######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.AlghazInjil.Hindawi19720463 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19720463 #META# Title: ألغاز الإنجيل #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # خفايا إنجيل مرقس‏ # إنجيل مرقس السري‏ # يسوع والنساء‏ # ألغاز ميلاد يسوع‏ # مشكلة بيت لحم والناصرة‏ # هل ولد يسوع في 25 ديسمبر؟‏ # يسوع في الفكر اليهودي‏ # هل كان يسوع متزوجا؟‏ # معمودية يسوع‏ # من هو إله يسوع؟‏ # تعاليم يسوع السرية‏ # مرقيون والكنيسة البديلة‏ # هل وجد يسوع فعلا؟‏ # الإطار التاريخي للإنجيل‏ # لغز إخوة يسوع‏ # مشكلة الرسل الاثني عشر‏ # أين اختفى الرسل؟‏ # شخصية يسوع وطباعه‏ # هل أفلح يسوع خلال حياته؟‏ # هل تنبأ بموته وقيامته؟‏ # في البدء كان الكلمة‏ # مشكلة إنجيل يوحنا‏ # طقوس الاستسرار‏ # التحقيب الزمني لكرازة يسوع‏ # هل دخل يسوع أورشليم كملك؟‏ # الأيام الستة الأخيرة‏ # هل تناول يسوع عشاء الفصح؟‏ # ليلة القبض على يسوع‏ # محاكمة يسوع‏ # لماذا أدين يسوع؟‏ # إلهي لماذا تركتني؟‏ # لغز القبر الفارغ‏ # لغز قيامة يسوع‏ # نظرية المؤامرة‏ # بولس النبي‏ # أضواء على لاهوت بولس‏ # بيبلوغرافيا‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # خفايا إنجيل مرقس‏ # إنجيل مرقس السري‏ # يسوع والنساء‏ # ألغاز ميلاد يسوع‏ # مشكلة بيت لحم والناصرة‏ # هل ولد يسوع في 25 ديسمبر؟‏ # يسوع في الفكر اليهودي‏ # هل كان يسوع متزوجا؟‏ # معمودية يسوع‏ # من هو إله يسوع؟‏ # تعاليم يسوع السرية‏ # مرقيون والكنيسة البديلة‏ # هل وجد يسوع فعلا؟‏ # الإطار التاريخي للإنجيل‏ # لغز إخوة يسوع‏ # مشكلة الرسل الاثني عشر‏ # أين اختفى الرسل؟‏ # شخصية يسوع وطباعه‏ # هل أفلح يسوع خلال حياته؟‏ # هل تنبأ بموته وقيامته؟‏ # في البدء كان الكلمة‏ # مشكلة إنجيل يوحنا‏ # طقوس الاستسرار‏ # التحقيب الزمني لكرازة يسوع‏ # هل دخل يسوع أورشليم كملك؟‏ # الأيام الستة الأخيرة‏ # هل تناول يسوع عشاء الفصح؟‏ # ليلة القبض على يسوع‏ # محاكمة يسوع‏ # لماذا أدين يسوع؟‏ # إلهي لماذا تركتني؟‏ # لغز القبر الفارغ‏ # لغز قيامة يسوع‏ # نظرية المؤامرة‏ # بولس النبي‏ # أضواء على لاهوت بولس‏ # بيبلوغرافيا‏ # | ألغاز الإنجيل # | ألغاز الإنجيل # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» تتشكل في ~~ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، شعرت بحاجة إلى مراجع ms001 أكثر من المراجع ~~القليلة التي في حوزتي، فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة ~~لوزارة الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية فلم أجد ~~ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ستة أشهر، رحت ~~خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في ~~الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج ~~لإمدادي بما يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، وكان عمل ~~الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة الإنترنت التي لعبت ~~دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من ~~خلال الكتب الإلكترونية المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب ~~الذي يعيش في الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال كبسة زر على حاسوبه ~~الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، مع إبقائي استخدام ~~القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة ~~لمؤلفاتي التي صدرت في 20 مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء ~~والباحثين، واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع المتنوعة التي تثري ~~الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها ~~في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت وأنا أتأملها ~~كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول «مغامرة ~~العقل الأولى» ms002 والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان »، ومشروع تكامل ~~تدريجيا دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي ~~الخاص الذي أحببت أن أشرك به قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد ~~أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى ~~بداية أخرى على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة ~~العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه ~~وأتأمله، إنه في غلاف طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ~~ناشرها إلى غلاف الطبعة الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق ~~الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم ~~عناية الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ~~ذلك الوقت. وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار ~~حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي ~~بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته هذه الثقافة ~~من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور موضع اهتمام ~~عام، ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا المجال، ولم أنظر ~~إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد على هوايته. إلا أن النجاح المدوي للكتاب ~~- الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق في ستة ~~أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ لأن القراء كانوا ~~يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح ~~أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب ~~الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل في ~~العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على ~~التاريخ العام والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز ~~عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ~~ثم كتبته في عامين ودفعته ms003 إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ أي بعد مرور عشر ~~سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح ~~الأول، فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت ~~الطبعة الثانية قبل نهاية العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان ~~«لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، ~~فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين ~~الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، إلى أن ~~دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، ~~وعهدت إلي بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان ~~الشرق الأوسط لطلاب الدراسات العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله ~~والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه الطبعة بالأعمال غير ~~الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ ~~لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في ~~طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في ~~الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على المستوى ~~العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي ~~المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في ~~تاريخ فلسطين القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره ~~صدر عام 2003 عن دار # T & T Clark # في ~~بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة ~~الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين ~~في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال ~~المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى انعقدت في دمشق ~~بمناسبة اختيار ms004 القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل ~~عديدة أثارها «تومبسون» في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان ~~الباحث البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في ~~كتاب من تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ~~ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من ~~أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن ~~نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the Invention of ~~Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى ~~بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic ~~Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A Reply to Firas ~~Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم يختفي ~~ولا تجده بعد ذلك إلا في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد ~~يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة التداول. وقد أطال القراء في ~~عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، أما ~~تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # هنالك سمة تجمع الإنجيل إلى بقية الكتب المقدسة للديانات الكبرى، هي سمة الإشكالية، وهذه ~~الإشكالية تنجم عن عدة عوامل؛ فالكتاب المقدس نص قديم تفصلنا عنه عشرات القرون، وهو ~~نتاج ثقافة منقطعة عنا، وعقلية مغايرة لعقليتنا الحديثة، وطرائق في التعبير لم تكن قد ~~استقلت بعد عن التركة الميثولوجية للعصور القديمة. والكتب المقدسة وصلت إلينا مدونة ~~بلغات قديمة أو حتى بائدة في بعض الأحيان، وهذا يعني أننا نقرأ ترجمات قد لا تكون بدورها ~~نقلا عن نصوص أصلية، ونتعامل ms005 مع مفردات لغوية قد لا نكون في كثير من الأحيان متأكدين من ~~مدلولاتها. ويتفرع عن هذه المشكلة اللغوية مشكلة أخرى تتعلق بالأسلوب؛ فمؤلفو هذه النصوص ~~غالبا ما كانوا ينتجونها تحت وطأة حالة من الإلهام النابع من اللاشعور الفردي أو الجمعي، ~~يشعرون معها بالتواصل مع العوالم القدسية، أي أنهم كانوا يبدعون نصا انفعاليا لا نصا ~~عقليا، وبأسلوب الشاعر المليء بالخيالات والصور ، لا بأسلوب الباحث أو الفيلسوف، موجهين ~~خطابهم إلى العاطفة الإنسانية لا إلى التفكير المنطقي؛ فالدين بعد كل شيء حالة انفعالية ~~لا حالة عقلية، والمتدين يستسلم لهذه الحالة الانفعالية أولا، ثم ينتقل إلى عقلنتها بعد ~~ذلك إذا شاء. # إن هالة القداسة التي تحيط بالنص الديني تجعل من المتدين متلقيا سلبيا له، لا ينتبه ~~إلى إشكالياته ولا يحفل بغوامضه. إن ما يطلبه منه هو أن يكون مرشدا أخلاقيا، ودليلا ~~إلى حياة نفسية وعقلية سوية ومتوازنة. وعندما يفلح النص في أداء هذه المهمة (وهذا ما يفعله ~~عادة) تخفت الحاجة إلى عقلنته والتفكر في إشكالياته التي تترك للاختصاصيين الذين ~~ما زالوا في أمرها يختلفون. ولكن العقل الذي يطلب التصديق بعد الإيمان، ينتقل بأصحابه من ~~حالة التلقي السلبي للنص إلى حالة التفاعل الإيجابي معه، ومن غض الطرف عن مشكلاته إلى ~~التفكر فيها، لأن إيمان القلب دون تصديق العقل يبقى إيمانا هشا وناقصا. فالإنسان مزيج ~~متكافئ من قلب ومن عقل، والحياة السوية تتأتى عندما لا يبغي أحدهما على الآخر. # هذا الكتاب موجه إلى طالبي المعرفة البحتة المنزهة عن الغرض، وإلى المؤمنين من أهل ~~العقل لا إلى أهل الحرف والنقل. وإذا كنت قد تعرضت فيه لكل ما وجدته إشكاليا وغامضا في ~~النص الإنجيلي، ومن موقع باحث موضوعي يتعاطف في الوقت نفسه مع حالة الإيمان، إلا أنني لا ~~أدعي القول الفصل فيما قدمت. وعلى حد القول المأثور عن نبي الإسلام: «من اجتهد فأخطأ ~~فله أجر واحد، ومن اجتهد وأصاب فله أجران.» وليس الخطأ في اعتقادي إلا تدريبا على ~~الصواب. # فراس السواح # آذار/مارس 2012م # | خفايا إنجيل مرقس # لم يترك ms006 يسوع أثرا مكتوبا بل تعاليم شفوية وسيرة حياة، وكانت الجماعات المسيحية الأولى ~~تتناقل أقواله وأعماله كما وصلت إليها عن طريق تلامذته المباشرين ممن رافقوه عبر مسيرته ~~التبشيرية القصيرة. وعندما مات معظم أفراد الجيل الذي عاصر يسوع حاملين معهم ذكرياتهم ~~وانطباعاتهم المباشرة، بدت الحاجة ماسة إلى تدوين سيرة يسوع وتعاليمه. وهكذا ظهرت على ~~التتابع الأناجيل الأربعة التي عزيت إما إلى شخصيات من العصر الرسولي مثل مرقس ولوقا، أو ~~إلى تلاميذ مباشرين ليسوع مثل متى ويوحنا. وجميع هذه الأناجيل دونت باليونانية القديمة ~~لغة الثقافة في ذلك العصر. # هنالك إجماع اليوم بين الباحثين في كتاب «العهد الجديد» على أن إنجيل مرقس هو أقدم ~~الأناجيل وأنه دون نحو عام 70م، أي بعد وفاة يسوع بنحو أربعين سنة؛ يليه إنجيلا متى ~~ولوقا اللذان دونا بين عام 80 وعام 90م، وأخيرا إنجيل يوحنا الذي دون فيما بين عام ~~100 و110م. # تدعى الأناجيل الثلاثة الأولى (مرقس ومتى ولوقا) بالأناجيل المتشابهة؛ لأنها تعكس وجهة ~~نظر موحدة تقريبا بخصوص حياة يسوع ورسالته، كما تدعى بالإزائية ~~( # Sinoptics ~~) لأن القصة تسير فيها عبر مفاصل رئيسية ~~متقابلة، بحيث تستطيع المقارنة بينها عن طريق وضعها إزاء بعضها في أعمدة ثلاثة. أما رواية ~~إنجيل يوحنا فتختلف عن هذه الروايات الثلاث سواء في أحداثها أم في المضمون اللاهوتي لهذه ~~الأحداث. # وقد لاحظ الباحثون أن المادة التي قدمها مرقس تشكل قاسما مشتركا بين متى ولوقا ~~عالجاها على هذه الدرجة أو تلك من التفصيل والإطالة. فقد اتضح من دراسة هذه النصوص الثلاثة ~~أن 59٪ من الكلمات التي استخدمها متى في بناء جمله مأخوذة من لغة مرقس. وكذلك الأمر عند ~~لوقا حيث تبلغ النسبة 55٪ فيما يتعلق بالمادة السردية، ~~ولكنها ترتفع إلى 69٪ فيما يتعلق بأقوال يسوع. وعندما يختلف متى عن لوقا فإن الاثنين ~~يختلفان مع بعضهما البعض، ولم يحدث أنهما اتفقا ضد مرقس. كما ويعتقد الباحثون أن متى ~~ولوقا عندما يختلفان مع مرقس فإنهما يعتمدان في ذلك على مرجع آخر مفترض أشاروا إليه بالحرف # Q ~~، وهو اختصار للكلمة الألمانية # Quella ms007 ~~، التي تعني المصدر. ويبدو أن هذا المرجع كان ~~عبارة عن مجموعة أقوال حكموية منسوبة ليسوع تشبه مجموعة الأقوال الواردة في إنجيل توما ~~المنحول، الذي اكتشف بين وثائق نجع حمادي بمصر العليا عام 1948م، والذي اقتصر على إيراد ~~114 قولا ليسوع من غير ربطها بمناسباتها أو التطرق إلى مجريات سيرة يسوع. # وقد عمد بعض الباحثين مؤخرا إلى استخلاص مادة هذا المصدر من الأقوال الواردة عند متى ~~ولوقا والتي لم ترد عند مرقس، واعتبروه بمثابة الإنجيل المفقود، الذي كان بين أيدي أتباع ~~يسوع قبل ظهور الأناجيل السردية التي رسمت سيرة حياة يسوع. # 1 # هذه الأصالة التي تتمتع بها رواية مرقس خلقت ميلا لدى العديد من الباحثين لاعتمادها ~~كمصدر أكثر مصداقية وقربا إلى واقع الحال عندما تختلف الأناجيل فيما بينها. وسوف أركز ~~فيما يلي على الاختلافات في خاتمة الأناجيل الأربعة بعناصرها الثلاثة، وهي: (1) قيامة ~~يسوع. (2) ظهوراته لتلاميذه. (3) صعوده إلى السماء. # لقد صار من المسلم به اليوم أن الآيات الاثنتي عشرة الأخيرة من إنجيل مرقس الذي بين ~~أيدينا، والتي تقص عن ظهورات يسوع بعد القيامة لتلاميذه وارتفاعه بعد ذلك إلى السماء، هي ~~جزء أضافه الناسخون اللاحقون، لأن أقدم نسخة توفرت لنا من هذا الإنجيل لا تتعرض لهذه ~~الأحداث. وقد تم اكتشاف هذه النسخة في دير سانتا كاثرينا بصحراء سيناء في مجلد واحد مع بقية ~~الأناجيل الأربعة نحو عام 1860م، ولكنها لم تنشر إلا بعد ذلك ببضعة عقود. قبل هذا الاكتشاف ~~كان معروفا لدى الخاصة أن أقدم نسخة يحتفظ بها الفاتيكان لإنجيل مرقس تفتقد في خاتمتها ~~أيضا لأحداث الظهورات والصعود، وكان التفسير الشائع لهذه الظاهرة هو ضياع الورقة الأخيرة ~~من النص والتي كانت تحتوي على بقية خاتمة الإنجيل. ولكن اكتشاف ~~نسخة دير سانتا كاثرينا قد دحض هذا التفسير، لأن خاتمتها ~~تنتهي أيضا دون التعرض لهذه الأحداث، وعلى الورقة الأخيرة نفسها باشر الناسخ بتدوين ~~إنجيل لوقا مبتدئا بعبارة «الإنجيل بحسب لوقا». وهذا يعني أننا أمام نسخة كاملة غير منقوصة ~~لإنجيل مرقس في شكله الأقدم والأقرب إلى ms008 الأصل. # 2 # وإليكم نص الخاتمة كما ورد في نسخة سانتا كاثرينا، وهو يتطابق مع نص الخاتمة ~~التي بين أيدينا ولكن من دون الآيات الاثنتي عشرة الأخيرة: ~~«وبعدما مضى السبت اشترت مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب، وسالومة حنوطا ليأتين ~~ويدهنه. وباكرا جدا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس، وكن ~~يقلن فيما بينهن: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟ فتطلعن ورأين أن الحجر قد ~~دحرج لأنه كان عظيما جدا. ولما دخلن القبر رأين شابا جالسا عن اليمين ~~لابسا حلة بيضاء فاندهشن. فقال لهن لا تندهشن، أنتن تطلبن يسوع الناصري ~~المصلوب. قد قام، ليس هو ها هنا. هو ذا الموضع الذي وضعوه فيه. ولكن اذهبن وقلن ~~لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى الجليل، هناك ترونه كما قال لكم. فخرجن سريعا ~~وهربن من القبر؛ لأن الرعدة والحيرة أخذتاهن، ولم يقلن شيئا لأحد لأنهن كن ~~خائفات.» (مرقس، 15: 1-8) # إذا قرأنا هذه الخاتمة بعين غير متأثرة بخاتمات الأناجيل الأخرى لخرجنا بالملاحظات ~~التالية: ~~(1) # لم يقل كاتب الإنجيل إن الشاب الذي وجد داخل القبر هو ملاك. وهذا يترك ~~الاحتمال قائما في أن يكون أي شاب يرتدي حلة بيضاء. وربما كان أحد فتيان ~~يوسف الرامي، الرجل الثري الذي كان تابعا سريا ليسوع والذي طالب بجثمانه من ~~الوالي بيلاطس ثم أودعه في قبر فارغ ضمن بستانه القريب من موضع الصلب. ولعل من ~~المفيد أن نذكر هنا أن أعضاء طائفة الأسينيين اليهودية في ذلك الوقت كانوا ~~يرتدون الثياب البيضاء. ~~(2) # كان رد فعل النساء تجاه رؤية الشاب هو الدهشة وليس الخوف، وهذا ما يرجح ~~أنهن لم يرين ملاكا وإنما شابا عاديا. ~~(3) # استخدم الكاتب في تفسير عدم وجود يسوع في القبر تعبير: «لقد قام هو ليس ها ~~هنا»، ولم يتبع ذلك بأي توضيح يتعلق بطبيعة هذه القيامة. ~~(4) # إن فحوى الرسالة التي أراد يسوع من النسوة نقلها لتلاميذه هي أنه سوف ~~«يسبقهم» إلى الجليل وهناك يرونه. وليس في هذا التعبير أي مضمون إعجازي أو ~~إشارة إلى ظهور خارق. ~~(5) # هذه النتائج التي ms009 أوصلتنا إليها الدراسة المدققة للخاتمة الأصلية لإنجيل ~~مرقس، أقدم الأناجيل وأقربها إلى الحدث التاريخي، سوف تتدعم بالدراسة الموضوعية ~~لخاتمات الأناجيل الثلاثة الأخرى. فالأخبار عن ظهورات يسوع الخارقة في هذه ~~الأناجيل متباينة، أما صعوده إلى السماء فلا يرد إلا في خاتمة إنجيل لوقا، ~~بينما تخلو خاتمتا متى ويوحنا من أي إشارة إلى هذا الصعود. وحتى في خاتمة ~~لوقا فإن صياغة الكاتب للحادثة تدل على أنه يقر ببند اعتقادي صار مترسخا، ~~أكثر من كونه يصف حادثة موضوعية. ولنبدأ بخاتمة متى وهي الأقصر بين الخاتمات ~~الثلاث. ~~(1) خاتمة متى # عندما قام يوسف الرامي (نسبة إلى مدينة الرامة) بدفن جثمان يسوع مساء يوم الجمعة في ~~قبر جديد كان قد نحته في الصخر ثم دحرج عليه حجرا كبيرا، كانت اثنتان من النسوة ~~اللواتي تبعن يسوع، يدعوهن الكاتب بمريم المجدلية ومريم الأخرى، تراقبان ما يجري. ~~وعندما انصرف يوسف انصرفتا أيضا للاستراحة في يوم السبت. وفي الليل أرسل الوالي ~~بيلاطس حراسا ليضبطوا القبر بناء على التماس من رؤساء الكهنة، لأنهم قالوا لئلا ~~يأتي تلاميذه ويسرقوه ويقولوا للشعب إنه قام من بين الأموات: ~~«وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر. وإذا ~~زلزلة عظيمة حدثت لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه، ~~وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج؛ فمن خوفه ارتعد الحراس وصاروا كأموات. فأجاب ~~ملاك الرب وقال للمرأتين: لا تخافا أنتما، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب، ليس هو ~~ها هنا لأنه قام كما قال. هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعا فيه، واذهبا ~~سريعا وقولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل، هناك ترونه. ~~فخرجتا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا ~~التلاميذ. وفيما هما منطلقتان لتخبرا التلاميذ إذا يسوع لاقاهما وقال: سلام لكما. ~~فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسوع: لا تخافا، اذهبا قولا لإخوتي أن ~~يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني. وفيما هما ذاهبتان إذا قوم من الحراس جاءوا إلى ms010 ~~المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان ... وأما الأحد عشر تلميذا فانطلقوا إلى الجليل ~~إلى الجبل حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له ولكن بعضهم شكوا. فتقدم يسوع وكلمهم ~~قائلا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ~~وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها ~~أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متى، 28: 1-20). # نلاحظ من قراءة هذا النص ما يلي: ~~(1) # عندما وصلت المرأتان إلى القبر لم يكن الحجر قد دحرج عن مدخل القبر كما ~~هو الحال في رواية مرقس. ~~(2) # تحول الشاب الذي يرتدي الأبيض ويجلس داخل القبر عند مرقس، إلى ملاك ~~يهبط من السماء بزلزلة عظيمة فيدحرج الحجر ويجلس عليه دون أن يدخل إلى ~~القبر. ~~(3) # يستخدم الكاتب كلمات مرقس نفسها في الخطاب الذي وجهه الملاك للمرأتين ~~بخصوص ذهاب التلاميذ لرؤية يسوع في الجليل. ~~(4) # تختلف رواية متى عن رواية مرقس في عدد وهوية النسوة اللواتي أتين إلى ~~القبر وشهدن الحادثة. فمرقس يتحدث عن ثلاث نسوة، هن: مريم المجدلية، ومريم ~~أم يعقوب وسالومة، أما متى فيتحدث عن امرأتين فقط، الأولى مريم المجدلية، ~~والثانية يدعوها بمريم الأخرى دون مزيد من الإيضاح بخصوص هويتها. ~~(5) # يتحدث متى عن ظهورين فقط ليسوع؛ الظهور الأول كان للمرأتين وهما في ~~طريقهما لإبلاغ التلاميذ، والثاني للتلاميذ الأحد عشر في الجليل. ~~(6) # بعد رؤية يسوع في الجليل شك بعض التلاميذ في أنهم يرون المعلم نفسه. ~~وهذا يدل على أن التلاميذ لم يكونوا يتوقعون بعث يسوع ولا هم سمعوا منه ~~أي نبوءة بهذا الخصوص. ~~(7) # والأهم من هذا كله أن متى لم يشر صراحة أو تلميحا إلى صعود يسوع ~~إلى السماء، وأنهى إنجيله بقول يسوع: «وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء ~~الدهر.» ~~(2) خاتمة يوحنا # فإذا انتقلنا إلى إنجيل يوحنا نجد أن كاتب الإنجيل ينهي خاتمته الطويلة بتوجه يسوع ~~إلى مكان مجهول دون أي إشارة إلى صعوده إلى السماء. وهذا ملخصها: # في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرا والظلام ms011 لم يتبدد بعد، فرأت ~~الحجر وقد أزيل عن القبر فهرعت إلى سمعان بطرس وتلميذ آخر مغفل الاسم كان يسوع ~~يحبه، وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعرف أين وضعوه. فخرج الاثنان مسرعين ~~إلى القبر، فدخل بطرس أولا ورأى الأكفان موضوعة والمنديل الذي كان على رأسه في موضع ~~على حدة. ثم دخل الآخر ورأى وآمن، لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن ~~يقوم من بين الأموات. بعد ذلك عادا إلى موضعهما، أما مريم فمكثت عند القبر خارجا. ~~وفيما هي تبكي انحنت فرأت داخل القبر ملاكين في ثياب بيض جالسين حيث كان جثمان ~~يسوع. فقالا لها: ما يبكيك أيتها المرأة؟ فقالت: أخذوا سيدي ولا أدري أين وضعوه. ثم ~~التفتت وراءها فرأت يسوع واقفا ولكنها لم تعرفه وحسبته البستاني، فقالت له: يا سيد ~~إذا كنت أنت قد أخذته فقل لي أين وضعته لآخذه. فناداها يسوع: مريم! فعرفته، وقالت ~~له: يا معلم. فقال لها: اذهبي إلى الإخوة وقولي لهم إني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي ~~وإلهكم. فرجعت وأخبرت التلاميذ أنها رأت يسوع وأنه أخبرها هذا الكلام. وفي المساء إذ ~~كان التلاميذ في غرفة غلقت أبوابها خوفا من اليهود، ظهر يسوع في وسطهم وقال لهم: ~~سلام لكم. ثم أراهم مواضع مسامير الصليب في يديه وموضع طعنة الحربة في جنبه. ثم قال ~~لهم: سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم. وبعد ثمانية أيام اجتمع التلاميذ في البيت ~~والأبواب موصدة. وكان معهم توما الذي كان غائبا في المرة السابقة وأظهر شكه قائلا ~~إنه لا يصدق توما الذي كان غائبا في المرة السابقة وأظهر شكه قائلا إنه لا يصدق حتى ~~يضع إصبعه في أثر المسامير على يديه وأثر الحربة في جنبه. فقام يسوع في وسطهم وقال: ~~سلام لكم. ثم قال لتوما: هات إصبعك إلى هنا فانظر يدي وهات يدك فضعها في جنبي ولا تكن ~~منكرا، بل مؤمنا. بعد ذلك تراءى يسوع لستة من تلاميذه في الجليل وهم راجعون من الصيد ~~في بحيرة طبريا، فجلس معهم إلى ms012 مائدة الطعام وأخذ الخبز والسمك وناولهم وأكل معهم. ثم ~~قام ومشى قائلا لبطرس: اتبعني، فالتفت بطرس ورأى التلميذ الذي كان يسوع يحبه يسير ~~خلفهما، فقال ليسوع: وهذا ما مصيره؟ فأجابه يسوع: لو شئت أن يبقى إلى أن أعود فماذا ~~يعنيك؟ أما أنت فاتبعني. فذاع هذا القول عند الإخوة: إن ذلك التلميذ لا يموت. ولكن لم ~~يقل يسوع إنه لا يموت بل لو شئت أن يبقى حتى أعود فماذا يعنيك (يوحنا: 20). # تقودنا قراءة هذه الخاتمة إلى الملاحظات التالية: ~~(1) # مريم المجدلية وحدها جاءت إلى القبر وكانت الشاهد الأول على قيامة يسوع. ~~أما في رواية مرقس فثلاث نساء، وفي رواية متى اثنتان. ~~(2) # يتحول الملاك الواحد عند متى إلى ملاكين عند يوحنا. وهنا تقتصر ~~مهمتهما على سؤال المجدلية عن الغاية من دخولها. أما الحجر فكان مدحرجا ~~كما كان عند مرقس. ~~(3) # يظهر يسوع أربع مرات بعد قيامته، مرة للمجدلية ومرتين للتلاميذ في ~~أورشليم، ومرة رابعة للتلاميذ أيضا في أورشليم. وذلك في مقابل ظهورين فقط ~~عند متى واحد في أورشليم وآخر في الجليل. ~~(4) # لم تتعرف المجدلية على يسوع في ظهوره الأول إلا بعد أن كلمها، ~~واعتقدت أنه بستاني يوسف الرامي، بينما تعرفت عليه هي والمرأة الأخرى ~~لفورهما عند متى وسجدتا له. ~~(5) # يضيف يوحنا في روايته عنصر إظهار يسوع لآثار جراحه وقيام التلميذ توما ~~بتحسس هذه الجراح. ~~(6) # لا يصعد يسوع إلى السماء في نهاية خاتمة يوحنا، ولكنه يذهب برفقة بطرس ~~إلى مكان لا يحدده كاتب النص. وبما أنه أراد للتلميذ الذي كان يحبه ~~ألا يرافقه بل أن ينتظر عودته، فإن هذه العودة تبدو قريبة وليست في ~~نهاية الزمان. ~~(3) خاتمة لوقا # وحده إنجيل لوقا ينص صراحة على صعود يسوع إلى السماء. وإليكم ملخصا لخاتمته ~~التي تفوق بطولها وتفاصيلها خاتمة يوحنا: # وكان النسوة اللواتي جئن مع يسوع من الجليل، وبينهن مريم المجدلية وحنة (أو ~~يونا) ومريم أم يعقوب، يتبعن يوسف إلى موضع القبر، ونظرن كيف وضع جسده. فرجعن ~~وأعددن حنوطا وأطيابا، وفي السبت استرحن حسب الوصية. ثم في أول ms013 الأسبوع أول الفجر ~~أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس. فوجدن الحجر مدحرجا عن القبر، ~~فدخلن ولكنهن لم يجدن جسد يسوع. وتراءى لهن رجلان عليهما ثياب براقة فخفن، ~~ولكن الرجلين قالا لهن: لماذا تبحثن عن الحي بين الأموات؟ إنه ليس ها هنا بل قام. ~~فرجعت النساء الثلاث مع البقية وأخبرن الأحد عشر والآخرين بما رأين، فبدا للتلاميذ ~~قولهن ضربا من الهذيان. غير أن بطرس أسرع إلى القبر فلم ير هناك سوى اللفائف التي ~~كانت على جسد يسوع. واتفق أن اثنين من التلاميذ (أحدهما اسمه كليوباس) كانا ذاهبين في ~~ذلك اليوم إلى قرية بجوار أورشليم وهما يتحاوران بشأن ما جرى في الصباح. فدنا منهما ~~يسوع وراح يمشي معهما وهما لم يعرفاه، وسألهما عن موضوع مطارحتهما، فأخبراه بقصة يسوع ~~وصلبه ودفنه وذهاب النسوة إلى القبر وما حدث لهن هناك، وحيرتهما إزاء ذلك كله. فقال ~~لهما: أيها الغبيان والبطيئا القلوب في جميع ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن ~~المسيح يتألم بهذا ويدخل في مجده؟ وعندما وصلوا إلى القرية تمسكا به ليدخل معهما. ~~وعندما جلس معهما إلى المائدة أخذ الخبز وباركه ثم كسره وناولهما، وفي الحال انفتحت ~~أعينهما وعرفاه ولكنه توارى عنهما. فعادا إلى أورشليم فوجدا الأحد عشر وأصحابهم ~~مجتمعين، وكانوا يقولون لقد قام يسوع وتراءى لسمعان بطرس، فرويا لهم ما حدث لهما في ~~الطريق. وفيما هم يتكلمون ظهر يسوع في الوسط منهم، وقال: سلام لكم. فدهشوا وخافوا ~~وظنوا أنهم رأوا روحا، فقال لهم: ما بالكم مضطربين؟ انظروا يدي ورجلي، إني أنا هو. ~~جسوني وانظروا فإن الروح ليس له عظم ولحم كما ترون لي. وبعد ذلك أكل على مرأى منهم. ثم ~~خرج إلى قرية بيت عنيا وهم يتبعونه، وهناك رفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم انفرد ~~عنهم وأصعد إلى السماء (لوقا: 24). # من قراءتنا لهذا النص نخرج بالملاحظات التالية: ~~(1) # إن عدد النسوة اللواتي عرفن موضع القبر ثم جئن في صباح الأحد ومعهن ~~الحنوط غير محدد، ويذكر الكاتب أسماء ثلاث منهن فقط، ms014 هن: مريم المجدلية ~~ومريم أم يعقوب وحنة. بينما ورد في إنجيل متى أنهن اثنتان: مريم المجدلية ~~ومريم الأخرى. وفي إنجيل يوحنا تأتي مريم المجدلية وحدها إلى القبر. ~~(2) # لم يتراءى يسوع للمرة الأولى أمام النسوة (المجدلية وحدها عند يوحنا، ~~والمجدلية ومريم الأخرى عند متى)، وإنما أمام تلميذين يقصدان قرية خارج ~~أورشليم، أحدهما يدعى كليوباس والآخر مجهول. وبعد ذلك ظهر لبطرس ثم ~~للتلاميذ مجتمعين. وهذه الظهورات الثلاثة تحصل جميعها في أورشليم ومحيطها، ~~وذلك في مقابل ثلاثة ظهورات في أورشليم ورابع في الجليل عند يوحنا، وظهور ~~في أورشليم وثان في الجليل عند متى. ~~(3) # لم يتعرف التلميذان على يسوع في ظهوره الأول لهما إلا بعد وصولهما معه ~~إلى القرية عندما تناول الخبز وكسره، مثلما لم تتعرف عليه المجدلية عند ~~يوحنا في ظهوره الأول لها وظنت أنه البستاني. وهذه ظاهرة غريبة لم ~~يفسرها لنا النص. ~~(4) # عندما أخبرت النسوة التلاميذ بشأن قبر يسوع الفارغ، بدا لهم هذا القول ~~ضربا من الهذيان. وهذا يدل أيضا على أن التلاميذ لم يسمعوا سابقا بنبوءة ~~يسوع عن موته وقيامته في اليوم الثالث. ~~(5) # بعد سماع الخبر يهرع بطرس وحده لرؤية القبر، أما عند يوحنا فإن بطرس ~~والتلميذ الآخر المغفل الاسم يهرعان معا إلى الموضع. بينما أغفل متى ~~محاولة التأكد هذه وجعل التلاميذ يتوجهون مباشرة إلى الجليل لرؤية يسوع ~~هناك. ~~(6) # يلفت نظرنا بشكل خاص الطريقة التي صاغ بها لوقا حادثة صعود يسوع إلى ~~السماء عندما قال: «وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلى السماء.» وهذا ~~يعني أن صعود يسوع جرى في خفية عن تلاميذه وليس على مرأى منهم. وأن كاتب ~~الإنجيل إنما يقرر هنا عقيدة لاهوتية أكثر من وصفه لحادثة مشهودة. # لقد استبعدنا حتى الآن من هذه المقارنة الآيات الاثنتي عشرة الأخيرة من إنجيل مرقس، ~~والتي تتحدث عن ظهورات يسوع وصعوده إلى السماء، لأنها غير موجودة في نص مرقس الأصلي. ~~ومع ذلك فلا بأس من وقفة قصيرة عند هذه الخاتمة، وإليكم نصها: ~~«وبعدما قام باكرا في أول أسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية ms015 ~~التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين، فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ~~ينوحون ويبكون. فلما سمع أولئك أنه حي وقد نظرته لم يصدقوا. وبعد ذلك ظهر ~~بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطلقين إلى البرية. وذهب هذان وأخبرا ~~الباقين فلم يصدقوا ولا هذين. أخيرا ظهر للأحد عشر وهم متكئون ووبخ عدم ~~إيمانهم وقساوة قلوبهم، لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام، وقال لهم: اذهبوا ~~إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. من آمن واعتمد خلص ومن لم ~~يؤمن يدن. وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون ~~بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون ~~أيديهم على المرضى فيبرءون. ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس ~~عن يمين الله.» (مرقس، 16: 9-19) # تفتقر هذه الخاتمة إلى الأصالة والحيوية التي ميزت الخاتمات الثلاث. فالظهور الأول ~~ليسوع كان للمجدلية وحدها على ما هو الحال عند يوحنا. وقد وصفها صاحب هذه الخاتمة بأنها ~~التي أخرج منها يسوع سبعة شياطين، مقتفيا بذلك أثر لوقا 8: 1-3. أما الظهور الثاني ~~ليسوع لاثنين من التلاميذ وهما يمشيان في البرية، فمأخوذ من إنجيل لوقا 24: 13-35. ~~وكذلك الأمر في الظهور الثالث للأحد عشر وهم مجتمعون في أورشليم (لوقا، 24: 36-37. قارن ~~أيضا مع يوحنا، 20: 26). كما نلاحظ أن خطاب يسوع للأحد عشر مأخوذ من متى 28: 18-20. ~~وتكلمهم بألسنة جديدة مأخوذ من سفر أعمال الرسل 2: 1-4، وصعود يسوع إلى السماء مأخوذ من ~~لوقا 24: 51. أما عن القول بأنه جلس عن يمين الله، فإن الكاتب هنا لا يصف الحادثة كما ~~وقعت وإنما يقرر فكرة لاهوتية صارت راسخة فيما بعد. لأنه إذا كان أحد قد شاهد يسوع يصعد ~~إلى السماء، فكيف رآه جالسا عن يمين الله؟ # ليس هذا كل شيء عن خفايا إنجيل مرقس. فقد صرنا نعرف الآن عن وجود نص لهذا الإنجيل ~~أقدم من نص دير سانتا كاترينا، يدعوه الباحثون اليوم بإنجيل مرقس السري. وهذا ما سوف ~~نتعرض له في الحلقة الثانية من هذه الدراسة. # | إنجيل مرقس السري ms016 # ولغز التلميذ الحبيب # في دراستنا السابقة عن خفايا إنجيل مرقس، تحدثنا عن تفرد إنجيل يوحنا عن الأناجيل ~~الثلاثة المتشابهة مرقس ومتى ولوقا، سواء من حيث رسالته اللاهوتية أم من حيث روايته ~~لأحداث مهمة بالنسبة لتشكيل العقيدة المسيحية. ولعل أهم هذه الأحداث التي انفرد بها يوحنا ~~القصة المعروفة عن إحيائه لفتى كان يحبه اسمه لعازر بعد مضي أربعة أيام على موته. ~~ولعازر هذا كان من أسرة غنية تمتلك بيتا واسعا في قرية بيت عنيا الواقعة على جبل الزيتون ~~على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الشرق من أورشليم، وكان يعيش مع أختين شابتين له، الأولى ~~تدعى مرثا والثانية مريم. وقد اعتاد يسوع زيارتهم بصحبة تلاميذه الاثني عشر والإقامة ~~عندهم، على ما نفهم من القصة التالية التي أوردها فيما يلي ملخصة عن إنجيل يوحنا: # خلال زيارته ما قبل الأخيرة لأورشليم أحس يسوع بالخطر الذي يتهدده من قبل اليهود ~~الساعين لقتله، فترك المدينة ونزل إلى عبر الأردن حيث أقام مع تلاميذه في الموضع الذي كان ~~يوحنا المعمدان يعمد فيه. فأرسلت إليه الأختان تقولان: يا سيد، إن الذي نحبه مريض. فمكث ~~يسوع في مكانه يومين، ثم قال لتلاميذه: إن لعازر قد مات وإن عليهم التوجه إلى بيت عنيا. ~~فلما وصل يسوع علم أن لعازر قد دفن منذ أربعة أيام، وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى ~~مريم ومرثا ليعزوهما عن أخيهما. فلما سمعت مرثا أن يسوع آت خرجت لملاقاته بينما مكثت مريم ~~في البيت مع المعزين، وعندما لاقته خارج القرية قالت له: يا سيد، لو كنت ها هنا لم يمت ~~أخي. لكنني أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك إياه. فقال لها يسوع: سيقوم أخوك. ثم إن مرثا ~~مضت ودعت مريم سرا قائلة لها: إن المعلم قد حضر وهو يدعوك. فقامت، وتبعها من كان في ~~البيت من المعزين معتقدين أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي هناك. فلما رأت يسوع خرت عند ~~رجليه قائلة: يا سيد، لو كنت هنا لم يمت أخي. فلما رآها تبكي والذين جاءوا ms017 معها يبكون ~~أيضا اضطربت روحه، وقال: أين وضعتموه؟ قالوا: يا سيد تعال وانظر. فبكى يسوع. فقال ~~اليهود: انظروا كم كان يحبه. فاضطربت روحه ثانية وتقدم من القبر، وقال لهم أن يرفعوا ~~الحجر الذي يسد مدخله. فقالت له مرثا: يا سيد، قد أنتن لأن له أربعة أيام. فأجابها يسوع: ~~إن آمنت ترين مجد الله. فرفعوا الحجر ونظر يسوع إلى السماء، وقال: أيها الآب أشكرك لأنك ~~سمعت لي. وأنا علمت أنك تسمع لي في كل حين، ولكن قلت هذا من أجل الجمع الواقف ليؤمنوا أنك ~~قد أرسلتني. قال هذا وصرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجا. فخرج الميت وهو مربوط بأقمطة ~~ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم حلوه ودعوه يذهب (يوحنا: 11). # بعد ذلك اعتزل يسوع وتلاميذه في البرية لأن سعي الكهنة والفريسيين لقتله قد اشتد، ~~وتآمروا لقتله بعد أن آمن به عدد كبير من الناس بسبب معجزة قيامة لعازر. وقبل الفصح بستة ~~أيام عاد إلى بيت عنيا فصنعوا له عشاء، وكان لعازر أحد المتكئين معه إلى المائدة، وكانت ~~مرثا تخدم. عند ذلك أخذت مريم زجاجة فيها منا (= 300غ) من عطر ناردين خالص غالي الثمن، ~~ودهنت قدمي يسوع ثم مسحته بشعرها فامتلأ البيت برائحة الطيب (يوحنا، 12: 1-3) بعد ذلك يختفي ~~لعازر من إنجيل يوحنا ولا يظهر خلال الأحداث العاصفة الأخيرة في حياة يسوع، ولا نجده حاضرا ~~واقعة الصلب. وهذا أمر ملفت للنظر إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك المحبة العميقة التي جمعت ~~بينهما. # على أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على القارئ الحصيف للعهد الجديد هو التالي: إذا كانت ~~معجزة إحياء لعازر تمثل قمة معجزات يسوع، وتعتبر بمثابة البرهان الساطع على أنه مرسل من ~~قبل الآب، فلماذا انفرد إنجيل يوحنا بروايتها وسكتت عنها بقية الأناجيل؟ # بقي هذا السؤال بلا جواب مقنع حتى عام 1958م، عندما اكتشف الباحث مورتون سميث في بقايا ~~أرشيف دير مار سابا الواقع على مسافة 20 كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة القدس، نسخة عن ~~رسالة مكتوبة باللغة اليونانية وجهها اللاهوتي المعروف كليمنت ms018 الإسكندراني، الذي نشط في ~~أواخر القرن الثاني الميلادي، إلى قس فلسطيني يدعى تيودور، يجيبه فيها على عدد من ~~الأسئلة بخصوص وجود إنجيل سري لمرقس يسرد أحداثا لم يرد ذكرها في الإنجيل المتداول، ~~تستخدمه طائفة غنوصية معروفة باسم الكاربوكريتيين نسبة إلى معلمهم كاربوكريتوس، الذي نشط ~~في الإسكندرية خلال مطلع القرن الأول الميلادي، وقال: إن الروح لن تنعتق من دورة التناسخ في ~~الأجساد إذا لم تسدد دينها لهذا العالم عن طريق التمتع بكل ملذات الحياة، لا سيما ~~الجنسية منها. وقد عثر مورتون سميث على هذه الرسالة مطوية وملصقة. ضمن غلاف مقوى لكتاب ~~مطبوع في القرن السابع عشر وضعه أحد آباء الكنيسة غير المشهورين. وكان رهبان الدير في تلك ~~الأيام يصنعون أغلفة الكتب الجديدة عن طريق لصق عدد من الأوراق السائبة المتبقية من مخطوطات ~~قديمة، نظرا لندرة الورق لديهم. وقد عرض سميث الرسالة على عدد من الاختصاصيين الذين ~~أكدوا أصالتها وتطابق لغة وأسلوب النص مع لغة وأسلوب كليمنت المميز. # 1 # بعد نشر سميث لنص رسالة كليمنت، جاءنا الجواب على السؤال المطروح. فالرسالة تشير إلى ~~وجود إنجيل سري لمرقس كان متداولا في القرن الثاني الميلادي. وفي هذا الإنجيل السري ترد ~~قصة إحياء يسوع لفتى ميت في قرية بيت عنيا، وهي تشترك في معظم عناصرها مع قصة إحياء يسوع ~~للفتى لعازر، ولكنها تنتهي بخلوة طقسية بين يسوع والفتى الذي أقامه من بين الأموات لم ترد ~~في إنجيل يوحنا. فلقد أحب الفتى يسوع بعد صحوته وتوسل إليه أن يبقى معه. ثم جاءه مساء ~~وهو يرتدي مئزرا من الكتان على جسده العاري، وقضى الاثنان الليلة في ممارسة طقس تنسيبي ~~معين من شأنه أن يجعله «عارفا بأسرار ملكوت الله» على حد تعبير النص. والترجيح أن هذا ~~الطقس كان يتضمن التعميد بالماء، على ما يبدو من ذلك الاستعداد المسبق للفتى. وكما سنلاحظ ~~من ترجمتي التي سأقدمها أدناه لرسالة كليمنت، فإن يوحنا، إلى جانب تغاضيه عن الخلوة الطقسية ~~بين الطرفين، قد أدخل عددا من التعديلات على قصة مرقس الأقدم عهدا ms019 قبل أن يتبناها. # ولكن لماذا تبنى إنجيل يوحنا القصة وهو الأبعد في رسالته ومضمونه عن إنجيل مرقس، بينما ~~رفضها متى ولوقا اللذان اعتبرا مرقس مصدرا رئيسيا لهما على ما أثبتنا في الحلقة ~~الماضية؟ إن المسألة كما أراها هي أن دافع متى ولوقا إلى رفض قصة إحياء يسوع للفتى، هو ~~الدافع نفسه الذي حدا بيوحنا إلى قبولها بعد تعديلها، أي خوفهما من سوء فهم المبتدئين في ~~الدين للخلوة الطقسية بين يسوع والفتى. وقد أشار كليمنت في رسالته إلى هؤلاء المبتدئين ~~عندما قال إن مرقس قد أعد إنجيلين ؛ الأول ظاهري بثه في الناس يحتوي على سيرة يسوع ~~وأعماله وأقواله، وهو موجه إلى المبتدئين في الدين، والثاني روحاني باطني موجه إلى من ~~تعمقوا في خفايا الدين وغاصوا في أسراره. يضاف إلى ذلك أنه تلقى عن يسوع تقاليد سرانية لم ~~يدونها، من شأنها أن تأخذ بيد المريدين إلى قدس أقداس الحقيقة. ولهذا، يقول كليمنت ~~لسائله، بأننا لا يمكن أن نقول الأشياء الحقيقية لكل الناس، وعلينا في مواجهة الكاربوكريتيين # 2 # الهراطقة الذين يعتمدون على إنجيل مرقس السري من أجل تبرير ممارساتهم الخليعة، ~~أن ننكر تحت القسم أن مرقس هو كاتب هذا الإنجيل. # وإليكم النص الكامل للرسالة وهو من ترجمتي عن مورتون سميث: ~~«لقد فعلت حسنا بردك على تعاليم الكاربوكريتيين النجسة. فهؤلاء هم ~~الكواكب التائهة ممن أشارت إليهم نبوءات الكتاب المقدس، الذين يصدون عن الطريق ~~الضيق للوصايا، ويولون وجوههم نحو الغور السحيق للخطايا الجسدية الشهوانية. إنهم ~~بافتخارهم بامتلاك المعرفة، التي ليست إلا معرفة بسبل الشيطان، إنما يلقون بأنفسهم ~~إلى التهلكة في عالم الظلمة السفلي. وهم في ادعائهم الوصول إلى الحرية إنما يقعون ~~عبيدا لرغباتهم وشهواتهم. مثل هؤلاء الناس ينبغي مقاومتهم بكل الوسائل الممكنة. ~~وحتى حين يقولون شيئا صحيحا فإن على من يحب الحقيقة ألا يوافقهم، لأنه ليس كل ~~الأشياء الحقيقية هي حقيقة، ولا ينبغي على الحقيقة وفق ما تراها الآراء الإنسانية ~~أن تكون مفضلة على الحقيقة بحسب الإيمان. # وفيما يتعلق بالأشياء التي يروونها بخصوص إنجيل مرقس ms020 الذي دون بإلهام إلهي، ~~فإن بعضها مزور جملة وتفصيلا، وبعضها الآخر يحتوي على جزء من الحقيقة ولكنه ~~منقول بشكل محرف؛ لأن الأشياء الحقيقية عندما تمتزج بالاختلاقات فإنها تتحرف. ~~وعلى ما يقول المثل، فإنه حتى الملح يفقد طعمه. # خلال مرافقة مرقس لبطرس الرسول عندما كان مقيما في روما، قام بكتابة نص عن ~~أعمال يسوع ولكنه لم يذكرها جميعا، مثلما لم يشر أيضا إلى تعاليمه السرية، ~~وإنما اختار منها ما رآه مناسبا لتدعيم إيمان من هم في طور التعلم. وعندما ~~استشهد بطرس جاء مرقس إلى الإسكندرية جالبا معه نوطاته الخاصة وتلك التي لبطرس، ~~ومنها نقل إلى كتابه السابق ما وجده مناسبا للتمعن في المعرفة، ووضع إنجيلا ~~روحانيا من أجل الساعين إلى كمالهم في الدين، ولكنه مع ذلك لم يكشف عن الأشياء ~~التي لا يجب النطق بها، ولم يدون التعاليم التأويلية للسيد، وإنما أضاف قصصا ~~جديدة إلى تلك التي أوردها سابقا. وذكر أقوالا يعرف مدلولاتها باعتباره متضلعا ~~في أسرار الدين، والتي من شأنها أن تأخذ بيد مستمعها إلى قدس أقداس الحقيقة المخفية ~~وراء حجب سبعة. وعندما حضرته المنية أودع مؤلفه هذا لدى كنيسة الإسكندرية حيث ~~بقي في حرز حريز لا يطلع عليه إلا أولئك الذين جرى تقديمهم إلى الأسرار ~~الكبرى. # ولكن بما أن الشياطين الحمقى يبتكرون دوما وسائل من أجل تدمير الجنس البشري؛ ~~فقد زينوا للكاربوكريتيين أن يستميلوا أحد قسس كنيسة الإسكندرية من أجل العمل ~~معهم، فحصل لهم على نسخة من الإنجيل السري وفسره لهم وفق آرائه التجديفية ~~والشهوانية، كما وأنه مزج الكلمات الطاهرة فيه بأكاذيب نجسة. ومن هذا المزيج استمد ~~الكاربوكريتيون تعاليمهم. # من هنا، وكما ألمحت سابقا، على المرء أن يصمد أمامهم عندما يعرضون تحريفاتهم، ~~وينكر أن إنجيل مرقس السري هو من تأليف مرقس ولو كان ذلك تحت القسم. ذلك أن الأشياء ~~الحقيقية يجب ألا تقال لكل الناس. ولهذا قالت حكمة الرب من خلال سليمان: «أجب ~~الأحمق من خلال حماقته»، أي إن نور الحقيقة يجب ألا يعرض للعميان. وقالت أيضا: ~~«يؤخذ من ms021 الذي ليس عنده.» و«دع الأحمق يعمه في الظلام». ولكننا نحن أبناء النور، ~~استنرنا من الأعالي بفجر روح الرب، وحيثما روح الرب هنالك الحرية، وكل الأشياء ~~طاهرة بالنسبة للطاهر. # ولذلك فإنني لن أتردد في إجابتك على أسئلتك التي توجهت بها إلي، داحضا ~~بذلك الافتراءات من خلال كلمات إنجيل مرقس السري نفسها. فبعد قوله (في الإنجيل الذي ~~بين يديك، الإصحاح 10 الآية 32): «وكانوا في الطريق صعودا إلى أورشليم» إلى نهاية ~~قوله: «وفي اليوم الثالث يقوم» (الآية 34)، فإن الإنجيل السري يضيف المادة التالية ~~التي أوردها لك كلمة فكلمة: ~~«ثم جاءوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: ~~يا ابن داود ارحمني. فانتهرها التلاميذ، ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث ~~القبر الذي دفن فيه. ولدى اقترابه ندت من داخل القبر صيحة عظيمة. فدنا يسوع ~~ودحرج الحجر عن مدخل القبر ودخل لفوره إلى حيث كان الفتى فمد ذراعه إليه وأقامه ~~ممسكا بيده. ولما رآه الفتى أحبه وتوسل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما من ~~القبر توجهوا إلى بيت الفتى لأنه كان غنيا. وبعد ستة أيام لقنه يسوع ما يتوجب ~~عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتى وهو يرتدي مئزرا من الكتان على جسده العاري ~~وبقي معه في تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت الله. وعندما قام عاد ~~إلى الجهة الأخرى من الأردن.» # بعد هذا المقطع، يتابع النص (المعروف ~~لديكم، الآية 35): وتقدم إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي ... وذلك إلى آخر المقطع (في ~~الآية 45). ولكن جملة: «رجل عار إلى رجل عار» وكل الأشياء التي كتبت إلي ~~بخصوصها، غير موجودة. وبعد قوله (في الآية 46): وجاءوا إلى أريحا، يضيف إنجيل مرقس ~~السري هذه الكلمات فقط: وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع، وأمه، وسالومة، موجودين ~~هناك ولكن يسوع لم يجتمع بهم. أما بقية الأشياء التي كتبت لي بشأنها فهي من قبيل ~~التزوير. هذا هو الشرح الحقيقي الذي ينسجم مع الفلسفة الحقة.» # 3 # من مقارنة نص قصة إحياء يسوع للفتى في إنجيل مرقس ms022 السري وإنجيل يوحنا، نجد عددا من نقاط ~~الاختلاف بين القصتين. فالإنجيل السري لا يذكر لنا اسم الفتى بينما يسميه إنجيل يوحنا ~~لعازر. والإنجيل السري يتحدث عن أخت واحدة دون أن يسميها، بينما يتحدث إنجيل يوحنا عن ~~أختين إحداهما مرثا والأخرى مريم. تدعو الأخت يسوع في الإنجيل السري ب «يا ابن داود»، وهذا ~~اللقب ينسجم مع لاهوت إنجيل مرقس وبقية الأناجيل الإزائية، بينما تدعوه الأختان في إنجيل ~~يوحنا ب «يا سيد». في الإنجيل السري يتقدم يسوع ويدحرج الحجر بنفسه عن مدخل القبر، أما في ~~إنجيل يوحنا فيطلب ممن حوله دحرجة الحجر. في الإنجيل السري يكون لاقتراب يسوع من القبر فعل ~~المعجزة لأن الفتى يصحو وتصدر عنه صيحة عالية، ثم يدخل يسوع ويمد يده للفتى وينهضه؛ أما ~~في إنجيل يوحنا فإن يسوع يقف خارجا ويهتف بصوت عال: لعازر هلم. فيخرج الفتى وهو مربوط ~~بالأقمطة. ولكن على الرغم من هذه الاختلافات فإننا أمام قصة واحدة رويت من خلال تنويعين. ~~ففي كلا الروايتين نجد أن مسرح الحدث هو قرية بيت عنيا التي وصل إليها يسوع قادما من نهر ~~الأردن، وهنالك امرأة مات أخوها جاءت ورجت يسوع أن يحييه، ثم ينتهي الحدث بانبعاث الفتى ~~من القبر. # ومن الملفت للنظر أن إنجيل مرقس المتداول على الرغم من حذفه لقصة إحياء يسوع للفتى وما ~~تلا ذلك من طقس ليلي، فإنه يشير في مكان آخر إلى وجود شاب مع يسوع يرتدي مئزرا على عريه ~~وذلك في مشهد القبض على يسوع في بستان جتسماني الذي لا يبعد كثيرا عن قرية بيت عنيا في جبل ~~الزيتون؛ حيث نقرأ هذه الجملة الخارجة عن سياق الحدث: «وتبعه شاب لابسا إزارا على ~~عريه فأمسكه الشبان (الذين جاءوا للقبض على يسوع)، فترك الإزار وهرب عاريا» (مرقس، ~~14: 51). وبدون أي تفصيل آخر يتابع كاتب الإنجيل: «ومضوا بيسوع إلى دار رئيس الكهنة ... ~~إلخ.» # والسؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل غاب لعازر فعلا عن بقية أحداث الإنجيل كما ~~توهم الباحثون في كتاب العهد الجديد؟ # إذا عدنا ms023 القهقرى إلى حادثة إحياء يسوع للشاب في إنجيل مرقس السري وفي إنجيل يوحنا، نجد ~~أن القصتين تؤسسان معا للقب «التلميذ الذي أحبه يسوع» في الإشارة إلى لعازر. ففي رواية ~~يوحنا نجد أن الأختين ترسلان إلى يسوع قائلتين: «يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض»، وذلك في ~~إشارة إلى لعازر دون ذكر اسمه. وفي الشذرة الثانية من إنجيل مرقس السري يقول المؤلف: ~~«وجاءوا إلى أريحا. وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع وأمه وسالومة موجودين هناك.» بعد ذلك ~~يتابع هذا الفتى ظهوره تحت هذا اللقب. ففي مشهد العشاء الأخير قال يسوع لتلاميذه: «الحق ~~أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني ... وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع ~~يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر ~~يسوع وقال له: يا سيد من هو؟» (يوحنا، 15: 21-25). # وبعد القبض على يسوع تفرق التلاميذ، ولكن سمعان بطرس والتلميذ الآخر الذي يحبه يسوع ~~تبعاه عن بعد: «وكان سمعان بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع. وكان ذلك التلميذ معروفا ~~عند رئيس الكهنة، فدخل مع يسوع إلى دار رئيس الكهنة، وأما بطرس فكان واقفا خارجا عند ~~الباب. فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفا عند رئيس الكهنة وكلم البوابة فأدخل بطرس» ~~(يوحنا، 18: 15-16). # وعندما رفع يسوع على الصليب كان التلميذ المحبوب وحده واقفا مع النساء تحت الصليب بينما ~~كان بقية التلاميذ مختبئين: «وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه مريم، وأخت أمه مريم زوجة ~~كلوبا، ومريم المجدلية. فرأى يسوع أمه وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. فقال لأمه: أيتها ~~المرأة هذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هذه أمك. فأخذها إلى بيته من تلك الساعة» (يوحنا، ~~19: 25-27. عن الترجمة الكاثوليكية). وعندما جاءت مريم المجدلية في أول الأسبوع إلى القبر ~~باكرا ونظرت الحجر مرفوعا عن القبر، ركضت «وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي ~~كان يسوع يحبه وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه» (يوحنا، 20: 1-2). ~~وعندما ترك يسوع تلاميذه ms024 بعد آخر ظهور له عقب قيامته وقال لبطرس أن يتبعه، التفت بطرس: ~~«فرأى التلميذ الذي كان يحبه يسوع يسير خلفهما، ذاك الذي مال على صدر يسوع في أثناء العشاء ~~... إلخ.» وفي نهاية هذا المقطع يختتم نص إنجيل يوحنا بإشارة صريحة إلى أن كاتب الإنجيل هو ~~التلميذ المحبوب نفسه: «هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق» ~~(يوحنا: 21). # عندما جرى إقرار الأناجيل الأربعة المقبولة رسميا من قبل الكنيسة في أواخر القرن ~~الثاني الميلادي، وعزي الإنجيل الرابع إلى التلميذ يوحنا ابن زبدي مثلما عزيت بقية ~~الأناجيل إلى أصحابها المفترضين، جرى العرف السائد على المطابقة بين التلميذ الذي أحبه ~~يسوع وبين التلميذ يوحنا ابن زبدي باعتباره مؤلف الإنجيل الرابع. ولكن المشكلة تكمن في أن ~~اسم يوحنا لم يرد صراحة في أي موضع من الإنجيل الرابع، وذلك عدا إشارة عابرة إلى ابني ~~زبدي دون ذكر اسميهما وهما على ما نعرف يوحنا ويعقوب أخوه (يوحنا، 21: 2). أما التلميذ ~~«الذي أحبه يسوع»، وهو اللقب الذي أطلق على لعازر للمرة الأولى، فيتابع ظهوره إلى جانب ~~يسوع تحت هذا اللقب، ثم نفهم من الخاتمة أنه مؤلف الإنجيل الرابع. فمن هو المؤلف الحقيقي ~~لإنجيل يوحنا؟ # في الحقيقة هنالك عدد من الباحثين في العهد الجديد قد لاحظوا ما لاحظته من صلة بين لعازر ~~والتلميذ الغامض الذي أحبه يسوع الذي يتكرر ذكره في الإنجيل الرابع، ولكنهم لم يكونوا ~~مستعدين للخروج عن التقاليد الراسخة التي تعزو الإنجيل الرابع إلى يوحنا ابن زبدي، فخرجوا ~~برأي مفاده أن لعازر الذي أحياه يسوع هو في الواقع اسم آخر ليوحنا ابن زبدي. ومن ثم جرت ~~المطابقة بين الشخصيتين. ولكن هذا التفسير لا يصمد أمام النقد المعتمد على نصوص العهد ~~الجديد نفسها. وإليكم الأسباب: ~~(1) # ينتمي يوحنا ويعقوب ابنا زبدي إلى أسرة جليلية؛ أما لعازر فينتمي إلى أسرة ~~أورشليمية. ~~(2) # لا نعرف عن وجود أخ للعازر بل أختين هما مرثا ومريم. ~~(3) # كان يوحنا وأخوه صيادي سمك في بحيرة طبرية بالجليل، ثم تبعا بعد ذلك يسوع ~~في ms025 حله وترحاله، وهما يظهران في بعض المشاهد مع أمهما بصحبة يسوع (راجع متى، ~~20: 20). أما لعازر فكان مستقرا في بيت كبير على مقربة من العاصمة كان من ~~السعة بحيث يتسع ليسوع وتلامذته ليبيتوا فيه عدة أيام. ولعل من دلائل ثراء أهل ~~هذا البيت وجود قبر فخم منحوت من الصخر في فنائه. ولا يحدثنا النص عن وجود أم ~~للعازر التي يبدو أنها متوفاة، وكانت الأخت الكبرى مرثا هي المدبرة لشئون ~~المنزل. ~~(4) # إن التلميذ الآخر الذي تبع يسوع مع بطرس عقب القبض عليه لا يمكن بأي حال ~~من الأحوال أن يكون يوحنا صياد السمك المتواضع الحال؛ لأن هذا التلميذ كان ~~معروفا من قبل رئيس الكهنة، وهو الذي توسط لبطرس من أجل الدخول إلى بيت ~~رئيس الكهنة. هذه الحظوة الخاصة التي تمتع بها التلميذ عند رئيس الكهنة الذي ~~يبدو أنه كان على علاقة طيبة مع أسرته الغنية، هي التي شفعت للتلميذ الذي ~~أحبه يسوع أن يشهد عملية الصلب دون خوف من الاعتقال، في الوقت الذي تفرق ~~فيه بقية أصحاب يسوع واختبئوا. # اعتمادا على هذه المقدمات التي أجدها في غاية المنطقية، أتوصل إلى نتيجة مفادها أن ~~التلميذ المحبوب لعازر هو مؤلف الإنجيل الرابع وليس يوحنا ابن زبدي، أو أنه كان يملي ~~ذكرياته في أواخر حياته على ذلك المؤلف المجهول. وهذه مسألة سوف نتوسع فيها في بحث ~~لاحق. # | يسوع والنساء # لغز مريم المجدلية # يكاد قارئ كتاب العهد الجديد لا يلحظ دورا للنساء في حياة يسوع التبشيرية؛ فحواراته كانت ~~تجري دوما مع الرسل الاثني عشر الذين اختارهم لمرافقته في حله وترحاله، وتعاليمه كانت ~~موجهة على الدوام إليهم. ولكن مؤلفي الأناجيل، تركوا لنا إشارات عابرة هنا وهناك تكشف ~~عن دورهن المهم في الدعوة الجديدة، وتفانيهن في تقديم الدعم المادي والمعنوي للمعلم الذي ~~تركن من أجله بيوتهن وسرن وراءه على طريق الآلام من الجليل إلى الجلجلة حيث صلب ومجد، ~~وكان من بينهن أول الشهود على قيامته من بين الأموات. # هذه الإشارات الغامضة التي تلفت نظرنا إلى الحضور القوي للنساء ms026 في ذلك المحيط الذكوري ~~كما قدمه لنا الإنجيليون، تطلعنا على حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن عدد النساء في بطانة ~~يسوع المقربة ربما كان أكثر من عدد الرجال، وأن الدعم المالي لهذه المجموعة المرتحلة مع ~~معلمها كان يأتي من بعض أولئك النسوة المقتدرات اللواتي تركن ما كن فيه من رغد العيش ~~وسرن وراء يسوع. ولعل من أهم هذه الإشارات ما ورد في إنجيل لوقا: «وعلى إثر ذلك كان يسير ~~في المدن والقرى يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الاثنا عشر، وبعض النساء اللواتي شفاهن من ~~الأرواح الشريرة والأمراض، وهن مريم المعروفة بالمجدلية التي أخرج منها سبعة شياطين، وحنة ~~(أو يونا في بعض الترجمات) امرأة خوزي وكيل هيرودوس، وسوسنة، وغيرهن كثيرات كن يخدمنه ~~من أموالهن» (لوقا، 8: 1-3). # تدلنا هذه الإشارة المقتضبة إلى تلميذات يسوع عند لوقا على وجود عدد كبير من النساء في ~~بطانة يسوع المقربة، وأن المصدر الأساسي لتمويل معاش يسوع وتلاميذه كان من أموال هؤلاء ~~النسوة. وقد كان هذا المال يحفظ في صندوق خاص يحمله معه التلميذ يهوذا الإسخريوطي، على ما ~~نفهم من إنجيل يوحنا 12: 4-6. ولكن لوقا لم يذكر لنا من أسماء هؤلاء النسوة سوى ثلاثة، هن: ~~مريم المجدلية، ويونا (أو حنة) امرأة خوزي، وكيل هيرودوس، وسوسنة. ويكشف لنا تعريف لوقا ~~ليونا بأنها زوجة وكيل هيرودوس أنتيباس ملك الجليل، حقيقة في غاية الأهمية وهي أن ~~العديد من هؤلاء التلميذات كن من شرائح اجتماعية ميسورة، وكن من موقعهن المتميز هذا ~~قادرات على دعم طبيعة حياة الترحال التي اختارها يسوع له ولجماعته. وكما سنرى فيما بعد فإن ~~اثنتين من هؤلاء النسوة اللواتي ذكرهن لوقا، وهما مريم المجدلية ويونا، سوف تعودان إلى ~~الظهور في أحداث الأسبوع الأخير من حياة يسوع، أما الثالثة وهي سوسنة (أو سوزان كما تدعى ~~في اللغات الأوروبية) فسوف تختفي تماما، ولا يأتي أحد من الإنجيليين على ذكرها بما فيهم ~~لوقا نفسه. # بعد هذه الإشارة الوحيدة والمقتضبة التي أوردها لوقا إلى وجود نساء كثيرات منذ البداية في ~~بطانة يسوع، ms027 تصمت الأناجيل الأربعة عن هؤلاء النسوة وصولا إلى أحداث محاكمة يسوع وصلبه ~~ودفنه. فبعد القبض على يسوع وسوقه إلى المحاكمة، انفض عنه الرسل الاثنا عشر وبقية ~~التلاميذ واختبئوا خوفا من الاعتقال، ولم يصحبه إلى المحاكمة إلا النساء اللواتي رافقنه ~~بعد ذلك إلى موضع الصلب. نقرأ في إنجيل متى الذي لم يعترف بوجود النساء حتى هذا الوقت ~~المتأخر ما يلي: «وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من ~~الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني زبدي» (متى، ~~27: 55-56). وابنا زبدي المذكوران هنا هما يعقوب ويوحنا الوارد ذكرهما في قائمة الرسل عند ~~متى (راجع متى: 4). أما يعقوب ويوسي فهما ابنا حلفي. ويلقب يعقوب هذا بالصغير ~~تمييزا له عن يعقوب الكبير ابن زبدي. وعلى الرغم من أن متى لا يذكر لنا اسم أم ابني ~~زبدي، إلا أن المرجح أن يكون اسمها سالومة، لأن مرقس الذي يقدم لنا القائمة نفسها يقول ~~«سالومة» في الموضع الذي قال فيه متى «أم ابني زبدي»: «وكانت أيضا نساء ينظرن من بعيد ~~بينهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة» (مرقس، 15: 40). فإذا جئنا إلى ~~لوقا وجدناه يذكر من أسماء النساء الكثيرات اللواتي حضرن الصلب ثلاثة، هن: مريم المجدلية، ~~ويونا، ومريم أم يعقوب (لوقا، 24: 10). أي أنه حافظ على قائمته التي قدمها لنا في بداية ~~إنجيله مع استبدال سوسنة بمريم أم يعقوب. # أما يوحنا، وعلى عادته في التفرد عن بقية الإنجيليين، فيقدم لنا قائمة لا تشترك مع بقية ~~قوائم الإنجيليين إلا باسم المجدلية: «وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه، وأخت أمه زوجة ~~كلوبا، ومريم المجدلية» (يوحنا، 19: 25). تحتوي هذه القائمة على شخصيتين نسائيتين لم تردا ~~في قوائم بقية الإنجيليين. فلدينا أولا أم يسوع التي كانت غائبة عن جميع الإنجيليين خلال ~~حياة يسوع التبشيرية، ولم يرد ذكرها إلا عرضا في معرض التعريف بيسوع باعتباره ابن ~~امرأة تدعى مريم (متى، 13: 55-56؛ ومرقس، 6: 1-3)، كما جرت الإشارة إليها على أنها أم ~~يسوع دون ذكر اسمها ms028 عندما جاءت أسرته تطلبه وهو منشغل في التعليم: «هو ذا أمك وإخوتك ~~واقفون خارجا طالبين أن يكلموك» (متى، 12: 46-50. قارن مع مرقس، 3: 35-51؛ ولوقا، 8: 19-21). ~~أما عند يوحنا فقد ورد ذكرها مرة واحدة في مطلع حياة يسوع التبشيرية وذلك في عرس قانا عندما ~~اجترح يسوع معجزة تحويل الماء إلى خمر، ولكن دون الإشارة إلى اسمها: «وفي اليوم الثالث كان ~~عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك ... إلخ» (يوحنا: 2). وبعد ذلك تغيب مريم عن مسرح ~~الأحداث تماما ولا نعثر لها على ذكر بين بطانة يسوع. ولذلك فمن الغريب أن نجدها فجأة تحت ~~الصليب ومعها أخت لها لم نسمع بها من قبل اسمها مريم أيضا. ولحل هذه المفارقة فقد اقترح ~~بعض الباحثين وجود خطأ في النسخ وأن الآية 25 من الإصحاح 19 يجب أن تقرأ: «وكانت واقفات ~~عند صليب يسوع: أمه، وأخت أمه، ومريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية.» وبذلك يكون لدينا أربع ~~نساء عوضا عن ثلاثة. أما عن المدعو كلوبا الذي تنسب إليه هذه المريم الأخرى، فلم يرد ~~اسمه إلا مرة واحدة في الأناجيل باعتباره من تلاميذ يسوع ودون إعطاء أي تفصيلات بخصوصه ~~(راجع لوقا، 24: 13-18). # بعض هؤلاء النسوة اللواتي حضرن واقعة الصلب كن أول الشهود على قيامة يسوع من بين ~~الأموات، وهي الحدث الرئيسي في العقيدة المسيحية. ففي إنجيل متى يتراءى يسوع للمرة الأولى ~~بعد قيامته أمام مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي (متى: 28). وفي إنجيل لوقا يتراءى ~~لمريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن (لوقا: 24). وفي إنجيل يوحنا يتراءى ~~للمجدلية وحدها (يوحنا: 20)، وكذلك الأمر في إنجيل مرقس (مرقس: 16). # في جميع قوائم الأسماء التي يقدمها لنا هؤلاء الإنجيليون الأربعة، نجد بينها على ~~اختلافها قاسما مشتركا هو مريم المجدلية. وهذا إن دل على شيء فعلى أهميتها البالغة ~~ومكانتها الخاصة لدى يسوع. فمن هي هذه المرأة الغامضة؟ قبل الدخول في هذا الموضوع سوف ~~نتوقف لإلقاء الضوء على شخصيتين نسائيتين برزتا في آخر مسيرة يسوع التبشيرية، وهما ~~الأختان مريم ومرثا من قرية ms029 بيت عنيا في منطقة جبل الزيتون على مسافة ثلاثة كيلومترات من ~~أورشليم. # نتعرف على مرثا وأختها مريم للمرة الأولى في إنجيل لوقا؛ فبعد أن شرع يسوع في رحلته إلى ~~أورشليم دخل قرية لا يذكر لنا المؤلف اسمها: «فيما هم سائرون دخل قرية فأضافته في بيتها ~~امرأة اسمها مرثا، وكانت لهذه أخت تدعى مريم التي جلست عند قدمي يسوع وكانت تسمع كلامه. ~~وأما مرثا فكانت مشغولة بأمور كثيرة من الضيافة، فأقبلت وقالت: يا رب. أما تبالي أن تتركني ~~أختي أخدم وحدي؟ فقل لها أن تساعدني. فأجاب يسوع وقال لها: مرثا، مرثا، أنت تهتمين وتضطربين ~~لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد. فقد اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن ينتزع ~~منها» (لوقا، 10: 38-42). # بعد ذلك نقابل مرثا ومريم مرتين في إنجيل يوحنا؛ حيث نعرف أنهما تسكنان مع أخيهما لعازر ~~في بيت كبير في قرية تدعى بيت عنيا، وكان البيت من السعة والثراء بحيث يتسع لإقامة وضيافة ~~يسوع وتلاميذه. ومن المؤكد أن يسوع قد قصد هذا البيت واستراح فيه مرارا؛ لأن مؤلف إنجيل ~~يوحنا يقول لنا في سياق خبره الأول عن زيارة يسوع لمريم ومرثا، عندما أحيا أخاهما لعازر ~~بعد موته بأربعة أيام، أن يسوع كان يحب مرثا وأختها ولعازر. وقد عرضنا هذه القصة بالتفصيل ~~في مقالتنا السابقة، فلتراجع في موضعها في إنجيل يوحنا: 11. # الخبر الثاني الذي يورده يوحنا عند زيارة يسوع لبيت عنيا هو الذي يهمنا هنا: «ثم قبل ~~الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الذي أقامه من الأموات. فصنعوا له ~~هناك عشاء، وكانت مرثا تخدم وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه. فأخذت مريم منا (أو ~~حقا. وهو يتسع لثلاثمائة غرام) من طيب ناردين خالص كثير الثمن، ودهنت قدمي يسوع ~~ومسحت قدميه بشعرها، فامتلأ البيت من رائحة الطيب. فقال واحد من تلاميذه وهو يهوذا سمعان ~~الإسخريوطي المزمع أن يسلمه: لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء؟ ~~قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء، بل لأنه ms030 كان سارقا وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما ~~يلقى فيه. فقال يسوع: اتركوها فإنها حفظت هذا الطيب ليوم «دفني و» تكفيني. لأن الفقراء ~~معكم في كل حين، وأما أنا فلست معكم في كل حين» (يوحنا، 12: 1-8). # تتكرر هذه الرواية بتنويعين في الأناجيل الثلاثة الأخرى. فعند متى ومرقس تجري القصة في ~~بيت شخص يدعى سمعان الأبرص في قرية بيت عنيا؛ حيث دخلت امرأة مجهولة وسكبت زجاجة العطر على ~~رأس يسوع لا على قدميه. وبما أن متى يستخدم لغة مرقس نفسها وكلماته مع تعديلات طفيفة لا ~~يعتد بها فسنكتفي هنا بإيراد رواية مرقس: ~~«وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين. وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف ~~يمسكونه بمكر ويقتلونه، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب. وفيما ~~هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص، وهو متكئ، جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين ~~خالص كثير الثمن، فكسرت القارورة وسكبته على رأسه. وكان قوم مغتاظين في أنفسهم ~~فقالوا: لماذا تلف الطيب هذا؟ لأنه كان يمكن أن يباع هذا بأكثر من ثلاثمائة ~~دينار ويعطى للفقراء، وكانوا يؤنبونها. أما يسوع فقال: اتركوها، لماذا تزعجونها؟ ~~قد عملت بي عملا حسنا. لأن الفقراء معكم في كل حين ومتى أردتم تقدرون أن تعملوا ~~بهم خيرا، وأما أنا فلست معكم في كل حين. عملت ما عندها؛ قد سبقت ودهنت بالطيب ~~جسدي للتكفين. الحق أقول لكم حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا ~~بما فعلته تذكارا لها.» (مرقس، 14: 1-9) # أما التنويع الثاني على هذه الرواية فيرد عند لوقا. وهنا نجد أن زمان الحادثة ومكانها ~~مختلفان تماما، فهي تجري في مطلع حياة يسوع التبشيرية وفي مدينة جليلية تدعى نايين (لوقا، ~~7: 11) لا في بيت عنيا قرب أورشليم: ~~«وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه، فدخل بيت الفريسي واتكأ. وكان في المدينة امرأة ~~خاطئة، فعلمت أن يسوع يأكل في بيت الفريسي، فجاءت ومعها قارورة طيب ووقفت من خلف قدميه وهي ~~تبكي وأخذت تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعرها وتقبلهما وتدهنهما ms031 بالطيب. فلما رأى ~~الفريسي صاحب الدعوة ما جرى، قال في نفسه: لو كان هذا الرجل نبيا لعرف من هي هذه المرأة ~~التي تلمسه وما حالها، فهي خاطئة. فقال له يسوع: يا سمعان عندي ما أقوله لك. فقال سمعان: قل ~~يا معلم. فقال يسوع: كان لمداين دين على رجلين، خمسمائة دينار على أحدهما وخمسون على ~~الآخر. وعجز الرجلان عن إيفاء دينه فأعفاهما منه. فأيهما يكون أكثر حبا له؟ فأجابه ~~سمعان: أظن الذي أعفاه من الأكثر. فقال يسوع: أصبت. والتفت إلى المرأة وقال لسمعان: أترى ~~هذه المرأة؟ أنا دخلت بيتك فما سكبت على قدمي ماء، وأما هي فغسلتهما بدموعها ومسحتهما ~~بشعرها. أنت ما قبلتني قبلة وأما هي فما توقفت منذ دخولي عن تقبيل قدمي. أنت ما دهنت ~~رأسي بزيت وأما هي فبالطيب دهنت قدمي. لذلك أقول لك: غفرت لها خطاياها الكثيرة لأنها أحبت ~~كثيرا، وأما الذي يغفر له القليل فهو يحب قليلا. ثم قال للمرأة مغفورة لك خطاياك» (لوقا، ~~8: 36-48). # من قراءة هذه الروايات الأربعة نلاحظ أن روايات متى ومرقس ويوحنا تتفق في معظم عناصرها ~~ضد رواية لوقا. فالمكان هو بيت سمعان الأبرص في قرية بيت عنيا عند متى ومرقس، وهو عند ~~يوحنا بيت مرثا ومريم ولعازر في بيت عنيا أيضا. وبما أنه لا يوجد في بيت عنيا سوى بيت واحد ~~كان يسوع يتردد عليه، فمن المنطقي أن يكون بيت سمعان الأبرص هو نفسه بيت الإخوة الثلاثة. ~~ومن المرجح أن سمعان الأبرص هذا هو والد الإخوة الثلاثة ولكنه كان متوفيا في ذلك الوقت. ~~يدلنا على ذلك أن يسوع قد دخل بيت سمعان الأبرص ولكن سمعان هذا لم يكن موجودا؛ لأن ~~الراوي لم يتحدث عن استقباله ليسوع ولا عن جلوسه معه إلى المائدة، ولا عن حوار جرى بينه ~~وبين يسوع، والقصة تبدأ وتنتهي وكأن سمعان الأبرص غير موجود. كما تتفق الروايات الثلاث في ~~عنصر سكب زجاجة الطيب سواء على رأس يسوع عند متى ومرقس أم على قدميه عند يوحنا، وكذلك في ~~عنصر احتجاج ms032 البعض على هذا الإسراف على الرغم من اختلاف هوية هؤلاء المحتجين (قوم مغتاظون ~~في أنفسهم عند مرقس، أو تلاميذ يسوع عند متى، أو تلميذ واحد عند يوحنا)، وكذلك في رد ~~يسوع على أولئك المحتجين وقوله بأنها فعلت ذلك استباقا ليوم الدفن والتكفين. # أما عند لوقا فإن القصة لا تحدث في بيت عنيا كما هو الحال عند بقية الإنجيليين، وإنما في ~~نايين في بيت رجل يدعى سمعان أيضا ولكنه يلقب بالفريسي لا بالأبرص. وعلى الرغم من ~~اشتراك قصة لوقا مع البقية في عنصر سكب قارورة العطر، إلا أنها تفتقد عنصر احتجاج البعض، ~~وتختلف في مضمون خطاب يسوع الأخير بخصوص تصرف المرأة، الذي ينسجم مع وصف لوقا لها بأنها ~~خاطئة. وتعبير خاطئة هنا هو صيغة مهذبة لكلمة مومس. # وفي الحقيقة فإن اتفاق متى ومرقس ويوحنا ضد لوقا فيما يتعلق بمعظم عناصر القصة، يقودنا ~~إلى القول بضعف رواية لوقا لا سيما في وصفه للمرأة بأنها خاطئة، ومن المرجح أن لوقا قد ~~أدخل تعديلاته هذه على القصة لأغراض تعليمية تتعلق بالتوكيد المسيحي على التوبة وعلى ~~المغفرة، شأنه في ذلك شأن القصة التي أوردها يوحنا عن المرأة التي أخذت في زنا وأراد القوم ~~رجمها فقال لهم: «من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها أولا بحجر.» # وبهذا نكون قد أضفنا إلى قائمة الأسماء المعروفة لتلميذات يسوع اسمين جديدين هما مرثا ~~ومريم من بيت عنيا. ولكن السؤال الذي حير الباحثين بخصوص هاتين المرأتين هو غيابهما عن ~~أحداث محاكمة يسوع وصلبه ودفنه وقيامته. فأين كانتا وهما اللتان أحبهما يسوع مع أخيهما ~~لعازر حبا جما. # وقد قاد البحث في هذه المسألة البعض إلى الخروج بنتائج لا تصمد أمام النقد المعتمد على ~~وقائع الكتاب. فقد ربط البعض بين مريم المجدلية والمرأة الخاطئة في رواية لوقا وقالوا إنها ~~المرأة نفسها، كما ربط البعض الآخر بين مريم المجدلية ومريم من بيت عنيا أخت مرثا ولعازر، ~~وهنالك من ربط المجدلية بكل من المرأة الخاطئة ومريم من بيت عنيا، وقالوا إن الثلاثة هم ~~شخصية واحدة. ms033 وبذلك فإن مريم بيت عنيا لم تكن غائبة عن الأحداث الأخيرة في حياة يسوع، بل ~~حاضرة تحت اسم المجدلية. # 1 # إن الربط بين المرأة الخاطئة في إنجيل لوقا ومريم المجدلية، لا يجد سندا له لا من إنجيل ~~لوقا نفسه ولا من بقية الأناجيل. فلوقا نفسه يقول لنا منذ البداية بأن المجدلية كانت من ~~التلاميذ الأوائل ليسوع مع أخريات يذكر من أسمائهن حنة امرأة خوزي وكيل هيرودوس ملك الجليل، ~~وسوسنة، ويقول إنهن كن يخدمن يسوع من أموالهن. ولا شك أن اقتران اسم المجدلية باسم حنة ~~وهي زوجة شخصية بارزة في الجليل يدل على أن الاثنتين تتمتعان بالمكانة الاجتماعية ذاتها. ~~والشيء نفسه يقال عن استحالة الربط بين المجدلية ومريم بيت عنيا استنادا إلى معطيات ~~الكتاب. فالمجدلية جليلية وتنتمي إلى بلدة مجدل الواقعة على بحر الجليل، وقد تبعت يسوع من ~~الجليل إلى أورشليم، أما مريم بيت عنيا فأورشليمية تقيم في قرية قريبة من العاصمة، ولم تكن ~~ترتحل مع يسوع بل كان يسوع نفسه يقصد بيتها للإقامة والاستراحة. # إن كل ما يمكننا قوله بخصوص مريم المجدلية استنادا إلى معطيات الكتاب، هو أنها كانت ~~امرأة ثرية من الجليل تبعت يسوع بعد أن شفاها من مرض عصبي معين لعله الصرع، وهو ما عبر ~~مرقس عنه بقوله: إن يسوع أخرج منها سبعة شياطين (مرقس، 16: 9). ويبدو أنها كانت التلميذة ~~المفضلة عند يسوع بدليل ورود اسمها على الدوام في قوائم أسماء التلميذات عند جميع ~~الإنجيليين، وشهادتها إما منفردة أو مع أخريات على قيامته من بين الأموات. ويبدو أن دورها ~~في بطانة يسوع كان يشبه دور بطرس؛ فقد كان بطرس مترئسا على التلاميذ الذكور وكانت ~~المجدلية مترئسة على التلميذات. # هذا الدور المميز للمجدلية يؤكده لنا مؤلفو الأناجيل الغنوصية المتحررون من الشوفينية ~~الذكورية، ومنهم نفهم أن المجدلية كانت تنتمي إلى الحلقة الضيقة من التلاميذ الذين خصهم ~~يسوع بتعاليمه السرية التي حجبها عن الآخرين. نقرأ في إنجيل فيليب ما يلي: «كانت مريم ~~المجدلية رفيقة يسوع على الدوام، وقد أحبها أكثر من جميع ms034 التلاميذ، وغالبا ما كان ~~يقبلها. وهذا ما أزعج بقية التلاميذ، حتى إنهم قالوا له في إحدى المرات: لماذا تحبها ~~أكثر منا جميعا؟» فأجابهم المخلص، وقال: «لماذا لا أحبكم مثلما أحبها.» وفي نص مسيحي ~~غنوصي معروف بعنوان Pistis Sophia ~~، نجد في أحد المشاهد أن ~~بطرس يتذمر من احتكار مريم الحوار مع يسوع في تجاهل لأسبقيته ويطلب منه إسكاتها، ولكن ~~يسوع يعنفه على موقفه هذا. وبعد ذلك تقول مريم ليسوع بأنها لا تستطيع التحدث معه بحرية ~~خوفا من بطرس الذي يكره جنس النساء، فيقول لها يسوع: إن من يلهمه الروح هو المخول ~~بالكلام رجلا كان أم امرأة. وفي النص المعروف بعنوان إنجيل المجدلية، نجد التلاميذ الذين ~~اجتمعوا بعد صلب يسوع من أجل استعادة وتذاكر أقواله، يطلبون من المجدلية أن تطلعهم على بعض ~~تعاليم يسوع السرية التي تعرفها. وعندما شرعت في الكلام تدخل بطرس قائلا: هل تحدث المعلم ~~سرا مع امرأة بما لم يتحدث به علنا معنا؟ فقال له التلميذ لاوي: إذا كان المعلم قد وجدها ~~مستحقة لذلك فمن أنت حتى ترفضها؟ لقد عرفها المعلم جيدا؛ ولذلك فقد أحبها أكثر منا. ~~بعد ذلك تتابع المجدلية بموافقة الجميع إطلاعهم على ما سمعته من يسوع ولم يكونوا يعرفون عنه شيئا. # 2 # أما لماذا غابت الأختان مرثا ومريم عن الأحداث الحاسمة الأخيرة في حياة يسوع، فلا أجد له ~~تفسيرا إلا في عدم اهتمام مؤلفي الأناجيل بتتبع أخبار النساء وتغطيتها بما يتناسب ودورهن ~~البارز في الدعوة اليسوعية المبكرة. # | ألغاز ميلاد يسوع # بعد مضي ألفين من السنين على ميلاد يسوع، ما زلنا لا نملك أي وثيقة تاريخية عن حياة هذه ~~الشخصية الاستثنائية في التاريخ الروحي للإنسانية. وما زالت الأناجيل الأربعة التي اعتمدتها ~~الكنيسة تقف شاهدا وحيدا على ميلاده ومسيرة حياته التبشيرية وصلبه. # لقد دون أول الأناجيل وهو إنجيل مرقس نحو عام 70م، أي بعد أربعين سنة على وفاة يسوع ~~وسبعين سنة على ميلاده؛ ودون آخرها وهو إنجيل يوحنا بين عام 100 وعام 110م، أي بعد مضي ~~نحو سبعين ms035 سنة على وفاة يسوع ونحو قرن كامل على ميلاده. هذا يعني أن مؤلفي الأناجيل كانوا ~~في حالة انقطاع تام عن الأحداث التي يروونها، وأن كلا منهم قد تقصى وقائعه على ~~طريقته الخاصة، واختار منها ما يتلاءم مع طبيعته الشخصية وثقافته وطبيعة المستمعين الذين ~~يتوجه إليهم برسالته. وبالنظر إلى أن اللاهوت المسيحي كان ينمو ويتطور خلال هذه الفترة ~~الفاصلة بين الحدث وزمن تدوينه، فإن المفاهيم اللاهوتية المستحدثة كان لا بد لها من أن تفرض ~~نفسها على تفسير ذلك الحدث. وفي ظل غياب السلطة الدينية المركزية وعدم استقرار اللاهوت ~~المسيحي في ذلك الوقت المبكر، فقد كان على كل مؤلف إنجيلي، سواء فيما يتعلق باختياره لأحداث ~~روايته من بين عدة تنويعات وصلت إليه، أم في تفسيره لهذه الأحداث، أن يصدر عن موقف شخصي ~~ورؤية خاصة به. وبما أن أولئك المؤلفين كانوا حملة رسالة دينية، لا مؤرخين يتقصون الحقائق ~~وفق مناهجنا الحديثة في البحث، فإن الاختلاف بينهم هو أمر متوقع على ما نستطيع ملاحظته ~~ابتداء من الأخبار المتعلقة بأسرة يسوع وميلاده. ~~(1) الأسرة # يلفت نظرنا في الأناجيل شح المعلومات المتعلقة بأسرة يسوع. فنحن لا نعرف شيئا عن ~~أسرة مريم وحياتها قبل بشارتها من قبل الملاك بالحمل العذري، ولا نعرف شيئا عن يوسف ~~الذي قدم له متى ولوقا سلسلتي نسب لا تفيدانا بشيء بسبب تعارضهما. كما أن ~~الوالدين يغيبان تقريبا عن أحداث الإنجيل بعد قصة الميلاد. فإنجيل مرقس الذي تجاهل قصة ~~الميلاد لا يأتي على ذكر مريم بالاسم إلا مرة واحدة عندما قال أهل الناصرة عن يسوع: ~~«أليس هذا النجار ابن مريم» (مرقس، 6: 3). أما يوسف فقد تجاهله مرقس تماما ولم يأت على ~~ذكره لا من قريب ولا من بعيد. وفي إنجيل متى أشار المؤلف إلى مريم بالاسم مرة واحدة، ~~وأشار إلى يوسف بصفته النجار دون ذكر اسمه، عندما أعاد صياغة قول أهل الناصرة الوارد ~~عند مرقس أعلاه بخصوص يسوع ليغدو على الشكل التالي: «أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه ~~تدعى مريم» (متى، 13: 55). وفي إنجيل لوقا يرد ms036 ذكر يوسف ومريم بعد قصة الميلاد مرة ~~واحدة فقط ولكن دون ذكر اسميهما، وذلك في قصته عن زيارة أسرة يسوع إلى أورشليم عندما ~~كان في سن الثانية عشر، وكيف افتقده أبواه ليجداه في الهيكل يناقش الشيوخ (لوقا، ~~4: 16-22). وبعد ذلك تغيب مريم تماما، أما يوسف فيرد ذكره مرة واحدة عندما قال أهل ~~الناصرة عن يسوع: «أليس هذا ابن يوسف» (لوقا، 4: 23). # وفي إنجيل يوحنا وهو الإنجيل الثاني بعد مرقس الذي تجاهل قصة الميلاد، يرد ذكر يوسف ~~بالاسم مرتين في معرض الإشارة إلى يسوع على أنه ابن يوسف ولكن دون أي معلومات أخرى عن ~~هذه الشخصية الغامضة. (يوحنا، 1: 45 و6: 48). أما مريم فلم يرد ذكرها بالاسم، وإنما ~~بصيغة «أم يسوع» وذلك في موضعين فقط. فقد ورد ذكرها في مطلع الإنجيل في قصة تحويل يسوع ~~الماء إلى خمر في بلدة قانا الجليل: «وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم ~~يسوع هناك، ودعي يسوع وتلاميذه إلى العرس، ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم ~~خمر. فقال لها يسوع: ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأت ساعتي بعد. فقالت أم يسوع للخدم: مهما ~~قال لكم فافعلوه» (يوحنا، 2: 1-5). # في هذا الحوار الذي قدمه لنا يوحنا، لدينا دليل على الدفء المفقود بين يسوع وأمه، ~~وذلك في قوله لها: «مالي ولك يا امرأة». وهذا ما نلاحظه أيضا في مشاهد لاحقة: «فبينما ~~هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته خارجا طالبين أن يكلموه، فقال له واحد: هو ذا أمك ~~وإخوتك واقفون خارجا يطلبون أن يكلموك. فقال له: ~~من هي أمي ومن هم إخوتي؟ ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وها إخوتي، لأن من ~~يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي» (متى، 12: 46-50). ولعل في هذا ~~التعليق من قبل يسوع إشارة خفية إلى أن أسرته لم تكن قد آمنت به بعد. ويؤكد لنا هذا ما ~~أورده إنجيل مرقس من أن أسرة يسوع جاءت للقبض عليه لأنهم اعتبروه فاقد الرشد: «ولما ms037 سمع ~~أقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا إنه مختل» (مرقس، 3: 21). وبعد بضع فقرات من الإصحاح ~~نفسه يقول لنا مرقس: «فحينئذ جاء إخوته وأمه ووقفوا خارجا يطلبونه ... إلخ. مما ورد عند ~~متى في المقتبس السابق» (مرقس، 3: 31-35). ونحن لا نستطيع هنا إلا أن نربط بين الخبر ~~الأول وهذا الخبر الثاني. فأسرة يسوع قد خرجت أولا للقبض عليه، وعندما عرفوا مكانه ~~جاءوا ووقفوا خارج البيت يطلبونه. كما نلاحظ الدفء المفقود بين يسوع وأسرته في مشهد آخر ~~صدر فيه عن يسوع تعليق مشابه لتعليقه الآنف الذكر: «وفيما هو يتكلم بهذا، رفعت امرأة ~~صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين رضعتهما. أما هو فقال: ~~بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه» (لوقا، 11: 27-28). # بعد عرس قانا لا تظهر مريم في إنجيل يوحنا إلا في مشهد الصلب: «وكانت واقفات عند صليب ~~يسوع: أمه، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية» (يوحنا، 19: 25). فأين كانت مريم ~~خلال مدة السنتين اللتين استغرقتهما حياة يسوع التبشيرية في إنجيل يوحنا؟ ولماذا لم تكن ~~بين النسوة اللواتي تبعن يسوع من الجليل ورافقنه في حله وترحاله؟ # في بقية أسفار العهد الجديد البالغ عددها سبعة وعشرين سفرا، لا يرد ذكر يوسف ~~النجار، بينما يرد ذكر مريم مرة واحدة في سفر أعمال الرسل؛ حيث يقول لنا المؤلف في ~~الإصحاح الأول بأن التلاميذ في أورشليم بعد صعود يسوع: «كانوا يواظبون على الصلاة مع ~~النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته» (الأعمال، 1: 14). وبعد ذلك يصمت مؤلف سفر الأعمال عن ~~مريم صمتا تاما، الأمر الذي يدل على أن هذا الخبر العابر هو إضافة لاحقة على النص ~~الأصلي لسفر الأعمال؛ لأن مؤلف سفر الأعمال هذا هو لوقا نفسه الذي تجاهل في إنجيله ~~وجود مريم إلى جانب يسوع خلال حياته التبشيرية، فهي لم تكن بين النسوة اللواتي ~~تبعنه، ولم تكن موجودة عند القبض عليه ولا عند محاكمته ولا في مشهد الصلب، كما لم ~~يرد ذكرها بين الذين شهدوا ظهورات يسوع بعد قيامته. وبالتالي فإنه من المستبعد أن ms038 ~~يكون لوقا هو الذي جاء بمريم فجأة إلى مسرح الحدث، ثم جعلها تختفي بالطريقة التي ظهرت ~~بها. ~~(2) النسب # هذا المأزق المتعلق بنقص المعلومات عن حياة يسوع قبل ظهوره العلني بعد تعمده بماء ~~الأردن على يد يوحنا المعمدان وهو في نحو الثلاثين من عمره، هو الذي دفع متى ولوقا ~~إلى ابتكار سلسلة نسب ليسوع تربطه بالملك داود، وإيرادهما لقصة ميلاد لا تحتاج إلى ~~الوثائق لأنها تستخدم لغة ميثولوجية من أجل التعبير عن حقائق إيمانية وليس عن حقائق ~~تاريخية. # يستهل متى إنجيله بمقدمة عن نسب يسوع من ناحية يوسف النجار، فيعرض لنا سلسلة تبتدي ~~بإبراهيم الأب الأول للشعب العبراني، وفي الوسط تمر بالملك داود، ثم تنتهي بيوسف: ~~«كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم: إبراهيم ولد إسحاق، وإسحاق ولد ~~يعقوب، ويعقوب ولد يهوذا وإخوته ... إلخ ... وأليعازر ولد متان، ومتان ولد يعقوب، ~~ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح» (متى، 1: 1-26). ~~أما لوقا فلم يستهل إنجيله بسلسلة نسب يسوع وإنما أطلعنا عليها بعد ابتداء يسوع ~~بكرازته، وذلك في الإصحاح الثالث حيث نقرأ: «ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة. ~~وهو على ما كان يظن: ابن يوسف، بن هالي، بن متثات بن لاوي بن ملكي ... إلخ ... بن شيت بن ~~آدم، ابن الله» (لوقا، 3: 23-24). وبمقارنة بداية سلسلة لوقا المعكوسة مع نهاية سلسلة ~~متى نجد أن يوسف النجار عند لوقا هو: ابن عالي بن متثات بن لاوي. أما عند متى فهو: ~~ابن يعقوب بن متان بن عازر. أي إن متى ولوقا لم يتفقا من حيث البداية على اسم الجد ~~المباشر ليسوع، ولا على أسماء أصوله الأقربين، ثم يتابع لوقا بعد ذلك سلسلته في خط ~~مختلف تماما عن متى، حتى لكأننا أمام سلسلتي نسب لشخصيتين مختلفتين تماما، وذلك ~~وصولا إلى الملك داود حيث تعود السلستان إلى الاتفاق وتصلان إلى إبراهيم؛ لأن كلا ~~المؤلفين يعتمدان هنا سلسلة الأنساب التوراتية الواردة في سفر التكوين. وعند إبراهيم ~~تنتهي سلسلة متى بينما يتابع ms039 لوقا منفردا وصولا إلى آدم: «ابن إبراهيم، بن تارح، بن ~~ناحور ... إلخ ... ابن شيت بن آدم، ابن الله». وبذلك فإن سلسلة لوقا تقوض نفسها بنفسها ~~لأنها ابتدأت بالقول: «وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي»، وانتهت بالقول: «بن شيت ~~بن آدم ابن الله؟» وذلك مثلما تقوض سلسلة متى نفسها أيضا عندما انتهت بالقول: «ومتان ~~ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع»، ولم تقل: «ومتان ولد يوسف، ويوسف ولد ~~يسوع». فالسلسلتان لا معنى لهما لأنهما لا تعترفان بأبوة يوسف ليسوع، وهذا يستدعي ~~منطقيا عدم وجود رابطة نسب بين يسوع والملك داود الجد الأعلى ليوسف، وبالتالي فلا ~~معنى للقب ابن داود الذي يطلقه كل من متى ولوقا على يسوع. # فإذا جئنا إلى رواية الحبل العذري والميلاد عند متى ولوقا، نجدهما على ما تبينه ~~المقارنة التالية يتابعان ما بدآه من اختلاف في النسب. ~~(3) الحبل العذري # رواية متى ~~«أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن ~~يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم يشأ أن ~~يشهرها أراد تخليتها سرا. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور، إذا ملاك الرب ~~قد ظهر له في حلم قائلا: يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي ~~تحمله هو من الروح القدس، فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم، ~~وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ~~ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما ~~أمره الملاك وأخذ امرأته، ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر» (متى، ~~1: 18-25). # رواية لوقا # يبتدئ لوقا روايته بقصة الكاهن زكريا وكيف حملت زوجته أليصابات قريبة مريم بشكل ~~إعجازي وهما في سن الشيخوخة بيوحنا المعمدان. ثم يقطع روايته وأليصابات في شهرها ~~السادس ليقص لنا عن الحبل العذري لمريم: ~~«وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة ms040 من الجليل ~~اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء ~~مريم، فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيتها المنعم عليها، الرب معك، ~~مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه ~~التحية. فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنك قد وجدت نعمة عند الله، ~~وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي ~~يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد. ~~فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟ فأجابها الملاك: ~~الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك ~~يدعى ابن الله. وهو ذا نسيبتك أليصابات هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها، ~~وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا، لأنه ليس شيء غير ممكن لدى ~~الله. فقالت مريم: هو ذا أنا أمة الرب، ليكن لي كقولك. فمضى من عندها ~~الملاك. فقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا ~~(= أورشليم)، ودخلت بيت زكريا وسلمت على أليصابات. فلما سمعت أليصابات ~~سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس، وصرخت ~~بصوت عظيم وقالت: مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك، فمن أين لي هذا ~~أن تأتي أم ربي إلي؟ ... إلخ» (لوقا، 1: 26-44). بعد ذلك تمكث مريم عند ~~زكريا وأليصابات نحو ثلاثة أشهر ثم تعود إلى بيتها. # من مقارنة هاتين الروايتين نخرج بالملاحظات التالية: ~~(1) # يحيط الغموض التام بالشخصيتين الرئيسيتين يوسف ومريم. ويبدو أن ~~المؤلفين لا يعرفان عنهما سوى الاسم فقط، ولا شيء آخر عن الأسرة ~~والوالدين والوضع الاجتماعي. وعلى عكس الرأي الشائع بأن يوسف كان يعمل ~~نجارا، فإن المعطيات النصية غير واضحة بهذا الخصوص. فروايتا الميلاد ~~لا تذكران شيئا عن مهنة يوسف رجل مريم. أما المواضع الأخرى التي جرى ~~التعويل عليها لوصف يوسف بالنجار فمتضاربة بهذا الخصوص؛ فمرقس الذي ~~تجاهل وجود يوسف تماما قد وصف يسوع نفسه بالنجار عندما قال على ms041 لسان ~~أهل الناصرة: «أما هو النجار ابن مريم» (6: 3). أما متى فقال: «أما ~~هو ابن النجار» (13: 55). بينما قال لوقا: «أما هو ابن يوسف» (4: 23). ~~وكذلك فعل يوحنا الذي وصف يسوع مرتين بابن يوسف دون أن يأتي على ذكر ~~النجار (يوحنا، 1: 45، و6: 42). وبذلك تقف شهادة متى عن يوسف بأنه ~~نجار وحيدة ومن دون مؤيد من بقية الأناجيل. وقد ناقش بعض الباحثين بأن ~~كلمة # Tekon # الواردة في النص اليوناني ~~للأناجيل هي المعادل للكلمة الآرامية «ن ج ا ر» في لغة فلسطين المحكية ~~في ذلك الزمان، والتي تعني كما في العربية من يمتهن النجارة. ولكن هذه ~~الكلمة الآرامية قد وردت أكثر من مرة في أدبيات التلمود في معرض ~~الإشارة إلى الشخص المتعلم والمثقف، وهذا الاستخدام ربما يعكس واقع ~~استخدامها الأدبي في اللغة الآرامية التي لم يتوفر لدينا الكثير من ~~نصوصها الأدبية. وعلى ذلك فربما لم يكن يوسف نجارا على الإطلاق، ولا ~~يسوع كذلك. # 1 ~~(2) # الموطن الأصلي لكل من يوسف ومريم هو الجليل عند لوقا، أما عند ~~متى فهو بيت لحم في مقاطعة اليهودية قرب أورشليم. وسوف نرى فيما بعد ~~كيف جاء لوقا بيوسف ومريم إلى بيت لحم من أجل إتمام النبوءة التوراتية ~~بخصوص ميلاد المسيح المنتظر. ~~(3) # يلعب يوسف الدور الرئيسي في قصة متى التي تقدمه كرجل حكيم عاقل ~~تصرف بهدوء عندما اكتشف أن خطيبته مريم حبلى. وعلى عكس المتوقع فإن ~~الملاك جبرائيل يظهر له في الحلم لا لمريم، ويبشره بالمولود ويطلب ~~منه الاحتفاظ بخطيبته لأن الذي تحمله هو من الروح القدس، وأن عليه أن ~~يسميه يسوع. أما عند لوقا فإن الدور الرئيسي تلعبه مريم، والملاك ~~يظهر لها في اليقظة لا في المنام، ويدخل عليها كأي زائر عادي فيلقي ~~السلام ويبشرها بالمولود الذي ستحبل به من الروح القدس. بعد ذلك نجد ~~مريم تعيش حياتها بحرية؛ فبعد سماعها خبر حمل قريبتها أليصابات، تترك ~~مدينتها في الجليل وتسافر وحيدة لزيارة أليصابات في مقاطعة اليهودية ~~قاطعة مسافات طويلة ووعرة وشاقة؛ حيث مكثت عندها ثلاثة أشهر ثم عادت ~~إلى الناصرة. ms042 وخلال كل هذه الأحداث لا نعثر ليوسف على أثر، ولا نعرف ~~كيف عرف بخبر الحمل ولا عن ردة فعله تجاه ذلك. ثم نجدهما بعد ذلك ~~قادمين إلى بيت لحم حيث وضعت مريم مولودها. ~~(4) # في بشارة الملاك ليوسف في إنجيل متى يوصف يسوع بأنه الذي «يخلص ~~شعبه من خطاياهم». أما عند لوقا فيوصف بأنه الذي «يعطيه الرب الإله ~~كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد.» أي إن متى يبشر ~~بمسيح روحاني، أما لوقا فيبشر بمسيح سياسي. ~~(5) # يقتبس متى من سفر إشعيا التوراتي 7: 14 عندما يقول: «لكي يتم ما ~~قيل بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه ~~عمانوئيل». ثم يضيف من عنده: «الذي تفسيره الله معنا». ومتى هنا شأنه ~~شأن بقية مؤلفي الأناجيل يعتمد على الترجمة اليونانية للتوراة ~~والمعروفة باسم «السبعينية». وهذه الترجمة، كما يقر الآن جميع علماء ~~التوراة، قد أخطأت بإيجاد المعادل اليوناني لكلمة # Almah # التي استخدمها مؤلف سفر ~~إشعيا والتي تعني بالعبرية فتاة صغيرة، وقالت Parthenus # أي فتاة عذراء. وعليه ~~فإن الآية إياها في الأصل العبري ينبغي أن تقرأ على الشكل التالي: «هو ~~ذا الفتاة الصغيرة (= ألمه) تحبل وتلد ابنا ... إلخ.» وهذا يعني أن ~~شهادة سفر إشعيا عن ولادة المسيح من عذراء لا أساس لها في النص العبري ~~لسفر إشعيا، ولا في بقية ترجمات التوراة إلى اللغة اليونانية، واللاحقة ~~على السبعينية، والتي استخدمت في الواقع كلمة # Neanis # أي فتاة صغيرة باليونانية، ~~مقابل Parthenus # أي عذراء. # 2 ~~(6) # يقول متى: إن يوسف قد أخذ مريم كما أمره الملاك بعد أن كان ~~عازما على تخليتها، «ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر، ودعا اسمه ~~يسوع». وكلمة «يعرفها» هنا تدل على الخلوة الجنسية، وبما أن المعنى ~~المباشر لهذه الآية يدل على أن يوسف لم يختل بمريم قبل الولادة، ~~ولكنه ربما اختلى بها بعد الولادة، فإن القائمين على الترجمة ~~الكاثوليكية الجديدة إلى العربية (منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ~~1969م)، قد عمدوا إلى إعادة صياغة جملة «ولم يعرفها حتى ولدت ابنها ~~البكر»، وقالوا: ms043 «على أنه لم يعرفها. فولدت ابنا فسماه يسوع». ~~(4) قصة الميلاد # إن قصة ميلاد يسوع غائبة عن أول الأناجيل وهو إنجيل مرقس، وكذلك عن آخرها وهو إنجيل ~~يوحنا. وهذا ما دعا معظم الباحثين في العهد الجديد إلى اعتبارها إضافة لاحقة دبجها ~~متى ولوقا كل على طريقته. # رواية متى # بعد أن ختم متى في الإصحاح الأول قصة الحبل العذري بقوله: «وأخذ امرأته ولم ~~يعرفها حتى وضعت ابنها البكر، ودعا اسمه يسوع»، يستهل قصة الميلاد في الإصحاح ~~الثاني فيقول: ~~«ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودوس الملك، إذا مجوس من ~~المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإنا ~~رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودوس الملك اضطرب ~~وجميع أورشليم معه، فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: أين يولد ~~المسيح؟ فقالوا له: في بيت لحم اليهودية، لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا ~~بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى ~~شعبي إسرائيل. # حينئذ دعا هيرودوس المجوس سرا وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر، ثم ~~أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي، ومتى وجدتموه ~~فأخبروني لكي آتي أنا أيضا وأسجد له. فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا ~~النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق، حيث كان الصبي. فلما ~~رأوا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا وأتوا إلى البيت ورأوا الصبي مع مريم ~~أمه، فخروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له ذهبا ولبانا ومرا، ~~ثم إذ أوحي إليهم في حلم ألا يرجعوا إلى هيرودوس، انصرفوا في طريق أخرى ~~إلى كورتهم. # وبعدما انصرفوا، إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا: قم وخذ الصبي ~~وأمه واهرب إلى مصر وكن هناك حتى أقول لك؛ لأن هيرودوس مزمع أن يطلب الصبي ~~ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلا وانصرف إلى مصر، وكان هناك إلى وفاة ~~هيرودوس، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: ومن مصر ms044 دعوت ابني. ~~حينئذ لما رأى هيرودوس أن المجوس سخروا به غضب جدا، فأرسل وقتل جميع ~~الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون، بحسب ~~الزمان الذي تحققه من المجوس. حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل: صوت ~~سمع في الرامة، نوح وبكاء وعويل كثير، راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن ~~تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين. # فلما مات هيرودوس، إذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا: قم ~~وخذ الصبي وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس ~~الصبي. فقام وأخذ الصبي وأمه وجاء إلى أرض إسرائيل. ولكن لما سمع أن ~~أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودوس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك. ~~وإذ أوحي إليه في حلم انصرف إلى نواحي الجليل وأتى وسكن في مدينة يقال لها ~~ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا.» (متى، 2: ~~1-23) # رواية لوقا # بعد أن ينتهي لوقا من سرد قصة ميلاد يوحنا المعمدان التي شبكها مع قصة ميلاد ~~يسوع في إصحاحه الأول، ينتقل إلى القول: ~~«وفي تلك الأيام صدر أمر من أغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة، وهذا ~~الاكتتاب جرى إذ كان كيرينيوس والي سوريا. فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد ~~إلى مدينته. فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى ~~مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم ~~امرأته المخطوبة وهي حبلى. وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد، فولدت ابنها ~~البكر وقطمته وأضجعته في المذود؛ إذ لم يكن لهما موضع في المنزل (= النزل، ~~الفندق، الخان). # وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ~~ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفا عظيما. فقال ~~لهم الملاك: لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لكل الشعب، أنه قد ~~ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب، وهذه لكم العلامة، ~~تجدون طفلا مقمطا مضجعا في ms045 مزود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند ~~السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ~~وبالناس المسرة. ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء، قال الرعاة بعضهم ~~لبعض: لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. ~~فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في مزود. فلما رأوه أخبروا ~~بالكلام الذي قيل لهم عن الصبي، وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من ~~الرعاة. وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها. ثم رجع ~~الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه، ورأوه كما قيل ~~لهم. # ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل ~~أن حبل به في البطن، ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا إلى ~~أورشليم ليقدموه للرب، كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم ~~يدعى قدوسا للرب، ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب، زوج يمام أو ~~فرخي حمام ... ولما أكملوا كل شيء حسب ناموس الرب رجعوا إلى الجليل إلى ~~مدينتهم الناصرة، وكان الصبي ينمو ويتقوى بالروح ممتلئا حكمة، وكانت ~~نعمة الرب عليه.» (لوقا، 2: 1-40) # من قراءة هاتين الروايتين اللتين لا تتفقان إلا في عنصر الولادة في بيت لحم، ~~نتوصل إلى الملاحظات التالية: ~~(1) # على الرغم من أن الروايتين تشتركان في عنصر الولادة في بيت لحم؛ لأن ~~المسيح في النبوءات التوراتية يولد في هذا المدينة، إلا أن متى الذي ~~ينكر الأصل الجليلي للعائلة المقدسة ويجعل من بيت لحم موطنها الأصلي، ~~يقول لنا بأن الولادة حصلت بشكل طبيعي في بيت العائلة، وذلك في عهد ~~الملك هيرود الكبير الذي جعله الرومان ملكا على فلسطين وحكم من عام 37 ~~إلى عام 4ق.م. وعليه فإن من المرجح أن ميلاد يسوع وفق رواية متى ~~قد حصل نحو عام 6ق.م. أي قبل وفاة هيرود بعامين. أما لوقا الذي جعل من ~~ناصرة الجليل الموطن الأصلي للعائلة في قصة الميلاد العذري، فقد جاء ~~بيوسف ms046 ومريم من الناصرة إلى بيت لحم بداعي الإحصاء السكاني الذي أمر به ~~الإمبراطور أوغسطس عندما كان كيرينيوس واليا على سوريا. وبدلا من ~~ولادة مريم في بيت الأسرة في بيت لحم، يجعلها لوقا تلد خارج أحد ~~الخانات على مشارف بيت لحم وتضجع مولودها في مزود لعلف الحيوانات، ~~وذلك لعدم وجود مكان لهما في الخان بسبب كثرة الواردين إلى المدينة من ~~أجل الاكتتاب. وبما أن المعلومات التاريخية تقول لنا بأن السلطات ~~الرومانية عينت كيرينيوس واليا على سوريا عام 6م، وفي عهده جرى مثل ~~هذا الإحصاء الذي كان يهدف أساسا إلى إحصاء المكلفين ضريبيا، # 3 # فإن ميلاد يسوع وفق رواية لوقا يجب أن يكون في عام 6م، أي ~~بعد التاريخ الذي نستنتجه من رواية متى باثنتي عشرة سنة. وهنالك نقطة ~~تستحق التوقف عندها فيما يتعلق بإحصاء كيرينيوس، فإذا كان هذا الإحصاء ~~قد جرى لغاية محددة تتعلق بالتكليف الضريبي للمواطنين، فقد كان الأحرى ~~بيوسف أن يبقى في مكان إقامته ومقر عمله لا أن يمضي إلى بيت لحم موطن ~~أجداده. ~~(2) # يقحم متى على رواية الميلاد مجوس آتين من الشرق رأوا نجم ولادة ~~المسيح فتبعوه لكي يأتوا ويسجدوا له. وكانت صفة المجوس في ذلك الوقت ~~تطلق على الحكماء المتضلعين بالفلك وعلوم التنجيم، وعندما سمع هيرود ~~بخبر ميلاد المسيح ملك اليهود اضطرب من ظهور منافس له على العرش، فدعا ~~العارفين بالكتب وسألهم أين يولد المسيح، فقالوا له في بيت لحم. وهنا ~~يقتبس متى من سفر ميخا التوراتي نبوءته بخصوص ميلاد المسيح في بيت ~~لحم (راجع ميخا، 5: 2) بعد تحويرها على طريقته، فقال: «وأنت يا بيت لحم ~~أرض يهوذا ... منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل.» هذا وتتجلى اللغة ~~الميتولوجية التي استخدمها متى في قصة الميلاد بأوضح أشكالها عندما ~~جعل النجم يقود المجوس إلى بيت يوسف حتى وقف فوقه. ونحن هنا لا يمكن ~~إلا أن نتساءل كيف يمكن لنجم يبعد عن الأرض مسافات تقاس بالسنوات ~~الضوئية أن يشير إلى بيت بعينه في بلدة صغيرة على الكرة ~~الأرضية؟ ~~(3) # يتحول مجوس متى ms047 الذين رأوا نجم ملك اليهود في المشرق وتبعوه، إلى ~~رعاة عند لوقا كانوا يحرسون غنمهم في الليل عندما ظهر لهم ملاك ~~وبشرهم بميلاد المخلص في بيت لحم، وهنا يضيف لوقا على هذا المشهد ~~الميثولوجي عناصر تجعله أكثر فخامة، عندما ينضم إلى الملاك حشد ~~كبير من جند السماء يسبحون الله. ~~(4) # عندما تأكد لهيرود في رواية متى عدم قدرته على معرفة هوية الطفل ~~بعد أن خدعه المجوس، أمر بقتل جميع المواليد في بيت لحم، ولكن الملاك ~~أمر يوسف أن يأخذ زوجته وطفلها ويسافر بهما إلى مصر، ففعل ذلك تحت جنح ~~الظلام، وأقام في مصر مدة غير محددة حتى أمره الملاك بالعودة لأن هيرود ~~قد مات. وعندما وصل إلى الوطن عرف أن فلسطين قد قسمت إلى عدة ولايات ~~بعد وفاة ملكها، وأن أرخيلاوس ابنه قد صار ملكا على مقاطعة اليهودية، ~~فخاف من الإقامة في بيت لحم، وتوجه إلى الجليل حيث سكن في مدينة ~~الناصرة . وبذلك يفسر متى كون يسوع جليليا على الرغم من ولادته في ~~بيت لحم. # وفي الحقيقة، فإن التاريخ قد حفظ لنا الكثير من مآثر هيرود الكبير ~~ومن فظائعه وجرائمه التي لا تحصى أيضا، ومنها قتل العديد من أفراد ~~أسرته نفسها، ولكن مذبحة مواليد بيت لحم لم تحصل بالتأكيد ولم يتوفر ~~لدينا شاهد تاريخي على وقوعها. أما غرض متى من ابتكار هذه القصة ~~فلاهوتي بالدرجة الأولى، لأنه أراد أن يجعل من يسوع موسى الثاني، ومن ~~هيرود صنوا لفرعون. وكما أمر فرعون بقتل جميع مواليد العبرانيين من ~~الذكور ولكن موسى الطفل نجا وحده عندما وضعته ~~أمه في سفط من البردي وأسلمته إلى ~~النهر (سفر الخروج: 1-2)، كذلك فعل هيرود بمواليد بيت لحم ولكن يسوع ~~وحده نجا. ويستشهد متى بآية من سفر هوشع تقول: «ومن مصر دعوت ابني» ~~ليفسر بها سفر يسوع إلى مصر وعودته منها، علما بأن هوشع هنا لم يكن ~~يتحدث عن دعوة المسيح من مصر، وإنما عن دعوة بني إسرائيل المستعبدين ~~هناك. والنص الكامل للآية التي أوردها متى مجتزأة هو: ms048 «لما كان ~~إسرائيل غلاما أحببته، ومن مصر دعوت ابني» (هوشع، 11: 1). ~~(5) # بما أن لوقا قد جعل ميلاد يسوع بعد مضي عشر سنوات على وفاة الملك ~~هيرود، فإن قصة مذبحة الأطفال والهرب إلى مصر، لم يكن لها مكان في ~~روايته التي سارت أحداثها بعد الميلاد بشكل روتيني. فقد انتظر الوالدان ~~مدة ثمانية أيام وهي الفترة اللازمة لطهارة الوالدة بعد الوضع، ثم ختنا ~~الطفل وذهبا إلى الهيكل؛ حيث قدما قربانا عنه حسب شريعة موسى ثم ~~رجعوا إلى الجليل. وبعد ذلك ينفرد لوقا بذكر قصة لم ترد في بقية ~~الأناجيل. فعندما كان يسوع في سن الثانية عشرة، قامت العائلة بزيارة ~~أورشليم في عيد الفصح، وهناك افتقد الوالدان يسوع ولم يجداه فراحا ~~يبحثان عنه في كل مكان حتى عثرا عليه في الهيكل يجادل الشيوخ مفصحا عن ~~حكمة لا تتوفر عادة لمن هم في سنه (لوقا، 2: 41-50). # هذا كل ما لدينا في الأناجيل الرسمية عن أسرة يسوع وميلاده وحياته حتى بلوغه ~~الثلاثين من العمر. أما أناجيل الطفولة المنحولة والتي لم تعترف بها الكنيسة، فلم ~~تزد على معلوماتنا أي جديد؛ لأنها اعتمدت روايتي متى ولوقا، وأضافت عليها الكثير ~~من العناصر الميثولوجية. وبما أن هذه الأناجيل قد دونت بعد الأناجيل الأربعة ~~بزمن طويل، وذلك فيما بين أواسط القرن الثاني الميلادي وأواسط القرن الرابع، فإنه ~~من غير المحتمل أن يكون مؤلفوها قد اعتمدوا مصادر لم تكن متوفرة زمن تدوين ~~الأناجيل الرسمية. ولكن عنصرا واحدا في هذه الأناجيل يستحق التوقف عنده؛ لأنه ~~يقدم لنا رواية ثالثة عن مكان ولادة يسوع، الذي لم يولد لا في بيت عادي من بيوت ~~بيت لحم ولا في خان على مشارفها، وإنما على الطريق قبل الوصول إلى بيت لحم. # فعلى ما ورد في إنجيل يعقوب التمهيدي، فإن يوسف ينطلق مع زوجته الحبلى من أجل ~~الاكتتاب في بيت لحم، ولما انتصف بهم الطريق قالت له مريم: أنزلني عن الأتان الآن؛ ~~لأن الذي في بطني يضغط من أجل الخروج. فوجد يوسف هناك مغارة فأدخلها إليها ثم خرج ms049 ~~ليبحث عن قابلة، فالتقى في طريقه امرأة تطوعت لمساعدته بعد أن روى لها قصته وكيف ~~حبلت خطيبته من الروح القدس، وعندما وصلا إلى المغارة كانت مريم قد وضعت طفلها ~~وألقمته صدرها. فتقدمت المرأة وفحصتها فوجدتها ما زالت عذراء بعد الولادة. # 4 # ولا أدل على تأثير هذه القصة في نفوس المسيحيين الأوائل، على الرغم من تعارضها ~~مع قصة الميلاد الرسمية فيما يتعلق بعنصر المغارة، من أن الإمبراطورة هيلانة قد بنت ~~كنيسة المهد فوق مغارة في بيت لحم كان الموروث الشعبي يعتقد أنها مغارة الميلاد، ~~وذلك عام 330م. وما زالت هذه الكنيسة قائمة حتى الآن. وفي هذه الحادثة دلالة ذات ~~أهمية على أن الحدود لم تكن واضحة في أذهان المسيحيين بين الأناجيل الرسمية والأخرى ~~المنحولة حتى ذلك الوقت المتأخر. ومن الجدير بالذكر أن مشهد الولادة في مغارة بقي ~~شائعا في الرسوم الدينية المسيحية وصولا إلى يومنا هذا؛ حيث نجد مجسمات مصغرة ~~لهذا المشهد في واجهات المحال التجارية خلال أسبوع الميلاد في أوروبا ~~وأميريكا. # من كل ما تقدم نخلص إلى نتيجة مفادها أن مؤلفي إنجيلي متى ولوقا لم يكن بين ~~أيديهما معلومات بخصوص ميلاد يسوع وطفولته وشبابه، وأنهما ردما هذه الفجوة بقصة ~~استلهمت عناصرها الرئيسية من القصص الديني الشائع شرقا وغربا عن ميلاد الطفل ~~المؤله من عذراء. وهذا ما نجده في قصص ميلاد بوذا، والإله آتيس الذي غزا روما ~~قادما من الشرق، والإله أدونيس السوري، والإله الفارسي ميثرا، والمخلص الزرداشتي ~~شاوشيانط الذي سيظهر في نهاية التاريخ، عندما تحبل به عذراء تنزل للاستحمام في مياه ~~إحدى البحيرات حيث تتسرب إلى رحمها بذور زرادشت التي حفظت هناك منذ القدم. ~~وقائمة هؤلاء المولودين من عذراء طويلة، وتتطلب بحد ذاتها دراسة مستقلة تبحث في ~~منشئها وبواعثها الفلسفية والنفسية. # على أننا سوف نتوقف في المرحلة الثانية من هذا البحث لندقق في عنصرين من ~~عناصر قصة الميلاد الإنجيلية؛ وهما ولادته في بيت لحم اليهودية، وحياته الأولى في ~~مدينة الناصرة، لنرى أن ولادته في بيت لحم اليهودية مستبعدة، وأن مدينة ms050 الناصرة لم ~~يكن لها وجود في ذلك الزمان. # | مشكلة بيت لحم والناصرة # إن الصورة العامة التي تقدمها لنا جغرافية فلسطين هي صورة منطقة تتألف من بيئات ~~معزولة عن بعضها البعض. وقد انعكست هذه الجغرافية المتنوعة على الحياة السياسية، فكانت ~~فلسطين مقسمة على الدوام إلى عدد من الدويلات الصغيرة المستقلة. وتتجلى عزلة البيئات ~~الفلسطينية بشكل خاص في مناطق الهضاب، ونموذجها مرتفعات الجليل التي يفصلها وادي يزرعيل ~~العريض والخصب عن الهضاب المركزية (أي منطقة السامرة) ومرتفعات يهوذا. وتشير الشواهد ~~الأركيولوجية والتاريخية إلى أن صلات الجليل الثقافية والسياسية مع فينيقيا والعالم السوري ~~الأوسع كانت أقوى من صلاته مع المنطقة الفلسطينية. فإلى جانب اللقى الأثرية والبنى ~~المعمارية التي تشهد على مثل هذه الصلات، فقد ورد اسم مدينة حاصور عاصمة الجليل القديمة في ~~أكثر من عشرين رقيما ضمن أرشيف مدينة ماري السورية على الفرات الأوسط، والذي يرجع تاريخه ~~إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد. وتكشف لنا المعلومات الواردة في هذه الرقم عن أهمية ~~حاصور وعن علاقاتها الدولية الواسعة. # خلال عصر الحديد الأول والثاني (1200-587ق.م.) الذي شهد مولد وغياب مملكتي السامرة ~~ويهوذا، بقيت منطقة الجليل على عزلتها عن مناطق المرتفعات الأخرى وراء وادي يزرعيل (مرجع ~~ابن عامر)، ولا يوجد لدينا دليل على صلات ثقافية مع السامرة جارتها الجنوبية بل على العكس ~~من ذلك؛ فالفخاريات وغيرها من اللقى المكتشفة خلال هذا العصر تشير بقوة إلى تأثيرات ~~فينيقية وآرامية، ويبدو أن الجليل قد وقع تحت سيطرة مملكة صور آنا وتحت سيطرة مملكة دمشق ~~آنا آخر، ولم يقع تحت سيطرة مملكة السامرة إلا خلال ~~الهزيع الأخير من حياتها قبل دمارها على يد الآشوريين عام 721ق.م. ولهذا فقد قام الآشوريون ~~بتهجير قسم كبير من سكانه مع من هجروا من أهل السامرة وأحلوا محلهم سكانا من مناطق ~~أخرى. # تنقصنا المعلومات عن الجليل خلال العصر الفارسي، أما خلال العصر الهيلينستي والروماني فقد ~~تهلين الجليل مثلما تهلينت فينيقيا والسامرة وشرقي الأردن، ونشأت فيه مدن جديدة بنيت ~~وفق المفاهيم المعمارية والاجتماعية اليونانية، أهمها مدينتا ms051 تيبرياس (طبرية) وسيفوريس. ~~وقد كان التركيب الإثني لهذه المدن متنوعا؛ فقد احتوت على ذخيرة أساسية من السكان ~~الأصليين القدماء، وعلى شرائح أخرى تم تهجيرها إلى الجليل من قبل الآشوريين، وعلى ~~جاليات يونانية. أما الديانة السائدة في الجليل فقد كانت كنعانية تقليدية تم تطعيمها بعناصر ~~يونانية بعد مطابقة الآلهة المحلية مع الآلهة اليونانية. ولهذا يطلق مؤلف إنجيل متى على ~~هذه المنطقة اسم جليل الأمم (متى، 4: 15). ومتى هنا يستخدم تعبير «الأمم» بالمعنى ~~التوراتي في الإشارة إلى الشعوب غير اليهودية. # لكل هذه الأسباب مجتمعة فإن الجليل لم يحتو حتى أواسط القرن الثاني إلا على جالية يهودية ~~قليلة العدد، وكان الجليليون ينظرون بعداوة إلى هؤلاء ويعتبرونهم جسما دخيلا على المجتمع ~~الجليلي، وعندما ثارت مقاطعة اليهودية على الحكم السلوقي ونجح يهوذا المكابي في طرد الحامية ~~السلوقية من أورشليم عام 164ق.م. وجد الجليليون في ذلك مناسبة للتخلص من اليهود، وهذا ما ~~دفع بيهوذا المكابي إلى إرسال نجدة عسكرية أجلتهم عن الجليل وجاءت بهم إلى أورشليم (راجع ~~سفر المكابين الأول في الترجمة الكاثوليكية، 5: 14-23). ولكن الوضع تغير بعد بضعة عقود ~~عندما تحولت مقاطعة اليهودية إلى مملكة مستقلة وراح حكامها من الأسرة المكابية يوسعون ~~مناطق نفوذهم، فقام الملك أرسطو بولس الأول بضم الجليل إلى أملاكه نحو عام 100ق.م. وفرض ~~الدين اليهودي على سكانه بقوة السلاح. ومع ذلك فقد بقي الدين اليهودي بمثابة قشرة سطحية ~~تعلو الثقافة والمجتمع في الجليل، والمراجع اليهودية ملأى بالإشارة إلى قلة دين الجليليين ~~وجهلهم بالطقوس والواجبات الدينية اليهودية. # بعد دخول الرومان إلى سوريا واستيلائهم على أورشليم عام 63ق.م. تفككت دولة المكابيين، ~~وساد جو من التسامح الديني الذي شجع الكثيرين من سكان الجليل على الارتداد عن اليهودية ~~والعودة إلى دين آبائهم، لا سيما في عهد هيرود الكبير ~~(أو هيرود العربي كما كان يلقب) الذي عينه الرومان ملكا على منطقتي فلسطين وشرقي ~~الأردن، والذي شجع الديانات المحلية على التعبير عن نفسها وبنى لها معابد لآلهتها التقليدية ~~القديمة. وهذا يعني أن الجليل لم يقع تحت سيطرة الثقافة ms052 اليهودية إلا لفترة قصيرة من الزمن، ~~وأن من بقي على اليهودية في الجليل بعد الفتح الروماني لم يكن ينظر إلى نفسه كيهودي ~~أرثوذكسي، مثلما لم يعد يهوديا حقا من قبل أهل اليهودية. # هذه المقدمة عن تاريخ الجليل مهمة جدا لفهم الخلفية الثقافية التي كانت وراء رسالة ~~يسوع التي خرج بها عن الأعراف والشرائع والعقائد اليهودية. فلربما لم ينشأ يسوع في أسرة ~~يهودية، أو أن أسرته قد تهودت خلال فترة الحكم المكابي واستمرت على اليهودية الشكلية بحكم ~~العادة، أو كانت تنتمي إلى جماعة روحية من جماعات جبل الكرمل والمعروفة بطبيعتها الصوفية ~~ونزعتها العالمية. لقد نشأ يسوع في الجليل وعاش فيه طيلة حياته وبشر برسالته، وكان تلامذته ~~وأتباعه جليليين، وهو لم يذهب إلى أورشليم إلا في أواخر مسيرته التبشيرية حيث صلبه ~~اليهود. وهذا يستتبع منطقيا أن يكون قد ولد في الجليل لا في اليهودية. ولكن كيف يمكن ~~التوفيق بين هذه النتيجة وبين الأخبار التي أوردها كل من متى ولوقا عن ولادة يسوع في ~~بيت لحم؟ # في الحقيقة إذا كانت قصة الميلاد في بيت لحم ذات أصل تاريخي، فإن المدينة المرشحة لأن ~~تكون مكان الميلاد ليست بيت لحم اليهودية، وإنما مدينة أخرى في الجليل تحمل الاسم نفسه. ~~إن ما لا يعرفه الجميع، وما تم التعتيم عليه تاريخيا، هو وجود مدينة في الجليل تحمل اسم ~~بيت لحم تقع مقابل السفوح الشمالية الشرقية لجبل الكرمل، وقد كانت هذه المدينة قائمة ~~ومزدهرة خلال حياة يسوع، على ما بينته التنقيبات الأثرية التي أرجعت تاريخها إلى القرن ~~السابع قبل الميلاد. وقد عثرت البعثة الأثرية الإسرائيلية التي نقبت في الموقع على بقايا ~~كنيسة بيزنطية تعود بتاريخها إلى أواخر القرن الرابع الميلادي، ولكنها بنيت في موقع كنيسة ~~أقدم منها تعود بتاريخها إلى نحو عام 100م. وبيت لحم الجليل هذه تظهر في المصورات الجغرافية ~~القديمة ومنها مصور بطليموس الذي يرجع بتاريخه إلى نحو 150م. وقد تتالت على المدينة مراحل ~~خراب وهجران ثم بناء وازدهار طوال أكثر من ألفي سنة، وعند قيام ms053 دولة إسرائيل عام 1948م ~~استوعبت حدودها بيت لحم هذه مع معظم الجليل، وهي تظهر الآن في جميع الخرائط الحديثة لدولة ~~إسرائيل. وقد ورد في الموسوعة اليهودية الصادرة في ~~إسرائيل عام 1972م بخصوصها ما يلي: «إن بيت لحم الجليلية تقع في غرب الجليل، وهي قريبة من ~~قرية تيفون في سبط زبولون. وكانت في الماضي ضمن الأراضي التابعة لصور ... وفي سنة 1948م ~~سكنتها جالية ألمانية تابعة لجمعية الهيكل» (الجزء 4، ص750). # 1 # وقد عرف محررو التوراة بيت لحم الجليل، وفي الكتاب إشارات عديدة إليها. من ذلك ما أورده ~~محرر في سفر يشوع في معرض تعداده للمناطق التي وزعها يشوع على الأسباط وبينها بيت لحم التي ~~أعطيت لسبط زبولون (يشوع، 19: 10-16). وكما هو معروف فإن سبط زبولون في كتاب التوراة قد سكن ~~منطقة في الجليل الأدنى تقع إلى الشرق من جبل الكرمل. ومن ذلك أيضا ما ورد في سفر القضاة: ~~«وقضى يفتاح لإسرائيل ست سنين. ومات يفتاح الجلعادي، وقضى بعده لإسرائيل إبصان من بيت لحم ~~سبع سنين. ومات إبصان ودفن في بيت لحم، وقضى بعده لإسرائيل إيلون الزبولوني ...» وتعلق ~~الترجمة الكاثوليكية الجديدة، وتوراة أورشليم الفرنسية على هذا النص بقولها: «إن بيت لحم ~~التي يتحدث عنها السفر هنا هي بيت لحم زبولون، وهي التي ذكرها سفر يشوع 19: 15. وهي ~~بالقرب من الناصرة.» # اعتمادا على ذلك نستطيع القول بأن الأخبار التي تواترت إلى مؤلف إنجيل متى عن بيت لحم ~~بأنها الموطن الأصلي لأسرة يسوع ربما كانت صحيحة، إلا أن متى وجه أنظار قارئه إلى بيت ~~لحم يهوذا بدلا من بيت لحم الجليل لكي تنطبق على يسوع النبوءة التوراتية الواردة في سفر ~~ميخا عن ولادة المسيح فيها، فقال: «لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، ~~لست الصغرى بين رؤساء يهوذا؛ لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل» (متى، 2: 6). بينما ~~وردت نبوءة ميخا في نصها الأصلي على الشكل التالي: «أما أنت يا بيت لحم أفراته، وأنت صغيرة ~~أن تكوني بين ألوف يهوذا، ولكن منك يخرج لي ms054 الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ ~~القدم» (ميخا، 5: 2). # هذا ويطرح المكان الذي أمضى فيه يسوع طفولته وشبابه مشكلات لا تقل عن مشكلات مكان ~~ميلاده. فقد قال متى في نهاية قصته عن الميلاد: إن ~~يوسف بعد عودته من مصر خاف من العودة إلى بيت لحم، و: «انصرف إلى نواحي الجليل وأتى وسكن في ~~مدينة يقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل في الأنبياء إنه يدعى ناصريا» (2: 22-23). وهنا ~~نلفت النظر إلى أن اسم المدينة لم يرد في النص اليوناني بصيغة # Nasirah ~~(ناصرة-كما ورد في العربية) وإنما بصيغة # Nazareth ~~(نازاريت). أما النسبة إليها فقد وردت بصيغة # Nazoraios ~~(نازورايوس). وقد احتفظت الترجمات الأوربية ~~بصيغة # Nazareth # كاسم لمدينة يسوع ولكنها نسبت إليها بصيغة # Nazarene # الإنكليزية، وصيغة # Nazoreon # الفرنسية. وهنا تعلق الترجمة الكاثوليكية ~~الجديدة للآباء اليسوعيين (1989م) على عبارة متى «إنه سيدعى ناصريا» بقولها: ~~«ناصريا: يصعب علينا أن نعرف بدقة ما هو النص الذي يستند إليه متى من العهد القديم. ~~فاللفظ المستعمل ( # Nazoraos = ~~) لا يدل على أحد سكان الناصرة ~~ولا على أحد من شيعة الناصريين، بل كان متى يرى فيه (على ما يبدو) لفظا يعادل الجليلي ~~(قارن مع متى، 26: 69). ولربما أراد متى أن يشير باللفظة إلى قدوس الله المثالي، إلى ~~النذير أو المنذور لله، على ما نجده في سفر القضاة 13: 5». # وأغلب الظن أن تعبير # Nazoraios # اليوناني هو المعادل ~~لتعبير «النذير»، أو «المنذور» الوارد في التوراة، وهو واحد من جماعة النذيرين التي تنفرد ~~بأخلاقيات معينة وممارسات خاصة بهم؛ فهم لا يشربون الخمر أو أي شيء مصنوع من العنب، ولا ~~يحتكون لأي سبب بجثة ميت، ولا يقصون شعورهم، ويتبعون نظاما غذائيا صارما. وقد كان ~~شمشمون واحدا من هؤلاء النذيرين على ما نقرأ في سفر القضاة: «وكان رجل من صرعة من عشيرة ~~الدانيين اسمه منوح وامرأته عاقر لم تلد فتراءى ملاك الرب للمرأة وقال لها: ها أنت عاقر لم ~~تلدي، ولكنك تحبلين وتلدين ابنا. والآن فاحذري ولا تشربي خمرا ولا مسكرا ولا تأكلي شيئا ~~نجسا. فها أنت ms055 تحبلين وتلدين ابنا ولا يعلو موسى (= أداة الحلاقة) رأسه، لأن الصبي يكون ~~نذيرا لله من البطن، وهو يبدأ يخلص إسرائيل من يد الفلسطينيين» (القضاة، ~~13: 2-7). # ويرد ذكر هؤلاء النذيرين في مواضع عدة من كتاب التوراة، ومنها ما ورد في سفر النبي ~~عاموس في معرض تنديده بخطايا بني إسرائيل: «... وأنا أصعدتكم من أرض مصر وسرت بكم في البرية ~~أربعين سنة لترثوا أرض الأموري، وأقمت من بينكم أنبياء ومن فتيانكم نذيرين. أليس هكذا يا ~~بني إسرائيل يقول الرب؟ لكنكم سقيتم النذيرين خمرا وأوصيتم الأنبياء قائلين لا تتنبئوا» ~~(عاموس، 2: 10-12). وكان النبي الكبير صموئيل منذورا للرب من بطن أمه أيضا (صموئيل: 1). # ويتحدث النبي إرميا عن نفسه كنذير للرب من بطن أمه: «فكانت كلمة الرب إلي قائلا: قبلما ~~صورتك في البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدستك، جعلتك نبيا للشعوب. فقلت: آه يا ~~سيد الرب، إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي: لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من ~~أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. ومد الرب يده ولمس فمي وقال الرب لي : ها قد جعلت ~~كلامي في فمك» (إرميا، 1: 4-8). ونقرأ في سفر إشعيا على لسان المخلص الذي سيبعثه الرب لبني ~~إسرائيل مسيحا: «الرب من البطن دعاني، من أحشاء أمي ذكر اسمي، وجعل فمي كسيف حاد. في ظل ~~يده خبأني وجعلني سهما مبريا في كنانته أخفاني ... الرب جابلي من البطن عبدا له لإرجاع ~~يعقوب إليه فينضم إليه إسرائيل، فأتمجد في عيني الرب وإلهي يصير قوتي» (إشعيا، 49: ~~1-5). # ويقول الملاك لوالد يوحنا المعمدان عندما جاءه ببشارة حمل زوجته العاقر: «لا تخف يا زكريا ~~لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج ~~وكثيرون سيفرحون بولادته؛ لأنه يكون عظيما أمام الرب، وخمرا ومسكرا لا يشرب، ومن بطن أمه ~~يمتلئ من الروح القدس» (لوقا، 1: 13-15). وفي أناجيل الطفولة المنحولة نجد أن مريم العذراء ~~كانت نذيرة للرب أيضا. ففي إنجيل يعقوب التمهيدي تقول حنة أم ms056 مريم للملاك الذي بشرها ~~بالحبل: «حي هو الرب، إذا ما أنجبت ذكرا أو أنثى فسوف أنذره للرب ليخدمه كل أيام ~~حياته.» وبعد أن صارت الطفلة قادرة على المشي أخذها أبواها إلى هيكل الرب وفاء بالنذر، ~~وهناك أقامت إلى سن المراهقة. # ونجد أصول هؤلاء النذيرين في الإصحاح السادس من سفر العدد حيث نقرأ: «وكلم الرب موسى ~~قائلا: كلم بني إسرائيل وقل لهم: إذا انفرز رجل أو امرأة لينذر نذر النذير، لينتذر ~~للرب، فعن الخمر والمسكر يفترز ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر، ولا يشرب من نقيع العنب ~~ولا يأكل عنبا رطبا أو يابسا. كل أيام نذره افتراز، لا يمر موسى على رأسه إلى كمال ~~الأيام التي انتذر فيها. للرب يكون مقدسا، ويربي خصلات شعر رأسه. كل أيام انتذاره لا يأتي ~~إلى جسد ميت» (العدد، 6: 1-6). # هذا المعنى لتعبير # Nazoraios # اليوناني أو # Nazarene # الإنكليزي، يتأكد لنا عندما نعلم أنه لم توجد ~~في عصر يسوع مدينة اسمها # Nazareth # في أي مكان في الجليل. ~~فهذا الاسم غير موثق في التوراة أو التلمود، وهي لا تظهر على الخرائط والمصورات الجغرافية ~~العائدة إلى القرن الأول والقرن الثاني الميلادي. كما أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي أمدنا ~~في نهاية القرن الأول الميلادي بقوائم ومعلومات عن كل مدن وبلدات وقرى فلسطين، لم يأت على ~~ذكر مدينة تدعى # Nazareth # أو ما هو قريب من هذا الاسم. # 2 # هذا وتعزز التنقيبات الأثرية في الموقع الذي يدعى الناصرة اليوم هذه المعلومات المستقاة ~~من التاريخ. يقول الباحث أيتيان نودي الأستاذ في مدرسة أورشليم للدراسات الكتابية ~~والأركيولوجية ما يلي: «لقد أجرينا تنقيبات أثرية في # Nazareth # تحت الكنيسة (= بازاليكا) الحالية، فوجدنا بعض ~~البقايا التي ترجع إلى القرن الثاني وما بعده، أما من القرن الأول فلم نجد شيئا واضحا، إن ~~لم نقل أكثر.» ويقول المؤرخ الفرنسي بيار أنطوان برنهايم: إن # Nazareth # لم تكن موجودة أيام المسيح، وهذه حقيقة ثابتة ~~من الناحية الأركيولوجية والتاريخية. وهكذا يقول أيضا الشارح الكاثوليكي الكبير م.أ. بومار ~~في دراسة له عن ms057 إنجيل مرقس، وغيره من الشارحين أمثال تروكمي وكروسمان وكولبير وغيرهم. # 3 # كيف إذن تم الربط بين # Nazareth # الواردة في النص اليوناني ~~للإنجيل، وبين الموقع الجليلي المعروف باسم الناصرة؟ # خلال القرون الأولى للميلاد عندما كانت العقيدة المسيحية في طور البناء، راح آباء الكنيسة ~~يوثقون كل موقع جغرافي ذي صلة بحياة يسوع وكل قرية ومدينة وبقعة. وبما أن مثل هذا التوثيق ~~لم يكن ناجحا في العديد من الحالات، فقد عمد الخيال الشعبي من ناحيته إلى ربط أحداث معينة ~~بمواقع مختلفة في كثير من الأحيان، حتى صار للحادثة الواحدة أكثر من موقع مفترض، ولا أدل ~~على ذلك من أن الحجاج إلى أرض الإنجيل يطاف عليهم بسبعة أماكن يقال إن الملاك قد ظهر فيها ~~لمريم العذراء في قصة البشارة، ويبدو أن الساعين إلى التوثيق الرسمي للمواقع الإنجيلية قد ~~أفادوا في العديد من الحالات مما سبقهم إليه الخيال الشعبي. وهذا ما حصل فيما يتعلق بموقع # Nazareth ~~. فبعد أن فشلت كل الجهود في إيجاد موقع بهذا ~~الاسم في طول الجليل وعرضه، تم العثور على مزرعة صغيرة فيها عدة بيوت حول نبع صغير (يدعى ~~اليوم بنبع السيدة مريم) تدعى باللغة المحلية ناصرة، وهو الاسم الأكثر قربا إلى الكلمة ~~اليونانية # Nazareth ~~. وبذلك أراح الباحثون أنفسهم من مهمة ~~بدت لهم مستحيلة. # على أن مدينة أخرى يمكن أن تطرح نفسها كبديل للناصرة وهي كفر ناحوم، التي نفهم من روايات ~~الإنجيل أنها تقع على الشاطئ الشمالي لبحر الجليل (= طبريا). فإنجيل متى يخبرنا أنه بعد ~~هبوط الروح القدس على يسوع عقب اعتماده في نهر الأردن، اعتكف في الصحراء مدة أربعين يوما. ~~وعندما عاد إلى الجليل: «ترك الناصرة وجاء كفر ناحوم على شاطئ البحر في بلاد زبولون ~~ونفتالي، فسكن فيها ليتم ما قيل بإشعيا النبي: أرض زبولون وأرض نفتالي، طريق البحر عبر ~~الأردن، جليل الأمم، الشعب القاعد في الظلمة أبصر نورا باهرا، والقاعدون في بقعة الموت ~~وظلاله أشرق عليهم نور» (متى، 3: 12-16). وفي موضع آخر يدعو متى كفر ناحوم بمدينة يسوع: ~~«فدخل السفينة ms058 وجاء إلى مدينته، وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحا على فراش ... إلخ» (متى، ~~9: 1). وفي إيراده للقصة نفسها يقول مرقس: «ثم دخل كفر ناحوم ... وجاءوا إليه بمفلوج يحمله ~~أربعة ... إلخ.» ويبدو أنها كانت مدينة كبيرة لأننا نفهم من متى 8: 5-13 أن مفرزة عسكرية ~~رومانية كانت تعسكر فيها. كما نفهم من مرقس 2: 1 و14 أنها احتوت على مركز لجباية الضرائب. ~~وفي هذا المركز كان متى العشار (أي جابي الضريبة) جالسا عندما دعاه يسوع للانضمام إليه ~~(متى، 9: 9-13، ومرقس 2: 14-17). وفي كفر ناحوم أجرى يسوع أكثر معجزاته الشفائية. # ولكن المشكلة هي أن كفر ناحوم غير موثقة خارج النص الإنجيلي، شأنها في ذلك شأن الناصرة، ~~ولا يوجد في الجليل حتى اليوم موقع بهذا الاسم، ولكن الرأي السائد الآن هو مطابقتها مع مكان ~~يدعى تل الحوم يبعد نحو ثلاثة كيلو مترات إلى الجنوب الغربي من مصب نهر الأردن في بحيرة ~~طبريا. # | هل ولد يسوع في 25 ديسمبر؟ # حتى أواسط القرن الثالث الميلادي لم يكن باستطاعة آباء الكنيسة الاتفاق على تحديد شهر ~~ويوم ميلاد يسوع؛ ولذلك فقد كان المسيحيون الأوائل يحتفلون به إما في 20 أبريل/نيسان، أو في ~~20 مايو/أيار، أو في 6 يناير/ك 2 وهو اليوم الذي يبتدئ فيه فيضان نهر النيل في مصر، واعتبر ~~مناسبة للاحتفال بميلاد الإله أوزيريس. وقد بقيت هذه المسألة موضع جدل إلى أن أقر ~~البابا ليبيريوس في عام 354م أن يسوع المسيح ولد في 25 ديسمبر/ك 1. # 1 # وفي الحقيقة فإن تاريخ يوم الميلاد هذا يتعارض مع رواية الميلاد في إنجيل لوقا ~~التي تقول: إن رعاة مبتدين كانوا يحرسون قطعانهم عندما ظهر لهم ملاك الرب وقال لهم إنه ~~ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح (لوقا، 2: 8-11). فالكل يعرف أن شهر ديسمبر ~~ليس الوقت المناسب لخروج الرعاة لرعي قطعانهم؛ لأن السهول في هذا الوقت تكون خالية من العشب ~~والكلأ الصالح للرعي. فلماذا تم التغاضي عن هذا الخبر في النص المقدس، وصرف النظر عن ~~الميلاد الربيعي إلى الميلاد الشتوي الذي يتوافق ms059 مع يوم الانقلاب الشتوي في 25 ديسمبر؟ قبل ~~الشروع في الإجابة التفصيلية على هذا السؤال، سوف نلقي نظرة على معنى وأهمية هذا اليوم لدى ~~العديد من الثقافات العالمية. # في القارة الهندية كان هذا اليوم مناسبة احتفالية كبرى قبل قرون عديدة من العصر المسيحي. ~~وفي الصين اعتبر يوم الانقلاب الشتوي مقدسا، وكانت تغلق فيه الحوانيت ويتوقف الناس عن ~~العمل. وفي فارس كانت تقام أفخم الاحتفالات في هذا اليوم الذي اعتبروه عيد ميلاد إله ~~الشمس. وكان المصريون القدماء يعينون يوم حبل الإلهة إيزيس بابنها حوروس في اليوم الأخير ~~من شهر مارس/آذار ويوم ولادتها به في 25 ديسمبر، عندما كان المحتفلون يخرجون من معبد حوروس ~~وهم يحملون صورة الطفل الإلهي مثلما تحمل صورة البامبينو (أي الطفل الوليد) اليوم في روما ~~لتعرض على المحتفلين بميلاد يسوع. وكان عباد الإله أدونيس والإله باخوس خلال العصر ~~الهيلينستي والروماني يحتفلون بميلاد هذين الإلهين في يوم الانقلاب الشتوي. وتقول أسطورة ~~ميلاد أدونيس إنه ولد في مغارة كما ولد يسوع في أناجيل الطفولة المنحولة. وكان للجرمان ~~القدماء احتفال في يوم الانقلاب الشتوي يدعونه احتفال يولي # Yole ~~، فيه يتم تجديد العهود والمواثيق وتقدم ~~القرابين إلى الآلهة وتشعل النار في جذوع أشجار مقطوعة. وقد بقيت كلمة يولي حتى الآن في ~~اللغة الألمانية للدلالة على عيد ميلاد يسوع. وفي بريطانيا وإيرلندا كان السلتيون القدماء ~~يحتفلون بالانقلاب الشتوي بإشعال الحرائق على رءوس الجبال والمرتفعات. ومن حضارة العالم ~~الجديد في أميريكا لدينا العديد من الشواهد على قدسية يوم الانقلاب الشتوي والاحتفالات ~~الدينية التي كانت تقام في هذا اليوم. # 2 # على أننا إذا أردنا فهم المؤثرات الثقافية المباشرة الكامنة وراء اختيار الكنيسة ليوم ~~الانقلاب الشتوي باعتباره يوم ميلاد يسوع، علينا تضييق مساحة الخلفية الثقافية ذات الصلة ~~بهذا الموضوع، وحصرها زمنيا في القرون الميلادية الثلاثة الأولى، ومكانيا في الرقعة ~~الممتدة من نهر الفرات السوري شرقا إلى نهر التيبر الإيطالي غربا ومن البحر الأسود شمالا ~~إلى مصر جنوبا. ففي هذا المتصل الزماني المكاني نشأت التصورات الفلسفية والدينية ms060 ذات ~~الصلة بموضوعنا. ~~(1) إله الشمس الحمصي # ابتدأ تدفق الآلهة الشرقية على روما منذ دخول القائد الروماني بومبي إلى سوريا عام ~~66ق.م. ولكن الطبع الروماني المحافظ لم يقبل طقوس الآلهة المستوردة إلا بعد تهذيبه ~~للكثير من أصولها الشرقية وجعلها منسجمة إلى هذا الحد أو ذاك مع الطابع العام للديانة ~~الرومانية التقليدية. في عام 193م وعقب اغتيال الإمبراطور كومودوس، نجح القائد العسكري ~~سبتيموس سيفيروس ذو الأصول الفينيقية الأفريقية في القضاء على اثنين من منافسيه على ~~العرش، ودخل روما منتصرا حيث سلمه مجلس الشيوخ الرداء الأرجواني القيصري، وحل في ~~القصر الإمبراطوري مع زوجته السورية جوليا دومنا ابنة كاهن الشمس في حمص وملكها. وكان ~~سيفيروس قد تزوجها عندما كان قائدا للفيلق العسكري الروماني الرابع المتمركز في ~~سوريا. # كان الحكم في مدينة حمص بأيدي أسرة شمسي غرام العربية الأصل، والتي كان ملوكها يقبضون ~~على زمام السلطة الزمنية والدينية بيد واحدة في ظل نظام حكم ثيوقراطي. ووفق التنظيم ~~الإداري الجديد للمنطقة السورية؛ فقد تم تثبيت أسرة شمسي غرام الحاكمة في حمص تحت سلطة ~~الوالي الروماني المقيم في أنطاكية. خلال الفترة التي نتحدث عنها هنا كانت حمص تحت حكم ~~جوليوس باسيان الكاهن الأكبر لمعبد إله الشمس المدعو إيلاجا بال (=إله الجبل). وقد ~~حافظت عبادة إله الشمس الحمصي على الطابع الأصلي للعبادات السامية التي لم تكن تصور ~~آلهتها في هيئة بشرية تنزيها لها، وإنما ترمز إليها بحجر طبيعي غير منحوت غالبا ما ~~يتخذ شكلا مخروطيا. كان حجر معبد حمص على ما يصفه المؤرخون حجرا أسود لا يزيد ~~ارتفاعه عن ال 60سم، ذا رأس مستدق وقاعدة عريضة، وكان الكهنة يجللونه برداء ~~مزركش صقيل عليه صورة نسر وهو الرمز الشائع للألوهة الشمسية، ويقيمون أمامه الطقوس ~~في قدس أقداس المعبد. # لم يرزق الكاهن باسيان بأولاد ذكور وإنما بابنتين، الأولى جوليا دومنا وهي الكبرى ~~والثانية جوليا ميسا (= ميساء). وقد عمل ما في وسعه ليقدم لابنتيه ثقافة منفتحة جمعت ~~بين الحكمة الشرقية والفلسفة اليونانية، وأوكل إليهما منذ صغرهما خدمة إله الشمس في ~~معبده، ms061 وهكذا فقد تشربت جوليا دومنا ديانة إيلا جابال التي ضربت جذورها في أعماق ~~نفسها وزودتها بنظرة شمولية عالمية. فقد كانت عبادة الشمس في حمص عبادة توحيدية، ~~ولكنها لم تكن بالتوحيدية المتعصبة التي لا تعترف بالديانات الأخرى، وإنما توحيدية ~~منفتحة ترى أن كل أشكال العبادة هي طرق تؤدي إلى معرفة الله الحق. # عندما استقرت جوليا دومنا في روما وراحت تشارك زوجها شئون الحكم، أجبرها حسها ~~البراجماتي كإمبراطورة على إخفاء ميولها الدينية، ولكن أفكارها الإنسانية العالمية ~~تبدت في سلوكها العام. فقد راحت تتصل بالأدباء والفلاسفة وأحاطت نفسها بهم، وكان ~~يحضر مجلسها في بيتها الصيفي مفكرون من مختلف الشيع والمدارس الفلسفية. من بين كل ~~هؤلاء كان فيلوسترات هو الصديق المقرب إليها، وقد وضع بإيحاء منها وبالتعاون معها ~~كتابا دعاه «حياة أبولونيوس»، عبر فيه عن أفكار جوليا دومنا في احترام جميع الأديان، ~~والنظر إليها كصيغ فكرية تسعى إلى غاية واحدة. # 3 # أما سبتيموس سيفيروس الذي انتقلت إليه من زوجته هذه الرؤية الدينية العالمية، فقد ~~تأثر بعبادة شمولية أخرى هي عبادة الإله سيرابيس التي نشأت في مصر منذ أوائل عصر ~~البطالمة الذين حاولوا أن يجمعوا في شخصه آلهة الشرق والغرب معا وتلتقي عنده خصائص ~~الآلهة طرا، وهذا ما أسبغ عليه لقب بانثيوس، أي كل الآلهة. وقد انتقل هذا الإله إلى ~~روما وطمحت عبادته لأن تكون عبادة أممية تجمع شعوب الإمبراطورية حول إيمان واحد، وكان ~~عدد من الأباطرة الرومان ميالين إلى هذه العبادة مشجعين على انتشارها، وبينهم كاليجولا ~~وتيتس وفيسبازيان. وتروي أخبار فيسبازيان أنه كان يشفي حالات العمى بقوة إلهه سيرابيس. # 4 # عندما ورث كركلا ابن جوليا دومنا عرش أبيه حافظ على عبادة سيرابيس، ولكنه بتأثير أمه ~~طابق بينه وبين إله الشمس الكلاسيكي هيليوس الذي كان إله الشمس السوري يختفي وراءه. ~~وتظهر على نقوش كركلا الهالة المشرقة للشمس ورمزها التقليدي الآخر وهو الأسد، ويظهر ~~القيصر وهو يرفع يده اليمني مشيرا إلى الشمس. في عهد كركلا لم يكن لإله الشمس اسم ~~يدل على منشئه، غير أن أحدا ms062 لم يشك في أنه إله الشمس الحمصي لأن الأم كانت حمصية ~~الأصل ومن نسب أسرة كهنة إيلاجا بال. ولكن هذا الإله أسفر عن وجهه السوري بعد اغتيال ~~كركلا، عندما رفعت الفرق العسكرية المرابطة في سوريا إلى المنصب الإمبراطوري الفتى ~~باسيان حفيد جوليا ميسا الأخت الصغرى لجوليا دومنا، والذي أطلق عليه اسم جده الكاهن ~~باسيان وكان وريثه في منصب كاهن الشمس. # وصل باسيان إلى روما بزيه الكهنوتي الشرقي، ولم يرتد بعد ذلك الزي الروماني إلا ~~مكرها وفي مناسبات قليلة. بعد استقراره في العاصمة تفرغ باسيان لخدمة إلهه إيلاجا ~~بال والتبشير بديانته، فاستقدم الحجر الأسود من حمص وبنى له معبدا في روما، وراح يقود ~~بنفسه وبصفته الكاهن الأعلى طقوس المعبد، ويرقص حول المحاريب على ألحان الجوقات ~~المؤلفة من نساء سوريات وإيقاع الطبول والصنوج. وكان من بين مشاهدي هذه الطقوس كبار ~~أعضاء مجلس الشيوخ وطبقة الفرسان، وكان ذوو المناصب العليا في الدولة يشاركون ~~فيها. # لقد كان باسيان تحت تأثير التصورات الدينية لوطنه، وكل ما حرك عواطفه كان له أصل في ~~الطقوس السورية أو الشرقية بشكل عام، وهو يظهر فيما وصلنا إليه من صور على هيئة شاب ~~بوجه ناعم وشفتين ممتلئتين ونظرة عميقة حالمة تعكس استغراقا في التأملات الصوفية. غير ~~أن جهود القيصر الكاهن لم تتوقف عند عرض الطقوس الشرقية الغريبة على الطبع الروماني، بل ~~كان همه يتجه بشكل أساسي إلى نشر ديانة الشمس ورفع إلهها ربا أوحد للإمبراطورية ~~الرومانية. وخلال ثلاث سنوات فيما بين 220 و222م، بذل القيصر السوري كل جهد ~~تبشيري ممكن، إلا أن سعيه آل إلى الفشل وتخلى عنه في النهاية كل نصير، حتى إن ~~جدته جوليا ميسا نصحته بالاعتزال والتنازل عن صلاحياته تدريجيا لألكسيان ابن ابنتها ~~الثانية جوليا ممايا. وفي إحدى الليالي من شهر آذار عام 222م هاجمه الجنود وقتلوه في ~~قصره مع أمه، ونودي بألكسيان آخر أفراد الأسرة السورية إمبراطورا تحت اسم أليكسندر ~~سيفيروس. أما القيصر القتيل فقد خلده التاريخ تحت اسم إلهه ودعاه إيلاجا بال. # بعد وفاة إيلاجا ms063 بال وانهيار مشروعه كان على ديانة الشمس السورية أن تسلك طرقا غير ~~مباشرة في التبشير. وقد تمحورت جهودها أخيرا في اتجاهين معتمدة على الرواية الأدبية ~~والفلسفة الأفلاطونية المحدثة. ~~(2) هيليودور الحمصي # كان هيليودور الحمصي من الأدباء البارزين في أواسط القرن الثالث الميلادي، وقد كتب ~~رواية عنوانها الإثيوبيكا (أي الإثيوبية) لقيت انتشارا واسعا في العالم الروماني، ثم ~~ابتعثت مجددا في العصور الحديثة ولقيت تقديرا كبيرا بين مثقفي عصر النهضة ~~الأوروبية وعصر الباروك، وكانت محل إعجاب كل من رفائيل، وتاسو، وسيرفانتس، ~~وكالديرون، وشكسبير، وراسين. تعود هذه الرواية إلى الفترة التي تلت مباشرة سقوط ~~الإمبراطور إيلاجا بال، أي إلى زمن كان الإله الحمصي فيه معروفا للقارئ، وتدور ~~أحداثها بين مصر وإثيوبيا، ويلعب الدور الرئيسي فيها إله الشمس الكلاسيكي هيليوس الذي ~~لا يربطه الكاتب بمكان معين، فهو الإله المطلق الذي يعبر عن حضوره في العالم من خلال ~~قرص الشمس الذي يشرف من عليائه على كل الأقطار، وبذلك يخرج هيليودور إلهه من معبده ~~ومن حجره الأسود في حمص ويبشر به إلها كونيا. وفي نهاية الرواية فإن القارئ الذي ~~مال قلبه إلى هذا الإله لكونه أنقى الآلهة، ولما سمع عن أعماله وانتشار عبادته إلى ~~بلاد الإثيوبيين، يفاجأ بأن إله الرواية هو الإله الحمصي. عندما يشير المؤلف في ~~النهاية إلى أنه مواطن حمصي ينتمي إلى أسرة هيليوس. لقد حفظ هيليودور هذه المفاجأة لآخر ~~القصة، وهي خدعة فنية ماهرة ومؤثرة، ولكنها تدل على ما تركه تهور الإمبراطور ~~السوري الشاب من آثار سلبية دعت إلى توخي الحذر في الدعوة إلى الإله الحمصي القديم ~~في حلته الجديدة. # 5 ~~(3) الأفلاطونية المحدثة # على التوازي مع الرواية كان فلاسفة سوريون من تلاميذ أفلوطين الإسكندري مؤسس الفلسفة ~~الأفلاطونية المحدثة (205-270م) يمزجون تعاليم معلمهم مع ديانة إله الشمس السوري ~~التي أخذت بالتقاطع مع الفكر الفلسفي اليوناني إبان فترته الخريفية. # يمثل فكر أفلوطين نهاية التفكير الفلسفي القديم، ويؤذن ببداية تفكير جديد يندمج ~~فيه الدين بالتفكير العقلي إلى أبعد الحدود. يقوم النظام الفلسفي لهذا المعلم الكبير ~~(الذي ما ms064 زال فكره فاعلا في الديانات المشرقية) على فكرة تدرج الموجودات هبوطا من ~~المبدأ الأول عبر ثلاث مراتب آخرها مرتبة المادة التي تعتبر أدنى الموجودات. هذا المبدأ ~~الأول يسميه أفلوطين بالواحد الخير، ويندر جدا أن يطلق عليه اسم الله. ونحن إذا ~~أردنا أن ننسب للواحد الخير صفات لما استطعنا وصفه إلا أنه بخلاف كل ما نعلم، لأنه ~~الكمال المطلق بالقياس إلى كل ما عداه. ولأفلوطين في وصف صدور مراتب الوجود عن الواحد ~~صور وتشبيهات مختلفة؛ إنه أشبه بفيض النور عن الشمس، أو فيض الماء عن النبع، أو صدور ~~الأقطار عن مركز الدائرة. والصفة المشتركة بين هذه التشبيهات هي تأكيدها على بقاء ~~المصدر ثابتا مع صدور غيره عنه، واحتفاظه بوحدته الأصلية. وقد كانت أول المراتب صدورا ~~عن الواحد الخير هي مرتبة العقل الذي يرى الواحد من خلاله ذاته؛ وعن العقل فأضحت ~~المرتبة الثانية وهي النفس التي تتصف بطبيعة مزدوجة؛ ففي جانبها الداخلي تتجه إلى أعلى ~~صوب العقل، أما مظهرها الخارجي فيهبط إلى عالم الحسن الذي تكون خالقة له، فهي أصل ~~العالم المادي. # 6 # وبذلك يكتمل الثالوث الأفلوطيني الذي تحول فيما بعد إلى الثالوث المسيحي ~~المؤلف من الأب (= الواحد الخير)، والابن (= الكلمة، اللوغوس، العقل)، والروح القدس ~~(= النفس). # لم تتخل الأفلاطونية المحدثة عن عالم الآلهة المتعددة الذي ميز التراث اليوناني، ~~ولكنها أفرغته من محتواه ومعناه؛ وذلك بإرجاع التعدد إلى الوحدة. وبقدر ما جردت ~~الآلهة القديمة من جوهرها الإلهي برزت أهمية الذي احتواها جميعا في جوهره الشامل وهو ~~إله الشمس: العقل الإلهي المدبر للكون. ولكن هذا الإله لم يكن إلا الصورة المرئية ~~والأداة للواحد الكبير الذي فوقه. وتتوضح هذه الفكرة بشكل خاص لدى تلاميذ أفلوطين ~~المباشرين والذين كانوا ينتمون إلى دائرة شرقية محددة. من أبرز هؤلاء: آمونيوس سكاس وهو ~~مصري، وفورفوريوس الصوري نسبة إلى مدينة صور، ولونجين، وكلينيكوس، وأميليوس ~~ويامبليخوس، وجميعهم سوريون. كان فورفوريوس الأبرز بين هؤلاء وهو الشارح الرئيسي لأفكار ~~أفلوطين. من أهم مؤلفاته الكتاب الذي يشرح نظريته في ألوهية الشمس وهو بعنوان «فيما ms065 ~~يتعلق بالشمس». وخلاصة آرائه في هذا الكتاب هي أن الآلهة طرا ليست إلا درجات متفاوتة ~~من قوى إله الشمس وطاقاته، فهو النور الأعظم وهم النجوم. إلا أن الشمس بدورها ليست إلا ~~وسيطا بين الواحد الخير والآلهة، وبين العالم الروحاني والعالم المحسوس، إنها الصورة ~~المرئية لله في العالم وقوته الفاعلة فيه والمنظمة لأحواله، فهي سيد وملك بإرادة من ~~الخير الروحاني الأعلى. # 7 # وبهذه الطريقة تمت صياغة الأساس الفلسفي الذي كان يفتقد إليه إله الشمس السوري ~~وكاهنه الإمبراطور الشاب، الذي لم يكن في حوزته من أدوات التبشير بإلهه الواحد سوى ~~الطقوس التي لم تقنع الكثيرين في عصر يموج بالأفكار والمدارس الفلسفية. ~~(4) أورليان وعبادة الشمس الإمبراطورية # قضى أفلوطين الشطر الأخير من حياته في روما، وهناك التحق به تلميذه المفضل ~~فورفوريوس الصوري. وفي عهد الإمبراطور غالينوس لقيت الأفلاطونية المحدثة سندا ~~سياسيا لها في شخص الإمبراطور الذي كان يجلس الساعات الطوال إلى أفلوطين ويحاوره. ~~وعندما اغتيل غالينوس عام 268م، وجدت الأفلاطونية المحدثة سندا لها في ملكة الشرق ~~زنوبيا، التي استولت على كامل بلاد الشام ووادي النيل في محاولة لخلق إمبراطورية ~~مشرقية موحدة ومستقلة عن روما، وربما كانت تفكر في التوجه إلى روما ذاتها. وقد ~~التحق ببلاطها في تدمر عدد من الأفلاطونيين مثل فورفوريوس، وكلينيكوس، ولونجين الذي ~~جعلته الملكة مستشارها الخاص وموجها لسياستها الخارجية. # ولكن الإمبراطور الجديد أورليان كان مصمما على القضاء على طموحات الملكة السورية. ~~فبعد أن استقرت له الأمور في روما توجه إلى سوريا وهزم الجيش التدمري في معركتين، ~~كانت الأولى عند أنطاكية والثانية عند مشارف مدينة حمص. وعلى ما ترويه السيرة ~~المدونة لأورليان فإن جيش أورليان قد تضعضع في المعركة الثانية أمام استبسال جنود ~~زنوبيا وشرع الجنود الرومان بالفرار. وفي هذه اللحظة تراءى للجنود تجل إلهي أوصاهم ~~بمتابعة القتال، وأحرز أورليان النصر ولم يبق أمامه سوى تصفية حساب سريع مع زنوبيا ~~التي تحصنت في تدمر. عندما دخل أورليان إلى حمص توجه إلى معبد الشمس فيها وقدم ~~القرابين إلى إيلاجا بال الذي رأى فيه ms066 تلك القوة الإلهية التي منحته النصر. وفي عودته ~~إلى روما مصطحبا أسيرته الملكة التدمرية، حمل معه عبادة هذا الإله وطابق بينه وبين ~~إله الشمس الكلاسيكي هيليوس تحت اسم سول إنفيكتوس أي الشمس التي لا تقهر، وجعل منه ~~رمزا لوحدة الإمبراطورية التي تشرق على أصقاعها أشعة إله واحد. وقد بنى أورليان ~~معبدا لهذا الإله في روما كانت تقام فيه احتفالات دينية بميلاد الشمس كل أربع سنوات في ~~يوم 25 ديسمبر. كما صك الإمبراطور عملة معدنية يظهر عليها قرص الشمس كسيد ~~للإمبراطورية وأورليان باعتباره ممثله الأرضي. وهكذا عاد إيلاجا بال إلى روما في حلة ~~إمبراطورية تاركا حجره الأسود في حمص، وتحول إلى قوة عالمية وإله صالح لأن تعبده ~~جميع شعوب الإمبراطورية. # 8 # في هذا الوقت كانت عبادة الشمس تتلقى دفعا جديدا من فلسفة أخرى وعبادة شمسية ~~أخرى، وهما الفلسفة الرواقية المتأخرة وعبادة الإله الشمسي ميثرا القادم من إيران، ~~والذي انتزع لنفسه لقب سول إنفيكتوس - الشمس التي لا تقهر. وكانت المسيحية قد تحولت ~~في أواسط القرن الثاني الميلادي من فرقة يهودية منشقة إلى ديانة شمولية ذات طموح ~~عالمي، وترافق هذا التحول مع تبدلات جوهرية في اللاهوت المسيحي قادت إلى تأليه يسوع ~~المسيح الذي دخل في تنافس مع آلهة العبادات الشمولية الأخرى، انتهى بعد نحو خمسين سنة ~~من وفاة أورليان إلى المطابقة بين المسيح والشمس التي لا تقهر. ~~(5) أثر الفلسفة الرواقية المتأخرة # كانت الرواقية في نشأتها مذهبا أضعف ارتباطا ~~بأرض اليونان الأصلية من الفلسفات اليونانية الأخرى، وأشهر ممثليها كانوا من الفلاسفة ~~الشرقيين. وقد قامت هذه الفلسفة على أفكار فينيقي من قبرص يدعى زينون ~~(335-263ق.م.). كان اهتمام زينون أخلاقيا بالدرجة الأولى، ومن المشاكل التي عالجها ~~والتي ظلت بعد ذلك الشغل الشاغل للرواقية هي مشكلة الحتمية (أو القدرية) وما يتصل بها ~~من مشكلة حرية الإرادة. وهاتان المشكلتان لا يمكن فهمهما إلا على ضوء فهم التركيب ~~الكلي للكون. فقد رأى زينون أن المادة الأصلية هي النار ومنها تنفصل العناصر الأخرى ~~بمضي الوقت لتشكل معالم الكون، وفي النهاية ms067 يحدث حريق شامل ويعود كل شيء إلى ~~النار الأصلية، ثم يتشكل الكون من جديد في دورات لا تنتهي من الخلق والفناء وإعادة ~~الخلق. أما القوانين التي تسير العالم فتصدر عن فعالية إلهية تحكم التاريخ بكل ~~تفاصيله، حيث يحدث كل شيء من أجل هدف معين على نحو مقدر مسبقا. وهذه الفعالية ~~الإلهية هي قوة كامنة في الكون وليست شيئا خارجا عنه. # 9 # أما تلاميذ زينون الذين ترأسوا المدرسة الرواقية على التوالي، فقد جاء معظمهم من ~~آسيا الصغرى وبشكل خاص من منطقة كيليكيا على البحر المتوسط، وجاء بعضهم من سوريا. فقد ~~ترأس الرواقية بعد زينون مباشرة تلميذه أراتوس من مدينة صولي القريبة من طرسوس عاصمة ~~كيليكيا (315-240ق.م.)، ومن أشهر مؤلفاته كتاب الظواهر Phenomena # الذي درس فيه أحوال الفلك، وعقد صلة لا ~~تنفصم عراها بين الرواقية وأحوال السماء. وقد عاصر أراتوس واحدا من حلقة زينون يدعى ~~آثينودوريوس وهو من مدينة صولي أيضا. ومن صولي جاء كريسبوس (280-207ق.م.) الذي قدم ~~أول عرض منهجي للمذهب الرواقي. تلاه زينون من طرسوس، ثم سلوقس من منطقة الدجلة، ثم ~~ديوجين البابلي، ثم انتيباتر من طرسوس واثنان من تلامذته الطرسوسيين أرخيديمس ~~وهيراكليد، ثم بوسيدونيوس السوري الذي يوصف بأنه واحد من أهم المفكرين في التاريخ ~~القديم، وكان أستاذا للكاتب الروماني الشهير شيشرون، ثم آثينودوريوس الكبير ~~وأثينودوريوس الصغير وكلاهما من طرسوس، وقد عاصر الصغير الإمبراطور أوغسطس (27ق.م-14م) ~~الذي تعلم على يديه، ثم صار حاكما لمدينة طرسوس، وتلاه في حكمها بعد ذلك رواقي آخر ~~يدعى نسطور، وبذلك تحقق حلم أفلاطون في دولة يحكمها الفلاسفة. # 10 # لقد قاد اهتمام الرواقيين المتأخرين بعلم الفلك والتنجيم وإيمانهم بالقدر الذي ~~يتحكم بكل الحوادث، إلى التبشير بنوع من العقيدة الكوكبية التي ترى أن الأجرام السماوية ~~هي كائنات إلهية، ولكن الإله الحق الأعلى هو العقل الذي يتخلل الفراغ الكوني، على حد ~~قول كريسبوس. هذا العقل الشمولي يدعوه بوسيدونبوس السوري بالحنان الكوني الذي يجمع ~~أجزاء العالم في وحدة لا تنفصم. ومن ناحية أخرى فقد أكد رواقيون آخرون على ألوهية ms068 ~~الشمس واعتبروها بمثابة سيد الكون والمبدأ الناظم له. وعلى حد وصف الكاتب الروماني ~~بليني لهذه العقيدة: «في الوسط تتحرك الشمس التي تفوق الجميع في الحجم والطاقة، وهي ~~التي تنظم الفصول وحركة بقية النجوم في السماء، وعلى هذا يجب الاعتقاد بأنها روح ~~الكون أو عقله.» ويقول شيسترون وهو أحد مصادرنا الرئيسية عن الرواقية المتأخرة في كتابه ~~«حلم سكيبيو» ما يلي: «إن فلك النجوم الثابتة هو الحاوي على كل شيء وهو الإله الأعلى، ~~وتحته سبعة أفلاك تتحرك في اتجاه معاكس لحركته. في وسط هذه الأفلاك هنالك الشمس سيدة ~~الأنوار كلها، وهي العقل والمبدأ المتحكم بالكون.» «في هذه الصياغات المتعددة للعقيدة ~~الرواقية المتأخرة، نجد أنفسنا أمام ألوهتين رئيسيتين توصف كل منهما بأنها حاكمة ~~الكون وناظمته. فمن جهة هنالك «العقل الذي يتخلل الفراغ الكوني» أو «الحنان الكوني» أو ~~«فلك النجوم الثابتة»، ومن جهة أخرى هناك «الشمس حاكمة العالم». ونحن لا نستطيع التوفيق ~~بين هاتين الألوهتين إلا إذا اعتبرناهما ألوهة واحدة من حيث الجوهر، وأن إحداهما وهي ~~الشمس قد صدرت عن الأخرى، على طريقة الأفلاطونية المحدثة، وصارت صورتها المرئية في ~~العالم وقوتها الفاعلة فيه.» # 11 ~~(6) ميثرا والميثروية # خلال القرن الأول قبل الميلاد وفي الموطن الأصلي للفلسفة الرواقية (كيليكيا)، إبان ~~عهد المملكة الفارسية التي أسسها ميثراديتس السادس في منطقة البنط وضمت إليها أجزاء ~~واسعة من آسيا الصغرى، ظهرت في كيليكيا عبادة جديدة انتشرت في جميع أنحاء ~~الإمبراطورية الرومانية، من البحر الأسود إلى اسكتلندا غربا وإلى الصحراء الأفريقية ~~الكبرى جنوبا. تركزت هذه العبادة حول إله قادم من إيران يدعى ميثرا. وتقول أسطورته ~~الأصلية إنه ولد تحت شجرة تنمو قرب مجرى مائي؛ حيث انبثق من صخرة على هيئة طفل عار ~~يحمل بإحدى يديه مشعلا يدل على أصله الشمسي، # 12 ~~(قارن مع ولادة عيسى في القرآن الكريم عند جذع نخلة يتدفق تحتها سريا، ~~أي مجرى مائيا؛ مريم: 22-23). # وقد تمت مطابقة ميثرا مع إله الشمس الكلاسيكي هيليوس في صيغته الأخيرة باعتباره ~~الشمس التي لا تقهر، وانتزع منه لقب «سول ms069 إنفيكتوس». ويعبر الفن المصور الميثروي عن ~~هذه المطابقة في العديد من المنقوشات التي يظهر فيها الإلهان وهما يتصافحان بمودة. كما ~~يعبر الفن المصور عن دور ميثرا كحاكم شمسي للكون بطرق شتى، فنجده أحيانا منبثقا ~~من صخرة الميلاد وهو يحمل بيده كرة الكون، أو على هيئة شاب عار يحمل بيده اليسرى ~~كرة الكون وباليمنى يسند دائرة الأبراج السماوية. وفي المشهد التقليدي لميثرا وهو يضحي ~~بالثور السماوي نجد عباءته الشرقية منفتحة وراءه على هيئة قبة ترتسم عليها نجوم ~~السماء وأبراجها، وقد يوضع هذا المشهد ضمن دائرة الأبراج، الأمر الذي يشير إلى الرمزية ~~الكونية لمشهد القربان وصلته بالنظام السماوي. على أن ميثرا ما لبث حتى تحول تحت ~~تأثير المفاهيم الرواقية المتأخرة إلى فكرة مجردة عن الألوهة المطلقة الخافية التي تتصل ~~بالعالم عن طريق وسيط إلهي أدنى هو الشمس: العقل المدبر للكون وحاكمه المباشر. وهنا ~~يعبر الفن المصور عن هذه العلاقة الجديدة من خلال مشاهد نجد فيها هيليوس راكعا أمام ~~ميثرا الذي يضع يده على رأسه في حركة تدل على منحه لقبا وتخويله سلطانا. # 13 # خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد كانت الميثروية المنافس الرئيسي للمسيحية على ~~استمالة شعوب الإمبراطورية؛ وذلك بسبب التشابه الكبير في معتقداتهما. فكلاهما كان يؤمن ~~بخلود الروح وبالبعث والعالم الآخر، وبإله مخلص يؤدي الاتحاد به إلى الخلاص من ربقة ~~الموت. هذا التشابه في العقائد وفي الطقوس المرتبطة بها أدهش المسيحيين أنفسهم ~~فاعتبروه من صنع الشيطان ، أما الميثرويون فكانوا يتهمون المسيحيين باقتفاء أثرهم ~~واقتباس معتقداتهم. وفي القرن الرابع الميلادي بدأت الميثروية بالتراجع أمام المسيحية ~~في كل مكان حتى اختفى أثرها. على أن المراقب لذروة التنافس بينهما إبان القرن الثاني ~~الميلادي، بإمكانه القول إنه لو قيض للمسيحية أن تكبو في مسيرتها لسبب ما، لكان ~~الغرب اليوم ميثرويا. # من هذا العرض (الموجز بما يكفي لغاية بحثنا) للمشهد الديني في الإمبراطورية الرومانية ~~خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد، نلاحظ أن الوثنية المتأخرة المنفتحة على ~~الأفلاطونية المحدثة وعلى الرواقية المتأخرة، كانت تتقارب مع المسيحية في صيغتها ~~الغربية ms070 على الرغم من الصراع القائم بينهما. فقد كانت الوثنية تفارق التعددية في اتجاه ~~نحو التوحيد، في الوقت الذي راح المفهوم التوحيدي الأصلي للمسيحية يعرض نفسه في صيغة ~~تعددية: الآب، والابن، والروح القدس. في هذا الثالوث يلعب المسيح دور العقل المدبر ~~للكون باعتباره الكلمة، أو اللوغوس الذي صدر عن الآب. أي إنه اتخذ دور الشمس كحاكم ~~للعالم في الأفلاطونية المحدثة والرواقية المتأخرة والميثروية. وبذلك صار المناخ الفكري ~~مهيأ للمطابقة بين المسيح وسول إنفيكتوس. وهذا ما حققه الإمبراطور قسطنطين. ~~(7) قسطنطين والعبادة المسيحية-الشمسية # لقد لعب الإمبراطور قسطنطين (306-337م) في تاريخ المسيحية الدور الذي لعبه قورش ~~الفارسي في تاريخ الديانة اليهودية. فبعد دخول قورش إلى بابل عام 539ق.م. ووراثته ~~لأملاكها في مناطق غربي الفرات، أصدر مرسومه الشهير الذي سمح فيه للشعوب التي سباها ~~البابليون ومن قبلهم الآشوريون بالعودة إلى ديارهم. وكان سبي مملكة يهوذا الفلسطينية ~~من جملة المستفيدين من هذا المرسوم، فأخذوا بالعودة إلى أورشليم على دفعات؛ حيث أعادوا ~~بناء المدينة والهيكل، وهي العودة التي آذنت ببداية التاريخ اليهودي الذي ترافق مع ~~تدوين أسفار التوراة. أما قسطنطين فبعد انتصاره في معركة جسر ميلفيان التي أكسبته عرش ~~روما، أعلن مرسوم ميلان الشهير الذي نص فيه على الحرية الدينية لجميع الطوائف في ~~الإمبراطورية، وعلى رأسها الكنيسة المسيحية التي رد إليها أماكن العبادة والعقارات ~~التي صودرت منها في العهود السابقة وسمح لها بالتبشير علنا دون رقيب. وكان هذا ~~المرسوم منعطفا حاسما في تاريخ المسيحية التي تحولت بعد أقل من نصف قرن إلى ديانة ~~رسمية للإمبراطورية. وكما أطلق المحررون التوراتيون على قورش لقب مسيح الرب على ~~الرغم من أنه لم يكن يهوديا (إشعيا، 45: 1)، كذلك رفعت كنيسة روما قسطنطين إلى مصاف ~~القديسين على الرغم من أنه لم يكن مسيحيا. # وتقول القصص التي تحدثت عن معركة جسر ميلفيان التي هزم فيها قسطنطين منافسه ~~ماكسينتيوس، أنه رأى قبل المعركة على شمس منتصف الظهيرة صليبا نقشت عليه عبارة «بهذه ~~الشارة سوف تنتصر» (قارن مع التجلي الإلهي الذي ظهر لأورليان على أبواب حمص، ms071 ونسب ~~بعد ذلك لإله الشمس، مما أوردناه سابقا). وبعد ذلك أمر قسطنطين بصنع راية على الشكل ~~الذي تبدى له وأضاف إليها الحرفين الأولين من اسم المسيح (= خريستوس)، رفعت بعد ~~ذلك في المعركة، كما أمر جنوده برسم الشارة على تروسهم ودروعهم. ونحن إذا سلمنا جدلا ~~بوجود أصل منطقي لهذه القصة، فلن نجده إلا في حلم رآه قسطنطين في الليلة السابقة ~~للمعركة، ظهر له فيه إله الشمس التي لا تقهر «سول إنفيكتوس» في منتصف النهار (وهو ~~الوقت المناسب لتجلي هذا الإله) في هيئة قرص الشمس وعليه شارة ما فسرت بعد ذلك بأنها ~~الصليب المسيحي. وفي الحقيقة فإن مسيرة حياة هذا الإمبراطور تؤكد لنا هذا التفسير. # 14 # على عكس ما يعتقده الكثيرون فإن المسيحية لم تغد الدين الرسمي للدولة خلال عهد ~~قسطنطين، وأول الأباطرة المسيحيين هذا لم يتلق المعمودية وهي طقس الدخول في ~~المسيحية إلا وهو على فراش الموت. إن القصة الحقيقية لتحوله إلى المسيحية ترسم أمامنا ~~شخصية عاهل متردد فكريا لم يكن من السهل عليها أن يتخلى عن معتقداته التي شب ~~عليها، لا سيما عبادة الشمس الإمبراطورية، لصالح المسيح. وقد كانت مسيرته في تغيير ~~الديانة الوطنية مسيرة حذرة راقبها كل من المسيحيين والوثنيين بوجل وترقب ~~لما ستنجلي عنه مواقف مليكهم. # في مرسوم ميلان لم يشر قسطنطين بشكل مباشر إلى إله المسيحيين، بل اكتفى بإطلاق ~~لقب عام على الألوهة الكونية التي دعاها «إله السماء»، وهذا اللقب ينطبق على الإله ~~المسيحي مثلما ينطبق على إله الشمس. كما أن هذا المرسوم لم يجعل من المسيحية دينا ~~للإمبراطور ولا دينا للدولة، وإنما ساواها مع بقية الديانات المعترف بها في ~~الإمبراطورية وحصنها من الاضطهاد. كما أن قسطنطين لم يتبع مرسوم ميلان بأي مرسوم ~~آخر ذي طابع قانوني يتعلق بالمسيحية والمسيحيين، وإنما كان على الناس تتبع مواقفه ~~وتصريحاته الشخصية التي تكشف عن ميوله الخاصة لا عن مواقف رسمية حاسمة. فالإمبراطور ~~بقي إلى ما بعد أواسط العمر مثابرا على رعاية الديانة الرومانية التقليدية وأنفق ~~بسخاء على بناء معابد آلهتها، ms072 كما رفع أباه المتوفي إلى مجمع الآلهة وأقر له عبادة ~~خاصة محتذيا بذلك مثال العديد من الأباطرة السابقين الذي ألهوا بعد مماتهم. وعلى ~~الرغم من أنه أعلن في سنواته الأخيرة أنه لن يدخل معبدا وثنيا، وعمل على تشجيع كل ~~متعمد بمنحه ثوبا أبيض وعشرين قطعة ذهبية، إلا أنه لم يتخذ خطوة واحدة في سبيل ~~إغلاق المعابد الوثنية وصرف كهنتها كما هو متوقع من إمبراطور قرر التحول إلى المسيحية. ~~إن كل الدلائل تشير إلى أن عقيدته الخاصة كانت مثل أورليان موجهة نحو إله الشمس الذي ~~اشتهر في كل مكان بأنه الحامي الخاص للإمبراطور. ولكن هذا الإله كان يتوحد تدريجيا ~~في عقله بالمسيح الذي قال عن نفسه في إنجيل يوحنا: «أنا نور العالم» (يوحنا، 8: 12). ~~وقال: «آمنوا بالنور ما دام لكم النور، فتكونوا أبناء النور» (يوحنا، 12: 36). # ومع ذلك فقد مجدت الكنيسة فضائل نصيرها الكريم، وكان اسمه يذكر مضافا إليه لقب ~~«المساوي للرسل»، ولكنها غضت الطرف عن عيوبه وسقطاته التي لا تتناسب مع هذا اللقب، ~~وكانت المهمة غير المحببة لنفس أسقف روما هي التستر على فظائعه الكثيرة وتبريرها، لا ~~سيما قتله لابنه الأكبر من زوجته الأولى المدعو كريسبوس. كان هذا الابن محبوبا من قبل ~~الجميع لثقافته وعلمه وبسالته، وكان الشعب يهتف باسمه إلى جانب اسم أبيه. ولكن سرعان ما ~~أثارت هذه الشعبية المحفوفة بالمخاطر انتباه الأب الذي كان في الجزء الثاني من حياته ~~يتوجس خيفة من انقلاب موهوم عليه . وقد غذى الوشاة هذا الوهم حتى تحول في ذهنه ~~إلى حقيقة، وكان المتهم الرئيسي في المؤامرة هو الابن التعس الذي خضع لمحاكمة سرية ~~قصيرة وجرى إعدامه. وبعد فترة أعدم زوجته الثانية التي أنجبت له عدة أولاد بتهمة الزنا ~~مع أحد العبيد، ولكن هذه التهمة لم تكن إلا واجهة ستر وراءها شكوكه بصلة لها ~~بالمؤامرة المزعومة التي أثبت الزمن بعد ذلك بطلانها. # لقد كان قسطنطين يهدف على ما يبدو إلى توحيد الإمبراطورية دينيا بعد أن أعاد إليها ~~الوحدة السياسية. وقد توجه تفكيره في البداية نحو صياغة ms073 الإيديولوجيا الإمبراطورية ~~حول الإله سول إنفيكتوس. فالشمس في سطوعها على أصقاع الإمبراطورية هي خير رمز يعبر عن ~~وحدتها، ثم أخذ يجد ضالته تدريجيا في النزوع العالمي للمسيحية ولكن من غير أن يتخلى ~~عن سول إنفيكتوس، لا سيما وأن عبادة هذا الإله كانت توحيدية في جوهرها. وتعبر ~~التماثيل التذكارية التي نصبها قسطنطين عن هذه النزعة التوفيقية التي تحكمت بتفكيره. ~~من ذلك مثلا التمثال الذي أمر بنصبه على عمود بورفيري في عاصمته الجديدة القسطنطينية، ~~والذي يمثل الإمبراطور على صورة إله الشمس هيليوس وهو يحمل بيده كرة العالم التي ارتفع ~~عليها الصليب (قارن مع صور ميثرا التي أشرنا إليها أعلاه)، وعلى قاعدة العمود نقش ~~يقول: «قسطنطين الذي يضيء مثل الشمس.» وكان نظر التمثال يتجه نحو الأعلى إلى الشمس ~~الطالعة. وهناك ميداليات ذهبية يظهر عليها الإمبراطور وإله الشمس كتوءمين. ومنذ عام 324 ~~أقر قسطنطين صك نقود معدنية عليها صورته وهو رافع يديه نحو الشمس، أو صورة إله ~~الشمس وهو يظلل القيصر الذي يحمل بيده لواء الصليب، أو صورة الشمس منفردة وهي ترسل ~~أشعتها في كل اتجاه. وعلى قوس النصر الذي بناه يظهر إله الشمس إلى جانب الإلهة ~~فيكتوريا ربة النصر وأمامهما يقف القيصر. # ولم يبق على قسطنطين إلا أن ينتظر إعلان السلطات الكنسية رسميا ألوهية المسيح من ~~أجل أن تكتمل في ذهنه المطابقة بين سول إنفيكتوس والمسيح، وهذا ما تم في مجمع نيقية ~~عام 325م الذي دعا إليه الإمبراطور من أجل توحيد وتنميط العقيدة المسيحية. فقد أقر ~~المجتمعون أن يسوع المسيح هو اللوغوس، أو العقل الكوني المنبعث عن الآب والمساوي له في ~~الجوهر. # وهكذا توفرت كل الأسباب الداعية إلى اعتبار يوم 25 ديسمبر/ك1 بمثابة يوم ميلاد ~~يسوع المسيح. وهذا ما أقره قسطنطين عندما قدس يوم الأحد الذي كان يوما مقدسا عند ~~طائفة ميثرا وجعله يوم عبادة وراحة للمسيحيين بدل يوم السبت اليهودي، كما قدس يوم ~~25 ديسمبر باعتباره يوم ميلاد المسيح، وهو يوم ميلاد ميثرا وبقية الآلهة الشمسية. ففي ~~هذا اليوم تبلغ الشمس أقصى ms074 مدى لها في الميلان عن كبد السماء ويبلغ النهار أقصى مدى له ~~في القصر، ثم تأخذ في الارتفاع تدريجيا كل يوم ويأخذ النهار في الزيادة على حساب ~~الليل. لقد انتصرت الشمس التي لا تقهر. # بعد نحو عقدين على وفاة قسطنطين أقر البابا ليبيريوس في عام 353م يوم 25 ديسمبر ~~باعتباره التاريخ المعتمد لميلاد المسيح. # 15 # | يسوع في الفكر اليهودي # والتجديف على مريم # عندما أخذت الحركة المسيحية الناشئة تنتشر بين صفوف اليهود، سواء داخل فلسطين أم في ~~المغتربات اليهودية بآسيا الصغرى ومصر واليونان وإيطاليا، لم يعمد الفكر اليهودي إلى ~~مواجهتها بالجدل اللاهوتي والفلسفي، وإنما بإطلاق الشائعات التي تتهم السيدة مريم بالزنى ~~وتصف ابنها بأنه ساحر مشعوذ. فمنذ القرن الثاني الميلادي عرض لنا الكاتب سيلسوس الخصم ~~اللدود للمسيحية في كتابه «الكلمة الصادقة» وجهة النظر اليهودية عن يسوع وأمه مريم، ~~والتي تلخصها هذه الفقرة من الكتاب، أوردها الكاتب المسيحي أوريجين في مؤلفه ضد سيلسوس: ~~«كان يسوع ابنا لامرأة غزالة فقيرة تدعى مريم، وهي زوجة لرجل يعمل في ~~مهنة النجارة، ولكنها لم تنجب بكرها يسوع منه وإنما من جندي روماني فار من ~~الخدمة يدعى بانتر. وعندما كبر يسوع سافر إلى مصر حيث اشتغل عاملا مياوما ~~وتعلم هناك فنون السحر، وعندما عاد إلى فلسطين أعلن نفسه إلها، وجمع حوله أكثر ~~الناس بؤسا وإحباطا وراح يجوب في شتى أنحاء فلسطين. ولما كشف اليهود حقيقة أمره ~~طاردوه، ولكنه هام متخفيا عن الأعين إلى أن تم القبض عليه بخيانة من تلاميذه. ~~وبعد أن نفذ به حكم الإعدام سرق تلاميذه جثمانه وادعوا بأنه قام من بين ~~الأموات.» «وقد أورد حاخامات التلمود اليهودي ~~خبرا مشابها عن يسوع الذي دعوه ابن بانتر، وقالوا إن أمه مريم كانت تعمل ندافة، ~~وأنها أنجبته من عشيقها الوثني بانتر. وقد سافر إلى مصر وتعلم هناك فنون السحر. ~~وعندما عاد حوكم وأعدم رجما بالحجارة ثم علق على خشبة عشية عيد الفصح.» # 1 # وقد أشار مؤلفو التلمود في سياقات مختلفة بعد ذلك إلى يسوع تحت اسم ~~يسوع ms075 بن بانتر أو ابن بانتيرا. # وقد ابتعث اليهود أسطورة الجندي بانتر أو بانتيرا في العصر الحديث عندما اكتشفت مقبرة ~~رومانية في ألمانيا عام 1859م (في بنغر بروك عند التقاء نهر ناهي مع نهر الراين)، احتوت ~~على عدة قبور لجنود رومان، على أحدها شاهدة قبر لجندي فينيقي خدم طيلة حياته في الجيش ~~الروماني، نقشت عليها الكتابة التالية: «هنا يرقد تيبيريوس أبديس بانتيرا جندي من الكتيبة ~~الأولى للرماة. من صيدا، عمره اثنان وستون عاما. خدم مدة أربعين سنة.» # 2 # وقد أرجع الباحثون تاريخ هذا القبر إلى أواسط القرن الأول الميلادي. # في دراسته لهذا النقش يقول الباحث مورتون سميث في كتابه «يسوع الساحر»، بأن الاسم الأول ~~هو تيمنا باسم الإمبراطور تيبيريوس الذي خدم هذا الجندي في عهده، والاسم الثاني «أبدي»، ~~أو «عبدي» في الأصل الفينيقي، هو اختصار للتعبير السامي «عبد شمس» أو شيء من هذا القبيل، ~~والاسم الثالث هو الترجمة اللاتينية للاسم السامي «فهد». ثم يختم تعليقه بالقول: إن شاهدة ~~القبر هذه ربما كانت الدليل المادي الوحيد المتوفر لدينا عن أسرة يسوع. # 3 # لقد وجد اليهود في شاهدة هذا القبر فرصة ذهبية لإعادة فتح ملف يسوع باعتباره ابنا غير ~~شرعي لمريم، وساهم العديد من مؤلفيهم في التعليق على النص المنقوش، في محاولة لتوكيد صحة ~~ادعاءات التلمود القديمة بخصوص النسب الحقيقي ليسوع. وكان آخر هؤلاء آثاري يهودي يمارس ~~التنقيب في المواقع الفلسطينية يدعى جيمس تابور، وضع كتابا نشر عام 2006م تحت عنوان ~~«سلالة يسوع» وترجم إلى العربية عام 2008م تحت العنوان نفسه . ولعل ظهوره باللغة العربية هو ~~ما دعاني إلى بسط أفكار مؤلفه في هذا الحيز الضيق، # 4 # والتساؤل عن الفائدة من ترجمة هذا الكتاب الذي يهزأ بعقائد المسلمين والمسيحيين ~~بخصوص طهرانية السيدة مريم، لا سيما وأن مترجمه هو الدكتور سهيل زكار الباحث التاريخي ~~المعروف الذي قدم لنا ترجمات مهمة أغنت مكتبتنا العربية. # يقول المؤلف: إن بانتيرا جاء من مدينة فينيقية على الساحل السوري لا تبعد كثيرا عن موطن ~~يسوع في الجليل. ونحن نعرف ms076 أن كتيبة الرماة التي يذكرها النقش قد وصلت إلى دلماشيا في ~~كرواتيا إبان العام السادس الميلادي قادمة من فلسطين، ثم نقلت إلى منطقة الراين/ناهي في ~~العام التاسع للميلاد. قد يبدو من المستبعد للوهلة الأولى أن نتصور أن هذا النقش من بين ~~آلاف النقوش المماثلة هو شاهد على قبر والد يسوع، ولكن لا ينبغي لنا صرف النظر عن الأدلة ~~الواضحة. فلقد كان صاحب هذا النقش جنديا رومانيا من أهل سوريا/فلسطين، ومن المنطقة ~~الواقعة إلى الشمال من الجليل، وكان معاصرا لمريم أو يسوع. وبناء عليه فنحن نمتلك الاسم ~~الصحيح، والمهنة الصحيحة، والمكان الصحيح، والوقت الصحيح. وقد اقترح بعض الناس الذين ~~تناولوا هذا الموضوع بأن الجندي كان قد اغتصب مريم خلال غمرة الاضطرابات السياسية التي ~~حدثت في فلسطين إبان تلك الفترة، وأن يوسف النجار خطيب مريم قد قدر هذه الظروف وكان ~~على استعداد لتبني الطفل كأنه ابنه. ولكن هنالك بديل ممكن وهو أن مريم قد حملت من خلال ~~علاقة حرة مع الجندي الروماني لا سيما وأنها كانت مخطوبة لرجل عجوز يكبرها سنا، وأن ~~بانتيرا كان شابا في سنها تقريبا. ومن المحتمل أن يكون قد غادر المنطقة عندما انتقلت ~~قطعته العسكرية عنها بشكل فجائي، ودون أن يعرف شيئا عن حمل مريم. وعلى الرغم من أن مؤلفي ~~إنجيل متى وإنجيل لوقا في قصتيهما عن الميلاد قد قالا لنا بأن مريم حملت بعد خطبتها، إلا ~~أننا ينبغي ألا نأخذ ما قدماه على أنه الكلمة الأخيرة، فمن المحتمل أن مريم قد حملت أولا ~~وبعد ذلك قامت أسرتها بترتيبات زواجها من يوسف الذي قبل بالوضع وهو عارف بمسألة الحمل غير ~~الشرعي. # ثم يستشهد المؤلف بعد ذلك بمقاطع من التلمود اليهودي، فيورد لنا إشارات متعددة وردت فيه ~~تدعو يسوع بابن بانتيرا دون مزيد من الإيضاح، الأمر الذي يدل في رأيه على أن هذا اللقب كان ~~شائعا في منطقة الجليل وأن يسوع قد عرف به. ثم ينتقل إلى القول بأن المؤلفين المسيحيين ~~قد نظروا بشكل جاد إلى هذه التسمية التي ms077 كانوا يعرفونها، وعمدوا من جانبهم إلى تفسيرها. ~~فقد قال إبيفانوس من القرن الثاني الميلادي في كتابه «ضد الهرطقات»: إن والد يوسف النجار ~~كان معروفا باسم يعقوب بانتيرا. وقال يوحنا الدمشقي من القرن الثامن الميلادي في كتابه ~~«الإيمان القويم»: إن الجد الأعلى لمريم كان اسمه بانتيرا. وهذه المحاولات لإضفاء الشرعية ~~على اسم بانتيرا تظهر بوضوح أن هذا الاسم لم يكن ابتكارا يهوديا هدفه التشهير ~~بيسوع. # ثم إن المؤلف يسوق عددا من الشواهد الإنجيلية التي يفسرها على هواه لدعم أطروحاته. فمؤلف ~~إنجيل مرقس الذي لم يورد قصة الميلاد العذري وتجاهل وجود يوسف النجار جملة وتفصيلا، يضع ~~على لسان أهل الناصرة قولهم بعد أن تعجبوا من حكمة يسوع: «أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو ~~يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا» (مرقس، 6: 3). وهو يرى في دعوة يسوع بابن مريم إشارة إلى وجود ~~أب غير شرعي، لأن اليهود كانوا يشيرون إلى الأبناء بأسماء آبائهم لا بأسماء أمهاتهم. ~~ولهذا فقد عمد مؤلف إنجيل متى الذي ظهر بعد إنجيل مرقس إلى إعادة صياغة كلام مرقس عندما ~~قال: «أليس هذا هو ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم» (متى، 13: 55)، وذلك في محاولة منه ~~للالتفاف حول الفضيحة التي كانت معروفة تماما لدى سكان قرية الناصرة في عقود زمانية ~~ماضية. وفي العادة نادرا ما تموت الإشاعات، ومن الصعب أن تختفي تماما. # ويرى في إنجيل يوحنا أشياء أكثر دقة وتحديدا. فعندما احتدم النقاش بين يسوع وناقديه ~~اليهود قالوا له: «إننا لم نولد من زنا» (يوحنا، 8: 41). وكأنهم غمزوا من قناته وأرادوا ~~القول: «مثلك أنت». وفي موضع آخر هناك إشارة مبطنة ثانية، عندما قال اليهود بعد أن سمعوا ~~وعظ يسوع: «أليس هذا هو يسوع بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه» (يوحنا، 6: 42). فلماذا ~~ذكروا اسم يوسف أولا ثم أضافوا بشكل فائض عن الحاجة: «الذي نحن عارفون بأبيه وأمه»؟ # وهنالك قطعة أخرى من هذا اللغز يجدها المؤلف، وهي في رأيه واحدة من أكثر القصص غرابة في ~~الإنجيل، أوردها لنا مؤلف إنجيل مرقس الذي دعا يسوع بابن ms078 مريم ولم يذكر يوسف النجار قط. فهو ~~يحدثنا عن رحلة خفية قام بها يسوع من شواطئ بحيرة طبريا حيث كان يكرز في نواحي صور وصيدا: ~~«ثم قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيداء، ودخل بيتا وهو لا يريد أن يعلم أحد، فلم يقدر ~~أن يختفي لأن امرأة كان بابنها روح نجس سمعت به فأتت وخرت عند قدميه ... إلخ» (مرقس، ~~7: 24-25) وهذا الخبر لم يرد عند متى ولوقا لأنهما لم يرغبا في أن يطرح أحد السؤال ~~البديهي، وهو لماذا ترك يسوع الجليل وسافر إلى منطقة صور وصيدا؟ وبيت من كان يعرفه يسوع ~~ودخله بشكل سري؟ هذا السؤال لا يجيب عليه مؤلف كتاب «سلالة يسوع» تاركا الجواب لفهم ~~القارئ الذي لا بد أن يكتشف بقليل من التروي أن يسوع قد جاء لزيارة والده الفينيقي! # لم يكن يسوع ابن زنا فقط بالنسبة للمؤلف، ولكنه تسلسل أيضا من سلالة كان عدد من أفرادها ~~أولاد زنا. فسلسلة النسب التي قدمها لنا متى في مطلع إنجيله تحتوي على أربع نساء كان لهن ~~علاقات خارج إطار الزوجية. وبما أن متى قد سماهن بأسمائهن ولم يأت على ذكر غيرهن من ~~النساء، فإن المؤلف يرى أن متى كان يقدم ضمنيا علاجا لوضع مريم ويربطها بأولئك ~~النسوة. وعلى الرغم من أن مؤلفنا لم يذكر أسماء النسوة ولم يتعرض لقصصهن، إلا أنني سأقدم ~~فيما يلي نبذة مختصرة عنهن، لأوضح كيف نقل المؤلف فضائح التوراة الجنسية إلى كتاب العهد ~~الجديد: ~~(1) # تامار: # كانت تامار زوجة الابن يهوذا الذي ينتسب إليه ~~سبط يهوذا المعروف. وعندما مات زوجها أعطاها يهوذا لابنه الثاني الذي ما لبث أن ~~مات أيضا، فوعدها بتزويجها من الابن الثالث ولكنه ماطل في الوفاء بوعده. ~~وعندما عرفت تامار أن حماها مسافر إلى مدينة تمنة لبعض أشغاله خلعت عنها ثياب ~~ترملها، ولبست مما تلبسه العاهرات وتغطت ببرقع، وجلست على جانب الطريق. ~~فلما مر بها يهوذا طلب أن يدخل عليها دون أن يعرفها. فقالت له: ماذا تعطيني ~~إذا دخلت علي؟ فقال: أعطيك جديا ms079 من الماعز. فقالت: هل تعطيني رهنا ريثما ~~ترسل الجدي؟ فأعطاها خاتمه وعصابة رأسه وعصاه ودخل عليها. وبعد ثلاثة أشهر قيل ~~ليهوذا إن تامار كنته قد زنت وهي الآن حامل. فقال يهوذا: أخرجوها واحرقوها، ~~فأرسلت إليه تامار أشياءه التي رهنها عندها قائلة: إني حامل من صاحب هذه ~~الأشياء، فعرف يهوذا أشياءه وبرأها ثم تزوجها فولدت له ابنين هما فارص ~~وزارح (التكوين: 38). ومن فارص تسلسل سلمون الذي تزوج بعد عدة أجيال من عاهرة ~~تدعى راحاب. ~~(2) # راحاب: # وهي عاهرة كانت تستقبل الرجال في بيتها بمدينة أريحا. وعندما اقترب ~~يشوع بن نون خليفة موسى من المدينة لحصارها، أرسل أمامه جاسوسين أضافتهما ~~راحاب وخبأتهما لدى البحث عنهما، وكان بيتها ملاصقا لسور المدينة ~~فأنزلتهما بحبل من الكوة، وأخذت عليهما عهدا ليتوسطا في إنقاذ حياتها إذا ما ~~دخل العبرانيون المدينة، وقالت إنها ستربط على الكوة حبلا من خيوط القرمز (وهو ~~راية العاهرات منذ القدم) على كوتها التي أنزلتهما منها ليعرف المقتحمون بيتها ~~ويتركوها بسلام. وعندما أخذ يشوع المدينة نجت راحاب بخيانتها، وتزوجها سلمون ~~سليل العاهرة الأولى تامار، فولدت له بوعز (يشوع: 2-4). وقد تزوج بوعز هذا ~~فيما بعد من الفتاة السيئة السمعة راعوث. ~~(3) # راعوث: # وهي فتاة مؤابية تزوجت رجلا من سبط يهوذا كان متغربا في مؤاب. ولما ~~مات زوجها لصقت بحماتها نعمي ورافقتها إلى بيت لحم في أرض يهوذا. وكانت مجاعة ~~في الأرض فمضت راعوث إلى حقل رجل غني من أقرباء حماتها يدعى بوعز، وراحت ~~تلتقط بقايا الحصاد من التراب. فلما رآها بوعز أكرمها وأطعمها وأمر غلمانه ~~ألا ينهروها. فعادت إلى حماتها وأخبرتها بكرم صاحب الحقل. فقالت لها: اغتسلي ~~وتدهني والبسي ثيابك وانزلي إلى البيدر، ولا تدعي الرجل يعرفك حتى يفرغ من ~~الأكل والشرب. ومتى اضطجع فاعلمي المكان الذي يضطجع فيه وادخلي واكشفي ناحية ~~رجليه واضطجعي. ففعلت راعوث كما قالت لها حماتها. وفي الصباح قال بوعز لغلمانه ~~ألا يقولوا لأحد أن راعوث قد باتت عنده. ثم تنتهي القصة بزواج بوعز من راعوث ~~التي أنجبت له عوبيد جد ms080 داود (سفر راعوث). ~~(4) # بتشبع: # بينما كان الملك داود يتمشى على سطح بيته في إحدى أمسيات الصيف، لمح ~~امرأة عارية تستحم في منزلها القريب، فشغف بها وأرسل في اليوم التالي يسأل عن ~~هويتها فقالوا له إنها زوجة الجندي الشجاع أوريا الحثي وهو يقاتل الآن في جيش ~~الملك وراء نهر الأردن. فأرسل داود غلمانه وأتوا بها عنوة إليه فدخل عليها ثم ~~أعادها إلى بيتها. وبعد مدة أرسلت إليه تقول إنها حبلى منه. فكتب داود إلى ~~قائد جيشه يقول: اجعلوا أوريا في مقدمة الحرب ثم ارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. ~~وهكذا كان، وعندما علم داود بموت أوريا أرسل إلى بتشبع من يأتي بها وتزوجها ~~فأنجبت له سليمان (صموئيل الثاني: 11)، وكان آخر المتسلسلين من سليمان هو ~~يوسف «رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح» (متى، ~~1: 1-11). # وهكذا أنجبت مريم ابنها خارج نطاق الزوجية على منوال بقية الزانيات في سلسلة نسب ~~يسوع. ومتى في رأي مؤلفنا يصف حالة واقعية كان يعرفها تمام المعرفة. # لم أعالج في هذا الحيز الضيق سوى أفكار المؤلف بخصوص ميلاد يسوع وأخلاق أمه مريم، وهي ~~مبسوطة في الفصل الثالث. أما بقية الكتاب فعلى الرغم من تنوع موضوعاتها إلا أنها تهدف في ~~النهاية إلى إقناع القارئ بأن يسوع قد عاش ومات على العقيدة اليهودية، وأن مذهبه لم يكن إلا ~~تنويعا على الخلفية المذهبية التوراتية. فيسوع ليس مؤسس المسيحية، بل بولس الذي فسر يسوع ~~بما يتلاءم مع الروح الدينية اليونانية والرومانية. هذه الأفكار ليست بالجديدة، والمؤلفون ~~اليهود ما زالوا يعزفون على هذا الوتر منذ قرن مضى، من أجل تقويض الإيمان المسيحي والكنيسة ~~المسيحية. # والسؤال الذي أوجهه أخيرا إلى المترجم وإلى الناشر هو: هل بذلتم كل هذا الورق والجهد ~~من أجل إنتاج كتاب يسمعنا بآذاننا شتائم اليهود الذين لم يشفوا غليلهم بعد من يسوع-عيسى ~~عليه السلام وأمه التي اصطفاها الله على نساء العالمين؟ # | هل كان يسوع متزوجا؟ # إن مسألة ما إذا كان يسوع متزوجا، ليست من الموضوعات التي تستحق أن يشغل أي ms081 باحث ~~جاد نفسه بدراستها؛ لأنها تنتمي إلى مجال الأدب ( ~~= ~~Fiction ~~) أكثر من انتمائها إلى مجال البحث الأكاديمي الرصين. والمسألة ~~برمتها لا تمتلك الحد الأدنى من العناصر التي يمكن إخضاعها للتقصي التاريخي ولا لمناهج ~~دراسة كتاب العهد الجديد. # على أن ما حفزني على طرح هذه المسألة هو صدور ترجمة رديئة عن دار نشر سوريا عام 2006م ~~لكتاب صدرت طبعته الأولى في بريطانيا عام 1981م تحت عنوان: # The Holy Blood ~~and the Holy Grail ~~، أي الدم المقدس والكأس المقدسة. # 1 # ثم أعيد طبعه مرارا ولقي رواجا كبيرا في أوساط عامة القراء الغربيين ~~الذين لم يقرءوا كتابهم المقدس، وبالتالي لم يكن لديهم معايير للتفريق بين البحث الجاد في ~~الأناجيل والبحث الزائف الذي يستغل جهل القارئ العادي من أجل الانتشار السريع وتحقيق الشهرة ~~والمكسب المادي. وبذلك فقد شرب القارئ من كأس مؤلفي الكتاب الثلاثة دون أن ينتبه إلى ~~جرعة السم اليهودي المركز التي تناولها من قلمهم. # يدور الكتاب حول فكرة أساسية مفادها أن الكنيسة الكاثوليكية قد حاولت عبر التاريخ إخفاء ~~سر رهيب مفاده أن عملية الصلب لم تكن سوى تمثيلية مدبرة بعناية، انتهت بإنزال يسوع ~~عن الصليب قبل موته ثم إنعاشه واختفائه بعد ذلك في مكان سري، وأن يسوع قد عاش بعد ذلك لمدة ~~طويلة، بعد أن أرسل زوجته مريم المجدلية مع أولاده منها إلى مرسيليا بجنوب فرنسا حيث أسسوا ~~لسلالة ملوك حكمت هناك، باعتبارهم الورثة الشرعيين للملك الذي لم يحكم: يسوع المسيح. ~~فالكأس المقدسة التي كانت أشهر موضوع عالجته الرومانسيات الأوروبية في أواخر العصور ~~الوسطى، ليست في حقيقة الأمر إلا مريم المجدلية زوجة يسوع التي حملت الدم الملكي إلى ~~أوروبا. # قرأت الطبعة الإنكليزية من الكتاب بعد صدورها في لندن ببضع سنوات ولم أجد فيه سوى حبكة ~~بوليسية بعيدة كل البعد عن البحث الأكاديمي الرصين وقد التقط أحد مؤلفي روايات التشويق في ~~أميركا هذه الحبكة، وجعل من الكتاب رواية تحت عنوان «شيفرة دافينشي»، لقيت بدورها إقبالا ~~شديدا، وجرى تحويلها بعد ذلك إلى فيلم سينمائي، ms082 كما صدرت لها ترجمة رديئة في دمشق لقيت ~~رواجا منقطع النظير. وبما أن القراء العرب قد اطلعوا على كتاب الدم المقدس والكأس ~~المقدسة، وقرءوا رواية شيفرة دافنشي، وشاهدوا الفيلم المقتبس عنها، فقد رأيت من واجبي ~~كباحث في كتاب العهد الجديد أن أضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالأفكار التي قامت عليها ~~هذه الأعمال الثلاثة. # فيما يلي من هذه الدراسة لن ألتفت إلى ما ورد في كتاب شيفرة دافنشي؛ لأن خيال المؤلف ~~الروائي لا يشكل موضوعا للمناقشة، ولكني سوف أركز على ما ورد في الكتاب الذي قامت عليه ~~هذه الرواية وأناقشه، مستندا إلى معطيات الأناجيل نفسها، ومبرهنا على أن المؤلفين قد ~~قرءوا هذه الأناجيل بعيون يهودية، وبإصرار يهودي على النخر في أساسات الكنيسة المسيحية. ~~وسيكون تركيزنا بشكل خاص على بعض خلاصات المؤلفين الواردة في الفصل الثاني عشر لأنها ~~تقدم نموذجا عن الأسلوب الذي اتبعوه في تضليل القارئ العادي الذي لم يدرس الإنجيل ولم ~~يطلع على تفاصيله ودقائقه. ~~(1) هل قدس يسوع الزواج # يقول المؤلفون: لا يوجد في الأناجيل دليل واضح على أن يسوع لم يكن متزوجا، وكان ~~العديد من حوارييه متزوجين مثل بطرس الذي دخل يسوع بيته وشفا حماته، وهناك من ~~الدلائل ما يشير إلى أنه لم يأمر بالعزوبية، بل وأنه قد قدس الزواج وحض عليه. ~~فعندما جاء إليه قوم من الفريسيين ليجربوه وقالوا له: «هل يحل للرجل أن يطلق ~~امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم (في التوراة) أن الذي خلق من البدء خلقهما ~~ذكرا وأنثى؟ وقال من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بزوجته ويكون الاثنان ~~جسدا واحدا ؟ (إشارة إلى ما ورد في سفر التكوين: 2 عن خلق آدم وحواء) إذن ليس بعد ~~اثنين بل هم جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان» (متى، 19: 1-7). # الرد # لم يكن معظم حواريي يسوع الاثني عشر ~~متزوجين. ولا يوجد لدينا في الأناجيل الأربعة دليل إلا على زواج بطرس، أما البقية ~~فوضعهم العائلي مجهول. وفيما يتعلق بالمقطع الذي استشهد به المؤلفون ms083 من إنجيل ~~متى، فقد قدموا لنا نصفه الأول وتركوا النصف الثاني الذي يحض على العزوبية ~~لمن شاء من الرجال وقدر عليها. فقد قال له سائلوه بعد أن سمعوا جوابه: «فلماذا أوصى ~~موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم ~~أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم: إن من طلق امرأته ~~إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني.» وهنا سأله تلاميذه ~~عما إذا كان من المستحسن والحالة هذه الامتناع عن الزواج: «إن كان هكذا أمر الرجل ~~من المرأة، فلا يوافق أن يتزوج!» فقال لهم بأن الامتناع عن الزواج وقف على الخاصة ~~الذين نذروا أنفسهم لخدمة الرب: «ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم. ~~لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان خصاهم الناس، ويوجد خصيان ~~خصوا أنفسهم لأجل ملكوت الله. من شاء أن يقبل فليقبل» (متى، 19: 3-12). ويجب أن ~~نلاحظ فيما يتعلق بجواب يسوع الأخير المتعلق بالاختيار الحر للعزوبية، أنه موجه ~~إلى التلاميذ لا إلى سائليه من اليهود. وهذا يعني أنه يقر هنا شريعة مسيحية ~~لأتباعه. فإذا كان هذا ما شرعه يسوع لأتباعه، أفلا يكون المشرع نفسه أولى باتباع ~~شرعته؟ ~~(2) دلائل على زواج يسوع # يقول المؤلفون: إذا كان يسوع لم يأمر بالعزوبية فليس لدينا مبرر للافتراض بأنه كان ~~أعزب. وطبقا للتقاليد اليهودية في ذلك الزمن لم يكن الزواج مستحبا فقط وإنما كان ~~إلزاميا تقريبا، وكان مفروضا على الأب أن يجد زوجة لابنه مثلما كان مفروضا عليه ~~أن يختنه. وفي الحقيقة فإن عدم وجود إشارة واضحة في الأناجيل إلى عزوبية يسوع يدل بقوة ~~على أنه كان متزوجا، وأنه قد التزم بثقافة وأعراف زمانه. ولو أن يسوع بقي أعزب إلى ~~ما بعد سن الثلاثين لكان موضع نقد واستهجان ولأدى ذلك إلى عزله اجتماعيا ~~باعتباره خارجا على الأعراف الدينية والاجتماعية. # الرد # في الرد على الشق الأول من هذا الطرح، أقول بأن يسوع قد حبب العزوبية ms084 إلى ~~المختارين من جماعته عندما قال في المقتبس الذي أوردناه عن متى: «يوجد خصيان ~~خصوا أنفسهم لأجل ملكوت الله من شاء أن يقبل فليقبل (وورد في الترجمة ~~الكاثوليكية: فمن استطاع أن يفهم فليفهم)» (متى، 9: 12). أما في الرد على الشق ~~الثاني، فأقول: إنه في أيام يسوع كان خاصة اليهود موزعين في ثلاث طوائف رئيسية ~~وصف لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس بدقة اختلافها في المعتقدات والممارسات، وهم: ~~الصدوقيون، والفريسيون، والأسينيون. وكانت الطهارة الجنسية والعزوف عن الزواج من ~~القواعد الأساسية التي يتوجب على الأسينيين الالتزام بها. وهذا يعني أن قسما لا ~~يستهان به من اليهود كانوا عازفين عن الزواج والعلاقات الجنسية أيام يسوع، وأن ~~العفة الجنسية كانت أمرا عاديا وغير مستهجن لدى قطاعات من المجتمع، فلماذا ~~تكون حالة يسوع وحده استثناء من القاعدة، ولماذا يجب أن يكون يسوع وحده مستهجنا ~~بسبب عزوبيته؟ يضاف إلى ذلك أن العديد من الباحثين في مخطوطات البحر الميت التي ~~تركتها لنا الطائفة الأسينية قد وجدوا الكثير من أوجه الشبه بين تعاليم يسوع ~~والتعاليم الأسينية، ووصل بعضهم حد القول بأن يسوع ربما كان أسينيا قبل أن يخرج ~~عن الطائفة ويختط لنفسه نهجا خاصا. ~~(3) عرس قانا باعتباره عرس يسوع # يقول المؤلفون: في الإنجيل الرابع هنالك قصة عرس تجري في بلدة قانا الجليل ربما ~~كانت قصة عرس يسوع نفسه. فللوهلة الأولى يبدو أننا أمام حفلة عرس محلية بسيطة يبقى ~~فيها العريس والعروس مجهولين. ولكن بعض التفاصيل الصغيرة في هذه الحفلة تطرح أسئلة ~~تستحق التوقف عندها. فلقد دعي يسوع إلى الحفلة على الرغم من أنه لم يكن بعد قد باشر ~~دعوته العلنية، وكانت أمه هناك دون أن يوضح لنا المؤلف السبب في ذلك. وعندما نفدت ~~الخمر أمرت مريم ابنها أن يتصرف كما لو أنها كانت هي المضيفة: «ولما فرغت الخمر قالت ~~أم يسوع له: ليس لهم خمر! فأجابها: ما لي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي ~~بعد.» لكن مريم تتغاضى عن احتجاج ابنها برباطة جأش ~~وتقول للخدم: «مهما قال لكم فافعلوه. فيمتثل الخدم ms085 لأوامرها كأنهم معتادون على ذلك منها ~~ومن يسوع. وهكذا تفلح مريم على الرغم من محاولة يسوع المزعومة لرفض سلطتها، وينجز يسوع ~~أولى معجزاته وهي تحويل الماء إلى خمر، على الرغم من أنه لم يكن بعد قد أظهر قدراته ~~الخارقة، ولم يكن لدى مريم سبب يدعوها للافتراض بامتلاك يسوع لمثل هذه القدرات. ~~والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا كان على ضيفين في زفاف أن يكونا معنيين ~~بمسألة نفاد الخمر على الرغم من أن تلك المسئولية تقع عادة على عاتق صاحب الدعوة، ما ~~لم يكن عرس قانا هو حفل زفاف يسوع نفسه؟ وفي هذه الحالة فقط يكون هو المسئول عن إعادة ~~ملء أوعية الخمر التي نفدت. وهناك دليل آخر على أن عرس قانا كان في واقع الأمر هو عرس ~~يسوع نفسه. فبعد اجتراح معجزة تحويل الماء إلى خمر قال مشرف الحفلات الذي يدير شئون ~~الضيافة في العرس للعريس: كل إنسان إنما يأتي بالخمر الجيدة أولا، فإذا سكروا يأتي ~~بالتي هي دونها في الجودة، أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن.» هذه الكلمات تبدو ~~موجهة بشكل واضح إلى يسوع باعتباره العريس. # الرد # إن في قول مؤلف إنجيل يوحنا: «وكانت أم يسوع هناك» دلالة واضحة على أن مريم كانت ~~من ذوي قربى العريس، ويبدو أنها كانت على درجة من القرابة تدعوها لأن تكون موجودة ~~قبل وقت من ابتداء الحفل لكي تساعد في الترتيبات، على ما هو سائد في الحفلات ~~الشرقية حتى يومنا هذا. أما يسوع فقد كان مدعوا مع تلامذته وجاء بهم مع بقية ~~المدعوين. وبسبب وضعها كقريبة وكمساهمة في ترتيبات الحفل، فقد حاولت تفادي الموقف ~~المحرج الناجم عن نفاد الخمر وطلبت من ابنها أن يتصرف. # وفي الحقيقة، فإن من يعيد قراءة قصة عرس قانا مرارا وتكرارا، لن يجد فيها ما ~~وجده المؤلفون الذين يبدون له وكأنهم يبنون استنتاجاتهم على قصة أخرى غير قصة عرس ~~قانا. ~~(4) المجدلية كمرشحة أولى # يقول المؤلفون: إذا كان يسوع متزوجا فهل تسعفنا روايات الأناجيل بإشارات غامضة تدل ms086 ~~على هوية زوجته؟ في المقام الأول يبدو لنا وجود مرشحتين لتكون إحداهما زوجة يسوع ~~وكلتاهما كانتا من بطانته المقربين. أولى هاتين المرشحتين هي مريم المجدلية التي يدل ~~اسمها على أنها من بلدة مجدلة في الجليل (وهي اليوم بلدة المجدل على الشاطئ الغربي من ~~بحر الجليل). إن دور هذه المرأة في الأناجيل الأربعة غامض إلى حد كبير، ويبدو أنها قد ~~حجبت عن عمد. ففي إنجيل لوقا تظهر في وقت مبكر من حياة يسوع التبشيرية في الجليل، ~~عندما أخرج منها سبعة شياطين، ورافقته بعد ذلك من الجليل إلى اليهودية حيث نراها في ~~مشهد الصلب وما تلا ذلك من أحداث. أما في بقية الأناجيل فلا تظهر إلا في المراحل ~~الأخيرة من حياة يسوع. وعلى عكس الموروثات السائدة التي تطابق بينها وبين المرأة ~~الخاطئة (= المومس) التي دخلت على يسوع وراحت تبكي وتقبل قدميه وتمسحهما بشعرها ~~وتدهنهما بالطيب (لوقا، 7: 36-50)، فإن صورتها في الأناجيل تدل على انتمائها إلى الطبقة ~~الأرستقراطية، وكان من بين صديقاتها زوجة مسئول كبير في إدارة الملك هيرود أنتيباس ~~حاكم الجليل. ولا أدل على مكانتها المميزة في بطانة يسوع من أن اسمها في الأناجيل ~~الأربعة يتصدر قائمة أسماء النساء اللواتي تبعن يسوع من الجليل وخدمنه من أموالهن. ~~وقد تلقت المجدلية من يسوع معاملة تفضيلية، الأمر الذي أثار غيرة بقية التلاميذ ~~وقاد في النهاية إلى محاولة تشويه صورتها. وبما أنها التحقت بيسوع عندما كان في ~~الجليل وتبعته في جولاته التبشيرية وصولا إلى أورشليم، فإن في ذلك دليلا على أنها ~~كانت متزوجة وتسير في صحبة زوجها؛ لأن النساء في أيام يسوع لم يكن يسافرن إلا بصحبة ~~أزواجهن. ويبدو هذا الشرط أكثر إلحاحا إذا كانت المرأة تسافر في صحبة معلم روحي وتختلط ~~مع بطانته من الذكور. وبما أنه من غير المتصور أن تكون المجدلية متزوجة من أحد تلاميذ ~~يسوع؛ لأن علاقتها المميزة مع المعلم ستجعلهما عرضة للأقاويل ولتهمة الزنا، فإن ~~المجدلية لا بد وأنها كانت زوجة يسوع نفسه. # الرد # لم تكن المجدلية وحدها هي التي ms087 ترتحل دون زوج في ركب يسوع، بل إن كل من رافقنه ~~من النساء كن يرتحلن بلا أزواج. فمرقس يذكر جماعة من النساء كن في بطانة يسوع ~~منهن: المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وسالومة. ومتى يقول: إن كثيرا من النساء ~~تبعن يسوع من الجليل، ويذكر من أسمائهن، المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني ~~زبدي. ولوقا يذكر من أسماء الكثيرات: المجدلية وحنة امرأة خوزي وكيل (أو خازن) ~~الملك هيرودوس، وسوسنة. ويوحنا يذكر: المجدلية ومريم زوجة كلوبا. ونحن نعرف من ~~أزواج هؤلاء النسوة زبدي الصياد أبا يعقوب ويوحنا، وخازن الملك هيرود أنتيباس، ~~وكلوبا أخا يوسف النجار، وهؤلاء لم يكونوا في بطانة يسوع مع زوجاتهم، وكذلك بقية ~~النسوة اللواتي ربما كن عازبات وبلا أزواج. فلماذا يكون وجود المجدلية بلا زوج في ~~صحبة يسوع أمرا مستهجنا؟ وبأي شطحة خيال غير منضبط استنتج المؤلفون أنها لا بد ~~وأن تكون زوجة ليسوع؟ ~~(5) مريم بيت عنيا كمرشحة ثانية # يقول المؤلفون: هنالك امرأة أخرى ذات دور بارز في الإنجيل الرابع مرشحة أيضا لأن ~~تكون زوجة يسوع. إنها مريم من بيت عنيا أخت مرتا ولعازر الذي أقامه يسوع من بين ~~الأموات، وكان لهؤلاء الثلاثة بيت كبير فاره في ضاحية عنيا على جبل الزيتون المشرف ~~على مدينة أورشليم، كان من السعة بحيث يتسع لإقامة يسوع وتلاميذه المرتحلين في صحبته. ~~وقد أحب يسوع هذه الأسرة وغالبا ما كان يلجأ إلى بيتهم للراحة أو النوم. وفي إحدى ~~المرات غادر يسوع بيت عنيا ونزل مع تلاميذه إلى عبر الأردن حيث أقام مدة. فأرسلت إليه ~~الأختان مريم ومرتا تقولان إن أخاهما لعازر مريض. ولكن يسوع تلكأ أربعة أيام قبل أن ~~يتوجه إلى بيت عنيا، وعندما وصل خرجت مرتا لاستقباله أما مريم فمكثت في البيت. فقالت ~~له مرتا: «لو كنت هنا يا سيد لما مات أخي» وبعد حوار قصير بين الطرفين ترجع مرتا إلى ~~البيت وتقول لأختها: «المعلم هنا وهو يدعوك». فقامت مريم وخفت إليه. وهنا يفسر ~~المؤلفون عدم خروج مريم لملاقاة يسوع بأنها كانت ms088 في فترة الحداد السبعية التي تلتزم ~~النساء خلالها بيوتهن ويمارسن طقوس الحداد على القريب الميت، ولا يخرجن من البيت إلا ~~بأمر أزواجهن، وهذا ما حدث بين يسوع مريم، فلقد تصرفا وفق العائدة السائدة كزوج وزوجة ~~يهوديين. # الرد # كما هو الحال في بقية الشواهد التي يسوقها المؤلفون، فإنهم هنا يتوجهون بالخطاب ~~إلى الشريحة الواسعة من المسيحيين التي لم تقرأ الإنجيل. إن نظرة فاحصة إلى قصة ~~إحياء لعازر في إنجيل يوحنا كفيلة بالرد على هذا الاستنتاج الساذج. فقد بقيت مريم ~~في البيت ولم تخرج للقاء يسوع لأن البيت كان مليئا بالمعزين الذي جاءوا لتعزية ~~الأختين بأخيهما، وكان من عدم اللياقة الاجتماعية أن تترك الأختان معا ضيوفهما ~~وتخرجا للقاء يسوع. وهذا بالضبط ما ورد في إنجيل يوحنا؛ حيث نقرأ: «وكان كثير من ~~اليهود قد جاءوا إلى مرتا ومريم يعزونهما عن أخيهما. فلما سمعت مرتا بمجيء يسوع ~~خرجت لاستقباله ولبثت مريم قاعدة في البيت» (يوحنا، 11: 19-20)، أما لماذا دعا ~~يسوع بعد ذلك مريم فلكي يدلانه على الموضع الذي دفن فيه لعازر ويتوجه معهما إلى ~~المكان. وعندما خرجت مريم للقاء يسوع رافقها من كان حولها من المعزين: «فلما رأى ~~اليهود الذين كانوا في البيت مع مريم يعزونها أنها قامت وخرجت على عجل، لحقوا بها ~~وهم يظنون أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي ... فلما رآها يسوع تبكي ويبكي معها اليهود ~~الذين رافقوها ارتعشت نفسه واضطرب، وقال: أين وضعتموه؟» (يوحنا، 11: 29-33). # وهنالك سؤال لم يكلف المؤلفون أنفسهم عناء الإجابة عليه، وهو: كيف يكون يسوع ~~متزوجا من مريم بيت عنيا، مع العلم بأنه كان مقيما في بلدة كفر ناحوم قرب بحيرة ~~طبرية في الجليل (لوقا ، 4: 31؛ ويوحنا، 2: 12)، ولم ينزل لزيارة أورشليم إلا مرة ~~واحدة وفق الأناجيل الإزائية، وثلاثا أو أربع مرات وفق إنجيل يوحنا، أما مريم فقد ~~كانت مقيمة في قرية بيت عنيا على بعد ثلاثة كيلومترات إلى الشرق من أورشليم مع ~~أختها مرتا وأخيها لعازر. ولكي يقطع المسافر المسافة بين هذين الموقعين، عليه أن ~~يرتحل بصورة متواصلة مدة ثلاثة ms089 أيام على الأقل ممتطيا ظهر حمار إذا كان ~~موسرا. # يقول المؤلفون: هناك دليل إضافي على زواج محتمل بين يسوع ومريم بيت عنيا يرد في ~~إنجيل لوقا؛ حيث نقرأ: «وبينما هم سائرون دخل يسوع قرية فرحبت به امرأة اسمها ~~مرتا في بيتها، وكان لها أخت اسمها مريم جلست عند قدمي يسوع تستمع إلى كلامه، ~~وأما مرتا فكانت منهمكة في شئون الضيافة. فجاءت وقالت: يا رب أما تبالي أن تتركني ~~أختي أخدم وحدي؟ قل لها أن تساعدني. فأجاب يسوع وقال: مرتا، مرتا، أن تهتمين ~~وتقلقين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى شيء واحد. ومريم اختارت النصيب الصالح ~~الذي لن ينزع منها» (لوقا، 10: 38-42). من مناشدة مرتا ليسوع أن يطلب من مريم القيام ~~بمساعدتها نستنتج أن يسوع كان يمارس نوعا من السلطة على مريم حتى يأمرها أن تخف ~~لمساعدة أختها. كما أن في جواب يسوع لمرتا بأن أختها قد اختارت النصيب الصالح ~~إشارة إلى خيارها الزواج منه. على أية حال من الواضح أن مريم بيت عنيا كانت ~~تلميذة شغوفة بيسوع شغف المجدلية نفسها. # الرد # لم يكن من اللائق بالنسبة لمرتا أن تتوجه بخطابها إلى أختها التي كانت تستمع ~~إلى كلام الضيف وإنما إلى الضيف نفسه طالبة تدخله، فكان سلوكها متفقا تماما ~~مع قواعد الضيافة والتهذيب الاجتماعي، ولا شيء هناك ينم عن تمتع يسوع بنوع من ~~السلطة على مريم. أما عن قول يسوع بأن مريم قد «اختارت النصيب الصالح الذي لن ينزع ~~منها» فليس فيه إشارة إلى وضعية الزواج القائم بينهما، وإنما إشارة إلى قبولها ~~لتعاليمه وإيمانها به، كما هو حال أي تلميذ آخر. ~~(6) هل المريمتان واحدة؟ # يقول المؤلفون: يذكر مرقس ومتى ويوحنا أن مريم المجدلية كانت حاضرة في وقت ~~الصلب، ولكن لا أحد منهم يذكر أن مريم بيت عنيا كانت حاضرة أيضا. فإذا كانت مريم ~~بيت عنيا مكرمة كتلميذة بالقدر نفسه، وهو ما يبدو لنا من سياق الأحداث، فإن غيابها عن ~~اللحظة الأخيرة من حياة يسوع أمر غير مفسر ويستحق الشجب، هذا إلا ms090 إذا كانت موجودة ~~في شخص مريم المجدلية ذاتها، فإذا كانت المجدلية ومريم بيت عنيا هما شخص واحد في ~~الواقع، فليس هناك سؤال عن سبب تغيب الأخيرة عن الصلب. وفي الحقيقة فإنه إذا كان يسوع ~~متزوجا فليس هناك إلا مرشحة واحدة لتكون زوجته، وهي المرأة التي ذكرت في الأناجيل تحت ~~أسماء مختلفة وفي أدوار مختلفة. # الرد # لا ندري كيف تكون مريم المجدلية ومريم بيت عنيا شخصية واحدة مع العلم بأن ~~المؤلفين قالوا لنا قبل بضع صفحات أن المجدلية جاءت من بلدة مجدلة قرب طبريا، ~~وتبعت يسوع من الجليل بعد أن أخرج منها سبعة شياطين. ثم قالوا لنا في تعريف مريم ~~بيت عنيا بأنها أورشليمية تسكن مع أختها مرتا وأخيهما في ضاحية على جبل الزيتون ~~مشرفة على أورشليم، وأن بيتهم كان من السعة بحيث يتسع لاستضافة يسوع وتلاميذه بضعة ~~أيام، وكان ملحقا بالبيت قبر فخم منحوت من الصخر خاص بالأسرة، الأمر الذي يدل ~~على ثرائها وانتمائها إلى الأستقراطية الأورشليمية. # هذه الأسئلة لم يكلف المؤلفون أنفسهم عناء الإجابة عليها، بل انتقلوا في آخر ~~الفصل 12 الذي نعالجه هنا إلى القول بوجود ابن ليسوع ورث عنه عرش داود (!) وقد ~~وجدوا هذا الابن في براباس، السجين الذي أطلقه بيلاطس لليهود بدلا عن يسوع. ~~(7) ابن يسوع # يقول المؤلفون: هل يمكن أن نجد في الأناجيل ما يدل على وجود ابن ليسوع؟ هنالك شاهد ~~غائم على ذلك ولكنه يتوضح أمام أعيننا إذا نحن أمعنا النظر في النص الذي يذكر شخصية ~~براباس المحيرة. فالباحثون ما زالوا غير متأكدين من أصل الاسم واشتقاقه. فقد يكون ~~تحريفا لكلمة برابي/ # Berabbi # التي تلحق بأسماء ~~المعلمين اليهود البارزين دلالة على التقدير. وقد يكون تحريفا لكلمة # Bar-Rabbi # التي تعني ابن المعلم، أو لكلمة # Bar Abba # أي ابن الأب. وفي الحالتين الأخيرتين ~~هنالك إشارة إلى ابن يسوع. ونحن كلما تأملنا في هذه الشخصية تبين لنا وجود محاولة ~~لإخفاء أمر ما بشأنها والإساءة إليها، وانتهى به الأمر في الموروثات المتداولة لأن ~~يعتبر لصا. ولكن الأناجيل لم ms091 تصفه باللص، فهو عند مرقس ولوقا متمرد متهم بالقتل ~~والعصيان المسلح، وهو عند متى أسير مشهور، وفي إنجيل يوحنا استعمل المؤلف في وصفه ~~كلمة # Lestia # التي تعني في اليونانية إما لص أو رجل ~~عصابات. لذلك من المرجح أن يكون براباس هذا منتميا إلى جماعة الزيلوت (أو الغلاة)، ~~وهم متمردون على الحكم الروماني وغالبا ما كانوا يقومون بأعمال شغب سياسي وعصيان مسلح. ~~وهذا يتفق مع ما ورد في إنجيل لوقا من أن براباس قد سجن لأجل فتنة وقتل (لوقا، 23: 25)، ~~ولكننا لا نعرف عن حدوث فتنة سياسية في تلك السنة غير ما قام به يشوع وجماعته في الهيكل ~~عندما قلب يسوع مناضد الصيارفة وطرد باعة حيوانات القرابين، وعلى حد وصف يوحنا فقد ~~جلدهم بالسوط. فهل كانت هذه هي الفتنة التي كان براباس متورطا فيها؟ هذا يبدو محتملا. ~~وفي هذه الحال لا بد أن يكون براباس واحدا من بطانة يسوع. # لقد اقترح أحد الباحثين المحدثين أن براباس كان ابن يسوع. وفي هذه الحالة فإن اختيار ~~اليهود له يبدو منطقيا؛ لأن اليهود الواقعين تحت نير روما كان يرون أن مسيحهم الذي ~~انتظروه طويلا لكي يأتي ويحررهم، هو الآن مهدد بالموت، وعليهم الاختيار بين إطلاق ~~سراحه أو إطلاق سراح ابنه. في مثل هذه الظروف ألا ~~تعد السلالة أكثر أهمية من الفرد؟ ألن يكون للحفاظ على السلالة أولوية على أي شيء ~~آخر؟ ألن يفضل الشعب وهو يواجه هذا الاختيار الرهيب، أن يكون ملكهم هو الضحية لكي ~~تبقى سلالته من بعده؟ إن بقيت السلالة فسيكون على الأقل هناك أمل للمستقبل. # الرد # لن أقوم بالرد على القسم الأول من هذا الطرح، لأن النتيجة المستنبطة من مقدماته ~~متهافتة تهافت تلك المقدمات التي تركز على مناقشة لغوية لاسم برباس. ربما كان ~~علينا أن نرجع إلى أهل براباس ونسألهم لماذا أطلقوا مثل هذا الاسم عليه. أما عن ~~القسم الثاني المتعلق بتفضيل الجموع اليهودية، التي احتشدت تحت شرفة الوالي ~~بيلاطس، إطلاق براباس على إطلاق يسوع من أجل الحفاظ على سلالة ملك اليهود، ms092 فأقول ~~بأن هذه الجموع لم تكن تؤمن بأن يسوع هو المسيح اليهودي المنتظر، وكان الشعب كله ~~يطالب بصلبه صائحا «دمه علينا وعلى أولادنا» (متى، 27: 25). أما تلاميذ يسوع فقد ~~كانوا مختبئين طيلة أحداث المحاكمة والصلب خوفا من الاعتقال. ولم يكن عدد أتباع ~~يسوع ممن آمن بأنه المسيح يزيد كثيرا عن المائة شخص، على ما نفهم من سفر أعمال ~~الرسل 1: 15. ثم لماذا يجب التضحية بالأب من أجل استمرار السلالة؟ أولن تستمر ~~السلالة من خلال أولاد آخرين ليسوع يفترض المؤلفون وجودهم على ما سنرى بعد قليل، ~~أو من أولاد آخرين ينجبهم يسوع من المجدلية إذا ما تم إنقاذه، لا سيما وأن الزوجين ~~كانا في ريعان الشباب؟ ~~(8) يقول المؤلفون # ولد يسوع وفق رواية متى نحو عام 6ق.م. ونحو عام 6م وفق رواية لوقا، وصلب في زمن ~~لا يتعدى عام 36م (وهو العام الأخير لولاية بيلاطس على اليهودية). وهذا يعني أنه مات ~~في نحو الثانية والأربعين، أو في نحو الثلاثين من عمره. في الحالة الأولى من الممكن أن ~~يكون له ولد تجاوز سن العشرين، وفي الحالة الثانية من الممكن أن يكون له ولد في سن ~~الثالثة أو الرابعة عشرة إذا أخذنا بعين الاعتبار عادة الزواج المبكر في تلك الأيام. ~~وبناء على ذلك ليس من المستبعد أن يكون براباس ابنه. ولربما كان له أطفال آخرون ~~أنجبتهم المجدلية في أي وقت بعد بكرها براباس. # الرد # ينسى المؤلفون هنا أنهم قد زوجوا يسوع من المجدلية في مطلع حياته التبشيرية ~~واعتبروا أن عرس قانا الجليل كان عرس يسوع نفسه. ووفق تحقيب إنجيل يوحنا لأحداث ~~الإنجيل، فقد صلب يسوع بعد عامين من ظهوره العلني الذي أعقب عرس قانا مباشرة. ~~وعليه فإذا كان له ولد من المجدلية فإن عمره عند وفاة يسوع لم يكن يتجاوز ~~العام. ~~(9) المجدلية وسبط بنيامين # يقول المؤلفون: لقد كانت المجدلية من طبقة أرستقراطية على ما بينا سابقا، أما عن ~~انتمائها العشائري فلا يوجد في كتاب العهد الجديد إشارة إليه. على أن الموروثات ~~اللاحقة تقول إنها كانت من ms093 نسب ملكي، والبعض قال بأنها تنتمي إلى سبط بنيامين. وهذا ~~ما أعطى يسوع سببا وجيها للزواج منها، وكان هذا السبب سياسيا بالدرجة الأولى. ~~فالمدينة المقدسة أورشليم كانت في الأصل ملكا لسبط بنيامين، وفق التوزيع الأصلي الذي ~~قام به يشوع بن نون لأرض كنعان المكتسبة حربا على الأسباط الاثني عشر. ومن سبط بنيامين ~~هذا خرج أول ملك وحد الإسرائيليين في دولة واحدة بسطت سلطتها المركزية على كامل ~~أراضي إسرائيل، وهو الملك شاؤل الذي مسحه النبي صموئيل ملكا بأمر من الرب. ولكن داود ~~الذي ينتمي إلى سبط يهوذا انتزع الملك من شاؤل وحرم البنيامينيين من حقهم الشرعي ~~بالحكم، وبعد أن جعل عاصمته في أورشليم حرمهم أيضا من ميراثهم الشرعي. # وقد كان يسوع وفق نص الإنجيل من عشيرة داود وبالتالي من سبط يهوذا، وهذا ما يجعله ~~مغتصبا في عين البنيامينيين للملك الذي يطالب به. من هنا فإن زواجا سياسيا من ~~امرأة بنيامينية سوف يعطيه حقا شرعيا في الحكم ويخفف من معارضة البنيامينين ~~المتوقعة له، ويعيد أورشليم إلى أصحابها الأصليين. وهذا ما حصل. # الرد # لقد كان التوزيع الذي قام به يشوع بن نون توزيعا عن الورق فقط؛ فقد كان على كل ~~سبط أن يحارب من أجل امتلاك حصته من الأرض الموزعة. وهذا ما نفهمه من سفر القضاة ~~2: 6 حيث نقرأ: «وصرف يشوع الشعب؛ فذهب بنو إسرائيل كل واحد إلى ملكه لأجل امتلاك ~~الأرض.» ولقد كانت أورشليم من ضمن حصة بنيامين، ولكن البنيامينيين لم يمتلكوها قط ~~(راجع سفر القضاة، 1: 21). وعندما أسس شاؤل البنياميني المملكة الموحدة لكل ~~إسرائيل لم تكن عاصمته في أورشليم وإنما في مدينة جبعة (راجع صموئيل الأول: 1/ 26، ~~و11 /4، و15/ 34، و6 /22). أما عن قول المؤلفين بأن داود قد انتزع الملك من شاؤل فغير ~~صحيح؛ لأن شاؤل قد قتل مع أولاده السبعة في آخر معركة له مع الفلسطينيين (صموئيل ~~الأول: 31)، فجاء بنو يهوذا إلى حبرون مقر إقامة داود ومسحوه ملكا عليهم (صموئيل ~~الثاني، 2: 1-4). وبعد نزاع طويل على السلطة بين قبيلة يهوذا والقبائل العشر ~~الشمالية، ms094 جاء جميع شيوخ إسرائيل إلى الملك في حبرون ومسحوا داود ملكا على إسرائيل ~~(صموئيل الثاني، 5: 1-2). وفي ذلك الوقت لم تكن أورشليم ملكا لبنيامين وإنما ~~لسكانها اليبوسيين الكنعانيين، فأقام داود سبع سنين في حبرون وجعلها عاصمة له، ~~وبعد ذلك شن حربا على اليبوسيين وحاصر أورشليم ثم فتحها وجعل منها عاصمته ~~الجديدة (صموئيل الثاني، 5: 1-10). وبعد ذلك بقيت سلالة الملك داود تحكم في أورشليم ~~حتى دمارها على يد نبوخذ نصر الكلداني عام 587ق.م. أي طيلة ما يزيد عن أربعمائة ~~سنة، دون أن يعترض أحد على شرعية ملوكها، ولم يضطر واحد من هؤلاء الملوك إلى ~~الزواج من امرأة بنيامينية لدعم حقه الشرعي في الحكم. ولا أدل على العلاقات ~~الطيبة التي جمعت سبط يهوذا مع جاره سبط بنيامين، من أن سبط بنيامين كان السبط ~~الوحيد الذي بقي مع يهوذا بعد انقسام المملكة عقب وفاة الملك سليمان، إلى مملكة ~~إسرائيل في الشمال التي تبعها الأسباط العشرة، ومملكة يهوذا في الجنوب التي تبعها ~~سبط يهوذا وكذلك سبط بنيامين. وبقيت الأمور على هذه الحال حتى دمار مملكة إسرائيل ~~عام 721ق.م. ثم دمار مملكة يهوذا عام 587ق.م. # بهذه الطريقة البعيدة مناهج البحث في كتاب العهد الجديد، حاول المؤلفون إقناعنا ~~بأن يسوع كان متزوجا من مريم المجدلية، وأنه نجا من الصلب بمؤامرة مدبرة، وأرسل ~~بالمجدلية مع أولادها إلى شواطئ فرنسا حاملة الدم الملكي اليهودي إلى أوروبا؛ حيث ~~تأسست هناك ممالك يحكمها ملوك ينتمون إلى قبيلة يهوذا وقبيلة بنيامين، وإلى ملك ~~اليهود الذي لم يقيض له أن يحكم. # | معمودية يسوع # (1) يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية # المعمودية، وهي طقس ديني يتضمن غمر الجسد بشكل كامل في الماء، ممارسة موغلة في ~~القدم. ففي الثقافة السومرية (الألف الثالث قبل الميلاد) كان إله الماء يدعى إيا، أي ~~إله بيت الماء، وكان معبده العلوي الذي يقيم فيه بين الناس نظيرا لمسكنه السفلي في ~~الأعماق المائية العذبة، ويدعى بيت الطهارة؛ حيث كانت تجري طقوس الاغتسال بالماء. # 1 # أما الرمزية الكامنة وراء هذا الطقس فمؤداها أن ms095 غسل الجسد بالماء هو مظهر ~~خارجي لتطهير الروح، والمغتسل بالماء الذي يذهب بأدران الظاهر إنما يعبر في الوقت ذاته ~~عن غسله لأدران الباطن. كما أن الغطس الكامل في ماء نهر مقدس أو في جرن العماد ~~الموضوع في المعبد ثم الصعود ثانية، يعبر عن الموت والانبعاث، موت الفرد عن نفسه ~~الأرضية والانبعاث في نفس روحانية. # وتتخذ المعمودية مركز البؤرة في طقوس ديانات الأسرار التي شاعت في العصر الهيلنستي ~~والعصر الروماني، والتي تقوم عقائدها على الإيمان بإله مخلص يقود العابد الذي اتحد ~~به إلى الخلاص من ربقة الموت وإلى خلود الروح. فمن خلال طقس المعمودية كان المنتسبون ~~الجدد إلى الديانة يعبرون إلى أسرارها التي كانت محجوبة المنتسبين. وسنسوق فيما يلي ~~نموذجين من هذه الطقوس، الأولى طقوس إيليوسيس في العبادة السرية للإلهة اليونانية ديمتر ~~وابنتها بيرسيفوني، والثانية طقوس الإلهة المصرية إيزيس كما كانت تمارس في روما. # وعرفت بلاد الإغريق نوعين من الطقوس الديمترية، النوع الأول يدعى بالطقوس الصغرى ~~وكانت تقام سنويا في ذكرى عثور ديمتر على ابنتها بيرسيفوني التي اختطفها هاديس إله ~~العالم الأسفل. ويغلب على هذه الطقوس طابع احتفالات الخصب؛ حيث يرمز صعود بيرسيفوني ~~من العالم الأسفل إلى عودة الحياة إلى الطبيعة الميتة. أما النوع الثاني فيدعى بالطقوس ~~الكبرى، وكانت تقام كل خمسة أعوام على شرف ديمتر لا باعتبارها مخلصة أرضية تتشارك مع ~~ابنتها في إحياء الطبيعة سنويا، وإنما باعتبارها إلهة خلاص روحاني. يشارك في هذه ~~الاحتفالات الكبرى المريدون الجدد الذين تم اختيارهم لدخول أسرار الإلهة والعبور إلى ~~حلقة عبادها الخاصة، فهي والحالة هذه طقوس تنسيب وعبور. كان موكب المحتفلين ينطلق من ~~أثينا مشيا على الأقدام إلى مدينة إيليوسيس مركز عبادة ديمتر، وعند الوصول إلى البحر ~~ينزل المشاركون في الطقوس حيث يغمرون أنفسهم بالماء في عملية تطهير رمزي من شأنها ~~إعدادهم للحياة الروحية الجديدة. وعند الوصول إلى إيليوسيس يخضع المشاركون الطقوس تنسيب ~~تكمل طقوس العماد بالماء لا نعرف عنها شيئا، لأن من مروا بها حاذروا دوما من البوح ~~بحقيقة ما كان يجري ms096 هناك. # 2 # ويشير المؤرخ الإغريقي هيرودوتس إلى هذا الطابع السري لطقوس إيليوسيس في ~~معرض حديثه عن أسرار الإله أوزيريس في مصر، وذلك في كتابه «التاريخ» فيقول: «على تلك ~~البحيرة أمام المعبد في الدلتا يقيم المصريون طقوسهم المكرسة لإلههم الذي لن أنطق ~~باسمه. وعلى الرغم من أني رأيت رؤية العين كل ما جرى في ذلك المكان، فإني لن أزيد في ~~القول شيئا، وأمسك لساني عن البوح بما رأيت مثلما أمسكته عن البوح بما رأيت في طقوس ~~الإلهة ديمتر في إيليوسيس.» # 3 # أما عن طقوس التنسيب في عبادة الإلهة إيزيس بصيغتها الرومانية، فيحدثنا عنها الكاتب ~~الروماني أبوليوس الذي تحول فيما بعد إلى هذه العبادة وصار كاهنا لإيزيس، وذلك في ~~كتابه المعروف «الحمار الذهبي». وهو يصف هنا تجربته الشخصية عندما مر بهذه الطقوس ~~التي يتخذ الاعتماد بالماء مدخلا إليها: «جاءني الكاهن الأعلى ومعه كهان آخرون، ~~فاقتادوني إلى الحمام حيث أمرت بالاغتسال، وبعدها قام الكاهن الأعلى نفسه بسكب ماء ~~مقدس على جسدي كله وهو يتلو صلوات وأدعية خاصة. ولما انتهيت أتى بي إلى المعبد ~~وأجلسني عند قدمي تمثال الإلهة وأعطاني تعليمات مقدسة لا أجرؤ على البوح بها. ثم ~~ألزمني صياما خاصا فلم أقرب اللحم أو الخمر مدة عشرة أيام، اقتصر طعامي خلالها على ~~ما يسد الرمق فقط. وعندما حل اليوم الأخير جاءني الكاهن الأكبر فألبسني عباءة ~~بيضاء قطنية وقادني إلى قدس أقداس المعبد. أما ما حدث هناك فإن لساني لو نطق وسمحت ~~لأذنك أن تسمع، فإن لساني سيلقى جزاء بما نطق، وستلقى أذنك جزاء بما سمعت.» # 4 # وقد كانت الكنيسة المسيحية في طورها الأول، ~~شأنها في ذلك شأن بقية ديانات الأسرار، عبارة عن حلقة مقتصرة على المنتسبين المؤهلين ~~لتلقي أسرار الدين، أو أسرار ملكوت الله على حد وصف يسوع نفسه . فعندما سأله ~~التلاميذ عن مغزى أحد الأمثال التي كان يوردها أمام اليهود قال لهم: «لكم قد أعطي أن ~~تعرفوا أسرار ملكوت الله وأما للباقين فبأمثال، حتى إنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا ~~يسمعون» (لوقا، ms097 8: 9-10). وكان التعميد الذي يتضمن الغطس الكامل بالماء ثم الصعود منه، ~~هو طقس التنسيب الذي يتوجب على المريد الجديد أن يمر به من أجل الولادة الثانية. وهذا ~~مغزى قول يسوع في إنجيل يوحنا: «ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا ولد وكان ~~مولده من الماء والروح» (يوحنا، 3: 5). وكان يسوع وتلاميذه يعمدون كل راغب في الانضمام ~~إلى الجماعة المسيحية، على ما نفهم من إنجيل يوحنا 3: 3، وإنجيل متى 28: 19. ويعود ~~طقس المعمودية المسيحية إلى النبي يوحنا بن زكريا الملقب بالمعمدان الذي كان يعمد ~~بالماء عند نهر الأردن لمغفرة الخطايا. # ويوحنا هذا شخصية غامضة يلفها الضباب، وهو يظهر فجأة ودون مقدمات في أناجيل متى ~~ومرقس ويوحنا، أما مؤلف إنجيل لوقا فيورد قصة عن ميلاده من الكاهن زكريا وامرأته ~~العاقر اليصابات، تشبه قصص الميلاد الإعجازي للشخصيات التوراتية الرئيسية مثل إسحاق ~~وصموئيل وشمشون، ولكنه يصمت بعد ذلك عن حياة المعمدان بين ميلاده وظهوره على شاطئ نهر ~~الأردن يعمد الناس. أما عن رسالته وتعاليمه، فإن مؤلفي الأناجيل يجعلون منه خاتمة ~~النبوة في إسرائيل. وهذا مؤدى قول يسوع في إنجيل لوقا: «كان الناموس والأنبياء إلى ~~يوحنا المعمدان ثم ابتدأت البشارة بملكوت الله» (لوقا، 16: ~~16). من هنا فقد عمد هؤلاء إلى إعطائه دور النبي الذي ~~يظهر في آخر الأزمان من أجل التمهيد لظهور المسيح على ما رددته النبوءات المسيانية ~~في كتاب التوراة. ونبي آخر الأزمنة هذا هو شخص تحل عليه روح النبي إيليا أعظم ~~أنبياء التوراة بعد موسى، على ما نقرأ في سفر ملاخي: «ها أنا ذا أرسل إليكم إيليا ~~النبي قبل مجيء يوم الرب العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على ~~الآباء» (ملاخي، 4: 5-6). وأيضا: «ها أنا ذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي ~~إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به» (ملاخي، 3: 1). وهو يوصف ~~في سفر إشعيا بأنه: «صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر طريقا ~~لإلهنا» (إشعيا، 40: 3). وهو في مظهره ونمط حياته يشبه إيليا الذي كان ms098 رجلا أشعر ~~يتمنطق بمنطقة من جلد على حقويه، ويمضي جل وقته في البرية (1 ملوك، 17: 5؛ و2 ~~ملوك، 1: 8). وقد اقتبس مؤلفو الأناجيل هذه الأخبار والأوصاف وعزوها إلى يوحنا المعمدان ~~باعتباره النبي المنتظر الذي يبشر بظهور المسيح. نقرأ في افتتاحية إنجيل مرقس. ~~«كما هو مكتوب في الأنبياء: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. صوت ~~صارخ في البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة. كان يوحنا يعمد في البرية ~~ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. (وهنا يضيف متي: فيقول توبوا قد اقترب ملكوت ~~السماوات). وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا على يديه في نهر الأردن ~~معترفين بخطاياهم. وكان يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه، ويأكل ~~جرادا وعسلا بريا. وكان يكرز قائلا: يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلا ~~أن أنحني وأحل سيور حذائه. أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس، في ~~تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا من الأردن» (مرقس، ~~1: 1-10). # ويضيف متى ولوقا خطابا يضعانه على لسان يوحنا، نورده فيما يلي عن صيغة ~~لوقا: ~~«وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا على يديه: يا أولاد الأفاعي، من علمكم أن ~~تهربوا من الغضب الآتي؟ ألا اصنعوا أثمارا تليق بالتوبة، ولا تقولوا إن أبانا هو ~~إبراهيم، لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم. والآن ~~قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. ~~وسأله الجموع قائلين: فماذا نفعل؟ أجابهم: من له ثوبان فليعط من ليس له، ومن له ~~طعام فليفعل كذلك. وجاء عشارون أيضا ليعتمدوا على يديه فقالوا له: يا معلم ماذا ~~نفعل؟ فقال لهم: لا تستوفوا أكثر مما فرض لكم. وسأله أيضا بعض الجنود: ونحن ماذا ~~نفعل ؟ فقال: لا تظلموا أحدا ولا تشوا بأحد واكتفوا بأرزاقكم» (لوقا، 3: 7-14). # ولإنجيل يوحنا رواية خاصة به سوف نعرضها عند الحديث عن معمودية يسوع. # لم تدم فترة كرازة يوحنا المعمدان ms099 طويلا؛ فقد قبض عليه هيرود أنتيباس ملك الجليل ~~لأنه كان يشجب زواجه من هيروديا امرأة أخيه. وعندما كان هيرود يحتفل بعيد ميلاده رقصت ~~سالومي ابنة هيروديا أمام المدعوين فسر برقصها، وأقسم تحت تأثير الخمر أنه مهما طلبت ~~يعطيها، فدفعتها أمها أن تطلب رأس يوحنا، فأسقط في يد هيرود وأرسل وقطع رأس يوحنا ~~وأحضروه له على طبق (متى، 14: 3-12). # ولدينا خبر تاريخي واحد عن يوحنا المعمدان ~~يتقاطع مع الأخبار الإنجيلية أورده المؤرخ اليهودي يوسيفوس في كتابه «عاديات اليهود» ~~الذي وضعه في روما نحو عام 93 للميلاد، فقال «إن يوحنا الملقب بالمعمدان كان رجلا ~~بارا، يأمر اليهود بالمعاملة الطيبة تجاه بعضهم بعضا وبتقوى الله. وكان يعمد بالماء ~~من أجل تطهير الجسد بعد أن تطهرت الروح بالبر والتقوى. ولأن الجميع كانوا يتقاطرون ~~إليه ويسمعون كلماته خاف هيرود من تأثيره على الناس ومن فتنة محتملة، فقبض عليه وسجنه ~~في قلعة مخايروس ثم أمر بإعدامه.» # 5 # إن ما تقوله لنا هذه الأخبار الشحيحة هو أن تعاليم يوحنا المعمدان لم تخرج عن ~~الإطار العام للعقيدة اليهودية في أشكالها المتأخرة. فيوحنا كان يبشر بقرب حلول ملكوت ~~الرب الذي بشر به كبار الأنبياء من قبله مثل إشعيا وإرميا، وهو مملكة أرضية يحكمها ~~الإله يهوه بنفسه. وكان يعمد بالماء لمغفرة الخطايا استعدادا لدخول المعتمدين في هذا ~~الملكوت، ولاستقبال المسيح اليهودي الذي يفتتح الملكوت بظهوره. ومثل هذه الأفكار لم ~~تكن بالشيء الجديد، وكان الأسينيون يبشرون بها، وهم طائفة يهودية طهرانية اعتزلت ~~المدن وأقامت في البرية في انتظار قدوم المسيح، وكانت تمارس طقوس التعميد ~~بالماء. # إلا أن ظهور بعض الطوائف الغنوصية منذ القرن الأول الميلادي، والتي تدعي انتسابها ~~إلى يوحنا المعمدان، وتنسب إليه تعاليمها وطقوسها، يزودنا بمقاربة جديدة لتصور ~~التعاليم الأصلية ليوحنا. فالغنوصية هي منظومة من الأفكار الدينية تبلورت فيما بين ~~أواخر القرن الأول قبل الميلاد وأوائل القرن الأول الميلادي. وهي تقول بثنائية الجسد ~~والروح؛ حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة المظلم، وتنتمي الروح إلى العالم الإلهي ~~المنير، فهي قبس من ms100 روح ملك الأنوار احتبسها الديميرج (أي الإله الآخر الذي صنع ~~العالم) في جسد صنعه من طين الأرض ونفخ فيه الحياة. وستبقى الروح أسيرة في هذا الجسد ~~المادي وفي هذا العالم المادي، وأسيرة دورات تناسخ لا تنتهي، إلى أن يقودها الغنوص ~~(أي العرفان الداخلي) إلى إدراك طبيعتها الإلهية، عندها فقط تستطيع الإفلات من دورة ~~التناسخ والعودة إلى موطنها السماوي الذي جاءت منه. # وتحدثنا كتب التراث العربي، مثل كتاب الفهرس لابن النديم، عن أكثر من طائفة ~~معمدانية كانت حية في أيامهم، ومنها طائفة «المغتسلة» (وهي تسمية مشتقة من طقس العماد ~~بالماء) التي نشأ فيها ماني ثم انشق عنها وأسس الديانة المانوية. وقد بقي من هذه ~~الطوائف اليوم طائفة الصابئة المندائيين التي تقيم في جنوب العراق والمناطق العربية من ~~إيران. وكلمة صابئة مشتقة من الجذر صبأ، الذي يدل في اللغة المندائية الآرامية على ~~التعميد والتطهر بالماء، وهو طقس الدخول في الدين. أما كلمة المندائية فمشتقة من كلمة ~~مندا التي تعني معرفة أو علما، ويعادلها في اليونانية كلمة غنوص ~~( # Gnosis ~~). وعلى ما نستشف من مصادر المندائيين ~~أنفسهم، ومن كتب التراث العربي، ومن دراسات المستشرقين المحدثين، فإن الموطن الأصلي ~~لهذه الطائفة كان في منطقة القدس وشواطئ نهر الأردن، ثم هاجروا شرقا نحو وادي الرافدين ~~عقب الاضطرابات التي رافقت وتلت الحروب اليهودية الرومانية فيما بين عام 66 وعام 70 ~~للميلاد، والتي انتهت بدمار أورشليم على يد القائد الروماني تيتس. وما زال اسم الأردن ~~(أو يردنا باللغة المندائية) وهو النهر المقدس لديهم، يطلق على الماء الجاري الذي ~~يستخدم في طقوس التعميد. وقد عثر في منطقة ميسان في الجنوب العراقي على قطع نقود تحمل ~~كتابة مندائية تعود بتاريخها إلى نحو 150م، الأمر الذي يدل على قدم هذه الطائفة ~~وقربها زمنيا من العصر الذي عاش فيه يوحنا المعمدان. # ينتسب المندائيون إلى النبي يوحنا الذي يدعونه بلغتهم يهنا أو يهيا، وتورد كتبهم ~~المقدسة عن نسبه وميلاده أخبارا تشبه قصة إنجيل لوقا والقصة القرآنية. نقرأ في ~~إحدى تراتيلهم: «باسم الحي ربي، ms101 النور السني. ولد يوحنا في القدس. أليصابات ولدت ولدا ~~من الأب الشيخ زكريا. يوحنا ولد ولمس الأردن وكان نبيا. نور الإيمان قلبه، ونحن ~~نتعمد بمائه، ونرتسم بالرسم الزكي. ونأكل من زاده ونشرب من مائه، فتنفتح قلوبنا إلى ~~النور.» وطقس التعميد عندهم لا يتم إلا بالماء الجاري، وذلك على سنة يوحنا الذي كان ~~يعمد في ماء الأردن. ويخضع للتعميد الصغار في طفولتهم، والكبار قبل الزواج، كما يتعمد ~~من شاء أن يكسب أجرا. ويجري التعميد في يوم الأحد وهو اليوم المقدس عندهم. كما يجري ~~في المناسبات الدينية. ويهدف هذا الطقس إلى تطهير الجسد والروح، ويكون الغطس الكامل في ~~الماء رمزا لفناء الجسد الخاطئ، والخروج من الماء رمزا للجسد الذي انبعث روحيا. ~~وخلال طقس المعمودية وبقية الاحتفالات الدينية يرتدي المندائي الثياب البيض التي ترمز ~~إلى النور، ويتحاشى بشكل عام اللون الأسود الذي هو لون الظلام والخطيئة. # يقوم جوهر العقيدة المندائية على الإيمان بأن نفس الإنسان أو نسمته (= نشمتا ~~بالمندائية) هي نفحة من الذات العليا، ولا بد لها وأن تعود يوما إلى باريها وتتحد به ~~في حياة باقية خالدة. وقد حلت هذه النسمة الإلهية أول ما حلت في جسد آدم الأرضي ~~ومعها شيء من جلال موطنها الأصلي وجماله، وفي الوقت نفسه حلت في ذلك الجسد الأرضي روح ~~الشر (روها) ومعها كل ما في دنيا الظلام من خبث وشر. ولكن من خلال العرفان، أو ~~الماندا، يستطيع الإنسان اكتشاف أصله السماوي ويصارع في داخله روح الشر، وبذلك يتحقق ~~الانعتاق بعد الموت. # 6 # اعتمادا على وجود هذه الطوائف الغنوصية المعمدانية التي تنتمي إلى يوحنا المعمدان ~~وتنسب إليه تعاليمها، واستمرارها غير المنقطع منذ القرن الذي عاش فيه يوحنا، نستطيع ~~الاستنتاج بدرجة عالية من الثقة أن هذه التعاليم هي التي سمعها تلامذة يوحنا الأولون ~~ونقلوها إلى الأجيال اللاحقة، وأن يوحنا كان بحق واحدا من مؤسسي المدرسة الغنوصية ~~السورية التي كان سمعان ماجوس السامري أشهر ممثليها. وكلمة ماجوس، أي المجوسي، كانت ~~تعني في العصر الهيلنستي والروماني الشخص الحكيم المتضلع بأمور ms102 الفلك والتنجيم والسحر، ~~ومنهم المجوس الوارد ذكرهم في قصة الميلاد عند لوقا، والذين كانوا يرصدون النجوم عندما ~~رأوا نجم المخلص ساطعا في السماء فتبعوه إلى بيت لحم. # يلف الغموض شخصية سمعان ماجوس؛ لأن مؤلفاته قد ضاعت ولم يبق منها سوى شذرات أورها ~~نقاده المسيحيون، لا سيما هيبوليتوس في كتابه «تفنيد كل الهرطقات» الذي وضعه في مطلع ~~القرن الثالث الميلادي. نشط سمعان خلال أواسط القرن الأول الميلادي، وهذا يعني أنه عاصر ~~كلا من يسوع ويوحنا المعمدان. وقد ورد ذكره في سفر أعمال الرسل وهو السفر الرابع في ~~الكتاب المقدس المسيحي (العهد الجديد)، وفي سفر أعمال بطرس المنحول. يقول سمعان وفق ~~ما ينقله عنه ناقده هبوليتوس، بأن الله قوة أزلية وغير متمايزة منغلقة على نفسها في ~~صمت وسكون تام. ثم إن هذه القوة انقسمت على نفسها، فظهر العقل # Nous- # وهو مذكر، والفكرة # Enoia- # وهي مؤنث. وبذلك انشطرت الألوهة إلى قسم ~~علوي هو عالم الروح وقسم سفلي هو عالم المادة. ولقد امتصت الفكرة إينويا القوى ~~الخلاقة للأب وأنتجت ملائكة وقوى عملت من خلالهم على خلق العالم المادي. ولكن إينويا ~~فقدت السلطة على القوى التي نتجت عنها وصارت أسيرة لها ولا تستطيع الرجوع إلى الآب. ~~ثم ظهر سمعان ماجوس كتجسيد لله على الأرض لكي يحرر إينويا من قيودها، ويقدم الخلاص ~~من العالم المادي لكل من يتعرف عليه من البشر بصفته هذه. # 7 # لقد اعتبر بعض الباحثين أن سمعان ماجوس هو المعبر الأقدم عن الفكر الغنوصي، ولكن ~~الاتجاهات الأحدث في البحث لم تعد تؤيد هذا الطرح مع اعترافها بأن أعماله هي أبكر ما ~~وصلنا من نتاجات هذا الفكر. وهنالك أخبار متداولة تقول بأن سمعان قد تلقى علومه في ~~الإسكندرية ثم عاد إلى فلسطين حيث تتلمذ على يد يوحنا المعمدان الذي اعتبره أنجب ~~تلاميذه، وكان عازما على تعيينه خلفا له. ولكن سمعان كان في رحلة إلى مصر عندما جرى ~~القبض على يوحنا وإعدامه، فاستلم المنصب سامري آخر من أتباع يوحنا اسمه دوتيسيوس. ~~وعندما عاد سمعان إلى فلسطين جمع ms103 حوله ثلاثين تلميذا وراح يطوف معهم إلى أن لقي حتفه ~~في ظروف غامضة في روما. وقد خلفه في زعامة الطائفة اثنان من تلاميذه، الأول ميناندر وهو ~~سامري أيضا ولكنه أمضى النصف الثاني من حياته في أنطاكية حيث توفي نحو عام 80م. ~~أما الثاني وهو ساتورنيلوس فكان من مواطني مدينة دافنة إلى الشمال من السامرة حيث منابع ~~نهر الأردن، وقد عاش حتى أواسط القرن الثاني الميلادي. # 8 # أما سفر أعمال الرسل فيورد عن سمعان ماجوس ما يلي: «فنزل فيليبس الرسول مدينة سامرية ~~وجعل يبشر بالمسيح ... وكان في المدينة قبل ذلك رجل اسمه سمعان يفتري السحر ويفتن أهل ~~السامرة زاعما أنه رجل عظيم. فكانوا يلزمونه من صغيرهم إلى كبيرهم ويقولون: هذا قوة ~~الله العظيمة. وإنما لزموه لأنه أخذ يفتنهم بأساليب سحره من زمن طويل. فلما آمنوا بكلام ~~فيليبس الذي بشرهم بملكوت الله واسم يسوع، اعتمدوا رجالا ونساء وآمن سمعان أيضا» ~~(أعمال، 8: 4-12). ولكن سفر أعمال بطرس المنحول يعطينا صورة أخرى؛ حيث نجد سمعان ماجوس ~~قد سبق الرسول بطرس إلى روما وراح يبشر بمعتقده هناك مدعيا أنه ابن الله ومجترحا ~~المعجزات التي استمالت الناس، وكان بطرس من ناحيته يشفي المرضى والعميان والمقعدين بقوة ~~الروح القدس. ثم اجتمع الاثنان للمنافسة بحضور الإمبراطور نيرون وحشد من أهل روما، ~~فقام سمعان بصعود برج عال وطار فوق أحياء المدينة، ولكن بطرس صاح بصوت عال: ~~أناشدكم يا ملائكة الشيطان الذين تحملونه أن تفلتوه. وعلى الفور سقط سمعان على الأرض ~~وتحطم جسده. # 9 # تعبر أخبار العهد الجديد عن المنظور الذي رأى من خلاله الإنجيليون تعاليم يوحنا ~~المعمدان باعتباره معلما يهوديا اختط لنفسه نهجا خاصا لا يتعارض جذريا مع ~~العقيدة اليهودية. أما تعاليم الطائفة المندائية فيبدو أنها قد حفظت لنا الكثير من ~~جوانب فكر يوحنا المعمدان باعتباره معلما غنوصيا ينتمي إلى المدرسة الغنوصية السورية ~~التي ضاعت معالمها من خلال ما نقله لنا أعداؤها المسيحيون، ومن خلال مؤلفي أسفار العهد ~~الجديد الرسمية منها والمنحولة، الذين لم يكن بين أيديهم، على ما ms104 يبدو، معلومات كافية ~~عن شخصية المعمدان وطبيعة رسالته. # بعد هذا المدخل عن يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية، ننتقل إلى خبر اعتماد يسوع ~~كما ورد في الأناجيل ومدلولاته. ~~(2) المعمودية كبوابة للاستنارة # إذا نحينا قصة الميلاد التي وردت في إنجيلي متى ولوقا (ولم ترد في إنجيلي مرقس ~~ويوحنا) باعتبارها مقدمة مقحمة على سيرة يسوع اقتضتها طبيعة التغييرات اللاهوتية التي ~~حصلت خلال فترة امتدت قرابة نصف قرن بين حادثة الصلب وظهور الأناجيل، فإن سيرة يسوع ~~تبدأ من اعتماده في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، وهو العمل العلني الأول ليسوع. ~~فعندما رأى يسوع أن الكل يقصد يوحنا جاء من الجليل هو أيضا للاعتماد على يديه. وهنا ~~يروي لنا الإنجيليون أربع قصص تختلف في التفاصيل أحيانا وتتعارض في أحيان ~~أخرى. # ونبدأ كالعادة بإنجيل مرقس، وهو الأقدم وربما الأقرب إلى الواقعة التاريخية: ~~«وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت ~~وهو صاعد من الماء رأي السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلا عليه، ~~وكان صوت من السماوات: أنت ابني الحبيب الذي به سررت.» (مرقس، 1: 9-10) # نلاحظ من هذا الخبر المقتضب الخالي من التفاصيل والخيال الأدبي، أن يسوع قصد يوحنا ~~مثال بقية الناس، وربما مر بين المنتظرين دورهم للعماد دون أن يلحظه يوحنا، بدليل أن ~~اللقاء بين الطرفين كان موضوعيا ولم يجر بينهما أي حديث متبادل. # ونقرأ في إنجيل متى: ~~«حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه، ولكن يوحنا منعه ~~قائلا: أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي؟ فأجاب يسوع وقال له: اسمح الآن؛ لأنه ~~هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر. حينئذ سمح له. فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من ~~الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت ~~من السماوات قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى، 3: 13-17). # في قصة متى هذه يتحول اللقاء الموضوعي كما وصفه مرقس إلى لقاء درامي يتخلله حوار ~~مفعم بالمعنى. ms105 فلقد أدرك متى المأزق اللاهوتي لقصة اعتماد يسوع على يد يوحنا، وهو ~~مأزق ذو شقين؛ الشق الأول يتعلق بمضمون طقس المعمودية كما مارسه يوحنا وهو مغفرة ~~الخطايا استعدادا لحلول ملكوت السماء، وهذا المضمون يعني أن يسوع كان كغيره من البشر ~~خاطئا في الجسد ويرنو إلى الغفران. أما الشق الثاني فيتعلق بالمرتبة النسبية لكل من ~~المعمد ومتلقي العماد؛ حيث يتخذ المعمد المرتبة الأعلى من الناحية الروحية ومتلقي ~~العماد المرتبة الدنيا، ويكون يوحنا معلما ويسوع تلميذا. ولكي يتلافى متى هذا ~~المأزق اللاهوتي المزدوج، فقد جعل المعمدان يدرك لفوره أنه أمام الشخص الذي كان يقول ~~عنه «يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلا لأن أنحني وأحل سيور حذائه» (مرقس، ~~1: 7-8). ولهذا فقد أحجم عن تعميده قائلا: «أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي؟» ~~ثم نزل عند رغبته بعد أن أصر يسوع على إتمام المعمودية على يديه. # وفي الحقيقة فإن موقف يوحنا كما عرضه متى غير مفهوم، لأن الروح القدس لم يكن بعد ~~قد هبط على يسوع، ويسوع نفسه لم يكن يعرف أنه المسيح المنتظر قبل سماعه للصوت السماوي. ~~فكيف تأتت ليوحنا هذه المعرفة المسبقة؟ يضاف إلى ذلك أن الجملة التي استخدمها كل من ~~مرقس ومتى: «وللوقت وهو صاعد من الماء رأي السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة ~~نازلا عليه» (مرقس، 1: 10-11) تدل على أن يسوع وحده قد رأى ما رأى وسمع ما سمع، وذلك ~~في حالة كشف باطني لم يستشعرها أحد غيره. # هذا الحوار بين يوحنا ويسوع لم يرد عند بقية الإنجيليين؛ فيسوع لم يلتق بيوحنا ~~عند لوقا، لأنه عمد نفسه بنفسه عندما كان يوحنا في السجن، أما مؤلف إنجيل يوحنا فقد ~~تجاهل تماما قصة اعتماد يسوع على يد يوحنا. # نقرأ في إنجيل لوقا: ~~«وإذا كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح، أجاب ~~يوحنا الجميع وقال: أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى مني ، الذي لست أهلا لأن ~~أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالروح القدس ms106 ونار ... أما هيرودس رئيس الربع فإذا ~~توبخ منه لسبب هيروديا امرأة فيليبس أخيه ولسبب جميع الشرور التي كان هيرودس يفعلها، ~~زاد هذا أيضا على الجميع أنه حبس يوحنا في السجن. ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع ~~أيضا. وإذا كان يصلي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس ... إلخ» (لوقا، ~~3: 15-22). # في هذا النص يقول لنا لوقا بأن هيرودوس ملك الجليل زج يوحنا في السجن، ثم يقول بعد ~~ذلك «ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضا». فهل يعني هذا أن يسوع قد عمد نفسه ~~بنفسه؟ أم أن صياغة لوقا تتضمن بعض التقديم والتأخير؟ # ونقرأ في إنجيل يوحنا: ~~«وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت؟ ~~فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست المسيح.» فسألوه: إذن ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست ~~أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا. فقالوا: من أنت لنعطي جوابا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن ~~نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية، قوموا طريق الرب كما قال النبي إشعيا. وكان ~~المرسلون من الفريسيين، فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ~~إيليا ولا النبي؟ فأجابهم يوحنا قائلا: أنا أعمد بماء ولكن في وسطكم قائم الذي لستم ~~تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي، الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه. ~~هذا كان في بيت عبرة في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد. ~~«وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا إليه، فقال: هذا هو حمل الله الذي يرفع خطية ~~العالم، هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي الذي صار قدامي لأنه كان قبلي، وأنا لم أكن ~~أعرفه، ولكن ليظهر لإسرائيل لذلك جئت أعمد بالماء. وشهد يوحنا قائلا: إني رأيت الروح ~~مثل حمامة نازلا من السماء فاستقر عليه. وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد ~~بالماء، ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلا ومستقرا عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح ~~القدس. وأنا قد رأيت وشهدت بأن هذا هو ابن الله» (يوحنا، 1: 19-24). # من قراءة هذا ms107 النص نخرج بالملاحظات التالية: ~~(1) # يسوع لم يعتمد على يد يوحنا. وهذا يأتي في انسجام مع لاهوت الإنجيل ~~الرابع الذي رفع يسوع إلى مرتبة «كلمة الله» التي كانت عنده منذ البدء. ~~وهذا هو مؤدى قول المعمدان: «يأتي بعدي رجل صار قدامي لأنه كان قبلي» ~~فالقادم من السماء لا يعتمد على يد رجل أرضي، إنه يعمد ولا يتعمد لأنه بلا ~~خطيئة. ~~(2) # كما هو الحال في رواية مرقس، فإن يسوع والمعمدان لم يتبادلا كلمة واحدة، ~~على الرغم من أن يسوع قد جاء إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد فيه، ورآه ~~يوحنا مقبلا إليه. فلماذا أقبل يسوع إلى يوحنا إذا كان عازفا عن ~~الاعتماد؟ ولماذا بالدرجة الأولى ترك موطنه في الجليل وقصده؟ ~~(3) # تغيب من رواية إنجيل يوحنا عبارة «وصوت من السماوات قائلا هذا هو ابني ~~الحبيب (أو أنت ابني الحبيب) الذي به سررت»، وتستبدل بها شهادة المعمدان: ~~«وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله». ~~(4) # من مجريات روايات مرقس ومتى ولوقا، يتضح لنا أن يسوع والمعمدان لم ~~يكونا على معرفة سابقة. ثم تأتي رواية إنجيل يوحنا لتؤكد لنا هذه الواقعة ~~بصريح العبارة، عندما يكرر المعمدان مرتين أنه لم يكن يعرف يسوع. وهذا ~~يتناقض مع رواية الميلاد عند لوقا الذي جعل من أليصابات أم يوحنا قريبة ~~لمريم أم يسوع (وفي التقاليد الكنسية ابنة خالتها)، وجعل مريم تترك موطنها ~~في الجليل عقب البشارة بالحمل، تسافر إلى أورشليم حيث مكثت عند زكريا ~~وأليصابات مدة ثلاثة أشهر (لوقا، 1: 39-56). ~~(5) # عندما رأى المعمدان يسوع مقبلا قال: «هذا هو حمل الله الذي يرفع ~~خطية العالم». ولقب «حمل الله» الذي ينفرد به مؤلف إنجيل يوحنا، يحمل ~~في طياته نوعا من المشابهة بين «حمل الفصح» الذي يريق اليهود دمه بعد ~~ظهر اليوم السابق للفصح اليهودي وبين يسوع. فكما أن دم حمل الفصح يغسل ~~خطايا اليهود في العيد، كذلك هو دم يسوع المسيح الذي قدم نفسه قربانا من ~~أجل رفع خطيئة البشر أينما كانوا وتقديم الخلاص لهم. ولهذا فإن مؤلف إنجيل ~~يوحنا ms108 يجعل حادثة صلب يسوع في اليوم السابق للفصح اليهودي لا في يوم الفصح ~~نفسه كما فعل بقية الإنجيلين، ويجعل موته بعد ظهر هذا اليوم في توافق مع ~~إراقة دم حمل الفصح في باحة هيكل أورشليم. # هذه الرمزية تترسخ بعد ذلك في فكر بولس الرسول المؤسس الحقيقي للاهوت المسيحي، فبولس ~~يرى أن «عقاب الخطيئة هو الموت» (روما، 6: 23)، وبما أن مآل البشر جميعا إلى الموت، فإن ~~ذلك يستتبع أن البشر كلهم خطاة. ولكن موت المسيح على الصليب قد حرر البشر من ~~الخطيئة ومن الموت: «ألا تعلمون أننا حين تعمدنا لنتحد بالمسيح يسوع تعمدنا لنموت معه، ~~فدفنا معه بالمعمودية وشاركناه في موته، حتى كما أقامه الآب بقدرته المجيدة من بين ~~الأموات، نسلك نحن أيضا في حياة جديدة، فإذا كنا اتحدنا به في موت يشبه موته فكذلك ~~نتحد به في قيامته. ونحن نعلم أن الإنسان القديم فينا (=جسد آدم) صلب مع المسيح حتى ~~يزول سلطان الخطيئة في جسدنا ... فإذا كنا متنا مع المسيح فنحن نؤمن بأننا سنحيا معه» ~~(روما، 6: 1-8). # بعد هذا اللقاء الأول والأخير بين يسوع والمعمدان، تم إلقاء القبض على المعمدان ~~وأودع السجن، ولم يقيض للاثنين أن يلتقيا ثانية. وبعد أن سمع يسوع بالقبض على ~~المعمدان باشر نشاطه التبشيري العلني. وعلى حد قول مرقس: «وبعدما أسلم يوحنا جاء ~~يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، ~~فتوبوا وآمنوا بالإنجيل» (مرقس، 1: 14). أي إن يسوع قد تبنى رسالة يوحنا الذي قال ~~قبله: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات» مضيفا إليها بشارته الخاصة. وعندما بدأ ~~يسوع يظهر المعجزات، جاء تلاميذ يوحنا وأخبروا معلمهم بما رأوا وسمعوا. فدعا يوحنا ~~اثنين من تلاميذه وأرسل إلى يسوع يسأله عما إذا كان المسيح المنتظر: «أأنت هو الآتي أم ~~ننتظر آخر؟ فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما. إن العمي ~~يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين ~~يبشرون، وطوبى لمن لا يشك في» (متى، 11: 1-6). ويسوع هنا إنما ms109 يلمح إلى ما ورد ~~في النبوءات التوراتية بخصوص مجيء المسيح (راجع سفر إشعيا، 26: 19، و29: 18، و35: 5، ~~و60: 1)، ويرد على سؤال يوحنا بطريقة غير مباشرة. على أن المشكلة في هذا الخبر هي أن ~~متى الذي جعل يوحنا يسأل يسوع عما إذا كان المسيح المنتظر (متى، 11: 3)، كان قد جعله ~~في خبر العماد يتعرف على يسوع بصفته هذه عندما مانع في تعمده قائلا: وأنا محتاج أن ~~اعتمد منك، وأنت تأتي إلي؟ (متى، 3: 14). # بعد انصراف تلميذي يوحنا يتوجه يسوع بخطاب لمن حوله من الناس ينطوي على مغزى ~~يتعلق بطبيعة رسالته: «ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أقصبة تحركها الريح؟ ... بل ماذا ~~خرجتم تنظروا؟ أنبيا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي ... لأني أقول لكم إنه بين المولودين ~~من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه» (لوقا، ~~7: 24-28). في هذا الخطاب يعترف يسوع بدور يوحنا المعمدان، ولكنه في الوقت نفسه يعلن ~~أن رسالته قد تجاوزت يوحنا، لأن أصغر المؤمنين بالبشارة، المؤهلين لدخول الملكوت ~~القادم، هو أعظم من يوحنا. # هذا التجاوز يعبر عنه مشهد التعميد نفسه؛ فيسوع قد غطس في الماء ثم خرج منه تاركا ~~يوحنا وراءه وراح يصلي في خلوة، وأثناء الصلاة انفتحت السماء ونزل عليه روح الله مثل ~~حمامة واستقر عليه، وسمع صوتا من السماء قائلا: هذا هو النبي الحبيب الذي به سررت. ~~وهنا يمثل المعمدان الحكمة القديمة التي تجاوزها يسوع بعد أن خرج من الماء، أما الحمامة ~~والصوت السماوي الذي سمعه يسوع بينما هو يصلي، فيعبران عن حالة الكشف الداخلي التي ~~توصل إليها يسوع وهو في غمرة التأمل الباطني العميق. وهكذا فقد عبر العتبة التي ~~تؤدي إلى طريق لا عودة منها، طريق حمل الله الذي يحمل خطيئة العالم ويقدم الخلاص لبني ~~البشر. # مثل هذا الكشف قد حصل لبوذا وهو في حالة تأمل عميق تحت شجرة الاستنارة، على ما ~~تخبرنا به قصة استنارة البوذا التي تشترك في عناصرها مع قصة استنارة يسوع، أو بالتعبير ~~الظاهري هبوط الروح القدس عليه. فبعد ms110 أن ترك الأمير الشاب سيدهارتا (البوذا المقبل) ~~قصر أبيه الملوكي وزوجته الشابة، شرع في رحلة طويلة بحثا عن أجوبة على الأسئلة ~~الوجودية الكبرى التي كانت تؤرقه، نشد خلالها عددا من المعلمين الهندوس واستمع ~~إليهم محاولا اتباع طرقهم الصوفية، ولكنه لم يصل إلى نتيجة ترضي فكره الحائر، ~~فقرر السير وحيدا في طريق المعرفة. وصل سيدهارتا إلى غابة يجري عبرها نهر صاف، وهناك ~~ألزم نفسه تدريبات نسكية قاسية مدة خمس سنوات، معتقدا أن الصوم وتعذيب الجسد سوف يجلب ~~له صفاء الذهن الذي يقود إلى كشف البصيرة. وفي هذه الأثناء انضم إليه خمسة من ~~النساك الذين ساروا على نهجه آملين منه أن يشاركهم معرفته. وأخيرا هزل جسده ~~وتحول إلى عظم وجلد وبلغ حافة الموت دون أن يبلغ غايته، ثم سقط مغشيا عليه من شدة ~~الضعف، وعندما أفاق عرف أن طريقة قهر الجسد قد أخفقت؛ فقبل قصعة من الأرز المسلوق ~~بالحليب من يد فتاة تسكن قرية قريبة، وأكل منها فشعر بقوة في جسده. وهنا انفض عنه ~~النساك الخمسة الذين اتهموه بالخور والضعف، أما هو فقد قام إلى النهر حيث غطس في الماء ~~وانتعش، ثم تجاوزه إلى الضفة الأخرى وقصد شجرة تين هندي وارفة وجلس تحتها مستغرقا في ~~تأمل باطني عميق، عازما ألا يبرح موضعه حتى يصل إلى المعرفة. وما إن حل المساء ~~حتى بدأ قلبه يضيء بالاستنارة الكاملة، وتحول إلى بوذا، أي «المستيقظ» أو المستنير ~~الذي أفاق من نوم الغفلة ورقدة الجهالة وعرف سر الحياة وغايتها ومآلها. # وهنالك تفسير كوكبي لقصة معمودية يسوع يقول به بعض المفسرين الذين يرون أن المستويات ~~السرانية الباطنية في فهم سيرة يسوع قد ربطته منذ البداية بالشمس التي تولد في يوم 25 ~~ديسمبر، عندما تدخل في برج الجدي ويأخذ النهار بالطول على حساب الليل. فقد كان برج ~~الجدي ( # Capricon ~~) هو الشارة السماوية لإله الماء إنكي ~~في ثقافة الشرق القديم، الذي كان يدعى منذ الفترة الهيلينستية أوانس، المعادل لاسم ~~يوحنا الذي يلفظ باللغة اليونانية يوانس وباللاتينية جوهانس وبالعبرية يوحنان. وبما ms111 ~~أن معمودية يسوع تعبر عن ولادته الثانية عقب لقائه بيوحنا المعمدان الذي يمثل هنا برج ~~الجدي، فإن المشهد بكامله ليس إلا ترجمة ميثولوجية لدخول الشمس في برج الجدي وهو البرج ~~العاشر في دائرة الأبراج السماوية، متوجهة نحو البرج الحادي عشر وهو برج الدلو. ثم يسير ~~هؤلاء خطوة أبعد في هذا التفسير؛ فإذا كان يسوع وفق هذه الرمزية الكوكبية قد ولد في 25 ~~ديسمبر، فإن مريم العذراء قد حبلت به قبل ذلك بتسعة أشهر أي في 25 مارس/آذار في يوم ~~الانقلاب الربيعي عندما تدخل الشمس في برج العذراء. وهنالك جملة غامضة يضعها مؤلف إنجيل ~~يوحنا على لسان المعمدان يمكن فهمها على ضوء هذا التفسير عندما يقول لتلامذته عن يسوع: ~~«إذن فرحي قد كمل. ينبغي أن ذلك (= يسوع) يزيد وأنا أنقص» (يوحنا، 3: 30)، وذلك في إشارة ~~إلى طول النهار وقصر الليل عقب دخول الشمس (أو يسوع) في برج الجدي (أي المعمدان). # 10 # | من هو إله يسوع؟ # بعد أن غطس يسوع في ماء الأردن وخرج منه، ترك يوحنا المعمدان وجمهرة المتعمدين وجعل يصلي ~~في خلوة مستغرقا في تأمل باطني عميق: «وإذا كان يصلي انفتحت السماء، ونزل عليه الروح القدس ~~بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء قائلا: أنت ابني الحبيب بك سررت» (لوقا، 3: 21- ~~22). هذا المشهد الذي يوصف في الأناجيل الثلاثة الإزائية على أنه حدث موضوعي، لم يكن في ~~حقيقة الأمر إلا تعبيرا بمفردات رمزية عن خبرة صوفية وجدية قادت يسوع إلى الكشف ~~والاستنارة، عقب فترة طويلة من البحث العقلي والكدح الروحي. لقد عرف إلهه الذي كشف عن نفسه ~~في هيئة حمامة، وهذا الإله لم يكن إله التوراة الذي رفضه يسوع في عقله الباطن منذ حداثته ~~وراح يبحث عن الإله الحق. فمن هو إله يسوع؟ # من المهم جدا أن نلاحظ أن يسوع لم يستخدم في أقواله الاسم التوراتي يهوه أو بديله ~~إيلوهيم في الإشارة إلى إلهه، وإنما دعاه دوما بلقب الآب أو الآب السماوي. وبهذا اللقب ~~تتوجه إليه الصلاة المسيحية التي علمها يسوع لتلاميذه: ms112 «أبانا الذي في السماوات، ليتقدس ~~اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض ... إلخ» (متى، 6: 9-12). فهو ~~أب ليسوع وأب لجميع البشر: «إن الأعمال التي أعملها باسم أبي تشهد لي» (يوحنا، 10: 25). ~~«فاغفروا لكي يغفر لكم أبوكم الذي في السماوات زلاتكم» (مرقس، 11: 25). «فكونوا كاملين لأن ~~أباكم الذي في السماوات هو كامل» (متى، 5: 48). # إن هوية الإله الذي تجلى ليسوع بعد خروجه من ماء العماد، تعلن عن نفسها من خلال الهيئة ~~الرمزية التي تجلى بها. فإله التوراة لم يتجل أبدا في هيئة حمامة وإنما في ظواهر ~~طبيعانية تعبر عن القوة والجبروت والغضب. فعندما أعلن عن نفسه لموسى أول مرة ناداه من قلب ~~جذوة نار تتوهج في شجرة عليق (الخروج، 3: 1-6). وأعلن عن نفسه للمصريين من خلال الأوبئة ~~والكوارث التي أرسلها عليهم والتي كان آخرها قتله لمواليدهم الجدد ومواليد مواشيهم: «فحدث ~~في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر ~~الأسير الذي في السجن، وكل بكر بهيمة» (الخروج، 12: 29). «وعندما أخرج موسى بني إسرائيل من ~~مصر كان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم الطريق وليلا في عمود نار ليضيء ~~لهم» (الخروج، 13: 21). وعندما نزل الرب على جبل سيناء ليعطي موسى لوحي الشريعة تجلى ~~لبني إسرائيل في ظواهر بركانية: «وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه ~~بالنار، وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدا» (الخروج، 19: 18). وكانت ناره تسقط ~~من السماء لتلتهم المحارق الحيوانية الموضوعة على المذبح: «فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة ~~والحطب والحجارة والتراب، ولحست المياه التي في القناة» (الملوك الأول، 18: 38). وكانت الريح ~~والزلزلة والنار تتقدمه لتعلن عن حضوره: «وإذا بالرب عابر وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال ~~وكسرت الصخور أمام الرب ولم يكن الرب في الريح، وبعد الريح زلزلة ولم يكن الرب في الزلزلة، ~~وبعد الزلزلة نار ولم يكن الرب في النار» (الملوك الأول، 19: 11-13). وإذا تكلم كان صوته ~~يخرج مثل هدير العاصفة وقصف الرعد: «فأجاب ms113 الرب أيوب من العاصفة فقال له: هل لك ذراع كما ~~للرب؟ وبصوت مثل صوته ترعد» (أيوب، 40: 6-9). وكان الوباء والحمى رسولاه يتقدمانه إذا مشى: ~~«الرب جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه ... ~~قدامه ذهب الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى ... وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم ودكت ~~الجبال الدهرية وخسفت آكام القدم» (حبقوق، 3: 3-6). # وعلى العكس من هذه التجليات للإله التوراتي فإن إله يسوع قد اختار الحمامة لكي يعلن عن ~~نفسه من خلالها. فقد كانت الحمامة رمزا للحب سواء في ثقافات الشرق القديم أم في الثقافة ~~الكلاسيكية، ونجدها دوما في الفن المصور بصحبة إلهات الحب، وقد تمثل إلهة الحب نفسها ~~بجناحين. إن جوهر إله يسوع هو المحبة، محبة العالم: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذلك ~~ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا، 3: 16). أما ~~إله التوراة فقد أحب إسرائيل وكره بقية العالم، وقد زرع كراهية الشعوب الأخرى في قلب بني ~~إسرائيل في وصيته الأولى لموسى عن كيفية التعامل معهم: «احترز من أن تقطع عهدا مع سكان ~~الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخا في وسطك، بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أصنامهم ~~وتقطعون سواريهم» (الخروج، 34: 12-13). وهذا نموذج من قوانين موسى الحربية التي استنها ~~لقادة جيشه: «اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها، لكن ~~جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات» (العدد، 31: 17-18). ~~وهنالك قانون آخر فرضه يهوه معروف بقانون التحريم الذي يلزم القائد العسكري تقديم كل ذي ~~نفس حية من الشعب المهزوم قربانا للرب: «فالآن اذهب واضرب شعب عماليق وحرموا كل ماله، ولا ~~تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا» (صموئيل الأول، ~~15: 3). # أما المخطط الذي رسمه يهوه للتاريخ فهو مسيرة تنتهي بسيادة شعب إسرائيل على أمم العالم، ~~بعد مذبحة شاملة يقودها بنفسه تجعل من بقي من هذه الأمم حيا عبيدا لشعب الرب: ms114 «ولولوا ~~لأن يوم الرب قريب، قادم كخراب من القادر على كل شيء» (إشعيا، 13: 6). «هو ذا الرب يخلي ~~الأرض ويفرغها ويقلب وجهها ويبيد سكانها» (إشعيا، 24: 1). «اقتربوا أيها الأمم لتسمعوا ويا ~~أيها الشعوب أصغوا. لتسمع الأرض وملؤها، لأن للرب سخطا على كل الأمم وحموا على جيشهم، ~~قد حرمهم دفعهم للذبح، فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها، وتسيل الجبال بدمائهم» ~~(إشعيا، 34: 1-4). «ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه ... ويجمع ~~منيفي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض؛ لأن الرب سيرحم يعقوب ويختار إسرائيل ~~ويريحهم في أرضهم، فتقترن بهم الغرباء وينضمون إلى أرض الرب عبيدا وإماء» (إشعيا، 11: ~~11-12 و14: 1-2). # وفي المشهد التالي الذي يرسمه إشعيا، نرى يهوه بعد عودته من المذبحة الشاملة وقد تلطخت ~~ثيابه بالدم فصار كمن داس في معصرة عنب: ~~«من هذا الآتي من آدوم بثياب حمر، من بصرة، هذا البهي بملابسه المتعظم ~~بكثرة قوته؟ # أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص. # ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس معصرة؟ # قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد. فدستهم بغضبي ووطئتهم ~~بغيظي، فرش عصيرهم على ثيابي فتلطخت كل ملابسي. لأن يوم النقمة في قلبي ~~وسنة مفديي قد أتت ... فدست شعوبا بغضبي وأسكرتهم بغيظي وأجريت على الأرض ~~عصيرهم» (إشعيا، 63: 1-6). # هذا الإله الذي رفضه يسوع في أعماقه منذ البداية يدعوه الغنوصيون بإله العالم المادي ~~ويقرنونه بالشيطان. وإذا كان يسوع قد تعرف على إلهه الحقيقي في تجربته الروحية الأولى عقب ~~خروجه من ماء العماد، فإن تجربته الروحية الثانية التي وضعته وجها لوجه مع إله التوراة ~~سيد هذا العالم المادي، سوف تحسم خياراته إلى الأبد. # يلخص لنا مرقس هذه التجربة الثانية بقوله: «وللوقت أخرجه الروح إلى البرية، وكان هناك في ~~البرية أربعين يوما يجرب من الشيطان. وكان مع الوحوش، وصارت الملائكة تخدمه» (مرقس، ~~1: 12-13). أما متى ولوقا فيتوسعان في تفاصيل هذه القصة اعتمادا على مصدر ثالث ~~مشترك: ~~«أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئا من الروح القدس. فاقتاده الروح في ms115 البرية أربعين يوما ~~وإبليس (ديابولوس باليونانية، وتعني الشيطان) يجربه، ولم يأكل شيئا في تلك الأيام . ولما ~~انقضت جاع أخيرا. فقال له إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير أرغفة. فأجابه ~~يسوع: مكتوب أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. فمضى به إبليس ~~إلى المدينة المقدسة وأقامه على شرفة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فألق بنفسك إلى ~~الأسفل، فإنه مكتوب: يوصي ملائكته بك فيحملونك على أيديهم فلا تصطدم رجلك بحجر. فقال يسوع: ~~مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك. ثم مضى به إبليس إلى جبل عال وعرض عليه ممالك الأرض في ~~لحظة من الزمن ثم قال له: أجعل لك هذا السلطان كله، ومجد هذه الممالك، لأنه قد دفع إلي ~~وأنا أجعله لمن أشاء، فإن سجدت لي يعود هذا كله إليك. فقال يسوع: اذهب يا شيطان، لأنه ~~مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد. فلما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين. ورجع يسوع ~~بقوة الروح إلى الجليل، فانتشر ذكره في الناحية كلها وكان يعلم في مجامعهم» (لوقا، 4: 1-13. ~~قارن مع متى 4: 1-11). # إذا أردنا فهم هذه القصة فعلينا أن نأخذها بدلالاتها الرمزية لا في تفاصيلها كواقعة ~~حقيقية. فهذه التجربة قد جرت في عقل يسوع عندما انسحب إلى الصحراء حيث اعتكف مدة من الزمن ~~يتأمل في الحقائق التي تكشفت له وفي دوره المقبل. وهي تجربة قريبة من تجربة البوذا مع ~~الشيطان أيضا. فعندما جلس البوذا تحت شجرة التين الهندي عازما على ألا يبرح مكانه حتى ~~ينكشف له الطريق إلى خلاص الإنسان، جاءه إله الرغبة والموت (وهما العنصران المتحكمان في ~~حياة الإنسان) ليصده عن المعرفة المحررة، وتبدى له أولا في صورة أمير ساحر يحمل بيده ~~قوسا تزينه الأزهار، وبرفقته بناته الثلاث اللواتي كشفن عن محاسنهن وحاولن إغواء البوذا ~~بشتى الوسائل، ولكن قلبه بقي ساكنا كبرعم لوتس فوق مياه بحيرة صافية. عند ذلك اتخذ المغوي ~~هيئة رئيس الشياطين مارا وهاجمه مع أبالسته المخيفة التي ms116 اتخذت أشكالا مرعبة أحاطت ~~بالشجرة وراحت تضيق الخناق على البوذا وتقذفه بشتى أنواع الأسلحة، ولكنه بقي في جلسة ~~التأمل غير عابئ بما يجري حوله، وكانت القذائف التي ترمى عليه تتحول إلى زهور معلقة في ~~الهواء فوق رأسه. وأخيرا خاب سعي مارا وانسحب مع رهطه، وأخذ قلب البوذا يشع بالمعرفة. ~~وهنا اهتزت الأرض بمسرة وجاء الآلهة إلى البوذا وسجدوا أمامه. لقد صار الطريق إلى خلاص ~~الأرواح ممهدا بعد استنارة المعلم. # 1 # إذا كان إله يسوع قد كشف عن هويته من خلال رمز الحمامة، فإن الذي جرب يسوع في البرية يكشف ~~عن هويته من خلال قوله ليسوع بعد أن عرض عليه ممالك الأرض في لحظة من الزمن: «أجعل لك هذا ~~السلطان كله ومجد هذه المالك، لأنه قد دفع إلي وأنا أجعله لمن أشاء، فإن سجدت لي يعود ~~هذا كله إليك.» فهو الإله «الديمبرج» صانع العالم المادي وحاكمه الأعلى. أما عن صلة هذا ~~الإله بالشيطان وبالإله التوراتي الأعلى المتعالي عن هذا العالم الناقص والمليء بالشر، ~~فتشرحه لنا المنظومة الفكرية الغنوصية التي كان يوحنا المعمدان وسمعان ماجوس السامري أبرز ~~ممثليها السوريين في أواسط القرن الأول الميلادي. # يتخذ مفهوم «الغنوص- # Gnosis ~~» مركز البؤرة من عقائد ~~وممارسات الغنوصيين. والكلمة يونانية وتعني المعرفة بشكل عام، ولكن المعرفة التي يسعى إليها ~~الغنوصي ليست مما يمكن اكتسابه بإعمال العقل المنطقي وقراءة الكتب وإجراء التجارب ~~والاختبارات، وإنما هي فعالية روحانية داخلية تقود صاحبها إلى اكتشاف الشرط الإنساني، وإلى ~~معرفة النفس التي تقود إلى معرفة الله الحي ذوقا وكشفا وإلهاما. هذه المعرفة هي الكفيلة ~~بتحرير الروح الحبيسة في سجن الجسد المادي وسجن العالم المادي الأوسع، لتعود إلى العالم ~~النوراني الذي صدرت عنه. فالروح الإنسانة هي قبس من روح الله، وشرارة من نور الأعالي وقعت ~~في ظلمة المادة ونسيت أصلها ومصدرها. والإنسان في هذه الحياة أشبه بالجاهل أو الغافل أو ~~النائم، ولكن في أعماق ذاته هنالك دوما دعوة إلى الصحو عليه أن ينصت إليها، ويشرع في رحلة ~~المعرفة التي تحوله من نفس حيوانية ms117 أسيرة لرغبات الجسد، إلى نفس عارفة أدركت روابطها ~~الإلهية وتهيأت للانعتاق الذي يعود بها إلى ديارها. # ولكن الله الذي يبحث عنه الغنوصي في أعماق ذاته ليس الإله الذي صنع هذا العالم المادي ~~المليء بالألم والشر والموت، بل هو الأب النوراني الأعلى الذي يتجاوز ثنائيات الخليقة ولا ~~يحده وصف أو يحيط به اسم، الواحد الموجود بصمديته، القائم بنوره، البداية التي لم تسبقها ~~بداية. خفي لم يره أحد، بلا أوصاف لأن أحدا لم يفهم كنهه فيصفه، بلا اسم لعدم وجود أحد ~~قبله يطلق عليه الاسم. قائم في نفسه ولنفسه وراء الوجود ووراء الزمن. أما صانع العالم فهو ~~إله أدنى من الأب النوراني، إنه يهوه إله اليهود الذي يوازي شيطان الديانة الزرادشتية ~~المدعو أنجرا ماينيو، أو أهيريمان. وتصوره الأدبيات الغنوصية كإله جاهل بالعوالم النورانية ~~القائمة فوقه، يجلس على عرش يحيط به معاونوه من قوى الظلام المدعوون بالأراكنة (الكلمة صيغة ~~الجمع من كلمة أركون، أي حاكم باللغة اليونانية). وعلى الرغم من أن هذا الإله قد صنع ~~الإنسان من مادة الأرض الظلامية نفسها، إلا أنه أخذ روحه من نور الأعالي المسروق وحبسها في ~~قوقعة الجسد. ولكي يبقيه في حجب الجهل فقد فرض عليه الشريعة التي تشغله عن نفسه وعن ~~اكتشاف الجوهر الحقيقي للروح. أما عن كيفية ظهور هذا الإله الخالق، فمسألة لم يعالجها ~~المعلمون الغنوصيون من خلال مقاربات فلسفية وإنما من خلال صياغات أسطورية لا نجد داعيا ~~للخوض في تفاصيلها هنا. # 2 # لقد كانت مثل هذه الأفكار كامنة في خلفية يسوع الثقافية، ومن الممكن جدا أن قصة اعتماده ~~في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، تخفي وراءها مرحلة من حياة يسوع تتلمذ فيها على ~~يوحنا قبل أن يشق طريقه الخاص. ولكن أفكار يسوع هذه تظهر في أقواله ومواقفه على درجات ~~متفاوتة من الوضوح أو الخفاء، وذلك تبعا لدرجة فهم مؤلفي الأناجيل من جهة (ومن ورائهم ~~تلاميذ يسوع المباشرون) ولرغبة يسوع في التصريح أو التلميح. ولدينا في الأناجيل عدة مواقف ~~تفصح عن قصور فهم التلاميذ عن ms118 بلوغ مؤدى أقوال معلمهم. نقرأ في إنجيل لوقا: «فلم ~~يفهموا هذه الكلمة وكانت مغلقة عليهم فما أدركوا معناها وهابوا أن يسألوه عنها» (لوقا، 9: ~~45). وأيضا: «أما تفهمون هذا المثل؟ فأنى لكم أن تفهموا سائر الأمثال» (مرقس، 4: 13). ~~وأيضا: «فلم يفهموا شيئا من ذلك، وكان هذا الكلام مغلقا عليهم فما أدركوا معناه» (لوقا، ~~18: 34). وفي خطاب يسوع للناس العاديين كان يصوغ كلماته على قدر أفهامهم: «وكان يضرب لهم ~~كثيرا من هذه الأمثال ليلقي إليهم كلام الله على قدر ما كانوا يستطيعون أن يسمعوه» (مرقس، ~~4: 33). وفي إحدى المرات تركه كثير من تلاميذه لما سمعوه: «هذا كلام عسير من يقدر أن ~~يسمعه؟ ... فتولى عنه كثير من تلاميذه ولم يعودوا يمشون معه» (يوحنا، 6: 60-66). ولنتابع فيما ~~يلي بعض ما رشح إلى الأناجيل من أقوال يسوع التي تعبر عن موقفه من إله التوراة ورفضه ~~لشريعته. # في قول لافت للنظر يصف يسوع شريعة موسى التي تلقاها من يهوه بأنها شريعة موت في مقابل ~~شريعته التي تهب الحياة: «لم يعطكم موسى خبز السماء، بل أبي يعطيكم خبز السماء الحق، لأن ~~خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم حياة» (يوحنا، 6: 32-35). «آباؤكم أكلوا ~~المن (= شريعة موسى) في البرية وماتوا. هو ذا الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان ~~فلا يموت. أنا الخبز الذي نزل من السماء» (يوحنا، 6: 49-51). واليهود لم يعرفوا قط الإله ~~الحق الذي هو إله يسوع: «على أني ما جئت من نفسي، بل هو حق الذي أرسلني أنتم لا تعرفونه ~~وأما أنا فأعرفه» (يوحنا، 7: 28-29). «أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي، ولو عرفتموني لعرفتم ~~أبي» (8: 19). # وفي قول له مشبع بالفكر الغنوصي الذي يرفض العالم يقول يسوع لليهود: «أنتم من الدرك ~~الأسفل وأنا من الملأ الأعلى. أنتم من العالم، وأنا لست من هذا العالم.» فالقلة العارفة ~~التي أدركت من هي وإلى أين تمضي، تشعر بغربتها في هذا العالم، والعالم من جهته ينبذها ~~ويبغضها. ولذلك يقول يسوع عن تلاميذه الذين فهموا رسالته: «أنا ذاهب إليك أيها الأب القدوس ~~... بلغتهم ms119 كلامك فأبغضهم العالم لأنهم ليسوا من العالم. كما أني لست من العالم. لا أسألك ~~أن تخرجهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير » (17: 11-15). «يا أبت العادل. العالم لم ~~يعرفك، أما أنا فقد عرفتك، وعرف هؤلاء أنك أرسلتني. أظهرت لهم اسمك وسأظهره لهم، لتكون ~~فيهم المحبة التي إياها أحببتني وأكون أنا فيهم» (يوحنا، 17: 25-26). # وفي المقابل، فإن اليهود أبناء هذا العالم واقعون تحت سلطان الشيطان إله عالمهم. وإذا كان ~~الله أبا لمن عرفه وآمن به، فإن الشيطان هو أبو اليهود الذين لم يتلقوا من سلسلة ~~أنبيائهم المزعومين كلمة حق منذ أبيهم إبراهيم: «أنا أقول بما رأيت عند أبي وأنتم تعملون ~~بما سمعتم من أبيكم (= الشيطان = يهوه). فأجابوه: إن أبانا هو إبراهيم. فقال لهم يسوع: لو ~~كنتم أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم. ولكنكم تريدون قتلي، أنا الذي قال لكم الحق الذي ~~سمعه من الله. وهذا ما لم يفعله إبراهيم» (يوحنا، 8: 38-40). فإذا كان إبراهيم لم ينقل ~~لليهود الحق الذي سمعه من الله، فإن التاريخ النبوي التوراتي بكامله تاريخ زائف، وكل الذين ~~تسلسلوا بعد إبراهيم من أنبياء اليهود لم يعرفوا الله الحق. ولذلك قال يسوع في مناسبة أخرى: ~~«الحق أقول لكم: من لم يدخل حظيرة الخراف من الباب بل تسلق إليها من طريق آخر كان لصا ~~سارقا، ومن يدخل من الباب كان راعي الخراف ... جميع الذين جاءوا قبلي لصوص سارقون ولكن ~~الخراف لم تصغ إليهم. أنا الباب فمن دخل مني يخلص» (يوحنا، 10: 1-9). # وفي سياق آخر يؤكد يسوع أبوة الشيطان لليهود في مقابل أبوة الله الخفي للعارفين: «لو ~~كان الله أباكم لأحببتموني، لأني من قبل الله خرجت وأتيت ... إنكم أولاد أبيكم إبليس وأنتم ~~تريدون إتمام شهوات أبيكم. كان منذ البدء مهلكا للناس، لم يثبت على الحق لأنه ليس فيه شيء ~~من الحق، فإذا نطق بالكذب نضح بما فيه لأنه كذاب وأبو الكذاب. أما أنا فلا تصدقوني لأني ~~أقول الحق ... من كان من الله سمع كلام الله، فإذا كنتم لا تسمعون فلأنكم لستم ms120 من الله. فقال ~~اليهود: ألسنا على صواب إذا قلنا إنك سامري وأن بك مسا» (يوحنا، 8: 42-48). # إن الجملة الأخيرة التي رد بها اليهود على يسوع والتي اتهموه فيها بأنه «سامري» وبه ~~مس، لم تلق عناية كافية من مفسري الكتاب. فالسامري تعني مواطنا من منطقة السامرة التي ~~كانت تحتوي في ذلك الزمان على طوائف دينية ومجموعات اثنية متنوعة. كما تعني أيضا عضوا في ~~مجموعة السامريين، وهم طائفة دينية يهودية لا يحتوي كتابها المقدس إلا على أسفار موسى ~~الخمسة، وما زالت بقية منها تعيش حول منطقة نابلس، أما يسوع فقد كان مواطنا جليليا ولم ~~تكن له صلة بطائفة السامريين، وكان محاورو يسوع يعرفون ذلك جيدا فما الذي قصدوا إليه عندما ~~لقبوه بالسامري؟ إن التفسير الوحيد لهذا اللقب هو أن اليهود قد عقدوا صلة بين ما يطرحه يسوع ~~من أفكار وبين أفكار سمعان ماجوس السامري وطائفته الغنوصية التي نشطت خلال أواسط القرن ~~الأول الميلادي. # وفي حوار له مع امرأة سامرية، قال يسوع بأنه لا يهود السامرة ولا يهود أورشليم قد عرفوا ~~الله الحق، وأنه ستأتي ساعة تلغى فيها طقوس هيكل أورشليم ويتم التخلص من اليهود: «قالت له ~~المرأة: يا سيد أرى أنك نبي. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل (= جبل جرزيم موقع هيكل السامريين) ~~وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني ~~إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، ~~أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود» (يوحنا، 4: 19-22). # ومع رفضه لإله التوراة فقد رفض يسوع شريعته. فقد كان يشفي المرضى في يوم السبت منتهكا ~~قانون الراحة الأسبوعي. وعندما شغب عليه اليهود من أجل ذلك قال لهم: «إن أبي ما يزال يعمل، ~~وأنا أيضا أعمل» (يوحنا، 5: 17). وقال لهم في مناسبة مشابهة أخرى: «إن السبت جعل للإنسان، ~~وما جعل الإنسان للسبت» (مرقس، 2: 27). ولم يكن يحض تلاميذه على الالتزام بالصيام ~~اليهودي. وعندما احتج عليه اليهود ms121 لتجاهله فرض الصيام، رد عليهم بطريقة ساخرة عندما قال: ~~«هل يستطيع أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم (يعني نفسه)» (مرقس، 2: 18-19). وقد نقض شريعة ~~الطعام التي تفرق بين ما هو طاهر وما هو نجس و«جعل كل الأطعمة طاهرة» على حد تعبير (إنجيل ~~مرقس-الترجمة الكاثوليكية، 7: 19). وانتقد طقوس المحارق والقرابين الحيوانية عندما قال بأن ~~الله يريد الرحمة لا الذبيحة (متى، 9: 13). ورفض تطبيق شريعة رجم الزانية عندما جاءه ~~اليهود بامرأة أخذت في زنا، وقال لهم: «من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم أولا ويرمها بحجر» ~~(يوحنا، 8: 3-11). # ونلاحظ في إشارة يسوع إلى الشريعة في جداله مع اليهود قوله دائما «شريعتكم»، ولم يقل ~~أبدا «شريعتنا». الأمر الذي يدل على أنه لم يعتبر نفسه واقعا تحت سلطان الشريعة اليهودية ~~(راجع على سبيل المثال: يوحنا، 10: 34، 15: 25، 8: 17-18، 7: 19. ومرقس، 10: 3-5). # إن قصة تجربة الشيطان في البرية هي التي وضعت يسوع منذ البداية على طريق الجلجلة حيث غرس ~~صليبه. لقد رفض إله اليهود فقتله اليهود. # | تعاليم يسوع السرية # لقد خاطب يسوع الناس على قدر إفهامهم بمن فيهم تلاميذه. وهذا يستدعي بالضرورة أنه قد ~~بث في تلاميذه نوعين من التعاليم، الأول ظاهري والثاني باطني. وهذا هو مؤدى قوله في ~~إنجيل لوقا: «ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد ~~الابن أن يعلن له» (لوقا، 10: 22). أي إن يسوع لم يعلن الحقائق الخافية بخصوص الآب إلا ~~للقلة التي اختارها من تلاميذه. وقد أكد بعض آباء الكنيسة هذه الحقيقة، ومنهم كليمنت ~~الإسكندري (أواخر القرن الثاني الميلادي) الذي كشف في إحدى رسائله عن وجود إنجيل روحاني ~~لمرقس لدى كنيسة الإسكندرية يحتوي على تعاليم ليسوع لا يعرفها إلا الخاصة، ولا يجوز كشفها ~~لغير الساعين إلى كمالهم في الدين. على أن بعض جوانب تعاليم يسوع الباطنية ذات الطابع ~~الغنوصي الواضح قد رشح إلى أسفار الكتاب المقدسي المسيحي، لا سيما رسائل بولس وإنجيل يوحنا. ~~أما تعاليمه الظاهرية فقد دونها حسب فهمهم لها مؤلفو الأناجيل الإزائية الثلاثة مرقس ~~ومتى ولوقا. ولنبدأ ms122 برسائل بولس باعتبارها أقدم أدب مسيحي مدون. # يتحدث بولس عن «إله هذا العالم» أو «إله هذا الدهر» في إشارة خفية إلى إله التوراة يهوه ~~في أكثر من موضع. فهو إله الهالكين من اليهود الذين رفضوا الخلاص الذي قدمه لهم يسوع: ~~«ولكن إذا كان إنجيلنا مكتوما (= محجوبا)، فإنه مكتوم عن الهالكين الذين فيهم إله هذا ~~الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح» (2 كورنتة، 4: ~~3-4). ومن المعروف أن لقب «إله هذا الدهر» هو واحد من ألقاب إله التوراة. نقرأ في سفر إشعيا ~~على سبيل المثال: «أما عرفت، ألم تسمع؟ إله الدهر، الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا ~~يعيا» (إشعيا، 40: 28). هذا الإله الذي يدعوه الغنوصيون بالأركون الأكبر من الكلمة اليونانية ~~( # Archon # أي الحاكم)، يدير العالم من خلال مساعديه ~~المدعوين أيضا بالأراكنة ( # Archons ~~)، أو الأركان بلغة بولس، ~~وهم حفظة الشريعة: «لما كنتم تجهلون الله كنتم عبيدا لآلهة ليست بآلهة حقا. أما الآن وقد ~~عرفتم الله، بل عرفكم الله، فكيف تعودون إلى تلك الأركان الضعيفة الحقيرة وتريدون أن تكونوا ~~عبيدا لها كما كنتم قبلا، تراعون الأيام والشهور والفصول والسنين (إشارة إلى السبت وأعياد ~~اليهود الدينية)» (غلاطية، 4: 8-10). «حين كنا قاصرين كنا عبيدا لأركان هذا العالم. ~~فلما تم الزمان أرسل الله ابنه مولودا لامرأة، مولودا في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم ~~في حكم الشريعة» (غلاطية، 4: 3-6). # وهؤلاء الأراكنة هم ملائكة الحاكم الأكبر الذين بلغوا شريعته لليهود وعملوا على ~~تطبيقها: «فما معنى الشريعة؟ إنها أضيفت بداعي المعاصي إلى أن يأتي النسل الذي جعل له ~~الموعد (= المسيحيون)، أعلنها (أي الشريعة) الملائكة على يد وسيط (= موسى)، والواحد لا وسيط ~~له، والله واحد» (غلاطية، 3: 19-20). وهؤلاء الملائكة من معاوني الآركون الأكبر هم أصحاب ~~الرئاسة والسلطة الذين خلعهم المسيح: «كنتم أمواتا بزلاتكم وقلف أجسادكم، فأحياكم الله معه ~~وصفح لنا عن جميع زلاتنا ومما ما كان علينا من صك للفرائض، وألغاه مسمرا إياه على الصليب، ~~وخلع أصحاب الرئاسة والسلطان وعاد بهم في ركبه الظافر» ms123 (كولوسي، 2: 13-15). ومع زوال سلطة ~~هؤلاء فقد زالت سلطة الشريعة: «فلا يحكمن عليكم أحد في المأكول والمشروب أو الأعياد ~~والأهلة والسبوت، فما هذه كلها إلا ظل الأمور المستقبلية، أما الحقيقة فهي جسد المسيح. ~~فلا يحرمنكم أحد إياها رغبة منه في التواضع وفي عبادة الملائكة ... فأما وقد متم مع المسيح ~~متخلين عن أركان العالم، فما بالكم لو كنتم عائشين في العالم تخضعون لمثل هذه النواحي: لا ~~تمس، ولا تذق، ولا تأخذ ... وتلك أشياء تئول كلها إلى الزوال بالاستعمال» (كولوسي، 2: 16-22). ~~وهؤلاء الأراكنة هم الذين صلبوا يسوع المسيح لجهلهم بحكمة الله الخفية: «ولكن هناك حكمة ~~نتكلم عليها بين الناضجين في الروح، وهي غير حكمة هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم وسلطانهم ~~على زوال، بل هي حكمة الله السرية الخفية التي أعدها قبل الدهور في سبيل مجدنا وما عرفها ~~أحد من رؤساء هذا العالم، ولو عرفوها لما صلبوا رب المجد» (1 كورنثة، 2: 6-8). # وبخصوص المفهوم الغنوصي عن روح الإنسان باعتبارها قبس من روح الله يقول بولس: «أما تعرفون ~~أن روح الله يسكن فيكم؟ فمن هدم هيكل الله هدمه الله، لأن هيكل الله مقدس وأنتم أهل ~~الهيكل» (1 كورنثة، 3: 16-17). «وإذا كان روح الله الذي أقام يسوع من بين الأموات يسكن ~~فيكم، فالذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات يبعث الحياة في أجسادكم الفانية بروحه الذي ~~يسكن فيكم» (روما، 8: 10-11). «فمع أن الإنسان الظاهر فينا يسير إلى الفناء، إلا أن الإنسان ~~الباطن يتجدد يوما بعد يوم» (2 كورنثة، 4: 16). وما دام الأمر كذلك فإن هذا العالم هو ~~بالمفهوم الغنوصي غربة للروح لأن مسكنها الأصلي هو في السماء: «ولذلك لا نزال واثقين كل ~~الثقة، عارفين أننا ما دمنا في هذا الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا نهتدي بإيماننا لا بما ~~نراه. فنحن إذن واثقون، ونفضل أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الرب» (2 كورثنة، 5: 6-8). ~~وعلى عكس اليهود الذين يعتقدون أن وطنهم في الأرض، فإن من عرف المسيح يعرف أن وطنه الحقيقي ~~هو في السماء: ms124 «هناك جماعة كثيرة تسلك في حياتها سلوك أعداء صليب المسيح (= اليهود). هؤلاء ~~عاقبتهم الهلاك، وإلههم بطنهم (كناية عن شرائع النجس والطاهر في المأكل)، ومجدهم عوراتهم ~~(كناية عن افتخارهم بالختان)، وهمهم أمور الدنيا. أما نحن فوطننا في السماء ومنها ننتظر ~~الرب يسوع المسيح. فهو الذي يبدل جسدنا الوضيع ليجعله على صورة جسده المجيد» (فيليبي، ~~3: 18-21). # وهذا ما يقود بولس إلى موقف غنوصي من الجسد: «اسلكوا سبيل الروح ولا تقضوا شهوة الجسد، ~~لأن الجسد يشتهي ما يخالف الروح» (غلاطية، 5: 16-17). وموقفه هذا من الجسد يقوده إلى موقف ~~سلبي من الزواج على الرغم من عدم شجبه له: «أريد أن تكونوا من دون هم. فغير المتزوج يهتم ~~بأمور الرب وكيف يرضي الرب، والمتزوج يهتم بأمور العالم، وكيف يرضي امرأته، فهو منقسم ... ~~أقول هذا لخيركم لا لألقي عليكم قيدا، بل لتعلموا ما هو لائق وتخدموا الرب دون ارتباك» (1 ~~كورثنة، 7: 32-35). # هذه النظرة الغنوصية إلى الجسد ينجم عنها بالضرورة عند بولس قوله بالبعث الروحاني لا ~~بالبعث الجسدي، على ما يراه الغنوصيون أيضا: «هكذا أيضا قيامة الأموات، يدفن الجسم في ~~فساد ويقام في عدم فساد، يدفن في هوان ويقام في مجد، يدفن في ضعف ويقام في قوة، يدفن جسما ~~حيوانيا ويقام جسما روحانيا ... كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضا، وكما هو السماوي ~~هكذا السماويون أيضا. وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضا صورة السماوي. أقول لكم أيها ~~الإخوة إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد» (1 كورثنة، ~~15: 42-50). # إن ثنائية الجسد والروح تعكس عند بولس ثنائية الظلام والنور، والخير والشر. وهو في ~~تبنيه إلى هذه الثنائيات يستخدم مصطلح الإفاقة من نوم الغفلة ورقدة الجهالة الشائع عند ~~الغنوصيين: «تنبه أيها النائم وقم من بين الأموات يضيء لك المسيح» (إفسس، 5: 14). «وأنتم ~~تعرفون في أي وقت نحن. حانت ساعتكم لتفيقوا من نومكم، فالخلاص الآن أقرب إلينا مما كان يوم ~~آمنا. تناهى الليل، واقترب النهار. فلنطرح أعمال الظلام ونحمل سلاح النور، لنسلك كما يليق ms125 ~~السلوك في النهار» (روما، 13: 11-13). «أما أنتم أيها الإخوة فلا تعيشون في الظلام حتى ~~يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأة اللص، فلا ننم كسائر الناس بل علينا أن نسهر ونصحو. فإنما في ~~الليل ينام النائمون، وفي الليل يسكر السكارى، أما نحن أبناء النهار فلنكن صاحين لابسين درع ~~الإيمان والمحبة وخوذة رجاء الخلاص» (1 تسالونيكي، 5: 4-8). «احمدوا الآب بسرور لأنه جعلكم ~~أهلا لأن تشاطروا القديسين ميراثهم في النور. فهو الذي نجانا من سلطان الظلمات ونقلنا إلى ~~ملكوت ابنه الحبيب، فكان به الفداء وغفران الخطايا» (كولوسي، 1: 12-13). # فإذا انتقلنا إلى إنجيل يوحنا الذي رشح إليه الكثير من تعاليم يسوع الباطنية، لوجدنا كيف ~~تغيب الحدود الفاصلة بين المسيحية الأولى والفكر الغنوصي، لا سيما فيما يتعلق بثنائيات ~~الوجود: الخير والشر، النور والظلمة، الموت والحياة، والمعرفة والجهل: «أنا نور العالم، من ~~يتبعني لا يخبط في الظلام بل له نور الحياة» (8: 12). «النور باق معكم وقتا طويلا، ~~فامشوا ما دام لكم النور مخافة أن يدرككم الظلام؛ لأن الذي يمشي في الظلام لا يدري أين ~~يسير. آمنوا بالنور ما دام لكم النور، فتكونوا أبناء النور» (12: 35-36). «جئت إلى العالم ~~نورا، فمن آمن بي لا يقيم في الظلام» (12: 46). # ويتحدث يسوع في إنجيل يوحنا عن غربة المؤمنين في عالم تحكمه القوى الظلامية: «من يحب ~~نفسه يهلكها، ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية» (يوحنا، 12: 25). «من ~~أحب حياته هلك، ومن كره حياته في هذه الدنيا حفظها إلى الأبدية». (12: 25) «لو كنتم من ~~العالم لأحب العالم من كان منه، ولكن أبغضكم العالم لأنكم لستم منه. فاختياري لكم أخرجكم ~~من العالم» (15: 19). «بلغتهم كلامك فأبغضهم العالم، لأنهم ليسوا من العالم كما أني لست ~~من العالم» (17: 14). ولذلك عندما سأله الوالي الروماني أثناء المحاكمة: أأنت ملك اليهود؟ ~~أجابه يسوع: «ليست مملكتي من هذا العالم. ولو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني رجالي ~~لكيلا أسلم إلى اليهود» (18: 36). هذه المملكة الأرضية التي رفضها يسوع ما عرفت الله قط: ~~«العالم لم يعرفك، أما أنا فقد عرفتك، وعرف هؤلاء ms126 (= التلاميذ) أنك أرسلتني» (17: ~~25). # وإذا كان العالم جاهلا بالله الحق فلأنه واقع تحت سلطان قوة أخرى يدعوها يسوع بسيد هذا ~~العالم، إله اليهود الذي جربه في البرية، والذي رفض يسوع السجود له وأعلن انتهاء سلطانه ~~على المؤمنين بالآب السماوي: «اليوم دينونة هذا العالم، واليوم ينبذ سيد هذا العالم. فإذا ~~رفعت من هذه الأرض جذبت إلى الناس أجمعين» (12: 31-32). «لأن سيد هذا العالم قد حكم ~~عليه» (16: 11). «لن أخاطبكم بعد الآن لأن سيد هذا العالم آت وليس له يد علي. وما ذلك ~~إلا ليعرف العالم أني أحب الآب وأعمل بما أوصاني» (14: 30-31). سيد هذا العالم الذي عرض على ~~يسوع السلطة على كل ممالك الأرض، هو الذي يهب كل سلطان أرضي، وهو الذي أسلم يسوع إلى الصلب. ~~فعندما قال له الوالي ببلاطس أثناء المحاكمة: «ألا تكلمني؟ أفلست تعلم أن لي سلطانا أن ~~أصلبك وسلطانا أن أطلقك؟» أجاب يسوع: «لم يكن لك سلطان علي البتة لو لم تكن أعطيت (هذا ~~السلطان) من فوق، لذلك الذي أسلمني إليك له خطية عظيمة» (19: 10-11). ولكن يسوع بموته على ~~الصليب وقد غلب العالم وسيد هذا العالم: «ستعانون الشدة في هذا العالم، فاصبروا لها، لقد ~~غلبت العالم» (16: 13). # أما مصدرنا الثالث في تتبع التعاليم الخفية ليسوع، فهو إنجيل غير رسمي منسوب إلى توما ~~الرسول يحتوي على 114 قولا ليسوع من غير التعرض لسيرته أو المناسبات الخاصة بهذه الأقوال. ~~وعلى الرغم من بقاء هذا الإنجيل خارج كتاب العهد الجديد، إلا أنه أكثر الأناجيل غير الرسمية ~~قربا إلى الأناجيل القانونية، الأمر الذي أكسبه عن جدارة لقب الإنجيل الخامس. تعود أقدم ~~الشذرات المكتشفة من هذا الإنجيل إلى مطلع القرن الثاني الميلادي، ولكن الباحثين يعتقدون ~~بأنه ترجمة يونانية عن نص آرامي أقدم دون في فلسطين أو مكان آخر من سوريا. وهناك ~~اتجاهات جديدة في البحث تضع تاريخ تدوينه في زمن ما من النصف الثاني للقرن الأول الميلادي، ~~أي إلى فترة تدوين الأناجيل الرسمية. # من الأقوال ال 114 الواردة في إنجيل توما هناك نحو 50 قولا ms127 يشترك بها مع أقوال يسوع ~~الواردة في الأناجيل الإزائية الثلاثة (مرقس ومتى ولوقا)، وهذا ما يعطي بقية الأقوال ~~مصداقية تؤكد نسبتها إلى يسوع. إلا أن ما يميزه عن الأناجيل الإزائية هو أن يسوع لا يظهر ~~فيه كمبشر بحلول اليوم الأخير ودينونة العالم، وإنما كمعلم حكمة يرشد إلى سبل الحياة ~~الروحية الكفيلة بتطهير النفس والانعتاق من العالم. وتظهر في أقواله لهجة غنوصية بسيطة ~~وواضحة، وبعيدة عن التصورات الميثولوجية المعقدة التي نواجهها في النصوص الغنوصية التي ~~دونت بعده، والتي ابتعدت عن جو الأناجيل الرسمية على الرغم من اتخاذها لشخصية يسوع ~~المسيح المبعوث مركزا لأفكارها وتصوراتها الدينية. # ومؤلف الإنجيل يصف في فقرته الاستهلالية الأقوال التي يقدمها لنا على أنها: «الكلمات ~~الخفية التي نطق بها يسوع الحي، ودونها يهوذا توما» وأن: «من يتوصل إلى تأويلها لن ~~يذوق الموت أبدا» وتبتدئ كل فقرة من الفقرات ال 114 إما بجملة: «قال يسوع» أو «قال له ~~التلاميذ» أو «سأله التلاميذ». وفيما يلي مقتبسات من هذا الإنجيل مع شروحاتي على المتن: # 1 # قال يسوع: على من يبحث ألا يتوقف عن البحث إلى أن يجد، وحين يجد سوف ~~يضطرب، وحين يضطرب سوف يعجب ويسود على الكل. # أي إن المعرفة هي أداة الساعي إلى الخلاص، وعليه متابعتها دون كلل أو يأس، ~~لأنها ستقود في النهاية إلى الاستنارة التي تترافق في البداية مع الدهشة ~~والاضطراب، ثم يليها الغبطة والسكون الداخلي. # قال يسوع: عندما تعرفون أنفسكم تعرفون أنكم أبناء الآب الحي. ولكن إذا لم ~~تعرفوا أنفسكم أقمتم في الفقر وكنتم الفقر. # على ما هو معروف في الأدبيات الغنوصية فإن يسوع هنا يقرن الروح بالثروة ~~والجسد بالفقر. فمن عرف نفسه عرف إلهه الذي سيمد له يد الخلاص، ومن لم ~~يعرف نفسه بقي مقيما في الفقر، أي في الجسد المادي، أسيرا لدورة التناسخ. ~~ولذلك قال في فقرة أخرى من إنجيل توما: # إذا نشأ الجسد عن الروح فهي معجزة، وإذا نشأت الروح عن الجسد فهي معجزة ~~المعجزات. وإني لأعجب كيف لهذه الثروة العظيمة أن تقيم ms128 في هذا الفقر. # قال يسوع: اعرف ما في متناول البصر يظهر لك الخافي عليك. فما من خفي إلا ~~وينكشف. # أي إن المعرفة الحقة للعالم تكشف لك أصله المتجذر في الشر والظلام. # قال يسوع: لقد ألقيت على العالم نارا، وها أنا أرقبه حتى يضطرم. # أي إن يسوع جاء ليقضي على كل ما هو قديم ويستبدله بكل ما هو جديد. وقد ورد ~~في إنجيل لوقا: «جئت لألقي على الأرض نارا، وكم أرجو أن تكون قد احترقت» ~~(لوقا، 12: 29). # قال يسوع: هذه السماء ستزول والتي فوقها ستزول، ولكن من هم أموات لن يحيوا، ~~ومن هم أحياء لن يموتوا. # الأموات الذين لن يحيوا هنا، هم غير العارفين. أما الأحياء فهم العارفون ~~الذين عرفوا أنفسهم وعرفوا إلههم. # قال يسوع: إذا صمتم جلبتم على أنفسكم خطيئة، وإذا صليتم أدنتم أنفسكم، وإذا ~~تصدقتم آذيتم أرواحكم. # أي إن العارف الذي يصوم عن العالم ليس بحاجة إلى الصيام التعبدي اليهودي؛ ~~والذي هو في تواصل دائم مع الإلهي ليس بحاجة إلى طقس الصلاة الشكلي، والذي تنبع ~~أخلاقه عن التزام حر وأصيل ليس بحاجة إلى أخلاق الشريعة المفروضة من ~~الخارج. # قال يسوع: ليس بمقدور أحد أن يمتطي حصانين في آن معا، أو أن يشد قوسين. ~~وليس بمقدور العبد أن يخدم سيدين (قارن مع متى، 6: 24). # الحصانان والقوسان والسيدان هنا هما الروح والجسد. # قال يسوع: إذا سألوكم من أين جئتم؟ قولوا: جئنا من النور، من المكان الذي ~~انبثق فيه النور من تلقاء ذاته وتجلى في صور نورانية. وإذا سألوكم: من أنتم؟ ~~قولوا: نحن أبناؤه، نحن مختارو الآب الحي. # قال له تلاميذه: أربعة وعشرون نبيا كلهم تكلموا عنك. قال لهم: لقد غفلتم عن ~~الحي الذي أمامكم وتكلمتم عن الأموات. # يؤكد يسوع هنا على القطيعة مع التاريخ الديني اليهودي. فالشريعة وتعاليم ~~الأنبياء قد انتهت بظهور البشارة الجديدة. # قال له تلاميذه: هل الختان مفيد؟ قال لهم: لو كان مفيدا لكان أبوهم أنجبهم ~~مختونين. ولكن الختان الحقيقي بالروح. # يستبدل يسوع هنا طهارة الجسد التي يعبر عنها الختان اليهودي ms129 بطهارة الروح ~~التي يعبر عنها العماد المسيحي. فالختان الحقيقي هو بالروح لا بالجسد. وهذا ما ~~عبر عنه بولس عندما قال: «الختان ختان القلب العائد إلى الروح لا إلى حروف ~~الشريعة» (روما، 2: 29). وأيضا: «ها أنا ذا بولس أقول لكم: إذا اختتنتم فلن ~~يفيدكم المسيح شيئا ... لقد انقطعتم عن المسيح يا أيها الذين يلتمسون البر من ~~الشريعة» (غلاطية، 5: 2-4). # قال يسوع: كونوا عابري سبيل. # أي عيشوا في هذا العالم كغرباء عنه متطلعين دوما إلى موطنكم الأصلي في ~~السماء. ولذلك قال في موضع آخر عندما سألته المجدلية: ماذا يشبه تلاميذك؟ فقال: ~~يشبهون صغارا يعيشون في حقل لا يخصهم. # قال يسوع: من عرف كل شيء ولم يعرف نفسه، افتقر إلى كل شيء. # قال يسوع: من يطلب يجد ومن يقرع يفتح له الباب. # أي إن المعرفة متاحة للجميع وما عليك إلا أن تقرع بابها. # قال يسوع: من فهم العالم وقع على جيفة، ومن وقع على جيفة فالعالم ليس أهلا ~~له. # أي إن من يعرف العالم على حقيقته لا يرى فيه سوى جيفة، فيشيح بوجهه عنها ~~ويغدو فوق العالم. # قال يسوع: تطلعوا إلى الحي ما دمتم أحياء، لئلا تموتوا وتحاولوا رؤية الحي ~~فلا تستطيعون. # أي لن يرى الله بعد الموت إلا من رآه رؤية القلب الحقة في الحياة. ~~(1) مآل تعاليم يسوع # إن تعاليم يسوع الظاهرة منها والباطنة، قد وصلت إلى مؤلفي الأناجيل بعد أكثر من ~~أربعين سنة على وفاته، وذلك على شكل مجموعات أقوال دونها مؤلفون مجهولون، ومنها ~~مجموعة اللوجيا- # Logia ~~، # 2 # والمجموعة المنسوبة إلى توما التي اقتبسنا منها أعلاه، ومجموعة المصدر، # 3 # إضافة إلى أخبار متفرقة حفظتها ذاكرة التلاميذ عن سيرة حياته. وقد تأمل ~~هؤلاء المؤلفون في هذه التركة وفهموها كل بما يتناسب مع تكوينه الشخصي وخلفيته ~~الثقافية، فأخذ ما أخذ وترك ما ترك. ثم جاءت الكنيسة المبكرة وتأملت في تركة هؤلاء ~~المؤلفين وبنت عليه مستوى ثانيا للتفسير. وأخيرا جاء اللاهوت المسيحي الذي صاغه ~~آباء متشبعون بالثقافة اليونانية، فبنوا مستوى ثالثا للتفسير. ومع الانتقال بين ~~مستويات ms130 التفسير هذه، جرى إسقاط الكثير من التعاليم الباطنية ليسوع حتى بدا أنها قد ~~ضاعت إلى الأبد. إلا أن شخصية فذة بين آباء الكنيسة نشط في أواسط القرن الثاني الميلادي ~~يدعى مرقيون # Marcion ~~، قد حفظ لنا جوهر هذه التعاليم ~~وبنى عليها كنيسة بديلة عن كنيسة روما. وعلى الرغم من أن هذه الكنيسة لم تعمر طويلا، ~~إلا أن تعاليم مرقيون بقيت بمثابة شاهد حي على الوجه الخفي لتعاليم يسوع ~~المسيح. # | مرقيون والكنيسة البديلة # من بين آباء الكنيسة الأوائل كان مرقيون- # Marcion # الأبرز ~~بين من تقصى تعاليم يسوع الباطنية وفهمها حق فهمها. وعندما فشل في إحداث أي تغيير ~~يذكر في قناعات زملائه في كنيسة روما، انشق عنها وأنشأ كنيسة جديدة توسعت شرقا وغربا ~~بزخم قوي، وطرحت نفسها بديلا عن كنيسة روما التقليدية. # جاء مرقيون من آسيا الصغرى. فقد ولد وترعرع في مدينة سينوب على البحر الأسود بمنطقة ~~البنط- Pontus ~~. سنة ميلاده غير معروفة ولكن يمكن تحديدها ~~بشكل عام في أواخر القرن الأول الميلادي. نشأ في أسرة مسيحية وكان والده أسقفا للمجموعة ~~المسيحية المحلية. ويعتقد البعض أنه كانت لوالده هذا روابط مع طائفة ~~البولسيين- Paulicians ~~، وهي طائفة مسيحية مبكرة نشأت ~~في أرمينيا على يد مبشر يدعى عاديا جاء من أورشليم حاملا معه تعاليم سرية ليسوع من ~~منشئها. وقد بشر عاديا بعقيدة تقول بأن يسوع هو كائن بشري تبناه الله وجعله ابنا له. ثم ~~تطور ضمن هذه العقيدة تنويع آخر يقول بوجود إلهين أعليين لا إله واحد، الأول هو الآب ~~السماوي الأعلى، والثاني هو الديميرج خالق هذا العالم وسيده. # أخذ مرقيون عن والده مهنة الشحن البحري بسفينة تخصه، وربما أكثر. وقد توسع في أعماله ~~باتجاه الموانئ الغربية لآسيا الصغرى مثل إفسوس وسميرنا التي كانت من المراكز القديمة ~~للحركة الغنوصية، وهناك حصلت جدالات فكرية حامية بينه وبين السلطات المسيحية التقليدية. وفي ~~سميرنا وصفه المنافح العنيد عن الإيمان القويم بوليكارب بأنه بكر الشيطان. نحو عام 139م رحل ~~إلى روما حيث انضم إلى المجموعة المسيحية العاملة هناك وتبرع للحركة بمبلغ كبير ms131 من المال. ~~في مكان إقامته الجديد طور تعاليمه، ويقال إنه اتصل ~~بالغنوصي السوري كيردو- # Cerdo # وتأثر به، وكان يبشر مثله ~~بالفصل بين الإله الخالق إله التوراة والإله الخفي الأعلى إله يسوع. وعندما انعقد مجمع كنسي ~~في روما عام 144م، عمل مرقيون على الترويج لأفكاره والدفاع عنها، ولكن المجمع رفض أطروحاته ~~بعد جدال طويل بشأنها. عند ذلك انسحب مرقيون من كنيسة روما وأسس كنيسته الجديدة التي أنفق ~~بقية عمره في الدعوة إليها بعزيمة لا تفتر ولا تلين، وفي إحداث فروع لها في جميع أنحاء ~~الإمبراطورية الرومانية. # شكلت كنيسة مرقيون أكبر تهديد للكنيسة القويمة في القرن الثاني الميلادي، وانتشرت فروعها ~~في إيطاليا وبلاد الشام ومصر ووادي الرافدين وأرمينيا، وشارك أعضاؤها في النضال المسيحي إلى ~~جانب إخوتهم من أتباع الكنيسة القويمة، ونالوا من الاضطهاد مثل ما نالهم وقدموا من الشهداء ~~مثل ما قدموا. ولكن الكنيسة الرسمية لم تعتبرهم إلا هراطقة، وفي أول كتاب مسيحي ضد الهرطقة ~~وضعه جوستين الشهيد نحو عام 150م، جرى تصنيف مرقيون إلى جانب كل من سمعان ماجوس السامري ~~وتلميذه ميناندر باعتبارهم رأس المكيدة التي يدبرها الشيطان ضد المسيحية. وقد استمرت ~~الكنيسة المرقيونية في الغرب إلى جانب الكنيسة القويمة إلى أن صارت المسيحية دينا ~~للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، ثم بدأت تتلاشى بتأثير القرارات الرسمية ~~التي أصدرها الأباطرة ضد الهرطقات، وملاحقة الهراطقة وإحراق كتبهم. أما في الشرق فقد عاشت ~~المرقيونية فترة أطول بسبب هجرة المرقيونيين إلى المناطق الريفية البعيدة واختفائهم من ~~المدن الكبرى. ويبدو أن من لم يعد منهم إلى الكنيسة الرسمية قد دخل في المانوية بسبب ~~التقارب الواضح بين العقيدتين. كما أن ماني نفسه قد استلهم على ما يبدو التنظيم الكنسي ~~المرقيوني عندما كان يؤسس لكنيسته الغنوصية العالمية. # يقوم فكر مرقيون على الفصل التام بين العهد الجديد والعهد القديم، وكان معارضا للطريقة ~~المسيحية التقليدية في تأويل كتاب العهد القديم (= التوراة) لجعله متلائما مع العقيدة ~~المسيحية. كما يقوم فكره على التناقض بين إله الشريعة وإله المحبة والخلاص؛ فالأول هو إله ms132 ~~العهد القديم الذي خلق العالم وراح يحكمه من خلال شريعة قائمة على الانتقام، ومؤسسا ~~العدالة بلا رحمة أو طيبة. هذا الإله الحقود والناقص نقص العالم الذي خلقه، والذي يقول ~~مرقيون إنه يعرفه حق المعرفة، هو إله جدير بالازدراء ولا يستحق بالفعل العبادة التي ~~يطلبها، وهو ليس أبا ليسوع كما يعتقد المسيحيون القويمون. أما إله المحبة والخلاص الذي ~~يدعوه مرقيون بالإله المتعالي والإله المجهول الذي يقيم في سمائه الخاصة فوق إله الخلق، ~~فليس له علاقة بمجريات الأحداث في العالم لأنه لم يكن صانعه، وهو لم يتدخل إلا بأن أرسل ~~ابنه يسوع المسيح في هيئة جسمانية تخفي أصله السماوي إلى هذا العالم البائس الذي أحبه ~~وأراد له الخلاص، وفي هذه الهيئة الجسمانية حكم عليه إله التوراة بالصلب لأنه كان جاهلا ~~بحقيقته. ولكن يسوع قبل الرجوع إلى أبيه نزل إلى هاديس (= العالم الأسفل أو الجحيم) ليكمل ~~فعله الخلاصي بتحرير الأموات. وهناك شمل فعله الخلاصي جميع الأمم التي طالتها لعنات ~~التوراة، بينما بقي أعمدة التاريخ الديني التوراتي في العالم الأسفل لأنهم بقوا على عنادهم ~~وقساوة قلوبهم. # إن مفهوم اغتراب الله عن العالم هو مفهوم جذري لدى مرقيون. فما نعرفه عن الله هو أن جوهره ~~الطيبة والرحمة، وفيما عدا ذلك فليس بإمكاننا تقديم أي وصف أو تحديد له؛ لأن شروطنا الأرضية ~~لا تسمح لنا بذلك. وبينما تعقد الأنظمة الغنوصية الراديكالية (التي لا ينتمي إليها مرقيون) ~~صلة من نوع ما بين الديميرج والإله الخفي المتعالي، باعتبار أن ظهور الديميرج كان نتاجا ~~لعملية سقوط في عالم الملأ الأعلى، فإن نظام مرقيون يصر على عدم وجود رابطة بين الإلهين. ~~وعلى عكس هذه الأنظمة أيضا، فإن الإنسان عند مرقيون هو من صنع الديميرج روحا وجسدا، ~~وبالتالي فإن روحه ليست قبسا من روح الإله الخفي، والشراكة في الجوهر مع الله لا تشكل ~~العنصر الأساسي في عملية الخلاص عن طريق العرفان الذي يكشف للإنسان هذه الشراكة، لأنه معتمد ~~بشكل كلي على رحمة الله ونعمته من خلال الإيمان بيسوع المسيح مخلصا. هذا ms133 الإيمان هو الذي ~~سيؤدي إلى مباركة الروح من قبل الإله الخفي، وتحويلها من روح ملوثة بشر العالم بداعي ~~ارتباطها بالجسد إلى روح نورانية منعتقة ومتحررة من سجن الجسد وسجن العالم. # إن عدم وجود صلة بين الديميرج والإله الخفي في فكر مرقيون قد أعفاه من تلك التصورات ~~الميثولوجية المعقدة التي حاول معلمو الغنوصية الراديكالية من خلالها شرح كيفية صدور ~~الديميرج عن عالم الألوهة العلوي واستقلاله بخلق العالم المادي. فلقد التزم مرقيون الفكر ~~الإنجيلي لا سيما أطروحات بولس التي طورها بروح غنوصية لم تكن غائبة عن بولس نفسه، ووصل ~~بها إلى نتائجها المنطقية، التي لم يصغها بولس بطريقة صريحة. # وعلى الرغم من معارضة مرقيون لإله العهد القديم وتوكيده على تحرير الإنسان من حكمه، إلا ~~أنه يعتقد أن عليه متابعة مهمته في تسيير شئون هذا العالم؛ لأن العالم من حيث الأصل لا قيمة ~~له، والجسد الإنساني لا يساوي شيئا وكذلك حياة هذا الجسد في العالم. لذلك فقد عارض مرقيون ~~الزواج لأنه يؤدي إلى التكاثر، وإلى إدامة بؤس الشرط الإنساني عن طريق إنجاب رعايا جدد ~~يقعون تحت سلطة إله هذا العالم ويساعدون على تعزيز سلطانه. وهو في هذا الموقف على نقيض ~~النزعة النسكية المسيحية التي تعارض الفعل الجنسي ما لم يكن هدفه الإنجاب. # كان لمرقيون عدد من الكتابات لم يصلنا منها إلا شذرات أوردها المؤلفون المسيحيون في ~~معرض ردهم على الهرطقات المسيحية، ولكنه لم يعتبر مؤلفاته كتبا مقدسة كما فعل ماني. ~~ولذلك فقد عمل على تزويد كنيسته بكتاب مقدس اختار أسفاره من عديد الأسفار التي كانت ~~متداولة بين المسيحيين في ذلك العصر، فكان بذلك أول من أقر كتابا قانونيا معتمدا ~~للعهد الجديد. وقد احتوى هذا الكتاب على إنجيل لوقا بعد أن حذف منه مرقيون قصة الميلاد ~~التي اعتقد أنها مقحمة على النص الأصلي، وسلسلة نسب يسوع التي تربطه بالملك داود، كما حذف ~~منه ما اعتقد بأنه مداخلات يهودية. كما اعتمد مرقيون إلى جانب إنجيل لوقا عشرا من رسائل ~~بولس وهي: غلاطية، وكورنثة 1 و2، ms134 وروما، وتسالونيكي 1 و2، وإفسوس، وفيلمون. وفي ردها على ~~هذا الإجراء سارعت كنيسة روما إلى صياغة كتابها القانوني الذي احتوى على معظم الأسفار التي ~~نعرفها اليوم، واعتبرت كتاب التوراة العبرانية بمثابة عهد قديم لهذا العهد الجديد. # ولكي نأخذ فكرة عن الطريقة التي عرض بها المؤلفون المسيحيون أفكار مرقيون، سوف أقدم ~~فيما يلي هذا المقتبس من كتاب المؤلف إيرينايوس المتوفى نحو عام 200م والذي نافح فيه عن ~~العقيدة المسيحية ضد الهرطقات، وهو بعنوان «ضد الهرطقات» (باللاتينية # Adversus Haereses ~~): ~~«ومرقيون البنطي خلف كيردو ، وطور مذهبه الذي جدف فيه بلا حياء على الإله ~~الذي اعترفت به الشريعة كما الأنبياء، ودعاه بصانع الشر، ومحب الحروب، والمخادع ~~المراوغ، والمناقض لنفسه. وهو يقول بأن يسوع قد جاء من قبل الآب الذي يقيم فوق هذا ~~الإله الذي صنع العالم، عندما كان بونتوس بيلاطس واليا على اليهودية في أيام ~~الإمبراطور تيبيريوس، وأظهر نفسه لأهل اليهودية في هيئة رجل بشري، معلنا أنه جاء ~~ليهدم الشريعة وتعاليم الأنبياء وجميع أفعال هذا الإله الذي خلق العالم، والذي ~~يدعوه مرقيون حاكم وسيد هذا العالم. وقد اعتمد إنجيل لوقا بعد أن شذبه وحذف منه ~~كل ما له علاقة بنسب يسوع، وأقواله وتعاليمه التي يقر فيها بأن خالق العالم الذي ~~تدعوه الأسفار المقدسة بالرب هو أبوه. وقد أقنع تلاميذه بأن تعاليمه أكثر مصداقية ~~من تعاليم الرسل الذين نقلوا لنا الإنجيل، بينا لم ينقل لهم هو إلا جزءا صغيرا ~~منه. كما أنه اختصر رسائل بولس الرسول وحذف منها كل ما قاله بولس بخصوص خالق ~~العالم باعتباره أبا ليسوع، كما حذف كل مقتبسات بولس من نبوءات الأنبياء التي ~~تتحدث عن مجيء المسيح.» ~~«وبرأيه فإن الأرواح التي تتقبل تعاليمه هي التي ستحقق الخلاص. وهذا الخلاص لا ~~يشارك به الجسد لأنه مصنوع من مادة الأرض، وزيادة في التجديف على الله، قدم لنا ~~مرقيون هذه القصة التي تجعله متحدثا باسم الشيطان وعدوا للحقيقة: فعندما هبط ~~يسوع بعد قيامته إلى الجحيم، خلص من ربقة الموت قابيل وسلالته، وأهل سدوم، ~~والمصريين ms135 وأمثالهم من الأمم الوثنية؛ لأنهم هرعوا إليه وآمنوا به فضمهم إلى ~~ملكوته. أما هابيل وأخنوخ ونوح، وإبراهيم ونسله، والأنبياء، وكل البارين الذي ~~أطاعوا الرب، فلم يشملهم الخلاص الذي أعلنته الحية لمرقيون، لأنهم اعتقدوا أن الرب ~~الذي كان دوما يجربهم قد جربهم مرة أخرى، فلم يهرعوا إلى يسوع ولم يصدقوا ~~دعواه، وبقيت أرواحهم في الجحيم.» # من هذا العرض العام لتعاليم مرقيون، نلاحظ أنه قد أبقى نفسه على مسافة متساوية من ~~الغنوصية الراديكالية ومن المسيحية القويمة. ويمكننا اعتباره لاهوتيا مسيحيا أكثر منه ~~لاهوتيا غنوصيا. ولكن بعض تلاميذه المباشرين مالوا من بعده إلى الراديكالية وطوروا ~~تعاليمه ووصلوا بها إلى حيث لم يشأ لها أن تصل. من أهم هؤلاء التلاميذ المدعو ~~آبيليس- # Apelles ~~، الذي نشأ في الإسكندرية موطن الغنوصية ~~المصرية، وهو الذي حرف مسار تعاليم أستاذه لتلتقي مع تعاليم الغنوصية الراديكالية في ذلك ~~العصر؛ فقد عزا إلى الروح الإنسانية وجودا مسبقا في عالم الإله الخفي الأعلى، كما جعل من ~~الإله الذي صنع العالم ملاكا ناريا خلقه الله، ولكنه سقط من عليائه وأدار ظهره للنور، ثم ~~صنع العالم والإنسان. وهذا الملاك الساقط هو إله اليهود يهوه. وقد بث آبيليس تعاليمه في ~~كتابين لم يصلا إلينا، وإنما ألمح إليهما بعض المؤلفين المسيحيين مثل أوزيبيوس. وقد ~~استقل آبيليس عن الكنيسة المرقيونية وأسس كنيسته الخاصة التي اندثرت في أواخر القرن ~~الثالث الميلاد. # 1 ~~(1) المرقيونية في مؤلفات المسلمين # عاشت المسيحية المرقيونية في الشرق حتى القرن العاشر الميلادي على ما يورده ابن ~~النديم في كتابه المعروف بالفهرست. فهول يقول: «ولأصحاب مرقيون عدة كتب غير موجودة إلا ~~حيث يعلم الله. وهم يتسترون بالنصرانية، وهم بخراسان كثير، وأمرهم ظاهر كظهور المنانية ~~(=المانوية).» ويقول في عقائدهم ما يلي: «المرقيونية هم أصحاب مرقيون، وهم قبل ~~الديصانية. وهم طائفة من النصارى أقرب من المنانية والديصانية.» وزعمت المرقيونية أن ~~الأصلين القديمين هما النور والظلمة، وأن ها هنا كونا ثالثا مزجها وخالطها. وقالت ~~بتنزيه الله عز وجل عن الشرور؛ لأن خلق جميع الأشياء كلها لا يخلو من ضرر، ms136 وهو مجل ~~عن ذلك. واختلفوا في الكون الثالث ما هو، فقالت طائفة منهم هو الحياة وهو عيسى، وزعمت ~~طائفة أن عيسى هو رسول ذلك الكون الثالث، وهو الصانع للأشياء بأمره وقدرته. إلا أنهم ~~أجمعوا على أن العالم محدث وأن الصنعة بينة فيه، ولا يشكون في ذلك. وزعمت أن من ~~جانب الزهومات (= اللحم والدسم) والمسكر وصلى لله دهره وصام أبدا أفلت من حبائل ~~الشيطان. والحكايات عنه (أي مرقيون) مختلفة كثيرة الاضطراب. وللمرقيونية كتاب يختصون ~~به يكتبون به ديانتهم. ولمرقيون إنجيل سماه ... # أما الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل، فقد وضع المرقيونية في باب «من له شبهة ~~كتاب»، وقال فيهم ما يلي: «أصحاب مرقيون، أثبتوا أصلين قديمين متضادين: أحدهما ~~النور والثاني الظلمة. وأثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج. فإن ~~المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع. وقالوا إن الجامع هو دون النور في المرتبة ~~وفوق الظلمة. وحصل من الاجتماع والامتزاج هذا العالم. ومنهم من يقول: إن الامتزاج حصل ~~بين الظلمة والمعدل؛ إذ هو أقرب منها، فامتزجت به لتطيب به وتلتذ بملاذه. فبعث ~~النور إلى العالم الممتزج روحا مسيحية وهو روح الله وابنه، تحننا على المعدل الجامع ~~السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم، حتى يخلصه من حبائل الشياطين. فمن اتبعه فلم ~~يلامس النساء ولم يقرب الزهومات أفلت ونجا، ومن خالفه هلك.» ~~«وقالوا: وإنما أثبتنا المعدل لأن النور هو الله تعالى، لا يجوز عليه مخالطة ~~الشياطين ... وأيضا: فإن الضدين يتنافران طبعا ويتمانعان ذاتا ونفسا، فكيف يجوز ~~اجتماعهما وامتزاجهما؟ فلا بد من معدل يكون دون النور وفوق الظلام فيقع الامتزاج منه. ~~وهذا على خلاف ما قالته المانوية، وهو أيضا على خلاف ما قاله زردشت، فإنه يثبت التضاد ~~بين النور والظلمة، ويثبت المعدل كالحاكم على الخصمين الجامع بين المتضادين، لا يجوز ~~أن يكون طبعه من أحد الضدين، وهو الله عز وجل الذي لا ضد له ولا ند.» # 2 # من هذا العرض الذي قدمه ابن النديم والشهرستاني، نلاحظ أن العقيدة المرقيونية في ~~صيغتها المتأخرة قد حافظت ms137 على بعض الأفكار الأصلية للمعلم الأول، ولكنها تبنت الكثير ~~أيضا من الأفكار والتصورات الغنوصية الراديكالية التي كانت أبعد ما تكون عن فكر ~~مرقيون. # | هل وجد يسوع فعلا؟ # عبر التاريخ الطويل للبحث في العهد الجديد ظهر تيار ما زال له مؤيدون في الوقت الراهن، ~~يقول إن يسوع المسيح ليس شخصية تاريخية، وما أحداث الإنجيل إلا أسطورة تكونت ببطء ~~ونسجتها مخيلة اللاهوتيين على مدى قرن من الزمان إلى أن اكتملت بالطريقة التي وصلتنا ~~بها. إننا لا نعرف شيئا عن أسرة يسوع ولا عن حياته قبل ظهوره الفجائي وهو في نحو الثلاثين ~~من العمر، كما أن سيرة حياته التبشيرية كما دونها الإنجيليون مليئة بالتناقضات التي لا ~~يمكن التوفيق بينها على أي صعيد. ويبدو أن هؤلاء الإنجيليين الذين كانوا يكتبون باللغة ~~اليونانية، لم يكونوا على معرفة مباشرة بجغرافية فلسطين وبيئتها الطبيعية، وأن أحدا منهم ~~لم ير يسوع شخصيا ولم يسمع منه، بل ولم ير من اجتمع بيسوع مباشرة وسمع منه. إننا نعرف ~~مثلا لون بشرة النبي محمد ولون عينيه وطول قامته ومزاجه وطبائعه وأدق تفاصيل حياته، ~~ولكننا لا نعرف شيئا ملموسا يتعلق بيسوع ولم يصفه لنا أحد من الذين رافقوه وخالطوه عبر ~~حياته. # إن مسألة تاريخية يسوع بقيت أمدا طويلا مادة لجدل أكاديمي حاد بين الباحثين، ولا ~~يبدو أنها ستغلق في يوم من الأيام. ويرتكز أصحاب مقولة أسطورية الإنجيل بشكل رئيس على ~~وقوف الرواية الإنجيلية وحيدة في شهادتها على يسوع، ويقولون إن الأحداث التي وصفها ~~الإنجيليون قد مرت من غير أن يلحظها أحد من المعاصرين. ففي القرن الأول الميلادي الذي ~~دعوه أصحاب هذا الاتجاه بقرن الصمت عن يسوع، تم إنتاج مراجع غنية باللغتين اليونانية ~~والرومانية أعطتنا صورة حافلة بالتفاصيل عن أحداث القرن وعن الحياة الثقافية والسياسية في ~~أصقاع الإمبراطورية لا سيما في المشرق العربي. ومؤلفو هذه المراجع على تخصصهم في حقول ~~معينة، إلا أن طابع الموسوعية كان غالبا على أعمالهم وقدموا لنا معلومات كثيرة ما زلنا ~~نستفيد منها اليوم في إعادة بناء تصورنا لذلك ms138 العصر. # من هؤلاء المؤلفين على سبيل المثال يرد ذكر ~~فيلون الإسكندري، وهو فيلسوف يهودي أفلاطوني (ت54م)، وبلوترخ (40-120م)، وتاسيتوس ~~(54-109م). وبلينوس الأصغر (61-113م)، وسويتونيوس (75-؟)، وسينيكا (ت65م)، وجوفينال ~~(45-130م)، وبلينوس الأكبر (23-79م). ومن المنطقة الفلسطينية نفسها لدينا من طبريا المؤرخ ~~جوستوس الذي أنجز كتابا عن تاريخ ملوك اليهود حتى منتصف القرن الأول الميلادي، والمؤرخ ~~اليهودي الشهير يوسيفوس الذي أمضى القسم الأخير من حياته في روما وأنجز خلال الربع الأخير ~~من القرن الأول الميلادي كتابين عن تاريخ اليهود، الأول بعنوان عاديات اليهود # Jewish Antiquities ~~، والثاني بعنوان الحروب اليهودية # Jewish Wars ~~. ومن هذين الأخيرين يمكن أن نتوقع إشارات ~~إلى يسوع وحركته الدينية. ولكن جوستوس الذي قدم لنا معلومات غزيرة عن الملك هيرود أنتيباس ~~حاكم الجليل في عصر يسوع، لم يتعرض ولو بإشارة عابرة إلى يسوع، أما يوسيفوس فإن المقطع ~~الوحيد الذي ذكر فيه يسوع، ما زال حتى الآن موضع جدل بين الباحثين، وجلهم يؤكد بأنه ~~إضافة مسيحية على النص الأصلي. # 1 # في الرد على هذه الطروحات التي تبدو منطقية وجذابة للوهلة الأولى، تقول بأن يسوع وحركته ~~الدينية ما كان لهما أن يلفتا نظر السلطات الرومانية ولا المؤلفين المعروفين في ذلك الوقت. ~~فحياة يسوع التبشيرية لم تدم أكثر من سنة وفق الأناجيل الإزائية أو سنتين وفق إنجيل ~~يوحنا. وخلال هذه الفترة القصيرة لم يفلح يسوع في خلق حركة دينية قوية يمكن أن تشغل بال ~~السلطات اليهودية في أورشليم، أو حركة معارضة سياسية يمكن أن تشغل بال السلطات الرومانية. ~~إن قراءة ما وراء السطور في الأناجيل تقودنا إلى الاستنتاج بأن حركة يسوع لم تفلح خلال ~~حياته في التسرب إلى نسيج المجتمع الجليلي أو المجتمع اليهودي، وعندما مات لم يترك وراءه ~~أكثر من مائة تابع على أكثر تقدير. أما دخول يسوع إلى أورشليم الذي صوره بعض ~~الإنجيليين بطريقة فخمة وجعلوا أهل المدينة يخرجون لاستقباله شيبا وشبانا، وهم ~~يبسطون أرديتهم تحت حوافر حماره ويهتفون بأعلى أصواتهم تحية له، فإن إنجيل لوقا يقدم ~~لنا الصورة الأقرب إلى الواقع ms139 عندما يقول: «فجاء التلميذان بالجحش إلى يسوع ورصفا رداءيهما ~~عليه وأركبا يسوع. وفيما هو سائر فرشوا ثيابهم في الطريق. ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون ~~ابتدأ كل جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم قائلين: مبارك الملك الآتي ~~باسم الرب، سلام في السماء ومجد في الأعالي» (لوقا، 19: 35-39). # فإذا كان الأمر كذلك، فإن إعدام يسوع لم يكن بالشأن الكبير الذي يمكن أن ينتشر خبره في ~~أرجاء الإمبراطورية ويلفت نظر المؤرخين. فقد كان العشرات من القوميين اليهود يصلبون في ~~تلك الأيام على يد السلطات الرومانية بتهمة الشغب السياسي والتحريض ضد روما، كما كان المجلس ~~اليهودي (السنهدرين) يحكم بالموت رجما بالحجارة على من تثبت عليه تهمة التجديف أو ازدراء ~~الشريعة. وكان استفانوس وهو أحد أعمدة كنيسة أورشليم بعد وفاة يسوع واحدا من هؤلاء، على ما ~~يخبرنا به سفر أعمال الرسل. فقد ادعى عليه بعض اليهود قائلين: إنا سمعناه يكفر بموسى ~~وبالله، ويقول إن يسوع الناصري يبدل ما أورثنا به من سنن. فحكم عليه المجلس بالرجم (أعمال، ~~7: 8-53). وكانت العادة أن يعلق المرجوم بعد موته على عمود خشبي. وفي الحقيقة فإن جوهر ~~تهمة يسوع لم يختلف كثيرا عن تهمة استفانوس على الرغم من تقديمها إلى بيلاطس في قالب ~~سياسي. # ويعطينا سفر أعمال الرسل معلومة دقيقة عن عدد أتباع يسوع. فعندما اجتمع كل التلاميذ بعد ~~أن ظهر يسوع لهم للمرة الأخيرة كان تعدادهم نحو مائة وعشرين (أعمال، 1: 15). وهؤلاء كانوا ~~يواظبون على الصلاة في الهيكل اليهودي (3: 1) ربما بداعي التقية، ولم يكن بالإمكان تمييزهم ~~عن بقية اليهود، لا سيما وأنهم لم يطلقوا على أنفسهم في البداية اسم المسيحيين، وإنما ~~استخدموا تسمية عامة ودعوا أنفسهم بالإيبونيين (إيبونيم) التي تعني بالعبرية الفقراء. ~~أما اسم المسيحيين فلم يطلق على أتباع يسوع إلا نحو عام 50م وكان ذلك في مدينة أنطاكية. ~~ومما لا شك فيه أن يسوع قد استطاع استمالة عدد من اليهود المتكلمين باليونانية ممن كانوا ~~يأتون لزيارة أورشليم بمناسبة الفصح اليهودي، وكانت له معهم حوارات (يوحنا، 12: 20). وعندما ~~عاد ms140 هؤلاء إلى مواطنهم خارج فلسطين شكلوا بؤرا مسيحية متفرقة دون أن يلحظهم أحد لأنه ~~لم يكن بإمكان الغريب عنهم التمييز بينهم وبين اليهود الآخرين. ولمثل هؤلاء وجه بولس ~~الرسول خطابه أولا، سواء عن طريق زيارتهم أم عن طريق توجيه رسائله إليهم. # وقد ساهم نشاط بولس التبشيري المحموم في زيادة عدد البؤر المسيحية داخل الجماعات اليهودية ~~وخارجها، ولكن المجتمع الروماني بقي على عدم تمييزه لهؤلاء عن بقية اليهود وبقوا على حالة ~~الكمون التي يعيشونها. ولكن شيئا ما حدث في روما نحو عام 50م نقله إلينا مؤرخ القصر ~~الإمبراطوري سويتونيوس نحو عام 115م في كتابه «حياة الأباطرة الاثنا عشر»؛ حيث أورد خبرا ~~مقتضبا وغامضا بعض الشيء، فقال: إن الإمبراطور كلاوديوس (41-54م) طرد من روما اليهود ~~الذين أثاروا فتنة بتحريض من المسيح (= # Christus # باليونانية). # 2 # ومن الواضح هنا أن سويتونيوس كان ينقل هذه الواقعة حرفيا عن السجلات ~~الإمبراطورية العائدة إلى أواسط القرن الأول عندما كانت المعلومات مشوشة عن المسيحيين وعن ~~علاقتهم باليهود. ونحن هنا أمام أول خبر تاريخي عن اليهود المتنصرين وعن معلمهم. وعلى ~~الرغم من أن هذا الخبر موثق خارج فترة صمت القرن إلا أن صاحبه قد انتزعه ولا شك من وثائق ~~تعود إلى زمن الحدث. # إن خبر سويتونيوس هذا يدلنا على أن المسيحية لم تظهر للعيان كحركة دينية متميزة قبل ~~تقاطعها مع حياة المجتمع الروماني. وقد حصل مثل هذا التقاطع بشكل أكثر درامية في عصر ~~الإمبراطور نيرون (ت68م)، عندما شب في أواخر فترة حكمه حريق كبير في العاصمة روما وكاد ~~أن يأتي على المدينة بأكملها، وسرت شائعات بين الناس تقول إن نيرون هو الذي أشعل المدينة ~~ليتمتع بالمشهد العظيم للكارثة. ولما كان سبب الحريق مجهولا بالفعل للسلطات الرومانية، ~~فقد نصحه مستشاروه بالبحث عن كبش فداء وجده في الجماعات المسيحية التي وجهت إليها ~~التهمة، إضافة إلى تهم أخرى تتعلق بممارسة السحر وطقوس غريبة تتضمن أكل اللحم البشري ~~وشرب الدم. ولا شك أن هذه التهمة الأخيرة ذات صلة بطقس التناول الذي يتضمن أكل ms141 جسد المسيح ~~وشرب دمه رمزيا من أجل التوحد معه. ومصدرنا عن هذه الأحداث هو مؤرخ آخر للقصر ~~الإمبراطوري يدعى تاسيتوس في كتابه الموسم بالحوليات # Annals # والذي يعود إلى نحو 120م، أي مرة أخرى إلى خارج ~~ما يدعى بقرن الصمت. ولكن هذا المؤرخ في تقصيه لأخبار الأباطرة كان مثل معاصره سويتونيوس ~~يستخدم وثائق الأرشيف الملكي، كما أن ذكرى مثل هذه الأحداث كانت ما تزال ماثلة في الأذهان ~~بعد مرور ستين عاما على وقوعها، يقول تاسيتوس: ~~«لكي يقضي نيرون على الشائعات ألقى تهمة الحريق على عاتق تلك الجماعة المكروهة التي ~~يدعوها الناس بالمسيحيين. وكان الحاكم بيلاطس قد أعدم المسيح الذي ينتمون إليه، وذلك في ~~عهد الإمبراطور تيبيروس ... وبعد القبض على أفراد الطائفة وانتزاع الاعترافات منهم كان معظمهم ~~يدان لا بتهمة الحرق المتعمد بالدرجة الأولى وإنما بتهمة كراهية الجنس البشري. وبعد ذلك ~~كانت العقوبات القاسية والمهينة تنفذ بحقهم، فكانوا ~~يلبسون جلود الحيوانات البرية وتطلق عليهم الكلاب الشرسة التي تمزقهم إربا. أو كانوا ~~يثبتون على الصلبان وعند المساء كانت أجسادهم تحرق لتضيء عتمة الليل مثل المشاعل. ~~وقد قدم نيرون حدائقه الخاصة لتكون مسرحا لهذه المشاهد ... إن هؤلاء بصرف النظر عن ~~جريرتهم قد استحقوا التعاطف لأن عقابهم بهذه الطريقة لم يكن من أجل الصالح العام وإنما ~~إرضاء لنزوات رجل واحد (= نيرون).» # 3 # نأتي الآن إلى المؤرخين الفلسطينيين جوستوس من ~~طبرية، ويوسيفوس اليهودي. فقد ولد جوستوس في مدينة طبرية الجليلية ولكنه أمضى الشطر الثاني ~~من حياته في مدينة إفسوس بآسيا الصغرى، وهناك وضع كتابه عن تاريخ ملوك اليهود الذي أنهاه ~~خلال فترة حكم الملك هيرود أغريبا حفيد هيرود الكبير، والذي جعله الرومان ملكا على ~~اليهودية عام 41م، ولكنه لم يحكم سوى ثلاث سنوات لأنه توفي عام 44م بشكل مفاجئ، وعادت ~~اليهودية لتحكم من قبل ولاة رومانيين. أما لماذا لم يهتم هذا المؤرخ بذكر شيء عن يسوع ~~والمسيحيين، فلأن الأحداث التي يرويها تنتهي بعد عقدين من الزمان فقط على وفاء يسوع، ~~عندما لم تكن المسيحية في فلسطين ms142 قد تميزت على اليهودية، ولا يمكن أن نتوقع منه كبير ~~اهتمام بحركة دينية لم تكن قد طفت على السطح في ذلك الزمن. يضاف إلى ذلك أن كتاب جوستوس ~~يتحدث عن تاريخ ملوك اليهود، والمسيحية نشأت في زمن لم يكن فيه ملك على اليهودية. # أما يوسيفوس الذي كان موسوعيا بكل ما في الكلمة من معنى، والذي أورد لنا في مؤلفيه ~~سابقي الذكر كل كبيرة وصغيرة، فقد جاء على ذكر يسوع في المخطوطات التي وصلتنا من كتابه ~~عاديات اليهود الذي أنهاه نحو عام 94م، أي في أواخر قرن الصمت عن يسوع. وهذا نص الفقرة ~~الخاصة بذلك وهي من المجلد الثامن عشر: ~~«في ذلك الزمان عاش إنسان حكيم يدعى يسوع، إذا كان لنا أن ندعوه إنسانا لأنه ~~أتى أمورا غير عادية، وكان معلما للناس الذين تقبلوا الحقيقة بفرح، وجذب إليه ~~كثيرا من اليهود واليونانيين. لقد كان هو المسيح. وحينما حكم عليه بيلاطس بالصلب ~~بناء على اتهام شيوخنا، بقي الذين أحبوه منذ البداية مخلصين له، وفي اليوم الثالث ~~لموته ظهر لهم حيا لأن أنبياء الرب تنبئوا بذلك وبكثير من معجزاته الأخرى.» # 4 # في التعامل مع هذا الخبر انقسم الباحثون إلى فريقين، فقد رفضه الفريق الأول جملة ~~وتفصيلا باعتباره مداخلة مسيحية أضافها النساخ اللاحقون، لأن يوسيفوس الذي كان مؤمنا ~~يهوديا ومن فرقة الفريسيين تحديدا، قد دعا يسوع بالمسيح وتحدث عن قيامته من بين ~~الأموات كأنها واقعة حدثت فعلا. أما الفريق الثاني فقد قبل الخبر في خطوطه العامة، على ~~اعتبار أن يد من زور هذا النص قد بنى تزويره على نص أصلي كتبه يوسيفوس، وأن ~~مهمته اقتصرت على إضافة بعض العبارات ذات الصبغة المسيحية. وقد بقيت نتائج الجدل بين ~~الفريقين معلقة في الفراغ، إلى أن نشر أحد الباحثين عام 1971م مخطوطا من القرون الوسطى ~~كتبه باللغة العربية الأسقف آغابيوس تحت عنوان الحوليات العالمية. وكان من جملة ما تطرق ~~إليه هذا المؤلف أخبار عن يسوع مستمدة من الكتب القديمة بما في ذلك كتاب عاديات اليهود ~~ليوسيفوس، الذي ms143 يبدو أنه كان محتفظا بنسخة منه مختلفة عن بقية النسخ التي وصلتنا، نسخة ~~منقولة عن الأصل قبل تزويره، ومنه اقتبس هذا النص وأورده في مخطوطه: ~~«في ذلك الزمان عاش إنسان حكيم دعوه يسوع، عاش حياة استقامة وعفة وصار له كثير ~~من اليهود تلاميذ. حكم عليه بيلاطس بالموت صلبا، ولكن تلاميذه لم يتخلوا عنه. ~~وقد قال هؤلاء إنه ظهر لهم حيا في اليوم الثالث بعد صلبه. وهم يفترضون أنه هو ~~المسيح الذي تنبأ الأنبياء بموته.» # 5 # يبدو لنا هذا الخبر الذي أورده آغابيوس مكتوبا من قبل شخص موضوعي. فهو لم يقل إن ~~يسوع هو المسيح بل قال إن تلاميذه يفترضون ذلك. ولم يقل إنه ظهر لتلاميذه حيا في اليوم ~~الثالث وإنما عزا لتلاميذه هذا القول. من هنا يمكن اعتباره أقرب إلى الصيغة الأصلية التي ~~أوردها يوسيفوس. ولعل مما يدعم هذا الرأي أن يوسيفوس قد أورد خبرا لاحقا عن يسوع، يتحدث ~~فيه عن حادثة جرت نحو عام 62م عندما أعدم المجلس اليهودي «يعقوب أخا يسوع الذي يدعى ~~المسيح» (ويعقوب هذا ورد اسمه بين إخوة يسوع في إنجيل متى 13: 55، وفي إنجيل مرقس 6: 3). ~~إن الصيغة المختصرة لهذا الخبر وعدم تصدي المؤلف لمزيد من التعريف بيسوع، يدل على أنه ~~اعتبر يسوع شخصية معروفة تماما ولا حاجة إلى التعريف بها. كما أن هذا الخبر الثاني يؤكد ~~أصالة الخبر السابق. # 6 # ولكن ماذا يقول اليهود أنفسهم في يسوع؟ وهم المستفيد الأول من فكرة لا تاريخية يسوع لا ~~سيما في جدالهم مع المسيحيين المنشقين عن اليهودية؟ إن وجهة نظر اليهود في يسوع تتخذ لدينا ~~أهمية بالغة، لأن الأخبار التي تداولوها كانت أخبارا متصلة وغير منقطعة ومستمدة من عصر ~~يسوع نفسه، فقد أورد كتاب التلمود رواية كانت متداولة بين اليهود مفادها أن يسوع قد ولدته ~~امرأة تعمل ندافة من عشيقها الوثني بانتير. وقد سافر في شبابه إلى مصر حيث تعلم فنون ~~السحر، وعندما عاد حوكم وأعدم رجما بالحجارة، ثم علق عشية عيد الفصح. # 7 # ونحن إذن صرفنا النظر عن ms144 الحقد اليهودي الذي ينضح من هذا الخبر لما وجدنا فيه ~~إلا توكيدا على تاريخية يسوع. فلو لم يكن يسوع شخصا من لحم ودم، ولو أن أحدا ما قال في ~~ذلك العصر إن يسوع كان شخصية مختلقة، لكان اليهود أسرع الجميع إلى إعلان ذلك، وحشد الوقائع ~~للبرهنة عليه بدل التركيز على تشويه سمعته وسمعة أمه. # لقد تقصينا حتى الآن المصادر الخارجية التي تشهد على تاريخية يسوع، وهي المصادر نفسها ~~التي ادعى بها أصحاب الرأي المخالف. ولكن ماذا عن مصادر كتاب العهد الجديد ذاتها؟ ولماذا ~~تستبعد هذه المصادر من الجدال الدائر حول تاريخية يسوع؟ أليس من الممكن والمرجح أنها تحتوي ~~على وقائع تاريخية جرى تقديمها في قالب وعظي ألقى ظلالا من الشك على مصداقيتها؟ # لقد تحول بولس الرسول إلى المسيحية في أربعينيات القرن الأول، وراح يبشر بالمسيح الذي ~~صلب من أجل خلاص العالم، وذلك بعد مضي نحو عقد واحد من الزمان على حادثة الصلب. ثم بدأ ~~بكتابة رسائله المعروفة مع بداية خمسينيات القرن، والتي كان يجري تداولها على نطاق واسع بين ~~المجموعات اليهودية المتنصرة قبل تدوين الأناجيل. فهل كان بولس يبشر بكائن أسطوري لم يوجد ~~قط ولم يسمع أحد بصلبه على يد بيلاطس قبل عقدين من الزمان؟ إن بولس لم ير يسوع لكنه عرف ~~الذين رأوه وسمعوه، وكان على صلة بكنيسة أورشليم، وكان يلتقي ببطرس ويوحنا وغيرهما من ~~تلاميذ يسوع. فهل كان هؤلاء شخصيات ميثولوجية أيضا لم يعرفها ولم يسمع بها اليهود من ~~مستمعي بولس؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف استطاع بولس استمالة عدد كبير من اليهود ~~اليونانيين وكان بعضهم يحج إلى أورشليم ويعرف أخبارها، ويعرف بالتالي كذب ما يدعيه ~~بولس؟ # على أية حال، فإن بولس لم يرو لنا شيئا من سيرة حياة يسوع، ولم يبشر بيسوع الإنسان ~~الذي عاش في فلسطين، وإنما بيسوع القائم من بين الأموات وبالآثار الخلاصية لصلبه وقيامته. ~~وما علينا من أجل البحث عن يسوع التاريخي سوى الالتفات إلى الأناجيل الأربعة، من أجل إحداث ~~شبكة من التقاطعات بين ms145 الأخبار الواردة فيها والأخبار التاريخية الموثقة. وهذا ما سوف ~~نلتفت إليه فيما يلي من هذا البحث. # | الإطار التاريخي للإنجيل # لقد ظهرت الأناجيل الأربعة في عصر موثق لنا كل التوثيق، ونعرف الكثير عن أحداثه ~~وشخصياته. في ذلك العصر كانت الكتابة التاريخية قد بلغت درجة عالية من النضج، وكان أصحابها ~~يتبعون مناهج متطورة في التوثيق وتقصي الحقائق. ولكن مؤلفي الأناجيل لم يكونوا مؤرخين ~~بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ولم يكن بين أيديهم وثائق مكتوبة عن حياة يسوع وما جرى له ~~قبل عقود عديدة مضت، وإنما أخبار متداولة شفاهة تلونت عبر الزمن بالتطورات اللاهوتية ضمن ~~الفكر المسيحي، وبالآراء ووجهات النظر المتخالفة للمجموعات المسيحية، فانتقى كل منهم ما ~~انتقى وأسقط ما أسقط. وهم في اختيارهم للمعلومات لم يكونوا يتوخون الدقة التاريخية وإنما ~~دعم وتقوية الإيمان، وتقديم الإرشاد للمجموعات المسيحية. هذه العملية الانتقائية قد ترافقت ~~مع عملية تأويلية من شأنها إعادة صنع الحدث بطريقة خلاقة، لا مجرد روايته كما وصل إلى ~~الكاتب. وعلى الرغم من ذلك فقد قدم لنا الإنجيليون إطارا جغرافيا وطبوغرافيا واضحا ~~للحدث، وكان يسوع يتحرك على مسرح واقعي نستطيع مطابقته اليوم على خارطة فلسطين في تلك ~~الأيام. كما قدموا لنا إطارا زمنيا عاشت فيه مجموعة من الشخصيات التاريخية الموثقة لنا ~~بدقة في المصادر الخارجية، وأهمهم: ~~(1) # هيرود الكبير، الذي عينه الإمبراطور أوغسطس ملكا على فلسطين، ثم ضم إلى ~~ممتلكاته مناطق شرقي الأردن ووصلت سلطته إلى حوران في الجنوب السوري. وقد دام ~~حكمه من عام 37ق.م. إلى عام 4ق.م. تميز هيرود بالقسوة والبطش، وحكم مملكته ~~بقبضة من حديد، وكان متحمسا للثقافة الهيلينية كارها لليهود والثقافة ~~اليهودية. اشتهر بأعمال البناء والتشييد، وكان من جملة أعماله إعادة بناء ~~وتوسيع هيكل أورشليم وجعله درة معابد الشرق في زمانه. وحسب رواية متى فإن ~~يسوع ولد في أواخر عهد هذا الملك. ~~(2) # أرخيلاوس، ابن هيرود الكبير. عينه الرومان حاكما على مقاطعتي اليهودية ~~والسامرة بعد تقسيم مملكة أبيه. وقد قمع عشية تسلمه للسلطة تمردا لليهود ~~في أورشليم وقتل منهم ثلاثة آلاف. ولكن ms146 الإمبراطور أوغسطس خلعه من ملكه بسبب ~~سوء حكمه عام 6م، وأعاد السلطة في المقاطعتين إلى ولاة رومانيين، وفي عهده ~~عادت العائلة المقدسة من مصر. ~~(3) # هيرود أنتيباس (4ق.م-39م)، الابن الثاني لهيرود الكبير. عينه أوغسطس حاكما ~~على الجليل وبيرايا (شرقي الأردن)، وبقي في منصبه أكثر من أربعين سنة. ~~وعندما ارتقى العرش الإمبراطور كاليغولا غضب عليه ونفاه إلى ليون في فرنسا. ~~يرتبط اسمه في الأناجيل الإزائية بمقتل يوحنا المعمدان، وبمحاكمة يسوع. ~~(4) # فيليبس (4ق.م-34م)، الابن الثالث لهيرود الكبير. وقد أعطي حكم مناطق سوريا ~~الجنوبية (الطراخونية في اللجاة، إيطورية في البقاع، والجولان). وبقي في نصبه ~~نحو أربعين سنة، وارتبط اسمه في الإنجيل بظهور يوحنا المعمدان. ~~(5) # كيرينيوس، المفوض العام الروماني في سوريا من عام 6 إلى 7م. وفي عهده جرى ~~الإحصاء السكاني الذي تحدث عنه لوقا. ~~(6) # بيلاطس البنطي (26-36م). الوالي الروماني على مقاطعتي اليهودية والسامرة، ~~وكان مقره الرسمي في مدينة قيسارية على الساحل الفلسطيني لا في أورشليم، وكان ~~يصعد إلى دار الولاية في أورشليم ليقضي للشعب هناك. ارتبط اسمه في الأناجيل ~~بمحاكمة يسوع. ~~(7) # قيافا، رئيس الكهنة في أورشليم من عام 27 إلى عام 36م. وكان منصب رئيس ~~الكهنة في تلك الأيام في يد الإدارة الرومانية، تعين فيه من تشاء وتعزل من ~~تشاء. ~~(8) # حنان، أو حنانيا. رئيس الكهنة في أورشليم من عام 6 إلى 15م. خلعه الوالي ~~الروماني على اليهودية فاليروس جراتوس واستبدله بأحد أولاده، ولكنه بقي أكثر ~~الكهنة نفوذا وبقي يحمل لقب رئيس الكهنة. وكان حما الرئيس الفعلي قيافا الذي ~~كان دمية بيده. ارتبط اسما هذين الكاهنين بمحاكمة يسوع. ~~(9) # يوحنا المعمدان. وهو أيضا شخصية تاريخية موثقة، وقد أورد المؤرخ يوسيفوس ~~عددا من الأخبار المتعلقة به، والتي نستطيع الآن مقاطعتها مع أحداث تاريخية ~~معروفة مثل حرب ملك الأنباط الحارثة الثاني مع هيرود أنتيباس ملك الجليل. وقد ~~بدأ التبشير في السنة الخامسة عشرة من حكم تيبيريوس (لوقا، 3: 1) أي عام ~~29م. # وقد ذكرت أسفار العهد الجديد عددا من الأباطرة الرومان ممن تعيننا فترات حكمهم على ~~رسم الإطار التاريخي لأحداث ms147 الإنجيل، ومنهم أوغسطس وكلاوديوس وتيبيريوس. # إننا لا نستطيع لوم مؤلفي الإنجيل عما لم يوردوه، لأن ما أوردوه كان في رأيهم كافيا ~~للغرض الذي من أجله دونت الأناجيل، وهو إعلان يسوع مسيحا يفتتح بقدومه الثاني ملكوت ~~السماوات، وبالتالي فقد أسقطوا كل ما لا يمت بصلة إلى غرضهم هذا. يضاف إلى ذلك أن هؤلاء ~~المؤلفين كانوا يكتبون مادتهم بعد مضي أكثر من أربعين سنة على الأحداث التي يروونها، ~~وكانت الحرب اليهودية الرومانية (66-70م) قد أدت إلى مقتل الكثيرين ممن رأوا يسوع وسمعوا ~~منه، وإلى ضياع الوثائق المكتوبة في حال وجودها. وعلى ما يقوله يوسيفوس فإن أكثر من مليون ~~شخص قد لقوا حتفهم أثناء حصار أورشليم، ثم اقتحامها عام 70م وإحراقها وتدمير هيكلها، هذا ~~عدا عن الذين قتلوا أثناء قيام القائد الروماني تيتوس بتمشيط الجليل وأراضي اليهودية قبل ~~إلقائه الحصار على العاصمة. ففي الجليل موطن يسوع وتلاميذه قام الرومان بقتل كل قادر على ~~حمل السلاح، حتى إن بحر الجليل (= طبريا) تحول إلى بركة من الدم والنار والجثث الطافية. ~~وخلال عملية التمشيط هذه كان الناس يهربون من وجه الجيش الروماني نحو أورشليم المحصنة التي ~~ضاقت بالعدد الكبير من النازحين إليها، وهذا هو السبب وراء ذلك العدد الكبير من القتلى الذي ~~خلفه اقتحام المدينة. وأما الذين نجوا بحياتهم فقد بيعوا في أسواق النخاسة، حتى صار سعر ~~العبد اليهودي أرخص من سعر الحمار، وبما أن المسيحيين في ذلك الوقت لم يكونوا قد تميزوا عن ~~اليهود، فلا بد من أن عددا كبيرا منهم قد لقي حتفه، لا سيما وأن الوفيات كانت مرتفعة في ~~صفوف العجز وكبار السن، وبينهم العديد ممن عاصروا أحداث الإنجيل. وأما من نجا بحياته من ~~هؤلاء فقد صار إلى حالة من الشرود وبلبلة الذهن وضعف الذاكرة، لا تسمح له بتقديم شهادة ~~متماسكة يركن إليها. # إن قليل المعلومات الذي حفظه لنا الإنجيليون قد لا يكفي في حد ذاته لوضع إطار تاريخي ~~وكرونولوجي دقيق لسيرة يسوع، ولكنه يصلح لرسم شبكة من التقاطعات بين المفاصل الرئيسة ~~للرواية ms148 الإنجيلية والمصادر الخارجية، تقودنا إما إلى إثبات هذه الرواية أو إلى نفيها. وهذا ~~ما سنعمد إليه فيما يلي بعد استبعاد قصة الميلاد العذري وبقية الغيبيات الواردة في ~~الأناجيل، لأنها تنتمي إلى مجال العقيدة والتقوى الدينية لا إلى مجال التاريخ. وقد اخترنا ~~ثلاثة مفاصل رئيسة من أجل مقاطعتها مع ما صرنا نعرفه من أحداث تلك الفترة، وهي: الصلب، ~~والظهور العلني بعد المعمودية، والميلاد. # ومصدرنا التاريخي الرئيس هو كتاب «عاديات اليهود # Antiquities of the ~~Jews ~~» للمؤرخ اليهودي يوسيفوس. ~~(1) الصلب # نفهم من الرواية الإنجيلية أن نشاط يسوع التبشيري ابتدأ قبل زمن قصير من قيام هيرود ~~أنتيباس بسجن يوحنا المعمدان، وأن صلبه حدث بعد زمن ليس بالبعيد من إعدام يوحنا، عندما ~~كان بيلاطس واليا على اليهودية وقيافا رئيسا للكهنة. وهذا ما يعطينا شيئا ملموسا ~~ننطلق منه. فلقد ابتدأت فترة ولاية بيلاطس على اليهودية والسامرة عام 27م، وانتهت إما ~~في أواخر عام 36م أو في أوائل عام 37م، عندما أمره المفوض الروماني العام في سوريا ~~المدعو فيتيليوس بالتوجه إلى روما من أجل استجوابه من قبل الإمبراطور تيبيريوس بخصوص ~~التهم الموجهة إليه من قبل اليهود والسامريين بالقسوة والظلم وسوء استخدام ~~السلطة. وبعد ذلك حضر فيتيليوس بنفسه إلى أورشليم في عيد الفصح من عام 37م، بعد أن ~~وصلته أخبار عن تململ اليهود وإمكانية حدوث فتنة عامة نتيجة لفساد حكم بيلاطس، وهناك ~~قام بعزل قيافا من منصب الكاهن الأعلى وعين آخر بدلا عنه. من هنا نستطيع تحديد آخر ~~تاريخ ممكن لصلب يسوع وهو عيد الفصح من عام 36م. # ومن الممكن أيضا وجود صلة بين صلب يسوع وعزل الشخصيتين الرئيستين المسئولتين عن ~~ذلك، أي بيلاطس وقيافا، وذلك مقارنة مع ما حدث بعد ذلك عام 62م، عندما جرى عزل رئيس ~~كهنة آخر لأنه عقد اجتماعا غير قانوني للسنهدرين، واستصدر منه حكما بالموت رجما على ~~يعقوب الأخ الأكبر ليسوع وأحد أعمدة كنيسة أورشليم، مستغلا فترة الفراغ الواقعة بين ~~سفر الوالي القديم ووصول الوالي الجديد الذي يفترض به إعطاء الموافقة على أي ms149 اجتماع للسنهدرين. # 1 ~~(2) المعمودية والظهور العلني # يورد لنا مرقس الخبر التالي عن اعتقال يوحنا ومقتله: ~~«كان هيرود (أنتيباس) قد أرسل إلى يوحنا من أمسكه وأوثقه في السجن، من أجل هيروديا ~~امرأة أخيه فيلبس لأنه تزوجها (في حياة أخيه). فكان يوحنا يقول له: لا يحق لك أن تأخذ ~~امرأة أخيك. وكانت هيروديا ناقمة عليه تريد قتله فلا تستطيع، لأن هيرود كان يهاب يوحنا ~~لعلمه أنه رجل قديس وبار، وكان يحميه. وجاء يوم مؤات لها إذ أقام هيرودوس مأدبة في ~~ذكرى مولده للأشراف والقواد وأعيان الجليل. فدخلت ابنة هيروديا ورقصت فأعجبت هيرود ~~والمدعوين. فقال الملك للفتاة: سلي ما شئت أعطيك. وأقسم لها. فخرجت وسألت أمها ماذا ~~أطلب؟ فقالت: رأس يوحنا المعمدان على طبق. فاغتم الملك، ولكنه من أجل الأيمان التي ~~أقسمها بمسمع من المدعوين لم يشأ أن يرد طلبها. فأرسل الملك من ساعته حاجبا وأمره ~~بأن يأتي برأسه، فمضى وضرب عنقه في السجن وأتي بالرأس على طبق» (مرقس، 6: 16-29 قارن مع ~~متى 14: 3-12). # يورد لنا يوسيفوس خبرا مشابها للرواية الإنجيلية، ولكنه يضيف إليه أحداثا تساعدنا ~~في مهمتنا الاستقصائية هذه. فبعد زواج هيرود من امرأة أخيه فيلبس (الابن الثالث لهيرود ~~الكبير)، لم تقبل زوجته الأولى ابنة الحارثة (الرابع) ملك الأنباط (9ق.م.-40م) بهذا ~~الوضع، وفرت عائدة إلى عاصمة أبيها في البتراء. وردا على هذه الإهانة قرر ~~الحارثة شن الحرب على هيرود وراح يعد العدة لذلك وينتظر الظروف المؤاتية، وعندما ~~سمع هيرود بخروج الحارثة إليه، دفع قواته إلى قلعة مخايروس الواقعة إلى الشرق من البحر ~~الأحمر على الحدود الفاصلة بين ممتلكاته وممتلكات الحارثة، واتخذ منها مقرا لقيادته. ~~وإلى هذه القلعة ساق يوحنا سجينا لخوفه من تأليب الشعب عليه خلال هذه المرحلة، ثم أمر ~~بإعدامه. في شتاء عام 35-36م وقع الصدام بين الجانبين ومني هيرود بهزيمة منكرة أمام ~~قوات الحارثة، فعاد إلى الجليل وأرسل إلى راعيه الإمبراطور تيبيريوس يطلب منه عونا على ~~الحارثة. فأمر الإمبراطور مفوضه العام على سوريا فيتيليوس (الذي استلم مهام منصبه عام ~~35م) ms150 أن يجرد حملة ضد الأنباط ويأتي بالحارثة مكبلا بالأصفاد أو يبعث إليه بخبر ~~مقتله. وعندما استكمل فيتيليوس استعداداته من أجل الخروج إلى الحارثة، جاءه خبر وفاة ~~الإمبراطور تيبيريوس التي حصلت في شهر آذار/مارس من عام 37م. فتريث في انتظار تعليمات جديدة. # 2 # اعتمادا على رواية يوسيفوس هذه، وما زودنا أحداثها بتواريخ مما صرنا نعرفه الآن، ~~نستطيع وضع مقتل يوحنا في عام 35م وعلى الأرجح في أواخر الربيع قبل بضعة أشهر من ~~المعركة التي جرت في شتاء 35-36م بين الحارثة وهيرود. وعليه فإن معمودية يسوع (وظهوره ~~العلني) قد جرت إما في أواخر عام 34م أو في مطلع ربيع عام 35م. وهذا ما يتفق والتاريخ ~~الذي استنتجناه لصلبه وهو ربيع عام 36م. ~~(3) الميلاد # يقول لنا متى إن يسوع قد ولد في عهد الملك هيرود الكبير في بيت لحم، وإن يوسف ~~النجار قد هرب مع أسرته إلى مصر؛ لأن هيرود كان يطلب قتل الطفل يسوع. وعندما سمع بخبر ~~وفاة هيرود عاد إلى اليهودية ليجد أرخلاوس بن هيرود حاكما على اليهودية. وبما أن هيرود ~~قد توفي عام 4ق.م. فإن مدة سفر العائلة المقدسة إلى مصر وإقامتها فيها ثم العودة ~~إلى اليهودية قد استغرقت على أقل تقدير عامين من الزمان، وعليه تكون ولادة يسوع قد ~~وقعت عام 6ق.م. وهذا يعني اعتمادا على استنتاجاتنا السابقة، أن يسوع قد باشر كرازته ~~وهو في سن الواحدة والأربعين (6ق.م. + 35م)، وأنه صلب وهو في سن الثانية والأربعين. ~~وهذا مستبعد لأنه حينها كان على أبواب الكهولة، بينما تكشف لنا سيرته عن شباب متدفق ~~وحيوية بالغة، ولأن لوقا يقول لنا: «وكان يسوع في بدء رسالته في نحو الثلاثين من عمره» ~~(لوقا، 3: 23). فهل سنجد عند لوقا ما يؤيد استنتاجاتنا؟ # يقول لنا لوقا: إن يسوع ولد في سنة الإحصاء العام الذي أمر به القيصر أوغسطس عندما ~~كان كيرينيوس مفوضا عاما في سوريا. ونحن نعلم سواء من يوسيفوس أم من المصادر ~~الرومانية أن هذا الإحصاء كان يجري كل أربع عشرة سنة من أجل تحديث ms151 قوائم المكلفين ~~بالضريبة، وأن الإحصاء المذكور عند لوقا قد جرى نحو عام 6م. وهذا يعني أن يسوع في بدء ~~رسالته عام 35م كان له تسع وعشرون سنة، وأنه صلب وهو في نحو الثلاثين، الأمر الذي ~~يأتي في اتفاق مع روح النص الإنجيلي ومع نتائجنا. # ولدينا في الإنجيل أحداث تدل على أن السنة التي بشر بها يسوع كانت سنة التحصيل ~~الضرائب على إجمالي الدخل (= ضريبة مقطوعة) من المكلفين الذين وردت أسماؤهم في قوائم ~~الإحصاء الذي كان يتم كل 14 سنة، وكانت هذه الضريبة تدعى بضريبة القيصر. فإذا كانت سنة ~~الإحصاء التي ولد فيها يسوع تؤرخ ب 6م على ما أوردناه أعلاه، فإن سنة الإحصاء ~~التالية ستكون في عام 20م (6 + 14)، والتي تليها في عام 34م (20 + 14). وبناء على ذلك ~~يكون عام 35م هو عام تحصيل الضرائب التي أعدت قوائمها في العام السابق. # من هذه الأحداث الدالة على سنة الإحصاء، أن الكهنة أرسلوا إلى يسوع جواسيس ليأخذوه ~~بكلمة ضد روما فيسلمونه إلى المحكمة. فجاءوا وسألوه: يا معلم، أيحل لنا أن ندفع ~~الجزية إلى قيصر؟ ففطن لمكرهم فقال لهم: أروني دينارا! لمن الصورة التي عليه والكتابة؟ ~~فقالوا: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذن لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله (لوقا، 20: 20-26 قارن ~~مع مرقس 12: 13-17 ومع متى 22: 15-22). وقبل ذلك حصل لغط بين اليهود؛ لأن يسوع اختار ~~في مدينة أريحا أن يبيت في منزل عشار (= جابي ضريبة) اسمه زكا، وقالوا إنه يحب مخالطة ~~الخاطئين وحثالة الناس (لوقا، 19: 1-7). ومن الأقوال المبكرة ليسوع التي لا يمكن فهمها ~~إلا في ضوء سنة الإحصاء وتحصيل الضريبة، إعلانه في نهاية خطابه الأول في مجمع الناصرة ~~أنه «يركز بسنة مقبولة للرب» (لوقا، 4: 16-19). أي أنه أعلن سنته هذه سنة مقدسة في ~~مقابل إعلانها من قبل السلطات الرومانية سنة إحصاء ضريبي وتحصيل. ومما يدل على أن ~~الناس في تلك السنة قد رزحوا تحت أثقال ضرائب باهظة، أن المفوض الروماني فيتيليوس ~~عندما قدم إلى أورشليم في السنة التالية (راجع أعلاه) قد ms152 أعفى المواطنين من ضريبة ~~الثمار والخضار، في محاولة منه للتخفيف من تذمر الناس. ومثل هذا الإجراء كان من ~~صلاحياته على عكس ضريبة القيصر. # لقد ترافقت سنة كرازة يسوع مع فترة تميزت بالاضطراب والغليان. فهيرود أنتيباس المكروه ~~من قبل الجليليين كان في حالة حرب مع الحارثة، وقد حرك قواته العاملة في شرقي ~~الأردن، وهو يخشى من انتفاضة شعبية ضده لا سيما بعد إعدامه ليوحنا المعمدان. وكانت ~~تصله أخبار كرازة يسوع وتبشيره بقرب حلول ملكوت الرب، الأمر الذي ضاعف من قلقه من ~~تأثير هذا المبشر الجديد الذي خلف يوحنا، وكان يفكر جديا بالتخلص منه. # أما بيلاطس فقد أثار نقمة اليهود عليه عندما استخدم أموال الهيكل المقدسة لتمويل ~~مشروع جر مياه الشرب إلى أورشليم، فخرجت الحشود تندد بهذا الانتهاك لحرمة الهيكل، ~~ولكن بيلاطس دس بينهم شرطته السريين الذين انقضوا عليهم طعنا بالخناجر عندما ~~رفضوا الأوامر بالتفرق، وقتلت منهم خلقا كثيرا ويوسيفوس الذي ينقل لنا هذا الخبر، ~~ينتقل بعده مباشرة إلى القول: «في ذلك الزمان عاش إنسان حكيم اسمه يسوع ...» ويبدو أن ~~عددا من الجليليين كانوا بين المحتجين وأوقع جنود بيلاطس بينهم إصابات قاتلة. ~~ولدينا في إنجيل لوقا خبر مقتضب وغامض لا يمكن تفسيره إلا على ضوء هذه الواقعة: «وكان ~~حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم» ~~(لوقا، 13: 1). # ولم تكن علاقة بيلاطس مع السامريين أفضل حالا. فقد كان اليهود السامريون في ذلك ~~الوقت يتوقعون أيضا شخصية مسيحانية يدعى الطاحب، سوف يستخرج لهم تابوت العهد ~~ومحتوياته من تحت جبل جرزيم حيث دفن هناك منذ زمن بعيد. ثم ظهر رجل ادعى أنه الطاحب ~~المنتظر تبعه خلق كثير سار بهم إلى جبل جرزيم. ولكن بيلاس رأي في هذه الدعوة الدينية ~~بداية فتنة سياسية، فأرسل قوة عسكرية لقمعها وقتل الكثيرين من أتباع الطاحب ثم حاكم ~~قادة الحركة وأعدمهم. فكتب مجلس السامريين إلى المفوض فيتيليوس يتهمون بيلاطس بقتل ~~الأبرياء. هذه الحادثة التي يرويها يوسيفوس تلقي ضوءا على موقف يسوع الحذر من لقب ~~المسيح، ms153 نقرأ في إنجيل لوقا: «فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس: مسيح ~~الله. فانتهرهم وأوصى ألا يقولوا ذلك لأحد» (لوقا، 9: 20-21). وفي إنجيل متى: ~~«حينئذ أوصى تلاميذه ألا يقولوا لأحد عنه أنه يسوع المسيح» (متى، 16: 20). # إن هذا العرض السريع للأوضاع العامة في فلسطين خلال حياة يسوع، وما بيناه من ~~تقاطع أحداث تلك الفترة وشخصياتها مع المفاصل الرئيسة وبعض الأحداث العابرة وغير ~~المفهمة أحيانا في الرواية الإنجيلية، يجعل حياة يسوع ترتسم أمام أعيننا على خلفية ~~تاريخية واضحة كل الوضوح، كما يجعل من القول بلا تاريخية يسوع أطروحة لا يمكن الدفاع ~~عنها. # بقي علينا أن نوضح واحدة من مفارقات التاريخ، وهي ولادة يسوع المسيح وفق تقويمنا ~~السائد (الذي يستند إلى قصة الميلاد عند متى) قبل سنوات من بداية التاريخ الميلادي، ~~لا في اليوم الأول من السنة الميلادية المتعارف عليها. فهذه المفارقة راجعة إلى خطأ ~~ارتكبه أول من خطرت له فكرة تقسيم التاريخ إلى ما قبل ميلاد يسوع وما بعده، وهو الراهب # Dionysius Exigus # الذي عاش في روما في القرن السادس ~~الميلادي ووضع أول تقويم يقوم على سنة ميلاد يسوع، والتي اعتبرها متطابقة مع سنة وفاة ~~الملك هيرود الكبير، ولكنه أخطأ في حساب تاريخ وفاة هيرود ودفعه إلى الأمام أربع سنوات. ~~وعندما قامت الدراسات اللاحقة بتصحيح تاريخ وفاة هيرود وجعلته عام 4ق.م. بقي التقويم ~~على حاله. # | لغز إخوة يسوع # كانت أسرة يوسف ومريم تضم إلى جانب يسوع البكر أربعة إخوة له وأختين. عن هؤلاء الإخوة ~~لا نعرف إلا أقل من القليل؛ فقد أشار إليهم مرقس ومتى مرتين بشكل عابر، المرة الأولى في ~~معرض تعجب أهل الناصرة عندما سمعوا كلمات الحكمة التي تخرج من فم يسوع، فقالوا: «أليس هذا ~~هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ أوليست أخواته ها هنا عندنا» (مرقس، ~~6: 3). وفي الموضع المقابل عند متى نقرأ: «أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم ~~وإخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوليست أخواته جميعا عندنا» (متى، 13: 55). ويرد ~~ذكر الإخوة عند ms154 مرقس ومتي مرة ثانية عندما جاءت أم يسوع وإخوته يطلبونه وهو يكلم ~~الجموع: «فجاء حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجا وأرسلوا إليه يدعونه. وكان الجمع جالسا ~~حوله، فقالوا له: هو ذا أمك وإخوتك خارجا يطلبونك. فأجاب قائلا: من أمي ومن إخوتي؟ ثم ~~نظر حوله إلى الجالسين وقال: ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة الله، هو أخي وأختي وأمي» ~~(مرقس، 3: 31-35. قارن مع متى، 12: 46-50). وعلى الرغم من أن متى ومرقس لم يذكرا لنا ~~عدد الأخوات أو أسماءهن، إلا أن المؤلفين المسيحيين في القرون الأولى للميلاد، مثل ~~إبيفانوس، قالوا: بأنهن اثنتان واحدة تدعى مريم والأخرى سالومي. # 1 # أما لوقا ثالث الإزائيين، فقد تجاهل قائمة الأسماء التي أوردها مرقس ومتى، ~~ولا نستخلص منه إشارة ولو عابرة إلى وجود إخوة ليسوع أو أخوات. # فإنا انتقلنا إلى يوحنا وجدنا لديه إشارتين إلى إخوة يسوع؛ الأولى عندما قال بشكل عابر ~~إن يسوع بعد عرس قانا الذي حول فيه الماء إلى خمر: «انحدر إلى كفر ناحوم هو وأمه وإخوته ~~وتلاميذه وأقاموا هناك» (يوحنا، 2: 12). أما الإشارة الثانية فتستحق أن نتوقف عندها لأنها ~~تقدم لنا مدخلا لفهم موقف إخوة يسوع منه، فهم إلى جانب عدم الإيمان برسالته قد سعوا ~~إلى وقوعه في أيدي السلطات اليهودية: «وكان عيد الخطال عند اليهود قريبا. فقال له إخوته: ~~انتقل من هنا واذهب إلى اليهودية لكي يرى تلاميذك أيضا أعمالك التي تعمل، لأنه ليس أحد ~~يعمل شيئا في الخفاء وهو يريد أن يكون علانية. إن كنت تعمل هذه الأشياء فأظهر نفسك للعالم. ~~لأن إخوته لم يكونوا يؤمنون به. فقال لهم يسوع: إن وقتي لم يحضر بعد أما وقتكم ففي كل حين ~~حاضر. لا يقدر العالم أن يبغضكم ولكنه يبغضني أنا لأني أشهد عليه بأن أعماله شريرة. اصعدوا ~~أنتم إلى هذا العيد، أنا لست أصعد بعد» (يوحنا، 7: 2-8). هذا الموقف الذي يعبر عنه يوحنا ~~أوضح تعبير في هذا الخبر، يأتي في انسجام مع ما أورده مرقس من أن أسرة يسوع جاءت للقبض ~~عليه لأنهم ms155 اعتبروه فاقد الرشد: «ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه لأنهم قالوا إنه مختل» ~~(مرقس، 3: 21). # إن عقيدة العذرية الدائمة لمريم لا تجد سندا لها في الأناجيل الأربعة، كما أن لقب ~~«العذراء» بالمعنى اللاهوتي اللاحق لم يسبغ على مريم في أي من أسفار العهد الجديد. فهذه ~~العقيدة لم تترسخ إلا بعد أن قال بها اللاهوتي أبيفانوس في أواخر الرابع الميلادي، وقبل ذلك ~~كان المؤلفون المسيحيون يشيرون إلى إخوة يسوع على أنهم «إخوة الجسد»، وهذا يعني أنهم أشقاؤه ~~من نفس الأب والأم. # 2 # بعد تبني هذه العقيدة كان على الكنيسة أن تخرج بتفسير لوجود إخوة ليسوع؛ فقال ~~فريق من اللاهوتيين إن صفة «الإخوة» كانت تشمل عند اليهود أبناء العمومة أو أبناء الخئولة، ~~فهم والحالة هذه إما أولاد أخت مريم أو أولاد أخي يوسف. وقد شاع بين مؤرخي الكنيسة الأوائل ~~اعتمادا على أخبار متداولة أن أخا يوسف النجار كان يدعى كلوبا. وفي الحقيقة فقد كان ~~الشائع بين اليهود إطلاق صفة الإخوة على أبناء العمومة أو أبناء الخئولة، ولكن هذه الحالة ~~لا تنطبق على إخوة يسوع لأننا نراهم على الدوام في صحبة مريم أو في صحبة مريم ويسوع، على ما ~~ورد لدى متى ومرقس: «فبينما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته خارجا يطلبون أن يكلموه» ~~(متى، 12: 46. قارن مع مرقس، 3: 31)، وعلى ما ورد أيضا لدى يوحنا: «وبعد هذا انحدر إلى كفر ~~ناحوم هو وأمه وإخوته وأقاموا هناك» (يوحنا، 2: 12). وهذا يعني أن هؤلاء الإخوة كانوا جزءا ~~من أسرة يسوع يقيمون معه في بيت واحد، ولم يكونوا أبناء عمومة أو أبناء خئولة. # وقال فريق آخر من اللاهوتيين في إخوة يسوع بأنهم كانوا أولاد يوسف النجار من زواج سابق. ~~ويبدو أنهم في اجتهادهم هذا قد استلهموا أناجيل الطفولة المنحولة التي يظهر فيها يوسف كرجل ~~عجوز وله أولاد من زوجة متوفاة. فعندما استدعى الكاهن الأكبر زكريا كل الرجال الأرامل ~~وأجرى القرعة بينهم على من يكفل مريم التي أنهت فترة إقامتها في الهيكل كمنذورة للرب، ثم ~~يتزوجها بعد ذلك، وقعت القرعة على ms156 يوسف، ولكن يوسف تخوف من حمل هذه المسئولية وقال ~~لزكريا: «إنني شيخ وعندي أولاد أما هي فعذراء فتية، وأخشى أن أصبح موضع سخرية ~~بين أبناء إسرائيل.» # 3 # وقال فريق ثالث بأن هؤلاء الإخوة قد ولدتهم مريم ليوسف بعد يسوع، وهم إخوته ~~الأشقاء بالجسد. وهذا الرأي يجد سندا له من إنجيل متى الذي قال: «إن يوسف النجار لم يعرف ~~مريم حتى وضعت ابنها البكر» (متى، 1: 25). أي إن الخلوة الزوجية لم تحصل بين الطرفين قبل ~~ولادة يسوع وإنما بعدها. وقد أخذت الكنيسة الغربية بالرأي الأول الذي يقول بأن إخوة يسوع ~~هم أبناء خئولة أو عمومة له، بينما أخذت الكنيسة الشرقية بالرأي الثاني القائل بأنهم ~~أولاد يوسف وإخوة غير أشقاء ليسوع. أما الرأي الثالث فقد أسقطته الكنيسة ولا يأخذ به الآن ~~إلا الباحثون العلمانيون. # ولكن هنالك مفاجأة أخرى تنتظرنا فيما يتعلق بإخوة يسوع. فمؤلف إنجيل لوقا الذي تجاهل ~~وجود إخوة ليسوع مثلما تجاهل أي دور لمريم في حياة يسوع التبشيرية، يقول لنا في الإصحاح ~~الأول من سفر أعمال الرسل المنسوب إليه إن أم يسوع وإخوته كانوا بين تلاميذ يسوع الذين ~~كانوا يجتمعون معا للصلاة بعد أن صعد عنهم يسوع إلى السماء: «وهؤلاء كانوا يواظبون بنفس ~~واحدة على الصلاة مع النساء، ومريم أم يسوع، ومع إخوته» (أعمال، 1: 14). فأين كانت مريم قبل ~~ظهورها الفجائي هذا؟ وكيف تحول إخوة يسوع إلى الدين الجديد، وهم الذين لم يؤمنوا برسالته ~~(يوحنا، 7: 5)، والذين حاولوا وضعه تحت الحجر لأنهم اعتبروه مختل العقل (مرقس، 3: 21)، ~~ولماذا غابت أم يسوع بعد هذه الإشارة العابرة إليها، ولم يأت مؤلف أعمال الرسل على ذكرها ~~مرة أخرى؟ # إن ظهور أم يسوع المفاجئ في سفر الأعمال يمكن قبوله مع كثير من التحفظ، وذلك اعتمادا ~~على إنجيل يوحنا؛ حيث ظهرت أم يسوع فجأة أيضا عند صليبه بعد غيابها عن جميع أحداث ~~الإنجيل عقب قصة عرس قانا التي جرت في مطلع الأحداث، والروايتان تؤيدان بعضهما بعضا على ~~الرغم مما فيهما من غرابة. أما ظهور إخوة يسوع بين التلاميذ في ms157 سفر أعمال الرسل، فلا يمكن ~~تفسيره بسبب موقفهم الذي أوضحه النص من يسوع خلال السنة التي سبقت صلبه. فمن هم أولئك ~~الذي دعاهم لوقا بإخوة يسوع في أعمال الرسل بعد أن تجاهل في إنجيله وجود إخوة له؟ من أجل ~~حل هذا اللغز سوف نلتفت إلى حل لغز آخر هو لغز مريم الأخرى التي ورد ذكرها بين النساء ~~اللواتي رافقن يسوع وحضرن واقعة صلبه. # في مشهد الصلب نقرأ عند مرقس ما يلي: «وكانت نساء ينظرن من بعيد، بينهن: مريم المجدلية، ~~ومريم أم يعقوب ويوسي، وسالومة، اللواتي تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل» (مرقس، ~~15: 40-41). وفي السياق نفسه، نقرأ عند متى: «وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد، ~~وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه، وبينهن: مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، ~~وأم ابني زبدي» (متى، 27: 55-56). وبعد أن أودع جثمان يسوع في القبر يقول لنا متى: ~~«وبعد السبت جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر، وإذا زلزلة عظيمة حدثت ... إلخ» ~~(متى، 28: 1-2). # ولنقارن الآن قائمتي الأسماء في الروايتين بعد تغيير ترتيب الأسماء في كل قائمة: # مرقس: # سالومة - مريم المجدلية - مريم أم يعقوب ويوسي. # متى: # أم ابني زبدي - مريم المجدلية - مريم أم يعقوب ويوسي (= الأخرى). # إن المقارنة بين القائمتين تقودنا إلى الاستنتاج بأن مريم أم يعقوب ويوسي هي نفسها مريم ~~الأخرى، وأن سالومة هي نفسها أم ابني زبدي، أي يعقوب ويوحنا صيادي السمك. # لوقا لم يذكر لنا أسماء النساء اللواتي كن ينظرن واقعة الصلب، واكتفى بالقول: «وكان ~~جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرون ذلك» (لوقا، 23: 49). ~~أما يوحنا فيقدم لنا قائمة جديدة بأسماء النسوة؛ حيث يقول: «وكانت واقفات عند صليب يسوع: ~~أمه، وأخت أمه مريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية» (يوحنا، 19: 25). إن قائمة يوحنا هذه قد ~~تبدو لأول وهلة مختلفة تماما عن قائمة مرقس ومتى، إلا أننا بعد المقارنة وإنعام النظر ~~سنجد أنها لا تختلف إلا في إحلال أم يسوع محل سالومة (أم ابني زبدي)، لأن زوجة ms158 كلوبا ~~المدعوة أيضا مريم هي نفسها مريم الأخرى أم يعقوب ويوسي، على ما تبينه المقارنة ~~التالية: # مرقس: # سالومة - مريم المجدلية - مريم أم يعقوب ويوسي. # متى: # أم ابني زبدي - مريم المجدلية - مريم أم يعقوب ويوسي (الأخرى). # يوحنا: # أم يسوع - مريم المجدلية - مريم زوجة كلوبا. # وكما نلاحظ فقد حلت أم يسوع في قائمة يوحنا محل سالومة أم ابني زبدي، وبقيت مريم ~~الأخرى أم يعقوب ويوسي التي عرفها لنا بأنها أخت أم يسوع زوجة كلوبا. # ولكن من هو كلوبا (= كليوباس/ # Cleophas # في الأصل ~~اليوناني)؟ في غير هذا الموضع من إنجيل يوحنا لم يرد في بقية الأناجيل اسم كلوبا إلا مرة ~~واحدة عند لوقا باعتباره أحد تلاميذ يسوع. ففي اليوم الثاني للصلب كان اثنان من التلاميذ ~~منطلقين إلى قرية قريبة من أورشليم: «وكانا يتكلمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث، ~~وفيما هما يتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما، ولكن أمسكت أعينهما عن ~~معرفته. فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسان؟ فأجاب أحدهما ~~الذي اسمه كليوباس وقال له ... إلخ» (لوقا، 24: 13-19). ولكن التاريخ الكنسي أورد معلومات عن ~~كلوبا هذا، وقال بأنه أخ ليوسف النجار. وهذه المعلومة جاءتنا من الكاتب المسيحي هيجسبوس ~~الذي عاش في أواسط القرن الثاني الميلادي، وجمع في مؤلف له ما استطاع جمعه واستقصاءه ~~عن المسيحيين الأوائل، ولكن مؤلفه قد ضاع وبقيت منه شذرات وردت بشكل رئيسي في كتاب تاريخ ~~الكنيسة لأوزيب القيساري من القرن الرابع الميلادي. # 4 # كما نقل لنا أوزيب هذا عن هيجسبوس أيضا أن كلوبا عم يسوع هذا كان له ابن ~~يدعى سمعان استلم قيادة كنيسة أورشليم عام 62م. # 5 # وبذلك نحصل على قائمة بأولاد كلوبا عم يسوع وزوجته مريم تضم كلا من: يعقوب ~~ويوسي وسمعان. وهؤلاء أولاد عم يسوع، أي إخوته بالمفهوم اليهودي لذلك الزمان. # إلا أن هذه القائمة بأولاد أخت مريم زوجة كلوبا تبدي لنا بعض الغرابة لأنها تحتوي على ~~ثلاثة من أسماء أولاد يوسف النجار ومريم أم يسوع، وهم: يعقوب ms159 ويوسي وسمعان (راجع القائمة ~~الأولى عند مرقس، 6: 3؛ ومتى، 13: 55) أي إن مريم زوجة يوسف وأختها زوجة كلوبا أخي يوسف ~~وتدعى مريم أيضا هما سلفتان متزوجتان من أخين، وأنجبت كل منهما ثلاثة أولاد يدعون ~~بالأسماء نفسها. من أجل حل هذه المعضلة، اقترح البعض قراءة نص إنجيل يوحنا المتعلق ~~بأسماء النسوة اللواتي كن حاضرات في مشهد الصلب ليغدو على الشكل التالي: «وكانت واقفات ~~عند صليب يسوع: أمه، وأخت أمه، ومريم زوجة كلوبا، ومريم المجدلية» # 6 # وبذلك يكون عدد الحاضرات هو أربع نساء بدلا من ثلاثة على ما تبينه المقارنة ~~التالية: # النص الأصلي: # أم يسوع - أخت أمه مريم زوجة كلوبا - مريم المجدلية. # القراءة المقترحة: # أم يسوع - أخت أمه - مريم زوجة كلوبا - مريم المجدلية. # هذا الاستنتاج المنطقي هو الذي يقودنا إلى إلغاء التعارض بين الأناجيل التي بينت لنا ~~بوضوح الموقف السلبي لإخوة يسوع منه ومن رسالته، وبين سفر أعمال الرسل الذي يفاجئنا في ~~إصحاحه الأول بوجود إخوة ليسوع مع التلاميذ بعد أن ارتفع عنهم. فهؤلاء الإخوة المذكورون في ~~سفر الأعمال ليسوا أولاد مريم امرأة يوسف بل أولاد مريم زوجة كلوبا عم يسوع. # على أن بعض المؤلفين المعاصرين اليهود ممن كتبوا في سيرة يسوع لهم رأي آخر في حل مشكلة ~~تشابه أسماء أولاد مريم زوجة يوسف وأسماء أولاد مريم زوجة كلوبا، مفاده أن المريمتين هما ~~في حقيقة الأمر واحدة، وأن في القصة سرا حاولت الأناجيل إخفاءه. ولنتابع هذا الرأي ~~المتطرف لدى الكاتب جيمس طابور الذي ناقش المشكلة على الوجه التالي: # لدينا سبب وجيه للافتراض بأن يوسف النجار قد مات في وقت مبكر من حياة يسوع. فبعد قصص ~~الميلاد يختفي يوسف ولا يظهر ثانية في أي حدث من أحداث الإنجيل. فعندما جاءت أم يسوع ~~وإخوته ووقفوا خارجا يطلبونه (متى، 12: 46-50) لم يكن يوسف بينهم، وعندما انتقل يسوع مع ~~أمه وإخوته ليقيم في كفر ناحوم (يوحنا، 2: 12) لم يكن يوسف معهم، وكذلك الأمر خلال الأحداث ~~العاصفة للأسبوع الأخير من حياة يسوع، وعند اجتماع التلاميذ بعد صعوده عنهم ومعهم إخوة ms160 يسوع ~~وأمه (أعمال، 1: 12-14). وعلى الأرجح فإن يوسف قد مات دون أولاد لأنه لم يكن الأب الجسدي ~~ليسوع. وبناء عليه، ووفق شريعة التوراة، كان على الأخ الأعزب أن يتزوج امرأة أخيه ~~المتوفى لكيلا ينقطع نسله. وهذه القاعدة الشرعية موضحة في سفر التثنية 25: 5-10. كما ~~جرت الإشارة إليها في إنجيل مرقس 12: 18-23. ثم يخلص المؤلف من مناقشته الطويلة لبعض نصوص ~~الإنجيل إلى أن أخا يوسف المدعو كلوبا قد تزوج أم يسوع وأنجب منها يعقوب ويوسي وسمعان ~~ويهوذا، الوارد ذكرهم في الأناجيل على أنهم إخوة يسوع. وبالتالي لا يوجد لدينا قائمتان ~~بأسماء أولاد المريمتين وإنما قائمة واحدة بأسماء أولاد مريم أم يسوع من زوجها الثاني كلوبا. # 7 # من بين إخوة يسوع أولاد كلوبا، هنالك شخصية تستحق أن نتوقف عندها، وهو يعقوب الذي دعاه ~~بولس بأخي الرب، في معرض حديثه عن زيارته لأورشليم ولقائه لبعض المسئولين عن الجماعة ~~المسيحية الأولى فيها. ~~(1) لغز يعقوب أخو الرب # في سفر أعمال الرسل الذي يروي عن نشاط أتباع يسوع بعد صعوده. يقول لنا لوقا في ~~الإصحاح الأول: إن الرسل الأحد عشر بعد أن ارتفع يسوع عنهم، «رجعوا إلى أورشليم من جبل ~~الزيتون وصعدوا إلى العلية التي كانوا يقيمون فيها، وكانوا يواظبون بنفس واحدة على ~~الصلاة والطلبة مع النساء اللواتي تبعن يسوع، ومع مريم أم يسوع ومع إخوته» (أعمال، ~~1: 9-14)، ثم يقول لنا إنه بعد بضعة أيام دعا بطرس جميع أتباع يسوع من التلاميذ وكان ~~عددهم نحو مائة وعشرين من أجل اختيار رسول ثاني عشر ليحل محل يهوذا الإسخريوطي الذي ~~مات بعد خيانته ليسوع، فوقع الاختيار على متياس فحسب مع الأحد عشر رسولا (أعمال، 1: ~~15-26). في هذا الخبر، يبدو لنا بطرس كرئيس الكنيسة أورشليم الناشئة، على الرغم من أن ~~الكاتب لا ينص صراحة على ذلك. وهذا الاستنتاج تدعمه حقيقة أن بطرس كان أبرز الرسل ~~الاثني عشر خلال حياة يسوع، وكان مع يوحنا ويعقوب (ابنا زبدي) الأقرب إليه من البقية. ~~كما تدعمه مسيرة أحداث سفر الأعمال حيث نجد بطرس ms161 في أكثر من موضع يقف ويخطب في ~~التلاميذ ويعطي تعليماته إليهم. وهو يظهر مع يوحنا ابن زبدي في بعض المفاصل الرئيسية ~~من حياة الجماعة المسيحية الأولى. فقد شفيا مقعدا باسم يسوع الناصري (3: 1-10). وكانا ~~يخطبان في الشعب عندما أرسل الكهنة وقبضوا عليهما وأودعا في السجن (4: 1-22). وتوجها ~~معا إلى السامرة للتبشير بين أهلها (8: 14-25). # في سياق رواية أعمال الرسل نتعرف على اثنين من التلاميذ يحملان اسم يعقوب، الأول ~~يعقوب ابن زبدي أخو يوحنا الذي قتله الملك أغريبا الأول الذي عينه الرومان حاكما على ~~اليهودية والسامرة من عام 40 إلى عام 44م: «وفي ذلك الوقت مد هيرودوس (أغريبا) يديه ~~ليسيء إلى أناس من الكنيسة، فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف. وإذ رأى أن ذلك يرضي ~~اليهود عاد فقبض على بطرس أيضا» (12: 1-3). ولدينا تلميذ آخر يدعى يعقوب أشار إليه ~~مؤلف سفر الأعمال ثلاث مرات؛ المرة الأولى بعد خروج بطرس من السجن عندما جاء إلى بيت ~~مرقس حيث كان عدد من التلاميذ مجتمعين هناك، فقال لهم: «أخبروا يعقوب والإخوة بهذا. ثم ~~خرج وذهب إلى موضع آخر» (12: 11-17). وفي المرة الثانية عندما وقف شخص اسمه يعقوب ~~وتكلم في اجتماع للتلاميذ فحدد واجبات المنتمين إلى المسيحية من الوثنيين تجاه ~~الشريعة، وحصرها بالامتناع عن السجود للأصنام، وعن الزنا، وعن أكل الدم ولحم الحيوانات ~~المخنوقة (15: 13-21). وفي المرة الثالثة عندما عاد بولس إلى أورشليم من رحلته ~~التبشيرية: «ولما وصلنا إلى أورشليم قبلنا الإخوة بفرح، وفي الغد دخل بولس معنا إلى ~~يعقوب وحضر جميع المشايخ» (أعمال، 21: 17-18). فمن هو يعقوب الذي يبدو في هذه الإشارات ~~على اقتضابها شخصية قيادية في الحركة المسيحية الناشئة؟ # إن الاعتماد على سفر أعمال الرسل من أجل تحديد هوية يعقوب، يقودنا إلى القول بأنه ~~يعقوب بن حلفي الوارد ذكره في قائمة أسماء الرسل الاثني عشر لدى كل من مرقس 3: 16-19 ~~ومتى 10: 2-4 ولوقا 6: 13-16. ولكن بولس في رسالته إلى أهالي غلاطية يقول: إنه في ~~زيارته الأولى لأورشليم بعد ثلاث سنوات من اهتدائه، زار بطرس ms162 لكي يتعرف عليه ومكث ~~عنده خمسة عشر يوما، ولكنه لم ير غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب (غلاطية، 1: ~~18-19). وفي الإصحاح الثاني من الرسالة نفسها يقول بأنه زار أورشليم للمرة الثانية بعد ~~أربع عشرة سنة، حيث التقى «يعقوب وصفا (= بطرس) ويوحنا، المعتبرين أنهم أعمدة» (غلاطية، ~~2: 1-10). وهذا ما يقودنا إلى التأكد من هوية يعقوب سفر الأعمال على أنه يعقوب ابن ~~كلوبا، ابن عم يسوع أو أخوه بالمعنى المجازي السائد. وقد كان واحدا من الهيئة القيادية ~~العليا إلى جانب بطرس ويوحنا. # وتتأكد لدينا هوية يعقوب سفر الأعمال من خلال شهادة خارجية. فقد روى المؤرخ يوسيفوس ~~أن المجلس اليهودي في عام 62م اتهم يعقوب أخا يسوع (هكذا وردت تسميته في النص) ~~بالهرطقة وحكم عليه بالموت رجما بالحجارة. # 8 # وقد أورد لنا أوزيب القيساري في تاريخه الكنسي نبذة مقتبسة عن هيجيسبوس ~~من أواسط القرن الثاني الميلادي يتحدث فيها عن يعقوب. فقد كان نذيرا للرب من بطن أمه، ~~لم يأكل اللحم ولم يشرب الخمر ولم يحلق شعر رأسه ولم يضمخ جسده بالعطور. وكان يصلي من ~~أجل غفران خطايا الشعب. وعندما حكم عليه اليهود بالموت رجما ركع على ركبتيه وطلب من ~~الرب أن يغفر لقاتليه. وبعد موت يعقوب اجتمع الرسل وبقية التلاميذ واختاروا ابنا آخر ~~لكلوبا أخي يوسف يدعى سمعان ليحل محل يعقوب. وقد عاش سمعان هذا حتى سن متأخرة ~~وحكم عليه الرومان بالصلب في عهد الإمبراطور تراجان (98-117). # 9 # إن خلاصة ما توصلت إليه بخصوص إخوة يسوع، هي أنهم ينتظمون في مجموعتين؛ الأولى هم ~~إخوته بالجسد من يوسف ومريم، والثانية هم أولاد عمه كلوبا. وإلى هذه المجموعة ~~الثانية ينتمي من دعاه بولس ومؤلفو التاريخ الكنسي بيعقوب أخي الرب، كما ينتمي إليها ~~سمعان بن كلوبا الذي حل محل أخيه يعقوب في مجلس الرسل الاثني عشر. وقد كان لهاتين ~~الشخصيتين دور قيادي بارز في توجيه الحركة المسيحية المبكرة. هذه الخلاصة لا تتفق ~~مع التفسير الكنسي ولا مع تفسير بقية الباحثين، ولكنها تقوم على استقراء دقيق ms163 لمعطيات ~~الأناجيل. # | مشكلة الرسل الاثني عشر # كانت المهمة الأولى التي اضطلع بها يسوع بعد اعتماده ~~على يد يوحنا المعمدان وسماعه للصوت الإلهي، هي دعوته التلاميذ للانضمام إليه. نقرأ في ~~إنجيل مرقس: «وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ... وفيما هو ~~يمشي عند بحر الجليل أبصر سمعان وأندراوس أخاه يلقيان شباكا في البحر لأنهما كانا ~~صيادين، فقال لهما يسوع: هلم ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس. فللوقت تركا ~~شباكهما وتبعاه. ثم اجتاز من هناك قليلا فرأى يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه وهما في السفينة ~~يصلحان الشباك، فدعاهما للوقت فتركا أباهما زبدي في السفينة مع الأجراء وذهبا وراءه» ~~(مرقس، 1: 14-20). وللوقت شرع يسوع في مهامه التبشيرية وراح يجول في القرى والبلدات المجاورة ~~ويشفي المرضى والمقعدين ومن بهم مس. «ثم خرج إلى البحر فأتاه كل الجمع فأخذ يعلمهم. ~~وفيما هو مجتاز رأى لاوي بن حلفى جالسا عند مكان الجباية (لأنه كان عشارا، أي جابي ~~ضريبة)، فقال له اتبعني، فقام وتبعه» (مرقس، 2: 13-14). وبذلك يغدو عدد التلاميذ ~~المباشرين خمسة؛ أربعة صيادي سمك هم الأخوان سمعان (= بطرس) وأندراوس، والأخوان يعقوب ~~ويوحنا ابنا زبدي، والخامس عشار يدعى لاوي بن حلفي. # أما عن الظروف التي أحاطت بدعوة بقية التلاميذ المباشرين الذين جعلهم يسوع رسلا فغير ~~واضحة عند مرقس، ولكننا في الإصحاح الثالث نجد عددهم قد بلغ اثني عشر: «ثم صعد إلى الجبل ~~ودعا الذين أرادهم فذهبوا إليه، وأقام اثني عشر ليكونوا معه وليرسلهم ليكرزوا ويكون لهم ~~سلطان على شفاء الأمراض. وجعل لسمعان اسم بطرس، ويعقوب ~~بن زبدي ويوحنا أخاه، وجعل لهما اسم بوانرجس أي ابني الرعد، وأندراوس، وفيلبس، وبرثولماوس، ~~ومتى، وتوما، ويعقوب بن حلفي، وتداوس، وسمعان القانوي، ويهوذا الإسخريوطي» (مرقس، ~~3: 13-19). ونلاحظ في هذه القائمة أن مرقس لم يذكر اسم لاوي بن حلفي العشار الذي جعله في ~~الإصحاح الأول خامس التلاميذ الذي تبعوا يسوع منذ البداية. # يسير متى على خطى مرقس في قصة دعوة التلاميذ الأربعة الأوائل: «ولما سمع يسوع أن ~~يوحنا أسلم انصرف ms164 إلى الجليل، وترك الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم ... وإذ كان يسوع ماشيا ~~عند بحر الجليل أبصر الأخوين: سمعان الذي يقال له بطرس، وأندراوس أخاه، يلقيان شباكا في ~~البحر لأنهما كانا صيادين، فقال لهما هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس، فللوقت تركا ~~الشباك وتبعاه، ثم اجتاز من هناك فرأى أخوين آخرين، يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في السفينة ~~مع زبدي أبيهما يصلحان شباكهما فدعاهما، فللوقت تركا السفينة وأباهما وتبعاه» (متى، ~~4: 13-22). أما عن دعوة التلميذ الخامس الذي أطلق عليه مرقس اسم لاوي بن حلفي، فلمتى فيه ~~رواية أخرى: «وفيما هو مجتاز من هناك رأى إنسانا جالسا عند مكان الجباية اسمه متى، ~~فقال له: اتبعني. فقام وتبعه» (متى، 9: 9). وعلى هذا يكون التلميذ الخامس الذي يعمل ~~عشارا هو متى لا لاوي بن حلفي كما هو الحال عند مرقس. فيما يتعلق بهذه النقطة يقول ~~المفسرون الكنسيون بأن متى هو اسم آخر للاوي بن حلفي. ولكن لو كان الأمر كذلك لكان من ~~السهل على مؤلف إنجيل متى أن يقول: «وفيما هو مجتاز من هناك رأى إنسانا جالسا عند مكان ~~الجباية اسمه متى الذي هو لاوي بن حلفي» لا سيما إذا كان متى العشار هذا هو نفسه مؤلف ~~إنجيل متى، وهو أدرى الناس باسمه وبلقبه الآخر إذا كان له مثل هذا اللقب أو الاسم البديل. ~~وفي الحقيقة فقد كان مرقس واضحا عندما دعا التلميذ الخامس لاوي ثم أضاف إليه اسم أبيه حلفي ~~على سبيل توكيد هويته، وذلك على عكس معظم بقية أسماء قائمته؛ حيث اكتفى بالاسم الأول، فقال: ~~فيلبس، برثلماوس، توما ... إلخ. والتفسير الأقرب إلى المنطق هو أن كلا من متى ومرقس قد ~~تلقى خبرا مخالفا للخبر الذي تلقاه زميله، وأن الغموض يحيط بهوية رسل يسوع، وحتى ~~بعددهم كما سنرى لاحقا. # وكما هو الحال عند مرقس فإن الظروف المحيطة بدعوة بقية التلاميذ غير واضحة أيضا عند ~~متى. وهو في الإصحاح العاشر يعطينا قائمة بأسمائهم ~~بعد أن بلغ عددهم اثني عشر: «ثم دعا تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم ms165 سلطانا يطردون به ~~الأرواح النجسة ويشفون الناس من كل مرض وعلة. وهذه أسماؤهم: أولهم سمعان الذي يقال له ~~بطرس (= صخر)، وأندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه. فيلبس وبرثلماوس. توما ومتى ~~العشار. يعقوب بن حلفي ولباوس الملقب تداوس. سمعان القانوي ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه. ~~هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلا: ... اشفوا مرضى، طهروا برصا، أقيموا موتى، ~~أخرجوا شياطين. مجانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تقتنوا ذهبا ولا نحاسا في مناطقكم، ولا ~~مزودا للطريق، ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا، لأن العامل يستحق طعامه» (متى، 10: 1-10). ~~وكما نلاحظ من قراءة هذه القائمة فإن متى قد أعطى للتلميذ العاشر اسمين عندما قال «لباوس ~~الملقب تداوس». وهذا يعني أن متى قد تلقى خبرين متناقضين بخصوص هذا التلميذ؛ الأول ~~تلقاه من مرقس الذي دعاه في قائمته تداوس، والثاني جاءه من مصدر آخر دعاه لباوس. هذا ~~الغموض الذي يحيط بالتلميذ العاشر يزداد عندما نرى أن لوقا قد دعاه في قائمته باسم ثالث هو ~~يهوذا بن يعقوب. # في رواية لوقا لدعوة التلاميذ هنالك بعض الاضطراب. فبعد الظهور العلني الأول ليسوع عندما ~~دخل المجمع في الناصرة وما جرى هنالك من جدال بينه وبين اليهود، نجده دون مقدمات يأتي إلى ~~بيت بطرس الذي لم يكن بعد تلميذا: «ولما قام من المجمع دخل بيت سمعان (= بطرس)، وكانت ~~حماة سمعان قد أخذتها حمى شديدة فسألوه من أجلها، فوقف عند رأسها وانتهر الحمى فتركتها، ~~وفي الحال قامت وصارت تخدمهم» (لوقا، 4: 38-39). في الإصحاح التالي ينتقل المؤلف إلى رواية ~~دعوة التلاميذ. فقد خرج يسوع ووقف عند بحيرة جنيسارت (= طبريا) فازدحمت حوله الجموع لتسمع ~~منه. فدخل سفينة راسية هناك كانت لبطرس وصار يعلم الجموع من السفينة، ولما فرغ من الكلام ~~قال لبطرس أن يبعد سفينته إلى العمق ويلقي مع النوتية شباكهم للصيد، فأمسكوا سمكا ~~كثيرا حتى صارت شباكهم تتمزق، فدعوا شركاءهم في السفينة الأخرى أن يأتوا ويساعدوهم ~~فملئوا السفينتين. فلما رأى بطرس هذه المعجزة: «خر عند ركبتي يسوع قائلا: أخرج من ~~سفينتي يا ms166 رب لأني رجل خاطئ. إذ اعترته وجميع الذين معه دهشة على صيد السمك الذي أخذوه، ~~وكذلك أيضا يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا شريكي سمعان (بطرس). فقال يسوع لسمعان: لا ~~تخف، من الآن تكون تصطاد الناس. ولما جاءوا بالسفينتين إلى البر تركوا كل شيء ~~وتبعوه» (لوقا، 5: 1-11). # إلى جانب اختلاف تفاصيل رواية لوقا عن رواية متى ومرقس، والذي يعزى إلى تفرد كل ~~منهما بأسلوب أدبي خاص استعمله في صياغة الخبر، فإن ما يلفت نظرنا في هذه الرواية هو ~~انفرادها بمعجزة تكثير السمك، إضافة إلى غياب اسم أندراوس أخي بطرس عن مسرح الحدث. ولولا ~~الشهادة السابقة لمرقس ومتى لما كان باستطاعتنا أن نعرف بوجود صلة الأخوة بين بطرس ~~وأندراوس الذي يرد اسمه لاحقا في قائمة الرسل. # وكما هو الحال عند مرقس ومتى فإن دعوة التلميذ الخامس تتأخر قليلا عند لوقا، وهو ~~يتبع مرقس في تسميته ولكنه يدعوه لاوي فقط بدلا من لاوي بن حلفي: «وخرج بعد ذلك فأبصر ~~عشارا اسمه لاوي جالسا في بيت الجباية، فقال له اتبعني، فترك كل شيء وقام فتبعه. ~~وأقام له لاوي مأدبة عظيمة في داره. وكان على المائدة معهم جماعة كبيرة من العشارين ~~وغيرهم، فقال الفريسيون وكتبتهم لتلاميذه متذمرين: لماذا تؤاكلون وتشاربون العشارين ~~والخاطئين؟ فأجاب يسوع: ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعو الأبرار إلى ~~التوبة بل الخاطئين» (لوقا، 5: 27-32). # ثم إن المسألة تنعقد أكثر عندما يورد لنا لوقا بعد ذلك قصة مشابهة بطلها أيضا عشار ~~اختار يسوع أن يضيف عنده عندما دخل أريحا في طريقه إلى أورشليم: «ودخل يسوع أريحا وراح ~~يجتازها. فإذا رجل من رؤساء العشارين غني اسمه زكا قد جاء طالبا أن يرى يسوع، فلم ~~يستطع لكثرة الزحام لأنه كان قصيرا. فأسرع إلى جميزة فصعدها ليراه. فلما وصل يسوع إلى ذلك ~~المكان رفع بصره وقال له: يا زكا، انزل على عجل لأني سأقيم اليوم في بيتك. فنزل على عجل ~~وأضافه مسرورا. فلما رأوا ذلك قالوا كلهم متذمرين: دخل بيت رجل ms167 خاطئ ليقيم عنده. فوقف زكا ~~فقال: سيدي، سأتصدق على الفقراء بنصف أموالي، وإذا كنت قد ظلمت أحدا شيئا أرده عليه ~~أربعة أضعاف. فقال له يسوع: اليوم نال الخلاص هذا البيت. لأن ابن الإنسان جاء ليبحث عن ~~الهالك فيخلصه» (لوقا، 19: 1-10). # بعد دعوة لاوي نجد عدد التلاميذ قد تكاثر، فدعاهم يسوع واختار منهم اثني عشر سماهم ~~رسلا، وهم: «سمعان ودعاه صخرا (= أي بطرس باليونانية) وأندراوس أخوه، ويعقوب، ويوحنا، ~~وفيلبس، وبرتلماوس، ومتى، وتوما، ويعقوب بن حلفي، وسمعان الملقب بالغيور، ويهوذا بن ~~يعقوب، ويهوذا الإسخريوطي» (لوقا، 6: 14-16). ونلاحظ في هذه القائمة أن لوقا قد دعا التلميذ ~~المدعو تداوس (عند مرقس) ولباوس (عند متى) بالاسم يهوذا بن يعقوب. كما أنه سار على خطى ~~مرقس عندما أسقط من قائمته اسم لاوي الذي جعله في الإصحاح السابق خامس التلاميذ. # ولننظر الآن إلى قوائم أسماء الرسل لدى الإزائيين الثلاثة في سياق مقارن: # قائمة مرقس 3: 16-19 # قائمة متى 10: 2-4 # قائمة لوقا 6: 13-16 ~~(1) # سمعان بطرس # سمعان بطرس # سمعان بطرس ~~(2) # أندراوس # أندراوس # أندراوس ~~(3) # يعقوب # يعقوب # يعقوب ~~(4) # يوحنا # يوحنا # يوحنا ~~(5) # متى (لاوي بن حلفي؟) # متى # متى (لاوي؟) ~~(6) # فيلبس # فيلبس # فيليبس ~~(7) # برتلماوس # برتلماوس # برتلماوس ~~(8) # توما # توما # توما ~~(9) # يعقوب بن حلفي # يعقوب بن حلفي # يعقوب بن حلفي ~~(10) # تداوس # لباوس الملقب تداوس # يهوذا بن يعقوب ~~(11) # سمعان القانوي # سمعان القانوي # سمعان الغيور ~~(12) # يهوذا الإسخريوطي # يهوذا الإسخريوطي # يهوذا الإسخريوطي # من تأمل هذه القوائم ومقارنتها بالروايات المتعلقة بدعوة التلاميذ الخمسة الأوائل لدى ~~الإزائيين الثلاثة تواجهنا ثلاث مشكلات، وهي: ~~(1) # في رواية دعوة التلاميذ، دعي التلميذ الخامس الذي يعمل عشارا بالاسم ~~لاوي بن حلفي عند مرقس، وبالاسم لاوي عند لوقا، وبالاسم متى عند متي. أما ~~في قائمة أسماء الرسل فيدعى متى لدى الإزائيين الثلاثة. وهذا يعني أن ~~الإنجيليين قد تلقوا أخبارا متناقضة بخصوص اسم هذا العشار، أو أنه كان ~~هناك عشاران دعاهما يسوع واستجابا لدعوته، أحدهما يدعى لاوي بن حلفي ~~والثاني يدعى متى، أو أن هذا العشار كان يحمل اسمين في الوقت نفسه. ولكني ~~أميل إلى القول بوجود عشارين ms168 اثنين أسقطت القوائم اسم واحد منهما من أجل ~~الحفاظ على الرقم 12. فهذا الرقم ذو طبيعة ~~رمزية، ولا يعني بالضرورة وجود اثني عشر رسولا؛ فهو أولا رقم مقدس لدى جميع ~~الثقافات لأنه يعكس حركة الشمس السنوية خلال مرورها بالأبراج السماوية الاثني ~~عشر، وفيما يتعلق بالمسيحية فإن يسوع هو الشمس وتلاميذه هم الأبراج؛ وثانيا ~~فإن عدد التلاميذ يقابل عدد أسباط إسرائيل الاثني عشر، وهو بدوره كان رقما ~~رمزيا لا يعكس في الواقع عدد الأسباط. وقد ألمح يسوع نفسه إلى هذه المقابلة ~~عندما قال: «متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضا على اثني ~~عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر» (متى، 19: 28). ~~(2) # دعي التلميذ العاشر بالاسم تداوس عند مرقس، ولباوس عند متى، ويهوذا بن ~~يعقوب عند لوقا. ونحن هنا مرة أخرى أمام ثلاثة تلاميذ لا تلميذ واحد يحمل ~~ثلاثة أسماء. وقد اختار كل إنجيلي واحدا من هؤلاء التلاميذ وأسقط البقية، ~~وذلك من أجل الحفاظ على الرقم 12. ~~(3) # فيما يتعلق بالتلميذ الحادي عشر الذي دعي عند مرقس ومتى بسمعان القانوي ~~وعند لوقا بسمعان الغيور، فإن كلمة القانوي هي كلمة آرامية وتعني الغيور، أي ~~المنتمي إلى جماعة الغيورين على الدين، وهي جماعة دينية متطرفة كانت تسبب ~~المتاعب للحكم الروماني في اليهودية. وعليه فإن الاسمين هما لشخص واحد. # إن خلاصة ما تقودنا إليه هذه المقارنة، هو أن قائمة الرسل لدى الإزائيين يجب أن تحتوي ~~على 15 رسولا بعد إضافة كل من لاوي بن حلفي، ولباوس ، ويهوذا بن يعقوب. ولكن المفاجأة ~~التي تنتظرنا في رواية يوحنا لدعوة التلاميذ، هي ظهور تلميذين جديدين لم يرد ذكرهما لدى ~~الإزائيين. وهذا ما يرفع عدد الرسل إلى 17. # في إنجيل يوحنا لدينا مسرح مختلف وسيناريو مختلف لرواية دعوة التلاميذ. فهنا لا نرى ~~التلاميذ الأوائل يصطادون السمك في بحيرة طبريا أو يصلحون شباكهم، وإنما نراهم في عبر ~~الأردن تجاه أريحا حيث كان يوحنا يعمد بالماء لمغفرة الخطايا، وكان اثنان منهما قد تحولا ~~بعد العماد إلى تلميذين ليوحنا، وهما أندراوس أخو بطرس وتلميذ ms169 آخر لم يفصح المؤلف عن ~~اسمه، ولكننا نفهم من السياق اللاحق لأحداث الإنجيل أنه «التلميذ الذي أحبه يسوع» مع بقاء ~~اسمه مغفلا. # نقرأ في الإصحاح الأول: ~~«وفي الغد أيضا كان يوحنا واقفا واثنان من تلاميذه، فنظر إلى يسوع ماشيا، فقال: هو ذا ~~حمل الله. فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع. فالتفت ~~يسوع ونظرهما يتبعان فقال لهما: ما تطلبان؟ فقالا: رابي، الذي تفسيره يا معلم، أين تقيم؟ ~~فقال لهما تعالا وانظرا. فأتيا ونظرا أين كان يقيم، ومكثا عنده ذلك اليوم. وكانت الساعة نحو ~~العاشرة (= الرابعة بعد الظهر). كان أندراوس أخو سمعان بطرس واحدا من الاثنين اللذين سمعا ~~يوحنا وتبعاه. هذا وجد أخاه سمعان فقال له: قد وجدنا مسيا، الذي تفسيره المسيح. فجاء ~~به إلى يسوع، فنظر إليه يسوع وقال: أنت سمعان بن يونا، أنت تدعى صفا الذي تفسيره ~~بطرس. ~~«في الغد أراد يسوع أن يخرج إلى الجليل، فوجد فيليبس فقال له اتبعني. وكان فيليبس من بيت ~~صيدا مدينة أندراوس وبطرس. فيليبس وجد نثنائيل وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس ~~والأنبياء: يسوع بن يوسف الذي من الناصرة. فقال له نثنائيل: أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء ~~صالح؟ فقال له فيليبس: تعال وانظر. ورأى يسوع نثنائيل مقبلا إليه، فقال عنه: هو ذا ~~إسرائيلي لا غش فيه. فقال له نثنائيل: من أين تعرفني؟ أجاب يسوع وقال له: قبل أن دعاك ~~فيليبس وأنت تحت التينة رأيتك. أجاب نثنائيل وقال له: يا معلم أنت ابن الله، أنت ملك ~~إسرائيل» (يوحنا، 1: 35-49). # نلاحظ من قراءة هذا النص أن عدد التلاميذ الأوائل الذين دعاهم يسوع هو خمسة تلاميذ، كما ~~هو الحال لدى الإزائيين الثلاثة، ولكن مع اختلاف الأسماء. # فهم عند الإزائيين: # بطرس - أندراوس - يعقوب - يوحنا - متى (أو لاوي بن حلفي). # وهم عند يوحنا: # بطرس - أندراوس - التلميذ المجهول - فيليبس - نثنائيل. # لم يورد لنا يوحنا بعد ذلك قائمة كاملة بأسماء الرسل، على الرغم من إشارته إلى الاثني ~~عشر في موضع واحد فقط (يوحنا، 20: 24). ولكنه ذكر منهم في سياقات ms170 مختلفة إضافة إلى أولئك ~~الأربعة المدعوين أولا، كلا من: توما ويهوذا بن يعقوب الذي دعاه يهوذا غير الإسخريوطي ~~تمييزا له عن الإسخريوطي، ثم يهوذا الإسخريوطي. كما ذكر ابني زبدي (أي يعقوب ويوحنا) ~~مرة واحدة فقط دون الإفصاح عن اسميهما. أي أن القائمة الكاملة تحتوي على عشرة رسل فقط، ~~هم: # بطرس، أندراوس، فيليبس، توما، يهوذا غير الإسخريوطي، يهوذا الإسخريوطي، ابنا زبدي، ~~التلميذ المجهول، نثنائيل. # بناء على ما تقدم فإن قائمة الرسل الوارد ذكرهم في الأناجيل الأربعة، يجب أن تحتوي في ~~رأينا على 17 رسولا بدلا من 12 وفق ما يلي، بعد تغيير موضع اسم متى ليغدو التلميذ ~~الخامس، وذلك وفق ترتيب دعوته الذي جاء بعد الأربعة الأوائل: ~~(1) بطرس (2) أندراوس (3) يعقوب (4) يوحنا (5) متى (6) لاوي بن حلفي (7) فيليبس (8) ~~برتلماوس (9) توما (10) يعقوب بن حلفي (11) تداوس (12) لباوس (13) يهوذا بن يعقوب (14) ~~سمعان الغيور (15) يهوذا الإسخريوطي (16) نثنائيل (17) التلميذ المجهول. # إن خلاصة ما يمكن قوله بخصوص الرسل هو أن تعبير «الاثنا عشر» هو تعبير عام للدلالة على ~~الحلقة الداخلية الضيقة من تلاميذ يسوع وهم الذين أرسلهم أمامه للتبشير. ويبدو أن عدد هؤلاء ~~لم يكن معروفا ولا ثابتا، ولكنهم بالتأكيد لم يكونوا اثني عشر على وجه التحديد. ويزداد ~~الأمر تعقيدا عندما يقول لنا لوقا بأن يسوع أرسل سبعين آخرين للتبشير في المدن والقرى: ~~«وبعد ذلك أقام الرب سبعين آخرين، ثم أرسلهم اثنين اثنين يتقدمونه إلى كل مدينة أو موضع كان ~~مزمعا أن يذهب إليه، وقال لهم: ... اذهبوا. ها أنا ذا أرسلكم كالحملان بين الذئاب، لا ~~تحملوا صرة ولا مزودا ولا نعلين، ولا تسلموا على أحد. وأي بيت دخلتم إليه فقولوا ~~السلام على هذا البيت؛ فإن كان فيه ابن سلام فسلامكم يحل به وإلا عاد إليكم ... وأية مدينة ~~دخلتم ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى ساحاتها وقولوا: حتى الغبار الذي علق بأقدامنا من مدينتكم ~~ننفضه لكم. ولكم اعلموا بأن ملكوت الله قد اقترب» (لوقا، 10: 1-11). وهذه التعليمات التي ~~يعطيها يسوع للسبعين كان قد أعطاها سابقا للاثني عشر، الأمر الذي يدل على أن ms171 لوقا اعتبر ~~هؤلاء السبعين رسلا أيضا وأن العدد عنده قد ارتفع إلى 82 رسولا! # | أين اختفى الرسل؟ # فيما عدا بطرس الذي تمتع في الأناجيل الأربعة وفي أعمال الرسل بشخصية واضحة، فإن بقية ~~التلاميذ يبدون كشخصيات باهتة أشبه بالكومبارس في مسرحية فخمة، والعديد منهم يختفي بعد ورود ~~اسمه في قائمة الرسل ولا نكاد نعثر له على أثر. وقد قمت بتتبع آثار هؤلاء عبر أحداث ~~الإنجيل، ورصدت الدور الذي لعبه كل منهم في هذه الأحداث، وإليكم النتيجة: ~~(1) بطرس: ورد اسمه 25 مرة لدى الإزائيين، وست مرات لدى يوحنا. وهو الوحيد الذي كان ~~يجرؤ على الدخول في حوارات مباشرة مع يسوع (مرقس، 8: 31-33). وقد أثنى عليه يسوع في إحدى ~~المرات ووصفه بأنه الصخرة التي ستقوم عليها الكنيسة (متى، 6: 18-20). ~~(2) أندراوس: فيما عدا رواية دعوة التلاميذ وقائمة الرسل، لا يظهر أندراوس لدى الإزائيين ~~الثلاثة إلا مرتين وبشكل عابر. في المرة الأولى يرد اسمه باعتباره أخا بطرس ويسكن معه في ~~البيت نفسه: «ولما خرجوا من المجمع جاءوا للوقت إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا، ~~وكانت حماة سمعان مضطجعة محمومة ... إلخ» (مرقس، 1: 29-31. قارن مع متى، 8: 14-15؛ ولوقا، ~~4: 38-39). وفي المرة الثانية عندما توجه بالسؤال إلى يسوع مع عدد آخر من التلاميذ، وقالوا ~~له: «قل لنا متى يكون هذا (أي خراب الهيكل)؟ وما هي العلامة؟» (مرقس، 13: 3-4. قارن مع ~~متى، 24: 4-14؛ ولوقا، 21: 8-19). # وفي إنجيل يوحنا يظهر أندراوس مرتين أيضا وبشكل عابر؛ الأولى في قصة معجزة إطعام خمسة ~~آلاف شخص من خمسة أرغفة وسمكتين: «فقال له واحد من تلاميذه وهو أندراوس أخو سمعان بطرس: هنا ~~غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان» (يوحنا، 6: 8). والثانية عندما أتى يهود يونانيون إلى ~~فيليبس وسألوه أن يجمعهم بيسوع، «فأتي فيليبس وقال لأندراوس ثم ذهب أندراوس وفيليبس وأخبرا ~~يسوع» (يوحنا، 12: 20-23). ~~(3) و(4) يعقوب ويوحنا: # في معظم الأحيان يظهر هذان الرسولان في الرواية الإنجيلية معا، وذلك إما باسميهما أو ~~تحت اسم ابني زبدي. وقد أعطى الباحثون الكنسيون ليعقوب بن زبدي لقب «الكبير» ms172 لتمييزه عن ~~الرسول التاسع يعقوب بن حلفي الذي دعي أحيانا بيعقوب الصغير (راجع مرقس، 15: 40). وهذه هي ~~المواضع التي ظهر فيها هذان التلميذان لدى الإزائيين، فيما عدا القائمة والدعوة: # في قصة إحياء ابنة يائير رئيس المجمع، عندما دخل يسوع بيت يائير، ولم «يدع ~~أحدا يصحبه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب» (لوقا، 8: 40-56؛ ومرقس، ~~5: 21-43. قارن مع متى، 9: 18-26). # عندما قال يوحنا ليسوع: «يا معلم، رأينا رجلا يطرد الشياطين باسمك فمنعناه ~~لأنه لا يتبعك معنا، فقال يسوع: لا تمنعوه» (لوقا، 9: 49-50). # في مشهد التجلي: «وبعد ستة أيام مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا فانفرد بهم ~~على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم فتلألأت ثيابه ناصعة البياض ... إلخ» (مرقس، ~~9: 2-7. قارن مع متى، 17: 1-8؛ ولوقا، 9: 28-36). # عندما دنا إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي فقالا له: «امنحنا أن يجلس أحدنا عن ~~يمينك والآخر عن شمالك في مجدك» (مرقس، 10: 35-37. قارن مع متى، ~~20: 20-23). # بينما هو جالس على جبل الزيتون عندما انفرد به بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس ~~وسألوه: «متى يكون هذا؟ (أي دمار الهيكل الذي تنبأ به)» (مرقس، 13: 3-4؛ متى، ~~24: 4-14). # عندما لم يسمح السامريون ليسوع وتلاميذه أن يمروا في أرضهم، قال له يعقوب ~~ويوحنا: «أتريد أن تقول إن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل النبي إيليا ~~أيضا؟» فأجابهم: «ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص» (لوقا، ~~9: 54). # عندما أرسل بطرس ويوحنا قائلا: «اذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل» (لوقا، ~~22: 8). # وكان يعقوب ويوحنا مع يسوع في بستان جتسماني على جبل الزيتون في ليلة القبض ~~على يسوع عندما مضى بهم بعيدا عن التلاميذ: «وجعل يستشعر حزنا وكآبة. وقال ~~لهم: نفسي حزينة حتى الموت، امكثوا هنا واسهروا. ثم أبعد قليلا ووقع على ~~الأرض يصلي ...» (مرقس، 14: 32-35. قارن مع متى، 26: 36-38؛ ولوقا، ~~22: 40-45). # عندما هذا أظهر يسوع نفسه للتلاميذ بعد قيامته على بحيرة طبريا. وكان ذلك ~~أمام سمعان بطرس، وتوما الذي يقال له التوءم، ونثنائيل الذي من قانا الجليل، ~~وابني زبدي، واثنين آخرين من تلاميذه مع بعضهما (يوحنا، ms173 21: 1-3). ~~(5) متى (لاوي + لاوي بن حلفي): بعد رواية دعوته وورود اسمه في القائمة لا يعود إلى ~~الظهور لدى الإزائيين في بقية أحداث الإنجيل، وكذلك الأمر لدى يوحنا الذي لم يورد أصلا ~~رواية عن دعوته. وهذا أمر في غاية الغرابة لا سيما إذا كان هذا العشار هو مؤلف إنجيل ~~متى، لأنه يكون قد ساهم مع بقية الإنجيليين في التعتيم على أخباره. ~~(6) فيليبس: فيما عدا ذكره في قائمة الرسل، لا يعود إلى الظهور عند الإزائيين. أما عند ~~يوحنا فيظهر ثلاث مرات؛ الأولى في قصة معجزة تكثير الخبز والسمك: «فرفع يسوع عينيه فرأى ~~جمعا كبيرا، فقال لفيليبس: من أين نشتري خبزا لنطعمهم؟ فأجابه فيليبس: لو اشترينا ~~خبزا بمائتي دينار لما كفى» (يوحنا، 6: 4-7). والثانية عندما جاء يهود يونانيون قاصدين ~~يسوع: «فعمدوا إلى فيليبس فقالوا ملتمسين: سيدي، نريد أن نرى يسوع. فذهب فيليبس فأخبر ~~أندراوس» (يوحنا، 12: 20-23). والثالثة عندما قال ليسوع: «يا سيد أرنا الأب وكفانا. فقال له ~~يسوع: أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيليبس؟ الذي رآني فقد رأى الأب» (يوحنا، 14: 8-9). ~~(7) برتلماوس: بعد قائمة الرسل يختفي هذا الرسول عن أحداث الإنجيل. ~~(8) توما: بعد قائمة الرسل لا يعود إلى الظهور في الأناجيل الإزائية. أما عند يوحنا فيظهر ~~أربع مرات: # عندما قال يسوع لتلاميذه: إن لعازر قد مات «قال توما الذي يقال له التوءم ~~للتلاميذ من رفقائه: لنذهب نحن أيضا لكي نموت معه» (يوحنا، 11: 14-16). # عندما قال يسوع للتلاميذ: «تعلمون حيث أنا أذهب وتعلمون الطريق» قال له توما: ~~«يا سيد، لسنا نعلم أين تذهب فكيف نعرف الطريق؟» قال له يسوع: «أنا هو الطريق ~~والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الأب إلا بي» (يوحنا، 14: 4-6). # عندما ظهر يسوع للتلاميذ بعد قيامته وهم مجتمعون في بيت، وأراهم أثر المسامير ~~في يديه وأثر الحربة التي طعنوه بها في جنبه. ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا ~~وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا» (يوحنا، ~~20: 26-27). # عندما ظهر يسوع للمرة ms174 الأخيرة لتلامذته عند بحيرة طبريا كان توما أيضا بينهم ~~(يوحنا، 21: 1-2). ~~(9) يعقوب بن حلفي: بعد قائمة الرسل لا يظهر في بقية أحداث الإنجيل. وهناك احتمال في أن ~~يكون هو يعقوب الصغير الذي ورد اسمه مرة واحدة عند مرقس: «وكانت نساء ينظرن من بعيد، بينهن: ~~مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير، وسالومة» (مرقس، 15: 40). ~~(10) تداوس (+ لباوس + يهوذا بن يعقوب): لا يظهر أي من هذه الأسماء لدى الإنجيليين ~~الأربعة بعد ورودها في قوائم الإزائيين. وهناك احتمال في أن يكون يهوذا بن يعقوب هو من ~~ذكره يوحنا تحت اسم يهوذا غير الإسخريوطي: «قال له يهوذا ليس الإسخريوطي: يا سيد، ماذا حدث ~~حتى إنك مزمع أن تظهر نفسك لنا وليس للعالم؟ أجاب يسوع ... إلخ» (يوحنا، 14: 22-23). ~~(11) سمعان القانوي أو الغيور: لا يظهر بعد القائمة في بقية أحداث الإنجيل. ~~(12) يهوذا الإسخريوطي: لا يظهر عند الإزائيين بعد القائمة إلا في ليلة العشاء الأخير ~~والقبض على يسوع عندما جاء بجند الهيكل إلى حيث كان يسوع وتلاميذه في بستان جتسماني على جبل ~~الزيتون. أما عند يوحنا فيظهر مرة أخرى قبل ذلك، عندما جاءت امرأة بزجاجة عطر ثمين وسكبتها ~~على قدمي يسوع. فقال يهوذا: «لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعط للفقراء» ~~(يوحنا، 12: 1-6). ~~(13) نثنائيل: لا يظهر في قوائم الإزائيين ولا فيما تلى ذلك من الأحداث. أما عند يوحنا ~~فيظهر مرة واحدة فقط بعد رواية دعوة التلاميذ. ~~(14) التلميذ المجهول: تجاهل الإزائيون هذا التلميذ بشكل كامل. أما عند يوحنا فيظهر 7 ~~مرات بعد رواية دعوة التلاميذ. ونحن لن نفصل هنا في الأخبار التي ذكرته، لأننا سنعود ~~إليه بالتفصيل عندما نتحدث عن مشكلة إنجيل يوحنا. # والآن سوف نختصر هذا العرض لأحوال الرسل في جدول يبين عدد ظهورات كل منهم في الأناجيل ~~الأربعة بعد الظهور الأول في القائمة ورواية دعوة التلاميذ: # الاسم # عدد مرات الظهور # في الأناجيل الإزائية # في إنجيل يوحنا ~~(1) # بطرس # 25 # 6 ~~(2) # أندراوس # 2 # 2 ~~(3)-(4) # يعقوب ويوحنا # 9 # 1 (ابنا زبدي) ~~(5) # متى (+ لاوي + لاوي بن حلفي) # غائب # غائب ~~(6) # فيليبس ms175 # غائب # 3 ~~(7) # برتلماوس # غائب # غائب ~~(8) # توما # غائب # 4 ~~(9) # يعقوب بن حلفي # غائب # غائب ~~(10) # تداوس/لباوس/يهوذا بن يعقوب # غائب # غائب ~~(11) # سمعان الغيور # غائب # غائب ~~(12) # يهوذا الإسخريوطي # 1 # 2 # تلاميذ مذكورون عند يوحنا فقط: ~~(13) # نثنائيل # غائب # 1 ~~(14) # التلميذ المجهول # غائب # 7 # من دراسة هذا الجدول نلاحظ أن سبعة من أصل اثني عشر رسولا تضمنتهم القائمة الإزائية ~~قد غابوا عن بقية أحداث الإنجيل بعد ظهورهم في القائمة. وربما أوحى لنا عدد المرات التي ~~ورد فيها ذكر بطرس والأخوين يعقوب ويوحنا في الأناجيل الإزائية، بأنهم كانوا الأقرب إلى ~~يسوع وبأنهم لعبوا دورا مميزا في الأحداث، إلا أنه تقلص دورهم في إنجيل يوحنا (حيث ورد ~~اسم بطرس 6 مرات في مقابل 25 عند الإزائيين، وغاب الأخوان يعقوب ويوحنا تقريبا؛ حيث ورد ~~اسمهما مرة واحدة على أنهما ابنا زبدي دون الإشارة إلى اسميهما)، من شأنه أن يعدل هذه ~~الفكرة المبدئية. وفيما يتعلق بيهوذا فإنه لم يظهر في أي حدث من أحداث الإنجيل لدى ~~الإزائيين إلا عشية الفصح عندما تناول العشاء الأخير مع البقية، ثم خرج وجاء بجند الهيكل ~~للقبض على يسوع. أما أندراوس فقد ورد ذكره مرتين بشكل عابر عند الإزائيين ومثلها عند ~~يوحنا. # كل هذا يوصلنا إلى حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن مؤلفي الأناجيل وبقية أسفار العهد ~~الجديد لم تصلهم إلا أخبار شحيحة وغامضة عن تلاميذ يسوع وأسمائهم الحقيقية، وكان عليهم ~~أن يجدوا دورا لهؤلاء في أخبار يسوع، وحشرهم في مناسبات لم يكن لهم فيها دور ~~أصلا. # ويتفاقم لغز اختفاء التلاميذ عندما ننتقل إلى سفر أعمال الرسل، وهو السفر المخصص ~~لأخبار الرسل بعد غياب يسوع، ونشاطاتهم في التبشير وفي ترسيخ دعائم الكنيسة الناشئة. ففي ~~الإصحاح الأول من السفر يجتمع أتباع يسوع وينتخبون رسولا يأخذ مكان يهوذا الإسخريوطي بين ~~الاثني عشر ويقع خيارهم على رجل لا نعرف سوى أن اسمه متياس (وهو صيغة أخرى للاسم متى). ~~ويورد لنا كاتب السفر قائمة بأسماء الرسل تقابل قائمة لوقا بعد تعديل مواقع الأسماء، ~~وهم: بطرس ويوحنا، ويعقوب وأندراوس، وفيليبس ms176 وتوما، وبرتلماوس ومتى، ويعقوب بن حلفي ~~وسمعان الغيور، ويهوذا بن يعقوب (تداوس؟) ومتياس. # ولكن ثمانية من هؤلاء الرسل يختفون فورا بعد ذكر أسمائهم في هذه القائمة، وهم: ~~أندراوس، متى، برتلماوس، توما، يعقوب بن حلفي، يهوذا بن يعقوب (تداوس)، سمعان الغيور، ~~متياس. وبذلك لا يبقى من الاثني عشر سوى بطرس، ويعقوب ويوحنا (ابني زبدي) وفيلبس. وبعد أن ~~حكم الملك هيرود على يعقوب بن زبدي بالموت (أعمال، 12: 1-3)، لا يبقى من الرسل على مسرح ~~أحداث سفر الأعمال سوى بطرس ويوحنا بن زبدي وفيليبس. وقد لعب هؤلاء دورا بارزا في الأعمال ~~التنظيمية للكنيسة وفي التبشير داخل فلسطين وخارجها. ولا ندري متى وكيف انضم يعقوب الآخر ~~الملقب بأخي الرب إلى هؤلاء، ولكن بولس في الرسالة إلى أهالي غلاطية يعده بين أعمدة ~~كنيسة أورشليم، ويعدد أسماء هؤلاء الأعمدة على أنهم: يعقوب أخو الرب، وصفا (= بطرس)، ~~ويوحنا (غلاطية، 2: 9. قارن مع غلاطية، 1: 19). # ومع اختفاء القسم الأعظم من رسل يسوع، يظهر في سفر أعمال الرسل تلاميذ جدد لم يروا ~~يسوع، لعبوا الدور الأهم داخل كنيسة أورشليم وخارجها. من هؤلاء رجل قبرصي اسمه يوسف ولقبه ~~الرسولي برنابا، أي ابن الوعظ، باع حقله وأتى بثمنه فألقاه عند أقدام الرسل (أعمال، ~~4: 36-37). وعندما زار بولس أورشليم بعد اهتدائه إلى المسيحية تفاداه الرسل غير مصدقين ~~اهتداءه، ولكن برنابا رحب به وقدمه إلى التلاميذ ودافع عنه (أعمال، 9: 26-29). وبعد ذلك ~~أوفد إلى أنطاكية من أجل التبشير فيها، ومن أنطاكية توجه إلى طرسوس في كيليكيا واجتمع ~~ببولس ثم عاد الاثنان وعملا معا مدة سنة في أنطاكية (أعمال، 11: 22-26). ومن أنطاكية ~~توجه الاثنان إلى قبرص. # ومن التلاميذ الجدد اسطفانوس (استيفانوس) الذي استفز اليهود بكرازته بيسوع، فجيء به ~~إلى محكمة السنهورين. وعندما لم يجد دفاعه عن نفسه شيئا رفع صوته في وجه قضاته من ~~اليهود قائلا: «يا غلاظ القلوب، ويا غلف القلوب والآذان ، ما زلتم تقاومون الروح القدس، ~~وكما كان آباؤكم كذلك أنتم، أي نبي لم يضطهده آباؤكم؟ فقد قتلوا الذين أنبئوا بمجيء البار ~~(يسوع المسيح) ms177 الذي أسلمتموه آنفا وقتلتموه. أنتم أخذتم الشريعة من يد الملائكة ولم ~~تحفظوها» (أعمال، 7: 51-53). فأخرجوه خارج المدينة ورجموه حتى الموت. # ومن التلاميذ الجدد مرقس، واسمه الكامل يوحنا مرقس، الذي أوفد إلى أنطاكية حيث التحق ~~ببولس وبرنابا (أعمال، 12: 24-25). ومن هناك سافر مع برنابا إلى قبرص، وبعد ذلك رافق بولس في ~~عدد من رحلاته التبشيرية (كولوسي، 4: 10؛ وفيلمون: 24). ومنهم تيموثاوس وسيلا اللذان التحقا ~~ببولس في أثينا (أعمال، 17: 14-15). وقد كانت أم تيموثاوس يهودية، أما أبوه فكان يونانيا. ~~وقد آمن على يد بولس الذي تبناه كابن، وإليه وجه رسالته المعروفة بالرسالة إلى ~~تيموثاوس. وبدءا من الإصحاح 16 في سفر الأعمال، يتفرغ كاتب السفر إلى إخبار بولس ~~وحده. # والسؤال الذي نطرحه مجددا: أين اختفى رسل يسوع؟ وكيف حل محلهم في سفر الأعمال ~~المخصص أصلا لأخبار الرسل، رسل لم يروا يسوع وكان بعضهم من اليهود اليونانيين؟ # | شخصية يسوع وطباعه # صحيح أننا لا نعرف شيئا عن شكل يسوع وهيئته وطول قامته ولون شعره وبشرته وعينيه. والسبب ~~في ذلك لا يرجع إلى أن أحدا لم ير يسوع ليصفه لنا، على ما يقول من ينفي وجود يسوع كشخصية ~~تاريخية، وإنما إلى التغيرات اللاهوتية المبكرة التي كانت تسير بشكل حثيث نحو تقديس هذا ~~المعلم، وصرف الأنظار عن جانبه البشري. وهذا ما حصل من قبل لكثير من المعلمين الروحيين، ~~لأن البشر لم يقبلوا حكمة الإنسان وفضلوا عليها حكمة تأتي من عالم الغيب، ولم ينصتوا ~~لحكيم إلا بعد أن ألبسوه رداء القداسة ووضعوا في فمه كلام الآلهة. # ومع ذلك، فإن كل ما في الأناجيل يرسم لنا صورة واضحة المعالم عن يسوع الإنسان. فقد نشأ ~~في أسرة جليلية متواضعة تضم سبعة أولاد؛ خمسة من الذكور، واثنتين من الإناث. وكان على ~~معيلها الذي يعمل في مهنة النجارة أن يكدح من أجل إعالة تسعة أفواه، يساعده في ذلك ابنه ~~البكر يسوع، وهذا ما أسبغ على يسوع لقب النجار الذي وصفه به إنجيل مرقس (6: 3). ويبدو أن ~~يسوع قد حمل عبء إعالة الأسرة بعد وفاة أبيه ms178 يوسف، الذي لا نعثر له على ذكر في الأناجيل بعد ~~القصة التي رواها لوقا عن رحلة العائلة المقدسة إلى أورشليم بمناسبة الفصح عندما كان يسوع ~~في سن الثانية عشرة (لوقا، 2: 41-50). # وكأي إنسان طبيعي آخر فقد كان يسوع مقبلا على الحياة مستمتعا بلذائذها، يحب الطعام ~~والخمر ويشارك في حفلات الأعراس البهيجة. وفي عرس قانا الذي دعي إليه مع تلاميذه، وبعد أن ~~شرب المدعوون كل ما جاء به العريس من شراب وأرادوا المزيد، قام يسوع بتحويل ستة أجران من ~~الماء إلى خمر سائغة (يوحنا، 2: 1-10). ولم يعرف عنه أنه رفض دعوة إلى مأدبة؛ حيث كان يتكئ ~~ليأكل مع شتى شرائح الشعب. وفي إحدى المرات دعاه أحد العشارين من جباة الضرائب ~~المتعاونين مع السلطة الرومانية فلبى الدعوة مع تلاميذه، وجلس معهم كثير من العشارين ~~والخاطئين: «فلما رأى الكتبة من الفريسيين أنه يؤاكل الخاطئين والعشارين قالوا لتلاميذه: ~~لم يؤاكل العشارين والخاطئين؟ فسمع يسوع كلامهم فقال لهم: ليس الأصحاء بحاجة إلى طبيب بل ~~المرضى. ما جئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين» (مرقس، 2: 13-17). # وفي مناسبة أخرى لم ينتظر يسوع دعوة أحد العشارين بل لقد دعا نفسه للإقامة عنده: «ثم ~~دخل واجتاز أريحا. فإذا رجل من رؤساء العشارين اسمه زكا، وكان غنيا. فجاء يطلب أن يرى ~~يسوع فلم يستطع لكثرة الزحام لأنه كان قصيرا. فأسرع إلى جميزة فصعدها ليراه، وكان لا بد ~~ليسوع أن يمر بها. فلما وصل يسوع نظر إلى فوق فرآه وقال له: يا زكا، انزل على عجل لأني ~~سأقيم عندك اليوم. فنزل على عجل وأضافه مسرورا» (لوقا، 19: 1-7). # وكان يقبل دعوات الطعام حتى من خصومه من الفريسيين: «ودخل في يوم السبت بيت أحد رؤساء ~~الفريسيين ليتناول الطعام، وكانوا يراقبونه. وإذا إنسان مصاب بالاستسقاء قدامه. فقال يسوع ~~لعلماء الشريعة والفريسيين: أيحل الشفاء في يوم السبت أم لا؟ فلزموا السكوت. فأخذ بيده ~~وشفاه وصرفه، ثم قال لهم: من منكم يقع حماره أو ثوره في بئر ولا ينشله حالا في يوم السبت؟ ~~فلم يجدوا جوابا» (لوقا، ms179 14: 1-6). ولدينا أخبار أخرى عن قبول يسوع لدعوة فريسيين آخرين: ~~«ودعاه أحد الفريسيين إلى الطعام عنده، فدخل بيت الفريسي وجلس إلى المائدة» (لوقا، 7: 39). ~~وأيضا: «وبينما هو يتكلم دعاه أحد الفريسيين إلى الغداء عنده، فدخل إلى بيته وجلس إلى ~~الطعام» (لوقا، 11: 37). وخلال فترة وجوده في أورشليم كان يصعد إلى ضاحية بيت عنيا على جبل ~~الزيتون من أجل المبيت في بيت لعازر وتناول الطعام: «ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى ~~بيت عنيا حيث كان لعازر الذي أقامه من بين الأموات، فصنعوا له هناك عشاء. وكانت مرتا تخدم، ~~أما لعازر فكان أحد المتكئين معه ...» (يوحنا، 12: 1-2). # وكان خصومه يأخذون عليه ميله للطعام والشراب، ويقارنونه بيوحنا المعمدان «الذي كان لباسه ~~من وبر الإبل وطعامه جرادا وعسلا بريا» (متى، 3: 4). فاشتكى يسوع قائلا: «جاء يوحنا ~~المعمدان لا يأكل ولا يشرب فقالوا إن به مسا من الشيطان، جاء ابن الإنسان (= يسوع) يأكل ~~ويشرب فقالوا هو ذا رجل أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطاة» (متى، 11: 19). # كما وحبب إلى يسوع من متع الدنيا الطيب والروائح العطرة، على ما تبينه قصة المرأة ~~التي دخلت إلى حيث كان يجلس على المائدة في بيت عنيا وسكبت على رأسه حقة من طيب الناردين ~~الخالص الغالية الثمن، فقبل يسوع هذه البادرة عن طيب خاطر وعنف من وجه إليها اللوم. ~~ولكي نأخذ فكرة عما كلفت المرأة بادرتها هذه، نقول بأن عطر الناردين كان أغلى العطور، وكانت ~~الحقة منه تتسع لما مقداره 300 غرام من الطيب بلغ ثمنها وفق النص 300 دينار. ومع ذلك لم ير ~~يسوع ضيرا فيما فعلت، وقال معليا من شأن المرأة: «الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الإنجيل ~~في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها» (مرقس، 14: 3-9). # وعلى الرغم من أن أحدا لم يصف لنا الثياب التي كان يسوع يرتديها والقماش الذي صنعت منه، ~~إلا أن لباسه لم يكن بالتأكيد من وبر الإبل على طريقة يوحنا المعمدان ، بل من النوع الفاخر ~~الغالي الثمن، وكان يتألف من عدة ms180 قطع لا من قطعة بسيطة واحدة. وهذا ما أغرى الجنود القائمين ~~على عملية الصلب باقتسامها فيما بينهم، وأجروا القرعة عليها منعا للاختلاف على ما يأخذه ~~كل واحد: «ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد» (مرقس، 15: 24). ~~«ثم إن الجنود لما صلبوا يسوع، أخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام، لكل جندي نصيب» ~~(يوحنا، 19: 23). ولكنهم بعد ذلك تنازعوا على قميصه النادر الذي كان مصنوعا من قماش غير ~~مخيط منسوجا كله من أعلاه إلى أسفله. # وكانت نفس يسوع تضطرم بالعواطف الإنسانية المعهودة في البشر، فكان يظهر الشفقة والحنو ~~اللذين يدفعانه إلى مد يد العون للمرضى وأصحاب العاهات والممسوسين: «وجاء إليه أبرص وجثا ~~وقال له: إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني. فحن عليه يسوع ومد يده فلمسه وقال له: قد ~~شئت فابرأ. فزال عنه المرض من ساعته وبرئ» (مرقس، 1: 40-41). ولم يكن يتصرف تصرف فيلسوف ~~رواقي لا تهزه الأفراح أو الأتراح، بل إن التأثر كان يبلغ به أحيانا حد البكاء، كما حصل ~~عندما وقف أمام قبر صديقه لعازر: «فلما رآها (أي أخت العازر) تبكي ويبكي معها اليهود الذين ~~رافقوها، ارتعشت نفسه واضطرب وقال: أين وضعتموه؟ فقالوا: تعال يا سيدي وانظر. فبكى يسوع» ~~(يوحنا، 11: 33-36). # وتميز سلوكه وردود أفعاله أحيانا بالنزق ونفاد الصبر. فعندما لم يفهم تلاميذه مثله ~~المعروف عن الطاهر والنجس وسألوه أن يفسره لهم بعد انفضاض الجمع: قال لهم: «أحتى الآن ~~أنتم لا تفهمون» (متى، 15: 13-16). وفي مناسبة مماثلة قال لهم: «أما تفهمون هذا المثل؟ ~~فكيف إذن تفهمون غيره من الأمثال» (مرقس، 4: 13). وهناك أمثلة على إظهاره الحنق والغيظ: ~~«وقدموا إليه أولادا لكي يلمسهم، وأما التلاميذ فانتهروا الذين قدموهم. فلما رأى ذلك يسوع ~~اغتاظ وقال لهم: دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعوهم» (مرقس، 10: 13-14). وأيضا: «ثم دخل ~~إلى المجمع وكان هناك رجل يده يابسة، فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه ... ~~فقال لهم: هل يحل في يوم السبت فعل الخير أم فعل الشر؟ ونظر حوله إليهم بغضب وقال للرجل: مد ms181 ~~يدك. فمدها فعادت صحيحة كالأخرى» (مرقس، 3: 1-6). ويظهر نزق يسوع ونفاد صبره في قصة لعنه ~~للتينة العجفاء: «وفي الصبح إذ كان راجعا إلى المدينة جاع. فنظر شجرة تين على الطريق وجاء ~~إليها فلم يجد إلا ورقا فقط. فقال لها: لا يكن منك ثمر بعد. فيبست التينة في الحال» ~~(متى، 21: 18-19). # هذا النزق كان يتحول أحيانا إلى ثورات غضب عارم. ولطالما احتدم غضبا على محاوريه من ~~مثقفي اليهود. فعندما دعاه أحد الفريسيين إلى الغداء عنده: «دخل بيته وجلس إلى الطعام. فعجب ~~الفريسي منه لأنه لم يغسل يديه قبل الغداء. فقال له يسوع: ألا أيها الفريسيون، إنكم ~~تطهرون ظاهر الكوب والصحفة وباطنكم ممتلئ نهبا وفسقا. أيها الجهال، أليس الذي صنع ~~الظاهر قد صنع الباطن أيضا. فتصدقوا بما لديكم يكن كل شيء طاهرا لكم ... الويل لكم أيضا يا ~~علماء الشريعة. تحملون الناس أحمالا ثقيلة وأنتم لا تمسون هذه الأحمال بإحدى أصابعكم. ~~الويل لكم، تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم هم الذين قتلوهم. فأنتم الشهود وأنتم على أعمال ~~آبائكم توافقون» (لوقا، 11: 37-48)، وفي مناسبة أخرى يقول لهم: «الويل لكم أيها الكتبة ~~والفريسيون المراءون. تقفلون باب ملكوت السماوات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون ولا تدعون ~~الذين يريدون الدخول يدخلون. الويل لكم، تجوبون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا (إلى ~~الدين اليهودي)، فإذا هودتموه جعلتموه يستحق جهنم ضعف ما أنتم تستحقون» (متى، ~~23: 13-23). # ولم ينج تلاميذه أنفسهم من نوبات غضبه: «ودنا منه رجل فجثا وقال له: سيدي، أشفق على ابني ~~فإنه يصرع (تأتيه نوبات صرع) ويتألم شديدا. وقد جئت به إلى تلاميذك فلم يستطيعوا أن ~~يشفوه. فأجاب يسوع: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي إلى متى أكون معكم، إلى متى أحتملكم؟ ~~(والخطاب هنا إلى تلاميذ يسوع). قدموه إلى ها هنا. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفي من ~~ساعته. ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال ~~لهم: لعدم إيمانكم» (متى، 17: 14-20). وفي إحدى المرات صعدوا إلى السفينة ونسوا أن يتزودوا ~~بالخبز . وكان ms182 ذلك بعد قيام يسوع بمعجزة تكثير الخبز والسمك وإطعام أربعة آلاف شخص من سبعة ~~أرغفة وبضع سمكات صغار: «وكان يسوع يعلمهم قائلا: احذروا من خمير الفريسيين وخمير هيرودوس ~~(يعني بذلك الرياء والخبث). فقال بعضهم لبعض أن لا خبز ~~لديهم. فقال لهم يسوع: لماذا تقولون أن لا خبز لديكم؟ ألم تعقلوا حتى الآن وتفهموا؟ ألكم ~~قلوب عمية أم لكم عيون ولا تبصرون وآذان ولا تسمعون» (مرقس، 8: 11-18). وحتى بطرس الذي كان ~~يتلقى من معلمه معاملة تفضيلية، نال نصيبه الخاص من غضب يسوع عندما قال له: «اذهب عني يا ~~شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس» (مرقس، 8: 33). # وقال لليهود الذين كانوا يجادلونه في الهيكل عندما تباهوا بأنهم أولاد إبراهيم: «لو كنتم ~~أبناء إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم. ولكنكم تريدون قتلي أنا الذي قال لكم الحق الذي سمعه ~~من الله، وهذا ما لم يفعله إبراهيم. أنتم تعملون أعمال أبيكم ... إنكم أولاد إبليس وأنتم ~~تريدون إتمام شهوات أبيكم ... من كان من الله سمع كلام الله، ولكنكم لستم من الله» (يوحنا، ~~8: 39-47). # وها هو يصب جام غضبه على مدن الجليل التي لم تؤمن به على الرغم مما صنعه فيها من ~~معجزات: «ثم أخذ يعنف المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته وما تابت، فقال: الويل لك يا ~~كورزين، الويل لك يا بيت صيدا. فلو جرى في صور وصيدا ما جرى فيكما من معجزات لأظهرتا التوبة ~~بالمسح والرماد من زمن بعيد. على أني أقول لكم إن صور وصيدا سيكون مصيرهما يوم الدين ~~أخف وطأة من مصيركما. وأنت يا كفر ناحوم، أتحسبين أنك ترتفعين إلى السماء؟ ستهبطين إلى ~~الجحيم ... إلخ» (متى، 11: 20-24). # ويتجلى غضب يسوع في أعنف أشكاله في مشهد طرد الصيارفة والباعة من باحة الهيكل ~~«واقترب فصح اليهود، فصعد يسوع إلى أورشليم فرأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، ~~والصيارفة جالسين إلى مناضدهم. فجدل سوطا من حبال وطردهم جميعا من الهيكل مع الغنم ~~والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب مناضدهم» (يوحنا، 2: 13-15). # ويظهر مشهد طرد الصيارفة والباعة ms183 من باحة الهيكل مدى ما تمتع به يسوع من جرأة في ~~مواجهة خصومه. وقد بلغت جرأته على السلطة السياسية والدينية مبلغا لا يتفق وقلة حيلته في ~~مواجهتها. فعندما جاء إليه من يخبروه بأن هيرود أنتيباس ملك الجليل يطلب قتله، ونصحوه ~~بالاختفاء في المواطن التي لا سلطة لهيرود عليها، قال لهم: «اذهبوا فقولوا لهذا الثعلب إني ~~أطرد الشياطين وأجري الشفاء اليوم وغدا ... إلخ» (لوقا، 13: 31-32). وعندما جرى القبض على ~~يسوع وسيق إلى المحاكمة أمام الوالي بيلاطس أحاله هذا إلى ملك الجليل الذي كان يزور أورشليم ~~في ذلك الوقت للمشاركة بعيد الفصح، باعتبار أن يسوع مواطن جليلي. ولكن يسوع رفض التحدث إلى ~~«الثعلب» ولم يجبه على أي من أسئلته، فأعاده هيرود إلى بيلاطس (لوقا، 23: 5-11). وعندما ~~مثل أمام بيلاطس لم يجبه إلا على اثنين من أسئلته باقتضاب ثم لزم الصمت. فقال له ~~بيلاطس: «أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانا أن أصلبك وسلطانا أن أطلقك؟ فأجابه ~~يسوع: لم يكن لك سلطان علي البتة لو لم تكن أعطيت (هذا السلطان) من فوق» (يوحنا، 19: ~~8-10). # ولم تكن جرأته على السلطة الدينية بأقل من جرأته على السلطة السياسية. فقد انتهك الشريعة ~~التوراتية عندما كان يجري الشفاء يوم السبت وعندما كان تلاميذه يقطفون من السنابل ويأكلون ~~في السبت، وعندما برر عدم التزام تلاميذه بالصيام اليهودي، وعندما أعلن عدم التزامه ~~بالطاهر والنجس في المأكل والمشرب وجعل كل الأطعمة طاهرة، وعندما عفا عن المرأة الزانية ~~التي تأمر الشريعة برجمها، وعندما لم يكن يصلي في هيكل أورشليم ولا قرب قربانا واحدا ~~فيه، وأعلن عن سدى العبادة في الهيكل عندما قال: «ستأتي ساعة تعبدون فيها الآب لا في هذا ~~الجبل (= جبل جرزيم في السامرة) ولا في أورشليم. أنتم تعبدون ما لا تعلمون ونحن نعبد ما ~~نعلم. لأن الخلاص هو آت من اليهود» (يوحنا، 4: 21-22). # وفي قصة عفوه عن الزانية، يظهر يسوع إلى جانب رفضه للجوانب غير الإنسانية في الشريعة ~~اليهودية، تعاطفا مع الضعف الإنساني قل مثيله: «فأتاه الفريسيون بامرأة أخذت ms184 في زنا ~~وقالوا له: يا معلم، إن هذه المرأة أخذت في الزنا المشهود، وقد أوصانا موسى برجم أمثالها، ~~فماذا تقول أنت؟ وإنما قالوا ذلك ليحرجوه فيتهموه. فأكب يسوع يخط بإصبعه على الأرض. ~~فلما ألحوا عليه في السؤال جلس وقال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر. ثم ~~أكب ثانية يخط في الأرض. فلما سمعوا هذا الكلام انصرفوا واحدا بعد واحد مبتدئين ~~بالشيوخ إلى الآخرين، ولبث يسوع وحده والمرأة في مكانها. فجلس يسوع وقال لها: أين هم أيتها ~~المرأة؟ أما أدانك أحد؟ فأجابت: لا يا سيدي. فقال لها يسوع: ولا أنا أيضا أدينك. اذهبي ولا ~~تعودي إلى الخطيئة» (يوحنا، 8: 1-11). ولعل في قول يسوع هنا: «ولا أنا أيضا أدينك» ما يشير ~~إلى أن يسوع قد عرف الخطيئة مثله مثل سائر البشر؛ ولذلك فإنه لم يدن المرأة. # وكان يسوع عازفا عن إظهار التواضع الزائف الذي يسم سلوك الفلاسفة والمتفلسفين، شديد ~~الفخر بنفسه مؤكدا على علو مكانته. فقد شبه نفسه في هذه الدنيا بالعريس الذي هو مركز ~~الحدث والشخصية الرئيسية في الحفل: «فجاء بعض الناس وقالوا ليسوع: لماذا يصوم تلاميذ يوحنا ~~وتلاميذ الفريسيين ولا يصوم تلاميذك؟ فقال لهم: أيستطيع أهل العرس أن يصوموا والعريس ~~بينهم؟» (مرقس، 2: 18-19). وعندما انتهر البعض المرأة التي سكبت على رأسه حقة العطر، ~~بحجة أن الفقراء أولى بثمنها، قال لهم: «الفقراء عندكم في كل حين، أما أنا فلست عندكم في ~~كل حين» (متى، 26: 11). # وقد بلغ من فخره بنفسه أنه اعتبر كل من سبقه في التاريخ النبوي اليهودي لصوصا ~~وسارقين، وذلك بالمعنى المجازي لا الحرفي: «أنا الراعي الصالح، أعرف خرافي وخرافي تعرفني» ~~(يوحنا، 10: 14). «الحق أقول لكم، من لم يدخل حظيرة الخراف من الباب بل تسلق إليها من ~~طريق آخر كان لصا سارقا، ومن يدخل من الباب كان راعي الخراف، البواب يفتح له والخراف ~~تصغي إلى صوته وتتبعه لأنها تعرف صوته أما الغريب فلا تتبعه. الحق أقول لكم: أنا باب ~~الخراف. جميع الذين جاءوا قبلي لصوص سارقون ولكن الخراف ms185 لم تصغ إليهم» (يوحنا، 10: 1-8). ~~وقد قارن نفسه ببعض أنبياء إسرائيل وبأعظم ملوكهم، وأعلن أنه أعلى منهم شأنا: «أهل نينوى ~~سيقومون مع أهل هذا الجيل ويحكمون عليه لأنهم تابوا بإنذار النبي يونان، وها هنا أعظم من ~~يونان. ملكة الجنوب ستقوم يوم الدين مع هذا الجيل وتحكم عليه، لأنها جاءت من أقاصي الأرض ~~لتسمع حكمة سليمان، وها هنا أعظم من سليمان» (متى، 12: 41-43). وهو أعلى شأنا من إبراهيم ~~الأب الأعلى لليهود وأعظم الأنبياء: «ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي، ورآه ففرح. ~~قال له اليهود: أرأيت إبراهيم وما بلغت الخمسين؟ فقال لهم يسوع: الحق، الحق أقول لكم: كنت ~~قبل أن يكون إبراهيم» (يوحنا، 8: 56-58). وهو أعظم من هيكل أورشليم محور التاريخ الديني ~~والدنيوي لليهود. فعندما شغب عليه اليهود لانتهاكه حرمة السبت قال لهم: «أوما قرأتم في ~~التوراة أن الكهنة في السبت يستبيحون حرمة الهيكل ولا حرج عليهم؟ فأقول لكم: ها هنا أعظم من ~~الهيكل» (متى، 12: 5-6). والمقصود من استباحة الكهنة للسبت في الهيكل، هو ما نصت عليه ~~الشريعة من تقديم قرابين معينة في يوم السبت (راجع سفر العدد، 28: 9). # وقد تمتع يسوع بأهم خصيصة في المعلم الروحي، ألا وهي قوة الشخصية والجاذب الطبيعي أو ~~الكاريزما. وكان يتحدث دوما كمن له سلطان، على حد تعبير الأناجيل: «فلما أكمل يسوع هذه ~~الأقوال بهتت الجموع من تعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة» (متى، ~~7: 29). «فتحيروا كلهم حتى سأل بعضهم بعضا قائلين: ما هذا؟ وما هو هذا التعليم الجديد؟ ~~لأنه يأمر حتى الأرواح النجسة فتطيعه» (مرقس، 1: 27). «ولما جاء إلى الهيكل، تقدم إليه ~~رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وهو يعلم قائلين: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان» ~~(لوقا، 20: 1-2). وعلى الرغم من عدم امتلاكه لأي حق في التدخل بالأنظمة المتبعة في ~~الهيكل، فقد ألقى الرعب في قلوب الصرافين وباعة حيوانات قرابين الهيكل ففروا من أمامه ~~مذعورين عندما انقض عليهم وفرقهم بسوطه. وهذه الهيبة التي تمتع بها يسوع منعت ~~حراس الهيكل من القبض عليه ms186 عندما أمروا بذلك: «فأرسل الفريسيون والأحبار خداما ~~ليمسكوه ... فعاد الخدام إلى الأحبار والفريسيين، فقال لهم هؤلاء: لماذا لم تأتوا به؟ ~~أجاب الخدام: لم يتكلم إنسان هكذا مثل هذا الإنسان. فأجابهم الفريسيون: «ألعلكم أنتم أيضا ~~قد ضللتم»» (يوحنا، 7: 32-47). وغالبا ما كان تلاميذه يهابون أن يسألوه شرح ما غمض عليهم ~~من أقواله. فعندما قال لهم: «إن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد ~~أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، لم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه» (لوقا، 9: 44-45). ~~وعندما قال لهم في جلسة العشاء الأخير إن واحدا منهم سيسلمه، تردد الجميع في سؤاله عن ~~هوية الخائن، ولم يجرؤ على ذلك سوى التلميذ المحبوب (يوحنا، 13: 21-26). وفي ظهوره الأخير ~~لهم عند بحيرة طبريا، عندما جلس معهم بعد انتهاء الصيد وأكل: «لم يجرؤ أحد أن يقول له: من ~~أنت؟ لعلمهم أنه الرب» (يوحنا، 21: 4-13). # ولقد جزع يسوع من الموت كما يجزع بقية البشر. فبعد العشاء الأخير عندما مضى مع تلاميذه ~~إلى جبل الزيتون ودخل بستان جتسيماني، شعر بقرب وصول الخائن يهوذا مع جند الهيكل، فمضى ~~ببطرس ويعقوب ويوحنا وراح يستشعر حزنا وكآبة، وقال لهم: «نفسي حزينة حتى الموت، امكثوا ~~هنا واسهروا. ثم أبعد قليلا ووقع على الأرض يصلي لتبتعد عنه الساعة إن يستطاع. قال: يا ~~أبتا، إنك على كل شيء قدير فاصرف عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أشاء بل كما أنت تشاء. ~~وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة وكان عرقه كقطرات دم تتساقط على الأرض» (مرقس، 14: 32-42؛ + ~~لوقا، 22: 39-45). وفي الدقائق الأخيرة على الصليب بلغ به اليأس الإنساني ذروته فصاح بأعلى ~~صوته: إلهي، إلهي لماذا تركتني (متى، 27: 46). # | هل أفلح يسوع خلال حياته؟ # إن الإجابة على هذا السؤال المطروح في العنوان، هي مسألة حيوية لفهم ما وراء السطور في ~~الرواية الإنجيلية، لا سيما فيما يتعلق بأحداث الأسبوع الأخير من حياة يسوع. # غالبا ما يحدثنا الإنجيليون عن الجموع التي كانت تتقاطر إلى يسوع لتسمع كلامه أو ~~لتحصل على الشفاء منه: «وابتدأ يعلم عند ms187 البحر، فاجتمع إليه جمع كثير حتى إنه صعد إلى ~~سفينة في البحر وجلس فيها، والجمع كله كان عند البحر على الأرض» (مرقس، 4: 1). «فمضوا في ~~السفينة إلى موضع خلاء منفردين، فرآهم الجموع منطلقين وعرفه كثيرون فتراكضوا إلى هناك من ~~جميع المدن مشاة وسبقوهم واجتمعوا إليه» (مرقس، 6: 32-33). «ولما رجع الرسل أخبروه بكل ما ~~عملوا، فاقتادهم واعتزل بهم عند مدينة تدعى بيت صيدا، فعلم الجموع بما جرى وتبعوه» (لوقا، ~~9: 10-11). «فلما رأى الجمع أن يسوع ليس هناك ولا تلاميذه ركبوا السفن وساروا إلى كفر ناحوم ~~يطلبون يسوع» (يوحنا، 6: 24). فإلى أي حد ساعد هذا الهوس العام بيسوع على انتشار تعاليمه ~~بين الناس، وخلق حركة دينية جمعت حولها الآلاف من المؤمنين، أو حتى من ~~المتعاطفين؟ # إن قراءة ما وراء السطور في الأناجيل الأربعة تفيدنا بأن يسوع قد فشل على كل صعيد خلال ~~حياته التبشيرية القصيرة. فالجموع التي كانت تتقاطر إليه من كل حدب وصوب كانت ساعية وراء ~~الشفاء من أمراض مختلفة، أو مدفوعة بما في داخل النفس من افتتان بكل ما هو معجز وخارق ~~للطبيعة. ومثل هذه الجموع من الممكن أن تتجمع حول أي مشعوذ أو ساحر مثلما تجمعت حول ~~يسوع، وهي بالتأكيد لم تكن تستمع إلى كلماته بالتوق الذي كان يشدها لرؤية أعماله، والقلة ~~التي أصغت له لم تستجب ووقعت كلماته في آذان صماء. # كان أول الرافضين ليسوع هم أهل الناصرة، البلدة التي نشأ فيها وعاش وعمل حتى بلغ ~~الثلاثين من العمر. فبعد جولة في أنحاء الجليل أجرى يسوع خلالها الكثير من المعجزات وشفى ~~مرضى كثيرين، يقول لنا مرقس: «وانصرف من هناك وجاء إلى وطنه يصحبه تلاميذه. ولما أتى السبت ~~أخذ يعلم في المجمع، فدهش أكثر الناس حين سمعوه، وقالوا: من أين له هذه؟ وما هذه الحكمة ~~التي أوتيها وهذه المعجزات التي تجري على يديه؟ أما هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي ~~ويهوذا وسمعان؟ أوليست أخواته عندنا ها هنا؟ وأخذتهم الحيرة فيه. فقال لهم يسوع: ليس ~~نبي بلا كرامة إلا في وطنه ms188 وبين أقربائه وفي بيته. ولم يمكنه أن يصنع هناك شيئا من ~~المعجزات وتعجب من قلة إيمانهم، ثم سار في القرى المجاورة يعلم » (مرقس، 6: 1-6). ويضيف ~~لوقا إلى هذه القصة جوابا ليسوع يفهم منه أنه يفضل التبشير بين الوثنيين على ~~التبشير بين أهل جلدته وهذه حالهم: «الحق أقول لكم لا يقبل نبي في وطنه. وبحق أقول لكم ~~كان أرامل كثيرات في إسرائيل زمن النبي إيليا حين احتبست السماء ثلاث سنوات وستة أشهر ~~فأصابت الأرض كلها مجاعة شديدة، ولم يرسل إيليا إلى واحدة منهن وإنما أرسل إلى ~~أرملة في صرفة صيدا. وكان برص كثيرون في إسرائيل على عهد النبي أليشع، فلم يبرأ (على يديه) ~~واحد منهم وإنما برئ نعمان السوري (وردت هاتان القصتان في سفري الملوك الأول والثاني من ~~العهد القديم). فلما سمع أهل المجمع هذا الكلام ثار ثائرهم جميعا، فقاموا ودفعوه إلى ~~خارج المدينة وساقوه على حرف الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل، ~~ولكنه جاز في وسطهم ومضى. وانحدر إلى كفر ناحوم وهي مدينة في الجليل وكان يعلمهم في ~~السبوت» (لوقا، 4: 24-31). # ويسوع عندما شمل الأقارب وأهل البيت مع مواطنيه غير المؤمنين عندما قال: «ليس نبي بلا ~~كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته.» إنما كان يلمح إلى أفراد أسرته عندما جاءوا في ~~إحدى المرات يطلبونه بقصد وضعه تحت الحجر لأنهم اعتبروه مختلا، على ما يخبرنا مرقس: ~~«فاجتمع أيضا جمع حتى إنهم لم يقدروا ولا على أكل الخبز. ولما سمع ذووه خرجوا ليمسكوه ~~لأنهم قالوا إنه مختل» (مرقس، 3: 20-21). ولم يكن يسوع أفضل حالا في كفر ناحوم التي ~~استقر فيها بعد الناصرة (لوقا، 4: 31؛ ويوحنا، 2: 13). فعلى الرغم من المعجزات الكثيرة التي ~~أجراها في هذه المدينة فإن أهلها لم يقبلوا تعاليمه، وكذلك الأمر في مدن الجليل الأخرى. ~~فراح يتوعد هذه المدن بأسوأ مصير: «الويل لك يا كورزين، الويل لك يا بيت صيدا. فلو جرى ~~في صور وصيدا ما جرى فيكما من المعجزات لأظهرتا التوبة بالمسح والرماد من زمن ms189 بعيد. على ~~أني أقول لكم إن صور وصيدا سيكون مصيرهما يوم الدين أخف وطأة من مصيركما. وأنت يا كفر ~~ناحوم، أتحسبين أنك ترتفعين إلى السماء ؟ ستهبطين إلى الجحيم. فلو جرى في سدوم ما جرى فيك من ~~المعجزات لبقيت إلى اليوم. على أني أقول لكم: إن أرض سدوم سيكون مصيرها يوم الدين أخف ~~وطأة من مصيرك» (متى، 11: 20-24. قارن مع لوقا، 10: 12-15). وفي موضع آخر يتحدث عن هذا ~~الجيل الفاسق قائلا: «بمن أشبه هذا الجبل؟ يشبه أولادا جالسين في الأسواق ينادون إلى ~~أصحابهم ويقولون: زمرنا لكم فلم ترقصوا، نحنا لكم فلم تلطموا» (متى، 11: 16-17). وقال ~~في موضع آخر: «جيل فاسق يطلب آية ولا تعطى له سوى آية النبي يونان. فكما بقي يونان في ~~بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، فكذلك يبقى ابن الإنسان في جوف الأرض ثلاثة أيام ~~وثلاث ليال. أهل نينوى سيقومون يوم الدين مع هذا الجيل ويحكمون عليه لأنهم تابوا بإنذار ~~يونان، وها هنا أعظم من يونان. ملكة الجنوب (= سبأ) ستقوم يوم الدين مع هذا الجيل وتحكم ~~عليه، لأنها جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وها هنا أعظم من سليمان» (متى، ~~12: 39-42). # وحتى التلاميذ الذين لصقوا بيسوع وساروا معه انفض منهم كثيرون عنه في إحدى المراحل ~~عندما صاروا لا يفهمون أقواله: «قال هذا في كفر ناحوم. فقال كثير من تلاميذه لما سمعوه: هذا ~~كلام عسير من يطيق سماعه؟ فعلم يسوع في نفسه أن تلاميذه يتذمرون، فقال لهم: أهذا يبعث ~~الشك فيكم؟ فكيف لو رأيتم ابن الإنسان يصعد على حيث كان قبلا. ألا إن الروح هو الذي يحيا ~~وأما الجسد فلا يجدي نفعا، والكلام الذي كلمتكم به روح وحياة، ولكن فيكم من لا يؤمنون ... ~~فتولى عنه عندئذ كثير من تلاميذه وانقطعوا عن مصاحبته. فقال يسوع للاثني عشر: أفتريدون ~~أنتم أن تذهبوا مثلهم؟ فأجابه سمعان بطرس: رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك» ~~(يوحنا، 6: 59-68). # وقد عبر يسوع عن مرارته وخيبة أمله من خلال عدد من الأمثال. فقد قال ms190 في مثل المدعوين ~~إلى المأدبة: «صنع رجل عشاء فاخرا ودعا إليه كثيرا من الناس، ثم أرسل عبده في ساعة ~~العشاء ليقول للمدعوين تعالوا لأن كل شيء قد أعد لكم. فأجمعوا كلهم على الاعتذار. قال ~~له الأول: قد اشتريت حقلا وأنا مضطر أن أخرج فأنظره، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: اشتريت ~~خمسة أزواج بقر وأنا ذاهب لأمتحنها، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: قد اتخذت امرأة فلا أقدر ~~أن أجيء. فرجع ذلك العبد وأخبر سيده بذلك، حينئذ غضب رب البيت وقال لعبده: اخرج عاجلا ~~إلى شوارع المدينة وأزقتها وأدخل إلى هنا المساكين والزمنى والكسحان والعرج ... إني ~~أقول لكم: لن يذوق عشائي واحد من أولئك المدعوين» (لوقا، 14: 16-24). وقال في موضع آخر ~~قولا يؤدي معنى هذا المثل: «إن المدعوين كثير، وأما المختارون فقليل» (متى، ~~22: 14). # وقال في مثل وليمة الملك: «مثل ملكوت السماوات كمثل ملك أولم في عرس ابنه، فأرسل ~~عبيده ليدعو المدعوين إلى العرس فأبوا أن يأتوا ... فمنهم من ذهب إلى حقله، ومنهم من ذهب ~~إلى تجارته، والآخرون أمسكوا عبيده فشتموهم وقتلوهم. فغضب الملك وأرسل جنوده فأهلك هؤلاء ~~القتلة وأحرق مدينتهم، ثم قال لعبيده: الوليمة معدة ولكن المدعوين غير مستحقين» (متى، ~~22: 1-8). # وقال في مثل الكرامين القتلة: «غرس رجل كرما وسيجه وحفر فيه معصرة وبنى برجا، ~~وسلمه إلى كرامين وسافر. ولما حان وقت الثمر أرسل عبدا إلى الكرامين ليأخذ منهم نصيبه ~~من ثمر الكرم، فأمسكوه وضربوه وأرجعوه فارغ اليدين، فأرسل عبدا آخر فرجموه وشجوا ~~رأسه وشتموه. فأرسل آخر وهذا قتلوه، ثم أرسل كثيرين غيرهم فضربوا فريقا وفريقا قتلوا. ~~فبقي عنده واحد وهو ابنه الحبيب، فأرسله إليهم آخر الأمر، وقال: سيهابون ابني. فقال أولئك ~~الكرامون بعضهم لبعض: هو ذا الوارث، هلم نقتله فيعود الميراث إلينا. فأمسكوه وقتلوه ~~وألقوه خارج الكرم. فماذا يفعل صاحب الكرم؟ يأتي ويهلك الكرامين ويعطي الكرم إلى آخرين. ~~أما قرأتم هذا المكتوب: الحجر الذي رفضه البناءون هو الذي صار رأس الزاوية» (مرقس، ~~12: 1-10). # ولم يكن حظ يسوع في أورشليم بأفضل من ms191 حظه في الجليل: «ومع أنه قد صنع أمامهم آيات ~~هذا عددها لم يؤمنوا به، ليتم قول إشعيا النبي الذي قاله: يا رب من الذي آمن بكلامنا ~~ولمن ظهرت ذراع الرب؟ لهذا لم يستطيعوا أن يؤمنوا، لأن إشعيا قال أيضا: قد أعمى عيونهم ~~وأغلظ قلوبهم لئلا يبصروا بعيونهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم» (يوحنا، 12: 37-40). ~~وقال يسوع لتلامذته في المعنى نفسه: «إن أبغضكم العالم فاعلموا أنه أبغضني قبل أن يبغضكم، ~~لو كنتم من العالم لأحب العالم من كان منه، ولكن أبغضكم العالم لأنكم لستم منه ... فإذا ~~اضطهدوني يضطهدونكم أيضا، وإذا حفظوا كلامي يحفظون كلامكم. سينزلون بكم ذلك كله لأنهم لا ~~يعرفون الذي أرسلني. لو لم آت وأكلمهم لما كتبت عليهم خطيئة، ولكن لا عذر لهم اليوم من ~~خطيئتهم. فلو لم أعمل بينهم أعمالا لم يأت بمثلها أحد لما كتبت عليهم خطيئة، ولكن اليوم ~~رأوا وهم مع ذلك يبغضوني ويبغضون أبي» (يوحنا، 15: 18-24). # وفي إحدى المرات عندما كان يتكلم في الهيكل حمل أهل أورشليم الحجارة ليرجموه. فقال لهم: ~~«أريتكم عدة أعمال صالحة من لدن الآب، فلأي عمل منها ترجموني؟ قال اليهود: لا نرجمك للعمل ~~الصالح ولكن للكفر» (يوحنا، 10: 31-33). وفي مرة ثانية عندما أنهى يسوع جداله معهم بقوله: ~~«الحق، الحق أقول لكم: كنت قبل أن يكون إبراهيم.» أخذوا حجارة ليرجموه فتوارى يسوع وخرج من ~~الهيكل (يوحنا، 8: 58-59). «فعزموا منذ اليوم على قتله، فصار يسوع لا يظهر بين اليهود ~~واعتزل في الناحية المتاخمة للبرية في مدينة تدعى أفرام، فأقام فيها مع تلاميذه» (يوحنا، ~~11: 53-54). # وقد بادل يسوع أورشليم هذا الموقف العدائي: «أورشليم، أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة ~~المرسلين إليها. كم مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، فلم ~~تريدوا. هو ذا بيتكم يترك لكم، وإني أقول لكم: لا تروني حتى يأتي يوم تقولون فيه: تبارك ~~الآتي باسم الرب» (لوقا، 13: 34-35). «ليتك عرفت في هذا اليوم طريق السلام، ولكنه حجب عن ~~عينيك. فسوف يأتي زمن يحيطك أعداؤك بالمتاريس ويحاصرونك، ويضيقون عليك ms192 الخناق من كل ~~جهة ويدمرونك وأبناءك الذين هم فيك، ولا يتركون فيك حجرا على حجر، لأنك لم تعرفي الزمن ~~الذي كنت فيه مفتقدة» (لوقا، 19: 41-44). # كل ذلك يقودنا على الاستنتاج بأن يسوع لم يفلح خلال حياته في خلق حركة دينية قوية لا ~~في موطنه ولا في اليهودية. وحتى تلاميذه الاثنا عشر لم يستوعب جميعهم مغزى رسالته، وظهر ~~أخيرا بينهم خائن أسلمه إلى أعدائه. وعندما ألقي القبض عليه انفضوا عنه وهربوا كل ~~يطلب سلامة روحه، أما رئيسهم بطرس الذي كان موضع ثقة المعلم فقد أنكره ثلاث مرات قبل أن ~~يصيح الديك مرتين. وأثناء المحاكمة العلنية ليسوع كانوا في مخابئهم يتلقطون الأخبار من ~~بعيد. وعندما علق معلمهم على الصليب لم يكن حاضرا واقعة الصلب منهم إلا النساء ~~اللواتي تبعنه من الجليل وخدمنه بعرقهن وأموالهن، حتى بدا ليسوع أخيرا أن إلهه نفسه قد ~~تخلى عنه أيضا عندما صاح: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني!» # وعلى الرغم من أن الأناجيل لا تسعفنا في معرفة العدد الدقيق لأتباع يسوع بين تلاميذ ~~ورسل، إلا أن الوقائع تدل على أنهم لم يتجاوزوا بضع عشرات بين رجال ونساء. وهذا ما ~~يثبته لنا سفر أعمال الرسل الذي يقول مؤلفه في وصفه للاجتماع الأول للتلاميذ بعد صعود ~~معلمهم: «وفي تلك الأيام قام بطرس في الإخوة، وكان عدد المجتمعين يناهز مائة وعشرين، ~~فقال: أيها الإخوة ... إلخ» (أعمال، 1: 15-16). ولكن هذه القلة التي اجتمعت في غرفة علوية في ~~أحد بيوت أورشليم، قد قيض لها بعد ذلك أن تغير تاريخ العالم، وتحمل تعاليم يسوع إلى ~~أربعة أطراف الأرض. لقد أفلح يسوع ولكن ليس في حياته، وتحققت نبوءته القائلة: «سوف يأتي ~~الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، فيجلسون على المائدة في ملكوت الله» (لوقا، ~~13: 29). # | هل تنبأ بموته وقيامته؟ # سيرة يسوع والنبوءات التوراتية # منذ الأشهر الأولى لكرازته، وبعد سماعه خبر مقتل يوحنا المعمدان، ابتدأ يسوع يتنبأ ~~أمام تلامذته بأنه سوف يعاني آلاما شديدة في أورشليم ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقد ~~كانت النبوءة الأولى في مدينة ms193 قصيرية فيلبس بعد أن تعرف عليه بطرس على أنه المسيح: «فسأل ~~في الطريق تلاميذه: من أنا على حد قول الناس؟ فأجابوه: يوحنا المعمدان وبعضهم يقول إيليا ~~وآخرون أحد الأنبياء. فسألهم: ومن أنا على حد قولكم أنتم؟ فأجاب بطرس: أنت المسيح. فنهاهم ~~أن يخبروا أحدا بأمره. ثم بدأ يعلمهم أن ابن الإنسان يجب عليه أن يعاني آلاما شديدة، ~~وأن يرذله الشيوخ والأحبار والكتبة، وأن يقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم. وكان يقول هذا القول ~~صراحة، فانفرد به بطرس وراح يعاتبه (وفي ترجمة أخرى ينتهره). فالتفت فرأى تلاميذه فزجر ~~بطرس قائلا: اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس» (مرقس، 8: 27-33). هذه ~~القصة التي رواها مرقس تتكرر عند متى ولكن مع إضافة ثناء يسوع على بطرس بعد أن شهد أنه ~~المسيح: «فأجابه يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي ~~في السماوات. وأنا أقول لك أيضا: أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي ... إلخ» (متى، 16: ~~17-19). أما لوقا فقد حذف ما أورده متى من ثناء يسوع على بطرس، كما حذف أيضا ما أورده ~~متى ومرقس من معاتبة بطرس ليسوع على ما سمعه منه وزجر يسوع له: «واتفق أنه كان يصلي في ~~عزلة والتلاميذ معه، فسألهم: من أنا على حد قول الجموع؟ فأجابوه: يوحنا المعمدان، وبعضهم ~~يقول إيليا، وآخرون نبي من الأولين قام. فقال لهم: ومن أنا على حد قولكم أنتم؟ فأجاب بطرس: ~~مسيح الله. فنهاهم بشدة أن يخبروا أحدا بذلك. وقال: يجب ~~على ابن الإنسان أن يعاني آلاما شديدة وأن يرذله الشيوخ والأحبار والكتبة، وأن يقتل وفي ~~اليوم الثالث يقوم» (لوقا، 9: 18-22). # في هذه القصة برواياتها الثلاث يتنبأ يسوع بموته وقيامته، ولكنه يتردد في قبول لقب المسيح ~~لما لهذا اللقب من تداعيات سياسية في ذلك الزمن المشحون بتوقعات ظهور المسيح السياسي، ملك ~~اليهود، الذي يعيد الملك إلى إسرائيل ويحرر الشعب من نير الحكم الروماني. وفي الحقيقة ~~فإننا لن نعرف قط ما ms194 إذا كان يسوع قد قبل لقب المسيح. فالشهادات الإنجيلية متضاربة بهذا ~~الخصوص ولا نستطيع الركون إلى واحدة منها في مقابل الأخرى، كما أن إجابات يسوع على أسئلة ~~قضاته خلال المحاكمة عما إذا كان المسيح أو ملك اليهود أو ابن الله، كانت غامضة وملتوية ~~ولا تقطع بشيء. وعلى الرغم من أن يسوع كان مدركا للدور الموكل إليه من العناية الإلهية، ~~إلا أنه كان مدركا في الوقت نفسه أن دوره هذا لا علاقة له بالهموم السياسية والنزعات ~~القومية لليهود. وقد أوضح تدريجيا لتلامذته مفهومه الخاص عن ملكوت الله وميزه بحدة عن ~~مفهوم ملكوت يهوه الذي كان اليهود يتطلعون إليه. فملكوت الله هو ملكوت روحاني يجمع جميع ~~الأمم والشعوب إلى بعضهم وإلى خالقهم، بعد عصور الظلام التي باعدت بينهم، عصر تتم فيه معرفة ~~الآب، أبي البشر الذي لم يعرفه اليهود قط. في هذا الملكوت الذي افتتحه يسوع، يعقد الله ~~صلحا مع البشرية ويمد لها يد الخلاص من الخطيئة الأولى ومن الموت، ومن سلطان أمير الظلام ~~الذي كان سيد هذا العالم قبل البشارة، ويعقد معها عهدا جديدا هو عهد الله مع الإنسانية ~~يحل محل عهد يهوه مع شعب إسرائيل. ولهذا قال يسوع عندما قدم نفسه لأول مرة في مجمع ~~الناصرة: «روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي منكسري القلوب، ~~لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية» (لوقا، 4: 18). ~~فإذا كان يسوع قد قبل لقب المسيح، فبهذا المعنى قبله لا بأي معنى آخر. # بعد ذلك يكرر يسوع عبر مسيرته التبشيرية النبوءة نفسها وصولا إلى الأسبوع الأخير من ~~حياته: ~~«فسأله التلاميذ: فلماذا يقول الكتبة: إنه يجب أن يأتي إيليا أولا؟ فأجابهم: يجب أن ~~يأتي إيليا أولا ويصلح كل شيء. ولكن أقول لكم: إن إيليا قد أتى فلم يعرفوه وفعلوا به ~~ما أرادوا. وكذلك ابن الإنسان سيلقى منهم الآلام. ففهم التلاميذ أنه عنى بكلامه يوحنا ~~المعمدان» (متى، 17: 10-13). ~~«ومضوا من هناك ومروا بالجليل، ولم يرد أن يعلم به أحد، لأنه كان يعلم تلاميذه ~~فيقول ms195 لهم: إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد قتله بثلاثة أيام يقوم، ~~فلم يفهموا هذا الكلام، وهابوا أن يسألوه» (مرقس، 9: 30-32). ومن الغريب هنا ألا يفهم ~~تلاميذه قوله هذا على الرغم مما حدث بينه وبين بطرس من مشادة كلامية أمامهم بعد أن تنبأ ~~بموته في المرة الأولى (مرقس، 8: 27-30). وربما هذا ما حدا بمتى إلى إدخال بعض التعديل على ~~رواية مرقس؛ حيث قال: «فحزنوا حزنا شديدا» (متى، 17: 22-23) بدل «فلم يفهموا هذا القول ~~وهابوا أن يسألوه» أما لوقا فقد حافظ على رواية مرقس دون تغيير (لوقا، 9: 44-45). ~~«ودنا حينئذ بعض الفريسيين فقالوا له: اذهب من هنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك. فقال لهم: ~~اذهبوا فقولوا لهذا الثعلب: إني أطرد الشياطين وأجري الشفاء اليوم وغدا، وفي اليوم الثالث ~~يتم بي كل شيء. فعلي أن أسير اليوم وغدا والذي بعدهما، لأنه لا ينبغي لنبي أن يهلك ~~خارج أورشليم» (لوقا، 13: 31-33). ~~«وكانوا سائرين في الطريق صعودا إلى أورشليم ... فخلا بالاثني عشر مرة أخرى وأخذ ينبئهم ~~بما سيحدث له قائلا: إنا لصاعدون إلى أورشليم، وسيسلم ابن الإنسان إلى الأحبار ~~والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الوثنيين فيسخرون منه ويبصقون عليه ويجلدونه ~~ويقتلونه، وبعد ثلاثة أيام يقوم» (مرقس، 10: 32-34. قارن مع متى، 20: 17-19؛ ولوقا، ~~18: 31-34). # وعلى مائدة العشاء الأخير قال لتلاميذه: «سوف تشكون في بأجمعكم هذه الليلة. فقد كتب: ~~سأضرب الراعي فتتبدد الخراف. ولكن بعد قيامتي أسبقكم إلى الجليل. فقال له بطرس: لو شكوا ~~بأجمعهم فأنا لا أشك. فقال له يسوع: الحق أقول لك: اليوم في هذه الليلة قبل أن يصبح الديك ~~مرتين سوف تنكرني ثلاث مرات» (مرقس، 14: 27-30. قارن مع متى، 26: 31-34؛ ولوقا، ~~22: 31-34). # في إنجيل يوحنا يشير يسوع إلى موته القريب ولكن بشكل أكثر إلغازا. فقد قال لليهود في ~~إحدى مجادلاته معهم: «أنا باق معكم زمنا قليلا ثم أذهب إلى الذي أرسلني، ستطلبوني فلا ~~تجدوني، وحيث أكون أنا لا تستطيعون أن تجيئوا أنتم» (يوحنا، 7: 33-34). وقال: «اليوم دينونة ~~هذا العالم، اليوم ms196 يطرح سيد هذا العالم خارجا وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي ~~الجميع. قال هذا مشيرا إلى أية ميتة كان مزمعا أن يموت» (يوحنا، 12: 31-33). # فهل تنبأ يسوع فعلا بموته وقيامته من الموت؟ إن مسار أحداث ما بعد الصلب يشير إلى أن ~~التلاميذ لم يسمعوا من يسوع مثل هذه النبوءة قط، ولم يخطر ببال أحدهم ولو على سبيل الأمنية ~~أن يسوع قد يقوم من بين الأموات. ولا أدل على ذلك من أن من اكتشف القبر الفارغ لم يخطر ~~له أن يسوع قد قام حقا وصدقا، ومن سمع بقصة القبر الفارغ منهم لم يصدق الخبر ولم يفسره ~~بقيامة يسوع وإنما بدا له هذا القول نوعا من الهذيان. وعندما ظهر للرسل جميعا وهم مختبئون ~~في غرفة محكمة الإغلاق، جزعوا وخافوا وظنوا أنهم يرون روحا ولم يصدقوا حتى أكل أمامهم. ~~ويلفت نظرنا بشكل خاص في قصص ظهورات يسوع، ما قاله يسوع للتلميذين اللذين لم يتعرفا عليه ~~عند ظهوره لهما: «أيها الغبيان والبطيئا القلب عن الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء. أما ~~كان ينبغي على المسيح أن يعاني هذا الآلام فيدخل في مجده؟» ثم يستطرد مؤلف الإنجيل قائلا: ~~ثم أخذ يفسر لهما الأمور المختصة بما ورد في جميع الكتب من موسى إلى سائر الأنبياء (لوقا، ~~24: 25-27). فيسوع هنا لم يوجه أنظار التلميذين إلى أقواله السابقة بخصوص قيامته في اليوم ~~الثالث، وإنما إلى ما ورد في النبوءات التوراتية بخصوص آلام المسيح وقيامته. كما نلاحظ ~~الشيء نفسه في تفسير مؤلف إنجيل يوحنا لعدم تصديق التلاميذ قيامة يسوع عندما قال: «لأنهم ~~لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من بين الأموات» (يوحنا، 20: 9). # والآن إذا لم يكن التلاميذ قد تلقوا من يسوع تعليما بخصوص موته في أورشليم ثم قيامته ~~في اليوم الثالث، فكيف تكونت هذه العقيدة وما هو أصلها؟ # للإجابة على هذا السؤال علينا أن نلفت النظر إلى أن مؤلفي الأناجيل الأربعة كانوا ذوي ~~خلفية ثقافية توراتية، وأن أحدا منهم لم ير يسوع أو يسمع منه، ms197 على ما يقول به المفسرون ~~غير الكنسيين من هنا فقد كانت المهمة المطروحة عليهم والتي وجدوا أنفسهم ملتزمين بها، هي أن ~~يفسروا لمستمعيهم ما وصلهم من سيرة يسوع بما يتفق والنبوءات التوراتية بخصوص المسيح القادم ~~المنتظر. وفي غمرة حماسهم وجدوا من المناسب أحيانا أن يضعوا على لسان يسوع أقوالا وأن ~~يبتكروا أحداثا من شأنها تفسير هذه الأقوال وإيجاد المناسبات الملائمة لها. وعلى الرغم من ~~أن المسيح الذي آمنوا به لم يكن يشبه في شيء المسيح اليهودي المنتظر، لأن مملكته على ما ~~صرح في المحاكمة ليست من هذا العالم (يوحنا، 18: 36)، إلا أنهم وجدوا ضالتهم في عدد من ~~المقاطع التوراتية، التي فسروها على أنها استباق رؤيوي لحياة يسوع ومصيره. # لقد كان في حوزة مؤلفي الأناجيل المتضلعين في الأسفار التوراتية مجموعة كبيرة من المقاطع ~~الكتابية، التي كان الاعتقاد في زمنهم سائدا بأنها نبوءات عن مسيح آخر الأزمنة، حاولوا من ~~خلالها رسم سيرة ليسوع تنطبق عليها هذه النبوءات، ولو على حساب ابتكار بعض الأقوال ~~المنسوبة إليه أو بعض الأحداث في سيرته. وإليكم فيما يلي قائمة بأهم النبوءات وكيف طبقها ~~الإنجيليون على حياة يسوع: ~~(1) # سيكون وارثا لعرش داود أبيه: ~~⋆ ~~«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا، ~~وتكون الرياسة على كتفيه، ويدعى اسمه عجيبا، مشيرا، أبا أبديا، رئيس السلام. ~~لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق ~~والبر من الآن إلى الأبد» (إشعيا، 9: 6-7). # ~~«لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة ~~عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيما وابن العلي ~~يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد» (لوقا، ~~1: 30-33). ~~(2) # يولد في بيت لحم: ~~⋆ ~~«أما أنت يا بيت لحم أفراته، وأنت صغيرة ~~أن تكوني في ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ ~~القديم منذ أيام الأزل» (ميخا، 5: 2). # ~~«وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست الصغرى ~~بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل» (متى، ms198 2: 6). ~~(3) # يولد من عذراء: ~~⋆ ~~«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها ~~العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل» (إشعيا، 7: 14). # ~~«يا يوسف بن داود، لا تخف أن تأخذ مريم ~~امرأتك؛ لأن الذي تحمله هو من الروح القدس ... وكان هذا كله ليتم ما قيل بالنبي ~~القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ... وتدعو اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله ~~معنا» (متى، 1: 20-23). ~~(4) # مذبحة الأطفال: ~~⋆ ~~«هكذا قال الرب : صوت سمع في الرامة ~~(قرية على مسافة 5 كم إلى الشمال من أورشليم)، نوح بكاء مر. راحيل (زوجة يعقوب ~~الثانية) تبكي على أولادها وتأبى أن تتعزي عن أولادها لأنهم ليسوا موجودين» ~~(إرميا، 31: 15). # ~~«حينئذ لما رأى هيرودوس أن المجوس ~~سخروا به غضب جدا، فأرسل وقتل جميع الصبيان في بيت لحم وفي كل تخومها ... ~~حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل: صوت سمع في الرامة ... إلخ» (متى، 2: ~~16-18). ~~(5) # الهروب إلى مصر والعودة: ~~⋆ ~~«لما كان إسرائيل غلاما أحببته، ومن ~~مصر دعوت ابني» (هوشع، 11: 1). # ~~«فقام (يوسف) وأخذ الصبي وأمه ليلا ~~وانصرف إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودوس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي ~~القائل: من مصر دعوت ابني» (متى، 2: 14-15). ~~(6) # يحل عليه روح الرب: ~~⋆ ~~«ويخرج قضيب من جذع يسي (= والد داود) ~~وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة ~~والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب» (إشعيا، 11: 1-2). # ~~«وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماوات ~~قد انشقت والروح مثل حمامة نازلا عليه» (مرقس، 1: 10). ~~(7) # نشاط يسوع في الجليل (= زبولون ونفتالي): ~~⋆ ~~«كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض ~~نفتالي، يكرم (الزمن) الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب السالك ~~في الظلمة أبصر نورا عظيما، الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور» (إشعيا، ~~9: 1-2). # ~~«ولما سمع يسوع أن يوحنا أسلم انصرف إلى ~~الجليل، وترك الناصرة وأتى فسكن في كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ~~ونفتالي، لكي يتم ما قيل بإشعيا النبي القائل: أرض زبولون وأرض نفتالي طريق البحر ~~عبر الأردن جليل الأمم ... إلخ» (متى، 4: 12-16). ~~(8) # رفض ms199 اليهود له: ~~⋆ ~~«تآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه ~~قائلين: لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما. الساكن في السماوات يضحك، الرب يستهزئ ~~بهم. حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه. أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون ~~جبل قدسي» (المزمور، 2: 1-6). «محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن. ~~وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به» (إشعيا، 53: 3-4). # ~~«وقال لهم: ألحق أقول لكم إنه ليس نبي ~~مقبولا في وطنه» (لوقا، 4: 22). «فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى ~~حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى ~~يطرحوه إلى أسفل. أما هو فجاز في وسطهم ومضى» (لوقا، 4: 29-30). «ولكن ينبغي أولا ~~أن يتألم ابن الإنسان ويرفض من هذا الجيل» (لوقا، 17: 25). «جاء إلى أهل بيته فما ~~قبله أهل بيته» (يوحنا، 1: 11). ~~(9) # الملك الوديع: ~~⋆ ~~«ابتهجي جدا يا ابنة صهيون، اهتفي يا ~~أورشليم. هو ذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور ووديع ... ويتكلم بالسلام للأمم» ~~(زكريا، 9: 9-10). # ~~«احملوا نيري عليكم وتعلموا مني ~~لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا الراحة لنفوسكم» (متى، 11: 28-29). ~~(10) # الملك يدخل أورشليم: ~~⋆ ~~«قولوا لابنة صهيون: هو ذا مخلصك آت، ~~ها أجرته معه وجزاؤه قدامه» (إشعيا، 62: 11) ... «هو ذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ~~ومنصور ووديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان» (زكريا، 9: 9). # ~~«ولما قربوا من أورشليم ووصلوا إلى بيت ~~فاجي عند جبل الزيتون، أرسل يسوع تلميذين قائلا لهما: اذهبا إلى القرية التي ~~أمامكما تجدان أتانا مربوطة وجحشا معها فحلاهما وأتياني بهما ... فكان هذا كله ~~لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعا وراكبا ~~على أتان وجحش ابن أتان» (متى، 21: 1-5). ~~(11) # خيانة يهوذا: ~~⋆ ~~«رجل سلامتي الذي وثقت به، الذي أكل ~~خبزي، رفع عقبه علي» (المزمور، 41: 9). # ~~«إن واحدا منكم يسلمني، الآكل معي» ~~(مرقس، 14: 18). ~~(12) # ثمن الخيانة ثلاثون من الفضة: ~~⋆ ~~«فأخذت عصاي وقصفتها لأنقض عهدي الذي ~~قطعته مع كل الأسباط، فنقض في ذلك اليوم ... فقلت لهم: إن حسن في أعينكم فأعطوني ~~أجرتي وإلا فامتنعوا. فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة ... ثم قصفت عصاي الأخرى حبالا ~~لأنقض ms200 الإخاء بين إسرائيل ويهوذا» (زكريا، 11: 10-14). # ~~«فذهب أحد الاثني عشر، وهو يهوذا ~~الإسخريوطي، إلى الأحبار وقال لهم: ماذا تعطوني لأسلمه إليكم؟ فجعلوا له ثلاثين ~~من الفضة. وأخذ منذ ذلك الحين يترصد فرصه ليسلمه» (متى، 26: 14-16). ~~(13) # شهود الزور في محاكمة يسوع: ~~⋆ ~~«علمني يا رب طريقك واهدني في سبيل ~~مستقيم بسبب أعدائي ... لأنه قد قام علي شهود زور ونافث ظلم، لولا أنني آمنت أن أرى ~~جود الرب في أرض الأحياء» (المزمور، 27: 11-13). «شهود زور يقومون وعما لا أعلم ~~يسألونني . يجازوني عن الخير شرا ثكلا لنفسي» (المزمور، 35: 11-12). # ~~«وكان الأحبار والمجلس كافة يطلبون شهادة زور على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا، مع أنه ~~مثل بين أيديهم من شهود الزور عدد كبير» (متى، 26: 59-60). «فقام بعضهم وشهدوا ~~عليه زورا، فقالوا: قد سمعناه يقول: سأنقض هذا الهيكل الذي صنعته الأيدي وأبني في ~~ثلاثة أيام هيكلا آخر لم تصنعه الأيدي» (مرقس، 14: 57-58). ~~(14) # صمت يسوع في المحكمة: ~~⋆ ~~«ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. ~~كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه» (إشعيا، 53: 7). ~~«وأما أنا فكأصم لا أسمع، وكأبكم لا يفتح فاه، وأكون مثل إنسان لا يسمع وليس في ~~فمه حجة» (المزمور، 38: 13-14). # ~~«فقام رئيس الكهنة، وقال: أما تجيب ~~بشيء؟ ماذا يشهد به هذان عليك؟ وأما يسوع فقد كان ساكتا» (متى، 26: 62-63). ~~«وبينما كان الأحبار والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء. فقال له بيلاطس: أما تسمع ~~كم يشهدون عليك؟ فلم يجبه عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جدا» (متى، 27: ~~12-14). ~~(15) # يبغض بلا سبب: ~~⋆ ~~«وأكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا ~~سبب» (المزمور، 69: 4). «تكلموا علي بلسان كذب، بكلام بغض أحاطوا بي وقاتلوني ~~بلا سبب. بدل محبتي يخاصمونني. وضعوا علي شرا بدل خير وبغضا بدل حبي» ~~(المزمور، 109: 2-5). # ~~«وأما الآن فقد أبغضوني أنا وأبي، لكي ~~تتم الكلمة المكتوبة في شريعتهم إنهم أبغضوني بلا سبب» (يوحنا، ~~15: 24-25). ~~(16) # يضرب ويبصق عليه: ~~⋆ ~~«بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، ~~وجهي لم أستر عن العار والبصق» (إشعيا، 50: 6). # ~~«فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ms201 ~~ويلكمونه ويقولون له تنبأ. وكان الخدام يلطمونه» (مرقس، 14: 65). «ولما قال هذا لطم ~~يسوع واحد من الخدام كان واقفا قائلا: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة» (يوحنا، ~~18: 22). «وضفر العسكر إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان، وكانوا ~~يقولون: السلام يا ملك اليهود، وكانوا يلطمونه» (يوحنا، 19: 2-3). ~~(17) # يتألم نيابة عن البشر: ~~⋆ ~~«لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها، ~~ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا، وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل ~~آثامنا ... والرب وضع عليه إثم جميعنا» (إشعيا، 53: 4-6). # ~~«بلغت إليكم قبل كل شيء ما تلقيته، ~~وهو أن المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، وأنه دفن وقام في اليوم الثالث ~~كما جاء في الكتب» (رسالة بولس الأولى إلى أهالي كورنثة، 15: 3-4). «إن يسوع سيموت ~~فدى الأمة. وليس فدى الأمة فحسب بل يموت ليجمع شمل أبناء الله» (يوحنا، 11: 51-52). ~~«فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم» (متى، 1: 21). ~~(18) # يتلقى الهزء والإهانة: ~~⋆ ~~«أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ~~ومحتقر من الشعب. كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه وينغصون الرأس ~~قائلين: اتكل على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به» (المزمور، 22: 6-8). # ~~«وكان المجتازون يجدفون عليه قائلين: إن ~~كنت ابن الله فانزل عن الصليب. وكذلك الأحبار يسخرون مثلهم ويقولون مع الكتبة ~~والشيوخ: اتكل على الله فلينقذه الآن إن كان راضيا عنه» (متى، ~~27: 39-43). ~~(19) # يصلب مع أثمة: ~~⋆ ~~«من أجل أنه سكب نفسه للموت وأحصي مع ~~أثمة، وهو حمل خطيئة كثيرين وشفع في المذنبين» (إشعيا، 53: 12). # ~~«وصلبوا معه لصين؛ واحدا عن يمينه ~~وآخر عن يساره. فتم الكتاب القائل: وأحصي مع أثمة» (مرقس، 15: 27-28). ~~(20) # يقدم له مرارة مع خل ليشرب: ~~⋆ ~~«العار قد كسر قلبي فمرضت. انتظرت رقة ~~فلم تكن ومعزين فلم أجد. ويجعلون في طعامي علقما وفي عطشي يسقونني خلا» ~~(المزمور، 69: 20-21). # ~~«بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل. ~~فلكي يتم الكتاب قال: أنا عشطان. وكان إناء موضوعا مملوءا خلا، فملئوا ~~إسفنجة من الخل ووضعوها على قضيب من نبات الزوفا وقدموها إلى ms202 فمه. فلما أخذ يسوع ~~الخل قال: قد كمل. ونكس رأسه وأسلم الروح» (يوحنا، 19: 28-30). ~~(21) # تثقب يداه وقدماه: ~~⋆ ~~«جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا ~~يدي ورجلي، أحصي كل عظامي» (المزمور، 22: 16). # ~~«أما توما فلم يكن معهم حين جاء يسوع. ~~فقال له التلاميذ: قد رأينا الرب. فقال لهم: إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع ~~إصبعي في أثر المسامير لا أومن» (يوحنا، 20: 24-25). ~~(22) # يطعن في جنبه: ~~⋆ ~~«ويكون في ذلك اليوم أني ألتمس هلاك كل ~~الأمم الآتين على أورشليم، وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة ~~والتضرعات، فينظرون إلي أنا الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له» (زكريا، ~~12: 10). «كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب. يحفظ جميع عظامه، واحد ~~منها لا ينكسر» (المزمور، 34: 19-20). # ~~«فجاء الجنود فكسروا سيقان الأول والآخر ~~اللذين صلبا معه، أما يسوع فلم يكسروا ساقيه لأنهم لما وصلوا إليه رأوه قد مات. ~~فطعنه أحد الجنود بحربة فخرج على إثرها دم وماء ... وحدث هذا لكي يتم الكتاب ~~القائل: عظم لا يكسر له. وجاء في كتاب آخر: سينظرون إلى الذي طعنوه» (يوحنا، ~~19: 33-37). ~~(23) # إلقاء القرعة على ثيابه: ~~⋆ ~~«جماعة من الأشرار اكتنفتني ... يقسمون ~~ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون» (المزمور، 22: 16-18). # ~~«ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين ~~عليها ماذا يأخذ كل واحد» (مرقس، 15: 24). «ليتم الكتاب القائل: اقتسموا ثيابي ~~بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة» (يوحنا، 19: 24). ~~(24) # يدفن مع غني عند موته: ~~⋆ ~~«ضرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع ~~الأشرار قبره ومع غني عند موته» (إشعيا، 53: 8-9). # ~~«ولما كان المساء جاء رجل غني من ~~الرامة اسمه يوسف، وكان هو أيضا تلميذا ليسوع، فتقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع ~~... فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في ~~الصخرة» (متى، 27: 57-60). ~~(25) # يقوم في اليوم الثالث: ~~⋆ ~~«لأنك لن تترك نفسي في الهاوية (= القبر ~~أو العالم الأسفل) لن تدع قدوسك يرى فسادا. تريني طريق الحياة» (المزمور، 16: ~~10-11). «إنما الله يفدي نفسي من يد الهاوية لأنه يأخذني» (المزمور، 49: 15). «هلم ~~نرجع إلى الرب، لأنه ms203 هو افترس فيشفينا، ضرب فيجبرنا، بعد يومين يحيينا، وفي ~~اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه» (هوشع، 6: 1-2). # ~~«قام يسوع صباح الأحد (اليوم الثالث ~~للصلب) فتراءى أولا لمريم المجدلية، تلك التي أخرج منها سبعة شياطين، فمضت وأخبرت ~~التلاميذ» (مرقس، 16: 9). ~~(26) # ابن الله: ~~⋆ ~~«إني أخبر (والكلام هنا للملك داود) من ~~جهة قضاء الرب، قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك» (المزمور، 2: 7). ~~«أنا (والكلام هنا ليهوه) أكون له (أي للملك سليمان) أبا، وهو يكون لي ابنا» ~~(صموئيل، 7: 14). # ~~«فرأى (يسوع) روح الله نازلا مثل حمامة ~~وآتيا عليه، وصوت من السماء قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى، ~~3: 16-17). # | في البدء كان الكلمة # أضواء على مقدمة إنجيل يوحنا # تتميز أقوال يسوع في الأناجيل الإزائية بأنها تدور حول الآب السماوي، وقرب حلول ملكوت ~~السماء والمتطلبات الأخلاقية لدخوله. وهذا يعني أن تعاليمه لم تكن تتمركز حول ذاته بل حول ~~الآب، وغالبا ما كان يصوغ تعاليمه على شكل أمثال أو أقوال قصيرة، وذلك استجابة لأسئلة ~~يوجهها إليه التلاميذ أو آخرون من الجمع الفضولي الذي كان يلتئم حوله، ونادرا ما كان يلجأ ~~إلى الخطب الطويلة المعدة بعناية مسبقا. أما خطبة الجبل الواردة في إنجيل متى: 5، ~~فإن الباحثين في العهد الجديد اليوم متفقون على أنها من ترتيب مؤلف الإنجيل، الذي جمع ~~أقولا أصلية ليسوع قيلت في مناسبات متفرقة، ثم رتبها في نص مطرد ما زالت علائم الخلل ~~واضحة فيه. فإذا انتقلنا إلى إنجيل يوحنا وجدنا أن تعاليم يسوع تأتي غالبا على شكل خطب ~~طويلة مفككة الأجزاء، وتتضمن أقوالا ذات طابع رمزي ومجازي، موضوعها الأساسي يسوع الابن ~~وعلاقته بالآب ودوره المرسوم في خطة الخلق. وغالبا ما كانت هذه الأقوال على درجة من ~~الصعوبة بحيث إن تلاميذه أنفسهم لم يقدروا على فهمها. فعندما قال في إحدى خطبه: «أنا الخبز ~~الحي الذي نزل من السماء، من يأكل هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه هو جسدي ~~الذي أبذله ليحيا العالم.» تذمر عليه اليهود وقالوا: «أليس هذا يسوع بن يوسف الذي نحن ~~عارفون ms204 بأبيه وأمه؟ فكيف يقول الآن إني نزلت من السماء؟ أما تلاميذه فقال كثير منهم: هذا ~~كلام عسير من يطيق سماعه» (يوحنا: 6). # إن صورة يسوع في إنجيل يوحنا هي من التركيب والتعقيد بحيث إن الإنجيل كان بحاجة إلى مقدمة ~~مكثفة ومختصرة إلى أبعد الحدود، من شأنها عون القارئ على فك شيفرات لا حصر لها مبثوثة في ~~ثناياه. وهذا ما أنجزه المؤلف في الآيات من 1 إلى 18 من الإصحاح الأول بأسلوب يوناني رفيع ~~ذي طابع فلسفي مغرق في التجريد. هذه المقدمة على اختصارها وإيجازها تحولت إلى حجر ~~الأساس الذي قام عليه فيما بعد البناء السامق للاهوت المسيحي. # لقد زودنا كل من الإنجيليين الأربعة بفاتحة لكتابه. وبينما اختار مرقس أن يبدأ إنجيله ~~بفاتحة تاريخية تتعلق بالظهور الأول ليسوع عندما جاء للاعتماد على يد يوحنا المعمدان، فإن ~~متى ولوقا اختارا فاتحة ملحمية تتعلق بالميلاد الإعجازي ليسوع وطفولته المبكرة. أما ~~يوحنا فإنه يحلق بنا في فاتحته إلى السماوات العلا لنواجه «الكلمة» (أو اللوغوس ~~باليونانية) التي كانت عند الله منذ البدء، والتي كانت وسيلته لخلق العالم قبل أن تتحد في ~~رحم مريم بجسد يسوع المسيح. وهي التي جلبت معها إلى العالم النور والنعمة والحق. وعلى الرغم ~~من أن «اللوغوس» في اللغة اليونانية يعني «الكلمة» إلا أنه بالمعنى الفلسفي يعني «العقل» ~~بالمفهوم الكوني الكلي. وبما أن الكلام عند الإنسان ينقسم إلى نوعين، نوع نفسي هو عبارة عن ~~تصورات ذهنية لا يجري التعبير عنها في الخارج بأصوات، ونوع خارجي يعبر عنه في الخارج باللفظ ~~والصوت، كذلك الحال فيما يتعلق بكلام الله الذي ينقسم إلى كلام نفسي هو اللوغوس باعتباره ~~صفة من صفات الله، وكلام خارجي هو اللوغوس باعتباره الصورة المعقولة التي هي نموذج للأشياء. ~~وعلى هذا يكون الله وكلامه شيئا واحدا، وهنالك وحدة في الهوية بين الطرفين على ما يبدو من ~~استقلالهما. وعلى حد تعبير يوحنا: # في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. # هذا في البدء كان عند الله. # به كان كل شيء، ms205 وبغيره لم يكن شيء مما كان. # فيه كانت الحياة، والحياة نور الناس. # والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لا تقوى عليه. # كان إنسان مرسل من لدن الله اسمه يوحنا (المعمدان). # هذا جاء شاهدا ليشهد للنور لكي يؤمن على يده جميع الناس. # لم يكن هو النور بل ليشهد للنور. # النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان كان آتيا إلى العالم. # كان في العالم، وبه كان العالم، ولم يعرفه العالم. # جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته. # أما الذين قبلوه فقد أولاهم سلطانا أن يصيروا أبناء الله. # وهم الذين ولدوا لا من دم، ولا من مشيئة جسد، # ولا من مشيئة رجل، بل من الله. # والكلمة صار جسدا وحل بيننا ، # فرأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا. نعمة وحقا. # يوحنا شهد له ونادي قائلا: هذا هو الذي قلت فيه إن الذي يأتي بعدي قد تقدمني لأنه كان ~~قبلي. ومن ملئه نلنا بأجمعنا نعمة على نعمة. لأن الشريعة أتتنا على يد موسى، وأما النعمة ~~والحق فقد بلغا إلينا على يد يسوع المسيح. # الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي حضن الأب هو الذي أخبر عنه. # هنالك مفهومان يتحكمان بهذه المقدمة الفخمة؛ المفهوم الأول هو «اللوغوس» والثاني هو ~~«التجسد». فاللوغوس الذي هو كلام الله موجود معه منذ الأزل. وعلى الرغم من أنه صدر عنه، إلا ~~أن هذا الصدور ليس زمانيا بمعنى أنه حدث في وقت معين، وإنما هو صدور وجودي يتضمن معنى ~~الاختلاف في المرتبة بين الاثنين. فالله هو الآب واللوغوس هو الابن المتولد عن الله. الله ~~هو المتكلم واللوغوس هو كلامه، وما الاثنان في المحصلة إلا هوية واحدة: «وكان الكلمة الله». ~~وعند الحد الفاصل بين السرمدية والزمن الدنيوي، لما قرر الله أن يخلق العالم، كان اللوغوس ~~أو الكلمة وسيلته إلى ذلك: «به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان». وفي لحظة معينة من ~~التاريخ الدنيوي هبط اللوغوس من عليائه وتجسد في رحم مريم إنسانا من لحم ودم: «والكلمة ~~صار جسدا وحل بيننا». ms206 ولكن العالم لم يعرفه، و: «جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته» من ~~اليهود، أما الذين قبلوه من الأمم: «فقد أولاهم سلطانا أن يصيروا أبناء الله» من خلال ~~المعمودية التي تهبهم الولادة الثانية. وهذه الولادة ليست: «من دم ولا من مشيئة جسد ولا ~~من مشيئة رجل، بل من الله». «لأن الشريعة أتتنا على يد موسى»، أما يسوع المسيح الذي حررنا ~~من الشريعة، فقد جاءنا: «بالنعمة والحق» وأخبرنا عن الله الذي: «لم يره أحد قط، ولكن الابن ~~الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه». وهذا الابن هو النور الذي قهر ظلام الجهل الذي ~~كان اليهود يعمهون به قبل مجيء يسوع، الجهل بالله الحق: «والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لا ~~تقوى عليه». # وفي الحقيقة، فإن مفهوم اللوغوس باعتباره صلة وصل بين الله والعالم والوسيط الذي به جرى ~~خلق هذا العالم، ليس من ابتكار مؤلف إنجيل يوحنا، بل له تاريخ شيق نستطيع متابعته في الفكر ~~التوراتي كما في الفكر الفلسفي اليوناني السابق على المسيحية. ففي كتاب التوراة يتحدث سفر ~~الأمثال وسفر الحكمة عن «الحكمة» التي خلقها الرب قبل كل شيء لتكون صلة وصل بينه وبين ~~العالم والوسيط الذي أوكلت إليه مهمة الخلق. نقرأ في سفر الأمثال: ~~«طوبى للإنسان الذي يجد الحكمة ... لأن تجارتها خير من تجارة الفضة وربحها خير من الذهب ~~الخالص ... هي شجرة الحياة لممسكها، والمتمسك بها مغبوط. الرب بالحكمة أسس الأرض، أثبت ~~السماوات بالفهم. بعلمه انشقت اللجج وتقطر السحاب ندى» (الأمثال، 3: 13-20). # وها هي تتحدث عن نفسها: ~~«الرب حازني أول طريقه، من قبل أعماله منذ القدم. منذ الأزل مسحت، منذ البدء ~~منذ أوائل الأرض. إذ لم يكن غمر أبدئت، إذ لم تكن ينابيع غزيرة المياه. من قبل ~~أن تقررت الجبال، قبل التلال أبدئت، إذ لم يكن قد صنع الأرض ولا البراري ولا أول ~~أعفار المسكونة. لما ثبت السماء كنت هناك أنا، لما رسم دائرة على وجه الغمر، لما ~~أثبت السحاب من فوق، لما تشددت ينابيع الغمر، لما وضع للبحر ms207 حده فلا تتعدى المياه ~~تخمه، لما رسم أسس الأرض، كنت عنده صانعا وكنت كل يوم لذته فرحة دائما قدامه، ~~فرحة في مسكونة أرضه، ولذاتي مع بني آدم.» (الأمثال، 8: 22-31) # ونقرأ في سفر الحكمة: ~~«إن الحكمة أسرع حركة من كل متحرك. وهي لطهارتها تلج وتنفذ في كل شيء. فإنها ~~بخار قوة الله وصدور مجد القدير الخالص. فلذلك لا يشوبها شائبة ولا يشوبها شيء نجس، ~~لأنها ضياء النور الأزلي مرآة عمل الله النقية وصورة جودته. تقدر على كل شيء وهي ~~واحدة، وتجدد كل شيء وهي ثابتة في ذاتها. وفي كل جيل تحل في النفوس القديسة ~~فتنشئ أحباء لله وأنبياء ... إنها أبهى من الشمس وأسمى من كل مركز للنجوم. وإذا ما ~~قيست بالنور تقدمت عليه.» (سفر الحكمة، 7: 24-27) # وهي محبوبة الرب وتسكن عنده: ~~«فإن في نسبها مجدا لأنها تحيا عند الله، ورب الجميع قد أحبها. فهي صاحبة ~~أسرار علم الله والمتخيرة لأعماله.» (سفر الحكمة، 8: 3-4) # ويتحدث سفر أخنوخ الثاني (أو أسرار أخنوخ)، وهو من الأسفار غير القانونية، عن الحكمة ~~كوكيل للخلق: ~~«وفي اليوم السادس أمرت حكمتي أن تخلق الإنسان من سبعة عناصر: فلحمه من تراب ~~الأرض، ودمه من الندى ومن الشمس، وعيناه من العمق السحيق للبحر، وعظامه من الصخور، ~~وفكره من حركة الملائكة ومن الغيوم، وشرايينه وشعره من عشب الأرض، وروحه من روحي ~~ومن الريح.» (أخنوخ الثاني، 30: 8) # 1 # فإذا جئنا إلى الفلسفة اليونانية التي كان مؤلف إنجيل يوحنا على معرفة جيدة بها، لوجدنا ~~أنها عالجت مفهوم اللوغوس منذ بداياتها المبكرة. فقد قال هيراقليطس صاحب فلسفة الجدل ~~والتغيرات: إن اللوغوس هو القانون الكوني الذي تجري على أساسه أنواع التغيرات في الوجود. ~~وقال الرواقيون: إنه القوة التي تسود الموجودات جميعا وتحفظها، والعلة المشتركة المقومة ~~لجميع الأشياء. وهذه القوة هي التي تربط بين جميع الأجزاء المنفصلة للوجود وتجمع بينها في ~~وحدة مترابطة. وفي العصر الهيلينستي قال فيلون الإسكندري: إن اللوغوس هو الأداة التي خلق ~~الله بواسطتها العالم، وهو الوسيط بين الله والعالم. وقالت الرسائل الهرمزية المعزوة ms208 لهرمز ~~المثلث العظمة # 2 # إن اللوغوس هو المبدأ الذي يجلب النظام إلى العالم، وهو ابن الله. # وقد كان لفيلون الإسكندري على ما يبدو الأثر الأقوى على فكر مؤلف إنجيل يوحنا، فهو ~~الأقرب إليه زمنيا، ونظرا لكونه يهوديا إسكندرانيا فقد شاعت أفكاره بين مثقفي ~~اليهود سواء في فلسطين أم في آسيا الصغرى وبقية المغتربات اليهودية في العالم اليوناني. كان ~~فيلون، المتوفى سنة 50م، مثقفا يونانيا أكثر منه مثقفا عبرانيا، فكان يأخذ معارفه ~~الدينية اليهودية عن التراجم اليونانية للأسفار التوراتية لا عن الأصول العبرية نفسها. ~~ولكنه في الوقت نفسه كان مؤمنا عميق التدين، كرس قسما كبيرا من فلسفته من أجل التوفيق ~~بين ما جاء في التوراة وبين الفلسفة اليونانية، معتمدا على التفسير الرمزي والمجازي للنص ~~المقدس، فكان بذلك أول من أسس لمنهج التأويل في الفكر الديني، وهو المنهج الذي اتبعه ~~بعد ذلك المفكرون الإسلاميون من علماء كلام وفلاسفة ومتصوفة، إضافة إلى مفكري الطوائف ~~الإسلامية التي يغلب عليها الطابع الفلسفي، والمفكرين الأفذاذ الذين كتبوا رسائل إخوان ~~الصفاء. # ينطلق فكر فيلون من تصوره لمفهوم الله. فالله هو اللا متناهي؛ ولذلك فإن عقل المتناهي غير ~~قادر على إدراكه، وكل ما نستطيع القول بشأنه يتخذ طابع السلب لا طابع الإيجاب. فهو ليس كذا ~~وكذا، بل هو ليس بكذا وليس بكذا. ونحن في النهاية لا نستطيع أن نثبت له من صفات إيجابية ~~إلا صفة الوجود. إننا نعرف أن الله موجود ولكننا لا نعرف مطلقا كيفية هذا الوجود. فهو ~~وجود بلا كيف. ولذلك فإن فيلون لا يثبت من أسماء الرب إلا اسما واحدا وهو الاسم الدال ~~على الوجود: يهوه # 3 ~~(راجع سفر الخروج، 3: 13-15). ولما كان المتناهي لا يتصل بالمتناهي فإن فعل الله ~~في العالم لا يتم إلا من خلال وسيط هو اللوغوس الذي يعبر الهوة الفاصلة بين الله وخلقه. ~~فاللوغوس هو باطن في الكون وهو علة الموجودات والقوة الحالة فيها والتي بها يتم كل تغير ~~وحركة في الوجود، وهو يجمع إلى نفسه كل القوى الإلهية. # وبما أن ms209 غاية الفلسفة عند فيلون هي تحقيق الخلاص للإنسان وذلك بتجاوزه لحالة المتناهي إلى ~~حالة اللا متناهي، فإن الطريق الذي يرسمه لتحقيق الخلاص هو التصوف الذي به تعرف نفسك، وتعرف ~~أن العالم زائل وفان ومتناه، ولا قيمة إطلاقا لأي شيء موجود فيه. عند ذلك تتجه إلى ~~معرفة الله حدسا وإلهاما والفناء عن نفسك فيه. # 4 # | مشكلة إنجيل يوحنا # وعودة إلى التلميذ المحبوب # يعتبر إنجيل يوحنا ظاهرة متفردة بين الأناجيل الأربعة. فهو يمتلك رؤية خاصة، وبنية ~~عامة، وتحقيبا زمنيا، وأسلوبا في أقوال يسوع، لا يوازيها شيء في الأناجيل الأخرى. كما ~~ويقدم لنا لاهوتا مختلفا عن لاهوت الأناجيل الإزائية. فرسالة يسوع في الأناجيل الإزائية ~~هي رسالة أخروية، تركز على قرب حلول ملكوت الله والمطالب الأخلاقية اللازمة لدخوله، عندما ~~ينتهي الزمن والتاريخ وينتزع الله العالم من سلطة الشيطان، ويرسل ابنه في قدومه الثاني ~~ديانا ينهي العالم القديم ويقيم على أنقاضه عالما جديدا يرثه المؤمنون. وقد ورد تعبير ~~ملكوت الله في الأناجيل الإزائية نحو ثمانين مرة، أما إنجيل يوحنا الذي لم يرد فيه هذا ~~التعبير إلا مرة واحدة، فإن طريقة تعامله معه توضح لنا مراميه اللاهوتية المختلفة: «ما من ~~أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا ولد من عل. فقال له نيقوديموس: كيف يسع الإنسان أن ~~يولد وهو شيخ؟ أيستطيع أن يدخل في بطن أمه ثانية ثم يولد؟ أجاب يسوع: الحق، الحق أقول لك: ~~ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا ولد وكان مولده من الماء والروح. فمولود الجسد ~~يكون جسدا ومولود الروح يكون روحا» (يوحنا، 3: 3-6). أي إن دخول الملكوت لا يكون في زمان ~~مقبل، بل هو متيسر هنا والآن إذا مات الإنسان عن نفسه وعاش في الله. فرسالة يسوع ليست ~~رسالة أخروية وإنما هي رسالة عرفان روحي يتحقق من خلال معرفة الابن الذي حمل الخلاص ~~للعالم بموته على الصليب. # يتميز إنجيل يوحنا بأسلوب أدبي يوناني رفيع المستوى، وتتخلله أفكار فلسفية تنتمي إلى ~~الأفلاطونية الوسيطة التي كان فيلون الإسكندري واحدا ms210 من أبرز ممثليها، إضافة إلى أفكار ~~غنوصية تشكل الأساس اللاهوتي الذي يقوم عليه هذا الإنجيل. وهذا ما دعا الباحثين في السابق ~~إلى اعتباره مصدرا للبحث عن يسوع اللاهوتي أكثر منه مصدرا للبحث عن يسوع التاريخي. ولكن ~~كثيرا من الباحثين في العهد الجديد اليوم يرون أن مؤلف إنجيل يوحنا قد زودنا بتفاصيل ~~صحيحة عن جغرافية وطبوغرافية فلسطين في أيام يسوع (لا سيما أورشليم) وعن العادات اليهودية ~~وطقوس الهيكل. الأمر الذي يرجح في رأيهم أن مؤلفه كان شاهد عيان على حياة يسوع، وأن ~~الأحداث التي يرويها تتمتع بقدر كبير من المصداقية. # إن أقدم الشذرات التي وصلتنا من إنجيل يوحنا ترجع إلى زمن ما بين عام 125 وعام 150م، كما ~~أن أقدم الإشارات إلى هذا الإنجيل قد جاءتنا من أواسط القرن الثاني الميلادي. وهذا يعني أن ~~الإنجيل قد دون قبل عام 125م. والرأي الغالب لدى الباحثين اليوم أنه قد دون بين عام ~~100 وعام 110م. # 1 # ولكن من هو مؤلفه؟ إن مقدمة الإنجيل تقول: «الإنجيل بحسب يوحنا». ولكن أي ~~يوحنا هو؟ # بعد وفاة بولس الرسول عام 63م، وهو الذي قدم لنا أول أدبيات مسيحية مدونة، لم يمارس أحد ~~تأثيرا كبيرا على العقيدة المسيحية يعادل التأثير الذي مارسه مؤلف إنجيل يوحنا. وهذا ما ~~دعا الكنيسة المبكرة إلى اعتباره واحدا من الاثني عشر، والمطابقة بينه وبين يوحنا بن زبدي ~~صياد السمك الذي كان مع أخيه يعقوب من التلاميذ المقربين إلى يسوع. فهو التلميذ الذي أحبه ~~يسوع، والذي أغفل الإنجيل ذكر اسمه، ولكنه أراد إفهامنا في الإصحاح الأخير بأنه كاتبه. أو ~~أن شهاداته كانت وراء تدوينه. # ولكن المشكلة التي يواجهها دارس إنجيل يوحنا، هي غياب أي إشارة في الإنجيل يمكن أن توحي ~~بالمطابقة بين يوحنا بن زبدي والتلميذ الذي أحبه يسوع. والمؤلف قد تجاهل تقريبا وجود ~~يوحنا وأخيه في حياة يسوع، ولم يأت على ذكرهما إلا مرة واحدة عندما أشار إليهما كابني ~~زبدي دون ذكر اسميهما (يوحنا، 21: 1-2). يضاف إلى ذلك أنه من المستبعد جدا، إن ms211 لم يكن من ~~المستحيل، أن يكون يوحنا صياد السمك المتواضع وغير المتعلم هو كاتب الإنجيل الرابع بأسلوبه ~~الأدبي الراقي وطابعه الفلسفي. وقد سبقنا سفر أعمال الرسل إلى الإقرار بعامية وسذاجة يوحنا ~~بن زبدي عندما وصفه مع بطرس بأنهما أميان. فبعد أن أجرى هذان التلميذان إحدى معجزات الشفاء ~~وقاما بعد ذلك يخطبان في الشعب، استدعاهما الكهنة وراحوا يستجوبونهما: «فلما رأوا مجاهرة ~~بطرس ويوحنا تعجبوا وقد عرفوهما أميين (أو عاميين في ترجمة أخرى) ولا علم عندهما. ~~ولكنهم عرفوا أنهما كانا قبلا من صحابة يسوع. وهم إلى ذلك يرون الرجل الذي شفي واقفا ~~قربهما، فلم يكن لديهم ما يجيبونهم عنه، فأمروهما بالانصراف من المجلس» (أعمال، 4: 13-15). ~~فهل هنالك يوحنا آخر يمكن أن يكون كاتب الإنجيل الرابع؟ وما هي علاقة هذا اليوحنا بالتلميذ ~~المحبوب؟ # لقد ورد في بعض الأخبار المتداولة لدى المسيحيين الأوائل، ومنها ما ورد عند إيرنايوس ~~أسقف ليون نحو عام 180م: أن يوحنا الرسول قد انتقل إلى مدينة إفسوس بآسيا الصغرى وعاش ~~عمرا مديدا هناك. وفي أواخر أيامه أقنعه البعض بأن يدون ذكرياته عن يسوع، فأنجز الإنجيل ~~الرابع. ولكن لا يوجد لدينا شواهد من القرن الأول الميلادي على أن يوحنا الرسول (ابن زبدي) ~~قد رحل إلى آسيا الصغرى، وكل ما لدينا من أخباره في العهد الجديد يعود إلى ما قبل عام 60م. ~~فقد ذكر لآخر مرة في سفر أعمال الرسل 8: 14 عندما ذهب مع بطرس من أجل التبشير في منطقة ~~السامرة، كما ذكره بولس في رسالته إلى أهالي غلاطية مع بطرس ويعقوب أخي الرب باعتبارهم ~~أعمدة كنيسة أورشليم (غلاطية، 2: 9) وذلك نحو عام 50م، كما أن سفر الأعمال يخبرنا عن مقتل ~~أخيه يعقوب على يد هيرود أغريبا الأول عام 41م (أعمال، 12: 1-2)، وذكرت أخبار متداولة أخرى ~~أن اليهود قد قتلوا يوحنا نفسه بعد ذلك بفترة وجيزة. # 2 # ومن الملفت للنظر أن أغناطيوس أسقف أنطاكية في رسالته المعروفة إلى أهالي إفسوس ~~عام 110م، قد خاطبهم بقوله: «يا أهل بولس»، مشيرا بذلك إلى إقامة بولس ms212 بينهم منذ عدة عقود ~~ورسالته الموجهة إليهم (الرسالة إلى أهالي إفسوس). ولو أن يوحنا الرسول كان مقيما في ~~إفسوس بين عام 100 و110م عندما أنجز إنجيله هناك، لما تردد أغناطيوس في ذكر ذلك، وكان ~~أحرى به أن يناديهم بيا أهل يوحنا الرسول؛ لأنهم كانوا أقرب عهدا إلى يوحنا منهم إلى بولس. # 3 # على أن شخصية مسيحية مهمة أخرى كانت نشطة في آسيا الصغرى خلال مطلع القرن الأول ~~الميلادي، يدعوها بابياس في كتابه الذي ظهر عام 144م بيوحنا الشيخ (أو يوحنا القس). وقد ~~التقى بابياس بيوحنا هذا قبل وفاة الأخير عام 130م، عندما كان يجمع مادة كتابه باحثا عن أي ~~شخص عرف أحد التلاميذ المباشرين ليسوع، عله يحصل من هؤلاء على شهادات مباشرة على أحداث ~~الإنجيل. ولكنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى أن يوحنا الشيخ هذا يمكن أن يكون هو نفسه ~~التلميذ المحبوب. # 4 # على أن شخصية يوحنا الشيخ ليست غائبة عن أسفار العهد الجديد، لأنه في اثنتين من الرسائل ~~الثلاث المعزوة إلى شخص اسمه يوحنا، نجد أن الكاتب قد قدم نفسه في البداية تحت لقب ~~«الشيخ» (رسالة يوحنا الثانية: 1؛ والرسالة الثالثة: 1). فهل كان يوحنا آسيا الصغرى المعروف ~~بالشيخ أيضا هو مؤلف رسائل يوحنا؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل له صلة بكتابة الإنجيل الرابع؟ ~~وما هي صلته بالتلميذ المحبوب؟ قبل التعامل مع هذه الأسئلة سوف نتوقف لنبحث في ثنايا ~~الإنجيل الرابع عن التلميذ المجهول الذي دعاه المؤلف بالتلميذ الذي أحبه يسوع دون أن ~~يفصح عن اسمه. أم هل لعله أفصح ولكن الباحثين حتى اليوم قد أغمضوا أعينهم عما هو تحت ~~أبصارهم، وذلك بتأثير الأفكار المسبقة المسيطرة؟ # هنالك ملاحظتان في غاية الوضوح تركهما لنا المسئول عن الصياغة النهائية للإنجيل، نستشف ~~منهما وجود شخصين مسئولين عن إنجاز هذا العمل، الأول هو التلميذ الحبيب الذي كان يملي ~~ذكرياته عن يسوع، والثاني هو الذي كان يدون هذه الذكريات ويعيد صياغتها بأسلوبه ومن خلال ~~فهمه وتفسيره للوقائع، بطريقة اختلطت معها الواقعة بالتفسير الذاتي للمدون. ms213 وإليكم هاتين ~~الملاحظتين: ~~(1) # عندما تلقى الجنود الأمر بكسر سيقان المصلوبين من أجل التعجيل بموتهم، ~~قاموا بكسر ساقي اللص الأول والثاني، وعندما وصلوا إلى يسوع وجدوه ميتا فطعنه ~~أحدهم بحربة في جنبه فخرج على الإثر دم وماء. وهنا يقول مؤلف الإنجيل: «يشهد ~~بذلك الذي رأى، وشهادته صحيحة ويعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا مثله» (19: 31-35). ~~ومن الواضح هنا أن المؤلف لا يقدم لنا شهادته الخاصة وإنما شهادة شخص ~~آخر. ~~(2) # يختم المؤلف إنجيله بالجملة التالية التي يعزو فيها إلى التلميذ الحبيب كل ~~ما دونه عن يسوع من شهادات، فيقول: «وهذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور ~~ويدونها.» ثم يميز المؤلف نفسه عن صاحب الشهادات ويتابع قائلا: «ونحن نعلم ~~أن شهادته حق» (21: 24). # ولنتابع الآن ظهورات هذا التلميذ من البداية إلى النهاية في سياق الأحداث، ونلاحظ كيف أن ~~مدون الإنجيل لم يشأ لنا أن نفترض بأن التلميذ الذي أحبه يسوع هو يوحنا بن زبدي، وأن كل ~~ما أورده بشأنه ينطبق على شخص مختلف تماما. ولسوف نعيد هنا ذكر بعض ما أوردناه في بحث ~~«الإنجيل السري ولغز التلميذ الحبيب»، متوسعين في الموضوع ومضيفين إليه عناصر ~~جديدة. ~~(1) # يظهر التلميذ الحبيب للمرة الأولى في رواية دعوة التلاميذ، حيث نجد اثنين من ~~أتباع يوحنا المعمدان وقد التحقا بيسوع وصارا أول أتباعه، وهما أندراوس أخو ~~بطرس وآخر لم يذكر لنا المؤلف اسمه: وفي الغد أيضا كان يوحنا واقفا هو واثنان ~~من تلاميذه، فنظر إلى يسوع ماشيا، فقال: هو ذا حمل الله. فسمعه التلميذان ~~يتكلم فتبعا يسوع. فالتفت يسوع ونظرهما يتبعانه، فقال لهما: ماذا تطلبان؟ ~~فقالا: رابي (الذي تفسيره يا معلم) أين تقيم؟ فقال لهما: تعالا وانظرا. فأتيا ~~ونظرا أين يقيم ومكثا عنده ذلك اليوم. وكانت الساعة نحو العاشرة (= الرابعة بعد ~~الظهر). وكان أندراوس أخو سمعان بطرس واحدا من الاثنين اللذين سمعا يوحنا ~~وتبعاه. فلقي عند الصباح أخاه سمعان، فقال له: وجدنا ماشيحا، أي المسيح. وجاء ~~به إلى يسوع. فنظر إليه يسوع وقال: أنت سمعان بن يونا، أنت تدعى صفا، الذي ms214 ~~تفسيره بطرس (1: 35-42). بعد ذلك يدعو يسوع تلميذين آخرين هما فيلبس ~~ونثنائيل، وبذلك يغدو عدد التلاميذ الأوائل الذين تبعوا يسوع خمسة، هم: أندراوس ~~وسمعان بطرس أخوه، وفيلبس ونثنائيل، والتلميذ المغفل الاسم. وعلى عكس رواية ~~دعوة التلاميذ لدى الإزائيين، فإن يعقوب ويوحنا ابني زبدي غائبان عن رواية ~~التلاميذ الأوائل عند يوحنا ولا ندري متى وأين التحقا به بعد ذلك. ~~(2) # لا يظهر هذا التلميذ المغفل الاسم بعد ذلك في إنجيل يوحنا إلا خلال الأسبوع ~~الأخير من حياة يسوع، وبعد أن أضاف إليه المؤلف لقب «التلميذ الذي أحبه ~~يسوع». وبما أن مؤلف الإنجيل قد أشار في إصحاحه الأخير إلى أن شهادات تلميذ ~~مغفل الاسم تكمن وراء إنجاز إنجيله الذي تلقاه المسيحيون الأوائل تحت عنوان ~~«الإنجيل بحسب يوحنا»، فقد شاع منذ البداية أن مؤلف هذا الإنجيل هو يوحنا ~~الرسول أخو يعقوب. هذه الفكرة المسيطرة قد حجبت عن الجميع حقيقة في غاية ~~الوضوح، وهي أن التلميذ الوحيد الذي أكن له يسوع حبا خاصا هو لعازر من ~~بيت عنيا أخو مريم ومرتا. وقصة إحياء لعازر التي يظهر فيها التلميذ المغفل ~~الاسم للمرة الثانية، ولكن باسمه الصريح هذه المرة، تثبت صحة ما نذهب إليه: ~~«وكان إنسانا مريضا وهو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم وأختها مرتا. ومريم ~~هي التي دهنت الرب بالطيب ومسحت قدميه بشعرها، وكان لعازر المريض أخاها. فأرسلت ~~الأختان إلى يسوع تقولان: يا سيد هو ذا الذي تحبه مريض ... وكان يسوع يحب مرتا ~~وأختها ولعازر، على أنه لبث في مكانه يومين بعدما عرف أنه مريض» (يوحنا، 11: ~~1-6). نلاحظ في هذا المقطع أن المؤلف أكد مرتين على حب يسوع للعازر، فالأختان ~~قالتا له: «الذي تحبه مريض»، وقال المؤلف: «وكان يسوع يحب مرتا وأختها ولعازر». ~~وفيما يلي من هذه القصة هناك توكيدات أخرى على هذه المحبة التي جمعت بين ~~الطرفين. فبعد يومين من تلقيه الخبر قال يسوع لتلاميذه: «لعازر حبيبنا قد ~~نام، لكني أذهب لكي أوقظه» (11: 11). وعندما وصل إلى بيت عنيا واستقبلته مريم ~~وهي تبكي ويبكي ms215 معها من تبعها من المعزين «بكى يسوع. فقال اليهود: انظروا ~~كيف كان يحبه» (11: 35-36). وفي إنجيل مرقس السري (راجع بحثنا السابق: إنجيل ~~مرقس السري ولغز التلميذ المحبوب) نجد يسوع وقد اختلى بالتلميذ الحبيب بعد ~~إحيائه الليل بطوله وهو «يعلمه أسرار ملكوت الله»، أي أنه كان يفضي إليه ~~بتعاليم خاصة كانت وقفا على المقربين منه. # هذا الظهور الثاني للتلميذ المحبوب في آخر حياة يسوع التبشيرية، لا يعني أن ~~يسوع لم يجتمع به منذ الظهور الأول في رواية دعوة التلاميذ. وسوف نرى لاحقا ~~كيف أن يسوع خلال إقامته الطويلة في أورشليم والتي سبقت الفصح الأخير وأسبوع ~~الآلام، كان في كل يوم ولمدة ثلاثة أشهر يترك أورشليم حيث كان يعلم في النهار، ~~ويتوجه إلى بيت عنيا في جبل الزيتون لقضاء الليل هناك. وقد حفظت لنا الأناجيل ~~الإزائية التي أغفلت ذكر التلميذ المحبوب أثرا من هذه العلاقة المميزة التي ~~جمعت بين يسوع وأسرة بيت عنيا: «وبينما هم سائرون دخل قرية فأضافته امرأة اسمها ~~مرتا، وكان لها أخت تدعى مريم جلست عند قدمي يسوع تستمع إلى كلامه. وكانت ~~مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الضيافة فأقبلت وقالت: يا رب، أما تبالي أن تتركني ~~أختي أخدم وحدي؟ فقل لها أن تعينني. فأجاب يسوع وقال لها ... إلخ» (لوقا، ~~10: 38-42). ~~(3) # في زيارته الأخيرة لأورشليم، وصل يسوع قادما من الجليل قبل الفصح بستة أيام ~~وتوقف في بيت عنيا؛ حيث بات ليلته هناك. فأعدت له الأسرة عشاء، «وأخذت ~~مرتا تخدم، أما لعازر فكان في جملة المتكئين معه. فأخذت منا من طيب ناردين ~~خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ثم مسحتهما بشعرها، فعبق البيت بالطيب ... ~~إلخ» (يوحنا، 12: 1-8). ~~(4) # ويبدو أنه كان للعازر دور مهم في الترتيبات التي أعدها يسوع لدخوله ~~أورشليم. والشهادة هنا تأتينا من إنجيل لوقا: «وإذا قرب من بيت فاحي وبيت ~~عنيا عند الجبل الذي يدعى جبل الزيتون، أرسل اثنين من تلاميذه قائلا: اذهبا ~~إلى القرية التي أمامكما، وحين تدخلانها تجدان جحشا مربوطا لم يركبه أحد من ~~الناس قط، فحلاه ms216 وأتيا به. وإن سألكما أحد لماذا تحلانه فقولا له إن ~~السيد محتاج إليه ... فأتيا به إلى يسوع وطرحا ثيابهما على الجحش وأركبا يسوع ~~...» (لوقا، 19: 28-36). من الواضح هنا أن يسوع قد عهد إلى شخص من بيت عنيا ~~مهمة تأمين الجحش الذي سيركب عليه وهو داخل إلى أورشليم، وهذا الشخص ليس سوى ~~لعازر الذي يثق به يسوع، وقد أعطاه كلمة السر التي سيقولها من يأتي لاستلام ~~الجحش، وهي: «الرب محتاج إليه». ~~(5) # خلال الأيام الخمسة الأخيرة التي قضاها يسوع في أورشليم قبل القبض عليه كان ~~ينسحب من المدينة في المساء ليبيت في بيت عنيا. نقرأ في إنجيل مرقس: «فدخل يسوع ~~أورشليم والهيكل، وتفقد كل شيء فيه. وكان الوقت قد أمسى فخرج إلى بيت عنيا ~~مع الاثني عشر» (مرقس، 11: 11). وفي إنجيل متى: «ثم تركهم وخرج من المدينة ~~إلى بيت عنيا فبات فيها. وبينما هو راجع إلى المدينة صباحا ... إلخ» (متى، 21: ~~17-18). ومن المؤكد هنا أن يسوع كان يبيت في دار لعازر وأختيه لا في أي مكان ~~آخر. ~~(6) # بعد أن أفصح مؤلف إنجيل يوحنا عن اسم التلميذ الآخر الذي أغفل ذكر اسمه في ~~رواية دعوة التلاميذ، وعرفنا أنه لعازر الذي أحبه يسوع، يعود إلى ذكره في قصة ~~العشاء الأخير تحت لقب «التلميذ الذي أحبه يسوع». فأثناء العشاء قال يسوع ~~لتلاميذه: «الحق، الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني. فكان التلاميذ ينظرون ~~إلى بعضهم بعضا وهم محتارون فيمن قال عنه. وكان أحد التلاميذ متكئا على حضن ~~يسوع وهو الذي كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون ~~الذي قال عنه. فاتكأ على صدر يسوع، وقال له: يا سيد من هو؟ أجاب يسوع: هو ذاك ~~الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه» (يوحنا، 13: 21-26). # ويبدو أن هذا الاجتماع للعشاء الأخير قد حدث في بيت بأورشليم يملكه التلميذ ~~الغني لعازر، وأن يسوع قد أوكل إليه أمر ترتيب هذا العشاء بسرية تامة كي لا ~~يعرف اليهود مكانه. هذه الترتيبات السرية يتحدث عنها إنجيل مرقس حيث ms217 نقرأ: ~~«فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما: اذهبا إلى المدينة فيلاقيكما إنسان حامل ~~جرة ماء فاتبعاه، وحيثما يدخل فقولا لرب البيت: إن المعلم يقول أين غرفتي التي ~~آكل فيها عشاء الفصح مع تلاميذي؟ فيريكما في أعلى البيت غرفة واسعة مفروشة، ~~فهيئاه لنا هناك» (مرقس، 14: 12-15). يتضح لنا من قول يسوع للتلميذين: ~~«فيريكما في أعلى البيت غرفة ... إلخ»، أن يسوع قد رتب مسبقا للعشاء، وتفقد ~~المنزل الذي اختاره للعشاء واتفق مع صاحبه بخصوص الموضع الذي سيتم فيه ~~الاجتماع. # ولعل مما يؤكد لنا أن العشاء قد حصل في بيت لعازر، هو جلوسه إلى جانب يسوع في ~~صدر المائدة كما يجلس المضيف إلى جانب ضيفه الرئيس. كما تفصح جلسة لعازر وهو ~~يتكئ بمرفقه على ساق يسوع المطوية تحته، عن مدى قربه من معلمه وغياب الرسميات ~~في العلاقة بينهما. من هنا فقد كان الأجرأ على طرح أسئلة لا يجرؤ الآخرون على ~~طرحها. وهذا ما حفز بطرس وهو رئيس الاثني عشر على الإيماء له لكي يسأل يسوع ~~عن هوية الخائن. فقام لعازر بحركة تدل ثانية على دفء العلاقة بينهما عندما اتكأ ~~على صدر يسوع وهو يوجه السؤال إليه. # ولكي نأخذ فكرة واقعية عن مشهد العشاء الأخير، يجب أن ننسى لوحات عصر ~~النهضة الأوروبية التي تصور يسوع والاثني عشر جالسين على كراسي إلى طاولة ~~مستطيلة عليها عدد من الصحفات الحاوية على أطعمة متنوعة يسكب منها في صحون ~~إفرادية، ونتصور بدلا من ذلك جلسة على الأرض حيث يتربع التلاميذ حول غطاء ~~مفروش أو طبلية قليلة الارتفاع عليها صحفة واحدة أو اثنتان يغمس فيها الجلوس ~~بقطع صغيرة من الخبز المرقوق دون ملاعق أو شوكات وسكاكين. وهذا ما يدل عليه ~~جواب يسوع عندما قال: «هو ذاك الذي أغمس اللقمة وأعطيه.» وفي إنجيل مرقس: «هو ~~واحد من الاثني عشر، الذي يغمس معي في الصحفة» (مرقس: 14-20). ~~(7) # في قصة القبض على يسوع وسوقه إلى دار رئيس الكهنة من أجل استجوابه، يعود ~~مؤلف الإنجيل إلى استخدام لقب «التلميذ الآخر» الذي استخدمه في ms218 مطلع الإنجيل ~~بدلا من لقب التلميذ الذي أحبه يسوع. فقد تفرق التلاميذ بعد القبض على يسوع ~~مثل خراف ضرب راعيها، ولم يتبعه إلى دار رئيس الكهنة إلا اثنان: «وكان سمعان ~~بطرس والتلميذ الآخر يتبعان يسوع. وكان ذلك التلميذ معروفا عند رئيس الكهنة ~~فدخل مع يسوع إلى دار رئيس الكهنة، وأما بطرس فكان واقفا عند الباب خارجا. ~~فخرج التلميذ الآخر الذي كان معروفا عند رئيس الكهنة وكلم (الجارية) البوابة ~~فأدخل بطرس» (يوحنا، 18: 15-16). فمن من بين تلاميذ يسوع «كان معروفا عند رئيس ~~الكهنة» على حد قول المؤلف، ويملك حق إدخال من شاء إلى بيته؟ هل هو يوحنا ~~بن زبدي صياد السمك المتواضع من الجليل، أم لعازر الأورشليمي ابن الأسرة الغنية ~~التي تقيم في ضاحية بيت عنيا ولها بيت آخر في أورشليم؟ # ويبدو أن صداقة لعازر الشاب مع رئيس الكهنة لم تكن صداقة شخصية، وإنما صداقة ~~عائلية تقليدية ورثها لعازر عن أبيه الذي كان رئيس الكهنة يحمل له مودة شخصية ~~قبل وفاته، ثم تابع بعد ذلك اهتمامه بلعازر وأختيه وفاء لذكرى والدهم. وقد ~~كشفنا سابقا عن شخصية أبي لعازر باعتباره سمعان الأبرص من بيت عنيا، والذي ~~جرت في بيته بعد وفاته قصة قيام امرأة بسكب زجاجة عطر على يسوع (راجع مرقس، ~~14: 3-9؛ ومتى، 26: 6-13؛ ويوحنا، 12: 1-8)، وذلك في بحثنا «لغز مريم ~~المجدلية»، فليراجع في موضعه. ~~(8) # وقد سمح القائمون على عملية الصلب للتلميذ الحبيب ومعه أم يسوع وامرأتان من ~~التلاميذ بالوقوف تحت صليب يسوع، أما الباقون فكانوا ينظرون من بعيد: «فلما رأى ~~يسوع أمه وإلى جانبها التلميذ الذي كان يحبه قال لأمه: يا امرأة هو ذا ابنك، ~~ثم قال للتلميذ: هو ذا أمك. فأخذها التلميذ إلى بيته من تلك الساعة» (يوحنا، ~~19: 25-27). هذا التلميذ الذي أخذ أم يسوع إلى بيته، لا يمكن أن يكون إلا ~~لعازر، لأنه الوحيد بين تلاميذ يسوع الذي يملك بيتا في ضواحي المدينة، وربما ~~بيتا آخر في أورشليم نفسها على ما استنتجنا أعلاه. ~~(9) # عندما طعن يسوع بحربة في جنبه ms219 فظهر على إثرها دم وماء، يقول مؤلف الإنجيل: ~~«يشهد بذلك الذي رأى، وشهادته صحيحة، ويعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا مثله» (يوحنا، ~~19: 35). والمقصود ب «الذي رأى» في هذا الخبر هو التلميذ الحبيب لأنه الوحيد من ~~بين التلاميذ الذي كان حاضرا واقعة الصلب وعاينها عن قرب. ~~(10) # في قصة ظهور يسوع للمجدلية بعد قيامته، يستخدم المؤلف لقب «التلميذ الآخر» ~~مضافا إليه لقب «الذي أحبه يسوع». فعندما جاءت المجدلية لتتفقد القبر ~~فوجدته فارغا وقد أزيح الحجر عن مدخله: «ركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى ~~التلميذ الآخر الذي أحبه يسوع وقالت لهما: أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم ~~أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر، وكان الاثنان يركضان ~~معا فسبق التلميذ الآخر بطرس، وجاء إلى القبر فانحنى فنظر الأكفان موضوعة ~~ولكنه لم يدخل، ثم جاء بطرس يتبعه ودخل القبر ... فحينئذ دخل التلميذ الآخر الذي ~~جاء أولا ورأى فآمن» (يوحنا، 20: 1-10). ~~(11) # في آخر ظهور ليسوع بعد قيامته، وفق إنجيل يوحنا، يرد ذكر التلميذ الآخر ~~أو الذي أحبه يسوع ثلاث مرات في المرة الأولى نفهم أنه واحد من اثنين لم يذكر ~~المؤلف اسميهما: «بعد هذا أظهر يسوع نفسه للتلاميذ على بحيرة طبرية. ظهر هكذا: ~~كان سمعان بطرس، وتوما الذي يقال له التوءم، ونثنائيل الذي من قانا الجليل، ~~وابنا زبدي (= يوحنا، ويعقوب)، واثنان آخران من تلاميذه مع بعضهما» (يوحنا، 21: ~~1-2). لمعرفة هوية التلميذين اللذين لم يذكر المؤلف اسميهما، علينا أن نرجع ~~إلى رواية دعوة التلاميذ، إلى أول تلميذين استجابا ليسوع؛ أحدهما ذكر لنا ~~المؤلف اسمه على أنه أندراوس أخو سمعان بطرس، والثاني ترك اسمه مغفلا ~~ودعاه فيما بعد التلميذ الآخر، أو الذي أحبه يسوع، أو باللقبين معا: «وفي ~~الغد أيضا كان يوحنا واقفا هو واثنان من تلاميذه. فنظر إلى يسوع ماشيا، ~~فقال: هو ذا حمل الله. فسمعه التلميذان يتكلم فتبعا يسوع ... وكان أندراوس أخو ~~سمعان بطرس واحدا من الاثنين اللذين سمعا يوحنا وتبعاه» (يوحنا، ~~1: 35-40). وبالطريقة نفسها فإن المؤلف في قصة الظهور الأخير يغفل اسم أندراوس، ms220 ~~وفي المشهد التالي يفصح عن هوية الثاني باعتباره التلميذ المحبوب. وفي كلتا ~~الحالتين فإن التلميذين المقصودين هما أندراوس ولعازر، أما يوحنا بن زبدي فقد ~~أشار المؤلف إلى وجوده مع أخيه يعقوب عندما أشار إلى وجودهما معا كابني زبدي ~~دون ذكر اسميهما، وبالتالي فإن التلميذ المحبوب لا يمكن أن يكون يوحنا بن ~~زبدي. # ثم إن بطرس قال لزملائه: أنا ذاهب لأتصيد. فقالوا له: نذهب نحن أيضا معك. فدخلوا ~~السفينة وألقوا بشباكهم ولكنهم لم يمسكوا شيئا. فلما طلع الصباح وقف يسوع على الشاطئ ~~ولكن التلاميذ لم يعرفوه. فقال لهم: أيها الفتيان، أعندكم شيء يؤكل؟ أجابوه: لا. فقال لهم: ~~ألقوا الشبكة إلى يمين السفينة تجدوا. فألقوا ولم يقدروا على سحبها من كثرة السمك. عند ذلك: ~~«قال التلميذ الذي كان يسوع يحبه لبطرس: هو الرب. فلما سمع بطرس أنه الرب ائتزر بثوبه لأنه ~~كان عريانا وألقى نفسه في البحر.» ولما وصلوا إلى الشاطئ، وكانوا قريبين منه نحو مائتي ~~ذراع، قال لهم يسوع: هلموا إلى الطعام ثم أكل معهم. وبعد الطعام قال يسوع لبطرس: «يا ~~سمعان بن يونا، أتحبني أكثر من هؤلاء؟ فأجابه: نعم يا رب. أنت تعرف أني أحبك. فقال له: ~~ارع غنمي ... ثم قال له اتبعني. فالتفت بطرس فرأى التلميذ الذي كان يسوع يحبه يسير خلفهما، ~~ذاك الذي اتكأ على صدر يسوع وقت العشاء وقال: يا سيد من هو الذي يسلمك؟ فلما رآه بطرس قال ~~ليسوع: وهذا ما هو مصيره؟ فأجابه يسوع: لو شئت أن يبقى إلى أن أعود فماذا يعنيك؟ فشاع بين ~~الإخوة أن هذا التلميذ لا يموت، مع أن يسوع لم يقل لبطرس أنه لا يموت، بل قال له: لو شئت ~~أن يبقى إلى أن أعود فماذا يعنيك، وهذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور ويدونها، ونحن ~~نعلم أن شهادته صادقة» (يوحنا: 21). ~~(1) التلميذ الذي لا يموت # وصناعة الإنجيل الرابع # إن الجملة التي قالها مؤلف الإنجيل في سطوره الأخيرة: «فشاع بين الإخوة أن هذا ~~التلميذ لا يموت» لذات أهمية في استقصائنا هذا. ms221 فهذا التلميذ قد عاش حياة مديدة، ~~وأدرك مطلع القرن الثاني الميلادي، وفق ما نقله إلينا مصدر مسيحي موثوق وهو بوليكراتيس ~~أسقف إفسوس، في رسالة له موجهة إلى أسقف روما في أواخر القرن الثاني الميلادي، لم ~~تصلنا ولكنها وردت مقتبسة من قبل أوزيب القيساري في كتابه «التاريخ الكنسي». وقد ~~أمضى هذا التلميذ وفق بوليكراتيس العقود الأخيرة من حياته في مدينة إفسوس اليونانية ~~بآسيا الصغرى ودفن فيها بعد موته. وفي سنيه الأخيرة أقنعه داعية مسيحي كان ناشطا في ~~مطلع القرن الثاني يدعى يوحنا الشيخ (أو القس) بأن يملي عليه ذكرياته باعتباره آخر ~~تلاميذ يسوع الأحياء والشاهد المتبقي على أحداث الإنجيل. # 5 # وهكذا ظهر الإنجيل الرابع الذي جاء نتيجة لتلاقي ذكريات التلميذ الحبيب ~~وأسلوب يوحنا الشيخ في صياغتها وطريقة فهمه لما سمعه من أحداث وأقوال. ولكن بوليكراتيس ~~يدعو هذا التلميذ يوحنا، وذلك انسجاما مع الفكرة المسيطرة آنذاك بأن مؤلف الإنجيل ~~الرابع هو يوحنا بن زبدي، ولكننا ندعوه لعازر وأثبتنا وجهة نظرنا بالقرائن. # كان التلميذ الحبيب يملي ذكرياته على يوحنا الشيخ بعد مضي نحو 65 عاما على ~~الأحداث المروية. ولهذا يجب أن نتوقع أنه عانى بعض الصعوبة وعدم اليقين التام في تذكر ~~وقائع معينة وفي التحديد الدقيق للأزمنة والأمكنة. ومع ذلك فقد أبدى في سرده معرفة ~~صحيحة بطبوغرافية أورشليم وفلسطين لا تجدها عند غيره، وأورد لنا أحداثا مهمة لم ترد ~~في بقية الأناجيل، وأتى على ذكر شخصيات ذات شأن لم يتعرض لها الآخرون. والأهم من ذلك ~~أنه كان يتحدث في كثير من الأحيان كشاهد عيان على ما يروي، وأنه أوصل إلى يوحنا الشيخ ~~الكثير من التعاليم السرية التي كان يسوع يبيحها للحلقة الداخلية الضيقة من تلاميذه. ~~وهذا هو السبب في احتواء الإنجيل الرابع على ملامح عامة من هذه التعاليم التي توضحت ~~فيما بعد بشكل أكثر دقة في فكر مرقيون مؤسس الكنيسة البديلة (راجع بحثنا السابق عن ~~مرقيون). وفي الحقيقة فإن هنالك ما يشير إلى صلة غامضة بين التلميذ الحبيب ومرقيون. ~~وبعض الموروثات المسيحية تقول: ms222 إن مرقيون كان المبادر إلى الاتصال بالتلميذ الحبيب، ~~وأنه أخذ بالفعل بتدوين ذكرياته عن يسوع قبل أن يختلف الاثنان، ويقرر التلميذ إيقاف ~~تعاونه معه وقبول يوحنا الشيخ بدلا عنه. # 6 # هذا التلميذ الذي نقل إلينا تعاليم يسوع السرية، كان واحدا من القلة التي اطلعت على ~~الأسرار بعد المرور بطقس استسراري عظيم كان يسوع يقوده من أجل المختارين من تلاميذه، ~~وهو طقس الموت الرمزي الذي يليه الانبعاث إلى حياة لا ترى الموت، طقس موت التلميذ عن ~~نفسه ثم الحياة الأبدية في يسوع المسيح. وقد كان تلاميذ يسوع تواقين إلى ممارسة هذا ~~الطقس، ولهذا قال توما لزملائه عندما قال لهم يسوع بأن لعازر قد مات: «لنذهب نحن أيضا ~~ونمت معه» وهذا ما سوف نبسطه في البحث المقبل عن: «طقوس الاستسرار ولغز إحياء ~~لعازر». # على أن السؤال المحير الذي قد لا نستطيع إيجاد جواب شاف عليه هو: لماذا تجاهلت ~~الأناجيل الإزائية وجود التلميذ الحبيب على الرغم من دوره البارز في إنجيل يوحنا، ~~لا سيما إنجيل مرقس الذي كان المصدر الرئيس للإنجيلين الآخرين؟ فمرقس كان مقربا ~~من بطرس وعلى يديه تتلمذ وسمع من فمه أخبار يسوع وأقواله، حتى إنه كان يدعوه ابني مرقس ~~(رسالة بطرس الأولى، 5: 13). وعندما هرب بطرس من السجن لم يجد مكانا آمنا يلجأ إليه ~~سوى بيت مريم أم مرقس (أعمال، 12: 12-17). وقد رافق مرقس بطرس في بعض رحلاته. ويؤكد ~~الموروث المسيحي على أن مرقس كان مترجما لبطرس وأنه كتب إنجيله بإشرافه وتوجيهه. فكيف ~~لم يرو له عن أحداث الأسبوع الأخير من حياة يسوع الواردة في إنجيل يوحنا، حيث نجد بطرس ~~والتلميذ الحبيب معا في أربعة مواقف مهمة. فهو الذي أومأ للتلميذ الحبيب أثناء العشاء ~~الأخير ليسأل يسوع عن هوية الخائن. وبعد القبض على يسوع تبعه الاثنان معا إلى بيت ~~الكاهن الأعلى حيث توسط له التلميذ بالدخول. وإليهما جاءت مريم المجدلية تخبرهما ~~بفقدان جثمان يسوع من القبر، فركضا معا وسبقه التلميذ الآخر إليه. وفي آخر ظهور ليسوع ~~بعد قيامته يسأله بطرس عن ms223 الدور الذي سيلعبه التلميذ في المستقبل. فهل كان التلاميذ ~~وعلى رأسهم بطرس يغارون من محبة يسوع للعازر وتفضيله عليهم؟ وهل كانت هذه الغيرة وراء ~~تعمية بطرس على شخصية التلميذ الحبيب وإسقاطه له من روايته؟ أسئلة تبقى مفتوحة على ~~المجهول. # | طقوس الاستسرار # ولغز إحياء لعازر ~~«الأسرار» أو # Mysteria # باللغة اليونانية، ~~و # Mysteries # بالإنكليزية، هي العبادات السرية التي تمارس ~~طقوسها في الخفاء. وهي تختلف عن العبادات التقليدية الظاهرية، سواء في ممارساتها الشعائرية، ~~أم في مفاهيمها اللاهوتية التي لا تكشف إلا للمريدين الذين تم قبولهم فيها وتعديتهم إلى ~~أسرارها بعد المرور بالطقوس الإدخالية، أو طقوس الاستسرار ~~(Initiation ~~=) ~~. وهذه الطقوس هي التي تعبر بالمريد إلى الحلقة الداخلية للعارفين ~~بالألوهة المعبودة، وذلك على عدة مراحل ترتقي بالمنتسب الجديد تدريجيا، وعبر فترات زمنية ~~تطول أو تقصر تبعا لاستعداده الروحي، حتى تصل به إلى الدرجة العليا التي تكتمل عندها ~~معارفه ويغدو حكيما. وعلى المنتسب بعد عبوره إلى أسرار العبادة ألا يبوح بمعارفه التي ~~اكتسبها لمن هم من خارج أو لمن هم دونه في المرتبة. ومثل هذا الارتقاء عبر درجات المعرفة ~~ما زال معمولا به لدى الجماعات السرية الحديثة مثل الماسونية والصليب الوردي. # وعلى الرغم من قدم عبادات الأسرار، إلا أنها لم تبلغ أوج قوتها وازدهارها إلا في القرن ~~الأول الميلادي حيث شاعت في جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية، ومنها أسرار ديمتر المعروفة ~~بأسرار إيليوسيس، وأسرار ديونيسيوس، وإيزيس، وسيرابيس، وميترا. وكانت بعض هذه العبادات تحظى ~~بتعاطف شعبي واسع، مثل أسرار إيليوسيس التي كان جمهور كبير من اليونانيين غير المنتسبين ~~يشاركون في الجزء الظاهري من احتفالاتها الدورية. كما كانت تحظى أحيانا بتأييد إمبراطوري ~~عندما كان بعض الأباطرة يميلون إلى واحدة من هذه العبادات أو تلك. # ونظرا للطابع السري لطقوس الأسرار، فإن أحدا لم يعطنا صورة دقيقة عنها، واكتفى ~~المؤلفون القدماء بإيراد ما سمعوه عنها، أو بتقديم القليل العام إذا كان أحدهم قد اطلع على ~~جوانب منها أو جرى تنسيبه إليها. فالمؤرخ الإغريقي هيرودوتس الذي يدعي اطلاعه على أسرار ~~أوزوريس وأسرار ms224 إيليوسيس يكتب ما يلي: «في ذلك الزمان، وعلى تلك البحيرة في الدلتا، يقيم ~~المصريون طقوسهم المكرسة لإلههم الذي لن أنطق اسمه. وعلى الرغم من شهودي لكل ما جرى في ذلك ~~المكان، فإني لن أزيد في الكلام عنه شيئا وأمسك لساني عن البوح بما رأيت، كما أمسكته عن ~~البوح بما رأيت من طقوس الإلهة ديمتر في إيليوسيس. ولكني أستطيع القول فقط، ودون أن أقع في ~~التجديف، إن بنات دناوس (وهو سلف سكان آرجوس في اليونان، وجاء إليها من مصر) هن من آتي ~~بهذه الطقوس من مصر ودربن نساء بيلاسيان عليها». # 1 # وهيرودوتس هنا يؤسس للفكرة القائلة بأن عبادات الأسرار قد جاءت إلى اليونان من ~~أقطار الشرق القديم، وهذا ما يتبناه اليوم العديد من الباحثين في تاريخ الأديان. # على أننا نستطيع الكلام بشكل عام عن نوعين من الطقوس كانا غالبين في عملية تنسيب ~~المريدين الجدد والعبور بهم إلى أسرار العبادة، وهما طقس العماد بالماء وطقس الموت الرمزي، ~~وكلاهما يتضمن مفهوم الفناء عن الذات القديمة المنذورة للموت، والانبعاث إلى حياة جديدة ~~تقهر الموت. وهذان الطقسان يلتقيان أحيانا في طقس العماد بالدم، كما هو الحال في أسرار ~~ديونيسيوس؛ حيث يوضع المريد في حفر تمثل القبر تختم فوهتها بغطاء شبكي، ثم يؤتى ~~بثور يمثل الإله ديونيسيوس الذي قتل في هيئة الثور، فيذبح عند فوهة الحفرة وتترك دماؤه ~~لتسيل على المريد الذي يدهن نفسه بها ويأخذ بعضها في فمه، ثم يخرج وكأنه قام من بين ~~الأموات. # ويصف لنا الكاتب الروماني أبوليوس في روايته المعروفة «الحمار الذهبي» طقوس الاستسرار في ~~عبادة الإلهة إيزيس السرية في روما، وصف شاهد عيان لأنه مر بها هو نفسه عندما جرى تنسيبه ~~إلى العبادة وصار بعد ذلك كاهنا للإلهة. # فبعد وصفه للطقوس الاستهلالية التي تتضمن العماد بالماء، مما اقتبسناه في دراستنا ~~السابقة عن معمودية يسوع، ينتقل إلى القسم الثاني وهو طقس الموت والانبعاث، فيقول دون ~~الدخول في التفاصيل السرية: ~~«وعندما حل مساء اليوم الأخير وأنا في موضعي، رأيت الكهان يتقاطرون علي من ms225 كل زوايا ~~المعبد وفي يد كل منهم هدية تهنئة لي، ثم جاء الكاهن الأعظم وألبسني عباءة قطنية وقادني ~~إلى قدس أقداس المعبد. وإني لأعتقد الآن بأن قارئ كلماتي هذه قد هاجه الشوق لمعرفة ما جرى ~~لى هناك. ولكني لو سمحت للساني بالنطق وسمحت أنت لأذنك بالسمع، سيلقى لساني جزاء بما ~~نطق وتلقى أذنك جزاء بما سمعت، ومع ذلك فإنني أستطيع الإفضاء بما هو مسموح لي ~~بإفضائه، شريطة أن تكون مستعدا لتصديق كل كلمة مما أقول. لقد دنوت من حافة الموت ~~الفعلي ووضعت قدمي على عتبة بيرسيفوني (إلهة العالم الأسفل)، ثم سمح لي أن أعود سابحا ~~عبر العناصر كلها. في منتصف الليل شهدت الشمس ساطعة كوقت الهاجرة. مثلت في حضرة آلهة ~~العالم الأسفل؛ حيث كان آلهة العالم الأعلى يقدمون لهم الولاء. وعندما انتهى الطقس ~~الجليل، خرجت من قدس الأقداس وعلي اثنا عشر ثوبا، فأمرني الكاهن أن أرتقي المنبر القائم ~~في وسط المعبد أمام تمثال الإلهة، وأمسكني مشعلا بيدي اليمنى ووضع إكليلا على رأسي من ~~أغصان النخيل.» # 2 # في هذا المناخ الديني الذي كان يموج بعبادات الأسرار، ظهرت الكنيسة المسيحية الأولى التي ~~أسسها يسوع. وفي الحقيقة، فإن قراءة ما وراء السطور في أسفار العهد الجديد، تدلنا على ~~أن أتباع يسوع الأوائل كانوا يشكلون حلقة مغلقة من المريدين لا يمكن دخولها إلا لمن ~~يمتلك الرغبة والقدرة على الارتقاء الروحي، وذلك بعد مروره بطقوس استسرار وتنسيب تعبر به ~~إلى تلك الحلقة. # هذه الطبيعة السرانية للجماعة المسيحية الأولى، هي التي تفسر لجوء يسوع إلى التعبير عن ~~أفكاره من خلال الأمثال التي غمضت أحيانا حتى على تلاميذه أنفسهم. نقرأ في إنجيل متى: ~~«ثم دعا الجموع وقال لهم: اسمعوا وافهموا: ما يدخل الفم لا ينجس الإنسان بل ما يخرج من ~~الفم هو الذي ينجسه. فدنا منه التلاميذ وقالوا له: أتعلم أن الفريسيين استاءوا عندما ~~سمعوا هذا الكلام؟ فأجابهم: كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع. دعوهم وشأنهم إنهم عميان ~~يقودون عميانا. وإذا كان الأعمى يقود أعمى سقطا ms226 معا في حفرة. فقال له بطرس: فسر لنا ~~المثل. فأجابه: أوأنتم حتى الآن لا فهم لكم ...» (متى، 15: 11-16). وعندما قال للجموع ~~مثله المعروف عن الزارع، انفرد به تلاميذه وسألوه عن مغزى المثل، قال لهم: «أنتم أعطيتم ~~سر ملكوت الله، وأما الذين من خارج فيسمعون كل شيء بالأمثال، حتى إنهم مهما نظروا لا ~~يبصرون ومهما سمعوا لا يفهمون» (مرقس، 4: 10-13). ويسوع يستخدم هنا تعبيرين مهمين يدلان ~~على الطبيعة المغلقة والاقتصارية للجماعة المسيحية الأولى. فقد وصف مريديه بأنهم «قد أعطوا ~~أسرار ملكوت الله» أي أنهم قد عبروا إلى أسرار الدين، ووصف الآخرين بأنهم «من خارج» أي من ~~خارج حلقة العارفين. وهؤلاء الذين «من خارج» هم موتى مقارنة بالذين هم «من داخل». فعندما ~~اختار تلميذا جديدا ليضمه إلى جماعته قال له التلميذ: «يا سيد، ائذن لي أن أمضي أولا ~~وأدفن أبي. فقال له يسوع: دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله» ~~(لوقا، 9: 59-60). وقال بعدم إفشاء أسرار الدين إلى الذين هم من خارج: «لا تعطوا الكلاب ما ~~هو مقدس، ولا تلقوا بدرركم قدام الخنازير لئلا تدوسها بأقدامها ثم ترتد إليكم فتمزقكم» ~~(متى، 7: 6). # ويقول في اقتصار المعرفة الحقة على حلقة المريدين الذين عبروا إلى الأسرار: «كل شيء قد ~~دفع إلي من أبي. وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب، ولا من هو الآب إلا الابن، ومن ~~أراد الابن أن يكشف له» (لوقا، 10: 22). ويقول بالمعنى نفسه في إنجيل توما: «أكشف أسراري ~~لمن هو أهل لأسراري» ثم يوصي من كشفت له الأسرار بحفظها قائلا: «لا تدع يدك اليسرى ~~تعلم بما تفعله يدك اليمنى» (إنجيل توما، الفقرة 62). # 3 # ويتحدث بولس الرسول في رسائله عن الحكمة الخفية التي لا تعطى إلا للناضجين في الروح، أي ~~لمن هم «من داخل»: «هنالك حكمة نتكلم عليها بين الناضجين في الروح، وهي غير حكمة هذا ~~العالم ... بل هي حكمة الله السرية الخفية التي أعدها الله قبل الدهور في سبيل مجدنا ... الذي ~~ما رأته عين ولا سمعت به أذن ms227 ولا خطر على قلب بشر أعده الله للذين يحبونه وكشفه لنا ~~بالروح. لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله ... وما نلنا نحن روح هذا العالم، بل نلنا ~~الروح الذي أرسله لنا الله لنعرف ما وهبه الله» (1 كورنثة، 2: 6-13). # ويميز بولس بين ما يدعوه بالإنسان البشري الذي لم يتهيأ بعد لتلقي حكمة الله، وما ~~يدعوه بالإنسان الروحاني المستعد لتلقي هذه الحكمة: «ونحن لا نتكلم عن حكمة الله بكلام ~~تعلمه حكمة البشرية بل بكلام يعلمه الروح القدس، فنشرح الحقائق الروحانية بعبارات روحانية. ~~فالإنسان البشري لا يقبل ما هو من روح الله لأنه يعتبره حماقة، ولا يقدر أن يفهمه لأن الحكم ~~فيه لا يكون إلا بالروح» ثم يلتفت بولس إلى مستمعيه ممن لم يتعمقوا بعد في أسرار الدين، ~~فيشبه خطابه إليهم بالحليب الذي يقدم للصغار لا بالطعام الذي يقدم للكبار، لأنهم غير ~~مستعدين بعد للفهم: «ولكنني أيها الإخوة ما تمكنت أن أكلمكم مثلما أكلم أناسا روحانيين، ~~بل مثلما أكلم أناسا جسديين هم أطفال بعد في المسيح. غذيتكم باللبن الحليب لا بالطعام ~~لأنكم كنتم لا تطيقونه ولا أنتم تطيقونه الآن. فأنتم بعد جسديون» (1 كورنثة، 2: 13-14، ~~و3: 1-3). # إن الاطلاع على الأسرار هو الذي ينقل الفرد من حالة دنيا من الوجود يكون فيها جاهلا ~~بطبيعة روحه التي هي قبس من نور الله، إلى حالة عليا من الوجود تتحقق فيها معرفة الفرد بمن ~~هو ومن هو ربه. وهذا الانتقال يعريه من جسد الموت ويلبسه جسد الحياة الخالدة. ومع ~~تحقق هذه الحالة من العرفان، ليس علينا أن ننتظر واقعة الموت حتى نبعث إلى حياة جديدة، ~~بل إننا نبعث هنا والآن ونلبس الجسد الروحاني فوق الجسد الأرضي، ونكتشف «طبيعة المسيح» ~~فينا، وهي طبيعة لم تفارقنا قط ولكنها كانت بحاجة إلى تلمس وإيقاظ. وفي هذا يقول بولس: ~~«فمع أن الإنسان الظاهر فينا يسير إلى الفناء، إلا أن الإنسان الباطن يتجدد يوما بعد يوم ... ~~ونحن نعرف أنه إذا تهدمت خيمتنا الأرضية التي نحن فيها (= الجسد)، فلنا في ms228 السماء بيت أبدي ~~من بناء الله غير مصنوع بالأيدي. وكم نتأوه أن نلبس فوق خيمتنا الأرضية هذه بيتنا السماوي، ~~لأننا متى لبسناه لا نكون عراة، وما دمنا في هذه الخيمة الأرضية فنحن نئن تحت أثقالنا، لا ~~لأننا نريد أن نتعرى من جسدنا الأرضي بل لأننا نريد أن نلبس فوقه جسدنا السماوي إلى أن ~~تبتلع الحياة ما هو زائل فينا» (2 كورنثة، 5: 1-4). # وقد طبق يسوع على تلاميذه نوعين من طقوس الاستسرار، النوع الأول هو طقس العماد بالماء من ~~أجل الولادة الثانية. فكل إنسان يولد ولادة بشرية من جسد بشري آخر، ولكن الساعين إلى ~~الكمال عليهم أن يولدوا مرة ثانية ولادة روحية قوامها الماء والروح القدس ليكونوا ~~مستعدين لتلقي أسرار حكمة الله. وهذا هو مؤدى قول يسوع لواحد من معلمي اليهود، وهو نيقوديمس ~~الذي صار فيما بعد تلميذا سريا ليسوع: «الحق، الحق أقول لك. ما من أحد يمكنه أن يرى ~~ملكوت الله إلا إذا ولد من عل، فقال له نيقوديمس: كيف يمكن للإنسان أن يولد وهو شيخ كبير؟ ~~أيستطيع أن يدخل في بطن أمه ثانية ثم يولد؟ أجاب يسوع: الحق، الحق أقول لك. ما من أحد ~~يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا ولد وكان مولده من الروح والماء. فمولود الجسد يكون ~~جسدا ومولود الروح يكون روحا» (يوحنا، 3: 3-6). # أما النوع الثاني فهو طقس محاكاة الموت، حيث يدفن المريد في قبر لفترة من الزمن ثم يقوم ~~منه إلى حياة جديدة. ويبدو أن قلة فقط من تلاميذ يسوع قد خضعوا لهذا الطقس. ولكننا لا نملك ~~عنه إلا شاهدا واحدا في قصة إحياء لعازر، التي أوردها لنا إنجيل يوحنا وإنجيل مرقس السري. ~~ولنبدأ بإنجيل يوحنا ونقرأ بين سطور القصة. ~~«وكان رجل مريض يدعى لعازر من بيت عنيا، من قرية مريم وأختها مرتا. ومريم هي التي دهنت ~~الرب بالطيب ومسحت قدميه بشعرها، وكان لعازر المريض أخاها. فأرسلت أختاه إلى يسوع تقولان: ~~يا سيد إن الذي تحبه مريض. فقال يسوع حين بلغه الخبر: ليس هذا ms229 مرض الموت بل مآله إلى مجد ~~الله ليتمجد ابن الله» (يوحنا، 11: 1-4) نلاحظ هنا كيف نفى يسوع أن يكون مرض لعازر هو مرض ~~الموت، وكيف وجه أنظار مستمعيه إلى وجود خطة ما وراء ما يجري. ~~«وكان يسوع يحب مرتا وأختها ولعازر. على أنه لبث في مكانه يومين بعدما عرف أنه مريض، ثم ~~قال لتلاميذه: لنعد إلى اليهودية (وكانوا حينها في عبر الأردن). فقال له تلاميذه: يا معلم، ~~أتعود إلى هناك وقد أراد اليهود رجمك منذ قريب؟ ... فقال لهم: إن حبيبنا لعازر قد نام وأنا ~~ذاهب لأوقظه. فقال له تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فسيشفى. وكان يسوع يعني موته وهم ~~ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم. فقال لهم يسوع علانية: لعازر مات. ويسرني لأجلكم أني لم أكن ~~هناك لتؤمنوا، فلنمض إليه. فقال توما الذي يقال له التوءم لإخوانه التلاميذ: لنذهب نحن ~~أيضا لكي نموت معه» (يوحنا، 11: 5-16). # على عكس ما هو متوقع، فقد تلكأ يسوع في التوجه إلى بيت عنيا لشفاء لعازر مدة يومين، وهذا ~~يدل على عدم شعوره بالقلق حيال مرض لعازر. ثم ألمح ثانية لتلاميذه بأن اضطجاع لعازر ليس ~~اضطجاع موت عندما قال لهم إنه نائم. وعندما لم يفهم التلاميذ قصده قال لهم: لعازر مات. وهنا ~~فهم واحد من التلاميذ ما كان يجري فقال لزملائه: لنذهب نحن أيضا لكي نموت معه. وبالطبع فإن ~~توما في قوله هذا لم يكن يدعو رفاقه إلى القيام بعملية انتحار جماعي من أجل اللحاق بلعازر، ~~وإنما كان يعبر عن رغبة في المرور بالطقس نفسه لكي يغدو أقرب إلى معلمه. وصل يسوع إلى ~~بيت عنيا في اليوم الرابع لموت لعازر ودفنه في قبر منحوت في الصخر قرب بيت الأسرة. وعندما ~~استقبلته الأختان عند مشارف البيت، طلب منهما أخذه إلى موضع الدفن: «وكان القبر مغارة وعلى ~~مدخلها حجر. فقال يسوع: أزيحوا الحجر ... وصاح بأعلى صوته لعازر، اخرج. فخرج الميت مشدود ~~اليدين والرجلين بالأكفان معصوب الوجه بمنديل. فقال لهم يسوع: حلوه ودعوه يذهب» (يوحنا، ~~11: 17-45). ms230 # إن ما حدث في بيت عنيا لم يكن سوى مرحلة متقدمة من طقوس الاستسرار خص بها يسوع تلميذه ~~الحبيب لعازر. ولكن القصة بعد أن جرى تداولها فيما بعد تحولت إلى معجزة إحياء حقيقي لتلميذ ~~ميت. ولعل رواية إنجيل مرقس السري للقصة نفسها (راجع ما أوردناه عن هذا الإنجيل في بحث ~~سابق) تؤيد ما نذهب إليه هنا، لأنها تصف لنا استمرار طقس الاستسرار بعد الخروج من القبر، ~~عندما بقي يسوع مع التلميذ يعلمه أسرار ملكوت الله. وفي الروايتين عدد من نقاط الاختلاف، ~~لعل أهمها ما ورد في الإنجيل السري عن سماع صيحة عالية من القبر لدى اقتراب يسوع منه، الأمر ~~الذي يدل على أن المدفون كان حيا: ~~«ثم جاءوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: يا ابن ~~داود، ارحمني، فانتهرها التلاميذ، ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث القبر الذي دفن ~~فيه. ولدى اقترابه صدرت من داخل القبر صيحة عظيمة، فدنا يسوع ودحرج الحجر عن مدخل القبر ~~وتوجه لفوره إلى حيث كان الفتى، فمد ذراعه إليه وأقامه ممسكا بيده. ولما رآه الفتى ~~أحبه وتوسل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما توجهوا إلى بيت الفتي لأنه كان غنيا. وبعد ~~ستة أيام لقنه يسوع ما يتوجب عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتي يرتدي إزارا من ~~الكتان على جسده العاري وبقي معه تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت الله. ~~وعندما قام عاد إلى الجهة الأخرى من نهر الأردن.» # 4 # بعد وفاة يسوع غاب طقس الموت الرمزي والانبعاث منه إلى حياة جديدة لا خطيئة فيها ولا موت، ~~واندمج بطقس المعمودية في مضمونه البولسي الجديد، طقس المعمودية بدم يسوع والاتحاد به. ~~فيسوع قد مات نيابة عن البشرية جمعاء ثم قام من بين الأموات من خلال طقس استسراري ذي طبيعة ~~كونية. وطقس المعمودية يجعلنا مشاركين ليسوع في موته وبعثه، ويجعلنا أحرارا من الخطيئة ~~والموت وسلطة الشيطان سيد هذا العالم. نقرأ في الرسالة إلى أهالي غلاطية: ~~«فقبل أن يأتي ms231 الإيمان، كان مغلقا علينا بحراسة الشريعة (التوراتية) إلى أن يتجلى ~~الإيمان المنتظر. فالشريعة كانت مؤدبة لنا إلى مجيء المسيح لننال البر بالإيمان، فلما جاء ~~الإيمان لم نبق في حراسة المؤدب لأنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. فإنكم وقد ~~اعتمدتم جميعا في المسيح قد لبستم المسيح. فلم يبق بعد من يهودي أو يوناني، عبد أو حر، ~~ذكر أو أنثى، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع» (غلاطية، 3: 23-28). # وفي الرسالة إلى أهالي روما: ~~«أوتجهلون أنا وقد اعتمدنا في يسوع المسيح إنما اعتمدنا في موته، فدفنا معه ~~بالمعمودية لنموت فنحيا حياة جديدة كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب. فنحن إذا ~~اتحدنا به بموت يشبه موته فكذلك تكون حالنا في قيامته. وإنا نعلم أن إنساننا القديم (= ~~الخاطئ) قد صلب معه ليزول هذا البشر الخاطئ، فلا نظل عبيدا للخطيئة لأن الذي مات تحرر من ~~الخطيئة. فإذا كنا قد متنا مع المسيح فإنا نؤمن بأننا سنحيا معه. ونعلم أن المسيح بعدما ~~أقيم من بين الأموات لن يموت ثانية ولن يكون للموت عليه من سلطان، لأنه بموته قد مات عن ~~الخطيئة مرة واحدة، والحياة التي يحياها فيحياها لله. كذلك أنتم أيضا احسبوا أنفسكم ~~أمواتا عن الخطيئة ولكن أحياء لله في يسوع المسيح» (روما، 6: 3-11). ~~«فليس بعد الآن من هلاك للذين هم في يسوع المسيح؛ لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في ~~يسوع المسيح قد حررتني من شريعة الخطيئة والموت (= شريعة التوراة). فالذي لم تستطعه ~~الشريعة، والجسد قد أوهنها، حققه الله بإرسال ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطئ كفارة ~~للخطيئة، فحكم على الخطيئة في الجسد ليتم ما تقتضيه منا الشريعة، نحن الذين لا يسلكون ~~سبيل الجسد بل سبيل الروح» (روما، 8: 1-4). # وفي الرسالة إلى أهالي كولوسي: ~~«ففي المسيح يحل جميع كمال الألوهية حلولا جسديا، وفيه تدركون الكمال. إنه رأس كل ~~صاحب رئاسة وسلطان، وفيه اختتنتم ختانا لم يكن من فعل الأيدي وإنما هو خلع الجسد البشري، ~~إنه ختان المسيح. ذلك أنكم دفنتم معه في المعمودية ms232 وأقمتم معه أيضا لأنكم آمنتم بقدرة ~~الله الذي أقامه من بين الأموات. كنتم أمواتا بزلاتكم وقلف أجسادكم فأحياكم الله معه ~~وصفح لنا عن جميع زلاتنا، ومحا ما كان علينا من صك ~~للفرائض (= الشريعة التوراتية)، وألغاه مسمرا إياه على ~~الصليب، وخلع أصحاب الرئاسة والسلطة (= ملائكة الشيطان أمير هذا العالم)، وعاد بهم في ركبه ~~ظافرا ... فأما وقد قمتم مع المسيح فاسعوا إلى الأمور التي في العلى حيث المسيح جالس عن يمين ~~الله، ارغبوا في الأمور التي في العلى لا في الأمور التي على الأرض، لأنكم قد متم وحياتكم ~~محتجبة مع المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم تظهرون أنتم أيضا عندئذ معه في ~~المجد» (كولوسي، 2: 9-15، و3: 1-4). # وكما نلاحظ من هذه المقاطع ومن غيرها في رسائل بولس، فإن طقس المعمودية الذي يحرر المتعمد ~~من الموت بعد اتحاده بالمسيح، يحرره أيضا من شريعة وفرائض إله التوراة حاكم هذا العالم. ~~وعلى عكس الرأي السائد بين الباحثين في تاريخ العقيدة المسيحية والذي يعزو إلى بولس ابتكار ~~هذه الأفكار، فإننا نستبعد أن يكون بولس الذي نشأ وتربى على الثقافة الفريسية ودرس الشريعة ~~على يد واحد من أهم معلميها، هو مصدرها، بل لا بد أن يكون قد تلقاها عندما تعمد ودخل ~~الجماعة المسيحية الأولى عقب وفاة يسوع ببضعة أعوام، واطلع على تعاليم يسوع السرية التي كان ~~يبيحها لمن عبر إلى الأسرار. # على أننا لسنا بحاجة إلى البحث في تعاليم يسوع السرية لنعثر على فكرة التحرر من الشريعة ~~لمن آمن بيسوع واتحد به. فقصص الإنجيل حافلة بمواقف وأقوال ليسوع يعلن فيها حريته وحرية ~~تلاميذه من فرائض الشريعة: «بقيت الشريعة وكتب الأنبياء إلى يوحنا المعمدان، ثم ابتدأت ~~البشارة بملكوت الله، فأخذ كل امرئ يبذل جهده ليدخله عنوة ...» (لوقا، 16: 16). ورسالة يسوع ~~أشبه بقطعة قماش جديدة لا يمكن خياطتها على قماش قديم لكيلا تنتزع الرقعة الجديدة شيئا من ~~الثوب القديم. أو مثل خمر جديدة لا يمكن صبها في زقاق (جمع زق وهو وعاء جلدي) قديمة ~~لكيلا تتلف الخمر ms233 والزقاق معا (مرقس، 2: 21-22). والسبت جعل لأجل الإنسان وما جعل الإنسان ~~لأجل السبت، ويسوع هو سيد السبت (مرقس، 2: 27-28). وفي مقابل شريعة التوراة التي لا يطيق ~~حملها إنسان، فإن تعاليم يسوع تنسجم مع طبيعة الإنسان وعبؤها خفيف الحمل: «تعالوا ~~إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. ~~احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم. لأن نيري ~~هين وحملي خفيف» (متى، 11: 28-30). والتاريخ النبوي اليهودي لم يقل للناس كلمة حق من ~~الله ولكن يسوع فعل: «أنا الذي قال لكم الحق الذي سمعه من الله، وهذا لم يفعله إبراهيم» ~~(يوحنا، 8: 40). # | التحقيب الزمني لكرازة يسوع # لا تقدم لنا الأناجيل الإزائية تحقيبا زمنيا واضحا للمدة الفاصلة بين أول ظهور علني ~~ليسوع وزيارته الأولى والأخيرة لأورشليم حيث حوكم وصلب. ولكننا نستنتج من سياق الأحداث ~~ومقاطعتها مع المصادر الخارجية، أن الفترة التي نشط فيها يسوع دامت سنة واحدة تقريبا ~~(راجع بحثنا السابق: الإطار التاريخي للإنجيل). وقد دامت زيارته لأورشليم ستة أيام فقط، ~~فقد دخلها في يوم الأحد وصلب في يوم الجمعة أول أيام عيد الفصح اليهودي. وخلال هذه المدة ~~قصد الهيكل في ثلاثة أيام، هي: الأحد والإثنين والثلاثاء؛ حيث كان يعلم ويجادل اليهود ثم ~~يعود للمبيت في قرية بيت عنيا. وهذه المدة القصيرة لم تكن كافية في اعتقادنا لكي يتمكن ~~يسوع من إبلاغ رسالته إلى أهالي أورشليم، مثلما لم تكن كافية لكي ينتبه المجلس اليهودي ~~(السنهدرين) إلى خطورة هذا المبشر الجديد ويتخذ قرارا بتصفيته. # أما إنجيل يوحنا فيمد فترة كرازة يسوع إلى سنتين، ويقدم لنا عددا من العلامات الزمنية ~~نستطيع من خلالها متابعة التحقيب الزمني لحياته التبشيرية. وهذه العلامات عبارة عن أربع ~~زيارات قام بها يسوع لأورشليم في ثلاثة أعياد فصح وفي عيد المظال مرتبة زمنيا وفق ما ~~يلي: (1) فصح أول (2) فصح ثان (3) عيد المظال (4) الفصح الأخير، وخلال هذه الزيارات التي ~~دامت إحداها ثلاثة أشهر، كان يسوع يعلم في الهيكل ويحاور الشيوخ والكتبة والفريسيين ~~وجواسيس الهيكل الذين كان المجلس يدسهم بين ms234 الجمهور لكي يوقعوا بيسوع. وهذا التحقيب هو ~~الذي سنتابعه فيما يلي باعتباره الأقرب إلى حقيقة ما جرى. # جاءت زيارة يسوع الأولى لأورشليم بعد وقت قصير من ظهوره العلني وقبل القبض على يوحنا ~~المعمدان: «وانحدر إلى كفر ناحوم بعد ذلك ومعه أمه وإخوته وتلاميذه، وأقاموا هناك أياما ~~ليست كثيرة. وكان فصح اليهود قريبا فصعد يسوع إلى أورشليم، فرأى في الهيكل باعة البقر ~~والغنم والحمام والصيارفة جالسين إلى مناضدهم، فجدل سوطا من حبال وطرد الجميع من الهيكل» ~~(يوحنا، 2: 12-17). على الرغم من أن هذه الزيارة المبكرة ليسوع إلى أورشليم محتملة جدا، ~~إلا أنه من المستبعد أن يكون قد قام بهذا الفعل الاستفزازي الجريء بعد فترة قصيرة من ظهوره ~~العلني، عندما لم تكن شهرته قد ذاعت ولم يكن مستعدا بعد للدخول في مواجهة مباشرة مع ~~السنهدرين. كما أنه من المستبعد أن يكون السنهدرين قد غض الطرف، كما فعل، عن مثل هذا الشغب ~~في الهيكل يقوم به جليلي متحمس لا يعرف أحد عنه شيئا. من هنا نرجح أن هذه الحادثة قد ~~وقعت خلال زيارة عيد المظال، أو الزيارة الأخيرة على ما رواه لنا الإزائيون الثلاثة. وأغلب ~~الظن أن هذا التقديم الزمني للحادثة يرجع إلى اضطراب ذاكرة التلميذ الحبيب الذي كان يملي ~~ذكرياته وهو في نحو التسعين من عمره على يوحنا الشيخ. # على أن زيارته الأولى لأورشليم هذه لم تأت له بما كان يتوقعه، ولم يكن مطمئنا إلى الناس ~~الذين أظهروا ميلا لتعاليمه، لما يعرفه من خبث اليهود ونفاقهم: «ولما كان في أورشليم مدة ~~الفصح آمن باسمه كثير من الناس لما رأوا من الآيات التي يأتي بها (والنص هنا لا يخبرنا ~~عن ماهية هذه الآيات)، لكن يسوع لم يطمئن إليهم لأنه كان يعرفهم كلهم ولا يحتاج إلى من ~~يخبره عن أحد. فقد كان يعلم ما في الإنسان» (يوحنا، 2: 23-25). ومن الأحداث البارزة في هذه ~~الزيارة ذلك الحوار بين يسوع وواحد من الفريسيين اسمه نيقوديمس، تخلله خطاب طويل ليسوع ~~كشف فيه عن جانب مهم من تعاليمه ms235 (يوحنا، 3: 1-21). وسوف نلتقي بنيقوديمس هذا مرتين بعد أن ~~صار تلميذا سريا ليسوع. فقد دافع عن يسوع أمام السنهدرين عندما كانوا يدرسون إمكانية ~~التخلص منه في زيارته الثالثة لأورشليم (يوحنا، 7: 50-53). وبعد صلب يسوع عندما جاء ~~التلميذ السري الآخر يوسف الرامي لاستلام جثمان يسوع وكان نيقوديمس معه وشارك في عملية ~~الدفن (يوحنا، 19: 39-40). # بعد ذلك ترك يسوع أورشليم ونزل إلى حوض الأردن مع تلاميذه حيث كان يوحنا يعمد قبل أن ~~يلقى في السجن، فأقام في المنطقة أياما حيث كان يعمد هو أيضا ويجمع حوله التلاميذ ~~(يوحنا، 3: 22-24). ثم قفل عائدا إلى الجليل مرورا بأراضي السامرة. وفي مدينة سيخارة عند ~~البئر جرى الحوار الشهير بينه وبين المرأة السامرية، وقوله لها: «صدقيني يا امرأة إنه ~~تأتي ساعة لا في هذا الجبل (أي جبل جرزيم المقدس عند السامريين) ولا في أورشليم (حيث ~~الهيكل) تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو ~~آت من اليهود» (يوحنا، 4: 21-23). # لا يذكر لنا مؤلف الإنجيل من أعمال يسوع بعد عودته إلى الجليل من رحلته الأولى إلا شفاءه ~~لابن عامل الملك هيرود أنتيباس بعد أن كان مشرفا على الموت (يوحنا، 4: 43-54). ثم ينتقل بعد ~~ذلك مباشرة للحديث عن رحلته الثانية؛ حيث يقول: «وبعد هذا كان عيد لليهود (وفي بعض الأصول: ~~كان عيد اليهود)، فصعد يسوع إلى أورشليم» (يوحنا، 5: 1). وعلى الرغم من أن المؤلف لم ~~يسم لنا هذا العيد إلا أنه على الأرجح عيد فصح ثان يقصده يسوع ليلتقي بالناس هناك. ~~ومرة أخرى لا نحصل إلا على قصة واحدة مما فعله يسوع في زيارته الثانية؛ فقد شفى رجلا ~~مقعدا منذ ثمان وثلاثين سنة وكان ذلك في يوم السبت. وكأنه كان يتعمد دائما أن يقوم ~~بعمليات الشفاء في يوم السبت الذي لا يحل فيه عمل من أي نوع. وعندما شغب الشعب عليه ~~لاستباحته السبت قال لهم قوله الشهير الذي ينطوي على هزء مبطن من معتقداتهم الجامدة: ~~«إن أبي ما يزال يعمل (في السبت) ms236 وأنا أيضا أعمل» (يوحنا، 5: 17). ثم أتبع ذلك بخطبة طويلة ~~نقتبس منها قوله: «من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله الحياة الأبدية ولا يصير إلى ~~الهلاك ... هذه الأعمال الذي أعملها تشهد لي بأن الآب أرسلني ... أنتم لم تسمعوا صوته ولا رأيتم ~~وجهه، فكلامه لا يستقر فيكم لأنكم لا تصدقون من أرسل. تتصفحون الكتب (أي الأسفار ~~التوراتية) تحسبون أن لكم فيها الحياة الأبدية. هي تشهد لي وأنتم لا تريدون المجيء إلي ~~فتكون لكم الحياة» (يوحنا، 5: 19-47). فاشتد سعي اليهود لقتله ولكنه ترك أورشليم وعاد إلى ~~الجليل. # وكما لاحظنا الآن وسنلاحظ فيما بعد، فإن مؤلف إنجيل يوحنا لم يتوقف كثيرا عند معجزات ~~يسوع ولا عند شفائه للمرضى وطرده للشياطين من أجساد الممسوسين، بقدر ما توقف عند أقواله ~~وخطبه الطويلة التي أوضح فيها علاقته المميزة بالآب السماوي ودوره في دراما الخلاص ~~الإنسانية. وهذه الخطب تشغل الجزء الأكبر من إنجيل يوحنا. # بعد عودته إلى الجليل اجترح يسوع معجزة تكثير الخبز والسمك وبعدها معجزة السير على الماء. ~~فقد عبر يسوع بحر الجليل من كفر ناحوم إلى الجهة الأخرى، فتبعه جمع كبير فصعد إلى ~~الجبل وراح يعلمهم. وعندما تأخر الوقت قال يسوع لفيليبس: «من أين نشتري الخبز لنطعمهم؟» ~~فأجابه فيليبس: «لو اشترينا خبزا بمائتي دينار لما كفى أن يحصل الواحد منهم على كسرة ~~صغيرة» وهنا قال أندراوس: «هنا صبي معه خمسة أرغفة من شعير وسمكتان. ولكن ما نفعها لمثل ~~هذا الجمع؟» فقال يسوع: «اجعلوا الناس يقعدون» وكان هناك ~~عشب كثير فقعدوا نحو خمسة آلاف رجل. فأخذ يسوع الخبز وشكر ثم وزع الأرغفة على الحاضرين ~~بقدر ما أرادوا، وفعل الشيء نفسه بالسمكتين، فأكلوا جميعا ولما شبعوا جمع التلاميذ ما زاد ~~عنهم فملأ قفة من الكسر. فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: «حقا إن هذا ~~هو النبي الآتي إلى العالم» وعرف يسوع أنهم يهمون باختطافه ليجعلوه ملكا، فابتعد وانصرف ~~إلى الجبل وحده. ولما جاء المساء ركب التلاميذ السفينة وعادوا إلى كفر ناحوم، وبعدما قطعوا ~~نحو ستة كيلومترات ms237 رأوا يسوع وقد أدركهم ماشيا على الماء فخافوا. فقال لهم: أنا هو لا ~~تخافوا. وعندما أرادوا أن يصعدوه إلى القارب وجدوا أن القارب وصل إلى الشاطئ في لمح البصر. ~~وفي الغد تبعه الجمع الذي بات على الشاطئ الآخر بعد المائدة التي أنزلها يسوع من السماء. ~~وهنا قال لهم جملة تفصح عن فهمه لطبيعة انجذاب الجموع إليه، عندما قال لهم بمرارة: «الحق، ~~الحق أقول لكم، أنتم لا تطلبوني لأنكم رأيتم الآيات بل لأنكم أكلتم الخبز وشبعتم» وتلا ذلك ~~حوار بين الطرفين نقتبس منه ما يلي: «لا تعملوا للقوت الفاني بل اعملوا للقوت الباقي في ~~الحياة الأبدية. هذا الخبز يهبه لكم ابن الإنسان لأن الله الآب ختمه بختمه. قالوا له: كيف ~~نعمل ما يريده الله؟ فأجابهم: أن تؤمنوا بمن أرسله. هذا ما يريده الله. فقالوا له: أرنا ~~آية حتى نؤمن بك، ماذا تقدر أن تعمل؟ آباؤنا أكلوا المن في البرية كما جاء في الكتاب. ~~فأجابهم يسوع: الحق، الحق أقول لكم، لم يعطكم موسى خبز السماء بل أبي يعطيكم خبز السماء ~~الحق ... قالوا له: يا سيد أعطنا من هذا الخبز في كل حين. فقال لهم يسوع: أنا خبز الحياة من ~~يأتني لا يجوع أبدا، ومن يؤمن بي لا يعطش ... آباؤكم أكلوا المن في البرية وماتوا. هو ذا ~~الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان فلا يموت. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء» ~~(6: 1-60). وبهذه الطريقة فقد ألغى يسوع شريعة موسى القديمة باعتبارها شريعة موت، وأسس ~~لشريعة الحياة الجديدة. # زيارة يسوع الثالثة لأورشليم جاءت في عيد المظال الذي يقام في الخريف. وقد دامت هذه ~~الزيارة ثلاثة أشهر وذلك فيما بين شهر تشرين الأول/أكتوبر وشهر كانون الثاني/يناير. وكان ~~اليهود يطلبونه في العيد ويقولون: أين هو. وعندما بلغ العيد أواسطه ظهر يسوع في باحة الهيكل ~~وراح يعلم. فتعجب اليهود وقالوا: كيف يعرف هذا الكتب ولم يتعلم؟ فأجابهم: ليس تعليمي ~~من عندي بل من عند الذي أرسلني. فقال أناس من أورشليم: أليس هذا الذي يطلبون ms238 قتله؟ وها هو ~~يتكلم جهارا ولا يقولون له شيئا. في آخر يوم من أيام العيد أرسل الأحبار والفريسيون ثلة ~~من حرس الهيكل للقبض على يسوع، وكان يعلم في الهيكل وبعد أن انتهى صاح بأعلى صوته: من ~~كان عطشان فليأتني ليشرب، ومن آمن بي تفيض من بطنه أنهار ماء حي كما قال الكتاب. فقال بعض ~~الجمع الذين سمعوا كلامه: هذا هو النبي حقا. وقال غيرهم: هذا هو المسيح. وقال آخرون: ~~أمن الجليل يأتي المسيح؟ ألم يقل الكتاب إن المسيح يأتي من نسل داود من بيت لحم؟ # 1 # ووقع بين الجمع خلاف بشأنه وأراد بعضهم أن يمسكوه ولكن لم يلق أحد عليه ~~يدا لأن ساعته لم تكن قد حانت بعد. أما حراس الهيكل فرجعوا إلى أسيادهم، فقال لهم هؤلاء: ~~لماذا لم تأتوا به؟ فأجاب الحرس: ما تكلم إنسان قط مثل هذا الرجل. فقال لهم الفريسيون: ~~أخدعكم أنتم أيضا؟ أرأيتم أحدا من الرؤساء أو الفريسيين آمن به؟ أما هؤلاء العامة من ~~الناس الذين يجهلون الشريعة فهم ملعونون. فقال لهم نيقوديمس وكان منهم: أتحكم شريعتنا على ~~أحد قبل أن تسمعه وتعرف ما فعل؟ ثم انصرف كل واحد إلى بيته. أما يسوع فخرج إلى جبل ~~الزيتون حيث بات الليل وعاد في صباح اليوم التالي (يوحنا: 7). وعلى الرغم من أن المؤلف لا ~~يقول لنا عن المكان الذي كان يبيت فيه يسوع على جبل الزيتون، إلا أننا نعرف من مجريات ~~الأحداث اللاحقة أنه كان يبيت في بيت الإخوة الثلاث مريم ومرتا ولعازر. في اليوم التالي جاء ~~الكتبة والفريسيون إلى الهيكل بامرأة أمسكت بالزنا المشهود، وذلك في القصة التي أوردناها في ~~بحثنا السابق «شخصية يسوع وطباعه». # ورأى وهو سائر أعمى منذ يوم مولده، فصنع عجينة من تراب ممزوجة بلعابه وطلى بها عيني ~~الأعمى وقال له: اذهب فاغتسل في بركة سلوام. فذهب واغتسل فارتد بصيرا، وكان ذلك في يوم ~~سبت. وعندما رجع الرجل إلى يسوع وهو مبصر قال له يسوع: أتؤمن بابن الإنسان؟ أجاب: ومن هو ~~يا سيدي حتى ms239 أومن به؟ فقال يسوع: قد رأيته وهو الآن يكلمك. قال: قد آمنت يا سيدي. وسجد له، ~~فقال يسوع: جئت إلى العالم لإمضاء الحكم، حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون. ~~فسمعه بعض الفريسيين فقالوا له: أفنحن عميان أيضا؟ فقال لهم: لو كنتم عميانا لما كان ~~عليكم خطيئة ولكنكم تقولون إننا نبصر، فخطيئتكم ثابتة. فقال بعضهم: ليس هذا الرجل من الله ~~لأنه لا يراعي السبت. وقال آخرون: كيف يستطيع خاطئ أن يقوم بمثل هذه الآيات؟ ووقع الخلاف ~~بينهم بشأنه (يوحنا، 9: 1-41). # مضى على يسوع حتى الآن شهران وهو يعلم في الهيكل ويلقي خطبه الطويلة التي اقتبسنا ~~نتفا عديدة منها في الأبحاث السابقة. وفي أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر: «أقيم عيد تجديد ~~الهيكل في أورشليم وذلك في الشتاء. وكان يسوع في الهيكل تحت رواق سليمان، فأحدق به اليهود ~~وقالوا له: إلى متى تترك نفوسنا معلقة؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرا. فأجابهم يسوع: إني ~~قلت لكم ولكنكم لا تؤمنون لأنكم لستم من خرافي، فخرافي تسمع صوتي وأعرفها فتتبعني وأنا ~~أهب لها الحياة الأبدية فلا تهلك أبدا ولا يختطفها من يدي أحد. إن الآب الذي وهبها لي أعظم ~~من كل موجود. ما من أحد يستطيع أن يختطف من يد الآب شيئا. أنا والآب واحد. فأتى اليهود ~~بالحجارة ليرجموه، فقال لهم يسوع: أريتكم عدة أعمال صالحة من لدن الآب، فلأي منها ~~ترجمونني؟ قال اليهود: لا نرجمك للعمل الصالح ولكن للكفر، لأنك وأنت إنسان تجعل من نفسك ~~إلها. فأجاب يسوع: ألم يكتب في شريعتكم: أنا قلت إنكم آلهة؟ (والمتكلم هنا هو الرب) فإذا ~~كانت الشريعة تدعو من نزل عليهم وحي الله آلهة، ولا ينسخ الكتاب، فكيف تقولون للذي قدسه ~~الآب وأرسله إلى العالم: أنت تكفر لأني قلت أنا ابن الله؟ ... فأرادوا أن يمسكوه فأفلت من ~~أيديهم ومضى إلى عبر الأردن إلى المكان الذي كان يوحنا يعمد فيه أولا وأقام هناك» ~~(يوحنا، 10: 22-42). # وهكذا بلغت الأزمة بين يسوع واليهود في أورشليم أوجها، وكان لا بد ms240 له من مغادرة المدينة ~~الخطرة فلجأ إلى بيت عبرة على الضفة الشرقية للأردن مع بداية شهر كانون الثاني/يناير، وذلك ~~بعد قضائه ثلاثة أشهر متواصلة في أورشليم. ولكن إقامته في بيت عبرة قطعتها أخبار من ~~الأختين مرتا ومريم تنبئه بأن صديقه لعازر مريض جدا. فلبث في مكانه يومين ثم قال ~~لتلاميذه: لنعد إلى اليهودية لأن صديقنا لعازر راقد وأنا ذاهب لأوقظه. فقالوا له: يا ~~معلم، أتعود إلى هناك وقد أراد اليهود رجمك من قريب؟ (يوحنا، 11: 1-8). # بعد حادثة إحياء لعازر في بيت عنيا ووصول أخبارها إلى أسماع السنهدرين، عقد المجلس ~~اجتماعا وتشاوروا لقتله، ولم يبق إلا انتظار الفرصة المناسبة لذلك فابتعد يسوع عن أورشليم ~~ثانية، وأقام مع تلاميذه في بلدة أفرايم الواقعة على مسافة 20 كم إلى الشمال من أورشليم ~~داخل حدود منطقة السامرة (يوحنا، 10: 17-54). # نحن الآن في النصف الأخير من شهر كانون الثاني/يناير، وقد بقي على عيد الفصح ثلاثة أشهر. ~~فهل بقي يسوع في أفرايم خلال هذه المدة أم أنه عاد إلى أورشليم وتهيأ لرحلة الفصح ~~الثالث؟ إن النص غير واضح بهذا الخصوص، والمؤلف يقول لنا بعد أن أخبرنا بانتقال يسوع إلى ~~أفرايم: «وكان فصح اليهود قريبا فصعد كثير من أهالي القرى إلى أورشليم ليطهروا أنفسهم. ~~فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل: ماذا تظنون؟ هل يأتي إلى ~~العيد أم لا يأتي؟ وكان الأحبار والفريسيون قد أصدروا أمرا أنه إن عرف أحد أين هو فليدل ~~عليه لكي يمسكوه» (يوحنا، 11: 55-57). # ولكن الأرجح أن يسوع قد توجه من أفرايم بعد إقامة قصيرة إلى موطنه في الجليل حيث قضي ~~المدة المتبقية لحلول فصح اليهود. ومما يؤيد هذا الرأي ما أورده لنا متى من تأدية يسوع ~~لضريبة الهيكل وهو في الجليل. وهذه الضريبة كانت تجبى خارج أورشليم قبل شهر واحد من عيد ~~الفصح. نقرأ في إنجيل متى: «ولما جاءوا إلى كفر ناحوم دنا جباة الدرهمين إلى بطرس وقالوا ~~له: أما يؤدي معلمكم الدرهمين؟ فقال بلى. فلما دخل بطرس إلى ms241 البيت بادره يسوع قائلا: ~~ما رأيك يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجزية أو الخراج؟ أمن بنيهم أم من الغرباء؟ فقال: ~~من الغرباء. فقال له يسوع: إذن فالبنون معفون. ولكن لا أريد أن أريبهم، فاذهب إلى البحر ~~وألق الصنارة وأمسك أول سمكة تخرج وافتح فاها تجد إستارا (= قطعة عملة تعادل أربعة ~~دراهم) فخذه وأد لهم عني وعنك» (متى، 17: 24-27). # وعلى الرغم من أن الإزائيين قد تجاهلوا هذه الزيارات والإقامة الطويلة ليسوع في أورشليم ~~خلال الزيارة الثالثة، إلا أنهم أوردوا عرضا إشارات نفهم منها أن يسوع قد قضى وقتا لا ~~بأس به في أورشليم قبل الفصح الأخير. فعندما جاء حرس الهيكل للقبض على يسوع في بستان ~~جتسماني عقب العشاء الأخير، قال لهم يسوع وفق ما ورد في إنجيل مرقس: «كنت كل يوم أعلم في ~~الهيكل بينهم فلم تأخذوني. وإنما حدث هذا لكي تتم الكتب» (مرقس، 14: 49). وتعبير «كل يوم» ~~الذي استخدمه مرقس هنا لا يدل على اليومين أو الثلاثة التي كان يسوع يعلم خلالها في ~~الهيكل قبل القبض عليه وإنما يدل على إقامة طويلة في أورشليم. كما استخدم لوقا تعابير ~~مشابهة تعطينا الإيحاء نفسه، مثل قوله: «وكان ذات يوم يعلم الشعب في الهيكل ... إلخ» ~~(لوقا، 20: 1). وقوله: «ثم خرج فذهب كعادته إلى جبل الزيتون» (لوقا، 22: 9). وعلى الرغم من أن ~~لوقا قد تجاهل كل ما يمت بصلة إلى التلميذ الذي أحبه يسوع، إلا أنه أورد ما يدل على ~~معرفة يسوع بمريم ومرتا وتردده على بيتهما في بيت عنيا عندما يقول: «وبينما هم سائرون دخل ~~القرية فأضافته امرأة اسمها مرتا، وكان لها أخت تدعى مريم جلست عند قدمي يسوع تستمع إلى ~~كلامه ... إلخ» (لوقا، 10: 38-42). # هذا التحقيب الزمني الذي قدمه لنا إنجيل يوحنا لحياة يسوع التبشيرية، هو الذي يزودنا ~~بالمقدمة المنطقية لما جرى في أسبوع الآلام. # | هل دخل يسوع أورشليم كملك؟ # من أجل الإجابة على السؤال المطروح في عنوان هذا البحث، ينبغي علينا أولا أن نجيب على ~~سؤال آخر، وهو: هل اعتبر يسوع نفسه ملكا؟ ms242 # تقوم فكرة ملوكية يسوع على النبوءات التوراتية بظهور ملك مسيح للرب من نسل داود في نهاية ~~الزمن، يعيد الملك إلى إسرائيل، ويحارب أعداءها في كل مكان، ويحقق ملكوت يهوه على ~~الأرض، وهو مملكة دنيوية يحكمها الرب بنفسه. وقد قام الإنجيليون كل على طريقته بتطبيق هذه ~~النبوءات على يسوع لكي يثبتوا أنه ذلك المسيح المنتظر. فهو «ابن داود» (متى، 1: 1)، ~~و«يعطيه الرب كرسي داود أبيه» (لوقا، 1: 32)، وهو «ملك اليهود» (متى، 2: 1)، وهو «ملك ~~إسرائيل» (يوحنا، 12: 13). # استنادا إلى هذه الإشارات الإنجيلية وغيرها، نشأ اتجاه لدى بعض الباحثين اليهود في كتاب ~~العهد الجديد يركز أصحابه على البرنامج السياسي لحركة يسوع، وذلك انطلاقا من أن يسوع لم ~~يكن صاحب رسالة روحية جديدة بل ثائرا يهوديا دعا إلى تحقيق مملكة الرب على الأرض من ~~خلال حكومة دنيوية. وفي هذا الموضوع يقول جيمس طابور في كتابه «سلالة يسوع» ما يلي: ~~«كان يسوع الابن البكر لأسرة ملكية متحدرة من داود الملك القديم لإسرائيل. وقد نودي به ~~ملكا وأعدمه الرومان بسبب هذا الادعاء وليس بسبب دعوته لكنيسة جديدة أو ديانة جديدة كما هو ~~شائع. فيسوع لم يكن مؤسسا لكنيسة وإنما مطالبا بعرش يتولاه ... وقد أنشأ يسوع قبل موته ~~حكومة إقليمية مؤلفة من اثني عشر مسئولا مناطقيا، كل واحد منهم رئيس على سبط من ~~أسباط إسرائيل. وقد ترك بعد موته أخاه يعقوب على رأس هذه الحكومة الوليدة ، فغدا القائد الذي ~~لا منافس له للحركة المسيحية المبكرة. هذه الحقيقة التاريخية قد نسيت والأكثر احتمالا ~~أنها قد أخفيت». # 1 # وأيضا: ~~«نحن لسنا متأكدين من كيف ومتى طور يسوع فهمه الذاتي لدوره، ولمهمته فيما اعتقد أنه كان ~~خطة للرب. من المؤكد أنه عرف وهو يترعرع أنه وإخوته كانوا ورثة ذكورا من الذرية الداودية ~~الملكية، وكان مدركا تمام الإدراك للمعاني المسائحية لهذا الميراث. والأسفار المقدسة ~~اليهودية مليئة بالوعود بأن الرب سوف يقيم في الأيام الأخيرة ملكا من ذرية داود، سوف يكون ~~أداة الإطاحة بالحكم الأجنبي وتأسيس مملكة مستقلة لإسرائيل مدشنا بذلك عصرا جديدا.» # 2 # وأيضا: ms243 ~~«وانتقل يسوع كملك مستقبلي لإسرائيل لإقامة حكومة مؤقتة تتشكل من هيئة داخلية أو مجلس ~~الاثني عشر. فقد اختار من بين أتباعه اثني عشر رجلا سماهم نوابا أو مبعوثين. وهذا هو ~~معنى الكلمة اليونانية التي ترجمت إلى رسل. وكان مقصده الأخير هو أنه عندما تصبح هناك ~~حكومة فعلية، فإن كل واحد من هؤلاء سوف يجلس على عرش واحد من أسباط إسرائيل الاثني عشر ... ~~وكانت رؤيا يسوع للمستقبل تتضمن دعوة جميع الإسرائيليين الموزعين في العالم للعودة إلى ~~البلاد، فهذا جميعه قد توقع الأنبياء حدوثه في الأيام الأخيرة، حتى إن يسوع قال بأن ~~خروجا جديدا للإسرائيليين من أراضي شتاتهم سوف يكون بحجم يعادل الخروج من مصر أيام موسى.» # 3 # وهكذا يتحول يسوع في الفكر اليهودي الحديث من مؤسس للكنيسة المسيحية: «على هذه الصخرة ~~أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقدر عليها» (متى، 16: 18)، إلى داعية للصهيونية سبق مؤسسها ~~تيودور هرتزل بألفي عام. أما عن قول الباحث في المقطع الثالث الذي اقتبسناه أعلاه بأن يسوع ~~قد تنبأ بخروج جديد للإسرائيليين من أراضي شتاتهم، فقد بحثت عن مثل هذه النبوءة في كتاب ~~العهد الجديد ولم أعثر لها على أثر في كل أقوال يسوع. ولعل باحثنا يلمح إلى قول يسوع: ~~«إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت ~~السماوات، وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية» (متى، 8: 11-12). وبنو الملكوت ~~هنا هم اليهود الذين رفضوا بشارة يسوع بينما قبلها الوثنيون الذين سيدخلون ملكوت الله، ~~أما اليهود فيطرحون إلى الظلمة الخارجية بعيدا عن رحمة الله. # ويقول مؤلفو كتاب «الكأس المقدسة والدم المقدس» الذين ناقشنا أفكارهم في بحثنا السابق «هل ~~كان يسوع متزوجا؟» ما يلي: ~~«ينص إنجيل متى بشكل واضح على أن يسوع كان ملكا أصيلا يجري في عروقه الدم ~~الملكي، وهو السليل المباشر لداود وسليمان. وإذا كان الأمر كذلك فإنه كان يتمتع ~~بحق شرعي في عرش فلسطين الموحدة. من هنا يجب ألا ننظر إلى النقش الذي كتبه ~~الوالي الروماني على الصليب: «يسوع ملك اليهود» ms244 على أنه مجرد سخرية لأن يسوع ربما ~~كان في الحقيقة ملك اليهود الذي قاد بالفعل حركة معارضة استنادا إلى دوره هذا، ~~دور الملك الكاهن الذي سيوحد البلاد والشعب اليهودي. ولهذا فقد شكل يسوع ~~تهديدا خطيرا لهيرود أنتيباس ملك الجليل وللسلطة الرومانية على حد سواء ... وخلال ~~المحاكمة التي أجراها الوالي بيلاطس دعي يسوع مرارا بملك اليهود، وبيلاطس نفسه ~~أمر أن ينقش هذا اللقب على الصليب. وهذا النقش، على ما يقول البروفيسور براندون من ~~جامعة مانشستر، يجب اعتباره صحيحا كأي شيء آخر في العهد الجديد. فلقد ورد لقب ملك ~~اليهود في الأناجيل الأربعة، ومن غير الممكن أن يكون مؤلفو الأناجيل قد ابتكروا ~~أمرا كهذا.» # 4 # في ردنا على مثل هذه الطروحات نقول ما يلي: # في البحث عن يسوع التاريخي تتخذ أقوال يسوع نفسه مصداقية أعلى من الأقوال المنسوبة إلى ~~معاصريه، لأن أقوال يسوع التي وضعت في مجموعة أو أكثر (على ما شرحنا في أبحاث سابقة) هي ~~أقدم سجل مكتوب عن يسوع، وقد كانت متداولة قبل تدوين وتداول الأناجيل بعدة عقود، وصارت ~~بعد ذلك مصدرا رئيسا لمؤلفي الأناجيل عندما كتبوا سيرة مطردة ليسوع تحتوي على أكثر من ~~الأقوال. فهل ادعى يسوع أنه ملك أو أنه ابن داود ووريثه على عرش إسرائيل؟ # إذا تابعنا ورود هذين اللقبين في الأناجيل الأربعة، لوجدنا أن يسوع لم يستخدم أيا ~~منها في الإشارة إلى نفسه بينما استخدمها الآخرون في الإشارة إليه؛ فمؤلف إنجيل متى ~~يقول في مطلع الإصحاح الأول: «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود». ويقول لوقا في قصة الميلاد ~~على لسان ملاك البشارة: «ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه» (لوقا، 1: 32). كما يرد هذا ~~اللقب على لسان أناس عاديين: «وفيما هو مجتاز من هناك تبعه أعميان يصرخان ويقولان: ~~ارحمنا يا ابن داود» (متى، 9: 27). «وفيما هو خارج من أريحا مع تلاميذه كان بارتيماوس ~~الأعمى جالسا على الطريق يستعطي، فلما سمع أنه يسوع الناصري ابتدأ يصرخ ويقول: يا يسوع يا ~~ابن داود ارحمني» (مرقس، 10: 46-47). أما يسوع فلم يكتف بتجنب ms245 هذا اللقب وإنما قال صراحة: ~~إن المسيح ليس ابنا لداود: «وبينما الفريسيون مجتمعون سألهم يسوع: ما قولكم في المسيح، ابن ~~من هو؟ قالوا له: ابن داود. فقال لهم: فكيف يدعوه ربا وهو (أي داود) يقول بوحي من الروح: ~~قال الرب (= يهوه) لربي (= المسيح) اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. فإذا كان ~~داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة» (متى، 22: 41-46). ويسوع ~~يشير هنا إلى ما ورد في المزمور 109: 1 على لسان داود: «قال الرب لربي ... إلخ». # وفيما يتعلق بلقب الملك فقد وضع متى على لسان المجوس في قصة الميلاد قولهم: «أين هو ملك ~~اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق ... إلخ» (متى، 2: 2). وفي قصة الميلاد عند لوقا قال ~~ملاك البشارة لمريم: «ويملك على بيت يعقوب ولا يكون لملكه نهاية» (لوقا، 1: 33). وعندما جاء ~~اليهود بيسوع إلى بيلاطس طالبين محاكمته قالوا له: «وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطى ~~جزية لقيصر قائلا إنه مسيح ملك» (لوقا، 23: 2). ولكن يسوع لم يدع الملوكية لا قولا ولا ~~فعلا، فبعد معجزة تكثير الخبز والسمك التي شهدها عدة آلاف من الناس على شاطئ طبريا، يقول ~~لنا مؤلف إنجيل يوحنا: «فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: هذا هو بالحقيقة النبي ~~الآتي إلى العالم. وأما يسوع فإذا علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكا ابتعد ~~عنهم وعاد وحده إلى الجبل» (يوحنا، 6: 14-15). وعندما سأله الوالي بيلاطس عما إذا كان ملك ~~اليهود كما يدعي متهموه، أوضح يسوع بكل جلاء مفهومه عن مملكة الله التي يبشر بحلولها، ~~فهي مملكة سماوية لا علاقة لها بممالك الأرض السياسية: «ليست مملكتي من هذا العالم. ولو ~~كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني رجالي لكيلا أسلم إلى اليهود. ولكن مملكتي ليست من ~~ها هنا» (يوحنا، 18: 33-36). وفي قول آخر لافت للنظر يوضح يسوع لتلاميذه طبيعة هذا الملكوت ~~الروحاني الذي ينمو في داخل النفس الإنسانية قبل أن يتجلى في خارجها: «وسأله الفريسيون: ~~متى يأتي ملكوت الله؟ فأجابهم: ms246 لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون لكم هوذا هنا أو ~~هوذا هناك، لأن ملكوت الله فيكم» (لوقا، 17: 20-21). # وفي الحقيقة لو أن يسوع كان يملك طموحات سياسية من أي نوع لتجلى ذلك في تعاليمه ~~لتلاميذه وفي مواعظه وخطبه العامة. ولكننا لا نعثر على أي أثر لتحريض سياسي علنيا ~~كان أم مبطنا في كل ما قاله يسوع، والهموم السياسية الآنية غائبة تماما عن تفكيره، وبدلا ~~من التفكير في مقاومة السلطة الزمنية والدينية المتمثلة بسلطة روما وسلطة الهيكل، فقد ~~انصب اهتمامه على مقاومة الشيطان الذي كان يرى فيه سيد هذا العالم (يوحنا، 12: 31). ولم ~~يكن إخراجه للشياطين من أجساد الممسوسين إلا مقدمة للقضاء على حكم الشيطان: «إن كنت أنا ~~بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله» (متى، 12: 28). والجمع الذي التأم حول ~~يسوع وسار معه إلى أورشليم لم يكن تجمعا سياسيا بل تجمعا روحانيا حول معلم روحاني. ~~وقد وصف يسوع جماعته بالكلمات المعبرة التالية: «لا أدعو لهم وحدهم (أي التلاميذ)، بل أدعو ~~أيضا للذين سيسمعون كلامهم فيؤمنون بي، فليكونوا بأجمعهم واحدا، وكما أنت أيها الآب في ~~وأنا فيك، كذلك فليكونوا فينا واحدا ليؤمن العالم بأنك الذي أرسلني. المجد الذي أوليتني ~~أوليتهم إياه ليكونوا واحدا كما نحن واحد؛ أنا فيهم وأنت في لتكون وحدتهم كاملة ويعرف ~~العالم أنك أرسلتني وأنك تحبهم مثلما تحبني» (يوحنا، 17: 20-23). # 5 # فأين هذا الكلام المغرق بالصوفية الشرقية من الهموم السياسية لليهود في ذلك ~~الوقت؟ # ولدينا ما يشير إلى التزام يسوع بواجباته المدنية وتأديته الضريبة المفروضة من الهيكل ~~والأخرى المفروضة من السلطة الرومانية (متى، 17: 24-27). كما أعلن يسوع في باحة الهيكل ~~أمام الجميع أنه ليس خصما للسلطة الرومانية عندما أفتى بدفع الجزية لها، قائلا: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر وما لله لله» (مرقس، 12: 17). # وفي مقابل ذلك فإن السلطة السياسية لم تجد في تحركات يسوع ما يريبها. فعلى مدى عام أو ~~أكثر من قيام يسوع بالتبشير في منطقة الجليل لم يجد هيرود أنتيباس ملك الجليل وشرقي الأردن ~~سببا لاعتقال يسوع ms247 وهو الذي لم يتردد في اعتقال يوحنا المعمدان وإعدامه وذلك لأسباب شخصية ~~لا علاقة لها بالسياسة، فما بالك إذا كان الأمر متعلقا بالتعدي على سلطة قيصر ولي نعمته ~~وحاميه؟ مما لا شك فيه هو أن هيرود شعر بالقلق من نشاطات يسوع وخاف من حدوث شغب بين تلك ~~الجماعات التي كان تلتئم حوله من أجل الشفاء غالبا ومن أجل الاستماع إلى مواعظه أحيانا؛ ~~ولهذا قال البعض ليسوع: إن هيرود يطلب قتله (لوقا، 13: 31). ولكن قلق هيرود لم يترجم إلى ~~فعل، وعندما سمع بمعجزاته وصفه بأنه خليفة يوحنا المعمدان الناسك لا بأنه محرض سياسي: ~~«ولما سمع هيرودوس قال: هذا يوحنا المعمدان الذي قطعت رأسه. إنه قام من بين الأموات» (مرقس، ~~6: 16). بل إنه كان متشوقا لرؤيته على ما يقول لوقا في روايته للخبر نفسه (لوقا، 9: 9). ~~وعندما تم القبض على يسوع وأرسله بيلاطس إليه لينظر في أمره باعتباره من رعايا الجليل، ~~تحققت أمنية هيرود وفرح لأنه سيرى يسوع أخيرا: «فلما رأى هيرودوس يسوع فرح جدا لأنه كان ~~يتمنى أن يراه لما يسمع عنه، ويرجو أن يشهد آية يأتي بها» (لوقا، 23: 8). # أما عن الوالي الروماني بيلاطس، فنحن نعرف الكثير عن قسوته وإدارته الحازمة لمقاطعتي ~~اليهودية والسامرة، وعدم تهاونه مع مثيري الشغب، وعن شرطته السرية التي كانت منتشرة في كل ~~مكان تراقب أي بادرة عصيان أو احتجاج. وقد كان منذ فترة قصيرة قد قمع بوحشية بالغة ~~ظاهرة احتجاج على استخدامه أموال الهيكل في مشروع لتزويد أورشليم بمياه الشرب، عندما ~~انقضت شرطته السرية التي دسها بين المتظاهرين وهم يخبئون الخناجر تحت ثيابهم، ~~وقتلوا منهم خلقا كثيرا. ومما لا شك فيه لو أن جواسيسه اشتموا أي بادرة من يسوع وأتباعه ~~توحي بالعداء لروما أو بالدعاية لنفسه كملك شرعي، لما تردد في التعامل معهم بالقسوة نفسها، ~~ولكن مثل هذا لم يحدث. ولسوف نرى في حينه أن كل الدعاوى التي أثارها اليهود ضد يسوع أثناء ~~المحاكمة لم تقنع هيرود الذي بقي مصرا على براءته. # فإذا كان يسوع لم يعتبر نفسه ملكا ms248 بالمعنى السياسي، فإنه لم يدخل إلى أورشليم كملك في ~~نهاية القصة الإنجيلية، والجموع الحاشدة التي رافقته في الدخول وهي تهتف وتحيي ابن داود ~~الآتي باسم الرب ملك إسرائيل، ليست إلا تضخيما لحدث عادي. وفي الحقيقة لو أن هذا الحدث وقع ~~بالطريقة التي صوره بها بعض الإنجيليين، لوصلت أخباره إلى بيلاطس الذي لم يكن ليتردد في ~~اعتقال يسوع وجماعته فورا، لا سيما وأن دخول يسوع جرى في مطلع أسبوع احتفالات عيد الفصح ~~اليهودي عندما كانت أورشليم تستقبل الآلاف المؤلفة من الحجاج القادمين من مناطق فلسطين ~~الكبرى ومن خارجها، والمناخ مهيأ لإشعال نار الفتنة السياسية بين اليهود. فما هي الصورة ~~الأقرب إلى الواقع لما يدعى عادة بالدخول الظافر ليسوع إلى أورشليم؟ ~~(1) رواية مرقس # لما اقترب الركب من أورشليم ووصلوا إلى قريتي بيت فاجي وبيت عنيا عند جبل الزيتون، ~~أرسل يسوع اثنين من تلاميذه لجلب الجحش الذي سيركب عليه، فأتيا به وألقيا عليه ثيابهما ~~فركبه: «وكثيرون فرشوا ثيابهم في الطريق، وآخرون قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في ~~الطريق. والذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: أوصنا (= هتاف للتمجيد)، ~~مبارك الآتي باسم الرب، مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، أوصنا في ~~الأعالي. ثم وصلوا إلى أورشليم» (مرقس، 11: 1-11). # ونحن إذا حذفنا من هذا المشهد الهتافات غير المنطقية التي نستبعد أن تكون قد صدرت عن ~~تلاميذ يسوع، لصرنا أمام مشهد واقعي إلى حد كبير. فمرقس لا يتحدث عن جموع غفيرة رافقت ~~موكب يسوع، وليس «الذين تقدموا» و«الذين تبعوا» و«الذين فرشوا ثيابهم في الطريق» إلا ~~تلاميذ يسوع الذين رافقوه من الجليل. وكما أوضحنا في بحث سابق تحت عنوان «هل أفلح يسوع ~~خلال حياته» فإن عدد هؤلاء لم يكن يزيد عن المائة شخص وفق أعلى التقديرات. ~~(2) رواية متى # لما اقترب الركب من أورشليم أرسل يسوع اثنين من تلاميذه لجلب جحش وأتان معا ~~معدين مسبقا ليركب عليهما يسوع. «فأتيا بالجحش والأتان ووضعا عليهما ثيابهما فركب ~~عليهما، وكان هذا لكي يتم ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون ms249 هوذا ملكك قادما ~~إليك وديعا وراكبا على أتان وجحش ابن أتان. والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق، ~~وآخرون قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في الطريق، والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا ~~كانوا يصرخون قائلين: أوصنا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا في الأعالي. ~~ولما دخل المدينة ارتجت المدينة كلها قائلة: من هذا؟ فقالت الجموع: هذا يسوع النبي ~~الذي من ناصرة الجليل» (متى، 21: 1-11). # يقتفي مؤلف إنجيل متى هنا أثر مرقس في جميع عناصر هذا المشهد مع استبدال الجحش ~~بأتان وجحش ابن أتان، بعد أن فهم المقطع الشعري في سفر زكريا حرفيا ولم ينتبه إلى ~~مبدأ التوازي الذي يقوم عليه الشعر العبري في التوراة، مثلما يقوم عليه الشعر الكنعاني ~~بشكل عام من أجل تحقيق الإيقاع المطلوب، نظرا لغياب الوزن الشعري والقافية في هذا ~~الشعر. فوفق مبدأ التوازي يتم توسيع فكرة واحدة عن طريق التكرار وإعادة الصياغة أو حتى ~~التضاد أحيانا. ولنقرأ على سبيل المثال المقطع التالي من أسطورة البعل ~~الأوغاريتية: # دعني أخبرك أيها الأمير بعل، # دعني أكرر يا راكب الغيوم. # ونلاحظ كيف تم تطوير الفكرة الواردة في البيت الأول عن طريق التكرار وإعادة الصياغة ~~في البيت الثاني، حيث استبدلت جملة: دعني أخبرك. بجملة: دعني أكرر. كما استبدلت جملة ~~أيها الأمير بعل. بجملة: يا راكب الغيوم. # هذا الأسلوب الغالب على الشعر الكنعاني قد غلب على المقاطع الشعرية في التوراة على ما ~~نبينه في الأمثلة التالية: # يمينك يا رب معتزة بالقدرة، # يمينك يا رب تحطم العدو. (سفر الخروج، 15: 6) # كيف ألعن من لم يلعنه الله، # وكيف أشتم من لم يشتمه الرب. (سفر العدد، 23: 8) # يهطل كالمطر تعليمي، # ويقطر كالندى كلامي؛ # كالطل على العشب، # وكالوابل على الكلأ. (سفر التثنية، 32: 2) # وفي سفر زكريا الذي اقتبس منه متى يستخدم المؤلف الأسلوب نفسه عندما يوازي بين ~~الأتان والجحش ابن أتان. فهما واحد لا اثنان على ما فهم متى فجعل يسوع يركب على ~~الحيوانين معا في مشهد غير واقعي؛ وذلك لاستحالة امتطاء راحلتين ناهيك عن سوقهما ~~معا. ~~(3) رواية يوحنا # يوحنا ms250 لم يرقه مشهد يسوع وهو راكب على حمارين في آن معا وفضل على ذلك جحش مرقس، ~~ودعاه جحش أتان أي ابن أتان: «وفي الغد سمع الجمع الكثير الذي جاء إلى العيد أن يسوع ~~آت إلى أورشليم، فأخذوا سعوف النخل وخرجوا للقائه وكانوا يصرخون: أوصنا، مبارك ~~الآتي باسم الرب ملك إسرائيل. ووجد يسوع جحشا فجلس عليه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ~~ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالسا على جحش أتان» (يوحنا، 12: 12-15). ~~(4) رواية لوقا # لوقا وحده يعطينا الصورة الأقرب إلى الواقع. فليس هناك من جموع ولا حشود، ولم يكن في ~~موكب يسوع سوى تلاميذه: «وأتيا بالجحش إلى يسوع وطرحا ثيابهما عليه وأركبا يسوع. وفيما ~~هو سائر فرشوا ثيابهم في الطريق، ولما قرب عند منحدر جبل الزيتون ابتدأ كل جمهور ~~التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم لأجل جميع القوات التي نظروا قائلين: مبارك ~~الملك الآتي باسم الرب، سلام في السماء ومجد في الأعالي» (لوقا، 19: 35-38). ونلاحظ ~~هنا غياب لقب «ابن داود» ذي الطابع السياسي عن هتافات التلاميذ، وكذلك الإشارة إلى ~~«مملكة أبينا داود»، كما نلاحظ اقتران لقب «الملك» بسلام السماء ومجد الأعالي لا بأي ~~مملكة أرضية. # لقد دخل يسوع إلى أورشليم كمعلم روحي يريد إسماع صوته في عاصمة الجهل والغطرسة، ~~برفقة مجموعة من أتباعه البسطاء الذين ينتمون إلى الشرائح الفقيرة في المجتمع. ولكن ~~وعلى ما يقوله مؤلف إنجيل يوحنا في مقدمته: «لقد جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته. أما ~~الذين قبلوه فقد أولاهم سلطانا أن يصيروا أبناء الله» (يوحنا، 1: 11-12). # | الأيام الستة الأخيرة # أو أسبوع الآلام # تدعى الأيام الستة الأخيرة التي قضاها يسوع في أورشليم بأسبوع الآلام. وهي تمتد من يوم ~~الأحد الواقع في 10 نيسان/أبريل إلى يوم الجمعة الواقع في 15 نيسان/أبريل، وهو أول أيام عيد ~~الفصح اليهودي. في مساء اليوم السابق للعيد أي يوم الخميس الواقع في 14 نيسان/أبريل، وهو ~~وقفة العيد، يتناول اليهود في بيوتهم عشاء طقسيا يدعى عشاء الفصح. فما الذي قام به ~~يسوع خلال هذه ms251 الأيام الستة التي انتهت بموته على الصليب؟ إن الأناجيل الأربعة ليست على ~~اتفاق فيما يتعلق بأحداث هذه الفترة. فشهادة إنجيل يوحنا تعارض شهادات الأناجيل الإزائية، ~~وهذه بدورها غير متفقة فيما بينها. # فيما يلي من هذا البحث سوف نستعرض الروايات الإنجيلية الأربعة ونقارن فيما بينها، لكي ~~نصل إلى نتيجة مرجحة بخصوص ما حدث، لا سيما فيما يتعلق بيوم العشاء الأخير ويوم ~~الصلب؛ لما لهذين التاريخين من أثر على العقيدة المسيحية. ~~(1) رواية يوحنا # وصل ركب يسوع إلى أطراف أورشليم في يوم الأحد 10 نيسان. ويبدو أن الوصول كان في وقت ~~متأخر من النهار؛ لأن يسوع توقف في بيت عنيا ~~للمبيت. وعند المساء أعدت له الأسرة المضيافة عشاء. وبينما كانت مرتا تخدم ولعازر ~~متكئا إلى المائدة بجوار يسوع، دخلت أختهما مريم وبيدها حقة من عطر الناردين الغالي ~~الثمن فدهنت به قدمي يسوع وراحت تمسحهما بشعرها ... إلى آخر القصة التي عرضناها وعلقنا ~~عليها في مواضع سابقة (يوحنا، 12: 1-8). في صباح اليوم التالي، الإثنين 11 نيسان، خرج ~~يسوع في موكبه ودخل أورشليم حيث راح يعلم في الهيكل، وفي المساء عاد إلى بيت عنيا ~~(يوحنا، 12: 20-49). وبما أن المؤلف لا يخبرنا عما فعله يسوع بعد ذلك عدا اجتماعه مع ~~الاثني عشر لتناول العشاء الأخير مساء الأربعاء 13 نيسان، فإن المرجح أنه بقي في ~~بيت عنيا يوم الثلاثاء وقبل ظهر الأربعاء. في وقت متأخر من مساء الأربعاء بعد العشاء ~~الأخير تم القبض على يسوع وسيق إلى بيت رئيس الكهنة حيث جرى استجوابه وجمع الشهادات ~~ضده ، وعندما أشرقت الشمس أخذوه إلى قصر الوالي الروماني من أجل المحاكمة الرسمية التي ~~انتهت بإدانته وصلبه عند ظهر يوم الخميس 14 نيسان، أي وقفة عيد الفصح. ويغدو الجدول ~~الزمني لأسبوع الآلام على الشكل التالي: # الأحد 10 نيسان # الإثنين 11 نيسان # الثلاثاء 12 نيسان # الأربعاء 13 نيسان # الخميس 14 نيسان # الجمعة 15 نيسان # مبيت في بيت عنيا # دخول أورشليم # إقامة في بيت عنيا # إقامة في بيت عنيا # المحاكمة # يسوع في القبر منذ البارحة ms252 # قصة حقة الطيب # تعليم في الهيكل # العشاء الأخير # الصلب والدفن # مبيت في بيت عنيا # الاستجواب ~~(2) رواية مرقس # وصل يسوع إلى أورشليم قادما من أريحا في غور الأردن عصر يوم الأحد 10 نيسان دون ~~التوقف في بيت عنيا، وتوجه من فوره إلى الهيكل حيث قام مع تلاميذه بجولة فيه. ولما ~~وجد أن النهار قد تأخر ترك المدينة قاصدا بيت ~~عنيا لقضاء الليل (مرقس، 11: 1-11). في صباح اليوم التالي، الإثنين 11 نيسان، عاد إلى ~~أورشليم فدخل الهيكل وراح يطرد الذين يبيعون ويشترون في فنائه، وقلب مناضد الصيارفة ~~وكراسي باعة الحمام. فسمع الأحبار والكتبة وجعلوا يبحثون كيف يهلكونه. وفي المساء خرج ~~من المدينة وبات في بيت عنيا (مرقس، 11: 12-19). في اليوم الثالث، الثلاثاء 12 نيسان، ~~رجع إلى أورشليم وراح يعلم في الهيكل ويجادل الأحبار والشيوخ والكتبة، وجواسيس ~~الهيكل الذين كانوا يحاولون اصطياده بكلمة. وعندما حل المساء غادر الهيكل ولم يعد ~~إليه ثانية (مرقس، 11: 15-33، و12: 1-44، و13: 1-37). في يوم الأربعاء بقي يسوع في بيت ~~عنيا. وفي المساء أعدت له وليمة في بيت سمعان الأبرص، عندما دخلت امرأة مجهولة ومعها ~~حقة من عطر الناردين الغالي الثمن فسكبتها على رأس يسوع # 1 ~~(مرقس، 14: 3-9). بعد ظهر يوم الخميس ترك يسوع بيت عنيا ليتناول عشاء الفصح ~~مع تلاميذه في أورشليم ولم يعد إلى بيت عنيا أبدا. فبعد العشاء تم القبض عليه ~~وسيق إلى بيت رئيس الكهنة. وفي يوم الجمعة أول أيام عيد الفصح حوكم ثم صلب. ويغدو ~~جدول مرقس الزمني على الوجه التالي: # الأحد # الإثنين # الثلاثاء # الأربعاء # الخميس # الجمعة # وصول إلى أورشليم وجولة في الهيكل # أحداث شغب في الهيكل # تعليم في الهيكل # إقامة في بيت عنيا # إقامة في بيت عنيا # المحاكمة # مبيت في بيت عنيا # تعليم # مبيت في بيت عنيا # مائدة مسائية # عشاء الفصح في أورشليم # الصلب والدفن # مبيت في بيت عنيا # قصة حقة الطيب # الاستجواب ~~(3) رواية متى # تختلف رواية متى عن رواية مرقس فيما يتعلق باليوم الأول فقط. فيسوع في رواية متى ~~يحدث الشغب ms253 في الهيكل حال وصوله في يوم الأحد، لا في اليوم الثاني كما هو الحال في ~~رواية مرقس. وفيما عدا ذلك فإن متى يتبع بدقة رواية مرقس، ويغدو جدوله الزمني على ~~الوجه التالي: # الأحد # الإثنين # الثلاثاء # الأربعاء # الخميس # الجمعة # وصول إلى أورشليم # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # إقامة في بيت عنيا # إقامة في بيت عنيا # المحاكمة # إحداث الشغب في الهيكل # مبيت في بيت عنيا # مبيت في بيت عنيا # مائدة مسائية # عشاء الفصح في أورشليم # الصلب والدفن # مبيت في بيت عنيا # قصة حقة الطيب # الاستجواب ~~(4) رواية لوقا # يضع لوقا أيضا حادثة الشغب في الهيكل في اليوم الأول لوصول يسوع وهو الأحد 10 نيسان. ~~ثم ينتقل إلى القول: «وكان يعلم كل يوم في الهيكل، وكان الأحبار والكتبة مع وجوه ~~الشعب يطلبون أن يهلكوه» (لوقا، 19: 45-47). وبعد ذلك تضيع العلامات الزمنية ولا ندري ~~ما فعله يسوع يوما بيوم، ولا متى كان يغادر أورشليم أو يعود إليها، وكل ما يقوله لوقا ~~بهذا الخصوص هو أن يسوع: «كان في النهار يعلم في الهيكل ثم يخرج ليبيت ليلا في ~~الجبل الذي يقال له جبل الزيتون» (لوقا، 21: 37). وبيت عنيا غائبة تماما عن هذه ~~الأحداث، ولا نعرف أين كان يسوع يقضي ليلته في جبل الزيتون. من هنا فلا مكان للمائدة ~~المسائية التي أعدت هناك ليسوع مساء الأربعاء أو لقصة المرأة التي سكبت زجاجة الطيب ~~عليه في ذلك اليوم. أخيرا وبعد أن ينتهي لوقا من سرد خطب يسوع في الهيكل وجداله مع ~~اليهود هناك (لوقا: 20-21) نجد أنفسنا في وقفة عيد ~~الفصح: «وجاء يوم الفطير الذي تقرب فيه ذبيحة ~~الفصح» (لوقا، 22: 7). يلي ذلك عشاء الفصح مساء الأربعاء، ثم القبض على يسوع واستجوابه ~~ومحاكمته صباح الخميس، ويغدو جدول لوقا المضطرب على الوجه التالي: # الأحد # الإثنين # الثلاثاء # الأربعاء # الخميس # الجمعة # وصول إلى أورشليم # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # عشاء الفصح # المحاكمة # إحداث الشغب في الهيكل # الاستجواب # الصلب والدفن # وفيما يلي سوف نجمع الجداول الزمنية الأربعة في جدول ms254 واحد لتسهيل المقارنة ~~بينها: # الجدول الزمني لأحداث أسبوع الآلام: # اليوم # إنجيل يوحنا # إنجيل مرقس # إنجيل متى # إنجيل لوقا # الأحد 10 نيسان # مبيت في بيت عنيا # وصول إلى أورشليم # وصول إلى أورشليم # وصول إلى أورشليم # جولة في الهيكل # إحداث شغب في الهيكل # إحداث شغب في الهيكل # مبيت في بيت عنيا # مبيت في بيت عنيا # الإثنين 11 نيسان # وصول إلى أورشليم # إحداث شغب في الهيكل # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # تعليم # مبيت في بيت عنيا # مبيت في بيت عنيا # مبيت في بيت عنيا # الثلاثاء 12 نيسان # إقامة في بيت عنيا # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # تعليم في الهيكل # مبيت في بيت عنيا # مبيت في بيت عنيا # الأربعاء 13 نيسان # إقامة في بيت عنيا قبل الظهر # إقامة في بيت عنيا # إقامة في بيت عنيا # تعليم في الهيكل # العشاء الأخير # مائة مسائية # مائة مسائية # الاستجواب # قصة حقة الطيب # قصة حقة الطيب # الخميس 14 نيسان # المحاكمة # إقامة في بيت عنيا قبل الظهر # إقامة في بيت عنيا قبل الظهر # عشاء الفصح # الصلب والدفن # عشاء الفصح # عشاء الفصح # الاستجواب # الاستجواب # الاستجواب # الجمعة 15 نيسان # يسوع في القبر # المحاكمة # المحاكمة # المحاكمة # منذ يوم الخميس # الصلب والدفن # الصلب والدفن # الصلب والدفن # إن الاختلافات التي يظهرها هذا الجدول بين الأناجيل الأربعة بخصوص أحداث أسبوع ~~الآلام تنقسم إلى نوعين؛ النوع الأول اختلافات غير جوهرية يمكن عزوها إلى اضطراب ذاكرة ~~الأشخاص الذين روى عنهم الإنجيليون أحداث ذلك الأسبوع، مثل يوم دخول يسوع إلى أورشليم، ~~وما إذا كان قد أحدث الشغب في الهيكل في اليوم الأول أم في اليوم الثاني أم لم يحدثه ~~في ذلك الأسبوع. أما النوع الثاني فاختلافات ذات أثر بعيد على العقيدة المسيحية، ولا ~~يمكن عزوها إلا إلى اختلاف المواقف الفكرية للمؤلفين أنفسهم. ذلك أن المضامين اللاهوتية ~~لتناول يسوع العشاء الأخير في وقفة العيد، تختلف عن المضامين اللاهوتية لتناوله ذلك ~~العشاء في اليوم السابق للوقفة. وكذلك الحال فيما يتعلق بموته على الصليب عشية اليوم ~~الذي ms255 يضحي به بحمل الفصح، أم في اليوم الأول للفصح. # سوف نبحث موضوع يوم موت يسوع في وقت لاحق، ونتفرغ في البحث التالي ليوم العشاء الأخير ~~وهل كان عشاء فصح أم لا. ولكن بعد الاستطراد التالي: # العشاءات الثلاث # في الأسبوع الأخير لدينا ثلاثة عشاءات تناولها يسوع مدعوا تتداخل فيها الأحداث، ~~وهي: ~~(1) # العشاء في بيت عنيا مساء الأحد قبل الدخول إلى أورشليم، عندما جاءت ~~مريم وسكبت الطيب على قدمي يسوع (إنجيل يوحنا). ~~(2) # العشاء في بيت سمعان الأبرص مساء الأربعاء، عندما دخلت امرأة مجهولة ~~وسكبت الطيب على رأس يسوع (مرقس، ومتى). ~~(3) # العشاء الأخير مساء الأربعاء عند يوحنا، ومساء الخميس عند ~~الإزائيين. # إن التدقيق في أخبار هذه العشاءات يقودنا إلى ملاحظة ما يلي: ~~(أ) # يشترك عشاء مساء يوم الأحد في بيت عنيا (يوحنا) مع العشاء في بيت ~~سمعان الأبرص مساء الأربعاء (مرقس + متى) بعنصر حقة الطيب التي سكبت ~~على يسوع. ~~(ب) # يشترك العشاء في بيت سمعان الأبرص (مرقس + متى) مع العشاء الأخير ~~عند يوحنا في أن كليهما حدثا مساء يوم الأربعاء. ~~(ج) # ويشترك العشاء في بيت سمعان الأبرص مساء الأربعاء (مرقس + متى)، مع ~~العشاء الأخير مساء الأربعاء (يوحنا)، في أن يهوذا الإسخريوطي غادر ~~العشاء في نهايته من أجل تنفيذ خطته الرامية إلى تسليم يسوع. نقرأ في ~~إنجيل يوحنا: «ثم غمس يسوع اللقمة ورفعها وناولها يهوذا بن سمعان ~~الإسخريوطي، فدخل فيه الشيطان بعد اللقمة. فقال يسوع: افعل ما أنت فاعل ~~ولا تبطئ ... فتناول اللقمة وخرج من وقته» (يوحنا، 13: 26-30). ونقرأ عند ~~متى في نهاية قصة العشاء عند سمعان الأبرص: «فذهب أحد الاثني عشر ~~وهو يهوذا الإسخريوطي إلى الأحبار وقال لهم: ماذا تريدون أن تعطوني ~~وأنا أسلمه لكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة » (متى، 26: 14-16. قارن ~~مع مرقس، 14: 10-11). ~~(د) # يتحول عنصر قيام مريم بسكب الطيب على قدمي يسوع ومسحهما بشعرها في ~~عشاء يوم الأحد، إلى عنصر قيام يسوع بسكب الماء على أقدام تلاميذه ~~وتجفيفها بمنديل. ~~(ه) # لوقا لم يكن في روايته مكان لعشاء تقوم فيه ms256 امرأة بسكب حقة الطيب على ~~يسوع؛ لأنه روى لنا قصة مماثلة حدثت في مطلع حياة يسوع التبشيرية، ~~عندما دعاه رجل فريسي اسمه سمعان، وبينما هو جالس إلى المائدة دخلت ~~امرأة خاطئة ومعها حقة طيب ... إلخ (لوقا، 7: 36-50). ومع ذلك فإن في قصته ~~المبكرة زمنيا ملمحا مشتركا مع عشاء يوم الأربعاء في بيت سمعان ~~الأبرص، وهو أن كلا الشخصين اللذين دخل يسوع بيتهما للعشاء يدعيان ~~بالاسم سمعان. # هذه الملاحظات تعطينا نموذجا عن مدى الاضطراب في الأخبار التي حفظها لنا الموروث ~~عن يسوع، وعن كيفية استعارة الرواة عناصر أخبارهم من بعضهم ومن مصادر أخرى، ~~وتوظيفها في مروياتهم كل على طريقة. # | هل تناول يسوع عشاء الفصح؟ # في وقفة عيد الفصح تذبح كل أسرة يهودية مقتدرة خروفا أو جديا يدعى بحمل الفصح، ثم ~~يتناولونه مساء وفق طقس خاص يدعى عشاء الفصح، وذلك احتفالا بذكرى الخروج من مصر. وقد استن ~~الإله يهوه لموسى وشعبه هذا الطقس عشية الخروج على ما نقرأ في سفر الخروج: ~~«وكلم الرب موسى وهارون في أرض مصر قائلا: هذا الشهر يكون لكم رأس الشهور، هو ~~لكم أول شهور السنة. كلما كل جماعة إسرائيل قائلين: في العاشر من هذا الشهر ~~يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت الآباء، شاة للبيت (الواحد). وإن كان البيت ~~صغيرا عن أن يكون كفؤا لشاة يأخذ هو وجاره القريب من بيته بحسب عدد النفوس ... تكون ~~لكم شاة صحيحة ذكرا ابن سنة تأخذونه من الخرفان أو الماعز، ويكون عندكم تحت الحفظ ~~إلى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر. ثم يذبحه كل جمهور جماعة إسرائيل في العشية ... ~~ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويا بالنار مع (خبز) فطير ... فتحفظون هذا الأمر فريضة ~~لك ولأولادك إلى الأبد. ويكون حين تدخلون الأرض التي يعطيكم الرب أنكم تحفظون هذه ~~الخدمة. ويكون حين يقول لكم أولادكم ما هذه الخدمة لكم؟ أنكم تقولون: هي ذبيحة فصح ~~للرب.» (الخروج، 12: 1-8، و24-27) # فهل تناول يسوع عشاء الفصح وفق التقليد الديني اليهودي؟ الأرجح هو أنه لم يتناوله، ~~والوجبة الأخيرة ms257 التي تناولها يسوع مع تلاميذه لم تكن عشاء فصح بل عشاء أخيرا وفق التسمية ~~الصحيحة لها. ونحن هنا نعتمد على شهادة شاهدين، الأول هو بولس الرسول والثاني هو مؤلف ~~إنجيل يوحنا. # إن أقدم رواية عن وجبة العشاء الأخير جاءتنا من رسائل بولس الرسول التي كانت متداولة بين ~~المسيحيين قبل تدوين الأناجيل. فهو يقول في الرسالة الأولى إلى أهالي كورنثوس: «فإني تلقيت ~~من الرب ما بلغته لكم، وهو أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها، أخذ خبزا وشكر ثم ~~كسره وقال: هذا هو جسدي إنه من أجلكم. اعملوا هذا لذكري. وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء وقال: ~~هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. اعملوا هذا كلما شربتم لذكري» (1 كورنثوس، 11: 23-25). فهنا ~~يصف بولس ليلة العشاء الأخير بأنها الليلة التي أسلم فيها يسوع لا بأنها ليلة الفصح. كما ~~أن يسوع يؤسس هنا لمفهوم «العهد الجديد» الذي يوثقه الله مع البشرية، بديلا عن «العهد ~~القديم» الذي وثقه يهوه مع شعب إسرائيل. وقد تم توثيق هذا العهد الجديد بدم يسوع الذي يرمز ~~إليه خمر العشاء الأخير: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي»، أو كما ورد عند مرقس في روايته ~~للعشاء الأخير: «هذا هو دمي الذي للعهد الجديد يسفك». ولكي نفهم ما يقصده يسوع من توثيق ~~العهد الجديد بدمه، علينا أن نرجع إلى كتاب التوراة ونرى كيف وثق يهوه بالدم عهده مع بني ~~إسرائيل. فبعد أن تلقى موسى الشريعة من يهوه وقرأها على أسماع الشعب، أجابه الجميع بصوت ~~واحد وقالوا: جميع ما تكلم به الرب نعمل. عند ذلك قام موسى بناء على توجيهات إلهه ببناء ~~مذبح في أسفل جبل حوريب الذي نزلت عليه الشريعة، وقدم عليه قرابين من الثيران كان دمها ~~كافيا لملء عدة طسوت كبيرة، ثم رش هذا الدم الغزير على الشعب وقال: هذا هو دم العهد الذي ~~عاهدكم به الرب (سفر الخروج، 24: 3-8). أما يسوع فقد استبدل دم القرابين، وهو الوسيلة ~~الوحيدة للتقرب إلى يهوه، بدمه الذي سيسفك من أجل توثيق عهد ms258 جديد هو عهد الروح مقابل ~~العهد القديم الذي كان عهد الحرف. ومن سفك دمه للعهد الجديد وأعلن سدى الطقوس القديمة، لن ~~يحتفل بالطقس المركزي منها وهو عشاء الفصح. # الشاهد الثاني هو مؤلف إنجيل يوحنا، الذي أشار في روايته وبأكثر من طريقة إلى أن العشاء ~~الأخير قد حدث عشية الأربعاء في اليوم السابق لعيد الفصح. فعندما ساق اليهود يسوع إلى دار ~~الوالي بيلاطس صباح يوم الإعدام يقول المؤلف: «وجاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية، ~~ولكنهم لم يدخلوها مخافة أن يتنجسوا فلا يتمكنوا من أكل عشاء الفصح» (يوحنا، 18: 28). وعندما ~~جلس بيلاطس على كرسي الولاية لإصدار الحكم بحق يسوع، يقول لنا المؤلف: «وجلس على كرسي ~~القضاء في موضع يسمى البلاط ويقال له بالعبرية جباثة. وكان ذلك يوم تهيئة للفصح» (يوحنا، ~~19: 13-14). وسنقدم فيما يلي قصة العشاء الأخير برواية يوحنا لنلاحظ كيف أنه لم يشأ لنا أن ~~نعتقد بأن هذا العشاء كان عشاء فصح: ~~«وكان يسوع يعلم وقد اقترب عيد الفصح، أن ساعة انتقاله من هذا العالم إلى الآب قد حانت. ~~وقد أحب أصحابه الذين هم في العالم إلى المنتهى؛ فحين كان العشاء وقد ألقى الشيطان في قلب ~~يهوذا بن سمعان الإسخريوطي أن يسلمه، قام عن العشاء فخلع رداءه وأخذ بمنشفة فائتزر بها ثم ~~صب ماء في مطهرة وشرع يغسل أقدام تلاميذه ويمسحها بالمنشفة التي كان مؤتزرا بها. فجاء إلى ~~سمعان بطرس فقال له سمعان: يا سيد، أأنت تغسل قدمي؟ فأجابه يسوع: أنت الآن لا تفهم ما أنا ~~فاعل ولكنك ستفهم فيما بعد. فقال له بطرس: لن تغسل قدمي أبدا. أجابه يسوع: إذا لم أغسلك ~~فلا حظ لك معي أبدا. فقال له سمعان بطرس: يا سيد، لا تغسل قدمي وحدهما بل أيضا يدي ~~ورأسي. فقال له يسوع: من اغتسل لا يحتاج إلا إلى غسل قدميه لأنه كله طاهر، وأنتم طاهرون ~~ولكن ليس كلكم. لأنه كان يعرف الذي سيسلمه. فلما غسل أقدامهم ولبس رداءه وعاد إلى المائدة ~~قال لهم: أتفهمون ما صنعت إليكم؟ ms259 أنتم تدعونني معلما وسيدا، وحسنا تقولون لأنني كذلك. ~~وإذا كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام ~~بعض، لأني أعطيتكم مثالا، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضا ... واضطربت نفس يسوع ~~عند هذا الكلام وشهد وقال: الحق، الحق أقول لكم: إن واحدا منكم سيسلمني. فنظر التلاميذ إلى ~~بعضهم حائرين فيمن قال عنه. وكان متكئا على حضن يسوع واحد من تلاميذه الذي كان يحبه، ~~فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه، فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال ~~له: يا سيد، من هو؟ أجاب يسوع: هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ~~ليهوذا بن سمعان الإسخريوطي. فدخل فيه الشيطان بعد اللقمة. فقال له يسوع: افعل ما أنت فاعل ~~ولا تبطئ. فلم يفهم أحد من المتكئين لماذا قال له ذلك. فظن بعضهم أن يسوع قال له اشتر ما ~~نحتاج إليه في العيد، أو أمره بأن يعطي شيئا للفقراء لأن يهوذا كان مؤتمنا على صندوق ~~الدراهم. فتناول اللقمة وخرج من وقته، وكان الليل قد أظلم» (يوحنا، 13: 1-30). # نلاحظ هنا غياب الإعدادات التي قام بها يسوع من أجل التهيئة للعشاء في أحد بيوت أورشليم، ~~والمؤلف يضعنا دون مقدمات في مشهد العشاء عندما يقول: «وحين كان العشاء ... إلخ» (يوحنا، ~~13: 2)، كما أنه لا يحدد عدد المشاركين باثني عشر ~~كما فعل الإزائيون، لأنهم ربما كانوا عدا يسوع ثلاثة عشر بسبب وجود التلميذ الحبيب. أما ~~مكان العشاء فمجهول ولكن المرجح أنه كان في بيت آخر للتلميذ الحبيب في أورشليم. كما نلاحظ ~~غياب أي إشارة من يسوع أو من تلاميذه إلى أن العشاء كان عشاء فصح، كما هو الحال في روايات ~~الإزائيين. # إذا انتقلنا إلى التقليد المرقسي لرواية العشاء الأخير ، وهو التقليد الذي اتبعه متى ~~ولوقا، نجد أن العشاء الأخير قد أقيم في مساء يوم الخميس، وأن يسوع قد أعد ترتيباته ~~مسبقا من أجل الاجتماع بتلاميذه في ذلك اليوم: ~~«في أول يوم من ms260 أيام الفطير، اليوم الذي تقرب فيه ذبيحة الفصح، قال له تلاميذه: إلى ~~أين تريد أن نمضي فنعد لك عشاء الفصح لتأكله؟ فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما: اذهبا ~~إلى المدينة فيلقاكما رجل يحمل جرة ماء فاتبعاه، وقولا لرب البيت حيث يدخل: يقول المعلم ~~أين غرفتي التي آكل فيها عشاء الفصح مع تلاميذي؟ فيريكما علية كبيرة مفروشة مهيأة ~~فأعداه لنا هناك. فذهب التلميذان وأتيا المدينة فوجدا كما قال لهما وأعدا عشاء ~~الفصح.» ~~«ولما كان المساء جاء مع الاثني عشر. وبينما هم على الطعام يأكلون قال يسوع: الحق أقول ~~لكم إن واحدا منكم سيسلمني، الآكل معي. فاستولى عليهم الحزن وأخذ يسأله الواحد بعد الآخر: ~~أأنا هو؟ فقال لهم: إنه واحد من الاثني عشر، الذي يغمس معي في الصحفة. ابن الإنسان ماض كما ~~هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الإنسان، كان خيرا لذلك الرجل لو لم ~~يولد. وفيما هم يأكلون أخذ خبزا وبارك ثم كسره وناولهم وقال: خذوا كلوا، هذا هو جسدي. ثم ~~أخذ الكأس وشرب وناولهم فشربوا منها كلهم وقال لهم: هذا هو دمي الذي للعهد الجديد يسفك من ~~أجل كثيرين. الحق أقول لكم إني لا أشرب بعد من نتاج الكرمة حتى يأتي يوم فيه أشربه خمرة ~~جديدة في ملكوت الله. ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون.» ~~«فقال لهم يسوع: ستشكون في كلكم في هذه الليلة لأنه مكتوب: «سأضرب الراي فتتبدد الخراف»، # 1 # ولكن بعد قيامي سأسبقكم إلى الجليل. فقال له بطرس: إن شك الجميع فأنا لا أشك. ~~فقال له يسوع: الحق، الحق أقول لك، إنك اليوم في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين ~~تنكرني ثلاث مرات. فقال بأكثر تشديد: لست بناكرك وإن قضي علي بأن أموت معك. وهكذا قال ~~جميعهم» (مرقس، 14: 1-31). # على الرغم من توكيد مرقس هنا على أن العشاء الأخير كان عشاء فصح، إلا أن أثرا باقيا من ~~القصة الأصلية يتمثل في رغيف الخبز الذي كسره يسوع، يدل على أن هذا العشاء لم يكن ms261 عشاء فصح. ~~فقد وردت الكلمة الدالة على رغيف الخبز في النص اليوناني بصيغة # Aratos # التي تدل على رغيف خبز عادي مصنوع من عجين خمير، ~~ولم ترد بصيغة # Matzos # الدالة على رغيف فطير مصنوع من عجين ~~غير مخمر. # 2 # وبما أن الخبز الذي يتناوله اليهود عشية ذبح وتناول حمل الفصح يجب أن يكون ~~فطيرا، فإن عشاء يسوع هنا كان عشاء أخيرا وليس عشاء فصح. # كما نلاحظ وجود فارق يبدو للوهلة الأولى هاما بين رواية مرقس التي اقتفاها كل من ~~متى ولوقا وبين رواية يوحنا، يتمثل في أن رواية يوحنا تفتقد إلى عنصر قيام يسوع بكسر ~~الخبز وإعطائه لتلاميذه على أنه جسده، ثم إعطائهم كأس الخمر على أنها دمه. وقد توقف بعض ~~الباحثين اليهود عند هذا الفارق # 3 # وخرجوا بنتيجة مفادها أن يسوع لم يؤسس لفكرة القربان المقدس وما يرتبط بها من ~~طقس التناول، # 4 # وهو الطقس المركزي في المسيحية بعد طقس المعمودية. وفي الحقيقة فإن يسوع كان قد ~~أسس لهذه الفكرة ولهذا الطقس قبل العشاء الأخير بوقت طويل (سنة على الأقل) في إنجيل يوحنا ~~عندما قال: «أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى ~~الأبد. والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ... من يأكل جسدي ويشرب ~~دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير» (يوحنا، 6: 51-54). # إذا انتقلنا إلى رواية متى نجدها تكرارا لرواية مرقس مع فارقين اثنين. يتمثل الفارق ~~الأول في غياب عنصر الرجل الحامل الجرة من توجيهات يسوع بخصوص التحضير للعشاء، وبدلا من ~~ذلك فإن يسوع يحدد للتلميذين بيتا بعينه عليهما أن يتوجها إليه بنفسيهما: «وفي أول يوم من ~~أيام الفطير دنا التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: أين تريد أن نعد لك عشاء الفصح لتأكله؟ ~~فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولا له: يقول لك المعلم إن أجلي قريب وسأقيم عشاء ~~الفصح عندك مع تلاميذي. ولما كان المساء ... إلخ» (متى، 26: 17-20). أما الفارق الثاني ~~فيتمثل ms262 في حوار قصير بين يسوع ويهوذا الإسخريوطي بعد أن أعلن لهم يسوع أن واحدا منهم ~~سيسلمه: «فقال يهوذا مسلمه: أأنا هو يا سيدي؟ فقال له: أنت قلت» (متى، ~~26: 25). # أما لوقا الذي كرر بدقة أيضا رواية مرقس، فقد حافظ على عنصر الرجل الحامل الجرة، ولكنه ~~أقحم على الرواية مقطعين؛ واحدا في وسطها وآخر في نهايتها. فبعد أن أعلن يسوع لتلاميذه أن ~~واحدا منهم سيسلمه، وراحوا يتساءلون عمن يكون، يضيف لوقا على رواية مرقس المقطع ~~التالي: «ووقع جدال بينهم من يعد أكبرهم؟ فقال لهم (يسوع): إن ملوك الأمم يسودونها، ~~والمتسلطون عليهم يدعون محسنين. أما أنتم فليس الأمر فيكم كذلك، بل ليكن الأكبر فيكم ~~كالأصغر والمترئس كالخادم ... إلخ» (لوقا، 22: 24-26). ونلاحظ هنا أن نتفا مما قاله يسوع ~~عندما غسل أقدام تلاميذه في رواية يوحنا قد وصلت إلى لوقا الذي بنى عليها هذا المقطع الذي ~~يشير مؤداه إلى ما قاله يسوع في رواية يوحنا: «إذا كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أقدامكم، ~~فيجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض.» # وفي آخر الرواية يضيف لوقا بعد توكيد يسوع على نكران بطرس له المقطع التالي: «ثم قال لهم: ~~هل أعوزكم شيء حين أرسلتكم بلا مزود ولا نعل؟ قالوا: لا. فقال لهم: أما الآن فمن لديه مال ~~فليأخذه، ومن كان لديه مزود فليحمله، ومن لم يكن لديه سيف فليبع رداءه ويشتره، لأني ~~أقول لكم: إنه ينبغي أن يتم في هذا المكتوب: «وأحصي مع أئمة»، فقد حان أجلي. فقالوا: ~~يا رب، ها هنا سيفان. فقال لهم: يكفي» (لوقا، 22: 35-38). # بعد استعراض هذه الروايات الخمس ومن ضمنها رواية بولس، هل بإمكاننا أن نجيب عما إذا كان ~~يسوع قد تناول عشاء الفصح؟ في الحقيقة نحن لا نتعامل هنا مع خمس روايات وإنما مع ثلاث فقط، ~~هي رواية بولس ورواية مرقس ورواية يوحنا. لأن روايات متى ولوقا تقتفي عادة أثر مرقس لا ~~سيما فيما يتعلق بالمفاصل والأحداث الرئيسة في حياة يسوع، وهي هنا لا تعدو أن تكون نقلا ~~حرفيا ms263 عن مصدرها المشترك. هذا القاسم المشترك بين الإزائيين يدعى في البحث الأكاديمي ~~الحديث بالتلقيد المرقسي. ونحن إذا قارنا الروايات الثلاث المتبقية نجد أن شهادة التلقيد ~~المرقسي فيما يخص العشاء الأخير تقف وحيدة أمام شهادتي بولس ويوحنا. والعشاء الذي تناوله ~~يسوع مع تلاميذه لم يكن عشاء فصح. # | ليلة القبض على يسوع # بعد انتهاء يسوع من العشاء الأخير مع تلامذته، خرج بهم قاصدا بيت عنيا كعادته. ولكنه ~~كان يعرف في سريرته أنه ربما لن يصل إلى هناك؛ لأن يهوذا لا بد فاعل ما هو بصدده هذه الليلة ~~بعد افتضاح أمره. وبعد أن قطع يسوع وادي قدرون الذي يفصل أورشليم عن جبل الزيتون شرقا، ~~توقف ودخل بستانا تعود ارتياده مع تلاميذه في ضيعة صغيرة تدعى جتسماني. وهنا يقدم لنا ~~إنجيل يوحنا الرواية الأكثر واقعية لما حدث: ~~«وخرج يسوع مع تلاميذه بعدما قال هذا الكلام، فعبر وادي قدرون ودخل هو وتلاميذه بستانا ~~هناك. وكان يهوذا الذي أسلمه يعرف ذاك المكان لكثرة ما اجتمع فيه يسوع وتلاميذه. فجاء يهوذا ~~بالجند والحرس الذين بعثهم الأحبار والفريسيون وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فتقدم ~~يسوع وهو يعلم جميع ما سيحدث وقال لهم: من تطلبون؟ فأجابوه: يسوع الناصري. قال لهم: أنا ~~هو، وكان يهوذا الذي أسلمه واقفا معهم. فلما قال لهم أنا هو، رجعوا القهقرى ووقعوا على ~~الأرض. فسألهم يسوع ثانية: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري. فأجاب يسوع: قلت لكم إني أنا ~~هو، فإذا كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون. فتم القول الذي قال سابقا: لم أدع أحدا من ~~الذين وهبتهم لي يهلك. وكان سمعان بطرس يتقلد سيفا، فاستله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع ~~أذنه اليمني، وكان اسم العبد ملخس. فقال يسوع لبطرس: أغمد السيف. أفلا أشرب الكأس التي ~~جعلها لي أبي» (يوحنا، 18: 1-11). # في هذا المقطع من إنجيل يوحنا نحن أمام رواية شاهد عيان يروي تفاصيل واقعية لم يلونها ~~خيال المؤلف بعناصر أدبية. نستثني من ذلك تفصيلا صغيرا يتعلق بوجود مجموعة من الجنود ~~الرومان جاءوا مع يهوذا وحرس ms264 الهيكل. وهذا العنصر غير ~~موجود في روايات التقليد المرقسي الثلاث، كما أنه لا يتفق مع مجريات الأحداث اللاحقة التي ~~تدل على أن الوالي بيلاطس لم يكن على علم مسبق بمؤامرة القبض على يسوع. وحتى لو كان على ~~علم مسبق ومقتنعا من ناحيته بخطر يسوع وضرورة القبض عليه، لكان أرسل من قبله مجموعة من ~~الجنود لتنفيذ المهمة دون الاستعانة بحرس الهيكل، لأن مثل هذه المهمة كانت تتعلق بالأمن ~~الروماني بالدرجة الأولى، لا بالقضايا الدينية اليهودية التي لم يكن يفقه منها ~~شيئا. # ولكن روايات التقليد لمرقس أدخلت على هذه الرواية الواقعية عددا من عناصر التشويق ~~الأدبي، وبينها قبلة يهوذا الذائعة الصيت والتي صارت رمزا للخيانة في الخيال الإنساني. ~~فهذه القبلة لم ترد في رواية يوحنا، ولم يكن لها ضرورة من حيث الأساس، لأن إشارة من إصبع ~~يهوذا نحو يسوع كانت كافية للتعريف بهويته، هذا إذا افترضنا أن حرس الهيكل لم يكونوا ~~يعرفون يسوع الذي بقي ثلاثة أشهر في الخريف الماضي يتردد على الهيكل يعلم فيه ويجادل ~~الشيوخ والكتبة والفريسيين وجواسيس رئيس الكهنة، ثم عاد في هذا الفصح فأحدث جلبة في الهيكل ~~عندما طهره من الصيارفة والتجار. نقرأ في إنجيل مرقس: ~~«ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون. ووصلوا إلى ضيعة يقال لها جتسماني، فقال ~~لتلاميذه: اقعدوا هنا ريثما أصلي. ثم مضى ببطرس ويعقوب ويوحنا، وجعل يستشعر ~~رهبة وكآبة. فقال لهم: نفسي حزينة حتى الموت، امكثوا هنا واسهروا. ثم ابتعد ~~قليلا وخر على الأرض يصلي لتعبر عنه الساعة إن أمكن. قال: يا أبتا، إنك على ~~كل شيء قدير، فاصرف عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أشاء بل كما أنت تشاء. ثم رجع ~~فوجدهم نياما، فقال لبطرس: يا سمعان أما قدرت أن تسهر ساعة واحدة؟ اسهروا ~~وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة. الروح نشيط أما الجسد فضعيف. ثم مضى أيضا يصلي ~~ويردد الكلام عينه . ورجع أيضا فوجدهم نياما والنعاس أثقل جفونهم فلم يدروا ~~بماذا يجيبونه. ثم رجع ثالثة وقال لهم: ناموا الآن واستريحوا، قضي الأمر ms265 وأتت ~~الساعة. هوذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة. قوموا لنذهب، هوذا الذي ~~يسلمني قد اقترب. # وبينما هو يتكلم أقبل يهوذا أحد الاثني عشر على رأس عصابة كثيرة العدد تحمل ~~السيوف والعصي أرسلها الأحبار والكتبة والشيوخ. وكان الذي أسلمه قد جعل لهم ~~علامة قائلا: الذي أقبله هو هو. فأمسكوه وسوقوه محفوظا. وما إن وصل حتى دنا ~~منه قائلا: يا سيدي، يا سيدي، وقبله. فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه. فاستل أحد ~~الحاضرين سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فقال لهم يسوع: كأنه على لص ~~خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني. كنت كل يوم معكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني، ~~وإنما حدث هذا لكي تتم الكتب. فتركه الجميع وهربوا. وتبعه شاب لابسا إزارا ~~على عريه فأمسكوه فتخلى عن الإزار وهرب عريانا.» (مرقس، 14: 32-52) # على الرغم مما تعرفه عن أسلوب مرقس الجاف وخلوه ~~من الخيال الأدبي، إلا أنه يقدم لنا هنا مشهدا مشبعا بالخيال الأدبي في غاية الجمال ~~والروعة عن محنة يسوع في بستان جتسماني عندما راح يصلي منفردا وتلاميذه نيام، ويناجي ربه ~~بكلمات ما زالت تمس شغاف قلوب قراء الإنجيل. وقد نسخ عنه كل من متى ولوقا هذا المشهد ~~بعناصره الرئيسية. إلا أننا نرجح أن تكون محنة يسوع في جبل الزيتون قبل القبض عليه من ~~ابتكار مرقس، لأن يسوع كان ينطق بكلماته والجميع نيام. فمن الذي سمعه ينطق بها ثم نقلها ~~إلى مؤلف الإنجيل؟ ومن الذي رآه يصلي ثلاث مرات وفي كل مرة يعود إلى تلاميذه ليجدهم ~~نياما؟ # يقتبس متى رواية مرقس بحذافيرها عما جرى في بستان جتسماني، ولكنه يضيف إليها ما ورد في ~~إنجيل يوحنا من أمر يسوع لبطرس أن يغمد سيفه بعد أن استله وضرب به عبد رئيس الكهنة، ثم ~~يتوسع في خطاب يسوع: «وإذا واحد من أصحاب يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس ~~الكهنة فقطع أذنه. فقال له يسوع : أغمد سيفك، لأن من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك. أتظن أني ~~لا أستطيع الآن أن أسأل أبي فيمدني الساعة بأكثر من ms266 اثني عشر جيشا من الملائكة؟ ولكن كيف ~~تتم الكتب التي تقول إن هذا ما يجب أن يحدث؟» (متى، 26: 51-54). # أما لوقا الذي يتبنى الرواية نفسها، فيضيف إليها معجزة إبراء يسوع لأذن عبد رئيس ~~الكهنة المقطوعة، ويحذف قول يسوع: «لأن من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك»: «فلما رأى أصحابه ما ~~يوشك أن يحدث قالوا: يا رب أنضرب بالسيف؟ وضرب أحدهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه ~~اليمنى. فأجاب يسوع: قفوا عند هذا الحد، ولمس أذنه فأبرأها» (لوقا، 22: 49-51). # وكما نلاحظ، فإن مرقس وحده قد تفرد بذكر شاب تبع يسوع عندما سيق مخفورا، وكان شبه ~~عار ليس عليه غير إزار، فلما أمسكوا به تخلى عن الإزار وهرب عريانا (مرقس، 14: 51-52). ~~فمن هو هذا الشاب؟ ولماذا كان شبه عار؟ هل كان بصحبة يسوع عندما ابتعد عن جماعته وراح ~~يصلي؟ هل هو التلميذ الحبيب الذي كان شاهدا على محنة يسوع والبقية نيام؟ أسئلة ربما كانت ~~الإجابة عليها كامنة في ثنايا إنجيل مرقس السري الذي لم تصلنا منه إلا نتف قليلة، إضافة ~~إلى هذه الشذرة المعلقة في الفراغ في إنجيل مرقس القانوني. # ولكن لماذا كان على يسوع أن يعتقل بخيانة من أحد تلاميذه؟ ولماذا كان على عملية الاعتقال ~~أن تجري سرا وفي الليل في هذا المكان المنعزل؟ ألم يكن من الممكن اعتقاله وهو يعلم في ~~الهيكل نهارا ودون الحاجة إلى خائن من جماعته يدل عليه وعلى مكان تواجده ليلا؟ إن الجواب ~~التقليدي على هذه الأسئلة يذهب إلى أن سلطة الهيكل كانت تخشى من وضع يدها عليه نهارا وعلى ~~مرأى من الناس، منعا لحدوث شغب وتمرد بين صفوف الشعب. وهذا التفسير يجد سندا له فيما ~~ورد في إنجيل مرقس: «وكان وقوع الفصح والفطير بعد يومين، وكان الأحبار يلتمسون حيلة ~~يمسكونه بها فيقتلونه، لأنهم قالوا لا نفعل ذلك في العيد مخافة حدوث شغب في الشعب» (مرقس، ~~14: 1-2). وأيضا: «فسمع الأحبار والكتبة فجعلوا يبحثون كيف يهلكونه. وكانوا يخافون من ذلك ~~لأن الجمع كان معجبا بتعليمه» (مرقس، 11: 18). # والحقيقة التي بيناها في ms267 أكثر من بحث سابق هي أن يسوع خلال زياراته السابقة لأورشليم، ~~وفي هذه الزيارة الأخيرة، لم يفلح في استمالة عدد كبير من يهود أورشليم. وقد لخص إنجيل ~~يوحنا موقف اليهود منه بالكلمات التالية: «أتاهم يسوع بجميع هذه الآيات فلم يؤمنوا به، ~~ليتم ما قال النبي إشعيا: رب، من الذي آمن بكلامنا، ولمن ظهرت يد الرب» (يوحنا، ~~12: 37-38). أما عن «الجمع الذي كان معجبا بتعليم يسوع» وفق نص مرقس، فقد وصفهم إنجيل ~~يوحنا بالنفاق؛ حيث قال في سياق وصفه لزيارة سابقة ليسوع: «ولما كان في أورشليم مدة الفصح، ~~آمن باسمه كثير من الناس لما رأوا من الآيات التي يأتي بها. على أن يسوع لم يطمئن إليهم ~~لأنه كان يعرفهم كلهم ولا يحتاج إلى من يخبره عن أحد، فقد كان يعلم ما في الإنسان» (يوحنا، ~~2: 23-25). يضاف إلى ذلك أن الإعجاب بالتعليم شيء، ووصول هذا الإعجاب حد التمرد والشغب ~~والفتنة شيء آخر. ولو أن الشعب كان مستعدا للشغب من أجل اعتقال يسوع، لكان شغبه أشد من ~~أجل صلبه. ولكن شيئا من هذا لم يحدث بل على العكس، فقد كان حشد اليهود المجتمع أمام قصر ~~بيلاطس يهتف: «اقتله، اقتله، اصلبه» (يوحنا، 19: 15). و: «اقتل هذا وأطلق لنا براباس» (لوقا، ~~23: 18). و: «دمه علينا وعلى أولادنا» (متى، 27: 25). # بعد القبض على يسوع ساقوه إلى قيافا رئيس الكهنة، وكان الوقت بعد منتصف الليل وقد تفرق ~~الرسل كل يطلب نجاته، عدا بطرس الذي تبع يسوع على ما يرويه مرقس: ~~«فذهبوا بيسوع إلى رئيس الكهنة، فاجتمع الأحبار والشيوخ والكتبة كلهم. وتبعه بطرس عن ~~بعد إلى دار رئيس الكهنة وقعد مع الحرس يستدفئ عند النار ... وبينما بطرس في الساحة السفلي ~~من الدار، جاءت جارية من جواري رئيس الكهنة فتفرست فيه وقالت: أنت كنت مع الناصري مع ~~يسوع. فأنكر قائلا: لا أدري ولا أفهم ما تقولين. ثم انسل خارجا إلى الدهليز، فصاح الديك. ~~فرأته الجارية وأخذت تقول للحاضرين : إن هذا منهم، فأنكر أيضا. وبعد قليل قال الحاضرون ~~لبطرس: حقا أنت منهم لأنك ms268 جليلي أيضا ولغتك تشبه لغتهم. فأخذ يلعن ويحلف إني لا أعرف ~~الرجل الذي تقولون عنه. فصاح الديك مرة ثانية. فتذكر بطرس قول يسوع: قبل أن يصيح الديك ~~مرتين تنكرني ثلاث مرات. وأخذ يبكي» (مرقس، 14: 53-72). # هذه القصة تتكرر بحذافيرها لدى كل من متى ولوقا، وهي تحتوي على مشكلتين؛ الأولى تتعلق ~~بكيفية تعرف الجارية (أو الجاريتين على التوالي وفق رواية متى) على بطرس مع أنها لم ~~تره من قبل ولم تكن مع الفريق الذي خرج للقبض على يسوع؟ والثانية تتعلق بكيفية دخول بطرس ~~إلى بيت رئيس الكهنة، الذي يمثل السلطة المدنية العليا في أورشليم ومن المفترض ألا يدخل ~~أحد بيته الذي هو مقره الإداري إلا وفق إجراءات خاصة. هاتان المشكلتان تحلهما رواية ~~إنجيل يوحنا التي تبدو أقرب إلى الواقع. فقد تعرف على بطرس شخص كان من مجموعة القبض على ~~يسوع. وبطرس دخل إلى بيت رئيس الكهنة بعد أن توسط له التلميذ المحبوب الذي كان مع الاثني ~~عشر في بستان جتسماني، والذي تجاهل التقليد المرقسي على عادته وجوده. وقد كان هذا التلميذ ~~الأورشليمي معروفا لدى رئيس الكهنة وتربطه معه أواصر صداقة عائلية قديمة، على ما أوضحنا ~~في بحثنا السابق عن مشكلة إنجيل يوحنا. نقرأ عند يوحنا: ~~«فقبض الجند والقائد وحرس اليهود على يسوع وأوثقوه، ومضوا به إلى دار حنان وهو حمو قيافا ~~رئيس الكهنة في تلك السنة ... وتبع يسوع سمعان بطرس وتلميذ آخر كان معروفا عند رئيس ~~الكهنة، فدخل دار رئيس الكهنة مع يسوع، أما بطرس فوقف عند الباب خارجا. فخرج التلميذ الآخر ~~الذي كان معروفا عند رئيس الكهنة وكلم البوابة فأدخل بطرس. فقالت البوابة لبطرس: ألست ~~أنت أيضا من تلاميذ هذا الرجل؟ فأجابها: لست منهم. فقال واحد من عبيد رئيس الكهنة وكان ~~نسيبا للرجل الذي قطع بطرس أذنه: أما رأيتك معه في البستان؟ فأنكر بطرس أيضا. وعندئذ ~~صاح الديك» (يوحنا، 18: 12-27). # يقدم يوحنا في هذه الرواية عنصرا مفقودا في بقية الروايات، وهو سوق يسوع أولا إلى ~~دار حنان حمي قيافا رئيس ms269 الكهنة في تلك السنة. وعلى ما سنرى بعد قليل فإن مؤلف الإنجيل ~~يطلق لقب رئيس الكهنة أيضا على حنان ويجعله يقوم بالاستجواب الأولي ليسوع قبل إرساله ~~إلى قيافا. فمن هو حنان هذا؟ وهل كان هنالك رئيسان للكهنة لا رئيس واحد؟ # كان حنان ينتمي إلى أسرة كهنوتية هي الأكثر قوة وثروة في ذلك الوقت، وذلك من خلال سيطرتها ~~على التجارة وعمليات الصرافة التي كانت تجري في فناء الهيكل. وقد شغل منصب رئيس الكهنة منذ ~~عام 6م إلى عام 15م عندما عزلته السطلة الرومانية وعينت بدلا عنه زوج ابنته قيافا الذي ~~استمر في منصبه حتى عام 36م، ولكن تحت إشراف وتوجيه حنان الذي فقد سلطته الرسمية ولكن لم ~~يفقد سلطته الفعلية التي كان يمارسها من خلال زوج ابنته الدمية قيافا، وظل يحتفظ بلقب ~~رئيس الكهنة ويمارس الاحتكار على التجارة المرتبطة بخدمات المعبد. ولذلك فقد قرنه مؤلف ~~إنجيل لوقا بقيافا عندما وصفهما معا برئيسي الكهنة أيام يسوع؛ حيث قال في مطلع حديثه عن ~~ظهور يوحنا المعمدان: «وفي الخامسة عشرة من ملك القيصر طيباريوس؛ إذ كان بيلاطس البنطي ~~واليا على اليهودية، وهيرودس أمير الربع في الجليل ... وحنان وقيافا رئيسي الكهنة، كانت ~~كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية» (لوقا، 3: 1-2). وقد شغل خمسة من أولاد حنان منصب ~~رئيس الكهنة بعد قيافا، كان آخرهم حنان الثاني الذي يروي لنا المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه ~~دعا لاجتماع غير قانوني للسنهدرين عام 62م مستغلا فرصة انتهاء ولاية الحاكم الروماني ~~لليهودية الذي سافر قبل وصول الحاكم الجديد الذي كان عليه أن يعطي الموافقة على مثل هذا ~~الاجتماع، وجعل السنهدرين ينطق بحكم الإعدام بحق يعقوب أخي يسوع بتهمة تجاهل الشريعة ~~اليهودية، الأمر الذي أدى إلى عزله من منصبه. وفي الحقيقة، فقد كان حنان على ما يبدو هو ~~الداعي الأول لاعتقال يسوع والمستفيد الأساسي من موته، بسبب تهديد يسوع لمصالح أسرته عندما ~~أظهر للناس عدم شرعية تجارة الهيكل التي تحتكرها هذه الأسرة. ووفق رواية يوحنا فإن حنان هو ~~الذي قام ms270 بالاستجواب المبدئي ليسوع، ثم أرسل به إلى قيافا الذي اقتصرت مهمته على رفع قضية ~~يسوع رسميا إلى الوالي بيلاطس البنطي، على ما سنرى في البحث التالي. # | محاكمة يسوع # مرت محاكمة يسوع بمرحلتين، المرحلة الأولى في بيت رئيس الكهنة وكان الهدف منها جمع ~~الشهادات ضد يسوع من أجل تقديمه إلى الوالي الروماني بيلاطس بتهمة التحريض السياسي ضد روما، ~~والمرحلة الثانية في قصر بيلاطس الذي تولى بنفسه إجراءات المحاكمة. # إن كل ما وصل إلى يدي مما كتبه الباحثون المحدثون في العهد الجديد عن محاكمة يسوع، يركز ~~على ما ورد في التقليد المرقسي ولا يعير اهتماما لما ورد في إنجيل يوحنا. فيسوع قد اعترف ~~أمام قضاته أخيرا بأنه المسيح وبأنه ابن الله، وملك اليهود، وحكم عليه بالموت لما تثيره ~~هذه الألقاب من تداعيات سياسية في ذلك الوقت. ولكن أجوبة يسوع على قضاته في التقليد ~~المرقسي ليست على هذه الدرجة من المباشرة والوضوح، على ما تبينه المقتبسات ~~التالية: ~~(1) في بيت رئيس الكهنة # مرقس ~~«فذهبوا بيسوع إلى رئيس الكهنة. فاجتمع الأحبار والشيوخ والكتبة كلهم. وكان ~~الأحبار والمجلس (= السنهدرين) كافة يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا. ~~ذلك بأن أناسا كثيرين كانوا يشهدون عليه زورا فلا تتفق شهاداتهم. فقام بعضهم ~~وشهدوا عليه زورا وقالوا: قد سمعناه يقول: سأنقض هذا الهيكل الذي صنعته الأيدي ~~وأبني في ثلاثة أيام هيكلا لم تصنعه الأيدي. وهذا أيضا لم تتفق عليه شهاداتهم ... ~~فقام رئيس الكهنة في وسط المجلس وسأل يسوع: أما تجيب ~~بشيء؟ ما هذا الذي يشهد به هؤلاء عليك؟ فظل ~~صامتا ولم يجب بشيء. فسأله أيضا رئيس الكهنة: أأنت المسيح ابن المبارك؟ فقال ~~يسوع: أنا هو. وسترون ابن الإنسان جالسا عن يمين قدرة الله وآتيا على غمام ~~السماء. فشق رئيس الكهنة ثيابه وقال: ما حاجتنا بعد إلى شهود وقد سمعتم التجديف؟ ~~ما رأيكم؟ فأجمعوا على الحكم بأنه يستوجب الموت. وأخذ بعضهم يبصقون عليه ويغطون ~~وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ. وكان الحرس يلطمونه» (مرقس ، 14: 53-65). # متى ~~«فقال رئيس الكهنة وقال له: ms271 ما هذا الذي يشهد به هذان عليك؟ فظل يسوع صامتا. ~~فقال له رئيس الكهنة: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: أأنت المسيح ابن الله؟ فأجاب ~~يسوع: أنت قلت. وأنا أقول لكم: سترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة وآتيا على ~~غمام السماء. فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: لقد جدف فأي حاجة بنا إلى الشهود؟ ها ~~قد سمعتم تجديفه. ماذا ترون؟ فأجابوا وقالوا: يستوجب الموت. فبصقوا في وجهه ولكموه، ~~وآخرون لطموه قائلين: يا أيها المسيح تنبأ لنا من ضربك» (متى، ~~26: 63-68). # لوقا ~~«وكان الذين يحرسون يسوع يسخرون منه ويضربونه ويغطون وجهه ويسألونه: من ضربك؟ ~~وأوسعوه غير ذلك من الشتائم. ولما طلع الصبح اجتمع مجلس الشيوخ والأحبار والكتبة، ~~فاستحضروه إلى مجلسهم وقالوا: إن كنت المسيح فقل لنا. فقال لهم: لو قلت لكم لا ~~تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسا عن ~~يمين قوة الله. فقال الجميع: أفأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إني أنا هو. ~~فقالوا: ما حاجتنا بعد إلى شهادة وقد سمعنا ما نطق به لسانه؟» (لوقا، ~~22: 63-71). # من قراءة هذه الروايات الثلاث نخرج بالملاحظات التالية: ~~(1) # في رواية مرقس ومتى يساق يسوع إلى بيت رئيس الكهنة بعد منتصف ليلة ~~وقفة عيد الفصح في الرابع عشر من نيسان. أما في رواية لوقا ففي صباح ~~اليوم الأول من عيد الفصح في الخامس عشر من نيسان. ~~(2) # لم تكن الأعراف اليهودية تسمح بعقد المحاكمات ليلا، ناهيك عن أن ~~استجواب السنهدرين ليسوع قد حصل في يوم الفصح المقدس الذي ينطبق عليه ~~ما ينطبق على يوم السبت من عدم القيام بأي عمل، ويدعى أيضا بالسبت ~~أي يوم الراحة. ~~(3) # انعقد مجلس السنهدرين ليلا وفي بيت رئيس الكهنة، وهذا مخالف لنظام ~~السنهدرين الذي يجتمع نهارا وفي مكان خاص في الهيكل بعد موافقة ~~الوالي الروماني. ولا يكون اجتماعه قانونيا خارج هذه الشروط. ~~(4) # عندما وصل يسوع كان السنهدرين منعقدا بأعضائه البالغ عددهم نحو 70 ~~عضوا. فكيف تسنى لرئيس الكهنة إيقاظ هؤلاء من نومهم وجلبهم ms272 إلى ~~مقره خلال الفترة الفاصلة بين القبض على يسوع في البستان ووصوله إلى ~~المقر؟ والرد هنا بأن المجلس قد أعلم مسبقا بالاجتماع قبل وقت كاف ~~غير منطقي، لأن القبض على يسوع لم يكن مؤكدا وهروبه كان ~~محتملا. ~~(5) # في رواية مرقس ومتى لم يكن رئيس الكهنة المزمع على استجواب يسوع قد ~~أعد شهودا يشهدون ضد يسوع، وجيء بشهود عرضيين تضاربت شهاداتهم. ~~وهذا شيء مستغرب لأن قرار قتل يسوع قد اتخذ قبل القبض عليه بوقت ~~كاف، وكان على الأحبار والشيوخ والكتبة تجهيز قضية محكمة قانونيا ~~لتقديمها إلى بيلاطس، ولكن مثل هذا لم يحدث. ~~(6) # في جواب يسوع على سؤال «هل أنت المسيح ابن الله؟» يضع مرقس على لسانه ~~قوله: «أنا هو. وسترون ابن الإنسان ... إلخ». أما عند متى ولوقا فإن ~~يسوع يتقدم بإجابة مخاتلة يمكن أن تفهم بأكثر من طريقة عندما يقول: ~~«أنت قلت» عند متى، أو «أنتم تقولون إني أنا هو» عند لوقا. فهل قصد ~~يسوع من ذلك إلى القول: «أنت قلت ما هو صواب» أو «أنت قلت ذلك لا أنا»؟ ~~إن الباحثين في العهد الجديد ما زالوا حتى الآن في خلاف حول مؤدى ~~إجابة يسوع. ~~(7) # وحتى لو افترضنا جدلا بأن يسوع قبل لقب ابن الله، فإن هذا لا يعد ~~كفرا أو تجديفا بالنسبة إلى العقيدة التوراتية. فمسيح الرب هو ابن ~~بالتبني للإله يهوه. نقرأ في سفر المزامير على لسان داود: «إني أخبر ~~من جهة قضاء الرب. قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك» (المزمور، 2: 7). ~~ونقرأ في سفر صموئيل الثاني على لسان يهوه في وصف علاقته مع سليمان: ~~«أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا» (2 صموئيل، 7: 14). # فإذا كان يسوع هو المسيح فعلا فإن ذلك يستدعي بالضرورة أن الرب قد ~~جعله ابنا بالتبني. وإذا لم يكن هو المسيح فإن ادعاء بنوته للرب هو ~~ادعاء شخص فاقد الرشد يستحق الجلد والتأديب لا المحاكمة والصلب. ~~(8) # تركز استجواب رئيس الكهنة ليسوع حول ادعائه للقب المسيح أو ابن ~~الله، ولكنه لم يستجوبه عما إذا كان ms273 ينشط بدافع من هذا الادعاء ويدعو ~~لنفسه كملك، أو عما إذا كان قد مارس التحريض ضد روما. والشهادة الوحيدة ~~التي حصلوا عليها ضده وكانت شهادة ضعيفة وهي أنه قال: «سأنقض هذا ~~الهيكل الذي صنعته الأيدي وأبني في ثلاثة أيام هيكلا آخر لم تصنعه ~~الأيدي.» وقائل هذا الكلام إما أنه يستهزئ بعبادة الهيكل التي تقوم على ~~تقريب الذبائح الحيوانية، ويدعو إلى عبادة الله بالروح، أو أنه شخص ~~مختل يدعي ما لا طاقة لبشر عليه. وفي كلا الحالين فإنها مسألة ~~لا تعني السلطة الرومانية بشيء. من هنا فإن المرء يعجب من رفع ~~السنهدرين القضية إلى بيلاطس للفصل بها في ظل عدم وجود قضية من حيث ~~الأساس. # يوحنا # في رواية يوحنا لا يقوم رئيس الكهنة باستجواب يسوع عما إذا كان المسيح أو ~~ابن الله، وبالتالي لا يوجد ادعاء ليسوع بقبول هذين اللقبين أو نفيه لهما. وهذا ما ~~يكسب رواية يوحنا مصداقية أكثر من الرواية الإزائية. والنقطة الجوهرية في جواب ~~يسوع هنا هي أنه كان يعلم علنا ولم يقم بأي نشاط سري: ~~«فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه. فأجابه يسوع: كلمت الناس علانية ~~وعلمت في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء. لماذا ~~تسألني أنا؟ اسأل الذين سمعوني عما كلمتهم به فهم يعرفون ما قلت. ولما قال هذا ~~لطمه واحد من الخدام كان بجانبه وقال له: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ فأجابه يسوع: إن ~~كنت قد أسأت في الكلام فقل لي أين الإساءة، وإن كنت قد أحسنت في الكلام فلماذا ~~تضربني؟ فأرسل به حنان موثقا إلى قيافا رئيس الكهنة. وذهبوا بيسوع من عند قيافا ~~إلى دار الحاكم» (يوحنا، 18: 19-28). # في هذه الرواية، وعلى عكس رواية التقليد المرقسي، فإن رئيس الكهنة لم يسأل يسوع ~~عما إذا كان هو المسيح ابن الله، ويسوع من ناحيته لم ينطق بالتصريح المجلجل: «أنا ~~هو» أو بالتصريح الغامض: «أنت قلت» أو «أنتم تقولون إني أنا هو». وهذا يعني أن تهمة ~~ادعاء يسوع المسيحانية لم تكن ms274 النقطة المحورية في الاستجواب المبدئي. لقد كان رئيس ~~الكهنة مهتما بمعرفة طبيعة تعاليم يسوع، وعندما سأله عن تلاميذه كان مهتما ~~بمعرفة مدى انتشار دعوة يسوع وعدد الذين آمنوا به أو تبعوه. وعلى عكس التقليد ~~المرقسي أيضا فإن رئيس الكهنة لم يحشد الشهود ضد يسوع من أجل ترتيب قضية يرفعها ~~إلى الوالي الروماني لإدانة يسوع بتهمة التحريض ضد روما. فلماذا رفعت هذه القضية ~~إلى بيلاطس؟ ~~(2) في قصر بيلاطس # إن ما جرى في قصر بيلاطس هو أكثر غموضا مما جرى في بيت رئيس الكهنة. فالشهادات ~~الإزائية هنا تناقض بعضها البعض مثلما تناقض شهادة يوحنا. # مرقس ~~«وما إن أسفر الصبح حتى اجتمع للشورى الأحبار والشيوخ والكتبة والمجلس كله، ثم ~~أوثقوا يسوع وساقوه وأسلموه إلى بيلاطس، فسأله بيلاطس: أأنت ملك اليهود؟ فأجابه: ~~أنت تقول. وكان الأحبار يتهمونه اتهامات كثيرة، فسأله بيلاطس ثانية: أما تجيب ~~بشيء؟ انظر كم يشهدون عليك. فلم يجب يسوع بشيء حتى تعجب بيلاطس. وكان يطلق لهم ~~في كل عيد سجينا، أي واحد طلبوا. وكان المسمى براباس مسجونا مع رفقائه الذين ~~اجترموا القتل في فتنة. فصعد الجمع وأخذوا يطلبون ما تعودوا أن يمنحهم. فأجابهم ~~بيلاطس: أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ لأنه كان يعلم أن الأحبار كانوا قد ~~أسلموه حسدا. فأثار الأحبار الجمع لكي يختاروا إطلاق براباس. فخاطبهم بيلاطس ~~ثانية وقال لهم: وأي شر عمل؟ فازدادوا صراخا: اصلبه. وأراد بيلاطس أن يرضي ~~الجميع فأطلق لهم براباس، وبعدما جلد يسوع أسلمه للصلب» (مرقس، 15: 1-15). # لا يخبرنا نص مرقس هذا عن الاتهامات الكثيرة التي وجهها الأحبار إلى يسوع أمام ~~بيلاطس، ولكن يبدو أنها تركزت حول نقطة هامة واحدة وهي ادعاء يسوع بأنه ملك ~~اليهود. وهنا نجد أن الأحبار قد خاطبوا بيلاطس بما يفهمه كروماني لا يعرف شيئا عن ~~مصطلحات الدين اليهودي، فقالوا «ملك اليهود» عوضا عن «المسيح» أو «ابن الله». ~~وعندما سأله بيلاطس: «أأنت ملك اليهود؟» وأجابه يسوع: «أنت تقول ذلك»، فهم بيلاطس ~~هذا الجواب على حقيقته، أي: «أنت تقول ذلك لا أنا». ولذلك ms275 لم يجد في المتهم علة، ~~وقال للطالبين صلبه: «وأي شر عمل؟» ولو أنه فهم من إجابة يسوع ادعاءه الفعلي ~~لملوكية اليهود لسارت المحكمة في اتجاه مختلف تماما، ولما أعلن بيلاطس عن قناعته ~~ببراءة يسوع. وفي جميع الأحوال فإن ادعاء أي شخص بأنه ملك شيء، والعمل بموجب ~~الادعاء شيء آخر. ومتهمو يسوع لم يقدموا لبيلاطس من البينات ما يدل على قيام يسوع ~~بالدعاية لنفسه كملك أو بالتحريض السياسي ضد السلطة المدنية أو السلطة الرومانية، ~~فحاول أن يجد له مخرجا بجعله السجين الذي يطلقه لليهود كل عام في عيد ~~الفصح. # وهناك نقطة إجرائية مهمة لم تراع في هذه المحاكمة، وهي أن يسوع لم يكن خاضعا ~~لسلطة بيلاطس ولا للسلطة المدنية في مقاطعة اليهودية، وإنما لسلطة هيرود أنتيباس ~~ملك الجليل باعتباره مواطنا جليليا، ولهيرود وإدارته المدنية فقط الحق في ~~محاكمته. وهذا ما يجعل محاكمة يسوع باطلة من الناحية الإجرائية. وقد انتبه لوقا ~~وحده إلى هذا الخلل الإجرائي، فأشرك هيرود في محاكمة يسوع ولكنه جعل محكمة بيلاطس ~~في النهاية مسئولة عن إصدار هذا الحكم الباطل. # متى # يقتفي متى أثر لوقا في جميع تفاصيل روايته، ولكنه يضيف إليها عنصرين؛ الأول ~~تدخل زوجة بيلاطس لصالح يسوع: «وبينما هو جالس للقضاء أرسلت إليه امرأته تقول: ~~لا تتدخل في قضية هذا البار لأني تألمت أشد الألم من أجله في الحلم.» والثاني قيام ~~بيلاطس بغسل يديه أمام الجميع كناية عن براءته من دم يسوع: «قال لهم: وأي شر عمل؟ ~~فكانوا يزدادون صراخا قائلين: ليصلب. فلما رأى بيلاطس أنه لم يستفد شيئا بل ~~تفاقم الشغب، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجميع قائلا: إني بريء من دم هذا البار. ~~أنتم وشأنكم فيه. فأجاب الشعب بأجمعه: دمه علينا وعلى أولادنا.» # ولو أن جملة «دمه علينا وعلى أولادنا.» وردت في إنجيل يوحنا، لقلنا مع الباحثين ~~اليهود بأنها تنسجم مع الكراهية التي يعلنها مؤلف إنجيل يوحنا لليهود، ولكن ورودها ~~عند متى الذي يعتبر الأكثر عبرانية بين الإنجيليين، هو دلالة على ~~أصالتها. # وهنا يقول الباحثون ms276 اليهود في العهد الجديد إن مؤلفي الأناجيل، لا سيما متى، قد ~~بالغوا في إظهار بيلاطس بمظهر البريء من دم يسوع وحملوا اليهود وحدهم مسئولية ~~إعدام يسوع، ممالأة لروما بعد الحروب اليهودية التي دمر فيها الرومان أورشليم ~~وقتلوا مئات الآلاف من أهل مقاطعتها عام 70م. ولكن المسيحيين كانوا زمن تدوين ~~الأناجيل، أي فيما بين عام 70 وعام 110م، عبارة عن جماعات سرية مضطهدة من قبل ~~السلطات الرومانية، وبقوا على هذه الحال لأكثر من قرنين قادمين. وبالتالي لم يكن ~~لديهم سبب لممالأة روما، وإنما العكس هو الصحيح. ولا أدل على ذلك من أن سفر ~~الرؤيا في العهد الجديد قد أشار إلى روما تحت لقب بابل الكبرى، وأم بغايا الدنيا ~~وأدناسها، وتنبأ بخرابها كمقدمة لحلول مملكة الرب (سفر الرؤيا: 16-18). وهناك ~~اتجاه في البحث الحديث في تاريخ المسيحية، يقول بأن المسيحيين في روما لم ~~يتهموا باطلا من قبل نيرون بتسبيب الحريق الهائل الذي التهم معظم أجزاء ~~المدينة، وإنما فعلوا ذلك بدافع ما ورد في سفر الرؤيا، واعتقادهم بأن زوال مدينة ~~روما هو مقدمة لانتصار البشارة. # لوقا ~~«ثم قام الحضور بأجمعهم فمضوا به إلى بيلاطس، وأخذوا يتهمونه قائلين: ~~إننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطى الجزية لقيصر، ويزعم أنه مسيح ~~ملك. فسأله بيلاطس: أأنت ملك اليهود؟ فأجاب: أنت تقول ذلك. فقال بيلاطس ~~للأحبار والجموع: إني لا أجد علة في هذا الرجل. فكانوا يشددون قائلين: ~~إنه يثير الشعب وهو يعلم في كل اليهودية من الجليل إلى هنا. فلما سمع ~~بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليلي؟ فلما عرف أنه من ولاية هيرودوس ~~بعث به إليه وهو يومئذ نازل في أورشليم. # فلما رأى هيرودوس يسوع فرح جدا لأنه كان يريد من زمن بعيد أن يراه ~~لما سمع عنه، ويرجو أن يرى آية يأتي بها. فسأله عن مسائل عديدة فلم يجبه ~~عن شيء. ووقف الأحبار والكتبة يشتكون عليه باشتداد. فازدراه هيرودوس مع ~~عسكره وسخر منه فألبسه ثوبا براقا ورده إلى بيلاطس. فصار هيرودوس ~~وبيلاطس صديقين في ms277 ذلك اليوم وكانا قبلا متعاديين. # فدعا بيلاطس الأحبار والعظماء والشعب وقال لهم: قد قدمتم إلي هذا ~~الرجل على أنه يفسد الشعب. وها أنا قد فحصت عن الأمر قدامكم ولم أجد في ~~هذا علة مما تشتكون به عليه، ولا هيرودوس أيضا لأني أرسلته إليه. فهو ~~إذن لم يقترف ما يستوجب الموت. فسأطلقه بعدما أجلده. وكان لا بد من أن ~~يطلق لهم في كل عيد رجلا. فصاحوا بأجمعهم: اقتل هذا وأطلق لنا براباس. ~~وكان ذاك قد وضع في السجن لفتنة حدثت في المدينة وقتل، فناداهم أيضا وهو ~~يريد أن يطلق يسوع، فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه. فقال لهم ثالثة: فأي ~~شر عمل؟ إني لم أجد عليه ما يستحق الموت. فسأطلقه بعدما أجلده. ~~فألحوا عليه بأعلى أصواتهم طالبين أن يصلب واشتد ضجيجهم. فقضى بيلاطس ~~بإجابة طلبهم، فأطلق لهم الذي وضع في السجن لأجل فتنة وقتل، ذلك الذي ~~طلبوه، وأسلم يسوع لمشيئتهم.» (لوقا، 23: 1-24) # يقتفي لوقا هنا أثر رواية مرقس بحذافيرها، ولكنه انتبه إلى ما لم ينتبه له مرقس ~~ومتى من لا شرعية محاكمة بيلاطس ليسوع باعتباره مواطنا جليليا، فجعل بيلاطس ~~يحيل يسوع إلى ملك الجليل هيرود أنتيباس الذي كان في أورشليم للمشاركة بعيد الفصح. ~~لقد كان هيرود يعرف كل شيء عن يسوع وتعاليمه من خلال التقارير التي كانت ترفع ~~إليه عن نشاطاته. وقد فكر مرة باعتقاله واستجوابه (لوقا، 13: 31-32) لما رآه من ~~تجمع الناس حوله وتداولهم لمعجزاته، ولكنه لم يفعل بعد أن تأكد من أنه لا يشكل ~~خطرا على سلطته. من هنا لم يكن لدى هيرود ما يستجوب يسوع عنه، بل كان تواقا ~~لرؤية بعض معجزاته التي سمع عنها. ولكن يسوع رفض التحدث إليه. وعلى الرغم من أن ~~متهمي يسوع قد رافقوه إلى مقر هيرود وكرروا شكاياتهم عليه، إلا أنه لم يستجوبه ~~بشكل فعلي ورده إلى بيلاطس معتقدا ببراءته من التهم وبأنه مجرد صاحب أوهام ~~وخيالات يستوجب السخرية والهزء أكثر مما يستوجب الإدانة والعقاب. # يوحنا # في قصر بيلاطس كما في بيت رئيس الكهنة، لم ms278 يسأل يسوع عما إذا كان المسيح أو ابن ~~الله. أما بخصوص ادعاء الملوكية فقد لخص يسوع في جوابه الشهير: «ليست مملكتي من هذا ~~العالم» طبيعة رسالته البعيدة عن الهم السياسي والقومي لليهود: ~~«فخرج إليهم بيلاطس وقال: بماذا تتهمون هذا الرجل؟ فأجابوه: لو لم يكن ~~مجرما لما أسلمناه إليك. فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم فحاكموه كما تقضي ~~شريعتكم. فأجابه اليهود: لا يحق لنا أن نقتل أحدا، فعاد بيلاطس إلى دار ~~الولاية ثم دعا يسوع، وقال له: أأنت ملك اليهود؟ أجاب يسوع: أتقول هذا من ~~عندك أم قاله لك آخرون؟ فقال بيلاطس: أفأنا يهودي؟ إن أمتك والأحبار ~~أسلموك إلي، فماذا فعلت؟ أجاب يسوع: ليست مملكتي من هذا العالم. ولو كانت ~~مملكتي من هذا العالم لدافع عني رجالي لكيلا أسلم إلى اليهود. ولكن ~~مملكتي ليست من ها هنا. فقال له بيلاطس: أفأنت ملك إذن؟ أجاب يسوع: أنت ~~تقول إني ملك. لهذا ولدت وأتيت إلى العالم لأشهد للحق، فمن كان من أبناء ~~الحق يصغي إلى صوتي، فقال له بيلاطس: ما هو الحق؟ وبعدما قال ذلك خرج ~~ثانيا إلى اليهود وقال لهم: لم أجد سببا لتجريمه. وقد جرت العادة عندكم ~~أن أطلق لكم سجينا في الفصح. أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟ فعادوا ~~إلى الصياح: لا تطلق هذا بل براباس. وكان براباس لصا. # فأمر بيلاطس بأن يؤخذ يسوع ويجلد. ثم ضفر الجنود إكليلا من الشوك ~~ووضعوه على رأسه، وألبسوه رداء أرجوانيا وأخذوا يدنون فيقولون وهم ~~يلطمونه: السلام يا ملك اليهود. ثم خرج بيلاطس وقال لهم: سأخرجه إليكم ~~لتعلموا أني لم أجد سببا لتجريمه. فخرج يسوع وعليه إكليل الشوك والرداء ~~الأرجواني. فقال لهم بيلاطس: خذوه أنتم فاصلبوه فإني لم أجد سببا لتجريمه. ~~فأجابه اليهود: إن لنا شريعة وهذه الشريعة تقضي عليه بالموت لزعمه أنه ابن ~~الله. فلما سمع بيلاطس هذا الكلام اشتد خوفه، فدخل دار الولاية وقال ليسوع: ~~من أين أنت؟ فلم يجب يسوع بشيء. فقال له بيلاطس: ألا تكلمني؟ أفلست ~~تعلم أن لى سلطانا أن ms279 أطلقك وسلطانا أن أصلبك؟ فأجابه يسوع : لم يكن لك ~~علي سلطان البتة إذا لم تكن قد أعطيت من فوق. فالذي أسلمني إليك له ~~خطية أعظم من خطيتك. فحاول بيلاطس عندئذ أن يخلي سبيله، ولكن اليهود ~~صاحوا: إن أخليت سبيله فلست محبا لقيصر لأن من يدعي الملك يعد ~~خارجا على قيصر. فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أمر بإخراج يسوع وجلس على ~~كرسي القضاء في موضع يقال له البلاط وبالعبرانية جباثة. وكان ذلك اليوم يوم ~~تهيئة للفصح والساعة نحو السادسة (= الثانية عشرة ظهرا). فقال لليهود: ~~هوذا ملككم. فصاحوا: اقتله، اصلبه. قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ فأجاب ~~الأحبار: لا ملك علينا إلا قيصر. فأسلمه إليهم ليصلب.» (يوحنا، 18: 28-40، ~~و19: 1-16) # في هذه الرواية، وأكثر من الروايات الثلاث السابقة، تبدو قضية يسوع بلا أساس ~~يستند إليه بيلاطس في إدانة يسوع. ولم يكن استخدام بيلاطس لقب ملك اليهود في ~~الإشارة إلى يسوع عندما قال: «أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟» أو «هوذا ملككم» ~~إلا من قبيل السخرية المرة من المسألة برمتها. فلماذا رضخ لضغط اليهود؟ إن كل ~~الظروف المحيطة ببيلاطس في تلك الفترة كانت تدعوه لعدم إصدار حكم إعدام في حق بريء. ~~فلقد اشتكى عليه اليهود أمام المفوض الروماني العام في دمشق بعد المجزرة التي قام ~~بها ضد المحتجين على استيلائه على جزء من أموال الهيكل وصرفها على جر مياه الشرب ~~إلى أورشليم. كما اشتكى عليه السامريون بسبب مجزرة مماثلة، ورفعت هذه الشكاوى إلى ~~القيصر الذي كان يفكر بعزله من منصبه بسبب سوء استخدام السلطة والإفراط في العنف، ~~وبالتالي فإن بيلاطس لم يكن ينقصه شكوى أخرى بإعدام بريء تضاف إلى تلك الشكاوى. ~~ومن الملفت للنظر أنه في نهاية عام 36م (أي بعد عام على إعدام يسوع) استدعي بيلاطس ~~إلى روما لاستجوابه بشأن التهم الموجهة إليه ولم يعد إلى فلسطين بعد ذلك. وفي ~~عيد الفصح من عام 37م تم عزل رئيس الكهنة قيافا من منصبه. # 1 # فهل كان لإعدام يسوع علاقة بذلك؟ # | لماذا أدين يسوع؟ # بعد ms280 أن عرضنا بالتفصيل في البحث السابق كل ما ورد في الروايات الإنجيلية الأربعة عن ~~محاكمة يسوع، والتي بدت مجرد استجواب قصير قاد إلى إصدار حكم لم يكن القاضي نفسه مقتنعا ~~به، هناك سؤالان لا يسعفنا النص بجواب مقنع عليهما. الأول هو لماذا رفعت سلطة الهيكل قضية ~~يسوع إلى بيلاطس بتهمة التحريض السياسي ضد روما، وهي تهمة لم تستطع إثباتها عليه ولم تقدر ~~على حشد الشهود لها؟ والسؤال الثاني هو لماذا رضخ بيلاطس لضغط اليهود بعد أن أعلن مرارا ~~قناعته التامة ببراءته مما يتهمونه به؟ لقد قال بيلاطس لليهود وفق رواية مرقس بعد أن انتهى ~~من استجواب يسوع: «أي شر عمل؟» (مرقس، 15: 14). وقال لهم وفق رواية لوقا: «لم أجد في ~~هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه. ولا هيرودوس أيضا» (لوقا، 23: 13). وقال في إنجيل ~~يوحنا: «لم أجد سببا لتجريمه» (يوحنا، 18: 38). وأخيرا: «أخذ ماء وغسل به يديه قدام ~~الجميع قائلا: إني بريء من دم هذا البار» (متى، 27: 24). فلماذا لم يحكم ببراءته بدلا من ~~أن يغسل يديه من دمه، لا سيما وأن سلطة الهيكل لم تفلح في تقديم بينة واحدة على ~~شكاويها المزعومة؟ # ثم ما معنى قول اليهود لبيلاطس: «إن أخليت سبيله فلست محبا لقيصر»؟ (يوحنا، 19: 12). ~~لقد أظهر بيلاطس ولاءه لقيصر قبل ذلك بأشهر قليلة، عندما هاجمت شرطته السرية المتظاهرين ~~اليهود الذين خرجوا يحتجون على استيلائه على بعض من أموال خزينة الهيكل لتمويل مشروع لجر ~~مياه الشرب إلى أورشليم، وقتلوا منهم عددا كبيرا. كما ارتكب قبل ذلك مجزرة في مقاطعة ~~السامرة. فقد كان السامريون ينتظرون شخصية مسيحانية يدعونه «الطاحب»، سوف يأتي إلى جبلهم ~~المقدس جزريم ويستخرج منه تابوت العهد المدفون هناك منذ القدم. ثم ظهر رجل ادعى بأنه الطاحب ~~المنتظر فآمن به جمع كبير من الناس الذين توجه بهم إلى جبل جزريم لاستخراج التابوت. ولكن ~~بيلاطس رأى في هذه الحركة بداية فتنة محتملة ووجه إليهم كتيبة من جنده هاجمت التجمع عند ~~جبل جزريم وقتلت منهم عددا كبيرا، ثم قبضت على الطاحب المزيف وأركان ms281 دعوته وساقتهم ~~مخفورين إلى بيلاطس الذي حاكمهم وأعدمهم. # 1 # ومن الملفت للنظر أن القيصر استدعى بيلاطس إلى روما لاستجوابه بشأن التهم ~~التي وجهها إليه اليهود والسامريون بسوء استخدام السلطة والإفراط في العنف. فهل كان ~~لإعدام يسوع علاقة بذلك أيضا؟ # ولدينا جملة قالها بيلاطس في إنجيل لوقا بعد أن أعلن قناعته ببراءة يسوع وهي: «أنا أؤدبه ~~وأطلقه» (لوقا، 23: 16). فلماذا لم يحكم عليه بالجلد ويطلقه مثلما فعل أحد خلفائه على ~~كرسي الولاية في حادثة مشابهة؟ وملخص هذه الحادثة التي يرويها لنا المؤرخ يوسيفوس، هو أنه ~~في عام 63 للميلاد وفي عهد الوالي الروماني ألبينوس، ظهر في أورشليم يسوع آخر يدعى يسوع بن ~~حنانيا، راح في عيد المظال يقلد النبي إرميا في تنبؤه على أورشليم بالخراب ويرفع صوته في ~~الهيكل قائلا: الويل لأورشليم والويل لهذا الهيكل. ولما أحست السلطة الدينية بالقلق من ~~هذا الداعية الذي يسلك مثل نبي، قبضت عليه واستجوبته وأشبعته ضربا ثم أطلقته، ولكنه عاد ~~سيرته الأولى. عند ذلك قررت أن ترفع عن نفسها مسئولية أي شغب يمكن أن ينتج في العيد ~~جراء سلوك هذا الرجل، وأحالت القضية إلى الوالي ألبينوس. وعندما استجوبه الوالي بقي ~~صامتا أمامه ولم يجبه بشيء عن أسئلته، تماما مثلما فعل يسوع المسيح قبل ذلك. وأخيرا ~~قرر الوالي أن الشخص الماثل أمامه لا يشكل خطرا على أمن روما، وأطلقه قائلا إن سلوكه ناجم ~~عن عدم سلامة عقله. # 2 # وفي واقع الأمر، فإن الرأي الذي كونه بيلاطس عن يسوع المسيح لم يكن مختلفا كثيرا عن ~~الرأي الذي كونه ألبينوس عن يسوع بن حنانيا بعد ذلك بثلاثة عقود. فقد وجد بيلاطس نفسه ~~أمام متصوف هو أبعد ما يكون عن الهموم السياسية لمعاصريه، تخالجه أوهام دينية عن مملكة ~~ليست من هذا العالم سيكون ملكا عليها. وعندما قال لهم: «هل أطلق لكم ملك اليهود؟» كان ~~يسخر من يسوع ومنهم مستخدما الذريعة التي تقدموا بها إليه قائلين: «وجدنا هذا الرجل ~~يفسد الأمة ويمنع أن تعطى الجزية لقيصر قائلا إنه مسيح ~~ملك» (لوقا، ms282 23: 1). وعندما أمر بعد ذلك أن تكتب على ~~الصليب جملة «يسوع الناصري ملك اليهود»، كان يشفي غليله منهم وكأنه يقول: إذا كان هذا هو ~~ملككم، فليكن. # إن هذه الأسئلة المتعددة التي أثرناها حول موقف بيلاطس غير المفهوم، لتوجه أذهاننا إلى ~~سؤال آخر على غاية من الخطورة وهو: هل هناك أدنى احتمال في أن القضية لم ترفع إلى بيلاطس، ~~وأن يكون السنهدرين وحده هو المسئول عن محاكمة وإعدام يسوع؟ # مثل هذا السؤال ليس ناجما عن خيال جامح وإنما عن استقراء لوقائع تلك الفترة من تاريخ ~~مقاطعة اليهودية. فلقد كان كل اجتماع للسنهدرين رهنا بموافقة الوالي الروماني. وكان ~~للسنهدرين إذا كان اجتماعه قانونيا صلاحيات عديدة تتعلق بالشئون الدينية، ومنها عقد ~~محكمة للمتهمين بالكفر والتجديف وتعدي حدود الشريعة الموسوية والحكم عليهم بالموت رجما ~~على ما تقتضيه الشريعة. وقد ألمح بيلاطس إلى هذه الصلاحية عندما قال لأعضاء المجلس: «خذوه ~~فاحكموا عليه وفق ما تقتضي شريعتكم» (يوحنا، 18: 31). ولدينا أكثر من مثال على استخدام ~~السنهدرين لصلاحياته هذه. فبعد نحو عقدين من وفاة يسوع حكم المجلس بالإعدام رجما على أحد ~~أعمدة الكنيسة المسيحية في أورشليم وهو استيفانوس أول شهيد في المسيحية، وذلك بتهمة الإخلال ~~بالشريعة (راجع سفر أعمال الرسل، 6: 9-15، و7: 51-60). ويخبرنا المؤرخ يوسيفوس عن مصير ~~مشابه لقيه أخو يسوع (حول هذا اللقب راجع رسالة بولس إلى أهالي غلاطية، 1: 18-19)، عندما ~~دعا رئيس الكهنة المدعو أيضا حنان أو حنانيا إلى اجتماع للسنهدرين في وقت كان فيه منصب ~~الوالي شاغرا، وأصدر حكما بالرجم حتى الموت على يعقوب أخي يسوع المدعو بالمسيح (وفق تعبير ~~يوسيفوس) بتهمة انتهاك شريعة موسى. وقد أزاحت السلطة الرومانية حنان هذا من منصبه لأنه جمع ~~السنهدرين دون إذن مسبق من الوالي. # 3 # ومن الملفت للنظر أن أحد الأخبار القليلة عن يسوع التي جاءتنا من خارج أسفار العهد الجديد ~~لا يذكر الصلب باعتباره الوسيلة التي استخدمت في إعدام يسوع، ولا يحدد الجهة المسئولة عن ~~إعدامه. وقد أورد هذا الخبر الكاتب الروماني سيلسوس الذي عاش في أواسط ms283 القرن الثاني ~~الميلادي، واقتبسه عنه الكاتب المسيحي أوريجين فقال: «عندما كبر يسوع سافر إلى مصر حيث عمل ~~عاملا مياوما، وهناك تعلم فنون السحر. وعندما عاد إلى فلسطين ادعى الألوهية وجمع حوله ~~أكثر الناس بؤسا وإحباطا، وراح يجوب أنحاء البلاد. وعندما كشف اليهود أمره طاردوه فهرب ~~وهام متخفيا، إلى أن تم القبض عليه بخيانة من تلاميذه. وبعد أن نفذ به حكم الإعدام سرق ~~تلاميذه جثمانه وادعوا أنه قام من بين الأموات.» وقد أورد التلمود اليهودي خبرا مشابها ~~عن سفر يسوع إلى مصر وعودته بعد أن تعلم فنون السحر، ولكنه يضيف إلى ذلك أنه عندما عاد ~~قبض عليه وحوكم وأعدم رميا بالحجارة، ثم علق على عمود خشبي عشية عيد الفصح اليهودي. # 4 # لقد كان الإعدام بواسطة الصلب وقفا على السلطة الرومانية في جميع أنحاء الإمبراطورية، ~~وكانت هذه الطريقة في الإعدام تستخدم حصرا للمتهمين بجرائم ضد الأمن الروماني. لذلك قد لا ~~تكون هي الطريقة التي استخدمت في إعدام يسوع لأن المحكمة الرومانية لم تثبت شيئا ضده ~~يتعلق بالتحريض ضد روما. # وفي الحقيقة فإنه لم يكن لدى السلطة الرومانية أية مصلحة في إعدام يسوع، أما سلطة الهيكل ~~فكان لها كل المصلحة في ذلك. فلقد ركز يسوع هجومه على ممثلي هذه السلطة من كتبة ~~وفريسيين وعلماء شريعة، وفضح نفاقهم ورياءهم. وقد اعتبر أن رسالته قد تجاوزت شريعة ~~العهد القديم التي هي شريعة الحرف وافتتحت شريعة العهد الجديد التي هي شريعة الروح. ~~وأوضح ذلك عمليا من خلال سلوكه وتعاليمه، فقد انتهك قانون السبت وقال لمن شغب عليه: إن ~~الله لا يستريح في يوم السبت، وانتهك فريضة الصيام، وقواعد الطهارة الخارجية المتزمتة ~~وأحل محلها قواعد الطهارة الداخلية طهارة القلب واللسان، ولم يعبأ بتحريمات المأكل ~~والمشرب وقال لتلاميذه: إن كل الأطعمة طاهرة للأكل، ونقض قانون الرجم عندما عفا عن المرأة ~~الزانية، وأحل الأخلاق وسيلة للتقرب إلى الله محل طقوس الذبائح والمحارق التي تقام في ~~الهيكل، لأن الله يريد الرحمة لا الذبيحة. ولم تكن العاصفة التي أثارها في الهيكل ms284 عندما قلب ~~مناضد الصيارفة وطرد باعة حيوانات القرابين وجلدهم بالسوط، إلا هجوما مباشرا على مؤسسة ~~القربان التي تعبر عن جوهر العبادات الشكلانية اليهودية. وبما أن أسرة رئيس الكهنة كانت هي ~~المتحكمة بتجارة الهيكل والمستفيد الأول من عائداتها، فإن يسوع بعمله هذا قد وقع على صك ~~إعدامه. # سؤال مهم آخر تثيره رواية محاكمة يسوع وهو: لماذا ~~بقي يسوع صامتا في كلا الاستجوابين أمام رئيس الكهنة وأمام الوالي الروماني؟ ولماذا لم ~~يستخدم حقه في الدفاع عن نفسه؟ هل لأنه احتقر هذه المحكمة واعتبرها غير مؤهلة ~~لاستجوابه؟ أم لأن مؤلفي الأناجيل أرادوا أن تتحقق بخصوصه النبوءة التوراتية القائلة: ~~«ظلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم ~~يفتح فاه» (إشعيا، 53: 7). # إن التعامل مع هذا السؤال ليثير أمام الباحث في العهد الجديد مشكلة من أعقد المشكلات، ~~ألا وهي تحديد الخط الفاصل بين الحدث التاريخي في سيرة يسوع والحدث الذي أضافه الموروث من ~~أجل ملاءمة هذه السيرة مع النبوءات التوراتية. ولكي أوضح مدى جدية هذه المشكلة، أدعو ~~القارئ إلى تأمل المقطع التالي من سفر الحكمة، وهو من الأسفار الموجودة في الترجمة ~~اليونانية للتوراة المعروفة باسم الترجمة السبعينية، والتي كان مؤلفو الأناجيل يعتمدونها، ~~وكذلك الكنيسة المسيحية بعد ذلك حتى الإصلاح البروتستانتي: ~~«فإنهم بزيغ أفكارهم قالوا في أنفسهم إن حياتنا قصيرة شقية، وليس لممات الإنسان ~~من دواء، ولم يعلم قط أن أحدا رجع من الجحيم ... فتعالوا نتمتع بالطيبات الحاضرة ~~ونبتدر منافع الوجود ما دمنا في الشبيبة، ونترو من الخمر الفاخرة ونتضمخ ~~بالأدهان ولا تفوتنا زهرة الأوان. لنجر على الفقير الصديق ولا نشفق على ~~الأرملة ولا نهب شيبة الكثير الأيام ... ولنكمن للصديق فإنه ثقيل علينا يقاوم ~~أعمالنا ويقرعنا على مخالفتنا للناموس ويفضح ذنوب سيرتنا. يزعم أنه عنده علم الله ~~ويسمي نفسه ابن الرب. وقد صار لنا عذولا حتى على أفكارنا. بل منظره ثقيل علينا ~~لأن سيرته تخالف سيرة الناس وسبله تباين سبلهم. وقد حسبنا كزيوف فهو ~~يجانب طرقنا مجانبة الرجس، ويغبط ms285 موت الصديقين ويتباهى بأن الله أبوه. فلننظر ~~هل أقواله حق ولنختبر كيف تكون عاقبته، فإنه إن كان الصديق ابن الله فهو ينصره ~~وينقذه من أيدي مقاوميه. فلنمتحنه بالشتم والعذاب حتى نعلم حلمه ونختبر صبره، ~~ولنقض عليه بأقبح ميتة فإنه سوف يفتقد كما يزعم. هذا ما ارتأوه فضلوا لأن ~~شرهم أعماهم فلم يدركوا أسرار الله ولم يرجوا جزاء القداسة، ولم يعتبروا ثواب ~~النفوس الطاهرة.» (سفر الحكمة، 2: 1-24، عن الترجمة الكاثوليكية للعهد ~~القديم) # لقد دون سفر الحكمة قبل الميلاد بنحو قرنين، ولكنه يبدو وكأنه وصف دقيق لشخصية يسوع ~~وحياته ومماته. فهل سنكون قادرين في يوم من الأيام على استعادة الوجه التاريخي ليسوع من تحت ~~ركام النبوءات التوراتية؟ # | إلهي لماذا تركتني؟ # البريء على الصليب # إن الروايات التي وصلت إلينا عما حدث في موقع الصلب المدعو بالجلجثة ليست على ما ~~نشتهي من التوافق. فبعد مضي أكثر من أربعين سنة على الحادثة، لم يكن من السهل الوصول إلى ~~معلومات موثوقة ومتطابقة. ولهذا فقد انفرد كل إنجيلي بإيراد تفاصيل لا نجدها لدى الآخر، ~~واستخدم كل منهم خياله الخاص في تفضيل هذه المعلومة عن تلك، أو في ابتكار عنصر لردم ~~هذه الفجوة في القصة أو تلك. كما عمدوا إلى استذكار النبوءات التوراتية وحشدها من أجل إضفاء ~~الجلالة على المشهد. فبعد أن جلد بيلاطس يسوع وأسلمه للصلب، نقرأ في الروايات الأربع ما ~~يلي: ~~(1) رواية مرقس ~~«فمضى به العسكر إلى الدار التي هي دار الولاية، وجمعوا كل السرية وألبسوه رداء ~~أرجوانيا وضفروا إكليلا من الشوك ووضعوه عليه، وأخذوا يحيونه قائلين: السلام يا ~~ملك اليهود. وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ~~ركبهم. وبعدما استهزءوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه. ~~فسخروا لحمل صليبه رجلا مجتازا كان آتيا من الحقل ~~وهو سمعان القيرواني أبو إسكندر وروفس، وساروا به ~~إلى المكان المعروف بالجلجثة، أي موضع الجمجمة. وأعطوه خمرا ممزوجة بمر ليشرب فلم ~~يقبل. ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل ms286 واحد. وكانت الساعة الثالثة ~~حين صلبوه (= الساعة التاسعة صباحا بتوقيتنا الحالي). وكتب في علة الحكم عليه: ملك ~~اليهود. وصلبوا معه لصين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فتم الكتاب القائل: وأحصي ~~مع أثمة. وكان المارة يشتمونه ويهزون رءوسهم ويقولون: أيا ناقض الهيكل وبانيه في ~~ثلاثة أيام، خلص نفسك وانزل عن الصليب. وكان الأحبار والكتبة يسخرون مثلهم فيقول ~~بعضهم لبعض: خلص غيره وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها. فلينزل الآن المسيح ملك ~~إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن. وكان اللصان المصلوبان معه هما أيضا ~~يعيرانه.» ~~«ولما بلغت الساعة السادسة (= الثانية عشرة ظهرا) انتشر ظلام على الأرض كلها حتى ~~الساعة التاسعة (= الثالثة بعد الظهر). وصرخ يسوع في الساعة التاسعة بصوت عظيم قائلا: ~~إلوي، إلوي. لما شبقتني؟ الذي تفسيره: إلهي، إلهي. لماذا تركتني؟ فقال قوم من الحاضرين ~~لما سمعوا: هوذا ينادي إيليا. فأسرع واحد منهم إلى إسفنجة وبللها بالخل وجعلها على ~~قصبة وقربها ليشرب، وهو يقول: دعونا ننظر هل يأتي إيليا فينزله؟ فصرخ يسوع بصوت عظيم ~~وأسلم الروح. فانشق حجاب الهيكل إلى شطرين من أعلى إلى أسفل. ولما رأى قائد المائة ~~الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال: حقا كان هذا الإنسان ابن الله. وكانت ~~أيضا نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب ويوسي، وسالومة. وهن ~~اللواتي تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل، وغيرهن كثيرات صعدن معه إلى ~~أورشليم.» ~~«ولما كان المساء قد أقبل وهو وقت التهيئة، أي عشية السبت، جاء يوسف الرامي (= الذي ~~من الرامة، وهي قرية على بعد خمسة أميال إلى الشمال من أورشليم)، وهو عضو وجيه في ~~المجلس، وكان من الذين ينتظرون ملكوت الله، فتجاسر ودخل على بيلاطس وطلب جسد يسوع. ~~فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعا، فدعا قائد المائة وسأله: أوقد مات؟ فلما تحقق الخبر ~~من القائد وهب الجسد ليوسف. فاشترى يوسف كتانا فأنزله وكفنه بالكتان، ووضعه في قبر كان ~~منحوتا في الصخر ثم دحرج حجرا على باب القبر. وكانت مريم المجدلية ومريم أو يوسي ~~تنظران ms287 أين وضع» (مرقس، 15: 16-47). # نلاحظ من قراءة نص مرقس أن المؤلف قد استند إلى عدد من النبوءات التوراتية في بناء ~~بعض عناصر قصته : ~~(1) # فقد أعطوه خمرة ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل. ثم رفعوا إلى فمه إسفنجة ~~مبللة بالخل. وذلك تحقيقا لما ورد في المزمور 69: 20-21 «يجعلون في طعامي ~~علقما وفي عطشي يسقونني خلا.» ~~(2) # وصلبوا معه لصين، واحد عن يمينه وآخر عن شماله، تحقيقا لما ورد في سفر ~~إشعيا 53: 13 «من أجل أنه سكب نفسه للموت وأحصي مع أثمة. وهو حمل خطيئة ~~كثيرين وشفع في المذنبين.» ~~(3) # ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد. وذلك ~~تحقيقا لما ورد في المزمور 22: 16-18 «جماعة من الأشرار اكتنفتني ... ~~يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون.» ~~(4) # وكان المارة يشتمونه ويهزون رءوسهم، والأحبار والكتبة يسخرون مثلهم ~~قائلين: «خلص غيره ولا يقدر أن يخلص نفسه. فلينزل الآن المسيح ملك ~~إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن.» وذلك تحقيقا لما ورد في المزمور 22: 7-8 ~~«كل الذين يرونني يستهزءون بي، يفغرون الشفاه وينغصون الرأس قائلين: اتكل ~~على الرب فلينجه، لينقذه لأنه سر به.» وما ورد في سفر الحكمة: «إن كان ~~الصديق ابن الله فهو ينصره وينقذه من أيدي مقاوميه. فلنمتحنه بالشتم ~~والعذاب حتى نعلم حلمه ونختبر صبره. ولنقض عليه بأقبح ميتة فإنه ~~سيفتقد كما يزعم» (2: 18-20). ~~(5) # وصرخ يسوع في الساعة التاسعة بصوت عظيم قائلا: إلهي، إلهي، لماذا ~~تركتني؟ وذلك تحقيقا لما ورد في المزمور 22: 1-2 «إلهي، إلهي، لماذا ~~تركتني، بعيدا عن خلاصي عن كلام زفيري» (1-2). ~~(2) رواية متى # يتبع متى بدقة رواية مرقس، ولكنه لا يذكر الساعة التي صلب فيها يسوع، وهي ~~الثالثة كما أورد مرقس. كما أنه يعود إلى أجواء قصة الميلاد وما رافقها من أحداث ~~ميثولوجية؛ فيتحدث عن ظواهر فوق طبيعانية رافقت موت يسوع: «وصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم ~~وأسلم الروح. وإذا حجاب الهيكل انشق إلى شطرين من ~~أعلى إلى أسفل، وزلزلت الأرض وتصدعت الصخور وتفتحت القبور، وقام كثير من أجساد ~~القديسين الراقدين ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين. ms288 وأما قائد المائة والذين معه ~~يحرسون يسوع فإنهم لما رأوا الزلازل وما حدث خافوا خوفا شديدا وقالوا: حقا كان هذا ~~ابن الله» (متى، 27: 50-54). # ويضيف في نهاية روايته المقطع التالي: «وفي الغد، أي بعد التهيئة، ذهب الأحبار ~~والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: سيدي، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ~~ثلاثة أيام أقوم. فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ~~ويقولوا للشعب إنه قام من بين الأموات، فتكون الضلالة الأخيرة أشد من الأولى. فقال لهم ~~بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا واضبطوه كما ترون. فمضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا ~~الحجر» (متى، 27: 62-66). ~~(3) رواية لوقا # يتبع لوقا أيضا رواية مرقس ولكنه يضيف إليها المقطعين التاليين: ~~«وتبعه جمع كبير من الشعب ومن نساء كن يضربن الصدور وينحن عليه. فالتفت ~~يسوع إليهن، وقال: يا بنات أورشليم لا تبكين علي، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن. ~~فسوف تأتي أيام يقال فيها: طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي الذي لم يرضع، ~~ويقال للجبال انهدي علينا وللتلال ادفنينا. فإذا كان يفعل هذا بالعود الرطب فكيف ~~يكون حال العود اليابس؟ وسيق معه إلى القتل أيضا مجرمان» (لوقا، 23: 27-32). ~~«وأخذ أحد المجرمين المعلقين على الصليب يشتمه ويقول: ألست أنت المسيح؟ فخلص ~~نفسك وخلصنا. فانتهره الآخر قائلا: أما تخاف الله وأنت تعاني العقاب نفسه؟ أما نحن ~~فعقابنا عدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، أما هو فلم يفعل سوءا. ثم قال: اذكرني يا ~~يسوع متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع: الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس» (لوقا، ~~23: 39-43). # كما أن لوقا يضع على لسان يسوع عندما كانوا يصلبونه قوله: «يا أبتاه اغفر لهم لأنهم ~~لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا، 23: 34). وهذا القول لم يرد عند بقية الإنجيليين. ثم ~~يغير الكلمات الأخيرة ليسوع من: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني» الواردة عند مرقس ومتى ~~إلى: «يا أبتاه في يديك أستودع روحي» (لوقا، 23: 46). ~~(4) رواية يوحنا ~~«... وكان ذلك اليوم يوم تهيئة للفصح والساعة نحو السادسة. فقال بيلاطس لليهود: هوذا ms289 ~~ملككم. فصاحوا: اقتله، اقتله، اصلبه. قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ فأجاب الأحبار: لا ~~ملك علينا إلا قيصر. فأسلمه إليهم ليصلب.» ~~«فأخذوا يسوع ومضوا به. فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ~~ويقال له بالعبرية جلجثة؛ حيث صلبوه وصلبوا معه اثنين آخرين كل منهما في جهة ويسوع ~~في الوسط. وجعل بيلاطس على الصليب رقعة مكتوبا فيها: يسوع الناصري ملك اليهود. فقرأ ~~كثير من اليهود ما كتب في هذه الرقعة؛ لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريبا من ~~المدينة، وكانت الكتابة بالعبرية واللاتينية واليونانية. فقال أحبار اليهود لبيلاطس: لا ~~تكتب ملك اليهود بل اكتب هذا الرجل قال إني ملك اليهود. فأجاب بيلاطس: ما كتبت قد ~~كتبت.» ~~«ولما صلب العسكر يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام، لكل عسكري نصيب. وأخذوا ~~القميص أيضا وكان القميص بغير خياطة منسوجا كله من أعلى إلى أسفل. فقال بعضهم لبعض: ~~لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون. ليتم الكتاب القائل: اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ~~ألقوا قرعة. هذا ما فعله العسكر. وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم ~~زوجة كلوبا ومريم المجدلية. فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا، قال ~~لأمه: يا امرأة هوذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها إلى بيته. ~~بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل، فقال بعد ذلك: أنا عطشان. ليتم الكتاب. وكان إناء ~~موضوعا مملوءا خلا، فوضعوا إسفنجة مبتلة بالخل على قضيب من الزوفى وأدنوها من فمه. ~~فلما ذاق يسوع الخل قال: تم كل شيء، ونكس رأسه وأسلم الروح.» ~~«وكان ذلك اليوم يوم التهيئة. فسأل اليهود بيلاطس أن تكسر سيقانهم ويرفعوا، لكيلا ~~تبقى الأجساد على الصليب في السبت؛ لأن ذلك السبت كان عظيما عند اليهود. فأتى العسكر ~~وكسروا ساقي الأول والآخر اللذين صلبا معه. وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ~~ساقيه لأنهم رأوه قد مات. ولكن واحدا من العسكر طعنه بحربة في جنبه فخرج على إثرها دم ms290 ~~وماء. يشهد بذلك الذي رأى، وشهادته صحيحة ويعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم. وحدث هذا ~~ليتم الكتاب القائل: عظم لا يكسر منه. وأيضا يقول كتاب آخر: سينظرون إلى الذي ~~طعنوه.» ~~«وبعدئذ جاء يوسف الرامي ، وكان تلميذا ليسوع يخفي أمره خوفا من اليهود، فسأل ~~بيلاطس أن يأخذ جسد يسوع، فأذن له بيلاطس. فجاءوا فأنزلوا جسد يسوع. وجاء نيقوديمس، ~~وهو الذي ذهب إليه ليلا من قبل، وكان معه خليط من المر والعود يناهز مائة درهم، ~~فحملوا جسد يسوع وطيبوه، وكفنوه كما جرت عادة اليهود في دفن موتاهم. وكان في ~~الموضع الذي صلب فيه بستان، وفي البستان قبر جديد لم يدفن فيه أحد، فوضعوا يسوع ~~فيه، مراعاة للتهيئة عند اليهود لأنه قريب» (يوحنا، 19: 38-42). # من قراءة هذه الرواية نلاحظ اختلافها عن الرواية الإزائية في النقاط التالية: ~~(1) # يقاد يسوع إلى الصلب في الساعة السادسة، أي عند منتصف النهار وفق رواية ~~يوحنا، بينما يقول مرقس أنه صلب في الساعة الثالثة، أي قبل ذلك بثلاث ~~ساعات. أما متى ولوقا فلا يذكران شيئا عن ساعة الصلب. ~~(2) # يسوع يحمل صليبه بنفسه أما في الرواية الإزائية فيحمله عنه سمعان ~~القيرواني. ~~(3) # لا يعطى يسوع خمرا ممزوجة بمر ليشرب منه قبل الصلب على ما ورد في ~~الرواية الإزائية. ~~(4) # لا تجري القرعة بين الجنود على جميع ملابس يسوع وإنما على القميص فقط. ~~وهنا يقدم لنا النص وصفا دقيقا لهذا القميص صادرا كما يبدو عن شاهد ~~عيان. فهو مصنوع بغير خياطة منسوج كله من أعلى إلى أسفل. أي أنه كان قطعة ~~ثمينة مصنوعة بيد ماهرة وليست مما يلبسه عامة الناس ... ~~(5) # وقف تحت الصليب مباشرة التلميذ الحبيب ومعه أم يسوع ومريم المجدلية. ~~أما في الرواية الإزائية فلم يكن تحت الصليب أحد من أتباع يسوع، وكانت ~~المجدلية مع بقية النسوة ينظرن من بعيد. ونلاحظ هنا أن أم يسوع التي لم ~~يذكر المؤلف اسمها، قد ظهرت للمرة الثانية في الرواية بعد ظهورها الأول ~~قبل سنتين في عرس قانا. ~~(6) # يضع يوحنا على لسان يسوع قبل أن يسلم ms291 الروح قوله: «تم كل شيء» بدلا من: ~~«إلهي، إلهي، لماذا تركتني» عند مرقس ومتى، و: «يا أبتاه في يديك أستودع ~~روحي» عند لوقا. ~~(7) # ينفرد يوحنا بذكر قيام الجنود بكسر سيقان المصلوبين من أجل التعجيل ~~بموتهم . وهو خبر واقعي إلى أبعد الحدود، ويصف إجراء كان متبعا في ~~عمليات الصلب الرومانية، الغرض منه تقصير مدة بقاء المحكومين على الصليب. ~~بهذه الطريقة كان ثقل الجسم كله يقع على الذراعين اللذين ~~يضغطان بشدة على الرئتين، فيغدو التنفس ~~أكثر صعوبة ومستحيلا بعد وقت قصير. وقد تم العثور في منطقة القدس على ~~ضريح شاب مات مصلوبا، وعلى ذراعيه وقدميه آثار المسامير، وكانت عظام ~~ساقيه مكسورة. # ولكن المؤلف يستثني يسوع من عملية الكسر لأن الجنود لما وصلوا إليه وجدوه ~~قد مات. وهنا تتحقق نبوءة الكتاب القائل: «عظم لا يكسر منه»، والتي وردت ~~في سفر المزامير بالصيغة التالية: «كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ~~ينجيه الرب. يحفظ جميع عظامه، وواحد منها لا ينكسر» (المزمور، ~~34: 19). # وبعد ذلك ينفرد يوحنا أيضا بخبر طعن يسوع بحربة في جنبه تحقيقا للنبوءة ~~القائلة: «سينظرون إلى الذي طعنوه»، والواردة في سفر زكريا بالصيغة ~~التالية: «فينظرون إلى الذي طعنوه، وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ~~ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره» (زكريا، 12: 10). ~~(8) # لا يقوم اللصان المصلوبان مع يسوع بتعييره كما هو وارد عند مرقس ومتى، ~~ولا يجري يسوع مع أحدهما حوارا كما هو وارد عند لوقا. ~~(9) # في الروايات الإزائية يقوم يوسف الرامي وحده باستلام جثمان يسوع ودفنه، ~~أما في رواية يوحنا فيساعده في عملية الدفن شخص يدعى نيقوديمس، وهو عضو ~~في مجلس السنهدرين جاء إلى يسوع في زيارته الأولى إلى أورشليم ليلا وتحاور ~~معه (يوحنا، 3: 1-10). ويبدو أنه آمن به سرا، لأنه دافع عنه أمام زملائه ~~في المجلس عندما كانوا يتآمرون ضده (يوحنا، 7: 50-53). # ومن الملفت للنظر أن يوحنا لا يعطينا أي معلومات عن يوسف الرامي سوى ~~اسمه، بينما قال مرقس إنه «عضو وجيه في المجلس، وكان من الذين ينتظرون ~~ملكوت ms292 الله»، وقال متى إنه «غني من الرامة قد تتلمذ ليسوع»، وقال لوقا ~~إنه «عضو في المجلس وهو رجل صالح بار لم يوافقهم على خطئهم ولا أعمالهم. ~~وكان من الرامة»، وهذه الصفات تنطبق في رواية يوحنا على نيقوديمس الذي كان ~~عضوا في المجلس ودافع عن يسوع أمامه، وكان تلميذا سريا له يزوره ليلا ~~لكيلا ينكشف أمره. فمن هو إذن يوسف الرامي؟ وكيف ظهر فجأة في مشهد ~~الصلب ثم اختفى بعد ذلك بالسرعة التي ظهر بها؟ ~~(10) # لا يترافق صلب يسوع وموته مع حدوث ظواهر فوق طبيعانية؛ فلا الشمس ~~احتجبت، ولا الظلام انتشر على الأرض مدة ثلاث ساعات، على ما ورد في ~~الروايات الإزائية، ولم تتزلزل الأرض وتتصدع الصخور وتنفتح القبور على ما ~~ورد في رواية لوقا. ~~(11) # لا يذكر لنا يوحنا ساعة موت يسوع على الرغم من أنه حدد ساعة الصلب ~~بالسادسة (12 ظهرا). ولكي نتوصل إلى نتيجة بخصوص المدة التي قضاها يسوع ~~على الصليب، علينا أن نلقي نظرة مقارنة على الروايات الأربع: # ساعة الصلب # احتجاب الشمس # ساعة وفاة يسوع # مرقس # 3 (9 صباحا) # من 6 إلى 9 (12 ظهرا-3 عصرا) # 9 (3 عصرا) # متى ~~؟ # من 6 إلى 9 (12 ظهرا-3 عصرا) # 9 (3 عصرا) # لوقا ~~؟ # من 6 إلى 9 (12 ظهرا-3 عصرا) # 9 (3 عصرا) # يوحنا # 6 (12 ظهرا) ~~؟ ~~؟ # من مقارنة الأوقات في الروايات الأربع، نخرج بنتيجة مفادها أن يسوع لم يبق على ~~الصليب أكثر من ست ساعات. وهذا لا يتفق مع الحقائق التي نعرفها عن الموت على الصليب. ~~فقد كان الموت يأتي بطيئا بسبب صعوبة التنفس الحاصلة جراء تثبيت الذراعين وثقل الجسم ~~على الرئتين، وكان على المحكوم أن يضغط على قدميه المثبتتين بأربطة أو مسامير لكي ~~يخفف الضغط عن صدره. وبهذه الطريقة كان يمكن لأي محكوم أن يستمر معلقا على الصليب مدة ~~يومين أو ثلاثة على أقل تقدير، إذا لم تكسر ساقاه من أجل التسريع بموته. ويروي لنا ~~يوسيفوس الذي كان شاهد عيان على اجتياح الرومان لأورشليم عام 70م، أن عدد ms293 المصلوبين ~~يوميا كان يصل إلى 500 مصلوبا، حتى إن أحراش المنطقة فرغت من أشجارها التي استخدمت ~~كصلبان، وأن المصلوبين كانوا يبقون أحياء لعدة أيام، وتشكل معاناتهم مشهدا مرعبا ~~للسكان اليهود وعبرة لمن يفكر بالتمرد على روما. # فكيف مات يسوع بعد ست ساعات وما هي مسببات موته؟ هذا السؤال قائم منذ ألفي عام، ~~وكان بيلاطس أول من طرحه عندما وصله خبر موت يسوع، و«تعجب من أنه مات هكذا ~~سريعا»، ولم يصدق إلا بعد أن أرسل قائد المائة للتحقق من موته (مرقس، 15: 44). # مرة أخرى هنالك سؤال يتعلق بيوسف الرامي الذي هو أحد أكثر الألغاز في الإنجيل إثارة ~~للحيرة. فلماذا من بين كل الناس تقدم يوسف الرامي لطلب جسد يسوع من بيلاطس؟ لقد كان ~~التلاميذ مختبئين خوفا من الملاحقة، ولكن التلميذ الحبيب المقرب من رئيس الكهنة كان ~~حاضرا عملية الصلب وواقفا تحت صليب يسوع عندما أنزل. فلماذا لم يتطوع لهذه المهمة ~~وهو أولى بها من تلميذ سري كان يخشى من افتضاح أمره ويحرص على مكانته كعضو في ~~المجلس اليهودي؟ هل كان شخصية حقيقية أم شخصية خيالية تم ابتكارها لملء الفجوات في ~~قصة الصلب المشوشة التي وصلت إلى الإنجيليين؟ وهل جرى استلهام هذه الشخصية من قصة ~~أخرى يقوم فيها رجل بارز بطلب جسد مصلوب من قائد روماني؟ إن ما يثير هذا السؤال ~~الأخير في الأذهان هو ما رواه المؤرخ يوسيفوس الذي يحمل الاسم نفسه (أي يوسف) في ~~مذكراته، من أنه خلال الحروب اليهودية عام 70م تعرف بين المصلوبين خارج أورشليم على ~~ثلاثة من أصدقائه، فمضى إلى القائد الروماني تيتس وطلب أجسادهم ليدفنها، فأعطاه تيتس ما ~~طلب، وعندما أنزل الأجساد وجد أن اثنين منهم فاقدان للحياة والثالث ما زال حيا، فعمل ~~على إنعاشه ومعالجته حتى شفي. فهل كانت هذه القصة أو ما يشبهها وراء شبح يوسف ~~الرامي؟ # | لغز القبر الفارغ # ربما لن يكون باستطاعتنا أبدا أن نعرف ما جرى ليسوع بعد أن أودع على عجل في قبر مؤقت ~~قريب من موضع الصلب في أرض يملكها ms294 يوسف الرامي. الأمر الوحيد الذي يمكننا التثبت منه ~~وتتفق عليه الروايات الأربع، هو أن القبر وجد فارغا في صباح اليوم الثالث للصلب، وفيما ~~عدا ذلك فإن هذه الروايات تختلف فيما بينها في معظم التفاصيل، كما تختلف مع سفر أعمال الرسل ~~ومع أقدم رواية عن القيامة والظهورات وهي رواية بولس. وإذا كان باستطاعتنا تفسير القبر ~~الفارغ بأن أحدا ما قد نقل جثمان يسوع إلى قبر آخر دائم في وقت ما من مساء اليوم الثاني، ~~وهو تفسير يتفق مع منطق الأحداث، فإن ما تبقى من القصة لا يمكن إخضاعه للبرهان، لأنه ~~ينتمي إلى مجال الإيمان والتقوى الدينية. ومع ذلك فلا بد لنا من عرض تفاصيل هذا اللغز، لا ~~من أجل حله وإنما من أجل توضيح أبعاده. # في الرواية الإنجيلية الأقدم وهي رواية مرقس، يقدم لنا المؤلف سردا واقعيا خاليا من ~~المعجزات والظواهر الخارقة. فعند طلوع شمس اليوم الثالث، جاءت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ~~وسالومة إلى القبر من أجل إتمام طقوس الدفن، فوجدن الحجر مدحرجا عن مدخله. وعندما ولجن ~~أبصرن شابا جالسا عليه ثياب بيض فاندهشن. فقال لهن: لا تندهشن. أنتن تطلبن يسوع ~~الناصري المصلوب. قد قام، ليس هو ها هنا. لكن اذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس إنه يسبقكم إلى ~~الجليل، هناك ترونه كما قال لكم. فخرجن سريعا وهربن من القبر لأن الرعدة والحيرة ~~أخذتاهما، ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات (مرقس، 16: 1-8). # على هذه الطريقة ينتهي إنجيل مرقس في أقدم نسخ متوفرة منه (راجع بحثنا السابق: خفايا ~~إنجيل مرقس). ولكن بعض النساخ المتقدمين الذي لم ترضهم هذه الخاتمة المفتوحة، قاموا في ~~زمن ما من القرن الرابع الميلادي بتدبيج خاتمة للنص، تحكي عن قيامة يسوع من بين الأموات ~~وظهوره لتلاميذه. وهناك اتفاق عام بين الباحثين في العهد الجديد على عدم أصالة هذه ~~الخاتمة وعدم اتفاق لغتها اليونانية مع أسلوب مرقس. وقد تعاملت الترجمات الإنكليزية الحديثة ~~للعهد الجديد مع هذه المشكلة بطرق متنوعة. فمعظمها وضع الخاتمة المضافة مع إدخال حاشية ~~تشير إلى أن ms295 نص مرقس الأصلي ينتهي مع الآية 8 من الإصحاح الأخير، وبعضها وضع هذه الخاتمة ~~بين مزدوجتين مع حاشية. أما الترجمة الأكثر اعتمادا لدى الباحثين في أميركا والمعروفة ~~بالترجمة المعيارية المنقحة، فقد حذفت في طبعتها الأولى الصادرة عام 1946م الخاتمة من ~~المتن ووضعتها ضمن حاشية في أسفل الصفحة، ولكنها أعادتها في الطبعات اللاحقة إلى المتن مع ~~إضافة حاشية، بعد عاصفة ثارت في الأوساط الدينية على هذا الإجراء. # ويبدو أن هذه الخاتمة المفتوحة لم ترض من قبل أيضا بقية الإنجيليين، فعملوا على ~~تطويرها. فحتى لو كانت خاتمة مرقس الأصلية تشير ضمنا إلى أن النساء الثلاثة قد مضين إلى ~~بقية التلاميذ وأخبرنهم بخبر القبر الفارغ، فإن مصداقية الخبر تبقى معتمدة على ما قاله ~~شاب مجهول وجد في القبر، وما نقلته عنه ثلاث نسوة غير موثوق بشهادتهن، لأن شهادة النساء ~~عند اليهود في تلك الأيام كانت موضع شك ولا يؤخذ بها في كثير من الأحيان. ولذلك فقد عمد ~~متى في روايته إلى استبدال الشاب المجهول الذي تحدث إلى النسوة في القبر، بملاك هبط من ~~السماء في زلزلة شديدة وجاء إلى الحجر فدحرجه عن المدخل وجلس عليه، ثم أخبر المرأتين اللتين ~~جاءتا لتفقد القبر (في رواية مرقس كن ثلاث نسوة) وقال لهن إن يسوع قد قام من بين ~~الأموات، وإن عليهما أن ينقلا هذا الخبر لبقية التلاميذ ويقولا لهم بأنه سوف يسبقهم إلى ~~الجليل وهناك يرونه. ولكيلا يبقى خبر القيامة معتمدا على شهادة الملاك، فقد جعل متى يسوع ~~يتراءى للمرأتين على الطريق ويقول لهما أن يذهبا إلى إخوته ويقولا لهم أن يمضوا إلى الجليل ~~وهناك يرونه (متى، 28: 1-10). # وبعد ذلك يذهب التلاميذ إلى الجليل إلى الجبل الذي جعله لهم يسوع موعدا، فلما رأوه سجدوا ~~له ولكن بعضهم ارتابوا (متى، 28: 16-17). أما لماذا ارتاب بعض التلاميذ فلان يسوع لم يكن ~~يظهر بشكله الذي عهدوه في حياته، على ما سنرى في بقية الظهورات. # فإذا جئنا إلى لوقا نجده يتحدث عن عدد غير محدد من النسوة أتين لتفقد ms296 القبر بينهن ~~نسوة مرقس الثلاث، ليجدن أن الحجر كان مدحرجا عن مدخله. ولكن ملاك متى الذي نزل في ~~زلزلة من السماء لم يكن جالسا عليه، وبدل الملاك الواحد رأى النسوة ملاكين داخل القبر ~~الفارغ قالا لهن: لماذا تبحثن عن الحي بين الأموات؟ إنه ليس ها هنا بل قام. فرجعن من ~~القبر بهدوء هذه المرة على عكس حالهن في رواية مرقس، وأخبرن الأحد عشر والآخرين جميعا. ~~ولكن على الرغم من كثرة النسوة اللواتي رأين القبر الفارغ، فقد بدا للبقية هذا الكلام ~~«ضربا من الهذيان ولم يصدقوهن». وكان لا بد من تثبيت شهادة رجل تؤكد شهادة النساء، فأسرع ~~بطرس إلى القبر ورأى بأم عينه القبر الفارغ. وبعد ذلك تراءى يسوع لاثنين من التلاميذ ~~كانا ذاهبين في ذلك اليوم إلى قرية قريبة من أورشليم ومشى معهما، ولكنهما لم يعرفاه إلى أن ~~دعياه إلى الطعام فجلس معهما وكسر الخبز وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه ولكنه توارى ~~عنهما. فقاما ورجعا إلى أورشليم فوجدا التلاميذ مجتمعين في البيت. وبينما هما يقصان ~~عليهما ما جرى لهما ظهر يسوع بينهم فجأة وحياهم، فخافوا وظنوا أنهم يرون روحا. فقال ~~لهم: «ما بالكم مضطربين؟ انظروا إلى يدي ورجلي، أنا هو بنفسي. المسوني وتحققوا فإن الروح ~~ليس له لحم ولا عظم»، ثم أكل معهم وقال لهم أن يبقوا في أورشليم ولا يغادروها. ثم خرج بهم ~~إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم، وبينما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء (لوقا: ~~24). # في رواية يوحنا مريم المجدلية وحدها جاءت إلى القبر في صباح اليوم الثالث لترى الحجر ~~مدحرجا والقبر فارغا. فهرعت إلى بطرس والتلميذ، الحبيب وقالت لهما: «أخذوا السيد من ~~القبر ولا ندري أين وضعوه» أي أنها توقعت أن أحدا ما قام بنقل الجثمان إلى قبر آخر. فأسرع ~~التلميذان وتأكدا من شهادة مريم ثم رجعا إلى موضعهما. أما مريم فبقيت عند القبر تبكي. ولما ~~انحنت إلى داخل القبر رأت ملاكين بثياب بيض «فقالا لها: يا امرأة ماذا يبكيك؟ فقالت لهما: ~~أخذوا سيدي ولست أعلم ms297 أين وضعوه». ثم شعرت بأن أحدا يقف وراءها، فالتفتت ورأت يسوع ولكنها ~~لم تعرفه وظنت أنه البستاني الذي يعمل في أرض يوسف الرامي. فقالت له: «يا سيد، إن كنت أنت ~~قد حملته فقل لي أين وضعته لآخذه. قال لها يسوع: مريم. فعرفته وقالت: يا معلم. فقال لها: لا ~~تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي». فسارعت المجدلية وأخبرت التلاميذ بما رأت. ولما كانت ~~عشية ذلك اليوم، كان التلاميذ مجتمعين والأبواب مغلقة خوفا من اليهود، فظهر يسوع بينهم ~~فألقى التحية وأراهم موضع المسامير في يديه وأثر الطعنة في جنبه، ثم اختفى. وبعد ثمانية ~~أيام ظهر لهم بالطريقة نفسها وطلب من توما (الذي لم يكن حاضرا في المرة السابقة ولم يصدق ~~رواية زملائه) أن يضع إصبعه في يديه وفي خاصرته ويتلمس ~~موضع الجروح. وبعد فترة لا يحددها المؤلف ظهر يسوع للمرة الرابعة للتلاميذ ولكن في الجليل ~~عندما كان سبعة من التلاميذ يصطادون في سفينة بطرس، ثم جلس معهم وأكل سمكا مشويا. وبعدما ~~تغدوا ودعهم واصطحب بطرس معه إلى مكان غير محدد (يوحنا: 20-21). # من هذه الروايات الأربع نستنتج أن يسوع بقي مع تلاميذه بضعة أيام قبل أن يغادرهم. أما في ~~سفر أعمال الرسل (المنسوب إلى لوقا) فإنه يبقى معهم مدة أربعين يوما. نقرأ في مقدمة السفر: ~~«رويت في كتابي الأول ياثاوفيلوس جميع ما عمل يسوع وعلم منذ بدء رسالته إلى اليوم الذي ~~رفع فيه إلى السماء، بعدما ألقى وصاياه إلى الذين اختارهم رسلا بدافع من الروح القدس. ~~ولهم أظهر نفسه حيا بكثير من البينات وتراءى لهم مدة أربعين يوما بعد آلامه، وكلمهم ~~عن ملكوت الله. وبينما هو يأكل معهم أوصاهم ألا يبرحوا أورشليم بل عليهم أن ينتظروا فيها ~~ما وعد الآب به ... وما إن قال هذا حتى رفع بمرأى منهم وأخذته سحابة عن أعينهم. وبينما ~~عيونهم شاخصة إلى عل وهو يذهب عنهم، إذا رجلان بثياب بيض قد مثلا وقالا لهم: أيها ~~الجليليون ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ فيسوع هذا الذي رفع ms298 عنكم سيعود كما رأيتموه ~~ذاهبا» (أعمال، 1: 1-11). # تبقى أخيرا رواية بولس عن القيامة والظهورات وهي أقدم الروايات. نقرأ في رسالته إلى ~~أهالي كورنثة التي حررها نحو عام 57م، ما يلي: «بلغت إليكم قبل كل شيء ما تلقيته، وهو أن ~~المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، وأنه قبر وقام في اليوم الثالث كما جاء في ~~الكتب، وأنه تراءى لصخر (= بطرس) فالاثني عشر، ثم تراءى لأكثر من خمسمائة أخ لا يزال بعضهم ~~حيا وبعضهم ماتوا، ثم تراءى ليعقوب ثم لجميع الرسل. حتى تراءى لي آخرا» (1 كورنثة، 15: ~~2-8). # وسنقوم فيما يلي بمقارنة عناصر رواية القيامة والظهورات كما وردت في الروايات ~~الستة. # القبر الفارغ # الشاهد الأول # الشخص الغريب في القبر # الشاهد الثاني # مرقس # ثلاث نسوة # شاب يرتدي الأبيض # لا يوجد # متى # امرأتان # ملاك واحد # لا يوجد # لوقا # عدد غير محدد من النسوة # ملاكان # بطرس # يوحنا # امرأة واحدة # ملاكان # بطرس والتلميذ الحبيب # بولس/أعمال # لا يوجد # لا يوجد # لا يوجد # من مقارنة هذه الروايات نجد أنها تتناقض في جميع عناصرها. فعدد شهود القبر الفارغ في ~~المرة الأولى إما امرأة واحدة أو امرأتان أو ثلاثة أو عدد غير محدد من النساء. والشخص ~~الذي وجد في القبر أو خارجه، إما شاب غير محدد الهوية أو ملاك واحد أو ملاكان. وشهادة ~~النسوة إما لم تدعم بشهادة أخرى أو أنها دعمت إما بشهادة تلميذ واحد أو بشهادة ~~تلميذين أو لم تدعم. # الظهورات ومكانها # الشاهد الأول # الشاهد الثاني # الشاهد الثالث # الشاهد الرابع # مرقس # لا يوجد # لا يوجد # لا يوجد # لا يوجد # متى # امرأتان/أورشليم # الأحد عشر/الجليل # لا يوجد # لا يوجد # لوقا # تلميذان/أورشليم # بطرس/أورشليم # الأحد عشر/أورشليم # لا يوجد # يوحنا # امرأة واحدة/أورشليم # الأحد عشر/أورشليم # الأحد عشر/أورشليم # 7 تلاميذ/الجليل # بولس # بطرس # الرسل # 500 تلميذ # يعقوب وبقية الرسل # أعمال # الأحد عشر/أورشليم # عدد غير محدد من الظهورات خلال 40 يوما # تتفاقم هنا التناقضات التي تبدت لنا في قصة القبر الفارغ. فالشاهد الأول على ظهور يسوع ~~إما امرأة واحد، أو اثنتان، أو تلميذان، أو ms299 تلميذ واحد، أو الأحد عشر. والمكان هو أورشليم. ~~والشاهد الثاني إما الأحد عشر، أو بطرس وحده، أو الأحد عشر، والمكان إما في الجليل أو ~~أورشليم. والشاهد الثالث إما الأحد عشر أو خمسمائة تلميذ. والمكان إما أورشليم أو مكان غير ~~محدد. والشاهد الرابع إما سبعة تلاميذ، أو يعقوب ثم بقية الرسل. والمكان إما في الجليل أو ~~في مكان غير محدد. # وهناك أمران ملفتان للنظر بشأن ظهورات يسوع؛ الأول هو أنه في بعض الظهورات لم يكن يبدو ~~لناظره بشكله المعهود، ولذلك فإن المجدلية حسبته البستاني ولم تتعرف عليه إلا بعد أن تكلم ~~معها. والتلميذان اللذان ظهر لهما وهما في الطريق إلى قرية قريبة من أورشليم لم يعرفاه وهو ~~سائر معهما إلا بعد ساعة من الزمن عندما جلسوا لتناول الطعام. # والأمر المحير الثاني هو أن يسوع كان يظهر بهيئة جسمانية، ويؤكد لمن يراه أنه من لحم ودم، ~~ويثبت ذلك بأن يتناول الطعام أمامهم ويدعوهم للمسه وتلمس مواضع الجراح في جسده. ولكنه ~~في الوقت نفسه كان يتحرك مثل روح، فيظهر فجأة ثم يختفي كما ظهر، ويخترق الجدران والأبواب ~~المغلقة، ويرتفع إلى السماء مخترقا قانون الجاذبية الذي يحكم الأجساد المادية. فعلى أي ~~الحالين كان يسوع بعد قيامته؟ وهل كانت قيامته قيامة روح أم قيامة جسد؟ # الصعود إلى السماء # الشاهد # المكان # مرقس # لا يوجد # لا يوجد # متى # لا يوجد # لا يوجد # لوقا # الأحد عشر # بيت عنيا # يوحنا # لا يوجد # لا يوجد # أعمال # الأحد عشر # أورشليم # بولس # لا يوجد # لا يوجد # نلاحظ هنا أن لوقا وحده قد أثبت صعود يسوع إلى السماء أمام تلاميذه، وذلك في العملين ~~المنسوبين إليه؛ وهما إنجيل لوقا وأعمال الرسل. ولكن حتى هنا فإن رواية الصعود في الإنجيل ~~تتناقض مع رواية الصعود في أعمال الرسل. ففي الإنجيل يخرج يسوع مع تلاميذه إلى بيت عنيا، ~~وهناك: «باركهم، وبينما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد ~~إلى السماء». وتعبير «انفرد عنهم» يتضمن أن يسوع كان وحيدا عندما صعد إلى السماء وأن ~~أحدا من التلاميذ لم يشهد هذا ms300 الصعود. أما في رواية الأعمال فإن صعود يسوع يجري في أورشليم ~~وأمام أعين التلاميذ الشاخصة أبصارهم إلى السماء. # إلى أين يقودنا كل ذلك؟ في الحقيقة إلى لا مكان. فقصة الإنجيل تنتهي على الطريقة التي ~~أنهاها بها مرقس أي عند القبر الفارغ. وهذه واقعة يمكن تفسيرها بأن من كان مسئولا عن ~~الدفن السريع والمؤقت، هو الذي أكمل إجراءات الدفن الرسمي ونقل جثمان يسوع إلى قبر دائم قبل ~~أن يعرف التلاميذ بما حصل. وهذا ما سبب حيرة من جاء أولا لتفقد القبر ووجده فارغا. أما ~~فيما يتعلق ببقية القصة من ظهورات يسوع وارتفاعه إلى السماء بهذا الجسد البشري، فليس ~~بمقدورنا ترجيح إحدى الروايات، ولا حتى التوفيق فيما بينها في رواية واحد متسقة. # لقد قام يسوع من بين الأموات حقا وصدقا، ولكن قيامته لم تكن قيامة جسدية وإنما قيامة ~~روحانية. وهذا ما سوف نستكمله في البحث القادم. # | لغز قيامة يسوع # في تقصينا لمفهوم قيامة الموتى في تعاليم يسوع، وإشارته إلى قيامته هو نفسه في اليوم ~~الثالث، يجب أن ننبه إلى أن هذا المفهوم لم يكن من مقومات العقيدة التوراتية. فالنظرة ~~التوراتية لحياة ما بعد الموت لم تكن تختلف عما هو سائد في المنظومات الدينية المشرقية ~~والكلاسيكية على حد سواء. فروح الميت تمكث مدة ثلاثة أيام إلى جانب جثمانه في القبر، ثم ~~تهبط منه إلى هوة سفلية تدعى في التوراة شيئول (أو الهاوية وفق الترجمات العربية)، وهي ~~تعادل العالم الأسفل المدعو كور في الديانة الرفادينية، وهاديس في الديانة اليونانية ~~والرومانية. وهناك تستمر في وجود شبحي لا حرارة فيه ولا طعم. وعلى حد وصف سفر إشعيا ~~فإن الموتى «يضطجعون معا لا يقومون. قد خمدوا كفتيلة انطفئوا» (إشعيا، 17: 43). ووصف سفر ~~إرميا: «ينامون نوما أبديا ولا يستيقظون» (إرميا، 39: 51). هذا النوم الذي لا صحوة منه ~~يعبر عنه أبلغ تعبير هذا المقطع من سفر أيوب: «لأن للشجرة رجاء إن قطعت تخلف أيضا ولا ~~تعدم خراعيبها. ولو قدم في الأرض أصلها ومات في التراب جذعها فمن رائحة الماء تفرخ ~~وتنبت ms301 فروعا كالغرس. أما الإنسان فيموت ويبلى، يسلم الروح فأين هو؟ يضطجع ولا يقوم» ~~(أيوب، 14: 7-12). # وتوصف الهاوية التوراتية على أنها عالم أسفل يقع ~~تحت عالمنا، وإليه تذهب جميع الأرواح لا فرق في ذلك بين صالح وطالح أو بين خاطئ ونبي. ~~وها هو يعقوب أبو الأسباط يبكي يوسف ابنه الغائب الذي يعتقد أنه قد مات ومضى إلى الهاوية، ~~ويأمل أن يموت ليلحق به : «وقام جميع بنيه وبناته يعزونه فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل ~~إلى ابني نائحا إلى الهاوية» (التكوين، 37: 35). والنبي صموئيل ~~وهو واحد من أعظم أنبياء التوراة يهبط بعد موته إلى ~~الهاوية. وقد عمد الملك شاؤل إلى استحضار روحه من العالم الأسفل لكي يستشيره، وذلك بواسطة ~~وسيطة روحانية. فصعد صموئيل من عالم الموتى على هيئة شيخ مغطى بجبة، فخر شاؤل على ~~وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاؤل: «لماذا أقلقتني بإصعادك إياي؟ فقال شاؤل: قد ضاق ~~بي الأمر جدا» (صموئيل الأول: 28). # وتوصف الهاوية التوراتية بأوصاف تشبه ما ورد في ~~الميثولوجيا المشرقية القديمة. نقرأ في أسطورة هبوط عشتار إلى العالم الأسفل: «إلى الأرض ~~التي لا عودة منها وجهت عشتار أنظارها. إلى دار الظلام ومسكن الإلهة إركالا، إلى الدار ~~التي لا يرجع منها داخل إليها، إلى الدرب الذي لا يقود صاحبه من حيث أتى، إلى المكان الذي ~~لا يرى سكانه نورا، حيث الغبار طعامهم والتراب معاشهم، يسبحون في الظلام فلا بصيص شعاع.» # 1 # ونقرأ في سفر أيوب: «وكنت كأني لم أكن قط، فأقاد من البطن إلى القبر. أليست ~~أيامي إلى حين؟ فاكفف (يا رب) عني فأرتاح قبل أن أنصرف انصراف من لا يئوب إلى أرض ظلمة ~~وظلال موت، أرض دجية حالكة كالديجور» (أيوب، 10: 19-22). وأيضا: «ما رجائي؟ إنما ~~الهاوية بيتي وفي الظلام مهدت مضجعي. قلت للفساد أنت أبي وللديدان أنت أمي وأختي. إذن ~~أين رجائي؟ رجائي من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الهاوية» (أيوب، 10: 19-22). # ولم تكن بقية الشيع الدينية في فلسطين بدورها تؤمن بقيامة الموتى، ولم يكن القبر بالنسبة ~~إليها إلا ms302 معبرا إلى عالم الأخيلة والظلال السفلى، شأنها في ذلك شأن بقية العبادات ~~السورية. إلا أن التبادل الثقافي الذي حصل مع إيران خلال فترة الحكم الفارسي لبلاد الشام ~~فيما بين عام 539ق.م. وعام 335ق.م. قد أدى إلى انتشار بعض الأفكار الدينية الزردشتية في ~~المنطقة، وأهمها فكرة مخلص البشرية الذي سيظهر في نهاية الأزمان، وفكرة القيامة العامة ~~للموتى وعودة الروح إليها من أجل الحساب الأخير. وقد أثرت الفكرة الأولى على نشوء المفهوم ~~التوراتي المتعلق بالمسيح المنتظر، كما أثرت الفكرة الثانية على نشوء تصورات شعبوية عن ~~بعث الموتى لم يتم تبنيها رسميا ولكنها ترسخت تدريجيا لدى إحدى الفرق اليهودية ~~الرئيسية في القرن الأول الميلادي، وهي فرقة الفريسيين ~~التي آمنت بقيامة الموتى في يوم الرب الأخير. أما فرقة الصدوقيين وهي الفرقة الرئيسية ~~الثانية التي كانت مسيطرة على الهيكل وطقوسه، فقد بقيت ملتزمة التفسير الحرفي للتوراة ~~وأنكرت البعث معتبرة أن الروح تموت مع الجسد وكلاهما لا يقوم. وفيما يتعلق بالفرقة ~~اليهودية الثالثة وهي فرقة الأسينيين الأقل شأنا، فإن الشواهد من مخطوطاتها المكتشفة في ~~موقع قمران، تكشف عن موقف ملتبس وغير واضح من هذه المسألة. # على أن هذا كله لا يستكمل المشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي. فإلى جانب ~~الوثنية السورية التقليدية والفرق اليهودية، كان هنالك جيوب متفرقة من عبادات الأسرار، ~~لعل أهمها شيعة جبل الكرمل التي كان لها مركز ديني مهم على ذلك الجبل، وكان أشبه ~~بالمعهد الديني الذي يلتحق به الفتيان من أجل تلقي العلوم الدينية قبل التنسيب. وقد شاع ~~صيت هذا المركز في العالم القديم وقصده عدد من الحكماء من أجل تلقي العلوم الروحانية، ~~ومنهم فيثاغورث الذي تروي سيرة حياته عن اعتكافه مدة طويلة في جبل الكرمل، أكثر الجبال قداسة. # 2 # وعبادات الأسرار تؤمن ببعث الروح لا الجسد عن طريق الاتحاد بالإله المخلص، ~~ولكن هذا البعث ليس عاما وإنما مقتصرا على من عبر إلى حلقة المريدين الضيقة ومارس ~~طقوس الاستسرار. # وكان في فلسطين جماعات غنوصية متفرقة تنتمي إما إلى طريقة سمعان ماجوس ms303 أو إلى طريقة ~~يوحنا المعمدان (راجع بحثنا السابق: يوحنا المعمدان وتاريخ طقس المعمودية). والغنوصية هي ~~نظام ديني يقوم على مبدأ ثنائية الروح والجسد؛ حيث ينتمي الجسد إلى عالم المادة والظلام ~~وتنتمي الروح إلى عالم الأنوار العلوي الذي منه هبطت وحلت في سجن المادة. وسوف تبقى ~~الروح حبيسة هذا العالم المليء بالشر والألم، ورهينة دورة الميلاد والموت تنتقل من جسد ~~إلى آخر، إلى أن تتعرف على أصلها من خلال فعالية العرفان ~~الذي يقودها إلى الخلاص، عندما تنضو عنها رداءها المادي وتبدأ رحلة العودة إلى ديارها. ~~وهنا يتحول القبر من بوابة إلى دورة تناسخ جديدة إلى بوابة نحو العالم النوراني العلي ~~والحياة في الأبدية. فعلى عكس الزردشتية وغيرها من النظم الدينية اللاحقة التي تبشر ~~ببعث أجساد الموتى في اليوم الأخير، فإن الخلاص الذي تبشر به الغنوصية هو خلاص الأرواح ~~من الجسد ومن العالم في آن معا. أما الأجساد فتسقط ولا تقوم أبدا. # ولعل باستطاعتنا تلمس عقيدة بعث الأرواح في هذه الغنوصية الفلسطينية، من خلال تعاليم ~~يوحنا المعمدان التي حفظتها لنا إلى اليوم طائفة الصابئة المندائيين. نقرأ في الكتاب ~~المندائي المعروف بعنوان «تعاليم ومواعظ يحيى بن زكريا» ما يلي: ~~«تكلم المسيح مخاطبا يحيى في أورشليم: يا يحيى، أستحلفك بالحي العظيم وبملاك ~~الأحد الوقور، وبالدرب الذي سلكه المختارون الصالحون، حدثني ماذا تشبه سفينة ~~صوارئيل؟ أخبرني عن النفس كيف تغادر الجسد وبماذا تكون متلفعة؟ وماذا تشبه وهي ~~داخل الجسد الفاني؟ ... # لما توقف عيسى عن الكلام قال يحيى بصوت عال: ... النفس محتجبة، تدخل خفية ~~إلى الجسد الفاني، وعندما يحين الأجل تنسل خفية متلفعة برداء النور وتصعد سفينة ~~صورائيل. تظهر ثلاثة أشعة من الضوء تلحق بها ثم تجتازها. الأول يجتازها تاركا ~~إياها عند المساء، والثاني يتركها عند الفجر، أما الثالث فيغادرها تاركا لها راية ~~بيضاء. # تغضب النار، تتحرك النسمة منسلة من القدم إلى الركبة، وتقترب من الخاصرة، وتصل ~~إلى القلب قابضة عليه، ثم تصعد حتى تأتي اللسان وتلتف عليه، فتغيم عينا الإنسان ~~وتشحب سيماؤه وشفتاه. فيناديها صورائيل ms304 قائلا: انفصلي أيتها النسمة، لماذا ترقبين ~~الجسد؟ فتجيب: يا صورائيل، أخرجني من جسدي، امنحني لباسي وحررني. يقول لها: هات ~~أعمالك، فإن الأجر هو الذي سيمنحك رداءك. فتجيب: لا أعرف يا صورائيل أن أجلي قد ~~حان، إنهم أرسلوك إلي. فإن كانت أعمالي حسنة أحضر ملابسي وألبسني ~~إياها. # تخرج النسمة. يحمل الجسد أربعة رجال يرتدون ملابس النور، يسيرون نحو المدفن، ~~يضعونه في حفرة ضيقة وبهدوء يوارونه الثرى. بحزن مكتوم ينسحبون الواحد بعد الآخر ~~تاركين الجسد المغيب في اللحد. بعد ذلك يحضرون قدحا من الماء وبعضا من الخبز، ~~وينسون الجسد.» # 3 # ونقرأ في التسبيح الثامن والثلاثين من الكتاب المقدس المندائي «كنزا ربا» ما ~~يلي: ~~«باسم الحي العظيم. أسمع صوت نفس ما وهي تخرج من جسد الحرمان، أسمعها وهي تقول: عارية ~~أتيت إلى هذا العالم، فارغة منه أخرجوني مثل عصفور لم يرافقه شيء. ثم التفتت إلى الهيكل ~~الذي منه خرجت قائلة: ماذا أفعل بك يا جسدي الباقي في هذا العالم؟ يا جمال جسدي الذي ~~سيأكلك في القبر الدود، ماذا أفعل بك؟ يا قميص الورود، ماذا أفعل بك يا جسدي وأنت من طين ~~جبلت؟ من كتلة طين جبلت أيها الجسد، واحتملت اضطهاد جميع الأشرار، فماذا أفعل بك؟ وبينما ~~النفس تحدث جسدها، طار إليها رسول الحي. رسول الحي طار إليها وكلمها مشفقا عليها: ~~هلمي أيتها اللؤلؤة التي من كنز الحي أخذت. هلمي أيتها الزكية التي عطرت هيكل الطين ~~ذاك. هلمي أيتها المنيرة التي أضاءت بيتها المظلم. هلمي انزعي رداءك الطيني رداء الدم ~~واللحم، والبسي رداء النور والضياء. البسي ثوب العطر والأريج، وضعي إكليلك البهيج، ثم اصعدي ~~وأقيمي بين الأثيريين. مبارك الحي. ومبارك اسم الحي في بلد النور.» # 4 # من عرضنا هذا للمشهد الديني الفلسطيني في القرن الأول الميلادي، نخرج بنتيجة مفادها أن ~~يسوع قد ظهر في بيئة دينية لم تكن تؤمن بالحياة الثانية، عدا قلة فريسية آمنت ببعث الأجساد ~~المادية وعودة الروح إليها، وقلة قليلة غنوصية آمنت ببعث الأرواح دون أجسادها. وقد ركز ~~يسوع في دعوته ms305 الموجهة إلى اليهود والوثنيين على مفهوم القيامة الروحية في مقابل مفهوم ~~قيامة الجسد الذي يقول به الفريسيون المتأثرون بالأفكار الزرادشتية. وهذه القيامة تحصل في ~~هذه الحياة عندما تتعرف الروح على أصلها السماوي وتولد ولادة ثانية «من الأعلى». نقرأ في ~~إنجيل يوحنا: «ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا ولد من عل ... إلا إذا ولد وكان ~~مولده من الماء والروح. فمولود الجسد يكون جسدا، ومولود الروح يكون روحا ... فالريح تهب ~~حيث تشاء فتسمع هزيزها ولا تدري من أين تأتي ولا أين تذهب. تلك حالة مولود الروح» (يوحنا، ~~3: 3-8). # وقد شغل مفهوم ثنائية الروح والجسد وما يتصل به من مفهوم قيامة الروح حيزا كبيرا من ~~تعاليم يسوع السرية، التي تظهرها هذه الأقوال من إنجيل توما: # 5 # قال يسوع: عندما تعرفون أنفسكم، تعرفون وتفهمون أنكم أبناء الآب الحي. ولكن ~~إذا لم تعرفوا أنفسكم أقمتم في الفقر وكنتم الفقر (الفقرة 3). ~~(المقصود بالفقر هنا هو الجسد من جهة والعالم المادي الأوسع من جهة ~~ثانية). # قال يسوع: طوبى لمن يقف في البداية لأنه سوف يعرف النهاية، ولن يذوق الموت ~~(الفقرة 18). طوبى لمن وجد قبل أن يخلق (الفقرة 19). ~~(أي إن من يعرف نفسه يتوصل إلى معرفة أصله الروحاني القديم السابق على وجود ~~في الجسد الأرضي.) # قال يسوع: طوبى للمتوحدين والمصطفين فإنكم ستجدون الملكوت، لأنكم منه أتيتم ~~وإليه ترجعون (الفقرة 49). # قال يسوع: إذا سألوكم من أين جئتم، أجيبوهم: جئنا من النور، من المكان الذي ~~انبثق فيه النور من تلقاء ذاته (الفقرة 50). # قال يسوع: من عرف حقيقة العالم عرف حقيقة الجسد، ومن عرف حقيقة الجسد ~~فالعالم ليس أهلا له (الفقرة 56). # قال يسوع: عندما ترون مظهركم تسرون. ولكن هل ستتحملون رؤية صوركم التي وجدت ~~قبلكم، والتي لا تموت ولا تتبدى؟ (الفقرة 84). ~~(أي لا يدري المرء أن وراء صورته التي يزهو بها في هذا العالم، صورة أخرى ~~نورانية موجودة منذ القدم، لا تموت مثل الصور المادية ولا تتمظهر على ~~طريقتها.) # قال يسوع: الجسم العالة على جسم ما أشقاه، ms306 والنفس العالة على هذين الاثنين ~~ما أشقاها! (الفقرة 87). ~~(المقصود بالجسم الأول هو جسم الإنسان، والجسم الثاني هو العالم.) # قال يسوع: السماوات والأرض سوف تدرج أمام أنظاركم، ولكن من يحيا في الواحد ~~الحي لن يرى الموت. ألم أقل لكم إن من وجد نفسه فالعالم ليس أهلا له. # مثل هذه الأفكار هي التي آمنت بها الحلقة الضيقة من أتباع يسوع، والتي عبر أفرادها إلى ~~أسرار ملكوت الله التي لم تكن متاحة للذين هم «من خارج»، على حد وصف يسوع (راجع إنجيل ~~مرقس، 4: 10-12). وعندما مات معلمهم كانوا على ثقة من أنه قام في اليوم الثالث قيامة ~~روحية وجلس عن يمين الآب؛ لأن العالم الروحاني في الملأ الأعلى لا يقبل في نسيجه جسدا ~~ثقيلا جاء من عالم المادة، وهذا الجسد سوف يكون غريبا في ذلك العالم مثل غربة ذلك العالم ~~عنه. وإذا كان يسوع قد قام روحيا فإن هذه القيامة ستكون متاحة لكل من آمن به وسار على ~~طريقه. # وقد عبر بولس الرسول في رسائله بأوضح شكل عن هذه التعاليم التي تلقاها من تلاميذ ~~يسوع عندما تعمد ودخل إلى أسرار ملكوت الله. فبولس لم يتحدث أبدا عن قيامة جسدية ليسوع، ~~ومن رآه من التلاميذ بعد قيامته قد واجهه على المستوى الروحاني. فالجسد عند بولس يشكل ~~غربة عن الله، والإنسان لا يدخل ملكوت الله إلا إذا تخلى عن جسده. يقول في رسالته ~~الثانية إلى أهالي كورنثة: «ولذلك لا نزال واثقين كل الثقة عارفين أننا ما دمنا في هذا ~~الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا نهتدي بإيماننا لا بما نراه. فنحن إذن واثقون، ونفضل ~~أن نغترب عن هذا الجسد لنقيم مع الرب» (2 كورنثة، 5: 6-8). والجسد الذي يدفن في القبر يكون ~~جسما ماديا ولكنه يبعث جسما روحانيا: «يدفن الجسم في فساد ويقام في عدم فساد، ~~يدفن في هوان ويقام في مجد، يدفن في ضعف ويقام في قوة، يدفن جسدا حيوانيا ويقام ~~جسما روحانيا ... كما هو الترابي هكذا الترابيون أيضا، وكما هو السماوي هكذا السماويون ~~أيضا، ms307 وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضا صورة السماوي. أقول لكم أيها الإخوة إن لحما ~~ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد» (1 كورنثة، ~~15: 42-50). # في هذا المقطع يبسط بولس جوهر تعاليم يسوع المتعلقة ببعث الروح وخلودها، ويعبر عن ~~الشكل الأقدم لعقيدة القيامة كما آمن بها الخاصة من تلاميذ يسوع، وكما فهموا من خلالها ~~قيامة معلمهم. فإذا كان الفساد لا يرث عدم الفساد، فإن يسوع لم يصعد إلى السماء بجسده ~~العنصري وإنما بروحه، أو بجسده المجيد الذي تغير، على حد تعبير بولس: «أما نحن فموطننا ~~في السماوات، ومنها ننتظر المخلص يسوع المسيح، الذي يبدل جسدنا الحقير فيجعله على صورة ~~جسده المجيد» (فيليبي، 2: 20-21). وعندما تحدث بولس عن ترائي يسوع القائم من بين الأموات ~~للرسل ثم ترائيه له أخيرا وهو على الطريق إلى دمشق، فقد كان يتحدث عن مواجهة مع يسوع على ~~المستوى الروحاني لا على المستوى المادي. ويسوع عندما كلم بولس لم يظهر له في هيئة مادية ~~وإنما عبر عن حضوره من خلال نور سطع من السماء وأضاء حول بولس. نقرأ في سفر أعمال الرسل: ~~«وإنه لسائر وقد اقترب من دمشق، إذن نور من السماء قد سطع حوله، فسقط إلى الأرض وسمع ~~هاتفا يقول له: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقال له: من أنت يا سيدي؟ قال: أنا يسوع الذي ~~أنت تضطهده» (أعمال، 8: 3-5). # كيف إذن تحولت قيامة يسوع من قيامة روحانية آمن بها بولس بعد أن شعر بحضور يسوع غير ~~المرئي، إلى قيامة جسدية عند مؤلفي الأناجيل الذين حشدوا لها عددا من الشهود لم تتفق ~~شهاداتهم بخصوص ما رأوا وما سمعوا؟ في الحقيقة لا يمكننا فهم هذا التحول إلا من خلال صراع ~~التيارات المتخالفة ضمن الجماعات المسيحية المبكرة، ورجحان كفة اليهود المتنصرين من ذوي ~~الخلفية الفريسية، والذين جلبوا معهم فكرة بعث الأجساد وفرضوها على العقيدة المسيحية خلال ~~عقود التكوين الأولى. # على أن مفهوم البعث الروحاني ليسوع بقي حيا لدى الفرق المسيحية الغنوصية وكان بمثابة ~~حجر الزاوية ms308 في تعاليمها التي لا ترى في القيامة الجسدية سوى مباركة الجسد المادي الذي يسعى ~~الغنوصي للتخلص منه. والمسيحيون الغنوصيون ينقسمون إلى فريقين في نظرتهم إلى قيامة يسوع. ~~فالفريق الأول يميز بين يسوع الأرضي المولود من امرأة والمسيح السماوي الموجود لدى الآب منذ ~~القدم، وقد هبط هذا المسيح السماوي على يسوع وتطابق معه لحظة خروجه من الماء بعد أن ~~تعمد على يد يوحنا المعمدان، ثم غادره عندما مات على الصليب. ونستطيع تلمس مثل هذه ~~الأفكار في عدد من النصوص المنسوبة إلى المعلم فالنتينوس الذي كان عضوا في كنيسة ~~الإسكندرية قبل أن يؤسس طائفته الغنوصية الخاصة، ونصوص أخرى منسوبة إلى تلاميذه، ومنها نص ~~حوار المخلص، والرسالة الثلاثية، وإنجيل الحقيقة، وتفسير الغنوص، وجميعها من نصوص مكتبة ~~نجع حمادي. # 6 # أما الفريق الثاني فقد تبنى مفهوما أكثر راديكالية؛ إذ يرى أن ظهور المسيح ~~بين الناس لم يكن إلا ظهورا شبحيا على الرغم مما تبدى للناس من ماديته. فلقد هبط ~~المسيح من السماء هبوطا روحانيا وصعد صعودا روحانيا من غير أن تمسه أدران المادة. ~~ويعبر عن هذا الاتجاه أفضل تعبير النص الغنوصي المعروف بعنوان أعمال يوحنا. فقد لاحظ ~~يوحنا خلال مرافقته ليسوع أن قدميه لم تكونا تتركان أثرا على الأرض وأن عينيه لم تكونا ~~ترمشان أبدا. وبعد أن أسلم يسوع إلى الصلب وهرب تلاميذه، مضى يوحنا وقبع في كهف يبكي. ~~عندها تراءى له يسوع وقال له: بالنسبة للناس هناك في الأسفل، أنا مصلوب وخاصرتي مثقوبة ~~بالرمح وأتجرع الخل والمرار، ولكني بالفعل لم أعان أيا من هذه الأمور. وها أنا ذا معك ~~فاستمع لما أقول. # 7 # وفي الحقيقة فإن المتتبع للتطورات اللاهوتية التي طرأت على العقيدة المسيحية خلال القرون ~~الخمسة أو الستة التي أعقبت وفاة يسوع، ليعجب من تعايش مفهوم القيامة الجسدية ليسوع مع ~~الاتجاه الذي كان يركز أكثر فأكثر على ألوهيته، على الرغم من استحالة التوفيق بين جوهر ~~الجسد وجوهر الألوهة. هذا العجب يبلغ أشده بعد إصرار اللاهوت المسيحي على تبني مفهوم ~~القيامة الجسدية مع ms309 تبنيه في الوقت نفسه لعقيدة الثالوث. فكيف يكون يسوع في السماء أحد ~~تجليات الثالوث الأقدس مع احتفاظه بجسده الذي يحمل آثار الثقوب في يديه وأثر الحربة في ~~جانبه؟ وكيف يلتقي جوهر الألوهة بجوهر الجسد في الحقيقة الكلية التي يمثلها الثالوث؟ # | نظرية المؤامرة # هل نجا يسوع من الصلب؟ # في بستان جتسماني بعد العشاء الأخير صلى يسوع للآب قبل القبض عليه قائلا: «يا أبتا، ~~كل شيء مستطاع لك، فأجز عني هذه الكأس. ولكن لا كما أنا أشاء بل كما أنت تشاء .» وهذا ~~يعني في رأي من تبنى نظرية المؤامرة في تفسير واقعة الصلب، أن يسوع كان يتوقع ~~تدخلا إلهيا يصرف عنه كأس الموت المرتقبة، وأنه إلى جانب ذلك قد تدخل بشكل مباشر في ~~تحقيق الفعل الإلهي المرتقب، من خلال مؤامرة مدبرة قادت إلى إنزاله حيا عن الصليب. وفي ~~رأي هؤلاء فإن يسوع قد وعى مضامين النبوءات التوراتية المتعلقة بمصير عبد يهوه البار، ~~والتي تتوقع نجاته من أيدي مضطهديه بعد معاناته للآلام. ومنها على سبيل المثال: «كثيرة هي ~~بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب» (المزمور، 34: 3). «الصديق ينجو من الضيق ويأتي ~~الشرير مكانه» (أمثال، 11: 8). «من يقف لي ضد فعلة الإثم؟ لولا أن الرب معيني لسكنت نفسي ~~سريعا أرض السكون. إذا قلت قد زلت قدمي فرحمتك يا رب تعضدني ... يحكمون على نفس الصديق ~~ويحكمون على دم زكي، فكان الرب لي صرحا وإلهي صخرة ملجئي، ويرد عليهم إثمهم وبشرهم ~~يفنيهم» (المزمور، 94: 16-23). «لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع قدوسك يرى فسادا. ~~تريني طريق الحياة» (المزمور، 16: 10-11). «إذا سرت في ظل وادي الموت لا أخاف شرا لأنك ~~أنت معي» (المزمور، 23: 4). # ولنتابع الآن نظرية المؤامرة كما بسطها عدد من الباحثين المعاصرين، وجلهم من ~~اليهود. # فقد أعد يسوع خطته بحيث لا يأتي اعتقاله مبكرا أو متأخرا عن مساء يوم الخميس بعد تناوله ~~عشاء الفصح مع تلاميذه. وحسب توقعه فإن ساعات قليلة سوف تكون كافية من أجل إجراءات ~~المحاكمة التي لن تستغرق طويلا لأن التهمة هي التحريض ضد ms310 روما، وهذا يعني أنه لن يبقى على ~~الصليب أكثر من بضع ساعات وسيتم إنزاله قبل مساء يوم الجمعة، أي مع حلول ليلة السبت التي لا ~~يجوز أن يبقى فيها محكوم على الصليب. وفي هذه الحالة فإن فرصته في النجاة ستكون كبيرة ~~وسيكون من الميسور إنعاشه ومداواة جروحه؛ لأن الموت على الصليب لا يأتي عادة قبل مرور ~~يومين أو ثلاثة على أقل تقدير. وإذا كان يسوع مقتنعا من تفسيره للنبوءات التوراتية بأن ~~المسيح سوف يتألم على الصليب ولكنه لن يموت عليه، فمن الطبيعي أن يكون قد اتخذ مسبقا ~~الإجراءات الكفيلة بإنقاذ حياته. # ولقد بقي يسوع على الصليب ست ساعات وفق رواية مرقس وما يمكن أن نستنتجه من رواية ~~متى ولوقا، وثلاث ساعات وفق رواية يوحنا. ولكن هذا في حد ذاته لم يكن كافيا، لأن ~~إنزال المصلوبين كان يسبقه في مثل هذه الحالة كسر سيقانهم من أجل التعجيل بموتهم، وكان على ~~يسوع أن يبدو في حالة موت حقيقي كيلا تكسر ساقاه، وأن يسلم جسده إلى أياد أمينة ~~وصديقة لتعمل على إنعاشه، وإلا رمي في قبر عشوائي على ما جرت عليه العادة في التعامل مع ~~جثث المحكومين من اللصوص والمشاغبين السياسيين. وهذا ما خطط له يسوع بالتعاون مع يوسف ~~الرامي، الذي يصفه متى بأنه رجل غني كان قد تتلمذ ليسوع، ويصفه مرقس بأنه عضو بارز في ~~المجلس اليهودي وكان من الذين ينتظرون ملكوت الله، ويصفه لوقا بأنه عضو في المجلس ورجل ~~بار لم يوافقهم على خطتهم وأعمالهم. وفي إنجيل يوحنا نجد أن يسوع يشرك في خطته عضوا آخر ~~في المجلس اليهودي كان أيضا تلميذا سريا له يدعى نيقوديمس. # ولقد قامت خطة يسوع ومساعديه على ترتيبين أساسيين، الأول إعطاء يسوع شرابا من شأنه ~~أن يسبغ عليه كل مظاهر الموت، والثاني استلام يوسف الرامي لجسده بأسرع وقت ممكن بعد ذلك. ~~ولغاية الحفاظ على سرية الخطة وضمان نجاحها، كان عليها أن تشتمل على أقل عدد ممكن من ~~المشاركين بها، ولم يكن بين هؤلاء أحد من الرسل ms311 الاثني عشر على ما بينت لنا الأحداث ~~اللاحقة. وقد جرى تنفيذ الترتيب الأول بالتعاون مع أحد المشاركين في عملية الصلب، عندما غمس ~~إسفنجة في إناء خل مجهزة مسبقا ورفعها على قصبة وأدناها من فم يسوع بعد أن قال: أنا ~~عطشان. فلما ذاق يسوع الخل حنى رأسه وأسلم الروح. وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، فإن هذه ~~العملية لم تكن إجراء ساديا يهدف إلى السخرية من المصلوب، وإنما إجراء اعتياديا في ~~مثل هذه الأحوال من شأنه إنعاش وتقوية المصلوب لما للخل من تأثر منبه. ولذلك من الغريب ~~أن تكون ردة فعل يسوع هي العكس من ذلك تماما. والحقيقة هي أن ما قرب إلى يسوع ليشربه لم ~~يكن خلا وإنما مركب يحتوي على الأفيون أو نوع آخر من المخدر ربما كان حشيشة ~~البلادونا، من شأنه أن يجعل متناوله في حالة تشبه الموت. ويجب أن نلاحظ هنا أن الإسفنجة ~~المغمسة بالخل لم تقدم إلا إلى يسوع من دون الآخرين المصلوبين معه. # عندما تلقى الجنود الأمر بكسر سيقان المصلوبين، عمدوا إلى كسر سيقان اللص الأول الذي ~~صلب معه ثم اللص الآخر، وعندما وصلوا إلى يسوع رأوه قد مات فلم يجدوا حاجة إلى كسر ساقيه. ~~ولكن شيئا غير متوقع حدث عندما قام أحدهم بطعن يسوع بحربة في جنبه، فخرج على إثرها دم ~~وماء. وخروج الدم من الجسد يعني أن يسوع لم يكن بعد ميتا، ولكن حظوظه في النجاة لم تعد ~~الآن قوية مثلما كانت. وهنا أسرع الشخص الذي سقى يسوع المخدر إلى يوسف الرامي وأبلغه بما ~~حدث، فتوجه يوسف الرامي لساعته إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع، فمنحه إياه بعد أن تأكد من ~~الضابط الروماني المشرف على العملية من موت يسوع. فقام يوسف ونيقوديمس وشخص ثالث معهما بدفن ~~جسد يسوع في قبر جديد يقع في بستان قريب ربما كان ملكا ليوسف الرامي نفسه. أما الشخص ~~الثالث فربما كان من سقى يسوع الشراب، أو البستاني الذي يعنى بأرض يوسف الرامي. # بعد إجراء بعض الإسعافات الأولية على جسد يسوع، ms312 جرى لفه بالكتان النقي ودهنه بخليط من ~~المر والعود، الأمر الذي أوقف مؤقتا تدهور حالته، ثم ترك في القبر إلى مساء يوم السبت ~~عندما تم نقله إلى مكان آخر من أجل إتمام عملية الإنعاش والإسعاف. ويبدو أن يسوع قد استعاد ~~وعيه لفترة من الزمن وظن أنه سوف ينجو، فأوصى منقذيه أن يوصلوا رسالة منه إلى التلاميذ ~~يطلب فيها منهم أن يسبقوه إلى الجليل حيث سيجتمع بهم هناك. # عند فجر يوم الأحد جاءت مريم المجدلية إلى القبر مع اثنتين أخريين ليجدن أن الحجر قد ~~دحرج عن مدخل القبر، ولما دخلن لم يجدن جثمان يسوع وأبصرن شابا يرتدي الأبيض جالسا ~~هناك قال لهن بأن يسوع قد قام وأن عليهن أن يذهبن ويقلن للتلاميذ أن يذهبوا إلى الجليل ~~وهناك يرونه. هذه القصة التي رواها مرقس عن الشاب الموجود في القبر، نجد لها تنويعا في ~~رواية يوحنا، فبعد أن أخبرت المجدلية بطرس والتلميذ الحبيب عن القبر الفارغ، هرع الاثنان ~~وتأكدا من روايتها ثم عادا ولبثت هي وحيدة تبكي. ثم حانت منها التفاتة ورأت شخصا ~~ما وراءها ظنته البستاني، ولكنه عندما ناداها باسمها تراءى لها على هيئة يسوع، فمضت ~~وأخبرت التلاميذ بأنها رأت المعلم وأنه قال لها كذا وكذا. وبذلك تم التأسيس لفكرة قيامة ~~يسوع الجسدية في تفسير واقعة القبر الفارغ، وتحول الشاب الذي ساهم في نقل جسد يسوع ثم عاد ~~ليوصل رسالته إلى تلاميذه، إلى يسوع نفسه في عقل المجدلية المضطرب. وبعد ذلك صار التلاميذ ~~مهيئين من الناحية العقلية والعاطفية لتفسير رؤى معينة على أنها مواجهة مع المعلم القائم ~~من الأموات. ففي رواية لوقا عن الظهور الأول ليسوع، هنالك تلميذان كانا متوجهين إلى قرية ~~قريبة من أورشليم، عندما دنا منهما رجل غريب وسار معهما مسافة طويلة وهما يحدثانه عن ~~القبر الفارغ، وعندما جلس معهما إلى الطعام وكسر الخبز انفتحت أعينهما وعرفا أنه يسوع ~~ولكنه توارى عنهما. وفي رواية يوحنا عن الظهور الأخير ليسوع عند بحيرة طبريا، فإن التلاميذ ~~لم يكونوا متأكدين تماما من أن ms313 الشخص الذي أمامهم هو يسوع، وعلى حد قول النص: «فقال لهم ~~يسوع هلموا إلى الطعام. ولم يجرؤ أحد من التلاميذ أن يقول له من أنت لعلمهم أنه الرب.» ~~ولدينا ملاحظة تركها لنا مؤلف إنجيل متى عندما وصف الظهور الوحيد ليسوع، وهو الظهور الذي ~~حصل في الجليل، حيث قال: «فلما رأوه سجدوا له ولكن بعضهم ارتابوا» (متى، 28: 17). وهذه ~~الملاحظة إذا فهمت على ضوء ما تقدم، فإنها تعني أن التلاميذ لم يكونوا على بينة تامة من ~~أن الذي رأوه هو يسوع. # في هذه الأثناء كان يسوع يعاني سكرات الموت في المكان الذي نقل إليه بعد أن فشلت كل ~~الجهود في شفائه. وعندما أسلم الروح لم يكن بالإمكان إعادته إلى القبر السابق من جديد، ~~فدفن في قبر مجهول. # 1 # هذه هي الصيغة الأولى من نظرية المؤامرة في صلب يسوع، أما الصيغة الثانية فتسير على ~~الخطوط العامة نفسها ولكنها تنتهي بإنعاش يسوع ونجاته. وقد جرى إشراك الوالي بيلاطس في ~~المؤامرة عن طريق رشوته بمبلغ كبير من المال من أجل إنقاذ بريء لم يكن موافقا من حيث ~~المبدأ على إعدامه، وهذا ما يفسر السهولة التي قبل بها بيلاطس منح جسد يسوع ليوسف الرامي. ~~وكما يمكن أن نفهم من رواية إنجيل يوحنا، فإن عملية الصلب لم تجر فوق تلة قاحلة تشبه ~~الجمجمة، وإنما ضمن ملكية خاصة فيها بستان يحتوي على قبر جديد لم يدفن فيه أحد، وهذه ~~الملكية تعود ليوسف الرامي. وبما أن عملية الصلب قد تمت على مبعدة من الناس الذي كانوا ~~يرقبون «عن بعد» على حد وصف إنجيل لوقا 23: 49، فقد كان بإمكان المتآمرين التصرف ~~بحرية، وإجراء صلب وهمي مدبر بمهارة بحيث لا يبدو لأنظار المشاهدين عن هذه المسافة ~~البعيدة من هو الذي صلب أو ما إذا كان في الحقيقة قد مات. وعند حلول الغسق الذي ساهم في ~~صعوبة الرؤية بالنسبة للمشاهدين، تم إنزال يسوع عن الصليب وأودع في القبر القريب، ومنه ~~نقل في اليوم الثاني إلى حيث عولج واسترد عافيته. وبعد أن دبر أمر ms314 ترحيل زوجته مريم ~~المجدلية وأولاده بمعونة يوسف الرامي الذي أبحر بهم إلى مرسيليا، اختفى ولم يعثر له على ~~أثر بعد ذلك. أما سلالة يسوع فقد وطدت نفسها في فرنسا، ومنها نشأت عدة أسر ملكية أهمها ~~أسرة الميروفنجيين التي حكمت في المناطق التي تعرف الآن بفرنسا وألمانيا فيما بين القرن ~~الخامس والقرن السابع. # أما يسوع، فمن الممكن أنه بقي متخفيا في فلسطين لأن وجوده مع العائلة المقدسة يشكل ~~خطرا على أمنها، أو أنه سافر إلى الإسكندرية أو إلى مكان آخر في الشرق. وفي عام 1972م حاجج ~~صحفي أسترالي بأن يسوع سافر إلى الشرق ثم رجع إلى فلسطين ليلتحق بالثورة اليهودية ضد ~~الرومان التي اندلعت عام 66م، وأنه كان بين آخر المدافعين عن قلعة مسعدة الذين قاموا ~~بانتحار جماعي قبل تسليم الموقع إلى الجيش الروماني. ويقول هذا الصحفي المدعو # Donovan Joyce # في كتابه المعنون # Jesus ~~Scroll ~~، بأنه عندما كان في إسرائيل طلب إليه المساعدة في تهريب لفيفة ~~مسروقة من عمليات التنقيب في مسعدة إلى خارج البلاد ولكنه رفض. وهو يدعي أنه رأى اللفيفة ~~وكانت موقعة باسم «يسوع بن يعقوب من جينيسارت (= بحر الجليل)» الذي يصف نفسه بأنه كان في ~~الثمانين من العمر عند سقوط القلعة وأنه آخر الملوك الشرعيين لإسرائيل. # 2 # ومن المعروف وفق سلسلة نسب يسوع الواردة عند متى أن الجد المباشر ليسوع كان ~~يدعى يعقوب. # وهنالك موروثات إسلامية وهندية تتحدث عن نجاة يسوع من الصلب وسفره إلى الهند؛ حيث قضى ما ~~تبقى من عمره في منطقة كشمير ودفن هناك. وقد كان لا بد من شيوع مثل هذه القصص استنادا ~~إلى أن القرآن الكريم نفى أن يكون عيسى المسيح قد مات قتلا أو صلبا على يد اليهود، على ما ~~ورد في سورة النساء: # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل ~~رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما * وإن ~~من أهل الكتاب إلا ms315 ليؤمنن به قبل موته ويوم ~~القيامة يكون عليهم شهيدا ~~(النساء: 155-159). وما يمكن لنا أن ~~نفهمه من هذا المقطع الذي اختلف فيه المفسرون إلى يوم الناس هذا دون أن يصلوا إلى اتفاق، هو ~~أن اليهود لم يكونوا متيقنين من قتل يسوع (وما قتلوه يقينا) ولكن اشتبه عليهم موته (ولكن ~~شبه لهم). أما عن رفع عيسى إلى السماء فقد حصل بعد نجاته من اليهود واستيفائه أجله ~~الطبيعي، على ما نفهم من قوله تعالى في سورة آل عمران: # يا عيسى ~~إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة ~~(آل عمران 55). أي إن رفع عيسى إلى السماء قد حصل بعد وفاته ~~عندما حان أجله، وهذا الرفع كان رفعا روحانيا لا جسديا. وإذا كان القرآن قد تحدث عن ~~عودة عيسى في آخر الزمان كإحدى علامات يوم القيامة، فإنه يتحدث عنه باعتباره أول ~~المبعوثين من القبر في قيامة الموتى العامة. # وتقول هذه الموروثات الهندية والإسلامية إن عيسى قد دفن في مدينة سري نكار بولاية كشمير ~~في شمال الهند، وقبره قائم إلى اليوم ويدعى من قبل السكان المحليين بمزار يوز آسف نبي ~~الله، وهو واقع في محلة للمسلمين لا يسكنها الهنود وليس لهم فيها مقابر. وتقول الأخبار ~~المتداولة بين هؤلاء المسلمين الذي يعظمون القبر ويزورونه، إنه يضم رفات النبي يوز (= ~~يسوع) الذي جاء إلى كشمير قبل البعثة المحمدية بستمائة سنة، وهذه هي الفترة الزمنية الفاصلة ~~بين حياة عيسى وحياة نبي الإسلام. # 3 # | بولس النبي # أضواء على شخصيته وحياته # يعتبر بولس الشخصية الأكثر توثيقا والأكثر إشكالية في كتاب العهد الجديد، وتعتبر رسائله ~~الأربع عشرة التي دونت بين عام 51 وعام 65م بمثابة الأساس الذي قام عليه الهيكل السامق ~~للاهوت المسيحي. وبدون هذه الرسائل ربما كانت المسيحية ستغدو عقيدة مختلفة تماما عما ~~هي عليه الآن. وهناك اتفاق بين الباحثين اليوم على اعتبار رسالته المعنونة «إلى ~~العبرانيين» رسالة منحولة، كما يشك البعض في أصالة عدد آخر من الرسائل المنسوبة إليه. ms316 ~~ولكن هذه الرسائل المشكوك في أصالتها تنسج على منوال الفكر البولسي نفسه، وتشكل امتدادا ~~لتعاليمه التي بسطها في بقية الرسائل المتفق على أصالتها والتي تزيد عن نصف مجموع ~~الرسائل. # وعلى الرغم من أنه لم يعرف يسوع بالجسد ولم يلتق به في حياته، إلا أنه اعتبر نفسه ~~رسولا، بل فوق بقية الرسل، لأنه تلقى البشارة وحيا من يسوع المسيح القائم من بين ~~الأموات، من يسوع السماوي الجالس عن يمين الآب: «فأذكركم أيها الإخوة، أن البشارة التي ~~بشرتكم بها ليست على سنة البشر، لأني ما تلقيتها ولا أخذتها عن إنسان بل عن وحي من ~~يسوع المسيح» (غلاطية، 1: 11-12). فهو رسول مختار من يسوع ومن الله في آن معا: «من بولس. ~~وهو رسول، لا من قبل الناس ولا باختيار إنسان بل باختيار يسوع المسيح والله الآب الذي ~~أقامه من بين الأموات» (غلاطية، 1: 1). «من بولس الذي شاء الله أن يدعوه ليكون رسول المسيح ~~يسوع» (1 كورنثة: 1). «من بولس رسول المسيح يسوع بمشيئة الله» (2 كورنثة: 1). «ألست ~~رسولا؟ أو ما رأيت ربنا يسوع؟» (1 كورنثة، 9: 1). # هذه المواجهة مع المسيح ينقلها لنا سفر أعمال الرسل على لسان بولس نفسه: «وإني لسائر وقد ~~اقتربت من دمشق، إذا نور من السماء قد سطع حولي عند الظهر، فسقطت إلى الأرض وسمعت هاتفا ~~يقول لي: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقلت: من أنت سيدي؟ قال: أنا يسوع الناصري الذي أنت ~~تضطهده. وكان رفقائي يرون النور ولا يسمعون صوت من يخاطبني. فقلت: سيدي، ماذا أعمل؟ فقال ~~لي الرب: هلم فاذهب إلى دمشق تخبر فيها بما قضي عليك بأن تعمل» (أعمال، 22: 6-10). بعد ~~ذلك جرى اقتياد بولس إلى دمشق وقد فقد بصره من شدة الضوء الذي سطع أمامه، وهناك جاءه ~~حنانيا زعيم الجماعة المسيحية فيها وقال له: أبصر فأبصر. وقال له: «إن إله آبائنا قد اختارك ~~بسابق علمه لتعرف مشيئته وترى البار (= يسوع) وتسمع الدعوة من فمه، فإنك ستكون شاهدا له ~~لدى جميع الناس بما رأيت وسمعت، فما لك تتلكأ؟» (أعمال، 22: 10-16). بعد ms317 ذلك رجع بولس إلى ~~أورشليم ولكنه لم يجتمع بأحد من الرسل. وبينما هو يصلي غاب عن الحس وسمع صوت يسوع المسيح ~~يقول له: «هلم فاخرج من أورشليم لأنهم لن يقبلوا شهادتك لي ... اذهب إني مرسلك إلى مكان ~~بعيد إلى الوثنيين» (أعمال، 22: 17-21). # قبل أن يباشر بولس مهامه التبشيرية اعتكف في الصحراء في ديار الأنباط مدة من الزمن ~~يتأمل في رسالة يسوع وفي برنامجه التبشيري المقبل، الذي سيقوده منفردا ومن دون التنسيق مع ~~كنيسة أورشليم، أو استشارة بقية الرسل. يقول في رسالته إلى أهالي غلاطية: «ولكن لما شاء ذاك ~~الذي اصطفاني مذ كنت في بطن أمي فدعاني بنعمته، وكشف ابنه في لأبشر به بين الوثنيين، ~~لم أستشر الدم واللحم (= الرسل) ولا صعدت إلى أورشليم لألقى من تقدمني من الرسل، بل ذهبت ~~من ساعتي إلى ديار العرب، ثم عدت إلى دمشق. وبعد ثلاث سنوات صعدت إلى أورشليم لألقى صخرا ~~(= بطرس)، فأقمت عنده خمسة عشر يوما ولم أر غيره من الرسل سوى يعقوب أخي الرب. وأشهد الله ~~وأنا أكتب إليكم بذلك على أني لا أكذب. ثم أتيت بلاد سوريا وكيليكيا» (غلاطية، ~~1: 15-21). # ويبدو أنه خلال اعتكافه في الصحراء حصلت له التجربة الروحية العنيفة التي يصفها في رسالته ~~الثانية إلى أهالي كورنثة، عندما عرج به إلى السماء وسمع ما لا يحق له أن ينطق به: «وإن ~~كان لا بد من الافتخار مع أنه لا خير فيه، فإني أنتقل إلى رؤى الرب ومكاشفاته. أعرف رجلا ~~مؤمنا بالمسيح اختطف إلى السماء الثالثة منذ أربع عشرة سنة. أبجسده؟ لا أعلم، أم بغير ~~جسده؟ لا أعلم، الله أعلم. وإنما أعلم أن هذا الرجل اختطف إلى الفردوس. أبجسده؟ لا أعلم، ~~أم بغير جسده؟ لا أعلم. الله أعلم. وسمع كلمات لا تلفظ ولا يحل لإنسان أن يذكرها. أما ~~ذلك الرجل فإني أفخر به، وأما أنا فلا أفتخر إلا بحالات ضعفي ... ومخافة أن أتكبر بسمو ~~المكاشفات أوتيت شوكة في جسدي، رسول الشيطان وكل إليه بأن يلطمني لئلا أتكبر» (2 كورنثة، ~~12: 1-7). ms318 # وهكذا، فمع بولس نحن أمام ظاهرة نبوة حقيقة. فهو قد اختير بسابق علم الله من بطن أمه ~~ليبشر بين الوثنيين باسم يسوع، ونزل عليه وحي من الآب ومن الابن وسمع منهما ما ~~يتوجب عليه القيام به، وعرج إلى السماء الثالثة؛ حيث زار الفردوس وسمع وحيا آخر لا ~~يستطيع الإفضاء به. ومن كان هذا شأنه فقد تجاوز المرتبة الرسولية؛ لأن الرسل قد عرفوا يسوع ~~بحسب الجسد أما هو فقد عرفه بحسب الروح بعد أن تمجد مسيحا وجلس عن يمين الآب. ولكن هذا ~~المنطق لم يكن مقبولا من ناحية الرسل، لأن للمرتبة الرسولية عندهم متطلباتها التي لا ~~تنطبق على بولس. فعندما اجتمعوا لاختيار خلف ليهوذا الخائن، على ما يورده سفر أعمال ~~الرسل، حددوا الشروط الواجب توفرها في الرسول: «فيجب إذن اختيار واحد من هؤلاء الرجال ~~الذين صحبونا طوال المدة التي قضاها الرب يسوع بيننا، منذ أن عمده يوحنا إلى اليوم الذي ~~ارتفع فيه عنا، ليكون شاهدا معنا على قيامته» (أعمال، 1: 21-22). وبعد إلقاء القرعة على ~~كل من يوسف الذي يقال له برسابا، ومتيا، أصابت القرعة متيا فضم إلى الرسل الأحد ~~عشر. # من هنا فقد كان على بولس، مع اقتناعه بنبوته، أن يسعى للاعتراف به رسولا من قبل ~~الجماعات التي راح يبشر بينها. وها هو يقول بمرارة لأهالي كورنثة: «ألست حرا؟ ألست ~~رسولا؟ أما رأيت ربنا يسوع؟ ألستم أنتم صنائعي في الرب؟ إن لم أكن رسولا عند غيركم فأنا ~~رسول عندكم. لأنكم أنتم خاتم رسالتي في الرب» (1 كورنثة، 9: 1-2). وعلى الرغم من أنه عمل ~~منفردا في بداية الأمر ودون تنسيق مع كنيسة أورشليم، إلا أنه سعى فيما بعد للاعتراف به ~~كرسول إلى الوثنيين، وحصل على هذا الاعتراف من خلال صدقه في الدعوة وقوة شخصيته وتفوقه ~~الفكري. وهو يروي في الرسالة إلى أهالي غلاطية عن اتفاق جرى بينه وبين بطرس ويعقوب ويوحنا، ~~يعهدون إليه بموجبه التبشير بين القلف (الوثنيين غير المختونين). وقد جرى هذا الاتفاق خلال ~~الزيارة الثانية التي قام بها بولس إلى ms319 أورشليم بعد مرور نحو إحدى عشرة سنة على زيارته ~~الأولى: «وبعد أربع عشرة سنة (من اهتدائه) صعدت ثانية إلى أورشليم مع برنابا واستصحبت ~~طيطس، وكان صعودي إليها بوحي. وعرضت عليهم البشارة التي أعلنها بين الوثنيين ... أما ~~الذين كانوا يحسبون أعيانا فإنهم لم يزيدوا شيئا بل رأوا أنه عهد إلي في تبشير القلف ~~كما عهد إلى بطرس في تبشير المختونين، لأن الذي أيد بطرس في رسالته لدى المختونين ~~أيدني في رسالتي لدى الوثنيين. ولما عرف يعقوب وصخر ويوحنا، المعتبرون أنهم أعمدة ~~الكنيسة، ما أعطيت من نعمة، مدوا إلي وإلى برنابا يمنى الاتفاق، فنذهب نحن إلى ~~الوثنيين وهم إلى أهل الختان» (غلاطية، 2: 1-10). # وقد أورد مؤلف سفر أعمال الرسل قصة هذه الزيارة بتفصيل أكثر. فقد جاء إلى بولس في أنطاكية ~~أناس من أتباع كنيسة أورشليم وأخذوا يعلمون الوثنيين الذين تنصروا على يد بولس، ~~ويقولون لهم إن عليهم أن يختتنوا وفق شريعة موسى وإلا فلا خلاص لهم. فوقع خلاف بينهم وبين ~~بولس وبرنابا فأجمعوا على أن يصعد بولس وبرنابا وأناس منهم آخرون إلى أورشليم حيث الرسل ~~والشيوخ للنظر في هذه المسألة. فاجتمع في أورشليم الرسل والشيوخ، وبعد جدال طويل مع الذين ~~كانوا يطالبون الوثنيين بالاختنان والحفاظ على شريعة موسى، اتخذ المجلس قراره الذي تلاه ~~يعقوب على الجميع وهو يحرر الوثنيين من الشريعة مع الالتزام بأربعة بنود فقط؛ وهي ~~اجتناب ذبائح الأصنام، والزنى، والميتة، والدم (أعمال، 15: 1-20). # ولم يجتمع بولس ببطرس بعد ذلك إلا مرة واحدة، وذلك عندما قام بطرس بزيارة إلى أنطاكية ~~حيث أقام عند بولس وبرنابا، وكان يجلس إلى مائدة واحدة مع الوثنيين المهتدين. ولكن عندما ~~التحق به جماعة من أهل الختان قادمين من أورشليم، أدار بطرس ظهره للوثنيين ولم يؤاكلهم ~~خوفا من لوم أهل الختان له، فانفجر بولس في وجهه وانتقده متهما إياه بالرياء. نقرأ في ~~الرسالة إلى أهالي غلاطية: ~~«ولكن لما قدم صخر إلى أنطاكية قاومته وجها لوجه لأنه كان يستحق اللوم. لأنه قبلما أتى ~~قوم من صحب يعقوب كان ms320 يأكل مع الوثنيين، فلما أتوا توارى وتنحى خوفا من أهل الختان، ~~فجاراه في ريائه سائر اليهود حتى إن برنابا انقاد إلى ريائهم. فلما رأيت أنهم لا يسيرون ~~سيرة قويمة كما تقتضي حقيقة البشارة، قلت لصخر بمحضر من جميع الإخوة: إذا كنت أنت ~~اليهودي تعيش كالوثنيين لا كاليهود، فكيف تلزم الوثنيين أن يسيروا سيرة اليهود؟ ... إن ~~الإنسان لا يتبرر لأنه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأن له الإيمان بيسوع المسيح ... ولو كان بر ~~الإنسان بالشريعة لكان موت المسيح عبثا» (غلاطية، 2: 11-21). # لقد استحق بولس عن جدارة اللقب الذي أطلقه عليه التاريخ، أي: مؤسس المسيحية. فبدونه لم ~~تشق المسيحية طريقها الخاص ولم تحقق استقلالها الكامل عن اليهودية، ولم يقيض لها أن ~~تنتشر خارج بوتقتها الأصلية الضيقة، وربما كانت تلاشت مع تلاشي كنيسة أورشليم التي لم ~~يتحرر أتباعها من الإرث اليهودي، ولم يفهموا تعاليم معلمهم حق فهمها. لقد سلك بولس ~~مسلك الأنبياء العظام في تاريخ البشرية، وكرس حياته من أجل التبشير المحموم في كل ~~مكان، وعانى الجوع والتشرد والسجن والاضطهاد في سبيل المسيح الذي يسكن فيه. يقول في ~~الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة: ~~«وأرى أني لست أقل شأنا من أولئك الرسل الأكابر. وإني وإن كنت غريبا عن البلاغة، ~~فلست كذلك في المعرفة، وقد أظهرنا لكم ذلك في كل شيء ... فالذي يباهون به - وكلامي كلام ~~جاهل - أباهي به أيضا. هم عبرانيون وأنا عبراني، هم إسرائيليون وأنا إسرائيلي، هم من ~~ذرية إبراهيم وأنا من ذرية إبراهيم، هم خدم المسيح - أقول قول أحمق - وأنا أفوقهم: أفوقهم ~~في المشقات، أفوقهم في دخول السجون، أفوقهم كثيرا جدا في تحمل الجلد. أشرفت على ~~الموت مرارا، جلدني اليهود خمس مرات أربعين جلدة إلا واحدة، انكسرت بي السفينة ثلاث ~~مرات فقضيت ليلة ونهارا في عرض البحر. أسفار متعددة، أخطار من الأنهار، أخطار من ~~اللصوص، أخطار من أبناء ملتي، أخطار من الوثنيين، أخطار في المدينة، أخطار في الصحراء، ~~أخطار في البحر، أخطار من الإخوة الكذابين. جهد وكد، سهر ملازم، جوع وعطش، صوم كثير، ms321 ~~برد وعري، ما عدا الباقي من فرض يومي واهتمام بجميع الكنائس» (2 كورنثة، ~~11: 5-28). # لقد حقق بولس منفردا أكثر مما حققه بقية الرسل مجتمعين؛ ولذلك لا عجب إذا رأينا أن ~~نصف إصحاحات سفر أعمال الرسل مخصصة لسرد أخباره. وفيما كان بولس يجوب أنحاء ~~الإمبراطورية الرومانية مبشرا بيسوع، كان بطرس رئيس الرسل الاثني عشر والشخصية الأبرز ~~في كنيسة أورشليم، منشغلا بالأمور التنظيمية لكنيسته ولم يبرح أورشليم إلا مرتين. فقد ذهب ~~في مهمة تبشيرية مع يوحنا بن زبدي إلى السامرة القريبة (أعمال، 8: 4-25)، وبعدها ذهب في رحلة ~~تفقدية إلى أنطاكية ليطلع على ما أنجزه بولس وبرنابا هناك (غلاطية، 2: 11-21). علما بأن ~~مؤلف سفر أعمال الرسل لم يأت على ذكر هذه الرحلة الثانية. أما عن القصص التي ظهرت لاحقا ~~عن سفره إلى روما واستشهاده هناك، فليست إلا من قبيل الملاحم الشعبية غير الموثقة. ومن ~~الملفت للنظر أن أخبار بطرس تتوقف تماما في سفر أعمال الرسل بعد الإصحاح الخامس عشر. كما ~~أننا لا نعثر في سفر أعمال الرسل على أخبار تتعلق بنشاطات من أي نوع لبقية رسل يسوع ~~الاثني عشر. فمتيا الذي جرى انتخابه ليحل محل يهوذا الخائن، يختفي تماما بعد خبر ~~انتخابه الوارد في الإصحاح الأول. وفيما عدا بطرس لا يظهر في سفر أعمال الرسل من الأحد عشر ~~الباقين سوى يوحنا بن زبدي، وذلك في أربعة أخبار موجزة (3: 1، 3: 3-13، 4: 13، و19، 8: 14). ~~وهنالك خبر عابر عن مقتل أخيه يعقوب على يد هيرود أغرييا الأول (12: 1-2). # لا نعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاد بولس، ولكننا نفهم من سفر أعمال الرسل أنه كان فتى ~~عندما قام اليهود برجم الشهيد استيفانوس في أواخر الثلاثينيات، وعمدوا إلى وضع ثيابه تحت ~~قدميه لينظرها لهم (أعمال، 7: 58-59، و22: 20-21). وهذا يعني أنه ولد فيما بين عام 10 و15 ~~للميلاد. وفي أوائل الستينيات كان ما يزال حيا في سجنه في روما ينتظر المحاكمة التي لا ~~ندري متى حصلت ولا كيف كانت نتيجتها. ولكن بعض الموروثات المسيحية العائدة إلى القرن الرابع ~~تقول إنه ms322 أعدم عام 64م خلال القتل الجماعي للمسيحيين في روما إبان عهد الإمبراطور ~~نيرون، ولكن هذا الخبر غير مؤكد، والأخبار متضاربة حول مصيره. # ولد بولس وفق رواية سفر أعمال الرسل لأسرة يهودية-يونانية موطنها في مدينة طرسوس بمنطقة ~~كيليكيا (جنوب آسيا الصغرى على شاطئ المتوسط)، وكانت هذه الأسرة حاصلة على المواطنية ~~الرومانية. وقد أفادته هذه المواطنية في الأوقات العصيبة، ومنها عندما ثار عليه اليهود في ~~آخر زيارة له إلى أورشليم وجروه خارج الهيكل لكي يرجموه. فبلغ الخبر قائد الألف الروماني ~~في المدينة فخف مع جنده إلى المكان وخلصه من بين أيديهم، ولكن اليهود بالغوا في الصياح ~~طالبين قتله، فأمر قائد الألف بأن يساق إلى القلعة حيث يستجوب تحت السياط. فلما أوثقوه، ~~قال بولس لقائد المائة الذي يشرف على وثاقه: أيحق لكم أن تجلدوا مواطنا رومانيا قبل أن ~~تحاكموه؟ فذهب قائد المائة إلى قائد الألف وأطلعه على الأمر، فجاء إليه وسأله: أأنت ~~روماني؟ قال: نعم. فقال قائد الألف: أنا أديت مقدارا كبيرا من المال حتى حصلت على هذه ~~النسبة. قال بولس: وأنا حصلت عليها منذ مولدي. فخاف قائد الألف لما عرف أنه روماني وقد ~~كبله بالقيود (أعمال، 22: 25-29). # ومن الجدير بالذكر أن بولس لم يذكر في رسائله شيئا عن مكان مولده ولا عن مواطنيته ~~الرومانية، وهذا أمر مستغرب نظرا لما لعبه هذان العنصران من أهمية في سيرة بولس كما رواها ~~سفر أعمال الرسل. أما الاسم الذي أطلقه على نفسه فكان على الدوام بولس، على الرغم من أن ~~مؤلف سفر أعمال الرسل قد دعاه أيضا بالاسم اليهودي شاؤل. ويبدو أن اسم مولده كان شاؤل ~~ولكنه تكنى بالاسم بولس بعد تحوله إلى المسيحية، أو أنه حمل منذ البداية اسمين على ~~عادة اليهود اليونانيين الذين كانوا يطلقون على أبنائهم اسما يهوديا وآخر يونانيا. ~~كانت اليونانية لغته الأم، لكنه كان متضلعا بالآرامية التي كانت لغة اليهود في تلك ~~الأيام. ووفق شهادة سفر أعمال الرسل، فقد جاء بولس إلى أورشليم ودرس فيها علوم الدين على ~~الطريقة الفريسية على ms323 يد واحد من أعلم معلميها وهو جملائيل. يقول عن نفسه في الرسالة ~~إلى أهالي روما: «أنا إسرائيلي من ذرية إبراهيم وسبط بنيامين» (روما، 11: 1). ويقول في سفر ~~أعمال الرسل: «أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس من كيليكية. على أني نشأت في هذه المدينة (= ~~أورشليم) وتلقيت عند قدمي جملائيل تربية صالحة موافقة كل الموافقة لشريعة الآباء» ~~(أعمال، 22: 1-3). ولكن صمت بولس في رسائله عن ذكر تلقيه العلم على يد هذا المعلم ~~الفريسي، يضع إشارة استفهام حول مصداقية هذه المعلومة، لأنها لو كانت صحيحة لما تردد ~~بولس في ذكرها في سياق جدالاته مع السلطات الدينية الأورشليمية. ومع ذلك فإن خلفية بولس ~~الفريسية تنبئ عن نفسها في العديد من أفكاره لا سيما إيمانه بقيامة الموتى، وهي عقيدة ~~غريبة عن الفكر التوراتي. فعندما مثل للمحاكمة أمام المجلس اليهودي ، وكان يعلم أن فريقا ~~منهم صدوقي لا يؤمن بقيامة الموتى وفريقا فريسي، حاول استمالة الفريسيين إلى جانبه وصاح ~~في المجلس: «أيها الإخوة، أنا فريسي ابن فريسي، وإنما أحاكم لأني أرجو قيامة الأموات. فما ~~قال ذلك حتى وقع الخلاف بين الفريسيين والصدوقيين وانشقت عصا المجلس» (أعمال، ~~23: 1-8). # ويبدو أن بولس ابتدأ حياته العامة عندما التحق بسلك حرس الهيكل. وهذا ما يفسر تواجده في ~~الساحة التي رجم فيها استيفانوس حتى الموت، حيث راح يحرس الثياب التي خلعها الجلادون. ~~وبعد ذلك شارك في الحملة الواسعة التي شنتها سلطات الهيكل على المسيحيين. وعلى حد وصف ~~سفر أعمال الرسل: «وكان شاؤل موافقا على قتله (= استيفانوس). ووقع يومئذ اضطهاد شديد على ~~كنيسة أورشليم فتشتت أبناؤها أجمع ... أما شاؤل فكان يعيث في الكنيسة فسادا، يذهب من بيت ~~إلى بيت فيخرج الرجال والنساء ويلقيهم في السجن» (أعمال، 1: 8-3). ويشير بولس في رسائله ~~إلى هذه الفترة من حياته، فيقول: «قد سمعتم بسيرتي الماضية في ملة اليهود، وكيف كنت أضطهد ~~كنيسة الله غاية الاضطهاد وأحاول تدميرها، وأتقدم أكثر أترابي من بني قومي في ملة ~~اليهود وأفوقهم حمية على سنن آبائي» (غلاطية، 1: 11-14). # هذه الحمية التي أبداها بولس ms324 في عمله هي التي دفعت رئيس الكهنة إلى تكليفه بمهمة التوجه ~~إلى دمشق من أجل تطهير الكنيس اليهودي فيها من أتباع يسوع وسوقهم موثقين إلى أورشليم ~~(أعمال، 9: 1-2). وقبل وصوله إلى دمشق حصلت له تلك الرؤيا الحاسمة التي حولته من مضطهد ~~للكنيسة إلى أكثر دعاتها حماسة. أما ما حدث بعد ذلك، فإن رواية سفر أعمال الرسل تناقض ~~رواية بولس نفسه التي أشرنا إليها سابقا (أي توجهه إلى بلاد العرب لا إلى أورشليم بعد ~~اهتدائه). فبولس وفق سفر الأعمال، بعد أن استرد بصره وتعمد: «لبث مع التلاميذ بضعة ~~أيام ثم أخذ من ساعته ينادي في المجامع بأن يسوع هو ابن الله. فكان كل من يسمعه يدهش ~~ويقول: أليس هذا الذي كان في أورشليم يطارد من يدعو بذلك الاسم؟ أما جاء إلى هنا ليسوقهم ~~موثقين إلى الكهنة؟ على أن شاؤل كان يزداد قوة ويفحم اليهود المقيمين في دمشق مبينا ~~أن يسوع هو المسيح. وما هي إلا مدة من الزمن حتى طفق اليهود يأتمرون به ليهلكوه، فانتهى ~~خبر ائتمارهم إلى شاؤل. فكانوا يراقبون الأبواب ليل نهار ليوقعوا به، فسار به التلاميذ ~~ليلا ودلوه من السور في سلة. ولما وصل إلى أورشليم حاول أن ينضم إلى الرسل، فكانوا ~~يخشونه غير مصدقين أنه تلميذ. فسار به برنابا إلى الرسل وروى لهم كيف رأى الرب في الطريق ~~وكلمه الرب، وكيف بشر رابط الجأش باسم يسوع في دمشق، فأخذ يذهب ويجيء معهم في أورشليم ~~يبشر باسم الرب. وكان يخاطب اليهود أيضا ويجادلهم، فجعلوا يأتمرون به ليقتلوه، فشعر ~~الإخوة بذلك فمضوا به إلى قيصرية، ثم رحلوه منها إلى طرسوس» (أعمال، 9: 20-30). # مثل هذه التناقضات في سيرة بولس بين ما يورده سفر أعمال الرسل وما يرد في رسائل بولس، ~~ينبغي في رأيي حلها بترجيح نص الرسائل على نص سفر الأعمال، وذلك لسببين؛ الأول هو أن ~~بولس نفسه هو من يتحدث في الرسائل، وهو الأدرى بسيرته الشخصية من مؤلف سفر أعمال الرسل. ~~والثاني أن الرسائل أسبق تدوينا وتداولا من سفر ms325 الأعمال، فقد دونت الرسائل الأولى في ~~مطلع خمسينيات القرن الأول والأخيرة في أواسط الستينيات. أما سفر أعمال الرسل فلم يدون ~~إلا في أواخر القرن الأول. # عانى بولس طيلة حياته من علة جسدية لا ندري طبيعتها، أشار إليها بوصفها شوكة في ~~جسده، وكأنها رسول الشيطان الذي وكل إليه أن يلطمه لئلا يتكبر (2 كورنثة: 7). وقد اختلف ~~الباحثون في طبيعة هذه العلة، فقال البعض إنها الصرع الذي كان يسبب له هذيانات ورؤى، ~~وقال البعض الآخر إنها الملاريا، وفريق ثالث إنها حالات من العمى المؤقت الناتج عن أسباب ~~نفسانية. ولكن هذه العلة لم تكن عائقا له لا في نشاطه التبشيري ولا في مهنته التي كان ~~يتكسب منها وهي صناعة الخيام (أعمال، 18: 3)، التي ظل يمارسها ويكسب عيشه منها رافضا ~~الاتكاء على صدقات أعضاء كنائسه، على الرغم من أن يسوع قد أباح للذين يعلنون البشارة أن ~~ينالوا رزقهم من البشارة (متى، 10: 10). وهو يقول في ذلك: «أما تعلمون أن خدم الهيكل ~~رزقهم من أرزاق الهيكل، والذين يخدمون المذبح يأخذون نصيبهم من المذبح؟ وهكذا قضى الله ~~للذين يعلنون البشارة أن ينالوا رزقهم من البشارة. أما أنا فلم أستعمل أي حق من هذه ~~الحقوق» (1 كورنثة، 9: 12-15). # أمضى بولس نحو عشرين سنة في تأسيس الكنائس في سوريا وآسيا الصغرى واليونان. وفي كل ~~مكان ذهب إليه كانت الجاليات اليهودية فيه تشغب عليه وتحاول قتله. ففي لسترة جنوب آسيا ~~الصغرى ألبت الجموع اليهودية الناس عليه ورجموه حتى ظنوا أنه قد مات فتركوه، فخف إليه ~~تلاميذه وأسعفوه (أعمال، 14: 19-20). وفي آخائية بأرض اليونان ثار اليهود عليه وجروه إلى ~~غاليون حاكم المدينة وقالوا: إن هذا الرجل يحاول إقناع الناس بأن يعبدوا الله عبادة تخالف ~~الشريعة. فقال غاليون لليهود: أيها اليهود، لو كانت المسألة مسألة جرم أو ذنب لسمعت ~~شكواكم كما يقضي الحق، فأما أن يكون الجدل في الألفاظ والأسماء وفي شريعتكم فانظروا أنتم في ~~الأمر. ثم طردهم من المحكمة (أعمال، 18: 12-17). # وأخيرا انتهت حياة بولس التبشيرية على يد يهود أورشليم. فقد جاء ms326 بولس إلى أورشليم ~~نحو عام 58م، في زيارته الثالثة والأخيرة إليها ليحمل إلى المسيحيين الذي فيها هبات ~~إخوانهم من آسيا. فرآه بعض اليهود في الهيكل وعرفوه، فصاحوا: النجدة يا بني إسرائيل، هذا هو ~~الرجل الذي يعلم تعليما ينال به شعبنا وشريعتنا وهذا الهيكل. فتجمع الناس على بولس ~~وجروه إلى الخارج وانهالوا عليه بالضرب المبرح محاولين قتله، فأنقذه الجنود الرومان من ~~أيديهم وسلموه إلى قائدهم الذي ساقه إلى القلعة وكان الجمع وراءه يصيح: «اقتله، اقتله»، ~~مثلما صاح في وجه بيلاطس أثناء محاكمته ليسوع. وفي الغد أحال القائد بولس إلى المجلس ~~اليهودي ومثل بولس أمامه. ولكن المجلس لم يتوصل إلى قرار بشأنه بعد أن وقع الخلاف بين ~~الفريسيين والصدوقيين، فأعاده القائد إلى القلعة. ثم إن أخبارا وصلته بأن مجموعة من ~~اليهود أخذوا عهدا على أنفسهم بالامتناع عن الطعام والشراب حتى يقتلوا بولس. فأرسله القائد ~~تحت حماية مشددة إلى مقر الوالي الروماني فيليكس في قيصرية، فاستدعى الوالي متهمي بولس ~~إلى محكمة عقدها بعد خمسة أيام، فجاء رئيس الكهنة وبعض الشيوخ معه واتهموا بولس بأنه يثير ~~الفتن بين اليهود في كل مكان. ولكن بولس دافع عن نفسه وأقنع الوالي ببراءته، ولكنه احتفظ ~~به مع ذلك في السجن سنتين. # ثم إن فيليكس أقيل من منصبه وخلفه فسطس، فعرض عليه الكهنة دعواهم على بولس طالبين منه ~~تسليمه إلى محكمتهم، وأقاموا له كمينا في الطريق ليغتالوه. فأراد فسطس أن يرضي اليهود، ~~فقال لبولس: أتريد أن تصعد إلى أورشليم حيث تحاكم بحضوري؟ فأجابه بولس: ما من أحد يحق ~~له أن يسلمني إليهم (لأنه مواطن روماني) إني أرفع دعواي إلى قيصر. فقال له فسطس: رفعت ~~دعواك إلى قيصر، فإلى قيصر تذهب. وهكذا أرسل بولس إلى روما حيث لبث هناك سنتين في السجن ~~ينتظر محكمة قيصر. وهنا، ونحو عام 63م، تنتهي رواية سفر أعمال الرسل دون أن نعرف المصير ~~الذي آل إليه بولس (أعمال، 21-28). # وهنالك موروثات مسيحية متضاربة عن مصير بولس. فالبعض يقول بأنه أطلق من السجن وسافر إلى ms327 ~~إسبانيا، وآخرون بأنه أعدم عام 64م إبان حملة الاضطهاد التي شنها نيرون على المسيحيين ~~عقب حريق روما المشهور. وآخرون بأنه اعتقل ثانية بعد إطلاق سراحه وأعدم نحو عام 67 أو ~~68م. ولكن أيا من هذه الأخبار لا تجد لها سندا لا من العهد الجديد ولا من الوثائق ~~التاريخية. # | أضواء على لاهوت بولس # لقد استحق بولس عن جدارة لقب المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية. والديانات الجديدة لا ~~يؤسسها إلا الأنبياء، وكان بولس نبيا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. فإلى جانب ~~التعاليم السرية التي أخذها عن خاصة يسوع، فإن يسوع المسيح الممجد الذي ارتفع إلى السماء ~~قد خصه بوحيه وتابع كشف الحقائق الروحانية له. يقول في رسالته الأولى إلى أهالي كورنثة: ~~«غير أن هناك حكمة نتكلم عليها بين الكاملين، وليست بحكمة هذا العالم ولا بحكمة رؤساء هذا ~~العالم ومصيرهم للزوال، بل نتكلم عن حكمة الله السرية الخفية التي أعدها لنا الله قبل ~~الدهور في سبيل مجدنا ... فلنا كشفه الله بالروح لأن الروح يفحص كل شيء حتى عن أعماق الله» ~~(1 كورنثة، 2: 6-10). فمع قيامة المسيح وصعوده ابتدأ عصر جديد هو عصر العهد الجديد؛ حيث ~~صارت الأسرار تكشف بالروح عن طريق بولس الذي جعله الله وسيطا بين المسيح الممجد ~~والمؤمنين، والذي يتكلم ويعمل بتوجيه سماوي لأن المسيح يسكن فيه: «لأني بالشريعة مت عن ~~الشريعة لأحيا لله، وقد صلبت مع المسيح فما أنا أحيا بعد ذلك بل المسيح يحيا في. وإذا ~~كانت لي حياة بشرية فإنها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي» (غلاطية، ~~2: 19-20). # إن من عرف يسوع البشري فقط كانت معرفته به ناقصة؛ لأن المعرفة الحقة بيسوع هي ~~بالروح، معرفة المسيح السماوي الذي وجد قبل الخلائق كلها وبه خلق كل شيء مما في السماوات ~~ومما في الأرض (كولوسي، 1: 15-17). وعلى حد قوله في الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة: ~~«فنحن لا نعرف أحدا بعد اليوم حسب الجسد. فإذا كنا قد عرفنا المسيح يوما حسب الجسد ~~فلسنا نعرفه الآن هذه ms328 المعرفة. وإذا كان أحد في المسيح فإنه خلق جديد. قد زال كل شيء ~~قديم وها هو ذا كل شيء جديد» (2 كورنثة: 16-17). وبولس هنا في حديثه عن الانسلاخ عن القديم ~~لا يقصد الانسلاخ عن اليهودية فقط، وإنما الانسلاخ عن كنيسة أورشليم أيضا، والتي يديرها ~~رسل لم يتلقوا الأسرار، وما زالوا يرسفون في أغلال الشريعة اليهودية، ويمثلون عصرا ~~منقضيا. فالكنيسة الجديدة يرأسها الآن المسيح السماوي، والمؤمنون غير خاضعين لأي سلطة ~~أرضية بما في ذلك سلطة الرسل وما عرفوا إلا يسوع البشري. # هذه الرؤية الفريدة لبولس هي التي ميزته عن الإنجيليين الأربعة. فهو في تجاهله ليسوع ~~البشري قد تجاهل في الوقت نفسه كل ما يمت بصلة إلى سيرة يسوع الناصري: ميلاده في بيت ~~لحم، وأمه وأبوه، ولقاؤه بيوحنا المعمدان الذي لم يذكره في أي من رسائله، وحياته ~~التبشيرية، والجليل ومدنه وقراه، والرسل الاثنا عشر الذين لم يذكر منهم سوى بطرس ويعقوب ~~ويوحنا، ولكن بشكل عرضي وفي سياق أحداث ما بعد القيامة لا قبلها. كما تجاهل بولس الأحداث ~~والشخصيات التاريخية التي ارتبطت بحياة يسوع، فهو لم يأت على ذكر هيرود الكبير وأولاده: ~~أرخيلاوس وأنتيباس وفيليبس، أو بيلاطس البنطي، أو قيافا الكاهن الأعظم. فتاريخ يسوع بالنسبة ~~إليه يبدأ ليلة العشاء الأخير وينتهي في اليوم الثالث الذي قام فيه من بين الأموات. كما ~~أن الاسم يسوع مجردا من لقب المسيح لم يرد عنده سوى عشر مرات، إذا استثنينا الرسالة إلى ~~العبرانيين المنحولة. وفي الحقيقة، لو أن رسائل بولس كانت مصدرنا الوحيد عن يسوع لما ~~كنا عرفنا عنه شيئا تقريبا. # وفي مقابل ذلك فقد ركز بولس على الأهمية المركزية لموت يسوع وقيامته في الخطة الإلهية ~~الشاملة لخلاص البشر والعالم، والمسيح الذي بشر به ليس المسيح الداودي الذي يحرر بني ~~إسرائيل ويقهر أعداءهم ويخضع العالم أجمع إلى ملكوته، ولكنه المخلص الذي انتظره العالم ~~أجمع ليحرره من سلطان الشر ويفتح له بوابة الأبدية. ففي المنظور البولسي لدراما الخلاص، ~~ليس المهم ما قاله يسوع وما فعله خلال حياته، ms329 بل ما حدث له والنتائج المترتبة على ذلك. وإذا ~~كان يسوع الأناجيل عبارة عن معلم ينقل رسالة لأتباعه، فإن يسوع بولس هو الرسالة بعينها. ~~فهو المخلص من الخطيئة ومن الموت بخضوعه للموت على الصليب، وهو الذي حمل بشرى الانبعاث ~~والحياة الثانية بقيامته. # يبتدئ تفكير بولس من نظرته إلى الموت باعتباره عقابا على الخطيئة (روما، 6: 23)، وبما أن ~~الموت هو عاقبة كل البشر وهو العدو الأول (1 كورنثة، 15: 26)، فإن ذلك يستتبع بالضرورة ~~أننا جميعا خاطئون، وقد ورثنا هذه الخطيئة عن آدم سلف البشرية الذي يدعوه بآدم الأول في ~~مقابل يسوع المسيح الذي يدعوه بآدم الثاني. فلقد جلب آدم الأول على ذريته الخطيئة بعصيانه ~~أمر الرب، مثلما جلب عليهم الموت الذي هو عقاب الخطيئة: «وكما أن الخطيئة دخلت في العالم ~~على يد إنسان واحد، وبالخطيئة دخل الموت، فكذلك سرى الموت إلى جميع الناس لأنهم جميعا ~~خطئوا» (روما، 5: 12). ولكن المسيح الذي هو آدم الثاني قهر الموت الذي دخل العالم بخطيئة ~~رجل واحد، من خلال موته على الصليب وقيامته، وجعل الحياة الأبدية متاحة لكل من آمن به ~~وتوحد معه: «فإذا كانت جماعة كثيرة قد ماتت بزلة إنسان واحد، فبالأحرى أن تفيض نعمة ~~الله الموهوبة على جماعة كثيرة بإنسان واحد، ألا وهو يسوع المسيح» (روما، 5: 15-16). وأيضا: ~~«فقد أتى الموت على يد إنسان، وعلى يد إنسان تكون قيامة الأموات. وكما يموت جميع الناس في ~~آدم فكذلك يحيون في المسيح» (1 كورنثة، 15: 21-22). # إن متلازمة الخطيئة-الموت تتخذ أبعادا جدية من خلال موت يسوع على الصليب، والذي كان ~~من شأنه مصالحة الإنسان مع الله: «وهذا كله من الله الذي صالحنا على يد المسيح وعهد إلينا ~~خدمة المصالحة. لأن الله صالح العالم في المسيح ولم يحاسبهم على زلاتهم ... ذاك الذي لم ~~يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير به بر الله» (2 كورنثة، 5: 18-21). ~~«فالذي لم تستطعه الشريعة حققه الله بإرسال ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطئ كفارة للخطيئة، ~~فحكم على الخطيئة في الجسد ليتم ما تقتضيه ms330 منا الشريعة نحن الذي لا يسلكون سبيل الجسد بل ~~سبيل الروح» (روما، 8: 3-5). وهكذا فإن كل مؤمن اتحد بالمسيح من خلال إيمانه قد شاركه في ~~موته وفي بعثه: «لأن محبة المسيح تأخذ بمجامع قلبنا عندما نفكر أنه إذا قد مات واحد من أجل ~~جميع الناس فجميع الناس ماتوا أيضا. قد مات من أجلهم جميعا كي لا يحيا الأحياء من بعد ~~لأنفسهم بل للذي قد مات وقام من أجلهم» (2 كورنثة، 5: 14-15). «فإذا كنا قد متنا مع المسيح ~~فإننا نعلم بأننا سنحيا معه. ونعلم أن المسيح بعدما أقيم من بين الأموات لن يموت ثانية ~~ولن يكون للموت عليه من سلطان، لأنه بموته قد مات عن الخطيئة مرة واحدة، وفي حياته يحيا ~~لله. فكذلك احسبوا أنتم أنكم أموات عن الخطيئة أحياء لله» (روما، 6: 7-11). وبهذه الطريقة ~~يتخذ موقع الجلجثة الذي رفع فيه الصليب مركز البؤرة من تاريخ العالم، وتعاليم بولس تتمحور ~~حول المسيح المصلوب: «ولما كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة، ولكننا ~~نحن نكرز بالمسيح مصلوبا» (1 كورنثة، 1: 22-23). «وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة لم ~~آتكم لأبلغكم شهادة الله بسحر الكلام أو الحكمة، لأني لم أشأ أن أعرف شيئا وأنا بينكم إلا ~~يسوع المسيح، وإياه مصلوبا» (1كورنثة، 2: 1-2). # إن الدرجة الأولى من التوحد بالمسيح تبلغ عن طريق طقس بسيط ولكنه ذو رمزية عالية، وهو ~~طقس التعميد. وهنا يمثل جرن المعمودية القبر الذي دفن فيه يسوع وبعث منه، والمريد الجديد ~~عندما يغطس في هذا الجرن يعانق رمزيا موت المسيح ويهبط معه إلى القبر، وعندما يصعد منه ~~يغدو مهيأ لأن يبعث مثلما بعث: «أم تجهلون أننا وقد اعتمدنا في يسوع المسيح إنما ~~اعتمدنا في موته فدفنا معه بالمعمودية لنموت، حتى كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد ~~الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة. فإذا اتحدنا معه بموت يشبه موته فكذلك تكون حالنا ~~في قيامته» (روما، 6: 3-6). وهذا الطقس يؤهل من يخضع له للمشاركة في القيامة العامة للموتى ~~في اليوم ms331 الأخير عندما ينفخ في الصور لدعوة الأموات المعمدين إلى الحياة الجديدة. # وعلى حد وصف بولس لما سيجري في اليوم الأخير: «لأن الرب نفسه بهتاف، بصوت رئيس ~~الملائكة، وبوق الله، سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سوف يقومون أولا، ثم نحن ~~الأحياء الباقين سنرفع جميعا معهم لملاقاة الرب في الجو لنكون مع الرب دائما وأبدا» (1 ~~تسالونيكي، 4: 16-18). وأيضا: «إننا لا نموت جميعا بل نتبدل جميعا في لحظة وطرفة عين عند ~~النفخ في البوق الأخير. لأنه سينفخ في البوق ويقوم الأموات غير فاسدين (أي في جسد روحاني) ~~ونحن نتبدل» (1 كورنثة، 15: 51-52). أما ما يحدث بعد ذلك فإن بولس لا يخبرنا عنه بالتفصيل. ~~فهناك محكمة يعقدها المسيح نفسه: «لأنه لا بد لنا جميعا من أن نمثل لدى محكمة المسيح ~~لينال كل واحد جزاء ما قدمت يده وهو في الجسد، خيرا كان أم شرا» (2 كورنثة: 10). ~~وأيضا: «عند تجلي الرب يسوع، يوم يأتي من السماء بملائكة قدرته في لهب نار وينتقم من ~~الذين لا يعرفون الله ومن الذين لا يطيعون بشارة ربنا يسوع، فإنهم سيعاقبون بالهلاك الأبدي ~~مبعدين عن وجه الرب» (2 تسالونيكي، 1: 6-8). # على طريق الخلاص بين آدم الأول وآدم الثاني، ينبغي التحرر من نير الشريعة الموسوية؛ لأن ~~هذه الشريعة كانت صالحة لزمن مضى وانقضى ولكن دورها انتهى بظهور البشارة: «فقبل أن يأتي ~~الإيمان كان مغلقا علينا بحراسة الشريعة إلى أن يتجلى الإيمان المنتظر. فالشريعة كانت ~~مؤدبا لنا إلى مجيء المسيح لننال البر بالإيمان. فلما جاء الإيمان لم نبق في حراسة ~~المؤدب، لأنكم جميع أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. فإنكم وقد اعتمدتم جميعا في المسيح ~~قد لبستم المسيح، فلم يبق بعد يهودي أو يوناني، عبد أو حر، ذكر أو أنثى؛ لأنكم ~~جميعا واحد في المسيح يسوع» (غلاطية، 3: 23-29). ويذهب بولس أبعد من ذلك عندما يعتبر أن ~~الشريعة هي التي تورث الخطيئة: «فماذا نقول؟ أتكون الشريعة خطيئة؟ حاشا لها. ولكني لم ~~أعرف الخطيئة إلا بالشريعة. فلو لم تقل لي الشريعة: لا ms332 تشته، لما عرفت الشهوة. واتخذت ~~الخطيئة من الوصية سبيلا لتورثني كل نوع من الشهوات، لأن الخطيئة بلا شريعة لا وجود ~~لها. كنت أحيا من قبل إذ لم تكن شريعة، فلما جاءت الوصية عاشت الخطيئة ومت أنا، فإذا ~~بالوصية التي تؤدي إلى الحياة قد أفضت بي إلى الموت. ذلك بأن الخطيئة اتخذت من الوصية ~~سبيلا فأغوتني وأماتتني» (روما، 7: 7-11). «فما الشريعة إلا سبيل إلى معرفة الخطيئة» ~~(روما، 3: 20). «لأن الشريعة تورث الغضب، وحيث لا تكون شريعة لا تكون معصية» (روما، ~~4: 15). # فالشريعة في فكر بولس هي لعنة جاء المسيح ليحررنا منها: «إن دعاة العمل بأحكام الشريعة ~~لعنوا جميعا، فقد ورد في الكتاب: ملعون من لا يثابر على العمل بجميع ما كتب في سفر ~~الشريعة. أما أن الشريعة لا تبرر أحدا فذاك أمر واضح لأن البار بالإيمان يحيا، على حين ~~أن الشريعة لا ترجع بأصلها إلى الإيمان، بل (إلى العمل بالأحكام. فقد ورد في الكتاب:) من ~~عمل بهذه الوصايا يحيا بها. فالمسيح افتدانا من لعنة الشريعة إذ صار لعنة لأجلنا، فقد ورد ~~في الكتاب: ملعون من علق على خشبة» (غلاطية، 3: 10-14). وأيضا: «فلما تم الزمان أرسل ~~الله ابنه مولودا لامرأة، مولودا في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة فنحظى ~~بالتبني» (غلاطية، 4: 4-5). ويخاطب بولس مستمعيه من اليهود قائلا: «نحن يهود بالولادة ولسنا ~~من الخاطئين الوثنيين. ومع ذلك فنحن نعلم أن الإنسان لا يبر لأنه يعمل بأحكام الشريعة بل ~~لأن له الإيمان بيسوع المسيح ... فإنه لا يبر بشر لعمله بأحكام الشريعة» (غلاطية، ~~2: 15-16). # ويركز بولس هجومه على الختان اليهودي باعتباره سمة الخاضعين لأحكام الشريعة، متوجها ~~بخطابه إلى اليهود المتنصرين الذين لم يقطعوا روابطهم القديمة، ولم يستوعبوا بعد الحرية ~~التي منحهم إياها يسوع المسيح: «إن المسيح قد حررنا لنكون أحرارا. فاثبتوا إذن ولا تعودوا ~~إلى نير العبودية. ها أنا بولس أقول لكم: إذا اختتنتم فلن يفيدكم المسيح شيئا. وأشهد ~~مرة أخرى لكل مختتن بأنه ملزم أن يعمل بكل ما في الشريعة. لقد انقطعتم عن ms333 المسيح يا ~~أيها الذين يلتمسون البر من الشريعة وسقطتم عن النعمة» (غلاطية، 5: 1-4). ذلك أن بر الله ~~يناله الأقلف مثلما يناله المختون، ولا حاجة للوثني المتنصر إلى الختان: «فأين السبيل إلى ~~الفخر؟ وبماذا؟ أبالأعمال (أي التزام الشريعة)؟ لا بل بالإيمان. ونحن نرى أن الإنسان ينال ~~البر بالإيمان المنفصل عن أحكام الشريعة. هل الله إله اليهود وحدهم؟ أما هو إله الوثنيين ~~أيضا؟ بل هو إله الوثنيين أيضا لأن الله واحد وهو الذي يبر بالإيمان المختون ويبر ~~بالإيمان الأقلف» (روما، 3: 27-30). # فإذا كان الختان طهارة فإن الطهارة الحقة هي طهارة القلب والروح قبل أن تكون طهارة ~~الجسد، والختان الحق هو ختان القلب والروح: «والختان ختان القلب العائد إلى الروح لا إلى ~~حروف الشريعة» (روما، 2: 29). «فيه (= المسيح) ختنتم ختانا لم يكن من فعل الأيدي وإنما هو ~~خلع الجسد البشري، إنه ختان المسيح. ذلك أنكم دفنتم معه في المعمودية وأقمتم معه أيضا» ~~(كولوسي، 2: 11-12). «فلم يبق هناك يوناني أو يهودي ولا ختان أو قلف ... بل المسيح الذي هو كل ~~شيء» (كولوسي، 3: 11). # وعلى الرغم من التأثير الكبير الذي مارسه فكر بولس على اللاهوت المسيحي الذي أخذ بالتشكل ~~منذ القرن الثاني الميلادي، والذي رفع يسوع المسيح إلى مرتبة الأقنوم الثاني في الثالوث ~~الأقدس، إلا أن بولس لم يصل بفكره إلى هذا الحد، ولم يرفع يسوع إلى مرتبة تعادل مرتبة ~~الآب، وإنما أبقاه خاضعا للآب عاملا بمشيئته. وهو عندما يستخدم كلمة «رب» في الإشارة إلى ~~يسوع إنما يعني بها السيد صاحب السلطان، وهو معنى الكلمة في الأصل اليوناني للعهد الجديد، ~~حيث جرى استخدام كلمة «كيريوس = # Kurios ~~» كلقب ليسوع سواء ~~في الأناجيل أم في رسائل بولس، وترجمت إلى العربية بكلمة «رب» أو «سيد» وإلى الإنكليزية ~~بكلمة «لورد = # Lord ~~» أي سيد. وعلى الرغم من أن الإله هو ~~«رب» بالضرورة من حيث صلته بالعالم، إلا أن «الرب» ليس بالضرورة إلها. وبولس يضع خطا ~~فاصلا لا لبس فيه بين الربوبية التي ليسوع والألوهية التي لله، عندما يقول: «أما عندنا ~~نحن فليس ms334 إلا إله واحد هو الآب، منه كل شيء وإليه نحن راجعون. ورب واحد هو يسوع المسيح به ~~كان كل شيء ونحن به قائمون» (1كورنثة، 8: 6). وقد جعل الله يسوع ربا ومسيحا بقيامته من ~~بين الأموات: «لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش لكي يسود على الأحياء والأموات» (روما، ~~14: 9). وقول بولس هنا يعكس ما ورد في سفر أعمال الرسل: «فليعلم يقينا جميع بني إسرائيل أن ~~الله جعل يسوع، هذا الذي أنتم صلبتموه، ربا ومسيحا» (أعمال، 1: 36). وأيضا: «لذلك رفعه ~~الله وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ~~ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب» (فيليبي، 3: 9-11). وهذا ~~يعني أن ربوبية يسوع تأتي من إعلان الله له سيدا على العالم بعد أن رفعه إليه. وإذا كان ~~المسيح ربا للعالم بتخويل من الله، فإن الله هو رب ليسوع: «ولكني أريد أن تعلموا أن ~~المسيح رأس كل رجل، والرجل رأس كل امرأة، والله رأس المسيح» (1 كورنثة، 11: 2-3). وفي ~~النهاية عندما يخضع يسوع في مجيئه الثاني كل شيء لله، فإنه بدوره يخضع لمالك الكل: ~~«ثم يكون المنتهى حين يسلم (المسيح) الملك إلى الله الآب بعد أن يبيد كل رئاسة وسلطان ~~وقوة ... ومتى أخضع له (أي للآب) كل شيء، فحينئذ يخضع الابن نفسه لذاك الذي أخضع له كل ~~شيء، فيكون الله كل شيء في كل شيء» (1 كورنثة، 15: 24-28). # ومع ذلك، يبقى لدينا في رسائل بولس نصان إشكاليان لا بد من إلقاء الضوء عليهما آخذين ~~بعين الاعتبار ما قدمناه أعلاه. النص الأول ورد في الرسالة إلى أهالي روما حيث يقول: «لقد ~~وددت لو كنت أنا نفسي ملعونا ومنفصلا عن المسيح في سبيل إخوتي بني قومي من النسب، أولئك ~~الذين هم بنو إسرائيل، ولهم التبني والمجد والعهود والشريعة والعبادة والمواعد والآباء، ~~ومنهم المسيح من حيث إنه بشر وهو الكائن على كل شيء إله مبارك أبد الدهور. آمين» (روما، ~~9: 3-5). إن معنى الجملة الأخيرة ms335 في النص اليوناني الذي لم يكن يحتوي على علامات الترقيم ~~(مثل النقطة والفاصلة وما إليها) يختلف تماما إذا وضعنا نقطة بعد عبارة «كل شيء»، لأن ~~التبريك والحالة هذه سوف يرجع إلى الله لا إلى المسيح، وتغدو الجملة على الشكل التالي: ~~«ومنهم المسيح من حيث إنه بشر، وهو الكائن فوق كل شيء. الله مبارك أبد الدهور آمين.» ~~وهذا ما يميل إليه معظم الباحثين في العهد الجديد اليوم، وما تبنته الترجمات الإنكليزية ~~الحديثة ومنها الترجمة المعيارية المنقحة ~~(Revised Standard ~~Version) ~~، والكتاب المقدس الجديد ~~(New English ~~Bible) ~~. # أما النص الثاني فهو عبارة عن ترتيلة متأخرة مرفوعة ليسوع المسيح تم إقحامها على نص ~~بولس، على ما يرجحه كثير من الباحثين. وهي لا تتفق مع نظرة بولس إلى المسيح مما ~~بيناه أعلاه. نقرأ في الرسالة إلى أهالي فيليبي: «فمع أنه في صورة الله، لم يعتبر ~~مساواته لله غنيمة له، بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد، وصار على مثال البشر وظهر بمظهر ~~الإنسان، وتواضع وأطاع حتى الموت، الموت على الصليب. لذلك رفعه الله ووهب له اسما فوق كل ~~الأسماء، لتنحني لاسم يسوع كل ركبة في السماء وفي الأرض وتحت الأرض، ويشهد كل لسان أنه ~~يسوع المسيح هو الرب تمجيدا لله. آمين» (فيليبي، 2: 6-11). إن التعابير المستخدمة هنا مثل ~~«في صورة الله» و«مساواته لله» و«تجرد من ذاته» و«صار على مثال البشر» لتذكرنا بلاهوت ~~إنجيل يوحنا الذي كتب بين عام 100 وعام 115م. فهي تنتمي إلى أفكار القرن الثاني الميلادي ~~لا إلى عصر بولس. ولعل من يقرأ هذا النص في سياقه ضمن الرسالة، سوف يكتشف أن إزاحته لن ~~تؤثر بشيء على السياق العام بقدر ما تجعله أكثر اطرادا. # وعلى ما نلاحظ في رسائل بولس، فإن الأدعية التي يرفعها هي موجهة للآب من خلال يسوع ~~المسيح. فهو الشفيع والوسيط الذي ينقل تضرعات المسيحيين للآب وحمدهم وشكرهم له. وبولس إنما ~~يضع هنا حدا واضحا وفاصلا بين الآب والابن ولا يماهي أحدهما بالآخر. نقرأ في مواضع ~~متفرقة من نصوص بولس ms336 المقاطع التالية: # لم تتلقوا روحا يستعبدكم ويردكم إلى الخوف، بل روحا يجعلكم أبناء، وبه ~~ننادي يا أبتاه (روما، 8: 15-16). # فأناشدكم أيها الإخوة باسم ربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معي ~~بصلواتكم التي ترفعونها لله (روما، 15: 30-31). # إني أحمد الله على ما أوتيتم من نعمة الله في يسوع المسيح (1 كورنثة، ~~1: 4). # أحمد الله على أني أتكلم بلغات أكثر مما تتكلمون كلكم (1 كورنثة، ~~14: 18). # الحمد لله الذي آتانا الظفر على يد ربنا يسوع المسيح (1 كورنثة، 15: ~~57). # الحمد لله الذي يستصحبنا بنصره الدائم في المسيح (2 كورنثة، 2: 14). # لا نزال نحمد الله إليكم جميعا ونذكركم في صلواتنا. نذكر في حضرة إلهنا ~~وأبينا ما أنتم عليه بنعمة يسوع المسيح (1 تسالونيكي، 1: 2-3). # علينا أن نحمد الله إليكم في كل حين أيها الإخوة (2 تسالونيكي، 1: 3). # المجد لله أبينا أبد الدهور (فيليبي، 4: 20). # تبارك إله ربنا يسوع المسيح وأبوه، أبو الحنان وإله كل عزاء (1 كورنثة، ~~1: 3). # إن إله الرب يسوع وأباه، تبارك للأبد، عالم بأني لا أكذب (2 كورنثة، ~~11: 31). # في المقتبسين الأخيرين حيث يرد تعبير «إله الرب يسوع»، يقدم لنا بولس قولا محكما ~~علينا أن نرد إليه وأن نفهم على ضوئه كل قول متشابه أو إشكالي. فالله هو إله يسوع، ~~ولا شراكة بينهما في الجوهر والماهية. # | بيبلوغرافيا # Apuleius, The Golden Ass, Penguin, 1980. # Barnstone, Willis. The Other Bible, Harper, New York, ~~1986. # Baring, A. and Cashford, J. The Myth of The Goddess, Penguin ~~Books, London, 1993. # Baigent, Michael. Richard Leigh, and Henry Lincoln, The Holy ~~Blood and the Holy Grail, Jonathan Cape, London, 1982. # Campbell Joseph. Occidental Mythology, Penguin, ~~1977. # Campbell Joseph. edt, The Mysteries, Princeton, New Jersey, ~~1978. # Campbell, Joseph. Occidental Mythology, Penguin, ~~1977. # Eliade, M. Encyclopedia of Relgion, edt, MacMillan, London, ~~1987. # Guirand, F. Greek Mythology, Hymlen, London, ~~1969. # Geoves, F. W. Campbell. Apollinius of Tyana, Chicago, 1968. # James, M. R. Apocryphal New Testament, Oxford, ~~1983. # James Montague R. Apocryphal New Testament, Oxford, ~~1983. # Lewis, H. Spencer. The Mystical life of Jesus, AMORC, San Jose, ~~California, 1953. # Meyer, ms337 Marvin W. The Secret Teaching of Jesus, Vintage, ~~1986. # Norwich, J. J. Short History of Byzantium, Penguin, ~~1988. # Negal. G. The Mysteries of Osiris. In: J. Campbell, edt, The ~~Mysteries. Princeton, 1978. Pagels, Elaine. The Gnostic Gospels, Vintage, New York, ~~1981. # James M. Robinson, edt, The Nag Hammadi Library, Harper, New ~~York, 1978. # Rudulph, Kurt, Gnosis, Harper, 1987. # Smith, Morton. The Secret Gospel, The Dawn Horse Press, ~~California, 2005. # Stewart, Desmond. The foreigner, H-H, London, ~~1981. # Smith, Morton. Jesus the Magician, New York, ~~1972. # Shanks, H. edt, Christainity and Rabbinic Judaism ~~1992. # Schonfield, Hugh. Those Incredible Christians, Bantam, N. Y. ~~1969. # Sconfield, H. The Passover Plot, Element Books, Great Britain, ~~1996. # Shanks, Hershel. Christainity and Rabbinic Judaism, Biblical ~~Archaeology Society, Washington, D. C. 1992. # Vermes, Geza. Jesus the Jew, London, 1973. # Vermes, Geza. The Changing Faces of Jesus, Penguin Compass, ~~2002. # Watts, Alan Myth and Ritual in Christianity, Thames and Hudson, ~~1983. # المراجع العربية # أعمال بطرس، ترجمة إسكندر شديد في كتابه (الأعمال والرسائل المتحولة)، لبنان ~~1999م. # الأب الدكتور يوسف يمين: المسيح ولد في لبنان، مطبعة القارح، زغرتا- لبنان، ~~1999م. # برتراند رسل: حكمة الغرب، الكويت 1983م. # جيمس طابور: سلالة يسوع، ترجمة د. سهيل زكار، دار قتيبة، دمشق، 2008م. # دارشة أد يحيا، مواعظ وتعاليم النبي يحيى بن زكريا، ترجمه عن الآرامية أمين ~~فعيل حطاب، بغداد 2001م. # زين العابدين ولي الله: حياة المسيح ووفاته، دار الكتب الأحمدية، قاديان، ~~البنجاب/الهند، الطبعة بدون تاريخ. # كنزا ربا، الكنز العظيم، ترجمة د. يوسف متى قوزي ود. صبيح مدلول السهيري، ~~بغداد 2001م، التسبيح رقم 38، القسم اليسار. # إ. س. سفينسيكلايا: المسيحيون الأوائل، ترجمة حسان ميخائيل إسحاق، دار علاء ~~الدين، دمشق. # ابن النديم: الفهرست، دار الكتب العلمية. # إدوار جيبون: سقوط الإمبراطورية الرومانية، ترجمة أحمد نجيب هاشم، الجزء ~~الأول. # الدكتور عبد الرحمن بدوي: خريف الفكر اليوناني، دار القلم، بيروت ~~1979م. # الشهرستاني: الملل والنحل، دار الفكر. # بيرتون ل. ماك: الإنجيل المفقود، ترجمة محمد الجورا، دار الجندي، دمشق ~~2005م. # جان بابلون: إمبراطورات سوريات، ترجمة يوسف شلب الشام (عن الفرنسية) دمشق ms338 ~~1987م. # جود فري تورتون: أميرات سوريات حكمن روما، ترجمة خالد أسعد عيسى، دمشق ~~1983م. # جميس بينتلي: اكتشاف الكتاب المقدس - قيامة المسيح في سيناء. ترجمة آسيا ~~الطريحي، «دار سينا»، القاهرة 1995م. # د. إحسان عباس: تاريخ دولة الأنباط، دار الشروق، 1987م. # فرانتز ألتهايم: إله الشمس الحمصي، ترجمة إيرينا داود (عن الألمانية)، دمشق ~~1990م. # كريفيلوف: المسيح، أسطورة أم حقيقة، موسكو، 1987م. # ناجية مراني: مفاهيم صابئية مندائية، بغداد 1981م. # يمليخا: فيثاغورث، حياته وفلسفته، ترجمة زياد الملا، دار الينابيع، دمشق ~~2005م. # الدكتور فؤاد زكريا: التساعية الرابعة لأفلوطين، القاهرة 1970م. ms339