######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.AramDimashqWaIsrail.Hindawi62929285 #META# Tags: history :: religions #META# ID: 62929285 #META# Title: آرام دمشق وإسرائيل: في التاريخ والتاريخ التوراتي #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: البحث عن إسرائيل التوراتية‏ # 1 - الخلفية التاريخية العامة للحدث التوراتي‏ # 2 - عصر الآباء‏ # 3 - العبودية في مصر، والخروج‏ # 4 - إسرائيل في كنعان‏ # 5 - المملكة الموحدة لكل إسرائيل‏ # الباب الثاني: إسرائيل التاريخية وآرام دمشق‏ # 1 - نظريات في نشوء إسرائيل‏ # 2 - إسرائيل التاريخية‏ # 3 - الآراميون والخلفية التاريخية العامة لصعود دمشق‏ # 4 - إمبراطورية دمشق والعلاقات الآرامية الفلسطينية‏ # 5 - العقود الأخيرة لدمشق وإسرائيل ونشوء يهوذا‏ # 6 - صعود يهوذا ونهايتها السريعة‏ # خاتمةأفق الخرافة وبداية ~~التاريخ اليهودي‏ # مراجع البحث‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # مقدمة‏ # الباب الأول: البحث عن إسرائيل التوراتية‏ # 1 - الخلفية التاريخية العامة للحدث التوراتي‏ # 2 - عصر الآباء‏ # 3 - العبودية في مصر، والخروج‏ # 4 - إسرائيل في كنعان‏ # 5 - المملكة الموحدة لكل إسرائيل‏ # الباب الثاني: إسرائيل التاريخية وآرام دمشق‏ # 1 - نظريات في نشوء إسرائيل‏ # 2 - إسرائيل التاريخية‏ # 3 - الآراميون والخلفية التاريخية العامة لصعود دمشق‏ # 4 - إمبراطورية دمشق والعلاقات الآرامية الفلسطينية‏ # 5 - العقود الأخيرة لدمشق وإسرائيل ونشوء يهوذا‏ # 6 - صعود يهوذا ونهايتها السريعة‏ # خاتمةأفق الخرافة وبداية ~~التاريخ اليهودي‏ # مراجع البحث‏ # | آرام دمشق وإسرائيل # | آرام دمشق وإسرائيل # | في التاريخ والتاريخ التوراتي # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970 بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل ~~الأولى» تتشكل في ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، ~~شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، ~~فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة ~~الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية ~~فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن ~~الكتابة. # وفي عام 1971 قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ~~ستة أشهر، رحت خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد ~~البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو ~~سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي ~~بما يلزمني من مراجع، ms001 وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، ~~وكان عمل الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن ~~لم يكن مهمة مستحيلة . # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة ~~الإنترنت التي لعبت دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ~~ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب الإلكترونية ~~المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب ~~الذي يعيش في الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال ~~كبسة زر على حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، ~~مع إبقائي استخدام القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل ~~للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في 20 ~~مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، ~~واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع ~~المتنوعة التي تثري الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات ~~إصدارها في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت ~~وأنا أتأملها كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين ~~كتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون ~~والإنسان»، ومشروع تكامل تدريجيا دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين ~~مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي أحببت أن أشرك به قرائي. ~~وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف ~~مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى بداية أخرى على طريقة ~~سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة العقل الأولى: دراسة ~~في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه وأتأمله، إنه في غلاف ~~طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ناشرها إلى غلاف ~~الطبعة الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق الفنان «إحسان ms002 ~~عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم عناية ~~الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ذلك ~~الوقت. وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار ~~حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي ~~بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته هذه ~~الثقافة من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور ~~موضع اهتمام عام، ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا ~~المجال، ولم أنظر إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد على هوايته. إلا أن ~~النجاح المدوي للكتاب - الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد ~~الكتاب العرب بدمشق في ستة أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني ~~بالمسئولية؛ لأن القراء كانوا يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون ~~إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح ~~أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب ~~الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم ~~أتعجل في العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي ~~صارت وقفا على التاريخ العام والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد ~~عام، كان كتاب «لغز عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له كل عدة ~~ممكنة خلال ثمانية أعوام، ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر ~~عام 1986؛ أي بعد مرور عشر سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا ~~مدويا آخر فاق النجاح الأول، فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 ~~نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت الطبعة الثانية قبل نهاية العام، ثم ~~تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي ~~كان «لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، ~~فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات ~~الثلاثين الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، ~~إلى أن دعتني جامعة بكين ms003 للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل ~~محاضرا فيها، وعهدت إلي بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ~~ومادة تاريخ أديان الشرق الأوسط لطلاب الدراسات العليا، وهناك أنجزت ~~كتابي الأخير «الله والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه ~~الطبعة بالأعمال غير الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» ~~التي فعلت ذلك من قبلي؛ لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال ~~أعضاء جدد ما زالوا الآن في طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة ~~البحث في الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على ~~المستوى العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي ~~الغربي المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» ~~المتخصص في تاريخ فلسطين القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة ~~في كتاب من تحريره صدر عام 2003 عن دار # T & T ~~Clark # في بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem during the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في ~~العاصمة الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من ~~الباحثين الغربيين في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة ~~استمرت بعد ذلك من خلال المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة ~~دولية أخرى انعقدت في دمشق بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة ~~العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول تاريخ أورشليم القدس وما يدعى ~~بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل عديدة أثارها «تومبسون» في ~~ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان الباحث البريطاني الكبير «كيث ~~وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في كتاب من تحريره ~~بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران ~~في ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات ~~الباحثين من أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه ~~دراسة لي عن نشوء ms004 الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnant and the ~~Invention of Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان ~~الأولى بعنوان: # What We Do and Do Not Know about Pre-Hellenistic al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A ~~Reply to Firas Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم ~~يختفي ولا تجده بعد ذلك إلا في المكتبات العامة ، ولكن بعضها يقاوم ~~الزمن وقد يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة التداول. وقد أطال ~~القراء في عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة ~~الكتب، أما تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # يعتبر كتاب التوراة بالنسبة للباحث في الميثولوجيا وتاريخ الأديان ~~أحد المفاتيح المهمة لفهم آخر حلقات التاريخ الديني في منطقة الشرق ~~القديم. كما يعتبر تاريخ فلسطين مقدمة لا غنى عنها لفهم كتاب ~~التوراة، وتوضيح السياق التاريخي لظهور أسفاره، وفهم الوسط الثقافي ~~الذي أنتجها، والوضع الفكري لمحرريها، وبذلك يغدو تاريخ فلسطين جزءا ~~لا يتجزأ من تاريخ الدين في المنطقة المشرقية. # من هنا جاء اهتمامي الشخصي بهذا التاريخ، وسعيي لكشف غوامضه والتعمق ~~في إشكالياته، وذلك على هامش بحثي الأساسي في الميثولوجيا وتاريخ ~~الدين، ثم تحول الهم الهامشي تدريجيا إلى هم رئيسي، فوضعت كتابي ~~الأول في تاريخ فلسطين عام 1989 وكان بعنوان «الحدث التوراتي والشرق ~~الأدنى القديم». ولكن فيض المعلومات الأركيولوجية الجديدة - الذي تراكم ~~خلال ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، والذي أخذ الآن فقط ~~ينتظم في شبكة مفهومة أمام المؤرخ - قد دفع الموضوع مجددا إلى بؤرة ~~اهتماماتي؛ لأن هذه المعلومات الجديدة أخذت تفرش الأرضية اللازمة ~~لإعادة النظر في تاريخ فلسطين، ومسألة نشوء إسرائيل القديمة وزوالها في ~~السياق العام لهذا التاريخ، وفهم علاقة تاريخ إسرائيل بالتاريخ ~~اليهودي، وهي علاقة ms005 قد بدأت الآن بالاتضاح على خلفية المعلومات ~~الجديدة، وذلك بعد فترة طويلة من اختلاط البحث التوراتي بالبحث ~~التاريخي، وسيطرة الأول على الثاني. # وبما أن تاريخ آرام دمشق قد تقاطع مع تاريخ مملكتي إسرائيل ويهوذا ~~خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت ~~نشوء هذه الممالك الثلاث وحروبها وتحالفاتها واختلاف مصائرها، فقد ~~تهيأت لي فرصة انتظرتها طويلا لأقول في تاريخ مملكة دمشق الآرامية ما ~~لا يعرفه القارئ العربي حتى الآن، بسبب قلة الدراسات التي تعرضت لهذا ~~التاريخ ، وسيطرة وجهة النظر التوراتية عليها، فسلطت الضوء على حقبة ~~مهمة من تاريخ سوريا الآرامية لم يتم حتى الآن إضاءتها والربط بين ~~أحداثها. فلقد جعلت مملكة دمشق من نفسها في تلك الحقبة القوة العظمى ~~الثانية بعد آشور في منطقة الشرق القديم، ودافعت عن استقلال مناطق غربي ~~الفرات في مواجهة آشور فترة طويلة من الزمن، استطاعت خلالها الثقافة ~~الآرامية الناشئة تثبيت أقدامها، وتفتيح إمكاناتها الذاتية. وعندما ~~تهاوت دمشق، وانهارت الممالك الآرامية سياسيا أمام آشور، قامت هذه ~~الثقافة بالاستيلاء على غازيها من الداخل، فتكلمت آشور الآرامية بدلا ~~عن لغتها، وعندما شرب الفاتح الآشوري من الكأس التي سقاها للشعوب ~~المغلوبة، وورث الكلدان ثم الفرس فيما بعد أملاكه الغربية، شمل المدى ~~الجغرافي للثقافة الآرامية المنطقة الممتدة من حدود الهند إلى البحر ~~المتوسط، فيما يدعوه المؤرخ أرنولد توينبي بالعالم السوري. # ورغم أن اهتماماتي الأصلية بالميثولوجيا وتاريخ الأديان كانت وراء ~~إنجازي هذا الكتاب، إلا أن القارئ سوف يلاحظ منذ البداية أن المسألة ~~الدينية لم تأخذ أكثر من الحيز اللازم لها، فهذه الدراسة تبقى حتى ~~النهاية ضمن إطار البحث التاريخي الصرف، وذلك في كل ما يتعلق بالمرجعية ~~والمقتربات والمنهج. وهي تعتمد أحدث المعلومات التي قدمها علم الآثار ~~وعلم التاريخ والعلوم المساعدة الأخرى، خلال سبعينيات وثمانينيات ومطلع ~~تسعينيات القرن العشرين، وهي معلومات مختلفة جذريا، وتضع بين أيدينا ~~المقدمات اللازمة للانعطاف نحو آفاق جديدة في كتابة تاريخ ~~فلسطين. # | مقدمة # لعل أهم ما تكشفه أمامنا المعلومات الجديدة المتوفرة خلال ربع القرن ms006 ~~الماضي هو استقلال الصورة التاريخية لإسرائيل عن صورتها التوراتية ~~استقلالا دفع بعض المؤرخين الجدد إلى الدعوة لوضع الرواية التوراتية ~~بكاملها على الرف، وكتابة تاريخ فلسطين - خلال الحقبة التي تغطيها ~~أحداث التوراة - بمعزل عن النص التوراتي والخبر التوراتي الذي فقد ~~لديهم كل مصداقية تاريخية، وبذلك يتحول كتاب التوراة من مصدر أول ورئيس ~~لكتابة تاريخ فلسطين وتاريخ إسرائيل، إلى ناتج ثانوي من نواتج ذلك ~~التاريخ، وإلى تركة أدبية تتطلب نفسها التفسير والتعليل. فالباحث ~~غربيني # G. Garbini ~~، على سبيل المثال، ~~يرى أن الأسفار المدعوة بالتاريخية في كتاب التوراة، قد دونت فيما بين ~~أواخر العصر الفارسي وأوائل العصر الهيلينستي، وذلك بعكس الرأي الشائع ~~بين الباحثين المحافظين الذين يرون أن تدوين التوراة قد ابتدأ خلال ~~فترة السبي البابلي، واكتمل في مطلع العصر الفارسي. من هنا، فإن إعادة ~~بناء تاريخ فلسطين، عند هذا الباحث، يجب أن يتخطى النص التوراتي؛ لأن ~~هذا النص قد دون بعد فترة طويلة جدا من الأحداث التي يتصدى ~~لروايتها. وهو يرى أن تاريخ إسرائيل التوراتية في السياق العام لتاريخ ~~فلسطين هو أخيولة أدبية تجد دوافعها في المناخ الاجتماعي والنفسي ~~للفترة المتأخرة التي أنتجتها. # 1 # لا ينفرد الباحث غربيني # Garbini # بهذا ~~الموقف من تاريخ فلسطين ومن التقاليد التوراتية، بل إن دراسته الصادرة ~~عام 1988 تأتي في سياق التوجه الجديد في الحلقات الأكاديمية المتحررة ~~نحو إعادة النظر في تاريخ إسرائيل، بعيدا عن التوجه التقليدي الذي ~~يقوم على التوفيق بين البحث التوراتي والبحث الأركيولوجي. وقد تم ~~التأسيس لهذا الاتجاه المتحرر منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، من ~~خلال أبحاث دارسين متميزين من أمثال ج. ~~أ. سوجن # J. A. Soggin ~~، وج. م. ~~ميللر # J. M. Miller ~~، وج. ه. ~~هايز # J. H. Hays ~~، وفان ~~سيتيرز # Van Seters ~~، وتوماس ل. تومبسون، وغيرهم ممن سنعرض لهم عبر ~~الصفحات المقبلة لهذا الكتاب. # يقول توماس ل. تومبسون في كتابه # Early History of the ~~Israelite People # الصادر عام 1992 ما يلي: «إن الأبحاث ~~الجديدة التي توفرت لدينا خلال ربع قرن مضى قد فرشت ms007 أرضية صلبة تمكننا ~~الآن من صياغة تاريخ لإسرائيل مستقل عن البحث التوراتي. وليست الكتب ~~والدراسات المنشورة حديثا إلا برهانا واضحا على أن كتابة مثل هذا ~~التاريخ، بشكل موضوعي وطريقة وصفية، قد صارت ممكنة. فجميع هذه المؤلفات ~~تقريبا تضع بين أقواس معترضة الأخبار التاريخية المقتبسة من التوراة ~~(دلالة عن الشك المبدئي بمضمونها). إن مقدرتنا المتزايدة على بناء ~~تاريخ مفصل لأصول إسرائيل تجعل من الضروري، أكثر فأكثر، ترك ~~الاعتماد على الروايات التوراتية كمصدر لكتابة التاريخ، وعلينا أن ~~نتخلى بشكل جذري وواع عن كل المسلمات التي فرضت علينا من قبل النص التوراتي». # 2 # أما عن مصادر كتابة هذا التاريخ المستقل فكثيرة ومتنوعة، ~~فإضافة إلى التفسير المتحرر من المواقف التوراتية المسبقة لنتائج البحث ~~الأثري في المنطقة، ودراسة النقوش الكتابية للثقافات المجاورة، من ~~آرامية وآشورية وبابلية وغيرها، فإن المنهج التاريخي الجديد يلجأ إلى ~~معونة عدد من العلوم المساعدة في حقول الاجتماع، والأنثروبولوجيا، ~~والبيئة الطبيعية للعصور القديمة بنباتاتها ومناخها، ودورات الخصب ~~والجفاف المتعاقبة عليها، والتغير في نمط الاستيطان السكاني، وما إلى ~~ذلك مما سنتعرض له في حينه. # لقد كانت التقاليد التوراتية، حتى وقت قريب، تلقي ضوءا على الماضي، ~~ولكنها قد صارت الآن بحاجة إلى إلقاء الضوء عليها من قبل ذلك الماضي، ~~الذي بدأ يتضح بشكل مستقل عن المواقف المسبقة والمسلمات المفروضة. ~~وبتعبير آخر، فإن كتاب التوراة لم يعد نقطة الانطلاق، بل خط النهاية في ~~دراستنا التاريخية. فعندما نفلح في كتابة تاريخ لفلسطين مستقل عن ~~الصورة الخيالية التي تقدمها الأسفار التوراتية؛ يمكن عند ذلك أن نطرح ~~أسئلة تتعلق بكيفية نشوء الأسفار التوراتية، ثم نجيب عليها، أما ~~الاستمرار في اعتبار التوراة نوعا من الكتابة التاريخية، فلن يؤدي إلى ~~مزيد من التعمية على التاريخ فقط، بل سيبقى عقبة قائمة أمام فهم الكتاب ~~ومضامينه ورسالته. # تنتمي الأسفار التوراتية، من حيث شكلها ومضمونها ودوافع كتابتها، إلى ~~جنس كتابي يمكن وصفه بجنس الجمع التراثي. فالهاجس الذي يدفع محرري ~~ومعيدي صياغة تلك التقاليد الأدبية المتفرقة التي صيغت منها الأسفار؛ ~~ليس هاجسا تاريخيا بل ms008 هاجسا تراثيا، فهم يعملون على جمع وتصنيف ~~وإعادة صياغة تركة ثقافية شعبية متعددة النشأة والأصول وخطوط التداول، ~~ويرتبونها في تسلسل زمني ينسجها إلى بعض، وذلك من خلال منظور أيديولوجي ~~مفروض عليها من الخارج، يعكس الوضع الفكري للقائمين على التحرير وإعادة ~~الصياغة في الفترات المتأخرة. إن ما يحرك محرر التوراة، باعتباره ~~قاصا وجامع تراث شعبي موغل في القدم، هو العقدة القصصية التي تقود ~~إلى الإفضاء بمضمون ديني يظهر كيفية تداخل الإلهي بالدنيوي، وتوجيهه ~~له، ومن دون التفات إلى الحدث المحقق والخبر المدقق. أما الترتيب ~~الزمني (الكرونولوجي) لأحداث القصة الواحدة، وللقصص المتتابعة الملصق ~~بعضها ببعض، فلا يعني أن هم النص هو هم تاريخي، فمثل هذا الترتيب ~~الزمني للأحداث هو شأن أسلوبي بالدرجة الأولى، وهو مستلزم ضروري في ~~الكتابة الأدبية والكتابة التاريخية على حد سواء. فالقاص والمؤرخ ~~يقدمان لنا جملة من الأحداث التي تتحرك في زمن ماض، وبشكل يتسلسل من ~~الأقدم إلى الأحدث في حلقات يمسك بعضها ببعض بشكل منطقي. إلا أن ما ~~يميز التاريخ كجنس كتابي عن الأدب، هو النية المسبقة للكاتب، وموقفه من ~~مادة عمله. فالمؤرخ ينظر إلى الماضي باعتباره شأنا واقعيا ~~وحقيقيا، ويسعى جادا من أجل التفريق بين الخيالي والواقعي، مركزا ~~على ما يمكن لنا معرفته، والتحقق من وقوعه، خلال الفترة التي يسلط ~~عليها الضوء. أما الأديب، فيتحرك في ماض من صنعه، ويقدم أحداثا ممكنة ~~التحقق من منظور منطقي ظاهري. وبين المؤرخ والأديب يأتي موقع جامع ~~التراث الذي يبحث عن التسويغ التاريخي الشكلي في المادة التي يقدمها، ~~من دون اختبار وتدقيق للروايات التي يعمل على جمعها وتصنيفها، وهنا قد ~~يتم استبعاد ما حصل فعلا لصالح رغبة الكاتب في تصديق سلسلة ما من ~~الأحداث، مدفوعا بموقفه الأيديولوجي المسبق، ويغيب الحقيقي والواقعي ~~في ضباب الخيالي. # لقد أعلن بعض الباحثين منذ العقد الأخير للقرن التاسع عشر، من أمثال # E. Meyer # و # H. ~~Gunkel ~~، بأن المصدر الأساسي للتقاليد التوراتية هو ~~الحكايا الشعبية والملاحم وقصص البطولة التي كانت متداولة شفاهة عند ~~تحرير أسفار التوراة، إبان ms009 وبعد السبي البالي. وجادل # Meyer # بشكل خاص في أن كامل سفر ~~التكوين، برواياته عن الآباء أسلاف بني إسرائيل، لا علاقة له بالتاريخ، ~~ويجب تصنيفه في زمرة الأخيولة الأدبية. # 3 # ولكن رد الفعل المحافظ على هذا الاتجاه التحرري المبكر قد ~~جاء من قبل الباحث # O. Eissfeldt ~~(1923) الذي أسس للمدرسة المعروفة بمدرسة نقد الشكل. ويركز # Eissfeldt # في دراسته على أسفار موسى ~~الخمسة التي كانت موضع نقد الاتجاه التحرري، مجادلا في أن الشكل ~~الأخيولي الأدبي لهذه الأسفار ينطوي على أحداث تاريخية حقيقية، ~~غلفها خيال النقلة عبر العصور بغلالات جعلتها تبدو أشبه بالأدب ~~الشعبي. من هنا فإن النقد النصي يستطيع اكتشاف المستوى التاريخي الكامن ~~تحت الظاهر الأخيولي للمادة التوراتية. # 4 # وقد التقط هذا الموقف المحافظ الجماعة المعروفة بجماعة علم ~~الآثار التوراتي، والتي بدأت أفكارها بالانتظام فيما بين 1920 و1930، ~~وذلك عقب فيض المعلومات الأركيولوجية الجديدة من مناطق الشرق الأدنى ~~القديم، وبتأثير رئيسي من الباحث وليم ~~فوكسويل أولبرايت # W. F. Albright # المؤرخ والآثاري وعالم اللغات المعروف. ~~يتفق أولبرايت مع # Eissfeldt # في أطروحته ~~الأساسية القائلة بأن المرويات التوراتية هي أحداث تاريخية من حيث ~~الأصل، وأن باستطاعتنا الكشف عن تلك الأحداث في أشكالها التحتية ~~الأصلية. ويقوم منهجه على إعادة تركيب نتائج الدراسات التوراتية ~~والآثارية والتاريخية، من أجل الوصول إلى البنية التاريخية الخفية للنص التوراتي. # 5 # وقد بقي هذا الاتجاه سائدا حتى سبعينيات القرن العشرين، ~~عندما صارت نتائج البحث الأثري الشامل للأرض الفلسطينية كافية، من حيث ~~كميتها ونوعيتها، لفرش الأرضية اللازمة للانعطاف الجديد في البحث ~~التاريخي، مما أشرنا إليه منذ قليل. # وفيما بين أقصى يمين الاتجاه المحافظ الذي يمثله أولبرايت وتلامذته، ~~وأقصى يسار الاتجاه المتحرر؛ تتدرج مواقف بقية الباحثين. فالبعض يرفض ~~الأساس التاريخي لأسفار موسى الخمسة (والتي تتضمن قصص الآباء من ~~إبراهيم إلى يوسف، وقصة الخروج من مصر)، ويبحث بالمقابل عن تاريخية ~~أحداث الرواية التوراتية، ابتداء من فترة يشوع أو فترة القضاة، عندما ~~بدأ الإسرائيليون كمجموعة متمايزة بالاستقرار في كنعان. والبعض الآخر ~~يرفض الأساس التاريخي لسفري يشوع والقضاة ms010 أيضا، ويبحث عن تاريخية ~~أحداث الرواية ابتداء من تشكيل المملكة الموحدة لكل إسرائيل خلال ~~القرن العاشر ق.م. وهناك فريق ثالث يرى أنه من غير المجدي البحث عن ~~تاريخية الحدث التوراتي قبل القرن التاسع ق.م. عندما تبدأ أخبار ~~إسرائيل بالظهور في سجلات آشور، وذلك لأول مرة في التاريخ. هذه المواقف ~~المتباينة للباحثين المحدثين والمعاصرين، تعطينا فكرة واضحة عن ~~المأزق الذي وصل إليه البحث التاريخي التوراتي. # إن أهم نتيجة يمكن أن نخرج بها من متابعة هذا الجدل الأكاديمي الدائر ~~خلال القرن العشرين، ومن دراسة الوثائق التاريخية لثقافات الشرق ~~القديم، ودراسة أحدث نتائج التنقيب الأثري في فلسطين؛ هي أن التقاليد ~~التوراتية قد خلقت «إسرائيل» خاصة بها لا علاقة لها بإسرائيل ~~التاريخية، وأن جل البحث التاريخي - الذي تم حتى وقت قريب في مسألة ~~أصول إسرائيل وتاريخها - قد انصب على أخيولة لا تمتلك من الوجود ~~الواقعي إلا أقله. ولسوف نسير عبر صفحات هذا الكتاب في محاولة جادة ~~لاكتشاف صورة إسرائيل في التوراة وفي التاريخ، والبحث عن التقاطعات ~~الممكنة بينهما، من أجل معرفة حقيقة ما جرى في فلسطين من حوالي عام ~~1200ق.م. (وهي الفترة المفترضة لدخول الإسرائيليين أرض كنعان) إلى دمار ~~أورشليم عام 587ق.م. # في المرحلة الأولى من بحثنا، سوف نعمد إلى توضيح معالم «إسرائيل ~~التوراتية» كما رسمتها الأسفار الخمسة المدعوة بالتاريخية، ثم نقوم ~~بعملية استقصاء للوجود الموضوعي لهذه الإسرائيل اعتمادا على النقد ~~النصي والتاريخي والأركيولوجي لكل سفر على حدة. أما في المرحلة ~~الثانية، فسوف ننتقل إلى دراسة أصول ومسار حياة «إسرائيل التاريخية» ~~اعتمادا على نتائج نقدنا السابق، وعلى علم الآثار الحديث المدعم ~~بالعلوم المساعدة؛ مثل: علم الأنثروبولوجيا، وعلم السوسيولوجيا، وعلم ~~مناخ وبيئة العصور القديمة، وغيرها من العلوم التي صارت معونتها ~~الميدانية والنظرية أمرا لا غنى عنه لأي بحث أثري. وسوف يتم التركيز ~~في هذه المرحلة على العلاقات الآرامية-الفلسطينية، والكشف عن دور مملكة ~~آرام دمشق في الحياة السياسية لكل من مملكتي إسرائيل ويهوذا، وممالك ~~شرقي الأردن، وبقية العالم السوري في مناطق غربي الفرات. # وأخيرا سوف نتوقف ms011 في دراستنا عند أعتاب الفترة التي أدعوها بفترة ~~التاريخ اليهودي في فلسطين. وهذا التاريخ اليهودي - الذي تأخذ ملامحه ~~بالتوضح خلال العصر الفارسي (القرنين الخامس والرابع ق.م.) - لا علاقة ~~له بالتاريخ الإسرائيلي، وليست الاستمرارية بين التاريخين سوى ~~استمرارية كرونولوجية، لا تحمل صلة ثقافية حقيقية بين المرحلتين. إن ما ~~بدا لنا، حتى الآن، من اتصال الإسرائيلي باليهودي، هو ابتداع أيديولوجي ~~توراتي، استكمل المحررون التوراتيون من خلاله أخيولتهم الأدبية ~~الرامية إلى ابتكار أصول لليهودية المحدثة في فلسطين خلال العصر ~~الفارسي والعصر الهيلينستي. # قد تبدو هذه الفكرة غريبة على قارئ التاريخ، وعلى معظم المتخصصين، ~~ولكن ما يأتي من فصول هذا الكتاب كفيل بتوثيقها وبتوضيحها على أفضل ~~وجه، وذلك وفق منهجية علمية بعيدة عن السمة الإعلامية السياسية التي ~~ميزت الخطاب التاريخي العربي حتى الآن، بتأثير وجود «إسرائيل ثالثة» في ~~فلسطين اليوم، لا علاقة لها بإسرائيل التوراتية أو إسرائيل ~~التاريخية. # الباب الأول # | البحث عن إسرائيل التوراتية # الفصل الأول # | الخلفية التاريخية العامة للحدث التوراتي # تشير البينات الأركيولوجية واللغوية اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ~~إلى أن المنطقة السورية الواقعة بين الفرات والبحر المتوسط كانت ~~مسكونة بعناصر سامية منذ أواخر الألف الرابع قبل الميلاد. فأقدم ~~المدن في هذه المنطقة، مثل أريحا وبيت شان وبيت يارح ومجدو وعكا ~~وصيدون وساريبتا وسيميرا وأوغاريت، تحمل أسماء سامية لا لبس فيها. ~~كما أن اللقى الأثرية وبقايا الهياكل العظمية تشير إلى ~~استمرارية عرقية وثقافية واضحة، ترقى إلى الألف الرابع وتتجاوزه. # 1 # ويمكن القول ببعض الثقة إن التركيب السكاني في المنطقة ~~السورية لم يتعرض لأي تغيير جذري منذ أواخر العصر النحاسي، حيث ~~نستطيع متابعة خط ثقافي متميز لحضارة متصلة لا تظهر فجوة أو انقطاعا. # 2 # ولكن من هم هؤلاء الساميون القدماء؟ ومن أين ~~جاءوا؟ # لقد أحدثت الدراسات اللغوية المقارنة الحديثة تغييرا عميقا في ~~معرفتنا للأصول السكانية في هذه المنطقة، والتغيرات التي طرأت ~~عليها، إلى درجة أن معظم النظريات القديمة - والتي تعود إلى ما قبل ~~سبعينيات القرن العشرين - قد غدت بالية، وبحاجة إلى إعادة نظر ms012 ~~جذرية. فلفترة طويلة، ومنذ القرن السادس عشر، سادت وبشكل كامل ~~تقريبا نظرية الهجرات السامية من جزيرة العرب، التي اعتبرت المهد ~~الأصلي للعنصر السامي. فهذه النظرية تحتوي ضمنا أن اللغة السامية ~~الأصلية التي تفرعت عنها لغات حضارات الهلال الخصيب؛ قد نشأت في ~~جزيرة العرب، وأن اللغة العربية هي أقرب الأقرباء إلى تلك السامية ~~الأصلية. غير أن أبرز المدافعين عن نظرية الهجرات قد بدأ يتخلى ~~عنها في ضوء المعارف الجديدة في علم اللغات المقارن، ففي كتابه ~~الصادر عام 1957، على سبيل المثال، يقول عالم الساميات المعروف ~~سباتينو موسكاتي في المقدمة ما يأتي: «ثمة حقيقة تبدو ثابتة إلى حد ~~كاف، وهي أن التاريخ يدلنا على أن الصحراء العربية كانت نقطة ~~الانطلاق للهجرات السامية، وإننا في ضوء معلوماتنا الحالية يجب أن ~~نقبل، ولو على سبيل الافتراض العملي، أن المنطقة التي انتشر فيها ~~الساميون كانت الصحراء العربية.» # 3 # غير أن موسكاتي، في كتاب لاحق له صدر عام 1969 حول ~~قواعد اللغة السامية، يظهر شكه في هذه الفرضية وما يتبعها من ~~نسبة اللغة السامية الأصلية إلى الصحراء العربية، ومن كون اللغة ~~العربية هي الأقرب إلى هذه السامية الأصلية من شقيقاتها في الهلال ~~الخصيب، مثل الأكادية والأوغاريتية. # 4 # وبدلا من التركيز على ما يسمى باللغة السامية الأصلية، يقوم ~~العلماء الآن بتلمس خيط يربط اللغات السامية باللغة المصرية ~~وبقية لغات شمال أفريقيا. وهم يرون أن الأقرب إلى الواقع هو وجود ~~لغة أفرو-سامية، تفرعت فيما بعد إلى سامية وأفريقية عند نقطة معينة ~~من التاريخ. من هؤلاء العلماء: الألماني P. ~~Behrens ~~، والروسي # Diakonoff ~~. ففيما بين الألف السادس ~~والألف الخامس قبل الميلاد تعرض الشمال الأفريقي إلى موجة جفاف ~~طويلة وحادة، أدت إلى التشكل التدريجي للصحراء الأفريقية، وإلى ~~هجرات نحو مصر وآسيا الغربية. وقد قادت هذه الهجرات إلى تكوين ~~اللغة المصرية القديمة في وادي النيل، واللغات البربرية فيما وراء ~~الصحراء الليبية، واللغة السامية الأم في سوريا، وهي السامية ~~الغربية، وعنها انشقت السامية الشرقية التي طورها النازحون باتجاه ~~وادي الرافدين. # 5 # لقد ازدهرت الحضارة ms013 الزراعية في سوريا منذ الألف ~~الثامن قبل الميلاد، وكانت الثورة الثقافية - التي يدعوها ~~الأركيولوجيون بثورة النيوليتيك (ثورة العصر الحجري الحديث) - قد ~~بلغت ذروتها إبان الفترة التي وصل خلالها النازحون من شمال ~~أفريقيا، من هنا فإن القادمين الجدد لم يكن لديهم ما يقدمونه ~~للثقافة النيوليتية المتطورة سوى لغتهم، التي تفاعلت مع اللغة ~~المحلية لينتج عن تفاعلهما اللغة السامية الأصلية. أما عن جزيرة ~~العرب، فيبدو أن اللغة السامية قد جاءتها من فلسطين وسوريا ~~الجنوبية في أواخر عصر البرونز المبكر، وأوائل عصر البرونز الوسيط ~~(أي حوالي عام 2000ق.م.)، فخلال هذه الفترة ساد المنطقة السورية ~~جفاف حار وطويل، أدى إلى انهيار ثقافة البرونز المبكر، وإلى ~~اقتلاع للسكان وهجرات واسعة النطاق، وتحول شرائح كبيرة من ~~المزارعين المستقرين إلى الرعي المتنقل. من هذا المنظور تغدو ~~الهجرة السامية عكسية، وباتجاه الجزيرة العربية لا منها. # 6 # لقد أدت الثورة النيوليتية في سوريا وبلاد الرافدين إلى إحلال ~~جملة من التغيرات العميقة الأثر في مجرى الحضارة الإنسانية. فخلال ~~العصر الحجري الحديث استقر الإنسان الصياد في الأرض، وبنى القرى ~~الزراعية الأولى في تاريخ البشرية، وأخذ بإنتاج الغذاء بدلا من ~~جمعه، مبتدئا بذلك حضارتنا الحديثة التي تعتبر استمرارا غير ~~منقطع لتلك القرى الزراعية الأولى. وكما كانت منطقة الهلال الخصيب ~~منطلقا للثورة النيوليتية، فقد كانت أيضا منطلقا للثورة ~~الحضرية، أو المدينية (نسبة إلى مدينة)، وهي الثورة الثقافية ~~الثانية في حياة البشرية. فمع أواخر الألف الرابع ومطلع الألف ~~الثالث قبل الميلاد ظهرت المدن الأولى في منطقة سومر جنوب وادي ~~الرافدين، تبعتها المدن المصرية، فمدن بلاد الشام. ولقد غدا ~~واضحا، على ضوء علم مناخ وبيئة العصور القديمة، # 7 # أن ظهور المدن الأولى قد جاء نتيجة لازدهار اقتصادي ~~عم المنطقة مع بداية عصر البرونز المبكر # 8 ~~(حوالي 3000ق.م.)، بتأثير تغيرات مناخية جذرية. ففيما ~~بين 3500 و2300ق.م. شهدت المنطقة بكاملها مناخا باردا ورطبا، ~~تميز بارتفاع كبير في منسوب الأمطار أدى إلى استثمار مكثف لجميع ~~الأراضي الصالحة للزراعة، وإلى استصلاح مساحات كبيرة من ~~المستنقعات، وإزالة مساحات لا بأس ms014 بها من الغابات لأغراض ~~الاستثمار الزراعي، وهذا كله قاد إلى تكوين فائض الإنتاج اللازم ~~لتشييد المدينة. # لقد اعتقد المؤرخون والآثاريون لفترة طويلة أن الثورة المدينية ~~في سوريا قد تأخرت عنها في سومر وفي مصر، وأن مناطق غربي الفرات لم ~~تعرف المدن الكبرى ولا الكتابة خلال معظم الألف الثالث قبل ~~الميلاد. إلا أن الاكتشاف المثير لمدينة إيبلا القديمة في الشمال ~~السوري على مسافة 50كم إلى الجنوب الشرقي من مدينة حلب؛ قد أثبت أن ~~ظهور المدن الكبرى في سوريا لم يتأخر كثيرا عن ظهورها في سومر وفي ~~مصر. فقد ظهرت إيبلا كمدينة مكتملة منذ أواسط الألف الثالث قبل ~~الميلاد، ويدل أرشيفها الكبير الذي عثر عليه في القصر الملكي على ~~وجود شبكة واسعة من المدن السورية الأخرى المعاصرة لها، والتي قد ~~تثبت الاكتشافات المقبلة معاصرتها للمدن السومرية أيضا. ويبدو ~~أن موقع تل البيدر في منطقة الفرات هو المرشح الأول الآن لإحداث ~~الثورة الأركيولوجية الثانية بعد إيبلا؛ لأن الرقم الطينية التي ~~تم العثور عليها في الموقع خلال موسم التنقيب في عام 1994 ترجع ~~بتاريخها إلى حوالي 2700ق.م. # 9 # وهذا ما يضعنا في فترة فجر السلالات في كل من سومر ~~ومصر. # أما في فلسطين، وعلى عكس بقية المناطق السورية، فيبدو أن الثقافة ~~المدينية لم تبلغ شأوا يعتد به، إذ بقيت التجمعات السكنية ~~الكبيرة أقرب إلى البلدة أو القرية الكبيرة منها إلى المدينة ~~بمفهومها الصحيح. وقد حافظ الاقتصاد هنا على طابع محلي، ولم يسهم ~~في التجارة الدولية رغم مرور طرق التجارة عبر المناطق الحدودية ~~للأطراف الفلسطينية. إن غياب البينة على وجود سلطة مركزية في أي من ~~المناطق الفلسطينية خلال الألف الثالث، واعتماد أكبر التجمعات ~~الحضرية فيها على الزراعة بالدرجة الأولى، وفقدان البضائع ~~الكمالية ذات العلاقة بحياة الرفاهية، وغياب الكتابة التي هي من ~~خصائص البيروقراطية المدينية؛ يجعل من الصعب التحدث عن نشوء مدن ~~بالمعنى الحقيقي في فلسطين خلال الألف الثالث قبل الميلاد، فالبلدة ~~الصغيرة هنا لم تتعقد بناها إلى ما وراء الحاجة إلى التبادل ~~التجاري الإقليمي والدفاع ms015 المحلي. # 10 # أطلق المؤرخون المحدثون اسم الكنعانيين على سكان المنطقة ~~السورية، وهي المنطقة المحصورة بين وادي الفرات شرقا والبحر ~~المتوسط غربا، وبين جبال طوروس شمالا وحدود الصحراء العربية ~~جنوبا. وقد وردت تسمية «كنعان» و«كنعانيون» في التوراة للدلالة ~~على أرض فلسطين وعلى شعبها، ولكن هذه التسمية ليست توراتية كما ~~يعتقد الكثيرون، فقد استعملها المصريون للدلالة على المناطق ~~الجنوبية الغربية من سوريا، وهي المناطق التي كانوا على احتكاك بها ~~منذ بدايات التاريخ المصري، وترد التسمية في النصوص المصرية بصيغة ~~بي-كنعان Pekanan ~~، # 11 # كما نجد تسمية كنعان في بعض النصوص السورية من الألف ~~الثاني قبل الميلاد، مثل نص إدريمي ملك آلالاخ، وهي المملكة التي ~~ازدهرت خلال النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد في الشمال ~~الغربي من سوريا (في منطقة أنطاكية). يتحدث إدريمي في هذا النص عن ~~هروبه من آلالاخ عقب انقلاب سياسي في القصر، ولجوئه إلى مدينة ~~أميا في أرض كنعان، وهذه المدينة تقع على الساحل السوري الأوسط ~~قرب طرابلس الحالية. # 12 # وقد بقيت التسمية مستخدمة في العصر الهيلينستي، حيث ~~نجدها على العملة المسكوكة في بعض مدن الساحل الفينيقي، إضافة إلى ~~استخدامها من قبل المصادر الكتابية الكلاسيكية. وفي بلدان شمال ~~أفريقيا التي كانت مستعمرات فينيقية سابقة بقيت شريحة لا بأس بها ~~تتباهى بأصلها الذي تدعوه كنعانيا، خلال العصر الروماني. # 13 # وفي إنجيل متى يطلق المؤلف تسمية كنعاني للدلالة على ~~ساكن مناطق فينيقيا التقليدية في لبنان، نقرأ في الإصحاح 15: ~~21-22: «ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحي صور وصيدا. وإذا ~~امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة ... إلخ.» ~~اعتمادا على هذه الشواهد وأمثالها، من المرجح أن التسمية ~~«كنعان» هي تسمية لمنطقة جغرافية بالدرجة الأولى لا تسمية لشعب ~~معين، وهذه المنطقة هي الأراضي الممتدة على طول الساحل السوري ~~ابتداء من أوغاريت، أو مما يليها على الأغلب، مع بعض الامتدادات ~~نحو الداخل كما هو الحال في منطقة فلسطين، ولا يوجد لدينا في ~~النصوص القديمة ما يشير إلى أن التسمية قد شملت المناطق ms016 الداخلية ~~السورية. ومع ذلك فإننا لا نرى مانعا من تعميم التسمية لتشمل أرض ~~الساميين الأوائل الذين تواجدوا في مناطق غربي الفرات منذ العصر ~~الحجري الحديث، وذلك من قبيل إطلاق اسم الجزء على الكل، خصوصا وأن ~~المؤرخين والآثاريين المحدثين ما زالوا مصرين على استخدام هذا ~~المصطلح. فبعد اكتشاف إيبلا وأرشيفها المسماري الضخم - الذي ~~أطلعنا على أول لغة سامية مكتوبة - أطلق عالم اللغات السامية ~~ألفونسو آركي الذي قرأ هذه الرقم على اللغة الإيبلائية صفة ~~«الكنعانية ~~المبكرة» Proto-Canaanite ~~، ورأى في مملكة إيبلا نموذجا عن الحضارة ~~الكنعانية في الألف الثالث قبل الميلاد، # 14 # الأمر الذي يدل على أن الحلقات الأكاديمية العالمية ~~تميل إلى زيادة الاعتماد على المصطلح بدلا من استبداله. # انتهت الحضارة المزدهرة للألف الثالث قبل الميلاد على نحو فاجع ~~في جميع أرجاء الشرق القديم، ولأسباب بدت غير واضحة للمؤرخين لفترة ~~طويلة من الزمن. ففي مصر سقطت الأسرة السادسة مع حلول الربع الأخير ~~للألف الثالث قبل الميلاد، وبسقوطها انتهت الفترة المعروفة في ~~تاريخ مصر بفترة المملكة القديمة، وأعقبتها فترة من الفتن ~~والاضطرابات والغزوات الخارجية، يطلق عليها المؤرخون اسم الفترة ~~المعترضة الأولى، دامت حتى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، وانتهت ~~مع قيام الأسرة الثانية عشرة عام 1990ق.م. وهي الأسرة التي ابتدأت ~~فترة المملكة المتوسطة في تاريخ مصر القديمة. وقد تزامن انهيار ~~المملكة القديمة في مصر مع انهيار المملكة الأكادية في بلاد ~~الرافدين، حيث سقطت العاصمة أكاد بيد الغوتيان الجبليين الوافدين ~~من الجبال الشرقية حوالي عام 2230ق.م.، وأعقب ذلك فترة فراغ سياسي ~~واضطرابات عامة، دامت حوالي قرن من الزمان حتى قيام أسرة أور ~~الثالثة عام 2120ق.م. وفي سوريا هناك دليل على وجود فترة فراغ ~~مشابهة، أدت إلى التسلسل التدريجي للقبائل الآمورية التي كانت ~~تتجول في البادية السورية، وإلى تأسيسهم لأسر حاكمة قوية في المدن ~~السورية الكبرى، مثل ماري وحلب وقطنة. وتظهر في فلسطين بشكل خاص ~~آثار أركيولوجية واضحة على الدمار التام لعدد كبير من المدن، ~~تلته فترة فراغ سكاني دامت أكثر من قرنين في بعض المواقع. ms017 وقد ~~عثر المنقبون في مواقع المدن المدمرة في فلسطين على آثار حياة ~~بدوية لجماعات آمورية، لم تكن مهتمة ببناء أو سكن الحواضر، ~~واعتقدوا أن هذه الجماعات البدوية هي المسئولة عن تدمير ثقافة ~~البرونز المبكر في فلسطين. # لقد فسر المؤرخون والأركيولوجيون هذه النهاية الشاملة لثقافة ~~البرونز المبكر في جميع أنحاء الشرق القديم تفسيرات جزئية؛ ~~فالغوتيان هم المسئولون عن نهاية المملكة الأكادية، والغزوات ~~البدوية الآمورية هي المسئولة عن نهاية ممالك المدن الكنعانية في ~~سوريا وفلسطين، وثورات الطبقات المحرومة في مصر، وما تبعها من ~~فوضى واضطرابات هي المسئولة عن انهيار المملكة القديمة. إلا أن ~~الأبحاث العلمية الجديدة بخصوص التغيرات المناخية للعصور القديمة - ~~والتي صارت اليوم ركنا أساسيا من أركان البحث التاريخي والتفسير ~~الأركيولوجي - تقدم لنا مفتاحا مهما لفهم حقيقة ما جرى خلال ~~الفترة الانتقالية من البرونز المبكر إلى البرونز الوسيط. فمع ~~الربع الأخير للألف الثالث قبل الميلاد انتهى المناخ البارد المطير ~~الذي ساد المنطقة خلال الألف الرابع قبل الميلاد، وقد تميز هذا ~~المناخ بصيف حار وطويل، وشتاء جاف وقصير، وبهبوط المعدل السنوي ~~للأمطار، مما أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، وشح الينابيع. ~~وفي مصر انخفض منسوب فيضان النيل بشكل حاد تسبب في الانهيار التام ~~للحياة الزراعية. وقد تعاملت المناطق المصابة مع هذه الأوضاع وفق ~~استراتيجيات مختلفة؛ ففي سوريا استطاعت المدن الكبيرة عبور الأزمة ~~بصعوبة بالغة، مع المحافظة على استقرار نسبي خصوصا في المناطق ذات ~~المعدلات المطرية المرتفعة سابقا، أما المناطق الحساسة للجفاف، ~~وذات المعدلات المطرية المنخفضة عادة، فقد أخذ المزارعون فيها ~~بالتحول إلى الحياة الرعوية تدريجيا. وتشير النصوص المسمارية في ~~وادي الرافدين إلى تحركات بشرية مستمرة من المناطق السورية باتجاه ~~الشرق. أما في فلسطين، فقد استمرت المدن الواقعة في مناطق الوديان ~~الخصبة وفي المناطق السهلية، ولكن تحت شروط قاسية، ومع تقلص واضح ~~في حجمها، ونقص كبير في عدد سكانها، بينما هجرت معظم مواقع ~~المناطق الهضبية الحساسة للجفاف وأفرغت من سكانها، وذلك فيما عدا ~~تلك التي تتمتع بمصدر مائي غزير وثابت. وكذلك الأمر في ms018 المناطق ~~الجنوبية، مثل عراد وبئر السبع، والتي تحولت إلى بواد قاحلة بعد ~~فترة ازدهار زراعي طويلة. وفي مناطق شرقي الأردن تحول السكان من ~~الزراعات المتوسطية التقليدية إلى الرعي وزراعة الحبوب. وخلال هذه ~~الفترة بالذات تم نزوح أعداد كبيرة من سكان المناطق الواقعة على ~~حدود البوادي - ممن تحولوا إلى حياة الرعي المتنقل - نحو الجزيرة ~~العربية حاملين إليها اللغة السامية. # 15 # وفيما يتعلق بالمواقع التي عثر فيها المنقبون في ~~فلسطين على آثار دمار خلال هذه الفترة الانتقالية، فيبدو أنها قد ~~تهدمت بشكل طبيعي نتيجة إفراغها من السكان، ووقوعها عرضة للعوامل ~~الطبيعية، ولم تكن بحاجة إلى غزاة من الخارج لإتمام ما ابتدأته ~~الطبيعة. # حوالي عام 1950ق.م. انتهت فترة الجفاف، وأعقبتها فترة باردة ~~ومطيرة أدت إلى ازدهار اقتصادي عام في جميع أنحاء سوريا، فازداد ~~عدد السكان بشكل واضح، وأعيد سكن المناطق التي هجرت إبان الفترة ~~الانتقالية، كما أعيد بناء وسكن المدن المهدمة. وفي مصر ارتفع ~~منسوب فيضان النيل، وعادت الحياة الزراعية سيرتها الأولى تحت ~~سيطرة الأسرة الثانية عشرة التي أسست المملكة المتوسطة. وفي بلاد ~~الرافدين يبدو أن الأسرة الآمورية - التي شكلت الدولة البابلية ~~القديمة (وأشهر ملوكها حمورابي) - قد قامت على أساس اقتصادي راسخ ~~يسمح بتشكيل مثل هذه القوة الجديدة والكبيرة في الشرق القديم. وقد ~~تطابقت بداية فترة الازدهار هذه مع بداية عصر البرونز الوسيط، الذي ~~استمر من 1950 إلى 1600ق.م. (أو 1550ق.م.) وبشكل عام تبدي الفترة ~~الانتقالية في سوريا ارتباطا حضاريا واضحا مع عصر البرونز ~~المبكر، الأمر الذي ينفي بشكل قاطع نظرية الغزوات البدوية، ويؤكد ~~على استمرارية سكانية غير منقطعة، وعلى مقدرة التركيب السكاني ~~المحلي على استيعاب الجماعات الخارجية وهضمها. وبشكل خاص، فإن ~~الثقافة المحلية في فلسطين تبدي، وأكثر من أي مكان آخر في سوريا، ~~هذه الاستمرارية الثقافية والسكانية خلال النصف الأول من الألف ~~الثاني قبل الميلاد. # 16 # كما تظهر لنا المخلفات المادية للبرونز الوسيط استمرارية ~~حضارية مشابهة مع الفترة الانتقالية ومع البرونز المبكر. وإضافة ~~إلى هذه الاستمرارية الحضارية، فإن عصر البرونز الوسيط في ms019 سوريا ~~يعطينا صورة لوحدة ثقافية تامة تجمع كل المناطق في بوتقة واحدة، ~~فمن أوغاريت وكركميش في الشمال وحتى أطراف الصحراء في الجنوب تبدو ~~الروابط واضحة في كل أثر مادي، سواء في الفخار أو الفنون ~~التشكيلية المختلفة، أو فن العمارة أو تقنيات إنشاء الأسوار ~~الدفاعية. ورغم أن المنطقة قد استوعبت إليها تحركات بشرية واسعة من ~~الخارج، إلا أن الطابع الثقافي المحلي بقي سائدا ومتماثلا في ~~جميع أنحائها، واستمرت الثقافة الكنعانية في مسيرتها لتتجاوز ~~البرونز الوسيط إلى البرونز الأخير فعصر الحديد. # 17 # شهد عصر البرونز الوسيط (1950-1600ق.م.) قيام الدولة البابلية ~~القديمة في بلاد الرافدين تحت لواء أسرة حاكمة آمورية وفدت من ~~سوريا. غير أن هذه الدولة الجديدة لم تكن إلا استمرارا لدولة أور ~~الثالثة، ولدولة صارغون الأكادي من قبلها، ولم يكن الآموريون هنا ~~سوى طبقة حاكمة تبنت كل التقاليد الثقافية السومرية الأكادية في ~~الدين والفنون والآداب واللغة، ولم تكن اللغة البابلية القديمة إلا ~~أكادية معدلة بعض الشيء. كما شهد هذا العصر قيام دويلات مدن ~~قوية في سوريا، مثل كركميش على الفرات في أقصى الشمال، وماري على ~~الفرات الأوسط، وآلالاخ في سهل العمق غربا في منطقة أنطاكية، ~~وقطنة وقادش في سوريا الوسطى بمنطقة حمص. ورغم أن أسرا حاكمة ~~آمورية قد حكمت في معظم هذه المدن، إلا أن الطابع الثقافي الكنعاني ~~للبرونز المبكر قد استمر هنا استمرار الطابع الثقافي الأكادي في ~~وادي الرافدين. ومن أهم الحكام الآموريين الذين ظهروا على المسرح ~~السياسي مع بدايات عصر البرونز الوسيط: الملك شمسي هدد الأول، وهو ~~شخصية عسكرية وإدارية متميزة، ظهر بشكل مفاجئ في أواخر القرن ~~التاسع عشر قبل الميلاد، ووحد منطقة حوض الخابور وشمال بلاد ~~الرافدين، من المنعطف الكبير لنهر الفرات غربا إلى سفوح جبال ~~زاغروس شرقا. وكانت آشور - التي استولى عليها هذا العاهل، واعتلى ~~عرش ملوكها في عاصمتها - قلب هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف، ~~غير أن شمسي هدد لم يختر الإقامة في العاصمة الآشورية، بل عمل على ~~بناء عاصمة جديدة له في حوض الخابور الأعلى، أطلق عليها ms020 اسم شوباط ~~إنليل، وقد تم اكتشاف هذه المدينة في موقع تل ليلان في أقصى الشمال ~~الشرقي من الحدود السورية الحالية. # وفي فلسطين نضجت البنى الأساسية للمدن التي كانت أشبه بالقرى ~~خلال الألف الثالث، وأخذت هذه البنى تتشكل تدريجيا وفق نظام ~~دولة المدينة الذي كان سائدا في بقية المناطق السورية لوقت طويل ~~مضى. ونستنتج من النصوص المصرية العائدة لفترة المملكة المتوسطة ~~قيام أسر حاكمة في عدد من المدن الكبرى، إلا أن هذه المدن - من ~~أمثال شكيم وحاصور ومجدو - لم تصل في حجمها وفي قوتها إلى ما وصلت ~~إليه بقية المدن السورية، ولم تتجاوز في توسعها الحد اللازم لحياة ~~مركز إقليمي يقدم خدمات التسويق والصناعة الحرفية، والدفاع المحلي ~~للمنطقة الصغيرة المحيطة به، والقرى الدائرة في فلكه. ورغم أن ~~زراعات بعض المناطق الفلسطينية قد تركزت حول سلع التبادل النقدي، ~~مثل الخمور والزيوت، وما يستتبع ذلك من توسيع لأسواقها المحلية، ~~ورغم قيام تحالفات سياسية عائلية بين حكام المدن الكبرى، وظهور نوع ~~من الهرمية في ميزان القوى بشكل عام؛ إلا أن هذا كله لم يؤد إلى ~~نشوء دولة قوية تبسط سلطانها على عدد من المدن والمناطق التابعة ~~لها. ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة الفلسطينية في عصر البرونز ~~الوسيط تظهر تأثرا واضحا بالثقافة المصرية، لا سيما في المناطق ~~الجنوبية، إلا أن هذا التأثير يمكن تفسيره بالقرب الجغرافي ~~والتبادل التجاري، ولا يوجد لدينا أي دليل على وجود سلطان سياسي ~~مصري مباشر على فلسطين خلال البرونز الوسيط. وفي الحقيقة، فإن طرق ~~الاتصال بين فلسطين ومصر كانت مفتوحة منذ الألف الخامس قبل ~~الميلاد، وكانت الدلتا المصرية منذ ذلك الحين تستوعب أعدادا ~~متزايدة من الآسيويين القادمين إليها من فلسطين أو عبرها، إلى أن ~~صارت منطقة شبه آسيوية مع حلول عصر البرونز الوسيط. ويبدو أن ~~الهكسوس - الذين استولوا على مصر وأسسوا أسرا حاكمة آسيوية ~~فيها، فيما بين 1730 و1570ق.م. - لم يأتوا من أي مكان خارج مصر، بل ~~من الدلتا نفسها. # 18 # سوريا وفلسطين في عصر البرونز ~~المتأخر. # لم تعمر المملكة المتوسطة ms021 التي قامت في مصر مع مطلع البرونز ~~الوسيط إلا حوالي قرنين من الزمان، فحوالي عام 1730ق.م. استولى على ~~الحكم الجماعات المعروفة في التاريخ باسم الهكسوس، وتبدأ في مصر ~~الفترة التي يدعوها المؤرخون بالفترة المعترضة الثانية. يتفق معظم ~~دارسي اللغة المصرية القديمة على أن كلمة هكسوس تعني «حكام الأراضي ~~الأجنبية» (الحكام الذين جاءوا من أراض أجنبية)، من هنا، فإن ~~معرفة أصلهم ومصدرهم أمر مستحيل اعتمادا على النصوص الهيروغليفية ~~المصرية، وذلك فيما عدا كونهم قد أتوا من آسيا الغربية. ورغم أن ~~معظم أسماء الملوك الهكسوس سامية، إلا أننا نعثر بينها على أسماء ~~غير سامية أيضا، الأمر الذي يدل على وجود عناصر مختلطة في التركيب ~~الإثني (العرقي) لهذه الجماعات. وربما كانت العناصر غير السامية قد ~~جاءت من أصل حوري، فقد تميزت بداية عصر البرونز الوسيط بحدوث ~~تحركات سكانية كبيرة من وإلى المنطقة السورية، أهمها تلك الهجرة ~~الواسعة لجماعات غير سامية وفدت من الشرق والشمال الشرقي لتستقر في ~~الشمال السوري والجزيرة العليا، وتشكل عدة ممالك قوية، أهمها ~~مملكة ميتاني. ورغم أن لغة هؤلاء الحوريين لا تنتمي إلى أسرة لغات ~~معروفة، سامية كانت أم هندو-أوروبية، إلا أن الطبقة العسكرية ~~الحاكمة للجماعات الحورية كانت من أصل هندو-أوروبي. وبعد الموجة ~~الرئيسية التي جاءت بالحوريين إلى المناطق المذكورة أعلاه، لدينا ~~دلائل على موجات صغيرة حملت جماعات منهم خلال عصر البرونز الوسيط ~~إلى كل مكان تقريبا من بلاد الشام. وبما أنه لا يوجد لدينا دليل ~~على غزو أو انسياح حوري واسع النطاق نحو الغرب والجنوب، فإن من ~~المرجح أن تكون هذه الموجات الصغيرة من تحركات الحوريين قد جاءت ~~نتيجة تسرب سلمي تدريجي. وقد اختلطت هذه الجماعات الحورية بالسكان ~~المحليين تدريجيا، وحافظت على لغتها فترة لا بأس بها قبل أن ~~تذوب تماما في محيطها السامي. ونستدل من رسائل تل العمارنة ~~المتبادلة بين حكام فلسطين والبلاط الفرعوني حوالي عام 1350ق.م. ~~على وجود حكام حوريين على رأس عدد من الممالك السورية. ولدينا من ~~مدينة أوغاريت شواهد على وجود جالية حورية كبيرة ونشطة ms022 في المدينة ~~حوالي عام 1400ق.م.، وهذا يعني أن التواجد الحوري في سوريا قد ~~استمر قويا وفعالا حتى عصر البرونز الأخير. وإلى جانب التحركات ~~الحورية، لدينا شواهد على تحركات محدودة لجماعات هندو-أوروبية وفدت ~~إلى سوريا خلال عصر البرونز الوسيط من آسيا الصغرى. ونجد بشكل خاص ~~في أوغاريت وآلالاخ عددا لا بأس به من أسماء الأشخاص مكتوبة ~~بالقلم الحثي اللوفياني. # وإلى جانب هذه التحركات الحورية والهندو-أوروبية، لدينا في عصر ~~البرونز الوسيط تحركات واسعة النطاق لجماعات معروفة باسم الخابيرو. ~~وعلى عكس الحوريين والهندو-أوروبيين، فإن هؤلاء الخابيرو لم يكونوا ~~جماعة عرقية متميزة، بل أخلاطا من أجناس شتى. ولا تساعدنا أسماء ~~العلم الدالة على أفراد منهم، في نصوص مملكة ماري وغيرها من ممالك ~~البرونز الوسيط، على تبين لغة واحدة تجمع بينهم، كما أن هذه ~~النصوص لا تساعدنا على تحديد نمط حياة موحد لهذه الجماعات، ~~فأحيانا نجدهم جنودا مرتزقة، وأحيانا عمالا مأجورين في حقول ~~الزراعة ، وأحيانا جماعات هائمة من النهابين وقطاع الطرق. ~~وتزودنا نصوص مملكة ماري بشكل خاص بمعلومات عن هؤلاء الخابيرو ~~الذين كانوا يتواجدون بكثرة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، وفي ~~المناطق المحيطة بها. وتشير هذه النصوص إلى جماعتين رئيستين من ~~الخابيرو، هما «بنو-يامينا» أو أهل الجنوب، و«بنو-شمأل» أي: أهل ~~الشمال. ونعرف منها أن بعض هؤلاء كان يعمل في الزراعة ويقيم في ~~قرى أو معسكرات خاصة، وبعضهم كان يمارس الرعي المأجور للآخرين، أو ~~يحصد ويدرس مواسم القمح لهم. ومن النصوص الحثية نعرف أن جماعات ~~من الخابيرو كانت تستأجر لأعمال النقل والخدمة في الجيش. ومن نصوص ~~أوغاريت وآلالاخ نعرف أن جماعات منهم كانت منتشرة في تلك المناطق، ~~وكانت تقدم خدماتها للملوك المحليين لقاء أجور عينية أو نقدية، أو ~~على شكل أراض زراعية في بعض الأحيان. كما كانت مناطق تواجدهم تشكل ~~موئلا للهاربين من يد العدالة. # 19 # فالخابيرو، والحالة هذه، هم فئة اجتماعية وليسوا فئة عرقية، إنهم ~~شتات من الجماعات التي لم تجد لها مكانا في الهيكل الاجتماعي ~~والسياسي لدويلات وممالك عصر البرونز الوسيط، فآلت إلى حالة ms023 هامشية ~~تعيش في قلق واضطراب وحركة دائمة، تحت قيادات سياسية مؤقتة لا ~~تتمتع بالديمومة والاستقرار. بعض هؤلاء الخابيرو وفد إلى المنطقة ~~من خارجها، وبعضهم جاء من البوادي الداخلية، وبعضهم من شذاذ ~~الآفاق والمغامرين، أو من حثالة الشرائح السفلى للمجتمعات الحضرية ~~تبحث عن حظوظ جديدة. ففي أوقات انعدام الأمن كان الخابيرو يلجئون ~~إلى السلب والنهب، وعند استتباب الأمن كانوا يتقدمون للعمل ~~المأجور، وفي أوقات الحروب كانوا يتحولون إلى مرتزقة يحاربون إلى ~~هذا الجانب أو ذاك. ونحن إذا لم نقبل بنظرية الأصل المحلي للهكسوس، ~~والتي أشرنا إليها منذ قليل، فإن أكثر النظريات قربا لواقع حال ~~عصر البرونز الوسيط هي التي تجعلهم جماعات من الخابيرو حققت نوعا ~~من التلاحم الداخلي تحت قيادات سياسية قادرة، قادتها نحو الدلتا ~~المصرية. # في عصر البرونز الوسيط هذا تبدأ القصة التوراتية، على ما يجمع ~~عليه المؤرخون والباحثون التوراتيون. وفي هذا العالم الذي يموج ~~بثقافات عالية ، وتتلاقى عبره الأفكار التي ستمهد لكل منجزات ~~التاريخ الإنساني اللاحق، تبدأ قصة أصول إسرائيل التوراتية، مع ~~عائلة تهيم على وجهها انطلاقا من مدينة أور على الفرات الأدنى، ~~على عادة تلك الجماعات الهائمة من صيادي الحظ، المقتلعين من ~~جذورهم الاجتماعية، ممن غذوا - عادة - تجمعات الخابيرو على حدود ~~المراكز الحضرية. # ولسوف نتتبع القصة التوراتية وفق التحقيب الزمني المتعارف عليه، ~~والمستمد من كتاب التوراة نفسه، والذي يقسم القصة إلى العصور ~~التالية: (1) عصر الآباء. (2) العبودية في مصر، والخروج. (3) ~~اقتحام كنعان. (4) عصر القضاة. (5) المملكة الموحدة. (6) المملكة ~~المنقسمة (إسرائيل ويهوذا). # الفصل الثاني # | عصر الآباء # تنتهي سلسلة نسب سام بن نوح، في سفر التكوين أول الأسفار ~~التوراتية، إلى المدعو تارح أبي أبرام (أبو إبراهيم)، ومع تارح هذا ~~تبدأ قصة الأصول التوراتية. لا يقدم الإصحاح الحادي عشر من سفر ~~التكوين أية معلومات تفيد في رسم صورة شخصية واضحة للمدعو تارح، ~~ومعرفة أي شيء عن حياته السابقة ومنبته ومهنته. ولا نعرف سوى أنه ~~قد غادر منطقة أور الكلدانية متجها إلى أرض كنعان، وفي الطريق ~~حط الرحال في مدينة حران في أقصى الشمال ms024 السوري غربي الفرات ~~الأعلى، ومعه ابنه أبرام وزوجة ابنه المدعوة ساراي، وحفيده لوط ابن ~~ابنه هاران المتوفى. ولسبب لا يفصح عنه النص، أقام تارح مع ~~جماعته في حران إلى أن وافته المنية وعمره مائتان وخمس سنين (تك، ~~11: 27-32). ومرة أخرى، لا نعرف ما الذي كان يمارسه تارح وجماعته ~~من مهنة في حران، ولا يقدم لنا النص أية معلومات عن طبيعة حياتهم ~~فيها، ولكننا نعرف من الإصحاح الثاني عشر أن أبرام ولوطا قد غادرا ~~حران بعد موت تارح ومعهما مقتنيات كثيرة وعبيد، لا ندري كيف حصلا ~~عليها. # يخرج أبرام من حران متابعا رحلة أبيه تارح نحو أرض كنعان، ويكون ~~خروجه بأمر الرب الذي خاطبه قائلا: «اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن ~~بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم ~~اسمك» (تك، 12: 1-2)، وكان عمر أبرام في ذلك الوقت خمسا وسبعين ~~سنة. كانت مدينة شكيم في شمال فلسطين أول محطة لأبرام، ومنها نزل ~~جنوبا فخيم بين مدينتي بيت إيل وعاي، حيث بنى مذبحا للرب، ثم ~~واصل ارتحاله جنوبا دون تحديد الموقع الذي وصل إليه. ثم إن جوعا ~~حصل في الأرض دفع أبرام إلى مصر، وهناك قال لساراي زوجته أن تدعي ~~بأنها أخته حتى لا يقتل بسببها؛ ذلك أن المرأة المتزوجة في ~~مجتمعات الشرق القديم كانت تتمتع بحصانة، على عكس المرأة العازبة، ~~وقد خاف أبرام أن يدبر له المصريون مكيدة تودي بحياته ليكونوا ~~أحرارا في التصرف بزوجته. رأى المصريون أن المرأة حسنة جدا (على ~~حد تعبير النص)، فأخذت ساراي إلى بيت فرعون وانضمت إلى حريمه، رغم ~~أنها كانت في سن الخامسة والستين من العمر على الأقل. # 1 # وصنع فرعون إلى أبرام خيرا بسبب المرأة، فصار له غنم ~~وبقر وحمير وإماء وجمال، ولكن الرب لم يكن راضيا عن هذه المقايضة، ~~فضرب بيت فرعون ضربات عظيمة بسبب ساراي، فدعا فرعون أبرام وقال ~~له: «ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا ~~قلت: «هي أختي» حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ ms025 والآن هذه امرأتك، ~~خذها واذهب» (تك، 12: 4-20). # يرجع أبرام إلى كنعان، ويقوم بزيارة المذبح الذي أقامه للرب بين ~~بيت إيل وعاي، ومعه لوط أيضا. وهناك يفترق الاثنان بسبب خصام وقع ~~بين رعاة مواشيهما الكثيرة العدد، فيختار لوط دائرة شرقي الأردن، ~~ويبقى أبرام في أرض كنعان. وبعد رحيل لوط يخاطب الرب أبرام مرة ~~ثانية، وهو في هذه البقعة التي تتوسط منطقة الهضاب المركزية في ~~فلسطين، ويأمره أن يجيل البصر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لأنه ~~يعطي هذه الأرض له ولنسله إلى الأبد. ثم يقفل أبرام عائدا إلى ~~مناطق إقامته في الجنوب، والتي يحددها النص الآن ببلوطات ممرا التي ~~في حبرون (الخليل)، حيث يبني مذبحا آخر هناك (تك، 13). # بعد ذلك نسمع عن ملك اسمه كدر لعومر ملك عيلام، # 2 # الذي شن حربا على منطقة شرقي الأردن بسبب توقف ~~ملوكها عن دفع الجزية له، ورافق كدر لعومر في هذه الحملة المدعو ~~أميرافل ملك شنعار # 3 # وثلاثة ملوك آخرين. ينتصر كدر لعومر على ملوك شرقي ~~الأردن، ويقفل راجعا ومعه الغنائم والأسرى، وبين هؤلاء الأسرى لوط ~~وجماعته وأملاكه. يسمع أبرام بخبر الحملة وبأسر ابن أخيه، فيجهز ~~على عجل حملة من أتباعه وعبيده، وعددهم ثلاثمائة، ويتبع الغزاة ~~حتى يدركهم في موقع دان في شمال فلسطين، وهناك يوقع بالملوك ~~الخمسة هزيمة منكرة، ويسترجع الأسرى والأسلاب. ولدى وصوله خرج ~~ملوك شرقي الأردن لاستقبالهم، وخرج أيضا ملكي صادق ملك شاليم، ~~الذي أخرج خبزا وخمرا، وكان كاهنا لله العلي (إيل عليون باللغة ~~التوراتية)، وباركه وقال: «مبارك أبرام من الله العلي مالك السموات ~~والأرض» (تك، 14). # وكان أبرام حتى ذلك الوقت عقيما بلا نسل. ونعرف من سياق النص ~~أنه قد تبنى شابا اسمه أليعازر الدمشقي ليدير أملاكه ويرثها بعد ~~موته، وفق العادة المتبعة في ذلك الوقت. ولكن الرب يخاطبه للمرة ~~الثالثة بعد عودته من الحرب ويعده بمولود من صلبه يرث أملاكه، ~~ويقول له: «لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك، أجرك كثير جدا، فقال ~~أبرام: أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماض عقيما، ms026 ومالك بيتي ~~هو أليعازر الدمشقي! ... وهو ذا ابن بيتي وارث لي. فإذا كلام الرب ~~إليه قائلا: لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو الذي يرثك.» ~~وفي هذا اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا وأبرم عهدا، ومضمون هذا ~~العهد أن يعبد أبرام وذريته هذا الإله مقابل إعطائهم الأرض، وتقديم ~~الحماية والمساعدة لهم (تك، 15). وهذا النوع من العهود والمواثيق ~~بين الجماعة وإلهها معروف في أنحاء مختلفة من مناطق الشرق ~~القديم. # وبعد أن أقام أبرام عشر سنين في أرض كنعان، ويئست ساراي من ~~الإنجاب، سألته أن يدخل على جاريتها المصرية هاجر، فحملت هاجر ~~وولدت له إسماعيل، وكان عمر أبرام عند ذلك ستا وثمانين سنة. ولما ~~صار أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر له الرب مجددا ووعده بتكثير ~~نسله، وجدد معه العهد الذي أبرمه سابقا. ولتثبيت هذا العهد وجعله ~~حيا في الأذهان غير الرب اسم أبرام وجعله إبراهيم، كما غير اسم ~~زوجته ساراي لتصبح سارة . وفرض عليه الختان هو وولده وبقية عبيده. ~~ثم بشره بغلام من سارة يدعوه إسحاق، يقيم عهده معه من دون إسماعيل، ~~فسقط إبراهيم على وجهه وضحك، وقال في قلبه: هل يولد لابن مائة سنة! ~~وهل تلد سارة وهي بنت تسعين! (تك، 17). # في الإصحاح الثامن عشر الذي يلي مباشرة يطالعنا النص برواية ~~مختلفة تماما عن البشارة بإسحاق، فبينما إبراهيم جالس في باب ~~خيمته عند الظهيرة، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فركض لاستقبالهم ~~وسجد إلى الأرض، ولم يكن هؤلاء الثلاثة سوى الرب نفسه ومعه شخصيتان ~~قدسيتان أخريان. دعا إبراهيم ضيوفه للاتكاء في ظل الشجرة القريبة ~~ريثما تجهز لهم سارة طعام الغداء. وبعد أن انتهى الثلاثة من ~~طعامهم، وإبراهيم واقف لديهم تحت الشجرة، قال الرب لإبراهيم: أين ~~سارة امرأتك؟ فأجابه: هي في الخيمة، فقال: إني أرجع إليك بعد الزمن ~~اللازم لحملها ووضعها ولدا من صلبك، فضحكت سارة من وراء الخباء في ~~سرها قائلة: هل يكون لي ولد وقد انقطعت عني عادة النساء، وزوجي قد ~~شاخ! فقال الرب لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة؟ ms027 هل يستحيل على الرب ~~شيء؟ في الموعد الذي حددته لك أرجع ويكون لسارة ابن، فأنكرت سارة ~~قائلة: لم أضحك، فقال الرب: لا بل ضحكت. ثم قام الضيوف للانصراف، ~~وبينما إبراهيم يشيعهم أسر له الرب بخطته لتدمير مدينتي سدوم ~~وعمورة في شرقي الأردن؛ لكثرة خطاياهما، فحاول إبراهيم عبثا أن ~~يثنيه عما انتوى (تك، 18). # ولما كان لوط ساكنا في مدينة سدوم أو في جوارها، فقد استثناه ~~الرب من القضاء الذي حم على المدينتين، وأمره أن يرحل مع زوجته ~~وابنتيه قبل الموعد المضروب، وألا يلتفت أحدهم إلى الوراء ليرى ~~دمار المدينة، وإلا تحول إلى عمود ملح، ففعلوا. وبينما كان الرب ~~يمطر على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من السماء، التفتت زوجة لوط ~~إلى الوراء، فصارت عمود ملح، أما لوط فقد لجأ مع ابنتيه إلى مغارة ~~بعيدة في الجبل ونجا، ثم أقام في تلك المغارة بعد دمار المنطقة. ~~وبعد مدة قالت إحدى البنتين لأختها: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض ~~من حولنا رجل ليدخل علينا كعادة بني الناس، هلم نسقي أبانا ~~خمرا ونضطجع معه فنحيي منه نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك ~~الليلة، ثم دخلت الكبرى فاضطجعت مع أبيها وهو لا يدري ما يفعل، وفي ~~الليلة التالية فعلت الصغرى الشيء نفسه، وحملت ابنتا لوط من ~~أبيهما. ثم ولدت الكبرى ابنا دعته موآب، وهو أبو الشعب الموآبي، ~~وولدت الصغرى ابنا دعته عمون، وهو أبو الشعب العموني (تك، 19). ~~وكما نعرف من الأحداث اللاحقة للروايات التوراتية فإن هذين الشعبين ~~كانا من الأعداء التاريخيين لبني إسرائيل. # بعد ذلك ينتقل إبراهيم من ممرا قرب حبرون إلى جرار الواقعة قرب ~~غزة، وهنا تتكرر بحذافيرها قصة إبراهيم في مصر. نقرأ في النص: ~~«وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرار ~~وأخذ سارة. فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: ها أنت ~~ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل، فقال: ألم يقل ~~لي: إنها أختي، وهي نفسها قالت: هو أخي! ... فقال له الله في الحلم: ~~... فالآن ms028 رد امرأة الرجل إليه، فإنه نبي، فيصلي لأجلك فتحيا.» ~~فبكر أبيمالك في الصباح ورد سارة إلى إبراهيم، وأعطاه غنما ~~وبقرا وعبيدا، وخيره أن يسكن في أي مكان من أراضيه (تك، ~~20). # أخيرا حملت سارة وولدت لإبراهيم ابنا في شيخوخته دعاه إسحاق. ~~ثم خافت سارة من مزاحمة إسماعيل لابنها إسحاق في الميراث، فطلبت من ~~إبراهيم أن يطرد هاجر وابنها. ولما تردد في تلبية هذا الطلب الغريب ~~تدخل الرب واقفا إلى جانب هاجر، وطمأن إبراهيم على مصير إسماعيل، ~~وأكد له بأنه سيرعاه ويجعل منه أمة كبيرة. فبكر إبراهيم صباحا، ~~وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر وصرفها، فمضت وتاهت في برية ~~بئر السبع. ولما نفد الماء من القربة، وأشرف الولد على الموت ~~عطشا، فتح الرب عيني هاجر فرأت نبع ماء قريب، فشربا وأقاما هناك ~~في برية فاران بين بئر السبع وسيناء، حيث شب إسماعيل وترعرع، ~~واتخذ له زوجة مصرية. أما إبراهيم، فقد أقام فيما بين جرار وبئر ~~السبع التي احتفر فيها بئرا ما زالت قائمة هناك (تك، 21). # وحدث بعد ذلك أن الرب أراد امتحان إبراهيم، فأمره أن يصعد ابنه ~~إسحاق محرقة على رأس الجبل، فبكر إبراهيم صباحا ممتثلا لأمر ~~الرب، وصعد إلى الجبل وجهز حطبا للمحرقة، وأخذ بيده النار ~~والسكين، ولكن الرب ناداه من السماء: «إبراهيم، إبراهيم. فقال: ها ~~أنا ذا. فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن ~~علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني. فرفع إبراهيم عينيه ~~ونظر وإذا كبش ممسكا في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ ~~الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه» (تك، 22). # عاد إبراهيم من جرار فأقام في حبرون حيث كان سابقا، وهناك ماتت ~~زوجته سارة وعمرها مائة وسبع وعشرون سنة. ولما كان إبراهيم حتى ذلك ~~الوقت غريبا في الأرض، ولا يملك مكانا يدفن فيه ميته، فقد اشترى ~~من بني حث المقيمين في المنطقة حقلا دفن زوجته في مغارة عند ~~طرفه. وقد صارت هذه المغارة فيما بعد مدفنا لأسرة إبراهيم. وبعد ~~ذلك شعر إبراهيم ms029 بالحاجة لرؤية أحفاد له من ولده إسحاق قبل مماته، ~~فاستدعى أليعازر الدمشقي قيم بيته واستحلفه ألا يزوج إسحاق ببنت ~~من الكنعانيين، بل أن يذهب إلى آرام النهرين إلى مدينة ناحور أخي ~~إبراهيم ليخطب له من هناك فتاة من عشيرته ومن أهله. ففعل أليعازر، ~~وانطلق بعشرة جمال وهدايا مهرا للزوجة المقبلة. ولما وصل أطراف ~~البلدة أناخ جماله عند بئر ماء، فرأى فتاة تستقي، فأسقته وقالت: ~~اسق جمالك أيضا. ولم تكن هذه الفتاة سوى رفقة بنت بتوئيل بن ~~ناحور (أخي إبراهيم) التي دعته إلى ديار أبيها للمبيت، حيث استقبل ~~بحفاوة بالغة من قبل أبيها بتوئيل وأخيها لابان، وعندما كشف ~~أليعازر عن مقصده قوبل طلبه بالقبول، وارتضت رفقة أن تمضي معه في ~~اليوم التالي لتغدو زوجة لإسحاق (تك، 24). # بعد أن رأينا إبراهيم في الإصحاح السابق شيخا متقدما في الأيام ~~ينتظر منيته، يطالعنا في الإصحاح 25 رجلا في تمام الصحة والعافية، ~~قادرا على الزواج والإنجاب وعمره مائة وأربعون سنة، وهو الذي عجب ~~سابقا من بشارة ربه له بإسحاق قائلا: «هل يولد لابن مائة سنة! ~~وهل تلد سارة وهي بنت تسعين!» يأخذ إبراهيم زوجة جديدة اسمها ~~قطورة، فتلد له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشبان وشوحا. ويأتي ~~لولده يقشان: شبا وددان. ونلاحظ من سلسلة النسب المتحدرة من قطورة ~~أن الأسماء الواردة فيها هي أسماء لقبائل كانت تتحرك في المساحات ~~الواقعة بين البادية السورية وشمال الجزيرة العربية خلال الألف ~~الأول قبل الميلاد، مثل مديان حول خليج العقبة، وشبا أو سبأ وددان، ~~وهم من قبائل العرب الواردين في السجلات الآشورية. غير أن هذه ~~الفروع في شجرة عائلة إبراهيم - شأنها شأن فرعه من إسماعيل - هي ~~فروع ثانوية، أما الخط الرئيسي في الشجرة، والمعترف به من قبل ~~الرب، فيستمر عبر إسحاق بكر إبراهيم من سارة، والذي يقيم الرب معه ~~العهد ومع ذريته من بعده. ثم مات إبراهيم وعمره مائة وخمس وسبعون ~~سنة، بعد أن أعطى لإسحاق في حياته كل أمواله وممتلكاته، ودفن في ~~مغارة المكفيلة قرب سارة. # بعد عشرين سنة ms030 من زواجها بإسحاق، تحمل رفقة توءمين يتزاحمان في ~~بطنها «فمضت لتسأل الرب، فقال لها الرب: في بطنك أمتان، ومن ~~أحشائك يفترق شعبان؛ شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير.» وفي ~~هذا القول إشارة إلى عيسو الابن الأكبر لإسحاق، الذي صار أبا ~~للشعب الآدومي الذي سكن جنوب البحر الميت نحو خليج العقبة، ويعقوب ~~الابن الأصغر الذي أنجب الأسباط الاثني عشر، ونبوءة بخضوع آدوم ~~لإسرائيل. فلما كملت رفقة أيامها لتلد، خرج الأول من رحمها أحمر ~~اللون، كله فروة شعر، فدعوه عيسو، وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة ~~بعقب عيسو، فدعي اسمه يعقوب. وكان إسحاق يحب عيسو، أما رفقة فكانت ~~تفضل يعقوب. وحدث بعد أن كبر الأخوان أن عيسو الذي كان صيادا ~~عاد من الصحراء وهو متعب وجائع، فوجد يعقوب الذي لم يكن يغادر ~~الخيام يطبخ عدسا، فطلب إليه أن يطعمه من طبيخه، فأبى يعقوب، وطلب ~~لقاء طبيخه ثمنا غاليا هو كل الحقوق المتعلقة بالابن الأكبر في ~~العائلة، فوافق عيسو على الصفقة مستخفا بالبكورية (تك، ~~25). # يجدد الرب مع إسحاق العهد الذي قطعه مع إبراهيم، ويأمره أن يمضي ~~إلى جرار في الجنوب بسبب المجاعة في الأرض. وفي جرار يقول إسحاق عن ~~رفقة زوجته إنها أخته؛ كي لا يقتل بسببها، كما فعل أبوه إبراهيم ~~سابقا. ولكن ملك جرار، الذي يدعى هنا أبيمالك أيضا، اكتشف كذبته ~~قائلا: «ما هذا الذي صنعت بنا! لولا قليل لاضطجع أحد الشعب مع ~~امرأتك فجلبت علينا ذنبا. فأوصى أبيمالك جميع الشعب قائلا: الذي ~~يمس هذا الرجل أو امرأته يموت ...» بعد ذلك يلتفت إسحاق إلى الزراعة ~~فتكثر غلاله، ويتعاظم رزقه إلى درجة تثير غيرة الملك، فيطلب منه ~~مغادرة المدينة، فأقام في وادي جرار (تك، 26). # وحدث لما شاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر أنه دعا عيسو ابنه ~~الأكبر ليباركه، ولكن رفقة دفعت إليه بيعقوب بدلا من عيسو، ووضعت ~~على ساعده فروة جدي لتصبح مشعرة كساعد عيسو، فباركه إسحاق وهو غافل ~~عن خدعة زوجته. وعندما حضر عيسو للحصول على البركة من أبيه يكتشف ~~الاثنان ms031 خدعة رفقة ويعقوب، ويصرخ عيسو: «باركني أنا أيضا يا أبي، ~~فقال: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. فقال: ألا إن اسمه دعي يعقوب، ~~قد تعقبني الآن مرتين؛ أخذ بكوريتي، وهو ذا الآن قد أخذ بركتي. ثم ~~قال: أما بقيت لي بركة؟ فأجاب إسحاق وقال لعيسو: إني قد جعلته ~~سيدا لك، ودفعت إليه جميع إخوته عبيدا، وعضدته بحنطة وخمر، فماذا ~~أصنع إليك يا ابني!» فحقد عيسو على يعقوب وطلب قتله، فهرب يعقوب من ~~وجه أخيه، ولكن إسحاق نصحه بالسفر إلى خاله لابان في حران بآرام ~~النهرين، والإقامة عنده حتى يرتد غضب أخيه عنه، وأن يتزوج هناك ~~إحدى بنات خاله (تك، 27). # يشد يعقوب الرحال إلى حران، وبينما هو في موقع بيت إيل يظهر له ~~الرب في الحلم، ويجدد معه عهد إبراهيم وإسحاق قائلا: «أنا الرب، ~~إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها ~~لك ولنسلك ...» وعندما يصل أطراف حران يتوقف عند بئر ليستقي ، وهناك ~~يلتقي بابنة خاله راحيل، التي وردت البئر لتسقي غنمها، فيتعارفان ~~وتقوده إلى البيت، حيث يستقبله لابان أحسن استقبال، فيقيم عنده ~~شهرا يرعى له الغنم. ثم قال لابان ليعقوب: «ألأنك أخي تخدمني ~~مجانا! أخبرني ما أجرتك؟ وكان للابان ابنتان؛ اسم الكبرى ليئة، ~~واسم الصغرى راحيل. وكانت عينا ليئة ضعيفتين، أما راحيل فكانت حسنة ~~الصورة وحسنة المنظر. وأحب يعقوب راحيل فقال: أخدمك سبع سنين ~~براحيل ابنتك الصغرى ...» فوافق لابان على الصفقة، ولبث يعقوب في ~~خدمة خاله سبع سنين آملا في الزواج براحيل. وفي تمام المدة طلب ~~امرأته، ولكن لابان جاء إليه في ليلة الزفاف بابنته الكبرى ليئة، ~~فدخل عليها يعقوب دون أن يعرف. وعندما اكتشف الخديعة في الصباح ~~ولام خاله على ما فعل؛ وعده بالصغرى إن عمل سبع سنوات أخرى لقاء ~~مهرها، فقبل يعقوب وتزوج راحيل بعد أربع عشرة سنة من إقامته في ~~ديار خاله (تك، 28-29). # وبعد أن كبر أولاد يعقوب، وكثرت أمواله ومواشيه قرر العودة إلى ~~ديار أبيه، فحمل زوجتيه وأولاده الأحد عشر وكل مقتنياته ms032 وسار يطلب ~~أرض كنعان، ومعه هدية مغرية لأخيه عيسو يسترضيه بها (تك، 30-31). ~~وفي مكان اسمه مخاضة يبوق ظهر له إنسان وصارعه حتى طلوع الفجر حين ~~تمكن يعقوب من خصمه. ولم يكن هذا الخصم سوى يهوه نفسه. فقال له: ~~«أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني، فقال: ~~ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل ~~إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال: ~~أخبرني باسمك، فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب ~~اسم المكان فنيئيل قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت ~~نفسي» (تك، 32: 22-30). في الطريق إلى حبرون، التي يقيم فيها ~~إسحاق، يخرج عيسو للقاء يعقوب، ويتصالح الأخوان، ثم يتابع يعقوب ~~طريقه «وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا، قرية أربع، التي هي ~~حبرون، حيث تغرب إبراهيم وإسحاق، وكانت أيام إسحاق مائة وثمانين ~~سنة، فأسلم إسحاق روحه ومات، ودفنه عيسو ويعقوب ابناه ... وسكن يعقوب ~~في أرض غربة أبيه» (تك، 33-37). # وقد أحب يعقوب ابنه يوسف أكثر من سائر بنيه؛ لأنه كان ابن ~~شيخوخته «فصنع له قميصا ملونا. فلما رأى إخوته أن أباهم أحبه ~~أكثر من جميع إخوته أبغضوه، ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام ...» ومما ~~زاد في بغضهم له أنه كان يقص أحلاما يراها، تتنبأ له بعلو المكانة ~~بين إخوته وتفوقه عليهم، ومنها الحلم الذي قال فيه: «إني قد حلمت ~~حلما أيضا، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي. وقصه ~~على أبيه وعلى إخوته، فانتهره أبوه وقال له: ما هذا الحلم الذي ~~حلمت؟ هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض؟ فحسده إخوته، ~~أما أبوه فكتم الأمر.» وفي إحدى المرات، وبينما كان إخوة يوسف ~~يرعون الغنم في مكان بعيد، أرسله أبوه وراءهم ليستطلع أحوالهم ~~وأحوال القطيع، فلما رأوه قادما من بعيد قال بعضهم لبعض: هو ذا ~~صاحب الأحلام قادم، هلموا نقتله فنرى ماذا تكون أحلامه. ولكنهم بعد ~~مداولة في الأمر قرروا إلقاءه في بئر قريبة جافة، ms033 وتركه هناك ~~لمصيره. وبعد تنفيذ مؤامرتهم عادوا إلى أبيهم ومعهم قميص يوسف ~~الملون وعليه دم تيس ذبحوه عند البئر، وقالوا: إن وحشا رديئا قد ~~افترسه، فبكى يعقوب على ابنه أياما كثيرة وبقي في حداد دائم. وأما ~~يوسف فقد انتشله من البئر تجار في قافلة متجهة إلى مصر، فاسترقوه ~~وباعوه لدى وصولهم إلى فوطيفار رئيس الشرط لدى فرعون (تك، ~~37). # نال يوسف حظوة في عيني مولاه فجعله قيما على بيته وشئونه ~~الخاصة. ولكن زوجة فوطيفار مالت إلى يوسف، وعرضت عليه الوصال فأبى ~~وفاء لسيده، فاتهمته بأنه راودها عن نفسها، فألقاه فوطيفار في ~~السجن. قضى يوسف في السجن فترة طويلة عرف خلالها بالخلق الرفيع ~~والسلوك الحسن، كما اشتهر في السجن بتفسيره للأحلام. وحدث بعد ~~سنين أن الفرعون رأى حلما أقض مضجعه، فدعا جميع الحكماء لتفسير ~~حلمه ولكنهم عجزوا. وكان رئيس سقاة الفرعون سجينا مع يوسف لفترة ~~قصيرة، فتذكر حسن تفسيره للأحلام، وذكره عند فرعون فجاءوا به. ~~فسر يوسف للفرعون الحلم وقال له بأن البلاد ستنعم بسبع سنين من ~~الخصب والرخاء، تتلوها سبع سنين من القحط والجفاف. وأشار على الملك ~~بأن يجعل على الأرض قيما يخزن خمس الغلة في كل سنة من سنوات ~~الوفرة، يكون ذخرا لسنوات الجوع. حسن كلام يوسف عند الفرعون ~~وأحب صاحبه، فأوكله بالمهمة وأعطاه سلطات واسعة لتنفيذها على ~~الوجه الأكمل. جاءت سنوات القحط الذي طال أيضا بلاد كنعان، فأرسل ~~يعقوب أولاده العشرة إلى مصر لشراء القمح منها، وأبقى عنده أصغرهم ~~بنيامين. فجاء الإخوة إلى يوسف الذي كان يشرف بنفسه على توزيع ~~القمح، وسجدوا بين يديه، فعرفهم يوسف ولم يعرفوه. وقال لهم يوسف: ~~من أين جئتم؟ فقالوا: من أرض كنعان لنشتري طعاما، فقال: بل أنتم ~~جواسيس جئتم لتروا عورة الأرض، فقالوا: عبيدك نحن، إننا اثنا عشر ~~أخا بنو رجل واحد، تركنا الصغير عند أبينا، والواحد مفقود، فقال: ~~وحياة فرعون لا تخرجون من هنا إلا بمجيء أخيكم الصغير إلي، ~~فأمتحن صدقكم، وسأبقي واحدا منكم رهينة لدي. فبقي شمعون مقيدا ~~بالأغلال وعاد التسعة ms034 إلى أبيهم. وتنتهي القصة بأن يكشف يوسف عن ~~هويته أمام إخوته الأحد عشر لدى عودتهم، ويسامحهم ويطلب منهم أن ~~يأتوا بأبيهم وأولادهم ونسائهم للإقامة في مصر، فقدموا إليه ~~وعددهم سبعون، فأكرمهم وأسكنهم في أرض جاسان، التي نستنتج من مواضع ~~أخرى في النص التوراتي أنها الدلتا الشرقية، فتملكوا فيها ~~وتكاثروا. ومات يعقوب في أرض مصر وعمره مائة وسبع وأربعون سنة (تك، ~~38-47). # هذه هي الخطوط العامة لعصر الآباء، الذي يدعوه معظم الباحثين بما ~~قبل تاريخ الشعب الإسرائيلي، وذلك لبعده زمنيا، وانقطاعه عن ~~البدايات التاريخية لبني إسرائيل، والتي يراها البعض في دخول ~~الخارجين من مصر أرض كنعان، والبعض الآخر في تشكيل المملكة ~~الموحدة. وسوف ننتقل الآن إلى النقد النصي والتاريخي والأركيولوجي ~~لروايات سفر التكوين، لنعرف الموقع الحقيقي لعصر الآباء. ~~(1) النقد النصي لسفر التكوين # يظهر في سفر التكوين، وأكثر من أي مكان في التوراة، الطابع ~~المميز لعمل المحررين التوراتيين، والذي وصفناه بأسلوب الجمع ~~التراثي. فهؤلاء كانوا جمعة تراث لا مؤرخين، وإن أي دارس ~~مبتدئ لعلم التاريخ يكتشف من القراءة الأولى لسفر التكوين أن ~~ما يرويه لنا من قصص لا يمكن تصنيفه في زمرة الأخبار التاريخية ~~بأي معيار من المعايير، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون. ~~فلقد عمل المحررون هنا على جمع قصص متعددة النشأة والأصول، ~~وقاموا بربطها إلى بعضها ربطا غير محكم، أبقى على استقلالية ~~واضحة لكل منها، وعلى تناقض بين في أحداثها. ويبدو أن المحرر ~~نفسه كان مدركا للتناقض فيما يورده من أحداث، وأنه قد أبقى ~~على هذه التناقضات مدفوعا برغبته في تسجيل التنويعات كلها ~~التي وصلت إليه للقصة الواحدة، دون محاولة جدية من قبله ~~لإحلال الانسجام فيما بينها، منساقا وراء العقدة القصصية، ~~غافلا عن عنصر التحقيق والتدقيق، الذي يميز جنس الكتابة ~~التاريخية. والأمثلة على ذلك كثيرة، نورد فيما يلي بعضا ~~منها. # في الإصحاح 12 تدور العقدة القصصية حول أخذ فرعون مصر لساراي ~~والدخول عليها، والإغداق على إبراهيم بسببها (12: 14-20)، وذلك ~~دون الأخذ بالحسبان أن المحرر نفسه كان قد قال ms035 لنا إن إبراهيم ~~كان في سن الخامسة والسبعين عندما هاجر إلى أرض كنعان (12: 4)، ~~وبالتالي فإن سارة كانت في سن الخامسة والستين، لأن الفارق في ~~العمر بينهما هو عشر سنوات (تك، 17: 17). أما قصة إبراهيم ~~وسارة في جرار، عندما قال إبراهيم عن سارة إنها أخته، فضمها ~~أبيمالك ملك جرار إلى بيته (تك، 20)، فتبدو محشورة حشرا، ودون ~~جهد تحريري، بين قصة بشارة الرب للزوجين المسنين بغلام اسمه ~~إسحاق (تك، 18)، وقصة ولادة سارة لإسحاق وتحقيق البشارة. فعند ~~بشارة الرب كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، وزوجته ابنة تسع ~~وثمانين، ولما ولد لهما إسحاق كان إبراهيم ابن مائة سنة، وسارة ~~ابنة تسعين سنة. ولما كانت قصة سارة مع أبيمالك ملك جرار قد ~~جاءت بين قصة البشارة وقصة الولادة، فهذا يعني أن سارة لم تكن ~~فقط امرأة عجوزا في التسعين عندما هم الملك بالدخول عليها، ~~بل أنها كانت حاملة بإسحاق أيضا. وهنا لا نستطيع إلا أن نعجب ~~من إبقاء المحرر التوراتي على هذا التناقض، ونتساءل عما إذا ~~كان النص التوراتي قد أعد أصلا للقراءة، أم كمخطوط ينتظر ~~عملية تنقيحية لم تتم حتى الآن. # وقصة إبراهيم وسارة مع ملك مدينة جرار، عندما قال إبراهيم عن ~~سارة إنها أخته، تتكرر مع إسحاق ورفقة عندما وفد إسحاق على ملك ~~جرار وقال عن رفقة إنها أخته. ونلاحظ في القصتين أن اسم ملك ~~جرار هو أبيمالك، واسم رئيس جيشه هو فيكول، وذلك رغم الفارق ~~الزمني بين الحدثين، والذي يزيد عن الستين عاما. الأمر الذي ~~يدل على أننا أمام قصة واحدة عزيت مرة إلى إبراهيم ومرة ~~أخرى إلى إسحاق. فإلى جانب التشابه العام في بنية الحدثين، ~~وتشابه الشخصيات والأماكن، فإن المحرر يعمد إلى التكرار ~~الحرفي لبعض التفاصيل، وخصوصا فيما يتعلق بالعهد الذي قطعه ~~أبيمالك وإبراهيم لبعضهما، ثم قطعه بعد ذلك أبيمالك وإسحاق. ~~وفيما يلي أقدم النصين للمقارنة: # نقرأ في الإصحاح 26: 26-30 ما يلي: «وذهب إليه من جرار ~~أبيمالك وجماعة من أصحابه، وفيكول رئيس جيشه، فقال لهم إسحاق: ~~ما بالكم أتيتم إلي وأنتم ms036 قد أبغضتموني وصرفتموني من عندكم! ~~فقالوا له: إننا قد رأينا أن الرب كان معك، فقلنا ليكن بيننا ~~حلف ونقطع معك عهدا ألا تصنع بنا شرا، كما لم نمسك وكما ~~لم نصنع بك إلا خيرا وصرفناك بسلام، أنت الآن مبارك الرب. ~~فصنع لهم ضيافة، فأكلوا وشربوا، ثم بكروا في الغد وحلفوا ~~بعضهم لبعض.» # وفي الإصحاح 21: 22-24 نقرأ: «وحدث في ذلك الزمان أن أبيمالك ~~وفيكول رئيس جيشه كلما إبراهيم قائلين: الله معك في كل ما ~~أنت صانع، فالآن احلف لي بالله هنا أنك لا تغدر بي ولا بنسلي ~~ولا بذريتي. كالمعروف الذي صنعته إليك تصنع إلي وإلى الأرض ~~التي تغربت فيها. فقال إبراهيم: أحلف. فأخذ إبراهيم غنما ~~وبقرا وأعطى أبيمالك، فقطعا كلاهما ميثاقا.» # وفيما يتعلق بحادثة تغيير اسم يعقوب من قبل الرب إلى ~~إسرائيل، لدينا روايتان مختلفتان؛ ففي الإصحاح 32 من سفر ~~التكوين يغير الرب اسم يعقوب بعد أن يدخل معه في صراع عند ~~مخاضة يبوق. أما في الإصحاح 35 فتوضع هذه الحادثة بعد إقامة ~~يعقوب لمذبح للرب في بيت إيل، وذلك بعد الصراع في يبوق بزمن لا ~~بأس به: «فأتى يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان هو وجميع القوم ~~الذين معه، وبنى هناك مذبحا، ودعا المكان إيل بيت إيل ... وظهر ~~الله ليعقوب أيضا حين جاء من فدان آرام وباركه، وقال له الله: ~~اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك يعقوب فيما بعد، بل يكون اسمك ~~إسرائيل ...» (تك، 35: 6-10). وبخصوص إقامة يعقوب للمذبح في لوز، ~~وتسمية المكان بيت إيل، لدينا ثلاث روايات متباينة، ويمكن بهذا ~~الخصوص مراجعة المواضع الآتية من سفر التكوين: تك، 35: 1-10، ~~تك، 28: 16-22، تك، 35: 13-15. # ولدينا تنويعان على قصة إلقاء يوسف في البئر، وانتشال التجار ~~له وسوقه إلى مصر، موضوعان جنبا إلى جنب، وكأن المحرر تركهما ~~على هذه الحالة ليقرر فيما بعد أي التنويعين يختار. ففي المرة ~~الأولى يلقي الإخوة بيوسف إلى البئر، ثم يجلسون لتناول الطعام، ~~وإذا قافلة تجار إسماعيليين مقبلة، فيقترح أحد الإخوة، وهو ~~يهوذا، أن ينتشلوه ويبيعوه ms037 للإسماعيليين، فيوافق الجميع ويباع ~~يوسف لهم. وبعد ذلك مباشرة يأتي المحرر بالرواية الثانية، ~~فالإخوة لم يبيعوا يوسف، بل تركوه في البئر ومضوا، وعندما مر ~~رجال مديانيون تجار انتشلوا يوسف وباعوه للإسماعيليين الذين ~~أتوا به إلى مصر. وإليكم الطريقة التي نسجت بواسطتها ~~الروايتان: «فكان لما جاء يوسف إلى إخوته أنهم خلعوا عن يوسف ~~قميصه الملون الذي عليه، وأخذوه وطرحوه في البئر. وأما البئر ~~فكانت فارغة ليس فيها ماء. ثم جلسوا ليأكلوا طعاما. فرفعوا ~~عيونهم وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم حاملة ... ~~فقال يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟ ~~تعالوا نبيعه للإسماعيليين، ولا تكن أيدينا عليه؛ لأنه أخونا ~~ولحمنا، فسمع له إخوته. واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا ~~يوسف وأصعدوه من البئر، وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من ~~الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر ...» (التكوين، 37: 25-29). # ومن ناحية أخرى، فإن ذكر الإسماعيليين والمديانيين في هذا ~~الجزء من قصة يوسف لا يتناسب ومعطيات سلسلة الأنساب التي ~~رسمها سفر التكوين لإبراهيم وأولاده. فمن المفروض أن ~~الإسماعيليين هم أبناء إسماعيل بن إبراهيم من هاجر المصرية، ~~والمديانيون هم أولاد مديان أحد أولاد إبراهيم من آخر زوجاته ~~قطورة، وإذا أخذنا الزمن المنطقي الفاصل بين عصر إسماعيل ~~ومديان ابني إبراهيم، وعصر يعقوب ويوسف لقلنا إن ~~الإسماعيليين والمديانيين لم يكونوا قد تشكلوا كشعبين بعد ~~خلال الفترة التي جرت خلالها قصة يوسف. ولا يوجد تفسير لهذا ~~التناقض سوى أن قصة يوسف قد أدمجت في نهاية عصر الآباء دون ~~مجهود تحريري يضعها في اتساق مع ما سبقها. # وفي التفاصيل الصغيرة لقصص الآباء لدينا الكثير من التناقضات ~~التي لا نستطيع الإتيان على ذكرها جميعا. ومثالها ذلك التفصيل ~~الصغير من قصة يوسف أيضا، فعندما يتهم يوسف إخوته بالتجسس، ~~ويطلب منهم العودة إلى كنعان وجلب أخيهم الأصغر بنيامين، ~~يعطي أوامره ببيع القمح إلى العائدين، ولكنه يعيد الفضة التي ~~دفعوها إلى أكياس قمحهم دون علم منهم. وبينما هم في الطريق فتح ~~أحدهم كيسه ليعطي عليقا لحماره، فرأى فضته في كيسه فأخبر ~~إخوته، فارتعدوا خوفا ms038 لئلا يظن يوسف بأنهم قد سرقوا فضتهم بعد ~~شراء القمح (تك، 42: 25-28). ولكننا في المقطع التالي مباشرة ~~نجد أن الإخوة لم يعلموا بوجود فضتهم في أكياسهم في الطريق، بل ~~لدى وصولهم ديارهم: «فجاءوا إلى يعقوب أبيهم في أرض كنعان ~~وأخبروه بكل ما أصابهم ... وإذ كانوا يفرغون عدالهم، إذا صرة ~~فضة كل واحد منهم في عدله، فلما رأوا صرر فضتهم، هم ~~وأبوهم خافوا ...» (تك، 42: 29-34). # ضمن هذه السلسلة غير المترابطة من روايات الآباء يمكن - ببعض ~~التمحيص - اكتشاف المفاصل الرئيسية التي تم عندها جمع تقاليد ~~مستقلة من حيث الأصل إلى تقليد واحد. فالتقاليد المتعلقة ~~بأبرام قد التقت مع التقاليد المتعلقة بإبراهيم، تحت ذريعة أن ~~الرب قد أمر أبرام بتغيير اسمه إلى إبراهيم. والتقت كذلك ~~التقاليد المتعلقة بيعقوب مع التقاليد المتعلقة بإسرائيل، تحت ~~ذريعة أن الرب قد غير اسم يعقوب إلى إسرائيل. ثم حشرت ~~التقاليد المتعلقة بإسحاق بين هذه وتلك. ولعل أكثر هذه ~~التقاليد غرابة من البقية تلك المتعلقة بيوسف، فهذه القصة عن ~~الشاب الآسيوي الطموح الذي يصل إلى مرتبة عالية في البلاط ~~المصري قد أدمجت في نهاية سلسلة تقاليد الآباء من أجل الربط ~~بين عصر الآباء في كنعان، وتلك الجماعة التي خرجت من مصر بعد ~~أربعمائة سنة من العبودية تلت موت يوسف. # أما الرؤية الأيديولوجية لأحداث روايات الآباء، والتي أراد ~~المحررون من خلالها إحداث نوع من الانسجام بين تقاليد الآباء ~~نفسها من جهة، وبين هذه التقاليد وبقية التقاليد الرئيسية في ~~الكتاب، فتظهر كشأن مقحم على الشكل الأصلي للقصص، وتبدي ~~مرونة عالية في فرض نفسها على الحدث. وهذه الرؤية الأيديولوجية ~~ذات شقين؛ شق عرقي وشق ديني، تتبدى الأيديولوجية العرقية في ~~محاولة رسم خط نسب رئيسي نبيل يوصل إلى الأسباط الاثني عشر ~~لإسرائيل، وخطوط نسب فرعية توصل إلى بقية الشعوب التي احتك بها ~~الإسرائيليون خلال الفترات التاريخية المتأخرة، والقريبة ~~زمنيا من عصر تدوين الأسفار التوراتية. فمن جارية إبراهيم ~~المصرية يولد إسماعيل، وهو أبو القبائل الإسماعيلية التي ~~نعرفها من النصوص الآشورية للألف الأول قبل الميلاد، ms039 مثل ~~نبايوت (الأنباط فيما بعد) وقيدار وتيما. ومن عيسو المنبوذ، ~~الذي خسر بركة أبيه، يولد آدوم وعماليق. ومن بنتي لوط اللتين ~~حملتا سفاحا من أبيهما يتسلسل المؤابيون والعمونيون. وبهذه ~~الطريقة يجعل سفر التكوين من الخصوم التاريخيين لبني إسرائيل ~~أحفادا للجواري والملعونين في الأرض وأولاد الزنا. # وفيما يتعلق بالأيديولوجيا الدينية، فإنها تظهر كمحاولة غير ~~ناجحة أو غير جادة لإسقاط المعتقد التوحيدي، الذي لم ينضج في ~~فلسطين إلا إبان العصر الفارسي المتأخر على هذه المرحلة ~~المبكرة بأجوائها الوثنية التي لا تخفي نفسها. فالإله الواحد ~~- الذي ~~بشر به كهنوت يهوذا بعد السبي البابلي على لسان ~~الأنبياء من أمثال إرميا وإشعيا - هو الإله الواحد الذي بشر ~~به موسى بين بني إسرائيل في مصر، وهو الذي خاطب إبراهيم أول ~~مرة في حاران وأقام معه العهد ومع أولاده بعده. غير أن الكثير ~~من تفاصيل قصص سفر التكوين، التي تركت على حالها دون تدخل من ~~المحرر، قد أحبطت مشروع الإسقاط هذا، وتركت روايات الآباء ~~تسبح في الأجواء الوثنية للقصص القديمة التي تم جمعها من ~~الماضي. فالاسم «إيل» يستخدم في العديد من المواضع في الإشارة ~~إلى إله الآباء. من ذلك مثلا ما يرد على لسان هاجر في الإصحاح ~~16: 13، وعلى لسان يعقوب في الإصحاح 28: 16-19. والإله إيل، ~~كما هو معروف تماما اليوم، كان إله السماء عند الكنعانيين، ~~ورئيسا لمجمع الآلهة في أوغاريت. ورغم إعلان الرب عن نفسه ~~لإبراهيم وبنيه من بعده على أنه الإله الواحد القدير، وإبرام ~~العهد معهم على عبادته وحده، فإن صور وتماثيل الآلهة الوثنية ~~لم تغادر بيوت الآباء. فهذه راحيل تسرق أصنام أبيها عندما ~~غادرت حاران مع زوجها، وعندما يلحق بهما الأب لابان ويدركهما ~~في الطريق، يدخل خباء راحيل بحثا عن آلهته. وهنا نقرأ في ~~التكوين، 31: 34 «وكانت راحيل قد أخذت الأصنام ووضعتها في ~~حداجة الجمل وجلست عليها، فجس لابان كل الخباء ولم يجد، ~~وقالت لأبيها: لا يغتظ سيدي، إني لا أستطيع أن أقوم أمامك ~~لأن علي عادة النساء. ففتش ولم يجد الأصنام ...» وهذه الأصنام ~~تبقى ms040 في بيت يعقوب - مع غيرها من أصنام آلهة القوم - موضع ~~عناية وتقديس، على ما نفهم من الإصحاح 35: 1-2 حيث نقرأ: «ثم ~~قال الله ليعقوب: قم اصعد إلى بيت إيل، وأقم هناك واصنع مذبحا ~~لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك، فقال يعقوب لبيته ~~ولكل من كان معه: اعزلوا الآلهة الغريبة من بينكم، وتطهروا ~~وأبدلوا ثيابكم ...» إلا أن هذه الآلهة لم تختف من بيوت ~~الشخصيات الروحية والقيادية الرئيسية في الرواية التوراتية. ~~وسنرى فيما بعد أن أصنام الآلهة كانت موجودة في بيت الملك داود ~~بعد ذلك بعدة قرون. # إن صورة الإله يهوه، كما تقدمها المعتقدات التوراتية ~~المتأخرة، هي صورة إله مجرد ومنزه، لا يتسع له مكان ولا ~~تدركه الأبصار. وعلى حد قول إشعيا: «... هكذا قال الرب، السماء ~~كرسيي والأرض موطئ قدمي. أين البيت الذي تبنون لي وأين ~~مكان راحتي وكل هذه صنعتها يدي!» (إشعيا، 66: 1-2). ولكن ~~شخصيات عصر الآباء كانت تستمع لصوت الرب مباشرة أو تراه في ~~المنام، وفي بعض الأحيان رؤية العين المجردة، وتتحدث معه ~~وتتمشى أمام الخباء، الأمر الذي يذكرنا بأجواء أساطير وملاحم ~~أوغاريت. فيعقوب قد دخل في صراع جدي مع يهوه عند مخاضة يبوق ~~كما قدمنا سابقا، وإبراهيم يفاجأ بزيارة يهوه مع اثنين من ~~حاشيته في وضح النهار. ويبدو أن مشهد الزيارة الإلهية في القصة ~~الأصلية كان يتضمن زيارة ثلاثة آلهة كنعانية، ومثل هذه ~~الزيارات الإلهية لشخصيات دنيوية بارزة معروفة في أدبيات الشرق ~~القديم. وقد عثرت على مشابهة واضحة بين قصة زيارة يهوه ~~لإبراهيم وبشارته له بغلام، وبين ملحمة دانيال الأوغاريتية، ~~مما سأعرض له بسرعة فيما يلي. # كان دانيال حاكما عادلا يجلس كل يوم للقضاء عند باب ~~المدينة. ولكنه كان عقيم النسل لم يرزق بولد يرثه. صلى دانيال ~~كثيرا في المعبد وقرب القرابين لكي ترفع عنه لعنة العقم. ~~وأخيرا ظهر له الإله بعل ووعده بأن يكلم بشأنه كبير الآلهة ~~إيل. بر بعل بوعده، واستجاب الإله إيل لصلوات دانيال، فرزق ~~بغلام أسماه أقهات. وفي أحد الأيام مر ms041 إله الحرف والصناعة ~~كوثر-حاسيس، فدعاه دانيال لتناول الطعام. ولنتابع هنا القصة ~~كما وردت في العمود الخامس من اللوح الأول للنص الأوغاريتي: ~~«ثم في اليوم السابع نهض دانيال وجلس عند البوابة قرب الأكداس ~~عند البيدر يقضي قضاء الأرملة وحكم اليتيم، وعندما رفع بصره ~~رأى على بعد ألف حقل كوثر-حاسيس قادما حاملا قوسا ~~وجعابا ونبالا. عند ذلك نادى دانيال زوجته قائلا: اسمعي ~~أيتها السيدة دانتية، أعدي خروفا من القطيع لإكرام ~~كوثر-حاسيس، وجهزي لإطعام وإسقاء الآلهة. فسمعت دانتية وأعدت ~~خروفا من القطيع لإكرام كوثر-حاسيس. ثم بعد ذلك وصل ~~كوثر-حاسيس وأعطى القوس لدانيال من أجل بكره أقهات. عندها ~~أولمت السيدة دانتية وقدمت شرابا وكرمت السيد. وعندما غادر ~~كوثر-حاسيس إلى موطنه أخذ دانيال القوس وأعطاها لأقهات هدية ~~قائلا: إن بواكير صيدك يا بني سوف تكون للمعبد.» # 4 # أما في القصة التوراتية عن الزيارة الإلهية فنقرأ: «وظهر له ~~الرب عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، ~~فرفع عينيه ونظر، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض ~~لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: يا سيد، إن كنت ~~قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك، ليؤخذ قليل ماء ~~واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة، فآخذ كسرة خبز فتسندون ~~قلوبكم ثم تجتازون، لأنكم قد مررتم على عبدكم. فقالوا: هكذا ~~نفعل كما تكلمت. فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: أسرعي ~~بثلاث كيلات دقيقا سميذا، اعجني واصنعي خبز ملة. ~~ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلا رخصا وجيدا وأعطاه ~~للغلام، فأسرع ليعمله، ثم أخذ زبدا ولبنا والعجل الذي عمله ~~ووضعها قدامهم. وإذ كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا، ~~وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة، فقال: إني ~~أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن ...» (تك، 18: ~~1-10). # تتفق القصتان في العناصر المكونة لهما جميعها، وهي: الرجل ~~الصالح العقيم، الصلاة والتضرع من أجل الإنجاب، الوعد الإلهي ~~بالإنجاب، الزيارة الإلهية، الوليمة. ولكن مع اختلاف بسيط في ~~ترتيب الأحداث. ففي القصة ms042 الأوغاريتية تأتي الزيارة الإلهية ~~بعد الوعد والإنجاب، أما في القصة التوراتية فإن الزيارة تسبق ~~الوعد والإنجاب. ومن الناحية البنائية، فإن القصتين متطابقتان ~~إلى حد مثير للدهشة على ما أبينه في التحليل البنائي التالي ~~المتعلق بمشهد الزيارة: # النص الأوغاريتي # النص التوراتي ~~(1) دانيال يجلس عند بوابة المدينة يقضي بين ~~الناس. ~~(1) إبراهيم يجلس عند باب خيمته وقت حر النهار، ~~قرب حبرون. ~~(2) دانيال يرفع بصره ويرى كوثر-حاسيس عن بعد، ~~وعلى كتفه قوس ونبال. ~~(2) إبراهيم يرفع نظره، وإذا ثلاثة واقفون لديه، ~~وهم إله التوراة واثنان من حاشيته. ~~(3) دانيال ينادي زوجته دانتية، ويطلب منها أن ~~تجهز خروفا من القطيع لإكرام الضيف. ثم يستقبل ~~الإله ويستلم منه القوس هدية لأقهات. ~~(3) إبراهيم يركض لاستقبال القادمين، ويعرض ضيافته ~~التي تلقى القبول، ثم يطلب من زوجته أن تعد ~~خبزا، ويعطي غلامه عجلا من القطيع ليجهزه طعاما ~~للضيوف. ~~(4) دانتية تجهز الخروف لإطعام ضيفها. ~~(4) سارة تعجن خبزا، والغلام يجهز العجل لإطعام ~~الضيوف. ~~(5) بعد أن يفرغ الضيف الإلهي، يعطي دانيال قوسه ~~هدية لأقهات، ثم يأخذ دانيال على أقهات عهدا بأن ~~يقدم بواكير صيده للمعبد . ~~(5) بعد أن يفرغ الضيوف الإلهيون يعطي الإله ~~التوراتي وعدا بولادة وريث لإبراهيم، أو بالأحرى ~~يؤكد وعودا سابقة قطعها بهذا الخصوص. # وباختصار، فإن المنظور الأيديولوجي الذي فرض على روايات ~~الآباء من أجل إيجاد صلة عضوية بينها وبين بقية فصول القصة ~~التوراتية قد أخفق في مهمته، وبقيت قصص الآباء تسبح في مناخها ~~الثقافي القديم السابق على فترة التحرير والتدوين. ~~(2) النقد التاريخي لسفر التكوين # لقد ألمحنا سابقا إلى أن الرأي الشائع بين المؤرخين يجعل من ~~عصر البرونز الوسيط (1950-1550ق.م.) مسرحا لروايات عصر ~~الآباء. إلا أن أحداث سفر التكوين نفسها لا تزودنا بأي مفتاح ~~لحل مسألة تاريخانية عصر الآباء. فهذه الأحداث - التي تدور حول ~~مسائل عائلية وقبلية بحتة - معلقة في فضاء تاريخي كامل، ولا ~~نجد فيها صدى للأحداث التاريخية التي حفل بها عصر البرونز ~~الوسيط، والتي صرنا اليوم على دراية تامة بمجرياتها الرئيسية، ~~وخطوطها العامة التي بيناها في مقدمتنا التاريخية في الفصل ~~الأول ms043 من هذا الكتاب. وحتى الآن لم يستطع الباحثون بشكل مباشر ~~العثور على مفاصل يمكن عندها مقاطعة أية قصة من قصص الآباء، أو ~~أي عنصر ثانوي من عناصرها، مع أي حدث أو معلومة تاريخية من عصر ~~البرونز الوسيط، أو حتى من عصر البرونز الأخير. ولا تقدم لنا ~~أسماء الأمكنة أو أسماء الأشخاص الواردة في سفر التكوين ~~معونة تذكر في هذا المجال. فالنص التوراتي لا يذكر اسم ~~الفرعون الذي ضم زوجة إبراهيم إلى حريمه، ولا اسم الفرعون الذي ~~ارتقى يوسف في عهده منصب الوزارة. ومن ناحية أخرى، فإن الأسماء ~~الواردة في سفر التكوين - مثل أبيمالك ملك جرار، وكدر لعومر ~~ملك عيلام، وأميرافل ملك شنعار، ناهيك عن أسماء الآباء أنفسهم ~~- غير موثقة خارج النص التوراتي. ومع أن الحل الساذج الذي ~~يربط أميرافل التوراتي بحمورابي البابلي قد صرف النظر عنه ~~اليوم تماما، إلا أن بعض الباحثين ما زال جادا في التفتيش ~~عن سند تاريخي لقصة حرب إبراهيم مع الملوك الأربعة. فوليم ~~فوكسويل أولبرايت، المدافع العنيد عن تاريخية روايات الآباء، ~~يرفض الربط بين أميرافل سفر التكوين وحمورابي ملك بابل، ولكنه ~~من جهة أخرى يبحث عن تخريجة لا تخلو من تعسف. فالاسم أميرافل ~~(أ - مي - را - فل) يتشابه في أحرفه الصوتية والساكنة مع الاسم ~~إمودابل (إ - مو - دا - بل)، وهو اسم دويلة مهمة قامت في وادي ~~الرافدين الأدنى (شنعار) قبل صعود حمورابي، وكان أهلها، على ما ~~تدل عليه النصوص القديمة، تجارا يسيرون القوافل بين وادي ~~الرافدين والمناطق السورية في الغرب. ويستنتج أولبرايت أن ~~خطيئة في النسخ قد حرفت تعبير «ملك إمودابل» إلى «الملك ~~أميرافل». ويرجح أن هذا الملك كان يقود حملة موجهة ضد مصر، ~~عبر خلالها فلسطين وشرقي الأردن لتسوية بعض المسائل المتعلقة ~~بطرق التجارة. # 5 # وهذا الحل، على هشاشة مقارناته اللغوية، يتجاهل ~~حقيقة تاريخية هامة، وهي أن ممالك بلاد الرافدين منذ أيام ~~صارغون الأكادي لم تدخل في نزاع مع مصر طيلة الألف الثالث ~~والألف الثاني قبل الميلاد. # وفيما يتعلق بأسماء الأماكن والمدن الواردة في سفر ms044 التكوين، ~~فإنها لا تساعد بدورها على رسم إطار تاريخي واضح لروايات ~~الآباء. فبعض المدن غير موثق على الإطلاق خارج النص ~~التوراتي، مثل مدينتي سدوم وعمورة. أما المدن الموثقة ~~والمعروفة لنا تاريخيا، فمعظمها يشير إلى تاريخ لاحق لأحداث ~~سفر التكوين لا يتجاوز بكثير الألف الأول قبل الميلاد. فمدينة ~~أور مسقط رأس إبراهيم موثقة لدينا تاريخيا وأركيولوجيا ~~منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، وقد استمرت قائمة حتى ~~العصر الآشوري والبابلي الجديد (الكلداني) في الألف الأول قبل ~~الميلاد، إلا أن وصف النص لها بأور الكلدان يشير إلى أواسط ~~الألف الأول قبل الميلاد، عندما أسس الكلدانيون (وهم فرع آرامي ~~من سوريا) الإمبراطورية البابلية الجديدة. وفيما يتعلق بمدينة ~~حران (أو حاران) فإنها لم تزدهر قبل العصر الآرامي خلال أواخر ~~الألف الثاني ومطلع الألف الأول قبل الميلاد. أما بئر السبع، ~~المقر الرئيسي لإبراهيم ويعقوب أيضا، فإن المنقبين فيها لم ~~يعثروا على دلائل سكنية تتجاوز الألف الأول قبل ~~الميلاد. # أما انعدام البينات التاريخية والآثارية المباشرة على وجود ~~عصر الآباء، لجأ الباحثون المحافظون إلى اتباع منهجية خاصة ~~تعتمد الطرق غير المباشرة في التحقق من تاريخية عصر الآباء. ~~ويمثل هذا الاتجاه مدرسة أولبرايت، التي تعتمد بشكل رئيسي ~~على الأركيولوجيا، وما أفاضت به من نصوص جديدة، عززت معرفتنا ~~بأحوال ثقافة عصر البرونز الوسيط. تؤمن مدرسة أولبرايت، من حيث ~~المبدأ، بالقيمة التاريخية لروايات الآباء، وتعتقد بأنها قد ~~صيغت بشكلها الذي وصل إلينا في زمن لا يتجاوز زمن المملكة ~~الموحدة، أي النصف الأول من القرن العاشر قبل الميلاد، وأن ~~واضعيها قد اعتمدوا تقاليد وصلت إليهم من العصور الأقدم. فعصر ~~الآباء، والحالة هذه، عصر تاريخي، ويمكن التأكد من تاريخيته ~~بعدد من الوسائل غير المباشرة. # يجد أولبرايت في تفاصيل قصص الآباء بعض العادات الاجتماعية، ~~والمسائل التشريعية، وبعض أسماء العلم، ونمطا من الحياة ~~الاجتماعية، يمكن إرجاعها إلى النصف الأول من الألف الثاني قبل ~~الميلاد، نظرا لوجود ما يقابلها في ثقافة الشرق القديم خلال ~~عصر البرونز الوسيط. من هنا، فإنه يعتقد أن دراسة هذه الجوانب ~~الثقافية ms045 في عصر الآباء، ومقارنتها بمتوازياتها عند الثقافات ~~المجاورة، سوف تمكن الباحث من رسم الإطار التاريخي العام ~~لتقاليد سفر التكوين. ويعول أولبرايت بشكل خاص على نصوص مدينة ~~نوزي الحورية في شمال وادي الرافدين، وهي نصوص غزيرة تعطي صورة ~~عن طبيعة الحياة الاجتماعية في المنطقة خلال البرونز الوسيط. ~~ورغم أن هذه النصوص تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ~~إلا أنها تعكس أحوالا اجتماعية أقدم من ذلك. يجد أولبرايت في ~~نصوص نوزي بعض القواعد التشريعية، والعادات الاجتماعية ~~المشابهة تماما لما نجده في روايات الآباء. من ذلك مثلا ~~القاعدة التي تنص على تبني الرجل المقطوع النسل لولد يدير ~~أملاكه في حياته، ويرثه بعد مماته، وهذا ما فعله إبراهيم ~~بتبنيه لأليعازر الدمشقي. وكذلك الأمر فيما يتعلق بعادة تقديم ~~الزوجة العاقر جارية لزوجها تنجب له أولادا، وهذا ما فعلته ~~سارة لإبراهيم، وما فعلته أيضا راحيل ليعقوب. # 6 # وفيما يتعلق بأسماء العلم الواردة في سفر التكوين، وخصوصا ~~أسماء الآباء، فإن أولبرايت يرى أن لبعضها صلة بالأسماء ~~الآمورية الواردة في الوثائق الكتابية التي تعود إلى مطلع ~~الألف الثاني قبل الميلاد ، مثل اسم إبراهيم واسم يعقوب اللذين ~~تكررا في أكثر من وثيقة. أما الأسماء التي لم ترد في وثائق ذلك ~~العصر، مثل إسحاق ويوسف، فيرى أنها منحوتة من نفس الذخيرة ~~اللغوية الآمورية. وهذا ما يشير بقوة إلى بداية الألف الثاني ~~قبل الميلاد كمسرح لأحداث سفر التكوين. ويدعم ذلك في اعتقاده ~~أن مثل هذه الأسماء لم تتكرر في الأسفار التوراتية اللاحقة. ~~وقد انتقل أولبرايت من هذا التحليل اللغوي إلى ربط تحركات ~~الآباء بالتحركات العامة للآموريين، مما أعقب انهيار ثقافة ~~البرونز المبكر وبداية ثقافة البرونز الوسيط. وهو يحدد عصر ~~إبراهيم وإسحاق في الفترة من 2100 إلى 1900ق.م.، وعصر يعقوب في ~~الفترة 1900 إلى 1800ق.م. غير أن تلامذة أولبرايت لم يوافقوا ~~على هذا التحديد الدقيق، واكتفوا بالقول بأن عصر الآباء لا ~~يمكن فهمه إلا من خلال وضعه في الإطار العام لمطلع الألف ~~الثاني قبل الميلاد. # على أن أولبرايت نفسه عاد فربط ms046 الآباء بجماعات الخابيرو ~~(وخصوصا في كتابه المتأخر: يهوه وآلهة كنعان، انظر الحاشية ~~رقم 6) التي كانت تعيش على هامش المدن، وتضم أخلاطا شتى من ~~الشرائح الاجتماعية الهامشية. فالخابيرو المعروفون في النصوص ~~الرافدية منذ أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، والذين تدعوهم ~~النصوص السورية الأحدث بالعابيرو، هم الذين نجم عنهم ~~العبرانيون التوراتيون، الذين ابتدأت تحركاتهم مع إبراهيم ~~العبراني القادم من أور الكلدان. وهو يقرن هنا بين وصف عابيرو ~~في النصوص السورية ووصف عبريم في النصوص التوراتية، التي تعني ~~عبري أو عبراني. ويركز أولبرايت بشكل خاص على جماعتين من ~~الخابيرو معروفتين من وثائق مدينة ماري، هما «بنو يامينا» أي: ~~بنو الجنوب أو أهل الجنوب، و«بنو شمأل» أي: بنو الشمال، ويرى ~~في «بنو يامينا» أسلاف قبيلة بنيامين التوراتية، التي يعني ~~اسمها بني الجنوب أيضا باللغة التوراتية. ثم يذهب أولبرايت ~~أبعد من ذلك حين يربط بين خابيرو البرونز الوسيط وعابيرو ~~البرونز الأخير في فلسطين، والذين نعرف عن تحركاتهم العسكرية، ~~وتعدياتهم على دويلات المدن الفلسطينية من رسائل تل العمارنة ~~المتبادلة بين البلاط المصري وملوك الدويلات السورية ~~والفلسطينية، أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ثم يربط ~~أولبرايت بين عابيرو البرونز الأخير هؤلاء في فلسطين وجماعات ~~العبرانيين الذين خرجوا من مصر بقيادة موسى، واقتحموا كنعان ~~بقيادة يشوع. فهؤلاء العائدون ليسوا إلا شريحة من عابيرو ~~فلسطين، وعملياتهم العسكرية اللاحقة هي استمرار لتلك العمليات ~~السابقة الموثقة في رسائل تل العمارنة. # لم تثبت أفكار أولبرايت طويلا أمام النقد، رغم تأثيرها ~~الواسع على جيل كامل من الباحثين. ففيما يتعلق باعتماده على ~~التشابه بين العادات والشرائع الموجودة في نصوص نوزي وتلك التي ~~نجدها في سفر التكوين، من أجل وضع عصر الآباء في مطلع البرونز ~~الوسيط، ونسبة أصلهم إلى بلاد الرافدين على ما ورد في النص ~~التوراتي؛ فقد لاحظ النقاد، اعتمادا على نصوص جديدة لم تكن ~~معروفة لأولبرايت وجماعته، أن ما ورد في نصوص نوزي لم يكن ~~وقفا على عصر البرونز الوسيط، ولا على بلاد الرافدين في ذلك ~~العصر. ففيما يتعلق بواجب المرأة العاقر تقديم ms047 جارية لزوجها ~~تنجب له أولادا، فقد وردت هذه الممارسة في نصوص متأخرة تعود ~~إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ومنها عقد زواج من مصر، وفي ~~نصوص من القرن السابع قبل الميلاد، ومنها عقد زواج من آشور. # 7 # وفيما يتعلق بمقارنة أسماء الآباء بنظائرها من ~~الأسماء الآمورية في عصر البرونز الوسيط، فقد لاحظ النقاد ~~أيضا أن هذه الأسماء وأشباهها كانت شائعة الاستخدام في أنحاء ~~الشرق القديم جميعه، وعلى فترات تتدرج من عصر البرونز المبكر ~~إلى القرن الثالث قبل الميلاد. فالاسم أبرام موثق في أرشيف ~~إيبلا الذي يعود إلى عام 2400ق.م. أي قبل 500 سنة من بداية عصر ~~البرونز الوسيط، وقد ورد بصيغة أبرامو (أب - را - مو). إضافة ~~إلى ورود أسماء علم أخرى ذكرت في التوراة، مثل آدم (أ - دا - ~~مو)، وإسماعيل (أش - ما - إيل)، وإسرائيل (أش - را - إيل)، ~~وميكائيل (مي - كا - إيل). # 8 # ويستمر ظهور الاسم إبراهيم على شكل أبرام أو ~~أبيرام حتى نهاية عصر البرونز الأخير حوالي عام 1200ق.م. أما ~~الأسماء إسحاق ويعقوب ويوسف فإنها تنتمي إلى زمرة آمورية من ~~الأسماء واسعة الانتشار في أنحاء الشرق القديم جميعه خلال عصر ~~البرونز الوسيط، كما أننا نجدها مستعملة في أوغاريت خلال عصر ~~البرونز الأخير. وهناك من الأسماء القريبة إلى يعقوب بقي ~~متداولا حتى القرن الثالث قبل الميلاد، حيث نجده في بعض ~~النقوش التدمرية. # 9 # إن جل المؤرخين والآثاريين اليوم يعترف بعدم وجود مرجعية ~~غير توراتية، يمكن أن تسهل إقامة وضع إطار تاريخي لأحداث سفر ~~التكوين. من هنا، فإن واقع البحث الأكاديمي يتدرج بين موقف ~~معتدل يقول بوجود عناصر تاريخية في روايات الآباء، من دون ~~إرجاع هذه الروايات لأي فترة تاريخية محددة، إلى الموقف ~~المتحرر الذي يرى بأن روايات الآباء ليست إلا من قبيل القص ~~الخيالي، ولا تتمتع بسند تاريخي. فالباحث ديفو الذي يقف موقف ~~الوسط بين المحافظين والمتحررين، يظهر في كتابه الموسوعي عن ~~تاريخ إسرائيل شكه في إمكانية إرجاع عصر الآباء، بثقة علمية، ~~إلى فترة تاريخية معينة، رغم قوله بوجود أساس تاريخي ms048 لروايات ~~سفر التكوين. وهو يتراجع بشكل كامل عن آرائه السابقة، التي ~~ساهم من خلالها بدعم موقف مدرسة أولبرايت، الذي ينطلق من إجراء ~~المقارنات العامة مع ثقافة عصر البرونز الوسيط. # 10 # أما الباحث فان سيتير، الذي يبتدئ دراسته لعصر الآباء بتحري ~~المصادر الخارجية كلها (غير التوراتية)، وما يمكن أن تقدمه من ~~بينات في صالح تاريخية روايات الآباء، وإرجاعها إلى عصر ~~البرونز الوسيط، فإنه يتوصل إلى نتيجة مفادها أن البينات ~~المتوفرة حتى الآن غير كافية وغير مقنعة، وأن قصص الآباء لم ~~تكن في أصلها تقاليد مكتوبة أو شفهية متداولة من عصور البرونز ~~الوسيط، بل هي قصص مكتوبة وموضوعة لأول مرة خلال فترة السبي ~~البابلي وما بعده، وهي في خطوطها العامة، وما تتضمنه من تفاصيل ~~وعادات، وأسماء علم، وعلاقات اجتماعية، إنما تعكس الأوضاع ~~العامة السائدة في فترة التدوين، أي منتصف الألف الأول قبل الميلاد. # 11 # ويتفق الباحث غربيني مع فان سيتير في أن روايات ~~الآباء قد دونت خلال منتصف الألف الأول قبل الميلاد، ولكن ~~اعتمادا على تقاليد متفرقة وذات أصول مختلفة، وانطلاقا من ~~دوافع أيديولوجية، فهي تعكس بشكل رئيسي فهم يهوذا المسبية ~~لنفسها ، وطريقة رسمها لأصولها. من هنا يؤكد غربيني على ضرورة ~~إعادة دراسة وتقييم التاريخ المبكر لإسرائيل بعيدا عن الدوافع ~~اللاهوتية، التي تكمن وراء الواجهة العلمية لمناهج الباحثين المحافظين. # 12 # ويتحدث الباحث ك. ماك كارتر عن الدوافع الأيديولوجية وراء ~~صياغة روايات الآباء فيقول: «علينا أن ننتبه دوما في دراستنا ~~لروايات الآباء إلى أن هذه الروايات هي أيديولوجيا وليست ~~تاريخا. لقد صيغت إبان الألف الأول قبل الميلاد من أجل ~~التأسيس اللاهوتي والسياسي للشعب الإسرائيلي؛ ولذا لا يمكن ~~التعامل معها كتاريخ بأي معنى من المعاني الحديثة لهذه ~~الكلمة. لقد نشأت هذه الروايات مع بدايات تشكل الجماعة التي ~~ندعوها إسرائيل (والباحث هنا يقصد مطلع الألف الأول قبل ~~الميلاد)، وساعدت على خلق هذه الجماعة عن طريق تزويدها بالإطار ~~الاجتماعي اللازم لها. فإسرائيل لم تكن لتوجد في معزل عن ~~القصة، تلك القصة التي وضعت القاعدة لفهم الذات ms049 وللتنظيم ~~الاجتماعي. لقد أعطت القصة للجماعة تعريفا وتحديدا.» ويلاحظ ~~هذا الباحث بشكل خاص ذلك الإصرار الواضح في سفر التكوين على ~~الأصل الخارجي لجماعات عصر الآباء. فالقصص، واحدة إثر أخرى، ~~تؤكد على أن أسلاف بني إسرائيل كانوا غرباء في كنعان، وأنهم قد ~~أتوا من «عبر النهر» أي: نهر الفرات، ومن هنا، في رأيه، ~~جاءت تسمية عبراني وعبرانيون (= عبريم باللغة التوراتية). ~~ويفسر هذا التوكيد بأنه نوع من التمييز العرقي للجماعات ~~المختلفة التي كونت تدريجيا شعب إسرائيل، رغم أن القسم ~~الأكبر من هذه الجماعات قد جاء من أصل محلي. ويبدو أن هذا ~~التمييز المصطنع الذي ساعد على توحيد هذه الجماعات، وإعطائها ~~هوية واضحة، قد جاء في سياق التناقض بين سكان الهضاب حيث تشكلت ~~دولة إسرائيل فيما بعد، وسكان السهول والوديان من أهل دويلات ~~المدن الفلسطينية القديمة. # 13 # وأخيرا، فإن ما قدمناه من نقد نصي وتاريخي وأركيولوجي لسفر ~~التكوين، وما استعرضناه من نتائج البحث الأكاديمي الحديث خلال ~~ربع القرن الأخير من القرن العشرين؛ لا يؤدي بنا إلا إلى إسقاط ~~عصر الآباء تماما من مرتبة التاريخ، وجعله في زمرة الملاحم ~~الشعبية والقصص البطولي المعروف في تراث الشعوب كلها. # الفصل الثالث # | العبودية في مصر، والخروج # (1) استطراد حول يوسف # تمثل شخصية يوسف نقطة الاتصال بين عصر الآباء وعصر ~~العبودية في مصر والخروج منها؛ فيوسف قد قضى شطرا من حياته في ~~كنعان، والشطر الآخر في مصر، وهو الذي جاء بأبيه وإخوته ~~وأولادهم إلى مصر، التي صاروا فيها إلى العبودية بعد مماته. ~~فقصة يوسف لا تنتمي إلى قصص الآباء ولا إلى ملحمة الخروج، وقد ~~تم التقاطها بعناية من قبل المحرر التوراتي لملاءمتها التامة ~~للربط بين تقليدين مستقلين كل الاستقلال. # يتضح للوهلة الأولى مدى خصوصية قصة يوسف في نهاية سفر ~~التكوين، وغرابتها عن بقية قصص الآباء، وذلك في أسلوبها الأدبي ~~وعقدتها القصصية وجميع تفاصيلها. تبدي القصة عناصر شائعة ~~ومألوفة في الأدب الشعبي شرقا وغربا، وذلك مثل: (1) محبة ~~الأب للابن الأصغر وتفضيله على بقية إخوته. (2) مكائد الإخوة ~~والأخوات للابن الأصغر أو ms050 البنت الصغرى. (3) النجاة من المكائد ~~المدبرة بتدخل قوة ما ورائية من نوع ما، كالجن والسحرة والآلهة ~~... إلخ. (4) اغتراب الشاب المستضعف في أرضه، ونجاحه في أرض ~~غربته، ثم عودته مظفرا إلى أهله، الذين يخفقون في التعرف ~~عليه للوهلة الأولى، ورفعه لهم من حياة الفقر إلى حياة الجاه ~~والعز. (5) إغواء الشاب الوسيم المستقيم من قبل امرأة فاتنة، ~~هي زوجة الأب أحيانا، أو زوجة ولي النعمة أحيانا أخرى، ثم ~~رفضه للغواية وافتراء المرأة عليه، وما يتبع ذلك من نبذه ~~واضطهاده، ومروره بفترة بؤس وشقاء قبل أن تظهر براءته. (6) ~~هناك عنصر ميثولوجي يضاف إلى هذه العناصر، وهو فترة السنوات ~~السبع الخصيبة التي تليها فترة سنوات سبع عجاف، مما هو معروف ~~في أدبيات مصر وبلاد الرافدين، وبشكل خاص في أدبيات أوغاريت ~~الكنعانية. # فالقصة، والحالة هذه، تنتمي إلى الرومانس أكثر من انتمائها ~~إلى التاريخ الموثق. ويبدو للقارئ المتمعن بالتفاصيل أن محرر ~~القصة لم يكن يملك معرفة وثيقة بطبيعة مصر وأحوالها العامة ~~وثقافتها؛ فاسم الفرعون الذي استوزر يوسف غير مذكور، ولا يوجد ~~في تفاصيل الأحداث إشارات مباشرة يمكن أن تساعد على وضع القصة ~~ضمن فترة معروفة من تاريخ مصر ، أما الإشارات غير المباشرة فتدل ~~على أن القصة قد كتبت في زمن متأخر لا يتجاوز الألف الأول قبل ~~الميلاد. وهذا ما يتناقض مع الرأي الشائع الذي يرجع أحداث قصة ~~يوسف إلى عصر الهكسوس (1730-1570ق.م.) عندما اعتلى عرش مصر ~~ملوك آسيويون. فلقب فرعون، الذي يستخدمه النص التوراتي، لم ~~يستخدم في مصر إلا بعد طرد الهكسوس وتأسيس الأسرة الثامنة ~~عشرة، وكان أول من تلقب به تحوتمس الثالث (1490-1436ق.م.) ~~وكلمة «فرعون» تلفظ بالمصرية «برعو»، وتعني «البيت العظيم». ~~أما بقية الألقاب، التي يعزوها النص التوراتي للشخصيات المصرية ~~الرسمية، وأسماء مناصبهم؛ فإنها تشبه الألقاب والمناصب الرسمية ~~المعروفة لنا من سوريا وفلسطين أكثر من شبهها بمتوازياتها في ~~مصر. والأرض التي أسكن فيها يوسف إخوته وأهلهم، والتي دعاها ~~أرض رعمسيس، قد اكتسبت اسمها في عصر الفرعون رمسيس (أو رعمسيس) ~~الثاني (1290-1224ق.م.) الذي بنى مدينة له ms051 في الدلتا أطلق ~~عليها اسم بي-رمسيس. وأسماء العلم المصرية الواردة في القصة لا ~~ترد في النصوص المصرية قبل القرن الحادي عشر قبل الميلاد؛ ~~فاسم زوجة يوسف المصرية المدعوة «أسنات» غير موثق قبل أواسط ~~حكم الأسرة العشرين (حوالي 1180ق.م.)، واسم أبيها المدعو فوطي ~~فارع غير موثق قبل أواسط حكم الأسرة الحادية والعشرين (حوالي ~~1000ق.م.) ويبدو أن اسم فوطيفار ولي نعمة يوسف ليس إلا شكلا ~~مختصرا من الاسم فوطي فارع. أما الاسم المصري ليوسف، وهو ~~«صفنات فعنيح»، فله أشباه في الأسماء المصرية الموثقة في ~~فترة حكم الأسرة الحادية والعشرين. وهناك ملاحظة طريفة تدل إما ~~على جهل المحرر بالأحوال المناخية والطبيعية في مصر، أو على ~~محاولته نقلها إلى أجواء سورية محلية. فعندما يقص فرعون حلمه ~~على يوسف يتحدث عن الريح الشرقية التي تلفح السنابل: «هو ذا ~~سبع سنابل طالعة في ساق واحد، ممتلئة وحسنة. ثم هو ذا سبع ~~سنابل يابسة رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية، نابتة وراءها ...» ~~(تك، 41: 22-23). ومن المعروف أن الريح التي تلفح السنابل في ~~مصر تهب من الجنوب لا من الشرق كما هو الحال في سوريا. # 1 # إن هذه المسائل، التي يثيرها النقد النصي لقصة يوسف، تعطينا ~~المسوغ الكافي للقول بثقة بأن القصة تعود في أصولها إلى زمن ~~ما غير محدد في الألف الأول قبل الميلاد، وأن المحرر التوراتي ~~قد اعتمد عدة أشكال للقصة، بعضها سوري وآخر مصري، وأضاف إلى ~~عناصرها الخيالية عناصر أخرى واقعية مستمدة من أحداث معروفة ~~قريبة إليه؛ ففي النصوص المصرية # 2 # هناك ذكر لأكثر من شخصية آسيوية توصلت إلى مناصب ~~عالية في الدولة، بين هؤلاء رجل اسمه عرشو استلم زمام السلطة ~~في مصر لفترة قصيرة إبان فترة الفوضى التي جاءت في نهاية حكم ~~الأسرة التاسعة عشرة، حوالي 1200ق.م. إن ربط قصة يوسف بعصر ~~الهكسوس - مما كان شائعا بين الباحثين - لم يعد مقبولا الآن، ~~والقصة برمتها عبارة عن أخيولة أدبية معلقة في فضاء تاريخي، ~~استخدمها المحرر التوراتي بكل براعة من أجل إغلاق عصر الآباء، ~~وافتتاح عصر العبودية في ms052 مصر، الذي مهد لملحمة ~~الخروج. ~~(2) الخلفية التاريخية للخروج # تم طرد الهكسوس من مصر حوالي عام 1570ق.م. على يد القائد ~~العسكري أحموس، الذي حكم فيما بين 1570 و1545ق.م. وأسس الأسرة ~~الثامنة عشرة، فاتحة المملكة الحديثة في التاريخ المصري التي ~~دامت خمسة قرون (حتى عام 1078ق.م.) وقد خلف أحموس عدد من ~~الملوك يحملون اسم تحوتمس. وسع تحوتمس الأول نفوذ مصر ~~السياسي جنوبا حتى الشلال الرابع في أعماق أفريقيا، وبذلك ~~أصبح وادي النيل بأكمله تحت السيطرة المصرية. أما باتجاه آسيا ~~الغربية فقد وصل تحوتمس الأول في إحدى حملاته إلى نهر الفرات، ~~على ما يذكره في أحد سجلاته الحربية. وقد كانت هذه الحملة ذات ~~طابع استعراضي بالدرجة الأولى، وهدفت مصر من ورائها إلى ~~الإعلان عن دخولها حلبة السياسة الدولية إلى جانب القوتين ~~العظميين في ذلك الوقت؛ مملكة ميتاني ومملكة حاتي، ~~وإشعارهما بأن لها مصالح حيوية في آسيا الغربية مثل ما ~~لهما. # توقف اهتمام مصر بالسياسة الدولية إبان حكم الملكة حتشبسوت ~~(1469-1490ق.م.) بسبب انشغال هذه الملكة بالمسائل الداخلية. ~~وعندما خلفها زوجها وشريكها في الحكم تحوتمس الثالث، بدأ ~~عقب وفاتها مباشرة بشن حملات عسكرية متوالية، باتجاه الجنوب ~~نحو أفريقيا، وباتجاه الشمال نحو آسيا الغربية، بلغت اثنتي ~~عشرة حملة خلال فترة حكمه الطويلة التي دامت من 1490 إلى ~~1436ق.م. وقد وصل في إحدى حملاته الآسيوية إلى الفرات، وأجبر ~~ميتاني على الاعتراف بسيادته، وكانت في ذلك الوقت القوة ~~الرئيسية في منطقة الجزيرة العليا والشمال السوري. كما شن ~~حملة شهيرة في سجلاته على فلسطين معروفة بحملة مجدو، حيث التقى ~~قرب مدينة مجدو الفلسطينية بجيوش تحالف سوري يقوده ملك قادش، ~~وهزمها. وفي عهد خليفته تحوتمس الرابع مالت السياسة المصرية ~~إلى الديبلوماسية، فتزوج هذا الملك من أميرة ميتانية وأنجب ~~منها أمنحوتب الثالث (1413-1377ق.م.) الذي حكم خلال الفترة ~~المعروفة بعصر العمارنة، والتي شملت حكمه وحكم ابنه أمنحوتب ~~الرابع، واشتهرت بالوثائق الهامة التي عثر عليها في عاصمة ~~أمنحوتب الثالث بموقع تل العمارنة، والتي تتضمن مراسلات بين ~~البلاط المصري والملوك السوريين. في عهد أمنحوتب ms053 الرابع - الذي ~~دعا نفسه «إخناتون» عقب إصلاحه الديني الشهير، وإعلانه عن ~~معتقده الجديد في إله واحد، دعاه آتون - خف الضغط على مناطق ~~آسيا بسبب انشغال الملك بالمسائل الداخلية والتبشير ~~الديني. # عندما أفلح الكهنة التقليديون في إقصاء إخناتون عن الحكم، ~~رفع إلى العرش الفتى توت عنخ آمون (1358-1349ق.م.) وقد أعقب ~~موت هذا الفرعون الصغير فترة من الاضطرابات والتهديدات ~~العسكرية الخارجية، انتهت بصعود القائد العسكري حور محب إلى ~~السلطة (1345-1318ق.م.) وتأسيسه للأسرة التاسعة عشرة. كان ~~رمسيس الأول أول فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، وفي عهده انتقلت ~~العاصمة المصرية إلى الدلتا الشرقية، فبنيت مدينة تانيس عاصمة ~~الرعامسة، في مكان لا يبعد كثيرا عن موقع عاصمة الهكسوس ~~القديمة أفاريس. ثم وليه ابنه سيتي الأول (1317-1301ق.م.) ~~المعروف بحملته على فلسطين، والتي استهدفت البدو المثيرين ~~للقلاقل، والحثيين الذين كانوا يؤلبون حكام الدويلات ~~الفلسطينية ضد مصر. ثم تبعه ابنه رمسيس الثاني (1290-1224ق.م.) # 3 # الذي اصطدم مع الحثيين في موقعة شهيرة عند مدينة ~~قادش في سوريا الوسطى، ثم وقع معهم بعد ذلك بسنوات المعاهدة ~~المعروفة، وهي أشهر معاهدات التاريخ المشرقي القديم. # وهناك رأي سائد بين المؤرخين يضع تاريخ خروج الإسرائيليين من ~~مصر خلال الهزيع الأخير من فترة حكم هذا الفرعون. ~~(3) ملحمة الخروج # ينتهي سفر التكوين بوفاة يوسف، حيث تقول آخر فقراته: «ثم مات ~~يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين. فحنطوه ووضع في تابوت في مصر» ~~(تك، 50: 36). ثم يلتقط سفر الخروج في مطلعه الفقرة نفسها ~~ويقول: «ومات يوسف وكل إخوته وجميع ذلك الجيل. وأما بنو ~~إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا جدا وامتلأت الأرض ~~منهم. ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف» (خروج، 1: ~~6-8). رأى الملك الجديد تكاثر بني إسرائيل وخاف من تزايد ~~عددهم، فدفعهم إلى السخرة في أعمال البناء، ووضع عليهم ~~مراقبين أشداء يذلونهم ويسومونهم سوء العذاب، وابتدأت فترة ~~العبودية التي دامت بضع مئات من السنين. بنى المستعبدون ~~لفرعون مدينتين، هما «مخازن فيثوم» و«رعمسيس»، ولكن السخرة ~~والأعمال الشاقة لم تنفع في التقليل من عددهم، فأمر فرعون ~~القابلتين ms054 القائمتين على توليد نسائهم بقتل المواليد الذكور في ~~المهد. ولكن القابلتين خافتا الله ولم تفعلا، مدعيتين أن ~~النساء العبرانيات قويات البنية يلدن قبل وصول القابلة، فنما ~~الشعب كثيرا. وهنا عمد الفرعون إلى أسلوب آخر، حيث أمر ~~الإسرائيليين أن يلقوا إلى النهر بكل مولود ذكر (الخروج، 1: ~~15-22). # يلي ذلك مباشرة قصة ولادة موسى، حيث يبدأ الإصحاح الثاني ~~بالقول: «وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي، فحبلت المرأة ~~وولدت ابنا، ولما رأته أنه حسن خبأته ثلاثة أشهر. ولما لم ~~يمكنها أن تخبئه بعد أخذت سفطا من البردي ووضعت الولد فيه، ~~ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر. ووقفت أخته من بعيد ~~لتعرف ماذا يفعل فيه. فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل، ~~وكانت جواريها ماشيات إلى جانب النهر، فرأت السفط بين ~~الحلفاء، فأرسلت أمتها وأخذته، ولما فتحته رأت الولد، وإذا ~~هو صبي يبكي، فرقت له وقالت: هذا من أولاد العبرانيين. فقالت ~~أخته لابنة فرعون: هل أذهب وأدعو لك امرأة مرضعة من العبرانيات ~~لترضع لك الولد؟ فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي. فذهبت الفتاة ~~ودعت أم الولد، فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي بهذا الولد ~~وأرضعيه لي وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت المرأة الولد وأرضعته . ~~ولما كبر الولد جاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابنا، ودعت ~~اسمه موسى، وقالت: إني انتشلته من الماء» (الخروج، 2: ~~1-10). # ويبدو أن موسى قد شب وهو يعرف أصله العبراني؛ ففي أحد ~~الأيام رأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته، فقتل ~~المصري وطمره في الرمل. ولما انكشف أمره هرب من وجه فرعون الذي ~~طلب قتله، وأتى إلى أرض مديان (عند خليج العقبة) وجلس عند ~~البئر. وكان لكاهن مديان المدعو رعوئيل سبع بنات، فأتين لملء ~~الجرار، ولكن الرعاة صرفوهن، فأعانهن موسى. وعندما عدن وأخبرن ~~أباهن بما حصل، دعاه الأب وأكرمه وأسكنه عنده، وزوجه ابنته ~~صفورة التي أنجبت له ولدا أسماه جرشوم. وعندما كان يرعى غنم ~~حميه، الذي يدعوه النص في هذا الموضع من القصة يثرون عوضا ~~عن رعوئيل، ساق الغنم إلى جبل ms055 يدعى حوريب، فرأى شجرة عليقة ~~تتوقد بالنار ولا تحترق، فلما اقترب منها «ناداه الله من وسط ~~العليقة وقال: موسى، موسى. فقال: ها أنا ذا. فقال: لا تقترب ~~إلى ها هنا. اخلع حذاءك من رجليك؛ لأن الموضع الذي أنت واقف ~~عليه أرض مقدسة. ثم قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق ~~وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله. فقال ~~الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي وسمعت صراخهم ... فنزلت لأنقذهم من ~~أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، ~~إلى أرض تفيض لبنا وعسلا ... والآن هلم فأرسلك إلى فرعون، ~~وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر. فقال موسى لله: من أنا حتى ~~أذهب إلى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر؟! فقال: إني ~~أكون معك، وهذه تكون لك العلامة أني أرسلتك. حينما تخرج الشعب ~~من مصر، تعبدون الله على هذا الجبل ... وقال الله لموسى: هكذا ~~تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم؛ إله إبراهيم وإله إسحاق ~~وإله يعقوب أرسلني إليكم» (الخروج، 3). ~~«فأجاب موسى وقال: ولكن ها هم لا يصدقون ولا يسمعون لقولي، ~~بل يقولون: لم يظهر لك الرب. فقال الرب: ما هذه في يدك؟ فقال: ~~عصا . فقال: اطرحها إلى الأرض. فطرحها فصارت حية، فهرب موسى ~~منها. ثم قال الرب لموسى: مد يدك وأمسك بذنبها. فمد يده ~~وأمسك به، فصارت عصا في يده. لكي يصدقوا أنه قد ظهر لك الرب ~~إله آبائهم؛ إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب.» وبعد أن ~~يزوده بآيتين أخريين؛ يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء، ~~وماء النهر الذي يسكبه على اليابسة فيصير دما، يطلب منه ~~التوجه فورا إلى مصر لأن الفرعون الذي كان يطلب دمه قد مات. ~~فيشتكي موسى من ثقل لسانه وقلة فصاحته، فيأمره الرب أن يستعين ~~بأخيه هارون الفصيح اللسان، والذي تقع عليه مهمة مخاطبة الشعب، ~~ويكون لموسى فما. فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على ~~الحمير، ورجع إلى أرض مصر بعد أن ودع حماه يثرون (الخروج، ~~4). # في مصر يتصل موسى وهارون ms056 بالشعب، الذي يؤمن بهما وبالآيات ~~التي صنعاها أمام عيونهم. ثم يدخل الاثنان على فرعون ويطلبان ~~منه إطلاق بني إسرائيل، فيرفض فرعون مستهزئا بالطلب، ويزيد من ~~أعباء السخرة على بني إسرائيل. بعد ذلك يتكرر دخول موسى ~~وهارون على فرعون عشر مرات ملتمسين إطلاق الشعب، وفي كل مرة ~~يرفض فرعون الطلب، فيرسل عليه الرب كارثة تحل به وببيته ~~وبقومه، فيصرخ فرعون إلى موسى أن يصلي لربه فيرفع غضبه عنه، ~~وعندما يرتفع غضب الرب يقسو قلب فرعون ويرفض من جديد إطلاق ~~الشعب. وأخيرا يرضخ فرعون ويسمح بخروج بني إسرائيل جميعا مع ~~غنمهم وبقرهم وجميع أمتعتهم. وقبل أن يغادروا مساكنهم قال لهم ~~موسى أن يستعير كل واحد منهم من جاره أدوات فضية وذهبية ~~وثيابا. وقد زين الرب للمصريين إعارة جيرانهم فأعطوهم ما ~~طلبوا، فسرق الإسرائيليون المصريين ورحلوا تحت جنح الليل. ~~وكانت إقامتهم في مصر أربعمائة وثلاثين سنة (الخروج، ~~5-12). # وكان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهدهم في طريق أرض ~~الفلسطينيين المحاذية للساحل، مع أنها قريبة؛ لكيلا يعرضهم ~~للحرب مع أهلها فينقلبون على أعقابهم راجعين إلى مصر، بل ~~أدارهم نحو بحر سوف (الذي هو خليج السويس وما يتلوه شمالا من ~~البحيرات المرة)، فرحلوا من مساكنهم في أرض رعمسيس ونزلوا في ~~«سكوت»، وارتحلوا من «سكوت» ونزلوا في إيثام. وكان الرب يسير ~~أمامهم نهارا في عمود من سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في ~~عمود من نار ليضيء لهم. ولكن فرعون ندم على إطلاق بني إسرائيل، ~~فلحق بهم بجنوده ومركباته فأدركهم وهم نازلون قرب بحر سوف عند ~~فم الحيروت أمام بعل صفون. ففزع بنو إسرائيل وقالوا لموسى: «هل ~~لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية؟! ماذا صنعت ~~بنا حتى أخرجتنا من مصر؟! خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت ~~في البرية. فقال موسى للشعب: لا تخافوا، قفوا وانظروا خلاص ~~الرب الذي يصنعه لكم اليوم ... فقال الرب لموسى: قل لبني إسرائيل ~~أن يرحلوا، وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه، فيدخل بنو ~~إسرائيل ms057 في وسط البحر على اليابسة ... ومد موسى يده على البحر، ~~فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة ~~وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، ~~والبحر سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا ~~وراءهم ... فقال الرب لموسى: مد يدك على البحر ليرجع الماء على ~~المصريين، فمد موسى يده على البحر، فرجع الماء وغطى مركبات ~~وفرسان جميع جيش فرعون، ولم يبق منهم ولا واحد» (الخروج، ~~13-14). # ثم ارتحل بنو إسرائيل من بحر سوف وهدفهم برية سيناء. وفي ~~طريقهم يمرون بالمواقع الآتية على التوالي: برية شور، مارة، ~~إيليم، برية سين. في برية سين يتمرد الشعب على موسى وهارون ~~ويقول لهما: «ليتنا متنا بيد الرب في مصر إذ كنا جالسين عند ~~قدور اللحم نأكل خبزا للشبع، فإنكما أخرجتمانا إلى هذا ~~القفر لكي تميتا كل هذا الجمهور بالجوع.» فأرسل لهم الرب المن ~~والسلوى غذاء؛ فالمن نوع من الفطريات تنبت على وجه البرية عند ~~ارتفاع ندى الصباح، والسلوى نوع من الطيور المهاجرة كانت تحط ~~قرب منازلهم للراحة. «ثم ارتحل كل جماعة بني إسرائيل ونزلوا في ~~رفيديم. ولم يكن ماء ليشرب الشعب، فخاصم الشعب موسى وقالوا: ~~أعطونا ماء لنشرب ... فصرخ موسى إلى الرب قائلا: ماذا أفعل ~~بهذا الشعب؟! بعد قليل يرجمونني.» فأمر الرب موسى أن يضرب صخرة ~~معينة بعصاه، ففعل موسى وتفجر من الصخرة ماء وشرب الجميع. ~~وبينما هم في رفيديم يجتمع شعب العماليق لقتالهم، وهم قبائل ~~بدوية تتجول في مناطق شمال الجزيرة العربية. فوقف الرب إلى ~~جانب الشعب، وهزم الإسرائيليون أعداءهم، وتابعوا مسيرتهم نحو ~~برية سيناء (الخروج، 15-17). # وصل الشعب إلى برية سيناء في الشهر الثالث بعد خروجهم من ~~مصر، ونزلوا أمام الجبل. وهناك يأتي إلى موسى حموه يثرون ~~كاهن مديان، بعد أن سمع بكل ما صنع الله إلى موسى وإلى ~~إسرائيل. ويأتي يثرون معه بصفورة امرأة موسى التي كانت مقيمة ~~عند أبيها وابنيها جرشوم وأليعازر. وعند هذه النقطة من القصة ~~فقط نعرف أن موسى كان قد ms058 صرف زوجته إلى أهلها لسبب غير معروف. ~~وقال يثرون لموسى: «مبارك الرب الذي أنقذكم من أيدي المصريين. ~~الآن علمت أن الرب أعظم من جميع الآلهة؛ لأنه في الشيء الذي ~~بغوا به كان عليهم.» وفي اليوم التالي غادر يثرون إلى أرضه ~~بعد أن أعطى موسى نصائح قيمة في كيفية إدارة وتنظيم هذا الشعب ~~الكثير. وأما موسى فصعد إلى الله، فناداه الرب من الجبل ~~قائلا: «هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل، أنتم رأيتم ~~ما صنعت بالمصريين. وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم ~~إلي. فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من ~~بين جميع الشعوب.» فرجع موسى إلى الشعب وكلمه بما سمع، فأجاب ~~الشعب وقال: كل ما تكلم به الرب نفعل. واستعدوا لإبرام العهد ~~مع إلههم في صباح اليوم الثالث، فغسلوا أنفسهم وتطهروا، وعندما ~~حل الموعد «صارت بروق ورعود وسحاب ثقيل على الجبل، وصوت بوق ~~شديد جدا. فارتعد الشعب الذي في المحلة، وأخرج موسى الشعب من ~~المحلة لملاقاة الله، فوقفوا في أسفل الجبل. وكان جبل سيناء ~~كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار، وصعد دخانه كدخان ~~الأتون ... ودعا الله موسى إلى رأس الجبل، فصعد موسى. وكان صوت ~~البوق يزداد اشتدادا، وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت. ثم تكلم ~~الله معه وأعطاه الوصايا العشر» (الخروج، 18-19). # يصعد موسى مرة أخرى إلى الجبل بأمر الرب ليستلم لوحين من ~~الحجارة، منقوش عليهما الوصايا العشر والشريعة، ليعلم بهما ~~الشعب. فدخل موسى وسط السحاب وبقي هناك أربعين نهارا وأربعين ~~ليلة. ولما رأى الشعب أن موسى قد تأخر جاءوا إلى هارون وقالوا ~~له: «قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا؛ لأن هذا موسى - الرجل الذي ~~أصعدنا من مصر - لا نعلم ماذا أصابه. فقال لهم هارون: انزعوا ~~أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها ... ~~فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكا. ~~فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر ... فقال ~~الرب لموسى: اذهب انزل؛ لأنه قد فسد شعبك الذي ms059 أصعدته من مصر. ~~زاغوا سريعا عن الطريق الذي أوصيتهم به ... فانصرف موسى ونزل من ~~الجبل ولوحا الشهادة في يده ... وكان عندما اقترب إلى المحلة ~~أنه أبصر العجل والرقص. فحمي غضب موسى، وطرح اللوحين من يديه ~~وكسرهما في أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه ~~بالنار، وطحنه حتى صار ناعما، وذراه على وجه الماء وسقى بني ~~إسرائيل» (الخروج، 32). وبعد أن يعمل موسى في الشعب مذبحة ~~كبرى يقودها اللاويون الكهنة، يهدأ غضبه ويستغفر للشعب أمام ~~الرب. ثم يصعد إلى الجبل مرة أخرى ليستلم من الرب لوحين جديدين ~~بدل اللذين كسرهما (الخروج، 33-34). # لا تحتوي بقية إصحاحات سفر الخروج على أحداث جديدة؛ فجميعها ~~مخصص لتفصيل بعض القواعد الطقسية، وشرح كيفية صنع خيمة ~~الاجتماع، التي هي المسكن المتنقل لإله إسرائيل، وكيفية صنع ~~تابوت العهد الذي يودع فيه لوحا الشريعة، كما يخصص كامل ~~التالي (سفر اللاويين) لتفصيل القواعد التشريعية التي أنزلها ~~الرب على موسى. وعندما تستأنف القصة في سفر العدد، نجد أن ~~الإسرائيليين قد أمضوا سنة كاملة في برية سيناء. وفي السنة ~~الثانية لخروجهم من مصر، في الشهر الثاني، تركوا سيناء وتوجهوا ~~إلى برية فاران، وهدفهم الوصول إلى قادش برنيع، وهي واحة ~~معروفة في شمال سيناء، وقريبة من الحدود الجنوبية لأرض كنعان. ~~ومن هناك يبعث موسى رسلا ليتجسسوا في أرض كنعان، ويروا ~~الشعب الساكن فيها «أقوي هو أم ضعيف، قليل أم كثير؛ وكيف هي ~~الأرض التي هو ساكن فيها، أجيدة أم ردية؛ وما هي المدن ~~التي هو ساكن فيها، أمخيمات أم حصون؛ وكيف هي الأرض، سمينة ~~أم هزيلة.» فذهب الرجال وعادوا بالخبر: «فساروا حتى أتوا إلى ~~موسى وهارون وكل جماعة بني إسرائيل ... وأروهم ثمر الأرض ~~وقالوا: قد ذهبنا إلى الأرض التي أرسلتنا إليها، وحقا إنها ~~تفيض لبنا وعسلا، وهذا ثمرها، غير أن الشعب الساكن في الأرض ~~معتز، والمدن حصينة، عظيمة جدا ... فرفعت كل الجماعة صوتها ~~وصرخت، وبكى الشعب تلك الليلة، وتذمر على موسى وعلى هارون ~~جميع بني إسرائيل، وقال لهما كل الجماعة: ليتنا متنا ms060 في أرض ~~مصر، أو ليتنا متنا في هذا القفر ... ثم ظهر مجد الرب في خيمة ~~الاجتماع لكل بني إسرائيل، وقال الرب لموسى: حتى متى يهينني ~~هذا الشعب؟! وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في ~~وسطهم؟! إني أضربهم بالوباء وأبيدهم، وأصيرك شعبا أكبر ~~وأعظم منهم.» ولكن موسى يفلح بعد جهد جهيد في تهدئة غضب الرب، ~~وإقناعه بالعدول عن إبادة الشعب، فيصفح الرب ولكنه يحكم على ~~جميع أفراد الجيل الذي يسير مع موسى أن يمضي بقية حياته في ~~القفر، ولا يرى أرض كنعان التي يدخلها أولاد الجيل الثاني من ~~أبنائهم (العدد، 13-14). # فأقام بنو إسرائيل في قادش برنيع مدة ثمان وثلاثين سنة، حتى ~~أكملوا أربعين سنة لخروجهم من مصر، ومات كل الجيل الذي تمرد ~~على موسى وخاف من دخول كنعان. وقد تخلل هذه الفترة الطويلة ~~عدد من حوادث التمرد والعصيان، وأهمها محاولة المدعو قورح بن ~~يصهار الانقلابية، التي سعى من خلالها إلى إقصاء موسى وهارون ~~عن القيادة، يدعمه في ذلك مائتان وخمسون من رؤساء الجماعات. ~~ولكن الرب خسف الأرض بقورح والمتمردين جميعهم فهبطوا إلى ~~الهاوية السفلى (العدد، 16). كما وقع تمرد جديد على موسى بسبب ~~نقص الماء أيضا، وقد قادت طريقة تعامل موسى وهارون مع هذا ~~التمرد، والكيفية التي نفذوا بها أمر الرب؛ إلى غضب الرب ~~عليهما وحرمانهما من دخول أرض كنعان. فلقد أمر الرب موسى أن ~~يقف أمام صخرة معينة ويكلمها هو وهارون أن تعطي ماءها، لا أن ~~يضربها بعصاه كما فعل في مرة سابقة. ولكن موسى الذي طفح به ~~الكيل من سلوك هذا الشعب العنيد، وفي نوبة شك عارمة من قدرة ~~إلهه، وقف أمام الصخر وصرخ بالجمهور المحتشد حوله: «اسمعوا ~~أيها المردة، أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء؟ ورفع موسى يده ~~وضرب الصخرة بعصاه مرتين، فخرج ماء غزير، فشربت الجماعة ~~ومواشيها. فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي ~~أمام أعين بني إسرائيل؛ لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض ~~التي أعطيتهم إياها.» # بعد انتهاء المدة التي ms061 حددها الرب بأربعين سنة، وموت أفراد ~~الجيل السابق جميعهم، تحرك موسى بجماعته لتحقيق الوعد القديم ~~بأرض كنعان، فوصلوا تخوم آدوم الواقعة إلى الجنوب من البحر ~~الميت. وهناك أرسل موسى رسله إلى ملك آدوم طالبا منه السماح ~~بعبور بني إسرائيل في أراضيه، ولكن ملك آدوم رفض الطلب، وخرج ~~للقائه بعدد غفير من الجند. فاتخذ موسى طريقا آخر نحو شرقي ~~الأردن يدور حول مناطق الآدوميين شرقا فشمالا حتى لا يصطدم ~~بهم. وعندما حلوا في جبل اسمه هور جاءت هارون المنية، ودفن ~~هناك لتحقيق قول الرب. وصل موسى إلى شرقي الأردن، وخيم في ~~موقع أرنون، وهو الحد الفاصل بين أراضي موآب وأراضي الآموريين. ~~ثم أرسل رسله إلى ملك الآموريين يطلب منه السماح لقومه بالعبور ~~بسلام، ولكن الملك رفض الطلب وخرج للقاء إسرائيل. وفي هذه ~~المرة لم ينسحب موسى كما انسحب أمام آدوم، بل قرر المواجهة، ~~فضرب الآموريين ضربة قوية وأخذ كل مدنهم وقراهم. ولسبب غير ~~مفهوم، لا يتابع موسى طريقه نحو أرض كنعان، ولا يصطدم مع موآب ~~وعمون المملكتين القويتين في شرقي الأردن، بل يتابع طريقه ~~شمالا نحو باشان في سوريا الجنوبية (مناطق حوران)، ويصطدم مع ~~ملك باشان في موقع إذرعي (إزرع)، فيضربه ضربة قوية، ويمتلك ~~أرضه وقراه أيضا، ثم يقفل راجعا إلى شرقي الأردن، وينزل في ~~موقع عربات موآب على ضفة نهر الأردن في مقابل مدينة أريحا ~~الواقعة على الجهة الأخرى للنهر داخل كنعان (العدد، ~~20-21). # فزع الموآبيون مما فعله الإسرائيليون بخصومهم، فأرسل ملك ~~موآب إلى عراف معروف في المنطقة اسمه بلعام بن بعور، ليأتي ~~إليه ويلعن بني إسرائيل، لأن الذي يلعنه بلعام ملعون، والذي ~~يباركه مبارك، وبعث مع رسله بهدايا إلى بلعام، فأتى إليه، ~~ولكن الله وضع في فم بلعام بركات بدل اللعنات، فقال: «وحي ~~بلعام بن بعور، وحي الرجل المفتوح العينين، وحي الذي يسمع ~~أقوال الله ... ما أحسن خيامك يا يعقوب، مساكنك يا إسرائيل ... ~~مباركك مبارك، ولاعنك معلون ... إلخ» (العدد، 22-24). ~~فيحجم موآب عن مضايقة إسرائيل، ويتفرغ موسى لقتال مديان ms062 بأمر ~~مباشر من الرب؛ لأن الشعب قد زنى مع بنات مديان وتعلق بآلهتها ~~«فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر. وملوك ~~مديان قتلوهم فوق قتلاهم. وسبى بنو إسرائيل نساء مديان ~~وأطفالهم، ونهبوا جميع مواشيهم وكل أملاكهم، وأحرقوا جميع ~~مدنهم بالنار، وأتوا إلى موسى ... فسخط موسى على وكلاء الجيش، ~~وقال لهم: ... اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا. ~~لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن ذكرا أبقوهن لكم ~~حيات ...» (العدد، 31). وبعد ذلك يقوم موسى بتقسيم الأراضي ~~المكتسبة في شرقي الأردن ويعطيها لسبط راؤبين، وسبط جاد، ونصف ~~سبط منسي. # وعندما تحضر المنية موسى يصعده الرب من معسكره في عربات ~~موآب إلى جبل نبو، ويريه أرض كنعان في عبر الأردن، ويكرر ~~على مسامعه بأنه لن يدخله إلى الأرض الموعودة بسبب خطيئته ~~وخطيئة هارون في القفر «وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو ~~إلى رأس الفسجة الذي قبالة أريحا. فأراه الرب جميع الأرض ~~من جلعاد إلى دان ... إلخ، وقال له الرب: هذه هي الأرض التي ~~أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلا: لنسلك أعطيها. قد أريتك ~~إياها بعينيك، ولكنك إلى هناك لا تعبر. فمات هناك موسى عبد ~~الرب في أرض موآب حسب قول الرب، ودفنه في الجواء في أرض موآب ~~مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ~~ابن مائة وعشرين سنة حين مات ... ولم تكل عينه ولا ذهبت ~~نضارته» (التثنية، 34). وبموت موسى تنتهي قصة الخروج لتبدأ قصة ~~دخول كنعان. # النقد النصي لقصة الخروج # لقد أشرنا سابقا إلى أن قصة يوسف قد استخدمت من أجل ~~الربط بين تقليدين توراتيين غريبين عن بعضهما كل الغرابة، ~~هما قصص الآباء وقصة الخروج. ولكن هذه القصة لم تقدم في ~~الواقع إلا تسويغا غير مقنع لوجود بني إسرائيل في مصر، ~~وبقي تقليد الخروج مستقلا عن قصة يوسف وعن قصص الآباء في ~~آن معا. ومما يلفت النظر بشكل خاص أن نص سفر الخروج ~~يصمت صمتا تاما عن الفترة التي قضاها بنو إسرائيل ms063 في ~~مصر بين وفاة يوسف وولادة موسى، ولا نعلم سوى أن هؤلاء قد ~~وقعوا تحت نير العبودية بعد أن قام ملك جديد على مصر لم ~~يكن يعرف يوسف. أما متى قام هذا الملك الجديد على مصر، وكم ~~امتدت فترة العبودية، وما الذي كان يفعله الإسرائيليون قبل ~~العبودية، فأمور لا يلقي عليها النص أية إضاءة. ومما يزيد ~~الوضع غموضا أن هؤلاء الأجراء المسخرين تركوا مصر ~~ومعهم مواش وأغنام كثيرة (الخروج، 12: 38) الأمر الذي ~~يتنافى ووضع العبيد الذين لا يملكون في الواقع شيئا. أما ~~عن مجموع سنوات إقامتهم في مصر مما سبق العبودية وتلاها، ~~فإن النص التوراتي يعطينا معلومات متناقضة. فإقامة بني ~~إسرائيل في مصر وفق سفر الخروج (12: 40) هي أربعمائة ~~وثلاثون سنة. أما في سفر التكوين (15: 13 و16) فهي ~~أربعمائة سنة فقط. وفي نهاية قصة يوسف لدينا إشارة واضحة ~~إلى أن فترة الإقامة في مصر لم تتجاوز حياة جيل واحد فقط ~~من أحفاد يوسف. ففي سنوات حياته الأخيرة يشهد يوسف ولادة ~~أولاد أحفاده «وأولاد ماكير بن منسي أيضا ولدوا على ركبتي ~~يوسف» (تك، 50: 23). ولكننا ما نلبث أن نرى أولاد ماكير ~~هؤلاء، الذين ولدوا على ركبتي يوسف في مصر، يحاربون مع ~~يشوع في كنعان (يشوع، 13: 31، و17: 1)، وهذا يعني أن المدة ~~الفاصلة بين موت يوسف ودخول كنعان، بما فيها فترة الإقامة ~~في مصر وفترة الخروج، لم تتجاوز المائة سنة على أبعد ~~تقدير، وأن الذين ولدوا في حياة يوسف هم الذين استعبدوا ~~من قبل المصريين، وهم الذين خرجوا أيضا مع موسى ودخلوا ~~مع يشوع. # إلى جانب استقلالها عن قصة يوسف وقصص الآباء، فإن قصة ~~موسى والخروج من مصر قد حيكت من أربع قصص مستقلة من حيث ~~الأصل على ما يبدو، إن لم يكن أكثر. القصة الأولى هي قصة ~~ميلاد وفتوة موسى، التي عملت على تزويد هذه الشخصية ~~المركزية في التقاليد التوراتية بأصل ملكي نبيل وأصل ~~كهنوتي؛ فهو ابن بنت فرعون بالتبني، نشأ وترعرع في البلاد ~~كأمير فرعوني، وهو في الوقت نفسه سليل أسرة لاوية من جماعة ms064 ~~الكهنة المكرسين للشئون الدينية. ورغم حياته المترفة في ~~القصور فإن موسى على ما يبدو كان يعرف أصله العبراني، على ~~ما تدل عليه حادثة قتله للمصري انتصارا لأخيه العبراني، ~~ثم هربه من وجه فرعون الذي طلب دمه. وكما يمكن أن يلاحظ ~~القارئ بسهولة، فإن هذه القصة تقوم على عدد من العناصر ~~المعروفة في الأدب الشعبي والخرافي لثقافات الشرق القديم، ~~ولها متوازيات واضحة في آداب الشعوب الأخرى. فالرضيع الذي ~~يوضع في سلة تلقى إلى الماء، ثم تعتني به قدرة إلهية حتى ~~يشب ويغدو حاكما أو ملكا، هو عنصر شائع ومعروف وله ~~تنويعات عديدة. فإما أن يكون الطفل من أصل عامي ثم تتعهده ~~أسرة ملكية بالرعاية حتى يغدو واحدا من أفرادها، أو أن ~~يكون من أصل ملكي ثم تتعهده أسرة فقيرة حتى يكبر ويعرف ~~أصله الملكي، ويعود للمطالبة بحقوقه ومكانته السابقة. وقد ~~يستبدل عنصر الإلقاء بالماء داخل سلة بالإلقاء في الغابة، ~~حيث تقوم غزالة أو ذئبة بإرضاع الطفل حتى يكبر. كما ~~يتنوع الدافع إلى التخلص من الطفل الرضيع في هذه القصص؛ ~~فهو مؤامرة داخل القصر الملكي للتعديل في حقوق الوراثة، أو ~~غيرة الزوجة الأولى من ولادة الزوجة الثانية، أو نبوءة عن ~~قيام المولود الجديد حين يكبر بقتل الأب والاستيلاء على ~~العرش ... إلخ. # القصة الثانية هي قصة موسى في مديان، والتي تعود بنا إلى ~~أجواء عصر الآباء. فموسى يلتقي بصفورة عند بئر الماء، وهي ~~تقوده إلى أبيها الذي يستضيفه، ثم يعهد إليه برعاية غنمه، ~~ويزوجه ابنته. وبينما هو يرعى غنم حميه يكلمه الرب من ~~داخل الشجرة التي تحترق، كما كلم من قبل إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب في مواقف مختلفة، ولكن متشابهة. وتبدو قصة موسى ~~المدياني هذا وكأنها منتزعة من الذخيرة القصصية ذاتها التي ~~استخدمها محرر سفر التكوين. ونلاحظ هنا، كما في قصة طفولة ~~وشباب البطل، أن المحرر لم يعن بنسب موسى، ولم يعن ~~بذكر اسم أبيه وأمه وإخوته. فالإصحاح الثاني من سفر الخروج ~~الذي يروي لنا عن ولادة موسى يكتفي بالقول: «وذهب رجل من ~~بيت ms065 لاوي وأخذ بنت لاوي، فحبلت المرأة وولدت ابنا. ولما ~~رأته أنه حسن خبأته ثلاثة أشهر ... إلخ.» ولكن عندما تبدأ ~~القصة الثالثة، وهي قصة تبشير موسى بين بني إسرائيل ودخوله ~~على فرعون، يأخذ المحرر بإعطائنا بعض المعلومات الجديدة ~~كلية. فعندما يأمره الرب بالتوجه إلى مصر نعلم أن له أخا ~~اسمه هارون، دون أن ندري كيف استطاعت الأم أن تربي هارون ~~وتحتفظ به ولم تستطع تربية موسى والاحتفاظ به في بيتها. ~~وبعد أن يدخل موسى على فرعون يعطينا المحرر تفصيلات كاملة ~~عن نسبه المتسلسل من المدعو لاوي الجد الأكبر، وصولا إلى ~~المدعو عمرام، الذي تزوج المدعوة يوكابد، فأنجبت له هارون ~~وموسى (الخروج، 6: 10-20). وبعد الخروج من مصر يخبرنا النص ~~أن لهارون وموسى أختا أيضا اسمها مريم، وذلك في سفر ~~العدد (12: 1-16). وفي الموضع نفسه أيضا نعرف أن زوجة ~~موسى بطل هذه القصة الثالثة ليست صفورة ابنة كاهن مديان، ~~بل امرأة كوشية. # أما القصة الرابعة فتبدأ بعد انتهاء مدة الأربعين سنة ~~المحددة من قبل الرب لموت جميع أفراد الجيل الذي تمرد ~~عليه وخاف من دخول كنعان. فهنا تنتهي ملامح شخصية موسى ~~المبشر، ورجل العقيدة الذي يميل إلى السلم ويجنح لها، ~~والذي يجر وراءه جماعة من الهاربين الخائفين، ولا يدخل في ~~معركة لم تفرض عليه فرضا ، وتبدأ شخصية موسى القائد ~~الدموي العسكري الذي يبادر إلى الحرب، ويشن حملات الإبادة ~~والتدمير. ونحن في الحقيقة لا نستطيع أن نجد أرضا مشتركة ~~تجمع موسى الذي يطلب من ملك آدوم أن يمر في أرضه بسلام، ثم ~~يضطر إلى الدوران حول آدوم في رحلة طويلة وشاقة، إلى موسى ~~الآخر، الذي يصل في فتوحاته العسكرية إلى سهول حوران في ~~سوريا الجنوبية، والذي ينهي حياته بإبادة جميع أهالي ~~مديان من الذكور والإناث، والإبقاء على البنات الصغيرات ~~فقط. ويمكن أن نلاحظ بسهولة أن أحداث هذه القصة الرابعة ~~تنتمي في معظمها إلى أحداث الفتح العسكري لكنعان مما يرويه ~~سفر يشوع، وأنها مستمدة من الذخيرة القصصية نفسها التي ~~استخدمها محرر هذا السفر، حتى إننا ms066 لا نستطيع تمييز شخصية ~~موسى في شرقي الأردن عن شخصية يشوع في حروب كنعان. # وينجم عن هذا التداخل غير المحكم بين الأصول المتنوعة ~~لتقليد الخروج، وعن أسلوب المحرر التوراتي، الذي وصفناه ~~سابقا بأسلوب الجمع التراثي؛ عدد من التناقضات الفرعية ~~التي لا نستطيع تعدادها جميعا، نظرا لكثرتها في سفر ~~الخروج وبقية الأسفار الخمسة التي تتابع قصة موسى. ففي ~~الإصحاح الثاني من سفر الخروج يدعى كاهن مديان بالاسم ~~يثرون، أما في الإصحاح الثالث فيدعى بالاسم رعوئيل. فإذا ~~اجتزنا الأسفار الخمسة إلى سفر القضاة وجدنا أن حما موسى ~~يحمل اسم حوباب، وأنه ليس مديانيا بل قينيا، رغم ~~الفروق الكبيرة بين المديانيين والقينيين سواء من حيث ~~النسب أو من حيث مناطق السكن. نقرأ في القضاة (4: 10): ~~«وحابر القيني انفرد من قاين من بني حوباب حمي موسى، ~~وخيم حتى إلى بلوطة ...» فإذا عدنا إلى سفر العدد (10: ~~29) وجدنا أن حوباب هذا ليس حما موسى، بل ابن حميه، وهو ~~مدياني مرة أخرى وليس قينيا «وقال موسى لحوباب بن رعوئيل ~~المدياني حمي موسى: إننا راحلون ... إلخ.» كما نستدل من ~~هذين الموضعين في سفر العدد وسفر القضاة على أن حما موسى ~~قد انضم مع أهله إلى موسى، وسار في حملة الخروج، وهذا ما ~~يتناقض مع الإصحاح 18 من سفر الخروج، الذي يخبرنا بأن حما ~~موسى المدعو يثرون قد زار موسى في طريق الخروج، وأقام لديه ~~فترة ثم انصرف. نقرأ في الخروج (18: 24-27): «فسمع موسى ~~لصوت حميه وفعل كل ما قال ... ثم صرف موسى حماه فمضى إلى ~~أرضه.» كما نعلم من زيارة يثرون هذه أن موسى كان قد صرف ~~زوجته صفورة، فأقامت عند أبيها مع ابنيها، دون أن ندري ~~متى صرف موسى زوجته أو لماذا صرفها. وفيما يتعلق بابني ~~موسى، اللذين يدعوهما النص هنا بجرشوم وأليعازر، نلاحظ ~~عدم وجود دور لهما في ملحمة الخروج، وذلك على عكس ابني ~~هارون المدعوين أليعازار وإيثامار، اللذين يشاركان في ~~معظم الأحداث، ويتكرر اسماهما مرارا كمساعدين لأبيهما في ~~الإجراءات الطقسية (انظر على سبيل المثال اللاويين، 10: ~~12-15). ms067 وفي سفر العدد (12: 1) نعرف أن لموسى زوجة كوشية ~~(حبشية)، دون أن يورد النص اسمها أو أية تفاصيل عن كيفية ~~زواجه منها، ثم تختفي بعد ذلك كما ظهرت. والأغرب من ذلك ~~كله أن موسى عندما يموت على جبل نبو مقابل أريحا، يموت ~~وحيدا، ولا يوجد حوله أحد من زوجاته أو أولاده. # وعن استلام موسى للشريعة والوصية على الجبل لدينا ~~روايتان مختلفتان كل الاختلاف؛ في الأولى يأمر الرب موسى ~~أن يصعد إلى الجبل مع هارون، ويحذره من صعود أو اقتراب أحد ~~من الكهنة وإلا بطش به «ونزل الرب على جبل سيناء، إلى رأس ~~الجبل. ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى. فقال الرب ~~لموسى: انحدر حذر الشعب لئلا يقتحموا إلى الرب لينظروا ~~فيسقط منهم كثيرون ... فقال موسى للرب: لا يقدر الشعب أن ~~يصعد إلى جبل سيناء؛ لأنك أنت حذرتنا قائلا: أقم حدودا ~~للجبل وقدسه. فقال له الرب: اذهب انحدر ثم اصعد أنت ~~وهارون معك. وأما الكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى ~~الرب لئلا يبطش بهم. فانحدر موسى إلى الشعب وقال لهم» ~~(الخروج، 19: 20-25). ثم يلي ذلك نزول الوصية والشريعة. ~~أما في الرواية الثانية، فإن موسى يصعد إلى الجبل بأمر ~~الرب ومعه بعض الكهنة، وعدد كبير من شيوخ إسرائيل، وذلك ~~على عكس التحذير الوارد في الرواية الأولى، وهؤلاء جميعا ~~يرون الله وجها لوجه «وقال لموسى: اصعد إلى الرب أنت ~~وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، واسجدوا من ~~بعيد، ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا يقتربون، وأما ~~الشعب فلا يصعد معه ... ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو ~~وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه ~~صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة. ~~ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل. فرأوا الله ~~وأكلوا وشربوا. وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل وكن هناك، ~~فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها ~~لتعليمهم ...» (الخروج، 24: 1-12). # وفيما يتعلق بموقع جبل الرب، الذي يدعى أحيانا جبل ~~حوريب، وأحيانا أخرى جبل سيناء، لدينا ms068 عدد من الإشارات ~~المتناقضة التي لا يمكن التوفيق بينها. فأول ذكر للجبل ~~يوحي بأنه قائم في منطقة مديان التي تقع على الجهة الشرقية ~~لخليج العقبة، لأن الرب عندما تجلى لموسى وهو يرعى غنم ~~حميه كاهن مديان في لهيب الشجرة، قال له: «إني أكون معك، ~~وهذه تكون لك علامة أني أرسلتك. حين تخرج الشعب من مصر ~~تعبدون الله على هذا الجبل» (الخروج، 3: 12). أي إن موسى ~~كان يستطيع من ذلك الموقع، الذي كان يرعى فيه غنمه وهو في ~~مديان، أن يرى بالعين المجردة جبل حوريب. غير أن موسى ~~عندما قاد جماعته خارجا من مصر لم يتوجه إلى مديان، بل ~~إلى برية سيناء، وهناك نزلوا في البرية مقابل الجبل ~~(الخروج، 19). وتزداد المسألة تعقيدا عندما نرى إشارات ~~إلى مواقع أخرى في فاران وسعير الواقعة في آدوم على أطراف ~~الصحراء العربية. من ذلك ما ورد في سفر التثنية (33: 1-2)، ~~وفي سفر القضاة (5: 4)، وحبقوق (3: 3). # وفي سفر التثنية لدينا تقليد غريب كل الغرابة عما ورد في ~~قصص الآباء، التي تصف الأسلاف المؤسسين بأنهم عبريون (تك، ~~14: 13، و41: 12). فهنا يوصف هؤلاء الأسلاف بأنهم آراميون. ~~نقرأ في قاعدة طقسية من شريعة موسى: «... فيأخذ الكاهن السلة ~~من يدك ويضعها أمام مذبح الرب إلهك، ثم تصرخ وتقول أمام ~~الرب: آراميا تائها كان أبي، فانحدر إلى مصر وتغرب ~~هناك في نفر قليل ، فصار هناك أمة كبيرة وعظيمة ...» ~~(التثنية، 26: 4-5). # إضافة إلى هذه الروايات المتناقضة، التي لا نستطيع ~~إيرادها جميعا هنا، فإن القراءة المتصلة لسفر الخروج ~~وبقية الأسفار الخمسة تجعلنا نلاحظ فجوات وانقطاعات واضحة ~~في سياق القصة؛ وذلك كالفجوة الواقعة بين استلام الوصية ~~والشريعة على جبل سيناء، ومتابعة مسيرة الخروج بعد سنتين ~~من ذلك، والفجوة الواقعة بين إقامة الشعب في قادش برنيع، ~~والصعود إلى شرقي الأردن بعد ثمان وثلاثين سنة. وقد رأينا ~~سابقا مثل هذه الفجوات في سفر التكوين، وألمحنا منذ قليل ~~إلى الفجوة الكبرى بين سفر التكوين وسفر الخروج. إن هذا ~~التعاقب غير المحبوك بدقة للرواية التوراتية لا يجد تفسيره ~~في أننا نتعامل ms069 مع عدد من التقاليد المتنوعة فقط، بل يجب ~~أن يجد تفسيره على مستوى آخر أيضا. # إن طريقة صياغة الأسفار الخمسة، وطريقة تطوير الرواية ~~التوراتية وصولا إلى نهاية سفر الملوك الثاني، توحي ~~للوهلة الأولى بوجود وحدة ضمنية بين التقاليد المتتابعة. ~~غير أن هذه الوحدة الظاهرية لا تنبع من انسجام الحبكة ~~الروائية ولا من تطويرها المنطقي، وإنما من طريقة رصف ~~التقاليد المتنوعة في سياق مفروض عليها من الخارج، ومن ~~وجهة نظر «جامع تراثي» لا من وجهة نظر مؤرخ مدقق. وبتعبير ~~آخر، فإن طريقة ضم الوحدات الأدبية المستقلة إلى بعضها ~~يوحي بوجود ترتيب زمني بين هذه الوحدات، التي انتظمتها ~~سلسلة مصطنعة. فسفر التكوين يبدأ بسلسلة أنساب تقوم على ~~تسويغات أيديولوجية سياسية ودينية، ثم تتابع التقاليد عبر ~~الأسفار الخمسة وما وراءها، لتبني على هذه الأسس التي تم ~~ترسيخها، وتنسج القصص حول عدد من القادة العظام؛ فمن آدم ~~إلى قايين فنوح فإبراهيم فيعقوب فيوسف فموسى فيشوع فالقضاة ~~فشاول فداود ... إلخ. ومن خلال جمع وترتيب الأخبار المتعلقة ~~بكل شخصية، فإن الروايات المختلفة وذات الأصل والمضمون ~~المستقل تنسج إلى بعضها، فيما يبدو - للوهلة الأولى - ~~إطارا زمنيا منتظما ومتتابعا، يوحي بما يشبه التاريخ. ~~من هنا، فإن عملية الجمع التراثي هذه تسمح بكثير من ~~المرونة فيما يتعلق بإيراد الروايات المختلفة للحادثة ~~الواحدة، كما تسمح بشكل تلقائي بوجود الفجوات التي لا ~~يعنى الجامعون كثيرا بردمها. وكما قلنا سابقا، فإن ~~الترتيب الزمني في حد ذاته لا يصنع تاريخا، وهو نابع هنا ~~عن قصد ورؤية مسبقة عند المحررين الذين كانوا يواجهون ~~بالفعل مهمة على قدر كبير من الصعوبة والتعقيد، قوامها ~~تنظيم تركة ضخمة من التقاليد في سياق متتابع، من شأنه خلق ~~ماض لإسرائيل التوراتية، باعتبارها شعبا موحدا منذ ~~البداية، تحت خط قيادي متسلسل واحد، ومعتقد ديني ~~واحد. # إن هاجس «الأصول» يسيطر على الأسفار الخمسة سيطرة تامة، ~~ويتعداها إلى بقية الأسفار، وخصوصا تلك التي يدعوها ~~الباحثون بالأسفار التاريخية من يشوع إلى الملوك الثاني. ~~وما نعنيه بالأصول هنا هو نشأة وتكوين تلك الجماعات التي ms070 ~~شكلت فيما بعد إسرائيل. وقد حملت عملية البحث عن الأصول ~~المحررين بعيدا نحو بداية الأزمان، فابتدءوا من تكوين ~~العالم وخلق البشر وتوزع شعوبهم وقبائلهم، وذلك من أجل ~~توضيح نسب إسرائيل، ومكانة شعبها بين الشعوب الأخرى. فقصص ~~الآباء تبدأ عقب الطوفان، وبعد تشتت شمل الشعوب وتفرقها، ~~مما تقصه أسطورة برج بابل. وفي بقية الأسفار الخمسة التي ~~تقص ملحمة الخروج نواجه حشدا من التقاليد المتفرقة التي ~~تعزف على نغمة الأصول، أو تتعلق بها مباشرة؛ أصول إسرائيل ~~كأمة، اختيار إسرائيل من قبل الرب، أصول المفاهيم ~~الأيديولوجية المركزية، مثل التوراة والفصح والكهنوت ~~وتابوت العهد، والعهد الإلهي. وبعد الأسفار الخمسة يأتي ~~سفر يشوع وسفر القضاة ليؤسسا لأصول إسرائيل في الأرض، وذلك ~~من خلال روايات عن الفتح العسكري والاستقرار في الأرض، ~~دبجت بأسلوب قوي وحيوي جعل المؤرخين خلال حقبة طويلة من ~~الزمن ينظرون إليها باعتبارها ذكريات تاريخية عن بدايات ~~تشكل الشعب الإسرائيلي. فإذا انتقلنا إلى سفر صموئيل ~~الأول وسفر صموئيل الثاني وجدنا هذه المفاهيم والأفكار وقد ~~وصلت مرحلة النضج من خلال التقاليد التي تقص عن نشأة وصعود ~~المملكة الموحدة، واستمرار فهم إسرائيل لنفسها كأمة الله. ~~وهذا الصعود مرتبط بالانهيار والدمار الذي يقصه سفر الملوك ~~الأول وسفر الملوك الثاني. # إن خلاصة الأمر، فيما يمكن للنقد النصي لقصة الخروج أن ~~يوصلنا إليه، هو أن هذه القصة في شكلها ومضمونها هي من نوع ~~الملاحم التي يدبجها عادة الخيال الشعبي عن البدايات ~~التي تلامس عالم الأسطورة. ولكن بينما تنمو الملحمة ~~الشعبية بشكل تلقائي يعبر عن شخصية الشعب وقيمه، فإن ملحمة ~~الخروج قد جاءت كقصة ناجزة، ومؤلفة بعناية وقصد، رغم ~~اعتمادها على عناصر ملحمية متفرقة مغرقة في القدم، ~~ومنتزعة من سياقاتها الأصلية. # النقد التاريخي والأركيولوجي لقصة الخروج # لقد أخفقت حتى الآن كل الجهود التي بذلت من أجل إثبات ~~تاريخية أحداث قصة الخروج، ولم يستطع المؤرخون وضع هذه ~~الأحداث ضمن إطار تاريخي محدد. فالمصادر المصرية لا تذكر ~~شيئا عن وجود الإسرائيليين في مصر، ولا عن خروجهم منها، ~~سواء بالطريقة الموصوفة في التوراة ms071 أم بأية طريقة أخرى. ~~ومن جهة أخرى، فإن النص التوراتي نفسه لا يورد أية معلومة ~~عن الأوضاع في مصر والأحداث الجارية فيها، يمكن مقاطعتها ~~مع ما نعرفه تاريخيا عن تلك الفترة، ولا يورد اسم شخصية ~~مصرية معروفة لنا وموثقة تاريخيا. وفيما يتعلق بفرعون ~~الخروج، فقد أغفل النص ذكر اسمه أو اسم أحد من حاشيته ~~وقواده، ومعلوماتنا عن فراعنة الأسرة الثامنة عشرة ~~والتاسعة عشرة تنفي أن يكون أحدهم قد مات غرقا. والشيء ~~نفسه ينطبق على القسم الثاني من أحداث الخروج، الذي يفترض ~~وقوعه في مناطق شرقي الأردن وسوريا، فلا المصادر الخارجية ~~تؤيد الرواية التوراتية، ولا تسعفنا هذه الرواية بأية ~~معلومة تساعدنا على تثبيت الإطار التاريخي لها. من هنا، ~~فإن قصة الخروج من مصر تبقى معلقة في فضاء تاريخي تام، ولا ~~يستطيع التاريخ إثبات أي جزء من أجزائها، بل إن المؤرخين ~~الجدد يميلون إلى نفيها جملة وتفصيلا. # في ظل هذه الحقائق غير الواعدة، هل نستطيع وضع تاريخ ~~للخروج، ولو من الناحية النظرية، اعتمادا على المادة ~~التوراتية وحدها؟ لتحقيق هذه الغاية يمكن لنا إجراء ~~تمرينين ذهنيين؛ فإما أن نأخذ نقطة ما في الزمن تسبق حادثة ~~الخروج ثم نبدأ العد الزمني هبوطا إليه، أو أن نأخذ نقطة ~~ما في الزمن تالية للخروج ثم نأخذ بالعد صعودا. ففي ~~الحالة الأولى نستطيع جمع الفترات الزمنية لحياة الآباء ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهي 370 سنة (راجع التكوين، 25: 7، ~~و35: 37، و47: 28) ثم نضيف إليها فترة العبودية في مصر، ~~وهي 430 سنة (راجع الخروج، 12: 40-41) لنخرج بالرقم 737 ~~سنة. ولكن هذه الطريقة غير مجدية لسببين؛ الأول هو أن ~~النص التوراتي يعلمنا كم دام عصر الآباء، ولكنه لا ~~يعلمنا متى ابتدأ هذا العصر. والسبب الثاني هو أن النص ~~يناقض نفسه في أكثر من موضع حول الفترة التي قضاها ~~الإسرائيليون في مصر، وقد تعرضنا لهذه النقطة سابقا. فإذا ~~انتقلنا إلى العد العكسي من نقطة متقدمة في الزمن عن حادثة ~~الخروج، بدا الأمر لنا واعدا بنتائج أفضل. ففي النص ~~التوراتي لدينا حادثة واحدة فقط ms072 مرتبطة زمنيا بالخروج، ~~هي حادثة بناء هيكل سليمان في أورشليم. فسفر الملوك الأول ~~يخبرنا أن الملك سليمان قد بنى هيكل الرب بعد أربعمائة ~~وثمانين سنة من مغادرة بني إسرائيل لمصر: «وكان في سنة ~~الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في ~~السنة الرابعة لملك سليمان على إسرائيل؛ أنه بنى البيت ~~للرب» (الملوك، 6: 1). وبما أنه من المتفق عليه بين ~~المؤرخين أن سليمان قد اعتلى عرش المملكة الموحدة حوالي ~~عام 962ق.م. فإن العد الصاعد نحو الخروج يعطينا العام ~~1438ق.م. كتاريخ محتمل لهذه الحادثة. # غير أن مثل هذا التاريخ في أواسط القرن الخامس عشر قبل ~~الميلاد يطرح صعوبات تاريخية يصعب حلها. ففي هذه الفترة ~~بلغ التوسع الإمبريالي لفراعنة الأسرة الثامنة عشرة في مصر ~~ذروته، وذلك خلال حكم الفرعون تحوتمس الثاني وابنه تحوتمس ~~الثالث، الذي شن عدة حملات على كنعان ووصل إلى الفرات ~~متحديا النفوذ الميتاني في تلك المنطقة. لذلك فمن غير ~~المحتمل على الإطلاق أن يكون الخروج من مصر قد تم خلال حكم ~~هذين العاهلين القويين، ناهيك عن مسألة دخول كنعان، التي ~~كانت واقعة تحت السيطرة الإمبراطورية المباشرة لمصر. وقد ~~لاحظ بعض الباحثين # 4 # أن الرقم 480 - الذي وضعه المحرر التوراتي ~~للسنوات الفاصلة بين بناء الهيكل وحادثة الخروج من مصر - ~~ذو دلالة رمزية؛ لأنه يجعل بناء الهيكل في موقع الوسط ~~تماما من تاريخ إسرائيل التوراتية. ذلك أن فترة 480 سنة ~~قد انقضت أيضا بين بناء الهيكل وعودة المسبيين من بابل. ~~يضاف إلى ذلك ما للرقم أربعين من رمزية خاصة في التقاليد ~~التوراتية؛ فالتيه في الصحراء قد دام أربعين سنة، وحكم ~~كل من الملك داود وسليمان قد دام أربعين سنة، وكذلك فترة ~~حكم معظم القضاة الذين حكموا القبائل قبل المملكة الموحدة. ~~فإذا أضفنا رمزية الرقم 40 إلى رمزية الرقم 12 (والأمثلة ~~عليها كثيرة في التقاليد التوراتية، مثل الأسباط الاثني ~~عشر ... إلخ) لتوصلنا أيضا إلى الرقم 480، وهو حاصل ضرب 12 ~~جيلا ب 40 سنة، كمتوسط عمر لكل جيل. وبذلك يستبعد هذا ~~الرقم من الحسبان ms073 كمعلومة يمكن الاعتماد عليها. # أمام هذه الظلال القاتمة التي يرميها التاريخ، والنص ~~التوراتي نفسه، على مسألة الخروج، لم يجد المؤرخون الساعون ~~إلى تقصي تاريخية الحدث التوراتي سوى معلومة واحدة في ~~سفر الخروج يمكن الانطلاق منها لربط قصة الخروج بتاريخ ~~مصر، وهي المعلومة المتعلقة بأرض رعمسيس ومدينة رعمسيس. ~~فبنو إسرائيل قد بنوا للفرعون مدينتين، إحداهما تدعى ~~رعمسيس (الخروج، 1: 11)، ومن هذا المكان انطلقت مسيرة ~~الخروج: «فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى «سكوت» ...» ~~(الخروج، 12: 37). وبما أن الفرعون رمسيس الثاني - الذي ~~حكم فيما بين 1290 و1224ق.م. - قد بنى بالفعل مدينة اسمها ~~بي-رمسيس في منطقة الدلتا قرب عاصمة الرعامسة تانيس، فإن ~~هؤلاء المؤرخين يضعون الخروج في وقت ما من بداية فترة حكم ~~هذا الفرعون أو أواسطها. فوليم فوكسويل أولبرايت يضع ~~الخروج في تاريخ لا يتعدى عام 1280ق.م. أي خلال السنوات ~~الأولى لحكم رمسيس، وهي الفترة التي شهدت عددا من أحداث ~~التمرد والعصيان على الحكم المصري في المناطق الآسيوية، ~~الأمر الذي سهل في رأيه تنفيذ مخطط الهروب من مصر. ~~ويقدر أولبرايت الفترة الفاصلة بين الخروج من رعمسيس في ~~مصر واقتحام مدن كنعان بستين عاما، ويقسمها إلى المراحل ~~التالية: (1) التجول في الصحراء. (2) التسلل التدريجي إلى ~~مناطق فلسطين الشرقية. (3) فترة استقرار وتمازج مع ~~الجماعات العبرانية المقيمة سابقا، وذلك تحضيرا للانقضاض ~~الأخير على المدن الكنعانية. وهو يعتقد أن مرحلة التجول في ~~الصحراء لم تدم أربعين سنة بل بضع سنوات فقط، بينما ~~استغرقت المرحلتان الثانية والثالثة معظم زمن الخروج. ~~وبذلك يكون الإسرائيليون قد أسسوا أنفسهم فعلا في أرض ~~كنعان حوالي عام 1200ق.م. وهو تاريخ نصب الفرعون مرنفتاح ~~الذي ورد فيه الاسم إسرائيل لأول مرة في التاريخ. # 5 # وقد سار معظم المؤرخين الباحثين عن تاريخية الخروج على ~~خطى أولبرايت، مع تعديلات طفيفة. فهم يرون أن فترة ~~الرعامسة هي الفترة الوحيدة التي بنى فيها الفراعنة ~~المصريون لأنفسهم عاصمة في الدلتا (هذا إذا صرفنا النظر عن ~~فترة الهكسوس المعترضة)، فقد بنى رمسيس الأول مدينة تانيس ~~عاصمة له في الدلتا، ثم بنى رمسيس الثاني ms074 عاصمته في مكان ~~لا يبعد كثيرا، ودعاها بي-رمسيس. وقد اشتهر رمسيس ~~الثاني بأعمال التشييد والبناء، واستخدم في مشاريعه ~~العمرانية الواسعة كثيرا من اليد العاملة المسخرة، ~~التي شكل الإسرائيليون جزءا كبيرا منها. كما يرى هؤلاء ~~- فيما تذكره الرواية التوراتية عن قرب مساكن الإسرائيليين ~~من بلاط الفرعون، وسهولة تنقل موسى وهارون بين الشعب ~~المسخر وبين البلاط الملكي - عوامل مرجحة في إرجاع ~~الخروج إلى زمن الرعامسة، وعلى وجه الخصوص زمن حكم رمسيس ~~الثاني. إلا أن معظمهم يعارض وليم فوكسويل أولبرايت في ~~تاريخه المقترح للخروج، وهو عام 1280ق.م.، ويفضل تاريخا ~~يقع حوالي عام 1250ق.م.، مع الأخذ بعين الاعتبار أن فترة ~~التجول في الصحراء هي بالفعل أربعون عاما. وبذلك يتزامن ~~دخول كنعان مع حالة الضعف التي ميزت الفترة الانتقالية بين ~~حكم رمسيس الثاني، وحكم مرنفتاح الذي اضطرته التمردات في ~~فلسطين إلى شن حملته المعروفة عليها. # 6 # وقد قدم علم الآثار لأصحاب هذا الرأي مادة ~~غنية باكتشافه لآثار تدمير واسع للمدن الفلسطينية خلال هذه ~~الفترة المفترضة لدخول الإسرائيليين إلى كنعان، الأمر الذي ~~سهل أمامهم ربط هذا التدمير بعمليات يشوع العسكرية، على ~~ما في هذا الربط من تعسف تاريخي كما سنرى في حينه ~~لاحقا. # وفي الحقيقة فإن أرض رعمسيس ومدينة رعمسيس - مما ورد ~~ذكره في سفر الخروج - مسألة لا يمكن الاعتماد عليها في ~~تحديد زمن الخروج؛ لأن المحرر التوراتي قد استخدم اسم أرض ~~رعمسيس في الإشارة إلى منطقة الدلتا منذ أيام يوسف، أي قبل ~~بناء مدينة رمسيس بحوالي خمسمائة سنة. نقرأ في التكوين ~~(47: 11): «فأسكن يوسف أباه وإخوته وأعطاهم ملكا في مصر ~~في أفضل الأرض، في أرض رعمسيس، كما أمر فرعون.» وهذا يعني ~~أن المحرر التوراتي، الذي كان يكتب سفر الخروج في فترة ~~متأخرة من الألف الأول قبل الميلاد، قد استخدم الاسم الذي ~~يعرفه لمنطقة الدلتا بصرف النظر عن ارتباط هذا الاسم بفترة ~~تاريخية معينة. ومن ناحية أخرى، فإنه يحق لنا هنا أن ~~نتساءل: لماذا ذكرت رواية الخروج اسم أرض رعمسيس أو مدينة ~~رعمسيس، وغفلت عن ذكر اسم ms075 فرعون الخروج الذي من المفترض أن ~~يكون رعمسيس نفسه؟ # ورغم أن فريقا آخر من المؤرخين قد التزم الخطوط العريضة ~~للتفسير التاريخي المطروح، إلا أنه في مواجهة الغموض ~~الشامل للمعطيات التاريخية قد لجأ إلى صياغة «سيناريو» ~~معقول، يستبدل التاريخ الموثق بسلسلة متصورة من الأحداث ~~التي يمكن أن تكون قد وقعت. ولعل من أكثر هذه السيناريوهات ~~جاذبية وحسن صنعة وخيال ما تقدمت به عالمة الآثار ~~السيدة كاثلين كينيون على هامش دراستها الأركيولوجية ~~القيمة للأرض المقدسة، تقول كينيون: «تكمن صعوبة التقييم ~~التاريخي لمسألة الخروج في أن الأسفار الأولى للكتاب ~~المقدس قد جاءت نتاجا لتجميع عدد كبير من التقاليد ~~القبلية، حاول المحررون صياغتها في نص مطرد عن تحركات ~~جماعات اعتقدوا أنها كانت تشكل شعبا واحدا منذ البداية. ~~ولقد كان من نتائج إعادة الصياغة هذه أن المحررين قد ~~أظهروا أن تلك القبائل كلها قد شاركت في الخروج، ومرت ~~بالتجربة الدينية ذاتها في سيناء. ولكن الاحتمال الأقوى هو ~~أن القبائل التي استقرت في فلسطين كانت من أصول مختلفة ~~ومتنوعة. ويبدو لي أن طلائع الإسرائيليين كانت مؤلفة من ~~ثلاث جماعات رئيسية؛ الأولى كانت تقيم في بعض مناطق فلسطين ~~وشرقي الأردن، ولم تشارك أبدا في الرحيل إلى مصر أو ~~الخروج منها. والثانية نزحت إلى مصر ثم طردت منها، فيما ~~يمكن وصفه بالخروج الإجباري إثر مشاركتها في حوادث عصيان ~~وتمرد، وقد حاولت هذه الجماعة المطرودة دخول فلسطين من الجنوب. # 7 # أما الجماعة الثالثة، وهي الجماعة التي تدور ~~حولها معظم أحداث الخروج، فقد تشكلت من أشتات من ~~المستعبدين المسخرين في بناء المشاريع العامة، ~~تضافروا على الهروب من وجه أسيادهم، فعبروا سيناء نحو ~~الأطراف الصحراوية لشرقي الأردن، فعاشوا هناك حياة رعوية ~~لفترة لا بأس بها قبل أن يدخلوا فلسطين من الجهة الشرقية ~~عبر نهر الأردن. وإن مثل هذا الخروج يناسب تاريخيا فترة ~~حكم رمسيس الثاني، وهي الفترة الوحيدة التي كان للمصريين، ~~بعد الهكسوس، عاصمة في الدلتا. فصعد هؤلاء بقيادة موسى ~~حوالي عام 1260ق.م. هاربين من مدينة رمسيس ...» # 8 # يطرح مسار الخروج ms076 - من أرض رعمسيس إلى قادش برنيع فشرقي ~~الأردن - إشكالات أخرى لا تقل عن إشكالات زمن الخروج. ~~فلقد تفادى الهاربون الطريق الدولي المعروف بطريق البحر، ~~وهو الطريق الأقصر الذي يصل الدلتا بمناطق فلسطين ~~الساحلية، وفضلوا عليه الدوران عبر مسلك صحراوي طويل ~~جدا. ويسوغ النص التوراتي هذا الخيار غير المنطقي ~~بالخوف من المواجهة العسكرية المتوقعة في أرض فلسطين: ~~«وكان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهدهم في طريق ~~أرض الفلسطينيين مع أنها قريبة. لأن الله قال: لئلا يندم ~~الشعب إذا رأوا حربا ويرجعوا إلى مصر. فأدار الله الشعب ~~في طريق برية بحر سوف ...» (الخروج، 13: 17-18). نلاحظ هنا ~~أن المحرر قد استخدم تسمية أرض الفلسطينيين للدلالة على ~~المناطق الساحلية الجنوبية لفلسطين، علما أن أول ذكر ~~للفلسطينيين (أو الفلستيين) ورد في نص للفرعون مرنفتاح، ~~الذي رد هجوم شعوب البحر عن مصر، وبينهم هؤلاء الفلستيون، ~~حوالي عام 1185ق.م. أي بعد التاريخ المفترض للخروج بنصف ~~قرن على الأقل، وعندما لم يكن هؤلاء قد توطنوا على الساحل ~~وأسسوا مدنهم الخمس المعروفة. وهذا يدل بوضوح على أن ~~المحرر كان يستند إلى التسميات الجغرافية المعروفة لديه ~~وقت تحرير الأسفار؛ لأن هذه المناطق الساحلية من فلسطين ~~بقيت تدعى بأرض الفلستيين حتى العصر الفارسي. بعد عبورهم ~~البحر يتجه الهاربون إلى أعماق سيناء وهدفهم جبل حوريب، ~~وبعد إقامتهم عند الجبل سنة وتسعة أشهر تقريبا يتحركون ~~شمالا نحو قادش برنيع. # وفي الحقيقة، فإن البحث الأثري والتاريخي قد أخفق حتى ~~الآن في تحديد مسار الخروج اعتمادا على الرواية ~~التوراتية. فالمواقع التي مر بها الإسرائيليون، مثل مارة ~~وإيليم وغيرها، غير مذكورة خارج النص التوراتي، والمواقع ~~التي تحمل أسماء مشابهة في سيناء لم يعط المسح ~~الأركيولوجي فيها نتائج تشجع على إجراء أية مطابقة بينها ~~وبين مواقع الخروج، بما في ذلك موقع جبل موسى المعروف ~~تقليديا بأنه جبل حوريب. فتسمية جبل موسى هي تسمية حديثة ~~وليست قديمة، وجاءت عقب بناء كنيسة القديسة كاترين ~~البيزنطية في الموقع. وفيما يتعلق بموقع قادش برنيع، الذي ~~أقام فيه الإسرائيليون ثمانيا ms077 وثلاثين سنة، فإن التنقيب ~~الأثري لم يتوصل إلى الكشف عن آثار سكنية ترجع إلى ما قبل ~~أواخر القرن العاشر قبل الميلاد. وكذلك الأمر في موقع ~~حشبون الذي انتزعه الإسرائيليون من سكانه الآموريين في ~~شرقي الأردن، فقد جرت مطابقة هذا الموقع مع الموقع الحديث ~~لبلدة حسبان، ولكن التنقيب في حسبان لم يعطنا آثارا سكنية ~~ترجع إلى زمن الخروج. # 9 # أما الممالك التي واجهها الإسرائيليون في ~~مناطق شرقي الأردن، فلم تكن قائمة على الإطلاق إبان زمن ~~الخروج، والمنطقة بكاملها كانت خالية من السكان تقريبا ~~خلال أواخر البرونز الأخير ومطلع عصر الحديد، وذلك بسبب ~~الجفاف الذي حل بالمنطقة. ولم يعد الاستيطان البشري إلى ~~مناطق شرقي الأردن - بشكل يساعد على قيام بنى سياسية ~~مستقرة - حتى حلول عصر الحديد الثاني ابتداء من عام 1000ق.م. # 10 # وهذا كله يدل على أن المحرر التوراتي كان ~~يستلهم الجغرافيا البشرية والسياسية المعروفة لديه وقت ~~تحرير الأسفار، وأنه كان على جهل مطبق بأحوال الزمن ~~المفترض للخروج. # ومن الجدير بالذكر أن الشخصية الوحيدة في قصة الخروج، ~~التي توفرت لدينا عنها معلومات غير توراتية، هي شخصية ~~بلعام بن بعور العراف الذي دعاه ملك موآب ليلعن له ~~إسرائيل (العدد، 22: 1-48)، فقد اكتشف مؤخرا في موقع دير ~~العلا بشرقي الأردن عدد من النصوص الآرامية، بينها نص يذكر ~~بلعام بالذات، ويصفه بناظر أو عراف الآلهة. يقول النص: ~~«هذه كلمات بلعام بن بعور ناظر (عراف) الآلهة ...» # 11 # غير أن نصوص دير العلا هذه ترجع إلى حوالي عام ~~750ق.م. أي إلى فترة قريبة من زمن تدوين التوراة، عندما ~~كانت ذكريات ما عن هذه الشخصية الروحية في المنطقة ما زالت ~~حية ومتداولة، بينما يفصل عصر بلعام التاريخي هذا عن عصر ~~الخروج حوالي خمسمائة سنة. # أخيرا أود أن أختم هذا النقد التاريخي لقصة الخروج برأي ~~للباحث # N. M. Sarna ~~، وهو ~~مؤرخ وباحث توراتي يهودي أميركي، وله أبحاث قيمة ورصينة في ~~هذا المجال. يقول # Sarna # في ~~دراسة جديدة له حاول من خلالها جادا تقصي تاريخية أحداث ~~الخروج ما يلي: «إن ms078 خلاصة البحث الأكاديمي حول مسألة ~~تاريخية الخروج تشير إلى أن الرواية التوراتية تقف وحيدة ~~دون سند من جهة، وهي مليئة بالتعقيدات من جهة ثانية. وهذا ~~كله لا يساعدنا على وضع أحداث الخروج ضمن إطار تاريخي. ~~إضافة إلى ذلك، فإن النص التوراتي يحتوي على محددات ~~داخلية ذاتية ناشئة عن مقاصد وأهداف المؤلفين التوراتيين. ~~فهؤلاء المؤلفون لم يكونوا يكتبون تاريخا، وإنما يعملون ~~على إيراد تفسيرات لاهوتية لحوادث تاريخية منتقاة. وقد تمت ~~صياغة الروايات التوراتية بشكل يتلاءم مع هذه المقاصد ~~والأهداف، وبالتالي فإننا يجب أن نقرأها ونستخدمها تبعا ~~لذلك. إننا نفتقد إلى المصادر الخارجية التي تذكر عن تجربة ~~الإسرائيليين في مصر، أو تشير إليها بشكل مباشر، والبينة ~~الموضوعية الواضحة على تاريخية النص التوراتي هنا مفقودة ~~تماما، بما في ذلك نتائج التنقيب الأثري.» # 12 # الفصل الرابع # | إسرائيل في كنعان # عصر يشوع وعصر القضاة ~~(1) الخلفية التاريخية العامة # مرة أخرى تشهد مناطق آسيا الغربية موجة جفاف طويلة ومتصاعدة، ~~مشابهة لتلك الموجة التي أنهت ثقافة عصر البرونز المبكر. فقد ~~ترافق حلول عصر البرونز الأخير (1600-1200ق.م.) مع ميل تدريجي ~~للمناخ نحو الحرارة والجفاف. وقد وصل هذا الجفاف ذروته حوالي ~~عام 1200ق.م. في اليونان وجزر المتوسط والأناضول وسوريا، وقامت ~~العوامل الطبيعية بالإجهاز على ثقافة عصر البرونز الأخير. مع ~~تزايد تأثير الجفاف أخذت المناطق الهامشية الحساسة للجفاف - في ~~سوريا وفلسطين بشكل خاص - بخسارة سكانها الذين أخذوا بالجلاء ~~عنها تدريجيا نحو المناطق الأبطأ تأثرا بالجفاف، أو نحو ~~البراري متحولين إلى رعاة متنقلين، حتى إن مناطق بكاملها قد ~~أخليت تماما من سكانها قبل نهاية البرونز الأخير، مثل منطقة ~~الهضاب المركزية في فلسطين. وقد شهدت منطقة الهضاب المركزية ~~هذه مع بداية عصر الحديد الأول (1200ق. م.) إعادة استيطان على ~~نطاق واسع من قبل الجماعات التي اعتقد المؤرخون لفترة طويلة ~~أنها الجماعات الإسرائيلية. أما في هضاب يهوذا، التي غزاها ~~التصحر وحولها إلى بواد قاحلة، فقد هجرها السكان ~~الزراعيون جميعهم تقريبا، ولكن عملية إعادة الاستيطان فيها قد ~~تأخرت قرنين تقريبا عن منطقة الهضاب المركزية، أي ms079 حتى القرن ~~العاشر قبل الميلاد. # 1 # وهذه المعلومات الجديدة سيكون لها دور كبير في ~~كيفية فهمنا وتقييمنا للرواية التوراتية عن دخول الإسرائيليين ~~وعن استقرارهم في كنعان؛ لأن منطقة الهضاب المركزية هي التي ~~استوطن فيها، وفق الرواية التوراتية، الأسباط العشرة الموصوفة ~~بإسرائيل، بينما استوطن في شمال يهوذا سبط بنيامين، تلاه سبط ~~يهوذا، الذي شغل المناطق الهضبية ليهوذا حتى البوادي ~~الجنوبية. # ولقد ساعد إقفار المنطقة الفلسطينية على وقوعها فريسة سهلة ~~لفراعنة الأسرة الثامنة عشرة، الذين حولوا فلسطين إلى ممر ~~تجاري لهم يصلهم بالعالم السوري والرافدي. ونستدل من رسائل تل ~~العمارنة على أن الفراعنة لم يحكموا المدن الاستراتيجية ~~الواقعة تحت نفوذهم حكما مباشرا، بل عن طريق الملوك المحليين ~~الذين كانوا يتبعون مباشرة للبلاط المصري. وقد أدى التواجد ~~المصري هنا إلى آثار إيجابية على اقتصاديات المدن الكبرى، وإلى ~~استقرار النظم السياسية فيها. كما ساعد على تأجيل الكارثة ~~الشاملة، التي حلت بمدن بلاد الشام الأخرى خلال هذه الفترة ~~الانتقالية من عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد. إلا أن ~~الانهيار الاقتصادي الشامل، الذي وقع مع نهاية البرونز الأخير، ~~قد صرف نظر مصر مؤقتا عن فلسطين، وتركت المدن الفلسطينية ~~لمصيرها المفجع، حيث نرى آثار الدمار الكامل للعديد من هذه ~~المدن خلال أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الثاني عشر. # 2 # تعتبر فترة تل العمارنة أكثر فترات عصر البرونز الأخير ~~توثيقا، وتمتد من أواسط القرن الخامس عشر إلى أواسط القرن ~~الرابع عشر قبل الميلاد. وقد سميت هذه الفترة بعصر العمارنة ~~نسبة إلى موقع تل العمارنة في مصر العليا، حيث ابتنى الفرعون ~~أمنحوتب الثالث عاصمة جديدة له هنا، عثر بين أنقاضها على ~~أرشيف ملكي غني يضم عددا كبيرا من الرسائل المتبادلة بين ~~أمنحوتب الثالث وابنه أمنحوتب الرابع (إخناتون) وبين ملوك ~~سوريا وفلسطين والأناضول وبابل. وتعطينا هذه الرسائل صورة ~~واضحة عن الأوضاع السياسية في منطقة الشرق القديم، وعن ~~العلاقات بين القوى العظمى في ذلك الوقت. فخلال عصر البرونز ~~الأخير تقاسمت ثلاث قوى كبرى مناطق النفوذ على المسرح ~~الدولي، وهي ميتاني ms080 في الجزيرة والشمال السوري، وحاتي في ~~الأناضول ومصر إلى الجنوب. وإلى جانب هذه القوى الكبرى الثلاث، ~~فقد كان لسلالة الملوك الكاشيين الذين ورثوا مملكة حمورابي ~~سلطة كاملة على مناطق سومر وأكاد لم ينازعهم فيها أحد، وقد ~~مالوا إلى تعزيز صلاتهم الدبلوماسية مع القوى الكبرى، وخصوصا ~~مصر، تفاديا لصدامات غير متكافئة مع أي منها. ونعرف من ~~الوثائق المصرية أن أحد ملوك بابل الكاشيين قد أرسل أميرات من ~~عائلته الملكية ليكن زوجات لأمراء مصريين، وطالب عبثا بأن ~~يتزوج من أميرة مصرية. كما عملت ميتاني من جهتها على خطب ود ~~ملوك الأسرة الثامنة عشرة الأقوياء، وزوجت اثنتين من ~~أميراتها على التوالي إلى كل من الفرعون أمنحوتب الثالث ~~وأمنحوتب الرابع. أما حاتي فقد مارست الضغط المتواصل على مناطق ~~التواجد المصري في سوريا، واستفادت من فترة الضعف المصري خلال ~~حكم إخناتون لتدفع مناطق نفوذها نحو أواسط سوريا، بعد أن كان ~~تحوتمس الثالث قد عسكر عند مناطق الفرات الأوسط، وفرض نفوذه ~~على معظم مناطق وسط وجنوب بلاد الشام. وفيما يتعلق بآشور فلم ~~تكن قد دخلت مسرح الحياة الدولية لعصر البرونز الأخير، إلا ~~أنها كانت تمارس ضغطا بطيئا ومتصلا على كل من ميتاني وبابل. ~~ورغم أن الممالك السورية كانت واقعة تحت نفوذ هذه القوة الكبرى ~~أو تلك، إلا أنها مارست تأثيرا ثقافيا واسع النطاق. ولا ~~أدل على ازدهار الحياة الثقافية في هذه الممالك من أرشيف ~~مدينة أوغاريت، والذي يعتبر أهم تركة ثقافية لعصر البرونز ~~الأخير بكامله. # وتقدم رسائل تل العمارنة المتبادلة بين الملوك السوريين ~~والفلسطينيين، والبلاط المصري، خلال حكم الفرعون إخناتون؛ ~~معلومات قيمة عن الأوضاع السياسية لمنطقة فلسطين والساحل ~~الكنعاني. فقد كانت هذه المنطقة تموج بالاضطرابات والنزاعات ~~الداخلية الناجمة عن الغياب المفاجئ للقوة المصرية هنا، بسبب ~~المشكلات الداخلية التي كان يواجهها إخناتون، وطموحات الحثيين ~~لملء الفراغ المصري. وقد استغل الفرصة بشكل رئيسي الملك ~~عازيرو، ملك مقاطعة آمورو (التي كانت تشغل منطقة طرطوس الحالية ~~على الساحل، وامتدادات واسعة نحو الداخل)، فقام - بدعم وتحريض ~~من مملكة حاتي - بمحاولة تقويض ms081 ما تبقى من النفوذ المصري في ~~سوريا الجنوبية وفلسطين عن طريق مهاجمة الدويلات الموالية ~~لمصر، بالتعاون مع جماعات العابيرو التي كانت تعيث فسادا في ~~المنطقة. ولدينا عدد من الرسائل التي تشكو إلى الفرعون تعديات ~~عازيرو وجماعات العابيرو المسلحة، ومنها هذه الرسالة التي بعث ~~بها أمير أورشليم المدعو عبدي هيبة: ~~«إلى الملك مولاي. هكذا يقول خادمك عبدي هيبة. انظر إلى ~~ما فعله ملكيلو، وشوارداتا (من قادة العابيرو) بأراضي ~~الملك. لقد دفعوا بقوات من جازر ومن جت ومن كيلة. أخذوا ~~أراضي روبوتو، وأرض الملك صارت بيد العابيرو. فليصغ ~~مليكي إلى خادمه عبدي هيبة ويرسل قوات تعيد الأراضي إلى ~~الملك. وإذا لم تصل القوات فإن أراضي الملك ستغدو جميعا ~~للعابيرو ...» # 3 # ولدينا رسائل مشابهة من ملوك جبيل ومجدو وشكيم وجازر وصور. ~~تقول رسالة ملك صور: ~~«إنني أحمي صور المدينة العظيمة من أجل مولاي الملك، إلى ~~أن تصلني قواته فتهبني ماء لأشرب، وحطبا لأدفأ. وإني ~~أحيطكم علما بأن زيميريدا ملك صيدون قد كتب مرارا إلى ~~المجرم عازيرو بن عبدي عشيرته بخصوص كل ما سمعه من مصر. ~~وها أنا قد كتبت إليك بكل ما يتوجب عليك معرفته.» # 4 # وتتقاطع النصوص الحثية مع النصوص المصرية بخصوص بعض أحداث ~~المنطقة خلال هذه الفترة. فلدينا نص معاهدة حثية مع عازيراس ~~(عازيرو) ملك آمورو، تؤكد لنا خضوعه لحاثي، وقيامه بخلق ~~الاضطرابات في المنطقة لصالحها. نقرأ في المعاهدة: ~~«أنا الملك الشمس قد جعلتك يا عازيراس تابعي، فإن صنت ~~أرض ملك حاتي، سيدك، فإن سيدك سيقدم لك الحماية. عليك أن ~~تحمي روح مليكك وشخصه وجسمه وأرضه، وملك حاتي سيقدم لك ~~بالمقابل الحماية نفسها. ويتوجب عليك أن تدفع 300 شيكل من ~~الذهب الخالص جزية سنوية ... (تعداد لبقية بنود المعاهدة). ~~لقد ترك عازيراس ملك آمورو بوابة مصر، وصار مواليا للملك الشمس.» # 5 # نلاحظ من أسماء زعماء العابيرو في رسائل تل العمارنة أن ~~بعضهم من أصل سامي، مثل ملكيلو (ملك-إيلو)، وبعضهم الآخر من ~~أصل هندو-أوروبي، مثل شوارداتا ولابايو. وهذا يدل على الأصول ~~المختلفة لجماعات ms082 العابيرو وعدم انتمائها إلى منشأ إثني عرقي ~~واحد. إن الدراسة المتأنية لرسائل تل العمارنة تدل على أن ~~العابيرو كانوا أشتاتا من الشرائح التي تعيش على هامش ~~المجتمع، ولا تمارس دورا محددا في النشاط الاقتصادي لدويلات ~~المدن المحلية. فقد تقدم خدمات عرضية لأهل المدن أو لأهل ~~المناطق الزراعية، وقد تتحد في عصابات تمارس النهب والسرقة، أو ~~تعمل جنودا مرتزقة في خدمة الملوك، شأنها في ذلك كله شأن ~~الخابيرو، الذين تعرفنا عليهم من خلال سجلات ثقافة البرونز ~~الوسيط في مملكة ماري وغيرها. وفي الحقيقة، فإن كلمة عابيرو هي ~~المعادل في اللغة السامية الغربية لكلمة خابيرو في السامية ~~الشرقية (الأكادية)؛ ذلك أن حرف العين في الكتابة الأكادية قد ~~سقط من الاستعمال منذ زمن بعيد وحل محله حرف الخاء. # لقد حاول بعض الباحثين إيجاد صلة بين كلمة عابيرو وكلمة ~~عبريم التوراتية التي تعني: عبراني، فاشتقوا الكلمتين من الجذر ~~«ع ب ر» في اللغة السامية الغربية، والذي يعني: مر أو عبر، ~~وذلك في محاولة لاختراع أصل في فلسطين لجماعات العبرانيين ~~الذين استولوا على أرض كنعان حسب رواية سفر يشوع. ويعتقد ~~أولبرايت، الذي يؤيد هذا الرأي، أن جماعة سفر الخروج من ~~العبرانيين قد التقت في منطقة فلسطين الشرقية بالعابيرو ~~القدماء، الذين بقوا في هذه المنطقة منذ فترة تل العمارنة، ~~وتمازجت معهم عبر فترة من الزمن قبل أن يبدأ الهجوم العبراني ~~الكاسح على دويلات المدن الفلسطينية. # 6 # أما الباحث لامكه # Lemche ~~، الذي يضع كامل أحداث الخروج خارج الإطار ~~التاريخي، ويعتقد بالأصل المحلي للإسرائيليين، فيجد بأن عابيرو ~~رسائل تل العمارنة قد لجئوا إلى المناطق الهضبية من فلسطين بعد ~~إخفاق عملياتهم العسكرية، وتمازجوا تدريجيا مشكلين شعب إسرائيل. # 7 # ولكن الاتجاهات الجديدة في البحث تميل إلى نفي وجود صلة بين ~~عابيرو القرن الرابع عشر في فلسطين، وعبريم التوراة. فالباحث ~~لوريتس # Lorets # على سبيل ~~المثال، وهو من أهم نقاد هذه الفرضية، يرى أنه بصرف النظر عن ~~وجود صلة بين كلمتي عابيرو وعبريم المختلفتين تماما، فإنه لا ~~يوجد لدينا أي دليل تاريخي ms083 يدعو إلى الربط بين هذا النوع من ~~المقارنات اللغوية وبين مسألة أصول إسرائيل. والمسألة هنا لا ~~تتعلق فقط بالفجوة الزمنية بين عصر العابيرو والفترة المفترضة ~~لدخول الإسرائيليين، بل بمدى التحولات الاجتماعية المتضمنة ~~في الفترة الفاصلة بين عصر العابيرو وعصر تدوين التوراة. وعلى ~~فرض وجود صلة لغوية بين عابيرو وعبريم، وهي صلة غير مؤكدة على ~~الإطلاق، فإن ذلك لا يعدو أن يكون نوعا من التشابه الذي لا ~~يتضمن أية وقائع تاريخية. وذلك إضافة إلى معلوماتنا الجديدة ~~عن المناطق الهضبية في فلسطين، والتي كانت خالية من السكان ~~خلال العصر الانتقالي من البرونز الأخير إلى عصر الحديد، ولم ~~يكن فيها لا عابيرو ولا عبرانيون. # 8 # انتهى عصر البرونز الأخير بكارثة مناخية واقتصادية شاملة، ~~كما أشرنا منذ قليل، وانهارت ممالك ذلك العصر من بحر إيجة إلى ~~الأناضول هبوطا نحو الساحل السوري وفلسطين. فقد ضربت المجاعة ~~أنحاء المملكة الحثية جميعها في أواخر القرن الثالث عشر، وأرسل ~~الملك الحثي يطلب شحنة قمح من أوغاريت. ولم تلبث المملكة ~~طويلا حتى تفككت، وراح سكانها يبحثون عن مناطق جديدة تعيلهم ~~في كل حدب وصوب، ثم تبعتها أوغاريت التي لم تصمد طويلا حتى ~~انهارت تماما حوالي عام 1182ق.م. ويبدو أن شعوب البحر الذين ~~أخلوا مناطقهم في اليونان وجزر بحر إيجة، وحط فريق منهم ~~على الشواطئ الحثية؛ كانوا يسيرون في أرض محروقة خلت من السكان ~~والزرع والضرع. ولعل الشيء نفسه ينطبق على أوغاريت التي ~~يرجح بعض الباحثين اليوم أنها لم تسقط بيد شعوب البحر، وإنما ~~هجرها سكانها بعد أن ضربتها الزلازل، ولم تكن البنية ~~الاقتصادية للمدينة تسمح بإعادة بنائها. وتسير هذه الفرضية إلى ~~القول بأن معظم المدن التي دمرت خلال هذه الفترة كانت في حالة ~~انهيار اقتصادي كامل أدى إلى إطلاق رصاصة الرحمة عليها بوسائل ~~شتى. من هنا، فإن النظرية القديمة، التي تعزو دمار ثقافة عصر ~~البرونز الأخير إلى الجماعات المدعوة بشعوب البحر، لم تعد ~~بالنظرية المفضلة الآن. ولكن من هم بالضبط شعوب البحر الذين ~~كتبوا الفصل الأخير في مسلسل انهيارات ms084 ثقافة البرونز ~~الوسيط؟ # بعد انهيار الحضارة المسينية في كريت وجزر بحر إيجة بتأثير ~~الكارثة المناخية، والغزوات العسكرية التي أجهزت عليها؛ تم ~~اقتلاع جزء كبير من سكان هذه المناطق وتشتيتهم في الأصقاع ~~المجاورة. ويبدو أن ضغط البرابرة على اليونان وجزر بحر إيجة، ~~قد أدى إلى سلسلة من تحركات الشعوب بحثا عن مناطق جديدة ~~للاستقرار، بعيدا عن عالم تم تهديمه تماما. وقد وصلت طلائع ~~هذه الفئات الهائمة - التي ترتحل مع خيامها وأسرها ومتاعها ~~المنزلي - إلى شمال أفريقيا، وتعاونت مع الليبيين الذين كانوا ~~يتربصون منذ زمن طويل للانقضاض على مصر، فتقدم هذا التحالف ~~المؤقت نحو الدلتا في محاولة للاستقرار فيها. ولكن الفرعون ~~مرنفتاح تصدى لهم بقوة، وردهم عن حدود مصر البرية والبحرية ~~في معركة فاصلة جرت حوالي عام 1220ق.م. وفي الوقت نفسه تقدمت ~~جماعات متحدة أخرى من شعوب البحر هؤلاء، منطلقة من نقطة ما من ~~الأرخبيل الإيجي، وحطت على شواطئ آسيا الصغرى مخترقة أراضي ~~المملكة الحثية المخربة وشبه المهجورة، مستولية على ما يمكن ~~الاستيلاء عليه مما أبقت عليه المجاعة التي توطنت في تلك ~~المناطق. ثم تابعت طريقها هبوطا نحو بلاد الشام مهدمة أو ~~مستولية على المدن التي صمدت أمام الكارثة المناخية، وأخذت ~~الطريق الساحلي نحو فلسطين حيث أشاعت الفوضى والدمار في ممالك ~~المدن الكنعانية، وهدفها الأخير مصر، أسمن الطرائد في ذلك ~~العصر. ولكن خليفة مرنفتاح الفرعون رمسيس الثالث تصدى لهم في ~~جنوب فلسطين، وقضى عليهم نهائيا كجماعة عسكرية موحدة، ~~فتفرقوا في المنطقة وذابوا تدريجيا في تركيبها السكاني. ~~ويبدو من الوثائق المصرية أن فريقا منهم، وهو الذي يدعى ~~البيليست، قد توطن في ساحل فلسطين الجنوبي، وهي المنطقة التي ~~تدعوها الأسفار التوراتية بأرض الفلسطينيين، وتدعوها الوثائق ~~الآشورية بفلستيا. # غير أن هؤلاء المستوطنين على الساحل الفلسطيني لم يحافظوا ~~على تكوين عرقي وثقافي مدة طويلة. ذلك أن دراسة المخلفات ~~المادية لثقافة هذه المنطقة منذ مطلع عصر الحديد # 9 # تظهر أن الخزفيات القريبة من نمط بحر إيجة تنتشر ~~لفترة قصيرة مع مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ثم ms085 تختفي ~~تدريجيا لتحل محلها خزفيات تنتمي إلى أنماط محلية واضحة. ~~كما تظهر نقوش كتابية مينوية (كريتية) متفرقة على الأختام، ~~ثم تختفي لتحل محلها النقوش الكنعانية. وفيما عدا ذلك، فإن ~~جميع الآثار المادية للمنطقة المدعوة بفلستيا تعكس طابعا ~~محليا واضحا في كل مجال من مجالات الحياة، من الأنماط ~~المعمارية إلى المعتقدات والممارسات الدينية التي تركزت حول ~~آلهة كنعانية قديمة، مثل داجون وعشتاروت. وهذا يعني أن المدن ~~الفلسطينية الخمسة الموصوفة في النصوص الآشورية خلال النصف ~~الأول من الألف الأول قبل الميلاد، وفي النصوص التوراتية من ~~أواسط الألف الأول قبل الميلاد؛ لم تكن إلا مدنا كنعانية ~~قلبا وقالبا. وإن عقد الصلة بين بيليست شعوب البحر ممن تسرب ~~بعضهم إلى المنطقة مع مطلع القرن الثاني عشر، وفلسطينيي ~~النصوص الآشورية والتوراتية، باعتبار هؤلاء استمرارا إثنيا ~~وثقافيا لأولئك؛ لا يقوم على أساس تاريخي صلب. # هذه هي الصورة العامة للمسرح الذي اقتحم عليه يشوع بن نون ~~بقبائله العبرانية، ووزع أرض كنعان على تلك القبائل وفق ~~الرواية التوراتية. فإلى أي حد تنطبق أحداث سفر يشوع وسفر ~~القضاة من بعده على هذه الصورة؟ ~~(2) النظرية التوراتية الأولى # يشوع والاقتحام العسكري لكنعان # يقدم لنا محررو التوراة نظريتين متناقضتين لتفسير أصول ~~القبائل الإسرائيلية في كنعان؛ نظرية الاقتحام العسكري الصاعق ~~عبر نهر الأردن، والتي تقوم على أساس أحداث سفر يشوع، ونظرية ~~التسلل السلمي التدريجي، التي تقوم على أساس أحداث سفر القضاة. ~~وهذان السفران متناقضان في تفاصيلهما جميعها إلى درجة تدفع إلى ~~القول بأن محرر سفر القضاة لم يقرأ أو يطلع على سفر يشوع، ~~وأن القائمين على عملية الصياغة الأخيرة للنص التوراتي لم ~~يكونوا في موقف يساعدهم على تفضيل إحدى النظريتين على الأخرى، ~~فوضعوهما جنبا إلى جنب، ربما في انتظار صياغة نهائية للنص لم ~~تر النور حتى الآن. وسنتفرغ فيما يلي لسفر يشوع. # بعد موت موسى أمر الرب يشوع بن نون - وكان الذراع العسكري ~~الأيمن لموسى - أن يستلم زمام القيادة قائلا: «موسى عبدي قد ~~مات. فالآن قم اعبر هذا الأردن أنت وكل الشعب إلى ms086 الأرض التي ~~أنا معطيها لبني إسرائيل. كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم ~~أعطيته كما كلمت موسى ... فأمر يشوع عرفاء الشعب قائلا: جوزوا ~~في وسط المحلة ومروا الشعب قائلين: هيئوا لأنفسكم زادا؛ ~~لأنكم بعد ثلاثة أيام تعبرون الأردن هذا، لكي تدخلوا فتمتلكوا ~~الأرض التي يعطيكم الرب» (يشوع، 1: 1-11). وعندما حل الموعد ~~المضروب، وتقدم يشوع بقواته لعبور الأردن، وأمامهم تابوت ~~العهد، انفلقت مياه النهر أمامهم في معجزة إلهية ثانية كمعجزة ~~بحر سوف، وعبروا على اليابسة، ثم عاد الماء سيرته ~~الأولى. # فلسطين في عصر ~~الحديد. # خيم يشوع في موقع الجلجال في تخم مدينة أريحا الشرقي، ~~وخاطب الشعب قائلا: «غدا تعلمون بنيكم قائلين: على ~~اليابسة عبر إسرائيل هذا الأردن، لأن الرب إلهكم قد يبس مياه ~~الأردن أمامكم حتى عبرتم، كما فعل الرب إلهكم ببحر سوف الذي ~~يبسه من أمامنا حتى عبرنا. لكي تعلم جميع شعوب الأرض يد الرب ~~أنها قوية» ... «فحل بنو إسرائيل في الجلجال، وعملوا الفصح في ~~اليوم الرابع عشر من الشهر مساء في عربات أريحا، وأكلوا من ~~غلة الأرض في الغد بعد الفصح فطيرا وفريكا. وانقطع المن في ~~الغد عند أكلهم من غلة الأرض، ولم يكن بعد لبني إسرائيل من» ~~(يشوع، 3-5). # لم يدم حصار مدينة أريحا المنيعة أكثر من سبعة أيام؛ لأن ~~الرب أظهر في أريحا معجزة أخرى. لقد أمر الرب يشوع أن يدور ~~بجنوده حول أسوار المدينة في كل يوم مرة، وفي اليوم السابع لدى ~~إتمامهم سبع دورات، يقوم حملة الأبواق بالنفخ فيها بصوت ~~عظيم، يتبعهم الشعب جميعه بهتافات مدوية، فيسقط سور المدينة من ~~تلقاء ذاته، وتكون المدينة وكل ما فيها محرما للرب. والتحريم ~~بالمصطلح التوراتي هو تقديم سكان المدينة المغلوبة قربانا ~~للرب مع مواشيهم وكل نفس حية من ممتلكاتهم. أما الممتلكات ~~المادية الثمينة، كأواني الفضة والنحاس والذهب، فتكون قدسا ~~للرب، وتدخل في خزانة الرب. فعل يشوع ما أمره الرب، وسقطت ~~أسوار أريحا من تلقاء ذاتها، فدخل يشوع وجنوده وأبادوا أهل ~~المدينة عن بكرة أبيهم مع حيواناتهم ومواشيهم، ثم نهبت ms087 ~~المدينة وأحرقت بالنار (يشوع، 6). ومن أريحا يتجه يشوع نحو ~~مدينة عاي القريبة منها، ولكنه يهزم هزيمة منكرة: «فضرب منهم ~~أهل عاي نحو ستة وثلاثين رجلا، ولحقوا بهم وضربوهم في ~~المنحدر. فذاب قلب الشعب وصار مثل الماء. فمزق يشوع ثيابه وسقط ~~على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب إلى المساء، هو وشيوخ ~~إسرائيل، ووضعوا ترابا على رءوسهم.» عند ذلك يخبر الرب يشوع ~~عن سبب هزيمتهم، ونعرف أن واحدا من رجال إسرائيل قد احتفظ ~~لنفسه بثوب وبعض الأمتعة النفيسة في أريحا، مخالفا بذلك أمر ~~التحريم. فيؤخذ المذنب مع بنيه وبناته وبقره وحميره وغنمه ~~وخيمته فيرجمون جميعا ثم يحرقون بالنار، حتى يرجع غضب الرب ~~عن إسرائيل. وعندما شن يشوع حملته الثانية على مدينة عاي ~~أخذها وقتل سكانها جميعا، وجعلها «تلا خرابا أبديا إلى ~~هذا اليوم.» ولكن البهائم نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب ~~الذي أمر به يشوع (يشوع، 7-8). # ولما سمع سكان جبعون القريبة من أريحا نحو الشرق، خافوا من ~~مواجهة إسرائيل، وصعد وفد منهم بخدعة إلى يشوع وقد ارتدوا ~~أسمالا بالية ونعالا ممزقة، وفي أكياس زادهم خبز يابس قد ~~صار فتاتا، وطلبوا الأمان لمدينتهم منه قائلين إن مدينتهم ~~بعيدة جدا وفقيرة، وها هي ثيابهم قد بليت، ونعالهم قد تشققت ~~من طول المسافة، وزادهم من الخبز قد تفتت ويبس في الطريق. ~~فقطع لهم يشوع ورؤساء جماعته عهدا بعدم الاعتداء عليهم. وبعد ~~سفرهم عرف يشوع أن المدينة قريبة وميسورة الحال، ولكنه بقي على ~~العهد الذي قطعه لهم، وأمر بتسخيرهم لخدمة إسرائيل، وجعل منهم ~~محتطبي حطب ومستقي ماء للجماعة ولمذبح الرب (يشوع، ~~9). ~~«فاجتمع ملوك الآموريين الخمسة؛ ملك أورشليم، وملك حبرون، ~~وملك يرموت، وملك لخيش، وملك عجلون، وصعدوا هم وكل جيوشهم، ~~ونزلوا على جبعون وحاربوها. فأرسل أهل جبعون إلى يشوع إلى ~~المحلة في الجلجال يقولون: لا ترخ يديك عن عبيدك. اصعد إلينا ~~عاجلا وخلصنا ... فصعد يشوع من الجلجال ورجال الحرب جميعهم معه ~~وكل جبابرة البأس. فقال الرب ليشوع: لا تخفهم، لأني بيدك قد ~~أسلمتهم، لا يقف ms088 رجل واحد منهم بوجهك. فأتى إليهم يشوع بغتة، ~~صعد الليل كله من الجلجال، فأزعجهم الرب أمام إسرائيل، وضربهم ~~ضربة عظيمة في جبعون. وبينما هم هاربون من أمام إسرائيل وهم في ~~منحدر بيت حورون رماهم الرب بحجارة عظيمة من السماء ... حينئذ ~~كلم يشوع الرب وقال أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون، ~~ويا قمر على وادي أيلون، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم ~~الشعب من أعدائه» ... أما الملوك الخمسة، فقد قبض عليهم يشوع ~~وقتلهم وعلقهم على أعمدة من خشب. بعد ذلك يتابع يشوع مسيرته ~~جنوبا ويستولي على المدن التالية: مقيدة، لبنة، لخيش، جازر، ~~عجلون، حبرون، دبير، وصولا إلى غزة على الساحل، ثم ينعطف نحو ~~الصحراء ليصل إلى قادش برنيع، دون أي ذكر لمدينة أورشليم، التي ~~كانت رأس تحالف الملوك الخمسة. بعد ذلك يقفل عائدا إلى مخيمه ~~في الجلجال قرب أريحا (يشوع، 10). # وكانت حاصور درة مدن الشمال وأقواها. فجمع ملكها المدعو ~~يابين إليه ملوك الشمال «فخرجوا هم وكل جيوشهم معهم، شعبا ~~غفيرا كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة، بخيل ومركبات ~~كثيرة جدا. فاجتمع هؤلاء الملوك بميعاد، وجاءوا ونزلوا معا ~~على مياه ميروم لكي يحاربوا إسرائيل ... فدفعهم الرب بيد إسرائيل ~~فضربوهم وطاردوهم ... ثم رجع يشوع في ذلك الوقت وأخذ حاصور وضرب ~~ملكها بالسيف، وضربوا كل نفس بها بحد السيف، حرموهم، لم تبق ~~نسمة، وأحرق حاصور بالنار. فأخذ يشوع كل مدن أولئك الملوك ~~وجميع ملوكها وضربهم بحد السيف، حرمهم كما أمر موسى عبد ~~الرب. وكل غنيمة تلك المدن والبهائم نهبها بنو إسرائيل لأنفسهم ~~... فأخذ يشوع كل الأرض حسب ما كلم به الرب موسى، وأعطاها يشوع ~~ملكا لإسرائيل حسب فرقهم وأسباطهم، واستراحت الأرض من الحرب» ~~(يشوع، 11). # بعد ذلك لا يبقى أمام يشوع سوى الانشغال بكيفية توزيع أرض ~~كنعان على الأسباط، ورسم الحدود الدقيقة لأراضي كل سبط. وهذا ~~ما تفصله بقية إصحاحات سفر يشوع من 12 إلى 24، ثم يموت يشوع ~~وعمره مائة وعشر سنين. # النقد النصي لسفر يشوع # يستمر في سفر يشوع أسلوب السرد ms089 الملحمي الممزوج بعناصر ~~قصصية خرافية. فعبور نهر الأردن يتم بعد انفلاق الماء أمام ~~الإسرائيليين، وسور أريحا يسقط من تلقاء ذاته على صوت ~~الأبواق والهتافات العالية، والسماء تمطر حجارة ثقيلة على ~~الجيوش الخمسة وتقتل منهم أكثر مما قتله الجنود، والشمس ~~تقف في كبد السماء ولا تعجل للغروب حتى يطول النهار ~~ويسمح بانتصار الإسرائيليين. ثم يعمد المحرر فوق ذلك ~~إلى تلوين روايته بعناصر من القصص الشعبي. فقبل الهجوم على ~~أريحا يبعث يشوع برجلين من عنده للتجسس على المدينة، فذهبا ~~ودخلا بيت امرأة زانية اسمها راحاب، واضطجعا هناك، فعرف ~~ملك أريحا بأمر الجاسوسين وبمكان إقامتهما، فأرسل إلى ~~راحاب يعلمها بأن الرجلين من الجواسيس ويطالبها ~~بتسليمهما، ولكن المرأة خبأتهما على سطح بيتها بين عيدان ~~الكتان، وقالت لرسل الملك بأنهما غادرا قبل إغلاق بوابات ~~المدينة مساء، فلحقوا بهما في طريق الأردن إلى المخاوض. ~~ثم أنزلت الرجلين وقالت لهما: «علمت أن الرب قد أعطاكم ~~الأرض، وأن رعبكم قد وقع علينا، وأن جميع سكان الأرض قد ~~ذابوا من أجلكم ... فالآن احلفا لي بالرب وأعطياني علامة ~~أمانة - لأني عملت معكما معروفا - بأن تعملا أنتما أيضا ~~مع بيت أبي معروفا وتخلصا أنفسنا من الموت.» فوعدها ~~الرجلان خيرا وانطلقا إلى المعسكر. وحين استباح يشوع ~~المدينة لم يبق فيها إلا على راحاب وعائلتها بسبب ~~المعروف الذي صنعته لهم. وتعتمد قصة الصلح مع مدينة جبعون ~~على عناصر التشويق والفكاهة الضمنية المعروفة في حكايا ~~الشطار والعيارين. فالقائد العسكري المهيب ينخدع بحيلة رسل ~~أهل جبعون، ويصدق قصتهم عن مدينتهم البعيدة والفقيرة ~~جدا، ويعطيهم الأمان، ليعرف بعد قليل أن جبعون لا تبعد ~~أكثر من بضعة أميال عن أريحا. وبالطبع فإن مثل هذه الحيلة ~~لا يمكن أن تنطلي على قائد محنك عمل مسبقا على دراسة ~~مسرح عملياته القتالية، وجمع المعلومات الكافية عن مدن ~~العدو وقلاعه وحصونه وطبيعة أرضه. هذا إذا أخذنا بعين ~~الاعتبار أن مصادر معلومات يشوع لم تكن وقفا على الزانيات ~~الخائنات. # قد تبدو الاستراتيجية العسكرية التي اتبعها يشوع مقنعة ~~أحيانا، ويقترب النص التوراتي في ms090 سردها مما يشبه التاريخ، ~~غير أن تدخل العناصر اللاهوتية والملحمية ما يلبث أن يعيد ~~عملية السرد إلى نهجها الخيالي الذي التزمته، رغم اجتماع ~~عناصر الحادثة التاريخية أمام المحرر. فالهجوم الأول على ~~مدينة عاي يفشل لأن جنديا سرق بعض المتاع من أريحا، التي ~~أمر الرب أن يكون كل ما فيها له. ولا يفلح الإسرائيليون في ~~هجومهم الثاني إلا بعد تقديم المذنب أمام الرب ورجمه حتى ~~الموت مع أفراد عائلته جميعهم. وفي قصة لقاء يشوع مع ملك ~~حاصور يبدأ المحرر في تجميع العناصر المنطقية لقصته، حين ~~يأخذ يابين ملك حاصور بجمع ملوك الشمال الخمسة من أجل ~~الوقوف في وجه يشوع العائد منتصرا من الجنوب، إلا أن ~~القصة ما تلبث حتى تتخذ المسار الملحمي المعهود، فنجد أن ~~المجتمعين عند مياه ميروم للقاء يشوع ليسوا ملوك التجمع ~~الشمالي فقط، بل ملوك من شتى أنحاء فلسطين؛ من اليبوسيين ~~في الجنوب إلى الحويين عند سفوح جبل الحرمون، فصار أعداء ~~إسرائيل مثل الرمل الذي على شاطئ البحر، على حد قول النص. ~~وبذلك غلبت الحبكة الملحمية على الحبكة التاريخية بشكل ~~مقصود ومتعمد. وفيما يتعلق بمدينة أورشليم، فإن وضعها قد ~~بقي غامضا في استراتيجية يشوع، فقد قتل يشوع ملكها الذي ~~كان رأس تحالف ملوك الجنوب الخمسة، ولكنه لم يعرج على ~~المدينة في طريقه نحو الجنوب، بل تابع حملته جنوبا وصولا ~~إلى غزة، ثم عاد إلى مقره في الشمال دون أي ذكر لأورشليم. ~~وعندما يأتي النص على ذكر توزيع الأراضي المكتسبة على ~~الأسباط يقول بشأن أورشليم: «وأما اليبوسيون الساكنون في ~~أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم، فسكن اليبوسيون مع ~~بني يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم» (يشوع، 15: ~~63). # وفي الحقيقة، فإن عملية توزيع الأراضي المكتسبة في كنعان ~~على القبائل الإسرائيلية تظهر بوضوح أن حملات يشوع ~~العسكرية لم تكن حاسمة، وأن العديد من المدن التي ذكر النص ~~سابقا عن تدميرها وإبادة سكانها ما تزال قائمة وسكانها ~~أقوياء، وأن الإسرائيليين عاجزون عن طردهم والحلول محلهم. ~~فعن مدينة جازر مثلا نقرأ في حكاية ms091 الحملة العسكرية ~~الجنوبية ليشوع: «حينئذ صعد هورام ملك جازر لإعانة الجيش، ~~فضربه يشوع مع شعبه ولم يبق له شاردا» (يشوع، 10: 33). ~~ثم نقرأ عن جازر بعد ذلك أن سبط أفرايم «لم يطردوا ~~الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط ~~أفرايم إلى هذا اليوم» (يشوع، 16: 10). وبخصوص مدن وادي ~~يزرعيل (مرج ابن عامر)، التي تعد من أقوى المدن ~~الفلسطينية وأغناها، نعرف أن سبط منسي، الذي أعطي هذه ~~المناطق، لم يقدر على امتلاكها، بينها بيت شان وتعنك ~~ومجدو: «ولم يقدر بنو منسي أن يملكوا هذه المدن، فعزم ~~الكنعانيون على السكن في تلك الأرض» (يشوع، 17: 12). وهم ~~يشتكون إلى يشوع خوفهم من سكان هذه المناطق لأنهم أقوياء ~~ولديهم مركبات من حديد: «فقال بنو يوسف (أفرايم ومنسي): لا ~~يكفينا الجبل، ولجميع الكنعانيين الساكنين في أرض الوادي ~~مركبات من حديد؛ للذين في بيت شان وقراها وللذين في وادي ~~يزرعيل» (يشوع، 17: 16). ولسوف نرى بعد قليل في سفر القضاة ~~أن يشوع لم يكتسب من الأرض شيئا في كنعان، بل قام ~~بتوزيعها نظريا على الأسباط، تاركا كل سبط يعمل على ~~اكتساب نصيبه بنفسه وعلى طريقته الخاصة. # وتنم بعض تفاصيل سفر يشوع عن وجود شكل أقدم لقصة الخروج، ~~يجعل جماعة موسى تنطلق من قادش برنيع أو من مكان ما آخر في ~~سيناء، مباشرة نحو كنعان دون وقفة مطولة في شرقي الأردن، ~~وأن هذا الشكل الأقدم هو الذي استند إليه محرر سفر يشوع. ~~فبعد عبور يشوع للأردن وحلوله في الجلجال يحتفل بنو ~~إسرائيل بالفصح، ويأكلون من غلة الأرض لأول مرة بعد خروجهم ~~من مصر، وينقطع عنهم المن الذي كان غذاء لهم طيلة فترة ~~الخروج: «وانقطع عنهم المن عند أكلهم من غلة الأرض، ولم ~~يكن بعد لبني إسرائيل من» (يشوع، 5-12). ولما كنا نعرف ~~من سفر العدد والتثنية أن جماعة موسى قد استولوا على ~~مناطق واسعة بمدنها وقراها في شرقي الأردن، وأقاموا فيها ~~فترة لا بأس بها، وصارت لهم مواش كثيرة (التثنية، 13)، ~~فإننا نعجب كيف استمر طعامهم مقتصرا على المن الذي تجود ~~به ms092 السماء كل تلك السنين التي قضوها في قادش برنيع وفي ~~شرقي الأردن، من دون اللحم وغلة الأرض. ولا ندري ماذا فعل ~~هؤلاء مثلا بالألوف المؤلفة التي غنموها من أعدائهم من ~~رءوس الغنم والبقر، مما نقرأ عنه في سفر العدد (31: ~~31-34): «وكان النهب - فضلة الغنيمة التي اغتنمها رجال ~~الجند: من الغنم ستمائة وخمسة وسبعين ألفا، ومن البقر ~~اثنين وسبعين ألفا، ومن الحمير واحدا وستين الفا.» على ~~أن النص يخبرنا في أكثر من موضع أنهم كانوا يأكلون اللحم ~~من دون من السماء. ففي العدد (25: 1-2) نقرأ: «وأقام ~~إسرائيل في شطيم، وابتدءوا يزنون مع بنات موآب. فدعون ~~الشعب إلى ذبائح آلهتهن، فأكل الشعب وسجدوا ~~لآلهتهن.» # وباختصار، فإن النقد النصي لسفر يشوع يظهر أمام أعيننا ~~أن هذا السفر في شكله وفي مضمونه ليس نصا تاريخيا بأي ~~معيار، ولم يكن يطمح لأن يكون كذلك. وليس الإقناع الذي ~~يمارسه السفر على قارئه لأول وهلة إلا نتاجا لحيوية ~~الأسلوب، وتتابع الأحداث دون فواصل أو انقطاعات وفجوات، ~~وفوق ذلك كله اعتماد المحرر على جغرافية واقعية ~~للحدث. # النقد التاريخي والأركيولوجي لسفر يشوع # يتفق معظم المؤرخين على وضع تاريخ لأحداث سفر يشوع لا ~~يتجاوز عام 1200ق.م. إلا أن مقارنة أحداث سفر يشوع مع ~~أحداث هذه الفترة الانتقالية من عصر البرونز الأخير إلى ~~عصر الحديد، والأوضاع العامة السائدة في الشرق الأدنى ~~القديم؛ لا تقدم لنا نقطة ارتكاز واحدة يمكن عندها تثبيت ~~الإطار التاريخي ليشوع على الخلفية العامة لهذه الفترة، ~~التي كانت تموج بالأحداث الجسيمة التي قادت إلى نهاية ~~ثقافة بكاملها وابتداء ثقافة جديدة. فالفلستيون غير ~~مذكورين بتاتا، ناهيك عن بقية شعوب البحر الذين يفترض ~~تواجدهم بكثرة في فلسطين استعدادا لغزو مصر. ولا يوجد ذكر ~~للفرعون مرنفتاح (1212-1200ق.م.) الذي هزم تحالف الليبيين ~~مع شعوب البحر، وردهم عن حدود مصر الغربية، ثم شن بعد ذلك ~~حملة على فلسطين حوالي عام 1207 أو 1208ق.م. كما لا يوجد ~~ذكر للفرعون رمسيس الثالث، الذي قضى في عام 1191ق.م. على ~~هجوم شعوب البحر الذين انطلقوا من فلسطين، ms093 ثم تعقبهم حتى ~~بيت شان في الشمال حيث نصب لنفسه تمثالا عثر عليه في ~~أنقاض المدينة إلى جانب نص مصري يصف الحملة. وفيما عدا تلك ~~الممالك الصغيرة في شرقي الأردن، والتي أثبتنا في نقدنا ~~لرواية الخروج أنها لم تكن موجودة، فإن النص لا يحفل بذكر ~~أي مدينة أو مملكة معروفة لدينا من تلك المدن الكبيرة ~~والممالك المجاورة لفلسطين. كل هذا يؤكد أن محرري سفر يشوع ~~كانوا يصوغون قصة بدون إطار تاريخي، ولم يكن بين أيديهم ~~معلومات واضحة عن تلك الفترة التي اختاروها لأحداثهم، أو ~~التي اختارها لهم المؤرخون المحدثون. # وتبدو الشواهد الآثارية أكثر تخييبا للآمال، فعلم ~~الآثار لم يستطع تقديم بينة واحدة من الفترة الانتقالية ~~بين البرونز الأخير وعصر الحديد، تدل على حلول أقوام جديدة ~~في فلسطين، حملت معها ثقافة مغايرة للثقافة الكنعانية ~~السائدة. والمواقع التي أعيد بناؤها بعد تهديمها، سواء ~~بالغزو أم بوسائط أخرى، قد بنيت بيد السكان المحليين، ~~ودون أن تظهر في مواقعها آثار انقطاع حضاري أو تأثيرات خارجية. # 10 # أما عن المدن التي ادعى سفر يشوع تخريبها ~~وإحراقها بالنار، وخصوصا أريحا وعاي وحاصور، فإن التنقيب ~~الأثري قد أخفق حتى الآن في تقديم الدلائل على تاريخية ~~الرواية التوراتية. # فيما يتعلق بأريحا، أثبتت نتائج التنقيب الأثري (الذي ~~ابتدأ في الموقع منذ عام 1876، واستمر بشكل متقطع حتى ~~ستينيات القرن العشرين) أن المدينة قد دمرت في عصر ~~البرونز الوسيط حوالي عام 1560ق.م. ولم يعد بناؤها ~~كمدينة مسورة خلال عصر البرونز الأخير، رغم العثور على ~~كسرات فخارية بين جملة دلائل أخرى تشير إلى قيام سكن ~~عرضي فوق التل خلال البرونز الأخير. وهذه الدلائل تتوقف ~~مع نهاية القرن الرابع عشر، ويخلو الموقع تماما من دلائل ~~الحياة. وهذا يعني أن آثار السكن قد توقفت تماما قبل قرن ~~كامل من التاريخ المفترض لهجوم يشوع على أريحا، وأن ~~الأسوار التي سقطت من تلقاء نفسها بمعجزة من الرب كانت قد ~~تهدمت قبل ذلك بأكثر من ثلاثة قرون. وفيما يتعلق بمدينة ~~عاي، التي تم التعرف عليها في الموقع ms094 المعروف اليوم باسم ~~«التل» بعد خمسة عشر كيلو مترا من القدس، فقد أثبتت نتائج ~~التنقيب الأثري في الموقع على أن هذه المدينة كانت مزدهرة ~~خلال عصر البرونز المبكر، ثم هجرت تماما خلال عصر ~~البرونز الوسيط وعصر البرونز الأخير، أي قبل الوصول ~~المفترض للإسرائيليين بحوالي ألف سنة. أما فيما يتعلق ~~بمدينة حاصور، التي تم التعرف عليها إلى الجنوب من بحيرة ~~الحولة، فقد كشف المنقبون عن آثار دمار كامل للمدينة يعود ~~إلى أواخر البرونز الأخير. ولكن بينما يرجع عالم الآثار ~~الإسرائيلي إيجال يادين هذا الدمار إلى حوالي عام 1230ق.م. ~~فإن المنقب الإسرائيلي الآخر موشي كوشافي يرى أن آثار هذا ~~الدمار لا يمكن أن تعود إلى ما بعد 1275ق.م.، وهو الرأي ~~الذي تدعمه المنقبة كاثلين كينيون ومعظم علماء الآثار في ~~فلسطين. وهذا يعني أننا ما زلنا خارج الفترة المفترضة ~~لدخول الإسرائيليين. # 11 # وتدل التنقيبات في موقع مدينة جبعون - التي صالحت يشوع ~~وجرت عندها المعركة الكبرى بين يشوع والتحالف الجنوبي ~~بقيادة أدوني صادق ملك أورشليم - على أن المدينة لم تكن ~~قائمة خلال القرن الثالث عشر بكامله. وكذلك الأمر في مواقع ~~المدن التابعة لها والمذكورة في يشوع (9: 17)، مثل ~~الكفيرة، التي يغلب أن تكون في موقع خربة كفر، حيث لم يعثر ~~المنقبون على آثار سكنية تعود إلى ما قبل القرن الثاني ~~عشر. فإذا تتبعنا مسار حملة يشوع نحو الجنوب عبر مدن مقيدة ~~ولبنة ولخيش وعجلون وحبرون ودبير وجازر؛ لعثرنا على آثار ~~دمار في بعض هذه المواقع، مثل لخيش (تل الدوير)، ودبير (تل ~~بيت مرسمي)، تعود إلى حوالي عام 1230ق.م.، أي إلى تاريخ ~~قريب من التاريخ المفترض لوصول الإسرائيليين. ورغم أن ~~المؤيدين لنظرية الاقتحام العسكري لأرض كنعان يعزون هذا ~~الدمار إلى حملة يشوع، إلا أن المرجح والمتفق مع ~~معلوماتنا التاريخية هو أن دمار هذه المدن الجنوبية في ~~فلسطين خلال أواخر القرن الثالث عشر متعدد الأسباب، ولا ~~نستطيع في الوضع الحالي لمعلوماتنا ترجيح واحد من هذه ~~الأسباب على الآخر، لأن الغزاة عادة لا يتركون وراءهم ~~بطاقة زيارة تفصح ms095 عن هويتهم. فقد يكون المسئول عن ذلك ~~الفرعون رمسيس الثاني في آخر حملة له على فلسطين، أو أن ~~يكون المسئول عن ذلك خليفته مرنفتاح، أو شعوب البحر ممن ~~كانت تعج بهم المنطقة في ذلك الوقت. # 12 # وكخلاصة في مسألة تاريخية سفر يشوع أسوق إلى القارئ هذا ~~التقييم الأخير للوقائع المتعلقة بالموضوع، الذي أورده في ~~دراسة جديدة له المنقب جوزيف كالووي # J. Callaway # صاحب الباع ~~الطويل في عمليات عديدة في فلسطين خلال ربع القرن الماضي. ~~يقول كالووي: ~~«بعد استعراض الوثائق الأركيولوجية جميعها من المواقع ~~الفلسطينية المذكورة في سفر يشوع، هل يمكن القول بأن ~~الغزاة الإسرائيليين قد استولوا على المناطق الهضبية ~~والجليل عبر معارك عسكرية خاطفة، مما يرويه سفر يشوع من ~~الإصحاح الأول إلى الإصحاح الثاني عشر؟ إن البينات ~~الأركيولوجية غير مقنعة، وتتعارض في معظمها مع الرواية ~~التوراتية، وإلى درجة لا يستطيع معها أنصار نظرية الفتح ~~العسكري، من أمثال إيجال يادين، إقناعنا بها إلا بواسطة ~~الإيمان الأعمى ... إن النص التوراتي عن الفتح العسكري قد ~~أخذ شكله الذي وصل إلينا بعد فترة طويلة من استقرار ~~الإسرائيليين في الأرض. وهذا الشكل يمكن وصفه بالتاريخ ~~الوعظي أو التبشيري، مما يلائم القائمين على الصياغة خلال ~~عصر المملكة. ولتحقيق هذه الغاية، فإن المحررين قد اختاروا ~~مقتطفات متفرقة من مصادر وصلت إليهم، وصاغوا منها قصة عن ~~بدايات إسرائيل، وذلك من وجهة نظر لاهوتية.» # 13 # وبذلك تكون دراستنا للأسفار الخمسة ولسفر يشوع قد ~~أوصلتنا إلى نتيجة واحدة أساسية، وهي أن نهاية عصر ~~البرونز، وبشكل خاص العقود الأخيرة من القرن الثالث عشر، ~~لم تشهد وصول جماعة موحدة اسمها إسرائيل إلى أرض كنعان، ~~ولا إلى أرض شرقي الأردن. ولسوف نرى فيما بعد أن الاسم ~~«إسرائيل»، كدلالة على جماعة مميزة ذات كيان، لم يظهر في ~~التاريخ إلا بعد ذلك بعدة قرون من الزمان، وذلك عقب بناء ~~مدينة السامرة، وتشكيل دولة إسرائيل المعروفة تاريخيا في ~~منطقة الهضاب المركزية لفلسطين، مع بدايات القرن التاسع ~~قبل الميلاد. ولكن ماذا عن نصب الفرعون مرنفتاح الذي ~~يتحدث ms096 عن حملته على جنوب سوريا، ويذكر الاسم «إسرائيل» في ~~عداد من قهرهم الفرعون! علما بأن هذه هي الإشارة الأولى ~~والأخيرة التي تتضمن الاسم «إسرائيل» في أي نص مصري. يقول ~~نصب مرنفتاح في الموضع الذي يذكر فيه إسرائيل ما ~~ترجمته: # انطرح الأمراء على الأرض صارخين: السلام # لا ترى رأسا بين الساجدين التسعة # حيث ليبيا صارت خرابا، وحاتي هدأت خلف حدودها. # أما كنعان فقد آلت إلى كل محنة وبلية؛ # فأشقلون قد انهارت # وغزة قد محيت من الوجود. # إسرائيل صار خرابا وقطع دابره. # حورو صارت أرملة أمام هجوم مصر. # 14 # لقد ناقش الباحثون المحافظون في أن الاسم «إسرائيل»، ~~المذكور في نصب مرنفتاح، يشير إلى جماعة سفر الخروج ~~الذين حملهم يشوع إلى فلسطين. ولكن أكثر الباحثين اليوم لا ~~يوافق على هذا الرأي؛ لأنه يحتوي ضمنا أن تكون جماعة ~~إسرائيل الخروج في أواخر القرن الثالث عشر قد توطدت في ~~الأرض، وصار لها كيان سياسي من القوة والحضور في المنطقة ~~بحيث يذكره هذا الفرعون القوي في سجل انتصاراته في بلاد ~~كنعان، وهذا أمر لا يتفق ومعظم ما بناه البحث التاريخي ~~حتى الآن. من هنا، فقد صرف البحث الحديث النظر تماما عن ~~المطابقة بين إسرائيل نصب مرنفتاح وإسرائيل جماعة ~~الخروج، وطرحت في تفسير النصب عدة فرضيات، سأعرض ~~باختصار إلى أهمها. # يركز الباحث لورانس ~~ستاجر # Lawrence Stager ~~(1985) في دراسته لنصب مرنفتاح على ~~السطرين الأخيرين منه، ويفهم من إيراد الاسم «إسرائيل» في ~~السطر الأول منهما، والاسم «حورو» في السطر الثاني أن ~~الكلمتين قد استعملتا تبادليا. فكلمة حورو، كما هو ~~معروف من النصوص المصرية العائدة لتلك الفترة، تستعمل ~~للدلالة على منطقة سوريا وفلسطين، أو على جزء منها، وقد ~~كتبت في النص هنا وفوقها إشارة تعريف تدل على أنها أرض، ~~أما الاسم إسرائيل فقد كتب وفوقه إشارة تعريف تدل على أنه ~~شعب. ويرى ستاجر أن النص قد أراد الإشارة بكلمة حورو إلى ~~ذلك الجزء من فلسطين الذي شمله غزو مرنفتاح، وهو مناطق ~~أشقلون وجازر ويانوم وغيرها، وأنه أراد الإشارة بكلمة ~~إسرائيل ms097 إلى الشعب الساكن في هذه المناطق قبل قدوم جماعة ~~الخروج. ويستعين هذا الباحث بتحليل حديث لمشهد مصور على ~~جدار في معبد الكرنك يمثل إحدى معارك مرنفتاح الآسيوية، ~~ويبرهن صاحب هذا التحليل على أن المشهد يصور معركة مرنفتاح ~~في فلسطين ضد المدعوين في النص بإسرائيل، ويرى بأنهم ~~كنعانيون في زيهم وأسلحتهم. # 15 # وهناك وجهة نظر جديدة تلقى الآن مزيدا من الدعم، ~~تقدم بها الباحث ماكسويل ~~ميللر # M. Miller ~~(1986)، مفادها أن الاسم «إسرائيل» في ~~نصب مرنفتاح، يشير إلى اتحاد لعدة قبائل كنعانية في ~~الهضاب المركزية، وهي قبائل أفرايم ومنسي وجلعاد وبنيامين. ~~وقد تجمعت هذه القبائل تحت قيادة غير مباشرة لأكبرها ~~المدعوة أفرايم، مشكلة نواة إسرائيل اللاحقة، والتي ~~اتخذت شكلها الإثني والسياسي إبان عصر المملكة الموحدة. ~~ويلاحظ ميللر أن سفر القضاة اللاحق - الذي يقدم لنا ~~تفصيلات أوسع حول مسألة أصول إسرائيل في كنعان - يركز على ~~قبيلة أفرايم والقبائل الثلاثة التي تدور في فلكها. وبما ~~أن نصب مرنفتاح يسبق زمنيا عصر القاضية دبورة، التي ~~استطاعت توسيع الاتحاد القبلي ليشمل عشر قبائل بدل الأربع، ~~وهي القبائل العشر التي بدأ النص التوراتي يطلق عليها اسم ~~إسرائيل، فإن الإشارة في نصب مرنفتاح إلى إسرائيل هي ~~إشارة إلى اتحاد القبائل الأربع المذكورة فقط. وفيما بعد، ~~وعند قيام المملكة الموحدة في المناطق الهضبية من فلسطين ~~بقيادة شاول، ثم داود، فإن الاتحاد القبلي قد توسع ليشمل ~~اثنتي عشرة قبيلة، بما فيها قبيلة يهوذا الجنوبية التي ~~كانت حتى ذلك الوقت خارج الاتحاد الشمالي. هذه القبائل ~~جميعا كانت من أصول ومشارب شتى، وتحمل معتقدات دينية غير ~~متجانسة، وبينها جماعة من الهاربين من أعمال السخرة في ~~مصر، وقد تقاربت مع بعضها تدريجيا، وذابت في بوتقة واحدة ~~ومعتقد ديني واحد. وباختصار ، فإن الباحث يرى أن إسرائيل قد ~~نشأت في كنعان، ولم تأت إليها موحدة من الخارج، وقد ~~استغرقت عملية توحيدها كامل عصر القضاة، الذي يقدر ~~بقرنين من الزمان. # 16 # ويسير الباحثان # G. ~~Ahlstrom # و # D. ~~Edelman # في دراسة لهما عن النصب (1985) ~~في الاتجاه نفسه، ms098 ويريان أن كلمة إسرائيل في نصب مرنفتاح ~~قد استخدمت تبادليا مع كلمة كنعان للدلالة على قسم من ~~أرض فلسطين، أو قسم من سكانها، ويتفقان مع ميللر في أن ~~التكوين الإثني الذي دعي فيما بعد إسرائيل هو من أصول ~~محلية كنعانية. أما الباحث توماس ل. تومبسون فيرى أن ~~الجماعة المذكورة باسم إسرائيل في نصب مرنفتاح كانت ~~بالفعل جماعة تحمل الاسم إسرائيل، الذي يرد هنا لأول مرة ~~في التاريخ. ولكن هذه الجماعة لا علاقة لها من قريب أو ~~بعيد بجماعة الخروج، ولا بإسرائيل السامرة التي نعرفها من ~~العصر الآشوري اللاحق في المنطقة، والتي ظهرت إلى الوجود ~~بعد نقش مرنفتاح بأكثر من ثلاثمائة سنة، وإن تشابه الاسم ~~لا يؤكد وجود مثل هذه العلاقة التي ينفيها التاريخ نفيا قاطعا. # 17 # ونحن إذ نورد هذه الفرضيات المختلفة في تفسير نصب ~~مرنفتاح لا نقصد إلى الوقوف إلى جانب واحدة منها دون ~~الأخرى، ولا إلى تقديم فرضية جديدة لن تنفع إلا في زيادة ~~جدل لا طائل من ورائه، بل إلى توكيد أمر واحد، وهو أن ~~الاسم إسرائيل في هذا النص المصري ليس له أية قيمة تاريخية ~~علمية في تحديد زمن نشوء إسرائيل، ولا يلقي ضوءا على ~~مسألة أصولها في المنطقة. ~~(3) النظرية التوراتية الثانية # سفر القضاة والتسرب التدريجي # في سفر يشوع ينهي المحرر قصة الحرب الصاعقة على كنعان ~~بالمقطع التالي: «فأخذ يشوع كل الأرض حسب كل ما كلم به الرب ~~موسى. وأعطاها يشوع ملكا لإسرائيل حسب فرقهم وأسباطهم. ~~واستراحت الأرض من الحرب» (يشوع، 11: 23). ولكن سفر القضاة ~~يعكس الآية، فتوزيع الأراضي على إسرائيل حسب فرقهم وأسباطهم ~~يتم نظريا على الورق، ثم تترك الفرق والأسباط لكي تكتسب ~~نصيبها المقسوم على طريقتها الخاصة، وبشكل مستقل. فهنا لا وجود ~~لحروب مظفرة تشنها إسرائيل الموحدة تحت لواء واحد، أو ~~بالتعبير التوراتي «كل إسرائيل»، بل تواجهنا عبر السفر كله ~~معارك متفرقة دفاعية أو هجومية، تحاول من خلالها كل قبيلة أن ~~تجد لنفسها موطئ قدم في كنعان، كما تواجهنا بكل وضوح تحركات ~~سلمية للاستقرار بين ms099 السكان الأصليين دون حرب. أما يشوع، ~~فعندما عبر الأردن بجماعة وحل في موقع الجلجال، وفق سفر ~~القضاة، فإنه لم يتهيأ للانقضاض على أريحا وبقية مدن كنعان، بل ~~توقف هناك وصرف القبائل الإسرائيلية من الجلجال لكي تتدبر كل ~~قبيلة أمرها، وذلك تحت ذريعة أن الرب قد عدل عن طرد أهل ~~كنعان من أمام إسرائيل لأنهم لم يستمعوا لصوته. نقرأ في القضاة ~~(2: 1-23) ما يلي: ~~«وصعد ملاك الرب من الجلجال إلى بوكيم وقال: قد أصعدتكم من ~~مصر وأتيت بكم إلى الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: ... لا تقطعوا ~~عهدا مع سكان هذه الأرض، اهدموا مذابحهم. ولم تسمعوا لصوتي، ~~فماذا عملتم؟ فقلت: لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون لكم ~~مضايقين، وتكون آلهتهم لكم شركا. وكان لما تكلم ملاك الرب ~~بهذا الكلام إلى جميع بني إسرائيل أن الشعب رفعوا أصواتهم ~~وبكوا ... فدعوا اسم ذلك المكان بوكيم، وذبحوا هناك للرب. ~~وصرف يشوع الشعب، فذهب كل واحد إلى ملكه لأجل امتلاك الأرض ... ~~ومات يشوع بن نون عبد الرب ابن مائة وعشر سنين ... وكل ذلك ~~الجيل أيضا. وقام بعدهم جيل آخر لم يعرف الرب ولا العمل الذي ~~عمل لإسرائيل. وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا ~~البعليم ... فحمي غضب الرب على إسرائيل، فدفعهم بأيدي ناهبين ~~نهبوهم، وباعهم بيد أعدائهم ... فضاق بهم الأمر جدا. وأقام ~~الرب قضاة فخلصوهم من يد ناهبيهم. ولقضاتهم أيضا لم يسمعوا، ~~بل زنوا وراء آلهة أخرى وسجدوا لها. وحينما أقام الرب لهم ~~قضاة كان الرب مع القاضي ... وعند موت القاضي كانوا يرجعون ~~ويفسدون أكثر من آبائهم.» ثم ينتهي هذا النص المهم جدا لفهم ~~عصر القضاة، كما رآه المحرر التوراتي، بالمقطع التالي الذي ~~يشكل بؤرة الطرح النقيض لطرح سفر يشوع: «فحمي غضب الرب ~~على إسرائيل وقال: من أجل أن هذا الشعب قد تعدوا عهدي الذي ~~أوصيت به آباءهم ولم يسمعوا لصوتي، فأنا أيضا لا أعود أطرد ~~إنسانا من أمامهم من الأمم الذين تركهم يشوع عند موته؛ لكي ~~أمتحن بهم إسرائيل. فترك الرب أولئك الأمم ولم ms100 يطردهم سريعا، ~~ولم يدفعهم بيد يشوع» (القضاة، 2: 1-23). وبذلك ينهي محرر سفر ~~القضاة، بجرة قلم، سفر يشوع بكامله، وتتهاوى قصة الفتح العسكري ~~لأرض كنعان كبيت من ورق. # وكان أول من تقدم من الأسباط لامتلاك حصته سبطا يهوذا ~~وشمعون: «وكان بعد موت يشوع أن بني إسرائيل سألوا الرب قائلين: ~~من منا يصعد إلى الكنعانيين أولا لمحاربتهم؟ فقال الرب: ~~يهوذا يصعد. هو ذا قد دفعت الأرض ليده. فقال يهوذا لشمعون ~~أخيه: اصعد معي في قرعتي لكي نحارب الكنعانيين، فأصعد أنا معك ~~في قرعتك. فذهب شمعون معه. فصعد يهوذا، ودفع الرب الكنعانيين ~~والفرزيين بيدهم فضربوا منهم في بازق عشرة آلاف رجل. فهرب ~~أدوني بازق، فتتبعوه وأمسكوه، وقطعوا أباهم يديه ورجليه، ~~وأتوا به إلى أورشليم فمات هناك. وحارب بنو يهوذا أورشليم ~~وأخذوها وضربوها بحد السيف، وأشعلوا المدينة بالنار. وبعد ذلك ~~نزل بنو يهوذا لمحاربة الكنعانيين سكان الجبل والجنوب والسهل» ~~(القضاة، 1: 1-8). ونلاحظ في هذا المقطع تنويعا على معلومات ~~سفر يشوع بخصوص أورشليم وملكها. فمن الواضح أن المدعو هنا ~~أدوني بازق هو ملك أورشليم المدعو في يشوع أدوني صادق، لأن ~~المنتصرين بعد المعركة قد أتوا به إلى أورشليم فمات هناك. ~~أما عن حرب بني يهوذا لأورشليم والاستيلاء عليها، فإن الأحداث ~~التالية في سفر القضاة تبين لنا أن المدينة ما زالت بيد أهلها، ~~ولا يوجد فيها أحد من بني إسرائيل. من ذلك ما نقرؤه في الإصحاح ~~19: 11-12: «وفيما هم عند يبوس (= أورشليم)، والنهار قد انحدر ~~جدا، قال الغلام لسيده: تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ~~ونبيت فيها. فقال له سيده: لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس ~~أحد من بني إسرائيل هنا. بل نعبر إلى جبعة.» # بعد ذلك يتابع سفر القضاة شرح كيفية إقامة بني إسرائيل بين ~~السكان الأصليين دون حرب: «ولم يطرد منسي أهل بيت شان وقراها، ~~ولا أهل تعنك وقراها، ولا سكان دور وقراها، ولا سكان يبلعام ~~وقراها، ولا سكان مجدو وقراها. فعزم الكنعانيون على السكن في ~~تلك الأرض. وأفرايم لم يطرد الكنعانيين الساكنين ms101 في جازر، فسكن ~~الكنعانيون في وسطه في جازر» (1: 27-29). «زبولون لم يطرد سكان ~~قطرون، ولا سكان نهلال، فسكن الكنعانيون في وسطه ... ولم يطرد ~~أشير سكان عكو، ولا سكان صيدون وأحلب وأكزيب وحلبة وأفيق ~~ورحوب. فسكن الأشيريون في وسط الكنعانيين سكان الأرض ... ونفتالي ~~لم يطرد سكان بيت شمس، ولا سكان بيت عناة، بل سكن في وسط ~~الكنعانيين سكان الأرض ... وحصر الآموريون بني دان في الجبل ~~لأنهم لم يدعوهم ينزلون إلى الوادي ...» (1: 30-36). # إلى جانب الحروب المحلية التي كانت تقوم بها بعض القبائل، ~~والجنوح إلى السلم والتعايش مع الكنعانيين، مما كانت تفضله ~~قبائل أخرى، فقد كان للقبائل معركة كبيرة شارك فيها ست من ~~القبائل الشمالية العشر، التي يرى دارسو سفر القضاة أن مناطق ~~تواجدها لم تتجاوز الهضاب المركزية حتى تشكيل المملكة الموحدة. ~~فقد كان لما عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب أنه ~~دفعهم ليد يابين ملك حاصور. وكانت دبورة قاضية في إسرائيل في ~~ذلك الوقت، فدعت القبائل العشر إلى قتال يابين، فاستجاب ~~لدعوتها ست قبائل، فأرسلت دبورة إلى المدعو باراق من سبط ~~نفتالي ودعته لقيادة التحالف، وسارت إلى جانبه في جيش تعداده ~~عشرة آلاف مقاتل من المشاة. أما يابين ملك حاصور فقد دفع إلى ~~المعركة بتسعمائة مركبة من حديد، على رأسها قائد جيشه المدعو ~~سيسرا، وعندما التقى الجمعان «أزعج الرب سيسرا وكل المركبات ~~وكل الجيش بحد السيف أمام باراق. فنزل سيسرا عن المركبة وهرب ~~على رجليه ... وسقط كل جيش سيسرا بحد السيف ولم يبق واحد» ~~(القضاة، 4). وبذلك يقدم لنا محرر سفر القضاة وجهة نظره ~~الخاصة في قتال إسرائيل لحاصور، بعد أن أخبرنا سفر يشوع أن ~~الإسرائيليين قد أخذوا حاصور وأحرقوها بالنار، وأن يشوع قد ضرب ~~رأس ملكها يابين بالسيف (يشوع، 11: 1-10). # النقد النصي لسفر القضاة # يبدو سفر القضاة لقارئه أكثر الأسفار التوراتية تفككا، ~~وافتقادا للحبكة الأدبية التي تجمع أجزاءه وأقاصيصه ~~المتنوعة. ولعل السبب في ذلك راجع إلى غياب الشخصية ~~المركزية التي تشكل بؤرة الحدث، وتجمع الحكايا إلى سياق ~~واحد مشترك. ms102 فهنا، لا وجود لزعيم بارز كموسى أو يشوع، ولا ~~لشخصية درامية متكاملة كيوسف، ولا لحدث مطرد يتنامى ~~ويتطور مما رأينا في سفر الخروج. كل ما لدينا عبارة عن ~~مجموعة أقاصيص غير مترابطة، ولا تؤدي واحدتها إلى الأخرى ~~مثلما تتماسك قصص الآباء. إن كل ما يسوغ جمع هذا الحشد ~~من الحكايا والأخبار مع بعضها في سفر واحد هو انتظامها في ~~إطار أيديولوجي مفروض عليها من الخارج بشكل قسري؛ فبنو ~~إسرائيل يذلون ويهانون كلما تركوا عبادة الرب، والتفتوا ~~إلى عبادة الآلهة الكنعانية، ثم يستريحون من قاهريهم كلما ~~ذكروا ربهم وآبوا إليه. وبذلك تستبدل العقدة الأدبية ~~بعقدة أيديولوجية لاهوتية لم تفلح في لملمة أجزاء ~~السفر. # معظم هذه الأقاصيص كانت على ما يبدو حكايا شعبية ~~فلسطينية متداولة خلال العصر الفارسي، انتقاها ورتبها ~~المحررون في تسلسل زمني غير مطرد بالمفهوم التاريخي ~~لتسلسل الأحداث، وذلك من أجل ملء الفترة الزمنية القائمة ~~بين دخول الإسرائيليين أرض كنعان وقيام المملكة الموحدة ~~بعد ذلك بقرنين من الزمان. وبما أنه من الصعب إعطاء لمحة ~~عامة عن قصص وأخبار عصر القضاة جميعها، فإنني سأكتفي ~~بتلخيص قصتين تعطيان فكرة واضحة عن ذلك النوع من قصص ~~القضاة، وعن المنظور الأيديولوجي الذي تتحرك فيه أحداثها. ~~الأولى قصة بنت يفتاح الجلعادي، والثانية قصة ~~شمشون. # لقد «عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، ~~وعبدوا البعليم والعشتاروت وتركوا الرب ولم يعبدوه، فحمي ~~غضب الرب على إسرائيل وباعهم بيد الفلسطينيين وبيد بني ~~عمون ثماني عشرة سنة، جميع بني إسرائيل الذين في عبر ~~الأردن في أرض الآموريين الذين في جلعاد.» فأعلن بنو ~~إسرائيل توبتهم وأزالوا الآلهة الغريبة من وسطهم، وعبدوا ~~الرب ودعوه أن يبعث فيهم مخلصا يريحهم من بني عمون. ~~وكان يفتاح الجلعادي ابن امرأة زانية، طرده قومه من وسطهم، ~~فخرج إلى الفلاة وصار رئيس عصابة من الأفاقين ، واشتهر ~~ببأسه وجبروته. ولما لم يجد الجلعاديون رجلا مقداما ~~يترأس عليهم لمحاربة العمونيين؛ جاءوا إلى يفتاح طالبين ~~منه العودة إليهم، وعونهم على عمون. فاستجاب يفتاح مشترطا ~~أن يرئسوه عليهم إذا ms103 نصرهم على خصومهم، فأجابوه إلى ~~ذلك. فكان روح الرب على يفتاح ومشى إلى عمون بقواته. وقبل ~~المعركة الفاصلة نذر يفتاح للرب أضحية بشرية يذبحها ~~ويصعدها محرقة، واختار أن تكون هذه الأضحية هي أول شخص ~~يخرج لاستقباله ولقائه عند باب بيته بعد عودته منتصرا. ~~فدفع الرب بني عمون ليد يفتاح، فشتت جيشهم وملك أرضهم. ~~ولدى عودته إلى بيته كان أول خارج للقائه ابنته الوحيدة، ~~التي قابلته بالرقص والغناء والدفوف. فصرخ يفتاح لرؤيتها ~~وبكى وأخبرها بنذره، فقبلت الابنة نذر أبيها لأن الرب ~~أعانه على أعدائه، ولكنها طلبت مهلة شهرين لتذهب إلى ~~الجبال مع صويحباتها وتبكي عذريتها. وكان عند نهاية ~~المدة أنها عادت إلى أبيها، الذي وفى بنذره الذي يتضمن ~~الذبح والحرق (القضاة، 11). # وتبتدئ قصة شمشون باللازمة المعادة والمكررة: «ثم عاد ~~إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب ... إلخ.» يلي ذلك ~~مقدمة تستخدم عناصر صارت معروفة لنا في القصص التوراتي. ~~فهناك رجل من عشيرة دان اسمه منوح وزوجته عاقر، فتراءى ~~ملاك (= شبح) الرب للزوجين وهما في الحقل، ولم يعرفاه، ~~فبشرهما بغلام يكون نذيرا للرب، ويخلص شعب إسرائيل ~~الذي يضطهده الفلسطينيون. فدعاه منوح إلى الغداء ظنا منه ~~أنه من رجال الله الصالحين، وقام ليذبح جديا، ولكن الضيف ~~قال له أن يصعد الجدي محرقة، وعندما صنع منوح المحرقة ~~وصعد لهيبها عن المذبح؛ صعد الضيف في اللهيب نحو الأعالي. ~~فسقط الزوجان على وجههما، وقال منوح: «موتا نموت لأننا قد ~~رأينا الله ...» ثم ولدت المرأة ابنا ودعت اسمه شمشون. ~~فكبر الصبي وباركه الرب، وابتدأ روح الرب يحركه، ~~فاشتهر بقوته البدنية الخارقة، التي كانت تعينه أحيانا ~~على قتل الأسود بيديه العاريتين، وشق الواحد منها ~~نصفين. # رأى شمشون امرأة فلسطينية من أعداء قومه فأحبها، وطلب من ~~أبويه أن يطلباها من أهلها، فوافقا بعد معارضة وممانعة، ~~ووافق أهل الفتاة من طرفهم على الزواج. وكان على شمشون أن ~~يحضر بعد أيام إلى منزل عروسه ليصطحبها إلى بيته، ولكن سوء ~~تفاهم بين الطرفين منع الأب من إعطائه الفتاة، وزوجها ~~بعد بضعة أيام من ms104 غيره. وهنا يثور غضب شمشون، ويبدأ حربه ~~الطويلة ضد الفلسطينيين، ولكنها حرب بلا جنود ولا معدات، ~~قوامها شمشون الذي يقاتل وحيدا على طريقة العصابات ~~مستخدما قوته وحيلته، وجماعات الفلسطينيين، التي كان ~~البطل يفاجئها في الأمكنة والأوقات غير المتوقعة، فيقتل ~~منهم الآلاف بغير سلاح، أو باستخدام أدوات بسيطة كما فعل ~~في إحدى المرات، عندما ضرب ألف رجل بفك حمار ميت. وفي ~~إحدى المرات أمسك شمشون بثلاثمائة ابن آوى، وربط في ~~أذنابها المشاعل ثم أطلقها في حقول الفلسطينيين فأحرقت ~~محاصيلهم. ومال مرة في مدينة غزة إلى بيت امرأة زانية ~~واضطجع معها إلى منتصف الليل، فعرف الفلسطينيون بمكانه، ~~فكمنوا له عند بوابة المدينة بانتظار خروجه عند الصباح، ~~ولكن شمشون لدى وصوله البوابة أمسك مصراعيها الهائلين ~~واقتلعهما، ووضعهما على كتفيه وصعد بهما إلى رأس الجبل. ~~وأخيرا أحب شمشون امرأة ساقطة أخرى اسمها دليلة، وأخذ ~~يتردد عليها. فجاء أقطاب الفلسطينيين وأغروها بالمال ~~لتخون صاحبها، وتعرف منه سر قوته. فصارت دليلة تسأل شمشون ~~عن سر قوته وهو يضللها مازحا، إلى أن أفضى إليها بسره، ~~وعرفت أن قوته في جدائل شعره الغزير، فقصتها له وهو نائم، ~~ودعت الفلسطينيين فأمسكوه وقلعوا عينيه وسجنوه. وكان بعد ~~فترة أنهم اجتمعوا في المعبد ليذبحوا ذبيحة لإلههم داجون، ~~وجاءوا بشمشون ليتسلوا بإذلاله، وكان شعره قد عاد إلى ~~النمو، فأسند شمشون ذراعيه إلى العمودين الرئيسين في وسط ~~المعبد ودفعهما كلا في اتجاه، فسقط المعبد على رءوس ~~الفلسطينيين وقتلهم، ومات شمشون معهم (القضاة، 16). # تعطينا قصة شمشون مثالا حيا على كيفية استعانة المحرر ~~التوراتي بالقصص التقليدي، وطريقته الساذجة في الإفادة ~~منها. فلقد جاء المحرر هنا بقصة بطولية متداولة وأدمجها في ~~سياق أحداث سفر القضاة، بعد أن زودها بمقدمة قصيرة تربطها ~~بالجو العام للسفر ربطا مصطنعا وواهيا إلى أبعد الحدود. ~~فهذا البطل - الذي تقول المقدمة اللاهوتية للقصة إن الرب ~~قد أرسله ليكون نذيرا لله، ويخلص إسرائيل من يد ~~الفلسطينيين - يبدأ حياته الكفاحية بمصاهرة عائلة فلسطينية ~~من أعداء قومه، وهو لا ينقلب على هؤلاء ويبدأ حربه معهم ms105 ~~إلا لثأر شخصي. وعندما أزعجت أعمال شمشون الفلسطينيين ~~استعانوا عليه بقومه أنفسهم؛ لأن هؤلاء على ما يبدو لم ~~يروا في شمشون ذلك المخلص المنتظر، ففاجئوه في شق ~~الجبل الذي يأوي إليه، وأوثقوه وسلموه ليد أعدائه. وهنا ~~نقرأ في الإصحاح 15 ما يلي: «فنزل ثلاثة آلاف رجل من يهوذا ~~إلى شق صخرة عيطم وقالوا لشمشون: أما علمت أن الفلسطينيين ~~متسلطون علينا، فماذا فعلت بنا؟ فقال لهم: كما فعلوا بي ~~هكذا فعلت بهم ... فأوثقوه بحبلين جديدين وأصعدوه من الصخرة، ~~ولما جاء إلى لحي صاح الفلسطينيون للقائه، فحل عليه روح ~~الرب فكان الحبلان اللذان على ذراعيه ككتان أحرق ~~بالنار فانحل الوثاق عن يديه.» ونفهم من الحوار الذي دار ~~في هذا المشهد بين شمشون وقومه أن شمشون لا يحارب ~~الفلسطينيين نيابة عن قومه، بل لما فعلوه به، وأن قومه لم ~~يروا فيه إلا رجل عصابات متمردا، يجب وضع حد لأعماله ~~التي لا تجدي نفعا، وتجلب المزيد من المضايقة لهم من قبل ~~الفلسطينيين. ثم نجد رجل الله هذا، المنذور لتخليص ~~إسرائيل، يقضي لياليه في بيوت المومسات، إلى أن توصله إلى ~~حتفه واحدة منهن وقع في حبها وصار يتردد عليها حتى دفعته ~~ليد أعدائه لقاء حفنة من الشيكلات. فأية سيرة حياة هذه ~~يرسمها محرر سفر القضاة لمخلص إسرائيل! # النقد التاريخي والأركيولوجي لسفر القضاة # بينما يعمل محرر سفر القضاة على تسلية قارئه، وإعطائه ~~الموعظة الدينية في الوقت ذاته عن كيفية تدخل الرب في ~~الحدث الدنيوي، ينسى القارئ كل مسألة تاريخية متعلقة بذلك ~~العصر، حتى ليظن بأن العالم من حول أولئك القضاة وأعدائهم ~~القريبين قد خلا من كل حدث آخر. ولكن الأمر كما قدمنا منذ ~~قليل غير ذلك تماما. ففيما بين أواخر القرن الثالث عشر ~~وأواخر القرن الحادي عشر، وهي الفترة المفترضة لعصر ~~القضاة، غابت في الشرق الأدنى القديم حضارة، وقامت حضارة ~~جديدة على أنقاضها، انتهى عصر البرونز الأخير ودالت ~~دوله، وقام عصر الحديد الأول بدول وممالك جديدة، وخارطة ~~جديدة للقوى العالمية. لقد انتهت مملكة الحثيين في ~~الأناضول ms106 ولم تقم لها قائمة بعد ذلك، وانتهت مملكة ميتاني، ~~وزالت مدينة أوغاريت من الوجود تماما، ثم تبعتها الممالك ~~السورية الشمالية، التي قامت على أنقاضها ثقافة جديدة ~~آرامية حثية، دعيت دولها بالممالك الحثية الجديدة. أما ~~آشور فقد دخلت لأول مرة مسرح الحياة الدولية من بابه ~~الواسع، وأخذت تملأ الفراغ الذي خلفه غياب القوى العظمى ~~التقليدية، فطرد الكاشيون من بابل، وخضع وادي الرافدين ~~بأكمله تدريجيا إلى المملكة الشمالية الفتية. وها هو ملك ~~آشور تغلات فلاصر الأول يقود حملة على بلاد الشام ~~والساحل اللبناني حوالي عام 1100ق.م. تلامس حدود المناطق ~~التي يتسلى سفر القضاة فيها بقصص شمشون. يقول نص حملة ~~تغلات فلاصر: ~~«تنفيذا لأوامر إلهي آشور، فقد قهرت البلدان الواقعة ~~بين البحر الأدنى والبحر الأعلى الذي في الغرب. مضيت إلى ~~لبنان حيث قطعت أخشاب الأرز لبناء معبد آنو وحدد. ثم تابعت ~~التحرك نحو آمورو إلى مدينة سيميرا على مسافة ثلاثة أميال ~~مضاعفة داخل البر.» # 18 # أما مصر فرغم أنها قد خففت تدريجيا من تواجدها في ~~فلسطين، إلا أنها بقيت محتفظة بنفوذها على بعض المواقع ~~الاستراتيجية، وخصوصا وادي يزرعيل (مرج ابن عامر)، وهو ~~المعبر الرئيسي بين الساحل والمناطق الداخلية. ولدينا من ~~الدلائل الأثرية ما يشير إلى استمرار النفوذ المصري في ~~وادي يزرعيل حتى الهزيع الأخير من القرن الثاني عشر، أي ~~خلال فترة حكم الفرعون رمسيس السادس، الذي عثر على قاعدة ~~تمثال له في موقع مدينة مجدو. # 19 # فأين أخبار مصر والمصريين في سفر القضاة؟ إن ~~غياب أخبار مصر بشكل خاص وأخبار آشور - التي وصلت قواتها ~~إلى مسافة بضع عشرات من الأميال - عن مسرح قصص القضاة، ~~وعدم تعرض النص التوراتي إلى ذكر أية حادثة أو شخصية تتصل ~~بأحداث تلك الفترة؛ يدل على أن محرري التوراة الذين كانوا ~~خلال العصر الفارسي يؤسسون لأصول إسرائيل في عصر منقطع ~~عنهم تماما ، لم يكونوا يعرفون شيئا عن ذلك العصر، ولم ~~يكن في حوزتهم أية معلومات تاريخية مباشرة أو غير مباشرة ~~عنه ولا عن أهله وثقافاته ودوله. إن عصر القضاة ms107 ليس له ~~وجود خارج مجال القصة والجنس الأدبي التوراتي المؤيد ~~بالأيديولوجيا. # لقد سقط عصر القضاة تاريخيا كما سقطت قصة الفتح ~~العسكري لأرض كنعان، ولم يبق من الباحثين من يدافع عن ~~تاريخيته إلا القليل. فالباحث ر. ديفو (1978)، في كتابه ~~الموسوعي المعروف عن تاريخ إسرائيل، يعترف بالمشكلات التي ~~تعترض قبولنا بتاريخية عصر القضاة، ويحرف مسار البحث ~~التاريخي عن أصول إسرائيل ليبتدئ من عصر المملكة الموحدة ~~فقط، أما ما قبل ذلك فهو مجرد «ما قبل التاريخ» بالنسبة ~~إلى إسرائيل. وهو لا يعتقد أن بإمكاننا التحدث عما يمكن ~~تسميته «بكل إسرائيل» إلا ابتداء من عصر شاول، وهو الملك ~~الأول للقبائل التي شكلت إسرائيل. وانطلاقا من ذلك، فإنه ~~يعطي لنفسه الحرية في البحث عن بدايات وأصول مختلفة لهذه ~~القبائل، ويطيل أمد فترة الفتح والاستقرار لتشمل كامل ~~الألف الثاني قبل الميلاد. # 20 # ويسير الباحث مايز # A. Mayes # في اتجاه مشابه، مقدما عددا من ~~المحاكمات المنطقية التي من شأنها تقويض أية قناعة بالأساس ~~التاريخي لعصر القضاة. وهو يرى أن فكرة «كل إسرائيل» ~~الضرورية جدا للقبول بعصر القضاة، هي فكرة لاحقة ~~ابتكرتها عملية التحرير المتأخرة، ذلك أن الدراسة المدققة ~~للنص التوراتي تثبت أنه لم تقم سلطة مركزية من أي نوع في ~~إسرائيل قبل مملكة شاول، والقبائل الإسرائيلية لم تقم بأي ~~نشاط مشترك يتضمن «كل إسرائيل» قبل قيام المملكة الموحدة. ~~وحتى ذلك الحلف، الذي التأم حول القاضية دبورة، لم يكن ~~سوى حادثة لاحقة اقتلعت من سياقها وأدمجت في فترة عصر القضاة. # 21 # أما الباحث ميللر # J. M. Miller ~~(1977) فيرى أن الاعتماد على ~~المعلومات التاريخية والأركيولوجية من أجل إثبات أو نفي ~~الرواية التوراتية لسفر القضاة هو مجهود لا طائل من ورائه؛ ~~لأننا لا نتعامل مع نص تاريخي تم تدوينه إبان الحدث أو ~~بعده بقليل، بل مع نص مكتوب بأسلوب التحرير الحر وفي وقت ~~متأخر جدا عن الحدث. ويلخص ميللر دراسته عن سفر القضاة ~~بالنتائج المبدئية التالية: ~~(1) # إن الدراسة النقدية المعمقة للنص التوراتي ~~المتعلق بتقليد الفتح العسكري وتقليد الاستقرار في ~~الأرض، ms108 تكشف لنا عن عدة مستويات زمنية جمع النص ~~بينها. وإن أقدم هذه المستويات يربط قبائل إسرائيل ~~جغرافيا بالمناطق الهضبية التي كانت موطنهم ~~الرئيسي في فلسطين. وهذه القبائل لم تأخذ ~~بالامتداد نحو المناطق السهلية والوديان الخصيبة ~~ومناطق شرقي الأردن إلا عقب تشكيل المملكة ~~الموحدة. ولقد ترسخت ملاحظة ميللر هذه لدى بقية ~~الباحثين الذين أخذوا يدرسون مسألة أصول إسرائيل ~~انطلاقا من دراسة مسألة الاستيطان في مناطق ~~الهضاب المركزية خلال عصر الحديد الأول، أي من ~~1200 إلى 1000ق.م. ~~(2) # إن القبائل التي شكلت إسرائيل هي من أصول ~~مستقلة، وقد دخلت إلى فلسطين في أزمنة مختلفة ~~ومتباعدة على ما يبدو. من هنا، فإنه من غير الممكن ~~وضع تاريخ محدد لعملية التسرب إلى كنعان ~~والاستقرار فيها، وإن كل ما سبق تشكيل المملكة ~~الموحدة يقع خارج مجال تاريخ إسرائيل. ~~(3) # لا نستطيع تتبع أصول وتاريخ كل قبيلة من هذه ~~القبائل على حدة، والنص التوراتي لا يقدم لنا ~~مساعدة تذكر في هذا المجال. من هنا، فإن البحث عن ~~أصول إسرائيل يجب أن يبتعد عن مفهوم «كل إسرائيل»، ~~ويركز على الدراسة الإقليمية؛ ذلك أن مفهوم «كل ~~إسرائيل» الذي يتضمن القبائل الاثنتي عشرة على ~~كامل مساحة فلسطين أو معظمها هو مفهوم لاحق. # 22 # ويلخص الآثاري فرانكن # H. J. Franken ~~- في مساهمة له ضمن موسوعة كامبريدج ~~للتاريخ القديم - الموقف الحالي للمعلومات الأركيولوجية ~~بخصوص فترة الفتح الإسرائيلي والاستقرار في كنعان على ~~الوجه التالي: # فلسطين الطبيعية، ~~وتبدو عليها الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا مظللة ~~بالخط المتصل. ~~«إذا وضعنا النص التوراتي جانبا، فإن علم الآثار لم ~~يتوفر لديه سبب واحد يدفعه على القول بأن القرن الثالث عشر ~~في فلسطين قد شهد تشكل شعب جديد في فلسطين اتخذ وضعه ~~كأمة مكتملة مع نهاية القرن الحادي عشر. إن البينة ~~الأركيولوجية على حلول جماعة إثنية جديدة في فلسطين مفقودة ~~بالمعنى العلمي الدقيق لهذه الكلمة. إنه لمن المتعذر على ~~تقنيات الأركيولوجية الحالية تلمس الآثار على وصول عناصر ~~إثنية جديدة إلى موقع ما؛ إذ لم تترك لنا هذه العناصر ~~مخلفات مادية ms109 عند وصولها، ذات طابع ثقافي متميز بشكل واضح ~~عن طابع الجماعة السابقة التي حلت بين ظهرانيها أو حلت ~~محلها. وهذا ما لم نستطع التوصل إليه فيما يتعلق بالجماعات ~~العبرية. وأما القول بأن الجماعات العبرية التي دخلت ~~واستقرت في كنعان هي من أصل بدوي أو رعوي، وأن الجماعات ~~البدوية لا تترك وراءها الكثير من المخلفات ذات الطابع ~~الثقافي المتميز، فهو قول مردود؛ لأن تقنيات التنقيب ~~الجديد صارت قادرة على تتبع تحرك الجماعات البدوية ~~القديمة، ورصد علاقاتها وتفاعلاتها مع محيطها. ولا أدل ~~على ذلك من النتائج القيمة التي توصلت إليها السيدة كاثلين ~~كينيون عن جماعات الآموريين البداة في فلسطين خلال الفترة ~~الانتقالية من عصر البرونز المبكر إلى عصر البرونز الوسيط. ~~إن العنصر الثقافي الوحيد الذي يمكن أن نعزوه للقبائل ~~العبرية بأي درجة من الثقة هو ديانتها المتميزة. ولكن هذا ~~العنصر قد بقي حتى الآن غير واضح من الناحية الأركيولوجية، ~~ولا يوجد لدينا ما يدل عليه.» # 23 # هذه الأفكار، التي سقتها أعلاه لبعض الباحثين، هي نموذج ~~عن التوجهات الجديدة في البحث التاريخي الأركيولوجي، ولسوف ~~أستعرض المزيد منها في مناقشتي الأخيرة لمسألة أصول ~~إسرائيل. أما الآن، فإن السؤال الحيوي الذي يطرح نفسه عند ~~هذه المرحلة من دراستنا هذه هو التالي: إذا كان بعض ~~الباحثين يركز على المملكة الموحدة باعتبارها المنطلق ~~التاريخي لتشكيل «كل إسرائيل»، مع نفي صفة التاريخية عن كل ~~ما سبقها، فما هو الأساس التاريخي لهذه المملكة الموحدة؟ ~~وكيف ينشأ حدث تاريخي عن فضاء غير تاريخي، وبصورة مفاجئة؟ ~~هذا ما سنتفرغ لبحثه في الفصل القادم. # الفصل الخامس # | المملكة الموحدة لكل إسرائيل # (1) صموئيل عراب المملكة # كان صموئيل، الكاهن في مدينة شيلوه، آخر قضاة بني إسرائيل. ~~وقد تولى القضاء في فترة عصيبة بلغ فيها اضطهاد الفلسطينيين ~~للإسرائيليين ذروته. فصلى صموئيل للرب ليرفع غضبه عن شعبه، ~~فاستجاب له الرب لأنه كان نبيا ومختارا للرب منذ صغره، ~~وأعان بني إسرائيل على خصومهم فاسترجعوا منهم كل الأراضي ~~والقرى التي سلبوها. وكان لما شاخ صموئيل أنه جعل ابنيه قضاة ms110 ~~أيضا يساعدانه، ولكنهما لم يسلكا في طريقه، بل مالا إلى ~~المكسب وقبلا رشوة. فاجتمع كل شيوخ إسرائيل وجاءوا إلى ~~صموئيل وقالوا له: «هو ذا أنت قد شخت وابناك لم يسيرا في ~~طريقك. فالآن اجعل لنا ملكا يقضي لنا. وصلى صموئيل إلى الرب، ~~فقال الرب لصموئيل: اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك ... ~~وملك عليهم ملكا» (صموئيل الأول، 1-8). ~~«وكان رجل من بنيامين اسمه قيس بن أبيئيل ... وكان له ابن اسمه ~~شاول، شاب وحسن، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه، من كتفه ~~فما فوق كان أطول من كل الشعب. فضلت أتن قيس، أبي شاول، ~~فقال قيس لشاول ابنه: خذ معك واحدا من الغلمان وقم فتش على ~~الأتن. فعبر في جبل أفرايم فلم يجدها ... ولما دخلا أرض صوف ~~قال شاول لغلامه: هو ذا رجل الله في هذه المدينة. لنذهب الآن ~~إلى هناك لعله يخبرنا عن طريقنا التي نسلك ... وفيما هما آتيان ~~في وسط المدينة، إذا بصموئيل خارج للقائهما ... والرب كشف أذن ~~صموئيل قبل مجيء شاول بيوم قائلا: غدا في مثل الآن أرسل إليك ~~رجلا من أرض بنيامين، فامسحه رئيسا لشعبي إسرائيل، فيخلص ~~شعبي من يد الفلسطينيين. فلما رأى صموئيل شاول أجابه الرب: هو ~~ذا الرجل الذي كلمتك عنه» (صموئيل الأول، 9). ~~«وقال صموئيل للشعب: هلموا نذهب إلى الجلجال ونجدد هناك ~~المملكة. فذهب كل الشعب إلى الجلجال، وملكوا هناك شاول أمام ~~الرب في الجلجال، وذبحوا هناك ذبائح سلامة أمام الرب، وفرح ~~هناك شاول وجميع رجال إسرائيل جدا. وقال صموئيل لكل إسرائيل: ~~ها أنا ذا قد سمعت لصوتكم في كل ما قلتم لي وملكت عليكم ~~ملكا. والآن هو ذا الملك يمشي أمامكم، وأما أنا فقد شخت ~~وشبت، وهو ذا أبنائي معكم.» وبعد أن استلم شاول جميع صلاحياته ~~الدنيوية من صموئيل بدأ حروبه التحريرية الكبرى؛ حارب شاول ~~أولا العمونيين وردهم عن مناطق بني إسرائيل، ثم التفت إلى ~~الفلسطينيين. وكان جيشه يتألف من ثلاثة آلاف مقاتل في أحسن ~~أحواله، ومن ستمائة مقاتل فقط في ms111 أسوأ الأحوال. وكانت الأدوات ~~الحديدية - بما فيها الأسلحة - مفقودة لدى بني إسرائيل؛ لأن ~~الفلسطينيين منعوهم من صناعة الحديد للإبقاء عليهم في حالة ~~الضعف العسكري. وفي المعركة الأولى مع الفلسطينيين لم يكن رمح ~~ولا سيف بيد جماعة شاول، إلا معه فقط ومع ابنه يوناثان الذي ~~كان يحارب إلى جانبه، ومع ذلك فقد ضرب شاول خصومه ضربة عنيفة، ~~وطاردهم حتى مقراتهم الحصينة، ثم توجه إلى شرقي الأردن وحارب ~~موآب وعمون وأدوم وملوك صوبة والآموريين. ثم عاد فشد على ~~الفلسطينيين، وكانت بينه وبينهم حروب طيلة أيام حياته (صموئيل ~~الأول، 11-14). # ثم نقل صموئيل إلى شاول أمرا من الرب بقتال العماليق: «وقال ~~صموئيل لشاول: إياي أرسل الرب لمسحك ملكا على شعبه إسرائيل، ~~والآن فاسمع صوت كلام الرب. هكذا يقول رب الجنود: إني افتقدت ~~ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من ~~مصر، فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له، ولا تعف ~~عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، ~~جملا وحمارا.» فضرب شاول العماليق فيما بين جنوب البحر الميت ~~وشمالي سيناء، وأفنى الجميع حسب ما أمر به الرب، لم يترك ~~امرأة ولا طفلا ولا رضيعا إلا ذبحه. ولكنه عفا عن ملكهم ~~المدعو أجاج بعد أن أمسك به، كما أنه أبقى على الصحيح والجيد ~~من المواشي، ولم يحرمها للرب، بل ساقها أمامه وقفل راجعا ~~إلى مقره. «فكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا: ندمت على أني قد ~~جعلت شاول ملكا؛ لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي.» فحزن ~~صموئيل على شاول لأنه كان يحبه، وناح عليه الليل كله. وفي ~~الصباح خرج إلى شاول وعنفه على ما فعل، فقال شاول لصموئيل: ~~«أخطأت لأني تعديت قول الرب وكلامك؛ لأني خفت من الشعب وسمعت ~~لصوتهم. والآن اغفر خطيئتي وارجع معي فأسجد للرب. فقال صموئيل ~~لشاول: لا أرجع معك لأنك رفضت كلام الرب فرفضك الرب من أن تكون ~~ملكا على إسرائيل» (صموئيل الأول، 15). # بعد ذلك أمر الرب صموئيل أن يذهب إلى بيت المدعو يسى ms112 في ~~بلدة بيت لحم قرب أورشليم؛ لأنه وجد في أحد أولاده ملكا على ~~إسرائيل، فمضى صموئيل ودخل بيت يسى وذبح للرب ودعا يسى ~~وأولاده إلى الذبيحة. فعبر يسى أولاده أمامه واحدا واحدا ~~إلى أن عبر داود الولد الثامن الأصغر، وكان قد وصل لتوه من رعي ~~الغنم. فقال الرب لصموئيل: قم فامسحه لأنه هذا هو. «وكان أشقر ~~مع حلاوة العينين وحسن المنظر، فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه في ~~وسط إخوته. وحل روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدا. ثم ~~قام صموئيل وذهب إلى الرامة. وذهب روح الرب من عند شاول.» ~~وبزوال روح الرب عن شاول اسود مزاجه، وصارت تنتابه نوبات ~~اكتئاب، فنصحه بعض أتباعه أن يفتش عن رجل يحسن الضرب بالعود ~~فيسري عن الملك ويبهج قلبه، فوافق، فدلوه على الفتى داود بن ~~يسى، ووصفوه أمامه بأنه «يحسن الضرب، وهو جبار بأس ورجل حرب ~~وفصيح اللسان، ورجل جميل والرب معه.» فجاء داود وضرب بالعود ~~فارتاحت نفس شاول. وأحب شاول داود وصار له حامل سلاح (صموئيل ~~الأول، 16). # وحدث بعد ذلك أن الفلسطينيين اجتمعوا لقتال شاول وجاءوا إلى ~~يهوذا، فاجتمع رجال شاول واصطفوا للقتال. وقبل بدء المعركة خرج ~~فارس من جيش الفلسطينيين اسمه جليات، طوله يزيد عن ستة أذرع، ~~مدرع ومدجج بالسلاح، وطلب أن يخرج إليه من جيش شاول مبارز ~~لتحسم المبارزة الفردية نتيجة المعركة. فخاف كل أشداء جيش ~~شاول، وأحجموا عن تلبية النداء. وفي هذا الوقت وصل الفتى داود ~~الذي أرسله أبوه ليتفقد إخوته الثلاثة الذين كانوا يحاربون ~~في جيش شاول. فسأل عن جائزة من يقتل الفلسطيني، فقيل له: «إن ~~الرجل الذي يقتله يغنيه الملك غنى جزيلا، ويعطيه ابنته، ~~ويجعل بيت أبيه حرا في إسرائيل.» فتقدم داود إلى شاول معلنا ~~رغبته في التصدي لجليات، فألبسه شاول خوذته ودرعه وقلده ~~سيفه، فلما مشى لم يقدر على الحركة، فنزعها عنه وأخذ عصاه ~~بيده، والتقط خمسة حجارة ملساء فجعلها في جرابه، وحمل مقلاعه ~~وتقدم نحو الفلسطيني. ولما نظر جليات إلى داود «استحقره لأنه ~~كان غلاما ms113 وأشقر جميل المنظر. فقال لداود: ألعلي أنا كلب ~~حتى إنك تأتي إلي بعصا. ولعن الفلسطيني داود بآلهته. وقال ~~الفلسطيني لداود: تعال فأعطي لحمك لطيور السماء ووحش ~~البرية.» ولكن داود تقدم إلى الميدان وأخذ حجرا من جرابه ~~ورماه بالمقلاع، فأصاب جبهة جليات وسقط على الأرض، فركض إليه ~~داود ولم يكن معه سيف، فاستل سيف الفلسطيني وقطع به رأسه. ~~ولما رأى الفلسطينيون ما حل بجبارهم هربوا، فطاردهم جماعة شاول ~~وأعملوا فيهم السيف، وأخذ داود رأس الفلسطيني وأتى به إلى ~~أورشليم (صموئيل الأول، 17). # ارتفع شأن داود بعد قتله جليات وصارت له سمعة حسنة، فكرهه ~~شاول وخاف من تزايد محبة الناس له، وعندما كانت تأتيه نوبات ~~الاكتئاب كان يسعى لقتله، ولكن ذلك لم يمنعه من البر بوعده ~~لقاتل جليات، فزوجه ابنته ميرب، ثم زوجه ابنته الثانية ~~ميكال، وعينه قائدا بين قواده، فكان يشن غزوات خاطفة على ~~الفلسطينيين ويقتل منهم الكثيرين. ثم عاد شاول للتفكير بقتل ~~داود، ودبر له المكائد والمصائد، ولكن يوناثان بن شاول، الذي ~~أحب داود وصادقه، كان ينقذه في كل مرة ويقف إلى جانبه. وفي ~~أثناء اختبائه وهربه من ملاحقة شاول تجمع حول داود جماعة من ~~الأفاقين والمغامرين ومن أعداء شاول، بلغ عددهم ستمائة مقاتل ~~يرتحلون معه أينما ذهب. وعندما يئس من إيجاد ملاذ آمن له ~~ولجماعته في المناطق التابعة لشاول، قرر اللجوء إلى أرض ~~الفلسطينيين، فأتى إلى مدينة جت حيث استقبله ملكها أخيش ~~استقبالا حسنا وآواه وأكرمه (صموئيل الأول، 18-26). # أقام داود وجماعته في بلدة صقلع التابعة لملك جت، ومن هناك ~~تابع شن غزواته ولكن لصالح الفلسطينيين هذه المرة، وتحول إلى ~~زعيم مرتزقة تعيث الفساد في أراضي خصوم ملك جت. وعندما جمع ~~الفلسطينيون جيوشهم وتوجهوا إلى حرب جديدة مع شاول، صعد إليهم ~~داود ورجاله وعرضوا السير معهم لقتال بني جلدتهم، فوافق أخيش ~~ملك جت، أما بقية أقطاب الفلسطينيين السائرين معه فرفضوا خوفا ~~من انقلاب داود عليهم وعودته إلى صفوف شاول ، فعاد داود ورجاله ~~إلى معسكرهم. أما جيش الفلسطينيين فقد التقى بجيش ms114 شاول في جبل ~~جلبوع، وأوقعوا بالإسرائيليين هزيمة منكرة. وقد أصيب في ~~المعركة شاول، فوقع وقال لحامل سلاحه أن يقتله قبل أن يقع في ~~أيدي أعدائه، فأبى، فأخذ شاول السيف وسقط عليه فمات، وفعل حامل ~~سلاحه مثلما فعل، كما سقط في المعركة أيضا أولاد شاول الثلاثة ~~ومعظم عساكره. وهنا يعطينا النص التوراتي وصفا في غاية ~~الحيوية لهذا المشهد: «واشتدت الحرب على شاول، فأصابه الرماة ~~رجال القسي، فانجرح جدا. فقال شاول لحامل سلاحه: استل ~~سيفك واطعني به؛ لئلا يأتي هؤلاء الغلف ويطعنوني ويقبحوني. فلم ~~يشأ حامل سلاحه لأنه خاف جدا، فأخذ شاول السيف وسقط عليه. ~~ولما رأى حامل سلاحه أنه مات شاول سقط هو على سيفه ومات معه، ~~فمات شاول وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله في ذلك ~~اليوم.» وفي اليوم التالي عندما جاء الفلسطينيون لتفقد ~~القتلى وجدوا شاول وبنيه على الأرض، فقطعوا رأسه ونزعوا سلاحه ~~وصلبوا جثته وجثث أولاده على سور مدينة بيت شان (صموئيل الأول، ~~27-31). # النقد النصي لسفر صموئيل الأول # إذا كانت الأسفار الخمسة قد خصصت لابتكار أصول بعيدة ~~لإسرائيل التوراتية في أرض كنعان، وسفر يشوع والقضاة ~~لابتكار الأصول القريبة، فإن سفر صموئيل الأول قد كرس ~~لابتكار أصول للملكية في إسرائيل، وللمملكة الموحدة لكل ~~إسرائيل، التي من المفترض أنها قامت على معظم أراضي كنعان. ~~وتلعب هنا شخصية صموئيل، الكاهن والنبي وآخر القضاة على ~~بني إسرائيل، دور المفصل الذي يربط تقليد عصر القضاة ~~بتقليد عصر المملكة. فآخر القضاة هنا هو الذي يمسح أول ~~الملوك ويختاره لخلافته، فينهي بذلك عصرا ويفتتح ~~آخر. # جاء شاول، الملك الأول، من قبيلة بنيامين التي تنتمي ~~أصلا إلى القبائل الشمالية، وتسكن في أقصى جنوب مناطقها ~~عند الرقعة الفاصلة بين الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا ~~التي تليها. وبما أن المنظور الأيديولوجي لأسفار التوراة ~~يعكس المواقف الفكرية لكهنة يهوذا المشرفين على عملية ~~التحرير في الفترات المتأخرة، فقد كان لا بد من إظهار شاول ~~في صورة الملك السيئ، وإظهار داود - الذي جاء من بيت لحم ~~في منطقة يهوذا - بصورة الملك ms115 الجيد. وليس علو داود على ~~شاول، وقيام الرب بانتزاع المملكة منه وإعطائها إلى داود؛ ~~إلا تسويغا أيديولوجيا لاستئثار يهوذا بالملك إبان ~~فترة المملكة الموحدة، من دون قبائل إسرائيل العشر ~~الشمالية. ولسوف نرى منذ الآن في الأسفار التوراتية ذلك ~~التمييز، الذي صار واضحا الآن بين إسرائيل ويهوذا. # رغم أن أسلوب المحررين هنا يشبه إلى حد بعيد أسلوب سفر ~~القضاة، إلا أن سفر صموئيل يتميز بوحدة وتكامل الأحداث، ~~وذلك بسبب تمركز أحداثه حول شخصيتين رئيسيتين، هما شاول ~~وداود. فكل القصص الصغيرة المثيرة حول تتبع شاول لداود، ~~وهرب الأخير في كل مرة، قد صيغت في قالب منسجم رغم ~~انتمائها الواضح لأصول مختلفة. كما أن المحرر قد أفلح في ~~رسم صورة قوية ومؤثرة لشخصية شاول تجعل القارئ في تعاطف ~~كامل معها، رغم النوازع الأخرى للمحرر في إظهار الجوانب ~~السلبية لها، والتي لم تكن مقنعة على الإطلاق. الأمر الذي ~~يدل في اعتقادي على أن هذا المحرر قد استخدم قصة أصلية ~~متكاملة عن قائد ظهر في منطقة الهضاب المركزية في زمن لا ~~نعرفه، وقام بحماية جماعته من بغي وتعدي جماعة أخرى. ذلك ~~أن أحداث سفر صموئيل الأول تظهر في مستوياتها التحتية - ~~التي تعود إلى أزمنة قديمة - ملامح ملحمة شعبية على غاية ~~من الأصالة والنبل والجمال. # تنتمي القصص التي أدمجت في السياق الرئيسي لحياة شاول ~~إلى المخزون الفولكلوري نفسه الذي استمدت منه قصص القضاة، ~~وهي مليئة بالعناصر المعروفة لنا في الأدب الشعبي. ونخص ~~بالذكر هنا عنصر الراعي الأعزل الذي يتغلب على الفارس ~~المدجج بالسلاح في مواجهة فردية، فهو عنصر شائع ومتكرر ~~فيما لا يحصى من القصص الشعبي والبطولي لدى مختلف الشعوب. ~~وقد أضيف إليه هنا عنصر المرور باختبار عسير من أجل ~~النيل بيد بنت الملك، وهو من العناصر القصصية الشائعة ~~والمكررة بصور وأشكال لا حصر لها. ولقد كان المنظور ~~الأيديولوجي المفروض على هذه القصص من المرونة بحيث سمح ~~لأجواء القصص الأصلية ولبيئتها بالإعلان عن نفسها. فداود - ~~مسيح الرب، والشخصية المركزية في التاريخ الزمني لإسرائيل ~~التوراتية - كان يحتفظ ms116 في بيته بالترافيم، وهي أصنام آلهة ~~رب البيت، منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير على هيئة الآدميين. # 1 # ففي إحدى الليالي جاء رسل شاول وطرقوا باب ~~منزل داود بعد أن عرفوا بوجوده ليقتادوه إلى شاول، ~~فأنزلته ميكال من الكوة الخلفية للبيت، ووضعت في سريره ~~الترافيم وغطته بثوب، وقالت للرسل إنه مريض (صموئيل الأول، ~~19: 11-17). ورغم محاولة المحرر إظهار داود في صورة الملك ~~الجيد في مقابل الملك السيئ شاول، إلا أنه ترك عناصر من ~~القصة الأصلية التي استخدمها على حالها رغم إساءتها إلى ~~صورة البطل مسيح الرب. فهو لا يتورع عن اللجوء إلى أعداء ~~شعبه ويعمل مع عصابته كمرتزقة لدى ملك جت، كما أنه لا يجد ~~غضاضة في التطوع لقتال شاول في معركة جبل جلبوع، والتي أدت ~~إلى سقوط شاول وأولاده. # ويستمر في سفر صموئيل الأول أسلوب المحرر التوراتي الذي ~~عهدناه في إيراد الروايات المتناقضة للحادثة الواحدة. ~~فحادثة التحاق داود بأخيش ملك جت تأتي في روايتين، في ~~الرواية الأولى يرفض ملك جت لجوء داود ويقصد به شرا: ~~«وقام داود وهرب في ذلك اليوم من أمام شاول، وجاء إلى أخيش ~~ملك جت. وقال عبيد أخيش له: أليس هذا داود ملك الأرض! أليس ~~لهذا كن يغنين في الرقص قائلات: ضرب شاول ألوفه وضرب ~~داود ربواته! فوضع داود في قلبه هذا الكلام وخاف جدا من ~~أخيش، فغير عقله في أعينهم وتظاهر بالجنون بين أيديهم، ~~وأخذ يخربش على مصاريع الباب. فقال أخيش لعبيده: هو ذا ~~ترون الرجل مجنونا، فلماذا تأتون به إلي! ... فذهب داود ~~ونجا من هناك إلى مغارة عدلام» (صموئيل الأول، 21: 10-15). ~~وفي الرواية الثانية يستقبل أخيش داود استقبالا حسنا، ~~ويقطعه بلدة صقلع: «وقال داود في قلبه: إني سأهلك يوما ~~بيد شاول، فلا شيء خير لي من أن أفلت إلى أرض الفلسطينيين. ~~فقام داود وعبر هو والستمائة الرجل الذين معه إلى أخيش ملك ~~جت، وأقام عنده في جت ... فقال داود لأخيش: إن كنت قد وجدت ~~نعمة في عينيك فليعطوني مكانا في إحدى ms117 قرى الحقل فأسكن ~~هناك ... إلخ» (صموئيل الأول، 27: 1-6). # ولدينا ثلاث روايات عن مسح شاول ملكا، في الرواية ~~الأولى يأتي شاول إلى بلد صموئيل باحثا عن حمير أبيه ~~الضالة، وهناك يراه صموئيل ويأتيه كلام الرب بأن هذا الفتى ~~هو الذي يملك على الشعب، فيمسحه صموئيل ملكا (صموئيل ~~الأول، 9). وفي الرواية الثانية يطلب الرب من صموئيل أن ~~يدعو كل إسرائيل حسب أسباطهم فيستعرضهم أمامه فيختار منهم ~~ملكا، فتصعد الأسباط إلى صموئيل وتجتاز أمامه، فيختار ~~منها الرب سبط بنيامين، ثم يستعرض سبط بنيامين عشائره ~~فيختار الرب عشيرة مطري، ثم تستعرض عشيرة مطري أسرها ~~فيختار الرب أسرة قيس، ومن أسرة قيس يختار الرب شاول، ~~فيمسحه صموئيل ملكا (صموئيل الأول، 10). وفي الرواية ~~الثالثة يصعد ناحاش العموني على جلعاد ويستعبد أهلها، ~~فيرسل هؤلاء رسلا يستنجدون بقبائل إسرائيل، ويأتي الرسل ~~إلى جبعة حيث شاول. فخرج شاول وراء البقر من الحقل على ~~بكاء الرسل واستنجادهم بقبائل إسرائيل، فحل عليه روح ~~الرب وغضب غضبا شديدا. أخذ بقرة وقطعها إلى اثنتي عشرة ~~قطعة وأرسلها بيد الرسل إلى كل تخوم إسرائيل قائلا: من لا ~~يخرج وراء شاول ووراء صموئيل هكذا يفعل ببقره. فخرج الشعب ~~وراء شاول كرجل واحد وهزموا العمونيين، ثم عادوا وملكوا ~~شاول عليهم (صموئيل الأول، 11). # ولدينا روايتان عن لقاء شاول بداود، في الأولى ينصح ~~أتباع شاول بإحضار داود ليعزف على العود فيسري عن فؤاد ~~شاول، فيأتي إليه ويحبه شاول ويجعله حامل سلاحه (صموئيل ~~الأول، 16). وفي الإصحاح التالي مباشرة نجد شاول لم يجتمع ~~بعد بداود، فعندما ينبري داود للقاء الفلسطيني يسأل شاول ~~عن الفتى وعن عائلته: «ولما رأى شاول داود خارجا للقاء ~~الفلسطيني قال لأبينير رئيس جيشه: ابن من هذا الغلام يا ~~أبينير؟ فقال أبينير: وحياتك أيها الملك لست أعلم. فقال ~~الملك: اسأل ابن من هذا الغلام. ولما رجع داود من قتل ~~الفلسطيني أخذه أبينير وأحضره أمام شاول ورأس الفلسطيني في ~~يده، فقال له شاول: ابن من أنت يا غلام؟ فقال داود: ابن ~~عبدك يسى البيتلحمي» (صموئيل الأول، 17). وفي هذه ms118 ~~الرواية لا يظهر تعلق شاول بداود منذ البداية كما رأينا في ~~الرواية السابقة، بل إن ابنه يوناثان هو الذي يحب داود ~~ويتعلق به، فيضمه شاول إلى جماعته ولا يتركه يرحل إلى بيت ~~أبيه. # وهناك روايتان عن طريقة موت شاول. ففي الأولى رأيناه ~~يطلب من حامل سلاحه أن يقتله فيرفض فيسقط شاول على سيفه ~~ويموت (صموئيل الأول، 31: 4-5). أما في الرواية الثانية، ~~فإن شابا عماليقيا يأتي إلى داود معفرا بالتراب، ممزق ~~الثياب، ويخبره بأن شاول وأولاده قد قضوا في معركة ~~جلبوع، فيسأله كيف عرف بموت شاول فقال: «إني كنت في جبل ~~جلبوع وإذا شاول يتوكأ على رمحه، وإذا بالمركبات والفرسان ~~يشدون وراءه. فالتفت إلى ورائه فرآني ودعاني فقلت: ها أنا ~~ذا، فقال لي: من أنت؟ فقلت: عماليقي أنا، فقال لي: قف ~~علي واقتلني لأنه قد اعتراني الدوار. فوقفت عليه وقتلته؛ ~~لأني علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه» (صموئيل الثاني، 1: ~~1-10). # وعن مدة حكم شاول نقرأ في الإصحاح 13: 1 أن شاول قد حكم ~~مدة سنتين، وهذا لا يتناسب مع مجريات الأحداث اللاحقة. ~~فشاول قد مسح ملكا وهو شاب يافع، ثم سقط في معركة جلبوع ~~وهو كهل وله أولاد محاربون أشداء قتلوا معه في المعركة. ~~وبعد موت شاول تقوم القبائل الإسرائيلية في الشمال بتنصيب ~~ابنه إيشبوشت ملكا عليها وعمره أربعون سنة (صموئيل ~~الثاني، 2: 8-9). وهذا يدل على أن فترة حكم شاول قد تجاوزت ~~الأربعين سنة. # وعندما يقطع داود رأس جليات يقول النص: «وأخذ داود رأس ~~الفلسطيني وأتى به إلى أورشليم ووضع أدواته في خيمته.» ~~ونحن نعرف من آخر ذكر لأورشليم أنها ما زالت بيد اليبوسيين ~~الكنعانيين، وذلك في الموضع الذي أشرنا إليه في حينه في ~~سفر القضاة، والذي يصف أورشليم بأنها مدينة غريبة لا يوجد ~~فيها أحد من بني إسرائيل (القضاة، 19: 11-12) ... ثم ماذا عن ~~خيمة داود تلك التي يضع فيها أدواته، والتي يبدو من المقطع ~~أعلاه أنها عند أورشليم؟ ومتى كان للفتى داود - الذي ما ~~زال يرعى غنم أبيه أو يضرب العود ms119 ويحمل أسلحة شاول - خيمة ~~في أورشليم؟ إن المقطع كله يبدو وكأنه منتزع من سياق قصة ~~أخرى ومدمج في هذه القصة، وربما كان ينتمي إلى قصص داود ~~اللاحقة بعد أن صار ملكا وجعل من أورشليم عاصمة ~~له. # نكتفي بهذا القدر اللازم من النقد النصي لسفر صموئيل ~~الأول، دون الدخول في كثير من التفاصيل الصغيرة، التي يمكن ~~لبحث آخر مكرس للنقد النصي أن يستعرضها، وننتقل إلى سفر ~~صموئيل الثاني الذي يبسط أمامنا أخبار فترة العصر الذهبي ~~لإسرائيل التوراتية. أما عن النقد التاريخي والأركيولوجي ~~لسفر صموئيل الأول، فسوف يأتي ضمن النقد التاريخي ~~والأركيولوجي لأخبار المملكة الموحدة، لأن أخبار شاول لم ~~تكن سوى مدخل ومقدمة لأخبار داود وسليمان. ~~(2) صموئيل الثاني ومملكة داود # بعد أن عرف داود بنبأ موت شاول وأولاده، رثاه ورثى ابنه ~~يوناثان بمرثية طويلة يقول فيها: «الظبي يا إسرائيل مقتول على ~~شوامخك. كيف سقط الجبابرة. لا تخبروا في جت، لا تبشروا في ~~أسواق أشقلون؛ لئلا تفرح بنات الفلسطينيين، لئلا تشمت بنات ~~الغلف. يا جبال جلبوع، لا يكن طل ولا مطر عليكن ولا حقول ~~تقدمات، لأنه هناك طرح مجن الجبابرة مجن شاول بلا مسح ~~بالدهن. من دم القتلى من شحم الجبابرة لم ترجع قوس يوناثان إلى ~~الوراء، وسيف شاول لم يرجع خائبا. شاول ويوناثان المحبوبان ~~والحلوان في حياتهما لم يفترقا في موتهما. أخف من النسور ~~وأشد من الأسود. يا بنات إسرائيل ابكين شاول ... إلخ» (صموئيل ~~الثاني، 1). # ثم رحل داود إلى حبرون في الجنوب وأقام هناك. وفي حبرون جاء ~~إليه رجال يهوذا ومسحوه ملكا على بيت يهوذا. وأما القبائل ~~الشمالية، التي تدعى في النص بإسرائيل تمييزا لها عن يهوذا، ~~فقد ملك عليها ابن شاول المدعو إشبوشت: «وأما أبينير بن ~~نير، رئيس جيش شاول، فأخذ إشبوشت بن شاول وعبر به إلى محنايم ~~وجعله ملكا على كل إسرائيل، وكان إشبوشت بن شاول ابن أربعين ~~سنة حين ملك على إسرائيل، وملك سنتين.» وبعد ذلك اشتعلت ~~الحرب بين إسرائيل ويهوذا، ولم تنته إلا بموت إشبوشت ملك ~~إسرائيل غيلة ms120 على يد اثنين من جماعته طمعا في مكافأة من ~~داود: «دخلا عند حر النهار إلى بيت إشبوشت وهو نائم نومة ~~الظهيرة، فدخلا في وسط البيت ليأخذا حنطة، فعند دخولهما البيت ~~كان هو مضطجعا في سريره في مخدع نومه، فضرباه وقطعا رأسه، ~~وأخذا رأسه وسارا الليل كله، وأتيا برأس إشبوشت إلى داود إلى ~~حبرون، وقالا للملك: هو ذا رأس إشبوشت بن شاول عدوك الذي كان ~~يطلب نفسك ... فأمر داود الغلمان فقتلوهما، وقطعوا أيديهما ~~وأرجلهما، وعلقوهما على البركة في حبرون. وأما رأس إشبوشت ~~فأخذوه ودفنوه.» فأتى رجال إسرائيل إلى داود في حبرون وملكوه ~~على إسرائيل أيضا. وبذلك ينتقل الملك إلى يهوذا (صموئيل ~~الثاني، 1-5). # وكان أول عمل لداود بعد أن صار رأسا للمملكة الجديدة هو ~~الاستيلاء على أورشليم، التي جعلها عاصمة له بعد أن أقام في ~~حبرون حوالي سبع السنوات. وكانت أورشليم حتى ذلك الوقت مدينة ~~كنعانية يسكنها اليبوسيون. وبعد استقراره في العاصمة الجديدة ~~أرسل إليه حيرام الفينيقي ملك صور خشب أرز ونجارين وبنائين ~~فبنوا لداود بيتا، وبدأ داود يعيش عيشة الملوك المترفة، ~~وتسرى بنساء من أورشليم ولدن له بنين وبنات. وكانت أول حرب ~~يخوضها هي حرب دفاعية ضد الفلسطينيين الذين بادروا لقتاله بعد ~~أن رأوا تزايد قوته، فضربهم وطاردهم إلى تخومهم. وبعد ذلك ~~جاء داود بتابوت العهد وأدخله إلى أورشليم في موكب حافل وهو ~~يرقص أمامه رقصا طقوسيا حتى دخل المدينة، حيث وضع التابوت ~~في خيمة. ولكن الرب لم يكن راضيا عن مكان إقامته، فتكلم مع ~~ناثان النبي قائلا: «اذهب وقل لعبدي داود: هكذا قال الرب: ~~أأنت تبني لي بيتا لسكناي؟ لأني لم أسكن في بيت منذ يوم أصعدت ~~بني إسرائيل من مصر إلى هذا اليوم، بل كنت أسير في خيمة وفي ~~مسكن» (صموئيل الثاني، 5-7). غير أن بناء بيت للرب كان مشروعا ~~يفوق إمكانيات داود المتواضعة، وكان على الرب أن ينتظر مجيء ~~سليمان لينجز هذه المهمة. # بعد أن أمن داود جانب الفلسطينيين المهزومين، توجه إلى ~~شرقي الأردن فضرب موآب وصار ms121 الموآبيون له عبيدا. ثم توجه ~~شمالا نحو مملكة صوبة الآرامية التي تعاضدها دمشق: «ضرب داود ~~هدد عزر بن رحوب ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات. ~~فأخذ داود منه ألفا وسبعمائة فارس وعشرين ألف رجل. وعرقب داود ~~جميع خيل المركبات وأبقى منها مائة مركبة. فجاء آرام دمشق ~~لنجدة هدد عزر ملك صوبة، فضرب داود من آرام اثنين وعشرين ألف ~~رجل. وجعل داود محافظين في آرام، وصار الآراميون لداود عبيدا ~~يقدمون الهدايا. وكان الرب يخلص داود حيثما توجه. وأخذ داود ~~أتراس الذهب، التي كانت على عبيد هدد عزر وأتى بها إلى ~~أورشليم، ومن باطح ومن بيروثاي مدينتي هدد عزر أخذ الملك ~~داود نحاسا كثيرا. وسمع توعي ملك حماة أن داود قد ضرب كل جيش ~~هدد عزر، فأرسل توعي يورام ابنه إلى الملك ليسأل عن سلامته ~~ويباركه، لأن هدد عزر كانت له حروب مع توعي. وكان بيده آنية من ~~فضة، وآنية من ذهب، وآنية من نحاس. وهذه أيضا قدسها للرب ~~الملك داود، مع الفضة والذهب الذي قدسه من جميع الشعوب الذين ~~أخضعهم؛ من آرام ومن موآب ومن بني عمون ومن الفلسطينيين ومن ~~عماليق ومن غنيمة هدد عزر ملك صوبة ...» (صموئيل الثاني، ~~8). # ورغم أن مملكة عمون في شرقي الأردن تظهر في النص السابق بين ~~الممالك التي تم إخضاعها، إلا أننا نجدها في الإصحاح الذي يلي ~~مملكة مستقلة، وعلى علاقات ودية مع داود إلى أن مات ملكها ~~المدعو ناحاش، وملك ابنه حانون بدلا عنه. فأرسل داود رسلا ~~من قبله لتعزية حانون بوفاة أبيه، ولكن حانون شك في أمر الرسل ~~وظنهم جواسيس لداود، فعاملهم معاملة سيئة، وقص أنصاف لحاهم ~~وثيابهم إلى وسطهم وأعادهم إلى داود. ثم تهيأ للحرب واستأجر ~~مرتزقة لعونه من آرام صوبة وغيرها من الدويلات المجاورة: ~~«ولما رأى بنو عمون أنهم قد أنتنوا عند داود، أرسل بنو عمون ~~واستأجروا آرام بيت رحوب وآرام صوبة عشرين ألف رجل، ومن معكة ~~ألف رجل، ورجال طوب اثني عشر ألف رجل. فلما سمع داود أرسل ms122 يوآب ~~وكل جيش الجبابرة.» ويحرز يوآب قائد جيش داود نصرا على بني ~~عمون وعلى الآراميين المستأجرين لهم. ثم لا يستثمر نصره ~~بمتابعة العمونيين المتراجعين إلى مدينتهم، أو ملاحقة ~~الآراميين الهاربين، بل يقفل عائدا إلى أورشليم. ولكن هدد عزر ~~يستجمع قواه مجددا ويأتي بآراميين لمساعدته من وراء الفرات: ~~«ولما رأى آرام أنهم انكسروا أمام إسرائيل اجتمعوا معا. وأرسل ~~هدد عزر فأبرز آرام الذي في عبر النهر، فأتوا إلى حيلام ~~وأمامهم شوبك رئيس جيش هدد عزر. ولما أخبر داود جمع كل ~~إسرائيل وعبر الأردن وجاء إلى حيلام، فاصطف آرام للقاء داود ~~وحاربوه. وهرب آرام أمام إسرائيل، وقتل داود من آرام سبعمائة ~~مركبة وأربعين ألف فارس، وضرب شوبك رئيس جيشه فمات هناك» ~~(صموئيل الثاني، 10). # عاد داود إلى أورشليم. وبعد سنة كاملة أرسل قائده يوآب وحاصر ~~مدينة ربة عمون عاصمة العمونيين وأطال الحصار. أما داود فقد ~~استسلم لحياة الرغد في أورشليم. وفي إحدى الأمسيات كان يتمشى ~~على سطح بيته فرأى امرأة جميلة تستحم وراقت في عينيه، فسأل ~~عنها فقيل: هي بتشبع امرأة أوريا الحثي، وكان جنديا يحارب في ~~جيش يوآب. فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه واضطجع معها ثم ~~رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود، فكتب داود ~~رسالة إلى يوآب يقول فيها: «اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة ~~وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت.» فمات أوريا، وأرسل داود إلى ~~امرأة أوريا وضمها إلى بيته فصارت له امرأة. أما يوآب فقد ~~أحكم الحصار على مدينة ربة عمون وآلت إلى السقوط بيده، فأرسل ~~إلى داود طالبا منه الحضور ليأخذ المدينة بيده. فجمع داود كل ~~الشعب وذهب إلى ربة عمون وأخذها وقتل جميع أهلها. ولكن الرب ~~كره ما فعله داود بأخذه زوجة أوريا الحثي وقتله الرجل بسببها، ~~فأرسل النبي ناثان الذي قال لداود: «كان رجلان في مدينة واحدة. ~~واحد منهما غني والآخر فقير. وكان للغني غنم وبقر كثيرة جدا، ~~وأما الفقير فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ~~ورباها وكبرت معه ومع بنيه ms123 ... فجاء ضيف إلى الرجل الغني ~~فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ للضيف الذي جاء إليه، ~~فأخذ نعجة الرجل الفقير وهيأ للرجل الذي جاء إليه. فحمي غضب ~~داود على الرجل جدا وقال لناثان: حي هو الرب، إنه يقتل ~~الرجل الفاعل ذلك، ويرد النعجة أربعة أضعاف ... فقال ناثان ~~لداود: أنت هو الرجل» (صموئيل الثاني، 11 و12). # وحدث بعد ذلك أنه كان لابن داود المدعو أبشالوم أخت جميلة ~~اسمها ثامار. فأحبها ابن داود الآخر المدعو أمنون، وكان أخا ~~غير شقيق لأبشالوم، وأسقم أمنون حب أخته ثامار حتى لزم بيته ~~وفراشه. وأخيرا فكر بحيلة يستدرج بها أخته إلى فراشه «فاضطجع ~~أمنون وتمارض، فجاء الملك ليراه فقال أمنون: دع ثامار أختي ~~فتأتي وتصنع أمامي كعكتين فآكل من يدها ... فذهبت ثامار إلى بيت ~~أمنون أخيها وهو مضطجع ... وقدمت له ليأكل، فأمسكها وقال لها: ~~تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له: لا يا أخي، لا تذلني ... ~~فلم يشأ أن يسمع لصوتها، بل تمكن منها وقهرها واضطجع معها.» ~~فجعلت ثامار رمادا على رأسها ومزقت ثوبها وراحت تصرخ، فجاء ~~إليها أخوها أبشالوم وأسكتها وقادها إلى بيته مبيتا خطة ~~هادئة للانتقام من أمنون. بعد مدة دعا أبشالوم أمنون وبقية ~~إخوته أولاد داود إلى وليمة، وأوصى غلمانه أن يضربوا أمنون بعد ~~أن تلعب الخمرة برأسه. ففعل غلمان أبشالوم بأمنون كما أمرهم ~~وقتلوه. فقام جميع بني الملك وركبوا كل واحد على بغلة ~~وهربوا. أما أبشالوم فقد توارى عن الأنظار ريثما يتعزى داود عن ~~ابنه القتيل (صموئيل الثاني، 13). # وكان أبشالوم صاحب مطامح. فصار يستميل قلوب الناس ويجلس ~~للقضاء بينهم قبل وصولهم إلى باب الملك، فأحبه الشعب ومال ~~إليه. وعندما أحس أن الوقت قد حان للانقلاب على أبيه أقام في ~~مدينة حبرون، وجمع حوله الأتباع والمؤيدين، وأرسل دعاته بشكل ~~خاص إلى قبائل إسرائيل في الشمال التي بايعت داود مكرهة بعد ~~قتل أشبوشت، واتفق معهم على نزع طاعة داود لدى سماعهم أن ~~الأبواق قد ضربت في حبرون ونودي في الأسواق: قد ملك ~~أبشالوم. ms124 «فأتى مخبر إلى داود قائلا: إن قلوب رجال إسرائيل ~~صارت وراء أبشالوم. فقال داود لجميع عبيده الذين معه في ~~أورشليم: قوموا بنا نهرب لأنه ليس لنا نجاة من وجه أبشالوم. ~~أسرعوا للذهاب لئلا يبادر ويدركنا وينزل بنا الشر، ويضرب ~~المدينة بحد السيف. فخرج الملك وجميع بيته وراءه، وكل الشعب في ~~إثره ... وأما داود فصعد في مصعد جبل الزيتون. كان يصعد باكيا ~~ورأسه مغطى ويمشي حافيا، وجميع الشعب الذين معه غطوا كل ~~واحد رأسه، وكانوا يصعدون وهم يبكون.» ثم عبر داود ومن معه ~~نهر الأردن إلى الجهة الأخرى. أما أبشالوم فقد دخل أورشليم ~~مدعوما من قبائل إسرائيل. ولكن مشيريه نصحوه باللحاق بداود ~~والقضاء على قوته العسكرية في شرقي الأردن: «فعبر أبشالوم ~~الأردن هو وجميع رجال إسرائيل معه ... ونزل إسرائيل وأبشالوم في ~~أرض جلعاد. وهنا وجد داود أن المواجهة بينه وبين ابنه صارت ~~محتومة، فتجهز للحرب وقسم جيشه ثلاث فرق، عين على كل فرقة ~~قائدا، وأوصاهم جميعا ألا يمسوا ابنه أبشالوم بسوء. «وخرج ~~الشعب إلى الحقل للقاء إسرائيل. وكان القتال في وعر أفرايم. ~~فانكسر هناك شعب إسرائيل أمام عبيد داود، وكانت هناك مقتلة ~~عظيمة.» ولم يحفظ القائد يوآب وصية داود فضرب أبشالوم بثلاثة ~~سهام وهو عالق بأغصان شجرة بطم، فقتله. وبعد أن أقام داود ~~مناحة على ابنه القتيل قفل عائدا إلى أورشليم. أما قبائل ~~إسرائيل فقد مشت بعد أبشالوم وراء قائد جديد: «فصعد كل رجال ~~إسرائيل من وراء داود إلى وراء شبع بن بكري. وأما رجال يهوذا ~~فلازموا ملكهم من الأردن إلى أورشليم.» وقبل أن تستقر الأمور ~~لشبع بن بكري أرسل داود وراءه قائده يوآب فتعقبه وحاصره في ~~مدينة آبل بيت معكة. ولما اشتد الحصار على أهل المدينة اتفقوا ~~مع يوآب على تسليمه رأس شبع بن بكري مقابل فك الحصار عن ~~مدينتهم، فارتد يوآب برأس شبع وانتهت الفتنة» (صموئيل الثاني، ~~14-20). ~~«وكان جوع في أيام داود ثلاث سنين، سنة بعد سنة، فطلب ~~داود وجه الرب.» فقال له الرب إنه غاضب على الأرض ms125 لأن الملك ~~شاول كان قد ضرب أهل مدينة جبعون بعد العهد الذي كان يشوع قد ~~قطعه معهم منذ القدم (وهذه الحادثة غير واردة في أخبار ~~شاول). فجاء داود إلى الجبعونيين وسألهم كيف يستطيع التكفير عن ~~خطيئة شاول. فطلب الجبعونيون أن يسلمهم داود سبعة من بني شاول ~~يقدمونهم قربانا للرب. فأخذ داود ولدي شاول من زوجته رصفة، ~~وخمسة أولاد لميكال ابنة شاول وسلمهم إلى يد الجبعونيين ~~«فصلبوهم على الجبل أمام الرب، فسقط السبعة معا وقتلوا في ~~أيام الحصاد ... وبعد ذلك استجاب الله من أجل الأرض» (صموئيل ~~الثاني، 21). # وتختتم حياة داود بكارثة تحل في إسرائيل. فقد غضب الرب على ~~داود لأنه قام بإحصاء الشعب لمعرفة عدد سكان مملكته «فجعل الرب ~~وباء في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات الشعب من دان ~~إلى بئر السبع سبعون ألف رجل، وبسط الملاك يده على أورشليم ~~ليهلكها، فندم الرب عن الشر وقال للملاك المهلك الشعب: كفى، ~~الآن رويدك. وكان ملاك الرب عند بيدر أرونة اليبوسي. فكلم داود ~~الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال: ها أنا أخطأت وأنا ~~أذنبت، وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا؟» ثم اشترى داود الأرض ~~التي وقف عندها الملاك من صاحبها أرنان اليبوسي وأقام عندها ~~مذبحا للرب (صموئيل الثاني، 24). أما ما يلي هذه الحادثة من ~~أخبار شيخوخة داود وتنازع أولاده على العرش؛ فيرد في سفر ~~الملوك الأول، الذي يفصل في سيرة الملك سليمان التي سوف ~~ننتقل إليها بعد قليل. # النقد النصي لسفر صموئيل الثاني # لم يحقق المحرر التوراتي في سفر صموئيل الثاني أية نقلة ~~نوعية في أسلوبه، من شأنها الإيحاء بانتقاله من مرحلة ~~التجميع التراثي غير المدقق إلى مرحلة التقصي التاريخي. ~~فهذا السفر يمتح من الذخيرة القصصية الشعبية والبطولية ~~نفسها التي متح منها سفر القضاة. ولكن بينما توزعت أحداث ~~سفر القضاة بين شخصيات مختلفة ومتباعدة زمنيا، فإن أحداث ~~صموئيل الثاني قد جعلت تدور حول شخصية الملك داود، في ~~محاولة لرسم صورة لملك ملحمي أسس التقاليد الملكية في ~~إسرائيل. من هنا، فقد يبدو سفر ms126 صموئيل لأول وهلة أكثر ~~تسلسلا وانسجاما من سفر القضاة، وإيحاء بما يشبه ~~التاريخ. إلا أن القراءة المدققة ما تلبث أن تظهر لنا مدى ~~تفكك هذا السفر، واستقلالية قصصه عن بعضها، وتفرد كل ~~منها بعقدة خاصة وسياق مغلق لا يؤدي إلى غيرها، وذلك رغم ~~الترتيب الزمني الذي اصطنعه المحرر من أجل ربطها، وعقد ~~الصلة فيما بينها. فحروب داود التي ذكرت باقتضاب، ولم ~~تأخذ حيزا من السفر يعادل حيز قصة اغتصاب أمنون لأخته، ~~يمكن أن تنسب لأية شخصية في سفر القضاة، مثل جدعون ~~(القضاة، 7-8) أو يفتاح الجلعاوي (القضاة، 11) أو إلى ~~يشوع، أو حتى إلى موسى الذي وصل في غزواته إلى حوران في ~~سوريا الجنوبية. فإذا تجاوزنا حروب داود انفتح أمامنا عالم ~~من قصص ألف ليلة وليلة؛ الملك يتمشى على السطح ويتلصص على ~~امرأة عارية تستحم، فيقع في غرامها ويقتل زوجها الجندي ~~ليحصل عليها. أمنون يأتي بأخته ثامار بحيلة إلى سريره ~~ويغتصبها. أبشالوم يولم لإخوته ويقتل من بينهم أمنون. ~~خروج الابن على أبيه من أجل الاستئثار بالعرش وما جرى ~~بينهما من حروب. أهل مدينة آبل بيت معكة يقطعون رأس شبع بن ~~بكري ويسلمونه للقائد يوآب. التضحية بأولاد شاول السبعة ~~وصلبهم على الجبل قربانا للرب ... إلخ. كما أن باستطاعتنا ~~نقل أية قصة من هذه القصص المؤلفة لسيرة داود إلى سفر ~~القضاة أو إلى يشوع أو حتى إلى أحد الأسفار الخمسة، دون أن ~~نشعر بغرابتها عن جوها الجديد، وهذا يدل على أننا ما زلنا ~~في حيز الأدب، ولم ننتقل بعد مع النص التوراتي إلى حيز ~~التاريخ. # وتعطينا بعض التفاصيل الصغيرة للقصص فكرة عن كيفية تصور ~~محرر صموئيل الثاني لمملكة داود. فهذه المملكة لم تكن أكثر ~~من مشيخة قبلية متواضعة، وملوكها ليسوا أكثر من أمراء ~~محليين لم يأخذوا بعد بأسباب التمدن. فالقتلة يدخلون بيت ~~ملك إسرائيل إشبوشت عند الظهيرة وباب الملك مفتوح على ~~مصراعيه، ويأتون إلى صحن الدار متظاهرين بأنهم يأخذون ~~قمحا، ثم يدخلون مخدع الملك وهو نائم نومة الظهيرة ~~فيقطعون رأسه ويسيرون به، دون ms127 أن يعترضهم حرس أو خدم أو ~~حشم. وبيت داود لا يختلف كثيرا عن بيت إشبوشت الذي يستطيع ~~دخوله أي عابر سبيل، فرغم أن النص يقول بأن حيرام قد أرسل ~~إلى داود خشب أرز ونجارين وبنائين ليصنعوا بيتا لداود، ~~إلا أننا نجد بعد ذلك أن هذا البيت قائم بين بيوت الجنود ~~العامة. فعندما يصعد داود ليتمشى على السطح يرى امرأة ~~تستحم في بيتها، وهذا يعني أنه لم يكن بين سطح داود وبيت ~~المرأة، التي كانت زوجة أوريا الجندي، إلا بضعة أمتار سمحت ~~للملك برؤية تفاصيل جمال المرأة المستحمة. # وفي سفر صموئيل الثاني يبدأ النص التوراتي بالتمييز بين ~~إسرائيل ويهوذا، وهو التمييز الذي سوف يستمر ويتأكد عبر ~~الأسفار اللاحقة. فبعد أن كان المحرر يستعمل تعبير «كل ~~إسرائيل» أو «كل الشعب» للدلالة على القبائل الاثنتي عشرة ~~بما فيها يهوذا، فإنه يأخذ عبر سفر صموئيل الثاني بالحديث ~~عن إسرائيل وعن يهوذا، وتبدو يهوذا مستثناة من مصطلح «كل ~~إسرائيل» الذي يستخدم في معظم المواضع للدلالة على ~~القبائل الواقعة إلى الشمال من أورشليم ابتداء من ~~بنيامين. فبعد موت شاول الإسرائيلي «أتى رجال يهوذا ومسحوا ~~داود ملكا على بيت يهوذا ... وأما أبينير رئيس جيش شاول ~~فأخذ إشبوشت وعبر به إلى محنايم وجعله ملكا على كل ~~إسرائيل» (صموئيل الثاني، 2). وعندما ينحاز أبينير رئيس ~~جيش شاول بعد ذلك إلى جانب داود يأتي إلى داود ويقول: ~~«أقوم أذهب وأجمع إلى سيدي الملك جميع إسرائيل فيقطعون معك ~~عهدا» (صموئيل، 3: 21). ومن الواضح في هذا المقطع أن ~~المقصود بجميع إسرائيل هو القبائل الشمالية، لأن يهوذا ~~كانت قد بايعت داود منذ البداية. وبعد مقتل إشبوشت يأتي ~~الإسرائيليون إلى داود فيبايعونه أيضا، وهنا نقرأ: «وجاء ~~جميع أسباط إسرائيل إلى داود في حبرون ... وجاء جميع شيوخ ~~إسرائيل إلى الملك إلى حبرون. فقطع الملك داود معهم عهدا ~~... ومسحوا داود ملكا على إسرائيل. وكان داود ابن ثلاثين ~~سنة حين ملك ... في حبرون ملك على يهوذا سبع سنين وستة ~~أشهر، وفي أورشليم ملك ثلاثا وثلاثين سنة على جميع ~~إسرائيل ms128 ويهوذا» (صموئيل الثاني، 5: 4-5). وبعد موت ~~أبشالوم «صعد كل رجال إسرائيل من وراء داود إلى وراء شبع ~~بن بكري، أما رجال يهوذا فلازموا ملكهم» (صموئيل الثاني، ~~20: 2). وفي غير أمثال هذه المواضع المشار إليها أعلاه، ~~فإن المحرر يعود إلى استخدام مصطلح «كل إسرائيل» في ~~الإشارة إلى إسرائيل ويهوذا معا، وخصوصا في حديثه عن ~~المعارك التي تخوضها هذه القبائل موحدة ضد عدو خارجي. من ~~ذلك مثلا ما ورد في صموئيل الثاني (10: 10-11)، و(11: ~~1). # النقد التاريخي والأركيولوجي لصموئيل الثاني # يفترض المؤرخون أن شاول قد حكم بين 1030 و1009ق.م.، ~~وداود بين 1009 و969ق.م.، وسليمان بين 969 و931ق.م.، إلا ~~أن البينة التاريخية والأركيولوجية لم تتوفر حتى الآن على ~~وجود هؤلاء الملوك، ولا يوجد لدينا خارج النص التوراتي ~~مصدر يتعرض لذكرهم بشكل مباشر، أو يقدم مادة يمكن مقاطعتها ~~مع كل ما ذكره النص التوراتي بخصوصهم. # فيما يتعلق بأخبار الملك داود في سفر صموئيل الثاني ~~لدينا بضعة أسطر خصصها المحرر للحديث عن حروب داود، وانتزع ~~لها حيزا ضيقا بين خضم القصص التي تتحدث عن الصراع على ~~السلطة وغراميات البلاط الملكي والدسائس السياسية. يحارب ~~داود أولا الفلسطينيين، ثم الموآبيين في شرقي الأردن. ~~وأخبار مثل هذه الحروب تتخذ في النص التوراتي صيغة نمطية ~~ومتكررة لا تسمح للباحث بتبين العناصر التاريخية فيها، ~~إنها أشبه بالعنصر التزيني الجاهز للاستخدام في رسم أية ~~سيرة شخصية توراتية. ولعلنا قادرون على انتزاع أي خبر من ~~أخبار هذه الحروب من مكانه وزرعه في أي مكان آخر دون أن ~~نحدث في الرواية خللا يذكر. بعد ذلك يتجه داود لقتال ~~المدعو هدد عزر ملك صوبة، دون أن يعطينا النص أي مسوغ ~~أو سبب مباشر أو غير مباشر لهذه الحرب. ويأتي الخبر هنا في ~~صيغة غامضة ومختصرة حيث يقول: «وضرب داود هدد بن عزر بن رحوب ~~ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات. فأخذ ~~منه داود ... إلخ. فجاء آرام دمشق لنجدة هدد عزر ملك صوبة، ~~فضرب داود من آرام اثنين وعشرين ألف رجل. وجعل داود ~~محافظين ms129 في آرام دمشق وصار الآراميون لداود عبيدا.» ولكن ~~هذه المعركة لم تكن فاصلة بين الطرفين، فبعد أن طرد ملك ~~عمون رسل داود وتهيأ لقتاله «أرسل بنو عمون واستأجروا آرام ~~بيت رحوب وآرام صوبة عشرين ألف رجل، ومن معكة ألف رجل، ~~ورجال طوب اثني عشر ألف رجل ... فتقدم يوآب والشعب الذين معه ~~لمحاربة آرام فهربوا من أمامه. ولما رأى بنو عمون أنه قد ~~هرب آرام هربوا ودخلوا المدينة. فرجع يوآب عن بني عمون ~~وأتى إلى أورشليم.» بعد ذلك مباشرة تبدأ المعركة الثانية ~~بين داود وهدد عزر: «ولما رأى آرام أنهم انكسروا أمام ~~إسرائيل اجتمعوا معا. وأرسل هدد عزر فأبرز آرام الذي في ~~عبر النهر فأتوا إلى حيلام وأمامهم شوبك رئيس جيش هدد ~~عزر ... فاصطف آرام للقاء داود وحاربوه وهرب آرام من أمام ~~إسرائيل.» # لقد سكب المؤرخون أطنانا من الحبر حتى الآن من أجل ~~إعادة ترتيب هذه الأخبار المختصرة الغامضة، ووضعها في ~~إطار تاريخ مقبول، فأخرجوا ممالك من العدم، وأسبغوا عليها ~~الطابع التاريخي، ورسموا حدودها ووصفوا علاقاتها مع ~~الممالك الوهمية الأخرى، استنادا إلى الرواية التوراتية ~~وحدها. ففيما يتعلق بمملكة صوبة احتار الباحثون بشأن ~~موقعها وحدودها، وخرجوا باستنتاجات واهية من شأنها خلق ~~صورة مضخمة عن هذه المملكة. فالباحث هاليفي يقول: إن ~~صوبة هي تحريف لكلمة صهوبة، التي تعني بريق الذهب أو ~~النحاس، وبما أن سلسلة جبال لبنان الشرقية غنية بالنحاس، ~~فإن من المرجح أن صوبة كانت تشمل الأراضي الممتدة إلى ~~الشمال الغربي من دمشق، وذلك من البقاع غربا وحتى البادية شرقا. # 2 # وقد سار بقية الباحثين على منوال هاليفي. يقول ~~واين بيتارد في كتابه «دمشق في العصور القديمة» ما يلي: ~~«في أيام داود كانت مملكة صوبة أقوى وأهم دولة في وسط ~~وجنوب سوريا، وخصما عنيدا للمملكة الإسرائيلية الجديدة. ~~أما عن موقع هذه الدولة وحدودها، فإن معظم الباحثين اليوم ~~يضعونها في البقاع الشمالي، مع امتدادات نحو الشرق تصل إلى ~~سهول حمص وتتجاوزها حتى البادية.» # 3 # لقد ورد الاسم صوبة لأول مرة في سفر صموئيل ms130 الأول، الذي ~~يذكر أن الملك شاول قد ضرب ملوك صوبة: «وحارب جميع أعدائه ~~من حواليه؛ موآب وعمون وآدوم وملوك صوبة والفلسطينيين» ~~(صموئيل الأول، 14: 47). وهذا يعني أن صوبة هي منطقة ~~جغرافية وليست مملكة، وأن الملوك المذكورين هنا ليسوا سوى ~~مشايخ قبائل نظرا للإشارة إليهم بصيغة الجمع. ولكننا في ~~عصر داود نجدها فجأة، وبعد عدة سنوات، عبارة عن مملكة ~~يحكمها ملك واحد اسمه هدد عزر. أما المصادر الخارجية ~~فصامتة تماما عن ذكر هذه المملكة وعن ذكر ملكها هدد عزر، ~~الذي لم يرد له ذكر خارج النص التوراتي. ونحن نعجب كيف ~~تكون مملكة صوبة في القرن العاشر قبل الميلاد «أقوى وأهم ~~دولة في وسط وجنوب سوريا» (على حد تعبير المؤرخ بيتارد، ~~الذي اقتبسنا منه أعلاه) ثم لا تحفل النصوص الآشورية ~~والنصوص الآرامية بذكرها. ومن جهة أخرى، فإنه لم يتوفر ~~لدينا من منطقة البقاع الشمالي حتى الآن أية لقى أثرية ~~يمكن أن تشير إلى وجود هذه المملكة، أو عاصمتها، التي لم ~~يذكرها النص التوراتي، أو أي مدينة من المدن التابعة لها. ~~وكل هذا يشير بكل وضوح إلى أن مملكة صوبة التوراتية لم تكن ~~إلا إمارة أو مشيخة قبلية قريبة زمنيا من عصر تحرير ~~التوراة، وأن المحرر التوراتي قد استعان بأخبار غامضة عن ~~حروب أحد ملوك السامرة أو أورشليم المتأخرين مع هذه ~~الإمارة الصغيرة، وأدمجها في أخبار حروب داود. # أما بخصوص الممالك الأخرى التي حالفت صوبة، وهي آرام بيت ~~رحوب ومعكة وطوب، فقد وصفت أيضا من قبل المؤرخين بأنها ~~دويلات هامة، وجرى تعيين مناطقها ورسم حدودها اعتمادا على ~~الإشارات الغامضة إليها في النص التوراتي. ففيما يتعلق ~~ببيت رحوب، جرى لمدة طويلة مطابقة هذه المملكة مع موقع ~~رحاب على بعد 50كم إلى الشمال من مدينة عمان الحالية، ولكن ~~التنقيب الأثري في الموقع لم يعثر على أية لقى أثرية ~~ترجع إلى عصر الحديد الأول؛ لذا فقد نقل الباحثون موقع بيت ~~رحوب وجعلوه في أسفل البقاع الجنوبي، من هؤلاء الباحثين: ~~دبون سومر، وأوكالاهان، وأنغر وغيرهم. أما معكة فقد ms131 وضعت ~~في سفوح جبل الحرمون مع امتدادات تصل إلى بحيرة الحولة، ~~وأما طوب فقد وضعت في منطقة حوران الجنوبية. # 4 # ولكن هذا التعيين التعسفي لمناطق هذه الممالك ~~- التي يصفها النص التوراتي بالممالك الآرامية - لا يستند ~~إلى أية بينة موضوعية خارجية، فالنصوص الآرامية والنصوص ~~الآشورية التي اعتمد عليها المؤرخون لكتابة تاريخ آرام في ~~عصر الحديد لم تأت على ذكر هذه الممالك، كما أن التنقيبات ~~الأثرية في المناطق المفترضة لقيامها لم تنتج حتى الآن أية ~~بينة على وجودها. الأمر الذي يدل على أنها لم تكن أيضا ~~إلا مشيخات قبلية دخلت في صراع مع بعض ملوك السامرة أو ~~يهوذا المتأخرين. # ويستنتج المؤرخون من الإشارة المبهمة القائلة: «فجاء ~~آرام دمشق لنجدة هدد عزر ...» بأن مدينة دمشق كانت في ذلك ~~الوقت تابعة لهدد عزر ملك صوبة، وأن داود قد استبدل بإدارة ~~هدد عزر إدارة من قبله، وعين على المدينة محافظين ~~تابعين له مباشرة. # 5 # غير أن القراءة العادية للنص والبعيدة عن ~~التأويل تقول لنا إن هدد عزر قد دخل الحرب مع داود منفردا ~~وبقواته الخاصة، ولو كانت دمشق في ذلك الوقت ولاية تابعة ~~لصوبة لكانت قواتها في عداد جيش هدد عزر بشكل تلقائي. ومما ~~يؤكد هذا المرمى الواضح للنص أن دمشق قد قررت فيما بعد، ~~وبشكل مستقل، أن ترسل جيشها لنجدة آرام صوبة. أما عن تبعية ~~دمشق لداود، وعن أولئك المحافظين الذين عينهم لإدارتها، ~~فإن نص سفر الملوك الأول، الذي يرصد أخبار الملك سليمان، ~~يخبرنا فيما بعد أن أحد رجالات هدد عزر المدعو رزون بن ~~أليداع قد استقل عن سيده وجاء إلى دمشق فملك فيها ~~(الملوك الأول، 11: 23-24). وبذلك يتجاهل سفر الملوك الأول ~~مسألة تبعية دمشق لداود، ولا يأتي على ذكر أولئك المحافظين ~~الذين عينهم من قبله. وبشكل عام، فإن الطريقة المبهمة ~~التي تحدث فيها عن دمشق محرر سفر صموئيل الثاني، تدل على ~~أنه لم يكن يملك عنها معلومات واضحة ترقى إلى ذلك العصر، ~~فذكرها باقتضاب ودون تفاصيل تتعلق بتكوينها السياسي واسم ~~ملكها وأوضاعها العامة. ms132 وأغلب الظن أن هذه الحرب المفترضة ~~بين داود ودمشق هي انعكاس للأخبار المتأخرة عن حروب ملوك ~~دمشق وملوك السامرة ويهوذا، بعد ذلك بأكثر من قرنين من ~~الزمان، والتي توفرت للمحرر التوراتي بعض المعلومات عنها، ~~كما سنوضح ذلك لاحقا. # في المعركة الثانية مع آرام صوبة يقول النص إن هدد عزر ~~قد «أبرز آرام الذي في عبر النهر، فأتوا إلى حيلام ~~وأمامهم شوبك رئيس جيش هدد عزر.» ويبني المؤرخون على هذا ~~الخبر أن ملك صوبة كانت له سلطة غير مباشرة على الدويلات ~~الآرامية القائمة عند نهر الفرات، وأن هذه الدويلات قد ~~اجتمعت معا تحت لواء هدد عزر وأتت إلى حيلام لقتال داود. ~~ثم يسيرون أبعد من ذلك في استنتاجاتهم ويتوصلون إلى أن ~~انتصار داود على هدد عزر وحلفائه، الذين جاءوا من عبر ~~النهر، قد أوصل قوات داود إلى نهر الفرات، وأنه قد أخضع كل ~~المناطق الواقعة بين الفرات ودمشق. فإلى أي حد تتطابق هذه ~~الاستنتاجات مع الوقائع التاريخية؟ # في القرن العاشر قبل الميلاد ازدهر على حوض الفرات ~~الأوسط وعلى حوض الخابور الأسفل - وهي المنطقة التي يدعوها ~~التوراة بعبر النهر أو آرام النهرين - عدد من الممالك ~~الآرامية القوية، التي صرنا اليوم نعرف الكثير عن تاريخها ~~وحضارتها استنادا إلى النصوص الآشورية والآرامية، وإلى ~~المعلومات الأركيولوجية القيمة التي أفادتنا بها التنقيبات ~~الأثرية في مواقعها الرئيسية. فقد أقامت قبيلة بيت لاقي ~~الآرامية على ضفاف الخابور الأسفل وعلى ضفاف الفرات منذ ~~القرن الحادي عشر، وجعلوا لأنفسهم عاصمة في دور كتليمو. ~~وتظهر الوثائق الكتابية التي اكتشفت في دور كتليمو أن ~~مملكة بيت لاقي قد تمتعت بالحكم الذاتي تحت مظلة آشورية، ~~وحكمها ملوك آراميون خاضعون اسميا للملك الآشوري. ~~وجاورت مملكة بيت لاقي على الخابور مملكة آرامية أخرى هي ~~مملكة بيت بحياني، التي أسسها الشيخ بحياني، الذي حقق ~~استقلالا ذاتيا عن الآشوريين منذ وفاة تغلات فلاصر ~~الأول عام 1074ق.م.، وجعل لنفسه عاصمة في جوزانا (تل حلف). ~~وتطلعنا الوثائق الآرامية التي وجدت في جوزانا على ~~أسماء عدد من ملوك بيت بحياني ms133 الذين حكموا بين القرن ~~الحادي عشر والقرن العاشر قبل الميلاد، وهم على التوالي: ~~بحياني وخديانو وكبارة وأبي سلامو. وإلى الشرق من مملكتي ~~لاقي وبحياني قامت مملكة بيت عديني، أقوى الممالك الآرامية ~~على الفرات، وشغلت المنطقة الممتدة من كركميش (جرابلس على ~~الحدود التركية السورية) إلى مصب رافد البليخ. وقد بنى ~~ملوك عديني عاصمة لهم في تل برسيب في مطلع القرن الحادي ~~عشر، واستطاعوا طرد الحاميات الآشورية من أهم مدن المنطقة ~~حوالي عام 1000ق.م. وقد كشفت التنقيبات الأثرية في العاصمة ~~برسيب على نصوص آرامية مهمة تلقي ضوءا على تاريخ منطقة ~~الفرات في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو عصر مملكة داود وسليمان. # 6 # هذه هي أهم الممالك الآرامية التي قامت في «عبر النهر» ~~أيام الفترة المفترضة لحكم الملك داود، فأي من هذه الممالك ~~قد أنجد هدد عزر ملك صوبة وحارب إلى جانبه في ذلك الموقع ~~المجهول المدعو حيلام؟ وأي من هذه الممالك القوية، التي ~~كانت تقارع آشور، كان خاضعا لهدد عزر المجهول الهوية ~~تاريخيا، ولمملكة صوبة التي لا نعرف عنها شيئا خارج ~~النص التوراتي؟ لماذا لم يذكر محرر سفر صموئيل الثاني اسم ~~أي من الممالك الآرامية التي انهزمت أمام جيش داود في ~~موقعة حيلام؟ والأهم من ذلك كله؛ إذا كانت سلطة داود قد ~~وصلت إلى الفرات، فلماذا لم يصطدم بالآشوريين؟ ولماذا خلا ~~الخبر التوراتي من أي ذكر لهم ولتواجدهم في عبر النهر؟ ~~ولماذا لم يرد ذكر لداود في الوثائق الآرامية التي اكتشفت ~~في عواصم ومدن ممالك آرام في عبر النهر؟ إن الجواب على ~~هذه التساؤلات بسيط جدا، فمحرر سفر صموئيل الثاني، من ~~ناحية أولى، لم يكن بين يديه أية معلومات موثقة عن فترة ~~القرن العاشر قبل الميلاد، ومن ناحية ثانية، فإن هذا ~~المحرر لم يكن يقصد إلى تقديم نص تاريخي موثق عن حروب ~~داود، بل إلى تزيين سيرة هذا الملك الملحمي بأخبار حروب ~~جمعها من الذاكرة القبلية للمنطقة، وصاغها بتعابير عامة لا ~~تؤدي معلومة تاريخية محددة. # ولكي أوضح للقارئ مدى ابتعاد أخبار حروب ms134 داود عن معايير ~~النص التاريخي، وانتمائها إلى جنس الفولكلور الشعبي أكثر ~~من انتمائها إلى جنس الكتابة التاريخية ؛ يكفي أن أضع أمامه ~~أي نص من النصوص التاريخية لثقافات الشرق القديم لغرض ~~المقارنة. لننظر على سبيل المثال النص الآتي من حوليات ~~الملك آشور ناصر بال الثاني (883-859ق.م.) الذي يصف بدقة ~~مسار حملته على بلاد الشام: ~~«غادرت بلاد بيت عديني، وعبرت الفرات في ذروة فيضانه على ~~قوارب مصنوعة من الجلود إلى كركميش، حيث تلقيت جزية ملك ~~الحثيين (تعداد للوزنات الذهبية والمواد الثمينة الأخرى ~~المقدمة). ملوك البلاد المجاورة جميعا أتوا إلي ~~فأمسكوا قدمي. أخذت منهم رهائن مشوا معي إلى لبنان ~~مشكلين طليعة جيشي. غادرت كركميش متحركا على الطريق ~~الذي يقع بين جبال منزيغاني وهامورجا، تاركا بلاد أهانو ~~على يساري (مملكة آرامية معروفة). تقدمت نحو مدينة حزازو ~~(مدينة أعزاز الحالية) التابعة للوبارنو ملك حطينة (مملكة ~~آرامية معروفة في شمال حلب)، حيث تلقيت الذهب وعباءات ~~الكتان، ثم تابعت فعبرت نهر عبري (نهر عفرين) حيث قضيت ~~الليل، ثم غادرت شاطئ نهر عبري نحو مدينة كونولو المقر ~~الملكي للوبارنو ملك حطينة، الذي وقع على قدمي لإنقاذ ~~حياته. فأخذت منه ... (تعداد لأصناف الجزية المدفوعة). ~~غادرت كونولو وعبرت نهر العاصي حيث قضيت الليل. ثم ~~تحركت آخذا الطريق بين جبل يراكي وجبل يعتودي (حارم ~~والأقرع). ثم عبرت جبل ... لقضاء الليل عند نهر سنجارا ~~(النهر الكبير الشمالي) ثم تابعت السير ... إلخ.» # 7 # إن أي مقارنة بين هذا النص الآشوري ونص صموئيل الثاني ~~الذي يستعمل تعابير مثل: «وضرب داود هدد عزر بن رحوب حين ~~ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات»، أو «فلما رأى آرام أنهم ~~انكسروا أمام إسرائيل اجتمعوا معا. وأرسل هدد عزر فأبرز ~~آرام، الذي في عبر النهر» تظهر لنا الفرق الواضح بين ~~النص الموثق والنص الأخيولي الذي يفتقر إلى أدنى مقومات ~~الكتابة التاريخية. # إن داود - الذي يؤكد المؤرخون التوراتيون بناءه ~~لإمبراطورية كبيرة امتدت من الفرات إلى البحر المتوسط ~~عبر مناطق وسط وجنوب سوريا - ليس في حقيقة الأمر إلا ~~شبحا تاريخيا، لم ms135 يعد يؤرق إلا الحلقات الأكاديمية ~~المحافظة التي ما زالت تبحث، وتأمل، في الحصول على وثيقة ~~واحدة تعطي تأييدا للرواية التوراتية. وقد وجد هؤلاء ~~ضالتهم المنشودة في نقش قصير ومشوه عثر عليه حديثا ~~المنقب الإسرائيلي أفراهام بيران في موقع دان بشمال ~~فلسطين، قرئت عليه كلمة واحدة واضحة تتألف من ستة أحرف، ~~هي «ب ي ت دود»، وفسرت على أنها «بيت داود»، وهو التعبير ~~المستعمل في النص التوراتي للإشارة إلى أسرة أو سلالة ~~داود. وقد أثارت هذه القراءة نقاشا بين الاختصاصيين، وتم ~~تفنيدها بشكل علمي من قبل الباحث فيليب ر. ديفس، الذي ~~جادل في أن الكلمة تدل على اسم مكان وليس على اسم علم، ~~وإني لا أرى نفعا من إيراد تفاصيل هذا الجدال؛ لأن فيه ~~مضيعة لوقت القارئ. ويمكن للمهتم مراجعة مجلة # Biblical Archaeology # الأعداد آذار/نيسان 1994 وتموز/آب 1994 وآذار/نيسان ~~1995. ~~(3) سفر الملوك الأول والعصر الذهبي لمملكة سليمان ~~«وشاخ الملك داود، تقدم في الأيام. وكانوا يدثرونه بالثياب ~~فلم يدفأ. فقال له عبيده: ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة ~~عذراء، فلتقف أمام الملك ولتكن له حاضنة، ولتضطجع في حضنك ~~فيدفأ سيدنا الملك. ففتشوا على فتاة جميلة في جميع تخوم ~~إسرائيل، فوجدوا أبيشج الشمونية فجاءوا بها إلى الملك. وكانت ~~الفتاة جميلة جدا، فكانت حاضنة للملك» (الملوك الأول، 1: ~~1-4). وبينما كان داود يدفأ في أحضان الفتاة الصغيرة من ~~البرداء، انفجر الصراع على العرش بين أبنائه. فقد ابتدأ أدونيا ~~- وهو الأخ الأصغر لأبشالوم صاحب الانقلاب الأول، واسم أمه ~~حجيث - بالدعوة لنفسه كولي للعهد مستغلا حالة التسيب في ~~الحكم، وأعد مركبات وفرسانا، وكان خمسون رجلا يجرون ~~أمامه كلما خرج. وقد وقف إلى جانبه أبيثار الكاهن ويوآب القائد ~~ورهط قوي من رجال داود، بينما عارضه ناثان النبي ورهط آخر من ~~رجال داود. وعندما استفحل أمر أدونيا، وداود يغض الطرف عن ~~نشاطاته، جاء ناثان النبي إلى بتشبع أم سليمان قائلا: «أما ~~سمعت أن أدونيا ابن حجيث قد ملك وسيدنا داود لا يعرف؟ اذهبي ~~وادخلي إلى الملك داود وقولي له: أما حلفت ms136 أنت يا سيدي الملك ~~لأمتك قائلا: إن سليمان ابنك يملك بعدي وهو يجلس على كرسيي، ~~فلماذا ملك أدونيا؟ وفيما أنت متكلمة هناك معه أدخل أنا ~~وراءك وأكمل كلامك.» فعملت بتشبع بنصيحة ناثان واستطاع ~~الاثنان إقناع داود، الذي أعطى أوامره بأن يمسح سليمان ملكا: ~~«خذوا معكم عبيد سيدكم وأركبوا سليمان ابني على البغلة التي ~~لي وانزلوا به إلى جيحون، وليمسحه هناك صادوق الكاهن وناثان ~~النبي ملكا على إسرائيل. واضربوا بالبوق وقولوا: ليحي الملك ~~سليمان.» وفي ذلك الوقت كان أدونيا يقيم وليمة لأنصاره، فسمعوا ~~صوت ضجيج وهتاف، وجاء من أخبرهم بأن سليمان قد ملك، فخاف ~~أدونيا من بطش سليمان فقام وانطلق وتمسك بقرون المذبح، وأرسل ~~إلى سليمان أن يحلف له بألا يمسه بسوء «فأرسل الملك سليمان ~~فأنزلوه عن المذبح فأتى وسجد للملك سليمان. فقال له سليمان: ~~اذهب إلى بيتك» (الملوك الأول، 1: 1-53). # ولم يطل الوقت بداود حتى مات، بعد أن ملك أربعين سنة. وكان ~~أول عمل يفتتح به سليمان عهده الملكي هو قتل أخيه أدونيا، ~~وساعده الأيمن يوآب قائد جيش داود. فأرسل سليمان المدعو بنياهو ~~بن يهوداع ساعده الأيمن وصديقه، فضرب أدونيا بالسيف. ولما سمع ~~يوآب بالخبر التجأ إلى خيمة الرب وتمسك بقرون المذبح: «فأرسل ~~سليمان بنياهو قائلا: اذهب ابطش به. فدخل بنياهو إلى خيمة ~~الرب وقال له: هكذا يقول الملك، اخرج. فقال: كلا ولكنني هنا ~~أموت. فرد بنياهو الجواب على الملك قائلا: هكذا تكلم يوآب ~~وهكذا جاوبني. فقال له الملك: افعل كما تكلم وابطش به وادفنه ~~وأزل عني الدم الزكي الذي سفكه يوآب.» فصعد بنياهو وضرب يوآب ~~بالسيف وهو في خيمة الرب متمسكا بقرون المذبح، وعين سليمان ~~بنياهو قائدا على الجيش بدلا من يوآب (الملوك الأول، ~~2). # وبعد ذلك، ودون مقدمات، يخبرنا الإصحاح الثالث في مطلعه بأن ~~سليمان قد صاهر فرعون ملك مصر: «وصاهر سليمان فرعون ملك مصر، ~~وأخذ بنت فرعون وأتى بها إلى مدينة داود إلى أن أكمل بناء بيته ~~وبيت الرب، وسور أورشليم حواليها.» ثم تراءى الرب لسليمان في ~~حلم ms137 ليلا «وقال الله: اسأل ماذا أعطيك؟ فقال سليمان: ... أيها ~~الرب إلهي، أنت ملكت عبدك مكان داود أبي وأنا فتى صغير لا ~~أعرف الخروج والدخول. وعبدك في وسط شعبك الذي اخترته، شعب ~~كثير لا يحصى ولا يعد من الكثرة. فأعط عبدك قلبا فهيما ~~لأحكم على شعبك، وأميز بين الخير والشر، لأنه من يقدر أن ~~يحكم على شعبك العظيم هذا؟ ... فقال الرب: هو ذا قد فعلت حسب ~~كلامك. هو ذا أعطيتك قلبا حكيما ومميزا، حتى إنه لم يكن ~~مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك. وقد أعطيتك أيضا ما لم تسأله ~~غنى وكرامة، حتى إنه لا يكون رجل مثلك في الملوك كل أيامك.» ~~ثم ينتقل النص إلى إعطائنا مثالا حيا عن حكمة سليمان. فهناك ~~امرأتان زانيتان تسكنان معا، ولكل منهما ابن رضيع في سن ~~واحدة، فمات ابن الأولى في الليل، فاستبدلت الابن الحي للثانية ~~به وأرقدته إلى جوارها وادعت أنه ابنها وأن الميت ابن زميلتها. ~~فجاءتا إلى سليمان ليحكم بينهما، وكل واحدة تدعي أن الولد الحي ~~هو ابنها. فقال سليمان: ائتوني بسيف. فأتوا بسيف بين يدي ~~الملك. فقال الملك: اشطروا الولد الحي شطرين وأعطوا نصفا ~~للواحدة ونصفا للأخرى. فاضطرم قلب الأم على ابنها وقالت لهم ~~أن يعطوه للأخرى ولا يميتوه. عند ذلك عرف سليمان أنها أم الولد ~~الحي وأعطاه لها. «ولما سمع جميع إسرائيل بالحكم الذي حكم به ~~الملك خافوا الملك؛ لأنهم رأوا حكمة الله فيه لإجراء الحكم» ~~(الملوك الأول، 3). # وفيما عدا هذه القصة فإن المحرر لا يسوق لنا أمثلة أخرى عن ~~حكمة سليمان، رغم أنه يعود إلى القول في الإصحاح التالي: ~~«وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر. وكان ~~أحكم من جميع الناس ... وكان صيته في جميع الأمم حواليه. وتكلم ~~بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن ~~الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط. ~~وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا ~~يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان.» وقد عمد ms138 سليمان ~~إلى تقسيم مملكته في الداخل إلى اثنتي عشرة مقاطعة إدارية ~~عليها وكلاء معينون من قبله يديرون شئونها. وقد زوج ~~بعضا من بناته إلى المقربين إليه من هؤلاء الوكلاء والحكام ~~لضمان ولائهم. أما عن أحوال إمبراطورية سليمان المترامية ~~الأطراف، فإن النص يصفها بالكلمات التالية: «وكان يهوذا ~~وإسرائيل كثيرين كالرمل الذي على البحر في الكثرة. وكان سليمان ~~متسلطا على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم ~~مصر. كانوا يقدمون الهدايا ويخدمون سليمان كل أيام حياته. وكان ~~طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميذ وستين كر دقيق، ~~وعشرة ثيران مسمنة، وعشرين ثورا من المراعي، ومائة خروف، ما ~~عدا الأيائل والظباء واليحامير والإوز المسمن؛ لأنه كان ~~متسلطا على كل ما عبر النهر من تفسح إلى غزة، على كل ملوك ~~عبر النهر. وكان له صلح من جميع جوانبه حواليه. وسكن يهوذا ~~وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته، وكل واحد تحت تينته من ~~دان إلى بئر السبع كل أيام سليمان. وكان لسليمان أربعون ألف ~~مذود لخيل مركباته، واثنا عشر ألف فارس» (الملوك الأول، ~~4). # وأرسل حيرام ملك صور الفينيقية رسلا إلى سليمان يهنئه بعد ~~أن سمع أنهم مسحوه ملكا. فأرسل سليمان إلى حيرام طالبا منه ~~تزويده بخشب أرز من لبنان، وبنجارين وبنائين؛ لأنه ليس مثل ~~الصيدونيين من يعرف قطع الخشب. ووعده أن يرسل له مقابل ذلك ~~حنطة وزيتا. فوافق حيرام، وعقد الاثنان بينهما عهدا وصنعوا ~~صلحا. ولما ابتدأ سليمان باستلام شحنات الخشب شرع ببناء هيكل ~~الرب، وبناء قصور له ولزوجاته. وقد سخر سليمان في أعمال ~~البناء آلافا مؤلفة من الشعب. فثلاثون ألفا يروحون ويجيئون ~~إلى لبنان بالتناوب، وسبعون ألفا يحملون أحمالا، وثمانون ~~ألفا يقطعون في الجبل، ما عدا المشرفين الذين بلغ عددهم ثلاثة ~~آلاف. فاكتمل بناء البيت في السنة الأربعمائة والثمانين لخروج ~~بني إسرائيل من أرض مصر، والتي وافقت السنة الرابعة لحكم ~~سليمان. فجمع سليمان شيوخ إسرائيل وكل رءوس الأسباط لإصعاد ~~تابوت عهد الرب وخيمة الاجتماع، وتم إدخال التابوت ووضعه في ~~مكانه في محراب ms139 البيت في قدس الأقداس. «وكان لما خرج الكهنة من ~~القدس أن السحاب ملأ البيت، ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة ~~بسبب السحاب؛ لأن مجد الرب ملأ بيت الرب.» ووقف سليمان أمام ~~المذبح وكل جماعة إسرائيل تنظر إليه، وبسط يديه إلى السماء ~~وقال: «أيها الرب إله إسرائيل. ليس مثلك إله في السماء من فوق ~~ولا على الأرض من أسفل. حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين ~~أمامك بكل قلوبهم ... إلخ» (الملوك الأول، 5-8). # وبعد مدة، صعد فرعون ملك مصر وأخذ مدينة جازر، التي كانت حتى ~~ذلك الوقت مدينة كنعانية مستقلة عن سليمان «فأحرقها بالنار ~~وقتل الكنعانيين الساكنين في المدينة، وأعطاها مهرا لابنته ~~امرأة سليمان.» فأخذها سليمان وأعاد بناءها، كما أعاد بناء مدن ~~حاصور ومجدو وجازر. كما بنى بعلة وتدمر في البرية. وبنى سليمان ~~سفنا على شاطئ بحر سوف (الأحمر)، واستخدم لتسييرها في البحر ~~عمالا فينيقيين من صور أرسلهم له حيرام. فأتوا إلى بلاد ~~يدعوها النص أوفير، وأخذوا من هناك أربعمائة وعشرين وزنة ذهب ~~أتوا بها إلى الملك سليمان (الملوك الثاني، 9). # وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان، فأتت إلى أورشليم بموكب عظيم ~~جدا، وجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا وحجارة كريمة. ~~«فلما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان، والبيت الذي بناه، وطعام ~~مائدته، ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم، وسقاته ومحرقاته ~~التي كان يصعدها في بيت الرب، لم يبق فيها روح بعد. فقالت ~~للملك: صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن ~~حكمتك، ولم أصدق الأخبار حتى جئت وأبصرت عيناي ... وأعطت الملك ~~مائة وعشرين وزنة ذهب وأطيابا كثيرة جدا وأحجارا كريمة ... ~~وأعطى الملك سليمان لملكة سبأ كل مشتهاها الذي طلبت، عدا ما ~~أعطاها إياه حسب كرم الملك سليمان، فانصرفت وذهبت إلى أرضها هي ~~وعبيدها» (الملوك الأول، 10: 1-13). # وكان وزن الذهب الذي أتى لسليمان في سنة واحدة ستمائة وستا ~~وستين وزنة ذهب، وذلك عدا الذي أتاه من ضرائب التجار وتجارتهم، ~~ومن الولاة الذي عينهم في المقاطعات. وعمل مائتي ترس من ذهب ~~مطرق، في كل واحد منها ms140 ستمائة شاقل من الذهب، وثلاثمائة ~~مجن من ذهب مطرق، في كل واحد منها ثلاثة أمناء من الذهب. ~~وهذه جعلها سليمان في أحد بيوته المعروف ببيت وعر لبنان. وفي ~~ذلك البيت كانت جميع آنية شرب الملك سليمان وطعامه من الذهب؛ ~~لأن الفضة لم تحسب شيئا في أيامه. وقد جعل في بحر فينيقيا ~~أيضا سفنا تبحر مع سفن حيرام إلى ترشيش (إسبانيا)، وتأتي من ~~هناك بالذهب والفضة والعاج، فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك ~~الأرض في الغنى والحكمة، وكانت كل الأرض ملتمسة وجه سليمان. ~~وكانوا يأتون إليه كل واحد بهديته، بآنية فضة وآنية ذهب وحلل ~~وسلاح وأطياب وخيل وبغال، سنة سنة. وقد بلغ من ثراء المملكة ~~في عهده أن الفضة في أورشليم كانت مثل الحجارة، وخشب الأرز مثل ~~خشب الجميز الذي في السهل لكثرته (الملوك الثاني، 10: ~~14-29). # وأحب الملك سليمان نساء غريبات كثيرات، من موآبيات وعمونيات ~~وآدوميات وصيدونيات وحثيات، من الأمم التي نهى الرب بني ~~إسرائيل عن الدخول إليهن حتى لا يملن قلوبهم وراء آلهتهن، ~~فكانت له سبعمائة من النساء السيدات، وثلاثمائة من السراري. ~~وكان في زمان شيخوخته أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ~~فذهب سليمان وراء عشتروت إلهة الصيدونيين، وملكوم إله ~~العمونيين. «فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله ~~إسرائيل، الذي تراءى له مرتين، وأوصاه في هذا الأمر ألا يتبع ~~آلهة أخرى، فلم يحفظ ما أوصى به الرب. فقال الرب لسليمان: من ~~أجل أن ذلك عندك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها، فإني ~~أمزق المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك» (الملوك الأول، 11: ~~1-13). # وأقام الرب في وجه سليمان ثلاثة أعداء؛ أولهم هدد الآدومي، ~~الذي كان من نسل الملك في آدوم، وهرب إلى مصر عقب حملة يوآب ~~قائد داود على آدوم، ثم عاد من هناك بعد أن سمع بموت داود ~~ومقتل يوآب، فملك في آدوم وقاوم سليمان. والخصم الثاني هو ~~رزون بن أليداع، وكان قائدا في جيش هدد عزر ملك صوبة، ثم ~~استقل بنفسه وجمع حوله الأتباع والجنود ms141 بعد حملة داود على هدد ~~عزر، ثم دخل دمشق فملك فيها، وكان خصما لإسرائيل طيلة أيام ~~سليمان. أما الخصم الثالث فكان من بطانة سليمان، واسمه يربعام ~~بن نباط، من سبط أفرايم الإسرائيلي، وكان عاملا لسليمان في ~~منطقة إسرائيل. وقد خرج يربعام عن طاعة سليمان بعد تلقيه بشارة ~~من النبي أخيا الشيلوني بأن الرب يملكه على إسرائيل: «لما ~~خرج يربعام من أورشليم لاقاه أخيا الشيلوني النبي في الطريق ~~وهو لابس رداء جديدا. فقبض أخيا على الرداء الجديد الذي ~~عليه ومزقه اثنتي عشرة قطعة، وقال ليربعام: خذ لنفسك عشر قطع؛ ~~لأنه هكذا قال الرب إله إسرائيل: ها أنا ذا أمزق المملكة من يد ~~سليمان وأعطيك عشرة أسباط، ويكون له سبط واحد من أجل عبدي داود ~~ومن أجل أورشليم المدينة التي اخترتها من كل أسباط إسرائيل؛ ~~لأنهم تركوني وسجدوا لعشتاروت إلهة الصيدونيين ... وآخذك فتملك ~~حسب كل ما تشتهي نفسك وتكون ملكا على إسرائيل.» ولما بدأ ~~يربعام نشاطاته السرية للاستقلال عن أورشليم طلب سليمان قتله ~~«فقام يربعام وهرب إلى مصر، إلى شيشق ملك مصر، وكان في مصر إلى ~~وفاة سليمان ... وكانت الأيام التي ملك فيها سليمان في أورشليم ~~على كل إسرائيل أربعين سنة، ثم اضطجع سليمان مع آبائه ودفن في ~~مدينة داود أبيه، وملك رحبعام ابنه عوضا عنه» (الملوك ~~الأول، 11: 14-43). # رجع يربعام بن نباط من مصر بعد أن سمع بوفاة سليمان. أما ~~رحبعام بن سليمان فقد صعد إلى مدينة شكيم في الشمال، حيث اجتمع ~~هناك جميع إسرائيل ليملكوه عليهم. فكلموه قائلين: «إن أباك ~~قسى نيرنا، وأما أنت فخفف الآن من عبودية أبيك القاسية، ومن ~~نيره الثقيل الذي جعله علينا فنخدمك ... فأجاب الملك بقساوة، ~~وترك مشورة الشيوخ التي أشاروا بها عليه، وكلمهم حسب مشورة ~~الأحداث قائلا: إن أبي ثقل نيركم، وأنا أزيد على نيركم، ~~أبي أدبكم بالسياط وأنا أؤدبكم بالعقارب ... فعصى إسرائيل على ~~بيت داود إلى هذا اليوم. ولما سمع جميع إسرائيل بأن يربعام قد ~~رجع أرسلوا فدعوه إلى الجماعة وملكوه عليهم.» وأما رحبعام ms142 ~~فقد تبعه سبط واحد، هو سبط بنيامين، إضافة إلى سبط يهوذا، الذي ~~كان قد ملكه بعد وفاة أبيه (الملوك الأول، 12: 1-30). # ولكي يكرس يربعام الاستقلال عن أورشليم كان لا بد له من ~~الاستقلال الديني، وصرف نظر مواطنيه عن هيكل الرب فيها؛ لذلك ~~فقد عمد إلى بناء معبدين في إسرائيل، واحد في بيت إيل والآخر ~~في دان، ووضع في كل منهما عجلا ذهبيا، وقال للإسرائيليين: ~~«كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم. هو ذا آلهتك يا إسرائيل، ~~الذين أصعدوك من مصر ... وبنى بيت المرتفعات، وصير كهنة من ~~أطراف الشعب لم يكونوا من بيت لاوي. وعمل يربعام عيدا في ~~الشهر الثامن في اليوم الخامس عشر من الشهر كالعيد الذي في ~~يهوذا» (الملوك الأول، 12: 25-33). # ولم يكن رحبعام وأهل يهوذا أكثر احتراما لهيكل الرب في ~~أورشليم من أهل إسرائيل: «وعمل يهوذا الشر في عيني الرب ~~وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطئوا بها، ~~وبنوا هم لأنفسهم أيضا مرتفعات وأنصابا وسواري على كل ~~مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. وكان أيضا مأبونون في الأرض. # 8 # فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من ~~أمام بني إسرائيل. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام، صعد شيشق ~~ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك، ~~وأخذ كل شيء، وأخذ أتراس الذهب التي عملها سليمان، فعمل الملك ~~رحبعام عوضا عنها أتراس نحاس ... وكانت حرب بين رحبعام ويربعام ~~كل الأيام. ثم اضطجع رحبعام مع آبائه ودفن في مدينة داود. ~~وملك أبيام ابنه عوضا عنه» (الملوك الأول، 14: ~~21-31). ~~«في السنة الثامنة عشرة للملك يربعام بن نباط، ملك أبيام ~~على يهوذا، ملك ثلاث سنين في أورشليم ... وسار في جميع خطايا ~~أبيه التي عملها، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود ~~... وكانت حرب بين أبيام ويربعام، ثم اضطجع أبيام مع آبائه ~~فدفنوه في مدينة داود، وملك آسا ابنه عوضا عنه. في السنة ~~العشرين ليربعام ملك إسرائيل، ملك آسا على يهوذا، ملك إحدى ~~وأربعين سنة في أورشليم ms143 ... وعمل آسا ما هو مستقيم في عيني الرب ~~كداود أبيه. وأزال المأبونين من الأرض، ونزع جميع الأصنام التي ~~عملها آباؤه» (الملوك الأول، 15: 1-12). # أما في إسرائيل، فبعد فترة حكم دامت حوالي عشرين سنة، توفي ~~يربعام أول ملوك إسرائيل، وكانت وفاته في السنة الثانية لحكم ~~آسا في يهوذا. فملك ابنه ناداب عوضا عنه، وحكم سنتين فقط، ~~وعمل الشر في عيني الرب وسار في طريق أبيه. فخرج عليه المدعو ~~بعشا من سبط يساكر وقتله وأباد كل بيت يربعام. ثم قامت حرب ~~ضروس بين إسرائيل ويهوذا، استعان فيها آسا ملك يهوذا بملك ~~دمشق المدعو بنهدد بن طبريمون بن حزيون، وأرسل له هدية من جميع ~~آنية الذهب والفضة الباقية في خزائن بيت الرب وخزائن بيت ~~الملك. فصعد ملك دمشق وضرب كل المدن الشمالية من إسرائيل ~~وأخذها، فكف بعشا يده عن يهوذا، وعاد بنهدد إلى دمشق. # ثم توفي بعشا ملك إسرائيل بعد حكم دام أربعا وعشرين سنة، ~~وملك ابنه إيله عوضا عنه، وبعد سنتين خرج عليه القائد العسكري ~~المدعو زمري، ودخل عليه في بيته وهو يشرب ويسكر فقتله، وضرب كل ~~بيت بعشا بحد السيف. ولكن القطعات العسكرية، التي كانت في ذلك ~~الوقت تقاتل الفلسطينيين، لم تقف إلى جانب زمري، بل تحولت إلى ~~رئيس الجيش المدعو عمري، فجاء عمري وحاصر زمري في العاصمة ~~ترصة وأخذها، وأما زمري فقد أحرق على نفسه البيت ومات بعد أن ~~حكم سبعة أيام فقط. وحكم عمري اثنتي عشرة سنة؛ ست منها في ~~مدينة ترصة، وست في السامرة، وهي العاصمة الجديدة التي بناها ~~لنفسه. # وعمري هذا هو أول ملك إسرائيلي موثق تاريخيا، ومعه تدخل ~~الرواية التوراتية لأول مرة مسرح التاريخ، بعد حوالي ألف سنة ~~من عمر إسرائيل التوراتية. ولسوف أتوقف في قراءتي لسفر الملوك ~~الأول عند هذه النقطة؛ لأن ما يأتي من أخبار مملكتي إسرائيل ~~ويهوذا سوف يعالج لاحقا من خلال أخبار مملكة آرام دمشق، ~~وعلاقاتها الدولية مع آشور وبقية دول المنطقة. # النقد النصي لسفر الملوك الأول # في سفر الملوك الأول لدينا ms144 قسمان متمايزان في المضمون ~~وفي الأسلوب، يشمل القسم الأول الإصحاحات من 1 إلى 11، ~~ويتضمن أخبار الملك سليمان، أما القسم الثاني فيمتد حتى ~~نهاية السفر، ويتضمن أخبار ملوك إسرائيل ويهوذا بعد انقسام ~~المملكة الموحدة. يسود في القسم الأول أسلوب الجمع ~~التراثي، الذي يستمد مادته من ذاكرة شعبية مشوشة تمتح من ~~مصادر متنوعة، وفترات تاريخية متباعدة. أما القسم الثاني ~~فقد تمت معالجته وصياغته بأسلوب جديد سوف يستمر إلى سفر ~~الملوك الثاني، الذي يغطي بقية أخبار المملكتين وصولا إلى ~~السبي البابلي. ورغم أن هذا الأسلوب الجديد لم يتخل ~~تماما عن أسلوب الجمع التراثي، إلا أنه أضاف إليه طريقة ~~في السرد الإخباري تقترب من الكتابة التاريخية، وإن لم ~~ترق إليها تماما. ويبدو أن المحررين هنا قد أخذوا ~~بالاعتماد على بعض المصادر الكتابية القريبة إلى عصر تدوين ~~الأسفار التوراتية، بينها ثبت ملوك يهوذا، وثبت ملوك ~~إسرائيل، التي يشار إليها في النص بأخبار الأيام لملوك ~~يهوذا، وأخبار الأيام لملوك إسرائيل. ولسوف نرى عبر فصول ~~القسم الثاني من دراستنا أن هذه المصادر، في حال وجودها، ~~لا تتمتع بقدر كاف من المصداقية التاريخية. فإذا أضفنا ~~إلى نقص المصداقية التاريخية في مصادر المحرر استمراره في ~~رؤية الأحداث وترتيبها من خلال المنظور الأيديولوجي لعملية ~~التحرير برمتها، وما ينجم عن ذلك من انتقائية وهوى في ~~اختيار الأحداث؛ لرأينا أن الاختلاف في الأسلوب لم يحمل ~~اختلافا في الرسالة والمضمون، ذلك أن المحرر التوراتي قد ~~بقي أمينا للهدف الرئيسي من تدوين الأسفار التوراتية وهو: ~~تجذير الأصول. فابتداء من منتصف سفر الملوك الأول تنتهي ~~المرحلة الأولى من عملية تجذير الأصول، والتي أسست من ~~خلالها لمفهوم «كل إسرائيل»، وتبدأ المرحلة الثانية، وهي ~~التأسيس لأصول مملكتي إسرائيل ويهوذا، وأصول دمار هاتين ~~المملكتين. إن هم المحرر التوراتي في فترة التدوين كان ~~التأمل في مسألة خراب المملكة، وفي أسبابه، وفي الأحداث ~~التي قادت إلى ذلك الخراب. إلا أنه قد بقي أمينا أيضا ~~لرؤيته الأيديولوجية، ينأى بنفسه عن تلمس الأسباب ~~التاريخية الحقيقية الفاعلة في عملية التدهور والدمار، ~~مركزا على ms145 المسألة اللاهوتية وعلى علاقة الرب بشعبه ~~كمحرك رئيسي في صيرورة التاريخ. وسيكون علينا أن ننتظر إلى ~~القرن الثاني قبل الميلاد، وهي فترة تدوين أسفار ~~المكابيين، لكي نتلمس تغييرا جذريا في أسلوب النص ~~التوراتي، واكتسابه لأول مرة شكل الكتابة التاريخية ~~ومضمونها. ذلك أن أسفار المكابيين قد دونت باللغة ~~اليونانية، ومحرروها متأثرون بالثقافة اليونانية، التي ~~عرفت جنس الكتابة التاريخية وبرعت فيه. # تصل قصة إسرائيل التوراتية ذروتها عند أخبار الملك ~~سليمان. فعصر سليمان هو العصر الذهبي الذي مضى إلى غير ~~رجعة، والذي ابتدأ بعده العد العكسي باتجاه الهاوية. ~~والمحرر هنا يستخدم معظم العناصر التي تستخدمها قصص العصر ~~الذهبي المعروفة في أساطير وخرافات الشعوب، والتي تعتمد ~~على كل عجيب وغريب ومدهش. فأهل إسرائيل ويهوذا كانوا ~~«كثيرين كالرمل على البحر في الكثرة، يأكلون ويشربون ~~ويفرحون.» و«سكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته ~~وتحت تينته من دان إلى بئر السبع كل أيام سليمان.» وهذا ~~الوصف يذكرنا بأسطورة العصر الذهبي السومرية التي تقول: ~~«أرض دلمون مكان طاهر، أرض دلمون مكان نظيف. في أرض دلمون ~~لا تنعق الغربان ولا تصرخ الشوحة صراخها المعروف. حيث ~~الأسد لا يفترس أحدا، ولا الذئب ينقض على الحمل. حيث ~~لا يعرف أحد رمد العين، ولا يعرف أحد آلام الرأس. ولا ~~يشتكي الرجل من الشيخوخة، ولا المرأة من العجز. حيث لا ~~وجود لمنشد ينوح، ولا لجوال يندب ...» # 9 # ولكي تكتمل هذه الصورة البهية لشعب يعيش عيشة ~~الوفرة والدعة والاطمئنان؛ لا بد من تزيينها بما يدل على ~~اتساع المملكة وعظمتها وانتشار السلم في أرجائها وخضوع ~~حكامها الطوعي: «وكان سليمان متسلطا على جميع الممالك من ~~النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر. كانوا يقدمون الهدايا ~~ويخدمون سليمان كل أيام حياته.» وقد أخذ المؤرخون ~~التوراتيون هذه المعلومة التزيينية على أنها خبر تاريخي، ~~رغم أن المحرر هنا يتابع رسم صورته لسليمان بالأسلوب نفسه ~~عندما يقول مباشرة بعد إخبارنا عن اتساع مملكة سليمان: ~~«وكان طعام سليمان لليوم الواحد ثلاثين كر سميذ، وستين ~~كر دقيق، وعشرة ثيران مسمنة، وعشرين ms146 ثورا من ~~المراعي، ومائة خروف، ما عدا الأيائل والظباء واليحامير ~~والإوز المسمن.» ولا ندري لماذا تؤخذ المعلومة الأولى ~~على أنها تاريخ بينما تؤخذ الثانية على أنها من قبيل ~~المبالغة والشطح؟ # ومن الطبيعي ألا يكون رأس هذه المملكة اليوتوبية رجلا ~~عسكريا، بل رجل عقل وحكمة، من هنا «فاقت حكمة سليمان ~~حكمة جميع المشرق وكل حكمة مصر ... وكانوا يأتون من جميع ~~الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان، من جميع ملوك الأرض الذين ~~سمعوا بحكمته.» وهنا لا يقدم لنا النص إلا مثالا واحدا ~~عن حكمة سليمان، التي فاقت كل حكمة مصر، وهو قصة ساذجة عن ~~امرأتين احتكمتا إليه لخلافهما على أمومة طفل تدعي كل ~~منهما أنها أمه. وأما عن أولئك الملوك الذين سمعوا بحكمة ~~سليمان وجاءوا ليستمعوا إليه، فلا يذكر النص منهم إلا ملكة ~~سبأ التي لا يطلعنا على اسمها، ولا يقول لنا من أين جاءت ~~وأين تقع مملكتها، وإني أرجح أن تكون سبأ المعنية في أخبار ~~سليمان هي قبيلة السبئيين التي كانت تتجول في شمال الجزيرة ~~العربية خلال العصر الآشوري الجديد، وورد ذكرها في أكثر من ~~نقش كتابي آشوري من القرن السابع قبل الميلاد. وقد كان ~~لبعض القبائل العربية التي وردت في السجلات الآشورية ~~ملكات شهيرات محاربات، منهن الملكة شمسة والملكة زبيبة ~~والملكة طاربو. # 10 # ورغم أن مملكة سليمان لم يكن لها مرفأ بحري على شاطئ ~~المتوسط، الذي تقاسمه الفينيقيون والفلسطينيون، فقد جعل ~~محرر السفر لسليمان سفنا تمخر عباب البحر إلى جانب سفن ~~حيرام ملك صور، وتأتي إليه بأكداس الذهب من المدن البعيدة، ~~حتى صارت الفضة بلا قيمة وتكدست في شوارع أورشليم مثل ~~الحجارة. وكان وزن الذهب الذي أتى لسليمان في سنة واحدة ~~ستمائة وستا وستين وزنة. ومثل هذا الذهب لم يتوفر في سنة ~~واحدة لنينوى عاصمة آشور في قمة عصرها الإمبراطوري، ولا ~~لطيبة تحوتمس الثالث، ولا لروما يوليوس قيصر. ونحن هنا لم ~~نأخذ بالحسبان أكداس الذهب التي استخدمت لطلي جدران الهيكل ~~من الداخل، ولصنع المذبح والآنية الطقسية وغيرها: «وعمل ~~سليمان جميع آنية بيت ms147 الرب؛ المذبح من ذهب، والمائدة التي ~~عليها خبز الوجوه من ذهب، والطسوس والمقاص والمناضح ~~والصحون والمجامر من ذهب خالص، والوصل لمصاريع البيت ~~الداخلي، أي: لقدس الأقداس، ولأبواب البيت، أي: الهيكل، من ~~ذهب ...» (7: 48-50). ولكن هذه الأكداس المكدسة من الذهب ~~تستخدم لصناعة كل شيء تقريبا؛ تبدو صورة متواضعة إذا ~~عرفنا أن الحجارة الكريمة كانت تستخدم منشورة فتصنع منها ~~حجارة للأساسات وللجدران: «وأمر الملك أن يقلعوا حجارة ~~كبيرة، حجارة كريمة لتأسيس البيت، حجارة مربعة» (5: 17). ~~وأيضا: «وعمل بيتا لابنة فرعون التي أخذها سليمان، كهذا ~~الرواق. كل هذه من حجارة كريمة كقياس الحجارة المنحوتة، ~~منشورة بمنشار من داخل ومن خارج، من الأساس إلى الإفريز، ~~وكان مؤسسا على حجارة كريمة، حجارة عظيمة، حجارة عشر ~~أذرع، وحجارة ثماني أذرع» (7: 10-11). # إن المحرر التوراتي، الذي يقدم لنا هذه الصور التي لم ~~تحلم بمثلها ألف ليلة وليلة، هو الذي يقول لنا بعد ذلك إن ~~الملك سليمان هو الذي بنى تدمر في البرية! والمؤرخون ~~التوراتيون يطلبون منا أن نصدق ذلك. # أما عن قصة زواج سليمان بابنة فرعون مصر، الذي لم يذكر ~~لنا اسمه، كما هي العادة، فمن الواضح أن المحرر الذي ساقها ~~لنا لم يكن يعرف شيئا عن تقاليد فراعنة مصر وبروتوكولات ~~البلاط المصري. فمن المعروف والمؤكد تاريخيا أن الأسر ~~الملكية المصرية، وعبر جميع العصور، لم تزوج قط واحدة ~~من أميراتها إلى أي ملك أجنبي، رغم أن بعضا من الفراعنة ~~والأمراء المصريين قد تزوجوا من عائلات ملكية أجنبية. ~~فملوك عصر العمارنة قد تزوجوا من أميرات ميتانيات، ولكنهم ~~لم يزوجوا واحدة من بناتهم إلى ميتاني. وعندما بلغت ~~العلاقات الديبلوماسية أحسن أحوالها بين ملوك بابل ~~الكاشيين وفراعنة الأسرة الثامنة عشرة، أرسل أحد هؤلاء ~~الملوك عددا من الأميرات الكاشيات ليكن زوجات لأمراء ~~مصريين، وتقدم مرارا بطلب الزواج من أميرة مصرية، ولكن ~~البلاط المصري اعتذر وتهرب من تلبية الطلب. وعندما ازداد ~~إلحاح الملك أرسل إليه البلاط المصري فتاة جميلة من أصل ~~غير ملكي، على أنها ابنة الفرعون. # 11 # وحدث الشيء نفسه بين البلاط ms148 المصري والملك ~~الفارسي قمبيز، ملك العالم في ذلك الوقت، ويروي لنا ~~هيرودوتس الإغريقي أنه عندما ألح قمبيز في طلبه الزواج من ~~ابنة الفرعون، وكانت مصر عندها في آخر مراحل انحطاطها ~~الحضاري والسياسي، قام الفرعون باختيار فتاة جميلة من ~~فتيات البلاط وأرسلها إلى قمبيز على أنها ابنته. وعندما ~~اكتشف الملك الفارسي الخدعة اتخذها ذريعة لغزو مصر، ~~فاحتلها إلى أقصاها. # 12 # فكيف يخرق البلاط المصري هذا التقليد الراسخ ~~منذ القدم من أجل سليمان، الذي لم تذكره وثيقة تاريخية ~~واحدة تنتمي إلى عصره أو إلى العصور اللاحقة؟ # وفي قصة زواج الملك سليمان من ابنة الفرعون يقع المحرر ~~في تناقض يظهر الطابع الخيالي لنفوذ سليمان الداخلي ~~والخارجي. فقد صعد فرعون مصر المجهول الاسم على فلسطين، ~~وأخذ مدينة جازر الكنعانية وأعطاها مهرا لابنته التي ~~زوجها من سليمان. فإذا علمنا أن مدينة جازر هذه لا تبعد ~~عن أورشليم أكثر من بضع عشرات من الكيلومترات، لعرفنا مدى ~~النفوذ الفعلي للملك سليمان، الذي وصلت سلطته إلى الفرات ~~وكان عاجزا عن ضم مدينة كنعانية قوية لا تبعد إلا رمية ~~حجر عن عاصمته. # النقد التاريخي والأركيولوجي لأخبار المملكة ~~الموحدة # في الوقت الذي كانت فيه ملكة مجهولة الاسم والموطن تزور ~~سليمان لكي تتأكد مما سمعته عن أخبار عظمته، كانت منطقة ~~الشرق القديم تموج بالأحداث السياسية الكبرى. ففي القرن ~~العاشر قبل الميلاد كان الآراميون، الذين طبعوا الألف ~~الأول بطابعهم الثقافي، قد شكلوا ممالكهم فيما بين حوض ~~الخابور وسوريا المجوفة، وفيما بين جبال زاغروس وأطراف ~~الصحراء العربية، واتخذت الثقافة الآرامية ملامحها ~~الثابتة. كما كانت الثقافة الفينيقية على شاطئ المتوسط من ~~أرواد إلى صور تطبع حوض المتوسط بطابعها السوري الكوني. ~~فمن منطقة حران شرقا إلى سهل العمق غربا، على طول ~~المنطقة الشمالية السورية، تشكلت ممالك آرامية قوية يدعوها ~~المؤرخون الغربيون خطأ بالممالك الحثية الجديدة، نظرا ~~لتأثر فنونها بالتقاليد الفنية الحثية، ونزوح عناصر حثية ~~إليها بعد انهيار مملكة حاتي في الأناضول. # 13 # كما قامت ممالك آرامية أخرى في حوض الخابور ~~والفرات، وفي منطقة حلب، وفي ms149 المناطق الممتدة من حلب ~~شمالا إلى دمشق في الجنوب. وفي المناطق المحصورة بين ~~مملكتي دمشق وحماة الآراميتين، وعلى الشريط الساحلي ~~الفينيقي، استمرت مملكة آمورو القديمة التي نعرفها من ~~رسائل تل العمارنة، وكانت عاصمتها سيميرا (التي تم ~~اكتشافها مؤخرا في تل الكزل على مسافة بضعة كيلومترات من ~~طرطوس باتجاه حمص) أكبر مدينة على السهول الساحلية ~~السورية. وفي القرن العاشر قبل الميلاد بدأ المد ~~الإمبريالي الآشوري، وتحولت الحملات الآشورية ~~الاستعراضية التي ابتدأت منذ القرن الثاني عشر إلى حملات ~~توسع وإخضاع. فابتدأ ملوك آشور أولا بفرض نفوذهم الاسمي ~~على الممالك الآرامية عند الفرات والخابور، ثم أخذوا منذ ~~مطلع القرن التاسع بالاقتراب تدريجيا نحو مناطق غربي ~~الفرات. # لا يعكس سفر الملوك الأول شيئا من أخبار هذا العالم حول ~~مملكة سليمان، ومن بين الممالك القريبة والبعيدة جميعها، ~~التي كانت قائمة في القرن العاشر قبل الميلاد، لا يذكر ~~النص التوراتي إلا دمشق وصور مصر. فيما يتعلق بدمشق، لا ~~يعطينا النص إلا خبرا مقتضبا عن دخول رزون بن أليداع ~~إليها، وتنصيب نفسه ملكا على المدينة. وفيما يتعلق بصور ~~يركز على العلاقات الديبلوماسية بين ملكها المدعو حيرام ~~وبين سليمان، والمشاريع التجارية البحرية المشتركة بينهما. ~~ولكننا لا نملك حتى الآن أية وثيقة كتابية أو أركيولوجية ~~تؤكد وجود ملك على مدينة صور في القرن العاشر قبل الميلاد ~~اسمه حيرام. وقد ادعى يوسيفوس اليهودي في تاريخه الذي ~~وضعه في أواخر القرن الأول الميلادي أن حوليات ملوك صور قد ~~ذكرت حيرام، ونقل مقتبسات عن هذه الحوليات وردت عند مؤلفين ~~كلاسيكيين، مثل دايوس ~~بوليستر # Dius Polyhistor # وميناندر ~~الإفسوسي # Menander of Ephesus ~~، ممن لم تصلنا مؤلفاتهم. وفيما ~~يتعلق بمصر، لا نعرف إلا أن فرعون ملك مصر قد أرسل ابنته ~~إلى سليمان لتكون زوجة له. وبما أن النص التوراتي لا يعطي ~~أية تفاصيل أخرى، فقد افترض المؤرخون أن حما سليمان هو ~~الفرعون سيامون آخر فراعنة الأسرة الحادية والعشرين؛ لأن ~~الفرعون شيشق، الذي خلفه، كان من أعداء سليمان، واستقبل ~~خصمه يربعام بحفاوة عندما لجأ إليه. ولكن ms150 النصوص المصرية ~~من عصر الفرعون سيامون لا تذكر شيئا عن سليمان ولا عن ~~مملكة سليمان. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالنصوص المصرية من ~~عصر الفرعون شيشق، فرغم أن هذا الفرعون هو أول ملك أجنبي ~~تتقاطع عنده الرواية التوراتية مع المصادر الخارجية، إلا ~~أن سجلاته قد تجاهلت تماما وجود مملكة قوية موحدة في ~~فلسطين، ولم تأت على ذكر الملك سليمان لا من قريب ولا من ~~بعيد، ولا فيما يشبه الإشارة. ورغم أن النص التوراتي يقول ~~بأن شيشق قد صعد على أورشليم بعد وفاة سليمان وأخذ جميع ~~كنوز بيت الرب، إلا أن سجل الحملة الوحيدة لشيشق على آسيا ~~لا يذكر لنا مدينة أورشليم ولا أية مدينة مهمة من مدن يهوذا. # 14 # فإذا أضفنا إلى ذلك أن النصوص الآشورية - التي أعطتنا ~~معلومات تفصيلية عن الدول المهمة التي قامت في بلاد الشام ~~خلال القرن العاشر - قد تجاهلت أيضا قيام مملكة قوية في ~~فلسطين وصلت مناطق نفوذها إلى الفرات، وتجاهلت وجود ملك ~~عليها طبقت شهرته الآفاق اسمه سليمان، يأتي إليه ملوك ~~الأرض لتقديم الطاعة والولاء والاستماع إلى حكمته؛ لتوصلنا ~~إلى نتيجة واحدة، فإما أن التاريخ قد أحبك مؤامرة صمت ~~مقصودة، وإما أن هذه المملكة الموحدة لم تقم لها قائمة إلا ~~في خيال المحرر التوراتي. والكلمة الفصل في ذلك ستكون لعلم ~~الآثار. فماذا يقول علم الآثار في مسألة المملكة الموحدة ~~لكل إسرائيل، من بعد قرن كامل على بداية عملية التنقيب في ~~فلسطين، وخصوصا في موقع أورشليم، مفتاحنا إلى ~~اللغز؟ # عندما بدأت التنقيبات الأثرية في أورشليم توجه المنقبون ~~إلى مدينة القدس بموقعها الحالي يبحثون عن حدود أورشليم ~~القديمة. ثم تبين بعد ذلك أن المدينة اليبوسية تقع بكاملها ~~إلى الجنوب من المدينة الحالية على الجزء الجنوبي من سلسلة ~~تلال القدس الشرقية، التي يشغل جزؤها الأوسط الحرم الشريف، ~~ويدخل جزؤها الشمالي ضمن الحدود التقليدية لمدينة القدس. ~~وقد راوحت عمليات التنقيب في مكانها زمنا طويلا، إلى أن ~~باشرت حملة المنقبة البريطانية السيدة كاثلين كينيون ~~أعمالها في مطلع ستينيات القرن العشرين، وكشفت ms151 عن كل ما ~~يمكن الكشف عنه في موقع أورشليم العصور القديمة وموقع ~~الهيكل. # ففيما يتعلق بموقع أورشليم، استطاعت المنقبة رسم حدود ~~المدينة اليبوسية على التلال الشرقية، وكشفت عن أساسات ~~سورها الذي يعود إلى حوالي عام 1800ق.م.، وهو تاريخ بناء ~~أورشليم لأول مرة كمدينة مسورة (انظر الخريطة). وقد ~~لاحظت السيدة كينيون آثار إصلاحات متتالية على هذا السور ~~أبقته قائما حتى دمار مدينة أورشليم عام 587ق.م. على يد ~~البابليين، حيث وجدت المنقبة آثار تدمير شامل في السور وفي ~~أبنية المدينة. إلا أن أعمق ما استطاعت عمليات التنقيب ~~الوصول إليه هو أورشليم عصر نبوخذ نصر، أما المدينة ~~السليمانية الأقدم، والعاصمة المفترضة للمملكة الموحدة، ~~فلم يتم العثور على بنية واحدة من بناها، بسبب استخدام ~~حجارتها لبناء الطبقات السكانية التي قامت فوقها. وبذلك ~~تعطينا التنقيبات سورا يرجع إلى عام 1800ق.م. ومدينة ترجع ~~إلى عام 587 ق.م.، أما ما بينهما فمفقود تماما. من هنا، ~~فإن علم الآثار، كما تقول السيدة كينيون، لا يستطيع تقديم ~~أية فكرة عن مدينة العصر الذهبي وثرائها، وعن قصور سليمان ~~التي بناها له ولزوجاته. وتفترض المنقبة أن هذه القصور، إن ~~وجدت، لا بد أن تكون قد أقيمت في المنطقة الشمالية خارج ~~السور القديم للمدينة، بين السور الشمالي لها وسور الحرم ~~الشريف؛ لأن المساحة الصغيرة للمدينة وازدحام بيوتها لا ~~تسمح ببناء مثل تلك القصور الواسعة الأرجاء. وبما أن سور ~~المدينة اليبوسية قد تم وصله بسور جديد يرجع تاريخ بنائه ~~إلى القرن العاشر، وهو يكاد الآن أن يلامس سور الحرم ~~الشريف (انظر الخريطة)، فإن المنقبة ترجح أن المدينة ~~السكنية في القرن العاشر قد توسعت لتشمل المنطقة التي كانت ~~خالية إبان الألف الثاني قبل الميلاد، وأنها قد ضمت القصور ~~السكنية والإدارية للعاصمة السليمانية. وبما أن هذه ~~المنطقة السكانية للقرن العاشر قد زالت مع زوال المدينة ~~السليمانية، فإن المنقبة لا تستطيع إعطاء أية فكرة عن ~~نوعية وطبيعة المنشآت التي قامت هنا. # 15 # أما فيما يتعلق بموقع هيكل سليمان، فقبل الدخول في ~~التفاصيل الأركيولوجية، يستحسن إعطاء القارئ ms152 لمحة عن تاريخ ~~هذا الهيكل. فمن المفترض أن الملك سليمان قد بنى الهيكل ~~حوالي منتصف القرن العاشر قبل الميلاد، خارج أسوار أورشليم ~~في حقل أرنان اليبوسي الذي أقام فيه داود مذبحا للرب ~~(راجع آخر قصة من قصص داود في عرضنا السابق). ومن المفترض ~~أن هذا الهيكل قد استمر قائما إلى أن تم تدميره مع بقية ~~المدينة على يد البابليين عام 587ق.م. بعد استيلاء قورش ~~الفارسي على بابل وممتلكاتها جميعها، سمح هذا الملك بعودة ~~الجماعات التي تم سبيها خلال العصر الآشوري والبابلي ~~الجديد إلى مواطنها، وبينهم أولئك المسبيون من أورشليم عقب ~~حملة نبوخذ نصر عليها، فعاد مسبيو أورشليم على عدة ~~دفعات. وقد قاد الدفعة الثانية من العائدين المدعو ~~زربابل الذي عينه الفرس واليا على المدينة. وتقول ~~الرواية التوراتية في سفر عزرا بأن زربابل هذا هو الذي ~~أعاد بناء هيكل سليمان المهدم في أورشليم (حوالي عام ~~520ق.م.) وقد دعي هذا الهيكل الجديد بهيكل زربابل أو ~~بالهيكل الثاني، وبقي قائما إلى العصر الروماني. وعندما ~~عين الرومان المدعو هيرود ملكا على أورشليم ومنطقة ~~اليهودية في عام 37ق.م. قام بتوسيع هيكل زربابل والإضافة ~~إليه حتى بلغت مساحته ضعف المساحة الأصلية. بقي هيكل هيرود ~~قائما قرابة قرن من الزمان، ثم تم تدميره على يد الرومان ~~مع بقية المدينة عام 70 ميلادية، وبقي موقعه خرابا إلى أن ~~تم بناء المسجد الأقصى في مكانه في القرن السابع الميلادي. ~~وقد استخدم المعماري الأموي أساسات سور هيرود نفسها لرفع ~~سور المسجد الأقصى، كما استخدم الأرضيات القديمة فأقام ~~عليها منشآت المسجد. # عثرت حملة السيدة كينيون على جزء لا بأس به من أساسات ~~سور هيرود، الذي يرجع إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد. ~~وقد ميزت المنقبة سور زربابل من سور هيرود اعتمادا ~~على التقنية المستخدمة في نحت الأحجار، لا على أية بينة ~~ستراتيغرافية مقنعة، فقد وجدت أن قسما من سور هيرود قد ~~بني بحجارة استخدمت في نحت سطحها الخارجي تقنية معروفة ~~في بعض البنى المعمارية التي ترجع في تاريخها إلى العصر ~~الفارسي، ms153 فأرجعت هذا القسم من السور إلى العصر الفارسي، ~~واعتبرته البقية الوحيدة الباقية من هيكل زربابل. أما ~~هيكل القرن العاشر الذي بناه سليمان، وفقا للرواية ~~التوراتية، فلم يتم العثور على حجر واحد من أساساته أو أي ~~أثر يدل على أنه قد قام في يوم من الأيام. ومن الجدير ~~بالذكر أن الحائط المدعو بحائط المبكى اليوم هو من الأجزاء ~~الباقية من سور هيكل هيرود، أما البرج الوحيد القائم على ~~السور والمدعو ببرج داود، فيرجع إلى فترة المكابيين في ~~القرن الثاني قبل الميلاد. # 16 # أما خارج مدينة أورشليم، وفيما عدا بعض المدن الكنعانية ~~المهمة، مثل مجدو وحاصور وجازر، فإن التنقيبات الأثرية في ~~المستويات العائدة للقرن العاشر قبل الميلاد لم تعثر على ~~أية دلائل تشير إلى تقدم حضاري وازدهار اقتصادي في كل مكان ~~من المناطق المفترضة للمملكة السليمانية. فأهل هذه المناطق ~~كانوا يعيشون حياة فقيرة جدا وبسيطة إلى أبعد الحدود، ~~وتدور ديانتهم حول آلهة الخصب الكنعانية التي عثر على ~~العديد من مقاماتها وعلى تماثيل آلهتها. # 17 # خريطة أورشليم ~~اليبوسية، وفق المنقبة كاثلين كينيون. # خريطة أورشليم القرن ~~العاشر، ويظهر عليها التوسعات المعزوة إلى ~~سليمان. # ومن ناحية أخرى، فإن مسحا أركيولوجيا عاما لجميع ~~مناطق الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا (وهي المناطق التي ~~يتفق الباحثون جميعهم اليوم على أنها الأمكنة التقليدية ~~التي تشكلت فيها إسرائيل بالمفهوم التوراتي) قد جرى خلال ~~سبعينيات القرن، وطال كل كيلومتر مربع تقريبا فيها. وقد ~~استخدم المنقبون الأسلوب الجديد الذي يعتمد على شبكة من ~~المعلومات المتقاطعة، التي تقدمها العلوم المساعدة لعلم ~~الآثار، مثل الأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا وعلم النباتات ~~وعلم البيئة الطبيعية وغيرها، وذلك وفق مفهوم حديث يدعى ~~بمفهوم الأنظمة المتعاونة ~~(Interdisciplinary Perspective) ~~. وتظهر نتائج هذا ~~المسح أن منطقة يهوذا كانت خالية من السكان تقريبا خلال ~~عصر البرونز الأخير، فيما بين مدينة أورشليم في شمال يهوذا ~~ومدينة حبرون في جنوبها، عدا موقعين صغيرين، هما خربة ~~رابوض وبيت زور، وذلك بسبب الجفاف الذي عم المنطقة وبلغ ~~ذروته حوالي عام 1200ق.م. أما في عصر الحديد الأول ~~(1200-1000ق.م.)، فقد ms154 ظهر إلى جانب خربة رابوض وبيت زور ~~عدد قليل من القرى الصغيرة قرب مصادر المياه على الأطراف ~~الشرقية لبادية يهوذا. وتظهر المخلفات المادية لهذه ~~القرى، مثل الفخاريات وغيرها، استمرارا ثقافيا لعصر ~~البرونز الأخير وعصر الحديد الأول. ومع التقدم في عصر ~~الحديد الثاني (1000-600ق.م.) وخصوصا في جزئه الأخير، ~~يتزايد عدد المواقع الجديدة بشكل كبير، وتظهر في كل مكان ~~تقريبا من منطقة يهوذا. إلا أن هذا التوسع في المواقع ~~الجديدة لعصر الحديد الثاني لم يأت نتيجة لاقتلاع السكان ~~السابقين واستبدال سكان جدد بهم؛ لأن المخلفات المادية ~~للحديد الثاني بكامله تظهر انتماء كاملا للثقافة ~~المحلية في الحديد الأول وفي البرونز الأخير. # 18 # وتبدي منطقة الهضاب المركزية نمطا في إعادة الاستيطان ~~مشابها لما رأيناه في مرتفعات يهوذا، ولكن مع فارق زمني كبير. # 19 # فقد كانت المنطقة خالية أيضا من السكان ~~تقريبا خلال عصر البرونز الأخير ومطلع عصر الحديد، ثم ~~ابتدأت إعادة الاستيطان مع بدايات عصر الحديد الأول ~~(1200-1000ق.م.) واستمرت بإيقاع متزايد حتى نهايته، وذلك ~~بتأثير عودة المناخ المطري إلى المنطقة، إلا أن هذه ~~العملية لم تصل ذروتها إلا في سياق عصر الحديد الثاني ومع ~~مطلع القرن التاسع تقريبا. وترافق ذلك مع تمركز السلطة ~~السياسية في مدينة السامرة، التي تحولت إلى عاصمة لدولة ~~إقليمية كبيرة في فلسطين. وهذه الحقائق الأركيولوجية فيما ~~يتعلق بمنطقتي إسرائيل ويهوذا تقودنا إلى النتائج ~~التالية: ~~(1) # لقد سبقت عملية استيطان الهضاب المركزية عميلة ~~استيطان مرتفعات يهوذا بنحو قرنين من الزمان. كما ~~سبق قيام الدولة في الشمال قيامها في الجنوب ~~بالمدة نفسها تقريبا. ~~(2) # إن القاعدة السكانية والاقتصادية لقيام مملكة في ~~الهضاب المركزية لم تتوفر قبل استهلال القرن ~~التاسع وبناء مدينة السامرة. ~~(3) # إن القاعدة السكانية والاقتصادية لقيام مملكة ~~في مرتفعات يهوذا بقيادة أورشليم لم تتوفر قبل ~~أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. ~~(4) # وهذا يعني أن منطقة إسرائيل قد تحولت إلى دولة ~~إقليمية قوية قبل قرنين تقريبا من توفر الشروط ~~الملائمة لقيام مملكة إقليمية قوية في منطقة ~~يهوذا، ولا يوجد قاعدة مشتركة جمعت بين المنطقتين ~~فيما ms155 يدعى المملكة الموحدة لكل إسرائيل خلال القرن ~~العاشر قبل الميلاد. # 20 # هيكل زربابل ~~وتوسيعات هيرود. # إن نظرة واحدة إلى خريطة أورشليم القرن العاشر قبل ~~الميلاد تعطي فكرة عن ضآلة المدينة. فهي تشغل ذروة القسم ~~الجنوبي من سلسلة تلال القدس الشرقية، ولا يبلغ طولها مع ~~توسعاتها نحو الشمال أكثر من 550م، أما عرضها الذي كان ~~محكوما بالمنحدرات الهضبية فلم يتجاوز 150م. فإذا أضفنا ~~إلى ذلك أن الدراسات الحديثة للأوضاع السكانية لفلسطين ~~القديمة تظهر أن عدد سكان أورشليم خلال القرن العاشر قبل ~~الميلاد لم يتجاوز الألفي نسمة، وأن عدد سكان فلسطين من ~~أقصاها إلى أقصاها، وبجميع مناطقها الساحلية والداخلية ~~والهضبية والصحراوية، لم يتجاوز وفق أكثر التقديرات ~~تفاؤلا المائة ألف نسمة؛ # 21 # لأدركنا أي شبح تاريخي ترسمه لنا الرواية ~~التوراتية عن مملكة كل إسرائيل الموحدة خلال أيام داود ~~وسليمان. ~~(4) نتيجة ومنعطف جديد # لقد تتبعنا في القسم الأول من دراستنا هذه الرواية التوراتية ~~حول أصول إسرائيل، وقمنا بإجراء المقارنة بين الخبر التوراتي ~~والمعلومات التاريخية والأركيولوجية المؤكدة، وذلك عند كل ~~مرحلة من مراحل القصة التوراتية وصولا إلى موت الملك سليمان ~~وانقسام المملكة الموحدة. ولكننا لم نعثر على أثر لإسرائيل ~~التوراتية، ولم يتقاطع الخبر التوراتي خلال ألف عام، وفي أية ~~نقطة من مسار القصة مع تاريخ وأركيولوجيا فلسطين والشرق ~~الأدنى القديم. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هناك ~~إسرائيل تاريخية يمكن إحلالها محل إسرائيل التوراتية؟ وما هي ~~الصورة التاريخية لإسرائيل وللمسرح الفلسطيني خلال عصر الحديد، ~~الذي شهد مولد دولتي إسرائيل ويهوذا. # الباب الثاني # | إسرائيل التاريخية وآرام دمشق # الفصل الأول # | نظريات في نشوء إسرائيل # إن الإخفاق الذي مني به الباحثون المحافظون حتى الآن في إيجاد ~~مستندات تاريخية لإسرائيل التوراتية، قد قاد إلى الاستقلال ~~التدريجي للبحث في أصول إسرائيل عن البحث التوراتي والبحث ~~اللاهوتي. وفيما عدا البقية المتعنتة من تلامذة أولبرايت، والحلقات ~~الأكاديمية ذات الخلفية اللاهوتية، فإن الباحثين اليوم يضربون ~~صفحا عن كل ما سبق فترة الاستقرار في كنعان، باعتباره «ما قبل ~~التاريخ» بالنسبة لمسألة أصول إسرائيل، ms156 ويركزون دراستهم على عصر ~~الحديد الأول، والفترة الانتقالية من البرونز الأخير إلى عصر ~~الحديد، وذلك من أجل الكشف عما حدث فعلا في فلسطين وأدى إلى نشوء ~~إسرائيل. ~~(1) نظرية آلت في التسرب السلمي # في عام 1925 نشر الباحث الألماني ألبريخت آلت # Albrecht Alt # بحثه المعنون ~~«توطن الإسرائيليين في فلسطين»، وذلك ضمن كتاب موسوعي أشرف ~~على تحريره عنوانه «مقالات في تاريخ وديانة العهد القديم». # 1 # وقد بسط آلت في ذلك البحث نظريته في أصل إسرائيل، ~~والتي كان لها تأثير كبير على مسار البحث منذ ذلك الوقت. ~~يبتدئ آلت دراسته لأصول إسرائيل من عصر القضاة، أما ما قبل ذلك ~~من المرويات التوراتية فليست عنده إلا من قبيل الأدب الخيالي، ~~الذي تمت صياغته في الفترات المتأخرة، بهدف خلق أصول متجذرة ~~لإسرائيل وديانتها في الماضي البعيد. وجد آلت من دراسته لأسماء ~~المواقع التي تعزو الرواية التوراتية سكناها من قبل أوائل ~~الإسرائيليين في سفر القضاة، أن هذه المواقع كانت بعيدة عن ~~مناطق دويلات المدن الكنعانية، وقامت في المناطق الهضبية شبه ~~الخالية من السكان تقريبا. من هنا كان منطلقه في بناء نظريته ~~في التسرب السلمي للجماعات التي شكلت فيما بعد إسرائيل. لقد ~~لاحظ هذا الباحث من مقاطعته للعديد من المعلومات أن الهضاب ~~المركزية لفلسطين كانت شبه خالية من السكان خلال عصر البرونز ~~الأخير، وخصوصا منذ فترة تل العمارنة حوالي 1350ق.م. ولم تكن ~~تحتوي إلا على عدد قليل جدا من القرى الصغيرة والمتباعدة. ~~وكانت مدينة شكيم في الشمال هي المدينة الوحيدة المهمة فيما ~~بين أورشليم جنوبا ووادي يزرعيل (مرج ابن عامر) في الشمال. ~~وقد بقي وضع الهضاب المركزية على هذه الحالة حتى عام 1250ق.م. ~~عندما بدأ مسرح الحدث التوراتي بالتوضح في هذه الرقعة. وفي ~~الحقيقة، فإن هذا الاستنتاج المبكر الذي توصل إليه آلت بنفاذ ~~بصيرته قد أثبته المسح الأركيولوجي للهضاب المركزية بعد أكثر ~~من نصف قرن على ظهور دراسة آلت. # ويعتقد آلت أن الجماعات التي شغلت الهضاب المركزية كانت ~~عبارة عن عشائر بدوية من أصول مختلفة أخذت بالتسرب ms157 تدريجيا ~~إلى هذه المنطقة، وعلى فترات متقطعة ومتباعدة، اعتبارا من ~~منتصف القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تسوق قطعانها الصغيرة عبر ~~نهر الأردن باحثة عن مراع جديدة في كنعان. وكان هؤلاء الرعاة ~~يتوقفون خلال الشتاء والربيع عند أطراف المناطق الزراعية، فإذا ~~يبست الأعشاب صيفا أخذوا بالتوغل أكثر فأكثر نحو المناطق ~~الزراعية من أجل رعي القش المتبقي بعد الحصاد، وذلك بالاتفاق ~~مع أصحاب الحقول، الذين كانوا يدخلون معهم في علاقات منافع ~~متبادلة. وشيئا فشيئا، وجد بعض هذه العشائر أماكن مناسبة ~~لإقامتهم في المناطق الخالية الفاصلة بين دويلات المدن ~~الكنعانية، والبعيدة عن نفوذ المراكز السياسية الهامة، وعن ~~النفوذ المصري في وادي يزرعيل، فتوطنوا هناك وأخذوا بالاستقرار ~~والزراعة دون أن يسببوا تهديدا أو مخاوف لأي فريق، ولم يكن ~~لهذه الجماعات من حاجة إلى العنف وإلى اكتساب الأرض بالقوة. ~~ثم إن هذه العشائر المسالمة والمتباعدة عن بعض أخذت بالتقارب ~~بعد فترة من الاستقرار، وأخذت تدريجيا بالإحساس بنوع من ~~الرابطة فيما بينها. ومن المرجح أن عبادة واحدة قد نشأت بينها ~~تدريجيا، وتركزت طقوسها حول مقام مقدس أو مذبح مشترك، الأمر ~~الذي زاد من ترابطها وإحساسها بالتمايز عمن حولها. وعندما ~~أخذت أكبر هذه العشائر بتوسيع مناطقها على حساب مناطق ~~الكنعانيين، وذلك في أواخر عصر القضاة، وقع الصدام العسكري مع ~~الكنعانيين على شكل حروب محلية محدودة. وهذه الحروب هي التي ~~بقيت ذكراها قائمة في الأذهان بشكل غامض ومشوش، وأدت فيما بعد ~~إلى نشوء تقليد الفتح العسكري واكتساب كنعان بالقوة، مما يذكره ~~سفر يشوع. ثم تنادت هذه الجماعات بعد أن أحست بوحدة مصالحها ~~إلى إقامة المملكة الموحدة، التي ابتدأت بحكم الملك ~~شاول. # وينطلق آلت في نظرته إلى أصول إسرائيل من موقف مخالف ~~تماما لموقف الباحث أولبرايت، فبينما كان هم أولبرايت أن ~~يزرع جذور إسرائيل في التربة الأوسع لثقافة الشرق القديم، فإن ~~آلت والمدرسة التي ينتمي إليها، بنظرتهم الشكوكية إلى القيمة ~~التاريخية لروايات الآباء والخروج ويشوع، يجدون أنه من غير ~~المجدي البحث عن أصول إسرائيل في الفترات السابقة لعصر القضاة ms158 ~~وتشكيل المملكة الموحدة. وهنا، وبدلا من توطين أصول إسرائيل ~~في الثقافة المحلية، والبحث عن نواحي اللقاء والانسجام، فإن ~~آلت يلجأ إلى إبراز أصول إسرائيل من خلال تضادها وتناقضها مع ~~محيطها، ويركز على ثنائية إسرائيل - كنعان. إن المفتاح الرئيسي ~~لفهم نشوء إسرائيل كهوية متميزة في المنطقة، هو البحث عن ~~اختلافها وتفردها وتميزها عن المحيط الكنعاني الأوسع والأقدم. ~~أما الجوانب التي يجدها آلت مشتركة بين ما هو إسرائيلي وما هو ~~كنعاني، فيعزوها إلى قيام الإسرائيليين لاحقا بتبني جوانب ~~معينة من الثقافة الكنعانية، وهي جوانب غير أصيلة في إسرائيل ~~كما يعتقد. # يستخدم آلت مصطلح «كنعان» وصفة «كنعاني» للدلالة على دويلات ~~المدن الفلسطينية وما يتعلق بها خلال عصر البرونز الأخير، وهي ~~الدويلات التي نعرف عنها من رسائل تل العمارنة، ومن وثائق ~~الإمبراطورية المصرية عموما العائدة لذلك العصر. وهو يصفها ~~بأنها دويلات زراعية يحكمها ملوك متسلطون، مرتبطة ثقافيا ~~بالعالم السوري المسماري، وذات ديانة تقليدية وثنية. أما ~~مصطلح «إسرائيل» وصفة «إسرائيلي» فهو مفهوم تجريدي عند آلت ~~استمده من نفي كل ما هو كنعاني. فالمصطلح، والحالة هذه، يشير ~~إلى ثقافة قبلية ورعوية شبه بدوية، ومعتقد ديني توحيدي، ~~ونظام حكم بدائي ديمقراطي. وثنائية كنعان - إسرائيل عند آلت ~~لست ثنائية تضاد ثقافي فقط، بل ثنائية تتابع زمني أيضا؛ فعصر ~~البرونز الأخير هو عصر كنعاني، ويدل على كامل فلسطين قبل وصول ~~الإسرائيليين، أما ما تلاه من عصر الحديد فإسرائيلي، أو فلسطين ~~في طريقها لأن تغدو إسرائيل. من هنا، فقد أعطى هذا الباحث ~~لنفسه الحق في دراسة نصوص عصر البرونز الأخير، واستقراء آثاره ~~سواء في فلسطين أم خارجها، دون الاستعانة بالنص التوراتي أو ~~الرجوع إليه، وذلك على عكس موقفه من نصوص وآثار عصر الحديد ~~الذي يعتبره فاتحة للعصر الإسرائيلي. # لقد وضع آلت نموذجا لنشوء إسرائيل غدا سنة متبعة بعده. ~~ويعتمد هذا النموذج على وصف التغيرات الاجتماعية والسياسية، ~~التي أدت إلى الانتقال من عصر البرونز إلى عصر الحديد، أو من ~~فلسطين دويلات المدن الكنعانية في السهول والوديان إلى فلسطين ~~المملكة الموحدة في ms159 المناطق الهضبية، والتي بسطت سلطتها فيما ~~بعد على بقية دويلات المدن الكنعانية. من هنا، فقد صار من ~~البديهي التحدث في الأدبيات التاريخية عن كل ما هو كنعاني ~~باعتباره يمت إلى البرونز الأخير، وعن كل ما هو إسرائيلي ~~باعتباره يمت إلى عصر الحديد. أما الجانب الآخر من نظريته، ~~والذي يؤكد على التسرب السلمي وينفي الفتح العسكري لأرض كنعان، ~~فقد بقي موضع جدال بين الباحثين. وقد عارضته منذ البداية ~~مدرسة أولبرايت، التي بقيت حتى النهاية من أنصار نظرية ~~الاقتحام العسكري، ويعارضه في الوقت الحاضر بعض الباحثين ~~الإسرائيليين من أمثال يادين # Yadin # ومالامات # Malamat ~~، وذلك رغم أن نتائج المسح الأركيولوجي ~~لفلسطين تثبت يوما بعد يوم نظرية التسرب التدريجي. فأحداث ~~سفر يشوع لم تؤكدها حتى الآن نتائج التنقيب الأثري، أما التسرب ~~التدريجي فيمكن لأنصاره الاعتماد على الوقائع الأركيولوجية ~~الجديدة. لقد استطاع المنقب موشي كوشافي العثور على مائة قرية ~~زراعية صغيرة نشأت في منطقة أفرايم بالهضاب المركزية خلال عصر ~~الحديد الأول، # 2 # كما عثر المنقب آدم زرتال في منطقة منسي بالهضاب ~~المركزية أيضا على 136 قرية جديدة خلال الفترة نفسها. # 3 # ولكن من يستطيع القول إن هذه القرى الجديدة هي قرى ~~إسرائيلية؟ إن الدلائل تتزايد اليوم على أن أولئك القادمين ~~الجدد إلى المناطق الهضبية في فلسطين كانوا بشكل رئيسي من ~~المزارعين ومربي الماشية المستقرين، ولا علاقة لهم بالبداوة ~~أو الرعي المتنقل، وأنهم من أصل محلي لا خارجي. يضاف إلى ذلك ~~أن ظهور القرى الجديدة في فلسطين إبان عصر الحديد الأول لم يكن ~~وقفا على المناطق الهضبية فقط، وأن إعادة استيطان المناطق ~~التي هجرت خلال عصر البرونز الأخير هي عملية مرتبطة بعودة ~~المناخ المطري. إن أخذ هذه الحقائق كلها بعين الاعتبار يؤكد ~~لنا بأن التغييرات السكانية في المناطق الهضبية لا علاقة لها ~~من قريب أو بعيد بنشوء إسرائيل التوراتية. # إن ثنائية كنعان - إسرائيل، التي رسختها نظرية آلت، لم تنشأ ~~نتيجة لوصف مباشر وبسيط لمجموعتين بشريتين متعاصرتين ~~ومعروفتين تاريخيا، هما الإسرائيليون والكنعانيون، بل جاءت ~~نتيجة وصف تخيلي ms160 يعتمد التوفيق بين الرواية التوراتية والمصادر ~~التاريخية. فصورة الكنعانيين عند آلت وغيره من الباحثين ~~التقليديين مستمدة من تفسير النصوص المصرية لعصر البرونز، ~~والتوفيق بينها وبين الصورة العرقية التوراتية عنهم. وأما صورة ~~الإسرائيليين فمستمدة فقط من الرواية التوراتية المتأخرة، ~~والتي لا تعكس سوى صورة جماعة السبي البابلي، من بني يهوذا، عن ~~أنفسهم وعن أصولهم. وفي الحقيقة، فإننا اعتمادا على المكتشفات ~~الأثرية في كل مواقع القرى والمدن الفلسطينية، لا نستطيع ~~التمييز بين ما هو كنعاني وما هو إسرائيلي. ففي المواقع ~~القديمة، مثل مجدو وحاصور وشكيم، والتي استمرت من عصر البرونز ~~إلى عصر الحديد، تظهر الآثار المادية صورة ثقافة محلية ~~مستمرة وغير منقطعة، من عصر البرونز الوسيط إلى البرونز الأخير ~~فعصر الحديد الثاني. كما تظهر الخزفيات والمخلفات المادية ~~الأخرى في مواقع القرى الجديدة، التي ظهرت إبان عصر الحديد ~~الأول انتماء للثقافة المحلية، وارتباطا كاملا بثقافة عصر ~~البرونز الأخير. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمدن التي بنيت في ~~عصر الحديد، ومثالنا الوحيد عليها هو مدينة السامرة، فهنا ~~يبدي كل أثر من آثار تنظيم المدينة وعمارتها وخزفياتها ~~وفنونها التشكيلية انتماء إلى الثقافة الفلسطينية التقليدية، ~~والثقافة الفينيقية المجاورة. # كل ذلك يدعونا إلى القول مع السيدة كاثلين كينيون - التي قضت ~~جل حياتها المهنية في التنقيب في أورشليم وأريحا وعدد آخر من ~~المواقع الفلسطينية - إنه لا يوجد وقت فيما بين عصر البرونز ~~الأخير وعصر الحديد نستطيع أن نلاحظ فيه تغيرا حضاريا يشير ~~إلى حلول أقوام جديدة في فلسطين، سواء في المناطق الهضبية أم ~~في غيرها، # 4 # وإلى نشوء ثنائية إسرائيل - كنعان كواقع ثقافي ~~ملموس. لقد كانت تقارير السيدة كينيون الأثرية بمثابة قمة نتاج ~~الأركيولوجيا التقليدية في فلسطين. ورغم أن هذه الباحثة لا ~~تنتمي إلى الفريق المحافظ الذي يسعى إلى إيجاد الدعم ~~الأركيولوجي للرواية التوراتية، إلا أنها لم تنح جانبا ~~الرواية التوراتية التي كانت حاضرة على الدوام كشاهد نفي أو ~~إثبات. ومع ذلك فإنها توضح على الدوام عدم إمكانية تمييز ما هو ~~إسرائيلي عما هو كنعاني، وذلك في المواقع جميعها ms161 وعبر المراحل ~~كلها. ~~(2) نظرية الانتفاضة الداخلية # إذا لم يكن الإسرائيليون قد وفدوا من خارج كنعان، فلا بد ~~أنهم شريحة اجتماعية محلية فرزتها ظروف معينة عن المجتمع ~~الكنعاني. وهذا ما تقول به نظرية ظهرت في ستينيات القرن ~~العشرين على يد الباحث ميندنهل # Mendenhall ~~، وطورها بعده الباحث غوتوالد # Gottwald ~~. # يرفض ميندنهل، من حيث الأساس، نظرية الأصل الخارجي الرعوي ~~للجماعات الإسرائيلية التي تسربت إلى المناطق الهضبية بحثا عن ~~المراعي. وهو يرى أن الجماعات التي شكلت إسرائيل فيما بعد هي ~~شرائح فلاحية كنعانية لجأت إلى الثورة في وجه حكام دويلات ~~المدن الطغاة، وأن خميرة هذه الحركة الثورية كانت جماعة آبقة ~~من العبودية في مصر، جاءت معها بعبادة يهوه التي تبنتها ~~الجماعات الفلاحية الثائرة. وقد كان تبني الجماعات الثائرة ~~لعبادة يهوه بمثابة إعلان لرفضها لكل ما تمثله دويلات المدن ~~الكنعانية المتسلطة على الشرائح الزراعية المضطهدة. ويعقد ~~ميندنهل صلة بين عبران عصر الحديد الذين استهلوا هذه الثورة، ~~وعابيرو عصر العمارنة في البرونز الأخير. فالعابيرو والعبراني ~~عنده متعادلان، والكلمة تدل على تلك الشرائح الاجتماعية ~~المحرومة في مجتمعات الشرق القديم، والتي لجأت بسبب وضعها ~~العام إلى التمرد والعصيان على النظام الفاسد لدولة المدينة ~~الكنعانية. وهو إذ يفهم ويفسر اضطرابات العابيرو في فلسطين ~~إبان القرن الرابع عشر قبل الميلاد من خلال هذا المنظور، فإنه ~~يعتقد أن روح التمرد والمقاومة قد استمرت لدى هذه الشرائح منذ ~~ذلك الوقت، ثم أعلنت عن نفسها مجددا في القرن الثاني عشر قبل ~~الميلاد بين الجماعات القديمة ذاتها. إلا أن ما يميز التمرد ~~العبراني اللاحق عن تمرد العابيرو هو أن التمرد العبراني كان ~~تمردا دينيا في جوهره، وأن أصحابه كانوا يبحثون عن الحرية ~~الدينية تحت لواء عبادة يهوه المناقضة لعبادة الأبعال ~~الكنعانية. من هنا، فإن إسرائيل في نشأتها كانت تلاحما ~~دينيا لجماعات محلية في أصلها، وأن القرى الزراعية ~~الكنعانية قد صارت عبرانية باختيارها لديانة يهوه، ورفضها ~~للنظام السياسي الكنعاني في المدن الكبرى. # 5 # أما الباحث غوتوالد # Gottwald # فقد تبنى نظرية ميندنهل في الانتفاضة الداخلية مع ms162 بعض ~~التعديلات التي تعتمد الأفكار الماركسية (1979). يتفق غوتوالد، ~~من حيث المبدأ، مع ميندنهل في أن الجماعات الإسرائيلية الأولى ~~كانت شرائح مضطهدة من الفلاحين والمزارعين والرعاة، ومن ~~الجماعات الهامشية التي تقع خارج الإطار الاجتماعي والسياسي ~~لدويلات المدن الكنعانية. إلا أنه يرى في ثورة هؤلاء انتفاضة ~~طبقية بالمفهوم الماركسي. فهذه الشرائح المضطهدة في فلسطين قد ~~ثارت ضد دويلات المدن الإقطاعية ونظمها السياسية، التي تديرها ~~أرستقراطية نبيلة تعمل على استغلال وقمع الشرائح الاجتماعية المحرومة. # 6 # ولقد طور كاتب هذه السطور من جهته، وبشكل مستقل، منذ مطلع ~~الثمانينيات نظرية في أصول إسرائيل قريبة من نظرية ميندنهل ~~وغوتوالد، وتختلف عنها في أنها أسقطت عنصر الثورة الداخلية، ~~وركزت على التمايز الديني عن الوسط الكنعاني، وما تبعه من ~~تمايز اجتماعي وثقافي أدى في النهاية إلى ما يشبه التغاير ~~الإثني، الذي كرسه فيما بعد كهنة يهوذا خلال السبي البابلي ~~وما تلاه. وقد عرضت أفكاري هذه في عدد من المحاضرات التي ~~ألقيتها في منتديات ثقافية سورية، وفي بحث مطول نشر في مجلة ~~الفكر الديمقراطي الصادر في قبرص. ويعبر المقطع التالي، الذي ~~أقتطفه للقارئ من آخر هذا البحث، عن الخطوط العامة للنظرية ~~التي عملت على تعديلها فيما بعد: ~~«لقد أوصلتنا دراسة المخلفات المادية للثقافة الإسرائيلية ~~إلى القول بأن أرض فلسطين لم تعرف شعبا متميزا اسمه الشعب ~~الإسرائيلي، ولا ثقافة خاصة يمكن تعريفها بالثقافة ~~الإسرائيلية. فكل ما كشف عنه علم الآثار يشير إلى ثقافة سورية ~~كنعانية في تطورها الذاتي الطبيعي. ثم جاءت دراستنا للتراث ~~اللغوي والأدبي والديني للثقافة الإسرائيلية لتدعم نتائجنا ~~المبدئية. فاللغة التي نطق بها الإسرائيليون وكتبوا بحرفها هي ~~لغة كنعانية، وآدابهم هي آداب كنعانية، ومعتقدهم التوراتي ~~الذي وجدوا فيه مصدر تميزهم قد نشأ وتطور نتيجة لجدليات ~~المؤسسة الدينية الكنعانية. ولا ينجم عن ذلك كله إلا القول بأن ~~الشعب الذي أنتج ما يدعى بالثقافة الإسرائيلية هو فئة ~~كنعانية لم تغادر فلسطين قط، وربما استوعبت إليها فئة ضئيلة ~~من النازحين من مصر. وعندما بدأ كهنة يهوه في المنفى بتحرير ~~أسفار التوراة، ms163 في فترة انحلال المجتمع الإسرائيلي وتألب ~~القوى الكبرى عليه، كتبوا تاريخ بني إسرائيل من وجهة نظرهم، ~~فجعلوا منهم فئة متميزة منذ البداية، سعيا وراء ترسيخ الشكل ~~الأخير للدين اليهودي، الذي صار مصدر تماسكهم وأملهم في الوقوف ~~في وجه الفناء. لقد ميز كهنة يهوه، أخيرا، أنفسهم ومن صار ~~معهم، عن كنعان تمييزا مطلقا، وجعلوا من الفارق الديني الذي ~~يفصلهم عن بقية الكنعانيين فارقا في كل شيء.» # 7 # وفي الحقيقة، فإن نظرية الانتفاضة الداخلية ، بشقيها الديني ~~والطبقي، تبقى نظرية قائمة على تجريديات ذهنية لا أساس لها ~~في الواقع الاجتماعي والسياسي لفلسطين في عصر الحديد. فإضافة ~~إلى أن معلوماتنا التاريخية لا تؤيد وقوع مثل هذه الانتفاضة في ~~أي وقت فيما بين 1200-1000ق.م. فإن الشواهد الآثارية تؤكد أن ~~المناطق الهضبية في فلسطين، والتي يفترض ميندنهل أن أتباع ~~عبادة يهوه قد لجئوا إليها في مطلع عصر الحديد، كانت خالية من ~~السكان تقريبا كما أوضحنا سابقا. يضاف إلى ذلك أن مفهوم دولة ~~المدينة في فلسطين باعتبارها قوة كبرى، ذات بلاط واسع وملك ~~مستبد، حوله حاشية وأمراء ونبلاء، وإدارة بيروقراطية، وجيش ~~عرمرم؛ هو مفهوم مغلوط فيه فيما يتعلق بفلسطين، ويعتمد ~~على سوء فهم لرسائل تل العمارنة من جهة، وعلى مقارنة دويلات ~~فلسطين عصر العمارنة بدويلات فلسطين في عصر الحديد. فالمدن ~~الفلسطينية كانت في واقعها أشبه بالقرى الصغيرة المسورة ~~مقارنة بمثيلاتها في سوريا، ولم يكن أكبر هذه المدن يضم داخل ~~أسواره أكثر من بضعة آلاف لا تتجاوز الخمسة في أفضل الأحوال. ~~ورغم ذلك فقد كان وضع هذه المدن في عصر الحديد الأول أسوأ ~~بكثير من وضعها في عصر تل العمارنة، وذلك بسبب تناقص السكان ~~الناجم عن الاقتلاع السكاني العام، الذي ميز فترة الانتقال ~~بين البرونز الأخير والحديد الأول. # 8 # من هنا، فإن صورة الملك الكنعاني في دولة المدينة ~~الفلسطينية، الذي يتحكم مع طبقة النبلاء بثروة البلاد، ويمارس ~~الظلم والاضطهاد على شرائح الفلاحين المحرومة، هي صورة لا ~~تتوافق مع واقع حال المنطقة وظروفها التاريخية. # أما عن العنصر الروحي، الذي ms164 كان السبب في نشوء إسرائيل ~~وتميزها عن الوسط الكنعاني، مما تقول به نظرية ميندنهل ~~ونظرية كاتب هذه السطور، كل على طريقته (يرى ميندنهل بأن ~~الشرائح المضطهدة قد تحولت إلى ديانة يهوه التي جاءت إلى ~~فلسطين ناجزة من الخارج، بينما يرى كاتب هذه السطور في نظريته ~~السابقة بأن ديانة يهوه التوراتية لم تأت ناجزة من الخارج، ~~بل تطورت داخل المؤسسة الدينية الكنعانية)، فإن المسح ~~الأركيولوجي للمراكز السكنية في فلسطين جميعها من أكبر المدن ~~إلى أصغر القرى، لم يجد أثرا للمعتقدات والشعائر التوراتية ~~خلال كامل الفترة السابقة على السبي البابلي ليهوذا، فلا هياكل ~~للإله يهوه التوراتي ولا معابد ولا مذابح، ولا نقوش تذكره ~~بالطريقة التي تقدمه بها الأسفار التوراتية. لقد كان هناك في ~~فلسطين إله اسمه يهوه، ولكنه غير يهوه إله التوراة؛ لأنه يظهر ~~في النقوش القليلة التي ذكرته إلى جانب بقية الآلهة الكنعانية، ~~مثل إيل وبعل، وتذكر إلى جانبه زوجته المدعوة عشيرة، والتي ~~كانت في النصوص الكنعانية الأوغاريتية زوجة الإله إيل. ففي ~~موقع عجرود جنوب فلسطين اكتشف المنقبون عام 1975 عددا من ~~النقوش الكتابية على الفخار تعود إلى القرن الثامن قبل ~~الميلاد، يرد فيها اسم الإله يهوه بين عدد من الآلهة ~~الكنعانية الأخرى، مثل إيل وبعل وعشيرة. نقرأ في أحد هذه ~~النقوش ما يلي: «فليباركك الإله يهوه وعشيرته (زوجته عشيرة)، ~~ليباركك يهوه ويحفظك ويبق إلى جانبك.» وفي نقش على الفخار من ~~السامرة نجد أن الإله يهوه يلقب بالعجل، وذلك على طريقة ~~آلهة أوغاريت. كما اكتشف في موقع السامرة حديثا مقام ديني ~~يحتوي على تمثال برونزي للعجل المقدس، الذي يرمز هنا على ~~الأغلب للإله الكنعاني يهوه. # 9 # وفي مكان لا يبعد كثيرا عن جدار هيكل سليمان ~~المفترض، عثرت المنقبة كاثلين كينيون على مقام ديني كنعاني في ~~أورشليم يرجع بتاريخه إلى الهزيع الأخير من حياة أورشليم قبل ~~الدمار البابلي، يتصدر الحرم الرئيسي فيه نصب المازيبوت ~~المعروف في بقية المعابد الكنعانية، وهو عبارة عن عمودين ~~حجريين يرمزان إلى ألوهة الخصب. كما عثرت المنقبة في ms165 مستودع ~~تابع لهذا المعبد على عدد كبير من الدمى العشتارية تمثل ~~إلهة الخصب الكنعانية في وضعيتها التقليدية المعروفة، التي ~~تظهر الإلهة ممسكة بنهديها. # 10 # وفي بقية مواقع المدن الفلسطينية تم العثور في ~~المستويات العائدة لعصر الحديد الثاني على كثير من الدمى ~~العشتارية في أوضاع مختلفة، وخصوصا في موقع بيت شميش، حيث ~~تظهر الإلهة هنا في هيئة الحامل، مع التركيز على البطن الكبير المنتفخ. # 11 # ويبدو لي الآن بوضوح، أن ما كنت قد توصلت إليه في نظريتي ~~السابقة ، التي تقول بأن المعتقد التوراتي قد تطور داخل الديانة ~~الكنعانية ذاتها، قد اعتمد بشكل رئيسي على النقد النصي لأسفار ~~التوراة، ودون تقييم حقيقي للبينات الأركيولوجية المتعلقة ~~بالموضوع، والتي تؤكد بما لا يدع مكانا للشك أن المعتقد ~~التوراتي، وخصوصا كما ترسمه أسفار الأنبياء، لم يكن له وجود ~~في فلسطين خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد. ولسوف ~~نبين في الفصول الأخيرة من هذا الكتاب أسباب وكيفية نشوء ~~المعتقد التوراتي خلال القرون الثلاثة التي تلت السبي البابلي، ~~ودور هذا المعتقد في تكوين الجماعة اليهودية. ~~(3) نظرية بوتقة الانصهار # ترتبط هذه النظرية بشكل رئيسي بالباحث ماكسويل ميللر # J. Maxwell Miller # من جامعة # Emory # بالولايات المتحدة، ~~والذي تطرقنا إلى أفكاره خلال عرضنا لمسألة نصب مرنفتاح. ~~فبعد استقصاء دقيق للوثائق الكتابية، والمادة الأركيولوجية، ~~ودراسة معمقة لسفر القضاة، توصل ميللر إلى نتيجة مفادها أن ~~الاسم «إسرائيل» الوارد في نصب الفرعون مرنفتاح، يشير إلى ~~تجمع لثلاث قبائل كنعانية في منطقة الهضاب المركزية، هي ~~أفرايم ومنسي وبنيامين. وقد كانت أفرايم هي القبيلة الرائدة في ~~هذا التجمع، الذي ضم فيما بعد قبيلة جلعاد في عبر الأردن. ~~كما لاحظ من دراسته لسفر القضاة أن التقاليد الأقدم التي بنيت ~~عليها أحداث هذا السفر تربط القبائل الإسرائيلية بشكل رئيسي ~~بمناطق الهضاب المركزية التي كانت الموطن الأساسي لهم، وبقوا ~~ضمن حدودها حتى تشكيل المملكة الموحدة. وقد أخذ هذا التجمع ~~الأولي للقبائل الأربع بالتوسع تدريجيا حتى بلغ عشر قبائل، ~~وهي القبائل التي دعتها القاضية دبورة إلى القتال ms166 معها ضد ~~يابين ملك حاصور (القضاة، 5: 12-18). ومع انتقال الحكم إلى ~~الملك داود توسع الاتحاد القبلي ليشمل اثنتي عشرة قبيلة، بينها ~~قبيلة يهوذا الجنوبية. ويرى ميللر أن هذه القبائل جاءت من ~~أصول مختلفة، ودخلت الهضاب المركزية على فترات متباعدة. من ~~هنا، فإننا لا نستطيع وضع تاريخ محدد لما يسمى بالاستقرار ~~الإسرائيلي في كنعان. وبذلك يجدد ميللر فكرة الباحث آلت عن ~~التسرب التدريجي عبر فترة طويلة من الزمن، وينحي بشكل ضمني ~~تلك المطابقة بين ظهور الإسرائيليين في كنعان، وبين عصر ~~الانتقال من البرونز الأخير إلى عصر الحديد. فإسرائيل كمفهوم ~~إثني وسياسي قد نجمت عن بوتقة انصهار ضمت جماعات مختلفة ~~ومتنوعة، استغرق تقاربها واندماجها فترة طويلة من الزمن، في ~~عملية أكثر تعقيدا بكثير من الرواية التوراتية البسيطة التي ~~يعرضها سفر يشوع أو سفر القضاة. # 12 # ويمكن وضع أفكار الباحث لامكه # Lemche # ضمن الخطوط العامة لنظرية بوتقة الانصهار. ~~فقد قام هذا الباحث في عمله المعنون # Early ~~Israel # والصادر عام 1985 بالمحاولة الثانية ~~الهامة بعد آلت، التي تهدف إلى دراسة بدايات إسرائيل بشكل ~~مستقل عن الرواية التوراتية. وقد توصل لامكه إلى نتيجة مفادها ~~أنه لا يوجد لدينا من الحقائق الموضوعية ما يسوغ الحديث عن ~~مفهوم إسرائيل قبل فترة المملكة الموحدة، وبدلا من الاعتماد ~~على الرواية التوراتية يلجأ الباحث إلى دراسة فترة التحول من ~~البرونز الأخير إلى عصر الحديد، من أجل البحث عن أصول إسرائيل ~~خلال هذه الفترة. وقد قادته دراسة نتائج علم الآثار إلى ملاحظة ~~الاستمرارية الثقافية بين هذين العصرين اللذين وجد فيهما ~~حلقتين متتابعتين في ثقافة كنعانية محلية لا انقطاع فيها ولا ~~فجوات. من هنا، فإن إطلاق صفة كنعاني على عصر البرونز، وصفة ~~إسرائيلي على عصر الحديد ليس له ما يسوغه على الإطلاق، ~~وثنائية كنعان - إسرائيل لا تقوم على أساس أركيولوجي وتاريخي ~~حقيقي. وهذا ما قاد الباحث إلى تقصي أصول إسرائيل في المصادر ~~المحلية، فهو يرى أن بعض الشرائح الاجتماعية المحرومة في مناطق ~~السهول قد أخذت بالنزوح تدريجيا نحو الهضاب المركزية منذ عصر ms167 ~~البرونز الأخير، وبشكل خاص بعد فترة تل العمارنة، وأخذت ~~بتشكيل وحدات سياسية بدائية، ترابطت شيئا فشيئا بسبب عزلتها ~~عن طرق التجارة المحلية والدولية، وشكلت إسرائيل. # 13 ~~(4) النظرية الأركيولوجية الحديثة # تعتبر هذه النظرية بمثابة الصياغة العلمية لنظرية التسرب ~~السلمي ونظرية بوتقة الانصهار. وتمت صياغتها على يد ~~الأركيولوجيين الإسرائيليين المحدثين بشكل رئيسي، مدفوعين ~~بنظرية آلت عن الاستقرار السلمي والتسرب التدريجي. وقد ولدت ~~النظرية كخلاصة لتفسيرات نتائج المسح الأركيولوجي الشامل ~~لمناطق مرتفعات الجليل والهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا، والذي ~~نشط فيما بين سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين على يد منقبين ~~من أمثال # Z. Gal # و # R. Frankel # و # A. Zertal # و # I. ~~Finkelstein # و # M. ~~Kochavi ~~. ولسوف أركز فيما يلي على تنقيبات ~~آدم زرتال # Adam Zertal # في ~~الهضاب المركزية، والخلاصات النظرية التي بناها على نتائج هذه ~~التنقيبات، وكذلك على الخلاصات النظرية لزميله فنكلشتاين # Finkelstein # التي تطور خلاصات ~~زرتال. # اختار آدم زرتال لمسحه الأركيولوجي منطقة منسي التوراتية ~~التي تشكل مع منطقة أفرايم 80٪ تقريبا من مساحة الهضاب ~~المركزية. تبلغ مساحة منسي حوالي ~~2000كم # 2 ~~، يحدها من الشرق نهر ~~الأردن، ومن الغرب الطريق الدولي المعروف أيام الرومان بطريق ~~البحر، ومن الشمال وادي يزرعيل، ومن الجنوب مدينة شكيم ضمنا، ~~والتي تقع على تخوم منطقة بنيامين. وقد ابتدأ زرتال العمل مع ~~فريق موسع من الإخصائيين في عدد كبير من العلوم المساعدة ~~عام 1978، واستمر اثنتي عشرة سنة حتى عام 1990. قام فريق العمل ~~خلال هذه المدة الطويلة بمسح كل متر مربع من منطقة منسي سيرا ~~على الأقدام، وجمع عددا هائلا من المعلومات الآثارية ~~والمعلومات الأخرى التي تعين على تفسيرها، وذلك مثل ارتفاع ~~الموقع المكتشف عن سطح البحر وعن المنطقة المحيطة به، الوضع ~~الطبوغرافي والجيولوجي للموقع، نوعية التربة، المحاصيل التي ~~تزرع حوله الآن والمحاصيل التي زرعت في الماضي قرب الموقع، ~~إلى مصادر المياه وإلى الطرق العامة، إطلالة الموقع على بقية ~~المواقع الأخرى ... إلخ. وفي النهاية تم الاستعانة بالحاسوب من ~~أجل تحليل هذه الكمية الهائلة من المعلومات. # 14 # لقد عثر فريق زرتال على 116 ms168 قرية زراعية تعود إلى النصف ~~الثاني من عصر البرونز الوسيط، وعلى 39 قرية زراعية من عصر ~~البرونز الأخير، وعلى 136 قرية زراعية من عصر الحديد الأول. أي ~~إنه بعد الهبوط الحاد في منحنى الاستيطان خلال البرونز الأخير ~~بسبب الجفاف العام، عاد المنحنى إلى الصعود خلال عصر الحديد ~~الأول بعد عودة المناخ المطري، وهي الفترة المفترضة للاستيطان ~~الإسرائيلي في الهضاب المركزية. كما تبين من تحليل المعلومات ~~أن معظم مواقع عصر البرونز الوسيط وعصر البرونز الأخير كانت ~~متوضعة في المناطق الأكثر خصوبة من الهضاب المركزية، مثل ~~الأودية التي يسيل فيها ماء المطر، أما معظم مواقع عصر الحديد ~~فكانت متوضعة في المناطق المرتفعة ذات الطبيعة الصعبة والتربة ~~القليلة الخصوبة. وإضافة إلى ذلك، فقد لاحظ زرتال أن أولى ~~المواقع التي ظهرت في الهضاب المركزية قد توضعت في وادي ~~الأردن والمنحدرات الشرقية للهضاب، ومع التقدم زمنيا في عصر ~~الحديد الأول تأخذ القرى الجديدة بالظهور أعمق فأعمق نحو ~~الغرب، معتمدة في زراعتها على القمح والشعير. وفي آخر مراحل ~~الاستيطان خلال القرن الحادي عشر يأخذ القرويون باستصلاح ~~المنحدرات، وتسوية المدرجات التي تصلح لزراعة المحاصيل ~~المتوسطية، كالكرمة والزيتون. # وبما أن المنقب زرتال يفترض مسبقا بأن القرى الجديدة في ~~منطقة الهضاب المركزية هي قرى إسرائيلية، فإنه يفسر ظهورها ~~أولا في المناطق الأقل خصوبة بوجود الكنعانيين في المناطق ~~الخصيبة، وهذا ما دفع القادمين الجدد إلى الاستقرار في المناطق ~~غير المملوكة من قبل أحد. كما أنه يفسر سبب ظهور القرى الأولى ~~في المنحدرات الشرقية للهضاب المركزية، ثم زحفها التدريجي نحو ~~الأعلى وصولا إلى المناطق المرتفعة، بأن القادمين الجدد قد ~~جاءوا من المناطق الرعوية في شرقي الأردن، وبدءوا في الاستقرار ~~التدريجي بوادي الأردن والمنحدرات الشرقية، ثم تغلغلوا نحو ~~الداخل. كما يرى زرتال أن المجموعتين الكنعانية والإسرائيلية ~~كانتا متعايشتين بشكل سلمي في المنطقة، وأن الكنعانيين ~~القدماء في الأرض قد سمحوا للإسرائيليين بالاستقرار في المناطق ~~البعيدة عنهم وبناء قراهم الجديدة، ذلك أن المناطق التي شغلها ~~القادمون الجدد كانت عديمة المصادر المائية الطبيعية، وكان ~~أهلها ms169 مضطرين لجلب الماء من مناطق الكنعانيين البعيدة بالاتفاق ~~معهم. أما عن كيفية جلب هذه المياه وطريقة خزنها، فإن زرتال ~~يعتقد بأن تلك الجرار الضخمة التي وجدت في المواقع ~~الإسرائيلية الأولى، والتي تشكل الجزء الأكبر من المكتشفات ~~الفخارية في هذه المواقع، قد استخدمت لهذه الغاية، ويدعم هذا ~~الاستنتاج في رأيه أن هذا النوع من الجرار الضخمة قد بدأ ~~بالاختفاء مع حلول عصر الحديد الثاني، وشيوع استخدام الأدوات ~~الحديدية، من معاول وغيرها، والتي ساعدت سكان المناطق ~~المحرومة من المياه على حفر خزانات مكشوفة واسعة في الصخر، من ~~أجل تخزين مياه المطر في الشتاء واستخدامها في الصيف. # وقد قام المنقب كوشافي من ناحيته باختيار منطقة أفرايم ~~التوراتية في الهضاب المركزية ، واستطاع - مع فريقه المؤلف على ~~طريقة فريق آدام زرتال، وباستخدام التقنيات الأركيولوجية ~~نفسها - اكتشاف مائة قرية زراعية ظهرت تدريجيا خلال عصر ~~الحديد الأول في منطقة أفرايم. # 15 # وبذلك يصل عدد القرى الزراعية، التي قامت في ~~الهضاب المركزية فيما بين 1200 و1000ق.م.، إلى 230 قرية جديدة، ~~بعد فترة الفراغ السكاني خلال النصف الثاني من عصر البرونز ~~الأخير. ويتفق كوشافي مع زرتال في الخطوط العامة للتفسير ~~معتبرا أن القرى الجديدة هي قرى إسرائيلية، وأن الجماعات ~~التي شكلتها هي جماعات رعوية زحفت تدريجيا من مناطق شرقي ~~الأردن. غير أن الأركيولوجي الإسرائيلي المعروف # I. Finkelestein ~~- الذي قام ~~بتلخيص نتائج المسح الأركيولوجي للمنطقة الهضبية في فلسطين في ~~كتاب شامل أسماه: أركيولوجيا المواقع الإسرائيلية - يرى أن ~~المواقع الجديدة في الهضاب المركزية هي بالفعل مواقع ~~إسرائيلية، ولكن من شكلوها لم يأتوا من خارج فلسطين بل من ~~داخلها. فقد أدى الجفاف، الذي حل بالمنطقة خلال عصر البرونز ~~الأخير، إلى اقتلاع شامل للسكان في منطقة الهضاب المركزية، ~~وحولهم إلى رعاة متنقلين. وعندما عاد المناخ المطري سيرته ~~الأولى عادت هذه الجماعات المقتلعة إلى مواطنها السابقة ~~واستقرت فيها. # 16 # وبذلك يعمل فنكلشتاين على تجذير القبائل ~~الإسرائيلية في المنطقة، ويؤكد على الطابع الإثني المستمر ~~والمتميز لهذه الجماعات، التي شكلت إسرائيل فيما بعد. # لقد أراد أصحاب ms170 النظرية الأركيولوجية الحديثة إنقاذ ما ~~تبقى من السمعة التاريخية للرواية التوراتية، عن طريق إثبات ~~جوهر الرواية وإسقاط تفاصيلها جميعها، ولكن النتائج التي خرجوا ~~بها قد دقت، وإلى الأبد، المسمار الأخير في نعش هذه الرواية ~~بجوهرها وتفاصيلها جميعها، وقدمت لنا المادة اللازمة لكتابة ~~تاريخ فلسطين في عصر الحديد الأول والثاني، ودراسة مسألة أصول ~~إسرائيل بشكل علمي مستقل عن التوراة. وهذا ما قام به على أكمل ~~وجه الباحث توماس ل. تومبسون في كتابه الصادر عام 1992 تحت ~~عنوان # The Early History of the Israelite People ~~. وسوف نشير إلى أهم أفكار هذا الباحث ~~في مواضع الإفادة منها عبر الصفحات المقبلة من هذا ~~الكتاب. # الفصل الثاني # | إسرائيل التاريخية # لقد غدا من نافلة القول اليوم الحديث عما يسمى «بكل إسرائيل» ~~ككيان إثني أو سياسي، في سياق عصر الحديد الأول، والاسم «إسرائيل» ~~لا يمكن إطلاقه على أي إقليم في فلسطين قبل حلول عصر الحديد ~~الثاني. وحتى هنا، فإننا لا نستطيع إطلاق اسم إسرائيل إلا على ~~الدولة الإقليمية المعروفة بدولة السامرة، وهي الدولة التي أقامها ~~الملك عمري عقب بنائه مدينة السامرة حوالي عام 880ق.م. إن كل ما ~~بين أيدينا من معلومات كتابية وأركيولوجية موثقة ينفي وجود أية ~~استمرارية إثنية وسياسية بين الاسم «إسرائيل» المذكور في نصب ~~مرنفتاح، ومملكة إسرائيل بعاصمتها السامرة، التي قامت في منطقة ~~الهضاب المركزية خلال القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، وهي ~~مملكة موصوفة في التوراة وفي النصوص الآشورية على حد سواء. وقد ~~ألمحنا في موضع سابق من هذا الكتاب إلى أن نص الفرعون شوشانق ~~(شيشق التوراتي) الذي يصف حملته على فلسطين ومناطق الجنوب السوري، ~~خلال أواخر القرن العاشر قبل الميلاد، وهي حملة موجهة أساسا إلى ~~طرق التجارة الدولية؛ لا يشير إلى وجود مملكة قوية موحدة تحت لواء ~~أورشليم أو أية مدينة أخرى في فلسطين. ونستدل من وجود بقايا ~~نصب تذكاري أقامه الفرعون شوشانق في موقع مجدو بوادي يزرعيل شمالا، # 1 # ومن عدم ذكر مدينة أورشليم أو أية مدينة أخرى في ~~يهوذا أو الهضاب المركزية؛ ms171 أن هذه المناطق الهامشية في فلطسين لم ~~تسترع انتباه الفرعون شوشانق، الذي كان مهتما بالدرجة الأولى ~~بتدعيم الوجود المصري في مناطقه التقليدية السابقة. كما ألمحنا ~~أيضا إلى أنه بصرف النظر عن تلك الإشارة الغامضة إلى إسرائيل في ~~نصب مرنفتاح، والتي يجمع المؤرخون اليوم عن عدم صلتها بإسرائيل ~~التوراتية، فإن النصوص المصرية عبر التاريخ لم تتعرض لذكر إسرائيل ~~في أية صورة أو أية صيغة. أما النصوص الآشورية، التي ساعدت ~~المؤرخين المحدثين على رسم الخارطة السياسية والبشرية لمنطقة الشرق ~~القديم خلال عصر الحديد، فلم تذكر الاسم «إسرائيل» إلا في أواسط ~~القرن التاسع قبل الميلاد، وفي معرض الإشارة إلى دولة السامرة ~~تحديدا. وأما مملكة يهوذا فلم يرد ذكرها في الوثائق الآشورية إلا ~~مع أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. # وأما الحديث عن كنعان باعتبارها نقيض إسرائيل والخلفية العامة ~~التي ميزت إسرائيل نفسها عنها؛ فيمت إلى ماضي البحث التاريخي، ~~وإلى نظريات تعتمد مسلمات لم تخضع للنقد والتمحيص. فعصر البرونز ~~الأخير ليس كنعانيا أكثر من عصر الحديد، وعصر الحديد ليس ~~إسرائيليا في مقابل عصر البرونز الكنعاني؛ ذلك أن المكتشفات ~~الأثرية في العصرين تعطينا صورة ثفافة فلسطينية مستمرة، واحدة، ~~وغير منقطعة أو متلونة بلون خارجي غريب عنها. وكل المدن التي ~~تهدمت خلال الفترة الانتقالية بين العصرين قد أعيد بناؤها وسكنها ~~من قبل الذخيرة السكانية الفلسطينية نفسها. وهذا ما ينفي، وبشكل ~~قاطع، قدوم أقوام جديدة حلت محل السكان الأصليين، أو أقامت إلى ~~جانبهم وأثرت فيهم ثقافيا وعرقيا. إن لجوء الآثاريين ~~الإسرائيليين، وزملائهم من الملتصقين بالمنهج المحافظ القديم، إلى ~~استخدام وصف كنعاني لكل ما يمت إلى ثقافة عصر البرونز، واستخدام ~~وصف إسرائيلي لكل ما يمت إلى عصر الحديد؛ لا يصدر إلا عن موقف ~~متعنت. وهؤلاء أنفسهم لا يستطيعون تقديم أي معيار علمي موضوعي ~~للتفريق بين الأثر الكنعاني من عصر البرونز والأثر الإسرائيلي ~~المزعوم من عصر الحديد، سواء في حقل الخزفيات أو الفنون التشكيلية ~~أو الفنون المعمارية، وحتى في مجال اللغة والدين وما إلى ذلك من ~~النواتج غير المادية للثقافة ms172 الفلسطينية. # إن كل ما في حوزتنا حتى الآن، وهو كثير بفضل تراكم المعلومات ~~الآثارية خلال ربع قرن، ينفي وبشكل قاطع أي وجود لإسرائيل ~~التوراتية خلال عصر الحديد الأول. فبناء على الرواية التوراتية ~~يتفق المؤرخون التقليديون على أن مملكة شاول قد قامت حوالي عام ~~1020ق.م. وضمت القبائل الشمالية المدعوة بالإسرائيلية، ثم قامت ~~مملكة داود وسليمان فيما بين 1001 و931ق.م. التي شملت منطقة يهوذا ~~الجنوبية إلى جانب منطقة إسرائيل، فيما يدعى بالمملكة الموحدة لكل ~~إسرائيل، ثم انقسمت بعد ذلك إلى مملكتين. إلا أن الصورة العامة ~~التي قدمها لنا المسح الأركيولوجي الشامل عن عملية استيطان الهضاب ~~المركزية، وتطور هذه العملية خلال الحديد الأول، تظهر لنا أن ~~الاستيطان لم يبلغ ذروته إلا في سياق الحديد الثاني، الأمر الذي لا ~~يسمح لنا بافتراض قيام مملكة لإسرائيل في الشمال قبل بدايات القرن ~~التاسع قبل الميلاد. كما أن هناك من الأسباب ما يدعونا لأن ننفي ~~أكثر قيام مملكة يهوذا في الجنوب خلال الفترة نفسها؛ لأن حركة ~~الاستيطان هنا لم تنضج إلا بعد فترة لا بأس بها من تشكيل مملكة ~~إسرائيل-السامرة، والأوضاع الملائمة لتكوين مملكة في يهوذا لم ~~تتوفر إلا في سياق القرن الثامن. وهذه الحقائق تنفي وجود قاعدة ~~مشتركة تجمع إسرائيل إلى يهوذا في تكوين إثني وسياسي. # إن أسرة الملك عمري التي بنت مدينة السامرة هي الأسرة التي ~~شكلت، ولأول مرة، دولة اسمها إسرائيل. وهذه الأسرة معروفة ~~تاريخيا، وملوكها موصوفون في النصوص الآشورية، إلا أننا لا نملك ~~الأساس التاريخي الذي يمكننا من عقد صلة بين ملوك السامرة هؤلاء ~~والملوك المزعومين للمملكة الموحدة، أو الافتراض بأن هذه المملكة ~~الموحدة هي الأصل التاريخي لإسرائيل السياسية. فمع بناء السامرة ~~فقط يتوفر لدينا من الوثائق التاريخية والأركيولوجية ما يكفي ~~للحديث عن إسرائيل التاريخية، ولكن بصيغة «دولة إسرائيل» أو «دولة ~~السامرة»، وهي دولة فلسطينية محلية أنشأها الملك عمري حوالي عام ~~880ق.م. واستمرت أقل من قرنين من الزمان، حيث دمرها الآشوريون ~~حوالي عام 721ق.م. وسبوا أهلها إلى آشور. وهؤلاء المسبيون لم ~~يرجعوا قط ms173 إلى مواطنهم في فلسطين، بل ذابوا عرقيا بين الجماعات ~~التي أقاموا بين ظهرانيها. أما قبل صعود أسرة عمري وبناء مدينة ~~السامرة، فإنه من العبث التحدث عن إسرائيل سياسية أو إثنية في ~~المنطقة، ومفهوم «كل إسرائيل» هو نتاج التقاليد التوراتية ~~المتأخرة، والتي بنيت أساسا على وجود تاريخي لإسرائيل-السامرة، ~~وليس العكس. # إن المنظور الضيق لخلاصات الباحث الإسرائيلي فنكلشتاين وغيره ~~من أصحاب النظرية الأركيولوجية الجديدة، والذي تم تحديده زمنيا ~~بعصر الحديد الأول، وجغرافيا بمنطقة الهضاب المركزية، في سياق ~~بحثه عن أصول إسرائيل، هو منظور منحرف الرؤية؛ فنحن لا نستطيع أن ~~نحصر بحثنا وتحليلنا في هذه المرحلة وفي هذه المنطقة فقط، لأننا ~~نكون بذلك قد سلمنا مسبقا بجواب السؤال الذي نبحث عنه. وفي ~~الحقيقة، فإن عنوان كتاب فنكلشتاين نفسه، أي «أركيولوجيا المواقع ~~الإسرائيلية»، يدل على أن الباحث يسلم منذ البداية بأن القرى ~~الزراعية التي نشأت في الهضاب المركزية هي قرى إسرائيلية، وأن ~~إثنية هذه التجمعات وأصلها العرقي والثقافي هو أمر مفروغ منه، ~~وذلك في الوقت الذي يطلعنا فيه المسح الأركيولوجي للمناطق ~~الفلسطينية الأخرى على أن القرى الجديدة في عصر الحديد الأول لم ~~تكن وقفا على الهضاب المركزية، بل شملت أيضا مناطق أخرى، وخصوصا ~~في المناطق الساحلية ووادي يزرعيل. # 2 # فلماذا تكون قرى الهضاب المركزية إسرائيلية، وقرى ~~السهول كنعانية؟ أما اقتراح فنكلشتاين بأن أصول الجماعات الجديدة ~~في الهضاب المركزية يجب تتبعها في الرعوية الفلسطينية المحلية، وأن ~~أهل القرى الجديدة هم مزارعو الهضاب المركزية في عصر البرونز ~~الوسيط ممن مروا بفترة رعوية طويلة خلال عصر البرونز الأخير بسبب ~~الجفاف؛ فاقتراح يبدو جذابا للوهلة الأولى، غير أنه اقتراح ~~نظري محض، ولا يقوم على أساس أركيولوجي أو تاريخي متين، ودافعه ~~الوحيد هو رغبة هذا الباحث في التوكيد على الاستمرارية الإثنية في ~~منطقة الهضاب المركزية باعتبارها إثنية إسرائيلية. # إن الفترة الانتقالية، التي جلبت معها انهيار البنى الاقتصادية ~~لفلسطين، قد أحدثت تغييرا جذريا في استراتيجيات تحصيل المعاش، ~~حيث تحول الاقتصاد المتوسطي التقليدي المعتمد على إنتاج سلع ~~التبادل النقدي، مثل الكرمة ms174 والزيوت والخمور، إلى اقتصاد الكفاف، ~~وهو اقتصاد أقل استقرارا، ويقوم على زراعة الحبوب وعلى الرعي. ~~وقد أدى هذا التحول إلى اقتلاع عدد كبير من السكان من مناطقهم ~~التقليدية، ودفعهم إلى البحث عن مناطق أخرى. فإذا أخذنا بعين ~~الاعتبار وضع فلسطين المتاخم لمنطقة السهوب، وكذلك الاقتلاع ~~السكاني الذي حدث خارج فلسطين أيضا في المناطق المجاورة، وفي ~~منطقة عالم المتوسط بشكل عام خلال منقلب الألفية الأولى قبل ~~الميلاد، فإن دولتي إسرائيل ويهوذا، اللتين نشأتا خلال عصر الحديد ~~الثاني كجزء من النظام العالمي للإمبراطورية الآشورية، قد ضمتا ~~إليهما عددا من الجماعات الزراعية المحلية، التي تبحث عن بديل ~~لوضعها المتدهور في مناطق السهول والوديان، وكذلك عددا من ~~الجماعات الرعوية من السهوب الواقعة إلى الجنوب والشرق من المناطق ~~الزراعية، وأيضا جماعات مقتلعة من مواطنها في أماكن بعيدة من ~~حوض المتوسط. ونظرا لوضوح الاستمرارية الثقافية من عصر البرونز ~~الأخير إلى عصر الحديد الأول فالثاني، فإن القسم الأكبر المكون ~~للتركيب السكاني للمناطق الهضبية يجب أن يكون قد جاء من المناطق ~~الفلسطينية الزراعية الأخرى؛ لأن الجماعات الرعوية المتنقلة ليست ~~ناقلا جيدا للثقافة. # 3 # وهذا يعني أن المنطقة التي كانت نواة مملكة إسرائيل لم تكن ذات ~~طابع إثني مميز مع بداية عودة الاستيطان إلى الهضاب المركزية، ~~ومفهوم إسرائيل لم يكن له وجود. ثم بدأ التكوين الإثني بالتوضح ~~في سياق عملية التوطن خلال عصر الحديد الأول. ذلك أن توطيد التبادل ~~التجاري المحلي قد أدى تدريجيا إلى تشكيل بنى سياسية بدائية ~~على شكل عشائر تقاربت تدريجيا، ثم قادت المركزية السياسية ~~المتزايدة - والتي أملتها الشروط المتعلقة بإدارة نظام اقتصادي ~~دخل مرحلة الازدهار - إلى تكوين الدولة وبناء مدينة السامرة. وبذلك ~~يكون الطابع الإثني لمنطقة إسرائيل قد جاء نتيجة عملية معقدة ~~وطويلة، ولم يكن سابقا عليها. وهذا يعني أن استخدام مصطلح إسرائيل ~~للدلالة على أرض أو على شعب أو على تكوين سياسي؛ لا معنى له قبل ~~ظهور دولة إسرائيل السياسية في مطلع القرن التاسع، ولا معنى له بعد ~~دمارها النهائي عام 721ق.م. # 4 # وفيما ms175 يتعلق بيهوذا، فقد شهدت المنطقة خلال القرن العاشر وأوائل ~~القرن التاسع قبل الميلاد تحولا من اقتصاد محصور بالرعوية إلى ~~اقتصاد القرية. وخلال القرنين التاليين، أي التاسع والثامن قبل ~~الميلاد، شهدت هضاب يهوذا ازديادا متسارعا في السكان أدى إلى ~~توضيح بنيتها السياسية كمنطقة موحدة. وقد ساعد على ذلك تركيز ~~المزارعين على الزراعة المكثفة، واعتماد شبكة تجارة محلية ودولية، ~~موضوعها منتجات التبادل النقدي، مثل الزيوت والخمور والأخشاب ~~وغيرها. أما مدينة أورشليم، فلم تكن في مطلع عصر الحديد الثاني ~~(1000ق.م.) سوى بلدة متواضعة بمقياس ذلك العصر، ولم يكن لها نفوذ ~~إلا على المنطقة الزراعية الصغيرة المحيطة بها. وقد أخذ النفوذ ~~السياسي للمدينة بالتزايد مع توسع عملية الاستيطان في تلال يهوذا ~~في سياق عصر الحديد الثاني، وزيادة حجم الإنتاج الزراعي والحيواني، ~~وتوسع عملية التبادل التجاري. فصارت أورشليم مركزا لتسويق السلع ~~التجارية، وأخذت تبسط سلطتها السياسية على قرى منطقة يهوذا، التي ~~لم تخضع حتى ذلك الوقت إلى سلطة مركزية، ثم دخلت في منافسة حادة ~~مع مراكز حضرية مهمة أخرى في الجنوب، مثل جازر ولخيش وحبرون. ~~إلا أن أورشليم لم تأخذ وضع الدولة الإقليمية القوية فعلا قبل ~~الربع الأخير للقرن الثامن قبل الميلاد. وقد ساعدها على تحقيق هذا ~~الوضع دمار مدينة السامرة عاصمة إسرائيل، ودمار لخيش في الجنوب، ~~فاستوعبت المهاجرين من المناطق المنكوبة، وتزايد عدد سكانها بشكل ~~ملحوظ، وتشكلت فيها نخبة اجتماعية وسياسية مسيطرة، ومال مجتمعها ~~من البساطة نحو التركيب والتمايز الطبقي. وفي هذا الوقت بالذات ~~يمكن أن نتصور بناء معبد كبير على درجة ما من الفخامة والأبهة ~~الموصوفة في سفر الملوك الأول. إن تزايد ثروة أورشليم وازدهار ~~أوضاع النخبة فيها، وتزايد تداخلها في سياسة التجارة الدولية، قد ~~أدى أخيرا إلى صدامها مع آشور، ثم إلى دمارها فيما بعد على يد ~~البابليين عام 578ق.م. # 5 # اعتمادا على كل ما قدمناه حتى الآن نستطيع تلخيص ما توصلنا إليه ~~حول إسرائيل التوراتية وعلاقتها بإسرائيل التاريخية بالنقاط ~~التالية: ~~(1) # إن النقد النصي والتاريخي والأركيولوجي لروايات الآباء ~~والخروج قد أوصلنا إلى ms176 القول بكل ثقة علمية بأن الوقائع ~~جميعها تنفي نفيا قاطعا وجود كيان إثني اسمه «كل ~~إسرائيل» خلال أية فترة من عصر البرونز الأخير، وصولا ~~إلى مطلع عصر الحديد الأول حوالي 1200ق.م. ~~(2) # إن الشواهد الأركيولوجية من الفترة الانتقالية من عصر ~~البرونز الأخير إلى عصر الحديد تنفي نفيا قاطعا رواية ~~سفر يشوع عن الاقتحام العسكري لأرض كنعان. ذلك أن نتائج ~~التنقيب الأثري في مواقع المدن التي يعزو النص التوراتي ~~تدميرها إلى يشوع؛ تظهر عدم تطابق تاريخ دمار معظم هذه ~~المدن مع التاريخ المفترض لقدوم الإسرائيليين إلى كنعان. ~~أما المواقع التي يتزامن تاريخ الدمار فيها مع قدوم ~~الإسرائيليين، فإن الشواهد الأثرية الصامتة لا يمكن أن ~~ترجح رواية سفر يشوع، بسبب وجود العديد من المرشحين ~~لتدمير هذه المدن خلال تلك الفترة، وخصوصا الفرعون ~~مرنفتاح وشعوب البحر. ومن ناحية ثانية ، فإن المواقع ~~المهدمة التي أعيد بناؤها في سياق عصر الحديد الأول تظهر ~~ارتباطا عضويا بثقافة البرونز الأخير. ~~(3) # إن نتائج المسح الأركيولوجي الشامل لمنطقة الهضاب ~~المركزية ولمنطقة مرتفعات يهوذا، في المستويات الأثرية ~~العائدة لعصر الحديد الأول، تنفي نفيا قاطعا ظهور ~~مجموعة إثنية واحدة في كلا المنطقتين خلال الفترة ~~المفترضة لعصر القضاة والاستقرار في الأرض. فالقرى التي ~~ظهرت بشكل بطيء في الهضاب المركزية خلال عصر الحديد الأول ~~كانت قرى كنعانية من أصل زراعي محلي، مرتبطة ثقافيا ~~بعصر البرونز الأخير، ولا علاقة لها بالقبائل الرعوية ~~التوراتية. وقد سبق استيطان منطقة الهضاب المركزية ~~الاستيطان في منطقة يهوذا بحوالي قرنين من الزمان، الأمر ~~الذي ينفي وجود قاعدة مشتركة بين المنطقتين، كما ينفي ~~قيام كيان إثني يشتمل على «كل إسرائيل» خلال فترة عصر ~~القضاة التي تغطي كامل فترة الحديد الأول. ~~(4) # لم يتوفر خلال القرن العاشر قبل الميلاد الأساس السكاني ~~والاقتصادي اللازم لقيام مملكة قوية في الهضاب المركزية ~~أو مرتفعات يهوذا، ناهيك عن قيام مملكة موحدة متسعة ~~الأرجاء بسطت سلطانها على كامل أراضي فلسطين. فإضافة إلى ~~الفقر المدقع لقرى الهضاب المركزية المبعثرة، فإن منطقة ~~يهوذا كانت شبه خالية من السكان، وأورشليم كانت ms177 بلدة ~~متواضعة وغير صالحة لأن تكون عاصمة للمملكة المذكورة في ~~التوراة. ~~(5) # لا يوجد ذكر لكيان سياسي اسمه إسرائيل في وثائق الشرق ~~القديم جميعها قبل أواسط القرن التاسع قبل الميلاد (أي بعد ~~أكثر من قرن على تشكيل مملكة كل إسرائيل التوراتية)، ~~عندما بدأ اسم إسرائيل يظهر في السجلات العسكرية الآشورية، ~~وللدلالة حصرا على مملكة السامرة، التي تشكلت تاريخيا ~~حوالي عام 880ق.م. وكذلك الأمر في مملكة يهوذا، التي لم ~~يرد ذكرها في السجلات الآشورية إلا نحو نهاية القرن الثامن ~~قبل الميلاد، وعندما بدأت مملكة إسرائيل بالأفول. ~~(6) # لا يوجد في وثائق الشرق القديم ذكر لكيان سياسي اسمه ~~إسرائيل بعد دمار مملكة السامرة على يد الآشوريين عام ~~721ق.م. وسبي أهلها الذين لم يرجعوا إلى أوطانهم قط. أما ~~المقاطعة الآشورية التي قامت في الهضاب المركزية بعد سبي ~~الإسرائيليين وإحلال أقوام جديدة محلهم فقد دعيت بمقاطعة ~~السامرة، واستمرت تدعى بهذا الاسم خلال العصر الفارسي ~~والهيلينستي والروماني. وفيما يتعلق بمنطقة يهوذا، فقد ~~أطلق عليها اسم مقاطعة اليهودية بعد عودة المسبيين إليها ~~من بابل، واستمر هذا الاسم قائما حتى العصر ~~الروماني. ~~(7) # لا يوجد أثر للمعتقد الديني التوراتي في منطقتي ~~إسرائيل ويهوذا، وفي بقية أنحاء فلسطين، خلال الفترة ~~السابقة على السبي البابلي، والديانة التي سادت هنا هي ~~ديانة كنعانية تقليدية. إن جميع المعابد والمقامات ~~الدينية وتماثيل وشارات الألوهة جميعها مما كشفت عنه ~~التنقيبات في المستويات الأثرية العائدة إلى عصر الحديد ~~الأول والثاني، تشير إلى استمرار طبيعي للمعتقدات الدينية ~~لعصر البرونز في فلسطين. أما الإله يهوه، الذي تركز حوله ~~المعتقد التوراتي فيما بعد، فقد كان على ما يبدو المعبود ~~الرئيسي في السامرة ويهوذا، إلى جانب آلهة البانثيون ~~الكنعاني الفلسطيني. # ولعل أوضح برهان على ما أسوقه هنا هو مخطوطات جزيرة الفيلة (= ~~الأفيال) التي اكتشفت في الجزيرة المدعوة بهذا الاسم عند منطقة ~~أسوان بمصر العليا. فلقد عاش في هذه الجزيرة التي تتوسط النيل ~~جالية من منطقة يهوذا منذ مطلع القرن السادس قبل الميلاد، عمل ~~أفرادها كمرتزقة في الجيش المصري فترة طويلة قبل ms178 أن يستقروا مع ~~أسرهم في هذه المنطقة النائية عن فلسطين. وقد حافظت هذه الجالية ~~على عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها السابقة لتكوين المعتقد ~~التوراتي، وتركت لنا عددا من الوثائق الكتابية باللغة الآرامية ~~يرجع تاريخها إلى الفترة الواقعة بين عامي 495 و394ق.م. وهي ~~الفترة ذاتها التي شهدت إعادة سكن أورشليم وبناء هيكل زربابل ~~المدعو بالهيكل الثاني. وتضم المخطوطات المكتشفة وثائق تجارية ~~وعقود زواج، ومراسلات بين رئيس الجالية المدعو جيدانية وعدد من ~~الشخصيات السياسية في فلسطين. وقد قدم الباحث الإسرائيلي # Bezalel Porten # من الجامعة العبرية ~~أحدث قراءة لهذه المخطوطات، ونشرها تباعا فيما بين عامي 1968 ~~و1979 في عدد من الكتب والأبحاث العلمية. # 6 # وتطلعنا المخطوطات على أن جالية جزيرة الفيلة هذه ~~قد بنت هيكلا لإلهها الرئيسي المدعو ياهو (= يهوه)، وذلك منذ ~~بدايات استقرارها في الجزيرة. وعندما تهدم الهيكل قام رئيس ~~الجماعة جيدانية بالكتابة إلى الحاكم الفارسي لمنطقة اليهودية ~~طالبا عونه المادي على بناء هيكل ياهو، الذي اعتبره نظيرا لهيكل ~~زربابل في أورشليم، كما كتب حول الموضوع نفسه إلى حاكم منطقة ~~السامرة. وهناك رسائل أخرى بعث بها جيدانية هذا إلى كهنة أورشليم ~~يستعلم منهم عن بعض القضايا الشعائرية والسنن الدينية. الأمر الذي ~~يدل بوضوح على أن جماعة جزيرة الفيلة كانت ترى في معتقدها ~~وطقوسها استمرارا طبيعيا للمعتقدات والطقوس المعروفة في يهوذا. ~~إلا أن هذه المعتقدات والشعائر، كما تبدو في مخطوطات الفيلة، لا ~~تمت إلى الدين التوراتي بصلة، فالإله ياهو، رغم علو مكانته، ~~ليس الإله الأوحد للجماعة، بل تظهر إلى جانبه زوجته التي تشير ~~إليها المخطوطات باسم عنات ياهو، والتي ظهرت في النقوش الكتابية من ~~فلسطين تحت اسم عشيرة أو عشيرة يهوه. كما تذكر المخطوطات أسماء ~~آلهة أخرى، مثل إيشيم وبت إيل وعناة-بت إيل وغيرهم. وبما أن ~~الجالية في جزيرة الفيلة قد سمحت لنفسها بطلب المعونة من سكان ~~يهوذا والسامرة من أجل إعاة بناء هيكل ياهو، وتشاورت مع رجال الدين ~~هناك حول مسائل دينية مشتركة، فإن الاستنتاج المنطقي الذي يطرح ~~نفسه هو أن ديانة يهوه في ms179 فلسطين لم تكن حتى ذلك الوقت المتأخر قد ~~اكتسبت الشكل التوراتي بعد، وأنها ما زالت في طور التشكل على ~~أيدي كهنة أورشليم بعد العودة من المنفى. # إن خلاصة ما يمكن قوله فيما يتعلق بإسرائيل ويهوذا التاريخيتين ~~هو أن هاتين الدولتين قد نشأتا تباعا في فلسطين كجزء من النظام ~~العالمي للإمبراطورية الآشورية، ثم دخلتا في صراع مرير إبان فترة ~~صعود مدينة أورشليم، من أجل السيطرة التجارية والسياسية على منطقة ~~فلسطين وشرقي الأردن. وقد واجهت كل منهما منفردة، وعلى طريقتها ~~الخاصة، المد التوسعي لكل من مملكة آرام دمشق، التي نشأت خلال ~~الفترة نفسها، ومملكة آشور. وبما أننا لا نستطيع فهم مسار حياة ~~هاتين الدولتين والأحداث التي قادت إلى دمارهما إلا من خلال ~~علائقهما مع دمشق وآشور؛ القوتين العظميين في ذلك الوقت، فإننا ~~سوف نعمد في القسم الثاني من دراستنا هذه إلى تقصي تاريخ إسرائيل ~~ويهوذا من خلال تشابك هذا التاريخ محليا مع تاريخ دمشق، ودوليا ~~مع النظام العالمي الآشوري. وسيكون اعتمادنا بالدرجة الأولى على ~~النصوص التاريخية الآشورية ثم الآرامية، وبالدرجة الثانية على ~~أخبار ملوك يهوذا والسامرة في سفري الملوك الأول والثاني، وذلك ~~بعد نقدها وتمحيصها ومقارنتها بالمصادر الخارجية من أجل فرز ~~الخيالي عن الواقعي فيها. وسنبتدئ أولا برسم الصورة التاريخية ~~لصعود مملكة دمشق، وتكوينها لإمبراطورية سورية غير معلنة ضمن ~~مناطق غربي الفرات تحت قرار سياسي واحد، يتخذه ملك آرام المقيم في ~~دمشق. # الفصل الثالث # | الآراميون والخلفية التاريخية العامة لصعود دمشق # (1) الآراميون # لا يوجد مكان تعايشت فيه الثقافة البدوية مع الثقافة ~~الحضرية، وتبادلتا الاعتماد على بعضهما البعض مثل منطقة الهلال ~~الخصيب. فمنذ العصر النيوليتي كان سكان المنطقة يتبادلون ~~الأدوار، حيث يتحول الرعاة إلى مزارعين مستقرين كلما مال ~~المناخ نحو الرطوبة والبرودة، ويتحول المزارعون المستقرون إلى ~~رعاة كلما جف المناخ وعز المطر. ولعل التفسير الأقرب إلى ~~الصواب لظاهرة الهجران المفاجئ للقرى الزراعية النيوليتية في ~~بعض أحقابها، وخلوها من السكان دون شواهد على حدوث تدمير ~~متعمد أو زلازل وحرائق في مواقعها، هو ذلك التفسير الذي ms180 يرى ~~في تلك الظاهرة نتاجا لتحول مناخي دفع السكان إلى ترك ~~الزراعة والتجول مع قطعانهم بحثا عن المرعى، ثم العودة إلى ~~مواقعهم السابقة أو الاستقرار في غيرها مع عودة الشروط ~~الملائمة للزراعة مجددا. # وقد بقي القوم على هذا الحال، حتى بعد ظهور المدن وارتقاء ~~الحضارات الكبرى في المنطقة. ولعل أكبر مثال على التحول ~~الجمعي لثقافة بأكملها، تقريبا، من حياة القرية الزراعية ~~وحياة المدن الكبرى إلى حياة الرعي المتنقل أو البداوة؛ هو ما ~~حدث في مناطق بلاد الشام خلال الفترة الانتقالية من عصر ~~البرونز المبكر إلى عصر البرونز الوسيط (أي فيما بين أواخر ~~الألف الثالث وأوائل الألف الثاني قبل الميلاد). فخلال هذه ~~الفترة انتهى المناخ المطري البارد الذي ساد المنطقة منذ أواسط ~~الألف الرابع قبل الميلاد، وتبعه مناخ حار وجاف أدى إلى ~~انهيار شامل لثقافة عصر البرونز المبكر، فانهارت المملكة ~~القديمة في مصر وإمبراطورية أكاد في وادي الرافدين، وفي ~~المناطق السورية هجرت معظم القرى الزراعية، والكثير من المدن ~~التي تقع في المناطق الحساسة للجفاف، ثم تحولت بعد فترة إلى ~~أطلال. وقد عثر المنقبون في مواقع هذه المدن المهدمة خلال ~~أواخر عصر البرونز المبكر، وخصوصا في منطقة فلسطين، على آثار ~~واضحة تشير إلى قيام حياة بدوية على أطراف المدن القديمة، ~~فظنوا أن هؤلاء البدو هم المسئولون عن ذلك التدمير. وفي ~~الحقيقة، فإن ما لاحظه المنقبون لم يكن سوى ظاهرة عادية ~~ومألوفة في سياق حضارة الشرق القديم، حيث تحل البداوة محل ~~الحضارة، وتنتقل هذه إلى تلك، كوسيلة عملية للتعامل مع ~~الطبيعة في هذا الجزء من العالم. ففي نهاية عصر البرونز المبكر ~~أخذت الجماعات الآمورية بالظهور حول المدن المهدمة، وحول ~~المدن التي بقيت تتنفس بصعوبة في ظل الأوضاع الاقتصادية ~~المتردية. ولكن هذه الجماعات البدائية نفسها هي التي كتبت ~~الصفحة التالية في حضارة الشرق القديم، وأعني بها حضارة ~~البرونز الوسيط. # ولقد أعاد التاريخ نفسه في الفترة الانتقالية من عصر البرونز ~~الأخير إلى عصر الحديد، عندما أدت الكارثة المناخية الشاملة ~~إلى هجرات واسعة وتحولات سكانية شملت ms181 شرقي أوروبا واليونان ~~وبحر إيجة والأناضول وأقطار شرقي المتوسط. فانطلقت شعوب البحر ~~من مواطنها في بحر إيجة تبحث عن أرض جديدة في الشرق، وحلت ~~المجاعة في أرجاء المملكة الحثية جميعها، وفي مناطق سوريا ~~وفلسطين. ويبدو أن المملكة الحثية قد انهارت من الداخل قبل ~~وصول شعوب البحر إليها، وكذلك المدن السورية التي كانت مزدهرة ~~خلال البرونز الأخير، مثل أوغاريت وغيرها. فمن المرجح أن ~~أوغاريت قد هدمتها الزلازل قبل وقت من وصول شعوب البحر إليها، ~~وهجرها أهلها لعدم قدرتهم الاقتصادية على إعادة البناء، وكذلك ~~بعض المدن الكبرى الأخرى في سوريا وفلسطين. وربما تحول هؤلاء ~~السكان إلى رعاة متنقلين، أو إنهم أوغلوا شرقا بحثا عن ~~أماكن أكثر ملاءمة لاستقرار جديد. وبذلك تكون شعوب البحر قد ~~وصلت إلى مناطق مقفرة ومهدمة لم تشجعها على الاستقرار، ~~لذلك فقد تابعت هذه الجماعات التائهة - التي كانت ترتحل مع ~~نسائها وأطفالها وأدواتها المنزلية الخفيفة - مسيرتها نحو مصر، ~~حيث قضى الفرعون رمسيس الثالث على كل طاقتها وزخمها القتالي. ~~ولم تمض بضعة عقود حتى ذابت هذه الجماعات الغريبة في الأمكنة ~~التي توقفت عندها، وضاع أثرها. # خلال هذه الفترة القاتمة أخذت القبائل الآرامية، التي كانت ~~متواجدة منذ زمن طويل في البادية السورية وعلى أطراف المناطق ~~الزراعية في الهلال الخصيب، بالظهور على المسرح مستفيدة من ~~فترة الفراغ الشامل وحالة الفوضى والاضطراب، التي ميزت نهاية ~~البرونز الأخير وبداية عصر الحديد. وعندما أخذت موجة الجفاف ~~بالانحسار مع التقدم في عصر الحديد الأول (1200-1000ق.م.) كانت ~~هذه القبائل قد استقرت في الأرض، وأخذت ببناء القرى الزراعية ~~فالمدن الكبرى فالممالك. وقد ساعدها على ذلك غياب القوى ~~العظمى التقليدية من حولها، والوضع الداخلي المتضعضع لمناطق ~~الجزيرة العليا وغربي الفرات، وانعدام السلطة المركزية فيها. ~~ومع مطلع القرن العاشر قبل الميلاد كان الآراميون قد شكلوا ~~دويلات قوية على طول حوض الخابور وحوض الفرات الأوسط والأعلى، ~~وفي الشمال السوري فيما بين الفرات والبحر المتوسط، وكذلك فيما ~~بين حلب شمالا ودمشق في الجنوب السوري. وفي مقابل الضغط ~~الآشوري العسكري على بلاد آرام ms182 منذ مطلع القرن العاشر قبل ~~الميلاد، كان الآراميون يمارسون ضغطا سلميا ومعاكسا على ~~منطقة وادي الرافدين، وخصوصا باتجاه بابل، حتى استطاع الفرع ~~الكلداني من المجموعة الآرامية السيطرة تماما على جنوب بلاد ~~الرافدين بعد فترة من التسرب التدريجي، وأسس المملكة ~~البابلية الجديدة في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، التي كان ~~نبوخذ نصر ثالث ملوكها. # من الممالك الآرامية التي تكونت في سياق عصر الحديد الأول، ~~واستمرت خلال عصر الحديد الثاني مملكة بيت بحياني في حوض ~~الخابور، وكانت عاصمتها جوزان في موقع تل حلف، الذي يقع في ~~أقصى الشمال السوري عند منابع نهر الخابور. وقد تم اكتشاف موقع ~~جوزان عام 1899 صدفة من قبل المنقب الألماني فون أوبنهايم، ~~واستمر التنقيب فيه حتى عام 1929 على فترات متقطعة. ونظرا ~~لقلة المواقع القديمة المعروفة في سوريا خلال ذلك الوقت، فقد ~~صنفت آيات النحت العظيم والعمارة الراقية لتل حلف تحت ~~تسمية جديدة، هي «الفن الحثي الجديد»، وأخذ دارسو فنون وثقافة ~~هذه الممالك بالبحث عن الروابط التي تجمعها إلى فنون وثقافة كل ~~من آشور وحاتي، وذلك دون النظر إلى الطبيعة الخاصة لهذه ~~الثقافة وتفردها. ورغم أن تسمية «الحثي الجديد» قد بقيت ~~مصطلحا تاريخيا وفنيا وأركيولوجيا لفترة طويلة من ~~الزمن، إلا أن الاتجاهات الحديثة في علم الآثار وتاريخ الفن في ~~سوريا القديمة قد أخذت تتلمس الشخصية المستقلة لهذه الثقافة ~~السورية في عصر الحديد، وترى فيها طابعا آراميا رغم تأثرها ~~بالثقافتين الحثية والآشورية، وهو أمر طبيعي يفرضه تداخل ~~التاريخ والجغرافيا لهذه الثقافات المتقاربة. ويجب ألا ننسى أن ~~هذه المناطق من الشمال السوري قد استوعبت عددا كبيرا من ~~المهاجرين من آسيا الصغرى عقب انهيار المملكة الحثية، وأن ~~هؤلاء المهاجرين قد ساهموا في بناء ثقافة عصر الحديد السوري. ~~ويقول المؤرخ وعالم الآثار المعروف باولو ماتييه، مكتشف مدينة ~~إيبلا، بخصوص مصطلح «الحثي الجديد»: إن هذا المصطلح من أكثر ~~المصطلحات والمفاهيم التي كونها الباحثون المبكرون دوغمائية ~~وخطأ، وهو يحرم الفن السوري من كل أصالة وإبداع خاص. # 1 # وإلى الغرب من مملكة بيت بحياني ms183 الآنفة الذكر ظهرت مملكة بيت ~~عديني التي شملت الأراضي الواقعة بين نهر بليخ والفرات. وقد ~~اكتشفت عاصمة هذه المملكة، واسمها تل برسيب، في موقع تل أحمر ~~على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وعلى مسافة 20كم إلى الجنوب من ~~بلدة جرابلس الحالية على الحدود التركية. وعثر في الموقع على ~~كتابات تذكر اسم ملكها المدعو آخوني المعروف في السجلات ~~الآشورية. كما عثر في بوابة قصر تل برسيب على أسود بازلتية ~~ضخمة عليها نقوش للحاكم الآشوري، الذي ولي المدينة بعد أن ~~ألحقها الآشوريون بممتلكاتهم، وحكموها بشكل مباشر. # 2 # وفي منطقة الفرات الأعلى قامت مملكة كركميش، التي ~~اكتشفت عاصمتها التي تحمل الاسم نفسه قرب بلدة جرابلس على ~~الفرات، وقد تبين من الألواح المسمارية المكتشفة في الموقع أن ~~المدينة كانت مزدهرة قبل وصول الآراميين إليها. كما أن ~~الوثائق الكتابية من مدينة ماري ومن مدينة حاتوسس عاصمة ~~الحثيين تذكر كركميش كمدينة كبرى مزدهرة في عصر البرونز ~~الوسيط، وخصوصا خلال عصر الإمبراطورية الحثية في القرن الرابع ~~عشر قبل الميلاد. ونستطيع في هذا الموقع القديم أن نتابع ~~تشكل الفن المدعو بالحثي الجديد منذ بداياته الأولى، ومن ~~خلال تطوره الذاتي، لنستكشف ملامح هذا الفن المتميز وتفرده ~~كفن سوري أصيل. # 3 # وإلى الشمال الشرقي من كركميش قامت مملكة حداتو. وقد اكتشفت ~~عاصمتها التي تحمل اسم حداتو في موقع أرسلان طاش على مسافة ~~30كم شرقي الفرات. وأهم ما تم العثور عليه في الموقع مجموعة ~~من المنحوتات العاجية، التي تعبر عن مدرسة فنية سورية ~~متميزة، وتظهر روابط واضحة مع عاجيات فينيقيا وفلسطين. # 4 # وفي مناطق غربي الفرات قامت مملكة بيت جوش في ~~منطقة حلب، وعاصمتها أرفاد، التي يرجح أن تكون في موقع تل ~~رفعت على مسافة 35كم إلى الشمال الشرقي من حلب. وفي أقصى ~~الشمال الغربي قامت مملكة يأدي التي سيطرت على منطقة جبال ~~الأمانوس، وقد اكتشفت عاصمتها شمأل في موقع تل زنجرلي الحالي. ~~ومن أهم ما أفاض به هذا الموقع من آيات فنية هو مجموعة من ~~المنحوتات البارزة الضخمة على بوابات قلعة ms184 المدينة، تشكل في ~~حد ذاتها مدرسة سورية متميزة في هذا النوع من الفن. وقد ~~ألحقت هذه المنحوتات، من قبل مكتشفيها الأوائل في مطلع القرن ~~العشرين، بمدرسة النحت البارز الآشوري، أما اليوم، وبعد أن ~~توفر لدينا ما يكفي من الأعمال الفنية المشابهة، فإن الوقت قد ~~حان لدراسة النحت السوري في استقلاله وتميزه كمدرسة قائمة في ~~حد ذاتها. # 5 # أما فيما يتعلق بآراميي وسط وجنوب سوريا، فإن المعلومات على ~~بدايات تواجدهم في هذه المنطقة قليلة جدا ومبعثرة. فمن ~~المؤكد أن كلا من حماة ودمشق قد وقعتا تحت السيطرة الآرامية ~~منذ أواخر القرن الحادي عشر قبل الميلاد، إلا أن المعلومات ~~التفصيلية تنقصنا عن بدايات التواجد الآرامي في هاتين ~~المدينتين، وعن الأسر الحاكمة الأولى فيها. والمعلومات ~~التوراتية، التي وردت عنهما ضمن أخبار داود وسليمان، ليست مما ~~يمكن الاعتماد عليه. وبخصوص الممالك الآرامية التي يذكرها سفر ~~صموئيل الثاني، وهي آرام معكة، التي وضعها المؤرخون في سفوح ~~جبل الحرمون مع امتدادات تصل إلى بحيرة الحولة، وطوب التي ~~وضعوها في شرقي الأردن شمالا إلى الجنوب من جيشور، وآرام صوبة ~~التي صنعوا منها قوة كبرى في الشرق الأدنى ووضعوها في البقاع ~~الشمالي مع امتدادت تصل شرقا إلى البادية وأطراف الفرات، ~~فهذه جميعا ممالك يحوم الشك حول وجودها أصلا. وإنني أطرح ~~هنا، وبكل ثقة علمية، رأيا مفاده أن هذه الممالك لم تقم ~~أصلا لا في القرن العاشر قبل الميلاد ولا في أية فترة لاحقة ~~من تاريخ المنطقة. فمملكة داود، التي دخلت في حروب مع هذه ~~الممالك، لم تكن قائمة في القرن العاشر قبل الميلاد، كما ~~أثبتنا سابقا بالأدلة العلمية، والوثائق الكتابية لممالك ~~الشرق الأدنى القديم لم تحفل بذكر واحدة من هذه الممالك لا في ~~القرن العاشر ولا بعده، والتنقيبات الأثرية في المواقع ~~المفترضة جميعها لهذه الممالك لم تخرج بشاهد أثري واحد يدل ~~على وجودها. فأي شيء يبقى بعد ذلك يدعونا إلى الاستمرار في ~~الحديث عن «هذه الممالك المهمة والقوية»؟ لقد أراد محررو ~~التوراة ابتكار خصوم وهميين لمملكة وهمية وملك ms185 وهمي، ~~ونظرا لجهلهم الكامل بتاريخ تلك الحقبة التي يتحدثون عنها ~~وبخارطتها السياسية، وهو جهل استطعنا إثباته عبر نقدنا النصي ~~والتاريخي سابقا، فقد التقط هؤلاء المحررون أخبارا متواترة ~~عن مشيخات آرامية قريبة إليهم زمنيا، وجعلوا منها شعوبا ~~وممالك قوية. أما هدد عزر ملك صوبة الأسطوري، الذي امتدت سلطته ~~من البقاع غربا إلى نهر الفرات، وفق ما يراه المؤرخون ~~التقليديون، فلا أدري لماذا لم يتساءل هؤلاء المؤرخون عن سبب ~~صمت النصوص الآشورية في القرن العاشر قبل الميلاد عن ذكره، وهي ~~التي لم تترك مملكة ذات شأن في بلاد الشام إلا وذكرتها. ~~والحقيقة كما أراها بخصوص هذا الملك أنه لم يكن سوى هدد عدر ~~ملك دمشق الذي حكم في أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، وواجه ~~الآشوريين في عدد من المواقع الحربية المهمة وردهم عن مناطق ~~غربي الفرات، وكانت أهم معاركه معركة قرقرة المشهورة على نهر ~~العاصي. ونظرا لغموض وتضارب الأخبار التي توفرت لمحرري ~~التوراة عن أحداث القرن التاسع، فقد جعلوا هدد عدر هذا ملكا ~~على صوبة في القرن العاشر قبل الميلاد تحت اسم هدد عزر، ~~وأحلوا محله على عرش دمشق في أواسط القرن التاسع قبل ~~الميلاد ملكا اسمه بنهدد لم يكن موجودا في ذلك الوقت. ولسوف ~~أتطرق بالتفصيل إلى هذه المسألة في موضعها لاحقا. # دمشق قبل العصر الآرامي # كانت دمشق بين المناطق الرائدة لثقافة العصر الحجري ~~الحديث (النيوليتي) في المشرق العربي القديم. ورغم أننا لا ~~نملك الأدلة من موقع المدينة ذاتها على تواجد إنسان العصر ~~الحجري، إلا أن انتشار المواقع النيوليتية حول المدينة، ~~مثل موقع تل أسود وموقع تل الرماد، يدل على أن المنطقة ~~كانت مسكونة منذ مطلع الألف السابع قبل الميلاد على أقل ~~تقدير، وأنها قد ساهمت في الثورة الثقافية الأولى في تاريخ ~~البشرية، والتي يدعوها الأركيولوجيون بثورة العصر الحجري ~~الحديث (أو الثورة النيوليتية). وبما أن مدينة دمشق العصر ~~الإسلامي داخل السور ما زالت مسكونة حتى الآن، وتجثم فوق ~~الطبقات الأركيولوجية السابقة، فإن قصور الأدلة الأثرية من ~~موقع المدينة ذاته عن تلبية ms186 حاجة المؤرخ لا يقتصر على ~~العصر الحجري، بل يتعداه إلى العصور التاريخية اللاحقة ~~جميعها، وذلك نظرا إلى صعوبة التنقيب في المناطق ~~المأهولة، إن لم يكن استحالته من حيث المبدأ. # من هنا، فإن معلوماتنا عن دمشق في العصور القديمة ~~مستمدة بشكل رئيسي من النقوش الكتابية للشعوب والثقافات ~~المجاورة، إضافة إلى بعض المعلومات القليلة جدا التي ~~يقدمها لنا موقع المدينة الإسلامية داخل السور، والذي ~~يتطابق إلى حد كبير مع موقع مدينة العصر الروماني وما ~~سبقه. فمن المؤكد اليوم أن معبد جوبيتر دمشق الذي بني في ~~العصر الروماني لإله المدينة هدد، بعد أن طابق الرومان ~~بينه وبين جوبيتر، يقع تحت المسجد الأموي الكبير، وأن ~~المعبد الآرامي الأصلي يقع تحت المعبد الروماني. كما ~~يرجح الباحثون أن التل الذي يرتفع حوالي ستة أمتار، ~~ويقع على مسافة 250م إلى الجنوب من القوس الروماني المعروف ~~باسم باب شرقي، هو المكان الذي بنيت فيه القصور الملكية ~~القديمة، وأنه بمثابة أوكروبوليس دمشق. وفيما عدا ذلك، فقد ~~وصلنا أثر فني واحد فقط من العصور القديمة جميعها ~~للمدينة، هو لوح حجري أبعاده 80 × 70سم، منقوش عليه صورة ~~لسفينكس (أبو الهول)، عثر عليه مدعوما بجدار المعبد ~~الروماني عام 1940، أثناء عمليات ترميم وإصلاحات في المسجد ~~الأموي. ويستشف من الأسلوب الفني لتنفيذ العمل أنه ينتمي ~~إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهو العصر الذهبي لآرام دمشق. # 6 # يظهر الاسم «دمشق» لأول مرة في التاريخ حوالي عام ~~1450ق.م. وذلك في سجلات الفرعون تحوتمس الثالث الحربية، ~~حيث ورد بصيغة تمسكو (تا - مس - كو). ثم ظهر بعد ذلك بقرن ~~من الزمان في رسائل تل العمارنة، حيث ورد ثلاث مرات وبثلاث ~~صيغ، هي تمشقي (تي - ما - اش - قي)، ودمشقا (دي - ماش - ~~قا)، دومشقا (دو - ما - اش - قا). وفي السجلات الآشورية ~~فيما بين القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد يرد اسم دمشق ~~في معظم السجلات الآشورية على بلاد الشام، وذلك بثلاث صيغ، ~~هي دمشقا (دي - ماش - قا)، ودمشقي (دي - ماش - قي)، ودمشقو ~~(دي - ماش - قو). أما في النصوص الآرامية فيرد بصيغة ms187 ~~واحدة، هي دمشق (د. م. ش. ق). وما زال علماء اللغات ~~السامية مختلفين حول معنى الاسم وجذره السامي. # 7 # لم تكن دمشق مدينة مهمة خلال عصر البرونز الأخير ~~(1600-1200ق.م.)، وهو العصر الذي بدأ فيه اسم المدينة ~~بالظهور في الوثائق الكتابية. ورغم أن المدينة تنتمي إلى ~~إقليم يمتد في الجنوب السوري اسمه أوبي (أو أوبو)، إلا ~~أننا غير متأكدين من أن دمشق كانت عاصمة لهذا الإقليم، أو ~~أنها كانت المدينة الرئيسية فيه. وجل ما وصلنا من ~~معلومات عن إقليم أوبي وعن مدينة دمشق خلال عصر البرونز ~~الأخير قد جاء في سياق معلوماتنا عن العلاقات بين القوى ~~الكبرى الثلاث في ذلك الوقت، وهي مصر وميتاني وحاتي. فمع ~~مطلع عصر البرونز الأخير أخذت مملكة ميتاني الحورية ~~بالخروج من مناطقها الرئيسية في الشمال السوري والتوسع ~~باتجاه أواسط سوريا. وفي الوقت نفسه تقريبا ابتدأ فراعنة ~~الأسرة الثامنة عشرة في مصر حركة مد إمبريالي مستمر ~~باتجاه آسيا الغربية. وبعد ذلك أخذ الملوك الحثيون بالضغط ~~على ميتاني من الشمال حتى استطاعوا إزالتها أخيرا من ~~طريقهم كقوة عظمى، ووقفوا وجها لوجه أمام مصر. وبين هذه ~~القوى كانت مملكة قادش في سوريا الوسطى على نهر العاصي ~~(قرب حمص الحالية) هي القوة الكبرى في سوريا، وتسيطر على ~~الممالك الصغيرة جميعها في وسط وجنوب سوريا، ولكنها كانت ~~موالية لمملكة ميتاني، وتعمل من خلال استراتيجيتها ~~العسكرية والسياسية في المنطقة. وقد شنت مملكة قادش ~~حملة كبيرة ضد الفرعون تحوتمس الثالث حوالي عام 1450ق.م.، ~~يساعدها في ذلك عدد من جيوش الممالك الصغيرة في سوريا ~~وفلسطين، والتقت قواتها بالقوات المصرية عند مدينة مجدو ~~بفلسطين، في معركة حاسمة قررت نتيجتها مصير الوجود ~~المصري في آسيا. ويذكر سجل حملة تحوتمس الثالث عن قوات ~~التحالف السوري في مجدو أن الفرعون الذي قاد المعركة بنفسه ~~قد هزم ملك قادش وحلفاءه هزيمة منكرة. وفي نهاية هذا ~~النص الطويل والمفصل يرد ذكر أسماء الممالك والمدن ~~المقهورة، وبينها مدينة دمشق، التي تذكر بشكل عابر ودون ~~التوكيد على قوتها أو أهميتها. ويبدو أن ms188 إقليم أوبي قد بقي ~~منذ ذلك الوقت ضمن المناطق التقليدية للنفوذ المصري. # 8 # مع التقدم في عصر البرونز الأخير، وازدياد صراع القوى ~~العظمى على المناطق السورية، يكتسب إقليم أوبي أهمية ~~متزايدة نظرا لوقوعه على حدود التوتر الفاصلة بين مناطق ~~نفوذ تلك القوى. وقد بقي هذا الإقليم بمثابة الحد الشمالي ~~التقليدي للنفوذ المصري في آسيا الغربية، وصولا إلى عصر ~~العمارنة الذي حمل معه تغييرات أساسية في ميزان القوى، ~~وذلك بسبب تزايد المد الإمبريالي الحثي، وتوسع أباطرة حاتي ~~الجدد على حساب مملكة ميتاني. ومع اعتلاء الملك ~~شوبيلوليماس عرش حاتي قام بحملته السورية الأولى، واستولى ~~على أملاك ميتاني كلها في الشمال السوري، وجعل ملكها ~~توشراتا تابعا له. وبعد عودته المظفرة من واشوكاني ~~عاصمة ميتاني، استولى على المناطق الشمالية الغربية من ~~سوريا، ثم هبط فاستولى على مملكة قطنة في سوريا الوسطى ~~(شرقي حمص في موقع تل المشرفة)، ثم تابع جنوبا نحو أراضي ~~إقليم أوبي، الذي يدعوه الحثيون أبينا. ولكن ملك قادش ~~المجاورة لقطنة # 9 # اعترض طريقه في محاولة منه لعون ميتاني، ~~فهزمه ثم قبض عليه وأرسله أسيرا إلى حاتي، ووضع مكانه على ~~عرش قادش ابنه المدعو إيتوغاما، الذي حول ولاءه من ~~ميتاني إلى حاتي. بعد ذلك تابع مسيرته نحو أوبي فاستولى ~~عليها وهزم ملكها المدعو أريوانا. وعند هذه النقطة في ~~الجنوب السوري تنتهي حملة شوبيلوليماس ويقفل عائدا إلى ~~عاصمته في الأناضول، بعد أن فتح صفحة جديدة في التوازن ~~الدولي، حيث غابت ميتاني باعتبارها قوة عظمى، ووقفت حاتي ~~وجها لوجه أمام مصر. # 10 # ويبدو أن حملة حاتي على سوريا الوسطى والجنوبية لم تعزز ~~مواقعها تماما إلا في قادش، التي بقي ملكها المعين من ~~قبل الحثيين إيتوغاما يسعى جاهدا لرعاية مصالحهم في ~~المنطقة، ويتدخل في شئون الدويلات السورية والفلسطينية ~~إبان فترة الاضطرابات التي سادت المنطقة خلال حكم الفرعون ~~إخناتون. وفي مقابل ملك قادش الذي كان يرعى مصالح حاتي، ~~يتكرر في رسائل تل العمارنة ذكر شخصية عسكرية هامة ~~اسمها بيرياوازا، ولا نعرف على وجه التحديد منصب هذا ms189 ~~القائد العسكري؛ لأن الرسائل كانت تشير إليه بالاسم فقط ~~وكأنه أشهر من أن يعرف. ويبدو أنه كان المفوض المصري ~~الأعلى في المنطقة، رغم أنه من أصل آري لا من أصل مصري. # 11 # ويرتبط اسم بيرياوازا هذا بمدينة دمشق، إذ ~~نعرف من إحدى الرسائل المتبادلة بينه وبين الفرعون أنه قد ~~هرب من وجه أعدائه وانسحب إلى دمشق. ثم نعرف أنه قد انتقل ~~من دمشق إلى مدينة كاميدو في البقاع الجنوبي، ومن هناك ~~أرسل إلى الفرعون قائلا إنه متحصن الآن في مدينة الملك. ~~من هنا يعتقد بعض دارسي رسائل تل العمارنة بأن بيرياوازا ~~كان حاكما لمدينة دمشق، ويدعوه الباحث وليم فوكسويل ~~أولبرايت بأمير دمشق. لا ندري كيف عادت أوبي وقطنة إلى ~~الجانب المصري بعد حملة شوبيلوليماس، ولكن المؤكد أن دمشق ~~وقطنة كانتا مواليتين للفرعون إخناتون ومفوضه بيرياوازا ~~خلال الأحداث التي تغطيها تلك الرسائل. نقرأ في رسالة من ~~ملك قطنة إلى الفرعون قوله: «إن قطنة خاضعة تحت قدمي ~~مولاي مثل دمشق في بلاد أوبي ...» لكن إيتوغاما ملك قادش كان ~~دائم التآمر ضد الممالك الموالية لمصر، معتمدا بشكل رئيسي ~~على عازيرو ملك آمورو، الذي تعاون مع جماعات العابيرو ~~المرتزقة، وشكل حلفا من الدويلات المناهضة للنفوذ ~~المصري، فكانت قطنة وأوبي من جملة الدويلات التي عانت من ~~تعدياته، على ما نفهم من تقارير بيرياوازا إلى البلاط ~~المصري. غير أن أوبي لم تسقط على ما يبدو في يد التحالف ~~المعادي لمصر، لأننا نعرف من رسالة تعود إلى أواخر عصر ~~العمارنة أن ملك أوبي المدعو زلايا كان مواليا للفرعون، ~~لأن الفرعون يطلب إليه في تلك الرسالة أن يبعث بفريق من ~~جماعات العابيرو المرحلين من المنطقة لإسكانهم في ~~النوبة بمصر العليا. وقد وجدت الرسالة في كامد اللوز ~~بالبقاع الجنوبي، وهو موقع كاميدو القديمة. # 12 # بعد وفاة إخناتون استمر التوتر على المناطق الحدودية بين ~~القوتين العظميين، وخصوصا في مناطق أوبي والبقاع وقادش. ~~ففي السنوات الأخيرة من حكم توت عنخ آمون تخبرنا السجلات ~~الحثية عن حملة مصرية على قادش، وكان ملكها ms190 القديم ~~إيتوغاما ما زال على العرش. وقد رد شوبيلوليماس على ~~العدوان المصري بهجوم على منطقة البقاع، إلا أن كلا ~~الحملتين لم تسفر عن نتيجة حاسمة بالنسبة إلى الطرفين. ~~وبعد ذلك بمدة قصيرة توفي توت عنخ آمون في ريعان الصبا، ~~وسادت مصر فترة اضطرابات استغلها الحثيون بإرسال حملة ~~جديدة إلى المنطقة لم تكن حاسمة أيضا، وعاد الجنود إلى ~~الأناضول حاملين معهم وباء الطاعون الذي تفشى في المملكة ~~الحثية، ومات الملك شوبيلوليماس نفسه بالمرض، وخلفه ابنه ~~مورشيلي الثاني عام 1346ق.م. وقد عاصر مورشيلي الثاني ~~الفرعون حور محب، القائد العسكري الذي أنهى فترة ~~الاضطرابات، مما أعقب وفاة توت عنخ آمون واعتلى عرش مصر. ~~وقد عمل حور محب على دعم ثورة محلية في سوريا ضد حاتي، ~~تركزت في منطقة قطنة ومنطقة نوخاشي (بين حمص وحلب)، فأرسل ~~فرقا عسكرية مصرية لدعم المتمردين، ولكن مورشيلي قضى على ~~المتمردين وهزم الفرق المصرية المساندة لهم. # 13 # كان الفرعون حور محب آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ~~ومات دون أن يكون له وريث على العرش، فخلفه رمسيس ~~الأول، الذي أسس الأسرة التاسعة عشرة وحكم مدة سنتين فقط، ~~ثم مات وخلفه سيتي الأول، الذي حكم من 1302 إلى 1290ق.م. ~~وقد وطد سيتي الأول سيطرة مصر على مناطق نفوذها في ~~فلسطين وسوريا الجنوبية، وقام بحملة على قادش فأعادها إلى ~~النفوذ المصري، ثم انقلب نحو الساحل السوري فأخضع مملكة ~~آمورو، الصديق التقليدي للحثيين، وأخبار حروب سيتي الأول ~~موثقة في نصوص قصيرة منقوشة تحت عدد من المنحوتات ~~البارزة في معبد الكرنك، تصور مشاهد حروبه في سوريا، ~~التي تدعوها النصوص المصرية من تلك الفترة ببلاد ريتينو. ~~نقرأ في أحد هذه النصوص تحت مشهد يصور عودة الفرعون: ~~«عودة جلالته من ريتينو العليا بعد أن وسع حدود مصر.» ~~وتحت مشهد آخر نقرأ: «تقديم القرابين من الفرعون إلى أبيه ~~آمون رع، لدى عودته من بلاد حاتي بعد سحق المتمردين ~~وبلدانهم. وقد أتى معه بأمراء ريتينو الأوغاد ليضعهم في ~~معبد أبيه آمون رع.» وهناك مشهد يصور حصار مدينة قادش ms191 ~~كتب تحته: «صعود الفرعون لتدمير قادش وبلاد آمورو.» وقد ~~تم العثور في موقع مدينة قادش على حجر تذكاري للفرعون ~~سيتي الأول، الأمر الذي يؤكد صحة الروايات المصرية. # 14 # تابع رمسيس الثاني (1290-1224ق.م.) ما بدأه أبوه سيتي ~~الأول من حركة ضغط مستمرة على حاتي. وقد ترك لنا هذا ~~الفرعون عددا من النصب التذكارية لحملاته على بلاد ~~الشام، اكتشف واحد منها في موقع بيت شان بفلسطين، ~~وثلاثة على الساحل. وكان لا بد أخيرا من الصدام مع حاتي، ~~فالتقى رمسيس مع الجيش الحثي في قادش عام 1286ق.م. ورغم أن ~~المعركة لم تكن حاسمة، وأن الفرعون قد وقع في كمين كاد ~~يودي بحياته لولا أن تخلص منه بشجاعته الفردية، إلا أن ~~رمسيس الثاني قد خلد هذه المعركة في نص مفصل طويل. ~~وقد استمرت المناوشات بين الفريقين لمدة ستة عشرة عاما ~~تلت معركة قادش، وانتهت عام 1270ق.م. بتوقيع معاهدة سلام ~~بين مصر وحاتي، تعتبر من أشهر معاهدات العالم القديم. وقد ~~أطلقت المعاهدة يد الحثيين في مناطق بلاد الشام الوسطى ~~والشمالية ابتداء من قادش، واحتفظ المصريون بمنطقة أوبي ~~التي بقيت الحد الفاصل بين المملكتين. وقد تم اكتشاف ~~نسختين من المعاهدة؛ واحدة في حاتوسس عاصمة حاتي، والثانية ~~في طيبة عاصمة مصر. وقد أعقب المعاهدة زواج رمسيس الثاني ~~من ابنة الملك الحثي حاتوشيلي. وتشير مراسلات الطرفين ~~بخصوص ترتيبات موكب الأميرة الحثية إلى أن الموكب سيصل تحت ~~حراسة حثية حتى أراضي أوبي، ومن هناك تتعهده الحراسة ~~المصرية حتى الوصول إلى طيبة. # 15 # استمر حكم رمسيس الثاني حتى العقود الأخيرة من القرن ~~الثالث عشر. وفي عهد ابنه مرنفتاح لم يحصل تغيير يذكر في ~~موازين القوى الدولية. فقد كان مرنفتاح مشغولا بالتصدي ~~لليبيين الذين هاجموا الدلتا بمعونة شعوب البحر. وبعد ذلك ~~ظهرت في الأفق جحافل الفريق الآخر من شعوب البحر، الذي هبط ~~من آسيا الصغرى متخذا طريقه نحو مصر، فتصدى له رمسيس ~~الثالث وشتته. ومع هذه الأحداث الجسام، التي ختمت ثقافة ~~عصر البرونز الأخير وافتتحت عصر الحديد، تغيب أخبار أوبي ~~ودمشق ms192 لعدة قرون تالية. وعندما يظهر ذكر دمشق مجددا ~~نراها مدينة آرامية قوية. # وخلاصة القول بشأن مدينة دمشق في العصور السابقة للعهد ~~الآرامي أن المعلومات التاريخية حولها قليلة ومبعثرة، ~~ومصدرها الرئيسي سجلات القوى العظمى، التي تضاربت مصالحها ~~في منطقة بلاد الشام وتصادمت مع بعضها لفترة طويلة. وبما ~~أن ذكر إقليم أوبي لا يرد في هذه السجلات إلا في سياق ~~أحداث الصراع على مناطق النفوذ، فإن منطق الأمور يشير إلى ~~قلة شأن هذا الإقليم خلال عصر البرونز، وكونه مجرد منطقة ~~تنافس وتطاحن لا يعتد بقوتها الذاتية أو بتكوينها ~~المدني والسياسي، وفيما يتعلق بمدينة دمشق بشكل خاص، فإن ~~الأخبار المتفرقة عنها لا ترسم صورة عن أوضاعها الداخلية، ~~وبنيتها السياسية. فهي تظهر تارة كإمارة أو حتى مشيخة ~~بدون كيان سياسي واضح عندما يأتيها المفوض المصري ~~بيرياوازا ويقيم فيها دون ذكر لحاكمها أو ملكها، وتارة ~~تخبرنا النصوص عن ملوك يحكمونها، وتعلمنا عن ملكين ~~منهم، هما أريوانا الذي قبض عليه الملك الحثي، وزلايا الذي ~~خاطبه الفرعون في رسالته بخصوص ترحيل العابيرو إلى مصر. من ~~هنا، يمكن القول بأن دمشق في عصر البرونز لم تكن سوى بلدة ~~صغيرة تعيش على هامش الأحداث. غير أن هذه البلدة قد قيض ~~لها بعد ثلاثة قرون من عصر العمارنة أن تغدو القوة ~~الرئيسية الثانية بعد آشور في مناطق غربي الفرات تحت حكم ~~ملوك آرام. وهذا ما سنتابع قصته في الفصل التالي. # الفصل الرابع # | إمبراطورية دمشق والعلاقات الآرامية الفلسطينية # (1) دمشق وإسرائيل: حروب وتحالفات # بعد الخبر التوراتي عن وفاة الملك سليمان، تنتهي الفترة ما ~~قبل التاريخية في الرواية التوراتية، ويدخل الحدث التوراتي ~~فيما يشبه التاريخ. ولكي يلتقط القارئ خيط الأحداث الذي تركناه ~~في القسم الأول من هذا الكتاب، نعود للتذكير بسرعة بالأخبار ~~التي أوردها النص التوراتي في القسم الثاني من سفر الملوك ~~الأول، وذلك بين وفاة الملك سليمان وأول شخصية إسرائيلية موثقة ~~تاريخيا، وهي شخصية الملك عمري مؤسس مملكة إسرائيل، وباني ~~مدينة السامرة، وابنه آخاب من بعده. فلقد ملك يربعام على ~~إسرائيل وتبعته ms193 القبائل الإسرائيلية جميعها، أما رحبعام ابن ~~الملك سليمان فقد ملك على يهوذا ولم يتبعه سوى سبط بنيامين، ~~إضافة إلى يهوذا نفسها، ثم دخلت المملكتان في صراع دائم. ~~ولكي يكرس ملك إسرائيل استقلاله التام عن أورشليم كان لا بد ~~من تكريس الاستقلال الديني، فبنى للإسرائيليين معبدين؛ واحدا ~~في دان، والآخر في بيت إيل، أي في شمال منطقة إسرائيل وجنوبها، ~~ووضع في كل منهما صورة للعجل الذهبي رمز آلهة كنعان. وهذه ~~أسماء ملوك إسرائيل ويهوذا وسنوات حكمهم، وذلك بين وفاة سليمان ~~وقيام أسرة عمري التاريخية، إذا أخذنا العام 931ق.م. تاريخا ~~لوفاة سليمان، وأخذنا بعين الاعتبار فترات التداخل بين حكم ~~الأب وابنه، حيث جرت العادة في الرواية التوراتية أن يتنازل ~~الملك الأب عن قسم كبير لخليفته على العرش في زمن ~~شيخوخته. # ملوك ~~إسرائيل-السامرة # ملوك يهوذا # يربعام # 931-910ق.م. # رحبعام # 931-913ق.م. ~~- # أبيام # 913-911 ~~- # آسا # 911-869 # ناداب # 910-909 ~~- # بعشا # 909-886 ~~- # إيله # 886-885 ~~- # زمري # 885 # عمري # 885-874 # يهوشافاط # 872-848 # آخاب # 874-853 ~~- # في عهد آسا حفيد رحبعام، الذي ملك على يهوذا بعد أبيه أبيا ~~(أبيام) بن رحبعام، توفي يربعام الملك الأول لإسرائيل في ~~الرواية التوراتية، وملك محله ابنه ناداب الذي قتل بعد ~~سنتين فقط من حكمه، إثر انقلاب داخلي قاده بعشا، الذي أنهى ~~أسرة يربعام ونصب نفسه ملكا. ودخل بعشا ملك إسرائيل مع آسا ~~ملك يهوذا في حرب طويلة أنهكت الطرفين. وعندما شعر آسا بالضعف ~~أمام إسرائيل استنجد بملك دمشق، الذي يدعوه النص التوراتي هنا ~~«بنهدد بن طبريمون بن حزيون». وهذا هو ثاني ملك على دمشق يرد ~~ذكره في التوراة بعد رزون بن أليداع من عهد سليمان، الذي ~~استقل عن سيده هدد عزر ملك صوبة، وجاء دمشق فملك فيها. ويبدو ~~من نص رسالة آسا ملك يهوذا إلى بنهدد بن طبريمون ملك دمشق أن ~~دمشق كانت قد أعطت الأمان لكلا الدولتين بعدم الاعتداء عليهما. ~~نقرأ في سفر الملوك الأول (15: 18-19): «وأخذ آسا الفضة والذهب ~~الباقية في خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك جميعها، ودفعها ~~ليد عبيده وأرسلهم إلى بنهدد ms194 بن طبريمون بن حزيون، ملك آرام ~~الساكن في دمشق قائلا: إن بيني وبينك، وبين أبي وأبيك عهدا. ~~هو ذا قد أرسلت لك هدية من فضة وذهب، فتعال انقض عهدك مع ~~بعشا، فيصعد عني ...» وقد نقض ملك دمشق عهده مع إسرائيل على ما ~~يرويه سفر الملوك الأول، وهاجم أراضي الملك بعشا، وضرب المدن ~~والقرى الواقعة في المناطق الشمالية من إسرائيل جميعها، ثم قفل ~~راجعا إلى بلاده. # لا نعرف شيئا عن بنهدد بن طبريمون هذا خارج المصدر ~~التوراتي، والذي يفترض أنه قد حكم خلال العقد الأول من القرن ~~التاسع قبل الميلاد. وقد جهد المؤرخون - اعتمادا على هذا النص ~~من سفر الملوك الأول، والنص الأسبق الذي يذكر رزون بن أليداع ~~من عهد سليمان - في إعادة بناء هيكل الأسرة الحاكمة في دمشق، ~~من عهد سليمان إلى عهد آسا وبعشا. فقد رأى فريق من الباحثين ~~أن حزيون جد بنهدد المذكور في سفر الملوك الأول 15 هو نفسه ~~رزون بن أليداع المذكور في سفر الملوك الأول 11، وأن المصدر ~~الذي اعتمد عليه محرر الملوك الأول 15 قد حور الاسم رزون إلى ~~حزيون . وبذلك يكون ملوك الأسرة الدمشقية - التي حكمت من عهد ~~سليمان إلى عهد آسا في يهوذا وبعشا في إسرائيل - ثلاثة، هم ~~على التوالي: رزون (أو حزيون) وطبريمون وبنهدد، الذي يلقبه ~~المؤرخون ببنهدد الأول، تمييزا له عن اثنين آخرين من ملوك ~~دمشق حملوا الاسم نفسه. بينما يرى فريق آخر من الباحثين أن ~~رزون قد حكم دمشق في أوائل فترة حكم الملك سليمان معتمدين على ~~قول نص سفر الملوك الأول 11: «وكان رزون خصما لإسرائيل كل ~~أيام سليمان ...» من هنا، فإن الفترة الفاصلة بين بداية حكم ~~سليمان في أورشليم حوالي عام 970ق.م. واستيلاء بعشا على الحكم ~~في مملكة إسرائيل عام 909ق.م. تسمح في رأيهم بتتابع أربعة ~~ملوك على عرش دمشق، هم: رزون وحزيون وطبريمون وبنهدد الأول. # 1 # لقد أوضحنا في الفصول السابقة أن مملكة إسرائيل (السامرة) لم ~~تظهر إلى الوجود إلا في سياق النصف الأول من القرن التاسع قبل ms195 ~~الميلاد، بينما لم تتشكل مملكة يهوذا تحت قيادة أورشليم إلا في ~~سياق النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد. من هنا، فإن ~~الأحداث التي يرويها النصان نفسهما من سفر الملوك 11 و15 لا ~~تعدو أن تكون أخبارا غامضة متواترة عن حملات تأديبية كان ~~يقوم من خلالها ملوك دمشق بتأديب بعض الجماعات الرعوية أو ~~المستقرة، أو بعض أمراء أورشليم الصغار ممن كانوا يهددون أمن ~~القوافل التجارية. أما عن أسماء ملوك دمشق الواردة في النصين ~~المذكورين فلا يمكن الجزم بشأنها، رغم بقاء الاحتمالات مفتوحة ~~على صحة الأخبار المتواترة بشأنها. فمما لا شك فيه أن ~~الآراميين قد وطدوا سلطانهم في دمشق في سياق القرن العاشر ~~قبل الميلاد، وأنهم قد أسسوا سلالتهم الملكية الأولى فيها في ~~وقت ما من النصف الثاني للقرن العاشر قبل الميلاد. ولكن ~~المعلومات الموثقة تنقصنا من أجل توكيد أو نفي الرواية ~~التوراتية المتعلقة بأسماء هؤلاء الملوك. # لقد توافق صعود مملكة دمشق في القرن العاشر مع الأوضاع ~~الاقتصادية المؤاتية التي سادت المنطقة بعد انحسار موجة الجفاف ~~في مناطق شرقي المتوسط، فقد انتعشت الزراعة، وتوسعت من جديد ~~الزراعات المتوسطية التقليدية ، وزاد إنتاج سلع التبادل النقدي ~~على حساب زراعة الكفاف والاكتفاء الذاتي، فنشطت التجارة، وعادت ~~الحياة إلى الطرق التجارية المحلية والدولية، وازدهرت المحطات ~~التجارية التي كانت مهجورة لأكثر من ثلاثة قرون على طول هذه ~~الطرق. وقد ترافق هذا الانتعاش الشامل في بلاد الشام مع ضعف ~~مصر السياسي وانكفائها داخل حدودها التقليدية، الأمر الذي سمح ~~للدويلات السورية بحرية الحركة، وقامت الممالك الآرامية في كل ~~مكان تقريبا كمعادل وند للقوة الآشورية المتعاظمة. ورغم ~~أن آشور كانت تضغط باستمرار على الممالك الآرامية في حوض ~~الخابور والفرات، إلا أن حملاتها العسكرية خلال القرن العاشر ~~ومطلع القرن التاسع قبل الميلاد كانت ذات طابع استعراضي، ~~وتهدف إلى المكاسب الآنية وتحصيل الأتاوى، من دون اللجوء ~~إلى ضم الأراضي والحكم المباشر، وهذا ما أعطى الممالك الآرامية ~~مزيدا من الوقت لمتابعة بناء نفسها. أما في وسط وجنوب سوريا ~~فقد تأخر الضغط الآشوري ms196 على هذه المناطق مدة قرن ونصف عنه في ~~المناطق الشرقية والشمالية، وهذا ما ساعد، بشكل خاص، مملكة ~~دمشق على بناء قوة عسكرية واقتصادية كبيرة. # لقد تحكمت دمشق بطريقين تجاريين دوليين على جانب كبير من ~~الأهمية الحيوية؛ الطريق الأول هو الطريق الساحلي المعروف ~~تاريخيا بطريق البحر، ويصعد من مصر فغزة على طول الساحل ~~الفلسطيني، ثم ينعطف نحو الداخل عبر وادي يزرعيل. والثاني هو ~~الطريق الصحراوي الصاعد من جزيرة العرب التي كانت تتاجر مع ~~أفريقيا والهند، إلى شرقي الأردن فدمشق، والمعروف تاريخيا ~~بطريق الملوك. وهناك طريق ثالث أقل أهمية يصعد من النقب إلى ~~حبرون فأورشليم، ثم يقطع إسرائيل وصولا إلى دمشق. ومن دمشق، ~~التي كانت تلتقي عندها القوافل المتعددة المصدر، كان يصعد ~~طريقان دوليان للتجارة؛ واحدة باتجاه وادي الرافدين عبر تدمر ~~والبادية السورية، والثاني باتجاه الأناضول عبر حماة فحلب. من ~~هنا، فقد عملت دمشق بدأب على بسط نفوذها على الدويلات ~~والإمارات الصغيرة التي تمر بها خطوط التجارة هذه. ولكنها لم ~~تمارس على ما يبدو سياسة الحكم المباشر للأراضي الواقعة خارج ~~منطقتها التقليدية التي لم تكن واسعة جدا، بل اكتفت بعلاقات ~~تعاون وحسن جوار وأحلاف عسكرية كانت تلتئم حول دمشق كلما دعت ~~الحاجة، وتنحل فور انتهاء حاجة إليها، وذلك من خلال نظام ~~إقليمي فرضته على ممالك غربي الفرات جميعها. ولم تكن تتردد في ~~تأديب أية مملكة تخرج على القرار السياسي الدمشقي، كما سنوضح ~~ذلك بالتفصيل بعد قليل. # أما عن الحدود التقليدية لمملكة دمشق، فيبدو أنها كانت ~~متطابقة مع حدود إقليم أوبي في عصر البرونز الأخير؛ فإلى ~~الشمال جاورتها مملكة حماة التي ارتبطت معها بعلاقات متينة، ~~وإلى الجنوب توقف تخمها عند الحدود السفلى للجولان، وإلى الغرب ~~يرجح أنها قد حكمت البقاع بشكل مباشر. وفيما عدا ذلك، كانت ~~تبسط سيطرة غير مباشرة على الممالك الصغيرة الناشئة حديثا في ~~شرقي الأردن، مثل عمون وموآب وآدوم، وفي فلسطين كانت تبسط ~~سيطرة غير مباشرة أيضا على إسرائيل التي كانت في طور ~~التشكل وعلى إمارة أورشليم. وإضافة إلى ذلك، ms197 فإن دمشق كانت ~~تكسب أيضا ولاء القبائل العربية المتجولة في شمال الجزيرة ~~العربية والبادية السورية، وكانت هذه القبائل تقدم العون ~~الحربي لأحلاف دمشق العسكرية الموجهة ضد آشور. # وفيما يتعلق بإسرائيل، فقد قادت هذه الأوضاع الاقتصادية ~~الجديدة إلى تسريع إيقاع الاستيطان فيها، فزاد عدد السكان، ~~وزاد إنتاج محاصيل وصناعات التبادل النقدي، فصارت الزيوت ~~واللحوم والخمور والأخشاب تدفع للمتاجرة بها مع فينيقيا ودمشق ~~والبقاع على طرق التجارة التي استأنفت نشاطها. كما لجأ السكان ~~هنا إلى استصلاح المنحدرات الهضبية وتجهيز المصاطب من أجل ~~البستنة وزراعة الأشجار المثمرة. وأما عن مصادر سكان إسرائيل ~~الجدد، فقد ورد إلى الهضاب المركزية، كما أوضحنا سابقا، عدد ~~من الجماعات المختلفة المنشأ؛ فمنهم فريق من السكان ~~المقتلعين سابقا من المناطق الزراعية السهلية، وفريق من ~~الرعاة المحليين، وفريق من الرعاة القادمين من السهوب ~~المجاورة للهضاب المركزية إلى الشرق والجنوب، إضافة إلى ~~الشريحة الضئيلة الباقية في الهضاب منذ عصر البرونز الأخير. ~~ولا شك أيضا في أن الهضاب قد استوعبت بعض الجماعات المتبقية ~~من شعوب البحر التي ذابت في محيطها السوري الجنوبي. وقد أخذ ~~هؤلاء المستوطنون بالتقارب والتلاحم وتكوين إثنية خاصة بهم، ~~توضحت مع بدايات القرن التاسع قبل الميلاد. وفي هذا السياق ~~تم بناء مدينة السامرة كعاصمة لإقليم يتجه نحو المركزية ~~سعيا وراء تنظيم شئونه السياسية والاقتصادية التي دخلت طور ~~النضج. ذلك أن البنى السياسية والاقتصادية البدائية السائدة ~~لم تعد صالحة للتصرف بالأوضاع الجديدة، وتصريف المنتجات ~~المحلية صار بحاجة إلى إدارة مركزية قادرة على ربط شبكة ~~التجارة المحلية المتواضعة بشبكة التجارة الدولية. وهكذا، ومع ~~بناء مدينة السامرة وقيام الأسرة الملكية الأولى فيها، دخلت ~~إسرائيل لأول مرة عالم السياسة الدولية، ووجدت نفسها وجها ~~لوجه أمام مدينة صور الفينيقية؛ بوابة التجارة البحرية، وأمام ~~مملكة دمشق الآرامية؛ بوابة التجارة البرية نحو العالم ~~المتحضر في ذلك الوقت. # يروي سفر الملوك الأول أن الملك عمري قد حكم أولا في بلدة ~~ترصة، التي كانت عاصمته لمدة ست سنوات، ثم بنى عاصمة جديدة له ~~أسماها السامرة وانتقل إليها: «في ms198 السنة الحادية والثلاثين ~~لآسا ملك يهوذا، ملك عمري على إسرائيل اثنتي عشرة سنة. ~~ملك في ترصة ست سنين، واشترى جبل السامرة من شامر ~~بوزنتين من الفضة وبنى على الجبل، ودعا اسم المدينة التي ~~بناها باسم شامر صاحب جبل السامرة» (الملوك الأول، 23: 16-24). ~~وفي الحقيقة، فإن معلوماتنا التاريخية والأركيولوجية تؤيد ~~واقعة بناء السامرة على يد الملك عمري، كما تؤيد قيام مملكة ~~السامرة مع مطلع القرن التاسع قبل الميلاد. إن أسرة عمري ذات ~~أساس تاريخي لا لبس فيه، إلا أننا لا نملك أي أساس تاريخي ~~لعقد الصلة بين هذه الأسرة الملكية الأولى في إسرائيل وأولئك ~~الملوك المفترضين للمملكة الموحدة، أو التحدث عن إسرائيل ~~التاريخية هذه كفرع من تلك المملكة التي أثبتنا بالدليل ~~القاطع عدم قيامها. # لقد طابق علماء الآثار بين ترصة التوراتية وموقع تل الفرح ~~الذي يقع على بعد 10كم إلى الشمال الشرقي من شكيم (نابلس)، ~~ووجدوا أن هذا الموقع قد هجر تماما عقب بناء السامرة. أما ~~السامرة، فقد تم التعرف عليها في موقع تل يقع إلى الشمال ~~الغربي من شكيم، وتبين أنها بالفعل مدينة جديدة قامت على ~~التربة العذراء دون طبقات أركيولوجية سابقة عليها. ويشرف تلك ~~السامرة هذا على وادي يزرعيل (مرج ابن عامر)، ويتحكم بالطريق ~~الذي يقطع المناطق الهضبية، ويصل الطريق التجاري البحري ~~بالمناطق الداخلية. وبذلك يكون الملك عمري قد أمن لعاصمته ~~الجديدة الاتصال بثقافتين راقيتين مجاورتين؛ هما الثقافة ~~الفينيقية على الساحل والثقافة الآرامية في الداخل. وقد تابع ~~الملك آخاب بن عمري بناء المدينة بعد أبيه، وهو الذي أعطاها ~~اللمسات الأخيرة كإحدى آيات العمارة في فلسطين. وتظهر عمارة ~~قصور السامرة والأبنية العامة فيها تأثرا كبيرا بالعمارة ~~الفينيقية، حتى لتبدو وكأنها نتاج فينيقي صرف، الأمر الذي ~~يحدد البيئة الثقافية التي نشأت فيها مملكة السامرة، وروابطها ~~الحضارية مع العالم الآرامي-الفينيقي. ومن أهم ما كشفت عنه ~~التنقيبات في قصور السامرة مجموعة كبيرة من وحدات النحت ~~البارز العاجي الصغيرة، المخصصة أصلا لتزيين الجدران وقطع ~~الأثاث. بعض هذه المنحوتات وجد في الطبقة الآثارية التي شهدت ms199 ~~التدمير الآشوري عام 721ق.م. وبعضها يعود إلى عهد آخاب وعمري. ~~وتنتمي هذه القطع الفنية إلى المدرسة السورية في نحت العاج، ~~ووجد أشباه لها في موقع مدينة مجدو بفلسطين أيضا، وفي عدد ~~من المواقع الفينيقية، وفي موقع أرسلان طاش (حداتو الآرامية). ~~كما وجد عدد كبير منها في نمرود عاصمة صارغون الثاني فاتح ~~السامرة مخزونة في غرفة بالقصر الملكي، ويغلب الظن أن هذه ~~القطع قد جلبت من السامرة ومن عدد آخر من المدن السورية كجزء ~~من الأتاوى المفروضة على تلك المدن، أو في سياق النهب المنظم ~~الذي كانت تقوم به القوات الآشورية في المناطق المقهورة. # 2 # كما تظهر القصور والأبنية العامة، التي شيدت في ~~بقية مدن المملكة خلال عصر السامرة، مثل حاصور ومجدو ودان، ~~طابعا فنيا مماثلا لطابع أبنية السامرة. # 3 # ومن ناحية أخرى، فإن الانتماء الثقافي السامري إلى فينيقيا ~~يبدو واضحا من قصة زواج الملك آخاب بن عمري من ابنة الملك ~~الفينيقي أثبعل ملك الصيدونيين، على ما يرويه سفر الملوك الأول ~~(16: 29-31): «وملك آخاب بن عمري على إسرائيل في السامرة ~~اثنتين وعشرين سنة. وعمل آخاب بن عمري الشر في عيني الرب ~~أكثر من الذين قبله جميعهم ... حتى اتخذ إيزابيل ابنة أثبعل ملك ~~الصيدونيين امرأة، وسار وعبد البعل وسجد له. وأقام مذبحا ~~للبعل في بيت البعل الذي بناه في السامرة.» ولدينا قصة مشهورة ~~في الأدب التوراتي عن النبي إيليا وما جرى بينه وبين أنبياء ~~البعل الذين كانوا ينشطون تحت رعاية الملكة إيزابيل زوجة آخاب. ~~فقد كان إيليا يدعو وحده لعبادة يهوه في إسرائيل، بينما بلغ ~~عدد أنبياء البعل 450 نبيا، وأنبياء عشيرة 400 نبي، وهؤلاء ~~جميعا كانوا يأكلون ويشربون على مائدة الملكة. ولكي يثبت ~~إيليا تفوق يهوه على بعل، دعا جميع أنبياء البعل إلى مجابهة ~~علنية أمام الشعب ليظهر لهم من هو الإله الحق. فاجتمع ~~الفريقان على قمة جبل الكرمل، وكان على كل فريق أن يقرب ~~ثورا فوق الحطب ثم يدعو إلهه دون أن يشعل نارا، فالإله الحق ~~هو الذي يجيب بناره ms200 التي تشعل الحطب ويأخذ القربان إليه. دعا ~~أنبياء البعل أولا إلههم ورقصوا وأنشدوا من الصباح إلى الظهر، ~~ولكن إلههم لم يجبهم بشيء. وعندما جاء دور إيليا تقدم من ~~قربانه ودعا ربه، فسقطت من السماء على الفور نار أكلت المحرقة ~~والحطب والحجارة والتراب من حولها. «فلما رأى الشعب ذلك سقطوا ~~على وجوههم وقالوا: الرب هو الله، الرب هو الله. فقال لهم ~~إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل، فأمسكوهم فنزل ~~بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك» (الملوك الأول، 18: ~~19-40). # ومن الشواهد التاريخية على قيام أسرة عمري في إسرائيل لدينا ~~نص هام وجد منقوشا على حجر تذكاري أقامه ملك موآب في شرقي ~~الأردن المدعو ميشع، تخليدا لانتصاره على الإسرائيليين، وردهم ~~عن موآب بعد أن احتلوها فترة طويلة. والنص مكتوب بالقلم ~~الآرامي-الفينيقي، وباللهجة الموآبية القريبة جدا من ~~الكنعانية الفلسطينية التي تكلمت بها إسرائيل ويهوذا. وقد ~~اكتشف الحجر التذكاري بموقع ديبان الموآبية، وهو يحتوي على 34 ~~سطرا، معظمها في حالة سليمة. يقول النص في سطوره الأولى ما ~~ترجمته: «أنا ميشع ملك موآب الديباني. أبي ملك على موآب ~~ثلاثين سنة، وأنا ملكت بعد أبي، وبنيت هذا المرتفع (= مقام ~~ديني) للإله كموش؛ لأنه أعانني على الملوك كلهم، ولأنه نصرني ~~على أعدائي. أما عمري ملك إسرائيل، فإنه أذل موآب أياما ~~كثيرة لأن كموش كان غاضبا على أرضه (أي أرض موآب)، ثم خلفه ~~ابنه وقال: سأذل موآب أيضا في أيامي. ولكن كموش جعلني أراه ~~مهزوما أمامي، وباد إسرائيل، باد إلى الأبد. لقد احتل عمري ~~كل أرض مأدبا وأقام عليها كل أيامه وأيام ابنه أربعين سنة، ~~ولكن كموش أرجعها في أيامي.» # 4 # يلي ذلك تعداد للأعمال العمرانية والإصلاحات التي ~~قام بها الملك في بلاده. هذه الحرب الإسرائيلية الموآبية ~~مذكورة في سفر الملوك الثاني ولكن وفق سيناريو مختلف ~~تماما. نقرأ في الملوك الثاني (3: 4-6): «وكان ميشع صاحب ~~مواش، فأدى لملك إسرائيل مائة ألف خروف، ومائة ألف كبش ~~بصوفها. وعند موت آخاب عصى ملك موآب على إسرائيل. وخرج الملك ms201 ~~يهورام (ابن آخاب) في ذلك اليوم وعد كل إسرائيل، وذهب وأرسل ~~إلى يهوشافاط ملك يهوذا يقول: قد عصى علي ملك موآب. فهل تذهب ~~للحرب معي؟ فقال: أصعد، مثلي مثلك، شعبي كشعبك، وخيلي كخيلك.» ~~وفي طريقهم إلى موآب ينضم إليهم ملك آدوم، ويسير الملوك ~~الثلاثة لقتال ميشع، الذي ينهزم أمامهم ويتحصن داخل عاصمته. ~~وعندما يشتد عليه الحصار يذبح ابنه البكر قربانا على سور ~~المدينة، عند ذلك يشعر المحاصرون بالغيظ والغضب من هذه ~~الفعلة! ويفكون الحصار عن المدينة ويعودون إلى ~~ديارهم. # تختلف رواية الملوك الثاني عن رواية ميشع بعدد من النقاط. ~~ففي الرواية التوراتية تفرض الجزية على موآب في عهد آخاب لا ~~في عهد عمري، ويعصي ميشع على إسرائيل في عهد يهورام بن آخاب ~~لا في عهد آخاب، ويقوم ملك إسرائيل بمهاجمة ميشع بالتعاون مع ~~ملك يهوذا وملك آدوم لا منفردا، ويرتد المهاجمون الثلاثة عن ~~مدينة ميشع بدافع من حسهم الإنساني الراقي (كذا) لا بسبب ~~هزيمتهم على يد ميشع. ونلاحظ بشكل خاص عدم ذكر نقش ميشع ~~لمملكة يهوذا، وهذا أمر يتفق مع ما قدمناه سابقا من عدم وجود ~~مملكة اسمها يهوذا خلال القرن التاسع قبل الميلاد. وفي هذه ~~الاختلافات الشاسعة بين النصين وثيقة فريدة عن كيفية تصرف ~~المحرر التوراتي بالخبر التاريخي، وتوجيهه وفق المنظور ~~الأيديولوجي الموضوع مسبقا. # إن ما نستنتجه من نص ميشع - وهو نص تاريخي لا غبار عليه، ~~دون زمن الحادثة التي يخبرنا عنها - أن الملك عمري بعد ~~بنائه للسامرة كان مهتما بالسيطرة على الطرق التجارية ~~الدولية لتأمين اتصاله بالعالم الخارجي. لقد أمنت له ~~المصاهرة مع أقوى ملوك فينيقيا، وزواج ابنه آخاب من ابنة ملك ~~الصيدونيين؛ الوصول إلى الساحل السوري، وكان في الوقت نفسه ~~مسيرطا على شبكة التجارة المحلية، بما فيها الطريق الصاعد من ~~النقب عبر أورشليم. وبقي أمامه طريق الملوك الدولي الذي يعبر ~~شرقي الأردن باتجاه دمشق. وبما أن المشيخات القبلية في شرقي ~~الأردن قد أخذت بالتحول إلى ممالك صغيرة وقوية يعتد بها، ~~فإن إرضاءها الآن صار يتطلب أكثر من ms202 دفع القليل لها أو التلويح ~~بالعصا الغليظة، من هنا كان لا بد من التواجد العسكري الدائم ~~في تلك المناطق من أجل حماية طرق القوافل. وبما أن الملك ~~عمري، وابنه آخاب من بعده، كان تابعا اسميا لملك دمشق ~~ويدخل معه في معاهدة دفاع مشترك، كما سنرى بعد قليل، فإن من ~~المرجح أن تكون دمشق هي التي أطلقت يد أسرة عمري في شرقي ~~الأردن من أجل الحفاظ على المصالح الحيوية للطرفين، ولتخفيف ~~الأعباء عن دمشق، التي كانت تستعد في ذلك الوقت للمواجهة ~~العسكرية الكبرى مع آشور. # وكان على عرش دمشق في ذلك الوقت، أي أواسط القرن التاسع قبل ~~الميلاد، ملك كبير، وشخصية عسكرية وسياسية فذة، اسمه هدد ~~عدر، وهو أول ملك آرامي دمشقي موثق تاريخيا. ولي هدد ~~عدر عرش دمشق خلال الفترة التي ابتدأ فيها المد العسكري ~~الآشوري المنظم والمتواصل على مناطق غربي الفرات، بعد أن تم ~~إخضاع أو الحصول على ولاء الدويلات الآرامية على الفرات ~~والخابور. وقد افتتح الملك الآشوري شلمنصر الثالث ~~(858-824ق.م.) هذا العهد الجديد من الصراع الآشوري الآرامي، ~~والذي دام نحو قرنين من الزمان، بحملته المعروفة باسم حملة ~~قرقرة. فتصدى له هدد عدر ملك دمشق، وجمع تحت لوائه اثني عشر ~~ملكا من ملوك الدويلات السورية اتحدت في جيش واحد، وسار ~~للقاء شلمنصر الثالث عند قرقرة على نهر العاصي إلى الشمال من ~~مدينة حماة عام 854ق.م. ولدينا نص طويل ومفصل تركه ~~شلمنصر الثالث معروف باسم نص المسلة السوداء، يصف الحملة ~~ونتائجها من وجهة النظر الآشورية، وهذه ترجمته: ~~«... غادرت نينوى، فعبرت نهر دجلة، وتقدمت إلى مدن الملك غيامو ~~على نهر بليخ، فتملكهم الخوف من هيبتي ومن أسلحتي الفتاكة، ~~فقتلوا سيدهم غيامو بأسلحتهم (يلي ذلك تعداد لأصناف الإتاوة ~~التي أخذها من المدن المغلوبة). من سحلالا توجهت إلى كار ~~شلمنصر (= برسيب) وعبرت الفرات في ذروة فيضانه على أطواف من ~~جلد الماعز. وفي المدينة التي يدعونها أهل حطيئة بترو، على ~~الجهة الأخرى للفرات عند نهر الساجور، تلقيت الجزية من ملوك ~~الجهة الأخرى للفرات؛ من ms203 سنغارا ملك كركميش، ومن كوندا شبي ملك ~~كوماجين، ومن آرام ملك جوشي (تعداد لأصناف الأتاوى النقدية ~~والعينية المدفوعة). ثم غادرت الفرات نحو حلب التي خاف أهلها ~~وخروا عند قدمي. فتلقيت منهم فضة وذهبا جزية، وقدمت قربانا ~~إلى هدد إله حلب. من حلب توجهت إلى مدن إرخوليني ملك حماة، ~~فتحت مدينة أدينو وبرغا، ومقره الملكي في أرغانا، وأضرمت النار ~~في قصره. غادرت أرغانا وأتيت إلى قرقرة فدمرتها ~~وأحرقتها. # هب إلى ساح المعركة هدد عدر ملك إميريشو (= مملكة دمشق) # 5 # ومعه 1200 عربة، و1200 فارس، و20000 جندي. ~~وإرخوليني ملك حماة ومعه 700 عربة، و700 فارس، و10000 جندي. ~~وآخاب الإسرائيلي ومعه 2000 عربة، و10000 جندي. ومن موصري جاء ~~10000 جندي. ومن قوية جاء 500 جندي. ومن عرقاتا 100 عربة، ~~و10000 جندي. وجاء ماتينو بعل من أرواد ومعه 200 جندي. وأمير ~~أشتانو ومعه 200 جندي. وأدنو بعل من سيانو ومعه 30 عربة، و1000 ~~جندي. وجنديبو العربي ومعه 1000 جمل. وبعشا أمير رحوبي ومعه ... ~~ومن عمون ... فكانوا اثني عشر ملكا هبوا في وجهي للمعركة ~~الحاسمة، فحاربتهم بما وهبني الإله آشور من قوة، وبما وهبني ~~الإله نرجال من سلاح فتاك، وهزمتهم بين مدينة قرقرة ومدينة ~~جيلزو، وملأت نهر العاصي بجثثهم ...» # 6 # معركة قرقرة. # نلاحظ من دراسة التنظيم القتالي للحلفاء أن مملكة دمشق قد ~~قدمت القوة الضاربة الرئيسية، تليها مملكة السامرة فمملكة ~~حماة. ويبدو أن توزيع القوات المقدمة من قبل الحلفاء كان ~~مدروسا ومخططا بعناية، وبما يتلاءم والإمكانات المادية لكل ~~دولة. فبينما تفوق هدد عدر على آخاب بالعدد الهائل من ~~الفرسان والمشاة الذين قدمهم، فإن آخاب قد تفوق على الجميع ~~بعدد المركبات العسكرية التي بلغت الألفي مركبة. كما يمكن أن ~~نلاحظ من الخارطة، التي رسمتها للمعركة على الصفحة التالية، أن ~~الدويلات الحليفة لدمشق تتوضع على خط التجارة الدولي الصاعد من ~~الجزيرة العربية عبر شرقي الأردن نحو الأناضول. وأن بعضها، مثل ~~أرواد وعرقاتا وسيانو (في منطقة جبلة) كانت تتحكم بالتجارة ~~البحرية ومسالكها البرية نحو الداخل. وأغلب الظن أن ms204 ميناء ~~أرواد كان الثغر الرئيسي الذي تعتمد عليه دمشق في تجارتها ~~البحرية، نظرا لاستقلال بقية المدن الفينيقية على الساحل ~~اللبناني في سياستها الخارجية، وعدم تنسيقها مع مملكة دمشق. ~~ويبدو هذا الاستقلال واضحا في عدم مشاركة هذه المدن في معركة ~~قرقرة، أو في المعارك التالية التي خاضها الحلف الدمشقي ضد ~~آشور، ولا حتى بطريقة رمزية كما فعل ملك أرواد، الذي واكب ~~الحلفاء شخصيا ولكن بمائتي جندي فقط. # أما عن نتيجة معركة قرقرة، فرغم ادعاء الملك الآشوري ~~الانتصار التام على الحلفاء، إلا أن مسار الأحداث اللاحق، الذي ~~سنتابعه بعد قليل، يظهر أن المعركة انتهت إلى إحدى نتيجتين؛ ~~فإما تراجع أحد الفريقين دون التوصل إلى حسم كامل، وإما ~~هزيمة الآشوريين وعودتهم إلى بلادهم من أجل التحضير لحملة ~~جديدة. ذلك أن جميع ملوك التحالف الدمشقي قد عادوا إلى ~~عواصمهم، وكان على شلمنصر الثالث أن يعود لمواجهة التحالف ~~نفسه في حملاته المؤرخة في أعوام 849 و848 و846 و845ق.م. ~~إضافة إلى أن نص المسلة السوداء لم يذكر شيئا عن قتل أو ~~أسر أي ملك من ملوك التحالف، ولم ينته بالصيغة المعروفة في ~~السجلات الحربية الآشورية، التي تقول: «وجعلتهم يركعون تحت ~~قدمي ويقدمون لي الجزية.» ولقد كان على آشور أن تنفق قرنا آخر ~~ونيفا قبل أن تكون قادرة على تحصيل الجزية من ملوك التحالف ~~واحدا إثر آخر. # بعد خمس سنوات من معركة قرقرة يتوجه شلمنصر الثالث مجددا ~~إلى مناطق غربي الفرات عام 849ق.م. فيسكت التمرد القائم في ~~كركميش وبيت جوشي عند الفرات، ثم يتوجه إلى وسط وجنوب سوريا، ~~حيث يكون بانتظاره هدد عدر ملك دمشق على رأس المتحالفين ~~السابقين، ولكن من دون إسرائيل، التي آثرت الوقوف على الحياد ~~بعد وفاة الملك آخاب وصعود ابنه يورام على العرش. ويرد خبر هذه ~~الحملة في أحد تلك النصوص المختصرة التي تلخص أخبار الحملات ~~نقلا عن النصوص المنفردة الأطول. ولسوء الحظ، فإن النصوص ~~المفصلة عن هذه الحملة الآشورية الثانية والحملات التي تلتها ~~ضد مملكة دمشق قد ضاعت. يقول نص شلمنصر عن ms205 حملة عام 849ق.م. ~~بعد وصف سريع لمسار الحملة ما يأتي: «عندها، هدد عدر ملك ~~إميريشو، وإرخويني ملك حماة، والملوك الاثنا عشر، وضعوا ثقتهم ~~بقواتهم المشتركة وشنوا الحرب ضدي، فقاتلتهم وانتصرت عليهم، ~~وغنمت عرباتهم وخيول فرسانهم وعددهم الحربية، فهربوا من وجهي ~~طالبين سلامة أرواحهم.» # 7 # وفي هذه المرة أيضا لا يتابع شلمنصر تقدمه نحو ~~حماة أو دمشق أو أية عاصمة من عواصم دول التحالف، الأمر الذي ~~يدل مجددا إما على هزيمته على يد هدد عدر، أو تراجعه دون ~~التوصل إلى الحسم الكامل. هذا، ونستدل من النصوص المختصرة ~~لبقية المعارك اللاحقة بين الطرفين في الأعوام 848 و846 ~~و845ق.م. على عدم مقدرة الآشوريين تحقيق أي تقدم يذكر في ~~مناطق غربي الفرات خلال حياة هدد عدر، الذي توفي بعد الحملة ~~الآشورية الأخيرة في مدينته إثر مرض عضال. # رغم السلطة الواسعة التي تمتعت بها مملكة دمشق على مناطق ~~غربي الفرات منذ أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، ورغم بنائها ~~لقوة عسكرية جبارة وقيادتها للتحالف في كل معركة مع آشور، ~~وتقديمها القسم الأكبر من القوات والمعدات اللازمة للمعركة، ~~إلا أن دمشق لم تشكل إمبراطورية سورية بالمفهوم الرافدي أو ~~المصري، ولم تكن راغبة في تشكيل مثل هذه الإمبراطورية. إن ما ~~صنعته دمشق كان إمبراطورية اسمية غير معلنة، أو فلنقل ~~نظاما إقليميا سياسيا خاصا، يتفق مع المفهوم السوري ~~للسلطة والحكم، ومع نظام دولة المدينة الذي كان سائدا في بلاد ~~الشام منذ عصورها المغرقة في القدم، والذي لم يتحول في ~~يوم من الأيام إلى إمبراطورية كبرى. فلقد رأى السوريون في ~~دولة المدينة النظام السياسي الأمثل، الذي يطلق الإمكانات ~~المبدعة للأفراد والجماعات، ويحافظ على مشاركة أكثر فعالية ~~بين السلطة والشعب، بالغا ما بلغ من استئثار بعض الملوك ~~بالسلطان وانفرادهم باتخاذ القرار، لأن السلطة في دولة المدينة ~~تبقى قريبة من الناس، قادرة على التفاعل المباشر معهم، بعكس ~~السلطة الإمبراطورية التي تفصلها عن الناس أسوار العاصمة ~~وأسوار القصور الملكية وأسوار الهرمية البيروقراطية. ولقد ~~قلد الأغارقة السوريين في نظامهم السياسي الذي اقتبسوه عن ~~فينيقيا، ms206 وحافظوا على نظام دولة المدينة وتعبدوا له، فأعطوا ~~من خلاله كل إنجازاتهم الثقافية. # قبل أن نغادر عصر هدد عدر، الذي أسس لنظام إقليمي سوري ~~استمر قرابة قرن من الزمان، لا بد من التوقف عند الموضع ~~المقابل في الرواية التوراتية، والتفتيش في أخبار الملك آخاب ~~بن عمري عن أثر هذه الأحداث الجسام التي كانت تجري على الساحة ~~السورية. # مساحة مملكة دمشق في عصر ~~هدد عدر. # إن الرواية التوراتية في سفر الملوك الأول بين الإصحاح 16 ~~والإصحاح 22، وهي الإصحاحات التي تتحدث عن حياة وأعمال الملك ~~آخاب، تتجاهل تجاهلا تاما الحروب الآشورية السورية، ولا يرد ~~فيها ذكر الملك شلمنصر الثالث أو ذكر هدد عدر ملك دمشق، ~~وبالتالي فإنها لا تورد شيئا عن دخول آخاب في حلف دمشق ولا عن ~~مساهمته في معركة قرقرة. وتفاجئنا الرواية التوراتية هنا بأن ~~ملك دمشق الذي عاصر آخاب ليس هدد عدر، بل ملك آخر اسمه بنهدد، ~~الذي يرد اسمه مجردا دون نسب. من هنا فقد تعود المؤرخون ~~التقليديون على دعوة هذا الملك ببنهدد الثاني تمييزا له عن ~~بنهدد بن طبريمون بن حزيون، الذي هاجم بعشا ملك إسرائيل ~~بتحريض من آسا ملك يهوذا، مما رأيناه في الإصحاح 15 من سفر ~~الملوك الأول سابقا وتحدثنا عنه. وفي مقابل الحروب الآشورية ~~السورية وتحالف إسرائيل مع دمشق، فإن الرواية التوراتية تقص ~~عن حروب طاحنة بين بنهدد ملك دمشق وآخاب ملك إسرائيل. نقرأ في ~~الملوك 20 ما يأتي: ~~«وجمع بنهدد ملك آرام كل جيشه، واثنين وثلاثين ملكا معه، ~~وخيلا ومركبات، وصعد وحاصر السامرة وحاربها. وأرسل رسلا إلى ~~آخاب ملك إسرائيل وقال: هكذا يقول بنهدد: لي فضتك وذهبك ولي ~~نساؤك الحسان. فأجاب ملك إسرائيل وقال: حسب قولك يا سيدي ~~الملك، أنا وجميع مالي لك. فرجع الرسل (ثانية إلى ملك ~~إسرائيل) وقالوا له: هكذا تكلم بنهدد قائلا: إني قد أرسلت ~~إليك قائلا إن فضتك وذهبك ونساءك وبنيك تعطيني إياهم، فإني في ~~نحو هذا الوقت غدا أرسل عبيدي إليك فيفتشون بيتك وبيوت عبيدك، ~~وكل ما هو ms207 شهي في عينيك يضعونه في أيديهم ويأخذونه. فدعا ملك ~~إسرائيل شيوخ الأرض جميعهم وقال: اعلموا وانظروا. إن هذا يطلب ~~الشر، لأنه أرسل إلي يطلب نسائي وبني وفضتي وذهبي، ولم ~~أمنعها عنه. فقال له الشيوخ كلهم والشعب كله: لا تسمع له ولا ~~تقبل ...» فاصطف الآراميون على المدينة في اليوم التالي وشددوا ~~الحصار، وإذا بنبي يتقدم إلى ملك إسرائيل ويخبره بأن الرب ~~سيدفع آرام إلى يده لكي يعرف أنه هو الإله الحق. فخرج ملك ~~إسرائيل بجنوده جميعا، وعددهم سبعة آلاف، وفاجأ ملك آرام الذي ~~كان يشرب ويسكر في الخيام هو والملوك الاثنان والثلاثون الذين ~~معه. ولما جاءه خبر ظهور الإسرائيليين قال باستخفاف واضح: «إن ~~كانوا خرجوا للسلام فأمسكوهم أحياء، وإن كانوا قد خرجوا للقتال ~~فأمسكوهم أحياء.» ولكن ضربة ملك إسرائيل كانت عظيمة ومفاجئة، ~~فهرب ملك آرام ومن معه، وعاد إلى بلده (الملوك الأول، 20: ~~1-21). # وبعد مرور عام كامل رجع ملك آرام إلى إسرائيل ومعه جيوش ~~الملوك التابعين له، التي عين عليها قوادا من عنده لإحلال ~~مزيد من التنسيق القتالي تحت قيادة واحدة، واختار لأرض ~~المعركة أرضا سهلية لا هضبية، ليستطيع استخدام مركباته ~~الحربية بكفاءة أكثر، لأن هذه المركبات كانت عديمة الفائدة في ~~المعركة الأولى التي خاضها في المناطق الهضبية حول السامرة. ~~نقرأ في بقية الملوك الأول 20 ما يأتي: «وعند تمام السنة، عد ~~بنهدد الآراميين وصعد إلى أفيق ليحارب إسرائيل. وأحصي بنو ~~إسرائيل وتزودوا وساروا للقائهم، فنزل بنو إسرائيل مقابلهم ~~نظير قطيعين من المعزى، وأما الآراميون فملئوا الأرض. فتقدم ~~رجل الله وكلم ملك إسرائيل وقال: هكذا قال الرب: من أجل أن ~~الآراميين قالوا: إن الرب هو إله جبال وليس إله أودية، أدفع ~~هذا الجمهور العظيم ليدك فتعلمون أني أنا الرب. فنزل هؤلاء ~~مقابل أولئك سبعة أيام، وفي اليوم السابع اشتبكت الحرب، فضرب ~~بنو إسرائيل من الآراميين مائة ألف راجل في يوم واحد، وهرب ~~الباقون إلى أفيق إلى المدينة، وسقط السور على السبعة والعشرين ~~ألفا الباقين، وهرب بنهدد ودخل المدينة من مخدع إلى ms208 مخدع.» ~~ولما جد أتباع ملك إسرائيل في البحث عنه أرسل أتباعه ~~لاستعطاف ملك إسرائيل وطلب العفو منه، فأعطاه ملك إسرائيل ~~الأمان فخرج إليه، فأصعده ملك إسرائيل إلى مركبته وأكرمه. وكان ~~بين الملكين عهد يرد بموجبه ملك دمشق المدن التي كان أبوه ~~قد أخذها من أبي ملك إسرائيل، ويفتح أمام تجار السامرة أسواق ~~دمشق، كما فتح الملك السابق لإسرائيل أسواق السامرة أمام تجار ~~دمشق. وانطلق بنهدد راجعا إلى بلده بعد قطع هذا العهد. ولكن ~~الرب غضب على ملك إسرائيل لإطلاقه عدوه، وأرسل إليه نبيا قال ~~له: «هكذا قال الرب: لأنك أفلت من يدك رجلا قد حرمته، ~~تكون نفسك بدل نفسه، وشعبك بدل شعبه. فمضى ملك إسرائيل إلى ~~بيته مكتئبا مغموما، وجاء إلى السامرة» (الملوك الأول، 20: ~~26-43). # وأقام آرام وإسرائيل ثلاث سنين بدون حرب، حافظ خلالها ملك ~~دمشق على العهد الذي قطعه لملك إسرائيل. ولكن ملك إسرائيل بعد ~~وفاقه مع ملك يهوذا المدعو يهوشافاط، هو الذي فكر بأن ينكث ~~بعهده مع دمشق. فبينما كان ملك يهوذا في زيارة ودية لملك ~~إسرائيل، قال الملك لعبيده: «أتعلمون أن راموت جلعاد لنا ونحن ~~ساكتون عن أخذها من يد ملك آرام؟ وقال ليهوشافاط: أتذهب معي ~~للحرب إلى راموت جلعاد؟ فقال يهوشافاط لملك إسرائيل: مثلي ~~مثلك، وشعبي كشعبك، وخيلي كخيلك ...» فجمع ملك إسرائيل كل ~~الأنبياء، نحو أربعمائة رجل، واستشارهم أيذهب للقتال أم لا. ~~ولكن الرب ضلل هؤلاء الأنبياء ووضع على أفواههم مشورة كاذبة، ~~فقالوا للملك أن يذهب للقتال لأن الرب سيقف إلى جانبه، وأنه ~~سيدفع إليه براموت جلعاد: «فصعد ملك إسرائيل ويهوشافاط ملك ~~يهوذا إلى راموت جلعاد. فقال ملك إسرائيل ليهوشافاط: إني أتنكر ~~وأدخل الحرب، وأما أنت فالبس ثيابك. فتنكر ملك إسرائيل ودخل ~~الحرب. وأمر ملك آرام رؤساء المركبات التي له، الاثنين ~~والثلاثين، وقال: لا تحاربوا كبيرا ولا صغيرا إلا ملك ~~إسرائيل وحده. فلما رأى رؤساء المركبات يهوشافاط قالوا: إنه ~~ملك إسرائيل، فمالوا عليه ليقاتلوه، فصرخ يهوشافاط. فلما رأى ~~رؤساء المركبات أنه ليس ملك إسرائيل رجعوا عنه. ms209 وإن رجلا نزع ~~في قوسه غير متعمد وضرب ملك إسرائيل بين أوصال الدرع، فقال ~~لمدير مركبته: أخرجني من الجيش لأني قد جرحت. واشتد القتال في ~~ذلك اليوم، وأوقف الملك في مركبته أمام راموت جلعاد، ومات عند ~~المساء، وجرى دم الجرح إلى حضن المركبة. وعبرت الرنة في ~~الجند (أي جماعة المنادين) عند غروب الشمس قائلا: كل رجل إلى ~~مدينته، وكل رجل إلى أرضه، فمات الملك وأدخل السامرة ...» ~~(الملوك الأول، 22: 1-37). # والآن، ما هي علاقة هذه الصورة، التي تقدمها لنا الرواية ~~التوراتية عن العلاقات بين دمشق والسامرة، بالصورة التاريخية ~~التي قدمتها لنا النصوص الآشورية المعاصرة للأحداث؟ # إضافة إلى ما لاحظناه سابقا من تجاهل الأحداث الجارية على ~~الساحة السورية، خارج العلاقات الثنائية بين دمشق وإسرائيل، ~~وعدم الإشارة إلى ملك دمشق بالاسم هدد عدر، بل بالاسم بنهدد، ~~فإن الرواية التوراتية ترسم للملك آخاب صورة مختلفة تماما عن ~~صورته التاريخية. ففي رواية سفر الملوك الأول 20 نجد آخاب ~~ملكا مستضعفا قليل الحيلة والعدة والجند والمركبات ~~القتالية، على عكس ما رأيناه في النص الآشوري عندما قدم إلى ~~حلف قرقرة ثاني قوة ضاربة بعد دمشق. وهو بعد أن يعلن خضوعه ~~لملك آرام يعود فيقوى عليه بمعونة الرب، الذي أراد أن يظهر له ~~ولأهل إسرائيل أنه الإله الحق، ويتغلب آخاب على بنهدد مرتين، ~~ولكنه يخسر المعركة الثالثة ويخسر حياته أيضا؛ لأن الرب قد ~~غضب عليه لإطلاقه بنهدد في الوقت الذي توجب عليه فيه قتله. أما ~~عن ملك آرام، فإنه رغم ظهوره في النص التوراتي رئيسا لتحالف ~~الملوك السوريين الذين يرتفع عددهم هنا إلى اثنين وثلاثين، يقف ~~عاجزا أمام الفئة القليلة الإسرائيلية، ولا يستطيع التغلب على ~~ملك إسرائيل إلا بعد خذلان الرب له والتخلي عنه. فأي الصورتين ~~هي الأقرب للحقيقة التاريخية؟ لماذا لم يظهر الجانب القوي في ~~سيرة آخاب التوراتية، وهو الذي تظهر لنا آثار مدينة السامرة ~~وآثار مدنه الأخرى مدى قوته وغناه واتساع نفوذه؟ لماذا غيرت ~~الرواية التوراتية اسم ملك دمشق، وما علاقة هدد عدر النصوص ~~الآشورية ببنهدد ms210 النص التوراتي؟ لماذا لم تذكر الرواية ~~التوراتية شيئا عن حلف قرقرة ومشاركة آخاب في هذا ~~الحلف؟ # لقد لاحظ المؤرخون منذ وقت مبكر اختلاف الروايتين الآشورية ~~والتوراتية فيما يتعلق بملك دمشق وملك إسرائيل، وطبيعة ~~العلاقات بين المملكتين خلال عصر هدد عدر وآخاب. وقد قدم بعض ~~المؤرخين حلا لهذا التناقض بأن وضعوا حروب دمشق وإسرائيل في ~~مطلع عهد آخاب لا قبل وفاته، وهذا ما يترك حوالي عشرين سنة ~~تقريبا بين صورة آخاب الملك الضعيف في بداية حكمه، وصورته ~~كملك قوي وحليف لدمشق في أواخر فترة حكمه ~~(Kraeling, 1910 - Morgentren, ~~1940) ~~. ولكن هذا الحل، على ضعفه، لا يحل مسألة ~~اسم ملك دمشق، الذي حوله النص التوراتي من هدد عدر إلى ~~بنهدد. وفي المقابل، فإن البعض الآخر من المؤرخين يرى أن مشكلة ~~التناقض مبالغ فيها، وأنه من الممكن لأحداث الحروب المذكورة ~~في الإصحاحين 20 و22 من سفر الملوك الأول أن تكون قد جرت في ~~نهاية حكم آخاب ~~(Unger, 1957) ~~. ~~وهناك فريق ثالث أخذ يرى أن روايات الملوك الأول 20 و22 لم ~~تكتب أصلا عن الملك آخاب، وأنها تنتمي إلى سيرة أحد ورثة ~~الملك ياهو، الذي أزاج أسرة عمري عن الحكم، وأسس لأسرة ~~حاكمة جديدة في السامرة، وقعت بعد موته تحت سيطرة ملك دمشق ~~حزائيل، الذي خلف هدد عدر ~~(Miller, 1964 - ~~Jespen, 1940 - Whitley, 1952) ~~. ومما يدعم ~~وجهة نظر هؤلاء أن اسم آخاب في أخبار المعارك الثلاث لم يرد ~~إلا مرات قليلة، بينما استعيض عنه بلقب «ملك إسرائيل» في ~~معظم المواضع ، ومن دون ذكر الاسم. ففي الإصحاح 20 ورد اسم ~~آخاب في ثلاثة مواضع فقط، أما في المواضع العشرة الباقية فقد ~~اكتفى المحرر باستعمال صيغة «ملك إسرائيل» دون ذكر الاسم. وفي ~~الإصحاح 22 يرد اسم آخاب مرة واحدة فقط، وفي ستة مواضع ~~أخرى يستعمل المحرر تعبير «الملك»، وفي خمسة عشر موضعا يستعمل ~~صيغة «ملك إسرائيل». # 8 # ونحن إذ نقف إلى جانب أصحاب الرأي الأخير فإننا نضيف إليه ما ~~يلي: إن الأخبار التي ساقها المحرر التوراتي في الإصحاحين 20 ms211 ~~و22 من سفر الملوك الأول، كانت تدور حول ملك مجهول الاسم ~~لإسرائيل، وقد تم حشر اسم آخاب حشرا في هذه الأخبار ثم نسبت ~~إليه. والسبب في ذلك عدم وجود أخبار موثقة بين يدي المحرر عن ~~تلك الفترة الحافلة من أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، وعن ~~تاريخ العلاقات الآشورية السورية، والآرامية الفلسطينية، خلال ~~عصر آخاب. ولا أدل على ذلك من جهلهم بوجود الملك الكبير هدد ~~عدر المعاصر لآخاب، وبحروبه الخمسة ضد آشور، وبالنظام السياسي ~~الإقليمي الذي فرضه وشمل إسرائيل من جملة ما شمل من الدويلات ~~الآرامية والكنعانية. ويبدو أن محرري التوراة قد وصلهم علم ~~ملك كبير في المنطقة اسمه هدد عدر، ولكنهم لم يستطيعوا وضعه ~~في الإطار التاريخي والجغرافي الصحيح، فجعلوه ملكا على صوبة ~~في عصر الملك داود، وصنعوا منه خصما لداود تحت اسم هدد عزر. ~~وبذلك نستطيع أن نفهم الأساس التاريخي لدعوى امتداد سلطة ملك ~~صوبة إلى الفرات، والتي تستند أساسا إلى الأخبار اللاحقة عن ~~سلطة هدد عدر ملك دمشق. ولما بقي عرش دمشق شاغرا (بالنسبة ~~إليهم) في عهد الملك آخاب، جعلوا عليه ملكا اسمه بنهدد، ~~واستلهموا بعض الأخبار اللاحقة عن بنهدد بن حزائيل ملك دمشق ~~فيما بعد، وصاغوا منها قصصا ملأت تلك الفترة المجهولة لديهم ~~تماما. وهذا التحليل الذي أقدمه هنا يخرج البحث في هذه ~~المسألة من الحلقة المفرغة التي دار بها حتى الآن، ويضعه على ~~أرضية منطقية لا غبار عليها. # ويمكن أن نضيف إلى ما قدمناه أعلاه أن محرري التوراة، إلى ~~جانب جهلهم بالأحداث الجارية من حول إسرائيل، وفي داخلها، في ~~عهد آخاب، فإن اهتمامهم الرئيسي في النصف الثاني من سفر الملوك ~~الأول الذي يتضمن أخبار أسرة عمري كان منصبا على أخبار ~~النبي إيليا والنبي أليشع من بعده، وتبشيرهما في مملكة السامرة ~~والعجائب التي صنعاها. أي إن المحور الرئيسي للرواية هنا كان ~~يدور حول فترة من التاريخ الديني بالدرجة الأولى، أما الخبر ~~التاريخي فكان ثانويا ويأتي في سياق أخبار هذا النبي أو ذاك ~~كعنصر مساعد في القصة الدينية ms212 التي تجري في جو ميثولوجي ~~صرف؛ فالنبي إيليا يعتزل عند نهر كريت حيث كانت الغربان تعوله ~~وتأتي إليه بالطعام. وبعد أن جف النهر ذهب إلى بلدة صرفة وأقام ~~في بيت امرأة أرملة، وطيلة مدة إقامته عندها لم يفرغ من بيتها ~~الدقيق والزيت حتى انتهت أيام الجفاف في الأرض، وعندما مات ~~ابن الأرملة صلى إيليا فعادت الحياة إلى الصبي. وعندما أرسل ~~الملك وراءه ضابطا وخمسين رجلا للقبض عليه أتت نار من ~~السماء والتهمتهم جميعا. وعندما أراد عبور الأردن مع النبي ~~أليشع ضرب الماء بردائه فانشق الماء ومشى النبيان على اليابسة. ~~ثم جاءت بعد ذلك مركبة نارية من السماء فحملت إيليا إلى ~~السماء وترك رداءه خلفه لأليشع ... إلخ. وفي خضم هذا الجو ~~الميثولوجي فإن أي خبر عن ملك يمكن أن يعزى لملك آخر في ~~سياق القص الأسطوري الذي يجعل التاريخ آخر هم من ~~همومه. # وخلاصة الأمر، فإن الملك آخاب قد توفي عام 853ق.م. أي بعد ~~عام واحد من معركة قرقرة التي كان فيها شريكا لدمشق، ومن غير ~~المحتمل على الإطلاق أن تكون المملكتان قد دخلتا في حرب ضروس ~~بينهما بعد قرقرة مباشرة، ولا يوجد في الواقع أي مبرر لهذه ~~الحرب، لأن حلف دمشق قد بقي قائما بين المتحالفين أنفسهم حتى ~~وفاة هدد عدر بعد عشر سنوات تقريبا من معركة قرقرة. ورغم أن ~~إسرائيل لم تذكر في النصوص الآشورية اللاحقة كعضو في الحلف، ~~إلا أن مسار الأحداث يشير إلى أنها بقيت على السياسة المرسومة ~~من قبل دمشق رغم عدم مشاركتها العسكرية . وكل هذا يعني أن النص ~~التوراتي، إضافة إلى عدم تقديمه معلومات موثوقة عن مملكة ~~إسرائيل في عهد آخاب، فإنه لا يقدم لنا معلومات عن مملكة دمشق ~~أيضا خلال أواسط القرن التاسع قبل الميلاد، ويجب عدم اللجوء ~~إليه في إعادة بناء تاريخ دمشق خلال هذه الحقبة. # سوريا السياسية في القرنين ~~التاسع والثامن قبل الميلاد. # توفي هدد عدر في ظروف غامضة، في وقت ما بين عام 845ق.م. ~~وهو العام الذي جرت فيه آخر حرب ms213 بينه وبين شلمنصر الثالث، ~~وبين عام 841ق.م. وهو العام الذي ظهر فيه ذكر خليفته حزائيل ~~لأول مرة في السجلات الآشورية. وعن وفاة هدد عدر لدينا وثيقة ~~آشورية مختصرة تنتقل مباشرة من معركة قرقرة إلى موت هدد عدر ~~في مدينته دون التعرض لبقية الحروب السورية الآشورية التي جرت ~~بين هذين الحدثين. نقرأ في النص الآشوري ما يلي: «لقد هزمت ~~هدد عدر ملك إميريشو مع اثني عشر أميرا من حلفائه، وجندلت ~~29000 من محاربيه الأقوياء، ودفعت بمن تبقى من قواته إلى نهر ~~العاصي فتفرقوا في كل اتجاه يطلبون أرواحهم. هدد عدر مات (أو ~~انتهى) واغتصب العرش مكانه حزائيل ابن لا أحد. فدعا الجيوش ~~الكثيرة وثار في وجهي، فقاتلته وهزمته وغنمت كل مركباته. أما ~~هو فقد هرب طالبا حياته، فتعقبته إلى دمشق مقره الملكي، حيث ~~قطعت أشجار بساتينه.» # 9 # لا يعطينا هذا النص المقتضب فكرة عن كيفية موت ~~هدد عدر ولا عن كيفية اغتصاب حزائيل (الذي يدعوه النص ابن لا ~~أحد دلالة على نسبه العامي) السلطة. ويبدو أن فترة من الفوضى ~~والاضطرابات أعقبت موت هدد عدر انتهت باستلام القائد العسكري ~~حزائيل للسلطة، والسير على خطى هدد عدر في مقارعة آشور. ورغم ~~أن نص شلمنصر هنا لا يوضح هوية الجيوش التي دعاها حزائيل إلى ~~جانبه، بل يكتفي بالقول بأنه «قد دعا الجيوش الكثيرة»، فإن من ~~الواضح أن ملك دمشق الجديد قد استمر سيدا لمناطق غربي الفرات، ~~وأنه كان قادرا في أي وقت على دعوة الحلفاء السابقين أو ~~غيرهم، وأن هؤلاء كانوا جاهزين لتلبية النداء . ورغم أن ~~شلمنصر الثالث قد تعقب في هذه الحملة، ولأول مرة، ملك ~~دمشق وحاصره في عاصتمه، إلا أن كل ما استطاع الملك الآشوري ~~تحقيقه هو أن قطع أشجار غوطة دمشق والرضا من الغنيمة ~~بالإياب. # يعطينا النص التوراتي في سفر الملوك الثاني قصته الخاصة عن ~~اغتصاب حزائيل للسلطة في دمشق. وبما أننا قد أثبتنا فيما سبق ~~أن محرري التوراة لم يكن لديهم معلومات عن عصر هدد عدر ونظيره ~~في إسرائيل الملك ms214 آخاب، فإن قصتهم عن صعود حزائيل قد استمدوها ~~من الأخبار التي تواترت إليهم من عصر حزائيل لا من عصر هدد ~~عدر. فلقد عرفوا بالتأكيد أن حزائيل لم يكن من الأسرة المالكة ~~الدمشقية وأنه كان مغتصبا للعرش، فقاموا بصياغة قصة عن ذلك ~~الحدث تغلب فيها العناصر اللاهوتية على العناصر التاريخية. ~~فلسبب غير معلوم يتوجه النبي أليشع إلى دمشق، ويعرف ملك دمشق ~~المدعو هنا بنهدد بوجود النبي، وكان مصابا بداء عضال، فيرسل ~~تابعه حزائيل ليسأل النبي في أمر مرضه وهل يشفى منه أم لا: ~~«فذهب حزائيل لاستقبال أليشع وأخذ هدية بيده، ومن كل خيرات ~~دمشق حمل أربعين جملا، وجاء ووقف أمامه وقال: ابنك بنهدد ~~ملك آرام قد أرسلني إليك قائلا: هل أشفى من مرضي هذا؟ فقال ~~له أليشع: اذهب وقل له شفاء تشفى، وقد أراني الرب أنه موتا ~~يموت. فجعل نظره عليه وثبته حتى خجل، فبكى رجل الله. فقال ~~حزائيل: لماذا يبكي سيدي؟ فقال: لأني علمت ما ستفعله ببني ~~إسرائيل من الشر؛ فإنك تطلق النار في حصونهم، وتقتل شبانهم ~~بالسيف، وتحطم أطفالهم، وتشق حواملهم. فقال حزائيل: ومن هو ~~عبدك الكلب حتى يفعل هذا الأمر العظيم؟ فقال أليشع: قد أراني ~~الرب إياك ملكا على آرام. فانطلق من عند أليشع ودخل على سيده، ~~فقال له: ماذا قال لك أليشع؟ فقال: قال لي إنك تحيا. وفي الغد ~~أخذ اللبدة وغمسها بالماء ونشرها على وجهه ومات. وملك حزائيل ~~عوضا عنه ...» (الملوك الثاني، 8: 7-15.) # يؤيد هذه القصة التوراتية بعض الباحثين، الذين بقوا على ~~إصرارهم بوجود ملك اسمه بنهدد معاصر لآخاب رغم كل الدلائل ~~المعاكسة لذلك ~~(Jespen, 1941) ~~، ~~فهؤلاء يرون أن الفترة الفاصلة بين آخر ذكر لهدد عدر في النصوص ~~الآشورية عام 845ق.م. وأول ذكر لحزائيل عام 841ق.م.، ومقدارها ~~ثلاث سنوات، تكفي لأن يعتلي عرش دمشق خلالها ملك اسمه بنهدد، ~~هو بنهدد عدر، وأن بنهدد عدر هذا هو الذي قتل على يد حزائيل ~~وفق الرواية التوراتية. # 10 # ولكن المشكلة في هذا التفسير أن الفترة التي تغطيها حروب ~~بنهدد هذا، ms215 وفق الرواية التوراتية، تقارب ست السنوات، أي ضعف ~~الفترة المفترضة هنا لحكم بنهدد بن هدد عدر. فبعد الحملة ~~الأولى التي لا بد أن الإعداد لها والقيام بها قد تطلب عاما ~~كاملا، فإن الحملة الثانية التي شنها ملك دمشق على إسرائيل ~~قد جرت بعد سنة كاملة من الحملة الأولى (الملوك الأول، 20: ~~26)، وبعد أن عاد ملك دمشق من حملته الثانية هذه أقام الطرفان ~~بدون حرب مدة ثلاث سنوات (الملوك الأول، 22: 1)، ثم وقعت ~~الحرب الثالثة بينهما في السنة الرابعة لفترة السلم. وهذا ما ~~يجعل فترة الحرب بين دمشق وإسرائيل ست سنوات. # والسؤال الأخير الذي لا بد من طرحه قبل إغلاق هذه المسألة ~~هو: ألا يمكن أن يكون حزائيل قد قتل هدد عدر واغتصب السلطة ~~المباشرة منه؟ إن النص الآشوري بأسلوبه المختزل، وقفزه فوق ~~الأحداث المتباعدة، لا يسمح لنا بالاستنتاج بوجود علاقة سببية ~~بين موت هدد عدر وانتقال السلطة إلى حزائيل، فالكاتب ينتقل من ~~معركة قرقرة إلى موت هدد عدر قافزا فوق المعارك الوسيطة بين ~~الحادثتين، ثم ينتقل من موت هدد عدر إلى اغتصاب حزائيل للملك ~~قافزا، ولا شك، فوق عدد من الأحداث التي لا يهمه أمرها بين ~~هاتين الحادثتين أيضا. فهو يقول: «لقد هزمت هدد عدر ... إلخ. ~~هدد عدر قد مات. حزائيل ابن لا أحد استولى على العرش ...» # 11 ~~(2) عصر حزائيل # انحل حلف قرقرة بعد موت هدد عدر، ولكن ملك دمشق الجديد ~~كان قادرا على ما يبدو على جمع كلمة الممالك السورية في ~~مواجهة آشور كلما رأى ضرورة لذلك، وهذا ما يدلنا عليه النص ~~الآشوري الذي أوردناه سابقا عن اعتلاء حزائيل عرش دمشق، وجمعه ~~الجيوش الكثيرة في وجه شلمنصر الثالث. ولكن إلى جانب سياسته ~~في الدعوة إلى الأحلاف المؤقتة، فقد عمل حزائيل على التأكد من ~~عدم انحياز أية مملكة في غربي الفرات إلى الجانب الآشوري أو ~~وقوفها على الحياد في الصراع القائم مع آشور؛ لأن ذلك من شأنه ~~إضعاف موقف دمشق، التي تحمل على عاتقها الجزء الأكبر من ~~مسئولية التصدي للمد العسكري الآشوري. ms216 من هنا فقد عمد حزائيل ~~إلى رسم سياسة جديدة تسمح له بالتدخل ضد أية دولة تميل إلى ~~مهادنة آشور ودفع الجزية لها في مناطق غربي الفرات. وقد سار ~~ابنه بنهدد من بعده على السياسة نفسها كما سوف نرى لاحقا. وقد ~~كانت مملكة إسرائيل أول دولة تطالها عقوبة حزائيل. فلقد عزف ~~خلفاء آخاب - أخزيا ويهورام - عن المشاركة في حروب دمشق، ثم ~~مال يهورام إلى استرضاء آشور بدفع الجزية لها. ورغم أننا لا ~~نعرف من النصوص الآشورية أو من التوراة عن قيام يهورام بدفع ~~الجزية إلى آشور، إلا أن سياسة الخضوع التام لآشور في عهد ~~خليفته ياهو تظهر لنا أن جذور هذه السياسة كانت متأصلة في عهد ~~يهورام. # أخذ حزائيل يضغط بشكل تدريجي على يهورام ملك إسرائيل (وهو ~~الابن الثاني لآخاب بعد أخزيا الذي ملك قبله) في مناطق ~~التواجد الإسرائيلي في شمال شرقي الأردن، فأرسل يهورام قواته ~~الرئيسية إلى هناك وأقام في راموت جلعاد لحراسة تخومه في تلك ~~المناطق، ولكنه أصيب بجرح بليغ في إحدى المعارك، فترك قائده ~~المدعو ياهو هناك وانسحب إلى مدينة يزرعيل الداخلية ليبرأ من ~~جراحه. ومصدرنا هنا هو رواية سفر الملوك الثاني: «وكان يورام ~~(يهورام) يحافظ على راموت جلعاد هو وكل إسرائيل من حزائيل ملك ~~آرام. ورجع يهورام الملك لكي يبرأ في يزرعيل من الجروح التي ~~ضربه بها الآراميون حين قاتل حزائيل ملك آرام.» وفي هذا الوقت ~~دعا النبي أليشع، الخصم القديم لأسرة آخاب في إسرائيل، واحدا ~~من الأنبياء وقال له: «خذ قنينة الدهن هذه بيدك واذهب إلى ~~راموت جلعاد. وإذا وصلت إلى هناك فانظر ياهو بن يهوشافاط بن ~~نمشي، وادخل وأقمه من وسط إخوته، وادخل به من مخدع داخل ~~مخدع، ثم خذ قنينة الدهن وصب على رأسه وقل: هكذا قال الرب: ~~إني مسحتك ملكا على إسرائيل. فانطلق الغلام النبي إلى راموت ~~جلعاد ... ودخل البيت فصب الدهن على رأسه وقال: هكذا قال الرب ~~إله إسرائيل: قد مسحتك ملكا على شعب الرب إسرائيل، فتضرب بيت ~~آخاب سيدك، وأنتقم لدماء ms217 عبيدي الأنبياء ودماء جميع عبيد الرب ~~من يد إيزابيل، فيبيد كل بيت آخاب» (الملوك الثاني، 9: 1-8). ~~فانطلق ياهو في رهط من جماعته المقربين وعبر الأردن حتى وصل ~~إلى مدينة يزرعيل. وكان الرقيب واقفا على البرج فرأى جماعة ~~ياهو عند إقباله، فنادى ملك إسرائيل قائلا: إني أرى جماعة ~~قادمة، فقال الملك: أرسل فارسا للقائهم لنعرف أأتوا للسلام أم ~~للحرب، فذهب الفارس، وعندما وصل منعه ياهو من العودة وألحقه ~~بجماعته، فأرسل البرج فارسا ثانيا ولكنه لم يعد أيضا. فقال ~~المراقب لملك إسرائيل: قد وصل الفارس إليهم أيضا ولم يعد، ~~وإني أرى سوق الخيل كسوق ياهو بن نمشي لأنه يسوق بجنون. فخرج ~~يهورام بمركبته للقاء ياهو وهو يتوجس شرا. فلما رأى يهورام ~~ياهو قال: أسلام يا ياهو؟ فقال: أي سلام ما دام زنا أمك ~~إيزابيل وسحرها الكثير! فرد يهورام فرسه وهرب، فقبض ياهو على ~~القوس وضرب يهورام بين ذراعيه، فخرج السهم من قلبه فسقط في ~~مركبته. أما ياهو فقد دخل إلى يزرعيل وقتل إيزابيل زوجة آخاب ~~وطرحها للكلاب، ثم كتب إلى شيوخ السامرة أن يرسلوا إليه برءوس ~~أولاد آخاب السبعين الأحياء، فقطعت رءوس أولاد آخاب وأرسلت ~~إليه في سلال إلى يزرعيل. وقتل ياهو كل الذين بقوا لبيت آخاب ~~وكل عظمائه ومعارفه وكهنته حتى لم يبق له شارد (الملوك ~~الثاني، 9-10). # أما حزائيل فقد عاد إلى دمشق بعد أن سمع بعودة شلمنصر ~~الثالث إلى المنطقة مجددا، وذلك في العام 841ق.م. وهو العام ~~نفسه الذي اعتلى فيه ياهو عرش إسرائيل. عمل حزائيل على تحصين ~~دمشق، ولكنه لم ينتظر وصول شلمنصر الثالث إليه، بل انطلق ~~لملاقاته عند أسفل جبل الحرمون حيث تحصن لقطع طريق الحملة ~~الآشورية. ونستنتج من تحصن حزائيل في هذه المنطقة أن ~~شلمنصر الثالث كان يقصد إلى التوجه جنوبا نحو فلسطين ~~والساحل السوري دون المرور بدمشق. وهذا ما يفسر لنا حرب حزائيل ~~ضد إسرائيل، والتي سبقت مباشرة وصول شلمنصر الثالث إلى ~~المنطقة؛ ذلك أن حزائيل كان يعرف بطريقة ما أهداف الحملة ~~الآشورية في الوصول ms218 إلى المناطق الجنوبية والغربية وعزل ~~مملكة دمشق، فأراد استباق الأمور وخلع ملك إسرائيل الذي كان ~~يستعد لتقبيل أقدام شلمنصر، وإحلال ملك جديد محله موال ~~لدمشق. نقرأ في نص شلمنصر الثالث عن هذه الحملة ما ~~يلي: ~~«في السنة الثامنة عشرة من عهدي عبرت الفرات للمرة ~~السادسة عشرة. حزائيل ملك دمشق وضع ثقته بجيشه العرم، ~~وجمع قواته بأعداد كبيرة جاعلا من جبل سنيرو (الحرمون) ~~المقابل لجبل لبنان قاعدة له. قاتلته وهزمته، وجندلت ستة ~~عشر ألفا من جنوده المدربين، وغنمت 1121 عربة، و740 ~~جوادا، وكل معسكره. أما هو، فقد هرب طالبا حياته، ~~فتعقبته إلى دمشق مقره الملكي وحاصرته هناك، وقطعت ~~أشجار بساتينه. ثم سرت إلى جبل حوران فهدمت وأحرقت ~~عددا لا يحصى من المدن وأخذت منهم الجزية. ثم سرت إلى ~~جبل بعل راسي، الذي يقع مقابل البحر (جبل الكرمل) وأقمت ~~هناك نصبا تذكاريا عليه صورتي. في ذلك الوقت تلقيت ~~الجزية من صور وصيدون ومن ياهو بن عمري.» # 12 # نستنتج من هذا النص أن الحملة الآشورية لم تحقق كل أهدافها. ~~فحزائيل قد انسحب إلى دمشق وتحصن بها، وقاوم شلمنصر الذي ~~فك حصاره عن المدينة وانتقم من حزائيل بقطع أشجار الغوطة، ~~وتهديم المدن والقرى في حوران لدى تقدمه جنوبا في الطريق إلى ~~الساحل الفلسطيني اللبناني. عند الساحل في بعل راسي، الذي يمكن ~~أن يكون جبل الكرمل الذي يصل طرفه حتى الشاطئ، يكتفي الملك ~~الآشوري بتلقي الجزية من الدويلات الفينيقية الكبرى ومن ~~إسرائيل، ثم يعود إلى بلاده تاركا القوة العسكرية الضاربة ~~لدمشق سليمة رغم الهزيمة. ويمكن أن نلاحظ من قول نص شلمنصر ~~إنه تلقى الجزية من صور ومن صيدون ومن ياهو أن اسم ملكي صور ~~وصيدون لم يذكر في النص بينما ذكر اسم ياهو شخصيا. وهذا ~~يعني أن ملكي صور وصيدون قد أرسلا الجزية إلى ملك آشور، أما ~~ياهو فقد حضر بنفسه إلى شلمنصر معلنا ولاءه المطلق. ويؤكد ~~ذلك اكتشاف نحت بارز في موقع نمرود عاصمة شلمنصر يصور ~~الملك ياهو ساجدا عند قدمي شلمنصر، كتب تحته: ms219 «جزية ياهو ~~بن عمري. تلقيت منه فضة وذهبا و... إلخ.» # 13 # ومن الجدير بالذكر أن حادثة لقاء ياهو بشلمنصر ~~الثالث غير واردة في الرواية التوراتية، وسفر الملوك الثاني لم ~~يأت على ذكر شلمنصر الثالث، لا في عرضه لسيرة حياة الملك ~~ياهو ولا في غيرها، جريا على ما عودنا عليه المحرر التوراتي ~~حتى هذا الوقت المتأخر من تجاهل للأحداث الدولية ~~الجارية. # أما عن تسمية ياهو في النص الآشوري ب «ابن عمري» فقد فسره ~~المؤرخون بأحد أمرين؛ الأول أن مملكة السامرة كانت تدعى ~~أحيانا بأرض أو بلاد عمري، نسبة إلى مؤسس المملكة، وقد وردت ~~هذه التسمية أكثر من مرة في السجلات الآشورية. من هنا يمكن أن ~~يكون المقصود ب «ابن عمري» هنا هو رجل بلاد عمري، أو صاحب ~~بلاد عمري أو ما شابه ذلك. والثاني هو أن كاتب النص الآشوري ~~قد ألحق ياهو بأسرة عمري جهلا منه بحقيقة الأوضاع الداخلية ~~في مملكة السامرة. وقد اطلعت مؤخرا على دراسة حديثة منشورة ~~عام 1995 في مجلة «علم الآثار التوراتي» تتضمن تفسيرا أكثر ~~إقناعا. تلاحظ كاتبة الدراسة # Tammi ~~Schneider # من متابعتها لأخبار ياهو في سفر ~~الملوك الثاني ما يلي: (1) إن الملك ياهو هو الملك الوحيد بين ~~ملوك السامرة الذي عني المحرر بذكر اسم أبيه واسم جده أيضا ~~فقال: ياهو بن يهوشافاط بن نمشي. (2) لم يذكر النص التوراتي ~~اسم أب أحد من مغتصبي العرش في دولة السامرة قبل ياهو، من ~~أمثال زمري وعمري اللذين دعيا باسمهما فقط. نقرأ في سفر ~~الملوك الأول (16: 15): «في السنة السابعة والعشرين لآسا ملك ~~يهوذا ملك زمري سبعة أيام في ترصة.» وفي الإصحاح نفسه الفقرة ~~15 نقرأ: «فملك كل إسرائيل عمري رئيس الجيش على إسرائيل في ~~ذلك اليوم.» (3) تلاحظ كاتبة الدراسة أن ياهو كان يتصرف في ~~علاقاته مع أفراد الأسرة المالكة وكأنه واحد منهم، وتورد ~~عددا من الأمثلة على ذلك. ثم تضيف إلى هذه الملاحظات الحصيفة ~~رأيها في مسألة جهل الآشوريين بالأوضاع الداخلية لمملكة ~~السامرة، وتفند ذلك معتمدة على عدد من الأمثلة ms220 التي تثبت ~~أن البلاط الآشوري كان يتابع بدقة ما يجري في الممالك ~~المعادية ويرصد أوضاعها الداخلية. وقد رأينا على سبيل المثال ~~رصده لأحوال دمشق وتسجيله لواقعة موت هدد عدر، وقيام حزائيل ~~باغتصاب السلطة فيها. ثم تخلص من ذلك إلى القول بأن كاتب النص ~~الآشوري كان يعرف بأن ياهو كان واحدا من أبناء الملك عمري، ~~ولكنه ليس من سلالة آخاب بن عمري، بل من أخ غير شقيق له اسمه ~~نمشي. من هنا فإن النص الآشوري قد دعا ياهو باسمه الحقيقي ~~عندما لقبه بابن عمري. وترسم الباحثة المخطط التالي لشجرة نسب ياهو: # 14 # وهناك ملاحظة أخرى في رواية سفر الملوك الثاني عن اغتصاب ~~ياهو للعرش وإبادته لذرية آخاب تدعم هذا التفسير، وهي أن النص ~~كان يكرر على الدوام أن ياهو قد أباد أسرة آخاب من دون التطرق ~~إلى أسرة عمري، دلالة على أن المغتصب قد قضى على فرع آخاب من ~~أسرة عمري، لا على أسرة عمري كلها. # بعد أن عاد شلمنصر الثالث من حملة عام 841ق.م. على بلاد ~~الشام قامت هدنة غير معلنة بين دمشق وآشور استمرت ثلاث سنوات، ~~عاد بعدها شلمنصر فشن ثلاث حملات على دمشق. إلا أن أخبار ~~هذه الحملات غير واضحة تماما، بسبب قصر النصوص التي تذكرها ~~وأسلوبها المختزل. ولكننا نفهم أن حزائيل قد بقي حصينا في ~~مدينته، وأن الحملات الثلاث لم تحقق سوى إخضاع عدد من المدن ~~التابعة لدمشق وتحصيل الجزية منها. فمن الحوليات المختصرة، ~~التي تكتفي بذكر اسم منطقة العمليات وسنة القيام بها، نعرف أن ~~شلمنصر قد شن حملة على بلدة ملاحة (المليحة) في السنة ~~الحادية والعشرين لحكمه، وعلى بلدة دنابي في السنة الثانية ~~والعشرين، وعلى بلدة تابالا (الطبالة) في السنة الثالثة والعشرين. # 15 # ولدينا نص قصير آخر خارج الحوليات المختصرة وجد ~~على ختم أسطواني للملك شلمنصر يذكر حملة ملاحة: «غنيمة معبد ~~شارو من مدينة ملاحة - المسكن الملكي لحزائيل ملك إميريشو - ~~التي جلبها شلمنصر بن آشور ناصر بال.» # 16 # بعد آخر هذه الحملات عقب عام 837 ق.م. ms221 أقلع شلمنصر الثالث ~~نهائيا عن مشروع إخضاع دمشق، وصرف نظره عن مناطق غربي ~~الفرات. ولمدة ثلاثين سنة تلت ذلك، لم يظهر أي جيش آشوري في ~~المنطقة. فبعد وفاة شلمنصر الثالث عام 824 ق.م.، بعد فترة ~~حكم مديد دامت 34 سنة، نشبت نزاعات داخلية بين ورثة العرش، ~~وانشغل الآشوريون بالحروب ضد المناطق الشرقية لحكمهم. وقد أطلق ~~هذا الوضع الجديد يد حزائيل في مناطق نفوذه التقليدية، وبدأ ~~بإعادة ترتيب شئون المنطقة استعدادا لأية مواجهة مقبلة مع ~~آشور. تفرغ ملك دمشق أولا لعقاب ياهو ملك إسرائيل بسبب موقفه ~~المخزي من آشور وخيانته لدمشق، وبعد أن ضمن خضوع إسرائيل له ~~قام ببسط سلطته على كامل الأراضي الفلسطينية ووصلت قواته حتى ~~مدينة جت على الساحل الفلسطيني. وأخبارنا عن هذه الفترة مصدرها ~~الوحيد سفر الملوك الثاني، لأن النصوص الآشورية بقيت صامتة ~~تماما عما يجري في مناطق غربي الفرات، وذلك حتى عام ~~810ق.م. # المناطق الواقعة تحت نفوذ ~~حزائيل في سوريا الجنوبية وفلسطين. # نقرأ في سفر الملوك ما يأتي: «ولكن ياهو لم يتحفظ على السلوك ~~في شريعة الرب إله إسرائيل من كل قلبه ... في تلك الأيام ابتدأ ~~الرب يقص إسرائيل، فضربهم حزائيل في تخوم إسرائيل جميعها من ~~الأردن لجهة مشرق الشمس ... واضطجع ياهو مع آبائه فدفنوه في ~~السامرة، وملك ابنه يهوأحاز عوضا عنه. وكانت الأيام التي ~~ملك فيها ياهو على إسرائيل في السامرة ثمانيا وعشرين سنة» ~~(الملوك الثاني، 10: 31-36). ثم «ملك يهوأحاز بن ياهو على ~~إسرائيل في السامرة سبع عشرة سنة. وعمل الشر في عيني الرب ... ~~فحمي غضب الرب على إسرائيل، فدفعهم ليد حزائيل ملك آرام وليد ~~بنهدد بن حزائيل كل الأيام ... لم يبق ليهوأحاز شعبا إلا ~~خمسين فارسا وعشرة آلاف راجل وعشر مركبات، لأن ملك آرام ~~أفناهم ووضعهم كالتراب للدوس ... ثم اضطجع يهوأحاز مع آبائه ~~فدفنوه في السامرة، وملك يوآش ابنه عوضا عنه» (الملوك ~~الثاني، 13: 1-9). بعد ضمان تبعية إسرائيل، التي تشكل القوة ~~الرئيسية في منطقة فلسطين، شق حزائيل طريقه نحو مدن فلستيا ~~فضمن ولاءها، ثم انقلب ms222 نحو الداخل إلى أورشليم التي أعلن ملكها ~~ولاءه لدمشق قبل وصول قواتها أطراف أورشليم: «حينئذ، صعد ~~حزائيل ملك آرام وحارب جت وأخذها، ثم حول وجهه ليصعد إلى ~~أورشليم. فأخذ يهوآش ملك يهوذا الأقداس جميعها التي قدسها ~~آباؤه ملوك يهوذا، وأقداسه. والذهب الموجود في خزائن بيت الرب ~~وبيت الملك كله، وأرسلها إلى حزائيل ملك آرام، فصعد عن ~~أورشليم» (الملوك الثاني، 12: 17-18). # لا يوجد لدينا سبب للشك في صحة هذه الرواية التوراتية عن ~~حروب حزائيل في شرقي الأردن وفلسطين؛ لأن مثل هذه الحروب كانت ~~متوقعة بعد غياب آشور المؤقت عن المنطقة. فلقد أخلى حزائيل ~~منطقة شمال شرقي الأردن من القوات الإسرائيلية، ودفع هذه ~~القوات بعد أن أضعفها إلى السامرة، التي لم يكن راغبا في ~~فتحها، بل في تحييدها أو كسبها إلى جانبه في أي صراع قريب ~~محتمل مع آشور. ثم أكد بعد ذلك سيطرته على المناطق الساحلية ~~والداخلية في مرتفعات يهوذا، فأمن بذلك سلامة الطرق التجارية ~~الحيوية جميعها بالنسبة لمملكة دمشق. ولسوف نجد بعد سنوات ~~قليلة أن ابنه بنهدد يمارس السياسة نفسها في المناطق الشمالية، ~~مما تصفه لنا بعض النصوص الآرامية المعاصرة للحدث. # لا نعرف على وجه التحديد تاريخ موت الملك حزائيل، ولكننا إذا ~~قبلنا الخبر التوراتي الوارد في سفر الملوك الثاني (13: 22-25) ~~يمكن أن نضع موت حزائيل حوالي العام 800ق.م. لأننا نستشف من ~~الخبر أن الملك حزائيل والملك يهوأحاز قد توفيا في وقتين ~~متقاربين، ولما كانت وفاة يهوأحاز تقع حوالي عام 798ق.م. فإن ~~موت حزائيل يمكن أن يوضع قبل ذلك بعام أو عامين. فالخبر ~~التوراتي يقول: «وأما حزائيل ملك آرام فقد ضايق إسرائيل كل ~~أيام يهوأحاز ... ثم مات حزائيل وملك بنهدد ابنه عوضا عنه. ~~فعاد يهوآش بن يهوأحاز وأخذ المدن من يد بنهدد بن حزائيل، التي ~~أخذها من يده يهوأحاز أبوه بالحرب. ضربه يوآش ثلاث مرات ~~واسترد مدن إسرائيل» (الملوك الثاني، 13: 22-25). ~~(3) عصر بنهدد بن حزائيل # ارتقى بنهدد بن حزائيل عرش دمشق حوالي عام 800ق.م. في وقت ~~بدأت فيه أوضاع آشور ms223 الداخلية بالاستقرار. فقد ولي عرش آشور ~~الملك أدد نيراري الثالث بن شلمنصر، بعد فترة اضطرابات تخللت ~~حكم أخيه شمسي هدد الخامس، وأخذ بالاستعداد لغزو بلاد الشام. ~~ويبدو أن ملك إسرائيل يهوآش # 17 # قد استبشر خيرا بقدوم الملك الآشوري، وفكر بإعادة ~~تبعية بلاده إلى آشور، فقام بمحاولة لاسترداد المناطق التي ~~بسط عليها حزائيل سلطته المباشرة في شمال شرقي الأردن وشمال ~~إسرائيل. ولكن بنهدد حاربه على رأس تحالف ضم اثنين وثلاثين ~~ملكا كما تقول الرواية التوراتية في الملوك الأول 20، وكنا قد ~~برهنا سابقا على أن الحروب الثلاثة الموصوفة في سفر الملوك ~~الأول بين بنهدد ملك دمشق وآخاب ملك إسرائيل يجب أن يكون ~~موضعها في سفر الملوك الثاني، وأن تكون قد جرت بين بنهدد بن ~~حزائيل وخلفاء ياهو المدعوين يهوأحاز ويوآش. وبما أن يهوأحاز ~~قد توفي في وقت صعود بنهدد عرش دمشق تقريبا، فإن معظم حروب ~~بنهدد الإسرائيلية يجب أن تكون موجهة ضد يوآش. وأما خبر سفر ~~الملوك الثاني، الذي أوردناه منذ قليل عن قيام يوآش بضرب بنهدد ~~بن حزائيل ثلاث مرات واستعادة المدن المسلوبة منه، فلا يمكن ~~تصديقه اعتمادا على مجريات الأحداث اللاحقة؛ لأن بنهدد بعد ~~قتاله لإسرائيل ما يلبث أن يظهر في مناطق الشمال السوري على ~~رأس تحالف يضم أقوى الممالك الشمالية في ذلك الوقت، الأمر ~~الذي يدل على أن ملك دمشق الجديد قد بقي سيدا لمناطق غربي ~~الفرات مثلما كان أبوه حزائيل. # كانت المهمة الثانية التي وضعها بنهدد لقواته بعد إخضاع ~~إسرائيل هي إخضاع مملكة حماة التي كانت تسلك نهجا مواليا ~~لآشور. إن الحملات الآشورية على سوريا منذ عام 845ق.م. وصولا ~~إلى عهد أدد نيراري لم تتعرض لمملكة حماة، الأمر الذي يدل على ~~تابعيتها الآشورية خلال تلك الفترة. فصعد بنهدد على رأس حلف ~~سوري يضم سبع ممالك معروفة بعدائها الشديد لآشور وخصوصا مملكة ~~بيت جوشي، التي سنراها فيما بعد على رأس تحالف سوري في مواجهة ~~القوات الآشورية، فقاتل ملك حماة المدعو زاكير وضرب عليه ~~حصارا طويلا، بعد أن لجأ إلى ms224 مدينة حاتريكا الشمالية عاصمة ~~مملكة لوعاش (نوخاشي سابقا) الواقعة بين حماة وحلب، والتي ~~ضمها إليه زاكير مشكلا قوة لا يستهان بها في ذلك الوقت. ~~ولحسن الحظ فقد وصلتنا معلومات مباشرة عن هذه الحرب في نص ~~تركه الملك زاكير نفسه، منقوش بالآرامية على حجر عثر عليه ~~في قرية آفس على مسافة 40كم إلى الجنوب الغربي من مدينة حلب. ~~ويرجح أن يكون موقع آفس هذا هو حاتريكا القديمة نفسها. نقرأ ~~في نص زاكير ما يلي: ~~«أنا زاكير، ملك حماة ولوعاش. كنت رجلا من العامة، ولكن ~~الإله بعل شمين قد وقف إلى جانبي وجعلني ملكا على حاتريكا. ~~بنهدد بن حزائيل ملك آرام جمع ضدي سبعة ملوك؛ بنهدد وجيشه، ملك ~~غوروم وجيشه، ملك شمأل وجيشه، ملك كيليكيا وجيشه، برجوش وجيشه، ~~ملك العمق وجيشه، ملك ميليز وجيشه. كل هؤلاء الملوك الذين ~~جمعهم بنهدد وجيوشهم قد حاصروا حاتريكا. ولكن بعل شمين كلمني ~~عبر العرافين والمتنبئين قائلا: لا تخف، فلقد جعلتك ملكا، ~~ولسوف أقف إلى جانبك وأنقذك من كل هؤلاء الملوك الذين ضربوا ~~حصارا حولك ...» (البقية مليئة بالفجوات، ولكننا نفهم منها أن ~~الحلفاء قد فكوا حصارهم عن المدينة وتراجعوا عنها.) # 18 # نلاحظ من أسماء الممالك الداخلة في حلف دمشق الجديد أنها تقع ~~جميعا في المناطق الشمالية بين الفرات والساحل السوري. وهذا ~~يعني أن بنهدد قد بسط نفوذه على كامل مناطق الشمال السوري، ~~إضافة إلى مناطق وسط وجنوب سوريا، وفلسطين، وأنه قد استطاع ~~فعلا تعبئة كامل مناطق غربي الفرات في جبهة واحدة استعدادا ~~للوقوف في وجه الملك الآشوري أدد نيراري الثالث، الذي ما لبثت ~~جيوشه حتى ظهرت في المنطقة حوالي عام 798ق.م. أي بعد أربع ~~سنوات من ارتقاء بنهدد عرش دمشق. أما عن النتيجة التي آل ~~إليها حصار حاتريكا، فمن غير الممكن أن يكون زاكير قد انتصر ~~على حلف دمشق، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد الممالك ~~الحليفة وقوة جيوشها. ويكفي أن نذكر أن مملكة جوشي، التي ~~يتزعمها برجوش، كانت أقوى الممالك الآرامية الشمالية، وكانت ~~أراضيها تمتد من ms225 شاطئ الفرات إلى سهل العمق غربا، أما مملكة ~~يأدي (أو شمأل) فكانت قوة لا يستهان بها وذات ثقل في ميزان ~~القوى العسكرية في غربي الفرات. فإذا أضفنا إلى هاتين القوتين ~~القوة الرئيسية لمملكة دمشق، التي أعيت الآلة الحربية ~~الآشورية لنصف قرن مضى، لأدركنا استحالة هزيمة بنهدد عند ~~أسوار حاتريكا. وهناك نتيجتان محتملتان لهذه الحرب؛ فإما أن ~~الحلفاء قد تراجعوا عن حاتريكا بعد أن وصلتهم أخبار عن عبور ~~أدد نيراري نهر الفرات، وإما أنهم قد توصلوا إلى اتفاق يضمن ~~حياد زاكير في المعركة المقبلة. # يصل أدد نيراري الثالث إلى المنطقة في أول حملة لآشور على ~~سوريا بعد موت شلمنصر الثالث. ولدينا نص مختصر عن هذه ~~الحملة خال من أية تفاصيل، يقول: «... وعبر شاطئ الفرات أخضعت ~~بلاد حاتي، وكل أراضي آمورو، وصور، وصيدون، وأرض عمري، وآدوم، ~~وفيليستيا، إلى البحر الكبير حيث تغرب الشمس. جميعهم أخضعت تحت ~~قدمي وفرضت عليهم الجزية. سرت نحو بلاد دمشق وحبست ملكها ماري ~~(بنهدد) في دمشق مقره الملكي، فغمره الخوف من بهاء مولاي الإله ~~آشور وأمسك قدمي خضوعا لي. فتلقيت منه الجزية في قصره الملكي؛ ~~2300 وزنة من الفضة، و20 وزنة من الذهب، و5000 وزنة من الحديد ...» # 19 # لم يتفق المؤرخون على تاريخ حملة أدد نيراري هذه، وذلك بسبب ~~تشوش سجلات هذا الملك من الناحية الكرونولوجية، وعدم التوصل ~~إلى ترتيب زمني متسق لحملاته. ولكن أغلب الظن أنها جرت حوالي ~~عام 796ق.م. # 20 # إلا أن الدراسة المتأنية لنص هذه الحملة، على ضوء ~~الأحداث التي سبقتها، يمكن أن تساعدنا على صياغة سيناريو منطقي ~~لما يمكن أن يكون قد حدث بين أدد نيراري الثالث وملوك التحالف ~~السوري. فمن المرجح، اعتمادا على أسلوب صياغة نص الحملة ~~أعلاه، ألا يكون هذا النص خلاصة لنتائج حملة آشورية واحدة ~~على بلاد الشام، بل خلاصة لعدة حملات متتابعة قام بها هذا ~~الملك. ففي الحملة الأولى واجه أدد نيراري ملوك التحالف الذي ~~حاصر حاتريكا وأجبرهم على التراجع، مستوليا على مناطق سوريا ~~الشمالية المدعوة «حاتي» بمصطلح الألف الأول ms226 قبل الميلاد. وفي ~~الحملة الثانية استولى على آمورو في وسط وغرب سوريا، ومنها هبط ~~إلى الساحل الفينيقي نحو صور وصيدون. وربما تصدى له بنهدد قبل ~~وصوله إلى آمورو منفردا أو على رأس تحالف الملوك الجنوبيين، ~~الذين وقفوا إلى جانبه في حصار السامرة (مما مر معنا سابقا). ~~وفي الحملة الثالثة توجه إلى فلسطين فاستولى على أرض عمري أو ~~إسرائيل، وفيليستيا وآدوم، ومن هناك صعد إلى دمشق، التي تم ~~عزلها عن حلفائها جميعهم، وأجبرها على دفع الجزية لآشور لأول ~~مرة منذ قيام الأسرة الحاكمة الآرامية فيها. # وفي نص أدد نيراري نقطة هامة ينبغي ملاحظتها وفهم ~~مدلولاتها. فالممالك الواردة في النص جميعها قد جرى تعدادها ~~بأسمائها دون ذكر ملوكها أو شرح مجريات المعارك التي قادت إلى ~~إخضاعها، عدا دمشق التي توقف النص عندها مطولا وأعطانا ~~تفصيلات حول استسلامها والجزية التي دفعتها. وهذا يدل دلالة ~~قاطعة على أن الهدف الرئيسي لحملة، أو لحملات، أدد نيراري في ~~مناطق غربي الفرات كان إخضاع مملكة دمشق، وأن الحملات الأولى ~~على ممالك الشمال التي جملها النص تحت اسم حاتي، وممالك الوسط ~~والجنوب، لم تكن إلا مقدمة ضرورية لضمان استسلام دمشق. # أما عن اسم ملك دمشق الذي ورد في نص أدد نيراري على أنه ~~«ماري»، فمن المؤكد أنه يشير إلى بنهدد نفسه. وتفسير ذلك هو أن ~~كلمة «ماري» بالآرامية تعني «مولاي»، وهي مشتقة من كلمة ~~«مرا» التي تعني السيد. وكان لقب «ماري» أو «مري» يوضع قبل ~~اسم ملوك دمشق في النصوص الآرامية. من ذلك على سبيل المثال ما ~~وجد على عاجيات أرسلان طاش من كتابة تقول: «لمرنا حزائيل»، ~~أي: لمولانا حزائيل، وذلك باستخدام كلمة «مرا» مع ضمير ~~الإضافة. ويبدو أن لقب ملك دمشق في عصر بنهدد كان يستخدم ~~تبادليا مع اسمه الشخصي، أو أنه طغى عليه في معظم الحالات، # 21 # كما هو الحال في لقب «فرعون» في مصر، الذي استخدم ~~تبادليا مع الاسم الحقيقي لملك مصر في أكثر من نص ~~آشوري. # لقد كانت دمشق آخر من دفع الجزية في ms227 مناطق غربي الفرات، منذ ~~أن بدأت الحملات الآشورية المنظمة على بلاد الشام. ويبدو أن ~~حملة أدد نيراري الأخيرة على دمشق قد أضعفت قوة المملكة إلى ~~حد كبير، وأفقدتها الكثير من هيبتها كمركز ثقل إقليمي في ~~المنطقة. وكان أول المستفيدين من ضعف دمشق مملكة إسرائيل. فقد ~~ولي عرش السامرة بعد يوآش - الذي أخضعه بنهدد قبل أن يتوجه ~~إلى حاتريكا - ابنه يربعام الثاني (797-753ق.م.)، ويروي لنا ~~سفر الملوك الثاني في نص مختصر، وبدون أية تفاصيل، خبرا عن ~~حملة يربعام الثاني هذا على مملكة دمشق، التي لم تكن قد التقطت ~~أنفاسها من الحملة الآشورية الساحقة. هذا مع العلم بأن نص سفر ~~الملوك الثاني قد بقي حتى هذا الوقت من مطلع القرن الثامن قبل ~~الميلاد، متجاهلا كل ما يحدث على الساحة السورية والفلسطينية ~~من أحداث، وأن قارئ التوراة لم يعرف بعد بوجود مملكة اسمها ~~آشور، ولا بحملات ملوك آشور على دمشق وعلى إسرائيل وبقية ~~الدويلات الفينيقية والفلسطينية. يقول الخبر التوراتي ما يلي: ~~«ملك يربعام بن يوآش ملك إسرائيل في السامرة إحدى وأربعين ~~سنة. وعمل الشر في عيني الرب ... هو رد تخم إسرائيل من مدخل ~~حماة إلى بحر العربة حسب كلام الرب إله إسرائيل ... وبقية أمور ~~يربعام وكل ما عمل وجبروته - كيف حارب وكيف استرجع إلى إسرائيل ~~دمشق وحماة، التي ليهوذا - أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام ~~لملوك إسرائيل؟» (الملوك الثاني، 14: 23-28.) # وكما نرى من أسلوب صياغة الخبر التوراتي أعلاه، فإنه لا يقدم ~~خبرا تاريخيا موثقا يمكن الركون إليه. فهو لا يذكر اسم ملك ~~دمشق ولا اسم ملك حماة، ولا يورد أية تفاصيل عن الأوضاع العامة ~~في هاتين المملكتين، ولا عن الأوضاع العامة في المنطقة. ويلفت ~~النظر بشكل خاص قول النص إن يربعام استرجع إلى إسرائيل دمشق ~~وحماة، التي ليهوذا! فمتى كانت دمشق وحماة تابعة ليهوذا، التي ~~لم تذكر حتى الآن في السجلات الآشورية؟ هل يشير المحرر إلى ~~حروب داود ومملكة سليمان؟ وفي الحقيقة، فلقد أدرك المؤرخون ~~المبالغة الواضحة في نص سفر الملوك أعلاه، ms228 وأسقطه معظمهم من ~~الحساب؛ ذلك أن مملكة حماة لم تكن في ذلك الوقت فريسة سهلة ~~المنال، وكذلك مملكة دمشق رغم وضعها العسكري المتردي عقب حملة ~~أدد نيراري. وقد لجأ بعض المؤرخين إلى إعادة قراءة النص ~~اعتمادا على احتوائه لإشكاليات لغوية يمكن تأويلها. فعالم ~~اللغات السامية # J. Gray ~~(1970) ~~يقرأ الجملة التي تقول بالعبرية: «وكيف حارب وكيف استرجع إلى ~~إسرائيل دمشق وحماة، التي ليهوذا»، ويترجمها بعد تأويل ~~إشكالياتها اللغوية على الشكل الآتي: «كيف حارب دمشق، وكيف رد ~~غضب يهوه عن إسرائيل.» # 22 # ورغم أن كثيرا من الباحثين لا يجدون لهذه القراءة ~~مستندا لغويا متينا، إلا أننا نجد في مثل هذه المحاولات ~~ما يدعم وجهة نظرنا هنا بضعف المصداقية التاريخية لنص سفر ~~الملوك الثاني (14: 23-28). ربما قام يربعام الثاني باستعادة ~~بعض المواقع التي كانت دمشق قد استولت عليها في أيام أبيه ~~يوآش، ولكنه لم يكن قادرا بالتأكيد على احتلال دمشق. # بعد عشرين سنة من حملة أدد نيراري الثالث شن الآشوريون ~~حملة جديدة على دمشق، وذلك في عهد شلمنصر الرابع. وقد جرت ~~هذه الحملة بقيادة عامل الآشوريين على مناطق الفرات المدعو ~~شمسي إيلو. وكان شمسي إيلو يقيم في مدينة تل برسيب عاصمة بيت ~~عديني السابقة، والتي كان شلمنصر الثالث قد غير اسمها إلى ~~كار شلمنصر (أي: حصن شلمنصر) بعد أن ألحق مملكة بيت عديني ~~بآشور نهائيا، ووضع عليها حاكما آشوريا يدير شئونها. وقد ~~قام شمسي إيلو بعدد من الأعمال العمرانية في المدينة، ومنها ~~قصره الكبير، الذي تم اكتشافه في الموقع وعلى بواباته أسود ~~بازلتية ضخمة نقش عليها اسم شمسي إيلو. # 23 # وهذا يعني أنه كان يتصرف كملك آشوري غير متوج، ~~وأن له مطلق الصلاحية في التصرف بشئون منطقة الفرات والخابور، ~~والنيابة عن الملك في الحملات العسكرية التي يقرر البلاط ~~شنها على مناطق بلاد الشام. ترك شمسي إيلو نصا منقوشا على ~~نصب حجري يذكر فيه إنجازاته، ومنها حملته على بلاد إميريشو، ~~وأخذه الجزية من ملكها المدعو حديانو. وقد اكتشف النص منذ ~~سنوات قريبة وقرأه الباحث ms229 هوكنز عام 1982. أما عن تاريخ هذه ~~الحملة فيرجح الباحثون أن تكون قد جرت حوالي عام 773ق.م. # 24 # وبذلك يأتينا برهان آخر على عدم صحة الخبر ~~التوراتي في الملوك الثاني (14: 23-28) حول إلحاق دمشق ~~بإسرائيل؛ لأن تاريخ الحملة الآشورية يقع في أواسط حكم يربعام ~~الثاني (793-753ق.م.) الذي يعزو إليه النص التوراتي ضم دمشق ~~وحماة. # ونستطيع الآن بفضل هذا النص الجديد أن نعرف التاريخ التقريبي ~~لوفاة بنهدد، والذي يمكن وضعه حول 770ق.م. كما نستطيع أن نضع ~~ثبتا بملوك آرام دمشق وفترات حكمهم خلال القرن الممتد من ~~أواسط القرن التاسع إلى أواسط القرن الثامن، على الوجه ~~التالي: # هدد عدر # 860-844ق.م. # حزائيل # 844-800ق.م. # بنهدد # 800-770ق.م. # حديانو # 770-؟ # في هذا الوقت الذي شهد بداية النهاية لكل من دمشق وإسرائيل؛ ~~أخذت مملكة يهوذا بالتكون والظهور على المسرح السياسي ~~الإقليمي. # الفصل الخامس # | العقود الأخيرة لدمشق وإسرائيل ونشوء يهوذا # (1) أصول يهوذا # حتى الحملة الآشورية الأخيرة التي ذكرناها على دمشق عام ~~773ق.م. إبان حكم الملك حديانو، لم تكن مملكة يهوذا قد تشكلت ~~بعد ككيان سياسي واضح في فلسطين، ولم تكن مدينة أورشليم قد ~~دخلت معترك السياسة الإقليمية والدولية. والنصوص الآشورية لم ~~تتجاهل فقط وجود مملكة يهوذا في فلسطين، بل تجاهلت كليا ~~مدينة أورشليم وكأنها غير موجودة على الخارطة السياسية ~~للمنطقة. غير أن العقود اللاحقة من القرن الثامن قبل الميلاد ~~قد بدأت تدفع أورشليم بسرعة نحو مركز الأحداث، وبدأت تظهر في ~~النصوص الآشورية بدءا من الربع الأخير لهذا القرن الحافل ~~بالأحداث الجسام في تاريخ بلاد الشام، والذي شهدت نهايته دمار ~~مملكة إسرائيل وفقدان دمشق لاستقلالها وسيادتها. ولسوف نقوم ~~فيما يلي بإعادة ترتيب المعلومات التي قدمناها سابقا في عدد ~~من المواضع التي تحدثنا فيها عن أصول يهوذا، والتي وردت في ~~معرض المقارنة مع أصول إسرائيل، وذلك لما لفهم أصول يهوذا ~~من أهمية بالغة على فهم الأحداث اللاحقة ومضامينها. # إن عودة الاستيطان إلى منطقة يهوذا وبنيامين، مع الانحسار ~~التدريجي لموجة الجفاف في المنطقة، قد سارت بشكل غير متواز ~~مع عودة الاستيطان إلى منطقة ms230 إسرائيل (الهضاب المركزية)، وذلك ~~من حيث الجدول الزمني لهذا الاستيطان، وأصول المستوطنين الجدد، ~~والبنية السياسية التي جمعت القرى الجديدة إلى بعضها في ~~النهاية. قبل عام 1200ق.م. كانت مرتفعات يهوذا فيما بين ~~أورشليم شمالا وحبرون في الجنوب خالية تقريبا من السكان، ~~وذلك فيما عدا موقعين صغيرين، هما خربة رابوض وبيت زور. وفي ~~عصر الحديد الأول (1200-1000ق.م.) استمر السكن في هذه المواقع ~~مع ظهور قرى جديدة صغيرة وقليلة جدا توضعت قرب مصادر ~~المياه الدائمة على الأطراف الشرقية لبادية يهوذا. # 1 # وتظهر الأساليب الفنية لصناعة الفخار في القرى ~~الجديدة استمرارا ثقافيا لحضارة عصر البرونز الأخير، وعدم ~~وجود تأثيرات فنية وافدة من الخارج. كما نلاحظ الشيء نفسه في ~~المواقع التي عبرت بنجاح فترة الجفاف، واستمرت خلال عصر ~~الحديد. ومع التقدم في عصر الحديد الثاني (1000-700ق.م.) ~~وخصوصا في نصفه الثاني، يتزايد عدد المواقع الجديدة بشكل ~~كبير، ويتم سكن المنطقة على نطاق واسع لأول مرة منذ نهايات ~~عصر البرونز الوسيط. # 2 # إلا أن هذا التوسع في المستقرات الزراعية الجديدة ~~لم يأت نتيجة لاقتلاع السكان الأصليين واستبدالهم بسكان جدد ~~وافدين على المنطقة، لأن المخلفات المادية لعصر الحديد الثاني ~~تظهر أيضا انتماء كاملا للثقافة المحلية في البرونز الأخير ~~وفي الحديد الأول. أما عن أصل السكان في هذه المراكز السكنية ~~الجديدة، فيبدو أنهم أتوا من ثلاثة مصادر؛ فأولا: هناك ~~التزايد المحلي السريع للسكان بتأثير الأحوال المناخية ~~المؤاتية، وما تبعها من انتعاش الزراعة والأوضاع الاقتصادية ~~عامة. وثانيا: هناك شريحة لا بأس بها من السكان الزراعيين ~~الذين أتوا من المناطق المجاورة ليهوذا. وثالثا: هناك جماعات ~~رعوية وفدت إلى يهوذا من المناطق الرعوية الشرقية والجنوبية، ~~وتحولت إلى حياة الاستقرار. وقد شكلت هذه الجماعات جزءا لا ~~يستهان به من سكان يهوذا، على عكس منطقة الهضاب المركزية التي ~~لم تساهم الجماعات الرعوية إلا بنسبة قليلة من تركيبها السكاني. # 3 # لقد شهدت منطقة يهوذا خلال القرن العاشر وأوائل القرن التاسع ~~تحولا من اقتصاد يقوم على الرعي إلى اقتصاد القرية الزراعية، ~~مع بقاء النشاط الرعوي الذي ms231 استمر في لعب دور مهم في ~~اقتصادياتها وحياتها الاجتماعية. وخلال القرن العاشر والتاسع ~~قبل الميلاد حدث تزايد سريع في السكان أدى إلى توضيح البنية ~~السياسية لمرتفعات يهوذا كمنطقة موحدة بقيادة أورشليم، إلا ~~أن الدولة التي نعرف عنها من النصوص الآشورية لأواخر القرن ~~الثامن قبل الميلاد، لم تكن قد تشكلت بعد. إن الاعتماد ~~المتزايد على الزراعة المكثفة قد خلق ازدهارا اقتصاديا، ~~وقاد إلى تكوين شبكة تجارية محلية اتصلت تدريجيا بالطرق ~~التجارية الدولية، وذلك من أجل تسويق سلع التبادل النقدي من ~~زيوت وأخشاب وخمور ولحوم. غير أنه من المستبعد أن تكون ~~الفترة الانتقالية بين الحديد الأول والحديد الثاني قد شهدت ~~قيام مدينة قوية، وذات تعداد سكاني يسمح لها بالسيطرة على ~~بقية المراكز الحضرية في يهوذا؛ ذلك أن زيادة عدد السكان ~~وطريقة توزع هذه الزيادة كان مؤشرا على دخول المنطقة في ~~فترة استقرار وازدهار نسبي، وعلى قيام تنافس اقتصادي لم يؤد ~~بعد إلى نزاع حول الموارد، التي كانت في طور النمو. # 4 # لقد لعبت أورشليم خلال عصر البرونز دور المركز التجاري ~~المسيطر على المنطقة المحيطة بها، كما لعبت دور السوق التجارية ~~للمراكز الحضرية الواقعة إلى المناطق الغربية، مثل جازر ولخيش. ~~ومع أن أورشليم قد نجحت في عبور فترة الجفاف خلال الفترة ~~الانتقالية من البرونز الأخير إلى الحديد الأول، وشاركت بشكل ~~فعال في عودة النمو الاقتصادي إلى المنطقة، إلا أنها لم تكن، ~~حتى أواخر القرن العاشر قبل الميلاد وأوائل القرن التاسع، أكثر ~~من بلدة صغيرة لم تبلغ بأي معيار أو مقياس مبلغ المدن ~~الكبرى. ويبدو أن موقعها المنعزل قد ساعدها على حفظ استقلالها، ~~ولكنه عمل أيضا على حصر نفوذها السياسي ضمن منطقتها بشكل ~~رئيسي. وبعد فترة الكمون التي مرت بها المدينة خلال الكارثة ~~المناخية والاقتصادية أخذت أورشليم بالتطلع إلى مناطق يهوذا ~~الواقعة إلى جنوبها، وكان ذلك بدافع التوسع الاقتصادي والتجاري ~~لا بدافع التوسع السياسي. من هنا، فإن قيام أورشليم ببسط ~~سيطرتها السياسية على يهوذا قد جاء عقب اكتمال عملية استيطان ~~المنطقة بشكل واسع ولم ms232 يكن سابقا عليه. # استغرقت عملية الاستيطان في منطقة يهوذا كامل القرنين العاشر ~~والتاسع قبل الميلاد، وأعقب ذلك ارتفاع في الإنتاج الزراعي ~~والحيواني، جعل من يهوذا المصدر الرئيسي لسلع التبادل النقدي ~~مع المراكز الحضرية في الغرب، ومع حبرون في الجنوب، وأورشليم ~~في الشمال. وهذا ما وضع مدينة أورشليم في منافسة مباشرة مع ~~هذه المدن من أجل السيطرة على المراكز الزراعية في منطقة ~~يهوذا، والتي لم تكن تخضع لأي نوع من المركزية السياسية. ولكن ~~المعلومات المتوفرة لدينا تشير إلى أن الوضع السياسي لمنطقة ~~يهوذا قد بقي على حاله حتى العقود الأخيرة من القرن الثامن قبل ~~الميلاد، عندما بدأت أورشليم تكتسب بالفعل ملامح المدينة ~~الكبيرة. وقد ساعدها على ذلك أفول نجم السامرة، ودمار لخيش على ~~يد آشور، وقيام الآشوريين بتنظيم تجارة الزيت في المراكز ~~الرئيسية لإنتاجه على الساحل. كما ساعد على ذلك أيضا التغيير ~~الجذري في الوضع السياسي لفلسطين الكبرى، واستيعاب أورشليم ~~لأفواج النازحين من مناطق التدمير الآشوري إبان عهد تغلات ~~فلاصر الثالث وصارغون الثاني، كما سنرى بعد قليل. وهكذا ظهرت ~~مملكة يهوذا بقيادة النخبة السياسية والاقتصادية في مدينة ~~أورشليم التي تحولت إلى مركز سياسي إقليمي كبير. وقد بدأت ~~المدينة عهدها هذا عميلا لآشور، ثم قادها التدخل المتزايد في ~~شئون التجارة الدولية إلى حتفها بعد قرن ونصف القرن تقريبا ~~من ظهورها على مسرح الأحداث. # 5 # وسنعود الآن إلى متابعة أحداث القرن الثامن، ودخول مملكة ~~يهوذا ذلك المسرح. ~~(2) الحروب الأخيرة بين دمشق وآشور # لقد دفعت دمشق الجزية للملك أدد نيراري الثالث عام 796ق.م. ~~ثم تمردت على آشور بعد موت أدد نيراري فأخضعت ثانية في عام ~~773ق.م. وقد بدا لآشور بوضوح بعد هذا التمرد أن الوضع في ~~منطقة دمشق وسوريا الغربية والجنوبية لن يستقر إلا بعد إلحاق ~~دمشق بآشور وحكمها بطريقة مباشرة. وكان على هذه الخطة أن ~~تنتظر صعود ملك قوي جديد. # في عام 745ق.م. ارتقى عرش آشور الملك تغلات فلاصر الثالث ~~(745-727ق.م.) وكان عهده فاتحة لعصر الإمبراطورية الآشورية ~~التي دامت بعده قرنا من الزمان، ms233 وامتدت من إيران ضمنا في ~~الشرق إلى مصر ضمنا في الغرب، ومن الأناضول ضمنا في الشمال ~~إلى أواسط شبه الجزيرة العربية في الجنوب. وقد أسس تغلات ~~فلاصر لسياسة ضم الأراضي المقهورة بالقوة إلى التاج الآشوري، ~~وحكمها بواسطة ولاة آشوريين معينين عليها، يقومون بدور ~~نائب الملك. كما أسس هذا الملك لسياسة الترحيل المنظم للشعوب ~~المغلوبة، وإحلال جماعات متنوعة محلها يتم اختيارها من الشعوب ~~المغلوبة الأخرى. وقد شملت عمليات التهجير الإجباري أكثر من ~~100 شعب، بما في ذلك الآشوريون أنفسهم الذين فتحت أمامهم فرص ~~الهجرة والاستقرار في أفضل الأراضي الشاغرة من سكانها. وبذلك ~~تمكن الآشوريون أخيرا من حكم الممالك الثائرة بعد أن فقدت ~~تكوينها الإثني والسياسي، وبعد أن غيرت آشور الخريطة ~~الديمغرافية للشرق القديم بكامله. # ترك تغلات فلاصر عددا لا بأس به من السجلات، إلا أنها ~~وصلتنا في حالة سيئة جدا، وذلك بسبب الإهمال المتعمد ~~لخلفائه، والذي أدى إلى تشظي الرقم الفخارية، وفقدان كثير من ~~أجزائها، وتشوش الترتيب الزمني لأحداثها. وهذا ما صعب على ~~الباحثين مهمة إعادة ترتيب هذه الأحداث. وفيما يتعلق بأخبار ~~مملكة دمشق، لدينا عدد من النصوص القصيرة عن حملات آشورية ~~مغفلة التواريخ، إضافة إلى عدد من الإشارات في الحوليات الجغرافية ~~المختصرة ~~(Eponym Chronicles) # التي تذكر فقط تاريخ الحملة والمكان ~~الموجهة إليه. وبمطابقة هذه النصوص القصيرة على تلك الإشارات، ~~والاستعانة بالأخبار التوراتية في سفر الملوك الثاني (الذي بدأ ~~محرروه يذكرون آشور اعتبارا من الإصحاح 15، وذلك في معرض ~~تقصيهم للأحداث الأخيرة التي قادت إلى دمار السامرة وزوال ~~إسرائيل)؛ يمكننا فيما يلي تقديم ثبت بأسماء ملوك إسرائيل ~~ودمشق ويهوذا وسنوات حكمهم. # دمشق # إسرائيل # يهوذا # رحيانو (رصين) 750-732 # منحيم 752-742 # آحاز 735-715 ~~- # فقحيا 742-740 # حزقيا 729-686 ~~- # فقح 740-732 # هوشع 732-722 (721) # لدينا ثلاثة نصوص قصيرة تذكر اسم دمشق على رأس الممالك التي ~~أجبرت على دفع الجزية في مناطق غربي الفرات، وتذكر اسم ملكها ~~«رحيانو»، الذي تدعوه النصوص التوراتية رصين . وهذا الاسم ~~التوراتي ربما كان تحويرا للاسم «رصيانو»، الذي استقاه المحرر ~~التوراتي من مصادر غير ms234 مباشرة قلبت الحاء الأكادية صادا. ~~نقرأ في أحد هذه النصوص الثلاثة ما يلي: «تلقيت الجزية من ~~رحيانو ملك دمشق، ومنحيم ملك السامرة، وحيرام ملك صور، وسيبتي ~~بعل ملك جبيل، وأوريكي ملك قوية، وبيسيريس ملك كركميش، وإنيل ~~ملك حماة، وبنامو ملك شمأل ... وزبيبة ملكة العرب.» # 6 # ومن المرجح أن تكون هذه الحملات الثلاثة - التي ~~استهدفت دمشق بالدرجة الأولى - قد جرت في الفترة الواقعة بين ~~عامي 842 و838ق.م. وهذا ما يعطينا فكرة تقريبية عن تاريخ ~~اعتلاء الملك رصين (رحيانو) عرش دمشق. فبما أن الملك الأسبق ~~لدمشق والمدعو حديانو قد ذكر في السجلات الآشورية عام ~~773ق.م.، وأن أول ذكر لرصين قد ورد حوالي عام 842ق.م.؛ فمن ~~المرجح أن يكون رصين قد اعتلى عرش دمشق حوالي عام 750ق.م. ~~إن ذكر مملكة دمشق في رأس قائمة المدن والممالك التي دفعت ~~الجزية لتغلات فلاصر الثالث في سجلات حملاته الثلاثة الآنفة ~~الذكر يجعل الاحتمال قويا في أن يكون الملك رصين قد أحيا ~~سياسة الأحلاف القديمة، وأن تكون دمشق خاضت حروبها الأخيرة ضد ~~آشور على رأس تحالف سوري قوي جديد، وذلك قبل أن تفقد ~~الدويلات السورية استقلالها واحدة إثر أخرى. # ولدينا نص مفصل لتغلات فلاصر الثالث يتعلق بحملة ~~واسعة على مناطق غربي الفرات، وإلحاق العديد من ممالكها بالتاج ~~الآشوري. تبتدئ الحملة من مملكة حاتريكا، ثم تهبط مناطق الساحل ~~السوري وصولا إلى غزة، ثم تصعد نحو إسرائيل، التي دفع ملكها ~~منحيم الجزية لآشور واحتفظ باستقلال مملكته بعد خسارته جزءا ~~من أراضيه الشمالية. نقرأ في النص: «مدينة حاتريكا وكل الأراضي ~~إلى جبل سيوا، ومدن جبيل وسيميرا (عاصمة آمورو) وعرقاتا وأوزنو ~~وعربا ... مدن ... البحر الأعلى جميعها بسطت نفوذي عليها، ووضعت ~~قوادا من عندي لحكمها. وكذلك مدن ... غالزا وأبيلاكا (في شمال ~~شرقي الأردن) المتاخمة لأرض عمري، وأرض ... الواسعة بكامله ~~وحدتها مع مملكة آشور. أما هانو ملك غزة، الذي هرب أمام ~~قواتي والتجأ إلى مصر، فقد قهرت مدينته غزة واستوليت على ~~ممتلكاته وعلى صور آلهته، أقمت صور آلهتي وصوري في قصره، ~~وأعلنتها آلهة ms235 للبلاد، وفرضت على أهلها الجزية. وأما منحيم ~~(ملك السامرة) فقد انقضضت عليه كعاصفة ثلجية، فهرب من أمامي ~~وحيدا كالعصفور، ثم عاد فسجد عند قدمي. فأعدته إلى قصره وفرضت ~~عليه الجزية فضة وذهبا وعباءات حريرية مزركشة # 7 ~~... ومن أرض عمري استوليت على ... وسقت سكانها ~~وممتلكاتها إلى آشور ...» # 8 # أما سفر الملوك الثاني فيقدم لنا معلومات تتقاطع مع النص ~~الآشوري أعلاه، ولكنه يدعو ملك آشور باسم «فول»، وهو اسم غريب ~~ولا وجود له في لائحة ملوك آشور. ولربما اختلط على محرر السفر ~~اسم ملك آشور تغلات فلاصر باسم واحد من قواده الذي ربما قاد ~~الحملة على إسرائيل، في الوقت الذي كان فيه الملك مشغولا ~~بقتال غزة. نقرأ في سفر الملوك الثاني هذا الخبر الأول عن آشور ~~في كتاب التوراة: «ملك منحيم بن جادي على إسرائيل في السامرة ~~عشر سنين، وعمل الشر في عيني الرب ... فجاء فول ملك آشور على ~~الأرض، فأعطى منحيم لفول ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه، ~~ليثبت المملكة في يده. ووضع منحيم الفضة على إسرائيل، على ~~جميع جبابرة البأس، ليدفع لملك آشور خمسين شاقل فضة على كل ~~رجل. فرجع ملك آشور ولم يقم في الأرض ... ثم اضطجع منحيم مع ~~آبائه، وملك فقحيا ابنه عوضا عنه» (الملوك الثاني، 15: ~~17-22). ويشذ هذا الخبر التوراتي عن الخبر الآشوري في ~~نقطتين؛ الأولى تتعلق باسم ملك آشور، والثانية تتعلق بعدم ذكره ~~لقتال تغلات فلاصر لمنحيم، وهروب الأخير ثم عودته إلى ~~السامرة بعد موافقته على دفع الجزية. # بعد الحملات المتوالية على مناطق غربي الفرات، والتي أدت إلى ~~ضم قسم كبير من الأراضي السورية إلى التاج الآشوري، بقيت دمشق ~~تجهز لحروب مقاومة جديدة، وتهيئ المناخ السياسي الملائم ~~للمواجهات المقبلة. وقد ساعدها على ذلك انشغال تغلات فلاصر ~~بحروب في المناطق الشمالية والشرقية لمدة ثلاث سنوات، فيما ~~بين 737 و735ق.م. ولما كانت مملكة يهوذا تلعب في ذلك الوقت دور ~~العميل الرئيسي لتغلات فلاصر الذي هاجم كل ممالك سوريا ~~الجنوبية وفلسطين من دون يهوذا، فقد كان لا بد ms236 لرصين ملك دمشق ~~من إزاحة الملك آحاز في يهوذا، ورفع ملك جديد يناهض آشور. ~~وهنا تقوم دمشق بعقد حلف جديد مع إسرائيل، ويتوجه رصين وفقح ~~ملك إسرائيل لحصار آحاز. ومعلوماتنا عن هذا الحلف مصدره ~~الرواية التوراتية فقط. نقرأ في سفر إشعيا: ~~«وحدث في أيام آحاز بن يوثام ملك يهوذا أن رصين ملك آرام صعد ~~مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم لمحاربتها، فلم يقدر ~~أن يحاربها. وأخبر بيت داود (أي: ملك يهوذا) وقيل له: قد ~~حلت آرام في أفرايم (أي: إسرائيل). فرجف قلبه وقلوب شعبه ~~كرجفان شجر الوعر قدام الريح. فقال الرب لإشعيا: اخرج ~~لملاقاة آحاز وقل له: ... لأن آرام تآمرت عليك بشر مع أفرايم ~~وابن رمليا قائلة: نصعد على يهوذا ونقوضها ونستفتحها ~~لأنفسنا، ونملك في وسطها ملكا؛ ابن طبئيل. هكذا يقول السيد ~~الرب ... إلخ» (إشعيا، 1-7). ونقرأ في سفر الملوك الثاني ~~أيضا: ~~«كان آحاز ابن عشرين سنة حين ملك، وملك ست عشرة سنة في ~~أورشليم. ولم يعمل المستقيم في عيني الرب إلهه، بل سار في ~~طريق ملوك إسرائيل ... حينئذ صعد عليه رصين ملك آرام وفقح بن ~~رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم للمحاربة. فحاصروا آحاز ولم ~~يقدروا أن يغلبوه ... وأرسل آحاز رسلا إلى تغلات فلاصر ملك ~~آشور قائلا: أنا عبدك وابنك، اصعد وخلصني من يد ملك آرام ومن ~~يد ملك إسرائيل القائمين علي. فأخذ آحاز الفضة والذهب ~~الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك وأرسلها إلى ملك ~~آشور هدية. فسمع له ملك آشور وصعد إلى دمشق وأخذها وسباها إلى ~~قير، وقتل رصين. وسار الملك آحاز للقاء تغلات فلاصر ملك آشور ~~إلى دمشق» (الملوك الثاني، 16: 1-10). # لا يخرج هذان الخبران عن الخط العام الذي التزمه محررو ~~التوراة في تقديم المعلومات التي تيسرت للمحرر من خلال رؤية ~~أيديولوجية ساذجة لا ترى في التاريخ إلا نتاجا لتدخل القدرة ~~الإلهية في عالم الناس، ولا تنظر إلى الأحداث في أسبابها ~~ونتائجها، ولا تحفل بالدائرة الكبرى التي يتحرك ضمنها الحدث ~~المنعزل الذي يجري تقديمه. ms237 فرصين ملك آرام، وفقح ملك إسرائيل ~~ليسا إلا أداة في يد الرب أصعدهما لحصار أورشليم عقابا على ~~خطاياها وخطايا ملكها. وملك آشور يقبل هدية آحاز ويشن حملته ~~على دمشق بعد قبوله الرشوة من أورشليم. ولكننا إذا أردنا فهم ~~هذين الخبرين على خلفية الأحداث الهامة في بلاد الشام في ذلك ~~الوقت، علينا أن نبحث عن أسباب حصار أورشليم في موقفها حيال ~~السياسة الآشورية في المنطقة، وعلاقاتها بالممالك المحلية ~~المجاورة. # لقد اتسمت سياسة إسرائيل-السامرة حيال آشور - عقب معركة ~~قرقرة - بالذبذبة؛ فكانت تعاضد دمشق أحيانا، وتقف على الحياد ~~أو تعلن ولاءها لآشور وتدفع الجزية لملوكها في أحيان أخرى، ~~وذلك حسب تقديرها للموقف السياسي العام، وتبعا للتكوين الشخصي ~~لملوكها المتعاقبين. أما يهوذا فقد التزمت منذ قيامها موقف ~~الممالأة لآشور والعمل على تنفيذ سياستها في سوريا الجنوبية، ~~مستفيدة من الانهيار العام للبنى السياسية القديمة في هذه ~~المنطقة، وسقوط الممالك السورية من حولها واحدة إثر أخرى، ~~فانتعشت وأثرت من الدمار المنتشر من حولها. وبينما ضمت آشور ~~معظم المناطق في سوريا وفلسطين إلى التاج الآشوري؛ بقيت يهوذا ~~حرة مستقلة، وعبرت القرن السابع قبل الميلاد بنجاح لا تحسد ~~عليه. من هنا، فقد عملت دمشق على إحداث تغيير جذري في هيكل ~~السلطة السياسية في يهوذا، ووضع ملك عليها يخلع طاعة آشور ويقف ~~إلى جانب دمشق في المعركة المقبلة، التي كانت آشور تخطط من ~~خلالها إلى توجيه الضربة الأخيرة لمملكة دمشق، والممالك ~~القليلة الأخرى التي بقيت حتى الآن على استقلالها. هذا، ويطلق ~~خبر سفر إشعيا - الذي أوردناه أعلاه - على الملك البديل في ~~يهوذا اسم ابن طبئيل دون أية تفصيلات أخرى. ومن ناحيتها، فقد ~~كانت إسرائيل تشعر بالخطر الكبير الذي تمثله سياسة يهوذا على ~~حدودها، واعتقدت بأن جبهة واحدة تضم دمشق وإسرائيل ويهوذا، من ~~شأنها دفع الخطر الآشوري عن المنطقة ولو مؤقتا، بانتظار ~~تغييرات داخلية في آشور، أو تحركات في مناطق نفوذها الشرقية ~~والشمالية، تشغلها ردحا من الزمان. # عندما آلت أورشليم إلى السقوط بيد رصين ملك دمشق وصلته ~~الأخبار عن عبور ms238 تغلات فلاصر الثالث نهر الفرات وتوجهه إلى ~~سوريا الجنوبية، فتراجع عن أورشليم وعاد بسرعة إلى عاصمته ~~استعدادا لقتال الآشوريين. وعند هذه النقطة من القصة يقفز ~~النص التوراتي فوق الأحداث، ويظهر أن الحملة الآشورية التي ~~قضت على دمشق هي التي أعقبت تراجع رصين عن أسوار أورشليم. أما ~~سجلات تغلات فلاصر فتظهر بوضوح أن عامين من القتال الشديد ~~بين دمشق وآشور قد سبقا الاستسلام الأخير لدمشق. ففي الحوليات ~~الجغرافية المختصرة لتغلات فلاصر لدينا ثلاث حملات على ~~سوريا الجنوبية؛ # 9 # واحدة منها على فلسطين عام 734ق.م.، واثنتان على ~~دمشق في عام 733ق.م. وفي عام 332ق.م. وهي الحملة التي قتل ~~فيها رصين. خلال الحملة على فلسطين يستولي تغلات فلاصر على ~~المناطق الشمالية من مملكة السامرة، ثم لا يتوجه لحصار ~~العاصمة، بل يتآمر لإحداث فتنة تطيح بالملك فقح حليف دمشق. ~~يقول تغلات فلاصر عن ذلك: «... ومن أرض عمري استوليت على ... ~~وسقت سكانها وممتلكاتهم إلى آشور. ثم ثاروا على ملكهم بيقحا ~~(فقح)، فجعلت عليهم المدعو أوشي (هوشع) ملكا، وتلقيت منهم ~~جزية مقدارها 1000 وزنة من الذهب.» # 10 # وهنا يتقاطع الخبر التوراتي مع الخبر الآشوري، ~~ونقرأ في سفر الملوك الثاني: «في أيام فقح ملك إسرائيل جاء ~~تغلات فلاصر ملك آشور وأخذ عيون وآبل بيت معكة ويانوح قادش ~~وحاصور وجلعاد والجليل وكل أرض نفتالي، وسباهم إلى آشور. وفتن ~~هوشع بن إيلة على فقح بن رمليا، وضربه فقتله، وملك عوضا ~~عنه» (الملوك الثاني، 15: 29-30). # إن بعض الشذرات الباقية من رقم تغلات فلاصر، إضافة إلى ~~نص آرامي مهم من مملكة شمأل؛ تعطينا صورة عما كان يجري بين ~~تغلات فلاصر ورصين ملك دمشق خلال هذا الهزيع الأخير من حياة ~~مملكة دمشق المستقلة. فعلى شذرة مشوهة من أحد الرقم نقرأ ~~بقايا نص يفيد وقوع هجوم غير ناجح على دمشق، يكتفي إثره ~~تغلات فلاصر بتدمير عدد هائل من المدن والقرى التابعة ~~لرصين، بينها مدينة حدرا التي يصفها النص بأنها مسقط رأس الملك ~~رصين (رحيانو). ونرجح أن تكون حدرا هذه هي بلدة عدرا الحالية ms239 ~~الواقعة على مسافة 25كم إلى الشمال من دمشق. يقول النص: «لقد ~~حاصرت مدينة حدرا، بيت أسلاف رحيانو ملك إميريشو ومسقط رأسه، ~~وفتحتها وسقت منها 800 أسير مع ممتلكاتهم غنيمة. كما سقت ~~750 أسيرا من مدينة كوروصا، ومن مدينة إرميا، و550 أسيرا ~~من مدينة ميتونا غنيمة. ودمرت 591 بلدة في 16 مقاطعة من بلاد ~~إميريشو، فتركتها كما الأنقاض بعد عاصفة الطوفان.» # 11 # ونستدل من هذا العدد الكبير من المدن والقرى ~~المدمرة على أن حملة تغلات فلاصر قد طالت مملكة إميريشو ~~الكبرى، والتي تشمل حوران والجولان والبقاع وبعض الأجزاء ~~الشمالية من شرقي الأردن. كما يعطينا وصف الحملة الآشورية ~~صورة عن شراسة القتال بين دمشق وآشور خلال المعارك التي ختمت ~~قرنا ونصفا من الصراع بين هاتين القوتين العظميين في ~~المنطقة. # ويبدو أن تغلات فلاصر كان يستعين في حروبه على دمشق بجيوش ~~بعض الممالك المقهورة والموالية له في سوريا الشمالية. يدلنا ~~على ذلك نص الملك بنامو بن راكب ملك يأدي (شمأل)، الذي وجد ~~على نصب أقامه هذا الملك تخليدا لذكرى أبيه الذي قتل وهو ~~يحارب في أرض دمشق إلى جانب الآشوريين. نقرأ في نص بنامو ما ~~يلي: «بحكمته وبصدقه، أخذ بطرف ثوب سيده ملك آشور الذي أعلاه ~~بين الملوك الكبار، وسار بركاب سيده تغلات فلاصر بوسط الجيش، ~~من مطلع الشمس إلى مغربها ... ثم مات أبي بنامو على رجلي سيده ~~تغلات فلاصر في المعركة، فبكاه أقرباؤه الملوك، وبكته قوات ~~سيدي ملك آشور كلها. فقام ملك آشور وجعل له نصبا على ~~الطريق. ونقل أبي من دمشق إلى آشور.» # 12 # أما عن اقتحام دمشق وقتل رصين فلا يوجد لدينا نص واضح يصف ~~ذلك فيما تبقى من سجلات وشذرات سجلات تغلات فلاصر. وقد عمل ~~الباحث # Tadmor # عام 1962 على ~~إعادة ترتيب ثلاث شذرات لرقيم مكسور وقرأها على النحو ~~التالي: «لقد ألحقت بآشور كل الأراضي الواسعة لبيت حزائيل (أي: ~~مملكة دمشق) من جبال لبنان إلى بلدة جلعازو (راموت جلعاد في ~~شرقي الأردن) وأبيلاكا (آبل بيت معكة) عند أطراف أرض ms240 عمري، ~~وعينت عليها حاكما من قبلي .» # 13 # وعلى الأرجح فإن معارك حملة عام 732ق.م. كانت ~~بمثابة المواجهة الأخيرة بين دمشق وآشور، وهي التي أفقدت دمشق ~~استقلالها، وألحقتها بالممتلكات الآشورية. وسيكون لدمشق ~~انتفاضة أخيرة بعد قليل، ولكن لا كمملكة كبيرة، بل كمدينة ~~مستضعفة تحارب تحت إمرة ملك حماة. ~~(3) نهاية إسرائيل # قبل هجومه الأخير على دمشق، عاقب تغلات فلاصر مملكة ~~إسرائيل على وقوفها إلى جانب دمشق، فسلبها أراضيها الشمالية، ~~وعين عليها ملكا جديدا يأتمر بأمره، ويدير شئون مملكة ~~صغيرة تلعب دور التابع في منطقة فلسطين. فقد كانت آشور - إلى ~~جانب اعتمادها سياسة ضم الممالك المستقلة إلى التاج الآشوري - ~~ترغب في الإبقاء على الحكم الذاتي لبعض الممالك بعد إضعافها ~~ونزع أسنانها، وذلك إلى الحد الذي يخدم مصالحها وحساباتها ~~الاستراتيجية، وكانت تبقي على الأسر الحاكمة في هذه الممالك ~~طالما أمنت لها هذه المصالح، فإذا آنس بعض هؤلاء الحكام من ~~أنفسهم قوة، وانتهزوا فرصة سانحة للتمرد؛ عمدت آشور إلى ~~البطش بهم وتصفية دولهم. وهذا ما حدث لإسرائيل في سنواتها ~~الأخيرة التي عاشتها بعد نهاية مملكة دمشق. # اعتلى عرش آشور بعد تغلات فلاصر الثالث ابنه شلمنصر ~~الخامس، الذي حكم فترة قصيرة فيما بين 726 و722ق.م.، ثم ~~خلفه صارغون الثاني، الذي حكم سبع عشرة سنة فيما بين 721 ~~و705ق.م.، وكان من أوائل أعماله حملته في مناطق غربي الفرات ~~على حلف سوري جديد تشكل هذه المرة بقيادة مملكة حماة، التي ~~اغتصب العرش فيها رجل من الجالية الحثية القوية التي تقيم ~~فيها منذ زمن بعيد، والتي صعد من صفوفها عدد من الملوك، ~~أشهرهم إرخوليني حليف حدد عدر الآنف الذكر. وقد تألف حلف حماة ~~من دويلات حماة وأرواد وسيميرا والسامرة ودمشق. ولا ندري كيف ~~شاركت دمشق في هذا الحلف بعد زوالها كمملكة مستقلة وضمها إلى ~~التاج الآشوري. والأغلب أنها قد ثارت على الحاكم المعين ~~عليها من آشور، ولجأت إلى ملك حماة الجديد، الذي وعدها ~~بالحماية وتأمين الاستقلال. ومثلها في ذلك مدينة سيميرا التي ~~كانت قد ألحقت بآشور قبل دمشق. أما ms241 هوشع ملك السامرة فقد كان ~~يتلقى تحريضا مستمرا من مصر على الثورة، ووعودا بالدعم ~~العسكري والمادي، وقد وجد في دعوة ملك حماة مناسبة لبدء ~~عصيانه. # لدينا نصان لصارغون الثاني عن قتاله لحلف حماة. نقرأ في ~~أولهما: «ياوبيدي من عامة مدينة حماة، حثي ملعون، جعل نفسه ~~ملكا على المدينة، وحرض ضدي مدن أرواد وسيميرا ودمشق ~~والسامرة، فتعاونوا وجهزوا جيشا مشتركا. دعوت جميع جند آشور ~~وأطبقت عليه في قرقرة مدينته الأثيرة، ففتحتها وأحرقتها. أما ~~هو فقد أمسكت به وسلخت جلده، وقتلت المتمردين في مدنهم، وأحللت ~~النظام والسلام بها.» ونقرأ في النص الثاني: «لقد خربت حماة ~~كعاصفة الطوفان، وسقت ملكها ياوبيدي وعائلته وكل محاربيه إلى ~~آشور مكبلين بالأصفاد، فشكلت منهم فرقة مؤلفة من 300 ~~عربة، و600 مقاتل مجهزين بالتروس والرماح، وضممتهم إلى ~~فرقي الملكية. ثم أسكنت 6300 آشوري في أرض حماة، وجعلت عليهم ~~حاكما من عندي.» # 14 # وسوف يطبق صارغون سياسة التهجير الجماعي - التي ~~مارسها على نطاق محدود في حماة - على أوسع نطاق في إسرائيل، ~~التي ما لبثت أن تلقت الضربة الآشورية الأخيرة التي أزالتها ~~من الوجود باعتبارها كيانا سياسيا وشعبا. # في سجلات صارغون لدينا نصان قصيران يخبران عن دمار ~~السامرة. نقرأ في الأول: «صارغون ملك آشور، فاتح السامرة وكل ~~بيت عمري. الذي غنم أشدود وشينوختي، وأمسك الياماني في البحر ~~كالسمك. الذي قضى على كاسكو وطابالي وخيلاكو. الذي طارد ميتا ~~ملك موشكو. الذي قهر مصر في رفح. الذي أخذ هانو ملك غزة ~~أسيرا. الذي أخضع الملوك السبعة بأراضي يدنانا على مسافة سبعة ~~أيام في البحر.» # 15 # وهكذا لم يكتف صارغون الثاني بالاستيلاء على ~~الثغور السورية على شاطئ المتوسط جميعها، من كيليكيا (خيلاكو) ~~إلى غزة ورفح في الجنوب، بل عمل على بسط سلطته على الشعوب ~~البحرية التي تتاجر مع الثغور السورية، مثل الأيونيين (= ~~الياماني) في الجزر اليونانية، والقبارصة في يدنانا (جزيرة ~~قبرص)، وبذلك ضمنت آشور السيطرة التامة على التجارة البحرية في ~~حوض المتوسط. كما وجه صارغون إلى مصر ضربة أليمة في رفح التي ~~تشكل ms242 آخر نقطة لحدودها الشمالية التقليدية، وذلك عقابا لها ~~على تدخلها في شئون آشور، وتحريضها الدويلات الفلسطينية على ~~العصيان. # وفي نص آخر أكثر تفصيلا لصارغون عن فتح السامرة نقرأ ما ~~يلي: «لقد حاصرت السامرة وفتحتها وجلوت 27290 من سكانها، ~~وجهزت من بينهم فصيلة بخمسين عربة ضممتها إلى فيلقي الملكي. ~~أما المدينة، فقد أعدت بناءها بأفضل مما كانت عليه، وأسكنت ~~فيها شعوبا من المناطق الأخرى التي قهرتها. ثم أقمت عليهم ~~حاكما من ضباطي، وفرضت عليهم الجزية.» # 16 # وبالطبع فإن سفر الملوك الثاني يحدثنا عن دمار السامرة، ~~ولكنه يعزو ذلك إلى الملك شلمنصر الخامس سلف صارغون الثاني. ~~ولعل مما يلفت النظر فعلا أن معلومات محرري التوراة بخصوص ~~آشور ودورها في أحداث النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد ~~قد بقيت غامضة ومشوشة، حتى عند هذا الوقت المتأخر من حياة ~~مملكة إسرائيل. فصارغون الثاني بقي مجهولا لديهم تماما، ~~ومحررو سفر الملوك الثاني لم يخصوه بخبر واحد رغم حملاته ~~الشهيرة التي غيرت الخارطة السكانية لبلاد الشام. نقرأ في ~~سفر الملوك الثاني الخبر التالي عن فتح السامرة: «ملك هوشع ~~بن إيلة في السامرة على إسرائيل تسع سنين، وعمل الشر في عيني ~~الرب، فصعد عليه شلمنصر ملك آشور فصار هوشع له عبدا ودفع له ~~الجزية، ووجد ملك آشور في هوشع خيانة لأنه أرسل رسلا إلى سوا ~~ملك مصر ولم يؤد جزية إلى آشور حسب كل سنة. فقبض عليه ملك ~~آشور وأوثقه في السجن، وصعد ملك آشور على كل الأرض، وصعد إلى ~~السامرة وحاصرها ثلاث سنين. في السنة التاسعة لهوشع أخذ ملك ~~آشور السامرة، وسبى إسرائيل إلى آشور، وأسكنهم في حلج وخابور ~~ونهر جوزان وفي مدن مادي» (الملوك الثاني، 17: 1-6). # وبسقوط السامرة في عام 721ق.م. انتهت مملكة إسرائيل ولم تقم ~~لها قائمة بعد ذلك، كما اختفى الاسم «إسرائيل» وبطل استعماله، ~~وحل محله اسم السامرة للدلالة على المقاطعة التي قامت على ~~أراضي إسرائيل، وذلك من العصر الآشوري إلى العصر ~~الروماني. ~~(4) سياسة التهجير الآشورية: أساليبها وأهدافها # لم تكن عمليات التهجير ms243 المنظمة - التي نشطت فعليا في عهد ~~تغلات فلاصر الثالث - بالأمر الثانوي في الأيديولوجية ~~السياسية للإمبراطورية الآشورية، بل كانت عمادها الرئيسي. فلقد ~~طالت سياسة التهجير المناطق الواقعة تحت سيطرة آشور كلها؛ من ~~إيران والخليج العربي، صعودا إلى جبال طوروس، فهبوطا نحو ~~الساحل الفينيقي، وصولا إلى حدود مصر، وكانت لها نتائج عميقة ~~الأثر على التكوين السياسي والسكاني والاقتصادي للأراضي ~~المقهورة. وقد وصلنا حتى الآن حوالي 150 نصا آشوريا تذكر ~~عمليات ترحيل واسعة النطاق، والشعوب التي طالتها هذه ~~العمليات، والمناطق التي تم تهجيرها إليها. وقد تبين أن الجزء ~~الأكبر من عمليات الترحيل كان باتجاه مناطق آشور الرئيسية في ~~مدن آشور وكالح ونينوى ودور شاروكين، أما بقية عمليات الترحيل ~~فكانت نحو المناطق التي شغرت من سكانها نتيجة عمليات ترحيل سابقة. # 17 # فالمهجرون من مملكة حماة قد أخذوا إلى آشور كما ~~رأينا في نص صارغون الثاني أعلاه، وتم ضمهم إلى الجيش الآشوري، ~~وكذلك سكان مملكة كركميش على ما يذكره نص آخر لصارغون، نقرأ ~~فيه: «في السنة الخامسة لحكمي حنث بيصيري ملك كركميش بالعهد ~~والقسم الذي أقسمه أمام الآلهة العظام، وبعث برسالة إلى ~~ميتاكوشي ملك موكشي مليئة بالمخططات العدوانية ضد آشور. فرفعت ~~يدي إلى إلهي آشور بالصلاة وتوجهت إليه، فجعلته يستسلم عاجلا ~~مع عائلته، فخرجوا جميعا من كركميش ومعهم ذهبهم وفضتهم ~~وممتلكاتهم الشخصية تقدمة لي، فرميتهم بالأصفاد، ثم أحللت في ~~كركميش سكانا من آشور.» # 18 # أما أهل القبائل العربية الذين قهرهم صارغون في ~~المناطق الشمالية من جزيرة العرب فقد تم ترحيلهم إلى أراضي ~~السامرة التي سبقتهم إليها جماعات مغلوبة أخرى. نقرأ في نص ~~لصارغون الثاني: «بناء على نبوءة صادقة من إلهي آشور، سرت ~~وقهرت قبائل ثمود وأباديدي ومارسيمانو وحاييبا؛ العرب الذين ~~يعيشون بعيدا في الصحراء، الذين لا يعرفون البحار ولا ~~الرؤساء، ولم يأتوا بجزيتهم لأي ملك. لقد أبعدت من بقي منهم ~~حيا وأسكنتهم في السامرة.» # 19 # يذكر العديد من نصوص الترحيل الآشورية أن شعوبا بأكملها قد ~~سيقت إلى المنفى، إلا أن النصوص التي تذكر أعداد المهجرين ms244 ~~لا تزيد عن ثلاثة وأربعين نصا من أصل مائة وستة وخمسين. ~~ولكي نأخذ فكرة عن العدد الإجمالي للسكان، الذين طالتهم ~~عمليات الترحيل، يكفي أن نذكر أن 13 نصا من أصل ال 46 نصا ~~التي تذكر أرقام المهجرين يتحدث عن تهجير ما يزيد عن ال ~~30000 نسمة في كل عميلة، بما فيها عملية الترحيل الكبرى لسكان ~~بابل، والتي طالت حسب الرقم الآشوري المقدم 208000 نسمة. من ~~هنا فإن الحديث عن ملايين الناس الذين طالتهم عمليات التهجير ~~الآشورية لا يدخل في نطاق المبالغة. # 20 # أما عن أهداف سياسة التهجير الآشورية فمتعددة؛ ~~فأولا: كان التهجير بمثابة عقوبة للشعوب الثائرة، التي لم ~~تنفع الوسائل الأخرى في إخماد ثوراتها المتلاحقة. وثانيا: كان ~~توطين المهجرين في المناطق الجديدة، باستثناء آشور، يستهدف ~~تغيير التركيب السكاني في المناطق المتمردة التي رحل إليها ~~هؤلاء المهجرون، وخلخلة التجانس الإثني فيها من أجل منع حدوث ~~ثورات محتملة فيها. وثالثا: كان قسم لا بأس به من ~~المهجرين يوطن في مناطق خالية من السكان بهدف إحيائها ~~اقتصاديا والاستفادة منها لصالح التاج الآشوري. أما إعادة ~~التوطين في مناطق آشور فقد استهدفت رفد القوة العسكرية ~~الآشورية بأفضل جنود البلاد المقهورة، والإفادة من الحرفيين ~~المهرة لدعم الصناعات المحلية، والإفادة أيضا من ~~الإنتلجنسيا المغلوبة في شتى وظائف القصر والإدارات العامة، ~~وأخيرا تزويد أعمال البناء العامة باليد العاملة ~~المسخرة. # وكما هو شأن الدعاوى الإمبريالية الحديثة، التي كانت تقدم ~~الاستعمار للشعوب المغلوبة على أنه إنقاذ لها من حكامها ومن ~~أوضاعها الاقتصادية المتردية، وترسم صورة للمستعمر باعتباره ~~مصلحا وحاملا لرسالة التقدم، كذلك كان شأن الدعاوى السياسية ~~الآشورية التي كانت تتوجه للشعوب بشعارات مشابهة. فآشور هو ~~المنقذ لهذه الشعوب، والمنفى الذي ينتظرها هو جنة وفردوس لمن ~~يستسلم للآلة الحربية الآشورية. ولدينا نص من سفر الملوك ~~الثاني يتفق كل الاتفاق مع هذه النغمة الإعلامية التي نجدها في ~~العديد من النصوص الآشورية. فعندما كان القائد الآشوري ربشاقي ~~يحاصر أورشليم في عهد حزقيا؛ يتوجه هذا القائد إلى أهل أورشليم ~~بخطاب تحت السور يدعوهم فيه ms245 إلى الاستسلام، الذي ستكون ~~مكافأته ترحيلهم إلى أرض جديدة يتملك فيها كل واحد منهم ~~حقلة طيبة تفيض خمرا وعسلا، ويأكل من كرمته وتينته الخاصة، ~~التي زرعها بنفسه. نقرأ في سفر الملوك الثاني: «اسمعوا كلام ~~الملك العظيم ملك آشور. هكذا يقول الملك: لا يخدعكم (ملككم) ~~حزقيا لأنه لا يقدر أن ينقذكم من يدي ... لا تسمعوا لحزقيا، لأنه ~~هكذا يقول ملك آشور: اعقدوا صلحا معي واخرجوا إلي، وكلوا ~~كل واحد من جفنته، وكل واحد من تينته، واشربوا كل ~~واحد من ماء بئره. حتى آتي وآخذكم إلى أرض كأرضكم، أرض حنطة ~~وخمر، أرض خير وكروم، أرض زيتون وعسل. واحيوا ولا تموتوا» ~~(الملوك الثاني، 18: 28-33). # الفصل السادس # | صعود يهوذا ونهايتها السريعة # إن حملات صارغون الثاني، التي أسفرت عن إلحاق دمشق بآشور وتدمير ~~السامرة، قد أحدثت دمارا كبيرا شمل معظم المناطق الفلسطينية. ~~وبشكل خاص، فقد عاث الجيش الآشوري فسادا في المدن الواقعة إلى ~~الغرب من مرتفعات يهوذا، بينها وبين السهل الساحلي، مثل جرار ولخيش ~~وبيت شمش (وتدعى هذه المنطقة بمنطقة شفلح، أو التلال المنخفضة)، ~~ولم تعد الحياة الطبيعية إلى هذه المدن إلا بعد فترة طويلة من ~~حملات صارغون. وقد انتهز ملوك أورشليم هذه الفرصة فضموا إليها ~~المناطق الجنوبية من حبرون إلى بئر السبع، كما ضموا مدن المناطق ~~الغربية التي كانت تنافسهم في الماضي القريب على تسويق منتجات قرى ~~المرتفعات. وبذلك تحولت أورشليم إلى مملكة قوية في سوريا ~~الجنوبية، بمباركة ودعم من آشور، مكافأة لها على عمالة ملوكها ~~وعونهم لها على دمشق والسامرة وبقية الممالك الفلسطينية. وبذلك ~~يأتي تشكل مملكة يهوذا كناتج للمد التوسعي لمدينة أورشليم، لا ~~كناتج لمركزية تدريجية وحدت منطقة ذات مصالح اقتصادية متبادلة، ~~كما كان الحال في تشكل دولة السامرة. فلقد تشكلت دولة السامرة ~~قبل أكثر من قرن ونصف القرن من تشكل دولة يهوذا، وحدث ذلك نتيجة ~~للتقارب بين القرى الزراعية الجديدة، وتشابك مصالحها، وبحثها عن ~~بنية سياسية قادرة على إدارة اقتصاد زراعي بلغ مرحلة النضج. ~~فقامت بينها أسرة الملك عمري الذي بنى ms246 مدينة السامرة لتكون عاصمة ~~لإقليم صار موحدا في اقتصادياته وملامحه الإثنية العامة. أما ~~دولة يهوذا، فقد قامت منذ البداية ككيان مصطنع لا يجمعه إلى بعضه ~~إلا مطامح ملوك أورشليم في السيطرة التجارية والاقتصادية على ~~مرتفعات يهوذا، وفيما بعد على الأقاليم التي دمرتها الحروب الآشورية. # 1 # ويبدو أن غياب كل من مملكة دمشق وإسرائيل عن الساحة قد جعل ~~مملكة يهوذا الحارس على طرق التجارة الدولية في فلسطين وشرقي ~~الأردن، وصارت إلى حال من القوة والثروة جعل ملوكها يفكرون جديا ~~بالاستقلال عن آشور، وتجيير كل المكاسب لحسابهم الخاص، يشجعهم على ~~ذلك ملوك مصر الذين أقلقهم وصول آشور إلى حدودهم الشمالية. # شهد آحاز ملك يهوذا الاستسلام الأخير لمدينة دمشق عام 732ق.م.، ~~وحضر شخصيا إلى المدينة للقاء تغلات فلاصر هناك، والحصول على ~~بركته لمتابعة دوره في المنطقة (الملوك الثاني، 16: 10). ثم تابع ~~سياسة العمالة لآشور حتى شهد أيضا دمار السامرة عام 721ق.م.، ~~واطمأن إلى استتباب الأمور في المنطقة بما يتفق ومصالحه. بعد ذلك ~~تخلى عن جزء كبير من صلاحياته السياسية لابنه حزقيا، الذي ارتقى ~~عرش أورشليم بعد وفاة أبيه عام 715ق.م. وسأقدم فيما يلي ثبتا ~~بملوك يهوذا الذين تتابعوا، من آحاز إلى صدقيا آخر ملوك يهوذا، ~~وسنوات حكمهم؛ وذلك ليتيسر للقارئ متابعة ما سيأتي من أخبار ~~يهوذا: # آحاز # 735-715ق.م. # حزقيا # 729-686ق.م. # آمون # 641-639ق.م. # يوشيا # 639-608ق.م. # يهوأحاز # 608ق.م. # يهوياقيم # 608-598ق.م. # يهوياكين # 598-597ق.م. # صدقيا # 597-586ق.م. # حكم حزقيا مدة طويلة جدا بلغت أربعين سنة، وقد ورث عن أبيه ~~عمالة آشور، وسار في ظل هذه السياسة فترة طويلة استطاع خلالها ~~بناء الدولة الحقيقية ليهوذا الكبرى، التي بقيت بمنجاة من ~~الحملات الصاعقة، التي أكملت عملية إلحاق مدن الساحل الفلستي ~~بآشور. وقد تلقت مدينتا جت وأشدود بشكل خاص أقسى ضربات صارغون ~~الثاني. نقرأ في نص لصارغون: «عازوري ملك أشدود امتنع عن دفع ~~الجزية، وكتب رسائل إلى الممالك المجاورة مليئة بالمخططات ~~العدوانية ضد آشور، فقمت بإقصائه عن العرش جزاء خيانته، وعينت ~~أخاه الأصغر أحيميتي ملكا. ولكن سكان أشدود كرهوا حكمه ورفعوا ~~عليهم ms247 ملكا؛ رجلا من الإغريق لا حق له بالملك. فقمت في ثورة ~~غضبي بالتوجه إلى أشدود دون أن أكمل استعداداتي العسكرية، وبما ~~توفر لي من جنود مخلصين. ولما سمع هذا الإغريقي باقترابي هرب ~~وتوجه إلى مصر. حاصرت وفتحت مدن أشدود وجت، وغنمت زوجة وأولاد ~~الملك وكنوز قصره وسكان بلاده. ثم أعدت تنظيم هذه المدن، فأحللت ~~فيها سكانا من المناطق الشرقية التي قهرتها سابقا، وعينت عليهم ~~حاكما من عندي، وأعلنتهم مواطنين آشوريين.» # 2 # في السنوات الأخيرة من حكمه، انشغل صارغون الثاني بمشكلاته ~~الداخلية، وأوقف حملاته السورية، ثم توفي عام 705ق.م. وخلفه ~~ابنه سنحاريب. انشغل سنحاريب في سنوات حكمه الأولى بالقضاء على ~~عدد من الفتن والثورات في بلاد الرافدين والمناطق الشرقية، الأمر ~~الذي أعطى حزقيا ملك يهوذا مزيدا من الإحساس بالاستقلال والإحساس ~~بقوته الذاتية. وقد قاده هذا إلى التفكير بالتمرد على آشور، يدفعه ~~إلى ذلك فراعنة الأسرة الحبشية في مصر. كما ساعد حزقيا على التفكير ~~بالتمرد الحالة العامة المناهضة للحكم الآشوري في مناطق سوريا ~~الغربية جميعها، وخصوصا مدن فينيقيا وفلسطين. وقد اعتقد جديا ~~ولفترة بأنه في حال نجاح هذا التمرد العام، وإخفاق آشور في إخماده، ~~فسيكون لأورشليم الدور القيادي في فلسطين، وربما استطاعت الحلول ~~محل آشور. ولكن هذا الوضع المتوتر في فينيقيا وفلسطين قد دفع ~~أخيرا الملك سنحاريب إلى شن حملة كبرى على المنطقة مشهورة في ~~تاريخ الحملات الآشورية. نقرأ في سجل سنحاريب عن هذه الحملة ما ~~يلي: ~~«في حملتي الثالثة توجهت إلى حاتي، لولي ملك صيدون، أخذه الخوف ~~من هيبة جلالتي، ففر وحيدا عبر البحار واختفى ذكره. أما مدنه ~~فقد تملكها الخوف من عظمة آشور، فأخضعت مدن صيدون الكبرى وصيدون ~~الصغرى، وبيت زتي، وساريبتو، ومحاليبا، وأوشو (صور)، وأكزيب، وعكا. ~~مدنه الحصينة كلها قد أخضعت تحت قدمي، وأقمت على عرش صيدون المدعو ~~توبعلو وفرضت عليه الجزية.» عند ذلك يعلن بقية ملوك الساحل وملوك ~~شرقي الأردن ولاءهم لسنحاريب، ويرسلون إليه الجزية. أما ملك أشقلون ~~على الساحل الفلستي فقد بقي على تمرده، فتابع سنحاريب حملته ms248 باتجاه ~~الساحل الفلستي، فأخضع أشقلون وقبض على ملكها المدعو صدقيا وأفراد ~~عائلته وأرسلهم أسرى إلى آشور، ثم تابع تمشيطه لمناطق الساحل قبل ~~أن يتوجه نحو الداخل لتأديب حزقيا ملك يهوذا، الذي وصلته نجدات ~~عسكرية من مصر. ~~«تابعت حملتي فحاصرت بيت داجون، وبني برقة، وآزود، وهي مدن ~~تابعة لصدقيا ملك أشقلون، ففتحتها وحملت منها الأسلاب. أما مدينة ~~عقرون فقد قام أهلها بوضع مليكهم بادي في الأغلال وأسلموه إلى ~~حزقيا يهوذا، الذي رماه في السجن. ولخوفه مني دعا حزقيا مصر ~~وإثيوبيا لمساعدته، فهبوا إليه وانتظمت صفوفهم، وشحذوا أسلحتهم ضدي ~~في سهل ألتقو. بعد استخارة نبوءة إلهي آشور، هاجمتهم وهزمتهم. وفي ~~غمرة القتال، قمت بنفسي بأسر فرسان العربات وأمرائهم من مصريين ~~وإثيوبيين، ثم حاصرت مدينتي ألتقو وتمنة وأخذتهما وحملت منهما ~~الأسلاب. بعد ذلك استبحت مدينة عقرون وقتلت مسئوليها ووجهاءها ~~الذين أجرموا، وعلقت جثثهم على الأعمدة حول المدينة، ثم أعدت ~~ملكها بادي من أورشليم وأقمته على العرش سيدا لهم، وفرضت عليهم ~~الجزية. أما حزقيا يهوذا، الذي خرج عن طاعتي، فقد ألقيت الحصار على ~~46 من مدنه وقلاعه، وعدد كبير من القرى حولها، وأخذتها جميعا ~~مستخدما المدكات والمنجنيق، التي قربها المشاة إلى مقدمة ~~الهجوم فأحدثوا أنفاقا وثغرات. سقت أمامي منهم الغنائم 200150 ~~فردا من الذكور والإناث، # 3 # شيبة وشبانا، وأحصنة وبغالا وحميرا وجمالا، ~~ماشية كبيرة وصغيرة لا حصر لها. أما حزقيا نفسه فقد صار حبيسا ~~في مقره الملكي أورشليم كعصفور في قفص، فأحطته بالمتاريس والخنادق ~~لحجز الفارين عند البوابات، والمدن التي أخذتها منه أعطيتها لملك ~~أشدود وملك عقرون ولملك غزة، فأنقصت بذلك مساحة أراضيه، ورفعت ~~الجزية المفروضة عليه بما يفوق الجزية السابقة كثيرا. لقد غمره ~~الخوف من رهبة جلالتي، والقوات التي أتى بها إلى أورشليم لمعاونته ~~اختلت صفوفها وتركته. فأرسل إلي في نينوى عاصمة ملكي ثلاثين ~~وزنة من الذهب، و800 وزنة من الفضة، وأحجارا كريمة، وكميات من ~~الإثمد وقطع الصخر الأحمر، ومقاعد وكراسي مزينة بالعاج. كما ~~أرسل إلي موسيقيين من ذكور وإناث، وأرسل بناته وسراريه.» ms249 # 4 # لا يذكر نص سنحاريب السبب الذي دفعه لفك الحصار عن أورشليم ~~والعودة إلى نينوى، والكاتب ينتقل مباشرة من مشهد الحصار المطبق ~~على المدينة إلى وصول جزية حزقيا إلى سنحاريب في عاصمته. من هنا ، ~~فإننا نرجح أن الملك الآشوري قد ارتد عن المدينة بعد أن أعلن ~~حزقيا خضوعه المطلق وقبل الجزية المضاعفة التي فرضت عليه، ~~فأرسلها في إثر سنحاريب إلى نينوى. ويبدو أن سنحاريب لم تعد له ~~مصلحة في خسارة مزيد من الوقت والجنود والأموال في حصار مدينة ~~منيعة، غدت وحيدة في أرض محروقة ومقفرة إلى أبعد الحدود، ففضل ~~الإبقاء على أورشليم في حالة التبعية بدلا عن تدميرها. ولعل قراره ~~هذا قد جاء بعد وصول أخبار من آشور عن محاولة انقلابية يجري ~~التحضير لها في نينوى، لأننا نعرف فيما بعد أن سنحاريب قد لقي ~~مصرعه على يد اثنين من أبنائه أثناء تأديته للطقوس الدينية في ~~المعبد. ومصدر هذا الخبر هو رواية سفر الملوك الثاني (19: ~~27). # لم يحفل النص التوراتي بذكر أية تفصيلات عن حملة سنحاريب على ~~فلسطين، وقارئ سفر الملوك الثاني يظن أن الملك الآشوري قد توجه ~~من نينوى مباشرة إلى أورشليم وألقى الحصار عليها، وكأن أورشليم هي ~~المدينة الوحيدة القائمة في مناطق غربي الفرات. كما أن قصة ~~المواجهة بين سنحاريب وحزقيا ينقصها الكثير من العناصر المهمة التي ~~قدمتها الرواية الآشورية؛ فصعود القوات المصرية لمساعدة حزقيا ~~بأعداد كبيرة غير مذكور بتاتا، رغم وجود تلميح باتكاء حزقيا على ~~مصر، وكذلك الأمر بخصوص المعركة الكبيرة في سهل ألتقو بين القوات ~~الآشورية وقوات مصر وحزقيا، وتراجع الأخير وتحصنه في أورشليم، ~~أما تراجع سنحاريب عن أسوار أورشليم فيعزوه محرر السفر - وكما يمكن ~~أن نتوقع دوما - إلى معجزة من الرب، نقرأ في سفر الملوك الثاني ~~ما يلي: ~~«في السنة الرابعة عشرة للملك حزقيا صعد سنحاريب ملك آشور على ~~مدن يهوذا الحصينة جميعها وأخذها، وأرسل ملك يهوذا إلى ملك آشور، ~~إلى لخيش، يقول: قد أخطأت، ومهما جعلت علي حملته. فوضع ملك ~~آشور على حزقيا ملك يهوذا ثلاثمائة ms250 وزنة من الفضة، وثلاثين وزنة ~~من الذهب. فدفع حزقيا الفضة الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت ~~الملك جميعها. وفي ذلك الزمان قشر حزقيا الذهب عن أبواب الهيكل ~~والدعائم التي كان قد غشاها حزقيا ملك يهوذا ودفعه للملك آشور» ~~(الملوك الثاني، 18: 12-16). يبدو لنا من هذا النص أن سنحاريب قد ~~استولى على المدن التابعة لحزقيا، ثم قبل جزية حزقيا ولم يقترب ~~من أورشليم. ولكن محرر سفر الملوك الثاني ما يلبث أن يقدم لنا ~~مباشرة رواية أخرى عن قيام الجيش الآشوري بحصار أورشليم. وهنا ~~نرى سنحاريب المشغول بحصار مدينة لخيش يرسل ثلاثة من قواده على ~~رأس جيش إلى أورشليم: ~~«وأرسل ملك آشور ترتان وربساريس وربشاقي من لخيش إلى الملك حزقيا ~~بجيش عظيم إلى أورشليم، فصعدوا وأتوا إلى أورشليم. ولما صعدوا ~~جاءوا ووقفوا عند قناة البركة العليا، التي في طريق حقل ~~القصار، ودعوا الملك فخرج إليهم إلياقيم بن حلقيا و... إلخ، فقال ~~لهم ربشاقي: قولوا لحزقيا: هكذا يقول الملك العظيم ملك آشور: ... ~~والآن على من اتكلت حتى عصيت علي؟ فالآن هو ذا قد اتكلت على ~~عكاز هذه القصبة المرضوضة، على مصر التي إذا توكأ عليها أحد دخلت ~~في كفه وثقبتها. هكذا هو فرعون ملك مصر للمتكلين عليه جميعهم ... ~~وإذا قلتم لي: على الرب إلهنا اتكلنا ... هل بدون الرب صعدت على هذا ~~الموضع لأخربه؟ الرب قال لي: اصعد على هذه الأرض وخربها.» ثم يعرض ~~القائد الآشوري على أهل أورشليم الاستسلام واعدا إياهم بالسبي إلى ~~أرض أفضل من أرضهم، مما اقتبسناه قبل قليل. ولكن النبي إشعيا يشد ~~من عزيمة حزقيا ويحثه على المقاومة، ويعده بتأييد من الرب الذي لم ~~يتأخر في إظهار المعجزة: «وكان في تلك الليلة أن ملاك الرب خرج ~~وضرب من جيش آشور مائة ألف وخمسة وثمانين ألفا. ولما بكروا صباحا ~~إذا هم جميعا جثث ميتة. فانصرف سنحاريب ملك آشور وذهب راجعا ~~وأقام في نينوى. وفيما هو ساجد في بيت نسروخ إلهه ضربه أدرملك ~~وشرآصر ابناه بالسيف، ونجوا إلى أرض أراراط، وملك ms251 أسرحادون ابنه ~~عوضا عنه» (الملوك الثاني، 19: 35-37). وهكذا عادت يهوذا إلى حضن ~~آشور بعد هذا التمرد القصير الأجل. ورغم الدمار الذي حل بأراضيها ~~فقد قيض لها أن تعيش مستقلة قرابة قرن آخر من الزمان تحت ~~المظلة الآشورية. ولكن تدخلها في السياسة الدولية في عصر المملكة ~~البابلية الجديدة قد قادها إلى حتفها. # توفي حزقيا عام 686ق.م. وخلفه ابنه منسي الذي حكم أربعين ~~عاما بعد وفاة أبيه. ويقص سفر أخبار الأيام الثاني سيرة منسي ~~على الوجه الآتي: «كان منسي ابن اثنتي عشرة سنة حين ملك، وملك ~~خمسة وخمسين عاما في أورشليم، وعمل الشر في عيني الرب حسب أرجاس ~~الأمم الذين طردهم من الرب من أمام بني إسرائيل. وعاد فبنى ~~المرتفعات التي هدمها حزقيا أبوه، وأقام مذابح للبعل، وعمل سواري ~~وسجد لكل جند السماء وعبدها، وبنى مذابح في بيت الرب الذي قال عنه ~~الرب: في أورشليم يكون اسمي إلى الأبد ... ووضع تمثال الشكل الذي ~~عمله في بيت الله ... وكلم الرب منسي وشعبه فلم يصغوا، فجلب الرب ~~عليهم رؤساء الجند الذين لملك آشور، فأخذوا منسي بخزامة وقيدوه ~~بسلاسل نحاس، وذهبوا به إلى بابل. ولما تضايق طلب وجه الرب إلهه ~~وتواضع جدا أمام إله آبائه وصلى إليه، فاستجاب له وسمع تضرعه ~~ورده إلى أورشليم إلى مملكته» (أخبار الأيام الثاني، 33: 1-13). ~~وكما نلاحظ من هذا النص، فإن القبض على منسي ملك يهوذا لم يأت ~~نتيجة تمرد أو عصيان من قبله، ولا لتوقفه عن دفع الجزية، أو أي ~~شيء من هذا القبيل. ولسوف نرى بعد قليل، في نص للملك أسرحادون، ~~سبب اعتقال منسي. # في عهد أسرحادون (680-669ق.م.) شملت أراضي الإمبراطورية الآشورية ~~مصر بكاملها، وأجزاء لا بأس بها من شمال أفريقيا. كما بسطت آشور ~~سلطتها على جزر المتوسط وشواطئ اليونان وآسيا الصغرى، وصارت نحو ~~أواسط القرن السابع قبل الميلاد أعظم وأوسع إمبراطورية عرفها ~~التاريخ حتى ذلك الوقت. ولكن أسرحادون - الذي لم تقف طموحاته عند ~~حد ولم تعرف المعقول - قد دق المسمار الأول في نعش آشور التي ~~بدأت تنحدر ms252 نحو الهاوية، وأمضت ما تبقى لها من عمر قصير بعد ~~وفاته، في محاولات يائسة للسيطرة على تلك الرقعة الواسعة من ~~الأراضي التي كانت تفوق قدرتها العسكرية والإدارية في ذلك الوقت. ~~وقد بلغ جنون العظمة بأسرحادون حدا جعله يتسلى بإهانة وتعذيب ~~ملوك الدول التابعة، فكان يأتي بهم من بلادهم كمشرفين على أحمال ~~مواد البناء التي ينقلونها إلى آشور لبناء قصوره الجديدة بنينوى. ~~وقد جاء اعتقال منسي ملك يهوذا في سياق هذا التصرف المجنون لملك ~~مهووس فقد كل منطق وصواب في تفكيره وسلوكه. # ورغم أن النص التوراتي (الذي لا يرى من أحداث العالم المحيط به ~~إلا ما يتعلق بيهوذا ومحيطها الضيق، وعلاقات الرضا والغضب بينها ~~وبين إلهها الذي لم يكن مهتما أيضا إلا بهذه الفئة القليلة التي ~~رفضته عبر تاريخها) لم يذكر شيئا عن ملابسات سوق منسي أسيرا ~~إلى آشور، وجعل وجهته بابل لأمر لا نعرفه؛ فإن نصا لأسرحادون ~~يعطينا صورة عن الحدث، ونعرف أن منسي قد سيق مع اثني عشر ملكا ~~من بلاد الشام، وعشرة ملوك من جزر وشواطئ المتوسط، إرضاء لنزوة ~~الملك الآشوري، الذي أراد أن يرى بعينيه ملوك الأرض يخدمونه في ~~عاصمته نينوى. يقول أسرحادون: «دعوت ملوك بلاد حاتي على الجهة ~~الأخرى للنهر؛ بعلو ملك صور، ومنسي ملك يهوذا، وقوش جبري ملك ~~آدوم، وموسوري ملك موآب، وسلبيل ملك غزة، وميتيني بعل ملك أرواد، ~~وآبي بعل ملك شمسي مورونا، وبودويل ملك عمون، وأهي مكي ملك أشدود ... ~~(يلي ذلك تعداد لبقية ملوك الجزر والشواطئ المتوسطية، وبينهم ملك ~~قرطاجة وملوك من كريت وقبرص) كل هؤلاء أرسلتهم إلى نينوى مقر ~~ملكي، وجعلتهم ينقلون إليها - تحت أقسى الظروف - مواد بناء ~~لقصري؛ جذوعا ودعائم وألواحا من خشب الأرز والصنوبر ... إلخ.» # 5 # خلال ما تبقى من فترة حكم أسرحادون، وكامل فترة خليفته آشور ~~بانيبال؛ لا يرد ذكر ليهوذا في السجلات الآشورية، ولكننا نعرف ~~من الأخبار التوراتية تتابع ملكين على عرش يهوذا خلال هذه الفترة، ~~هما آمون (641-639ق.م.) ويوشيا (639-609ق.م.)، وقد حكم يوشيا فترة ~~طويلة تقدر بثلاثين ms253 سنة، شهد خلالها انهيار الإمبراطورية الآشورية ~~وصعود الإمبراطورية الكلدانية (البابلية الجديدة). ولدينا في أخبار ~~الملك يوشيا بسفر الملوك الثاني رواية تستحق التوقف عندها قليلا؛ ~~لأنها تظهر أن مملكة يهوذا حتى هذه العقود القليلة التي سبقت ~~دمارها لم تكن على الدين التوراتي، ولم يكن أهلوها وحكامها وكهنتها ~~يعرفون شيئا عن ذلك الدين وطقوسه. فهيكل الرب كان ممتلئا بتماثيل ~~بعل وعشتاروت وغيرهما من آلهة كنعان، وبيوت البغاء المقدس تحيط ~~بهذا الهيكل من كل جهاته، وكهنة يهوذا جميعا يؤدون الطقوس ~~الكنعانية على المرتفعات، التي كان سليمان قد بناها لعشتروت ولكموش ~~ولملكوم وغيرهم من الآلهة. وقد اهتدى الملك يوشيا إلى الدين الحق ~~هو وأهل مملكته (وفق الخبر التوراتي) بعد أن تم مصادفة اكتشاف ~~مخطوط في بيت الرب أثناء عملية ترميمه، يحتوي على سفر الشريعة. ~~فجاء شافان كاتب الملك إلى حلقيا الكاهن وقال إنه وجد سفر الشريعة ~~في بيت الرب، ودفع بالمخطوط إليه ليأخذه إلى الملك. فطلب الملك منه ~~أن يقرأه أمامه ففعل، فخاف الملك خوفا عظيما لأنه عرف أن غضب ~~الرب قد اشتعل على يهوذا لأن آباءهم لم يسمعوا لكلام هذا السفر، ~~ولم يعملوا وفق ما هو مكتوب عليهم. ولنتابع ما جرى بعد ذلك، في ~~سفر الملوك الثاني، الإصحاح 23: ~~«وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم، وصعد الملك ~~إلى بيت الرب وجميع رجال يهوذا وكل سكان أورشليم معه، والكهنة ~~والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام ~~الشريعة الذي وجد في بيت الرب، ووقف الملك على المنبر وقطع عهدا ~~أمام الرب للذهاب وراء الرب وحفظ وصاياه وشهاداته وفرائضه بكل ~~القلب وكل النفس، لإقامة كلام هذا العهد المكتوب في هذا السفر. ~~ووقف جميع الشعب عند العهد. وأمر الملك حلقيا الكاهن العظيم وكهنة ~~الفرقة الثانية وحراس الباب أن يخرجوا من هيكل الرب جميع الآنية ~~المصنوعة للبعل وللسارية ولكل أجناد السماء، وأحرقها خارج أورشليم. ~~ولاشى كهنة الأصنام الذين جعلهم ملوك يهوذا ليوقدوا على ~~المرتفعات في مدن يهوذا وما يحيط بأورشليم، والذين يوقدون ms254 للبعل، ~~للشمس والقمر والمنازل ولكل أجناد السماء ... وهدم بيوت المأبونين ~~التي عند بيت الرب حيث كانت النساء ينسجن بيوتا للسارية ... ~~والمذابح التي على سطح علية آحاز التي عملها ملوك يهوذا، ~~والمذابح التي عملها منسي في داري بيت الرب هدمها الملك، ~~والمرتفعات التي قبالة أورشليم التي بناها سليمان ملك إسرائيل ~~لعشتروت رجاسة الصيدونيين، ولكموش رجاسة الموآبيين، ولملكوم كراهة ~~بني عمون، نجسها الملك ... ليقيم كلام الشريعة المكتوب في السفر ~~الذي وجده حلقيا الكاهن في بيت الرب ... ولكن الرب لم يرجع عن حمق ~~غضبه العظيم؛ لأن غضبه حمي على يهوذا من أجل جميع الإغاظات التي ~~أغاظه إياها منسي. فقال الرب: إني أنزع يهوذا أيضا من أمامي كما ~~نزعت إسرائيل» (الملوك الثاني، 23: 1-27). # في عهد آشور بانيبال - الذي ورث عن أسرحادون عالما يموج بالفتن ~~والاضطرابات - ظهر للعيان تفسخ الإمبراطورية الآشورية، بعد أن ~~كانت عوامل هذا التفسخ تعمل في الخفاء خلال أكثر من قرن. ذلك أن ~~المظهر البراق للقوة العسكرية التي لا تهزم يخفي وراءه عملية ~~انتحار بطيء تقدم عليه المجتمعات العسكرية وهي منساقة وراء ~~نشوة انتصاراتها المتواصلة. ولم يكن إجهاز الكلدانيين على آشور سوى ~~ضربة أخيرة توجه إلى جثة داخل درع سميك. فبعد وفاة آشور ~~بانيبال قام نابو بولاصر الكلداني - الذي كان قد أعلن نفسه ملكا ~~في بابل - بالتعاون مع المملكة الميدية الفتية في إيران، وأوقعوا ~~آشور بين فكي كماشة، فدمروا مدينة آشور عام 614ق.م.، ثم نينوى ~~عام 612ق.م.، فتراجع الجيش الآشوري عن كامل مناطق آشور، وأقام ~~لنفسه مقر قيادة مؤقتة في حران، قبل أن يتشتت نهائيا ويختفي ذكر ~~آشور من التاريخ. # في ذلك الوقت صعد الفرعون نخو الثاني من مصر نحو الفرات لمساعدة ~~آخر ملوك آشور المدعو آشور أباليط، الذي كان يحاول من مقره الجديد ~~في حران وقف المذبحة الشاملة للشعب الآشوري. وكانت مصر قد حصلت على ~~استقلالها عن آشور في آخر عهد آشور بانيبال، وبموافقته الضمنية على ~~ما يبدو، فقد أقنعت التجربة الآشوريين أن احتلال مصر باستمرار كان ~~مسألة عسكرية صعبة. ويبدو ms255 أن ملك مصر قد خشي من أن يعمل نابو ~~بولاصر، الملك الجديد لبابل، على ضم مصر باعتبارها من أملاك آشور ~~السابقة، ففضل المد في حياة آشور في وضعها المستضعف الجديد ~~على القبول بإمبراطورية فتية جديدة. ولا بد أن ملك مصر قد وضع ~~نصب عينيه أن يلعب دور آشور في مناطق سوريا الجنوبية، وبموافقة ~~الملك الآشوري الذي سيكون أضعف من أن يحافظ على سلطته في هذه ~~المناطق. ولكننا نعرف من الحوليات الكلدانية # 6 # أن نبوخذ نصر - الذي كان وليا للعهد في ذلك الوقت ~~- قد تصدى للمصريين وهزمهم في معركتين؛ واحدة عند كركميش، والثانية ~~قرب حماة. # لم يتعرض النص التوراتي من قريب أو بعيد لهذه الأحداث الجسام ~~التي قادت إلى زوال آشور وصعود الإمبراطورية الكلدانية، ولكنه يذكر ~~خبرا عن حملة نخو الثاني على الفرات وهزيمته في كركميش، وذلك ~~بمناسبة مرور نخو بأرض فلسطين في طريقه إلى الفرات، وتصدي يوشيا ~~ملك يهوذا له لمنعه من متابعة الحملة. وهذا الخبر مذكور في الملوك ~~الثاني 24، وفي أخبار الأيام الثاني 35 أيضا، حيث نقرأ: «بعد كل ~~هذا ... صعد نخو ملك مصر إلى كركميش ليحارب عند الفرات، فخرج يوشيا ~~للقائه. فأرسل إليه رسلا يقول: ما لي ولك يا ملك يهوذا. لست عليك ~~اليوم، بل على بيت حربي (أي: المكان الذي سأحارب فيه)، والله أمر ~~بإسراعي. فكف عن الله الذي معي فلا يهلكك. ولم يحول يوشيا ~~وجهه عنه بل تنكر لمقاتلته ... بل جاء ليحارب في بقعة مجدو. وأصاب ~~الرماة الملك يوشيا فقال لعبيده: انقلوني لأني جرحت جدا. فنقله ~~عبيده وساروا به إلى أورشليم فمات هناك» (أخبار الأيام الثاني، 35: ~~20-24). أما عن هزيمة نخو في كركميش فنقرأ عنها في مكان آخر هو ~~سفر إرميا: «كلمة الرب التي صارت إلى إرميا النبي عن الأمم، عن مصر ~~عن جيش فرعون نخو ملك مصر الذي كان على نهر الفرات في كركميش، الذي ~~ضربه نبوخذ راصر (= نبوخذ نصر) ملك بابل في السنة الرابعة ~~ليهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا» (إرميا، 46: 1-2). لا يذكر الخبر ms256 ~~التوراتي هنا أية دوافع حدت بيوشيا إلى التصدي لحملة نخو في ~~مجدو. ولكن الأرجح أن ملك يهوذا - الذي لم يكن يعرف الكثير عن ~~مخططات بابل المقبلة، وعن رغبتها ومقدرتها على ملء الفراغ الآشوري ~~في منطقته - اعتقد أن هزيمته لنخو ملك مصر سوف تفتح أمامه الباب ~~واسعا من أجل ملء الفراغ الآشوري بنفسه والسيطرة على ~~المنطقة. # إن اكتفاء محرري التوراة بهذه الأخبار القليلة والمبعثرة عن تلك ~~الفترة الحافلة في تاريخ المنطقة، والتي تزامنت مع الأحداث الأخيرة ~~التي أدت إلى دمار أورشليم وزوال يهوذا، وعزوفهم عن تقديم صورة ~~ولو باهتة وعديمة التفاصيل عما كان يجري في ذلك الوقت؛ لا يمكن ~~تفسيره فقط بجهلهم وعدم توفر المعلومات بين أيديهم؛ لأن بعضهم قد ~~سمع بهذه الأخبار ممن عاصرها وشهدها، ولم يكن بحاجة إلى مصادر ~~خارجية، بل يجب تفسيره أيضا من خلال أهداف ودوافع المحرر ~~التوراتي، الذي كان التاريخ آخر هم من همومه، ولا يرى من قوانين ~~وحركة هذا التاريخ إلا تطورا لجدلية العلاقة بين الشعب وربه، ولا ~~يأبه لأي حدث لا يتقاطع مع هذه الجدلية. # مساحة كل من إسرائيل ويهوذا ~~بعد المد التوسعي خارج المناطق الهضبية (وفق الرواية ~~التوراتية). # تراجع نخو أمام نبوخذ نصر، وأقام في ربلة (عند مدخل البقاع ~~الشمالي قرب حمص) التي لا تبعد كثيرا عن موقع قادش القديمة، والتي ~~كانت الحد الشمالي لمناطق النفوذ المصرية في سوريا إبان العصر ~~الذهبي للإمبراطورية المصرية. ومن هناك أرسل من قبض على ملك يهوذا ~~الجديد يهوأحاز، ابن يوشيا الذي قتله نخو في مجدو لشكه في ولائه، ~~وأرسله سجينا إلى مصر، وعين بدلا عنه يهوياقيم أخاه، وفرض عليه ~~الجزية (الملوك الثاني، 23: 1-7). ولكن نبوخذ نصر - الذي صار ~~الآن ملكا على بابل خلفا لأبيه - قد وضع حدا لطموحات نخو ~~وطارده حتى حدود مصر، ثم قفل راجعا إلى يهوذا وضمن ولاءها. ولكن ~~يهوياكين، ابن يهوياقيم، غير سياسة يهوذا باتجاه مصر مرة أخرى، ~~فصعد عليه نبوخذ نصر وأخذه مع أفراد أسرته إلى بابل، وسبى عشرة ~~آلاف من الجنود الأشداء ms257 والصناع المهرة، وعين بدلا عنه عمه ~~صدقيا (الملوك الثاني، 24: 8-18). ولكن صدقيا ما لبث أن غير ~~ولاءه أيضا وصدق وعود الفرعون بساميتك الثاني خليفة نخو، الذي ~~صعد إلى فلسطين في جولة ديبلوماسية عمل من خلالها على تأليب ~~الدويلات الفلسطينية ضد بابل. وزيارة بساميتك هذه غير مذكورة في ~~التوراة، ولكننا نعرف عنها من بردية مصرية ترجع إلى عام 591ق.م. # 7 # ولكن وعود مصر ذهبت أدراج الرياح، وجاء نبوخذ نصر ~~وحاصر أورشليم. ولما رأى أن الحصار سيطول ترك قسما من جيشه هناك، ~~وذهب إلى ربلة التي كانت مقره العسكري في سوريا لبعض شئونه ~~الإدارية أو العسكرية. ولما اشتد الحصار على أورشليم، وأدرك صدقيا ~~الملك أنها ساقطة لا محالة استعد للهرب مع جماعة من خيرة ~~مقاتليه. وفي هذا الوقت أحدث الجيش البابلي ثغرة في الأسوار وبدأ ~~يشق طريقه نحو الداخل، فانتهز صدقيا الفرصة ونفذ مع جماعته هاربا، ~~فتبعه الكلدانيون وأدركوه عند أريحا وأخذوه إلى نبوخذ نصر إلى ~~ربلة. فقتل ملك بابل أسرة صدقيا أمامه ثم سمل عينيه وأرسله في ~~السلاسل إلى بابل (الملوك الثاني، 25: 1-7). ثم بعث نبوخذ نصر ~~بقائده نبوزردان إلى أورشليم لهدمها وإحراقها: ~~«جاء نبوزردان رئيس الشرط عبد ملك بابل إلى أورشليم، وأحرق ~~بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم، وكل بيوت العظماء أحرقها ~~بالنار، وجميع أسوار أورشليم مستديرا هدمها كل جيوش الكلدانيين ~~الذين مع رئيس الشرط، وبقية الشعب الذين بقوا في المدينة، ~~والهاربون الذين هربوا إلى ملك بابل وبقية الجمهور، سباهم نبوزردان ~~رئيس الشرط. ولكنه أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين ...» ~~(الملوك الثاني، 25: 8-13). # وقد حفظت لنا سجلات نبوخذ نصر نصا مختزلا عن حملته على ~~يهوذا، التي انتهت بإسقاط يهوياكين وتعيين صدقيا عوضا عنه. يقول ~~النص: «في السنة السابعة، الشهر ... قاد ملك أكاد جيوشه نحو بلاد ~~حاتي، فحاصر مدينة يهوذا (أورو-يهوذا) وفتحها في شهر آذار، وأقام ~~عليها ملكا جديدا اختاره، وأخذ منه جزية كبيرة حملها إلى بابل.» # 8 # أما النص البابلي المتعلق بتدمير أورشليم فمفقود، إلا ~~أن التنقيبات الأثرية في ms258 الموقع قد كشفت عن آثار دمار شامل في ~~المدينة يرجع إلى أواخر القرن السادس ق.م.، وانقطاع في الاستيطان ~~دام قرابة قرن من الزمان، كما كشفت التنقيبات عن دمار في العديد ~~من مدن يهوذا وانقطاع أطول في الاستيطان دام قرابة قرن ونصف. # 9 # | خاتمةأفق الخرافة وبداية ~~التاريخ اليهودي # (1) خلاصة ما تقدم # لقد تتبعنا في القسم الأول من هذه الدراسة إسرائيل التوراتية ~~كما رسمتها الأسفار المسماة بالأسفار التاريخية في كتاب ~~التوراة، وبذلنا كل جهد ممكن من أجل التحقق من الوجود ~~التاريخي لكل مرحلة من مراحل تشكلها وتطورها، وذلك ابتداء ~~من عصر الآباء، وانتهاء بانهيار المملكة الموحدة وانقسامها ~~إلى مملكتين في أواخر القرن العاشر قبل الميلاد، فلم نعثر على ~~بينة واحدة تؤكد ذلك الوجود. وعلى العكس، فإن الشواهد ~~الجديدة التي تجمعت لدينا تنفي نفيا قاطعا أية إمكانية ~~لظهور كيان سياسي أو إثني من أي نوع اسمه إسرائيل قبل أواسط ~~القرن التاسع قبل الميلاد، وذلك عقب بناء مدينة السامرة التي ~~صارت عاصمة لمنطقة الهضاب المركزية في فلسطين، فهنا يظهر لأول ~~مرة كيان سياسي اسمه إسرائيل، وتأخذ ملامحه الإثنية بالتوضح ~~عقب الاتجاه نحو المركزية السياسية التي بدأت تجمع تدريجيا ~~القرى الزراعية التي نشأت حديثا في عصر الحديد الأول، والتي ~~جاء مستوطنوها من مصادر متنوعة لا من مصدر واحد. ومرة أخرى، ~~فإن إسرائيل-السامرة هذه لا يربطها بصورة إسرائيل-السامرة في ~~التوراة إلا أوهى الروابط. وكذلك يهوذا التي نشأت بعدها ~~بقرنين من الزمان. فالدولتان قد نشأتا تباعا في فلطسين بعد ~~القرن العاشر قبل الميلاد، ولم تسبقهما مملكة واحدة كانت ~~أصلا لهما، ولا وجود لأرضية مشتركة جمعت بينهما. وكما نشأت ~~هاتان الدولتان تباعا فقد دمرتا تباعا أيضا، واختلفت ~~مصائرهما التاريخية أيما اختلاف. # إن البحث عن التاريخ في النص التوراتي هو عمل أشبه بالبحث ~~عن السمسم في كيس من البندق؛ لأن النص التوراتي ليس نصا ~~تاريخيا بأي معيار حديث أو قديم، وهو لم يقصد لأن يكون ~~نصا تاريخيا، إنه قصة أصول يغيب فيها الحدث المدقق ~~المحقق لصالح العقدة القصصية. وحتى ms259 عندما تتوفر للمحرر ~~التوراتي بعض المعلومات التاريخية عن الفترات المتأخرة من حياة ~~مملكتي إسرائيل ويهوذا فإنه لا يضع هذه المعلومات في سياقها ~~التاريخي الصحيح، ولا يعمد إلى فهمها من خلال الإطار العام ~~للأحداث الجارية في المنطقة، بل من خلال المنظور الأيديولوجي ~~اللاهوتي، الذي لا يرى في الحدث المرصود إلا نتاجا لردود ~~الفعل المتبادلة بين الإله وشعبه. إن الأسفار المدعوة ~~بالتاريخية هي سلسلة من المرويات الشعبية ذات الأصول ~~المختلفة، جمعت إلى بعضها في نسيج واهي الحبكة، وترتيب زمني ~~مفروض عليها من خارجها، سواء فيما يتعلق بأحداث القصة الواحدة، ~~أم فيما يتعلق بالقصص المتتابعة التي ألصق بعضها إلى بعض، ~~والتي تظهر فجوات لا يمكن عبورها بشكل منطقي. أما الزمرة ~~الثانية الرئيسية من أسفار التوراة، وهي أسفار الأنبياء، مثل ~~إشعيا وإرميا وحزقيال، فليست إلا مجموعات من أقوال ومأثورات ~~حكموية قديمة، تختصر ألف عام تقريبا من التقاليد النبوئية في ~~فلسطين والمناطق المجاورة لها. وموضوع هذه التقاليد هو إدانة ~~السلوك العام للناس، ونقد الحكومات، والكشف عن الانحرافات ~~والمظالم والانحطاط الخلقي والنفاق الديني في المجتمع. وقد قام ~~المحررون التوراتيون بجمع هذه المادة الغنية القديمة، ~~فرتبوها وصنفوها ووضعوها على لسان شخصيات نبوية متميزة قد ~~يكون بعضها من أصل تاريخي. ثم جعلت هذه المادة تدور حول فكرة ~~أساسية في أسفار الأنبياء جميعها، وهي أن دمار إسرائيل ويهوذا ~~كان بمثابة عقاب إلهي على خطايا الجماهير والحكام، وتجاهلهم ~~عبادة الإله الحق، وأن الرحمة الإلهية سوف تلحق بالتوابين ~~العائدين من السبي البابلي إلى حظيرة الرب. ورغم احتواء أسفار ~~الأنبياء على العديد من الأخبار المتعلقة بدولتي إسرائيل ~~ويهوذا وأخبار فترة السبي البابلي إلا أن هذه الأخبار ترد خارج ~~سياقاتها التاريخية، وتوظف لخدمة الرؤية اللاهوتية. # إن هم المحرر التوراتي ليس هما تاريخيا بالدرجة ~~الأولى، بل هم تراثي، إنه يعمل على جمع وتصنيف وإعادة صياغة ~~تركة ثقافية شعبية متعددة النشأة والأصول وخطوط التداول، ~~ليصنع منها قصة أصول. وضمن هذا الجنس الكتابي فإن المحرر يلجأ ~~إلى استبعاد ما حصل فعلا، هذا إذا توفرت لديه المادة ms260 الموثقة، ~~لصالح رغبته في تصديق سلسلة ما من الأحداث، أو جعل قارئه في ~~حالة تصديق لها. وليس الناتج الأخير لهذه العملية الشاقة ~~فعلا والمعقدة إلا جنسا كتابيا هجينا لا يربطه بجنس ~~الكتابة التاريخية إلا أوهى الروابط. # لقد استطعنا من خلال النقد النصي والتاريخي والأركيولوجي ~~للأسفار التاريخية أن نظهر وبالتفصيل أن محرري التوراة في ~~الفترات المتأخرة إبان العصر الفارسي لم يكن بين أيديهم ~~معلومات تتعلق بتلك الفترات الموغلة في القدم التي يروون عن ~~أحداثها، سواء أكانت هذه المعلومات متناقلة شفاها أو كتابة، ~~وذلك من عصر الآباء إلى انهيار المملكة الموحدة. أما المصادر ~~الكتابية - التي يدعي المحررون في بعض المواضع الاستناد ~~إليها - فإننا غير متأكدين من وجودها أصلا، ولا من الطريقة ~~التي عمد المحررون إلى الإفادة منها، وذلك مثل سفر ياشر وسفر ~~موسى وغيرها. # ففيما عدا مصر - التي لم يذكر النص التوراتي اسم فرعونها في ~~سفر التكوين وفي سفر الخروج، ولم يورد أية معلومات يمكن أن ~~تساعد على تبين الحقبة الموازية في التاريخ المصري - فإن ~~النص التوراتي لم يتعرض إلا للشعوب والقبائل المجاورة للمناطق ~~الهضبية التي قامت على أراضيها فيما بعد دولتا إسرائيل ويهوذا، ~~وذلك مثل موآب وآدوم وعمون في الشرق، وفلستيا في الغرب. ~~وغالبا ما وردت أسماء هذه الشعوب في سياق زمني يتضمن مفارقة ~~تاريخية واضحة. فممالك شرقي الأردن التي قهرها موسى في آخر ~~مراحل ملحمة الخروج لم تكن موجودة في ذلك الوقت على ما يبينه ~~المسح الأركيولوجي للمنطقة. ومنطقة الساحل الفلسطيني الجنوبي - ~~التي يدعوها سفر الخروج بأرض الفلسطينيين (= الفلستيين) - لم ~~تكن قد استقبلت زمن الخروج أية موجة من موجات شعوب البحر من ~~فلستيين وغيرهم. ومن بين الممالك الفينيقية على الساحل السوري ~~جميعها لم يرد إلا ذكر صيدون. أما بقية تلك الممالك من ~~أوغاريت إلى صور فغائبة تماما. ومثلها تلك الممالك الكبرى ~~التي ازدهرت من حول أولئك الإسرائيليين المفترضين عبر عصورهم. ~~فبابل حمورابي في بلاد النهرين، وماري على الفرات الأوسط، وحلب ~~(يمخاض) وآلالاخ في الشمال السوري، وقطنة وقادش في سوريا ~~الوسطى؛ ms261 غائبة عن سير عصر الآباء الذين كانوا يرتحلون بين ~~الفرات وفلسطين، وكأنما يتحركون على مسرح خال تماما إلا من ~~القبائل الرحل وآبار المياه في الواحات. وكذلك الأمر فيما ~~يتعلق بالممالك الحثية الجديدة في الشمال السوري، والممالك ~~الآرامية الجديدة على الخابور والفرات وفي المناطق الغربية، ~~التي ازدهرت منذ مطلع عصر الحديد، فجميعها غائب عن عصر يشوع ~~وعصر القضاة، وكذلك مصر التي كانت تسيطر في ذلك الوقت على وادي ~~يزرعيل وعدد من النقاط الاستراتيجية الأخرى. وفي عصر المملكة ~~الموحدة لا يرد ذكر لآشور التي كان نفوذها قد تجاوز الفرات ~~ووصل إلى مناطق الساحل، ولا للممالك الآرامية القوية التي كانت ~~تقارع آشور على الفرات وفي الشمال السوري. وبدلا من هذه ~~الممالك التي تجملها أخبار الملك داود تحت عنوان «آرام التي ~~في عبر النهر»، فإن محرر سفر الملوك الأول يبتكر ممالك لم ~~يرد لها ذكر في التاريخ، ولم تقم الدلائل الأركيولوجية على ~~وجودها، وذلك مثل آرام صوبة ومعكة وبيت رحوب وجيشور وغيرها. ~~وبالمقابل فإن السجلات الكتابية للحضارات القديمة جميعها لم ~~تورد خبرا واحدا يدعم الرواية التوراتية من عصر الآباء إلى ~~قيام أسرة الملك عمري وبناء مدينة السامرة في النصف الأول من ~~القرن التاسع قبل الميلاد. # فمع قيام أول أسرة حاكمة في إسرائيل، وهي أسرة الملك عمري ~~الذي بنى السامرة حوالي عام 880ق.م.، يبدأ اسم إسرائيل بالظهور ~~في وثائق الشرق القديم، ولكن بصيغة إسرائيل-السامرة لا بصيغة ~~دولة كل إسرائيل التوراتية. أما دولة يهوذا فلم يرد ذكرها، ~~ولا ذكر أحد من ملوك أورشليم إلا بعد مرور قرن ونصف القرن ~~على ورود اسم إسرائيل وأسرة عمري. فقد ورد اسم آحاز ملك يهوذا ~~في وثائق آشور حوالي عام 732ق.م. بشكل عارض، وضمن لائحة ~~الملوك الذين أرسلوا الجزية إلى الملك تغلات فلاصر في نينوى، ~~وهذا أول ذكر في التاريخ لأي ملك من ملوك يهوذا أو أورشليم، ~~الأمر الذي يقدم بينة إضافية على أن مملكة يهوذا قد نشأت ~~بعد مملكة إسرائيل ولم تعاصرها إلا فترة قصيرة فقط. من هنا، ~~فإن ms262 ملوك أورشليم السابقين الذين يرد ذكرهم في المرويات ~~التوراتية على أنهم ملوك يهوذا لم يكونوا (في حال صحة الأخبار ~~التوراتية عن أسمائهم وسنوات حكمهم) سوى أمراء محليين لمدينة ~~أورشليم التي كانت صغيرة ومنعزلة عن الأحداث الدولية. # وتقدم نتائج علم الآثار صورة أكثر تخييبا للآمال في ~~العثور على إسرائيل التوراتية. فالمواقع الفلسطينية جميعها في ~~منطقتي الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا، وخارجهما؛ تظهر ~~استمرارية ثقافية محلية كنعانية فيما بين عصر البرونز الأخير ~~وعصر الحديد الثاني، ولا يوجد أي دليل أثري على حلول أقوام ~~جديدة في هذه المنطقة جلبت إليها تقاليد ثقافية مغايرة. وقد ~~سقطت اليوم إلى غير رجعة نظرية الاقتحام العسكري لأرض كنعان من ~~قبل القبائل الإسرائيلية الموحدة تحت قيادة يشوع بن نون، ~~وتدمير مدنها الرئيسية؛ لأن نتائج التنقيب الأثري في هذه ~~المواقع تنفي الرواية التوراتية. أما عن المملكة الموحدة، فإن ~~المسح الأركيولوجي للمناطق الهضبية - التي كانت نواة هذه ~~المملكة - ينفي وجود قاعدة سكانية واقتصادية في هذه المناطق ~~خلال القرن العاشر، تسمح بقيام مثل هذه المملكة. فمملكة داود ~~وسليمان ليستا مستبعدتين تاريخيا فقط، بل إنهما مستحيلتا ~~الوجود. ناهيك عن نتائج التنقيب الأثري في موقع أورشليم ذاتها، ~~والذي أظهر أن مدينة أورشليم في القرن العاشر قبل الميلاد لم ~~تكن إلا بلدة صغيرة جدا، ومن غير الممكن أن تكون هذه البلدة ~~قد استطاعت بناء هيكل ديني يربو على مساحتها، وبناء قصور ~~ملكية لسليمان وزوجاته، وصروحا مدنية وإدارية ضخمة. وذلك ~~إضافة إلى عدم العثور على أي شاهد أثري على أن هذه الأبنية ~~قد قامت في يوم من الأيام. # أما في القسم الثاني من دراستنا فقد تتبعنا اتجاهات البحث ~~التاريخي الحديث في أصول إسرائيل، وبسطنا أمام القارئ أهم ~~النظريات الحديثة في هذا الموضوع، فوجدنا أنه فيما عدا البقية ~~المتعنتة من أصحاب الاتجاه المحافظ التقليدي فإن نظريات ~~الباحثين المحدثين قد نحت جانبا الرواية التوراتية في أصول ~~إسرائيل، وحاول كل منها على طريقته البحث عما حدث فعلا خلال ~~الفترة الانتقالية من عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد وأدى ~~إلى ms263 نشوء إسرائيل. ثم انتقلنا اعتمادا على النتائج الميدانية ~~للمسح الأركيولوجي الشامل لمنطقتي الهضاب المركزية ومرتفعات ~~يهوذا إلى رسم الصورة الأكثر قربا إلى الحقيقة التاريخية ~~لتشكل مملكة إسرائيل التاريخية ومملكة يهوذا، ووجدنا أن ~~هاتين الدولتين قد نشأتا على الخلفية الثقافية العامة لعصر ~~البرونز الأخير في فلسطين في حقبتين متباعدتين وشروط مختلفة. ~~فبينما اكتملت القاعدة السكانية والاقتصادية لقيام إسرائيل في ~~أوائل القرن التاسع قبل الميلاد، فإن القاعدة السكانية ~~والاقتصادية اللازمة لقيام يهوذا لم تكتمل قبل أواخر القرن ~~الثامن قبل الميلاد. وقد جاء سكان هاتين الدولتين من مصادر ~~فلسطينية محلية متعددة ومن المناطق الرعوية في البلاد ~~المجاورة، إضافة إلى شرائح سكانية مقتلعة من مواطنها في ~~حوض المتوسط. ويظهر الطابع الثقافي الكنعاني السائد في ~~المواقع التي تم التنقيب فيها جميعها أن الشريحة السكانية ~~المحلية لا بد وأنها كانت الغالبة على التركيب السكاني في ~~إسرائيل ويهوذا. من هنا، فإن الروابط التي يمكن أن تكون قد ~~جمعت بين هاتين المملكتين ليست أكثر من الروابط التي جمعت أية ~~دولتين أخريين في منطقة فلسطين والجنوب السوري، والقاعدة ~~المشتركة بينهما ليست إلا من ابتكار قصة الأصول التوراتية. وقد ~~بينا أن المساحة التي شغلتها كل من إسرائيل ويهوذا لم تتعد ~~المناطق الهضبية من فلسطين إلا في الأزمنة المتأخرة، وعلى شكل ~~مد استعماري قصير الأجل، لم يتوصل إلى استيعاب سكان المناطق ~~المستعمرة وضم أراضيها بشكل كامل. وإذا كان كل من إسرائيل ~~ويهوذا قد حقق في منطقته الهضبية نوعا من الإثنية خلال الفترة ~~القصيرة لحياته، فإن هذه الإثنية لم تصمد أمام التخريب الشامل ~~للطابع الإثني لفلسطين نتيجة لسياسة الاقتلاع والتهجير ~~الآشورية، ثم البابلية. ودخلت مناطق فلسطين جميعها العصر ~~الفارسي وقد تغيرت بشكل جذري. # إضافة إلى تباين أصول إسرائيل ويهوذا، واختلاف مسار حياتهما ~~ومصائرهما التاريخية، فإن القاعدة الدينية التي جمعت بينهما لم ~~تكن أكثر تجانسا من القاعدة الدينية التي جمعت أية مملكتين في ~~فلسطين وسوريا الجنوبية خلال تلك الفترة من حياتهما. لقد ~~ابتكرت قصة الأصول التوراتية كيانا إثنيا اسمه «كل إسرائيل» ~~منذ مرحلة ms264 الخروج من مصر، ثم ابتكرت له صيغة سياسية وجدتها في ~~مملكة داود وسليمان. ولكي تكتمل وحدة هذا الكيان فقد سحب محررو ~~التوراة تصوراتهم الدينية التي نضجت خلال العصر الفارسي على ~~مراحل قصة الأصول جميعها، وجعلوا الإله الواحد المجرد الذي ~~بشرت به أسفار الأنبياء إلها للقبائل الإسرائيلية منذ ~~بداياتها الأولى. فهذا الإله المتأخر هو نفسه إله الآباء، وهو ~~الذي أعطى الشريعة لموسى على جبل حوريب، وهو الذي بنى له ~~سليمان هيكلا في أورشليم. إلا أن المحررين لم يفلحوا في ضبط ~~الإطار الأيديولوجي الديني لتلك القصص القديمة التي بقيت تسبح ~~في أجوائها الدينية الأصلية، وكهنوت أورشليم في العصر الفارسي ~~الذي كان مدفوعا بهاجس لاهوتي توحيدي بتأثير المناخ الفكري ~~السائد خلال العصر البابلي الجديد والعصر الفارسي قد أخفق في ~~فرض رؤياه عبر تفاصيل قصة الأصول. # يطالعنا سفر إشعيا على وجه الخصوص بعدد من التصورات الجديدة ~~حول إله واحد شمولي لم نعهدها عبر أسفار الكتاب. فنقرأ فيه ~~على سبيل المثال: «أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر، ويدي أسست ~~الأرض ويميني نشرت السموات. أنا أدعوهن فيقفن معا» (48: ~~12-13). «هكذا قال الرب: السماء كرسيي والأرض موطئ قدمي. أين ~~البيت الذي تبنون لي، وأين مكان راحتي، وكل هذه قد صنعتها يدي» ~~(66: 1-2). «أنا الرب ولا إله غيري، إله بار ومخلص ليس ~~سواي. التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأني أنا ~~الله وليس آخر. بذاتي أقسمت، خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع: ~~أنه لي تجثو كل ركبة، يحلف كل لسان» (45: 21-23). وهذا الإله ~~الجديد - الذي يعلن نفسه إلها للشعوب جميعها في أقاصي الأرض - ~~لا يرضى بالذبائح، ولا تلذ له رائحة المحرقات مثل ذلك ~~الإله القديم، بل يطلب الخير في الناس والعمل الصالح. نقرأ في ~~عاموس: «اطلبوا الخير لا الشر لكي تحيوا ... بغضت كرهت ~~أعيادكم، ولست ألتذ باعتكافاتكم. إني إذا قدمتم لي ~~محرقاتكم وتقدماتكم لا أرضى، وذبائح السلامة من مسمناتكم ~~لا ألتفت إليها. أبعد عني ضجة أغانيك، ونغمة ربابك لا أسمع. ~~وليجر الحق كالمياه، والبر كنهر دائم» ms265 (عاموس، 55: 14). وفي ~~هوشع نقرأ: «إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من ~~محرقات» (هوشع، 6: 6). وفي إشعيا نقرأ أيضا: «لماذا لي كثرة ~~ذبائحكم؟ يقول الرب. أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات ~~... اغتسلوا، تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني» (إشعيا، 1: ~~11-17). وبالطبع فإن إشعيا، أو أي واحد من هؤلاء الأنبياء، ~~سوف يصاب بالهلع إذا قرأ في الأسفار السابقة أن الله قد تناول ~~وجبة الغداء تحت الشجرة في ضيافة إبراهيم وسارة، وأن يعقوب قد ~~صارعه حتى طلوع الفجر عند مخاضة يبوق، وأن سبعين من شيوخ ~~إسرائيل قد صعدوا جبل حوريب مع موسى ورأوا الله وجها لوجه، ~~وأكلوا وشربوا هناك، إلى آخر هذه القصص التي تنتمي إلى ~~أيديولوجيا مختلفة تماما عن أيديولوجيا أسفار ~~الأنبياء. # وقد انتقل بنا البحث أخيرا إلى دراسة وتفسير الأحداث التي ~~جرت في فلسطين وبلاد الشام خلال النصف الأول من الألف الأول ~~قبل الميلاد، وألقينا الضوء على دور مملكة آرام دمشق في تلك ~~الأحداث وعلاقاتها مع آشور وبقية دول المنطقة، ورصدنا بالتفصيل ~~المجريات التي قادت إلى نهاية دمشق كمملكة مستقلة، وإلى دمار ~~كل من إسرائيل ويهوذا، وذلك من خلال منهج علمي يعتمد ~~بالدرجة الأولى على السجلات التاريخية والوثائق الكتابية، ~~ويربط الأسباب بالنتائج دون شطط في الخيال، أو تغليب للهوى ~~الشخصي، أو مسايرة لما يعرفه الناس على حساب ما يجب أن ~~يعرفوه. # عند هذه النقطة، أعتقد أن السؤال الكبير الذي صرنا مطالبين ~~بالإجابة عليه هو التالي: # إذا لم تكن إسرائيل التوراتية قد وجدت قط، وإذا لم تكن ~~دولتا السامرة ويهوذا قد نشأتا عن المملكة الموحدة لداود ~~وسليمان، ولم يكن لهما قاعدة مشتركة جمعتهما على أي صعيد، ~~وإذا لم يكن للدين التوراتي أي أثر في فلسطين قبل العصر ~~الفارسي، ولم يكن ليهود ما بعد السبي علاقات مباشرة بأهل ~~إسرائيل ويهوذا ما قبل السبي؛ فلماذا وكيف تم خلق هذه الخرافة ~~الكبرى؟ ~~(2) اليهودية والنظام العالمي الجديد للإمبراطورية ~~الفارسية # لم تكن عمليات التهجير الجماعي التي مارسها الآشوريون بمثابة ~~عقاب للشعوب المغلوبة فقط، وإنما هدفت ms266 إلى تحقيق حالة من ~~التوازن الإثني والسياسي في المناطق التي تم ترحيل الشعوب ~~المسبية إليها. فكان الآشوريون، ومن بعدهم البابليون، يمنحون ~~المهجرين في مناطقهم الجديدة أراضي خصبة، ويبسطون حماية ~~الدولة عليهم لكي يغدو هؤلاء بمثابة ممثلين للسلطة ~~الإمبراطورية في تلك المناطق، فيعملون على معارضة أو قمع ~~النزعات التحررية التي يمكن أن تنشأ بين السكان ضد الحاكم. وقد ~~لعب المهجرون هذا الدور المرسوم لهم حتى في بعض المدن الكبرى ~~في الإمبراطورية، حيث شكلوا جيوبا اجتماعية تعمل على تهدئة ~~القلاقل وتخفف من حدة المعارضة. وقد تابع حكام الإمبراطورية ~~البابلية الجديدة وحكام الإمبراطورية الفارسية هذه السياسة على ~~نطاق واسع، وحاولوا من خلال التحكم بتحركات الشعوب خلق شرائح ~~اجتماعية مدعومة ومدربة من قبل السلطة وموالية لها، ولكن ~~إلى الحد الذي لا يؤدي إلى خلق قوى إقليمية تخرج في النهاية ~~عن تابعيتها للإمبراطورية. # 1 # وكورثة لإمبراطورية مؤسسة ومستقرة تقريبا، لم يكن على ~~البابليين والفرس أن يدافعوا عن «حق المنتصر» على أراضي ~~المقهورين وثرواتهم، فهؤلاء الورثة كانوا يتعاملون مع شعوب قد ~~تم قهرها وترويضها، ولا حاجة بهم إلى إعادة توكيد السلطة ~~عليها. من هنا فإن الإدارة الإمبراطورية الجديدة قد توجهت في ~~سياستها إلى توكيد «حق الوراثة» لا «حق المنتصر». وتحولت ~~أساليبها الدعائية من فرض الخوف والرعب إلى كسب الدعم والولاء ~~للوارث الجديد. ذلك أن البنى التحتية للمقاطعات الآشورية ~~السابقة يمكن الآن إعادة بنائها لكي تساهم في الإنعاش ~~الاقتصادي العام للإمبراطورية، بعد أن زال الخوف تقريبا من ~~تشكيلها تهديدا حقيقيا لأمن الحاكم. إن نصوص التهجير، أو ~~إعادة الترتيب السكاني في الإمبراطورية البابلية أقل بكثير ~~من النصوص الآشورية، وهي مختلفة جوهريا من حيث أدواتها ~~الخطابية والإعلامية. ونحن هنا أمام نغمة إعلامية جديدة تهدف ~~إلى إقناع الشعوب بقبول السيد الجديد، وما جلبه حكمه من ~~تغييرات جذرية، والحصول على الولاء الطوعي من قبل التركيب ~~السكاني المعقد للإمبراطورية الواسعة الأرجاء. فالسيد ~~الجديد، كما تعيد هذه النصوص وتكرر، هو محرر الشعوب من نير ~~الاستعباد، ومخلصهم من الحاكم البربري السابق الذي داس على ms267 ~~كرامتهم، وشتتهم وسبى آلهتهم. # 2 # ورغم أن حكام الإمبراطورية الجديدة قد تابعوا عمليات السبي ~~والتهجير الجماعي على الطريقة الآشورية، إلا أنهم قد ابتدءوا ~~في الوقت نفسه سياسة إعادة توطين المهجرين السابقين في ~~أراضيهم، ووضعوا النظرية الإعلامية لهذه السياسة، وهي النظرية ~~التي تبناها حكام الإمبراطورية الفارسية بعد ذلك، وصارت عماد ~~دعاوتهم السياسية . ولدينا أكثر من نص بابلي يؤسس لنظرية ~~وممارسة إعادة التوطين، منها نص لنبوخذ نصر يقدم فيه ~~نفسه كمحرر للقرى اللبنانية من القمع الأجنبي؛ فهو من أعاد ~~السكان إلى مواطنهم، وهو الذي جمعهم ووجههم إلى أراضيهم ... إلخ. # 3 # وهنا يجري التأسيس لأول مرة لفكرة «العودة» كعنصر ~~مركزي في سياسة التهجير وإعادة التوطين البابلية. وتظهر هذه ~~الفكرة بشكل خاص في نصوص الملك نابونيد الذي يقدم نفسه فيها ~~محررا للآلهة من الأسر، ومحرر رعاياه الذين أعاد توطينهم في ~~أراضيهم، وباني المعابد المهجورة التي عهد بها إليه الإله ~~مردوخ. ولعل أهم نصوص نابونيد التي تؤسس لنظرية وممارسة ~~السياسة السكانية البابلية هو نص إعادة بناء مدينة حران، الذي ~~يتحدث فيه عن إحياء المدينة المهجورة، وإعادة بناء معبد الإله ~~سن فيها، وجمع السكان إليها من عدد من بقاع الإمبراطورية ~~البابلية. نقرأ في النص: ~~«هذه هي المعجزة التي أظهرها الإله سن. المعجزة التي لم يكن ~~لإله آخر أن يظهر مثلها. لقد هبط سن، سيد الآلهة والإلهات ~~في السموات العلا، نزل من عليائه إلي أنا نابونيد، ودعاني ~~لأن أكون ملكا بعد أن تضرع إليه كل الآلهة والإلهات ليفعل ~~ذلك. وفي منتصف الليل، جاءني في الحلم وقال لي: أعد بناء ~~إهلهول؛ معبد سن في حران، ولسوف أسلم إلى يديك قياد البلاد ~~جميعا ... سن يا سيد الآلهة، أنت الذي يمسك بيده قوى الإله آنو، ~~ويستخدم كل قوى الإله إنليل، ويسيطر على قوى الإله إيا، فيجمع ~~بذلك إليه كل القوى السماوية. أيها السيد بين الآلهة، يا ملك ~~الملوك ويا رب الأرباب، أمرك لا يعارضه أحد، وكلمتك لا يطالها ~~تغيير. تنفيذا لأمر إلهي أعدت بناء إهلهول معبد سن، وسقت ~~إلى حران ms268 جماعات من بابل ومن سوريا العليا، من حدود مصر عند ~~البحر الأعلى (المتوسط) إلى شواطئ البحر الأدنى (الخليج ~~العربي)، وجميعهم ممن عهد بهم إلي الإله سن ملك الآلهة. وعند ~~اكتمال المعبد أتيت إليه بالإله سن، وننجال ونسكو وسادرنونا، ~~فأقمت صورهم على قواعد راسخة، وقربت إليهم القرابين ~~الكثيرة. فأكملت بذلك فريضة سن؛ ملك الآلهة ورب الأرباب في ~~السماء، أولئك الأرباب المعينين من قبله، المنفذين لأوامر ~~الهلال المقدس الذي يعلوهم جميعا.» # 4 # يتخذ هذا النص مكانة هامة بين بقية نصوص الإمبراطورية ~~البابلية الجديدة، # 5 # لكونه مفتاحا لفهم المنعطف الذي اتخذه مسار ~~الأيديولوجيا الدينية في المنطقة، والذي وجد أحد تجسيداته ~~المهمة بعد ذلك في كتاب التوراة. فنحن هنا أمام ثلاث فكر ~~رئيسية جديدة، هي: (1) فكرة الإله الواحد. (2) فكرة إعادة بناء ~~هيكل هذا الإله الواحد. (3) فكرة بناء مجتمع جديد يتمركز حول ~~الهيكل وإلهه. # فالإمبراطور البابلي يعيد إلى حران المهدمة والمهجورة ~~إلهها القديم التقليدي سن، ولكن لا كإله محلي، بل كإله شمولي ~~أوحد يجمع إليه سلطات بقية الآلهة العظام ممن تحولوا إلى ~~أتباع معينين في وظائفهم من قبله، يستمدون قدرتهم على ~~الفعل من الألوهة الكلية القدرة المتجسدة في سن. وتحمل عملية ~~إحياء عبادة الإله القديم هنا كل معاني الخلق الجديد لمعتقد ~~وعبادة وطقوس لا تربطها بالصورة الماضية إلا أوهى الروابط. ~~ولكن هذا المعتقد الجديد - الذي يدور حول إله قديم في صورة ~~جديدة - يحتاج إلى مجتمع جديد يتلاحم حول الهيكل الذي قام في ~~منطقة خلت من سكانها الذين شتتهم الأسر والنفي أو الهجرة. من ~~هنا، فقد ساق نابونيد إلى حران جماعات من مناطق متفرقة من ~~الإمبراطورية، بعضهم ولا شك من سكان حران السابقين، وبعضهم من ~~المهجرين من مناطق أخرى، وأعطاهم وطنا يعملون على بنائه، ~~وإلها شموليا هو الإله القديم لحران وقد غدا الآن ممثلا ~~للصورة الإلهية في عالم الإمبراطورية البابلية الجديدة. # إن تقديم الإمبراطور البابلي هنا في صورة المنقذ الذي يعيد ~~الآلهة المنفية إلى معابدها، والشعوب المهجرة إلى أراضيها، ~~والأفكار الجديدة التي يقوم عليها هذا النص ms269 ونصوص التهجير ~~البابلية الأخرى؛ يدلنا على أن الإدارة الإمبراطورية كانت في ~~طريقها إلى جمع شعوب الإمبراطورية تدريجيا تحت معتقد ديني، ~~يبحث في كل إله محلي عن صورة للإله الأوحد البابلي، الذي بدأ ~~يتخذ اسم «إله السماء» لا بالمفهوم القديم لإله موكل بالسماء ~~في مقابل آلهة أخرى موكلة بالأرض أو بالهواء أو بغيرها، بل ~~بالمفهوم الشمولي الجديد لقوة السماء باعتبارها القوة الإلهية ~~المطلقة. إلا أن عمر الإمبراطورية البابلية القصير، وسقوط بابل ~~أخيرا بيد الفاتح الفارسي؛ قد وضع إكمال هذا المشروع بين يدي ~~القوة الجديدة الصاعدة التي ورثت كلا من بابل وآشور لفترة ~~طويلة قادمة. # سار الإعلام الفارسي - الذي وضع مبادئه الملك قورش عقب ~~دخوله بابل - على نسق إعلام الإمبراطورية البابلية الجديدة. ~~ففي نص قورش المشهور، الذي يعتبر بمثابة البيان السياسي ~~للإمبراطورية الفارسية، يتهم الحاكم الفارسي سلفه بالظلم ~~والاستبداد، وتسخير الرعية وتهجيرهم، وبالإساءة إلى الآلهة ~~وتجاهل عبادتها. وهو يدعي أن الإله مردوخ الذي هجر بابل مع ~~بقية الآلهة قد دعاه لينقذ الشعب ويعيد الأمور إلى نصابها، ~~وأسلمه بابل التي فتحت ذراعيها لاستقباله دون مقاومة. وهو من ~~بابل التي قصدها ملوك الجهات الأربع لتقديم ولائهم يعلن عن ~~سياسته في إعادة بناء المدن المقدسة وهياكلها التي نقلت منها ~~صور الآلهة، وإعادة المهجرين مع آلهتهم إلى تلك المدن التي ~~جعلها البابليون خرابا. وعلى حد قول النص في نهايته: «لقد ~~أرجعت إلى المدن المقدسة على الجهة الأخرى من الدجلة معابدها ~~التي كانت خرابا لمدة طويلة، كما أعدت إليها صور الآلهة ~~التي كانت تعيش فيها، وجمعت سكانها المنفيين وسقتهم إلى ~~أوطانهم. وتنفيذا لأمر مردوخ الإله العظيم، فقد أعدت صور ~~آلهة سومر وأكاد - التي جلبها نابونيد إلى بابل - سليمة إلى ~~محاريبها السابقة، الأماكن التي تسر فؤادها.» # 6 # هذا البيان السياسي الفارسي - رغم أسلوبه الدعائي الموجه ~~إلى شعوب الإمبراطورية لكسب ولائها - قد وضع بالفعل موضع ~~التنفيذ العملي، وسارت عملية إعادة الشعوب والآلهة إلى مواطنها ~~على قدم وساق خلال فترة حكم قورش وخلفائه، وذلك تحت شعارات ~~«التجديد» و«إعادة البناء». إلا ms270 أن الخيال يجب ألا يذهب بنا ~~إلى تصور الإمبراطور الفارسي في حلة المنقذ الحقيقي الذي ~~يهب الشعوب كرامتها واستقلالها، ويسمح بعودة القوى الإقليمية ~~إلى ما كانت عليه سابقا، ذلك أن ما هدفت إليه السياسة ~~الفارسية هو خلق نظام إداري للإمبراطورية ذي طابع لا مركزي من ~~حيث الشكل، يساعد على حكم المناطق الشاسعة للإمبراطورية ~~بكفاءة عالية وبنفقات أقل، كما يساعد على فرض القوانين ~~والشرائع الفارسية بعد إعطائها طابعا إقليميا محليا. وفي ~~سعيها إلى خلق هذه الكيانات الإقليمية التابعة، التي تستقبل عن ~~طيب خاطر القوانين والشرائع الفارسية التي توحدها مع جسد ~~الإمبراطورية، فقد عملت الإدارة الفارسية على مطابقة الآلهة ~~المحلية في المجتمعات الجديدة - التي تم خلقها أو إحياؤها في ~~حلة جديدة - مع «إله السماء» الفارسي أهورا مزدا؛ الإله ~~الواحد الحق الذي بشر به زرادشت قبل قرن من الزمان تقريبا. ~~إن إمبراطورية على هذا القدر من الاتساع لا يمكن ضبطها إلا ~~بنظام قانوني تشريعي واحد، وإله واحد تتنوع أسماؤه وتجلياته ~~في الأقاليم، ولكنها تتحد في النهاية تحت مفهوم الإله الواحد ~~للإمبراطورية. وهذه السياسة الفارسية لم تكن في واقع الحال إلا ~~تطويرا لما كان الملوك البابليون قد وضعوه موضع التطبيق، ولكن ~~لم يساعدهم الوقت على إتمامه. # 7 # في هذا السياق التاريخي والمناخ الفكري نستطيع فهم الأخبار ~~التوراتية حول «إعادة بناء» هيكل الرب في أورشليم، وإحياء ~~المجتمع القديم في المنطقة. إن «العائدين» إلى أورشليم منذ ~~أواخر القرن السادس قبل الميلاد لم يكونوا استمرارا لأولئك ~~المهجرين على يد نبوخذ نصر، وما بنوه في أورشليم من هيكل ~~ومدينة لم يكن استمرارا للبنية القديمة، بل بنية جديدة تحتضن ~~مجتمعا جديدا تم تصميمه وفق التصورات العامة السياسية ~~والأيديولوجية للنظام العالمي الفارسي. إن قراءة تحليلية ~~متأنية لسفر عزرا ونحميا - اللذين يقدمان لنا معظم المادة ~~الإخبارية عن «العودة» و«إعادة البناء» - سوف تكشف لنا بقية ~~القصة. فمع هذين السفرين نغادر تاريخ إسرائيل وندخل في تاريخ ~~«اليهودية». # رغم أننا لا نملك وثيقة فارسية تخبر عن عودة المهجرين من ~~يهوذا في زمن الملك قورش ms271 أو في زمن خلفائه، إلا أنه لا يوجد ~~لدينا من الأسباب ما يدعو إلى الشك في الخطوط العامة لقصة ~~«العودة» كما يرويها سفرا عزرا ونحميا؛ لأنها تتفق مع الإطار ~~العام للسياسة الفارسية، وعلى الأخص بيان الملك قورش الوارد في ~~الإصحاح الأول من سفر عزرا، الذي يسير على النهج الإعلامي ~~الفارسي الذي عرفناه، حيث نقرأ ما يلي: «في السنة الأولى لكورش ~~ملك فارس، عند تمام كلمة الرب بفم إرميا، نبه الرب روح كورش ~~ملك فارس فأطلق نداء في كل مملكته وبالكتاب أيضا قائلا: ~~هكذا قال كورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله ~~السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتا في أورشليم التي في ~~يهوذا. من منكم من كل شعبه ليكن إلهه معه ويصعد إلى أورشليم ~~التي في يهوذا فيبني بيت الرب إله إسرائيل، هو الإله الذي في ~~أورشليم. وكل من بقي في أحد الأماكن حيث هو متغرب، لينجده أهل ~~مكانه بفضة وبذهب وبأمتعة، مع التبرع لبيت الرب الذي في ~~أورشليم ... والملك كورش أخرج آنية بيت الرب التي أخرجها نبوخذ ~~نصر من أورشليم وجعلها في بيت آلهته، أخرجها كورش ملك فارس ~~وعدها لشيشبصر رئيس يهوذا، وهذا عددها ... والكل أصعده ~~شيشبصر عند إصعاد السبي من بابل إلى أورشليم» (عزرا، 1: ~~1-11). # نلاحظ في هذا النص المطابقة التامة بين إله قورش وإله ~~المجتمع الجديد في أورشليم، واستعمال لقب «إله السماء» لأول ~~مرة في معرض الإشارة إلى الإله القديم يهوه الذي لبس الآن ~~لبوسا جديدا باعتباره صورة محلية عن الإله الشمولي ~~للإمبراطورية الفارسية. وهذا ما يظهره بكل وضوح قول قورش: ~~«جميع ممالك الأرض دفعها لي الرب إله السماء، وهو أوصاني أن ~~أبني له بيتا في أورشليم.» كما نلاحظ أيضا تطابق هذا النص مع ~~إعلان الملك البابلي نابونيد الذي قال: «تنفيذا لأمر إلهي، ~~أعدت بناء إهلهول معبد سن، وسقت إلى حران جماعات من بابل ~~ومن سوريا العليا ... إلخ، وجميعهم ممن عهد إلي بهم الإله سن ~~ملك الآلهة. وعند اكتمال المعبد أتيت إليه بالإله سن ms272 ... إلخ ~~فأكملت بذلك فريضة سن ملك الآلهة ورب الأرباب في السماء.» ~~وبشكل خاص، تظهر المطابقة بين «إله السماء» الجديد ويهوه ~~القديم في سفر إشعيا الذي يلقب قورش بمسيح الرب: «هكذا يقول ~~الرب لمسيحه كورش، الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما ... ~~أنا أسير قدامك، والهضاب أمهد، وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز ~~المخابئ، لكي تعرف أني أنا الرب إله إسرائيل. أنا الرب وليس ~~آخر. لا إله سواي» (إشعيا، 45: 1-6). وفي الواقع، فإن كل ~~التصورات الواردة في سفر إشعيا عن الإله الشمولي، والجديدة ~~تماما على المناخ الديني التوراتي (وخصوصا في الإصحاحات من ~~40 إلى 48) تأتي في سياق المطابقة بين الإله المحلي القديم ~~والإله الشمولي الجديد للإمبراطورية الفارسية؛ إله السماء، ~~وهذا الإله العائد مع المسبيين ليقيم في هيكله الجديد لا يربطه ~~بالإله القديم يهوه إلا الاسم فقط. # يقص علينا سفرا عزرا ونحميا القصة الكاملة للعودة وبناء ~~الهيكل ثم أسوار المدينة. ونعرف أن العودة قد جاءت على عدة ~~موجات؛ كانت أولاها بقيادة المدعو شيشبصر ابن الملك يهوياقين ~~الملك الأسبق ليهوذا. ويبدو أن هذه الموجة قد تحركت نحو ~~أورشليم بأعداد قليلة عقب دخول قورش إلى بابل عام 539ق.م. ~~بوقت قصير. وقد جاء شيشبصر إلى أورشليم واليا عليها، وباشر ~~بوضع الأساسات لبناء الهيكل، ولكنه لم يستطع متابعة المهمة ~~(عزرا، 1: 7-11، و5: 14-16)، ثم يختفي شيشبصر من مسرح ~~الأحداث دون تفسير ظاهر. وفي السنوات الأولى لحكم الملك ~~داريوس (522-486ق.م.) تنطلق الموجة الثانية من العائدين، ~~وتعدادها 42360 عدا العبيد، بقيادة الوالي الجديد على أورشليم ~~المدعو زربابل ومعه يشوع الكاهن. وقد زودهم داريوس بمخطط ~~لهيكل أورشليم أعد في عهد الملك قورش، وأعطى أوامره إلى عامله ~~على مناطق غربي الفرات ليقدم لزربابل نفقة بناء الهيكل من ~~خراج تلك المناطق، ويعطيه كل ما يحتاجه في ذلك دون تقصير أو ~~تردد (عزرا، 6: 1-12). وهنا يبدو بوضوح تام من مضمون أمر ~~داريوس المتضمن بناء الهيكل أن الإله الذي يقام له هذا الهيكل ~~هو إله داريوس بالدرجة الأولى قبل أن يكون إلها للعائدين. ~~نقرأ في خاتمة ms273 أمر داريوس ما يأتي: «وما يحتاجون إليه من ~~الثيران والخراف والكباش محرقة لإله السماء لتعط لهم يوما ~~بيوم، حتى لا يهدءوا عن تقريب روائح سرور لإله السماء، والصلاة ~~لأجل حياة الملك وحياة بنيه ... والله الذي أسكن اسمه هناك ~~يهلك كل ملك وشعب يمد يده لتغيير أو هدم بيت الله هذا الذي ~~في أورشليم. أنا داريوس قد أمرت، فليفعل عاجلا» (عزرا، 6: ~~9-12). # إن اهتمام الملك داريوس ببناء الهيكل وإرسال الدفعة الثانية ~~من العائدين لإنعاش المجتمع الأورشليمي؛ ينبغي أن يفهم من ~~خلال عملية الإصلاح الإداري الشامل التي قادها في أنحاء ~~الإمبراطورية جميعها، وعملية ترميم وتنشيط البنى السياسية ~~المحلية في كل مكان، سيرا على المبادئ الأولى التي وضعها ~~الملك قورش. وقد اكتمل بناء هيكل أورشليم في السنة السادسة ~~لحكم داريوس (عزرا، 6: 14-15). ولكننا لا ندري بالفعل فيما إذا ~~كان زربابل هو الذي أنهى بناء الهيكل، لأن نص سفر عزرا يتوقف ~~عن ذكره بشكل مفاجئ وقبل إنهاء الهيكل عام 516ق.م.، كما يتوقف ~~أيضا عن ذكر الكاهن يشوع؛ الرجل الثاني بعد زربابل. وعند ~~تدشين الهيكل لا تظهر هاتان الشخصيتان في الاحتفال الديني ~~الكبير الذي أقيم بهذه المناسبة. # بعد عام من انتهاء العمل في بناء هيكل أورشليم، يقوم المدعو ~~عزرا الكاهن بقيادة الموجة الثالثة من العائدين بأمر من الملك ~~أرتحشتا (أرتازكسريس)؛ خليفة داريوس الأول. نقرأ في سفر عزرا: ~~«في ملك أرتحشتا ملك فارس؛ عزرا بن سرايا صعد من بابل، وهو ~~كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل. ~~وأعطاه الملك حسب يد الرب إلهه كل سؤله. وصعد معه من بني ~~إسرائيل والكهنة واللاويين ... إلخ، إلى أورشليم في السنة ~~السابعة لأرتحشتا الملك ... لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب ~~والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء، وهذه صورة ~~الرسالة التي أعطاها الملك أرتحشتا لعزرا الكاهن الكاتب، كاتب ~~وصايا الرب وفرائضه على إسرائيل: من أرتحشتا ملك الملوك إلى ~~عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل، قد صدر مني أمر أن ~~كل من أراد في ملكي من شعب ms274 إسرائيل وكهنته واللاويين أن يرجع ~~إلى أورشليم معك فليرجع. من أجل أنك مرسل من قبل الملك ~~ومشيريه السبعة لأجل السؤال عن يهوذا وأورشليم حسب شريعة الرب ~~إلهك التي بيدك، ولحمل فضة وذهب تبرع به الملك ومشيروه لإله ~~إسرائيل، الذي في أورشليم مسكنه ... ومني أنا أرتحشتا الملك صدر ~~أمر إلى كل الخزنة الذين في عبر النهر أن كل ما يطلبه ~~منكم عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء فليعمل بسرعة ... كل ~~ما أمر به إله السماء فليعمل باجتهاد لبيت إله السماء ... أما ~~أنت يا عزرا فحسب حكمة إلهك التي بيدك ضع حكاما وقضاة يقضون ~~لجميع الشعب الذي في عبر النهر، من جميع من يعرف شرائع ~~إلهك، والذين لا يعرفون فعلمهم. وكل من لا يعمل شريعة إلهك ~~وشريعة الملك فليقض عليه عاجلا إما بالموت أو بالنفي أو ~~بغرامة المال والحبس» (عزرا، 7: 1-26). # منذ أيام الملك داريوس بدأت الإدارة الفارسية بخطة جادة ~~تهدف إلى مركزة وتنميط البنى القانونية والاقتصادية ~~للإمبراطورية، واعتمدت في ذلك على فرض ما يسمى «بشريعة الملك» ~~وهي الشريعة التي تلقاها من إله السماء أهورا مزدا. وقد تم فرض ~~هذه الشريعة في صيغ محلية تجعلها تبدو وكأنها إحياء ~~للممارسات والتقاليد والأعراف المحلية في البلدان المختلفة، ~~وخصوصا في تلك المجتمعات الجديدة التي تم إحياؤها بعد أن ~~خرب الآشوريون بناها الفوقية والتحتية. # 8 # وهذه الشريعة هي التي أعطيت لعزرا من قبل الملك ~~الفارسي ليعمل على تطبيقها في مقاطعة اليهودية. فلقد جاء عزرا ~~إلى أورشليم لا كوال سياسي مثل زربابل، بل كمتفقه في ~~«شريعة الرب» و«شريعة الملك»، على حد تعبير النص التوراتي. ~~وبما أن عزرا، كما سوف نرى بعد قليل، قد قرأ شريعة الرب على ~~مسامع جميع الرعية وأفهمهم إياها، ولم يقرأ شريعة الملك، فإن ~~النتيجة الوحيدة التي يمكن الخروج بها هي أن الشريعتين ليستا ~~في حقيقة الأمر سوى شريعة واحدة قد أرسلها الملك الفارسي بيد ~~عزرا، من أجل تنظيم شئون المجتمع الجديد من النواحي الاعتقادية ~~والطقسية والإدارية، بحيث تم تأييد القوانين المدنية بالأوامر ~~والنواهي ms275 الدينية لتزويدها بسلطان ذاتي. # لقد جاء عزرا بسفر الشريعة، كما يسميه نص عزرا ونص نحميا، ~~ومصدره البلاط الفارسي، ثم قرأ فقراته على مسامع الشعب - الذي ~~لم يكن يعرف عنه شيئا - في احتفال عظيم، وأخذ عليهم عهدا ~~وميثاقا بقبوله. نقرأ في نحميا: «اجتمع كل الشعب كرجل واحد ~~إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب أن يأتي ~~بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إله إسرائيل. فأتى عزرا ~~بالشريعة أمام الجماعة ... وقرأ بها من الصباح إلى نصف النهار ~~أمام الرجال والنساء والفاهمين، وكانت آذان الشعب نحو سفر ~~الشريعة ... وبارك الرب الإله العظيم عزرا. وأجاب جميع الشعب: ~~آمين آمين، رافعين أيديهم، وخروا وسجدوا للرب على وجوههم إلى ~~الأرض. ويشوع وباني ... إلخ، واللاويون أفهموا الشعب الشريعة، ~~والشعب في أماكنهم، وقرءوا في السفر في شريعة الله ببيان، ~~وفسروا المعنى، وأفهموهم القراءة ... وفي اليوم الثاني اجتمع ~~رؤساء آباء جميع الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا الكاتب ~~ليفهمهم كلام الشريعة» (نحميا، 8: 1-13). وبعد ذلك يعطي الشعب ~~عهدا وميثاقا بقبولهم للشريعة أمام عزرا الكاهن الكاتب، ~~ونحميا الإداري والسياسي الذي عينه الفرس واليا على ~~أورشليم: «ومن أجل ذلك، نحن نقطع ميثاقا ونكتبه، ورؤساؤنا ~~ولاويونا وكهنتنا يختمون ... والذين ختموا هم نحميا وصدقيا و... ~~إلخ. وباقي الشعب والكهنة واللاويين وكل الذين انفصلوا من شعوب ~~الأراضي إلى شريعة الله، ونسائهم وبنيهم وبناتهم، كل أصحاب ~~المعرفة والفهم لصقوا بإخوتهم وعظمائهم، ودخلوا في قسم وحلف ~~أن يسيروا في شريعة الله التي أعطيت عن يد موسى عبد الله، وأن ~~يحفظوا ويعملوا جميع وصايا الرب سيدنا وأحكامه» (نحميا، 9: 38، ~~و10: 1-29). # إن ما تقوله لنا هذه الفقرات السابقة من سفر نحميا هو أن ~~عزرا هذا قد جاء إلى أورشليم بشريعة، أو بنواة شريعة، جديدة ~~كل الجدة على المجتمع الآخذ بالتشكل في هذه المنطقة التي ~~يعاد إحياؤها وفق السياسة العامة لترميم مقاطعات الإمبراطورية ~~الفارسية، التي أفرغت من سكانها، وعانت من تخريب الحاكم ~~السابق. وقد كان الشعب يستمع إلى فقرات هذا القانون لأول مرة، ~~من هنا فقد كان ms276 على عزرا أن يشرح فقراته للكهنة واللاويين ~~ورؤساء الشعب ليعمل هؤلاء على شرحها للبقية وإفهامهم مضمونها. ~~وبالطبع فإن هذا الشرح وإعادة الشرح لا يمكن أن يكون موضوعه ~~شريعة موجودة بين أيدي الشعب، تنظم أحواله الدينية والدنيوية، ~~وترقى إلى أيام موسى. وليست تسمية هذه الشريعة في سفري عزرا ~~ونحميا بشريعة موسى إلا لمسة تحريرية وضعها المحررون عندما ~~ألحقوا أخبار الفترة الفارسية بالقصة التوراتية الطويلة. وفي ~~الحقيقة فإن الميثاق الذي أخذته الجالية الجديدة في أورشليم ~~على نفسها بقبول شريعة الله وشريعة الملك هو «العهد الأول» ~~الذي يتم بين إله السماء الجديد في هيكل أورشليم وبين شعبه ~~الجديد، وهو الذي أسقطه المحررون على قصة الأصول فعقدوه منذ ~~البداية بين إبراهيم وإلهه، وجددوه مع بقية الآباء. # ورغم أن اللمسة التحريرية تجعل من هذا العهد نتاجا للرضا ~~العام به وقبوله غير المشروط من قبل الشعب، إلا أن المضامين ~~الأصلية للخبر واضحة كل الوضوح وتؤدي عكس ذلك، فالجالية ~~الجديدة في أورشليم لم يكن أمامها إلا أحد خيارين؛ فإما قبول ~~شريعة الله وشريعة الملك أو مواجهة أقسى العقوبات. وهذا ما تنص ~~عليه آخر فقرات أمر الملك الفارسي التي تنص على أن «كل من لا ~~يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك فليقض عليه عاجلا إما بالموت، ~~أو بالنفي، أو بغرامة المال والحبس» (عزرا، 7: 26). وهذا يعني ~~أننا أمام نوع من «عقد الإذعان» المفروض من قبل السلطة ~~الفارسية، وأن مجتمع أورشليم لم يكن أمامه سوى خيار واحد هو ~~القبول بلائحة القوانين الجديدة التي تنظم أحواله الدينية ~~والاجتماعية والسياسية، وفق الخطة الموضوعة لهذه المنطقة من ~~الإمبراطورية. # لا يعطي سفر عزرا ونحميا كثيرا من التفاصيل حول مضمون ~~الشريعة الجديدة، والفقرات القليلة المذكورة في نحميا 10 لا ~~تشبه في صياغتها ومضمونها شريعة موسى التي فصلتها الأسفار ~~الخمسة، إلا أننا نستطيع تخمين مصادر وموضوعات سفر الشريعة ~~هذا. فأما الموضوعات فقد تركزت حول المعتقد الديني والطقوس ~~المكملة له، وحول القضايا الإدارية والتنظيمية للبنية المدنية ~~الجديدة، والأحوال الشخصية للجالية الجديدة في منطقة اليهودية، ~~وهي أورشليم وما يحيط ms277 بها. وقد تم ربط هذه القوانين الناظمة ~~للحياة الدنيوية للجماعات بالمعتقد الديني لإعطائها تأييدا ~~مزدوجا. وأما مصادر سفر شريعة عزرا فمتعددة. فلدينا أولا: ~~الأيديولوجيا الدينية الفارسية المتعلقة بإله السماء الفارسي ~~أهورا مزدا، الذي سعى ملوك فارس لرفعه إلها أوحد للإمبراطورية ~~عن طريق مطابقته تعسفيا مع الآلهة المحلية للمقاطعات ~~المحكومة، وخصوصا تلك المقاطعات الداخلة في برنامج التجديد ~~والإحياء. وثانيا: لدينا القوانين والشرائع الفارسية التي ~~حاولت الإدارة الإمبراطورية من خلالها تنميط أساليب الإدارة ~~والحكم في المقاطعات. وثالثا: لدينا التقاليد المحلية ~~المتجذرة في المنطقة منذ القدم. # وبالطبع، فإن هذه النواة الأولى للشريعة - والتي صلحت في ~~البداية لخلق الاستقرار في مجتمع أورشليم - لم تبق على حالها. ~~والكاهن عزرا الذي يمكن أن يدعى بحق «أبا اليهودية» قد عمد ~~فيما بعد إلى توسيع وتطوير هذه النواة بما يتلاءم مع التقاليد ~~القديمة في المنطقة من جهة، ومع مستجدات حياة الجماعة. ثم جاء ~~تلامذته وخلفاؤه، ممن شكلوا الآن كهنوتا رسميا راسخا في ~~أورشليم، فتابعوا هذه المهمة، وأخذوا على عاتقهم فوق ذلك ~~ابتكار أصول لهذه الشريعة تجعل منها تقليدا مترسخا في ~~المنطقة لا أمرا عارضا مفروضا عليها من الخارج. وهكذا ابتدأ ~~العمل في قصة إسرائيل التوراتية. ففي سياق عملية ابتكار تاريخ ~~للشريعة بهدف تأصيلها وتثبيتها كان لا بد من ابتكار أحداث ~~وشخصيات تحمل هذا التاريخ وتطوره من مرحلة إلى أخرى، فابتدأت ~~القصة بشكلها الجنيني المتواضع ثم أخذت بالتشعب والتوسع، ونشأت ~~على جوانب الخط الرئيسي لها قصص متفرقة متنوعة معظمها مستمد ~~من التراث المحلي، تم اقتباسه وإدماجه في النسيج العام للرواية ~~التوراتية. # وتكبر الخرافة وتتسع، وتستكمل حلقاتها خلال قرنين أو ثلاثة ~~من عودة عزرا بسفر الشريعة من البلاط الفارسي، ويتم ربط تاريخ ~~اليهودية بتاريخ ما قبل اليهودية؛ أي تاريخ إسرائيل ويهوذا. ~~وتتابع قصة الأصول توغلها في الماضي المجهول مما سبقهما. ~~ثم كان لا بد من إيقاف هذه العملية عند حد معين، فعمد كهنة ~~أورشليم أخيرا إلى جمع هذه الأدبيات وإعادة صياغتها بشكل ~~أخير وفق إطار أيديولوجي وكرونولوجي يضم التقاليد المتفرقة ms278 في ~~كل موحد. وبذلك أنجز كتاب التوراة، وظهرت إسرائيل ~~التوراتية ككيان ذهني وأدبي على أنقاض تاريخ السامرة ويهوذا ~~المطمور تحت ركام الدمار الآشوري والبابلي. # إن الرواية التوراتية هي قصة أصول مبتكرة لدين جديد ومجتمع ~~جديد، يحاول أن يثبت أقدميته وتجذره في المنطقة. وإن ~~المحررين الذين صاغوا هذه القصة كانوا مدفوعين بهاجس تراثي لا ~~بهاجس تاريخي. لقد جمعوا ما وصل إلى أيديهم من شذرات الأخبار ~~القديمة، والأدب الشعبي الفلسطيني، ونتف من الأخبار عن ~~السامرة ويهوذا، وبعض الوثائق القليلة المكتوبة، فصاغوا منها ~~مادة قصصهم التي ضمت إلى بعضها من خلال منظور أيديولوجي ~~فضفاض، وتسلسل زمني مليء بالفجوات والانقطاعات. وفي الحقيقة، ~~فإن ما يبدو لأول وهلة تسلسلا زمنيا في القصص التوراتي ليس ~~إلا إيهاما من صنع المحرر التوراتي الأخير، الذي جعل القصص ~~ذات المنشأ المستقل تبدو وكأنها حلقات في سلسلة متتابعة. ~~والناتج الأخير لهذه العملية هو رواية خيالية لا تتقاطع مع ~~التاريخ الفلسطيني ولا مع تاريخ الشرق القديم في كل تفاصيلها ~~هبوطا إلى موت الملك سليمان، ولا تتقاطع مع هذا التاريخ إلا ~~في نقاط غامضة ومبعثرة من حياة مملكتي السامرة وإسرائيل. أما ~~عن ذلك المنظور الأيديولوجي الذي حاول كهنوت أورشليم فرضه على ~~روايتهم فقد بقي غريبا عن جو القصص التوراتي التي استقل كل ~~منها برؤياه الدينية الخاصة. فإله الآباء لا يشبه إله الخروج، ~~وهذا لا يشبه إله القضاة، وإله إشعيا غريب كل الغرابة عن كل ~~ما سبقه من تصورات، وسفرا أيوب والجامعة لا يمكن قراءتهما ~~بعيني إرميا، ونشيد الأنشاد لا يمكن وضعه في أي سياق ديني ~~توراتي. وهذا يعني أننا لسنا أمام أيديولوجيا دينية متسقة، ~~تعلن عن نفسها بالطريقة نفسها عبر أسفار الكتاب، بل أمام ~~أيديولوجيا توفيقية لا تملك الحد الأدنى من الوحدة ~~والانتظام. # إن إسرائيل التوراتية تظهر إلى الوجود، لأول مرة، كناتج ~~فكري من نواتج الوضع الخاص للمجتمع الأورشليمي المصطنع في ~~العصر الفارسي. من هنا، فإن هذه الإسرائيل لا تتمتع بوجود ~~موضوعي خاضع لعملية الاستقصاء التاريخي، وأي مجهود يبذل في ~~هذا الاتجاه ms279 هو مجهود لا طائل من ورائه، ذلك أن العملية ~~التحريرية التي قادت إلى إنتاج إسرائيل التوراتية لم تكن تهدف ~~إلى إنتاج نص أمين عن الماضي، بقدر ما هدفت إلى صياغة نص ~~يعطي معنى للحاضر، ويرسم صورة للمستقبل. والمضمون الذي يتكشف ~~لنا عبر أسفار الأنبياء والأسفار التاريخية ليس موجها نحو ~~الكشف عن الماضي إلا بقدر ما يقدمه هذا الماضي من دعم وتثبيت ~~للمؤسسة الدينية والدنيوية الناشئة. وبمعنى آخر، فإن ما يبدو ~~في هذه الأسفار على أنه تأمل تاريخي ليس في حقيقة الأمر إلا ~~تأملا مستقبليا يرسم صورة للمجتمع الجديد باعتباره وريثا ~~لمجتمع قديم آل إلى اللعنة والتحلل والدمار. وهذه الصورة عن ~~إسرائيل الجديدة هي التي تتحكم بنوع الأحداث التي يتم جمعها ~~وتذكرها باعتبارها تاريخا. # من هنا نستطيع أن نفهم أصول الأفكار الرئيسية الموجهة ~~للتقاليد التوراتية الرئيسية. وهذه الأفكار يمكن تلخيصها في ~~خمسة، هي: العهد، والوعد، والغربة، والعصر الذهبي والسقوط، ~~والتجديد. # لقد كان العهد الذي قطعه أهل أورشليم أمام عزرا الكاهن بقبول ~~شريعة الملك وشريعة الرب بمثابة بداية للتاريخ اليهودي. كما ~~كان في الوقت ذاته النقطة المثالية التي ابتدأ منها المحرر ~~التوراتي بابتكار قصة الأصول. فهذا العهد بين الشعب وإلهه ليس ~~جديدا، بل هو تجديد لعهد عتيق كان الأسلاف الأولون لهذه ~~الجماعة الأورشليمية قد أبرموه مع إله عتيق أيضا. وكما ارتبط ~~إبرام العهد مع ممثلي السلطة الفارسية عزرا ونحميا، مع تثبيت ~~العائدين في أرض عودتهم (لأن كل من لا يعمل بشريعة الملك ~~وشريعة الرب يقتل أو ينفى، وفق أمر الملك الفارسي)؛ كذلك ~~ارتبط العهد العتيق مع إبراهيم وخلفائه بالوعد بالأرض. فالرب ~~قد أعطى أرض كنعان لإبراهيم وذريته، وتعهد بحمايتهم مقابل ~~عبادتهم له وحده، ثم جدد عهده مع إسحاق ويعقوب. وهذه الوعود ~~القديمة كلها ليست إلا نموذجا بدئيا للوعد الجديد الذي ~~يقطعه إله السماء الفارسي مع بقية يهوذا فيقودهم إلى الأرض ~~الموعودة ذاتها. ولقد قاد إحساس القلة الباقية من يهوذا ~~بالغربة في «أرض العودة» التي جاءوا إليها مع من رافقهم من ~~مسبيي المناطق ms280 الأخرى؛ إلى إدخال عنصر «الغربة الدائمة» في ~~قصتهم الطويلة عن الأصول. فالآباء المؤسسون كانوا غرباء عن أرض ~~كنعان وفدوا إليها من بلاد الرافدين، مثلما وفد إليها من بلاد ~~الرافدين أيضا بقية سبي يهوذا والغرباء الآخرون المشتتون في ~~الأرض. وجماعة موسى كانت غريبة في مصر وغريبة مرة أخرى في ~~كنعان التي دخلتها مع يشوع، وقصة استعبادهم في مصر هي نموذج ~~بدئي لقصة سبيهم في بابل، وفرعون القديم هو نبوخذ نصر ~~الجديد. وبذلك ترتبط الأفكار الثلاثة عن العهد والوعد والغربة ~~ارتباطا عضويا على مستوى الرواية لا على مستوى الواقع. كما ~~تؤسس هذه الأفكار الثلاثة بدورها لفكرة التجديد وإعادة ~~البناء؛ فالمسبيون قد عادوا من بابل لتجديد وإعادة بناء ~~أورشليم، مثلما عاد المستعبدون من مصر وبنوا المملكة الموحدة ~~في كنعان. وعملية التجديد وإعادة البناء هذه لا تأخذ معناها ~~إلا بارتباطها بفكرة العصر الذهبي والسقوط، ذلك أن العائدين قد ~~جاءوا لتجديد ملك زال، ودولة آلت إلى الانحدار والسقوط. فقصة ~~الأصول، والحالة هذه، يجب أن تبلغ ذروتها في العصر الذهبي ~~لمملكة داود وسليمان، ثم تئول إلى الانحدار فالسقوط عبر ~~المصائر القاتمة لكل من مملكتي السامرة ويهوذا. وكل ذلك يأتي ~~وفق مخطط من الرب الذي قضى على عالم فاسد قديم لكي يقيم على ~~أنقاضه عالما نقيا جديدا. نقرأ في سفر حزقيال إحدى ~~المعالجات الدقيقة والواضحة لهذه الفكرة، حيث يقول الرب: «... إن ~~أرسلت أحكامي الرديئة على أورشليم سيفا وجوعا ووحشا رديئا ~~ووباء، لأقطع منها الإنسان والحيوان، فهو ذا بقية فيها ناجية ~~تخرج بنين وبنات. هو ذا يخرجون إليكم فتنظرون طريقهم ~~وأعمالهم، وتتعزون عن الشر الذي جلبته على أورشليم، عن كل ما ~~جلبته عليها. ويعزونكم إذ ترون طريقهم وأعمالهم، فتعلمون أني ~~لم أصنع بلا سبب كل ما صنعته فيها، يقول السيد الرب» (حزقيال، ~~14: 21-23). # والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه الآن هو التالي: إذا كان ~~المجتمع الجديد في مقاطعة اليهودية قد أنشأته بقية المسبيين من ~~يهوذا، فلماذا بنى كهنوت أورشليم قصة الأصول حول إسرائيل، ~~وجعلوا من هذه البقية آخر من ms281 تبقى من سلالة بني إسرائيل؟ ~~الجواب على هذا السؤال متشعب، ولكنني أود أن أطرح مبدئيا ~~فكرة مفادها أننا لسنا متأكدين بالفعل من أن بناة المجتمع ~~الجديد في أورشليم هم حصرا من بقية يهوذا المسبية في بابل؛ ~~لأن مصدرنا الوحيد عن هذه المرحلة من الرواية التوراتية هو ~~النص التوراتي وحده. ومن المرجح أن تكون الجماعات التي ~~سيقت إلى أورشليم قد ضمت - إلى جانب بقية سبي يهوذا - شرائح ~~من شعوب مسبية أخرى قد فقدت ارتباطها بمواطنها الأصلية، ولا ~~تمانع من التوجه إلى أي منطقة مستفيدة من سياسة الإنعاش ~~وإعادة البناء. كما نرجح أن تكون الإدارة الفارسية قد ضمت ~~إلى هؤلاء في أورشليم جماعات كانت تعيش حياة البؤس والكفاف في ~~المناطق الفلسطينية الأخرى التي آلت إلى الخراب. وبما أن دولة ~~إسرائيل-السامرة كانت أقوى الدويلات الفلسطينية وأكثرها شهرة، ~~وكان إلهها الرسمي يهوه أعلى الآلهة الفلسطينية شأنا؛ فقد تم ~~إفهام جماعات العائدين والمرحلين إلى أورشليم الجديدة بأنهم ~~ورثة مملكة إسرائيل، وأن إله السماء الفارسي هو الآن يهوه ~~القديم في حلته العالمية الشمولية الجديدة. # 9 # لقد هدفت سياسة الترحيل الآشورية إلى التخريب المنظم ~~للبنى التحتية للمقاطعات المقهورة، وسيقت إلى مناطق آشور ~~الشرائح المتنورة في هذه المقاطعات، واليد الفنية الماهرة ~~والكتاب والمعلمون والكهنة والعسكريون المدربون، أي كل ~~الشرائح التي تعطي للمجتمع هيكليته وتطلق فعاليته. وقد طالت ~~عمليات الترحيل في كثير من الأحيان مناطق زراعية بأكملها، ~~فتركت بوادي قاحلة لفترة طويلة لاحقة. أما المقاطعات التي ~~تم الحفاظ على هيكليتها السياسية فقد تم استغلالها إلى أبعد ~~الحدود، وخضعت للنهب المنظم عن طريق الجزية، وعن طريق سلب ~~مواردها الطبيعية، ودفع إليها بجماعات مسبية غريبة لتقيم بين ~~ظهرانيها وتفتت وحدتها الإثنية. وفيما يتعلق بفلسطين، فقد ~~خلت بعض مناطقها من السكان تماما، وتضاءل عدد السكان في ~~المناطق الأخرى وآلت إلى الفقر المدقع. ومنذ نهاية القرن ~~السادس افتقدت فلسطين إلى الحد الأدنى من التلاحم الإثني ~~واللغوي والديني والسياسي، وتوزع من تبقى من سكانها بين ~~جماعات غير متجانسة سيقوا إليها من المناطق المغلوبة ~~الأخرى. ms282 # وبما أننا لا نعرف عن أي مشروع فارسي آخر للإحياء في منطقة ~~فلسطين، غير مشروع إحياء أورشليم، فإننا نرجح أن يكون الهدف ~~منه هو تجميع تلك الجماعات المتفرقة ذات الأصول العرقية ~~المختلفة التي بقيت خارج الأطر السياسية والاجتماعية في عالم ~~متهدم تماما، إضافة إلى من يود العودة من بقية يهوذا المسبية ~~في بابل؛ لصهرها في بوتقة واحدة، وإفهامها بأنها الآن وريثة ~~إسرائيل البائدة، في عملية إحياء لمنطقة يهوذا تحت شعار تجديد ~~المجتمع القديم. وقد قام على تنفيذ هذه السياسة ولاة من يهوذا ~~تدربوا في البلاط الفارسي، ووصلوا فيه إلى أعلى المناصب، مثل ~~نحميا الذي كان ساقيا للملك الفارسي وموضع ثقته يرافقه في حله ~~وترحاله (نحميا، 2). وقد تم تجميع هذا المجتمع الجديد حول هيكل ~~إله السماء الفارسي الجديد، بعد أن تم إفهام الجميع من خلال ~~سفر الشريعة الذي أتى به عزرا من بابل، بأن هذا الإله هو نفسه ~~الإله القديم يهوه إله السامرة وإله يهوذا السالفتين، وصار ~~الدخول في هذه العبادة الجديدة شرطا للانتماء إلى المجتمع ~~الجديد. # ورغم أن كهنة أورشليم قد ابتدءوا منذ عزرا الكاهن بعملية ~~تدوين تاريخ لهذه الجماعة على أنه تاريخ إسرائيل، وابتكار أصول ~~لديانة إله السماء ضاربة في أعماق هذا التاريخ، إلا أن تسمية ~~«اليهودي» و«اليهودية» صارت علما على دين أورشليم وعلى ~~الأفراد المنتمين إلى المجتمع الأورشليمي، من دون ~~«الإسرائيلي». فكل ما هو «إسرائيلي» ينتمي إلى الماضي، إلى ~~«القصة»، وكل ما هو «يهودي» ينتمي إلى الحاضر، حاضر ذلك ~~المجتمع الجديد الذي يحاول مستميتا أن يؤكد تلاحمه وتجانسه ~~كشعب مختار من قبل إله السماء. لقد اختار إله السماء هذه ~~الفئات التي تم تجميعها في منطقة أورشليم لتكون له شعبا، كما ~~وجدت هذه الفئات وحدتها وتجانسها من خلال إحساسها بالانتماء ~~إلى ذلك الإله وإقامة العهد معه. # وهكذا، ومع تشكيل مقاطعة اليهودية ككيان سياسي ينتمي إلى ~~النظام العالمي الفارسي الجديد، تدخل القصة التوراتية عتبة ~~التاريخ. من هنا يتوجب علينا أن نعيد فهم مسألة «السبي ~~البابلي» كحادثة تاريخية من جهة، وكفكرة ms283 ملهمة في سياق القصة ~~التوراتية من جهة أخرى، ذلك أن تقسيم تاريخ «بني إسرائيل» إلى ~~ثلاث فترات - هي ما قبل السبي، وفترة السبي، وما بعد السبي - ~~هو تقسيم باطل على ضوء ما تقدمنا به حتى الآن. فبنو إسرائيل ~~ليس لهم وجود خارج مجال قصة الأصول التوراتية، وتاريخ دولتي ~~السامرة ويهوذا قد انتهى وصار ملكا للذاكرة البشرية الجمعية ~~بعد زوال إسرائيل عام 721ق.م. وزوال يهوذا عام 587ق.م. أما ~~التاريخ اليهودي الذي ابتدأ مع بناء أورشليم الجديدة وهيكلها ~~الجديد فليس استمرارا على أي صعيد للتاريخ الفلسطيني في ~~العصر الآشوري والعصر البابلي، رغم النغمة الإعلامية الفارسية ~~التي تحدثت بلغة «الإحياء» و«التجديد». إن ما تم «إحياؤه» في ~~مقاطعة اليهودية لم يكن إحياء ليهوذا القديمة ولا لإسرائيل ~~القديمة، بل خلقا من جديد لمجتمع قوامه فئات اجتماعية دخلت ~~العصر الفارسي وقد تغيرت تغيرا تاما. # وفي الحقيقة، فإن «مسألة السبي» لم تعد بالنسبة لجماعة ~~أورشليم الجديدة واقعة تاريخية بقدر ما غدت «فكرة» و«واقعة ~~نفسانية» تساعد على فهم هذه الجماعة لنفسها باعتبارها البقية ~~الناجية من «إسرائيل». فأفراد هذه الجماعة، سواء تحدروا من ~~بقية يهوذا المسبية في بابل أم من غيرها، يستطيع واحدهم ~~الانتماء إلى تلك الإسرائيل عن طريق تصور جذوره في المنفى ~~البابلي، ومن خلاله صعودا نحو المجد المفقود في مملكة سليمان، ~~ويتجاوز ذلك ليدخل كنعان مع يشوع، ثم يتطوح في الصحراء مع ~~موسى، ويتنقل بعد ذلك مع قوافل إبراهيم وبقية الآباء ~~المؤسسين. # إن التاريخ اليهودي ليس صفحة جديدة في تاريخ فلسطين القديم، ~~بل تاريخ مستقل في أصوله ومساره ومصائره، ويجب أن يدرس على ~~هذا الأساس. وبما أن دراسة التاريخ اليهودي تتطلب منهجية ~~ومرجعية مختلفة تماما عن تاريخ فلسطين القديم، فإنه لا يدخل ~~في منظور هذا الكتاب، كما أنه لا يدخل ضمن اهتمامي الشخصي في ~~الوقت الحاضر. # حلب، تموز (يوليو) 1995 # | مراجع البحث # Cambridge Ancient History ~~(the), University Press, London, ~~1975. # Albright, W. F., Yahweh and ~~the Gods of Canaan, Anchor Books, New York, ~~1969. # De Vaux, R., A History ms284 of ~~Israel, Philadelphia, 1972. # Diakonoff, I. M., ~~Semito-Hamitic Languages, Moscow, ~~1965. # Gordon, C. H., The Ancient ~~Near East, Norton, New York, ~~1965. # Gottwald, The Tribes of ~~Yahweh, Maryknoll, N. Y. Orbis Books, ~~1975. # Kathleen Kenyon, Archaeology ~~in the Holy Land, Methuen, London, ~~1985. # Kathleen Kenyon, The Bible ~~and Recent Archaeology, Colonnades, London, ~~1978. # Kathleen Kenyon, Digging Up ~~Jerusalem, Ernest Benn, London, ~~1974. # Kathleen Kenyon, Royal Cities ~~of the Old Testament, Bori and Jenkins, London, ~~1971. # Matthiae, Paolo, Ebla, Hodder ~~and Stoughton, London, 1980. # McNeill and Sedlar, The ~~Ancient Near East, Oxford, 1968. # Mendenhall, The Hebrew ~~Conquest of Palestine, Biblical Archaeologist, 25, ~~1962. # Moscati, S., Ancient Semitic ~~Civilization, Elec Books, London, ~~1957. # Moscati, S., Comparative ~~Grammar of the Semitic Languages, Wiesbaden, ~~1969. # Moscati, S., The World of the Phoenicians, Cardinal, London, ~~1973. Pitard, Wayn T., Ancient ~~Damascus, Eisenbrauns, Indiana, ~~1987. Pritchard, James, edt. ~~Ancient Near Eastern Texts, Princeton, ~~1969. # Shanks, Hershel, Ancient ~~Israel, Prentice Hall, New Jersey, ~~1988. # Schneider, Tammi, Jehu, ~~Biblical Archaeology, November ~~1995. # Thompson, Thomas L., Early ~~History of the Israelite People, Leiden, ~~1994. # Wright, Ernest, edt. The ~~Bible and the Ancient Near East, Indiana, ~~1979. # Zertal, Adam, Israel Enters ~~Canaan, Biblical Archaeology, September ~~1991. ~~(1) للاستزادة: # Albright, W. F., The ~~Archaeology of Palestine, London, ~~1949. # Albright, W. F., The ~~Biblical Period from Abraham to Ezra, New York, ~~1963. # Alt, Abrecht, Essays on ~~Old Testament History and Religion, N. Y. Doubleday, ~~1968. # Garbini, G., History and ~~Ideology in Ancient Israel, London, ~~1988. # Hayes and Miller, edt. ~~Israel and Judean History, Philadelphia, ~~1977. # Moscati, S., Comparative ~~Grammar of the Semitic Languages, Wiesbaden, ~~1969. # Lemche, N. P., Early ~~Israel, Vetus Testamentum Supplements, Leiden, ~~1985. # Van Seters, J., Abraham ~~in History and Tradition, New Haven, ~~1975. ~~(2) مراجع عربية: # علي أبو عساف: الآراميون، دار أماني، طرطوس، سوريا ~~1988. # ألفونسو آركي: الشواهد الكتابية في إيبلا، ترجمة ~~قاسم طوير، ضمن كتاب بعنوان: إيبلا، دمشق 1984. # أنيس فريحة: أوغاريت، دار النهار، بيروت ~~1980. # عيد مرعي: إدريمي ملك آلالاخ، مجلة دراسات تاريخية، ~~عدد شهر آذار، دمشق 1988. # هيرودوتس: التاريخ، ترجمة حبيب فندي ms285 بسترس، بيروت ~~1886. # سباتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، بيروت ~~1986. ms286