانون البرلمان لعام 1754.») # حقا يمكن للوحات البورتريه أن تنقل شيئا مختلفا تمام الاختلاف عن التفرد؛ ففيما ~~حدثت طفرات في الثروة التجارية في بريطانيا العظمى وفرنسا ومستعمراتهما، كان تكليف ~~الرسامين برسم لوحة شخصية تدل على الحالة الاجتماعية ونبالة المحتد يعكس انتعاشة أكثر ~~عمومية للنزعة الاستهلاكية؛ فلم تكن الصور تعبر دائما عن المنزلة الاجتماعية الحقيقية ~~لأصحابها. لم يشأ الأشخاص العاديون أن يظهروا عاديين في لوحاتهم، من ثم اشتهر بعض ~~الرسامين بقدرتهم على إبراز الأربطة والحرائر والستان أكثر من إبراز الوجوه، ومع ذلك ~~فعلى الرغم من أن اللوحات كانت أحيانا تركز على تصوير أنماط أو استعارات الفضائل أو ~~الثروة، فإنها تراجعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تراجعا ملحوظا؛ لأن ~~الفنانين وزبائنهم بدءوا يؤثرون الصور الأكثر طبيعية المعبرة عن التفرد في الروح ~~والخلقة. وعلاوة على ذلك فإن الانتشار الكبير للوحة الفرد ذاتها عزز النظرة القائلة إن ~~كل شخص هو فرد؛ بمعنى أنه منفرد، ومنفصل، ومميز، وأصيل، ومن ثم ينبغي تصويره باعتباره ~~كذلك. # 19 # لعبت النساء دورا مدهشا أحيانا في هذا التطور؛ ففورة الولع والحماس لروايات مثل ~~«كلاريسا» - التي ركزت على المرأة العادية التي ms065 تتمتع بحياة داخلية خصبة - جعلت ~~الرسومات الاستعارية للنساء ذوات الأوجه الشبيهة بالأقنعة تبدو غير ملائمة أو ببساطة ~~مجرد زينة. غير أنه فيما سعى الرسامون على نحو متزايد نحو الصراحة والحميمية النفسية في ~~لوحاتهم، فإن العلاقة بين الرسام والمرسوم باتت مشحونة بالتوتر الجنسي البين، ولا ~~سيما عندما كانت النساء ترسم الرجال. ففي عام 1775، سجل جيمس بوزويل نقد صامويل جونسون ~~اللاذع للوحات النساء قائلا: «رأى [جونسون] أن مهنة رسم اللوحات مهنة مستهجنة للمرأة، ~~وقال: «إن المزاولة العامة لأي فن، والتحديق في وجوه الرجال لهو أمر عديم الحشمة من ~~جانب المرأة».» على أنه ذاع بالفعل صيت العديد من رسامات لوحات البورتريه في النصف ~~الأخير من القرن الثامن عشر؛ فقد رسمت إحداهن - وهي الفنانة الألمانية آنا زيربخ - لوحة ~~دنيس ديدرو، وشعر ديدرو أنه مضطر للدفاع عن نفسه ضد الإيحاء بأنه جامعها، فقال عنها في ~~نقده للصالون الفني لعام 1767 حيث ظهرت اللوحة: «إنها ليست بالمرأة الجميلة.» غير أنه ~~تعين عليه أيضا أن يقر بأن ابنته قد ذهلت أيما ذهول للشبه الشديد بينه وبين اللوحة ~~التي رسمتها آنا له، لدرجة أنها كانت تجاهد مائة مرة في غياب والدها لمنع نفسها من ~~تقبيل الصورة خشية إتلافها. # 20 # وهكذا، مع أن النقاد رأوا أن التشابه الشديد بين اللوحة والمرسوم أمر يلي القيمة ~~الجمالية من حيث الأهمية، فإنه من الجلي أن كثيرا من العملاء وعددا متزايدا من ~~النقاد كانوا يقدرون التشابه أيما تقدير. يشير لورنس ستيرن مرارا وتكرارا في عمله ~~الذي يبوح فيه بمكنونات نفسه «رسائل إلى إليزا» الذي كتبه عام 1767 إلى ما يسميه: ~~«صورتك الجميلة التي تتدفق بالمشاعر»؛ فقد كانت اللوحة التي تصور إليزا - والأرجح أن ~~ريتشارد كوزواي هو من قام برسمها - هي كل ما يقتنيه لورنس من أثر لحبه المفقود. ويقول ~~أيضا في موضع آخر: «صورتك هي أنت بنفسك؛ فهي مفعمة بالمشاعر، والرقة، والصدق ... يا ~~محبوبتي الأصلية! لكم تبدو مشابهة لك؛ ولسوف تظل كذلك، إلى أن تجعليها تغيب بحضورك.» ~~وكما كان الحال في الرواية الرسائلية، ms066 لعبت النساء أيضا من خلال اللوحات المرسومة ~~دورا مشحونا بالعاطفة القوية في عملية التوحد والتعاطف. وعلى الرغم من أن معظم الرجال ~~أرادوا - نظريا - أن تحافظ النساء على أدوار التواضع والعفة، فإن النساء عمليا ~~دافعن عن العاطفة، ومن ثم آثرنها، وتلك العاطفة هي شعور لطالما هدد بتخطي ~~حدوده. # 21 # قدر التشابه بين الصورة وصاحبها كثيرا في نهاية الأمر، حتى إنه في عام 1786 ابتكر ~~الموسيقي والنحات الفرنسي جيل لويس كريتيان آلة أسماها «فسيونوتراس» يمكنها أن تنتج ~~لوحات جانبية ميكانيكيا (انظر الشكل رقم # 2-6 ~~). وبعد ذلك يصغر حجم الصورة الجانبية الأصلية ثم تحفر على ~~طبق نحاسي. كان من بين مئات الصور الجانبية التي أنتجها كريتيان - بالتعاون في البداية ~~مع إدمي كويندي، الرسام الذي كان يرسم الصور المصغرة، ثم بالتنافس معه بعد ذلك - صورة ~~لتوماس جيفرسون في أبريل من عام 1789. نقل أحد اللاجئين الفرنسيين هذه العملية إلى ~~الولايات المتحدة، وصنعت صورة أخرى لجيفرسون في عام 1804. وتعد آلة الفسيونوتراس، التي ~~أصبحت الآن تحفة تاريخية طمسها ظهور التصوير الفوتوغرافي زمنا طويلا، إشارة أخرى على ~~الاهتمام بتصوير الأشخاص العاديين - دعك من جيفرسون - وبإظهار أدق الاختلافات بين ~~الأفراد. وعلاوة على ذلك، كانت لوحات البورتريه، لا سيما المصغر منها، تعمل كمحفز ~~للذاكرة ومناسبة لتذكر مشاعر الهيام، كما توحي تعليقات ستيرن . # 22 # شكل 2-6: لوحة جانبية لجيفرسون. (يقول التعليق المكتوب باللغة الفرنسية تحت ~~الصورة: مأخوذة من الحياة، وحفرها كويندي.) # المشهد العام للألم # يبدو أن التنزه في الحدائق، والإنصات ~~إلى الموسيقى في هدوء، واستخدام المناديل، ومشاهدة اللوحات، تتناغم جميعها مع صورة ~~القارئ المتعاطف، وتبدو جميعها متعارضة تماما مع تعذيب وإعدام جان كالاس. غير أن ~~القضاة والمشرعين الذين دعموا النظام القضائي التقليدي، بل ودافعوا عن فظاظته وعنفه، لا ~~شك كانوا هم أنفسهم ينصتون إلى الموسيقى في هدوء، ويأتون بمن يرسم لهم صورهم، ويمتلكون ~~منازل ذات غرف نوم، على الرغم من أنهم ربما لم يقرءوا الروايات بحجة ارتباطها بالفتنة ~~والفسق. صدق القضاة على النظام التقليدي للجريمة والعقاب؛ لأنهم آمنوا بأن أولئك ~~المدانين ms067 باقتراف الجرائم لا سبيل إلى ردعهم إلا من خلال قوى خارجية؛ فبموجب وجهة النظر ~~التقليدية، لا يستطيع الأشخاص العاديون ضبط انفعالاتهم. فلا بد من قيادتهم، وتحفيزهم ~~لفعل الخير، وردعهم عن الانصياع وراء غرائزهم الدنيئة. وقد نجم هذا النزوع نحو الشر ~~داخل البشر عن الخطيئة الأصلية؛ الاعتقاد المسيحي القائل إن جميع البشر عرضة للخطية ~~بالفطرة منذ أن هبط آدم وحواء من نعمة الله في جنة عدن. # تقدم لنا كتابات بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس رؤية نادرة لوجهة النظر التقليدية؛ ~~لأنه كان واحدا من فقهاء القانون القليلين الذين هرعوا إلى قبول تحدي بيكاريا والدفاع ~~عن الطرق القديمة كتابة. وبالإضافة إلى أعمال مويارت العديدة حول القانون الجنائي، ~~فإنه كتب أيضا كتابين على الأقل يدرأ فيهما الهجمات عن المسيحية ويهاجم نقادها ~~المعاصرين، ولا سيما فولتير. وفي عام 1767، نشر تفنيدا مفصلا للبنود التي طرحها ~~بيكاريا. وقد اعترض بأشد اللهجات على محاولة بيكاريا تأسيس نظامه على «الأحاسيس القلبية ~~غير القابلة للوصف». ويقول مويارت مؤكدا: «إنه لمن دواعي اعتزازي امتلاكي نفس القدر من ~~الحس المرهف كأي إنسان آخر، لكن لا شك أنني لا أملك مجموعة من الألياف [الأطراف ~~العصبية] المنفلتة كتلك التي يمتلكها فقهاء القانون الجنائي المحدثون؛ لأنني لم أشعر ~~بتلك الرعشة الخفيفة التي يتحدثون عنها.» وبدلا من ذلك دهش مويارت ، بل وربما صدم، ~~عندما رأى أن بيكاريا بنى نظامه على أطلال الحكمة المتعارف عليها. # 23 # سخر مويارت من منهج بيكاريا العقلي فقال: «يأخذ المؤلف على عاتقه مهمة اقتفاء أثر ~~قوانين جميع الأمم، ويجعلنا نرى أننا ما زلنا حتى الآن لا نملك أي فكرة دقيقة أو ~~متماسكة حول هذا الموضوع الحيوي.» ويرى مويارت أن السبب وراء صعوبة إصلاح القانون ~~الجنائي هو أنه مبني على قانون وضعي، ويعتمد على التجربة والممارسة أكثر مما يعتمد على ~~العقل والمنطق. وما تعلمنا إياه التجربة هو الحاجة إلى السيطرة على المتمردين ~~الجامحين وليس الترفق بمشاعرهم. يقول مويارت: «من ذا الذي لا يعرف حقيقة أنه لما ~~كانت الأهواء هي التي تشكل البشر، فغالبا ms068 ما تهيمن انفعالاتهم على عواطفهم؟» ويؤكد ~~مويارت على أنه لا بد أن نحكم على الرجال كما هم، وليس كما يجدر بهم أن يكونوا، وأن قوة ~~العدالة المنتقمة التي تبث الخوف في نفوس الناس هي وحدها التي من شأنها أن تكبح جماح ~~هذه الانفعالات. # 24 # إن مشهد الألم الذي يتكبده المدان على المقصلة قد صمم خصيصا من أجل غرس الرعب في ~~نفوس المشاهدين، ومن ثم قام هذا المشهد بدور الرادع. كان الغرض أن يتوحد الحاضرون - ~~وكثيرا ما كان يحضر الناس في حشود غفيرة - مع ألم الشخص المدان، وفي خضم هذا يشعرون ~~بالسيادة القهرية للقانون وللدولة ولله في نهاية الأمر، وعليه وجد مويارت أنه من المقزز ~~أن بيكاريا حاول أن يبرر حججه بالاستناد إلى «شدة الحساسية تجاه ألم المذنب»، تلك ~~الحساسية التي أنجحت النظام التقليدي: «على وجه التحديد لأنه لما توحد كل رجل مع ما ~~حدث لآخر ولما كان كل شخص لديه رعب من الألم بالفطرة، كان من الضروري عند اختيار ~~العقوبات تفضيل تلك العقوبة الأشد قسوة على جسد المذنب.» # 25 # شكل 2-7: موكب إلى قرية تايبرن ~~للفنان ويليام هوجارث، 1747. (لوحة «إعدام المتمرن العاطل في تايبرن» ~~هي اللوحة الحادية عشرة ضمن سلسلة هوجارث «الصناعة والبطالة»، التي ~~تقارن بين مصير اثنين من المتمرنين المهنيين. يمكن رؤية المشانق ~~الموجودة في الخلف عن يمين منتصف الصورة إلى جانب المدرج الهائل الذي ~~يقف عليه الجمع. يعظ واعظ ميثودي السجين الذي يقرأ الإنجيل على ~~الأرجح فيما هو منقول على عربة هو ونعشه. وفي المقدمة عن اليمين ثمة ~~رجل يبيع الكعك، يحيط بسلته أربع شمعات؛ لأنه جاء منذ الفجر ليبيع ~~للأشخاص الذين جاءوا مبكرا ليحصلوا على أماكن جيدة. وثمة صبي مشاغب ~~ينشل جيبه. وخلف المرأة التي تبيع اعترافات توماس آيدل امرأة أخرى تبيع ~~الخمر من السلة المربوطة بوسطها، وأمامها امرأة تضرب رجلا، فيما يقف ~~رجل آخر على مقربة ويستعد لإلقاء كلب صغير على الواعظ. يصور هوجارث كل ~~مظاهر الفوضى والانفلات الجامح للجموع المحتشدة لمشاهدة تنفيذ حكم ~~الإعدام. ويقول ms069 التعليق المكتوب تحت الصورة: «صممها ونقشها دابليو ~~هوجارث، ونشرت بموجب قانون البرلمان الصادر بتاريخ 30 سبتمبر ~~1747.») # ولما كان العقاب بمنزلة شعيرة قربانية، صاحبت الخوف دائما مظاهر احتفالية، ~~وأحيانا طغت على الخوف وحجبته؛ فتنفيذ حكم الإعدام على الملأ كان يحشد آلاف الأشخاص ~~معا للاحتفال بتطهير المجتمع من جرح الجريمة. وفي باريس كانت أحكام الإعدام تنفذ في ~~نفس الميدان - بليس دي جريف - الذي كانت تطلق فيه الألعاب النارية للاحتفال بمواليد ~~العائلة المالكة وزيجاتها. على أنه ثمة خاصية متغيرة بشأن هذه النوعية من الاحتفالات ~~كما ورد مرارا وتكرارا على لسان المشاهدين لها؛ فلطالما عبرت الطبقات الإنجليزية ~~المثقفة على نحو متزايد عن استهجانها ل «أكثر مشاهد السكر والعربدة إثارة للدهشة» التي ~~صاحبت كل إعدام في تايبرن (انظر الشكل # 2-7 ~~). وتحسر كتاب الخطابات ~~العموميون لسخرية الجمع من القس الذي كان يرسل من أجل الاعتناء الروحي بالسجناء، ~~وللنزاعات التي تنشب بين صبيان الجراحين وأصدقاء المعدومين بسبب الجثث، وتأسفوا عموما ~~لأنه ثمة تعبيرات عن «نوع من الجذل، كما لو كان المشهد باعثا على السعادة وليس الألم!» ~~وفي أحد التقارير حول الشنق في شتاء عام 1776 في جريدة «مورنينج بوست» التي كانت تصدر ~~في لندن، استهجنت الجريدة أن «الجمع القساة الأفئدة تصرفوا بأقصى درجة من درجات السفه ~~الهمجي، فقد كانوا يصرخون، ويضحكون، ويقذفون الكرات الجليدية بعضهم على بعض، ولا سيما ~~على القلة القليلة التي كانت تشعر بالشفقة اللائقة ببلايا إخوانهم من البشر». # 26 # في ظل المفهوم التقليدي، لا تنتمي آلام الجسد بالتمام إلى الفرد المدان. وكان لهذه ~~الآلام أغراض دينية وسياسية أسمى من أجل إصلاح المجتمع وترميمه، فمن الممكن تشويه ~~الأجساد بغية تثبيت أقدام السلطة، وسحقها أو حرقها بغية استعادة النظام الأخلاقي ~~والسياسي والديني. وبعبارة أخرى، يصبح المجرم نوعا من أنواع القرابين التي تكسب ~~معاناته المجتمع كمالا والدولة نظاما. وكانت الطبيعة القربانية لهذه الشعيرة في فرنسا ~~موضع توكيد عن طريق تضمين قانون رسمي للتعبير عن الندم والتوبة في العديد من الأحكام ~~الفرنسية (يطلق عليه اسم معناه «الإصلاح الجدير ms070 بالاحترام»)، وبموجب هذا القانون يحمل ~~المجرم المدان شعلة نارية ويقف أمام الكنيسة طالبا العفو والغفران في طريقه إلى ~~المقصلة. # 27 # حتى لما كان الجمع أكثر هدوءا، كان ثمة شيء مزعج بشأن حجمه الهائل. حول إحدى حالات ~~الإعدام سحقا على العجلة في عام 1787 أورد أحد زوار باريس من البريطانيين ما يلي: ~~«كانت الجلبة الصادرة عن الجموع الغفيرة كأنما الهدير الذي تصنعه أمواج البحر عندما ~~ترتطم بشاطئ صخري؛ ولهنيهة من الزمن سكن الجمع، وفي صمت مرعب شاهد الجمع الجلاد يتناول ~~قضيبا من حديد ويبدأ المأساة بضرب ضحيته على الساعد.» والأمر الذي كان أكثر إزعاجا ~~بالنسبة لهذا الزائر وكثيرين غيره من المراقبين للأحداث هو العدد الغفير من النساء ~~المشاهدات: «من المذهل أن الجنس الناعم من الخليقة، الذي مشاعره هي في غاية الرهافة ~~والنقاء، يحضر أفواجا لرؤية مثل هذا المشهد شديد الدموية، غير أنها الشفقة بالطبع - ~~تلك العاطفة الطيبة التي تخالج صدورهن - هي التي جعلت القلق يستبد بهن بسبب التعذيب ~~الذي ينزل بإخوان لنا من البشر.» وغني عن القول أن هذا لا يعني «بالطبع» أن هذه كانت ~~المشاعر المسيطرة على النساء؛ إذ لم يعد الجمع يشعر بالمشاعر التي صمم هذا المشهد ~~بغرض إثارتها. # 28 # بالتدريج فقد كل من الألم، والعقاب، ومشاهد المعاناة العلنية، أساساته الدينية في ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر؛ غير أن هذه العملية لم تحدث بغتة، ولم تفهم جيدا ~~حينذاك، حتى بيكاريا أخفق في أن يرى كافة نتائج طريقة التفكير الجديدة التي أضنى نفسه ~~في بلورتها؛ لقد أراد أن يقيم القانون على أساس أفكار روسو بدلا من الأساس الديني؛ ~~وأكد أن القوانين «ينبغي أن تكون اتفاقيات بين أشخاص يتمتعون بالحرية». ولكن مع أنه ~~نادى باعتدال العقوبة - إذ ينبغي أن تكون «أقل عقوبة ممكنة في القضية المطروحة»، ~~و«متناسبة مع الجريمة» - فإنه ظل مصرا على أنها ينبغي أن تكون علنية؛ فقد رأى أن ~~العقاب العلني يكفل شفافية تطبيق القانون. # 29 # من وجهة النظر الفردانية والعلمانية الناشئة، كانت الآلام تخص صاحبها وحده في ms071 الزمان ~~والمكان الحاليين. لم يتغير التوجه الذهني نحو الألم بسبب تطورات طبية في علاج الألم. ~~لقد حاول الأطباء بالطبع تخفيف الألم في الحال، غير أن الطفرة الحقيقية في علم التخدير ~~لم تحدث إلا في منتصف القرن التاسع عشر مع استخدام الإيثير والكلوروفورم. إنما حدث ~~التغيير في التوجه الذهني نحو الألم كنتيجة لإعادة تقييم جسد الفرد وآلامه. ولما كان ~~الألم والجسد نفسه يخصان الفرد وحده، وليس المجتمع ككل، لم يعد ممكنا التضحية بالفرد ~~من أجل مصلحة المجتمع أو من أجل غاية دينية أسمى. وكما أكد المصلح الإنجليزي هنري داجي ~~فإن: «خير وسيلة لتعزير مصلحة المجتمع هي احترام الأفراد.» وبدلا من أن يكون العقاب ~~بمنزلة تكفير عن الخطيئة، حري بنا أن ننظر إليه على أنه سداد «دين» للمجتمع، ومن ~~البديهي أنه ما من سداد يمكن أن ينتج عن جسد مشوه. وفي حين كان الألم يرمز إلى ~~الإصلاح في ظل النظام القديم، بدا في ذلك الوقت عائقا أمام أي إبراء ذي معنى من الدين. ~~ومن أمثلة هذا التغير في وجهات النظر أن كثيرين من القضاة في المستعمرات البريطانية ~~بأمريكا الشمالية بدءوا في فرض الغرامات المالية في جرائم التعدي على الممتلكات بدلا ~~من الجلد بالسياط. # 30 # من ثم، كانت وجهة النظر الجديدة تعتبر العقوبات القاسية التي تنفذ في مكان عام ~~هجوما على المجتمع لا تعزيزا له؛ فقد جرد الألم الفرد - والمشاهدين أيضا من خلال ~~التوحد معه - من إنسانيته، وجعله وحشا همجيا بدلا من أن يفتح الباب أمامه إلى ~~الخلاص من خلال التوبة. وعليه استهجن رجل القانون الإنجليزي ويليام إيدن عرض الجثث ~~فقال: «نترك بعضنا نتحلل كأننا خيال المآتة عند سياج الشجيرات؛ وقد عجت مشانقنا بالجثث ~~البشرية. هل من شك في أن الألفة الجبرية بهذه الأشياء لا يمكن أن يكون لها أي تأثير سوى ~~أنها توهن المشاعر وتدمر النزعات الطيبة لدى الناس؟» وبحلول عام 1787، استطاع بنجامين ~~راش أن ينحي جانبا آخر شكوكه، وأكد صراحة قائلا: «لا يمكن أن يتحقق إصلاح المجرم ~~أبدا بالعقاب العلني.» فالعقاب ms072 على الملأ يقضي على أي إحساس بالخجل، ولا يسفر عن أي ~~تغييرات في الموقف الذهني، وبدلا من أن يقوم بدور الرادع يكون له أثر معاكس في نفوس ~~المشاهدين. ومع أن دكتور راش وافق بيكاريا الرأي بشأن معارضة عقوبة الإعدام، فإنه اختلف ~~معه عندما نادى بأن يكون العقاب في الخفاء، خلف جدران السجن، غايته إعادة التأهيل؛ ~~بمعنى عودة المجرم إلى المجتمع وإلى حريته الشخصية، «العزيزة جدا على البشر ~~جميعا.» # 31 # السكرات الأخيرة للتعذيب # حدث اعتناق النخبة لوجهات النظر الجديدة بشأن الألم والعقوبة على مراحل في الفترة بين ~~ستينيات القرن الثامن عشر ونهاية ثمانينيات نفس القرن. نشر كثير من رجال القانون مذكرات ~~في ستينيات القرن الثامن عشر يستنكرون فيها الجور الذي حدث في تجريم كالاس، لكن على ~~غرار فولتير، لم يعارض أحدهم استخدام التعذيب القضائي أو السحق باستخدام عجلة السحق؛ إذ ~~انصب تركيزهم هم أيضا على التعصب الديني الذي كانوا على قناعة بأنه المحرك لعامة الشعب ~~والقضاة في تولوز. وتناولت المذكرات تعذيب جان كالاس وموته، لكن دون أن تطعن في ~~شرعيتهما باعتبارهما أدوات عقاب. # شكل 2-8: إضفاء الطابع العاطفي ~~على قضية كالاس. (كانت الصورة المطبوعة الأكثر تداولا لقضية كالاس هي ~~هذه الصورة الكبيرة الحجم (34سم × 45سم في الأصل) التي رسمها الفنان ~~وصانع المطبوعات الفنية الألماني دانييل شودوفيكي، والتي نقشها محاكاة ~~للصورة الزيتية التي رسمها هو أيضا للمشهد نفسه. وقد رسخ هذا النقش ~~شهرته، وحافظ على استمرار السخط الذي أثارته عقوبة كالاس في كل ~~الأرجاء. كان شودوفيكي قد تزوج امرأة من عائلة بروتستانتية فرنسية ~~لاجئة في برلين قبل أن يرسم هذه اللوحة بثلاث سنوات فقط.) # في واقع الأمر، أيدت المذكرات التي هي في صالح كالاس في الأساس الافتراضات القائمة ~~وراء التعذيب والعقوبات القاسية؛ فلقد افترض المدافعون عن كالاس أن الجسد المتألم سوف ~~يخبر بالحقيقة؛ وقد أثبت كالاس براءته بذكره الحقيقة حتى عندما كان متألما معذبا ~~(انظر الشكل # 2-8 ~~). ~~وبلغة أنصار كالاس، أكد ألكساندر-جيروم لوسيو دي موليون أن «كالاس صمد أمام الاستجواب ~~[التعذيب] بهذا ms073 القدر من الاستكانة البطولية التي لا يملكها سوى بريء». فبينما كانت ~~تكسر عظامه عظمة تلو الأخرى كان كالاس ينطق «هذه الكلمات المؤثرة»: «إني أموت بريئا؛ ~~يسوع المسيح، البراءة نفسها، تمنى أن يموت بآلام أشد قسوة. إن الله يخلص مني خطيئة ذلك ~~الشقي [ابن كالاس]، الذي قتل نفسه ... الله عادل، وأنا أحب عقوباته.» وعلاوة على ذلك، زعم ~~جيروم أن «المثابرة العظيمة» التي تمتع بها كالاس كانت بمنزلة نقطة التحول في مشاعر ~~العامة؛ فلما رآه شعب تولوز يؤكد براءته مرارا وتكرارا في خضم آلامه، بدءوا يشعرون ~~بالشفقة تجاهه ويندمون على شكوكهم السابقة غير المبررة في كالاس الكالفيني. ودوت أصداء ~~كل ضربة من القضيب الحديدي «في أعماق أرواح» أولئك الذين كانوا يشهدون تنفيذ حكم ~~الإعدام، «وزرف جميع الحاضرين الدموع الجارفة» بعد فوات الأوان. ودائما ما ستزرف ~~«الدموع الجارفة» بعد فوات الأوان ما دامت الافتراضات التي يعتمد عليها التعذيب ~~والعقوبات القاسية باقية بلا تشكيك أو مواجهة. # 32 # كان من أهم هذه الافتراضات أن التعذيب يمكن أن يستحث الجسد على قول الحقيقة حتى عندما ~~يقاوم عقل الفرد ذلك. وكان تقليد الفراسة القديم في أوروبا يؤمن بإمكانية قراءة الشخصية ~~من خلال إشارات الجسد أو إيماءاته؛ ففي أواخر القرنين السادس عشر والسابع عشر، نشرت ~~أعمال متنوعة حول «الفراسة الجبهية» (تحليل نفسي من خلال دراسة شكل الجبهة) التي كانت ~~تعد قراءها بتعلم كيفية قراءة شخصية الفرد أو حظه من خطوط الوجه، أو تجاعيده، أو ~~عيوبه. وكان خير مثال على هذه الأعمال كتاب ريتشارد سوندرز «الفراسة، وقراءة الكف، ~~والفراسة الجبهية، والنسب المتناسقة، وشامات الجسد البارزة، مشروحة شرحا وافيا ~~ودقيقا، مع مدلولاتها التنبئية الطبيعية لكل من الرجل والمرأة» الذي نشر عام 1653. ~~ودون حاجة إلى تبني الأشكال الأكثر تطرفا لهذا التقليد، اعتقد العديد من الأوروبيين أن ~~الأجساد يمكنها أن تكشف الإنسان الداخلي بطريقة لاإرادية. ومع أن بقايا مثل هذا التفكير ~~كانت لا تزال باقية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، في شكل علم ~~فراسة الدماغ على سبيل المثال، ms074 فإن العلماء والأطباء انقلبوا ضده بعد عام 1750؛ إذ ~~زعموا أنه لا علاقة بين المظهر الخارجي للجسم والنفس الداخلية أو الشخصية، ومن ثم يمكن ~~للمجرم أن يتظاهر بالبراءة، والبريء قد يعترف أيضا بارتكاب جريمة لم يرتكبها. فكما أكد ~~بيكاريا عندما كان يندد بالتعذيب: «القوي سيفلت والضعيف سيدان.» ووفقا لتحليل ~~بيكاريا: «لا يمكن أن يكون الألم اختبارا للحقيقة، كما لو كانت الحقيقة ساكنة في عضلات ~~وألياف البائس الذي يخضع للتعذيب.» فالألم مجرد شعور لا يرتبط بالحاسة ~~الأخلاقية. # 33 # لم تذكر حكايات رجال القانون سوى القليل نسبيا حول ردود أفعال كالاس تجاه التعذيب؛ ~~لأن «الاستجواب» تم في الخفاء بعيدا عن أنظار المراقبين. بدا تنفيذ التعذيب في الخفاء ~~أمرا منفرا في نظر بيكاريا؛ فهو يعني أن المتهم فقد «حماية العامة» حتى قبل أن تثبت ~~إدانته، وأن أي قيمة ردعية للعقاب قد ضاعت أيضا. بدأت الشكوك تساور القضاة الفرنسيين ~~أيضا بوضوح، لا سيما بشأن التعذيب الذي يستخدم بغرض انتزاع الاعترافات. وبعد عام ~~1750، بدأت البرلمانات الفرنسية (محاكم الاستئناف الإقليمية) تتدخل كي تحول دون استخدام ~~التعذيب («التمهيدي») قبل البت في القضية، كما فعل برلمان تولوز في قضية كالاس، كما ~~تراجع عدد أحكام الإعدام التي أصدرها القضاة، وغالبا ما كانوا يأمرون بشنق المدان قبل ~~حرقه على الخازوق أو وضعه على عجلة السحق. # 34 # لكن القضاة لم يتخلوا تماما عن التعذيب، وما كانوا ليتفقوا مع ازدراء بيكاريا لوضع ~~التعذيب في إطار ديني . واستنكر المصلح الإيطالي بيكاريا باختصار «دافعا آخر للتعذيب ~~يدعو للسخرية، وهو على وجه التحديد: تطهير الإنسان من عار الفعل الخبيث!» ولا يمكن ~~تفسير هذه «السخافة» سوى بأنها «نتاج الدين». فلما كان التعذيب هو ما ألحق العار ~~بالضحية في المقام الأول، فإنه بالطبع لا يستطيع أن يزيل وصمة العار التي لحقت به. ~~ودافع بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس عن التعذيب ضد حجج بيكاريا؛ فمثال البريء الوحيد ~~الذي أدين على نحو خاطئ لا يذكر أمام «المليون الآخرين» الذين كانوا مذنبين بالفعل، ~~لكن لا يمكن الحكم عليهم بدون استخدام التعذيب. ms075 وعليه لم يكن التعذيب القضائي مفيدا ~~فحسب، بل يمكن تبريره أيضا بقدم استخدامه وعالميته. وأكد مويارت أن الاستثناءات التي ~~تذكر كثيرا في هذا الصدد إنما هي إثبات للقاعدة التي ينبغي تتبعها عبر تاريخ فرنسا ~~نفسها والإمبراطورية الرومانية المقدسة. وطبقا لما ورد عن مويارت فإن نظام بيكاريا ~~يناقض القوانين الكنسية، والمدنية، والعالمية، «وتجارب كافة البلدان». # 35 # لم يشدد بيكاريا نفسه على العلاقة بين آرائه حول التعذيب ولغة الحقوق الوليدة، لكن ~~آخرين كانوا على أهبة الاستعداد لأن يفعلوا ذلك نيابة عنه؛ فقد عدل مترجمه الفرنسي، ~~رئيس الدير أندريه مورليه، ترتيب آراء بيكاريا ليلفت الأنظار إلى ارتباطها ب «حقوق ~~الفرد». استغل مورليه إشارة بيكاريا الوحيدة إلى «حقوق الفرد» في الفصل الحادي عشر من ~~النسخة الإيطالية الأصلية لعام 1764 ونقلها إلى مقدمة الترجمة الفرنسية لعام 1766 بغرض ~~خدمة هدفه في تأييد «حقوق الفرد». وهكذا بدا الدفاع عن حقوق الفرد هو هدف بيكاريا ~~الأساسي، وأن تلك الحقوق تأكدت باعتبارها الوقاية اللازمة ضد معاناة الفرد. واستخدمت ~~إعادة الترتيب التي قام بها مورليه في العديد من الترجمات اللاحقة، بل وحتى في الطبعات ~~الإيطالية في وقت لاحق. # 36 # على الرغم من جهود مويارت المحمومة للدفاع عن التعذيب، انقلب التيار ضد التعذيب في ~~ستينيات القرن الثامن عشر؛ فعلى الرغم من نشر أعمال كانت تحتوي على هجوم شديد على ~~التعذيب من قبل، فإن قطرات المنشورات تحولت في تلك الفترة إلى سيل من المنشورات، وكانت ~~ترجمات عمل بيكاريا والنسخ المعاد طبعها والمعاد تنقيحها تتصدر هذا الهجوم. ظهر نحو ~~ثمان وعشرين طبعة باللغة الإيطالية، كثير منها يحمل دمغة ناشر مزورة، وتسع طبعات باللغة ~~الفرنسية قبل عام 1800، ومع ذلك انضم الكتاب إلى القائمة البابوية للكتب المحظورة في ~~عام 1766. ونشرت الترجمة الإنجليزية في لندن عام 1767، تبعها ظهور طبعات في جلاسجو ~~ودابلن وإدنبره وتشارلستون وفيلادلفيا، ثم سرعان ما لحقتها طبعات باللغات الألمانية ~~والهولندية والبولندية والإسبانية. وقد نجح مترجم بيكاريا في لندن في التعبير عن تغير ~~روح ذلك العصر عندما قال: «لا تزال قوانين العقوبات ... معيبة ms076 للغاية، ويلازمها كم هائل ~~من ملابسات القسوة التي لا ضرورة لها في كل الأمم، حتى إن محاولة تقليصها إلى معيار ~~العقل لا بد أن تكون مثيرة لاهتمام البشرية جمعاء.» # 37 # كان تأثير بيكاريا المتنامي مذهلا للغاية، حتى إن مناوئي التنوير ادعوا أنهم رأوا ~~المؤامرة التي تحاك؛ فهل كان محض مصادفة أن يعقب قضية كالاس تخطيط محدد المعالم في ~~الإصلاح الجنائي؟ زد على ذلك أن من خطه هو رجل إيطالي غير معروف ولا يملك ~~من المعرفة القانونية إلا قشورا. في عام ~~1779، أورد الصحفي المشاغب على الدوام سيمون نيكولاس هنري لينجويت، أن أحد الشهود أوضح ~~له الأمر برمته كما يلي: # بعد فترة وجيزة من قضية كالاس، كتب كتاب «الموسوعة»، معتمدين على التعذيب ~~الذي تعرض له كالاس ومستفيدين من الظروف المواتية - دون أن يضعوا أنفسهم موضع ~~الريبة مباشرة، كما هي عاداتهم - إلى جناب القس بارنابايت في ميلان، المصرفي ~~الإيطالي وعالم الرياضيات الشهير، أخبروه أنه قد حان الوقت لإصدار بيان رسمي ~~للتنديد بقسوة التعذيب والتعصب؛ وأنه ينبغي أن تكون الفلسفة الإيطالية هي نيران ~~مدفعية، وأنهم سيحققون الاستفادة منها سرا في باريس. # تبرم لينجويت من أن قاعدة عريضة من الناس تنظر إلى عمل بيكاريا على أنه ~~ملخص غير مباشر لمصلحة كالاس وغيره من ضحايا الجور المعاصرين. # 38 # ساعد تأثير بيكاريا في تدشين الحملة ضد التعذيب، غير أن الحملة تحركت ببطء في بادئ ~~الأمر. وقد صور مقالان حول التعذيب في «موسوعة ديدرو»، كلاهما نشر في عام 1765، غموض ~~الأمر. في المقال الأول، الذي يدور حول فقه التعذيب، أشار أنطوان جاسبار باوتشر دي أرجي ~~على نحو عملي إلى «التعذيب العنيف» الذي يتعرض له المتهم، لكن من دون أن يحكم على ~~التعذيب من حيث كنهه. بيد أنه في المقال التالي الذي اعتبر التعذيب جزءا من الإجراءات ~~الجنائية، هاجم شوفالييه دي جوكورت استخدام التعذيب بضراوة، مستعرضا كل الذرائع التي ~~طالتها يداه بدءا من «صوت البشرية» ووصولا إلى فشل التعذيب في تقديم الدليل القاطع ~~على الإدانة أو البراءة. وأثناء النصف الثاني ms077 من ستينيات القرن الثامن عشر، ظهرت خمسة ~~كتب جديدة تؤيد إصلاح القانون الجنائي. وفي ثمانينيات نفس القرن، نشر تسعة وثلاثون ~~كتابا من مثل هذه الكتب. # 39 # خلال سبعينيات وثمانينيات نفس القرن أيضا، نالت الحملة المنادية بإلغاء التعذيب ~~واعتدال العقاب دفعة محفزة عندما قدمت المجتمعات المثقفة في الولايات الإيطالية، ~~والأقاليم السويسرية، وفرنسا، الجوائز لأفضل مقالات حول الإصلاح الجنائي. وجدت الحكومة ~~الفرنسية نبرة النقد المتنامية مقلقة للغاية، حتى إنها أصدرت أوامرها إلى أكاديمية ~~«شالون سير مارن» لوقف طبع نسخ من المقال الفائز لعام 1780 الذي كتبه جاك بيير بريسو دي ~~مارفيل؛ فقد أطلقت بلاغة بريسو في النقد اللاذع إنذارات الخطر أكثر من أي مقترحة جديدة أخرى: # لا تزال تلك الحقوق المقدسة التي يكتسبها الإنسان من الطبيعة، والتي ينتهكها ~~المجتمع كثيرا بجهازه القضائي، تتطلب الحد من العقوبات المشوهة، وتخفيف ~~العقوبات التي لا بد من الاحتفاظ بها. لا يمكن تصور أن أمة لطيفة [رصينة]، تعيش ~~في مناخ معتدل في ظل حكومة معتدلة، يمكنها أن تجمع ما بين الشخصية اللطيفة ~~والعادات السلمية وبين وحشية أكلة لحوم البشر؛ إذ إن عقوباتنا القضائية لا ~~تستنشق سوى دم وموت، وتنفث غضبا وقنوطا في قلب المتهم. # لم يرق للحكومة الفرنسية أن ترى نفسها في موضع مقارنة مع أكلة لحوم ~~البشر، لكن بحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر، غدت البربرية التي تشوب التعذيب القضائي ~~والعقوبات القاسية هي شعار الإصلاح. في عام 1781، أطرى جوزيف ميشيل أنطوان سرفان - الذي ~~كان له باع طويل في الإصلاح الجنائي - على إلغاء الملك لويس السادس عشر للتعذيب بغرض ~~انتزاع الاعترافات من المدان، فقال في وصف التعذيب: «هذا التعذيب المشين الذي اغتصب ~~لقرون عديدة هيكل العدالة نفسه وأحاله إلى مدرسة للمعاناة، حيث احترف الجلادون تمحيص ~~الألم.» ومن وجهة نظره كان التعذيب القضائي: «كائنا خرافيا ... حيوانا خرافيا لا ~~مأوى له إلا وسط الشعوب الهمجية البربرية.» # 40 # عندئذ تعهد بريسو - الذي تشجع بالمصلحين الآخرين بالرغم من حداثة سنه وقلة خبرته - ~~بنشر العمل المكون من عشرة مجلدات: «المكتبة الفلسفية للمشرع، والسياسي، ms078 والقانوني» ~~(1782-1785)، الذي كان لا مفر من طبعه في سويسرا وتهريبه إلى فرنسا، وكان هذا العمل يضم ~~كتابات بريسو نفسه وكتابات أخرى حول الإصلاح، ومع أنه لم يكن سوى مجمع للأفكار، فقد ربط ~~بريسو بوضوح بين التعذيب وحقوق الفرد: «هل يعد المرء صغيرا عندما يتعلق الأمر بالدفاع ~~عن الحقوق المنتهكة للبشرية؟» وظهرت لفظة «البشرية» (على سبيل المثال في عبارة «مشهد ~~البشرية التي تئن») مرارا وتكرارا في صفحاته. وفي عام 1788، أسس بريسو «جمعية أصدقاء ~~السود»، أول جمعية فرنسية لإلغاء الرق. وهكذا باتت حملة الإصلاح الجنائي وثيقة الصلة ~~بالدفاع العام عن حقوق الإنسان. # 41 # استخدم بريسو نفس الاستراتيجيات البلاغية التي كان يستخدمها المحامون الذين يحررون ~~المذكرات في «القضايا الفرنسية الشهيرة» المختلفة في ثمانينيات القرن الثامن عشر؛ فهم ~~لم يدافعوا عن موكليهم المتهمين زورا فحسب، بل أشاروا أيضا على نحو مطرد إلى النظام ~~القانوني ككل. وعادة كان يستخدم محررو المذكرات أولئك ضمير المتكلم نيابة عن موكليهم ~~بغرض صياغة قصص روائية أدبية تثير المشاعر وتعزز حججهم. وهذه الاستراتيجية البلاغية ~~بلغت أوجها في مذكرتين كتبهما أحد مراسلي بريسو، وهو تشارلز مارجريت دوباتي - قاض من ~~بوردو يعيش في باريس - الذي ترافع نيابة عن ثلاثة رجال حكم عليهم بالسحق على عجلة ~~السحق بتهمة السرقة. المذكرة الأولى لدوباتي التي حررها في عام 1786 ~~والتي بلغ عدد صفحاتها 251 صفحة، لم تندد ~~فقط بكل هفوة في العملية القضائية، وإنما اشتملت أيضا على سرد مفصل لاجتماعه بالرجال ~~الثلاثة في السجن. وفي المذكرة ينتقل دوباتي ببراعة فائقة من استخدام ضمير المتكلم في ~~وصفه للمشهد إلى استخدام صيغة الغائب للسجناء: «عندئذ قال برادير [أحد المدانين]: وأنا ~~تورم نصف جسدي طيلة ستة أشهر. وقال لاردويز [مدان آخر]: وأنا بفضل الله استطعت أن ~~أقاوم [المرض الوبائي في السجن]؛ غير أن ضغط الأصفاد (وأنا [أي دوباتي] أؤمن جدا بما ~~يمكن أن تفعله الأصفاد بعد ثلاثين شهرا!) جرح رجلي جرحا شديدا، حتى إن الغرغرينا ~~بدأت تتملك منها، وكادوا يضطرون إلى بترها.» وينتهي المشهد بدوباتي باكيا، وبذا ms079 يحقق ~~المحامي أقصى استفادة من مشاعر المشاركة الوجدانية مع السجناء. # 42 # عندئذ يحول دوباتي وجهة النظر مرة أخرى، لكنه هذه المرة يخاطب القضاة مباشرة: «يا ~~قضاة شومو، يا قضاة التحقيقات، يا فقهاء القانون الجنائي، أتسمعون؟ ... إنها صرخة العقل، ~~والحق، والعدل، والقانون.» وأخيرا يخاطب دوباتي الملك مباشرة كي يتدخل، فيترجاه أن ~~ينصت إلى دماء الأبرياء، من كالاس إلى اللصوص الثلاثة المتهمين الذين يدافع عنهم: «تفضل ~~من علو عرشك، تفضل وألق نظرة على كل الثغرات الدموية في تشريعاتك الجنائية، حيث قد ~~فنينا، حيث يفنى أبرياء بهذه الثغرات مع كل يوم جديد!» وتنتهي المذكرة بصفحات عديدة ~~يستجير فيها دوباتي بلويس السادس عشر كي يصلح القانون الجنائي بما يتفق مع العقل ~~والإنسانية. # 43 # هكذا أثارت مذكرة دوباتي الرأي العام في مصلحة المتهمين وضد النظام القانوني، حتى إن ~~برلمان باريس صوت لصالح حرقها على الملأ، واستهجن المتحدث الرسمي للمحكمة الأسلوب ~~الروائي للمذكرة قائلا: «يرى دوباتي إلى جانبه بشرية ترتجف وتلتمس معونته، وطنا ~~فوضويا يكشف له عن جروحه، الأمة بأكملها تتبنى صوته وتأمره أن يتحدث باسمها.» لكن ~~تبين أن المحكمة عاجزة عن كبح جماح أمواج الرأي المتزايدة. ونشر جان كاريتا، ماركيز ~~دي كوندرسيه - الذي لن يلبث أن يصير أكثر مدافعي الثورة الفرنسية عن حقوق الإنسان ~~ثباتا وتأثيرا - كتيبين يؤيد فيهما دوباتي في أواخر عام 1786. ومع أن كوندرسيه لم يكن ~~هو نفسه محاميا، فإنه ندد ب «ازدراء المحكمة للإنسان» و«الانتهاك البين المستمر ~~للقانون الطبيعي» الذي تجلى في قضية كالاس وغيرها من الأحكام الجائرة التي صدرت منذ ذلك ~~الحين. # 44 # بحلول عام 1788، أقرت الحكومة الملكية الفرنسية نفسها العديد من التوجهات الجديدة؛ ~~ففي المرسوم الذي ينص على الإلغاء المؤقت للتعذيب بغية انتزاع أسماء شركاء الجريمة قبل ~~الإعدام، تحدثت حكومة الملك لويس السادس عشر عن: «البراءة المطمئنة ... تجريد العقاب من ~~أي قسوة مفرطة ... [و] معاقبة الجناة بكل الاعتدال الذي تقتضيه الإنسانية.» في أطروحة ~~بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس التي صاغها عام 1780 حول القانون الجنائي الفرنسي، أقر ~~مويارت قائلا إنه ms080 بالدفاع عن صلاحية الاعترافات التي تنتزع بالتعذيب «لا أتجاهل على ~~الإطلاق حقيقة أنه لا مفر من أن أقاوم نظاما اكتسب في الوقت الحالي قبولا واسعا لم ~~يكن يتمتع به في أي وقت مضى». غير أنه رفض أن يدخل في مناظرة، مؤكدا أن مناوئيه ما هم ~~سوى مجادلين، وأن قوة الماضي تعزز رأيه. نجحت حملة الإصلاح الجنائي في فرنسا نجاحا ~~كبيرا، حتى إنه في عام 1789 صنف تصحيح الانتهاكات في القانون الجنائي باعتباره أحد ~~أهم القضايا المقتبسة باستمرار في قوائم المظالم المعدة من أجل المجلس التشريعي ~~القادم. # 45 # الأهواء والفرد # أثناء هذه المناظرة التي تتحول على نحو متزايد إلى مناظرة من طرف واحد، أصبحت المعاني ~~الجديدة للجسد أكثر وضوحا؛ فقد اكتسب جسد كالاس المكسور، أو حتى رجل اللص لاردواز - ~~الذي كان يدافع عنه دوباتي - المصابة بالغرغرينا، احتراما جديدا. ظهر هذا الاحترام ~~لأول مرة في صورة ردود أفعال سلبية تجاه الهجمات القضائية على الجسد خلال فترة الشد ~~والجذب حول قضية التعذيب والعقوبات الوحشية. لكن أهمية الجسد باتت بمرور الوقت موضوعا ~~لمشاعر التوحد الإيجابية، كما كان جليا في مذكرات دوباتي. ولم تتضح الافتراضات ~~الجديدة فعلا إلا نحو نهاية القرن الثامن عشر. ففي كتيب دكتور بنجامين راش القصير ~~والمنور للقارئ في الوقت نفسه، الذي صدر عام 1787، ربط دكتور راش عيوب العقاب العلني ~~بالمفهوم الناشئ حول الفرد المستقل والمتعاطف في الوقت ذاته. فبصفته طبيبا، أقر راش ~~ببعض فوائد الألم الجسدي في العقاب، مع أنه آثر بوضوح أشكالا للعقاب مثل «العمل، ~~واليقظة، والعزلة، والصمت»، وهذا بمنزلة إقرار بتفرد كل مجرم وبالمنفعة المحتملة. في ~~رأيه، كان العقاب العلني منفرا للغاية كما تبين بسبب نزوعه إلى القضاء على التعاطف، ~~الذي هو «أساس النزعة الإلهية لفعل الخير في عالمنا.» كانت تلك هي الكلمات الأساسية: ~~التعاطف - أو ما نطلق عليه الآن اسم التوحد - هو الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق، ~~والأخلاق هي الشرارة الإلهية التي تومض في الحياة البشرية «في عالمنا». # أكد راش أن: «ملكة الحس هي المعنية بحراسة الملكة الأخلاقية.» ms081 وقد شبه ملكة الحس هذه ~~ب «إحساس مباغت بالصواب»، أو نوع من ردود الأفعال المكتسبة من أجل المنفعة الأخلاقية. ~~والعقاب العلني قطع الطريق على التعاطف: «فلما كان الكرب الذي يعانيه المجرم هو نتاج ~~لقانون صادر عن الدولة ولا سبيل إلى مقاومته، فإن تعاطف المشاهد يولد مجهضا، ويعود ~~خاويا إلى القلب الذي ولد فيه.» وهكذا قوض العقاب العلني المشاعر الاجتماعية عن طريق ~~جعل المشاهدين قساة الأفئدة أكثر فأكثر؛ فالمشاهدون فقدوا مشاعر «الحب العام» والإحساس ~~بأن المجرمين بشر لديهم أجساد وأرواح مثلهم. # 46 # مع أن راش حسب نفسه بالطبع مسيحيا صالحا، فإن تصوره عن الإنسان كاد يكون مختلفا ~~في كافة الأوجه عن ذلك التصور الذي وضعه بيير فرانسوا مويارت دي فوجلانس في دفاعه عن ~~التعذيب والعقوبات البدنية التقليدية. فمن وجهة نظر مويارت، فسرت الخطيئة الأصلية عدم ~~مقدرة الإنسان على التحكم في أهوائه. صحيح أن الأهواء وفرت القوة المحفزة للحياة، غير ~~أن الاضطراب - بل وحتى التمرد - المتأصل فيها كان لا بد أن يخضع لسيطرة العقل، وضغوط ~~المجتمع، والكنيسة، وإذا فشل كل هذا - في حالة ارتكاب جريمة - يخضع لسيطرة الدولة. ومن ~~وجهة نظر مويارت أيضا، تنبع الجريمة (الرذيلة) من هوى الرغبة وهوى الخوف؛ «الرغبة في ~~امتلاك الأشياء التي لا يملكها المرء، والخوف من فقدان تلك التي يملكها.» تلك الأهواء ~~خنقت مشاعر الكرامة والعدالة التي غرسها القانون الطبيعي في قلوب البشر. منحت العناية ~~الإلهية الملوك السيادة على حياة الناس، وفوض الملوك تلك السيادة للقضاة، محتفظين ~~لأنفسهم بحق العفو. ومن ثم كان الغرض الرئيسي للقانون الجنائي هو منع غلبة الرذيلة على ~~الفضيلة. وكان احتواء الشر المتأصل في البشرية هو شعار رؤية مويارت للعدالة. # 47 # أخيرا تحول المصلحون عن هذه الافتراضات الفلسفية والسياسية لهذا النموذج وتبنوا ~~بدلا منها سياسة التهذيب من خلال التعليم وتجربة الخصال البشرية الطيبة الأصيلة. ~~وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، اعتنق بعض فلاسفة عصر التنوير وجهة نظر حول العواطف ~~والأهواء لا تختلف عن تلك التي اقترحها مؤخرا طبيب الأمراض العصبية أنطونيو داماسيو، ~~الذي يصر ms082 على أن العواطف في غاية الأهمية للعقل والوعي، ولا تتعارض معهما. ومع أن ~~داماسيو ينسب أصوله الفكرية إلى الفيلسوف الهولندي سبينوزا الذي عاش في القرن السابع ~~عشر، فإن النخب الأوروبية لم تقبل عموما تقييما أكثر إيجابية للعواطف - أو الأهواء، ~~وفق مصطلحاتهم - إلا في القرن الثامن عشر. اكتسب «مذهب سبينوزا» سمعة رديئة باعتباره ~~يؤدي إلى «المادية» (الروح عبارة عن مادة، ومن ثم فلا وجود للروح)، والإلحاد (الإله هو ~~الطبيعة، ومن ثم لا يوجد إله). غير أنه بحلول منتصف القرن الثامن عشر، قبل بعض ~~الأفراد المتعلمين المستنيرين نوعا ما من المادية الضمنية أو المعتدلة، التي لم تناد ~~بأي مزاعم لاهوتية بشأن الروح، لكنها أكدت على أن المادة بمقدورها أن تفكر وتشعر. هذا ~~التصور المعدل عن «المادية» أفضى منطقيا إلى توجه المساواة بين البشر باعتبار أن كل ~~البشر يملكون نفس البناء البدني والعقلي، ومن ثم فإن التجارب والتعليم، وليس الميلاد ~~والمنشأ، هي التي تفسر الفروق بينهم. # 48 # وسواء اعتنقوا فلسفة مادية واضحة أم لا - ومعظم الناس لم يعتنقوها بالفعل - فإن ~~كثيرين من النخب المثقفة اعتنقوا وجهة نظر حول العواطف أو الأهواء مختلفة تماما عن تلك ~~التي اعتنقها مويارت. وباتت العواطف والعقل ينظر إليهما على أنهما شريكان. ووفقا لرأي ~~عالم الفسيولوجيا تشارلز بونيت، فإن العواطف هي «المحرك الفريد للكائن الحساس، ~~وللكائنات العاقلة». كانت العواطف صالحة ويمكن شحذها بواسطة التعليم من أجل تطوير ~~الإنسانية، التي يمكن النظر إليها الآن على أنها قابلة للوصول إلى الكمال وليست شريرة ~~بالفطرة. وبحسب وجهة النظر تلك؛ حقا أخطأ المجرمون لكن يمكن إعادة تهذيبهم . وعلاوة ~~على ذلك فإن الأهواء، المعتمدة على البيولوجيا، تتطور نحو حساسية أخلاقية؛ فالإحساس هو ~~رد فعل عاطفي تجاه شعور مادي، والأخلاق هي تهذيب هذا الإحساس لإبراز مكونه الاجتماعي ~~(ملكة الحس). عبر لورنس ستيرن، الروائي المفضل لتوماس جيفرسون، عن العقيدة الجديدة ~~لعصره على لسان شخصيته الروائية الرئيسية «يوريك» في روايته التي تحمل عنوانا بالغ ~~الدلالة «رحلة عاطفية»: # ملكة الحس العزيزة! ... يا نافورة مشاعرنا المتدفقة للأبد! - ها أنا ms083 أجد في ~~طلبك - وها هي قدسيتك تجيش بداخلي ... حتى إن بعض مشاعر الفرحة والاهتمام تفيض من ~~نفسي - وجميعها تنبع منك أيتها العظيمة - يا مركز الحس العظيم في العالم! الذي ~~يهتز إذا وقعت شعرة من شعر رءوسنا أرضا، ولو في أبعد صحراء في خليقتك. # رأى ستيرن هذه الملكة حتى في «أكثر الفلاحين غلظة وفظاظة». # 49 # قد يبدو من غير المنطقي أن نربط بين مظاهر التمخط في المناديل، أو الاستماع إلى ~~الموسيقى، أو مطالعة الروايات، أو أن يأتي الفرد بمن يرسم له لوحة، وبين إلغاء التعذيب ~~وتخفيف العقوبات القاسية. غير أن التعذيب الجائز قانونا لم ينته لمجرد أن القضاة ~~ضاقوا ذرعا به أو أن كتاب عصر التنوير عارضوه في نهاية الأمر. لقد انتهى التعذيب ~~لأن الإطار التقليدي للألم وكينونة الإنسان كفرد قد انهار ليحل محله بالتدريج إطار جديد ~~يمتلك فيه الأفراد أجسادهم، ويمتلكون الحق في الانفصال وعدم انتهاك حرمة أجسادهم، ~~ويدركون أن للآخرين نفس العواطف والأحاسيس ومشاعر التعاطف كأنفسهم تماما. ولنعد إلى ~~دكتور راش مرة أخيرة إذ يقول: «الرجال، بل وربما النساء، الذين نمقتهم [المجرمين ~~المدانين] لهم أرواح وأجساد مكونة من نفس العناصر التي تتكون منها أرواح وأجساد ~~أصدقائنا وذوينا.» إذا تأملنا في بؤسهم «دون مشاعر أو تعاطف»، فعندئذ «سيتوقف مبدأ ~~التعاطف نفسه عن العمل تماما؛ و... سرعان ما سيفقد مكانه في قلب الإنسان». # 50 # الفصل الثالث # | لقد ضربوا مثلا عظيما # إعلان الحقوق # تعريف كلمة إعلان: # تصريح، أو إخبار، أو عرض، أو ~~إعلان بصراحة أو جهارا أو بصفة رسمية؛ بيان أو تأكيد جازم؛ تأكيد ~~أو إعلان أو تصريح بأسلوب جازم أو رسمي ~~أو قانوني ... تصريح أو بيان علني ~~معبر عنه في وثيقة أو سند أو قانون عام. # قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية، # النسخة الإلكترونية الثانية # لماذا يتعين عرض الحقوق في إعلان؟ لماذا تشعر البلدان والمواطنون بضرورة مثل هذا ~~البيان الرسمي؟ تشير حملات إلغاء التعذيب والعقوبات القاسية إلى إجابة واحدة: البيان ~~العلني الرسمي يؤكد على التغيرات التي طرأت على التوجهات الفكرية الضمنية. على أن ms084 ~~إعلاني الحقوق لعامي 1776، 1789 ذهبا إلى ~~ما هو أبعد من ذلك؛ فهما لم يوضحا التحولات التي حدثت في التوجهات الفكرية والتوقعات ~~العامة فحسب، وإنما ساعدا أيضا في انتقال السيادة من الملك جورج الثالث والبرلمان ~~البريطاني إلى جمهورية جديدة في حالة الإعلان الأمريكي، ومن حكومة ملكية تدعي الحق في ~~السلطة العليا إلى أمة وممثليها في حالة الإعلان الفرنسي. في ~~عامي 1776 و1789، فتح كل من الإعلانين ~~آفاقا سياسية جديدة. فمنذ ذلك الحين فصاعدا اندمجت حملتا مناهضة التعذيب والعقوبات ~~القاسية مع عدد هائل من قضايا حقوق الإنسان الأخرى، التي لم تبرز صلتها بحقوق الإنسان ~~إلا بعد الإعلانين. # يعطي تاريخ لفظة «إعلان» أول مؤشر لتحول السيادة. اشتقت لفظة # declaration # الإنجليزية التي تعني «إعلان» من ~~اللفظة الفرنسية # déclaration ~~. تشير الكلمة في الأساس في ~~اللغة الفرنسية إلى قائمة بالأراضي تمنح إلى أحد اللوردات الإقطاعيين مقابل التعهد ~~بالولاء. وعلى مدار القرن السابع عشر، ارتبطت اللفظة على نحو متزايد بالبيانات العامة ~~الصادرة عن الملك. وبعبارة أخرى، ارتبط فعل الإعلان بالسيادة. ومع انتقال السلطة من ~~اللوردات الإقطاعيين إلى الملك الفرنسي، انتقلت أيضا سلطة إصدار الإعلانات. وفي ~~إنجلترا، حدث العكس أيضا: عندما كان الرعايا يريدون إعادة التأكيد على حقوقهم من ~~الملوك، كانوا يحررون إعلاناتهم الخاصة. هكذا أضفت «الماجنا كارتا» («الوثيقة العظمى») ~~الصادرة سنة 1215 الصفة الرسمية على حقوق البارونات الإنجليز في مقابل حقوق الملك ~~الإنجليزي؛ وأكدت «عريضة الحقوق» لعام 1628 «الحقوق والحريات المختلفة للرعايا»؛ ~~وصدقت «مذكرة الحقوق» البريطانية لعام 1689 على «الحقوق والحريات الحقيقية والعريقة ~~والثابتة لأبناء هذه المملكة». # 1 # في عامي 1776 و1789، بدت كلمات مثل «وثيقة»، و«عريضة»، و«مذكرة» غير كافية لمهمة ضمان ~~الحقوق (وينطبق الشيء نفسه على الإعلان العالمي لعام 1948). انطوت كل من لفظة «عريضة» ~~و«مذكرة» في فحواها على معنى الطلب والالتماس إلى قوة أعلى (فالمذكرة هي في الأصل عريضة ~~تقدم إلى الحاكم)، أما «الوثيقة» فتعني عادة ميثاقا أو صكا قديما. أما كلمة ~~«إعلان» فكانت أقل تعبيرا عن القدم والخنوع. زد على ذلك أن «الإعلان»، بخلاف «العريضة» ms085 ~~و«المذكرة» أو حتى «الوثيقة»، يمكن أن يدل على النية في امتلاك السيادة. وعليه، بدأ ~~جيفرسون «إعلان الاستقلال» بتعليل ضرورة التصريح به قائلا: «حين يتعين على شعب من ~~الشعوب، في سباق الأحداث البشرية، أن يفصم عرى الروابط السياسية التي تربطه بشعب آخر، ~~وأن يحتل بين دول المعمورة المكانة المنفصلة المتساوية التي تؤهله لها قوانين الطبيعة ~~وسنن خالقها، فإن الاحترام الحق لآراء البشرية يفرض عليه «الإعلان» [وهذا هو شاهدي] عن ~~الأسباب التي دفعته إلى هذا الانفصال.» ولم يتسبب تعبير «الاحترام الحق» في حجب النقطة ~~الرئيسية، وهي أن المستعمرات تعلن نفسها دولة منفصلة ومتساوية وتمتلك سيادتها. (انظر ~~الملحق إذا أردت الاطلاع على النص الكامل للإعلان.) # على النقيض، في عام 1789، لم يكن النواب الفرنسيون مستعدين بعد للإفصاح صراحة عن ~~رفضهم لسيادة ملكهم. غير أنهم حققوا تقريبا نفس الأهداف من خلال الحذف المتعمد لأي ذكر ~~للملك في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»: «إن ممثلي الشعب الفرنسي، الملتئمين في جمعية ~~وطنية، إذ يؤكدون أن الجهل والإهمال وعدم احترام حقوق الإنسان هي وحدها أسباب شقاء ~~المجتمع وفساد الحكومات، يعلنون أنه قد قر عزمهم على أن يعرضوا في إعلان للعموم [وهذا ~~هو شاهدي] حقوق الإنسان الطبيعية، الثابتة، المقدسة.» تعين على الجمعية أن تفعل أكثر من ~~مجرد إلقاء الخطب أو صياغة القوانين حول قضايا بعينها؛ كان عليها أن تثبت كتابة من ~~أجل الأجيال القادمة أن هذه الحقوق لم تنبع من اتفاق بين الحاكم والمواطنين، ولا من ~~عريضة رفعت إليه أو عهد منحه، وإنما من طبيعة البشر نفسها. # جمع الإعلانان بين النظر إلى الماضي والتطلع إلى المستقبل في الوقت نفسه. ففي ~~الإعلانين، ادعى المعلنون أنهم يؤكدون على حقوق موجودة بالفعل ولا يرقى إليها الشك. ~~لكنهم بهذا صنعوا ثورة في السيادة ووضعوا أساسا جديدا تماما للحكومة. أكد «إعلان ~~الاستقلال» على أن الملك جورج الثالث سحق حقوق ساكني المستعمرات الموجودة مسبقا، وأن ~~أفعاله بررت تأسيس حكومة منفصلة: «متى أصبح أي شكل من أشكال الحكم خطرا على هذه ~~الغايات [ضمان الحقوق]، فإن من «حق» ms086 الشعب أن يغيره أو يلغيه، وأن يقيم نظاما جديدا ~~للحكم.» بالمثل أعلن النواب الفرنسيون أن هذه الحقوق قد جرى تجاهلها ببساطة أو إهمالها ~~أو ازدراؤها، ولم يدعوا أنهم ابتكروها. غير أن الإعلان اقترح منذ ذلك الحين فصاعدا ~~أن هذه الحقوق تشكل أساس الحكومة، مع أنها لم تكن موجودة في الماضي. وحتى فيما زعم ~~النواب أن هذه الحقوق موجودة بالفعل وأنهم يدافعون عنها فقط، فإنهم خلقوا شيئا جديدا ~~تماما: حكومات معتمدة على ضمان الحقوق العالمية. # إعلان الحقوق في أمريكا # لم يبدأ الأمريكيون بخطة واضحة ~~للانفصال عن بريطانيا العظمى، ولم يتخيل أحد في ستينيات القرن الثامن عشر أن الحقوق ~~ستؤدي بهم إلى مثل هذه التجربة الجديدة. إن إعادة تشكيل ملكة الحس ساعدت على جعل فكرة ~~الحقوق أكثر واقعية لدى الطبقات المثقفة، كما حدث في المناقشات حول التعذيب والعقوبات ~~القاسية على سبيل المثال، غير أن فكرة الحقوق تغيرت أيضا بتغير الظروف السياسية، وبات ~~لدينا لغتان مختلفتان من لغات الحقوق في القرن الثامن عشر: لغة «الحصر» (اقتصار الحقوق ~~على شعب معين أو ثقافة قومية) ولغة العمومية (حقوق الإنسان بصفة عامة). واستخدم ~~الأمريكيون واحدة أو الأخرى أو مزيجا منهما معا، تبعا للظروف. أثناء أزمة «قانون ~~الطوابع» الذي صدر في منتصف ستينيات القرن الثامن عشر، على سبيل المثال، أكد مؤلفو ~~الكتيبات السياسية على حقوقهم باعتبارهم سكان المستعمرات بداخل الإمبراطورية ~~البريطانية، في حين أن «إعلان الاستقلال» أثار بوضوح الحقوق العالمية لكل البشر. وبعد ~~ذلك وضع الأمريكيون تقليدهم الحصري الخاص في دستور عام 1787 وفي وثيقة الحقوق لعام ~~1791. وعلى النقيض، اعتنق الفرنسيون على الفور تقريبا اللغة العمومية للحقوق، ويعزى ~~هذا في جزء منه إلى أنها تقوض المزاعم الحصرية والتاريخية للحكم الملكي؛ ففي المناقشات ~~التي دارت حول «الإعلان الفرنسي»، حث الدوق ماثيو دي مونتمورنسي زملاءه من النواب على ~~أن يحذوا حذو الولايات المتحدة قائلا: «لقد ضربوا لنا مثلا عظيما في النصف الجديد من ~~الكرة الأرضية؛ فلنضرب نحن مثلا للعالم أجمع.» # 2 # قبل أن يعلن الأمريكيون والفرنسيون حقوق الفرد، عاش ms087 المؤيدون البارزون للعمومية على ~~هامش القوى العظمى. ولعل هذا التهميش هو نفسه الذي مكن عددا من المفكرين الهولنديين ~~والألمانيين والسويسريين من أن يكونوا المبادرين في المناداة بعالمية الحقوق. ففي وقت ~~مبكر، نحو عام 1625، طرح فقيه كالفيني ~~هولندي اسمه هوجو جروشيوس فكرة أن الحقوق قابلة للتطبيق على كل أفراد الجنس البشري ولا ~~تقتصر على بلد واحد بعينه أو فئة معينة، وقد عرف «الحقوق الطبيعية» على أنها شيء ~~مملوك ذاتيا ويمكن إدراكه بمعزل عن مشيئة الله، واقترح أيضا أن الناس بمقدورهم ~~استخدام حقوقهم - بدون مساعدة الدين - لإرساء الأسس التعاقدية للحياة الاجتماعية. وصور ~~تلميذه الألماني صامويل بوفندورف، أول أستاذ جامعي في القانون الطبيعي بجامعة ~~هايدلبيرج، إنجازات جروشيوس في كتابه عن التاريخ العام لتعاليم القانون الطبيعي الذي ~~نشر عام 1678. ومع أن بوفندورف وجه النقد إلى جروشيوس في بعض النقاط، فإنه ساعد على ~~تعزيز سمعة جروشيوس باعتباره مصدرا أساسيا لنمط عالمية الحقوق. # 3 # اعتمد منظرو القانون الطبيعي السويسريون على هذه الأفكار في أوائل القرن الثامن ~~عشر، وكان أكثرهم تأثيرا جان جاك بورلماكي الذي كان يدرس القانون في جنيف، والذي جمع ~~كتابات القانون الطبيعي المتنوعة في القرن السابع عشر إلى كتاب «مبادئ القانون الطبيعي» ~~(1747). على غرار أسلافه، قدم بورلماكي ~~القليل من المحتوى القانوني أو السياسي المحدد إلى فكرة الحقوق الطبيعية العالمية؛ وكان ~~غرضه الأساسي هو إثبات وجودها وانبثاقها عن المنطق والطبيعة الإنسانية. وقد حدث ~~المفهوم عن طريق ربطه بما أطلق عليه الفلاسفة الاسكتلنديون المعاصرون «الحس الأخلاقي ~~الداخلي» (ومن ثم تكهن بحجتي في الفصلين الأولين من هذا الكتاب). استخدم عمل بورلماكي، ~~الذي ما لبث أن ترجم إلى اللغات الإنجليزية والهولندية، على نطاق واسع كمنهج دراسي ~~لمادة القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر. واتخذ ~~روسو وغيره من بورلماكي نقطة انطلاق. # 4 # عزز عمل بورلماكي نهضة أكثر عمومية للقانون الطبيعي والحقوق الطبيعية في أنحاء غرب ~~أوروبا ومستعمرات أمريكا الشمالية. نشر جان باربيراك، وهو بروتستانتي آخر من مدينة ~~جنيف، ترجمة فرنسية جديدة لعمل جروشيوس الرئيسي ms088 في عام 1746؛ وكان قد أصدر قبلا ترجمة ~~فرنسية لأحد أعمال بوفندورف حول القانون الطبيعي. وظهرت سيرة ذاتية لجروشيوس مليئة ~~بالمداهنة كتبها الفرنسي جان ليفسك دي بورجيني في عام 1752، وترجمت إلى الإنجليزية عام ~~1754. وفي عام 1754، نشر توماس رازرفورث محاضراته التي ألقاها في جامعة كامبريدج حول ~~جروشيوس والقانون الطبيعي. من ثم كان جروشيوس، وبوفندورف، وبورلماكي معروفين جميعهم حق ~~المعرفة لدى الثوار الأمريكيين أمثال جيفرسون وماديسون اللذين قرآ في القانون. # 5 # قدم الإنجليز مفكرين مهمين يناديان بالعالمية في القرن السابع عشر هما توماس ~~هوبز وجون لوك. ذاع صيت أعمالهما في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية، كما ساعد ~~لوك بالأخص في تشكيل الفكر السياسي الأمريكي، فكان تأثيره في الفكر الأمريكي أشد من ~~تأثيره في الآراء الإنجليزية على الأرجح. ويرجع سبب أن هوبز كان أقل تأثيرا من لوك إلى ~~أن هوبز رأى أن الحقوق الطبيعية لا مفر من أن تخضع إلى سلطة مطلقة كيما تحول دون نشوب ~~«حرب الكل ضد الكل» التي ستقع حتما ما لم تكن هناك سلطة كتلك. وفيما عرف جروشيوس ~~الحقوق الطبيعية على أنها حق الحياة، والجسد، والحرية، والكرامة (قائمة بدت أنها وضعت ~~العبودية على وجه الخصوص موضع تشكك)، عرفها لوك على أنها حق «الحياة، والحرية، ~~والملكية». ولما أكد لوك على حق الملكية، فإنه بذلك لم يعترض على العبودية، إنما ~~سوغ عبودية الأسرى الذين يؤخذون في حرب عادلة. بل واقترح لوك سن تشريع لضمان أن: ~~«يتمتع كل رجل حر في ولاية كارولينا بالسلطة والنفوذ المطلقين على عبيده من ~~السود.» # 6 # لكن على الرغم من تأثير هوبز ولوك، فإن كثيرا من النقاش الإنجليزي حول الحقوق ~~الطبيعية في النصف الأول من القرن الثامن عشر ، ما لم يكن معظمه - ومن ثم النقاش ~~الأمريكي أيضا - ركز على الحقوق التاريخية المحددة للرجل الإنجليزي المولود حرا، ~~وليس على الحقوق القابلة للتطبيق على صعيد عالمي عام. عللت كتابات ويليام بلاكستون في ~~خمسينيات القرن الثامن عشر سبب تركيز أبناء بلده على حقوقهم الخاصة وليس على الحقوق ~~العالمية: «فيما مضى، كانت هذه ms089 [الحريات الطبيعية]، سواء المكتسب بالوراثة، أو التي ~~تنال بالشراء، هي حقوق البشر أجمعين؛ لكن فيما يحط من قدر هذه الحريات وتدمر الآن في ~~معظم بلدان العالم الأخرى تقريبا، يمكن القول إنها تظل حقوقا لشعب إنجلترا على نحو ~~فريد ومؤكد.» وأكد الفقيه البارز أنه حتى إن كانت الحقوق عالمية في وقت من الأوقات، ~~فوحدهم الإنجليز رفيعو المقام هم من تمكنوا من الحفاظ عليها. # 7 # على أنه منذ ستينيات القرن الثامن عشر فصاعدا، بدأ عنصر النظرة العالمية للحقوق ~~يتضافر مع عنصر النظرة الحصرية في المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية. فعلى سبيل ~~المثال: أكد رجل القانون جيمس أوتيس بمدينة بوسطن في كتيبه «تأكيد حقوق المستعمرات ~~البريطانية وإثباتها» (1764)، على كل من الحقوق الطبيعية للمستعمرين («جمعت الطبيعة ~~كل هذه الحقوق في حالة من المساواة والحرية الكاملة»)، وحقوقهم السياسية والمدنية ~~باعتبارهم مواطنين بريطانيين: «كل رعية من الرعايا البريطانيين ولد في قارة أمريكا، أو ~~في أي مستوطنة أخرى من المستوطنات البريطانية، يحق له بموجب قانون الله والطبيعة، ~~والقانون العام، وقانون البرلمان ... التمتع بكافة الحقوق الطبيعية، والأساسية، ~~والمتأصلة، التي لا يجوز المساس بها، والتي يتمتع بها إخواننا المواطنون في بريطانيا ~~العظمى.» مع ذلك، بداية من: «حقوق إخواننا الرعايا» التي نادى بها أوتيس عام 1764، تطلب ~~الأمر خطوة عملاقة أخرى لبلوغ «الحقوق الثابتة لكل إنسان» التي نادى بها جيفرسون عام ~~1776. # 8 # زادت قوة النظرة العالمية للحقوق في ستينيات القرن الثامن عشر وفي سبعينيات القرن ~~نفسه بصفة خاصة فيما اتسع الصدع في العلاقات بين مستعمرات أمريكا الشمالية وبريطانيا ~~العظمى. فإن أراد ساكنو المستعمرات إنشاء بلد جديد منفصل، بالطبع ما كانوا يستطيعون أن ~~يعتمدوا فقط على حقوق الإنجليز أحرار المولد؛ وإلا كانوا يرمون إلى الإصلاح وليس ~~الاستقلال. قدمت الحقوق العالمية حجة أفضل، وعليه، بدأت خطب الانتخابات الأمريكية في ~~ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر تستشهد بأعمال بورلماكي بالتحديد دفاعا عن «حقوق ~~البشر». وظهرت أيضا اقتباسات لجروشيوس، وبوفندورف، ولوك على وجه الخصوص، وسط أكثر ~~الاقتباسات المتكررة لمؤلفي الكتابات السياسية، وتوافرت كتابات بورلماكي بأعداد كبيرة ~~في ms090 المكتبات الخاصة والعامة. وفيما أخذت السلطة البريطانية في الانهيار عام 1774، اعتبر ~~سكان المستعمرات أنفسهم في حالة أشبه بالحالة الطبيعية غير المتمدنة التي قرءوا عنها. ~~وكان بورلماكي قد شدد على أن «فكرة الحق، وأشد منها فكرة القانون الطبيعي، مرتبطتان ~~ارتباطا جليا بطبيعة الإنسان. ومن ثم لا بد أن نستدل على مبادئ هذا العلم من «طبيعة» ~~الإنسان هذه نفسها، ومن «تكوينه»، ومن «حالته»». تحدث بورلماكي فقط عن طبيعة الإنسان ~~على وجه العموم، ولم يقصر كلامه على حالة سكان المستعمرات الأمريكيين أو تكوين بريطانيا ~~العظمى، وإنما تحدث عن تكوين البشر عالميا وحالتهم. مكن هذا التفكير العالمي سكان ~~المستعمرات من تخيل الانفصال عن العرف وعن السيادة البريطانية. # 9 # وحتى قبل أن يعلن الكونجرس الاستقلال، عقد سكان المستعمرات مؤتمرات بين الولايات كي ~~تحل محل الحكم البريطاني، وأرسلوا مفوضيهم محملين بتعليمات المطالبة بالاستقلال، وبدءوا ~~في صياغة دساتير الولايات التي اشتملت عادة على مذكرات حقوق. وأكد إعلان فيرجينيا ~~للحقوق الصادر في الثاني عشر من يونيو عام 1776 أن «كل الناس بحكم الطبيعة أحرار ~~ومستقلون ولهم حقوق أصيلة معينة»، الحقوق التي عرفت على أنها حقوق «التمتع بالحياة ~~والحرية، عن طريق اكتساب وحيازة الممتلكات، والسعي إلى السعادة والسلامة ونيلهما». ~~والأهم من ذلك أن إعلان فيرجينيا تطرق إلى طرح قائمة من الحقوق المحددة مثل حرية ~~الصحافة وحرية المعتقد الديني؛ ومن ثم ساعد في وضع نموذج ليس فقط لإعلان الاستقلال ولكن ~~أيضا من أجل «وثيقة الحقوق» النهائية لدستور الولايات المتحدة. وبحلول ربيع عام 1776، ~~تحركت عملية إعلان الاستقلال - وإعلان الحقوق العالمية وليس الحقوق البريطانية - بخطى ~~أسرع في الأوساط السياسية. # 10 # هكذا مزجت الأحداث التي وقعت بين عامي ~~1774 و1776 مؤقتا طريقتي التفكير الحصرية والعالمية في مسألة الحقوق في المستعمرات ~~الثائرة. فردا على بريطانيا العظمى، نوه سكان المستعمرات إلى حقوقهم الموجودة ~~بالفعل بصفتهم رعايا بريطانيين، وفي الوقت نفسه طالبوا بأحقيتهم في الحق العالمي، بأن ~~يكون لهم حكومة تكفل لهم حقوقهم الثابتة بصفتهم أشخاصا متساوين. إلا أنه لما كانت ~~المطالبة بالنوع الثاني من الحقوق ms091 تبطل في الواقع حقوقهم الأولى، فعندما تحرك ~~الأمريكيون بخطى أكثر حسما نحو الاستقلال، شعروا بضرورة إعلان حقوقهم كجزء من عمليه ~~الانتقال من الحالة الطبيعية غير المتمدنة والعودة إلى الحكومة المدنية؛ أو الانتقال من ~~حالة الخضوع للملك جورج الثالث إلى كيان سياسي جمهوري جديد. ولم يكن ممكنا إعلان ~~الحقوق العالمية في المستعمرات الأمريكية دون اندلاع الثورة التي أوجدتها مقاومة السلطة ~~البريطانية. ومع أنه لم يكن هناك إجماع على أهمية إعلان الحقوق ولا على نص الحقوق التي ~~ينبغي الإعلان عنها، فإن الاستقلال فتح الباب إلى إعلان الحقوق. # 11 # حتى في بريطانيا العظمى، بدأت فكرة أكثر عمومية عن الحقوق تزحف إلى الخطب في ستينيات ~~القرن الثامن عشر. كان الحديث عن الحقوق قد خمد مع استعادة الاستقرار بعد ثورة عام 1688 ~~التي أنتجت «مذكرة الحقوق». وفي بريطانيا تراجع عدد الكتب التي ورد في عناوينها ذكر ~~للفظة «الحقوق» تراجعا متزايدا منذ أوائل العقد الأول من القرن الثامن عشر وحتى ~~خمسينيات نفس القرن. ولما اشتد النقاش العالمي حول القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية، ~~بدأت ترتفع أعداد الكتب من جديد في ستينيات القرن الثامن عشر، وبدأت في الازدياد منذ ~~ذلك الحين. ففي كتيب طويل ظهر عام 1768 يندد بالمحسوبية الأرستقراطية في توزيع المناصب ~~الدينية في كنيسة اسكتلندا، نادى المؤلف بكل من «الحقوق الطبيعية للبشرية»، و«الحقوق ~~الطبيعية والمدنية للبريطانيين الأحرار». وبالمثل، أكد الواعظ الأنجليكاني ويليام دود ~~أن الممارسات الدينية للكنيسة الكاثوليكية «تعارضت مع الحقوق الطبيعية للأشخاص عموما ~~وللإنجليز بصفة خاصة». واستخدم المعارض السياسي جون ويلكس عبارة «حقوقكم المكتسبة ~~كرجال إنجليز» دائما عند عرض حجته في ستينيات القرن الثامن عشر. وفي «خطابات جونيوس»، ~~وهي خطابات مجهولة الكاتب نشرت ضد الحكومة البريطانية في أواخر ستينيات القرن الثامن ~~عشر وأوائل سبعينيات القرن نفسه، استخدمت أيضا لغة «حقوق الشعب» للإشارة إلى الحقوق ~~في ظل الأعراف والقوانين الإنجليزية. # 12 # أبرزت الحرب بين سكان المستعمرات والتاج البريطاني الصفة العالمية إلى الضوء على نحو ~~أكثر اكتمالا في بريطانيا نفسها. فقد اقتبس مقال صدر عام 1776 موقعا ms092 بالأحرف «إم ~~دي» عن بلاكستون قوله ما معناه أن سكان المستعمرات «لا يستخدمون من القوانين الإنجليزية ~~سوى القدر المناسب تطبيقه في موقفهم»؛ لذا، إذا انتهكت «البدع» الإجرائية «حقوقهم ~~الأصلية باعتبارهم [إنجليزا] أحرارا»، فإن القيد الحكومي ينكسر، ويمكن أن نتوقع منهم ~~أن يمارسوا «حقوقهم الطبيعية». جعل ريتشارد برايس مسألة الاحتكام إلى عالمية الحقوق ~~واضحة جلية في كتيبه عظيم الأثر الصادر عام ~~1776 «ملاحظات على طبيعة الحرية المدنية، ومبادئ الحكومة، والعدل وسياسة الحرب مع ~~أمريكا». ظهر ما لا يقل عن خمس عشرة طبعة من الكتيب في لندن عام 1776، وأعيد طبعه في ~~نفس العام في كل من دابلن، وإدنبرة، وتشارلستون، ونيويورك، وفيلادلفيا. أرسى برايس دعمه ~~لسكان المستعمرات على «المبادئ العامة للحرية المدنية»، أي: «ما يبيحه العقل والمساواة ~~وحقوق البشرية»، وليس ما تمن به سوابق قانونية أو لوائح تشريعية أو مواثيق (وكان هذا ~~هو عرف الحرية الإنجليزية في الماضي). ~~وترجم كتيب برايس إلى الفرنسية، والألمانية، والهولندية. وكتب المترجم الهولندي، جوان ~~ديرك فان دير كابلين توت دين بول، إلى برايس في ديسمبر عام 1777 يخبره بدعمه الشخصي ~~للقضية الأمريكية في خطاب طبع فيما بعد وجرى تداوله على نطاق واسع: «أرى الأمريكيين ~~رجالا شجعانا يدافعون بطريقة معتدلة، وشجاعة، وجديرة بالثناء عن حقوقهم، بصفتهم ~~بشرا، التي لم تمنحها إياهم السلطة التشريعية الإنجليزية وإنما وهبهم الله نفسه ~~إياها.» # 13 # أثار كتيب برايس بلبلة عظيمة في بريطانيا. وما لبث أن ظهر نحو ثلاثين كتيبا ردا ~~على كتيبه تتهمه بالوطنية الزائفة، وإثارة الانشقاق، وقتل الأصول، والتحريض على الفوضى، ~~والتحريض على الفتنة، بل والخيانة. وضع كتيب برايس «الحقوق الطبيعية للبشرية»، و«حقوق ~~الطبيعة البشرية»، ولا سيما «الحقوق الثابتة للطبيعة البشرية» على أجندة قارة أوروبا. ~~كان التساؤل المهم، كما قال أحد المؤلفين بوضوح هو: «هل توجد حقوق أصيلة في الطبيعة ~~البشرية، وثيقة الارتباط بالإرادة، ولا سبيل إلى المساس بها؟» وادعى هذا المناوئ أنه من ~~السفسطة الادعاء أن «حقوقا معينة للطبيعة البشرية هي التي تعد ثابتة». ولا بد من ~~التخلي عن تلك الحقوق - فعلى ms093 المرء أن «يتنازل بمحض إرادته عن توجيه ذاته» - كيما يتسنى ~~دخول حالة المدنية. وتظهر المجادلات العنيفة أن معنى الحقوق الطبيعية، والحرية ~~المدنية، والديمقراطية شغل عقول كثيرين من أفضل الساسة البريطانيين الذين قتلوه ~~بحثا. # 14 # يذكرنا الفارق بين الحرية الطبيعية والحرية المدنية الذي أثاره معارضو برايس بأن ~~التعبير عن الحقوق الطبيعية أنشأ عرفا مضادا استمر إلى يومنا هذا. وعلى غرار الحقوق ~~الطبيعية، التي نمت في معارضة الحكومات التي رآها الناس حكومات مستبدة، كان العرف ~~المضاد تفاعليا أيضا، مما يؤكد أن الحقوق الطبيعية مصطنعة أو لا يمكن أن تكون ثابتة ~~(ومن ثم هي غير وثيقة الصلة بالموضوع). وكان هوبز قد أكد بالفعل في منتصف القرن السابع ~~عشر أن الحقوق الطبيعية كان لا بد من هجرها (ومن ثم فهي غير ثابتة) حتى يمكن تأسيس ~~مجتمع مدني منضبط. دحض روبرت فيلمر، المؤيد الإنجليزي للسلطة الأبوية، حجة جروشيوس ~~صراحة في عام 1679، واعتبر أن «الحرية الطبيعية» «سخافة». وفي كتابه «بطريركا» (1680)، ~~عارض مرة أخرى فكرتي المساواة والحرية الطبيعيتين للبشرية، مؤكدا أن جميع الناس ولدوا ~~خاضعين لأبويهم؛ فمن وجهة نظر فيلمر، تأصل الحق الطبيعي الوحيد في السلطة الملكية التي ~~تنبثق من النموذج الأصلي للسلطة الأبوية وختم عليه في الوصايا العشر. # 15 # كان الرأي الأكثر تأثيرا على المدى الطويل من نصيب جيرمي بنتام الذي أكد أن القانون ~~الوضعي (الفعلي وليس المثالي أو الطبيعي) وحده هو الذي يهم. كتب بنتام في عام 1775 - ~~قبل أن يشتهر بأنه رائد «النفعية» بوقت طويل - مقالا نقديا حول مجلد بلاكستون بعنوان ~~«تعليقات على قوانين إنجلترا»، أعرب فيه عن رفضه لمفهوم «القانون الطبيعي» قائلا: «لا ~~توجد أي «وصايا»، أي شيء «يتعين» على الإنسان بموجبه أن يقوم بأي من الأفعال التي يزعم ~~أن قانون الطبيعة الزائف يسمح بالتمتع بها. إذا علم أي إنسان بشأن أي منها فليطرحه ~~أمامنا. وإذا كانت قابلة للطرح، فلا حاجة بنا إذن إلى أن نجهد أنفسنا في محاولة ~~«اكتشافها»، كما يزعم مؤلفنا [بلاكستون] بعد ذلك بقليل بأنه يجب علينا اكتشافها، ~~بالاستعانة بالعقل ms094 والمنطق.» # اعترض بنتام على فكرة أن القانون الطبيعي أصيل في الإنسان وقابل للاكتشاف بواسطة ~~العقل. وبذا رفض في المقام الأول عرف القانون الطبيعي برمته، ومن ثم الحقوق الطبيعية ~~معه أيضا. إن مبدأ النفعية (السعادة القصوى لأكبر عدد ممكن من البشر، وهي فكرة اقتبسها ~~من بيكاريا)، الذي سيناقشه فيما بعد، كان بمنزلة أفضل معيار للصواب والخطأ. وحدها ~~الإحصاءات التي عمادها الحقائق وليس الآراء التي عمادها المنطق هي التي يمكن أن تضع ~~أساسا يقوم عليه القانون. وفي ضوء هذا الرأي، فإن رفضه اللاحق للإعلان الفرنسي لحقوق ~~الإنسان والمواطن لن يدهشنا بنفس القدر. ففي كتيب يستعرض فيه بنتام كل مادة من مواد ~~الإعلان الفرنسي على حدة، أنكر إنكارا قاطعا وجود الحقوق الطبيعية فقال: «الحقوق ~~الطبيعية هي مجرد هراء: الحقوق الطبيعية التي لا يجوز المساس بها، هراء منمق، وجعجعة ~~فارغة.» # 16 # وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة للحقوق، انتشر الحديث عنها واكتسبت زخما كبيرا ~~بعد ستينيات القرن الثامن عشر. وباتت «الحقوق الطبيعية» التي تممتها الآن «حقوق ~~البشرية»، و«حقوق الإنسانية»، «وحقوق الفرد»، مقبولة لدى الجميع. ولما عززت الصراعات ~~الأمريكية في ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر الفرصة السياسية لحديث الحقوق تعزيزا ~~شديدا، فإن الحديث عن الحقوق العالمية انتقل عبر الأطلنطي شطر بريطانيا العظمى، ~~والجمهورية الهولندية، وفرنسا. ففي عام 1768 - على سبيل المثال - قدم الاقتصادي الفرنسي ~~المنادي بالإصلاح، بيير صامويل دو بون دي نيمور، تعريفه الخاص ل «حقوق كل إنسان»، ~~واشتملت قائمته على حرية اختيار المهنة، والتجارة الحرة، والتعليم العام، والضرائب ~~النسبية. وفي عام 1776، تطوع دو بون للذهاب إلى المستعمرات الأمريكية وإعداد تقرير ~~للحكومة الفرنسية حول الأحداث هناك (وهو عرض لم يخرج إلى حيز التنفيذ). وفيما بعد صار ~~دو بون صديقا مقربا إلى جيفرسون، وفي عام 1789 انتخب نائبا عن «طبقة ~~العوام». # 17 # وبالرغم من أن «إعلان الاستقلال» ربما لم يكن «منسيا تقريبا» كما صرحت بولين ماير ~~مؤخرا، فإن التعبير الاصطلاحي العالمي للحقوق عاد إلى موطنه في أوروبا بعد عام 1776. ~~بدأت حكومات الولايات الجديدة في الولايات المتحدة تبني ms095 وثائق حقوق منفردة في وقت ~~مبكر نحو عام 1776، غير أن «مواد الاتحاد الفيدرالي» التي صدرت عام 1777 لم تشتمل على ~~أي وثائق حقوق، كما أقر دستور عام 1787 دون وثيقة للحقوق. ولم تظهر وثيقة الحقوق ~~الخاصة بالولايات المتحدة إلى حيز الوجود إلا مع التصديق على التعديلات العشرة الأولى ~~التي أدخلت على الدستور في عام 1791، وكانت وثيقة تميزت بالاقتصار الشديد على فئة ~~بعينها: فقد قامت على حماية المواطنين الأمريكيين ضد انتهاكات حكومتهم الفيدرالية. ~~وبالمقارنة، نجد أن «إعلان الاستقلال الأمريكي» و«إعلان فيرجينيا للحقوق» الصادرين في ~~عام 1776 قد نصا على حقوق أكثر عمومية. وبحلول ثمانينيات القرن الثامن عشر، تراجعت ~~أهمية الحقوق في أمريكا أمام الانشغال ببناء إطار عمل قومي مؤسسي جديد. ونتيجة لذلك، ~~تقدم «الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن» الصادر عام 1789 على وثيقة الحقوق ~~الأمريكية، وما لبث أن حاز اهتماما دوليا. # 18 # إعلان الحقوق في فرنسا # على الرغم من التحول الأمريكي عن عالمية الحقوق في ثمانينيات القرن الثامن عشر، فإن ~~«حقوق الفرد» نالت دعما هائلا بفضل المثل الذي ضربه الأمريكيون. وبدون ذلك المثل، في ~~حقيقة الأمر، لربما انهار تطور حقوق الإنسان تماما. بعد أن أطلق روسو شرارة الاهتمام ~~الواسع ب «حقوق الفرد» في أوائل ستينيات ~~القرن الثامن عشر، تراجع هو نفسه عن شغفه الشديد بها؛ ففي خطاب مطول كتبه عام 1769 حول ~~قناعاته الدينية، تبرم روسو من الاستخدام المفرط لتلك «اللفظة الجميلة: «الإنسانية»». ~~إن السفسطائيين الدنيويين، «أقل الناس إنسانية»، يستخدمونها كثيرا حتى إنها «تصير بلا ~~مذاق، بل وسخيفة». وأكد روسو على أن الإنسانية لا بد أن تطبع في الأفئدة، وليس فقط على ~~صفحات الكتب. ولم يحيا روسو، مبتكر عبارة «حقوق الفرد»، ليرى الأثر الكامل للاستقلال ~~الأمريكي؛ فقد مات في عام 1778، وهو العام الذي انحازت فيه فرنسا إلى الجانب الأمريكي ~~ضد بريطانيا العظمى. وعلى الرغم من أن روسو كان يعرف بنجامين فرانكلين - الذي ذاع صيته ~~في فرنسا منذ وصوله بصفته وزير المستعمرات المتمردة في عام 1776 - وعلى الرغم من دفاعه ~~في إحدى ms096 المناسبات عن حق الأمريكيين في حماية حرياتهم حتى وإن كانوا أشخاصا «مجهولين ~~أو غير معروفين»، فإنه لم يظهر اهتماما كبيرا بالشئون الأمريكية. # 19 # استمرت الإشارات المتكررة إلى الإنسانية وحقوق الفرد بالرغم من ازدراء روسو، لكن كان ~~يمكن حقا أن تصبح عقيمة ما لم تشحذها الأحداث في أمريكا؛ ففي الفترة بين عامي 1776 ~~و1783، قدمت تسع ترجمات فرنسية مختلفة لإعلان الاستقلال وخمس ترجمات على الأقل لدساتير ~~دول مختلفة ووثائق الحقوق المتنوعة تطبيقات محددة لمذاهب الحقوق وساعدت في بلورة الحس ~~بأن الحكومة الفرنسية أيضا يمكن بناؤها على أسس جديدة. ومع أن بعض المصلحين الفرنسيين ~~كانوا ميالين لنظام الحكم الملكي الدستوري على النمط الإنجليزي، وأن كوندرسيه - على ~~سبيل المثال - أعرب عن إحباطه من «الروح الأرستقراطية» التي تشوب دستور الولايات ~~المتحدة الجديد، فإن كثيرين تحمسوا بشدة للقدرة الأمريكية على التخلص من الرزوح تحت نير ~~الماضي وتأسيس حكومة مستقلة. # 20 # أصبحت السابقة الأمريكية أكثر إلحاحا من ذي قبل فيما دخل الفرنسيون حالة طوارئ ~~دستورية. ففي عام 1788 - حينما واجهت فرنسا الإفلاس الذي كان يرجع بدرجة كبيرة إلى ~~مشاركتها في «حرب الاستقلال الأمريكية» - وافق الملك لويس السادس عشر على أن يدعو إلى ~~عقد «مجلس طبقات الأمة»، الذي كان قد اجتمع للمرة الأخيرة في ~~عام 1614. وفيما بدأت انتخابات النواب، كان ~~يمكن سماع دمدمة الإعلانات بالفعل. وفي يناير من عام 1789، أعد لافاييت، صديق جيفرسون، ~~مسودة إعلان، وفي الأسابيع التي تلت ذلك صاغ كوندرسيه مسودته في هدوء. وكان الملك قد ~~طلب من رجال الإكليروس (الطبقة الأولى)، ومن النبلاء (الطبقة الثانية)، ومن الناس ~~العاديين (الطبقة الثالثة) لا أن ينتخبوا النواب فحسب، وإنما أيضا أن يعدوا قوائم ~~بمظالمهم. وأشار عدد من القوائم التي أعدت في الأشهر فبراير ومارس وأبريل من عام 1789 ~~إلى «حقوق الإنسان الثابتة»، أو «حقوق الفرد الحر التي لا يمكن المساس بها»، أو «حقوق ~~وكرامة الإنسان والمواطن» أو «حقوق الإنسان الحر المستنير الفكر»، على أن السيادة كانت ~~من نصيب «حقوق الإنسان». كانت لغة الحقوق تنتشر انتشارا سريعا في ms097 جو الأزمة ~~المتفاقمة. # 21 # طالب عدد محدود من القوائم - كانت ~~غالبا قوائم طبقة النبلاء وليس طبقتي رجال الإكليروس والعوام - صراحة بصياغة إعلان ~~للحقوق (وكانت غالبا هي نفس القوائم التي طالبت أيضا بكتابة دستور جديد). فعلى سبيل ~~المثال: طالب نبلاء منطقة بيزيرز الواقعة جنوب فرنسا بأن «تأخذ الجمعية العمومية على ~~عاتقها مهمة دراسة إعلان حقوق الإنسان والمواطن وصياغته، وإعلانه، باعتباره مهمتها ~~الحقيقية». أما قائمة المظالم التي حررتها «طبقة العوام» من خارج باريس فقد كان عنوان ~~الجزء الثاني منها هو «إعلان حقوق»، وجاءت فيه قائمة بتلك الحقوق. وفي الواقع، طالبت ~~كافة القوائم بحقوق محددة بشكل أو آخر: مثلا حرية الصحافة، حرية الدين في حالات ~~محدودة، المساواة في فرض الضرائب، المساواة في المعاملة أمام القانون، الحماية من ~~الاعتقال التعسفي، وما شابه. # 22 # حضر النواب بقوائم المظالم التي أعدوها إلى الافتتاح الرسمي ~~ل «مجلس طبقات الأمة» في الخامس من مايو ~~عام 1789. وبعد مرور أسابيع من النقاش العقيم حول الإجراءات، أعلن نواب «الطبقة ~~الثالثة» أنفسهم، من جانب واحد، أعضاء «الجمعية التأسيسية الوطنية» في السابع عشر من ~~يونيو؛ زعموا أنهم يمثلون الأمة بأسرها، وليس مجرد «طبقة». وما لبث أن انضم إليهم ~~العديد من رجال الإكليروس، وسرعان ما وجد النبلاء أنفسهم أمام خيار من اثنين هما تركهم ~~أو الانضمام إليهم. وفي التاسع عشر من يونيو، وفي قلب هذه النزاعات، طالب أحد النواب أن ~~تباشر الجمعية الجديدة في الحال «المهمة العظيمة المتعلقة بإعلان الحقوق»، التي أكد على ~~أن الناخبين فوضوها لهم؛ ومع أن هذه الفكرة لم تكن مطلبا عموميا شاملا بأي حال، فقد ~~انتشرت وشغلت عقول الجميع بلا أدنى شك. وعينت لجنة وضع الدستور في السادس من يوليو، ~~وفي التاسع من نفس الشهر، أنبأت اللجنة «الجمعية التأسيسية الوطنية» أنها سوف تبدأ ب ~~«إعلان حقوق الإنسان الطبيعية التي لا يجوز المساس بها»، الذي وضع في ملخص الجلسة تحت ~~اسم «إعلان حقوق الإنسان». # 23 # كتب توماس جيفرسون، الذي كان في باريس حينها، إلى توماس بين في إنجلترا في الحادي عشر ms098 ~~من يوليو يخبره بالحكاية المثيرة للأحداث الجارية. وكان توماس بين هو مؤلف كتيب «المنطق ~~السليم» (1776)، وهو الكتيب المنفرد الأعظم أثرا على حركة الاستقلال الأمريكية. ووفقا ~~لما رواه جيفرسون: «أطاح نواب الجمعية التأسيسية الوطنية بالحكومة القديمة، وهم يشرعون ~~الآن في تشكيل حكومة من البداية.» وذكر جيفرسون أنهم اعتبروا أن أول مهمة هي صياغة ~~«إعلان لحقوق الإنسان الطبيعية التي لا يجوز المساس بها»؛ وهي نفس المصطلحات التي ~~استخدمتها لجنة صياغة الدستور. وتشاور جيفرسون عن كثب مع لافاييت، الذي قرأ مسودته ~~المقترحة للإعلان على مسامع الجمعية في نفس هذا اليوم. وسارع العديد من النواب البارزين ~~الآخرين إلى طباعة مقترحاتهم. وتنوعت المصطلحات ما بين «حقوق الإنسان في المجتمع»، ~~و«حقوق المواطن الفرنسي»، أو مجرد لفظة «الحقوق»، لكن غلب مصطلح «حقوق الفرد» على ~~العناوين. # 24 # وفي الرابع عشر من يوليو، أي بعد ثلاثة أيام من خطاب جيفرسون إلى توماس بين، تسلحت ~~جموع في باريس وهاجمت سجن الباستيل ورموز أخرى من رموز السلطة الملكية، وكان الملك قد ~~أمر بانتقال آلاف الجنود إلى باريس، مما أثار خوف النواب من نشوب انقلاب عسكري مضاد ~~للثورة. وسحب الملك جنوده، غير أن مسألة الإعلان ظلت عالقة. وفي أواخر يوليو وأوائل ~~أغسطس، كان النواب لا يزالون يتجادلون حول مسألة هل هم في حاجة إلى إعلان؟ وهل ينبغي أن ~~يتقدم الإعلان على الدستور؟ وهل لا بد أن يصاحبه إعلان عن واجبات المواطنين؟ عكس ~~الانقسام حول ضرورة صياغة إعلان خلافات عميقة في سياق الأحداث. فإذا كان كل ما تحتاجه ~~السلطة الملكية هو مجرد إصلاحات بسيطة، فلا توجد ضرورة إذن لإعلان «حقوق الإنسان». وعلى ~~النقيض، فمن وجهة نظر أولئك الذين اتفقوا مع جيفرسون في تحليله بأنه لا مفر من إعادة ~~بناء الحكومة من البداية، كان إعلان الحقوق ضروريا. # أخيرا صوتت الجمعية في الرابع من أغسطس من أجل تحرير إعلان للحقوق لا يشتمل على ~~الواجبات. ولم يستطع أحد حينها أو منذ ذلك الحين أن يعلل تعليلا وافيا كيف مال الرأي ~~أخيرا لصالح صياغة مثل ذلك الإعلان، ms099 ويرجع ذلك بقدر كبير إلى أن النواب كانوا منهمكين ~~للغاية في مجابهة القضايا التي تظهر يوميا، حتى إنهم لم يعوا المغزى الأكبر لكل قرار ~~يتخذونه. وكنتيجة لذلك، ثبت أن خطاباتهم، بل وحتى مذكراتهم اللاحقة غامضة بشدة فيما ~~يتعلق بالتحول في الآراء. ونحن على يقين من أن الأغلبية بدأت تؤمن بضرورة وضع أسس جديدة ~~بالكامل. وقدمت حقوق الإنسان مبادئ رؤية بديلة للحكومة. وكما فعل الأمريكيون قبلهم، ~~أعلن الفرنسيون الحقوق باعتبارها جزءا من التمادي في قطع العلاقات مع السلطة الموجودة. ~~وقد علق النائب رباءوت سانت إتيان على هذا التشابه في الثامن عشر من أغسطس قائلا: «مثل ~~الأمريكيين، نريد أن نعيد بناء أنفسنا من جديد، لهذا يعد إعلان الحقوق غاية في ~~الأهمية.» # 25 # اشتد النقاش في منتصف أغسطس، حتى في نفس الوقت الذي سخر فيه بعض النواب صراحة من ~~«النقاش الميتافيزيقي». ولما وجدت الجمعية التأسيسية الوطنية نفسها أمام مجموعة من ~~البدائل المحيرة، اختارت أن تنظر في وثيقة ترضي الجميع حررتها لجنة فرعية مكونة من ~~أربعين عضوا مجهولين إلى حد كبير. وفي وسط الريبة والتوتر بشأن المستقبل، انخرط النواب ~~طوال ستة أيام في نقاش محتدم (من 20 إلى 24 أغسطس، و26 أغسطس). واتفق النواب على سبع ~~عشرة مادة خضعت للتعديل من إجمالي أربع وعشرين مادة مقترحة (في الولايات المتحدة صدقت ~~الولايات الفردية على عشرة تعديلات فحسب من الاثني عشر تعديلا الأولى المقترحة من أجل ~~الدستور). ولما أنهكت مناقشة المواد وتعديلاتها أعضاء الجمعية، صوتوا في السابع ~~والعشرين من أغسطس لإرجاء أي مناقشات أخرى إلى ما بعد تحرير دستور جديد. ولم يعيدوا فتح ~~باب النقاش في هذا الأمر بتاتا. وبهذه الطريقة غير المباشرة بعض الشيء، أخذ «إعلان ~~حقوق الإنسان والمواطن» شكله النهائي. (انظر الملحق للاطلاع على النص الكامل ~~للإعلان.) # أعلن النواب الفرنسيون أن جميع الناس، وليس فقط الشعب الفرنسي، «يولدون ويعيشون ~~أحرارا متساوين في الحقوق» (المادة الأولى). ومن بين «حقوق الإنسان الطبيعية، المقدسة ، ~~الثابتة غير القابلة للخلع»، حق الحرية وحق والملكية وحق الأمن وحق مقاومة الظلم ms100 ~~والاستبداد (المادة الثانية). وكان هذا يعني عمليا أن وضع أي قيود على الحقوق لا بد ~~أن يكون قائما على أساس قانوني (المادة الرابعة). «جميع المواطنين» لهم الحق في ~~الاشتراك في وضع القانون، الذي ينبغي أن يكون الجميع متساوين أمامه (المادة السادسة)، ~~وحق قبول الضرائب (المادة الرابعة عشرة)، التي ينبغي أن توزع بالتساوي طبقا للقدرة على ~~الدفع (المادة الثالثة عشرة). وبالإضافة إلى ذلك، حظر الإعلان الاعتقالات التعسفية ~~(المادة السابعة)، والعقوبات غير الضرورية (المادة الثامنة)، والافتراض القانوني ~~بالإدانة (المادة التاسعة)، ونزع الحكومة للممتلكات نزعا غير مبرر (المادة السابعة ~~عشرة). وبأسلوب غامض إلى حد ما، أكد الإعلان على أنه «لا يجوز التعرض لأحد لما يبديه من ~~أفكار حتى في المسائل الدينية» (المادة العاشرة)، في حين أنه يشدد بلهجة أكثر قوة على ~~حرية الصحافة في (المادة الحادية عشرة). # هكذا حاول النواب الفرنسيون أن يلخصوا في وثيقة واحدة كلا من الحمايات القانونية ~~لحقوق الأفراد والأسس الجديدة لشرعية الحكومة. ودانت السيادة حصريا للأمة (المادة ~~الثالثة)، وبات المجتمع منوطا به أن يحاسب كل موظف عمومي (المادة الخامسة عشرة). ولم ~~يأت الإعلان على ذكر الملك، أو التقاليد الفرنسية، أو التاريخ، أو العرف، أو الكنيسة ~~الكاثوليكية. وأعلنت الحقوق وفقا للنص: «أمام الكيان الأسمى (الله) وتحت رعايته»، ~~لكن، مع أن هذه الحقوق «مقدسة»، فإنها لم تعز إلى هذا المنشئ الأعظم (الله). عندما ~~سطر جيفرسون إعلانه شعر بضرورة التأكيد على أن جميع الناس «قد حباهم باريهم» بالحقوق؛ ~~في حين أن الفرنسيين استدلوا على الحقوق من مصادر علمانية بالكامل هي الطبيعة والمنطق ~~والمجتمع. وفي أثناء المناقشات، كان ماثيو دي مونتمورنسي قد أكد على أن «حقوق الإنسان ~~في المجتمع أبدية» وأنه «لا حاجة إلى إقرار رسمي لإدراكها». وما من اعتراض على النظام ~~القديم السائد في أوروبا أكثر صراحة من هذا. # 26 # لم تخص أي من مواد الإعلان بالذكر حقوق جماعات بعينها، فعكس كلمات «الناس»، ~~و«الإنسان»، و«كل إنسان»، و«جميع المواطنين»، و«كل مواطن»، و«المجتمع»، و«أي مجتمع» هو ~~كلمات «لا أحد»، و«لا شخص»، و«لا إنسان»؛ فكان ms101 معناها الحرفي إما الجميع أو لا شيء. ولم ~~يكن هناك ذكر للطبقات، والأديان، والأجناس في الإعلان. ومع أن غياب التخصيص ما لبث أن ~~خلق المشكلات، فلا ينبغي أن تكون عمومية التأكيدات مثارا للدهشة؛ إذ كانت لجنة صياغة ~~الدستور قد باشرت في الأصل إعداد ما يصل إلى أربع وثائق مختلفة حول الحقوق: (1) إعلان ~~حقوق الإنسان. (2) إعلان حقوق الأمة. (3) إعلان حقوق الملك. (4) إعلان حقوق المواطن في ~~ظل الحكومة الفرنسية. وقد مزجت الوثيقة التي تبنوها الإعلان الأول والثاني والرابع من ~~دون وضع تعريف محدد لأهليات المواطنة. وقبل أن يخوض النواب في التفاصيل (بشأن حقوق ~~الملك أو أهليات المواطنة)، سعوا أولا إلى وضع مبادئ عامة للحكومة بأكملها. وفي هذا ~~الصدد، تعد المادة الثانية مثالية: «غرض كل اجتماع سياسي حفظ الحقوق الطبيعية التي ~~للإنسان والتي لا يجوز مسها.» ابتغى النواب وضع الأساس لكل اجتماع سياسي؛ ليس للنظام ~~الملكي، أو الحكومة الفرنسية، وإنما لكل اجتماع سياسي. ولسوف يضطرون إلى اللجوء إلى ~~الحكومة الفرنسية عما قريب. # 27 # لم يحل الإعلان كافة القضايا؛ وإنما في حقيقة الأمر عجل بضرورة النظر في بعض ~~القضايا - كحقوق غير ذوي الممتلكات أو الأقليات الدينية على سبيل المثال - وأثار قضايا ~~جديدة حول بعض الجماعات، مثل الرقيق والمرأة، التي لم تنعم بأي وضع سياسي فيما مضى ~~(سنتناول هذا الموضوع في الفصل التالي). ولعل أولئك المعارضين للإعلان كانوا قد ~~استشعروا أن الإعلان في حد ذاته سيكون له تأثير محفز. فعملية الإعلان فعلت ما هو أكثر ~~من مجرد توضيح الحقوق؛ فمن خلال الإعلان، امتلك النواب زمام السلطة. ونتيجة لذلك، أفسح ~~الإعلان مجالا لنقاش سياسي لم يكن من الممكن تخيله من قبل: فإذا كانت الأمة هي مصدر ~~السلطة، فما دور الملك، ومن أفضل من يمثل الأمة؟ وإذا كانت الحقوق هي عماد الشرعية، ~~فما الذي يسوغ اقتصارها على أشخاص في سن معينة أو طبقة اجتماعية محددة أو جنس بعينه أو ~~دين معين أو ثروة ذات قدر معلوم؟ كانت لغة حقوق الإنسان قد ترعرعت بالفعل بعض الوقت وسط ~~الممارسات ms102 الثقافية الجديدة لاستقلال الفرد والسلامة البدنية، غير أنها عندئذ جاشت فجأة ~~في وقت التمرد والثورة. ومن ذا يجدر به أن يضبط الآثار المترتبة عليها، أو من عساه يفعل ~~أو حتى يستطيع أن يفعل ذلك؟ # وكان لإعلان الحقوق عواقبه خارج فرنسا أيضا؛ «فإعلان حقوق الإنسان والمواطن» بدل ~~لغة كل إنسان تقريبا بين عشية وضحاها. ويمكن اقتفاء أثر التغيير بوضوح شديد في كتابات ~~وخطب ريتشارد برايس، الواعظ البريطاني المنشق الذي أثار الجدل بحديثه عن «حقوق ~~الإنسانية» تأييدا لسكان المستعمرات الأمريكيين عام 1776. وسار كتيبه الذي صدر عام ~~1784 «ملاحظات على أهمية الثورة الأمريكية» على نفس المنوال؛ إذ قارن فيه حركة ~~الاستقلال الأمريكية بانتشار المسيحية، وتنبأ أنها سوف «تحدث انتشارا عاما لمبادئ ~~الإنسانية» (على الرغم من مسألة العبودية التي أدانها بشدة). في إحدى المواعظ التي ~~ألقاها في نوفمبر عام 1789، أقر برايس المصطلحات الفرنسية الجديدة قائلا: «لقد عشت حتى ~~رأيت حقوق الإنسان تحظى بالقبول أكثر من أي وقت مضى، والأمم تلهث وراء الحرية، التي بدا ~~في وقت من الأوقات وكأنها فقدت معناها ... وبعد أن شاركت في جني ثمار ثورة سابقة [الثورة ~~الإنجليزية عام 1688]، أبقاني الله لأشهد ثورتين أخريين [الأمريكية والفرنسية] ~~مجيدتين.» # 28 # وبدوره أثار كتيب إدموند بيرك «تأملات في الثورة الفرنسية» (1790)، الذي كتبه ردا ~~على برايس، جدلا محموما حول حقوق الإنسان في لغات متعددة. أكد بيرك أن «إمبراطورية ~~النور والمنطق الغازية الجديدة» لم يمكنها أن تقدم أساسا متينا لحكومة ناجحة، وهي ~~الحكومة التي لا بد أن تقوم على أساس راسخ من التقاليد العريقة للأمة. وفي اتهامه ~~للمبادئ الفرنسية الجديدة، خص بيرك إعلان الحقوق باستهجان شديد. فأثارت لهجته ثائرة ~~توماس بين، الذي استغل هذه الفقرة المشينة في رده المتقد بالغضب عام 1791 «حقوق ~~الإنسان: ردا على هجوم السيد بيرك على الثورة الفرنسية». # كتب بين يقول: «أساء السيد بيرك بغضبه المعتاد إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن ... في ~~هذا يقول: «قصاصات ورق حقوق الإنسان الحقيرة الغامضة.» فهل يقصد السيد بيرك أن ينكر أن ~~للإنسان أي حقوق؟ إن كان ms103 يقصد ذلك، فلا بد أنه يعني أنه لا يوجد شيء اسمه الحقوق في أي ~~مكان في العالم، وأنه هو نفسه ليس له أي حقوق؛ لأنه لا أحد في العالم سوى الإنسان؟» ومع ~~أن الرد الذي كتبته ماري وولستونكرافت بعنوان «المطالبة بحقوق الرجل، في خطاب موجه ~~إلى جناب المبجل إدموند بيرك؛ ردا على كتيبه تأملات في الثورة الفرنسية» ظهر أولا في ~~عام 1790، فإن كتيب توماس بين «حقوق الإنسان» كان له أثر فوري وأكثر إذهالا، ويعزى ~~هذا جزئيا إلى أنه استغل هذه الفرصة لينقد كافة أشكال النظام الملكي الوراثي، بما في ~~ذلك النظام الإنجليزي. وقد ظهر عمله في العديد من الطبعات الإنجليزية خلال العام الأول ~~وحده من تاريخ نشره. # 29 # نتيجة لذلك، زاد استخدام لغة الحقوق زيادة مذهلة بعد عام 1789. ويمكن رؤية الدليل على ~~هذا الجيشان المذهل بسهولة من خلال عدد عناوين الأعمال الإنجليزية التي حملت لفظة ~~«الحقوق»: فقد تضاعف العدد أربع مرات في تسعينيات القرن الثامن عشر ليصل إلى 418، ~~مقارنة بثمانينيات نفس القرن الذي بلغ فيه العدد 95، أو مقارنة بأي من العقود السابقة ~~في القرن الثامن عشر. حدث شيء مماثل في اللغة الهولندية؛ إذ ظهر مصطلح «حقوق الإنسان» ~~باللغة الهولندية للمرة الأولى في عام 1791 عند ترجمة كتيب بين، وعندئذ توالت استخدامات ~~المصطلح في تسعينيات القرن الثامن عشر، ثم تبعها بعد قليل ظهور مصطلح «حقوق الإنسان» في ~~الأراضي المتكلمة بالألمانية. وعلى نحو ساخر إلى حد ما في ذلك الحين، تسبب جدل عنيف نشب ~~بين كتاب اللغة الإنجليزية في وصول «حقوق الإنسان» الفرنسية إلى أيدي جمهور عالمي. ~~كان الأثر الناتج أعظم مما حدث بعد عام 1776؛ لأن الفرنسيين كان يحكمهم النظام الملكي ~~كمعظم البلدان الأوروبية الأخرى، ولم يتخلوا قط عن اللغة العالمية للحقوق. دفعت أيضا ~~الكتابات المستلهمة من الثورة الفرنسية النقاش الأمريكي للحقوق إلى مستويات أعلى؛ إذ ~~كان أتباع جيفرسون يتحدثون على الدوام عن «حقوق الإنسان»، فيما رفض الفيدراليون اللغة ~~المرتبطة ب «الإفراط الديمقراطي» أو التهديدات للسلطة القائمة. مثل هذه النزاعات ساعدت ~~في ms104 نشر لغة حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم الغربي. # 30 # إلغاء التعذيب والعقوبات القاسية # بعد صدور «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» بستة أسابيع، وحتى قبل أن تحدد شروط حق ~~التصويت، ألغى النواب الفرنسيون كافة استخدامات التعذيب القضائي كخطوة على طريق الإصلاح ~~المؤقت للإجراءات الجنائية. وفي العاشر من سبتمبر عام 1789، قدم مجلس مدينة باريس ~~التماسا رسميا إلى الجمعية الوطنية باسم «المنطق والإنسانية» من أجل إصلاحات قضائية ~~فورية من شأنها «إنقاذ الأبرياء»، و«ضمان أفضل لثبوت أدلة الجريمة كي تصبح الإدانة أكثر ~~تأكيدا». يرجع سبب تقديم أعضاء مجلس المدينة لهذا الطلب إلى أن «الحرس القومي» الجديد، ~~المنتشر في باريس تحت قيادة لافاييت، قد ألقى القبض على عدد كبير من الأشخاص خلال ~~أسابيع الاضطرابات التي تلت الرابع عشر من يوليو. هل السرية المعتادة للإجراءات ~~القضائية تعزز التلاعب والاحتيال من جانب أعداء الثورة؟ واستجابة لهذا المطلب كلفت ~~الجمعية الوطنية لجنة مكونة من سبعة أعضاء لصياغة أكثر الإصلاحات إلحاحا، لا من أجل ~~باريس وحدها وإنما من أجل القطر بأكمله. وفي الخامس من أكتوبر، تحت ضغط مسيرة هائلة إلى ~~قصر فرساي، صدق أخيرا الملك لويس السادس عشر تصديقا رسميا على «إعلان حقوق ~~الإنسان والمواطن»، وأجبر المتظاهرون الملك وعائلته على الانتقال من قصر فرساي إلى ~~باريس في السادس من أكتوبر. وفي وسط هذه الاهتياجات المتجددة، وبالتحديد في الثامن ~~والتاسع من نفس الشهر، أجازت الجمعية المرسوم الذي اقترحته لجنتها. وفي الوقت عينه، صوت ~~النواب على الانضمام إلى الملك في باريس. # 31 # لم يتناول «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» سوى مبادئ عامة للعدالة: الجميع متساوون ~~أمام القانون، لا يجوز السماح بالسجن التعسفي أو تطبيق العقوبات التعسفية بخلاف «العقاب ~~اللازم الضروري»، وينبغي أن يعتبر المتهم بريئا إلى أن تثبت إدانته. بدأ المرسوم ~~الصادر في الثامن والتاسع من أكتوبر عام 1789 باستحضار لروح الإعلان: «لما كانت ~~الجمعية الوطنية تأخذ بعين الاعتبار أن واحدا من الحقوق الأصيلة للإنسان، الذي اعترفت ~~به، هو حق التمتع - عند اتهامه بارتكاب جريمة جنائية - بالحرية والأمان الكاملين في ~~دفاع يتفق ms105 مع مصلحة المجتمع الذي يطالب بالعقاب على الجريمة ...» وبعدئذ مضى المرسوم في ~~تحديد الإجراءات، التي وضع معظمها لضمان الشفافية مع العامة. وفي حركة ساعد على ظهورها ~~الارتياب في الهيئة القضائية القائمة، طالب المرسوم بانتخاب مفوضين مخصوصين في كل ~~مقاطعة للمساعدة في كافة القضايا الجنائية، بما في ذلك مراقبة جمع الأدلة والشهادة، مما ~~يكفل إتاحة كافة المعلومات المجمعة للدفاع وعلانية كافة الإجراءات الجنائية، ومن ثم ~~مزاولة واحد من أثمن مبادئ بيكاريا. # كانت أقصر مادة من مواد المرسوم، التي بلغ عددها ثمان وعشرين مادة، المادة الرابعة ~~والعشرين، وهي أكثرها أهمية فيما يتعلق بمناقشتنا هنا، فهي تنص على إلغاء كافة أشكال ~~التعذيب وأيضا استخدام «مقعد الخلع» من ~~أجل الاستجواب النهائي للمتهم أمام قضاته. وكان لويس السادس عشر قد منع من قبل ~~«الاستجواب التحضيري»، وهو استخدام التعذيب لانتزاع الاعتراف بارتكاب الجريمة، غير أنه ~~لم يمنع استخدام «الاستجواب التمهيدي»، أي التعذيب لمعرفة أسماء شركاء الجريمة، منعا ~~باتا وإنما مؤقتا. وقد ألغت حكومة الملك «مقعد الخلع» في مايو عام 1788، ~~لكن لما كان هذا الإجراء حديثا للغاية، ~~شعر النواب بالحاجة إلى توضيح موقفهم. كان مقعد الخلع وسيلة للإذلال ورمزا لنوع من ~~الإهانة للكرامة الإنسانية، حتى إن النواب نظروا إليه في ذلك الحين على أنه غير مقبول. ~~وقد أرجأ النائب المنوط به تقديم المرسوم إلى اللجنة نقاشه لهذه الإجراءات حتى النهاية ~~كي يسلط الضوء على دلالتها الرمزية. وقد أكد لزملائه من البداية أنه: «لا يمكنكم أن ~~تتركوا وصمات القانون الحالية التي تسحق آدمية الإنسان؛ يجب أن تجعلوها تختفي على ~~الفور.» ثم كاد يبكي عندما تناول موضوع التعذيب: # أعتقد أنني أدين للإنسانية بأن أقدم لكم ملاحظة أخيرة؛ لقد حظر الملك بالفعل ~~... في فرنسا الممارسات الوحشية التي يندى لها الجبين بغية انتزاع اعتراف بارتكاب ~~الجريمة، باستخدام وسائل التعذيب ... غير أنه ترك لكم شرف إتمام هذا العمل ~~العقلاني العادل العظيم. غير أن قانوننا لا يزال يتضمن التعذيب التمهيدي ... ~~[أقصى درجات الوحشية الخالصة التي يعجز اللسان عن وصفها] الذي لا يزال يستخدم ms106 ~~لمعرفة أسماء شركاء الجريمة. إذا ثبتم أنظاركم على بقايا هذه البربرية أيها ~~السادة، فستجدون تحريمها ينبع من أفئدتكم. سيكون هذا مشهدا مؤثرا جميلا ~~للكون: أن ترى ملكا وأمة يلتحمان بعرى المحبة المتبادلة التي لا تنفصم، يباري ~~كل منهما حماسة الآخر من أجل الوصول بالقوانين إلى الكمال، ويحاول أن يمتاز كل ~~منهما على الآخر في رفع أنصاب العدالة والحرية والإنسانية. # في أعقاب إعلان الحقوق، ألغي التعذيب أخيرا إلغاء تاما. لم يكن ~~إلغاء التعذيب مدرجا في جدول أعمال حكومة مدينة باريس في العاشر من سبتمبر، غير أن ~~النواب لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم عن اغتنام الفرصة المتاحة أمامهم كي يجعلوا من ~~إلغاء التعذيب تاجا على رأس تعديلهم الأول للقانون الجنائي. # 32 # وعندما حان الوقت لإتمام تعديل قانون العقوبات بعد مرور أكثر من ثمانية عشر شهرا، ~~أثار النائب المكلف بعرض الإصلاح كافة الأفكار التي باتت مألوفة إبان الحملات المناهضة ~~للتعذيب والعقوبات القاسية. اعتلى المنبر لويس-ميشيل لبلتييه دي سان- فارجو، الذي كان في ~~وقت من الأوقات قاضيا في برلمان باريس، في الثالث والعشرين من مايو عام 1791 ~~كي يعرض أسباب قرارات اللجنة المختصة ~~بالقانون الجنائي (المتابعة لأعمال لجنة السبع التي كونت في سبتمبر عام 1789). ندد ب ~~«أشكال التعذيب الوحشية المفترض وقوعها في القرون البربرية ومع ذلك ظلت مستخدمة في قرون ~~عصر النهضة»، وبانعدام التناسب بين الجرائم والعقوبات (وهو أحد أهم الأمور التي سخط ~~عليها بيكاريا)، وب «ضراوة القوانين السابقة التي يندى لها الجبين» بوجه عام. والآن سوف ~~تشكل «مبادئ الإنسانية» قانون العقوبات، الذي سيستند في المستقبل إلى إعادة التأهيل من ~~خلال العمل وليس العقاب التكفيري من خلال الألم. # 33 # لكم كانت الحملات المناهضة للتعذيب والعقوبات القاسية ناجحة، حتى إن اللجنة قدمت ~~جزءا مختصا بالعقوبات قبل الجزء المختص بتعريف الجرائم في قانون العقوبات. تعاني كافة ~~المجتمعات من الجريمة، لكن العقاب يعكس طبيعة الكيان السياسي في الدولة. واقترحت اللجنة ~~عمل إصلاح شامل لنظام العقوبات بغية تجسيد القيم المدنية الجديدة: باسم المساواة، ~~يحاكم كل فرد في نفس المحاكم ms107 بموجب نفس القانون ويحتمل أن يتلقى نفس العقوبات. ولسوف ~~يكون الحرمان من الحرية هو العقاب الرئيسي، بمعنى أن يحل السجن والأشغال الشاقة محل ~~الإرسال إلى البحر للتجديف في السفن والنفي. فالمواطنون لن يعرفوا شيئا عن مغزى العقاب ~~إذا أرسل المجرم بكل بساطة إلى مكان آخر بعيدا عن المشهد العام. بل إن اللجنة أيدت ~~إلغاء عقوبة الإعدام، باستثناء في حالة التمرد على الدولة، لكنها أدركت أنها سوف تجابه ~~المقاومة في هذه النقطة. وصوت النواب من أجل إرجاع عقوبة الإعدام لعدد محدود من ~~الجرائم، مع أنهم استبعدوا كافة الجرائم الدينية مثل الهرطقة، وانتهاك حرمة المقدسات، ~~ومزاولة السحر، (أما اللواط الذي كان عقوبته الإعدام فيما مضى، فلم يعد مدرجا بوصفه ~~جريمة.) ولسوف تنفذ عقوبة الإعدام عن طريق قطع الرأس فحسب، وهي الطريقة التي اقتصرت ~~على النبلاء وحدهم فيما مضى. وبدأ العمل باستخدام المقصلة التي اخترعت لجعل قطع الرأس ~~بلا ألم قدر المستطاع في أبريل من عام 1792. أما الكسر على عجلة السحق، والحرق بالشد ~~إلى الخازوق، «هذان الشكلان من أشكال التعذيب اللذان لازما عقوبة الإعدام»، فكان لا بد ~~أن ينتهيا؛ فكما أكد لبلتييه فإن: «الإنسانية والرأي العام تمقت كافة أشكال الرعب ~~القانونية هذه. فهذه المناظر الوحشية تحط من الأخلاقيات العامة، ولا تليق بقرن من ~~الزمان يتسم بالإنسانية والتنوير.» # 34 # ولما غدت إعادة التأهيل وإدخال المجرم إلى المجتمع من جديد الهدفين الرئيسيين، لم ~~يعد التشويه البدني والوصم محتملين. غير أن لبلتييه تردد بعض الوقت في مسألة الوصم؛ ~~فكيف يمكن للمجتمع أن يصون نفسه من المجرمين المدانين دون أي شكل من أشكال العلامات ~~الثابتة التي تشير إلى وضعهم؟ وخلص إلى أنه يستحيل ألا يلاحظ الناس المتشردين أو ~~المجرمين في ظل النظام الجديد؛ لأن مجالس البلدية ستحتفظ بسجلات دقيقة بأسماء كل ~~سكانها. فوصم أجساد المجرمين إلى الأبد سوف يمنعهم من إعادة الاندماج في المجتمع. وإزاء ~~هذه المسألة - كما الحال أيضا في مسألة الألم بصفة عامة - اضطر النواب أن يتحسسوا ~~الخطى؛ فالعقاب كان المقصود به أن يكون رادعا ms108 فوريا، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى إحداث ~~التكيف من جديد بداخل المجتمع. ولا ينبغي أن يكون العقاب مهينا إلى درجة تحول دون ~~اندماج المدانين في المجتمع مرة أخرى. وعليه، فيما قضى قانون العقوبات بفضح المدان على ~~الملأ، أحيانا مكبلا بالسلاسل، فقد حدد هذا الفضح بحرص (ثلاثة أيام على الأكثر) حسب ~~شدة الجريمة. # ابتغى النواب أيضا محو الصبغة الدينية؛ فألغوا قانون التوبة الرسمي (الإصلاح الجدير ~~بالاحترام)، الذي بموجبه يذهب المدان، مرتديا قميصا فحسب، ويلتف حبل حول عنقه، ويمسك ~~مصباحا في يده، إلى باب الكنيسة حيث يترجى الغفران من الله، والملك، والعدالة. واقترحت ~~اللجنة بدلا منه عقابا أساسه الحقوق يسمى «التجريد المدني» الذي قد يكون العقاب ~~الوحيد الذي ينزل بالمتهم أو قد يضاف إلى عقوبة السجن. وقد وضع لبلتييه كافة إجراءاته ~~بالتفصيل: يقاد المدان إلى مكان عام محدد، حيث يقرأ موظف المحكمة الجنائية هذه الكلمات ~~بصوت مرتفع: «لقد أدانك بلدك بارتكاب فعل مشين، وعليه يجردك القانون والمحكمة من مرتبتك ~~كمواطن فرنسي.» وعندئذ يطوق عنق المدان حيث يظل مفضوحا أمام العامة لمدة ساعتين، ~~ويكتب اسمه وجريمته وقرار الحكم على لافتة توضع على صدره. غير أن النساء، والأجانب، ~~وأرباب السوابق مثلوا مشكلة؛ فكيف لهم أن يفقدوا حقوقهم في التصويت أو تقلد منصب وهم لا ~~يملكون مثل هذه الحقوق من الأصل؟ تناولت المادة الثانية والثلاثون هذه النقطة بالتحديد: ~~في حال إصدار حكم ب «التجريد المدني» ضد النساء، أو الأجانب، أو أرباب السوابق سيحكم ~~عليهم بالطوق الحديدي لمدة ساعتين، ويرتدون لافتة مشابهة لتلك المحكوم على الرجال ~~بارتدائها، على أن موظف المحكمة لن يقرأ العبارة المتعلقة بالتجريد من المرتبة ~~المدنية. # 35 # قد يبدو «التجريد المدني» عبارة عن منظومة من الكلمات، على أنه لم يشر فحسب إلى ~~تغيير مسار قانون العقوبات، وإنما أيضا إلى النظام السياسي بصفة عامة. فلما صار ~~المدان الآن مواطنا، وليس رعية، لم يعد من الممكن تعريض المدان أو المدانة (كانت ~~النساء مواطنات «مذعنات») للتعذيب، أو العقوبات القاسية غير الضرورية، أو العقوبات ~~المهينة أكثر من ms109 اللازم. وعندما قدم لبلتييه إصلاح قانون العقوبات، فرق بين نوعين من ~~العقوبات: عقوبات بدنية (السجن والإعدام) وعقوبات مهينة. فمع أن كافة العقوبات تحمل في ~~طياتها عنصري الخزي والإهانة، كما أكد لبلتييه نفسه، فإن النواب أرادوا الحد من استخدام ~~العقوبات المهينة، وقد أبقوا على الفضح على الملأ والطوق الحديدي، لكن أوقفوا قانون ~~التوبة واستخدام فلقة العقاب وعمود التشهير وجر الجثث على نقالة والتوبيخ القضائي، ~~وإعلان أن القضية ضد المتهم مفتوحة إلى أجل غير مسمى (وعليه يتضمن ذلك القرار ~~بالإدانة). قال لبلتييه: «نقترح أن تتبعوا مبدأ [العقوبات المهينة] لكن لا تكثروا من ~~أشكاله، فبتعدد الأشكال تضعف الفكرة النافعة والمروعة في الوقت نفسه القائلة إن المجتمع ~~والقوانين يلعنون الشخص الذي نجس نفسه بالجريمة.» يمكن تطبيق عقوبة إلحاق الخزي بالمجرم ~~باسم المجتمع والقوانين، ولكن ليس باسم الدين والملك. # 36 # في خطوة أخرى دللت على إصلاح جوهري، قرر النواب أن تطبق العقوبات المهينة على الفرد ~~المجرم فحسب، وليس على أفراد عائلته، ففي ظل الأشكال التقليدية لعقوبات الإهانة، كان ~~أفراد عائلة المدانين يجنون العواقب مباشرة؛ فلم يكن أحد منهم يستطيع أن يشغل وظيفة أو ~~يتقلد المناصب العامة، وكانت تصادر ممتلكاتهم في بعض القضايا، واعتبرهم المجتمع ~~موصومين بالمثل. وفي عام 1784، حاز المحامي الشاب بيير لويس لاكريتل جائزة من أكاديمية ~~ميتز عن مقاله الذي نادى فيه بأنه لا ينبغي أن يمتد خزي العقوبات المهينة إلى أفراد ~~عائلة المجرم. وكانت الجائزة الثانية من نصيب محام شاب ذي مستقبل واعد من مدينة أراس ~~يدعى ماكسميليان روبسبير. # عكس الاهتمام الذي حظت به العقوبات المهينة، تحولا ضئيلا لكن عظيم الأثر في مفهوم ~~الشرف: فمع انتشار فكرة حقوق الإنسان، كان الفهم التقليدي للشرف يتعرض للنقد الشديد. ~~كان الشرف هو أهم سمة شخصية في ظل السلطة الملكية؛ فقد أكد مونتسكيو بالفعل في كتابه ~~«روح القوانين» (1748) على أن الشرف هو العنصر المحرك في نظام الحكم الملكي. اعتبر ~~كثيرون أن الشرف حكر على أبناء الطبقة الأرستقراطية. وكان روبسبير قد أرجع في مقاله ~~الذي يدور حول العقوبات ms110 المهينة فعل إلحاق الإهانة بعائلات بكاملها إلى نقائص في فكرة ~~الشرف نفسها: # إذا تأمل المرء طبيعة هذا الشرف، الخصبة للنزوات والتقلبات، التي تنزع دائما ~~إلى الرقة المفرطة، وتبجل عادة الأشياء من أجل لمعانها وليس من أجل قيمتها ~~الجوهرية، وتبجل الرجال من أجل أدواتهم وألقابهم، التي هي أشياء غير أصيلة ~~فيهم، وليس من أجل خصالهم الشخصية، عندئذ يمكن للمرء أن يفهم بسهولة كيف يمكنه ~~[أي الشرف] أن يزدري أولئك الذين يهتمون لأمر أحد الأوغاد الذين عاقبهم ~~المجتمع. # ومع ذلك استنكر روبسبير أيضا قصر الإعدام بقطع الرأس (الذي يظن أنه ~~أكثر شرفا) على النبلاء وحدهم. هل أراد أن يكون جميع الأشخاص مكرمين على السواء أم أنه ~~يدعو إلى نبذ فكرة الشرف نفسها؟ # 37 # غير أنه حتى قبل ثمانينيات القرن الثامن عشر كان مفهوم الشرف يتعرض للتغيير. فكلمة ~~«الشرف» طبقا لتعريف قاموس الأكاديمية الفرنسية، طبعة عام 1762، تعني «الفضيلة ~~والاستقامة»، أما «فيما يخص المرأة، فتشير كلمة الشرف إلى العفة والاحتشام». في النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر، ميزت الاختلافات في الشرف الرجل عن المرأة أكثر من تمييزها ~~للطبقة الأرستقراطية عن طبقة العوام على نحو متزايد؛ فبالنسبة للرجل، بات الشرف مقترنا ~~بالفضيلة، وهي الخصلة التي ربطها مونتسكيو بالجمهوريات؛ فجميع المواطنين شرفاء إن كانوا ~~أصحاب فضيلة. وفي ضوء هذا الحكم الجديد، اقترن الشرف بالأفعال وليس بالميلاد، وانتقل ~~التمييز بين الرجل والمرأة من مسألة الشرف إلى مسائل المواطنة وأشكال العقوبات. كان شرف ~~المرأة (وعفتها) مسألة خاصة وداخلية؛ فيما كان شرف الرجل مسألة عامة، فمن الممكن أن ~~يهان الرجل والمرأة على السواء في العقاب، لكن الرجال وحدهم يملكون حقوقا سياسية يمكن ~~أن يفقدوها. وبات الأرستقراطيون والعوام متساوين الآن في العقاب كما في الحقوق؛ لكن ~~الرجل والمرأة غير متساوين. # 38 # ولم يمر التغير في مفهوم الشرف دون ملاحظة واهتمام؛ ففي ~~عام 1794، هجا الكاتب سيباستيان روش ~~نيكولاس تشامفورت، أحد أعضاء الأكاديمية الفرنسية الراقية، هذا التغير قائلا: # من الحقائق المسلم بها أن قرننا هذا وضع الكلمات في نصابها الصحيح؛ فبتخلصه ~~من ms111 الترجمات اللاهوتية، والجدلية، والميتافيزيقية، عادت الكلمات إلى بساطة ~~وواقعية الفيزياء والأخلاق والسياسة. وبالحديث عن الأخلاق وحدها، يستشعر المرء ~~كم أن لفظة «الشرف» هذه تجمع أفكارا معقدة وميتافيزيقية. واستشعر قرننا عيوب ~~هذه الأفكار، ولكي يعيد كل شيء مرة أخرى إلى بساطته، ويحول دون أي إساءة في ~~استخدام الكلمات، أثبت أن الشرف يظل جزءا من أي رجل لم يسبق له أن أدين قط ~~بارتكاب جريمة. في الماضي كانت هذه اللفظة مصدرا للمراوغات والخصومات؛ أما في ~~الحاضر، فلا شيء أوضح منها. هل وضع الرجل في الطوق الحديدي أم لا؟ هذا هو ~~السؤال المحدد. فهو سؤال بسيط لحقيقة يمكن أن تجيب عنها بسهولة سجلات موظفي ~~المحكمة. والرجل الذي لم يوضع في الطوق الحديدي هو رجل شريف يمكنه أن يطالب ~~بحقه في أي شيء، في وظيفة في الوزارة، وما إلى ذلك، ويمكنه أن يملك حق الدخول ~~إلى الهيئات المهنية والأكاديميات والمحاكم ذات السيادة. يستشعر المرء إلى أي ~~مدى يمكن للوضوح والدقة أن ينقذانا من النزاعات والجدالات، وكيف أن العلاقات ~~الاجتماعية في الحياة تصبح مريحة وسهلة. # كان لتشامفورت أسبابه الخاصة التي جعلته يتعامل مع كلمة الشرف بجدية. فتشامفورت الطفل ~~اللقيط مجهول الأبوين، حقق سمعة أدبية، وعمل سكرتيرا خاصا لأخت الملك لويس السادس ~~عشر. وقد انتحر في ذروة «حكم الإرهاب» بعد وقت قصير من كتابة هذه الكلمات. وإبان ~~الثورة، انتقد في البداية الأكاديمية الفرنسية الرفيعة المكانة التي كانت قد انتخبته ~~عام 1781، ثم ندم على هذا ودافع عنها. وكان الارتقاء إلى الأكاديمية هو أعظم شرف يمكن ~~منحه لكاتب في ظل الحكم الملكي. وقد أغلقت الأكاديمية عام 1793 ثم انتعشت من جديد على ~~يد نابليون. ولم يسبر تشامفورت غور ضخامة التغير في معنى الشرف فحسب - أي صعوبة ~~الاحتفاظ بالفروق الاجتماعية في عالم يندفع نحو المساواة بنفاد صبر - ولكن أيضا ارتباط ~~قانون العقوبات الجديد به. وكانت عقوبة الطوق الحديدي قد أصبحت القاسم المشترك الأصغر ~~لفقدان الشرف. # 39 # لم يكن قانون العقوبات الجديد سوى نتيجة واحدة من نتائج كثيرة ترتبت على ms112 «إعلان حقوق ~~الإنسان والمواطن». وقد استجاب النواب لإلحاح دوق دي مونتمورنسي الذي حثهم أن يضربوا ~~«مثلا عظيما» عن طريق تحرير إعلان للحقوق، وفي غضون أسابيع من هذا بدءوا يكتشفون إلى ~~أي مدى يمكن أن تكون نتائج هذا المثل غير متوقعة. «كان فعل التصريح، أو الإخبار، أو ~~العرض، أو الإعلان بصراحة أو جهارا أو رسميا» المتضمن في عملية الإعلان ينطوي على ~~منطق خاص به وحده. فحالما أعلنت الحقوق على الملأ، أثارت أسئلة جديدة؛ أسئلة لم تطرح ~~قبلا، ولم تكن قابلة للطرح، واتضح أن عملية الإعلان ما هي إلا الخطوة الأولى في عملية ~~مشحونة ومثيرة للغاية، ومستمرة حتى يومنا هذا. # الفصل الرابع # | لن تكون هناك نهاية # عواقب الإعلان # قبل عيد الميلاد عام 1789 مباشرة، وجد نواب الجمعية التأسيسية الوطنية الفرنسية ~~أنفسهم وسط نقاش عجيب. بدأ هذا النقاش في الحادي والعشرين من ديسمبر عندما أثار أحد ~~النواب قضية حقوق التصويت لغير الكاثوليك، حين ذكر زملاءه النواب قائلا: «لقد أعلنتم ~~أن جميع الناس يولدون ويعيشون أحرارا متساوين في الحقوق، كما أعلنتم أنه لا يجوز ~~التعرض لأحد بسبب أفكاره الدينية.» وعلق أن ثمة العديد من النواب البروتستانت الذين ~~يجلسون بين النواب، وعليه يجدر بالجمعية أن تصدر مرسوما في الحال بأن غير الكاثوليك ~~مؤهلون للتصويت، وتقلد المناصب، ولهم الحق في الطموح لأي وظيفة مدنية أو عسكرية «كغيرهم ~~من المواطنين». # كان تعبير «غير الكاثوليك» المقصود به فئة مفردة؛ فعندما استخدمه بيير برونيه دي لا ~~تيك في المرسوم المقترح، كان يعني بوضوح البروتستانت. لكن ألا يندرج تحت هذا التعبير ~~اليهود أيضا؟ لقد كانت فرنسا موطنا لنحو أربعين ألف يهودي عام 1789 بالإضافة إلى عدد ~~يتراوح بين مائة ألف إلى مائتي ألف من البروتستانت (شكل الكاثوليك 99٪ من السكان). ~~وبعد يومين من مبادرة برونيه، قرر الكونت ستانيسلاس دي كليرمونت تونير أن يطرق الحديد ~~وهو ساخن فقال مؤكدا: «ما من حل وسط محتمل»؛ فإما إقرار دين رسمي للدولة، وإما القبول ~~بتصويت الناس من أي ديانة والقبول بانخراطهم في الوظائف العامة. وأكد ms113 كليرمونت تونير ~~أنه لا يجب أن يكون المعتقد الديني سببا في الحرمان من الحقوق السياسية، وعليه لا بد ~~أن يتمتع اليهود أيضا بحقوق متساوية. لكن لم يكن هذا كل شيء؛ إذ أكد أنه لا ينبغي أن ~~تكون المهنة سببا للحرمان أيضا؛ فالجلادون والفنانون الذين كانوا محرومين أيضا من ~~الحقوق السياسية فيما مضى لا بد أن ينعموا بالحقوق السياسية الآن أيضا. (اعتبر ~~الجلادون غير شرفاء لأنهم يكسبون عيشهم من قتل الناس، وكذلك الممثلون لأنهم يلبسون ~~شخصيات أخرى غير شخصياتهم الحقيقية.) آمن كليرمونت تونير بأهمية الاتساق والثبات على ~~المبدأ إذ يقول: «يجدر بنا أن نمنع المسرحيات بالمرة، أو أن نزيل العار المقترن ~~بالتمثيل.» # 1 # هكذا كشفت قضايا الحقوق عن ميل إلى تعاقب القضايا؛ إذ تقود كل قضية إلى الأخرى؛ فما ~~إن نظر النواب لوضع البروتستانت بعين الاعتبار بصفتهم أقلية دينية محرومة من الحقوق، ~~حتى قفزت قضية اليهود إلى المشهد؛ وما إن ظهرت قضية الاستثناءات الدينية على أجندة ~~الجمعية، حتى تبعتها عن قرب الاستثناءات المهنية. في عام 1776، كانت المخاوف قد تسللت ~~بالفعل إلى عقل جون آدمز بشأن حدوث تطورات أكثر جذرية في ولاية ماساتشوستس. كتب آدمز ~~إلى جيمس سوليفان يقول: # تأكد يا سيدي أنه من الخطير أن نفتح مجالا خصبا أمام الجدال والنزاع؛ كذلك ~~الذي سيفتح عن طريق محاولة تعديل أهليات من لهم حق التصويت. لن تكون هناك ~~نهاية؛ بل ستظهر مطالب جديدة؛ فالنساء ستطالب بالحق في التصويت، والصبية من سن ~~الثانية عشرة إلى سن الحادية والعشرين سيعتقدون أن حقوقهم لا تلقى الاهتمام ~~الكافي، وكل رجل لا يملك مليما واحدا سوف يطالب بحق متساو مع أي شخص آخر في ~~كافة قوانين الدولة. # لم يظن آدمز فعليا أن النساء أو الأطفال قد يطالبون بحقهم في التصويت، ~~لكنه كان يخشى عواقب توسيع حق الاقتراع ليشمل غير ذوي الممتلكات. وكان من الأسهل ~~استنكار حق «كل رجل لا يملك مليما واحدا» عن طريق الإشارة إلى الطلبات الأكثر سخافة ~~التي قد تأتي من أناس أدنى من ذلك الرجل ms114 نفسه على درجات السلم الاجتماعي. # 2 # في كل من الولايات المتحدة وفرنسا بحالتهما الجديدة، أشار إعلانا الحقوق إلى «الناس»، ~~و«المواطنين»، و«الأمة»، و«المجتمع»، دون تناول الاختلافات في المرتبة السياسية. وحتى ~~قبل صياغة الإعلان الفرنسي، كان المنظر الدستوري البارع، القس جوزيف سييس، قد ناقش ~~الفرق بين الحقوق الطبيعية والمدنية للمواطن من ناحية والحقوق السياسية من ناحية أخرى. ~~ومن وجهة نظره، ينبغي أن تعتبر النساء والأطفال والأجانب، وأولئك الذين لا يدفعون أي ~~ضرائب مواطنين «مذعنين» فحسب، أما «أولئك الذين يساهمون في مؤسسة الدولة العامة فهم ~~وحدهم الذين يمكن اعتبارهم مساهمين فعليين في المؤسسة الاجتماعية العظمى. هم وحدهم ~~المواطنون الفاعلون الحقيقيون». # 3 # كانت المبادئ نفسها سارية منذ وقت طويل على الجانب الآخر من الأطلنطي؛ إذ أنكرت ~~المستعمرات الثلاث عشرة على المرأة، والأمريكيين من أصول أفريقية، والهنود الحمر، وغير ~~ذوي الممتلكات، حق التصويت. ففي ولاية ديلاوير - على سبيل المثال - كان حق الاقتراع ~~مقصورا على البالغين من الرجال البيض الذين يمتلكون خمسين فدانا من الأرض، وعاشوا في ~~ديلاوير مدة سنتين، أو ولدوا فيها، وأنكروا سلطة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وأقروا ~~بأن العهدين القديم والجديد موحى بهما من الله. وبعد الاستقلال، سنت بعض الولايات ~~أحكاما أكثر تحررا. فولاية بنسلفانيا - على سبيل المثال - بسطت حقوق التصويت لتشمل ~~كافة الرجال الأحرار البالغين الذين يدفعون ضرائب بأي قدر كان؛ وولاية نيوجيرسي أجازت ~~لوقت قصير حق التصويت للمرأة صاحبة الممتلكات؛ غير أن معظم الولايات أبقت على شروط ~~حيازة الممتلكات، والعديد من الولايات تمسكت بإجراء اختبار ديني، على الأقل فترة من ~~الزمن. عبر جون آدمز عن الرأي السائد حينئذ بقوله: «تلك هي نقيصة القلب البشري، فقلة ~~قليلة جدا من الرجال غير أصحاب الممتلكات، هم الذين يكون لهم رأي مستقل خاص ~~بهم.» # 4 # من الأسهل تعقب التسلسل التاريخي الأساسي لتوسيع نطاق الحقوق في فرنسا؛ نظرا لأن ~~الحقوق السياسية كان يحددها التشريع القومي، في حين أنه في الولايات المتحدة الجديدة، ~~كانت الولايات الفردية هي ما ينظم هذه الحقوق. في الأسبوع الذي امتد من 20 إلى ms115 27 ~~أكتوبر عام 1789، أصدر النواب سلسلة من المراسيم تحكم شروط أهلية التصويت: (1) أن تكون ~~فرنسيا أو أصبحت فرنسيا بالتجنس. (2) أن تكون قد بلغت سن الرشد، التي كانت الخامسة ~~والعشرين حينها. (3) أن تكون قد أقمت في منطقة الدائرة الانتخابية لمدة عام على الأقل. ~~(4) أن تسدد الضرائب المباشرة بمعدل يساوي القيمة المحلية لثلاثة أيام عمل (وكان يفرض ~~معدل أعلى للحصول على أهلية شغل وظيفة حكومية). (5) ألا تكون خادما في المنازل. ولم ~~يأت النواب على ذكر الدين أو العرق أو الجنس عند وضع هذه الشروط، مع أن افتراض حرمان ~~النساء والعبيد كان واضحا تماما. # على مدار الأشهر والسنوات التالية، أثارت جماعة تلو الأخرى نقاشا معينا، وأخيرا ~~حصل معظمهم على حقوق سياسية متساوية؛ فقد حصل الرجال البروتستانت على حقوقهم في الرابع ~~والعشرين من ديسمبر عام 1789، وانطبق نفس ~~الشيء على الرجال من مختلف المهن. وأخيرا حصل الرجال اليهود على نفس الحقوق في السابع ~~والعشرين من سبتمبر عام 1791. وحصل بعض الرجال، وليس الكل، من السود الأحرار على الحقوق ~~السياسية في مايو عام 1791، ليفقدوها مرة أخرى في الرابع والعشرين من سبتمبر من نفس ~~العام، ثم يستردوها مرة أخرى وتطبق بصورة أعم في الرابع من أبريل عام 1792. وفي العاشر ~~من أغسطس من عام 1792، امتدت حقوق التصويت لتشمل جميع الرجال (في الحضر الفرنسي) فيما ~~خلا الخدم وغير العاملين. وفي الرابع من فبراير عام 1794، ألغيت العبودية ومنحت ~~الحقوق المتساوية للعبيد مبدئيا على الأقل. وعلى الرغم من هذا التوسيع للحقوق ~~السياسية الذي يكاد لا يصدق لتنضم جماعات كانت محرومة من حقوق التصويت فيما مضى، فقد ~~كانت حدود هذا التوسع تقف عند المرأة: فالمرأة لم تحصل قط على حقوق سياسية متساوية إبان ~~الثورة، غير أنها حصلت على حقوق إرث متساوية والحق في الطلاق. # منطق الحقوق: الأقليات الدينية # كشفت الثورة الفرنسية، أكثر من أي حدث آخر أن حقوق الإنسان لها منطق داخلي. ففيما ~~جابه النواب الحاجة إلى تحويل مثلهم الرفيعة إلى قوانين محددة، فإنهم كونوا بدون قصد ~~مقياسا لقابلية التطبيق أو قابلية التصور. ms116 لم يدرك أحد مقدما أي جماعة ستناقش ~~حقوقها، أو متى سيثار النقاش، أو ما سيكون الحل لوضعها. لكن سرعان ما أصبح من الجلي أن ~~منح الحقوق لبعض الجماعات (البروتستانت على سبيل المثال) أسهل في التصور من منحها للبعض ~~الآخر (النساء). لقد فرض منطق العملية أنه بمجرد أن يدور النقاش حول جماعة تتمتع بمستوى ~~مرتفع على مقياس قابلية تصور حصولها على تلك الحقوق (الرجال البروتستانت أصحاب ~~الممتلكات مثلا)، فإن من ينتمون للفئة نفسها لكنهم عند مستوى أدنى على مقياس قابلية ~~تصور حصولهم على الحقوق (الرجال اليهود غير ذوي الممتلكات) حتما سيظهرون على أجندة ~~الحقوق. ولم يكن منطق العملية يحرك الأحداث بالضرورة في خط مستقيم للأمام، لكنه كان ~~ينزع إلى ذلك على المدى الطويل. وهكذا، استغل معارضو حقوق اليهود - على سبيل المثال - ~~قضية البروتستانت (فهم مسيحيون على الأقل، بخلاف اليهود) لإقناع النواب بإرجاء قضية ~~حقوق اليهود. ومع ذلك، في خلال فترة لم تتجاوز العامين، حصل اليهود على الحقوق ~~المتساوية، ويعزى هذا جزئيا إلى أن المناقشة الصريحة لحقوقهم جعلت منح الحقوق ~~المتساوية لليهود أكثر قابلية للتصور. # أثناء تطبيق هذا المنطق عمليا، تبين أن طبيعة «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» التي ~~يفترض أنها طبيعة تجريدية ميتافيزيقية، هي أحد الأصول الثمينة للغاية. ولأنه بالتحديد ~~نحى جانبا أي مسائل تتعلق بالتفاصيل، فإن النقاش الذي دار على مدار شهري يوليو حتى ~~أغسطس عام 1789 حول المبادئ الأساسية ساعد في تحفيز طرق تفكير عززت أخيرا ظهور تفاسير ~~أكثر جوهرية للتفاصيل المطلوبة. لقد صمم الإعلان كي يعبر بوضوح عن الحقوق العالمية ~~للبشرية والحقوق السياسية بصفة عامة للأمة الفرنسية ومواطنيها. ولم يعرض الإعلان أهليات ~~محددة للمشاركة الفعالة. فتأسيس حكومة يتطلب الانتقال من التعميم إلى التفصيل؛ وعند ~~الإعداد للانتخابات، بات تحديد أهليات التصويت وتولي المناصب ضرورة ملحة. فميزة البدء ~~بالتعميم غدت واضحة بمجرد طرح التفاصيل. # كان البروتستانت هم أول جماعة هوية دينية ينظر إليها بعين الاعتبار، ومناقشة وضعهم ~~أعطى سمة دائمة للنزاعات التالية، هي أنه لا يمكن أخذ جماعة بعين الاعتبار بمعزل ms117 عن ~~الجماعات الأخرى. لا يمكن إثارة قضية البروتستانت دون إثارة قضية اليهود؛ وبالمثل لا ~~سبيل إلى طرح قضية الممثلين للنقاش دون إثارة قضية الجلادين؛ أو حقوق السود الأحرار دون ~~الالتفات إلى العبيد. وعندما تناول مؤلفو الكتيبات حقوق المرأة، حتما قارنوها بحقوق ~~الرجال غير ذوي الممتلكات وحقوق العبيد، بل واعتمدت المناقشات بشأن سن الرشد (التي ~~خفضت من الخامسة والعشرين إلى الحادية والعشرين في عام 1792) على مقارنته بالطفولة. ~~كان وضع وحقوق كل من البروتستانت، واليهود، والسود الأحرار، والمرأة يعتمد بدرجة كبيرة ~~على مكانهم في شبكة الجماعات الأكبر التي تشكل الكيان السياسي للدولة. # كانت قد أثيرت بالفعل قضية البروتستانت واليهود معا من قبل في النقاشات حول صياغة ~~الإعلان؛ فقد أكد النائب الشاب النبيل الكونت دي كاستيلان أنه ينبغي أن ينعم كل من ~~البروتستانت واليهود «بالحق الأكثر قداسة بين جميع الحقوق؛ ألا وهو حق حرية المعتقد». ~~بل إنه أكد أنه لا يجب ذكر دين محدد في الإعلان. أشار رباءوت سانت إتيان، الذي كان هو ~~نفسه قسا كالفينيا من مقاطعة لانجيدوك حيث يقطن الكثيرون من الكالفينيين، إلى الطلب ~~المتعلق بقائمة التظلم المحلية التي قدمها من أجل حرية الدين لغير الكاثوليك، وقد حصر ~~رباءوت اليهود صراحة من ضمن غير الكاثوليك - غير أن نقاشه، شأنه شأن جميع المشتركين في ~~الحوار - انصب على حرية المعتقد الديني، وليس على الحقوق السياسية للأقليات. وبعد ساعات ~~من النقاش المحتدم، أقر النواب مادة لتسوية النزاع في أغسطس لم تأت على أي ذكر للحقوق ~~السياسية (المادة العاشرة من الإعلان): «لا يجوز التعرض لأحد لما يبديه من الأفكار حتى ~~في المسائل الدينية على شرط أن تكون هذه الأفكار غير مخلة بالأمن العام.» وكانت الصياغة ~~غامضة عن عمد حتى إن البعض فسرها على أنها انتصار لصالح المحافظين الذين عارضوا ~~باستماتة حرية الدين. ألن تكدر عبادة البروتستانت العلنية «الأمن العام»؟ # 5 # بحلول ديسمبر - بعدها بأقل من ستة أشهر - سلم معظم النواب بحرية المعتقد الديني. ~~ولكن هل كانت حرية الاعتقاد الديني حينها تعني تساوي الحقوق السياسية للأقليات ms118 الدينية ~~بالمثل؟ أثار برونيه دي لاتيك قضية الحقوق السياسية للبروتستانت بعد أسبوع فقط من تحرير ~~لوائح انتخابات البلدية في الرابع عشر من ديسمبر عام 1789؛ فقد أخبر زملاءه أن غير ~~الكاثوليك استبعدوا من القوائم الانتخابية بحجة أن أسماءهم لم تكن مدرجة في القوائم، ~~وقال راجيا: «من المؤكد أيها السادة أنكم لم ترغبوا في أن تسمحوا للآراء الدينية أن ~~تكون سببا رسميا لحرمان بعض المواطنين والسماح للبعض الآخر.» وكان خطاب برونيه ~~مؤثرا ومعبرا؛ فالنواب الآن أصبحوا مضطرين إلى تفسير أفعالهم السابقة في ضوء الحاضر. ~~فقد أراد مناوئو البروتستانت أن يدعوا أن البروتستانت لم تتسن لهم المشاركة لأن ~~الجمعية لم تصوت على مرسوم يسمح بهذا؛ فعلى أي حال البروتستانت مستبعدون من المناصب ~~السياسية بموجب القانون منذ إلغاء «مرسوم النانت» الصادر عام 1685، ولم يصدر منذ ذلك ~~الحين أي قانون يعيد لهم وضعهم السياسي رسميا. وزعم برونيه ومؤازروه أن المبادئ ~~العامة المنصوص عليها في «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» لم تقر بأي استثناءات؛ وأن جميع ~~أولئك الذين استوفوا شروط الأهلية من حيث السن وحيازة الممتلكات لا بد أن يعتبروا ~~تلقائيا مؤهلين، وأن القيود السابقة المفروضة على البروتستانت من ثم لم تعد ~~ملزمة. # 6 # بعبارة أخرى، كانت العالمية المجردة للإعلان تعود لتفرض نفسها، فلا برونيه ولا أي شخص ~~آخر أثار قضية حقوق المرأة في تلك اللحظة؛ فعلى ما يبدو لم تشتمل الأهلية التلقائية على ~~الفرق في النوع الاجتماعي. لكن في اللحظة التي أثير فيها وضع البروتستانت بهذه ~~الطريقة، انفتحت الأبواب أمام فيضان، واستجاب بعض النواب لهذا بفزع. أثار توسيع منح ~~الحقوق الذي اقترحه كليرمونت تونير، بحيث يمتد من البروتستانت ليشمل كافة الأديان ~~والمهن، نقاشا محتدا. وعلى الرغم من أن النقاش كان قد بدأ بقضية البروتستانت، فقد ~~أصبح الجميع يقرون بأنهم ينبغي أن ينعموا بنفس الحقوق شأنهم شأن الكاثوليك. وأثار أمر ~~منح الحقوق للجلادين والممثلين اعتراضات فردية واهنة للغاية، فيما أثار اقتراح منح ~~الحقوق السياسية لليهود موجة عنيفة من الاعتراضات. فحتى أحد النواب المتقبلين لتحرير ~~اليهود في نهاية ms119 الأمر أكد قائلا: «إن كسلهم وتقصيرهم، وافتقارهم إلى اللباقة والذوق، ~~وهي نتيجة حتمية للقوانين والأوضاع المهينة التي تعرضوا لها في أماكن عدة، جميعها ~~تتضافر لجعلهم ممقوتين.» ومن وجهة نظره، لن يفلح منحهم الحقوق إلا في إثارة رد فعل شعبي ~~عنيف ضد اليهود (وكانت أعمال شغب مناوئة لليهود قد اندلعت بالفعل في شرق فرنسا). وفي ~~الرابع والعشرين من ديسمبر، 1789 - في عشية عيد الميلاد - صوتت الجمعية على قرار منح ~~الحقوق السياسية المتساوية «لغير الكاثوليك» وأرباب كافة المهن مع تأجيل مسألة الحقوق ~~السياسية لليهود. ومن الواضح أن التصويت لصالح منح حقوق البروتستانت كان هائلا وفقا ~~لما ورد عن المشاركين، وكتب أحد النواب في مذكراته عن «البهجة التي تجلت في أوضح صورها ~~لحظة صدور المرسوم». # 7 # كان تبدل الآراء بشأن البروتستانت مذهلا؛ فقبل «مرسوم التسامح» الذي صدر عام 1787، ~~لم يكن مسموحا للبروتستانت قانونيا أن يمارسوا دينهم أو يتزوجوا أو يورثوا ~~ممتلكاتهم، وبعد عام 1787، بات بمقدورهم ممارسة عباداتهم الدينية، والزواج أمام ~~المسئولين المحليين، وتقييد أبنائهم في سجل المواليد. غير أنهم حصلوا بذلك على الحقوق ~~المدنية فقط وليس حقوق المشاركة السياسية المتساوية، علاوة على أنهم ظلوا لا ينعمون ~~بحقهم في مزاولة عبادتهم الدينية على الملأ، فقد كان هذا حكرا على الكاثوليك وحدهم. ~~وكانت بعض المحاكم العليا قد استمرت في مناهضة تطبيق المرسوم حتى عامي 1788 و1789. من ~~ثم لم يكن واضحا بالمرة في أغسطس أن معظم النواب يؤيدون الحرية الحقيقية في اختيار ~~الدين، غير أنه بحلول نهاية ديسمبر، منح النواب حقوقا سياسية متساوية ~~للبروتستانت. # ما الذي يفسر تبدل رأيهم؟ عزا رباءوت سانت إتيان هذا التغير في الرأي والتوجه إلى ~~إظهار النواب البروتستانت تحملهم للمسئولية المدنية؛ فقد اختير أربعة وعشرون نائبا ~~بروتستانتيا، بمن فيهم هو نفسه، في عام 1789. وكان البروتستانتيون يتقلدون المناصب ~~المحلية حتى قبل ذلك الحين على الرغم من الحظر الرسمي لهذا الأمر، وفي خضم الريبة التي ~~سادت الشهور المبكرة من عام 1789، شارك العديد من البروتستانت في انتخابات الانضمام إلى ~~«طبقة العوام». يرجع المؤرخ البارز ms120 للجمعية الوطنية، تيموثي تاكيت، تبدل الآراء ~~بشأن البروتستانت إلى صراعات سياسية داخلية في الجمعية؛ إذ وجد النواب المعتدلون أن ~~الأسلوب المعرقل الذي يتبناه اليمينيون بغيض للغاية ومن ثم انحازوا إلى اليساريين، ~~الأمر الذي ساعد في منح الحقوق. غير أنه حتى المثال الرئيسي الذي استخدمه تاكيت للإشارة ~~إلى أسلوب العرقلة، النائب المشاكس القس جان موري، كان في مصلحة حقوق البروتستانت. ~~فموقف موري يقدم دليلا للعملية؛ لأنه ربط بين دعم الحقوق السياسية للبروتستانت وإنكار ~~حقوق اليهود: «يدين البروتستانت بنفس ديننا وقوانيننا ... هم ينعمون بنفس الحقوق بالفعل.» ~~وقد سعى موري بهذه الطريقة إلى أن يفرق بين البروتستانت واليهود. غير أن اليهود ~~الإسبانيين والبرتغاليين الذين يقطنون جنوب فرنسا بدءوا على الفور في الإعداد لتقديم ~~عريضة للجمعية الوطنية يزعمون فيها أنهم هم أيضا كانوا يمارسون بالفعل حقوقهم السياسية ~~على المستوى المحلي، ولم تفلح محاولة ضرب إحدى الأقليات الدينية بأخرى سوى في توسيع ~~الصدع. # 8 # تغير وضع البروتستانت عن طريق النظرية والممارسة، أي عن طريق نقاش المبادئ العامة ~~لحرية الاعتقاد والمشاركة الفعالة للبروتستانت في الشئون المحلية والقومية. وكان برونيه ~~دي لاتيك قد أشار إلى المبدأ العام عندما ادعى أن النواب لن يسمحوا «للآراء الدينية أن ~~تكون سببا رسميا لحرمان بعض المواطنين والسماح للبعض الآخر». ولما لم يرغب موري في ~~أن يعترف بالنقطة العامة، اضطر أن يقر بالنقطة العملية؛ فالبروتستانت مارسوا بالفعل نفس ~~الحقوق مثل الكاثوليك. وكان النقاش العام الذي دار في أغسطس قد ترك عمدا هذه المسائل ~~عالقة، ليفتح الباب أمام التأويلات اللاحقة، والأكثر أهمية، لكي لا يقطع الطريق على ~~المشاركة في الشئون المحلية. وسارع البروتستانت وبعض اليهود لتحقيق الاستفادة القصوى من ~~الفرص الجديدة المتاحة أمامهم. # على عكس البروتستانت الذين عاشوا قبل «مرسوم التسامح» الصادر عام 1787، لم يتعرض ~~اليهود الفرنسيون لأي عقوبات بسبب مجاهرتهم بدينهم، لكنهم نعموا بالقليل من الحقوق ~~المدنية ولم يذوقوا طعم الحقوق السياسية. في الواقع، كانت مسألة انتماء اليهود إلى ~~فرنسا موضع تساؤل. إن الكالفينيين فرنسيون ضلوا الطريق باعتناق الهرطقة، في حين أن ms121 ~~اليهود غرباء في الأصل شكلوا أمة منفصلة داخل فرنسا . من ثم كان اليهود الألزاسيون ~~معروفين رسميا باسم «أمة الألزاس اليهودية»، غير أن اللفظة «أمة» كان لها معنى أقل ~~وطنية في ذلك الحين عن معناها اللاحق في القرنين التاسع عشر والعشرين. وعلى غرار معظم ~~اليهود في فرنسا، شكل اليهود الألزاسيون أمة، لدرجة أنهم عاشوا داخل مجتمع يهودي ~~تحدد حقوقه وواجباته بموجب خطابات امتياز خاصة صادرة من الملك، وكانوا ينعمون بحق ~~إدارة بعض شئونهم الخاصة، بل والبت في القضايا في محاكمهم الخاصة؛ غير أنهم عانوا أيضا ~~من مجموعة متنوعة من القيود المفروضة على أنواع التجارة التي يمكنهم مزاولتها، والأماكن ~~التي يمكنهم العيش فيها، والمهن التي يمكن أن يتطلعوا إليها. # 9 # كان كتاب عصر النهضة قد كتبوا مرارا وتكرارا عن اليهود، ولم تكن كتاباتهم ~~إيجابية دائما، وبعد منح الحقوق المدنية للبروتستانت عام 1787، تحولت الأنظار شطر ~~تحسين وضع اليهود. شكل الملك لويس السادس عشر لجنة لدراسة القضية في عام 1788، أي بعد ~~فوات الأوان على اتخاذ أي إجراءات قبل اندلاع الثورة. ومع أن مسألة الحقوق السياسية ~~لليهود حظيت بمرتبة أقل من حقوق البروتستانت من حيث إمكانية تصورها وتحقيقها، فإن ~~اليهود استفادوا في نهاية الأمر من التفات الأنظار إليهم. غير أن النقاش الصريح لم ~~يتحول فورا إلى حقوق ممنوحة. تحررت سبع وثلاثمائة قائمة تظلم في ربيع 1789 تذكر اليهود ~~صراحة، غير أن الآراء حولها انقسمت انقساما حادا بين مؤيد ومعارض. دعا سبعون بالمائة ~~من الآراء بقوة إلى تحديد عدد اليهود المسموح بوجودهم في فرنسا، وتسعة بالمائة أيدت ~~طردهم، بينما دعا نحو تسعة إلى عشرة بالمائة فقط إلى تحسين ظروفهم. ومن دون الآلاف من ~~قوائم التظلم، أيدت ثماني قوائم فحسب منح حقوق متساوية لليهود. ومع ذلك كان هذا الرقم ~~أكبر من القوائم التي طالبت بنفس الحق للمرأة. # 10 # يبدو أن حقوق اليهود تتفق مع القاعدة العامة التي تقول إن الجهود الأولى لإثارة قضية ~~الحقوق تأتي غالبا بنتائج عكسية. فموقف قوائم التظلم السلبي إلى حد كبير أذن برفض ms122 ~~النواب منح الحقوق السياسية لليهود في ديسمبر عام 1789، غير أنه على مدار العشرين شهرا ~~التالية، دفع منطق الحقوق النقاش إلى الأمام. وبعد مرور شهر واحد فحسب من إرجاء مناقشة ~~حقوق اليهود، قدم اليهود الإسبانيون والبرتغاليون القاطنون في جنوب فرنسا عريضة إلى ~~الجمعية الوطنية يدعون فيها أنهم كانوا، على غرار البروتستانت، يشاركون بالفعل في ~~السياسة في بعض مدن جنوب فرنسا مثل مدينة بوردو. وقام الأسقف الكاثوليكي تشارلز موريس ~~دي تاليران بريجور، بالإنابة عن اللجنة المعنية بوضع الدستور، بالتصديق على وضعهم؛ فقد ~~أكد على أن اليهود لم يكونوا يطالبون بحقوق مواطنة جديدة، إنما يطالبون فقط «بالاستمرار ~~في التمتع بهذه الحقوق»؛ لأنهم كانوا يمارسونها بالفعل شأنهم شأن البروتستانت. وعليه، ~~منحت الجمعية الحقوق لبعض اليهود دون تغيير وضع اليهود بصفة عامة. وبهذه الطريقة، أمكن ~~تحويل حجة الممارسة العملية الفعلية ضد أولئك الذين رغبوا في التمييز الفئوي. # 11 # أثار حديث تاليران سخطا عنيفا، لا سيما وسط نواب منطقة ألزاس-لورين، التي كانت تأوي ~~أكبر عدد من السكان اليهود. وكان يهود شرقي فرنسا هم يهود أشكيناز الذين يتحدثون اللغة ~~اليديشية. كان الرجال يعفون اللحية، على خلاف اليهود السفارديم القاطنين في بوردو، وقد ~~قصرت عليهم القوانين الفرنسية إلى حد كبير امتهان مهن الربا والبيع المتجول. ولم يكن ~~هناك الكثير من الود بينهم وبين الفلاحين المدينين لهم. وعليه، لم يتوان نواب هذه ~~المنطقة عن توضيح العواقب الوخيمة الحتمية المترتبة على اتباع مبادرة تاليران: «إن ~~الاستثناء الممنوح لليهود القاطنين في بوردو [أغلبهم من يهود السفارديم] سرعان ما سينتج ~~عنه منح نفس الاستثناء لليهود الآخرين في أنحاء المملكة.» غير أنه وسط الاعتراضات ~~العنيفة، صوت ثلاثمائة وأربعة وسبعون نائبا مقابل مائتين وأربعة وعشرين نائبا بأن «كل ~~اليهود المعروفين كيهود برتغاليين، وإسبانيين، وأفينيونيين سوف يستمرون في ممارسة ~~الحقوق التي كانوا يمارسونها حتى الوقت الحاضر» وعليه سوف «يمارسون حقوق المواطنين ~~الفاعلين ما داموا يستوفون الشروط المنصوص عليها في مراسيم الجمعية الوطنية [المتعلقة ~~بالمواطنة الفعالة]». # 12 # أدى التصويت لصالح منح الحقوق لبعض اليهود إلى أن ms123 أصبح رفض منحها للبعض الآخر أكثر ~~صعوبة على المدى الطويل؛ ففي السابع والعشرين من سبتمبر عام 1791، ألغت الجمعية كافة ~~التحفظات والاستثناءات السابقة فيما يتعلق باليهود، ومن ثم منحتهم جميعا حقوقا ~~متساوية، وقد طلبت أيضا أن يحلف اليهود بالقسم المدني متنازلين عن الامتيازات الخاصة ~~والإعفاءات الممنوحة لهم من الحكومة الملكية. يقول كليرمونت تونير: «لا بد أن نرفض كل ~~شيء لليهود باعتبارهم أمة ونقر بكل شيء لليهود بصفتهم أفرادا.» وكمقابل لتخليهم عن ~~محاكمهم وقوانينهم الخاصة، سيصبحون مواطنين فرنسيين أفرادا شأنهم شأن الجميع. وهكذا ~~عملت النظرية والممارسة العملية معا مرة أخرى في علاقة ديناميكية تتسم بالفعالية. ~~فبدون النظرية، بمعنى المبادئ المنصوص عليها في الإعلان، ما كانت الإشارة إلى بعض ~~اليهود الذين يمارسون هذه الحقوق بالفعل لتحدث أثرا؛ وبدون الإشارة إلى الممارسة ~~العملية، فلربما ظلت النظرية مجرد وثيقة ميتة (كما كان حالها فيما يتعلق بحقوق ~~المرأة). # 13 # غير أن الحقوق لم تكن تمنحها الهيئة التشريعية فحسب؛ فقد حفزت النقاشات حول الحقوق ~~مجتمعات الأقليات للتعبير عن نفسها والمطالبة بتقدير متساو. لقد تمتع البروتستانت ~~بفرصة أعظم للتعبير؛ نظرا لأنهم كانوا يستطيعون التحدث من خلال نوابهم المنتخبين ~~بالفعل في الجمعية الوطنية. إلا أن اليهود الباريسيين، الذين لم يكن لهم وضع مشترك وبلغ ~~إجمالي عددهم بضع مئات فحسب، قدموا أول عريضة لهم إلى الجمعية الوطنية في أوائل أغسطس ~~عام 1789، كانوا يطلبون من النواب بالفعل أن «يعترفوا بحقوقنا كمواطنين». وبعدها ~~بأسبوع، نشر ممثلون من مجتمع أكبر بكثير من اليهود في ألزاس ولورين خطابا مفتوحا ~~يطالبون فيه بالمواطنة أيضا. عندما اعترف النواب بحقوق يهود جنوب فرنسا في يناير 1790، ~~اتحد يهود باريس وألزاس ولورين معا لتقديم عريضة مشتركة، ولما كان بعض النواب ~~يتساءلون هل يريد اليهود فعلا الحصول على الجنسية الفرنسية، أوضح مقدمو العريضة موقفهم ~~وضوح الشمس: «هم يطالبون بإلغاء الفروق المهينة التي يعانون منها حتى يومنا هذا ~~وبإعلانهم «مواطنين».» وقد عرف مقدمو العريضة الوتر الحساس الذي ينقرون عليه بالضبط؛ ~~فبعد استعراض طويل لكل الإجحاف والظلم المستمر منذ عهود طويلة، ختموا ms124 عريضتهم بتوسل ~~للحتمية التاريخية: «كل شيء يتغير؛ ولا مفر من أن يتغير قدر اليهود مع هذا التغير؛ ولن ~~تزيد دهشة الناس لرؤية هذا التغيير تحديدا وسط كل هذه التغيرات الحادثة من حولهم كل ~~يوم ... لنربط التحسن في قدر اليهود بالثورة، أي أن ندمج، إذا جاز التعبير، هذه الثورة ~~الجزئية في الثورة العمومية.» وأرخ مقدمو العريضة كتيبهم بنفس تاريخ اليوم الذي صوتت ~~فيه الجمعية على منح الاستثناء ليهود جنوب فرنسا. # 14 # في غضون عامين، كانت الأقليات الدينية قد نالت حقوقا متساوية في فرنسا. بالطبع لم ~~ينته التمييز والظلم، لا سيما فيما يخص اليهود. ومع ذلك يمكن قياس عظمة مثل هذا ~~التغيير الذي حدث خلال فترة وجيزة من الزمن بإجراء مقارنة بسيطة؛ ففي بريطانيا العظمى، ~~حصل الكاثوليك للمرة الأولى على حق الالتحاق بالقوات المسلحة، والجامعات، والقضاء في ~~عام 1793، فيما اضطر اليهود البريطانيون إلى الانتظار حتى عام 1845 لنيل نفس الحقوق؛ ~~وأمكن انتخاب الكاثوليك في البرلمان البريطاني بعد عام 1829، واليهود بعد عام 1858. ~~وكان الوضع أفضل بعض الشيء في الولايات المتحدة؛ فلم يحظ السكان اليهود المحدودون في ~~المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية البالغ عددهم زهاء الألفين والخمسمائة فقط بأي ~~مساواة سياسية. وبعد الاستقلال، استمرت معظم الولايات المتحدة الجديدة تقصر تولي ~~المناصب (والتصويت في بعض الولايات) على البروتستانت. وكفل أول تعديل للدستور، الذي ~~حرر في سبتمبر عام 1789 وصدق عليه في عام 1791، حرية الاعتقاد، وبعد ذلك الحين ألغت ~~الولايات بالتدريج المعايير الدينية. وسارت العملية - كالعادة - على نفس المنوال الذي ~~سارت عليه في بريطانيا: أن يحصل الكاثوليك أولا على كامل الحقوق السياسية ثم يتبعهم ~~اليهود؛ فقد فتحت ولاية ماساتشوستس على سبيل المثال في عام 1780 باب تولي المناصب لأي ~~شخص «ينتمي للديانة المسيحية»، في حين أنها لم تفتح هذا الباب لكل الأديان حتى عام ~~1833. وعقب مبادرة جيفرسون، تحركت ولاية فيرجينيا بخطى أسرع مانحة الحقوق المتساوية في ~~عام 1785، ثم تبعتها ولايتا كارولينا الجنوبية وبنسلفانيا في عام 1790. أما ولاية رود ~~آيلاند فلم تطبق هذا إلا في عام ~~1842. # 15 # السود ms125 الأحرار، والرق، والعرق # يمكن رؤية القوة الهائلة لمنطق الحقوق الثوري أكثر وضوحا في القرارات الفرنسية بشأن ~~السود الأحرار والعبيد . ومرة أخرى ستكون المقارنة ذات مغزى هنا؛ فقد منحت فرنسا الحقوق ~~السياسية المتساوية للسود الأحرار في عام 1792 وحررت العبيد في عام 1794، أي قبل أن ~~تفعل ذلك أي أمة أخرى لديها عبيد بوقت طويل. ومع أن الدولة الجديدة في الولايات المتحدة ~~بادرت بمنح الحقوق للأقليات الدينية قبل أن يفعل أبناء عمومتهم البريطانيون ذلك بوقت ~~طويل، فإنها تلكأت للغاية عندما تعلق الأمر بالعبيد؛ فبعد سنوات من حملات العرائض التي ~~تصدرها المؤيدون لجماعة الكويكرز من أجل إلغاء الرق، صوت البرلمان البريطاني على ~~التوقف عن المشاركة في تجارة الرقيق في عام 1807، وقرر عام 1833 إلغاء تجارة الرقيق في ~~المستعمرات البريطانية. وكان الوضع في الولايات المتحدة أكثر سوءا؛ لأن مؤتمر كتابة ~~الدستور الذي انعقد عام 1787 لم يمنح الحكومة الفيدرالية حق التحكم في مسألة الرق. ومع ~~أن الكونجرس صوت أيضا على منع استيراد الرقيق في عام 1807، فإن الولايات المتحدة لم ~~تلغ الرق رسميا حتى عام 1865، عندما جرى التصديق على التعديل الثالث عشر في الدستور. ~~زد على ذلك أن وضع السود الأحرار تردى بالفعل في العديد من الولايات بعد عام 1776، ~~بالغا الحضيض في قضية دريد سكوت المشينة عام 1857 عندما أعلنت المحكمة العليا للولايات ~~المتحدة أنه لا العبيد ولا السود الأحرار يعدون مواطنين. ولم ينقلب وضع دريد سكوت إلا ~~في عام 1868 عندما صدق على التعديل الرابع عشر في دستور الولايات المتحدة، الذي كفل أن ~~«جميع الأشخاص الذين ولدوا في الولايات المتحدة أو حصلوا على الجنسية فيها ويخضعون ~~لسلطتها، هم مواطنون في الولايات المتحدة وفي الولاية التي يقيمون فيها». # 16 # اقتدى مؤيدو إلغاء الرق في فرنسا بالإنجليز عن طريق تكوين جمعية شقيقة في عام 1788 ~~على غرار «الجمعية البريطانية لإلغاء تجارة الرقيق». ولما كانت «جمعية أصدقاء السود» ~~تفتقر إلى الدعم الكبير من الجمهور، فقد كان من المحتمل أن تتعثر وتخفق لولا أحداث عام ~~1789 التي وضعتها ms126 في بؤرة الضوء. لم يكن تجاهل آراء «جمعية أصدقاء السود» ممكنا؛ إذ ~~كان من ضمن أعضائها البارزين بريسوت، وكوندرسيه، ولافاييت، والقس بابتيست هنري جريجوار، ~~وجميعهم من مؤيدي حملات حقوق الإنسان المعروفين في ميادين أخرى. كان جريجوار، وهو كاهن ~~كاثوليكي من لورين، قد نادى حتى قبل عام 1789 بتخفيف القيود المفروضة على اليهود في شرق ~~فرنسا، وفي عام 1789 نشر كتيبا يؤيد فيه منح الحقوق المتساوية للرجال الأحرار من ~~الملونين. ولفت جريجوار الأنظار إلى العنصرية المتفشية في مستعمرات البيض قائلا: «أعلن ~~البيض - مدعومين بالقوة إلى جانبهم - على نحو جائر أن البشرة الداكنة تقصي المرء عن ~~الاستفادة من مزايا المجتمع.» # 17 # غير أن منح الحقوق للأحرار من السود والمولودين لوالد أبيض وآخر أسود، وإلغاء الرق، ~~أمران لا يتحققان بواسطة الهتاف والتهليل فحسب؛ ففي الجمعية الوطنية الجديدة كان عدد ~~أولئك الذين خشوا المساس بنظام الرق والثروات الطائلة التي يجلبها على فرنسا يفوق جدا ~~عدد المؤيدين لإلغاء الرق. نجح المزارعون والتجار البيض في مدن الموانئ المطلة على ~~الأطلنطي في تصوير «أصدقاء السود» على أنهم متحمسون عاقدون العزم على تهييج العبيد ~~وتحريضهم على التمرد. وفي الثامن من مارس عام 1790، صوت النواب على إقصاء المستعمرات من ~~الدستور، ومن ثم إقصاؤها من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن». أوضح المتحدث الرسمي باسم ~~اللجنة الاستعمارية أنطوان بارنيف أن: «التطبيق الصارم والشامل للمبادئ العامة لا يمكن ~~أن يكون ملائما [للمستعمرات] ... فاختلاف الأماكن، والعادات، والمناخ، والمنتجات يقتضي - ~~كما يتراءى لنا - قوانين مختلفة أيضا.» وقد جرم المرسوم أيضا إثارة الاضطرابات في ~~المستعمرات. # 18 # وعلى الرغم من هذا الرفض، فإن الحديث عن الحقوق وصل إلى قاع السلم الاجتماعي في ~~المستعمرات على نحو حتمي لا سبيل إلى اجتنابه. بدأ هذا الحديث من القمة بالمزارعين ~~البيض في أكبر المستعمرات وأغناها، وهي مستعمرة سان دومينجو (هايتي الآن)، الذين طالبوا ~~في منتصف عام 1788 بإصلاحات في تجارة ~~المستعمرات وبتمثيلهم في اجتماعات «طبقة العوام» القادمة. ولم يمض وقت طويل حتى توعدوا ~~بالمطالبة بالاستقلال، مثل مستعمرات أمريكا الشمالية، إذا ما ms127 حاولت الحكومة المحلية ~~التدخل في نظام الرق. ومن ناحية أخرى، توقع البيض من الطبقات الأدنى أن تحقق لهم الثورة ~~الفرنسية الإنصاف من البيض الأكثر ثراء الذين لم تكن لديهم أي رغبة في تشارك السلطة ~~السياسية مع الحرفيين وأصحاب المتاجر. # كان الأمر الأكثر خطورة على الوضع الراهن هو المطالب المتزايدة للأحرار السود ~~والمولودين لوالد أبيض وآخر أسود؛ فبمقتضى مرسوم ملكي أقصى من المشاركة في معظم المهن ~~أو حتى من الانتساب إلى أقارب بيض الملونون الأحرار الذين كانوا بالرغم من ذلك يحوزون ~~ممتلكات هائلة للغاية؛ إذ كانوا يملكون - على سبيل المثال - ثلث المزارع وربع العبيد في ~~سان دومينجو؛ لذا أرادوا أن يعاملوا على قدم المساواة مع البيض حتى مع الإبقاء على ~~نظام الرق. حاول فينسنت أوجي، أحد مفوضيهم إلى باريس في عام 1789، أن يقنع أصحاب ~~المزارع من البيض بضرورة منحهم حقوقا متساوية من خلال التأكيد على مصالحهم المشتركة ~~بصفتهم ملاك مزارع فقال: «سنشهد إراقة للدماء، واقتحاما للأراضي، وتخريبا للصناعة، ~~وحرقا للمنازل ... سيستعر تمرد العبيد أكثر.» وكان الحل الذي اقترحه لدرء ذلك هو منح ~~حقوق متساوية لأمثاله من الملونين الأحرار الذين بمقدورهم أن يساعدوا في احتواء العبيد، ~~على الأقل في الوقت الراهن. وعندما فشل توسله إلى أصحاب المزارع البيض وتبين أن دعم ~~«أصدقاء السود» عديم النفع أيضا، عاد إلى ~~سان دومينجو، وفي ربيع عام 1790 أعلن تمرد الملونين الأحرار، وفشل التمرد، وسحقت عظامه ~~على العجلة. # 19 # لكن دعم حقوق الملونين الأحرار لم يتوقف عند هذه النقطة؛ ففي باريس نجد أن التحريض ~~المستمر الذي صنعه «أصدقاء السود» نجح في استصدار مرسوم في مايو عام 1791 بالحقوق ~~السياسية لجميع الرجال الملونين الأحرار المولودين لآباء وأمهات أحرار. وبعد أن تمرد ~~العبيد في سان دومينجو في أغسطس 1791، ألغى النواب المرسوم الذي تكبله قيود شديدة ليحل ~~محله مرسوم أكثر كرما في أبريل عام 1792. ولم يكن مستغربا أن يتصرف النواب بارتباك؛ ~~لأن الموقف على الأرض في المستعمرة كان محيرا. كان تمرد العبيد الذي بدأ في منتصف ~~أغسطس 1791 قد ms128 جذب عددا كبيرا وصل إلى 10000 ثائر بنهاية الشهر، واستمر العدد في ~~الزيادة بسرعة هائلة. ذبحت جماعات العبيد المسلحة البيض وحرقت حقول قصب السكر والمنازل. ~~وعلى الفور ألقى أصحاب المزارع باللوم على «أصدقاء السود» وعلى انتشار «سخافات حقوق ~~الإنسان». # 20 # وماذا كان موقف الملونين الأحرار من هذا الصراع؟ لقد كانوا من قبل يخدمون في ~~الميليشيات المنوط بها إلقاء القبض على الرقيق الفارين، وأحيانا كانوا هم أنفسهم ~~يمتلكون العبيد. وفي عام 1789، وصفهم «أصدقاء السود» بأنهم حصن يقف في وجه ثورة العبيد ~~المحتملة، وأيضا وسطاء في أي إلغاء وارد للرقيق. والآن ها قد اندلعت ثورة العبيد ~~بالفعل. وبدأت أعداد متزايدة من النواب في باريس، الذين كانوا قد رفضوا في البداية وجهة ~~نظر «أصدقاء السود»، تعترف بوجهة النظر هذه في مطلع عام 1792. وتمنوا أن يتحالف ~~الملونون الأحرار مع القوات الفرنسية والبيض من الطبقة الأدنى ضد المزارعين والعبيد. ~~وطرح النائب أرماند جاي كيرسانت - الذي كان يعمل ضابطا سابقا رفيع الشأن بالبحرية ~~وصاحب مزرعة - حجة تقول: «هذه الطبقة [البيض الفقراء] تتلقى الدعم من الملونين الأحرار ~~الذين يقتنون الممتلكات؛ فهذا هو فرع الجمعية الوطنية على هذه الجزيرة ... لذا فإن مخاوف ~~سكان مستعمراتنا [أصحاب المزارع البيض] لها ما يبررها؛ لأن لديهم كل المسوغات للخوف من ~~تأثير ثورتنا على عبيدهم. إن حقوق الإنسان تقلب النظام الذي تعتمد عليه ثرواتهم ... ولن ~~ينجوا [سكان المستعمرات] بحيواتهم وثرواتهم إلا عندما يغيرون مبادئهم.» ومضى النائب ~~أرماند في دعوته إلى أن وصل إلى الإلغاء التدريجي للرق نفسه. وفي واقع الأمر، لعب ~~الأحرار السود والسمر دورا غامضا طيلة فترة انتفاضة العبيد؛ فتارة يتحالفون مع البيض ~~ضد العبيد وأخرى يتحالفون مع العبيد ضد البيض. # 21 # ومرة أخرى حفز المشرعين المزيج الفعال الذي يجمع بين النظرية (إعلان الحقوق) ~~والممارسة العملية (في هذه الحالة الثورة والتمرد الصريحان). وكما أوضحت حجة أرماند، ~~كانت حقوق الإنسان جزءا من النقاش لا سبيل إلى تجنبه حتى في الجمعية التي كانت قد ~~أعلنت أن حقوق الإنسان غير قابلة للتطبيق في المستعمرات. ودفعت ms129 الأحداث النواب للاعتراف ~~بقابليتها للتطبيق في أماكن وعلى جماعات أرادوا في الأصل أن يستثنوها من هذه الحقوق. ~~فالنواب الذين عارضوا منح الحقوق للملونين الأحرار، اتفقوا على نقطة واحدة مركزية مع ~~أولئك الذين كانوا يؤيدون منحهم الحقوق، ألا وهي أن حقوق الملونين الأحرار لا سبيل إلى ~~فصلها عن نظام الرق نفسه. وما إن جرى الاعتراف بهذه الحقوق، حتى أصبحت الخطوة التالية ~~أكثر حتمية. # بحلول صيف عام 1793، كانت المستعمرات الفرنسية في حالة جيشان واضطراب كامل. لقد ~~أعلنت الجمهورية في فرنسا ووضعت الحرب الجمهورية الجديدة في مواجهة البريطانيين ~~والإسبان في جزر الكاريبي. سعى أصحاب المزارع من البيض إلى التحالف مع البريطانيين، ~~وانضم بعض من العبيد المتمردين في سان دومينجو إلى الإسبان الذين كانوا يهيمنون على ~~النصف الشرقي من الجزيرة، سانتو دومينجو، في مقابل وعد بأن ينالوا هم أنفسهم الحرية. ~~غير أن الإسبان لم تكن لديهم النية في إلغاء الرق. وفي أغسطس من عام 1793، وفي مواجهة ~~انهيار تام للسلطة الفرنسية على الجزيرة، بدأ مفوضان مرسلان من فرنسا في إبداء ~~استعدادهما لعتق العبيد الذين حاربوا من أجل الجمهورية الفرنسية، ثم أبديا استعدادهما ~~لعتق أسرهم أيضا. بالإضافة إلى أنهما وعدا بالتنازل عن الأرض. وبنهاية الشهر، كان ~~المفوضان يعرضان الحرية لمقاطعات بأكملها. وقد استهل مرسوم تحرير العبيد في الشمال ~~بالمادة الأولى من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»: «يولد الناس ويعيشون أحرارا ~~متساوين في الحقوق.» وعلى الرغم من أن النواب في باريس كانوا يخشون في البداية من تدبير ~~مخطط بريطاني لتقويض السلطة الفرنسية عن طريق تحرير العبيد، فإنهم صوتوا على إلغاء الرق ~~في كافة المستعمرات في فبراير من عام 1794. وقد اتخذ النواب هذا الإجراء فور سماعهم ~~لتقارير مباشرة من ثلاثة رجال - رجل أبيض، وآخر أسمر هجين مولود لوالد أبيض ووالدة ~~سوداء، وعبد نال حريته - كانوا قد أرسلوا من سان دومينجو ليشرحوا ضرورة إعتاق العبيد. ~~وبالإضافة إلى «إلغاء عبودية الزنوج في كل المستعمرات»، أصدر النواب مرسوما بأن «جميع ~~الناس، بدون تمييز بناء على اللون، المقيمين في المستعمرات هم مواطنون فرنسيون، ms130 ولسوف ~~ينعمون بكافة الحقوق المنصوص عليها في الدستور». # 22 # هل كان إلغاء الرق هو فعل إيثاري تنويري خالص؟ بالطبع لا؛ فثورة العبيد المستمرة في ~~سان دومينجو واقترانها بالحرب في العديد من الجبهات لم تترك أمام المفوضين، ومن ثم ~~النواب في باريس، الكثير من الخيارات إذا ما أرادوا أن يتشبثوا بأي جزء من الجزيرة ~~المستعمرة. ومع ذلك، فمع انكشاف أفعال البريطانيين والإسبان، كان هناك مجال فسيح للغاية ~~للمناورة من أجل الإبقاء على العبودية؛ فكان بمقدورهم أن يعدوا بالعتق التدريجي لأولئك ~~الذين انحازوا إليهم دون إبداء أي نية لإلغاء الرق بصفة عامة. بيد أن انتشار «حقوق ~~الإنسان» صعب جدا على الفرنسيين مسألة الإبقاء على الرق. وفيما انتشر نقاش الحقوق ~~في فرنسا، فإنه قوض محاولة المجلس التشريعي الإبقاء على المستعمرات بعيدة عن سيادة ~~الدستور، وفي الوقت عينه حفز النقاش على نحو حتمي الملونين الأحرار والعبيد أنفسهم على ~~تقديم مطالب جديدة والقتال بضراوة من أجلها. وكان أصحاب المزارع ومؤيدوهم على دراية ~~بهذا التهديد من البداية تماما؛ فقد كتب نواب المستعمرة في باريس إلى وطنهم سرا كي ~~يوجهوا أصدقاءهم إلى «مراقبة الأشخاص والأشياء؛ وإلقاء القبض على المشتبه بهم؛ ومصادرة ~~أي كتابات تذكر فيها كلمة «حرية»». ومع أن العبيد ربما لم يفهموا كل النقاط الحساسة في ~~مذهب حقوق الإنسان، فإن الكلمات نفسها كان لها أثر سحري بلا ريب. صرح العبد السابق ~~توسان لوفرتور، الذي سرعان ما صار زعيم الثورة، في أغسطس من عام 1793 قائلا: «أبتغي أن ~~تسود الحرية والمساواة في سان دومينجو. أعمل جاهدا كي آتي بهما إلى حيز الوجود. أيها ~~الإخوة [زملاءه من المتمردين]، ضموا عبيدكم لنا، وحاربوا معنا من أجل نفس القضية.» ~~ولولا الإعلان المبدئي، لظل إلغاء الرق في عام 1794 أمرا مستحيلا ليس بالإمكان ~~تصوره. # 23 # في عام 1802، أرسل نابليون حملة عسكرية هائلة من فرنسا للقبض على توسان لوفروتور ~~وإعادة ترسيخ العبودية في المستعمرات الفرنسية. ولما أعيد توسان إلى فرنسا، مات في سجن ~~بارد، وأبنه ويليام ووردسورث وأشاد به أنصار إلغاء العبودية ms131 في كل مكان. مدح ووردسورث ~~حماسة توسان للحرية: # ومع أنك أنت نفسك رقدت رقاد الموت، ولن تنهض ثانية، # فعش، واهنأ؛ فقد تركت وراءك قوى # سوف تعمل من أجلك؛ هواء، وأرض، وسماوات؛ # فما من نسمة رياح واحدة # سوف تنساك؛ ولك حلفاء ~~عظام؛ # وأصدقاؤك ابتهالات وحرقة وحب # وعقل الإنسان الذي لا يقهر. # أعاقت تصرفات نابليون الإلغاء الحاسم ~~للعبودية في المستعمرات الفرنسية حتى عام 1848، عندما أمسكت جمهورية ثانية بمقاليد ~~الحكم، غير أنه لم يفلح في الرجوع بالزمن إلى الوراء كما كان؛ إذ رفض العبيد في سان ~~دومينجو أن يقبلوا بما فرض عليهم، وتصدوا بنجاح لقوات نابليون إلى أن انسحب الفرنسيون ~~تاركين وراءهم أول أمة يقودها العبيد الأحرار؛ وهي دولة هايتي المستقلة. ومن بين ستين ~~ألف جندي فرنسي، وسويسري، وألماني، وهولندي، أرسلوا إلى الجزيرة، لم يعد سوى بضعة ~~آلاف جندي فحسب عبر المحيط، أما الباقون فقد فقدوا إما في معارك ضارية أو على إثر ~~إصابتهم بالحمى الصفراء التي أهلكت الألوف بما فيهم رئيس أركان القوات المسلحة. غير أنه ~~حتى في المستعمرات التي أعيدت فيها العبودية بنجاح، لم ينس العبيد مذاق الحرية. فبعد ~~أن حلت ثورة عام 1830 في فرنسا محل الحكم الملكي المحافظ، زار أحد المناصرين لإلغاء ~~العبودية جزيرة جوادلوب وأورد رد فعل العبيد تجاه علمه ثلاثي الألوان الذي اتخذته ~~الجمهورية عام 1794، إذ صرخ زهاء خمسة عشر أو عشرين عبدا قائلين: «تحية لك منا! إنك ~~لعلامة رائعة على تحررنا. مرحبا بك أيها العلم العظيم الذي جاء لينبئنا عبر البحار ~~بنصر أصدقائنا وساعة عتقنا.» # 24 # إعلان حقوق المرأة # مع أن النواب وافقوا - تحت الضغط - على أن إعلان الحقوق يسري على «جميع الناس، دون ~~تمييز بحسب اللون»، فإن عددا قليلا منهم هم الذين حملوا أنفسهم على القول إنه يسري ~~على المرأة أيضا. على أن حقوق المرأة طرحت للنقاش، ووسع النواب الحقوق المدنية للمرأة ~~في اتجاهات جديدة هامة؛ فقد منحت الفتيات حق المساواة في الميراث مع إخوتهن الصبيان، ~~وحصلت الزوجات على حق الطلاق مساواة بأزواجهن. ولم يكن ms132 الطلاق مباحا في ظل القانون ~~الفرنسي قبل سن قانون الطلاق عام 1792. وألغى النظام الملكي لدى عودته مرة أخرى إلى ~~مقاليد الحكم الطلاق عام 1816، ولم يعمل ~~به مرة أخرى حتى عام 1884، وعندما عاد الطلاق كان مقترنا هذه المرة بقيود أكثر من تلك ~~التي كانت مفروضة في عام 1792. وفي ضوء ~~الحرمان العالمي للمرأة من حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر وعلى مر أغلب تاريخ ~~البشرية - إذ لم تحصل المرأة على حق التصويت في الانتخابات القومية في أي مكان في ~~العالم قبل نهاية القرن التاسع عشر - فإن نقاش حقوق المرأة من الأصل في الساحة العامة ~~كان أكثر إثارة للدهشة من عدم حصولها على الحقوق في آخر المطاف. # حلت حقوق المرأة بوضوح في مرتبة أدنى على «مقياس قابلية التصور» ~~من حقوق الجماعات الأخرى. ظهرت «قضية ~~المرأة» في أوروبا على فترات إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، ولا سيما فيما يخص ~~تعليم المرأة، أو عدم تعليمها بالأحرى، غير أن حقوق المرأة لم تكن موضع اهتمام ~~المناقشات المستمرة في السنوات التي سبقت الثورة الأمريكية أو الثورة الفرنسية. وعلى ~~عكس البروتستانت أو اليهود أو حتى العبيد الفرنسيين، فإن وضع المرأة لم يكن موضوعا ~~لحروب الكتيبات، أو مسابقات المقالات العامة، أو اللجان الحكومية، أو بالأخص مؤسسات ~~الدعم المنظمة مثل «جمعية أصدقاء السود». وقد يرجع هذا الإهمال إلى حقيقة أن المرأة لم ~~تكن قلة مضطهدة. لقد كانت المرأة مقهورة بموجب معايير المجتمع، وبسبب الجنس، إلا أن ~~النساء لم يكن أقلية، وبالطبع لم يسع أحد إلى حملهن على تغيير هويتهن، كما الحال مع ~~البروتستانت واليهود. وإذا كان البعض قد شبه حالهن بالعبيد، فإن قليلين هم من تجاوزوا ~~التشبيه لينزلوا عالم الاستعارة إلى عالم الواقع. قيدت القوانين حقوق المرأة بلا ريب، ~~لكن المرأة حظيت ببعض الحقوق، على عكس العبيد؛ عدت المرأة متكلة أخلاقيا، إن لم يكن ~~فكريا أيضا، على والدها وزوجها، على أنه لم ينظر لهن على أنهن يفتقرن إلى الاستقلال ~~الذاتي تماما؛ بل إن ميلهن وولعهن بالاستقلال تطلب حيطة مستمرة ms133 من جانب السلطات ~~المفترضة من كل نوع. كما أنهن لم يكن معدومات الرأي، حتى في الشئون السياسية؛ وقد ~~برهنت المظاهرات وأعمال الشغب التي كانت تندلع اعتراضا على أسعار الخبز على هذه ~~الحقيقة قبل وأثناء الثورة الفرنسية. # 25 # كل ما هنالك أن النساء لم يشكلن فئة «سياسية » منفصلة انفصالا بينا وقابلة للتميز ~~بوضوح قبل الثورة. ونموذج كوندرسيه، أكثر رجل جاهر بالدفاع عن الحقوق السياسية للمرأة ~~إبان الثورة، هو نموذج له دلالته؛ ففي وقت مبكر، نحو عام 1781، نشر كوندرسيه كتيبا ~~ينادي فيه بإلغاء العبودية. وفي قائمة اشتملت على الإصلاحات المقترحة من أجل الفلاحين، ~~والبروتستانت، ونظام العدل الجنائي، بالإضافة إلى تأسيس التجارة الحرة، والتطعيم ضد ~~الجدري، لم يكن ثمة ذكر للمرأة. ولم تهم قضية المرأة هذا الرائد في حقوق الإنسان إلا ~~بعد مرور عام كامل على بدء الثورة. # 26 # ومع أن قلة من النساء صوتن من خلال توكيلات في انتخابات «طبقة العوام»، وظن عدد محدود ~~من النواب أن النساء، أو على الأقل الأرامل ذوات الممتلكات منهن، قد يحصلن على حق ~~التصويت في المستقبل، فإن هؤلاء النساء، أي الفئة التي يحتمل منحها الحقوق، لم يظهرن ~~على الإطلاق في مناقشات الجمعية الوطنية في الفترة ما بين عامي 1789 و1791. ترد كلمة ~~«نساء» في الجدول الأبجدي ل «سجل أعمال الجمعية الوطنية» الضخم في موضعين فحسب؛ مرة ~~عندما كانت مجموعة من النساء البريطانيات يطالبن بحلف قسم مدني، وفي موضع آخر عندما ~~كانت مجموعة من النساء الباريسيات يرسلن خطابا. وعلى النقيض، ناقش النواب قضية اليهود ~~مناقشة مباشرة في سبع عشرة مناسبة مختلفة على الأقل. وبنهاية عام 1789، أمكن لعدد كبير ~~من النواب على الأقل أن يتصوروا الممثلين، والجلادين، والبروتستانت، واليهود، والسود ~~الأحرار، بل وحتى الرجال الفقراء، على أنهم مواطنون. وعلى الرغم من عملية إعادة ~~المعايرة المستمرة لمقياس «قابلية التصور»، فإن الحقوق المتساوية للمرأة ظلت غير قابلة ~~للتصور لدى جميع الناس تقريبا من الرجال والنساء على السواء. # 27 # ومع ذلك فحتى هنا، عمل منطق الحقوق عمله، وإن كان على نحو ms134 متقطع؛ ففي يوليو من عام ~~1790، فاجأ كوندرسيه قراءه بمقالة افتتاحية مذهلة في إحدى الصحف بعنوان «حول منح المرأة ~~حقوق المواطنة»، شرح فيها بوضوح الأساس المنطقي لحقوق الإنسان التي كانت تتطور بثبات في ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر: «تنبع حقوق الإنسان فقط من حقيقة أن البشر كائنات ~~ذات إحساس، قادرة على اكتساب أفكار أخلاقية وعلى التأمل في هذه الأفكار.» ألا تتمتع ~~النساء بنفس الخصال؟ الإجابة كما يؤكد كوندرسيه هي أنه: «لما كانت النساء تنعم بنفس ~~الخصال، فهن يتمتعن بالضرورة بحقوق متساوية.» وتوصل كوندرسيه إلى النتيجة المنطقية التي ~~واجه رفاقه الثوار صعوبة بالغة في التوصل إليها: «إما أنه لا يملك أي فرد في البشرية ~~حقوقا حقيقية، وإما أن الجميع لهم نفس الحقوق؛ وعليه فإن أي إنسان يصوت ضد حقوق إنسان ~~آخر أيا كان دين هذا الآخر أو لونه أو نوعه، فإنه بذلك ينكر حقوقه هو نفسه.» # هنا تتجلى الفلسفة الحديثة لحقوق الإنسان في أنقى صورها؛ فالخصائص الفردية للبشر ~~(ربما بخلاف السن، فالأطفال غير قادرين بعد على التفكير بأنفسهم) لا ينبغي أن تحظى ~~بأهمية، حتى فيما يتعلق بالحقوق السياسية. وعلل كوندرسيه أيضا السبب في أن عددا ~~كبيرا من النساء - وكذلك الرجال - يقبل باستسلام الخضوع غير المبرر للمرأة: «يمكن أن ~~تؤدي العادة إلى تكيف البشر مع انتهاك حقوقهم الطبيعية إلى الدرجة التي لا يحلم معها أي ~~من أولئك الذين فقدوا حقوقهم باسترداد تلك الحقوق أو حتى يعتقد أنه تعرض لجور ما من ~~الأساس.» وطالب كوندرسيه قراءه بالإقرار بأن النساء كانت لهن دائما حقوق، وبأن الأعراف ~~الاجتماعية قد أعمت عيونهم عن تلك الحقيقة الجوهرية. # 28 # في سبتمبر عام 1791، قلبت الكاتبة المسرحية المناهضة للعبودية أولمب دي جوج «إعلان ~~حقوق الإنسان والمواطن» رأسا على عقب؛ إذ أكدت فيما أسمته «إعلان حقوق المرأة» أن: ~~«المرأة ولدت حرة وتعيش مساوية للرجل في الحقوق» (المادة الأولى)، «لا بد أن يكون ~~لجميع المواطنات والمواطنين، باعتبارهم متساوين أمامه [القانون]، الحق في الوظائف ~~والرتب العامة بحسب مقدرتهم، ولا يجوز أن يفضل إنسان ms135 على إنسان في هذا الصدد إلا ~~بفضائله ومعارفه» (المادة السادسة). ولا يكاد الانقلاب في لغة الإعلان الرسمي لعام 1789 ~~يبدو صادما لنا الآن، غير أنه بدا حينها صادما بالتأكيد. وفي إنجلترا، لم تصل ماري ~~وولستونكرافت لما وصلت إليه قريناتها الفرنسيات في المطالبة بحقوق سياسية متساوية ~~مساواة مطلقة للمرأة، غير أنها كتبت باستفاضة وبمشاعر حارة أن التعليم والتقاليد أعاقت ~~نمو عقل المرأة. وفي كتابها «المطالبة بحقوق المرأة» الذي نشر عام 1792، ربطت تحرير ~~المرأة بانفجار كل أشكال التسلسل الهرمي في المجتمع. وعانت وولستونكرافت، على غرار دي ~~جوج، من التشنيع العلني بسبب جسارتها، بل إن مصير دي جوج كان أشد وطأة؛ فقد حكم عليها ~~بالإعدام بقطع رأسها بتهمة أنها مناوئة «وقحة» للثورة، وإنسانة غير سوية ~~(«خنثى»). # 29 # ما إن تكون الزخم وزاد، لم تقتصر حقوق المرأة على منشورات قلة من الرواد؛ ففي ~~الفترة بين 1791 و1793 أقامت النساء نوادي سياسية في خمسين مدينة وبلدة على الأقل ~~بالإضافة إلى باريس. ونوقشت حقوق المرأة في النوادي، والصحف، والكتيبات. وفي أبريل من ~~عام 1793، إبان الفترة التي كان ينظر فيها في مسألة المواطنة في ظل دستور مقترح جديد ~~للجمهورية، طرح أحد النواب حجة مستفيضة لصالح منح المرأة حقوقا سياسية متساوية. وبينت ~~حجته أن الفكرة كسبت بعض المناصرين لها. قال ذلك النائب معترفا ومقرا: «لا شك أن ثمة ~~اختلافا بين الرجل والمرأة هو اختلاف الجنس ... لكني لا أعرف كيف يؤدي اختلاف الجنس إلى ~~اختلاف في المساواة في الحقوق ... دعونا نحرر أنفسنا من التحيز ضد الجنس، تماما كما ~~حررنا أنفسنا من التحيز العنصري ضد لون بشرة الزنوج.» غير أن باقي النواب لم يحذوا ~~حذوه. # 30 # بدلا من أن يحذو النواب حذو ذلك النائب، تحركوا في أكتوبر ~~عام 1793 ضد نوادي المرأة. وكرد فعل ~~للمشاجرات التي نشبت في الشوارع بين النساء حول الشعارات الثورية، صوتت الجمعية على ~~إيقاف كافة النوادي السياسية للمرأة بحجة أن هذه النوادي تصرفهن عن موالاة واجباتهن ~~المنزلية كما ينبغي. ووفقا لرأي النائب الذي قدم مرسوم إيقاف ms136 النوادي، فإن النساء لا ~~يملكن المعرفة، أو الخبرة، أو التفاني، أو نكران الذات، وهي أمور يجب التحلي بها في ~~ممارسة السياسة والحكم. ويجدر بهن أن يلتزمن ب «المهام الخاصة التي قدرتها الطبيعة ~~ذاتها للمرأة». لم يبد في منطقه شيء جديد؛ وإنما ما كان جديدا هو الحاجة إلى التصدي ~~للمرأة ومنعها من تشكيل النوادي السياسية والمشاركة فيها. ربما كان وضع المرأة هو أقل ~~وآخر موضوع نوقش، غير أن حقوقهن ظهرت أخيرا على جدول أعمال الجمعية، وما قيل عنهن في ~~تسعينيات القرن الثامن عشر - لا سيما فيما يخص الحقوق - كان له أثر دام حتى يومنا ~~هذا. # 31 # أخرج منطق الحقوق فكرة حقوق المرأة من منطقة الأعراف والعادات الضبابية الغامضة ~~ودفعها إلى النور، على الأقل في فرنسا وإنجلترا. أما في الولايات المتحدة، فقد أثار ~~إهمال حقوق المرأة نقاشا محدودا نسبيا في أوساط العامة قبل عام 1792، ولم تظهر أي ~~كتابات أمريكية في عهد الثورة يمكنها أن ترقى إلى مستوى كتابات كوندرسيه، أو أولمب دي ~~جوج، أو ماري وولستونكرافت. وفي الواقع، قبل نشر كتاب وولستونكرافت: «المطالبة بحقوق ~~المرأة» في عام 1792، لم يلق مفهوم حقوق المرأة آذانا صاغية في إنجلترا أو أمريكا، بل ~~إن ماري وولستونكرافت نفسها طورت أفكارها المؤثرة في هذا الصدد كرد فعل مباشر للثورة ~~الفرنسية؛ ففي عملها الأول حول الحقوق في عام 1790، «المطالبة بحقوق الرجل»، ردت على ~~نقد بيرك لحقوق الرجل في فرنسا، وأدى بها هذا إلى التفكير أيضا في حقوق ~~المرأة. # 32 # وإذا نظرنا إلى ما هو أبعد من التصريحات والمراسيم الرسمية الصادرة عن الساسة الذكور، ~~فسنجد أن تغير التوقعات بشأن حقوق المرأة أكثر لفتا للانتباه. فمثلا، على نحو مدهش، ~~كان كتاب وولستونكرافت: «المطالبة بحقوق المرأة» متوفرا في المكتبات الأمريكية الخاصة ~~في بداية عصر الجمهورية أكثر من كتاب توماس بين «حقوق الإنسان». ومع أن بين نفسه لم ~~يلق بالا إلى حقوق المرأة، فإن آخرين اهتموا بها؛ ففي مطلع القرن التاسع عشر، تناولت ~~بانتظام الأوساط المتجادلة، وخطب التخرج، والصحف الشعبية في الولايات المتحدة ms137 المسلمات ~~القائمة على النوع وراء حق التصويت المقتصر على الرجل فقط، وانتهزت المرأة الفرص ~~الجديدة في عالم النشر التي خلقتها حرية الصحافة لكتابة كتب وكتيبات أكثر عددا مما كتب ~~في أي وقت مضى، وتسبب حق المرأة في المساواة في الإرث في عدد لا نهائي من القضايا؛ لأن ~~النساء عقدن العزم على التمسك بما أصبح الآن حقهن شرعا، فعلى كل حال، الحقوق ليست ~~عرضا من نوع «إما كل شيء أو لا شيء». فتحت الحقوق الجديدة - وإن لم تكن حقوقا سياسية ~~- الباب على فرص جديدة للنساء، واغتنمت النساء تلك الفرص في الحال. وكما أوضحت الأفعال ~~السابقة للبروتستانت واليهود والملونين، فإن المواطنة ليست مجرد شيء تمنحه السلطات؛ ~~وإنما هي شيء ينتزعه المرء بنفسه؛ وتلك القدرة على المجادلة والإصرار، بل والقتال أيضا ~~من وجهة نظر البعض، هي أحد معايير الاستقلال الأخلاقي. # 33 # بعد عام 1793، وجدت النساء أنفسهن واقعات تحت وطأة المزيد من القهر في عالم السياسة ~~الفرنسية الرسمي، إلا أن الوعد بالحقوق لم ينس تماما؛ ففي مقال نقدي مطول نشر عام ~~1800 حول كتاب تشارلز ثيرمين «عن وضع المرأة في الجمهوريات»، أوضحت الشاعرة والكاتبة ~~المسرحية كونستانس بيبليت (التي اشتهرت باسم كونستانس دي سالم) أنه لم يغب عن ناظري ~~النساء الأهداف التي وضعت في السنوات الأولى للثورة: # يتسنى للمرء أن يفهم [في ظل الحكومة الفرنسية القديمة] أن الإنسان لم يظن أنه ~~من الضروري أن يكفل لنصف البشرية (النساء) نصف الحقوق المخولة للبشرية؛ غير أنه ~~من الأكثر صعوبة أن يستوعب قدرة الإنسان على تجاهل الإقرار بحقوق المرأة تماما ~~طيلة السنوات العشر الأخيرة؛ أي في تلك الأوقات التي تدوي فيها أصداء كلمتي ~~المساواة والحرية في كل مكان، تلك الأوقات التي تعمل فيها الفلسفة - مدعومة ~~بالتجربة العملية - على تعريف الإنسان بحقوقه الأصيلة المشروعة. # وقد عزت هذا التجاهل لحقوق المرأة إلى حقيقة أن جموع الرجال اعتقدوا أن ~~كبح قوة المرأة أو حتى محقها سوف يزيد من قوة الرجل. وتستشهد بيبليت في مقالها بكتاب ~~وولستونكرافت عن حقوق المرأة، غير أنها ms138 لم تطالب بحق المرأة في التصويت أو تقلد ~~المناصب. # 34 # أظهرت بيبليت فهما دقيقا للتوتر القائم بين منطق الحقوق الثوري وبين القيود ~~المستمرة للأعراف والعادات: «أثناء الثورة تحديدا ... أمعنت النساء - مقتديات بالرجال - ~~التفكير في جوهرها الحقيقي ثم تصرفت بناء على هذا.» ولو أن الغموض أو الالتباس ظل يشوب ~~موضوع حقوق المرأة (وقد غلب التردد على العديد من فقرات بيبليت)، فيرجع هذا إلى أن عصر ~~التنوير لم يتقدم بالدرجة الكافية بعد؛ فعامة الناس؛ ولا سيما النساء العاديات، ظلوا ~~بلا أي تعليم. وأكدت بيبليت على أنه عندما تتلقى النساء التعليم، فإنهن سيبرهن حتما ~~على قدراتهن ومواهبهن؛ لأن المقدرة لا تقتصر على جنس دون الآخر. وقد اتفقت مع رأي ~~ثيرمين القائل إنه ينبغي أن توظف المرأة معلمة مدرسية ويسمح لها بالدفاع عن «حقوقها ~~الطبيعية الثابتة» في المحاكم. # وإذا كانت بيبليت نفسها لم تصل إلى حد الدفاع عن نيل المرأة كامل حقوقها السياسية ~~الكاملة، فقد كان هذا استجابة منها لما كانت تراه ممكنا - وقابلا للتصور والنقاش - في ~~أيامها. غير أنها رأت، مثل كثيرين غيرها، أن فلسفة الحقوق الطبيعية لها منطق عنيد لا ~~يهدأ، وإن لم يفلح بعد في إيجاد حل لقضية المرأة؛ ذلك النصف الآخر من البشرية. أفسحت ~~فكرة «حقوق الإنسان» - شأنها شأن الثورة نفسها - مجالا غير متوقع للنقاش، والصراع، ~~والتغيير، ويمكن نكران الوعد بتلك الحقوق، أو طمسه، أو إبقاؤه معلقا دون تحقيقه ~~فعليا، غير أنه وعد لا يفنى. # الفصل الخامس # | القوة الناعمة للإنسانية # لماذا أخفقت حقوق الإنسان في البداية قبل أن تنجح ~~على المدى البعيد # هل كانت حقوق الإنسان مجرد «هراء منمق، وجعجعة فارغة» حقا كما ادعى الفيلسوف جيرمي ~~بنتام؟ إن الفجوة الزمنية الطويلة في تاريخ حقوق الإنسان، التي تفصل بين نشأتها الأولى ~~مع الثورتين الأمريكية والفرنسية وبين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم ~~المتحدة عام 1948، تجبر أي إنسان على التوقف للتأمل وإنعام النظر. لم تختف الحقوق سواء ~~على مستوى الفكر أو الفعل، غير أن المناقشات والمراسيم تكاد تجرى الآن على نحو ms139 حصري ضمن ~~أطر قومية محددة. ظلت فكرة الحقوق التي يكفلها الدستور على اختلاف أنواعها - كالحقوق ~~السياسية للعمال، والأقليات الدينية، والمرأة مثلا - تلقى المزيد من القبول في القرنين ~~التاسع عشر والعشرين، غير أن الحديث عن حقوق طبيعية قابلة للتطبيق على صعيد عالمي خبا ~~بريقه؛ فالعمال - على سبيل المثال - نالوا حقوقهم بصفتهم عمالا بريطانيين، أو فرنسيين، ~~أو ألمانا، أو أمريكيين، وليس بصفتهم عمالا فحسب . عبر القومي الإيطالي جوسيبي ~~ماتزيني، الذي عاش في القرن التاسع عشر، عن التركيز الجديد على فكرة الوطن عندما طرح ~~السؤال البلاغي: «ما الوطن ... سوى المكان الذي تكفل فيه حقوقنا الفردية بأكبر قدر من ~~الأمان؟» تطلب الأمر حربين عالميتين مدمرتين لتحطيم هذه الثقة في معنى الوطن. # 1 # نقائص حقوق الإنسان # سادت فكرة القومية باعتبارها الإطار المهيمن في مسألة الحقوق تدريجيا بعد عام 1815، ~~مع سقوط نابليون ونهاية عهد الثورة. وفي الفترة بين 1789 و1815 تنازع مفهومان مختلفان ~~للسلطة أحدهما مع الآخر: حقوق الإنسان من ناحية والمجتمع الهرمي التقليدي من ناحية ~~أخرى. استخدم كل جانب منهما مفهوم الأمة والقومية، مع أن أيا منهما لم يقدم أي مزاعم ~~بشأن تحديد الهوية بواسطة العرق. بطبيعة الحال، رفض مفهوم حقوق «الإنسان» أي فكرة تزعم ~~أن الحقوق معتمدة على الجنسية، ومن ناحية أخرى، كان إدموند بيرك قد حاول أن يربط ~~المجتمع الهرمي بمفهوم معين للوطن، عن طريق التأكيد على أن الحرية لا تكفلها سوى حكومة ~~لها جذورها الراسخة في تاريخ الأمة، مع التأكيد على التاريخ، وأصر بيرك على أن الحقوق ~~تنجح فقط عندما تنبع من تقاليد وممارسات عريقة. # أنكر مؤيدو حقوق الإنسان أهمية التقاليد والتاريخ، وأكد بيرك أن الإعلان الفرنسي لم ~~يمتلك من القوة العاطفية ما يكفي لفرض الانصياع له؛ وذلك لأنه اعتمد بالتحديد على ~~«أفكار تجريدية ميتافيزيقية». كيف يمكن «لقصاصات ورق حقوق الإنسان الحقيرة الغامضة» تلك ~~أن تضاهي محبة الله، ورهبة الملوك، وطاعة القضاة، وتبجيل الكهنة، والإذعان للرؤساء؟ ~~وانتهى بيرك بالفعل في عام 1790 إلى أن الثوار سيضطرون إلى استخدام العنف كي يبقوا في ms140 ~~السلطة. وعندما أعدم الجمهوريون الفرنسيون الملك وانتقلوا إلى «حكم الإرهاب» باعتباره ~~نظام حكم معترفا به - كما كان الحال في عامي 1793 و1794 - بدا أن نبوءة بيرك قد تحققت. ~~ولم يمنع «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»، الذي وضع على الرف إلى جانب دستور 1791، من ~~قمع المعارضة والإعدام الجماعي لأولئك الذين اعتبروا أعداء. # وعلى الرغم من نقد بيرك اللاذع، رحب العديد من الكتاب والساسة في أوروبا ~~والولايات المتحدة بإعلان الحقوق بحماسة بالغة في عام 1789، على أنه عندما أصبحت الثورة ~~الفرنسية أكثر تطرفا، بدأ الرأي العام ينقسم. كان رد فعل الحكومات الملكية تحديدا ~~قويا في معارضة إعلان الجمهورية وإعدام الملك؛ ففي ديسمبر من عام 1792، أجبر توماس ~~بين على الفرار إلى فرنسا عندما أدانته محكمة بريطانية بتهمة إثارة الفتنة لمهاجمته ~~نظام الحكم الملكي الوراثي في الجزء الثاني من كتابه «حقوق الإنسان»، وأتبعت الحكومة ~~البريطانية هذا بحملة تعسف واضطهاد ممنهجة ضد مؤيدي الأفكار الفرنسية. وفي عام 1798، أي ~~بعد مرور اثنين وعشرين عاما فحسب على إعلان الولايات المتحدة الذي ينادي بالحقوق ~~المتساوية لجميع الناس، أصدر الكونجرس الأمريكي «قوانين الفتنة والغرباء» للحد من ~~الانتقادات الموجهة للحكومة الأمريكية، وتجلت الروح الجديدة لهذا العصر في التعليقات ~~التي أبداها جون روبيسون - أستاذ الفلسفة الطبيعية بجامعة إدنبرة - عام 1797؛ ندد ~~روبيسون بما أسماه: «ذلك المبدأ البغيض، الذي يسيطر الآن على كل العقول، ويدعونا إلى ~~التفكير المستمر في حقوقنا، والمطالبة بها بلهفة من كل الجهات.» في رأي روبيسون، كان ~~هذا الهوس بالحقوق هو «أعظم خراب في الحياة»؛ إذ حسب هذا الهوس السبب الرئيسي للجيشان ~~السياسي المستمر حتى في اسكتلندا، وللحرب بين فرنسا وجيرانها؛ تلك الحرب التي تهدد الآن ~~باجتياح أوروبا بأكملها. # 2 # كان تحفظ روبيسون على الحقوق واهنا باهتا بالمقارنة بالقذائف التي أطلقها أنصار ~~الملكية المناوئين للثورة على القارة؛ فوفقا لما قاله لويس دي بونالد، أحد المحافظين ~~الصريحين: «بدأت الثورة بإعلان حقوق الإنسان، ولن تنتهي إلا عندما تعلن حقوق الله.» ~~وقد أكد أن إعلان الحقوق يجسد الأثر الخبيث لفلسفة عصر التنوير، والإلحاد، والمذهب ~~البروتستانتي، ms141 والماسونيين الأحرار، وهي الأشياء التي جمعها كلها معا. شجع الإعلان ~~الناس على إهمال واجباتهم وحصر تفكيرهم في رغباتهم الفردية، ولما عجز عن كبح مشاعرهم، ~~قاد فرنسا مباشرة إلى الفوضى، والإرهاب، والتفسخ الاجتماعي. ولا توجد جهة تستطيع أن ~~تغرس المبادئ الأخلاقية الحقيقية سوى كنيسة كاثوليكية يعاد تنشيطها وتقويتها تحت حماية ~~النظام الملكي الشرعي بعد عودته للحكم. وبعد إعادة ملك آل بوربون ~~إلى العرش مرة أخرى في عام 1815، أخذ ~~بونالد زمام المبادرة في إبطال القوانين الثورية المتعلقة بالطلاق وإعادة تفعيل الرقابة ~~الصارمة على المطبوعات. # 3 # وقبل عودة ملوك آل بوربون - عندما نشر الجمهوريون الفرنسيون ~~ومن بعدهم نابليون رسالة الثورة الفرنسية ~~من خلال الغزو العسكري - كانت حقوق الإنسان ~~متداخلة مع العدوان الاستعماري، ومما يحسب لفرنسا أن تأثيرها دفع السويسريين ~~والهولنديين إلى إلغاء التعذيب في عام 1798؛ وتبعتهما إسبانيا عام 1808 عندما توج ~~شقيق نابليون ملكا عليهم. على أنه بعد سقوط نابليون، عاود السويسريون استخدام التعذيب، ~~وأعاد الملك الإسباني تفعيل «محاكم التفتيش»، التي كانت تستخدم التعذيب بغية انتزاع ~~الاعترافات، كما تشجع الفرنسيون أيضا على تحرير اليهود في أي منطقة تهيمن عليها ~~الجيوش الفرنسية. ومع أن الحكام العائدين سلبوا بعضا من هذه الحقوق المكتسبة مؤخرا في ~~إيطاليا وألمانيا، فإن تحرير اليهود ظل ثابتا في هولندا. ولما اعتبر تحرير اليهود ~~عملا فرنسيا، فإن الخارجين على القانون الذين هاجموا القوات الفرنسية في بعض الأراضي ~~التي غزتها فرنسا حديثا كانوا عادة يستهدفون اليهود أيضا. # 4 # بينت تدخلات نابليون المتناقضة أن الحقوق ليس بالضرورة أن ينظر إليها على أنها تشكل ~~حزمة واحدة؛ فقد منح التسامح الديني والحقوق المدنية والسياسية المتساوية للأقليات ~~الدينية أينما حكم، في حين أنه في وطنه فرنسا كبح بصرامة حرية كل فرد في التعبير، وألغى ~~حرية الصحافة من الأساس. لقد كان الإمبراطور الفرنسي يرى أن «الناس لم يولدوا ليكونوا ~~أحرارا ... فالحرية هي حاجة ملحة تراود فئة محدودة من البشر حبتهم طبيعتهم بعقول أكثر ~~نبلا من عقول عامة الناس، وعليه يمكن كبحها بلا خوف من العقاب. ومن ناحية ms142 أخرى، ~~فالمساواة تسر جموع الناس». لم يكن الفرنسيون إذن يرغبون في حرية حقيقية، من وجهة ~~نظره؛ وكل ما هنالك أنهم يطمحون للارتقاء إلى قمة المجتمع، وكانوا سيضحون بحقوقهم ~~السياسية في مقابل ضمان المساواة أمام القانون. # 5 # أما فيما يتعلق بالعبودية، فقد كان ~~نابليون ثابتا على موقفه تماما؛ فأثناء فترة هدنة قصيرة إبان الصراع في أوروبا عام ~~1802، أرسل حملات عسكرية إلى مستعمرات جزر الكاريبي، ومع أنه تعمد عدم الإفصاح عن ~~نواياه في بادئ الأمر لكي لا يثير انتفاضة عامة وسط العبيد المحررين، فإن التعليمات ~~المعطاة لصهره، أحد الجنرالات، أفصحت عن نواياه؛ إذ ينبغي على الجنود أن يحتلوا بقاعا ~~رئيسية فور وصولهم ويتفقدوا الأحوال، ومن ثم ينبغي عليهم «أن يتعقبوا المتمردين بلا ~~هوادة»، ويجردوا كافة السود من الأسلحة، ويقبضوا على قادتهم ويرحلوهم إلى فرنسا، وبذا ~~يمهدون الطريق أمام عودة العبودية. وكان نابليون على يقين من أن «احتمال قيام جمهورية ~~للسود يزعج الإسبان، والإنجليز، والأمريكيين كما يزعجه تماما». وقد باءت خطته بالفشل ~~في سان دومينجو، التي حصلت على استقلالها باسم هايتي، غير أنها نجحت في بقاع أخرى من ~~المستعمرات الفرنسية. وبلغ عدد القتلى نحو مائة وخمسين ألف شخص في الصراع على سان ~~دومينجو، أي إن عشر سكان جزر جوادلوب قتلوا أو رحلوا. # 6 # حاول نابليون أن يخلق هجينا من حقوق الإنسان والمجتمع الهرمي التقليدي، لكن في نهاية ~~المطاف، رفض الجانبان الذرية غير الشرعية لهذا التزاوج. أكد نابليون تأكيدا شديدا على ~~التسامح الديني، والقضاء على النظام الإقطاعي، والمساواة أمام القانون لكي يرضي ~~التقليديين، وحد الكثير من الحريات السياسية ليرضي الجانب الآخر. وقد استطاع أن ينهي ~~الصراع مع الكنيسة الكاثوليكية، غير أنه لم يصر أبدا حاكما شرعيا في أعين ~~التقليديين. ومن وجهة نظر المدافعين عن الحقوق، أخفق إصراره على المساواة أمام القانون ~~في موازنة إحيائه لطبقة النبلاء وتأسيسه إمبراطورية وراثية. وبحلول الوقت الذي فقد فيه ~~إمبراطور فرنسا السلطة، ندد به كل من التقليديين والمدافعين عن حقوق الإنسان بوصفه ~~طاغية ومستبدا ومغتصبا للسلطة. صرحت الكاتبة جيرمين ms143 دي ستال، واحدة من أكثر نقاد ~~نابليون حدة وإصرارا، في عام 1817، أن إرثه الوحيد هو «بعض الأسرار الإضافية في فن ~~الاستبداد». وقد أشارت دي ستال - شأنها شأن كل النقاد الآخرين - إلى الزعيم المخلوع ~~بكنية «بونابرت»، ولم تستخدم قط اسمه الإمبراطوري «نابليون». # 7 # القومية تتقدم # تبين على المدى الطويل أن الانتصار الذي حققه النظام القانوني عابر سريع الزوال، ~~ويعود الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى التطورات التي أحدثها خصمه الرهيب نابليون. على ~~مدار القرن التاسع عشر ، هيمنت القومية على طرفي المناقشات الثورية، فغيرت مسار ~~مناقشات الحقوق، وخلقت أنواعا جديدة من التسلسلات الهرمية التي هددت في نهاية المطاف ~~النظام القانوني التقليدي. حفزت المغامرات الاستعمارية للطاغية المغرور المنحدر من ~~جزيرة كورسيكا قوى القومية من وراسو إلى ليما عن غير قصد؛ فأينما ذهب أنشأ كيانات جديدة ~~(مثل دوقية وارسو، والمملكة الإيطالية، واتحاد الراين)، أو خلق فرصا جديدة، أو أثار ~~عداءات جديدة تصاعدت حتى تحولت إلى طموحات قومية. فقد ذكرت دوقية وارسو البولنديين ~~أنه في يوم من الأيام كانت هناك دولة اسمها بولندا قبل أن تستولي عليها بروسيا، ~~والنمسا، وروسيا. ومع أن حكومتي ألمانيا وإيطاليا الجديدتين قد اختفتا بعد سقوط ~~نابليون، فقد أظهرتا أن التوحيد القومي أمر ممكن. وبخلع ملك إسبانيا، فتح الإمبراطور ~~الفرنسي الباب أمام حركات الاستقلال في أمريكا الجنوبية في العقدين الثاني والثالث من ~~القرن التاسع عشر. وقد تحدث سيمون بوليفار، محرر بوليفيا، وبنما، وكولومبيا، ~~والإكوادور، وبيرو، وفنزويلا، بنفس لغة القومية الناشئة التي تحدث بها أقرانه في ~~أوروبا. قال بوليفار بحماسة: «إن ترابنا الوطني يثير فينا مشاعر رقيقة وذكريات مبهجة ... ~~فهل من ادعاءات بالحب والإخلاص أعظم من هذه؟» وقدمت مشاعر القومية تلك القوة العاطفية ~~المفقودة في «قصاصات ورق حقوق الإنسان الحقيرة الغامضة» التي ازدراها بيرك. # 8 # كرد فعل للإمبريالية الفرنسية، رفض بعض الكتاب الألمان كل ما هو فرنسي - بما في ~~ذلك حقوق الإنسان - وخلقوا إحساسا جديدا بالوطن يعتمد بكل وضوح على العرق. ولما كان ~~الألمان المنادون بالقومية يفتقرون إلى هيكل دولة قومية موحدة، ms144 ركزوا بدلا من ذلك على ~~خاصية الشعب العضوي، وهي سمة داخلية مميزة للشعب الألماني تميزه عن سائر الشعوب. ويمكن ~~بالفعل رؤية الدلائل الأولى على الاضطرابات المستقبلية في آراء فريدريك جان الألماني ~~المناصر للقومية التي أعرب عنها في مطلع القرن التاسع عشر. كتب جان: «كلما كان الشعب ~~أنقى، كان هذا أفضل.» وأكد على أن قوانين الطبيعة تحول دون اختلاط الأجناس والشعوب، ومن ~~وجهة نظر جان، فإن «الحقوق المقدسة» هي تلك الحقوق التي تخص الشعب الألماني دون سواه ، ~~وكان ناقما بشدة على التأثير الفرنسي، حتى إنه حث إخوانه الألمان على الامتناع عن ~~التحدث بالفرنسية تماما. وعلى غرار كافة المناصرين للقومية الذين جاءوا من بعده، ~~حثهم على كتابة التاريخ الوطني ودراسته؛ فينبغي أن تركز كافة النصب التذكارية، ~~والجنازات العامة، والمهرجانات الشعبية على الطابع الألماني وليس على أي مثل عالمية. ~~وفي نفس اللحظة التي كان يخوض فيها الأوروبيون ذروة معاركهم في مواجهة طموحات نابليون ~~الاستعمارية، اقترح جان توسيع حدود ألمانيا الجديدة بقدر مدهش، وشدد على أن هذه الحدود ~~ينبغي أن تشمل سويسرا، والبلدان المنخفضة، والدنمارك، وبروسيا، والنمسا، كما ينبغي أن ~~تبنى عاصمة جديدة لها ويطلق عليها اسم تيوتونا. # 9 # وعلى غرار جان، آثر معظم أنصار القومية الأوائل الشكل الديموقراطي للحكومة؛ لأنه من ~~شأنه أن يعظم الإحساس بالانتماء الوطني إلى أقصى حد. ونتيجة لذلك، عارض التقليديون ~~القومية والاتحاد الألماني أو الإيطالي في بداية الأمر بقدر ما عارضوا حقوق الإنسان. ~~وكان أنصار القومية الأوائل يتحدثون باللغة الثورية للعالمية المسيحية، لكن من وجهة ~~نظرهم كان الوطن، وليست الحقوق، هو نقطة الانطلاق إلى العالمية الشاملة. آمن بوليفار أن ~~كولومبيا سوف تنير الطريق إلى الحرية والعدالة العالميتين. وصرح ماتزيني، مؤسس «جمعية ~~يانج إيتالي» القومية، بأن الإيطاليين سوف يقودون حملة عالمية للشعوب المضطهدة من أجل ~~الحرية. ورأى الشاعر آدم ميسكفيتش أن البولنديين سوف يقودون الطريق نحو الحرية ~~العالمية. باتت حقوق الإنسان في ذلك الحين تعتمد على تقرير المصير القومي، وكانت ~~الأولوية بالضرورة لتقرير المصير القومي. # بعد عام 1848، شرع التقليديون في ms145 استيعاب مطالب أنصار القومية، وانتقلت الحركة ~~القومية من يسار إلى يمين الطيف السياسي. ومهد إخفاق الثورات القومية والدستورية في ~~ألمانيا، وإيطاليا، والمجر، في عام 1848 الطريق لهذه التغيرات. أبدى أنصار القومية ~~المعنيين بكفالة الحقوق في الأوطان المقترحة حديثا استعدادهم التام لرفض حقوق الجماعات ~~العرقية الأخرى. حرر الألمان في اجتماعهم بفرانكفورت دستورا قوميا جديدا لألمانيا، ~~غير أنهم أنكروا على الدنماركيين، والبولنديين، والتشيكيين حق تقرير المصير داخل حدودهم ~~المقترحة. وتجاهل المجريون الذين طالبوا بالاستقلال عن النمسا مصالح الرومانيين، ~~والسلوفاكيين، والكرواتيين ، والسلوفينيين، الذين كانوا يشكلون أكثر من نصف سكان المجر. ~~دمرت المنافسة فيما بين الأعراق ثورات عام 1848 ومعها الرابطة التي تجمع بين الحقوق وحق ~~تقرير المصير القومي، ونجح التوحيد القومي لكل من ألمانيا وإيطاليا في خمسينيات ~~وستينيات القرن التاسع عشر بفعل الحرب والدبلوماسية؛ ولم يلعب ضمان الحقوق الفردية أي ~~دور في هذا الاتحاد. # تحولت القومية - التي كانت في وقت من الأوقات مندفعة بكل حماسة باتجاه ضمان الحقوق من ~~خلال نشر حق تقرير المصير القومي - نحو الانغلاق والدفاعية على نحو متزايد. وعكس هذا ~~التحول مدى هول مهمة خلق الأمم؛ فقد خيبت الخريطة اللغوية نفسها فكرة أنه يمكن تقسيم ~~أوروبا على نحو منظم إلى دول قومية من المجموعات العرقية والثقافية المتجانسة نسبيا؛ ~~فكل دولة قومية كانت تؤوي أقليات لغوية وثقافية في القرن التاسع عشر، حتى الدول العريقة ~~مثل بريطانيا العظمى وفرنسا. فعندما أعلنت الجمهورية في فرنسا في عام 1870، لم يكن نصف ~~سكانها يستطيعون تحدث الفرنسية؛ أما الباقون فقد كانوا يتحدثون لهجات أو لغات إقليمية ~~مثل اللغة البريتانية، والبروفنسالية الفرنسية، والباسكية، والألزاسية، والكتالانية، ~~والكورسية، والقسطانية، أو اللغة الكريولية في المستعمرات. كان يقتضي الأمر حملة ~~تعليمية هائلة لدمج كل فرد في الأمة، وواجهت الأمم الطموحة ضغوطا أعظم بسبب اختلافات ~~عرقية أكبر؛ فقد كان الكونت كاميلو دي كافور، رئيس وزراء المملكة الإيطالية الجديدة، ~~يتحدث اللغة البيدمونتية كلغته الأولى، وأقل من ثلاثة بالمائة من إخوانه المواطنين ~~كانوا يتحدثون الإيطالية الفصحى، بل وكان الموقف أكثر فوضوية في شرقي أوروبا، ms146 حيث عاش ~~العديد من الجماعات العرقية المختلفة جنبا إلى جنب. فعلى سبيل المثال: لم تشتمل بولندا ~~الجديدة على مجتمع كبير لليهود فحسب، وإنما أيضا على لتوانيين، وأوكرانيين، وألمان، ~~وبيلاروس، وكل بلغته وتقاليده. # ساهمت صعوبة خلق تجانس عرقي أو الحفاظ ~~عليه في المخاوف المتنامية بشأن الهجرة على الصعيد العالمي. اعترض قليلون على الهجرة ~~قبل ستينيات القرن التاسع عشر، غير أنها تعرضت للنقد الشديد في الدول المستقبلة في ~~ثمانينيات وتسعينيات نفس القرن؛ فقد حاولت أستراليا أن تمنع تدفق المهاجرين الآسيويين ~~إليها لعلها تحافظ على شخصيتها الإنجليزية والأيرلندية، ومنعت الولايات المتحدة الهجرة ~~إليها من الصين في عام 1882 ومن كل أنحاء آسيا في عام 1917، ثم وضعت حصصا محددة للهجرة ~~لجميع الأجناس الأخرى عام 1924 بناء على التركيب العرقي الحالي لسكان الولايات المتحدة، ~~وأصدرت الحكومة البريطانية «قانون الغرباء» عام 1905؛ كي تحول دون هجرة «غير المرغوب ~~فيهم»، العبارة التي فسرها كثيرون على أنه يقصد بها يهود شرق أوروبا. وحتى فيما بدأ ~~العمال والعبيد يحصلون على الحقوق السياسية المتساوية في هذه البلاد، وقفت المعوقات في ~~طريق أولئك الذين لا يتمتعون بنفس الأصول العرقية. # وسط هذا الجو الوقائي الجديد، تسربلت القومية بخاصية يشوبها المزيد من الكره للأجانب ~~والعنصرية. ومع أن كره الأجانب قد يستهدف أي جماعة أجنبية (الصينيين في الولايات ~~المتحدة، أو الإيطاليين في فرنسا، أو الأيرلنديين في ألمانيا)، فإن العقود الأخيرة من ~~القرن التاسع عشر شهدت زيادة كبيرة في معاداة السامية. استخدم الساسة اليمينيون في كل ~~من ألمانيا، والنمسا، وفرنسا، الصحف والنوادي السياسية، وفي بعض الحالات الأحزاب ~~السياسية الجديدة؛ كي يشعلوا نار كراهية اليهود باعتبارهم أعداء الأمة. وبعد مرور عقدين ~~من حملة الصحف اليمينية لمعاداة السامية، جعل حزب المحافظين الألماني معاداة السامية ~~بندا رسميا من بنود برنامجه في عام 1892. وفي الوقت نفسه تقريبا، أثارت قضية دريفوس ~~اضطرابات هائلة في عالم السياسة الفرنسي، فقد أشاعت انقسامات دائمة بين مؤيدي ومناوئي ~~دريفوس. بدأت القضية في عام 1894 عندما اتهم خطأ ضابط جيش يهودي اسمه ألفريد دريفوس ~~بالتجسس لصالح ms147 ألمانيا، وعندما حكم عليه بالإدانة - على الرغم من الأدلة الكثيرة على ~~براءته - نشر الروائي الشهير إيميل زولا مقالة جريئة في الصفحة الأولى لإحدى الصحف يتهم ~~فيها الجيش والحكومة الفرنسيين بطمس الأدلة عمدا بهدف إدانة دريفوس. وكرد فعل للانحياز ~~المتنامي إلى جانب دريفوس، أثارت عصبة فرنسية حديثة التشكيل معادية للسامية الشغب في ~~العديد من المدن والبلدات، الأمر الذي تتطور في بعض الأحيان إلى هجوم آلاف المتظاهرين ~~على ممتلكات اليهود، واستطاعت العصبة أن تحشد عددا كبيرا من الناس؛ لأن العديد من ~~المدن كانت تصدر بها الصحف تعج بالسب والقذف المعادي للسامية بانتظام. ومنحت الحكومة ~~دريفوس العفو في عام 1899، وأخيرا برأته في عام 1906. على أن معاداة السامية تفاقمت ~~للغاية في كل مكان. وفي عام 1895، نجح كارل لوجر في الفوز بمنصب عمدة فيينا معتمدا على ~~برنامج معاد للسامية، وقد أصبح فيما بعد أحد أبطال هتلر. # التفاسير البيولوجية للإقصاء # فيما باتت القومية أكثر تداخلا مع العرقية، تحولت إلى تأكيد متزايد على التفاسير ~~البيولوجية للاختلاف. كانت مناقشات حقوق الإنسان قد اعتمدت على الافتراض أن طبيعة ~~الإنسان عبر الثقافات والطبقات هي واحدة، وبعد الثورة الفرنسية، تزايدت صعوبة إعادة ~~التأكيد ببساطة على الاختلافات على أساس التقاليد، أو العرف، أو التاريخ. وكان لا بد أن ~~تتمتع الاختلافات بأساس أكثر متانة إذا كان مطلوبا أن يحتفظ الرجال بسموهم على النساء، ~~أو البيض على السود، أو المسيحيون على اليهود. وباختصار، إذا كان من المفترض أن تقف ~~الحقوق عند مستوى أقل عالمية، ومساواة، وطبيعية، فلا بد من عرض الأسباب. ونتيجة لذلك، ~~شهد القرن التاسع عشر طفرة في التفاسير البيولوجية للاختلاف. # وما يدعو إلى السخرية هو أن فكرة حقوق الإنسان نفسها هي التي فتحت الباب سهوا أمام ~~أشكال أكثر خبثا من التحيز على أساس الجنس، والعرق، ومعاداة السامية؛ ففي واقع الأمر، ~~تسببت المزاعم الجارفة بشأن المساواة الطبيعية بين البشر جميعا في ظهور تأكيدات عالمية ~~مماثلة على الفوارق الطبيعية، مما نتج عنه نوع جديد من المناوئين لحقوق الإنسان، أعتى ~~من المناوئين التقليديين وأشد خطرا ms148 وتهديدا. وطرحت الأشكال الجديدة للعنصرية، ~~ومعاداة السامية، والتحيز على أساس الجنس، تفاسير بيولوجية لفطرية اختلاف البشر، وفي ~~ضوء العنصرية الجديدة، لم يكن اليهود فقط قتلة المسيح؛ وإنما دناءتهم العنصرية المتأصلة ~~فيهم هددت بتلطيخ نقاوة البيض من خلال التزاوج معهم، ولم يعد السود أدنى لأنهم عبيدا؛ ~~فحتى مع انتشار إلغاء الرق في أنحاء الأرض، باتت العبودية أكثر سمية وليس أقل، ولم ~~تكن المرأة أقل عقلانية من الرجل لأنها لم تحصل على التعليم الكافي، إنما حتم عليها ~~تركيبها البيولوجي الحياة المنزلية الخاصة، وجعلها غير مؤهلة بالمرة للسياسة، أو ~~التجارة، أو المهن الحرفية. وفي ظل هذه المذاهب البيولوجية الجديدة، ما كان التعليم أو ~~التغيرات الطارئة على البيئة لتغير أبدا الهياكل الهرمية المتأصلة في الطبيعة ~~البشرية. # كان التحيز على أساس الجنس هو أقل المذاهب البيولوجية الجديدة من حيث التنظيم ~~السياسي، والمنهجية الفكرية، والسلبية العاطفية، فعلى أي حال، ما من أمة تستطيع أن ~~تتكاثر بدون أمهات، لذا حين بدا ممكنا مناقشة أمر إعادة العبيد الأمريكيين من أصول ~~أفريقية إلى أفريقيا أو منع اليهود من الإقامة في منطقة معينة، كان مستحيلا إقصاء ~~النساء تماما، ومن ثم كان يسمح لهن ببعض المزايا الإيجابية التي قد تكون هامة في ~~محيطهن الخاص. وعلاوة على ذلك، لما اختلفت المرأة اختلافا بيولوجيا واضحا عن ~~الرجل (مع أن مقدار هذا الاختلاف ما زال موضوع نقاش)، فإن قليلين فقط هم من رفضوا ~~النقاشات البيولوجية بشأن الاختلاف بين الجنسين، التي كان لها تاريخ أطول بكثير من ~~النقاشات البيولوجية بشأن العرق. غير أن الثورة الفرنسية كانت قد بينت أنه حتى ~~الاختلاف بين الجنسين، أو على الأقل علاقته بالسياسة، يمكن التشكيك فيه. فمع ظهور حجج ~~صريحة تنادي بالمساواة السياسية للمرأة، تغيرت الحجة البيولوجية التي تؤكد على نقص ~~المرأة؛ فلم تعد النساء تشغل منزلة أدنى على نفس السلم البيولوجي الذي يوجد عليه ~~الرجال، بل أصبح ينظر إليهن باعتبارهن متشابهات بيولوجيا مع الرجال، وإن كن أدنى ~~مرتبة. باتت الإناث توصفن على نحو متزايد بأنهن مختلفات بيولوجيا تماما عن ms149 الرجال؛ ~~فقد صرن «الجنس الآخر». # 10 # لا يسهل أن نحدد بالضبط توقيت هذا التحول في طريقة التفكير بشأن المرأة أو حتى ~~طبيعته، غير أن فترة الثورة الفرنسية تبدو مهمة في هذا الصدد. كان الثوار الفرنسيون قد ~~اعتمدوا على مناقشات تقليدية إلى حد كبير بشأن اختلاف المرأة عندما منعوا لقاء النساء ~~في النوادي السياسية عام 1793، صرح المتحدث الرسمي للحكومة حينها قائلا: «النساء غير ~~قادرات بصفة عامة على الإتيان بأفكار سامية وتأملات جدية.» غير أنه في السنوات التالية ~~اجتهد أطباء فرنسيون في ترسيخ هذه الأفكار الغامضة على أسس أكثر بيولوجية؛ أثبت عالم ~~الفسيولوجيا الفرنسي البارز بيير كابانيس أن المرأة تملك أليافا عضلية أضعف، وأغشية ~~دماغية أكثر حساسية، مما يجعلهن غير مؤهلات للمهن العامة، غير أن حساسيتهن الزائدة ~~وسرعة تأثرهن المترتبة على ذلك أهلتهن لدور الزوجة والأم والممرضة، وساعد مثل هذا ~~التفكير في ترسيخ تقليد جديد بدت فيه المرأة مخلوقة لتحقيق ذاتها في نطاق حدود الحياة ~~المنزلية أو عالم أنثوي منفصل. # 11 # شكك الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت مل في مقاله المؤثر بعنون «خضوع المرأة» (1869) ~~في وجود هذه الاختلافات البيولوجية، وأكد أننا لا نستطيع أن نعرف كيف يختلف الرجل ~~والمرأة في طبيعتهما؛ لأننا لا نراهما إلا في أدوارهما الاجتماعية الحالية. أكد مل ~~قائلا: «ما يطلق عليه الآن طبيعة المرأة هو قطعا شيء مصطنع زائف.» وربط مل إصلاح ~~وضع المرأة بالتطور الاجتماعي والاقتصادي الشامل، وأكد أن التبعية القانونية للمرأة ~~«خاطئة هي نفسها» و«ينبغي أن يحل محلها مبدأ المساواة الكاملة الذي لا يعترف بأن القوة ~~والامتياز من نصيب جانب واحد، والعجز من نصيب الجانب الآخر». غير أنه لم يكن هناك حاجة ~~إلى عصب أو أحزاب مماثلة لتلك المعادية للسامية للحفاظ على الجدل البيولوجي مستمرا ~~بقوة؛ ففي واحدة من القضايا القانونية الهامة التي نظرت أمام المحكمة العليا في ~~الولايات المتحدة عام 1908، استخدم القاضي لويس برانديس نفس الحجج القديمة مرة أخرى ~~عندما علل سبب كون الجنس أساسا قانونيا للتصنيف؛ ف «البنية الجسدية للمرأة»، ~~ووظائفها المتعلقة بالولادة، وتربية الأطفال، ms150 ورعاية المنزل، كل هذا يضع النساء في فئة ~~منفصلة ومختلفة. وشاع استخدام مصطلح «النسوية» في تسعينيات القرن التاسع عشر (تعبيرا ~~عن الحركة المنادية بالمساواة بين الرجل والمرأة)، وكانت مقاومة المطالب التي ينادي بها ~~هذا المصطلح مقاومة ضارية. ولم تحصل المرأة على حق التصويت إلا عام 1902 في أستراليا، ~~وعام 1920 في أمريكا، وعام 1928 في بريطانيا العظمى، وعام 1944 في فرنسا. # 12 # وعلى غرار التحيز على أساس الجنس، اتخذت كل من العنصرية ومعاداة السامية أشكالا ~~جديدة بعد الثورة الفرنسية، فلم يعد أنصار حقوق الإنسان، على الرغم من أنهم لا يزالون ~~هم أنفسهم يحتفظون بالعديد من القوالب النمطية السلبية لليهود والسود، يقبلون بوجود ~~التحيز كأساس كاف للجدل، فما كان من التقييد الدائم لحقوق اليهود في فرنسا إلا أن أثبت ~~أن العادة والعرف مارسا سطوة هائلة، وليس أن تلك القيود مبررة منطقيا. وبالمثل، لم ~~ير أنصار إلغاء الرق أن الرق يثبت انحطاط الأفارقة السود، وإنما أماط اللثام عن جشع ~~ملاك العبيد وأصحاب المزارع البيض، ومن ثم احتاج أولئك الذين رفضوا فكرة منح الحقوق ~~المتساوية لليهود أو السود إلى مبدأ - قضية مبرهنة ببراهين دامغة - يدعم موقفهم، لا ~~سيما بعدما حصل اليهود على الحقوق عام 1833 ~~وألغي الرق عام 1848 في المستعمرات البريطانية والفرنسية. وعلى مدار القرن التاسع عشر، ~~لجأ مناوئو حقوق اليهود والسود على نحو متزايد إلى العلم - أو ما اعتبر علما - بحثا ~~عن هذا المبدأ. # يمكن اقتفاء أثر علم الأعراق إلى نهاية القرن الثامن عشر ومحاولات تصنيف شعوب العالم. ~~ثمة خيطان كانا قد نسجا في القرن الثامن عشر ثم جدلا معا في القرن التاسع عشر؛ ~~أولا: الزعم بأن التاريخ شهد تطور الشعوب المتوالي صوب الحضارة والتمدن، وأن البيض ~~كانوا أكثر الشعوب تطورا. ثانيا: فكرة أن السمات الدائمة المتأصلة قسمت الناس حسب ~~العرق. واعتمدت العرقية، باعتبارها مذهبا نظاميا، على دمج هذين الشقين معا. افترض ~~مفكرو القرن الثامن عشر أن كل الشعوب سوف تصل في نهاية المطاف إلى الحضارة، فيما حسب ~~واضعو النظريات العنصريون ms151 في القرن التاسع عشر أن أجناسا بعينها فحسب هي التي بمقدورها ~~الوصول إلى التمدن نتيجة لخصالهم البيولوجية الأصيلة فيهم. ويمكن رؤية عناصر هذا الدمج ~~في كتابات لعلماء تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر؛ مثل عالم الطبيعة الفرنسي جورج ~~كوفييه، الذي كتب في عام 1817 يقول: «ثمة قضايا داخلية معينة» كبحت تطور سلالتي المغول ~~والزنوج. غير أن هذه الأفكار لم تتخذ شكلها الكامل بوضوح إلا بعد منتصف ~~القرن. # 13 # يمكن رؤية خلاصة هذا النوع من الكتابات والأفكار في مقال آرثر دي جوبينيو «عن عدم ~~المساواة بين الأعراق البشرية» (1853-1855)؛ فباستخدام مزيج من الحجج المستقاة من علوم ~~الآثار، والأعراق البشرية، واللغة، والتاريخ، أكد الدبلوماسي والكاتب الفرنسي دي ~~جوبينيو أن السلم الهرمي للأعراق الذي عماده البيولوجيا حدد تاريخ البشرية. رقد في قاع ~~السلم العرقي أعراق ما دون البشر، غير المفكرين، أصحاب البشرة السوداء شديدو الشهوانية؛ ~~وفوقهم أعراق الصفر، الفاترون، المتواضعون، ولكنهم العمليون في الوقت نفسه؛ واعتلى قمة ~~السلم أعراق البيض المثابرون، النشطاء فكريا، والمغامرون، الذين امتلكوا توازنا بين ~~«غريزة غير عادية للنظام» و«ولع واضح بالحرية». وبداخل الجنس الأبيض، كانت السيادة من ~~نصيب الجنس الآري. وخلص جوبينيو إلى أن: «كل ما هو عظيم ونبيل ومثمر في حياة الإنسان ~~على هذه الأرض في العلوم والفنون والحضارة» مستمد من الجنس الآري. ولما نزح الآريون ~~عن وطنهم الأول في وسط آسيا، شكلوا أساس ووقود الحضارات الهندية، والمصرية، والصينية، ~~والرومانية، والأوروبية، بل وحتى حضارتي الآزتك والإنكان، من خلال الاستعمار. # 14 # وطبقا لجوبينيو، سوغ الاختلاط بين الأجناس بالتزاوج نهضة الحضارات وسقوطها. كتب ~~يقول: «تهيمن مسألة العرق على سائر مشكلات التاريخ الأخرى وتملك مفاتيحها.» غير أنه ~~اعتقد - على خلاف بعض من أتباعه اللاحقين - أن الآريين فقدوا بالفعل مزيتهم من خلال ~~التزاوج مع أجناس أخرى، وأن المساواة والديمقراطية سوف تنتصران في نهاية المطاف - مع أن ~~هذه الفكرة تثير اشمئزازه - معلنتين نهاية الحضارة ذاتها. ومع أن أفكار جوبينيو ~~الخيالية العجيبة لم تستهو الكثيرين في فرنسا، فإنها لاقت استحسان إمبراطور ألمانيا ~~فيلهلم الأول ms152 (الذي حكم في الفترة بين عامي 1861 و1888)، حتى إنه منح جوبينيو الفرنسي ~~المواطنة الفخرية. كما تبنى أفكاره أيضا الملحن الألماني ريتشارد فاجنر، ثم صهر فاجنر ~~المؤلف الإنجليزي ومحب اللغة والأدب والحضارة الألمانية هيوستن ستيوارت تشامبرلين، ومن ~~خلال تأثير تشامبرلين، بات الجنس الآري - كما وصفه جوبينيو - عنصرا محوريا في ~~أيديولوجية هتلر العنصرية. # 15 # قدم جوبينيو قالبا علمانيا منهجيا لأفكار كانت متداولة بالفعل في معظم أنحاء ~~العالم الغربي؛ ففي عام 1850 - على سبيل المثال - نشر خبير علم التشريح الاسكتلندي ~~روبرت نوكس عمله «أعراق البشر» الذي زعم فيه أن «العرق - أو السلالة - هو كل شيء؛ فهو ~~يدمغ الإنسان»، وفي العام التالي، قدم جون كامبيل، رئيس اتحاد فيلادلفيا لمنضدي ~~الحروف الطباعية عمله «الهوس بالزنوج؛ فحص المساواة المزعومة خطأ بين الأجناس ~~البشرية». ولم تقتصر العنصرية على جنوب الولايات المتحدة؛ فقد استشهد كامبيل بكوفييه ~~ونوكس من بين آخرين ليؤكد على وحشية وبربرية الزنوج، وكي يفند أي إمكانية للمساواة بين ~~البيض والسود. ولما كان جوبينيو نفسه قد انتقد المعاملة التي يعامل بها العبيد ~~الأفارقة في الولايات المتحدة، اضطر مترجموه الأمريكيون إلى حذف هذه الفقرات؛ كي يجعلوا ~~العمل أكثر قبولا لدى مؤيدي العبودية من أهل الجنوب عندما نشر بالإنجليزية في عام ~~1856. وهكذا فإن احتمال إلغاء الرق (الذي لم يصبح رسميا في الولايات المتحدة إلا في ~~عام 1865) زاد من شدة الاهتمام بعلم الأعراق والأجناس. # 16 # كما توضح عناوين أعمال جوبينيو وكامبيل، كانت السمة المشتركة في معظم طرق التفكير ~~العنصرية هي رد فعل باطني عميق مناهض لفكرة المساواة، وقد اعترف جوبينيو لتوكفيل ~~بالاشمئزاز الذي أثاره في نفسه «أصحاب بدل العمل المتسخة» [العمال] الذين كانوا قد ~~شاركوا في ثورة عام 1848 في فرنسا. أما كامبيل فقد شعر بالاشمئزاز من الوقوف على منصة ~~سياسية واحدة مع ملونين. وما كان في وقت من الأوقات بمنزلة رفض أرستقراطي للمجتمع ~~المعاصر - أي رفض الاختلاط بالطبقات الأدنى - اتخذ الآن دلالة عنصرية. ولعل ظهور ~~السياسة الجماهيرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قوض تدريجيا معنى ms153 الفرق ~~الطبقي (أو بدا وكأنه فعل هذا)، على أن هذه السياسة لم تمح الفروق كلية، وتحول الفرق ~~من فرق في الطبقة إلى فرق في العرق والجنس، وتضافر إرساء حق الاقتراع العالمي للذكور ~~مع إلغاء الرق وبداية الهجرة الجماعية لجعل المساواة أكثر واقعية وأكثر ~~تهديدا. # 17 # فاقمت الإمبريالية هذه التطورات أكثر فأكثر؛ فحتى فيما ألغت القوى الأوروبية الرق في ~~مستعمراتها، فقد وسعت نطاق هيمنتها في أفريقيا وآسيا. غزا الفرنسيون الجزائر في عام ~~1830، ثم ضموها أخيرا إلى فرنسا، واستولى البريطانيون على سنغافورا عام 1819، ~~ونيوزيلاندا عام 1840، ثم أحكموا سيطرتهم على الهند، وبحلول عام 1914 كانت أفريقيا ~~مقسمة بين فرنسا، وبريطانيا العظمى، وإيطاليا، والبرتغال، وبلجيكا ، وإسبانيا، ولم تكد ~~تسلم من براثنهم أي دولة أفريقية. ومع أن الحكم الأجنبي قد ضاعف في بعض الحالات من ~~«تخلف» البلدان؛ من خلال تدمير الصناعات المحلية لمصلحة الاستيراد من المركز ~~الاستعماري، فإن الأوروبيين خرجوا من غزواتهم بعبرة واحدة بصفة عامة، ألا وهي: أن لهم ~~حق - وعليهم واجب - «جلب الحضارة» إلى لأماكن الأكثر تخلفا التي حكموها. # ولم يكن جميع من أيدوا هذه المشاريع الاستعمارية يشجعون العنصرية الصريحة؛ فقد رفض ~~جون ستيوارت مل - الذي عمل لسنوات عديدة في «شركة الهند الشرقية» البريطانية، وكان هو ~~المدير الناجح للحكم البريطاني في الهند حتى عام 1858 - التفاسير البيولوجية للاختلاف، ~~لكن حتى مل نفسه كان يعتقد أن المناطق الهندية الأصلية كانت «همجية، وليست لديها ~~قوانين، أو أن لديها قدرا أدنى من القانون»، وتعيش في حالة «لا ترقى إلا قليلا فوق ~~حالة أكثر الحيوانات تطورا». وبالرغم من رغبة مل، كون الاستعمار الأوروبي وعلم ~~الأعراق علاقة تكافلية: فاستعمارية «الأعراق الغازية» جعلت مزاعم العنصرية أكثر ~~مصداقية، وساعد علم الأعراق على تبرير الاستعمار. وقد تبنى المستكشف البريطاني ~~ريتشارد برتون، في عام 1861، الخط الذي سرعان ما أصبح اتجاها شائعا في ذلك الوقت؛ إذ ~~صرح أن الأفارقة: «يتقاسمون في الأغلب الأعم أسوأ صفات أنماط الشخصيات الشرقية الأدنى؛ ~~من ركود ذهني، وخمول جسدي، ونقص أخلاقي، ومعتقدات خرافية، وعاطفة طفولية.» وبعد ~~سبعينيات القرن ms154 التاسع عشر، وجدت هذه التوجهات الفكرية جمهورا عريضا في الصحف الجديدة ~~الرخيصة، والمجلات الأسبوعية المصورة، والمعارض الخاصة بوصف الأعراق البشرية، وحتى في ~~الجزائر، التي كانت تعتبر جزءا لا يتجزأ من فرنسا بعد عام 1848، لم يحصل السكان ~~الأصليون على الحقوق إلا على المدى الطويل جدا. وفي عام 1865، أعلن الجزائريون ~~الأصليون بموجب مرسوم حكومي رعايا وليسوا مواطنين، في حين أنه في عام 1870 جعلت الحكومة ~~الفرنسية اليهود الجزائريين مواطنين حاصلين على الجنسية الفرنسية، ولم يحصل الذكور ~~المسلمون على حقوق سياسية متساوية إلا في عام 1947، فلم تكن «حملة إدخال الشعوب إلى ~~الحضارة» مشروعا قصير المدى. # 18 # لم يعتبر جوبينيو اليهود حالة خاصة في شرحه لعلم الأعراق، على أن أتباعه اعتبروهم ~~كذلك. مزج هيوستن ستيوارت تشامبرلين في كتابه «أساسات القرن التاسع عشر» الذي نشر في ~~ألمانيا عام 1899، أفكار جوبينيو حول العرق والصوفية الألمانية بالهجوم العنيف على ~~اليهود، ذلك «الشعب الأجنبي» الذي استعبد «حكوماتنا، وقوانينا، وعلمنا، وتجارتنا، ~~وأدبنا، وفنوننا». ولم يطرح تشامبرلين سوى حجة جديدة واحدة فحسب، غير أنه كان لها ~~تأثيرها المباشر على هتلر: فالآريون واليهود وحدهم دون كل الشعوب هم الذين حافظوا على ~~نقائهم العرقي، وعليه لا بد أن يتقاتلوا حتى الموت. في أوجه أخرى، حشد تشامبرلين ~~مجموعات متنوعة من الأفكار الآخذة في الانتشار. # 19 # على الرغم من أن مذهب معاداة السامية الحديث يقوم على المعتقدات المسيحية النمطية ~~السلبية بشأن اليهود والتي انتشرت طيلة قرون، فإنه اتصف بصفات جديدة بعد سبعينيات القرن ~~التاسع عشر. وعلى خلاف السود، لم يعد اليهود يمثلون مرحلة أدنى من التطور التاريخي، كما ~~كانوا في القرن الثامن عشر على سبيل المثال؛ بل إنهم تصدوا لتهديدات الحداثة نفسها: ~~المادية المفرطة، وتحرير الأقليات ومشاركتهم في السياسة، والعالمية «المنحطة» «عديمة ~~الجذور» للحياة الحضرية. صورت الرسوم الكاريكاتيرية في الصحف اليهود على أنهم أشخاص ~~جشعون، مراءون، ماجنون؛ وكتب الصحفيون ومؤلفو الكتيبات عن سيطرة اليهود على رأس المال ~~العالمي، والمناورات التآمرية للأحزاب البرلمانية (انظر الشكل رقم # 5-1 ~~). ففي رسم ~~كاريكاتيري أمريكي يرجع إلى عام 1894 ms155 - أقل كراهية وغلا من العديد من الرسومات ~~الأوروبية المماثلة - تظهر قارات العالم تطوقها أرجل أخطبوط جالس في موضع الجزر ~~البريطانية، والاسم المكتوب على الأخطبوط هو «روتشيلد»، في إشارة إلى عائلة روتشيلد ~~اليهودية الثرية ذات النفوذ. وزاد من اشتعال محاولات التشنيع المعاصرة هذه «بروتوكولات ~~حكماء صهيون»، تلك الوثيقة الاحتيالية التي يفهم منها أنها تكشف عن مؤامرة يهودية ~~لإقامة حكومة كبرى تهيمن على العالم بأكمله. نشرت هذه البروتوكولات للمرة الأولى في ~~روسيا عام 1903، وفضحت باعتبارها مزيفة عام 1921، وبالرغم من ذلك أعاد النازيون نشرها ~~مرارا وتكرارا في ألمانيا، وتدرس إلى يومنا هذا على أنها حقائق في المدارس في بعض ~~البلدان العربية. وهكذا مزجت معاداة السامية الحديثة بين عناصر تقليدية وأخرى حديثة: ~~ينبغي حرمان اليهود من الحقوق، بل وطردهم من الوطن؛ لأنهم شديدو الاختلاف وأصحاب نفوذ ~~واسع. # شكل 5-1: «الثورة الفرنسية، في الماضي واليوم»، كاران دي أش في «بست ...!» 1898. ~~(كان كاران دي أش هو الاسم المستعار لرسام الكرتون السياسي الفرنسي ~~إيمانويل بوار الذي نشر رسوما كاريكاتيرية معادية للسامية إبان «قضية ~~دريفوس» في فرنسا. تلعب هذه الصورة على وتر فكرة شائعة من أيام الثورة ~~الفرنسية عام 1789، وتصور الفلاح يحمل بشق الأنفس أحد النبلاء (لأن ~~النبلاء كانوا معفيين من بعض الضرائب). وفي الوقت الحاضر، يتعين على ~~الفلاح أن يحمل المزيد من الأعباء؛ فعلى منكبيه يركب أحد الساسة ~~الجمهوريين، وفوقه أحد الماسونيين، وعلى القمة ممول يهودي. نشر كاران ~~دي أش أيضا العديد من الصور التي تسخر من زولا. مأخوذة من «بست ...!» ~~العدد 37، 15 أكتوبر، 1898.) # الاشتراكية والشيوعية # لم تكن القومية هي الحركة الجماهيرية الوحيدة في القرن التاسع عشر، فعلى غرار القومية ~~تبلورت كل من الاشتراكية والشيوعية كرد فعل صريح للقيود المدركة لحقوق الأفراد التي ~~صاغها الدستور، وحين أراد القوميون الأوائل كسب الحقوق لكافة الشعوب، وليس فقط للشعوب ~~التي تملك أوطانا قائمة بالفعل، أراد الاشتراكيون والشيوعيون أن يضمنوا أن الطبقات ~~الأدنى سوف تنعم بمساواة اجتماعية واقتصادية وليس بمجرد حقوق سياسية متساوية. لكن مع أن ~~المنظمات الاشتراكية والشيوعية لفتت الانتباه ms156 إلى حقوق لم يمنحها أنصار حقوق الإنسان، ~~فإنها حطت - على نحو حتمي - من أهمية الحقوق باعتبارها هدفا. وكانت وجهة نظر ماركس ~~واضحة تماما: يمكن تحقيق التحرير السياسي عن طريق المساواة أمام القانون في المجتمعات ~~البرجوازية، غير أن التحرير الحقيقي للإنسان يتطلب تدمير المجتمعات البرجوازية ~~والحمايات الدستورية التي تسبغها على الملكية الخاصة. إلا أن الاشتراكيين والشيوعيين ~~طرحوا سؤالين عسيرين حول الحقوق: هل الحقوق السياسية كافية؟ وهل يمكن أن يتعايش حق ~~الفرد في حماية ممتلكاته الخاصة مع حاجة المجتمع إلى توفير العيش الكريم لأفراده الأقل ~~حظا؟ # تماما مثلما مرت القومية بطورين في القرن التاسع عشر، من الحماس المبكر لتقرير ~~المصير نحو وقائية أكثر دفاعا عن الهوية العرقية، تغيرت الاشتراكية أيضا بمرور الوقت؛ ~~إذ انتقلت من تشديد مبكر على إعادة بناء المجتمع بوسائل سلمية ولكن غير سياسية إلى ~~انقسام حاد بين المؤيدين للممارسة البرلمانية للسياسة وأولئك الداعين للإطاحة بالحكومات ~~بأسلوب عنيف. وفي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، عندما كانت النقابات العمالية ~~كيانات غير شرعية في معظم البلدان، ولم يكن يحق للعمال التصويت، ركز الاشتراكيون على ~~إضافة الطابع الثوري على العلاقات الاجتماعية الجديدة التي خلقها تحول المجتمع إلى ~~التصنيع، وما كان للاشتراكيين أن يأملوا في الفوز بالانتخابات ما لم يكن في مقدور ~~العمال التصويت، الأمر الذي ظل قائما حتى سبعينيات القرن التاسع عشر على الأقل. وبدلا ~~من ذلك، أقام الرواد الاشتراكيون مصانع مثالية، وجمعيات للمنتجين والمستهلكين، ومجتمعات ~~تجريبية للتغلب على الصراع والغربة بين المجموعات الاجتماعية. لقد أرادوا أن يمكنوا ~~العمال والفقراء من أن يستفيدوا من النظام الصناعي الجديد، وأن يحولوا الصناعة إلى ساحة ~~اجتماعية، وأن يستبدلوا التعاون بالمنافسة. # تشارك كثيرون من أولئك الاشتراكيين الأوائل مشاعر عدم الثقة تجاه «حقوق الإنسان». أكد ~~تشارلز فورييه، الاشتراكي الفرنسي الذي برز في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، ~~أن الدساتير والمناداة بالحقوق الثابتة هي زيف. ماذا يمكن أن تعني «حقوق المواطن التي ~~لا يجوز المساس بها» عندما «لا يملك الفقير الحرية ليعمل» ولا السلطة ليطلب وظيفة؟ ومن ms157 ~~وجهة نظره، فاق الحق في العمل كافة الحقوق الأخرى. وعلى غرار فورييه، استشهد كثيرون من ~~الاشتراكيين الأوائل بالإخفاق في منح المرأة حقوقها كعلامة على عجز مذاهب حقوق الإنسان ~~السابقة. فهل يمكن بحال أن تتحرر المرأة دون إلغاء الملكية الخاصة والتشريعات الداعمة ~~للسلطة الأبوية الذكورية؟ # 20 # ثمة عاملان غيرا مسار الاشتراكية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: ظهور حق ~~الاقتراع العالمي للذكور، وظهور الشيوعية (ظهرت لفظة «شيوعي» للمرة الأولى كمصطلح في ~~عام 1840)، وعندئذ انقسم الاشتراكيون والشيوعيون بين أولئك الذين رموا إلى تأسيس حركة ~~سياسية برلمانية ذات أحزاب وحملات لتولي السلطة، وأولئك الذين أصروا على أن الحكم ~~المطلق للبروليتاريا (طبقة العمال) والثورة الكاملة وحدهما من شأنهما أن يبدلا الأحوال ~~الاجتماعية، ومن هؤلاء البلاشفة الروس. وآمن أنصار الفكر الأول بأن إرساء حق التصويت ~~العالمي لجميع الرجال إرساء تدريجيا قد أتاح إمكانية أن يبلغ العمال أهدافهم في إطار ~~سياسة برلمانية؛ على سبيل المثال: تألف حزب العمال البريطاني في عام 1900 من مجموعة ~~متنوعة من الاتحادات والأحزاب والنوادي الموجودة سلفا لتعزيز مصالح العمال. ومن ناحية ~~أخرى شجعت الثورة الروسية التي اندلعت عام 1917 الشيوعيين في كل مكان على أن يؤمنوا بأن ~~التحول الاجتماعي والاقتصادي الشامل يلوح في الأفق، وأن المشاركة في السياسة البرلمانية ~~يركز الطاقات اللازمة للتصدي لصراعات أخرى. # وكما يمكن أن نتوقع، اختلف هذان الفكران أيضا في رأيهما بشأن الحقوق؛ فالاشتراكيون ~~والشيوعيون الذين اعتنقوا العملية السياسية تبنوا أيضا قضية الحقوق. أكد جان جوريس، ~~أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الفرنسي، أن الدولة الاشتراكية «تحافظ على شرعيتها بالقدر ~~الذي تكفل به الحقوق الفردية». وقد أيد آراء دريفوس، وحق التصويت العام للرجال، وفصل ~~الكنيسة عن الدولة، وباختصار، دعا جوريس إلى حقوق سياسية متساوية لجميع الرجال بالإضافة ~~إلى تحسين حياة العمال، واعتبر «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» وثيقة لها أهمية عالمية. ~~أما أصحاب الرأي الآخر فقد اتبعوا ماركس في زعمهم - مثلما فعل أحد الاشتراكيين ~~الفرنسيين المناوئين لجوريس - أن الدولة البرجوازية لا يمكن إلا أن تكون «أداة للمذهب ~~المحافظ والقمع ms158 الاجتماعي». # 21 # لم يناقش كارل ماركس نفسه حقوق الإنسان بأي قدر من الاستفاضة سوى في شبابه؛ ففي مقاله ~~«حول القضية اليهودية»، الذي نشر عام 1843، ~~أي قبل صدور «البيان الشيوعي» بخمسة أعوام، ~~أدان بالتحديد الأسس التي يقوم عليها «إعلان حقوق الإنسان والمواطن»؛ فقد تبرم ~~قائلا: «لا يتعدى أي حق من الحقوق المفترضة للإنسان حدود الإنسان الأناني.» فتلك ~~الحرية المزعومة تنظر للإنسان وكأنما هو مخلوق منعزل، وليس جزءا من طبقة أو مجتمع، وحق ~~الملكية لا يضمن سوى الحق في السعي وراء المصلحة الذاتية دون اعتبار للآخرين، وحقوق ~~الإنسان تكفل حرية الاعتقاد واختيار الدين في حين أن ما يحتاجه الإنسان هو التحرر من ~~الدين؛ وهي تؤكد على الحق في اقتناء الممتلكات في حين أن ما يحتاجه الإنسان هو التحرر ~~من الممتلكات؛ كما اشتملت على الحق في الانخراط في الأعمال التجارية في حين أن ما ~~يحتاجه الإنسان هو التحرر من الأعمال التجارية. وقد مقت ماركس بالتحديد التأكيد على ~~السياسة في حقوق الإنسان؛ إذ حسب أن الحقوق السياسية تتعلق بالوسائل وليس الغايات؛ ففي ~~رأيه «الرجل الممارس للسياسة» هو «رجل تجريدي» و«زائف» وليس رجلا حقيقيا أصيلا، ولا ~~يستطيع الرجل أن يسترد أصالته إلا عندما يدرك أن تحرير الإنسان لا سبيل إلى تحقيقه من ~~خلال السياسة، وإنما يحتاج إلى ثورة تركز على العلاقات الاجتماعية وإلغاء حق الملكية ~~الخاصة. # 22 # أثرت تلك الآراء وبعض تنويعاتها اللاحقة على الحركة الاشتراكية والشيوعية تأثيرا دام ~~أجيالا. أصدر البلاشفة «إعلان حقوق جماهير الشعب العاملة المستغلة» في عام 1918، غير ~~أن هذا الإعلان لم يتضمن حقا سياسيا أو قانونيا واحدا، وكان هدفه هو «إلغاء كافة ~~أوجه استغلال الإنسان للإنسان، والقضاء الكامل على تقسيم المجتمع إلى طبقات، وسحق ~~مقاومة المستغلين بلا هوادة، وتأسيس منظمة اشتراكية من أفراد المجتمع». استشهد لينين ~~نفسه بماركس في رفض أي تأكيد على الحقوق الفردية، وأكد على أن فكرة الحق المتساوي هي في ~~حد ذاتها انتهاك للمساواة، وتنطوي على جور؛ لأنها قائمة على «قانون برجوازي»، فتلك ~~الحقوق المتساوية المزعومة - من وجهة ms159 نظره - تحمي الملكية الخاصة، ومن ثم تستغل العمال. ~~وأصدر جوزيف ستالين دستورا جديدا في عام 1936 زعم أنه يكفل حرية القول، والصحافة، ~~والدين، غير أن حكومته لم تتوان عن إرسال مئات الآلاف من أعداء الطبقة، والمعارضين، بل ~~وحتى بعض رفاقهم من أعضاء الحزب، إلى المعتقلات، أو إعدامهم فورا. # 23 # الحربان العالميتان والبحث عن حلول جديدة # حتى فيما استهل البلاشفة تأسيس الحكم الديكتاتوري للبروليتاريا في روسيا، كانت ~~الأعداد الفلكية للقتلى الذين سقطوا في الحرب العالمية الأولى تحث قادة ما سمي بعد ذلك ~~بوقت قصير «الحلفاء» المنتصرين على التوصل إلى آلية جديدة لضمان السلام، وعندما وقع ~~البلاشفة معاهدة سلام مع الألمان في مارس عام 1918، كانت روسيا قد فقدت قرابة مليوني ~~شخص. وبحلول وقت انتهاء الحرب على الجبهة الغربية في نوفمبر عام 1918، كان أربعة عشر ~~مليون شخص قد لقوا مصرعهم، معظمهم من الجنود. وانتهى الحال بثلاثة أرباع الرجال الذين ~~حشدوا للقتال في روسيا وفرنسا ما بين قتيل وجريح. وفي عام 1919، أنشأ الدبلوماسيون ~~الذين حرروا اتفاقيات السلام ما يسمى «عصبة الأمم» من أجل حفظ السلام، ومراقبة نزع ~~الأسلحة، والتحكيم في النزاعات بين الأمم، وكفالة حقوق الأقليات القومية والمرأة ~~والطفل. وأخفقت عصبة الأمم في مهمتها على الرغم من الجهود النبيلة المبذولة. رفض مجلس ~~الشيوخ الأمريكي إقرار المشاركة الأمريكية؛ وحرمت كل من ألمانيا وروسيا العضوية من ~~الأصل؛ وفيما كانت العصبة تعزز حق تقرير المصير القومي في أوروبا، فإنها أشرفت على ~~إدارة المستعمرات الألمانية السابقة والأقاليم التابعة للإمبراطورية العثمانية البائدة ~~من خلال نظام «الانتداب» الذي برر مرة أخرى بالتقدم الأوروبي على الشعوب الأخرى. ~~وعلاوة على ذلك، عجزت عصبة الأمم عن إيقاف الصعود المستمر للفاشية في إيطاليا والنازية ~~في ألمانيا، ومن ثم لم تتمكن من الحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية. # سجلت الحرب العالمية الثانية رقما قياسيا في الوحشية بعدد قتلى يصعب تصوره وصل إلى ~~ستين مليون قتيل. وعلاوة على ذلك فإن أغلبية الذين قتلوا هذه المرة من المدنيين، ومنهم ~~ستة ملايين يهودي لم يقتلوا لأي سبب سوى ms160 أنهم يهود، وخلفت الفوضى ملايين اللاجئين في ~~نهاية الحرب، كثيرون منهم بالكاد يستطيعون أن يتطلعوا إلى المستقبل ويأملوا في العيش في ~~مخيمات «اللاجئين»، إلا أن آخرين أجبروا على الهجرة لأسباب عرقية (على سبيل المثال، ~~طرد مليونان ونصف المليون ألماني من تشيكوسلوفاكيا عام 1946)، واستهدفت جميع القوى ~~المشاركة في الحرب المدنيين في وقت أو آخر، إلا أنه مع انتهاء الحرب، فزع العامة لدى ~~الكشف عن حجم الفظائع التي ارتكبها الألمان عمدا؛ فقد كشفت الصور التي التقطت عند ~~تحرير معسكرات الموت النازية عن الأهوال المروعة التي ترتبت على معاداة السامية، والتي ~~سوغتها المناداة بالسيادة العرقية للجنس الآري والتطهير القومي. لم يقتصر دور محاكمات ~~نورمبرج في عامي 1945-1946 على لفت أنظار جمهور عريض من الناس إلى مثل هذه الأعمال ~~الوحشية ، لكنها أرست أيضا حادثة غير مسبوقة، هي أن الحكام، ورجال الدولة، والعسكريين، ~~يمكن أن يعاقبوا على ارتكابهم جرائم «ضد الإنسانية». # وحتى قبل أن تنتهي الحرب، عزم الحلفاء ~~- لا سيما الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، وبريطانيا العظمى - على تحسين أداء ~~«عصبة الأمم»، وعليه وضعوا في مؤتمر عقد في سان فرانسيسكو في ربيع عام 1945 الهيكل ~~الأساسي لهيئة دولية جديدة هي «الأمم المتحدة»، على أن يكون لهذه الهيئة «مجلس أمن» ~~تهيمن عليه القوى العظمى، و«جمعية عامة» تضم مندوبين من كافة الدول الأعضاء، و«أمانة ~~عامة» يرأسها أمين يقوم بدور الموظف التنفيذي. أسفر المؤتمر أيضا عن إنشاء «محكمة ~~العدل الدولية» في لاهاي بهولندا؛ كي تحل محل محكمة مشابهة كانت قد أسستها عصبة الأمم ~~في عام 1921، ووقعت إحدى وخمسون دولة ميثاق الأمم المتحدة بصفتها الدول المؤسسة في ~~السادس والعشرين من يونيو عام 1945. # وعلى الرغم من الأدلة الدامغة المكتشفة على الجرائم النازية ضد اليهود، والغجر، ~~والسلافيين، وغيرهم، فإنه كانت هناك حاجة لدفع وتحفيز الدبلوماسيين المجتمعين في سان ~~فرانسيسكو كي يضعوا مسألة حقوق الإنسان ضمن بنود جدول الأعمال. في عام 1944، كانت كل من ~~بريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي قد رفضتا اقتراحات تضمين حقوق الإنسان في ميثاق ~~الأمم المتحدة. أما بريطانيا فقد خشيت التشجيع ms161 الذي قد يقدمه هذا الإجراء لحركات ~~الاستقلال في مستعمراتها، وأما الاتحاد السوفييتي فلم يرغب في أي تدخل في نطاق تأثيره ~~الآخذ في الاتساع في ذلك الوقت. وبالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة عارضت في ~~البداية اقتراحا تقدمت به الصين بأن يتضمن الميثاق بيانا ينص على المساواة بين جميع ~~الأعراق. # جاء الضغط من اتجاهين مختلفين؛ إذ حثت العديد من البلدان صغيرة ومتوسطة الحجم في ~~أمريكا اللاتينية وآسيا على منح المزيد من الاهتمام لحقوق الإنسان، ويرجع هذا جزئيا ~~إلى أنهم استاءوا من الهيمنة الاستبدادية للقوى العظمى على وقائع الجلسات. وعلاوة على ~~ذلك، فقد ضغط عدد غفير من المنظمات الدينية والعمالية والنسائية والمدنية - معظمها كائن ~~في الولايات المتحدة - على مفوضي المؤتمر مباشرة، وساعدت التماسات عاجلة رفعها مندوبو ~~«اللجنة اليهودية الأمريكية»، و«اللجنة المشتركة للحرية الدينية»، و«ملتقى المنظمات ~~الصناعية»، و«الجمعية الوطنية لتحسين حال الملونين»، في تغيير المسئولين بوزارة ~~الخارجية الأمريكية رأيهم، فوافقوا على تضمين حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة، ~~ووافق أيضا كل من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا العظمى لما ضمن الميثاق عدم تدخل ~~الأمم المتحدة مطلقا في الشئون الداخلية لأي بلد. # 24 # كان الالتزام بحقوق الإنسان لا يزال غير مضمون على الإطلاق؛ فقد شدد ميثاق الأمم ~~المتحدة لعام 1945 على قضايا الأمن العالمي، ولم يخصص سوى بضعة أسطر ل «الاحترام ~~والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما ~~التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين». غير أن الميثاق أسس ~~«لجنة حقوق الإنسان» التي قررت أن تكون أولى مهامها صياغة ميثاق لحقوق الإنسان. لعبت ~~إلينور رزوفلت، بوصفها رئيس اللجنة، دورا محوريا في صياغة الإعلان، ثم رعايته حتى ~~إتمام العملية المعقدة المتمثلة في الحصول على موافقة الدول الأعضاء عليه. أعد جون ~~هامفري، أستاذ القانون بجامعة ماكجيل بكندا، والبالغ من العمر أربعين عاما، المسودة ~~الأولية للإعلان، وكان لا بد بعدئذ من أن يراجعها كافة أعضاء اللجنة، ثم تمرر إلى ~~كافة الدول الأعضاء، وعندئذ يراجعها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وفي حال ms162 الموافقة ~~عليها ترسل إلى الجمعية العامة؛ حيث لا بد أن تنظرها أولا اللجنة الثالثة للشئون ~~الاجتماعية والإنسانية والثقافية. وكان للجنة الثالثة مفوضون من كافة الدول الأعضاء، ~~وفيما طرحت المسودة للنقاش اقترح الاتحاد السوفييتي إدخال تعديلات على جميع مواد ~~الإعلان تقريبا. وبعد انعقاد ثلاثة وثمانين اجتماعا (للجنة الثالثة وحدها)، وإدخال ~~قرابة مائة وسبعين تعديلا فيما بعد، اعتمدت المسودة للتصويت عليها. وأخيرا في العاشر ~~من ديسمبر عام 1948، أقرت الجمعية العامة «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». صوتت ثمان ~~وأربعون دولة بالموافقة، وامتنعت ثماني دول تابعة للكتلة السوفييتية عن التصويت، ولم ~~تعارض أي دولة. # 25 # وعلى غرار إعلاني القرن الثامن عشر السابقين لإعلان الأمم المتحدة، أوضح الإعلان ~~العالمي في الديباجة الأسباب التي جعلت إصدار مثل هذه الوثيقة الرسمية ضرورة ملحة . أكد ~~الإعلان أن: «تجاهل حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير ~~الإنساني.» وكان الاختلاف الطفيف في لغة هذا الإعلان عن لغة الإعلان الفرنسي الأصلي ~~لعام 1789 معبرا وذا دلالة؛ ففي عام 1789، ~~أكد الإعلان الفرنسي أن: «الجهل والإهمال وعدم احترام حقوق الإنسان هي وحدها أسباب شقاء ~~المجتمع وفساد الحكومات.» ولم يعد «الجهل» ولا حتى «الإهمال» البسيط واردا؛ فبحلول عام ~~1948، كان من المفترض أن الناس جميعا يعرفون ما الذي تعنيه حقوق الإنسان. وعلاوة على ~~ذلك، فإن التعبير الذي استخدم عام 1789، «شقاء المجتمع»، لا يعبر بأي حال عن هول ~~الأحداث التي وقعت مؤخرا. إن التجاهل المتعمد لحقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى ~~أعمال يكاد لا يمكن لإنسان أن يتخيل وحشيتها. # لم يعد الإعلان العالمي يؤكد على أفكار الحقوق الفردية التي بزغت في القرن الثامن ~~عشر من مساواة أمام القانون، وحرية التعبير، وحرية المعتقد، والحق في المشاركة في ~~السياسة، وحماية الممتلكات الخاصة، ورفض التعذيب والعقاب الوحشي فحسب (انظر ملحق ~~الكتاب)، وإنما حظر أيضا بكل وضوح العبودية، وأقر حق تصويت عالمي ومتساو عن طريق ~~الاقتراع السري. وبالإضافة إلى ذلك، نادى الإعلان العالمي بحرية الانتقال، والحق في ~~التمتع بجنسية، والحق في الزواج، والأمور الأكثر إثارة للجدل؛ مثل الحق ms163 في الضمان ~~الاجتماعي، والحق في العمل والحصول على أجر متساو عن العمل المتساوي، يكفل العيش ~~الكريم، والحق في الراحة وأوقات الفراغ، والحق في التعليم الذي يجب أن يتوفر مجانا في ~~المراحل الابتدائية. وقد عبر الإعلان العالمي - إبان فترة تصاعد حدة الصراع في الحرب ~~الباردة - عن مجموعة من التطلعات، وليس عن واقع يمكن بلوغه بسهولة؛ لقد حدد مجموعة من ~~الالتزامات الأخلاقية للمجتمع الدولي، بيد أنه لم يملك آلية لتنفيذها، ولو أنه اشتمل ~~على آلية للتنفيذ، لما كان ليعلن أبدا؛ فما كانت الدول لتوافق عليه مطلقا. لكن على ~~الرغم من كافة أوجه القصور، فإن وثيقة الإعلان تركت آثارا مشابهة لتلك التي كانت ~~لإعلاني القرن الثامن عشر السابقين، فقد وضع الإعلان لما ينيف على الخمسين عاما ~~معايير النقاش والعمل الدوليين فيما يتعلق بحقوق الإنسان. # بلور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مائة وخمسين عاما من الصراع من أجل الحقوق؛ ~~فطيلة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حفظت المجتمعات الخيرة شعلة حقوق الإنسان ~~العالمية مشتعلة، بينما انغلقت باقي الأمم على نفسها. وكان من أبرز تلك المجتمعات ~~الجماعات التي قامت مستلهمة نموذج جماعة الكويكرز التي تأسست من أجل مكافحة الرق ~~وتجارة الرقيق، وزعت «الجمعية البريطانية لإلغاء تجارة الرقيق»، التي تأسست في عام ~~1787، مواد مطبوعة وصورا تدعو لمكافحة تجارة العبيد، ونظمت حملات التماس جماعية ~~موجهة للبرلمان، ووطد قادة هذه الجمعية علاقاتهم مع مناهضي الرق في الولايات المتحدة، ~~وفرنسا، وجزر الكاريبي. وعندما أقر البرلمان عام 1807 قانونا لوقف المشاركة البريطانية ~~في تجارة الرقيق، أعاد أنصار إلغاء الرق تسمية ~~جمعيتهم ب «جمعية مكافحة الرق»، واتجهت إلى ~~تنظيم حملات التماس جماعية كي تجعل البرلمان يلغي الرق نفسه كما ألغى تجارة الرقيق، ~~الأمر الذي أقره البرلمان أخيرا عام 1833. عندئذ حملت «الجمعية البريطانية والأجنبية ~~لمكافحة الرق» على عاتقها مسئولية القضاء على الرق في أماكن أخرى، وخاصة في الويات ~~المتحدة. # وبناء على اقتراح من أنصار إلغاء الرق الأمريكيين، نظمت الجمعية البريطانية مؤتمرا ~~عالميا لمكافحة الرق في لندن عام 1840 كي تنسق المقاومة الدولية للرق، ms164 وعلى الرغم من ~~أن المفوضين رفضوا السماح لأنصار إلغاء الرق من النساء بالمشاركة بأي شكل رسمي، ومن ثم ~~ساعدوا في تعجيل خطوات حركة حق النساء في التصويت، فإنهم أعطوا دفعة قوية لقضية مكافحة ~~الرق عالميا بتكوين علاقات دولية جديدة، وبمعلومات حول ظروف العبيد، وقرارات نددت ~~بالرق باعتباره «خطيئة في حق الله»، وأدانوا الكنائس التي تؤيد الرق، ولا سيما في جنوب ~~الولايات المتحدة. ومع أن المؤتمر «العالمي» كان يخضع لهيمنة البريطانيين والأمريكيين، ~~فقد كان بمنزلة نموذج لحملات دولية مستقبلية من أجل منح النساء حق التصويت، ومناهضة ~~عمالة الأطفال، وحقوق العمال، ومجموعة متنوعة من القضايا الأخرى، وكانت بعض الحقوق ~~متصلة والبعض الآخر غير ذات صلة؛ مثل حملة الاعتدال في شرب الخمر. # 26 # إبان خمسينيات وستينيات القرن العشرين، نحيت قضية حقوق الإنسان الدولية جانبا ~~لصالح صراعات الاستقلال ومناهضة الاستعمار؛ ففي ختام الحرب العالمية الأولى، أصر الرئيس ~~وودرو ويلسون - كما هو معروف - على أن السلام الدائم لا بد أن يكون قائما على مبدأ حق ~~تقرير المصير القومي. قال ويلسون بإصرار: «لكل شعب الحق في اختيار السلطة التي سيعيش في ~~ظلها.» كان يقصد حينها البولنديين، والتشيكوسلوفاكيين، والصرب - وليس الأفارقة - وقد ~~منح هو وحلفاؤه الاستقلال لبولندا، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغوسلافيا؛ لأنهم اعتبروا أنهم ~~يملكون حق التصرف في الأراضي التي كانت تسيطر عليها من قبل القوى المهزومة، ووافقت ~~بريطانيا العظمى على أن تلحق حق تقرير المصير القومي بميثاق الأطلنطي الذي صدر عام ~~1941، والذي يحدد المبادئ البريطانية الأمريكية المشتركة في خوض الحرب، غير أن وينستون ~~تشرشل أصر على أن هذا يسري على أوروبا فحسب، وليس على مستعمرات بريطانيا، أما ~~المفكرون الأفارقة فقد خالفوهم الرأي، وجعلوا هذا المبدأ جزءا من حملتهم المتصاعدة من ~~أجل الاستقلال. ومع أن الأمم المتحدة فشلت في سنواتها الأولى في اتخاذ موقف قوي بشأن ~~تفكيك الاستعمار ومنح الاستقلال للدول المحتلة، فقد وافقت بحلول عام 1952 على جعل حق ~~تقرير المصير جزءا رسميا من برنامجها. وفي ستينيات القرن العشرين، استردت معظم الدول ~~الأفريقية استقلالها؛ إما بوسائل سلمية أو ms165 بالقوة. ومع أن الدول الأفريقية المستقلة ~~حديثا دمجت أحيانا في دساتيرها الحقوق المنصوص عليها في «الاتفاقية الأوروبية لحماية ~~حقوق الإنسان والحريات الأساسية» لعام 1950 - على سبيل المثال - فكثيرا ما وقعت ~~الضمانة القانونية للحقوق فريسة للتقلبات السياسية بين الدول وبين القبائل. # 27 # في العقود التي تلت عام 1948، تشكل إجماع دولي على أهمية الدفاع عن حقوق الإنسان على ~~نحو متقطع. لقد بدأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العملية ولم يكن هو ذروتها. لم ~~يتجل تطور حقوق الإنسان في أي مكان أكثر مما تجلى في أوساط الشيوعيين، الذين قاوموا ~~هذه الدعوة زمنا طويلا؛ فبدءا من سبعينيات القرن العشرين، رجعت الأحزاب الشيوعية في ~~غرب أوروبا إلى تبني موقف يشبه كثيرا ذلك الذي قدمه جوريس في فرنسا في مطلع القرن؛ ~~فقدموا الديمقراطية والمصادقة على حقوق الإنسان صراحة، بديلا عن «الحكم الاستبدادي ~~لطبقة البروليتاريا» في برامجهم الرسمية. ونحو نهاية ثمانينيات القرن العشرين، بدأت ~~الكتلة السوفييتية تتحرك في نفس الاتجاه. واقترح الأمين العام للحزب الشيوعي، ميخائيل ~~جورباتشوف، على مؤتمر الحزب الشيوعي لعام 1988 في موسكو أن الاتحاد السوفييتي ينبغي أن ~~يكون من الآن فصاعدا دولة تخضع لسيادة القانون، ينعم فيها «المواطن السوفييتي بالحماية ~~القصوى لحقوقه وحرياته». وفي العام نفسه، أنشئ قسم حقوق الإنسان للمرة الأولى في كلية ~~حقوق سوفييتية. لقد حدث تقارب تدريجي في الفكر؛ إذ اشتمل الإعلان العالمي لعام 1948 على ~~الحقوق الاجتماعية والاقتصادية - كالحق في التمتع بالضمان الاجتماعي، والحق في العمل، ~~والحق في التعليم على سبيل المثال - وبحلول ثمانينيات القرن العشرين كانت معظم الأحزاب ~~الاشتراكية والشيوعية قد تخلت عن معارضتها السابقة للحقوق السياسية والمدنية. # 28 # ولم تتوار المنظمات غير الحكومية البتة، وإنما اكتسبت المزيد من التأثير الدولي ~~بدءا من ثمانينيات القرن العشرين، ويعزى هذا في المقام الأول إلى انتشار العولمة ~~نفسها. قدمت منظمات غير حكومية - مثل «منظمة العفو الدولية» (التي تأسست عام 1961)، ~~و«الجمعية الدولية لمكافحة الرق» (امتداد ل «جمعية مكافحة الرق»)، ومنظمة «مراقبة حقوق ~~الإنسان» (الشهيرة باسم «هيومان رايتس ووتش»، التي تأسست عام 1978)، ~~ومنظمة «أطباء بلا ms166 حدود» (تأسست عام 1971)، ~~ناهيك عن عدد لا حصر له من الجماعات المحلية التي لم يذع صيت أنشطتها خارج مجتمعاتها ~~المحلية - دعما غاية في الأهمية لحقوق الإنسان في العقود العديدة المنصرمة. وكثيرا ما ~~تسببت المنظمات غير الحكومية في زيادة الضغط على الحكومات المنتهكة لحقوق الإنسان، ~~وقامت بالكثير من أجل الحد من المجاعات، وانتشار الأمراض، والمعاملة الوحشية التي يتعرض ~~لها المعارضون والأقليات، فاق ما قامت به الأمم المتحدة نفسها، غير أنها جميعا تقريبا ~~بنت برامجها على الحقوق المنصوص عليها بوضوح في جزء أو آخر من الإعلان العالمي لحقوق ~~الإنسان. # 29 # غني عن القول أن حقوق الإنسان ما زال قبولها أيسر من تطبيقها؛ فالفيض الهائل من ~~المؤتمرات والاتفاقيات الدولية من أجل مناهضة القتل الجماعي، والرق، والتعذيب، ~~والعنصرية، ومن أجل حماية المرأة والأطفال والأقليات، يدل على أن حقوق الإنسان لا تزال ~~في حاجة إلى إنقاذ. تبنت الأمم المتحدة «الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة ~~الرقيق والنظم والممارسات الشبيهة بالرق» في عام 1956، ومع ذلك يقدر عدد الرقيق في ~~العالم اليوم بسبعة وعشرين مليون عبد. كما أقرت الأمم المتحدة «اتفاقية مناهضة التعذيب ~~وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة» في عام 1984؛ ~~لأن التعذيب لم يختف عندما ألغيت أشكاله القضائية في القرن الثامن عشر، فبدلا من ~~استخدام التعذيب في منظومة مجازة قانونا، انتقل إلى الغرف السرية وغير السرية للشرطة ~~والقوات العسكرية في الدولة المعاصرة. أجازت النازية استخدام «الاستجواب الصارم» مع ~~الشيوعيين، وشهود يهوه، والمخربين، والارهابيين، والمعارضين، و«العناصر المعادية ~~للمجتمع»، والمتشردين من «البولنديين أو السوفييت». لم تعد الفئات هي نفسها بالضبط، غير ~~أن إجراء التعذيب نفسه مستمر؛ في جنوب أفريقيا، وعلى يد الفرنسيين في الجزائر، وفي ~~تشيلي، واليونان، والأرجنتين، والعراق، وعلى يد الأمريكيين في سجن أبو غريب؛ والقائمة ~~طويلة بلا نهاية، ولم يتحقق بعد الأمل في وقف «الأعمال البربرية». # 30 # حدود التعاطف # ما الذي نستنتجه من عودة التعذيب والتطهير العرقي، والاستخدام المتواصل للاغتصاب ~~باعتباره سلاحا للحرب والاضطهاد المستمر للمرأة، والاتجار الجنسي المتنامي بالأطفال ~~والنساء، وممارسات ms167 الرق الباقية حتى يومنا هذا؟ هل خذلتنا حقوق الإنسان بثبوت عدم ~~أهليتها لإنجاز المهمة؟ إن مفارقة البعد والقرب تلعب دورا في عصرنا الحديث؛ فمن ناحية ~~مكن انتشار القراءة والكتابة وتطور الروايات، والصحف، والراديو، والسينما، ~~والتليفزيون، من أن يتعاطف الكثير والكثير من الناس مع أناس لا يعيشون معهم بل يعيشون ~~في ظروف مختلفة، ويمكن لصور الأطفال المتضورين جوعا في بنجلاديش، أو حكايات آلاف ~~القتلى من الرجال والصبيان في سربرنيتشا بالبوسنة، أن تحشد ملايين الناس من أجل إرسال ~~الأموال والسلع، وفي بعض الأحيان الذهاب بأنفسهم لمساعدة أشخاص في أماكن أخرى، أو حث ~~حكوماتهم أو المنظمات الدولية كي تتدخل. ومن ناحية أخرى، تروي الحكايات المستقاة من ~~مصادرها كيف تقاتل الجيران القريبون في رواندا بضراوة بالغة بسبب مسألة العرق، وقتلوا ~~بعضهم بعضا بكل وحشية. هذا العنف البالغ ليس استثنائيا بالمرة أو حديث المنشأ؛ ~~فلطالما حاول اليهود، والمسيحيون، والمسلمون، أن يعللوا سبب قتل قابيل، ابن آدم وحواء، ~~لأخيه هابيل. وفيما مرت السنون على الأعمال الوحشية النازية، بينت الأبحاث الدقيقة أن ~~البشر العاديين، الذين لا يعانون أي اضطرابات نفسية أو قناعات سياسية أو دينية ملتهبة ~~بالحماس الشديد، يمكن استفزازهم في ظروف «مناسبة» ليرتكبوا ما يعرفون أنه قتل جماعي في ~~الأماكن القريبة منهم؛ فالقائمون على التعذيب في الجزائر، والأرجنتين، وسجن أبو غريب، ~~جميعهم كانوا في بادئ الأمر جنودا عاديين، هؤلاء القائمون على التعذيب والقتل هم أناس ~~مثلي ومثلك، وهم عادة ما يعذبون أناسا قريبين منهم لدرجة أنهم يقفون أمامهم ~~مباشرة. # 31 # وهكذا، في حين وسعت أشكال التواصل الحديثة وسائل التعاطف مع الآخرين، فإنها لم ~~تستطع أن تضمن أن الناس سوف يتصرفون بناء على شعور المشاركة الوجدانية. يمكن اقتفاء أثر ~~التناقض بشأن قوة التعاطف رجوعا إلى منتصف القرن الثامن عشر، وقد عبر عنه حتى أولئك ~~الذين اضطلعوا بشرح آلية عمله. يتأمل آدم سميث في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية»، ردة ~~فعل «رجل الإنسانية في أوروبا» الذي يتناهى إلى مسامعه نبأ عن وقوع زلزال في الصين مات ~~على إثره مئات ms168 الملايين من الناس، يتوقع سميث أن هذا الرجل سيقول كل ما يليق قوله، ثم ~~يمضي لشأنه وكأن شيئا لم يكن. وعلى النقيض، إن علم أنه سوف يفقد خنصره في اليوم ~~التالي، فلن يغمض له جفن طوال الليل. فهل يعني هذا أن ذلك الرجل على استعداد للتضحية ~~بمئات الملايين من الصينين مقابل خنصره؟ كلا، ليس كذلك، كما يؤكد سميث. لكن ما الذي ~~يجعل الإنسان يقاوم هذه الصفقة؟ يؤكد سميث قائلا: «ليست القوة الناعمة للبشرية» هي ~~التي تمكننا من مقاومة المصلحة الشخصية، بل لا بد أنها قوة أكبر؛ قوة الضمير: «العقل، ~~والمبدأ، والضمير، الكامن في الصدور، والإنسان الداخلي، ذلك القاضي الأعظم الحكم على ~~سلوكياتنا.» # 32 # تشير قائمة سميث التي ترجع إلى عام 1759 - والتي تضم العقل، والمبدأ، والضمير، ~~والإنسان الداخلي - إلى عنصر مهم في الجدل الحالي حول التعاطف. ما الدافع القوي بما ~~يكفي لدفعنا إلى التصرف انطلاقا من مشاعر المشاركة الوجدانية؟ إن التباين الذي يشوب ~~قائمة سميث يدل على أنه عانى هو نفسه شيئا من الصعوبة في إجابة هذا السؤال؛ هل «العقل» ~~معدود مرادفا ل «الضمير، الكامن في الصدور»؟ لقد بدا أن سميث يؤمن - شأنه في ذلك شأن ~~العديد من نشطاء حقوق الإنسان في وقتنا هذا - بأن مزيجا من الابتهالات العقلية لمبادئ ~~الحقوق والمناشدات العاطفية لمشاعر المشاركة الوجدانية يمكن أن يجعل التعاطف فعالا من ~~الناحية الأخلاقية. كان النقاد في ذلك الحين - وكثيرون من النقاد اليوم - سيجيبون بأن ~~شيئا من الاحساس بالواجب الديني الأسمى يحتاج تفعيله كي يفلح التعاطف. من وجهة نظرهم، ~~لا يستطيع البشر التغلب على الميل الفطري الطبيعي إلى عدم الاكتراث أو إلى الشر من ~~تلقاء أنفسهم وبدون مساعدة. أطلق أحد الرؤساء السابقين لنقابة المحامين الأمريكية ~~تعبيرا عن وجهة النظر السائدة هذه فقال: «عندما لا يظهر البشر على صورة الله، عندئذ قد ~~تفقد حقوقهم الأساسية السبب الغيبي الأسمى لوجودها.» إن فكرة المشاركة الإنسانية غير ~~كافية وحدها. # 33 # يركز آدم سميث على قضية واحدة، في حين أن هناك قضيتين في حقيقة الأمر؛ ms169 يعتبر سميث أن ~~التعاطف مع من هم بعيدون عنا من نفس طبقة المشاعر التي نكنها للقريبين منا، مع أنه ~~يعترف بأن ما نتعرض له تعرضا مباشرا أكثر تحفيزا بكثير من المشكلات التي يواجهها من ~~هم بعيدون عنا. إذن القضيتان هما: ما الذي يمكن أن يحفزنا للتصرف بناء على مشاعرنا ~~تجاه البعيدين عنا؟ وما الذي يمكنه أن يسحق مشاعر المشاركة الوجدانية سحقا بحيث نستطيع ~~أن نعذب، أو نشوه، أو حتى نقتل القريبين منا؟ لا بد أن تشتمل المسألة على عناصر ~~البعد والقرب، والمشاعر الإيجابية والسلبية جميعها. # بداية من منتصف القرن الثامن عشر فصاعدا، وبالتحديد بسبب بزوغ فكرة حقوق الإنسان، ~~باتت هذه التوترات أكثر تدميرا. سلط أنصار مناهضة الرق، والتعذيب الشرعي، والعقوبات ~~القاسية في أواخر القرن الثامن عشر، الضوء على الوحشية في رواياتهم المعذبة للمشاعر؛ ~~لقد عمدوا إلى إثارة الاشمئزاز، بيد أن إثارة الأحاسيس عن طريق قراءة ورؤية صور صارخة ~~للمعاناة لم يمكن توجيهها بعناية على الداوم. وعلى نحو مشابه، اتخذت الروايات التي تلفت ~~الانتباه بشدة إلى المعاناة التي تتكبدها الفتيات العاديات أشكالا أخرى أكثر خبثا ~~بنهاية القرن الثامن عشر؛ صورت الرواية القوطية - ومن أمثلتها رواية «الراهب» (1796) ~~لماثيو لويس - مشاهد لزنا المحارم، والاغتصاب، والتعذيب، والقتل، وبدا على نحو متزايد ~~أن تلك المشاهد الحسية المثيرة هي الغرض المنشود من الكتابة، وليس فحص المشاعر الداخلية ~~أو النتائج الأخلاقية. تقدم الماركيز دي ساد بالرواية القوطية خطوة إضافية لتأخذ شكل ~~دعارة صريحة من الألم، مختزلا عن عمد مشاهد الإغراء الطويلة المسهبة الموصوفة في ~~روايات سابقة مثل رواية ريتشاردسون، «كلاريسا»، في جوهر جنسي. أراد دي ساد كشف المعاني ~~المستترة للروايات السابقة: الجنس والهيمنة والألم والنفوذ، وليس الحب والتعاطف وحب ~~الخير. من وجهة نظره، لم يعن «الحق الطبيعي» سوى الحق في الاستحواذ على أكبر قدر ممكن ~~من السلطة والتمتع بممارستها على الآخرين. وليس من قبيل المصادفة أن دي ساد كتب كل ~~رواياته تقريبا في تسعينيات القرن الثامن عشر إبان الثورة الفرنسية. # 34 # وهكذا جلبت فكرة حقوق الإنسان في ms170 أعقابها سلسلة كاملة من التناقضات البغيضة. فقد ~~أثارت الدعوة إلى حقوق عالمية متساوية طبيعية إلى نمو أيديولوجيات اختلاف جديدة ومتعصبة ~~في بعض الأحيان، وفتحت الأنماط الجديدة لاكتساب فهم تعاطفي الطريق أمام المذهب الحسي ~~للعنف. والجهد الرامي إلى القضاء على الوحشية من أساسها القانوني والقضائي والديني جعل ~~الوحشية أكثر وجودا كأداة يومية للهيمنة والتجريد من الإنسانية، ولم يكن من الممكن ~~تصور جرائم القرن العشرين غير الإنسانية إلا عندما أمكن لكل إنسان أن يزعم ويؤكد كونه ~~فردا متساويا في الأسرة البشرية. معرفة هذه الازدواجيات أمر ضروري من أجل مستقبل حقوق ~~الإنسان؛ فالتعاطف لم يفن كما ادعى البعض؛ وإنما أصبح قوة أكثر فعالية من أي وقت مضى، ~~غير أن التأثير المكافئ فيما يخص العنف والألم والهيمنة أصبح أيضا أكبر من أي وقت ~~مضى. # 35 # حقوق الإنسان هي حصننا الوحيد المشترك ضد هذه الشرور، وما زال علينا أن نعمل باستمرار ~~على إدخال التحسينات على نسخة حقوق الإنسان التي ظهرت في القرن الثامن عشر، مؤكدين على ~~أن لفظة «الإنسان» المذكورة في «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» لا يشوبها أي غموض، ~~كالذي شاب لفظة «الفرد» في تعبير «حقوق الفرد». ويستمر فيض الحقوق في التدفق، مع أنه ~~دائما ما يواجه صراعا هائلا حول الطريقة التي ينبغي أن يتدفق بها: حق المرأة في ~~الاختيار في مقابل حق الجنين في العيش، حق الموت بكرامة في مقابل الحق المطلق في ~~الحياة، حقوق المعاقين، حقوق المثليين، حقوق الأطفال، حقوق الحيوانات، ولم ولن تنته ~~المجادلات. أدان أنصار حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر مناوئيهم باعتبارهم تقليديين ~~عديمي الشعور، ولا يهمهم إلا الحفاظ على نظام اجتماعي عماده عدم المساواة والتمييز ~~والعادات التاريخية، وليس الحقوق المتساوية العالمية الطبيعية، غير أننا لم نعد ننعم ~~برفاهية أن نرفض ببساطة وجهة نظر أقدم. وعلى الجانب الآخر للصراع من أجل حقوق الإنسان، ~~عندما بات الإيمان بتلك الحقوق أكثر انتشارا، أصبح علينا أن نواجه العالم الذي تشكل ~~بفضل هذه الجهود، لا بد أن نكتشف كيف نتصرف حيال المعذبين والقتلة، وكيف ms171 نمنع ظهورهم ~~في المستقبل، مدركين في الوقت نفسه أن هؤلاء أيضا منا نحن البشر؛ فلا يمكننا أن نترأف ~~بهم ولا أن نجردهم من إنسانيتهم أيضا. # قد يكون إطار عمل حقوق الإنسان، بهيئاتها الدولية، ومحاكمها الدولية، واتفاقياتها ~~الدولية، مثيرا للاستياء الشديد؛ بسبب البطء في الاستجابة، أو العجز المتكرر عن تحقيق ~~الأهداف السامية لحقوق الإنسان، غير أنه ما من هيكل أفضل متاح لمواجهة هذه القضايا؛ ~~فالاعتبارات السياسية الحكومية دائما ستعطل عمل المحاكم والمنظمات غير الحكومية، مهما ~~كان نطاق اختصاصها دوليا. ويبين تاريخ حقوق الإنسان أن خير مدافع عن الحقوق في نهاية ~~المطاف هو مشاعر وقناعات وأفعال جموع الأفراد الذين يطالبون باستجابات تتفق مع إحساسهم ~~الداخلي بالظلم والإساءة. أدرك القس البروتستانتي رباءوت سانت إتيان تلك الحقيقة من قبل ~~في عام 1787، عندما كتب إلى الحكومة الفرنسية شاكيا عيوب المرسوم الجديد الذي يمنح ~~البروتستانت التسامح الديني قائلا: «لقد حان الوقت الذي لم يعد مقبولا فيه لأي قانون ~~أن ينقض جهارا حقوق الإنسانية التي باتت معروفة حق المعرفة للعالم أجمع.» وقدمت ~~إعلانات الحقوق - الصادرة في أعوام 1776، و1789، و1948 - معيارا لحقوق الإنسانية تلك، ~~معتمدة على معنى ما «لم يعد مقبولا»، وفي المقابل ساعدت على جعل الانتهاكات غير مقبولة ~~على الإطلاق. فلطالما تمتعت العملية ولا تزال تتمتع بخاصية دائرية لا يمكن إنكارها: ~~بمعنى أننا نعرف معنى حقوق الإنسان لأننا نشعر بالانزعاج عند انتهاكها، وقد تكون حقائق ~~حقوق الإنسان متناقضة من هذا المنظور، غير أنها تظل مع ذلك بديهية. # | ملحق # ثلاثة إعلانات: 1776، 1789، و1948 # إعلان الاستقلال، 1776 # داخل الكونجرس، في الرابع من يوليو 1776 # الإعلان الجماعي للولايات المتحدة الأمريكية الثلاث عشرة # حين يتعين على شعب من الشعوب في سباق الأحداث البشرية، أن يفصم عرى الروابط السياسية ~~التي تربطه بشعب آخر، وأن يحتل بين دول المعمورة المكانة المنفصلة والمتساوية التي ~~تؤهله لها قوانين الطبيعة وسنن خالقها، فإن الاحترام الحق للبشر يفرض عليه الإعلان عن ~~الأسباب التي دفعته إلى هذا الانفصال. # نحن نؤمن بأن الحقائق التالية من البديهيات، وهي أن جميع البشر ms172 قد خلقوا متساوين، ~~وأن خالقهم قد حباهم حقوقا معينة لا يمكن انتزاعها، من بين هذه الحقوق حق الحياة ~~والحرية والسعي لتحقيق السعادة. وأنه لضمان هذه الحقوق قامت الحكومات بين البشر، مستمدة ~~سلطانها المشروع من رضى المحكومين، وأنه متى أصبح أي شكل من أشكال الحكم خطرا على هذه ~~الغايات، فإن من حق الشعب أن يغيره أو يلغيه، وأن يقيم نظاما جديدا للحكم على أساس ~~من هذه المبادئ، وينظم سلطاته على نحو يجعله أقرب ما يكون لضمان أمنه وتحقيق سعادته. ~~والواقع أن الحكمة تملي علينا ألا نغير الحكومات التي طال استقرارها لأسباب واهية ~~وعابرة، وقد دلت جميع التجارب على ذلك، وعلى أن البشر أميل إلى تحمل المعاناة ما دامت ~~الشرور محتملة منهم إلى الانتصاف لأنفسهم بإلغاء تلك الأشكال من النظم الحكومية التي ~~ألفوها. ولكن حينما تتكرر مواقف الابتزاز وسوء استخدام السلطة، ويتبين أن الغرض الذي ~~تتطلع إليه الحكومة القائمة هو الاستبداد والطغيان، فمن حق الشعب - بل من واجبه - أن ~~يسقط مثل هذه الحكومة، وأن يقيم مكانها حراسا جددا على أمنه في المستقبل. ولقد كان ~~هذا ما عانته هذه المستعمرات بكل الصبر، كما أنها - في الوقت ذاته - الضرورة التي ~~تحملها على تغيير نظام حكمها السابق. إن تاريخ ملك بريطانيا العظمى الحالي تاريخ حافل ~~بالإهانات والابتزازات المتكررة، وهدفه المباشر هو فرض الحكم الاستبدادي المطلق على هذه ~~الولايات، وللتدليل على صحة ذلك، فإننا نضع الحقائق التالية أمام أنظار العالم: # لقد رفض الموافقة على قوانين كانت أصح وأصلح ما يكون، وضرورية لتحقيق المصلحة ~~العامة. # حظر على حكومته إقرار قوانين ذات أهمية فورية وملحة، وأوقف العمل بها حتى تتم ~~موافقته عليها، وانتهى به الأمر إلى التغاضي عنها كلية. # رفض إصدار قوانين أخرى في صالح قطاعات عريضة من الشعب ما لم يتخلوا عن المطالبة بحق ~~التمثيل في المجلس التشريعي، وهو حق لهم غال وثمين لا يقدم على إنكاره إلا ~~الطغاة. # دعوته للهيئات التشريعية إلى الاجتماع في أماكن غير مألوفة، وخالية من سبل الراحة، ~~وبعيدة عن مستودعات سجلاتها العامة، ms173 لا لهدف سوى إنهاكها حتى تذعن لمطالبه. # إقدامه على حل مجالس النواب مرارا لمعارضتها بحزم ورجولة لانتهاكاته حقوق ~~الشعوب. # رفضه لفترة طويلة، بعد هذا الحل، الدعوة لانتخاب مجالس نيابية جديدة، في حين أن الحل ~~يعني أن سلطات التشريع - التي يستحيل إلغاؤها - قد عادت إلى الشعب بأسره ليمارسها، وظلت ~~البلاد في هذه الأثناء معرضة لكل مخاطر الغزو الخارجي والتوتر الداخلي. # محاولاته المضنية لمنع عمران هذه الولايات، وذلك بإعاقة قوانين منح الجنسية للأجانب، ~~ورفض إصدار قوانين أخرى لتشجيع هجرتهم إليها، وزيادة شروط تخصيص الأراضي ~~الجديدة. # عطل تطبيق العدالة، وذلك برفضه الموافقة على القوانين المنشئة للسلطات ~~القضائية. # جعل بقاء القضاة في مناصبهم، وتحديد رواتبهم، وطريقة دفعها لهم، مرهونة بمشيئته ~~وحده. # أنشأ عددا كبيرا من المناصب الجديدة، وبعث إلى بلادنا بجحافل ضخمة من الموظفين ~~لإرهاق شعبنا واستنزاف موارده. # أبقى بين ظهرانينا جيوشا مستديمة في وقت السلم، ودون موافقة هيئاتنا ~~التشريعية . # ساعد على جعل العسكريين مستقلين عن السلطات المدنية، وفي مكانة أسمى منها. # اشترك مع آخرين لجعلنا خاضعين لولاية قانونية غريبة عن دستورنا، ولا تعترف بها ~~قوانيننا؛ وذلك بموافقته على قراراتها التشريعية المزعومة. # ولأنه أقام قوات مسلحة كبيرة بين ظهرانينا؛ # وحماهم، بمحاكمات هزلية من العقاب على جرائم القتل التي يمكن أن يقترفوها ضد أهالي ~~هذه الولايات؛ # ولأنه أوقف تجارتنا مع مختلف أرجاء العالم؛ # ولأنه فرض علينا ضرائب دون رضانا؛ # ولأنه حرمنا، في كثير من الحالات، من مزايا المحاكمة بواسطة هيئة من المحلفين؛ # ولأنه أرسلنا عبر البحار للمثول للمحاكمة على ادعاءات مزعومة؛ # ولأنه ألغى النظام الحر للقوانين الإنجليزية في مقاطعات مجاورة، واستبدل به حكومة ~~مستبدة، وبسط حدودها كي يجعل منها مثلا يحتذى به، وذريعة لإدخال نظام الحكم المطلق ~~ذاته إلى هذه المستعمرات؛ # ولأنه ألغى مواثيقنا، ومعظم قوانيننا القيمة، وغير من أشكال حكوماتنا بصورة ~~جوهرية؛ # ولأنه عطل مجالسنا التشريعية، وخول لنفسه السلطة كي يشرع لنا وفق ما يشاء. # لقد تخلى عن الحكم هنا، وسحب حمايته عنا، وشن الحرب علينا. # ونهب بحارنا، وخرب شواطئنا، وأحرق مدننا، وحطم حياة ms174 شعبنا. # وأقدم في الوقت الراهن على نقل جيوش جرارة من الجنود المرتزقة الأجانب ليستكمل إحكام ~~أعمال الموت، والإفقار، والطغيان التي بدأها بالفعل ضدنا في ظل ظروف من القسوة والغدر ~~لا مثيل لها حتى في أعتى عصور البربرية التي لا تليق بحاكم لأمة متحضرة. # وأكره إخواننا المواطنين الذين احتجزهم في أعالي البحار على حمل السلاح ضد بلادهم، ~~وجعل منهم إما قتلة لأصدقائهم وإخوانهم، وإما قتلى بأيدي هؤلاء الأصدقاء ~~والإخوة. # وأثار العصيان المحلي بيننا، وسعى لجلب سكان المناطق المتاخمة لحدودنا من الهنود ~~الحمر المتوحشين المعروفين بالحرب المدمرة التي لا تميز بين الكبير والصغير، أو بين ~~الرجال والنساء. # وفي كل مرحلة من مراحل الظلم والاضطهاد قمنا بكل تواضع بتقديم الالتماسات بغية تحقيق ~~العدل والإنصاف، غير أن التماساتنا المتكررة لم تكن تقابل إلا بنفس الظلم والاضطهاد. ~~ومن هذا المنطلق، فإن أميرا هذه صفاته لا يعدو أن يكون طاغية لا يصلح لأن يكون حاكما ~~لشعب حر. ~~••• # ولم يفتنا أن نلفت انتباه أشقائنا البريطانيين، وأن نحذرهم بين الحين والآخر من ~~محاولات مجلسهم التشريعي الرامية إلى مد نطاق اختصاصه غير المشروع علينا، كما أننا ~~نذكرهم بظروف هجرتنا وإقامتنا في هذه البلاد، وناشدنا عدالتهم وشهامتهم الأصيلة، ~~والتمسنا منهم بحكم روابط الأصل المشترك استنكار هذه الاغتصابات التي تؤرق حتما ~~روابطنا وعلاقاتنا، غير أنهم أيضا قد أصموا آذانهم عن الاستماع لصوت العدل وصلة الدم ~~والقرابة. ومن ثم، كان لزاما علينا أن نذعن لضرورة انفصالنا، وأن نعاملهم، كما نعامل ~~غيرهم من البشر؛ أعداء في الحرب وأصدقاء في السلم. ~~••• # وعليه، فقد التقينا نحن ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية في اجتماع هام راجين عدالة ~~القاضي الأعلى للعالم على صدق نوايانا؛ لكي نعلن، بعد استيفاء كافة الشروط القانونية، ~~وباسم وسلطة الشعوب الطيبة التي تعيش في هذه المستعمرات، بأنه من حق هذه المستعمرات ~~المتحدة، بل ومن واجبها، أن تكون حرة ومستقلة، وأنها قد تحللت من جميع صور الإذعان ~~للتاج البريطاني، ومن كل الروابط السياسية بينها وبين بريطانيا العظمى، وأن من حقها ~~بوصفها ولايات حرة ومستقلة ممارسة ms175 جميع السلطات الخاصة بإعلان الحرب، وتوقيع اتفاقات ~~السلام، وإتمام التحالفات الدولية، وممارسة الأنشطة التجارية، وغيرها من الأعمال ~~والأشياء التي يحق للدول المستقلة ممارستها. وفي سبيل دعم هذا الإعلان فإننا من منطلق ~~اعتمادنا الراسخ على العناية الإلهية قد قطعنا على أنفسنا عهدا بحماية أرواحنا ~~وثرواتنا وشرفنا المقدس. # المصدر # بول ليستر فورد، كتاب «كتابات توماس جيفرسون»، 10 مجلدات. (نيويورك: جي بي باتنامز ~~صنز، 1892-1899)، المجلد 2، الصفحات 42-58؛ # www.archives.gov/national-archives- experience/charters/declaration_transcript.html ~~. # إعلان حقوق الإنسان والمواطن، 1789 # إن ممثلي الشعب الفرنسي، الملتئمين في جمعية وطنية، إذ يؤكدون أن الجهل والإهمال وعدم ~~احترام حقوق الإنسان هي وحدها أسباب شقاء المجتمع وفساد الحكومات، يعلنون أنه قد قر ~~عزمهم على أن يعرضوا في إعلان للعموم حقوق الإنسان الطبيعية، المقدسة، غير القابلة ~~للخلع؛ وذلك لكي يبقى هذا الإعلان حاضرا باستمرار في جميع أعضاء الجسم الاجتماعي، ~~يذكر الناس على الدوام بحقوقهم وواجباتهم، ولكي تكون أعمال السلطات التشريعية ~~وتصرفات السلطات التنفيذية قابلة لأن توزن في كل لحظة بالهدف من كل مؤسسة سياسية فتحظى ~~بذلك باحترام أكبر، ولكي تظل مطالب المواطنين، التي ستبنى من الآن فصاعدا على مبادئ ~~بسيطة وغير قابلة للاعتراض عليها، ميالة دائما نحو الحفاظ على الدستور وعلى سعادة ~~الجميع. # وبناء عليه، فإن الجمعية الوطنية تقرر وتعلن، أمام الكيان الأسمى (الله) وتحت ~~رعايته، حقوق الإنسان والمواطن الآتي ذكرها: ~~(1) # يولد الناس ويعيشون أحرارا متساوين في الحقوق، ولا يمتاز بعضهم عن بعض ~~إلا فيما يختص بالمصلحة العمومية. ~~(2) # غرض كل اجتماع سياسي حفظ الحقوق الطبيعة التي للإنسان، والتي لا يجوز ~~مسها؛ وهذه الحقوق هي: حق الملكية، وحق الأمن، وحق مقاومة الظلم ~~والاستبداد. ~~(3) # الأمة هي مصدر كل سلطة، وكل سلطة للأفراد والجمهور من الناس لا تكون ~~صادرة عنها تكون سلطة فاسدة. ~~(4) # كل الناس أحرار، والحرية هي إباحة كل عمل لا يضر أحدا. وبناء عليه، لا ~~قيد على حقوق الإنسان الفرد إلا القيود التي تضمن تمتع باقي أفراد المجتمع ~~بنفس الحقوق التي يتمتع بها هو نفسه. ووضع هذه الحدود منوط بالقانون دون ~~سواه. ~~(5) # ليس للقانون حق ms176 في أن يحرم شيئا إلا متى كان فيه ضرر للهيئة ~~الاجتماعية، وكل ما لا يحرمه القانون يكون مباحا، ولا يجوز أن يرغم ~~الإنسان على فعل شيء لا يفرضه القانون عليه. ~~(6) # إن القانون هو عبارة عن إرادة الجمهور؛ فلكل واحد من الجمهور أن يشترك في ~~وضعه، سواء أكان ذلك الاشتراك بنفسه أم بواسطة نائب عنه. ويجب أن يكون هذا ~~القانون واحدا للجميع في الثواب والعقاب. وطالما أن الجميع متساوون لديه، ~~فلكل واحد منهم الحق في الوظائف والرتب بحسب استعداده ومقدرته، ولا يجوز أن ~~يفضل رجل على رجل في هذا الصدد إلا بفضائله ومعارفه. ~~(7) # لا يجوز إلقاء الشبهة على رجل أيا كان، ولا القبض عليه، ولا سجنه، إلا ~~في المسائل التي ينص عليها القانون، وبموجب الطرق التي يذكرها. وكل من ~~يغري أولي الأمر بعمل جائر، أو كل موظف يعمل عملا جائرا لا ينص عليه ~~القانون، يعاقب لا محالة. وعلى كل رجل يدعى عليه أو يقبض عليه باسم ~~القانون أن يخضع في الحال، وإذا تمرد استحق العقاب. ~~(8) # لا يجوز أن يعاقب القانون إلا العقاب اللازم الضروري، ولا يجوز أن ~~يعاقب أحد إلا بموجب نظام مسنون قبل الجرم، ومعمول به قانونيا ~~قبله. ~~(9) # كل إنسان يحسب بريئا إلى أن يثبت ذنبه، وإذا دعت الحاجة إلى القبض عليه ~~فيجب أن يقبض عليه بلا شدة، إلا متى دعت الحاجة إلى ذلك. وكل شدة غير ~~ضرورية يعاقب صاحبها. ~~(10) # لا يجوز التعرض لأحد لما يبديه من أفكار، حتى في المسائل الدينية، على ~~شرط أن تكون هذه الأفكار غير مخلة بالأمن العام كما يصفه القانون. ~~(11) # إن حرية نشر الأفكار والآراء حق من أغلى الحقوق لكل إنسان؛ فلكل إنسان أن ~~يتكلم ويكتب وينشر آراءه بحرية، وعليه تحمل مسئولية أي إساءة لاستخدام هذه ~~الحرية في الحالات التي ينص القانون عليها. ~~(12) # إن السهر على حقوق الناس يستوجب إنشاء سلطات عمومية، أي هيئة حاكمة؛ فهذه ~~الهيئة تنشأ إذن لمنفعة الجميع، وليس لتحقيق منافع خاصة للقائمين ~~عليها. ~~(13) # بما أن الهيئة الحاكمة تحتاج إلى نفقات لإدارة ms177 الشئون فيجب فرض ضريبة ~~عمومية على جميع المواطنين، أما مقدار هذه الضريبة فيجب أن يكون مناسبا ~~لقدرة الذين يدفعونها. ~~(14) # لكل المواطنين الحق في أن يراقبوا إنفاق أموال الضرائب، سواء أكانت ~~المراقبة بأنفسهم أو بواسطة نوابهم، ولهم أيضا البحث عن الوجوه التي تنفق ~~فيها وتعيين مدة جبايتها. ~~(15) # للمجتمع الحق في أن يحاسب كل موظف عمومي على أعماله ويناقشه فيها. ~~(16) # كل هيئة لا تكون فيها حقوق الأفراد مضمونة ضمانة فعلية ولا يكون الفصل ~~بين السلطات فيها قائما ومحددا بوضوح تكون هيئة غير دستورية. ~~(17) # بما أن حق الملكية من الحقوق المقدسة التي لا تنقض فلا يجوز نزع الملكية ~~من أحد إلا إذا اقتضت المصلحة العمومية ذلك اقتضاء صريحا وبموجب القانون، ~~وفي هذه الحالة يعطى الذي تنزع منه ملكيته مقدما تعويضا كافيا. # المصدر # الدستور الفرنسي، مقدم للملك من الجمعية الوطنية، 3 سبتمبر 1791 (باريس، 1791)، ترجمه ~~المؤلف إلى الإنجليزية. # الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 1948 # الديباجة # لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق ~~متساوية وثابتة، يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. # ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير ~~الإنساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر ~~من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم. # ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ~~ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد. # ولما كان من الجوهري العمل على تنمية علاقات ودية بين الأمم. # ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أعادت في الميثاق تأكيد إيمانها بحقوق الإنسان ~~الأساسية، وبكرامة الإنسان وقدره، وبتساوي الرجال والنساء في الحقوق، وحزمت أمرها على ~~النهوض بالتقدم الاجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية أفسح. # ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالعمل - بالتعاون مع الأمم المتحدة - على ضمان ~~تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية. # ولما كان التقاء الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق والحريات أمرا ms178 بالغ الضرورة ~~لتمام الوفاء بهذا التعهد. # فإن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل ~~الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كيما يسعى جميع أفراد ~~المجتمع وهيئاته، واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم ~~والتربية، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات، وكيما يكفلوا، بالتدابير المطردة ~~الوطنية والدولية، الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية، فيما بين شعوب الدول ~~الأعضاء ذاتها، وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء. # المادة 1: # يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في ~~الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح ~~الإخاء. # المادة 2: # لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من ~~أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو ~~الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي ~~وضع آخر. وفضلا عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي ~~للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلا، أم موضوعا تحت الوصاية، ~~أم غير متمتع بالحكم الذاتي، أم خاضعا لأي قيد آخر علي سيادته. # المادة 3: # لكل فرد حق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه. # المادة 4: # لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما. # المادة 5: # لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة ~~بالكرامة. # المادة 6: # لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية. # المادة 7: # الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما ~~تمييز، كما يتساوون في حق التمتع بالحماية من أي تمييز ينتهك هذا الإعلان، ومن أي تحريض ~~على مثل هذا التمييز. # المادة 8: # لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أي أعمال تنتهك ~~الحقوق الأساسية التي يمنحه إياها الدستور أو القانون. # المادة 9: # لا يجوز اعتقال ms179 أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا. # المادة 10: # لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة ~~مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته، وفي أي تهمة جزائية ~~توجه إليه. # المادة 11: ~~(1) كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة ~~علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه. ~~(2) لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في ~~حينه يشكل جرما بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع عليه أي عقوبة أشد من ~~تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب فيه الفعل الجرمي. # المادة 12: # لا يجوز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شئون أسرته أو مسكنه أو ~~مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته. ولكل شخص حق في أن يحميه القانون من مثل ذلك ~~التدخل أو تلك الحملات. # المادة 13: ~~(1) لكل فرد حق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة. ~~(2) لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى ~~بلده. # المادة 14: ~~(1) لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به خلاصا من الاضطهاد. ~~(2) لا يمكن التذرع بهذا الحق إذا كانت هناك ملاحقة ناشئة بالفعل عن ~~جريمة غير سياسية، أو عن أعمال تناقض مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها. # المادة 15: ~~(1) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. ~~(2) لا يجوز، تعسفا، حرمان أي شخص من جنسيته ولا من حقه في تغيير ~~جنسيته. # المادة 16: ~~(1) للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق الزواج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب ~~العرق أو الجنسية أو الدين. وهما متساويان في الحقوق لدى الزواج وخلال قيام الزواج ولدى ~~انحلاله. ~~(2) لا يعقد الزواج إلا برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء كاملا لا ~~إكراه فيه. ~~(3) الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع ~~بحماية المجتمع والدولة. # المادة 17: ~~(1) لكل فرد حق في التملك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره. ~~(2) لا يجوز ms180 تجريد أحد من ملكه تعسفا. # المادة 18: # لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو ~~معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، ~~بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. # المادة 19: # لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون ~~مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأي وسيلة ودونما ~~اعتبار للحدود. # المادة 20: ~~(1) لكل شخص حق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية. ~~(2) لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما. # المادة 21: ~~(1) لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشئون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ~~ممثلين يختارون في حرية. ~~(2) لكل شخص، بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في ~~بلده. ~~(3) إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من ~~خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، ~~وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت. # المادة 22: # لكل شخص، بوصفه عضوا في المجتمع، حق في الضمان الاجتماعي، ومن حقه أن توفر له، من ~~خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما يتفق مع هيكل كل دولة ومواردها، الحقوق ~~الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في ~~حرية. # المادة 23: ~~(1) لكل شخص حق في العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومرضية، وفي ~~الحماية من البطالة. ~~(2) لجميع الأفراد، دون أي تمييز، الحق في أجر متساو على العمل ~~المتساوي. ~~(3) لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولأسرته عيشة ~~لائقة بالكرامة البشرية، وتستكمل، عند الاقتضاء، بوسائل أخرى للحماية ~~الاجتماعية. ~~(4) لكل شخص حق إنشاء النقابات مع آخرين والانضمام إليها من أجل ~~حماية مصالحه. # المادة 24: # لكل شخص حق في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصا في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازات ~~دورية مأجورة. # المادة 25: ~~(1) لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفى ~~لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس ms181 والمسكن والعناية ~~الطبية، وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يأمن به الغوائل في حالات ~~البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة، أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن ~~إرادته التي تفقده أسباب عيشه. ~~(2) للأمومة والطفولة حق في رعاية ومساعدة خاصتين. ولجميع الأطفال حق ~~التمتع بذات الحماية الاجتماعية سواء ولدوا في إطار الزواج أو خارج هذا الإطار. # المادة 26: ~~(1) لكل شخص حق في التعليم. ويجب أن يوفر التعليم مجانا، على الأقل في مراحله ~~الأولى والأساسية. ويكون التعليم الابتدائي إلزاميا. ويكون التعليم الفني والمهني ~~متاحا للعموم. ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم. ~~(2) يجب أن يستهدف ~~التعليم التنمية الكاملة لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ~~كما يجب أن يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو ~~الدينية، وأن يؤيد الأنشطة التي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام. ~~(3) للآباء، على سبيل الأولوية، حق اختيار نوع التعليم الذي يعطى ~~لأولادهم . # المادة 27: ~~(1) لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، ~~والإسهام في التقدم العلمي، وفي الفوائد التي تنجم عنه. ~~(2) لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتبة على أي ~~إنتاج علمي أو أدبي أو فني من صنعه. # المادة 28: # لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص ~~عليها في هذا الإعلان تحققا تاما. # المادة 29: ~~(1) على كل فرد واجبات إزاء الجماعة، التي فيها وحدها يمكن أن تنمو شخصيته النمو الحر ~~الكامل. ~~(2) لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي ~~يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا، ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين ~~واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ~~ديمقراطي. ~~(3) لا يجوز في أي حال أن تمارس هذه الحقوق على نحو يناقض مقاصد ~~الأمم المتحدة ومبادئها. # المادة 30: # ليس في هذا الإعلان أي نص يجوز تأويله ~~على نحو يفيد انطواءه على تخويل أي دولة أو جماعة، أو أي فرد، أي حق في ms182 القيام بأي نشاط ~~أو بأي فعل يهدف إلى هدم أي من الحقوق والحريات المنصوص عليها فيه. # المصدر # ماري آن جليندون، «عالم أصبح جديدا: إلينور روزفلت والإعلان العالمي لحقوق الإنسان» ~~(نيويورك: راندوم هاوس، 2001)، الصفحات 310-314؛ # www.un.org/overview/rights.html ~~. # | الهوامش # مقدمة # الفصل الأول: فيض المشاعر # الفصل الثاني: بشر أمثالنا # الفصل الثالث: لقد ضربوا مثلا عظيما # الفصل الرابع: لن تكون هناك نهاية # الفصل الخامس: القوة الناعمة للإنسانية ms183