######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.AllahKawnInsan.Hindawi84602738 #META# Tags: religions #META# ID: 84602738 #META# Title: الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - الدين والفلسفة‏ # 2 - الدين والحضارة‏ # 3 - الدين والأسطورة‏ # 4 - الديانات التوحيدية‏ # 5 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 6 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 7 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 8 - إله الغنوصية‏ # 9 - صيغ أخرى لمفهوم الله‏ # 10 - غروب الآلهة‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - الدين والفلسفة‏ # 2 - الدين والحضارة‏ # 3 - الدين والأسطورة‏ # 4 - الديانات التوحيدية‏ # 5 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 6 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 7 - التناص بين الكتب المقدسة‏ # 8 - إله الغنوصية‏ # 9 - صيغ أخرى لمفهوم الله‏ # 10 - غروب الآلهة‏ # | الله والكون والإنسان # | الله والكون والإنسان # | نظرات في تاريخ الافكار الدينية # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل ~~الأولى» تتشكل في ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، ~~شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، ~~فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة ~~الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية ~~فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن ~~الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ~~ستة أشهر، رحت خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد ~~البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو ~~سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي ~~بما يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، ~~وكان عمل الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن ~~لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة ~~الإنترنت التي لعبت دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ~~ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب الإلكترونية ~~المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب ~~الذي يعيش في الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من ms001 خلال ~~كبسة زر على حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، ~~مع إبقائي استخدام القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل ~~للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في 20 ~~مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، ~~واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع ~~المتنوعة التي تثري الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها ~~في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت وأنا أتأملها ~~كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول «مغامرة ~~العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان»، ومشروع تكامل ~~تدريجيا دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي ~~الخاص الذي أحببت أن أشرك به قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد ~~أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى ~~بداية أخرى على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة ~~العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه ~~وأتأمله، إنه في غلاف طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ~~ناشرها إلى غلاف الطبعة الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق ~~الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم ~~عناية الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ~~ذلك الوقت. وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار ~~حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي ~~بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته هذه الثقافة ~~من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور موضع اهتمام ~~عام، ولكني لم أكن ms002 أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا المجال، ولم أنظر ~~إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد على هوايته. إلا أن النجاح المدوي للكتاب ~~- الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق في ستة ~~أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ لأن القراء كانوا ~~يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح ~~أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب ~~الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل في ~~العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على ~~التاريخ العام والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز ~~عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ~~ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ أي بعد مرور عشر ~~سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح ~~الأول، فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت ~~الطبعة الثانية قبل نهاية العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان ~~«لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، ~~فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين ~~الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، إلى أن ~~دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، ~~وعهدت إلي بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان ~~الشرق الأوسط لطلاب الدراسات العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله ~~والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه الطبعة بالأعمال غير ~~الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ ~~لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في ~~طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، ms003 فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في ~~الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على المستوى ~~العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي ~~المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في ~~تاريخ فلسطين القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره ~~صدر عام 2003 عن دار # T & T Clark # في ~~بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة ~~الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين ~~في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال ~~المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى انعقدت في دمشق ~~بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل ~~عديدة أثارها «تومبسون» في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان ~~الباحث البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في ~~كتاب من تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ~~ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من ~~أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن ~~نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the Invention of ~~Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى ~~بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic ~~Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A Reply to Firas ~~Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم يختفي ~~ولا تجده بعد ذلك إلا ms004 في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد ~~يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة التداول. وقد أطال القراء في ~~عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، أما ~~تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # يحتوي هذا الكتاب في مقدماته على إجاباتي عن أسئلة طالما وجهت ~~إلي في مقابلات صحفية وإذاعية وتلفزيونية ؛ مثل: لماذا اخترت ~~الكتابة في موضوع الميثولوجيا والدين؟ أو: لماذا لا نجد لك رأيا ~~حاسما في المسألة الدينية؟ أو: هل تدعم كتاباتك الموقف المعادي ~~للدين؟ وبعد ذلك انتقلت للإجابة عن تساؤلات طالما لمستها عند ~~الآخرين بخصوص المسألة الدينية، وبعد كل إجابة كنت أتخذ موقف ~~القارئ وأخرج بتساؤلات محتملة قد تبنى على تلك الإجابة. وهكذا ~~تسلسل العمل عن طريق السين والجيم، إلى أن أنجزت ما كنت أصبو إليه، ~~وهو صياغة رؤية موجزة لتاريخ الأفكار الدينية في تفاعلها وعلائقها ~~بعضها مع بعض عبر مسيرة الثقافة الإنسانية. هذا التاريخ يصب في ~~تيار ما يدعى بتاريخ الأفكار العام، وهو منظومة معرفية جديدة ~~تتوحد فيها الأفكار الحكموية والأفكار الفلسفية والأفكار الدينية؛ ~~فعلى الرغم من أن الدين يتميز عن الحكمة والفلسفة بنظامه الطقسي الذي ~~يهدف إلى إقامة الصلة بين المقدس والدنيوي، إلا أنه في جانبه ~~الاعتقادي لا يختلف عن الفلسفة من حيث تقديمه للأجوبة عن الأسئلة ~~الكبرى للإنسانية، وكلتا المنظومتين عبارة عن تفكير منظم في شئون ~~الحياة والكون؛ ولذلك فإننا في دراستنا للأفكار الدينية عبر التاريخ ~~إنما نقوم بدراسة الجانب الأهم من تاريخ الأفكار العام، وذلك لما ~~للأفكار الدينية من تأثير على البشر لا يعادله تأثير الأفكار ~~الفلسفية. # أما لماذا اخترت أسلوب السؤال وفضلته على السرد المتصل؟ فلذلك ~~قصة؛ فقد تعرفت خلال إقامتي الحالية في بكين على الشاب غزوان بريك، ~~وهو سوري يعمل محررا في وكالة أنباء الصين الجديدة. وكانت لنا ~~لقاءات كلما توافر الوقت لكلينا، وفي كل ms005 لقاء كان يطرح علي ~~سؤالا يتعلق بمؤلفاتي التي قرأها فأجيبه، ويتلو ذلك نقاش حول ~~إجابتي ينتج عنه سؤال آخر. وقد لفتت نظري هذه الحوارات إلى ما ~~يمكن لصيغة السؤال والجواب أن تفعله لجهة توضيح ما يطرحه المؤلف ~~من أفكار في سياق عمله، وإلى أن الفكرة التي يقدمها المؤلف ثم ~~يتجاوزها ربما لم تكن مفهومة من قبل القارئ، أو تحتاج إلى مزيد من ~~الشرح أو التطوير. وهكذا ولدت في ذهني فكرة هذا الكتاب، وعرضتها ~~على السيد غزوان فأيدني بقوة ، وكانت أراؤه كقارئ عونا لي على رسم ~~المخطط العام للكتاب وتحديد محاوره. ولقد كانت متعتي في العمل ~~حافزا لي على المثابرة، فأنجزته خلال أشهر شتاء 2014-2015م. # فراس السواح # بكين، حزيران (يونيو)، 2015م # المحور الأول # | الدين والفلسفة # (س): # هنالك سؤال يطرح نفسه على من رافق مسيرة فراس ~~السواح الفكرية خلال الأربعين سنة الماضية، وهو: لماذا اخترت موضوع ~~الدين وتاريخ الأديان من بين جميع المنظومات المعرفية في الثقافة ~~الإنسانية، وعكفت على دراسته والبحث في تفاصيله وجذوره العميقة منذ ~~صدور كتابك الأول في العام 1976م؟ ~~(ج): # أنا أومن بأن الكاتب لا يختار ~~موضوعه، بل على العكس؛ فالموضوع هو من يختار كاتبه. وما أعنيه هنا هو ~~أن الموضوع الذي يجد الكاتب نفسه مدفوعا للبحث فيه، لا ينبثق في عقله ~~الواعي فجأة ومن دون أسباب ومقدمات، وإنما يكمن في لاشعوره لفترة ~~طويلة، قبل أن يقتحم ساحة الشعور، ليجد الكاتب نفسه مدفوعا ودونما ~~إرادة منه لإيلائه عنايته وتفكيره المنظم، ولا أدل على ذلك من ~~أنني طالما اشتريت كتبا لم أكن مهتما حينها بموضوعاتها، ووضعتها ~~في مكتبتي دون أن أقرأها، إلى أن انبثق موضوعها الهاجع في اللاشعور، ~~فاستخرجتها بلهفة من عثر على كنز ثمين. ~~(س): # ولكن لا بد من وجود أسباب ~~شعورية أو لا شعورية خلقت في النفس موضوعا «هاجعا» كما سميته، ثم ~~ساعدت فيما بعد على اقتحامه ساحة الشعور، والإلحاح على عقل صاحبه، ~~فهل وعيت تلك الأسباب؟ وهل لنا في نبذة عنها؟ ~~(ج): # أعتقد بأن البداية انطلقت ~~عندي ms006 من التساؤل؛ فالإنسان يولد ومعه دافع طبيعي إلى التساؤل، وما إن ~~يتفتح وعي الطفل حتى يأخذ بطرح الأسئلة حول أصل العالم، ووجود الله، ~~والروح والحياة الثانية، والغاية من الوجود وحياة الإنسان، وما إلى ~~ذلك. وفي الواقع فإن أسئلة الطفولة على بساطة طرحها، هي التي شغلت ~~البشرية عبر تاريخها، وتصدت للإجابة عنها كل أشكال الحكمة ~~والفلسفة والدين، وكذلك العلم في العصر الحديث. ولكن الدافع إلى ~~التساؤل يخفت تدريجيا لدى معظم الأفراد، وذلك بمرور الوقت وضغط ~~الشروط المادية للحياة اليومية، فيلجئون عندها إلى دين آبائهم ليجدوا ~~فيه عقيدة ناجزة وأجوبة جاهزة، تعفيهم من حيرة السؤال وتضعهم في ~~طمأنينة الأيديولوجيا، ولكن هناك قلة من الناس تبقى أمينة للسؤال ~~ولأرق الحيرة الذي يهبنا الإحساس بالحرية وبحرارة الحياة، ويبدو ~~أنني كنت من هذه القلة التي لم تقنع بالجاهز والموروث، وأعطت لنفسها ~~حرية البحث والتفكير. ~~(س): # ولكن لماذا اخترت البحث عن ~~الأجوبة في ثنايا أديان الإنسان لا في غيرها؟ الفلسفة مثلا. ~~(ج): # لقد كانت الفلسفة أول ما ~~فتنني من المنظومات المعرفية، فانكببت على دراستها منذ أن كنت في ~~مرحلة الدراسة الثانوية، وقرأت ما وصلت إليه يداي من الكتب التي تبحث ~~في تاريخ الفلسفة الأوروبية من سقراط إلى هيجل، ثم سارتر وصحبه من ~~الوجوديين الذين افتتنت بهم زمنا لا بأس به. أما الفلسفة العربية ~~فلم ترق لي لأن همها الرئيسي كان يتمثل في التوفيق بين الفلسفة ~~اليونانية والدين الإسلامي؛ أي إن العقل الفلسفي العربي كان مقيدا ~~ومشترطا بالدين، في الوقت الذي ينبغي فيه على الفلسفة أن تنطلق من ~~الشك وعدم اليقين، لا من اليقين الذي يقوم عليه الدين، ولا بأس بعد ذلك ~~إذا أعادت إلي اليقين. ~~(س): # ولكنك تركت الفلسفة بعد ~~ذلك وتوجهت إلى دراسة الدين. لماذا؟ ~~(ج): # عندما بدأت بدراسة الفلسفة ~~كنت أعتقد بأنني سأتوصل في النهاية إلى رؤية لوحة فسيفسائية جميلة ~~تتخذ فيها كل فلسلفة مكانها المحدد الذي يساعد على إبراز المشهد ~~العام، ولكن ما وجدته بعد أن سرت شوطا في دروب الفلسفة المتعرجة، ~~هو ms007 أن كل فلسفة كانت تنقض ما قبلها لتبني من جديد؛ ومن ثم تأتي ~~بعدها أخرى لتنقضها وتبني على أنقاضها. وما تحصل لدينا بعد مرور ~~2500 سنة على نضوج الفلسفة لم يكن لوحة فسيفسائية متكاملة، وإنما ~~ركاما من الفلسفات التي ترسم مشهدا لمتاهة لا سبيل إلى الخروج منها. ~~يضاف إلى ذلك أن الفلسفة لم تستطع تقديم عزاء لعامة الناس، وخارج ~~الصين حيث لعبت الكونفوشية دور الدين، لم أعثر على فلسفة اكتسبت ~~إليها حشدا من البشر الذين آمنوا بها وعاشوا وفقا لتعاليمها، وإنما ~~بقيت لعبة ذهنية تمارسها النخبة. ولا أستثني من ذلك الماركسية؛ لأن ~~الشرائح الاجتماعية التي قامت بالثورات الشيوعية لم تفعل ذلك لأنها ~~فهمت الماركسية، ولكن لأنها كانت محرومة وجائعة. ~~(س): # ولكن هل نجحت الأديان برأيك ~~في تحقيق ما عجزت عنه الفلسفة؟ ~~(ج): # الفلسفة هي حكمة شخص بعينه، ~~أما الدين فهو حكمة شعب. وبينما تبقى الفلسفة محصورة في الأكاديميات، ~~ينجح الدين في التمكن من قلوب وعقول شعب بأكمله؛ ولذلك أقول بأننا ~~إذا ما أردنا البحث عن حكمة البشرية، فإننا سنجدها في تاريخ أديانها ~~لا في تاريخ فلسفاتها. ~~(س): # أنت تقول بأن الفلسفة هي حكمة ~~شخص بعينه، ولكن أليس الدين حكمة شخص بعينه أيضا، وهو مؤسس ذلك ~~الدين، نبيا كان أم شخصية روحية متميزة؟ ~~(ج): # إن ظاهرة مؤسسي الديانات في ~~تاريخ الدين هي ظاهرة حديثة نسبيا، ولا يمكننا متابعتها إلى ما وراء ~~أواسط الألف الأول قبل الميلاد، عندما ظهر زرادشت نبي الديانة ~~الزرادشتية، وبوذا مؤسس الديانة البوذية. وقبل زرادشت كانت الديانة ~~الإيرانية التقليدية تضرب في عمق التاريخ دون أن يلمح لها بداية ~~محددة أو شخصية متفوقة عملت على تأسيسها. وكذلك الأمر في الهندوسية ~~التي كانت ديانة البوذا قبل أن يتنور وينشق عن دين آبائه، ومثلها ~~ديانات مصر وبقية حضارات الشرق القديم التي تضيع بداياتها في ضباب ~~التاريخ. هذا الطابع اللاتاريخي للدين هو الذي يجعل منه حكمة شعب لا ~~حكمة فرد؛ لأنه ليس نتاجا لعقل واحد، وإنما نتاج تعاون عقول ~~أجيال متتابعة عملت ms008 على صياغته وتطويره في حركة دائبة لا ~~تهدأ. ~~(س): # هذه الأديان التي ابتدرها ~~مؤسسون تاريخيون، ألا تحمل طابع التجربة الروحية لشخص بعينه عمل على ~~نشرها وتعميمها؟ فكيف يمكن أن نصفها بأنها حكمة شعب؟ ~~(ج): # لا أستثني هذه الأديان من صفة ~~حكمة الشعب؛ فنحن نستطيع أن نشبه فكر مؤسس الديانة ببذرة زرعت ~~في أرض خصبة، ونشبه ديانته التي نمت بعد وفاته بالشجرة التي نشأت ~~عنها تلك البذرة؛ فالزرادشتية في حياة مؤسسها وخلال فترة لا بأس بها ~~بعد وفاته، كانت تقوم على أساس مجموعة من الأناشيد الدينية التي وضعها ~~النبي ولخص فيها عقيدته، ثم قام الكهنة بعد ذلك بصياغة شروح على هذه ~~الأناشيد تعبر عن كيفية فهمهم لها، أو حتى عن رغبة في الإضافة إليها ~~والتعبير عن رؤى خاصة بهم، فظهرت مجموعة الأفيستا والأفيستا الصغرى ~~التي صارت مرجعا آخر للدين. وبعد ذلك جاءت أجيال أخرى من المفكرين ~~الذين رأوا وجوب تقديم شروحات على الأفيستا، فظهرت مجموعة الزند ~~أفيستا. وعندما انتشر الإسلام في إيران بعد أكثر من ألف عام على وفاة ~~المؤسس، لم تكن الزرادشتية تشبه كثيرا ديانة مؤسسها. والشيء ~~نفسه يمكن قوله عن البوذية التي أخذت تتبدل وتبتعد عن تعاليم ~~المؤسس في الهند خلال القرون الثلاثة التي أعقبت وفاته، وعندما ~~وصلت إلى الشرق الأقصى لم تعد تشبه في شيء بوذية البوذا. ~~(س): # وماذا عن الأديان التي ~~نصفها بالتوحيدية، وهي اليهودية والمسيحية والإسلام؟ هل خضعت أيضا ~~للتطور على الرغم من أن عقائدها ترسخت في كتب مقدسة تم تدوينها ~~خلال حياة مؤسسيها أو بعد فترة قصيرة من وفاتهم؟ ~~(ج): # أولا، أريد أن أحذف اليهودية ~~من قائمة الأديان التوحيدية لأسباب ربما نتطرق إليها لاحقا. ~~وثانيا، إن قائمة الأديان التوحيدية لا تقتصر على الأديان الثلاثة ~~التي ذكرت، بل يمكن أن نضيف إليها الزرادشتية والمانوية، وديانتين من ~~بقايا ديانات الشرق القديم هما: المندائية والإيزيدية، واللتان لم يبق ~~من أتباعهما سوى قلة قليلة تتوزع اليوم في العراق وسورية. ولقد ~~خضعت الأديان التوحيدية للتطور والتبدل مثل غيرها من الأديان، ms009 على ~~الرغم من تثبيت عقائدها في كتب مقدسة حفظت نصوصها من التغيير ~~والتبديل؛ فمسيحية الأناجيل وبقية أسفار العهد الجديد لا تشبه مسيحية ~~بولس الرسول الذي يحمل لقب مؤسس المسيحية، ومسيحية بولس لا تشبه ~~كثيرا مسيحية قانون الإيمان الذي صاغه مجمع نيقية الذي انعقد في العام ~~325م، وبعد مجمع نيقية تابعت المسيحية تطورها، وترسخ مفهوم ~~الثالوث الذي لم يقل به أصحاب الأناجيل ولا بولس الرسول ولا حتى مجمع ~~نيقية، كما ترسخت عبادة السيدة مريم التي أعطاها أحد المجامع ~~المتأخرة لقب «أم الله». # وفي الإسلام حصل التطور على ثلاثة محاور وهي: (1) الحديث؛ أي ما ~~وصل المسلمين من أقوال الرسول أو أفعاله. (2) علم التفسير؛ أي تفسير ~~ألفاظ ومعاني القرآن الكريم. (3) علم الكلام، وهو علم العقائد ~~الإسلامية الذي يقابل اللاهوت في الديانة المسيحية. ومن خلال هذه ~~العلوم أحدث العقل الإسلامي ما يشاء على الإسلام من تطوير وتغيير، ~~وتعددت الطوائف الإسلامية، وكل طائفة تدعي بأنها الصيغة الحقيقية ~~للإسلام في مقابل بقية الطوائف، وكلها تدعي أيضا بأنها تستند إلى ~~القرآن وإلى الحديث الشريف. ~~(س): # إذن أين ذهبت سلطة النص ~~المقدس؟ ~~(ج): # إن سلطة النص الديني المقدس ~~في رأيي خرافة؛ فالسلطة الحقيقة هي للعقل الإنساني وكيفية فهمه للنص، ~~النص المقدس بطبيعته نص إشكالي لأسباب لا أستطيع التوسع بها هنا، ~~وهذه الإشكالية هي التي تستدعي تدخل عقل المفسر من أجل البحث عن ~~المعاني الكامنة خلف مواضع الإشكال وهي كثيرة. ~~(س): # لماذا تعتبر النص المقدس ~~نصا إشكاليا؟ ~~(ج): # يمكنك أن تتوجه بهذا السؤال ~~إلى مفسري القرآن الكريم مثلا. لولا احتواء النص القرآني على الكثير ~~من مواضع الإشكال في اللفظ والنحو والمعاني، هل كان من الضروري ظهور ~~أكثر من 20 تفسيرا له في الماضي، أو ظهور تفاسير حديثة مثل تفسير ~~سيد قطب، وتفسير الشعراوي وغيرهما؟ لست أنا القائل بأن النص المقدس ~~نص إشكالي. ~~(س): # نعود إلى قولك بأن التساؤل ~~الطفولي المستمر قد قادك إلى دراسة الفلسفة أولا، قبل أن تفضل ~~عليها دراسة الأديان، فهل من سبب شخصي إلى جانب ما ms010 ذكرت أثر على ~~خياراتك؟ ~~(ج): # نعم؛ فلقد مررت بفترة قلق ~~ديني في فترة المراهقة ناجم عن إحساسي بوجود بعد ماورائي كامن ~~خلف كل ما يتبدى لنا من مظاهر الوجود، لا يمكن اختصاره إلى مجموعة من ~~الشخصيات الإلهية، ولا حتى إلى إله واحد يتحكم بالعالم من موقع ~~مفارق، وهذا البعد الماورائي لا يمكن وصفه باللغة المعتادة بقدر ما ~~يمكننا الإحساس به في أعماق النفس. وعلى حد قول الحكيم الصيني ~~لاو-تسو: # في قلة الكلام تناغم مع الطبيعة. # الطبيعة لا تعبر عن نفسها بالكلمات. ~~(س): # إذن فالله لا يعبر عن نفسه ~~بالكلمات؟ هل هذا ما تقصد أن تقوله؟ ~~(ج): # نعم. ~~(س): # وماذا تقول عن الوحي الذي ~~تلقاه الأنبياء من عند الله؟ ~~(ج): # بوابات الاتصال بين المقدس ~~والدنيوي أو بين الإلهي والإنساني ليست موصدة، وأقصى حالة لهذا التواصل ~~هي حالة النبي الذي يكون في أشد حالات إحساسه بحضور الإلهي في قلبه، ~~راغبا في تلمس ومعرفة المشيئة الإلهية، فتنبثق في أعماق نفسه معان ~~يعبر عنها هو بكلمات، فالوحي والحالة هذه استنارة تحصل في جنبات ~~النبي وهو في أقصى حالات البحث عن الحقيقة. ~~(س): # ولكن الوحي في أديان التوحيد ~~هو كلام يسمعه النبي على لسان ملاك! ~~(ج): # لا شك في أن مفهوم الوحي ~~متلازم مع مفهوم التوحيد؛ فلقد تلقى زرادشت وحيا من السماء عن طريق ~~ملاك، وكذلك ماني، وكذلك محمد نبي الإسلام، ولكن ملاك الوحي ليس في ~~واقع الأمر إلا رمزا لحالة التواصل بين الإلهي والإنساني، يمكن ~~للجميع فهمه. وما أقوله هنا ليس جديدا على الفكر الإسلامي؛ فلقد ناقش ~~علماء الكلام المسلمون مسألة ما إذا كان النبي قد تلقى الوحي ~~بكلمات أو بمعان؛ فلقد قال بعضهم بأنه تلقاه بمعان لا بكلمات، ~~وعلى رأس هؤلاء أبو المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين، وهو واحد ~~من أبرز علماء الدين السنة في القرن الخامس الهجري. ~~(س): # إذن كان لديك من الأسباب ~~الشخصية ما يكفي لدفعك إلى دراسة الدين، وهذه الأسباب كما شرحتها ~~تجعلك متعاطفا مع الظاهرة الدينية. ألا ترى أن ms011 من الممكن لهذا ~~التعاطف مع موضوع البحث أن يفقد الباحث شيئا من موضوعيته؟ ~~(ج): # على الرغم من أني أستخدم ~~مصطلح تاريخ الأديان لوصف طبيعة موضوعي، إلا أن الوصف الأدق له هو ~~فينومينولوجيا الدين. وفينومينولوجيا الدين تقع في الوسط بين فلسفة ~~الدين وتاريخ الأديان؛ ففلسفة الدين هي تعبير عن فكر صاحبها وتوجهاته ~~ومواقفه، وهي معنية بالتأمل لا بدراسة الوقائع. وبما أنني لست ~~راغبا في تقديم وجهة نظر شخصية في مسألة الدين، وإنما أهدف إلى وصفه ~~وتحديده موضوعيا، فقد ابتعدت عن فلسفة الدين وعن إقحام أي رأي ~~شخصي مسبق. أما تاريخ الأديان فيعتمد منهجا يقوم على تحليل الأديان ~~في سياقها التاريخي؛ أي إنه يلجأ إلى الكشف عما حدث فعلا، دون العناية ~~بفهم ما حدث أو تقديم تركيب منظم يجمع الظواهر الدينية التي يدرسها ~~إلى ظاهرة واحدة. # أما المنهج الفينومينولوجي (الظاهراتي) في دراسة الدين فهو تطبيق ~~لطرائق الفينومينولوجيا الفلسفية التي وضع أسسها إدموند هوسرل على ~~دراسة تاريخ الدين. وما يميز فينومينولوجيا الدين بشكل خاص هو ~~نظرتها العمومية الشمولية، وذلك من خلال تقصيها لكل ما هو مشترك ~~وعام بين الأديان. وهي إذ تصف وتنمذج موضوعاتها، فإنها تعمل على ~~استقصاء البنية الجوهرية والمعنى في الظاهرة الدينية. وعلى الرغم من أن ~~الظاهراتي يتحاشى فرض أحكامه وقيمه على موضوع بحثه، إلا أنه ينطلق في ~~الوقت نفسه من موقف متعاطف مع هذا الموضوع، لا سيما مع الجانب ~~الإنساني فيه؛ فهو في وصفه للكيفية التي يعي بها المؤمن إيمانه ويفهمه، ~~يحترم القيمة المطلقة التي يعزوها هذا المؤمن لعقيدته؛ فالفينومينولوجي ~~عندما يتحدث مثلا عن الميلاد العذري في المسيحية، لا يعنى إلا بوجود ~~مثل هذه الفكرة دون التطرق إلى صحتها أو خطئها. وهنا دعني أقول لك ~~بأن أي فكرة تكتسب الطابع الموضوعي عندما تترسخ بإجماع الناس عليها ~~وتغدو فاعلة ومؤثرة، مثل أي فكرة قائمة على التجربة. # إن خلاصة ما أود أن أقوله هو أن التعاطف لا يعني الانحياز، وإذا ~~كان لدى الباحث رأي مسبق فيما يتعلق بموضوع بحثه، فإن عليه أن ms012 يضعه ~~على الرف مؤقتا، ويقبل على بحثه بعقل فارغ من الآراء المسبقة، وهذا ~~ما سوف يعينه على توسيع وتعميق معارفه، وربما على تعديل تلك الأفكار ~~المسبقة التي كان يملكها. # وهنا تخطر في بالي قصة من قصص بوذية الزن ذات مغزى بالنسبة لما ~~أسوقه هنا؛ فقد جاء إلى أحد معلمي الزن أستاذ جامعي اشتهر ~~بمؤلفاته الكثيرة في العلوم الإنسانية، وقال له إنه يريد أن يتعلم ~~الزن على يديه، فاستقبله المعلم بترحاب ودعاه إلى تناول الشاي، ثم ~~راح يسكب له الشاي في كأسه، وعندما امتلأت تابع السكب حتى فاض الشاي ~~من حواف الكأس، فقال له الأستاذ: يا معلم، انتبه. فأجابه المعلم: يا ~~سيد، إن الكأس المليئة لا تستوعب المزيد كما ترى، وأنت جئتني مليئا ~~بالأفكار. إن أردت أن تتعلم فأفرغ رأسك. ~~(س): # أنت تتحدث هنا عن قوة ~~الفكرة، وهذا ما يثير في ذهني سؤالا عن دور الأفكار في تاريخ ~~الحضارة. ~~(ج): # الأفكار هي القوة الرئيسية ~~المسيرة للحضارة والتاريخ، لا فرق في ذلك بين فكرة تقوم على ~~التجربة، وفكرة لا نستطيع البرهان على صحتها أو خطئها، لكنها ترسخت ~~بإجماع الناس، وفكرة ثالثة خاطئة. وفي الحقيقة فإن الأفكار الخاطئة ~~ربما تلعب دورا أكثر أهمية من غيرها في بعض الفترات، ومثال على ذلك ~~فكرة تفوق العرق الآري على بقية الأعراق في الأيديولوجيا النازية، ~~وما أدت إليه من كوارث إنسانية. واليوم نرى أن الأفكار الخاطئة عن ~~الإسلام تستولي على عقول كثير من المسلمين، وتكسف الأفكار الصحيحة؛ ~~فالإرهابي الذي يقتل باسم الإسلام دون تمييز لم يقرأ، أو أنه يتجاهل ~~الآية القرآنية القائلة: # من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا ~~(سورة المائدة: 32). والإرهابي الذي يحرق الكنائس ~~المسيحية ويهجر المسيحيين من أراضيهم ومساكنهم يتجاهل الآية ~~القرآنية التي توصي بالصداقة والتراحم بين المسلمين والمسيحيين ~~(= النصارى)، والتي تقول: # لتجدن أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين ~~أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين ~~آمنوا ~~(= للمسلمين) # الذين قالوا ~~إنا نصارى ~~(سورة المائدة: ms013 82). ~~(س): # أريد العودة إلى ما قلته حول ~~تعاطفك مع الدين واحترامك للقيمة التي يعزوها المؤمن لعقيدته، ~~وأتساءل هنا: لماذا إذن يتهمك البعض بالعداء للدين؟ فلقد سمعنا هذا ~~الرأي مرارا من مسلمين ومسيحيين؟ ~~(ج): # أتهم بالعداء للدين لأن أهل ~~الحرف في المسيحية يتوقعون منك إذا تكلمت في المسيحية أن تلتزم بما ~~تعلموه في مدارس اللاهوت، أو ما يكرره رجال الدين في موعظة يوم ~~الأحد، وأهل الحرف في الإسلام يتوقعون منك إذا تكلمت في الإسلام أن ~~تتكلم مثل شيخ أزهري، أو مثل خطيب مسجد في يوم الجمعة، أن تلغي ~~عقلك وتتماثل مع الموروث هو المطلوب، هذا الموروث الذي ما فتئ يعيد ~~إنتاج نفسه منذ قرون، أو بالأحرى إنتاج صور أكثر رداءة عن نفسه. ~~وأنا هنا لا أدعو إلى نسف الموروث، وإنما أدعو إلى تجاوز مرحلة الجمود ~~التي وصل إليها الفكر الديني، وإلى إعادة فهم النصوص المقدسة بما ~~يتلاءم وروح العصر، أدعو إلى إبقاء باب الاجتهاد مفتوحا بعد أن أغلقه ~~المجتهدون المتأخرون؛ لأنه وكما اجتهد الأولون، فإن باستطاعتنا نحن أن ~~نجتهد، بل وأفضل منهم لأننا صرنا مزودين بمعارف لم يكونوا يحلمون ~~بها، ولن نقبل بابن تيمية ولا بالقديس أوغسطين وصيا على ~~فكرنا. ~~(س): # ولكن نقاد الدين غالبا ما ~~يستشهدون بمؤلفاتك في تقديم حججهم؟ ~~(ج): # دعني أقول لك شيئا. إن من ~~اكتشف الذرة لم يكن في ذهنه أبدا أن يصنع قنبلة ذرية، وإنما صنعها ~~آخرون. أنا امرؤ تجريبي، وما أعنيه بالتجريبية هنا هو أنني أتوصل إلى ~~الأفكار اعتمادا على دراسة واستقراء وقائع موضوعية، لا على تأمل ~~ذهني بحت، وكل نظرية أطرحها تحمل في طياتها براهينها؛ وبالتالي ~~يمكن لمن يود نقدها أن يختبر صحتها عن طريق دراسة هذه البراهين ~~ورفضها أو قبولها على قاعدة تجريبية أيضا، ولكن من يتهمونني ~~بالعداء للدين وإفساد عقول الشباب ينطلقون من أهوائهم ومواقفهم ~~الذاتية، ولم يحفل أحد منهم بأن يرفق بتهمته أي برهان. وبتعبير ~~آخر أنا لا أقدم أفكاري وآرائي الخاصة، وإنما نتائج بحث ~~واستقصاء. ~~(س): # ولا أدل على ذلك ms014 من أن معظم ~~مؤلفاتك لا تحتوي على خاتمة. وهذا بالضبط ما يأخذه عليك أيضا بعض ~~القراء الذين يرغبون في معرفة وجهة نظرك. ~~(ج): # وجهة نظري بعد كل شيء تبقى ~~وجهة نظر شخص واحد، كما أن المعرفة لا علاقة لها بوجهات النظر. إن ما ~~أهدف إليه من وراء الكتابة هو تدريب عقل قارئي على التفكير الحر؛ ~~ولذلك أقول لطلاب الدراسات العليا في الجامعة الذين يستمعون إلى ~~محاضراتي في تاريخ الأديان ألا ينظروا إلى المادة المطبوعة التي ~~أوزعها عليهم باعتبارها شيئا للحفظ، وإنما محرضا على التفكير، ~~وأشجعهم على معارضتي ومخالفتي. وأذكر في هذا المجال أنني قلت لهم ~~في إحدى المرات: إنه يسعدني أن أسمع من أحدكم قوله لي: إن ما تقوله في ~~هذا الشأن كلام فارغ. ~~(س): # وبالطبع لم يقل لك أحد ~~ذلك! ~~(ج): # لقد أردت أن أضرب لهم المثل ~~الأقصى في قبولي للمخالفة وتحريضهم على التفكير. وقد بذلت جهدا ~~لنقلهم من وضع المتلقي السلبي إلى المشاركة الفعالة. المعرفة تتطلب ~~طرفين إيجابيين، لا طرفا سلبيا وآخر إيجابيا؛ أي ليس صيغة: أنا ~~أتكلم وأنت تسمع، وإنما صيغة: أنا أتكلم وأنت تتكلم. ~~(س): # أعتقد بأنك تتكلم هنا عن ~~نظم التعليم وعلاقتها بإنشاء المعرفة على مستوى المجتمع. ~~(ج): # هذا صحيح؛ فمن خلال نظم ~~التعليم في العالم العربي ومن بقي مثلنا على هامش خط التطور الحضاري، ~~نحن ننتج صورا عن أنفسنا في طلابنا، بينما يتوجب علينا أن ننتج ~~صورا أفضل منا بكثير. وفي هذا المجال تحضرني حادثة مضحكة ومبكية في ~~آن معا؛ فعندما كان ابني في الصف التحضيري؛ أي في سن الخامسة فقط، ~~عرضت عليهم المعلمة صورا لحيوانات مختلفة لكي تعلمهم أسماءها، ~~وعندما وصلت إلى صورة حيوان اللاما الذي لا يعيش في بلادنا، قالت لهم: ~~هذا جمل. فصاح الطفل: لا يا آنسة، هذا لاما. فما كان من الآنسة إلا أن ~~عاجلته بصفعة قوية بدل أن تثني عليه. والأمر في بقية مراحل الدراسة ~~ليس أفضل من هذا بكثير لجهة تنمية الإبداع وتحرير الفكر. ~~(س): # حسنا، كنت تقول ms015 قبل أن ~~يأخذنا الحديث بعيدا، إنك لا ترى فائدة من طرح وجهات نظر شخصية لأنك ~~تهدف إلى تشجيع القارئ على التفكير الحر، فهل يعني ذلك أنك تفضل ~~الأسئلة على تقديم الأجوبة؟ ~~(ج): # عندما سمع سقراط من المحكمة ~~قرار الحكم بإعدامه، قال متعجبا: لماذا؟ لم أفعل سوى طرح ~~الأسئلة. # أنا لست بداعية لمذهب أو مبشر بأيديولوجيا معينة؛ ولذلك أرى أن ~~طرح سؤال جيد خير من إعطاء جواب يعتقد صاحبه بأنه على حق. أنا لا ~~أعرف بعد ما هو الحق، ولكنني في الوقت نفسه أعرف بأنني لا أعرف، على ~~عكس الكثيرين. ~~(س): # ولكن ماذا عن أولئك المعلمين ~~الكبار الذين قالوا لنا إنهم عرفوا كل شيء، وحددوا لنا معالم طريق ~~الخلاص؟ البوذا مثلا. ~~(ج): # لا أدري ما إذا كان البوذا قد ~~عرف أم أنه توهم ذلك، معلمون آخرون قالوا الشيء نفسه، ولكن معالم ~~الطريق لديهم تختلف عن طريق البوذا، فمن نصدق ومن نتبع؟ ~~(س): # المعلمون كثر، وأنا أعيد ~~إليك سؤالك: من نصدق ومن نتبع؟ ~~(ج): # ثق بنفسك. ~~(س): # ماذا تعني؟ ~~(ج): # أعني أن الفلسفة ليست حكرا ~~على الفلاسفة، وأن بمقدور كل شخص صياغة فلسفته الخاصة دون أن يكون ~~ملزما باتباع أحد. ~~(س): # نعود إلى موضوع الدين ~~والفلسفة. ألا ترى معي بأن ما يجمع بين هاتين المنظومتين هو أكثر ~~مما يفرق بينهما؟ ~~(ج): # الدين والفلسفة صنوان من جهة ~~طرحهما للأسئلة ومحاولة الإجابة عليها؛ ففي صميم كل ديانة كبرى فلسفة؛ ~~لأن الفلسفة في أبسط تعريف لها هي التفكير المنهجي في أمور الحياة ~~والكون، ولكن ما يميز الدين هو احتواؤه على بنية فوقية تتكون من ~~الأساطير والعقائد والطقوس والمؤسسات. يضاف إلى ذلك أن الهم الأساسي ~~للفلسفة هو الحياة في هذا العالم، أما الهم الأساسي للدين فهو السبل ~~المثلى لتحقيق حياة في العالم الآخر. ~~(س): # هل من الممكن أن تكون رداءة ~~الحياة في هذا العالم هي ما يدعو البشر إلى التفكير في العالم الآخر؟ ~~فالمتدين عندما ينكر الحياة فإنه لا ينكر سوى الألم والشقاء وما ~~إلى ذلك ms016 من عذابات الدنيا. وهذا ما يدعوني إلى التساؤل الآتي: ألا يمكن ~~للفلسفة التي يتركز همها - كما قلت - على الحياة في هذا العالم، أن ~~تحل مكان الدين في تقديم العزاء للبشر؟ ~~(ج): # هذا ممكن، ولكن فقط عندما لا ~~يلعب الدين دورا مهما في حياة أهل إحدى الثقافات، ولدينا مثال على ~~ذلك وهو الصين؛ فالصينيون لم يكونوا عبر تاريخهم شعبا تشغل الأفكار ~~والممارسات الدينية حيزا واسعا من حياتهم، والمكانة التي شغلتها ~~الفلسفة لديهم تعادل مكانة الدين في الثقافات الأخرى، وهي التي ~~زودت الحضارة الصينية بأسس حياتها الروحية، وهذا ما جعلها مختلفة عن ~~الحضارات الكبرى التي لعبت المؤسسة الدينية والكهنوت دورا طاغيا في ~~حياتها؛ فمنذ القدم كانت الفلسفة تدخل في صميم ثقافة الفرد الصيني ~~المتعلم منذ سنوات التعليم المبكرة، عندما كان الأطفال في مدارسهم ~~يقرءون وينسخون نصوصا فلسفية، ولا سيما من الكتب الكونفوشية الأساسية ~~الأربعة. وكان على الصفحة الأولى من الكراس الذين يتعلمون منه ~~مبادئ الكتابة جملة تعبر عن أحد المبادئ الكونفوشية وهي: «إن ~~الطبيعة الأصلية للإنسان خيرة.» وكان من شأن هذه الجملة أن تضع ~~الأطفال في بؤرة التفكير الفلسفي. ~~(س): # نحن هنا أمام فلسفة أخلاقية، ~~أليس كذلك؟ ~~(ج): # دعني أقول بأنها فلسفة حياة ~~تهتم بسبل الحياة القويمة، ولا تلقي بالا إلى المسائل الميتافيزيكية ~~التي أثقلت على جارتها الهند حتى أغرقتها في بحار الوهم؛ فالمزاج ~~الصيني يتصف بالعملية والبعد عن التأمل الصوفي، والفرد الصيني متفائل ~~ومحب للحياة الأرضية التي يجد فيها الغاية المثلى للوجود في هذا ~~العالم؛ ولذلك فإن الحياة الأخرى لم تعن له كثيرا، وكانت فلسفته ~~فلسفة مجتمع وأخلاق وعلاقات إنسانية، لا فلسفة أخرويات من بعث ~~وقيامة وحساب وجنة وجحيم. وهذا ما عناه كونفوشيوس عندما سأله أحد ~~التلاميذ عن معنى الموت، فقال له: «إنك لم تفهم بعد معنى الحياة، فكيف ~~لك أن تفهم معنى الموت؟» وكذلك الأمر عندما سأله عن ماهية الأرواح وكيف ~~نستطيع خدمتها؟ فقال له: «إذا لم يستطع المرء خدمة الأحياء، فكيف له أن ~~يخدم الأموات؟» # وبدوره كان للحكيم لاو-تسو ms017 مؤسس التاوية موقف مشابه من مسائل ما قبل ~~الولادة وما بعد الموت، وهذا ما عبر عنه شارحه الرئيسي شوانغ تزو في ~~قوله: «الناس في الأيام الخوالي لم يعرفوا حب الحياة ولا كراهية الموت، ~~الولوج إلى الحياة لم يكن بهجة لهم، والخروج منها لم يكن يثير فيهم ~~جزعا ولا مقاومة. بهدوء كانوا يأتون وبلا ضجيج كانوا يغادرون. لا ~~ينسون ما كانت عليه بدايتهم، ولا يتساءلون عما ستئول إليه نهايتهم، ~~لقد قبلوا الحياة واغتبطوا بها، ثم نسوا وآلوا إلى حالة ما قبل ~~الحياة.» ~~(س ): # أنت تصف الكونفوشية هنا بأنها ~~فلسفة، ولكننا غالبا ما نقرأ أن الأديان التي تخللت حياة الصين بعد ~~الديانة التقليدية القديمة هي: البوذية والكونفوشية والتاوية! ~~(ج): # قد تبدو الكونفوشية التي ~~تخللت لقرون عديدة حياة الصين لأول وهلة بأنها ديانة، ولكنها في ~~واقع الأمر ليست كذلك؛ فهي ليست ديانة أكثر مما هي فلسفة أفلاطون أو ~~فلسفة أرسطو. وعلى الرغم من أن الكتب الكونفوشية الأربعة كانت بالنسبة ~~للصينيين مثلما هو الكتاب المقدس بالنسبة لأهل الغرب، إلا أن هذه الكتب ~~لم تحتو على قصة الخلق والتكوين، كما أنها لم تتطرق إلى مسائل نهاية ~~التاريخ وما يتصل بها من قيامة عامة للموتى وحساب وجنة وجحيم، كما هو ~~الحال في أديان التوحيد، أو إلى عودة الأرواح للاتحاد بمصدرها وهو ~~المطلق الكلي، كما هو الحال في الغنوصية المشرقية ومذهب وحدة الوجود في ~~الهندوسية. أما الميتافيزيكيات التي جاءت بها الكونفوشية الجديدة منذ ~~معلمها الأول مينشيوس، فلم تكن سوى ماورائيات أفلاطون التي أرجعت كل ~~حركة في الكون والطبيعة إلى مبدأ كلي دعاه بالمحرك الساكن ~~(The Immovable Mover) ~~. ولكن هذا ~~«المحرك» لا يشبه الله في شيء. ~~(س): # الفلسفة الصينية إذن هي فلسفة ~~فعل وممارسة، لا فلسفة تأمل مجرد؟ ~~(ج): # هذا صحيح، إن أقصى ما يسعى ~~إليه الكدح الروحي للفرد في الثقافات المشبعة بالدين هو تحقيق ~~القداسة، أما في الثقافة الصينية، فإن ما يكدح الفرد لتحقيقه هو مرتبة ~~الحكيم؛ ففي شخصية هذا الحكيم تتحد المعرفة بالفضيلة، لأنه يعيش وفق ms018 ~~قناعاته الفلسفية التي ليست أفكارا معروضة للفهم، بقدر ما هي مبادئ ~~للعيش الصحيح. ~~(س): # وماذا عن التاوية؟ أهي فلسفة ~~أم دين؟ ~~(ج): # هناك تاوية فلسفية أسسها ~~الحكيم لاو-تسو الذي عاش خلال النصف الأول من القرن الخامس قبل ~~الميلاد، وعاصر كونفوشيوس الأصغر منه سنا، وقد عاشت هذه التاوية بضعة ~~قرون قبل أن تنشأ عنها التاوية الطقسية التي اتخذت سمات الديانة. ~~وتشترك التاوية الفلسفية مع الكونفوشية في كونها فلسفة حياة، وذلك من ~~خلال التأكيد على ضرورة أن يحيا الإنسان حياة طبيعية خلال الفترة ~~المقدرة له في هذه الدنيا، دون خوف من الموت أو تعلق بالحياة؛ ذلك ~~أن الفرص في البقاء وطول العمر تكون أفضل عندما لا تؤرقنا فكرة الموت ~~ولا يتملكنا هاجس البقاء، وإنما نسبح مع تيار الطبيعة الذي دعاه ~~لاو-تسو ب «التاو». وهذا التاو ليس شخصية إلهية، ولكنه القاع الثابت ~~الذي ينشأ عنه كل متغير ومتحرك، وهو أقرب إلى مفهوم قوانين الطبيعة في ~~العلم الحديث. ولاو-تسو هنا يتفق مع الفيلسوف الهولندي اليهودي ~~اسبينوزا الذي جاء بعده بألفي سنة، وطابق بين الله والقوانين الطبيعية ~~في كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة. ~~(س): # وماذا عن البوذية؟ ~~(ج): # البوذية ديانة هندية قامت ~~على تعاليم سيدهارتا غوتاما الملقب بالبوذا، والذي ظهر في زمن قريب ~~نسبيا من ظهور كل من كونفوشيوس ولاو-تسو. فإذا أضفت إلى هؤلاء ~~كلا من زرادشت الإيراني وسقراط اليوناني، لحصلنا على فترة خصيبة من ~~فترات الإبداع الديني والفلسفي لا مثيل لها في تاريخ الحضارة. # لقد تأخر وصول البوذية إلى ~~الصين لأنها بدت غريبة على الطبع والموروث الصيني؛ حيث لا يمكن ~~التوفيق بين الرهبانية البوذية التي تنكر الحياة، وما يتميز به ~~الصينيون من تفاؤل وحب للحياة وإخلاص للأسرة. إلا أن ظروفا قاسية ~~حلت بالصينيين، ومنها تسلل القبائل البدوية التي كانت محجوزة خلف ~~سور الصين إلى الداخل، جعلت الكثيرين يتحولون عن المذهب الكونفوشي ~~التفاؤلي، بعد أن تملكهم ازدراء غير صيني للحياة، ولكن البوذية لم ~~تكسف الكونفوشية ولا التاوية، وإنما فازت بمكان إلى جوارهما، وصارت ~~المذاهب الثلاثة ms019 تكمل بعضها بعضا، بحيث يمكن للمرء أن يكون ~~كونفوشيا ينشد الصلاح الداخلي وحياة الأسرة، وتاويا منسجما مع ~~صيرورة الطبيعة، وبوذيا ينشد الأمان بعد الموت. ~~(س): # نفهم من ذلك بأن التعصب ~~الديني بعيد عن الطبع الصيني؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فقد كان بإمكان أي ~~مذهب أن يتسلل إلى الصين دون مقاومة رسمية أو شعبية، بسبب ~~التسامح الذي تتصف به الثقافة الصينية؛ فبعد البوذية جاء الإسلام الذي ~~فاز بمكان له أيضا بين مذاهب الصين، ولم يقاوم انتشاره أحد. ~~(س): # هل تصارعت هاتان المنظومتان ~~المعرفيتان ، أعني الفلسفة والدين؟ ومتى؟ وماذا عن مآل الصراع؟ ~~(ج): # التفكير الفلسفي المتجرد من ~~الدين هو شأن حديث في تاريخ الحضارة، ولا يمكننا متابعته إلى ما قبل ~~القرن الخامس قبل الميلاد بكثير في موطنيه الرئيسيين الصين ~~واليونان، عندما كانت بقية الثقافات الكبرى لا تزال غارقة في الفكر ~~الديني الأسطوري. أما عن الصراع بين المنظومتين فقد كانت اليونان ~~مسرحه الرئيسي لا الصين؛ وذلك لأسباب شرحتها في إجاباتي السابقة. وقد ~~عبرت الفلسفة اليونانية عن هذا الصراع بأنه مواجهة بين الميتوس # Mythos ~~؛ أي الأسطورة والفكر الأسطوري، ~~وبين اللوغوس # Logos # وهو العقل ~~والتفكير العقلاني. ~~(س): # من المفترض أن الفلسفة في ~~اليونان كانت الرابحة في هذه المواجهة؛ لأننا غالبا ما نقرأ أن ~~اليونانيين هم الذين حققوا النقلة الحاسمة من الفكر الميثولوجي إلى ~~الفكر الفلسفي العقلاني. ~~(ج): # لقد نجحت الفلسفة في تحديد ~~مهامها وصياغة مفاهيمها الخاصة انطلاقا من نقدها للأسطورة والتفكير ~~الديني بشكل عام، ولكن ذلك لا يعني بأنها حققت نصرا مؤزرا على ~~الأسطورة، وإنما حصلت على حيز لها في الثقافة اليونانية إلى جانب ~~الحيز الذي شغلته الأسطورة؛ فبعد أن حققت الفلسفة ذروة ~~انتصاراتها في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، قام الجانب الأكثر ~~صوفية في الديانة اليونانية بالتعبير عن حضوره واستيلائه على قلوب ~~اليونانيين من خلال عبادات الأسرار المحلية؛ مثل أسرار إيليوسيس التي ~~تدور حول الإلهة ديمتر وابنتها بيرسفوني، وأسرار أورفيوس، وأسرار ~~ديونسيوس. إضافة إلى عبادات أسرار تم استيرادها من الخارج؛ مثل أسرار ~~ميترا الإيراني وسيبيل ms020 الفريجية وسيرابيس المصري. وقد انتقلت هذه ~~العبادات بعد ذلك إلى الرومان. وفي هذه الأسرار هناك إله يعد الفرد ~~بالخلاص بعد الموت وخلود الروح في عالم آخر، إذا هو اتحد به من خلال ~~طقوس سرية خاصة لا يعرفها سوى من انتسب إلى عبادة الأسرار وعد في ~~حلقة العباد. ~~(س): # ولكننا غالبا ما نقرأ أن ~~تاريخ الفكر الإنساني قد تتابع عبر أربع مراحل هي: السحر فالدين ~~فالفلسفة فالعلم التجريبي. ونفهم من هذا أن كل مرحلة كسفت ما ~~قبلها! ~~(ج): # هذا صحيح بشكل عام، وإن ~~كنت لا أفرق بين السحر والدين لأسباب ربما تحدثنا عنها في ~~وقتها، ولكن كل مرحلة من هذه المراحل لم تكن تكسف ما قبلها وإنما ~~كانت تضاف إليها، ولا أدل على ذلك من استمرار الدين قويا وفاعلا ~~في دولة العلم الحديثة. إن نظرة فاحصة على تاريخ الحضارة تظهر لنا أن ~~الفلسفة اليونانية لم تصمد في مواجهة الدين غير قرون قليلة، ثم ~~اندحرت أمام المسيحية التي سادت زمن الإمبراطورية الرومانية شرقا ~~وغربا، وحلت محل عبادات الأسرار بعد أن استعارت أهم رموزها الدينية، ~~وهو رمز الإله المخلص الذي يموت ثم يقهر الموت لكي يهب خلاص الروح ~~لعباده. وعقب تبني الإمبراطور الروماني قسطنطين المسيحية كدين ~~رسمي، أعلنت الكنيسة حربا شعواء على الفلسفة وطاردت أصحابها، ~~وقتلت من بقي منهم أمينا للعقل الفلسفي. ~~(س): # وماذا عن الإسلام هنا؟ هل عمل ~~بدوره على قمع الفلسفة؟ ~~(ج): # الثقافة الإسلامية لم تقمع ~~الفلسفة والفلاسفة، بل سمحت للفكر الفلسفي بالتفتح، وقام علماء ~~الكلام وهم اللاهوتيون المسلمون بتبني الطرائق الفلسفية في الدفاع عن ~~العقائد الإسلامية وإثبات صحتها. وظهر فلاسفة مسلمون كبار ترجموا ~~المؤلفات الفلسفية اليونانية وشرحوها، إضافة إلى إنتاجهم لنصوص ~~فلسفية أصيلة. وقد ترجمت خلال عصر النهضة الأوروبية أعمال بعض ~~هؤلاء إلى اللاتينية فساهمت إلى حد بعيد في نهضة الفلسفة الأوروبية ~~الحديثة، ولكن على الرغم من كل ذلك فإن الفلسفة لم تشغل حيزا واسعا ~~من الثقافة العربية مثلما فعلت في الثقافة اليونانية، ولم تستمل إليها ~~شرائح واسعة من المفكرين ms021 الذين شغلتهم علوم الدين؛ مثل: علم الكلام، ~~وعلم الحديث النبوي، وعلم تفسير القرآن، وعلم الشريعة. يضاف إلى ذلك ~~أن الفلسفة العربية شغلت نفسها بمحاولة التوفيق بين الفلسفة والدين ~~الإسلامي؛ أي إنها خضعت لمحددات وقيود لم تعرفها الفلسفة ~~اليونانية. ~~(س): # هذا الصراع بين الدين ~~والفلسفة، هل تحول بعد ذلك إلى صراع بين الدين والعلم، ولا سيما وأن ~~العلم هو الابن الشرعي للفلسفة. ~~(ج): # حصل هذا في المسيحية ولم ~~يحصل في الإسلام؛ فقد أنكرت المسيحية في بداية عهدها كروية الأرض، ~~وعندما اعترفت بها وقفت إلى جانب النظام الفلكي لبطليموس اليوناني ~~الذي أيده ودافع عنه أرسطو أيضا، والقائل بأن الأرض هي مركز الكون وكل ~~شيء يتحرك حولها بما في ذلك الشمس. وقد حاربت الكنيسة كل من يقول ~~عكس ذلك. وعندما قال الفيلسوف الإيطالي جيوردانو برونو بأن الأرض ليست ~~سوى كوكب صغير في كون واسع ولا نهائي يحتوي على أكوان لا حصر لها، ~~عقدت الكنيسة محكمة من رجال الدين لمحاكمته، فحكمت عليه بالموت ~~حرقا في العام 1600م. وبعد ذلك بعدة عقود كاد الفيلسوف والعالم ~~الفلكي الكبير غاليلو غاليلي أن يلقى المصير نفسه لولا أن اعترف بخطئه ~~أمام المحكمة وقال إن الأرض لا تدور. وكان من نتيجة ذلك انتقال النهضة ~~العلمية من إيطاليا إلى المناطق الشمالية. وعلى الرغم من الانتصارات ~~الباهرة التي حققها العلم بعد ذلك، فقد بقيت الكنيسة تقبل ما تشاء ~~من مقولاته وترفض ما تشاء من موقع الوصاية، وعندما نشر داروين كتابه ~~في أصل الأنواع وطبق نظرية التطور على أصل الجنس الإنساني، اتهمته ~~الكنيسة بالتجديف ومحاولة تهديم أسس الدين، على الرغم من أن ذلك كان ~~أبعد ما يكون عن تفكيره. ~~(س): # واليوم نحن في عصر ~~المعلوماتية وانفجار المعرفة. هل ما زال الصراع بين الدين والعلم ~~قائما؟ ~~(ج): # اليوم حصلت مصالحة بين العلم ~~والدين، واتفاقية غير معلنة أعطى الدين بموجبها للعلم كل مجالات ~~الطبيعة التي يمكن إخضاعها للتجربة والبرهان، واحتفظ لنفسه بمجال ~~الحياة الروحية حيث لا ينفع برهان ولا تجربة؛ فنحن في التعامل مع ms022 ~~الظواهر الطبيعانية نستطيع أن نتخلى كليا عن أي مفهوم ديني ونلتزم ~~بالبراهين المنطقية والتجريبية، أما عندما ننتقل من مجال الطبيعة إلى ~~مجال النفس، فإن الدين يؤكد حضوره اليوم مثلما أكد حضوره في ~~الماضي. اليوم، وبعد أن رضي كل فريق بحصته من القسمة، فإن الدين ~~يبدأ مهامه من حيث تنتهي مهام العلم؛ لأن الدين يتطلع إلى ما وراء ~~مظاهر العالم، ويبحث في المعنى والغايات. وهذا المعنى ليس شيئا كامنا ~~في بنية المظاهر الطبيعانية، بل هو شأن متعلق بالوعي الإنساني ~~يضاف إلى المظاهر من خارجها. الظواهر تحدث ونحن نعطيها ما نشاء من ~~المعاني، والعالم فقط يحدث، أما معناه فكامن فينا نحن الجنس الحي ~~الوحيد الذي يبحث عن المعنى. ~~(س): # وهل نحن في طريقنا لاكتشاف ~~المعنى؟ ~~(ج): # في السفر، ربما كانت مشاهد ~~الطريق أجمل من الوجهة التي نقصدها، فلماذا نستعجل الوصول؟ ربما كان ~~البحث عن المعنى هو المعنى ذاته. # المحور الثاني # | الدين والحضارة # (س): # هل رافق الدين الإنسان منذ نشأة الحضارة، أم أنه ~~اتصل بها في سياقات لاحقة؟ ~~(ج): # علينا أولا أن نبين ما هي ~~الحضارة ثم نقدم تعريفا للدين، وبعد ذلك نكون جاهزين للجواب على ~~هذا السؤال. ~~(س): # أنت على حق؛ فهنالك ثلاثة ~~مصطلحات تختلط في أذهاننا وهي الحضارة والثقافة والمدنية، كيف نميز ~~بينها؟ ~~(ج): # الاختلاط ناجم في اللغة ~~العربية عن ترجمة مصطلح # Culture # أي ~~ثقافة أو حضارة، ومصطلح # Civilization # أي مدنية؛ فالثقافة أو (الحضارة) هي النواتج والإبداعات الفكرية ~~والمادية والجمالية لمجموعة بشرية ما. وبهذا المعنى فإن أي مجموعة ~~بشرية لا تخلو من الثقافة مهما كانت مغرقة في البدائية. أما المدنية ~~فهي ثقافة مجتمع المدينة، وهي ثقافة جديدة نسبيا في تاريخ الإنسان، ~~وتبدأ مع تشكيل المدن الأولى في ثقافة الشرق القديم، وتحديدا بلاد ~~الرافدين وسورية ومصر، ولكن هذا المصطلح لم يعد مستخدما في اللغة ~~العربية، وحل محله مصطلح الحضارة، فصرنا نقول مثلا: «فجر الحضارة في ~~الشرق القديم»، بمعنى البدايات الأولى لثقافة المجتمع المديني، ونقول: ~~«ثقافة العصر الحجري القديم» أو «الثقافات البدائية في ms023 أمريكا ~~الشمالية». وهكذا عدنا إلى مصطلحين لا إلى ثلاثة. ~~(س): # هل مضى على الإنسان زمن كان ~~فيه بلا ثقافة؟ ~~(ج): # هذا يتوقف على تعريفنا ~~للإنسان، وعن أي إنسان نتحدث؛ فوفق علم الأنثروبولوجيا البشرية الذي ~~يبحث في أصول الإنسان، لدينا ثلاث مجموعات شبه بشرية ظهرت في أفريقيا ~~تباعا منذ المليون الرابع قبل الميلاد، وكل مجموعة تظهر شبها أكبر ~~ووزن دماغ أكبر من سابقتها، وهكذا وصولا إلى جنس النياندرتال الذي ~~ظهر في أوروبا ويعتبر حلقة وصل بين أشباه الإنسان أو الأناسي # Hominid # وبين الإنسان العاقل (أي نحن) ~~الذي ظهر قبل نحو خمسين ألف سنة. ~~(س): # هل يمكننا إذن تحديد زمن ظهور ~~الثقافة بظهور الإنسان العاقل قبل خمسين ألف سنة؟ ~~(ج): # كلا طبعا؛ فالثقافة ~~الإنسانية أقدم من ذلك بكثير، ولكي نستطيع التعرف على بداياتها ~~الأولى علينا أن نتحرى عن السلوك الثقافي الأول لأشباه الإنسان، وما ~~أعنيه بالسلوك الثقافي هو السلوك الذي لا ينجم عن الغرائز والدوافع ~~الطبيعية. وقد تجلى ذلك السلوك للمرة الأولى في صناعة الأدوات الحجرية ~~واستخدامها لشتى أغراض الحياة. ويبدو من المعلومات الميدانية ~~المتوفرة لدينا (أو لدي على الأقل؛ فلربما كانت معلوماتي قديمة ~~بعض الشيء)، أن الأناسي قد صنعوا الأدوات الأولى في أواسط المليون ~~الثالث قبل الميلاد، وهذه أولى المؤشرات الدالة على بدايات الثقافة ~~الإنسانية، وقيام الإنسان بالتحكم بمحيطه بدل الرضوخ له. ~~(س): # ولكن هل نستطيع اختصار ~~الثقافة إلى هذه التكنولوجيا البدائية، أعني الأدوات الحجرية؟ ماذا عن ~~النواحي غير المادية للثقافة وعلى رأسها الفن والدين؟ ~~(ج): # لم ينتج أشباه البشر من الأناسي فنا بصريا، ~~وكذلك الحال بالنسبة للنياندرتال. لقد كان على الفن أن ينتظر ظهور ~~الإنسان العاقل الذي أحدث نهضة جمالية غير مسبوقة وبشكل فجائي. ~~وقد تجلت هذه النهضة في فن المنحوتات الصغيرة وفي رسوم الكهوف التي ~~يقول نقاد الفن بأنها لم تكن أقل حرفية وقيمة فنية من روائع الفن ~~الحديث. أما الدين فهنالك دلائل غير وافية على وجوده في عصر ~~الإنسان المنتصب # Homo ~~Erectus # الذي عاش قبل النياندرتال، وبدأت آثاره ms024 ~~تظهر منذ منتصف المليون الثاني قبل الميلاد في أفريقيا، ثم انتشر في ~~أوروبا وآسيا وصولا إلى الصين، حيث وجد هيكل عظمي لإنسان منتصب في ~~منطقة بكين دعاه علماء الأنثروبولوجيا بإنسان بكين. والدلائل غير ~~الوافية التي ذكرتها جاءتنا من موقع واحد فقط وجدت فيه آثار هذا ~~الإنسي في إسبانيا، وتبين للباحثين من دراستها أنه كان يدفن موتاه ~~بطريقة تعدهم للانتقال إلى عالم آخر. أما الشواهد الكثيرة على ~~وجود حياة دينية فتأتينا منذ أكثر من مائة ألف سنة قبل الميلاد؛ أي من ~~عصر النياندرتال، ولكن لكي نستطيع أن نطلق على هذه الشواهد بثقة صفة ~~الدينية لا بد لنا من صياغة تعريف للدين ينطبق على جميع الأديان من ~~أكثرها بساطة إلى أكثرها تعقيدا وتركيبا. ~~(س): # هذه ليست بالمسألة السهلة، ~~فما الذي يجمع ديانة جزيرة هاييتي القائمة على السحر إلى أديان التوحيد ~~مثلا؟ ~~(ج): # التعريف الذي أقترحه هو ~~تعريف للحد الأدنى المشترك الذي لا بد من توافره في ظاهرة ثقافية ~~ما لكي نطلق عليها صفة الديانة. وهذا الحد الأدنى تقوم كل ديانة ~~بتطويره على طريقتها؛ وبناء على ذلك أقول: إن الدين هو إحساس وإيمان ~~بأن الوجود يتألف من عالمين أو مجالين، الأول هو المجال الدنيوي أو ~~عالم الظواهر المادية الذي نراه ونعيش فيه، والثاني هو المجال القدسي ~~الخفي الذي يقع وراء عالم الظواهر المرئية. وهذان المجالان على ~~استقلالهما من حيث الظاهر إلا أنهما متصلان من خلال قوة تصدر عن ~~المجال القدسي لتفعل في جميع العناصر الحيوية والجامدة للمجال الدنيوي. ~~والإنسان نفسه موزع بين هذين المجالين لأنه يتألف من عنصرين؛ ~~الأول مادي وهو الجسد، والثاني غير مادي وهو الروح. وهذان العنصران ~~ينفصلان عن بعضهما بالموت الذي يفني الجسد ولكنه لا يفني الروح، ثم ~~إن إحساس الإنسان بحضور هذه القوة الغامضة قد دفعه إلى الدخول في ~~علاقة معها من خلال الطقوس، وهي سلسلة مرتبة من الأفعال ~~والإجراءات والصيغ الكلامية. ~~(س): # حسنا، في جوابك على سؤالي ~~حول متى اتصل الدين بالحضارة، عرفنا الحضارة والإنسان والدين، وخلصنا ~~إلى ms025 أن الدين قد رافق الإنسان منذ عصر الهومو إريكتوس؛ أي قبل أن يتخذ ~~الأناسي شكل النياندرتال ثم الإنسان العاقل، وهذا يعني أن جنسنا لم ~~يمض عليه زمن كان فيه بلا دين، فهل يمكننا القول بأن الدين شيء ~~متأصل في الطبع الإنساني؟ ~~(ج): # هذا صحيح، وقد وصفته في ~~كتابي «دين الإنسان» بأنه أقرب ما يكون إلى الدوافع والغرائز ~~المتأصلة في السلوك الإنساني. وبعد أكثر من عشر سنوات مرت على صدور ~~كتابي، نشرت مجلة «تايم» الأمريكية دراسة لأحد علماء الوراثة ~~الإنسانية تحت عنوان «جينة ~~الله # God’s Genes ~~»، تقول باكتشاف إحدى الجينات في الخلية مسئولة عن ~~الإحساس الديني عند البشر. وقد ردت هذه الدراسة على من اتهمني ~~بالتطرف في وصفي للإحساس الديني بأنه أقرب ما يكون إلى الدوافع ~~الطبيعية. ~~(س): # تعبير «جينة الله» يقودني إلى ~~سؤال يتعلق بتعريفك للدين وهو: أين مكان الله في هذا التعريف. ~~وبتعبير أعم: أين الآلهة؟ أليس الإيمان بوجود الآلهة والتعبد لها هو ~~الدلالة الأبرز على الظاهرة الدينية؟ ~~(ج): # إن فكرة الله هي مفهوم جديد ~~في تاريخ الدين، ولا يمكننا متابعته إلى ما قبل القرن السادس قبل ~~الميلاد، مع ظهور النبي زرادشت الذي كان أول من قال بأنه تلقى وحيا من ~~الإله الكوني الواحد بواسطة ملاك. وقبل ذلك كان الناس يتعبدون إلى ~~شخصيات إلهية تسكن المجال القدسي وتدير شئون الكون والطبيعة ~~والمجتمعات الإنسانية من خلال امتلاكها لقوى خارقة لا يملكها البشر. ~~ولكن مفهوم الشخصيات الإلهية بدوره لم يكن قديما قدم الثقافة ~~الإنسانية؛ ففي المرحلة الأبكر من تاريخ الدين لم يعتقد الإنسان بوجود ~~آلهة، وإنما بوجود قوة غامضة مقدسة تسري في مظاهر العالم المادي ~~وتبث فيه الحركة والحياة. ويختلف مفهوم «القوة» عن مفهوم «الإله» في ~~أن القوة لا تمتلك شخصية مثل الإله، بل هي أقرب إلى مفهوم الطاقة في ~~العلم الحديث. ~~(س): # وهل كان لدى إنسان العصور ~~الحجرية مقدرة عالية على التجريد لكي يتصور وجود مثل هذه ~~القوة؟ ~~(ج): # لم يكن الإنسان بحاجة إلى ~~التجريد قدر حاجته إلى الملاحظة الموضوعية ms026 لما يجري من حوله؛ فالرياح ~~تهب ولا ندري من أين تأتي ولا إلى أين تمضي، والغيوم تنعقد ثم ~~تمطر، والأعاصير تداهم وتخرب، والبراكين تثور والأرض تهزها ~~الزلازل، والأجرام السماوية تتحرك في مساراتها. ولما كان أمام الإنسان ~~في ذلك الوقت آلاف مؤلفة من السنين قبل أن يكتشف القوانين الطبيعية، ~~فقد رأى وراء ذلك كله قوة فائقة غامضة، أو لنقل «حالة فعالية» نلمس ~~آثارها دون أن ندرك ماهيتها. ~~(س): # ولماذا لم ير وراء ذلك كله ~~شخصيات إلهية؟ ~~(ج): # لأن تصور وجود قوة أو حالة ~~فعالية، منبثة في المظاهر المرئية أقرب إلى المنطق البسيط من تصور ~~شخصيات إلهية تفعل في هذه المظاهر عن بعد. وفي الحقيقة، فإن العلم ~~الحديث الذي كف يد الآلهة عن التصرف في الطبيعة ووضعها في تصرف ~~القوانين الطبيعية، قد عاد بطريقة ما إلى مفهوم القوة السارية التي ~~نلمس آثارها في عمليات الطبيعة دون أن ندرك ماهيتها. # وهنا تحضرني قصة الفلكي والرياضي الفرنسي لابلاس مع الإمبراطور ~~نابليون، عندما مثل أمامه وشرح له نظريته في أصل النظام الشمسي، ~~فقال له نابليون بعد أن استمع إليه: ولكن أين الله في نظريتك؟ فأجابه: ~~يا سيدي، هذه فرضية لا لزوم لها في نظامي. ~~(س): # هل نقول إذن إنك تستبدل ~~قوانين الطبيعة بالله؟ ~~(ج): # أنا لا أقول شيئا، وإنما ~~أعرض نظريات وآراء بعض العلماء. إن نظرية الانفجار البدئي العظيم ~~التي تفسر ولادة الكون، وهي نظرية متفق عليها الآن، تخبرنا بأن ~~القوانين الطبيعية كانت موجودة قبل حصول ذلك الانفجار الذي نشأت عنه ~~المجرات وراحت تتباعد بسرعات خيالية عن مركز الانفجار. وهذا يعني ~~أن تلك القوانين لا زمانية، بمعنى أنها خارج مفهوم الزمن المعروف، ~~والذي ابتدأ في اللحظة صفر لحظة الانفجار. كما أنها لا متغيرة على ما ~~أثبتته التجارب المخبرية على عمليات التخليق النووي البدئي؛ حيث لاحظ ~~العلماء أن القوانين الفاعلة في هذه التجارب هي ذات القوانين التي ~~كانت فاعلة لحظة الانفجار. هذه الصفة اللازمانية واللامتغيرة للقوانين ~~تجعلها مرشحة لأمومة الكون. # وهنا يمكن للنظرية الدينية القول بأن ms027 هذه القوانين ليست سوى أداة ~~الله في الخلق ووسيلته للتحكم في العالم المخلوق، وهي كلمته ~~الخالقة على ما ورد في مطلع إنجيل يوحنا: «في البدء كان الكلمة. ~~والكلمة كان عند الله، به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان.» ~~و«الكلمة» في هذا النص هي ترجمة لأصلها اليوناني «لوغوس» التي تعني ~~«العقل» وكذلك الكلمة المنطوقة باعتبارها أبرز مظاهر العقل. وفي ~~الحقيقة فإن إنجيل يوحنا لا يتفرد في النظر إلى الكلمة/العقل باعتبارها ~~وسيط الخلق، فقد قالت بذلك الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، التي ترى بأن ~~العالم المادي فاض عن الله على ثلاث مراتب مثلما يفيض النور عن الشمس ~~أو الماء عن النبع، وكانت أولى المراتب في الصدور عن الواحد هي مرتبة ~~العقل الذي يرى الواحد من خلاله ذاته، وعن العقل فاضت المرتبة ~~الثانية وهي النفس التي صدر عنها العالم المادي. كما نجد فكرة صدور ~~المادة عن الله بتوسط العقل في الفلسفة الإسلامية منذ إخوان الصفا، ~~كما نجدها في فكر الشيخ الأكبر محيي ~~الدين بن عربي. ~~(س): # أنت هنا تعبر بامتياز عن ~~موقف الفينومينولوجي الذي يحجم عن إبداء رأيه! ~~(ج): # هذا صحيح؛ لأن مهمتي هي ~~مساعدتك على تكوين رأيك، وليس عرض آرائي. أنا لا أفكر بالنيابة عن ~~أحد؛ لأني بذلك أحرمه من مسئولية التفكير. ~~(س): # نعود إلى نظريتك في أسبقية ~~مفهوم القوة، أو القوة السارية كما تسميها على مفهوم الآلهة، وأقول ~~إنك بإسباغك الصفة الدينية على معتقد القوة السارية تعارض مرة أخرى ~~النظرة السائدة إلى تاريخ الأفكار بمراحله الأربعة وهي السحر فالدين ~~فالفلسفة فالعلم. أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح، ولكن لكي أبين ~~اختلافي مع أصحاب هذه النظرة دعني أتحدث باختصار عن منشئها؛ فهي ~~تبدأ من فرضية الفيلسوف الألماني هيجل بأن عصرا ساد فيه السحر قد سبق ~~عصر الدين في تاريخ الحضارة. وبعد ذلك قام رائد الأنثروبولوجيا ~~النظرية البريطاني جيمس فريزر في كتابه «الغصن الذهبي» الذائع الصيت في ~~الثقافة الغربية، وبتأثير من هيجل بصياغة نظريته في أصل الدين وعلاقته ~~بالسحر. وفي هذا الكتاب يفترض ms028 فريزر أنه في البداية مر على الإنسان ~~عصر ظن فيه أن بمقدوره التحكم في سير عمليات الطبيعة بواسطة ~~تعاويذه وطقوسه السحرية، وعندما اكتشف بعد فترة طويلة عقم هذه ~~الوسائل وقصورها عن تحقيق غاياتها، تصور بأن الطبيعة التي تأبت على ~~الانصياع له واقعة تحت تأثير شخصيات روحانية فائقة القدرة، فتحول ~~إلى هذه الشخصيات وراح يتعبد لها، وحلت الصلوات والتضرعات محل ~~الطقس السحري، وبذلك ظهر الدين الذي حل الكاهن فيه محل ~~الساحر. ~~(س): # وكيف يبين هذا طبيعة ~~اختلافك مع النظرة السائدة التي تقول بالمراحل الأربعة التي مر بها ~~تاريخ الأفكار؟ ~~(ج ): # لقد أثر كتاب «الغصن ~~الذهبي» الذي صدر في 12 مجلدا عام 1906م، ثم اختصره صاحبه بعد ذلك في ~~مجلد واحد في 1000 صفحة، على أجيال من الباحثين الميدانيين الذين ~~كانوا يبحثون عن الظاهرة الدينية في المجتمعات البدائية التي يعكفون ~~على دراستها؛ فهؤلاء وبدافع تأثرهم بفريزر، لم يكونوا يرون دينا إلا ~~عندما يرون طقوسا تتوسل إلى كائنات روحية ماورائية تتحكم في ~~مظاهر الطبيعة، وفيما عدا ذلك فإن أي ظاهرة شبه دينية كانت تصنف ~~في زمرة الممارسات السحرية. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ الرأي القائل بأن ~~الدين لم يظهر في تاريخ الحضارة إلا مع ظهور الآلهة المشخصة. # ولكني أرى أن ما يدعوه هؤلاء ~~بالسحر ليس إلا شكلا أوليا من أشكال الدين؛ فعندما آمن إنسان العصور ~~الحجرية بوجود تلك القوة الغامضة التي هي أقرب إلى الطاقة منها إلى ~~الشخصية العاقلة، دخل معها في علاقة معقدة من خلال نوعين من ~~الطقوس السحرية؛ الأول يهدف إلى رد أذاها عنه، والثاني يهدف إلى ~~توجيهها لصالحه. وهنا فأنا لا أرى فرقا بين الإيحاء لقوة قدسية ~~حيادية من حيث المبدأ بإحداث النتائج المرجوة، وبين استجداء كائن ~~إلهي عاقل ومشخص من أجل إحداث النتائج ذاتها. والفارق هنا كما ترى ~~هو فارق في الشكل لا في المضمون. كما أني لا أرى لماذا يكون الاعتقاد ~~بوجود قوة غفلة سارية في الموجودات اعتقادا بالخرافات والترهات ~~وفق تصنيف أولئك، بينما يكون الاعتقاد بالآلهة المشخصة ms029 (التي هي ~~ليست سوى نسخة محسنة عن البشر) اعتقادا حضاريا راقيا. ~~(س): # هل نفهم من ذلك أنك لا تعتقد ~~بوجود أديان بدائية متخلفة وأخرى عليا متطورة؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ لأن القديم ليس ~~بالضرورة هو الأدنى، كما أن الحديث ليس بالضرورة هو الأعلى. وهذا الحكم ~~يتجاوز الظاهرة الدينية إلى بقية نواحي الثقافة في المجتمعات القديمة ~~التي عاشت في بداية أطوار الحضارة الإنسانية، ومثلها أيضا «المجتمعات ~~البدائية» التي عاشت على هامش خط التطور الرئيسي للحضارة الإنسانية ~~وصولا إلى العصور الحديثة، والتي أعتبرها استمرارا لمجتمعات العصور ~~الحجرية. ~~(س): # هل نعتبر كلامك هذا بمثابة ~~الدعوة لإعادة النظر في مفهوم «البدائية»؟ ~~(ج): # نعم، وهذا ما فعله قبلي ~~العديد من الباحثين الذين حاولوا نحت مصطلحات جديدة لوصف المجتمعات ~~البدائية فقالوا «المجتمعات التقليدية» أو «المجتمعات ~~اللاكتابية». ~~(س): # ولكن ماذا عن التطور الذي ~~نلحظه عبر التاريخ في نواتج الثقافة الإنسانية، وعن الطريق الطويل ~~الذي قطعته الأداة الحجرية قبل أن تتحول إلى مفاعل ذري؟ ~~(ج): # لقد راكم الإنسان عبر ~~السنين معارف تكنولوجية أوصلته إلى ما هو عليه الآن، ولكن هذا ~~التطور التكنولوجي لا يحمل معه بالضرورة تطورا في النواحي غير ~~المادية للحضارة؛ مثل الفن، والأخلاق، والدين، والعلاقات الإنسانية، ~~والسياسة، بل العكس هو الصحيح أحيانا؛ فلقد أخلى على سبيل المثال ~~النظام الاجتماعي البدائي القائم على الحرية والمساواة مكانه لنظام ~~الطبقات، وأخلى النظام السياسي البدائي القائم على الشورى مكانه للحكم ~~الاستبدادي، وأخلى التسامح الديني البدائي مكانه للتعصب والحروب ~~الدينية، كما أخلت العلاقات الإنسانية البدائية القائمة على التعاون ~~والمشاركة مكانها للتنافس والتطاحن بين الأفراد، فهل نتحدث هنا عن ~~تطور أم عن تراجع؟ ~~(س): # هل نظريتك في أسبقية القوة ~~السارية على الآلهة جديدة تماما على مبحث تاريخ الأديان؟ وكيف ~~توصلت إليها؟ ~~(ج): # في مجال البحث العلمي سواء ~~أكان في العلوم الإنسانية أم في العلوم الدقيقة # Exact Sciences # لا يوجد شيء جديد تماما، وإنما إضافة ~~على القديم الذي جاء به السابقون، والجديد الذي قدمته هو انطلاقي من ~~النتائج التي توصل إليها الأنثروبولوجيون من دراستهم ms030 للمجتمعات ~~البدائية المعاصرة لنا وتطبيقها على ثقافات العصور الحجرية؛ حيث كانت ~~النتائج مذهلة. وإني مدين بشكل خاص إلى عالم الاجتماع الفرنسي ~~إيميل دوركهايم في كتابه # The Early Forms Of Religious ~~Experience ~~، الذي درس فيه الحياة الاجتماعية والدينية ~~لسكان أستراليا الأصليين؛ فبعد أن قام بتحليل المعلومات التي تم جمعها ~~عن حياة المجتمعات الأسترالية التي تعتبر أكثر الشعوب الأصلية ~~بدائية، وجد دوركهايم أن مركز الحياة الدينية عند هؤلاء هو قوة غفلة، ~~بلا اسم أو شخصية، وهذه القوة تسري في مظاهر الكون والطبيعة. وقد ~~عبروا عن حضور هذه القوة من خلال صورة حيوانية يرسمونها على ~~الأدوات الطقسية، فكانت كل عشيرة مثلا تختار حيوانا ما تحمل اسمه، ~~ولا تشاركهم فيه عشيرة أخرى، فهنالك عشيرة الكنغر، وعشيرة الأفعى، ~~وعشيرة النسر، وما إلى ذلك من الحيوانات المعروفة في تلك القارة ~~الواسعة. وتعتبر صور هذا الحيوان بمثابة شارة القداسة التي تدور ~~حولها طقوسهم الدينية. وقد دعا الباحثون هذا الحيوان بالطوطم # Totem ~~، وهي كلمة مستمدة من إحدى لغات ~~الهنود الحمر في أمريكا الشمالية. ~~(س): # ولكن الرأي الشائع عن ~~الطوطمية هو أنها نوع من عبادة الحيوان؟ ~~(ج): # لا يوجد في تاريخ الإنسان ~~شيء اسمه عبادة الحيوان، والإنسان لم يرفع قط حيوانا ما إلى مرتبة ~~الألوهة، فما معنى أن يعبد الإنسان حيوانا يستطيع صيده ~~وأكله؟ ~~(س): # هل يستقيم المعنى إذا ~~استعملنا كلمة تقديس بدلا من كلمة عبادة؟ ~~(ج): # العشيرة الطوطمية لم تكن ~~تقدس الحيوان الطوطمي، وإنما شارة القداسة المستمدة من صورته. ~~وهم عندما يقومون بطقوسهم لا يفعلون ذلك في البرية أمام الحيوان ~~الطوطمي، بل في المكان الذي يحتفظون فيه بصورة الطوطم. ولكن لنقل إن ~~الحيوان الطوطمي يتمتع بنوع من الاحترام لدى العشيرة؛ فصيده ~~محرم على أفرادها إلا في حال التعرض للمجاعة أو حال الدفاع عن ~~النفس إذا كان من الحيوانات المفترسة، ولكن بقية العشائر تستطيع صيده ~~وأكله بحرية. إن الاعتقاد الساذج بأن الطوطمية هي نوع من عبادة ~~الحيوانات هو اعتقاد لا أساس له، وقد ترسخ نتيجة للكتابات ~~المبكرة المتعجلة التي ms031 قدمت للجمهور من أجل تعريفه ~~بالطوطمية. ~~(س): # حسنا، إذا كانت هذه النتائج ~~المستمدة من دراسة سكان أستراليا الأصليين صحيحة، فينبغي لها أن تنطبق ~~على الشعوب البدائية الأخرى. أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فبعد قراءتي لكتاب ~~دوركهايم اتجهت لدراسة معتقدات الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، ~~وسكان جزر المحيط الهادي (ميلانيزيا وبولونيزيا)، وأفريقيا السوداء. ~~ووجدت فيها ما كنت أتوقعه؛ فلدى الميلانيزيين على سبيل المثال ~~اعتقاد بوجود قوة تتخلل المظاهر المادية أطلقوا عليها اسم «مانا»، ~~وهذه القوة غير مادية وفوق طبيعانية، إلا أنها تتبدى بشكل مادي ~~وتحدث آثارا مادية. وتقوم ديانة ميلانيزيا على طريقة التعامل مع تلك ~~القوة التي تتبدى في وجهين؛ الأول إيجابي يتمثل بفعاليتها في مظاهر ~~الطبيعة الحية والجامدة، والثاني سلبي ويتمثل في احتمالات الأذى ~~الكامنة فيها وضرورة مراقبتها بحذر. ~~(س): # وكيف طبقت هذه النتائج على ~~مجتمعات العصور الحجرية المنقطعة عنا زمنيا؟ ~~(ج): # إن دراسة عقائد إنسان ما ~~قبل التاريخ ليست بالمهمة السهلة؛ لأن الباحث هنا لا يستطيع القيام ~~بزيارات ميدانية لتلك الجماعات ليتفقد أحوالها ويراقب طقوسها الدينية، ~~كما يفعل علماء الأنثروبولوجيا الثقافية في دراستهم لأحوال الشعوب ~~البدائية المعاصرة، ولكن لحسن الحظ فقد تركت لنا جماعات العصور ~~الحجرية بقايا مادية تساعدنا على الولوج إلى وسطها الفكري؛ مثل ~~الرسوم والمنحوتات الصغيرة، وتشكيلات يدوية لا تنبئ عن قيمة ~~استعمالية ما، وبقايا دفن تدل على طقوس جنائزية معينة، وهذه ~~الشواهد تبدأ بالتوضح في عصر النياندرتال الذي ترك لنا بقايا دفن ~~تدل على إيمانه بأن روح المتوفى سوف تتابع حياتها في عالم آخر، ~~وبقايا أخرى تدل على إيمانه بوجود قوة قدسية منبثة في هذا العالم. ~~وقد عبر عن حضور تلك القوة من خلال شارة القداسة المستمدة من وسطه ~~الطبيعي، وهي جمجمة الدب الذي كان أقوى الحيوانات في ذلك الوسط الجليدي ~~الذي عاش فيه النياندرتال، قبل أن ينحسر الجليد عن نصف الكرة الشمالي. ~~وقد وجدت جمجمة الدب هذه معروضة بشكل مقصود في عدد من كهوف ذلك ~~العصر، وبشكل يدل على أنها كانت مركزا لطقوس دينية معينة. ms032 # فإذا جئنا إلى عصر الإنسان العاقل، نجد أنه قد عبر عن حضور القوة ~~السارية من خلال عدد لا يحصى من الرسوم التي نفذها على جدران كهوف ~~مظلمة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر دهاليز ضيقة وطويلة. وقد تم ~~حتى الآن الكشف عن مائة من هذه الكهوف في المنطقة الأوروبية، وجميعها ~~لم تكن مخصصة للسكن، وإنما لأداء طقوس دينية أمام شارة القداسة التي ~~تعبر عنها صور الثور البري والثور الأمريكي (البيسون) والحصان ~~والوعل. ولقد نفذ الإنسان العاقل هذه الرسوم لا باعتبارها حيوانات ~~تنتمي إلى فصائل معينة، وإنما باعتبارها مفردات في لغة رمزية، ~~ورداء لقوة ماورائية وجدت تعبيرها الأمثل في طاقة الحيوان على ~~المستوى الطبيعاني. وهذا يعني أن ديانة العصر الحجري القديم سواء عند ~~النياندرتال أو الإنسان العاقل كانت نوعا من الطوطمية المبكرة كما ~~شرحتها آنفا. ~~(س): # ولكن نظريتك هذه في ديانة ~~العصر الحجري، والتي بسطتها بشكل رئيسي في كتابك «دين الإنسان» على ~~ما أذكر لا تتفق مع ما أوردته في كتابك السابق «لغز عشتار، الألوهة ~~المؤنثة وأصل الدين والأسطورة»؛ ففي لغز عشتار لا نجد أثرا لفكرة ~~القوة السارية وأسبقيتها على الآلهة، ولا لشارة القداسة الحيوانية. ~~وفي المقابل فقد ركزت على المنحوتات الصغيرة التي تمثل هيئة ~~أنثوية عارية دعوتها بالأم الكبرى للعصر الحجري، واعتبرتها أول ~~معبودات الإنسان. ~~(ج): # هذا صحيح إلى حد ما؛ فقد ~~كنت حينها واقعا تحت تأثير الأفكار السائدة التي لا ترى دينا إلا ~~عندما ترى آلهة، ولكن الفارق بين ما أوردته في الكتابين ليس على ~~درجة واسعة من الاختلاف؛ ذلك أن إنسان العصر الحجري القديم الذي ~~عبر عن حضور القوة من خلال شارة القداسة الحيوانية، قد رأى أن هذه ~~القوة ذات طبيعة أنثوية، وعبر عن ذلك من خلال المنحوتات الصغيرة ~~التي يدعوها الباحثون الغربيون ب «فينوسات العصر الحجري»، وأدعوها أنا ~~ب «الدمى العشتارية»؛ فإلى جانب رسوم الكهوف فقد عبر الإنسان العاقل ~~عن أفكاره الدينية من خلال دمى مصنوعة من مواد طبيعية متنوعة ~~تمثل هيئة أنثوية عارية، لا يزيد طول ms033 أكبرها عن 20 سم. وقد ساد هذا ~~الفن في أوروبا على طول محور أفقي يمتد من جنوب روسيا إلى أطراف جبال ~~البيرينيه، وأنتج لنا دمى متماثلة إلى حد بعيد؛ فالرأس يتخذ شكل ~~كتلة غير متمايزة مع غياب تام لملامح الوجه، والجسد يتخذ شكلا ~~مغزليا مستدق الطرفين مع مبالغة في تضخيم مناطق الخصوبة (الثديين ~~والبطن والوركين)، والقدمان غائبتان تماما، والذراعان نحيلتان جدا ~~في وضعية الاستناد إلى الثديين. هذه السمات تدل على أن الفنان لم يكن ~~يمثل جسدا أنثويا واقعيا، وإنما كان يعبر عن فكرة، وأن الدمية ~~لم تكن سوى رسالة بصرية تشبه من حيث المضمون رسالة فن الكهوف. إنها ~~شارة مقدسة تستحضر قوة ماورائية فاعلة في الطبيعة وذات خصائص ~~أنثوية، وليست صورة لإلهة بعينها. ~~(س): # إلى متى استمر دين الإنسان ~~يقوم على مبدأ القوة السارية؟ ~~(ج): # حتى أواخر العصر الحجري ~~الحديث وقسم لا بأس به من عصر النحاس؛ فمن العصر النيوليتي (العصر ~~الحجري الحديث) الذي ابتدأ في الألف التاسع قبل الميلاد، وذلك عندما ~~اكتشف الإنسان الزراعة وبنى القرى الأولى في بلاد الشام، تأتينا أوضح ~~الشواهد على مبدأ القوة السارية وشارتها المقدسة التي اتخذت هنا شكل ~~رأس الثور البري؛ ففي موقع تل المريبط على نهر الفرات، اكتشف ~~المنقبون بيوتا تختلف في نمطها المعماري عن بيوت السكن العادية؛ فقد ~~احتوت على مصاطب طينية عرضت فوقها وبترتيب مقصود جماجم ثيران ~~برية، وغرست إلى جانبها عظام كتف الثور وقرونه. وهذه الترتيبات ~~المقصودة التي لا تفصح عن قيمة نفعية أو استعمالية، تدل على أن ~~رأس الثور قد صار شارة مقدسة ورمزا للقوة السارية في الطبيعة، وأن ~~هذه البنى المعمارية كانت مقامات دينية تقام فيها طقوس دينية تهدف ~~إلى إقامة صلة مع القوة. # كما قدم لنا هذا الموقع أيضا النماذج الأولى من الدمى العشتارية ~~في العصر النيوليتي؛ حيث تابع الفنان اعتماد أسلوب الباليوليت في تضخيم ~~مواطن الخصوبة في الهيئة الأنثوية، ولكنه أضاف وظيفة جديدة للذراعين ~~اللتين صارتا تسندان الثديين في إشارة إلى تقديمهما للإرضاع. وفي ~~موقع شتال ms034 حيوك بسهل قونية جنوب الأناضول الذي يعتبر امتدادا للثقافة ~~النيوليتية السورية، تم اكتشاف قرية نيوليتية كبيرة ازدهرت بعد تل ~~المريبط بألفي سنة، وفيها عدد كبير من المقامات الدينية الكبيرة ~~الأقرب في بنيتها إلى المعابد، وفيها تابع الإنسان اعتماد رأس الثور ~~كشارة مقدسة، ولكنه استبدل رأس ثور منحوت من مادة الجص مع المبالغة ~~في حجم وطول القرون بالجمجمة الطبيعية، وقام بتثبيت رأس الثور على ~~الجدار إما مفردا أو في مجموعة. وقد تم التعبير عن الطبيعة الأنثوية ~~للقوة بوضع شكل أنثوي نمطي فوق رأس الثور، أو بوضع صف من الأثداء ~~الأنثوية تحته. ولربما أراد إنسان ذلك العصر من تلك الإشارات الأنثوية ~~التعبير عن نظرته إلى القوة على أنها ذات طبيعة سالبة وأخرى ~~موجبة. ~~(س): # هل اقتصرت الشارة المقدسة ~~على رأس الثور والهيئة الأنثوية المرمزة؟ ~~(ج): # نحن نتحدث عن عصر لم تكن فيه ~~الأيديولوجيات الدينية قد ظهرت بعد، كما أن الفكر الديني للإنسان ~~وقتها كان مرنا إلى حد بعيد، وبإمكانه التعبير عن الفكرة نفسها ~~بطرق متعددة؛ ولذلك فقد تعددت وتنوعت شاراته المقدسة؛ فخلال ~~العصر النيوليتي في مصر كانت الشارة المقدسة عبارة عن هيئة الفأس ~~الحجرية التي تتألف من مقبض خشبي ورأس حجري حاد يثبت على ~~المقبض بواسطة أربطة جلدية. وقد استمر هذا الرمز إلى عصر الكتابة حيث ~~صار رمزا كتابيا في الهيروغليفية المصرية يدل على الألوهة ~~المجردة ويلفظ نتر # Netre ~~، وهي ~~كلمة تتضمن معنى القوة أو الشدة. وخلال عصر النحاس في سورية نشأت ~~ثقافة معروفة لدى الآثاريين بثقافة تل حلف، اكتشفت أهم آثارها في ~~الموقع المعروف بهذا الاسم، ومنها نعرف أن شارة القداسة كانت على شكل ~~هيئة الفأس المزدوج الذي كان له مقبض خشبي ورأسان حادان متناظران ~~يعطيان شكلا شبيها بشكل الفراشة، وقد انتقل هذا الرمز إلى ثقافة كريت ~~وجزر بحر إيجه المعروفة تاريخيا باسم الثقافة المينوية. وعندما ~~دخلت هذه الثقافة في العصور التاريخية وصارت مقدمة للثقافة ~~اليونانية، تحولت الفأس المزدوجة من شارة للقداسة إلى رمز للإلهة ~~الكبرى للثقافة المينوية المدعوة «رحيا»، التي ms035 تصورها الرسوم ~~الجدارية في وضعية الوقوف، وهي تحمل بيدها الفأس المزدوجة وأمامها ~~المتعبدون ينحنون في خشوع. ومن الجدير بالذكر هنا أن ما حصل لشارة ~~الفأس المزدوجة في الثقافة المينوية حصل أيضا لشارة رأس الثور في ~~ثقافة الشرق القديم عندما دخلت في العصور التاريخية، حيث تحولت ~~قرون الثور أيضا من شارة للقداسة إلى رمز للألوهة المشخصة، وراح ~~الفنانون في منحوتاتهم يميزون كبار الآلهة والإلهات بغطاء رأس يحمل ~~قرني ثور. # وهنالك شارة قداسة أخرى لا بد من التوقف عندها قليلا، وهي ~~النصب الحجري؛ فقد أعطتنا تنقيبات موقع أريحا النيوليتي أول شاهد ~~على ما يدعى في تاريخ الدين بعبادة الأنصاب الحجرية عند الساميين، ~~وهذا الشاهد عبارة عن مقام ديني متواضع من الألف الثامن قبل ~~الميلاد حفرت في أحد جدرانه كوة عمودية على شكل محراب وجدت ~~في أسفله قاعدة حجرية كانت تحمل نصبا حجريا مقدسا. وقد قيض ~~لهذه الشارة أن تكون الأطول عمرا بين الشارات الأخرى في العصور ~~التاريخية، عندما صارت رمزا لآلهة الكنعانيين السوريين (الساميين ~~الغربيين)؛ فالكنعانيون تابعوا في عصر الآلهة نصب الحجر المقدس في ~~محاريب معابدهم، وكرهوا نحت تماثيل لآلهتهم. ولدينا أمثلة على ذلك منذ ~~عصر إيبلا في أواسط الألف الثالث قبل الميلاد مرورا بمملكة ماري على ~~نهر الفرات، والمدن الفينيقية على الساحل السوري وفي المستوطنات ~~الفينيقية البعيدة عن الوطن الأم، ومعبد الشمس في مدينة حمص المشهور ~~بحجره المخروطي الأسود. ومن الطريف أن نذكر هنا أن المعبد الوحيد الذي ~~اكتشف في فلسطين مكرسا للإله التوراتي يهوه قبل العصر الروماني، ~~كان يحتوي في محرابه على نصب حجري. ~~(س): # وكان للعرب قبل الإسلام ~~أحجارهم المقدسة أيضا. أليس كذلك؟ ~~(ج): # كل العبادات الصحراوية كانت ~~تدور حول النصب الحجرية. وهنالك عالم آثار بارز كرس حياته المهنية ~~لدراسة هذه العبادات يدعى عوزي آفنر، شملت تنقيباته صحراء النقب في ~~جنوب فلسطين وشبه جزيرة سيناء، حيث عثر على مقامات دينية صحراوية ~~وأحجار مقدسة على مدى الفترة الممتدة من الألف العاشر قبل الميلاد ~~إلى بداية العصر الإسلامي. وقد قرأت لهذا ms036 الباحث اللامع دراسات في ~~المجلات المتخصصة عندما شرعت بتأليف كتاب عن عبادة الأحجار عند ~~الساميين عام 2011م، ثم راسلته على الإنترنت فزودني بمزيد من ~~دراساته وتبادلنا الأفكار على مدى ذلك العام. ثم توقف مشروعي بسبب ~~الأحداث السورية وسفري إلى الصين. # التنقيبات في جزيرة العرب ما زالت في بدايتها؛ ولذلك لا نستطيع ~~اقتفاء أثر العبادات الصحراوية فيها إلا اعتمادا على ما أورده ~~الإخباريون العرب، لا سيما ابن الكلبي في مؤلفه الشهير «كتاب الأصنام»، ~~ومنه نعرف بأن العرب لم يعرفوا الأصنام قبل القرن الثالث الميلادي، وأن ~~عباداتهم كانت تدور حول الأنصاب الحجرية حتى بعد دخول الأصنام إلى ~~مقاماتهم الدينية. وقد بقي من تلك الأنصاب حجر واحد حتى الآن وهو ~~الحجر الأسود المقدس في الكعبة. ~~(س): # الحجر عند الساميين - كما ~~أفهم مما أوردته - كان مثل أي شارة مقدسة أخرى، رمزا مرئيا ~~للألوهة الخافية التي كرهوا تصويرها في هيئة بشرية، فإلى أي ألوهة ~~رمز حجر الكعبة؟ وما سر القداسة التي لازمته على الرغم من تغير ~~المعتقدات؟ ~~(ج): # حسنا، سأبدأ من التذكير ~~بمعلومة مفادها أن الألوهة التي أطلق عليها نبي الإسلام اسم «الله» ~~لم تكن جديدة تماما على عرب الجزيرة؛ فهؤلاء على تنوع آلهتهم ~~المحلية التي كانوا يعبدونها كانوا يؤمنون بالله كإله أعلى خالق ~~للسماء والأرض ولكل ما يرى وما لا يرى، ويرون في كعبة مكة بيتا لله، ~~وفي حجر الكعبة الأسود رمزا مرئيا له؛ ولذلك فقد كانوا يحجون إلى ~~الكعبة مرة في كل سنة لزيارة بيت الله وأداء طقوس الحج. وقد أورد ~~القرآن الكريم أكثر من آية تدل على عقيدة العرب هذه، ومنها: # ولئن سألتهم ~~(أي المشركين) # من خلق السموات والأرض ليقولن ~~الله # وهنا يجب أن أذكر بأن القرآن وصف عرب الجزيرة ~~بالمشركين أي الذين جعلوا لله شركاء في الألوهية، ولم يدعهم بالكفار، ~~فإذا كان الحجر الأسود رمزا لله في الجاهلية، فلماذا لا يحافظ على ~~قداسته في الإسلام؟ ~~(س): # ولكن البعض يرى بأن في هذا ~~نوعا من الوثنية! ~~(ج): # أعتقد أن مفهوم الوثنية كما ms037 ~~يفهمه الكثيرون بحاجة إلى مراجعة؛ فكما أن إنسان عصور ما قبل التاريخ ~~لم يعبد الشارة المقدسة ولا الحيوان الذي استمدت منه تلك الشارة، ~~فإن إنسان العصور التاريخية لم ير في تمثال الإله أو في الحجر الذي ~~يمثله سوى رمز مادي يدل على شيء يتجاوزه. إنه بمثابة النافذة التي ~~إذا فتحتها ترى الشمس، ومع ذلك فإن النافذة تبقى نافذة والشمس تبقى ~~شمسا. # إن أي إنسان تربى في ثقافة غير إسلامية أو غير يهودية لا يرى ضيرا ~~في تقديس الصور الدينية؛ فالمسيحي يركع أمام صورة المسيح أو العذراء ~~في الكنيسة، والبوذي يسجد على وجهه أمام تمثال البوذا؛ لأنهما يعرفان ~~أن ما يقدسانه ليس الصورة وإنما ما وراء الصورة. أما المسلم فإنه ~~يصاب بالذعر لرؤية إنسان راكع أمام صورة. وهنا أود أن أروي حادثة ~~جرت معي بعد أسابيع قليلة من وصولي إلى بكين؛ فقد نظمت لي إدارة ~~الكلية التي أقوم بالتدريس فيها جولة سياحية للتعرف على بعض معالم ~~المدينة، وكلفت اثنين من طلابي في قسم الدراسات العليا بمرافقتي في ~~هذه الجولة، وكان البرنامج يتضمن في إحدى فقراته زيارة لمعبد اللاما ~~البوذي. عندما اجتزنا الباب الخارجي وولجنا إلى فناء المعبد وجدت ~~الكثير من الزوار يشعلون البخور في مجمرة ضخمة في الوسط ثم يتجهون ~~إلى مدخل القاعة الأولى فمشيت معهم، وهناك وجدتهم ينطرحون أرضا على ~~جباههم أمام تمثال هائل للبوذا مصنوع من النحاس. وهنا طفت ثقافتي ~~الإسلامية الهاجعة في اللاشعور، ووجدتني أنتفض بشدة وأقول لمرافقي ~~بلهجة مستنكرة: «إنهم يسجدون لصورة.» لقد اجتازت هذه الجملة عقلي ~~الواعي الذي يعرف تماما معنى السجود أمام صورة، ونطق بها لساني كأن من ~~ينطق بها شخص آخر لا أعرفه. ~~(س): # هنالك صنم داخل الكعبة أيام ~~الجاهلية يدعى «هبل»، كان أكبر الأصنام، وكانت قريش تعظمه ~~وتفضله على بقية الأصنام الأخرى؛ الأمر الذي خلق انطباعا لدى ~~الكثيرين بأن «هبل» هو رب الكعبة، فماذا تقول في ذلك؟ ~~(ج): ~~«هبل» هو تمثال مستورد من ~~بلاد الشام، شأنه شأن بقية أصنام العرب الذين لم يكونوا ms038 يجيدون فن ~~النحت، أو أنهم اعتبروه في عداد المهن والحرف اليدوية التي لم تكن تليق ~~بالعرب. ويذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام أن «هبل» كان صنما على ~~شكل إنسان، وصل إلى مكة بعد أن كسرت ذراعه في الطريق فصنعوا له ~~ذراعا من ذهب. أما في تفسير الاسم فإن أهل الأخبار العرب ذهبوا في ذلك ~~مذاهب شتى، والسبب هو أن الصنم حافظ على اسمه السوري الأصلي هبعل، وهو ~~لقب لإله العاصفة حدد ويعني الرب أو السيد. وهو يتألف من مقطعين؛ ~~الأول هو الهاء أداة التعريف في بعض اللهجات السورية، والثاني بعل الذي ~~يلفظ أيضا بصيغة بعلو وبل. وبما أن قبيلة قريش كانت من أصل سوري ، ~~ولم تهاجر إلى الحجاز إلا قبل بضعة أجيال من ميلاد الرسول، فقد كانت ~~لغتها تحتوي على الكثير من المفردات الآرامية، وبالتالي كانت تعرف معنى ~~كلمة هبعل أو هبل. وقد أرادت من وراء استيراد هذا الصنم أن تنصب ~~تمثالا في الكعبة لله بصيغته الجاهلية تحت لقب الرب أو السيد. # وهنا تحضرني فكرة كنت قد أوردتها في دراسة قديمة لي عن الأصول ~~السورية للآلهة اليونانية؛ حيث تابعت اسم الإله أبوللو إلى أصله ~~السوري هبعلو، وقلت إن دارسي الميثولوجيا اليونانية لم يتوصلوا إلى ~~اتفاق بشأن جذر الاسم؛ لأنه لم يكن يونانيا وإنما كان ~~سوريا. ~~(س): # نأتي الآن إلى السؤال الهام ~~وهو: متى، وكيف، ولماذا حلت فكرة الإله في تاريخ الدين محل فكرة ~~القوة؟ ~~(ج): # حصل هذا الانتقال بشكل ~~تدريجي خلال عصر النحاس، عندما أخذت القوة تكتسي برداء شخصي على ~~مهل، واكتملت هذه العملية خلال الفترة الانتقالية من الألف الرابع إلى ~~الألف الثالث قبل الميلاد، عندما دخلت الحضارة في عصر البرونز؛ فخلال ~~عصر النحاس أخذت كبرى القرى الزراعية تتحول إلى أشباه مدن، وخلال ~~الفترة الانتقالية من عصر النحاس إلى عصر البرونز تحولت أشباه المدن ~~إلى مدن حقيقية، وذلك في وادي الرافدين الأدنى أولا، ثم في مصر ~~وسوريا بعد ذلك بقليل. وترافقت هذه النقلة مع اختراع الكتابة ودخول ~~الحضارة في العصور ms039 التاريخية، وبذلك اكتملت الثورة الثانية في تاريخ ~~الحضارة الإنسانية وهي الثورة ~~المدينية # Urban Revolution ~~. ~~(س): # وماذا حصل خلال ذلك مما له ~~علاقة بموضوعنا؟ ~~(ج): # عندما كانت أشباه المدن تتحول ~~إلى مدن وتتشكل مؤسساتها المدنية، ترافق هذا التحول مع حصول تغيرات ~~عميقة في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وبشكل خاص فإننا ~~نعزو إلى التحولات النوعية التي طرأت على مفهوم السلطة السياسية ~~وأساليب ممارساتها دورا مهما في تكوين مفهوم جديد للسلطة على ~~مستوى الكون، وظهور الآلهة التي تدير الكون كما يدير الحاكم ~~المدينة. # لقد كانت جماعة الصيادين في العصور القديمة تعيش في مشاعية ~~اقتصادية لا يملك الفرد فيها سوى أدواته الحجرية، أما نظامها السياسي ~~فكان يقوم على اختيار زعيم غير متفرغ لمهام الرئاسة يمكن عزله واختيار ~~غيره في أي وقت. وفي العصر الحجري الحديث كانت الأراضي الزراعية ملكا ~~لجميع أسر القرية، وكان رجال القرية يشتركون في الزراعة والحصاد ~~وتربية الماشية ثم يوزعون ناتج عملهم على الجميع بالتساوي. أما زعيم ~~القرية فلم تختلف صلاحياته كثيرا عن صلاحيات زعيم جماعة الصيادين، ~~وربما كانت شئون القرية تدار من قبل مجلس للشيوخ. أما الحياة ~~الدينية فكان يشرف عليها ساحر القرية أو الشامان بمصطلحات ~~الأنثروبولوجيا الحديثة، والذي كان يقود الطقوس الدينية لا سيما تلك ~~الطقوس الخاصة بالتأثير في القوة من أجل إنزال المطر. هذا ونستنتج مما ~~كشفت عنه التنقيبات الأثرية في مواقع العصر النيوليتي من بيوت ومقابر، ~~عدم وجود تفاوت في الثروة أو المكانة الاجتماعية بين الأفراد. # ولكن الأمور أخذت بالتغير مع الاقتراب من فجر المدنية في منطقة ~~الشرق القديم؛ فقد تحول المقام الديني البسيط إلى معبد كبير، ~~وتحول الشامان إلى كاهن أعلى يساعده كهنة أدنى منه مرتبة، وبني ~~قصر واسع للرئيس الذي تحول إلى ملك مطلق الصلاحيات يفرض سلطته على ~~الجماعة بعد أن كان يستمدها منها، وظهر التملك الخاص للأرض ووسائل ~~الإنتاج، وتنوعت الحرف اليدوية والاختصاصات. وهكذا نجد أن الفرد ~~الذي لم يكن يشعر بالسلطة تمارس عليه من قبل أي جهة كانت عندما ~~كان الجميع أحرارا ومتساوين، ms040 صار ينظر إلى الكون وكأنه نموذج عن ~~المدينة ومحكوم ومسير بسلطة الحاكم، وتحولت القوة التلقائية التي ~~كانت تتخلل العالم إلى سلطة ونظام سلطوي، وظهرت الآلهة كشخصيات ~~ذات قوة حلت محل القوة البدئية. ~~(س): # ولكن هل خرج الآلهة من خيال ~~الإنسان بداعي هذه التحولات المادية فقط؟ ألم يكن لفكرة الإله ~~المشخص من مرتكز موضوعي ساعد على ترسيخها إلى جانب تلك ~~التغيرات الحاصلة في المجتمع؟ ~~(ج): # لم يخرج الآلهة من خيال ~~الإنسان فجأة، وفكرة الإله المشخص كانت تختمر فيما ندعوه في تاريخ ~~الدين بمؤسسة عبادة الأسلاف، والجيل الأول من الآلهة كانوا أسلافا ~~مقدسين جرت ترقيتهم إلى رتبة الآلهة. وتقوم مؤسسة عبادة الأسلاف على ~~فكرة قديمة آمن بها الإنسان البدائي، وهي أن روح الميت بعد انتقالها ~~من المستوى الدنيوي إلى المجال الماورائي المقدس، تكتسب قوة إضافية ~~فوق ما لدى البشر، تجعلها قادرة على التأثير في حياتهم وعالمهم إما ~~خيرا أو شرا. ومن هنا نشأت لدى المجتمعات البدائية طقوس تهدف إلى ~~دفع شر الأرواح أو استجلاب رضاها. ولكن هذه الفكرة لم تتحول إلى ~~مؤسسة فاعلة في الحياة الاجتماعية إلا مع بدايات العصر الحجري ~~الحديث؛ ففي موقع تل المريبط على نهر الفرات عثر المنقبون على بقايا ~~دفن تعود إلى الألف الثامن قبل الميلاد، تدل على شواهد مبكرة ~~لتقديس الأسلاف؛ فقد وجدت تحت أرضيات البيوت السكنية هياكل عظمية ~~مدفونة دون جماجمها، أما الجماجم فقد فصلت وعرضت في الأعلى داخل ~~المسكن على قواعد طينية كنوع من الأثاث الجنائزي المعروض باستمرار ~~أمام أنظار الأحياء. وهذا يعني أن الإنسان النيوليتي كان يعتقد بأن ~~جماجم بعض أسلافه المميزين كانت مستودعا لقوة ماورائية، وأن هؤلاء ~~كان باستطاعتهم منح الخير والبركة للأحياء بعد مماتهم مثلما فعلوا خلال ~~حياتهم. # خلال النصف الثاني من العصر النيوليتي حصل تطور لافت للنظر في ~~طريقة عرض الجماجم داخل البيوت؛ ففي موقع أريحا عمد الإنسان إلى إعطاء ~~ملامح للجماجم المعروضة في البيوت مستخدما في ذلك عجينة من كلس وطين، ~~وملأ محاجر العينين بأصداف تعطي شكل البؤبؤ، ثم طلى ms041 الوجه بلون يماثل ~~لون البشرة الحية، وأخيرا وضع الجمجمة على قاعدة طينية تشبه الجذع ~~الإنساني، فبدا التكوين وكأنه تمثال نصفي للسلف، وكانت هذه الجماجم ~~معروضة في مجموعات تتألف كل منها من جمجمتين أو أكثر، وقد وجدت ~~هذه الشعائر الجنائزية في عدة مواقع نيوليتية أخرى لا سيما في موقع ~~تل الرماد قرب دمشق. # وفي موقع شتال حيوك بسهل قونية الذي ازدهر في أواخر العصر النيوليتي، ~~حصلت نقلة أدخلت جمجمة السلف إلى نطاق الحياة الدينية؛ حيث صرنا نرى ~~الجماجم البشرية معروضة أسفل الحائط الذي علقت عليه رءوس الثيران ~~كشارة مقدسة. ولكن كان على هؤلاء الأسلاف الذين دخلوا الحياة ~~الدينية كعنصر ثانوي أن ينتظروا حتى أواخر العصر النحاسي لكي ~~يتحولوا إلى آلهة ويحلوا محل الشارة المقدسة. ~~(س): # حسنا، بعد ظهور الآلهة كيف ~~قام هؤلاء بترتيب أمورهم وتوزيع الصلاحيات فيما بينهم؟ لا شك في أن ~~مجمع الآلهة الذي يرأسه كبيرهم كان الخطوة الأولى في هذه ~~العملية؟ ~~(ج): # مجمع الآلهة هو ناتج سياسي ~~متأخر قليلا؛ ففي مطلع عصر الآلهة كان الأصل في الحياة الدينية هو ~~معتقد بسيط خاص ببلدة ما أو مدينة وما يتصل به من طقوس وأساطير، ~~ومثل هذا الشكل ندعوه عبادة # Cult ~~، ~~وغالبا ما تتركز الحياة الدينية في مؤسسة العبادة حول إله واحد أو ~~حول ثنائي إلهي يتألف من ذكر وأنثى، فإذا حصل تقارب وتفاعل ~~وتمازج بين مجموعة من البلدات والمدن والقرى التي تدور في فلكها، ~~والتي تتشارك العيش في منطقة جغرافية معينة، وشكلت فيما بينها ~~إثنية متميزة، تداخلت عباداتها وتمازجت، نجم عن ذلك ما ندعوه بدين ~~الشعب، وصار أهل العبادة الواحدة يوقرون آلهة العبادات الأخرى مع ~~تركيزهم على عبادة إلههم الخاص، ثم إن دين الشعب أخذ شكله الأخير ~~الثابت عندما نشأ كيان سياسي وحد بين هذه الجماعات وجمع آلهتها في ~~هيئة عليا تدعى مجمع الآلهة الذي يرأسه كبير الآلهة، والذي غالبا ما ~~كان إله السماء. ولغرض التوضيح أسوق فيما يأتي مثالا مستمدا من ~~الثقافة السومرية. # ففي وادي الرافدين الجنوبي خلال العصر السومري ms042 الذي ابتدأ في أواخر ~~الألف الرابع قبل الميلاد، نشأت اثنتا عشرة بلدة تحولت تدريجيا ~~إلى مدن، وكان لكل مدينة إلهها الخاص؛ فقد عبد الإله شمش في مدينة ~~سيبار، وعبد الإله سن في مدينة أور، وعبدت إنانا في مدينة أوروك، ~~وعبد إنليل في مدينة نيبور ... إلخ، ثم إن هذه العبادات أخذت ~~بالتقارب والتداخل إلى أن قامت في مدينة أور أسرة ملكية عملت على ~~توحيد المدن السومرية في كيان سياسي واحد، وهي الوحدة التي رسخت ~~الملامح الثابتة لمجمع الآلهة السومري الذي يرأسه إله السماء «آن»، ~~ويبرز فيه الثالوث الأقدس «آن وإنليل وإنكي». ~~(س): # لماذا نجد لإله السماء هذه ~~المكانة العالية التي تخوله رئاسة مجمع الآلهة؟ وهل نجد ذلك في بقية ~~ميثولوجيات الشرق القديم؟ ~~(ج): # إن قبة السماء الزرقاء ~~باتساعها وعمقها وعلوها أثارت منذ القديم عواطف دينية غامضة. ونظرا ~~لأنها تغطي الأرض من جميع جهاتها وترتفع فوق كل ما يجري في ~~الأسفل، فقد شعر الإنسان بأنها تمارس سلطة وقوة على كل ما يقع ~~تحتها، وكان إلهها هو الإله الأعلى شأنا ومرتبة. هكذا كان الحال في ~~الميثولوجيا السومرية والبابلية من بعدها، وكذلك في الميثولوجيا ~~الكنعانية حيث نجد «إيل» إله السماء هو رئيس مجمع الآلهة. وفي جزيرة ~~العرب حيث لم ينتج الفكر الديني مجمعا للآلهة، كان الله إله السماء ~~الأعلى شأنا بين جميع الآلهة، ولكن الأمور لا تدوم على هذه الحال ~~بالنسبة إلى إله السماء، ففي الميثولوجيا السومرية نجد الإله إنليل ~~يقوم بالاستيلاء على معظم صلاحيات إله السماء آن، وهو الذي يقوم بفعل ~~الخلق عندما فصل السماء عن الأرض وأظهر معالم الكون، ولم يبق للإله ~~آن سوى الرئاسة الاسمية. وفي بابل لم يكن إله السماء آنو هو رئيس ~~المجمع خلال العصر الإمبراطوري، وإنما مردوخ الذي أوكلت إليه مهمة ~~خلق العالم. فإذا انتقلنا لغرض المقارنة إلى الثقافة اليونانية، نجد ~~أنه في البدء لم يكن سوى العماء أو الشواش البدئي، ظلمة وامتداد بلا ~~نهاية، وكان أول الآلهة ظهورا من هذا العماء هي الأرض/الأم المدعوة ~~جايا، وبعدها إيروس ms043 الحب الجنسي، ثم إن جايا أنجبت دون زوج بكرها ~~السماء أورانوس وتزوجته، وأنجبت منه الجيل الأول من الآلهة وهم ~~التيتان، ومنهم كرونوس الذي انقلب على أبيه وخصاه وحل محله، ولكنه ما ~~لبث حتى وقع في شر أفعاله عندما ثار عليه ابنه زيوس وحل ~~محله. ~~(س): # هذه النقلة من مبدأ القوة إلى ~~قوة الآلهة المشخصة، هل حصلت في جميع الثقافات؟ ألم يبق من مبدأ ~~القوة أي أثر في عصر الآلهة؟ ~~(ج): # هذا السؤال يعيدنا إلى ~~الثقافة الصينية التي بقي فيها مبدأ القوة متعايشا مع الآلهة ~~المشخصة؛ فالآلهة الصينية في المعتقدات التقليدية لم تقطع صلتها ~~تماما بماضيها كأسلاف مقدسة، ولم تكتسب تماما خصائص الآلهة ~~المتعالية على البشر وعلى الطبيعة. وتظهر السير الأسطورية لهؤلاء ~~الأسلاف كيف ابتدأ أمرهم كرجال صالحين على الأرض، ثم جرى تأليههم ~~وعبادتهم فيما بعد؛ ولهذا فإن الآلهة الصينية على كثرتها لا تبدو لنا ~~كشخصيات ذات ملامح واضحة ووظائف دائمة، وإنما ككيانات شبحية لا ~~تتمتع بخصائص ذاتية، وتكتسب قوتها من قوة المنصب الذي تشغله؛ ذلك أن ~~المنصب الإلهي هو الثابت، أما شاغلوه فمتغيرون. ولغرض إيضاح هذه ~~النقطة أقول بأن الإله «سن» أو «نانا» بقي إلها للقمر في الثقافة ~~الرافدينية طيلة تاريخ الشرق القديم (ثلاثة آلاف عام)، وشمش بقي إلها ~~للشمس، وإنليل بقي إلها للهواء، وقس على ذلك بخصوص بقية الآلهة في ~~ثقافات الشرق القديم، وفي الثقافة اليونانية-الرومانية. أما في الثقافة ~~الصينية فنجد أنه في كل إقليم من الأقاليم الصينية العديدة يجري توزيع ~~الوظائف والاختصاصات بين الآلهة؛ مثل تصريف الرياح وقدح البرق وإنزال ~~المطر بشكل مختلف عن الإقليم الآخر، وقد يتم في إقليم ما ترقية أحد ~~الآلهة إلى مقام أعلى، أو تخفيض مرتبته أو حتى صرفه من الخدمة ~~نهائيا. أما المصدر الحقيقي لقدرة الآلهة الصينية فهو مفهوم مجرد ~~عن الألوهة يتمثل في قوة السماء التي عبدت منذ مطلع العصور ~~التاريخية الصينية تحت اسم شانغ-تي/ # Shang ~~Ti # خلال عصر أسرة شانغ، ثم تحت اسم تي ~~يين/ # Ti’ien # خلال حكم أسرة شو # Chou ms044 ~~، حيث جرى تصورها كقوة تشغل ~~الجهة العليا من قبة السماء، ولا تشبه في شيء إلها أعلى مسيرا ~~للكون. وإلى جانب تمجيد قوة السماء، فقد استمرت طقوس عبادة الأرواح ~~لا سيما أرواح الأسلاف الأسطوريين بنفس الزخم السابق. # وفي أواسط الألف الأول قبل الميلاد عندما ظهرت المدارس الفلسفية، ~~تابع الفلاسفة تمجيد قوة السماء، ولم يدخلوا تعديلا على مؤسسة ~~عبادة الأسلاف، لا سيما كونفوشيوس الذي اعتبر قوة السماء بمثابة الحضور ~~الروحي الجليل، والقوة الأخلاقية الأعظم، ومصدر كل شيء. وقد رأى أن ~~إرادة السماء تفعل من خلال عناية متضمنة في صلب النظام الطبيعي الذي ~~يقابله على المستوى الإنساني الاجتماعي نظام آخر هو القانون الأخلاقي؛ ~~ولذلك فإن انسجام الفرد مع إرادة السماء الفاعلة في الطبيعة يتحقق ~~بمراعاة النظام الأخلاقي الذي يشكل انتهاكه خطيئة بحق السماء. وعلى ~~الرغم من أن المدارس الفلسفية الكونفوشية الكثيرة التي تتابعت بعد ~~المعلم الأول حتى مطلع العصور الحديثة، اختلفت فيما بينها اختلافا ~~كبيرا، إلا أن نظرتها إلى قوة السماء بقيت على حالها عدا خلاف بعض ~~المفكرين بخصوص الطبيعة الأخلاقية للسماء؛ فقد رأى بعضهم أن السماء تقف ~~إلى جانب الإنسان الطيب وتدعم الحاكم الفاضل، وتمنحه تفويضها ليحكم، ~~وتسحب تفويضها من الحاكم السيئ الذي يفقد دعمها، بينما رأى آخرون أن ~~قوة السماء هي حيادية أخلاقيا وميكانيكية في عملها. وكما ترى فإن ~~أصحاب الرأي الثاني يقتربون كثيرا من مفهوم القوة السارية في الطبيعة ~~لدى الشعوب البدائية. ~~(س): # وهل السماء هي من اضطلع بفعل ~~الخلق والتكوين في الثقافة الصينية؟ ~~(ج): # نظرية الخلق والتكوين الصينية ~~تقوم على تصورات أقرب ما تكون إلى تصورات الفيزياء الكونية ~~الحديثة؛ أي إنها نظرية غير دينية، بمعنى أن الكون لم يظهر بواسطة ~~قدرة إلهية متعالية، وإنما نتيجة لما أسميته سابقا ب «حالة فعالية» ~~تلقائية موجودة في صميم عمليات الطبيعة؛ فهي والحالة هذه نظرية ~~مادية إلى حد بعيد. وهذه النظرية مبسوطة في واحد من المؤلفات ~~الكلاسيكية الستة السابقة على عصر كونفوشيوس، والتي كانت أساس كل تعليم ~~يجري في الصين. ويدعى هذا المؤلف ms045 بالصينية إي كينغ؛ أي كتاب ~~التغيرات، وفي اللغات الأوروبية آي ~~تشينغ/ # I.ching ~~. # تقوم حكمة التغيرات على فكرة أن التغير هو سمة الوجود؛ فكل شيء ~~يجري دون توقف مثل ماء النهر، ولكن هذا التغير الدائم ينبغي أن ~~يتم على أرضية ثابتة وإلا آل النظام الكوني إلى فوضى مطلقة، وهذه ~~الأرضية الثابتة هي المبدأ الأول المدعو بالتاو، أو الواحد غير ~~المتكثر الذي نشأت عنه الكثرة. ويرمز للمبدأ الأول بدائرة فارغة ~~تعبر عن الحالة السابقة على توليده للموجودات، وبدائرة يقسمها خط ~~ملتو على شكل حرف # S # إلى مساحتين ~~إحداهما بيضاء والأخرى سوداء، ترمزان إلى القوة الموجبة يانغ والقوة ~~السالبة ين، اللتين تولدتا داخل فراغ التاو، وراحتا تدوران على ~~بعضهما، وعن دورانهما نشأت الآلاف المؤلفة من مظاهر الكون والطبيعة ~~والحياة، والتي تحمل كميات متفاوتة من هاتين القوتين. فإذا غلب ~~اليانغ في هذا المظهر أو ذاك كان ذا طبيعة موجبة (الشمس، النار، ~~السماء، الذكر ... إلخ)، وإذا غلب الين كان ذا طبيعة سالبة (القمر، ~~الماء، الأرض، الأنثى ... إلخ)، فلا اليانغ يتجلى في طبيعته الصرفة ولا ~~الين كذلك؛ لأن في كل سلب بعض الإيجاب، وفي كل إيجاب بعض السلب؛ ولذلك ~~فقد صور القسم الأبيض داخل دائرة التاو وفيه بؤرة صغيرة سوداء، ~~والقسم الأسود وفيه بؤرة صغيرة بيضاء. ~~(س): # أعتقد أن العلاج الصيني ~~بالإبر يرتكز على وجود هاتين القوتين! ~~(ج): # هذا صحيح؛ ففي جسم كل كائن ~~حي طاقة موجبة وطاقة سالبة متوازنتان بدقة، وتتحركان في قنوات غير ~~مرئية، فإذا اختل هذا التوازن حصل المرض، ولكن غرز الإبر في هذه ~~القنوات من شأنه أن يعيد التوازن إلى ما كان عليه. ~~(س): # نأتي الآن إلى سؤال مركزي في ~~موضوع الدين والحضارة وهو: هل الدين قوة دافعة للحضارة أم ~~كابحة؟ ~~(ج): # هذا يتوقف على أي دين نتحدث ~~وعن المكان والزمان. ولكن دعني أقول إن الدين كان من حيث المبدأ قوة ~~دافعة للحضارة؛ ففي العصور الحجرية كانت الأغنية الأولى دينية، وكذلك ~~الإيقاع الأول والرقصة الأولى، وكان رجل الدين هو المفكر الأول ~~والفيلسوف ms046 الأول، وهو الذي أنتج رسوم الكهوف والدمى العشتارية. وعندما ~~استقر الإنسان في الأرض وخرج من كهوفه، كان رجل الدين هو من وضع ~~التصميم المعماري للبيت الأول. لقد كانت هذه المؤسسة الدينية البدائية ~~هي الأمينة على تراث الجماعة، وهي التي تضمن انتقاله من جيل إلى ~~جيل. ~~(س): # ولماذا تمتع رجل الدين بهذه ~~المكانة المميزة؟ ~~(ج): # لأنه كان بلا عمل، كل فرد في ~~الجماعة كان يعمل من أجل تحصيل الرزق، صيدا كان أم زراعة وعناية ~~بالماشية، أما هو فقد كان متفرغا للشأن الديني، والشأن الديني بطبيعته ~~نشاط غير نفعي فيه علو على إيقاع الحياة اليومية. ~~(س): # وهل استمرت الأمور على هذه ~~الحال في العصور التاريخية؟ ~~(ج): # وأكثر؛ فمع فجر المدنية في ~~الشرق القديم ازدادت الثروة، وصار بمقدور اقتصاد الجماعة تفريغ عدد ~~كبير من الكهنة لرعاية الشئون الدينية، فبنيت المعابد الضخمة التي ~~صارت مراكز لإنتاج الثقافة. ومع اختراع الكتابة في وادي الرافدين ~~الجنوبي جرى استخدامها لأغراض عملية، ثم في تدوين الأساطير، وهي الشكل ~~الأول للأدب الإنساني الذي اتخذ منذ البداية الصيغة الشعرية. وبإمكاننا ~~القول إن المراكز الدينية الضخمة التي تعطي الناظر إليها إحساسا ~~بالجلال والجمال، والداخل إليها إحساسا بالرهبة الدينية وبالحضور ~~الإلهي؛ مثل: معبد الكرنك ومعبد الأقصر في مصر، والمعابد ذات الأبراج ~~المدرجة في سومر وبابل، كانت من تصميم الكهنة لأنهم هم الذين يعرفون ~~تلك الصلة الحميمة بين فضاء العمارة وفضاءات الروح. وفي هذه المعابد ~~جرى إنتاج الفنون البصرية؛ مثل المنحوتات البارزة، والتماثيل، والأختام ~~الأسطوانية. وقد كانت الآلهة هي الموضوعات التي تناولتها فنون النحت، ~~وعندما كان الملك موضوعا لها كان ذلك بصفته الدينية لا بصفته ~~الدنيوية؛ فالفرعون المصري كان ابنا للإله رع، والملك السومري كان ~~تجسيدا للإله دوموزي روح النبات، وكان يتزوج رمزيا من إنانا، إلهة ~~خصب الأرض والكائنات الحية، في عيد رأس السنة. أما الأختام الأسطوانية ~~فكانت موضوعاتها مستمدة من الأساطير الدينية؛ هذا الدور الرائد للدين ~~في مجال النتاج الثقافي المادي وغير المادي، نستطيع التعرف عليه في ~~بقية الثقافات بعيدا عن الشرق ms047 القديم، وإلى درجة يمكننا معها القول ~~بأن 90 بالمائة من ميراث الإنسانية هو نتاج ذو صلة بالدين. ~~(س): # لم تذكر شيئا عن المسرح، ~~هناك من يقول بأنه ذو أصل ديني؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فقد ولدت الدراما ~~من رحم الطقس الديني. لا سيما من الطقوس الدورية الكبرى التي كانت ~~تقام مرة في كل عام في عيد الربيع الذي يؤشر إلى الدخول في سنة ~~جديدة. وقد حفظت لنا نصوص بلاد الرافدين تفاصيل نسختين من هذه ~~الطقوس، وهما النسخة السومرية وهي الأقدم، والنسخة البابلية وهي ~~الأحدث؛ ففي أعياد الربيع السومرية كان الطقس يهدف إلى تجديد حياة ~~الطبيعة من خلال إنشاد وتمثيل دورة حياة الإله دوموزي روح النبات وما ~~جرى له مع حبيبته إنانا؛ فدوموزي يقع في حب إنانا ثم يتزوج الإلهان، ~~ومن اتحادهما الجسدي تتجدد حياة الطبيعة والإنسان والحيوان، ولكن ~~الموت صنو للحياة ووجهها الآخر، والطبيعة يجب أن تجدد نفسها بالموت ~~والانبعاث إلى حياة غضة جديدة؛ ولذلك فإن العريس الإلهي يجب أن يموت، ~~وعفاريت العالم الأسفل تنطلق في إثره وهو يهرب ويختبئ منها إلى أن ~~تمسك به وتسومه أنواعا من العذاب قبل أن تقوده إلى عالم الموتى. ~~وهنا يأخذ المحتفلون بإنشاد سلسلة من البكائيات على الإله الغائب ~~تنتهي بانبعاثه من العالم الأسفل، وعودته إلى الحياة لتبدأ الطبيعة ~~دورة جديدة. # أما في النسخة البابلية من الطقس، فقد كان المحتفلون ينشدون ~~ويمثلون أسطورة التكوين البابلية التي تقص عن ولادة الإله مردوخ ~~واستلامه رئاسة مجمع الآلهة، وقتله للتنين المائي البدئي وصنع الكون ~~من أجزائه، وكان الهدف من هذا الطقس هو إعادة خلق العالم وتجديده. وفي ~~الميثولوجيا الكنعانية لدينا نص طويل من موقع مدينة أوغاريت يروي عن ~~موت إله الطبيعة بعل وبعثه أيضا، وقد لاحظ قارئو هذا النص ومفسروه ~~وجود جمل فيه خارجة عن السياق، فهموا منها أنها عبارة عن توجيهات ~~للممثلين الذين يقومون بالأداء الدرامي له. على أن هذه الحالة الجنينية ~~للدراما لم تنفصل عن أصولها الدينية في بلدان الشرق القديم لينشأ عنها ~~المسرح الذي نعرفه، ms048 وإنما تم ذلك في بلاد اليونان، حيث نشأت ~~التراجيديا عن الطقس الديني المعروف باسم ~~الديثيرامب/ # Dithyramb # الذي يقص أيضا ~~عن ميلاد الإله ديونيسيوس وحياته وموته الفاجع ثم بعثه. ~~(س): # لماذا ارتبطت دورة حياة ~~الطبيعة بدورة حياة إله يموت ويبعث من جديد؟ ~~(ج): # لأن الفكر الديني يقوم على ~~مبدأ أن كل ما يحدث في العالم المادي هو نسخة لاحقة عما يحدث في ~~العالم الماورائي؛ ولذلك فإن موت الطبيعة في الخريف وانتعاشها في ~~الربيع لا بد أن يكون انعكاسا لحدث آخر هو أصل له. ~~(س): # وكيف يساعد الطقس الدرامي على ~~الربط بين الحدثين؟ ~~(ج): # هنا يجب أن أعود إلى التذكير ~~بما أوردته سابقا عن الفرق في الطبيعة والمضمون بين طقوس عهد القوة ~~وطقوس عهد الآلهة؛ فالأولى كانت طقوسا سحرية اعتقد الإنسان بقدرتها ~~على التأثير في القوة من أجل إحداث النتائج المطلوبة، والثانية كانت ~~طقوسا تعبدية تهدف إلى التوسل لكائنات روحانية عاقلة لكي تمن ~~عليه بالنتائج المطلوبة؛ أي إن إنسان العصور الحجرية والقبال البدائية ~~كان يعتقد بالقدرة الهائلة لطقوسه، أما إنسان العصور التاريخية فكان ~~يعتقد بالقدرة الهائلة للآلهة. غير أن التحول من طقوس التأثير في القوة ~~وما يترتب عليها من معتقدات إلى طقوس التضرع والصلوات وتقديم ~~القرابين، لم يتم بشكل كامل؛ حيث بقي الإنسان يعتقد بقدرة طقوسه على ~~إجبار الآلهة على الوقوف إلى جانبه أو حتى مساعدتها على إتمام مهامها؛ ~~ففي مصر القديمة على سبيل المثال كان إله الشمس رع يدخل كل صباح في ~~صراع مع التنين الشرير آبيب الذي يحاول ابتلاع قرص الشمس ومنعه من ~~الشروق، ولكن انتصار رع على خصمه لم يكن ليتم دون معونة الكهنة الذين ~~كانوا يتلون تعاويذ معينة خلال الليل من شأنها إظهار الإله الأعلى ~~على خصمه؛ ولهذا فعندما كان البابلي يقوم بأداء دراما انتصار الإله ~~مردوخ على تنين العماء البدئي، لم يكن يؤدي دراما احتفالية دنيوية، ~~وإنما طقسا سحريا من شأنه عون الإله على مهمته في إعادة خلق العام ~~لسنة قادمة، والسومري عندما كان يعيد تمثيل دورة ms049 حياة دوموزي إنما كان ~~يساعد الطبيعة على إتمام دورتها السنوية. ~~(س): # نعود للحديث عن مسألة ما إذا ~~كان الدين قوة دافعة أم كابحة. متى يتحول الدين من قوة دافعة إلى ~~قوة كابحة؟ ~~(ج): # من أجمل أقوال يسوع المسيح ~~قوله لليهود الذين احتجوا عليه لأنه يشفي الأمراض في يوم السبت الذي ~~يحرم فيه العمل: «السبت جعل لخدمة الإنسان وليس الإنسان لخدمة ~~السبت.» ومؤدى هذا القول هو أن الدين وجد لخدمة الإنسان ولم يوجد ~~الإنسان لخدمة الدين؛ فالدين يبقى في خدمة الإنسان طالما حافظ على ~~بنية حيوية متطورة، وطالما حافظت رموزه على طاقتها الإيحائية، ثم ~~يغدو الإنسان في خدمة الدين عندما يتحول الدين إلى بنية حجرية ~~جامدة. ويبدأ هذا التحول مع ظهور الأيديولوجيات واختزال الدين إلى كتب ~~مقدسة، ثم يتكرس عندما يتحول الكتاب المقدس من مرشد إلى معبود في ~~حد ذاته؛ الأمر الذي يحرم الدين من حيويته وطاقاته الإبداعية، ~~ويحوله إلى قوة كابحة. ~~(س): # هل ينطبق هذا على الإسلام، مع ~~أن ظهوره ترافق مع صعود حضارة إسلامية تفوقت في شتى ميادين ~~المعارف والفنون والعلوم؟ ~~(ج): # خلال القرون الأولى الهجرية ~~عاش الإسلام فترة إبداعية قل نظيرها؛ فقد نشأ علم الحديث عندما قام ~~بحاثة متخصصون منذ القرن الثاني بجمع أقوال الرسول وأحاديثه وفق ~~أساليب دقيقة في التقصي، فظهرت تباعا تصنيفات في الحديث بلغ عددها ~~نحو 23 مصنفا. وظهر علم الشريعة على يد فقهاء متخصصين، وتأسست ~~نحو 11 مدرسة فقهية كان أهمها: الفقه الحنفي، والفقه الشافعي، والفقه ~~المالكي، والفقه الحنبلي. وظهر علم الكلام وهو علم العقائد الإسلامية ~~الذي تعددت مدارسه، وقام علماء الكلام باستخدام أساليب المنطق ~~والبرهان الفلسفي في إثبات صحة العقائد الإسلامية. وظهر علم تفسير ~~القرآن الكريم وتعددت كتبه. ونظرا لغياب المؤسسة الدينية في ~~الإسلام، والتي تعطي لنفسها الحق في قبول هذا المصنف في الحديث أو ~~ذاك، ورفض هذا الفقه أو ذاك، فقد تعايشت هذه النتاجات الفكرية إلى ~~جانب بعضها بعضا، ورفدت بعضها بعضا. # كما أن الإسلام لم يحارب الفلسفة، وظهرت الفلسفة الإسلامية في ms050 ~~القرن الثاني الهجري على يد الفيلسوف العربي الكبير أبو يوسف الكندي، ~~وبلغت ذروة نضجها بعد عدة قرون على يد ابن رشد. كما أن الإسلام لم ~~يحارب العلم وإنما أعطاه قوة دافعة كبيرة، ولم يتدخل في قبول أو ~~رفض أي فكرة أو نظرية علمية كما فعلت الكنيسة المسيحية. على أن هذه ~~الحيوية التي أبداها الإسلام أخذت بالاختفاء حتى وصلنا إلى عصر ابن ~~تيمية وتلاميذه عندما أغلق باب الاجتهاد والتفكير، وحل النقل مكان ~~العقل، وتحول الإبداع إلى عبادة للماضي. ~~(س): # لفت نظري في حديثك ما قلته ~~عن عدم وجود مؤسسة دينية في الإسلام. هل لنا ببعض الإيضاح حول ~~هذا؟ ~~(ج): # بعد وفاة الرسول خلفه صاحبه ~~أبو بكر الذي حمل لقب خليفة رسول الله، ولكن خلافة أبي بكر لم تكن ~~خلافة دينية وإنما خلافة سياسية، بمعنى أنه لم يكن له مركز ديني أو ~~سلطة دينية رسمية، وكان الناس يستفتونه في مسائل دينية لكونه من ~~صحابة الرسول مثلما كانوا يستفتون بقية الصحابة. وبقيت الأمور على هذه ~~الحال خلال خلافة عمر وعثمان وعلي. وعندما آلت الخلافة إلى بني ~~أمية، لم يعد من الضروري أن يكون الخليفة من صحابة الرسول، وفقد ~~منصب الخلافة أي صلة له بالصفة الدينية لشاغل المنصب، فكان الخليفة هو ~~ملك العرب تحت مسمى إسلامي شكلي. وبهذه الطريقة لم تتحول الدولة ~~العربية إلى دولة إسلامية في أي عصر من عصورها حتى في عصر الخلافة ~~الفاطمية بمصر؛ حيث كان الإمام الإسماعيلي هو الخليفة؛ ولذلك لم يكن ~~للمسلمين مؤسسة دينية تحكم شئونهم الدينية مثل الفاتيكان، ولا ~~رئيس ديني مثل بابا الكاثوليك أو بطريرك القسطنطينية. ولم يكن لديهم ~~أيضا رجال دين متفرغون ينتظمون في مراتب وظيفية كما هو الحال عند ~~الخوارنة والقساوسة والمطارنة وغيرهم من أصحاب الرتب الكهنوتية في ~~الكنيسة المسيحية. ~~(س): # وماذا عن المرجعيات الدينية، ~~وكيف نشأت إذن؟ ~~(ج): # إن غياب السلطة الدينية عند ~~المسلمين لم يكن يعني غياب المرجعيات الدينية؛ فلقد كان هناك على ~~الدوام رجال وثق الناس بعلمهم وراحوا يستفتونهم في مسائل العقائد ms051 ~~والعبادات والأحكام الشرعية، وكان من واجب هؤلاء العلماء الاستجابة ~~لطالب الفتوى وإعطاؤه الجواب على سؤاله، ولكن هذه الفتوى ليست ملزمة، ~~وبإمكان السائل أن يأخذ بها أو أن يلجأ إلى مرجعية أخرى. ~~(س): # وماذا عن الجامع الأزهر ~~وأمثاله من المؤسسات؟ أليست سلطات دينية؟ ~~(ج): # الجامع الأزهر مؤسسة ~~تعليمية، ولم يكن في وقت من الأوقات سلطة دينية. ومنذ القدم كان ~~التعليم الديني يجري في حلقات المساجد؛ حيث كان علماء الدين يلتقون ~~بتلاميذهم ويعطون علومهم لمن شاء من الرجال والنساء، ويمكن لمن اعتقد ~~أنه أكمل تعليمه الديني أن يلبس الزي الديني، وهو العمامة والقفطان، ~~دون تفويض من أحد أو حصوله على الإذن بذلك من أي جهة. ولا تختلف ~~مؤسسات التعليم الديني الكبرى مثل الجامع الأزهر عن حلقات التعليم ~~الحر إلا في أن من أكمل تعليمه فيها يحوز على ثقة أكبر من الناس ~~باعتباره حاصلا على شهادة من مؤسسة تتمتع بسمعة عالية؛ أي إن ~~السلطة الدينية لهؤلاء تأتي من الناس، من الأسفل لا من الأعلى. ~~(س): # وماذا عن وزارة الشئون ~~الدينية التي تدعى في بعض الدول العربية بوزارة الأوقاف؟ ماذا عن منصب ~~مفتي الجمهورية؟ ~~(ج): # وزارة الأوقاف هيئة إدارية بحتة تهتم بالمسائل ~~الوقفية، وإدارة شئون المساجد، وتعيين الأئمة الذين يقودون الصلوات، ~~والخطباء الذين يلقون خطبة أو موعظة يوم الجمعة، وتدفع لهم رواتب. ~~أما مفتي الجمهورية فهو مرجعية دينية بلا سلطة على أحد، ومنصبه ذو ~~طابع استشاري، ويمكن للسلطة السياسية عزله في أي وقت واستبدال آخر ~~به. ~~(س): # هذا عن الإسلام. فماذا عن ~~المسيحية من حيث كونها قوة دافعة؟ ~~(ج): # لقد شهدت المسيحية فترة ~~قصيرة من الإبداع والحيوية؛ فخلال القرن الأول الميلادي دونت ~~الأناجيل تباعا، ولم تكن تقتصر على الأناجيل الأربعة المعروفة، كما ~~قام بولس الرسول بكتابة رسائله الأربع عشرة وبثها في الكنائس حديثة ~~الولادة، ودونت رسائل أخرى عزيت إلى بعض تلاميذ يسوع؛ مثل ~~يوحنا، وبطرس، ويعقوب. وقد أنجز هؤلاء مؤلفاتهم بمبادرات شخصية ومن ~~دون تكليف من أحد أو وصاية من مؤسسة دينية. ويظهر الطابع ms052 الحر ~~والتلقائي لهذه المؤلفات من اختلاف وجهات نظر مؤلفيها بخصوص سيرة ~~يسوع وتعاليمه، والتي تعزى إلى أن كل مؤلف كان يعمل في استقلال عن ~~الآخر ودون مرجعية توجه عمله، وربما لم يكن على دراية بما أنجزه ~~الآخرون، ولكن في آخر القرن الثاني الميلادي قامت كنيسة روما التي صارت ~~أم الكنائس جميعا باختيار مجموعة من النصوص التي تم إنتاجها في فترة ~~الإبداع، واعتبرتها وحدها أصلية وقانونية، وجمعتها في كتاب واحد، أما ~~بقية النصوص فقد اعتبرت زائفة ومنحولة. وبذلك ظهر الكتاب المقدس ~~المسيحي لأول مرة تحت اسم العهد الجديد. هذه العملية كانت بداية ~~للانتقال من مرحلة الحيوية والانفتاح إلى مرحلة الجمود والأيديولوجيا. ~~وقد تكرست هذه المرحلة في مطلع القرن الثالث الميلادي، عندما أقر ~~مجمع نيقية الذي انعقد في مدينة بهذا الاسم في آسيا الصغرى قانون ~~الإيمان المسيحي، الذي حسم كثيرا من الخلافات بين رجال الدين وعلى ~~رأسها مسألة طبيعة المسيح. وبذلك دخلت المسيحية في نفق الجمود ~~والتحجر، وتمت مصادرة العقل لصالح أيديولوجيا، كانت مناقشة أي بند ~~من بنودها هرطقة تستوجب المحاكمة. وقد تجلى هذا الجمود بأوضح أشكاله ~~في الموقف العدائي الذي اتخذته الكنيسة من العلم والفلسفة. ~~(س): # هل نستطيع القول إذن بأن ~~المسيحية كانت وراء أفول روما ودخول أوروبا في العصور الوسطى؟ ~~(ج): # عندما صارت المسيحية دينا ~~رسميا للإمبراطورية الرومانية نحو عام 317م، كانت عوامل الضعف ~~والانحلال بادية على الإمبراطورية، وما لبثت طويلا حتى انقسمت إلى ~~إمبراطورية شرقية وأخرى غربية. ومنذ مطلع القرن الخامس الميلادي ~~تعرضت الإمبراطورية الغربية لغزوات البرابرة القادمين من آسيا ~~الوسطى؛ فعوامل الانحلال كانت عديدة، ولكن بعض المؤرخين يعزون إلى ~~المسيحية الدور الرئيسي في توقف النبض الحضاري في أوروبا؛ ولهذا فقد ~~ختم المؤرخ جيبون كتابه الشهير «انحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» ~~بقوله: «لقد وصفت انتصار البربرية والدين.» ~~(س): # هل يمكننا القول بأنه كان من ~~الأفضل للحضارة لو أنها بقيت على الوثنية؟ ~~(ج): # لو قلت نعم لكنت مجحفا بعض ~~الشيء. كل ما يمكنني قوله هو أن الوثنية كانت حاضنة ملائمة لنمو ms053 ~~وتفتح الحضارة. ~~(س): # ما هو السبب وراء وجود زمرة ~~من الأديان يتشابه فيها شكل الخطاب الديني كما تتشابه أساطيرها ~~أيضا؟ ~~(ج): # هناك نوعان من التشابه بين ~~أساطير الشعوب؛ النوع الأول ذو طابع عالمي ويعزى إلى وحدة اللاشعور ~~الجمعي الإنساني من جهة، وإلى الآلية الواحدة التي يعمل بها عقل البشر ~~من حيث انتماؤهم إلى جنس الإنسان العاقل. ولدينا أمثلة عديدة على هذا ~~النوع من التشابه؛ مثل دمار العالم بطوفان كبير أو نار سماوية ثم ~~عودته سيرته الأولى، ومثل خلق العالم من أشلاء إله قتيل، وموت إله ~~آخر من أجل تجديد الطبيعة. أما النوع الثاني فيحصل بين أديان نشأت ~~في حاضنة ثقافية واحدة؛ فالدين ظاهرة ثقافية، وهو ينشأ في بيئة ~~ثقافية معينة تطبعه بطابعها؛ فالبوذية التي تنكر العالم ويتركز ~~سعي الفرد فيها على الخلاص منه، قد نشأت في الهند التي تتسم عقائدها ~~بإنكار العالم، ولم تنشأ في الصين أو اليونان حيث تتسم العقائد ~~بالتوكيد على الحياة في هذا العالم، وعدم نشدان حياة أخرى بعد ~~الموت. # ولعل المثال الأوضح على النوع ~~الثاني من التشابه هو تلك العروة الوثقى التي تجمع أديان الشرق الأوسط ~~المتأخرة في زمرة متميزة ولا شبيه لها في تاريخ الدين، وأعني بها ~~الزرادشتية والمانوية والمسيحية واليهودية والإسلام؛ فلقد كانت ~~الزرادشتية الأبكر في الظهور، وهي التي قدمت عددا من الأفكار ~~الجديدة على تاريخ الأديان، دخلت بعد ذلك في صلب عقائد وطقوس الأديان ~~اللاحقة. ومن أهم تلك الأفكار: التوحيد، والمبدأ الكوني للشر ~~(= الشيطان)، ونهاية التاريخ، والقيامة العامة للموتى، وصراع ملائكة ~~الخير مع جند الشر. # ويطرح الإسلام نفسه كنموذج لانتماء الدين إلى حاضنة ثقافية ~~بعينها؛ لأنه صهر هذه الديانات الشرق أوسطية في بوتقة واحدة، وخرج ~~بتركيب جديد كل الجدة لا يشبه أيا منها. وقد أشار القرآن الكريم ~~إلى هذه السمة الفريدة للإسلام في أكثر من موضع، فقد خاطب بني إسرائيل ~~بقوله: # وآمنوا بما أنزلت مصدقا ~~لما معكم ~~(البقرة: 41). وأيضا قوله: # وهو ~~(أي القرآن) # الحق ~~مصدقا لما معهم ~~(البقرة: 91). وخاطب اليهود ~~والمسيحيين بقوله: # يا ms054 أيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما ~~معكم ~~(النساء: 47). وقال في خطابه للمسلمين: # شرع ~~(الله) # لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~(الشورى: ~~13). ~~(س): # ولكن في هذه الشواهد القرآنية ~~وفي غيرها لم ترد إشارة إلى الزرادشتية والمانوية؟ ~~(ج): # كان زرادشت أول من قال بأنه ~~تلقى وحيا من الإله الواحد، ورسالة لينقلها إلى بني الإنسان، ثم ~~تبعه في ذلك ماني. ونظرا لما تميزت به تعاليم هاتين الشخصيتين ~~من رفعة وسمو، فإننا لا نملك إلا أن نضعهما في زمرة الأنبياء. وقد ~~ورد في القرآن الكريم إشارة إلى وجود أنبياء لم يرد ذكرهم في ~~الكتاب: # إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ... ورسلا ~~قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك ~~(النساء: 163-164). ~~(س): # أريد أن أختم هذا المحور ~~بسؤال عما أسميته في كتابك «لغز عشتار» بالبؤرة الحضارية الأولى؛ حيث ~~افترضت بأن الحضارة الكونية السائدة اليوم إنما ترجع في أصولها إلى ~~بؤرة حضارية أولى تشكلت في منطقة الهلال الخصيب، وساهم في تشكيلها ~~ثورتان حضاريتان هما الثورة النيوليتية الزراعية التي انطلقت في أواسط ~~الألف التاسع قبل الميلاد في قرن الهلال الخصيب الغربي؛ أي سورية، ثم ~~الثورة المدينية التي انطلقت في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، في ~~قرنه الشرقي؛ أي في وادي الرافدين الأدنى. هل ما زلت عند رأيك هذا أم ~~صرت أكثر ميلا إلى نظرية البؤر الحضارية المتعددة والمستقلة عن ~~بعضها بعضا؟ ~~(ج): # هذه مسألة لا يمكن البرهنة ~~عليها بشكل قاطع، ولكن الشواهد الآركيولوجية التي تحصلت لدينا من ~~مناطق شتى من العالم ترجحها. وأنا ما زلت عند رأيي مع بعض ~~التعديلات. إن أكثر ما يؤيد هذه النظرية هو أننا كلما هبطنا في الزمن ~~عن تاريخ انطلاق الثورة النيوليتية في سورية وجدنا أن هذه الثورة تصل ~~إلى مناطق أبعد عن مركز انطلاقها؛ فباتجاه الشمال اجتازت الأناضول ~~نحو البحر الأسود وقزوين، وباتجاه الغرب وصلت إلى شبه جزيرة البلقان ~~وبعض مناطق أوروبا ms055 الشرقية القريبة منذ مطلع الألف السادس قبل الميلاد، ~~ولكنها لم تكتسب بقية مناطق أوروبا قبل عام 4000ق.م. ونحو الشرق وصلت ~~إلى إيران في الألف السادس قبل الميلاد، وإلى الهند ثم إلى الصين خلال ~~الألف الخامس قبل الميلاد. أما في العالم الجديد فيبدو أن الحياة ~~الزراعية قد مرت بفترة تجارب ابتدائية قبل أن تتوطد وتغدو نمطا ~~في الحياة نحو أواسط الألف الثالث قبل الميلاد. # هذا عن الثورة النيوليتية. أما عن الثورة المدينية فإني أعتقد الآن ~~أنه لم يكن من الضروري لها أن تنتقل من بؤرة واحدة؛ لأن القرية ~~الزراعية عندما تتأسس فإنها تحتوي في تركيبها على بذرة المدينة، ~~وطريق التحول من القرية إلى شبه مدينة ثم إلى مدينة هو طريق مفتوح، ~~وهو مؤكد حتى من دون مؤثرات خارجية. ومع أنه لا يمكن إنكار أثر ~~البؤرة المدينية الأولى على المناطق القريبة منها، إلا أنني أعتقد بأن ~~المناطق البعيدة قد طورت نظامها المديني بشكل مستقل، لا سيما الصين ~~التي كانت أول بلد متمدن في الشرق الأقصى في أواسط الألف الثاني ~~قبل الميلاد، وهذا ما يجعل منها بؤرة أخرى لحضارة المدينة التي ~~انتقلت منها إلى بقية أنحاء الشرق الأقصى. ~~(س): # هنالك فكرة أخرى سقتها في ~~حديثك عن البؤرة الحضارية الأولى، حيث قلت بأن تلك البؤرة التي ~~قدمت الأسس المادية التي قامت عليها الثورة الزراعية، كانت في الوقت ~~نفسه الرقعة التي تشكلت فيها تصورات دينية مرتبطة بالاقتصاد ~~الزراعي، وأسطورة أولى قلت إنها انتقلت مع الثقافة الزراعية إلى كل ~~مكان وصلت إليه. هل ما زلت عند رأيك في ذلك؟ ~~(ج): # كلا، لقد قلت منذ قليل إن ~~العقل الإنساني يعمل وفق ميكانيكية واحدة؛ وبالتالي فمن الممكن ~~لأسطورة واحدة أن تنشأ في أمكنة متباعدة، وربما منقطعة عن بعضها، ~~وأعطيت لفعالية اللاشعور الجمعي دورا في هذه العملية. وفيما يتعلق ~~بالتصورات الدينية والأسطورية الزراعية، فإن كل ثقافة زراعية يمكن ~~أن تطور تصوراتها وأساطيرها الزراعية الخاصة دون الحاجة إلى مؤثر ~~خارجي. الهم الأساسي للمزارع هو المطر وخصب الأرض ودورة الطبيعة، ~~وتصوراته ms056 الدينية تكاد أن تكون محصورة في هذه المسائل دون غيرها؛ ~~ولذلك ترى أن الفلاحين عبر تاريخ الحضارة لم يكونوا يأبهون كثيرا ~~للآلهة البعيدة التي كانت تقيم في السماء ولا لمجمع آلهة المدن، بقدر ~~ما كانوا يأبهون للقوى الفاعلة في الطبيعة، والتي من شأنها ضمان ~~محاصيلهم، ودفع غائلة الجوع عنهم؛ ولذلك فقد تأخر دخول الشرائح ~~الاجتماعية الفلاحية في أديان التوحيد عن سكان المدن، وعندما دخلوا ~~حولوا آلهة الخصب القديمة إلى قديسين في المسيحية، وإلى أولياء في ~~الإسلام، وجعلوهم شفعاء خصب. ومن هؤلاء القديس جورج أو جاورجيوس كما ~~يدعى في اللغة اليونانية القديمة ومعناه الفلاح، ويلقب في أوروبا ~~بجورج الأخضر؛ حيث يحتفلون بيومه في الثالث والعشرين من شهر ~~نيسان/أبريل، وهو التاريخ نفسه تقريبا الذي كانت تقام فيه أعياد ~~الخصب القديمة، وفي هذا اليوم كانوا يمارسون طقوسا بهيجة معينة ~~اعتقدوا أنها تكثر محاصيلهم وتباركها. وفي بلاد الشام يدعى القديس ~~جورج مارجاورجيوس، وتصوره الأيقونات الدينية على هيئة فارس يصارع ~~تنينا خرافيا، وهو مشهد مألوف في الميثولوجيا السورية القديمة؛ ~~حيث نجد الإله الزراعي بعل يقتل الحية الجبارة ذات الرءوس ~~السبعة. # وقد انتقلت هذه الشخصية إلى المعتقدات الشعبية الإسلامية تحت اسم ~~الخضر؛ أي الرجل الأخضر، وهو نبي حي محجوب عن الأنظار إلى يوم ~~القيامة، ولكنه يظهر في بعض الأحيان لكي يمد يد العون للبشر، وفي ~~المكان الذي يظهر فيه يبنى له مزار يؤمه الفلاحون من أجل الحصول ~~على البركة والشفاء، ويصوره القصص الشعبي وروايات الإخباريين ~~جالسا على طنفسة خضراء فوق سطح الماء متشحا بثوب أخضر، فإذا مشى ~~نبت العشب تحت قدميه. وفي فلسطين كان الفلاحون إلى عهد قريب ينادونه ~~إذا تأخر المطر قائلين: «يا سيدي خضر الأخضر اسق الزرع الأخضر، يا ~~سيدي خضر إلياس اسق الزرع اليباس.» وهنالك شخصية ميثولوجية زراعية ~~أخرى اختلطت بالخضر، وهي شخصية النبي التوراتي إلياس الذي أنزل المطر ~~بعد احتباسه ثلاث سنوات، وبذلك دخل في زمرة القديسين الزراعيين. وبما ~~أنه لم يمت بل رفعه الله إليه على ظهر مركبة نارية هبطت من ms057 ~~السماء، فقد صار شبيها بالخضر النبي الحي الذي لا يموت. وهناك عادة ~~متبعة في جميع أنحاء بلاد الشام، وهي غرس نبات دائم الخضرة طيب ~~الرائحة يدعى «الآس» فوق قبور الموتى، واسم هذا النبات مشتق من اسم ~~إلياس. ومن الجدير بالذكر أن شخصيات هؤلاء القديسين الزراعيين الثلاثة ~~قد تمازجت في خيال الفلاحين مسيحيين ومسلمين؛ ولذلك فقد نجد المسيحيين ~~يزورون مقاما للخضر على أنه مارجاورجيوس، ومسلمين يزورون مقاما ~~لمارجاورجيوس على أنه الخضر. # المحور الثالث # | الدين والأسطورة # (س): # فيما مضى من حديثك كنت تذكر أحيانا تعبير «أسطورة» ~~أو «أساطير» وأحيانا ميثولوجيا، ما الفرق بين التعبيرين؟ ~~(ج): # هما شيء واحد، ولكن تعبير ~~ميثولوجيا له دلالتان؛ فهو من ناحية أولى يدل على مجمل أساطير ~~ثقافة ما، كأن نقول الميثولوجيا المصرية أو الميثولوجيا اليونانية. ~~ومن ناحية ثانية يدل على العلم الخاص بدراسة الأساطير. وكما نلاحظ ~~من صيغته الإنكليزية # Mythology # فإنه ~~مشتق من كلمة # Myth # وأصلها اليوناني هو # Mytos # وفق ما ذكرته في جواب سابق ~~لي. ~~(س): # وما هو أصل كلمة أسطورة أو ~~أساطير في اللغة العربية؟ ~~(ج): # هي من السطر وهو الصف من ~~الكلمات، وجمعها أسطر وسطور، وجمع الجمع أساطير؛ فهي والحالة هذه الخط ~~والكتابة؛ ولذلك نقول سطر بمعنى كتب. وقد وردت كلمة أساطير ~~الأولين في القرآن الكريم بمعنى أحاديث وحكايا الأولين: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها ~~(أي محمد) # فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا ~~(الفرقان: 5)؛ ولذلك فقد استنبط المترجمون ~~المحدثون مفردة أسطورة كمعادل ل # Myth # في اللغات الأوروبية. ~~(س): # هل يمكننا القول إذن بأن ~~الأسطورة هي من حيث المبدأ حكاية أو قصة؟ ~~(ج): # هذا صحيح. ~~(س): # ولكن كلما ذكرت الأسطورة ~~كان ذكرك لها مترافقا مع الدين، فهل هما من طبيعة واحدة؟ ~~(ج): # هذا يقودنا إلى الحديث عن بنية الدين ومكوناته. إن ~~النظرة الفاحصة على تاريخ الدين وجغرافيته تكشف لنا عن بنية موحدة ~~للدين في أي مكان أو زمان. وهذه البنية تتألف من عدد المكونات ~~الرئيسية هي: (1) المعتقد. (2) الطقس. (3) الأسطورة. فالمعتقد هو ~~مجموعة من الأفكار التي نكونها عن ms058 المجال القدسي بعد أن أحسسنا ~~بوجوده ولمسنا آثاره من حولنا. وبينما تتصف عقائد الديانات البدائية ~~بالبساطة وقلة ما تحتويه من أفكار، فإن عقائد الديانات العليا تتصف ~~بالتعقيد والتركيب وكثرة ما تحتويه من أفكار، كما هو الحال في الأديان ~~الواسعة الانتشار في العالم؛ مثل البوذية، والمسيحية، ~~والإسلامية. # ولكن الأفكار التي نصوغها عن ~~المجال القدسي لا تصنع دينا إلا عندما تدفعنا إلى سلوك وإلى فعل، ~~فننتقل من التفكير في المجال القدسي إلى اتخاذ مواقف عملية منه، وهذا ~~ما يفعله الطقس. والطقس هو سلسلة مرتبة من الأفعال والصيغ الكلامية ~~المصحوبة أحيانا بالرقص والموسيقى، تؤدى بشكل جماعي في أوقات ~~معينة، أو كلما دعت إليها الحاجة. وفي عصر الآلهة أضيفت إليها ~~الأدعية والصلوات والقرابين أو حلت محلها. هذا الطابع الجمعي للطقس ~~هو الذي يرسخ المعتقد عند الجماعة، ويعطيها الإحساس بالوحدة ~~والانسجام. وفي الحقيقة فإن العقيدة التي لا تزود بالطقوس والشعائر ~~تبقى في نطاق الفلسفة بسبب افتقارها إلى نظام طقسي يحدث صلة مع ~~القوى التي آمن العقل بوجودها. # أما الأسطورة فإنها نوع من الأدب، وربما كانت أقدم أنواع الأدب. إنها ~~قصة تحكمها مبادئ السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات وما إليها، ~~ولكنها ليست قصة دنيوية مما يتداوله أفراد الجماعة في مجالسهم، بل ~~قصة مقدسة لا تتلى إلا في مناسبات دينية معينة. أما شخصياتها ~~فتنتمي إلى المجال القدسي، وهي لا تتطرق إلى الإنسان إلا في علاقته ~~بالشخصيات الماورائية؛ وبالتالي فإن موضوعاتها تقتصر على المسائل ~~الكبرى؛ مثل: خلق العالم، وأصل الإنسان، والموت، والحياة، والعالم ~~الآخر وما إليها. من هنا فإن الفرد إذا كان حرا في تصديق أو عدم ~~تصديق أي قصة تروى له، فإنه يشعر وهو يستمع إلى الأسطورة برهبة ~~تدفعه إلى تصديق كل ما ترويه له. ~~(س): # هل نستطيع القول إذن بأن ~~الطبيعة القدسية للأسطورة هي المعيار الرئيسي في التعرف على النص ~~الأسطوري؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فعلى النص الذي ~~تنطبق عليه الصفة الأسطورية أن ينتمي إلى منظومة دينية بعينها، أما ~~النص الذي ينشأ ويعيش خارج أي منظومة ms059 دينية فهو نص دنيوي ينتمي ~~إلى أحد الأجناس الشبيهة بالأسطورة؛ مثل: الحكاية الخرافية، والحكاية ~~البطولية، والقصة الشعبية. ~~(س): # حسنا، لقد وصفنا النص ~~الأسطوري، ولكن دعنا نتحدث عن آليات عمله وأبرز وظائفه. ~~(ج): # تعمل الأسطورة على اختزال ~~تجربتنا مع العالم الموضوعي، ثم إعادة تقديمه إلى الوعي بعد أن تم ~~تفسيره وترتيبه. وفي الحقيقة فإن كلا من الفلسفة والعلم يقوم ~~بالمهمة ذاتها، ولكن بينما يلجأ هذان إلى العقل التحليلي الذي يجزئ ~~العالم ثم يعيد تركيبه من أجل فهمه، معتمدا في ذلك على البرهان ~~العقلي بالنسبة للفلسفة، والبرهان التجريبي بالنسبة للعلم؛ فإن ~~الأسطورة تضع الإنسان بكليته في مواجهة العالم وبجميع ملكاته العقلية ~~والحدسية، الشعورية واللاشعورية، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل ~~صياغة رؤية متكاملة لهذا العالم ذات طابع كلاني يعادل تجربة ~~الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه. ~~(س): # أعتقد أنني بدأت لا ~~أفهم! ~~(ج): # حسنا، إن كلا من العلم ~~والفلسفة والأسطورة يستجيب على طريقته لمطلب النظام؛ أي لمطلب أن يعيش ~~الإنسان ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى ~~الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته مع الطبيعة؛ فالفلسفة تنتج ~~نظاما من المفاهيم التجريدية المترابطة يدعي تفسير العالم، والعلم ~~بدوره ينتج نظاما من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، ~~وتنتهي بترميز العالم في بنى رياضية. وفي مقابل هرم نظام المفاهيم ~~الفلسفية وهرم نظام القوانين الرياضية، فإن الأسطورة تعتمد من جانبها ~~على خلق نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية التي يعتمد بعضها على ~~بعض في هرمية للأسباب والنتائج؛ فهي تؤنسن الكون حين تبث فيه عنصر ~~الإرادات الإلهية الفاعلة، وترى في كل ظاهرة موضوعية نتاجا لإرادة ~~ما؛ أي إنها تصنع صورة لكون حي لا يقوم على ميكانيكيات متبادلة ~~التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. وهي في سعيها ~~لخلق هذه الصورة تعتمد على خزان لا ينضب معينه من وسائل الترميز، ~~وتفتح البوابات بين الوعي واللاوعي؛ ولذلك فإن متلقي الأسطورة لا ~~يشعر بأنه أضاف إلى معارفه شيئا جديدا، وإنما غدا أكثر توافقا مع ~~نفسه ومع ms060 العالم؛ لأن ما تنقله الأسطورة من معان لا يشبه الوقائع ~~والمعلومات، إنه إيحاء لا إملاء وإشارات لا تعليم وتلقين. وهي في سعيها ~~هذا تلجأ إلى استخدام الظلال السحرية للكلمات أكثر من مدلولاتها ~~المباشرة. ~~(س): # فيما يتعلق بهذه الخصيصة الأخيرة، أرى أن الأسطورة ~~تقف إلى جانب الشعر! ~~(ج): # وأكثر من ذلك؛ فالشعر هو وليد الأسطورة، وقد شق ~~لنفسه طريقا مستقلة بعد أن أتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح ~~والتلميح، وبين الدلالة والإشارة، وبعد أن تعلم منها كيف يمكن للغة ~~السحرية أن تقول من دون أن تقول، وأن تشبعك بالمعنى دون أن تقدم لك ~~معنى دقيقا ومحددا، وذلك من خلال رسالة كلانية غير تفصيلية؛ ~~ولهذا السبب يرى أفلاطون في كتابه «الجمهورية» ضرورة استبعاد الشعراء ~~من المدينة الفاضلة؛ لأن السماح بالشعر يعني إفساح المجال وفتح الطريق ~~أمام الأسطورة. ~~(س): # دعنا الآن نختبر معاييرك التي ~~وضعتها من أجل التعرف على النص الأسطوري. إلى أي حد تنطبق تلك ~~المعايير على أسطورة مثل أسطورة أوديب اليونانية المعروفة على نطاق ~~واسع بسبب ما أعطتها مدرسة التحليل النفسي من تفسيرات؟ وما هي الفكرة ~~الدينية الكامنة وراءها؟ ~~(ج): # على الرغم من أن أسطورة أوديب ~~تنتمي إلى الموروث الثقافي اليوناني، إلا أنها تقوم على فكرة دينية ~~موجودة في الثقافة اليونانية وفي أكثر من منظومة دينية، وهي فكرة ~~القضاء والقدر؛ فأوديب كان محكوما عليه بأن يقتل أباه ويتزوج من ~~أمه، وعندما علم بهذا القدر حاول الهرب منه دون جدوى إلى أن قتل أباه ~~وهو لا يعرفه، وتزوج من أمه وهو لا يعرف أنها أمه. # وفكرة القضاء والقدر موجودة في الإسلام أيضا، وهي من أركان ~~الإيمان؛ حيث على المسلم أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى. وفي القرآن الكريم ~~أكثر من آية في موضوع القدر ومنها: # قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ~~(التوبة: 51). و: # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا ~~في أنفسكم إلا في كتاب ~~(الحديد: 22). # وفي الثقافة الصينية نجد ms061 مثل هذه الفكرة في كتاب التغيرات (آي ~~تشينغ)؛ فإضافة إلى مفهوم التغير الدائم الذي يجري على خلفية ثابتة، ~~هنالك مفهوم شبيه بمفهوم عالم المثل عند أفلاطون؛ فكل حادث في ~~المستوى المرئي للعالم يحصل بتأثير صورة أو فكرة في المستوى غير ~~المرئي؛ وعليه فإن كل ما يجري على الأرض هو نسخة لاحقة زمنيا عن ~~أمر جرى في مستوى يقع خارج إدراكنا الحسي. والحكيم الذي يكون ~~متواصلا مع المستوى الخفي للوجود يتاح له الاطلاع على تلك الصور ~~والأفكار من خلال حدسه المباشر، ويصبح في وضع يسمح له بالتدخل في ~~الأحداث الجارية في العالم. # ومن ناحية أخرى، فقد اعتقد الفلاسفة الصينيون بالقدر الذي عبرت ~~عنه اللغة الصينية بكلمة «مينغ» وهو الشيء الذي لا يستطيع الإنسان ~~السيطرة عليه أو تغييره. وقد عالج كونفوشيوس موضوع القدر ولا سيما في ~~كتاب «المحاورات» وأشار إليه بصيغة «تيان مينغ» أي القضاء السماوي. ومن ~~أقواله فيه: «إن الحياة والموت يعتمدان على السماء؛ ولذلك ما علينا سوى ~~أن نعمد إلى تقويم أنفسنا ونترك القدر يأخذ مجراه.» # هذا جوابي على سؤالك المتعلق بأسطورة أوديب اليونانية، ولكن يتوجب ~~علي القول طالما أنك أثرت مسألة الميثولوجيا اليونانية، بأن كثيرا ~~من القصص المتوارثة عن الثقافة اليونانية والتي يضعها الباحثون في ~~الميثولوجيا اليوم في زمرة الأساطير ليست في واقع الحال كذلك. ~~(س): # هل في ذهنك بعض الأمثلة على ~~مثل هذه القصص؟ ~~(ج): # تلك الحكايا التي تدور حول ~~الأبطال الخرافيين؛ مثل: بيرسيوس، وجيسون، وتيسيوس؛ فلقد قام بيرسيوس ~~مثلا بقتل المرأة الأفعى ميدوزا التي تحول الرجال بنظرتها إلى ~~حجارة، ثم قام برحلة إلى إثيوبيا حيث أنقذ العذراء إندروميدا المقيدة ~~أمام تنين هائل قربانا له، وأعمال بطولية أخرى من هذا القبيل. مثل ~~هذه القصص ينبغي لنا تصنيفها في زمرة الحكايات الخرافية، ونموذجها في ~~الأدب الشعبي العربي قصة سيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة. ~~(س): # لنكن الآن أكثر تخصيصا ~~وتحديدا فيما يتعلق بالطريقة التي تعمل بها الأسطورة على خدمة ~~الدين. ~~(ج): # تنشأ الأسطورة عن المعتقد ~~الديني وتكون بمثابة ms062 امتداد طبيعي له؛ فهي تعمل على توضيحه وإغنائه، ~~وتزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات ~~الإنسانية، كما تعمل على تزويد فكرة الألوهة بألوان وظلال حية؛ ~~لأنها ترسم للآلهة صورهم وشخصياتهم، وتعطيهم الصفات والأسماء ~~والألقاب، وتكتب لكل منهم تاريخه وسيرته الذاتية، وتحدد علاقات ~~بعضهم ببعض. # إن الخبرة الدينية ليست من حيث الأساس خبرة عقلية بقدر ما هي خبرة ~~عاطفية انفعالية؛ ولذلك فإنها لا تتطلب البرهان ولا تتطلع إليه، ~~وإنما تتطلب معادلا موضوعيا يعكسها إلى الخارج من خلال ميثولوجيا ~~تجعل التجربة الدينية مشتركة مع الآخرين. وهنا تعمد الأسطورة إلى ~~استنفاد القوى السحرية للغة من أجل التعبير عن خبرة كلانية بالقدسي ~~لا تنفع في توصيلها مفردات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. وهذا ما ~~يفسر لنا لماذا لم يعمد كهان الديانات القديمة وأصحاب الرسالات ~~الدينية إلى مخاطبة الناس بصيغة البرهان وإنما بصيغة البيان. إن ~~الاستماع إلى بضع آيات من كتاب مقدس تغني المؤمن عن قراءة مئات ~~الصفحات التي تخاطب عقله بالمنطق والبرهان، ومن هنا تأتي تلك المناعة ~~التي أظهرها الدين حتى الآن أمام النقد رغم لامعقولية تعبيراته ~~الرمزية. ~~(س): # هل تلعب الأسطورة الدور نفسه ~~في الأديان التوحيدية؟ ~~(ج): # لا يوجد دين بدون أساطير ~~تعمل على توضيح المعتقد وإغنائه، فإذا وجد مثل هذا الدين فإن أتباعه ~~سوف يبحثون عاجلا أم آجلا عن أساطير تروي عندهم تلك الحاجة ~~المتأصلة في النفس الإنسانية إلى الأسطورة. ومثالنا الحي على ذلك ~~البوذية؛ فالبوذية في حلتها الأصلية التي صاغها سيدهارتا غوتاما كانت ~~مجردة من الأساطير لأنها كانت ديانة بدون آلهة، وكان البوذا يصرف ~~أذهان تلاميذه عن المسائل الميتافيزيكية التي كانوا يسألونه بشأنها، ~~ويركز لهم على الهم الأساسي للبوذي، ألا وهو التحرر من هذا العالم ~~المادي، ومن إسار دورة الميلاد والموت بقوى الإنسان الشخصية؛ لأن ~~الآلهة إذا وجدت فلن تستطيع مد يد المساعدة إليه، ولكن هذه الصيغة من ~~البوذية لم تبق على حالها، وجاء معلمون بوذيون فقالوا إن البوذا كان ~~يعلم سرا أنه ليس على الإنسان أن يخلص نفسه، ms063 وإنما يمكن له الحصول ~~على المساعدة. وهكذا بدأت بالظهور بوذية جديدة هي بوذية سميت ~~بالماهايانا؛ أي المركبة الكبرى؛ لأنها صارت قادرة على تخليص أعداد ~~كبيرة من الأرواح، أما البوذية الأصلية فقد دعيت بالهينايانا؛ أي ~~المركبة الصغرى؛ لأنها لم تكن تصلح إلا لتخليص نخبة من الناس. وهكذا ~~صار الكون حتى حدوده الخارجية مشبعا بالكائنات الماورائية الحانية ~~التي تستطيع مد يد العون إلى البشر، وعادت الأدعية والصلوات إلى ~~البوذية بعد أن كانت بلا فائدة، وجرى إمداد الأتقياء بالرسوم الجدارية ~~والمنحوتات لكي يسجدوا أمامها ويتضرعوا إليها، ولم يعد الخلاص أمرا ~~يمكن تحقيقه بالجهد الذاتي فقط. ~~(س): # ما نوع الأساطير التي نجدها ~~في الديانات التوحيدية؟ ~~(ج): # لدينا أساطير رئيسية وأخرى ~~ثانوية؛ فمن الأساطير الرئيسية هنالك أسطورة الخلق والتكوين، وجنة عدن، ~~وعصيان الإنسان الأول وسقوطه، وتمرد الملاك إبليس وتحوله إلى ~~شيطان، ويمكن اعتبار مشاهد اليوم الأخير والجنة والنار بمثابة أساطير ~~تعليمية تهدف إلى تزويد المعتقد بصورة حية نابضة. ومن الأساطير ~~الثانوية التي تروى عن مسيرة التاريخ البشري لدينا أسطورة الطوفان ~~الكبير، وقصص الأنبياء، وما جرى لهم مع أقوامهم، وتدمير المدن العاصية ~~التي لم تستجب لرسالة الأنبياء. ~~(س): # هل هنالك من أسطورة مركزية ~~بين ما ذكرت؟ ~~(ج): # بالتأكيد؛ فأسطورة التكوين في ~~كل المنظومات الميثولوجية هي أم الأساطير. ~~(س): # لماذا؟ ومن أين تأتي ~~أهميتها؟ ~~(ج): # لأنه مع فعل الخلق يبدأ تاريخ ~~الألوهة وتاريخ الإنسان، أما ما سبق ذلك فقد كانت الألوهة في حالة ~~أشبه بالعدم لأنها لم تكن تفعل شيئا؛ ولهذا سئل نبي الإسلام من ~~قبل أحد صحابته: «أين كان الله قبل أن يخلق خلقه؟» فأجاب: «كان في ~~عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء.» ولدينا حديث ~~قدسي (أي المتكلم فيه هو الله) يتداوله الصوفية بشكل خاص يقول: «كنت ~~كنزا مخفيا لا أعرف، فخلقت الخلق، فبه عرفوني.» أي إن الألوهة ~~المتسربلة بالأبدية لا تعلن عن نفسها إلا عند دخولها في الزمن وفي ~~تاريخ الكون والإنسان، وذلك مع قيامها بفعل الخلق الذي مد المكان ms064 وأطلق ~~الزمان. إن فعل التكوين الذي أظهرت الألوهة من خلاله كل ما عداها، هو ~~الذي أخرجها من حالة الكمون في الأزلية الساكنة إلى حالة الوجود ~~والفعالية. وهي بإظهارها ما عداها قد أظهرت نفسها بالمقابل؛ ولهذا يضع ~~الصوفي عبد الكريم الجيلي على لسان الحق قوله لوليه: «لا تتقيد ~~باسم العبد؛ فلولا العبد ما كان الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتك». ~~كتاب الإنسان الكامل. ~~(س): # وهل هذا يعني أن الإله الخالق ~~كان قبل الخلق وجودا افتراضيا؟ ~~(ج): # هذا إذا فسرنا الوجود ~~الافتراضي بأنه حالة من عدم الفعالية؛ فالإله الأزلي القابع وراء الزمن ~~الجاري موجود في ذاته ولذاته، وهو لا يباشر وجوده الفعلي إلا عندما ~~يبتدر الزمن ويعلن عن فعاليته فيه؛ ولهذا يمكن أن نقول بأن الأسطورة ~~لا تتشكل عندما يكون الإنسان في ذهنه صورا للآلهة، بل عندما ~~يعزو إلى هذه الآلهة بداية محددة في الزمن، وعندما تباشر ~~فعاليتها في سياق زمني. وهنا يتحول الوعي الإنساني من فكرة الألوهة ~~إلى تاريخها. ~~(س): # الدخول في التاريخ يعني أن ~~الميثولوجيا سوف تتابع سرد تاريخ الألوهة وتشابكه مع تاريخ ~~الإنسان. ~~(ج): # وهذا ما يقوم به التاريخ ~~الميثولوجي، أو التاريخ المقدس كما أدعوه، عندما يكشف عن فعاليات ~~الكائنات الماورائية في الأزمان الميثولوجية الأولى، وما نجم عنها في ~~عالم الطبيعة والإنسان. إن كل ما يجري في العالم المنظور ينشأ عن ~~بوادر أولى متجذرة في الزمن الأسطوري، زمن الأصول؛ فالجنس البشري ~~محكوم عليه بالكد والمشقة في تحصيل معاشه؛ لأن الآلهة خلقته لكي ~~يحمل عنها عبء ما كانت تقوم به من أعمال لتحصيل قوتها، على ما تقوله ~~لنا أسطورة أتراحاسيس ونصوص بابلية أخرى. أو لأن الله قال لآدم: ~~«ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك.» على ما يقوله ~~لنا سفر التكوين في التوراة، والمؤسسات الاجتماعية المختلفة مثل ~~الملوكية الوراثية والكهنوت موجودة لأنها نزلت من السماء على ما نعرفه ~~من أسطورة آدابا وأسطورة إيتانا والنسر البابليتين، والمرض حل بجسم ~~الإنسان بسبب خطيئة الإله إنكي، على ما نعرف من أسطورة ms065 إنكي وننخرساج، ~~وصار الموت محتما على الإنسان بسبب خطيئة ارتكبها الإنسان الأول، ~~على ما نعرف من أسطورة آدابا البابلية وأسطورة آدم وحواء، والشر دخل في ~~نسيج خلق الله الحسن بسبب تمرد ملاك في السماء على خالقه وتحوله ~~إلى شيطان ... إلى آخر ما هنالك من أفعال وأحداث قادت إلى تكوين الصورة ~~الحالية لعالم الإنسان. ~~(س): # وهل يعني هذا أن الأسطورة هي ~~نوع من التاريخ، من حيث إنها تشبع عند الإنسان ذلك التوق إلى معرفة ~~أصول وجذور الأوضاع الراهنة؟ ~~(ج): # إن الأسطورة والتاريخ هما ~~بمثابة وسيلة يفهم منها الإنسان نفسه ويعي شرطه، وتوقنا الآن إلى ~~قراءة وفهم التاريخ يصدر عن الدافع نفسه الذي كان يدفع أسلافنا إلى ~~الاستماع إلى الأساطير، ولكن ما يميز هاتين المنظومتين عن بعضهما ~~هو أن الفكر الحديث أحل أفعال الإنسان وقوانين التطور محل مشيئة ~~وأفعال الآلهة كمحرك للتاريخ؛ أي إنه استبدل التاريخ المقدس ~~بالتاريخ الدنيوي. ~~(س): # نحن نعرف ما هو التاريخ ~~الدنيوي وكيف نشأ، ونعرف عن آلياته، ولكن ما هي آليات التاريخ ~~المقدس؟ ~~(ج): # كان لدى الإنسان القديم، كما ~~لدى الإنسان الحديث، رغبة في الاحتفاظ بنوع من الذاكرة الجمعية التي ~~تعطي وجوده في هذا العالم معنى ومغزى. وبدون هذه الذاكرة التي ~~نسجتها له الميثولوجيا يصير إلى حالة أشبه بالموت؛ لأن نسيان الماضي ~~هو نوع من الموت؛ فالموت نسيان، والموتى الهابطون إلى العالم الأسفل في ~~الميثولوجيا اليونانية يشربون في طريقهم من نبع يدعى نبع النسيان لكي ~~يقضوا الحياة الأخرى بدون ذاكرة؛ أي بدون تاريخ. غير أن ما يفرق ~~الذاكرة الجمعية الأسطورية عن الذاكرة الجمعية التي يصنعها علم التاريخ ~~هو محتوى كل منهما؛ فالتاريخ الأسطوري لا يحفل بغير الأحداث ~~الناجمة عن عمل الآلهة، أو عن تداخل عالم الآلهة بعالم البشر. أما ~~الأحداث الدنيوية، وأما أعمال الإنسان، فلا قيمة لها ولا تستحق الجمع ~~والحفظ، فإذا قيض لحادثة أو شخصية ما أن تخلد في الذاكرة فإن ذلك ~~لن يأتي إلا عن طريق أسطرتها وارتفاعها من مستوى الواقع إلى مستوى ~~الحدث الميثولوجي؛ فملوك ms066 اليونان القدماء مثل يوليسيس وأغاممنون ~~ومينيلاوس، لم تصل أخبارهم أسماع الإغريق إلا بعد أن ألبستهم ~~الإلياذة حلة ميثولوجية أصيلة. والشيء نفسه ينطبق على جلجامش ~~السومري والملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة لدى ~~الأنكلوساكسون. ~~(س): # هل تعني أن الإنسان كان ~~غافلا عن دوره في تاريخ الحضارة؟ ~~(ج): # هذا شيء غريب بالفعل ولكنه ~~صحيح. لقد عزا الإنسان إلى الآلهة في الميثولوجيا الرافدينية كل ~~منجزاته الحضارية وابتكاراته التكنولوجية التي قادت عملية الارتقاء ~~والتقدم؛ فالإله، لا الإنسان، كان أول راع وأول فلاح، وأول من دجن ~~الحيوان وحلب البقر وصنع الزبدة والجبن، وأول من طحن القمح وخبز الخبز، ~~وأول من صنع المحراث والمعول. ولقد مضى دهر على الآلهة وهم يقومون ~~بكل الأعمال اللازمة لتأمين قوتهم إلى أن جاء وقت قرروا فيه خلق ~~الإنسان لكي يحمل عبء العمل عنهم ويخلدوا هم للراحة. ~~(س): # هل يعقل أن ذلك الإنسان الذي ~~صنع الثورة النيوليتية، أول ثورة حضارية شاملة في التاريخ، كان ~~جاهلا بما فعل؟ ~~(ج): # وأكثر من ذلك؛ فقد كان جاهلا ~~بأنه صنع الثورة الثانية، وأعني بها الثورة المدينية، ولم يكن يعرف ~~الكثير عن أصل وتطور ونمو المدن التي بناها أسلافه في ماض قريب ~~إليه، واعتقد بأن مدنه التي يسكنها قد بنتها الآلهة في سالف الأزمان. ~~والإشارات الموجودة في النصوص المشرقية حول هذا الموضوع عديدة؛ فمدينة ~~نيبور السومرية بناها الإله إنليل، ومثلها أوروك التي يصفها مطلع ملحمة ~~جلجامش بأنها صنعة يد الآلهة، ومثلها أيضا إيريدو التي بناها الإله ~~إنكي، وبابل العظيمة التي بناها الإله مرودخ. ~~(س): # وماذا عن الأعمال التي كان ~~الإنسان ينجزها في زمنه لا في أزمان الأصول الأولى؟ ~~(ج): # إذا كان للإنسان بعد ذلك أن ~~يباشر بنفسه أي عمل إبداعي مهم، فإن الآلهة هي التي تأخذ بيده ~~وترشده إلى كيفية تحقيقه؛ فالملك السومري غوديا بنى في مدينته لجش ~~معبدا وفق تصميم أطلعته عليه الإلهة نيدابا في الحلم، والملك ~~الآشوري بنى مدينة نينوى وفق هيئة مرسومة في القبة السماوية منذ ~~الأزمنة الأولى، والملك داود تلقى من الرب تصميم ms067 هيكل أورشليم ~~(سفر أخبار الأيام الأول)، وعلى هذا التصميم اعتمد ابنه سليمان في ~~تنفيذ المشروع. يضاف إلى ذلك أن الآلهة السومرية كانت تحتفظ بمجموعة ~~من الألواح الفخارية أو الرقم تدعى ~~مي/ # Me # دونت عليها نواميس الحضارة، ~~وهذه النواميس عبارة عن النماذج السماوية التي تجعل كل إنجاز حضاري ~~على الأرض ممكنا. وقد كانت هذه الألواح موجودة في حوزة إنكي إله ~~مدينة إيريدو، أول مكان متحضر في سومر، وعندما أرادت إنانا إلهة ~~مدينة أوروك أن تنقل تقاليد الحضارة إلى مدينتها سافرت إلى إيريدو حيث ~~استقبلها إنكي وصنع لها وليمة وراح الاثنان يشربان البيرة، وعندما ~~لعبت الخمرة برأس إنكي راحت إنانا تطلب منه إعطاءها نواميس الحضارة ~~واحدا بعد آخر وهو يلبي لها ما تطلب، إلى أن حازتها جميعا وسافرت ~~بها إلى أوروك، قبل أن يصحو إنكي من سكرته. ومن هذه النواميس وعددها ~~أربعون نذكر الآتية: الكهنوت الأعلى، التاج النبيل، الملوكية، قضيب ~~وحبل قياس المسافة، الخنجر والسيف، فن الجيش، أدوات الموسيقى، الغناء، ~~بيوت السكن، حرفة الخشب، حرفة النحاس. ~~(س): # إن هذا المصدر السماوي لكل ~~إبداع يذكرني بأننا ما زلنا ننسب كل فكرة إبداعية إلى إلهام ~~خارجي. ~~(ج): # ولهذا كان الإغريق ينسبون كل ~~إبداع أدبي أو فني يصدر عن الإنسان إلى ربات الفنون والموسيقى ~~اللواتي كن يلهمن الشعراء والرسامين والنحاتين، وكان العرب أيضا ~~ينسبون كل إبداع شعري إلى جنيات وادي عبقر اللواتي كن يلهمن ~~الشعراء، ومن هنا جاء تعبير العبقري الذي يدل على الشخص الفائق ~~للإبداع والمتواصل مع منبع الحكمة الخفي. هذه الحكمة أوجدها الله قبل ~~أن يكون هناك سماء وأرض وكانت له بمثابة وسيط للخلق، على ما نقرأ في ~~كتاب التوراة: «ومنذ ذلك الحين هي موجودة في حضرته واقفة قدامه» (سفر ~~الأمثال: 8). والله يمن بالحكمة على من يشاء؛ ولذلك عندما قال ~~للملك سليمان أن يطلب منه شيئا لم يطلب سليمان إلا أن يعطيه ربه ~~الحكمة: «ففاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر» على ~~حد تعبير سفر الملوك الأول (3). وفي القرآن الكريم ms068 نجد أن الحكمة هي ~~هبة من عند الله يزود بها أنبياءه والصالحين من عباده: # وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ~~مما يشاء ~~(البقرة: 251). وأيضا: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم ~~(النساء: 113). وأيضا: # ذلك مما أوحى إليك ربك من ~~الحكمة ~~(الإسراء: 39). وهذه الحكمة التي تلقاها الرسول ~~سوف ينقلها بدوره إلى الناس: # كما أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ~~ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~(البقرة: ~~151). ~~(س): # هذا التركيز على التاريخ ~~المقدس هل جعل الإنسان القديم بدون ذاكرة دنيوية من أي نوع؟ ~~(ج): # إن تجاهل الإنسان لحقيقة ~~ما جرى في الماضي لا يعني أن المجتمعات القديمة لم تحتفظ أبدا بذاكرة ~~دنيوية، ولكن هذه الذاكرة الدنيوية في حال وجودها لم تلعب دورا في ~~مساعدة الإنسان على فهم حاضره باعتباره نتاجا لأفعاله ومنجزاته ~~الماضية؛ فالعبرة ليس بما نحفظه عن الماضي، بل في المعنى الذي نسبغه ~~على ذلك الماضي، وفي القيمة التي نعطيها له، وفي أثر ما نتذكره من ~~أفعال على حركة التاريخ. ~~(س): # متى استقل التاريخ عن ~~الأسطورة؟ ~~(ج): # جاء استقلال التاريخ عن ~~الأسطورة في غمرة الصراع الذي حصل في الثقافة اليونانية بين الفلسفة ~~والأسطورة. ونجم عن ذلك ظهور المؤرخين الأوائل من أمثال هيرودوتس ~~وتوسيديد، ولكن هذا الاستقلال لم يحدث دفعة واحدة؛ لأن المؤلفات ~~التاريخية الأولى بقيت إلى هذا الحد أو ذاك متأثرة بأسلوب القص ~~الميثولوجي، لا سيما عند هيرودوتس الذي اعتمد أسلوبه في الكتابة ~~التاريخية على ما يسمعه من قصص يوردها دون تدقيق أو تمحيص. وبعد ذلك ~~ظهر في ثقافة الشرق القديم مؤرخون باشروا نوعا من الكتابة التاريخية ~~المستقلة عن الأسطورة؛ مثل بيروسوس (برغوشا) البابلي الذي أنجز ~~مؤلفا عن تاريخ بابل، وفيلو الجبيلي الذي أنجز مؤلفا عن تاريخ ~~الفينيقيين، ومانيتو المصري. ~~(س): # واليوم وبعد هذه المسيرة التي ~~قطعها جنس الكتابة التاريخية، هل يمكننا القول بأن التاريخ قد حقق ~~استقلاله تماما عن الأسطورة؟ ~~(ج): # ما زال بينهما ما يشبه ~~«شعرة معاوية» التي لم تنقطع؛ فحتى أواسط القرن ms069 العشرين كان المنقبون ~~الآثاريون (مسيحيين كانوا أم يهودا) يأتون إلى فلسطين وهم يحملون معول ~~التنقيب بيد، وكتاب التوراة (أو العهد القديم المسيحي) باليد الأخرى، ~~ولم يكن جهدهم منصبا على الكشف عن معلومات آثارية جديدة، وإنما ~~على إثبات المرويات التوراتية. وعندما تم اكتشاف مدينة إيبلا التي ~~ازدهرت في الشمال السوري أوساط الألف الثالث قبل الميلاد، وأحيلت ~~رقمها الكتابية إلى عالم اللغات القديمة الإيطالي بيتيناتو، خرج ~~هذا العالم من قراءاته الأولى بنظرية تعقد صلة بين رقم إيبلا ~~وكتاب التوراة. الحالة اليوم أفضل بكثير؛ فالآثاريون التوراتيون لم ~~يعثروا على أثر لداود وسليمان أو مملكة كل إسرائيل التوراتية، كما ~~لم يعثروا على حجر واحد من هيكل سليمان المزعوم، وهناك من علماء ~~الآثار الإسرائيليين من يطالب اليوم بوضع التوراة على الرف عند كتابة ~~تاريخ فلسطين أو التنقيب في أرضها. أما بيتيناتو فقد خسر سمعته ~~الأكاديمية واضطر إلى الاعتذار بعد سنوات عن آرائه المتعجلة ~~الأولى، ولكننا ينبغي أن نبقى دائما على حذر؛ لأن نوعا من النزوع ~~الأسطوري يبقى كامنا وراء عمل المؤرخين من جهة، ووراء فهم قراء ~~التاريخ لما يقدم إليهم من مادة؛ لأن «شعرة معاوية» لم تنقطع ~~بعد. ~~(س): # وماذا عنا نحن العرب؟ هل ~~توصلنا إلى نزع الأسطرة عن التاريخ؟ ~~(ج): # ليس بعد؛ فمن ناحية أولى ~~نحن ننتمي إلى زمرة الأمم المستضعفة التي لم تشارك حتى الآن في صنع ~~العالم الذي نعيشه، وفي محاولتها لتعويض شعورها العارم بالنقص فإنها ~~تلجأ إلى استعادة استيهامية لعصورها الذهبية الماضية. ومن ناحية ~~ثانية، وعلى غرار الحركات القومية الأوروبية في القرن العشرين، فقد نشأ ~~لدينا مشروعان قوميان هما المشروع القومي العربي والمشروع القومي ~~السوري، وقد شارك هذان المشروعان المشاريع الأوروبية في هوسها ~~التاريخي، وتحول التاريخ من عملية استقصاء موضوعي للماضي إلى ~~سردية رومانسية عن ذلك الماضي، ورحنا نقرأ التاريخ على ضوء الحاضر ~~وليس العكس. ~~(س): # ما الفرق بين الهوس ~~التاريخي والعناية الجدية بالتاريخ؟ ~~(ج): # في الهوس التاريخي نحن نعيد ~~بناء التاريخ وفقا لأيديولوجيا مسبقة، في الوقت الذي ينبغي فيه على ms070 ~~الأيديولوجيا أن تبنى على أساس معرفة علمية موضوعية ~~بالتاريخ. ~~(س): # في حديثك السابق عن نشوء ~~المسرح عن الطقس، وجدنا كيف تحول الطقس إلى أداء درامي لأسطورة ~~معينة، فهل هناك من علاقة وثيقة بين الطقس والأسطورة؟ ~~(ج): # إن الطقس والأسطورة ينشآن عن ~~أفكار دينية مبدئية تتشكل لدى الإنسان من إحساسه بوجود بعد ~~ماورائي للوجود، وهو يعبر عن هذا الإحساس بطريقتين؛ الأولى سلوكية ~~تتبدى في الطقس، والأخرى ذهنية تتبدى في الأسطورة. وعلى الرغم من ~~العروة الوثقى التي تجمع بين الطقس والأسطورة، فإن كلا منهما ينشأ ~~في معزل عن الآخر من حيث الأصل، وبعد ذلك قد يلتقيان وقد لا يلتقيان؛ ~~فقد نجد طقوسا تمارس دون مرجعية ميثولوجية وأساطير يجري تداولها ~~دون طقس. وقد نجد طقسا ينشأ عن أسطورة مثلما هو الحال في الطقوس ~~الدورية الكبرى، أو أسطورة تنشأ عن طقس. وتنشأ الأسطورة عن الطقس عندما ~~يفقد طقس ما معناه وغاياته بمرور الأيام، ويتحول إلى إجراءات ~~غامضة لا يعرف ممارسوها مدلولاتها ومضامينها. ويمكن أن أسوق شواهد ~~عديدة عن نشوء الأسطورة عن الطقس ولكني سوف أكتفي هنا بمثال من ~~الثقافة الإسلامية، وهو تفسير شعيرة السعي بين الصفا والمروة وهي من ~~شعائر الحج في الإسلام. # فلقد ورث الإسلام عن الوثنية القديمة طقوس الحج، وأبرزها الطواف حول ~~الكعبة سبع مرات، والسعي بين الصفا والمروة، وهما مرتفعان قريبان من ~~الكعبة، سبع مرات، وأخيرا الوقوف على جبل عرفة من أجل الدعاء ~~والابتهال إلى الله. ومن بين هذه الطقوس كان طقس السعي بين الصفا ~~والمروة أكثرها غموضا لدى المسلمين بعد أن مارسوه طويلا، ولكن معناه ~~كان واضحا لدى عرب ما قبل الإسلام؛ فعلى مرتفع الصفا كان هنالك حجر ~~مقدس على ما يبدو لنا من مراجعة معنى كلمة صفا في القواميس العربية ~~والتي تعني الحجر الضخم الأملس، ومثلها كلمة صفوان. ويبدو أيضا أن على ~~مرتفع المروة كان هناك حجر مقدس آخر؛ لأن القواميس العربية تفيدنا ~~بأن المرو هو حجر الصوان ومفردها مروة، وبذلك يكون معنى السعي بين ~~الصفا والمروة لدى الجاهليين ms071 هو تبجيل حجر الصفا، ثم الانتقال بعد ذلك ~~لتبجيل حجر المروة، وإعادة هذه الشعيرة سبع مرات لأن الرقم سبعة كان ~~رقما مقدسا عند العرب، مثلما هو كذلك عند بقية الشعوب ~~السامية. # ولكي يزيل المسلمون هذا الغموض عن طقس الصفا والمروة فقد شاعت لديهم ~~أسطورة تتعلق بهاجر زوجة إبراهيم وابنها إسماعيل؛ فقد كانت زوجة ~~إبراهيم الأولى سارة عاقرا ولم تنجب له ولدا مدة طويلة، وعندما دخل ~~على زوجته الثانية هاجر (في الرواية التوراتية لقصص إبراهيم كانت هاجر ~~جارية لا زوجة) أنجبت له ابنه الأكبر إسماعيل. وبعد خمس سنوات أنعم ~~الله على إبراهيم بولد من سارة دعاه إسحاق، وعندما بدأ إسحاق يكبر ~~خافت سارة على ميراث زوجها من أن يذهب إلى إسماعيل بدلا من ابنها ~~إسحاق، فطلبت من إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها، فحزن إبراهيم وتردد، ~~ولكن وحيا جاء من السماء يطلب منه الرضوخ لرغبة زوجته، فأخذ هاجر ~~وابنها وتوجه إلى البرية يبحث عن مكان يتركهما فيه، وسار إلى ~~جانبه ملاك لكي يدله على هذا المكان. وكان إبراهيم كلما رأى مكانا ~~فيه ماء وزرع عرض على الملاك أن يترك هاجر وإسماعيل فيه، ولكن ~~الملاك كان يرفض ذلك. وهكذا إلى أن وصل بهم إلى موقع مكة، وكانت مكانا ~~قفرا ليس فيه بشر ولا زرع ولا ماء، وقال لإبراهيم إن هذا هو المكان. ~~رضخ إبراهيم لمشيئة الله وودع هاجر وإسماعيل وهو يقول على ما ورد في ~~القرآن: # ربنا إني أسكنت من ~~ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ~~ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~(إبراهيم: ~~37). لم يكن مع هاجر سوى بقية من تمر وقليل من الماء في قربتها، ~~وعندما نفد الماء عطشت وعطش الصبي حتى أوشك على الهلاك، فراحت تبحث عن ~~ماء هنا وهناك، وصعدت إلى مرتفع الصفا لكي تلقي نظرة إلى ما ~~حولها، فتراءى لها سراب على المروة ظنته ماء، فانطلقت مسرعة وارتقت ~~إلى هناك ولكنها لم تجد ماء، ثم إن سرابا تراءى لها على الصفا ms072 ~~فظنته ماء فانطلقت مسرعة وارتقت إلى هناك، ولكنها لم تجد ماء، ثم ~~تكرر معها هذا الوهم سبع مرات وهي تروح وتجيء بين الصفا والمروة، ~~وعندما يئست عادت إلى الطفل فرأت الماء ينبجس من تحت قدميه، فراحت ~~تجمعه بكفيها وهي تقول زم زم؛ أي ضيق فوهتك، وشربت وسقت ~~ابنها؛ ولذلك دعي بئر مكة بزمزم. هذه هي الأسطورة الإسلامية التي ~~نشأت عن طقس قديم نسيت أصوله. ~~(س): # عندي هنا ملاحظة أود ~~التوقف عندها، وهي أننا في السورة التي أوردتها نجد أن البيت الحرام ~~(أو الكعبة) كان قائما عندما استقرت عنده هاجر وابنها إسماعيل الصغير. ~~وذلك من قول إبراهيم: «إني تركت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم.» ولكن الشائع عند المسلمين أن إبراهيم وابنه إسماعيل هما ~~اللذان بنيا البيت الحرام ، وبذلك يكون بناؤه قد تم بعد وصول هاجر لا ~~قبله. ~~(ج): # هذه المعلومة عند المسلمين ~~مستمدة من آية وردت في موضع آخر: # وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ~~... ~~(سورة البقرة: 127). ~~(س): # ألا يوجد هنا تناقض بين ~~سورة إبراهيم وسورة البقرة؟ ~~(ج): # النص الديني لا يهتم بتقديم ~~معلومة دقيقة وموثقة، ولكنه يقدم فكرة يمكن التعبير عنها بأكثر من ~~طريقة. والفكرة التي قصدت الآيتان إلى التعبير عنها هي قدسية هذا ~~المكان بصرف النظر عن تاريخ بنائه ومتى بني. إن ما يبدو لنا من ~~تناقض أحيانا في النص الديني نابع من اختلاف منطقنا الحديث عن ~~«منطق» القص الأسطوري. ~~(س): # هذا الاختلاف بين المنطق ~~الأسطوري وبين منطقنا الحديث، هو الذي يقف حائلا بيننا وبين فهم ~~الرسائل المتضمنة في العديد من الأساطير. أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح. لقد قلت سابقا إن ~~النص الديني المتسلح بالأسطورة لا يتوجه بخطابه إلى عقل السامع أو ~~القارئ بقدر ما يتوجه إلى عواطفه وملكاته النفسية؛ ولذلك فإنه لا ~~يحفل بالبرهان ولا يتطلع إليه، ولا يقدم لك وسائل تسمح لك ~~بإثباته أو دحضه. لننظر على سبيل المثال إلى ما ورد في مطلع أسطورة ~~التكوين التوراتية: «في البدء خلق الله السماوات ms073 والأرض، وكانت الأرض ~~خربة وخالية وعلى وجه الغمر (أي المحيط المائي البدئي) ظلمة، ~~وروح الله يرفرف فوق المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور، ورأى الله ~~النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة، ودعا الله النور ~~نهارا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا.» ~~والآن، إذا نحن تلقينا هذا النص الأسطوري النموذجي وفق المنطق ~~الفلسفي أو المنطق العلمي لرفضناه جملة وتفصيلا، فكيف يكون هناك نور ~~قبل أن يكون هناك مصدر للنور وقبل خلق الأجرام السماوية؟ وكيف يمكن ~~الفصل بين النور والظلام وولادة اليوم الأول إذا لم يكن هناك شمس ~~تشرق وتغيب؟ ولكن الأسطورة تصدر عن عقل قبل فلسفي، إنها حدس ~~بالكليات يموضع معرفته الكلية غير المجزأة في صور ومشاهد وشخصيات ~~مفعمة برموز ذات دلالات بعضها يتصل بعالم الشعور وبعضها يتصل ~~باللاشعور؛ ومن هنا فإنها لا تشكل معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة؛ ~~ولذلك فنحن إذا ما تلقينا هذه الأسطورة بعد إزاحة عقلنا التحليلي، ~~كما كان القدماء يفعلون، لشعرنا بقوتها وسطوتها، وبما تحاول أن ~~تودعه فينا. # ومن ناحية أخرى فإن المنطق الأسطوري ينظر إلى البرهان كشأن ~~متضمن في عملية البيان؛ ولذلك فهو يستخدم لغة شعرية تستفيد من ~~الظلال السحرية للكلمات أكثر من دلالاتها المباشرة، على ما قلته ~~سابقا. لننظر على سبيل المثال إلى مطلع سورة العاديات في القرآن ~~الكريم الذي يعبر أفضل تعبير عما أقوله هنا: # والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا ~~* فالمغيرات صبحا * فأثرن ~~به نقعا * فوسطن به جمعا * ~~إن الإنسان لربه لكنود ~~(العاديات: 1-6). إن ~~قارئ هذه السورة في رأيي لا يحتاج إلى كتب التفسير ولا إلى القواميس ~~لكي يعرف معنى الكلمات الواردة فيها، لأن هذه الكلمات لم تكن مقصودة ~~لدلالاتها المباشرة، وإنما لظلالها السحرية. وفي الحقيقة لو أنك وجدت ~~المعاني في القواميس، ثم قرأت هذه السورة لغمض عليك المعنى، وإذا ~~أهملت المعاني وتركت النص يتسلسل إليك دون واسطة لأدركت ~~الرسالة. ~~(س): # هل بقي للأسطورة دور تلعبه ~~في حضارة اليوم، أم أن زمنها قد ولى إلى غير رجعة؟ ~~(ج): # لم ms074 يعد للأسطورة كما ~~حددتها وعرفتها دور تلعبه في حياة المجتمعات الحديثة، وذلك ~~لأكثر من سبب؛ فأولا: لقد نجحت الفلسفة ثم العلوم الطبيعية ~~والإنسانية بالاستيلاء على معظم ميادينها. وثانيا: لأن نبع الأساطير ~~القديمة قد نضب بعد أن استولت الأديان الكبرى على 90٪ من مساحة الكرة ~~الأرضية، وحالت دون استمرار ذلك التوالد التلقائي القديم للأساطير، ~~بعد أن اكتفى كل منها بعدد محدود منها لم يتغير ولم يتبدل على ~~مر القرون؛ الأمر الذي أفقد الأسطورة الكثير من قوتها الإيحائية. ~~وثالثا: لأن الفلسفة والعلم قد غيرا من آلية تفكير الإنسان الحديث ~~وحولاه من تفكير حدسي إلى تفكير خطي ينطلق من المقدمات إلى ~~نتائجها خلو من قفزات الخيال وفعاليات الحواس الخفية، ولكن غياب ~~الأسطورة لا يعني اختفاء ذلك النزوع الأسطوري المتجذر في السيكولوجيا ~~الفردية والجمعية، والذي جعل الأسطورة ممكنة من حيث المبدأ، فهذا ~~النزوع باق في أعماق النفس ويعمل خلف آليات التفكير الحديث. ~~(س): # وما هي آليات عمل هذا النزوع ~~الأسطوري؟ ~~(ج): # يعمل النزوع الأسطوري على خلق ~~بدائل للأسطورة تقوم ببعض أدوارها؛ مثل الشعر والفن التشكيلي، اللذين ~~يعيدان إلينا ذلك الحدس الخلاق والإدراك الباطني للمدهش والرائع ~~والفائق و... والقدسي. وهناك الرواية التي ورثت عن الأسطورة فن القص ~~وراحت تقدم لقرائها فرصا لاختبار حياة جديدة تفوق حياتهم ~~اليومية العادية جمالا ومعنى. وهناك الدراما التي ترافقت نهضتها في ~~أوروبا مع الثورتين العلمية والصناعية، وما أحدثتاه من فراغ ~~ميثولوجي داخلي وجد بديله على خشبة المسرح. أما السينما فلعلها ~~أكثر الفنون صدورا عن النزوع الأسطوري في النفس الإنسانية، حتى ~~يمكننا اعتبارها الصانع الرئيسي لأساطير العصر الحديث. إن فيلم حرب ~~النجوم الذي اختتم القرن العشرين، قرن السينما، بأسطورة فضائية ~~رائعة، شوهد على مدى عدة سنوات في كل صالة سينما حول العالم، ومن ~~قبل كل كبير وصغير، وكل عالم وجاهل، حتى إن الرئيس الأمريكي رونالد ~~ريغان دعا مشروع الدرع الصاروخي الذي يحمي الولايات المتحدة من أي ~~هجوم نووي، دعاه باسم حرب النجوم. # ولكن هذا النزوع الأسطوري يجعل في الوقت نفسه جماهير دولة ms075 العلم سواء ~~في الشرق أم في الغرب أكثر انقيادا للخرافات. ولا أدل على ذلك من أن ~~أي خبر ينتشر عن ظهور طيف السيدة العذراء في مكان ما، يدفع حتى ~~العلماء إلى ترك مخابرهم والتوجه إلى ذلك المكان. لقد زالت الأسطورة ~~حقا ولكنها تعمل في السر، وتتخفى خلف هذا القناع أو ذاك، ونحن ~~نستطيع الركون إليها كميل ونزوع يعمل كخميرة لأشكال التعبير الفني، ~~ويزودنا بمنظار ملون يعيد البهجة والمعنى للحياة، ولكن علينا ~~في الوقت نفسه أن نحذر مما تقود إليه الطبيعة غير العقلانية لهذا ~~النزوع. # المحور الرابع # | الديانات التوحيدية # (س): # هل كان ظهور فكرة التوحيد ضرورة تاريخية؟ بمعنى هل ~~كان على تاريخ الدين أن يتوصل منطقيا إلى هذه الفكرة؟ ~~(ج): # لا يوجد في تاريخ الدين ما ~~ينبئ بأنه كان يسير في طريق التوصل إلى مفهوم التوحيد؛ فلقد ~~توصلت تعددية الآلهة، التي نطلق عليها صفة الوثنية، إلى صياغة ~~صورة عن كون مستقر يديره مجمع الآلهة ويرأسه الإله الأكبر، وتوزع ~~فيه الاختصاصات بشكل دقيق لا يسمح بظهور الاختلافات وتنازع الأهواء، ~~وكان كل إله على رضا وقناعة بما قسم، ولا يطمع إلى ما فوق ذلك، أما ~~الناس فكانوا سعداء بالحرية التي تتيحها لهم تعددية الآلهة، والكل ~~مؤمن على طريقته، ولا وجود لمصطلحات مثل الكفر والزندقة والهرطقة. لقد ~~كانت هناك صراعات بدئية بين الآلهة في بعض الأساطير، ونموذجها ~~الكلاسيكي أسطورة التكوين البابلية، وأسطورة التكوين الإغريقية، ولكن ~~هذه الصراعات هي التي قادت إلى استقرار الكون واستقرار هرمية السلطة ~~فيه بعد الدخول في الزمن التاريخي، وبتعبير آخر كانت جزءا من ~~الفعاليات الأولى التي ولد منها النظام من رحم الشواش أو العماء ~~الأعظم. ~~(س): # وما رأيك بالحجج التي ~~يطرحها القرآن الكريم، والتي تفترض حدوث الفوضى في كون متعدد ~~الآلهة؟ ~~(ج): # أكثر هذه الحجج تعبيرا ما ~~ورد في سورة المؤمنين: # ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~. وهذه كما ترى ~~حجة افتراضية لأن القرآن ينفي وجود ms076 آلهة غير الله؛ وبالتالي فلا ~~مجال هنالك للتنازع بينهم. ~~(س): # لماذا لم يكن لمصطلح الهرطقة ~~وأشباهه وجود في العصر الوثني؟ ~~(ج): # لأن الهرطقة هي الخروج عن ~~الإيمان القويم، وفي الوثنية لم يكن هناك إيمان قويم وإيمان غير ~~قويم. والخروج عن الإيمان القويم هو المجادلة في أحد بنود عقيدة ~~ناجزة، ولا يفترض بك مناقشتها؛ ولذلك فقد حرم من الكنيسة في قرونها ~~الأولى أكثر من أسقف وحكم عليه باللعنة الأبدية، ونال من هم في ~~حكمهم من الأشخاص العاديين جزاء وصل حد الموت حرقا. أما في الوثنية ~~التي لم تجعل من عقائدها أيديولوجيا ثابتة إلى أبد الدهور فلا يوجد ~~كفر أو هرطقة، الكل مؤمن على طريقته، كما قلت، ولا يحاسبه أحد على ~~ذلك. ~~(س): # أنت تقول الآن إنه لم يكن ~~يوجد في تاريخ الدين ما ينبئ بأنه سائر حتما في طريق التوحيد. ~~ولكنك في كتابك «الأسطورة والمعنى»، وفي الفصل الذي يحمل عنوان ~~«ديانات الشرق القديم ... وثنية أم توحيد؟» تلمست مقدمات التوحيد في ~~العقائد البابلية والمصرية! ~~(ج): # هنالك صلوات في الأدبيات ~~البابلية والمصرية توحي للوهلة الأولى بإرهاصات توحيدية، ويخيل ~~للمرة أنها خطوات أولى نحو التوحيد، لكنها لم تكن في واقع الأمر غير ~~إبراز لدور هذا الإله أو ذاك ضمن هذه العبادة أو تلك. ~~(س): # ولكن الصلوات التي ذكرتها ~~استعملت مرارا صفة «الواحد»؟ ~~(ج): # صحيح، ولكن المقصود بهذا ~~التعبير هو الواحد الجدير بالعبادة دون غيره، وليس الإله الوحيد ~~الموجود ولا أحد سواه. على كل حال، دعنا نفتح الكتاب معا ونتصفح تلك ~~النصوص لكي أوضح لك ما أعنيه. # هذه ترتيلة مصرية تبدأ بالمطلع الآتي: «واحد ولا ثاني له، واحد خالق ~~كل شيء، والموجودات خلقها بعدما أظهر نفسه إلى الوجود.» ولكن مؤلف ~~الترتيلة يقول لنا بعد عدة أسطر: «خالق الكون وصانع ما كان وما هو كائن ~~والذي سيكون أبو الآلهة، رحيم بعباده، يسمع دعوة الداعي.» فالإله رع ~~المقصود بهذه الترتيلة هو واحد كخالق ولا ثاني له، وبعد أن أظهر نفسه ~~للوجود (أي انتقل من حال الكمون التي ms077 كان عليها إلى حال الظهور وذلك ~~بخلقه للموجودات) خلق الآلهة، فلا وحدانية هنا ولا توحيد، بل إله أكبر ~~خلق نفسه بنفسه، ثم خلق الكون وبقية الآلهة، وفكرة الأسبقية في الظهور ~~ليست توحيدا. # وفي هذه الترتيلة المرفوعة إلى الإلهة إيزيس نقرأ في المطلع: «هي ذات ~~الأسماء الكثيرة، الواحدة القائمة منذ البدء.» وبعد ذلك نقرأ: «وهي ~~القدوسة الواحدة، أعظم الآلهة والإلهات، ملكة الآلهة جميعا ~~ومحبوبتهم الأثيرة.» وكما نرى فإن صفة الواحدة هنا لا تعني الوحدانية ~~في الألوهة، ولكنها تعني الواحدة الجديرة بأحق العبادة. # ثم لنتأمل هذه الترتيلة المرفوعة إلى الإله آمون، والتي أوحت ~~خاتمتها لكثير من الباحثين بوجود جذور التوحيد في ديانة مصر القديمة؛ ~~حيث نقرأ: # واحد هو آمون وخاف على الآلهة. # إنه محجوب عنهم ولا يعرفون لونه. # إنه بعيد عن السماء ولا يرى في العالم الأسفل. # لا يعرف أحد من الآلهة شكله الحقيقي، # وصورة اسمه لا ترسمها الكتابة وما له من شهود. # من تلفظ باسمه سهوا أو عمدا مات لتوه، # ولا يعرف إله كيف يتوجه إليه باسمه. # جمع الآلهة ثلاث؛ آمون ورع وبتاح، # ولا ثاني لهم. # هو الخفي باسمه آمون، # وهو الظاهر باسمه رع، # وهو المتجسد باسمه بتاح. # ولكي نفهم مدلولات هذه الترتيلة ينبغي لنا أن نلقي ~~نظرة سريعة على تاريخ الإله آمون والظروف التي أحاطت بارتقائه إلى ~~سدة الإله الأعلى؛ فقد كان آمون إلها لمدينة طيبة عندما كانت ~~مدينة مغمورة، ثم أخذت بالتوسع مع صعود الأسرة الحادية عشرة حتى ~~تحولت إلى عاصمة في عهد الأسرة السابعة عشرة التي طردت الهكسوس من ~~مصر، ثم إلى عاصمة للإمبراطورية التي أسستها الأسرة الثامنة عشرة؛ ~~ولذلك كان على آمون أن يرتقي من إله لمدينة طيبة إلى كبير للآلهة، ~~ويشغل المنصب الذي كان يحتله الإله رع منذ أقدم الأزمنة. ولتحقيق هذه ~~النقلة توجب على كهنته أن يطابقوا بينه وبين رع من جهة، والإله ~~الكبير بتاح من جهة ثانية. وصار إلها واحدا في القوة، وفي الوقت ~~نفسه يحمل ثلاثة أسماء؛ وبالتالي فإن هذه الترتيلة ليست توحيدية ms078 وإنما ~~تسويغية تهدف إلى إحلال آمون في منصب رع دون إزاحة رع عن منصبه. وكما ~~ترى فإن مرونة الفكر الأسطوري تجعل أعقد الأمور ممكنة. # على كل، أنا لم أجزم بوجود مقدمات توحيدية في ذلك الفصل، وإنما ~~عرضت بعض آراء الباحثين من ذوي الفكر التوحيدي، وأبقيت المسألة ~~مفتوحة عندما كتبت عنوان الفصل بصيغة الاستفهام. ~~(س): # إذا قلنا بأن التوحيد لم يكن ~~ضرورة تاريخية، فمن أين جاء إذن؟ ~~(ج): # توصلت إليه عقول أفراد ~~متميزين خارج أي ضرورة. ~~(س): # عقل زرادشت مثلا؟ ~~(ج): # زرادشت كان الأسبق تاريخيا، ~~وقد عاش على الأرجح في القرن السادس قبل الميلاد. ~~(س): # وماذا عن الفرعون أخناتون ~~الذي يعزى إليه قصب السبق في التوحيد؟ ~~(ج): # عاش الفرعون أخناتون في أواسط ~~القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وقام بثورة دينية ركزت على عبادة ~~إله لم يكن عضوا في البانثيون المصري واسمه آتون، وهذه الثورة ~~الدينية منعت عبادة الآلهة الأخرى التي أغلقت معابدها وجرى تسريح ~~كهنتها، ولكن الانتقام الشامل الذي طال كل آثار هذا الفرعون بعد ~~تنازله عن العرش وإخفاق حركته الدينية، لم يترك لنا إلا القليل من ~~المعلومات عن هذه الحركة؛ ولذلك لا أستطيع الجزم عما إذا ما كانت ~~الآتونية عقيدة توحيدية حقا أم وحدانية عبادة. ~~(س): # ما الفرق بين التوحيد وبين ~~وحدانية العبادة؟ ~~(ج): # التوحيد عقيدة تؤمن بوجود ~~إله واحد فقط، وهذا الإله هو الذي أظهر الكون من العدم، وهو الذي ~~يحفظه ويدير شئونه إلى نهاية الدهر. أما وحدانية العبادة فعقيدة ~~مرتكزة على عبادة إله واحد فقط دون إنكار وجود آلهة أخرى. ~~(س): # وماذا عن موسى واليهودية؟ ألم ~~يأت موسى زمنيا قبل زرادشت؟ ولماذا تنكر على اليهودية صفة ~~التوحيد؟ ~~(ج): # موسى شخصية غير تاريخية، ~~بمعنى أنه لم يتوافر لدينا أي دليل على أنه وجد في زمن ما، كما أننا ~~لا نستطيع أن نجزم بأنه لم يوجد. كل ما يمكننا القول بشأنه هو أنه ~~شخصية ملحمية، والشخصيات الملحمية ربما كانت ذات أصل تاريخي، ولكن ~~هذا الأصل يبقى غائبا وراء غلالات ميثولوجية ms079 كثيفة. أما عن العقيدة ~~التي أتى بها موسى فقد بقيت في حيز وحدانية العبادة حتى اختتام ~~الأسفار التوراتية؛ لأن إله موسى كان إلها لشعب بعينه ولم يكن إلها ~~لجميع البشر، بل إنه يظهر عداوة للأمم جميعها عدا «الشعب الذي اختاره ~~لنفسه أمة كهنة» على حد التعبير التوراتي. ~~(س): # وما هي دلائل وحدانية العبادة ~~فيما جاء به موسى؟ ~~(ج): # سوف أبدأ بالخطاب الأول الذي ~~وجهه الإله التوراتي يهوه إلى موسى عندما تجلى له في نار شجرة ~~شوكية تتقد بالنار في الصحراء دون أن تحترق: «فلما رأى الرب أنه مال ~~لينظر، ناداه من وسط شجرة العليق وقال: موسى، موسى. فقال: ها أنا ذا. ~~فقال: لا تقترب إلى ها هنا، اخلع حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت ~~واقف عليه أرض مقدسة. ثم قال : أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق ~~وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله» (الخروج: ~~3). وكما نلاحظ بوضوح فإن إله موسى في هذا الوحي الأول لنبيه لم ~~يدع الوحدانية، وإنما قال إنه إله الآباء الأقدمين. # والآن فلنقارن بين هذا الوحي الأول في التوراة، والوحي الأول الذي ~~نزل على موسى في القرآن الكريم: # وهل أتاك ~~حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس ~~أو أجد على النار هدى * فلما أتاها ~~نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى * ~~وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري ~~(طه: 9-14). # فإذا جئنا بعد ذلك إلى الوصايا العشر التي نزلت على موسى بعد هذه ~~المواجهة الأولى مع إلهه، نجد أن الوصية الأولى التي تقرر شكل ~~ومضمون العقيدة تؤسس لوحدانية العبادة لا للتوحيد الصافي: «ثم تكلم ~~الله بهذه الكلمات جميعها قائلا: أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض ~~مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي» (الخروج: 20). أي إن ~~إله موسى يأمره هنا بألا يعبد إلى جانبه إلها آخر ms080 دون أن يقر لنفسه ~~بصفة الوحدانية. وبعد ذلك وفي الوصية الثانية يصف نفسه بالغيور: «لأني ~~أنا الرب إلهك إله غيور.» فهو يغار من وجود آلهة أخرى ولو أنه ~~أقر لنفسه بالوحدانية فلا مجال لغيرته. والشواهد من النص التوراتي ~~على ما أقول لا تحصى: «من مثلك يا رب بين الآلهة» (الخروج: 15). «إله ~~الآلهة، الرب إله الآلهة» (يشوع: 25). «أي إله عظيم مثل الله» ~~(المزمور: 77). «إله الآلهة، الرب تكلم» (المزمور: 50). ~~(س): # ولكن هناك روابط متينة تجمع ~~اليهودية إلى الإسلام والمسيحية، فماذا ندعو هذه الزمرة من الأديان إذا ~~ما رفضنا صفة التوحيدية للديانة اليهودية؟ لقد وصفتها عرضا في حديث ~~سابق بالإبراهيمية! ~~(ج): # هذا صحيح؛ فالكتب المقدسة ~~لهذه الأديان متواشجة ومتناصة، وهذا ما يدعونا إلى وضعها في زمرة ~~واحدة، أدعوها بالإبراهيمية سيرا مع الرأي الشائع لا عن قناعة بهذا ~~الوصف. ~~(س): # إذن أنت تضع الديانتين ~~الإسلامية والمسيحية في زمرتين؛ الأولى الأديان التوحيدية، والثانية ~~الأديان الإبراهيمية. ~~(ج): # نعم، وهناك زمرة ثالثة ~~تشتمل على الأديان التوحيدية وعلى الديانة البوذية أدعوها بالأديان ~~الشمولية. ~~(س): # وما الذي يجمع البوذية وهي ~~عقيدة لا إلهية إلى أديان التوحيد؟ ~~(ج): # طبيعتها الشمولية. لقد قلت ~~في حديث سابق إن الدين يتبدى على المستوى الاجتماعي في صيغتين هما ~~العبادة ودين الشعب، ولكن هنالك صيغة أخرى ثالثة هي الدين الشمولي؛ ~~فلقد بقي دين الشعب بمثابة رابطة عامة تجمع أهل الثقافة الواحدة إلى ~~أن شهد تاريخ الدين ظاهرة جديدة هي ظاهرة الأديان الشمولية، وذلك في ~~سياق القرن السادس قبل الميلاد. والدين الشمولي هو عقيدة عابرة ~~للجغرافيا والحدود السياسية والقوميات، تطمح إلى أن تجعل من نفسها ~~دينا عالميا تؤمن به الشعوب كلها، معتمدة في ذلك على التبشير ~~الذي لم يعرفه تاريخ الدين من قبل؛ فالمصريون القدماء لم يعملوا على ~~نشر ديانتهم خارج مصر حتى في العصر الإمبراطوري، ومثلهم في ذلك ~~السوريون والبابليون، وأهل الهند ما زالوا حتى الآن لا يمارسون نشاطا ~~تبشيريا، بل وغير راغبين في تحول أحد إلى عقيدتهم. كما تتميز ~~العقيدة الشمولية بأن لها بداية ms081 معروفة في الزمن، بينما تضيع بدايات ~~الديانات الأخرى في ضباب التاريخ، وهي تحمل طابع تجربة روحية لفرد ~~تاريخي هو مبدعها، والذي عمل على نشرها من خلال حركة ثورية قلبت ~~المفاهيم الدينية لعصرها، وهذا المؤسس الفذ يعتقد بأنه امتلك الحقيقة ~~النهائية ووجد الحل لكل مشكلات البشرية وأوجاعها. # عند هذا الحد من التشابه بين ~~العقائد الشمولية تستقل الأديان التوحيدية عن البوذية؛ فالبوذية تقبل ~~العيش في بيئة متعددة الأديان، وهي إذ تتابع عملها التبشيري بهدوء ~~وسلام فإنها لا تدخل في صراع مفتوح مع العقائد الأخرى. أما الأديان ~~التوحيدية التي تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة فإنها ترفض التعايش ~~مع العقائد الأخرى؛ لأن من يمتلك الحقيقة يرفض المساومة عليها. وهي ~~تعلن منذ البداية بطلان تلك العقائد وبطلان وزيف آلهتها، وتناصب العداء ~~كل إيمان آخر؛ وبالتالي فإنها تدخل في صراع مفتوح مع الجميع تكون ~~في بدايته هي الجانب الأضعف؛ فالمسيحيون كانوا أول طائفة دينية وقع ~~عليها الاضطهاد الرسمي المنظم من قبل السلطة الرومانية وعامة الناس ~~على حد سواء، وما كان ذلك إلا لأن المسيحيين هم الذين استعدوا عليهم ~~الجانب الآخر، وذلك برفضهم المطلق له والانتقاص من قيمة عقائده ~~وآلهته. كما كان المسلمون في مكة أول طائفة دينية وقع عليها الاضطهاد ~~في جزيرة العرب؛ لأنهم هم من بدأ برفض الآخر وسخر من عقائده ~~وآلهته. ~~(س): # نحن نتحدث عن التوحيد وكأنه ~~مصطلح واضح ومعرف تمام التعريف، ولكننا حتى الآن لم نصف عقيدة ~~التوحيد إلا بأنها الإيمان بإله واحد خالق للسماء وما فيها، والأرض ~~وما عليها، ولا يشاركه أحد في الألوهية. أعتقد بأننا بحاجة إلى مزيد من ~~الإحاطة بهذا المفهوم. ~~(ج): # هذا صحيح؛ ولذلك يجب علينا أن ~~نبدأ بالإحاطة بمفهوم الله في الأديان التوحيدية؛ لأن صفة الوحدانية ~~تنطوي على صفات رئيسية أخرى متصلة بها؛ فالله هو الخير المحض، وما ~~ينطوي عليه هذا الخير من رحمة ومحبة وحفظ لمخلوقاته، وعلى ما ورد في ~~القرآن الكريم: # فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين ~~(يوسف: 64). وهو كلي القدرة وقدرته ~~متخللة في الكون لا ms082 يعجزها شيء: # تبارك ~~الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ~~(الملك: 1). وهو كلي المعرفة وعلمه يشتمل على كل ما في الوجود من ~~أحداث ماضية وأحداث جارية وأحداث آتية، وكل ما في سرائر الناس ~~وضمائرهم: # ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السموات وما في الأرض ~~(المجادلة: 7). # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء ~~(آل عمران: 5). # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور ~~(الملك: 13). وهو كلي الحضور: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ~~(البقرة: 115). وهو أزلي أبدي. الأول بلا ~~ابتداء والآخر بلا انتهاء: # هو الأول ~~والآخر ~~(الحديد: 3). # هذه الصفات الذاتية لله ~~تتوجها صفة الفعالية في الطبيعة وفي التاريخ؛ فكل ما يحدث في ~~العالم الطبيعي إنما يحدث نتيجة لفعالية الله في خلقه: # وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء ~~(الأنعام: 99). # وهو الذي يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ~~سقناه لبلد ميت ~~(الأعراف: 57). أما عن فعالية الله ~~في التاريخ والمجتمع الإنساني فتتجلى في عنايته بالإنسان ورغبته في ~~خلاصه، وذلك عن طريق إرساله رسلا إلى البشر ليكشف لهم عن وجوده ~~ويبين لهم سبل الخلاص والحياة القويمة: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما ~~(العنكبوت: 14). # ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء ~~أمة رسولها كذبوه ~~(المؤمنون: 44). # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ~~(فاطر: 24). # وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين ~~(الزخرف: 6). أي إن الله ليس وجودا سكونيا بل ~~وجود دائم الفعالية. ~~(س): # وماذا عن الآلهة الوثنية، ألم ~~يكن لها فعالية في التاريخ؟ ~~(ج): # كانت فعالية الآلهة الوثنية ~~في التاريخ عرضية، لأن التاريخ في العقائد الوثنية تاريخ سكوني، ~~بمعنى أنه يجري على المنوال نفسه، أما في العقائد التوحيدية فإن فعالية ~~الله هي جزء من وجوده، والتاريخ ذو سمة دينامية حركية، بمعنى أن له ~~بداية في أزمنة الخلق ونهاية في اليوم الأخير، أو اليوم الآخر كما ~~يدعى في القرآن؛ ولذلك فإننا لا نكاد نرى آية ms083 في القرآن تذكر ~~الإيمان بالله إلا مقترنا باليوم الآخر. ~~(س): # هذا التاريخ الدينامي كما ~~تصفه، هل هو سمة مشتركة لدى كل عقائد التوحيد؟ وما هي خصائصه؟ ~~(ج): # إنه السمة الأولى المشتركة ~~بين عقائد التوحيد، ولكي نتعرف على خصائصه من الأفضل لنا أن نفعل ذلك ~~في سياق مقارن؛ ذلك أن تاريخ الأديان يطلعنا على ثلاثة أنماط ~~للتاريخ المقدس وهي: (1) التاريخ المفتوح الذي وصفته بالسكوني. (2) ~~التاريخ الدوري الذي يتحرك بشكل دائري، وفي نهاية كل دورة يفنى الكون ~~ليعود إلى التشكل من جديد. (3) التاريخ الدينامي. # تقدم لنا ديانة بلاد الرافدين النموذج الأمثل على مفهوم التاريخ ~~المفتوح؛ حيث نستطيع تمييز أربع مراحل للتاريخ المقدس وهي: (1) ~~السرمدية الكامنة عندما كانت الألوهة منكفئة على نفسها. (2) الزمن ~~الكوزموغوني؛ أي زمن الخلق والتكوين. (3) زمن الأصول والتنظيم عندما ~~قام الآلهة بالفعاليات المبدعة عند جذور التاريخ. (4) زمن البشر ~~المفتوح على اللانهائية؛ فزمن الأصول والتنظيم ينتهي بخلق الإنسان لكي ~~يحمل عبء العمل عن الآلهة، ويؤمن لها طعاما بعد أن كانت تكد وتشقى ~~في سبيل ذلك، على ما أوردته في حديث سابق؛ فالإنسان خلق لكي يخدم ~~الآلهة، والعلاقة بين الطرفين تبقى علاقة السيد والعبد، والآلهة خالدة ~~والإنسان فان، وليس لديه أي أمل في التفكير بالخلاص من شرطه الأرضي ~~ومشاركة الآلهة في نعمة الخلود؛ ولذا فإن أفضل ما يصبو إليه في حياته ~~الأرضية هو تحقيق اللذائذ الحياتية الصغيرة خلال عمر ينتهي به إلى ~~العالم الأسفل الذي تهبط إليه أرواح البشر بعد الموت؛ حيث تعيش في ~~وجود شبحي لا نكهة له ولا طعم، لا فرق في ذلك بين أمير وفقير، وبين ~~من قدم حسنة ومن قدم سيئة. في ظل مثل هذه الصيغة للعلاقة بين ~~الآلهة والبشر تبقى الرابطة الوحيدة بينهم هي رابطة الطقوس والشعائر ~~التي يقوم الإنسان من خلالها باستمالة آلهته وحثها على اتخاذ ~~مواقف إيجابية منه؛ لأنها تصنع الخير مثلما تصنع الشر، وليس بمقدور ~~الإنسان أن يتنبأ بردود أفعالها. ~~(س): # هل هذا يعني أن الأخلاق لم ~~تكن ذات شأن في ديانة وادي الرافدين؟ ms084 ~~(ج): # ليس تماما، ولكن الآلهة ~~الرافدينية لم تستن شرائع أخلاقية لعبادها يتوجب عليهم اتباعها، ~~وترك المجتمع يسير شئونه الاجتماعية بنفسه ويتعامل أفراده وفق ~~أخلاقيات متعارف عليها ومؤسسة منذ القدم، وكان الحكماء يعيدون صقل ~~هذه الأخلاقيات ويذكرون الناس بها. وهذا ما نراه في نصوص الحكمة التي ~~تحفل بها أدبيات وادي الرافدين، وأهم ما يميز هذه النصوص أنها لم ~~تكن تجري على لسان كهان مرسومين ينطقون بها وحيا من السماء، بل ~~على لسان حكماء خبروا الحياة، وأفادوا من عبرها وعرفوا مسالك الحق ~~والباطل. ~~(س): # أي إن الأخلاق كانت من طبيعة ~~دنيوية وليس من طبيعة سماوية! ~~(ج): # هذا صحيح، ولكن الآلهة قد ~~تثيب على العمل الصالح الذي يبذله الإنسان، ولكن في هذه الدنيا وليس ~~في عالم آخر قادم؛ ففكرة العالم الآخر هنا غير موجودة، ولا وجود إلا ~~لهذا العالم، وما من خطة إلهية لإصلاحه أو تطهيره أو تحويله إلى ~~عالم أسمى وأرقى؛ ولذلك فإن فكرة نهاية العالم وما يصحبها من قيامة ~~عامة للموتى، ومن حساب وثواب وعقاب غير موجودة، وتاريخ الإنسان ~~والعالم مفتوح ودونما نهاية منظورة؛ ولهذا وصفته بالسكوني. ~~(س): # وهل تنطبق هذه الرؤية للتاريخ ~~على بقية أديان الشرق القديم، أم أنها خاصة بالدين الرافديني؟ ~~(ج): # هذه هي الرؤية المشرقية ~~للتاريخ والرؤية الإغريقية الرسمية أيضا. ~~(س): # ولكننا نجد في الميثولوجيا ~~المصرية مشاهد لحساب الموتى أمام ميزان الأعمال، وإشارات نصية إلى ~~جنات الإله أوزوريس التي يتوجه إليها الصالحون بعد الحساب. ~~(ج): # في حديثنا عن قيامة الموتى ~~علينا أن نميز بين قيامتين؛ الأولى قيامة فردية يختبرها كل فرد بعد ~~الموت، والثانية قيامة عامة لكل الموتى منذ آدم وحتى اليوم الأخير. ~~والميثولوجيا المصرية تتحدث عن القيامة الفردية، ولا يوجد في الديانة ~~المصرية فكرة عن القيامة العامة ونهاية العالم. وكذلك الحال في عبادة ~~الأسرار الإغريقية التي تؤمن بتحرر الروح الفردية وانعتاقها إلى ~~عالم أفضل مع غياب تام لفكرة نهاية التاريخ. ~~(س): # ولكن التاريخ في النمط الدوري ~~لا ينتهي أيضا، فلماذا نميزه عن التاريخ المفتوح ونتحدث عن نمطين ms085 ~~مختلفين؟ ~~(ج): # هما نمطان مختلفان كل ~~الاختلاف لأن التاريخ المفتوح لا يكرر نفسه، أما التاريخ الدوري ~~فيكرر نفسه في دورات متتابعة، ونجد نموذجه الأوضح في الديانة ~~الهندوسية. ~~(س): # هل يقع التاريخ الدينامي إذن ~~في نقطة الوسط بين التاريخ المفتوح والتاريخ الدوري؟ ~~(ج): # التاريخ الدينامي نسيج وحده ~~ولا يشبه في شيء النمطين الأخيرين؛ فهو كما أسلفت يتحرك بين الخلق ~~الأول واليوم الأخير الذي ينتهي عنده الزمن الدنيوي، ويدخل الوجود ~~بأكمله في زمن آخر هو الأبدية. ~~(س): # وما الذي يدفع حركة التاريخ ~~الدينامي في هذا الاتجاه الحتمي؟ ~~(ج): # عندما توصل الفكر الإنساني ~~إلى مفهوم التوحيد الذي عزا إلى الله كل الكمالات التي تنتهي جميعا ~~إلى كمال الخير المطلق، كان في الوقت نفسه يتأمل في هذا العالم الناقص ~~حيث يتخلل الشر نظام الطبيعة ونظام المجتمع وضمائر النفوس الواعية، ~~ويحاول التوفيق بين كمال الله وخيره وما يراه من شر في بنية خلقه؛ ~~فعلى المستوى الطبيعاني هنالك شرور متأصلة في صلب عمليات الطبيعة ~~والبيولوجيا؛ مثل الزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات والحرائق، ~~ومثل الألم والمرض والشيخوخة والموت. وعلى المستوى الاجتماعي هناك ~~شرور ناجمة عن الإرادة الإنسانية؛ مثل السرقة والعنف والاغتصاب ~~والتسلط والظلم. هذه المقابلة بين كمال الله ونقص العالم، جعلت ~~الفكر التوحيدي يتحول بشكل أوتوماتيكي إلى مفهوم الشيطان الكوني. ~~وهذا الشيطان ليس كائنا شريرا مثل بعض الآلهة الوثنية التي اتصفت ~~بالشر ومارست أفعالا شريرة، ولكنه مبدأ الشر ومنبعه على كل ~~صعيد. وعلى الرغم من أنه ليس إلها إلا أنه يتصرف مثل إله وينشط في ~~استقلال عن الله، وينتمي من حيث الأصل إلى المجال القدسي لا إلى ~~المجال الدنيوي. ~~(س): # هل نستطيع القول إذن إن ~~الشيطان ضرورة توحيدية؟ ~~(ج): # بكل تأكيد؛ لأن مفهوم التوحيد ~~لن يستقيم بدون الشيطان الذي يحمل مسئولية وجود النقص والشر في خلق ~~الله؛ ولذلك فإن ميثولوجيا التكوين في كل عقيدة توحيدية تعطي ~~حيزا لأسطورة ظهور الشيطان، وهذه الأساطير على اختلافها في التفاصيل ~~إلا أنها تتفق على أنه من أصل سماوي خلقه الله مع ما ms086 خلق من ~~الكائنات القدسية قبل اكتمال عملية التكوين وظهور الكون المنظم ~~والإنسان. ~~(س): # وكيف ساعد مفهوم الشيطان ~~الكوني على تكوين نمط التاريخ الدينامي؟ ~~(ج): # إن الكامل لا يصدر عنه إلا ~~كل شيء كامل؛ ولذلك فلقد جاء الكون الذي خلقه الله في أكمل صيغة ~~ممكنة وكذلك الإنسان: # الذي أحسن كل ~~شيء خلقه ~~. # لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين ~~(التين: 4-5). # فتبارك الله أحسن الخالقين ~~(المؤمنون: 14). وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل التاريخ، مرحلة ~~الخلق الحسن والطيب، ولكن هذا الخلق الذي ولد كاملا داخله النقص ~~والشر بسبب فعاليات الشيطان، ودخل العالم في مرحلة تمازج الخير والشر، ~~ولكن الله بمعونة الإنسان وقوى الخير السماوية سوف يعمل على الفصل بين ~~الخير والشر في المرحلة الثالثة التي تنتهي بدحر الشيطان وتنقية العالم ~~من آثاره ، ونأتي إلى المرحلة الرابعة حيث يتم تدمير العالم القديم وخلق ~~عالم جديد يدخل في الأبدية. ~~(س): # أفهم من ذلك أن التكوين وأصل ~~الشيطان هما أسطورتان في ميثولوجيا واحدة؟ ~~(ج): # نعم؛ فالأسطورتان متواشجتان ~~ومتداخلتان، والشيطان يظهر إما مع خلق العالم الروحاني عالم الملائكة ~~قبل خلق العالم المادي، أو بعده مباشرة. وفي الديانات الإبراهيمية ~~تتداخل أسطورة الشيطان مع أسطورة خلق الإنسان وجنة عدن. ~~(س): # هل وضعت الزرادشتية الصيغة ~~الأصلية لهذا اللاهوت المتراكب؟ ~~(ج): # لقد وضعت الزرادشتية الأفكار ~~العامة لهذا اللاهوت، ولدينا في الحقيقة ثلاث صيغ له هي الصيغة ~~الزرادشتية والصيغة المانوية والصيغة الإبراهيمية. ~~(س): # ما مدى التشابه بين هذه ~~الصيغ؟ ~~(ج): # هنالك تشابه بين الصيغة ~~الزرادشتية والصيغة الإبراهيمية، أما الصيغة المانوية فتبدو نسيج ~~وحدها؛ ولذلك فسوف نستبعدها فيما يأتي من حوارنا. ~~(س): # دعنا نبدأ بالزرادشتية. الرأي ~~الشائع عن الزرداشتية هو أنها عقيدة ثنوية لا توحيدية؛ بمعنى أنها ~~تقول بوجود إلهين هما إله النور والخير وإله الظلام والشر. ~~(ج): # مرت الزرادشتية بمراحل ~~تطورية خلال ألف سنة من وجودها، وهذا الانطباع الذي تشكل عنها بأنها ~~عقيدة ثنوية جاء في المرحلة الأخيرة التي نطلق عليها اسم المجوسية. ~~أما الزرادشتية الأصلية التي بشر ms087 بها زرادشت فهي عقيدة توحيدية ~~صافية؛ ففي البدء لم يكن سوى الله الذي يدعوه زرادشت أهورا مزدا، وجود ~~كامل وتام، وألوهية مكتفية بنفسها غنية عما عداها. ثم إن هذه ~~الألوهة اختارت الخروج من كمونها وإظهار غيرها إلى الوجود، ففاض عنها ~~روحان توءمان هما سبيتنا ماينيو وأنجرا ماينيو، ولكي يكون لهذين ~~الكيانين وجود مستقل عن خالقهما فقد أعطاهما الله خصيصة الحرية، ~~فاستخدم الاثنان هذه الحرية عندما اختار سبينتا ماينيو الخير ودعي ~~بالروح القدس، واختار أنجرا ماينيو الشر ودعي بالروح الخبيث، وهكذا تم ~~زرع المبدأ الأخلاقي في صميم الوجود؛ فكل ما في هذا الوجود الجديد حر ~~وأخلاقي في آن معا. وعلى الرغم من أن الله كان قادرا على سحق أنجرا ~~ماينيو والقضاء على الشر في مهده، إلا أنه قرر عدم التناقض مع نفسه ~~بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقره وأقام عليه خليقته، ووضع خطة ~~لمقاومة الشر استنادا إلى المبدأ ذاته الذي أنتجه وهو الحرية. # وهكذا فقد تابع أهورا مزدا خلق العالم الروحاني، وأظهر إلى الوجود ~~ستة كائنات نورانية من نوره السني، مثل من يشعل شمعة من جذوة ~~نار، فشكل هؤلاء بطانته الخاصة التي تحيط به على الدوام وتعكس مجده، ~~وقد دعي هؤلاء بالأميشا سبينتا أي المقدسون الخالدون. وقد شارك ~~هؤلاء الخالق فيما تلا من عمليات الخلق والتكوين وصاروا حافظين لخلق ~~الله ووسطاء بينه وبين العالم. وفيما بعد سوف ينزل واحد منهم ويبلغ ~~زرادشت رسالة أهورا مزدا إلى البشرية ويأمره بالتبشير بدين الحق. ثم ~~إن هؤلاء الأميشا سبينتا أظهروا للوجود حشدا من الملائكة الطيبين ~~الذين دعوا بالأهورا، وراح الجميع يتهيأ لمقاومة قوى الشر. وبالمقابل ~~فإن الشيطان أنجرا ماينيو استنهض حشدا من القوى الروحانية المدعوة ~~بالديفا وعمل على تضليلهم، فانحازوا إليه وساروا في ركابه. وعلى الرغم ~~من أن الصراع بين قوى النور وقوى الظلام سوف يستعر عقب خلق الكون ~~المادي، إلا أن أهورا مزدا لن يكون طرفا مباشرا في هذا الصراع على ما ~~آلت إليه الأمور في العقيدة المجوسية المتأخرة. # ثم إن أهورا مزدا ms088 خلق العالم على ست مراحل تقابل الأيام الستة التي ~~خلق الله فيها العالم في العقائد الإبراهيمية؛ فقد خلق السماوات أولا، ~~ثم الماء، ثم الأرض، ثم النبات، ثم الحيوان، وأخيرا خلق الإنسان ~~الأول. وقد قسم الأرض إلى سبعة أقاليم كلها أراض سهلية لا التواء ~~فيها ولا مرتفعات، وصنع بحرا في جهتها الجنوبية، ومن البحر فجر ~~نبعين عذبين شكلا نهرين كبيرين راحا يجريان على الجهة الشرقية ~~والجهة الغربية من الإقليم المسكون في الأرض، وزرع في البحر شجرتين ~~الأولى تدعى بشجرة كل البذور تحتوي على بذور النباتات المعروفة كلها، ~~والثانية تدعى بشجرة الشفاء والحياة الأبدية، وبذلك تنتهي مرحلة ~~الخلق الحسن والكامل، وقد بقي العالم على كماله مدة كان الشيطان ~~خلالها نائما. ~~(س): # في قصة التكوين التوراتية ~~هناك شجرة في الجنة تسمى شجرة الحياة. أليس كذلك؟ ~~(ج ): # تتفق قصة الخلق ~~المسيحية-اليهودية في سفر التكوين مع قصة الخلق الزرادشتية في ترتيب ~~ظهور معالم الكون، وفي عنصرين آخرين هما عنصر النهرين وعنصر ~~الشجرتين ولكن مع بعض التعديل؛ ففي سفر التكوين وبعد أن انتهى الله ~~من آخر فعاليات الخلق وهو خلق الإنسان الأول آدم، زرع جنة في مكان ~~يدعوه النص شرقي عدن (عدن شرقا)، وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة ~~ثم ينقسم ليصير أربعة فروع، وفي وسط الجنة زرع شجرتين؛ الأولى تدعى ~~شجرة الحياة، والثانية تدعى شجرة معرفة الخير والشر. ~~(س): # كيف انتقلت هذه التأثيرات ~~الزرادشتية إلى كتاب التوراة أو العهد القديم كما يدعى في ~~المسيحية؟ ~~(ج): # بعد أن دمر الملك البابلي ~~نبوخذ نصر مدينة أورشليم وسبى نخبة من سكان مملكة يهوذا، أسكنهم في ~~مدينة بابل وما حولها، ولكن بابل سقطت بعد خمسين سنة بيد الفرس عام ~~539ق.م. واحتكت الثقافة البابلية مع الثقافة الفارسية الزرادشتية. ~~وكان لدى مثقفي يهوذا من كتبة وكهنة فرصة للاحتكاك بالثقافة ~~الفارسية والاطلاع على الزرادشتية، وكانوا في ذلك الوقت قد شرعوا في ~~تدوين الأسفار التوراتية المبكرة. ~~(س): # هل من المناسب أن نستخدم لفظ ~~الجلالة «الله» في الإشارة إلى الإله التوراتي كما فعلت ms089 منذ قليل، على ~~الرغم من افتقار العقيدة التوراتية إلى التوحيد الصافي الذي يسوغ لنا ~~مثل هذا الاستخدام؟ ~~(ج): # من حيث المبدأ أنا لا أفضل ~~ذلك، ولكن مشروعية هذا الاستخدام تأتي من أن القرآن الكريم يخبرنا بأن ~~الله كان إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهم أنبياء ما قبل اليهودية، ~~وكان إله موسى نبي اليهودية ومن جاء بعده؛ مثل أليشع وإلياس ~~ويونس. ~~(س): # حسنا، عندما قام أهورا مزدا ~~بفعاليات الخلق كان الشيطان نائما، فمتى أفاق؟ ~~(ج): # عندما أفاق الشيطان ورأى ما ~~صنع الله، انقض عليه وأخذ بتخريبه؛ فقد قفز نحو الأعلى وشتت ~~تجمعات النجوم، وأحل الاضطراب في نظام السماء، ثم غطس في البحر ~~فأفسد ماءه بالملح، وجفف الينابيع، وأذبل المزروعات في السهول ~~الخضراء ونشر فيها الصحاري، وبث فيها الأفاعي والعقارب وكل الكائنات ~~المؤذية، ولوث النار بالدخان، وذبح الإنسان الأول، وزرع الموت ~~والعفونة والفساد في كل ما خلق الله. وهكذا دخل العالم في مرحلة تمازج ~~الخير والشر، والصراع بين قوى النور وقوى الظلام؛ فقد تصدى الأميشا ~~سبينتا لإصلاح ما أفسده الشيطان، ومن جملة ما قاموا به أنهم أخذوا ~~بذور الإنسان الأول فطهروها بضوء الشمس ثم زرعوها في التربة، فخرجت ~~منها نبتة انطوى برعمها على الزوجين الأولين ماشيو وماشيا، فنفخ ~~الله فيهما الروح وقال لهما: «أنتما سلف البشرية فحافظا على الفكر ~~الحسن والقول الحسن ولا تخضعا للشيطان.» ثم جاء الملائكة فألبسوهما ~~ثيابا من جلد لستر عريهما وعلموهما كل ما يلزم لحياة الإنسان، ولكن ~~العالم لن يعود نقيا كما كان، والصراع بين قوى الخير وقوى الشر سوف ~~يستمر، ولن يحسم إلا بمعونة الإنسان الذي يساهم في هذا الصراع من ~~خلال التزامه بالمنظومة الأخلاقية التي سنها له زرادشت. # تبدأ مرحلة الفصل بين الخير ~~والشر بميلاد زرادشت، وتنتهي بميلاد المخلص الذي ستحمل به عذراء ~~تنزل لتستحم في مياه بحيرة معينة حفظ فيها الملائكة بذور زرادشت، ~~فتتسرب البذور إلى رحمها وتنجب مخلص العالم المدعو ساوشيانط الذي ~~سيقود المعركة الأخيرة الفاصلة ضد الشيطان ويقضي عليه. ومع القضاء على ~~الشيطان يتم ms090 تدمير العالم القديم الملوث بعناصر الشر، وتجديده بطريقة ~~أقرب ما تكون إلى خلق آخر، ثم تفتح القبور وتلفظ الأرض ما أتخمت به ~~من عظام الموتى، وتهبط الأرواح من البرزخ الذي كانت تقيم به لتتحد ~~بأجسادها. وبعد ذلك يسلط الملائكة نارا على الأرض تذيب معادن ~~الجبال وتشكل نهرا ناريا يطغى على المبعوثين الذين تجمعوا في ~~بقعة معينة من الأرض، ويجرف في طريقه الأشرار ويمحو عن الأرض ~~أثرهم، أما الأخيار فيعبرونه كمن يخوض في نهر حليب دافئ، ويعيشون ~~خالدين في العالم الجديد الذي تحول إلى جنة أرضية. # هذه هي القصة الكلاسيكية عن الله والشيطان والتاريخ الدينامي، والتي ~~ستعود عناصرها للظهور في الديانات الإبراهيمية. ~~(س): # ومن المتوقع أن نجد معظم ~~هذه العناصر في الرواية التوراتية لأنها الرواية الأبكر. أليس ~~كذلك؟ ~~(ج): # أعتقد أني أشرت سابقا إلى ~~أن العقيدة اليهودية قد مرت بطورين؛ الأول هو العقيدة التقليدية كما ~~يرسمها كتاب التوراة بأسفاره القانونية، والثاني هو العقيدة التي ~~تطورت على هامش التوراة تحت تأثير أسفار أخرى لم تقر في الكتاب ~~القانوني والمدعوة بالأسفار المخفية أو غير القانونية. وقد تبنى ~~مؤلفو التلمود وهو المصدر الآخر للديانة اليهودية عناصر مهمة من ~~هذه العقيدة التي رسمت الصورة العامة للاهوت الشيطان في الديانات ~~الإبراهيمية. ~~(س): # هل تعني بأن عقيدة الشيطان ~~مفقودة في التوراة؟ ~~(ج): # نعم؛ فالشيطان كمبدأ كوني ~~للشر لا وجود له في التوراة، هنالك شخصية ملائكية شريرة تدعى ~~بالشيطان، والاسم العبري لها هو «شطن» ويعني المقاوم والمعاند، تعمل ~~تحت إمرة يهوه الذي يوكل إليها مهام شريرة معينة على ما نراه ~~مثلا في سفر أيوب، حيث أوكل الرب للشيطان مهمة إنزال المصائب بعبده ~~الصالح أيوب ليمتحن مدى إيمانه وتقواه. وهو باختصار شخصية باهتة لا ~~يمكن تمييزه بين «جيش الملائكة الأشرار»، وهو تعبير يرد لوصف فئة ~~معينة من بطانة يهوه (راجع المزمور: 78). ~~(س): # وما هو سبب هذا الغياب ~~لشخصية الشيطان؟ ~~(ج): # لأن الشيطان كما أسلفنا من ~~قبل ضرورة توحيدية، والعقيدة التوراتية لم تتوصل إلى مفهوم التوحيد ~~الصافي؛ وبالتالي إلى مفهوم ms091 الخير المطلق في شخصية الله؛ فهو صانع ~~الخير وصانع الشر في آن واحد، على ما نقرأ في سفر إشعيا: «أنا الرب ~~وليس آخر، مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر، أنا ~~صانع كل هذا» (إشعيا، 45: 76). ~~(س): # وماذا عن ميثولوجيا التكوين؟ ~~هل خلت من أسطورة ظهور الشيطان كما هو متوقع؟ ~~(ج): # بالطبع، ولكنها مع ذلك وضعت ~~الصيغة الكلاسيكية لميثولوجيا التكوين في العقائد الإبراهيمية بعد أن ~~أدخلت عليها الأسفار غير القانونية فكرة الشيطان؛ ففي البدء لم يكن ~~سوى الماء وروح الرب يرف فوقه، ثم قرر الرب خلق العالم ونفذ ذلك ~~في ستة أيام؛ ففي اليوم الأول خلق النور الذي شق الظلمة المتكاثفة ~~فوق مياه الغمر البدئية، وسمى النور نهارا وسمى الظلمة ليلا، ~~وفي اليوم الثاني خلق قبة السماء، وفي اليوم الثالث أظهر اليابسة ~~وميزها عن البحار وبث فيها الحياة النباتية، وفي اليوم الرابع ~~خلق الأجرام السماوية، وفي اليوم الخامس خلق الكائنات الحية وطيور ~~الجو، وفي اليوم السادس خلق حيوانات الأرض، ثم أخذ حفنة من تراب ~~الأرض وجبلها وصنع منها آدم الإنسان الأول، ونفخ في أنفه نسمة ~~الحياة. وفي اليوم السابع استراح من كل عمله الذي عمل. بعد ذلك غرس ~~الرب جنة في عدن شرقا، ووضع فيها آدم ليعملها ويحفظها، وأوصاه قائلا: ~~من جميع شجر الجنة تأكل، وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل ~~منها. بعد ذلك أحضر الرب إلى آدم كل الحيوانات البرية وطيور السماء ~~ليرى ماذا يدعوها، فراح آدم يطلق الأسماء على كل فصيلة حيوانية ~~اسمها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس صار اسمها. وقال الرب ليس جيدا أن ~~يكون آدم وحده، فأوقع عليه سباتا فنام، وأخذ واحدة من أضلاعه وملأ ~~مكانها لحما وبنى الضلع امرأة وأحضرها إلى آدم لتكون رفيقة له. ثم ~~إن الحية التي يصفها النص بأنها أحيل من حيوانات البرية جميعها ~~تسللت إلى الجنة وأغوت المرأة حواء بالأكل من شجرة المعرفة فأكلت، ~~ثم أعطت رجلها فأكل أيضا. وعندما عرف الرب بخطيئة آدم وحواء لعن ~~الحية، ms092 ولعن الأرض التي صنع منها الإنسان قائلا لآدم: ملعونة الأرض ~~بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك حتى تعود إلى الأرض التي ~~أخذت منها؛ لأنك من تراب وإلى تراب تعود. وقال للمرأة: تكثيرا أكثر ~~أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود ~~عليك، ثم طرد الرب الإنسان من جنة عدن ليعمل في الأرض التي أخذ ~~منها. هذه هي الخطوط العامة لأسطورة التكوين التوراتية. ~~(س): # إن غياب الشيطان عن ~~الميثولوجيا يعني غياب فكرة صراع الخير والشر الذي يدفع عجلة التاريخ ~~الدينامي إلى نهايته في اليوم الأخير. وفي هذه الحالة كيف ينتهي ~~التاريخ في الأيديولوجيا التوراتية؟ ~~(ج): # مسيرة التاريخ في الرواية ~~التوراتية ليست مدفوعة بالصراع بين الخير والشر، وهاجس هذه المسيرة هو ~~العلاقة بين يهوه وشعبه الذي اختاره لنفسه من بين شعوب الأرض جميعها. ~~وسوف يكون هناك نهاية للتاريخ، ولكن هذه النهاية لا تأتي معها بتنقية ~~العالم من آثار الشر، وإنما بحرب شاملة يشنها يهوه على أمم الأرض ~~جميعها في يوم الرب أو اليوم الأخير كما يدعى في النص، وبعد ذلك يجمع ~~إليه المنفيين والمسبيين من يهوذا وإسرائيل، ويقيم مملكة الرب على ~~الأرض، وهي مملكة يحكمها يهوه بشكل مباشر. أما من بقي حيا من الأمم ~~فيسيرون إلى هذه المملكة لكي يمتلكهم بنو إسرائيل عبيدا يخدمونهم. ومن ~~الجدير بالذكر أن اليوم الأخير هذا لا يأتي معه بقيامة عامة للموتى ~~ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب. ولعل المقاطع الآتية من النص التوراتي ~~تكفي لإيضاح ما قلت: ~~«اقتربوا أيها الأمم لتسمعوا، ويا أيها الشعوب أصغوا، لتسمع الأرض ~~وملؤها، المسكونة وكل ما تخرجه؛ لأن للرب سخطا على كل الأمم ~~وحموا على جيشهم، قد حرمهم، دفعهم للذبح فقتلاهم تطرح وجيفهم ~~تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم» (إشعيا، 34: 1-5). «ويكون في ذلك ~~اليوم أن الرب يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من آشور ~~ومن مصر ومن كوش ... (إلخ)، ويجمع منفيي إسرائيل ويضم مشتتي يهوذا من ~~أربعة أطراف الأرض ... ويريحهم في أرضهم ... فتقترن بهم الغرباء ms093 ... ويمتلكهم ~~بيت إسرائيل في أرض الرب عبيدا وإماء ويسبون الذين سبوهم ~~ويتسلطون على ظالميهم» (إشعيا، 11: 11-12 و14: 1-2). «قومي استنيري ~~(يا أورشليم) لأنه قد جاء نورك ومجد الرب أشرق عليك ... تسير الأمم ~~والملوك في إشراقك ... وبنو الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين، وكل الذين ~~أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك» (إشعيا، 27: 13 و60: 1-3 و14). «ما ~~أجمل قدمي المبشر على الجبال، المخبر بالخلاص، القاتل لصهيون! قد ~~ملك إلهك» (إشعيا، 52: 7). «الرب قد ملك فلتبتهج الأرض ... قدامه تذهب ~~نار وتحرق أعداءه حوله» (المزمور، 97: 1-2). # إن أفضل ما توصف به الأيديولوجيا التوراتية هو أنها تاريخ دينامي ~~منقوص من حيث أدواته ومن حيث غاياته؛ ذلك أن حركة التاريخ لا يدفعها ~~الصراع بين الخير والشر، وهي لا تسعى إلى غاية نبيلة تتحقق في آخر ~~الزمن. ~~(س): # ولكن كتاب التوراة ليس المصدر ~~الوحيد للديانة اليهودية كما قلت منذ قليل ؛ فهناك التلمود وهناك ~~الأسفار غير الرسمية، فهل ساعد هذا المصدران على إدخال لاهوت الشيطان ~~وما يتصل به من نهاية نبيلة للتاريخ كما دعوتها؟ ~~(ج): # في أواسط القرن الثاني قبل ~~الميلاد تم تدوين سفر دانيال، وهو آخر الأسفار التي قبلت في النص ~~القانوني للتوراة. إلا أن اختتام الأسفار التوراتية على المستوى الرسمي ~~لم يكن حائلا دون استمرار المفكرين بإنتاج فكر ديني يتجاوز الموروث ~~التقليدي، وتفسيره بما يتلاءم ومستجدات العصر. وقد استخدم هؤلاء أسلوب ~~الأسفار النبوية والرؤيوية التوراتية، ووضعوا خطابهم على لسان شخصيات ~~توراتية بارزة من أجل إسباغ سطوة الماضي على أفكارهم. وقد استمرت ~~هذه الحركة حتى نهاية القرن الثاني الميلادي، وأنتجت كما ضخما من ~~الأدب الديني الذي كان له أثر على التلمود وأثر على الفكر المسيحي ~~اللاحق. ~~(س): # هل يمكننا القول بأن هذه ~~الحركة أحدثت انقلابا في العقيدة التوراتية؟ ~~(ج): # لنقل إنها أحدثت نقلة ~~باتجاه مفهوم التوحيد وصفات الخير والعدالة عند الله دون أن تحقق ~~أهدافها تماما. ~~(س): # لا شك أنها بدأت برسم صورة ~~للشيطان الكوني! ~~(ج): # إن الانقلاب الذي أحدثته ~~هذه الأسفار ينطلق من معالجتها لمشكلة وجود الشر في ms094 العالم؛ فالله ليس ~~مسئولا عن الشر وإنما هو الشيطان. وقد قدم مؤلفو هذه الأسفار عدة ~~أساطير تعاونت في النهاية على إنتاج الصيغة الكلاسيكية للاهوت ~~الشيطان في العقائد الإبراهيمية. # ففي سفر أخنوخ الأول يقول الكاتب الذي وضع خطابه على لسان أخنوخ ~~السلف السادس للبشرية بعد آدم، إنه عندما تكاثر نسل آدم وحواء على ~~الأرض وولد لهم بنات جميلات، رأى فريق من الملائكة (وهم الساهرون ~~المكلفون بتفقد أحوال الأرض) جمال نساء الأرض فرغبوا بهن، وهبطوا ~~إلى الأرض بقيادة رئيسهم المدعو سيمياز على قمة جبل حرمون في سورية، ~~وكان عددهم مائتين. ثم إن هؤلاء اتخذوا لأنفسهم زوجات من بني البشر ~~فولدن لهم أبناء عمالقة ذوي قوة خارقة، فأكلوا كل شيء، وعندما لم ~~يجدوا ما يأكلونه راحوا يلتهمون البشر. فصعد صراخ البشر إلى ~~السماء وسمعه الرب، فأرسل إلى أخنوخ مع أحد الملائكة حكمه على ~~الملائكة الساقطين الذين أنجبوا العمالقة، فهم سيشهدون ذبح أولادهم ~~العمالقة، وبعد ذلك سيحبسون في باطن الأرض إلى يوم القيامة حيث ~~سيقادون إلى النار الأبدية، ومن دماء أولادهم المذبوحين تنشأ أرواح ~~شريرة تسكن الأرض، وهؤلاء سوف يكونون مصدرا للعنف والأذى، ويدفعون ~~البشر إلى الخطيئة وإلى المعصية حتى اليوم الأخير. # هذه هي الأسطورة التمهيدية لقصة ظهور الشيطان. ~~(س): # ولكن الشيطان الكلاسيكي لم ~~يظهر بعد! ~~(ج): # لدينا هنا عدة أفكار تمهد ~~لظهوره، وهي فكرة الأصل الملائكي لقوة الشر، وفكرة العصيان الملائكي، ~~وفكرة الأصل الشيطاني للخطيئة والمعصية. الأسطورة الثانية تسير خطوة ~~أبعد في رسم شخصية الشيطان، ونجدها في السفر المدعو بكتاب ~~اليوبيليات الذي ينطلق كاتبه من حيث انتهى سفر أخنوخ الأول؛ فقد زاد شر ~~الشياطين التي نشأت عن دم العمالقة وفسدت الأرض، فقرر الرب إفناء ~~كل ذي حياة على الأرض بطوفان عظيم لم ينج منه سوى نوح ومن حمل معه ~~على ظهر السفينة. ولكن نسل نوح عاد إلى التكاثر خلال حياته التي امتدت ~~إلى نحو ألف عام، وعاد الشياطين إلى شرورهم، فصلى نوح إلى الرب لكي ~~ينجيه وذريته من شر الشياطين، فأمر الرب فريقا ms095 من الملائكة بمطاردة ~~الشياطين وتقييدهم في باطن الأرض. وشرع الملائكة بهذه المهمة، ولكن ~~رئيسهم المدعو مستيما جاء إلى الرب وطلب منه ألا يهلك الشياطين جميعا، ~~بل يترك له قسما منهم يتابع العمل تحت إمرته، فوافق الرب وأمر بأن ~~يبقى مع مستيما عشر الشياطين، أما التسعة أعشار الباقية فيتم تقييدها ~~إلى يوم الحساب الأخير. كما أمر بعض الملائكة أن يعلموا البشر طرق ~~الوقاية من شر الشياطين. # هذا هو التطوير الأول لقصة الشيطان. ~~(س): # عندي سؤالان؛ الأول لماذا ~~أهلك الرب البشر بالطوفان بدلا من أن يهلك الشياطين؟ والثاني هو لماذا ~~أعطى المهلة لرئيس الشياطين وأنظره إلى يوم الحساب الأخير؟ ~~(ج): # كلما نحت العقيدة نحو التوحيد ~~كان هناك حاجة لتفسير وجود الشر في العالم، على ما أسلفت، وتحول ~~التاريخ من صيغة التاريخ المفتوح إلى صيغة التاريخ الدينامي الذي ~~يحركه صراع الخير والشر، وهنا يجب ألا يقضى على الشيطان إلا في آخر ~~الزمن. وسنرى في الأسطورة الثالثة كيف أن الشيطان الذي شعر بتزايد ~~قوته قد فكر في أن يغدو ندا لخالقه؛ ففي السفر المعروف باسم ~~أخنوخ الثاني، أو (أسرار أخنوخ) تتحول زمرة الملائكة الساقطين الذين ~~أنجبوا الشياطين إلى شخصية واحدة، هو رئيس طبقة عليا من الملائكة، ~~وبذلك تتشكل صورة إبليس المعروفة في العقيدتين المسيحية والإسلامية، ~~كما تتصل لأول مرة قصة عصيان إبليس وسقوطه بقصة عصيان الإنسان ~~وسقوطه. # يعيد هذا السفر رواية قصة التكوين التوراتية، ولكنه يضيف إليها ~~عنصر خلق الملائكة في اليوم الثاني، وعنصر عصيان الملاك الرئيس ساتانا ~~إيل وتمرده على خالقه وتحوله إلى إبليس، ثم غوايته للزوجين ~~الأولين؛ فقد خلق الله الملائكة من جوهر النار، وجعلهم في عشر ~~طبقات، وجعل لكل طبقة رئيسا. ثم إن أحد هؤلاء الرؤساء تصور في قلبه ~~خطة مستحيلة، وهي أن يصبح ندا للعلي في القوة، فتمرد على خالقه، ~~ثم أغوى من تحته من الملائكة، وزين لهم الوقوف إلى جانبه، ففقدوا ~~بريقهم الإلهي وصاروا أرواحا شريرة تهيم خارج دائرة الرحمة الإلهية. ~~وفي اليوم السادس خلق الله آدم من تراب ms096 الأرض، ثم أسكنه في جنة زرعها ~~على الأرض ليرعى عهده ووصاياه، وأراه طريق النور وطريق الظلام، وقال له ~~هذا حسن وهذا سيئ. بعد ذلك تسير القصة وفق عناصرها الكلاسيكية، ولكن ~~خطيئة حواء كانت بدافع الشيطان الذي تسلل إلى الفردوس وأغواها بالأكل ~~من الشجرة، فأبعدهما الله عن الجنة ليسكنا في الأرض، ولكنه لم يلعن ~~الأرض ولا أيا من مخلوقاتها، بل لعن الجهل وأعمال الإنسان الشريرة، ~~ثم بارك يوم السبت الذي فيه استراح من أعماله، وجعل اليوم الثامن أول ~~الأيام المخلوقة، وجعل بعده سبعة آلاف سنة بعدد الأيام السبعة الأولى، ~~وفي بداية الألف الثامن جعل موعدا لانتهاء الزمن الأرضي. # وبهذا تكون عناصر القصة الكلاسيكية قد اكتملت عدا عنصرين. ~~(س): # ولكن هذه الأسطورة قد احتوت ~~على عناصر التاريخ الدينامي جميعها. أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فمع سفر أسرار ~~أخنوخ الذي تعود صيغته الأولى إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد كانت ~~اليهودية مؤهلة لتبني فكرة التاريخ الدينامي وقيامة الموتى في ~~اليوم الأخير، ولكن ذلك لم يحصل قبل بدايات القرن الثاني الميلادي؛ ~~فنحن نعلم من الأناجيل الأربعة ومن رسائل بولس ومصادر أخرى، أن ~~اليهود خلال القرن الأول الميلادي كانوا منقسمين إلى فرقتين؛ فرقة ~~الصدوقيين المحافظة التي بقيت على عدم إيمانها بقيامة الموتى، وفرقة ~~الفريسيين التي آمنت بها. ويذكر لنا سفر أعمال الرسل في كتاب العهد ~~الجديد أن بولس الرسول عندما مثل أمام المجمع اليهودي ليحاكم بتهمة ~~التجديف والكفر، لاحظ بأن عددا لا بأس به من أعضاء المجمع على ~~العقيدة الفريسية، فصرخ أمامهم قائلا: أنا فريسي ابن فريسي، وإني ~~أحاكم هنا على إيماني بقيامة الموتى. وهنا حدثت منازعة بين ~~الفريسيين والصدوقيين من أعضاء المجمع وانفضت الجلسة دون اتخاذ ~~قرار. ~~(س): # ما هما العنصران المفقودان في ~~سفر أخنوخ؟ ~~(ج): # الأول هو الأمر الإلهي ~~للملائكة بالسجود لآدم بعد خلقه، والثاني هو استشارة الله للملائكة ~~بشأن خلق الإنسان. وهذان العنصران تم استكمالهما بعد ذلك؛ فالأمر ~~الإلهي بالسجود لآدم موجود في السفر المعروف بكتاب حياة آدم، وهو ~~يعود إلى زمن ms097 غير مؤكد بين أوائل القرن الأول قبل الميلاد وأواسط ~~القرن الأول الميلادي؛ فبعد طردهما من الفردوس راح آدم وحواء يبحثان عن ~~طعام يأكلانه يشبه طعام الجنة، فلم يجدا سوى ما تأكله البهائم، فقال ~~آدم لحواء: من الأفضل أن نبكي أمام خالقنا ونستغفره لعله يسامحنا. ثم ~~افترقا وراح كل منهما يصلي ويعلن توبته أمام ربه، فرآهما الشيطان ~~وجاء إلى حواء في صورته الملائكية القديمة، وقال لها: قد سمع الرب ~~دعاءكما وقبل توبتكما، وأرسلني لكي أقودك إلى مكان فيه طعام أهل ~~الجنة. ثم أخذ بيدها وقادها إلى آدم، فلما رآهما تعرف آدم على الشيطان ~~الذي حرمهما من الجنة، فاضطرب وصاح به: الويل لك أيها الشيطان، لماذا ~~تلاحقنا دوما بالمكر والخديعة؟ وما الذي فعلناه لك؟ فقال له ~~الشيطان: أنت السبب فيما حدث لي يا آدم؛ فبعد أن خلقك الرب على ~~صورته، دعانا ميخائيل رئيس الملائكة وقال لنا: اسجدوا لآدم، لصورة الرب ~~يهوه. فقلت له: لن أسجد لمن هو أقل مرتبة مني. ولما سمع الملائكة ~~التابعون لي قولي هذا رفضوا السجود أيضا، فطردنا الرب من مسكننا ~~الأعلى إلى الأرض. ~~(س): # كنت أتساءل دوما عما فضل ~~الله به الإنسان على الملائكة حتى أمروا بالسجود له. وقد قدمت هذه ~~الأسطورة جوابا مقنعا من حيث الظاهر. ~~(ج): # نعم؛ فالإنسان خلق على صورة ~~الله وفق الرواية التوراتية «فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة ~~الله خلقه» (التكوين، 1: 28). وأيضا: «يوم خلق الله الإنسان، على ~~شبه الله عمله، ذكرا وأنثى خلقه» (التكوين، 5: 1-2). # الأسطورة الأخيرة التي سأقدمها تحتوي على عنصر السجود لآدم وعلى ~~عنصر استشارة الله الملائكة بخصوص خلق الإنسان، وهي من كتاب الهاجاداه، ~~وهو عبارة عن مجموعة من القصص الديني التعليمي التي تشرح نصوص التوراة ~~بطريقة أدبية شيقة، وقد صار هذا الكتاب جزءا من التلمود. فبعد أن ~~انتهى الرب من خلق السماوات والأرضين استطلع رأي الملائكة فيما هو ~~مقدم عليه من خلق الإنسان، فجاءت مشورتهم في غير صالح الإنسان، وقال ~~بعضهم إنه سيكون ممتلئا بالغش والخداع، ميالا إلى النزاع ms098 والخصام. ~~فقال لهم: وما نفع وليمة فيها كل الطيبات وما من ضيف يتمتع بها؟ ~~بعد ذلك مد الرب يده واغترف من جهات الأرض الأربع، أربع قبضات من ~~التراب فعجنها بالماء وسواها إنسانا، فجاء آدم صنعة يد الخالق على ~~عكس بقية مظاهر الخلق الأخرى التي ظهرت بكلمة من فمه، وذلك تكريما ~~له وإعلاء لشأنه، ثم نفخ في أنف آدم من روحه الأزلية فصار نفسا حية، ~~وأسكنه في الجنة التي غرسها في عدن شرقا، ولكي يثبت للملائكة تفوق ~~آدم عليهم فقد عرض عليهم من كل ما خلق من الحيوانات زوجا زوجا ~~لينبئوه بأسمائها ولكنهم عجزوا، ثم عرضها على آدم بعد أن أوحى إليه ~~بأسمائها، فسماها آدم لأنه كان نبيا وحكمته من حكمة الأنبياء. عقب ~~ذلك أمر الرب كل الملائكة أن يسجدوا لآدم ففعلوا وعلى رأسهم رئيسهم ~~ميخائيل، ولكن أحد رؤساء الملائكة المدعو ساتان الذي أضمر الغيرة من ~~آدم والحسد له رفض السجود قائلا: لقد خلقتنا من ألقك وبهائك فكيف ~~نسجد أمام من خلقته من تراب الأرض؟ وهنا تدخل ميخائيل وقال ~~لساتان: إذا لم تبجل آدم فعليك أن تتحمل عواقب غضب الرب. فأجابه ~~ساتان: إذا غضب الرب علي فسأرفع عرشي فوق نجوم السماء وأغدو ندا ~~للعلي. فلما سمع الرب منه ذلك أمسك به ورماه خارج دائرة السماء فهوى ~~إلى الأرض، وتبعه حشد من جماعته الذين شجعهم تمرده على إظهار ما ~~كتموه في أنفسهم من حسد لآدم ورفض لسموه عليهم. ومنذ تلك اللحظة ~~صارت عداوة بين الشيطان والإنسان. # وبذلك تكون القصة الكلاسيكية قد اكتملت. ~~(س): # إن رفض الملاك ساتان لأمر ~~السجود يدل هنا على أن الملائكة خلقوا أحرارا كما هو حالهم في ~~الزرادشتية، أليس كذلك؟ ~~(ج): # نعم؛ فالحر وحده من يستطيع ~~القول نعم أو لا. ولو أن الله خلقهم بلا حرية لكانوا امتدادا له لا ~~كائنات مستقلة. وهنا نلاحظ، على سبيل المثال لا المقارنة، أن الرواية ~~القرآنية جاءت في اتفاق مع الرواية التوراتية غير الرسمية لا مع ~~الرواية الرسمية؛ حيث نقرأ في سورة البقرة: ms099 # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة ~~(البقرة: 31). ~~(س): # لماذا كان في معرفة آدم ~~لأسماء الحيوانات تفوق على الملائكة، على الرغم من أن معرفته هذه ~~جاءت من الله لا من نفسه؟ ~~(ج): # لا جواب عندي على هذا السؤال، ~~لو كان آدم متفوقا على الملائكة وحكمته من حكمة الأنبياء لعرف ~~الأسماء دون أن يعلمه الله إياها. ولو أن الله علم الملائكة ~~الأسماء ولم يعلمها لآدم لأظهروا تفوقا في الحكمة، إذا كان في ذلك ~~حكمة. على أننا نفهم من الرواية التوراتية للقصة في سفر التكوين أن ~~الله لم يتدخل لصالح آدم، حيث يقول النص: «وجبل الرب الإله من الأرض ~~كل حيوانات الأرض وطيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، ~~وكل ما دعا به آدم ذات نفس فهو اسمها» (التكوين، 2: 19). وهنا ~~نلاحظ على سبيل المقارنة أن الرواية القرآنية جاءت في اتفاق مع ~~الرواية التوراتية غير الرسمية لا مع الرواية الرسمية؛ حيث نقرأ في ~~سورة البقرة: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ثم عرضهم على الملائكة ~~. ~~(س): # حسنا، أعتقد أنه قد توضحت ~~لنا الآن ملامح أسطورة أساسية تكونت من عدة تيمات أساطير تولدت ~~بعضها من بعض، وهي: (1) التكوين وخروج الألوهة من كمونها في الأزلية. ~~(2) ميلاد الشيطان وفساد العالم. (3) سقوط الإنسان. (4) صراع الخير ~~والشر الذي يدفع حركة التاريخ نحو نهاية محتومة. (5) اليوم الأخير ~~ودمار العالم القديم. (6) القيامة العامة للموتى، والثواب والعقاب. (7) ~~تجديد العالم ودخوله في الأبدية. ما هي الصيغة المسيحية والإسلامية ~~لهذه الأسطورة الأساسية؟ ~~(ج): # الصيغة المسيحية متفردة من حيث تفسيرها لهذه ~~التيمات الأسطورية؛ فقد تبنتها من حيث الشكل وخالفتها في المضمون. ~~ويأتي تفرد الصيغة المسيحية من رؤياها الخاصة لخطيئة الإنسان الأول، ~~ولكي أوضح هذه النقطة سوف أعود إلى كتاب حياة آدم، والمشهد الأخير الذي ~~يصور وفاته: «ولسبعة أيام أظلمت الشمس وأظلم القمر والنجوم. وكان ~~شيت يحتضن جسد أبيه، وحواء تشبك ذراعيها فوق رأسها المنكس على ~~ركبتيها، وكل الأولاد يبكون بحرقة. وبينما هم على هذه الحال تجلى لهم ~~الملاك ميخائيل واقفا عند رأس آدم، وقال ms100 لشيت: «انهض عن جسد أبيك لكي ~~أطلعك على ماذا أعد الرب له. لقد رحم الرب مخلوقه وتاب عليه».» ~~ولدينا في القرآن الكريم آية بخصوص مغفرة الله لخطيئة آدم: # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم ~~(البقرة: ~~37). # أما في المسيحية فإن الله لم يغفر لآدم خطيئته، وأكثر من ذلك فإن ~~خطيئة آدم تحولت إلى خطيئة أصلية حملتها ذريته من بعده؛ فالكل ~~خاطئون والكل ورث الخطيئة عن آدم وينوء تحت ثقلها. هذه الفكرة لا نجد ~~لها أثرا في الأناجيل ولا في بقية أسفار العهد الجديد، وإنما في فكر ~~بولس الرسول وفي اللاهوت المسيحي اللاحق؛ فبولس ينظر إلى الموت ~~باعتباره عقابا على الخطيئة الأصلية، وكما جلب آدم على ذريته الخطيئة، ~~فقد جلب عليهم الموت (الرسالة الأولى إلى أهالي روما، 5: 12). ولكن ~~المسيح الذي يدعوه بولس بآدم الثاني قهر الموت من خلال موته على ~~الصليب وقيامته، وجعل الحياة الأبدية متاحة لكل من آمن به وتوحد معه ~~(الرسالة الأولى إلى أهالي روما، 5: 15-16). وهكذا وبعد أزمنة ~~متطاولة أدار الله فيها وجهه عن البشرية، فقد تصالح معها في يسوع ~~المسيح (الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة، 5: 18-21). واستنادا إلى ~~هذه الفكرة المركزية في لاهوت بولس الرسول، قامت الكنيسة بصياغة رؤياها ~~اللاهوتية للتاريخ المقدس. # فقد خلق الله العالم الروحاني ~~قبل العالم المادي، وكان أول ما خلق حشد من الملائكة صنعهم من جوهر ~~النار، ووهبهم خصيصة الحرية، فتوضعوا في تسعة أفلاك تحيط بمركز ~~النور الأسمى ولكل طبقة رئيس. بين هؤلاء كان المدعو لوسيفر؛ أي ~~الوضاء، أجملهم وأفضل ما يمكن لصنعة الله البديعة أن تخلقه، حتى ظن ~~أنه يستحيل على الله أن يخلق من هو أكمل وأعلى شأنا منه، فتملكه ~~الغرور وقاده إلى الاعتقاد بقدرته على الارتقاء إلى مقام أعلى يعادل ~~مقام العلي، فقال في نفسه: أرغب في أن أكون سيدا أعلى، وألا يكون ~~فوقي أحد. فأيده أتباعه قائلين: نرغب في رفع عرش مولانا ليبلغ عرش ~~العلي. عند ذلك طوح به العلي خارج دائرة النور، وتبعه من ms101 والاه ~~مديرين وجوههم عن دائرة النور، فانطفأ بريقهم وصاروا كفحم خامد، ~~وراحوا يتهيئون لتخريب خطة خلق الله، ثم إن الله باشر عمليات الخلق ~~وانتهى منه في ستة أيام. وهنا تسير قصة خلق الإنسان وسقوطه وفق القصة ~~الواردة في سفر التكوين، ولكن مع تعديل واحد مفاده أن إبليس تسلل ~~إلى الجنة في هيئة الحية، وتنتهي باللعنة التي قادت إلى سقوط العالم ~~بأكمله وانفصاله عن مجد الله، ووضعه في يد الشيطان في انتظار قدوم ~~المسيح المخلص. وبذلك ابتدأت مرحلة تمازج الخير والشر. # لقد كان عارفا منذ البداية أن الحرية التي أعطاها للملائكة وللإنسان ~~سوف يساء استخدامها، وأن العالم سيقع فريسة للموت والفساد نتيجة ~~عصيان الكائنات العاقلة، ولكنه كان يضمر خطة لتخليص الإنسان وتطهير ~~العالم في الوقت المناسب دون الإخلال بمبدأ الحرية؛ فسوف يهبط الكلمة، ~~وهو الأقنوم الثاني في الثالوث، إلى الأرض ليغدو إنسانا ويدخل في دورة ~~الحياة والموت لكي يخلص خليقته من اللعنة القديمة، وهكذا كان؛ فبعد ~~عصور الظلام ولد الكلمة من رحم العذراء، وتجلى في هيئة يسوع ~~الناصري، فعاش في الزمن الدنيوي وشارك البشر الألم والمعاناة، ثم مات ~~على الصليب لأجل خلاصهم، وبذلك افتدت الذبيحة الإلهية، وهي القربان ~~الكامل، الإنسان وخلصته من الموت الذي جلبته خطيئة آدم؛ فالتاريخ ~~الذي ابتدأ بآدم سوف يبدأ بداية جديدة بيسوع، وما الزمن الفاصل بين ~~هاتين البدايتين إلا عصر جاهلية إنسانية كان العالم خلاله ينتظر ~~قدوم المخلص الذي يستعيد العالم من يد الشيطان. # ولقد ابتدأت مرحلة الفصل بين ~~الخير والشر بميلاد يسوع، وأخذت قوة الشر بالتلاشي؛ لأن كل من آمن ~~بيسوع مخلصا سوف يقاوم أعمال الشيطان، وتنتهي هذه المرحلة بالمجيء ~~الثاني ليسوع المسيح الذي سيظهر آتيا على سحاب السماء لينهي العالم ~~القديم ويقيم على أنقاضه عالما جديدا؛ عندئذ تحدث القيامة العامة ~~للموتى ويحاسب كل واحد على ما قدمت يداه، ويؤسس يسوع لمملكة الرب ~~الأولى على الأرض، وفيها يعيش مع المؤمنين مدة ألف سنة، وبعد ذلك تأتي ~~مملكة الرب الثانية التي يدخل فيها العالم في الأبدية. ~~(س): ms102 # يخطر في بالي سؤال الآن قد ~~يبدو ساذجا أمام جلال هذه الأسطورة، وهو: لماذا لم يقبل الله توبة آدم ~~كما فعل في كتاب حياة آدم؟ لو أنه فعل لما كان هنالك خطيئة أصلية ~~تبدو غير مسوغة، ولما كان هنالك من ذبيحة إلهية وقربان كامل على ~~حد ما ذكرت. ~~(ج): # الأسطورة بالنسبة لمنطقنا ~~الحديث هي سلسلة أحداث مستحيلة الوقوع؛ لذلك علينا إذا شئنا فهم ~~رسالتها أن نبحث عما تريد قوله، لا عن منطقية أحداثها؛ فخطيئة آدم التي ~~قادت إلى سقوط العالم ووضعته في يد الشيطان كانت بالنسبة لأولئك ~~اللاهوتيين خطيئة لا تمحوها توبة أو استغفار؛ لأن العالم كان يبدو لهم ~~واقعا في يد الشيطان، تماما كما هو حاله الآن؛ وبالتالي فإن كل ما ~~حدث وما يحدث الآن لا يمكن تفسيره أسطوريا إلا بأن الله قد تخلى ~~عنا ووضعنا نحن وعالمنا تحت سلطة إبليس، الذي يدعى في الأناجيل وفي ~~رسائل بولس بأمير هذا العالم وإله هذا الدهر، وهو الذي قال ليسوع عندما ~~أخذه إلى البرية ليجربه، إن السلطة على ممالك هذا العالم قد ~~أعطيت له وهو يعطيها لمن يشاء (إنجيل لوقا، 4: 5-6). ~~(س): # حسنا. أعتقد أن الرواية ~~القرآنية للتاريخ المقدس أقل تعقيدا. ~~(ج): # في القرآن الكريم يرتبط ~~الإخبار عن خلق العالم بالإخبار عن نهايته وبالقيامة العامة، ويكون ما ~~بينهما فترة اختبار أخلاقي للبشر. والآيات الآتية تختصر فكرة ~~التاريخ الدينامي وفق الرؤية القرآنية: # وهو ~~الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان ~~عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا ~~(هود: 7). # ما خلق الله ~~السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون ~~(الروم: 81). # هو الذي ~~خلقكم من طين ثم قضى أجلا ~~(الأنعام: ~~2). # لا ترد قصة الخلق والتكوين في القرآن الكريم بشكل مطرد في ~~سورة واحدة، وإنما موزعة على عدة سور. وبشكل عام فإن الآيات ~~الكريمة المتعلقة بهذا الموضوع لا تعطي جدولا زمنيا لتتابع ~~أعمال الخلق خلال ستة أيام. ونموذجها قوله: # ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ms103 ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب ~~«تعب» (ق: 38). ~~وفي هذه الآية تلميح إلى ما ورد في رواية سفر التكوين من أن الخالق ~~استراح في اليوم السابع، ونفي لحاجة الله إلى الراحة من عناء الخلق، ~~ولكننا نفهم أحيانا أن الأرض قد خلقت قبل السماء (فصلت: 9-12)، وأن ~~السماء كانت سبع طبقات، والأرض كذلك (الطلاق: 12). وقد جاء خلق الله ~~هذا كاملا وتاما: # الذي أحسن كل ~~شيء خلقه ~~(سورة السجدة: 7). وهذا الإخبار عن حسن خلق ~~الله يناظر ما ورد في سفر التكوين: «ورأى الله كل ما عمله فإذا ~~هو حسن جدا» (التكوين، 1: 31). أما عن خلق الله العالم الروحاني فلا ~~نعرف هل تم قبل العالم المادي أم خلاله، ولكننا نجد الملائكة في ~~أكثر من آية محيطين بعرش الله يسبحون بحمد ربهم، كما هو الحال في ~~اللاهوت المسيحي (الزمر: 75، الشورى: 5، غافر: 7). ولهؤلاء الملائكة ~~أجنحة (الفرقان: 22). كما هو حالهم في التوراة (راجع إشعيا، 6: 1-3). ~~ولهم وظائف متعددة؛ فمنهم رسل بين السماء والأرض (فاطر: 1). ومنهم من ~~يتصل بالأنبياء والمختارين من البشر (آل عمران: 39). ومنهم حملة ~~العرش (غافر: 7). ومن أجل نظير هذه الوظيفة في التوراة، راجع (سفر ~~حزقيال: 1-28). ولكل فرد من بني البشر ملاكان يرافقانه طيلة حياته؛ ~~واحد عن اليمين وآخر عن اليسار، يسجلان أعماله الحسنة وأعماله ~~السيئة (ق: 17-18). # بعد انتهاء عمليات الخلق خلق الله الإنسان لكي يكون خليفته في ~~حكم الأرض. وهنا، وعلى ما رأينا في كتاب الهاجاداه، فإن الله أراد أن ~~يطلع ملائكته على ما هو مقدم عليه، فجاءت مشورتهم في غير صالح ~~الإنسان: # وإذ قال ربك للملائكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون ~~(البقرة: 30). بعد ذلك صنع الله جسد آدم بيديه من ~~تراب الأرض، ثم نفخ في الجسد الترابي من روحه (ص: 75، السجدة: 7-9، ~~الرحمن: 14). ولكي يظهر للملائكة تفوق آدم عليهم فقد علمه أسماء ~~حيوانات الأرض كلها ثم عرضها على الملائكة لينبئوه بأسمائها، ~~فقالوا له ms104 إنهم لا يعرفون إلا ما علمهم إياه. ثم قال لآدم أن ينبئهم ~~بالأسماء ففعل (البقرة: 31-33). عند ذلك أمرهم بالسجود لآدم تكريما ~~له، فسجدوا إلا إبليس استكبر عن السجود: # قال يا ~~إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين * قال ~~أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ~~* قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم * قال ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا ~~عبادك منهم المخلصين * قال فالحق ~~والحق أقول * لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين ~~(ص: 71-85). ~~(س): # نلاحظ هنا أن قصة عصيان إبليس ~~لا تخرج عن إطار قصة عصيانه في الأسفار التوراتية غير ~~القانونية. ~~(ج): # إنها تقوم على العناصر ~~نفسها. ~~(س): # ولكن إبليس في القرآن كان من ~~الجن ولم يكن ملاكا! ~~(ج): # هنالك آية واحدة فقط يفهم منها ظاهريا أنه كان من ~~الجن: # فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه ~~(الكهف: 50). وهذه ~~الآية تنتمي إلى ما يدعوه علم التفسير بالمتشابهات؛ أي التي يغمض ~~تفسيرها على الإنسان ولا يعلم تأويلها إلا الله؛ ففي مقابل هذه الآية ~~هنالك أربع آيات تسير على نسق ما ورد في سورة (ص) التي اقتبسنا ~~منها آية الأمر بالسجود: # وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس ~~. وهي طه: 116، والإسراء: 61، والأعراف: 11، والبقرة: ~~34. والبنية اللغوية للأمر الإلهي بالسجود في جميع تنويعات القصة ~~تدلنا على أن إبليس كان من الملائكة؛ لأن الاستثناء فيها هو استثناء ~~متصل لا منقطع على ما هو معروف في علم النحو. ومن ناحية أخرى، لو لم ~~يكن إبليس من الملائكة لما طاله أمر الله بالسجود، ولما كان هنالك من ~~خطيئة يستحق العقاب عليها. ~~(س): # مرة أخرى أقف حائرا أمام ~~مسألة إمهال الله لإبليس وتأجيل عقوبته إلى آخر الزمن! ~~(ج): # دعني أقول لك باختصار إن هذه ~~القصة هي في جوهرها قصة وصفية؛ أي إنها تصف الواقع ولا تسوغه؛ ~~فالوجود ms105 قائم على تقابل الأضداد: علو-انخفاض، قبل-بعد، صوت-صمت، ~~حار-بارد، حب-كره، صعب-سهل، نور-ظلام، قوة-ضعف، طويل-قصير، سالب-موجب، ~~خير-شر. وهذه الأضداد تظهر بعضها بعضا حيث لا وجود للنور دون ظلام، ~~ولا لعلو دون انخفاض، ولا لحار دون رطب، ولا لحرارة دون برودة، ولا ~~لخير دون شر. وعلى حد قول الحكيم لاو-تسو في التاو-تي-تشينغ: «يرى ~~الجميع في الجميل جمالا لأن ثمة قبحا. ويرى الجميع في القبيح قباحة ~~لأن ثمة جمالا.» أي إن القطبية مزروعة في صميم الوجود، ولو أننا ~~أزلنا قطبا واحدا فقط من الأقطاب المتقابلة وليكن العلو لتداعت سلسلة ~~القطبية وآل الوجود إلى لا وجود. ~~(س): # أعتقد بأن الشيطان في العقيدة ~~الإسلامية لا يتمتع بالقوة والسلطان على العالم كما هو الحال في ~~المسيحية. ~~(ج): # السبب في ذلك يعود إلى عنصر ~~إمهال الله له إلى آخر الزمن، وهو عنصر مفقود في العقيدة المسيحية ، ~~ولو أنه تركه يعمل على هواه دون موافقته لكان في العالم مشيئتان هما ~~مشيئة الله ومشيئة الشيطان، ولكانت هناك مملكة للشر يحكمها الشيطان، ~~ومملكة للخير يحكمها الله. وهنا أعود إلى الواقع القطبي للوجود لأقول ~~بأن عنصر إمهال إبليس هو إقرار بهذا الواقع، والقول بأن خلق الله قائم ~~على تقابل الأضداد. إن الله لا يريد الشر ولكنه واقع تحت مشيئته، ~~وعندما ينتهي الشر في آخر الزمان تنتهي القطبية، ويتداعى خلق الله يوم ~~القيامة ليبدأ خلق جديد يدخل في الأبدية ولا يعرف الأقطاب ~~المتضادة. ~~(س): # أعتقد أن قصة سقوط الإنسان ~~كما وردت في القرآن تقوم على عناصر القصة الكلاسيكية نفسها، أليس ~~كذلك؟ ~~(ج): # نعم، ولكن لا يوجد لدينا ~~تفاصيل بخصوص خلق حواء، وإبليس لا يتخفى في هيئة الحية. كما أن ~~الأمر الإلهي بعدم الأكل من الشجرة التي لا يدعوها النص باسم معين، ~~يوجه إلى الزوجين معا لا إلى آدم كما هو الحال في الرواية ~~التوراتية والاثنان يأكلان منها معا، وهذا ما يبرئ حواء من ~~المبادرة إلى الخطيئة أولا. كما أن الله لم يلعن الأرض بسبب خطيئة ~~الإنسان، كما هو الحال في الرواية التوراتية، ولا ms106 أدار وجهه عن العالم ~~وتركه للشيطان كما هو الحال في الرواية المسيحية. لقد غفر الله ~~للإنسان خطيئته بعد أن طرده من الفردوس، ثم أطلعه على مسار التاريخ، ~~الذي سيكون مسرحا للاختبار الأخلاقي للإنسان حتى اليوم الأخير، يوم ~~عدالة الله عندما تجزى كل نفس بما قدمت في الحياة: # وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ~~(البقرة: ~~35). # فوسوس لهما الشيطان ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين ~~(الأعراف: 20). # فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى ~~(طه: 120-122). # قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني ~~هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون * والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب النار ~~(البقرة: ~~38-39). # لم يكن عصيان إبليس وتعهده بإغواء البشر وحفزهم على الخطيئة ~~بالأمر المهم في صيرورة تاريخ العالم وتاريخ الإنسانية؛ ذلك أن نهاية ~~التاريخ أمر مقرر ومقدر سلفا، وهي جزء لا يتجزأ من خطة الله: # ما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ~~(الأحقاف: ~~3). # وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى ~~(لقمان: 29). # وخلق الله السموات والأرض بالحق ~~ولتجزى كل نفس بما كسبت ~~(الجاثية: 22). ضمن ~~هذه الخطة المتكاملة التي تجمع الجبرية في صيرورة التاريخ والحرية في ~~نشاط الإنسان وخياراته لا يلعب الشيطان إلا دورا ثانويا؛ لأنه لا ~~سلطان له إلا على الذين كفروا: # إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان ~~(الإسراء: 65). إن الإنسان ~~هو معنى العالم وغايته وإليه أوكل الرحمن خلافته في السيادة على ~~الأرض ومخلوقاتها، وعليه خلال مرحلة التمازج أن يثبت جدارته بهذه ~~الأمانة ويصل بها إلى غايتها، وهي تنقية النفس من شوائب الشر ليكون ~~أهلا للدخول في الأبدية. في خضم هذا الامتحان الكبير سوف يقف الله إلى ~~جانب البشر في صراعهم مع نوازعهم الشريرة ومع الشيطان ويحارب ms107 ~~الباطل بالحق: # بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~(الأنبياء: 18). ~~وتتجلى عنايته بالبشر في إرساله الرسل لكي يجنبهم مهاوي ~~الشيطان. # خلال هذا الهزيع الأخير من التاريخ ترجح كفة الخير وتضعف قوة ~~الشيطان، وهذه المرحلة التي تشهد في آخرها هزيمة الشيطان تبتدئ مع ~~البعثة المحمدية؛ فقد بينت الرسالة المحمدية للناس كافة وللمرة ~~الأخيرة الحد الواضح بين الهدى والضلالة، وما زال هنالك وقت للاختيار ~~إلى أن يأتي يوم الفصل الذي يدعى بأسماء متعددة في القرآن الكريم، ~~ولا تكاد تخلو سورة منه من عدة آيات تذكر الناس به؛ فهو الغاشية، ~~والقارعة، والآزفة، واليوم الموعود، ويوم الوعيد، واليوم الآخر، ~~والموعد، والميقات، وغيرها. وهذا اليوم هو تجسيد لعدالة الله، وكل ~~تعاليم القرآن تصب في النهاية في تعليم أخروي واحد يؤكد على ~~القيامة العامة للموتى وما يتلوها من حساب، وثواب وعقاب؛ فبعد سلسلة من ~~الكوارث الطبيعانية التي تزعزع الأرض وتشقق السماء وتبعثر ~~النجوم وتفيض بالبحار، يموت كل الأحياء على وجه الأرض وينضمون إلى من ~~مات منذ بدء الخليقة، ثم يبعث الجميع وتعود إليهم الأرواح ويذهبون إلى ~~مكان الحشر. عند ذلك ينزل الله من السماء آتيا على السحاب: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ~~الله ترجع الأمور ~~(البقرة: 210). # وانشقت السماء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية ~~(الحاقة: 16-17). # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا ~~(الفجر: 21-22)؛ عندئذ تفتح صحف الأعمال ويأتي الجميع إلى مكان ~~الحساب حيث توزن أعمالهم. والنص هنا يتعامل مع هذا المشهد بكثير من ~~الإيجاز والاختصار: # ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة ~~(الأنبياء: 27). # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم ~~(الأعراف: 8-9). وبعد ذلك يتجه كل فريق إلى ~~مقامه في الجنة أو الجحيم: # وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا ... * ... وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~(الزمر: 71-73). والقرآن الكريم ولا سيما في السور المكية مليء ms108 بوصف ~~أحوال الجنة وأهلها وأحوال النار وأهلها، مما لا مجال هنا للدخول ~~فيه. # وعلى عكس التصورات الأخروية في بقية العقائد التوحيدية، فإننا لا نرى ~~في القرآن صراعا حاسما أخيرا بين ملائكة الله وبين إبليس وجنوده؛ ~~لأن المهلة التي أعطيت لإبليس في بدء الزمن قد انتهت مع زوال العالم ~~القديم، ولم يعد له من عمل يعمله بعد أن تم فرز البشر إلى أهل ~~النعيم وأهل الجحيم. وسوف يقاد الشيطان دون مقاومة مع أتباعه إلى ~~النار وفق ما وعد به: # قال فالحق ~~والحق أقول * لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين ~~(ص: 84-85). # المحور الخامس # | التناص بين الكتب المقدسة # (1) التوراة وما قبلها/التوراة والإنجيل ~~(س): # من خلال عرضك السابق لتشكل الأسطورة الكبرى في ~~الديانات التوحيدية، لاحظنا وجود تشابهات كثيرة بين هذه الديانات، ~~فهل تتعدى هذه التشابهات الأسطورة الكبرى إلى نواح أخرى؟ ~~(ج): # لا يوجد تشابهات بين الأديان التوحيدية (وأنا هنا ~~ألحق بها اليهودية لغاية تبسيط الأمور)، وإنما هنالك تناص في ~~كتبها المقدسة. والتناص هنا هو مصطلح أستعيره من النقد الأدبي، ~~وأعني به وجود نص من هذا الكتاب في كتاب آخر، إما بمضمونه، أو ~~بصيغته الأصلية مع تعديلات يستدعيها الأسلوب الأدبي للكتاب الآخر، أو ~~بمنظوره الأيديولوجي. وهذا التناص بين الكتب المقدسة بالغا ما ~~بلغ شأنه فإنه لا يؤدي إلى التشابه؛ فالمسيحية لن تشبه اليهودية ~~أبدا مهما استعار مؤلفو الأناجيل مقاطع من التوراة وأدخلوها في ~~سرديتهم الخاصة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالإسلام. لكل دين خصوصيته ~~ورسالته الخاصة التي لا تشبه رسالة أخرى. وهذه نقطة أود التركيز ~~عليها قبل الدخول في هذا الموضوع الشائك، والذي يمكن أن يفهم منه ~~عكس ما أريد تماما. ~~(س): # أفهم من ذلك بأن التشابهات، ~~أو التناص كما تسميه، يتعدى الأسطورة الكبرى؟ ~~(ج): # هذا صحيح. ~~(س): # هل نبدأ بالزرادشتية؟ فلقد ~~فهمت من سياق ما أوردته عن الديانات التوحيدية أن العناصر الرئيسية ~~للأسطورة الكبرى ظهرت أولا في الزرادشتية، فهل كانت العقيدة ~~الزرادشتية أصيلة كل الأصالة، بمعنى أنها لم تتأثر بل أثرت، ولم ~~تستعر ms109 بل أعارت؟ ~~(ج): # لقد كان زرادشت كاهنا على ~~دين قومه قبل أن يأتيه وحي النبوة، ومن المتوقع أن نجد في عقيدته ~~الجديدة آثارا من عقيدته القديمة؛ لأن كل دين ينشأ ضمن حاوية ثقافية ~~معينة، كما قلت سابقا، تمده بكثير من العناصر القديمة. ولكن ~~المشكلة التي لم أجد لها حلا، هي أن الزرادشتية لم تتأثر كثيرا ~~بحاضنتها الثقافية المحلية، وإنما بالحاضنة الثقافية الأوسع للشرق ~~القديم؛ فلقد تلقت تأثيراتها على غير كل ما هو متوقع من ثقافة ~~مصر القديمة. ~~(س): # هل يوجد في سيرة زرادشت ما ~~يوحي ولو بإشارة غامضة على أنه جاء من مصر، أو أنه سافر إلى مصر في ~~مهمة ثم عاد إلى موطنه؟ ~~(ج): # أبدا. لقد كان كاهنا على ~~دين ذي عقائد وأساطير وطقوس هندو-أوروبية تشبه ديانة الآريين الذين ~~سكنوا الهند، كما أنه عاش في المناطق الشرقية من إيران والبعيدة حتى ~~عن الاحتكاك المباشر بثقافة وادي الرافدين. ~~(س): # هل تعني أن فكرة التوحيد في ~~الزرادشتية استلهمت توحيد الفرعون أخناتون؟ ~~(ج): # لا أبدا؛ لأن عصر أخناتون ~~بعيد جدا عن عصر زرادشت. التشابه الذي يمكننا ملاحظته بين ~~الديانتين يتركز في فكرة الروحين التوءمين؛ روح الشر وروح الخير، ~~إضافة إلى عدد لا بأس به من التصورات الأخروية؛ فبذور ثنائية أنجرا ~~ماينيو الروح الخبيث وسبينتا ماينيو الروح القدس نجدها في ثنائية ~~سيت-حورس التي استمرت فاعلة في الديانة المصرية حتى أواخر التاريخ ~~المصري؛ فالإله سيت كما تصوره نصوص الأهرام وهي أقدم النصوص الدينية ~~المصرية، يجسد كل القوى السالبة في الكون والطبيعة مقابل حورس الذي ~~يمثل القوى الموجبة؛ فالإله حورس هو سيد السماء، وسيد الشمس التي ~~تهب الحياة وتعكس في حركتها الثابتة نظام الكون الدقيق، أما الإله ~~سيت فهو العدو الأول للشمس وللضوء بجميع أشكاله؛ فهو الذي يحرف خط ~~سير الشمس في السماء باتجاه الجنوب عقب الانقلاب الصيفي، ويسرق من ~~نور القرص فتقصر ساعات النهار وتطول ساعات الليل، وهو الذي يسرق من ~~القمر عقب اكتماله في منتصف الشهر، فيتناقص ليلة بعد أخرى حتى ينطفئ ~~في ms110 آخر الشهر، ولكن الإله تحوث يعمل على إشعاله مجددا. ومملكة هذا ~~الإله الذي يعارض نظام الطبيعة ويعمل على نشر الفوضى تقع في الجهة ~~الشمالية من قبة السماء، وهناك يقيم في كوكبة الدب الأكبر. ولقد كانت ~~هذه الجهة لدى المصريين لا سيما سكان مصر العليا هي إقليم الظلام ~~والبرد والمطر والضباب والبروق والرعود، ومنه تأتي العواصف والأعاصير، ~~وهذه الظواهر الطبيعية جميعها التي لم تكن تتصل بالخصب في مصر التي ~~تعتمد على فيضان النيل، وكانت تحت سيطرة سيت وبها يهدد نظام الطبيعة. ~~كما ارتبط سيت بالأراضي الصخرية الجرداء، وبالصحاري القاحلة وبالبوار ~~والجفاف. # وقد كان بين سيت وحورس صراع دائم، ولكن هذا الصراع لم يكن يصل إلى ~~نتيجة حاسمة، وكان بقية الآلهة ولا سيما تحوث يتدخلون للفصل بينهما ~~كلما علا أحدهما على الآخر وأوشك على الإجهاز عليه. وهذا يدل على ~~أنهما كانا قطبين في ثنائية كونية لا يصل التناقض بينهما إلى حد ~~إلغاء أحدهما وسيادة الآخر؛ لأنه لا غنى عن صراعهما من أجل تفسير ~~صيرورة العمليات الجارية على مستوى الكون ومستوى الحياة الطبيعية؛ ~~ولهذا نجد النصوص تدعوهما بالأخوين وبالتوءمين، وتصورهما الأعمال ~~الفنية من عصر الأسرات في جسد واحد يحمل رأسين، رأس الصقر وهو رمز ~~الإله حورس، ورأس الحمار وهو رمز الإله سيت. وبينما اختص حورس برمز ~~الصقر وهو رمز يشير دائما إلى الشمس، فقد تعددت رموز سيت؛ فهنالك ~~الأفعى والخنزير البري والتمساح. كما ساد الاعتقاد بأن القوة ~~التدميرية لسيت تحل في بعض الحيوانات الشرسة؛ مثل الكلاب والقطط ~~البرية والنمور، وجرت العادة على تقديم القرابين من هذه الحيوانات في ~~الأوقات التي تبلغ فيها قوة سيت ذروتها مثل أواخر الشهر ~~القمري. ~~(س): # ولكن هذه القطبية كما عرضتها ~~تبقى تمثيلا للخير والشر على المستوى الطبيعاني، ولا صلة لها بالخير ~~والشر على المستوى الاجتماعي، كما هو الحال في القطبية ~~الزرادشتية! ~~(ج): # إن ما قدمته حتى الآن هو ~~الطور الأول من ميثولوجيا سيت-حورس، ويشتمل هذا الطور على عصر ~~المملكة القديمة في الألف الثالث قبل الميلاد عندما لم تكن ms111 الأخلاق قد ~~ارتبطت بالدين، ولم تكن فكرة خلود الروح في عالم أفضل عنصرا ~~أساسيا في العقيدة الدينية؛ لأن الخلود في ذلك الوقت كان وقفا على ~~الفرعون الذي اعتبر من جنس الآلهة، ولكن انهيار المملكة القديمة جلب ~~معه تغييرات عميقة في بنية المجتمع والدين، وصار الخلود متاحا ~~للجميع ولكن على أساس أخلاقي، وترافق ذلك كله مع صعود الإله أوزوريس ~~الذي كان إلها للخصب في الماضي، ثم تحول إلى إله للعالم الأسفل ~~يحاكم الموتى على أعمالهم ويضمن خلود الروح للأخيار منهم. وهنا ~~استمرت ميثولوجيا سيت-حورس، ولكن حورس تحول الآن إلى ابن لأوزوريس، ~~وتابع الاثنان صراعهما، واتصل هذا الصراع بصراع الخير والشر على ~~المستوى الأخلاقي. ~~(س): # هذه المحاكمة التي يقيمها ~~أوزوريس للموتى لا علاقة لها بفكرة القيامة العامة للموتى على ما فهمت ~~من حديث سابق لك! ~~(ج): # نعم؛ فالتاريخ في الديانة ~~المصرية هو تاريخ مفتوح ولم يكن لديهم تصور عن نهاية الزمن، ~~والقيامة هنا هي قيامة فردية، وأحداثها تشبه إلى حد بعيد ما ~~وجدناه في الزرادشتية، ولها مقدمات في وظائف الإله أوزوريس. فقد كان ~~أوزوريس تجسيدا للعدالة الإلهية، وكقاض للعالم الأسفل كان يحتفظ ~~بسجل للأقدار دونت فيه آجال كل البشر وأوقات مماتهم، وسجل ~~آخر يسمى سجل المصائر يشرف عليه الإلهان تحوث وشيشيتا اللذان ~~يدونان الأعمال الصالحة والأعمال السيئة لكل إنسان، ويحفظانها إلى ~~يوم الحساب لتعرض على الميت عندما يقف أمام الميزان في قاعة العدالة؛ ~~فعندما يفلح الميت في عبور المفازات المرعبة التي تفصل بين عالمي ~~الأحياء والأموات، يلقاه الإله أنوبيس الذي يحمل رأس ابن آوى ويقوده ~~إلى قاعة العدالة التي يتصدرها أوزوريس جالسا على عرشه، وأمامه ~~ميزان كبير منصوب يقف قربه الإله تحوث إله الحكمة والكتابة في هيئة ~~القرد، والوحش عم-ميت آكل الموتى الذي يلتهم الموتى الذين ثبتت ~~إدانتهم. وعلى طول جدار القاعة يصطف آلهة الأقاليم المصرية وعددهم 42، ~~ولدى مرور الميت أمامهم يعلن براءته من 42 خطيئة لم يرتكبها في ~~حياته. وعندما يقف أمام الميزان يقوم أنوبيس بوزن أعماله، فإذا وجد ~~مذنبا انقض ms112 عليه الوحش عم-ميت والتهمه، وإذا وجد بريئا يقاد ~~إلى جنة أوزوريس، وهي عبارة عن أرض خصبة تقع وراء الأفق الغربي، ~~تتخللها شبكة من القنوات المائية العذبة، وفيها ينمو الزرع والشجر من ~~كل نوع، وهناك تعيش أرواح الصالحين خالدة إلى الأبد. ~~(س): # هل وردت فكرة الجنة الأخروية ~~قبل ذلك في أي ميثولوجيا خارج الميثولوجيا الأوزيرية؟ ~~(ج): # لا، وكذلك فكرة الحساب وميزان الأعمال التي نجدها ~~أيضا في الزرادشتية مثلما هي في الأوزيرية؛ فبعد أن يودع الميت في ~~القبر وفق التصورات الزرادشتية تمكث روحه عند رأسه ثلاث ليال تتأمل ~~في حسناتها وسيئاتها، وخلال ذلك يزورها ملائكة الرحمة إذا كانت من ~~الأخيار فيواسونها، أو شياطين العذاب إذا كانت من الأشرار فيسومونها ~~سوء العذاب، وبعد ذلك تقاد إلى جلسة الحساب التي يرأسها ميترا رئيس ~~فريق ملائكة الأهورا، وعن يمينه ويساره يقف مساعداه سراوشا وراشنو ~~اللذان يقومان بوزن أعمال الميت بميزان الحساب، فمن رجحت كفة خيره ~~كان مآله الفردوس ومن رجحت كفة شره كان مآله هاوية الجحيم. بعد ذلك ~~تتجه الروح لتعبر صراط المصير، وهو جسر يتسع أمام الروح الطيبة فتسير ~~فوقه الهوينى وتعبر إلى الجهة الأخرى المؤدية إلى الفردوس، ولكن ~~الجسر يضيق أمام الروح الشريرة فتتعثر وتسقط لتتلقفها هاوية ~~الجحيم، أما من تساوت حسناته وسيئاته فيعبر الصراط إلى مكان وسط حيث ~~يستمر في وجود شبحي كظل بلا إحساس. ~~(س): # اليهودية، وهي الأولى زمنيا ~~بين الأديان الإبراهيمية، ماذا أخذت من الزرادشتية؟ ~~(ج): # إذا استثنينا خلق النور في ~~اليوم الأول من قصة التكوين التوراتية، فإن هذه القصة تسير على خطى ~~القصة الزرادشتية بحيث تناظر أيام الخلق السبعة مراحل الخلق السبعة ~~وما تم فيها من فعاليات. وعلى الرغم من أصالة قصة خلق الإنسان في ~~الرواية التوراتية وإسكانه في جنة عدن، إلا أن بعض العناصر الرئيسية في ~~قصة الجنة لها ما يناظرها في الرواية الزرادشتية؛ مثل شجرة كل ~~البذور، وشجرة الحياة الخالدة، والنهر الذي يخرج من الجنة، على ما ~~بينت سابقا. وهنالك ملمح ثانوي يتعلق بستر عري الزوجين ~~الأولين؛ ms113 ففي القصة التوراتية صنع الرب لآدم وزوجته أقمصة من جلد ~~وألبسهما إياها (سفر التكوين، 3: 20). وفي القصة الزرادشتية يصنع ~~الملائكة ثيابا من جلد ويلبسونها للزوجين الأولين ماشيا وماشيو. ~~وقد كانت فكرة المسيح المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان أهم ما ~~أخذته اليهودية عن الزرادشتية ولكن بعد إفراغها من مضمونها الأصلي؛ ~~فالمخلص الزرادشتي يأتي في آخر الزمان ليقود الحرب الأخيرة ضد ~~الشيطان، أما في اليهودية فيأتي ليحارب أعداء بني إسرائيل، ويقيم ~~مملكة يهوه على الأرض. # ولسبب غير مفهوم تبنت اليهودية الكثير من بنود الشريعة ~~الزرادشتية المتعلقة بالمأكل والمشرب والطهارة والنجاسة، وهي أمور لم ~~تعرفها الثقافة المشرقية كشأن ديني وإنما كأعراف اجتماعية، وبالحد ~~الأدنى المطلوب. وأقول لسبب غير مفهوم لأن للشريعة الزرادشتية ~~منطقا ينسجم مع مبادئها الاعتقادية عن مسئولية الشيطان عن كل ما ~~يمت إلى عالم الموت بصلة؛ مثل العفونة والقذارة والروائح الكريهة ~~وأنواع معينة من الحشرات والحيوانات. أما الشريعة التوراتية فلا ~~تستند إلى أي مرجعية اعتقادية وتبقى أقرب إلى مفهوم التابو غير ~~المفسر، ولكي أعطي مثلا عما أقوله هنا، أقتبس من سفر اللاويين هذا ~~النموذج البسيط من مئات المحرمات التي تحتويها شريعة التوراة: «هذه ~~هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم على الأرض؛ كل ما شق ~~ظلفا وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم فإياه تأكلون، إلا هذه فلا ~~تأكلوها؛ الجمل لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والأرنب ~~لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والخنزير لأنه يشق ظلفا ~~ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر فهو نجس لكم، من لحمها لا تأكلوا وجثثها ~~لا تلمسوا» (سفر اللاويين، 11: 1-8). ~~(س): # دعنا نوسع دائرة التشابه ~~قليلا ونقول: إذا كان الإله التوراتي لا يشبه الإله الزرادشتي، فهل ~~من شبه ما بآلهة الشرق القديم الوثنية؟ ~~(ج): # سؤالك في مكانه؛ لأنني كنت ~~أود التحدث عن تاريخ الإله يهوه الذي شاءت له الأقدار أن يرتقي إلى ~~مرتبة الله في العقائد اللاحقة. وهذا التاريخ يوضح دين اليهودية ~~للوثنية المشرقية من جهة، ومن جهة أخرى يكشف عن الطبيعة ms114 الانتقالية ~~لشخصية يهوه من حيث كونه في نقطة الوسط بين المفهوم الوثني عن الألوهة، ~~وبين مفهوم الله. # دعني أبدأ من المدخل التالي، إذا راجعت القواميس العربية القديمة، ~~وبحثت عن معنى كلمة «إيل» لوجدت أنها تعني اسم الله تعالى (راجع على ~~سبيل المثال قاموس المحيط، فصل اللام، باب الألف). ~~(س): # ولكن الاسم إيل لم يرد في ~~القرآن الكريم، أو في الحديث النبوي الشريف في معرض الإشارة إلى الله، ~~فمن أين جاء أهل القواميس بهذه البدعة؟ ~~(ج): # ليست بدعة؛ فنحن لو قرأنا ~~التوراة بلغته الأصلية لوجدنا أن الإله التوراتي يدعى أحيانا بالاسم ~~إيل، وهي كلمة سورية كنعانية قديمة تعني إله، وهي في نفس الوقت اسم ~~علم لكبير الآلهة الكنعانية. وهنالك كلمة أخرى يستخدمها المحرر ~~التوراتي في الإشارة إلى إلهه وهي إيلوهيم، والكلمة هي صيغة جمع من ~~إيل، والمقصود بها أن الإله يهوه يجمع في شخصه قوى الآلهة طرا ~~ويعبر وحده عن مفهوم الألوهة المطلقة. وقد استخدمت كلمة إيلوهيم ~~في القرآن الكريم في معرض الإشارة إلى الذات الإلهية وذلك بصيغة اللهم: # قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~(آل عمران: 26). # اللهم ربنا أنزل ~~علينا مائدة من السماء ~~(المائدة: 114). ~~(س): # وكيف اكتسب يهوه اسم إيل على ~~ما بينهما من تباعد؟ ~~(ج): # لم يكن يهوه إلها قديما في ~~فلسطين، وقد وفد إلى المناطق الهضبية التي قامت عليها مملكتا إسرائيل ~~ويهوذا فيما بعد، وجاءت به جماعة رعوية كانت تتجول في مناطق ~~الصحاري الجنوبية قبل أن تستقر وتتحول إلى الزراعة، وذلك في زمن ما ~~من مطلع عصر الحديد الأول (1200-1000ق.م). وقد حفظ لنا محررو التوراة ~~موروثات قديمة تنبئنا عن موطنه السابق، ومنها: «يا رب بخروجك من ~~سعير، بصعودك من صحراء آدوم ارتعدت الأرض» (القضاة، 5: 4). وصحراء ~~آدوم هنا هي المنطقة الجرداء الوعرة الممتدة بين البحر الميت وخليج ~~العقبة، أما سعير فتقع في الطرف الشمالي الغربي من جزيرة العرب. ~~وأيضا: «الرب جاء من سيناء وأشرق لهم من سعير» (التثنية: 33). ويبدو ~~أنه كان إلها بركانيا ms115 على ما يبدو لنا من مشهد نزوله على جبل سيناء ~~للقاء موسى: «وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، ~~وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف الجبل جدا» (الخروج، 19: 18). ~~وخلال مسيرته الطويلة التي انتهت بأن يكون الإله الرئيسي لمملكتي ~~إسرائيل ويهوذا، حاول كهنته إيجاد موطئ قدم له في أرض حاشدة بالآلهة ~~عن طريق المطابقة بينه وبين إيل كبير آلهة كنعان. وبهذه الطريقة تسرب ~~الاسم إيل أو إيلوهيم إلى نصوص التوراة. ولكن عملية الترجمة من العبرية ~~إلى اللغات الأخرى أخفت الصيغة الأصلية للاسم؛ فالترجمة اليونانية وهي ~~أولى الترجمات، استخدمت كلمة «ثيوس» كمقابل لإيل، والتي تعبر عن ~~مفهوم الألوهة المطلقة، والترجمة الفرنسية استخدمت كلمة «ديو» ~~والإنكليزية استخدمت # God # والعربية ~~كلمة الله. ~~(س): # ولكن الاسم وحده لا يكفي ~~لإحداث المطابقة المطلوبة بين الإلهين. ~~(ج): # هذا صحيح؛ ولذلك فقد سارت ~~المطابقة أبعد من ذلك، واشتملت على ألقاب إيل الكنعاني التي تنطوي ~~على صفاته، ومنها: ~~(1) # إله السماء؛ فقد كان إيل إلها للسماء، وفي الوقت نفسه كان ~~رئيسا لمجمع الآلهة الكنعاني. وكذلك كان يهوه إلها للسماء ~~وفيها مسكنه. ~~(2) # إيل عليون؛ أي إيل العالي أو السامي، وهو لقب مستمد من ~~علو وسمو قبة السماء، ونجده في التوراة بلفظه الكنعاني في ~~أكثر من موضع، ومنها: «أصرخ إلى الله العلي (بالعبرية إيل ~~عليون) إلى الله المدافع عني» (المزمور، 57: 2). وقد ترد ~~لفظة العلي غير مقترنة بإيل مثل: «أرعد الرب من السماوات، ~~والعلي (أي عليون) أعطى صوته» (المزمور، 18: 13). ~~(3) # إيل عولم (أي الأبدي): «وغرس إبراهيم أثلا في بئر السبع ~~ودعا باسم الإله السرمدي (بالعبرية إيل عولم).» ~~(4) # أب شنم (أبو السنين): وتدل أبوة إيل الكنعاني للزمن على ~~قدمه؛ ولذلك نقرأ في التوراة: «كنت أرى أنه وضعت عروش، ~~وجلس القديم الأيام. لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف ~~النقي» (رؤيا دانيال، 7: 9). وأيضا: «هو ذا الله (إيلوهيم)، ~~عظيم ولا نعرفه، وعدد سنيه لا يفحص» (أيوب، 36: 26). وأيضا: ~~«إلى دهر الدهور سنوك ... أنت هو، وسنوك لا تنتهي» (المزمور: ~~102: 24-27). ~~(5) # أدون إيليم ربون (أي سيد الآلهة ms116 العظيم): وهؤلاء الآلهة هم ~~أولاد إيل السبعون الذين ولدتهم له زوجته عشيرة. وقد ورد في ~~التوراة: «إله الآلهة، الرب إله الآلهة» (يشوع، ~~22: 22). ~~(6) # إيل قوني أرص (أي خالق الأرض)، وورد في التوراة: «رفعت يدي ~~إلى الرب الإله مالك السماوات والأرض (= قوني شماييم وأريص)» ~~(التكوين، 14: 22). ~~(7) # إيل فوئد (أي الرحيم)، وإيل لطفان (أي اللطيف والرحيم)، ~~وورد في التوراة: «الرب إله رحيم (= راحوم)، وحنون (= ~~حانون)». ~~(8) # إيل ث ر (إيل الثور): وهو وصف يدل في الكنعانية على القوة. ~~وقد أطلق المحرر التوراتي على يهوه لقب الثور في ستة مواضع ~~من النص، ولكن الترجمات العربية استبدلت كلمة العزيز أو ~~القدوس بكلمة الثور: «إني أنا الرب فاديك ومخلصك، عزير ~~يعقوب (= ثور يعقوب بالعبرية)» (إشعيا، 49: 26). «تركوا الرب، ~~استهانوا بقدوس إسرائيل (= ثور إسرائيل)» (إشعيا، 1: 4). وهذا ~~اللقب الذي ليهوه يفسر لنا لماذا قام يربعام ملك إسرائيل ~~ببناء مقامين دينيين؛ واحد في شمال المملكة وآخر في جنوبها، ~~ووضع في كل منها تمثالا للعجل (الملوك الأول، ~~12: 25-29). ~~(9) # أخيرا فإن يهوه في بعض المواضع عندما كان يتحدث عن نفسه ~~نجده يقول: «أنتم شهودي، وأنا الله» (إشعيا، 43: 12). أو كما ~~نقرأ هذه الجملة بنصها العبري: «أنتم شهودي وأنا إيل.» من هنا ~~لا عجب إذا ورد الاسم إيل في القواميس العربية باعتباره من ~~أسماء الله. ~~(س): # في حديث سابق لك، قلت إن ~~لقب راكب السحاب الذي أطلقه محررو التوراة على يهوه، والذي كان وراء ~~مشهد قدوم المسيح على سحاب السماء في اليوم الأخير، مستمد من لقب ~~راكب السحاب الذي للإله بعل على ما ورد في نصوص أوغاريت. وهذا يعني ~~بأن الإله التوراتي لم يتماه فقط مع إيل وإنما مع الإله بعل أيضا. ~~أليس كذلك؟ ~~(ج): # يهوه لم يتماه مع بعل كما ~~فعل مع الإله إيل، ولكنه دخل في صراع معه من أجل اكتساب قلوب الناس، ~~وفي خضم هذا الصراع كان يهوه الإله البركاني القادم من الصحاري ~~الجنوبية ينزع عنه وجهه القديم ويدعي لنفسه الخصائص والوظائف التي ~~لبعل، ومنها ترويض المياه الأولى، التي ترمز إلى حالة العماء ms117 والشواش ~~البدئي، من أجل إحلال النظام في الكون. لقد كان أول عمل استهل به ~~بعل مشروعه للصعود إلى سدة السلطان على الآلهة والكون هو ترويض المياه ~~الأولى المتمثلة بالإله يم (= البحر) والسيطرة عليها، وقد قام إله ~~الحرف اليدوية كوثر-حاسيس بصنع سلاحين لبعل من أجل المعركة مع يم، ~~وقدم له نبوءة بالنصر: # هو ذا أعداؤك يا بعل، # هو ذا أعداؤك الذين ستقتلهم، # هو ذا أعداؤك الذين ستقضي عليهم، # ولسوف تقبض على الملك إلى الأبد (من ملحمة بعل ~~وعناة). # وقد ورد هذا المقطع بنصه تقريبا في ~~التوراة: # لأنه هو ذا أعداؤك يا رب، # هو ذا أعداؤك يبيدون، # يتبدد كل فاعلي الإثم، # أما أنت يا رب فمتعال إلى الأبد. (المزمور: 92) # هذا ويحفل النص التوراتي بالإشارات إلى ترويض يهوه ~~لمياه البحر: «أنت متسلط على كبرياء البحر، عند ارتفاع لججه أنت ~~تسكنها» (المزمور: 89: 9). «صوت الرب على المياه ، إله المجد أرعد، ~~الرب فوق المياه الكثيرة» (المزمور: 29). وها هو يفتخر في سفر أيوب ~~بقهره للبحر: «ومن حجز البحر بمصاريع حين اندفق فخرج من الرحم؛ إذ ~~جعلت عليه حدي وأقمت له مغاليق ومصاريع وقلت له: إلى هنا تأتي ولا ~~تتعدى، وهنا تتخم كبرياء لججك» (أيوب، 38: 9-10). # ومن جملة فعالياته في ترويض البحر قتله للتنين البحري المدعو ~~لواياتان، وهو التنين نفسه الذي صرعه الإله بعل. نقرأ في النص ~~الأوغاريتي: «والآن تريد أن تقتل لوتان الحية الهاربة، الآن تريد ~~أن تجهز على الحية المتحوية ذات الرءوس السبعة» (من ملحمة بعل ~~وعناة). ونقرأ في النص التوراتي: «في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه ~~القاسي الشديد لواياتان الحية المتحوية، ويقتل التنين الذي في البحر» ~~(إشعيا، 27 : 1). وفي موضع آخر من النص التوراتي نقرأ: «أنت شققت ~~البحر بقوتك، وكسرت رءوس التنانين على المياه، أنت رضضت رءوس ~~لواياتان» (المزمور، 74). # ومن جهة أخرى فقد استولى يهوه على وظائف بعل الإخصابية، وادعى ~~لنفسه لقب بعل الرئيسي وهو راكب السحاب الذي يرد مرارا في ملحمة بعل ~~وعناة. نقرأ في المزمور 104: «الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة ~~الريح» (المزمور: ms118 104: 2). وكما كانت غيوم البعل تسقي الأرض العطشى ~~لتنبت زرعا للإنسان، كذلك هو يهوه: «الساقي الجبال من علاليه، من ~~ثمر أعمالك تشبع الأرض، المنبت عشبا للبهائم وخضرة لخدمة ~~الإنسان، لإخراج خبز من الأرض» (المزمور: 104: 13-14). كما ادعى ~~لنفسه أسلحة البعل وهي البرق والرعد والصاعقة، وهي أدوات إخصابية ~~وقتالية في آن معا؛ فالبعل يزمجر بصوته من السماء فيشتت أعداءه، ~~على ما نقرأ في نصوص أوغاريت، وكذلك يهوه عندما يرعد ويقدح بروقه ~~ويلقي صواعقه، على ما نقرأ في المزمور: 18: «طأطأ السماوات ونزل ~~وضباب تحت رجليه ... أرعد الرب من السماوات، والعلي أعطى صوته ~~بردا وجمر نار، أرسل سهامه فشتتهم وبروقا كثيرة أزعجتهم» ~~(المزمور: 18: 9-13). وأيضا: «صوت الرب على المياه، إله المجد أرعد، ~~الرب فوق المياه الكثيرة، صوت الرب بالقوة، صوت الرب بالجلال ... صوت ~~الرب يقدح لهب نار، صوت الرب يزلزل البرية» (المزمور، 29). ~~(س): # شخصية الإله التوراتي إذن هي ~~شخصية بالغة التركيب وفق ما قدمته في حديثك! ~~(ج): # نعم؛ فهي تحتوي على أربعة ~~مستويات: ~~(1) # المستوى الأول وهو أقدمها، ينتمي إلى إله المناطق الصحراوية ~~الجنوبية، وهو إله بركاني يتجلى في ثورة البراكين وقوتها ~~التدميرية، ومنه اكتسب الإله التوراتي طبعه الغضوب وهيجانه ~~الدائم وميله إلى العنف والانتقام، وردود أفعاله التلقائية؛ ~~فهو لا يفكر ثم يفعل، وإنما يفعل ثم يفكر بنتائج عمله؛ ~~ولهذا كان يندم في كثير من الأحيان على ما قدمت ~~يداه. ~~(2) # المستوى الثاني وينتمي إلى كبير الآلهة الكنعانية إيل إله ~~السماء، وهو ألوهة خالقة وحافظة لخلقها، مهيبة وجليلة، ~~مفارقة للعالم، ولكنها في الوقت نفسه رحيمة وحنونة على ~~مخلوقاتها. ~~(3) # المستوى الثالث وينتمي إلى الوجه الأول للبعل، باعتباره ~~ربا للظواهر الطبيعانية المولدة لخصب الأرض. ~~(4) # المستوى الرابع وينتمي إلى الوجه الثاني للبعل، وهو وجه ~~المحارب الذي يستخدم الظواهر الطبيعانية نفسها في محاربة ~~خصومه. # وعلى الرغم من أن المستوى الثاني الذي ينتمي إلى كبير الآلهة إيل كان ~~الأبرز في تشكيل صورة الله في الأديان اللاحقة، إلا أن بقية المستويات ~~بقيت قابعة في خلفية هذه الصورة. ~~(س): # أعتقد أن المستوى الأول ms119 ~~البركاني، والمستوى الثاني المحارب، هما الأبرز والأكثر طغيانا في ~~صورة الإله التوراتي. ~~(ج): # هذا صحيح؛ لأن المستويين ~~الآخرين مضافان على الأصل ومستعاران. ~~(س): # من هنا يأتي سؤالي الآتي: كيف ~~عدت هذه الألوهة التوراتية إلها ليسوع المسيح؟ ~~(ج): # أولا، إن كل مؤسسي الديانات نشئوا على دين قومهم ثم ~~انشقوا عنه، وأكثر من ذلك فقد كان بعضهم كاهنا على دين قومه مثل ~~زرادشت، وبعضهم ناسكا على ملة قومه مثل البوذا. وثانيا، فقد عمل ~~مؤلفو أسفار العهد الجديد على رسم صورة مختلفة لإله العهد القديم، ~~ويظهر ذلك منذ ظهور يسوع لأول مرة في السردية الإنجيلية عندما اعتمد ~~بماء نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان؛ فبينما هو خارج من الماء رأى ~~السموات قد انشقت والروح القدس مثل حمامة نازلا عليه، وصوت من ~~السماء يقول: أنت ابني الحبيب الذي به سررت. وفي هذا المشهد يخلق ~~العهد الجديد شبه قطيعة مع العهد القديم فيما يتعلق بصورة الله؛ فقد ~~تجلى إله موسى للمرة الأولى في النار، في لهيب شجرة شوكية تحترق ~~في الصحراء، ومن داخل اللهيب تحدث إليه، وفي المرة الثانية نزل على ~~جبل سيناء بالنار فصعد دخانه مثل دخان الأتون وارتجف الجبل جدا، ثم ~~دعا موسى إليه. أما إله يسوع فقد تجلى في هيئة الحمامة الوديعة التي ~~اعتبرت في ميثولوجيا اليونان والشرق القديم رمزا للحب. وعبر أسفار ~~العهد الجديد كان الحب هو الذي يربط بين الله والعالم وبينه وبين ~~مخلوقاته وبين الناس بعضهم مع بعض، حتى إن يسوع في موعظة الجبل حض ~~على حب الأعداء والخصوم، بينما كان الخوف هو ما يربط الناس إلى إلههم ~~في العهد القديم. وهنالك ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن إله يسوع ~~ليس له اسم، وكلمة الله التي نجدها في الإشارة إليه هي كلمة «ثيوس» في ~~الأصل اليوناني، وهي ليست اسم علم، بل تعبير يدل على الألوهة ~~المطلقة. كما كان يسوع يدعوه بالآب، فيقول أبي، وأبي وأبوكم، والصلاة ~~المسيحية تبدأ بجملة أبانا الذي في السموات. وباختصار فقد انشق يسوع ~~عن اليهودية بشكل ms120 راديكالي وهذا ما قاده إلى الموت على الصليب. ~~(س): # إذا كانت رسالة يسوع على هذه ~~الدرجة من الاستقلال عن اليهودية، فلماذا أدمجت الكنيسة كتاب التوراة ~~في الكتاب المقدس المسيحي واعتبرته عهدا قديما؟ ~~(ج): # عندما ظهر يسوع كانت الآمال ~~الميسيانية (من كلمة ميسايا أي المسيح) تسيطر على الحياة الدينية في ~~فلسطين وبقية أجزاء آسيا الغربية، والكل كان في انتظار المخلص الذي ~~سينهي العالم القديم ويدخل البشرية إلى عالم جديد مقدس؛ ولذلك ~~فقد ظن أتباع يسوع المقربين بأنه هو المسيح، وبسبب خلفيتهم الدينية ~~اليهودية فقد راحوا يبحثون في التوراة عن شواهد على ظنهم هذا، أو ~~تفكيرهم الرغبي. أما يسوع فقد كان موقفه ملتبسا إزاء قبوله لهذا ~~اللقب، وبقي على هذا الموقف الملتبس حتى نهاية محاكمته. وبعد أربعين ~~سنة على حادثة الصلب، بدأت الأناجيل التي تقص عن سيرة يسوع بالظهور ~~واحدا تلو الآخر، وراح مؤلفوها يستعينون بنصوص التوراة من أجل إثبات ~~مسيحانية يسوع. وبذلك ترسخ التناص بين النبوءات التوراتية ~~والسرديات الإنجيلية عن ظهور المسيح، أو ما اعتبره أولئك الإنجيليون ~~نبوءات. وهذا ما أسبغ على النص التوراتي طابع القداسة باعتباره شاهدا ~~على مسيحانية يسوع. ~~(س): # ولربما ابتكر هؤلاء أحداثا ~~لم تقع في حياة يسوع من أجل إحداث المطابقة المطلوبة! ~~(ج): # بالضبط؛ فنحن لا نستطيع الآن ~~التمييز بين ما حدث فعلا في سيرة يسوع وبين رغبة أولئك المؤلفين في ~~حدوثه. لقد كان أولئك الإنجيليون قارئين ممتازين للنص التوراتي وعارفون ~~بخباياه وخفاياه، وانتقوا بعناية ما يناسب نصهم. ~~(س): # إذن سيرة يسوع في الأناجيل ~~تتطور من خلال التناص. ~~(ج): # نعم. وأول تناص يرد على ~~لسان يسوع نلحظه في أول خطاب علني له بعد اعتماده بمياه نهر الأردن، ~~ومكوثه في الصحراء أربعين يوما؛ فعند عودته إلى مدينته الناصرة على ما ~~يرد عند لوقا: «دخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ، فدفع ~~إليه سفر إشعيا النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا ~~فيه: روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، لأشفي منكسري ~~القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق ms121 وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين ~~في الحرية وأكرز بسنة مقبولة للرب. ثم طوى السفر وسلمه للخادم ~~وجلس، وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه، فابتدأ يقول لهم ~~إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم» (إنجيل لوقا، 4: 16-21). وهذا ~~المقطع الذي قرأه يسوع موجود في سفر إشعيا التوراتي (الإصحاح 61: 1-2). ~~وهو يفسر عادة بأنه كلام على لسان مسيح آخر الأزمنة؛ ولذلك فقد ~~قرأه يسوع ثم أخبرهم أن هذه النبوءة تتحدث عنه عندما قال: اليوم قد ~~تم هذا المكتوب. # وسأقدم فيما يأتي نماذج من هذا التناص تفي بالغرض: # يسوع هو من سلالة داود ويرث عرشه: ~~«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا، وتكون الرياسة ~~على كتفيه ... لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي ~~داود أبيه» (إشعيا، 9: 6-9). ~~«وها أنت «يا مريم» ستحبلين وتلدين ابنا ~~وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى، ~~ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت ~~يعقوب إلى الأبد» (إنجيل لوقا، 1: 32-33). # المسيح يولد في بيت لحم: ~~«أما أنت يا بيت لحم أفراته، وأنت صغيرة في ألوف ~~يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على ~~إسرائيل» (ميخا، 5: 2). ~~«وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست الصغرة بين رؤساء ~~يهوذا؛ لأن منك يخرج مدبر شعبي إسرائيل» (إنجيل ~~متى، 2: 6). # يولد من عذراء: ~~«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية؛ ها العذراء؛ تحبل وتلد ~~ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل» (إشعيا، 7: 14). ~~«هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا ... وتدعو اسمه ~~عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا» (إنجيل متى، ~~1: 20-21). # اليهود يرفضون المسيح ويتآمرون عليه: ~~«تآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين: ~~لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما» (المزمور: ~~2: 1-2). ~~«ليس نبي مقبولا في وطنه» (إنجيل لوقا، 4: 24). ~~«جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته» (إنجيل يوحنا، ~~1: 11). # يدخل أورشليم راكبا على حمار: ~~«هو ذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور ووديع، ~~وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان» (زكريا، 9: 9). ~~«قولوا لابنة صهيون: هو ذا ملكك يأتيك وديعا وراكبا ~~على أتان وجحش ابن أتان» (إنجيل متى، 21: 5). # يخونه أحد المقربين إليه: ms122 ~~«رجل سلامتي الذي وثقت به، الذي أكل من خبزي، رفع ~~عقبه علي» (المزمور: 41: 9). ~~«إن واحدا منكم سيسلمني، الآكل معي» (إنجيل مرقس، ~~14: 18). # قدم نفسه للموت وعد بين خاطئين: ~~«سكب نفسه للموت وأحصي مع أثمة» (إشعيا، ~~53: 12). ~~«وصلبوا معه لصين؛ واحدا عن يمينه وآخر عن ~~يساره، فتم الكتاب القائل أحصي مع أثمة» (إنجيل ~~مرقس، 15: 27-28). # وفي مشهد الصلب ترد التقاطعات الآتية: # لا تكسر عظامه: ~~«كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب، ~~يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر» (المزمور: ~~34: 19-20). ~~«فجاء الجنود فكسروا سيقان الأول والآخر اللذين ~~صلبا معه، أما يسوع فلم يكسروا ساقيه لأنهم لما ~~وصلوا إليه رأوه ميتا ... وحدث هذا ليتم الكتاب القائل: ~~عظم له لا يكسر» (إنجيل يوحنا، 19: 33-37). # تثقب يداه ورجلاه: ~~«جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يدي ورجلي» ~~(المزمور: 22: 16). ~~«بعد قيامته من القبر ظهر يسوع لتلاميذه وأراهم ~~مواضع الثقب في يديه ورجليه» (إنجيل لوقا، ~~24: 38-40). # يقترعون على ثيابه: ~~«يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون » (المزمور: ~~22: 18). ~~«ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ما يأخذ ~~كل واحد» (مرقس، 15: 24). # يشربونه خلا: ~~«العار قد كسر قلبي فمرضت، انتظرت رقة فلم أجد، ~~ويجعلون في طعامي علقما وفي عطشي يسقونني خلا» ~~(المزمور: 69: 20-21). ~~«لكي يتم الكتاب قال يسوع أنا عطشان. وكان إناء ~~موضوعا مملوءا خلا، فملئوا إسفنجة من الخل ~~ووضعوها على قضيب من الزوفا وقدموها إلى فمه، فلما ~~أخذ يسوع الخل قال: قد كمل. ونكس رأسه وأسلم ~~الروح» (إنجيل يوحنا، 19: 28-30). # كلمات يسوع الأخيرة: ~~«إلهي، إلهي لماذا تركتني بعيدا عن خلاصي؟» ~~(المزمور: 22: 1). ~~«ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم ~~قائلا: إيلي، إيلي لما شبقتني؛ أي إلهي، إلهي لماذا ~~تركتني» (إنجيل متى، 27: 46). ~~(س): # ولكن المسيح اليهودي، على ما ~~قدمته في حديث سابق، هو مسيح منتصر وملك يعيد أمجاد أبيه ~~داود. ولا يتألم أو يموت على الصليب؛ ولذلك فصورة مسيح الأناجيل لا ~~تتفق وصورة مسيح التوراة! ~~(ج): # عندما مات يسوع على الصليب ~~بعد أن عانى الآلام، كان على من اعتقد أنه المسيح أن يبحث عن تسويغ ms123 ~~لذلك؛ ولهذا نجد في الأناجيل أقوالا ليسوع يتنبأ فيها بأنه سيتألم ~~ويموت وفي اليوم الثالث يقوم: «وكان يعلم التلاميذ ويقول لهم إن ابن ~~الإنسان (= يسوع) سيسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد ثلاثة أيام ~~يقوم» (إنجيل مرقس، 9: 30-32). ~~(س): # في هذه الحالة ينبغي أن يوجد ~~في التوراة ما يشير إلى ذلك! ~~(ج): # نعم، لقد وجد مؤلفو ~~الأناجيل ضالتهم في صورة «عبد يهوه البار»، وهو شخصية ضبابية تظهر ~~بشكل خاص في سفر إشعيا، ولا ندري على وجه التحقيق صلتها بصورة المسيح ~~لأن العبد البار لا يسير في طريق الانتصارات العسكرية، وإنما يحيا حياة ~~الطاعة المطلقة، فيأخذ على عاتقه حمل خطايا الشعب بفضل ما يتكبده ~~من آلام: ~~«هو ذا عبدي يعقل، يتعالى، ويرتقي ويتسامى جدا ... لا صورة له ولا ~~جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس. رجل أوجاع ~~ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به. لكن ~~أحزانا حملها وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصابا مضروبا من ~~الله ومذلولا ... كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب ~~وضع عليه إثم جميعنا، ظلم. أما هو فلم يفتح فاه كشاة تساق إلى ~~الذبح، وكنعجة صامتة أمام جلاديها فلم يفتح فاه ... سكب للموت نفسه ~~وأحصي مع أثمة، وهو حمل خطيئة كثيرين وشفع في المذنبين» (إشعيا، ~~53: 1-13). # إن صورة العبد الصالح المتألم هذه قد زودت مؤلفي الأناجيل ~~بنبوءات تفسر ما حصل ليسوع من آلام وموت فاجع؛ فقد وضع مؤلف ~~إنجيل مرقس على لسان يسوع قوله: «إنا لصاعدون إلى أورشليم، وسيسلم ~~ابن الإنسان إلى رؤساء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت ~~ويسلمونه إلى الوثنيين، فيسخرون منه ويبصقون عليه ويجلدونه ~~ويقتلونه، وبعد ثلاثة أيام يقوم» (مرقس، 10: 32-34). وهذا ما حصل ~~ليسوع قبل المحاكمة وبعدها وانتهت آلامه بالصلب. ومن ناحيته فقد جعل ~~متى يسوع يبقى صامتا طيلة مدة المحاكمة لا يرد على اتهامات خصومه ~~(متى، 27: 11-14)، وذلك تحقيقا لما فعله العبد الصالح: «وكنعجة ~~صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه». كما قام مؤلف إنجيل يوحنا بإطلاق ~~لقب حمل ms124 الله على يسوع، (يوحنا، 1: 19). وأطلق عليه مؤلف سفر رؤيا ~~يوحنا اللاهوتي لقب الخروف (سفر الرؤيا، 5: 6). # كما وجد هؤلاء الإنجيليون في سفر المزامير ما يعزز صورة عبد يهوه ~~المتألم مما ذكرته أعلاه. # المحور السادس # | التناص بين الكتب المقدسة # (2) القرآن والإنجيل ~~(س): # إذا كانت الغاية من التناص بين الإنجيل والتوراة هي ~~إثبات مسيحانية يسوع، فما هي الغاية من التناص بين القرآن وكلا ~~الكتابين المقدسين؟ ~~(ج): # لقد نزل القرآن في حاضنة ~~ثقافية مسيحية-يهودية؛ ولذلك فقد قدم نفسه منذ البداية على أنه ~~استمرار للوحي السابق وإضافة إليه: # نزل ~~عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ~~وأنزل التوراة والإنجيل ~~(آل عمران: 3)؛ فالوحي ~~التوراتي والإنجيلي والقرآني هو وحي واحد يتتالى في الزمن وفق ما ~~تقتضيه عوامل التغير. وهذا الوحي لم ينقطع منذ عهد نوح: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده ~~(النساء: 163). ووحدة ~~الوحي تستدعي التناص لأن القرآن خاطب أهل الوحي السابق بما يعرفونه ~~من كتبهم، مستخدما هذا المعروف لديهم لإيصال الجديد الذي لا ~~يعرفون. ~~(س): # في العديد من السور القرآنية ~~نلاحظ وجود جدل متوتر بين القرآن وعقائد النصارى؛ الأمر الذي ~~يوحي بوجود خلافات عميقة ربما لا يفلح التناص في ~~تسويتها. ~~(ج): # أعود هنا إلى ما قلته في ~~حديث سابق، عندما ميزت بين التناص وبين التشابه؛ فالجدل الذي ~~عقده القرآن كان مع اللاهوت المسيحي وليس مع نصوص الإنجيل، أما ~~التناص فقد أظهر أن الهوة بين الكتابين المقدسين ليست بالاتساع ~~الذي يظنه البعض. وهذا التناص لا يقتصر على الأناجيل الأربعة وإنما ~~يتعداها إلى تناص مع عدد من الأناجيل غير الرسمية والمدعوة ~~بالمنحولة؛ لأن الكنيسة لم تقبلها في عداد الكتاب القانوني. وقد كانت ~~هذه الأناجيل متداولة على نطاق واسع في العالم المسيحي ولدى ~~مسيحيي الجزيرة العربية. ~~(س): # لعل قصة ميلاد يسوع من أبرز ~~نواحي التناص بين الكتابين! ~~(ج): # ربما، ولكني قبل التعرض لما ~~هو معروف إلى حد ما من نواحي التناص، سأتحدث عما هو غير معروف، ~~وهو وجود عدد كبير من أقوال يسوع الواردة في ms125 الأناجيل الأربعة على ~~شكل آيات قرآنية، بعضها بنصها تقريبا وبعضها بصيغة معدلة وبعضها ~~بمعناها. # وفيما يأتي أسوق بعضها على سبيل المثال. # قال يسوع: «لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك ~~أكون معهم» (متى، 18: 20). # وجاء في القرآن: # ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ~~(المجادلة: 7). # قال يسوع: «إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم ~~السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم ~~أيضا» (متى، 6: 14-15). # وجاء في القرآن: # وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور ~~رحيم ~~(التغابن: 14). وأيضا: # وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم ~~(النور: 22). # قال يسوع: «سمعتم أنه قيل للقدماء: تحب قريبك وتبغض ~~عدوك. وأما أنا فأقول: أحبوا أعداءكم» (متى، ~~5: 43). # وجاء في القرآن: # ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة ~~كأنه ولي حميم ~~(فصلت: 34). # قال يسوع: «احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ~~ينظروكم» (متى، 6: 1). # وجاء في القرآن: # إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم ~~(البقرة: 271). # قال يسوع: «مرور جمل في ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني ~~إلى ملكوت الله» (مرقس، 10: 25). # وجاء في القرآن: # لا تفتح لهم ~~أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط ~~(الأعراف: ~~40). # قال يسوع: «حين تدخلون البيت سلموا عليه، فإن كان البيت ~~مستحقا فليأت سلامكم عليه، ولكن إذا لم يكن مستحقا فليرجع ~~سلامكم إليكم» (متى، 10: 12-13). # وجاء في القرآن: # فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من ~~عند الله مباركة طيبة ~~(النور: ~~61). # قال يسوع: «لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الرب الذي أرسلني هو ~~أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم ... فكما قال لي الآب هكذا ~~أتكلم» (يوحنا، 12: 49-50). # وجاء في القرآن: # وما ينطق عن ~~الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى ~~(النجم: ~~3-5). # قال يسوع: «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ... تأملوا ms126 ~~الغربان، إنها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مخدع ولا مخزن، الله ~~يقيتها. كم أنتم بالحرى أفضل منها!» (لوقا، ~~12: 22-24). # وجاء في القرآن: # وكأين من ~~دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها ~~وإياكم ~~(العنكبوت: 60). # قال يسوع: «إن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم فأي ~~فضل لكم ... أقرضوا وأنتم لا ترجون شيئا فيكون أجركم عظيما» ~~(لوقا، 6: 34-35). # وجاء في القرآن: # وإن كان ذو ~~عسرة ~~(= المدين) # فنظرة ~~إلى ميسرة وأن تصدقوا ~~(= عليه بدينه) # خير لكم إن كنتم ~~تعلمون ~~(البقرة: 280). # قال يسوع: «أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في ~~الظلمة» (يوحنا، 8 : 12). # وجاء في القرآن: # الله نور ~~السموات والأرض ~~(النور: 35). # هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور ~~(الحديد: 9). # قال يسوع: «كل من ترك بيوتا أو إخوة أو ... حقولا من أجل ~~اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية» (متى، ~~19: 20). # وجاء في القرآن: # من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة ~~(البقرة: 245). # قال يسوع: «لأنه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر ~~نفسه » (مرقس، 8: 36). # وجاء في القرآن: # قل إن ~~الخاسرين ~~(هم) # الذين ~~خسروا أنفسهم ~~(الزمر: 15). # قال يسوع: «تعالوا يا مباركي أبي لترثوا الملكوت المعد ~~لكم منذ تأسيس العالم» (متى، 25: 34). # وجاء في القرآن: # قد أفلح ~~المؤمنون * ... أولئك هم ~~الوارثون * الذين يرثون ~~الفردوس هم فيها خالدون ~~(المؤمنون: ~~1-11). # قال يسوع: «ومتى صليت فلا تكن كالمرائين؛ فإنهم يحبون ~~أن يصلوا قائمين في المجامع لكي يظهروا للناس» (متى، ~~6: 5). # وجاء في القرآن: # وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا ~~(النساء: ~~142). # قال يسوع: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ~~ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الآب» (مرقس، ~~13: 32-33). # وجاء في القرآن: # يسألك الناس ~~عن الساعة قل إنما علمها عند الله ~~(الأحزاب: 63). # هذه بعض أوجه التناص بين أقوال يسوع وآيات في القرآن الكريم، ~~ولدي منها حتى الآن ستون، والعدد مرشح للتزايد كلما جرى التعمق ~~في دراسة النصين. ~~(س): # هل التناص بين ms127 القصص ~~الإنجيلي والقرآني على هذه الدرجة من الدقة؟ ~~(ج): # لدينا ثلاث قصص متناصة بين ~~الإنجيل والقرآن؛ الأولى هي قصة ميلاد يوحنا المعمدان أو يحيى كما ~~يدعى في القرآن. ويوحنا المعمدان هو آخر الأنبياء اليهود على ما ~~تصوره الأناجيل الأربعة، وقد ولد قبل يسوع بستة أشهر وهو يظهر إلى ~~العلن ليبشر بقدومه. وقد وجد مؤلفو الأناجيل في سفر ملاخي ~~التوراتي ما اعتبروه نبوءة بإرسال الرب لنبي في آخر الأزمنة يهيئ ~~الطريق للمسيح: «ها أنا ذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم ~~الرب، اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب ~~الأبناء على آبائهم» (ملاخي، 4: 5-6). وأيضا: «ها أنا ذا أرسل ملاكي ~~فيهيئ الطريق أمامي، ويأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه» (ملاخي، ~~3: 1). ووجدوا في سفر إشعيا ما اعتبروه نبوءة أخرى: «صوت صارخ في ~~البرية: أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر سبيلا لإلهنا ... ~~فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر» (إشعيا، 40: 3-5)؛ ولذلك نجد إنجيل ~~مرقس يجمع بين هذه النبوءات: «كما هو مكتوب في الأنبياء: ها أنا أرسل ~~أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك، صوت صارخ في البرية ~~أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة. كان يوحنا يعمد في البرية ~~ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، وخرج إليه جميع كورة ~~اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا منه في نهر الأردن معترفين بخطاياهم. ~~وكان يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه، ويأكل جرادا ~~وعسلا بريا. وكان يكرز قائلا: يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي ~~لست أهلا أن أنحني وأحل سيور حذائه، أنا أعمدكم بماء وأما هو ~~فسيعمدكم بالروح القدس» (مرقس، 1: 2-8). وعلى الرغم من نجاحه بين ~~الناس إلا أن فترة كرازة يوحنا لم تطل كثيرا لأن ملك الجليل أنتيباس ~~أمر بحبسه لأنه كان ينتقد سلوكه وزواجه من مطلقة أخيه في حياته، ثم ~~قطع رأسه بعد وقت قصير (مرقس، 6: 17-29). # وردت القصة الكاملة لميلاد يوحنا في الإصحاح الأول من إنجيل لوقا، ~~أما القصة القرآنية فقد وردت في سورة مريم وسورة آل عمران. وتسير ~~القصتان ms128 على التوازي على الرغم من الصيغة المختصرة للقصة ~~القرآنية: ~~(1) لوقا: كان في أيام هيرودس ملك (المقاطعة) اليهودية كاهن اسمه ~~زكريا من فرقة أبيا (الكهنوتية) وامرأته من بنات هارون واسمها أليصابات ~~(= إليزابيت باللغات الأوروبية). وكانا كلاهما بارين أمام الله، ~~سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم. ولم يكن لهما ولد إذ ~~كانت أليصابات عاقرا، وكان كلاهما متقدمين في السن (1: 1-7). ~~(1) سورة مريم: # كهيعص * ذكر ~~رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ~~ربه نداء خفيا * قال رب إني وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي ~~من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا ~~(سورة مريم: ~~1-6). ~~(2) لوقا: «فبينما هو يكهن في نوبة فرقته أمام الله حسب عادة ~~الكهنوت، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر، وكان كل جمهور ~~الشعب يصلون خارجا وقت البخور، فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين ~~مذبح البخور، فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه الخوف، فقال له الملاك: ~~لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت ، وامرأتك أليصابات ستلد لك ~~ابنا وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح لأنه يكون عظيما أمام الرب، ~~ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم» (لوقا، ~~1: 8-16). ~~(2) سورة آل عمران: # فنادته الملائكة ~~وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ~~ونبيا من الصالحين ~~(آل عمران: 39). ~~(3) لوقا: «فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا؟ لأني شيخ وامرأتي ~~متقدمة في أيامها؟ فأجاب الملاك: أنا جبرائيل الواقف قدام الله، ~~وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا، وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن ~~تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا - أي ولادة الصبي - لأنك لم تصدق ~~كلامي الذي سيتم في وقته» (لوقا، 18-20). ~~(3) سورة آل عمران: # قال رب أنى يكون ~~لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال ~~كذلك الله يفعل ما يشاء * قال رب ~~اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة ~~أيام إلا ms129 رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشي والإبكار ~~(آل عمران: 40-41). ~~(4) لوقا: «وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه في ~~الهيكل، فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه رأى رؤية في ~~الهيكل، فكان يومئ إليهم (يتكلم رمزا) وبقي صامتا» (لوقا، ~~1: 21-22). ~~(4) سورة مريم: # فخرج على قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم ~~(= أشار إليهم) # أن سبحوا بكرة وعشيا ~~(مريم: ~~11). ~~(5) لوقا: «ولما كملت أيام خدمته مضى إلى بيته. وبعد تلك الأيام ~~حبلت أليصابات امرأته وأخفت نفسها خمسة أشهر قائلة: هكذا قد فعل بي ~~الرب في الأيام التي نظر إلي لينزع عاري بين الناس» (لوقا، ~~1: 23-25). ~~(5) سورة مريم: # يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة وآتيناه الحكم صبيا * ~~وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ~~(مريم: ~~12-15). # وبعد ذلك مباشرة تبدأ قصة ميلاد عيسى. ~~(س): # قلت في البداية إن التناص ~~بين القرآن والإنجيل لا يقتصر على الأناجيل الأربعة القانونية، وإنما ~~يتعداها إلى الأناجيل المنحولة التي لم تقبل في العهد الجديد، ~~ولكننا في قصة ميلاد يحيى لم نعثر على تناص مع أي إنجيل ~~منحول؟ ~~(ج): # هذا التناص سنجده في القصة ~~الثانية، وهي قصة ميلاد مريم؛ فهنا اقتصر التناص على الأناجيل ~~المنحولة من دون الرسمية لأن الأخيرة لم تتعرض لأخبار مريم قبل ~~بشارتها بالحمل العذري، وهذا ما جعل مؤلفي الأناجيل المنحولة يملئون ~~هذا الفراغ ويقدمون إلى قارئ الإنجيل ما يتوق إليه من سيرة ~~مريم. ~~(س): # ولماذا لم يتعرض الإنجيليون ~~لسيرة مريم قبل حملها بيسوع؟ كان من المتوقع أن يصدر ذلك عن لوقا، ~~وهو الذي قدم لنا تلك القصة الطويلة والمفصلة عن ميلاد ~~يوحنا! ~~(ج): # الشخصية الرئيسية في الأناجيل ~~هي يسوع، ويسوع وحده، وما من شخصية أخرى يعتد بها ظهرت إلى جانبه ~~حتى لكأن سيرته عبارة عن مونودراما، أي مسرحية يؤديها ممثل واحد؛ ~~ولهذا لم تظهر مريم مثلما لم يظهر أي رسول أو تلميذ بقوة على مسرح ~~الحدث. وعلى الرغم من أن صورة يسوع في الأناجيل كانت صورة إنسان ~~متفوق إلا أنه بقي إنسانا وتصرف كإنسان، وعبر عن ضعفه الإنساني ms130 ~~في آخر جملة نطق بها عندما كان على الصليب وصرخ بصوت عظيم قبل أن ~~يسلم الروح: إلهي، إلهي لماذا تركتني؟ # وقد كانت مريم أم ذلك الإنسان، ولم يكن لها من دور سوى إنجابه، ~~ولكن مكانة يسوع أخذت بالارتفاع ولا سيما بعد ظهور إنجيل يوحنا وهو ~~آخر الأناجيل، وأخذ يفقد سماته الإنسانية ويكتسب سمات إلهية، وبالتالي ~~كان لا بد أيضا من أن ترتقي رتبة مريم معه حتى تحولت من أم إنسان ~~إلى أم إله. ~~(س): # ولكن كان لمريم حضور قوي ~~في قصة ميلاد يسوع؟ ~~(ج): # إلى حد ما، ولكن قصة ميلاد ~~يسوع غير موجودة في إنجيل مرقس الذي صار مؤكدا الآن أنه أقدم ~~الأناجيل. وهذا يعني أن مؤلف هذا الإنجيل لم يسمع بتلك القصة، وأنها ~~لم تكن متداولة في زمنه وإنما ابتكرت فيما بعد على ما هو متفق ~~عليه بين الباحثين في العهد الجديد. وعلى كل حال فخارج قصة الميلاد ~~التي وردت عند متى ولوقا بشكل مختلف تماما، ولم ترد عند مرقس ~~ويوحنا، فإن مريم لم تذكر بالاسم لدى متى بعد قصة الميلاد سوى مرة ~~واحدة، وبشكل عابر عندما قال أهل الناصرة عن يسوع: «أليس هذا ابن ~~النجار؟ أليست أمه تدعى مريم؟» (متى، 13: 55). ثم وردت الإشارة ~~إليها دون ذكر اسمها عندما دخلوا على يسوع وهو يعلم في أحد البيوت ~~وقالوا له: «أمك وإخوتك واقفون في الخارج طالبين أن يكلموك» (متى، ~~12: 47). كما أن مريم لم تظهر في رواية لوقا بعد قصة الميلاد سوى مرة ~~واحدة، وذلك في زيارة العائلة المقدسة إلى أورشليم عندما كان في سن ~~الثانية عشرة، وبعد ذلك تغيب عن سيرة يسوع تماما، حتى إن أهل الناصرة ~~عندما كانوا يتشاورون في أمر يسوع قالوا: «أليس هذا ابن يوسف؟ ولم ~~يقولوا أليس هذا ابن مريم أو أليس هذا ابن مريم ويوسف.» فإذا انتقلنا ~~إلى الإنجيليين الآخرين اللذين لم يتعرضا لقصة الميلاد لما وجدنا ~~فيهما أفضل من ذلك. ~~(س): # وماذا عن بولس الرسول الذي ~~يحمل لقب مؤسس المسيحية، وكيف رأى مريم في ms131 رسائله التي تشكل عماد ~~اللاهوت المسيحي؟ ~~(ج): # بولس لم يتعرض لسيرة يسوع وإنما فسرها وأولها، ~~ولم يذكر من أحداث حياته التي حفلت بها الأناجيل سوى العشاء الأخير؛ ~~ولذلك فهو لم يأت على ذكر مريم لا من قريب ولا من بعيد. أما عن قوله ~~بأن: «الله أرسل ابنه مولودا من امرأة ... إلخ» (غلاطية، 4: 4-5). فليس ~~فيه إشارة إلى مريم بشكل خاص لأن كل كائن بشري يولد من ~~امرأة. ~~(س): # وماذا عن مكانة مريم في ~~القرآن الكريم؟ ~~(ج): # دعي يسوع في القرآن عيسى، وورد ذكره نحو 35 مرة، ~~ولم يتفوق عليه في ذلك سوى إبراهيم وموسى، وقد حمل فيها جميعا لقب ~~ابن مريم، وهو لقب لم يرد في العهد الجديد أبدا، لقد قال أهل ~~الناصرة عندما تعجبوا من حكمة يسوع في إنجيل مرقس: «أليس هذا هو ابن ~~النجار، ابن مريم وأخا يعقوب وموسى ويهوذا؟» (مرقس، 3: 6). ولكن هذا ~~القول هو من قبيل التعريف بيسوع لا من قبيل إطلاق اللقب عليه. أما اسم ~~مريم فقد ورد في القرآن نحو 43 مرة. ومريم هي المرأة الوحيدة التي ~~ورد ذكرها في القرآن باسمها المجرد، بينما ورد ذكر بقية النسوة ~~من خلال نسبتهن إلى أزواجهن؛ مثل: امرأة عمران، وامرأة لوط، وامرأة ~~فرعون، وامرأة العزيز. وفي مقابل صمت الأناجيل عن أصل مريم ونسبها، ~~فإن الرواية القرآنية تنسبها إلى سلسلة الأنبياء العظام في تاريخ ~~الوحي، وإلى أسرة آل عمران المصطفاة: # إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين * ذرية بعضها من ~~بعض ~~(آل عمران: 33-34). ومريم هي أشرف وأنبل نساء الأرض: # يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نساء العالمين ~~(آل عمران: ~~42). ~~(س): # إذن الأناجيل المنحولة التي ~~ظهرت بعد الأناجيل الأربعة هي التي سدت هذه الفجوة في المعلومات عن ~~أصل مريم وحياتها قبل الحمل العذري. ~~(ج): # نعم، لدينا إنجيلان منحولان ~~اهتما بهذه المسألة؛ الأول إنجيل يعقوب التمهيدي الذي دون في ~~أوساط القرن الثاني الميلادي، والثاني منحول متى الذي دون بعده. ~~ويمكن تلخيص القصة الواردة في ms132 إنجيل يعقوب ومقارنتها بالقصة القرآنية ~~وفق ما يأتي، علما بأن والد مريم يدعى عند يعقوب يواكيم وفي القرآن ~~عمران: # إنجيل يعقوب: # كان يواكيم رجلا واسع ~~الثراء من قبيلة يهوذا، ومتزوجا من حنة بنت عساكر التي عاش معها ~~مدة طويلة دون أن يرزقا بولد. وفي أحد الأيام جاء إلى هيكل الرب ~~ليقدم له قربانا، ولكن الكاهن رفض القربان لأن يواكيم لم يصنع ~~له ذرية في إسرائيل، فمضى يواكيم واعتزل في البرية وراح يصوم ~~ويصلي ويدعو ربه أربعين يوما، بينما كانت زوجته حنة تبكي في ~~البيت وتندب عقمها. ثم إن ملاك الرب ظهر لحنة وقال لها: حنة، ~~حنة. إن الرب سمع صلاتك، ولسوف تحبلين وتلدين وستلهج ألسنة ~~المعمورة بذكر نسلك. فقالت حنة: حي هو الرب. إذا ما أنجبت ~~طفلا، ذكرا كان أم أنثى، سوف أنذره للرب ليخدمه كل أيام ~~حياته. # سورة آل عمران: # إذ قالت امرأة عمران رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم ~~(آل عمران: ~~35). # إنجيل يعقوب: # ولما أكملت شهور حملها وضعت حنة مولودها، فسألت القابلة: ماذا ~~أنجبت؟ فقالت القابلة: إنها أنثى. فقالت حنة: لقد تعظمت روحي ~~في هذا اليوم ، ثم أسلمت نفسها للراحة. # سورة آل عمران: # فلما وضعتها قالت رب إني ~~وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس ~~الذكر كالأنثى ~~(من حيث ملاءمتها للخدمة في ~~المعبد) (آل عمران: 36). # إنجيل يعقوب: # ولما أتمت أيام تطهرها طهرت نفسها، وألقمت الطفلة ثديها، ~~ودعتها باسم مريم. # سورة آل عمران: # وإني سميتها مريم وإني ~~أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم ~~(آل عمران: 36). # إنجيل يعقوب: # ومرت الشهور حتى أكملت ~~الطفلة عامها الثالث، فقال يواكيم لحنة: لنأخذها إلى الهيكل حتى ~~نفي بنذرنا لكيلا يطالبنا الرب به. فسارا بها ومعهن ثلة من ~~الفتيات العذراوات تحمل كل منهن بيدها مصباحا لكيلا تلفت الطفلة ~~إلى الوراء وينصرف قلبها عن هيكل الرب. وعندما وصلوا خرج الكاهن ~~زكريا وتلقاها وقبلها قائلا: لقد عظم الرب اسمك في كل ~~الأجيال. # سورة آل عمران: # فتقبلها ربها بقبول حسن ms133 ~~وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~(آل عمران: 37). # إنجيل يعقوب: # وعاد أبواها من الهيكل، أما مريم فقد بقيت في الهيكل مثل حمامة ~~تتلقى الطعام في كل يوم من يد ملاك. # سورة آل عمران: # كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى ~~لك هذا قالت هو من عند الله ~~(آل عمران: ~~37). # إنجيل يعقوب: # ولما أتمت مريم عامها الثاني عشر (وفي منحول توما الرابع عشر وهو ~~الأصح) اجتمع الكهنة يتشارون بشأنها بعد أن صارت صبية ولم يعد من ~~المناسب بقاؤها في الهيكل، فدخل زكريا إلى محراب الهيكل وصلى من ~~أجلها، فظهر له ملاك الرب وأمره أن يدعو إليه كل الرجال والأرامل، ~~وليجلب كل منهم عصا، فمن ظهرت على عصاه آية الرب يأخذ مريم ~~زوجة له، فاجتمع كل الرجال وبينهم يوسف النجار، فجمع زكريا ~~عصيهم ودخل إلى الهيكل فصلى ثم خرج وراح يرد العصي إلى ~~أصحابها دون أن تظهر على أي منها علامة الرب، إلى أن وصل إلى عصا ~~يوسف وكانت الأخيرة، فما إن مد يوسف يده ليأخذها حتى انطلقت منها ~~حمامة وحطت على رأسه، فقال له زكريا: لقد تم اختيارك بالقرعة لكي ~~تأخذ عذراء الرب . فتمنع يوسف بحجة أنه رجل مسن ولديه أولاد، ~~ولكن زكريا نبهه إلى أن هذه هي إرادة الرب ولا سبيل لتجاوزها، ~~فخاف يوسف وأخذها. # وبعد ذلك تبدأ قصة الحمل العذري بيسوع. # سورة آل عمران: # قصة مريم في الهيكل تتوقف بعد أن قالت: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ~~، من أجل رواية قصة ميلاد يحيى: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب ~~لي من لدنك ذرية ... ~~، وبعد الانتهاء يتابع النص ~~من حيث انتهى في قصة مريم: # وإذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نساء العالمين * يا ~~مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين * ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون ~~أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون ~~(آل عمران: 41-44). وبعد ms134 ~~ذلك تبدأ قصة الميلاد العذري. # في المقطع أعلاه، وكما هو ~~الحال في إنجيل يعقوب، هناك قرعة تجري على كفالة مريم الصبية؛ لأن ~~قصة مريم الطفلة التي كانت في المحراب تتلقى الطعام من عند الله قد ~~انتهت، فمن الذي كفل مريم؟ هل كفلها زكريا مرة أخرى مثلما ~~كفلها لدى دخولها إلى الهيكل، أم شخص آخر؟ النص هنا شديد ~~الغموض، ولا يمكننا أن نستنتج منه شيئا، لا سيما وأننا في سياق ~~قصة الميلاد العذري نسمع عن «أهلها» وعن «قومها» دون أن نعرف من ~~هم: # انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا ~~، و # فأتت به قومها ~~تحمله قالوا ... ~~. ~~(س): # هل التناص في القصة ~~الثالثة، قصة الميلاد العذري، يجري أيضا مع الأناجيل ~~المنحولة؟ ~~(ج): # هو بشكل رئيسي مع ~~الأناجيل القانونية، ولكنه يتعداها إلى عناصر من قصص الأناجيل ~~المنحولة. وبما أن القصة لدى إنجيل متى ترد في اختصار شديد، ~~فإن التناص لا يظهر إلا مع قصة لوقا المفصلة. # لوقا: ~~«وفي الشهر السادس، أي بعد حمل أليصابات أم يوحنا بستة أشهر، ~~أرسل جبرائيل الملاك من عند الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة ~~إلى عذراء مخطوبة إلى رجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء ~~مريم، فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيتها المنعم عليها، الرب ~~معك. مباركة أنت في النساء» (لوقا، 1: 26-28). # سورة مريم: # واذكر في الكتاب مريم إذ ~~انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * ~~فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها ~~روحنا فتمثل لها بشرا سويا ~~(سورة مريم: ~~16-17). # لوقا: ~~«فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت ما عسى أن تكون هذه ~~التحية» (لوقا، 1: 29). # سورة مريم: # قالت إني أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا ~~(مريم: 18). # لوقا: ~~«فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم؛ لأنك وجدت نعمة عند ~~ربك، وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع» (لوقا، ~~1: 30-31). # سورة مريم: # قال ~~(الملاك) # إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما ~~زكيا ~~(سورة مريم: 19). # لوقا: ~~«هذا (= يسوع) يكون عظيما وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب كرسي ~~داود أبيه» (لوقا، 1: 32). # سورة آل عمران: ~~... وجيها ms135 في الدنيا والآخرة ~~ومن المقربين ~~(سورة آل عمران: 45). # لوقا: ~~«فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟» (لوقا، ~~1: 34). # سورة مريم: # قالت أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ~~(مريم: 20). # لوقا: ~~«فأجاب الملاك: الروح القدس يحل عليك وقوة العظيم تظللك؛ ~~فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ... لأنه ليس شيء ~~غير ممكن لدى الله» (لوقا: 35-37). # سورة مريم: # قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين ولنجعله آية للناس ~~(مريم: 21)، وورد ~~في سورة التحريم: # ومريم ابنت ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من ~~روحنا ~~(التحريم: 12)، (قارن مع قوله أعلاه: فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا). # لوقا: # فقالت مريم: هو ذا أنا أمة الرب، ليكن لي قولك (لوقا: ~~38). # سورة التحريم: # وصدقت ~~(مريم) # بكلمات ربها وكتبه وكانت من ~~القانتين ~~(التحريم: 12). # بعد ذلك تفترق رواية لوقا عن الرواية القرآنية فيما يتعلق بالحمل ~~والوضع؛ فلوقا جاء بيوسف ومريم الحامل من الجليل إلى بيت لحم في ~~مقاطعة اليهودية من أجل الإحصاء السكاني العام الذي قامت به ~~السلطات الرومانية ليكتتبا فيها؛ لأن يوسف كان من عشيرة الملك داود ~~ومسجلا أصلا في بيت لحم. وهناك تمت أيامها لتلد، فولدت ~~ابنها البكر، وقمطته وأضجعته في مذود لطعام الماشية؛ إذ لم ~~يكن لهما مكان في خان المسافرين يبيتان فيه (لوقا، ~~2: 1-7). # أما في الرواية القرآنية فنجد مريم وحدها تعاني آلام المخاض في ~~مكان بعيد: # فحملته فانتبذت به ~~مكانا قصيا * فأجاءها المخاض إلى ~~جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا * فناداها من ~~تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا ~~* وهزي إليك بجذع النخلة ~~تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي ~~واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر ~~أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا ~~(مريم: 22-26). وورد في ~~سورة «المؤمنون»: # وجعلنا ابن مريم ~~وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين ~~(المؤمنون: 50)، والمعنى هنا هو أن مريم اختفت ~~عن الأنظار ولجأت إلى ربوة فيها مقر راحة (= قرار)، ونبع ماء ~~جار (= معين)، وشجرة ms136 نخيل. وعندما اشتدت عليها آلام المخاض ~~لجأت إلى جذع النخلة وتمنت لو أنها ماتت دون أن تتعرض لهذه ~~المحنة، فناداها الملاك جبريل من تحت الربوة مواسيا، وقال إن ~~الله قد أجرى من أجلها جدول ماء (= سريا) وأن باستطاعتها الحصول ~~على ثمر النخلة بهز جذعها. وعليها بعد الولادة ألا تحفل بالرد ~~على أسئلة المتسائلين؛ لأن الله عازم على إظهار آية تبرئها ~~عندما يتكلم وليدها في المهد. # لا يوجد لدينا في ~~الأناجيل المنحولة ما يطابق هذا النص القرآني، وإنما ما يشبهه ~~في ثلاثة عناصر وهي: المكان البعيد المنعزل، والنخلة التي تعطي ~~ثمارها، وجدول الماء الذي انبثق من نبع تحتها؛ فقد ورد في منحول ~~متى أنه في اليوم الثالث من سفر يوسف ومريم ومعهما يسوع وهو ~~رضيع إلى مصر هربا من الملك هيرود الذي أمر بذبح كل الأطفال من ~~عمر سنتين وما دون لكي يهلك يسوع، تعبت مريم وأرادت النزول عن ~~دابتها للراحة، فرأت شجرة نخيل ولجأت إلى فيئها. ولما نظرت إلى ~~الأعلى رأت ثمرها وعبرت عن رغبتها في تذوق بعضها، فقال لها ~~يوسف إن الشجرة عالية جدا، وإن ما يشغل باله فعلا هو قلة زادهم ~~من الماء. وكان يسوع جالسا في حضن أمه، فأمر النخلة أن تعطي أمه ~~بعض رطبها، فانحنت النخلة حتى لامست قدمي مريم فأكلت منها، ~~ثم أمر يسوع النخلة أن تفتح مجرى للماء المخزون عند جذورها، ~~فانبثق من هناك جدول ماء فشربوا منه وسقوا حيواناتهم. ~~(س): # هنالك عنصر هام في ~~الرواية القرآنية وهو أن عيسى كان يصنع طيورا من طين فتغدو طيورا ~~حية وتطير في الجو كإحدى المعجزات التي زوده بها الله، فهل لذلك ~~العنصر من معادل في الرواية الإنجيلية؟ ~~(ج): # هنالك ثلاثة عناصر في ~~الرواية القرآنية لا نجدها في الرواية الإنجيلية الرسمية، وإنما في ~~الأناجيل المنحولة، وهي: (1) الصور الطينية. (2) الكلام في المهد. ~~(3) الحجاب الذي اتخذته مريم قبل أن يأتيها الملاك ~~بالبشارة. # فقد ورد في سورة آل عمران عن عيسى في سياق بشارة الملاك لمريم: # ويكلم الناس في المهد ms137 وكهلا ~~ومن الصالحين ~~(سورة آل عمران: 46)، وجاء في ~~الإنجيل العربي، وهو من الأناجيل المنحولة، وجدت ترجمة له إلى ~~العربية ربما تعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، أما أصله ~~فمفقود: «ورد في كتاب الكاهن الأعلى يوسف الذي عاش في زمان يسوع ~~المسيح، أن يسوع تكلم في المهد وقال لأمه مريم: أنا الذي ولدته، ~~أنا يسوع ابن الله، الكلمة، على ما بشرك به الملاك جبريل، ولقد ~~أرسلني أبي من أجل خلاص العالم.» # وورد في سورة آل عمران أيضا: # أني قد ~~جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا ~~بإذن الله ~~(آل عمران: 49)، ونقرأ في الإنجيل العربي: ~~«عندما أتم يسوع عامه السابع، كان يلعب في أحد الأيام مع صبية ~~آخرين من عمره، وكانوا يصنعون على سبيل التسلية صور حيوانات ~~متنوعة من الطين. وقد صنع يسوع صور طيور وعصافير دوري، وكان ~~يأمرها بالطيران فتطير ثم يأمرها بالتوقف فتتوقف.» # وورد في سورة مريم: # واذكر في ~~الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا ~~شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا ~~فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا ~~سويا ~~(سورة مريم: 16-17). وقد اختلف مفسرو القرآن في ~~ماهية هذا الحجاب دون التوصل إلى نتيجة، ولكننا نعثر على تفسير ~~الحجاب في إنجيل يعقوب التمهيدي؛ فهو حجاب هيكل أورشليم الذي ~~يفصل المحراب الداخلي عن القسم الأوسط. وكان من عادة الكهان ~~أن يعهدوا إلى بعض العذارى غزل وحياكة حجاب جديد كلما بلي ~~القديم. وقد وقع الاختيار على مريم من بين سبع فتيات أخريات لهذه ~~المهمة، وأعطيت مريم اللون الأرجواني لتغزله، وبينما هي جالسة ~~على الكرسي وقد سحبت إليها خيط الغزل، ظهر ملاك الرب أمامها ~~قائلا: لا تخافي يا مريم؛ فقد نلت نعمة عند الله وسوف تحبلين ~~بكلمته. # المحور السابع # | التناص بين الكتب المقدسة # (3) القرآن والتوراة ~~(س): # من المتوقع أن يكون حجم التناص بين القرآن والتوراة ~~أكبر بكثير من حجمه بين القرآن والإنجيل، نظرا لغزارة المادة ~~التوراتية مقارنة بالمادة الإنجيلية. ~~(ج): # بكل تأكيد؛ فالأناجيل الأربعة ~~لا ms138 تشغل من الكتاب المقدس حيزا يزيد بكثير عن سفري التكوين ~~والخروج، يضاف إلى ذلك أن الأنبياء المذكورين في القرآن هم شخصيات ~~توراتية عدا خمسة هم: صالح نبي قوم ثمود، وهود نبي قوم عاد، وشعيب ~~نبي قوم مدين، وإدريس وذو الكفل اللذان لم يذكر لنا النص اسم ~~قومهما، على أنه من المرجح أن يكون شعيب نبي قوم مدين هو كاهن ~~مدين المدعو يثرون الذي تزوج موسى من ابنته في سفر الخروج التوراتي، ~~وأن يكون إدريس هو أخنوخ الأب السادس بعد آدم على ما يقول بعض مفسري ~~القرآن. وبذلك تتقلص قائمة الشخصيات الدينية القرآنية غير التوراتية ~~إلى ثلاث فقط. أما الشخصيات القرآنية/التوراتية فتغدو ثمانية وعشرين ~~شخصية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأسباط من أولاد يعقوب هم أحد ~~عشر. وهذه أسماؤهم: # نوح، إدريس، إبراهيم، إسماعيل، لوط، إسحق، يعقوب، الأسباط (= 12)، ~~يوسف، موسى، هارون، شعيب، داود، سليمان، الياس، اليسع، أيوب، ~~يونس. # وهؤلاء جميعا أنبياء في القرآن تلقوا وحيا من ربهم: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا ~~- النساء: 163. أما في التوراة فأدوار هؤلاء تتنوع؛ ~~فالأسباط لم يكونوا أنبياء بل الجدود الأعلون للقبائل العبرانية التي ~~تسلسلت منهم، ومنهم يوسف الذي لم يكن نبيا ولم يكلمه الله طيلة ~~قصته الطويلة في سفر التكوين، وكذلك أيوب الذي لم يكن سوى رجل صالح ~~اختبره الله بالمصائب والبلايا، وكذلك لوط. وعلى الرغم من أن الله كلم ~~داود وسليمان، إلا أنهما كانا ملكين مقربين من الله، ولم يكونا ~~نبيين بالمعنى التوراتي للكلمة. ~~(س): # كيف لا يكون داود نبيا وقد ~~تلقى من الله كتابا يدعى الزبور؟ هل للزبور ذكر في ~~القرآن؟ ~~(ج): # لقد ورد في القرآن ما يشير ~~إلى أن داود قد تلقى من ربه كتابا موحى يدعى بالزبور: # وآتينا داوود زبورا ~~(الإسراء: 55). # ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(الأنبياء: 105). ومن المفترض أن كتاب الزبور هذا هو سفر ms139 المزامير ~~التوراتي، ولكن سفر المزامير ليس كتابا مستقلا، وإنما هو جزء من ~~كتاب التوراة. ويحتوي على تراتيل دينية وأدعية وصلوات كانت تنشد ~~على أنغام الموسيقى في الهيكل، ومعظم هذه المزامير ومفردها (مزمور) ~~منسوب لداود والبقية لغيره، ولكن لا شيء فيها يدل على وحي إلهي. وعلى ~~كل فإن سلوك داود وسليمان في التوراة كان بعيدا عن صلاح وتقوى ~~الأنبياء. ~~(س): # هل تعني ما فعله داود عندما ~~قتل أحد محاربيه الشجعان لكي يستولي على امرأته؟ ~~(ج): # نعم؛ فقد رأى الملك داود، وهو ~~على سطح منزله يتمشى، امرأة في البيت المقابل تستحم، ففتنه جمالها ~~وسأل في اليوم التالي أعوانه فقالوا إنها بتشبع زوجة أوريا الحثي ~~الذي يقاتل في عبر الأردن مع الجيش الذي يحارب الآراميين. فأرسل ~~داود غلمانه فجاءوا بها ودخل عليها ثم رجعت إلى بيتها. وبعد مدة ~~أرسلت إلى داود وأخبرته بأنها حامل منه. فكتب داود إلى يوآب قائد ~~جيشه يقول له: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة ثم ارجعوا من ورائه ~~فيضرب ويموت، وهكذا كان. وعندما وصل داود خبر موت أوريا أتى ~~بالمرأة الحامل إلى بيته وصارت له زوجة وولدت له سليمان. وعندما سمع ~~النبي ناثان بالخبر دخل على داود وقال له: كان رجلان في مدينة واحدة؛ ~~واحد منهما غني والآخر فقير، وكان للغني بقر وغنم كثيرة جدا، ~~وأما الفقير فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة وكانت له مثل ابنة، فجاء ~~ضيف إلى الرجل الغني وأراد أن يهيئ له ضيافة، وبدلا من أن يذبح له ~~غنمه، جاء إلى الرجل الفقير فأخذ نعجته وهيأ للضيف طعامه، فماذا تقول ~~في ذلك؟ قال داود: إنه يقتل. فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل (سفر ~~صموئيل الثاني، 11: 2-29). # أما سليمان الذي قال عنه الرب: «هو يبني بيتا لاسمي، وأنا أثبت كرسي ~~ملكه إلى الأبد، أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا» (سفر صموئيل ~~الأول، 7: 13-14)، فقد تخلى عن الرب الذي بنى له هيكل أورشليم وعبد ~~الآلهة الكنعانية وبنى لها المعابد: «ولم يكن قلبه كاملا ms140 مع الرب إلهه ~~كقلب داود أبيه، فذهب سليمان وراء عشتروت إلهة الصيدونيين، ووراء ملكوم ~~إله العمونيين وعمل سليمان الشر في عيني الرب» (سفر الملوك الأول، ~~11: 4-5). ~~(س): # أعتقد أن ما فعله داود قد ~~وردت الإشارة إليه في القرآن في قصة الرجل الذي عنده تسع وتسعون نعجة ~~وأخيه الذي عنده نعجة واحدة. ~~(ج): # نعم، وإن كان العديد من ~~مفسري القرآن يمارون في ذلك دفاعا عن نبوة داود، ولكن مقارنة ~~القصة القرآنية مع القصة التوراتية تؤكد وحدة الموضوع بينهما. نقرأ ~~في سورة ص: # وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب * إذ دخلوا على ~~داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ~~واهدنا إلى سواء الصراط * إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * ~~قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن ~~كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ~~وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن ~~له عندنا لزلفى وحسن مآب ~~(سورة ص: ~~17-26). # في القصة القرآنية يقوم ملاكان مقام النبي ناثان في القصة التوراتية ~~في الدخول على داود وتنبيهه إلى خطيئته من خلال عرض قصة رمزية؛ فقد ~~اجتاز هذان الملاكان الأبواب والأسوار ودخلا فجأة على داود فخاف ~~منهما. وبعد أن عرضا عليه قضيتهما وأفتى لهما فيها، انتبه إلى أنه هو ~~المقصود وعرف هويتهما فخر راكعا على الأرض طالبا العفو من ~~الله. ~~(س): # هذا يضعنا في لب عملية ~~التناص بين الكتابين؟ ~~(ج): # التناص بين الكتابين أغزر ~~من أن نوفيه حقه هنا، وهو يتراوح بين التناص التام حيث يبدو النص ~~القرآني أشبه بترجمة للنص التوراتي، كما هو الحال في قصة يوسف، ~~والتناص شبه التام حيث يبدو النص القرآني ترجمة حرة ومختصرة بعض ~~الشيء للنص التوراتي، كما هو الحال في قصص موسى وإبراهيم، والتناص ~~المجتزأ كما هو الحال في قصص بعض الأنبياء مثل إلياس. ~~(س): # لقد ms141 أفردت في القرآن سورة ~~كاملة لقصة يوسف على الرغم من أنه ليس شخصية نبوية في التوراة على ~~ما ذكرت منذ قليل. دعنا نبدأ به. ~~(ج): # القصة طويلة لذلك سأكتفي ~~بإيراد ملخصات من النص التوراتي من أول القصة إلى أواسطها، مع ما ~~يقابلها من النص القرآني. # يوسف وإخوته: # سفر التكوين: كان يوسف ابن سبع عشرة سنة، وكان يرعى ~~الغنم مع إخوته، وقد أحبه أبوه يعقوب أكثر من جميع ~~بنيه، فأبغضه إخوته ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام ~~(سفر التكوين، 1: 37-5). # سورة يوسف: # لقد كان في ~~يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ~~ضلال مبين ~~(يوسف: 7-8). # حلم يوسف: # سفر التكوين: وحلم يوسف حلما أخبر به أباه وإخوته ~~قال: إني حلمت حلما، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر ~~كوكبا ساجدة لي. فازداد إخوته له بغضا (التكوين، ~~37: 9-11). # سورة يوسف: # إذ قال يوسف ~~لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ~~ساجدين * قال يا بني لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك ~~كيدا ~~(يوسف: 4-5). # مؤامرة الإخوة: # سفر التكوين: طلب يعقوب من يوسف أن يذهب إلى إخوته في ~~المرعى، فلما رأوه من بعيد قال بعضهم لبعض: هو ذا صاحب ~~الأحلام قادم، فالآن لنقتله ونطرحه في إحدى الآبار، ونقول ~~وحش رديء أكله. فسمع أخوهم رءوبين مقالتهم وأراد إنقاذه ~~فقال لهم: لا تسفكوا دما، اطرحوه في هذه البئر في ~~البرية ولا تمدوا إليه يدا. فكان لما جاء يوسف أن ~~خلعوا عنه قميصه وطرحوه في البئر وكانت جافة ليس فيها ~~ماء، ثم أخذوا القميص وذبحوا تيسا من المعزى، وغمسوا ~~القميص بالدم، وعادوا إلى أبيهم فقالوا: حقق، أقميص ابنك ~~هذا؟ فتحقق وقال: قميص ابني، وحش رديء أكل يوسف. ثم ~~مزق ثيابه ولبس الحداد وناح على ابنه أياما كثيرة. أما ~~يوسف فقد انتشلته قافلة تجار مديانيين وباعوه ~~للإسماعيليين بعشرين من الفضة فأتوا به إلى مصر ~~(التكوين: 18-38). # سورة يوسف: (طلب ~~الإخوة من أبيهم أن يرسل يوسف ms142 معهم إلى البرية فوافق بعد ~~تمنع خشية من أن يأكله الذئب، وعندما صاروا في المرعى ~~قال بعضهم): # اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ~~وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ~~وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة إن كنتم فاعلين * ~~... فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه ~~في غيابة الجب وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا ~~يشعرون * وجاءوا أباهم عشاء ~~يبكون * قالوا يا أبانا إنا ~~ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند ~~متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن ~~لنا ولو كنا صادقين * ~~وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون * وجاءت سيارة فأرسلوا ~~واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا ~~غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما ~~يعملون * وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة وكانوا فيه من ~~الزاهدين ~~(سورة يوسف: 9-20). # يوسف في مصر: # سفر التكوين: فأخذوه إلى مصر واشتراه رئيس شرطة الفرعون ~~المدعو فوطيفار (ولقبه في القرآن العزيز). وكان الرب مع ~~يوسف، فكان رجلا ناجحا، ووجد نعمة في عيني سيده الذي ~~أوكله بجميع شئون بيته، فبارك الرب بيت فوطيفار وحقله. ~~وكان يوسف حسن الصورة وحسن المنظر (التكوين، ~~39: 1-6). # سورة يوسف: # وقال الذي ~~اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ~~عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ~~وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله ~~غالب على أمره ~~(يوسف: 21-22). # الإغواء: # سفر التكوين: وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت ~~عينيها إلى يوسف وقالت: اضطجع معي. فقال لها: كيف أصنع ~~هذا الشيء العظيم وأخطئ إلى الله؟ ثم تركها ومضى، إلى أن ~~جاء يوم دخل فيه يوسف إلى المنزل ولم يكن هناك غيرهما، ~~فأمسكت بثوبه قائلة: اضطجع معي. فترك ثوبه في يدها ~~وخرج من البيت، أما هي فوضعت ثوبه بجانبها حتى جاء ~~سيدها، فقالت له: لقد دخل علي هذا الرجل ليضطجع معي ~~فصرخت فترك ثوبه بجانبي وهرب. فحمي غضب فوطيفار على يوسف ~~ووضعه في السجن الذي كان ms143 أسرى الملك محبوسين فيه (التكوين، ~~39: 1-23). # سورة يوسف: # وراودته التي هو في بيتها ~~عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت ~~لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا ~~أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه ~~السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين * واستبقا الباب ~~وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها ~~لدى الباب قالت ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم * قال ~~(يوسف) # هي راودتني عن نفسي وشهد ~~شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من ~~قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين * ~~فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم * ... ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين ~~(يوسف: ~~23-35). # في السجن: # سفر التكوين: ~~وحدث بعد هذه الأمور أن فرعون غضب على رئيس السقاة في ~~قصره ورئيس الخبازين، وأمر بحبسهما في السجن نفسه، ثم إن ~~كليهما حلما حلما وقصاه في الصباح على يوسف. قال رئيس ~~السقاة: رأيت كرمة فيها ثلاثة قضبان نضجت عناقيدها ~~فأخذت العنب وعصرته في كأس قدمتها لفرعون. فقال له ~~يوسف: الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام، في ثلاثة أيام تخرج من ~~السجن وترد إلى مقامك، وتسكب الخمرة لفرعون كما كنت ~~تفعل، فهلا صنعت لي معروفا وذكرتني له فيخرجني من ~~السجن. ثم قص عليه رئيس الخبازين حلمه قال: رأيت ثلاث ~~سلال على رأسي والعليا فيها خبز والطيور تأكل منه. فقال ~~يوسف: السلال هي ثلاثة أيام. في ثلاثة أيام يقطع فرعون ~~رأسك ويعلقك على خشبة وتأكل الطيور من لحمك. ثم مضت ~~الثلاثة أيام وحدث ما توقعه يوسف، ولكن رئيس السقاة ~~نسيه ولم يذكره لفرعون مدة سنتين (سفر التكوين، ~~40: 1-22). # سورة يوسف: # ودخل معه السجن فتيان قال ~~أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال ~~الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا ~~تأكل الطير منه نبئنا بتأويله ~~إنا نراك من المحسنين * ~~قال ... يا صاحبي ms144 السجن أما أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر ~~الذي فيه تستفتيان * وقال ~~للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ~~ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث ~~في السجن بضع سنين ~~(يوسف: ~~36-42). # هذا ما لدي فيما يتعلق بالتناص في قصة يوسف، ولا داعي للمضي ~~أكثر من ذلك؛ لأن بقية القصة تسير على المنوال نفسه. ~~(س): # هناك شيء لم أفهمه في ~~عنصر انتشال يوسف من البئر في الرواية القرآنية؛ فعندما جاء ~~السيارة إلى البئر ليستقوا منها الماء ودلى ساقيهم بدلوه فوجد ~~يوسف، فقال: يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة. ما معنى كلمة ~~أسروه؟ ~~(ج): # معظم المفسرين يقرءون كلمة أسروه بتشديد الراء ~~(من فعل أسر أي أخفى)، ويقولون إن الذين انتشلوه أخفوه عن ~~الآخرين حتى لا يشاركوهم فيه. ولكن هذا المعنى لا يستقيم لأنهم بعد ~~ذلك شروه؛ أي باعوه لأن الكلمة تحتمل المعنيين، بثمن بخس ~~وكانوا فيه من الزاهدين. وهذا يعني أن يوسف لم يكن بضاعة غالية ~~الثمن حتى يخفيه من انتشله عن الآخرين. يضاف إلى ذلك استحالة ~~إخفاء شاب في القافلة عن عيون الآخرين. ~~(س): # وما المعنى إذن؟ ~~(ج): # ربما كان علينا أن نقرأ ~~الكلمة دون تشديد السين، عندها يستقيم المعنى؛ فالذين انتشلوه ~~أسروه؛ أي أمسكوا به ولم يطلقوا سراحه ليجعلوه بضاعة يتاجرون ~~فيها . ~~(س): # وهل يجوز لنا أن نغير ~~في قراءة القرآن؟ ~~(ج): # هنالك فرق بين القرآن ~~الكريم وبين المصحف الشريف. القرآن الكريم مقدس ولا يتغير أو ~~يغير، أما المصحف فنتاج بشري صنعته أيادي النساخ الذين ~~كانوا ينقلون ما دونه كتاب الوحي متفرقا على رقاع الجلد أو عظم ~~الأكتاف أو الخشب، أو ما حفظه حفاظ القرآن وفقدت أصوله. وقد ~~تم ذلك على مرحلتين؛ الأولى في عهد الخليفة عمر، والثانية في عهد ~~الخليفة عثمان. ~~(س): # هل تقصد بقولك أن من ~~جمع القرآن في مصحف قد ارتكب بعض الأخطاء في النسخ؟ ~~(ج): # هذا ممكن؛ فهؤلاء ليسوا ~~ملائكة، والإنسان خطاء بطبيعته، ولكن تلك الأخطاء كانت شكلية ولا ms145 ~~تؤثر على المعنى لا من قريب ولا من بعيد. وقد أورد السيوطي في ~~كتابه «الإتقان في علوم القرآن» خبرا عن السيدة عائشة مفاده أن ~~البعض استفتاها في بعض الشذوذات النحوية في المصحف، فقالت: لقد ~~أخطأ النساخ. ~~(س): # ما نوع هذه ~~الشذوذات؟ ~~(ج): # ما أتذكره منها عشرة، ~~وربما كان العدد أكبر من ذلك؛ فقد ورد على سبيل المثال، في سورة ~~طه: 63: # قالوا إن هذان ~~لساحران ~~، والشذوذ هنا هو رفع اسم إن بدلا من نصبه. ~~وورد في سورة المائدة: 69: # إن الذين ~~آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ~~... ~~، والشذوذ هنا هو أن كلمة الصابئون مرفوعة رغم أنها ~~معطوفة على منصوب. ~~(س): # لفت نظري ما قلته منذ ~~قليل عن فقدان بعض الأصول المكتوبة للقرآن، ما الدليل على ~~ذلك؟ ~~(ج): # هنالك دلائل عدة تأتينا ~~من أخبار عملية جمع القرآن، ومنها أنه عندما أراد عمر أن يجمع ~~القرآن قام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول الله شيئا من ~~القرآن فليأتنا به، وكان لا يقبل شيئا من ذلك حتى يشهد عليه ~~شاهدان. ولو كان القرآن مدونا كله بشكل متفرق، لما كان من ~~الضرورة أن يتم طلبه ممن يحفظ منه شيئا، أو إشهاد شاهدين على ما ~~يأتي به هؤلاء. لأن ما دون في عهد الرسول من قبل كتبة الوحي ~~لا يحتاج إلى شهادة أحد عليه. ويبدو أن المحفوظ في صدور الرجال ~~ولا أصل له في المدونات كان كثيرا، لأن ما دفع عمر للإسراع في ~~جمع القرآن هو استشهاد الكثيرين من حفظته في حرب اليمامة ضد ~~مسيلمة الكذاب أيام الخليفة أبي بكر، على ما يورد لنا السجستاني ~~في مؤلفه المعروف «كتاب المصاحف». # على كل، فإن المقطع من سورة يوسف الذي أثار لديك التساؤل بخصوص ~~كلمة «أسروه» يحتوي كلمة أخرى اختلف القدماء في قراءتها، وهي ~~قول الوارد الذي دلى بدلوه في البئر «يا بشرى» عندما وجد يوسف، ~~فقد قرأها البعض «يا بشراي» وبإمكانك أن تجد هذه المعلومة في كتب ~~التفسير. إن الاختلاف بين القراءتين لا قيمة له في الحقيقة، ms146 ولكنه ~~اختلاف على أية حال. ~~(س): # تقدم لنا سورة يوسف ~~نموذجا عن الأسلوب القرآني البليغ المختزل الذي يؤدي المعنى ~~بكفاءة وبأقل الكلمات، في مقابل الأسلوب التوراتي المسترسل وذي ~~النفس الطويل. أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فالإيجاز في ~~الأسلوب القرآني يمثل ذروة إعجازه اللغوي. ولكنه في أحيان ~~قليلة يترك القصة سابحة في جو من الغموض، ربما كان مقصودا، كما ~~هو الحال في قصة يونس التي تقدم لنا نموذجا عن التناص التام ~~مع مقابلها قصة يونان التوراتية. # ترد قصة يونس، أو قصة يونان كما يدعى في التوراة موزعة في ~~القرآن على عدة سور: # فاصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * ~~لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ ~~بالعراء وهو مذموم ~~(سورة القلم: ~~48-49). # فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين ~~(سورة يونس: 98). # وذا النون ~~(= صاحب الحوت) # إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين ~~(سورة الأنبياء: ~~87-88). # وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق ~~(= هرب ولجأ) # إلى الفلك المشحون ~~(= المثقل ~~بالركاب والبضائع) # فساهم ~~(= شارك ~~في القرعة) # فكان من ~~المدحضين ~~(= الخاسرين) # فالتقمه الحوت وهو مليم ~~(= فعل ما يلام ~~عليه) # فلولا أنه ~~كان من المسبحين * للبث في ~~بطنه إلى يوم يبعثون * ~~فنبذناه بالعراء وهو سقيم ~~(= متعب ومريض) # وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف ~~أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم ~~إلى حين ~~(سورة الصافات: 139-148). # إن من يقرأ هذه المقاطع المتفرقة سيجد صعوبة في إعادة تجميع ~~عناصر القصة في سردية متصلة، كما أن العديد من هذه العناصر يبقى ~~بحاجة إلى الإيضاح؛ فلماذا ذهب يونس مغاضبا ومن الذي غاضبه؟ ~~ولماذا لجأ إلى تلك السفينة المحملة بالناس والبضائع؟ ما هو ~~موضوع القرعة التي خسر فيها؟ كيف وجد نفسه في الماء فالتقمه ~~الحوت؟ من هم أولئك القوم الذين أرسل ms147 إليهم والذين يزيد تعدادهم ~~عن المائة ألف؟ ولماذا نبتت فوقه شجرة من يقطين؟ # إن المقارنة التي سنجريها مع مقاطع مختصرة من سفر يونان هي ~~التي ستجلي تلك الغوامض: # تكليف يونس بالرسالة: # سفر يونان: كانت كلمة الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا: ~~قم انطلق إلى نينوى، المدينة العظيمة، وناد عليها؛ فإن ~~شرها قد كثر أمامي. # سورة الصافات: # وإن يونس ~~لمن المرسلين ~~. # يونس يحاول التهرب من حمل الرسالة: # سفر يونان: فقام يونان ليهرب من وجه الرب إلى ترشيش ~~(= إسبانيا). # سورة الأنبياء: # وذا النون إذ ~~ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه ~~. # يونس يركب السفينة: # سفر يونان: فنزل إلى يافا، فوجد سفينة، فأدى أجرتها، ~~ونزل فيها. # سورة الصافات: # إذ أبق إلى ~~الفلك المشحون ~~. # زوبعة في البحر: # سفر يونان: وبعد أن أبحرت السفينة، أرسل الرب ريحا ~~عظيمة وأوشكت السفينة على الغرق، فألقى الملاحون ~~البضاعة التي فيها إلى البحر، وقال كل منهم إلى صاحبه ~~هلم نلق قرعا لنعلم بسبب من أصابنا هذا الشر. ~~فألقوا قرعا فوقعت القرعة على يونان، فقالوا له: ~~أخبرنا لأي سبب أصابنا هذا الشر، وماذا صنعت؟ فقال لهم: ~~أنا عبراني هارب من وجه الرب إله السماوات الذي صنع ~~البحر. قالوا: ماذا نفعل بك حتى يسكن البحر عنا؟ فقال: ~~خذوني فألقوني إلى البحر فيسكن عنكم. فأخذوا يونان ~~وألقوه في البحر. # سورة الصافات: # فساهم فكان ~~من المدحضين ~~. # الحوت يبتلع يونس: # سفر يونان: فأعد الرب حوتا عظيما لابتلاع يونان، ~~فكان في جوف الحوت ثلاثة أيام. # سورة الصافات: # فالتقمه ~~الحوت وهو مليم ~~. # صلاة يونس في جوف الحوت: # سفر يونان: فصلى يونان إلى الرب إلهه من جوف الحوت ~~وقال: إلى الرب صرخت في ضيقي فاستجاب لي ... إلخ (صلاة ~~طويلة). # سورة الأنبياء: # فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ~~إني كنت من الظالمين ~~. # خروج يونس إلى البر: # سفر يونان: فأمر الرب الحوت فقذف يونان إلى ~~اليبس. # سورة الصافات: # فنبذناه ~~بالعراء وهو سقيم ~~. # تكليف يونس ثانية: # سفر يونان: وكانت كلمة الرب إلى يونان ثانية وأمره ~~بالانطلاق إلى ms148 نينوى، المدينة التي تضم أكثر من 12 ربوة ~~من الناس (والربوة الواحدة عبارة عن عشرة آلاف؛ أي إن عدد ~~سكان المدينة كان 120 ألف نسمة)، وتحذير أهلها من ~~الاستمرار في غيهم، فوصل يونان وراح ينادي في الأسواق ~~قائلا: إن نينوى ستنقلب بعد أربعين يوما. فآمن أهل ~~المدينة. # سورة الصافات: # وأرسلناه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون * ~~فآمنوا فمتعناهم إلى حين ~~. # أما عن عنصر شجرة اليقطين التي أنبتها الله فوق يونس، وهو ~~العنصر الأكثر غموضا في الرواية القرآنية، فإن بقية القصة في ~~الرواية التوراتية تزيل عنها الغموض؛ فبعد أن أنذر يونان أهل ~~نينوى خرج وجلس ينظر من بعيد، وعندما عرف أن الرب عفا عن المدينة ~~بعد توبة أهلها، غضب يونان غضبا شديدا، فقال له الرب: أبحق ~~غضبك؟ وكانت حرارة الشمس تضرب رأس يونان بشدة، فأنبت الرب عليه ~~يقطينة فارتفعت فوق يونان وظللته من الشمس ففرح فرحا ~~شديدا، وقضى بقية يومه في فيئها، ولكن الله أعد دودة فضربت ~~اليقطينة فجفت عند طلوع الشمس، ثم أعد ريحا حارة فضربت رأس ~~يونان فتمنى الموت لنفسه، فقال الله ليونان: أبحق غضبك لأجل ~~اليقطينة؟ فقال: نعم. فقال الرب: لقد أشفقت أنت على اليقطينة التي ~~لم تتعب فيها ولم تربها، التي نشأت بنت ليلة وهلكت بنت ليلة، ~~أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من 12 ~~ربوة من أناس لا يعرفون يمينهم من شمالهم، عدا ما بها من ~~بهائم؟ ~~(س): # ولكن اليقطين ليس شجرا ~~يستظل بفيئه؟ ~~(ج): # الترجمة البروتستانتية ~~للعهد القديم تقول يقطينة، وهي ليست شجرة ولا فيء لها، أما في ~~الترجمة الكاثوليكية فتقول خروعة، والخروع نبات عشبي أوراقه ~~عريضة يستخرج من بذوره زيت الخروع، أو الخروع باللفظ العامي ~~السوري، وهو ليس شجرا أيضا. والتفسير الوحيد لذلك هو أن الله ~~أرادها معجزة ليونان. ~~(س): # في حديثك عن عيسى المسيح، ~~قلت إنه ذكر في القرآن نحو 37 مرة، ولم يتفوق عليه في تكرار ~~ورود الاسم سوى إبراهيم وموسى، وهذا يعني أن هاتين الشخصيتين هما ~~أبرز الشخصيات ms149 التوراتية التي أتى القرآن على ذكرها، فهل سيكون ~~التناص بين الكتابين هو الأوضح فيما يتعلق بأخبارهما؟ ~~(ج): # لعل الأمر كذلك، وسأبدأ ~~بإبراهيم وما حصل له في موطنه الأصلي قبل الهجرة إلى كنعان، ثم قصة ~~زيارة الضيوف السماويين له. وبعدها قصة لوط وتدمير سدوم من قبل ~~الضيوف السماويين. # اهتداء إبراهيم: # لا يوجد في الرواية التوراتية أخبار عن حياة إبراهيم في موطنه ~~الأصلي الذي يدعوه النص أور الكلدان، ولكننا نجد مثل هذه الأخبار ~~في الأسفار المنحولة خارج التوراة ومنها كتاب اليوبيليات الذي ~~أقتبس منه هذه الملخصات: # كتاب اليوبيليات: ذات مساء جلس إبراهيم الشاب يراقب ~~النجوم من المساء إلى الفجر ليستخيرها فيما ستأتي به السنة ~~الجديدة من خير ومطر. ولكن قلبه نبض بكلمات، وحدث نفسه ~~قائلا: إن كل شارات السماء وشارات النجوم والشمس والقمر ~~هي في يد الرب، فما الذي أنا باحث عنه فيه؟ إن شاء الرب ~~جعل السماء تمطر من الصباح إلى المساء، وإن شاء أغلقها؛ ~~لأن كل شيء ملك يديه. ثم قام فصلى قائلا: أيها الإله ~~العلي أنت وحدك إلهي، لقد خلقت كل شيء، وكل ما في الوجود ~~صنعة يديك، لقد اخترتك واخترت ملكوتك، فأنقذني من ~~الأرواح الشريرة، ولا تجعلهم يضلوني عنك. # سورة الأنعام: # وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض ~~وليكون من الموقنين * فلما ~~جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~* فلما رأى القمر بازغا قال ~~هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال ~~هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا ~~قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين ~~(الأنعام: 74-79). # إبراهيم يحاول هداية أبيه وقومه: # كتاب اليوبيليات: ~~اعتزل إبراهيم أهله وملته الأولى وقال لأبيه: ما نفع ~~هذه الأصنام التي نسجد لها ونطلب عونها؟ إنها خرساء ولا ~~روح فيها، إنها ضلالة للقلب فلا تعبدها، بل اعبد رب ~~السماء الذي يرسل المطر والندى، الذي صنع ms150 كل شيء وخلق كل ~~شيء ومنه تستمد كل حياة. لماذا تعبد هذه الأصنام التي ~~يصنعها الناس بأيديهم ويضل قلب من يعبدها؟ فقال له ~~أبوه: الزم الصمت يا بني لكيلا تجلب على نفسك الأذى. ثم إن ~~إبراهيم حدث أخويه بما حدث به أباه فاستعر غضبهما ~~عليه. # سورة مريم، وسور أخرى: # واذكر في الكتاب ~~إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني ~~عنك شيئا * يا أبت إني قد ~~جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني ~~أهدك صراطا سويا ~~(سورة مريم: 41-43). # إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا ~~عند الله الرزق واعبدوه واشكروا ~~له ~~(سورة العنكبوت: 16-17). # أتعبدون ما تنحتون * والله ~~خلقكم وما تعملون ~~(الصافات: ~~95-96). # إبراهيم يحرق بيت الأصنام: # كتاب اليوبيليات: وعندما لم يفلح إبراهيم في هداية ~~قومه تسلل ليلا إلى بيت الأصنام وأشعل فيه النار وأحرق ~~كل ما في البيت، فهب القوم لإنقاذ آلهتهم وكان هاران أخو ~~إبراهيم معهم فاحترق ومات ودفن في أور، فقام تارح ~~أبو إبراهيم وارتحل من أور قاصدا بلاد كنعان وأخذ معه ~~إبراهيم ولوط بن هاران المتوفى، ولكن تارح توفي في ~~حاران ودفن هناك. أما إبراهيم فقد تابع طريقه إلى كنعان ~~بعد أن تلقى وحيا من الرب بذلك وأخذ معه لوطا. # سورة الأنبياء: في الرواية القرآنية، إبراهيم لا يحرق ~~بيت الأصنام بل يحطمها ويجعلها قطعا متناثرة، أما ~~النار فيشعلها قومه ليحرقوه فيها. نقرأ في سورة ~~الأنبياء بعد جدال جرى بينه وبين قومه: # قالوا أجئتنا بالحق أم أنت ~~من اللاعبين * قال بل ربكم ~~رب السموات والأرض الذي فطرهن ~~وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن ~~تولوا مدبرين * فجعلهم ~~جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون * ... قالوا أأنت فعلت ~~هذا بآلهتنا يا إبراهيم * ~~قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ~~إن كانوا ينطقون * ... قالوا ~~حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~فاعلين * قلنا يا نار كوني ~~بردا وسلاما على إبراهيم * ~~وأرادوا به كيدا ms151 فجعلناهم الأخسرين ~~* ونجيناه ولوطا إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين ~~(الأنبياء: 55-71). # إلى هنا وتنتهي قصة إبراهيم الشاب في سفر اليوبيليات، وننتقل ~~إلى الرواية الرسمية في سفر التكوين. # الضيوف السماويون: # في الأرض التي نجاه الرب إليها ووعده أن يعطيها لذريته ~~ملكا أبديا، عاش إبراهيم ولوط عيشة رغدا، فأقام إبراهيم في ~~حبرون (= الخليل). أما لوط فقد استقل عنه وأقام في شرقي الأردن في ~~مدينة سدوم لأن رعاة مواشيه الكثيرة تخاصموا مع رعاة مواشي إبراهيم ~~الكثيرة أيضا. وكانت سارة زوجة إبراهيم عاقرا ولم يرزق منها ~~بولد على الرغم من تكرار الوعد الإلهي له بالإنجاب. فقالت لإبراهيم ~~أن يدخل على جاريتها هاجر ليكون لهما منها ولد، ففعل وحبلت هاجر ~~ووضعت ولدا لإبراهيم دعاه إسماعيل. ولكن سارة بقيت تأمل في أن ~~ترزق بولد إلى أن شاخت هي وزوجها. وأخيرا جاءهما الضيوف ~~السماويون ببشرى الحمل. وهؤلاء الضيوف لم يكونوا سوى الرب يهوه ~~نفسه ومعه اثنان من الملائكة: # سفر التكوين: «وظهر له الرب عند بلوطات ممرا (= اسم ~~مكان فيه شجر بلوط)، وهو جالس في باب الخيمة وقت حر ~~النهار، فرفع عينيه وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما ~~نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض، وقال: ~~يا سيد، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك، ~~ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة، فآخذ ~~كسرة خبز فتسندون قلوبكم ثم تجتازون. فقالوا هكذا نفعل كما ~~تكلمت. فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: أسرعي ~~بثلاث كيلات دقيقا سميذا، واعجني واصنعي خبز ملة، ثم ~~ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلا رخصا وجيدا وأعطاه ~~لغلامه فأسرع ليعمله، ثم أخذ زبدا ولبنا والعجل الذي ~~عمله ووضعه قدامهم. وإذ هو واقف لديهم تحت الشجرة ~~أكلوا وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: هي في الخيمة. ~~فقال: إني أرجع إليك نحو زمان الحياة (أي بعد الوقت اللازم ~~لإتمام شهور الحمل)، ويكون لسارة امرأتك ابن. وكانت سارة ~~تستمع من وراء باب الخيمة، وكان إبراهيم وسارة متقدمين ~~في الأيام وقد انقطع ms152 أن يكون لسارة عادة كالنساء، فضحكت ~~سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد ~~شاخ؟ فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة؟ هل يستحيل على ~~الرب شيء؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون ~~لسارة ابن. فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك، فقال: لا بل ~~ضحكت» (سفر التكوين، 18: 1-15). بعد ذلك يمشي إبراهيم مع ~~ضيوفه ليشيعهم فيقول له الرب إنه عازم على إهلاك ~~مدينتي سدوم وعمورة لأن خطيئتهم قد عظمت جدا، فراح ~~إبراهيم يتوسط لدى الرب لكيلا يهلك البار مع الأثيم، ~~ولكن جهوده راحت أدراج الرياح. # سورة هود وسورة الذاريات: ترد هذه القصة بجميع عناصرها ~~ولكن بالأسلوب القرآني المختزل، وذلك في سورتي هود ~~والذاريات. ولكن زوار إبراهيم كانوا ملائكة وعندما ~~قدم إليهم الطعام رأى أن أيديهم تمتد إليه ولكنها لا ~~تصل، فخاف منهم ولكنهم طمأنوه وكشفوا له عن هويتهم، ~~وعن السبب الذي من أجله أتوا: # ولقد جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام ~~فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ~~(= مشوي ~~على الحجارة الحارة) # فلما رأى ~~أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا ~~إلى قوم لوط * ~~وامرأته ~~(= سارة) # قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ~~ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي ~~شيخا إن هذا لشيء عجيب * ~~قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله ~~وبركاته عليكم أهل البيت إنه ~~حميد مجيد * فلما ذهب عن ~~إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~(راح) # يجادلنا في قوم لوط ~~* إن إبراهيم لحليم أواه ~~منيب * يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود ~~(سورة هود: ~~69-76). ~~(س): # نلاحظ هنا أن امرأة ~~إبراهيم قد ضحكت قبل أن تسمع البشارة بالحمل، في الوقت الذي كان ~~عليها أن تضحك بعد سماعها! ~~(ج): # نعم، ولا تفسير عندي ~~لذلك. وقد انتبه المفسرون لهذه النقطة وقال بعضهم إنها شعرت ~~بالسعادة لسماعها بأنهم أرسلوا لقوم لوط لعقابهم. على أننا ~~نراها في سورة الذاريات تلطم وجهها بكفيها دون ms153 أن تضحك: # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين * إذ دخلوا عليه فقالوا ~~سلاما قال سلام قوم منكرون ~~(= لا نعرفهم) # فراغ ~~(= مال) # إلى أهله فجاء بعجل سمين * ~~فقربه إليهم قال ألا تأكلون * ~~فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم * فأقبلت امرأته في ~~صرة ~~(في جلبة) # فصكت ~~وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا ~~كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم ~~(الذاريات: 24-32). ~~(س): # لماذا قال في سورة هود: # فبشرناها بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب ~~؟ البشارة تكون بالابن وليس بابن ~~الابن. أم هل المقصود هنا أن إسحاق ويعقوب هما ولدا إبراهيم رزق ~~بهما على التوالي؟ بينما تقول المعلومة التوراتية إن يعقوب هو ابن ~~إسحاق. ~~(ج): # هذه نقطة غامضة في النص، ~~والآيات الأخرى التي يرد فيها ذكر إسحاق ويعقوب لا تزيل الغموض ~~ومنها: # وهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وكلا جعلنا نبيا ~~(سورة مريم: 49). # ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا ~~في ذريته ~~(سورة العنكبوت: 27). # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ~~وكلا جعلنا صالحين ~~(سورة الأنبياء: 72). # ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~كلا هدينا ~~(سورة الأنعام: 84). إن الصيغة التي ورد ~~فيها ذكر الاسمين يمكن أن يفهم منها بقوة أن إسحاق ويعقوب هما ~~ابنان لإبراهيم رزق بهما على التوالي؛ بحيث يكون إسحاق هو الابن ~~الأكبر ومن ورائه يعقوب الأصغر. وقد قال بذلك بعض المفسرين؛ ~~فمثلا نقرأ في تفسير الجلالين للآية 84 من سورة الأنعام: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا ~~هدينا ~~... إلخ. وهنا لا بد من القول بأن سلسلة نسب ~~الأنبياء في القرآن لا تتطابق تماما مع سلسلة نسب الأنبياء في ~~التوراة. نقرأ على سبيل المثال في سورة الأنعام بقية ما أوردناه ~~منها في الأعلى: # ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ~~ومن ذريته ~~(أي إبراهيم) # داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ~~وكذلك نجزي المحسنين ~~(الأنعام: 84). هذه ~~الآية تجعل أيوب من نسل إبراهيم عن طريق يعقوب، ولكن أصل أيوب في ~~التوراة مجهول تماما، ومؤلف سفر أيوب لا يربطه بأحد من أولاد ~~يعقوب، ويقول في مطلع نصه: «كان رجل في ms154 أرض عوص اسمه أيوب، وكان ~~الرجل كاملا ومستقيما يتقي الله ويحيد عن الشر» (أيوب، 1: 1). ~~وأرض عوص تقع في صحراء أدوم الصخرية الممتدة من جنوب البحر الميت ~~إلى خليج العقبة؛ فهي أقرب إلى جزيرة العرب منها إلى فلسطين، يضاف ~~إلى ذلك أن أيوب لم يذكر خارج السفر المعروف باسمه إلا مرة ~~واحدة وبشكل عابر في سفر حزقيال، (14: 14). كرجل بار إلى ~~جانب دانيال ونوح. ~~(س): # بعد أن أخفقت وساطة ~~إبراهيم في إنقاذ مدينة سدوم، ماذا فعل الضيوف السماويون؟ ~~(ج): # بعد أن شيع إبراهيم ~~ضيوفه وفق الرواية التوراتية، يختفي الرب من بقية القصة بينما ~~يتابع الملاكان اللذان كانا برفقته مسيرتهما إلى سدوم. وهنا ~~يستأنف التناص بين الروايتين القرآنية والتوراتية: # سفر التكوين: # جاء الملاكان إلى سدوم مساء وكان لوط جالسا في باب سدوم، فلما ~~رآهما قام لاستقبالهما وسجد إلى الأرض بوجهه، وقال: يا سيدي، ~~ميلا إلى عبدكما واغسلا أرجلكما ثم تبكران وتذهبان في طريقكما. ~~فقالا: لا، بل في الساحة نبيت. فألح عليهما جدا فمالا إليه ~~ودخلا بيته، فصنع لهما ضيافة وخبزا وفطيرا فأكلا (التكوين، ~~19: 1-3). # سورة هود: # ولما جاءت رسلنا لوطا سيء ~~بهم ~~(= أصابه منهم سوء وضجر) # وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب ~~(سورة هود: 77). # فلقد جاء الملاكان في أحسن صورة بشرية؛ ولذلك فقد توقع لوط أن ~~رجال المدينة اللوطيين سوف يطلبونهما منه إذا حلا في ~~بيته. # سفر التكوين: # وقبلما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة، فنادوا لوطا وقالوا ~~له : أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة؟ أخرجهما إلينا ~~لنعرفهما (= فعل الفاحشة) (التكوين، 19: 4-5). # سورة هود: # وجاءه قومه يهرعون إليه ~~ومن قبل كانوا يعملون السيئات ~~(هود: ~~78). # سفر التكوين: # فخرج إليهم لوط وقال: لا تفعلوا شرا يا إخوتي. هو ذا لي ابنتان ~~لم تعرفا رجلا، أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم، ~~وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا لأنهما دخلا تحت سقف ~~بيتي. # سورة هود: # قال يا قوم هؤلاء بناتي هن ~~أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ~~أليس منكم رجل رشيد ~~(هود: ms155 78). # سفر التكوين: # قال الرجلان للوط ... إننا مهلكان هذا المكان ... قم خذ امرأتك ~~وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة ... ولا تنظر إلى ~~ورائك ولا تقف في كل الدائرة (التكوين، 19: 12-17). # سورة هود: # قالوا يا لوط إنا رسل ربك ~~لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ~~الليل ولا يلتفت منكم أحد ~~(هود: ~~81). # سفر التكوين: # وإذا أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى بلدة صوغر فأمطر الرب ~~على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب، ونظرت امرأته من ~~ورائه فصارت عمود ملح (التكوين، 19: 23-26). # سورة هود: # إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب * فلما جاء أمرنا ~~جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل منضود ~~(هود: 81-82). # ولا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ~~. # إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك ~~كانت من الغابرين ~~(سورة العنكبوت: 33). ~~(س): # موسى، الشخصية الرابعة ~~التي اخترتها لعرض التناص، يدعى في التقاليد الإسلامية كليم ~~الله؛ أي الذي كلمه ربه دون واسطة ملاك. هل يوجد في التوراة ~~والقرآن ما يدل على أصل هذا اللقب؟ ~~(ج): # لقد كلم الله في ~~التوراة شخصيات عديدة دون حجاب، كما رأينا في زيارة الضيوف ~~لإبراهيم، كما كلم يعقوب عند مخاضة نهر يبوق ورآه رؤية العين؛ ~~ولذلك عندما غادره: «دعا يعقوب اسم المكان فنيئيل، قائلا لأني ~~نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي» (سفر التكوين، 32: 30). أما ~~في القرآن فإن رؤية الله مستحيلة على الأنبياء: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء ~~(سورة الشورى: 51). أي ~~إن الله إما أن يضع الكلام في قلب النبي دون صوت، أو يكلمه من ~~حيث لا يراه فيسمع صوته كما حدث لموسى، أو يرسل الملاك جبريل ~~كوسيط للوحي. وقد أكدت الآية الكريمة 164 من سورة النساء ذلك: # وكلم الله موسى ~~تكليما ~~. ~~(س): # موسى هو النبي الأكثر ~~حضورا في القرآن الكريم؛ ولذلك فمن المتوقع أن يبلغ التناص ~~ذروته فيما يتعلق بأخباره. ~~(ج): # موسى هو النبي الأكثر ~~حضورا في التوراة أيضا، ومعه ms156 يبتدئ تاريخ الإله يهوه الذي تحول ~~من إله بركاني معتزل في صحرائه، إلى إله لشعب اختاره ليكون ~~إلها له من بين كل الشعوب، ووعده بالمقابل أن يقوده إلى أرض ~~كنعان ليعطيها لهم ميراثا أبديا. وفي أول تجل له إلى موسى ~~أعلن عن اسمه الجديد يهوه، وقال له إن الأولين من آباء بني إسرائيل ~~لم يعرفوه بهذا الاسم ولا بغيره؛ فلقد كان إله أولئك الآباء ~~الأولين إله مجموعة رعوية بسيطة يحرص على أمنها ورخائها، ويدخل ~~في علاقة حميمة مع أفرادها، يظهر لهم ويكلمهم ولا يستنكف عن ~~تأدية أصغر المهام لهم. أما هذا الإله فعلى الرغم من قربه ~~المكاني من قوم موسى، إلا أن ذلك القرب لم يخلق لديهم إحساسا ~~بالحميمية معه كما كان حال الآباء مع إلههم، وإنما ولد لديهم ~~إحساسا طاغيا بحضور قدسي ينطوي على تهديد دائم، حضور لا يمكن ~~الاطمئنان إليه وإنما الخوف منه، وهذا الخوف لا يقتصر على كونه ~~رهبة من هوية ماورائية غامضة، وإنما يتعدى ذلك إلى توقع ~~انبثاقها في عالم الواقع بأكثر الأشكال انفلاتا، وإحداثها أكثر ~~أشكال الرعب هولا. # وعلى الرغم من أن يهوه اختار إسرائيل شعبا له ووعده بإخراجه من ~~مصر حيث كان مستعبدا لفرعون، إلا أن هذا الشعب لم يقبل هذه ~~الألوهة التي فرضت عليه عبودية أقسى من العبودية لفرعون. وقد ~~أعلن هؤلاء عن عدم رغبتهم في ذلك التحرير المزعوم منذ اليوم الأول ~~لهروبهم من مصر، فعندما أدركهم فرعون وجنوده عند البحر صرخوا ~~وقالوا لموسى : «أمن عتم القبور في مصر أخرجتنا لنموت في ~~البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ أليس هذا ما ~~كلمناك به في مصر قائلين دعنا نخدم المصريين فإن خدمتنا لهم ~~خير من أن نموت في البرية؟» (سفر الخروج، 14: 10-12). ولكن يهوه ~~كان مصرا على الالتصاق بهذه الجماعة، وقصة الخروج، بل القصة ~~التوراتية برمتها، لم تكن إلا وصفا للعلاقة المتوترة بين ~~يهوه وشعبه؛ فلقد كانت إسرائيل في عيون يهوه مثل الزوجة الخائنة ~~الزانية، وكان هو بالنسبة إليها مثل الزوج المخدوع ms157 على ما ورد في ~~سفر هوشع: 2. أما موسى فقد كان واقعا بين مطرقة يهوه وسندان ~~إسرائيل، وكان يتذمر إلى ربه من هذه المهمة الثقيلة التي ألقاها ~~على عاتقه: «لماذا ابتليت عبدك؟ ولم أنل حظوة في عينيك حتى ~~وضعت أثقال جميع هؤلاء الشعب علي؟» (سفر العدد، 11: 14-12). ~~وبنو إسرائيل كانوا في حالة تذمر دائم على موسى وهارون: «ليتنا ~~متنا في أرض مصر إذ كنا جالسين عند قدور اللحم نأكل لنشبع، فإنكما ~~أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع» (سفر ~~الخروج، 16: 3). كما أن يهوه بدوره يتذمر على الشعب لدى موسى: ~~«حتى متى يهينني هذا الشعب، وحتى متى لا يصدقون بجميع الآيات ~~التي عملت في وسطهم؟ إني أضربهم بالوبأ وأبيدهم» (سفر العدد، ~~14: 11-12). # هذا المأزق الذي وجد موسى فيه نفسه، جعل منه «بطلا تراجيديا» ~~بمصطلح الدراما الإغريقية، بطلا يصارع قدره ليخفق في النهاية؛ ~~فقد حكم الرب عليه وعلى أخيه هارون بالموت قبل الوصول إلى الأرض ~~الموعودة بسبب خطيئة طقسية ارتكبها، ولم يشفع له كل عمله الذي ~~عمل في خدمة الرب. وهكذا مات هارون قبل الوصول إلى شرقي الأردن: ~~«وكلم الرب موسى وهارون في جبل هور على تخم أدوم قائلا: خذ ~~هارون وأليعازر ابنه واصعد بهما إلى جبل هور، واخلع عن هارون ~~ثيابه والبس أليعازر إياها، فيضم هارون ويموت هناك، فمات هارون ~~هناك على رأس الجبل» (سفر العدد، 20). أما موسى فقد أمهله الرب ~~حتى وصل بجماعته إلى ضفة نهر الأردن، وهناك أصعده إلى جبل نبو ~~وأراه الأرض الموعودة على الضفة الغربية للنهر وقال له: «هذه هي ~~الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلا لنسلك أعطيها، ~~قد أريتك إياها بعينيك، ولكن إلى هناك لا تعبر. فمات هناك موسى ~~عبد الرب في أرض مؤاب بأمر الرب ودفنه في الوادي في أرض مؤاب ولم ~~يعرف أحد قبره إلى هذا اليوم» (سفر التثنية، 34: 1-9). ~~(س): # لم أفهم جملة «ودفنه في ~~الوادي» من الذي دفن موسى؟ ~~(ج): # صعد موسى إلى الجبل ~~وحده، ولم يكن هناك غيره؛ ms158 ولذلك فإن الرب هو الذي قتله وهو الذي ~~دفنه؛ ولذلك لم يعرف أحد قبره. ~~(س): # هذا الحيز الذي شغلته ~~أخبار موسى في التوراة وفي القرآن الكريم ربما يعدنا بحيز واسع ~~من التناص بين الكتابين! ~~(ج): # قصة موسى في التوراة ~~طويلة جدا وتستغرق أربعة أسفار هي: الخروج واللاويين والعدد ~~والتثنية، ولكن القرآن بأسلوبه الموجز حافظ على التناص معها في ~~عناصرها الرئيسة جميعا، وذلك من ميلاد موسى وحتى وصوله إلى أطراف ~~كنعان، عندما رفض بنو إسرائيل القتال وقالوا له: «اذهب أنت وربك ~~فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون.» وسنتابع فيما يأتي القصة في ~~النصين حتى منتصفها تقريبا. # مولد موسى: # الرواية التوراتية: ~~«ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل، وأما بنو إسرائيل ~~فقد أثمروا وتوالدوا وكثروا جدا. ثم قام ملك لم يكن ~~يعرف يوسف فقال لشعبه: هلم نحتال لئلا ينمو هؤلاء فيكون ~~إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ~~ويصعدون من الأرض. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم ~~بأثقالهم فاستعبد المصريون بني إسرائيل ... ونما الشعب وكثر ~~جدا ... ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا: كل ابن يولد لهم ~~تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها. وذهب رجل من ~~بيت لاوي وأخذ بنت لاوي، فحبلت المرأة وولدت ابنا، ولما ~~رأت أنه حسن خبأته ثلاثة أشهر، ولما لم يمكنها أن ~~تخبئه بعد أخذت له سفطا من البردي وطلته بالحمر ~~والزفت ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر، ووقفت ~~أخته من بعيد لتعرف ماذا يفعل به. فنزلت ابنة فرعون إلى ~~النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر، فرأت ~~السفط بين الحلفاء فأرسلت أمتها وأخذته، ولما ~~فتحته رأت الولد وإذا هو صبي يبكي، فرقت له وقالت هذا ~~من أولاد العبرانيين. فقالت أخته لابنة فرعون: هل أذهب ~~وأدعو لك امرأة من العبرانيات لترضع لك الولد؟ فقالت ~~لها ابنة فرعون: اذهبي. فذهبت ودعت أم الولد. فقالت لها ~~ابنة فرعون اذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي وأنا أعطيك ~~أجرتك، فأخذت المرأة الولد وأرضعته، ولما كبر جاءت به ~~إلى ابنة فرعون فصار لها ms159 ابنا» (سفر الخروج، ~~2: 1-10). # سورة القصص: # طسم * تلك آيات ~~الكتاب المبين * نتلوا عليك ~~من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون * إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم ~~(= العبرانيين) # يذبح أبناءهم ويستحيي ~~نساءهم ~~(= يدعهن أحياء) # إنه كان من المفسدين * ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ~~(= العبرانيين) # ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~* ونمكن لهم في الأرض ~~ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ~~ما كانوا يحذرون * وأوحينا ~~إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين * فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن ~~فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ~~* وقالت امرأة فرعون قرة ~~عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون * وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن ~~كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين * ~~وقالت لأخته قصيه ~~(= تتبعي أثره) # فبصرت به عن جنب وهم ~~لا يشعرون * وحرمنا عليه ~~المراضع من قبل فقالت ~~(= أخته) # هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كي تقر ~~عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله ~~حق ولكن أكثرهم لا يعلمون * ولما بلغ أشده واستوى ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين ~~(القصص: 1-14). # يلي ذلك في الروايتين قصة قتل موسى للمصري ثم هربه إلى صحراء ~~مديان عند خليج العقبة حيث أقام عند كاهن مديان وتزوج من ابنته ~~وأنجب منها. وعندما شعر بأن عودته إلى مصر ستكون آمنة أخذ ~~أهله وعاد عبر صحراء سيناء. وفي الطريق تجلى له الرب. # التجلي في الوادي المقدس: # الرواية التوراتية: # التجلي في الرواية التوراتية يحدث قبل أن يتخذ موسى ~~قراره بالعودة: «وأما موسى فقد كان يرعى غنم حميه يثرون ~~كاهن مديان، فساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل ~~الله حوريب، وظهر له ملاك الرب (= شبح الرب) بلهيب نار من ~~وسط عليقة (= شجرة شوكية) فنظر إلى العليقة تتوقد ~~بالنار والعليقة لا تحترق، فقال موسى ms160 أميل الآن وأنظر هذا ~~المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العليقة؟ فلما رأى الرب ~~أنه مال لينظر ناداه من وسط العليقة وقال: موسى، موسى. ~~فقال: ها أنا ذا. فقال: لا تقترب إلى ها هنا، اخلع حذاءك ~~من رجليك لأن الموضع الذي أنت فيه أرض مقدسة. ثم قال: ~~أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب. فغطى ~~موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. فقال الرب: إني ~~رأيت مذلة شعبي الذي في مصر، فنزلت لأنقذهم من أيدي ~~المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة» ~~(الخروج، 3: 1-8). # سورة القصص وسورة طه: # فلما قضى موسى ~~الأجل ~~(= مدة إقامته في مديان) # وسار بأهله آنس من ~~جانب ~~(جبل) # الطور ~~نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من ~~النار لعلكم تصطلون * ~~فلما أتاها نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين ~~(سورة القصص: 29-30). # وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله ~~امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم ~~منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~إنك بالواد المقدس طوى ~~(= اسم ~~الوادي) # وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى * إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم ~~الصلاة لذكري ~~(سورة طه: 9-14). # التكليف بالرسالة: # الرواية التوراتية: ~~«اذهب واجمع شيوخ إسرائيل وقل لهم: الرب إله آبائكم ظهر ~~لي قائلا: إني افتقدتكم وما صنع بكم في مصر، فقلت ~~أصعدكم من مذلة مصر إلى أرض الكنعانيين، إلى أرض ~~تفيض لبنا وعسلا. فإذا سمعوا لك تدخل أنت وشيوخ بني ~~إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون له: الرب إله العبرانيين ~~التقانا، فالآن نمضي سفر ثلاثة أيام في البرية ونذبح ~~للرب إلهنا. ولكني أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تمضون» ~~(سفر الخروج، 3: 16-19). ~~«فأجاب موسى وقال: ولكن ها هم لا يصدقونني ولا يسمعون ~~لقولي، بل يقولون لي لم يظهر لك الرب. فقال له الرب: ما ms161 ~~هذه في يدك؟ فقال: عصا. فقال: اطرحها إلى الأرض. فطرحها ~~إلى الأرض فصارت حية، فهرب موسى منها. ثم قال الرب لموسى ~~مد يدك وأمسك بذنبها، فمد يده وأمسك به فصارت عصا في ~~يده. ثم قال له الرب أيضا: أدخل يدك في عبك. فأدخل يده ~~في عبه ثم أخرجها وإذا يده برصاء مثل الثلج. ثم قال ~~له: رد يدك إلى عبك. فرد يده إلى عبه ثم أخرجها من ~~عبه وإذا هي قد عادت مثل جسده. (فقال الرب) فيكون إذا ~~لم يصدقوك ولم يسمعوا لصوت الآية الأولى أنهم ~~يصدقون صوت الآية الأخيرة» (سفر الخروج، ~~4: 1-8). # سورة طه: # إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى * ~~وما تلك بيمينك يا موسى * ~~قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها ~~على غنمي ولي فيها مآرب أخرى * قال ألقها يا موسى * ~~فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى * واضمم يدك إلى ~~جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية ~~أخرى * لنريك من آياتنا ~~الكبرى ~~(سورة طه: 15-22). # هارون: # الرواية التوراتية: ~~«فقال موسى للرب: استمع أيها السيد، أنا لست صاحب كلام ~~منذ أمس ولا أول أمس، بل أنا ثقيل الفم واللسان. فقال ~~له الرب: ... أليس هارون اللاوي أخاك؟ أنا أعلم أنه هو ~~يتكلم، وأيضا ها هو خارج لاستقبالك فحينما يراك يفرح ~~قلبه فتكلمه وتضع الكلمات في فمه، وأنا أكون مع فمك ومع ~~فمه وأعلمكما ماذا تصنعان، وهو يكلم الشعب عنك وأنت ~~تكون له إلها . وتأخذ في يدك هذه العصا التي تصنع بها ~~الآيات» (سفر الخروج، 4: 10-17). # سورة طه: # قال رب اشرح لي صدري ~~* ويسر لي أمري * ~~واحلل عقدة من لساني * ~~يفقهوا قولي * واجعل لي ~~وزيرا من أهلي * هارون أخي ~~* اشدد به أزري * ~~وأشركه في أمري * ... قال قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى * ولقد ~~مننا عليك مرة أخرى * ... ~~اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ~~ذكري ~~(سورة طه: 25-43). # وأخي هارون هو أفصح ms162 مني لسانا ~~فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف ~~أن يكذبون * قال سنشد ~~عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا ~~يصلون إليكما بآياتنا ~~(سورة القصص: ~~34-35). # بعد ذلك تسير القصة على التوازي في الروايتين، فيما يتعلق ~~بدخول موسى وهارون على فرعون عدة مرات ورفضه إطلاق بني إسرائيل ~~في كل مرة، ثم المصائب التي كان الرب يرسلها على المصريين في كل ~~مرة كان فيها فرعون يرفض إطلاق بني إسرائيل. وأخيرا خروج بني ~~إسرائيل ووصولهم إلى الحدود الشرقية لمصر عند خليج السويس. # عبور البحر وغرق فرعون: # الرواية التوراتية: ~~«فشدد الرب ~~قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل، ~~وبنو إسرائيل خارجون بيد رفيعة، فسعى المصريون وراءهم ~~وأدركوهم، جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه، وهم ~~نازلون عند البحر ... فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل ~~عيونهم وإذا المصريون راحلون وراءهم ففزعوا جدا ... فقال ~~الرب لموسى: ارفع عصاك ومد يدك على البحر وشقه فيدخل ~~بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة ... فدخل بنو إسرائيل ~~في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن ~~يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم ... فقال الرب ~~لموسى: مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على ~~مركباتهم وفرسانهم. فمد موسى يده على البحر فرجع الماء ~~وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في ~~البحر، ولم يبق منهم ولا واحد» (سفر الخروج، ~~14: 8-29). # سورة طه وسورة الشعراء: # ولقد أوحينا إلى موسى ~~أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده ~~فغشيهم من اليم ما غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى ~~(سورة طه: 77-79). # فأوحينا إلى موسى أن ~~اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل ~~فرق كالطود العظيم * ~~وأزلفنا ثم الآخرين * ~~وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين ~~(سورة ~~الشعراء: 63-65). # هذه نماذج من التناص بين الروايتين فيما يتعلق بقصص موسى ~~لا يسمح المجال لعرض المزيد منها. ~~(س): # يتردد في النص القرآني ~~اسم هامان بالترافق مع اسم فرعون، فمن هو؟ وماذا كانت ms163 وظيفته؟ وهل ~~له ذكر في التوراة؟ ~~(ج): # ورد اسم هامان مع اسم ~~فرعون ست مرات في سياق قصة موسى القرآنية. ويبدو أنه كان وزيرا ~~أول للفرعون أو قائدا عاما لجيوشه، على ما نفهم من قوله: # وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا ~~لعلي أبلغ الأسباب * أسباب ~~السموات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا ~~(سورة غافر: 36-37). ولكن شخصية ~~الوزير القوي المدعو هامان في التوراة لا تظهر في سيرة موسى ~~وفرعون، وإنما في مكان آخر وزمان آخر؛ ففي سفر إستير التوراتي ~~نجده وزيرا للملك الفارسي زركسيس، أو إحشويرش كما يدعى في ~~التوراة، الذي حكم خلال النصف الأول من القرن الخامس قبل الميلاد؛ ~~أي بعد أكثر من 700 سنة على العصر المفترض لموسى. وقصته طويلة ~~وتستغرق كامل سفر إستير، ولا أجد داعيا لعرضها هنا. ~~(س): # هل كان موسى من السلالة ~~النبوية التي ترجع إلى إبراهيم وإسحق ويعقوب؟ ~~(ج): # تقول قصة موسى التوراتية ~~في بدايتها إن أباه وأمه ينتميان إلى قبيلة لاوي. وهو أحد أولاد ~~يعقوب الاثني عشر الذين أنجبوا في مصر القبائل الإسرائيلية ~~الاثنتي عشرة. ~~(س): # ومن المفترض أن لاوي كان ~~نبيا لأنه من الأسباط! ~~(ج): # نعم، ولكن الأسباط في ~~التوراة لم يكونوا أنبياء، على ما أشرت إلى ذلك سابقا، وبعضهم ~~قام بارتكاب الفواحش مثل يهوذا سلف السبط الأكثر عددا بين ~~العبرانيين، ورءوبين الابن البكر ليعقوب؛ فرءوبين قام باغتصاب ~~سرية أبيه يعقوب المدعوة بلهة (سفر التكوين، 35: 21-22). ~~ولكي نعرف فداحة هذه الخطيئة علينا أن نذكر أن بلهة كانت قد ولدت ~~ليعقوب ابنين هما دان ونفتالي، وهذا يعني أن رءوبين ضاجع أم ~~أخويه غير الشقيقين، وهما من الأسباط أيضا. أما يهوذا فقد زنى ~~بكنته تامار التي كان قد زوجها لاثنين توفيا من أولاده، ~~فأنجبت له ولدين؛ الأول دعاه فارص، والثاني دعاه زارح (سفر ~~التكوين: 38). وإلى سلسلة نسب فارص ابن الزنا بالكنة ينتمي الملك ~~داود وفق سلسلة نسب يسوع المسيح في الإصحاح الأول من إنجيل ~~متى. # المحور الثامن # | إله الغنوصية # (س): # نالت الغنوصية ms164 حيزا لا بأس به من اهتمامك، فما هي؟ ~~وكيف تقدمها لمن لا يعرف عنها شيئا؟ ~~(ج): # أعتقد أن الغنوصية ستبدو ~~مألوفة للكثيرين إذا قلت إنها طريقة صوفية اشتد عودها خلال القرون ~~الميلادية الأولى في مصر وسورية، ومنها شعت نحو أقطار بعيدة، فوصلت ~~إلى الصين شرقا وإلى فرنسا غربا. كما أنها تمازجت مع المسيحية ~~واليهودية، ثم مع الإسلام منذ مطلع القرن الرابع الهجري. ~~(س): # ولكن مصطلح الصوفية لا يعني ~~شيئا واحدا للجميع، فما هو تعريفك له؟ ~~(ج): # الصوفية ليست حكرا على دين ~~بعينه، ولكنها تيار يسري في أديان متباعدة ومتخالفة. نجدها في ~~الهندوسية مثلما نجدها في الثقافة اليونانية والرومانية، وفي الثقافة ~~الشرق أوسطية. وهي تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن روح الإنسان هي ~~قبس من روح خالقه، ولكن الإنسان جاهل بهذه الحقيقة، وهذا الجهل يبقي ~~الروح أسيرة في دورة الحياة والموت تنتقل من جسد إلى آخر إلى ما لا ~~نهاية، ولكن الإفلات من إسار هذه الدورة ممكن عندما تتوصل هذه الروح ~~من خلال فعالية العرفان إلى اكتشاف أصلها وموطنها الحقيقي، وتغدو ~~مهيأة للانعتاق. وفعالية العرفان التي أشير إليها هنا تدعى باللغة ~~اليونانية # Gnosis ~~، ومنها جاءت تسمية # Gnosticism # أي الغنوصية. وهذه الفعالية ~~العرفانية ليست فعالية عقلية بل فعالية روحانية وتجربة باطنية ~~تقود إلى معرفة الله في أعماق النفس، وعلى حد قول المتصوفين ~~المسلمين: «من عرف نفسه عرف ربه.» وهم يتداولون حديثا قدسيا يقول: ~~«ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن.» ~~(س): # هل يمكننا إذن تعريف ~~التصوف بأنه المعرفة القلبية بالله؟ ~~(ج): # نعم، وأكثر من ذلك. إنه فتح ~~قناة تواصل مباشر مع الله، ومن يبلغ هذه الدرجة يغدو وليا عند ~~محيي الدين بن عربي الذي يرى أن مرتبة الولاية تلي مرتبة النبوة في ~~سلم الارتقاء الروحي الإنساني؛ فالمتصوف لا يقنع بدين العامة لأنه ~~دين براغماتي سطحي؛ ففي الإسلام مثلا يتوجب على المسلم أن يؤمن ~~بالله وملائكته ورسله وباليوم الآخر، وبالقضاء والقدر خيره وشره من ~~الله تعالى. هذا الإيمان الذي هو نوع ms165 من الإقرار يجب أن يتمم ~~بالأعمال وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. ومن قام بهذا كله حجز ~~لنفسه مقعدا في الجنة واتقى عذاب النار. أما المتصوف فإن جنة الله ~~وناره لا تعنيه في شيء، وهو في علاقة حب مع الله تحكمها الآية الكريمة ~~القائلة: # يا أيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ~~(الانشقاق: 6). ~~والكدح هنا هو كدح روحي يرتقي خلاله المريد عبر مراتب من المعرفة ~~توصله أخيرا إلى ملاقاة ربه عندما تنكشف بصيرته ويغدو بالمصطلح ~~الصوفي عارفا بالله. ورحلة الكدح هذه تكتنفها الأسرار ولا يعرف ~~تفاصيلها إلا من هم في الداخل. ~~(س): # هل يوجد في القرآن ما يؤيد ~~السعي الصوفي كما شرحته؟ ~~(ج): # هناك آيات عديدة أذكر منها: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~(فصلت: 53). فالله ظاهر في خلقه وباطن في داخل النفس الإنسانية؛ فأهل ~~الظاهر يرونه في الآفاق، أما أهل الباطن فيرونه في داخلهم. وأيضا: # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد ~~(ق: 16). فالله أقرب إلى الإنسان من ذلك الشريان ~~الذي يصعد في الرقبة لينقل الدم إلى الرأس؛ أي إنه أقرب إليه من جسده، ~~وهذا يعني أنه وروح الإنسان شيء واحد. هذه الصلة بين روح الإنسان وروح ~~الله تقر بها جملة في قصة خلق آدم تجاهلها الإسلام الرسمي حتى ~~الآن وكأنها لم ترد في القرآن على الرغم من تكرارها في ثلاث سور؛ ~~فبعد أن صنع الله جسد آدم من تراب الأرض نفخ فيه من روحه: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين ~~(الحجر: 29). # ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~(السجدة: 9). # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين ~~(ص: 72). فروح الإنسان من روح الله؛ ~~ولهذا السبب دعا الملائكة إلى السجود له. ~~(س): # لماذا تم التغاضي عن هذه ~~الحقيقة الناصعة؟ ~~(ج): # لأن الإنسان غافل عن حقيقة ~~نفسه، وهو لا يتوصل إليها إلا بالكدح، فمن عرف نفسه ms166 عرف ربه، ومن لم ~~يعرفها عاش وراء حجب الجهل. هذه الآية لم تفهم لأن البشر هم في نوم ~~الغفلة ورقدة الجهالة، على حد تعبير رسائل ~~إخوان الصفا التي أسست للغنوصية ~~الإسلامية، وعلى من توصل إلى الاستفاقة من نوم الغفلة هذه ألا يبوح ~~بسر الصوفية؛ ولذلك قال الحلاج: # بالسر إن باحوا تباح دماؤهم # وكذا ~~دماء البائحين تباح # وهذا السر لا يتوصل إليه إلا من بلغ أعلى درجات الكدح ~~الروحي وصار التماهي بين روحه والروح الإلهية حالة ماثلة في الوجدان. ~~وهذا ما عبر عنه الحلاج في قوله: # رأيت ربي بعين قلبي # فقلت من ~~أنت؟ قال أنت # وقال أبو يزيد البسطامي: # أشار سري إليك حتى # فنيت عني ~~ودمت أنت # محوت اسمي ورسم جسمي # سألت عني ~~فقلت: أنت # هذه الوحدة في الهوية بين العبد الواصل والمعبود ~~الموصول، تشعل في الداخل حالة وجد تلتهب جذوتها وقد تدفع بالواصل ~~إلى إباحة السر، وهذا ما حصل للحلاج عندما صرخ أمام شهود: أنا الحق. ~~فحوكم وصلب على الرغم من أنه لم يفعل سوى التنبيه إلى حقيقة وردت ~~في كتاب الله. ~~(س): # ذكرت منذ قليل أن رسائل ~~إخوان الصفا هي التي أسست للغنوصية الإسلامية، على الرغم من أن ~~الحركة الصوفية في الثقافة الإسلامية سابقة على رسائل الإخوان! ~~(ج): # أرجو ألا يفهم من كلامي أني ~~أجعل مصطلح الصوفية معادلا لمصطلح الغنوصية. كل ما أردته من هذه ~~المقدمة هو شرح مصطلح غير مألوف في الثقافة العربية هو الغنوصية من ~~خلال مصطلح مألوف هو الصوفية. فالصوفية الإسلامية حركة غنوصية، ~~ولكنها لا تختصر الغنوصية؛ فالغنوصية عباءة فضفاضة تنضوي تحتها كما ~~أسلفت الطوائف العرفانية التي نشأت في المشرق العربي خلال القرون ~~الميلادية الأولى وهي الغنوصية الكلاسيكية، وكذلك الصوفية الإسلامية، ~~وإخوان الصفاء، والطوائف الإسلامية ذات الطابع الفلسفي مثل الإسماعيلية ~~والنصيرية والدرزية. وبما أن موضوعنا هنا هو الغنوصية الكلاسيكية ~~بالدرجة الأولى، فسوف أبدأ بتقديم تعريف عام بهذه الشيعة ~~الدينية. # فالغنوصية ليست دينا بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بمعنى أنها لم ~~تطور أيديولوجيا دينية وعقائد ثابتة، ولم يكن ms167 لها معابد أو كهنة أو ~~كتب مقدسة، وإنما بقيت على شكل طوائف دينية أشبه بالطرق الصوفية ~~الإسلامية التي تتبع كل طريقة منها شيخها. وهذه الطوائف لم تتصارع، ~~ولم يستبعد بعضها بعضا، ولم يعتبر أي منها نفسه قيما وحيدا على ~~الإيمان الغنوصي، وإنما تعاونت وأغنى بعضها بعضا، ووجدت في التنوع ~~إثراء لفكرها المشترك. أما عن مصادرها فيبدو أنها تأثرت بشكل ~~رئيسي بالرسائل الهرمزية، وهي عبارة عن ثلاث عشرة رسالة منسوبة ~~إلى هرمز مثلث العظمة، أو مثلث الحكمة كما يدعى في الغنوصية ~~الإسلامية، وهو شخصية غير تاريخية. وهذه الرسائل كانت متداولة في ~~الحلقات الإيزوتيرية السرانية خلال القرن الأول الميلادي، وهي تركز ~~بشكل خاص على مثنوية الإنسان وانقسامه إلى جسد يمثل كل ما هو ~~مادي ومظلم وفان، وإلى روح تتطابق مع العقل وتمثل كل ما هو ~~نوراني وحقيقي وخالد، وهذه الروح مدعوة دوما من قبل الله ~~المدعو بالأب الكلي للالتحاق بعالمه الروحاني الأعلى، وما على الإنسان ~~سوى الاستجابة إلى دعوة الله من خلال معرفة نفسه. نقرأ في رسالة ~~بيوماندريس على سبيل المثال: «إن من عرف نفسه حصل على الخير الأسمى، ~~أما من أضلته الرغبات وحب الجسد فسوف يتيه في ظلمات عالم الحواس ~~ويذوق الموت ... إن الله أب للجميع، وهو النور والحياة، فإذا عرفت أنك ~~مجبول من النور والحياة فسوف تعود إلى النور والحياة.» ~~(س): # هل يمكننا القول إذن بأن ~~الغنوصية نشأت في وسط وثني ثم انتقلت بعد ذلك إلى المسيحية؟ ~~(ج): # يبدو أن الأمر كذلك؛ فأول ~~غنوصي تذكره المصادر المسيحية التي تصدت لنقد الغنوصية كان ~~سوريا من مدينة السامرة الفلسطينية عندما كانت حافلة بالشيع الدينية، ~~وهو سمعان ماجوس أو سمعان الساحر كما يشار إليه في سفر أعمال الرسل في ~~كتاب العهد الجديد. وقد عاصر سمعان يسوع المسيح وورد ذكره في سفر ~~أعمال الرسل باعتباره ساحرا أدهش الناس بسحره فتبعوه ولقبوه بقوة ~~الله العظمى (أعمال، 8: 9-13). أما عن أفكار سمعان هذا فنعرفها عن طريق ~~المؤلفين المسيحيين الذين تصدوا لنقد الغنوصية؛ فهو يقول، وفق ~~ناقده ms168 هيبوليتوس، بأن الله هو قوة أزلية موحدة وغير متمايزة، منغلقة ~~على نفسها في صمت مطلق. ثم إن هذه القوة اتخذت شكلا وانقسمت على ~~نفسها، فظهر العقل # Nous # وهو مذكر، ~~وعن العقل ظهرت الفكرة إينويا/ # Enoin # وهي مؤنث. وبعد ذلك أنتجت إينويا قوى ملائكية عملت من خلالهم على ~~صنع العالم المادي، وبذلك انشطرت الألوهة إلى قسم علوي هو عالم ~~الأب الأعلى وهو عالم روحاني، وقسم سفلي هو عالم المادة. ولكن ~~إينويا بعد ذلك فقدت السلطة على القوى التي نتجت عنها وصارت أسيرة ~~لها ولا تستطيع الرجوع إلى الآب. ثم ظهر سمعان ماجوس كتجسيد لله على ~~الأرض لكي يحرر إينويا من قيودها، ويقدم الخلاص من العالم المادي ~~لكل من يتعرف عليه بصفته هذه من البشر. وقد كان لسمعان عدد من ~~التلامذة السوريين أشهرهم دوتيسيوس وميناندر. ~~(س): # نلاحظ هنا ظهور فكرة جديدة ~~على العقائد الشرق أوسطية وهي عدم مسئولية الله عن خلق العالم، واضطلاع ~~ألوهة أخرى بهذه المهمة، فما مبعث هذه الفكرة؟ ~~(ج): # العالم المادي نقيض الله؛ ~~فالله كمال والمادة نقص، والله خير مطلق والشر يعشعش في نسيج ~~المادة، والله نور صاف والمادة كثيفة كتيمة، والله أزلي أبدي ~~والمادة مخلوقة ثم فانية؛ ولذلك لا يمكن أن يكون العالم قد نتج عن ~~الله إلا من خلال وسائط. ~~(س): # وهل فكرة الفصل بين الله ~~المتعالي عن المادة والإله الخالق هي فكرة مشتركة بين الطوائف ~~الغنوصية كلها؟ ~~(ج): # نعم، ولكنها لم تعالج ~~بالطريقة نفسها؛ ففي الغنوصية المسيحية هنالك فصل تام بين الله/الآب ~~النوراني الأعلى وبين الديميرج، وهي كلمة يونانية تعني الإله الخالق. ~~وهذا الديميرج الذي صنع العالم هو الإله التوراتي يهوه، وهم يطابقون ~~بينه وبين الشيطان أمير هذا العالم كما يلقب في الأناجيل؛ لأن ~~العالم شر ومن صنعة الشرير. أما في الغنوصية الإسلامية فإن الإله ~~الخالق هو حالة وسيطة ضمن الألوهة الواحدة نفسها؛ فإخوان الصفا مثلا ~~لا يرون أن العالم شر بطبيعته وإنما ناقص، ونقصه ناجم عن كونه الحلقة ~~الأخيرة من سلسلة الفيض الإلهي؛ فالعلاقة بين ms169 الله وما خلق هي علاقة ~~فيض لا علاقة صناعة يدوية؛ فما دون الله فاض عنه مثلما يفيض النور من ~~الشمس أو مثلما يفيض الماء من النبع، وأول ما فاض عن الله جوهر روحاني ~~في غاية التمام والكمال والفضل، فيه صور جميع الأشياء يسمى العقل ~~الفعال، ومن العقل الفعال فاض جوهر آخر هو النفس الكلية، ومن ~~النفس الكلية فاض جوهر آخر هو الهيولى أو المادة الأولى التي توقفت ~~عندها سلسلة الفيض. # ثم إن المادة الأولى قبلت المقدار الذي هو الطول والعرض والعمق ~~فصارت جسما مطلقا وهو المادة الثانية، ثم إن الجسم المطلق قبل ~~الشكل الكروي الذي هو أفضل الأشكال، فكان من ذلك عالم الأفلاك التي ~~أعلاها الفلك المحيط بالكل، يليه فلك الكواكب الثابتة، ففلك زحل، ثم ~~فلك المشترى، ثم فلك المريخ، ثم فلك الشمس، ثم فلك الزهرة، ثم فلك ~~عطارد، ثم فلك القمر، تسع أكر في جوف بعضها بعضا، أما دون فلك ~~القمر فهنالك الأرض أغلظ الأجسام جوهرا وأكثفها جرما، وتتكون من ~~الأركان الأربعة وهي النار والماء والهواء والتراب. وهكذا فإن ما يبدو ~~من نقصان في عالم الأرض الذي يعيش فيه الإنسان، ناجم عن كون هذا ~~العالم هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الفيض الإلهي وأكثرها بعدا عن ~~مصدر الفيض. وخلال توالي هذه الحلقات كانت كل حلقة تقصر عن اللحاق ~~بسابقتها وتعجز عن التماثل معها تماما، وصولا إلى أكثر الحلقات نقصا ~~وعجزا وهي هذا العالم المادي الذي نعيش فيه. ~~(س): # هل يمكننا القول إذن إن النفس ~~الكلية هي وسيط الخلق وإنها تلعب دور الديميرج في الغنوصية ~~المسيحية؟ ~~(ج): # إلى حد ما إذا كان لا بد من ~~إيجاد صلة بين المنظومتين؛ فالنفس الكلية هي أداة في الخلق، وهي التي ~~تديم الكون وتبث فيه الحركة، وعندما ينتهي الزمن المحدد لوجود ~~الكون تنسحب النفس منه وتبطل الحركة، وببطلان الحركة يتداعى الكون ~~ويئول إلى الفناء. ~~(س): # أعتقد بأنه سيكون لنا وقفة ~~أخرى مع إخوان الصفا في سياق هذا المحور. والآن نعود إلى أصول ~~الغنوصية المشرقية لنسأل: ms170 هل من شخصيات معروفة أخرى إلى جانب سمعان ~~ماجوس ساهمت في تكوين الغنوصية المبكرة؟ ~~(ج): # هنالك شخص آخر لا يخطر ببال ~~أحد هو يوحنا المعمدان. ~~(س): # هل هو نفس الشخصية المذكورة ~~في الأناجيل بالاسم نفسه وفي القرآن باسم يحيى؟ ~~(ج): # هو نفسه، ولكن الأناجيل تنسبه إلى سلسلة الأنبياء ~~اليهود، وتجعل منه الأخير في هذه السلسلة، وتعتبر أن رسالته كانت ~~التبشير بظهور يسوع المسيح. ولكن أخبارا أخرى وصلتنا من عصر يوحنا ~~تفيد بأنه كان معلما غنوصيا وأن سمعان ماجوس نفسه كان تلميذا ~~له، بل كان من أنجب تلامذته، وهذه الأخبار تكتسب مصداقية من خلال وجود ~~طائفة معمدانية في جنوب العراق والمناطق العربية من إيران وهم ~~الصابئة المندائيون. وهذه الطائفة هي الفرقة الغنوصية الوحيدة الباقية ~~حتى الآن من العصور القديمة، وأفرادها يتكلمون الآرامية إلى جانب ~~العربية، والآرامية هي لغة كتبهم المقدسة. أما عن عقائدهم فيقولون ~~إنهم تلقوها من يوحنا المعمدان عندما كانوا يعيشون في فلسطين قبل ~~الحرب اليهودية الرومانية التي تسببت بهجرتهم، وهم يمارسون حتى الآن ~~طقس التعميد بالماء الجاري على سنة يوحنا. ويقوم جوهر العقيدة ~~المندائية على الإيمان بأن نفس الإنسان هي نفحة من روح الله، وهذه ~~النفس ستعود يوما ما إلى باريها وتتحد به في حياة خالدة. وقد حلت ~~النفس، أو نشمتا بلغتهم، في جسد آدم ومعها شيء من جلال موطنها الأصلي ~~وجماله، وفي الوقت نفسه حلت في ذلك الجسد روح الشر المدعوة روها، ~~ولكن من خلال العرفان أو الماندا بلغتهم يستطيع الإنسان اكتشاف أصله ~~السماوي ويصارع الشر في داخله، ويحقق أخيرا الانعتاق من دورة ~~التناسخ ومن عالم المادة. ~~(س): # لماذا دعوا أنفسهم بالصابئة ~~المندائيين؟ وهل هم المذكورون في القرآن الكريم باسم الصابئين؟ ~~(ج): # من الممكن أن يكونوا هم ~~المذكورين في القرآن؛ لأن ذكرهم ورد أكثر من مرة في زمرة الأديان ~~التوحيدية. أما عن معنى التسمية فيجب أن نبحث عنه في لغتهم لا في اللغة ~~العربية؛ فكلمة صابئة مشتقة من الجذر صبأ الذي يعني التطهر بالماء ~~الجاري، أما المندائية فمشتقة ms171 من كلمة مندا، التي تعني معرفة أو ~~علما، وتعادل كلمة غنوص في اليونانية. ~~(س): # هذه الغنوصية المبكرة التي ~~نشأت في وسط وثني ثم شقت لنفسها طريقا خاصا، كيف تحولت إلى ~~غنوصية مسيحية؟ ~~(ج): # الغنوصية المسيحية هي التيار ~~الغنوصي الرئيسي الذي عاش طويلا. أما عن نشوئها فلي في ذلك نظرية ~~خاصة لا تتفق مع نظريات بقية الباحثين؛ فأنا أرى أن حلقة فكرية ~~يهودية توسطت بين الغنوصية المبكرة والغنوصية المسيحية، وقد جرى ~~ذلك على مرحلتين؛ ففي البداية نشأت شيعة يهودية ضاقت ذرعا بالمدى ~~الذي بلغه تشخيص الألوهة في التوراة، وتبنت من الكتاب موقفا ~~تأويليا، فقالت بوجود إله آخر إلى جانب يهوه يدعى يوئيل يجلس على ~~عرش قرب عرشه، ويلعب دور الوكيل، وهو الذي تشير إليه نصوص الكتاب ~~بملاك الرب، وقالوا إن كل الصور التشخيصية ليهوه يجب أن تعزى إلى ~~الإله الوكيل. وهذه هي المرحلة الأولى التي وصلتنا عنها أخبار من ذلك ~~العصر. المرحلة الثانية فافتراضية؛ إذ ليس من المستبعد أن تكون هذه ~~الشيعة التي نشأت في الإسكندرية أو غيرها قد طورت مفهوم الإله ~~الوكيل إلى نتيجته المنطقية بأن عزت إليه مهمة خلق العالم، وتصورت ~~وجود إله خفي أعلى يسمو فوق ثنائيات الكون. ومن أجل التخلص من ~~سطوة الشريعة اليهودية التي لم تعد مقبولة في ثقافة عالمية منفتحة ~~مثل ثقافة الإسكندرية، فقد آمنوا بمسيحانية يسوع الذي حرر أتباعه من ~~الشريعة، ثم إن فكرهم التقى بفكر مسيحيين منشقين لم يكونوا راضين عن ~~تفسير الأناجيل لسيرة يسوع، وعن هؤلاء نشأت حلقات المسيحية ~~الغنوصية. ~~(س): # مع الأخذ بعين الاعتبار ما ~~ذكرت، ألا يمكن أن تكون الغنوصية المسيحية قد تطورت ضمن حلقات ~~مسيحية ؟ ~~(ج): # أستبعد ذلك بسبب توكيد ~~الطوائف الغنوصية المسيحية كلها على نقد الشريعة اليهودية ونبذها، حتى ~~إن بعض المعلمين يرونها وسيلة الديميرج الخالق لإبقاء الإنسان في ~~حجب الجهل التي تمنعه من اكتشاف حقيقة أصله. وفي هذا المجال أذكر ما ~~يروى عن أتباع المعلم باسيليد قولهم: لم نعد يهودا ولم نصبح ~~مسيحيين. ~~(س): # فيما عدا فكرة ms172 الديميرج، ما ~~هي الفوارق الأساسية بين المسيحية والمسيحية الغنوصية؟ ~~(ج): # المسيحية القويمة كما تدعو ~~نفسها (من أجل التمييز بينها وبين الهرطقة الغنوصية) تنظر إلى الله على ~~أنه كيان مفارق على كل صعيد، والهوة عميقة بينه وبين الإنسان، ولا ~~يمكن عبورها إلا من خلال الإيمان بيسوع المسيح ربا ومخلصا؛ أي إن ~~المسيح هو شفيع الإنسانية الوحيد لدى الله، وكل علاقة مع الله تمر ~~عبر المسيح. أما المسيحية الغنوصية فترى أن قنوات الاتصال بين الإلهي ~~والإنساني مفتوحة من خلال معرفة النفس التي توصل إلى معرفة الله، ~~وبذلك فإنها تحل العرفان محل الإيمان كوسيلة للخلاص؛ ولذلك فإن ~~النصوص الغنوصية لا تتحدث عن الخطيئة والتوبة، وإنما عن حالة الجهل ~~والنوم التي يكون فيها غير العارفين، وعن حالة اليقظة والاستنارة التي ~~يصير إليها العارفون. ويسوع قد جاء إلى العالم كمعلم روحي وكمرشد ~~على طريق العرفان، ولم يأت ليفدي العالم من الخطيئة الأصلية ويصالح ~~البشرية مع الله. وترى المسيحية القويمة أن يسوع هو ابن الله بطريقة ~~فريدة لن تتكرر؛ ولذلك فإنه يبقى نسيج وحده ومتميزا عن بقية البشر، ~~أما المسيحية الغنوصية فترى أن كل من حقق العرفان يتحول إلى مسيح. ~~وبذلك تبدو الغنوصية أقرب إلى البوذية حيث يغدو المستنير بوذا بعد أن ~~يكتسب البوذوية أو طبيعة البوذا. ~~(س): # هل توافرت لدينا معلومات ~~عن المسيحية الغنوصية وهي في طور التشكل؟ ~~(ج): # لعل أفكار # Marcion ~~، أو مارقيون كما يدعوه ~~المؤلفون المسلمون، هي المعبر الأوضح عن تلك الحلقة الوسيطة بين ~~المسيحية القويمة والمسيحية الغنوصية؛ فقد كان مارقيون في شبابه عضوا ~~في الكنيسة القويمة، لكنه انشق عنها وأخذ بتكوين عقيدته الخاصة ~~المتلونة بالغنوصية والتي تسببت أخيرا بحرمانه من الكنيسة عام ~~144م؛ فقد أخذ مارقيون عن الغنوصية فكرة الديميرج، وقال إن خالق هذا ~~العالم ليس الآب السماوي الذي بشر به يسوع المسيح بل يهوه إله ~~التوراة، وهو الذي خلق الإنسان وفرض عليه الشريعة التي كانت بمثابة ~~لعنة. وهذا الإله الذي يقول مارقيون إنه يعرفه حق المعرفة، لا يستحق ~~الطاعة والعبادة التي ms173 يطلبها، وهو ليس أبا ليسوع كما يعتقد ~~المسيحيون. أما الآب السماوي الذي يدعوه مارقيون بالإله المتعالي ~~والإله المجهول، فليس له علاقة بكل ما يجري في العالم لأنه ليس صانعه، ~~وهو لم يتدخل في أمور هذا العالم إلا بأن أرسل ابنه يسوع المسيح الذي ~~هبط من السماء إلى هذا العالم التافه وصلب من أجل الإنسان الذي أحبه ~~وأراد له الخلاص. وعلى عكس الغنوصية التقليدية فإن مارقيون لا يعتقد ~~بأن روح الإنسان هي قبس من نور الله بل هي من صنع الديميرج أيضا؛ ~~ولذلك فإن خلاصه يعتمد على الإيمان بيسوع لا على العرفان ~~المحرر. ~~(س): # المسيحية القويمة تستمد ~~أفكارها من الأناجيل الأربعة ومن رسائل بولس، ولكن من أين تستمد ~~المسيحية الغنوصية أفكارها؟ ~~(ج): # يقول المعلمون الغنوصيون ~~إنهم يستندون إلى تعاليم سرية بثها يسوع في حلقة المقربين إليه ~~ولم يعلنها للعامة، وإلى تعاليم سرية أخرى لبولس. وفي الحقيقة ~~فإننا نجد في الأناجيل القانونية كثيرا من أقوال يسوع ذات طابع ~~غنوصي واضح لا سيما في إنجيل يوحنا. وهنالك إنجيل معروف باسم إنجيل ~~توما يقع في نقطة الوسط بين الأناجيل الرسمية والأناجيل الغنوصية، وهو ~~عبارة عن مجموعة لأقوال يسوع بعضها ورد في الأناجيل الرسمية والبعض ~~الآخر ذو طبيعة غنوصية لا تخفي نفسها. ~~(س): # تتحدث هنا عن أناجيل ~~غنوصية، فهل وصلنا منها شيء؟ ~~(ج): # قبل أواسط القرن العشرين لم ~~يكن بين أيدي الباحثين سوى قلة من المخطوطات الغنوصية الأصلية، ولكن ~~في العام 1945م تم العثور على كنز من المخطوطات الغنوصية الأصلية قرب ~~بلدة نجع حمادي بصعيد مصر، وهو عبارة عن 52 نصا بينها معظم ~~الأناجيل الغنوصية التي كنا نعرف عناوينها فقط من خلال المؤلفين ~~المسيحيين الذين تصدوا لنقد الفكر الغنوصي. وكانت هذه المخطوطات ~~محفوظة في جرة فخارية ضخمة مدفونة في التراب، ويبدو أن أصحابها ~~قد أخفوها خوفا من ملاحقة السلطات الكنسية لهم بعد أن صارت المسيحية ~~دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الرابع الميلادي، ~~وصار اقتناء النصوص الغنوصية جريمة بحكم القانون، لا سيما وأن ~~الغنوصية ms174 كانت في ذلك الوقت قد انتشرت في أوروبا أيضا. ~~(س): # لقد كان انطفاء شعلة الغنوصية ~~إذن نتيجة الاضطهاد الواسع والمنظم الذي قامت به كنيسة روما! ~~(ج): # الأصل في تعريف الجريمة أنها عمل يهدد سلامة ~~الآخرين وأمن الجماعة؛ وبالتالي فإن الفرد يحاكم على عمل قام به أو ~~شرع به، أما في الأيديولوجيات الدينية المغلقة فإن الفرد يحاكم على ~~أفكاره، وغالبا ما تكون المحاسبة على الأفكار أقسى وأشد من المحاسبة ~~على الأعمال، ولقد اضطهد الغنوصيون المسالمون على أفكارهم، ولكن ~~الغنوصية لم تندثر تماما وبقيت حية في جمعيات سرية حافظت على ~~ميراثها، ثم كان لها انتفاضة علنية قوية عندما تشكلت دولة الكاثار ~~أو المتطهرين في جنوب فرنسا، وأعلنت عن هويتها كمسيحية غنوصية، ~~وكانت بمثابة بقعة ضوء في ظلام العصور الوسطى؛ فقد نشط فيها ~~التعليم، ونشطت التيارات الفكرية والفلسفية المختلفة، وعلا شأن الشعر ~~والشعراء، وتعلم الطلاب اللغات اليونانية واللاتينية والعربية. ~~ونظرا لقرب المنطقة من مركز الإشعاع الحضاري في الأندلس، فقد وردتها ~~تأثيرات عربية عن طريق الموانئ البحرية وعبر جبال البيرنيه، ولكن هذه ~~الدولة لم تعمر سوى قرابة قرن ونيف؛ ففي عام 1209م أمر البابا ~~إنوسنت الثالث بتجهيز حملة صليبية قوامها ثلاثون ألف مقاتل وجهها ~~نحو مقاطعة الكاثار أفنت تدريجيا وبعد معارك دامت طويلا معظم سكان ~~المنطقة، ومحت عن الخارطة أرقى ثقافة في عصور الظلام الأوروبية. ~~(س): # أعود إلى إخوان الصفاء لأسأل ~~من هم؟ ومتى ظهروا؟ وأين؟ ~~(ج): # إخوان الصفاء هم جمعية سرية ~~نشطت قيادتها في مدينة البصرة منذ أواسط القرن الرابع الهجري. ونفهم ~~من إحدى رسائلهم أن هذه القيادة تتكون من أربعة أشخاص، وهؤلاء ~~الأربعة منتقون من أربعين، والأربعون منتقون من أربعمائة، ~~والأربعمائة منتقون من أربعة آلاف، ووراء الأربعة آلاف عدد غير ~~محدد من أعضاء هذه المرتبة الأخيرة منتشرون في أنحاء العالم الإسلامي ~~جميعه. وقد تركت لنا هذه الجماعة ميراثا فكريا وروحيا يتمثل في ~~اثنتين وخمسين رسالة تستغرق في الطبعات الحديثة نحو ألفين وخمسمائة ~~صفحة لا نعرف أسماء مؤلفيها، هدفت إلى التأسيس لمذهب إسلامي ms175 ذي ~~طابع كوني يستغرق المذاهب كلها ويوحد بينها. وقد ظهرت هذه ~~الرسائل في زمن كانت فيه المذاهب الإسلامية الفلسفية في طور ~~التشكل، فتأثرت بها هذه المذاهب ودخلت أفكار الإخوان في صلب ~~عقائدها، كما أثرت على الفكر الصوفي لا سيما فكر محيي الدين بن ~~عربي. وعلى الرغم من أن الإسماعيليين يتبنون الإخوان ويعتبرون ~~رسائلهم نوعا من الفلسفة الإسماعيلية المبكرة، إلا أن الإخوان لم ~~يكونوا إسماعيليين، ولا أدل على ذلك من نقدهم لمبدأ الإمامة الذي ~~تقوم عليه العقيدتان الشيعية والإسماعيلية. ومع ذلك فإن البنية ~~السامقة للفلسفة الإسماعيلية قامت على أرضية فرشتها رسائل الإخوان ~~التي كانت متداولة قبل ظهور بواكير تلك الفلسفة. ~~(س): # ما هي نقاط الالتقاء ونقاط ~~الخلاف بين فكر الإخوان وفكر الغنوصية؟ ~~(ج): # الروح الإنسانية عند ~~الغنوصيين هي شرارة من النور الإلهي الأسمى تم احتباسها في الجسد ~~المادي. وقد عبر الإخوان عن هذه الفكرة بقولهم إن النفس الجزئية، كما ~~يفضلون تسميتها، هي قوة منبعثة وفائضة من النفس الكلية. وقد ~~أهبطت هذه النفس الجزئية إلى مركز العالم المادي وهو الأرض، واتحدت ~~بالأجسام الجزئية. ويتبع ذلك عند الإخوان أن الإنسان عبارة عن جملة ~~مجموعة من جوهرين متباينين هما جسد مادي منفسد يتحول بعد ~~الموت إلى العناصر التي تشكل منها، ونفس روحانية سماوية نورانية، ~~حية بذاتها وفعالة في الجسد ومستعملة له إلى وقت معلوم، ثم إنها ~~تاركة له وراجعة إلى أصلها السماوي. # وهم يتفقون مع الغنوصية في أن فكاك النفس من أسر العالم المادي ~~وسجن الجسد لن يتأتى لها إلا بمعرفتها لأصلها بعد صحوها من حالة ~~الجهل والنسيان التي آلت إليها عقب ارتباطها بالجسد؛ فالشريعة وحدها لا ~~تكفي عندهم لتحقيق الانعتاق، ولا بد من اقترانها بالكدح المعرفي الذي ~~يحول النفس الغافلة إلى نفس منتبهة مهيأة للانعتاق بعد الموت، ~~ولكن النفوس العارفة التي فارقت أجسادها بالموت لن ترد إليها إثر ~~قيامة عامة للموتى لأن الجسد يسقط ولا يقوم أبدا، ولكنها تبقى ~~سعيدة ملتذة حرة في عالم الأفلاك، بينما تبقى النفوس غير العارفة ~~بعد مفارقة أجسادها ms176 حبيسة في العالم المادي الأسفل، فإذا حان وقت دمار ~~العالم انسحبت منه النفس الكلية فبطلت حركته وتهاوى وآل إلى فناء، ~~وحشرت النفوس الجزئية؛ أي اجتمعت بالنفس الكلية واتحدت معها، ثم ~~إن النفس تلتحق بالعقل، والعقل يلتحق بباريه عز وجل. # هذه أهم نقاط اتفاق الإخوان مع الغنوصية التقليدية. أما عن نقاط ~~الاختلاف فإن الغنوصية ترى أن العالم شر ولا سبيل إلى إصلاحه؛ لأنه من ~~صنع الديميرج لا من صنع الآب النوراني الأعلى خالق العوالم الروحانية ~~التي تسمو على العالم المادي. من هنا يأتي رفض الغنوصية للعالم ~~واحتقارها للجسد الذي ينتمي إلى هذا العالم والتنكر لرغباته. أما ~~الإخوان فلا يرون أن العالم شر ولكنه ناقص، ولكنه على نقصه وكونه ~~سجنا للنفوس الهابطة، فإنه يقدم لتلك النفوس فرصة للانعتاق عن طريق ~~المعرفة المنجية؛ فالنفوس إنما تقضي المدة اللازمة في هذا العالم من ~~أجل التعلم والتبصر والارتقاء من أجل الانتفاع بالحياة الثانية. ~~والجسد ليس شرا إلا بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ~~مجرد جسد، أما العارفون فإنهم في موقع السادة لأجسادهم لا في موقع ~~العبيد، ويتحول الجسد عندهم، بما فيه من وظائف حسية وعقلية ونفسية، ~~إلى أداة للمعرفة المنجية. # كما تختلف غنوصية الإخوان عن الغنوصية التقليدية في وسائل وأساليب ~~تحقيق المعرفة؛ فبينما تركز الغنوصية على المعرفة الصوفية في معزل عن ~~العالم ومؤثراته، فإن الإخوان يرون أن معرفة النفس لن تتأتى قبل ~~معرفة العالم ومجرياته، ومعرفة الجسد بكل وظائفه؛ لأنه مسكن النفس ~~ووسيلتها إلى الانعتاق؛ من هنا فقد تحدث الإخوان في رسائلهم عن ~~الفلسفة والرياضيات والموسيقى وعلم الفلك، وعن الأرض وبيئاتها الطبيعية ~~وكرويتها وطول قطرها ومحيطها، ووصفوا جسم الإنسان ووظائفه وآليات ~~حواسه. وفي غمار ذلك كانوا يبسطون لمذهبهم ويدعون إليه. هذه الذخيرة ~~المعرفية للإخوان خطفت أبصار الباحثين في رسائلهم، فاعتقدوا أنها ~~مقصودة لذاتها وأشبعوا فروع المعرفة التي تكلم فيها الإخوان بسطا ~~وبحثا وتحليلا، ولكن دون عناية بفهم مذهبهم على أنه مذهب غنوصي لا ~~لبس فيه. ~~(س): # في سياق حديثك عما هو مشترك ~~بين ms177 الإخوان والغنوصية، قلت إنهم لا يؤمنون ببعث الأجساد وإنما ببعث ~~الأرواح وخلودها، وهم في هذا، وفي مسائل أخرى عديدة، يطرحون أفكارا ~~لا تتفق مع التفسير الرسمي للقرآن الكريم، أليس كذلك؟ ~~(ج): # نعم، فأفكارهم قد لا تتفق ~~أحيانا مع التفسير الرسمي للقرآن، ولكنها في رأيهم تتفق مع المرامي ~~الحقيقية للنص؛ فالنص القرآني مؤلف من مستويين، مستوى موجه نحو ~~العامة، وآخر موجه نحو الخاصة؛ فالعامة تفهم منه ما شاء لها أن تفهم، ~~وهم أهل الظاهر، والخاصة تفهم منه ما شاء لها أن تفهم وهم أهل الباطن، ~~وفي كل فهم خير لأهله؛ ولذلك فإن إخوان الصفاء يلجئون إلى التأويل من ~~أجل الكشف عن المعنى الباطن لآيات الكتاب كلما كان هناك تعارض بين ~~أفكارهم والمعنى المباشر الظاهر للنص القرآني. ولا أستطيع هنا سوى ~~إيراد نماذج من تأويلاتهم؛ فهم يرون مثلا أن الملائكة الذين خلقهم ~~الله وأوكلهم بحفظ العالم وتدبير الخليقة ليسوا شخصيات روحانية، وإنما ~~هم بعض قوى النفس الكلية منبثة منها في الأجسام كلها التي دون فلك ~~القمر. وهذه القوى تدعى باللفظ الشرعي ملائكة ولكنها تدعى باللفظ ~~الفلسفي قوى طبيعية. وبذلك يكون إخوان الصفاء قد توصلوا إلى ~~مقدمات ما ندعوه اليوم بقوانين الطبيعة. ~~(س): # نلاحظ هنا غلبة التفكير ~~العقلي على التفكير الأسطوري، فهل كانوا على هذه الدرجة من العقلانية ~~دوما؟ ~~(ج): # لقد أعلى إخوان الصفاء من شأن ~~العقل وجعلوه مرشدا وهاديا للإنسان؛ ولذلك فإنهم يرون أن الفلاسفة ~~والحكماء هم ورثة الأنبياء. والإخوان يعلون من شأن التفكير العقلي ~~ويضعونه في مرتبة العبادة، ويرون أن أجود أحوال العامة والجهال ~~الصوم والصلاة وما شاكل ذلك من العبادات، وأن أجود أحوال الخواص ~~التفكر بتصاريف أمور المحسوسات والمعقولات. ~~(س): # هل لدى الإخوان تأويلات أكثر ~~تطرفا مما ذكرت؟ ~~(ج): # من الأفضل أن نقول أكثر ~~عقلانية. نعم؛ فهم لا يرون أن إبليس عبارة عن شخص روحاني ناصب ~~الله العداوة وأقسم بعزته أن يغوي الناس ويدفعهم إلى المعصية، ~~وإنما هو نوازع النفس الشهوانية إذا تغلبت على نوازع النفس العاقلة؛ ~~فهو في داخل ms178 الإنسان وليس في خارجه، ويجري من ابن آدم مجرى الدم. وهذا ~~هو معنى الآية الكريمة القائلة: # ونفس وما ~~سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب ~~من دساها ~~(سورة الشمس: 7-10). وليس اندحار إبليس وجنوده ~~في آخر الزمن إلا تعبيرا عن وصول الإنسانية إلى ذروة ارتقائها، وضعف ~~النفس الشهوية وظهور النفس العاقلة عليها. # وأكثر من ذلك، فإن الأوصاف المادية لجهنم على أنها خندق من نار ~~يعذب فيه الله العصاة كلما احترقت أجسادهم عادت إليهم الرطوبة ~~لتحترق ثانية، وكذلك الأوصاف المادية للجنة على أنها بستان فيه من كل ~~الثمرات وأنهار من لبن وعسل وخمر، وأن أجساد أهلها لحمية، وأنهم شبان ~~لا يهرمون وأصحاء لا يمرضون، كلها أوصاف رمزية تصلح للجهال ~~والصبيان؛ لأنها تقرب لأذهانهم ما وعدوا به وتزيد خوفهم من سوء ~~أفعالهم فيتركونها، وتقوي رجاءهم لثواب أعمالهم. وأما من رزقه الله ~~قليلا من التمييز والعقل ونظر في علوم الحكمة فإن ذلك لا يصلح ~~له. ~~(س): # إلى أين تذهب أرواح الموتى ~~قبل نهاية الزمن؟ ~~(ج): # أرواح الصالحين العارفين ~~خفيفة، وهي تصعد إلى عالم الأفلاك حيث تبقى سعيدة ملتذة، كما قلت ~~منذ قليل. أما أرواح الطالحين فثقيلة بأعمالها السيئة؛ ولذلك تبقى ~~حبيسة في العالم المادي الأسفل، وقد سلبت منها كل الحواس التي كانت ~~تنال بواسطتها اللذات الجسمانية؛ فهي ليست مثل الحي الذي يلتذ بالعيش ~~ولا مثل ميت يستريح من العذاب. وفيما عدا ذلك فإن الإخوان لم ~~يقدموا الكثير من الإيضاح، واعتبروا هذا العلم من العلوم الدقيقة ~~الغامضة فلا يباح به لغير العارفين الذين قطعوا شوطا بعيدا في فهم ~~رسائلهم. # هذه الجنة والنار لا تدوم إلى الأبد؛ فقد ورد في القرآن الكريم: # خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك ~~(هود: 107). ولكن ~~السماوات والأرض لا تدوم لأن النفس الكلية سوف تنسحب من العالم في آخر ~~الزمان، وبانسحابها تبطل الحركة ويحدث بوار العالم. عند ذلك يعتق ~~أهل النار وتبطل جهنم الدنيا، وتبعث الأنفس لتلتحق بباريها. ~~(س): # وماذا عن تناسخ الأرواح الذي ms179 ~~تقول به كل الأنظمة الغنوصية؟ ~~(ج): # لم يصرح الإخوان بإيمانهم ~~بتناسخ الأرواح، ولكن كثيرا من تعليقاتهم بخصوص رمزية الجنة والنار ~~توحي بأنه جزء من عقائدهم المخفية، لا سيما تكرارهم ذكر الآية ~~القائلة: # سوف نصليهم نارا كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب ~~. وذلك في معرض وصفهم لأحوال الأرواح التي لم ~~تنعتق. وهم يعنون بذلك في رأيي، أن تلك الأرواح سوف تحل في أجسام ~~جديدة، وكلما بليت هذه الأجسام بالموت بدلوا بها أجساما ~~أخرى. ~~(س): # من كل ما سبق نستنتج أن ما ~~قدمه الإخوان كان بمثابة ثورة تقدمية في الفكر الإسلامي، فهل كان ~~لهذه الثورة حامل بعدهم؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فقد تنازع في الفكر ~~الإسلامي منذ البداية اتجاهان هما اتجاه العقل واتجاه النقل؛ الأول كان ~~يركز على الإبداع وتحكيم العقل في فهم النص المقدس وتمييز الحديث ~~الصحيح، والثاني يركز على النقل عن السلف الصالح. وقد ابتدأ الاتجاه ~~العقلي مع المعتزلة ثم تابعه من بعدهم إخوان الصفاء، ولكن الثقافة ~~العربية بعد إخوان الصفاء أخذت تدخل تدريجيا في عصر الانحطاط، إلى ~~أن جاء عصر المغول الذي اجتاح المشرق العربي، ودخلت الثقافة العربية ~~بعده في فترة ركود ثقافي ضعفت خلالها حركة الإبداع الحر في الفكر ~~والعلوم والآداب، وعزف الناس عن العلم والتعلم. وقد انعكست حالة ~~الانحطاط هذه على الفكر الديني، وقام ابن تيمية ومن بعده تلميذه ابن ~~القيم الجوزي بصياغة هذه النسخة الرديئة من الإسلام السائد ~~اليوم. ~~(س): # وماذا عن عصر النهضة العربية ~~وما قدمه من إعادة نظر في إسلام ابن تيمية؟ ~~(ج): # ما يدعى بعصر النهضة العربية ~~لم يكن سوى بارقة نهضة سرعان ما انطفأت. لقد أحدث مفكرو عصر النهضة ~~في القرن التاسع عشر نهضة عابرة في الفكر الإسلامي بقيت آثارها إلى ~~أواسط القرن العشرين، وبعد ذلك عاد الفكر إلى أحضان ابن تيمية ثم ~~آل اليوم إلى ما أدعوه بالجاهلية الإسلامية التي يبدو ابن تيمية ~~مقارنة بها مصلحا ثوريا. ~~(س): # نعود إلى ما ابتدأنا به؛ أي ~~الصوفية. ما هو تأثير رسائل إخوان ms180 الصفاء على الصوفية ~~الإسلامية؟ ~~(ج): # لقد كان الإخوان أول من قال ~~بوحدة الوجود في تاريخ الفكر الإسلامي. وعلى الرغم من أنهم لم يستخدموا ~~هذا المصطلح، إلا أن نظريتهم في الفيض الإلهي تستدعي قولهم به، فإذا ~~كان العالم قد فاض عن الله فإن وجوده هو امتداد لوجود الله. وسوف ~~أتوقف فيما يأتي عند اثنين من أعلام الصوفية المتأخرة ممن قالوا ~~بوحدة الوجود، وهما عبد الكريم الجيلي المولود في بغداد، ومحيي الدين ~~بن عربي الأندلسي. # يضع الجيلي فكرة التجلي مقابل فكرة الفيض عند إخوان الصفاء؛ ~~فالتعبيران مختلفان والمضمون واحد؛ ذلك أن الألوهة تتجلى على مراتب، ~~وهذا التجلي أمر اقتضاه ظهور الموجودات عنها، وبغير الموجودات تبقى ~~الألوهة ذاتا مستغرقة في نفسها كوجود مطلق لا ظهور فيه لاسم أو نعت ~~أو إضافة. المرتبة الأولى في خروج الألوهة من كمونها وغناها، يؤشر ~~إليها ظهور الممكنات فيها جميعا. فكل ما سيظهر للوجود فيما بعد هو ~~الآن في حيز الممكن الثابت في الذات الإلهية؛ فهنا يتجلى المطلق في ~~نفسه ولنفسه، وتتأمل الألوهة نفسها دون أن تلحقها الاعتبارات ~~والإضافات. هذا التجلي الأول للذات يدعى الأحدية، وهو أول تنزلات ~~الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي. المرتبة الثانية في التجلي بعد ~~الأحدية هي الألوهية، والله اسم لرب هذه المرتبة وهو الاسم الذي يبصر ~~به الحق نفسه ويتوصل الخلق من خلاله إلى معرفته. وكل الأسماء والصفات ~~واقع تحت الاسم الله؛ لأنه لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق أسمائه ~~وصفاته. المرتبة الثالثة هي الرحمانية، وهنا تتجلى الألوهة كقدرة ~~خالقة مظاهر الكون كلها، ولكن الخلق هنا ليس خلق صانع ماهر وإنما ~~خلق ألوهة تنقسم إلى حق وخلق دون أن تفقد وحدتها الأصلية؛ ذلك أن ~~الوجود خلق من حيث مظاهره، وحق، أو ألوهة مولدة من حيث جوهره. والاسم ~~الظاهر في هذه المرتبة هو الرحمن؛ لأن أول رحمة رحم بها الله الموجودات ~~أن أوجد العالم من نفسه، ولهذا سرى ظهوره في الموجودات ولم يتعدد ~~بتعدد مظاهره، بل هو أحد على ما تقتضيه ذاته ms181 الكريمة. آخر تجليات ~~الألوهة هو الربوبية. وهو مختص حصرا بعالم الخلق، والرب اسم لهذه ~~المرتبة. ويقع تحت هذا الاسم كل الأسماء التي يتطلبها وجود المخلوقات، ~~مثل العليم والسميع والبصير والمريد والملك، وغيرها؛ لأن كل واحد من ~~هذه الأسماء والصفات يطلب ما يقيم عليه؛ فالعليم يقتضي المعلوم، ~~والقادر مقدورا عليه، والمريد يطلب مرادا، وما أشبه ذلك. # عند هذه المرتبة يظهر الرب في مخلوقاته، ويناجي الساعي إلى معرفته ~~قائلا: أنت خلاصة الأكوان والمقصود بالوجود والحدثان. تقرب إلى ~~شهودي فقد تقربت إليك بوجودي. لا تبتعد فإني أنا الذي قلت: ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد. لا تتقيد باسم العبد؛ فلولا العبد ما كان ~~الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتك، فلولا عبوديتك لم تظهر لي ~~ربوبية. أنت أوجدتني كما أنا أوجدتك، فلولا وجودك ما كان وجودي ~~موجودا. ~~(س): # أعتقد بأن هذه المناجاة ~~تلخص الموقف الصوفي بأكمله! ~~(ج): # هذا صحيح؛ فالوجود مثل دائرة باطنها حق وظاهرها خلق. ~~وكما تتجلى الألوهة ابتداء من الذات عند مركز الدائرة وانتهاء إلى ~~الربوبية عند محيطها، كذلك يكتشف الإنسان الألوهة من خلال هذه المراتب ~~نفسها وبما يتلاءم مع استعداد كل فرد لوطأة الصلة مع المرتبة؛ فالصلة ~~الأولى بين الحق والخلق تعقد مع المجلى الخارجي، مجلى الربوبية، ومع ~~الاسم الرب الذي هو إله الشرائع. وعامة الناس يبقون عادة عند هذه ~~المرتبة عابدين لله تعالى من حيث اسمه الرب، وفوق هؤلاء هنالك زمرة ~~العارفين الذين يعبدونه من حيث اسمه الرحمن، وفوقهم زمرة المحققين ~~الذين يعبدونه من حيث اسمه الله. # فإذا انتقلنا إلى ابن عربي نجد أن العالم ينشأ عن الله من خلال الفيض ~~الذي قال به إخوان الصفاء؛ فأول ما خلق الله العقل الكلي أو العقل ~~الأول، وهو ما يدعوه أيضا بالروح الكلي وبالقلم، استنادا إلى ما ورد ~~في حديث شريف: «أول ما خلق الله العقل»، وحديث آخر: «أول ما خلق الله ~~القلم»، وهو «الحق» أيضا و«الروح» الوارد ذكرهما في أكثر من آية. ~~ويتجه فعل العقل الذي هو بمثابة القلم إلى النفس ms182 الكلية التي هي ~~بمثابة اللوح فينتقش عليها ما سيكون في العالم إلى يوم القيامة. وهذه ~~النفس الكلية هي أول موجود انبعاثي منفعل عن العقل، وهي للعقل ~~بمنزلة حواء لآدم. وكان بين العقل أو القلم، والنفس أي اللوح، زواج ~~معنوي نتج عنه المولود الأول وهو الطبيعة، التي تعادل المادة الأولى ~~ثم الجسم المطلق عند إخوان الصفاء. على أن فيض الله تعالى الذي أظهر ~~الكون إلى الوجود لم يحصل مرة واحدة في بدء الزمن، وإنما له صفة ~~الدوام والاستمرار وإلا قامت الموجودات بقواها الذاتية في غنى عن ~~موجدها وهذا محال؛ فالله خالق على الدوام وفعله دائم في كل لحظة، ~~ولو أنه أمسك تجديد الإيجاد على الموجودات لانعدمت في طرفة عين؛ ~~فالوجود الحق هو لله تعالى، أما وجود ما سواه فمستمد منه في كل ~~لحظة، وفي كل لحظة تفنى الموجودات ثم تستعاد مرة أخرى إلى الوجود، ~~تغيب صورها لتحل محلها صور أخرى فيما يأتي من اللحظات. وعلى الرغم ~~من أن هذه الصور الأخرى تبدو عين الصور الغائبة، إلا أنها جديدة كل ~~الجدة وتلي سابقاتها دون فاصل زمني ملحوظ؛ لأن الذهاب هو في الآن ~~نفسه بقاء لما يظهره التجلي الثاني. # إن كل ما هو موجود في عالم الظواهر عبارة عن مجلى أو مظهر إلهي؛ ~~فالحق يتجلى في الأشياء أي يظهر فيها باسمه «الظاهر» الذي يتجه نحو ~~الخارج، أما اسمه «الباطن» فيتجه نحو الغيب ولا يكون فيه تجل أبدا. ~~أما كيف يتكثر الحق في الأشياء دون أن ينقسم، فإن ابن عربي يستعير من ~~إخوان الصفاء نظريتهم العددية في تفسير ذلك؛ فنسبة الباري من ~~الموجودات كنسبة الواحد من العدد، وكما أن الواحد أصل العدد ومنشؤه، ~~كذلك الله هو علة الأشياء وخالقها وأولها وآخرها. وكما أن الواحد لا ~~جزء له ولا مثل في العدد، فكذلك الله لا مثل له ولا شبه في خلقه. وكما ~~أن الواحد محيط بالعدد كله ويعده، كذلك الله جل جلاله. وأما القول ~~إن الواحد أصل العدد ومنشؤه، فلأن الواحد إذا رفعته من الوجود ms183 بطل ~~العدد بارتفاعه، ولكن إذا رفعت العدد لم يبطل الواحد. ~~(س): # وماذا عن الكسور العشرية مثل ~~الربع والنصف؟ ألا تعني أن الواحد يتجزأ؟ ~~(ج): # أبدا؛ لأن النصف هو واحد من ~~اثنين 1 / 2، والربع هو واحد من أربعة 1 / 4، وعلى هذا المثال سائر ~~الكسور. ~~(س): # إن فكرة الوجود عند ابن عربي ~~ليست ببساطة قولنا إن الله والعالم شيء واحد! ~~(ج): # إنها تعني أن الوجود الحق هو ~~لله، أما وجود ما سواه فمستعار من وجود الله. وأكثر من ذلك فإنه وجود ~~خيالي لأنه يتناوب بين الوجود والعدم في كل لحظة، ومتقلب دائما من ~~حال إلى حال. وهو خيال لأنه يخيل إلينا أنه قائم بنفسه ولكنه في ~~حقيقة الأمر ليس كذلك. ~~(س): # هذا القليل الذي عرضته من ~~أفكار الجيلي وابن عربي يثير عندي سؤالا عن العلاقة بين التصوف ~~والفلسفة! ~~(ج): # أنا أرى أن المتصوفة من أصحاب ~~النظم أمثال الجيلي وابن عربي هم فلاسفة في ثياب متصوفة. ولو أن ابن ~~عربي لم يختر منذ البداية طريق التصوف لكان واحدا من أنبغ العقول ~~الفلسفية في تاريخ الحضارة، ولما كان مضطرا إلى التقية في عرض ~~أفكاره مما نجده بشكل خاص في كتاب الفتوحات المكية؛ حيث بلغ الإلغاز ~~في عباراته حدا جعلها أحيانا أشبه بالشيفرة. ~~(س): # ممن كان يتقي ابن ~~عربي؟ ~~(ج): # من أهل الحرف الذين صادروا ~~الإسلام ونصبوا أنفسهم حماة له. لقد عاصر ابن عربي السهروردي صاحب ~~فلسفة الإشراق، وهو متصوف أمر صلاح الدين الأيوبي بقتله في حلب بعد أن ~~رفع إليه شيوخ الإسلام عريضة تتهمه بالكفر، فكان في موته عبرة لأصحاب ~~الفكر الحر ودافعا إلى التزامهم التقية، وذلك عملا بقول يسوع ~~المسيح: «لا تلقوا بدرركم إلى الخنازير؛ لأنها ستدوسها بالأقدام، ثم ~~تنقض عليكم.» ~~(س): # يبدو السهروردي شخصية جديرة ~~بالاهتمام، لماذا لا نعرف الكثير عنه؟ ~~(ج): # هو شهاب الدين السهروردي، ~~الملقب بالحلبي القتيل. وقد اكتسب لقب الحلبي لأن حلب كانت آخر ما ~~استقر به من مدن وفيها قتل. ولد وعاش سنوات طفولته وفتوته في ~~مدينة سهرورد ms184 في إيران، وتلقى علومه الأولى في أصفهان، وعندما لم ~~تسعه أصفهان غادر يطلب العلم في بغداد، ثم في قونية وغيرها من مدن ~~السلطنة السلجوقية في الأناضول، وأخيرا استقر في حلب. وهو من أصحاب ~~النظم الصوفية التي جمعت بين الفلسفة والتصوف، وترك لنا نحو خمسين ~~كتابا باللغتين العربية والفارسية، أهمها كتاب حكمة الإشراق الذي ~~لخص فيه فلسفته التي تقوم على الجمع بين التأمل العقلي والعرفان ~~الروحي؛ فقد تبنى المنطق الأرسطي بعد نقده وإكماله، حيث أنزل ~~المقولات العشر إلى أربع، ثم جعل من المنطق الصوري سلما صاعدا إلى ~~عالم الإشراق في منظومة فكرية منسجمة. أما لماذا لم نعرف عنه الكثير، ~~فلأن الغربيين كانوا أكثر اهتماما به من العرب الذين قتلوه ولم يجدوا ~~في فكره غير إلحاد وكفر، ومن هؤلاء بروكلمان، وماسينيون، وكوربان ~~وتلميذه الإيراني الباحث المعاصر سيد حسين نصر. ~~(س): # لماذا يلقى المفكرون ~~الأحرار هذا المصير؟ ~~(ج): # لأنهم يغردون خارج السرب، ~~ولا يتماثلون مع الفكر السائد الذي يلوذ به السواد الأعظم خوفا من ~~الحرية. ~~(س): # هل يخاف الإنسان من ~~الحرية؟ ~~(ج): # الحرية هي أكثر ما يرعب ~~الفرد. وأنا لا أعني بالحرية هنا أن تذهب إلى صندوق الاقتراع لتنتخب من ~~بين المرشحين لهذا المنصب أو ذاك أقلهم غباء. الحرية هي أن تكون ~~فردا يتصل بالجماعة فيما يتعلق بشئونه الحياتية وواجباته الاجتماعية، ~~ولكنه يستقل عنها في تفكيره ولا يقبل منها إلا كل ما يضعه على محك ~~النقد وينجح في الاختبار. وقد قال أحد الحكماء مرة: إذا وجدت نفسك ~~متفقا في الرأي مع الأغلبية، فاعلم عندها أنك على خطأ. # المحور التاسع # | صيغ أخرى لمفهوم الله # الوحدانية في التعددية ~~(س): # لقد فهمنا مما سبق أن فكرة الله قد نشأت وتطورت ~~في ثقافة الشرق الأوسط، ووجدت صيغتها التامة في العقيدة الإسلامية، ~~فهل يعني هذا أن بقية ثقافات العالم لم تتوصل إلى صياغة فكرة ~~مماثلة أو حتى مقاربة؟ ~~(ج): # لدينا في الثقافة الهندية ~~مفهوم توحيدي عبر عن نفسه من خلال عقيدة وحدة الوجود في ~~الهندوسية، ولكنه يتميز عن ms185 التوحيد الشرق أوسطي في جمعه بين الوحدانية ~~والتعددية الوثنية؛ فالله الذي يدعى براهمان في الهندوسية هو الإله ~~الخفي الذي صدرت عنه الموجودات، ولكنه يتجلى في هذا العالم من خلال ~~كائنات إلهية وهمية يتعبد إليها الناس ويطلبون عونها، ولا يعرفه ~~حق المعرفة إلا من اكتشف أن هذه الآلهة ليست إلا حجابا يستر وجهه ~~ووحدانيته، وسار في طريق المعرفة الباطنية التي تكشف له عن تماثل ~~الروح الإنسانية مع الروح الكونية، وهي المعرفة المحررة التي تقود ~~إلى الانعتاق من عالم المادة. ~~(س): # ولكن الغنوصية قالت أيضا ~~بتماثل النفس الإنسانية مع النفس الإلهية ولم تكن مذهبا في وحدة ~~الوجود. ~~(ج): # في وحدة الوجود الهندوسية ~~لا وجود حقيقيا إلا لله، أما هذا العالم المتغير الدائم الجريان ~~فغير موجود بالمعنى الحقيقي للكلمة، وهو أشبه بسراب لا قوام له ينجم ~~عن المايا، وهي الطاقة المبدعة لبراهمان التي تنتج ذلك الوهم ~~الكوني. ولما كان براهمان وطاقته شيئا واحدا، فإن الوجود بأسره ~~واحد. ~~(س): # هذه فكرة صعبة على الأفهام ~~العادية. ~~(ج): # سوف تغدو أسهل كلما ~~توغلنا في عقائد الهندوسية. ~~(س): # هل بإمكاننا القول إذن بأن ~~جوهر الهندوسية يقوم على مبدأ وحدة الوجود؟ ~~(ج): # ليست الهندوسية في الحقيقة ~~دينا موحدا يؤمن به كل الهندوس، بل هي مجموعة من الطوائف الدينية ~~التي تختلف في عقائدها وفي طقوسها وفي رؤياها لطريق الانعتاق، ولكنها ~~مع ذلك تتفق جميعا في عدد من المعتقدات التي لا يصح إيمان الهندوسي ~~بدونها، أولها تناسخ الأرواح؛ فالأرواح في أصلها عبارة عن جواهر ~~فردية مستقلة عن بعضها وخالدة، وهي حرة وبدون صفات وواعية، ولكنها ~~غير فاعلة على أي صعيد، ولا تبدأ فعاليتها إلا بعد حلولها في الكائنات ~~الحية. وعندما تبدأ بالفعل والنشاط الحقيقي من خلال الجسد والعمليات ~~العقلية، فإن كلا منها يراكم كارما خاصة به. والكارما بمعناها اللغوي ~~في السنسكريتية هو الفعل أو العمل، ولكنها في سياق العقائد الهندية ~~تعني الفعل وجزاءه سواء أكان ثوابا أم عقابا. إلا أن ما يميز فكرة ~~الثواب والعقاب هنا عن مثيلتها في أديان ms186 التوحيد هو أن الجزاء ليس ~~مفروضا من شخصية إلهية ترعى العدل، وإنما يتم بشكل أوتوماتيكي من ~~خلال قانون الكارما الكوني، فإذا كانت الكارما إيجابية عادت الروح إلى ~~التقمص في جسد أعلى، وإذا كانت سلبية تقمصت في جسد أدنى لكي ~~تسدد دينها. هذه الدورة من الفناء والتجدد تتجاوز عالم الإنسان ~~لتشمل عالم الظواهر المادية برمته، والزمن يشبه عجلة تدور على ~~نفسها، كلما بلغت دورة منتهاها فني العالم برمته ثم عاد إلى ~~التشكل من جديد دونما نشدان غاية أو سعي إلى هدف. إلا أن الانعتاق ~~من هذه الدورة السببية ممكن التحقيق وهو بؤرة الحياة الدينية عند ~~الهندوسي. ~~(س): # بين هذه الأفكار التي تجمع ~~الطوائف الهندوسية لا نجد مفهوما واضحا عن طبيعة الألوهة ودورها ~~على مستوى الكون والإنسان. ~~(ج): # هذا صحيح؛ لأن الهندوسية ~~تبدي تحررا من أي دوغمائية تتعلق بطبيعة الألوهة، وجوهر الدين ~~لديها لا يقوم على الاعتقاد بوجود إله واحد، أم عدة آلهة، أم على ~~نكران وجودها على ما نجده لدى بعض المذاهب الهندوسية؛ من هنا فإن ~~الهندوس يتمتعون بخيارات واسعة من المعتقدات والممارسات ينتقون منها ~~ما يريدون، أو يختارون من الآلهة ما يعبدون؛ لذلك فقد تعددت طرق ~~الانعتاق التي يختار الفرد من بينها ما يناسب تكوينه النفسي والفكري ~~والجسدي، وهي ثلاثة؛ أولها طريق المعرفة، وهو الطريق المؤدي إلى معرفة ~~الله معرفة ذوقية اختبارية في أعماق النفس، وذلك من خلال تدريبات ~~روحية خاصة وأسلوب خاص في الحياة يعتمد على الزهد والتنسك وقهر ~~رغبات الجسد، وهذا ما يقوده أخيرا إلى كشف حجب الجهل، جهل النفس ~~الإنسانية بطبيعتها وأصلها، فتنفلت من تلك العجلة الدائمة الدوران ~~وتعود إلى أصلها، ولكن هذا الطريق صعب سلوكه على معظم الناس، وهو ~~يتطلب مقدرات عقلية ونفسية وجسدية لا تتوافر عند الجميع؛ ولذلك، ~~ولمثل هؤلاء، جرى الاعتراف بطريقين آخرين هما طريق الأعمال وطريق ~~التقوى. يقوم طريق الأعمال على تأدية الطقوس لا سيما المنزلية منها، ~~كتلك المتعلقة بالولادة والموت والزواج والحصاد، إضافة إلى تقديم ~~القرابين إلى الآلهة وإلى أرواح الأسلاف، وبهذه ms187 الطريقة يكسب المؤمن ~~حسنات ويراكم كارما إيجابية تساعده على الانتقال إلى درجة أعلى في ~~سلم التناسخ. أما طريق التقوى فهو الانقطاع لعبادة إله معين، ~~والدخول في علاقة حب معه، والاستسلام الكامل له، وممارسة الطقوس ~~الواجبة له في المعبد، وبذل العمل الصالح؛ ولهذا يقول الإله كريشنا في ~~ملحمة المهابهراتا عندما يتجلى للمحارب أرجونا: «التصق بي، ضمني ~~بالعقل والقلب، قم بأعمال تسرني، مجدني، اخدمني، هب لي قلبك، ~~اجعلني ملجأك الوحيد، وسأحرر روحك.» ~~(س): # ما هي مكانة عقيدة وحدة ~~الوجود في دين الهند، وكيف نشأت في وسط وثني لا شبيه له من حيث كثرة ~~الآلهة؟ ~~(ج): # هنا لا بد لنا من إلقاء نظرة ~~عاجلة على الكيفية التي تطورت بها الهندوسية خلال تاريخها الطويل ~~الذي يبتدئ مع دخول الجماعات الهندو-أوربية إلى الهند في أواسط الألف ~~الثاني قبل الميلاد. وقد احتل هؤلاء وادي السند أولا ودمروا ثقافة ~~راقية قديمة قامت هناك قبل ألف عام بتأثير من ثقافة وادي الرافدين، ~~ثم تابعوا ببطء تقدمهم نحو وادي الغانج، ولم يصلوا أقصى الجنوب إلا ~~في بدايات الألف الأول قبل الميلاد. وخلال تقدمهم كانوا يخضعون ~~السكان الأصليين من ذوي البشرة الداكنة. ~~(س): # من هي هذه الجماعات؟ ومن أين ~~جاءت؟ وما سبب تسميتها بالهندو- ~~أوروبية؟ ~~(ج): # هي فرع من الأقوام الذين ~~يدعوهم المؤرخون بالهندو-آريين أو الهندو أوروبيين لأنهم انطلقوا من ~~موطنهم الأصلي في السهوب الأوراسية الواقعة بين آسيا وأوروبا في ~~هجرات جماعية، فوصلت جماعات منهم أولا إلى آسيا الصغرى وأوروبا، ~~وبعد ذلك إلى الهند وإيران. وقد كانت لهم في الأصل لغة واحدة انقسمت ~~بعد تفرقهم إلى عدة لغات، وهي أصل اللغة السنسكريتية المقدسة في ~~الهند ومعظم اللغات الأوروبية المستعملة الآن. وقد حمل هؤلاء معهم إلى ~~الهند ديانتهم التي يدعوها الباحثون اليوم بالفيدية نسبة إلى الفيدا، ~~وهي مجموعة من الأدبيات والأناشيد الدينية دونت بالسنسكريتية في ~~مواطنهم الجديدة بالهند. وقد اتسعت أسفار الفيدا حتى اشتملت على أربع ~~مجموعات ضخمة، ولا أدل على ضخامتها من أن المجموعة المعروفة باسم الرج ~~فيدا احتوت على عشرة ms188 آلاف ترتيلة دينية. # وهنا تحضرني حادثة طريفة ذات علاقة بالفيدا؛ فعندما كنت مقيما ~~في الإمارات العربية، طلبت من صديق هندي ذاهب في إجازة إلى موطنه ~~أن يحضر لي معه الرج فيدا معتقدا أنه مجرد كتاب في ثلاثمائة أو ~~أربعمائة صفحة، وعندما عاد دخل إلى مكتبي ومعه علبة ثقيلة ينوء ~~بحملها، فوضعها أمامي قائلا: هذه هي الرج فيدا. وكانت في نحو عشرة ~~مجلدات ضخمة يحتوي كل منها على 400 صفحة، وترتب علي أن أدفع ~~مقابلها ثمنا باهظا لم أكن أتوقعه. ~~(س): # هل جاء هؤلاء معهم بعقيدة ~~وحدة الوجود؟ ~~(ج): # كلا؛ فهذا المفهوم نشأ عن ~~تمازج دين الفيدا مع دين السكان الأصليين؛ فقد كان دين هؤلاء القادمين ~~دينا طقسيا عمليا لا يحتوي على كثير من الأفكار المجردة، وكان ~~القربان الحيواني مركز طقوسهم، ومن خلاله اعتقدوا أنهم قادرون على ~~الحصول من الآلهة على ما يريدون. ومع تقديم القربان، كان الكهنة ~~القائمون عليه يتلون صيغا كلامية سحرية من شأنها أن تضع تحت تصرفهم ~~تلك القوة فوق الطبيعانية التي تجعل الإجراء السحري فعالا. # على أن معتقد الفيدا أخذ بالتبدل عندما تبدل الفاتحون نتيجة ~~اختلاطهم بالسكان، فتشكل خلال الفترة المعروفة بالبراهمانيين معتقد ~~صوفي طورته فئة من الكهنة كانت في الماضي تشرف على طقوس ~~القرابين، وقد دعي هؤلاء بالبراهمانيين، أو البراهمة كما دعتهم ~~المصادر العربية في العصر العباسي؛ فقد أخذ هؤلاء بتكوين مفهوم جديد ~~عن الألوهة، والنظر إلى آلهة الطبيعة المختلفة باعتبارها وجوها ~~لحقيقة كلانية وكينونة خافية هي براهمان، الألوهة غير المشخصة ~~والقدرة الكامنة خلف مظاهر الكون المتبدية. وقد تطور فكر هؤلاء من ~~خلال الأسفار المعروفة باسم البراهمانات (مفردها براهمانا)، وهي عبارة ~~عن تعليقات وشروح على الفيدا كان آخرها كتاب الأوبانيشاد الذي دون ~~في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد وأسس للتصوف الهندي. ~~(س): # كيف تم عبور الهوة الواسعة ~~بين عقيدة تعددية طقسية تجعل من القربان الحيواني صلة بين السماء ~~والأرض، وعقيدة صوفية توحد بين السماء والأرض؟ ~~(ج): # يبدو أن الأمر حصل هكذا؛ فمن خلال تفرغهم للشئون ~~الدينية، ms189 وإشرافهم على أداء الطقوس المعقدة المصحوبة بالصيغ السحرية ~~المنطوقة، طور البراهمة مفاهيم عن معنى الطقس وغاياته والقوة الخافية ~~التي تمنحه التأثير والفعالية. فالتضحية ليست قربانا يقدم إلى ~~الآلهة مع الصلاة والشكر، بمقدار ما هي عمل سوي يضع تحت تصرفهم تلك ~~القوة الماورائية السارية في الكون، والتي ينبغي على الآلهة أنفسهم ~~الانصياع لها. وقد دعيت هذه القوة براهمان، وهي كلمة كانت تطلق في ~~الأصل على الصيغ السحرية المستخدمة لاستنهاض القوة ثم تحولت لتصبح ~~دلالة على القوة نفسها. ومع تركيزهم على هذه القوة ومحاولة فهمها، ~~راحوا ينظرون إليها على أنها مصدر كل شيء ومآل كل شيء، وتحول سعيهم ~~من محاولة التأثير فيها إلى التوحد معها. وشيئا فشيئا، أخذت ~~الآلهة الفيدية تفقد شخصيتها وتغدو رموزا طقسية لا أكثر، فأدار ~~الكهنة لها ظهورهم وراحوا يمارسون رياضات روحية باحتساء شراب السوما ~~المخدر الذي لا نعرف كيف كانوا يصنعونه، من أجل التوصل إلى حالة من ~~الوجد، يشعرون معها بذوبان الأنا الفردية بالكل. هذه الحالة التي ~~يختبرها البراهماني هي مقدمة للانعتاق والاتحاد مع براهمان. وهذا ~~الانعتاق كان في البداية وقفا على البراهمة من دون غيرهم. ولكي تؤدي ~~الرياضات الروحية المطلوب منها، كان على البراهماني أن يلتزم نظاما في ~~الحياة يقوم على النسك والتزهد والفقر والعزوف عن متع الحياة ~~الزائلة. ~~(س): # ما طبيعة هذه الرياضات ~~الروحية؟ ~~(ج): # إن عقل الإنسان مشغول على ~~الدوام بالأمور اليومية، وعندما لا يكون مشغولا بها تراه يقفز مثل ~~قرد دائم الحركة من فكرة إلى أخرى دونما غاية؛ ولذلك فإن المهمة ~~الأولى التي يتوجب على السائر في طريق المعرفة القيام بها هي ترويض ~~العقل ووضعه في حالة استرخاء تام لكي يغدو مهيأ لتلقي المعارف ~~العليا ، ويتم ذلك بواسطة اتخاذ جلسة التأمل الباطني التي نراها في ~~التماثيل البوذية عادة، وإبعاد كل الأفكار والصور التي يمكن للعقل أن ~~يتداولها، مع التنفس بطريقة إيقاعية خاصة. ويترافق ذلك مع التركيز ~~على اللحظة الراهنة، فلا ماض ولا مستقبل ولا جريان للزمن، وإنما لحظة ~~أبدية خارج الزمان والمكان. ومع المضي ms190 في هذا التدريب اليومي، قد يصل ~~الفرد إلى حالة من الوعي تجعله يدلف إلى عالم الحقيقة فيشعر بومضة ~~يقين مثيرة للفرح ويحصل على الاستنارة التي من شأنها كف الكارما عن ~~فرض تأثيراتها، وتصل دورة التناسخ إلى نهايتها. ~~(س): # هل انتقلت هذه الرياضة ~~الروحية إلى البوذية كما نفهم من كلامك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فقد نشأت البوذية ~~المبكرة في حاضنة دينية هندوسية، وبإمكاننا اعتبارها هرطقة ~~براهمانية. ~~(س): # نفهم من كل ما سبق أن براهمان ~~ليس إلها بالمعنى المتعارف عليه لهذه الكلمة، أليس كذلك؟ ~~(ج): # نعم، إنه ليس إلها وبالتالي ~~فهو بلا صفات؛ أي إننا لا نستطيع التحدث عنه على أنه كذا وكذا، بل ~~على أنه ليس بكذا وليس بكذا، ودائما بصيغة النفي لا بصيغة ~~الإثبات. ~~(س): # فكيف يفعل في العالم إذا كان ~~بلا صفات؟ أعني إذا لم يكن: الخالق، القادر، المنعم، وما إلى ~~ذلك؟ ~~(ج): # لقد حلت عقيدة وحدة الوجود ~~مشكلة كيف يمكن لبراهمان الذي لا ماهية له ولا فعل أن ينتج عالما من ~~الصور المرئية والمتغيرة، من خلال قولها بوجود حالين لبراهمان هما حال ~~الخفاء حيث لا أسماء ولا صفات، وحال التجلي حيث تلحق بالألوهة الأسماء ~~والصفات، الأولى براهمان نرغونا، والثانية براهمان ساغونا، وقد حقق ~~براهمان هذه النقلة بين الحالتين بواسطة قوته الخلاقة مايا التي ~~أنتجت الإله الخالق الذي يعيد خلق العالم بعد فنائه في كل دورة. ~~وهذا الإله الخالق هو قناع براهمان الذي يتوجه الناس إليه بالعبادة، ~~وعنده تقف أفهامهم، إلا من شاء اجتياز بحار الوهم والتعرف على ما ~~وراء القناع. ~~(س): # هذا يشبه قول الغنوصيين ~~بوجود الأب النوراني الأعلى الذي لا علاقة له بالعالم، والديميرج الإله ~~الصانع الذي خلق العالم ، أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فدروب العقل ~~الإنساني تلتقي كلما افترقت، وقد حل التصوف الإسلامي أيضا، في ~~شقه الفلسفي الذي يمثله عبد الكريم الجيلي ومحيي الدين بن عربي، مشكلة ~~صدور العالم عن ذات الله التي لا صفات لها ولا أسماء من خلال تصورات ~~مشابهة لتصورات وحدة الوجود في الهندوسية. ms191 يقول الجيلي في كتابه ~~الإنسان الكامل - على ما أوردت في محور الغنوصية - إن الأصل في ~~الألوهة هو الكمون والغنى عما سواها؛ فذات الله عبارة عن نفسه التي هو ~~بها موجود لأنه قائم بنفسه، وهو وجود مطلق لا ظهور فيه لاسم أو نعت ~~أو إضافة؛ ولذلك ارتفع من حيث الاصطلاح معناه في الكلام، وانتفى أن ~~يدرك للأنام. المتكلم في ذات الله صامت والناظر باهت، ولكن الألوهة ~~تخرج من كمونها وغناها في علاقتها بالعالم وتتجلى على مراتب؛ الأولى هي ~~مرتبة الأحدية التي تظهر فيها الممكنات جميعا ولكن بحكم البطون، فكل ~~ما سيظهر للوجود فيما بعد كان في حيز الممكن الثابت في الذات الإلهية ~~لا في حيز الوجود المتحقق؛ فهنا يتجلى المطلق في نفسه ولنفسه، ~~وتتأمل الألوهة نفسها دون أن تلحقها الاعتبارات والإضافات. والثانية ~~هي مرتبة الألوهة التي تظهر فيها الأسماء والصفات، والله اسم لرب هذه ~~المرتبة، وكل الأسماء والصفات واقع تحت هذا الاسم الذي يبصر به الحق ~~نفسه وبه يتوصل الخلق إلى معرفته. الثالثة هي مرتبة الرحمانية، وهنا ~~تدخل الألوهية مرحلة الخلق وتتجلى كقدرة خالقة لكل مظاهر الكون. إلا ~~أن الخلق هنا ليس خلق صانع ماهر، وإنما خلق ألوهة تنقسم إلى حق وخلق ~~دون أن تفقد وحدتها، فالله يظهر في الموجودات ولكنه لا يتعدد بتعدد ~~مظاهره بل هو واحد في تلك المظاهر جميعها. المرتبة الأخيرة هي ~~الربوبية، والرب اسم لهذه المرتبة، وهي مختصة بعالم الخلق، فإذا كانت ~~الذات تمثل بطون الألوهة وغناها عما عداها، فإن الربوبية هي ظاهر ~~الألوهة الذي يتجه نحو عالم الخلق. # وكما أن خروج الألوهة من كمونها يتم عبر مراتب متتابعة للتجلي، كذلك ~~يتم تواصل الإنسان مع عالم الألوهة عبر المراتب نفسها وبما يتلاءم ~~واستعداد كل فرد؛ فعامة الناس يبقون عند ظاهر الألوهة يتعبدون لله ~~تعالى من حيث اسمه الرب إله الشرائع، وفوقهم العارفون الذين يعبدونه من ~~حيث اسمه الرحمن، وفوقهم المحققون الذين يعبدونه من حيث اسمه ~~الله. ~~(س): # يشعر المرء في قراءته للجيلي ~~أنه قدم صيغة إسلامية لوحدة ms192 الوجود الهندوسية. ~~(ج): # هذا صحيح؛ فالعقول الإنسانية ~~تلتقي في النهاية دونما ضرورة لاتصال مباشر، والمتصوفة ينطلقون من ~~بيئات ثقافية متنوعة ليصلوا في النهاية إلى رؤى مشتركة. ~~(س): # في عقيدة التناسخ تلعب ~~الأخلاق الدور الأهم، أما في عقيدة وحدة الوجود فإن العرفان هو الأهم. ~~كيف وفق البراهمة بين العقيدتين؟ وأيهما الأجدى بالنسبة إلى الساعي ~~إلى الانعتاق، الأخلاق أم العرفان؟ ~~(ج): # السلوك الأخلاقي في حد ذاته ~~لا يؤدي إلى الانعتاق، وإنما يؤهل صاحبه للدخول في تجسيد أفضل وأرقى ~~في حياته الثانية؛ ولهذا نجد أن الهندوسي الصالح يلتزم بقواعد الأخلاق ~~الخاصة بطبقته، فيتزوج وينجب ويساهم في كل نشاط بناء تتطلبه حياة ~~الجماعة إلى أن يصل أواسط العمر، فإذا وجد في نفسه الرغبة والقدرة على ~~الشروع في رحلة الانعتاق، انسحب من العالم وترك كل ما له علاقة بحياة ~~الجماعة، وهجر أسرته التي لم تعد بحاجة إليه، وتوجه إلى الغابات ~~ليعيش حياة الزهد والتنسك وقهر الجسد والتأمل. لقد ترك العالم بخيره ~~وشره وتحول إلى أرهط؛ أي إلى ناسك متجول يحمل قصعة التسول التي ~~يضع له فيها من يمر بهم من القرويين ما يبقيه على قيد الحياة. نقرأ ~~في كتاب الأوبانيشاد: «إن طالب الخلود ليس لديه خوف مما ارتكبه من شر، ~~ولا أمل فيما قدمه من خير. لا شيء مما فعله أو لم يفعله يمكن أن ~~يكون له أهمية عنده.» ~~(س): # الحديث عن التزام الهندوسي ~~بأخلاق طبقته يثير عندي سؤالا يتعلق بنظام الطبقات في الهند. متى نشأ ~~هذا النظام الفريد من نوعه؟ وهل له صلة ما بالدين؟ ~~(ج): # عندما دخل الآريون الهند كان ~~المجتمع الهندي يتألف من طبقتين هما: طبقة الفاتحين، وطبقة السكان ~~الأصليين. وقد بقي الأمر على هذا الحال حتى أواسط الألف الأول قبل ~~الميلاد عندما أخذ نظام الطبقات يتأسس حتى صار سمة بارزة للمجتمع ~~الهندي الذي انقسم بحدة إلى أربع طبقات هي: (1) الكشاتيريا، وهم ~~النبلاء من أصحاب الأراضي والمحاربون، (2) البراهمة. (3) الفايساس، وهم ~~عامة الشعب الآري من فلاحين وحرفيين وغيرهم. (4) الشودرا، أو الخدم، ~~وهم السكان ms193 الأصليون من ذوي البشرة الداكنة. وفي الحقيقة فإن كلمة طبقة ~~في اللغة السنسكريتية تعني في الأصل لونا؛ لأن اللون كان أول ما ميز ~~به الآريون البيض أنفسهم عن سكان الأرض السود. وهنالك طبقة تقع خارج ~~النظام الاجتماعي الهندوسي وهي طبقة المنبوذين الذين يشكلون حثالة ~~المجتمع، والذين لا يمكن للطبقات الآرية أو لطبقة السود التعامل معها ~~بأي طريقة كانت، حتى إن طبقة النبلاء أو البراهمة كانت تتلوث بمجرد ~~النظر إلى المنبوذين. وعلى الرغم من أن الطبقات الآرية الثلاث ميزت ~~نفسها بحدة عن السكان الأصليين، إلا أن الحدود الفاصلة بين الطبقات ~~الآرية نفسها كانت حادة؛ فالتزاوج ممنوع وحتى العلاقات الاجتماعية. ~~وقد كانت الصدارة في البداية لطبقة النبلاء ثم آلت إلى البراهمة، ولكن ~~النزاع على الصدارة لم يهدأ بين الطبقتين. ~~(س): # في حديثك عن الطبقات في الهند ~~أشرت إليها مرة على أنها طبقات المجتمع الهندي، ومرة أخرى على أنها ~~طبقات المجتمع الهندوسي، فهل كان هذا النظام اجتماعيا أم ~~دينيا؟ ~~(ج): # كان نظام الطبقات في بدايته ~~نظاما اجتماعيا في الهند مثلما هو الحال في بقية البلدان، ولم تكن ~~الحدود بين الطبقات صلبة مثلما صارت إليه بعد ذلك، ولكن الفكر البرهمي ~~عندما تبنى عقيدة التناسخ والكارما من جملة ما تبنى من عقائد ~~السكان الأصليين، قام بعقد صلة بين هذه العقيدة ونظام الطبقات ~~الاجتماعي، فإذا كان البراهماني يتمتع بكل ما تقدمه له طبقته من ~~مزايا، والشودرا يعاني من كل الشروط الحياتية البائسة لطبقة الخدم، ~~فلأن كلا منهما قدم في حياته السابقة ما يسوغ حياته الحالية. ~~وبذلك تم ربط نظام الطبقات بالدين، وصارت أي محاولة لإزالة الفروق بين ~~الطبقات نوعا من الهرطقة لأنها تعاكس القانون الكوني للسبب والنتيجة ، ~~وتجادل في عواقب الكارما. ~~(س): # تحدثنا عن بعض نواحي ~~التشابه بين عقيدة وحدة الوجود في الهندوسية ومثيلتها في التصوف ~~الإسلامي، ولكن ما الذي يميز بحدة بينهما عدا الإيمان ~~بالتقمص؟ ~~(ج): # تنفرد عقيدة وحدة الوجود ~~بنظرتها إلى الزمن؛ فالزمن لا يسير بشكل خطي نحو الأمام دون نهاية ~~منظورة، كما هو ms194 الحال في الديانة الفيدية أو أديان الشرق القديم. كما ~~أنه لا يسير نحو نهاية محتومة مقررة في عقل الخالق، ينتهي عندها ~~التاريخ ويفنى العالم، كما هو الحال في أديان التوحيد. الزمن في ~~الهندوسية يتحرك بشكل دائري، والعالم لا يفنى مرة واحدة وإنما مرات ~~لا يمكن حصرها، وذلك مع انتهاء كل دورة وابتداء دورة جديدة. في نهاية ~~كل دورة يتهدم العالم بما فيه من بشر وكائنات حية وآلهة، ويتلاشى ~~في مياه الأبدية، أما الأرواح التي فنيت أجسادها مع ما فني من عالم ~~الظواهر، فإنها لا تفنى ولا تنعتق، بل تبقى هاجعة في سكون ناسية ~~أعمالها الماضية، ويخيم على الوجود ليل وصمت. وفي أول لحظة من نهار ~~الدورة الزمنية التالية يولد الإله براهما ليخلق عالما جديدا وتحمل ~~كل روح أعمالها وتحل في أجساد جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية حيث ~~لا يمكن عد الدورات الماضيات ولا أفق تنتهي عنده الدورات الآتيات، ~~وما من غاية منظورة ولا هدف ولا معنى. ~~(س): # ما هي المدة الزمنية للدورة ~~الواحدة؟ ~~(ج): # تدوم الدورة مدة 4320000000 ~~سنة (أربعة مليارات وثلاث مائة وعشرين مليونا)، وهذه هي الدورة الكبرى ~~المدعوة كالبا، والتي يأتي العالم في آخرها إلى نهايته. ولكن كل دورة ~~كبرى تتألف من ألف دورة صغرى تدعى ماهايوغا. وكل دورة صغرى ~~تتألف من أربعة عصور. يتصف العصر الأول بالكمال في كل شيء لأن الناس ~~يولدون فيه أخيارا ويكرسون حياتهم لأداء واجباتهم، وهو أطول ~~العصور. في العصر الثاني يبدأ الفساد بالتسرب إلى المجتمع الإنساني؛ ~~ولذلك يتوجب على الناس أن يتعلموا الفضائل بعد أن كانت مغروسة في ~~طبعهم. في العصر الثالث يحصل توازن حرج بين النقص والكمال. في ~~العصر الرابع تطغى الرذيلة على الفضيلة، وتسود البغضاء بين الناس وتقوم ~~المنازعات بينهم، وتنشب الحروب بين الشعوب، وهو أقصر العصور الأربعة، ~~والعالم الآن يعيش في أحد هذه العصور السوداء. ~~(س): # عندما أتأمل هذه ~~الميثولوجيا الهندوسية التي تشف عن عقل فلسفي قل نظيره، يبدو لي ~~أن مذهب وحدة الوجود اقتصر في الهند على ms195 نخبة العقول والنفوس ~~الشفافة، فماذا عن بقية شرائح المجتمع؟ ~~(ج): # لم يكن الهندي العادي، في ~~الحقيقة، بحاجة إلى تلك الألوهة الخافية الغائبة براهمان، بقدر حاجته ~~إلى إله مشخص قريب يمكن محبته وعبادته والدخول معه في علاقة ~~محبة، إله يلبي له مطالبه اليومية، ويساعده على تجسد أفضل أو حتى على ~~الانعتاق. وقد كان البراهمة مدركين لهذه الحقيقة، فحاولوا الحصول على ~~نصيب لهم في الديانة الشعبية، وطوروا عقيدة تقول بأن براهمان يتجلى ~~في عالم الظواهر من خلال ثلاثة آلهة تمثل الوظائف الرئيسية للألوهة، ~~وهي الخلق والحفظ والتدمير، وهم برهما الخالق وفيشنو الحافظ وشيفا ~~المدمر. وفي العلاقة مع هؤلاء تحل محبة الإله والإخلاص له محل ~~الكدح الروحي، وتحل الأعمال وتأدية الواجبات محل العرفان. وقد أخذ ~~هؤلاء الثلاثة يستوعبون إليهم وظائف عشرات الآلهة المحلية. وبذلك ظهرت ~~إلى الوجود ابتداء من القرن الثاني قبل الميلاد الهندوسية الكلاسيكية ~~التي سيطرت على المشهد الديني حتى الوقت الحاضر. وقد أنتجت هذه ~~الهندوسية أدبا حل محل الفيدا والأوبانيشاد وغيرها من الأدبيات ~~البراهمانية، لعل من أبرز مظاهره ملحمة الماهبهاراتا وملحمة ~~النارايانا، وأسفار البورانا؛ أي القصص القديم. # كانت عبادة شيفا هي الأقوى والأكثر انتشارا قبل أن تكسفها عبادة ~~فيشنو. والخصيصة الرئيسية لشيفا هي التدمير، إلا أن التدمير الذي يقوم ~~به هو من أجل إفساح المجال لخلق جديد؛ فموت الحياة النباتية ليس سوى ~~مقدمة لنشأة أشكال جديدة من الحياة تتغذى عليها الحياة الإنسانية، ~~وموت الإنسان هو تحرر مؤقت وتحول إلى حياة أخرى جديدة. وعندما ~~يقف شيفا عند نهاية الدورة الزمنية الكبرى في مركز الكون، ويرقص رقصته ~~الشهيرة الهادفة إلى تدميره، إنما يفعل ذلك من أجل خلق كون آخر. وبذلك ~~فقد غدا شيفا المدمر رمزا لطاقة الحياة والتجدد، تساعده في ذلك ~~زوجته شاكتي ذات الأسماء المتعددة؛ فهي مايا، ودوركا، وشاندي، وكالي ~~السوداء. وتركز عبادة شيفا، أو الشيفاتية، على القران المقدس ~~بينه وبين شاكتي، فنراهما في الرسوم والمنحوتات في حالة عناق واتحاد ~~جسدي، وهذا الاتحاد هو الذي يديم طاقة الحياة فاعلة في عالم الطبيعة ms196 ~~والكائنات الحية. وقد ينوب عن هيئة الإلهين منحوتة اللينغام-يوني، وهي ~~تمثل عضو الذكورة وعضو الأنوثة في وضعية الاتحاد. وقد ينصب تمثال ~~لقضيب شيفا في المعبد وفيه كوة تبدو من خلفها شاكتي. # كانت عبادة شاكتي في البداية موضوعا ثانويا لعبادة شيفا، ولكنها ~~تحولت في المناطق الشمالية الشرقية إلى عبادة مستقلة تدعى ~~بالشاكتية. وقد ركزت هذه العبادة على شاكتي باعتبارها الإلهة الأم ~~المجسدة لطاقة الطبيعة الجامعة للحياة والموت، وهذه الطاقة ليست سوى ~~مايا، الطاقة الخلاقة لبراهمان، والتي يقول فيها المعلم الهندوسي ~~راما كريشنا، الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي، ما يأتي: «عندما ~~أفكر في الكائن الأعلى في حالته السكونية عندما لا يحفظ ولا يدمر ~~ولا يبدع فإني أسميه براهمان. وعندما أفكر في حالته الفعالة ~~عندما يحفظ ويدمر ويبدع فإني أسميه شاكتي أو مايا أو كالي. براهمان ~~ومايا شيء واحد، تماما كما هو الحال مع الحليب وبياضه أو الماس ~~وبريقه؛ حيث من المستحيل تصور هذا بدون ذاك. الأم الإلهية وبراهمان ~~هما براهمان وقوته.» ~~(س): # يبدو أن مفهوم المايا هو ~~قاسم مشترك بين العقائد الهندوسية! ~~(ج): # هو قاسم مشترك بين معظم تلك العقائد، ووظيفته هي ~~تفسير الصلة بين الواحد غير المتجزئ والكثرة التي صدرت عنه بواسطة ~~المايا، وهذه الكلمة في اللغة السنسكريتية تعني الوهم والخيال وكل ~~مظهر خادع؛ فالمايا، القوة المقدسة لبراهمان، هي التي تولد المشهد ~~الكوني وتفعل من داخله، وفي الوقت نفسه هي ذلك المشهد بعينه، ولكن ما ~~تولده المايا لا يتمتع بوجود حقيقي لأنه دائم التبدل ~~والتغير، لا يثبت على حال وأشبه ما يكون بحلم يمر في عقل ~~براهمان؛ ففيما عدا براهمان الكينونة الكاملة والوجود الحق، كل شيء ~~مؤقت وعابر، مظهره كالرغوة التي لا قوام لها أو كالسراب الخادع، إنه ~~ليس بموجود ولا غير موجود؛ لأنه يتكئ على براهمان كأصل له، لكن ~~براهمان لا تصله بالعالم صلة سببية؛ لأن العالم ظهر على يد الإله ~~الخالق برهما أو الإله إشفارا عبر المايا. ~~(س): # هذا شيء صعب قبوله على ~~الفهم العادي. هل نحن ms197 أيضا وهم في جملة ذلك الوهم الكبير؟ ~~(ج): # حسنا، إذا سألتك: من أنت؟ ~~تقول لي فلان ابن فلان، ولكن من هو فلان؟ هل هو ذلك الجنين في بطن أمه؟ ~~لقد تحول الجنين إلى رضيع بعد الولادة، والرضيع تحول إلى طفل، ~~والطفل إلى مراهق، والمراهق إلى شاب، والشاب إلى كهل، والكهل إلى شيخ، ~~والشيخ ارتفع من الوجود، فأي من هذه الأحوال المتبدلة يمكن أن ~~يمثل فلانا؟ إذا لم تحر جوابا أقول لك إذا لم يكن أي من هذه ~~الأحوال يمثل فلانا، فوجوده لم يكن سوى مايا. ~~(س): # ولكن النفس ليست مايا، إنها ~~شيء حقيقي لأنها من نفس براهمان. ~~(ج): # هذا صحيح، ولكن النفس واقعة ~~في إسار الجهل الذي يوحي لها بأنها نفس مستقلة، وما دامت على جهلها ~~هذا فإنها تعاين الكثرة والتنوع، كثرة الموضوعات الطبيعية وكثرة ~~النفوس البشرية، ولكنها عندما تفلح في الانعتاق فإن الوهم الكبير ~~ينجلي وترى كل شيء متوحدا في براهمان، فتنمحي الحدود بين الظواهر ~~وتذوب الفروق بين الأرواح التي كانت تعيش وهم التفرد ~~والاستقلال. ~~(س): # هل لفكرة وهمية عالم ~~الظواهر معادل خارج فكر الهند؟ ~~(ج): # لها معادل في فكر محيي الدين ~~بن عربي. لقد أشرت سابقا إلى مفهوم الخلق المستمر عند هذا المفكر ~~الإسلامي، ومفاده أن الله لم يخلق العالم مرة واحدة في بداية الزمن، ~~وإنما هو خالق على الدوام؛ ففي كل لحظة يفنى العالم ثم يستعاد إلى ~~الوجود، والكائنات الحية لها مع كل شهيق وزفير فناء ثم استعادة، ~~والبطلان يتطرق إلى الأشياء مع الخطرات فهي في تغير مستمر، ولو ~~أمسك الحق سبحانه الإيجاد عنهم لانعدموا في أسرع من طرفة عين. من هنا ~~فإن وجود المخلوق لا حقيقة له ، ولو كان الوجود للمخلوقات حقيقة لأشبه ~~وجود الحق سبحانه، وهذا محال. # من هذه المقدمات ينطلق فكر ابن عربي إلى فكرة الكون الخيالي، فإذا ~~كان الوجود الحقيقي هو لله وحده فإن كل وجود آخر لا يعدو أن يكون ~~خيالا، ونتاج فعل الخيال الخلاق عند الذات الإلهية، فالحياة حلم ~~وجميع صور ms198 العالم الخارجي خيال في خيال، جوهره التبدل الدائم، ولا ~~شيء يبقى على حاله سوى الله، وكل ما عداه خيال حائل وظل زائل. من ~~هنا، فإن ظهور العالم ليس خلقا عن عدم، بل هو خروج من وجود علمي؛ أي ~~في علم الله، إلى وجود عيني. ولكن ما يخرجه الله من علمه لنراه لا ~~يتعدى كونه ممكنات أو قوابل للوجود يدعوها ابن عربي بالأعيان ~~الثابتة في العدم؛ فهي موجودة في علم الله ولها ظهور خيالي في العالم ~~الخارجي؛ فالإمكان ما فارقها حكمه، وهي محفوظة في خزائن الإمكان ولا ~~خروج لها منه، ولكن الحق سبحانه فتح أبواب هذه الخزائن حتى نظرنا إليها ~~ونظرت إلينا، ونحن فيها وخارجون عنها. # المحور العاشر # | غروب الآلهة # في الجاينية والبوذية والتاوية ~~(س): # في محور الدين والحضارة قلت لنا إن الإنسان الأول ~~لم يؤمن بوجود الآلهة، وإن الآلهة ظهرت عبر سياق تطوري بطيء، ~~ولم يترسخ حضورها في الدين قبل الألف الرابع قبل الميلاد. فهل عادت ~~الآلهة إلى الاختفاء بعد ذلك؟ ~~(ج): # لدينا زمرة من الأديان تقوم ~~عقائدها على المبدأ اللاإلهي/ # Atheism ~~، ~~الذي ينكر وجود إله أعلى خالق للكون؛ لأن الكون قديم وليس بحادث، ~~وأزلي وليس بمخلوق، وهو يعمل وفق آلية دقيقة ونظام خفي يخضع له ~~الكل بما في ذلك الآلهة، إن وجدوا. ~~(س): # المبدأ اللاإلهي إذن لا ~~ينكر وجود الآلهة. ~~(ج): # لنقل إنه صرف الآلهة من ~~الخدمة، وخصص لها رواتب تقاعدية تكفيها لأن تعيش على هامش الكون ~~دون فعالية تذكر. ~~(س): # متى وأين حصلت هذه الردة ~~عن العقيدة الإلهية؟ ~~(ج): # ظهر المبدأ اللاإلهي بشكل ~~واضح في الهند؛ فقد ظهرت في الهندوسية (التي لم تتخذ قط صيغة ~~أيديولوجية موحدة) أكثر من فرقة قالت بأن الحجج على وجود الإله ~~الخالق قد تكون مقنعة على مستوى الحياة اليومية، أما على مستوى ~~المعرفة الدينية الأعمق فإن الكائن الأعلى هو وهم حقا. على أن ~~المبدأ اللاإلهي لم يترسخ في الهند ويغدو دينا مؤسساتيا إلا في ~~الجاينية والبوذية. ~~(س): # نحن نعرف عن البوذية ولكننا ~~لم ms199 نسمع عن الجاينية من قبل! ~~(ج): # البوذية معروفة كاسم لدى ~~الجميع بسبب انتشارها خارج الهند، أما الجاينية فلم تحقق لنفسها ~~الانتشار نفسه، وقد أسسها معلم روحي يدعى ناتابوتا فاردهاما، ~~والذي عرف بعد ذلك بلقبه الماها فيرا؛ أي الإنسان العظيم. ولد ~~الماها فيرا في بيت ملكي في مقاطعة بيهار نحو عام 599ق.م، وعندما ~~بلغ سن الرشد تزوج وأنجبت له زوجته ابنة، ولكن الشاب كان كثير ~~التأمل، عازفا عن حياة الترف المحيطة به، وغالبا ما كان ينسل من ~~القصر إلى الغابة القريبة حيث كان يلتقي بجماعات من النساك ~~المتجولين، ويجد في الاستماع إليهم ما يرضي فكره المتقد ~~بالأسئلة. وعندما توفي والداه وهو في سن الثلاثين قرر أن يهجر ~~حياة الناس بشكل نهائي، ويتحول إلى حياة النسك والتأمل. تجول ~~الماها فيرا حافيا عاريا في غابات وسهول وقرى مناطق الهند الوسطى، ~~مؤمنا بأن إعتاق الروح من التناسخ ودورة الحياة والموت لا يتم إلا ~~بتجاهل الجسد وحاجاته، وبالتزام مبدأ ~~الأهيمسا/ # Ahimsa # الذي ينص على عدم ~~إيذاء أي كائن حي من الإنسان وصولا إلى أصغر حشرة يمكن رؤيتها ~~بالعين. ولم يكن يقضي أكثر من ليلة واحدة في كل قرية أو خمس ليال ~~في كل مدينة، كي لا تشده أي رابطة إلى مكان أو صلة حميمة بشخص ما. ~~وغالبا ما كان الناس يرونه جالسا في العراء في وضعية التأمل ~~الباطني مستغرقا في ذاته غير عابئ ببرد أو ريح أو مطر. وبعد اثنتي ~~عشرة سنة من التطواف والتأمل، وفي إحدى جلسات استغراقه الباطني العميق، ~~سطع النور في داخله ووصل إلى الاستنارة الكاملة، فصار ~~جينا/ # Jina # أي المنتصر الذي قهر الموت ~~وحرر روحه في عالم السمسارا، عالم التغير الدائم والجريان الذي ~~لا يهدأ . وبعد ذلك راح يبشر بمذهبه ويجمع الأتباع حوله يعلمهم ~~طريق الخلاص، وعندما بلغ سن الثانية والسبعين قرر مغادرة عالم المادة ~~عن طريق طقس المجاعة الطوعية، فتحرر من كل أشكال الألم والتحق بعالم ~~البركة العلوي في حالة لا تخضع لولادة ثانية. ~~(س): # استخدمت هنا مصطلح الاستنارة ~~لوصف ms200 حالة المعرفة التي وصل إليها الماها فيرا، وكنت من قبل قد ~~استخدمت المصطلح نفسه لوصف حالة المعرفة الغنوصية التي تقود إلى عودة ~~روح الإنسان لتتحد بروح الله، ولكن الله غير موجود في الجاينية، ونحن ~~هنا أمام مضامين متناقضة للاستنارة. ~~(ج): # هذا صحيح، وسوف نجد بعد قليل ~~أن مضامين استنارة البوذا تختلف عن مضامين استنارة الماها فيرا؛ فلقد ~~جاءت كل منظومة عرفانية بما يختلف عما جاءت به المنظومة الأخرى، ~~ويبدو أن ما يكتشفه المستنير هو قناعات عقلية تكاملت تدريجيا ثم ~~انبثقت في داخله بصيغة حقائق نهائية، أو أنه نوع من الإيمان ~~اللاشعوري لم يعرض على العقل الواعي لمناقشته من قبل. ~~(س): # كأنك هنا تنكر حصول ~~الاستنارة! ~~(ج): # بل أفسر آلياتها، ولماذا ~~تختلف نتائجها من معلم إلى آخر. ~~(س): # مصطلح السمسارا الذي ذكرته ~~منذ قليل يحتاج إلى مزيد من الإيضاح. ~~(ج): # لماذا؟ أعتقد أنني شرحت ~~المصطلح في سياق حديثي عن الهندوسية. ومع ذلك لا بأس بالإعادة. هنالك ~~عدة أفكار أخذتها الجاينية والبوذية من حاضنتها الثقافية الهندوسية؛ ~~أولها عقيدة تناسخ الأرواح، يتبعها معتقد مرتبط بها أشد الارتباط هو ~~الكارما، أو الفعل وجزاؤه. والكارما هو قانون يعمل بشكل آلي دون ~~تدخل من قوة إلهية ما، وهو ينص على أن تصرفات الفرد وأفكاره ~~وأقواله سيكون لها تبعات أخلاقية تحدد طبيعة تجسداته المقبلة ~~مثلما تحدد تجسده الحالي بما تم من أفعال في حيواته السابقة؛ ~~فالكارما الإيجابية تؤدي إلى حالة أرقى في سلم التجسدات، ~~والكارما السلبية تؤدي إلى حالة أدنى. كما أن دورة حياة الفرد هذه ~~مرتبطة بدورة كبرى تطال الكون برمته تدعى سمسارا، فالكون يفنى ~~في كل دورة ثم يعود جديدا مرة أخرى، في زمن يدور على نفسه بلا بداية ~~أو نهاية، ودون أن ينشد غاية أو يسعى إلى هدف. إلا أن الانعتاق، أو ~~موكشا، من هذه الدورة ممكن التحقيق وهو بؤرة الحياة الدينية للهندوسي، ~~إلا أن الطوائف الهندوسية مختلفة في كيفية تحقيق هذا الانعتاق، وفي ~~الحالة التي تصير إليها الروح المتحررة بعد انعتاقها. ~~(س): # ماذا ms201 أخذت الجاينية من هذه ~~الأفكار، وماذا تركت؟ ~~(ج): # لقد أخذت بها وفسرتها ~~بشكل مختلف؛ فتعاليم الماها فيرا تقوم على الإيمان المطلق بالإنسان ~~كسيد لنفسه، وبقدرته على الخلاص والانعتاق دون معونة من إله ~~مخلص؛ لأن الآلهة خاضعة مثل البشر إلى دورة السمسارا ولا ترجى منها ~~نعمة أو منة أو شفاعة؛ لأن عليها أن تعمل على إعتاق نفسها تماما مثل ~~البشر. وللماها فيرا في هذا الموضوع قول مشهور: «يا أيها الإنسان، أنت ~~صديق نفسك، فلماذا تبحث عن صديق خارج ذاتك؟» أما العالم فغير ~~مخلوق من قبل ألوهة عليا، وهو أزلي قائم بذاته، وخاضع لمبادئه ~~الخاصة، وهو يتألف من مكونين اثنين هما عالم المادة وعالم ~~الروح. يتألف عالم المادة من ذرات دقيقة جدا، تتجمع وفق أنماط ~~مختلفة، تنتج صنوف المادة المتنوعة من الهواء والماء والمعدن وما ~~إلى ذلك، وهي تتدرج في الكثافة من المواد الشديدة الصلابة إلى المواد ~~الخفيفة التي لا تستطيع حواس الإنسان تبينها لرقتها وشفافيتها، ~~وأكثر هذه المواد رقة مادة الكارما التي تترسب على الأرواح نتيجة ~~أعمالها السيئة. أما عالم الروح فهو مجموع الأرواح المنبثة في ~~الكائنات الحية، وهو عالم حسن على عكس عالم المادة السيئ، والأرواح ~~خيرة بطبيعتها إلا أن ما تجنيه من أعمال سيئة يؤدي إلى تداخل ~~عالم المادة بعالم الروح، وتلتصق الكارما بروح الفرد فتغلفها ~~وتجعلها ثقيلة، وهذا ما يؤدي بها إلى تقمصات أدنى في دورة الميلاد ~~والموت. وكلما كانت المادة التي غلفت الروح قليلة، صارت خفيفة بما ~~يكفي لدخولها في تقمصات أعلى، إلى أن تغدو كينونة متحررة إلى ~~الأبد، وتنتقل إلى القسم الأعلى من الكون الذي له شكل إنسان؛ حيث تعيش ~~في عالم البركة في سلام أبدي دون أن تفقد فرديتها . ~~(س): # نحن هنا أمام بواكير النظرية ~~الذرية في تفسير المادة، أليس كذلك؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فلقد سبق مؤسس الجاينية بنحو قرن فلاسفة ~~اليونان الذين قالوا بهذه النظرية، ثم جاء بعد ذلك اليوناني لوكيبوس ~~الذي كان رائد هذه النظرية في الغرب، وبعده تلميذه ديمقريطوس ~~(460-370ق.م)، الذي عاصر ms202 سقراط وكان أكبر منه سنا؛ فالذرة عند ~~ديمقريطوس هي الجزء الذي لا يتجزأ من المادة، وهي أزلية غير مخلوقة، ~~ومتحركة بذاتها. والذرات تتشابه من حيث طبيعة مادتها وعدم قبولها ~~للتجزئة، ولكن الأشياء التي تتركب من هذه الذرات مختلفة بسبب ~~اختلاف مقدار الذرات الداخلة في تركيبها وطريقة ترتيبها؛ فباتحاد ~~الذرات ينشأ الكون، وبافتراقها يئول إلى فساد، ولكن ديمقريطوس لا ~~يميز بين المادة والروح على طريقة الماها فيرا؛ لأنه لم يكن يؤسس ~~دينا، وهو يرى أن الروح مادية أيضا، وتتألف من ذرات كروية ~~تستطيع النفاذ في الأشياء. ~~(س): # ما هي الوسائل العملية التي ~~توصل الجايني إلى الانعتاق؟ ~~(ج): # هنالك طريقة الحياة القائمة ~~على الزهد والتنسك، وعدم اقتناء الممتلكات المادية، والصوم وفقا ~~لقواعد مدروسة من شأنها تهذيب النفس وعدم إتلاف الجسد. ويجب أن ~~يترافق ذلك مع ممارسة الاستغراق ~~الباطني/ # Meditation ~~، الذي يعزل العقل ~~عن وظائفه اليومية ويوجهه نحو تحقيق المعرفة الباطنية وتحقيق ~~الاستنارة التي حققها الماها فيرا من قبل. وبما أن الناس ليسوا على ~~درجة واحدة من الاستعداد للسير في هذا الطريق الشاق، فإن الجاينية ~~تقسم أتباعها إلى فريقين؛ فريق الرهبان المنذورين للانعتاق، ~~وهؤلاء يعيشون في الأديرة والمعابد، أو يتجولون في العراء دون مأوى، ~~وفريق عامة المؤمنين الذين يمارسون الحياة اليومية الاعتيادية. وقد ~~استن الماها فيرا لهؤلاء العامة شريعة أسهل تطبيقا واتباعا من ~~شريعة الرهبان، وتتضمن اثني عشر بندا أخلاقيا ينبغي اتباعها، ~~وأهمها عدم إيذاء أو قتل أي مخلوق حي، عدم السرقة، عدم الكذب، الإخلاص ~~الزوجي، وتقديم الطعام والكساء للرهبان. ~~(س): # ذكرت منذ قليل أن الرهبان ~~يعيشون في الأديرة والمعابد. ما فائدة المعابد إذا كان الجاينيون لا ~~يقدمون فروض العبادة لإله ما؟ ~~(ج): # لا تحتوي المعابد الجاينية ~~على صور للآلهة، وإنما على صور للمرشدين الروحيين في أوضاع الاستغراق ~~الباطني تشبه صور البوذا. أما الطقوس التي تجري فيها فلا علاقة لها ~~بالتقرب إلى الكائنات العليا، وإنما هي احتفالات تذكارية دورية ~~موضوعها مراحل حياة الماها فيرا؛ الحمل به، ولادته، تزهده، استنارته، ~~انعتاقه، يضاف إلى ذلك ms203 بعض الحركات الطقسية؛ مثل غسل الصور بالماء، ~~والتلويح أمامها بالمصابيح الزيتية، وحرق البخور. ~~(س): # هل ما زالت الجاينية ديانة ~~حية اليوم؟ ~~(ج): # بقي منهم طائفة صغيرة ~~موجودة بشكل رئيسي في مدينة بومبي، وجلهم من رجال الأعمال ~~الناجحين، وقد أكسبهم سلوكهم الأخلاقي الصارم ثقة الناس ~~واحترامهم. ~~(س): # ما قدمته عن الجاينية يشير إلى وجود شبه بينها ~~وبين البوذية، لا سيما لجهة إنكار العالم، وقصة حياة المؤسس، وتقسيم ~~مجتمع المؤمنين إلى كهنة وعوام. هل من الممكن أن تكون الديانتان قد ~~نشأتا عن عقيدة واحدة ومؤسس واحد ثم افترقتا بعد ذلك؟ ~~(ج): # هنالك شبه واضح بين سيرة ~~حياة البوذا والماها فيرا يعطي مسوغا للقائلين بوحدة الشخصيتين؛ ~~فقد ولد كل منهما في أسرة نبيلة وتزوج وأنجب طفلا، ولكنه لم ~~يكن راضيا عن حياته دائم التأمل والتفكير، وأخيرا هجر بيته وأسرته ~~وتحول إلى حياة النسك والتجوال التي قادته أخيرا إلى الاستنارة، ~~ولكن نواحي الاختلاف فيما جاءت به استنارة هذين المعلمين هي أكثر ~~من نواحي الاتفاق، لا سيما فيما يتعلق بوسائل تحقيق الاستنارة؛ فبينما ~~ركز الماها فيرا على الزهد المفرط ورفض العالم بصورة مطلقة، فقد ~~اختار البوذا ما دعاه بالطريق الوسط بين التقشف المفرط والحياة ~~الشهوانية. أما أكثر نواحي الاتفاق فهي النظر إلى الاستنارة باعتبارها ~~يقظة وصحوة فردية على حقيقة العالم والشرط الإنساني يحققها ~~المستنير دون مدد أو نعمة تأتي من جهة إلهية. # ولد الأمير سيد هارتا، أو البوذا فيما بعد، نحو عام 563ق.م؛ أي قبل ~~جيل من ولادة الماها فيرا، وكان أبوه أميرا على عشيرة تمتد أراضيها ~~في منطقة خصبة على التلال الواقعة عند سفوح جبال الهيملايا في الهند ~~الشمالية. وعندما قرر ترك زوجته الشابة وابنه الصغير والتحول إلى ~~حياة النسك والتجوال، كان يتبع تقليدا هنديا سائدا في ذلك الوقت ~~يحض من أدى واجباته الاجتماعية والتزاماته العائلية على ترك الحياة ~~التقليدية والالتحاق بالنساك الباحثين عن الانعتاق. وبعد قضاء ست ~~سنوات من الزهد والتطواف كناسك هندوسي، اكتشف أنه كان يسير في الطريق ~~الخاطئ؛ فخلال هذه السنوات ms204 الست حاول قهر جسده بالصوم والعري والسهر، ~~ولكن جهوده ضاعت سدى. وفي أحد الأيام سقط الأمير مغشيا عليه من ~~الوهن الذي أصابه، وظن صحبه من النساك أنه قد مات، ولكنه تحامل على ~~نفسه واتجه إلى ضفة نهر قريب فاغتسل بمائه، ثم قرر قطع صيامه، ~~وقبل صحنا من الأرز قدمته إليه فتاة عابرة. وعندما انتهى من ~~تناوله شعر بقوة في جسده وعقله، فقطع النهر إلى الضفة الأخرى وهناك ~~جلس تحت شجرة تين وارفة، وأقسم ألا يبرح مكانه حتى تأتيه الاستنارة ~~الكاملة. وعند الفجر انتبه من استغراقه الباطني العميق، وصحا على حقائق ~~الحياة، وصار البوذا؛ أي المستيقظ أو المستنير. ~~(س): # على ماذا صحا؟ وما هي هذه ~~الحقائق؟ ~~(ج): # دعاها سيدهارتا بالحقائق ~~النبيلة الأربع، وأولها هو أن الحياة شقاء وألم؛ فالولادة ألم، والمرض ~~ألم، والفراق عمن نحب ألم، والشيخوخة ألم، والموت ألم، كل وجود ~~الإنسان قائم على الشقاء والألم. كما أن حياة الإنسان تعاني من ~~نقيصتين أخريين؛ هما: (1) ال «لاثبات» (2) ال «لانفس». فاللاثبات هو ~~ذلك التبدل الدائم فيك وفي كل ما حولك؛ فأنت الجنين هو غير أنت ~~الرضيع، وأنت الرضيع هو غير أنت الطفل، وأنت الطفل هو غير أنت المراهق. ~~وهكذا وصولا إلى تحلل وتفكك هذا الذي تدعوه أنا، والذي لا وجود له ~~بالفعل، وهذا يقودنا إلى فكرة اللانفس عند البوذا، فإذا كانت الهندوسية ~~الكلاسيكية ترى في كل فرد جوهرا ثابتا هو النفس التي تنتقل من جسد ~~إلى آخر، حاملة معها أعمالها السابقة، أو الكارما الخاصة بها، إلى حين ~~فلاحها في الانعتاق، فإن البوذا لا يرى في الفرد إلا تجمعا لعدد ~~من المسببات التي يؤدي اجتماعها المؤقت إلى خلق هذا الفرد وجعله يشعر ~~بأناه وشخصيته المميزة. وهذه الشخصية تستمر بفعل الذاكرة التي تحفظ ~~سجلات الشخصية من الولادة إلى الممات، وبعد ذلك فإن تلك المسببات ~~التي قادت إلى تكوين الشخصية تتحلل ويتحلل معها الفرد تماما، ولا يبقى ~~منه سوى الكارما التي يحملها شخص آخر يتكون بالطريقة نفسها. وبتعبير ~~آخر، فإن الكارما هي التي تتناسخ ms205 لا النفس، ويمكن تشبيه سلسلة ~~التناسخات التي تمر بها الكارما بسجل مفتوح تزيد عناصره أو تنقص ~~دونما حامل شخصي، إلى أن تنطفئ هذه السلسلة في عالم السكون التام ~~المدعو بالنيرفانا. ~~(س): # ما زلت أجد صعوبة في فهم ~~كيفية تناسخ الكارما دون وجود نفس تتناسخ! ~~(ج): # يمكن تشبيه هذه العملية ~~بقيامنا بطبع ختم على شمع طري؛ حيث تنتقل الأشكال والكلمات المحفورة ~~على الختم إلى الشمع مكونة نسخة عنه دون أن ينتقل بين هذا وذاك ~~جوهر ثابت. إن الفرد خلال حياته، على ما يرى البوذا، يكون مجموعة ~~صفات وخصائص وسلوكيات تصير إلى بنية صلبة قبل موته، وهذه البنية ~~الصلبة هي ما ينطبع على الشمع الطري لوجود جديد يتشكل في رحم ~~امرأة ما، ويستعد للانطلاق إلى الحياة. والنقطة الأساسية هنا هي أن كل ~~ما يفكر به ويفعله شخص ما في حياته سوف يستمر في حيوات أخرى لا ~~نهاية لها، ولا خلاص إلا بالخروج من عالم الجريان إلى عالم الثبات الذي ~~لا جريان فيه ولا تغير أو تبدل. وهذا ما تشرحه بقية الحقائق ~~النبيلة. # فالحقيقة الثانية تقول إن سبب الألم والشقاء في الحياة هو الرغبة؛ ~~لأن الرغبة لا يمكن إرضاؤها فهي كالنار زدت فيها حطبا كلما زادت ~~تأججا، وكلما ازداد الفرد طمعا في الحياة دفع أمامه سلسلة من ~~التناسخات المقبلة التي تخلقها الرغبة في استمرار وهم الوجود. ~~والحقيقة الثالثة تقول إن القضاء على الألم والشقاء ممكن، وذلك ~~بالقضاء على الرغبة وعدم التعلق بأسباب الحياة، وهذا ما يهيئ الفرد ~~للخروج من دورة التناسخ والدخول في النيرفانا؛ أي انتقاله من الصيرورة ~~إلى الوجود الحق. أما ما هو شكل هذا الوجود وما هي طبيعته فأمر رفض ~~البوذا التحدث عنه بإصرار. الحقيقة الرابعة تصف الطريق إلى تحقيق ~~النيرفانا، وهو طريق ذو مراحل ثمان، يتضمن كيفية سلوك المريد ~~البوذي في هذه الحياة، وطرائق تفكيره، وسبل عيشه، وكيفية مراقبته ~~لأحاسيسه وأفكاره. إذا كنت تنوي التحول إلى البوذية فسأشرحها ~~لك! ~~(س): # ليس الآن. إن ما سمعته منك ~~منذ بداية حوارنا جعلني ms206 في حالة تشوش عقلي وعاطفي. هذه الاختلافات ~~بين كل المنظومات الدينية تسبب لي الدوار. ~~(ج): # المعرفة هي التي تحررك ~~وتجلب لك الطمأنينة. ~~(س): # ولكنها لم تجلب لي حتى الآن ~~سوى الارتباك. ~~(ج): # إذن سأكتفي بشرح المرحلة ~~الأولى والمرحلة الثامنة من مراحل طريق البوذا. المرحلة الأولى يدعوها ~~بالرؤية السليمة، وهي أن يتخلص المرء من الطقوس والخرافات البدائية ~~كلها، وخصوصا ما تعلق منها بالقرابين الحيوانية، وأن يتخلص من ~~الاعتقاد بالأرواح الحالة في مظاهر الطبيعة، وبالجن والعفاريت من أي ~~نوع، ومن الاعتقاد بوجود خالق أعلى للكون يمكنه أن يمد يد العون ~~للإنسان في سعيه إلى التحرر. أما المرحلة الثامنة والأخيرة فهي ~~التأمل السليم، وهو ممارسة الاستغراق الباطني الذي يدفع السالك إلى ~~عتبة الاستنارة؛ ففي جلسة الاستغراق التي نراها في تماثيل البوذا، يقوم ~~المستغرق بتركيز وعيه على الآن وكأن الزمان قد توقف، فلا ماضي للوعي ~~ولا مستقبل، في لحظة متطاولة تبدو وكأنها حاضر أبدي. ولهذا الاستغراق ~~في الممارسة البوذية ثماني درجات توصل الدرجة الأخيرة منها إلى ~~النيرفانا. ~~(س): # لماذا تجنب البوذا الحديث ~~عن حالة الوجود في النيرفانا؟ ~~(ج): # هل تذكر ما قاله إخوان ~~الصفاء في الآيات القرآنية التي تصف أحوال أهل الجنة وأهل ~~النار؟ ~~(س): # نعم. لقد قالوا بأنها مجرد ~~رموز من أجل تقريب حالة الأرواح الناجية إلى ذهن العامة. ~~(ج): # نعم؛ فتلك الحالة لا تنتمي ~~إلى ما نعرفه من أحوال الدنيا، وبالتالي لا يمكن وصفها من خلال ~~المفاهيم العقلية؛ ولذلك فقد رفض البوذا الحديث عنها لكيلا يأخذ ~~تلاميذه عنها فكرة خاطئة. وقد اتخذ البوذا الموقف نفسه من بقية ~~المسائل الميتافيزيكية؛ التي رأى أن لا علاقة لها بكدح المريد من أجل ~~الانعتاق؛ ولذلك قال لتلاميذه في خطاب مشهور له ما يأتي: ~~«ضعوا نصب أعينكم ما أكدته لكم وميزوه عما لم أؤكده لكم؛ ~~فأنا لم أؤكد لكم أن العالم قديم، ولم أؤكد لكم أنه حادث. لم ~~أؤكد لكم بأن العالم زائل، ولم أؤكد لكم بأنه أبدي. أنا لم ~~أؤكد لكم بأن الروح والجسد شيء واحد، ms207 ولم أؤكد بأنهما شيئان. ~~لم أؤكد لكم أن المتنور يتابع وجوده بعد الموت، ولم أقل إنه لا ~~يتابع وجوده بعد الموت، أو يصير إلى حالة لا هي بالوجود ولا ~~بالعدم. أما لماذا لم أؤكد لكم هذه الأمور فلأنه لا فائدة منها ~~ولا علاقة لها بأساسيات تعليمي. وبالمقابل فقد أكدت لكم أن وجود ~~الإنسان شقاء، وأشرت إلى سببه، وعلمتكم الطريق إلى رفع الشقاء ~~عنكم. أما لماذا أكدت لكم هذه الأمور فلأنها ذات فائدة ولأنها ~~ذات صلة بتعليمي، إنها تزيل الرغبة من نفوسكم، وتهبكم المعرفة ~~والحكمة العليا التي تقود إلى النيرفانا.» ~~(س): # أرى أن الطريق الذي رسمه ~~البوذا للراغب في الانعتاق طريق شاق، لا سيما وأنه يسير فيه وحيدا ~~دون مدد من إله أو معونة من بشر. ~~(ج): # لقد خلع البوذا الآلهة ~~القديمة عن عروشها، وأصبحت مناصبها مجرد مقامات عابرة للمثوبة ~~يشغلها الأبرار في طريقهم نحو الانعتاق؛ ولذلك فإنها لا تستطيع تقديم ~~معونة للإنسان، والصلاة أو الضراعة إليها لا معنى لها ولا فائدة ترجى ~~من ورائها. ولعل مما يزيد من وحدة السالك في هذا الطريق هو أن عليه أن ~~يقطع الروابط العاطفية كلها التي تشده إلى الأمكنة أو الأشخاص؛ فمحبة ~~الآباء أو الزوجات أو الأطفال أو الأصدقاء مجلبة للشقاء؛ لأن هنالك ~~الانفصال والموت والمرض ومئات الأحوال التي تحيل هذه المحبة إلى شقاء، ~~وهذا الشقاء يمكن تجنبه عند الذين لا يحبون شيئا ولا يكرهون شيئا. ~~وموقف البوذا بخصوص هذه المسألة توضحه قصص عديدة من التراث البوذي، ~~ومنها أن امرأة جاءت إليه باكية بعد أن فقدت حفيدها الغالي جدا ~~عليها، فسألها البوذا: كم يوجد من الناس في مدينتك؟ وعندما تلقى ~~جوابها قال: أوتريدين أن يكون لك أحفاد بعددهم؟ قالت : نعم، نعم. فقال ~~لها البوذا بلطف: ولكن إذا كان لديك أولاد وأحفاد بعدد هؤلاء فسوف ~~تبكين كل يوم؛ لأن الناس يموتون كل يوم في مدينتك. إن الذين لديهم ~~مائة شخص عزيز لديهم مائة بلوى، والذين لديهم عزيز واحد لديهم بلوى ~~واحدة، والذين ليس لديهم شخص ms208 أو شيء عزيز ليس لديهم بلوى. # وتروي الموروثات البوذية عن شاب ترك بيت أهله وتحول إلى حياة ~~النسك والتشرد ينتقل من مكان إلى مكان وهو يستعطي الطعام على طريقة ~~الرهبان البوذيين. وبعد ثلاث سنوات قادته قدماه إلى بلدته الصغيرة ~~فوقف أمام باب بيته وقرع الباب. وكان في البيت غرفة خارجية أعدها ~~أبوه منذ زمن لاستقبال الرهبان العابرين، يقيمون فيها ويأكلون ثم ~~يتابعون سفرهم، فأدخلته أمه دون أن تتعرف عليه في زي الرهبان وقد ~~نحل جسمه وتغيرت هيئته، وراحت تقدم له الطعام في كل يوم مدة ثلاثة ~~أشهر دون أن يكشف لها عن شخصيته ثم غادرها بهدوء. وبعد ذلك جاء من ~~تعرف عليه من أصدقائه القدامى وأخبر الأم بحقيقته، فصلت الأم ~~وقالت: لا بد أن المبارك كان في ذهنه كهنة مثل ابني. لقد أكل في منزل ~~الأم التي أنجبته ثلاثة أشهر ولم يقل لي أنا ابنك. ~~(س): # البوذي الباحث عن الانعتاق في ~~هذه الحالة هو فرد منسحب تماما من المجتمع وليس معنيا إلا ~~بخلاصه الفردي. ~~(ج): # أبدا، فالبوذي منسحب من ~~الحياة اليومية ومن كل ما يرغب به الناس العاديون، ولكنه جاهز للمساهمة ~~في أي نشاط يعود على المجتمع ككل بفائدة، بمعنى أن التزامه ذو طابع ~~شمولي. وهو في مقابل رفضه للارتباط العاطفي بشخص أو مكان ما، فإنه ~~ينمي في داخله محبة للبشر، إنه يمتلك ذلك الحنو الذي أكنه البوذا ~~نحو الجميع والذي تبدى في حياته التي كرسها للوعظ والتعليم وبدافع ~~محبة غير محدودة مبذولة للجميع. ومثل هذه المحبة تغدو ينبوعا للفرح ~~لأنها متجردة عن الغرض، على عكس المحبة الموجهة نحو شخص ما، والتي تكون ~~ذات طابع اتكالي عاطفي ومحفوفة بمخاطر الشقاء والألم. وهذا النوع ~~من المحبة لا يتطلب المعاملة بالمثل، ويبذل للأخيار والأشرار على قدم ~~المساواة. # وموقف البوذا هنا يشبه موقف ~~يسوع المسيح الذي قال في موعظة الجبل: «سمعتم أنه قيل: تحب قريبك ~~وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، ~~أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ms209 ويطردونكم، لكي ~~تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات؛ لأنه يشرق شمسه على الأشرار ~~والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين؛ لأنه إذا أحببتم الذي ~~يحبونكم فأي أجر لكم؟» (إنجيل متى، 5: 43-46). وينقل الموروث ~~البوذي عن المبارك قوله: «إذا تكلم الإنسان أو تصرف بفكر نقي ~~رافقته السعادة مثل ظله. بالنسبة إلى الذين يقولون: لقد أساء معاملتي، ~~ضربني، غلبني، سلبني، فإن الكراهية لن تزول. أما بالنسبة للذين لا ~~يضمرون في أنفسهم مثل هذه الأفكار فإن الكراهية سوف تزول؛ لأن ~~الكراهية لا تزول بالكراهية أبدا وإنما بالمحبة.» # وأيضا: «إذا شتمك أحدهم فعليك أن تكبح استياءك، وأن تتخذ قرارا ~~بألا تفلت من فمك كلمة غضب واحدة، وتبقى لطيفا، ودودا، ومحبا دون ~~حقد دفين. وكذلك إذا هوجمت بعد ذلك وضربت.» ~~(س): # ما زلت لا أفهم كيف يمكن ~~للبوذي أن يمتلك ذلك الحنو تجاه العالم وتلك المحبة للبشرية في الوقت ~~الذي يدير ظهره لمن حوله من البشر؟ ولا كيف يستطيع تقديم العون ~~للمجتمع ككل في الوقت الذي يرفض فيه إقامة علاقات حميمة مع من ~~حوله؟ ~~(ج): # هذه المسائل الدقيقة في ~~تعاليم البوذا، وما يطرحه طريق البوذا من صعوبات أمام السالك فيه، كانت ~~وراء إدخال تغييرات عميقة على البوذية. ولم ينقض قرنان من الزمان على ~~وفاة البوذا حتى وقع الخلاف بين المفكرين البوذيين في مسائل العقيدة؛ ~~فقد رأى فريق منهم أن صرامة الطريق الأصلي بحاجة إلى تلطيف؛ لأنه لا ~~يسمح إلا بخلاص فئة قليلة مختارة من البوذيين، ويتجاهل رغبة العامة ~~في الخلاص على الرغم من عدم قدرتهم على تحمل مشاق الطريق. وقد قام ~~هؤلاء بإدخال تغييرات على العقيدة من شأنها مساعدة أكبر عدد ممكن من ~~الناس على سلوك طريق الانعتاق. وترافق ذلك مع حملة تبشيرية واسعة ~~قادها الإمبراطور أسوكا الذي وحد الهند وتحول بعد ذلك إلى البوذية، ~~كان من شأنها نشر البوذية في مناطق واسعة من الشرق الأقصى بشكليها ~~الأصلي والمحدث. # دعا المجددون عقيدتهم بالمركبة الكبرى أو ~~الماهايانا/ # Maha-Yana ~~؛ لأنها قادرة على ~~نقل عدد كبير من المؤمنين من عالم ms210 الشقاء إلى عالم النيرفانا، بينما ~~أطلق على العقيدة الأصلية اسم المركبة الصغرى أو ~~الهينايانا/ # Hina-yana ~~؛ لأنها مركبة ~~النخبة. ثم إن الماهايانا في ارتحالها نحو الشرق الأقصى صارت تكتسب في ~~كل قطر شكلا جديدا إلى أن تحولت البوذية إلى عائلة أديان، ولم ~~تعد دينا واحدا، وهذه الأديان لا يجمعها سوى شخصية البوذا الحنونة ~~والدافئة والمعنية بخلاص البشر، وبذلك تم التركيز على المعلم ~~وإهمال تعاليمه. ~~(س): # ما هي أهم التعديلات التي ~~أدخلتها الماهايانا على تعاليم المبارك كما تدعوه؟ ~~(ج): # لقد تمسك الناس العاديون ~~بالرجل الكامن خلف تعاليمه ورأوا فيه الألوهية، فكان جسده مسكنا ~~يتحرك فيه كائن سماوي جاء إلى الأرض في جسد مجيد يتخلل الجسد ~~المادي الأرضي. وبما أن هذا الإله بحاجة إلى بطانة سماوية، فقد تبع ~~تأليه البوذا في الماهايانا ظهور كائنات ماورائية أخرى تتصف بالحنو ~~الذي اتصف به البوذا، وتمد يد العون إلى الناس الذين لا يستطيعون ~~تحقيق الخلاص بالجهد الذاتي، وهي تسمع النداء وتقبل الصلوات، وهؤلاء هم ~~البودهيساتفات، ومفردها بودهيساتفا. والبودهيساتفا هو إنسان حقق ~~الاستنارة، ولكنه بعد الموت رفض الدخول في النيرفانا لكي يستطيع عون ~~الآخرين. ولكل واحد من هؤلاء البودهيساتفا اسم وسيرة حياة وطريقة ~~في العمل. # لقد أعطى البوذا للإنسان الحرية، وجعله مسئولا عن خلاصه، ولكنه ~~رفضها وعاد إلى العبودية. ~~(س): # هل اختفت الهينايانا أو ~~المركبة الصغرى بعد أن اشتد عود الماهايانا؟ ~~(ج): # كلا، فهي ما تزال حية في ~~سيلان وبعض مناطق جنوب شرق آسيا (أو الهند الصينية)، ولكن مع تعديلات ~~فرضتها حاويتها الثقافية الجديدة. ~~(س): # هل يمكن وضع التاوية في زمرة ~~واحدة مع الجاينية والبوذية انطلاقا من التزامها أيضا بالمبدأ ~~اللاإلهي؟ ~~(ج): # أبدا، التاوية نسيج وحدها. ~~ومن حيث المبدأ فإنها تختلف عن الجاينية والبوذية في مسألتين؛ ~~فالجاينية والبوذية تريان أن العالم قديم ولا خالق له، وهو يعمل وفق ~~آلية دقيقة في استقلال عن أي إرادة أو قوة فاعلة خارجية كانت أم ~~داخلية. أما التاوية فتعتقد بوجود مبدأ كلي غير مشخص فاعل في ~~الكون من داخله لا من ms211 خارجه، بطريقة أشبه ما تكون بفعل الخميرة في ~~العجين. وفعالية هذا المبدأ تنجم عن قوته ذات الطبيعة المزدوجة ~~والتي تبدت في عالم الظواهر في قوة اليانغ الموجبة وقوة الين ~~السالبة، وعن دوران هاتين القوتين على بعضهما نجمت مظاهر الخليقة ~~جميعها. والجاينية والبوذية تنكران العالم وترسم كل منهما طريقا ~~للانعتاق منه، أما التاوية فلا تنكر العالم وإنما ترسم الطريق الأمثل ~~للحياة فيه. ~~(س): # في أحاديثك السابقة اقتبست ~~العديد من أقوال الحكيم لاو-تسو مؤسس التاوية. فمن هو هذا المعلم ~~الغامض الذي لا نعرف عنه مثلما نعرف عن البوذا؟ ~~(ج): # يلف الضباب شخصية لاو-تسو، ~~وكل ما استطاع قدامى المؤرخين الصينيين قوله في سيرة حياته، هو أن هذا ~~الحكيم عاش في زمن ما بين أواسط القرن السادس وأواسط القرن الخامس قبل ~~الميلاد. وقد عمل قيما على مكتبة القصر الملكي في عاصمة مملكة تشاو ~~الصينية، ثم قرر ترك عمله ومغادرة العاصمة إبان فترة الاضطرابات ~~التي عصفت بالمملكة. وعندما كان يجتاز بوابة المدينة أوقفه رئيس الحرس ~~وطلب منه أن يكتب له ملخصا عن حكمته التي اشتهر بها، فأنجز ~~كتابه الصغير المعروف بعنوان تاو-تي-تشينغ؛ أي رسالة في التاو وقوته، ~~والذي يتألف من خمسة آلاف شارة كتابية صينية، أو أقل من ألف ~~وخمسمائة كلمة في ترجماته إلى اللغات الألفبائية. وبعد ذلك اختفى ولم ~~يسمع أحد عنه شيئا. ويقول أحد المعلقين على سيرته: لقد كان شخصية ~~فذة ومتفوقة، وأحب دوما أن يبقي نفسه مجهولا. وقد عبر لاو-تسو ~~عن فلسفة التواضع هذه في أكثر من فصل من فصول كتابه، ومنها: # يغدو النهر ملكا على مئات الجداول؛ # لأنه أوطأ منها منسوبا؛ # لذا فإن من أراد أن يحكم أمة، # عليه أن يتضع أمامها. # ومن أراد أن يقود شعبا، # فعليه أن يسير وراءه أولا. (الفصل 66) # وأيضا: # من يتطاول على أطراف أصابعه لا يقف طويلا. # من يوسع خطاه لا يمشي بعيدا. # من يظهر نفسه لا يبدو للعيان. # من يعتبر نفسه دوما على حق لا يحوز المكانة. # من يتبجح لا ينال الاعتراف. (الفصل 24) # يتألف الكتاب ms212 من 81 فصلا، ويتألف الفصل من عدد من ~~الأبيات أو الأسطر، أقصرها يحتوي على أربعة وأطولها يحتوي على خمسة ~~عشر. والكتاب بمجمله ليس نصا فلسفيا مطردا، وإنما عبارة عن حكم ~~مليئة بالإيحاءات والإشارات الضمنية مصاغة بأسلوب مكثف ومختصر يصل ~~حد الإلغاز أحيانا، وهذا ما جعله موضع دراسة وشرح وتفسير منذ ~~القدم إلى يومنا هذا. ~~(س): # من يقرأ ترجمتك لكتاب ~~التاو-تي-تشينغ الصادرة عام 1998، يلاحظ مدى إعجابك به وربما تبنيك ~~لأفكاره! ~~(ج): # لم تكن ترجمة وإنما صياغة ~~عربية للنص، اعتمدت فيها على أربع ترجمات إنكليزية أعدها باحثون ~~صينيون وترجمة فرنسية، وزودت النص بمقدمة عن الفكر الصيني ~~وبشروحات مستفيضة لكل فصل. وفي الطبعة الصينية للكتاب الصادرة عام ~~2009م، قام الباحث الصيني تشاو تشينغ قوه بمراجعة ترجمتي على النص ~~الصيني القديم، وجرى تزويدها بمقدمة طويلة كتبها أستاذ في جامعة ~~بكين. أما عن إعجابي بالكتاب فإن كلمة إعجاب لا تكفي عندي لإيلائه ~~حقه؛ فأنا أرى فيه دواء شافيا لكل أمراض حضارة إنسانية ضلت ~~طريقها. ~~(س): # بما أننا نتحدث في هذا ~~المحور عن المبدأ اللاإلهي، دعنا نستكشف أفكار لاو-تسو التي تقوم على ~~هذا المبدأ مع نقيضها الذي يتمثل بشكل خاص في أديان التوحيد الشرق ~~أوسطية. ~~(ج): # هذا مدخل مناسب، وسأبدأ من ~~طبيعة المبدأ الكلي. ~~(1) في طبيعة المبدأ الأول أو الكلي: # المبدأ الكلي في دين التوحيد هو كينونة إلهية ذات شخصية واسم ~~تعرف به، مستقلة عن العالم وتفعل فيه فعلا إراديا قصديا ذا هدف ~~وغاية. أما عند لاو-تسو فقدرة بلا ~~شخصية تتخلل العالم وتفعل فيه فعلا لا إراديا ومجردا من الهدف ~~والغاية. وهو إذ يدعوها بالتاو؛ أي الطريق، فإنه لا يسميها وإنما ~~يصرف الذهن عن الاسم إلى الطريقة التي يفعل بها هذا المبدأ في الكون ~~والطبيعة. وفي هذا يقول المعلم في الفصل الأول: # التاو الذي يمكن التحدث عنه، # ليس التاو السرمدي. # اللامسمى (أو العدم) هو بداية السماء والأرض. ~~(س): # لماذا اقترن ~~اسم اللامسمى بالعدم في البيت الأخير أعلاه؟ ~~(ج): # في الفلسفة التاوية كل ما ~~له شكل وهيئة ms213 مادية يحمل اسما ما، أو هنالك إمكانية لأن نطلق عليه ~~اسما. أما ما يقع خارج الشكل والصورة فليس له اسم؛ فالطاولة تدعى ~~طاولة لأن لها من الخصائص ما يدفعنا لتسميتها طاولة، ولكن التاو ليس له ~~صفات وخصائص من هذا النوع؛ ولذلك عندما ندعوه بالتاو فذلك من قبيل ~~الإشارة إليه دون تسميته، فهو عدم بمعنى خاص يتضمن كونه مختلفا عن ~~مظاهر الكون والطبيعة، وفي الوقت نفسه فإن وجودها المادي مستمد ~~منه. ~~(س): # هذه الصعوبة التي يطرحها ~~الفصل الافتتاحي ربما أثارت اليأس في نفس القارئ! ~~(ج): # هذا إذا لم يكن لديه مرشد ~~حاذق يقوده في متاهات الكتاب. لننظر أيضا إلى ما ورد في الفصل 25 ~~بخصوص الاسم: # لا أعرف اسمه فأدعوه التاو. # لا أستطيع وصفه فأقول العظيم. # عظمته امتداد في المكان. # الامتداد في المكان يعني امتدادا بلا نهاية. # الامتداد بلا نهاية يعني العودة إلى نقطة المبتدى. ~~(س): # لماذا تتجلى ~~عظمة التاو في الامتداد في المكان؟ ~~(ج): # لأنه يتخلل كل شيء، ويوجد ~~في كل شيء. وهناك محاورة جرت بين حكيم كونفوشي وحكيم تاوي ابتدأها ~~الكونفوشي بسؤاله: أين نجد هذا الشيء الذي تدعونه بالتاو؟ فأجاب ~~التاوي: إنه في كل مكان. فأخذ الكونفوشي يسأل عن الأمكنة التي يمكن أن ~~يوجد فيها التاو، والتاوي يقول له: نعم. نعم. نعم. ثم نظر إلى الأرض ~~ورأى بقية من روث البقر فقال للكونفوشي: لا تسأل أين يوجد التاو. ~~إنه موجود حتى في روث البقر. ~~(س): # ولماذا يكون في الامتداد بلا ~~نهاية عودة إلى نقطة المبتدى؟ ~~(ج): # لقد أدرك لاو-تسو بحدسه ~~المبدع أن الكون الذي نعيش فيه هو كون مغلق ولا وجود لمكان خارجه؛ ~~ولذلك فإن الامتداد في المكان مهما استمر فإنه لا يتجاوز حدود الكون، ~~وإنما ينقلب عائدا إلى نقطة المبتدى. والفيزياء الكونية تقول لنا ~~اليوم إن الكون محدود ولا نهائي في الآن نفسه؛ فهو لا نهائي لأن حدوده ~~الخارجية في توسع دائم مع تباعد المجرات عن بعضها بسرعات خيالية، ~~وهو التباعد الذي نجم عن لحظة الانفجار الكبير الذي ms214 تولد عنه ~~الكون، ولكنه محدود ومغلق لأن الثابت الكوني وهو سرعة الضوء لا يستطيع ~~النفاذ من أقطاره فيرتد عائدا إلى نقطة تولده. وبتعبير آخر، لو ~~أن أحدنا نظر في منظار يكشف حتى حدود تلك المجرات الواقعة على حافة ~~الكون فإنه لن يصل أخيرا إلا لرؤية نقرة رأسه. # أنتقل من وجع الدماغ الذي تحدثه هذه الأفكار إلى النقطة ~~الثانية. ~~(2) في دين التوحيد يتعرف الناس على الله من خلال مختارين من البشر ~~هم الأنبياء الذين خصهم الله بالوحي وكشف لهم عن مقاصده في عالم ~~الطبيعة والبشر؛ فالحكمة التي تعين البشر على معرفة المبدأ الكلي هي ~~والحالة هذه حكمة إلهية علوية، أما في التاوية فحكمة إنسانية، ~~والمعرفة لا تأتي من قراءة الكتب المقدسة بل من تجربة ذوقية داخلية ~~تجعلنا في تواصل مع المبدأ دون كلمات؛ ولذلك يقول المعلم: # في قلة الكلام تناغم مع الطبيعة. # الطبيعة لا تعبر عن نفسها بالكلمات (الفصل 5). # وأيضا: # الذين يعرفون لا يتكلمون، # والذين يتكلمون لا يعرفون (الفصل 56). # وأيضا: # الكلام الكثير يقود أخيرا إلى الصمت. # ثبت قلبك على جوهر الفراغ (الفصل 5). # فمعرفة التاو لا تتطلب الكلام ولا التفتيش في الكتب، ~~وهي ليست معرفة عقلية بل معرفة حدسية تنشأ من تثبيت الذهن في ~~أحوال التأمل على جوهر الفراغ أي على طبيعة التاو والتي هي خواء، ~~ولكن هذا الخواء ليس حالة عطالة مطلقة، وإنما حالة فعالية تشبه ~~فعالية القوانين الطبيعية المعدومة بالنسبة لأحوال الوجود المعروفة ~~لنا، ولكنها كامنة وراء جميع أحوال هذا الوجود وفاعلة فيه؛ ولذلك ~~يتحدث لاو-تسو عما يمكن لنا تسميته بالفراغ المليء: # التاو فارغ، # ولكن النضح منه لا ينضبه، # لا يسبر غوره، منشأ الآلاف المؤلفة (= مظاهر الكون ~~جميعها). ~~(س): # كيف يكون الشيء ~~فارغا ومهما أخذنا منه لا ينضب؟ ~~(ج): # لأنه يحتوي على إمكانيات ~~الوجود وليس على موجودات مادية قابلة للنفاد. وهذه الإمكانيات تتحول ~~من وجود بالقوة إلى وجود بالفعل باستخدام مصطلحات فلسفية. ~~(س): # هل أعطانا أمثلة عن الفراغ ~~باعتباره حالة فعالية؟ ~~(ج): # نعم. يقول في الفصل ~~«11»: # اجمع أقطار العجلة الثلاثين ms215 عند مركزها، # وانظر كيف يعطيك اللاشيء في المركز حركة ودورانا. # اعجن الصلصال وشكله إناء، # وانظر كيف يعطيك اللاشيء في الداخل استعمالا. # ابن غرفة بنوافذ وأبواب، # وانظر كيف يقدم لك اللاشيء في داخلها مسكنا. # ما نحصل عليه هنا هو شيء، # ولكن بفضل اللاشيء يكتسب الشيء وظيفته. # وهنا يمكن أن أضيف مثالا من عندي إلى حجة لاو-تسو ~~بخصوص دور الفراغ أو اللاشيء، مستمدا من الموسيقى؛ فاللحن الموسيقي ~~لا يمكن تمييزه إلا بتتابع الصمت والصوت؛ فالصمت هو الفراغ أو ~~اللاشيء، والصوت هو الشيء، وإذا لم يفصل الفراغ بين نقرتين على أوتار ~~العود فإن ما يمكن أن نسمعه لن يكون أكثر من فوضى صوتية لا معنى ~~لها. ~~(س): # يبدو أن الأفكار التي تسبب ~~وجع الدماغ ما زالت تتوالى! ~~(ج): # أعتقد أن ما سيأتي هو أقل ~~صعوبة. # في الخلق والتكوين: # في أديان التوحيد يظهر العالم إلى الوجود من خلال فعل إرادي للإله ~~الخالق وخطة محكمة مسبقة في عقله المفارق لعالم المادة والفاعل ~~فيها. أما عند لاو-تسو فإن ظهور العالم أشبه ما يكون بعملية تفتح ~~زهرة تدفعها من داخلها فعالية خلاقة. ومن خلال هذه الفعالية يتحول ~~التاو إلى ما لا يحصى من مظاهر العالم الحية والجامدة (أو الآلاف ~~المؤلفة بالتعبير التاوي)، وذلك عن طريق تناوب قوة اليانغ الموجبة ~~وقوة الين السالبة. هذا الفعل غير القصدي هو نوع من اللافعل، أو الفعل ~~من خلال اللين لا الفعل من خلال ممارسة القوة: # التاو ليس من شيمته الفعل، # ومع ذلك لا يترك شيئا بحاجة إلى إتمام. (الفصل 37). # وأيضا: # بتكامل الأضداد يتحرك التاو، # باللين ينجز عمله. # وما دام التاو ليس خالقا للعالم بالمعنى الديني ~~للكلمة فإنه لا يلعب تجاهه دور السيد المتحكم، بقدر ما يلعب دور ~~القوانين الطبيعية في المفاهيم العلمية الحديثة؛ فالأشياء تنشأ ~~تلقائيا وبشكل متزامن في معزل عن مبدأ السببية؛ فلا حاكم ولا ~~محكوم، والكل يحدث من تلقاء ذاته وفي ارتباط وثيق مع حدوث الآخر. عن ~~هذا النشوء التلقائي المتزامن يقول تشوانغ تزو تلميذ المعلم: ~~«قد يبدو أن ms216 للعالم سيدا ولكن ما من دلائل تدل على وجوده ... لننظر ~~إلى الجسد الإنساني كنموذج للعالم، بعظامه المائة وفتحاته التسع ~~وأجهزته الداخلية الستة، كم هي متكاملة وفي أماكنها الصحيحة. هل أستطيع ~~وضع أسبقية لأحدها على الآخر؟ هل أضعها جميعا على قدم المساواة؟ هل ~~كلها خدم لا تستطيع ضبط بعضها بعضا؟ هل تتبادل دور الخادم والسيد ~~على التوالي؟ ألا ترى أن هنالك شيئا جوهريا موجودا في صميم ~~تكاملها؟» ~~(س): # إذن فالعالم يسير دون ~~مسير! ~~(ج): # نعم، وهذا يحصل نتيجة لتفاعل ~~مكوناته مع بعضها البعض، وكل عنصر هو فاعل ومنفعل، سيد وخادم، في ~~الآن نفسه. ~~(3) العلاقة بين المبدأ الكلي والبشر: # العلاقة بين الله والبشر في أديان التوحيد هي علاقة طقسية شعائرية؛ ~~فقد خلق الله البشر وسخر لهم الطبيعة ونبات وحيوان الأرض لأجل ~~معاشهم، وعليهم في المقابل شكره الدائم على نعمه وتقديم فروض الطاعة ~~والعبادة له. أما عند لاو-تسو فإن نعم المبدأ الكلي تفيض من خلال ~~تلقائية كونية لا سيد فيها ولا مسود، والكل يعيش حالة وجود تشاركي ~~لا فضل فيه لأحد عناصره على الآخر. وفي هذا يقول المعلم: # الآلاف المؤلفة تظهر وتختفي بلا توقف. # ما يعطيها الحياة لا يدعي امتلاكا. # يكمل عمله ولا يدعي فضلا. # العمل ينجز ثم ينسى؛ # ولذلك فإن أثره لا يفنى. (الفصل 2) # وأيضا: # إنه يعطي ويغذي. # يعطي الحياة ولا يدعي امتلاكا. # يغذي ولا يأمل عرفانا. # يدبر ولا يبسط سلطانا. ~~(س): # إذا أردنا أن ~~نشكر التاو فماذا نفعل؟ ~~(ج): # تشبه به على قدر طاقتك ~~الإنسانية. ~~(4) في الأخلاق: # في دين التوحيد تهبط الشرائع ~~الأخلاقية من السماء، والإله هو الذي يبين للناس طريق الخير وطريق ~~الشر. وهذا يعني الإنسان لا يتمتع بوازع أخلاقي أصلي، وهو لا يسلك في ~~طريق الخير إلا امتثالا للأمر الإلهي. أما عند لاو-تسو فإن الفضيلة ~~كامنة في صلب النظام الطبيعي، وما على الإنسان إلا أن يضع نفسه في حالة ~~تناغم مع هذا النظام لكي يستطيع تلمس الفضيلة في داخله دون حاجة ~~إلى تلقين، أو إلى اتباع لوائح أخلاقية صاغتها ms217 له قوة علوية. ~~وبتعبير آخر، فإن عمل الخير يأتي دون قصد أو تصميم، وهو شكل من ~~أشكال التلقائية على مستوى الكون وفي النفس الإنسانية. يقول ~~المعلم: # رجل الفضيلة الكاملة لا يشعر بفضيلته؛ # ولذا فإنه رجل فاضل. # البعيد عن الفضيلة مشغول بها على الدوام، # ولذا فإنه رجل غير فاضل. # رجل الفضيلة لا يفعل، # ومع ذلك لا يترك شيئا بحاجة إلى إتمام. (الفصل 38) ~~(س): # لماذا على ~~إنسان الفضيلة ألا يشعر بأنه رجل فاضل، وما السوء في ذلك؟ ~~(ج): # رجل الفضيلة لا يشعر بأنه ~~مخير بين إتيان الحسنة أو إتيان السيئة، لأن كل أفعاله حسنات من دون ~~قصد أو تفكير، أما الآخر فإنه دوما يختار لأن الحسنة والسيئة في ~~داخله تتنازعان، وعندما يختار فعل الحسنة فإن ذلك يحدث عن قصد ~~وتصميم، وهو غالبا ما يتوقع الثناء والإعجاب؛ ولذلك يقول المعلم ~~أيضا: # إذا اتبعت طريق السماء، # تبذل الحسنة لا السيئة. # إذا اتبعت طريق السماء، # تفعل ولا تبغي من وراء ذلك عرفانا. (الفصل 81) # وفي هذا يقول تشوانغ تزو: «كان الناس في تلك الأيام ~~مستقيمين في سلوكهم دون أن يعرفوا أن في ذلك صلاحا، وكانوا محبين ~~لبعضهم دون أن يعرفوا أن في ذلك خيرا، وكانوا مخلصين دون أن يعرفوا أن ~~في ذلك صدقا، كانوا يساعدون بعضهم دون أن يعرفوا أن في ذلك أخذا ~~وعطاء؛ لذا فإن أعمالهم لم تترك أثرا، ولا نملك سجلات عن ~~أخبارهم.» # وبهذا الخصوص ينقل لنا تشوانغ تزو حوارية بين لاو-تسو وكونفوشيوس ~~يقول لاو-تسو لكونفوشيوس في خاتمتها: ~~«لننظر إلى الكون وصيرورته الدائمة التي لا تنقطع، إلى الشمس والقمر ~~وضيائهما الدائم، إلى النجوم في تجمعاتها، إلى الطير والوحش في ~~أفواجها، إلى الشجر والقصب المشرئب دوما نحو الأعلى. كن كهؤلاء، اتبع ~~التاو فتغدو كاملا. لماذا كل هذه العناء العقيم في البحث عن الإحسان ~~والواجب؟ إنه يشبه قرع الطبل في البحث عن الفار الذي تسعى وراءه. وا ~~أسفاه يا سيدي! لقد جلبت الكثير من التشوش إلى عقول الناس.» ~~(5) في الثواب والعقاب: # في دين التوحيد تتصل المنظومة ms218 الأخلاقية الدينية بالثواب والعقاب؛ ~~فالله يثيب فاعل الخير ويعاقب فاعل الشر، والإنسان في خياره الأخلاقي ~~يتصرف عن خوف من العقاب وطمع في الثواب. أما عند لاو-تسو فإن ثواب ~~الخير يكمن في الخير نفسه لا في مكافأة تترتب عليه، والثاوي يقوم ~~بواجبه دون النظر إلى مردود، وهذا ما يأخذ بيده إلى النجاح دون أن ~~يطلبه. يقول المعلم: # عندما تتبع طريق السماء، # فإنك تربح دون نضال، # تحصل على ما تريد دون سؤال، # يأتيك النجاح دون أن تسعى إليه. (الفصل 73) ~~(س): # هل تعبير «طريق ~~السماء» هنا معادل للتاو؟ ~~(ج): # نعم. ولاو-تسو هنا يستخدم ~~تعبيرا مفهوما لدى أهل بقية العقائد؛ فالسماء في ذلك الوقت كانت ~~بمثابة الحضور الروحي الجليل والقوة الأخلاقية الأعظم، وكان على ~~الحكماء والحكام الوقوف في خشوع في حضرة السماء واستيعاب مشيئتها ~~باعتبارها ألوهة كونية غير مشخصة؛ ولذلك يقول في الفصل ~~(79): # طريق السماء حيادي، # ولكنه يبقى إلى جانب الإنسان الطيب. # والمعلم هنا لا يقصد إلى القول بأن التاو يقف بشكل ~~قصدي إلى جانب الإنسان الطيب، بل إلى أن الشخص الطيب الذي يتماثل مع ~~التلقائية الكونية يجدها دوما إلى جانبه دون قصد منه أو منها. ~~والمسألة هنا مثل سرب طيور مهاجرة انعكست صورته على سطح ماء ~~بحيرة ساكنة؛ فالسرب لم يقصد إرسال صورته إلى سطح البحيرة، ~~والبحيرة لم تقصد أن تعكس صورته. # ويتصل الثواب والعقاب بفكرة الآخرة والحياة الثانية التي تتخذ مركز ~~البؤرة من الفكر الديني التوحيدي؛ فالحياة الدنيا ليست سوى مرحلة ~~قصيرة عابرة تقودنا إلى الحياة الحقة الأبدية. أما لاو-تسو الذي لم ~~يعط اهتماما للمسائل الميتافيزيكية، فإنه لم يتحدث عن فناء الروح ~~ولا عن خلودها، وما على الإنسان سوى أن يحيا حياة طبيعية خلال هذه ~~الفترة المقدرة له في هذه الدنيا دون خوف من الموت أو تعلق ~~بالحياة، ويترك ما عدا ذلك للتلقائية الكونية لكي تتكفل به. وفي ~~تفسير موقف معلمه من هذه المسألة يقول تشوانغ تزو: ~~«الناس في الأيام الخوالي لم ~~يعرفوا حب الحياة ولا كره الموت. الولوج إلى الحياة لم ms219 يكن فيه بهجة ~~لهم، والخروج منها لم يكن يثير فيهم جزعا ومقاومة. بهدوء كانوا يأتون ~~وبلا ضجيج كانوا يمضون. لا ينسون ما كانت عليه بدايتهم ولا يتساءلون ~~عما ستئول إليه نهايتهم. لم يكن لديهم نية أو رغبة لمقاومة التاو، ولم ~~يبذلوا جهدا لمعارضة طريق السماء. لقد قبلوا الحياة واغتبطوا بها ثم ~~نسوا وآلوا إلى حالة ما قبل الحياة.» ~~(س): # إذن عقيدة تناسخ الأرواح غير ~~موجودة في التاوية! ~~(ج): # هذا صحيح؛ فعقيدة تناسخ ~~الأرواح هي جزء من منظومة ميثولوجية متشعبة ومتخمة بالمفاهيم، ~~أما التاوية فتهدف إلى مقاربة الحقيقة بشكل مباشر وبدون توسيط ~~المفاهيم، والتاوي لا يقيم علاقة معرفية مع العالم بل معرفة اختبارية ~~ذوقية لا يمكن للكلمات التعبير عنها. وهذا ما يقصد إليه لاو-تسو عندما ~~يتحدث عن التعليم بدون كلمات. يقول في الفصل 48: # في طلب العلم تعرف في كل يوم أكثر، # في طلب التاو تبذل في كل يوم أقل. # تبذل أقل فأقل حتى تصل إلى حالة اللافعل، # وعندما تصل إلى حالة اللافعل، # لا تجد أمرا بحاجة إلى إتمام. # ويقول تشوانغ تزو في تفسير موقف معلمه هذا: «من يتصدى ~~للإجابة عن سؤال حول التاو لا يفهم التاو؛ إذ ما من تساؤل ممكن هنا ~~وما من أجوبة. إن طرح أسئلة لا يمكن الإجابة عنها حماقة، وفي الإجابة ~~عن أسئلة لا جواب لها فقدان للمعرفة الداخلية. التاو يعرف بدون ~~مفاهيم، بدون تفكير عقلي. يمكن مقارنته بالمكوث في اللاشيء باتباع لا ~~شيء، بطلب لا شيء. الحكيم يعلم مبدءا لا يمكن التعبير عنه ~~بالكلمات.» ~~(س): # إن تعبير اللافعل الذي ~~يستخدمه لاو-تسو مرارا لا يعني بالطبع عدم القيام بأي شيء، أليس ~~كذلك؟ ~~(ج): # إنه يعادل تعبير اللاجهد؛ ~~فالإنسان يتوافق مع الطبيعة من خلال ما يدعوه لاو-تسو بحالة اللافعل ~~وعدم التدخل في مسار الأشياء؛ ففن الحياة هو أشبه بفن الملاحة لا بفن ~~القتال، ففي الملاحة يدير الربان شراعه للريح ويستخدم خبرته بها ~~لأجل الإفادة منها لا لمقاومتها، وبذلك يغدو جزءا من النظام الطبيعي ~~للأشياء. وحركة الماء هي إحدى ms220 الصور المفضلة لدى لاو-تسو لتوضيح ~~مفهوم اللاجهد. يقول في الفصل 8: # الخير الأسمى يشبه الماء. # الماء يسقي ألوف الحيوات في جريانه بلا جهد، # يرافقها في أماكن لا يرتادها أحد. # وهو في ذلك يشبه التاو. # فالنهر من منبعه إلى مصبه يسير متعرجا بين ~~الأودية، ويلتف حول الصخور والعقبات فيبلغ غايته دون جهد، وعلى الإنسان ~~في سعيه أن يتشبه دوما بجري الماء. # وأيضا: # عندما تتبع طريق السماء، # فإنك تربح دون نضال، # تحصل على ما تريد دون سؤال، # تحقق النجاح دون أن تطلبه. ~~(س): # سلوك طريق ~~اللاجهد يذكرني بالمصارعة اليابانية؛ فقد قرأت في إحدى المرات ~~أنها تقوم على الإفادة من قوة الخصم، فهل كان للتاوية تأثير على فكر ~~اليابان؟ ~~(ج): # هذا صحيح؛ فرياضة الجيدو ~~اليابانية لا تقوم على استخدام القوة للإيقاع بالخصم، وإنما على تنفيذ ~~حركات لينة مدروسة تؤدي إلى الإخلال ~~بتوازنه وتوجيه قوته ضده. وهذه ~~الرياضة تستلهم حكمة الزن اليابانية ذات الخلفية التاوية. وقد تحدث ~~لاو-تسو عن الإفادة من قوة الطرف الآخر عندما قال في الفصل 68: # المقاتل الصنديد لا يظهر عنفا، # والمجلي في المعارك ليس غضوبا، # والمنتصر على عدوه ليس منتقما، # والبارع في القيادة يظهر تواضعا. # هذا ما يدعى بالإفادة من قوة الطرف الآخر، # هذا ما يدعى بالتماثل مع السماء. # وتتصل فلسفة اللاجهد هذه بفلسفة اللين ونكران ~~الذات: # ألين الأشياء في العالم # يقوى على أقسى الأشياء، # ما لا مادة له ينفذ إلى ما لا ثقوب له. (الفصل 43) # وأيضا: # الجسد الحي رقيق ولين، # وكذلك العشب والشجر الأخضر. # الجسد الميت صلب وقاس، # وكذلك العشب الذاوي والشجر اليابس. # القسوة والصلابة من علائم الموت، # واللين والرقة من علائم الحياة. # من هنا فسلاح القوة لا ينفع، # والشجر اليابس يقع تحت ضربات الفأس. (الفصل 76) # وأيضا: # لا يوجد في العالم أرق وألين من الماء، # ومع ذلك فإنه الأقدر على مواجهة القوي والصلب. # هذه حقيقة ناصعة لا مراء فيها. # الضعيف يظهر على القوي، # واللين يقوى على الصلب، # ولكننا لا نضع معرفتنا بذلك موضع التطبيق. (الفصل 78) # أما لماذا لا نضع هذه المعرفة ms221 موضع التطبيق فلأن ~~«الكلمات الصادقة تبدي تناقضا» على ما يقول في السطر الأخير من هذا ~~المقتبس؛ فالحكيم عندما يقول بأن ألين الأشياء في العالم يقوى على ~~أقسى الأشياء، فإنه يقول للسامع جملة تحتوي على تناقض ظاهري لا يتفق ~~مع خبرة ذلك السامع العادية في الحياة، والتي تعلمه أن أقسى الأشياء ~~يقوى على ألين الأشياء. # ويقول في نكران الذات: # الحكيم يضع نفسه في المؤخرة فيجدها في المقدمة. # عندما ينسى نفسه يجد نفسه. # لأنه لا يشعر بنفسه قادر على تحقيق ذاته. (الفصل 7) # وأيضا: # الحكيم يعرف نفسه ولكنه لا يظهرها، # يصقل نفسه ولكنه لا يعلي من شأنها. (الفصل 72) # وفي شخص الحاكم تتحد فضيلة اللاجهد بفضيلة نكران ~~الذات: # يغدو النهر ملكا على مئات الجداول؛ # لأنه أوطأ منها منسوبا؛ # لذا فإن من أراد أن يحكم أمة، # عليه أن يتضع أمامها، # ومن أراد أن يقود شعبا، # عليه أن يسير وراءه أولا. # إذا اعتلى الحكيم قمة السلطة، # لا يشعر بسلطته أحد، # وإذا سار في مقدمة الركب، # لا يشعر بوجوده أحد؛ # ولهذا يعطيه الناس ولاءهم عن طيب خاطر. (الفصل 66) # وأيضا: # أفضل الحكام من شابه الظل عند رعيته، # يليه الحاكم الذي يحبون ويمدحون، # فالذي يخافون ويرهبون، # فالذي يحتقرون ويكرهون. ~~(س): # لماذا أتى ~~الحاكم المحبوب هنا في المقام الثاني؟ ~~(ج): # لأن الرعية تشعر بوجوده في ~~الوقت الذي يتوجب عليه أن يكون مثل الشبح أو الظل لا يشعر بوجوده ~~أحد؛ ولذلك يقول في نهاية المقتبس عن الحاكم الظل: # فإذا أكمل مهمته وأتم عمله، # تقول الرعية: لقد حصل ذلك من تلقاء ذاته. ~~(س): # هل يمكننا ~~اعتبار تاوية لاو -تسو دينا؟ ~~(ج): # ربما بسبب مركزية مفهوم التاو ~~في فكر لاو-تسو نستطيع اعتبارها دينا، ولكنه دين بلا كهنوت وبلا طقوس ~~أو معابد وبلا أيديولوجيا، ولكن هذه التاوية الحكموية التي أرادها ~~لاو-تسو سارت بعد عدة قرون من وفاة صاحبها في الطرق التي أرادها ~~البشر، فقامت بعدها ديانة طقسية تاوية لها آلهتها وعقائدها ~~وتصوراتها عن الحياة الثانية والعالم الآخر، وجرى تقديس لاو-تسو على ~~طريقة البوذا، وجعلت ms222 له بطانة سماوية تحف به في مسكنه الأعلى، ~~وأنشئت المعابد على نطاق واسع، مما لا أريد التوسع به هنا لأن ~~موضوعنا يدور حول المبدأ اللاإلهي وغروب الآلهة في معتقدات الشرق ~~الأقصى. ms223