######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.DinInsan.Hindawi72828093 #META# Tags: religions #META# ID: 72828093 #META# Title: دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # الباب الأول: ما هو الدين؟‏ # 1 - أفكار استهلالية: مكانة الدين وتعريفه‏ # 2 - تبديات الظاهرة الدينية‏ # الباب الثاني: بنية الدين‏ # 1 - المكونات الأساسية للدين‏ # 2 - المكونات الثانوية للدين‏ # الباب الثالث: الأشكال الاجتماعية للدين ومستوياته الشمولية‏ # 1 - من العبادة إلى الدين الشمولي‏ # 2 - نماذج من الأديان الشمولية‏ # الباب الرابع: المعتقد أو بنية الحد الأدنى للظاهرة الدينية‏ # 1 - أفكار استهلالية‏ # 2 - عتبة الدين، اللاهوت والناسوت في معتقد الباليوليت‏ # 3 - اللاهوت والناسوت في معتقد النيوليت‏ # 4 - مانا والروح الكبرى في معتقدات الشعوب البدائية‏ # 5 - بين السحر والدين‏ # 6 - أصل الآلهة‏ # الباب الخامس: المعتقد وبنية الحد الأدنى [تابع]‏ # 1 - كامي/تاو‏ # 2 - لاو تسو والتاوية‏ # 3 - الهندوسية والبحث عن الوحدة في الوجود‏ # 4 - ما وراء اللاهوت‏ # 5 - إله المتصوفة‏ # الباب السادس: نتيجة، ومدخل جديد‏ # 1 - نظريات في منشأ الدين: نقد وتأسيس‏ # الباب السابع: الوعي والكون‏ # 1 - العالم الكمومي والنظرية الكوانتية‏ # خاتمة‏ # ثبت المراجع‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # الباب الأول: ما هو الدين؟‏ # 1 - أفكار استهلالية: مكانة الدين وتعريفه‏ # 2 - تبديات الظاهرة الدينية‏ # الباب الثاني: بنية الدين‏ # 1 - المكونات الأساسية للدين‏ # 2 - المكونات الثانوية للدين‏ # الباب الثالث: الأشكال الاجتماعية للدين ومستوياته الشمولية‏ # 1 - من العبادة إلى الدين الشمولي‏ # 2 - نماذج من الأديان الشمولية‏ # الباب الرابع: المعتقد أو بنية الحد الأدنى للظاهرة الدينية‏ # 1 - أفكار استهلالية‏ # 2 - عتبة الدين، اللاهوت والناسوت في معتقد الباليوليت‏ # 3 - اللاهوت والناسوت في معتقد النيوليت‏ # 4 - مانا والروح الكبرى في معتقدات الشعوب البدائية‏ # 5 - بين السحر والدين‏ # 6 - أصل الآلهة‏ # الباب الخامس: المعتقد وبنية الحد الأدنى [تابع]‏ # 1 - كامي/تاو‏ # 2 - لاو تسو والتاوية‏ # 3 - الهندوسية والبحث عن الوحدة في الوجود‏ # 4 - ما وراء اللاهوت‏ # 5 - إله المتصوفة‏ # الباب السادس: نتيجة، ومدخل جديد‏ # 1 - نظريات في منشأ الدين: نقد وتأسيس‏ # الباب السابع: الوعي والكون‏ # 1 - العالم الكمومي والنظرية الكوانتية‏ # خاتمة‏ # ثبت المراجع‏ # | دين الإنسان # | دين الإنسان # | بحث في ms001 ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970 بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» تتشكل في ذهني، ~~وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع ~~القليلة التي في حوزتي، فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة ~~لوزارة الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية فلم أجد ~~ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن الكتابة. # وفي عام 1971 قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ستة أشهر، رحت خلالها ~~أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة ~~وأنجزت الكتاب في نحو سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج ~~لإمدادي بما يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، وكان عمل ~~الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة الإنترنت التي لعبت ~~دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع ~~من خلال الكتب الإلكترونية المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن ~~الكاتب الذي يعيش في الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال كبسة زر على ~~حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، مع إبقائي استخدام ~~القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة ~~لمؤلفاتي التي صدرت في 20 مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء ~~والباحثين، واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع المتنوعة التي تثري ~~الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي الاثنين والعشرين ms002 ومخطوط ~~كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال ~~الكاملة»، كنت وأنا أتأملها كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول ~~«مغامرة العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان»، ومشروع تكامل تدريجيا دون ~~خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي أحببت أن أشرك به ~~قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني ~~نهاية كل مغامرة إلى بداية أخرى على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب ~~«مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه وأتأمله، إنه في ~~غلاف طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ناشرها إلى غلاف الطبعة الأولى الصادرة ~~عام 1976، الذي صممه الصديق الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون ~~واحد لعدم عناية الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ذلك الوقت. ~~وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه ~~واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته ~~هذه الثقافة من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور موضع اهتمام عام، ~~ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا المجال، ولم أنظر إلى نفسي إلا كهاو عاكف ~~بجد على هوايته. إلا أن النجاح المدوي للكتاب - الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد ~~الكتاب العرب بدمشق في ستة أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ لأن القراء ~~كانوا يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ويفرض عليه التزامات لا ~~فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا ~~يتجاوز نفسه في الكتاب الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل ~~في العودة إلى الكتابة، وإنما ms003 تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على التاريخ العام ~~والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له ~~كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ ~~أي بعد مرور عشر سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح الأول، ~~فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت الطبعة الثانية قبل نهاية ~~العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان «لغز عشتار» من ~~نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل ~~شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، ~~إلى أن دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، وعهدت إلي ~~بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان الشرق الأوسط لطلاب الدراسات ~~العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه ~~الطبعة بالأعمال غير الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ ~~لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات البحث الغربي ومناهجه، ~~ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة ~~إلى مساحة البحث على المستوى العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي ~~المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في تاريخ فلسطين القديم ~~والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره صدر عام 2003 عن دار # T ~~& T Clark # في بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة الأردنية عمان عام ms004 ~~2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا ~~صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى ~~انعقدت في دمشق بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل عديدة أثارها «تومبسون » ~~في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان الباحث البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا ~~كلينا إلى المشاركة في كتاب من تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ذلك الكتاب، وهكذا كان. ~~فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ~~ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the Invention of Religious ~~Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic ~~Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A Reply to Firas ~~Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم يختفي ولا تجده بعد ذلك إلا ~~في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة ~~التداول. وقد أطال القراء في عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، ~~أما تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # كان يوما حارا من أيام شهر حزيران، أمضيناه داخل حرم جامع سيدي خالد نحضر ~~لامتحانات شهادة الدراسة الابتدائية، على عادة الطلبة في تلك الأيام؛ إذ يلجئون إلى برودة ~~المساجد وفيئها وهدوئها في أيام الامتحانات. توجهت إلى رواق الجامع قبل المغيب تفاديا ms005 ~~لزحام ساعة الصلاة، وكان آخر سؤال طرحه علي زميلي الذي يختبر معلوماتي في الفيزياء، وهو ~~يلحق بي: لماذا تنفجر ثمرة الكستناء إذا وضعت على النار؟ فأجبته وأنا أخطو بسرعة عتبة ~~الباب: بسبب ضغط البخار داخل القشرة. كنا نفضل الخروج من الحرم قبل كل صلاة؛ كي لا نبقى ~~عاكفين على الكتاب والناس يؤدون صلاتهم، أو تحاشيا لسماع كلمات التقريع من أقرب المصلين ~~إلينا. في إحدى المرات، قبضت علي ذراع شيخ مهيب، وقادني معه إلى مقدمة المصلين حيث ~~أجبرني على الصلاة إلى جانبه. # مشيت حافيا فوق البلاط الحجري للأرضية الدافئة التي امتصت شمس النهار، ثم افترشت ~~حصيرا من تلك التي تفرش عادة في الأروقة الخارجية للمساجد. استلقيت متحسسا خوص الحصيرة ~~المجدول، كان دافئا وتنبعث منه تلك الرائحة الأليفة لنبات الأسل، تحمل معها على الدوام عبق ~~اجتماع الناس وأحاديث السمار. وعندما اتصل بصري بالقبة السماوية اجتاحني تدريجيا ~~شعور لا يمكن إعطاؤه حقه بكلمات، كانت سيالة زرقاء تملأ الكون فتشدني إلى الأعالي، أو ~~تهبط بالأعالي إلى حصيرتي. المآذن من فوقي تتقارب وتتلاقى، ثم تغيب في الأعماق، والأعمدة ~~والجدران تتباعد ثم تتلاشى وراء آفاق غير منظورة ... تحسست الزرقة تحت لساني وفي الأوعية ~~الشعرية تحت الجلد، ثم تفتت قطعا زرقاء تتطاير كندف قطن لا وزن لها، لم أعد موجودا، ~~أو لعل من الأنسب أن أقول، لم أشعر بمثل هذا الوجود الحق من قبل، ولن أشعر به إلا مرات ~~قليلة بعد ذلك. لا أدري كم مضى علي في تلك الحالة، وعندما أخذت الأشياء تستعيد صورتها ~~من جديد مستجمعة شتاتها من هيولى نشأتها، تجمعت إلى أجزائي، وعدت سيرتي الأولى، ~~تلميذا تحت الرواق يقبض على كتاب الفيزياء ويحاول النهوض في ذهول عما حوله. # كانت تجربة ساحقة ومفرحة في آن معا؛ ساحقة لأنها تغمرك دون إرادة منك أو استدعاء لها، ~~لتذهب بأناك العزيزة وتمحو حدودها في دقائق تبدو دهرا، ومفرحة لأنك إذا داهمتك فلن تشعر ~~بالوحشة أو الوحدة بعدها أبدا. # بعد الامتحانات، التي حملت إلينا ما توقعناه من الأسئلة وما ms006 لم نتوقع، وبينها سؤال ثمرة ~~الكستناء إياه، كنت أستعيد تجربة ذلك الأصيل تحت رواق الجامع وأتمنى لو أنها تأتي كرة ~~أخرى. ذهبت إلى المكان، دخلت الحرم وجلست أستمع إلى شيخ يتحدث بعد صلاة العصر، مفسرا ~~بعض سور القرآن الكريم لمجموعة تحلقت حوله، ثم خرجت إلى الرواق. استلقيت على الحصيرة ورحت ~~أحاور السماء الزرقاء، ولكن شيئا مما حدث لي في المرة السابقة لم يحدث. وعندها، خطر لي ~~بما يشبه اليقين أن تجربة ذلك الأصيل لم تكن إلا دعوة للصلاة. عدت إلى البيت، وأخرجت كتاب ~~مقرر الديانة المدرسي، فراجعت مجددا قواعد الصلاة بدقة، ثم تشمرت وتوضأت ، ومددت ~~سجادة الصلاة تحت شجرة التفاح القديمة في فناء البيت، وشرعت في الصلاة، ولكن عند السجود، ~~ظهرت أمامي صورة الرجل الحازم ذي اللحية البيضاء الطويلة، فشعرت بالخوف وأسرعت في إتمام ~~الصلاة. ولهذه الصورة قصة سوف أرويها فيما يلي. # كان لوالدي غرفة يدعوها مكتبة. وفيما عدا إجراءات التنظيف العادية من مسح وكنس، كان ~~محرما على أحد ترتيبها أو حتى تغيير مكان صحيفة يومية فيها. كانت أكداس المجلات ~~والدوريات القديمة تملأ المكان، والكتب موزعة على الرفوف القليلة، ومتجمعة عند الزوايا ~~في أكوام غير منتظمة. في الأوقات الآمنة، كنت أتسلل إلى الغرفة لتقليب صفحات كتب مصورة ~~أحبها، ثم أنسحب عند اقتراب الخطر. وفي إحدى المرات، تسمر بصري على لوحة تملأ صفحتين ~~متقابلتين من كتاب حاشد بالصور الملونة الأخاذة، كتب تحتها «لوحة خلق آدم». في ~~اللوحة شيخ مهيب سابح في الفضاء يرتدي جلبابا هفهافا ينسحب من ورائه، وهو يمد يده إلى ~~رجل عار يجلس على الأرض في وضعية من صحا لتوه من النوم. أطبقت الكتاب وخرجت، وفي ذهني ~~أكثر من سؤال لا يجيب عليه سوى والدي، ولكن كيف أكشف عن سر دخولي إلى الغرفة ~~المحرمة؟ # لم يطل ترددي، كنت عازما على كشف سر الصورة بأي ثمن. بعد العشاء، أوى والدي إلى ~~غرفته، فطرقت الباب وكشفت عن سري له مشيرا إلى مكان الكتاب، ثم قبعت في انتظار ما سيجري. ~~لم يبد ms007 عليه الغضب، اتجه نحو الزاوية وأخذ الكتاب، ثم عاد إلى مكانه ففتحه على اللوحة ~~إياها، ثم صمت برهة، وأخذ يشرح لي ببطء مضمونها وهو يتخير كلماته بدقة وحذر؛ لأن وجهي قد ~~تحول على ما يبدو من إشارة استفهام إلى بركان دهشة لا حدود لها. وعندما انتهى من حديثه، ~~زودني ببعض المجلات القديمة المصورة، ونبهني إلى ضرورة استئذانه في كل مرة أريد فيها ~~دخول الغرفة. وكان علي بعد ذلك أن أهضم فكرة التصوير الديني ووجود مصورين لا يتحرجون من ~~رسم صورة للخالق. # لوحة مايكل أنجلو هذه صارت من أعمال عصر النهضة المحببة إلي بعد ذلك . وعندما وقفت ~~أتملاها تحت قبة السستين في الفاتيكان، بعد تلك الصدمة بعشرين عاما، تذكرت انفعالي ~~الأول وابتسمت، كما تذكرت كيف حالت صورة الرجل الحازم ذي اللحية البيضاء بيني وبين الصلاة ~~في تلك الفترة المبكرة. # يتميز الجيل الذي أنتمي إليه بنزعة عقلانية مفرطة؛ فهو الجيل الذي فتح عينيه على دولة ~~حديثة الاستقلال، تحاول أن تجد لها موطئ قدم في عالم شيمته التقدم العلمي. لم نكن نسمح ~~لأنفسنا بالنظر إلى العالم إلا من خلال المحاكمات الذهنية الباردة، وكان السلاح الذي ~~نشهره في وجه بعضنا هو شعار «كن علميا»، كلما آنس واحدنا من زميله بادرة لطرح لا يلتزم ~~المنطق العلمي في أضيق أشكاله، فكان من الطبيعي أن أكف عن استثارة أحوال نفسانية لا تخضع ~~للمفاهيم العلمية الميكانيكية؛ فإلى جانب الخوف من أن تصنف في زمرة المتخلفين، كان في ~~داخل كل منا محكمة تفتيش منعقدة على الدوام، يصرخ قاضيها في أعماقه «كن علميا»، كلما ~~وجد في نفسه ميلا لما هو «غير علمي» بالمفهوم السائد. ومع ذلك، فقد داهمتني حالة «الوجود ~~الحق» كما أسميتها، مرات قليلة بعد ذلك، وعلى درجات متفاوتة من الشدة. # كنا نتجول مساء في ساحة مونمارتر وأزقتها بباريس، عندما أنذر الرذاذ الخفيف بتحوله إلى ~~وابل ثقيل، فاقترحت زوجة صديقي أن نلجأ إلى كاتدرائية مونمارتر القريبة. كان هناك قداس من ~~نوع ما منعقد بعد الغروب. جلسنا في الصف الخلفي، ms008 وصديقي المقيم في باريس يحاول أن يقدم ~~شرحا عن تاريخ الكاتدرائية وعمارتها، ولكن كلماته غابت تدريجيا لتحل محلها كلمات الكاهن ~~الذي يقود القداس. كنت وكأني أسمع لأول مرة قصة الإله الذي صار إنسانا، والإنسان الذي ~~صار إلها. ارتفعت قبة الكنيسة، توسعت حتى تلاشت في الظلام الكوني، وتباعدت الجدران ~~والأعمدة، تحولت الأشياء إلى كلمات، لا تنطوي كل كلمة على معنى بعينه، بل تحتوي كل كلمة ~~كل كلمة أخرى؛ معنى واحدا يتبدى بألف لون ولون، ثم رأيتني على صليب تتطاول أذرعه نحو ~~اللانهايات الأربع، وأنا في نقطة التقاطع. # بعد ذلك، عرفت أن حالة «الوجود الحق» يمكن استثارتها بأساليب خاصة، وكانت محكمة التفتيش ~~في داخلي قد أخلت مكانها لهيئة محلفين من مشارب شتى، لا يمانعون في إجراء المداولات الحرة ~~قبل إصدار القرار. # في وقت متأخر من الليل، طرق باب منزلي في دمشق جار وصديق لا يخلو من غرابة الأطوار، ~~تعود زيارتي بين الحين والآخر. كان يحمل في يده شريط تسجيل، قال وهو يتجه نحو الزاوية ~~التي تعودنا الجلوس فيها لسماع الموسيقى أحيانا: سأسمعك شيئا أعجبني؛ فلعله يعجبك ~~أيضا. جلسنا أكثر من ساعة نستمع إلى فرقة معروفة بإنشاد الألحان الصوفية، حيث تعرفت لأول ~~مرة على هذا النوع من الفن الديني. حملتني إيقاعات الدفوف إلى حلقات رقص فسيحة يدور فيها ~~الدراويش بأذرع مرفوعة نحو الحقائق المستورة، وأرجل تلف بخفة على الأرض التي ترتفع بهم ~~للقاء السماء. رأيت بعين خيالي كيف يتوسط الراقص بين عالمين، وكيف تمتد روحه شرارة برق تصل ~~المنفصل وتجمع المنقطع. وفي الأمسية التالية، استمعت إلى الشريط وحيدا، وعلى إيقاع مدد، ~~مدد. لا أدري هل درت أم دار الكون من حولي، كل الكون. اختلطت الأشياء وتمازجت ألوانها، ثم ~~ذابت خطوطا في حلقات تتسع، حتى ضاع الشكل واللون. الإنسان في المركز، وكل المجرات حتى ~~أبعدها عند حواف الكون تدور وتدور. صار الكون إنسانا، والإنسان صار كونا. # وبمرور الأيام، كان التساؤل القديم، الذي حملني من حصيرة رواق الجامع إلى سجادة الصلاة ~~تحت شجرة التفاح، ينمو ms009 ويتحول من تساؤل عرضي إلى سؤال أساسي: هل تجربة ما أسميته بالوجود ~~الحق هي تجربة دينية؟ فإذا كانت دينية، فما الفرق بينها وبين ما تحققه الصلاة المعتادة؟ ~~لماذا يلجأ البعض إلى طقس مؤسس ومتعارف عليه، والبعض الآخر إلى طقس خارج على المألوف؟ ~~وإذا لم تكن هذه التجربة دينية، فماذا تكون؟ ثم تبين لي تدريجيا أن معالجة هذه الأسئلة ~~ستدور في حلقة مفرغة، إذا لم نشرع قبلها في الإجابة على سؤال أكثر أساسية يتعلق ب: ما هو ~~الدين؟ فلكي نستطيع تصنيف أمر ما في زمرة الدين، أو نصف سلوكا ما بالديني، علينا أن ~~نكون واثقين من أننا نعرف فعلا ما نعنيه بالدين. والحال أننا مختلفون في هذا الأمر، رغم أن ~~كلا منا يعتقد جازما بأنه يعرف ما الذي يعنيه الدين بالنسبة إليه. وليس الفلاسفة ودارسو ~~الأديان من شتى المشارب بأفضل حالا منا، فلدينا اليوم تعريفات للدين بعدد من تصدى ~~لدراسته، وحاول الإحاطة بهذه الظاهرة ووضع تعريفا مرضيا لها. كيف ذلك؟ كيف لهذا ~~المحرض الإنساني الكبير أن يكون على هذه الدرجة من الغموض والزوغان عن التعريف؟ وهل من ~~الممكن فعلا أن يختلف الدين باختلاف الأفراد وتنوع نظرتهم إلى الحياة؟ أم إن وراء هذا ~~التنوع الظاهري وحدة صميمية، وإن التعريفات لا تقصد إلا أن تقول شيئا واحدا، وتعبر عن ~~تجربة إنسانية واحدة؟ ~~••• # أما بعد، فهذا كتاب في وصف الظاهرة الدينية عند نوع من الأحياء معروف باسم الإنسان العاقل ~~(= # Homo Sapien ~~)؛ فقد وجدنا أن الدين هو إحدى السمات ~~الرئيسية، التي ميزت هذا النوع عن غيره، منذ اكتسابه للخصائص الإنسانية التي نحن عليها ~~الآن قبل أكثر من مائة ألف عام من عصرنا هذا. وقد رافقته، منذ ذلك الوقت المبكر لاستقلاله ~~التام عن بقية الأنواع الحية على هذا الكوكب، كمحرض أساسي وهام في حياة البشرية عبر ~~عصورها. وأريد أن ألفت النظر ابتداء إلى أن المقدمة الشخصية التي ابتدأت بها لا تطرح ~~منهجا لبقية الكتاب، وأن الفصول القادمة ليست تأملات ذاتية في مسألة الدين، بل العكس هو ms010 ~~الصحيح تماما؛ فإذا كان لكل مشروع دافع شخصي، فإن ما يميز مشروع البحث الموضوعي عن غيره ~~هو قدرة صاحبه على الانتقال من الشخصي إلى الموضوعي، وتعديل الأول بما يتلاءم ومعطيات ~~الثاني. # يميز وليم جيمس، الفيلسوف والسيكولوجي الأمريكي (1842-1910م)، في كتابه: # The Varieties of Religious Experience ~~، # 1 # بين نوعين من المحاكمة في دراسة الظاهرة الدينية، يدعو الأول محاكمة وجود # Existential Judgement ~~، والثاني محاكمة قيمة Proposition of values ~~. في المقترب الأول، يقوم الدارس ~~بتقصي طبيعة موضوعه؛ أي تركيبه وأصله وتاريخه، وفي المقترب الثاني يبحث في أهميته وجدواه. ~~ويرى وليم جيمس أننا لا نستطيع اشتقاق أحد هذين المقتربين من الآخر؛ لأنهما مستقلان تمام ~~الاستقلال، وينشأ كل منهما عن مواقف فكرية متغايرة ؛ فمحاكمة الوجود موضوعية لا تعتمد ~~معايير موضوعة مسبقا، أما محاكمة القيمة فذاتية تعتمد معايير يقوم الدارس بتبنيها ~~مسبقا. فدراسة كتاب التوراة مثلا، من حيث طريقة جمعه وتحريره والأشخاص الذين عكفوا على ~~صياغته، والشروط التي أحاطت بظهور هذا الكتاب وإتمام أسفاره، هي محاكمة وجود لا علاقة لها ~~بتاتا بالتساؤل عن قيمة الكتاب كموجه روحي، فهذه محاكمة قيمة تختلف باختلاف المعايير ~~التي يتبناها الدارس. من هنا، فإن حكم القيمة يختلف باختلاف مشارب الباحثين ومواقفهم ~~الفكرية المسبقة. # ولقد تبنيت في كتابي هذا المقترب الأول، ووقفت في منهجي عند الحد الفاصل تماما بين ~~الدراسة الوصفية والحكم القيمي. # إن ما أهدف إليه هو التعرف على الظاهرة الدينية كما هي، وعلى حقيقتها، وذلك عن طريق وصفها ~~وصفا دقيقا، وعزلها عن بقية ظواهر الثقافة الإنسانية الأخرى المتعددة، وهو أمر على قدر ~~كبير من الصعوبة والتعقيد، على عكس ما يخطر في البال للوهلة الأولى. فعبادة الموتى لدى بعض ~~ثقافات العصر الحجري والعديد من الثقافات البدائية، قد صنفت خارج دائرة النشاط الديني من ~~قبل بعض الباحثين المحدثين؛ لأنها لا تتوسل إلى قوى خالقة وخارقة تقع خارج الحيز المكاني ~~والزماني المألوف. ومثلها أيضا تلك الممارسات والمعتقدات السحرية التي تقع في بؤرة الحياة ~~الروحية لشعوب بدائية كثيرة؛ لأنها تتوسل إلى قوى غامضة غير ms011 مشخصة تتوسط بين الأسباب ~~ونتائجها في حركة الطبيعة، وهي قوى لا تشبه الآلهة من قريب أو بعيد. وهناك أكثر من دين ~~واسع الانتشار لا يؤمن أهلوه بإله ما، ولا يتعبدون لشخصيات ما ورائية من أي نوع، ولا ~~ينتظرون منها منة ولا خلاصا؛ فإلى أي حد نستطيع أن نطلق صفة الدين على هذه الطرائق ~~الروحية المغايرة لطرائقنا؟ ومن ناحية أخرى، لدينا فلسفات كبرى كالأفلاطونية المحدثة، شاعت ~~وانتشرت، وساهم في بنائها العديد من العقول الجبارة، جعلت من فكرة الألوهة بؤرة اهتمامها، ~~ومن الإله الأسمى الذي تعرفت عليه قطب الرحى في بنائها الفلسفي، فكان لها من الأتباع ما ~~لأي نحلة دينية معروفة، ولكن أحدا من مؤرخي الأديان لم ير فيها دينا ؛ فما الذي تفتقد ~~إليه أمثال هذه الفلسفات لتغدو دينا؟ # ما هو الدين؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي سنسعى معا إلى تلمس إجابات مرضية حوله، ولكن ~~قبل الشروع في ذلك لا بد من كلمة حول منهج البحث. # لقد حاولت بشكل أساسي تجنب أمرين؛ الأول فلسفة الدين، والثاني تاريخ الأديان. فالفلسفة ~~تبقى بعد كل شيء امتدادا لفكر صاحبها، وتعبيرا عن توجهاته ومواقفه، إنها أمر شخصي بحت، ~~ولدينا من الفلسفات قدر ما لدينا من الفلاسفة. وبما أني راغب عن تقديم وجهة نظر شخصية في ~~مسألة الدين، راغب في وصفه وتحديده موضوعيا، فقد ابتعدت قدر المستطاع عن فلسفة الدين ~~وفلاسفته، وعن إقحام أي رأي شخصي، مما يمكن للباحث أن يحمله ويضطر إلى وضعه على الرف ~~مؤقتا، فيما لو كان جادا في التعلم من بحثه في اكتناه الواقع، لا في وضع هذا الواقع ضمن ~~إطار ذهني مرتب مسبقا. أما تاريخ الأديان، فيعتمد منهجا تاريخيا يلجأ إلى تحليل الأديان ~~المختلفة في سياقها التاريخي؛ أي إنه يحاول الكشف عما حدث فعلا، ودون العناية بفهم عميق ~~لما حدث، أو تقديم تركيب منظم يجمع الظواهر الدينية التي يدرسها إلى ظاهرة واحدة. في ~~محاولتي الابتعاد عن هذين التوجهين، وجدت نفسي مع أصحاب المنهج الفينومينولوجي (= ~~الظاهراتي). # والفينومينولوجيا، كما وضع أسسها إدموند هوسرل (1859-1938م)، ms012 هي طريقة وصفية في البحث، ~~تبتعد عن النظريات الفلسفية، وتحاول حدس ووصف الظاهرة كما تبدو لتجربتنا المباشرة؛ أي وصف ~~طبيعتها وطرق تبدياتها وتعبيراتها عن نفسها. ففي مقابل انشغال الفلسفة التقليدية بتحليل ~~المفاهيم، والتركيز على العقلاني، فإن الظاهراتية تركز على كلية التبدي الظاهراتي في ~~التجربة الإنسانية، والتوجه إلى موضوع بحثها كأمر قائم في ذاته، لا يمكن إرجاعه إلى ظاهرة ~~أخرى تحتويه. من هنا، هاجم هوسرل الإرجاعية السيكولوجية، التي يحاول علماء النفس من خلالها ~~إرجاع كثير من الظواهر (ومنها الظاهرة الدينية) إلى الظاهرة النفسية. هذا الموقف الرافض ~~للإرجاعية يحرر الباحث الفينومينولوجي من المواقف المسبقة، التي لم تخضع أصلا للنقد، ~~والتي تمنعه من الالتفات إلى الخصوصية والتنوع في الظاهرة التي يدرسها، وهذا ما يعينه على ~~توسيع وتعميق تجربته المباشرة، ويؤمن له وصفا دقيقا لهذه التجربة، لا يختلط بالأحكام ~~القيمية. هذا عن الفينومينولوجيا الفلسفية. أما عن الفينومينولوجيا الدينية، فإنها تطبيق ~~لطرائق الفينومينولوجيا على دراسة تاريخ الدين؛ أي إنها تشغل مكان الوسط بين الفلسفة ~~والتاريخ، وتطرح منهج بحث عملي، لا فلسفة بالمعنى التقليدي. # إن ما يميز الفينومينولوجيا الدينية بشكل خاص هو ميلها إلى العمومية، وتقصيها لكل ما ~~هو مشترك وعام بين الظواهر الدينية. وهي إذ تصف وتنظم وتنمذج موضوعاتها، إنما تعمل ~~على استقصاء البنية الجوهرية والمعنى في الظاهرة الدينية. ورغم أن الظاهراتي يتحاشى فرض ~~أحكامه وقيمه على موضوع بحثه، إلا أنه ينطلق في الوقت ذاته من موقف متعاطف مع هذا الموضوع، ~~وبشكل خاص مع الجانب الإنساني فيه. فهو في وصفه للكيفية التي يعي بها المؤمن إيمانه ~~ويفهمه، فإنه يحترم القيمة المطلقة التي يعزوها هذا المؤمن لعقيدته. وهذه نقطة يتوجب علي ~~منذ البداية أن أجعلها واضحة تماما. عن هذا الموقف المتعاطف الذي لا ينشأ عن أفكار مسبقة، ~~يقول كارل غوستاف يونغ، منشئ علم النفس التحليلي، ما يأتي: ~~«على الرغم من أنني كثيرا ما أدعى فيلسوفا، إلا أنني امرؤ تجريبي، وأنطلق من موقف ~~فينومينولوجي، ظاهراتي بحت. وهو موقف يعنى بالحوادث والخبرات، وتقوم حقيقته على الوقائع لا ~~على ms013 الأحكام؛ فحين يتحدث علم النفس التحليلي، الذي أمثله، عن الميلاد العذري مثلا، فإنه ~~لا يعنى إلا بواقعة وجود مثل هذه الفكرة، ومن دون التطرق إلى مسألة صحة الفكرة أو خطئها. ~~فهذه الفكرة صحيحة سيكولوجيا، من حيث إنها فكرة موجودة. والوجود السيكولوجي هو وجود ذاتي ~~بقدر ما تخطر الفكرة على بال إنسان واحد، وهو وجود موضوعي بقدر ما يترسخ بإجماع الناس ~~عليه. والحق، فإن أفكارا معينة تكاد توجد في كل مكان وكل زمان، وهي قادرة على أن تخلق ~~نفسها بصورة تلقائية وفي معزل عن النقل أو التقليد. هذه الأفكار لا يصنعها الفرد بل تحدث ~~له، حتى لتفرض نفسها على وعيه فرضا. إن ما أقوله هنا ليس فلسفة أفلاطونية، بل علم نفس تجريبي.» # 2 # وعلى هذا، فإن ما أضعه بين يدي القارئ، فيما يأتي من الصفحات، هو مساهمة في ~~فينومينولوجيا الدين، تتميز، على ما آمل، بالجدة في مقترباتها ومعالجاتها ونتائجها؛ ذلك أن ~~عملا يأتي في هذا الوقت المتأخر عن فترة ازدهار هذا النوع من البحث على المستوى العالمي، ~~لا بد من أن يحمل معه مسوغات قوية لظهوره. وإني لأعترف بفضل اثنين من المفكرين زوداني ~~بالإطار الفكري السليم اللازم لإنجاز هذا الكتاب، وهما: إميل دوركهايم # Emile Durkheim ~~، المفكر وعالم الاجتماع، الذي أعطى لدراسة الدين نكهة ~~العلم، وفريتجوف كابرا # Fritjof Capra # الفيزيائي الذي أعطى ~~الفيزياء الحديثة نكهة الحكمة. # الباب الأول # | ما هو الدين؟ # مسائل أولية في المصطلح والتعريف # الفصل الأول # | أفكار استهلالية: مكانة الدين وتعريفه # (1) مكانة الدين # منذ أن قال أرسطو في الإنسان إنه حيوان ناطق، والفلسفات والعلوم تأتينا بتعريفات ~~أخرى لهذا الكائن الذي يرغب دوما في رسم حدود فاصلة بينه وبين شركائه على هذا ~~الكوكب. ونظرا لتعدد هذه التعريفات، فإني لا أرى حرجا من أن أضيف إليها واحدا ~~جديدا فأقول بأن الإنسان هو كائن متدين، خصوصا وأننا الآن بصدد التمحيص في ظاهرة ~~من أهم الظواهر المميزة للجماعات البشرية منذ بدايات تكونها، بل لعلها أهم ظاهرة ~~ميزت تلك الجماعات الأولى بعد صناعة الأدوات. إن ms014 أول ما انفرد به الإنسان عن غيره ~~من جماعات الرئيسيات العليا هو تشكيل الأدوات الحجرية بواسطة تقنيات الشطف. وبعد ~~ظهور الأدوات الحجرية، ترك لنا الإنسان الأول إلى جانب أدواته شواهد على وسطه ~~الفكري، تشير إلى بوادر دينية لا لبس فيها، وتبين ظهور الدين إلى جانب التكنولوجيا ~~كمؤشرين أساسيين على ابتداء الحضارة الإنسانية. ولا زلت إلى يوم الناس هذا لا أرى ~~في كل نواتج الحضارة الإنسانية إلا استمرارا لهاتين الخصيصتين الرئيسيتين ~~للإنسان؛ فكل ارتقاء مادي تكنولوجي قد تسلسل من تلك التقنيات الحجرية الأولى، وكل ~~ارتقاء فكري وروحي قد تسلسل من تلك البوادر الدينية الأولى وتطور عنها. # كثيرا ما يقال لنا بأن الفلسفة الإغريقية قد وضعت حدا للفكر الديني ~~والميثولوجي، وأنها بذلك قد حررت العقل من شروطه القديمة. وهذا الطرح يسير مع ~~الفرض القائل بأن الدين هو شكل أدنى من أشكال النظر العقلي، والفلسفة هي شكله ~~الأرقى والأعلى. واعتمادا على تكرار هذه المقولة التي لم تخضع للنقد، فإننا نقبل ~~بالتقسيم المعتاد لتاريخ الفكر الإنساني إلى أربع مراحل، هي: السحر فالدين فالفلسفة ~~فالعلم التجريبي. غير أن نظرة جديدة غير متحيزة على مسار الحياة الفكرية للإنسان، ~~تظهر لنا بوضوح أن الفلسفة الإغريقية لم تكن سوى بارقة عارضة، ما لبثت أن انطفأت ~~أمام مد الفكر الديني والأسطوري، وتراجع الفكر الفلسفي قرونا عديدة قبل أن يبعث ~~مجددا في العصور الحديثة، متوكئا عصا عربية أبقت على قبس من الفلسفة متقد، ~~على الأطراف الخارجية لثقافة دينية سائدة، سواء في الثقافة العربية أم في الثقافة ~~الأوروبية الوسيطة. أما العلم، فرغم الأرضية الصلبة التي فرشتها أمامه الفلسفة مع ~~فترة مدها الأول، فقد بقي أسير التطورات الدينية والأسطورية، إلى أن أينعت ثمار ~~عصر النهضة في أوروبا، وجاء كوبرنيكوس بنظريته الجديدة عن النظام الشمسي، التي كانت ~~فاتحة لاستقلال العلم عن الدين والأسطورة، وتبعه غاليلو فنيوتن، فكان لهؤلاء معا ~~فضل وضع أسس التفكير العلمي الحديث. # إن التاريخ القريب جدا لنجاح العلم والفلسفة في ترسيخ أقدامهما، وما نراه من ~~مقاومة عنيدة للفكر الديني في ms015 كل ثقافة من ثقافات العالم الحديث، يجعل من تقسيم ~~تاريخ الفكر إلى مراحل أربع يتوجها العلم، مسألة نظرية لغرض الدراسة، لا أمرا ~~فعليا يعكس واقع الحال. لقد امتص الفكر الديني صدمة انتصار العلم والفلسفة، وما ~~زال يزاحم وبقوة على اقتسام هوى وعقل الناس في كل مكان. في مطلع القرن التاسع عشر، ~~أنهى العالم الفلكي والرياضي المركيز دي لابلاس مؤلفه الموسوعي الضخم عن ميكانيك ~~الفضاء، معتمدا على حسابات نيوتن وقوانينه، فسار بفكرة الآلة الكونية الجبارة ~~التي ابتدعها نيوتن إلى نهاياتها القصوى. وعندما عرض مؤلفه على الإمبراطور ~~نابليون بونابرت، قال له بونابرت: لقد قيل لي إنك قد وصفت في عملك هذا نظام الكون ~~برمته، ولكن من غير أن تشير من قريب أو بعيد إلى خالقه! فأجابه لابلاس: مولاي، ~~إن هذه الفرضية لا ضرورة لها في نظامي. # 1 # غير أن علماء اليوم يظهرون تواضعا أكثر من سابقيهم رواد النهضة ~~العلمية، وهم لا يرون غضاضة في الإفصاح عن صلة الفكر العلمي بالفكر الديني السابق ~~عليه. يقول الفيزيائي روبرت أوبنهايمر صاحب الباع الطويل في صنع أول قنبلة ~~ذرية: ~~«إن ما أدت إليه اكتشافاتنا في عالم الفيزياء من مفاهيم وأفكار حول طبيعة ~~الأشياء، ليست جديدة تماما؛ فإضافة إلى كون هذه الأفكار ذات تاريخ في حضارتنا ~~الغربية، فإنها تتمتع بمكانة مركزية وهامة في الفكر البوذي والهندوسي. ولعلنا ~~نستطيع القول بأن الأفكار الجديدة عبارة عن وثيقة مصدقة عن الحكمة القديمة، ونسخة ~~مشذبة عنها.» # 2 # ويقول نيلز بوهر، وهو واحد من أهم مؤسسي فيزياء الكم: ~~«إذا شئنا العثور على مواز للدرس الذي تعطينا إياه الفيزياء النووية، فعلينا أن ~~نلتفت إلى تلك المشكلات المعرفية التي واجهت من قبل مفكرين من أمثال البوذا ولاو ~~تسي، والتي تتضمن من جملة ما تتضمن وضعنا كمشاهدين وممثلين في دراما الوجود الكبرى.» # 3 # أما فيرنر هايزنبرغ، صاحب تفسير كوبنهاجن المشهور في فيزياء الكم، فيقول: ~~«إن الإسهام العظيم الذي قدمته اليابان مثلا في الفيزياء النظرية بعد الحرب ~~الأخيرة، يمكن أن يعتبر دليلا على وجود قرابة بين ms016 الأفكار التقليدية في الشرق ~~الأقصى وبين الجوهر الفلسفي لنظرية الكم. وقد يكون التكيف مع المفهوم الكمومي ~~للواقع أيسر، عندما ينجو المرء من تأثير الأفكار المادية الساذجة التي استمرت ~~تسيطر على أوروبا حتى العقود الأولى من القرن العشرين.» # 4 # ولقد عثرت شخصيا على العديد من المشكلات المعرفية المشتركة بين الفيزياء ~~الحديثة وفكر محيي الدين بن عربي، وذلك في غمار دراستي للفيزياء الكوانتية تحضيرا ~~للفصل ما قبل الأخير من هذا الكتاب، ونقاط التشابه من الكثرة والتنوع بحيث تستدعي ~~من أحد المهتمين دراسة تفصيلية مطولة. # إن ما أود التوكيد عليه هنا هو أن الدين والفكر الديني ليس مرحلة منقضية من ~~تاريخ الفكر الإنساني، بل هو سمة متأصلة في هذا الفكر، وإذا كانت هذه السمة قد ~~أعلنت عن نفسها زمنيا قبل غيرها ، فكان الدين مصدرا بدئيا للثقافة الإنسانية، ~~فإن كل المؤشرات تدل على أنه ما زال حيا ومؤثرا بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ ولهذا ~~لن يتسنى لنا أبدا فهم الحاضر الفكري الغني للإنسان، إذا نحن أبقينا على هذا ~~المصدر البدئي والمحرض الدائم في دائرة الظل، أو تابعنا النظر إليه بمفهوم عصر ~~التنوير الأوروبي، باعتباره لغزا أو فوضى فكرية مرتبطة بطفولة الجنس ~~البشري. ~~(2) تعريف الدين # غالبا ما يبدأ المؤلفون، الذين أخذوا على عاتقهم دراسة الظاهرة الدينية، بوضع ~~تعريف للدين؛ لأنه بدون هذه الخطوة المبدئية قد يجد الباحث نفسه وهو يلاحق ظواهر ~~بعيدة عن الدين، أو يتابع جوانب ثانوية من الدين على حساب جوانبه الرئيسية؛ إلا أن ~~محذور هذه الطريقة يكمن في أن التعريف قد يقود في سبل مضللة، إذا لم تكتمل صياغته ~~عقب دراسة متأنية لتجليات الظاهرة الدينية عبر التاريخ، ولدى مختلف الجماعات ~~البشرية؛ لأنه في هذه الحالة سوف يعكس المواقف المسبقة للباحث وإسقاطاته الخاصة، أو ~~مواقف وإسقاطات الثقافة التي ينتمي إليها ونظرتها إلى الثقافات الأخرى. فنحن هنا ~~أمام مأزق فعلي يتعلق بالمنهج؛ ذلك أن التعريف المسبق ضروري من أجل تحديد وتوضيح ~~مجال الدراسة، ولكننا في الوقت نفسه قد لا نستطيع التوصل إلى مثل هذا التعريف ms017 قبل ~~أن نقطع شوطا واسعا في دراستنا للظاهرة الدينية، ونتقدم نحو نهاياتها. من هنا ~~يجنح بعض المؤلفين إلى وضع تعريف أولي لا يهدف إلا إلى رسم الإطار العام لدراستهم، ~~ولا يدعي الشمول والإطلاق. يقول وليم جيمس في بداية كتابه # The ~~Varieties of Religious Experience ~~: ~~«رغم أنه من غير الحكمة وضع تعريف للدين ثم المضي في الدفاع عنه في وجه كل ~~الاعتراضات؛ فإن هذا لن يقف حائلا دون قيامي بتقديم وجهة نظر محدودة بغرض وأهداف ~~هذا الكتاب. فمن بين المعاني المتعددة للكلمة سوف أختار معنى محددا تدور حوله هذه ~~المحاضرات؛ فالدين الذي أعنيه هنا هو الأحاسيس والخبرات التي تعرض للأفراد في ~~عزلتهم، وما تقود إليه من تصرفات. وتتعلق هذه الأحاسيس والخبرات بنوع من العلاقة، ~~يشعر الفرد بقيامها بينه وبين ما يعتبره إلهيا ...» # 5 # ولكن بما أن مجال بحثي هنا يتجاوز المجال الذي حدده وليم جيمس لدراسته، فإنني ~~سوف أتوقف قليلا عند بعض من أهم التعريفات المتداولة في حقل دراسة الدين، والتي ~~طمحت في وقتها للإحاطة بالظاهرة الدينية، وذلك قبل أن أتناول الموضوع من جانبي. وقد ~~تحاشيت، فيما يأتي، استعراض الآراء الفلسفية البحتة؛ لأن الآراء الفلسفية غالبا ما ~~تعكس وجهة نظر شخصية نابعة من النظم الفلسفية لأصحابها، لا من دراسة شاملة ~~للظاهرة الدينية. # تقوم فكرة «فوق الطبيعي» # Supernatural # أساسا ~~لعدد من التعريفات. والتعبير هنا يشير إلى كل ما يتجاوز حدود المعارف الإنسانية ~~ويقع في نطاق السر والمجهول؛ فالدين هو تفكر في كل ما يتأبى على العقل العلمي ~~والتفكير الواضح. يقول هربرت سبنسر: «إن الأديان على قدر اختلافها في عقائدها ~~المعلنة، تتفق ضمنيا في إيمانها بأن وجود الكون هو سر يتطلب التفسير.» ولذا فإن ~~الدين بالنسبة إليه هو: «الاعتقاد بالحضور الفائق لشيء غامض وعصي على الفهم.» # 6 # ويدور تعريف ماكس مولر (1822-1900م)، الفيلسوف ومؤرخ الأديان الألماني، ~~حول الفكرة نفسها، فيقول في كتابه نحو علم للدين: ~~«إن الدين هو كدح من أجل تصور ما لا يمكن تصوره، وقول ما لا يمكن التعبير ~~عنه؛ إنه ms018 توق إلى اللانهائي.» # 7 # وهناك اتجاه في التعريف يقوم على فكرة «الألوهة». يقول م. رافيل في كتابه مقدمة ~~في تاريخ الأديان: ~~«إن الدين هو اشتراط الحياة الإنسانية بإحساس بالاتصال بين العقل الإنساني وعقل ~~خفي يتحكم بالكون، وما ينجم عن ذلك من شعور بالغبطة.» # 8 # ويقول ف. شلرماخر # F. Schleirmacher ~~(1768-1834م)، وهو لاهوتي ودارس أديان: ~~«إن الدين هو شعور باللانهائي واختبار له. وما نعنيه باللانهائي هنا هو وحدة ~~وتكامل العالم المدرك. وهذه الوحدة لا تواجه الحواس كموضوع، وإنما تنبئ عن نفسها ~~للمشاعر الداخلية. وعندما تنتقل هذه المشاعر إلى حيز التأملات، فإنها تخلف في ~~الذهن فكرة الله. وإن الخيال الفردي هو الذي يسير بفكرة الله إما نحو المفارقة ~~والتوحيد، أو نحو شكل غير مشخص للألوهة يتسم بوحدة الوجود.» # 9 # ويرى بعض الباحثين أن فكرة الألوهة إذا أخذت بمدلولها الضيق فإنها تترك كثيرا ~~من الأديان خارج دائرة التعريف، وهي الأديان التي تضع في بؤرة معتقدها كائنات روحية ~~من مختلف الأنواع، كأرواح الموتى والأرواح الحالة في مظاهر الطبيعة المختلفة، ~~والتي لا تنضوي تحت مفهوم الآلهة المعتاد. من هنا يرى إدوارد تيلور (1832-1917م)، ~~وهو مؤسس الأنتروبولوجيا في بريطانيا، أن التعريف الأشمل ينبغي أن يستبدل مفهوم ~~الآلهة بمفهوم «الكائنات الروحية» الأكثر عمومية. يقول تيلور في كتابه Primitive Culture ~~: ~~«إن المتطلب الأول في الدراسة المنهجية لأديان الشعوب البدائية، هو وضع تعريف ~~بدائي للدين؛ ذلك أن التوكيد على الإيمان بكائن أعلى، من شأنه أن يخرج المعتقدات ~~البدائية من دائرة الدين؛ لأن مثل هذا الإيمان هو مرحلة متطورة من الحياة الدينية. ~~من هنا، فإن الأفضل أن نضع حدا أدنى لتعريف يقتصر على الإيمان بكائنات روحية.» # 10 # والمقصود بالكائنات الروحية عند تيلور، هو كائنات واعية تمتلك قوى وخصائص تفوق ~~ما لدى البشر. ويدخل في عداد هذه الكائنات كل أنواع الأرواح والعفاريت والجن، ~~التي تفترض الذهنية البدائية تداخل عالمها بعالم البشر، كما يدخل في عدادها أيضا ~~الآلهة بالمعنى المعتاد للكلمة. وبما أن هذه الكائنات ليست قوى غفلة عمياء، بل ~~تتمتع بالوعي ms019 والإرادة، فإن العلاقة معها تتميز بمحاولة التأثير عليها واستمالتها ~~للوقوف إلى جانب الإنسان، سواء بالكلمات المناسبة أو بالذبائح والتقدمات وما إليها. ~~وهنا يأتي جيمس فريزر (1854-1941)، الأنتروبولوجي البريطاني المعروف، ليقدم تعريفا ~~مكملا لتعريف تيلور. يقول في كتابه الغصن الذهبي الذي صدر في طبعته المختصرة عام ~~1922م: ~~«إن صياغة تعريف واحد من شأنه إرضاء كل الآراء المتصارعة حول الدين، هو أمر غير ~~ممكن التحقيق. من هنا فإن كل ما يستطيعه الباحث هو أن يحدد بدقة ما يعنيه بكلمة ~~الدين، ثم يعمل على استخدام هذه الكلمة عبر مؤلفه بالمعنى الذي حدده لها منذ ~~البداية. وعليه، فإننا نفهم الدين على أنه عملية استرضاء وطلب عون قوى أعلى من ~~الإنسان، يعتقد أنها تتحكم بالطبيعة والحياة الإنسانية. وهذه العملية تنطوي على ~~عنصرين، واحد نظري والآخر تطبيقي عملي؛ فهناك أولا الاعتقاد بقوى عليا، يتلوه ~~محاولات لاسترضاء هذه القوى. ولا يصح الدين بغير توفر هذين العنصرين ؛ ذلك أن ~~الاعتقاد الذي لا تتلوه ممارسة هو مجرد لاهوت فكري، أما الممارسة المجردة عن أي ~~اعتقاد فليست من الدين في شيء.» # 11 # في كتابه # The Elementary Forms of Religious ~~Experience ~~، يوجه إميل دوركهايم، الفيلسوف وعالم الاجتماع ~~الفرنسي (1858-1917م)، نقدا شديدا للتعريف الذي قدمه فريزر؛ لأنه يقصر الدين ~~على الممارسات التي تتضمن توسلا لكائنات ما ورائية تسمو على الإنسان. ويرى ~~دوركهايم أن أمثال هذا التعريف تلقى قبولا في الغرب بسبب مطابقتها من حيث الأساس ~~لمفهوم الدين المسيحي، ولكنها لا تنطبق على أديان عدة واسعة الانتشار لا تدور ~~معتقداتها حول أرواح أو آلهة من أي نوع، أو أن هذه الكائنات لا تلعب فيها إلا دورا ~~ثانويا جدا؛ فالبوذية مثلا قد شقت لنفسها طريقا مستقلا عن البراهمانية في ~~الهند، انطلاقا من رفض فكرة الإله؛ فهي نظام أخلاقي بدون مشرع، وإيمان بدون ~~إله. إن البوذي غير معني إطلاقا بمن خلق العالم وكيف، وجل همه يتركز في الكدح من ~~أجل التحرر وتخليص روحه من سلسلة التقمصات في عالم لا يحمل إلا الألم والشقاء. وهو ~~في ms020 كدحه هذا لا يستعين بأي كائن ما ورائي من أي نوع، بل يعتمد على قواه الذاتية ~~وحدها. أما الآلهة، فليست، في حال وجودها، إلا كائنات أقدر من الإنسان على التحكم ~~في عالم المادة، ولكنها أسيرة مثله في عالم بائس عليها أن تخلص نفسها منه ~~أيضا. # انطلاقا من هذا النقد، يرى دوركهايم أن أي تعريف للدين يجب أن ينطبق على جميع ~~الديانات، من أكثرها بدائية إلى أكثرها تطورا وتعقيدا. ولكي نستطيع صياغة مثل هذا ~~التعريف، ينبغي لنا أن نبحث عما هو مشترك بين الديانات المعروفة جميعا، ونسقط من ~~حسابنا تلك الأفكار والمعتقدات التي يختص بها دين دون آخر. ولما كانت القوى ~~الفاعلة في الطبيعة ليست وقفا على قوى الكائنات الروحية المشخصة كالآلهة ~~وغيرها (وهذه نقطة سوف نعمل على توضيحها بكثير من ~~التفصيل لاحقا)، فإن الدين لا يمكن تعريفه انطلاقا من علاقة الإنسان بهذه ~~الكائنات. وبدلا من التوكيد على مفهوم الألوهة ومفهوم الكائنات الروحية، يجد ~~دوركهايم أن كل المعتقدات الدينية، بسيطها ومركبها، تنطوي على خصيصة عامة مشتركة؛ ~~فهي تفترض تقسيما لكل الأشياء المنظور منها والغيبي، يضعها في زمرتين؛ زمرة المقدس ~~وزمرة الدنيوي # Sacred and Profane ~~. وهو يرى أن هذا ~~التقسيم إلى عالمين، يحتوي الواحد منهما على كل ما هو مقدس والآخر على كل ما هو ~~دنيوي، هو السمة الأساسية المميزة للفكر الديني، وأن كل التمثيلات الدينية ما هي ~~إلا وسائل تعبير عن طبيعة الأشياء المقدسة وعلاقتها ببعضها أو علاقتها بالأشياء ~~الدنيوية. من هنا يمكن أن نفهم لماذا تعتبر البوذية دينا رغم استبعادها للآلهة من ~~معتقدها؛ فهي عوضا عن الإيمان بإله يتمركز حوله المعتقد والطقس، فإنها تؤمن ~~بالحقائق النبيلة الأربع وما يتفرع عنها من ممارسات. إضافة إلى هذه السمة الأساسية ~~للدين، فإن تعريف دوركهايم يؤكد على ناحية أخرى ضرورية، وهي الطابع المجتمعي للدين؛ ~~فالمعتقد الديني الحقيقي هو على الدوام معتقد لجماعة معينة من الناس يقتصر عليها ~~ويميزها عن غيرها من الجماعات. والأفراد الذين يؤلفون هذه الجماعة يشعرون بصلة ~~بعضهم مع بعض، وبالترابط داخل ms021 وحدة اجتماعية خاصة بهم انطلاقا من واقعة امتلاكهم ~~لمعتقد ديني خاص بهم. ويطلق دوركهايم على مثل هذه الجماعة المتحدة بالمعتقد اسم ~~الكنيسة. وبناء على ذلك يصوغ إميل دوركهايم التعريف التالي: ~~«الدين هو نظام متسق من المعتقدات والممارسات التي تدور حول موضوعات مقدسة ~~يجري عزلها عن الوسط الدنيوي وتحاط بشتى أنواع التحريم. وهذه المعتقدات والممارسات ~~تجمع كل المؤمنين والعاملين بها في جماعة معنوية واحدة تدعى كنيسة.» # 12 # والموضوعات المقدسة التي يشير إليها تعريف دوركهايم لا تقتصر على المجردات ~~والغيبيات؛ لأن مفهوم القدسي يمكن أن يشتمل على الموضوعات المادية والمعنوية في آن ~~معا. من هنا فإنه يرى ضرورة وضع معيار للتمييز بين ما هو مقدس وما هو دنيوي في ~~معتقدات وممارسات الجماعة، وهذا المعيار لا يعتمد على المكانة التي يشغلها المقدس ~~في هرمية ما لنظام مؤسس للأشياء، وما تسبغه عليه هذه المكانة من قوة ونبل وما ~~إليها، كما لا يعتمد على العلاقة الدونية التي تسم علاقة الأدنى بما هو أعلى منه؛ ~~فهذه السمات وغيرها قد تنطبق على المقدس ولكنها لا تميزه تماما. إن ما يميز المقدس ~~فعلا هو تغايره المطلق # Heterogeneity # عن الدنيوي، ~~بحيث إننا لا نكاد نعثر في تاريخ الأفكار الإنسانية على زمرتين متضادتين ~~ومتعارضتين، كحال المقدسات والدنيويات. وإلى جانب ذلك، فإن طائفة من التحريمات (= ~~تابو) تتكاثر في طقوس الثقافات البدائية، من أجل العزل الدائم بين المقدس والدنيوي ~~ومنع اختلاطهما، وذلك مثل التحريمات المتعلقة باللمس أو النطق أو النظر ... إلخ. ومع ~~ذلك فإن العبور بين العالمين ممكن، ولكن من خلال نوع من الطقوس التي يدعوها ~~الأنتروبولوجيون بطقوس التعدية (= طقوس العبور= الطقوس الإدخالية = # Initiation ~~). # لقد أثرت أفكار دوركهايم على كثير ممن جاء بعده من دارسي الدين. ولعل أكثر من ~~تأثر من الباحثين المعاصرين بفكرة المقدس والدنيوي كناظم للتعرف على الظاهرة ~~الدينية، هو مؤرخ الأديان المعروف ميرسيا إلياد، الذي أصدر عام 1956م كتابا تحت ~~عنوان «المقدس والدنيوي»، درس من خلاله الظاهرة الدينية استنادا إلى التمييز بين ~~زمرتي المقدسات والدنيويات؛ مما أرسى أسسه دوركهايم ms022 قبل ذلك بزمن طويل. يقول ~~إلياد: ~~«يتجلى القدسي دائما كحقيقة من صعيد آخر غير صعيد الحقائق الطبيعية ... ويعلم ~~الإنسان بالقدسي لأنه يتجلى، يظهر نفسه شيئا مختلفا كل الاختلاف عن الدنيوي. ~~ويمكننا القول إن تاريخ الأديان، من أكثرها بدائية إلى أكثرها ارتقاء، عبارة عن ~~تراكم من تجليات الحقائق القدسية. ليس ثمة انقطاع لاستمرار الظهورات الإلهية، ~~بدءا من تجلي القدسي في شيء ما كحجر أو شجر، وانتهاء بالتجلي الأعلى الذي يتمثل ~~لدى المسيحي بتجلي الله في يسوع المسيح؛ إنه الفعل الخفي نفسه: تجلي شيء مختلف ~~تماما، أي حقيقة لا تنتسب إلى عالمنا، في أشياء تشكل جزءا لا يتجزأ من عالمنا ~~الطبيعي الدنيوي.» # 13 # وأخيرا، لا بد لأي حديث في تعريف الدين من أن يتوقف عند رودولف أوتو ~~(1869-1937م)، وهو لاهوتي ألماني وباحث في تاريخ وفينومينولوجيا الدين؛ وذلك نظرا ~~للسلطة الكبيرة التي مارسها في كتابه «فكرة المقدس» على الدراسات الدينية، منذ ~~صدوره عام 1917م. يعالج أوتو في كتابه، وبشكل أوضح وأوسع، الفكرة التي كان قد ~~تقدم بها شلرماخر حول وجود وعي بالقدسي مغروس في النفس الإنسانية. وهو يبدأ القول ~~بأن القدسي قد فقد معناه الأولي وتحول إلى جملة من التشريعات الأخلاقية والتقوى ~~السلوكية. أما الحالة الأصلية للوعي بالقدسي، فتجربة انفعالية غير عقلية هي أساس ~~الدين. وتنطوي هذه التجربة على مجابهة مع قوة لا تنتمي إلى هذا العالم، تعطي ~~إحساسا مزدوجا بالخوف والانجذاب في آن معا. إنها تجربة مع الآخر المختلف ~~كليا، تأبى على الوصف بالمصطلحات والتعابير المعتادة في وصف التجارب الأخرى. وإن ~~الانقياد إيجابيا لهذه التجربة فكرا وعملا هو الذي يكون الدين. ويطلق أوتو ~~على الإحساس بحضور الآخر المختلف كليا تعبير الإحساس النيوميني # Numinous ~~، وقد نحته من الكلمة اللاتينية # Numen # التي تعني تجلي الألوهة، كما تعني قوة أو ~~إرادة الألوهة. وهو يرى أن هذا العنصر النيوميني في التجربة الدينية هو حالة ~~أولانية # Apriori # للوعي، وتكمن في البنية الأساسية ~~لكل التجارب الدينية. # 14 # ومنهج أوتو في كتابه منهج سيكولوجي ظاهراتي؛ فلقد حاول وصف البنية ms023 الأساسية ~~للدين، ورد الفعل الإنساني على خبرة القدسي، موضحا لا جدوى المقتربات العقلانية في ~~دراسة الدين؛ ذلك أن الدين هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة الإنسانية، وموجود معها منذ ~~البداية. وبينما تكون التعبيرات الظاهرية عن الدين عرضة للتغير والتبدل مع الزمن، ~~فإن التكوين السيكولوجي الذي يجعل الدين ممكنا عند الإنسان ثابت لا يتغير. # أكتفي بهذا العدد من التعريفات التي اخترت تقديمها هنا، من أجل رصف مدخل سهل ~~يضعنا في صلب الموضوع. ولعل الاستعراض السريع لما قدمته، يظهر الاختلاف الواسع في ~~وجهات النظر إلى الدين. وهذا الاختلاف لا يرجع في رأيي إلى عدم قابلية الظاهرة ~~الدينية للإحاطة والتعريف، بل إلى التباين في الأفضليات وزوايا النظر. وهذا الوضع ~~لا يقتصر على مادة دراستنا هنا، بل إنه شأن معتاد كلما تعلق الأمر بظاهرة من ظواهر ~~الحياة الإنسانية. فالعائلة الإنسانية مثلا تبدو لناظرها بشكل يختلف باختلاف زاوية ~~نظره؛ فهي لعالم الاجتماع الوحدة الأساسية المكونة للمجتمع، وهي لعالم النفس التربة ~~الخصبة للصحة أو للمرض النفسي، وللمصلح الاجتماعي وسيلة ضبط وتنظيم جنسي وعاطفي، ~~ولبعض أصحاب الاتجاهات السياسية الجذرية وسيلة قمع في يد الطبقات الحاكمة. وبين هذا ~~وذاك، تبقى العائلة ظاهرة إنسانية قابلة للإحاطة والتعريف، ولكن من منطلق شمولي ~~يهدف إلى الكشف عن ماهيتها دون معيار مسبق، ومن غير السعي إلى تقييمها وإصدار حكم ~~أخلاقي بشأنها. وفي مجال الدين، فإني أرى أن اختلاف وجهات النظر ناجم عن عدم ~~التفريق، غالبا، بين ثلاثة تبديات ملحوظة للظاهرة الدينية مما سأبسطه فيما ~~يأتي. # الفصل الثاني # | تبديات الظاهرة الدينية # الدين الفردي، الدين الجمعي، المؤسسة الدينية # تتبدى الظاهرة الدينية في ثلاثة أشكال يمكن وصفها، إما بالمراقبة المباشرة أو ~~بالاستماع إلى شهادات الأفراد عن خبراتهم الشخصية. وهذه الأشكال هي: ~~(1) # الدين الفردي، وسأطلق عليه اسم الخبرة الفردية أو الحس الديني. ~~(2) # الدين الجمعي، وهو نتاج مرشد للخبرات الدينية الفردية. ~~(3) # الدين المؤسساتي، وهو البنية المصطنعة التي تقوم فوق الدين الجمعي في ~~المجتمعات ذات التكوين السياسي والاجتماعي المركب. ~~(1) الدين الفردي # في قاع الظاهرة الدينية، هنالك خبرة فردية ms024 يعانيها الإنسان في أعماق نفسه وبمعزل ~~عن تجارب الآخرين؛ فإذا كان لكل بناء سامق أساس يقوم عليه، فإن بناء الدين إنما ~~يقوم على هذا النوع من الخبرة الدينية الفردية. وإذا أردنا الإخبار عن هذه الخبرة ~~الأساسية، اعتمادا على الاستبطان وعلى شهادة الآخرين ممن عبروا عن تجاربهم تلك، ~~قلنا إنها إحساس أولاني متمكن من السيكولوجيا الإنسانية، قوامه مواجهة فريدة مع ~~قوة شمولية منبثة في هذا العالم، تبدو متصلة به قدر استقلالها عنه. إنه المقدس ~~الكلي وقد صار ماثلا في النفس التي تختبر حضوره بكليتها وفي معزل عن أي موقف ~~عقلاني نقدي. وكما لاحظ رودولف أوتو، بحق، فإن هذا الإحساس هو واقعة نفسانية، لا ~~تنشأ عن أية إرادة أو تصميم مسبق، بل العكس هو الصحيح تماما؛ ذلك أن الفرد يجد ~~نفسه تحت سلطان هذا الإحساس، دون مقدرة منه على توجيهه أو التحكم به، فهو ضحيته ~~أكثر منه خالقا له. ونظرا لهذا الطابع الانفعالي غير العقلاني الذي تتسم به ~~التجربة، فإن التعبير عنها بلغة الواقع المعاش ومفردات التجارب اليومية، هو أمر ~~على غاية من الصعوبة. # إن أكثر ما أود التوكيد عليه هنا، هو أن اختبار القدسي من خلال الحالة ~~الانفعالية التي وصفتها، هو أمر سابق على أي تصور عقلاني لإله مشخص أو كائنات ~~روحية متفوقة واعية. فغير العقلاني في هذه التجربة يسبق العقلاني، والتعبير الرمزي ~~عن الكلانية الحاضرة في النفس يسبق المفاهيم. من هنا فإن شارة القدسي قد سبقت تمثال ~~الإله المشخص، أو صورته المرسومة، في تاريخ الأديان البشرية. ولسوف أوضح بالتفصيل ~~في فصول لاحقة، ومن خلال معالجتي الخاصة لديانات العصر الحجري القديم والحديث، كيف ~~تقدمت الرموز التشكيلية التي تشير إلى «الألوهة» تمثال الإله، وكيف تكونت صور ~~الآلهة نتيجة للتوتر الذي يحصل بين الخبرة الأولانية بالقدسي من جهة والأفكار ~~المرشدة من جهة أخرى. # هذا الحس الديني، أو الخبرة الدينية الفردية، ليس ظاهرة يمكن مراقبتها ووصفها من ~~الخارج، وإنما هو أمر ذاتي يختبر فرديا، ولا يستطيع الباحث أن يعرف عنه إلا ~~بالتنقيب في ذاكرته ms025 وسيرته الذاتية، وبالاستماع إلى شهادات الآخرين التي ما فتئت ~~تتالى منذ بدايات التاريخ المكتوب. وهو لا يختص بفرد دون آخر، ولا بفئة دون أخرى، ~~بل يتعرض له الجميع وإن بدرجات متفاوتة من الشدة والوضوح، ويتعاملون معه بدرجات ~~متفاوتة أيضا من القبول والاعتراف، خصوصا في العصر الحديث حيث يباهي معظمنا ~~بركونه إلى العقل وبعده عن كل ما لا يمت إلى العلم التجريبي بصلة، في زمن تراجعت ~~فيه الآلهة عن مواقعها القديمة، وباتت (على حد تعبير غوستاف يونغ) سيئة السمعة إلى ~~حد كبير. وفي حال إفساح المجال كاملا أمام هذه الخبرة الدينية المباشرة، أو اقتحام ~~الحس الديني ساحة الشعور وتجاوزه كل مقاومة مصطنعة، فإن الفرد غالبا ما يلجأ إلى ~~تحويل مساره ليصب في عقيدة مؤسسة ومصاغة في قالب ثابت، تنشأ حولها طقوس معروفة ~~للجميع، تدفع عن الفرد وطأة المجابهة المباشرة مع الإحساس بالقدسي. وحول هذا ~~الموضوع يقول يونغ: ~~«لقد كان هنالك منذ فجر البشرية ميل ظاهر ~~إلى رسم حدود للتأثير فوق الطبيعي، العاصف والتحكمي، وذلك في صيغ وشرائع محددة. ~~وعلى مدى الألفين من السنين الماضية، مثلا، نجد الكنيسة المسيحية قد اتخذت لنفسها ~~دور الوساطة والوقاية بين هذه التأثيرات والإنسان.» # 1 # في العقيدة والطقس المؤسسين اجتماعيا، ~~تذوب الخبرات الفردية في خبرة واحدة مشتركة، هي الدين الجمعي. أما أولئك الأفراد ~~الذين يستسلمون للخبرة المباشرة دون التماس عون من معتقدات وطقوس جمعية، فهم غالبا ~~من طينة المتصوفة والشامانات ومؤسسي الديانات الجديدة. فعند هؤلاء تبلغ الخبرة ~~الدينية المباشرة درجة عالية من الشدة، تنتج ما ندعوه بحالة الوحي، وهي أقصى ~~حالات المواجهة بين الفرد المنعزل والمقدس الكلي. وأعلى درجات الوحي هي الدرجة التي ~~تدعو إلى الفعل، إلى تغيير المعتقد السائد بدلا من الهروب إليه؛ أي إن وطأة الخبرة ~~الدينية تدعو إما إلى تحويلها إلى مسار العقيدة الجمعية، وإما إلى تحويل العقيدة ~~الجمعية إليها. نقرأ عن تجربة النبي إرميا في التوراة: # كانت كلمة الرب إلي قائلا: ~~«وقبل أن أصورك في البطن عرفتك، وقبل أن تخرج من الرحم قدستك ms026 وجعلتك نبيا ~~للأمم ... ثم مد الرب يده ولمس فمي وقال لي: ها أنا ذا قد جعلت كلامي في فمك. انظر، ~~إني أقمتك اليوم على الأمم وعلى الممالك لتقطع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس.» # 2 # وعندما تنتقل الخبرة الفردية إلى مرتبة الوحي، فإن هذا الوحي، شأنه شأن الخبرة ~~التي مهدت له، يقتحم ساحة الشعور دون مقدرة على صده أو التحكم بشدته؛ فعندما مال ~~النبي يونان إلى إغلاق بوابة الوحي والعزوف عن الاستجابة إليه ألقي في جوف الحوت، ~~حيث لبث بضع ليال في ظلمة مطبقة حيث لا يشغله شيء عن الاستماع إلى نداء الوحي، ~~وحيث عرف أنه لا مهرب من ذلك النداء المنبعث من أعماق نفسه. # 3 # وفي بقية كتب الأنبياء في التوراة، نلاحظ كيف تعكس عملية الوحي ذلك ~~الاقتحام المباغت لحالة نفسية ليست من صنع صاحبها، ولا دخل له في استجلابها، فتجعل ~~من كلماته مركبة لمعان علوية ليست من صياغته ولا من ابتكاره. نقرأ في سفر ~~حزقيال: ~~«فدخل في روح لما تكلم معي، وأقامني على قدمي فسمعت المتكلم معي، وقال لي يا ~~ابن آدم، أنا مرسلك إلى أمة متمردة، هم وآباؤهم عصوا علي ...» # 4 # وفي أكثر من موضع نقرأ «وكانت يد الرب علي»، أو «وكانت يد الرب قوية علي»، في ~~إشارة من النبي إلى قوة الوحي القاهرة التي لا يستطيع حيالها شيئا سوى الامتثال. ~~وفي خضم نطقه بالنبوءة، غالبا ما تتلاشى شخصية النبي ليجري لسانه بخطاب مباشرة ~~من القدرة الإلهية إلى الناس. وها هو إشعيا يقول: ~~«أنا هو، أنا الأول وأنا الآخر، ويدي أسست الأرض، ويميني نشرت السموات ...» # 5 # وفي التقاليد الإسلامية غير الرسمية، يرث الأئمة والأولياء وحي الولاية عن النبي؛ ~~فالترمذي في خاتم الأولياء، ومحيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية، يريان في ~~الولاية نبوة عامة لا تشريع فيها في مقابل النبوة الخاصة التي هي نبوة التشريع، ~~وأن النبي محمدا قد جمع في شخصه النبوتين؛ فهو يورث النبوة العامة، ولكنه لا يورث ~~النبوة الخاصة. # 6 # كما أن ابن عربي يوحد ms027 بين الإمامة والولاية، وهو يرى أنه في الزمن ~~الواحد قد يأتي إمامان؛ إمام ظاهر هو الخليفة الحاكم، وإمام باطن هو «صاحب الوقت» ~~الذي يدعى أيضا ب «القطب» و«الغوث»، وهو الخليفة الحقيقي. وهذان الإمامان في ~~اتفاق تام لا يتنازعان؛ لأن لكل منهما مجالا وسلطانا، والإمام الباطن يمد على ~~الدوام الإمام الظاهر ويسنده، ولولا هذا المدد لما دامت إمامة الظاهر. وتختم ~~الإمامة بالإمام الأكبر، وهو الإمام المهدي كما يسميه ابن عربي. # 7 # ويسمي ابن عربي الوحي الذي يتلقاه الأئمة والأولياء بالوحي الإلهي ~~الخاص، فهو يقول: ~~«فإذا أراد الحق أن يوحي إلى ولي من أوليائه بأمر ما، تجلى الحق في صورة ذلك ~~الأمر لهذه العين التي هي حقيقة ذلك الولي الخاص، فيفهم من ذلك التجلي ما يريد الحق ~~أن يعلمه به، فيجد الولي في نفسه علم ما لم يكن يعلم.» # 8 # ولعل أوضح مثال من التراث الصوفي الإسلامي على هذا النوع من الوحي الخاص، ما تركه ~~لنا النفري في مواقفه ومخاطباته؛ فعندما يبتدئ النفري موقفا من مواقفه بالقول ~~«فأوقفني في ... وقال لي ...»، أو عندما يبتدئ مخاطبته بقوله «يا عبدي ...»، فإنما يعبر ~~عن أشد حالة من حالات الوحي التي يمكن أن يتعرض لها بشر من خلال تجربته الدينية ~~الفردية، بعد تجارب الأنبياء، يقول: ~~«أوقفني في الأمر وقال لي ... أنا ناظرك وأحب أن تنظر إلي، والإبداء كله يحجبك ~~عني؛ نفسك حجاب، وعلمك حجاب، ومعرفتك حجاب، وأسماؤك حجاب، وتعرفي إليك حجاب، ~~فأخرج من قلبك كل شيء، وأخرج من قلبك العلم بكل شيء وذكر كل شيء، وكلما أبديت ~~لقلبك باديا فألقه إلى بدوه، وفرغ قلبك لتنظر إلي ...» # 9 # أما في المخاطبات فتغيب صيغة «أوقفني وقال لي ...» ليحل محلها خطاب الحق مباشرة ~~على لسان النفري: ~~«يا عبد اصحبني إلي تصل إلي ... يا عبد إذا رأيتني ضننت بك على الطرق إلي ~~فلم أقمك بسواي بين يدي.» # 10 # وفي المجتمعات الشامانية، حيث لم يصل الدين بعد إلى درجة كافية من التقنين ~~والتنظيم للتجربة الروحية الجمعية، تتركز الحياة الروحية للقبيلة حول ms028 شخصية واحدة ~~فذة هي الشامان. إن ما يميز الشامان في مجتمعات الصيد هذه عن الكاهن في المجتمعات ~~الزراعية المستقرة، هو تفرد التجربة الروحية الفردية للشامان عمن سبقه وعمن ~~سيليه من الشامانات؛ إنه لا يسير في طريق سلكه سلفه، ولا يعبد طريقا لخلفه، ~~بل يرتقي بقواه الخاصة ثم لا يعمل على تقنين تجربته لتكون حذوا لغيره. أما الكاهن ~~فإنه (رغم القوى الخاصة التي يتمتع بها، والتي أهلته أصلا لأن يلعب دور الموجه ~~الروحي) يلعب دورا مرسوما بدقة في دين الجماعة المؤسس منذ القدم على قواعد ~~ثابتة، وما على الكاهن إلا السير على مسالك من سبقه من الكهنة. وهذا ما يفرق ~~الشامان أيضا عن مؤسس الديانة الجديدة؛ لأن طريقة الشامان تنتهي بموته، أما طريقة ~~مؤسس الديانة فتغدو نمطا لكل الجماعة ولكل من يجيء بعده خليفة. # يمر الشامان قبل ارتقائه لمنصبه الروحي الرفيع بتجربة وجدية فردية بالغة ~~الغرابة والشدة، فيصعد إلى السموات العلا ويهبط إلى الدرك الأسفل من الجحيم؛ لكي ~~يتمرس بالعوالم القدسية أبيضها وأسودها، فيصبح بعد ذلك أهلا لوظيفته، التي تقوم ~~على التوسط بين عالم الناس وعالم الأقداس. وعندما ينهي المرشح تجربته بنجاح ~~يرسم شامانا طيلة حياته من قبل أفراد القبيلة، ليدافع عنهم ضد الأرواح الشريرة ~~والأمراض والسحر الأسود، وينمي بينهم الصحة والحياة السليمة والخصب. وقد جمع ~~الأنتروبولوجيون المعاصرون عددا من الشهادات المباشرة عن تجربة الشامان الروحية، ~~وهذه شهادة شامان من سيبيريا، حيث نعثر على الشامانية في شكلها الأنقى، ~~يقول: ~~«لقد دفعتني أرواح أجدادي من الشامانات في هذا الطريق دون خيار، فصرت شامانا ~~ولم أتعد الخامسة عشرة من عمري. في البداية، اضطجعت مريضا مدة عام كامل، وكانت ~~نوبات من الإغماء تأتيني على فترات متتابعة مصحوبة بتعرق شديد، فكنت أصرف المرض ~~عني بالإنشاد. بعد ذلك جاء أسلافي فأنهضوني فنصبوني دريئة لسهامهم يطلقونها علي ~~حتى غبت عن الوجود، عندها قاموا بتقطيع أوصالي ونزعوا لحمي عن عظمي. وبعد انقضاء ~~صيف كامل أعادوني إلى سيرتي الأولى، بدون ذلك ما كان لي أن أغدو شامانا.» # 11 # ويصف ms029 آخر المعراج الذي تقوم به روح الشامان في فترة التهيئة، فيقول: ~~«هنالك في العلا، شجرة معينة تتعهد أرواح الشامانات بالرعاية حتى يمتلكوا قواهم ~~الشامانية كاملة، وعلى أغصان هذه الشجرة أعشاش لسكن تلك الأرواح، وكلما كان العش ~~الذي تأوي إليه روح الشامان أعلى كلما اكتسبت قوى أكبر. وفيما بعد، وكلما أراد ~~الشامان استخدام قواه، ترتقي روحه تلك الشجرة حتى تصل ذرى السماء.» # 12 # هذا الوصف الذي يقدمه لنا الشامان وغيره من أصحاب التجارب الوجدية الفائقة، يجب ~~ألا يؤخذ بحرفيته وبمعناه المباشر؛ لأن صاحب التجربة إنما يحاول أن ينقل من خلال ~~اللغة المعتادة ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، فيلجأ إلى المجاز والرمز، ومخاطبة ~~أقرانه بصور وكلمات من شأنها تقريب رؤيته إليهم. وإلا فكيف ننظر إلى تلك الصور ~~الباهرة في سفر يوحنا اللاهوتي: «كنت في الروح في يوم الرب، وسمعت ورائي صوتا ~~عظيما كصوت البوق قائلا: أنا هو الألف والياء الأول والآخر، والذي تراه، اكتب في ~~كتاب وأرسل إلى السبع الكنائس ... فالتفت لأنظر الصوت الذي تكلم معي، ولما التفت ~~رأيت سبعة المنابر من ذهب، وفي وسط سبعة المنابر شبه ابن إنسان متسربلا بثوب إلى ~~الرجلين ومتمنطقا عند ثدييه بمنطقة من ذهب. وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف ~~الأبيض، كالثلج، وعيناه كلهيب نار، ورجلاه شبه النحاس النقي كأنهما محميتان في ~~أتون، وصوته كصوت مياه كثيرة، ومعه في يده اليمنى سبعة كواكب ...» # 13 # وفي مقابل التكلم بمثل هذه المجازات يفضل آخرون الصمت في حضرة ~~القدسي؛ يقول النفري: «وأوقفني في الصمت وقال لي: «إن لي عبادا صامتين رأوا جلالي ~~فلا يستطيعون أن يكلموه، ورأوا بهائي فلا يستطيعون أن يسبحوه؛ فلا يزالون صامتين ~~حتى آتيهم فأخرجهم من مقام صمتهم إلي. فمن صمت عني فهو عبدي الصامت.» وقال لي: ~~اصمت لي ما استطعت تكن أول من يدعى إلي إذا جئت. وقال لي: عبدي الصامت أتلقاه ~~قبل موقفه وأشيعه إلى داره.» # 14 # وليست تجربة مؤسسي الديانات بكثيرة الاختلاف عن بقية التجارب الروحية الكبرى إلا ~~من حيث نتائجها؛ فتجارب هؤلاء ms030 لا تكتمل إلا بتعميمها وهداية الآخرين إلى ما اهتدوا ~~إليه: «هنا، وفي هذا المكان، سأجلس حتى يبلى جسدي ويجف جلدي، أو أصل إلى المعرفة.» ~~هذا ما قاله البوذا وهو يأخذ مكانه تحت شجرة الاستنارة، والأرض اهتزت ست مرات. ~~ولكن رئيس الأبالسة أحس بالخطر الداهم على سلطانه إذا استنارت نفس البوذا وسطعت ~~جنباته بالحقيقة، فجاء بكل مغريات الدنيا وعرضها أمامه ليثنيه عما انتوى، إلا ~~أن قلب البوذا بقي ساكنا كبرعم لوتس فوق مياه بحيرة صافية، راسخا كجبل عميق ~~الأسس، ثم أطلق كبير الأبالسة عليه أصنافا مرعبة من العفاريت وتنانين هائلة أحاطت ~~بشجرة الاستنارة، وراحت تضيق الخناق عليها، ولكنها ارتدت أخيرا خائبة مدحورة. ~~وما إن حل المساء الموعود حتى بدا قلب البوذا يضيء بالاستنارة كزهرة كونية تتفتح. ~~في البداية اطلع فؤاده على أحوال كل الكائنات الحية وأسباب ولاداتها الثانية، ~~عبر الأمكنة وظلال الدهور، رأى الكائنات تحيا وتموت وتتناسخ، وتذكر هو نفسه ~~حيواته السابقة، وفهم الصلات الحتمية بين الأسباب ونتائجها، ثم تأمل في المعاناة ~~البشرية فاستبصر أصلها ووسائل الشفاء منها. وما إن لاح الصباح حتى حصل على ~~الاستنارة الكاملة ... عقب ذلك انفتح أمام البوذا طريقان؛ فإما الدخول في النيرفانا ~~عالم السكينة الأبدية، وهذا ما انطلق رئيس الأبالسة يحضه على اختياره، أو البقاء ~~في عالم الآلام للتبشير بما اهتدى إليه، وهذا ما اجتمعت الآلهة طرا لكي تحضه ~~على اختياره. ولما تردد برهة في الاختيار تقدم إليه الإله الكبير براهما يرجوه ~~البقاء لنشر دعوته، فلبى البوذا النداء رافضا خلاصه الفردي، مفضلا خلاص الجنس ~~البشري كله.» # 15 # وهكذا عمم الأمير سدهارتا الذي صار بوذا تجربته الفردية لتصير دينا ~~لملايين الناس. # ويتكرر عنصر تجربة الشيطان للمستنير المقبل على تغيير وجه العالم في استنارة ~~يسوع المسيح؛ فبعد هبوط الروح القدس على يسوع عقب اعتماده على يد يوحنا المعمدان ~~عند الأردن، أخذه الشيطان إلى الصحراء يجربه أربعين يوما: «وقال له إبليس: إن كنت ~~حقا ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزا. فأجابه يسوع قائلا: مكتوب أنه ليس ~~بالخبز ms031 وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم أصعده إبليس إلى جبل ~~عال، وأراه ممالك المسكونة في لحظة من الزمان، وقال له: لك أعطي هذا السلطان كله ~~ومجدهن (أي الممالك)؛ لأنه إلي دفع وأنا أعطيه لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك ~~الجميع. فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان، إنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده ~~تعبد ... ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين.» # 16 # وبعد ذلك يأتي يسوع إلى الناصرة حيث كان قد تربى، ويدخل المجمع حسب ~~عادته كل سبت ويبدأ تبشيره. # إن هروب الفرد من خبرته الدينية المنعزلة إلى الجماعة، أو جذب الجماعة إلى تجربته ~~عوضا عن ذلك، هو الذي يخلق ما أسميته بالدين الجمعي، وهو التبدي الثاني للظاهرة ~~الدينية. ~~(2) الدين الجمعي # تتخذ الظاهرة الدينية سمتها الجمعية عندما يأخذ الأفراد بنقل خبراتهم المنعزلة ~~إلى بعضهم بعضا، في محاولة لتحقيق المشاركة والتعبير عن التجارب الخاصة في تجربة ~~عامة، وذلك باستخدام مجازات من واقع اللغة، وخلق رموز تستقطب الانفعالات الدينية ~~المتفرقة في حالة انفعالية مشتركة، وهذا ما يقود إلى تكوين المعتقد، وهو حجر الأساس ~~الذي يقوم عليه الدين الجمعي. فهنا تتعاون عقول الجماعة، بل وعقول أجيال متلاحقة ~~ضمن هذه الجماعة، على وضع صيغة مرشدة لتجربتها. وعندما يوضع المعتقد الديني في ~~صيغته الناجزة وأطره الثابتة، يجد الأفراد أنفسهم مضطرين، وبدافع الميكانيكية التي ~~تربط الفرد بالجماعة، إلى التماثل معه، وإلى فهم وتفسير خبراتهم وفقه. ومع المعتقد ~~الذي ترسخ الآن يظهر الطقس المنظم، وهو أقوى أشكال التعبير عن الخبرة الدينية وقد ~~انتقلت إلى مستواها الجمعي. فمن خلال القرابين والرقص والحركات الدرامية التي تؤدى ~~وفق سيناريو ثابت، تعمل الجماعة على دمج الاستجابات الانفعالية المتفرقة في ~~استجابة ذات طابع مؤسس عام، ترسم موقف الجماعة الخاص من القدسي الذي تستشعر حضوره ~~الشامل في النفس وفي الطبيعة. ومع المعتقد أيضا تظهر الأسطورة التي تعمل على توضيح ~~الاعتقاد وتجذيره. ولسوف أتوقف فيما بعد عند هذه العناصر الثلاثة وأشرحها بالتفصيل؛ ~~لأني أرى فيها المكونات الأساسية ms032 للدين. # ويمكن مقارنة العلاقة بين الدين الفردي والدين الجمعي بالعلاقة بين الفرد ~~والمجتمع؛ فنحن مهما عدنا بالزمن إلى الوراء، لا نستطيع تلمس دلائل تشير إلى ~~وقت عاش خلاله الأفراد البشريون في عزلة عن بعضهم البعض، بل إننا نواجه الإنسان ~~على الدوام ضمن جماعة، حتى عند أسلاف «النياندرتال» من أشباه الإنسان. غير أن حقيقة ~~اجتماعية الفرد البشري لا تنفي حقيقته الأخرى ككائن ذي وجود مستقل، بل إن هذا ~~الوجود الفردي المستقل هو الوحدة الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، وهذا ما ~~ينطبق أيضا على الدين الفردي والدين الجمعي. لقد حكى ابن طفيل الأندلسي في كتابه ~~«حي بن يقظان» عن كائن بشري عاش حياته في عزلة كاملة عن الأناسي منذ أن التقطته ~~غزالة في القفر وأرضعته، وشرح لنا الخبرة الدينية لهذا الكائن، وكيف توصل إلى ~~اعتقاد ديني معين من خلال حركته الذهنية والنفسية ودونما إيحاء من أحد. غير أننا ~~في الواقع لا نستطيع العثور على مثل هذا الكائن في ماضي البشرية وحاضرها، لنختبر ~~عنده نشوء الحس الديني وتحول هذا الحس إلى معتقد ناضج. ومع ذلك فإن هذا لا ينفي، ~~في اعتقادي، أن الدين كظاهرة اجتماعية إنما يقوم انطلاقا من ظاهرة فردية في ~~أساسها. # ويعتقد كارل غوستاف يونغ بوجود جدلية لا غنى عنها بين الدين المؤسس اجتماعيا ~~وبين الخبرة الدينية الفردية المباشرة. وهو يرى أن للدين وظيفة نفسية كبيرة ~~الأهمية في المجتمع؛ لأنه يقدم للأفراد جملة من الرموز الموظفة في معتقد وطقس ~~منظمين تنظيما مكينا، من شأنها التعويض عن الخبرة الدينية المباشرة ورد غائلتها ~~في الأحوال الشديدة. وقد شرح حالات كثير من مرضاه النفسانيين الذين واجهوا تجربة ~~دينية ساحقة في ظل الإصرار على رفض الخضوع لسلطان مرجع ديني، وشرح كيف رافقهم في ~~انهياراتهم النفسية الشديدة، حتى لقد بات مقتنعا بما للعقيدة والطقس من أهمية ~~عظيمة بما هما منبعان للصحة العقلية. يقول في كتابه «الدين في ضوء علم ~~النفس»: ~~«إذا جاءني مريض كاثوليكي، نصحت له بالاعتراف والمناولة لكي يدفع عن نفسه غائلة ~~الخبرة المباشرة، ms033 أما إذا جاءني مريض بروتستانتي فما كانت النصيحة مفيدة له؛ لأن ~~العقيدة والطقوس غدت في البروتستانتية باهتة وخافتة، حتى لقد فقدت تأثيرها إلى حد ~~كبير. يضاف إلى ذلك أن الكاهن البروتستانتي قد خضع لتدريب علمي في معاهد لاهوتية ~~قضت على براءة الإيمان.» # 17 # وهذا ما يقودنا إلى المؤسسة الدينية، وهي التبدي الثالث للظاهرة الدينية وفق ~~تصنيفنا. ~~(3) المؤسسة الدينية # يختلط مفهوم الدين اليوم بفكرتنا عن المؤسسة الدينية وموقفنا منها إلى درجة تبعث ~~على التشويش، وتؤدي إلى نتائج مفجعة في بعض الأحيان. ولعل أوضح مثال على ما أسوقه ~~هنا، هو تلك الجملة التي وردت في كتاب للفيلسوف الاجتماعي كارل ماركس (1818-1883م)، ~~والتي تقول بأن «الدين أفيون الشعوب». فلقد تحولت هذه الجملة، بعد أن انتزعت من ~~سياقها، إلى شعار رفعته أحزاب في موقع السلطة، وحاربت من خلاله كل أشكال الحياة ~~الدينية، حتى ظنت أنها قادرة على اجتثاث الميل الديني من نفوس الناس طرا. ~~والحقيقة أن ما قصده ذلك الفيلسوف ينصب في معظمه على المؤسسة الدينية لا على الدين، ~~على تفسير المؤسسة الدينية للدين لا على تدين الناس، على تسييس الدين واستخدامه ~~أداة ضغط وتسلط، سواء من قبل السلطة الزمنية، أم من قبل أية شريحة أو فئة تجعل من ~~نفسها قيما على دين الناس ومرجعا أعلى لتفسيره والعمل بموجبه. # وفي الحقيقة، فإن المؤسسة الدينية هي بنية اجتماعية حديثة نسبيا في تاريخ ~~الحضارة الإنسانية؛ فلقد عاشت الجماعات البشرية وفقا لمعتقداتها، ومارست طقوسها، ~~وقصت أساطيرها لعشرات الألوف من السنين، دون مؤسسة دينية تشرف وتوجه وتجعل ~~من نفسها السلطة المرجعية العليا. ربما قام أفراد متميزون، في مجتمعات العصر ~~الحجري والمجتمعات القروية الأولى، بالإشراف على الطقوس الدينية والتوسط بين العالم ~~الدنيوي والعوالم القدسية، إلا أن هؤلاء لم يتخذوا صفة الكهان المرسومين، ولم ~~يتمتعوا بسلطة مطلقة على الحياة الدينية لجماعاتهم. وربما تركزت الطقوس حول أماكن ~~مقدسة كغابة ما أو بحيرة أو نبع، أو موضوعات مقدسة كشجرة ما أو صخرة، ولكن دور ~~العبادة المكرسة لم توجد ولم تأخذ طابعها المعروف، ms034 إلا في نهايات العصور الحجرية ~~والاقتراب من مطالع الفترات التاريخية. وتؤكد نتائج التنقيب الأثري في مواقع العصر ~~الحجري الحديث (النيوليتي) ملاحظتنا هذه؛ ففي المستوطنات المستقرة الأولى السابقة ~~للزراعة، لم يلحظ المنقبون بنى معمارية خاصة استخدمها الناس لأغراض العبادة، وذلك ~~رغم عثورهم على الكثير من اللقى الأثرية ذات العلاقة بالمعتقدات والطقوس الدينية. ~~أما في المواقع الزراعية التي تبدأ في الظهور والانتشار مع مطلع الألف الثامن قبل ~~الميلاد، فهنالك دلائل قليلة جدا على وجود بيوت متواضعة لا تختلف عن بيوت السكن، ~~مخصصة لأغراض دينية. ولا تأخذ هذه البيوت العادية بالتمايز عن غيرها والتحول إلى ~~هياكل حقيقية إلا مع اقترابنا من العصور التاريخية. يضاف إلى ذلك أن الدراسة ~~المدققة لعادات الدفن والهدايا الجنائزية المرافقة للموتى مثل السلاح والأدوات ~~الشخصية، لم تثبت وجود شخصيات ذات طابع اجتماعي متميز مثل الملوك والقادة ورجال ~~الدين. الأمر الذي يدل على أن هذه المناصب لم تكن مناصب دائمة، وأن شاغليها كانوا ~~يختارون في وقت الحاجة ويستغنى عنهم كلما بطلت الحاجة إليهم، أو يستبدل غيرهم بهم ~~دوريا. وهذا إجراء يتناسب وحالة المشاعة الأولى المترافقة مع ديمقراطية ~~بدائية. # تأخذ ملامح المؤسسة الدينية بالتوضح خلال المرحلة الانتقالية بين المجتمعات ~~القروية والمجتمعات المدينية الأولى. # 18 # وتظهر التنقيبات الأثرية في مواقع نهايات العصر النيوليتي هذا التوجه ~~الواضح؛ ففي القرى الزراعية النيوليتية التي تحولت إلى أشباه مدن، مثل شتال حيوك في ~~سهل قونية بجنوب الأناضول، نجد البدايات الأولى للمعابد المكرسة، وذلك على شكل ~~هياكل صغيرة للأم الكبرى وابنها الثور الإلهي. وفي جنوب وادي الرافدين خلال عصر تل ~~العبيد، الذي شهد النقلة الحاسمة نحو حضارة المدينة، يمكننا تتبع مسار الانتقال من ~~مقام متواضع للإله إلى معبد كبير يرتفع قرب القصر الملكي. ففي البداية، كان بيت ~~الإله عبارة عن كوخ مبني بالطين ومسقوف بعيدان القصب كبقية بيوت الناس، فيه ينصب ~~رمز الإله الذي كان عبارة عن جذع شجرة أو حزمة من أعواد القصب، وإليه تلجأ الجماعة ~~لاستطلاع مشيئة الإله والتماس عونه. ولكن مع نشوء المدن الأولى ms035 واتساعها، تحول ~~المقام الصغير إلى معبد كبير فيه قدس الأقداس الذي تتوزع حوله أجنحة لشتى الأغراض ~~الدينية، ثم أحاط بهذه النواة عدد من الأبنية الملحقة، فيها حجرات لمعيشة الكهان، ~~وأخرى للدرس والتعليم، ومكاتب إدارية من مطابخ ومشاغل حرفية وما إليها، فامتلأ هذا ~~المجمع الديني بشتى أنواع المتفرغين لخدمة المعبد. ويكفي أن نعرف أن عدد الكهنة ~~المتفرغين ومن في عدادهم، قد بلغ 736 كاهنا في المعبد الرئيسي لمدينة لجش ~~السومرية، حتى ندرك مدى سلطة المؤسسة الدينية وسطوتها. ولقد بلغ عدد المعابد في ~~مدينة بابل أيام الملك نبوخذ نصر ما يقارب ال 58 معبدا. ولنا أن نتصور هنا كم ~~يلزم من الآلاف المؤلفة من رجال الدين للقيام على خدمة هذه المعابد. # 19 # فإذا كان الدين ظاهرة مترافقة مع الإنسان منذ استقلاله عن المملكة الحيوانية، ~~فإن المؤسسة الدينية هي ظاهرة جديدة ومرتبطة بحضارة المدينة، وبمدى تطور البنى ~~والمؤسسات الاجتماعية والسياسية في مجتمع المدينة، وهو المجتمع الذي تشكل لأول ~~مرة في المشرق العربي القديم، وصار فيما بعد الشكل المميز للحضارة العالمية. ويبدو ~~أن السبب المباشر في ظهور المؤسسة الدينية لدى الجماعات النيوليتية عند أعتاب ~~التاريخ، هو وصول هذه الجماعات إلى مستوى اقتصادي متطور، من شأنه تحقيق فائض دائم ~~في الإنتاج، يسمح بتفريغ عدد لا بأس به من الرجال والنساء للإشراف على المعبد ~~وإدارة الشئون الدينية. ويبدو أن هذه النواة الأولى من رجال الدين الذين لا يعملون ~~في الزراعة وإنتاج المواد الغذائية، كانت الوحدة الأساسية في بنية المدينة. فبعد ~~إقامة المعبد الكبير، تركزت حوله مجموعة من النشاطات المرتبطة به، والتي أدت مع ~~الزمن إلى تكوين المؤسسات المدنية المختلفة. ومن ناحية أخرى، فإن المعلومات ~~التاريخية التي حصلنا عليها من مواقع المدن الأولى في سومر، تظهر الارتباط الوثيق، ~~والتزامن، بين تطور المؤسسة الدينية وتطور المؤسسة السياسية. وليس قيام ملوك دويلات ~~المدن السومرية بالجمع بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، إلا مثالا على هذا ~~الارتباط؛ فالملك السومري كان يحمل لقب «إن» الذي يتضمن معنى الملك بالمفهوم ~~السياسي الذي نعرفه، ms036 وأيضا معنى الكاهن الأعلى. # ورغم انفصال السلطة السياسية عن السلطة الروحية فيما بعد، فإن المؤسسة الدينية ~~حافظت بشكل أو آخر على طابعها السياسي، وغلب هذا الطابع على علاقاتها بالسلطة ~~الزمنية؛ فطالما حافظ النظام السياسي على قوته، بقيت المؤسسة الدينية ضمن الحدود ~~التي رسمها لها وقدمت له الخدمات المطلوبة، فإذا تضعضع النظام السياسي بغت عليه ~~المؤسسة الدينية وجعلت منه مطية لها تحكم من ورائه. وهنا يمكن أن نذكر بالمثال ~~الذي يعرفه الجميع عن نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى ومطلع العصور ~~الحديثة، وعن سلطان الباباوات على ملوك أوروبا. # لن أفصل أكثر في بحث المؤسسة الدينية؛ لأن مثل هذا البحث لا يدخل في مجال تاريخ ~~وفينومينولوجيا الدين، وهو أقرب إلى مجال العلوم الاجتماعية. ولعل ما سقته هنا ~~يكفي للدلالة على أن المؤسسة وتطورها كان مرهونا بظروف تعقد الحياة الاجتماعية، ~~ولم تكن في يوم من الأيام عنصرا لا غنى عنه لدين الناس. # إن التمييز الذي قمت به أعلاه بين التبديات الثلاثة للظاهرة الدينية، لذو أهمية ~~بالغة بالنسبة لمدخل بحثي هنا؛ فإذا كنت لا أود الآن أن أصوغ تعريفا شاملا ~~للدين نظرا للمحاذير التي بسطتها ابتداء، فلا أقل من وضع حدود للظاهرة التي ~~ينصب جهدي على دراستها، والتي أعنيها كلما أشرت لما ندعوه جميعا بالدين. إن ~~الدين الذي أصفه هنا هو التعبير الجمعي عن الخبرة الدينية الفردية، التي تم ترشيدها ~~من خلال قوالب فكرية وطقسية وأدبية ثابتة، تتمتع بطاقة إيحائية عالية بالنسبة إلى ~~الجماعة. # هذه القوالب التي ترشد الحس الديني وتجعل من الدين ظاهرة جمعية، يمكن إرجاعها ~~إلى ثلاثة، هي: (1) المعتقد. (2) الطقس. (3) الأسطورة. وأدعوها بالمكونات الأساسية ~~للدين. # الباب الثاني # | بنية الدين # المكونات الأساسية للدين # المكونات الثانوية للدين # الفصل الأول # | المكونات الأساسية للدين # إن النظرة الفاحصة إلى تاريخ وجغرافية دين الإنسان، تكشف لنا عن بنية موحدة للدين، ~~أنى وأين التقينا به كظاهرة ثقافية رائدة. تقوم هذه البنية على عدد من العناصر أو ~~المكونات، بعضها أساسي لا نستطيع التعرف على الظاهرة الدينية بدونه، وآخر ثانوي لا ms037 يلعب ~~دورا حاسما في تكوين الدين، أو في تعرفنا على الظاهرة الدينية. وسنلتفت في هذا ~~الفصل إلى المكونات الأساسية، وهي ثلاثة: المعتقد والطقس والأسطورة. ~~(1) المعتقد # هو أول أشكال التعبيرات الجمعية عن الخبرة الدينية الفردية التي خرجت من حيز ~~الانفعال العاطفي إلى حيز التأمل الذهني. ويبدو أن توصل الخبرة الدينية إلى تكوين ~~معتقد هو حاجة سيكيولوجية ماسة؛ لأن المعتقد هو الذي يعطي للخبرة الدينية شكلها ~~المعقول، الذي يعمل على ضبط وتقنين أحوالها. فبعد تلك المواجهة الانفعالية مع ~~القدسي في أعماق النفس، يتدخل عقل الإنسان من أجل صياغة مفاهيم من شأنها إسقاط ~~التجربة الداخلية على العالم الخارجي، وموضعه القدسي هناك. وهنا يتم فرز موضوعات ~~معينة، أو خلق شخصيات وقوى معنوية، تستقطب الإحساس بالمقدس وتجتذبه إلى خارج ~~النفس؛ وبذلك تتكون الصيغ الأولية للمعتقدات، وندلف إلى ذلك الهيكل السامق الذي ~~ندعوه بالدين. # والمعتقد الديني هو شأن جمعي بالضرورة. وكما أشرت منذ قليل، فإن عقول الجماعة ~~تعمل على صياغته، كما تعمل الأجيال المتلاحقة على صقله وتطويره؛ ~~فما من خبر وصلنا عن أهل الديانات القديمة يفيد ~~بأنهم أخذوا معتقدهم جاهزا عن جهة ما أو شخص بعينه. فشعوب سومر وأكاد مثلا، ~~وكنعان ومصر واليونان، قد تركت لنا مدونات عن معتقداتها وأساطيرها وصلواتها، دون أن ~~تذكر شيئا عن صدور دياناتها عن كاهن أو عراف أو متنبئ من أي نوع؛ وأسفار الفيدا ~~السنسكريتية المغرقة في القدم ما زالت تمارس تأثيرها العميق على الطوائف ~~الهندوسية في الهند، دون أن يعرف أحد مصادرها والتواريخ الدقيقة لتدوينها؛ ~~ومعتقدات الشعوب البدائية في أستراليا وميلانيزيا وغيرهما كانت دوما موجودة ~~بالنسبة لأهلها، ولا يجوز البحث عن بداية لها أو مصدر لأنها تعكس الحقائق الأزلية ~~التي لا تجوز مناقشتها. فإذا كان لا بد من تصور بداية ما للمعتقد، فإن هذه ~~البداية توضع في الأزمنة الأسطورية السابقة لظهور الإنسان، أو الأزمنة القدسية التي ~~رافقت ظهور الجماعات البشرية الأولى. # وهذا ما يقودنا إلى إقرار حقيقة تاريخية ثابتة، وهي أن ظاهرة مؤسسي الديانات من ~~الأفراد هي ظاهرة حديثة نسبيا، ms038 ومعلوماتنا عنها لا تؤهلنا لمتابعتها إلى ما وراء ~~القرن السادس قبل الميلاد. ففي النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد عاش زرادشت ~~الإيراني، وبشر بمعتقد جديد كل الجدة على الثقافة الإيرانية. وفي النصف الثاني من ~~القرن نفسه ظهر البوذا في الهند، ولاوتسي مؤسس التاوية في الصين. وليس من المصادفة ~~أن يتزامن ظهور هؤلاء المفكرين الأفراد في المشرق مع ظهور نوع آخر من المفكرين ~~الأفراد في الغرب، هم مؤسسو الفلسفات الفردية، في المناطق ذات الطابع اليوناني في ~~غرب آسيا الصغرى، وفي أرض اليونان نفسها والجزر المتوسطية القريبة منها. ففي أواخر ~~القرن السابع وأوائل القرن السادس قبل الميلاد ظهرت المدرسة الملطية في آسيا ~~الصغرى، وفي أواسط القرن السادس ظهر فيثاغورث أول عباقرة الفلسفة المدعوة ~~بالإغريقية، وتبعه هرقليطس وزينوفان وبارمنديس. ومع سقراط الذي ولد عام 470ق.م. ~~تدخل الفلسفة الإغريقية مرحلة نضجها وعطاءاتها الكبيرة. # والمعتقد شأن جمعي لأكثر من سبب؛ فأولا من غير الممكن أن يقوم كل فرد من أفراد ~~الجماعة بصياغة معتقد خاص به، بما يستدعي ذلك من سلوك وأفعال سوف تتضارب حتما مع ~~ما يبادر به الآخرين. وثانيا أن دوام واستمرار أي معتقد يتطلب إيمان عدد كبير من ~~الأفراد به، وإلا اندثر وفقد تأثيره حتى في نفس صاحبه. من هنا نفهم لماذا يسعى ~~مؤسسو الأديان وأصحاب الفلسفات الكبرى إلى التبشير بأفكارهم بين الناس وحثهم على ~~اعتناقها؛ ذلك أنهم يجدون في هذا السعي ضمانتهم ~~الوحيدة لحياة معتقداتهم واستمرارها. ويتناسب سعي المبشر طردا مع مدى اقتناعه ~~بأنه قد وضع يده على الحقيقة المطلقة. ولنا في سيرة «ماني» مؤسس الديانة المانوية ~~التي انطلقت من بابل أواسط القرن الثالث الميلادي خير دليل على ذلك؛ فعندما عاود ~~الوحي السماوي ماني (على ما يذكره أتباعه ومؤرخو سيرته) وهو في الرابعة والعشرين، ~~هب للتبشير بمعتقده مرتحلا ما بين الهند ومصر، ولم تهدأ حركته حتى أعدمه الملك ~~الفارسي بهرام سنة 276 ميلادية. وهنالك وصف لماني في الكتابات المسيحية من تلك ~~الفترة تصفه في تجواله، يرتدي سروالا واسعا أصفر اللون وعباءة ms039 زرقاء وبيده عصا ~~طويلة من الأبانوس، متأبطا تحت ذراعه على الدوام كتابا خطه بنفسه باللغة البابلية ~~(وهي الآرامية المشرقية في ذلك الوقت). # إن آلهة المعتقدات بحاجة إلى البشر حاجة البشر إليها، وآلهة الإنسان القديم كانت ~~تستمد حياتها من الناس الذين يحملونها في أفكارهم، كما كان الناس يستمدون منها ~~طاقة روحية تعينهم على الاستمرار في الحياة. فما تحتاجه الآلهة من الناس حقا هو ~~الأفكار، أفكارهم عنها، أما العبادات والطقوس فلا تقدم للآلهة شيئا يذكر إلا ~~بمقدار ما تديم الذكر وتنعش الفكر الذي يحمل صورها. # يتألف المعتقد عادة من عدد من الأفكار الواضحة والمباشرة، تعمل على رسم صورة ~~ذهنية لعالم المقدسات، وتوضح الصلة بينه وبين عالم الإنسان، وغالبا ما تصاغ هذه ~~الأفكار في شكل صلوات وتراتيل؛ فضمن هذا الشكل من الأدب الديني نستطيع البحث عن ~~المعتقدات الأصلية والمباشرة لجماعة من الجماعات. ولسوف أسوق فيما يأتي، ولغرض ~~التوضيح العملي، صورة حية عن معتقد مصاغ في ترتيلة مشهورة تعتبر من عيون الأدب ~~الديني القديم، وتعرف ب «الترتيلة الطويلة» للفرعون أخناتون، والمرفوعة إلى إلهه ~~الأوحد «آتون»؛ الطاقة الكونية المتمثلة في قرص الشمس. وهذه الترتيلة هي ثانية ~~ترتيلتين هما كل ما وصلنا من تراث الآتونية المكتوب، إضافة إلى عدد من نصوص القبور ~~التي تركها أتباع الفرعون. # ترسم صلاة أخناتون صورة لمعتقد على درجة عالية من التجريد؛ فإله الديانة ~~الآتونية، كما يبدو هنا، هو قوة إلهية غير مشخصة، وطاقة صافية تأبى على التشكل في ~~هيئة إله ذي ملامح محددة وشخصية مرسومة. إنها القدرة التي صدر عنها الكون بكل ~~أجزائه وتفاصيله وأشكال الحياة المنبثة فيه، والطاقة التي تتجلى في عالم الظواهر ~~بقرص الشمس. تتميز ترتيلة أخناتون بغياب الإشارات الميثولوجية، وانتفاء كل ظلال ~~أسطورية ترافق عادة الصلوات الدينية. تقول الترتيلة: # 1 # كم هو جميل شروقك في الآفاق، أي آتون الحي، بادئ ~~الحياة. # عندما ترتفع في الأفق الشرقي يملأ بهاؤك كل ~~البلدان. # تحيط أشعتك بكل ما خلقت من أصقاع، والكل أسرى لك، ~~وأنت «رع» تطوقهم بمحبتك. # أنت عال وبعيد، ولكن ms040 نورك ضاف على الأرض. # أنت عال وبعيد، ولكن آثار خطوك تصنع النهار. # وعندما تميل وراء الأفق الغربي، تغرق الأرض في ظلام ~~كأنه الموت، # ويأوي الكل إلى بيوتهم، فتخرج الآساد من عرينها ~~والحيات من جحورها. # الكل يغرق في الصمت والظلام يسود؛ لأن الخالق في ~~أفقه يستريح. # وعندما تشرق تبعثر الظلام، وتضج الأرض ~~بالضياء. # ترسل شعاعك فتحتفل أرض مصر، يستفيق الجميع، يرفعون ~~صلاة شكر لظهورك، يمضي كل إلى عمله. # تفترش الأنعام مروجها، وينتعش بك كل شجر ~~ونبت. # الأطيار تحوم فوق سبخاتها، ترفع الجناح تصلي لك وتدب ~~في الكل حياة. # السفن تمخر عباب الماء صعودا ونزولا، وكل الطرق ~~سالكة بشروقك. # الأسماك في الماء تقفز للأعلى أمامك، وشعاعك يصل ~~أعماق البحر الأزرق الواسع. # أنت خالق الخصوبة في المرأة، وصانع بذور ~~الرجل. # أنت من يهب الحياة للجنين في رحم أمه، وتعطيه ~~الأنفاس التي بها يحيا، وعند مولده تفتح فمه وتقسم له ~~رزقه. # الصوص في بيضته يسقسق، وهناك تمده بهوائه، فإذا كبر ~~نقر قشرته وخرج يصيح بأعلى صوته. # ما أكثر صنائعك يا رب! وحدك ووفق مشيئتك قد خلقت ~~الأرض وما عليها من قطعان وأسراب. # قد خلقت كل ما يدب على الأرض بقدم، وكل ما يطير في ~~السماء بجناح. # في جميع الأصقاع، سوريا والحبشة وأرض مصر، أعطيت لكل ~~مكانه، ورسمت حياته وقسمت نصيبه وأيامه. # قد ميزت شعوبا بألسنتها وألوانها وطبائعها، فجعلتها ~~أمما مختلفة. # فجرت النيل تحت الأرض، تجريه وفق مشيئتك لتحيي أهل ~~مصر. أي آتون النهار، عظيم الجلال. # وجعلت نيلا آخر في السماء لحياة الأمصار البعيدة، ~~يهطل عليهم فيجري بحرا على ذرى الجبال يسقي حقولهم ~~وقراهم. # شعاعك ينعش كل بستان، بشروقك تحيا وبك تنمو. # أنت صانع الفصول لأجل خلقك، ففي الشتاء تنعشهم، وفي ~~الصيف يعرفون دفأك. # صنعت السماء العالية لتشرق فيها، وتنظر كل ما قد ~~صنعت. # أنت أحد، تشع في هيئة آتون الحي، تشرق وتتوهج، تمضي ~~بعيدا ثم تعود. أنت أحد وملايين الأشياء صدرت ~~عنك. # كل العيون تتملى سناك، أنت آتون النهار في ذروة ~~السمت. # أنت في ms041 قلبي، ولا يعرفك حقا سوى ابنك ~~أخناتون. # وقد أعطيته فهما ليدرك طرقك وجلائلك. # العالم كله بين يديك. عندما تسطع على المخلوقات ~~تحيا، وإذا تغرب عنها تموت. # فأنت الحياة وبك الحياة. # إن ابتعاد المعتقد الآتوني عن التعبير عن نفسه من خلال الميثولوجيا واضح في هذه ~~الترتيلة، التي لم تحتو على أية إشارة إلى أساطير تكوين وخلق وأصول، شأنها في ذلك ~~شأن أختها المعروفة باسم «الترتيلة القصيرة». كما نستنتج خلو الآتونية من الأساطير، ~~من قراءتنا لنصوص القبور التي تركها الأتباع المقربون للفرعون، فهذه تبتعد بدورها ~~عن أية إشارة إلى أساطير تتعلق بالموت والعالم الآخر، مما هو معروف في غيرها من ~~نصوص القبور المصرية. ولعلنا واجدون في الأعمال التشكيلية التي خلقتها لنا فترة حكم ~~أخناتون برهانا إضافيا على نفور الآتونية من الميثولوجيا. # فالإله آتون لم يصور بتاتا في هيئة مشخصة، وإنما اكتفى النحات أو الرسام ~~بإظهار رمزه التشكيلي، وهو عبارة عن قرص الشمس الملتهب وقد انبعثت أشعته في كل ~~اتجاه، وكل شعاع ينتهي بكف توزع الخير والبركة. وفيما عدا ذلك فإن الفن التشكيلي ~~قد خلا من المشاهد الدينية ذات الخلفية الأسطورية، واقتصر على تصوير المشاهد ~~الدنيوية البحتة. ويبدو لعين المتفحصين لهذه الأعمال الفنية، أنها قامت بالفعل على ~~فلسفة جمالية أقرب ما تكون إلى فلسفة الفن الإغريقي اللاحق، الذي احتفل بالجمال ~~الأرضي وجعل من الإنسان بؤرة اهتمامه. ولعل غياب الأسطورة في الديانة الآتونية هو ~~أمر تستدعيه طبيعة معتقدها؛ فالوظيفة الدينية للأسطورة هي توضيح صور الآلهة ~~وتزويدها بسيرة حياة، وشجرة نسب، وتبيان دورها في عالم الإنسان، مما سوف نوضحه بعد ~~قليل. أما إله أخناتون، فرغم مخاطبته مجازا بالإله الواحد، فإن كل طرائق التعبير ~~عن وجوده وطبيعته وعلاقاته بعالم الناس، لتشير إلى كونه طاقة غفلة غير مشخصة، ~~ومبدأ كامنا عند جذور عالم الظواهر. ومثل هذه الألوهة تستبعد بطبيعتها أي نظام ~~ميثولوجي؛ لأنها لا تتطلب التشخيص والتمثيل والتشبيه. ~~(2) الطقس # تولد الخبرة الدينية المباشرة حالة انفعالية قد تصل في شدتها حدا يستدعي ~~القيام بسلوك ما، من أجل إعادة ms042 التوازن إلى النفس والجسد اللذين غيرت التجربة من ~~حالتهما الاعتيادية. ولعل الإيقاع الموسيقي والرقص الحر كانا أول أشكال هذا السلوك ~~الاندفاعي الذي تحول تدريجيا إلى طقس مقنن. ويترافق تقنين الطقس وتنظيمه في ~~أطر محددة ثابتة مع تنظيم التجربة الدينية وضبطها في معتقدات واضحة يؤمن بها ~~الجميع، ويرون فيها تعبيرا عن تجاربهم الفردية الخاصة؛ وبذلك يتحول الطقس من أداء ~~فردي حر إلى أداء جمعي ذي قواعد وأصول مرسومة بدقة، ويتم ربط الطقس بالمعتقد بدل ~~ارتباطه بالخبرة الدينية المباشرة. ومع ذلك، فقد يتعايش هذان النوعان من الطقوس في ~~الثقافة الواحدة، حيث يقوم الطقس الحر جنبا إلى جنب مع الطقس المنظم، بسبب قصور ~~الطقوس المنظمة عن سد حاجة نوع معين من الأفراد ذوي الحساسية الشديدة للتجربة ~~الدينية الفردية. فإذا كانت الصلاة في المعابد وإنشاد التراتيل فيها هي النموذج ~~الأكثر شيوعا للطقس المنظم، فإن لنا في حلقات الصوفية وما يؤدى فيها من موسيقى ~~إيقاعية ورقص وتواجد، خير مثال على الطقس الحر الذي لا يرتبط بالمعتقدات الجمعية ~~المؤسسة، بل بالخبرة الدينية العميقة المباشرة. ومن الجدير بالذكر هنا، أن هذا ~~النوع من الطقس الحر، رغم كونه قد نشأ أصلا عن الخبرة الدينية المباشرة، إلا أنه ~~غالبا ما يكرر فيما بعد من أجل استعادة هذه الخبرة نفسها وإحداث أثرها في النفس ~~بشكل إرادي؛ فمن خلال رقصات معينة وموسيقى إيقاعية خاصة وتكرار صيغ كلامية ذات أثر ~~خاص في النفوس، يمكن للأفراد المستغرقين في الأداء الانتقال إلى مستويات غير ~~اعتيادية للوعي، واستعادة الحالة الوجدية التي تحتل ساحة الشعور تلقائيا في ~~التجربة المباشرة التي تحدث في الأصل دون استنهاض مصطنع. # يرسم المعتقد صورا ذهنية واضحة وقوية التأثير للعوالم القدسية، ولكن الأفكار ~~وحدها لا تصنع دينا بالغة ما بلغت من وضوحها واتساقها، بل قد تشكل في أفضل أحوال ~~اتساقها فلسفة دينية. وأعود هنا للاستشهاد بمثال الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، ~~التي اشتد عودها في المشرق العربي إبان القرن الثالث الميلادي؛ فهذه الفلسفة قد ~~جعلت من الإلهيات بؤرة اهتمامها، وكانت أفكارها مهيأة لأن تكون ms043 أساسا مكينا ~~لديانة كبرى في ذلك الوقت، ولكنها لم تحقق هذه الخطوة رغم طموحها الضمني ~~لتحقيقها؛ وذلك بسبب افتقارها إلى نظام طقسي، يضع الإنسان في علاقة مع العوالم ~~القدسية التي صاغ المعتقد صورتها الذهنية، فبقيت هذه العوالم صورا ذهنية باردة ~~تعيش في عقول أتباع هذه الفلسفة لا في قلوبهم. إننا لا نتحول من الفلسفة إلى الدين ~~(وأنا أفترض هنا أن كل تفكير متسق هو فلسفة) إلا عندما يدفعنا المعتقد إلى سلوك ~~وإلى فعل، فننتقل من التأمل إلى الحركة، ومن التفكير في العوالم المقدسة إلى اتخاذ ~~مواقف عملية منها؛ فنتقرب منها أو نسترضيها أو نسخر قواها لمصلحتنا أو نكف غضبها ~~عنا ... إلخ. فإذا كان المعتقد حالة ذهنية، فإن الطقس حالة فعل من شأنها إحداث ~~رابطة. وإذا كان المعتقد مجموعة من الأفكار المتعلقة بعالم المقدسات، فإن الطقس ~~مجموعة من الأفعال المتعلقة بأسلوب التعامل مع ذلك العالم، إنه اقتحام على المقدس ~~وفتح قنوات اتصال دائمة معه. # وبشكل عام يمكن القول بأن أية صورة ذهنية لا تخرج من عالم الفكر إلى عالم الفعل، ~~هي صورة معرضة للتحجر أو التلاشي والزوال. وبما لهذا السبب يتم تذكير الجنود في ~~ثكناتهم يوميا بفكرة الوطن، من خلال ممارسة يومية هي أقرب إلى الطقس الديني ~~بشكلها ومضمونها. إن كل من مارس أو شاهد في القطعات العسكرية الإجراء المتعلق ~~بتحية العلم الصباحية والمسائية، حيث يرفع العلم بحضور جميع أفراد القطعة ~~صباحا، وينزل مساء على صوت البوق، يدرك المعاني الكبيرة التي تنمو في النفوس من ~~جراء القيام بهذا الطقس الدنيوي اليومي. ولعلنا واجدون الشيء نفسه في موقف ~~المجتمع من فكرة الشهادة وإجلال الشهداء؛ فنحن مهما تحدثنا عن مكانة الشهداء في ~~قلوبنا وتقديرنا لهم، لا نستطيع أن نفي ذلك حقه ~~كما يفيه طقس وضع أكاليل الزهور على ضريح الجندي المجهول في مناسبات معينة. وأكثر ~~من ذلك، فإن مفهوم الوطن القومي وصورته في عقول المواطنين، لا ترسخه الأفكار قدر ما ~~ترسخه الطقوس. فنحن نستطيع أن نتحدث في كتب التعليم وعبر وسائل الإعلام عن ms044 فكرة ~~الوطن ومفهوم المواطنية، ولكن احتفالا قوميا واحدا يلتقي فيه الناس في الشوارع ~~فيهتفون ويزغردون ويرقصون بمصاحبة الأناشيد القومية ويلوحون بالأعلام والشعارات، ~~من شأنه تثبيت فكرة الوطن القومي وإضرام نار الانتماء إليه أكثر من كل الكتب ~~والتعاليم. ولقد أدرك المشرفون على وسائل الإعلام في الأنظمة القومية الفاشية هذا ~~الميل النفسي بكل دهاء. ففي ألمانيا النازية، عمد دهاقنة الإعلام إلى تصميم عدد ~~متنوع من الطقوس لفئات الشبيبة النازية؛ فمن الألبسة والشارات المميزة لكل فصيل، ~~ورفع اليد بالتحية المعروفة، إلى الأناشيد الحماسية تنشد «ألمانيا فوق الجميع»، ~~إلى موسيقى فاغنر تعزف في المناسبات وقد ألبست ثوبا قوميا عصريا، إلى ~~احتفالات المشاعل الليلية وما إليها. وتمت الإفادة من هذه المظاهر والاحتفالات ~~الجمعية إلى درجة يمكن القول معها بأن الأيديولوجية النازية لم تنتشر عن طريق ~~التبشير النظري الساذج، قدر انتشارها عبر التصميم المتقن لطقوس قومية لها صفة ~~الهوس الديني. # استنادا إلى ما تقدم يمكن القول بأن الطقس ليس فقط نظاما من الإيماءات التي ~~تترجم إلى الخارج ما نشعر به من إيمان داخلي، بل هو أيضا مجموعة الأسباب والوسائل ~~التي تعيد خلق الإيمان بشكل دوري؛ ذلك أن الطقس والمعتقد يتبادلان الاعتماد بعضهما ~~على بعض؛ فرغم أن الطقس يأتي كناتج لمعتقد معين فيعمل على خدمته، إلا أن الطقس ~~نفسه ما يلبث حتى يعود إلى التأثير على المعتقد فيزيد من قوته وتماسكه، بما له من ~~طابع جمعي يعمل على تغيير الحالة الذهنية والنفسية للأفراد. وهذا الطابع هو الذي ~~يجدد حماس الأفراد ويعطيهم الإحساس بوحدة إيمانهم ومعتقدهم. فالطقس، رغم قيامه على ~~مجموعة من الإجراءات المرتبة والمنسقة مسبقا، والتي تم القيام بها مرارا ~~وتكرارا، إلا أنه يبدو جديدا كلما أكدت الجماعة على الأداء المشترك له. لهذه ~~الأسباب يظهر الطقس للمراقب باعتباره أكثر عناصر الظاهرة الدينية بروزا، ويقدم ~~نفسه كأول معيار نفرق بواسطته الظاهرة الدينية عن غيرها من الظواهر؛ لأن الدين لا ~~يبدو للوهلة الأولى نظاما من الأفكار، بل نظاما من الأفعال والسلوكات، والمؤمن ~~ليس إنسانا قد أضاف إلى معارفه مجموعة ms045 من الأفكار الجديدة، بل هو إنسان يسلك ويعمل ~~بتوجيه من هذه الأفكار. ~~(3) الأسطورة # قبل أن أبحث في الدور الهام الذي يلعبه هذا المكون الثالث من مكونات الدين، سوف ~~أتوقف مطولا عند مفهوم الأسطورة لغاية توضيحه وتحديده بدقة؛ وذلك نظرا للتشوش ~~الكبير الذي يحيط بهذا المفهوم في أذهان كثير من المتخصصين، ناهيك عن عامة ~~المهتمين. إن أحد الكتب التي راجت في الغرب منذ الستينيات، وعنوانه «أقنعة الله»، # 2 # قد صدر في أربعة مجلدات تحمل العناوين الفرعية الآتية: (1) الميثولوجيا ~~البدائية. (2) الميثولوجيا الغربية. (3) الميثولوجيا الشرقية. (4) الميثولوجيا ~~الخلاقة. فإن شرع القارئ في تصفح جزئه الأول، اكتشف لتوه أن مؤلفه جوزيف كامبل ~~إنما يقدم عملا موسوعيا في تاريخ الدين لا في ميثولوجيا الشعوب، وأنه قد طابق ~~تعسفيا بين مفهوم الدين ومفهوم الأسطورة، مستخدما الجزء للدلالة على الكل؛ الأمر ~~الذي يزيد الأمور اختلاطا في أذهان الناس. # ليست الأسطورة من الكلمات المستحدثة في اللغة العربية، والمضامين التي استوعبتها ~~هذه الكلمة في الاستخدامات الحديثة تستند إلى مضامينها القديمة. تفيدنا المعاجم ~~العربية بأن كلمة أساطير قد جاءت من السطر، وهو الخط أو الكتابة، وجمعه أسطار كما ~~هو الحال في سبب وأسباب، وجمع الجمع أساطير. ونعثر على أول استخدام للكلمة في ~~القرآن الكريم، حيث جاء في سورة الفرقان: 5، قوله تعالى: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه ~~بكرة وأصيلا ~~. وهنا إشارة إلى اتهام المشركين للنبي باستلهامه ~~قصص الأولين المكتوبة. وهذا الاشتقاق لكلمة أسطورة في العربية يقارب اشتقاقاتها في ~~اللغة الأوروبية؛ فكلمة # Myth # في الإنكليزية ~~والفرنسية وغيرها، مشتقة من الأصل اليوناني # Muthas ~~، ~~وتعني قصة أو حكاية. وكان أفلاطون أول من استعمل تعبير # Muthologia # للدلالة على فن رواية القصص، وبشكل ~~خاص ذلك النوع الذي ندعوه اليوم بالأساطير، ومنه جاء تعبير # Mythology # المستخدم في اللغات الأوروبية ~~الحديثة. أما في لغات المشرق القديم، فلا نعثر على مصطلح خاص ميز به أهل تلك ~~الحضارات الحكاية الأسطورية عن غيرها. وتظهر فهارس النقوش الكتابية التي تعود ~~الكتبة السومريون وضعها لتصنيف محتويات مكتباتهم (وقد عثر حتى الآن على ms046 اثنين من ~~هذه الفهارس) أن الأرشيف السومري لم يميز النصوص الأسطورية عن غيرها، ولم يدرجها في ~~تسلسل خاص، بل تركها موزعة بين النصوص الأخرى التي تدور حول موضوعات شتى مثل ~~الحكمة والأمثال والأدعية والوصايا وما إليها. # من هنا يمكن القول بأن القدماء لم يضعوا لأنفسهم تمييزا لغويا دقيقا لتلك ~~المجموعة من الأعمال الأدبية التي نصنفها الآن تحت عنوان الميثولوجيا، ولا هم ~~عنوا بتفريقها عن بقية الأجناس الأدبية، وذلك رغم توكيدهم على اختلافها وخصوصيتها. ~~فكيف نستطيع اليوم أن نميز بين النص الأسطوري والنص العادي، وما هي المعايير التي ~~تساعدنا على إجراء مثل هذا التمييز؟ ~~(1) # من حيث الشكل، الأسطورة هي شكل من أشكال الأدب الرفيع، فهي قصة ~~تحكمها قواعد السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات وما إليها. وفي ~~الثقافات العليا، جرت العادة أن يصاغ النص الأسطوري في قالب شعري يساعد ~~على ترتيله وتداوله شفاهة بين الأفراد وعبر الأجيال، ويزوده بسلطان على ~~العواطف والقلوب. ~~(2) # وهي قصة تقليدية، بمعنى أنها تحافظ على ثبات نسبي، وتتناقلها الأجيال ~~بنصها عبر فترة طويلة من الزمن طالما حافظت على طاقتها الإيحائية ~~بالنسبة إلى الجماعة. فأسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل، وهي ~~أسطورة سومرية من أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، قد استمرت في ~~صيغتها الأكادية المطابقة تقريبا للأصل السومري حتى أواسط الألف الأول ~~قبل الميلاد، حيث عثر على نسخة منها في مكتبة آشور بانيبال. ~~(3) # ليس للأسطورة زمن؛ أي إنها لا تقص على حدث جرى في الماضي وانتهى، ~~بل عن حدث ذي حضور دائم. فزمانها والحالة هذه زمن ماثل أبدا لا يتحول ~~إلى ماض. إن الإله تموز الذي قتل ثم بعث إلى الحياة، إنما يفعل ذلك ~~في كل عام؛ إذ يقتل في الصيف ويبعث إلى الحياة في الربيع. والإله ~~مردوخ، الذي خلق الكون ونظمه في الأزمنة المقدسة الأولى، إنما يفعل ~~ذلك في كل عام ومع بداية السنة الجديدة، حيث يقوم بإعادة خلق الكون ~~وتجديده. وصراع الإله بعل مع الحية لوتان ذات الرءوس السبعة وقتله لها، ~~هو صراع دائم بين قوى ms047 الخير والحياة، وقوى الشر والموت. وعندما لا يكون ~~للحدث الأسطوري هذا الطابع الدوري المتكرر والواضح، فإن مضمون الأسطورة ~~يعبر عن حقيقة أزلية متخللة في حياة البشر لا يطالها تغيير؛ فأسطورة ~~خلق الإنسان من تربة الأرض ممزوجة بدم إله قتيل، هي تأسيس لفكرة ~~الطبيعة المزدوجة للإنسان وتكوينه من عنصر مادي وآخر روحاني. وحتى ~~عندما تشير الأسطورة صراحة إلى حدث مؤطر في الزمن ومحدد في التاريخ، ~~فإن مراميها البعيدة تكمن خارج الزمن وتتخذ صفة الحضور الدائم، ونموذج ~~هذا النوع أسطورة الطوفان الرافدية؛ فرغم أن السومريين قد اتخذوا حدث ~~الطوفان، الذي أبلغت عنه الأسطورة، نقطة في التاريخ يؤرخون بها لما حدث ~~قبلها في تاريخهم وما حدث بعدها، إلا أن فحوى الأسطورة لم يكن زمنيا ~~بالنسبة إليهم، والطوفان الذي دمر الأرض من حولهم مرة هو نذير دائم ~~بسطوة القدر، وتحذير من الغضب الإلهي البعيد عن أفهام البشر، ومن ~~الاطمئنان إلى استمرارية الشرط الإنساني وثبات الأحوال. إن ما يميز ~~الحدث الأسطوري عن غيره هو ذلك الحضور الدائم للحدث أو لمراميه ~~الحقيقية. ~~(4) # تتميز موضوعات الأسطورة بالجدية والشمولية؛ فهي تدور حول المسائل ~~الكبرى التي ألحت دوما على عقل الإنسان، مثل الخلق والتكوين وأصول ~~الأشياء والموت والعالم الآخر وما إلى ذلك من قضايا آلت إلى الفلسفة ~~فيما بعد. ~~(5) # يلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية في الأسطورة؛ فإذا ظهر ~~الإنسان على مسرح الأحداث كان دوره مكملا لا رئيسيا. ~~(6) # لا يعرف للأسطورة مؤلف معين؛ لأنها ليست نتاج خيال فردي أو حكمة ~~شخص بعينه، بل هي ظاهرة جمعية تعبر عن تأملات الجماعة وحكمتها ~~وخلاصة ثقافتها. ولا يمنع هذا الطابع الجمعي أن يقوم الأفراد بإعادة ~~صياغة الحكايات الأسطورية وفق صنعة أدبية تتماشى وروح عصرهم. ~~(7) # تتمتع الأسطورة بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم. إن ~~السطوة التي تمتعت بها الأسطورة في الماضي لا يدانيها سوى سطوة ~~العلم في العصر الحديث؛ فنحن نؤمن بوجود الجراثيم وبقدرتها على تسبيب ~~المرض، سواء رأيناها تحت المجهر أم لا؛ وذلك لأن العلم قد أثبت وجودها، ~~كما أننا نؤمن ms048 بالطريقة نفسها بأن المادة مؤلفة من جزيئات وذرات، وأن ~~الكون مؤلف من مليارات المجرات ... إلخ. وفي العالم القديم لم ير ~~الشياطين أو الآلهة سوى قلة من الكهنة في أحلامهم أو في نوبات الوجد ~~التي تعتريهم، ومع ذلك آمن الإنسان القديم بكل العوالم التي نقلتها له ~~الأسطورة، وكان الكفر بمضامينها كفرا بكل القيم التي تشد الفرد إلى ~~جماعته وثقافته، وفقدانا للتوجه السليم في الحياة. ~~(8) # ترتبط الأسطورة بنظام ديني معين، وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام ~~وطقوسه المؤسسة، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة إذا انهار النظام الذي ~~تنتمي إليه، وتتحول إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع ~~الشبيهة بالأسطورة، مثل الحكاية الخرافية والقصة البطولية، وقد تدخل ~~بعض عناصرها في الحكاية الشعبية. # اعتمادا على الوصف الذي قدمته أعلاه أستطيع أن أخلص إلى ما يشبه التعريف، فأقول ~~بأن الأسطورة هي «حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي». والسلطان الذاتي للأسطورة ~~هنا لا يأتي من أية عوامل خارجة عنها، بل من أسلوب صياغتها وطريقة مخاطبتها للجوانب ~~الانفعالية وغير العقلانية في الإنسان. وما زلنا حتى اليوم، نحن أهل دولة العقل ~~العالمية هذه، نشعر بسلطان الأسطورة يغمرنا كلما وقفنا بين يديها دون أن ندري لذلك ~~سببا. # تنشأ الأسطورة إذا عن المعتقد الديني، وتكون امتدادا طبيعيا له، فهي تعمل على ~~توضيحه وإغنائه، وتثبته في صيغة تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الأجيال، كما أنها ~~تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية. ويبدو أن ~~المهمة الأساسية للأسطورة هي تزويد فكرة الألوهة بألوان وظلال حية، خصوصا في ~~المعتقدات التي تقوم على تعدد الآلهة؛ فالأساطير هي التي ترسم صور الآلهة، وتعطيها ~~أسماءها، وتكتب لها سيرتها الذاتية وتاريخ حياتها، وتحد لها صلاحياتها وعلاقات ~~بعضها ببعض. فالإله الأزلي القابع فيما وراء الزمن الجاري هو إله نظري ذو طبيعة ~~فلسفية، وهو لا يباشر وجوده الفعلي وصلته بعالم الناس إلا عندما يعلن عن فعاليته ~~الواضحة في الزمن ويقوم أو يشارك في خلق وتكوين العالم، وهذا ما ترويه وتفصله لنا ~~الأساطير. فالأسطورة تقوم على ms049 مفهوم زماني لا مكاني، كما يقول الفيلسوف الألماني ~~المعاصر أرنست كاسيرر؛ # 3 # ولذلك فإن الأسطورة الحقة كما يراها لا تبدأ عندما نكون تلك الصور ~~المحددة عن الآلهة، بل عندما نعزو لهذه الآلهة بداية محددة في الزمن، وعندما تباشر ~~هذه الآلهة فعالياتها وتنبئ عن وجودها في سياق زمني؛ أي عندما يتحول الوعي الإنساني ~~من فكرة الألوهة إلى تاريخها. # 4 # فمن خلال هذا التاريخ الذي ترسمه الأسطورة، يعلو الإله على مظاهر ~~الطبيعة ويتسلط عليها، ومن خلال الذاتية التي ترسم خروجه من العماء الساكن إلى ~~الزمن المتحرك، تنتقل الألوهة من الوجود المجرد إلى الفعل الذي يظهرها في عالم ~~الإنسان ويربطها إلى مسار حياته. # من هنا تأتي أهمية ميثولوجيا التكوين في أديان الشعوب، وعلو شأن أسطورة الخلق في ~~النظم الميثولوجية. إن العمل الأول الذي يقوم به الإله الأكبر هو خلق العالم ~~والخروج به من عماء اللاتمايز المكاني والزمن الراكد إلى الوضوح وعالم الحركة ~~والفعل، عالم الزمن الدينامي. فهذا الإله إنما يبتكر نفسه بابتكاره للكون، ويبدأ ~~تاريخه الخاص إذ يبتدر مظاهر هذا الكون. لذلك كانت أسطورة التكوين البابلية هي سيدة ~~أساطير تلك الثقافة؛ فعندما «لم يكن هنالك سماء في الأعالي، ولم يكن هنالك أرض في ~~الأسفل»، كما يقول مطلع الأسطورة، لم يكن هناك سوى آلهة العماء القابعة وراء الزمن، ~~والمعارضة لأية حركة أو فعل، ثم جاء الإله الخالق مردوخ ليبتدئ سيرة حياته مع سيرة ~~حياة الكون الذي أخرجه من لجة العماء البدئي؛ ولذلك أيضا تتصدر أسطورة التكوين ~~التوراتية الصفحة الأولى من كتاب «العهد القديم». «ففي البدء خلق الله السموات ~~والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف فوق وجه ~~المياه»، كما يقول مطلع سفر التكوين، أما ما كان قبل ذلك فلا نعرف عنه شيئا، ولا ~~عما كان يفعله «يهوه» قبل أن يشرع في خلق السموات والأرض. # إضافة إلى العروة الوثقى التي تجمع الأسطورة إلى المعتقد، فإن الأسطورة من ناحية ~~أخرى ترتبط بشكل وثيق بالطقس؛ فالطقس كما أوضحت هو جسر بين المتعبد ms050 وقوى قدسية ~~معينة، وكلما كانت هذه القوى ذات شخصيات محددة وخصائص وسيرة حياة ترسمها الأساطير، ~~كلما ازداد الطقس غنى وتعقيدا. وعلى العكس من ذلك، فإن الطقس يميل نحو البساطة ~~كلما مال المعتقد إلى التجريد وافتقر إلى الأساطير. وهنا يمكن أن نسوق مرة أخرى ~~مثالا مستمدا من الديانة الآتونية، التي وجدنا في معتقدها نموذجا معبرا عن ~~المعتقد التجريدي الذي لا يستعين بالأساطير؛ فبعض الباحثين في الفرعونيات، يعلن ~~صراحة أنه لا يعرف شيئا عن طقوس ديانة أخناتون، # 5 # والبعض الآخر يرى أن الطقوس كانت موجودة في تلك الديانة، ولكنها كانت ~~غاية في البساطة، وتتألف من تقدمات من الثمار والأزهار للإله آتون، مصحوبة بأناشيد ~~وموسيقى عذبة، مستدلين على ذلك من صور تمثل الفرعون وزوجته نفرتيتي في زيارة ~~للمعبد ورعايتهما لمثل هذه الطقوس، ومن مقطع من الترتيلة القصيرة لأخناتون حيث ~~يقول: «جوقات المنشدين من رجال ونساء ترفع إليك أعذب الإنشاد في المعبد الكبير وفي ~~كل معبد ...» # 6 # فإذا قارنا هذا النوع من الطقوس بطقوس عبادات الخصب في ثقافات المشرق ~~العربي القديم، ونموذجها عبادة الإله تموز الرافدي، لوضح أمامنا الفرق بين طقوس ~~الدين الفقير بالميثولوجيا وطقوس الدين الغني بها؛ فطقوس الإله تموز التي تستند إلى ~~ميثولوجيا كثيرة الغنى والتعقيد، كانت تقام على مدار السنة في بلاد سومر لترافق ~~دورة حياته السنوية كما رسمتها الأسطورة. وبشكل خاص، كان عباد تموز يحتفلون بثلاثة ~~أعياد طقسية رئيسية تؤشر لثلاثة مراحل في حياة الإله العاصفة والقصيرة؛ فهناك ~~احتفالات الزواج المقدس حيث تقام دراما طقسية كبرى تمثل زواج تموز بالإلهة إنانا، ~~ولكن سعادة الإله لا تدوم طويلا، ولا يلبث أن يموت في الصيف وتجره العفاريت إلى ~~العالم الأسفل، فتقام عليه المناحات في طول البلاد وعرضها، حتى إذا جاء الربيع بعث ~~إلى الحياة من جديد، وأقيمت الأفراح بصعوده من عالم الأموات جالبا معه كل خير ~~عميم. وإضافة إلى هذه المناسبات الطقسية الرئيسية، كانت تقام في معابد الخصب طقوس ~~ثانوية أخرى مثل طقوس الخصاء، حيث كان الكهنة الجدد يضحون بذكورتهم قربانا ~~للإلهة ms051 إنانا زوجة تموز، وطقوس البغاء المقدس المعروفة في جميع أنحاء الشرق ~~القديم. # ومن الطقوس البسيطة التي تقوم على معتقد خلو تماما من الأساطير، يمكن أن نذكر ~~طقوس السحر. والسحر كما نراه، وكما سنوضح ذلك لاحقا، هو نوع بدائي من أنواع الدين، ~~فطقوس السحر تقوم على معتقد تجريدي، وبسيط # 7 # إلى درجة لم يستطع معها معظم الباحثين تبينه وتحديده، فقالوا باستقلال ~~السحر عن الدين. ومنهم جيمس فريزر الذي يعتبر أن السحر لا يقوم على أي معتقد، بل ~~على جملة من المبادئ الشبيهة بمبادئ العلم الحديث؛ حيث تخضع الطبيعة لجملة من ~~القوانين، وتتصل أحداثها من خلال نظام حتمي للسبب والنتيجة يمكن التنبؤ به بدقة، ~~وما على الساحر هنا إلا أن يكتشف هذه العلائق، ويعمل على توجيهها لغاياته دون ~~الاستعانة بقوى ما ورائية من أي نوع. # 8 # إلا أن الدراسات الأنتروبولوجية المعاصرة قد أبرزت الصلة التي تجمع ~~السحر إلى الدين، وكشفت عن الأساس الديني للمعتقدات والممارسات السحرية. # إن دراسة أديان ومعتقدات الشعوب البدائية، قد أوصلت الباحثين إلى مفهوم أساسي من ~~المفاهيم التي تقوم عليها المعتقدات الدينية للبدائيين، وهو مفهوم المانا # Mana ~~، والكلمة من مفردات اللغات المحلية في ~~ميلانيزيا، وتشير إلى قوة غفلة تسري في الطبيعة كما تسري الحياة في أعضاء البدن، هي ~~للعالم بمثابة الروح التي تتخلل مظاهره، من دون أن تكون حالة في كائنات ما ~~ورائية مشخصة. وقد كان للباحثين # Mauss # و # Hubert # فضل التنبيه إلى أن السحر إنما يقوم ~~على فكرة المانا؛ ففي كتابه «النظرية العامة في السحر # Théorie Générale De La Magic ~~»، يجد # Mauss # أن الممارسات السحرية تعتمد على مفهوم ~~غامض مشابه لمفهوم المانا، حيث تتبادل الأشياء التأثير ببعضها عبر وسط متصل يجمعها ~~إلى بعضها، فيما يشبه الفكرة الرواقية عن كون حي متصل. # 9 # ثم قام إميل دوركهايم بدراسة مستفيضة لعلاقة السحر بالدين في كتابه ~~«الأشكال الأولية للحياة الدينية»، مبينا أن السحر ليس إلا نوعا ابتدائيا من ~~أنواع الدين. # 10 # ثم عمدت جين هاريسون إلى تطبيق أفكار دوركهايم بشكل واسع ms052 على علاقة ~~الأشكال الأولية للدين الإغريقي بالسحر، وذلك في كتابها المعروف عن الأصول ~~المجتمعية للدين الإغريقي الصادر عام 1912م. # 11 # وقد مهد هؤلاء البحاثة إلى إعادة نظر شاملة في مؤسسة السحر قديما ~~وحديثا. # ولتبيان مدى بساطة الطقس السحري، يمكن الاستعانة بمثال كلاسيكي يتعلق بطقس إنزال ~~المطر؛ فمن وظائف ساحر القبيلة، في الثقافات التقليدية المعاصرة، التحكم بالمطر ~~بواسطة طقوس تقوم في بعضها على تقليد هطول المطر، وذلك برش الماء وإحداث أصوات ~~تشبه الرعد وفق حركات معينة مدروسة وباستخدام أدوات خاصة، ومن المفترض عند ذلك أن ~~تستجيب الطبيعة بإرسال المطر. # 12 # وفي أماكن متفرقة من العالم اليوم، هنالك طقس سحري للغرض نفسه يقوم على ~~تقليد صوت المطر عن طريق هز أداة إيقاعية قوامها نبتة قرع من النوع المنتفخ الرأس ~~والمستدق الطرف، وذلك بعد تجفيفها تحت الشمس حتى يفرغ داخلها، وتتحرك بذورها بحرية ~~لإحداث الصوت المطلوب. ويبدو أن مثل هذه الممارسة كانت معروفة في بلاد اليونان في ~~القرن الثامن ق.م. كما تدلنا على ذلك بعض الرسوم على الفخار. # 13 # فإذا قارنا مثل هذا الطقس السحري بطقوس الخصب في الديانات ذات ~~المعتقدات والأساطير الغنية والمركبة، أدركنا مدى بساطة الفكرة الكامنة وراءه؛ ~~فالساحر هنا لا يقرب الذبائح إلى الآلهة، ولا يصلي لها، ولا يقود دراما طقسية ~~معقدة لإحلال الخصب، وإنما يقوم بالتأثير على مظاهر الطبيعة من خلال تلك القوة ~~الغفلة التي تسري في كل شيء، والتي من شأنها تحويل الإجراء الطقسي الذي يجري في هذا ~~الجانب إلى فعل حقيقي يتم في الجانب الآخر. # إن ما قدمته حتى الآن من أفكار وملاحظات حول الأثر الذي تمارسه الأسطورة على ~~الطقس، لا يقصد إلى إعطاء أسبقية لهذه على ذاك؛ فكما تقوم الأسطورة بإغناء الطقس، ~~فإن هذا بدوره يعمل على تثبيت الأسطورة في الأذهان والنفوس، خصوصا في الطقوس ~~الدورية الكبرى التي تشكل المعادل الدرامي الحركي والمنظور للنص الأسطوري، ومثالها ~~الكلاسيكي أعياد رأس السنة في بلاد الرافدين، حيث يجري تمثيل أسطورة التكوين ~~البابلية اعتمادا على نص درامي موضوع خصوصا لهذه ms053 الغاية، وتقوم أحداثه على النص ~~التقليدي المعروف. إلا أن فريقا من الباحثين ممن أقبل على دراسة الدين والأسطورة ~~مع بداية هذا القرن، وفق منظور متأثر بالمعطيات الجديدة لعلم الأنتروبولوجيا الناشئ ~~قد أسس لاتجاه أحادي النظرة يرى في الأسطورة ناتجا من نواتج الطقس. من هؤلاء ~~البحاثة مجموعة صغيرة عرفت يومها باسم «مجموعة كابريدج»، وكانت شديدة التأثير في ~~الحلقات الأكاديمية، وما زال فكرها يتمتع حتى اليوم ببعض المؤيدين. من بين أولئك ~~الرواد نذكر جين هاريسون # Jane Harrison # في كتابها # Themes ~~، وكوك # A.B. Cook # في كتابه # Zeus ~~، وكونفورد # M.F. Conford # في كتابه # From Philosophy to Religion ~~. # 14 # أما كيف تنشأ الأسطورة عن الطقس في رأي هذه المدرسة، فراجع إلى أن ~~الطقوس التي تمارسها الجماعة منذ أقدم الأزمنة وتتناقلها الأجيال بحرفيتها، تفقد ~~بمرور الوقت معناها وبواعثها الأولى، فتأتي الأسطورة لكي تقدم تبريرا لتلك الطقوس ~~وتنسج حكاية من شأنها تزويد الطقس بمعنى وغاية؛ فأسطورة الإله آتيس، مثلا، الذي ~~خصى نفسه تحت شجرة الصنوبر ونزف حتى الموت، ليست في تفسير هؤلاء إلا تسويغا لطقوس ~~الخصاء التي كان كهان آتيس يمارسونها. وأسطورة قيام التيتان في التقاليد الديونيسية ~~بتمزيق الإله ديونيسيوس حيا في هيئة الثور التي تحول إليها وهو يهرب من وجههم، ~~ليست إلا تسويغا للطقس الذي كان يتم بموجبه في أعياد ديويسيوس تمزيق ثور حي ~~والتهامه نيئا في ذروة الانفعال الطقسي. ولقد غدت أفكار هذه المدرسة الطقسية في ~~تفسير الأسطورة مرفوضة اليوم، وعلى نطاق واسع. # يعتمد تطور النظام الميثولوجي لثقافة ما على تطور ونضج اللغة وأساليب التعبير ~~اللغوية؛ ذلك أن الأسطورة في صيغتها الشكلية، كما ألمحنا منذ قليل، هي نوع من أنواع ~~الأدب، بل ربما كانت أول أدب أبدعه الإنسان، والأدب لا تنضج أدواته ولا يشب عن ~~الطوق إلا بتأصيل تقاليده. من هنا فإن الثقافات التي وصلت لغاتها إلى مراحل متقدمة ~~كفيلة بالتعبير عن أدق المجردات، واغتنت وتنوعت لديها أساليب الصياغة الأدبية، ~~تتكاثر عندها الأساطير وتتضخم إلى درجة تفوق حاجات معتقداتها الدينية، وهذا ما ~~يؤدي في النهاية ms054 إلى تحول نوع من الأساطير إلى مجرد أدب دنيوي يعيش على هامش ~~الدين ولا يتصل به إلا أوهى اتصال. ومثالنا الأوضح على ما نذهب إليه هنا هو ~~الميثولوجيا الإغريقية؛ ففي ذلك الحشد الكبير من الأساطير التي تركها لنا الإغريق ~~نستطيع تمييز ثلاثة أنواع من الأساطير؛ فهنالك نوع يتصل بالديانة الإغريقية اتصالا ~~صميميا ويشكل جزءا من بنية المعتقد الديني، وهنالك نوع ثان قد ضاعت صلاته ~~الدينية حتى لا نكاد أن نتبينها، هنالك نوع ثالث استقل عن الدين واستمر كأدب ~~دنيوي لا علاقة له من قريب أو بعيد بالحياة الدينية، رغم امتلاء قصصه بالشخصيات ~~الإلهية والشيطانية من كل نوع. ولا أدل على ابتعاد الأساطير الإغريقية عن منبتها ~~الديني من عناية الأدباء والشعراء بإعادة تحريرها وصياغتها، خصوصا في العصر ~~الروماني، بطريقة قضت على آخر لمسات القداسة التي تمتعت بها قديما. من هؤلاء ~~نذكر الشاعر فيرجيل صاحب الإنيادة، والشاعر أوفيد في كتابه «التحولات»، وكلاهما عاش ~~في القرن الأول قبل الميلاد. يقول أوفيد في مطلع تحولاته: «إن هدفي في هذا الكتاب ~~أن أقص عن الكائنات التي تحولت عن أشكالها إلى أشكال أخرى مختلفة.» # 15 # وهو يفي بوعده حتى آخر صفحة في الكتاب الذي بقي حيا مدة ألفين من ~~السنين وملهما للأدب القصصي في الغرب، حيث يقدم لنا حشدا من الأقاصيص التي تدور ~~حول التحولات، أبطالها من الآلهة أو الجن أو البشر. # إن عدم التمييز بين هذه الأنواع الثلاثة من الأساطير في الثقافات، التي تطور فيها ~~الأدب حتى بغى على الأسطورة، قد قاد بعض الباحثين إلى موقف متطرف، حيث فضلوا ~~استبعاد الأسطورة برمتها من دائرة الدين على القبول بذلك الركام من القصص ~~الأسطوري الذي يعزو إلى الآلهة كل نقيصة في طباع البشر. من هؤلاء ماكس مولر الذي ~~يرى في كتابه «محاضرات في علم اللغة» ضرورة التفريق بين الميثولوجيا والدين، فيضع ~~الأساطير خارج دائرة الحياة الدينية. فالدين عنده هو المعتقدات التي تقود حياة ~~أخلاقية سوية وتنبع عن لاهوت عقلاني، أما الأساطير فإنها نمو عشوائي على هامش الدين ms055 ~~يجري تحت تأثير اللغة، ومن شيمتها إلصاق نفسها دوما بالمعتقدات الدينية الأساسية ~~وإفسادها. وعليه، فإن الاعتقاد بالإله زيوس مثلا، هو اعتقاد ديني بمقدار ما يعمل ~~هذا الاعتقاد على رفعه كإله أعلى وأب للبشرية وحام للشريعة والعدالة، أما ما عدا ~~ذلك، وخصوصا فيما يتعلق بمغامرات زيوس العاطفية وزيجاته المتعددة واختطافه لبنات ~~وبني الناس إلى قمة الأوليمب، فهي مجرد أقاصيص ينبغي ألا تؤخذ على محمل الجد. # 16 # وفي الحقيقة، فإننا لا نستطيع قبول هذا الرأي المتطرف على علاته، كما ~~أننا لا نستطيع في الوقت ذاته أن نقبل كل الأساطير الإغريقية باعتبارها الوجه الآخر ~~للمعتقد الديني الإغريقي. كل ما في الأمر أنه يتوجب علينا عندما نتحدث عن الأسطورة ~~أن نقول أي نوع من الأساطير نعني. ففي الوضع المشوش الحالي لعلم الأسطورة (كما ~~أرى هذا الوضع)، حيث يتم جمع كل الأقاصيص التي تروى عن الآلهة تحت عنوان الأساطير، ~~علينا أن نعترف بأن النظام الميثولوجي لأية ثقافة ليس شأنا دينيا بحتا، وأن ~~هناك زمرة من الأساطير غير الدينية تقوم إلى جانب الأساطير الدينية وتخدم غايات ~~معرفية ومجتمعية شتى؛ بعضها قد يخرج عن النظام الميثولوجي ويشق لنفسه طريقا ~~مستقلا، وهذه هي بدايات تشكل الحكايات الخرافية والقصص الشعبي، وما إلى ذلك من ~~أجناس أدبية ورثت الأسطورة ونهلت من منابعها. # أخيرا، سوف أعمد فيما يأتي إلى تقديم مثال حي، يرينا بجلاء كيف يعرض المعتقد ~~الديني نفسه من خلال الأسطورة. والنص الذي اخترته هو أسطورة من الديانة المانوية ~~التي بشر بها «ماني»، الذي ولد في منطقة بابل لأسرة إيرانية عام 216 ميلادية. ~~ورغم أن الأساطير المانوية تحمل الطابع الشخصي لماني وفكره، إلا أنها تقوم على ~~تقاليد دينية فارسية قديمة ومتجذرة. تهدف هذه الأسطورة إلى شرح المعتقد الثنوي ~~المانوي، الذي يرى في الوجود تنازع قوتين كونيتين هما قوة الخير وقوة الشر، وأن ~~الشر قد دخل في نسيج العالم منذ البداية، ولكنه سوف يزول تدريجيا مع تقدم الزمن. ~~وقد اعتمدت هنا النص العربي للأسطورة، كما قدمه ابن النديم في «الفهرست». # 17 ms056 # ويعتبر النص العربي الأكثر قربا إلى النص الذي خطه ماني؛ لأن ~~المؤلفين العرب كانوا على اطلاع مباشر على المراجع المانوية المتوفرة بين أيديهم في ~~ذلك الوقت، وكانت المانوية ما تزال حية خلال القرون الأولى للعصر الإسلامي، وتشكل ~~منافسا حقيقيا للإسلام في الأقطار المفتوحة. يقول ماني: ~~«مبدأ العالم كونان؛ أحدهما نور والآخر ظلام، كل منهما منفصل عن الآخر. فالنور ~~هو العظيم الأول - ليس بالعدد - وهو الله ملك جنان النور، وله خمسة أعضاء هي الحلم ~~والعلم والعقل والغيب والفطنة، وخمسة أخر روحانية هي الحب والإيمان والوقار ~~والمروءة والحكمة. وهو بصفاته هذه أزلي، ومع شيئين أوليين هما أرض النور وجو النور، ~~وأعضاء جو النور خمسة هي الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وأعضاء أرض النور هي ~~النسيم والريح والنور والماء والنار. أما الكون الآخر، وهو الظلمة، فأعضاؤه خمسة، ~~وهي الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة. # وذلك الكون النير مجاور للكون المظلم لا حاجز بينهما، فلا نهاية للنور من فوقه ~~ولا يمنته ولا يسرته، ولا نهاية للظلمة من سفلها ولا من يمنتها ولا من يسرتها. ومن ~~الأرض المظلمة كان الشيطان الذي ليس أزليا بعينه رغم أن مكوناته بحد ذاتها أزلية. ~~ورأس هذا الشيطان كرأس أسد، وبدنه كبدن تنين، وجناحه كجناح طائر، وذنبه كذنب حوت، ~~وأرجله أربع كأرجل الدواب. فلما تكون هذا الشيطان من الظلمة تسمى إبليس القديم، ~~ثم راح هذا الإبليس يتحرك يمنة ويسرة وإلى الأسفل يهلك كل من غالبه. ولما رام ~~العلو رأى لمحات النور، فأعد نفسه وتسلح استعدادا للانقضاض على مملكة النور من ~~أسفلها، فعلم به ملك جنان النور واحتال لقهره، وكان جنوده قادرين على قهر إبليس ~~ولكنه أراد أن يتولى ذلك بنفسه، فأولد مولودا، وهو الإنسان القديم، # 18 # وندبه لقتال الظلمة، فتدرع الإنسان القديم بالأجناس الخمسة، وهي ~~النسيم والريح والنور والماء والنار، واتخذها سلاحا؛ فأول ما لبس النسيم، وارتدى ~~على النسيم العظيم بالنور المشع، وتعطف على النور بالماء ذي الهباء، واكتن بالريح ~~الهابة، ثم أخذ بيده النار كالمجن والسنان، وانحط بسرعة نحو مكان ms057 إبليس. وعمد ~~إبليس القديم إلى أجناسه الخمسة، وهي الدخان والحريق والظلمة والسموم والسم، ~~فتدرعها، ولقي الإنسان القديم فاقتتلوا مدة طويلة، ولكن إبليس ظهر على الإنسان ~~القديم، وبلغ من نوره، وأحاط به مع أجناسه وعناصره، ولكن ملك جنان النور أرسل وراءه ~~نجدة من قوى عالم النور خلصت الإنسان القديم وأسرت من أرواح الظلمة. # وحدث لما شابك إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة، أن اختلط من أجزاء النور ~~الخمسة بأجزاء الظلمة الخمسة؛ فخالط الدخان النسيم، فمنها هذا النسيم الممزوج؛ فما ~~فيه من اللذة والترويح عن الأنفس وحياة الحيوان فمن النسيم، وما فيه من الهلاك ~~والإيذاء فمن الدخان. وخالط الحريق النار، فمنها هذه النار؛ فما فيها من الإحراق ~~والهلاك والفساد فمن الحريق، وما فيها من الإضاءة والإنارة فمن النار. وخالط النور ~~الظلمة، فمنها هذه الأجسام الكثيفة مثل الذهب والفضة وأشباه ذلك؛ فما فيها من ~~الصفاء والحسن والنظافة فمن النور، وما فيها من الدرن والكدر والغلظ والقساوة فمن ~~الظلمة. وخالط السموم الريح، فمنها هذه الريح؛ فما فيها من المنفعة واللذة فمن ~~الريح، وما فيها من الكرب والتعوير والضرر فمن السموم. وخالط الضباب الماء، فمنها ~~هذه الماء؛ فما فيها من الصفاء والعذوبة والملاءمة للأنفس فمن الماء، وما فيها من ~~التغريق والتخنيق والإهلاك والثقل فمن الضباب. # فلما اختلطت الأجناس الخمسة الظلمية بالأجناس النورية، نزل الإنسان القديم إلى ~~غور العمق فقطع أصول الأجناس الظلمية لئلا تزيد، ثم انصرف إلى موضعه من الناحية ~~الحربية، فأمر بعض الملائكة باجتذاب ذلك المزاج إلى جانب من أرض الظلمة يلي أرض ~~النور، فعلقوهم بالعلو. وبعد ذلك أمر ملك عالم النور بعض ملائكته بخلق هذا العالم ~~وبنائه من تلك الأجزاء الممتزجة، من أجل تخليص أجناس النور من أجناس الظلمة، فبنى ~~عشر سموات وثماني أرضين، ووكل ملكا بحمل السموات وآخر برفع الأرضين، وجعل حول هذا ~~العالم خندقا ليطرح فيه الظلام الذي يستصفى من النور، وجعل خلف ذلك الخندق سورا ~~لكيلا يذهب شيء من تلك الظلمة المفردة عن النور، ثم خلق الشمس والقمر لاستصفاء ما ~~في ms058 العالم من النور، فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين الحر، والقمر وسائر ~~النجوم تستصفي النور الذي امتزج بشياطين البرد. وهكذا فأجزاء النور أبدا في الصعود ~~والارتفاع، وأجزاء الظلمة أبدا في النزول والتسفل، حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء، ~~فيبطل الامتزاج وتنحل التراكيب، ويصل كل إلى كله وعالمه، وذلك هو القيامة ~~والمعاد. # ومما يعين في التخلص والتمييز ورفع أجزاء النور، التسبيح والتقديس والكلام الطيب ~~وأعمال البر؛ فترتفع بذلك الأجزاء النورية في أعمال عمود الصبح (درب التبانة، طريق ~~المجرة المضيء) إلى فلك القمر، فلا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى النصف، ~~فيمتلئ فيصير بدرا ثم يؤدي إلى الشمس، إلى آخر الشهر، فتدفع الشمس إلى نور فوقها ~~في عالم التسبيح، فيسير في ذلك العالم إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال يفعل ذلك ~~حتى لا يبقى من أجزاء النور شيء في هذا العالم. فإذا انقضى التدبير ورأت روح الظلمة ~~خلاص النور وارتفاع الملائكة والجنود والحفظة، رامت القتال، فيزجرها الجنود من ~~حولها، فترجع إلى قبر قد أعد لها، ثم يسد على ذلك بصخرة تكون مقدار الدنيا، فتتم ~~حينئذ الراحة من الظلمة وأذاها.» # 19 # قد لا تقابل هذه الأسطورة كل المعايير التي أوردتها سابقا، ولكنها بالتأكيد ~~مثال ناصع على ارتباط الأسطورة بالمعتقد ارتباطا يصعب معه الفصل بينهما في بعض ~~الأحيان. ~~••• # المعتقد والطقس والأسطورة، هذه هي المقومات المكونة للدين، والتي لا نستطيع ~~التعرف على الظاهرة الدينية في تبديها المجتمعي، بدون التعرف عليها مجتمعة ~~ومتعاونة. إن الحالة المثالية هي الحالة التي لا يطغى فيها أحد هذه العناصر على ~~العناصر الأخرى، ولكن واقع الأمور لا يضعنا إلا فيما ندر أمام مثل هذه الحالة ~~المتوازنة، ومعظم الأديان يبدي تفوقا لأحد هذه العناصر على الأخرى؛ ففي تعاليم ~~بوذا الأصلية، والتي استمرت فيما عرف إلى اليوم ببوذية ال «هينايانا» (ومقابلها ~~بوذية المهايانا)، لا نواجه إلا معتقدا خلوا تماما من الميتافيزيك، ومصاغا ~~بطريقة مباشرة. وقد رفض البوذا في كل مناسبة التحدث عن الماورائيات منبها إلى أن ~~هم الإنسان ينبغي أن يتركز على ms059 تحرير نفسه من عالم المظاهر والانطفاء في ~~«النيرفانا» حالة السكون الأبدي، كما رفض حتى الدخول في شروح وتفصيلات حول حالة ~~النيرفانا هذه، مفضلا الإشارة إلى طرق وسبل تحقيقها. ونظرا لغياب القوى ~~الماورائية في المعتقدات البوذية من أي نوع، فقد حلت المجاهدات الروحية محل ~~الطقوس، وانعدمت الأساطير بشكل كامل، فيما عدا سيرة البوذا نفسه، التي صارت إلى ~~حال يشبه الأسطورة. أما أديان الشرق القديم فتقدم لنا مثالا مغايرا تماما؛ ~~فهنا تسود الأسطورة الدينية وترتقي مراتب لم تبلغها في أية ثقافة أخرى، خصوصا في ~~سومر وبابل، كما يرتفع شأن الطقوس ليغلب على الأسطورة في مصر الفرعونية. وفي ~~الديانات المدعوة بالديانات السحرية يرتفع شأن الطقوس القائمة على معتقدات غامضة ~~وتنعدم الأساطير، ومثال هذه عبادة «الفوندو» في أفريقيا وهاييتي. # إلى جانب هذه المكونات، التي أصفها بالأساسية، هناك مكونات ثانوية لا تلعب دورا ~~أساسيا في تكوين الدين، وإنما تظهر كعوامل مساعدة، وضمن سياقات تاريخية واجتماعية ~~معينة، وهي: الأخلاق والتشريع. # الفصل الثاني # | المكونات الثانوية للدين # الأخلاق والشرائع # عندما نتحدث عن المكونات الثانوية للدين في مقابل مكوناته الأساسية، فإننا لا نقصد ~~بصفة الثانوية هذه التقليل من شأنها على أي صعيد، بل إلى وصف دورها في عملية تكوين ~~الدين ودرجة أولويتها في التعرف على الظاهرة الدينية. ففي السياقات التاريخية لأديان ~~الإنسان وضمن ظروف اجتماعية وسياسية معينة، تأتي إلى الدين عناصر لم تكن منه ابتداء، ~~ولم يكن لها شأن في تأصيل بداياته الأولى، وهذه هي: الأخلاق والشرائع. # رغم التشابك المتين بين الدين والأخلاق، والعلاقة الموغلة في القدم بينهما، فإنهما ~~من حيث المبدأ مفهومان مختلفان تمام الاختلاف، ومتمايزان كل التمايز، رغم ما يبدو من ~~صلتهما الوطيدة؛ فالدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظم سلوك الإنسان تجاه عالم ~~المقدسات وتزوده برؤيا شمولية للكون وموضع الإنسان في هذا العالم. أما الأخلاق فإنها ~~قواعد وممارسات تنظم سلوك الأفراد بعضهم تجاه بعض وتجاه الجماعة التي يشكلون أعضاءها، ~~وهي تنشأ بشكل خاص لحل المشكلات الناجمة عن التنافس بين الأفراد والمجموعات، فتعمل على ~~تسوية المنازعات التي تخلقها ms060 الحياة المشتركة. فالأخلاق والحالة هذه هي بديل عملي ~~وناجح لأسلوب القوة والإكراه في العلاقات الاجتماعية، وتختلف عنها في أنها ترجع إلى ~~مبادئ للسلوك متفق عليها ومقبولة من قبل الجميع. إلا أن العلاقة المعقدة بين الدين ~~والأخلاق تبدأ عندما تتعلق المشروعية الخلقية بمؤيدات تنبع عن المعتقد الديني المشترك، ~~بدل أن تتعلق بالفهم السليم للعلاقات الإنسانية المتبادلة. # إن علاقة الأخلاق بالدين في المجتمعات التقليدية التي لم تتعقد بناها الاجتماعية ~~والسياسية، تقدم لنا برهانا على أن الأصل في الأخلاق استقلالها عن الدين. ففي هذه ~~المجتمعات التي تعطينا صورة عن المراحل المبكرة من تطور الحضارات الكبرى، نجد في ~~الأخلاق شأنا دنيويا تنظمه الأعراف السائدة دونما مؤيد من قوة قدسية ما. ففي أفريقيا ~~السوداء على سبيل المثال، # 1 # تقوم الأخلاق في المجتمعات الزنجية كشأن ملحق بالتنظيم الاجتماعي دونما ~~رابط يلحقها بالدين أو مؤيد يأتي من قبل الآلهة. والمفهوم الذي صنعه الأفريقيون ~~لأنفسهم عن الله مختلف تماما عن المفاهيم السائدة في أكثر الحضارات الكبرى، فهم لا ~~يرون فيه صانعا للأخلاق، ولا يعتبرونه الخير المحض في مقابل الشر؛ ولذا فإنه لا يجزي ~~ولا يعاقب ولا يمتلك مفاتيح جنة أو نار. أما قواعد السلوك الاجتماعي فتنص عليها ~~المواضعات الاجتماعية المؤيدة بسلطة الجدود الأموات، ممن تسهر أرواحهم على دوام تطبيق ~~الأوامر والنواهي المتعارف عليها منذ القدم. ويتبع ذلك أن الهدف من الطقوس الدينية ~~بالنسبة للزنجي هو تحقيق حياة أفضل في هذا العالم. وبما أن مفهوم الخطيئة باعتبارها ~~تعديا على حرمة قانون إلهي مفروض، غير معروف لدى هذه المجتمعات ، فإن المعاصي عندهم ~~يمكن غسلها تماما بواسطة طقوس مخصصة لهذه الغاية؛ ذلك أن الخير والشر كصفتين غير ~~معروفة هنا، والرجل الذي اقترف إثما ليس إنسانا شريرا بالضرورة، وهو لا يستحق أي لوم ~~ما إن يقوم بغسل ذنبه. # إلا أننا نستطيع العثور لدى المجتمعات التقليدية # 2 # على ما يشبه الأخلاق الدينية، وذلك في مؤسسة ال «تابو» التي يمكن أن تشكل ~~نقطة اتصال بين الأخلاق الاجتماعية والأخلاق الدينية، ونستطيع أن نتبين فيه الأخلاق ms061 ~~الدينية بشكلها الجنيني. يتشكل التابو في المجتمعات التقليدية من عدد من التحريمات ~~المتصلة بالعلاقة بين العالم الدنيوي وعالم المقدسات. وهذه التحريمات لا يعرف لها ~~مشرع أو مستن، وتجد مؤيداتها في قوة فوق طبيعانية ما، سواء كانت هذه القوة من مصدر إلهي ~~بالمفهوم الذي نعرفه أم من مصدر سحري حيث القوى الغفلة غير المشخصة. ويأتي تأييد القوة ~~للائحة التحريمات بتدخلها الفوري وبرد فعل أوتوماتيكي، فيطال الجزاء من اعتدى على ~~حدود التابو، كأن يصيب الشلل العضو الذي استخدمه في الفعل المحرم، أو يداهمه مرض ما، أو ~~يعالجه الموت السريع، وقد تتدخل الجماعة في بعض الأحيان لتسبق العقوبة التلقائية بعقوبة ~~إجرائية، وذلك كأن تفرض على المذنب العزل أو الإبعاد أو الإعدام أحيانا، وذلك تبعا ~~لنوع التابو وخطورة انتهاكه، ولسوف أقدم فيما يلي بعض الأمثلة. # يقوم عدد لا بأس به من لوائح التابو في الوسط الديني البدائي على فكرة الفصل بين ~~العوالم القدسية والعوالم الدنيوية فصلا لا يتاح معه لأي نوع من الاحتكاك أو الاتصال ~~بينهما. فلدى القبائل الأسترالية يكتسب الرجال البالغون ممن مروا عبر طقوس التعدية (= # Initiation ~~) جزءا من القداسة التي تتمتع بها القوة ~~فوق الطبيعانية التي تتخلل الطبيعة؛ ولذلك يسمح لهم بالمشاركة في الطقوس الدينية ~~واستخدام كل الأدوات المعدة لهذا الغرض. ولكن يحرم على الذكور غير البالغين ممن لم ~~يستلموا دينهم بعد لمس الأدوات الطقسية تحت أي ظرف من الظروف. أما النساء، وهن الشريحة ~~المستبعدة من الحياة الدينية للجماعة، فيحرم عليهن حتى رؤية هذه الأدوات ولو عن بعد، ~~كما يحرم عليهن سماع تراتيل طقسية معينة تحت طائلة الموت. وانطلاقا من مبدأ الفصل ~~نفسه، تتطلب ممارسة الطقوس الدينية من المشاركين التجرد الكامل من ملابسهم وزينتهم ~~المعتادة باعتبارها جزءا من العالم الدنيوي يتوجب تركه عند أعتاب مكان الاحتفال. أما ~~إذا تطلبت بعض الطقوس ارتداء زينة معينة، فإن هذه الزينة تصنع خصوصا للاحتفال، ويمنع ~~أي استخدام دنيوي لها بعد ذلك، وقد تدفن في الأرض أو تحرق ويقوم صاحبها بغسل نفسه ~~تماما قبل العودة إلى الحياة ms062 اليومية كي لا يحمل معه أثرا من زينته الطقسية. وتقوم ~~عادة ترك الأعمال اليومية المعتادة والراحة منها في أيام الأعياد الدينية على مبدأ ~~الفصل بين المقدس والدنيوي؛ ذلك أن فترة الأعياد هي وقت مقدس مخصص للطقوس يتوجب خلاله ~~الإقلاع عن أي نشاط دنيوي. # 3 # وفي فترات معينة تقع زمر من الأفراد تحت حيطة القوة فوق الطبيعانية، وهنا ينبغي أن ~~يتم التعامل مع هؤلاء بكثير من الحذر ووفق قواعد معينة؛ لأنهم يكونون حينها موضوعا ~~للتابو. فلدى قبائل أستراليا يمنع على النساء في فترة الحيض وتحت طائلة الموت لمس ما ~~يستعمله الرجال أو المشي في درب يطرقونه. وقد سجل أحد الأنتروبولوجيين واقعة مفادها ~~أن أحد الرجال عمد إلى قتل زوجته فور اكتشافه أنها قد تمددت على حصيرته وهي حائض، ثم ~~ما لبث أن مات ذعرا بعد أسبوعين وهو يترقب عقاب القوى الخفية، وبالطبع فقد اعتقد ~~أقرانه بأنه قد لاقى جزاء احتكاكه بموضوع تحريم. وتخضع النساء أيضا إلى تحريمات مشابهة ~~خلال فترة الولادة والنفاس، فتعزل المرأة تماما حتى انتهاء فترة نفاسها، وكل ما ~~تستعمله أثناءها يمنع لمسه أو استعماله حتى من قبلها بعد زوال التابو عنها. ولدى معظم ~~قبائل أمريكا تعزل الفتاة حين يأتيها الحيض الأول في كوخ، ويمنع على أحد من الذكور ~~رؤيتها خلال فترة كافية لتطهيرها، ثم تلتزم بعد ذلك تغطية وجهها لمدة محددة بعد خروجها ~~من معتكفها. ومثل النساء في هذا النوع من التابو الواقع على الأشخاص، زمرة المحاربين؛ ~~فهؤلاء يخضعون بعد انتهاء القتال إلى فترة عزل كافية لتخليصهم من آثار أرواح ضحاياهم، ~~ومثلهم الصيادون الذين يخضعون إلى طقوس تطهيرية عقب رجوعهم من الصيد. # 4 # إن الطقوس التطهيرية التي خضع لها أفراد هذه الزمر وأمثالهم، نابعة من ~~توهم خطر ما يصدر عن هؤلاء وخطر آخر عليهم في الوقت نفسه؛ لأنهم خلال فترة التابو ~~يكونون مشحونين بقوة خطرة ينبغي عدم السماح لها بالانتقال إلى الآخرين. # يكفي هذا القدر اليسير من الأمثلة (وتعدادها جميعا يتطلب مجلدا بأكمله) لإظهار ~~الأساس المشترك بين تحريمات ms063 التابو ولوائح الأخلاق الدينية؛ فكلاهما يجد تأييده في قوة ~~خارجة عن الإنسان، وكلاهما مما ينصاع له الأفراد دون مناقشة أو محاكمة عقلية. ولكن، ~~بينما تقتصر تحريمات التابو على قواعد تتعلق بعدم تعدي حدود قوى إلهية أو سحرية غفلة، ~~فإن لوائح الأخلاق الدينية تتجاوز ذلك لتشمل العلاقات المتبادلة ضمن الجماعة. من هنا، ~~أستطيع الافتراض، ببعض الثقة، بأنه عند مرحلة معينة من تطور المجتمعات القديمة، اتسعت ~~دائرة التابو لتستوعب تدريجيا بعض القواعد الأخلاقية التي كانت حتى ذلك الوقت شأنا ~~دنيويا تنظمه الأعراف القبلية، في الوقت الذي أخذت فيه التحريمات القديمة تفقد سطوتها ~~مع تغير المفاهيم الدينية. ولعل مما يؤيد هذا الافتراض، أن الوصايا الأخلاقية في بعض ~~الأديان المتطورة تختلط في النص الواحد بتحريمات تقوم على مبدأ التابو القديم، وهذا ما ~~نراه بكل وضوح في كتاب التوراة. فمع الوصايا الأخلاقية العشر في سفر الخروج، يستلم ~~موسى عددا من التحريمات التي لا يمكن تفسيرها إلا على ضوء مفهوم التابو البدائي، وهي ~~تهبط من السماء باللهجة الإلزامية للوصايا العشر نفسها، وفي الجو القدسي المرعب نفسه. ~~نقرأ في سفر الخروج 2: 18-26: «وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق، وصوت البوق والجبل ~~يدخن ... وأما موسى فاقترب إلى الضباب حيث كان الرب، فقال الرب لموسى، هكذا تقول لبني ~~إسرائيل ... مذبحا من تراب تصنع لي ... وإن صنعت لي مذبحا من حجارة فلا تبنه منها ~~منحوتة، إذا رفعت عليها إزميلك تدنسها، ولا تصعد بدرج إلى مذبحي كي لا تنكشف عورتك.» ~~أما لماذا يتوجب صنع المذبح من تراب أو من حجر غير منحوت، ولماذا يتوجب عدم استعمال ~~الإزميل الحديدي في تسوية الحجارة، فأمر لا يوضحه التحريم؛ لأنه قائم على تابو، ومثل ~~هذا التابو معروف لدى بعض المجتمعات البدائية الحديثة وبعض الحضارات القديمة مما سأسرده ~~فيما يأتي: # في روما القديمة كان محرما على الكهنة الحلاقة بموس من حديد، وفي غابة أرفال المقدسة ~~قرب روما كان محرما إدخال الحديد أو أية أداة مصنوعة منه، فإذا تطلب الأمر استعمال ~~أداة حديدية لغرض كتابة نقش ما ms064 على الحجر، كان لا بد من تقديم ذبيحة تطهيرية قوامها ~~حمل وخنزير. وهنالك جسر قديم مقدس في المدينة قد تم بناؤه دون استخدام أداة حديدية. ~~ولما احتاج معبد جوبيتر في فورفو للإصلاح، استصدرت السلطات المدنية قانونا يجيز ~~استخدام الأدوات الحديدية في ذلك. وإلى وقت قريب كان أهالي جزيرة جاوا يحجمون عن ~~استخدام المحاريث الحديدية في فلاحة أرضهم، ولدى بعض قبائل الهنود الحمر في أمريكا ~~تستعمل السكاكين الحجرية في الطقوس الدينية من دون الأدوات الحديدية. وفي كوريا كان ~~محرما على الحديد أن يمس لأي سبب من الأسباب جسم الملك، ويروى أن ملكا كوريا ~~مات عام 1800م من ورم في ظهره كان من الممكن علاجه بمفصد حديدي. وفي جنوب غرب أفريقيا ~~تجري عملية الختان بواسطة سكين صواني، فإذا تطلب الأمر إجراءها بسكين حديدية جرى التخلص ~~من السكين بدفنها تحت الأرض. # 5 # ولعل من جملة الأسباب التي ساعدت على اتصال الأخلاق بالدين، وتحول لائحة التابو إلى ~~قواعد أخلاقية، هو اجتماع السلطتين السياسية والدينية في يد واحدة هي يد الملك-الكاهن، ~~وذلك عند أعتاب التاريخ، عندما كانت المجتمعات البشرية تتحول لأول مرة في مناطق الهلال ~~الخصيب من نظام القرية الزراعية إلى نظام المدينة. ولدينا براهين مؤكدة من المدن ~~السومرية الأولى، وهي أسبق المدن في الحضارة الإنسانية، على سلطة المؤسسة الدينية، وعلى ~~الصفة المزدوجة للملك السومري كحاكم زمني وككاهن أعلى. لقد شعر هؤلاء الحكام-الكهنة ~~الأوائل، وهم يقودون مجتمعا ودع إلى الأبد بساطة القرية وعلاقاتها الاجتماعية ~~القبلية، وصار إلى حالة من التعقيد وتشابك العلاقات لم تماثلها حالة من قبل، شعروا ~~بضرورة ربط المؤيدات الاجتماعية للسلوك الأخلاقية بمؤيدات تأتي من العالم الإلهي الذي ~~يكافئ ويعاقب، ويحافظ من خلال القوانين الأخلاقية على نظام المجتمعات الإنسانية حفاظه ~~على نظام الكون من خلال القوانين الطبيعية. ولما كان أولئك الحكام يسيطرون على أحوال ~~الناس الدنيوية سيطرتهم على أحوالهم الدينية، فقد سهل عليهم هذا الوضع المتميز إحكام ~~الربط بين النظام الأخلاقي والنظام الديني للجماعة. وقد زادت أواصر هذه العلاقة بمرور ~~الزمن، حتى بدت ms065 الأخلاق والأديان وكأنها من طبيعة واحدة وأصل مشترك. # وبما أن الأخلاق لا تستكمل ارتباطها العضوي بالدين إلا عبر سياق تطوري بطيء، فإننا ~~نستطيع متابعة هذا الالتحام التدريجي في بعض الأديان التي خضعت لعملية تطورية عبر فترة ~~طويلة من الزمن، ولدينا عنها وثائق كتابية كافية، مثل الديانة اليهودية. فرغم أن ~~الوصايا الأخلاقية العشر قد تصدرت سفر الخروج، وهو ثاني أسفار التوراة، فإن وصايا ~~«التابو» البدائي والأحكام الطقسية، قد طغت على الوصايا الأخلاقية في معظم أسفار ~~الكتاب. فقد خصص النصف الثاني من سفر الخروج، وكل سفر اللاويين الذي يليه، لبسط ~~وتفصيل أحكام التابو التوراتي التي تتفق وكثيرا من أحكام التابو التي أطلعنا عليها علم ~~الأنتروبولوجيا منذ أواخر القرن التاسع عشر. فمعظم ما تلقاه موسى من أحكام في سفر ~~الخروج وسفر اللاويين هو أحكام تتعلق بكيفية أداء الطقوس أمام الرب، وطرائق تقديم ~~الذبائح والقرابين، وكيفية إقامة خيمة الاجتماع، وبناء المذبح، وقواعد التحريم الخاصة ~~بالتعامل مع تابوت العهد. أما سفر اللاويين، فيعتبر بحق سفرا للتابو العبراني؛ ~~فهناك تابو اللمس (3-15)، وتابو الطعام (11: 1-46)، وتابو المرأة في فترة الولادة ~~والنفاس (12: 1-8)، وتابو البرص والقرع (13: 1-59)، وتابو السيلان (15: 1-33)، وتابو ~~الدم (17: 1-16)، وتابو المرأة الحائض (15: 9-33)، وتابو الجنس (20: 9-21) ... إلخ، في ~~الوقت الذي لم تنل فيه الوصايا الأخلاقية من الأحكام إلا أقلها. والخطيئة الأخلاقية ~~يمكن غسلها، أما تعدي حدود التابو فجريمة تستجلب القصاص الفوري؛ فمن «أخطأ وخان خيانة ~~بالرب وجحد صاحبه أمانة أو مسلوبا، أو اغتصب من صاحبه، أو وجد لقطة وجحدها وحلف كاذبا ~~... يأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشا صحيحا من الغنم، ذبيحة إثم للكاهن، فيكفر عنه ~~الكاهن أمام الرب فيصفح عنه» (اللاويين 1: 6-6). وحتى ذنوب القوم يمكن غسلها جميعا وفق ~~الطقس المعروف بطقس تيس الخطيئة: «ويضع هارون يديه على رأس التيس الحي، ويقر عليه بكل ~~ذنوب بني إسرائيل، وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم، ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من ~~يلاقيه إلى البرية، ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة» (اللاويين 21: ~~16-22). وفي ms066 المقابل، فإن ابني هارون، وهو الكاهن الأكبر، يموتان فورا لتعديهما حدا ~~من حدود التابو: «وأخذ ابنا هارون كل منهما مجمرته، وجعلا فيها نارا، ووضعا عليها ~~بخورا، وقربا أمام الرب نارا غريبة لم يأمرهما بها، فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما ~~فماتا أمام الرب» (اللاويين 10: 1-2). # وإله العبرانيين نفسه ذو طبيعة أخلاقية متناقضة وموزعة فيما بين الخير والشر، وهو ~~يبدو في كثير من تصرفاته أبعد ما يكون عن الحس الأخلاقي في معاملة مخلوقاته، فهو يبلبل ~~ألسنتهم ليمنعهم من الاتحاد في مواجهته، ويشتتهم في بقاع الأرض، على ما تذكره أسطورة ~~برج بابل في سفر التكوين (11: 1-8). وهو يفني كل نفس حية بين إنسان وحيوان وحشرة في ~~طوفان شامل، ولا يتورع عن قتل كل المواليد الأبكار في مصر لإرغام الفرعون على إطلاق بني ~~إسرائيل. وعندما يأتي لدمار مدينتي سدوم وعمورة يقف أمامه إبراهيم ليذكره بالقواعد ~~الأخلاقية: «حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر؛ أن تميت البار مع الأثيم ... أديان الأرض ~~لا يصنع عدلا؟» (التكوين 18: 23-25). وهو ينقض مواثيقه بعد عقدها وحلفانه على ثباتها ~~كما في المزمور 89: 35-44. ويبدو سلوك يهوه غير المفهوم من وجهة النظر الأخلاقية، كأوضح ~~ما يكون في سفر أيوب؛ فهنا نرى الإله يقع في مصيدة الشيطان الذي يوغر صدره على عبده ~~أيوب، لا لشيء إلا لكون هذا الإنسان مثالا على التقوى والخلق القويم، فنتابع في هذا ~~السفر المخيف كيف يسلب أيوب قطعانه ويقتل عبيده ويودي الإعصار بأبنائه وبناته، وكيف ~~ينزل به إلهه الآفات والأمراض من كل نوع. ولكي تحكم حلقات الحصار حوله، يقوم أصدقاؤه ~~القدامى وزوجته بإطلاق التهم فيه، وينسبون إليه كل فرية، ولكن أيوب يرفض مع ذلك أن ~~يرفع شكاته لغير إلهه رغم يأسه من الاستماع إليه، ويقف ثابتا في الدفاع عن حقه أمامه؛ ~~وبذلك يتفوق أخلاقيا على ذلك الإله. # 6 # هذا التوزع بين الخير والشر يدفع إله العهد القديم لأن يتعامل بمعيارين ~~متناقضين؛ فبينما يسمح لنفسه أن يأخذ الأبناء بذنوب آبائهم: «أفتقد ذنوب الآباء في ~~الأبناء في الجيل ms067 الثالث والرابع من مبغضي» (الخروج 2: 5)، فإنه يشرع في سفر التثنية ~~عدم أخذ الابن بجريرة أبيه: «لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن ~~الآباء، كل إنسان بخطيئته يقتل» (التثنية 24: 16). وكان على يهوه أن ينتظر في هذه ~~الحالة الأخلاقية المنقسمة حتى وقت متأخر من تاريخ الديانة اليهودية، وها هو يصحح سلوكه ~~السابق على لسان حزقيال الذي عاش إبان السبي البابلي: «ما لكم أنتم تضربون هذا المثل ~~على أرض إسرائيل قائلين: الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست؟ حي أنا، يقول السيد ~~الرب: لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل ... النفس التي تخطئ هي التي ~~تخطئ، هي التي تموت ... الابن لا يحمل من إثم الأب» (حزقيال 18: 2-4، 20). # ونستطيع الافتراض بثقة أن شأن الأخلاق لم يعل على الطقوس وعلى لوائح التابو إلا ~~خلال الأسر البابلي، ومن خلال كرازة الأنبياء المتأخرين الذين قاموا بما يشبه الانقلاب ~~الديني حقا. يقول إشعيا: «لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ يقول الرب: أتخمت من محرقات كباش ~~وشحم مسمنات ... البخور هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل ... رءوس شهوركم ~~وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت علي ثقلا، فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم، وإن كثرتم ~~الصلاة لا أسمع. اغتسلوا تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر» ~~(إشعيا 17-1: 11). وعند عاموس نقرأ: «اطلبوا الخير لا الشر لكي تحيوا ... بغضت كرهت ~~أعيادكم، ولست ألتذ باعتكافاتكم، إني إذا قدمتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرضى، ~~وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها. أبعد عني ضجة أغانيك، ونغمة ربابك لا أسمع، ~~وليجر الحق كالمياه والبر كنهر دائم» (عاموس 5: 14، 21-24). كما يعلن هوشع على لسان ~~الرب: «إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات» (هوشع 6: 6). إلا أن ~~الانتصار الحقيقي للأخلاق في ديانات المشرق العربي لم يتم إلا مع مجيء المسيحية ومن ~~بعدها الإسلام؛ فرسالة الأناجيل ليست سوى رسالة إيمان وأخلاق، وبولص الرسول، صاحب الفضل ~~الأول في تحرير المسيحية من الفكر اليهودي، قد ركز في تعاليمه على فكرة أن ms068 الله لا ~~يطلب بالذبائح بل بالإيمان والخلق القويم، وكل رسالته إلى العبرانيين تقريبا تحمل ~~هذه المعاني. أما الإسلام، فقد أعلن منذ البداية صلة لا يمكن فصلها بين الدين والأخلاق؛ ~~ولذا فغالبا ما اقترن التكليف بالوصايا، كقوله تعالى: # وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~(الإسراء: 23). كما شغلت الوصايا الأخلاقية الجزء الأكبر من أحاديث الرسول؛ ف «الدين ~~المعاملة»، و«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وغير هذه الأحاديث كثير. # ولقد أثر علو شأن الأخلاق في الحياة الدينية، ~~بشكل خاص، على مفهوم الإله عند الجماعة، وعلى ظهور شخصية إلهية مختصة بأمور الشر؛ ~~فالإله الذي يحض على فضائل الأعمال ينبغي أن يمثل بذاته الخير المحض، ويترك شرور العالم ~~لكي يتدبرها الشيطان. ففي الزرادشتية الإيرانية التي كانت، تاريخيا، أول من فصل بشكل ~~مطلق بين الخير والشر في شخصية الإله، يجري تصور الكون برمته على أنه نظام أخلاقي ~~قطباه قوتان؛ الأولى خير محض، والثانية شر محض. ومثل الزرادشتية في هذا، المانوية ~~وريثتها الفكرية. أما اليهودية، فبسبب عدم توصلها إلى فكرة الخير المحض في شخصية الإله، ~~فقد بقيت حتى اختتام تدوين أسفار التوراة في القرن الثاني قبل الميلاد (وهو زمن تدوين ~~آخر الأسفار) لا توكل لشئون الشر على المستوى الكوني شخصية ما ورائية من أي نوع؛ لأن ~~الخير والشر بقيا متلازمين في شخصية الإله. يقول يهوه على لسان إشعيا: «أنا الرب وليس ~~آخر، مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق البشر، أنا صانع كل هذه» (إشعيا، 45: ~~6-7). أما الشيطان فيبدو في الأسفار الأولى كشخصية باهتة، وكنوع من الجن يسكن البوادي ~~المقفرة تحت اسم «عزازيل»، من ذلك ما نراه في سفر اللاويين (16: 8، 10، 26). ولم يرد ~~ذكره تحت اسم الشيطان إلا مرات قليلة لا تكفي لإيضاح هويته ومجال سلطانه، ولكننا نعرف ~~منها مقاومته لإرادة الرب، كما هو الحال في سفر أيوب (1: 6-12)، وزكريا (3: 1-2). ثم ~~يأتي العهد الجديد ليرسم الشخصية الواضحة للشيطان، ويعطيه سلطانا على العالم يشبه ~~سلطان أهريمان الزرادشتي؛ فهو ملاك سقط بسبب الكبرياء (رسالة بولص إلى أهالي إفسوس ms069 6: ~~12)، وهو رئيس رتبة من الأرواح النجسة (متى 12: 24)، ويقود العصاة السماويين على الله ~~(رسالة بطرس الثانية 2: 4)، ويوقع بالبشر ويصدهم عن فعل الخير (مرقس 4: 15)، وسلطته ~~تشكل كل الجنس البشري (إفسوس 2: 1-3)، ويدعوه بولص بإله هذه الدنيا الفانية (رسالة ~~بولص إلى أهالي كورنثه 4: 4)، ويدعوه يوحنا الإنجيلي رئيس هذا العالم (يوحنا 12: 31)، ~~ويبقى سلطانه قائما إلى يوم الدينونة (رؤيا 20: 1-2 و10). ورغم أن الإسلام يسير على ~~النهج نفسه، إلا أنه لا يعطي للشيطان من السلطان الشيء الكثير، ويبقى نشاطه ضمن حدود ~~السيطرة الإلهية من جهة، وقوة الإنسان على مقاومته من جهة ثانية؛ فإبليس بعد أن يطرد ~~من السماء لعصيانه الأمر الإلهي وتكبره على السجود لآدم، يعلن تصديه لحمل مسئولية ~~الشر في العالم بالقدر الذي تسمح به المشيئة الإلهية: # قال رب ~~بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم ~~أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين ~~(الحجر: 39-42). # ومن ناحية أخرى، فقد ارتبطت الأخلاق تقليديا ~~بالتشريع. فالشرائع ليست إلا جزءا من الأخلاق العامة، وقد تم تأييده بالعقوبات التي ~~تفرضها السلطة السياسية. وأول القواعد التشريعية لم تكن سوى قواعد أخلاقية بدت ذات قيمة ~~استثنائية لنظام الجماعة، فجرى دعمها بالقوانين التي تضمن إلزام الأفراد بها. فالسرقة ~~مثلا تبقى مسألة من مسائل الأخلاق العامة التي تجد مؤيداتها في الروادع الذاتية، إلى ~~أن تؤيد بعقوبة تفرضها الجماعة، عندها تتحول إلى قضية تشريعية رغم استمرار انتمائها إلى ~~المجال الخلقي. إن أخلاق حضارة بلاد الرافدين، على سبيل المثال، كانت على الدوام تحض ~~على الأمانة وعدم الاعتداء على ممتلكات الغير، إلى أن جاءت الشرائع فجعلت من السرقة ~~موضوعا تشريعيا. وهذه شريعة حمورابي تنص على ما يأتي: «لو سرق رجل ثورا أو حمارا ~~أو خنزيرا أو قاربا كان من أملاك إله أو من أملاك قصر، يدفع ثلاثين مثلا، وإن كان ~~من أملاك قروي يرد عشرة أمثاله. أما إذا لم يكن لدى اللص ما يدفعه فيقتل.» وأيضا: «لو ~~سرق رجل ابنا لرجل ms070 آخر يقتل.» وأيضا: «إن لم يقبض على اللص، فعلى المسروق منه أن ~~يصرح بما فقده أمام إله، وعلى المدينة أو العمدة في المنطقة التي اقترفت فيها السرقة ~~أن يعوض له خسارته.» # 7 # وعندما ارتبطت الأخلاق بالدين كان لا بد بالتالي من ظهور الشريعة الدينية، خصوصا في ~~الديانات الشمولية التي ربطت بشكل كامل بين الحياة الروحية والحياة الاجتماعية. ففي ~~كتاب التوراة نجد نوعين من الأحكام الأخلاقية؛ واحد مؤيد بالعقوبات ويدخل في جملة ~~الشرائع، وآخر غير مؤيد بالعقوبات ويبقى في مجال الأخلاق؛ فالفقرات 5 و8 و10 من ~~الوصايا العشر هي قواعد أخلاقية لا يوجد لها إلزام في الشريعة، وهي: «أكرم أباك وأمك. ~~لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشته امرأة قريبك.» أما الفقرات 6 و7 و8 فتندرج في ~~لوائح الشريعة، وهي: «لا تقتل، لا تسرق، لا تزن.» وعقوباتها مدرجة في أسفار الخروج ~~والعدد والتثنية، من ذلك مثلا عقوبات الزنى التي تتدرج من إلزام الرجل بالزواج بمن زنى ~~معها إلى رجم الزانيين حتى الموت (انظر التثنية، 22: 13-28). وفي القرآن أيضا نجد هذين ~~النوعين من الوصايا الأخلاقية، فالظن الإثم والغيبة والتجسس على الآخرين أفعال منافية ~~للأخلاق يجب اجتنابها، ولكن لا وجود لنص تشريعي يعاقب عليها: # يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب ~~بعضكم بعضا ~~(الحجرات: 12). وبالمقابل فإن اجتناب الزنى قاعدة ~~أخلاقية، ولكنها مؤيدة بعقوبة تلحقها بالشريعة. فالقاعدة الأخلاقية منصوص عليها في ~~سورة الإسراء (32): # ولا تقربوا الزنا إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا ~~. أما القاعدة التشريعية فمنصوص عليها في سورة ~~النور (2): # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة ~~. # وفي الديانات الهندوسية، نجد في مفهوم الدهارما # Dharma # ما يشبه الشرائع الدينية في الأديان الشرق أوسطية. والكلمة ~~تستعمل بمعنيين مختلفين؛ ففي المعنى الأول: هي كل المعتقدات الدينية التي يقوم عليها ~~الدين. وبالمعنى الثاني: هي جملة الشرائع التي تقوم على هذه المعتقدات من أجل تنظيم ~~علاقات الناس. وبذلك يجمع مفهوم الدهارما بين الدين والتشريع في وحدة متكاملة. # 8 ms071 # وقد انتقل هذا المفهوم من الهندوسية إلى البوذية، حيث تشكل الدهارما فيها ~~مجمل الشرائع والقواعد الأخلاقية المستمدة من مواعظ البوذا، والتي جمعها وثبتها ~~تلامذته من بعده. ويتصل بمفهوم الدهارما البوذي والهندوسي مفهوم آخر هو «الكارما»، ~~والكلمة في الأصل تعني «الفعل»، وبالمفهوم الديني يتسع معناها الأصلي لتشمل الفعل ~~وجزاءه ثوابا كان أم عقابا. غير أن الجزاء والعقاب لا يفرضه إله متسام مشخص يدير ~~الكون، كما هو الحال في الأديان الشرق أوسطية، بل يأتي نتيجة لسريان مبدأ كارمي في ~~الكون متصل بعقيدة تناسخ الروح. فالأرواح تخضع لسلسلة غير متناهية من التقمصات في ~~أجساد بشرية أو حيوانية أو حتى إلهية، وذلك تبعا لنوع الفعل الكارمي الذي يصدر عنها في ~~كل حياة من حيواتها المتعاقبة، بحيث يجد الفعل الذي تقوم به في حياة ما جزاءه في ~~الحياة التي تلي، تنعما كان هذا الجزاء أم معاناة لألم. وقد تستمر هذه الدورة ~~التناسخية إلى الأبد؛ إذ لم تفلح الروح في الوصول إلى مرتبة من النقاء تؤهلها لكسر هذه ~~السلسلة والدخول في الأبدية. وبهذا المعنى تعمل الكارما وفق آلية ضبط ذاتي ودونما ~~تدخل خارجي. # 9 # غير أن اتصال الأخلاق والشرائع بالدين ليس مسألة حتمية في تاريخ الدين، فهناك ديانات ~~حافظت حتى النهاية على استقلالها عن الأخلاق، ومنها الديانة الإغريقية والديانة ~~الصينية. فعند الإغريق، لم يكن كبير الآلهة زيوس يتطلب أكثر من الذبائح والقرابين، وهو ~~لم يضع وصايا أخلاقية ولم يستن الشرائع، وصواعقه التي كان يرسلها على الأرض لعقاب ~~البشر لم تكن معدة للفجرة بالمعنى الخلقي المعروف، بل لأولئك الذين يهددون نظام ~~الجماعة عموما ولا يعيرون الآلهة التفاتا. وإذا كان يهوه التوراتي يأمر بالخلق ~~الحسن ثم لا يخضع تصرفاته هو للمعايير الأخلاقية، فإن زيوس لم يأمر بمكارم الأخلاق من ~~جهة، ولم يجعل سلوكه قدوة خلقية من جهة أخرى. ومثله في ذلك بقية الآلهة الأوليمبيين؛ ~~فمواقف هؤلاء وتصرفاتهم كانت تصدر عن فطرية سلوكية وردود أفعال آنية، غالبا ما اتسمت ~~بالبعد عن روح المسئولية الخلقية، وبذلك تركت المجتمعات الإغريقية لتدير ms072 شئونها ~~الداخلية بنفسها وبمعزل عن تدخل الآلهة. وربما لهذا السبب نشأت فلسفة الأخلاق ~~الدنيوية أول ما نشأت لدى هؤلاء الإغريق؛ ففي الوقت الذي عكف فيه فقهاء الديانات ~~الأخلاقية على اكتناه إرادة السماء فيما ينبغي أن يكون عليه السلوك القويم، فإن الفلسفة ~~الإغريقية منذ سقراط كانت تتساءل عن ماهية الخير من وجهة نظر إنسانية بحتة، وبعيدا عن ~~توسط قوى إلهية أو مبدأ كارمي من أي نوع. # أما في الصين، فمنذ بدايات تاريخها المكتوب يقوم القانون في استقلال عن الدين. وأكثر ~~من ذلك، فإن هذا القانون المدني لم يكن مطبقا إلا على الشرائح الدنيا من المجتمع، ~~أما الشرائح العليا فكانت تسللت وفق نظام معقد من الأخلاقيات الاجتماعية، وتؤمن أنها ~~قادرة على الالتزام به دونما مؤيد خارجي. # 10 # من هنا فقد أكد المفكرون الصينيون على الطابع الدنيوي للأخلاق والشرائع، ~~ونشأ في الصين فكر أخلاقي دنيوي وضع أسسه عدد من المفكرين الكبار، على رأسهم ~~كونفوشيوس (بالصينية # KUNG FU-TZU ~~). ولد «المعلم»، كما ~~يدعوه الصينيون، عام 155ق.م. وتوفي عام 478؛ أي عندما كان لسقراط الإغريقي سبع سنوات من ~~العمر؛ فالاثنان ينتميان إلى فترة واحدة من تاريخ الحضارة الإنسانية، وكلاهما وضع أسس ~~الأخلاق الدنيوية لثقافتين متباعدتين في كل شيء، ولا يجمعهما إلا قيامهما على الفصل بين ~~الدين والأخلاق. لم يعن كونفوشيوس بالمسألة الدينية، وكان يرى في المسائل ~~الميتافيزيقية واللاهوتية مضيعة للوقت؛ لأن الإنسان يجب أن يولي جل اهتمامه لكيفية ~~سلوكه في هذا العالم. ونحن نجد في أجوبته على تساؤلات تلامذته الدينية خير مثال على ~~مواقفه تلك؛ فقد سأله واحد منهم: «كيف نستطيع أن نخدم أرواح الأسلاف؟» فأجاب: «إنك لم ~~تتعلم بعد أن تخدم الأحياء، فكيف تستطيع أن تخدم الأموات؟» وسأله آخر عن الموت وطبيعته ~~وحال الأموات، فأجاب: «إنك لم تصل إلى فهم الحياة بعد، فكيف لك أن تفهم الموت؟» # 11 # من هنا فقد حض كونفوشيوس على اتباع العبادات الصينية التقليدية، مثل عبادة الأسلاف ~~وعبادة قوة السماء، وعلى إقامة الطقوس المتوارثة، ووقف نفسه على إصلاح المجتمع من خلال ~~نظام ms073 أخلاقي بينه بشكل أساسي للحكام وأصحاب الرأي في المجتمع؛ لأنهم القدوة التي يعمل ~~الناس على تقليدها. ويمكن القول إنه كان يحلم بصنع «الإنسان الأعلى» الذي تجتمع فيه ~~الفضائل، ويكون بسبب حساسيته الخلقية معيارا لنفسه؛ فالنظام الأخلاقي مزروع في النفس ~~الإنسانية، وهو انعكاس للنظام الأخلاقي الكوني، وما على الفرد إلا أن يحاول الانسجام مع ~~هذه الأخلاقية الكونية. يقول كونفوشيوس: «إن حياة الفرد الأخلاقي تقوم على احتذاء ~~النظام الخلقي الكوني والانسجام معه، أما حياة الأوغاد فتقوم على معاكسة ذلك النظام ~~الكوني.» وأيضا: «إن الغاية الأسمى للإنسان هي العثور على مفتاح كيانه الأخلاقي الذي ~~يوحده بالنظام الكوني.» # 12 # ونظرا لثقته المطلقة بالطبيعة الخيرة للإنسان، فقد بشر بإمكانية ~~الجميع على تربية الخصال الحميدة في نفوسهم واكتسابها بالتعلم الذي يكشف عما في النفس ~~من خير؛ الأمر الذي يقود إلى قمة التوازن مع الذات، فمن هو طيب حقا لن يشعر بالتعاسة ~~أبدا. يقول «هناك خمسة واجبات شمولية يجري القيام بها وفق ثلاث خصال أخلاقية ... بعض ~~الناس يولدون ومعهم معرفة تلك الخصال الأخلاقية، وبعضهم يتعلمها بالتربية، والبعض الآخر ~~بالتعرض للتجارب القاسية.» # 13 # وبذلك يلتقي فكر كونفوشيوس الأخلاقي العملي مع فكر سقراط؛ فالإنسان بطبعه خير عند ~~سقراط، والمعرفة هي التي تقود إلى السلوك الأخلاقي؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يرتكب الشر ~~وهو عارف به، ويستتبع هذا أن الفضيلة يمكن اكتسابها بالتعلم ودونما توجيه خارجي أو ضغط ~~من سلطة عليا. أما أفلاطون فيرى في الكون نظاما أخلاقيا؛ فعلى قمة هرم «المثل» ~~الخالدة يتربع مثال «الخير»، وكل الأشياء تنزع إلى الغاية الخيرة، رغم أن طابعها ~~الحسي يجعلها عاجزة عن بلوغ الخير. ويرى أرسطو أن غاية الحياة البشرية هي سعادة النفس ~~العاقلة، وهذه لا تتأتى إلا عن طريق حياة عقلية نشطة، تزينها الفضيلة التي هي أساس ~~السعادة. وبعد أرسطو، قام الاتجاهان الرئيسيان في الفلسفة اليونانية على فكر أخلاقي ~~بالدرجة الأولى؛ فأبيقور لم يرفض فكرة وجود الآلهة، ولكنه رأى أن وجودها لا يزيد حياة ~~الإنسان خيرا أو شرا؛ لأنها لا تكترث بمشكلات ms074 البشر ولا تفرض ثوابا أو عقابا؛ ولذا ~~فعلى الإنسان أن يعمل ليصل حالة من التوازن الكامل عن طريق الحرص والاعتدال، وهذا ~~التوازن هو أرفع اللذات التي يسعى الإنسان بطبيعته الفطرية إليها، وهو الخير الأسمى. ~~أما الرواقية، فقد اهتمت بمسألة الجبر والاختيار والحرية الإنسانية، وحثت أتباعها ~~على العيش وفق قانون أخلاقي صارم من شأنه جعل الفرد في وحدة مع العالم ومع الفاعلية ~~الإلهية المتخللة في الكون. والقانون الأخلاقي عندهم ليس لوائح سلوك تمليها قوة عليا، ~~بل قواعد يمكن اكتشافها بالعكوف على الذات والانصراف عن الأهواء الدنيوية والملذات ~~الحسية. # الباب الثالث # | الأشكال الاجتماعية للدين ومستوياته الشمولية # الفصل الأول # | من العبادة إلى الدين الشمولي # لقد توصلنا في القسم الأول من دراستنا هذه إلى القول بأن الدين هو: «التعبير الجمعي ~~عن الخبرة الدينية الفردية، وقد تم ترشيدها في قوالب فكرية وطقسية وأدبية ثابتة.» ثم ~~وجدنا في القسم الثاني أن هذا التبدي الجمعي للظاهرة الدينية يتكون من معتقد وطقس ~~وأسطورة، هي عناصره الرئيسية، ومن أخلاق وشرائع، وهي عناصر ثانوية تتصل بالدين في سياقه ~~التاريخي دون أن تكون من صلبه. وقد فصلنا في شرح هذه المكونات بما يكفي حاجة بحثنا ~~وأهدافه. وأما الآن، فسوف ننتقل إلى توضيح وشرح ثلاثة أشكال رئيسية للحياة الدينية في ~~المجتمعات الإنسانية، وهي الأشكال التي تنجم عن مدى انتشار عقيدة دينية ما، وشمولها ~~لعدد قليل أو كثير من الجماعات البشرية. # إن الدين الذي يؤمن به شعب بأكمله، بكل قبائله وعشائره، وفي جميع المناطق التي يقيم ~~عليها هذا الشعب، أو ذلك الدين الذي تؤمن به شعوب متعددة التركيب العرقي ومناطق ~~الانتشار الجغرافي، هو ظاهرة جديدة في تاريخ الدين والحضارة. فالأصل في الدين معتقد ~~بسيط تتركز حوله مجموعة من الطقوس والأساطير الخاصة بجماعة معينة من الناس (عشيرة أو ~~قبيلة، أو شريحة اجتماعية). مثل هذا الشكل المحدود للحياة الدينية يدعى عادة بالعبادة ~~(= # Cult ~~). ويتطابق مفهوم الدين مع مفهوم العبادة لدى ~~جماعة صغيرة شبه منعزلة؛ فإذا اجتمع لشعب من الشعوب عدد من العبادات المتقاربة، التي ~~يختص ms075 كل منها بجماعة من جماعاته، أسمينا شكل الحياة الدينية هنا دينا، وأسمينا ~~الشكل الفرعي عبادة، وسأوضح ذلك بالأمثلة فيما يلي. # كثيرا ما نسمع بمعتقدات وطقوس الخصب، ونقرأ عنها في أي عرض لأساطير وديانات المشرق ~~العربي القديم؛ فوفقا لهذه المعتقدات هناك إله يموت في كل عام مع نهاية الصيف ويهبط ~~إلى العالم الأسفل، ثم يبعث حيا في الربيع جالبا معه الحياة للأرض والخصب للماشية. ~~وحول هذا المعتقد بنيت أساطير متعددة ونشأت طقوس متنوعة. ففي سومر على سبيل المثال، ~~نستطيع تلمس عقيدة الخصب وطقوسها منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، سواء في النصوص ~~المكتوبة أم في أعمال الفن التشكيلي، وهي تتركز حول «دوموزي» الإله الميت الحي وقرينته ~~«إنانا»، غير أن عقيدة دوموزي وإنانا ليست كل ديانة السومريين؛ فنحن نعرف عن وجود مجمع ~~موسع للآلهة يرأسه «آن» كبير الآلهة، ويبرز فيه الثالوث الأقدس «آن» و«إنليل» و«إنكي»، ~~كما نعرف عن العدد الكبير لآلهة المدن المحلية؛ فالإله «شمش» كان يعبد بشكل رئيسي ~~في مدينة «سيبار»، والإله «سن» في مدينة «أور»، والإلهة «إنانا» في مدينة «أوروك»، ~~والإله «إنليل» في مدينة «نيبور» ... إلخ. لهذا السبب فنحن لا نستطيع أن نطلق على معتقد ~~الخصب السومري وما يدور حوله من طقوس اسم ديانة الخصب السومرية، بل الأنسب أن نقول ~~عبادة الخصب السومرية، وهو الاصطلاح المتداول عادة بين الباحثين؛ إذ يطلقون اصطلاح # Fertility Cult # على هذه الشيعة الدينية وأمثالها. ~~أما الدين السومري فيتكون من مجمل العبادات المعروفة في المجتمع السومري بما فيها ~~عبادة الخصب. # ويمكن أن نضرب مثالا آخر، ديانة العرب قبل الإسلام؛ فهنا تواجهنا أيضا عبادات ~~متنوعة ومتعددة بتعدد القبائل العربية. فلدى قريش مثلا كانت تسود عبادة الإلهة ~~«العزى» بشكل رئيسي إلى جانب عبادات أخرى ثانوية، ولدى الأوس والخزرج في يثرب كانت ~~عبادة الإلهة «مناة» هي الأولى، ولدى ثقيف في الطائف كانت ترتفع «اللات» فوق الجميع. ~~نقرأ في كتاب «الأصنام» لابن الكلبي المتوفى عام 204 للهجرة: «ولم تكن قريش بمكة ومن ~~أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام ms076 إعظامهم للعزى، ثم اللات، ثم مناة. فأما ~~العزى فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش ~~للعزى، وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين. وكان لقريش أصنام في جوف ~~الكعبة وحولها، وأعظمها عندهم هبل، وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان ...» # 1 # أي إن القبيلة العربية الواحدة كانت تدين بما تدين به القبائل الأخرى، ولكن ~~مع تأكيد على هذه العبادة في مقابل تأكيد الأخرى على تلك. من هنا، فنحن عندما ندرس ~~الحياة الدينية عند العرب نستخدم مصطلح العبادة لما هو شائع ضمن القبيلة، ونترك مصطلح ~~الدين لما هو مشترك بين الجميع. وإني أطلق على هذا الشكل من الحياة الدينية، الذي يجتمع ~~فيه عدد من العبادات، اسم دين القوم، تمييزا له عن العبادة وعن الدين الشمولي الذي ~~سأتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل. # أما عن علاقة الأفراد بهذين الشكلين للحياة الدينية، فيمكن القول بأن الفرد لا يشعر ~~بانتمائه إلى دين القوم قدر شعوره بالانتماء إلى عبادة معينة تسود ضمن بيئته الاجتماعية ~~المباشرة، ولتكن مدينة أو قرية أو عشيرة، أو شريحة اجتماعية ما من شرائح المجتمع ~~الكبير. فالمزارعون في مملكة بابل، على سبيل المثال، لم يكونوا مهتمين بالإله مردوخ إله ~~الإمبراطورية وخالق الكون قدر اهتمامهم بالإله تموز الذي يرعى دورة الفصول ويكثر ~~الغلال ويجري اللبن في ضروع الأغنام. ولأسباب ليست على هذه الدرجة من الوضوح، كان عرب ~~الطائف يعلون من شأن اللات، ويقيمون شعائرهم التي تدور حول حجر مكعب الشكل يشبه حجر ~~مكة، ولا يهتمون إلا قليلا لكعبة قريش. وكان عرب ثقيف، على حد قول الجاحظ في كتابه ~~«الحيوان»، ينافسون قريشا ببيت مقدس لهم: «وكان لثقيف بيت له سدنته يضاهون بذلك قريشا.» # 2 # فالعبادة والحالة هذه هي المناخ الديني الذي تنشط ضمنه الحياة الروحية للأفراد، ~~والمؤسسة التي يشعرون بالانتماء المباشر إليها، أما دين القوم فيبقى رابطة عامة تجمع ~~أهل الثقافة الواحدة دون أن يكون له حضور مباشر ويومي في الحياة الدينية للناس. # وتتميز مؤسسة العبادة بالمرونة والتسامح؛ ms077 فإلى جانب الإله الرئيسي الذي اختار الفرد ~~تعظيمه والدخول في عبادته، فإنه يقوم في الوقت نفسه بتبجيل آلهة أخرى والمشاركة أحيانا ~~في طقوسها. وهو عندما يرحل من مكان إلى آخر فإنه يقوم بتقديم الفروض الدينية لآلهة ~~الجماعات التي يحل بينها، وحتى لآلهة الأقوام البعيدة والغريبة عن قومه، مؤمنا بأن كل ~~العبادات تملك من الحقيقة والمشروعية ما لعبادته وعبادات قومه. وكان إنسان الحضارات ~~القديمة حرا في التنقل بين العبادات المختلفة، فيترك عبادة إله ما للالتحاق بعبادة ~~إله آخر، لا يمنعه عن ذلك عرف ديني أو اجتماعي، ولربما بلغ به الأمر ترك دين قومه ~~والالتحاق بعبادة إله قوم أجنبي، كما كان يحدث للجنود الذين يقضون زمنا طويلا في ~~المناطق النائية ثم يعودون ومعهم آلهة الشعوب الأجنبية التي عاشوا بينها. وبهذه الطريقة ~~تم تأسيس العبادات المشرقية في روما والعالم الهيليني اعتبارا من القرن الثاني قبل ~~الميلاد، مثل عبادة «سيبيل» الأناضولية، و«ميترا» الفارسي، و«سيرابيس» المصري. # فالأم الأناضولية الكبرى «سيبيل» قد دخلت روما عام 204ق.م. في احتفال رسمي، عندما ذهب ~~وفد من شيوخ روما وجلب حجرها الأسود من مقر عبادتها الرئيسية في آسيا الصغرى فوضعه في ~~الكابيتول. كما قوبلت الإلهة «إيزيس»، القادمة من مصر مع الفرق الرومانية العائدة، ~~بترحاب بالغ، وأقيمت لها الهياكل في كل مكان. وكان بعض الأباطرة الرومان من ~~المتحمسين لعبادتها كالإمبراطور «كاليغولا». ورغم أن هذه العبادات الأجنبية لم تدخل ~~في صلب دين القوم الروماني، ولم يلحق آلهتها بالبانثيون الرسمي، إلا أنها عاشت بحرية ~~تامة كبقية العبادات الرومانية. كما كان من الإجراءات المعهودة قديما في الحروب، أن ~~يقوم القائد الغالب بتقديم فروض الولاء لآلهة الشعوب المغلوبة في معابدها، وأخبار حملات ~~الملوك الآشوريين مليئة بالإشارات إلى مثل هذه الطقوس، وكذلك أخبار حملات الإسكندر. ~~نقرأ على سبيل المثال في نص للملك الآشوري شلمنصر الثالث (858-824ق.م.) يصف حملته على ~~مناطق غربي الفرات في سوريا: «ثم غادرت الفرات نحو حلب التي خاف أهلها وخروا عند ~~قدمي، فتلقيت منهم الجزية فضة وذهبا، وقدمت قربانا إلى «هدد» حلب، من ms078 حلب توجهت ~~إلى مدن «أرخوليني» ملك حماة ... إلخ.» # 3 # وقد بقي دين القوم بمثابة رابطة عامة تجمع أهل الثقافة الواحدة، دون أن تكون له ~~الأولوية على العبادات المحلية، إلى أن شهد تاريخ الدين ظاهرة جديدة كل الجدة هي ظاهرة ~~الديانات الشمولية. والدين الشمولي هو في منشئه عبادة كغيرها من العبادات، ولكن هذه ~~العبادة الجديدة الناشئة لا تقنع بوضعها المحدود ضمن الصورة العامة لدين القوم، وإنما ~~تأخذ بفرض نفسها على بقية العبادات في حركة دائبة طموحة هدفها إحلال نفسها دينا ~~للقوم، والاستيلاء على الحياة الدينية للثقافة التي تنتمي إليها، وإلى تعميم تجربتها ~~الروحية على الثقافات الأخرى، متجاوزة في ذلك كل الحواجز السياسية والإقليمية ~~والجغرافية من أي نوع. وتتسم العبادة التي تسير في الطريق إلى رتبة الديانة الشمولية ~~بما يأتي: ~~(1) # تحمل هذه العبادة طابع التجربة الدينية لشخص بعينه، ويكون العنصر الفاعل ~~فيها شخصية إنسانية فذة، تحاول من خلال حركة ثورية شاملة قلب المفاهيم ~~الدينية لعصرها. ~~(2) # يعتقد مؤسس العبادة، التي تطمح إلى الشمول، بامتلاك الحقيقة المطلقة ~~والنهائية من دون بقية العبادات الداني منها والنائي. ~~(3) # ترفض هذه العبادة، سواء في حياة مؤسسها أم بعده، التعايش مع بقية ~~العبادات؛ لأن من يمتلك الحقيقة وحده لا يساوم عليها. وقد يتخذ هذا الرفض ~~شكل الحرب المعلنة، خصوصا إذا أفلحت العبادة في استمالة حاكم أو ملك أو ~~كيان سياسي يتبناها ويحارب خصومها. # وهكذا فإن العبادة التي وطدت العزم على التحول إلى ديانة شمولية، تجد نفسها مجبرة ~~على السير في أحد طريقين، فإما استيعاب بقية العبادات وفرض نفسها دينا للقوم أولا، ~~وللأقوام الأخرى ثانيا، وإما الانقراض والزوال. وهذا الانقراض إما أن يأتي سريعا، ~~وذلك بضربة قوية ومفاجئة من قبل العبادات الأخرى التي اضطرت إلى الدخول في معركة مصير ~~وبقاء لم تخترها، أو أن يأتي بعد فترة من الزمن، عندما تفقد الديانة الشمولية زخمها ~~التبشيري، ولا تفلح في اكتساب كيان سياسي مقتدر يعمل على حمايتها. لقد بقيت البوذية، ~~مثلا، طائفة من الطوائف الهندوسية، حتى أحلها الإمبراطور أشوكا (273-232ق.م.) ديانة ~~لجميع ms079 البلاد. وعندما تراجعت في الهند قيض لها كيان سياسي آخر في الصين عمل على ~~نشرها، وإكمال العمل التبشيري المبكر الذي مارسته هناك منذ وفاة البوذا. كما وجدت ~~المسيحية كيانها السياسي في بيزنطة، التي حولها الإمبراطور قسطنطين (280-338م) إلى ~~الدين الجديد. أما الإسلام، فقد تطابق منذ بداياته الأولى مع كيان سياسي هو دولة الرسول ~~في يثرب، ودولة الخلفاء من بعده. # ولسوف أتوقف فيما يأتي عند ظاهرة الديانات الشمولية؛ لأن معظم الناس في العصر ~~الراهن لا يتعرفون على الظاهرة الدينية من حولهم إلا من خلال ديانة شمولية ما. # الفصل الثاني # | نماذج من الأديان الشمولية # إن التفريق الذي صنعته منذ قليل بين دين القوم والدين الشمولي، سوف يساعد قارئ تاريخ ~~الأديان على فهم ظواهر بدت له حتى الآن غامضة وعصية على التفسير. فلماذا تبدو ~~الهندوسية، مثلا، على هذا القدر من التنوع والتعدد في الاتجاهات المذهبية، في الوقت ~~الذي تبدو فيه بوذية الهينايانا، أو بوذية المهايانا، على هذا القدر من الاتساق ~~والتماثل في المعتقد والطقس، وما يتبعهما من مظاهر الحياة الدينية؟ ولماذا نعثر في ~~تاريخ الدين على إيمان يتسم بالتسامح ويقبل التعايش مع غيره، في الوقت الذي يناصب فيه ~~إيمان آخر العداء لكل من غايره وخالفه؟ لماذا غضت السلطة في روما الإمبراطورية طرفها ~~عن كل العبادات القادمة من الشرق من دون المسيحية التي وقع على أتباعها أول اضطهاد رسمي ~~منظم في التاريخ الروماني؟ لماذا دمر البابليون، ومن بعدهم الرومان، هيكل أورشليم من ~~دون بقية هياكل العبادات الفلسطينية أو السورية؟ # إن الجواب على مثل هذه التساؤلات يكمن في التمييز بين دين القوم، الذي يتألف من ~~عبادات متعايشة رغم التنوع والاختلاف، وبين الدين الشمولي الذي عمل منذ البداية على ~~تنميط الحياة الدينية في المجتمع الذي استولى على إيمانه، ثم وطد العزم على تحويل كل ~~إيمان آخر لكي يصب في تياره. ورغم أن الأديان الشمولية لا تبدي تماثلا تاما بينها، ~~من حيث طريقة النشأة، وأسلوب الانتشار، والمسار الثابت الذي تتخذه بعد نجاحها، إلا أن ~~دراسة بعض نماذجها ms080 التاريخية تفيدنا في التعرف على هذا الشكل من الحياة الدينية، سواء ~~في تاريخ الدين أم في الصورة الحالية لأديان العالم القائمة اليوم. # ولسوف أتناول فيما يأتي ثلاث محاولات في تاريخ الفكر الديني الشمولي، اثنتان منهما ~~عاجلهما الموت السريع، وواحدة عاشت بضعة قرون ثم عفا عليها الزمن. ~~(1) أخناتون والآتونية # أول ديانة شمولية معروفة لنا وموثقة تاريخيا هي الآتونية، ديانة الفرعون ~~أمنحوتب الرابع، الذي حكم مصر فيما بين 1369 و1353ق.م. وقد عاشت هذه الديانة عمرا ~~قصيرا لم يتجاوز الفترة التي قضاها مؤسسها على عرش مصر، ثم آلت بعد ذلك إلى ~~النسيان الكامل، حتى عرفنا عنها في العصر الحديث مع ما عرفنا عن تاريخ وحضارة مصر القديمة. # 1 # ولي أمنحوتب الرابع عرش مصر وهو حدث لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. ويبدو أن ~~الفرعون الفتى قد مر بتجربة روحية خاصة قبل بلوغه سن السادسة عشرة، قادته إلى ~~إيمان جديد يتعارض ودين القوم السائد في مصر. فقد بدأ بالإعلام عن معتقده منذ السنة ~~السادسة لحكمه، وبنى أول معبد لإلهه آتون في العاصمة طيبة. وتظهر بقايا الكتابات ~~التي وجدت على أحجار هذا المعبد، الذي هدمه الخصوم حتى أساساته، بعض أسماء الآلهة ~~المصرية التقليدية، كما أنها تشير إلى الفرعون باسمه الرسمي كأمنحوتب الرابع، لا ~~بالاسم أخناتون الذي اختاره لنفسه فيما بعد، ولا باللقب الذي لازمه بعد ذلك، وهو ~~«الذي يعيش في الحقيقة». وهذا يعني أن الآتونية لم تكن في هذا الوقت المبكر من ~~تأسيسها سوى عبادة تقوم إلى جانب العبادات التقليدية الأخرى في دين القوم المصري. ~~وأغلب الظن أن هذه العبادة كانت ستعيش مدة طويلة لو أن الفرعون قد وقف عند هذا ~~الحد في الدعوة لمعتقده والتبشير به، إلا أن الداعية الفتى قد دخل، وقبل الأوان على ~~ما يبدو، في صراع حياة أو موت مع كل التقاليد المتجذرة في تاريخ الدين ~~المصري. # بعد اكتمال معبد طيبة بوقت قصير، غير الفرعون اسم المدينة من طيبة إلى ألق ~~آتون، وأتبع ذلك بإعلان إلهه آتون إلها أوحد لمصر بكاملها، ms081 كما غير اسمه إلى أخن ~~آتون؛ أي فرح آتون، ثم قام بعدد من الإجراءات الجذرية الهادفة إلى محو ذكرى ~~العبادات القديمة من النفوس، فأغلق معابد الإله الأعلى آمون رع، وسرح كهنته من ~~الخدمة، كما أغلق معابد بقية الآلهة، وحطم تماثيلها، ومحا أسماءها وصورها أنى ~~وجدت. وبلغ به الحماس حدا دفعه إلى فتح مقبرة أبيه أمنحوتب الثالث، حيث محا اسم ~~الإله آمون رع من هناك، وأزال صوره، وغير اسم أبيه في منقوشات القبر. ولكن تآمر ~~الكهنة عليه، وهذا ما نعرفه من رسالة بخط يده، قد دفعه إلى التفكير بترك مدينة ~~طيبة وبناء عاصمة جديدة له، ثم اندفع إلى تنفيذ فكرته، واكتمل بناء العاصمة في مدة ~~قصيرة، فأطلق عليها اسم أخت آتون؛ أي أفق آتون (اكتشفت المدينة في موقع تل ~~العمارنة). وقد ترافق بناء هذه العاصمة مع حملة تبشيرية داخل مصر وخارجها؛ لأننا ~~نعرف من وثائق تل العمارنة أن مدينتين أخريين مكرستين للإله آتون، قد تم بناؤهما ~~في الوقت نفسه تقريبا؛ واحدة في سوريا لا نعرف مكانها على وجه التحديد، والأخرى في ~~النوبة قرب شلال النيل الثالث. # رغم قلة المصادر المباشرة التي سلمت من حملت التدمير الشاملة، التي شنها خصوم ~~الفرعون على كل ما له صلة بدين أخناتون من أبنية وصور ومنحوتات وكتابات، فإن هذه ~~المصادر كافية لتكوين صورة واضحة عن حياة الفرعون الثائر ومعتقداته. فمن الوثائق ~~الكتابية لدينا عدد لا بأس به من نصوص، إضافة إلى ترتيلتين تعتبران من عيون الأدب ~~الديني للشرق القديم، خطهما قلم الفرعون نفسه (وقد قدمنا ترجمة كاملة لإحداهما ~~سابقا). أما الشواهد الفنية من تلك الفترة فمتوفرة نسبيا؛ فآثار العاصمة أخت ~~آتون تعطي فكرة واضحة عن النمط المعماري للمعابد والقصور والبيوت العادية، وعن ~~تنظيم المدينة بشكل عام، إضافة إلى عدد لا بأس به من المنحوتات والرسوم، وهي تشكل ~~مدرسة متميزة في تاريخ الفن. # يقوم معتقد أخناتون على الإيمان بإله واحد للبشرية جمعاء، وهو طاقة صافية لا ~~تتخذ شكلا ما، ولكنها تتبدى في عالم الظواهر بقرص الشمس الذي ms082 يعطي الحياة والحركة ~~للجميع. من هنا، فإن الشعوب والأمم جميعا تتساوى أمام آتون. يقول أخناتون في إحدى ~~ترتيلتيه: «في جميع الأصقاع، في سوريا والحبشة وأرض مصر، أعطيت لكل مكانه.» وهذه ~~أول مرة تذكر فيها البلدان الأجنبية قبل مصر في النصوص الفرعونية؛ الأمر الذي ~~يشير إلى غياب الأفكار التعصبية للأمة من معتقد أخناتون، والدعوة صراحة إلى أخوة ~~البشر، وذلك لأول مرة في التاريخ. ولقد وضع الفرعون الشاب أفكاره الإنسانية هذه ~~موضع التطبيق العملي، عندما رفض التدخل لصالح الحكام الموالين لمصر في بلاد الشام ~~في صراعهم مع الدويلات الأخرى المناهضة للنفوذ المصري، مفضلا خسران ~~الإمبراطورية التي بناها أسلافه على الدخول في حرب ظالمة. والعلاقة بين آتون ~~ومخلوقاته تقوم على الحب المتبادل، وكل المخلوقات الحية تكن الحب للأب الواحد ~~الذي أظهرها إلى الوجود ويسر لها رزقها: «كل قلب يخفق لمرآك؛ لأنك ترتفع سيدا ~~للجميع، كل أيدي البشر ترتفع لتسبح ظهورك.» وأيضا: «عندما تشرق عليهم يحيون ... ~~وترتفع أبصارهم إليك.» وهذا يسري على كل الشعوب وفي كل مكان من أقطار المسكونة: ~~«أنت آتون النهار، مبجل في كل قطر بعيد.» ويشترك في محبة آتون كل أشكال الحياة ~~على الأرض، وكل يسبح بحمده على طريقته الخاصة: «كل مخلوق صنعته يثت إليك.» ~~وأيضا: «كل الحيوانات تثب على قوائمها، وكل ذوات الريش تنهض من أعشاشها وتصفق ~~أجنحتها بفرح، وتدور تسبح بحمد آتون.» ويشترك في هذا الحب والتسبيح عالم النبات ~~أيضا: «البراعم تتفتح أزهارا، والنباتات الطالعة في الأراضي القاحلة تطلع ~~وريقاتها لمرآك.» وبذلك توحد الآتونية بين جميع أشكال الحياة على الأرض، وتوحد ~~بينها وبين خالقها بالحب. # إن مثل هذا المعتقد الذي يقوم على وحدة ~~الخالق وأبوته للكون، وعلى المحبة التي تجمع بينه وبين المخلوقات، وما يستتبع ذلك ~~من إحساس بأخوة البشر وصلتهم الحميمة ببقية أشكال الحياة على الأرض، لا يمكن له أن ~~يبقى في إطار العبادة الإقليمية الضيقة، بل لا بد من التبشير به في كل مكان، لكي ~~يبقى صاحبه في انسجام مع طروحاته العالمية. ولقد بدأ الفرعون بالفعل حملة ms083 تبشيرية ~~واسعة النطاق كما أشرنا منذ قليل، إلا أن نشاطه التبشيري لم يكتب له النجاح رغم ~~السعي المحموم الذي اتخذ شكل الهوس في بداية عهده. فخارج الأراضي المصرية، لا نعلم ~~شيئا عن انتشار الأفكار الآتونية ضمن الأراضي الواقعة تحت النفوذ المصري، أما في ~~الأراضي المصرية، فيبدو أن الأمر لم يكن بأحسن حالا، ولدينا عدد من الشواهد الدالة ~~على تعثر التبشير بالدين الآتوني، وعدم فاعليته على جميع المستويات. ففي البيوت ~~المريحة التي ابتناها أخناتون لعمال بناء العاصمة الجديدة، كشفت التنقيبات عن وجود ~~صور الآلهة التقليدية مرسومة على الجدران؛ الأمر الذي يدل على أن بناة المدينة ~~المقدسة، ومعظم أهلها فيما بعد، لم يهتدوا إلى دين الفرعون. ولم يكن إيمان النخبة ~~التي قربها أخناتون إليه ورفعها إلى أعلى المناصب بأفضل من إيمان العامة؛ ففي ~~نصوص القبور الخاصة بهؤلاء، هناك ثناء عميم على ولي نعمتهم لما أسبغه عليهم في كل ~~مجال، ولكن دون ذكر خاص للآتونية، أو عبارات تشير إلى إيمانهم الديني، كما هو ~~معتاد في نصوص القبور المصرية. ونستطيع أن نلمح الآثار النفسية العميقة لهذا ~~الإخفاق في الصور التي تمثله، وقد أقبل على سن الثلاثين وهو في هيئة مكدودة متعبة، ~~عليه سيماء من أحبط كل مسعى له في الحياة، بعد أن رأيناه في صوره الأولى، التي ~~تمثله مع عائلته إبان السنوات الأولى لانتقاله إلى العاصمة الجديدة، وكله تفاؤل ~~وأمل بالحياة وبالمستقبل. # لم يغفر العسكريون والأمراء للفرعون قط ضياع أراضي الإمبراطورية في الخارج، ~~ويبدو أن هؤلاء قد تحالفوا مع الكهنة، وأخذوا يدبرون خطة لإقصاء أخناتون والقضاء ~~على دينه، الذي كان سببا لضياع هيبة مصر وتآلب أعدائها عليها في مناطق النفوذ ~~القديمة. وقد أفلح المتحالفون أخيرا في إحكام الطوق على أخناتون، الذي أخذ يشعر ~~بالعزلة بعد تفرق الأتباع والمؤيدين تدريجيا؛ فعامة الناس لم تكن مهيأة لمثل ~~هذا الانقلاب المفاجئ على دين تضرب جذوره عميقا في التاريخ المصري، أما خاصة ~~القوم من المقربين إلى البلاط، فلم يتحولوا إلى الدين الجديد إلا طلبا للمكاسب أو ~~حفاظا عليها، ms084 ولم يكونوا على استعداد حقيقي للتضحية من أجل الفرعون. وقد انتهى ~~النزاع سلميا بموافقة أخناتون على التنازل عن صلاحياته السياسية لزوج ابنته ~~الكبرى، ثم اعتكف في بيته الصيفي حيث وافته المنية سريعا، ولم يتجاوز التاسعة ~~والعشرين من عمره. وبعد وفاته مباشرة، شن الخصوم حملة واسعة على كل آثار ~~الآتونية، فدمرت العاصمة في تل العمارنة حتى أساساتها، وتم محو اسم أخناتون عن كل ~~جدار وعمود في طول البلاد وعرضها، كما محي اسمه عن تابوته وعن الصفيحة الذهبية ~~التي تحيط بجسده المحنط، لكي تظل روحه هائمة محرومة من الراحة الأبدية. ولكن ~~جثمانه، فيما عدا ذلك، قد عومل بطريقة لائقة، فنقل من مقبرته في العاصمة المهدمة، ~~وأعيد دفنه في مقابر الملوك بمدينة طيبة، حيث تم العثور عليه سليما ومحنطا وفق ~~الأصول دون أن يتعرض لانتقام أو أذى. وهذا يدل على أن الكهنة ومن عاضدهم قد أظهروا ~~عدالة في الانتقام، فلم يلجئوا إلى العنف أو التصفيات الجسدية لأتباع الفرعون الذي ~~لم يعرف العنف قط في حياته. # يعلمنا إخفاق الآتونية درسين هامين بخصوص الديانة الشمولية؛ أولهما أن ~~الإيمان لا يفرض من أعلى وبقرار سياسي، بل ينبع من الأسفل عبر القاعدة الشعبية ~~الواسعة، وثانيهما أن الإيمان الشمولي الذي لا يفلح بعد فترة وجيزة من اكتساب هذه ~~القاعدة الشعبية، سوف يتعرض للهجوم المعاكس السريع والحاسم من قبل الخصوم الذين تم ~~خلقهم وتغذية روح العداء لديهم. # بعد ألف وخمسمائة سنة تقريبا من وفاة أخناتون، يسجل لنا التاريخ محاولة أخرى ~~لرفع إله شمسي إلها أوحد للكون، وظهور عبادة محلية حاولت شق طريقها لتكون دينا ~~شموليا للعالم المتحضر، وبالاستناد إلى أقوى سلطان زمني في عصرها، وهو سلطان روما ~~القيصرية. ~~(2) إيلاجابال: الشمس التي لا تقهر # في نهاية القرن الثاني الميلادي، صعد عرش القياصرة في روما ضابط من شمال ~~أفريقيا الفينيقية اسمه سبتيموس سيفيروس، ومعه زوجته السورية جوليا دومنة، ~~التي اقترن بها عندما كان قائدا لفرقة عسكرية ~~ترابط قرب مدينة حمص في سوريا الوسطى، وقد عرفت الأسرة الحاكمة التي أسسها ~~سيفيروس بالأسرة ms085 السورية. قد أنجبت هذه الأسرة بعد مؤسسها ثلاثة من الأباطرة، بينهم ~~باسيان الفتى صاحب المحاولة الجريئة الثانية لنشر ديانة شمسية شمولية، والذي طابق ~~الرومان بينه وبين إلهه فدعوه «إيلاجابال». # 2 # كانت جوليا دومنة ابنة الكاهن الأعلى لمعبد الشمس في مدينة حمص، وهو سليل أسرة ~~عريقة من الملوك الكهنة الذين حكموا المدينة قبل الفتح الروماني، وتسلموا بالوراثة ~~كهانة ديانة شمسية تؤمن بإله أوحد يدعى «إيلاجابال»، عبده أهل حمص منذ أن بدأت ~~أخبار هذه المدينة تظهر في التاريخ مع نهايات الألف الأول قبل الميلاد. ويبدو أن ~~هذا الإله كان في الوقت نفسه محل تقديس الكثيرين من خارج المدينة؛ لأن معبده كان ~~مهوى أفئدة الحجاج من كل حدب وصوب، يؤمونه لتقديم فروض الاحترام للحجر الأسود ~~الشهير الذي كان رمز الإله الوحيد؛ إذ لم يعرف عن هذا الإله ظهوره في منحوتة أو ~~رسم من أي نوع. بعد المناداة بزوجها سيفيروس إمبراطورا، رحلت جوليا دومنة إلى روما ~~ومعها ثلة من أقربائها، وعلى رأسهم أختها الكبرى «جوليا ميساء»، التي زوجت ~~ابنتيها «سهيمة» و«ممايا» إلى ضابطين سوريين، فأنجبت الأولى «باسيان» والثانية ~~«الكسيان». وسيتتابع هذان على عرش القيصرية بعد وفاة «كركلا»، ابن جوليا دومنة من ~~سيفيروس. ويدعو المؤرخ الشهير جيبيون هؤلاء النسوة بالأميرات السوريات. # عاشت الأميرات السوريات في فترة تميزت بنشاط ديني كبير في الإمبراطورية ~~الرومانية، وبتلاقح وحوار الأفكار الدينية ذات الأصول المتباعدة والمتغايرة، وقد ~~كن نشيطات في الشئون السياسية والدينية على كل صعيد، ويدغدغ خيالهن حلم كبير ~~بالقضاء على الفروق الدينية في الإمبراطورية، وذلك بالسعي لكي يعتنق الجميع نوعا ~~من التوحيد مؤسسا على عقيدة الشمس الحمصية وإلهها الأوحد. ولعلنا واجدون في سيرة ~~الإمبراطورة دومنة أفضل مصدر عن الملامح العامة لعقيدة الشمس هذه؛ إذ لا نكاد نرصد ~~عملا من أعمال هذه السيدة أو موقفا من مواقفها لا يعكس معتقدها الديني ذا الطابع ~~الإنساني الشمولي. لقد استخدمت دومنة مرضعة ومربية لابنها كركلا من الجماعات ~~المسيحية التي كانت منبوذة من قبل المجتمع الروماني، وأتبعت ذلك باستخدام عدد ~~متزايد من هؤلاء ms086 المسيحيين رغم اعتراضات الكثيرين من حولها. ويقول مؤرخ معاصر ~~لدومنة عن سبب عداء المجتمع الروماني للمسيحيين في ذلك الوقت (ومن دون بقية ~~العبادات الشرقية، التي كان العالم الروماني يزخر بها): إن المسيحيين كانوا يجاهرون ~~بعدائهم وازدرائهم لكل العبادات السائدة، الرومانية منها والوافدة، وقد وجدت منهم ~~دومنة كل تعصب وتحجر في المعتقد؛ الأمر الذي صرفها عن المسيحية بعد أن أنفقت ~~وقتا في دراسة أفكارها وتعاليمها. # غير أن الكتاب الذي ألفه «فلافيوس فيلوسترات» بالتعاون مع جوليا دومنة ~~وبإلهامها، يقدم خير دليل لنا على معتقداتها وعلى معتقد إله الشمس الحمصي من ~~ورائها. ففي الكتاب الذي أسماه مؤلفه «حياة الحكيم أبولونيوس»، والذي ظهر بعد وفاة ~~دومنة بوقت قصير، تشيع أفكار عن عالمية الدين وشموليته، وعن احترام جميع الأديان ~~دون تمييز، كما تشيع فيه أفكار ومواقف مستمدة من الأناجيل، التي كانت معروفة ~~ومنتشرة في ذلك الوقت، رغم تجنبه الإشارة إلى المسيحية وإلى الدين المسيحي، وقد ~~ذكر المؤلف في مقدمته أن الكتاب قد أنجز بالتشاور مع دومنة، وأنه قد حاز على رضاها ~~التام في صيغته الأخيرة قبل وفاتها. # ولقد عرف عن بقية أفراد الأسرة السورية اعتناق أفكار دينية عالمية، واتخاذ مواقف ~~تقوم على معتقد يؤمن بوحدة الأديان، ولكن من دون الإشارة مباشرة إلى العبادة ~~الشمسية في حمص. أما الإعلان الصريح عن عقيدة الأسرة السورية والتبشير بها دينا ~~للإمبراطورية الرومانية، فقد جاء فور اعتلاء الفتى باسيان كاهنا أعلى لعبادة الشمس ~~في حمص. وقد انتقل إليه المنصب بالوراثة، فتسلم مهام أعلى منصب روحي، ربما في ~~بلاد الشام طرا، وهو ابن اثنتي عشرة سنة فقط. ويبدو من مسار الأحداث اللاحقة، أن ~~باسيان لم يقبل منصب الإمبراطور إلا لكي يكون في وضع أفضل للتبشير بعقيدة الشمس ~~الحمصية وإلهها «إيلاجابال»، الذي شاء مؤرخو ذلك العصر إطلاق اسمه على القيصر ~~السوري، فصار اسمه إيلاجابال في السجلات الرومانية. # في المعركة الفاصلة التي جرت قرب أنطاكيا، بين القوات التي حشدتها جوليا ميساء ~~لدعم حفيدها المطالب بالعرش وقوات المتآمرين من قتلة كركلا، مالت الكفة لصالح ms087 ~~المتآمرين، وبينما كانت ميساء وابنتها سهيمة تشجعان الجنود المتراجعين وتحثانهم على ~~الصمود، استل باسيان سيفه وانطلق بحصانه إلى الأمام ليقود بنفسه الهجوم؛ الأمر ~~الذي حسم المعركة لصالحه، ودخل أنطاكيا حيث نودي به إمبراطورا وهو في سن الرابعة ~~عشرة فقط. وقد عكس أول أمر إمبراطوري أصدره صورة عن مسيرة حكمه المقبل القائم على ~~مبادئ روحية سامية؛ فلقد منع الجنود من نهب أنطاكيا المدينة التي وقفت إلى جانب ~~المتآمرين، ونهاهم عن القتل والانتقام، وتعويضا لهم عن ذلك قام بدفع مبلغ من المال ~~ساهمت المدينة المغلوبة بتسديد قسم كبير منه. وقد أظهر بعد ذلك بوضوح أن الشجاعة ~~التي أبداها في معركة أنطاكيا، لم تكن من قبيل حب الحروب والرغبة في تخليد ~~الانتصارات والأمجاد الشخصية، وإنما وقوفا إلى جانب الحق؛ فعندما جاءه من أراد ~~إقامة نصب يكرمه وينقش عليه نعوت الإمبراطور وألقابه الحربية، على سنة السابقين ~~له، نهاه عن ذلك قائلا: لا أحتاج إلى أن أذكر بألقاب الحرب وسفك الدماء، يكفي أن ~~تكتبوا بأني رجل يتقي الله. # تريث إيلاجابال في مغادرة سوريا انتظارا لاستتباب الأمور تماما في روما، وكان ~~مجلس الشيوخ الذي صادق على قرار القطعات العسكرية بتنصيبه إمبراطورا يحثه على ~~القدوم إلى العاصمة. وقبل أن يشد الرحال لاستلام مقاليد أعلى سلطة زمنية في ~~العالم، أرسل صورة له إلى مجلس الشيوخ تمثله في الأردية الكهنوتية الحمصية، طالبا ~~وضعها على كرسي القيصر الفارغ إلى حين وصوله؛ وبذلك كشف للمسئولين ولعامة الشعب ~~هناك عن هوية الحاكم الجديد، ولفت انتباههم إلى أنهم في انتظار قدوم مبشر ديني ~~وصاحب رسالة روحية لا قيصر روماني. وعندما دخل روما بعد ذلك بوقت قصير عام 192 ~~ميلادية، أكد مجددا، ومن خلال عرض عملي، رسالته المتضمنة في صورته إلى مجلس ~~الشيوخ، فاخترق في موكب شرقي شوارع المدينة، عليه رداء أرجواني مذهب، تحته بنطال ~~شرقي طويل، وعلى رأسه إكليل نفيس. فإذا تخيلنا مثل هذه البهارج الكهنوتية يضعها ~~غلام في الرابعة عشرة من عمره، عرفنا لماذا شبهه الناس حينها بالإله ~~ديونيسيوس. # بعد استقراره في ms088 العاصمة، ترك إيلاجابال شئون الحكم والسياسة إلى جدته ميساء ~~تصرفها كما تشاء، وتفرغ لخدمة إلهه والتبشير بديانته؛ فاستقدم الحجر الأسود من ~~هيكل حمص وبنى له معبدين، واحدا في المدينة وآخر خارجها أمام الأسوار، على غرار ~~المعبدين اللذين لإيلاجابال في حمص؛ فواحد لإقامته في الشتاء، وآخر له في الصيف. ~~وكان عامة روما يرون القيصر وهو على رأس موكب ديني مهيب، مثبتا نظره على الحجر ~~المقدس الذي تنقله عربة مذهبة تجرها جياد ستة، يرافق إلهه بين هذين المعبدين في ~~الأوقات المعلومة. أما طقوس المعبد فكانت تجري بحضور أعضاء مجلس الشيوخ بناء على ~~رغبة القيصر، وكان يقود الطقوس شخصيا، راقصا حول المحاريب على ألحان تنشدها ~~جوقات مؤلفة من عذارى سوريات، وصوت الطبول والصنوج يسمع القاصي والداني. كان يريد ~~هداية الناس إلى إلهه، ويرى أن أفضل ما يبدأ به هو عرض طقوس الديانة أمامهم. غير أن ~~جهود القيصر الكاهن لم تتوقف عند عرض الطقوس الشرقية الغريبة على الطبع الروماني ~~(فالعاصمة روما وغيرها من الحواضر الرومانية كانت تمتلئ بالشيع الشرقية وتشهد ~~طقوسا أكثر غرابة)، بل كان همه يتجه بشكل أساسي إلى نشر ديانة الشمس الحمصية ~~وإحلالها دينا عالميا لزمانه. وخلال ثلاث سنوات حافلة فيما بين 220-222 ميلادية، ~~بذل القيصر السوري كل جهد تبشيري ممكن، إلا أن سعيه قد آل إلى الإخفاق على كل صعيد، ~~وتخلى عنه في النهاية كل معين حتى جدته ميساء، التي نصحته بالاعتزال والتنازل عن ~~صلاحياته تدريجيا لابن خالته الكسيان بن جوليا ممايا، وكانت الحاميات الرومانية ~~ومجلس الشيوخ وعامة الناس قد بدأت تميل بالفعل إلى الكسيان. وفي إحدى الليالي من ~~آذار عام 222، وبعد أن تخلى عن إيلاجابال آخر أتباعه، هاجمه الجنود وقتلوه مع أمه ~~في عقر داره، ثم جرت الجثتان وألقيتا في نهر التيبر، ونودي بإلكسيان آخر أفراد ~~الأسرة السورية قيصرا تحت اسم أليكسندر سيفير. # وفي الحقيقة، فإن ديانة الشمس السورية لم تكن مجهزة لأن تلعب دور ديانة شمولية، ~~تلم أطراف الإمبراطورية الرومانية حول معتقد ديني واحد، وذلك لعدد من الأسباب؛ ~~فقد ms089 كان القرن الثالث الميلادي عصرا يموج بالأفكار والديانات والفلسفات التي ~~تتنازع قلوب وعقول شعوب متعلمة تثق بالكتب وتداولها، فكان كل نظام ديني وفلسفي ~~يعبر عن نفسه بالتدوين، ويلجأ من أجل تثبيت مواقعه إلى التعبير عن تعاليمه ~~ومعتقداته في صيغة تروق لذهنية ذلك العصر ونفسيته. ففي ذلك الوقت اكتملت الأناجيل ~~المسيحية، وتم تداولها على نطاق واسع، وقامت الفرق الغنوصية المختلفة بتدوين ~~أدبياتها الغزيرة وجمع شتاتها، ولنا في المكتبة الغنوصية التي اكتشفت بموقع نجع ~~حمادي بمصر خير مثال على هذا المجهود التحريري الغنوصي. وفي الإسكندرية نشطت ~~الهرمسية التي تنتسب إلى هرمس المثلث الحكمة، فجمعت الرسائل المنسوبة إلى هرمس ~~مسبغة عليها طابع القدسية والوحي الإلهي. وإلى جانب هذه الاتجاهات الدينية، قامت ~~الفلسفة بدورها التبشيري على أكمل وجه، ممثلة بالأفلاطونية المحدثة التي كانت تمارس ~~نشاطا كبيرا في بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا، وتنشر تعاليمها بواسطة كتبها ~~الرائجة وفلاسفتها السوريين خاصة، من أمثال لونجين وفورفويوس وكالينيكوس، الذين ~~كانوا يرتحلون من مكان إلى آخر في سبيل دعوتهم الفلسفية. # 3 # يضاف إلى ذلك كله حركة إحياء التراث الروماني، التي قامت ردا على ~~الأفكار الشرقية التي كانت تضغط دونما هوادة نحو مركز الإمبراطورية في روما. # في هذه الحقبة التي تعتبر من أغنى أحقاب التاريخ الفكري والديني، بدت ديانة ~~الشمس الحمصية وكأنها مذهب يمت إلى الماضي أكثر مما يمت إلى المستقبل؛ لأنها لم ~~تستطع مخاطبة ذلك العصر باللغة التي يفهمها، فماتت في المهد كعبادة لم تفلح في ~~تحصيل مرتبة الدين الشمولي. ولكن، وقبل نهاية حكم الأسرة السورية في روما، بزغ في ~~بابل نجم عبقري شرقي، قيض لأفكاره الدينية أن تلعب دورا كبيرا في العالم ولعدة ~~قرون قادمة، فيما بين الصين والحدود الغربية للإمبراطورية. إنه «ماني» نبي ~~المانوية، الذي أعلن وهو في سن الرابعة والعشرين: «إني أنا الرسول الشكور المبعوث ~~من أرض بابل.» # ماني والمانوية # ولد ماني لأسرة إيرانية قرب مدينة «طيسفون» العاصمة الفارسية في منطقة بابل ~~ببلاد الرافدين عام 216 ميلادي، وتربى على ملة أبيه، وهي طائفة غنوصية تدعى ms090 ~~بالمغتسلة نسبة لطقوس الاغتسال بالماء التي كانت تمارسها. وقد جاءه وحي من ~~السماء (على ما رواه في كتبه) ينقل إليه تعاليم دينه وهو في سن الثانية عشرة من ~~عمره، ثم عاوده وهو في الرابعة والعشرين، وأمره هذه المرة بنشر دعوته. # 4 # وعلى رواية «ابن النديم» المؤلف العربي في كتابه المعروف ~~«الفهرست»، فإن ملاكا هبط من السماء وبلغه الرسالة: «فلما تم له اثنتا عشرة ~~سنة أتاه الوحي، على قوله، من ملك جنان النور، وهو الله تعالى عما يقوله، وكان ~~الملاك الذي جاءه بالوحي يسمى التوم، وهو بالنبطية، # 5 # ومعناه القرين، فقال له: اعتزل هذه الملة؛ فلست من أهلها، وعليك ~~بالنزاهة وترك الشهوات، ولم يئن لك أن تظهر لحداثة سنك. فلما تم له أربع وعشرون ~~سنة أتاه التوم فقال له: عليك السلام يا ماني مني ومن الرب الذي أرسلني إليك ~~واختارك لرسالته، وقد أمرك أن تدعو وتبشر ببشرى الحق، وتحتمل في ذلك كل جهدك.» # 6 # وقد طور ماني إلهاماته التي تلقاها من الوحي السماوي، في عدد من الكتب ~~التي بقيت لدينا نتف منها بنصوصها الأصلية، أو في اقتباسات المؤلفين المسلمين ~~بشكل خاص، كما تم العثور على عدد لا بأس به من الأدبيات المانوية باللغة ~~السريانية، وهي لغة ماني الأساسية، وباللغة القبطية المصرية. اعترف ماني بقيمة ~~الديانات السابقة عليه، ولكنه اعتبرها مؤقتة وغير كاملة؛ ولذلك أعطى لنفسه لقب ~~«خاتم الأنبياء»، وكان مشروعه الكبير يقوم على صياغة ديانة شمولية تحتوي على ~~الأفكار الدينية القديمة، وتتجاوزها في تركيب جديد قادر على اكتساب الجميع إلى ~~عقيدة موحدة. فلقد تأثر بشكل رئيسي بالأفكار الثنوية الإيرانية، ولكنه أخذ ~~العديد من الأفكار المهمة عن المسيحية والمثروية والهندوسية والرافدية القديمة، ~~إضافة إلى خلفيته الشخصية الغنوصية، فجاءت ديانته بحق مذهبا توفيقيا من ~~الطراز الأول، يهدف في ذلك العصر القلق إلى توحيد العالم بكامله تحت راية دينية ~~واحدة. ويصف ماني بنفسه ذلك الطابع العالمي لتعاليمه فيقول: «كما أن نهرا يرفد ~~آخر لتكوين تيار دافق، كذلك صبت الكتب القديمة في كتاباتي فشكلت حكمة ms091 كبرى ~~لا مثيل لها في الأجيال السابقة.» ورغم أن هذه المحاولة الطموحة تذكرنا بمحاولة ~~القيصر السوري الفتى، والتي سبقتها بعقدين من الزمان فقط، إلا أن الفرق شاسع ~~بين هاتين المحاولتين، سواء من حيث البدايات أو المصائر التاريخية. ويأتي الفرق ~~من التباين الجذري بين الداعيتين، فبينما بقي إيلاجابال أسير عبادة محلية لم ~~تستطع تطوير نفسها بما يتناسب وطبيعة العصر؛ فإن ماني قد استوعب في سن ~~مبكرة كل ثقافة عصره، وخاطبه بأدواته، مطورا نظاما دينيا قادرا على ~~مقارعة الأنظمة الدينية والفلسفية المتنافسة على الساحة العالمية. # اتخذ ماني الثنوية الإيرانية منطلقا له، وهذه الثنوية تنتمي إلى زرادشت الذي ~~عاش وبشر بديانته زمنا ما، فيما بين عامي 550-650ق.م. أي خلال الفترة التي ~~شهدت ظهور الفلسفة الإغريقية في الغرب، والبوذا ولاوتسي وكونفوشيوس في الشرق. ~~وللزرادشتية تاريخ طويل تغير عبره معتقدها تغيرا كبيرا؛ فتعاليم زرادشت ~~الأصلية التي نجدها في الكتاب الوحيد المعزو إليه، وهو ال # Gathas # أي الأناشيد، هي تعاليم توحيدية ~~مستقيمة، وزرادشت يعتبر نفسه نبيا تلقى الوحي عن الإله الواحد الخالق ~~المدعو «أهورا مزدا». # وقد جاءت الثنوية في تفكير زرادشت من توكيده على صفة الخير المطلق في شخصية ~~الخالق؛ فإذا كان الله هو الخير، فلا بد من تقديم تفسير لوجود الشر في العالم، ~~والتفسير الذي اقترحه زرادشت يقول بنشوء روحين متعارضتين عن الإله الأزلي الحق ~~خالق السماء والأرض؛ فروح خيرة اختارت الخير منذ البداية وهي «سبينتا ~~ماينيو»، وأخرى شريرة اختارت الشر منذ البداية أيضا وهي «أنجرا ماينيو»، الذي ~~سيدعى «أهريمان» فيما بعد. وهذا الخيار البدئي هو النموذج الذي ستحتذيه خيارات ~~البشر اللاحقة فيما بين الطريقين، وبدافع أخلاقي حر تمام الحرية. إلا أن هذه ~~الثنوية التوحيدية قد خضعت فيما بعد إلى تحوير أساسي، فصار أهورا مزدا إله ~~زرادشت طرفا في الصراع أمام ممثل الشر أنجرا ماينيو، وتراكمت أدبيات ميثولوجية ~~وطقسية كثيرة حول المعتقد الزرادشتي الأصلي. # 7 # ولكن المانوية ترفض اعتبار الخير والشر قوتين متكافئتين، كما ترفض ~~اعتبار ممثل الشر إلها يقف على قدم المساواة مع الله، ms092 وهذه نقطة الخلاف ~~الجذرية والأساسية بين ماني والزرادشتية المتأخرة. يقول ماني بوجود مبدأين ~~رئيسين؛ الأول هو الله، والثاني هو المادة؛ فمن الله يأتي كل خير، ومن المادة ~~يأتي كل شر. وقد أنجبت المادة الشيطان أهريمان، وهذا الشيطان ليس إلها رغم ~~سلطته على النصف المظلم من الكون، وهو يخسر حربه مع الله، كما بينت الأسطورة ~~المانوية التي أوردناها آنفا، ويجري إلقاؤه في القيود وكف أذاه نهائيا في ~~آخر الزمان. أما عن مكان الإنسان في هذا العالم، فإن شرطه المادي يجلب له الألم ~~في الحياة، وهو لا يستطيع تخليص نفسه والالتحاق بالعالم النوراني إلا بالمعرفة ~~التي تكشف له حقيقته وحقيقة العالم وتخلصه من آثار الظلمة. ولمساعدة المؤمنين ~~على اجتياز درب خلاصهم، فقد قدم لهم ماني تصورا للعالم وللإنسان ولجميع ~~الظواهر الكونية والطبيعية والبيولوجية، فيما يمكن تسميته بنظام معرفي شامل. ~~وقد كان هذا النظام المعرفي هو ما جذب شخصية متميزة مثل القديس أوغسطين الذي ~~اعتنق المانوية قبل تحوله إلى المسيحية، وقال في كتابه «الاعترافات» إن ما جذبه ~~إلى المانونية لأول وهلة هو إيحاؤها بالقدرة على تفسير كل ظاهرة من ظواهر ~~الدنيا. # لم يبدأ نشاط ماني التبشيري في بابل كما هو متوقع، بل في الهند، حيث مكث فترة ~~ثم عاد إلى طيسفون، ومن هناك بدأ بإرسال حوارييه شرقا وغربا تحت حماية الملك ~~الفارسي «شابور»، الذي سمح له بنشر تعاليمه بحرية في كل مكان من الإمبراطورية ~~الفارسية، وبعث إلى الولاة والحكام لتيسير أمر الدعاة الذين انتشروا من آسيا ~~الوسطى إلى مصر. كما تولى ماني بنفسه القيام برحلات تبشيرية عديدة، مؤسسا ~~جماعات جديدة من الأتباع أنى رحل، تاركا بين أيديهم نسخا من الكتب العديدة ~~التي وضعها بنفسه، والتي كان يتباهى بتأليفها قائلا: إنه يضع أناجيله بنفسه ~~على عكس سابقيه من أمثال عيسى وبوذا وزرادشت، الذين دونت أناجيلهم بعد وفاتهم ~~وبيد خلفائهم. ولقد ساعدت هذه الظروف المواتية، وامتداد العمر بماني الذي عاش ~~حتى سن الستين، على ترسيخ الدعوة المانوية في أرجاء الإمبراطورية الفارسية وفي ~~خارجها، كما أن ms093 وفاته لم تؤثر على استمرار النشاط التبشيري؛ فنحو الغرب وصلت ~~المانوية إلى فلسطين، ثم انتشرت على نطاق واسع في مصر، ومن مصر انتشرت إلى ~~أفريقيا وإسبانيا، كما عبرت المانوية من سوريا إلى اليونان وإيطاليا حيث كانت ~~تصطدم بالجماعات المسيحية وبالسلطات الرومانية التي كانت ترى فيها دسيسة ~~فارسية. أما نحو الشرق فقد وصل التبشير المانوي إلى بلاط الإمبراطور الصيني على ~~طول طريق الحرير الذي توضعت عليه جماعات مانوية قوية التأثير. وعن المانوية في ~~بلاد العرب يروي الجغرافي ابن رسته خبرا عن وصول البعثات التبشيرية المانوية ~~إلى بلاد العرب من الحيرة، التي دانت بالمانوية حوالي عام 300 للميلاد، في حين ~~يروي ابن قتيبة أن بعض القرشيين كانوا مسئولين عن إحضار البدعة المانوية من ~~الحيرة. # ولقد سار أتباع ماني على النهج الذي اتبعه في مهاجمة الأديان السابقة عليه، ~~وقالوا ببطلانها جميعا بعد ظهور الرسالة الحقة، ودخلت المانوية في كل مكان في ~~صراع لا هوادة فيه مع العبادات والأديان الشمولية الأخرى؛ فإلى جانب صراعها مع ~~وثنية عصرها المتنورة ربيبة الثقافة الهيلينستية، فقد دخلت في صراع مميت مع ~~ديانتين شموليتين؛ إحداهما شائخة هي الزرادشتية التي كانت تسعى إلى تجديد نفسها ~~من خلال حركة إحياء شاملة، والأخرى فتية هي المسيحية التي كانت تشق لنفسها ~~طريقا صاعدا بإصرار نحو روما والقسطنطينية. ولقد تلقت المانوية من ~~الزرادشتية أولى ضرباتها القاسية، عندما مات مؤسسها شهيد دعوته، وأعدم إثر ~~محاكمة صورية في بلاط الملك «بهرام» خليفة شابور، نتيجة للدسائس التي حاكها له ~~الكهنة المجوس، ثم جاءتها الضربة الثانية باعتناق الإمبراطور الروماني ~~«قسطنطين» المسيحية وإعلانها دينا رسميا للدولة، وما تبع ذلك من ملاحقة ~~واضطهاد للمانويين. أما الضربة الثالثة فجاءت من الديانة الشمولية الجديدة وهي ~~الإسلام، عندما قامت الخلافة العباسية في بغداد باستئصال شأفة المانوية من ~~موطنها الرئيسي في إيران والمشرق العربي. ومع ذلك فقد صارعت المانوية طويلا ~~عقب ذلك من أجل البقاء، واستمرت جيوب لها قائمة هنا وهناك حتى مطلع العصور ~~الحديثة . # بعد هذه الوقفة المطولة عند مفهوم الدين الشمولي، والأمثلة ms094 التي اخترتها لأجل ~~توضيحه، وهي وقفة اعتبرتها ضرورية، أريد قول كلمة أخيرة حول موضوع المستويات ~~الشمولية للدين، وهي أن الدين الشمولي ليس بالضرورة مرحلة حتمية في تطور ~~الظاهرة الدينية؛ فقد تراوح الظاهرة الدينية لدى ثقافة ما عند مرحلة «العبادة» ~~التي لا تطمح إلى هداية عبادات الثقافات الأخرى إلى صراطها، أو عند مرحلة «دين ~~القوم» الذي يتكون من عبادات متآلفة لا تتناحر ولا يعدو بعضها على بعض. ولعل ~~أوضح مثال عن «دين القوم» قائم إلى يومنا هذا، ويصر على عدم التحول إلى دين ~~شمولي، هو الديانة الهندوسية، التي بقيت محصورة ضمن القارة الهندية منذ أقدم ~~العصور، بطوائفها المتعددة وعباداتها المتنوعة، التي لم تطمح واحدة منها إلى ~~ابتلاع البقية والتحول إلى دين شمولي، لا نستثني من ذلك البوذية، التي طغت في ~~فترة ما ثم انحسرت راجعة إلى وضعها السابق في الهند كعبادة بين بقية العبادات، ~~واكتفت بممارسة نشاطها الشمولي في أقطار مشرقية أخرى. هذا الوضع الخاص ~~للهندوسية هو الذي جعل أهلها فخورين بخلو دينهم من التعصب والأفكار ~~الدوغمائية، وخلو تاريخهم من حركات الاضطهاد الديني. وقد وصف المؤلف العربي ~~«البيروني» (أبو الريحان المتوفى عام 440 هجرية) في كتابه «تحقيق ما للهند» ~~تسامح الطوائف الهندية تجاه بعضها، فقال بأنهم على قلة تنازعهم في شئون المذهب، ~~فإن نزاعهم لا يتعدى الجدال الكلامي إلى الإضرار بالنفس. كما وصف عزوف الطوائف ~~عن التبشير، والمبالغة في ذلك إلى حد عدم قبول من ليس منهم إذا رغب فيهم أو ~~صبا إلى دينهم. # 8 # وهناك موقف مشهور للمهاتما غاندي في هذه المسألة، عندما جاءه ~~مسيحي هندي يطلب التحول إلى الهندوسية، فقال له: اذهب وكن مسيحيا صالحا. ~~ويعني بذلك طبعا أن كل الطرق إلى الله صالحة شريطة توفر صدق النية وقوة ~~الإيمان والعزيمة. أما ما نراه اليوم من نزاعات دينية في الهند، فيرجع إلى ~~اصطدام الطوائف الهندوسية بالأديان الشمولية التي تجاهر ببطلان العقائد ~~الهندوسية، وتسعى بشكل دائب إلى اكتساب مزيد من الهندوس إلى صفوفها ، أو إلى ~~تعصب أديان غريبة عن الهندوسية ms095 مثل ديانة السيخ، وهي ديانة مستحدثة ابتدرها ~~المعلم «ناناك» أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، بتأثير الأديان الشمولية التي ~~غزت الهند، واتخذت طابعا عسكريا في عهد خلفاء المعلم الأول. # في القسم الآتي من دراستنا، سوف ينصب الجهد على ما ندعوه، وفق المنهج ~~الفينومينولوجي، ببنية الحد الأدنى، وهي البنية الأساسية التي يمكن اختزال ~~الظاهرة إليها لغرض التعرف على ماهية هذه الظاهرة؛ فأنا ما زلت ملتزما ~~بالإجابة عن السؤال الأساسي الذي طرحته في مقدمتي، وهو: ما هو الدين؟ # الباب الرابع # | المعتقد أو بنية الحد الأدنى للظاهرة الدينية # الفصل الأول # | أفكار استهلالية # إن كل ظاهرة معقدة يمكن تقليصها إلى بنية أساسية جوهرية، بالغا ما بلغ تعقيدها، ~~وهي بنية الحد الأدنى التي تقودنا دراستها إلى ماهية الظاهرة ومعناها. وفي مجال الدين، ~~وهو أعقد الظواهر المرتبطة بالإنسان طرا، يمكننا أن نجد بنية الحد الأدنى في ~~المعتقد. فالإحساس الديني، وهو كما رأينا شأن لا نستطيع وصفه من الخارج، يجد تعبيره ~~الموضوعي الموصوف في المعتقد، والطقوس الدينية تقوم على المعتقد الذي يعطيها المعنى ~~والدلالة، والأساطير تنسج من أجل توضيح المعتقد وترسيخه، والشرائع والأخلاقيات ~~الدينية تصاغ انطلاقا من إيمان ما وتصورات كونية دينية معينة. فالمعتقد والحالة ~~هذه هو مركز الظاهرة الدينية، وعنده يجب التوقف لمن يريد البحث عن ماهية الدين واكتناه ~~أصوله وبواعثه ومعانيه. # لقد وصفنا في معرض تقصينا لبنية الدين ومكوناته كيف يتشكل المعتقد الديني، والأشكال ~~التي يعبر من خلالها هذا المعتقد عن مضامينه، أما الآن فسوف نتفرغ لعملية تقصي محتوى ~~المعتقد الديني وفحواه. ونقطة الانطلاق التي سأبدأ منها هنا، هي الافتراض بأن المعتقدات ~~الدينية قديمها وحديثها، بسيطها ومركبها، يمكن إرجاعها إلى عناصر ثابتة ومشتركة بين ~~الأديان جميعا. ففي القاع من كل إيمان ديني، لا بد من وجود عدد من الأفكار البسيطة ~~الأولية التي تجمعه إلى كل إيمان آخر، وهذه العناصر الثابتة أو الأفكار الأولية قد لا ~~تبدي عن نفسها للوهلة الأولى؛ وذلك بسبب تراكم الأدبيات الميثولوجية في الأديان، وتنوع ~~أساليب التعبير الرمزي الخاص بهذه الثقافة أو تلك. ms096 وإن فرضيتنا هنا حول وحدة المعتقد ~~الديني عند جذور الأديان جميعا، لا تقوم من حيث المبدأ على أساس تعسفي، وإنما يقود ~~إليها قولنا بوجود ظاهرة دينية واحدة عند الإنسان العاقل، لا ظواهر دينية مستقلة من ~~حيث المنشأ والغاية، والظاهرة الواحدة لا بد لها من أساس واحد، رغم تنوع تبدياتها عبر ~~الزمان واختلاف البيئة والمكان. وبتعبير آخر، فإن بنية الحد الأدنى للدين التي وجدناها ~~في المعتقد، إنما تقوم بدورها على بنية أخرى للحد الأدنى الاعتقادي، هي تصور إنساني ~~واحد يقوم عليه الدين برمته أنى التقينا به، سواء في العصور الحجرية القديمة أم في ~~الحضارات الكبرى الغابرة والراهنة. فهل ستسعفنا الدراسة الميدانية بما يثبت هذه ~~الفرضية التي تقوم ابتداء على محاكمة ذهنية سليمة؟ # تخضع المعتقدات الدينية في الثقافات «العليا» ~~إلى عملية صقل تمليها طبيعة الحياة الاجتماعية، التي تسير أبدا في طريق التركيب ~~والتعقيد. ويساعد على ذلك تداخل الظاهرة الدينية في هذه الثقافات مع ظواهر أخرى سياسية ~~واقتصادية ومجتمعية؛ لهذا السبب فإن رحلتنا الطويلة المقبلة في البحث عن الحد الأدنى ~~الاعتقادي، لن تبتدئ من أديان الحضارات الكبرى، بل من أديان الثقافات البدائية الأصلية، ~~موغلين في الزمن الماضي إلى أبعد نقطة استطاع عندها علم الآثار وعلم الأنتروبولوجيا ~~العثور على شواهد مادية لمعتقدات دينية عند الإنسان العاقل أو عند أسلافه ~~النياندرتاليين، متلمسين تلك الأفكار البسيطة الأولى التي تشكل حجر الأساس للمعتقد ~~الديني عند الإنسان، والتي تضعنا وجها لوجه أمام «أصول» الدين. وكلمة «أصول» التي ~~أضعها بين أقواس هنا، ينبغي ألا تفهم من وجهة نظر «تطورية»، سواء في السياق الحالي ~~لاستخدامي لها أم في أي سياق لاحق من هذا الكتاب. فنحن لا نهدف من توغلنا في الزمن ~~الماضي إلى البحث عن البدايات الزمنية لتطور الأفكار الدينية، بل إلى تحديد الأشكال ~~الأصلية للمعتقد، وهي أشكال لم تخضع لأية عملية تطورية، وما زالت قابعة تحت البنية ~~الاصطناعية التي تراكمت فوقها. إن ما يبدو بحثا في الزمن الماضي هو في حقيقة الأمر ~~حفريات في البنية الفكرية المدينية الراهنة، من ms097 أجل الكشف عن ذلك الأساس الذي لم يمسه ~~تبدل أو تغير، والذي يشكل جوهر المعتقد الديني عند الإنسان. ولكن قبل الشروع في هذه ~~الحفريات، سوف أتوقف قليلا عند مصطلحين استخدمتهما للتو، ويكثر استخدامهما في ~~الأنتروبولوجيا وبعض العلوم الإنسانية الناشئة الأخرى، وهما «التطورية» و«البدائية»، ~~لأحدد موقفي من الأول وطريقة استخدامي للثاني. # التطورية (= # Evolutionism ~~) مصطلح يستخدم للإشارة إلى نظريات ~~أنتروبولوجية وبيولوجية ظهرت أواسط القرن التاسع عشر، وحاولت تفسير الظواهر الاجتماعية ~~والبيولوجية باعتبارها ارتقاء في خط مستقيم من الأدنى إلى الأعلى، بحيث يفضي الشكل ~~الأدنى السابق إلى شكل أرقى لاحق. وقد كان للفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر أثر مباشر ~~على ظهور المذاهب التطورية في مجال الأنتروبولوجيا بشكل خاص؛ فقبل ظهور كتاب داروين في ~~أصل الأنواع، وإحداثه ثورة في علم البيولوجيا، قال سبنسر بالتطور على أنه المبدأ الذي ~~يحكم التغير على كل صعيد. يقول في مقالته التطور وقوانينه: «إن التحرك قدما من البسيط ~~إلى المركب عبر عملية متسلسلة من التمايز المتتابع، هو شأن أكيد لا يمكن ملاحظته في ~~تطور الإنسانية، وفي تطور ما لا يحصى من النواتج الفكرية والمادية للنشاط الإنساني.» # 1 # وبعد أن نشر داروين نظريته في أصل الأنواع، دخل المفهوم التطوري في صلب ~~تفكير الإنسان الحديث ونظرته الأمور، وصرنا ننظر إلى كل ما هو قديم باعتباره الأدنى في ~~سلم التقدم، وإلى كل ما هو حديث باعتباره الأعلى في هذا السلم التطوري الصاعد. وقد ~~ساعد على تكريس مفهومي الأدنى والأعلى تلك الرسوم البيانية النشوئية الخاصة بتطور ~~الأنواع، والتي ابتدرها داروين، حيث ترسم الأشكال الأقدم في الجزء الأدنى من الرسم، ~~والأشكال الأحدث في الجزء الأعلى منه. وبذلك دخل في روعنا تدريجيا أن القديم هو ~~الأدنى، والحديث هو الأعلى. وترافق ذلك، وكما هو متوقع، مع حكم قيمي يربط الأدنى في ~~سلم التطور بالتدني؛ أي بما هو أسوأ، ويربط الأعلى بالسمو؛ أي بما هو أفضل. كما توسع ~~مفهوم التدني ليشمل الانحطاط من الناحيتين العقلية والخلقية، فضلا عن الناحية ~~الطبيعية. وانطلاقا من هذا الحكم القيمي الاعتباطي، يعتبر إنسان ms098 النياندرتال ~~والأسترالي الأصلي، أحط من الناحيتين الثقافية والطبيعية من الإنسان الأوروبي الحديث ~~الذي يعتلي شجرة التطور، وهي الصورة التي يرسمها عادة علماء الأنتروبولوجيا الطبيعية ~~لشجرة نسب الإنسان التي تنبت من الأسلاف القرديين، وتتموضع عليها صعدا المجموعات ~~المختلفة من الرئيسيات، على مخطط نشوئي يظهر الإنسان الأبيض كآخر وأعلى فروع الرسم، ~~بينما تظهر الأجناس الأخرى وهي تتفرع من المناطق الدنيا الأكثر قدما. # وقد قادت المفاهيم التطورية إلى إحداث مصطلح «البدائي» و«البدائية»؛ فالبدائي هو ~~الإنسان الذي عاش في «بداية» عملية النشوء والارتقاء، ومثله إنسان القبائل «البدائية»، ~~الذي يعتبره التطوريون أقرب إلى الإنسان الأول في عصوره الحجرية، واعتبرت ثقافته بمثابة ~~بقايا متحجرة من الثقافات الابتدائية الأصلية. وقد تم النظر إلى كل ما يمت إلى هذه ~~الجماعات بصلة باعتباره «بدائيا» وفق الحكم القيمي التطوري، وصار الحديث عن «دين ~~بدائي» و«أخلاق بدائية» و«مؤسسات اجتماعية بدائية» وما إلى ذلك أمرا شائعا. غير أن ~~هذا الحكم القيمي الذي يرى في كل ما هو «بدائي» حالة متدنية، هو حكم غير دقيق في ~~الواقع، ومسألة «البدائية» لا يمكن تقريرها بمثل هذه السهولة؛ فمما لا شك فيه أن ~~المنكاش الحجري أكثر بدائية من المحراث الذي تجره الحيوانات، وأن هذا بدوره أكثر ~~بدائية من الجرار الحديث. ومما لا شك فيه أيضا أن السهم الذي يطلق من أنبوبة النفخ ~~أكثر بدائية من السهم الذي يطلق بواسطة القوس والوتر. ولكن من يستطيع القول إن الحكم ~~الاستبدادي الذي ساد في الحضارات الكبرى أكثر تطورا من الحكم القبلي القائم على حرية ~~وتساوي أفراد القبيلة الواحدة؟ أو إن الأديان المتأخرة التي يمتلئ تاريخها بالاضطهاد ~~وملاحقة الهراطقة والحروب الشاملة ضد الشعوب الأخرى، هي أكثر تطورا من الأديان ~~«البدائية» التي تتسم بالتسامح مع كل المعتقدات؟ أو إن العلاقات الإنسانية في المدينة ~~الحديثة القائمة على التنافس المحموم، هي أكثر تطورا من العلاقات «البدائية» القائمة ~~على التعاون والمشاركة؟ وفي الواقع فإن الشعوب البدائية قد تكون أقل تطورا في النواحي ~~التكنولوجية وبعض النواحي الأخرى، ولكنها من بعض الوجوه أكثر تطورا من أكثر ms099 المجتمعات ~~المتقدمة؛ فالبدوي في صحاري رماله، والإسكيمو في صحاري جليده، هو أكثر ودا وشجاعة ~~وصدقا وإخلاصا وتعاونا من أكثر أعضاء المجتمعات المتمدنة، وإن الجماعة التي ندعوها ~~«بدائية» هي أكثر الأشكال الاجتماعية والسياسية إتاحة لحرية الفرد وتفتيحا لإمكاناته. ~~ولقد قادت المراجعة الشاملة للمفاهيم القديمة حول «البدائية» إلى ظهور جيل جديد من ~~الأنتروبولوجيين في الغرب، أخذ يرى بوضوح، ونتيجة للدراسة الموضوعية لركام المعلومات ~~التي تكدست خلال القرن العشرين، أن المجتمعات التي ندعوها «بدائية» ليست مرحلة ~~طفولية من مراحل تطور البشرية، وليست انحرافات في مسارات مسدودة على شجرة التطور التي ~~تتربع فوقها المجتمعات الصناعية الحديثة، بل إنها شكل تام من أشكال الحياة الإنسانية ~~الناضجة والمكتفية بنفسها. يقول أحد الأنتروبولوجيين البارزين في هذا الاتجاه، آشلي ~~مونتاغيو: ~~«إن الخطأ الأساسي الذي يرتكبه من يتحدث عن الفن البدائي، هو استخلاص التعميم من ~~إحدى النواحي غير المتطورة نسبيا في الثقافة، وذلك مثل التكنولوجيا أو الاقتصاد، ~~وافتراض أن كل النواحي الأخرى لتلك الثقافة لا بد أن تكون غير متطورة بالمقدار نفسه. ~~والواقع، فإننا عندما نقارن خصائص معينة في الثقافات غير الكتابية «= بدائية»، مثل ~~اللغة والدين والأساطير ونظام القربى والحكايا والأشعار وقص الأثر وغيرها، بمثيلاتها في ~~المجتمعات المتمدنة، فإن أعضاء الثقافات اللاكتابية لن يقفوا على قدم المساواة مع أعضاء ~~المجتمعات المتمدنة فحسب، بل سيتفوقون عليهم في أحيان كثيرة. وعندما اكتشفت المنحوتات ~~البرونزية النيجيرية الرائعة، قال البعض إنها لا يمكن أن تكون من صنع الزنوج؛ فقد كان ~~أسهل على هؤلاء أن يتصوروا فنانا كبيرا ينتمي لأحد الأصول العرقية المتقدمة وقد ~~قادته جولاته إلى نيجيريا، من أن ينسبوا لشعب «بدائي» لا يقرأ ولا يكتب، وما تزال ~~ثقافته وتكنولوجيته «بدائية»، مثل هذه العبقرية الخلاقة والأساليب المتنوعة والخيال ~~الرفيع، مما نجده في الفن النيجيري.» # 2 # ومن مجال الفن أيضا يأتينا البرهان على رقي نواح معينة من ثقافات العصر الحجري ~~الموصوفة بالبدائية، رقيا يدفعنا إلى مقارنتها بنظائرها في حضارتنا الحديثة. يقول ~~آشلي مونتاغيو، الذي اقتطفنا منه أعلاه، في هذا الموضوع ما يلي: ~~«فإنسان ما ms100 قبل التاريخ في العصر الحجري القديم الأعلى، كان في بعض نواحي حياته ~~قادرا على إنجاز أمور عجز غيره منذ ذلك الحين التفوق عليه فيها. ومن بين الأمثلة ~~البارزة على ذلك فنون ذلك العصر التي قال فيها السير هربرت ريد: إن أفضل رسوم كهوف ~~التاميرا ونيو ولاسكو، تكشف عن مهارة لا تقل عن مهارة فنانين كبار محدثين من أمثال ~~بيكاسو. وكل من رأى الرسوم الأصلية، بل حتى نسخا مأخوذة عنها، سيوافق على أن هذا ~~القول غير مبالغ فيه؛ فبالإضافة إلى المهارة الفنية التي اتصف بها الفنانون القدماء، ~~فإن أعمالهم تظهر قدرا من الحيوية وقوة التعبير قل نظيره في أي عصر من العصور. ولا ~~شك في أن الأفراد القادرين على استخدام مثل تلك المهارات، كانوا يتميزون بدرجة من ~~الذكاء لا تقل عن تلك التي يمتلكها الإنسان المتمدن المعاصر. ولما كانت كلمة «بدائي» لا ~~تؤدي إلى طمس هذه الحقيقة فحسب، بل إلى حجب قدرتنا على فهم المغزى الحقيقي للوقائع، فإن ~~علينا التحلي بأقصى درجات الحيطة إذا أردنا استخدامها.» # 3 # وحول الفكرة نفسها يقول كلود روي، وهو واحد من الدارسين المهمين للفنون ~~البدائية: ~~«لا يمكن أن يدعى أي فن فنا متوحشا (= # Savage ~~) ~~إلا بالقدر الذي نشارك فيه نحن بوهم الوحشية، ولا يمكن أن ندعو أي فن بدائيا إلا إذا ~~نسينا صلته العميقة بكل من عبر بالرموز والصور عن مشكلاتنا الإنسانية المشتركة في ~~الحياة والفكر. ورغم أن الأنتروبولوجيين هم أول من خطر ببالهم إطلاق اسم متحف الإنسان ~~على متحفهم في مدينة باريس، وهو اسم جميل حقا، إلا أن الاسم نفسه ينطبق على كل متحف ~~في العالم. ويمكننا أن نتخيل متحفا واحدا ضخما للإنسان يشتمل على التنوع اللانهائي ~~للبشرية. في هذا المتحف لا يعتبر قناع من صنع قبيلة الدان أجمل من لوحة كورو المسماة ~~امرأة باللون الأزرق، ولا تمثال برونزي صغير من ساردينيا صنع قبل الميلاد بألف سنة، ~~أجمل من تمثال صنعه رودان في أيامنا. إن نوعية الحياة الإنسانية لا يمكن أن تقاس ~~كميا بالآلات ولا ms101 بالأرقام، وما دام العمل الفني هو العمل الإنساني الذي يدوم، فإنه ~~هو الذي يجسد لنا فن الحياة الذي خلقه لنا أناس لا نعرف عنهم شيئا بدونه.» # 4 # ويقول دارس مهم آخر لفنون ما قبل التاريخ، وهو أندرياس لوميل: ~~«إن تعليل تلك النوعية العالية لفن الكهوف هو أمر يتأبى علينا، وبكل سر وسحر. ~~ويفضل البعض عدم التفكير بهذه المسألة جملة وتفصيلا؛ لأنها تطرح على دارسي ما قبل ~~التاريخ، وبشكل خاص على كل من يحمل أفكارا ساذجة عن التطور، أسئلة تصعب الإجابة عليها؛ ~~فإذا كان الإنسان الأول «البدائي» قادرا على إنتاج مثل هذه الأعمال الفنية الرفيعة ~~والبعيدة عن البساطة، بما توفر لديه من أدوات حجرية وعظمية فجة، فإنه لم يكن ~~بدائيا بالمعنى الفني والفكري، بل لا بد أنه قد وصل في هذه المجالات ذروة لم يتم ~~تجاوزها منذ ذلك الوقت. وهذا ما يقودنا إلى القول بأن التطور الفني والعقلي لا يتماشى ~~بالضرورة مع التطور المادي للحضارة. ولا شك بأن قبولنا بهذا الرأي من شأنه تغيير نظرتنا ~~السائدة إلى التطور الإنساني باعتباره خطا صاعدا في طريق مستقيم.» # 5 # لقد أدت هذه الرؤيا الجديدة لمسألة «البدائية» إلى إعادة النظر في المصطلح نفسه، ~~ومحاولة استبدال مصطلح بديل به لا يوحي بفكرة التدني من الناحية التطورية، فاقترح بعض ~~الباحثين مصطلح «الجماعات اللاكتابية» بدل «الجماعات البدائية»، واقترح آخرون «الجماعات ~~الإثنية» أو «الجماعات الوطنية» وغيرها. ولكن مثل هذه المصطلحات الجديدة ما زالت موضع ~~جدال بين العلماء، ولم يكتب لواحد منها حتى الآن الاستمرار والانتشار؛ ولذا فإنني سوف ~~أحافظ هنا، ولأغراض هذا البحث، على مصطلح «البدائي» و«البدائية» بعد أن استبعدت ~~المعاني السلبية التي ارتبطت به، وأشرت بما يكفي إلى الخصائص الإيجابية للثقافات التي ~~تعودنا استخدام هذا المصطلح في وصفها. وقد أستخدم أيضا مصطلح «تقليدي» و«تقليدية»، ~~وهو مصطلح انفرد به مؤرخ الأديان المعروف ميرسيا إلياد، دون أن يوافقه من ~~الأنتروبولوجيين أحد. وملاءمة المصطلح لواقع الحال تأتي في رأيي من أن المجتمعات التي ~~ندعوها «بدائية » هي مجتمعات محافظة إلى حد بعيد، ms102 وبطيئة النمو والتغيير إلى درجة ~~تجعلها أشبه بالبؤرة الساكنة، مقارنة بالمجتمعات التي توضعت تاريخيا على الخط ~~الرئيسي لاتجاه سير الحضارة، الذي انتهى بالمجتمع الصناعي الغربي الحديث. ولسوف أستخدم ~~هذين المصطلحين حصرا للإشارة إلى هذه المجتمعات «البدائية» الحديثة والمعاصرة، والتي ~~كانت موضوعا للدراسات الأنتربولوجية خلال القرن العشرين، أما الثقافات الأصلية لعصور ~~ما قبل التاريخ، فسوف أطلق عليها اسم «ثقافات العصر الحجري»، وأميزها بشكل صارم عن ~~الثقافات البدائية الحديثة، وهذا التمييز له في اعتباري كل مؤيد مشروع. # لقد اعتاد الأنتربولوجيون النظر إلى الثقافات البدائية الحديثة باعتبارها ممثلة ~~لمجتمعات ما قبل التاريخ وأكثر شبها بها، وافترضوا أن الأنماط الثقافية البدائية ~~القائمة اليوم (أو التي كانت قائمة إلى وقت قريب؛ لأن معظم المجتمعات البدائية قد تخطت ~~بشكل أو آخر عتبة الحضارة الحديثة ولو من حيث الشكل فقط) تتطابق مع الأنماط الثقافية ~~التي ميزت طفولة الجنس البشري، وأن البدائية الحديثة ليست إلا بقايا متحجرة من تلك ~~العصور الغابرة. وبناء على هذا الافتراض أخذ الأنتروبولوجيون يعكسون معظم ما يجدونه ~~لدى هذه الثقافات على المراحل الابتدائية للثقافة الإنسانية في عصورها الحجرية، في ~~سعيهم للبحث عن البدايات والأصول. غير أن الدراسات المعمقة لفيض المعلومات التي ~~تحصلت لدينا خلال القرن المنصرم، تظهر أن الثقافات البدائية ليست مستحاثات من العصر ~~الحجري، بل هي ثقافات «تاريخية»، قد مرت بتاريخ لا يقل طولا عن تاريخ الشعوب ~~المتمدنة، أوصلها إلى ما هي عليه الآن. ورغم بطء مسيرتها، فإن المجتمعات البدائية قد ~~خضعت بالتأكيد إلى تغييرات جمة في اللغة والدين والعادات والتكنولوجيا، وتبادلت ~~التأثير بشكل دائم مع بعضها ومع الثقافات «العليا»، بالغا ما بلغ من عزلتها؛ ولذا فإن ~~مؤسساتها لا يمكن أن تعكس حقا المؤسسات الثقافية الأصلية. ولعل من دلائل التغيير الذي ~~خضعت له المجتمعات البدائية، ذلك التعقيد الشديد الذي يميز بعض مؤسساتها، والذي لا يمكن ~~مقارنته أحيانا بما لدى المجتمعات المتقدمة. فنظام القربى مثلا، لدى الأمريكيين من ~~أهل المجتمع الصناعي المعقد، هو نظام شديد البساطة، ولا يقارن بنظام القربى الشديد ~~التعقيد لدى سكان ms103 أستراليا الأصليين. وهناك أنظمة سياسية عالية التنظيم لدى بعض الشعوب ~~الأفريقية، كما هو الحال في داهومي وأوغندا. وفيما يتعلق بالناحية الدينية، فإن تعقد ~~الحياة الدينية لدى الثقافات البدائية لا يقارن أبدا بالحياة الدينية المسطحة لدى شعوب ~~المجتمعات الصناعية الحديثة. يقول أحد الباحثين في الديانات الأفريقية: ~~«إن الديانات الأفريقية التقليدية ليست أبدا ديانات بدائية؛ لأنها تجر وراءها آلاف ~~السنين من التطور، شأنها في ذلك شأن غيرها. إنها ثمرة تفكير استمر قرونا مديدة، ~~ونتاج تجارب أناس واجهوا قوى الطبيعة وجها لوجه. ويمكن للباحث أن يعثر في هذه الديانات ~~على مؤثرات شرق أوسطية قديمة، منها على سبيل المثال الأسبوع ذو الأيام السبعة التي ~~يحكم كلا منها أحد الكواكب السيارة السبعة.» # 6 # وفي الواقع، فلقد كان لدى رواد الأنتروبولوجيا الحديثة بعض الحق في توجههم إلى ~~المجتمعات البدائية في معرض بحثهم عن الأصول والبدايات؛ وذلك بسبب قلة المعلومات التي ~~كانت متوفرة حتى ذلك الوقت عن عصور ما قبل التاريخ. أما الآن، وبعد ازدياد معلوماتنا عن ~~تلك العصور بما يكفي لأن تدرس بذاتها وبشكل مباشر، فإن الوثائق الجديدة المتوفرة لدينا ~~هي التي يجب أن تستنطق وتستجوب أولا، في أي معرض للحديث عن طفولة الجنس الإنساني ~~وثقافاته الأصلية، وبعد ذلك يمكن إجراء التقاطعات بين ما تعطيه هذه الوثائق من شهادات ~~وبين معلوماتنا المباشرة عن المجتمعات البدائية. غير أن مما يؤسف له أن تزايد الوثائق ~~المادية عن ثقافات العصر الحجري، قد رافقه أفول لنجم الأنتروبولوجيا النظرية ودراستها ~~الطموحة ذات الطابع الشمولي، وتحول العلماء إلى الدراسات الميدانية ذات الطابع ~~التفصيلي، والتي ينتج عنها تقارير ملأى بالمعلومات المدققة عن الحياة اليومية ~~للجماعات المدروسة، كما غلب على هذه الدراسات توجهها إلى العلاقات والمظاهر المادية ~~من دون الاهتمام بالوسط الفكري لتلك الجماعات. وهكذا لم تجد المعلومات المتزايدة عن ~~ثقافات العصر الحجري الاهتمام الذي كانت ستلقاه لو أنها ظهرت قبل قرن من الآن؛ ففيما ~~عدا الملاحظات التي يدونها علماء الآثار الذين يشعرون بضرورة وضع تفسيرات أولية للقاهم ~~الأثرية في مواقع الإنسان القديم، وهي ms104 ملاحظات غير منتظمة في بنية شمولية، فإن الوسط ~~الفكري للثقافات الأصلية لم يلق ما يستحقه من عناية واهتمام. ومع ذلك ينبغي أن نعترف ~~بفضل عدد من الباحثين الذين قدموا مساهمات قيمة في محاولة فهم الحياة الروحية ~~لثقافات العصور الحجرية، ومن أبرزهم لوروا غورهان في كتابه عن ديانات ما قبل التاريخ، # 7 # وجاك كوفان في كتابه ديانات العصر الحجري الحديث، # 8 # الذي استمد مادته من وثائق مواقع العصر النيولويني في سوريا، إضافة إلى عمل ~~ب. م. غوف التوثيقي الهام، والذي اقتصر على منطقة وادي الرافدين، وعنوانه رموز إنسان ما ~~قبل التاريخ في وادي الرافدين. # 9 # ومع التقدير الكبير لهذه الأعمال البارزة، ولغيرها مما لم أشر إليه هنا، فإنني سوف ~~أطرح في الفصل المقبل، وبكل حذر علمي، نظرية جديدة في معتقدات العصر الحجري القديم ~~والحديث، وذلك في أولى الخطوات لتحديد ملامح الحد الأدنى الاعتقادي لدين الإنسان ~~العاقل، ثم أنتقل في الفصول الآتية من هذا القسم للبحث عن الحد الأدنى الاعتقادي (الذي ~~وجدناه لدى إنسان العصر الحجري) في معتقدات الشعوب البدائية، ثم في المعتقدات الدينية ~~للحضارات الكبرى. ومشروعية مثل هذه المقارنات تقوم على أن الدين هو ظاهرة ثقافية لا ~~تخضع لمعايير التطور، شأنه في ذلك شأن الفن؛ فكما هو حال الإبداع الفني الذي لا يمكن ~~وضعه على سلم تطوري يرتقي من الأدنى إلى الأعلى، بل تنتظم إبداعاته جنبا إلى جنب في ~~متحف يتسع ليشمل العالم المسكون، كذلك هو دين الإنسان الذي لا ينقسم إلى أديان دنيا ~~وأديان عليا، بل يطالعنا، أنى بحثنا عنه، بتنوع وغنى يعكسان تنوع وغنى الثقافات ~~المختلفة وخصوصيتها. # الفصل الثاني # | عتبة الدين، اللاهوت والناسوت في معتقد الباليوليت # إذا كان ثمة وجود لديانة بدائية صافية لم تتأثر بغيرها، بل خضعت لديناميات نموها ~~الداخلية الخاصة بها، فإن هذه الديانة هي حصرا ديانة العصر الحجري القديم (= ~~الباليوليتي). من هنا، فإن أية حفريات معرفية في طبقات الدين تستهدف الوصول إلى قاعه ~~الأساسي، يجب أن تهبط أولا إلى هذا المستوى البدئي لدين الإنسان العاقل. إن ms105 سبر ~~معتقدات إنسان عصور ما قبل التاريخ لن تكون أبدا بالمهمة السهلة، ولكنها، على أية حال، ~~مهمة لا بد من القيام بها. والصعوبة هنا تنشأ من كون الباحث في ديانات العصر الحجري لا ~~يمتلك الأدوات والوسائل التي تعين، في العادة، زملاءه في حقل الأنتروبولوجيا ~~الاجتماعية أو في حقل تاريخ الأديان؛ فهو لا يستطيع القيام بزيارات ميدانية للجماعات ~~التي يعمل على دراستها للاطلاع المباشر على موضوعات بحثه كما يفعل الأنتروبولوجي ~~الاجتماعي، كما أنه لا يمتلك الوثائق الكتابية التي يعتمد عليها مؤرخ الأديان بشكل ~~أساسي، بل إنه مضطر إلى الاعتماد على الشواهد المادية الصامتة، مثل الأعمال التشكيلية ~~من منحوتات ورسوم جدارية، وبقايا الدفن، وتشكيلات يدوية لا تنبئ عن قيم استعمالية ~~واضحة. فهو مضطر، والحالة هذه، إلى إعادة بناء الوسط الفكري لجماعات بادت منذ عشرات ~~ألوف السنين، انطلاقا من مادة صماء، وتبدو لأول وهلة أبعد ما تكون عن الترابط وعن ~~أداء معنى محدد وواضح. ولكن الحال في الواقع ليس على هذه الدرجة من السوء وتثبيط ~~الهمة، فهذه المادة التي تبدو صماء للنظرة الأولى، إنما تحمل لنا رسالة على درجة لا ~~بأس بها من الأهمية والوضوح. # يرى جاك كوفان في كتابه «المستقرات الأولى الزراعية في سوريا وفلسطين»، أن إنسان ما ~~قبل التاريخ كان يعبر عن أعلى فعالياته الفكرية من خلال فنونه التشكيلية التي تستمد ~~مادتها وتصوراتها من العالم المحيط به، غير أنه عندما ينسخ وفق اختيار دقيق، وينتقي من ~~بين خيارات لا حصر لها، فالصورة والحالة هذه هي انطباع رمزي، ونسخة خيالية عن الواقع، ~~تحمل طابعا اجتهاديا ورؤيا منقحة لهذه الوقائع. ويمكن أن نلحق أيضا بهذه الأعمال ~~التشكيلية عمليات الترتيب المقصود لموضوعات طبيعية، مثل رءوس الثيران وعظام الحيوانات ~~والهياكل العظمية في القبور، وذلك عندما لا يكون لهذه الترتيبات دلالات استعمالية بل ~~تجريدية رمزية. من هنا فإن الدراسة المدققة لهذه المخلفات القليلة والهامة، إنما ~~تزودنا بمقترب علمي يعيننا على إنشاء العالم المادي المحيط بإنسان ما قبل التاريخ، ~~ورؤيته لذلك المحيط وبأفكاره عنه.» # 1 # وبمعنى آخر، ms106 فإن قلة الوثائق وتبعثرها واتساع الهوة الزمنية، وما إلى ذلك ~~من معوقات دراسة الوسط الفكري لجماعات ما قبل التاريخ، يمكن تعويضها إلى حد ما بمنهج ~~استقرائي صارم، يعتمد الخيال الخلاق المنضبط، ولا يخرج عن حدود الوثيقة المادية المتاحة ~~قيد أنملة. # ولتبيان قيمة الوثيقة الفنية، خاصة في الكشف ~~عن أفكار الإنسان القديم، ينبغي أن نلفت النظر إلى الفارق الكبير بين النشاط الفني ~~لإنسان العصر الحجري والجماعات البدائية عامة، والنشاط الفني للإنسان الحديث، وذلك من ~~حيث بواعث ذلك النشاط ومضامينه ونتائجه. فالفن التشكيلي لدى المجتمعات القديمة، ~~والتقليدية الحديثة، ليس إبداعا فرديا يعبر عن رؤيا جمالية خاصة وموقف ذاتي من ~~العالم، كما هو الحال في مجتمعاتنا الحديثة، بل هو إبداع جمعي يستلهم قيما جمالية ~~جمعية، ويعبر عن مواقف فكرية مشتركة. والفنان البدائي عندما يعكف على تشكيل عمله ~~الفني، لا يقصد إلى إنتاج قطعة جميلة يقتنيها شخص آخر، وإنما إلى انتقاء أشكال تعبر ~~عن السيكولوجيا الجمعية والتوجهات الفكرية للجماعة، وغالبا ما يكون لهذه الأشكال معان ~~تتجاوز الموضوعات المادية الممثلة؛ لتغدو رموزا تلتقي عندها القوى الدينية والسحرية ~~والأيديولوجية الفاعلة في الوسط الجمعي المشترك. فالفن البدائي، والحالة هذه، عبارة عن ~~لغة اجتماعية يفهمها الجميع ويتواصلون من خلالها، والأعمال الفنية تحمل على الدوام ~~قيما دلالية تتعدى حدود صانعيها لتغدو شاهدا على حقبة وعصر؛ فما الذي تنقله شواهد ~~العصر الحجري القديم إلينا؟ ~~(1) الباليوليت الأدنى: القاع السحيق # تشكل حقبة العصر الحجري ما يزيد عن 99٪ من تاريخ الإنسان. ويؤلف معظم هذه الحقبة ~~العصر الذي ندعوه بالحجري القديم أو الباليوليتي ~~(= Paleolithic ~~). يقسم العصر الباليوليتي ~~عادة إلى ثلاث مراحل؛ الباليوليت الأدنى، والباليوليت الأوسط، والباليوليت الأعلى. ~~يمتد الباليوليت الأدنى من البدايات الأولى لظهور الهيئة البشرية بين الرئيسيات ~~العليا، وإلى ما قبل مائة ألف عام من يومنا هذا؛ ففي هذا العصر الذي يمتد إلى ما ~~وراء المليون الأول من عصور الكتابة، اتخذت الجماعات التي ندعوها بالأناسي، أو ~~أشباه الإنسان (= # Hominids ~~)، الملامح والخصائص ~~العامة التي ميزت جنسنا منذ ذلك الوقت؛ فلقد غادرت الأشجار وعاشت على ms107 الأرض ، ~~وسارت على قدمين منتصبة الجذع، وتطورت لديها قدرات عقلية وعصبية عالية، واتخذت ~~العينان مكانا يسمح لهما بتركيز رؤية واسعة مجسمة. ونظرا لفقدانها للأنياب، التي ~~تملكها القردة والسعادين، فقد اعتمدت على الكفين بشكل متزايد، وتطورت لديها ~~حركة الإبهام المقابل للأصابع بشكل يسمح بإمساك الأدوات واستخدامها. وقد صنع هؤلاء ~~الأسلاف الأولون أولى الأدوات المعروفة أركيولوجيا باسم الأدوات الأولدوفية ~~واستخدموها بكفاءة؛ وبذلك فقد ساروا أولى الخطوات نحو تكوين ما ندعوه «ثقافة» (= # Culture ~~). والثقافة في أبسط تعريفاتها تعني نمط ~~حياة يجري اكتسابه اجتماعيا لا غريزيا، ويتم نقله بين الأجيال بالتعلم. وبدءا ~~من 500000 عام من عصرنا هذا، أخذ الأناسي باستعمال النار، وبدأت أشكالها تنحو نحو ~~الشكل النياندرتالي، وهو أول شكل إنسي قريب منا إلى حد بعيد. # وفي الواقع، فإنه من غير المجدي التفتيش عن دلائل الحياة الدينية لبشر ذلك ~~الزمان؛ بسبب غموض الوثائق وتبعثرها، وصعوبة الربط بينها؛ فإذا أردنا البقاء في ~~حدود ما تسمح به الوثيقة المادية من تفسير، يتوجب علينا القول بأن إنسان ~~الباليوليت الأدنى لم يتمتع بحياة دينية من أي نوع، وإن وسطه الفكري لم يتطور عن ~~أسلافه من الرئيسيات العليا، رغم صناعته للأدوات واستخدامها للتحكم بوسطه المادي. ~~غير أن البوادر الأولى لقيام الأناسي بتكوين هذا النوع من الثقافة الأولية، يغرينا ~~بافتراض امتلاكهم نوعا من الحياة الروحية، التي لم تكن من الوضوح بحيث تعلن عن ~~نفسها من خلال اللقى الأثرية التي اقتصرت على الأدوات، وهي فرضية لا يمكن الدفاع ~~عنها في الوضع الحالي لمعلوماتنا عن الباليوليت الأدنى. إن كل ما أستطيع قوله هنا ~~هو أن الحياة الروحية المتطورة نسبيا لإنسان النياندرتال اللاحق، لا يمكن أن تكون ~~قد انبثقت فجأة ومن العدم، بل لا بد من وجود جذور لها في ذلك القاع السحيق للثقافة ~~الإنسانية. ~~(2) الباليوليت الأوسط وبزوغ الإنسان # تمتد فترة الباليوليت الأوسط من حوالي 100000 إلى حوالي 40000 عاما قبل ~~عصرنا. وقد ساد خلال هذه الفترة في أوروبا وآسيا وأفريقيا الكائن البشري المعروف ~~بالنياندرتال. يتميز النياندرتال النموذجي، الذي استوطن أوروبا بشكل ms108 خاص، بضخامة ~~الرأس وبروز عظمي الحاجبين، وضيق الجبهة، وضمور الذقن. ويبدو أن هذا الكائن البشري ~~هو الحلقة الأخيرة التي تسلسل منها الإنسان الذي يعمر الأرض حاليا، والذي اكتمل ~~شكله منذ ما يقارب الأربعين ألف سنة من الآن. وعندما اكتشفت الهياكل العظمية ~~الأولى للنياندرتال في منطقة نياندر بألمانيا قرب دوسلدورف، اعتقد الباحثون بوجود ~~هوة كبيرة بينه وبين الإنسان العاقل الذي ورثه على الأرض، إلا أن اكتشاف المزيد ~~من آثار النياندرتال، قد أظهر مدى ضيق الفجوة بينه وبين الإنسان العاقل، حتى لقد ~~اعتبر نوعا متقدما من أنواعه، وتم الاصطلاح مؤخرا على تسميته بالإنسان العاقل ~~النياندرتالي (= # Homo Sapien ~~Niandertalenisis ~~). # لم يترك لنا إنسان النياندرتال شاهدا واحدا على ميله للتعبير بواسطة الفن ~~التشكيلي عن أفكاره وإحساسه بمحيطه، وذلك باستثناء تنفيذه لبعض الحزوز على أدواته ~~العظمية لغاية جمالية بحتة. غير أننا نستطيع البحث عن ملامح ثقافته غير المادية في ~~مدافنه التي تم اكتشاف عدد لا بأس به منها حتى الآن. فالنياندرتال كان أول نوع بشري ~~عني بدفن موتاه في القبور، وأظهر في ذلك حرصا كبيرا، كما أن التقاليد التي ~~اتبعها في دفن الموتى تدل على تمتعه بحياة روحية لم يتمتع بها سابقوه، وتنبي عن ~~وسط فكري غني بالتأمل والأفكار المجردة. وسأورد فيما يلي نماذج من أساليب الدفن ~~التي تميزت بالتنوع لدى إنسان النياندرتالي، ثم أظهر الروابط التي تجمعها والمعاني ~~الكامنة خلفها. # في جنوب فرنسا، عثر على كهف استخدم كمقبرة لأربعة أفراد نياندرتاليين، كان ~~الهيكل الأول لامرأة وضعت ضمن حفرة في وضعية الجثو، حيث تلامس الركبتان البطن ~~وتنطوي الذراعان نحو الصدر؛ والهيكل الثاني لرجل مسجى على الأرض في وضع التمدد ~~وقد ثنيت ساقاه، وتمت حماية رأسه وكتفيه بألواح حجرية، أما الهيكلان الباقيان ~~فلطفلين وضعا في حفرتين ضحلتين في وضعية الاستلقاء، وإلى جانب هذه القبور حفرة ~~مليئة برماد وعظام ثور بري. وقد عثر في المنطقة نفسها على عدد آخر من قبور ~~النياندرتال، منها قبر لفتى يافع دفن في وضع جانبي متوسدا ذراعه الأيمن، وتحت ~~رأسه كومة من ms109 شظايا الصوان، وحوله رصفت قطع من عظام السوائم البرية، وقرب يده ~~مقبض فأس حجرية. وفي قبر آخر دفن رجل في الخمسين من عمره ضمن حفرة طبيعية، حيث ~~تم توجيه جثته وفق محور شرق غرب، ووجد مع الهيكل أصداف وبقايا عظام لكركدن وحصان ~~بري وأيل وبيسون. # 2 # وتظهر قبور النياندرتاليين في المشرق العربي تقاليد دفن مشابهة، خصوصا ~~فيما يتعلق بطي الجثة ضمن حفرة صغيرة، وتوجيه الجسم وفق محور شرق غرب. # تظهر الهياكل العظمية لإنسان النياندرتال المشرقي بوادر ابتعاد مورفولوجي ~~(المورفولوجيا هو علم شكل الأحياء) عن الهيئة الكلاسيكية للنياندرتال النموذجي في ~~أوروبا، واقترابا من هيئة الإنسان العاقل. وبشكل خاص تظهر لنا الهياكل المكتشفة ~~في فلسطين آخر تبدل في الهيئة النياندرتالية قبل تحولها إلى شكلنا الحالي. # 3 # وقد مارس النياندرتاليون في فلسطين عادة الدفن في اتجاه شرق-غرب، بحيث ~~يكون الرأس في اتجاه المشرق والعقب في اتجاه المغرب، ومعظم الهياكل المكتشفة كانت ~~مسجاة على جانبها الأيمن، ومطوية بشدة ضمن حفر صغيرة، بطريقة تجعل الركبتين ~~مضمومتين إلى الصدر. # 4 # وقد عثر على أكبر تجمع للقبور النياندرتالية الفلسطينية في مغارة ~~السخول بجبل الكرمل، التي احتوت على عشرة هياكل عظمية تراوحت أعمار أصحابها بين ~~الثلاثة أعوام والخمسين عاما، دفنت في حفر قليلة العمق في وضعية الانطواء ودون ~~هدايا جنائزية مرافقة، وذلك فيما عدا أكثر المدفونين سنا الذي كان يقبض على عظم ~~فك لخنزير بري. فإذا غادرنا فلسطين وتوغلنا شرقا، تعرفنا على عادات دفن ~~جديدة وأكثر إثارة؛ ففي أوزبكستان يحاط جسد الميت بقرون ماعز مغروسة في الأرض، بلغ ~~عددها في حالة طفل نياندرتالي ستة أزواج من قرون ماعز جبلي، متصلة بجزء من جمجمتها ~~الأصلية ومغروسة حوله في انتظام. # 5 # وفي موقع شانيدار بالعراق، لدينا دلائل على عادة إحاطة جسد الميت ~~بأنواع معينة من البراعم والأزهار، تبين للدارسين أنها من النوع الذي يستعمل اليوم ~~لتحضير أنواع معينة من الأدوية والعقاقير، كما عثر في العديد من المقابر ~~النياندرتالية المشرقية على هدايا جنائزية كالأدوات وعظام الحيوانات، ووجدت ~~الأدوات حتى في قبور ms110 المواليد الجدد الذين لم يعرفوا بعد كيفية استخدامها. # 6 # ومن موقع شانيدار في العراق أيضا، لدينا اكتشاف على جانب كبير من الأهمية، ~~يطلعنا على مدى تماسك الجماعة النياندرتالية، وتعاطف أفرادها وتعاونهم وحسهم ~~الأخلاقي العالي؛ فقد عثر على هيكل رجل في الأربعين من عمره، تبين من الدراسة ~~الدقيقة لعظامه أن صاحبه قد عاش طيلة حياته مشلول الجزء الأيمن من الجذع، وأنه ~~غالبا ما استعان بأسنانه لتعويض حركة ذراعه الأيمن، ومع ذلك فقد وصل إلى هذه السن ~~المتقدمة، بمعيار ذلك العصر، بفضل مساعدة الآخرين وحدبهم، وتم دفنه بكل عناية كما ~~يدفن بقية الأفراد العاديين. وفي هذا ما يدل على درجة عناية الجماعة بأفرادها حتى ~~المعوقين منهم وغير القادرين على بذل مجهود مساو في تحصيل القوت، وهي عناية قد لا ~~تتوفر في بعض المجتمعات الحديثة والمتطورة. # 7 # والآن، ما هي النتائج التي يمكن أن توصلنا إليها الدراسة المتأنية لبقايا مدافن ~~النياندرتال، والفرضيات التي يمكن صياغتها حول الحياة الروحية لذلك العصر؟ قبل ~~المغامرة بتقديم الفرضيات، لا بد لنا من تصنيف هذه البقايا لمعرفة ما إذا كانت ~~تبدي تكرارا يجعل منها شعيرة أو طقسا ثابتا. فأولا: في أغلب الحالات كانت ~~الجثث مطوية بشدة ضمن حفر صغيرة وفي قبور إفرادية. وثانيا: تم توجيه الأجساد وفق ~~محور شرق غرب في بعض الحالات لدى النياندرتال الأوروبي، وفي أغلب الحالات لدى ~~النياندرتال المشرقي الأكثر تطورا من الناحية المورفولوجية. ثالثا: هناك العديد ~~من الأمثلة تتم عن عناية خاصة برأس الميت، حيث تمت حمايته بأحجار كبيرة. رابعا: ~~لدينا حالات غير شائعة عن إحاطة الجسد ببراعم وأزهار من أنواع معينة منتقاة. ~~خامسا: هناك شواهد عديدة على قربان حيواني تم عند الدفن، وعلى دفن مواز لبقايا ~~الحيوانات المذبوحة. سادسا: لدينا أمثلة كثيرة على هدايا جنائزية مكونة من أدوات ~~أو عظام منتقاة، وقد وجدت الأدوات حتى في قبور الأطفال أو المواليد الجدد. # من تصنيفنا لإجراءات الدفن أعلاه، يتضح أن تكرارها عبر المناطق الواسعة التي ~~انتشرت فيها ثقافة النياندرتال، يوحي بشعائر دفن قائمة على موقف ms111 أيديولوجي متماسك ~~من مسألة الموت، ساد من شواطئ الأطلسي إلى أواسط آسيا، ويمكن تلمس خطوطه العامة ~~ببعض الثقة، ووفق الاستقراء الآتي: # فأولا: # هناك معتقد واضح بأن الكائن الحي يتألف من جسد مادي وروح ~~لطيفة، وأن هذه الروح تستقل عن جسد الميت لترحل إلى عالم آخر مواز ~~لعالم الأحياء. ويبدو أن الروح في اعتقاد النياندرتالي كانت تكتسب ~~عند استقلالها قوة غير عادية، تتخذ شكلا نافعا أو ضارا وفقا ~~لموقف الأحياء منها. وهذا هو التفسير الذي يقود إليه إجراء ثني ~~ركبتي الميت في حيزه الضيق القصير؛ لأن هذا الوضع من شأنه منع ~~الجسد من التمدد والخروج إلى عالم الأحياء، إذا عاودته الروح التي ~~غدت، بانفصالها، غريبة عن عالم الأحياء ومحملة بالقوى ~~المؤذية. # ثانيا: # يتخذ الرأس أهمية خاصة في معتقد الروح المفارقة والعالم ~~الموازي. ويدلنا على ذلك حماية الرأس بالألواح الحجرية، وكذلك ~~توجيهه نحو الشرق الذي يرمز إلى البعث؛ لأنه بوابة ميلاد أكبر ~~الأجرام السماوية، وهما الشمس والقمر. ونرجح أن الإنسان ~~النياندرتالي قد اعتقد بأن الرأس هو مقر الروح، خصوصا وأن مثل هذا ~~الاعتقاد قد وجد في العصر الحجري الحديث اللاحق. # ثالثا: # يبدو أن نثر الأزهار في قبر المتوفى # 8 # يؤدي معنى البعث الذي يؤديه توجيه رأس الميت نحو ~~المشرق؛ فالأزهار رمز لانبعاث الحياة في الشجر كما هو الشرق رمز ~~لانبعاث الجرمين العظيمين. وقد كان ظهور الأزهار الربيعية بشارة ~~سارة للإنسان النياندرتالي؛ لأنه كان يعتمد في غذائه على جمع ما ~~تجود به الأشجار إضافة إلى حصيلته من لحوم الطرائد. # رابعا: # يبدو أن دماء الحيوانات المذبوحة عند الدفن، كانت في اعتقادهم ~~تطلق طاقة من نوع خاص، تعين التوءم الروحي للمتوفى على عبور ~~البرزخ الفاصل بين العالم المادي والعالم الموازي. ولعل مما يرجح ~~هذا الافتراض أن الإنسان العاقل في الباليوليت الأعلى اللاحق، كان ~~يعتقد بوجود قوة حيوية في الدم، ويقوم بطلاء أجساد المتوفين وجدران ~~قبورهم بمادة حمراء تشبه لون الدم، للإيحاء رمزيا بطاقة الحياة. ~~وربما كان النياندرتاليون يقيمون وليمة جنائزية عند الدفن، يأكلون ~~فيها لحوم ms112 حيوانات القربان، ويتركون بعضها للتوءم الذي يستعد ~~لرحلته الطويلة. # خامسا: # استهل النياندرتال عادة الهدايا الجنائزية التي استمرت حتى ~~العهود التاريخية المتأخرة، وقد تألفت هدايا النياندرتال من ~~الأدوات الحجرية، وقطع معينة من عظام الحيوانات. ولما كانت ~~الأدوات قد وجدت في قبور المواليد الجدد، فإن من المستبعد أن ~~تكون لغاية استخدام التوءم الروحي؛ لأن هؤلاء المواليد لم يكونوا ~~قد تعلموا بعد استخدام الأدوات؛ ولذلك نرجح أن يكون لها وظيفة ~~سحرية ورمزية من نوع خاص، ولا نستطيع تكوين فرضية عنها الآن. أما ~~الهدايا الجنائزية المؤلفة من العظام التي يجري توزيعها حول جسد ~~الميت أو يقبض بيده على بعضها، فإنها مختلفة عن عظام الذبيحة، وجرى ~~اختيارها بشكل انتقائي لتحمل قيمة رمزية تشير إلى ما وراءها، فهي ~~على الأغلب مقر لقوة من نوع ما تتصل بالعالم الموازي الذي يرحل ~~إليه الميت. وبشكل خاص فإن قرون الماعز التي زرعت حول هيكل طفل ~~نياندرتالي في أوزبكستان، تردد أصداء بعيدة لطقوس ومعتقدات من ~~العصر النيوليتي اللاحق، تدور حول قرون الماعز أو الثور، والتي ~~اعتبرت رمزا لقوة ما ورائية عظمى ومقرا لها. # لقد استعملت منذ قليل مصطلح «قربان حيواني» لوصف الحيوانات المذبوحة عند الدفن، ~~وهو اصطلاح ينبغي ألا يؤخذ بحرفيته عند وصف أي طقس يتعلق بذبح الحيوانات في العصر ~~الباليوليتي. ففكرة القربان أو الأضحية هي فكرة متأخرة، وطقس الذبائح بمضمونه ~~المعتاد، أي تقديم ذبيحة من أجل استرضاء إله ما، هو طقس متصل بديانات العصور ~~التاريخية بشكل رئيسي، ولا أكاد ألمح له وجودا حتى المراحل المتأخرة من العصر ~~الحجري الحديث (النيوليتي). أما إذا صادفتنا ذبائح طقسية من نوع ما لدى إنسان ~~العصر الباليوليتي ومطالع النيوليتي، فينبغي أن تفسر ضمن السياق الداخلي ~~للمعتقدات والممارسات القديمة، لا استنادا إلى ما نعرفه عن الأديان السائدة اليوم ~~أو أديان العصور التاريخية السالفة. إن مفهوم القربان مرتبط بمفهوم الآلهة ~~المشخصة، أو الكائنات الروحية المقدسة التي صارت إلى ما يشبه الآلهة، مثل أرواح ~~الأسلاف لدى بعض الثقافات. أما عند عتبة الدين هذه، فإن فكرة الإله الذي ms113 يعلو على ~~مظاهر الطبيعة ويتحكم فيها باعتباره كيانا روحيا مستقلا، لم تتشكل بعد، ولم ~~يكن الأسلاف المؤلهون قد حازوا تلك المكانة العليا التي سنواجهها لدى الثقافات ~~اللاحقة. # إن ما نواجهه عند هذه المرحلة من عتبة الدين هو قوة قدسية غفلة، تنبعث من عالم ما ~~ورائي مجهول، مواز لعالم المظاهر الطبيعية المحسوسة المتنوعة الذي يعيشه ~~النياندرتالي. وهذه القوة لا تتجسد في أية شخصية روحية ذات كيان معرف ومستقل. ~~فلقد اعتقد الإنسان النياندرتالي، وكما تظهر مخلفات مدافنه، بوجود عالمين متوازيين ~~ومتبادلين في التأثير، يشكلان وحدة متكاملة تضم الوجود بأسره؛ فعالم يراه ويعيشه ~~بحواسه، وعالم لا يراه رغم تأثيره فيه وفعاليته في عالمه. وهو يرحل بين هذين ~~العالمين عبر برزخ الموت، الذي يعبره وفق طقوس خاصة، وجدناها متماثلة إلى حد كبير ~~في كل مكان وجدت فيه آثار النياندرتال. ولسوف أطلق على هذين العالمين، منذ الآن، ~~اسم عالم اللاهوت وعالم الناسوت، وذلك بصرف النظر عن المدلول الدقيق لهذين ~~المصطلحين في الأدبيات الإسلامية. وفي دراستنا المقبلة للمعتقدات الدينية ~~الإنسانية، سوف نرى أنها تنطلق جميعا من التعرف على عالم اللاهوت المفارق من جهة، ~~والمنبث عبر عالم الناسوت من جهة أخرى، وأن النشاط الديني على تعدد أشكاله عبر ~~العصور واختلاف الثقافات ليس إلا إقامة تواصل بين هذين العالمين. # وهكذا نستطيع الحديث عن «دين نياندرتالي» دون أن نتعب أنفسنا في البحث عن «آلهة ~~نياندرتالية». ولسوف نتعود منذ الآن على التعامل مع ديانات صغرى أو كبرى لا وجود ~~للآلهة فيها. ولكن يتوجب علينا منذ الآن أيضا أن نتخلى عن أطر تفكيرنا الحالية، ~~والطريقة التي ننظر بها إلى الدين من خلال ثقافتنا الخاصة، لنكون أقدر على فهم ~~واستيعاب ثقافات بعيدة ومغايرة، دون أن نسقط ما نعرفه على كثير مما لا نعرف، وهي ~~آفة يتصف بها الفكر الحديث إجمالا. لقد كان أول سؤال يطرحه الأنتروبولوجيون على ~~أنفسهم وهم يشرعون في دراسة دين شعب بدائي ما، هو: ما هي الآلهة التي يعبدونها؟ فإن ~~لم يجدوا آلهة بالمعنى الذي يفهمونه، ابتكروا لهم آلهة ms114 تتفق مع مفاهيمهم الخاصة عن ~~الدين والآلهة. من ذلك مثلا ما وجده الدارسون الأوائل لدين الهنود الحمر في ~~أمريكا الشمالية من مفاهيم غريبة عليهم، مثل مفهوم الواكوندا، وهي قوة كونية كبرى ~~لا تتمثل في شخصية إلهية من أي نوع، بل تنبث في الكون وتفعل من داخله، فأطلقوا ~~عليها مصطلح «الروح الكبرى»، واعتبروها بمثابة كبير الآلهة. وما زال المصطلح ~~مستعملا في حقل تاريخ الأديان رغم ضلاله، وتقصيره عن إيصال المضامين الحقيقية ~~لمفهوم الواكوندا. # ولكن، هل عبر الإنسان النياندرتالي عن اعتقاده بعالم ما ورائي، بغير ما رأيناه ~~من بقايا مقابره، وكيف عمل على إقامة صلة بينه وبين ذلك العالم؟ لقد ألمحنا سابقا ~~إلى أن النياندرتاليين لم ينتجوا أي نوع من أنواع الفن التشكيلي، الذي يمكن لنا من ~~خلاله النفاذ إلى عالمهم الفكري، إلا أن أية عملية ترتيب مقصود لعناصر منتقاة من ~~الوسط الطبيعي لا يتضح هدفها النفعي أو الاستعمالي، يمكن أن تزودنا بمفاتيح مهمة ~~لفك مغاليق الوسط الفكري لأولئك الناس. فلقد وجدنا على سبيل المثال أن غرس قرون ~~الماعز الجبلي حول جسد الميت بطريقة خاصة، هو إجراء يخفي وراءه اعتقادا باحتواء ~~هذه القرون على قوة من نوع ما. ولكن اكتشافات مثيرة أخرى قد ساعدت على إلقاء ضوء ~~أكثر سطوعا على المعتقد النياندرتالي. # في جبال الألب، تم اكتشاف ثلاثة كهوف تتوضع ~~على ارتفاعات تتراوح بين السبعة آلاف والثمانية آلاف قدم، وترجع إلى أواخر ~~الباليوليت الأوسط، احتوى كل منها على جماجم عظام دببة مغاور، تم ترتيبها بشكل ~~اصطناعي مقصود، أطلق عليها بعض الباحثين اسم «مقامات الدب»، ورأوا فيها دليلا على ~~عبادة منظمة تدور حول الدب، خصوصا وأن طقوسا مشابهة ما زالت قائمة لدى بعض الشعوب ~~البدائية في الدائرة القطبية الشمالية. في الكهف الأول والثاني من كهوف الألب، وعلى ~~عمق لا بأس به من المدخل، هناك حائط حجري بارتفاع 23 إنشا يرسم ما يشبه الصندوق ~~المفتوح، حفظت في داخله عدة جماجم لدببة المغاور ورتبت بطريقة خاصة؛ فبعضها قد ~~أحيط بحجارة صغيرة وآخر قد وضع على ms115 ألواح حجرية، وهنالك جمجمة ارتكزت مقدمتها على ~~عظم الساعد وأخرى قد اخترق عظما الساعد محاجر العينين فيها. أما في الكهف الثالث ~~فقد وجدت خمس جماجم مع عظام الساعد محفوظة فيما يشبه الخزانة الحائطية. وقد رصفت ~~أجزاء من هذه الكهوف بأحجار مسطحة، وقامت في بعض جوانبها مناضد حجرية استخدمت لشطف ~~الصوان، ووجدت حولها أدوات صوانية من الطراز ما قبل الموستيري. # 9 # وهناك كهف من الباليوليت الأعلى يظهر استمرارية لطقوس الدب في الباليوليت ~~الأوسط، ويلقي ضوءا عليها، رغم انتماء هذا الكهف إلى فترة الإنسان العاقل؛ فقرب ~~منتسبان بفرنسا، اكتشف كهف يحتوي على قاعة تقع في نهاية ممر طويل، وجدت فيها ~~دمية طينية كبيرة لدب في وضعية الربوض، وقد باعد ما بين قائمتيه الأماميتين، ~~وبينهما جمجمة لدب ملقاة على الأرض، والدمية منفذة بطريقة فجة ودون عناية ~~بالتفاصيل. لقد لفت نظر المكتشفين عدم وجود رأس للدمية في الأصل؛ فالرقبة منفذة ~~بطريقة لا تشير إلى أنها قد اتصلت برأس مفقود، إضافة إلى وجود ثقب عند سطحها ~~الأعلى، يدل على أن عصا كانت تغرس فيه لحمل ثقل ما يرتكز على الرقبة. وهذا ما ~~قاد إلى نتيجة منطقية واحدة، وهي أن رأسا لدب مذبوح (أو جمجمة له) كان ينصب فوق ~~رقبة الدمية، التي لم تكن في الواقع سوى حامل أو قاعدة للرأس الطبيعي، وأن هذه ~~القاعدة العميقة في الكهف لم تكن إلا مقاما مقدسا تقام عنده طقوس ذات علاقة ~~بعبادة الدب. # 10 # لقد اعترض بعض الباحثين في عصور ما قبل التاريخ على وجود ترتيب متعمد لجماجم ~~وعظام الدب في كهوف جبال الألب المذكورة أعلاه، # 11 # ولكني أقف إلى جانب الرأي المخالف الذي يرى في التكوينات التي اشتملت ~~على العظام ترتيبا مقصودا بدقة، وإن كانت الدلالات الحرفية لهذه التكوينات غير ~~ممكنة التفسير في الوقت الحاضر. وكل ما أستطيع استنتاجه عند هذه المرحلة من ~~معلوماتنا عن الثقافة النياندرتالية، هو أن لتلك التكوينات وظيفة رمزية تتصل ~~بالمعتقد الديني، وأنها تتعلق بالنشاط الهادف إلى إقامة علاقة مع المستوى القدسي ~~للوجود، الذي ms116 أحس النياندرتالي حضوره في النفس وفي الطبيعة. ومما يدعم رأينا في ~~الوظيفة الرمزية لتكوينات كهوف الدب، أن الترتيب المقصود لرءوس الحيوانات في أماكن ~~مخصصة ذات طابع ديني، قد استمر إلى العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، حيث نجد ~~مقامات مشابهة في مستقرات المزارعين الأوائل في سوريا وجنوب الأناضول، وقد رتبت ~~فيها رءوس الثيران وقرونها بطريقة خاصة ذات دلالة أيديولوجية دينية، بشكل بدا وكأن ~~الثور قد صار هدفا لاختيار روحي، على حد تعبير جاك كوفان، الذي درس بعناية ~~مقامات الثور في تل المريبط بسوريا. ومن ناحية أخرى، فإن كهف منتسبان الذي وجدت ~~فيه دمية الدب الطينية، والذي يعتبر حالة متأخرة لاستمرار طقوس الدب ~~النياندرتالية، لا يمكن تفسير محتوياته إلا باعتبارها أدوات لطقوس تدور حول الدب؛ ~~فهنا كان الصيادون يضعون رأس الطريدة المذبوحة حديثا على المحور المغروس في رقبة ~~الدمية، ويمارسون حولها طقوسا خاصة. غير أن ما أختلف فيه عن بقية القائلين ~~بالتفسير الديني لكهوف الدب، هو أن تلك الطقوس لم تكن قائمة على معتقد يؤله هذا ~~الحيوان ويرفعه إلى مستوى المعبود الأعلى، بل إنها تخفي معتقدات من نوع آخر، هي ~~المعتقدات التي قامت عند عتبة الدين قبل ظهور مفهوم الإله، وقبل تشكل عالم ~~الآلهة. # كان الأنتروبولوجي المعروف ليو فوربينيوس أول من صاغ مصطلح «سيد الحيوانات» (= # Animal Lord - Animal Master ~~)، وذلك في معرض ~~وصفه لطقوس بعض قبائل الصيادين في الصحراء الأفريقية. وسيد الحيوانات هذا، كما وجده ~~فوربينيوس لدى قبيلة «المحاليبي» التي انقرضت الآن، هو الذي يمكن أفراد القبيلة ~~من صيد الطرائد ويسوقها إليهم. وهو يظهر لهم في هيئة حيوانية لا بشرية، وعلى الألب ~~في هيئة الجاموس البري الذي يصطادونه أكثر من غيره؛ ولذا فإنهم يدعونه أيضا بالأب ~~الجاموس، وهم يعبدونه ويرفعون إليه الصلاة. وقد وهبهم هذا المعبود قرن جاموس يعينهم ~~في السيطرة على طرائد الصيد، وهم يستخدمونه على الشكل التالي: فقبل شروق الشمس، ~~يقوم المحاليبي برسم صورة على الرمل للطرائد المنوي صيدها، وعند بزوغ الشمس تماما ~~ترش الصور بدم يراق من قرن الجاموس الطقسي؛ ms117 وبذلك يسيطر الصيادون على موضوعات ~~صيدهم وينجحون في الإيقاع بها. # 12 # وقد سيطر هذا التفسير فيما بعد على دراسة معتقدات ما قبل التاريخ ، وصار ~~مصطلح «سيد الحيوانات» مفتاحا لتفسير المعتقدات الدينية البدائية منها والأصلية، ~~والتي تتوسل بصور الحيوان من أجل إيصال مضامينها الرمزية. فسيد الحيوان لدى ~~الصيادين، هو الحيوان المؤله الذي ينتمي إلى النوع الذي تصطاده القبيلة أكثر من ~~غيره، ويلعب الدور الأساسي في استراتيجيتها الغذائية. # إن تفسير الوثيقة الأقدم والأكثر غموضا، اعتمادا على الوثيقة المشابهة الأحدث ~~منها والأكثر وضوحا، هو إحدى مشكلات دراسات ما قبل التاريخ؛ فهنا يميل الباحثون ~~إلى إعطاء معنى للوثائق ذات الطابع الديني، عن طريق مقارنتها بما يشبهها في ~~الثقافات الكتابية اللاحقة، أو في الثقافات البدائية الحديثة. وهكذا تمت مثلا ~~مقارنة رءوس الثيران التي كانت موضع تقديس في بعض مواقع العصر الحجري الحديث، ~~كالمريبط وشتال حيوك، بنظائرها في الحضارة الكنعانية اللاحقة أو الكريتية، وأسقط ~~مفهوم «سيد الحيوانات» المستمد من ثقافات بدائية حديثة، على التشكيلات ذات الطابع ~~الرمزي في الباليوليت الأوسط، أو الوثائق الفنية للباليوليت الأعلى. يضاف إلى ذلك ~~أن مثل هذه المقارنات، رغم ابتعادها عن تقريبنا من الحقيقة لأسباب شرحناها سابقا، ~~فإنها تجري انطلاقا من مفاهيمنا الحديثة التي نعتبرها المعيار الأصح والأمثل. إن ~~مثل هذه المحاكمات والمقارنات هي التي تقود إلى ابتكار مفاهيم مثل «سيد الحيوانات»، ~~والبحث عن «آلهة» الإنسان الأول في تلك الأشكال الحيوانية التي كانت مركزا ~~لطقوسه. # ولكن ماذا يعني أن يعبد إنسان ما دبا أو ثورا أو كبشا، أو غير ذلك من شركائنا ~~النبلاء على هذا الكوكب؟ إن الدب أو أي حيوان آخر بالغا ما بلغ من القوة والجبروت، ~~كان بالنسبة لحضارات الصيد طريدة سهلة أو صعبة للإنسان؛ فالنياندرتالي الذي قيل ~~عنه إنه يعبد الدب كان في الواقع صيادا للدب، والإنسان العاقل من أهل الباليوليت ~~الأعلى الذي قيل إنه يعبد الثور كان صيادا للثور، وهكذا إلى نهاية هذه السلسلة من ~~العابدين والمعبودين المفترضين. فكيف يؤله الإنسان طريدة من طرائده ويتوجه إليها ~~بالعبادة؟ وحتى ms118 لو سلمنا جدلا بأن ثقافة ما قد عبدت الدب مثلا، فأي دب عبدت؟ ~~إن الدببة متشابهة، وهي لا تظهر كثيرا من الفروق الفردية كما هو شأن بني الإنسان، ~~فكيف تم اختيار الدب المعبود من بين هذا الحشد المتشابهة ألوانه وأشكاله؟ أم هل إن ~~الفصيلة كلها كانت موضع عبادة، وإن أي دب يوضع في المقام المقدس يمكن أن ينوب مناب ~~أي دب آخر؟ حول هذه النقطة الأخيرة يورد أحد الباحثين المدافعين عن مفهوم «سيد ~~الحيوانات» النقاش الآتي: «إن الثور العظيم الذي يلعب دورا بارزا في التصورات ~~الميثولوجية للصيادين، هو سيد الحيوانات والنموذج الأعلى البدئي لها (= # Archetype ~~). وهنا يمكن لنا استخدام تعبير فلسفي ~~ليس بعيدا جدا عن التفكير البدائي كما نتصور، وهو المثال الأفلاطوني. فالثور ~~العظيم هنا يمثل الفكرة الأفلاطونية للنوع، إنه يمتلك بعدا لا يملكه بقية أفراد ~~القطيع؛ فهو لا زمني، خالد كفكرة، ولا يمكن القضاء عليه. أما البقية فمجرد ظلال ~~خاضعة لمقولات الزمان والمكان، وبينما يسقط هؤلاء في الشراك ويقتلون فإنه في منجاة ~~عن الأذى؛ لأنه تعبير عن الجوهر الذي تخلق منه بقية أفراد نوعه.» # 13 # إن مثل هذه الالتفافة البارعة على المشكلة، تظهر نوع الصعوبات التي ~~تعترض القائلين بتأليه الحيوان وعبادة «سيد الحيوانات». ولرب قائل يقول بعد ذلك ~~بأن «سيد الحيوانات» ليس إلا صورة للإله وليس الإله المعبود نفسه، وأن الثقافات ~~الأصلية قد تصورت آلهتها في هيئة حيوانية كما بقي المصريون يفعلون حتى الأزمنة ~~التاريخية المتأخرة. وهنا يطرح التساؤل البدهي نفسه، وهو: لماذا فضل الإله أن ~~يظهر في صورة الحيوان حصرا من دون صورة الإنسان، رغم إحساس الإنسان بمكانته ~~المتميزة في مملكة الطبيعة؟ ولماذا لم تظهر صورة الإنسان كاملة في التصوير الديني ~~لعصور ما قبل التاريخ حتى أعتاب الفترات التاريخية؟ # 14 # أما عن التقاليد الدينية المصرية التي حافظت على بعض الملامح الحيوانية لبعض من ~~آلهتها، فهذا أمر سوف نتعرض له في حينه، ولا يشكل موضوع مقارنة مشروعة هنا. # إلى ماذا تشير ترتيبات رءوس الدب في مقامات الباليوليت الأوسط إذن؟ ms119 في تفسيرنا ~~لشتات بقايا قبور النياندرتال، قلنا إن ذلك الإنسان كان أول من دفن موتاه بعناية ~~خاصة وفق طقوس ثابتة متكررة، وصاغ لنفسه، ولنا من بعده ، أولى التصورات الدينية. ~~واستنتجنا أن تصوراته تلك كانت تدور حول مستوى لا مرئي، أو مجال قدسي، ترحل إليه ~~أرواح الموتى بعد مغادرتها للمستوى المرئي المعاين والمعاش، وأسمينا المجالين أو ~~المستويين للوجود بعالم اللاهوت وعالم الناسوت. وإضافة إلى ذلك فإن كل الظواهر ~~الطبيعية الغامضة وغير المفسرة، المواتية منها لحياة الإنسان أو المهددة لها، ~~قد فسرت على أنها أعراض صادرة عن المستوى الموازي القدسي؛ فالزلازل والبراكين ~~والأعاصير وتتابع الفصول وحركة الأجرام السماوية، ليست إلا ظواهر ناجمة عن فعل قوة ~~غفلة وغير مشخصة تنشأ عن عالم اللاهوت لتؤثر في عالم الناسوت، وتعود إلى مصدرها في ~~دورة دائبة، قوة منبثة في العالم المرئي وليست منه في الآن نفسه. من هنا فقد شعر ~~النياندرتالي بالحاجة إلى إقامة صلة مع ذلك العالم، فعمد إلى إفراد بقع مقدسة يتنزل ~~فيها اللاهوت في عالم الناسوت، أو يرتفع منها الناسوت إلى عالم اللاهوت، وكانت تلك ~~المقامات الأولى في أعماق المغاور، بمثابة مقرات للتمارين الدينية الأولى التي ~~مارسها الإنسان. ولكن الإنسان لا يستطيع أن يركن إلى ملاذ عميق في ظلمة الأرض، ~~متأملا في ذلك العالم غير المرئي، محاولا النفاذ إليه أو استجلاب قوته، دونما ~~وساطة أو شفاعة، بل كان لا بد له من التفكير في اللامرئي من خلال موضوع مرئي يرمز ~~إليه ويشير، ويتخذ دور الوسيط بين السماء والأرض، وهذا الموضوع المرئي هو شارة ~~قدسية تجعل الغائب حاضرا أو المجرد ملموسا. وبالنسبة إلى الإنسان النياندرتالي ~~كانت هذه الشارة القدسية هي رأس الدب الذي يرمز إلى القوة الكونية التي تربط عالم ~~اللاهوت بعالم الناسوت. وقد تم اختيار رأس الدب تحديدا؛ لأن النياندرتالي قد رأى ~~في الدب نموذجا أعلى للقوة في المسرح الطبيعي الذي يعيشه، وهو أصلح ما يكون لتمثيل ~~القوة الشمولية الغفلة السارية في الكون. # ولتقريب مفهوم الشارة القدسية إلى الأذهان، أقول بأن أكثر أشكال ms120 التأمل الديني ~~سموا وتجريدا في ديانات الشرق الأقصى، تبدأ مستعينة عادة بشارة قدسية ما، برمز ~~من هذا العالم يشير إلى ما وراءه في المستوى الآخر، الذي يحاول المتأمل إقامة صلة ~~معه. من هذه الشارات القدسية، التكوين التشكيلي المعروف باسم المندالا. والمندالا ~~هي دائرة ترتسم في داخلها أشكال تنتظم حول المركز في ترتيب ذي دلالة، فيقوم المتأمل ~~بتركيز بصره عليها، ناظرا من خلالها إلى أعماق نفسه صعودا نحو العوالم القدسية. ~~فإذا كان طالب الاستنارة في الديانات الشرقية، وهو أقدر الناس طرا على تلمس ~~العوالم التجريدية، راغبا في شارة من هذا العالم تعينه على عقد صلة مع لاهوته، ~~فإن الإنسان الأول كان أكثر منه حاجة إلى مثل هذه الشارة. وإذا كانت المندالا شكلا ~~فنيا معدا بعناية فائقة، ويحمل وراءه تاريخا طويلا من التجربة الفكرية ~~والروحية، فإن شارة الإنسان الأول كانت هيئة طبيعية غير مصقولة من عالمه ومن أكثر ~~مجالات الطبيعة قربا إليه. # إن الشكل الحيواني الذي تم تشخيصه في تكوينات الباليوليت الأوسط، ومن بعده في ~~فنون الباليوليت الأعلى وصولا إلى العصر الحجري الحديث، قد تم استخدامه في وظيفة ~~رمزية بحتة، ولم يكن بأية حال صورة لإله معبود؛ إنه رداء لقوة ما ورائية يتم ~~استحضارها من خلاله وعقد صلة معها. أما لماذا قامت ثقافة ما باختيار حيوان معين أو ~~أكثر، من بين عشرات الخيارات المتاحة، فأمر يحتمل أكثر من تفسير، ولسوف أتقدم ~~بما يبدو أكثرها إقناعا عند هذه المرحلة من البحث؛ فالإنسان الأول الذي كان يشعر ~~بوحدة عضوية تجمعه إلى كل مظاهر الحياة على الأرض، كان يعقد صلة روحية مع فصيلة ~~معينة من الحيوان، هي غالبا موضوع صيده الرئيسي ومصدر غذائه. وكان لهذا السبب يحس ~~معها بنوع من المشاركة، وقيام نوع من «العهد» بينهما لا تنفصم عراه، وهو عهد ~~ملزم لكلا الطرفين بالدرجة والقوة نفسها. لهذا لم يكن صيده لها وتحويلها إلى غذاء ~~بمثابة فعل عادي دنيوي، بل كان طقسا له من القدسية ما لطقوس الصلوات والعبادة. من ~~هنا، فإن الشارة القدسية سوف ms121 تستمد من أقرب العوالم إلى الصياد؛ من فصيلة حيوانه ~~المفضل أو رفيقه الروحي؛ فهنا تتحول كل الهيئات المتماثلة لأفراد لا حصر لهم من ~~الطرائد لتندمج في هيئة مثالية واحدة، هي في الآن نفسه تجسيد أسمى للفصيلة وشارة ~~قدسية لعالم اللاهوت. # إن الارتباك الحاصل في مجال البحث عن الحياة الروحية لإنسان العصور الحجرية، ينبع ~~من كوننا نبحث في ديانة أي جماعة بشرية عن إله وعن صورة إله، وتغيب عنا حقيقة أن ~~فكرة الإله لم تكن سوى ناتج متأخر نسبيا من نواتج الحياة الروحية للإنسان؛ فقبل ~~الإله المشخص الذي يحمل معه تاريخا وسيرة حياة ومعالم شخصية واضحة ومستقلة، أحس ~~الإنسان بحضور مجال قدسي، بعالم ألوهي لا تحكمه شخصية معينة فاعلة، بل تفيض منه قوة ~~شمولية تتخلل عالم الناسوت، كل زاوية وركن، كل هيئة حية وجامدة. ولم يكن هنالك في ~~الحقيقة أنسب من الصورة الحيوانية لاستخدامها في الرمز إلى تلك القوة الغفلة؛ ~~فالحيوان لا شخصية له، ولا يتمتع بفردية ظاهرة كشأن الإنسان، والدب المفرد هو دب ~~وحسب، بلا اسم وبلا هوية ولا سيرة ذاتية، أما الهيئة الإنسانية فما إن تصب في قالب ~~تشكيلي حتى يتم التساؤل عن هويتها وأصلها وفصلها وعلائقها. من هنا يمكن القول بأن ~~ابتداء تشكل الآلهة خروجا من عالم اللاهوت غير المتمايز، قد ترافق مع حلول الشكل ~~الإنساني محل الشكل الحيواني في التصوير الديني. وقد تمت هذه العملية ببطء شديد ~~وعبر عشرات الألوف من السنين، ولم تكن الأشكال الإنسانية الأولى التي عبرت عن ~~عوالم الألوهة سوى أشكال مفرطة في الرمزية، ولا تحمل ملامح شخصية محددة؛ الأمر ~~الذي جعل وظيفتها أقرب إلى الوظيفة الرمزية للشكل الحيواني. # سوف نتعرض في الفصل المقبل لبداية ظهور الشكل الإنساني مع ظهور التكوينات ~~النحتية العشتارية التي يدعوها الأوروبيون بفينوسات العصر الحجري، ولكن بعد وقفة ~~مطولة مع أولى كاتدرائيات الإنسان العاقل، وأعني بها كهوف الرسوم ~~الجدارية. ~~(3) الباليوليت الأعلى وكاتدرائيات الأعماق # إن النياندرتال الكلاسيكي الذي عرفته أوروبا خلال الباليوليت الأوسط، هو غصن ~~منقطع من شجرة التاريخ الطبيعي للإنسان، ms122 وقد انقرض بعد أن بدأت طلائع الإنسان ~~العاقل تفد من مناطق المشرق العربي، وهي طلائع تطورت عن النياندرتال المشرقي. ~~فهياكل النياندرتال التي تم اكتشافها في فلسطين بشكل خاص، تظهر مرحلة وسطى من ~~التطور نحو هيئة الإنسان العاقل، وحالة انسلاخ كان يقوم بها النياندرتالي هنا، عن ~~الهيئة النموذجية المعروفة في أوروبا. إن عظام أطراف الهياكل التي اكتشفت في مغارة ~~السخول، على سبيل المثال، تبدي شبها كبيرا جدا بعظام أطراف الإنسان العاقل، ~~وكذلك عظم الفك الأسفل والجزء الخلفي من الجمجمة. ويبلغ الشبه درجة يعتقد علماء ~~الأنتروبولوجيا معها بأن هذه القطع لو اكتشفت مستقلة عن بقية هياكلها، لكان من ~~الصعب التعرف عليها كأجزاء من هياكل نياندرتالية. وهكذا يبدو ظهور الإنسان العاقل ~~في الشرق الأدنى كنتيجة واضحة لتطور محلي، أما في أوروبا فقد ظهر الإنسان العاقل ~~دفعة واحدة، مع أدواته الجديدة التي كانت شائعة في الشرق الأدنى منذ زمن بعيد؛ ~~الأمر الذي يدل على وصوله مع ثقافته المكتملة من المشرق، عن طريق البلقان فأوروبا ~~الوسطى، حيث عثر على دلائل تشير إلى مثل هذا الارتحال. # 15 # ورغم ذلك فإن ثقافة الباليوليت الأعلى التي ابتدرها الإنسان العاقل ~~المشرقي لم تزدهر في مواطنه الأصلية، بل في مواطنه الأوروبية التي ارتحل إليها، ~~بحيث وصلت قمة أوجها وأتمت دورتها كاملة في أوروبا. تتميز هذه الثقافة، التي ~~ابتدأت في وقت ما بين 35000 و40000 قبل عصرنا هذا، عن سابقتها بميزتين رئيسيتين؛ ~~الأولى تسارع التقدم التكنولوجي، والثانية ولادة الحس الجمالي عند الإنسان. ~~وتتجلى النهضة الجمالية للباليوليت الأعلى بشكل خاص في التصوير الجداري، الذي ~~اكتشفت آياته البديعة في كهوف تقع في أعماق بعيدة عن سطح الأرض، أفردها إنسان ذلك ~~العصر لهذه الغاية. # نظرت حضارتنا الحديثة إلى فن التصوير على أنه من الفنون العليا المرتبطة ~~بالمدنيات الكبرى؛ لذلك فقد كان من الصعب على جمهرة المهتمين، وحتى الاختصاصين، أن ~~يقتنعوا بأن ذلك الإنسان المجهز بفأس حجري، كان قادرا على إنجاز تلك الروائع في فن ~~التصوير، والتي يمكن وضعها جنبا إلى جنب مع روائع الحضارات ms123 العليا، بما فيه ~~الحضارة الغربية الحديثة. وقد ساعد على خلق هذه الشكوك في بداية الأمر، أن اكتشاف ~~كهوف الرسوم الجدارية قد تم قبل أن يكون الرأي العام والدوائر المعنية في حالة تهيؤ ~~لقبولها؛ ولذا فقد بقيت فترة طويلة في حالة شك وتجاهل لقيمتها التاريخية. ففي عام ~~1875م، على سبيل المثال، اكتشف كهف التاميرا في إسبانيا، رحالة ودارس آثار هاو، ~~وتردد عليه مرات كثيرة حتى تعرف على معظم قاعاته وأروقته. وعندما أعلن هذا الباحث ~~الرائد عن اكتشافه، وعن رأيه بخصوص علاقة رسوم هذا الكهف بإنسان ما قبل التاريخ، ~~قوبل بعاصفة قوية من الاستغراب، وحتى السخرية أحيانا، ولم يتم الاعتراف بانتساب ~~هذا الكهف إلى العصور الحجرية القديمة حتى عام 1902م، وبعد فترة لا بأس بها من موت ~~مكتشفه. ورغم أن الوسائل الحديثة في تاريخ اللقى الأثرية، قد كشفت تدريجيا عن ~~أصالة جميع رسوم الكهوف المعروفة وأحقية الإنسان القديم بها، فإن ظلال الشك لم ~~تنقشع عن بعضها إلى ما بعد فترة الخمسينيات من القرن العشرين. # 16 # إضافة إلى فن الكهوف الذي يمثل قمة النهضة الجمالية لعصور ما قبل التاريخ طرا، ~~فقد تمثل الحس الجمالي لذلك العصر أيضا بصناعة الحلى وقطع الزينة، مثل الأطواق ~~المصنوعة من أسنان الغزال المزخرفة بالأشكال المحزوزة والأساور وشبكات الشعر ~~المصنوعة من الخرز، والأقراط التي تتدلى منها أقراص من حجر أو طين مشوي أو من عاج ~~محفور. وقد اكتشفت قطع الزينة هذه في مقابر بالباليوليت الأعلى؛ فقد كان موتى ذلك ~~العصر من النساء والرجال يدفنون بكامل لباسهم وزينتهم التي كانت لهم في الحياة، ~~ويظهر لنا من بقايا المقابر أن استخدام قطع الزينة كان شأنا مشتركا بين الجنسين، ~~حتى إن الرجال فاقوا النساء أحيانا زينة وتبرجا. وكان الدفن يتم في قبور إفرادية ~~وتحت أرضيات كهوف المعيشة، أو في مواقع المعسكرات المقامة في السهول المكشوفة. ~~وتميزت هذه القبور عن سابقتها النياندرتالية، إضافة إلى الزينة المصطحبة، بأن ~~أجساد الموتى كانت تطلى باللون الأحمر المصنوع من المغرة الحمراء، إشارة إلى القوة ~~الحيوية الكامنة في ms124 الدم، وتمنيا وإيحاء ببعث قريب. وهذا ما يقودنا إلى متابعة ~~استكشاف العالم الروحي لإنسان العصر الحجري القديم في آخر حلقاته التي استمرت حتى ~~12000 عام من عصرنا هذا، معتمدين على شواهد أوضح ووثائق أكثر غزارة ودلالة، وسنبتدئ ~~برسوم الكهوف. # 17 # فن الكهوف # تشكل المنطقة الفرانكو-كانتربيرية ~~(Franco-Canterbrian) ~~، الممتدة بين جنوب فرنسا وشمال إسبانيا، ~~المنطقة التقليدية لكهوف الرسوم الجدارية؛ فهي أغزر المناطق بهذه الكهوف، كما ~~أن الرسوم تشكل مجموعة متجانسة في روحها وأسلوبها العام، إضافة إلى قدمها ~~واحتوائها على أعرق نماذج فنون الإنسان العاقل. وقد تم حتى الآن الكشف عن مائة ~~كهف أو يزيد، سواء في المنطقة ذاتها أم في امتداداتها داخل إسبانيا وفرنسا ~~وجنوب إيطاليا. إن أول ما يلفت النظر في الكهوف الكانتربيرية هو تشابه تكوينها ~~الطبيعي وهيئاتها الداخلية، وطريقة توزيع الرسوم في ردهاتها وأروقتها؛ فهذه ~~الكهوف جميعها يمتد إلى أعماق موغلة في باطن الأرض، قد تصل إلى الميل في بعض ~~الأحيان أو تزيد. أما الأماكن التي اختيرت كمساحات للرسم فبعيدة عن المداخل، ~~ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر ممرات طويلة مظلمة ومتعرجة، تعترضها وهدات ~~خطرة، وقد تضيق الممرات في بعض أقسامها إلى درجة لا يمكن معها متابعة التقدم ~~فيها إلا حبوا أو زحفا. وعندما تنفتح هذه الممرات الخطرة أخيرا على القاعة ~~الرئيسية، وتظهر الصور بكل جلالها على أضواء مصابيح اليد الكهربائية، أو فيما ~~مضى على ضوء المصباح الزيتي المتراقص، يكون المسافر إلى هذه البقع النائية ~~الغامضة، قد غادر الجو العلوي بواقعيته وإيقاعه الزمني، وولج إلى بؤرة مكان ~~سحري ينتمي إلى مستوى آخر للوجود وزمن آخر. فما الذي تنطوي عليه هذه المقامات ~~السفلى؟ # في كهف لاسكو المتعدد الردهات والقاعات، والذي يدعوه البعض بقية سستين العصر ~~الباليوليتي، تيمنا بقبة سستين الفاتيكان التي نفذ صورها مايكل أنجلو، تمتلئ ~~الجدران بأشكال لا حصر لها من الثيران والبيسون والخيول البرية والوعول. ومثله ~~أيضا كهف الإخوة الثلاثة وغيرهما؛ مئات من صور الحيوانات المفردة تتوضع بعضها ~~قرب بعض، أو يتعدى حيز بعضها على الحيز المجاور، فتتداخل حدود ms125 الأشكال وتتراكب. ~~في هذه المساحات المزدحمة بالصور، يصعب على الفاحص تبين مشهد أو تكوين يجمع بين ~~حيوانين أو أكثر، فكل صورة لحيوان منفذة في معزل عن الصورة الأخرى وفي تجاهل ~~تام لوجودها القريب. وقد قام القس آبي ~~برويل # A.H. Breuil ~~، وهو أهم دارس لرسوم الكهوف الكانتربيرية، باكتشاف ~~المستويات الزمنية المتتابعة التي نفذت فيها رسوم الكهوف، والتي تبدو لأول وهلة ~~وكأنها رسمت عبر فترة زمنية واحدة. وقد وجد برويل أن أقدم الصور مرسوم باللون ~~الأسود، يليها زمنيا اللون الأحمر؛ فالرسوم من الألوان الثلاثة، وهي الأحمر ~~والأسود والأصفر. كما لاحظ أن بعض الصور قد خضع للترميم والتجديد، على مدى ~~عشرات القرون المتوالية التي بقيت خلالها هذه الكهوف مهوى أفئدة إنسان ~~الباليوليت الأعلى. أما عن الأشكال المتداخلة أو المتراكبة، فيرى بعض الدارسين ~~أن أجزاء من المساحات الأقدم قد طليت من قبل الفنانين في الحقبة الأحدث ~~بأرضية لونية قابلة للتأكسد، ورسمت فوق الأرضية الجديدة أشكال أخرى، وعندما ~~زالت الأرضية بفعل التأكسد ظهرت المستويات الأسبق إلى جانب المستويات الأحدث. # 18 # انقسم الدارسون الأوائل لرسوم الكهوف إلى فريقين؛ فريق يرى بأن هذا الفن قد ~~أنجز لغايات فنية جمالية بحتة، وفريق آخر يرى فيه سعيا لغايات نفعية لا ~~جمالية، وأن الرسوم الجدارية ليست سوى أدوات سحرية استخدمت في طقوس تستهدف ~~السيطرة على الطرائد والإيقاع بها، وذلك استنادا إلى مبدأ السحر التعاطفي، حيث ~~الشبيه ينتج الشبيه، وحيث السيطرة الرمزية ~~على صورة الحيوان تؤدي إلى السيطرة الفعلية عليه في حقول الصيد. وقد تراجع ~~الاتجاه القائل بالفن لأجل الفن بسرعة أمام الاتجاه القائل بالسحر، والذي ~~تحول إلى مدرسة رسخت أقدامها واستمالت إليها جمهرة الباحثين. ولعل مما ساعد ~~أهل المدرسة السحرية على تطوير تفسيراتهم والسير بها إلى نتائجها القصوى، ذلك ~~الفيض من المعلومات التي قدمتها الإثنولوجيا عن عادات السحر التعاطفي ~~الشائعة بين المجتمعات البدائية المعاصرة، وخصوصا الممارسات المتعلقة برسم ~~الحيوان الجريح على الأرض قبل الانطلاق لصيده، فعقدوا المقارنات بينها وبين ~~قيام فنان الكهوف برسم حيوانات جريحة تخترقها السهام، أو تسيل الدماء ms126 من جروحها ~~المفتوحة، ورسمه أيضا لإناث الحيوانات في حالة الحمل، أو تصويره لأوضاع ~~المعاشرة الجنسية. والنتيجة التي توصلوا إليها هي أن رسوم الكهوف طرا ليست ~~إلا تقنيات سحرية تعتمد المبدأ التعاطفي؛ فالحيوان الجريح على جدار الكهف، إنما ~~يمارس تأثيرا على حيوان البرية عبر وسط تعاطفي يربطه به، وكذلك الفرس الحامل ~~والثيران التي تشب على البقرات، فإنها توحي للقطعان الطليقة بالتكاثر. # 19 # لقد ساعدت الدراسات المبكرة التي نشرها ~~آبي برويل، وهو أول دارس جدي لرسوم الكهوف وأشهر الاختصاصيين فيها، على ~~الترويج لأفكار المدرسة السحرية منذ عام 1902م، عندما انكب منذ الثانية ~~والعشرين من عمره على دراسة واستنساخ المئات من رسوم الكهوف، ووضع فيها مؤلفا ~~مشهورا تحت عنوان «أربعمائة قرن من فن الكهوف». # 20 # ومع أن برويل قد تخلى عن تفسيراته الأولى، إلا أن مدرسة السحر ~~استمرت بفعل دفعاتها الأولى القوية، وصارت لأكثر من نصف قرن النظرية الوحيدة ~~التي تدعي تفسيرا شاملا لفن الكهوف، وبلغ من سيطرتها أن معظم الباحثين في ~~ثقافات ما قبل التاريخ، وفي تاريخ الأديان خاصة، كانوا يسوقون التفسير السحري ~~وكأنه بدهية لا تتطلب تمحيصا أو مناقشة. نقرأ في كتاب معروف لأحد مؤرخي ~~الديانات، جوزيف كامبل، ما يلي: ~~«يبدو عدد من الحيوانات وقد غرست سهام في جنباته، وآخر قد ظهرت على جسده ~~جروح مفتوحة من أثر الحراب. وهنا لا يسع المرء إلا أن يقارن مع ممارسات السحر ~~الأسود الذي يستعين بصورة من الشمع للشخص المطلوب إيذاؤه، فيكتب على الصورة ~~اسمه، ثم توخز الصورة بالإبر أو تترك لتذوب على النار.» # 21 # وفي كتاب معروف في تاريخ الفن، سواء في أصله الألماني أم في ترجمته ~~الإنكليزية والعربية، يصل يقين المؤلف بالتفسير السحري حد العجب، وتثير ~~الرثاء أحكامه الدوغمائية التي يطلقها حول افتقار إنسان الباليوليت الأعلى ~~إلى الحد الأدنى من الشروط اللازمة لقيام دين بالمعنى الصحيح. يقول أرنولد ~~هاوزر مؤلف الكتاب، مقتفيا إثر رائد الأنتروبولوجية البريطانية تيلور: ~~«فماذا كان السبب والغرض الكامن من وراء هذا الفن؟ هل كان تعبيرا عن استمتاع ~~بالحياة ms127 يلح على أن يسجل ويردد، أم إرضاء لغريزة التمتع بالتزيين، أم كان له ~~غرض عملي محدد؟ ... إن من الواضح أن كل شيء في عصر الحياة العملية الخالصة تلك، ~~إنما يدور حول كسب العيش وحده، وليس هناك ما يسوغ القول بأن الفن كان يخدم ~~غرضا آخر سوى أن يكون وسيلة للحصول على الغذاء. والواقع أن الدلائل جميعها ~~تشير إلى أنه كان أداة لأسلوب سحري، وكانت له بهذا الوصف وظيفة عملية بحتة، ~~تستهدف أغراضا اقتصادية مباشرة فحسب. ويبدو أنه لم يكن هناك أي عنصر مشترك بين ~~هذا الفن وما نسميه اليوم بالدين، فلم يكن الإنسان وقت ذلك يعرف الصلوات، ولم ~~يكن يعبد قوى مقدسة، ولم يكن هناك أي نوع من الإيمان يربطه بموجودات روحية ~~تنتمي إلى عالم آخر؛ وبالتالي فقد كان يفتقر إلى ما يوصف بأنه الحد الأدنى من ~~الشروط اللازمة لقيام دين بالمعنى الصحيح ... إن الصورة كانت هي التصوير والشيء ~~المصور في آن واحد، وكانت هي الرغبة وتحقيق الرغبة في الوقت نفسه، ولقد كان ~~صياد العصر الحجري يعتقد أنه قد استحوذ على الشيء ذاته في الصورة، ويظن أنه قد ~~سيطر على الموضوع عندما يصور الموضوع.» # 22 # يمثل هذا المقطع لباب الفكرة الأساسية التي يدور حولها التفسير السحري لرسوم ~~الكهوف. ورغم أننا نواجه في العديد من المؤلفات الحديثة بآراء تعتمد التفسير ~~السحري، إلا أن الموقف الدوغمائي الذي طالعنا أعلاه قد قل مثيله؛ فلقد فضل ~~المؤلف الاقتباس الحرفي عن تيلور، الذي غدت أفكاره مجرد تاريخ، بدل الاستنارة ~~بالوقائع الجديدة حول رسوم الكهوف، وما يمكن أن تقوله بخصوص المعتقدات الدينية ~~لإنسان الباليوليت الأعلى. إن المعلومات الإحصائية الناتجة عن دراسة مائة كهف ~~أو تزيد، في المنطقة الكانتربيرية وبعض امتداداتها، تفيد بأن عدد الرسوم التي ~~تمثل حيوانات جريحة أو مطعونة، لا يزيد عن 15٪ من مجموع الرسوم التي تعد بالآلاف. # 23 # ولا أدري كيف استطاعت هذه النسبة الضئيلة أن تأسر انتباه الباحثين، ~~وحتى المعاصرين منهم، وتوجههم إلى صياغة نظرية في تفسير رسوم الكهوف على أساس ~~سحري. # ومن ms128 ناحية أخرى، إذا كان فن الباليوليت الأعلى يقوم على السحر التعاطفي، وعلى ~~فكرة ارتباط الأشياء بعلائق ثابتة يمكن معرفتها، وتعلم كيفية التأثير فيها ~~دون واسطة من قوى غير منظورة، فلماذا وضعت هذه الرسوم على حافة الصمت في ~~أعماق معتمة لا يصل إليها إلا كل راغب وقادر؟ ولماذا أحيطت بهذا الجو الذي ~~يوحي بكل ما هو فوق طبيعاني، طالما أن «السحر التعاطفي يفترض أن الأحداث في ~~الطبيعة يتلو بعضها بعضا بشكل حتمي ودون تدخل من قوى خارجية، وأن الساحر ~~يتوقع امتثال النتائج المرجوة، بالضرورة، للإجراءات الطقسية التي يقوم بها ~~طالما اتبع الوصفة السحرية الصحيحة»، على حد تعبير جيمس فريزر؟ # 24 # رغم أن المدرسة السحرية قد أخفقت في تقديم نظرية شاملة، وتعرضت مؤخرا إلى ~~كثير من النقد، إلا أن مساهمتها الكبيرة تكمن في لفت النظر إلى الطابع غير ~~الاعتيادي لرسوم الكهوف، وإلى وظيفتها التي تتجاوز الشكل الفني الجمالي؛ الأمر ~~الذي ترك الباب مفتوحا أمام البحث عما وراء الشكل الظاهري لفنون تلك الثقافة ~~المنقطعة الأسباب. وبما أن نقدة المدرسة السحرية لم يستبدلوا النظرية بأخرى، ~~فقد وقف البحث مدة طويلة أمام طريق مسدود قبل أن تطلع الباحثة الفرنسية ~~أمبريير لامنغ بأطروحتها المعروفة حول معنى الفن الباليوليتي. # 25 # لقد وضعت لامنغ أسس اتجاه جديد في التفسير، ينظر إلى الهيئات ~~الحيوانية في رسوم الكهوف، لا في مؤداها الخارجي كحيوانات تنتمي إلى فصائل ~~بعينها، بل في مؤداها الرمزي كمفردات في لغة تشكيلية من نوع خاص. ثم تابع ~~البروفيسور أندريه لوروا غورهان أبحاثه في الاتجاه نفسه، معتمدا منهجا ~~معلوماتيا يستعين بالحاسوب، بعد أن صارت كل المعلومات التي رتبها وصنفها ~~الباحث الرائد آبي برويل جاهزة لمثل هذه القفزة، وقدم نظريته الثورية في ~~كتابه المشهور عن فنون ما قبل التاريخ. # 26 # ينظر لوروا غورهان إلى رسوم الكهوف الكانتربيرية باعتبارها وحدة متكاملة، لا ~~نستطيع دراسة أو تفسير رسم مفرد منها دون بقية الرسوم، وفي علاقته معها، سواء ~~في الكهف الواحد أم في بقية الكهوف مجتمعة. ففي السابق، كانت وحدة الدراسة التي ms129 ~~يبني عليها الباحث استنتاجه هي رسم مفرد، أو عدة رسوم متقاربة في مساحة واحدة ~~قد تصل أحيانا إلى جدار كامل في إحدى القاعات. أما عند لوروا غورهان، فقد اتسع ~~حيز الدراسة ليشمل 68 كهفا كانت بمثابة الوحدة الأساسية للدراسة، بما تحتويه ~~من عدد هائل من الرسوم بلغ تعداده 2188 رسما. كانت نقطة الانطلاق في بحث ~~غورهان، هي تحديد نوع الحيوانات التي تتوضع في منطقة المركز من كل جدار، ~~وعددها، وكذلك نوع وعدد الحيوانات التي تتوضع على الأطراف، أو تحتل الممرات ~~والمداخل والزوايا البعيدة. وبعد معالجة الكم الكبير من المعلومات بواسطة ~~الحاسوب، تبينت له حقيقة على غاية من الإثارة، وهي أن المناطق المركزية ~~يشغلها على الدوام ثلاثة أنواع؛ هي الثور والبيسون والحصان، بينما تحتل بقية ~~الأنواع الحيوانية الأطراف والمناطق الثانوية الأخرى. كما تبين له من دراسة ~~الحالات القليلة التي ترافقت فيها الأشكال الإنسانية مع الأشكال الحيوانية، أن ~~الثور يتخذ قيمة رمزية أنثوية، ومثله البيسون، أما الحصان فيتخذ قيمة رمزية ~~ذكرية. ووجد أيضا أن القيم الرمزية الذكرية تعادل القيم الرمزية الأنثوية، ~~حيث بلغ عدد المرات التي صور فيها الثور 46 مرة، والبيسون 148 مرة، أما ~~الحصان فقد صور 819 مرة؛ أي ما يساوي عدد مرات تصوير الثور والبيسون ~~مجتمعين. وبينما يغادر الحصان مكانه في مركز الجدار ليظهر في أماكن أخرى ~~ثانوية، فإن الثور والبيسون قد بقيا على الدوام في مكانهما المركزي لا ~~يغادرانه. ومن هذا المنظور الجديد أيضا، تتخذ الحيوانات الجريحة والسهام ~~والحراب الموجهة إليها، دلالات جديدة في هذه المنظومة الرمزية؛ فالجروح ذات ~~قيمة رمزية أنثوية، أما السهام والحراب فذات قيمة رمزية ذكرية. والنتيجة ~~الإحصائية لكل ذلك، أن الرمز الأنثوي يتوضع على الدوام في المركز، أما الرمز ~~الذكري فيتوزع بشكل متساو حول هذا المركز وعلى الأطراف القريبة والبعيدة. أما ~~الاستنتاج الذي يبنيه لورا غورهان على هذه النتائج الإحصائية، فهو قيام ~~أيديولوجيا دينية لدى الإنسان العاقل في الباليوليت الأعلى، تعتمد جدلية ~~المبدأين الذكري والأنثوي في تعارضهما وتكافؤهما. # 27 # تكمن أهمية هذا التفسير الجديد ms130 في أنه قد أخرج دراسة فن الكهوف من الحلقة ~~المفرغة التي تدور فيها النقاشات بين أصحاب المدرسة السحرية وخصومها، وبالدرجة ~~الأولى في كشفه عن المضامين الدينية لفن الكهوف، والوظيفة الروحية لتلك ~~المقامات المقدسة الأولى. ولكن رغم قيام لامنغ ولوروا غورهان برسم خطوط واضحة ~~للطريق الذي ينبغي أن تسير عليه الدراسات المقبلة لرسوم الباليوليت الأعلى، فإن ~~بعض الباحثين قد آثر عدم الوقوف إلى جانب أي من النظريات، وذلك في انتظار ~~معلومات قد لا تظهر أبدا. فالباحثة ب. م. غراند، وهي من تلامذة آبي برويل ~~اللامعين، تؤكد على وجود رسالة ما متضمنة في الرسوم التي تركها لنا إنسان ~~الباليوليت الأعلى، قد تكون مفتاحا لفكر الإنسان الباليوليتي، ولكنها تأسف ~~لعدم استطاعتنا معرفتها. تقول غراند: ~~«إن الصور الجدارية تضعنا في حالة مشحونة بعاطفة فائقة، تجعلنا ننظر إليها ~~بعين القداسة ... وبعيدا عن كهف لاسكو الذي يوليه البعض أهمية خاصة، فإن كل كهوف ~~الصور الجدارية تشارك بدرجات متفاوتة في هذا الجو الجليل الذي يغمر المكان، ~~كما أن رسومها تشكل كلا منسجما يخضع للقوانين الداخلية نفسها، ويبين عن ~~مصدر إلهام واحد. إن التكرار الذي يتبدى في الرسوم والخصائص المميزة لها، ينطوي ~~على هم أساسي تحاول الرسوم التعبير عنه بإلحاح، وتتخذ هذه المحاولة في ~~التعبير، في كل كهف، حالة هاجس مسيطر. وهكذا فإن الصور الجدارية تضعنا أمام ~~أحاسيس متضاربة؛ فهناك إحساس عنيف يغمرنا بوجود قيم كبيرة تحاول هذه الرسوم ~~نقله إلينا، وفي الوقت نفسه هناك اعتراف ضمني بعجزنا عن فهم ما تود نقله ... قد ~~تكون رسوم الكهوف جزءا من ميثولوجيا كبرى تحتل أقوى الحيوانات العاشبة فيها ~~مركز الصدارة، إلا أن مفاتيحنا إلى حقبة الصيد العظيمة تلك قد ضاعت. إن كل ما ~~لدينا من تلك الحقبة هو صور وشارات، قد تعيننا على صياغة فرضيات لا بد من ~~صياغتها، غير أن الوقت لم يحن بعد لتحديد العلائق الميتافيزيقية المتضمنة فيها.» # 28 # إن كل ما سقته حتى الآن ينفي أمرين نفيا قاطعا، وهما أن يكون فن الكهوف ~~قد هدف إلى إنتاج ms131 آيات فنية بدافع الحس الجمالي وحده ولغرض إمتاع الحواس، وأن ~~يكون ذلك الفن مدفوعا بالهاجس الغذائي ومتوسلا بالتقنيات السحرية إلى الإيقاع ~~بحيوانات الصيد؛ فرغم أن رسوم الكهوف قد نفذت بتقنيات جمالية شارفت حد الكمال، ~~فإن التمتع بالجمال لم يكن واحدا من أهدافها، ناهيك عن كونه الهدف الأساسي ~~أو الوحيد، وإلا لما وضعت في أعماق يصعب اكتشافها كما يصعب الوصول إليها في ~~حال اكتشاف بواباتها؛ فهل كان إنسان ذلك العصر مضطرا لقطع تلك الأنفاق ~~المعتمة في ظلمة دامسة وبيده مصباح زيتي، منحنيا معظم المسافة أو زاحفا على ~~أربع، ومعرضا نفسه للوقوع في المطبات المؤذية، ليصل إلى قاعات الرسوم ~~فيقف أمامها معجبا مستمتعا؟ أما عن الهاجس الغذائي والتقنيات السحرية، فإن ~~الوقائع الإحصائية لا تؤيدها، ولم يعد من الوارد الحديث عنها. وبالمقابل، فإن ~~كل الدلائل تشير إلى أن هذه الرسوم تحتوي على قيم كبيرة تحاول التعبير عنها، ~~وأن هذه القيم هي قيم روحية دينية تتصل بمعتقدات ذلك العصر. قد يكون من الصعب ~~في الفترة الراهنة رسم صورة كاملة عن ديانة العصر الحجري القديم الأعلى، ~~اعتمادا على ما وصلنا من رسوم كهوفه؛ لأن ذلك سيكون أشبه بمحاولة يقوم بها ~~علماء من الكواكب الأخرى لدراسة ديانة أوروبا في القرن العشرين اعتمادا على ~~بقايا الكاتدرائيات، أو ديانة الشرق الأوسط اعتمادا على البنى المعمارية ~~للمساجد الكبرى. ولكن الأمر الذي نراه ممكنا هو التعرف على المعتقد الديني في ~~خطوطه العريضة، وذلك من خلال ألف باء اللغة الرمزية المشتركة التي استخدمت في ~~الكهوف كلها. فهنا يتابع الفنان بحثه من خلال أسلوب متماثل ووحدات تشكيلية ~~متكررة وهاجس جمالي وروحي واحد. إن كل شيء يشير إلى محاولة محمومة للتعبير عن ~~قلق ديني وقيم روحية، فما هي؟ # تشكل الهيئة الحيوانية الموضوع الأول والأخير لرسوم الكهوف، أما الهيئة ~~الإنسانية فلم تصور إلا مرات قليلة جدا، وتمت معالجتها بسرعة ولامبالاة، ~~وبأسلوب الخطوط السريعة غير المدروسة، حيث تركت في وضع مبهم غير مكتمل. ~~نستثني من ذلك الهيئات المختلطة التي جمعت بين الإنسان والحيوان في مخلوق ms132 ~~واحد، وهي أيضا قليلة جدا؛ فهنا صور الشكل الإنساني وقد استعار أعضاء ~~لحيوانات أخرى، كما هو الحال في الرسم المدعو ب «ساحر كهف الإخوة»؛ فهذا ~~المخلوق الهجين يقف في انحناءة خفيفة على ساقين إنسانيتين، غير أن له وجه ~~البومة وقرني وعل وذيل حصان وكف دب، ومن خلف عجيزته تبرز أعضاؤه التناسلية كما ~~الأسد . ونظرا إلى أن هذا الشكل لم يتكرر أبدا في أي كهف آخر، فإن أي تفسير له ~~سيكون من باب التخرصات التي لا تقوم على أساس، رغم أن أصحاب المدرسة السحرية قد ~~وجدوا فيه كنزا ثمينا، وشبهوه بسحرة القبائل البدائية المتنكرين في زي ~~حيواني. وعلى العكس من الشكل الإنساني، فإن الحيوان قد رسم بعناية بالغة، ~~وبأسلوب حركي حيوي استنفد كل ما تستطيعه تقنيات التصوير من تعبير عن طاقة ~~الحياة في قمة تدفقها وتفجرها، وذلك في أشكال الحيوانات المنطلقة، أو أقصى ~~حالات احتباسها وهي على وشك الانطلاق، وذلك في أشكال الحيوانات الواقفة ~~الساكنة. ورغم أن الأسلوب يتسم بالطبيعية والبعد عن التنميط والخطوط ~~الهندسية، إلا أنه تعبيري في صميمه، ويلجأ إلى التحوير المقصود من أجل إظهار ~~مضامين انتقائية؛ فالقيمة الرمزية هنا أمر مؤكد، وهاجس الصيد لا يشغل بال ~~فنان الباليوليت أكثر مما شغل بال رسام الأيقونات البيزنطية هاجس الولادة ~~والتكاثر وهو يرسم العذراء الحبلى أو العذراء والطفل الإلهي؛ ففي الحالتين نحن ~~أمام تكوين رمزي يشير إلى ما وراءه، والشكل الحيواني هنا ليس إلا وعاء لقوة ~~ما ورائية، وجدت تعبيرها الأمثل في طاقة الحيوان المحسوسة على المستوى ~~الطبيعي. # وهناك أمر ملفت للنظر في اللوحات الجدارية، وهو خلو المشهد الحيواني من أية ~~خلفية طبيعية، أو عنصر آخر يمت إلى عالم الطبيعة بصلة. فلا وجود لشمس أو قمر، ~~ولا لصخرة أو شجرة أو نهر، ولا لأرض تخطو عليها هذه الهيئات الحيوانية، أو أفق ~~يحدد موقعها، ورغم ذلك فإنها لا تبدو كمن يسبح في الفراغ، بل متمكنة من نفسها ~~ومتوازنة على خلفية غير مرئية. ومع أن الفنان قد عني عناية فائقة في تظليل ~~الكتل ms133 المرسومة، وإبراز معالمها من خلال تداخل النور والظل، إلا أن هذه الكتل ~~ذاتها لا تلقي ظلا على الأرض، وكأنها تتحرك في حيز لا مكان فيه للنور والظلام ~~بمفهومهما المتعارف عليه. كل ذلك يعطينا الانطباع بأننا لسنا أمام مشهد من ~~مشاهد الطبيعة التي نعرفها، وأن الحيوان المصور ليس جزءا من الحياة البرية ~~لإنسان ذلك العصر، ولكنه جزء من مجال آخر وعالم مواز آخر. إن جو الجلال ~~والروعة الذي يحيط بهذه الثيران والأفراس المندفعة بقوة لا تنتمي إلى هذا ~~العالم، أو التي تتكتل على نفسها منطوية على قدرة جبارة توشك على الانفلات، ~~لترتفع بها أمام أنظارنا اليوم إلى مستوى القداسة التي تشع من الأيقونات ~~البوذية أو المسيحية. أما الجو المحيط بها فيعطينا إحساسا شبيها بإحساسنا ~~عندما ندلف لأول مرة إلى كاتدرائية قوطية. من هنا فإن الحديث عن دين خاص ~~بالباليوليت الأعلى، لا ينبع من أي تخيل أو إسقاط، وإنما ينبع من هذه الأماكن ~~نفسها، ومما توحيه للإنسان العاقل اليوم، الذي لا يختلف في أساسيات بنيته ~~النفسية والفكرية عن الإنسان العاقل الباليوليتي. # لقد كان إنسان الباليوليت الأعلى في هذه البقع القصية المظلمة، يبحث عن ~~تواصل مع المجال الآخر، مع عالم اللاهوت، من خلال شارات قدسية تربط بين ~~العالمين. وكما فعل إنسان الباليوليت الأوسط، فقد اختار إنسان الباليوليت ~~الأعلى شارته المقدسة من العالم الحيواني، لا ليعبدها بذاتها، بل ليستحضر من ~~خلالها قوة العالم الموازي. وتحولت كهوف الدب المتواضعة، التي اتخذها ~~النياندرتال مقامات مقدسة، إلى كاتدرائيات نحتتها الطبيعة في الأعماق على حدود ~~أوقيانوس المظلمة، وأقام فيها الإنسان العاقل نقاط تواصل مع المجال الآخر، من ~~خلال هيئات حيوانية تلخصت بشكل رئيسي في الثور والبيسون والحصان. إن الجو فوق ~~الطبيعاني الذي يملأ كهوف الرسوم الجدارية، والذي ما زلنا إلى اليوم نستشعر ~~حضوره، قد خلقه إحساس الإنسان الباليوليتي الصافي بعالم اللاهوت؛ بذلك المجال ~~القدسي الذي ينبث في الطبيعة الناسوتية، مثلما تنطلق هذه الحيوانات الحرة ~~معبرة عن قدرة طاغية لا حدود لها. # ومما يؤكد الأغراض غير النفعية للكهوف، أن ms134 كل ما فيها يشير إلى أنها لم ~~تستخدم قط لأي غرض دنيوي؛ فهنا لا وجود لعظام الطرائد التي يعثر عليها ~~الآثاريون عادة في الكهوف السكنية، ولا أثر لنار المواقد، ولا دلالة على بقايا ~~دفن. كل ما أمكن العثور عليه هو بقايا من أدوات الرسم مثل أقلام المغرة ~~الحمراء، وبعض المصابيح الزيتية التي كان الفنان يرسم على ضوء فتيلها الباهت ~~المتراقص. أما عن الطقوس التي كان يمارسها هنا، فأمر لن يمكننا معرفته أبدا. ~~ربما كان يتأمل الشارة القدسية التي تكشف أمام عينيه القوة السارية، أو يقوم ~~بحركات درامية من شأنها استمالة هذه القوة والتأثير عليها لتحقيق أغراضه، أو ~~يأتي إليها بالجيل الجديد من الفتيان البالغين لتلقينهم أسرار الحياة الروحية ~~للجماعة، وهم محاطون بأنسب جو لمثل هذه العملية. فإلى جانب الرسوم الجدارية ~~المشبعة بالجلال والمشعة بالروعة، فإن الكهف في حد ذاته هو مكان موح بكل ~~المشاعر والأحاسيس غير الدنيوية، والرحيل إلى تلك الأعماق التي تكاد أن تلامس ~~رحم الأرض، يصحبه سفر روحي يودع معه المتعمق داخل الأنفاق صخب الحياة، ~~ويقترب من بؤرة اتصال بعوالم سرانية غير منظورة. لقد كان إنسان الحضارات العليا ~~بما اكتسبه من تقنيات معمارية قادرا على تصور وبناء هياكل كبرى، تستقطب ~~أجواؤها التي يصطنعها معماريا انفعالاته الدينية وتعكس إحساسه بالمجال ~~القدسي. أما إنسان العصور الحجرية، فقد كان يبحث عن هياكله الطبيعية في الأماكن ~~التي تشع منها رهبة لا تصطنعها قباب أو سلاسل عقود عالية. ولعله كان يرتاد مثل ~~هذه الأماكن بشكل عرضي وغير منتظم عندما فرضت عليه أجواؤها فكرة الرسوم ~~الجدارية، وتحولت تدريجيا إلى مقامات ~~مقدسة. # ولعلنا واجدون في القيمة الروحية لمواقع الكهوف في الحضارات اللاحقة، ما يلقي ~~ضوءا على المعاني التي أوحت بها تلك الكهوف العميقة لإنسان العصر الحجري؛ ففي ~~ميثولوجيات العديد من الثقافات التاريخية، يقوم الكهف رمزا للخلق والولادة؛ ~~فهو المكان الذي صدرت منه الأجرام السماوية والجماعات البشرية الأولى، وبقعة ~~مقدسة تشكل معبرا بين العوالم الدنيوية والعوالم القدسية. ولدينا بعض الأمثلة ~~التي تدل على استمرار تقديس بعض ms135 الكهوف القديمة التي تعود إلى عصر ما قبل ~~التاريخ، عبر الفترات التاريخية اللاحقة، وبقاء مواقعها بمثابة نقاط لاتصال ~~السماء بالأرض. فهرم الشمس الأكبر بموقع # Teotihucan # القديم بالمكسيك، وهو أضخم بنية ~~معمارية في أمريكا الوسطى القديمة، قد تبين أنه بني فوق مقام ديني بدائي، وأن ~~هذا المقام بدوره قد بني فوق كهف قديم ذي وظيفة دينية يتخذ شكل تويج رباعي، ~~ويقع تحت مسقط رأس الهرم الأكبر تماما. ومن دلائل استمرارية التاريخ الروحي ~~بين الكهف القديم والهرم الذي ورثه، هو شيوع عنصر التويج الرباعي في الزخارف ~~المنقوشة على الهرم، وهو الهيئة الطبيعية التي كانت للكهف، والتي بقيت في ذاكرة ~~المعماري. ومن الممكن جدا أن أساطير شعب الآزتيك التي تروي عن صدور الشمس ~~والقمر من أحد الكهوف، إنما تشير إلى هذا ~~الكهف بالذات. # 29 # إن أول الأفكار الدينية قد تولدت عند الإنسان الأول من إحساسه بحضور بعد ~~آخر للوجود يتخلل عالمنا ويفارقه في الآن نفسه. ويعبر هذا البعد فوق الطبيعاني ~~عن نفسه في الطبيعة، من خلال فيض قوة مقدسة تصدر عنه وتنبث في كل مظهر طبيعاني، ~~وهذه القوة هي أقرب إلى السيالية الطاقية التي تتجلى آثارها بشكل مادي وتتبدى ~~تحت العديد من الأقنعة، وفيها نجد تفسير كل حركة في الكون وكل طاقة ظاهرة ~~آثارها. وهكذا فنحن هنا أمام مفهوم ديني ذي شقين؛ فهناك أولا البعد القدسي ~~للوجود، عالم اللاهوت الموازي لعالم الناسوت، وهناك قوة عالم اللاهوت التي ~~تجمع وتوحد بين العالمين. فإذا أخذنا اكتشاف لوروا غورهان عن جدلية الرموز ~~الأنثوية والذكرية بعين الاعتبار، قلنا إن القوة السارية في العالم الفيزيائي ~~هي ذات طبيعتين؛ طبيعة مؤنثة وطبيعة مذكرة، وإن الجدل بين هاتين الطبيعتين هو ~~الذي يعطي القوة السارية فعاليتها. وهذا ما يضعنا أمام النموذج الأصلي لتصورات ~~القوة في بعض الحضارات الكبرى اللاحقة، وخصوصا الحضارة الصينية. لقد وجد الفكر ~~الصيني أن في الكون محركا أولا قوامه قوتان متعارضتان ومتعاونتان في آن ~~معا، هي قوة ال «يانغ» الموجبة، وقوة ال «ين» السالبة، ورأى أن كل مظهر ms136 مادي ~~ليس إلا تفاعلا بين كميات محددة بدقة من هاتين القوتين. وهذه الفكرة في ~~الحضارة الصينية متجذرة في تاريخها البعيد، وعبرت عن نفسها في الفكر الديني ~~والدنيوي منذ مطالع التاريخ الصيني المعروف. # ولكن، هل عقلن الإنسان الأول ما ننسبه إليه من نظرات وأفكار؟ وهل قام ~~بتداولها بالطريقة التي نصوغها هنا؟ والجواب على ذلك هو أن هذه الخبرات الدينية ~~الأولية سابقة لكل تفكر وتدبر في العالم، والمواجهة بين الإنسان وعالم اللاهوت ~~لا تنجم عن تجربة عقلية؛ لأنها في الأساس خبرة وجودية تفرض نفسها عليه بسبب ~~استعداد فطري لتلقي الأثر الدينامي للمجال الآخر، بعيدا عن المفاهيم والصياغات ~~العقلية. من هنا، فإن ناتج المواجهة يتحول إلى اختبار نفساني لوحدة وتكامل ~~الوجود المدرك وغير المدرك، وهي وحدة لا تنبي عن نفسها للتأمل الذهني بل ~~للعواطف والمشاعر. أما التعبير عن هذا الاختبار النفسي، فإنه قد تم ولا شك من ~~خلال صياغات شتى؛ فلقد استخدم الإنسان الأول كما رأينا إمكانات الفن إلى أقصى ~~مدى، وبطريقة قلما عرفت لاحقا، من أجل توصيل ذلك الإحساس بالمجال القدسي. ~~أما الطقوس التي كانت تجري في كاتدرائيات الأعمال تلك، وأما الصياغة التواصلية ~~للمعتقدات، فأمور لا يمكن حتى التفكير بإعادة بنائها. # الدمى العشتارية والقوة المؤنثة # لم تكن رسوم الكهوف هي الشواهد الوحيدة على التصورات الدينية للباليوليت ~~الأعلى؛ فإلى جانب هذه الأعمال الفنية التي حفظت في حرز حريز، فقد عمد ~~الإنسان الأول إلى إنتاج أعمال فنية من نوع آخر، عثر عليها في مواقع عمله ~~وسكنه تمثلت في الدمى الحيوانية، وفي الدمى الأخرى الأنثوية ذات الشكل ~~البشري، وفي منحوتات بارزة على الصخر تحت سقوف صخرية مضاءة بنور ~~الشمس. # في منطقة لوسيل # Laussel # بجنوب فرنسا وتحت ~~سقف صخري، يطالعنا حرم مقدس من نوع جديد. في الوسط من الحائط الصخري الرئيسي ~~نحت بارز يمثل هيئة أنثوية ترفع بيدها اليمنى وعلى مستوى الكتف قرنا لثور ~~البيسون، أما اليد اليسرى فترتكز بكفها على البطن الممتلئ، وعلى النحت بقايا من ~~مغرة حمراء كانت تلونه منذ أكثر من ثلاثين ألف ms137 سنة. وهذه الهيئة الأنثوية لا ~~تشبه من قريب أو بعيد الهيئة التي نعرفها لإنسان الباليوليت الأعلى من بقايا ~~هياكله العظيمة؛ فمنطقة الحوض والبطن منتفخة بشكل غير اعتيادي، وكذلك الفخدان، ~~والرأس يتخذ شكل كتلة مكورة لم تصور عليها أية ملامح، أما الأطراف فدقيقة بشكل ~~غير متناسب مع كتلة الجسم. بالقرب من هذا الشكل المركزي على الحائط الرئيسي ، ~~عثر على عدد من الهيئات الأنثوية الأخرى منقوشة على قطع متكسرة ومتناثرة من ~~الصخر، اثنتان منها تشبهان الهيئة المركزية وترفعان باليد شيئا لم يمكن التعرف ~~عليه، وثالثة في وضع الولادة، وأخرى لرجل في وضع رامي الرمح، وشذرتان لضبع ~~وحصان، إضافة إلى ألواح صخرية حزت عليها أشكال للعضو الجنسي الأنثوي. # 30 # فهل نحن هنا، وفي هذا الحرم المقدس المختلف، نقف أمام تعبيرات عن ~~معتقدات مغايرة لما وجدناه في المقامات السفلية المظلمة؟ قبل معالجة هذا ~~التساؤل، دعونا نتتبع التعبيرات الفنية المشابهة، والتي انتشرت في ذلك العصر ~~على رقعة واسعة من أوروبا. # إذا كان فن الكهوف قد ازدهر بشكل رئيسي في المنطقة الفرانكو-كانتربيرية، ~~واستطالاتها على طول محور عمودي يخترق أفريقيا، فإن الأشكال النحتية الأنثوية ~~قد انتشرت على محور أفقي من جنوب روسيا إلى أوروبا الوسطى فأطراف جبال ~~البيرنيه. حتى الآن وفيما عدا النحت البارز لعشتار لوسيل الآنف الذكر، والذي ~~لا ينتمي إلى فن الدمى العشتارية بل إلى ما يشبهه، فإن المنطقة ~~الفرانكو-كانتربيرية قد خلت من الدمى العشتارية بشكل ملفت للنظر، وبطريقة ~~تجعلنا نعتقد بأن فن الرسوم الجدارية قد استنفد كل الطاقة الإبداعية لإنسان تلك ~~المنطقة. أما منطقة الدمى العشتارية، فلم يعثر فيها إلا على كهف واحد في ~~جنوب روسيا مماثل للكهوف المعروفة، وزاخر مثلها برسوم جدارية على النمط نفسه. # 31 # الأمر الذي يدل على أننا أمام ثقافة باليوليتية واحدة ركزت في كل ~~منطقة على أسلوب في التعبير دون أن تهمل تماما الأسلوب الآخر. # فيما عدا دمية واحدة منفذة بسرعة ودون ~~اعتناء تمثل شكلا ذكريا، عثر عليها بين هدايا جنائزية في أحد القبور، فإن ~~بقية الدمى التي تم ms138 العثور عليها على المحور الأفقي الذي يعبر أوروبا من شرقها ~~إلى غربها، فيما بين ضفاف الدون والسفوح الشرقية لجبال البيرنيه، هي تماثيل ~~أنثوية صنعت من مواد طبيعية متنوعة، بينها عاج الماموت والحجر الكلسي ~~والكالسيت والطين المشوي. # 32 # ورغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بين مواقع الباليوليت الأعلى التي ~~وجدت فيها هذه الدمى العشتارية، فإنها تبدو وكأنها نتاج موقع واحد، وعدد من ~~الفنانين الذين أتقنوا أسلوبا واحدا متماثلا. فكتلة الجسد تتخذ شكلا ~~مغزليا مستدق الطرفين عند الرأس والقدمين، منتفخ الوسط عند منطقة البطن ~~والورك، ويتخذ الرأس شكل كتلة غير متمايزة، وبدون وجه أو ملامح، مع الإشارة إلى ~~الشعر أحيانا بواسطة حزوز، وقد تنكمش كتلة الرأس هذه لتغدو انتفاخا يشبه رأس ~~الحية. أما عن الأطراف، فإن الساقين تستدقان تدريجيا بعد الركبة حتى ~~تنتهيا معا إلى طرف مدبب، مع غياب كامل للقدمين، بينما تهمل الذراعان إلى ~~درجة لا نكاد معها تبينهما في بعض هذه الدمى، فإذا عرفنا أن أصغر هذه ~~التمثيلات لا يتجاوز الإنشين في ارتفاعه، وأكبرها لا يتجاوز القدم الواحدة، ~~عرفنا لماذا دعيت بالدمى لا بالتماثيل. كل هذه السمات تشير بوضوح إلى أن ~~الفنان لم يكن يصور جسدا أنثويا مما يراه في عالم الطبيعة الإنسانية، وإنما ~~كان يستدعي رموزا أنثوية يستعين بها من أجل التعبير عن حقيقة تتجاوز الجسد ~~الأنثوي إلى ما وراءه. وإني أرى أن الفنان هنا كان يجسد القوة السارية في شارة ~~قدسية، تعادل من حيث الجوهر الشارة القدسية الحيوانية، وأنه كان يتوسل بالسمات ~~الأنثوية المحورة والمرمزة، من أجل إنتاج هيئة تمثل التركيز الأقصى للقوة ~~السارية في الطبيعة، والتي تبدو هنا متجمعة في مناطق الخصب الأنثوية حتى لتكاد ~~تفيض بما فيها، تماما كما رأيناها متجمعة في تلك الأشكال الحيوانية الساكنة، ~~التي نشعر بها على وشك الانفلات من عقالها. # إن ما حاول فن الدمى العشتارية أن يستحضره أمام عين المشاهد، شبيه بما حاول ~~استحضاره فن الكهوف في رسومه الحيوانية؛ فهو ينقل إحساس إنسان الباليوليت بعالم ~~اللاهوت وقوته السارية في عالم الناسوت، رغم ms139 حلول الشكل الشبيه بالإنساني محل ~~الشكل الحيواني. إن الشكل الشبيه بالإنساني هنا يحقق الغاية نفسها التي للشكل ~~الحيواني؛ فالأنثى المرموزة الغائبة الشخصية، المحرومة من الملامح التي تدل على ~~هيئة صاحبها، ليست شخصا بعينه؛ إلها ما أو كائنا روحانيا ما ورائيا، ~~بقدر ما هي شارة مجردة. وبكلمة أخرى، إننا أمام تعبير عن الألوهة لا أمام رسم ~~لصورة إله . لقد كان الفنان الباليوليتي، بقدراته الفنية التي أثبتها في رسم ~~الحيوان، قادرا بلا شك على تصوير ملامح الوجه الإنساني على أكمل وجه، ولكنه لم ~~يفعل، بل لقد آثر أحيانا إلغاء الرأس برمته ليكون عمله أقدر على صرف عين ~~الناظر وقلبه عن تصور أية شخصية محددة، والتركيز على الفكرة المجردة للألوهة ~~غير المشخصة، من خلال رسالة بصرية ذات شيفرة خاصة بذلك العصر. # إن تعثرنا في فهم الرسائل البصرية للعصور القديمة، نابع من كون حضارتنا هي ~~حضارة لغة متطورة وكتابة متطورة. فنحن لكي نفهم أمرا ما، يجب أن نكون قادرين ~~على شرحه بالكلمات وعلى تلقيه بالكلمات، وبأكبر قدر من الوضوح والتفصيل. وهذا ~~من شأنه أن يقيم حاجزا بيننا وبين أنماط التعبير التصويرية التي تركتها لنا ~~ثقافات ما قبل الكتابة، عندما لم تكن اللغة قد بلغت شأوا من التطور يجعلها ~~قادرة على التعبير عن لطائف المجردات. على أن إدراك الفرق بين الأسلوبين ~~التوصيليين من شأنه تقديم عون كبير لنا على التواصل مع الماضي السحيق؛ فالرسالة ~~البصرية ليست مطردة؛ أي إنها لا تكشف عن محتواها بشكل متتابع وإنما دفعة واحدة، ~~أما الرسالة الكلامية فتكشف عن محتواها بشكل تفصيلي مترابط الحلقات خطوة فخطوة. ~~من هنا، فإن فهم الرسالة الكلامية (= اللغوية) يأتي تباعا، أما فهم الرسالة ~~البصرية فيتم بإدراك الكل دفعة واحدة؛ أي إنه لا يتأتى عقليا بل ~~شعوريا. # رغم وحدة الرسالة المتضمنة في الرسوم الجدارية للكهوف السفلى، وفي الدمى ~~العشتارية، إلا أن الوظيفة الدينية لكل شارة من هاتين الشارتين مختلفة تماما ~~عن الأخرى؛ فرسوم الكهوف النائية لم تكن بمتناول الأفراد في كل وقت وحين، وأغلب ~~الظن أنها كانت ms140 مركزا لطقوس دورية سنوية، أو لمناسبات طقسية متباعدة ذات طابع ~~تكراري، مثل طقوس العبور والتلقين. أما الدمى الأنثوية الصغيرة والخفيفة ~~الحمل، فلا بد أنها كانت جزءا من أدوات طقسية تستخدم في شعائر ذات طبيعة ~~مختلفة تماما عن شعائر الكهوف، وربما تعلقت بمفاهيم الخصب بشكل أساسي، خصوصا ~~وأن شكلها المغزلي يدل على أنها كانت تغرس في الأرض بوضع عمودي، ضمن سياق ~~طقسي، يستهدف إحلال الخصب في الأرض التي تفيض بثمارها على ذلك الإنسان اللاقط ~~وبعشبها على حيوانات صيده، أو تستخدم في طقوس أخرى تستهدف التأثير في القوة ~~السارية لتحصيل منافع أخرى منها، أو لاستبعاد أذاها؛ ذلك أن القوة وفق فهم ~~الإنسان الأول لها ليست كائنا ذا إرادة وتدبير، بل سيالة غفلة تسري في ~~الطبيعة، وتفعل فيها دونما حس أخلاقي بالخير والشر بمفهومهما الإنساني ~~المعتاد. # ولكن، هل تصورت ثقافة الدمى العشتارية القوة على أنها قوة أنثوية صرفة، في ~~مقابل ثقافة الكهوف التي رأت في القوة جدلية أنثوية ذكرية؟ قد يصعب البت في ~~هذا الرأي الآن، ولكنه مرجح نظرا إلى طغيان الدمى الأنثوية على غيرها من ~~الدمى الحيوانية أو الذكرية، التي لم يتم تنفيذها بنفس العناية والإتقان. ~~يضاف إلى ذلك أننا في الوضع الحالي للوثائق لا نملك معلومات إحصائية مؤكدة حول ~~العدد النسبي لدمى كل نوع حيواني، ولا دراسة تماثل دراسة لوروا غورهان حول ~~قيمها الرمزية مقابلة بالقيمة الرمزية للشكل الأنثوي؛ إلا أن بعض المقارنات مع ~~الثقافات العليا اللاحقة، التي رأت في القوة جوهرا أنثويا صرفا، مثل ~~الثقافة الهندية، قد يلقي ضوءا على هذه المسألة؛ فالديانة الهندوسية التي ~~تمتلئ معتقداتها بالآلهة والإلهات من كل نوع، يمكن في النهاية تلخيص معتقدها ~~الأساسي إلى الإيمان بقاع قدسي للوجود، هو المطلق الكلي المدعو شيفا، وبقوة ~~أنثوية تصدر عنه تدعى شاكتي، وهذه القوة هي مصدر كل نشاط وفعالية على المستوى ~~الطبيعي. ولسوف يكون لنا وقفة مطولة مع هذا المعتقد لاحقا. # عند هذه المرحلة من دراستنا، أعتقد أن ~~تفريقنا الأساسي بين الإله وبين الألوهة أو المجال القدسي قد ms141 غدا واضحا في ذهن ~~القارئ؛ فالإله كائن فوق طبيعاني، يتمتع بشخصية ذات ملامح واضحة، ووعي وإدراك ~~مستقلين، وإرادة حرة، ورغبات وأهواء خاصة به، وله سيرة حياة، وربما تاريخ ميلاد ~~أيضا، وقد يموت كما يموت البشر. ورغم أن الآلهة تنتمي إلى بعد آخر للوجود، ~~إلا أن حياتها متداخلة مع حياة الناس بشكل لا تنفصم عراه، حتى إن معاشها يعتمد ~~على ما يقدمه إليها البشر من قرابين، وغالبا ما تسكن في مكان قريب إليهم مثل ~~قمم الجبال العالية. من هنا، فإن علاقة البشر بالآلهة هي علاقة استمالة ~~واسترضاء من قبل البشر، وعطف ومنة من قبل الآلهة؛ فالبشر يقيمون لها ~~المعابد، ويرفعون الصلوات، ويتضرعون إليها، ويتضعون أمامهم، وقبل كل شيء ~~يقربون إليها القرابين من أفضل حيواناتهم أو محاصيلهم، بل ربما عمدوا أيضا ~~إلى الأضاحي البشرية، وبالمقابل فإن الآلهة تلبي لهم مطالبهم وتمن عليهم ~~على قدر تقربهم. أما المستوى القدسي، فهو البعد غير المرئي للوجود المادي، ~~والقاع الماورائي الذي يستند إليه عالم الظواهر المرئية الذي يعيش فيه الإنسان؛ ~~إنه مجال لا شخصي، ولا يمكن لأية شخصية بالغا ما بلغ تنزيهها أن تعبر عنه. ~~والإنسان لا يدخل مع هذا المجال في علاقة أنا-أنت كما يفعل مع الآلهة، بل في ~~علاقة أنا-هو؛ ذلك أنه ال «هو» المجهول، والحضور الشامل الغامر رغم غيابه ~~الظاهر، إنه تلك الوحدة اللامتمايزة التي يصدر عنها كل متمايز ويذوب، في الآن ~~نفسه. و«هو» فقط يكون بلا إرادة موجهة، بلا رغبات، بلا عواطف وأهواء، بلا ~~روابط، بلا تاريخ وسيرة حياة، يعلن عن حضوره في قلب الإنسان بلا وسيط أو شفيع، ~~ويعلن عن فعاليته في الطبيعة من خلال قوته السارية فيها. وقوة المجال القدسي ~~المنبثة في المادة الدنيوية، هي طاقة حيادية لا تلتزم المعيار الخلقي، بمعنى ~~أنها تفعل الخير كما تفعل الشر، تماما كالتيار الكهربائي الذي يشعل المصباح، ~~وفي نفس الوقت يحدث صاعقة مدمرة وحريقا. من هنا فإن علاقة الإنسان بهذه القوة ~~السارية، لم تكن علاقة استمالة واسترضاء لإرادة واعية، بل علاقة مؤثر بمتأثر. ms142 ~~والمؤثر هنا هو الإنسان، أما المتأثر فهو القوة الغفلة التي لا تتمتع بإرادة ~~واعية، وإنما تخضع للتوجيه في مسارات تتحكم بها تقنيات طقسية معينة، يمكن أن ~~تحولها لصالح الإنسان أو تدفع أذاها عنه. أما عن تقنيات التأثير هذه، فرغم أننا ~~لا نعرف عن أشكالها الأولى شيئا، إلا أننا نستطيع تقريبها من تقنيات السحر ~~الذي يقوم على مبدأ مشابه؛ أي على وسط أو قوة غفلة تربط بين الأشياء وتساعد على ~~نقل الفعل والتأثير المتبادل فيما بينها. وفي الحقيقة، فإن الدراسات الحديثة ~~لتقنيات السحر ومبادئه تجعلني أعتقد بأن السحر إنما يقوم على المعتقد ~~الباليوليتي نفسه، ولكنه قد ضاع عن أصله، ولم يبق منه سوى طقوس لا نستطيع تبين ~~معتقدها إلا بصعوبة بالغة. # في الممارسات السحرية كما عرفناها عبر التاريخ المكتوب، وكما هي شائعة لدى ~~القبائل البدائية، لدينا جملتان فيزيائيتان تتبادلان التأثير في بعضهما عن ~~بعد، ولكن من خلال وسط غامض يربط بينهما. أما الجملة الأولى فمصطنعة؛ أي أنها ~~مؤلفة من بضعة أفعال أو أحداث نقوم بها بشكل قصدي، لغاية التأثير في الجملة ~~الثانية التي تؤلفها أحداث طبيعية مترابطة. ولنأخذ مثالا على ذلك صناعة ~~المطر، وهو مصطلح أنتروبولوجي حديث يشير إلى الطقوس التي يقوم بها ساحر القبيلة ~~لجلب الأمطار في مواسم الجفاف. إن سقوط المطر في معتقدات الأديان التي تؤمن ~~بالآلهة المشخصة، هو جملة فيزيائية مؤلفة من أحداث يمسك بزمامها إله موكل ~~بالمطر، حيث يخرج هذا الإله من مسكنه في قمم الجبال العالية، فيركب الغيوم التي ~~تكلل مقره، ثم يوجهها حيث يشاء ليسقي بها أرضا دون أخرى. أما في المعتقدات ~~الدينية الخلوة من الآلهة، فإن التأثير في الجملة الفيزيائية التي تنتهي بسقوط ~~المطر يتم باصطناع حركات وأصوات وإيقاعات معينة بينها تقليد لصوت هطول المطر، ~~فتتصل هذه الأفعال المصطنعة بالجملة الأخرى عبر وسط واصل بينها ويهطل المطر. ~~وهذا الوسط الواصل بين الجملتين هو القوة السارية التي توجهت الطقوس إليها ~~بالدرجة الأولى وحفزتها على إتيان الفعل. وهذا ما ندعوه اليوم بالطقس ~~السحري. # لقد درست أمثال ms143 هذه الطقوس السحرية على أوسع نطاق من قبل علماء ~~الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا، وصنفت في زمر رئيسية وزمر ثانوية؛ من سحر ~~تعاطفي إلى سحر تشاكلي، إلى آخر ما هنالك من تصنيفات. ولكن هؤلاء الباحثين لم ~~يعنوا بالتفتيش عن المعتقد الذي تقوم عليه هذه الممارسات، بل ساروا مع جيمس ~~فريزر الذي قال بأن الفكر السحري يرى في الطبيعة اطرادا في الأحداث لا يحتاج ~~إلى وساطة الآلهة. والحقيقة أن مؤسسة السحر بكاملها تقوم على مفهوم القوة ~~السارية، معتقد الإنسان الباليوليتي، الذي راكم الزمان فوقه غبار النسيان، ولم ~~يبق منه سوى طقوس معلقة في الفراغ. # الفصل الثالث # | اللاهوت والناسوت في معتقد النيوليت # مع نهاية عصر الباليوليت الأعلى، تتوقف معظم أنواع الفنون التشكيلية في أوروبا فيما ~~يبدو، وكأنه عصر انحطاط شامل لتلك الثقافة. وذلك في الوقت الذي أخذ فيه مركز الثقل ~~الحضاري يتجه نحو مناطق شرقي المتوسط، التي كانت تتأهب للدخول في عصر حاسم من عصور ~~البشرية هو العصر الحجري الحديث، أو النيوليتي ~~(Neolithic) ~~. # لقد شهد العصر النيوليتي، الذي ابتدأ مع أوائل الألف الثامن قبل الميلاد، جملة من ~~التحولات الجذرية العميقة الأثر في مجرى التاريخ الإنساني؛ فخلال هذا العصر استقر ~~الإنسان الصياد في الأرض وبنى أولى القرى في تاريخ البشرية، وأخذ بإنتاج الغذاء بدلا ~~من جمعه معتمدا على الزراعة وتأهيل الحيوان، مبتدئا بذلك حضارتنا الحديثة. وقد قدمت ~~لثقافة العصر الحجري الحديث (النيوليتي)، ثقافة ازدهرت قبلها في فلسطين وأواسط سوريا، ~~ابتداء من الفرات الأوسط وحتى وادي العربة، عرفت بالثقافة النطوفية، نسبة إلى وادي ~~نطوف بفلسطين، أول مواقعها المكتشفة، واستمرت خلال الألفين العاشر والتاسع قبل ~~الميلاد. لقد قدمت لنا الثقافة النطوفية أول الدلائل على الاستقرار في الأرض وسكن ~~المواقع الثابتة في العراء بدل الكهوف. وكان الدافع الأول للاستقرار هو الاستراتيجية ~~الغذائية التي اتبعها هؤلاء النطوفيون، والتي اعتمدت على الجمع المكثف للحبوب البرية ~~التي كانت تنمو بكثرة في مناطقهم، وذلك إضافة إلى صيد الحيوانات. # لم تنتج الثقافة النطوفية فنا تشكيليا ~~راقيا، يمكن مقارنته على أي صعيد بفن الباليوليت الأعلى، ms144 وذلك إضافة إلى قلة الأعمال ~~التشكيلية التي تم العثور عليها، والتي كانت المقابر مصدرها الأساسي. ومع ذلك، فإن هذا ~~القليل يكفي لمتابعة استقصائنا للأيديولوجية الدينية للعصور الحجرية في منعطفها الجديد. ~~إن جرد الأعمال الفنية النطوفية التي عثر عليها حتى ~~الآن، يظهر استمرارا للتقليد الباليوليتي في تصوير الأشكال الحيوانية، إلا أن الرسوم ~~الجدارية غائبة تماما، وكل ما لدينا عبارة عن دمى حيوانية بصورة رئيسية. ويبدو أن ~~الحيوانات المصورة هنا كانت موضوعا لاختيار أيديولوجي كما هو الحال في الباليوليت ~~الأعلى؛ لأن ما صوره النطوفي من الأنواع الحيوانية أقل بكثير من الحيوانات التي حفلت ~~بها بيئته الطبيعية، ومن تلك التي اعتمد عليها في صيده واستراتيجية غذائه. فلقد أهمل ~~النطوفي تماما الثور والخنزير البري، وأكد بشكل رئيسي على الغزال والأيل الأسمر. وإذا ~~كان الغزال من الطرائد المفضلة عند النطوفيين ومتوفرا بكثرة في مناطقهم، فإن الأيل ~~الأسمر كان من الحيوانات النادرة، ومع ذلك فقد صور إلى جانب الغزال وإن بنسبة أقل. ~~هذا ويظهر الدور المتميز للغزال في الوسط الفكري للثقافة النطوفية من خلال التقاليد ~~الجنائزية، ومن خلال اقتران صورته بالنشاطات الغذائية المتعلقة بجمع الحبوب البرية؛ فقد ~~تكرر ترافق عراقيب الغزلان مع الهياكل العظمية في عدد لا بأس به من القبور، وربما قام ~~الحصان مقام الغزال في هذا الطقس الجنائزي الملفت للنظر، وذلك رغم عدم عثورنا على صور ~~للحصان من العصر النطوفي. أما عن اقتران الغزال بنشاط جمع الحبوب البرية، فقد تم العثور ~~على العديد من المناجل الصوانية التي زينت قبضاتها بصور مجسمة للغزال، وهذا ما ينشئ ~~علاقة رمزية بين الصيد وبين الحصاد من خلال هيئة الغزال التي ربما رمزت إلى قوة ~~الخصوبة إجمالا. # 1 # أما عن التمثيلات الإنسانية فنادرة جدا، إضافة إلى كونها منفذة بأسلوب ~~اختزالي يجعل من الصعب تحديد جنسها، على عكس الدمى العشتارية للعصر الباليوليتي ~~السابق. غير أن ما يلفت نظرنا هو زيادة عدد الدمى الإنسانية في موقع واحد هو عين ~~الملاحة بفلسطين. ولما كان هذا الموقع هو أكثر المواقع النطوفية قربا إلى ms145 القرى ~~المستقرة، فإن استنتاج ترابط الدمى الإنسانية في هذا العصر مع درجة الاستقرار له ما يسوغه. # 2 # خصوصا وأن ظاهرة زيادة المساحة المخصصة للهيئة الإنسانية في الفن ~~التشكيلي، كلما تقدمنا في العصر النيوليتي، هي ظاهرة مؤكدة. # إنه لمن المغري حقا لمن يحاول تفسير الصور المقدسة لعصر ما، أن يبحث في الإطار ~~الطبيعي الذي انتزعت منه موضوعات هذه الصور، وعن موقعها في اقتصادياته واستراتيجياته ~~الغذائية. ولكن العلاقة بين الإنسان وموضوعات تصويره ليست دائما على هذه الدرجة من ~~البساطة؛ فقد يعكس التركيز على الغزال مثلا في العصر النطوفي وضعا اقتصاديا يعتمد ~~على صيد الغزال، وهو ما تؤكده الكميات الكبيرة من عظامه في المواقع المكتشفة، غير أن ~~قيام الإنسان النطوفي بتصوير حيوانات أخرى لا تدخل في نظامه الغذائي، يدل على أن الوسط ~~الطبيعي والعلاقة النفعية مع الحيوان لا يقدمان إلا مدخلا من عدة مداخل محتملة، وأن ~~الخيار الأخير للحيوان الذي تتحول هيئته الخارجية إلى شارة قدسية هو خيار فكري بالدرجة ~~الأولى، وعلينا أن نبحث عنه في المجال الاعتقادي لا في المجال الطبيعي. ولا أدل على ذلك ~~من علاقة الإنسان بالثور البري منذ مطلع العصر النيوليتي. # فمنذ بدايات العصر النيوليتي في تل المريبط على الفرات الأوسط بسوريا، وهو من المواقع ~~الرائدة للثقافة النيوليتية، لدينا دلائل واضحة على تقديس الثور البري، وذلك في وسط ~~قروي مستقر يتهيأ للاعتماد على الزراعة في اقتصاده. ففي بعض البيوت التي تتميز ببنية ~~معمارية خاصة (تشير إلى إفرادها كمقامات مقدسة)، أقيمت مصاطب طينية عرض في وسطها وبشكل ~~مقصود عدد من جماجم الثيران البرية، بهيئتها الطبيعية ودون إضافات فنية تزيينية، ~~وتشكل هذه الجماجم مع ألواح كتف مغروزة بشكل أفقي تكوينا متماسكا معروضا للناظرين ~~دفعة واحدة. وفي إحدى الحالات كان رأس الثور مفككا إلى قطع معروضة في صفوف، إضافة إلى ~~القرنين الكبيرين اللذين تم عرضهما على التوازي. إن هذه الترتيبات المقصودة التي لا ~~تنبئ عن قيمة استعمالية معينة، والاستخدام الرمزي لعناصر من الهيكل العظمي الحيواني، ~~تعكس ولا شك مدلولات أيديولوجية معينة، سوف ms146 نتلمس استمرارها في مواقع نيوليتية أخرى. # 3 # إن رأس الثور هنا قد صار مركزا لإجماع روحي واختيار أيديولوجي يتخطى شكله ~~الطبيعي؛ ليغدو رمزا للقوة السارية في الطبيعة، كما أن هذا الاختيار الأيديولوجي لم ~~يكن مدفوعا بضغط من الوسط الطبيعي قدر ما كان مدفوعا بضغط فكري من نوع خاص، والدليل ~~على ذلك الضغط الفكري الحاضر في بقية الوثائق المتوفرة لدينا. # إن علم البقايا الحيوانية التي تم الاستعانة برأي خبرائه في موقع تل المريبط، يؤكد أن ~~الفصيلة البقرية كانت نادرة جدا في تلك المنطقة خلال السوية الأثرية موضع البحث ~~(أواخر الألف التاسع)، وأن الفصيلة المهيمنة عدديا كانت فصيلة الغزال الذي اصطاده ~~إنسان المريبط أكثر من غيره إبان تلك المرحلة، أما البقر البري فلم تبدأ أعداده ~~بالتزايد إلا بعد خمسمائة عام على الأقل من قيام إنسان المريبط بتقديس رءوسها؛ الأمر ~~الذي يدل بوضوح على أن الثور قد لعب دورا أساسيا في أيديولوجيا المريبط قبل فترة ~~طويلة جدا من هيمنة دوره الغذائي، وهذه واقعة على درجة كبيرة من الأهمية؛ لأنها تظهر ~~أن الدين ليس مرآة تعكس الأوضاع المادية والعلاقات الاقتصادية. وبناء على هذه الواقعة، ~~يمكن الاستنتاج مع بعض التحفظ أن الموقف الفكري من حيوان ما ربما كان الدافع إلى ~~الدخول معه في علاقة نفعية، وأن تقديس ذلك الحيوان ليس نتيجة لكونه الأكثر تكرارا في ~~لائحة الصيد، بل قد يكون العكس هو الصحيح؛ أي أن يساعد التقديس على خلق شروط نفسية ~~تشجع على صيد الحيوان؛ ومن ثم العمل على تأهيله مستقبلا. # 4 # إضافة إلى رءوس الثيران التي ساعدتنا على تلمس الوسط الفكري لهذا الموقع الرائد في ~~الثقافة النيوليتية، فإن تل المريبط قد أنتج لنا الأمثلة الأولى على فن الدمى ~~العشتارية في العصر النيوليتي، وذلك منذ بدايات الألف الثامن قبل الميلاد؛ أي بعد ~~انقطاع كامل لهذا النوع من الفن يقارب خمسة الآلاف عام، سواء في أوروبا أم في المشرق ~~العربي الذي لم يعرف فن الدمى من قبل. وقد اتبع الفنان هنا الأسلوبين اللذين عرفناهما ~~في الباليوليت ms147 الأعلى؛ وهما الأسلوب التبسيطي المغرق في الرمزية الذي يكتفي بالإشارة ~~إلى الهيئة الأنثوية دون التوكيد على تفاصيلها، والأسلوب الثاني الواقعي الذي يعتمد ~~تضخيم مواطن الخصوبة بشكل مبالغ فيه. ورغم أن بعض الدمى قد نفذ في وضعية الوقوف إلا أن ~~معظمها كان يتخذ وضعية القعود على عجيزة ضخمة، بحيث تتخذ الخطوط العامة للهيئة الأنثوية ~~شكل المخروط المستقر، وهو التقليد الذي ساد فيما بعد في جميع مواقع الثقافة النيوليتية. # 5 # ويبدو أن الفارق بين الشكل المغزلي الباليوليتي والشكل الهرمي النيوليتي للدمية ~~العشتارية، يعكس اختلافا في الوظيفة الطقسية. فلقد استنتجنا سابقا أن الدمية المغزلية ~~المستدقة الطرفين للعصر الباليوليتي، كانت تغرس في الأرض في سياق طقوس قد تكون ذات ~~علاقة بالخصب. أما الدمية المخروطية المستقرة على عجيزتها، فيبدو أنها كانت معدة لأن ~~توضع فوق المحاريب أو المذابح في المقامات المكرسة للطقوس الدينية؛ لأن معظم هذه الدمى ~~النيوليتية قد وجدت قرب هذه المقامات. بشكل خاص، فقد أعطتنا المواقع النيوليتية ~~الفلسطينية عددا من هذه المقامات ذات الوظيفة الدينية الواضحة، خصوصا في موقعي أريحا ~~والمنحطة. إن أحد المقامين اللذين كشفت عنهما المنقبة كاثلين كينيون في أريحا، يكشف عن ~~تصميم رائد للمقامات الأخرى المكتشفة في العصور التاريخية، ويتميز بوجود تجويف طولاني ~~على هيئة محراب في وسط الجدار الشمالي، في أسفله قاعدة من حجر بركاني، وجد قربها عمود ~~من الحجر نفسه يبدو أنه كان منتصبا عليها. وقد شبهت المنقبة هذا العمود الحجري بالعمود ~~الذي أقامه الكنعانيون في معابدهم في المناطق نفسها بعد بضعة آلاف تالية من السنين، ~~والمعروف باسم المازيبوث # Masseboth ~~. # 6 # ولعل المقارنة مع المقامات الدينية التي اكتشفت في أوروبا النيوليتية، ~~تعطينا فهما أفضل لطبيعة الوظيفة الطقسية للدمى الأنثوية المخروطية، علما أن العصر ~~النيوليتي الأوروبي قد جاء متأخرا عن النيوليت المشرقي بحوالي 1500 عام. وفائدة ~~المقارنة تأتي بالدرجة الأولى من كون الهياكل النيوليتية الأوروبية قد اكتشفت في حالة ~~أسلم من سابقاتها في بلاد الشام، واحتفظت بمعظم أثاثها الثابت الداخلي. وسأتعرض فيما ~~يأتي باختصار لواحد منها يفي بغرض المقارنة، ms148 وهو من موقع ساباتينوفكا بمنطقة ~~مولدافيا. # يرجع موقع ساباتينوفكا إلى الألف الخامس قبل الميلاد، وهو عصر ازدهار الثقافة ~~النيوليتية الأوروبية. وقد تم الكشف في هذا الموقع عن مقام ديني مستطيل الشكل تبلغ ~~مساحته حوالي 57 مترا مربعا، وللبناء باب جانبي يقع على أحد الضلعين الطويلين ~~للمستطيل، فرشت الأرض أمامه بألواح حجرية، أما الأرضية الداخلية فقد فرشت بالطين ~~المجفف. حوالي منتصف المسافة الطولية إلى اليمين ، هناك فرن كبير وجدت عند قاعدته ~~دمية أنثوية، يليه عدد من الأوعية بينها وعاء مليء برماد وعظام ثور محروق، وإلى يسار ~~وأمام الفرن هناك مجمرتان ربما لغرض حرق البخور. أما في صدر البناء فهناك منصة طينية ~~(تقوم مقام المذبح في المعابد اللاحقة) أبعادها 6 × 2,75م، عليها ست عشرة دمية أنثوية ~~في وضعية القعود، منفذة بأسلوب نمطي رمزي موحد. فالساقان مضمومتان وممدودتان وتنتهيان ~~معا بطرف مستدق، والعجيزة منتفخة ومضخمة، أما الصدر فضامر، والرأس غائب يحل محله طرف ~~مدبب، وجميعها بلا ذراعين خلا واحدة فقط تضم إلى صدرها شكلا قضيبيا بالغ الطول. إلى ~~جانب المذبح عند الزاوية هناك عرش فارغ مصنوع من الطين، تصفه التقارير الأثرية بأنه ~~كرسي لجلوس الكاهن الذي يرعى الاحتفال الطقسي ويتقبل تقدمات الدمى. # 7 # يقدم لنا هذا الشاهد الأثري الهام أوضح مثال عن الطقوس النيوليتية، التي تدور حول ~~معتقد المجال والقوة؛ فالدمى المتناثرة على المذبح هنا لم تكن موضع عبادة بذاتها، بل ~~وسيلة لاستحضار عالم اللاهوت، ووجودها بهذا الكم الكبير يشير إلى أن المشاركين في الطقس ~~كانوا يضعونها تقدمة على المصطبة-المذبح، مثلما كانت توضع المصابيح الزيتية في المعابد ~~اللاحقة، أو الشموع التي توقد اليوم أمام تمثال العذراء، ولكن مع فارق هام، وهو أن ~~تمثال السيدة هنا غائب تماما، رغم أنها حاضرة على العرش الفارغ الذي يعبر عن السلطة ~~الشاملة. # إن الأساليب الفنية التي اتبعها الفنان النيوليتي في تشكيل هذه الهيئات الأنثوية، تدل ~~بوضوح على أنه لم يكن يفكر في تمثيل هيئة لكائن إلهي معين ذي شخصية محددة الملامح؛ ~~فالدمى التي نفذت بالأسلوب التبسيطي، ليست ms149 في الواقع سوى فكرة مجردة وجدت تعبيرها ~~بطريقة تشكيلية، ومثلها تلك الدمى التي لم تحتفظ من الشكل الأنثوي إلا بانتفاخ في منطقة ~~الردف ونهايتين مستدقتين، أو تلك المؤلفة عن عجيزة ضخمة فقط ورأس مدبب مع إشارة خفيفة ~~إلى الثديين. وأما الدمى التي نفذت بالأسلوب الواقعي المضخم وفي وضعية القعود الأكثر ~~شيوعا، فإن الصلة بينها وبين الهيئة الأنثوية معدومة تقريبا، وكذلك الصلة بينها وبين ~~أية شخصية يمكن أن تتمتع بكيان محدد؛ إنها رسالة بصرية مكثفة ومفعمة بالرمز، ورداء لقوة ~~إلهية سوف تجد منذ الآن تعبيرها في الشكل الإنساني المرمز، الذي يتحول إلى موطن خيالي ~~مفعم بالنفسية الجمعية للعصر، وتبتعد تدريجيا عن الشكل الحيواني الذي ساد في الفترات ~~الأسبق. وفي العصور التالية، وعندما تنبعث الآلهة من هذه القوة الغفلة غير المتمايزة في ~~المعتقدات الأولى، سوف يقوم الإنسان باستلهام صور هذه الآلهة من مخزونه القديم لصور ~~الشارات المقدسة، وتأخذ الأم الكبرى للفترات التاريخية الشكل العام للشارة الأنثوية ~~للقوة السارية. فالصور المقدسة تتمتع بثبات نسبي عبر فترة طويلة من الزمن، رغم التغيرات ~~الجذرية التي تطرأ على مضمونها. وقد يستفيد مضمون اعتقادي جديد من هيئة قديمة تمتعت ~~بالقداسة فترة طويلة، ويحل فيها بعد تغييرات قليلة أو كثيرة عليها؛ وبذلك تستمر ~~الصورة في أساسياتها ويتغير محتواها تدريجيا حتى يتلاشى المحتوى القديم تماما. إن ~~الرمز الواحد لا يحمل بالضرورة مضامين ودلالات واحدة لدى تكراره في عصور مختلفة وأمكنة ~~متباعدة، وذلك حتى في حال توارثه وتداوله بحرفيته الشكلية. فرمز الصليب الذي كان ذا ~~دلالة أيديولوجية وطقسية منذ العصور الحجرية، لا تربطه بصليب المسيحية صلة، ورمز ~~السواستيكا (الصليب المعقوف)، الذي توارثته الأقوام الجرمانية عن العصور الحجرية، لا ~~يمت بصلة إلى السواستيكا البوذي أو الهندوسي، ناهيك عن صلته بالأيديولوجية الفاشية ~~التي تبنته إبان صعود النازية في ألمانيا. # لم تتقطع التقاليد الباليوليتية للتصوير الجداري تماما خلال العصر النيوليتي؛ فلدينا ~~من شتال حيوك، الموقع النيوليتي الهام في جنوب الأناضول، مثال على استمرار هذه ~~التقاليد. إلا أن التصوير هنا لم ينفذ على جدران ms150 الكهوف الطبيعية، بل على جدران ~~المقامات الدينية التي عثر على أربعين منها في الجزء المكتشف من الموقع، موزعة على عشر ~~طبقات أثرية، وغالبا ما توضعت هذه المقامات بعضها فوق بعض عبر الطبقات الأثرية ~~المتعاقبة، واحتوت على العناصر الفنية ذاتها؛ الأمر الذي يشير إلى استمرار في المعتقد ~~الديني لهذه الثقافة خلال مئات الأعوام. وفي الحقيقة، فإننا في شتال حيوك نشهد تلك ~~النقلة من المقام الديني الصغير إلى ما يشبه المعبد، وذلك من حيث سعته وتنوع أثاثه ~~الطقسي. # تتقلص قائمة الحيوانات التي صورها الفن الباليوليتي في الماضي، إلى بضعة حيوانات لا ~~تتجاوز أصابع اليد الواحدة في هذا الموقع النيوليتي، يتخذ الثور بينها مكان الصدارة؛ ~~فهنا نجد رءوس الثيران المشكلة بالجص في بؤرة التكوين الفني على معظم جدران المعابد، ~~وقد تستخدم القرون الطبيعية في هذه الرءوس المنحوتة، غير أن القرون المشكلة هي ~~الحالة الغالبة لأنها تسمح بالمبالغة التي قصدها الفنان، وتعطي انطباعا أكثر تأثيرا ~~بالقوة والعظمة التي أراد التوكيد عليها، حتى إن طول القرن الواحد قد بلغ في بعض ~~الحالات ما يقارب المتر. وقد تغيب رءوس الثيران لتحل محلها قرون ضخمة مصطفة في رتل، ~~وينتظمها تكوين قوي يعطي الناظر إحساسا بالرهبة والخشوع أمام قوة غير منظورة، كما يظهر ~~ضمن هذه التشكيلات أحيانا رمز البوكرانيا، الذي يتألف من نصب قصير عليه قرنا ثور. وفي ~~بعض الأحيان تتوزع رءوس الكباش حول المساحة التي يشغلها رأس الثور. وقد تتوضع تحت ~~الرأس صفوف من الأثداء الأنثوية، كما تظهر رءوس الأيل منفردة أو كجزء من التكوين. وفي ~~بعض الهياكل، صورت على الجدران المقابلة لرءوس الثيران نسور عملاقة باسطة أجنحتها، ~~وأمامها أشكال بشرية صغيرة منفذة بأسلوب تبسيطي وبدون رأس، وعلى بعض الجدران صور حيوان ~~الفهد بطريقة النحت النافر الملون. # وإضافة إلى هذه التشكيلات الجدارية، فقد عثر المنقبون في الهياكل على الدمى الأنثوية ~~المصنوعة وفق التقليد النيوليتي نفسه، ولكن باستخدام الرخام والحجر إلى جانب مادة ~~الطين، وبتقنيات تقرب هذه الدمى من فن النحت المعروف في الحضارات اللاحقة، خصوصا وأن ~~أطوالها ms151 قد بلغت في بعض الأحيان ستة عشر سنتم. والهيئة الأنثوية هنا مصورة في وضعية ~~القعود على عجيزة ضخمة جدا ومكتملة الأعضاء، ورغم العناية بإظهار الرأس كاملا إلا أن ~~ملامح الوجه ممسوحة وشبه غائبة، وإلى جانب هذه الدمى التي يبدو أنها كانت تستخدم ~~لأغراض طقسية دورية فتجلب إلى المعبد من خارجه، فإن الهيئة الأنثوية قد صورت بالأسلوب ~~الرمزي التبسيطي، وترافقت مع رءوس الثيران في التكوينات الجدارية اعتبارا من الطبقة ~~الآثارية السابعة. فهنا يصور الشكل الأنثوي على شكل جذع مستقيم تتفرغ منه أربعة ~~أطراف عديمة التفاصيل تماما. ولا نكاد نتعرف على الهيئة الأنثوية في هذه الهيئات ~~النمطية لولا وجود النهدين الصغيرين. # 8 # في شتال حيوك نحن أمام قمة من قمم الفن النيوليتي لن يصل إليها بعد ذلك أبدا، ولكننا ~~في الوقت نفسه أمام المعتقدات النيوليتية في أكثر تعبيراتها وضوحا وتنظيما. لقد تحولت ~~جماجم الثيران المأخوذة مباشرة من الطبيعة والمغروسة في مصاطب تل المريبط الطينية، إلى ~~أعمال نحتية مصنوعة بعناية لتؤدي الرسالة البصرية نفسها، وإنما بشكل أكثر تأثيرا وأقدر ~~على نقل إحساس الفنان بحضور تلك القوة السارية في الطبيعة. والموضوعات المصورة هنا ~~والمنتزعة من الوسط الطبيعي، قد فقدت صلتها بروابطها في الحياة اليومية بعد أن غدت ~~موضوعا لاختيار روحي. إنها الآن بؤر رمزية يتجلى من خلالها ذلك المستوى الآخر للوجود، ~~ويعلن عن قوته. لقد صار الثور والكبش والأيل والنسر والفهد موضوعات لإعلاء ديني من ~~نوع خاص، لا في عالمهم الطبيعي الذي ينتمون إليه، بل في المقام الديني الذي جعل من ~~صورهم ظهورات لقوة ما ورائية شمولية، وحولها إلى مواطن خيال تشف عن النفسية الجمعية ~~لثقافة ما زالت تتوسل بصور الحيوان لكي تعقد صلة مع عالم اللاهوت. أما التمثيلات ~~النسائية فما زالت هنا تعبر عن فكرة أكثر من تعبيرها عن شخصية؛ فالتشكيلات ~~التخطيطية للشكل الأنثوي التي تظهر مترافقة مع رءوس الثيران أو مستقلة عنها، لا يمكن ~~بحال من الأحوال أن تكون تجسيدا لشخصية إلهية، إنها مجرد شارة أنثوية بلا هيئة بلا ~~تفاصيل بلا ملامح ms152 وجه. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتماثيل الأنثوية الصغيرة التي نفذت ~~وفق أسلوب المبالغة والتضخيم لمواطن الخصوبة، وفي وضعية القعود، فهذه التماثيل لم تكن ~~جزءا من التكوينات الفنية الجدارية، بل وجدت ملقاة هنا وهناك؛ الأمر الذي يشير بوضوح ~~إلى أنها لم تدخل في الأثاث الثابت للمعبد، بل استخدمت لأغراض طقسية. # وفي الحقيقة، فإنه من الصعوبة بمكان أن نعطي تفسيرا أكثر دقة وتفصيلا لديانة شتال ~~حيوك، وللتكوينات الفنية التي نفذت على جدران هياكلها، غير أنه من المغري حقا أن ~~نجد في هذه التكوينات، كما وجد لوروا غورهان في رسوم الكهوف، تعبيرا عن جدلية الأنوثة ~~والذكورة في تجلي وفعالية القوة. فهل يتخذ رأس الثور هنا قيمة رمزية ذكرية في مقابل ~~القيمة الرمزية للشكل الأنثوي التخطيطي الذي يعلوه، أو الأثداء التي تصطف تحته؟ وهل ~~يتخذ النسر قيمة رمزية أنثوية كما هو حاله في حضارات الكتابة اللاحقة، بينما يتخذ ~~الفهد قيمة رمزية ذكرية؟ هذه الأسئلة، وغيرها كثير، لا نستطيع الإجابة عنها في الوضع ~~الحالي لمعلوماتنا عن شتال حيوك والعصر النيوليتي عموما، إلا أن ما أود التوكيد عليه ~~مجددا، وبقوة أكثر هذه المرة، هو أن التشكيلات الجدارية في شتال حيوك وتماثيلها ~~الأنثوية المتفرقة، لا تضعنا أمام «بانثيون» للآلهة تتربع فوقه ~~الأم الكبرى الأناضولية، وهو التفسير الذي طرحه جيمس ~~ميلارت مكتشف الموقع، بل إننا ما زلنا هنا أمام شكل أكثر تقنينا وتنظيما للمعتقد ~~النيوليتي. أما الآلهة، فما زال أمامها وقت طويل حتى تظهر على مسرح التاريخ الاعتقادي ~~للإنسان، ولسوف تلبس حين تظهر لبوس القوة وتستلم شاراتها. # مما لا شك فيه أن المعتقد النيوليتي قد تميز عن المعتقد الباليوليتي باستيعابه لأفكار ~~جديدة تدور حول خصوبة الأرض الزراعية، وأن مفهوم الخصوبة العام والغائم جدا قد غدا ~~الآن أكثر تركيزا وتخصيصا، وأخذت الفعالية الإخصابية للقوة تأخذ حيزا أوسع من تفكير ~~الإنسان ومن طقوسه. غير أننا يجب ألا نسير بعيدا وراء التصورات التقليدية عن الأساس ~~النفعي للمعتقدات الدينية الأولى، وعن الدور الحاسم لأفكار الخصوبة في تكوينها؛ ذلك أن ~~المضامين الجديدة المتعلقة ms153 بخصوبة الأرض المزروعة والقطعان المؤهلة، قد تكونت على ~~أرضية أقدم لمعتقدات أكثر تجذرا في البنية النفسية للإنسان. ومن ناحية أخرى يمكن القول ~~بأن البحث عن الغذاء لم يكن ذلك الهاجس المسيطر عند الإنسان، سواء في عصوره ~~الباليوليتية أم النيوليتية؛ فلقد أثبت بعض الباحثين مثل م. سالهينز # 9 # أن اقتصاد الجماعات البشرية التي تعيش على الصيد والالتقاط في مناطق طبيعية ~~غنية، لا يتطلب إلا مقدارا قليلا من العمل، وذلك خلافا للأحكام الرومانسية المسبقة ~~التي جعلت من الإنسان الصياد إنسانا بائسا همه الركض وراء الغذاء. كما بين الباحث ~~هارلان بالتجربة العملية # 10 # أن جامع الحبوب البرية لم يكن بحاجة إلا إلى ثلاثة أسابيع عمل تكفي حصيلتها ~~لإعالته على مدار السنة. ففي إحدى مناطق جنوب تركيا، حيث تنمو بعض أنواع الحبوب البرية ~~إلى الآن، تزود هارلان بمنجل صواني من النوع الذي استخدمه جامعو الحبوب عند أعتاب ~~العصر النيوليتي، وقام بنفسه بعمل الحصاد على الطريقة القديمة، فاستطاع جمع ما مقداره ~~2,45كغ من السنابل في ساعة واحدة، وهذه الكمية تعطي كيلوغراما واحدا من الحبوب ~~الجاهزة للطحن، وهذا يعني أن أسرة من الجامعين لن تحتاج إلا إلى بضعة أسابيع عمل في ~~السنة، لتحصل على مئونة سنوية كافية من الخبز. أما مزارعو القرى النيوليتية الأولى، فلم ~~يكونوا في وضع يختلف كثيرا عن وضع جامعي الحبوب؛ ذلك أن بضعة أسابيع أخرى كانت تلزمهم ~~في السنة لبذر الحبوب، وما عليهم بعد ذلك سوى انتظار المطر؛ وبذلك وجد الإنسان القديم ~~أمامه متسعا من الوقت للتفكير في أمور لا تمت إلى سعيه المعاشي بصلة مباشرة. لقد ربط ~~ذلك الإنسان ولا شك بين هاجسه الغذائي وهاجسه الديني، ووجد في القوة الإخصابية الكونية ~~شرطا لنمو النبات وتكاثر الحيوان. إلا أن ما أود التوكيد عليه هنا، هو أن ~~الأيديولوجيا الدينية للجماعات الأولى، صيادة كانت أم مستقرة، لم تكن مشروطة ~~باستراتيجياتها الغذائية، وأن الأفكار حول الخصوبة وعلاقة القوة السارية بالإخصاب قد ~~نمت في وسط فكري مجهز مسبقا لنمو مثل هذه الأفكار، وأن هذا الوسط الفكري ms154 هو حصيلة ~~عوامل نفسية بالدرجة الأولى. إن عالما من الصور الذهنية الدينية التي تنمو من خلال ~~مواجهة نفسانية كلانية مع العالم، هو أسبق من أية صلة عملية له مع ظواهر معينة من مجال ~~الطبيعة. # لقد بينا سابقا أن تركيز الجماعة على صيد نوع معين من الحيوان أكثر من غيره، ينجم ~~عن خيار فكري لا عن عوامل طبيعية قاهرة. ويبدو لنا الآن أن الخيارات الفكرية إنما تسبق ~~ضغوطات البيئة في توجيه سلوك الإنسان في مجالات هامة أخرى تتعلق بحياته. فالزراعة، التي ~~أحدثت انقلابا ثقافيا لا يعادله انقلاب في تاريخ البشر، إنما نشأت عن خيار فكري ~~بالدرجة الأولى، والجماعات النيوليتية الرائدة في المشرق العربي، لم تعدل استراتيجياتها ~~الغذائية نحو الاعتماد المتزايد على الزراعة من أجل تلاؤم الجماعة مع وسطها الطبيعي، بل ~~من أجل تلاؤمها مع نفسها. # والأدلة الأثرية في تلك المواقع الزراعية الرائدة، مثل أريحا في فلسطين والمريبط في ~~سوريا، تقدم برهانا ساطعا على ذلك؛ فقد تبين للبروفيسور جاك كوفان، الذي نقب في ~~موقع المريبط وفي غيره، وبالتعاون الوثيق مع علماء نباتات ما قبل التاريخ وعلماء تحليل ~~غبار الطلع، أن المواقع الزراعية الرائدة كانت غنية بالحبوب البرية التي يمكن جنيها ~~والاعتماد عليها في اقتصاديات الجماعة، دون اللجوء إلى مجهود الزراعة المنظمة، وهذا ~~يعني أن تعديل الاستراتيجية الغذائية للإنسان هنا لم يكن مدفوعا بشح البيئة الطبيعية ~~وتراجع حقول الحبوب البرية التي أمدته سابقا باحتياجاته. وقد ترافق هذا الخيار ~~الزراعي مع خيارات أخرى تتعلق بأنواع الحيوانات التي اصطفاها من وسطه الغني لتكون ~~موضوعا لصيده الجديد دون غيرها (وفي حالة تل المريبط كان الحمار الوحشي والثيران)، ومع ~~تغيير جذري في نمطه المعماري الذي تحول من البيت المستدير إلى البيت المستقيم الزوايا ~~(مربع أو مستطيل)؛ الأمر الذي يدل على نضوج أفكار معينة قادت عملية تغيير اجتماعي ~~واقتصادي شامل. وهذه الحقائق إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الظاهرة الفكرية لم تسبق ~~التغييرات على الصعيد المادي فقط، وإنما كانت المحرض على حدوث هذه التغييرات. # 11 # إن ms155 السير في مناقشة هذه المسألة إلى أبعد من ذلك سوف يخرج بحثنا عن خطه المرسوم، وكل ~~ما يهمني هنا هو التوكيد على أن المعتقد الديني باعتباره ظاهرة فكرية، يتمتع باستقلالية ~~كافية عن ضغوط البيئة الطبيعية، وأن الظاهرة الدينية في أصولها هي ظاهرة مستقلة عن ~~الظاهرة الاقتصادية ومتقاطعة معها. أما التأثيرات المتبادلة لهاتين الظاهرتين، والتي ~~يمكن متابعتها عبر تاريخ الحضارة، فليست دليلا على تبعية إحداهما للأخرى بقدر ما هي ~~دليل على قوة واستقلال كل منهما عن الأخرى. وأنا هنا أقف على الطرف النقيض من كارل ~~ماركس وماديته التاريخية. ~~••• # لقد زودتنا حتى الآن دراستنا لمعتقدات العصر الحجري بشقيه القديم والحديث بعدد ~~من الأفكار والمفاهيم الدينية الأساسية، التي تميز المعتقد الديني للإنسان العاقل في ~~أصوله وجذوره التحتية. ولما كان الدين، كما بينا، هو ظاهرة فكرية ونفسانية لا تخضع ~~لتطور ولا تسري عليها قوانين الارتقاء، فإننا يجب أن نعثر على هذه الأفكار والمفاهيم في ~~صلب وأساس كل المعتقدات الدينية للإنسان، بصرف النظر عن الزمان والبيئة والمكان. وبشكل ~~خاص، لا بد من العثور عليها بشكل أكثر وضوحا في معتقدات الثقافات البدائية التي عاشت ~~على هامش الخط الرئيسي لتطور الحضارة العالمية، وحافظت على أحوال معاشية وأنماط فكرية ~~أقرب إلى أحوال وأنماط ثقافات العصر الحجري، وهذا ما سنتعرض له في الفصل القادم، وبعد ~~أن أقدم فيما يأتي ملخصا لما توصلنا إليه حتى الآن في القسم الحالي من ~~دراستنا. # لقد اخترنا في البداية أن نستكشف عالم الديانات البدائية البسيطة (والبساطة هنا ليست ~~صفة سلبية بل إيجابية) بحثا عن المعتقد الأصلي الذي يكمن في أساس كل الديانات، ووجدنا ~~أنه إذا كان هنالك فعلا ديانة بدائية في حالتها الصافية التي لم تهل الحضارة فوقها ~~ركاما فكريا مصطنعا، فإن هذه الديانة هي ديانة العصر الحجري، ثم توصلنا من خلال ~~تحليلنا للشواهد التشكيلية وبقايا المغاور والمدافن، إلى إعادة بناء المعتقدات والطقوس ~~الدينية للإنسان الأول. فمنذ بزوغ عصر النياندرتال، أحس الإنسان في أعماق نفسه وفي ~~آفاق العالم الطبيعي بحضور إلهي كلي ينبي عن ms156 نفسه للمشاعر والأحاسيس قبل العقل. وكما ~~يهز هذا الحضور الإلهي أركان النفس بقوة لا نستطيع لها دفعا، كذلك يعبر عن نفسه ~~في شتى مظاهر الطبيعة من خلال قوة تصدر عنه وتنتج كل حركة وحياة في الكون. ولقد صاغ ~~الإنسان هذا الإحساس في معتقد يقسم الوجود إلى مستويين؛ مستوى طبيعاني معاين، ~~ومستوى قدسي فوق طبيعاني لا مرئي يتخلل بقوته المستوى الأول ويجمعه إليه. # والمستوى القدسي لا يتلخص في شخصية إلهية تسكن السماء أو أية جهة من جهات الكون. إنه ~~عالم مواز أو مجال غير معين، وقوته هي أيضا قوة غفلة غير مشخصة أقرب إلى السيالة ~~الطاقية بالمفهوم العلمي الحديث. ولما وجد الإنسان في الطقوس الدينية وسيلة تضعه في ~~تناغم مع عالم اللاهوت، وتعمق إحساسه بوحدة مستويي الوجود، فقد كان لا بد له من شارة ~~مقدسة ترمز إلى الألوهة وتجعلها حاضرة في عالمه، يتوسل من خلالها إلى الحقيقة الكبرى ~~التي لا تؤطرها هيئة مادية، فاختار شاراته المقدسة من وسطه الطبيعي، ومن فصيلة الحيوان ~~التي عقد معها نوعا من القرابة الروحية. وقد أوضحنا أن ما يدعى ب «عبادة الحيوان» هو ~~أمر من ابتكار مخيلة بعض مؤرخي الأديان، ونفينا أن يكون الإنسان قد تعبد للحيوان في ~~أي عصر من عصوره الغابرة، كما أنه لم يتعبد لأية ظاهرة طبيعية إلا بمقدار ما تشف هذه ~~الظاهرة عن القوى الكبرى. # الفصل الرابع # | مانا والروح الكبرى في معتقدات الشعوب البدائية # إن أول خطوة منطقية في دراسة معتقدات الشعوب ~~البدائية، هي أن نبدأ بتفحص معتقدات أكثر هذه الشعوب بدائية وبساطة. ولما كان الإجماع ~~قائما بين الباحثين على اعتبار سكان أستراليا الأصليين أكثر الشعوب المعروفة لنا ~~بدائية وبساطة في التنظيم الاجتماعي، فإن دين هؤلاء سيكون محطتنا الأولى بعد أن ~~تخطينا العصر الحجري الحديث. ~~(1) المبدأ الطوطمي # يقوم التنظيم الاجتماعي للقبائل الأسترالية ~~على وحدة مكونة أساسية هي العشيرة (= # clan ~~)، ويتميز ~~هذا النوع من التنظيم عن غيره من التنظيمات التي تبدو مشابهة لأول وهلة، بأن أفراد ~~العشيرة يعتبرون أنفسهم أعضاء في عائلة واحدة ms157 تجمعهم قرابة من نوع خاص، تنشأ عن ~~حملهم جميعا لاسم واحد اختاروه لأنفسهم، هو في الوقت نفسه اسم لفصيلة من الحيوان ~~في أغلب الأحيان، أو لفصيلة من النبات في بعضها. وهذا الاسم المختار هو وقف عليهم ~~فقط لا تشاركهم فيه مجموعة أخرى قريبة أو بعيدة، إنه طوطم العشيرة، والاسم الذي ~~يتكنى به كل فرد من أفرادها. وعندما نقول إن الطوطم هو اسم لفصيلة، فهذا يعني أن ~~الطوطم ليس حيوانا بعينه، كأن يكون هذا الكنغر أو ذاك، بل إنه هذه الفصيلة أو تلك ~~بمجملها وبكامل أفرادها. وبما أن الفصيلة الحيوانية تبقى قائمة بصرف النظر عن موت ~~عناصر منها وحلول أخرى بالولادة، كذلك الأمر في العائلة الطوطمية الإنسانية التي ~~تضم جميع الأفراد الأحياء منهم والأموات، وصولا إلى الجدود الأول المؤسسين. # 1 # ليس التنظيم الطوطمي بالشأن الأسترالي حصرا، بل تشارك فيه مجتمعات الهنود الحمر ~~في أمريكا الشمالية. وفي الواقع، فلقد تم التعرف على ملامح هذا التنظيم الاجتماعي ~~لأول مرة في أمريكا لا في أستراليا، ومصطلح الطوطم بالذات هو مصطلح مأخوذ من إحدى ~~لغات الهنود الحمر، وجرى فيما بعد تعميمه واستخدامه على نطاق واسع في أمريكا ~~وأستراليا على حد سواء. ومع أن المجتمعات الهندية في أمريكا قد قطعت شوطا واسعا ~~في مضمار التقدم عن الجماعات الأسترالية الأقرب إلى مرحلة النياندرتال، فإنها قد ~~بقيت ضمن الخطوط الأساسية للتنظيم الطوطمي، وهذا ما يدفعنا إلى اعتبار الثقافتين ~~بمثابة مرحلتين متتابعتين في سياق تطوري واحد للمجتمعات الطوطمية، ويضفي مشروعية ~~على بعض المقارنات الضرورية أحيانا بين الجماعات الأسترالية والجماعية الهندية في ~~أمريكا الشمالية. # لا يشكل الطوطم بالنسبة للجماعة اسما فحسب، بل هو شارة أو شعار يشبه ما كانت ~~أسر النبلاء في أوروبا العصور الوسطى ترسمه على الدروع والأعلام؛ فزعماء الهنود ~~الحمر كانوا يمهرون معاهداتهم مع البيض بختم عليه صورة الطوطم، وبعض الجماعات منهم ~~ترفع طوطمها بيرقا أثناء القتال، وأخرى ترسمه على التروس والخيام، ولدى الجماعات ~~المستقرة يرسم الطوطم على الجدران الداخلية للبيوت. أما في أستراليا فإن مثل هذه ~~التمثيلات ms158 الطوطمية الواضحة ليست على نفس الدرجة من الشيوع؛ لأن الأستراليين لم ~~يبلغوا درجة من المهارة في التصوير والحفر تمكنهم من تنفيذ رسوم دقيقة لطوطمهم، ~~فصورة الطوطم عندهم لم تكن أكثر من هيئة اصطلاحية تحتوي على عدد من الخطوط، ويفهمها ~~الجميع على أنها صورة طوطمهم. وفي الحالات القليلة التي يعمد فيها الأسترالي إلى ~~رسم طوطمه، فإنه يحفر صورته على الأدوات الطقسية، وهي الحالة الأكثر شيوعا لظهور ~~هيئة الطوطم الاصطلاحية. يضاف إلى ذلك حالات أخرى لوحظت لدى بعض الجماعات، حيث ~~ترسم صورة الطوطم على التربة قرب قبر المتوفى بعد دفنه، أو تحفر على أقرب شجرة ~~إلى القبر، ولدى البعض الآخر يحفر الطوطم على جذع الشجرة المجوف الذي يحتوي رفات ~~الميت. وفي بعض المناسبات الطقسية وخصوصا طقوس التعدية (= # initiation ~~)، التي تنقل الشباب البالغين من ~~مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة وتلقنهم أسرار دينهم، يرسم الطوطم على أجساد ~~الشباب المشاركين في الطقس. إن مثل هذه الاستخدامات لصورة الطوطم تبين لنا أن ~~الطوطم بالنسبة للعشيرة ليس مجرد اسم أو شعار، بل هو في الوقت نفسه شارة ذات بعد ~~روحي وديني. وكما سنرى بعد قليل، فإن هيئة الطوطم إنما تشير إلى جوهر العالم القدسي ~~عند الأستراليين. # تستخدم قبائل وسط أستراليا في أداء طقوسها أدوات خاصة يدعونها ب «التشورينغا»، ~~وهي عبارة عن قطع من الخشب أو الحجر المصقول يغلب عليها الشكل البيضوي أو ~~المستطيل. ولكل جماعة عدد من هذه الأدوات قل أو كثر، تحفر عليها صورة طوطمها ~~وتنظر إليها بعين القداسة، فإذا أتمت طقوسها الدينية حفظت هذه الأدوات في حرز ~~حريز، قد يكون كهفا في جبل أو وهدة في مكان مهجور، ويختم عليها بطريقة لا تسمح ~~لعابر أن يتبين ما تحت الغطاء من كنز ثمين. ويشع هذا المكان الذي حفظت فيه ~~التشورينغا هالة من القداسة على ما حوله من الهيئات الطبيعية إلى مسافة كبيرة، ~~وتشكل الدائرة المحيطة به مكانا حراما لا يجوز في الاقتتال أو الصيد، ومن دخله ~~صار آمنا من أعدائه، أما النساء وغير البالغين من الفتيان ms159 فيحظر عليهم الاقتراب ~~من المكان، كما يحظر عليهم حتى النظر إلى الأدوات الطقسية عندما يتم إخراجها ~~لإقامة الطقوس. ويعزو الأسترالي للتشورينغا خصائص فوق طبيعانية متعددة؛ فهي تشفي ~~الأمراض عن طريق التماس، وتهب قوة خاصة للجماعة الطوطمية، فتشد من عزيمة أفرادها ~~بينما تفت من عضد أعدائهم. والأهم من ذلك كله أن مصير الجماعة معلق على هذه ~~الأدوات، فإن ضاعت لسبب من الأسباب تعرضت العشيرة للمصائب والفواجع. # لا تعدو التشورينغا أن تكون قطعا مادية من الخشب أو الحجر مما هو متوفر في ~~المحيط الطبيعي، إلا أن ما يميزها عن بقية الموضوعات الدنيوية المادية هو شارة ~~الطوطم المحفورة أو المرسومة عليها، والتي تعطيها صفة القداسة. أما الطريقة التي ~~يرسم بها الأسترالي شارة طوطمه على الأدوات الطقسية أو غيرها، فتتميز بالاختزال ~~الشديد، حيث يكتفي المصور بتنفيذ شكل مكون من خطوط هندسية فجة لا تربطها بالهيئة ~~الطبيعية لموضوعه إلا أوهى الروابط؛ أي إن ما يتم تنفيذه فعلا عن التشورينغا أو ~~الصخور وجذوع الأشجار والجسد الإنساني، لا يعدو أن يكون هيئة اصطلاحية لا يعرف ~~معناها سوى أصحاب الطوطم والمعنيين بالأمر منهم، وأن الأسترالي لا يرسم طوطمه ~~لغرض الحصول على صورة دقيقة تمثله، بل لتجسيد شارة تبقي الفكرة التي يمثلها ~~الطوطم حاضرة أبدا؛ فصورة الحيوان هنا ليست مقصودة لذاتها، بل لما وراءها من أفكار ~~تنتمي إلى مستوى آخر غير منظور، والطوطم الممثل في هيئة مادية ليس إلا رداء لقوة ~~غير مادية. # إلا أن تقديس الشارة الطوطمية لا يتجاوز صورة الحيوان إلى الحيوان نفسه، والحيوان ~~الذي اعتمدت صورته طوطما لا يدخل في الطقوس الدينية للعشيرة، رغم تمتعه بمكانة ~~خاصة تميزه عن بقية الحيوانات. فالحيوان الطوطمي يتمتع بكثير من الاحترام والتبجيل، ~~ولكن الأمر لا يصل بالجماعة إلى حد تأليهه كما هو الحال في صورته المقدسة. ورغم ~~أن صيده وأكل لحمه محرم إلا في مناسبات طقسية معينة، إلا أن هذا التحريم لا ~~ينسحب على أفراد الجماعات الأخرى التي تجد نفسها حرة في صيده وأكله، كما أن صيد ~~الحيوان ممكن لجماعته ms160 في حال التعرض للمجاعة، أو في حال الدفاع عن النفس إذا كان من ~~الكواسر. ومن علائم التمييز بين الحيوان الطوطمي وشارته المقدسة، أن الحيوان يمكن ~~لمسه ورؤيته من قبل النساء وغير البالغين من الذكور، على عكس الشارة الطوطمية التي ~~تحاط بشتى أنواع تابو اللمس والنظر وحتى الاقتراب، وهو يعيش في العالم الدنيوي الذي ~~يعيش فيه الناس، على عكس صورته المحفورة على الأدوات الطقسية التي تخفى بعيدا عن ~~جو العالم الدنيوي. والأسترالي يجتمع مع أفراد عشيرته أمام شارة الطوطم في ~~المناسبات الدينية فيرقص حولها ويتعبد لها، ولكنه لا يستبدلها قط بالحيوان الطوطمي ~~نفسه. وعندما يقوم بتعدية الفتيان البالغين إلى طور الرجولة وتلقينهم أسرار حياتهم ~~الدينية، فإنه يفعل ذلك في الحرم المقدس حيث تحفظ صور الطوطم، لا حيث تسرح جماعات ~~الحيوان الطوطمي. من هنا، فإن الاعتقاد الساذج بأن الطوطمية هي نوع من عبادة ~~الحيوان، هو اعتقاد بعيد عن واقع الأمور، وقد جاء نتيجة الكتابات المتعجلة التي ~~قدمت إلى الجمهور لتعريفه بالطوطمية خلال الفترات المبكرة لاكتشافها. # ولكن إلى ماذا تشير صورة الحيوان الطوطمي؟ وما الذي يعبده الأسترالي من وراء هذه ~~الشارة المقدسة؟ إن تحليل المعلومات التي تم جمعها عن حياة المجتمعات الأسترالية ~~ومعتقداتها وطقوسها الدينية منذ أواسط القرن التاسع عشر، يشير إلى أن ما يقدسه ~~الأسترالي بالدرجة الأولى هو قوة غفلة غير مشخصة، بلا اسم وبلا شخصية وبلا تاريخ ~~حياة، تسري في مظاهر الكون المادي جميعا، لا في هذا المظهر أو ذاك، ولا في هذه ~~الفصيلة الحيوانية أو تلك. وقد عمد الأسترالي إلى تجسيد هذه القوة الغفلة، من خلال ~~موضوع مرئي مأخوذ من عالم النبات أو الحيوان، وهذا هو الطوطم الذي يعبر من خلال ~~شكله المادي عن الجوهر غير المادي، عن تلك الطاقة المنبثة في كل شيء والجديرة وحدها ~~بالعبادة والتقديس. ولكن الأسترالي لا ينظر بالدرجة الأولى إلى هذه القوة باعتبارها ~~قوة غيبية مفارقة، بل يراها كقوة فعلية تعبر عن نفسها بقوة ووضوح من خلال ~~سيالتها في الموضوعات المادية، وهو يخشى بالفعل من ms161 التعامل معها بطريقة مخالفة ~~للأصول؛ كي لا تصيبه بنوع من الصدمة التي تشبه ما نعرفه عن الصدمات الكهربائية. ~~وبالإضافة إلى دور هذه القوى على المستوى الطبيعاني، فإنها تلعب دورا على المستوى ~~الاجتماعي؛ لأن الطوطم هو في الوقت نفسه مصدر الحياة الأخلاقية للجماعة؛ ذلك أن كل ~~أعضاء العشيرة المشتركين بالطوطم الواحد يشعرون برابطة أخلاقية تجمعهم وتنظم حياتهم. # 2 # غير أن المجتمعات الطوطمية في طورها المتقدم الذي نواجهه في أمريكا الشمالية، قد ~~سارت بمفهوم المبدأ الطوطمي، الذي تتركز حوله المعتقدات الدينية للأستراليين، نحو ~~شكل أكثر شمولية ونقاء. فلدى القبائل الهندية التي تنتمي إلى فخذ السيواكس # Sioxs ~~(ومنهم الوماها والبونكا وكنساس وداكوتا) ~~عدد من الكائنات الإلهية التي تتركز حولها الطقوس الدينية، إلا أنه فوق هذه ~~الكائنات هناك قوة شمولية غير مشخصة تستمد منها هذه الكائنات الإلهية وجودها ~~وفعاليتها، وتسمى واكان # Wakan ~~. وقد ترجم هذا ~~الاسم خطأ من قبل المبشرين الأوائل والرحالة ب «الروح الكبرى». ووجه الخطأ هنا ~~أن مفهوم الروح مرتبط دوما بالتشخيص الغريب كل الغرابة عن مفهوم الواكان؛ فالواكان ~~هو السر المحرك للكون، وليست مظاهر الطبيعة كالأرض والرياح الأربعة والشمس والقمر ~~والنجوم إلا تمظهرات لهذه القوة المحركة الشمولية المتخللة في كل شيء، والتي ~~تشبه أحيانا بنسمة الهواء التي تتمفصل مع الكون عند الجهات الأربع وتتسبب في ~~تحريك كل متحرك. إن خصائص الواكان لا تتبدى في مقدرته على إتيان هذا الفعل أو ذاك، ~~ولكنه القوة بالإطلاق، والمبدأ الذي به يقوم كل شيء، الطاقة التي تغذي كل قدرة ~~متبدية في هذا العالم؛ ففي الأساس من كل ظاهرة، هناك مقادير من هذه الطاقة غير ~~متكافئة، وليس الاستقرار الكوني إلا نتاج تقابل هذه القوى غير المتكافئة وتحييدها ~~لبعضها بعضا. # 3 # ونجد الاعتقاد نفسه لدى جماعات الهنود الحمر الأخرى مع اختلاف التسميات. فلدى ~~هنود ميامي وأوتاوا وإلينوي، يقوم المعتقد الديني على الإيمان بقوة شمولية كلية ~~السلطان وكلية الحضور يدعونها مانيتو، يتجلى حضور هذه القوة من خلال دورة الأيام ~~والفصول وخصب الأرض وطاقة الحركة في الأحياء وأفعال الأرواح ms162 غير المرئية، وهو حضور ~~لا يمكن حصر آثاره لأنه أساس كل التحولات الجارية في العالم. وإضافة إلى هذا التجلي ~~للمانيتو على المستوى الطبيعي، فإن له تجليا آخر على المستوى الاجتماعي؛ فعن طريق ~~الأحلام يتلقى القادة عون القوة على اتخاذ القرارات، ومنها يتم استلهام أغان ~~ورقصات جديدة، وما إلى ذلك من فنون وطقوس تعيد شحن الحياة الثقافية للجماعة؛ فهي ~~مصدر الوحي والحياة الفكرية والروحية والجمالية للإنسان. وهم يطلقون التسمية مانيتو ~~بصيغة المفرد للدلالة على القوة الموحدة والجامعة للأجزاء، وأيضا بصيغة الجمع ~~للدلالة على جملة الأرواح الكائنة في هذه القوة الموحدة. # 4 # ويطلق هنود الأراضي السهلية على القوة تسميات معادلة للمانيتو، منها زوبي # Xube # وواكان # Wakan # وبوها Puha ~~. ورغم أن هذه الكلمات قد ترجمت ~~إلى «الروح الكبرى» أو «السر الأعظم»، وبما يتفق مع مفاهيم الرجل الأبيض، إلا أن ~~الدراسات الحديثة تفيد الآن بضرورة استخدام تعابير أكثر دقة؛ فكلمة واكان مثلا ~~ينبغي أن تترجم إلى «كلي القداسة»، وهي ترمز أحيانا إلى ست عشرة شخصية إلهية. # 5 # وفي الحقيقة، فإن تأثير الثقافة الأوروبية قد أدى إلى إدخال تحويرات عميقة على ~~المعتقدات الدينية للهنود الحمر، ومنها إلى ظهور مفهوم الشخصيات الإلهية الخالقة، ~~وهو مفهوم لم يكن له وجود، أو أنه قد وجد بشكل جنيني غير واضح في بعض الأحيان. ~~فلدى هنود كاليفورنيا الذين وجدت لديهم ميثولوجيات متأخرة تدور حول شخصيات إلهية ~~مكتملة، كان المعتقد الأصلي يتركز حول مفهوم للقوة الكونية غير المشخصة تتخلل ~~الكون، فهي أقرب ما تكون إلى ساح دينامي ينطوي على كل الممكنات وينتج كل الأشياء، ~~وذي طبيعة حيادية بعيدة عن المعايير الأخلاقية. # 6 # أما لدى هنود الجنوب الغربي، فيسود الاعتقاد بقوة هي أقرب إلى السيالة ~~الروحية التي تتبدى تحت العديد من الأقنعة، وتتمثل في موجودات العالم الطبيعي وفوق ~~الطبيعي؛ أي إنها قوة غير محددة الملامح، ولكنها تتحول إلى مظاهر مادية مثل ~~النباتات والحيوانات والأجرام السماوية، وإلى مظاهر غير مادية أيضا مثل الشخصيات الإلهية. # 7 # استنادا إلى ما تقدم، يمكن القول بأن الطوطمية ms163 الأسترالية قد رأت الألوهة في ~~قوتها السارية فقط، ولم تتأمل في المجال القدسي الذي صدرت عنه هذه القوة. أما ~~الطوطمية في أمريكا الشمالية فقد رأت فيما دعوناه تجاوزا بالروح الكبرى مجالا ~~قدسيا وقوة سارية في الآن نفسه. # لا يقتصر هذا الشكل من المعتقد الديني البدائي على المجتمعات الطوطمية، البسيط ~~منها والمتطور، وإنما يتجاوزها إلى معظم المجتمعات البدائية التي عاشت على هامش ~~الخط الرئيسي لتطور الحضارة العالمية. وبشكل خاص فإننا نواجه مفهوم القوة في أساس ~~معتقدات ثقافات المحيط الهادي البولينيزية منها والميلانيزية؛ فمن ميلانيزيا جاءنا ~~مصطلح المانا الذي تم استخدامه منذ التعرف عليه للدلالة على معتقد القوة أينما وجد ~~لدى بقية الثقافات البدائية. وقد قدم مصطلح المانا لأول مرة إلى الحلقات ~~الأنتروبولوجية المبشر كوردينغتون # Cordington # في ~~كتابه عن جزر ميلانيزيا وثقافاتها، والصادر عام 1891م تحت عنوان # The ~~Melanesians ~~، يقول كوردينغتون: ~~«هناك اعتقاد لدى الميلانيزيين بوجود قوة حيادية أخلاقيا وغير مادية يطلقون ~~عليها اسم مانا. ورغم أن هذه القوة غير مادية وفوق طبيعانية، إلا أنها تتبدى بشكل ~~مادي وتحدث آثارا مادية، وهي لا تتركز في موضوعات معينة، بل تتخلل كل شيء. وتدور ~~ديانة ميلانيزيا حول طريقة التعامل مع هذه القوة وتوجيهها من أجل الإفادة من ~~آثارها. غير أننا يجب أن نحذر من النظر إلى المانا باعتبارها شخصية إلهية عليا؛ ~~لأن فكرة الإله الأعلى هي فكرة غريبة عن العقل الميلانيزي.» # 8 # انطلاقا من ملاحظات كوردينغتون عن الديانة الميلانيزية، توسع باحثون آخرون في ~~دراسة مفهوم المانا في ديانات جزر المحيط الهادي، وأهم هؤلاء الفيلسوف ~~والأنتروبولوجي البريطاني ماريت # R. Marett ~~. يرى ~~ماريت في كتابه # The Threshold of Religion ~~، الصادر ~~في لندن عام 1909م، أن الميلانيزي يحس بحضور عالم فوق طبيعاني يتجلى كشيء خارق وغير ~~مفهوم، يستثير الإحساس بالروع، ويجد الإنسان نفسه معه في علاقة غير اختيارية ولا ~~يمكن دفعها. وهو يميز بين حالين للمواجهة مع العالم فوق الطبيعاني؛ حال إيجابي وحال ~~سلبي، فيدعو الأول بالمانا، وهو الإحساس بفعالية ذلك العالم وآثاره في الإنسان ~~ومظاهر الطبيعة، ms164 ويدعو الثاني بالتابو، وهو الإحساس بالجوانب الخطرة لتلك الفعالية ~~واحتمالات الأذى الكامن فيها، وضرورة مراقبتها بحذر. # 9 # فإذا انتقلنا من جزر المحيط الهادي إلى أفريقيا السوداء، وجدنا أن الديانات ~~الأفريقية رغم احتكاكها المبكر بديانات الحضارات الكبرى منذ عهد الفراعنة، وتلقيها ~~لمؤثرات غريبة كثيرة، فقد حافظت على الملامح الأساسية للمعتقد الديني البدائي. ونحن ~~نستطيع بالفعل أن نعثر في أساس كل الديانات الأفريقية على معتقد جوهري تقوم عليه ~~بنية الدين الأفريقي المعقدة والمتشابكة الفروع والأغصان، وهذا المعتقد يتماشى ~~ومصطلحينا اللذين اعتمدناهما حتى الآن؛ أي المجال القدسي والقوة السارية. # في جميع الديانات الأفريقية التقليدية، هناك اعتقاد بوجود عنصر غير مادي يسكن في ~~الأشياء والكائنات المرئية كانت أم غير المرئية، هو نوع من القوة الحيوية التي ~~تتوزع بهذا المقدار أو ذاك على كل عنصر من عناصر العالم. وهذه المقادير من القوى هي ~~أجزاء متفرقة من قوة كونية عظمى تنبث فيما لا يحصى من الموضوعات. إن هذا الإيمان ~~يجعل الأفريقي ينظر إلى الكون بمستوييه المنظور والغائب باعتباره كلا مترابطا ~~ترابطا محكما من خلال نسيج القوى الذي يشده كشبكة مترابطة متماسكة؛ فلا شيء في ~~هذا العالم يتحرك دون أن يؤثر بحركته على القوى الكامنة في الأشياء الأخرى، والقوى ~~في توزعها غير المتساوي في الأشياء هي في حالة تعارض وتناقض دائم فيما بينها، إلا ~~أن هذا التعارض لا يقود إلى اختلال النظام في العالم، بل إلى نوع من التوازن ~~الدينامي الذي يقوم على الفعل المتبادل بين القوى المنبثة في العالم ~~المادي-الروحاني. ولكن التوازن يضطرب أحيانا، خصوصا على يد الإنسان عندما يرتكب ~~خطيئة أو رجسا طقسيا، وهنا يمكن إصلاح الخلل عن طريق التحكم الطقسي بمقادير ~~الطاقة المتوزعة، وذلك بالأضاحي الدموية التي تحرر القوى الحيوية من الأضحية. # 10 # إن كل عنصر في العالم هو متلق ومخزن ومرسل للقوة. ويمتلك السحرة بشكل خاص ~~مقدارا عاليا من هذه القوة؛ وذلك بسبب إمكانياتهم الفطرية أو المكتسبة على ~~اجتذاب القوة واستخدامها في سبيل الخير أو الشر. ومثل السحرة أيضا الملوك والزعماء ~~وبعض الشخصيات ms165 الاستثنائية، فهؤلاء يمتلكون مقدارا أكبر من القوة يجعلهم في وضع ~~متميز. هذه الفكرة الأفريقية عن هرمية القوى في الكون وتوازنها الناجم عن دينامية ~~داخلية، تعارض المفهوم المتعارف عليه في الحضارات الكبرى عن عالم مستقر تم تنظيمه ~~على يد خالق ضليع في عمليات الحساب، وهي تقترب كثيرا من المفاهيم الحديثة عن ~~المادة باعتبارها تجمعا لقوى عرفنا كيف نحررها ولم نتعلم بعد السيطرة ~~عليها. # في الكونغو، تسمي شعوب منعطف النهر هذه القوة إيليما، وهم يعتقدون أنها موجودة ~~في كل مكان، ولكنها توجد بشكل خاص في بعض الأماكن المقدسة، كما أنها تتوضع في أماكن ~~معينة من جسم الإنسان مثل الشعر والعين والكبد، وبصورة خاصة في الدم. كما تتركز ~~القوة في الاسم، ومن هنا تلك الهالة السحرية التي تحيط بالاسم عند الأفريقي؛ فقد ~~بلغ الأمر لدى بعض القبائل حد إبقاء الاسم الحقيقي لكل فرد طي الكتمان حتى لا يطاله ~~ساحر شرير بالأذى. وتطلق شعوب البامبا والدوغون على القوة اسم نياما، وهم يعتقدون ~~أنها تكمن في الأضحية. وترى شعوب الديولا إلى العالم على أنه هرم من القوى يأتي ~~الإله الأكبر في قمته بينما يحتل البشر قاعدته، ويلعب حشد الجن دور الوسيط حيث ~~ينظمون سريان القوة بين العالمين، وهذا يعني أن الديانات الأفريقية لا تستبعد ~~الآلهة المشخصة أو الكائنات الروحية الأخرى؛ وذلك بسبب احتكاكها المبكر بالحضارات ~~الكبرى التي تلعب الكائنات الإلهية فيها دورا واضحا، غير أن الآلهة الأفريقية ~~بقيت أقرب إلى القوى غير المشخصة، فهي حيادية من الناحية الأخلاقية، ويمكن للطقوس ~~التي يمارسها الاختصاصيون أن تجبرها على تحقيق الغرض الذي من أجله أقيم الطقس، لا ~~نستثني من ذلك الإله الأكبر نفسه، الذي يبدو كقوة عمياء لا كأب عادل منصف؛ فالخير ~~والشر والعدالة ليست من اختصاص الآلهة، والديانات الأفريقية لا تتصل ~~بالأخلاق. ~~••• # إن ما أوردناه أعلاه من أمثلة عن معتقدات شعوب بدائية تنتمي إلى أربع قارات، كاف ~~لإظهار أوجه التقارب والتشابه بين المعتقد البدائي الحديث ومعتقد العصر الحجري. لقد ~~اعتقد الباحثون طويلا أن إنسان ما قبل التاريخ ms166 (ومثله إنسان الثقافات البدائية) ~~كان محكوما بحواسه، وأن علاقته مع العالم لم تكن تخرج عن حدود مجابهته الحسية ~~المباشرة مع ظواهره، وبنوا على هذا أن تصور الإنسان لعالم الإلهيات قد ابتدأ مع خلق ~~ألوهات مشخصة أو كائنات روحية متفوقة. ولكننا استطعنا، حتى الآن، أن نثبت أن الدين ~~لا يبتدئ مع الآلهة، وأن المعتقدات الأولى التي كونها الإنسان نتيجة إحساسه ~~بالعوالم القدسية غير المنظورة، إنما تدور حول مفاهيم عالية التجريد، وشديدة ~~الاتصال بالواقع في الوقت نفسه. يقول أحد حكماء قبائل الداكوتا في معرض شرحه لمعتقد ~~الواكان، للباحثة فليتشر، ما يلي: ~~«إن كل متحرك لا بد له من التوقف هنا أو هناك؛ فالطائر في طيرانه يتوقف ليصنع له ~~عشا، والإنسان عندما يمشي يتوقف أينما أراد، وكذلك الواكان كان له توقفات؛ الشمس ~~البهية المضيئة نجمت عن مكان توقف عنده الواكان، وكذلك الأشياء الأخرى من حيوانات ~~وأشجار وما إليها، كلها نجمت عن مكان توقف عنده الواكان. وإن الهندي عندما يرسل ~~صلاته يفكر في هذه الأمكنة التي توقف عندها الواكان من أجل الحصول على العون والبركة.» # 11 # وبكلمات أخرى، فإن القوة السارية تتحرك في العالم جيئة وذهابا لتصنع المكان، ~~وليست الموجودات جميعا إلا مظاهر لتكشف هذه الطاقة التي تجمع عالم اللاهوت وعالم ~~الناسوت إلى وحدة تضمهما معا رغم التمايز الوهمي بينهما. # ستكون الخطوة الرئيسية التالية أن نعمد إلى دراسة معتقدات الحضارات الكبرى؛ لكي ~~نختبر صحة استنتاجاتنا حول الحد الأدنى الاعتقادي، أو المعتقد الجوهري الذي تقوم ~~عليه الظاهرة الدينية عند الإنسان. فهل ستظهر لنا معتقدات الحضارات الكبرى ما ~~وجدناه في معتقدات الإنسان الأول والبدائي؟ # قبل الشروع في هذه الخطوة الجديدة من دراستنا، سوف نتقدم باستطرادين لا بد منهما ~~عند هذه المرحلة التي وصلنا إليها؛ الاستطراد الأول حول علاقة السحر بالدين؛ ~~والثاني، وهو الأهم، حول ظهور الآلهة المشخصة في تاريخ الدين، وعلاقة معتقد الآلهة ~~المشخصة بمعتقد المجال القدسي وقوته السارية. # الفصل الخامس # | بين السحر والدين # انطلاقا من فرضية الفيلسوف هيجل، التي تقول بأن عصرا ساد فيه السحر ms167 قد سبق عصر ~~الدين في تاريخ الحضارة الإنسانية، قام رائد الأنتروبولوجيا النظرية في بريطانيا السير ~~جيمس فريزر بصياغة نظريته المعروفة حول أصل الدين وعلاقته بالسحر. في البداية، يفترض ~~فريزر أنه قد مر على الإنسان عهد ظن فيه أن بمقدوره التحكم في سير عمليات الطبيعة ~~بواسطة تعاويذه وطقوسه السحرية. وعندما اكتشف بعد فترة طويلة قصور هذه الوسائل عن ~~تحقيق غايتها، تصور أن الطبيعة التي تأبت على الانصياع له، واقعة تحت سلطان شخصيات ~~روحانية فائقة القدرة، فتحول إلى عبادة هذه الشخصيات واستعطافها، واسترضائها بالأضاحي ~~والقرابين، لتقف في صفه وتلبي له حاجاته؛ وبذلك ظهر الدين وتحول الإنسان عن السحر، ~~وحل كاهن المعبد محل ساحر القبيلة. يقول في كتابه الغصن الذهبي: # في شكله الصافي، يفترض السحر التعاطفي أن الأحداث في الطبيعة يتلو بعضها بعضا، بشكل ~~اطرادي دون تدخل من شخصيات روحانية ما ورائية. من هنا، فإن المفهوم الأساسي للسحر ~~يتشابه مع المفهوم الأساسي للعلم الحديث، حيث يسود الإيمان التام بالانتظام والتماثل في ~~الطبيعة. فالساحر لا ينتابه شك في أن الأسباب الواحدة سوف تنتج بالضرورة النتائج نفسها، ~~وفي أن إتيان الطقوس المناسبة المصحوبة بالتعاويذ المناسبة سوف تتلوها النتائج ~~المرغوبة، إلا إذا تدخلت قوة ساحر أقدر منه للحيلولة دون ذلك. والساحر في عمله هذا، لا ~~يلتمس عون أية قوة عليا، ولا يسعى لاستمالة كائن روحاني ما، متقلب المزاج أو عصي على ~~الإرضاء. إنه يؤمن بقدرته غير المحدودة طالما استطاع استخدام تقنياته على الوجه ~~الصحيح. # ولكن، إذا كان السحر هو أقرب الأقرباء إلى العلم من حيث افتراضاته الأساسية، فما هي ~~صلته بالدين؟ قبل الشروع في الإجابة على هذا التساؤل، ينبغي علينا أن نوضح ما الذي ~~نعنيه بالدين؛ لأن الإجابة سوف تتلون وفق ما نراه من شأن الدين وطبيعته. إن الدين، ~~كما أراه، هو تلك الأفعال الهادفة إلى استعطاف أو استمالة قوى متفوقة، يعتقد الإنسان ~~بقدرتها على التحكم بمسار الطبيعة والحياة الإنسانية؛ أي إن هنالك عنصرين مكونين ~~للدين؛ واحد نظري يتعلق بالإيمان بالقوى المتفوقة، وآخر عملي يتعلق بالعمل ms168 على استرضاء ~~هذه القوى. # فإذا كان الدين اعتقادا بكائنات خارقة تحكم العالم، والقيام بما من شأنه التأثير على ~~هذه الكائنات، فإن الإنسان المتدين يفترض أن سير العمليات في الطبيعة هو عرضة للتبدل ~~والتغير في أي وقت، إذا تدخلت الكائنات المقدسة التي تتحكم في الطبيعة من أجل ذلك، ~~فإننا نستطيع إقناع هذه الكائنات بإحداث مثل هذه التغيير لصالحنا. وهذا يعني أن الطبيعة ~~في الفكر الديني ذات خصائص مرنة، على عكس ما يتصورها الفكر السحري الذي يفترض فيها ~~الصلابة والثبات، وعدم خروج عملياتها عن مسارها نتيجة التوسط لدى القوة الإلهية ~~المتحكمة بها. وهكذا، فبمقدار ما ينظر الدين إلى العالم كجملة محكومة من قبل كائنات ~~عليا عاقلة، يمكن التدخل لديها وإقناعها من أجل تعديل سلوكها، بمقدار ما يقف على طرف ~~نقيض مع السحر ومع العلم أيضا؛ ذلك أن السحر والعلم يؤمنان بأن العالم لا تحكمه أهواء ~~كائنات عليا مشخصة، بل عدد هائل من القوانين التي تفعل فعلها بشكل آلي. قد يتعامل ~~السحر مع كائنات روحانية تشبه ما لدى الدين، إلا أنه يتعامل معها بطريقته الخاصة التي ~~تختلف عن الدين؛ ففي الطقوس السحرية لا يتوسل الساحر إلى هذه الكائنات، بل إنه يجبرها ~~على تنفيذ مشيئته ... وهنا نجد امتزاجا بين السحر والدين ضمن نظام مختلط ... إلا أن هذا ~~التمازج ليس أصليا بل طارئ؛ فلقد مر على البشرية وقت اعتمدت فيه على السحر وحده ... ~~ولعل في المثال الأسترالي ما يعزز استنتاجاتنا. ففي أستراليا، حيث نواجه أكثر ~~المجتمعات الموثقة لدينا بدائية، نجد الجميع يلجأ إلى السحر، بينما نلاحظ غياب الدين ~~بالمعنى الذي أوضحناه؛ أي التقرب إلى قوى عليا واسترضائها. فكل فرد هنا يتخيل أنه ~~يستطيع التأثير في أقرانه أو في الطبيعة من خلال السحر التعاطفي، ولا يفكر أبدا ~~باسترضاء إله ما بالصلوات أو القرابين. ~~«ولكن إذا كان عصر السحر قد سبق في كل مكان عصر الدين، كما غامرنا بالحدس والافتراض، ~~فإن من الطبيعي أن نتساءل عن الأسباب التي حدت بالجماعات الإنسانية، أو ببعضها، إلى ~~نبذ السحر كعقيدة ms169 وممارسة، واللجوء إلى الدين. وفي الحقيقة، فإن الوضع الراهن ~~لمعلوماتنا عن هذه المسألة لا يساعد على تقديم حل مرض وواف لها، ولكننا نستطيع ~~المخاطرة بتقديم افتراض يتمتع بقدر لا بأس به من المعقولية، وبكل الحذر اللازم؛ فبعد أن ~~اكتشف الإنسان متأخرا زيف وعقم السحر، حاول تكوين نظرية أكثر صدقا لتفسير الطبيعة ~~وتسيير عملياتها لصالحه ... فإذا كان هذا العالم الواسع يسير في سبله غير آبه بالإنسان ~~وطقوسه السحرية، فإن ذلك راجع ولا شك على أنه مسير من قبل كائنات غير منظورة، واعية ~~مثل الإنسان ولكنها أكثر قدرة بما لا يقاس، وهي التي تقوم على تدبير شئون الظواهر التي ~~اعتقد لفترة طويلة باعتمادها على طقوسه السحرية. وهكذا ابتدأ الإنسان تدريجيا بالتوجه ~~إلى هذه الكائنات المبجلة معترفا بعجزه أمامها، واعتماده على قواها غير المنظورة من ~~أجل حياته ومعاشه.» # 1 # لقد كان من الضروري أن نتوقف هذه الوقفة الطويلة نسبيا عند أفكار فريزر كما بسطها ~~في غصنه الذهبي؛ لما كان لآرائه من تأثر كبير في حقل دراسة الدين وأصوله. ورغم أن كتاب ~~فريزر، الذي اكتملت أجزاؤه الاثنا عشر في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، لم يؤثر ~~كثيرا على علم الأنتروبولوجيا، إلا أنه يعتبر أعظم آثار المدرسة التطورية طرا، وكان ~~له سلطان على الدراسات الكلاسيكية وعلى الآداب والفنون في الثقافة الغربية المعاصرة. ~~وقد كان للغصن الذهبي تأثير مباشر على مدرسة التحليل النفسي، وبشكل خاص فقد أثر ~~كتابه الآخر # Totem and Exogamy ~~(1910م) على كتاب فرويد ~~الشهير # Totem and Taboo ~~(1913م)، الذي يعتبر إلى جانب ~~كتابيه الآخرين # The Future of an Illusion # و # Civilization and its Discontent # بمثابة مساهمة ~~فرويد الخاصة في المدرسة التطورية، وربما آخر إنجازاتها الكبيرة. # إن التمييز الحاد الذي وضعه فريزر بين السحر والدين، يأتي نتيجة لفهمه الخاص للدين ~~ولما هو ديني؛ فلقد أوضح منذ البداية أنه لا يرى دينا إلا عندما يرى طقوسا تتوسل إلى ~~كائنات روحية فوق طبيعانية تتحكم في مظاهر الطبيعة، وأن الدين لم يبتدئ في تاريخ ~~الإنسان إلا ms170 مع ظهور الآلهة المشخصة. وقد قاده ذلك، كما هو متوقع، إلى اعتبار كل ~~معتقد وطقس سابق على ذلك، بمثابة معتقد سحري وطقس سحري لا يمت إلى الدين بصلة. ولكن ~~استقصاءنا عبر الفصول السابقة، قد قادنا إلى رؤية مختلفة تماما لعلاقة الدين بالسحر، ~~فكما أشرت باقتضاب وفي أكثر من موضع، فإن الدين لم ينشأ عن السحر؛ لأنه لا فرق بين ~~السحر والدين عند منابت وجذور الثقافة الإنسانية، وليس الذي يدعوه فريزر سحرا إلا ~~شكلا أصليا وأوليا من أشكال الدين، سابقا على ظهور الشخصيات الإلهية في المعتقدات ~~الدينية للإنسان؛ فالساحر الذي يتوسط بين الأسباب ونتائجها، لا يعتمد مبدأ ميكانيكية ~~الطبيعة وخضوع عملياتها لقوانين ثابتة، كما يرى فريزر ومن يردد مثل أفكاره إلى الآن، ~~بل على مبدأ القوة السارية الذي يربط عالم الظواهر، ويكمن خلف تسلسل الأحداث في ~~الطبيعة. والقوى التي يعتمد عليها الساحر هي قوى دينية بالمعنى الحقيقي للكلمة. # إن أي مخلوق منتصب على قائمتين، وذي دماغ يعادل وزنه ما للغوريلا والشيمبانزي، لن ~~يمكنه التصديق، اعتمادا على تجربته المباشرة مع الطبيعة، بأن تقليد حادث ما يمكن أن ~~يؤدي إلى وقوعه. ومع ذلك، فقد رأينا أن الإنسان الأول كان يقلد في حركات طقسية سقوط ~~الطرائد صرعى حرابه قبل التوجه إلى حقل الصيد، ورأينا أن الإنسان البدائي يقلد صوت سقوط ~~المطر بأدوات طقسية متنوعة استجلابا للمطر، فكيف توصل الإنسان إلى ابتكار هذه ~~الممارسات التي تتعارض من حيث الظاهر مع كل تجاربه العملية؟ في الحقيقة، لقد طور ~~الإنسان منذ عصور وعيه المبكرة مفهوم السببية تدريجيا، من خلال مراقبته للعمليات ~~الجارية من حوله؛ فالحرارة تسبب الحريق، والماء يطفئ النار، والسحاب ينزل المطر ... إلخ، ~~إلا أن ما يميز مفهوم السببية عند الإنسان القديم عن مفهومه عند الإنسان الحديث، هو أن ~~الإنسان الحديث يعزو الأثر الذي ينتقل بين السبب والنتيجة إلى خصائص كامنة في طبيعة ~~الأشياء، أما الإنسان القديم فيرى أن العنصر الفاعل وراء السببية هو قوة تنقل الأثر من ~~السبب إلى النتيجة، وتتوسط بين طرفي الحادث. من ms171 هنا فإن طقس المحاكاة الديني أو ~~السحري، هو إجراء يهدف إلى التأثير في القوة من أجل دفعها إلى إحداث النتيجة المطلوبة، ~~وهو يشبه فعل الصلاة أو تقريب القرابين في الأديان التي تجزأت فيها القوة الأصلية إلى ~~عدد من القوى الإلهية المشخصة. وفي الواقع، فإن ظهور الآلهة المشخصة في تاريخ الدين هو ~~الذي أدى إلى استقلال السحر عن الدين، حيث توجهت طقوس الدين إلى الآلهة، وبقيت طقوس ~~السحر تدور حول المفهوم القديم للقوة السارية، بعد أن ابتعد هذا المفهوم عن بؤرة الحياة ~~الدينية، وتحول إلى إحساس بقوى غامضة مؤثرة في الطبيعة. # غير أن التحول من طقوس التأثير في القوة وما تقوم عليه من معتقدات، إلى طقوس التضرع ~~والصلوات وتقريب القرابين إلى الآلهة، لم يتم إلا ببطء شديد، وبقيت طقوس التأثير في ~~القوة التي ندعوها سحرية قائمة بقوة في قلب الديانات التي تقوم على الإيمان بالآلهة ~~المشخصة، ويمكن في هذا المجال إيراد الكثير من الأمثلة. # ففي سفر الخروج التوراتي (9-10)، يقوم موسى وهارون بعدد من الممارسات التي لا تخفي ~~طابعها السحري؛ فلكي يعمل موسى على إصابة المصريين بالبثور والدمامل، يلجأ إلى القيام ~~بفعل يقلد انتشارها، حيث ينثر في الهواء ذرات من رماد الآتون: ~~«فأخذ موسى وهارون رماد الآتون ووقفا أمام فرعون، وذراه موسى نحو السماء فصار دمامل ~~في الناس وفي البهائم.» وبعد ذلك تقوم عصا هارون بالدور المعروف لعصا الساحر: «ومد ~~هارون يده بعصاه وضرب تراب الأرض، فصار البعوض على الناس وعلى البهائم» ... و«ضرب الماء ~~الذي في النهر أمام عيني فرعون وأمام عيون عبيده، فتحول كل الماء في النهر دما ومات ~~السمك» ... «طرح هارون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعبانا، فدعا فرعون أيضا ~~الحكماء والسحرة، ففعل عرافو مصر بسحرهم كذلك، طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ~~ثعابين، ولكن عصا هارون ابتلعت عصيهم.» # وفي الواقع، لو أننا قرأنا عن عجائب موسى وهارون في ملحمة شعبية لا تستند إلى خلفية ~~دينية، لقلنا ساحران عظيمان، أما هنا فهما من رجال الدين الصالحين؛ لأن القوة ms172 التي تنقل ~~الأثر من حركة اليد أو العصا إلى النتيجة المرجوة، هي قوة منسوبة إلى قدرة إله مشخص ~~ومسمى يتمتع بصفات وطبائع وتاريخ، أما وراء عصي حكماء وسحرة فرعون فهناك القوة ~~الغفلة التي كانت في بؤرة الدين وصارت في بؤرة السحر. فإذا تابعنا المعجزات التي ~~يجترحها موسى وهارون وصولا إلى قيام موسى بشق البحر بعصاه، لوجدنا أن هذا العمل الأشهر ~~لموسى ليس إلا نسخة عن عمل سحري مشابه ورد في بردية مصرية تعود إلى حوالي عام 1550ق.م. # 2 # تحكي البردية ما ملخصه أن الفرعون سنيفرو شعر في أحد الأيام باكتئاب لم ~~تنفع في إزالته كل ضروب اللهو المتوفرة في القصر الملكي، فدعا إليه كاهنا حكيما ~~معروفا بقدراته السحرية واستشاره فيما يزيل عنه اكتئابه، فأشار الكاهن برحلة نهرية في ~~القارب الملكي تتخللها ضروب اللهو والتسلية، ثم أشرف بنفسه على ترتيب الرحلة. وكان من ~~جملة ما أعده الكاهن لهذه النزهة عشرون فتاة في ريعان الصبا، لبسن أبهى حلة، وتزين ~~بأحلى زينة، ورحن يجذفن المركب الملكي وينشدن أعذب الألحان، فطرب الفرعون وزال عن ~~قلبه الغم. ولكن إحدى الفتيات أسقطت إلى الماء سهوا مشبك شعرها التركوازي العزيز ~~عليها، فحزنت وتوقفت عن التجذيف والغناء، وتوقفت معها أيضا صويحباتها. وهنا توجه ~~الفرعون إلى الكاهن ليجد حلا للمسألة ويعيد الفرح إلى قلوب الفتيات، فوقف الكاهن عند ~~حافة القارب وتلفظ ببعض أسماء القوة، فانشق الماء وانزاح نصفه متراكبا فوق النصف ~~الآخر، فظهرت الحلية التي تم التقاطها وإعادتها إلى الفتاة، ثم نطق ثانية بأسماء القوة ~~فعاد الماء سيرته الأولى. # ومن مصر القديمة بالذات تأتينا أغزر الوثائق عن العروة الوثقى التي تربط بين الدين ~~والسحر في الحضارات الكبرى القديمة. يقول السير واليس بدج، وهو أهم دارس للديانة ~~المصرية القديمة، عن علاقة الدين بالسحر في مصر القديمة: ~~«إن الإيمان بالسحر هو أقدم في مصر من الإيمان بالإله. وإنه لمن المؤكد أن عددا ~~كبيرا من الطقوس الدينية التي كانت تؤدى في الأزمنة اللاحقة، كجزء من العبادة ~~الروحية السامية، تضرب أصولها في المعتقدات ms173 والممارسات الخرافية، التي تعود إلى عصر لم ~~يكن الإله فيه قد تصور في عقل المصريين بأية صورة أو بأي اسم. ومن المحتمل أن رمز ~~الفأس الذي يستخدم في الكتابة الهيروغليفية للدلالة على كلمة الله أو الإله، هو ~~استمرار لنوع من الطقوس السحر-دينية التي كانت تتمركز حول الفأس نفسها في عصور ما قبل ~~الأسرات، والتي رأت في هذه الأداة رمزا لحضور قوة عليا ... لقد تطور الدين والسحر جنبا ~~إلى جنب في مصر القديمة عبر تاريخها، وإلى درجة تجعل البحث في أحدهما بالضرورة بحثا في الآخر.» # 3 # إن وصف واليس بدج للطورين اللذين مر بهما المعتقد المصري، وهما طور السحر وطور ~~الدين، ليستقيم تماما إذا نحن استبدلنا تعبير الإيمان بالسحر بتعبير معتقد القوة ~~السارية؛ لأن الطور الأقدم الذي تلمسه بدج عند جذور المعتقدات المصرية، هو دين العصر ~~الحجري الذي استمر في أشكاله التي أوضحناها آنفا حتى بواكير عصر الأسرات. وقد نفذ هذا ~~الباحث ببصيرته الثاقبة إلى المعنى الحقيقي لرمز الفأس، فرأى فيه شارة الألوهة التي ~~تعادل، في تفسيرنا، رأس الثور عند إنسان العصر الحجري، وبقية تلك الشارات المستمدة من ~~الوسط الطبيعي، والتي ترمز إلى حضور القوة في مقامات الإنسان الأول. كما تستقيم في ~~ذهننا أيضا الفكرة التي يؤكد عليها واليس بدج دائما، حول امتزاج الدين بالسحر عبر ~~تاريخ الديانة المصرية؛ لأن الذي مازج المعتقدات والممارسات الدينية في مصر إبان عصورها ~~التاريخية هو في الواقع تلك المعتقدات والطقوس الخاصة بالأشكال الأصلية للدين، وقد ~~تحورت بما يلائم ظهور الآلهة المشخصة في تاريخ الدين. يقول بدج: ~~«إن دراسة ما وصل إلينا من الأدبيات الدينية لمصر القديمة يظهر أن الاعتقاد بالسحر؛ ~~أي بفعالية الكلمات السحرية والتعاويذ والتمائم وما إليها، وأداء الطقوس المصحوبة ~~بترديد أسماء القوة لتحقيق النتائج المرجوة، يشغل حيزا واسعا من الديانة المصرية. ~~وإنه لمن المؤكد أنه بصرف النظر عن المساهمة الكبيرة والمستمرة التي أدتها مصر إلى ~~الحضارة، وعن المستوى الراقي الذي وصل إليه فكر المصريين، فإن الاعتقاد بالسحر قد مارس ~~تأثيره على عقولهم وصبغه ms174 بصبغته منذ بداية تاريخهم وحتى أواخره. وهذا ما يصعب علينا ~~فهمه في هذه المرحلة من تاريخ الحضارة التي نعيشها الآن. إنه لمن الصعب علينا أن نفهم ~~تلك العناية الفائقة التي مارسوا بها طقوسهم الدينية التي لا حصر لها، وحافظوا على تلك ~~القواعد الموضوعة الخاصة بعبادة القوة أو القوى القدسية، وذلك الإخلاص التام للممارسات السحرية.» # 4 # وإنني لأتساءل في الواقع، أمام استغراب هذا الباحث اللامع، عن الفرق بين الإيحاء لقوة ~~قدسية شمولية غير مشخصة بإحداث النتائج التي يرجوها الإنسان، وبين استجداء كائن إلهي ~~مشخص ذي إرادة وأهواء ورغبات من أجل النتائج نفسها! ولماذا يكون الاعتقاد بقوة غفلة ~~سارية في الكون اعتقادا بالخرافات والترهات، ويكون الاعتقاد بالآلهة التي ليست إلا ~~صورة متفوقة عن البشر اعتقادا حضاريا راقيا؟ # ومما يدل على أسبقية القوة السارية في الفكر الديني المصري على الآلهة المشخصة، أن ~~الكاهن المتمرس بفنون السحر كان قادرا على التحكم حتى في الآلهة من أجل إجبارها على ~~التدخل لصالح الناس؛ ذلك أن القوى التي يمتلكها كانت بلا حدود، فإذا نطق الكاهن بأسماء ~~القوة بالطريقة المناسبة، استطاع شفاء المرض، وطرد الأرواح الشريرة من الأجسام، وتحويل ~~الناس إلى حيوانات من شتى الأصناف وحتى على إحياء الموتى. كما كانت أسماء القوة قادرة ~~على التحكم بالأمطار والرياح والعواصف وغيرها من الديناميات الطبيعية. ومن امتلكها ~~انكشفت له حجب الماضي والمستقبل وعرف أقدار البشر أجمعين، لا يقف أمام قدرته حاجز ~~المسافة أو الزمن، أو حتى قدرة الآلهة. لقد كان موقف المصري من آلهته مزدوجا؛ فهو ~~يعبدها ويقدم لها القرابين ويستعطفها لتأمين معاشه وتخليص روحه، ولكنه من جهة أخرى كان ~~يحاول التأثير عليها وقسرها على الوقوف في صفه، حتى وإن لم تكن راغبة في ذلك. ويبدو أن ~~أسماء القوة التي كان الكهنة يمتلكونها، كانت قادرة أيضا على عون الآلهة ومساعدتهم على ~~أداء مهامهم، لا نستثني من ذلك كبير الآلهة رع، الذي لم يكن يستطيع إنقاذ قرصه الشمسي ~~من انقضاض التنين «أبيب» عليه عند الشروق، إلا بواسطة طقوس سحرية معينة وتعاويذ ms175 تتلى ~~من قبل كهنة طيبة في أوقات معينة من الليل والنهار، من شأنها إظهار الإله الأعلى على ~~خصمه الأبدي. # 5 # وفي الميثولوجيا المصرية، يلعب السحر دوره في عالم الآلهة كما في عالم البشر. ولعل في ~~قصة حصول الإلهة إيزيس على قواها السحرية الخارقة عن طريق خداعها للإله رع، خير مثال ~~على ذلك؛ فلقد شاخ الإله الأكبر ووهنت قواه، ولكنه استطاع البقاء سيدا للسموات والأرض ~~بقوة اسمه السري الذي لا يعرفه أحد. وكانت إيزيس متمرسة بفنون السحر، وتمتلك من أسماء ~~القوة ما لا يعرفه أحد غيرها، إلا أن طموحها الذي لا يقف عند حد دفعها إلى محاولة ~~امتلاك الاسم السري لرع، حتى تسيطر بواسطته على الأرض كما يسيطر رع على السماء والأرض، ~~فأعدت لذلك خطة محكمة. قامت إيزيس بصنع حية من تراب الأرض الذي يسيل عليه لعاب ~~العجوز رع، فتلت عليها تعويذتها وأرسلتها تسعى في طريق الإله الذي يسلكه كل يوم، ~~فعضته في ساقه ودفعت سمها في شرايين دمه. سرى السم في جسد كبير الآلهة واشتد ~~ألمه، فدعا كل آلهة الأرض والسماء لشفائه دون أن يفلح منهم أحد، وهنا تطوعت إيزيس ~~للمهمة ومثلت أمامه قائلة: ما الذي حل بك أيها الأب المقدس؟ هل عضتك حية؟ وهل تجرأ ~~كائن من خلقك على رفع رأسه إليك؟ سأقهر هذه الحية بأسماء القوة التي عندي، ولن تزحف ~~بعد اليوم تحت أشعة شمسك، ولكن قل أولا عن اسمك القدسي؛ لأن من عرفه وجد الحياة. ~~فأجابها متهربا: في الصباح اسمي خيبيرا، وفي الظهيرة اسمي رع، وفي المساء اسمي توم. ~~ولكن إيزيس تجيبه بأن أيا من هذه ليس اسمه السري، وتمتنع عن علاجه، ثم تعود إلى تكرار ~~السؤال لتسمع منه الجواب نفسه. ولكن آلام الإله تصل بعد مدة إلى حد لا يطاق، فيرضخ ~~لمشيئة إيزيس ويلقي باسمه السري في قلبها من دون أن ينطق به، فتقوم بشفائه وتنتقل إليها ~~قوى الاسم الأعظم. # 6 # وفي الحقيقة، فإن ديانة مصر القديمة برمتها إنما تقوم على مفهومي المجال والقوة، ~~رغم أن ms176 وادي النيل كان يعج بالآلهة والكائنات الروحية من كل نوع، وربما أكثر من أي ~~مكان آخر في المشرق الأدنى القديم. فالمصري القديم رغم اعتقاده بالآلهة المشخصة وقيامه ~~بتقديم فروض العبادة لها، فإنه آمن دوما بألوهة منزهة هي القاع الكلي للوجود، عنها ~~صدرت المادة والآلهة والحياة بكل أشكالها. يقول واليس بدج في كتابه المعروف عن الديانة المصرية: # 7 ~~«حين يدرس القارئ نصوص الديانة المصرية، تحصل لديه القناعة بأن المصريين قوم كانوا ~~يؤمنون بإله واحد، موجود بذاته، خالد، غير مرئي، أبدي، قدير، لا يحيط به عقل، خالق ~~السموات والأرض والعالم الأسفل، خالق الرجال والنساء والحيوان والطير والسمك والزواحف ~~والشجر والزرع، والكائنات الروحانية الذين كانوا رسله ينفذون مشيئته ويحققون كلمته ... ~~وأننا مهما أوغلنا في الزمن رجوعا، فربما لن نقترب أبدا من زمان كان فيه المصري بدون ~~هذا الإيمان الرائع.» # إن ما يصفه بدج هنا بكلمات وتعابير مستمدة من مخزونه المعرفي التقليدي، ليس في واقع ~~الأمر إلها مشخصا، بل ألوهة غير مشخصة أو مجال قدسي أو قوة سارية. ويظهر ذلك بكل جلاء ~~من التحليلات التي تابعها المؤلف؛ فهذه الألوهة التي استمر الإيمان بها من العصور ~~الحجرية إلى نهاية التاريخ المصري، لم يكن لها في العصور التاريخية معابد أو هياكل، ولم ~~تصور في أية هيئة شخصية أبدا، وإنما بقيت في أذهان المصريين وقلوبهم كقدرة كونية لا ~~يحدها وصف أو قول. وكما يقول بدج: «فإن الاسم الذي أطلقه المصريون على هذه الألوهة هو ~~نتر # Neter ~~، وكان يرمز إليها بفأس ذي رأس حجري ~~ومقبض خشبي، وتحيط بالرأس أربطة جلدية أو قماشية لتثبيتها على المقبض الخشبي؛ لأن الحجر ~~كان عرضة للتشقق بالاستعمال الطويل. وعندما حل الرأس المعدني محل الرأس الحجري، غابت ~~الأربطة الجلدية عن رأس الفأس الذي لم يعد بحاجة إلى تدعيم. ونستطيع متابعة هذا التطور ~~في رسم الفأس من صورته في الكتابة الهيروغليفية الدالة على الألوهة.» ويبدو أن اختيار ~~الإنسان الحجري لرمز الفأس للدلالة على الألوهة هو التوكيد على جانب القوة المتبدية ~~فيها، ويدعم هذا الرأي أن ms177 كلمة نتر بالذات يمكن أن تعني القوة أو الشدة، من جملة ما ~~يمكن أن تعني. وهنا يمكن أن نقارن مع الكلمة المشابهة في اللغة السورية المحكية ~~«نتر»، والتي تعني ممارسة القوة في إتيان الفعل، فنقول: «نتر» بمعنى انتزع بقوة. ~~وهناك من علماء الهيروغليفية من يرى رأيا مخالفا، ولكنه يدعم أيضا ما ذهبنا إليه؛ ~~فالعالم الفرنسي دي روجيه يرى أن في الكلمة ما يدل على التجدد أو التجديد، وكأنما ~~الفكرة الأساسية عن الألوهة هي تجديد نفسها بنفسها، أو بكلمة أخرى: الوجود بالذات. أما ~~ه. بروكش، فقد قبل هذا الرأي جزئيا حين عرف الاسم بأنه القوة الفاعلة التي تنتج ~~الأشياء وتخلقها وفق أدوار منتظمة؛ مما يمنحها حياة جديدة ويشحنها بالحيوية ~~والشباب. # وإلى جانب كلمة نتر، لدينا كلمة نترو، وتعني الكائنات التي تشترك على نحو ما في ~~طبيعة نتر أو في شخصيته، وتسمى في العادة آلهة. وقد كانت الأقوام الأولى التي كان لها ~~صلات بالمصريين كثيرا ما تسيء فهم طبيعة هذه الكائنات، لكننا حين ندرس هذه الآلهة عن ~~كثب نجد أنها ليست إلا صورا أو تجليات أو مظاهر لإله واحد هو الإله رع، إله الشمس الذي ~~هو النموذج أو الرمز لنتر. وها هو الإله حابي إله النيل، في تواحده بالإله رع، يشف عن ~~كل ما يسبغه المصري على الألوهة المنزهة؛ فحابي المتواحد مع رع، كما تصفه إحدى ~~التراتيل: لا يصور ولا يرى في صور منحوتة، لا قرابين تقرب إليه، ولا أعمال تؤدى ~~إليه، لا يطلع من مكانه الخفي، ومكان سكناه غير معروف؛ إذ لا مكان يمكن أن يحتويه، وأنت ~~لا تستطيع أن تتصور هيئته في قلبك. # وتعطينا البردية المعروفة باسم بردية نيزي أمسو، أكثر النصوص المصرية تعبيرا عن ~~الجدلية القائمة في المعتقد المصري بين المجال القدسي والآلهة المشخصة؛ فالنص يشبه ~~المجال القدسي بالروح الإلهية الهاجعة في الهاوية المائية، والتي لم يكن لها أثر أو فعل ~~قبل صدور القوة السارية عنها، وهي القوة التي أنتجت الكون والآلهة. تقول ~~البردية: ~~«لقد أنشأت نشوء الناشئات، لقد ms178 أنشأت نفسي على هيئة أطوار الإله خيبيرا، الذي كان ~~تطوره في بداية الأزمان. لقد نشأت بنشوء الناشئات؛ أي إنني أنشأت نفسي من المادة. اسمي ~~أوزارس؛ جرثومة المادة البدئية. لقد جعلت إرادتي كلها في هذه الأرض؛ بسطتها إلى الخارج ~~وملأتها وشددت أزرها بيدي. كنت وحيدا إذ لم يكن ثمة شيء مخلوق، في ذلك الوقت ما كنت ~~أصدرت عن نفسي شو ولا طفنوت، نطقت باسمي، باعتباره كلمة القوة، من فمي، وأنشأت نفسي من ~~المادة البدئية التي أنشأت عددا لا حصر له من النشوءات منذ بداية الأزمان. ما من شيء ~~كان على الأرض حينئذ، وأنا صنعت كل شيء. لقد خلقت الخلق بواسطة الروح الإلهي الذي ظل ~~عاطلا في الهاوية المائية لا يفعل شيئا. ما وجدت مكانا أقف عليه، ولكني كنت قويا ~~في قلبي، فصنعت قاعدة لنفسي وصنعت كل ما قد صنع. كنت وحيدا، عملت أساسا لقلبي (أو ~~لإرادتي)، وخلقت حشودا من الأشياء التي تطورت بأطوار الإله خيبيرا، وجاءت ذرياتها من ~~أطوار ولاداتها. أصدرت عني الإلهين شو وطفنوت، ومن كوني واحدا صرت ثلاثة، لقد انبثقا ~~مني وجاءا إلى الوجود على هذه الأرض، ومن شو وطفنوت انبثق سب ونوت وإيزيس وطفنيس في ~~ولادة واحدة.» # إن الآلهة المذكورة في هذا النص لا تشتمل إلا على أولئك المرتبطين بدورة حياة وموت ~~الإله أوزوريس، أما الآلهة الأخرى المعروفة لنا، فهناك روايات ميثولوجية أخرى تقدمها ~~لنا من خلال تنويعات نشوء-كونية أخرى، تتخذ فيها كل مجموعة من الآلهة الأدوار الرئيسية ~~التي لحظناها في نصنا أعلاه. فاللاهوت المصري كان لاهوتا ديناميا لا يبقى على حال، ~~وكلما دعت الظروف إلى إقامة نظام جديد من الآلهة، وجد المصريون أنفسهم مضطرين إلى أخذ ~~الآلهة المحلية القديمة في اعتبارهم، وإيجاد مكان لها في النظام الجديد. وكانوا يفعلون ~~ذلك بأن يجعلوا الآلهة أعضاء في ثواليث أو في تاسوعات؛ فكان لديهم التاسوعة العظمى ~~والتاسوعة الصغرى والتاسوعة الدنيا. ومع ذلك فإن الآلهة المألوفة أسماؤها في ~~الميثولوجيا الرسمية وطقوسها ليست كل الآلهة؛ فقد كان لكل ولاية إلهها، ولكل مدينة ms179 ~~إلهها، ولكل قرية إلهها، بل ولكل عائلة إقطاعية كبيرة إلهها أيضا. وكانت هذه الآلهة ~~جميعا في حالة حركية دائبة؛ فقد يتفق لبلدة أو قرية أن تترك إله الأمس لتتبنى إلها ~~جديدا من مناطق مجاورة، وقد يغدو إله محلي مغمور إلها في الغد لمدينة كبيرة، وقد نجد ~~إلها تقرب إليه القرابين الكثيرة في شهر ليغمره الإهمال ويغدو إلها ميتا في شهر ~~آخر. كل ذلك يدفعنا إلى الاستنتاج الأساسي الذي أود التوكيد عليه هنا، وهو أن المصري ~~القديم (والإنسان القديم عامة) لم يكن يأخذ مسألة الآلهة المشخصة على محمل الجد، وأن ~~هذه الكائنات لم تكن في ذهنه سوى أردية متبدلة تعكس تداخلات المطلق في ظواهر ~~النسبي. # لقد كان المصريون أكثر شعوب العالم القديم تدينا، غير أن تدين المصري لم يتركز ~~في حقيقته حول الكائنات الإلهية إلا بمقدار ما تقوده الصلة مع هذه الكائنات إلى المستوى ~~الأعمق للصلة مع المستوى القدسي للوجود، وكان يدرك بعقله ووجدانه أن كل هذه الكائنات، ~~التي تتدرج من سوية الأولياء والقديسين إلى سوية الآلهة السماوية العظمى، ليست إلا ~~تجليات للإله الأسمى رع، وأن هذا بدوره وفي وجوهره ليس إلا الشعار المنظور للألوهة غير ~~المنظورة نتر. نقرأ في ترتيلة مرفوعة إلى رع وجدت منقوشة على جدار في قبر الفرعون سيتي ~~الأولى، كيف يمثل أبو الآلهة رع كل إله، وكيف يمثل كل إله جانبا من جوانب رع: ~~«الثناء يا رع، أنت القدرة المجيدة التي تسري في مساكن أمنت، هو ذا جسدك فهو طيمو. ~~الثناء لك يا رع، أنت القدرة المجيدة التي تسري في مخبأ أنوبيس، هو ذا جسدك فهو خيبيرا. ~~الثناء لك يا رع، أنت القدرة المجيدة، الذي تدوم حياته أكثر من كل الكائنات الخفية، هو ~~ذا جسدك فهو شو. الثناء لك يا رع، أنت القدرة المجيدة، هو ذا جسدك فهو طفنوت. الثناء لك ~~يا رع، أنت القدرة المجيدة التي تطلع الخضرة في مواسمها. هو ذا جسدك فهو سيب ... إلخ.» # 8 # ولدينا ترتيلة أخرى مرفوعة إلى رع أيضا تحت اسمه ms180 الأحدث آمون رع، وهي ذات مضمون ~~مشابه: ~~«آمون رع، الروح القدس الذي جاء إلى الوجود في البدء، الإله العظيم الذي يحيا في الحق ~~والحقيقة، التاسوع الأول الذي أنجب التاسوعين الآخرين، الكائن الذي يوجد فيه كل إله، ~~واحد أحد، خالق الأشياء التي جاءت إلى الوجود في البدء، ولاداته خفية، وصوره لا حصر ~~لها، ونشأته لا تعرف، رب المكان الواحد القدير في صورة خيبيرا، الذي جاء إلى الوجود في ~~هيئة خيبيرا ... عندما أنشأ هذا الإله القدوس نفسه خلقت السموات والأرض بقلبه ... من ~~عينيه الإلهيتين ينبعث الرجال والنساء، ومن فمه تطلع الآلهة ... هو رب الزمان، يتخلل ~~الأبدية، هو القديم الذي يجدد شبابه ... هو الكائن الذي لا يعرف، وهو أخفى من جميع ~~الآلهة.» # هذا المثال المصري عن العلاقة الجدلية بين المستوى القدسي والآلهة المشخصة، حيث يتجزأ ~~مفهوم الألوهة إلى آلهة متعددة، وتقود هذه الآلهة المتعددة بدورها إلى الألوهة، يضعنا ~~أمام سؤال مهم أعتقد أن الوقت قد حان لمعالجته، وهو: متى نشأت فكرة الآلهة في تاريخ ~~الدين؟ وكيف نشأت؟ ولماذا؟ # الفصل السادس # | أصل الآلهة # ليس البحث عن أصل فكرة الآلهة في تاريخ الدين بالأمر الجديد، بل هو أقدم بكثير مما ~~يتصوره البعض. ولعل أول مفكر دون لنا رأيه حول هذا الموضوع، هو الإغريقي يوهيميروس # Euhemeros # الذي أشار في كتابه: التاريخ المقدس، إلى ~~أن الآلهة كانوا في الماضي البعيد رجالا بارزين بين الناس، وكانت لهم مكانة ممتازة في ~~حياتهم، ثم قدسهم الناس بعد مماتهم. # 1 # وهذه أول إشارة في تاريخ الفكر إلى نشوء الآلهة عن عبادة الأسلاف. وبعد ~~يوهيميروس ببضعة قرون قام المفكر السوري فيلو الجبيلي، في أواخر القرن الأول الميلادي، ~~بوضع مؤلف عن تاريخ الفينيقيين لم يبق منه سوى شذرات أوردها مؤلفون آخرون، ومنها بعض ~~مقاطع حول المعتقدات الدينية للفينيقيين، تعقب فيها فيلو الأصل الكنعاني للآلهة ~~الإغريقية، مستشهدا بكتابات كاهن كنعاني قديم اسمه سانخونياتن، عاش قبل عصر فيلو بألف ~~عام. ويبدو أن هذا الكاهن كان شخصية من اختلاق فيلو نفسه؛ لأننا لا نعثر له على ms181 ذكر في ~~المراجع الأقدم. يبدأ فيلو بسرد نظرية التكوين الكنعانية وفق سانخونياتن، فنجد أن ~~النشأة الأولى قد تمت ابتداء من حركة عناصر مادية أصلية، دون تدخل من قدرة إلهية ~~خارقة، فيقول: ~~«في البدء، لم يكن هناك سوى هواء عاصف وخواء مظلم، ثم إن هذا الهواء قد وقع في حب ~~مبادئه الخاصة وتمازج؛ ذلك التمازج دعي الرغبة، وهي مبدأ خلق جميع الأشياء، ولم يكن ~~للهواء معرفة بما فعل. وقد نتج عن تمازج الهواء «مت» الذي كان عبارة عن كتلة من الطين ~~أو مجموعة من العناصر المائية المتخمرة، وهو بذرة الخلق وأصل الأشياء جميعا، ثم استضاء ~~الهواء بالتهاب اليابسة والبحر، وسيرت الرياح والغيوم، وهطل المطر على الأرض ~~مدرارا. وبتأثير حرارة الشمس انفصلت الأشياء وطارت من مكانها لتتصادم في الجو، فنشأت ~~البروق والرعود، وعلى صوتها أفاقت ذوات الحياة مذعورة، وراحت تنتقل على اليابسة وفي ~~البحر ذكورا وإناثا.» # 2 # تعطينا مقدمة فيلو الجبيلي في التكوين هذه، أول محاولة حدس علمي لكيفية خلق الكون ~~انطلاقا من حركة مادته الأولية، دونما إرادة خالقة فاعلة. وهي تشبه إلى حد بعيد ~~النظريات الكونية الحديثة. لنقرأ على سبيل المثال ما يقوله عالم الفيزياء الكونية ~~واينبرغ في كتابه: الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون: ~~«في البدء، حدث انفجار ملأ الفضاء كله، وهرب كل جسيم عن كل ما عداه. بعد حوالي جزء ~~من مائة من الثانية، وهي أقدم لحظة يمكن أن نتحدث عنها بشيء من الاطمئنان والثقة، ~~ارتفعت درجة حرارة الكون إلى ما يقرب من مائة مليار درجة مئوية، وكانت المادة المضطربة ~~أثناء هذا الانفجار مكونة من مختلف أشكال الجسيمات الأولية، والكون مفعما بالضياء.» # 3 # بعد ذلك، ينتقل فيلو إلى سرد تاريخ البشرية ابتداء من الجيل الأول الذي قدس أشجار ~~الأرض وأقام لها الطقوس، فالأجيال اللاحقة التي كان لكل جيل منها فضل اكتشاف هام في ~~تاريخ الحضارة؛ مثل النار وتربية الماشية والزراعة والتعدين وما إليها. ثم يشرح فيلو ~~بالتفصيل كيف بجل الناس أصحاب تلك الاكتشافات من الأفراد المتفوقين في حياتهم، وكيف ms182 ~~قدسوهم بعد وفاتهم ورفعوهم تدريجيا آلهة معبودة. # مما لا شك فيه، أن أفكار كل من يوهيميروس وفيلو الجبيلي قد قامت على تأملات ذهنية ~~مجردة، وحدس معرفي متفوق لم يبن على الاستقراء والدراسة الميدانية لتبديات الظاهرة ~~الدينية عبر التاريخ ولدى جماعات مختلفة من البشر، وهو ما لا نستطيع أن نطالب به مفكري ~~تلك الحقب البعيدة. ولكن المدهش مع ذلك، أن دارس الظاهرة الدينية في العصر الحديث، ~~المتزود بفيض المعلومات الإثنية والتاريخ-دينية، سوف يجد أن بحثه في أصل فكرة الآلهة ~~إنما يسير بكل منطقية ويسر إلى النتيجة نفسها، وأن عبادة الأسلاف هي المرحلة الوسيطة ~~في تاريخ الدين، التي قادت الفكر الديني من معتقد القوة السارية إلى معتقد الآلهة ~~المشخصة. ولسوف أتقدم فيما يأتي بوجهة نظري حول هذه المسألة، ولكن بعد أن أستعرض أهم ~~الآراء الحديثة حولها. # في عام 1851م، نشر الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر مقالته الشهيرة حول دور معتقد ~~الأرواح في تكوين الدين، وهي المقالة التي أسست لنظرية المانيزم # Manism # في تفسير الدين. لاحظ سبنسر أن الثقافات ~~البدائية تعتقد بأن لأرواح الموتى دورا هاما في حياة أسرها السابقة، ومحيطها الذي ~~عاشت فيه إبان حياتها الأولى، كما تعتقد بأن تحرر الأرواح من أجسادها يعطيها نوعا من ~~القوة لا يمتلكها الأحياء، وهي قوة يمكن توجيهها للنفع أو للضر، تبعا للطريقة التي ~~تعامل بها أرواح الموتى، والطقوس المناسبة التي تقام لها. وتتسع دائرة تأثير الروح وفق ~~اتساع المحيط الذي كان حاملها ينشط ويتحرك ضمنه؛ فروح الفرد العادي يمكن أن تؤثر بعد ~~الموت في دائرة الأهل والأقارب المباشرين، أما أرواح السحرة والزعماء فيشمل مجال ~~تأثيرها الجماعة كلها. وقد قادته دراسة دور هؤلاء السحرة والزعماء في المجتمعات ~~البدائية، في الحياة وبعد الممات، إلى الاستنتاج بأن الآلهة الأولى التي عبدها الإنسان ~~لم تكن في حقيقة الأمر إلا زعماء أو سحرة متميزين، استمرت قواهم فعالة في محيط الجماعة ~~بعد موتهم، وجرى تأليههم بعد أجيال من موتهم، وأقيمت لهم فروض العبادة. # 4 # وفي عام 1862م نشر سبنسر كتابه المعروف بالمبادئ ms183 الأولى، وفيه أعاد صياغة ~~الفكرة نفسها على الوجه الآتي، فيقول: ~~«كما تثبت السجلات والتقاليد القديمة، فإن الحكام والزعماء الأوائل قد اعتبروا ~~شخصيات إلهية، كما اعتبرت أوامرهم ونواهيهم والأعراف التي استنوها في حياتهم بمثابة ~~شرائع مقدسة فرضها على الناس خلفاؤهم، الذين رفعوا أيضا على المرتبة نفسها، وعبدوا ~~إلى جانب سابقيهم؛ وبذلك تم تشكيل مجمع الآلهة الأولى، بحيث أخذ الزعيم الأقدم دور ~~الإله الأكبر، ومن تلاه دور الآلهة الأدنى.» # 5 # إن هربرت سبنسر هنا لا يقدم أفكاره حول نشوء الآلهة عن الأسلاف المؤلهين لغرض الإشارة ~~إلى مرحلة في سياق تطور الأفكار الدينية، بل لكي يؤسس لنظريته الأشمل في أصول الدين. ~~وهذه النظرية ترى بأن الدين عند الإنسان قد ابتدأ مع ظهور الآلهة، وأن البشرية قد مرت ~~فعلا بمرحلة مبكرة لم تعرف الدين خلالها أبدا، ثم أخذت الأفكار الدينية تتشكل ~~تدريجيا مع تحول الأسلاف إلى آلهة، فتشكل مجمع الآلهة برئاسة كبيرهم، وتطور مفهوم هذا ~~الإله الأكبر نحو مفهوم الوحدانية في النهاية. # من خلال هذا المفهوم التطوري نفسه، يقوم رائد الأنتروبولوجيا النظرية تيلور بصياغة ~~نظريته في أصل الدين، والمعروفة بالأنيميزم # Animism ~~؛ ~~أي الأرواحية، نسبة إلى الأرواح، والتي أثرت على أجيال عديدة من الباحثين قبل أن يضعف ~~تأثيرها بعد منقلب القرن العشرين. وقد وصف تيلور نظريته بأنها نظرية الحد الأدنى في ~~تعريف الدين، وشرحها مفصلا في كتابه الشهير: المجتمع البدائي Primitive Culture # الصادر عام 1871م. # 6 # يفترض تيلور بأن أقدم شكل للدين يقوم على الإيمان بوجود الأرواح والأشباح؛ فلقد رفض ~~الإنسان الأول فكرة الموت باعتباره نهاية مطاف الحياة الفردية، واعتقد بأن هذه الحياة ~~سوف تستمر بعد الممات عن طريق استمرار الروح في مستوى آخر للوجود. وقد تكونت لدى ~~الإنسان فكرة انقسام الكائن إلى جسد وروح من خلال مراقبته لظاهرة الأحلام؛ ففي الأحلام ~~يرى النائم أقارب له وأصدقاء قد ماتوا منذ زمن بعيد، وها هي خيالاتهم حية تتحرك وتتحدث ~~إليه، كما أنه يرحل هو أيضا أثناء المنام ليزور مناطق نائية أو يتصل بأشخاص غادروه ~~منذ زمن. ms184 # ولقد أوصله تأمله في هذه الأمور إلى الاعتقاد بأنه اثنان في واحد؛ فبينما يستلقي ~~جسده المادي بلا حراك في مضجعه، فإن توءمه الأثيري يرحل بحرية تامة عبر المسافات ~~ليلتقي بالتوائم الأثيرية الأخرى. فإذا زاره صديق حي في المنام، فلأن روح ذلك الصديق قد ~~تركته مؤقتا وقامت بالزيارة؛ وإذا رأى نفسه يزور قريبا مرتحلا في مكان بعيد، فلأن ~~روحه قد غادرت جسده وقامت بتلك الرحلة؛ وإذا اجتمع بالراحلين من الأموات، فلأن أرواحهم ~~التي انفصلت عن أجسامها نهائيا قد أحبت لقاءه. وكانت هذه الخصائص الحركية للروح في ~~اعتقاده ناتجة عن طبيعتها اللطيفة وطاقتها الكبيرة في آن معا؛ فهي تنسل من فتحة ~~الفم وتتحرك دون قيد في أي اتجاه، وتصل بسرعات خيالية إلى أقصى الأماكن. # تزداد قوة الروح وتكتسب قدرات وطاقات إضافية عند استقلالها عن الجسد والتحاقها ~~نهائيا بعالم الأرواح عقب موت الجسد، وهي إذ تستطيع في حالتها الجديدة أن تسكن في أي ~~موضوع من موضوعات العالم الطبيعي أو الحيوي، فإن سكنها هذا هو فعل اختياري تقوم به بمحض ~~إرادتها، وتستطيع في أي وقت أن تغير مكان سكنها، أو أن تبقى هائمة دون مقر. فإذا ~~اختارت الاستقرار في جسد إنسان حي، فإنها تسبب له شتى أنواع الاضطراب النفسي والعقلي، ~~ولا بد من إقناعها بالخروج منه ليستقيم حال المريض. وبشكل عام، تبقى الأرواح المتحررة ~~متصلة بشكل ما بعالم الأحياء، تقدم لهم العون أو تسبب الأذى، وذلك تبعا لنوع ~~علاقاتها السابقة معهم، أو لكيفية تعاملهم معها بعد الموت، وإلى هذه الأرواح يعزو ~~البدائي، في رأي تيلور، كل خير وكل شر. من هنا نشأت عبادة الأرواح؛ لأن الإنسان قد وجد ~~نفسه تدريجيا في حال اعتماد مطلق عليها وعلى عالمها الذي صاغه بخياله الخصب. فإذا ~~كانت الأرواح سببا للمرض أو الصحة، للحظ العاثر أم للحظ الباهر، للنجاح أو للإخفاق، ~~وما إلى ذلك مما يسير في صالح الأحياء أم في غير صالحهم، فإن من الحكمة استرضاءها ~~وتهدئة خواطرها. من هنا أخذ الإنسان بتقريب القرابين وتقديم الذبائح لأرواح الموتى، ms185 ~~ويتوجه إليها بالابتهالات، فظهرت الممارسات التي ندعوها اليوم بالدينية. وبما أن أرواح ~~الأسلاف المتميزين من زعماء وقادة وسحرة، هي أقوى الأرواح وأشدها أثرا، فإن الطقوس قد ~~تركزت حول هذه الأرواح أكثر من غيرها. # ثم ينتقل تيلور إلى زمرة أخرى من الأرواح غير الإنسانية. فإذا كانت أرواح الموتى من ~~البشر تمارس تأثيرها في المجتمع الإنساني، فإن هناك أرواحا من نوع آخر تفعل في مظاهر ~~الطبيعة الأخرى، وتتسبب فيما يبدو لنا من دينامية وحركية وتأثير في هذه المظاهر. ~~فالبدائي، كما يرى تيلور، لا يستطيع التفريق بين المواضيع الحية وغير الحية، شأنه في ~~ذلك كشأن الطفل الذي ينظر إلى كل ما حوله نظرته إلى كائن حي؛ لأن خبرته الأولى قد تشكلت ~~عن مواجهته مع الكائنات الحية؛ فهو يعزو إلى الجمادات روحا كروح البشر ويسقط عليها ~~تلك الثنائية التي تصورها في الإنسان. من هنا فإنه يجد في الروح الحالة في الجمادات ~~السبب الكامن وراء سلوكها؛ فإذا تحرك الهواء فلأن به روحا تحركه، وكذلك مجرى الماء ~~ونمو النبات وشروق الشمس وحركة الأجرام العلوية؛ وبذلك وسع البدائي نظرته الأرواحية ~~لتشمل العالم من حوله، فصار كونا حيا تسكنه الأرواح من كل نوع وتحركه وفق مشيئتها، ~~واقترنت ديانة الأرواح مع ديانة الطبيعة في أصولها ومنابتها. # لقد واجهت الأرواحية كثيرا من النقد منذ بداياتها الأولى. ولسوف أركز فيما يلي على ~~النقد الذي وجهه إليها إميل دوركهايم؛ لأنني سوف أتبنى جانبا مهما من نقده هذا، ~~وأكمله استنادا إلى المعلومات الجديدة التي زودتنا بها علوم ما قبل التاريخ حول ~~معتقدات العصر الحجري الحديث، التي عثرت فيها على البدايات التاريخية الأولى لعبادات ~~الأسلاف؛ وذلك لغرض استكمال وجهة نظري المتعلقة بعبادة الأسلاف وأصل الآلهة. # يرى دوركهايم # 7 # أن الأرواحية قد أدت خدمة جلى إلى علم الدين وإلى تاريخ الأفكار بشكل ~~عام؛ لأنها أخضعت فكرة الروح إلى التحليل التاريخي، واستقصت مصادر هذه الفكرة في حركة ~~فكر الإنسان وخبرته المباشرة، بعد أن كانت بدهية من بدهيات الوعي لدى الفلاسفة. ولكنه ~~يرى استنادا إلى دراسة معمقة ms186 للأديان البدائية، وخصوصا ديانة الأستراليين، أن فكرة ~~الروح تأتي كناتج من نواتج الدين، وليست بأي حال من الأحوال المصدر الأصلي لنشوء الدين ~~كما يقول تيلور. ويرتكز نقد دوركهايم للدور الذي تعزوه النظرية الأرواحية للأحلام في ~~تكوين فكرة الروح، على عدد من النقاط المنطقية؛ فإذا كان التعليل الأصلي للأحلام قد جاء ~~فعلا على الصورة التي بينتها الأرواحية، فإن هذا التعليل ينبغي أن يبدو وكأنه الوحيد ~~الممكن بالنسبة للإنسان القديم، أو على الأقل أن يكون الأسهل والأقرب إلى آلية تفكير ~~ذلك الإنسان، الذي لم يكن يلجأ إلى إعمال الذهن إلا مضطرا. ولكن الأمر لم يكن كذلك ~~أبدا؛ فلقد كان من الأهون على العقلية البدائية والأقرب إلى منطقها، أن تفترض في ~~النائم مقدرة على الاستبصار، فيرى أماكن نائية وأشخاصا غائبين، دون أن يكون مضطرا ~~إلى ابتكار مفهوم معقد حول انقسام الإنسان إلى صنوين، ينتزع أحدهما نفسه من قرينه ~~عند النوم لكي يهيم في الأجواء. فإذا فرضنا جدلا أن الإنسان القديم قد لجأ فعلا إلى ~~هذا الحل المعقد، الذي لا يطرح نفسه بسهولة على الذهن، فكيف استطاع بالتالي أن يعلل ~~الأحلام التي يرى فيها مجددا أحداثا ماضيات، فيتكرر أمامه أمر حصل في الأمس أو في ~~العام الفائت أو ربما في أيام الطفولة؟ وهل تتحرك الروح في الزمان جيئة وذهابا كما ~~تفعل في المكان؟ وإذا كانت رؤيته للأصدقاء والأقارب الأحياء في النوم تأتي بفعل لقاء ~~روحه الهائمة بأرواحهم، كما يعتقد، فهل لم يسأل واحدهم في الصباح صديقا رآه في منامه، ~~ليكتشف أن هذا الصديق لم يشاركه الحلم ذاته، وأن روحه كانت تجوس في أمكنة بعيدة عنه؟ ~~إن ما تقود إليه هذه التساؤلات هو أن البدائي الذي عزا إليه تيلور هذه المقدرة ~~التحليلية أمام ظاهرة الحلم، لا يمكن أن نعزو إليه في الوقت نفسه هذه البلادة التي ~~تمنعه من الافتراض بأن الأحلام ليست سوى هلوسات وخداع حواس. والنتيجة الأولى التي يتوصل ~~إليها دوركهايم، هي أن فرضية الروح لم تكن الحل الأمثل بالنسبة للبدائي، ولا بد أن ms187 يكون ~~الإنسان قد توصل إليها عن طريق آخر. # استنادا إلى المعلومات الموثقة عن الميلانيزيين والأستراليين، يرى دوركهايم أن فكرة ~~انتقال الروح أثناء الحلم موجودة لدى الشعوب البدائية، إلا أن هؤلاء الناس يميزون بين ~~الأنواع العديدة لأحلامهم، وهم لا يفسرونها دوما بالطريقة نفسها؛ فالميلانيزي يعزو ~~نوعا معينا من أحلامه فقط إلى تجوال الروح خارج الجسد، وهو النوع الذي يلهب الخيال ~~بقوة وعنف، أما بقية الأحلام فله فيها تفسيرات أخرى. والأسترالي يفرق بين الأحلام ~~العادية التي يعتبرها من تهيؤات الخيال، وتلك التي يعرض له خلالها شبح صديق ميت، ~~ويعتبرها نتاج تدخل من قوة غير مرئية، ويعتقد فعلا أن روح الميت قد غادرت واقتحمت ~~عالم الأحياء. غير أن هذا التعليل الذي يقول به البدائي ليس الأساس الذي قامت عليه فكرة ~~الروح عنده، بل العكس هو الصحيح؛ إذن لا بد من وجود أفكار سابقة وراسخة عن الروح وعن ~~عالم الأموات ليستند إليها في تفسيره لهذا النوع من الأحلام، ولا بد أنه قد توصل إلى ~~معتقد الأرواح عن طريق خبرات عاطفية وتأملات ذهنية مختلفة تماما عن خبرة ~~الأحلام. # ثم ينتقل دوركهايم بعد ذلك إلى بحث حجر الزاوية في النظرية الأرواحية، وهو قدسية عالم ~~الأرواح، ويتساءل عن مصدر القداسة التي أسبغت على الروح وعلى عالم الأرواح. إن مفهوم ~~الروح الفردية التي عاشت في جسد ما ثم استقلت عنه عند الموت، لا يكفي في حد ذاته ~~لتأسيس عبادة الأسلاف، فمن أين اكتسبت الروح هذه القدسية التي تسبغها عليها المعتقدات ~~الأرواحية؟ ومن أين جاءتها هذه القوة الخارقة للمعتاد؟ يقول أتباع النظرية الأرواحية ~~بأن الموت هو سبب التحولات العميقة التي طرأت على الروح المتحررة. ولكن بأية قدرة ~~يستطيع الموت إحداث هذا التغيير الجذري في طبيعة الروح، فينقلها من شبح حيوي يتجول على ~~هواه أثناء النوم، إلى شيء ذي طبيعة قدسية، ومركز لإثارة عواطف دينية قوية؟ إن الروح، ~~وقد حررها الموت من جسد معين، سوف تنشط بالطريقة التي كانت تنشط بها ليلا عندما ~~كانت قرينة جسد مادي، مع بعض الحرية ms188 التي اكتسبتها بالاستقلال، وسوف تبقى خصائصها ~~وأفعالها من نوع وطبيعة خصائصها وأفعالها السابقة؛ لأن واقعة الموت لم تدخل في الحقيقة ~~أي تعديل جوهري عليها، فلماذا اعتبر الأحياء تلك الأشباح التي سكنت أجساد رفاقهم ~~السابقين، كائنات فوق مستواهم والمستوى الطبيعي عامة؟ # ويوجه دوركهايم النقد ذاته لمفهوم حيوية الطبيعة والأرواح الحالة في موضوعاتها، وما ~~يتبع ذلك من تفسير عبادة قوى الطبيعة، باعتبارها إسقاطا لفكرة الروح (التي تم تأسيسها ~~في المجال الإنساني) على المجال الطبيعي؛ فهذا النبع أو ذاك النهر أو تلك الشعلة، هي ~~بطريقة ما صنو للإنسان، طالما أنها مؤلفة مثله من جسد وروح، فما الذي دفعه إلى ~~إعلاء بعضها واعتبار البعض الآخر كائنات فوق طبيعانية؟ ثم ينتهي دوركهايم إلى النتيجة ~~المنطقية لنقده، وهي أن القداسة التي تمتعت بها الروح لدى البدائي قد جاءت من مصدر آخر ~~خارج عنها، والجماعات الإنسانية الأولى لا بد وأنها كونت لنفسها مفهوما واضحا عن ~~القداسة وعن العوالم القدسية، قبل أن تنتقل إلى تقديس الروح؛ أي إن العوالم الدينية قد ~~سبقت معتقد الأرواح، وهي التي أعطت هذا المعتقد صفته الدينية. # عند هذه النقطة من تفكير دوركهايم الصائب وبصيرته الثاقبة، وهي النقطة التي أتفق ~~حولها معه تماما، فإني أفترق عنه في تفسيره المجتمعي لفكرة المقدس، # 8 # ومع الآخرين من أصحاب النظريات التي اعتمدت دراسة الثقافات البدائية ~~الحديثة، وأتابع اختبار أطروحة نشوء فكرة الآلهة عن عبادة الأسلاف، اعتمادا على ~~المعلومات الموثقة عن ثقافة العصر الحجري، وهي الثقافة الوحيدة التي تستحق صفة ~~الثقافة البدائية الأصلية. ~~••• # لقد لفتنا النظر في حينه إلى طقوس الدفن عند الإنسان النياندرتالي إبان الباليوليت ~~الأوسط، ورأينا كيف أشارت هذه الطقوس إلى اعتقاد بوجود الروح، وبانقسام الأحياء إلى جسد ~~مادي وشبح أثيري يعبر من القبر إلى مستوى آخر الوجود. كما وجدنا في بعض ترتيبات ~~الدفن النياندرتالية تعبيرا عن الخوف من عودة الروح إلى جسد المتوفى؛ لأن الروح قد ~~تزودت بقوة تفوق قوى الأحياء بعد عبورها إلى المستوى الآخر؛ ولذا فإن عودتها إلى جسد ~~صاحبها سوف تخل، بشكل ms189 أو آخر، بالنظام الطبيعي وبالعلاقات ضمن الجماعة. كما لاحظنا ~~أيضا استمرار طقوس الدفن هذه وتنوعها خلال الباليوليت الأعلى؛ عصر الإنسان العاقل، ~~وأكدنا على أهمية استخدام مادة المغرة الحمراء بالنسبة لمعتقد استمرار الحياة فيما ~~وراء القبر، فهذه المادة التي طليت بها أجساد الموتى وبعض الأثاث الجنائزي داخل القبر، ~~ترمز إلى الدم الذي هو شعار الحياة، وتزود الروح بقوة تساعدها على عبور البرزخ بين ~~العالمين إلى الحياة الخالدة. ولعل ما يؤكد هذه القيمة الرمزية للمغرة الحمراء، ~~استمرارها إلى اليوم لدى الشعوب البدائية؛ فسكان أستراليا الأصليون ما زالوا إلى اليوم ~~يعقدون صلة بين هذه المادة وطاقة الحياة في الإنسان. وقد نال الرأس عناية خاصة في شعائر ~~الدفن، سواء لدى النياندرتال أو الإنسان العاقل؛ فقد نجده متوسدا كومة من الأصداف ~~والقواقع، أو محميا بحجر كبير ملاصق، أو موضوعا ضمن صندوق مؤلف من لوحين حجريين ~~جانبيين ولوح أفقي فوقهما، أو محاطا بدائرة من الأحجار التي تمنع إيذاء الجمجمة في حال ~~سقوط ثقل ما فوقها. وهناك حالات نادرة تدل على اللجوء أحيانا إلى الاحتفاظ بجمجمة ~~الميت، وعرضها في مكان بارز في كهف السكن. # يضع كثير من علماء العصر الحجري ومؤرخي الأديان هذه الشعائر الجنائزية تحت عنوان ~~عبادة الأموات، ويستنتجون أن نوعا ما من عبادة الأموات كان معروفا خلال الباليوليت ~~الأعلى. ولكن المعلومات المتوفرة لدينا حتى الآن لا تدعم هذا الاستنتاج؛ فلكي يكون ~~لدينا عبادة (= # Cult ~~) بالمفهوم الديني لهذه الكلمة، يجب ~~أن تتوفر في الطقوس الممارسة خاصية التكرار الدوري عبر فترات منتظمة، وذلك بغرض توكيد ~~وتدعيم صلة الجماعة مع القوى أو الكائنات القدسية التي تؤمن بها وتعتمد عليها، أما ما ~~نراه من طقوس متفرقة تمارس كلما دعت الحاجة إليها، فلا تشكل عبادة بالمعنى الاصطلاحي ~~الدقيق. من هنا فإن الطقوس المرتبطة بدفن الموتى لا يمكن أن ترقى إلى مرتبة العبادة إلا ~~إذا استمرت إلى ما بعد الدفن، وجرت ممارساتها بشكل منتظم وكجزء من عملية شاملة لتقديس ~~المتوفى والإبقاء على ذكراه، وصارت بذلك جزءا من الحياة الروحية لسلالة المتوفى. ms190 ونحن ~~لن نلاحظ البدايات المنتظمة الأولى لمثل هذه العبادة إلا إبان العصر النيوليتي في ~~سوريا، حيث بدأنا نلاحظ طقوسا حقيقية تتعلق بجماجم الموتى؛ فمع أوائل الألف الثامن قبل ~~الميلاد، نستطيع التحدث بكثير من الثقة عن ظهور البدايات الأولى لتقديس الموتى وعبادة ~~الأسلاف. # منذ العصر النطوفي الذي مهد للثورة النيوليتية في سوريا القديمة، نلاحظ عادة دفن ~~جماجم الموتى في استقلال عن هياكلها العظمية. ففي موقع عرق الأحمر بفلسطين، لم يعثر ~~المنقبون إلا على هيكل عظمي كامل واحد، بينما احتوت بقية القبور على جماجم مدفونة ~~بشكل جماعي، وكل جمجمة بجانبها سن حصان. أما في المواقع النطوفية التي وجدت في مقابرها ~~هياكل عظمية كاملة، فقد لاحظ المنقبون استمرار عادات الدفن القديمة التي سادت في ~~الباليوليت الأعلى والأوسط، فالهياكل مثنية بقوة في حفر صغيرة، والرأس يستند على وسادة ~~حجرية، بينما وضعت على المفاصل أحجار ثقيلة، وهناك آثار لطلاء أحمر. # 9 # وسوف تتوضح أمامنا بالتدريج ، كلما تقدمنا نحو العصر النيوليتي، الأهمية ~~الخاصة للرأس في شعائر الدفن التي تدور حول معتقد يرى في الرأس مستودعا لقوة ~~قدسية. # في مستوى النيوليت ما قبل الفخار في موقع أريحا بفلسطين (مطلع الألف الثامن) عثر على ~~عدد من القبور يحتوي كل منها على جماجم مرتبة في مجموعات، تضم كل مجموعة خمس أو ثلاث ~~جماجم مرصوفة على شكل دائرة وجوهها تتجه نحو المركز، وفي حالة خاصة عثر على هيكل لطفل ~~تصحبه مجموعة من جماجم الأطفال. # 10 # وهناك دلائل تشير إلى أن بعض الأسر كانت تدفن جمجمة أحد أسلافها تحت ~~المنزل الجديد، كنوع من حجر التأسيس للبناء، فتوضع في الزاوية عند التقاء جدارين. ويبدو ~~أن الهدف من هذه العادة هو الاحتفاظ بالقوة الروحية لذلك السلف في البيت. # 11 # أما من موقع تل المريبط على الفرات الأوسط، فإن عبادة الجماجم تعلن عن ~~نفسها لأول مرة بكل قوة ووضوح؛ فأجسام الموتى كانت مدفونة تحت أرضيات المساكن، بينما ~~فصلت جماجمها ووزعت ضمن المسكن على امتداد الجدران، وكل جمجمة ترتكز على قاعدة طينية ~~خاصة بها، وذلك ms191 كنوع من الأثاث الجنائزي المعروض باستمرار أمام الأنظار. # 12 # جماجم مشكلة الملامح من تل الرماد. # وفي مستويات النيوليت الفخاري بأريحا، لم يكتف الإنسان النيوليتي هنا بعرض جماجم ~~الموتى بشكلها الخام الطبيعي، بل لقد عمد إلى إعادة تشكيل ملامح أصحابها، بحيث تغدو ~~الجمجمة المعروضة وكأنها صورة شخصية (بورتريه) للسلف المبجل، واستخدم في عملية التشكيل ~~عجينة من كلس وطين، وملئت محاجر العيون بأصداف تعطي شكل البؤبؤ، ثم طلي الوجه بلون ~~يماثل لون البشرة الإنسانية، وتم حشو الجمجمة من الداخل بالطين المدكوك لأجل تقويتها. ~~وينبي تشكيل الملامح عن حرفة فنية عالية ورهافة لا يتوقعها الكثيرون من إنسان ذلك ~~العصر. وقد وجدت هذه الجماجم معروضة ضمن البيوت في مجموعات مؤلفة من خمس أو اثنتين ~~وأحيانا واحدة. تستمر شعيرة الجماجم هذه في موقع أريحا خلال عصورها اللاحقة، إلا أن ~~الصنعة الفنية تميل تدريجيا نحو التنميط، وتبتعد عن رصد الملامح الفردية المتنوعة، ~~كما يتم تشكيل الجمجمة باعتبارها جزءا من تمثال نصفي أو ربما بالحجم الطبيعي؛ لأن ما ~~تم تجميعه من كسرات هذه التماثيل لم يكف لإعادة بناء هيئة كاملة. # 13 # جماجم مشكلة الملامح من أريحا. # ويقدم لنا موقع تل الرماد قرب دمشق، في سوية الألف السابع، دلائل على شعائر مشابهة ~~لشعائر أريحا، إلا أن تقنيات تشكيل الجماجم هنا لم تصل إلى المستوى الرفيع لتقنيات ~~أريحا. وقد وجدت الجماجم المشكلة الوجوه باللدائن نفسها في مجموعات ضمن البيوت، ~~وإلى جانبها قواعد طينية بارتفاع عشرين سنتم على هيئة جذع، كانت تستخدم كقواعد لعرض ~~الجماجم. كما وجدت في الفترة نفسها في شتال حيوك بجنوب الأناضول جماجم على أرضيات أو ~~مصاطب الهياكل (انظر التشكيلات الجدارية في الفصل الثالث). ورغم أن هذه الجماجم لم تكن ~~مشكلة الملامح مثل جماجم تل الرماد، إلا أنها كانت جزءا من أثاث جنائزي معروض ~~باستمرار. وهناك أمثلة أخرى متفرقة على شعائر الجماجم من مواقع أخرى في سوريا وفلسطين، ~~إلا أن ما يلفت النظر في بعض الحالات هو العثور على مقابر تضم هياكل بلا رءوس، وعدم ~~العثور على ms192 رءوسها في أي مكان من الموقع؛ الأمر الذي يدل على أن السكان ربما حملوا ~~جماجم أسلافهم عندما هجروا المكان. # 14 # وهكذا تثبت المعلومات الأكيدة المستمدة من علم آثار ما قبل التاريخ، أن عبادة ~~الأسلاف لم تنشأ عند جذور الدين كما قال سبنسر وأتباع المدرسة الأرواحية، بل بعد مائة ~~أو مائتي ألف عام من ظهور الشواهد على حياة دينية منظمة لدى الإنسان الأول؛ ذلك أن ~~عقيدة الجماجم، وهي المؤشر الأول في تاريخ الدين على عبادة الموتى، لا تظهر وتأخذ ~~أبعادها كاملة إلا في وسط قروي مستقر يتمتع بحياة دينية منظمة، تحمل وراءها عشرات ألوف ~~السنين من التفاعل ضمن البيئة الاجتماعية. فهذه العقيدة التي تقوم على الإيمان بقوة ~~الأرواح وقداستها لم تنشأ في فراغ ديني، بل انبثقت عن معتقدات أقدم منها متوارثة عن ~~الباليوليت الأعلى، وتعايشت معها دون أن تحل محلها. ففي تل المريبط نجد الجماجم ~~المنصوبة على حواملها، قائمة في بيوت الناس الذين تعبدوا للقوة السارية من خلال رءوس ~~الثيران المعروضة على المناصب الطينية. وفي شتال حيوك توضع الجماجم بشكل ظاهر في ~~الهياكل التي أقيمت أصلا لرءوس الثيران وتمثيلات الألوهة المؤنثة. وفي أريحا ترصف ~~مجموعات الجماجم المشكلة الملامح في البيوت السكنية للناس الذين بنوا هياكل دينية ~~أقاموا فيها الطقوس للتواصل مع القوة الكونية الوحيدة التي عرفها الإنسان في ذلك العصر؛ ~~قوة المجال القدسي. # جمجمة مشكلة الملامح من أريحا/مع قاعدة. # أي إن قدسية الأرواح، وبشكل خاص قدسية الأسلاف المبجلين، إنما تستمد من مفهوم سابق، ~~مؤسس وراسخ، للقداسة، ومن أفكار دينية ناضجة عن المقدس وعن الدنيوي. وإنسان العصر ~~النيوليتي في إعلائه لأرواح السلف، قد نظر إلى جماجمهم باعتبارها مستودعا لقوة قدسية ~~غير محدودة تصدر عن منبع كوني خفي. فإذا كانت أرواح الموتى تكتسب قوة فوق طبيعانية بعد ~~مغادرتها أجسادها، فلأنها انضمت إلى المستوى القدسي للوجود الذي صدرت عنه أصلا، ~~واستمدت من قوته السارية، وهذه القوة تتكثف بشكل خاص في أرواح الأفراد المتميزين ممن ~~لعبوا دورا هاما خلال حياتهم، ويبقون بعد مماتهم صلة وصل ms193 مع المستوى القدسي، كما ~~تبقى جماجمهم بين الأحياء شارة للقداسة، يتعبد الناس إليها زلفى. # وشيئا فشيئا تحل الشارة الإنسانية محل الشارة ~~الحيوانية رمزا لعالم اللاهوت، وتأخذ القوة تدريجيا باتخاذ الملامح الإنسانية بعد أن ~~احتجبت طويلا وراء الهيئة الحيوانية. ويترافق هذا التحول مع إدراك الجنس البشري لتميزه ~~ولدوره على مسرح الكون. # إن الجماجم المشكلة الملامح في المواقع النيوليتية السورية والفلسطينية، هي أول ~~محاولة في تاريخ الدين والفن لتصوير الملامح الإنسانية. وقبل الألف الثامن قبل الميلاد، ~~لا نعثر في أي مكان ولدى أية ثقافة على محاولة جدية ومقصودة في هذا المجال؛ فتشخيص ~~الإنسان كان نادرا جدا بشكل عام في الباليوليت الأعلى، فإذا ظهر في الرسم فبشكل عام ~~وغامض، وباستخدام خطوط تظهر هيئته الجسدية من دون وجهه. أما الدمى العشتارية فكانت ~~تشكل بدون رأس، أو برأس يشبه الكرة الملساء دون ملامح وجه على الإطلاق. وفي الحالات ~~التي تم فيها تنفيذ تكوين واقعي للرأس، كما هو الأمر في منحوتات الآلهة الأناضولية، ~~بقيت ملامح الوجه غامضة ومتلاشية بطريقة لا توحي بسيماء فردية محددة. وقد قلنا في حينه ~~إن إنسان العصر الحجري قد تعمد تجاهل الرأس وإغفال الملامح، لإحساسه بأنه يصنع صورة ~~رمزية تعبر عن ألوهة غير مشخصة، ويرسم شارة وشعارا لا هيئة حقيقية موجودة. ولكن منذ ~~أن بدأ الإنسان بتشكيل ملامح وجه إنساني يمثل شخصا بعينه، ثم عزا إلى هذه الهيئة قوى ~~غير طبيعية، أو جعلها مستقرا لهذه القوة، دخل الفكر الديني مرحلة التشخيص؛ تشخيص ~~القوة غير المشخصة (سواء عن طريق تشكيل الجماجم أو تشكيل الحجر والصلصال فيما بعد)، ~~وأخذ الإنسان ينظر إلى القوة من خلال تمثيلات مشخصة. وشيئا فشيئا تحولت القوة إلى ~~شخصيات ذات قوة، وتكسر مبدأ القوة السارية إلى عدد من القوى، وظهرت الآلهة. # مما لا شك فيه، أن التغيرات الجذرية في أنماط الإنتاج داخل التجمعات الزراعية ~~النيوليتية، وتبدل البنى السياسية والاجتماعية في المستوطنات القروية الأولى، التي ~~كانت تسير بخطى حثيثة نحو تكوين المدن الأولى في تاريخ البشرية، قد ساعد على إحداث ~~التغيرات ms194 في المفاهيم الدينية، وشجع على ترسيخ مفهوم الشخصية الإلهية في مقابل ~~الألوهة غير المشخصة. وبشكل خاص، فإننا نعزو إلى التحولات النوعية الطارئة على مفهوم ~~السلطة، وعلى أساليب ممارستها ضمن الجماعة، الأثر الأكبر في تكوين مفهوم جديد للسلطة ~~على مستوى الكون؛ فجماعات الصيادين في الباليوليت الأعلى، كانت تعيش مشاعية اقتصادية في ~~ظل نظام سياسي بسيط يقوم على اختيار رئيس غير متفرغ لمهام هذه الرئاسة، يرعى تطبيق ~~الأعراف المتوارثة، ويعمل على تسوية المنازعات البسيطة التي قد تنشأ بين الأفراد. ~~وباستطاعتنا الافتراض اعتمادا على المعلومات المستمدة من أركيولوجيا المواقع ~~النيوليتية الأولى، أن بدايات العصر الحجري الحديث لم تحمل معها تغييرات مباشرة ومهمة ~~في البنى الاجتماعية والسياسية، وذلك رغم التغيرات الاقتصادية الجذرية التي كانت تعمل ~~على تغيير وجه الحضارة الإنسانية. ولكننا مع الاقتراب نحو فجر المدنية في الشرق الأدنى ~~القديم، ومع تحول القرى الزراعية إلى أشباه مدن، نأخذ بملاحظة حلول تغييرات في جميع ~~البنى الاجتماعية والسياسية للمواقع النيوليتية ، التي دخلت الآن العصر النحاسي ~~(الخالكوليتي) الذي مهد للاستخدامات الواسعة للمعادن عوضا عن الحجارة. لقد تحول ~~المقام أو الحرم الديني البسيط إلى معبد كبير، وتحول الشامان، رجل الدين البدائي، إلى ~~كاهن كبير يخدمه عدد من الكهان الأدنى مرتبة، وبني قصر واسع للرئيس الذي تحول إلى ~~ملك متفرغ لشئون الحكم، يفرض سلطته بعد أن كان يستمدها من الجماعة، وظهر التملك الخاص ~~للأرض ولوسائل الإنتاج، وتنوعت الحرف والاختصاصات. كل هذه التغيرات انعكست على البنية ~~الدينية وعلى المفاهيم الدينية والكونية. ففي الماضي، لم يكن الفرد يشعر بالسلطة ~~تمارس عليه من قبل أية جهة إنسانية كانت أم طبيعانية، أما إحساسه بالروع أمام القوة ~~الغفلة في الطبيعة، فكان يتلاشى بشكل تلقائي كلما عمد إلى إقامة الطقوس التي كانت تجعله ~~في انسجام مع الطبيعة وقواها المنظورة والخفية. أما الآن، وبعد تأسيس مفهوم اجتماعي ~~وسياسي للسلطة، فقد بدأ الكون يظهر وكأنه محكوم أيضا ومسير بالسلطة، وتحولت القوة ~~التلقائية التي كانت تفيض من عالم اللاهوت إلى سلطة وإلى نظام سلطوي متدرج. فكما تتوزع ~~السلطة ms195 ضمن الجماعة في هرمية متسلسلة من الأعلى إلى الأسفل، كذلك توزعت القوة الإلهية ~~إلى مجموعة قوى متجزئة، وظهرت هرمية السلطة على مستوى الكون. وهكذا وجدت عملية تشخيص ~~الألوهة التي كانت جارية ضمن مؤسسة عبادة الأسلاف تأييدا لها من القوة الاجتماعية ~~الجديدة الصاعدة. # فيما يلي من موضوعات هذا الكتاب، سوف أعرض للمزيد من الإثباتات التي تؤيد ما بسطته ~~آنفا بشأن أصل الآلهة في السياق العام لتاريخ المعتقدات الدينية. ولسوف ألتفت الآن إلى ~~اختبار صحة النظرية ومدى مطابقتها للوقائع المستمدة من تاريخ الدين ومعتقدات البدائيين؛ ~~وذلك باللجوء إلى مناقشة أهم النظريات الأخرى وأكثرها تعارضا معنا، والتي لا تكتفي ~~بافتراض أسبقية الآلهة المشخصة وقيامها عند أصول الدين، بل تتعدى ذلك إلى القول بنوع من ~~التوحيد البدئي كان موجودا على الدوام في صلب الاعتقاد الديني. إن أكثر هذه النظريات ~~شهرة هي نظرية أندرو لانغ، ونظرية وليم شميدت المكملة لها. # انطلق أندرو لانغ # Andrew Lang ~~(1844-1912م) في تشكيل ~~نظريته من نقده لنظرية تيلور الأرواحية، وذلك في كتابه # Myth, Ritual and ~~Religion # الصادر عام 1887م، فهو يرى أن فكرة الإله الأعلى موجودة ~~لدى أكثر الشعوب بدائية، وهم الأستراليون، كما نجدها أيضا في أفريقيا والأمريكيتين، ~~وهذا ما يضع، بداية، الأطروحة الرئيسية للنظرية الأرواحية موضع شك. ومع أن لانغ لا يحيد ~~في منهجه عن المخطط التطوري، إلا أنه ينتقد التبسيط الشديد الذي يلجأ إليه معظم ~~التطوريين، ويعتقد بأن فكرة الكائنات الإلهية العليا قد قامت في استقلال تام عن ~~معتقدات الأرواح وعبادة الأسلاف، وهي ليست نتاجا لتطور أفكار بسيطة سابقة عليها، ~~خصوصا وأننا نجد فكرة الكائن الإلهي الأعلى في مجتمعات لا نعثر فيها على أثر لعبادة ~~الأسلاف. ثم يتوصل لانغ إلى نتيجته المرسومة مسبقا، وهي أن الذهن الإنساني كان قادرا ~~دائما وعبر كل العصور على التوصل إلى فكرة الكائن الإلهي الأعلى، إلا أن الخيال غالبا ~~ما غلف هذا المفهوم السامي بتصورات ميثولوجية خلقت حشدا من الآلهة، حجب وراءه ذلك ~~المفهوم الأصلي. # 15 # بعد وفاة أندرو لانغ، قام فيلهلم ~~شميدت ms196 # Wilhelm Schmidt ~~(1868-1954م)، وهو كاهن كاثوليكي وعالم أنتروبولوجي، بتطوير ~~أفكار لانغ حول التوحيد البدئي، في كتابه الضخم # Der Ursprug ~~Gottesidee # الذي نشر مجلده الأول عام 1912م. هاجم شميدت النظريات ~~التطورية في دراسة الدين، مؤكدا أن التاريخ الإنساني، وتاريخ الأفكار بشكل خاص، يؤلف ~~حقلا أكثر تعقيدا مما يراه التطوريون. وبدلا من الحركة الخطية لتطور الحضارة، يقترح ~~شميدت عددا من الدوائر الحضارية التي تطورت كل منها في استقلال نسبي عن الأخرى، ~~وحملت خصائص مختلفة أيضا. وبعد قيامه برسم حدود هذه الدوائر، يعمد إلى استقصاء فكرة ~~الكائن الأعلى في معتقدات كل دائرة، موضحا الخطوط العامة لشخصيته في كل حالة؛ ليتوصل ~~أخيرا إلى القول بتشابه هذه الكائنات العليا وتماثل سماتها وخصائصها في كل مكان. أما ~~عن سبب هذا التشابه فيعود في رأيه إلى أن ثقافات العالم الحديث في قاراته الخمس ينبغي ~~ألا توضع على مسار تطوري خطي؛ لأن كل ثقافة قد تطورت في معزل عن الأخرى ضمن دائرتها ~~الحضارية الخاصة. ولكن هذه الثقافات جميعا قد نشأت عن مستوى حضاري واحد مغرق في ~~القدم، سادت عنده ديانة واحدة تؤمن بإله واحد، ومنها أخذت الأديان التي استقلت فيما ~~بعد بذور التوحيد. إن مثل هذه الديانة الأصلية الواحدة لا يمكن تفسيرها إلا بالقول ~~بوحي بدئي هبط على البشرية عند جذور تاريخها. ولكن شميدت يلاحظ بعد ذلك أن هذا الكائن ~~الأعلى لم تكن له المكانة نفسها لدى جميع الشعوب وعبر كل الأزمنة، ويعزو ذلك إلى التبدل ~~في أنماط الحياة وما يعكسه هذا التبدل على الأفكار والمعتقدات. فالمجتمعات الزراعية ~~مثلا أكدت على كائن إلهي مؤنث ذي خصائص قمرية، بينما رفعت الشعوب الرعوية إلها ~~مذكرا هو سيد السماء ورئيس مجمع آلهة الظواهر الطبيعية، أما الشعوب البدائية المعاصرة ~~فرغم اعتراف بعضها بوجود سيد أعلى للكون، فإنها لا تتوجه إليه بالعبادة ولا تقيم له ~~الهياكل والمقامات؛ لأنها تعتبره بعيدا جدا ويعيش في عالمه غير آبه بالناس؛ ولذا ~~فإنها تتوسل إلى آلهة أقرب إليها وأكثر دينامية. # 16 # إن أول نقد يمكن توجيهه إلى ms197 شميدت، هو أنه يتحدث عن التوحيد كلما وجد إلها أعلى ~~يتفوق في خصائصه وقواه على بقية الكائنات الروحية أو الإلهية التي تؤمن بها الجماعة، ~~وهذه أولى نقاط الضعف في نظريته. أما النقطة الثانية، فتظهر في تركيزه على الأمثلة التي ~~توافق وجهة نظره المسبقة، ويعزو ما يخالفها إلى مراحل التفكك والانحدار في الحياة ~~الدينية للإنسان. يضاف إلى ذلك أن شميدت، شأنه في ذلك شأن أندرو لانغ وغيره ممن يؤكدون ~~على أولوية الكائنات العليا في أديان البدائيين، لا يعطي الأهمية الكافية للتأثير الذي ~~مارسه التوحيد التاريخي على بقية الديانات، ما نأى منها وما دنا؛ فاليهودية قد تغلغلت ~~في أفريقيا منذ القرون الأولى للميلاد، ثم تلتها المسيحية التي تبنتها نظم ملكية ~~قوية كما هو حال الحبشة، ومنذ القرن السابع لم يترك التجار المسلمون بقعة نائية إلا ~~وارتادوها. ويكفي هنا أن أسوق أوضح مثال على التأثير الإسلامي في الأديان البدائية، وهو ~~مستمد من أفريقيا. فالشعوب التي تسكن القسم الغربي من النيجر والقسم الشمالي من ~~نيجيريا، لها ديانة أفريقية تقليدية ضاربة في أعماق التاريخ الأفريقي، تدور حول الجن ~~والأرواح والأسلاف المؤلهين، إلا أنهم يعتقدون بإله خالق أعلى يقيم في السماء السابعة ~~ويدعونه باسمه العربي الله، كما توجد لديهم عبادة سرية تدور حول كائن شيطاني اسمه إبليس ~~باللفظ العربي أيضا، وكذلك عبادة الملائكة بالاسم العربي ذاته. إلا أن كل هذه العبادات ~~قد احتفظت بطابع زنجي أفريقي، ودخلت في نسيج الديانة المحلية إلى درجة لا تلفت النظر ~~إلى مصدرها الحقيقي، لولا احتفاظها بالأسماء العربية الإسلامية. # 17 # من هنا، فإن أي دارس مزود بوجهات نظر مسبقة حول التوحيد الأصلي، سوف ~~يحاول إرجاع هذه الأفكار شبه التوحيدية إلى معتقدات قديمة متجذرة في الدين الأفريقي، ~~من دون أن يتقصى مصادرها وأصولها التاريخية. وهذه نقطة الضعف الثالثة لدى شميدت. # ولعل أكثر نقاط النظرية ضعفا هو تقديمها لمفهوم الكائن الأعلى كما وجدته في ~~المجتمعات البدائية، ومن دون النظر إلى تاريخ فكرة الكائن الأعلى وكيفية ظهورها في ~~معتقدات الجماعة. وهذا الموقف ينشأ عن ms198 افتراض خاطئ، قدر ما هو شائع، وهو أن الجماعات ~~البدائية هي شعوب سكونية بلا تاريخ، وأن مؤسساتها القائمة اليوم هي استمرار تلقائي ~~لمؤسساتها المغرقة في القدم، وثقافتها هي ثقافة الإنسان الحجري بعينها. لقد أوضحت ~~سابقا وفي أكثر من موضع خطأ هذه النظرة في الثقافة البدائية ومؤسساتها، وضلال ما ~~يبنى عليها من نتائج. أما الآن فسوف أبين بالدليل العملي الميداني كيف نشأ مفهوم ~~الكائن الأعلى، في إحدى الثقافات البدائية، انطلاقا من معتقدات أسبق منه تتعلق بتقديس ~~الأسلاف والقوة السارية في الطبيعة. والمثال مأخوذ عن الثقافة الأسترالية التي تعد ~~أكثر كل الثقافات المعروفة لنا بساطة وركودا. # لقد رأينا سابقا كيف يقوم المعتقد الأسترالي على المبدأ الطوطمي، الذي يعادل مفهوم ~~المانا لدى شعوب ميلانيزيا. وسوف نوضح فيما يأتي كيف توصلت الثقافة الأسترالية لدى بعض ~~قبائلها إلى فكرة الكائن الأعلى، علما بأن هذه الحالات النادرة التي استطاع الباحثون ~~التأكد من وضوح مفهوم الكائن الأعلى فيها، هي الحالات التي عول عليها شميدت دون ~~غيرها، في بحثه عن التوحيد الأصلي في أستراليا، واعتبرها بمثابة الأمثلة الدامغة على ~~أولوية الألوهة المشخصة ممثلة بالإله الأكبر. # 18 # يميز الأستراليون بين النفس (= # soul ~~) والروح (= # spirit ~~)؛ فالنفس هي ذلك الشبح الأثيري المحبوس في ~~جسد الكائن الحي، وهي رغم إمكانياتها المحدودة على الحركة من وإلى الجسد، ضمن شروط ~~معينة وفي أوقات معينة، فإنها لا تستطيع التخلص من إساره تماما إلا بموت الجسد. أما ~~الروح، فرغم أنها قد جبلت من المادة الأثيرية التي للنفس، إلا أنها أكثر قوة وحرية، وهي ~~رغم ارتباطها أحيانا بموضوع مادي تحل فيه، كصخرة أو شجرة أو كوكب ... إلخ، إلا أنها حرة ~~في التنقل خارجه والعودة إليه متى شاءت، وذلك على عكس النفس التي لا تملك فعالية تذكر ~~خارج حدود الجسد الذي ترتبط به. ولكن النفس بعد الموت تكتسب بعض خصائص الروح، فتغدو ~~أكثر حرية وأقدر على الحركة، فبعد انتهاء طقوس الدفن والحداد، تمكث النفس بين أهلها ~~وأصدقائها فترة من الوقت ثم تغادرهم إلى عالم الأموات، وبعد ذلك غالبا ms199 ما تتردد إلى ~~مساكن أهلها لتتجول في الدغل قرب البيوت، فتقدم العون أو تسبب الأذى، وذلك تبعا لنوع ~~المعاملة التي تتلقاها من الأحياء. ومع ذلك فإن أشباح الموتى هذه تبقى أقرب إلى المتشرد ~~الذي لا يملك وظيفة أو عملا محددا؛ لأن الموت قد وضعها خارج كل الأشكال والصيغ ~~النظامية. أما الروح، فإنها تملك على الدوام قوة من نوع ما، ومجال فعل يتحدد بظاهرة ما ~~من ظواهر الطبيعة أو المجتمع الإنساني؛ أي إن لها وظيفة محددة في النظام الكوني. # يستثنى من هذا التقسيم نفوس معينة تتمتع بخصائص النفس والروح معا، فهي من جهة ~~أشباح موتى عاشوا على الأرض منذ قديم الزمان، ومن جهة ثانية هي أرواح ذات قوة كبيرة ~~ومجال فعل وتأثير واضح وواسع؛ إنها نفوس الأسلاف الأسطوريين الذين وضعهم خيال القوم عند ~~بداية الزمن، والذين تمتعوا إبان حياتهم بقوة لم تتيسر لغيرهم من الأحياء أو الأموات ~~بعد ذلك. هؤلاء الأسلاف لم يولدوا من جيل سابق عليهم، بل انبثقوا إلى الوجود مع انبثاق ~~مظاهر الطبيعة ذاتها، ثم أنجزوا كل الأعمال الجليلة الضرورية لاستمرار البشرية من ~~بعدهم ، وعندما انتهت مهمتهم غادروا الحياة الدنيا وولجوا إلى باطن الأرض، ولكن نفوسهم ~~بقيت بمثابة أرواح خالدة ترعى سلالتهم من بعدهم. وقد تحولت النقاط التي عبر منها ~~الأسلاف نحو باطن الأرض إلى بقاع مقدسة، فهنا تودع العشيرة أدواتها الطقسية، وهنا ~~تقام الطقوس الدينية الرئيسية. # ويعزو الأسترالي إلى أسلافه الأسطوريين قوى فوق طبيعانية خارقة، فهم الذين أعطوا منذ ~~البدء للأرض شكلها الحالي، وهم المسئولون عن ظهور الكائنات الحية عليها. ويبلغ من ~~قدراتهم أنهم يتحركون فوق الأرض أو تحتها بلمح البصر، يخترقون الجبال والحواجز الطبيعية ~~كما الشعاع في الماء، وقد يغمرون البلاد بطوفانات عظيمة، أو يفجرون الينابيع فتملأ ~~بحيرات لا حصر لها. ولعل من أهم المعتقدات المتعلقة بهؤلاء هي مسئوليتهم عن إخصاب ~~النساء وتكوين الأجنة في الأرحام؛ فالفعل الجنسي ليس السبب المباشر في حمل المرأة، بل ~~هو مجرد وسيط يسمح لأحد الأسلاف بأن ينفخ في الرحم من روحه، ms200 ويحل فيه بجزء منه فيما ~~يشبه التقمص. وبذلك يزدوج السلف في كل مرة وإلى ما لا نهاية، من غير أن يفقد من كيانه ~~الأصلي شيئا؛ لأن ما يحل منه في الرحم عند كل تقمص لا يعدو أن يكون قبسا ضئيلا أو ~~نفخة طفيفة. وبهذا يغدو كل فرد في العشيرة مرتبطا بشكل وثيق بأحد الأسلاف الأسطوريين، ~~فهو ممثله وصورة عنه في جماعته. ونظرا لمسئوليته المباشرة عن إنجاب الطفل، فإن السلف ~~المعني يتابع اهتمامه به منذ ولادته وحتى مماته، فإذا اشتد عوده يمضي معه إلى الصيد ~~فيدفع الطرائد إليه، وهو يحذره في أحلامه من المخاطر الممكنة، ويحميه أنى تحرك من ~~أعدائه. # إلى جانب العلاقة التي تربط بين أرواح الأسلاف وأفراد العشيرة، هناك علاقة من نوع آخر ~~تربط أرواح الأسلاف إلى مظاهر الطبيعة؛ فروح السلف تقيم معظم وقتها في الهيئة الطبيعية ~~التي دلف منها ذلك السلف إلى باطن الأرض في غابر الأزمان، وتغدو هذه الهيئة بمثابة ~~الجسد المرئي له، وموضع تقديس عظيم، كما تغدو روح السلف، وبالمقابل، بمثابة روح للهيئة ~~الطبيعية ذاتها. فإذا ما ارتبطت الهيئة بظاهرة من ظواهر حياة الطبيعة، كأن يرتبط نبع ~~ماء مقدس بتهطال المطر، فإن روح السلف الحالة في هذا النبع تعتبر بمثابة روح للمطر ~~ومسئولة عنه أو موكلة به؛ وبذلك تلعب بعض الأرواح دورا جديدا وهاما على مستوى ~~الطبيعة. لقد دعا بعض الباحثين هذه الزمرة من الأرواح التي ارتقت إلى وظائف عليا ~~بالآلهة، إلا أن تعبير الآلهة هنا غير دقيق تماما؛ لأننا لا نزال في الواقع أمام مفهوم ~~أرواح ارتقت إلى منزلة أرقى، وصار لها مجال فعل أوسع، غير أن هذا المفهوم الجديد إنما ~~يضعنا في الواقع على الدرجات الأولى نحو التشخيص التدريجي للقوة الإلهية، مما سوف ~~نتابعه فيما يلي. # رغم الاختلاف في الطقوس الدينية المتبعة ضمن العشائر المكونة للقبيلة الواحدة، فإن ~~هذه الطقوس تؤلف فيما بينها دينا مشتركا بين الجميع، وتتأكد الوحدة من خلال تشابهات ~~أساسية تبدو واضحة تحت مظهر التنوع. وبشكل خاص، فإن طقوس التعدية (= # initation ms201 ~~) تظهر تشابها لدى جميع العشائر، كما أن ~~إجراءها لا يتم على مستوى العشيرة بل على مستوى القبيلة وبحضور جميع العشائر، حيث يتم ~~من خلالها تقديم البالغين من الذكور إلى دين القبيلة وتعريفهم بأسراره. وقد قاد هذا ~~التشابه في طقوس التعدية، وغيرها من الطقوس المشتركة بين العشائر، أو حتى بين مجموعة ~~قبائل في بعض الأحيان، إلى الاعتقاد بالأصل الواحد لهذا الطقس المشترك، وبأنه يرجع إلى ~~سلف بعينه، قام بتأسيسه وتعليمه للقبيلة كلها. فلدى جماعات الأورنتا، يسود الاعتقاد بأن ~~سلف عشيرة القط البري هو الذي أوجد الأدوات الطقسية المعروفة بالتشورينغا، وأباح ~~استعمالها طقسيا لجميع العشائر. ولدى جماعات الدبيري، يسود الاعتقاد بأن سلف عشيرة ~~التمساح هو الذي أرسى أسس طقوس الختان وعلمها لجميع العشائر. هذا النوع من الأسلاف لا ~~يوضع على قدم المساواة مع البقية؛ فإضافة إلى مسئولية هؤلاء عن بعض الطقوس المشتركة ~~ومراقبتهم لأدائها، فإن الخيال الديني يعزو إليهم كل ما هو أساسي في حياة الجماعة، مثل ~~الابتكارات التكنولوجية والمؤسسات الاجتماعية. وقد توصلت عشائر الكايتيش إلى النظر ~~إلى السلف المدعو أنانتو على أنه من صنع نفسه بنفسه في السماء، وابتكر الاسم الذي ~~يحمله، وأن نجوم السماء هي بناته وزوجاته، كما يعتبر اسمه بمثابة تابو لا يجوز التلفظ ~~به أمام من لم يمر بطقوس التعدية ويستلم أسرار دينه. # على أن هذا النوع من الشخصيات الميثولوجية ليس الدرجة الأخيرة في سلم تشخيص القوة ~~الإلهية في أستراليا؛ فلقد تم التوصل أحيانا إلى مفهوم مشترك عن شخصية مبجلة، لا بين ~~العشائر المؤلفة لقبيلة واحدة، بل بين عدد من القبائل. وهذه الشخصية هي التي وصفها ~~أصحاب نظرية التوحيد الأصلي بأنها تشبه بالفعل ما يعرفونه عن الإله الأعلى. غير أن ~~تتبع سيرة حياة هذا الكائن الأعلى في الثقافة الأسترالية، يظهر بوضوح أصله كسلف ~~ارتقى سلم الألوهة تدريجيا. فعلى ندرة وجود هذا النوع من السلف-الإله في الديانة ~~الأسترالية التي تدور حول المبدأ الطوطمي وأرواح الأسلاف، فإنه يتمتع بخصائص متشابهة ~~وسيرة حياة واحدة. فهو كائن عاش على الأرض ردحا من ms202 الزمن، ثم غادرها إلى السماء مع ~~عائلته المؤلفة من عدد من الزوجات والأبناء والبنات، ومن هناك راح يدير حركة الأفلاك ~~ويرسل المطر ويصنع البرق والصاعقة، وقد أشعل الشمس لكي تدفئ الأرض وتخرج الكائنات الحية ~~من تربتها وكذلك الزرع والشجر، ثم قام بتعليم البشر كل ما من شأنه إعانتهم على ~~الحياة، وهو يتواصل معهم إما مباشرة أو عن طريق وسطاء. وبما أن طقوس التعدية هي الأكثر ~~أهمية بين الطقوس، فإن هذا الكائن الأعلى هو المعني بها؛ فخلال الاحتفال تنقش على ~~قطعة من الخشب هيئة ترمز إلى صورته، فيرقص المحتفلون حولها ويغنون ويبتهلون، ثم ~~يكشفون للبالغين الذين يتلقون أسرار دينهم في هذا الاحتفال عن الاسم السري له، ~~ويقصون عليهم سيرة حياته وعجائب فعاله، وهم في الإشارة إليه غالبا ما يرفعون أيديهم ~~ويوجهون حرابهم نحو السماء حيث يقيم. وبما أن طقوس التعدية هذه هي العبادة الوحيدة ~~التي تدور حول هذا الكائن الأعلى، فإنهم يعتقدون بأنه يوليها كل العناية، ويحرص على ~~أدائها بحذافيرها كل الحرص. # إلى هنا ينتهي بنا مطاف البحث عن أصل الآلهة المشخصة، وقد ختمناه بمثال عن أكثر ~~الثقافات البدائية بساطة، أجبنا من خلالها على نظرية التوحيد البدئي، وأظهرنا في الوقت ~~نفسه كيفية تكون صور الآلهة من مفهوم الروح، ومن مؤسسة عبادة الأسلاف. فصورة الإله ~~المشخص لم تكن أبدا بدهية من بدهيات العقل الإنساني، بل تكونت عن أفكار دينية أسبق ~~منها، ومعتقدات تدور حول الألوهة غير المشخصة، حول القوى الغفلة التي تكمن عند جذور ~~الدين. # إلا أن السؤال الكبير، الذي سيكون موضوع المنعطف القادم في دراستنا، هو التالي: ولكن ~~هل حلت الآلهة المشخصة، بعد أن ظهرت في تاريخ الدين، محل الألوهة غير المشخصة؛ وهل ~~غاب المجال القدسي وقوته السارية تماما خلف أقنعة الآلهة المشخصة المتعددة؟ # لقد بدأنا فعلا بالإجابة على هذا السؤال، عندما استعرضنا المثال المصري، أثناء بحث ~~الصلة بين السحر والدين، حيث أظهرنا أن الآلهة المصرية المشخصة، التي يقدمها عادة ~~دارسو الدين باعتبارها المركز الذي دارت حوله ديانة مصر القديمة، ليست ms203 في حقيقة الأمر ~~إلا تجليات للإله الأكبر رع، الذي يشكل بدوره الرمز البدئي للمطلق غير المرئي نتر، أو ~~المجال القدسي بالمصطلح الذي استخدمناه حتى الآن. وبما أن هذا الكتاب ليس دراسة في ~~تاريخ الدين، فإن المثال المصري سيكون المثال الوحيد الذي نسوقه من الديانات الكبرى ~~للشرق الأدنى القديم، ولسوف نلتفت في القسم التالي من دراستنا إلى استقصاء أديان الشرق ~~الأقصى، التي وجدنا فيها أوضح مثال على تعايش مفهوم الآلهة المشخصة إلى جانب مفهوم ~~المجال القدسي. ستظهر لنا الجولة الواسعة القادمة في المعتقدات الشرق أقصوية كيف أن ~~لآلهة المشخصة، بما فيها الكائن الأعلى، ليست سوى مرحلة وسيطة، ودرجة يتكئ عليها ~~الإيمان الديني في تطلعه الدائم نحو المجال القدسي وقوته المتبدية في عالم الناس، وهو ~~الإيمان الذي ترسخت أسسه منذ أن انتصب الإنسان على قائمتين وصنع الأدوات ~~الحجرية. ~~••• # في مطلع القسم المنصرم من دراستنا، أرجعنا الدين إلى بنية الحد الأدنى التي وجدناها ~~في المعتقد، ثم قلنا إن بالإمكان إرجاع المعتقد ذاته إلى حد أدنى أسميناه بالحد ~~الأدنى الاعتقادي، وهو الصيغة البسيطة الأساسية التي تقوم عليها المعتقدات الدينية في ~~كل عصر وكل مكان. وما زلنا في رحلة البحث عن هذه الصيغة التي تثبت حقيقتها كلما ~~تقدمنا في البحث، وتتحول الفرضية إلى نظرية مدعمة. # الباب الخامس # | المعتقد وبنية الحد الأدنى [تابع] # المطلق ونسبية الآلهة في معتقدات الشرق الأقصى # الفصل الأول # | كامي/تاو # المبدأ الكلي في المعتقدات التقليدية للشرق الأقصى # لعل أفضل مدخل ندلف منه إلى الفلسفات الدينية الكبرى للشرق الأقصى، هو استكشاف الأساس ~~الفكري الذي قامت عليه بنيتها السامقة، وأعني به تلك المعتقدات التقليدية التي تضرب في ~~أعماق التاريخ الشرقي وصولا إلى تخوم عصورها الحجرية. ولسوف تدهشنا تلك الاستمرارية ~~في معتقدات العصر الحجري، والكيفية التي تخللت بها تلقائيا معتقدات العصور ~~التاريخية. ~~(1) كامي: المجهول الأقدس # في دين اليابان # يبدأ التاريخ المكتوب للأمة اليابانية مع القرن الخامس الميلادي، مترافقا ~~مع دخول الديانة البوذية إليها قادمة من الصين. لم يكن اليابانيون يطلقون على ~~دينهم اسما معينا؛ فهو الدين ms204 الوحيد الذي عرفوه في جزرهم المنعزلة، أما بعد ~~الانتشار التدريجي للبوذية فقد شعروا بالحاجة إلى تمييز معتقدهم التقليدي ~~فدعوه شنتو؛ أي طريق المبدأ الأقدس الكلي، وهو المبدأ الذي أشاروا إليه دوما ~~تحت اسم كامي. وهذا المعتقد التقليدي لليابان قد وجد في تلك الأصقاع منذ أزمان ~~لا يدري بها أحد، وتم تناقله عبر العصور والأجيال دون أن يعرف له مصدر أو مؤسس ~~أو تاريخ ابتداء. وما زالت الديانتان البوذية والشنتوية متعايشتين حتى الآن في ~~اليابان. # رغم أن مصطلح كامي يترجم أحيانا إلى ~~إله أو جمع الآلهة، فإن الباحثين المحدثين يفضلون استخدام المصطلح بصيغته ~~اليابانية، لتعذر إيجاد ترجمة تقريبية له. وقد حاول حكماء الشنتو تقريب مفهوم ~~الكامي إلى أذهان الغرباء بوسائل شتى، مع اعترافهم ببقاء المصطلح غامضا ~~وعصيا على الصياغة العقلانية المنطقية. يقول الباحث الياباني موريناغا في وصف ~~الكامي: «إنه كل ما يثير في النفس الرهبة والجلال لما يمتلكه من قوى غير ~~عادية.» ويقول باحث غربي متخصص في الشنتو: «إن اليابانيين أنفسهم لا يملكون ~~فكرة دقيقة عن الكامي، فهم يختبرونه بشكل حدسي في أعماق وعيهم، ويتواصلون معه ~~من غير أن يشكلوا حوله مفاهيم ذهنية أو لاهوتية. من هنا، فإنه من غير المتيسر ~~إيضاح فكرة تقوم في أصلها على الخفاء والغموض.» # 1 # إن ما يميز الشنتو بشكل رئيسي هو الموقف الحدسي والاعتماد على ~~الخبرة الدينية المباشرة من دون المبادئ اللاهوتية المعقلنة، وأتباع هذه ~~الديانة نادرا ما يطرحون أسئلة أنطولوجية تتعلق بالوجود؛ لأنهم يشعرون بحقيقة ~~الكامي عن طريق التماس المباشر مع القدسي، والإدراك المرهف لما هو خفي وسري، ~~ويرون في ذلك فضلا على المقترب الذهني للعقائد المحكمة. ولقد ساعد احتكاك ~~الشنتو بالبوذية والكونفوشية على توضيح أفكارها باستخدام مصطلحات مستمدة من ~~هاتين؛ فالكامي هو القاع الكلي للوجود والجوهر الخفي للحقيقة، إذا أردنا ~~استخدام تعابير بوذية، وهو المبدأ الخلقي الناظم للكون ولعلاقات البشر، إذا ~~أردنا استخدام تعابير كونفوشية. # أما طقوس الشنتو، فبسيطة إلى حد بعيد، وتجري في أحضان الطبيعة حيث الحرم ~~والمقامات الطبيعية، وخصوصا تحت شجرة ms205 ال # Sakak # المقدسة. وفي الأصل، كانت الكاهنات النساء هن المسئولات عن قيادة الطقس، ~~فيتلفظن بكلمات القوة والقداسة وفق ترتيل معين حتى يصلن حالة الوجد، فيندفعن في ~~رقص طقوسي محموم من شأنه جمع العابد إلى معبوده. ثم ظهرت الهياكل فيما بعد، ~~واتخذت لها أنماطا معمارية متنوعة، مع حفاظها على أماكنها التقليدية في أحضان ~~الطبيعة، وتأسس سلك للكهنوت متفرغ لها يرعى شئونها ويقود فيها الاحتفالات ~~الدينية، وبين هؤلاء ما زالت الكاهنة القديمة ممثلة في زمرة من خادمات الهيكل ~~يمارسن الرقص الطقوسي الجماعي. # 2 # لقد لعبت الهياكل وطقوسها منذ قديم الأزمان الدور المركزي في ديانة الشنتو، ~~ونظرا لعلاقتها اليومية بحياة الناس لم يشعر اليابانيون بالحاجة الماسة إلى ~~صياغة إيمانهم وفق نظام أيديولوجي، فكان هذا الإيمان ينتقل من جيل إلى آخر عن ~~طريق الإحساس بالطقس وممارسته، وتلمس ما ينقله إلى المشاركين فيه من قيم ~~روحية وجمالية. فالياباني يبدأ اكتسابه للإيمان التقليدي منذ الزيارة الأولى ~~للهيكل محمولا على ظهر أمه، حيث يدلف إلى تلك الغابة الساحرة بأشجارها ~~العملاقة المعمرة، ويحس بجمال الطبيعة وجلالها الآسر قبل أن يدخل الهيكل ويراقب ~~ما يجري هناك ، مكونا انطباعاته الأولى عن إيمان قومه. وفي مراحل نموه التالية ~~وتدرجه نحو الفتوة، فإن الفتى لا يلقن أية مبادئ أو أصول تتعلق بدينه، بل ~~يترك للتجربة المباشرة مع فكرة القدسي التي يتلمسها من خلال المشاركة بالطقوس ~~والأعياد في الهياكل. إن ممارسة العبادة في الهياكل لتتصل اتصالا وثيقا ~~بتقدير الجمال، بذلك الإحساس الصوفي بسحر الطبيعة، الذي ينقل الإنسان من ~~المستوى الدنيوي إلى المستوى القدسي الأعلى، ويجعل من حياته حالة خبرة واتصال ~~دائم بالكامي. # 3 # على أن هذا المفهوم للكامي ليس الوحيد ~~الذي تدور حوله ديانة الشنتو، فإلى جانبه هناك عدد يقدر بالمئات من الكائنات ~~الإلهية التي تتراوح في أهميتها من الآلهة السماوية العليا إلى تلك الآلهة ~~الصغرى التي تقيم في الهياكل الثانوية المنعزلة، وغالبا ما تجري الإشارة إلى ~~هؤلاء جميعا تحت اسم كامي، وينظر إليهم كمجموعة متماسكة متناغمة واحدة. # 4 # وإلى جانب العبادة التي ms206 يوجهها اليابانيون إلى هذه الآلهة، فإنهم ~~يعبدون أيضا كل مظهر من مظاهر الطبيعة يمكن أن يشف لهم عن روح مقدسة تسكنه، ~~فهم يعبدون الشمس والقمر والنجوم والبرق والصاعقة والأنهار والينابيع والصخور ~~والأشجار. يضاف إلى ذلك أن بعض الرجال والنساء ممن أدوا خدمات جلى للمجتمع، ~~يمكن أن يؤلهوا وتقدم لهم فروض العبادة في الهياكل، ومثلهم الأسلاف المؤلهون ~~الذين يتخذون مكانة مقدسة رفيعة في العبادة الشنتوية. كما يعتبر الإمبراطور ~~ابنا للسماء؛ لأنه من سلالة الحفيد المباشر للشمس عند أعتاب التاريخ الياباني، ~~وقد عبد عبر العصور كواحد من الآلهة العظام. # 5 # كل هذا يجعل الشنتو في عين ناظرها لأول وهلة مزيجا من الخرافات التي لا ~~تنتظم في بنية منطقية معقولة، يساعد على ذلك أن أهل الديانة لم يعنوا بصياغة ~~معتقداتها ضمن أيديولوجيا دينية نهائية، ولم يصبوا أفكارها بلغة فلسفية تخاطب ~~العقل والمنطق، بل تركوها على فطرتها التي نشأت عليها، عندما كان إنسان العصر ~~الحجري يحس ويشعر ويستجيب، أكثر مما يفكر ويعقلن ويرمي شبكة المنطق يؤطر بها ~~كونا يتأبى على التثبيت والتأطير. يروي الميثولوجي ومؤرخ الدين المعروف جوزيف ~~كامبل، الحوار الآتي الذي سمعه في مؤتمر دولي لعلوم الدين في اليابان، بين أحد ~~أعضاء الوفد الأمريكي وهو أستاذ في الفلسفة الاجتماعية، وكاهن شنتو. قال ~~الأمريكي للكاهن بعد إنهاء جولة قام بها المؤتمرون على هياكل الشنتو: «لقد ~~رأينا هياكلكم واطلعنا على طقوسكم، ولكني لم أفهم شيئا عن لاهوتكم ولا عن ~~أيديولوجيتكم الدينية.» فأطرق الكاهن مليا ثم هز رأسه قائلا: «أعتقد بأننا ~~لا نملك لاهوتا ولا أيديولوجيا دينية ... إننا نرقص.» # 6 # ومع ذلك، فإن للشنتو منطقا داخليا متماسكا قد لا يتيسر للكثير من الأديان ~~الأخرى، وكل ما يبدو على السطح شتاتا لا يجمعه رابط إنما تنتظمه نظرة عميقة ~~ثاقبة للوجود، تنشأ عن مواجهة وجودية بين الإنسان والعالم لتربط بينهما في كون ~~موحد، يتخلل فيه عالم اللاهوت عالم الناسوت الآخر، وبطريقة لا يمكن فصل واحدهما ~~عن الثاني أو وضع حدود مميزة بينهما. فالكون رغم انقسامه شطرين أمام التجربة ms207 ~~الحدسية المباشرة للإنسان، ورغم معاينته كمقدس آنا وكدنيوي آنا آخر، إلا أنه ~~في حقيقة الأمر متصل وواحد؛ مقدس في وجهه الأول، ودنيوي في وجهه الثاني، وليس ~~الوجهان إلا تبديين متناوبين للمطلق الأزلي. # فالكامي، الذي يرى فيه الياباني المبدأ الكلي الأقدس المحيط بظواهر الكون ~~جميعها، ليس ألوهة مفارقة متمايزة عن خلقها، بل هو الخميرة الفاعلة في صميم هذا ~~الخلق. ونظرا لكونه متخللا في كل شيء، فإن قوته تتكثف في بعض مظاهر الطبيعة ~~أكثر من غيرها؛ ولذا يعلى من شأن هذه وتعبد. كما قد تتكثف هذه القوة الفاعلة في ~~بعض الأرواح فتمتلئ قدسية وترتقي إلى رتبة الآلهة، التي ليست في حقيقة الأمر ~~سوى قوة المجال القدسي وقد تجزأت وصارت صلة وصل بين الكامي والإنسان. ولا أدل ~~على الدور الثانوي الذي تلعبه الآلهة في الشنتو من كثرة عددها وامتلاء الأرض ~~والسماء بها، وكذلك امتلاء الأرض والسماء بالمقدسات والمعبودات من كل نوع، ~~والتي تقود كلها إلى الحقيقة الواحدة الجديرة بالعبادة والتقديس. # ينعكس المعتقد الديني للشنتو على نظرة الياباني لمكانته في العالم ودوره في ~~النظام الكلي للكون؛ فالبشر هم أطفال الكامي، منه تلقوا الحياة وبه يستمرون في ~~كل يوم. من هنا تأتي قدسية حياة الإنسان، والاحترام الكبير الذي يكنه كل ~~ياباني لحياة الفرد الآخر وشخصه وحقوقه الأساسية؛ فكل عضو في الجنس البشري، ~~بصرف النظر عن عرقه وقوميته ومواطنيته، يحمل قبسا من القداسة استمده من ~~الكامي. غير أن جوهر القداسة في الإنسان لا يظهر تلقائيا، وإنما يتطلب من ~~المرء أن يجلو قلبه ليشع منه نور حقيقته، وذلك بتطهير أفكاره وأفعاله، والإخلاص ~~في تعامله مع عالم المقدسات وعالم الناس. والفرد، رغم تمتعه بخصائص شخصية تميزه ~~وتؤكد استقلاليته، إلا أنه ليس ذاتا منعزلة عن بقية الذوات ومنقطعة عن ~~الجماعة، بل حلقة في سلسلة تمتد في الماضي نحو الأسلاف وفي المستقبل نحو ~~الأجيال القادمة، فهو صلة وصل ضرورية في استمرارية حيوية لكائن واحد هو المجتمع ~~بماضيه وحاضره ومستقبله، وعليه أن يلعب دورا إيجابيا في ارتقاء تقدم الحياة. ~~ودور الفرد ms208 هذا مرتبط بنظرة الشنتو الأشمل للتاريخ الصاعد أبدا في اتجاه تقدمي ~~لا نكوص فيه، والذي نصنعه حيوات وجهود كل الأفراد. من هنا فإن الكون أزلي في ~~ذهن الياباني الذي لا يحمل أية معتقدات حول نهاية العالم وفناء البشرية، فلا ~~قيامة ولا بعث ولا نشور. وما على الفرد إلا أن يحيا كل لحظة بكامل أبعادها، ~~ويعطيها ما تستحقه من قيمة باعتبارها لحظة مهمة في حياة الكون. # 7 # وهكذا تعطينا ديانة الشنتو في اليابان أول إشارة مشجعة في طريقنا الجديد الذي ~~نطرقه لاستكشاف معتقدات الحضارات الكبرى. فنحن ما زلنا نسير في أرض مألوفة، ~~والمعتقد الأساسي للثقافات الحجرية والبدائية يتكرر هنا وإن بتنويعات ~~مختلفة. ~~(2) قوة السماء وتبعية الآلهة # في الفكر الصيني # لم يأخذ الصينيون عبر تاريخهم مسألة تشخيص الألوهة بشكل جدي، ولم يظهروا ~~ميلا لاعتبار الكون مخلوقا من قبل ملك سماوي يتحكم فيه، بل لقد رأوا فيه ~~ما يشبه الجسد الحي الذي يقوم على تنظيم ~~نفسه وفق آلية ضبط ذاتي، وهناك أمثولة تاوية يرويها الحكيم تشانغ تزو من ~~القرن الرابع قبل الميلاد عن هذه التلقائية الكونية، فيقول: «بأن الحريش الذي ~~يزحف مستعينا بأربعة وأربعين طرفا (أم أربع وأربعين) قد سئل عن كيفية تدبيره ~~لحركة هذه العشرات من أرجله، فأجاب بأن المسألة لم تشغل باله قبل ذلك، فهو يشعر ~~بأن أرجله تدبر أمرها بنفسها دون تفكير منه ودونما حاجة إلى تدخله.» # 8 # ومع ذلك، فإن الديانة الصينية التقليدية السابقة على البوذية حافلة ~~بالآلهة من شتى الأشكال والأنواع، شأنها في ذلك شأن الديانة اليابانية، ولكن ~~هذه الكائنات المتفوقة، التي نطلق عليها اسم آلهة، ليست في الواقع إلا أسلافا ~~أسطوريين قد رفعوا تدريجيا إلى مراتب أعلى في سلم السلطة الكونية. وتظهر ~~السير الأسطورية لحياة هؤلاء كيف ابتدأ أمرهم كرجال صالحين على الأرض، وكيف ~~تم تأليههم وعبادتهم فيما بعد. ومما يلفت النظر في أمر الآلهة الصينية على ~~كثرتها، أنها لا تظهر بالفعل كشخصيات إلهية ذات كيان محدد ووظيفة دائمة، بل ~~ككائنات شبحية غير محددة الملامح، تكتسب قوتها ms209 من قوة المنصب الذي تشغله؛ ذلك ~~أن الوظيفة الإلهية هي الثابتة، أما شاغلوها فمتحولون ومتنقلون. ففي كل إقليم ~~من الأقاليم الصينية الكثيرة، يجري توزيع الوظائف والاختصاصات (تصريف الرياح أو ~~إنزال المطر أو قدح البرق ... إلخ) بين الآلهة الصينية نفسها بشكل مختلف عن الآخر ~~تماما، وقد يتم ترفيع إله إلى مقام أعلى أو تخفيض مرتبته أو حتى صرفه من ~~الخدمة نهائيا. # 9 # أما المصدر الحقيقي لقدرة الآلهة الصينية، فهو مفهوم غير شخصي للألوهة يتمثل ~~في قوة السماء التي يدعونها تي-يين # T’ien ~~، ~~والتي عبدت في الصين منذ القدم. ويرى كونفوشيوس، وهو أكثر العقول تأثيرا في ~~الصين القديمة، أن إرادة السماء إنما تعمل من خلال عناية متضمنة في صلب نظام ~~الطبيعة، ويقابل هذا النظام الطبيعي عنده نظام آخر يسود على المستوى الإنساني ~~المجتمعي هو القانون الأخلاقي. من هنا فإن انسجام الفرد مع إرادة السماء ~~الفاعلة في الطبيعة لن يتحقق إلا بمراعاة النظام الأخلاقي، الذي يشكل انتهاكه ~~خطيئة بحق السماء. # 10 # وكان الاسم الذي يطلق على ألوهة السماء هذه في عهد أسرة شانغ (1100-1500ق.م.) ~~هو شانغ-تي، الذي يعني الحاكم الأعلى. والتسمية هنا مجازية؛ لأن هذه الألوهة ~~السماوية لم تكن تتمتع بكيان شخصي محدد، وإنما جرى تصورها كقوة تشغل الجهة ~~العليا من قبة السماء، وهي أبعد ما تكون عن التصور الغربي للإله الأعلى ~~المسير للكون؛ لأنها غير مشخصة، ولا تتصل بالناس عن طريق رسل يشرحون ~~إرادتها، ويوصلون إليهم شرائعها المعروفة في الكتب المقدسة. فإذا أرادوا معرفة ~~مشيئتها الغائبة، فإن عليهم أن يلجئوا هم إلى التواصل معها عن طريق الاستخارة ~~والتنجيم، وما إليها من تقنيات التنبؤ والرجم بالغيب. ومنذ حكم أسرة تشوس، بعد ~~عام 1100ق.م. أطلق على هذه الألوهة الكونية اسم # T’ien ~~، والتي تعني في الأصل مسكن الروح ~~الكبرى، ثم استخدمت للإشارة إلى القوة العظمى التي تعتلي هرم القوى الجزئية، ~~والتي بقيت مدار المعتقد الصيني حتى القرن الثاني عشر الميلادي. # 11 # وعندما تتجرد قوة السماء تماما حتى من القبة الزرقاء التي ~~اعتبرت أحيانا مظهرها المرئي، فإن ms210 مفهوم ال «تي-يين» يلتقي مع مفهوم آخر ~~للقوة الإلهية المجردة، هو مفهوم التاو # Tao ~~، ~~الذي لعب الدور الأهم في الفكر الديني والفلسفي الصيني منذ البدايات المبكرة ~~المعروفة لتاريخ الصين. ونستطيع متابعة التعبيرات الأولى عن هذا المفهوم ~~وتطوراتها اللاحقة من خلال أشهر كتب الحكمة الصينية المعروف بكتاب التغييرات # The Book of Changes ~~، وبالصينية # I. Ching ~~، الذي ساهم عدد من العقول ~~المتميزة عبر تاريخ الصين بالتعليق والشرح على متنه، ومنهم كونفوشيوس. # ترجع الأشكال الأولى لكتاب التغيرات إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، على ~~ما ترويه المدونات الصينية، ولكن الأبحاث الجديد ترجح أن الكتاب في شكله ~~المتداول أيام كونفوشيوس، أي في القرن السادس قبل الميلاد، لا يرجع إلى ما وراء ~~الألف الأول قبل الميلاد. يعتبر التغيرات، بحق، واحدا من أشهر الكتب في تاريخ ~~الثقافة الإنسانية، وقد شغل صفوة العقول الصينية قرونا عديدة، وكان وراء أهم ~~المنجزات في التاريخ الطويل للثقافة الصينية. وبشكل خاص، فإن فرعي الحكمة ~~الصينية، وهما التاوية والكونفوشية، إنما يمتحان من هذا النبع وتلتقي مناهلهما ~~البعيدة عنده، إضافة إلى تأثيره الواسع على الحياة اليومية لعامة الناس في ~~الصين. وإلى وقت ليس بالبعيد، كان زائر المدن الصينية الكبرى يلتقي عند زوايا ~~بعض الشوارع الرئيسية بقارئ حظ يجلس خلف طاولة، مستعد لاستخارة كتاب التغيرات ~~من أجله، كما كان بإمكانه أن يقرأ جملا من الكتاب منقوشة على تلك اللافتات ~~الخشبية التي يضعها الصينيون على أبواب منازلهم زينة. ومن اليابان الحديثة ~~لدينا أكثر من شاهد على لجوء رجال سياسة بارزين لاستخارة كتاب التغيرات في ~~المواقف العصيبة. فما هو الكتاب؟ وما هي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها؟ # 12 # للوهلة الأولى، يبدو «التغيرات» مجموعة من الرموز التي يضم كل منها عددا ~~من الخطوط المتوضع بعضها فوق بعض على التوازي وفق هذا الشكل # وتنويعاته المختلفة، تستخدم في العرافة وقراءة الطالع. ~~ففي أبسط أشكالها القديمة، تقتصر العرافة على إعطاء جواب بالنفي أو الإيجاب على ~~مسألة ما، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه الكتاب من حيث الشكل؛ فالجواب «نعم» ~~يشار ms211 إليه بخط متصل، والجواب «لا» يشار إليه بخط متقطع. ثم إن الحاجة دعت، ~~على ما يبدو، إلى إجابات أكثر تفصيلا، فتم جمع الخطوط المتصلة والمتقطعة في ~~أزواج، ونتج عن ذلك أربعة أشكال رمزية، هي كل الأشكال المحتملة لاجتماع خطين ~~متقطعين أو متصلين أو مختلفين. # وإلى كل زوج من هذه، تم إضافة خط ثالث؛ الأمر الذي أنتج المجموعات الأساسية، ~~وعددها ثمانية، وهي كل الأشكال المحتملة لاجتماع خطوط ثلاثة: # المجموعة # اسمها # خصيصتها # صورتها # علاقتها العائلية # المبدع # القوة # السماء # الأب # المتلقي # الانقياد # الأرض # الأم # الموقظ # الحركة المحرضة # الرعد # الابن الأول # العميق # الخطر # الماء # الابن الثاني # المستقر # الثبات # الجبل # الابن الثالث # الرقيق # النفاذ # الهواء # الابنة الأولى # الممسك # وهب النور # النار # الابنة الثانية # البهيج # البهجة # البحيرة # الابنة الثالثة # من منظور «التغيرات»، فإن هذه المجموعات الثلاثية هي صورة لكل ما يجري في ~~السماء وعلى الأرض، وهي رموز لأحوال دائمة التبدل، يصير واحدها إلى الآخر ~~بالطريقة التي تصير الظاهرة إلى الأخرى في العالم الطبيعي. وهنا نضع اليد على ~~المفهوم الأساسي لكتاب التغيرات؛ فالأشياء ليست في حالة وجود وإنما في حالة ~~صيرورة، والذهن ينبغي أن يركز على تحول الأمور وحركيتها، وما هذه المجموعات ~~الثلاثية في «التغيرات» إلا تمثيلات للأشياء في نزوعها الحركي لا في ثباتها. ~~أما عن العائلة التي تكونها هذه الرموز، فيجب ألا ينظر إليها بالمعنى ~~الحرفي بل بالمعنى المجرد؛ لأن كل واحد منها يمثل قوة ووظيفة، لا شخصية إلهية ~~محددة. # ثم التقت هذه المجموعات الثلاثية، كل ~~اثنتين في واحدة تضم ستة خطوط، ونجم عن كل الاحتمالات الممكنة لاجتماعها بهذه ~~الطريقة أربعة وستون رمزا، يحتوي كل منها على خطوط سالبة متقطعة وخطوط متصلة ~~موجبة، وكل خط من هذه الخطوط قابل للتغير؛ فإذا انقلب خط واحد سالب إلى آخر ~~موجب، وقع التغير في الحالة التي تمثلها المجموعة السداسية. # ويمكن للخبير بهذه الرموز أن يستخدم عددا من عيدان نبتة الألفية، فيبعثرها ~~على الأرض لتعطيه تشكيلا للعيدان يقابل رمزا من الرموز الأربعة والستين، وهذا ~~الرمز يقابل بدوره حالة الشخص الذي ms212 يستخير «التغيرات». غير أن هذا النوع من ~~التنبؤ الذي يقدمه الكتاب، يتعدى وصف الحالة ~~إلى وصف الفعل الذي يجب أن يترافق مع معرفة الحالة، قبل أن تستفحل وتغدو قضاء ~~لا يمكن رده؛ ذلك أن نبوءة «التغيرات» هي نبوءة إيجابية لا نبوءة سلبية، وقيام ~~المستخير بالسؤال عما يستطيع القيام به لمواجهة الأوضاع المرتقبة، يجعل من ~~التغيرات كتابا في الحكمة لا كتابا في العرافة. # تقوم حكمة «التغيرات» على عدد بسيط من المفاهيم الأساسية؛ فبالدرجة الأولى ~~لدينا فكرة عن التغير تشكل الأرضية العامة لفلسفة الكتاب، فكل شيء يجري ويجري ~~دون توقف كماء النهر، على حد قول كونفوشيوس، إلا أن التغير ينبغي أن يتم فوق ~~أرضية ثابتة غير متغيرة، وإلا لما كان هناك نظام كوني، ولانحل كل شيء في ~~النهاية إلى فوضى مطلقة. هذه الأرضية الثابتة هي التاو # Tao ~~، الوحدة الجوهرية الكامنة وراء الكثرة المتبدية، ~~والواحد الذي يعطي للمتعدد الأساس والمعنى، إنه البداية العظمى لكل الموجودات. ~~فمن أدرك التغير ومعانيه، صرف النظر عن الأعراض الزائلة في الأشكال المتنوعة، ~~وثبت قلبه على المبدأ غير المتغير. # يرمز للتاو في الفكر الصيني بدائرة فارغة، هي المبدأ الأول قبل ظهور ~~الموجودات، وأيضا بدائرة يتناوب فيها الأبيض والأسود، أو اليانغ والين، هي ~~المبدأ الأول بعد ظهور الموجودات التي نجمت عن دوران القوتين؛ القوة الموجبة ~~يانغ، والقوة السالبة ين. # إن الخط داخل دائرة التاو يعبر عن ظهور الأقطاب والمتعارضات إلى حيز الوجود؛ ~~فالخط قد أحدث شرخا في الفراغ المتماثل، فقسمه إلى أعلى وأسفل، وإلى يمين ~~ويسار، وإلى أمام وخلف، وانحلت الوحدة السابعة إلى مظاهر ذات قوى متعارضة ~~ومتجاذبة في الوقت نفسه. إن كل ما في الكون هو مزيج من طاقة موجبة وأخرى سالبة؛ ~~فإذا غلب اليانغ كان الشيء ذا طبيعة موجبة، وإذا غلب الين كان ذا طبيعة سالبة؛ ~~لهذا صور القسم الظليل في دائرة التاو وفيه نقطة منيرة، وصور القسم المنير ~~وفيه نقطة ظليلة؛ لأن اليانغ لا يتجلى في حالته الصرفة، ولا الين كذلك؛ ففي كل ~~إيجاب شيء من السلب ms213 وفي كل سلب شيء من الإيجاب. كما اتخذ القسمان الظليل ~~والمنير وضعا حركيا دورانيا يدل على التناوب الأبدي بينهما. # ونجد في «التغيرات» مفهوما ميتافيزيقيا أساسيا يدور حول الأفكار. ~~فالمجموعات الثلاثية الثمانية ليست صورا وتمثيلات لموضوعات بل صور لأحوال ~~متغيرة، وكل حادث في الكون المرئي يتم بتأثير صورة (أو فكرة) في المستوى غير ~~المرئي. وعليه فإن كل ما يحدث على الأرض هو نسخة لاحقة زمنيا عن أمر يحدث في ~~مستوى يقع وراء إدراكنا الحسي. والحكيم الذي يكون على اتصال مع المستوى الأعلى ~~يتاح له الاطلاع على الأفكار من خلال حدسه المباشر؛ وبالتالي يكون في وضع يسمح ~~له بالتدخل في الأحداث الجارية في العالم. وبهذه الطريقة، فإن الإنسان يرتبط ~~بالسماء التي تؤلف عالم الأفكار فوق الحسي، وبالأرض التي تؤلف عالم المادة ~~الحسي، ويؤلف معهما مثلث قوة أساسيا. إن نظرية الأفكار المتضمنة في ~~«التغيرات» تطبق في اتجاهين؛ فالكتاب ينبئ عن صور الأحداث وأيضا عن ~~تحققها التدريجي في الزمن؛ ولهذا فإن الاستعانة به في استبصار بذور الأمور ~~المقبلة، تنير لنا المستقبل وتجعلنا نفهم الماضي؛ وبهذا نتكيف مع مجرى ~~الطبيعة. # لقد عرف كونفوشيوس كتاب التغيرات وكرس قسما كبيرا من وقته لدراسته ~~والتعليق عليه، خصوصا في سنوات شيخوخته، وهناك قسم مهم من ملاحق الكتاب التي ~~تحتوي شروحا وتعليقات أساسية تعزى إليه وإلى بعض تلامذته. كما أن «التغيرات» ~~كان المصدر الرئيسي لإلهام الحكيم لاو تسو، مؤسس التاوية ومعاصر كونفوشيوس، ~~وواضع كتاب تاو-تي-تشينغ، وهو الصرح الثاني في الفكر الصيني بعد ~~«التغيرات». # الفصل الثاني # | لاو تسو والتاوية # على الأرضية الراسخة التي فرشتها المعتقدات الصينية التقليدية، التي تؤمن بمبدأ لا ~~شخصي يتصل بعالم الظواهر بواسطة قوته ذات الوجهين، السالب والموجب، يبني لاو تسو # Lau Tzu # مذهبه المتميز الذي يدور حول مفهوم التاو ~~القديم. # يلف الضباب شخصية لاو تسو الغامضة، التي لم يستطع قدامى مؤرخي الصين رسم سيرة حياة ~~واضحة لها، وكل ما استطاعوا نقله إلينا بثقة هو أن هذا الحكيم قد عاش حياة مديدة جدا ~~فيما بين أواسط القرن السادس ms214 وأواسط القرن الخامس قبل الميلاد، وأنه عاصر كونفوشيوس ~~الأصغر منه سنا، ووضع تعاليمه في الكتاب الشهير المعروف بعنوان # Tao Te ~~Ching ~~؛ أي رسالة في التاو وقوته، وهو الكتاب الذي بنيت عليه ~~الفلسفة التاوية والديانة التاوية؛ فالتاوية هي اصطلاح عام يدل من جهة على النظام ~~الفكري الذي يجعل من التاو مركزا لكل مجالات الفكر والحياة، وقد قام لاو تسو بالصياغة ~~المنهجية لهذا النظام الفكري وأعطاه الكثير من ذائقته وشخصيته الفكرية المتميزة. ومن ~~جهة أخرى، فإن المصطلح يدل على الديانة التاوية التي بدأت بالتشكل منذ القرن الثالث ~~الميلادي بتأثير تعاليم لاو تسو، والتي تقاسمت مع الكونفوشية ولاء الصينيين مدة ألف عام ~~تقريبا، قبل أن تطغى البوذية على الاثنتين معا، علما بأن التاوية قد صمدت أمام ~~البوذية حتى وقت متأخر من العصور الحديثة من خلال بعض الفرق الباطنية. # عند لاو تسو، يحل مفهوم التاو تماما محل مفهوم قوة السماء تي يين. وكلمة تاو تعني في ~~الأصل الطريق، وقد استخدمت في المؤلفات السابقة على لاو تسو مقترنة بالسماء، فقيل طريق ~~السماء بمعنى الطريقة التي تفعل بها قوة السماء. أما هنا، فيقتصر مفهوم التاو على ~~الإشارة إلى المبدأ الكلي المجرد، الذي حل محل مفهوم السماء ~~في جميع مناحي فعلها كقوة إلهية كونية . ولاو تسو، ~~عندما يحاول في مطلع كتابه تقديمنا إلى مفهوم التاو، ينبهنا ابتداء إلى أن الكلمات لا ~~يمكنها الإحاطة بالتاو، واللغة مقصرة عن الإشارة إليه، فهو بلا اسم لأن في التسمية ~~تحديدا وتشخيصا من نوع ما، وهو بلا صفات ولا خصائص لأن هذه تلحق النسبي ولا تطال ~~المطلق الأبدي. نقرأ في الفقرة الأولى من الفصل الأول في الكتاب: # 1 # التاو الذي يمكن التحدث عنه # ليس التاو السرمدي، # والاسم الذي يمكن إطلاقه # ليس الاسم السرمدي. # اللامسمى هو مبتدأ السماء والأرض، # المسمى هو أم الآلاف المؤلفة (= مظاهر الطبيعة). # وما يتميز به التاو كمستوى قدسي خفي غير مشخص عن الآلهة المشخصة، هو أن آثاره لا ~~تظهر من خلال ممارسة سلطة مباشرة، بل من خلال تلقائية طبيعية ms215 لا قسر فيها ولا ~~إكراه: # تصدر الكائنات عنه ولا يدعي سلطانا، # يعطيهم الحياة ولا يدعي امتلاكا، # يعينهم ولا يقتضي عرفانا، # يكمل عمله ولا يدعي فضلا (2: 7). # إن الفارق الجوهري بين التاو والمفهوم الغربي أو الشرق أوسطي عن الإله الخالق، هو أن ~~الإله يبدع الكون ويصنعه وفق إرادة وخطة مسبقة، أما التاو فيبدعه تلقائيا دونما ~~تدبير وتخطيط، والكون يصدر عنه كما تنشأ النبتة من الأرض. من هنا فإن الفكر التاوي بشكل ~~خاص، والصيني بشكل عام، لا يتساءل عن كيفية خلق العالم؛ لأن هذا العالم قد نما وفق خطة ~~غير مستقلة عن صميم عملية النمو ذاتها، والمبدع كامن في صميم عملية الإبداع، التي تبدأ ~~من الداخل متجهة نحو الخارج وليس العكس: # ليس من شيمته الفعل، # ولكنه لا يترك أمرا بحاجة إلى إتمام (37: 81). # والتاو لا يفرض قانونه على الوجود من خارجه؛ لأن قانونه هو عين حركة الأشياء ~~وعلاقاتها المتبادلة مع بعض، من هنا فإن الإنسان لا يستطيع أن يتماشى مع إرادة التاو أو ~~أن يرفض هذه الإرادة، لا يستطيع أن يقبل قانونه أو يعصيه؛ لأنه أيضا جزء من هذه الحركة ~~التلقائية للكون؛ لهذا يقول شوانغ تزو تلميذ لاو تسو: «إن التاو الذي تستطيع عنه محيدا ~~ليس التاو الحق.» # 2 # ويوضح الحكيم # Nan Chuan # هذه النقطة في ~~حوار له مع الحاكم # Chao Chou # الذي يسأل: ~~- ما هو التاو؟ # إنه إدراكك ووعيك العادي. ~~- كيف يستطيع الإنسان أن يفيء إليه؟ # عندما تقصد أن تفيء إليه فإنك تفقده. ~~- ولكن كيف نستطيع أن نعرفه دونما قصد؟ # لا ينتمي التاو إلى مجال المعرفة، ولا إلى عدم المعرفة؛ فالمعرفة فهم زائف، وعدم ~~المعرفة جهل أعمى. هل تريد أن تفهم التاو حق الفهم؟ إذن انظر إلى السماء ~~الفارغة. # من هنا، فإن الإنسان قادر على معرفة التاو في أعماق نفسه لأنه جزء منه، ولا حاجة به ~~إلى البحث عنه في أي كائن آخر. يقول لاو تسو: # من غير أن تسافر بعيدا # تستطيع أن تعرف العالم كله. # من غير أن تنظر من النافذة # تستطيع ms216 أن ترى طريق السماء. # كلما ابتعدت أكثر # كلما قلت معرفتك. # لذا، فإن الحكيم يعرف دونما حاجة إلى حركة، # يميز دونما حاجة إلى نظر، # ينجز دونما حاجة إلى فعل (47: 106-107). # فالحكيم ينجز دون فعل ظاهر للعيان، ويكتسب المعرفة من دون إعمال للفكر؛ لأن المعرفة ~~الكلية لا يمكن تحصيلها عن طريق جمع المعلومات وتبويبها ودراستها، وإنما بترك العقل ~~يعمل تلقائيا كما يعمل التاو. وهذا ما تدعوه الأدبيات التاوية باللافكر أو اللافعل. ~~وهذه العبارة لا تعني نفي الفكر بقدر ما تعني استخدامه بكليته، وذلك كما نفعل بالعينين ~~عندما ننظر في الفراغ دون تركيز على بؤرة معينة: # في طلب العلم، تعرف في كل يوم أكثر. # وفي طلب التاو تبذل في كل يوم أقل، # تبذل أقل فأقل، حتى تصل حالة اللافعل. # وعندما تصل حالة اللافعل، # لا تجد أمرا بحاجة إلى إتمام (48: 108). # والتاو لا يمكن وصفه بصيغ الإثبات، بل بصيغ النفي؛ فنحن لا نستطيع أن نقول ما هو، بل ~~ما الذي ليس هو. وتتدرج صيغ النفي عند لاو تسو وصولا إلى ~~الخواء والفراغ: # هناك شيء بلا شكل، # موجود قبل السماء والأرض، # صامت وفارغ، # قائم بنفسه لا يحول، # شأنه الدوران بلا كلل، # مؤهل لأمومة هذا العالم. # لا أعرف اسمه فأدعوه التاو، # لا أستطيع وصفه فأقول العظيم. # عظمته امتداد في المكان. # الامتداد في المكان يعني الامتداد بلا نهاية. # الامتداد بلا نهاية يعني العودة إلى نقطة المبتدأ (25: 56-58). # وأيضا: # التاو فارغ، ولا ينضبه النضح (4: 11). # ونحن هنا أمام فراغ التاو أقرب ما نكون إلى مفهوم الصفر الرياضي؛ فالصفر هو لا شيء، ~~ومع ذلك فبدون الصفر لا يوجد الواحد؛ لأن الواحد ينشأ من لا شيء قبله، وهو أساس بقية ~~الأعداد التي تنشأ بتكرار الواحد، أما الصفر فلا ينشأ إلا من نفسه؛ إذ لا شيء يمكن أن ~~يسبقه، وكذلك هو الفراغ بالمعنى التاوي، إنه اللاشيء الذي تحتاجه كل الأشياء لتكون ذات ~~قوام وهيئة وفائدة. فمحاور العجلة لا تدور إلا بفضل الثقب الفارغ عند المحور، والإناء ~~لا يستوعب السائل إذا لم يكن به ms217 تجويف فارغ، والغرفة لا تفسح مكانا للعيش إن لم تفصل ~~بين جدرانها فسحة فارغة. # يقول المعلم: # اجمع أقطار العجلة إلى محور واحد، # وانظر كيف يعطيك اللاشيء حركة. # اعجن الطين إناء، # وانظر كيف يعطيك اللاشيء استعمالا. # اصنع أبوابا ونوافذ وارفع غرفة، # وانظر كيف يعطيك اللاشيء سكنا. # ما نحصل عليه هنا: شيء. # ولكن بفضل اللاشيء، يكتسب الشيء وظيفته (11: 27). # ويبدو أن صدور الأشياء عن التاو الفارغ لا يتم على درجة واحدة، بل على درجتين؛ ~~فالمجهول بلا اسم ينتج معلوما، وهذا المعلوم ينتج الآلاف المؤلفة من مظاهر ~~الطبيعة: # الآلاف المؤلفة من أشياء هذا العالم # قد ولدت من شيء، # والشيء قد ولد من لا شيء. # هذا الشيء الذي ولد من لا شيء هو التاو في حالة الحركة، حركة اليانغ والين، ونجده ~~تحت اسم الواحد منتجا للكون: # التاو أنجب الواحد، والواحد أنجب الاثنين، # والاثنان أنجبا الثلاثة، والثلاثة أنجبوا الآلاف ~~المؤلفة. # الآلاف المؤلفة تحمل على ظهرها الين وتعانق اليانغ، # إنها امتزاج هاتين القوتين (42: 93-94). # وأيضا: # منذ القدم، كل هذه الأشياء في حوزة الواحد، # بفضل الواحد شفافية تلك السماء، # وبفضل الواحد رسو هذي الأرض، # بفضل الواحد الآلاف المؤلفة حية (39: 85). # والتاو يسلك سبيل السهولة، إنه التلقائية عينها؛ ولذلك لا نشعر بأثره وفعله. وعلى ~~الحكيم أن يتشبه بالتاو فيسلك سبيل السهولة نفسها، وعلى الحاكم الذي يدرك سطوة الضعف ~~ألا يجعل الناس يشعرون بحكمه: # يفرض النهر نفسه ملكا على مئات الجداول # لأنه أوطأ منها منسوبا؛ # فمن شاء أن يحكم الناس، # فعليه أن يتضع أمامهم؛ # فالحكيم إذا حكم لم يشعر بثقله أحد، # وإذا سار في المقدمة لم يعرقل الركب (66: 159-162). ~~(والإنسان لا يكسب بإظهار القوة، بل بخفض الجناح): # المقاتل الصنديد لا يبدو مرعبا، # والمجلي في المعارك لا يستشيط غضبا، # وقاهر أعدائه ليس منتقما، # وهذا ما يدعى بفضيلة اللاجهد (68: 166). ~~(فالصلابة لكل فاقد حياة، أما الليونة فخصيصة الحياة ~~الرئيسية): # الجسد الحي رقيق ولين، # وكذلك العشب والشجر الغض. # الجسد الميت صلب وقاس، # وكذلك العشب الجاف والشجر اليابس؛ # لأن القسوة والصلابة من علائم الموت، # واللين والرقة ms218 من علائم الحياة. # من هنا فسلاح القوة لا ينفع، # والشجرة التي لا تنحني تنكسر بسهولة. # الضخم والقوي يقع تحت الرقيق واللين (76: 182-183). # وأيضا: # لا يوجد أكثر من الماء ليونة ورقة، # ولكنه الأقدر على تفتيت الصلب. # كلنا نعرف أن الضعيف يفوق القوي، # واللين يقوى على الصلب، # ولكننا لا نضع هذه المعرفة موضع التطبيق (79: 190-192). # وفي النهاية، يبقى شعار لاو تسو أن الصمت أبلغ من الكلام؛ فأمام الحقائق الكبرى لا ~~ينفع إلا أن تسلك سبيل المعرفة وحدك وبدون كلمات: # الذين يعرفون لا يتكلمون، # والذين لا يعرفون هم المتكلمون (56: 128). # هذه المعرفة التي لا تتأتى بكلمات، ولا يستطيع صاحبها أن يوصلها بكلمات أيضا، هي ما ~~يجعل الفكر الشرق أقصوي لغزا محيرا بالنسبة إلينا؛ فالفكر الشرق أوسطي، ووريثه الفكر ~~اليوناني والغربي عموما، يرى في المعرفة عملية خطية تنتقل خطوة خطوة من أجزاء الموضوع ~~إلى كليته، بحيث لا يمكن فهم الكل إلا من خلال فهم تفصيلي لمكوناته واحدا إثر آخر، في ~~الوقت الذي يحدث فيه الكون دفعة واحدة. هذا الفهم الخطي التفصيلي نحصله لأنفسنا بواسطة ~~الكلمات، وننقله أيضا بكلمات أو بوسائل اصطلاحية أخرى، مثل رموز الرياضيات والمعادلات ~~الكيميائية وما إليها. وفي مقابل هذا الموقف التجزيئي من المعرفة وطريقة تحصيلها، هناك ~~الموقف الآخر الذي تتخذه حكمة الشرق الأقصى، والذي يرى في المعرفة معرفة بالكليات دون ~~المرور في تفاصيلها، من خلال نظرة شمولية تخترق الحقيقة مباشرة ومن غير تجزئتها. وهنا ~~يستخدم التاوي عقله بكليته وبيسر وسهولة لا قسر فيها لكي يتناغم مع الوجود؛ لأنه كما ~~أن البحر المحيط لا يمكن كيله بكأس، كذلك الحقيقة لا يمكن الإحاطة بها بإعمال الفكر في ~~جزئياتها. # وقد طورت فيما بعد بوذية الزن # Zen ~~(وهي طريقة ~~انتشرت في الصين ثم في اليابان، تجمع بين التاوية والبوذية) هذا الموقف من المعرفة إلى ~~حده الأقصى، عندما أكدت على أن الاستنارة الكاملة تأتي دفعة واحدة وبشكل مفاجئ، وذلك ~~عندما يصل العقل إلى أقصى مدى له في الاسترخاء والإحجام عن الفعل. وهذه الحالة العقلية ~~هي ما يحاول ms219 معلم الزن إيصال تلامذته إليها؛ فهو لا يلقنهم معلومات ولا يدربهم على ~~مجاهدات، وإنما يأخذ بيدهم نحو الوصول إلى تلك الحالة التي يستطيعون معها اختراق ~~الحقيقة بأنفسهم. وهو إذ يكرر على مسامعهم الوصية المعروفة جدا في تعاليم الزن والتي ~~تقول «اغسل فمك كلما ذكرت البوذا»، إنما يدفعهم إلى إزاحة كل ما من شأنه التوسط بينهم ~~وبين الطريق الشخصي إلى الحقيقة، بما في ذلك تعاليم البوذا. # تضعنا التاوية أمام عدد من التصورات والمفاهيم الفلسفية والدينية، سوف نواجهها بشكل ~~أو آخر عند بقية الأديان الشرق أقصوية؛ فعوضا عن الإله الخالق المشخص هناك المجال ~~القدسي وقوته؛ أي # Tao/Te ~~، وهذا المجال القدسي لا يتدخل ~~بصورة مباشرة فيما يجري في عالم الإنسان والطبيعة، أكثر مما تتدخل الجملة العصبية في ~~تسيير وظائف الجسد الحي. ويستتبع ذلك بالطبع أن الدين ليس نتاج مبادرة إلهية، واتصال ~~إرادي يجريه المجال القدسي مع عالم الإنسان، بل هو نتاج مبادرة إنسانية تتجه نحو معرفة ~~المجال القدسي، وإحلال التوافق بين الحياة الإنسانية والقوانين الضمنية للكون؛ ذلك أن ~~الإنسان هو أكثر الكائنات عرضة للانحراف عن التناغم الكوني؛ لأنه أكثرها حرية. وهذه ~~المعرفة لا تتحصل بشحذ الملكات الذهنية، بل بإطلاق الملكات الحدسية والتأمل الباطني. ~~أما التوافق والانسجام مع القوانين الضمنية للكون، فيأتي باتباع القانون الأخلاقي الذي ~~هو صورة وانعكاس للقانون الكوني، وهو قانون غير مفروض من الخارج بقدر ما هو التزام ~~داخلي. كل هذا ينبغي أن يقود في النهاية إلى الاستنارة التي تقود إلى الخلاص، وهذا ~~الخلاص لا يأتي نتيجة فضل ومنة علوية، بل نتيجة كدح روحي لا تلعب الطقوس والعبادات ~~فيه الدور الرئيسي. إن ما يبدو شبيها بالطقوس والعبادات في هذه الأديان، ليس أكثر من ~~إجراءات تطهيرية تهدف إلى تحضير النفس لحالة الاستنارة. ~~••• # إن هذا التاريخ الطويل للديانات الصينية القائمة على مفهوم لا شخصي للألوهة، والتي ~~تمتلئ في الوقت نفسه بحشد من الآلهة التي ترجع في أصلها إلى الأسلاف الأسطوريين، هو ~~الذي قدم لانتشار البوذية القادمة من الهند، منذ القرون الأولى للميلاد. ففي ms220 تعاليم ~~البوذا لا يوجد مكان للآلهة رغم أنه لم ينف وجودها، والطقوس البوذية لا تعنى بتقريب ~~القرابين والصلاة إلى إله أعلى من أي نوع؛ لأن جهد الإنسان يجب أن ينصب على تحصيل ~~خلاصه بنفسه وبقواه الشخصية، دون معونة كائن طبيعاني أو فوق طبيعاني. # ولكننا قبل أن نلتفت إلى البوذية، سوف نتوقف عند الهندوسية دين الهند؛ لأنها الأصل ~~الذي تفرعت عنه تعاليم البوذا. # الفصل الثالث # | الهندوسية والبحث عن الوحدة في الوجود # تطالع الهندوسية دارسها، أول وهلة، بمزيج من المعتقدات التي لا يربطها رابط ولا ~~تجمعها جامعة. كما يبدو العدد الهائل من آلهتها التي تملأ أرض الهند وسماءها عصيا على ~~الانتظام في سلك واحد يضمها إلى بعض. ولعل السبب كامن في ذلك التاريخ الطويل من التطور ~~البطيء الذي تجره وراءها هذه الديانة التي تعود في أصولها إلى ما وراء الألف الثاني ~~قبل الميلاد. ولكن هذه المعتقدات ما تلبث أن تنتظم تحت عدد من الأفكار والمفاهيم ~~الدينية، وعدد أقل من التصورات الماورائية. أما حشد الآلهة الهندوسية فما يلبث طويلا ~~حتى تظهر حقيقته النسبية، وتبدو الشخصيات الإلهية بلا قوام أو جوهر حقيقي، سافرة عن ~~وجهها ككائنات تشارك البشر بؤس الحياة والموت في عالم السمسارا، عالم تناسخ الأرواح، ~~والدورة الكونية الأزلية. # تبدي الهندوسية تحررا واضحا من أية دوغمائية تتعلق بطبيعة الإله، وجوهر الدين ~~لديها لا يقوم على الاعتقاد بوجود الإله أم عدمه، أو على تعدد الآلهة أم التقائها في ~~واحد. فمن الممكن للهندوسي أن يكون ملتزما بدينه سواء آمن بإله واحد أم بآلهة متعددة ~~أم لم يؤمن بالآلهة طرا؛ لأن هذه المسألة لم تشكل أبدا حجر الزاوية للديانة الهندوسية. # 1 # ولكن الطوائف الهندية تشترك في عدد أساسي من الأفكار والمعتقدات التي لا ~~يصح دين الهندوسي بغيرها، والتي ترقى إلى مقام اليقين المطلق. أول هذه المعتقدات ورأسها ~~هو الإيمان بتناسخ الأرواح، يتبعه اعتقاد آخر مرتبط به أشد الارتباط هو معتقد الكارما؛ ~~ذلك أن الحالة الجديدة التي تصير إليها الروح بعد موت الجسد تتوقف على طبيعة أفعالها ms221 في ~~الحيوات السابقة، التي تتالت عبر ماض لا تعرف له بداية، وتتالى عبر ~~مستقبل لا تنظر له نهاية. والكارما تعني في الأصل ~~الفعل، ومن هنا يأتي مضمونها الفلسفي الديني؛ ذلك أن حياة الإنسان هي سلسلة من الأفعال ~~التي تؤدي إلى نتائج، هذه النتائج بدورها سوف تؤدي إلى أفعال أخرى في سلسلة سببية ~~متتابعة. # وينص قانون الكارما على أن تصرفات الفرد وأفكاره وكلماته، سيكون لها تبعات أخلاقية ~~تحدد مستقبل حياته بعد الممات، كما يتحدد مسار حياته الحالية بما تم من أفعال في ~~الحياة السابقة، وهكذا إلى أجل غير معلوم، في دورة سببية أزلية تدعى بالسنسكريتية ~~سمسارا، وهي دورة لا بداية لها ولا نهاية، تتجاوز عالم الإنسان لتطال عالم الظواهر ~~المادية بأكملها؛ كل شيء واقع في إسار الزمن وفي إسار الرغبة؛ الرغبة في الاستمرار ~~والرغبة في إتيان الفعل (كارما). والزمن نفسه عبارة عن عجلة تدور على نفسها، كلما بلغت ~~الدورة منتهاها عادت إلى نقطة البداية، دون أن تنشد غاية أو تسعى إلى هدف. ومع ذلك فإن ~~الانعتاق (= موكشا) من هذه الدورة ممكن التحقيق، وهو بؤرة الحياة الدينية للهندوسي، ~~والنهاية التي يطمح إليها من كدحه الروحي. إلا أن الطوائف الهندوسية تختلف في كيفية ~~تحقيق هذا الانعتاق، وفي الحالة التي تصير إليها الروح المتحررة بعد انعتاقها. # من هنا، يدعو الهنود دينهم بالدهارما الخالدة؛ أي سنة الكون الأبدية. وهذه السنة ~~تعني، من جهة، القانون الأخلاقي الذي نصت عليه الشرائع في الأسفار المقدسة، ومن جهة ~~أخرى القانون الأبدي الثابت الذي يحكم الكون برمته. وبهذا المعنى الثاني تتطابق سنة ~~الكون مع ما نفهمه اليوم من مصطلح القانون الطبيعي، الذي تجعل منه العلوم حقلا ~~لدراستها، ولكن مع فارق هام، وهو أن هذا القانون الطبيعي لا يقوم بذاته في الفكر ~~الهندوسي، وإنما يستند إلى مستوى أعمق للوجود، هو الأرضية غير المتغيرة لكل عرض متغير، ~~ويدعى براهمن؛ القاع الكلي غير المشخص للوجود، الذي صدر عنه كل ما عداه من الناس ~~والآلهة ومظاهر المادة. وفي حال الكائنات الحية من بشر وآلهة، ms222 ومن كل ما يدب ويزحف ~~على الأرض أو يطير في الهواء، فإن لها نفسا تدعى أتمان، هي تلك النفوس الفردية ~~الموزعة بين الخلائق، وفي الوقت ذاته هي النفس الكلية المنبثقة عن براهمن. فالنفوس ~~رغم تباينها الظاهري هي في حقيقة الأمر نفس واحدة، وإلى هذه النفس الواحدة ترجع النفوس ~~المتحررة المنعتقة لتذوب فيها؛ وبهذا يتحصل لدينا ستة مفاهيم أساسية في المعتقدات ~~الهندوسية: ~~(1) # سمسارا: الدورة السببية الكبرى والعالم الذي تتناسخ فيه أرواح الكائنات ~~الحية وأرواح الآلهة. ~~(2) # كارما: الفعل وتبعاته الأخلاقية. ~~(3) # دهارما: السنة الكونية. ~~(4) # موكشا: الانعتاق من الدورة السببية. ~~(5) # براهمن: اللامتغير الأبدي والقاع الكلي للوجود. ~~(6) # أتمان: النفس المتجزئة، والنفس الكلية أيضا. # بين هذه المفاهيم جميعا، لا نجد واحدا منها يتطابق مع مفهوم الإله الأعلى الخالق ~~للكون والمفارق له. إلا أن هذا المفهوم في حال وجوده، ليس إلا وهما من أوهام عالم ~~الظواهر الذي تعيشه الروح في إسار دورة التناسخ. وهذا ما يقودنا إلى المفهوم الأساسي ~~السابع، وهو المايا، الذي يفهم منه عادة ما يؤدي معنى الوهم أو الظواهر الخادعة. # 2 # تقوم فكرة المايا أساسا من أجل الربط بين الواحد غير المتجزئ والكثرة التي ~~تصدر عنه؛ لأن الواحد لا يمكن أن يكون سبب الكثرة؛ ولذا فإن هذه الكثرة من موضوعات ~~الطبيعة لا بد أن تكون وهما يمت إلى عالم الظواهر والخداع. وما دامت الروح تعيش في ~~دورة السببية، فإنها واقعة في إسار المايا، تعاين الكثرة والتنوع؛ كثرة الموضوعات ~~الطبيعية وتنوع النفوس البشرية. ولكنها عندما تفلح في الانعتاق، فإن الوهم الكبير ~~ينجلي، ويبدو لها الكون متوحدا في المطلق العظيم، فتنمحي الحدود بين الظواهر وتذوب ~~الفروق بين الأرواح التي كانت تعيش وهم التفرد والاستقلال. أما الإله المشخص الذي عرفته ~~النفوس خلال دهور دوراتها في السمسارا، فيبدو لها بعد الانعتاق على حقيقته؛ براهمن ~~الأزلي الحق، بعد أن كان براهمن + مايا، مثلما كانت النفس البشرية نفسا + مايا، ويتحقق ~~التطابق في الهوية بين النفس أتمان والمطلق براهمن. # إن من يحقق للنفس هذا النوع من الانعتاق النهائي، هو كدحها في ms223 سبيل معرفة الحق، ~~وانكشاف البصيرة الداخلية على حقيقة أن هذا العالم المتكثر هو واحد في جوهره، وإن كل ما ~~في الوجود هو براهمن، وذلك على حد التعبير الإسلامي المعروف: لا موجود إلا الله. وهو ~~قول يردده أهل الظاهر ولا يعلمه حق علمه سوى أهل الباطن. فعندما يعلن الحكيم الهندوسي ~~أنا براهمن، أو يشطح الحلاج صارخا أنا الحق، وأبو يزيد البسطامي سبحاني ما أعظم ~~شأني، فإن هذه الكلمات تبدو آخر ما تلعثم به اللسان قبل أن يصمت أمام الكشف، وقبل أن ~~تنتشر الاستنارة في كل زاوية من زوايا النفس. هنا تنقشع غشاوة المايا عن البصيرة، ولكن ~~لا لكي يرى العارف أن الوجود بحد ذاته وهم وسراب، وإنما ليرى الحدود وقد انمحت بين ~~الأجزاء، وزالت التقسيمات وذابت الثنائيات. # فالمايا بالأصل اللغوي لها هي التقسيم والتحديد والقياس، وجذرها السنسكريتي هو # Matr ~~؛ أي يقيس أو يكيل أو يقولب شكلا ما أو يضع ~~مخططا. ومن الجذر ذاته تأتي الكلمات اللاتينية # metre ~~؛ ~~أي المتر، و # matrix ~~، # matter ~~؛ بمعنى المادة. # 3 # إن عملية القياس هي بحد ذاتها تقسيم، سواء برسم خطوط محددة أم بكيل كميات ~~متساوية، وعليه فإن قولنا بأن عالم الظواهر والأحداث هو مايا، يعني أن الأحداث والظواهر ~~هي في الحقيقة مفردات للقياس أكثر منها دلائل على الحقيقة، وأنها لا تختلف في جوهرها عن ~~خطوط التحديد أو مكاييل الأطوال والحجوم. هذه الرؤية قد تبدو عصية على فهم من تعود ~~النظر إلى الأحداث والوقائع والأشياء باعتبارها الوحدات التي تؤلف العالم المحيط بنا، ~~غير منتبه إلى الحقيقة البسيطة، وهي أن الكل هو الأصل، وليست الأجزاء إلا من خلق ~~الإدراك التجزيئي الذي لا يدرك ما حوله إلا كقطع مستقلة وكيانات متباعدة. أما من أفلح ~~في قهر سلطان المايا، فيتابع رؤيته للعالم من حوله كما يراه الآخرون، ولكنه يدرك في ~~الوقت نفسه أن الأجزاء التي يراها ويتعامل معها لا تمتلك طبيعة خاصة بها، بل إنها تقوم ~~في علاقة بعضها ببعض وفي علاقتها بالكل الذي يملك وحده الوجود الحق. # لم تكتف ms224 الحكمة الهندية بصياغة هذا النوع من المفاهيم المجردة لتوضيح المعتقد ~~الهندوسي، وإنما لجأت أيضا إلى الأسطورة التي توضح بالصورة والحركة ما قد تقصر عنه ~~الصيغ الفلسفية الذهنية. وقد اخترت من أساطير الهند الكبرى التي جمعتها لنا الأسفار ~~المعروفة Puranas # أسطورتين سوف أعرض ~~لهما ببعض التفصيل فيما يلي؛ الأولى معروفة بعنوان إندارا وموكب النمل، # 4 # وبطلها الإله إندارا، الذي كان رئيسا لمجمع الآلهة الفيدية قبل تكون ~~الهندوسية الكلاسيكية، وذوبان الجماعات الآرية الحاكمة في لجة الثقافة الهندية الأقدم ~~والأعرق. # يقوم الإله إندارا بقتل التنين السماوي الذي يحتجز مياه الأعالي في بطنه ويستلقي على ~~قمم الجبال العالية في هيئة سحابة لا شكل لها، فيتمزق أشلاء بعد أن تصيبه صاعقة الإله ~~في بطنه، ويندفق الماء من جوفه ليسيل عبر السهول والوديان، وتعود الطبيعة سيرتها الأولى ~~بعد الجفاف الذي حل بها. وبموت التنين الذي اغتصب سلطة الآلهة، تتراجع آلهة الظلام التي ~~جاءت معه إلى العالم الأسفل، ويعود آلهة العالم العلوي إلى مساكنهم في قمم الجبال، ~~يصرفون أمور الكون من جديد. # كان أول عمل لإندارا بعد انتصاره، هو إعادة بناء مدينة الآلهة التي استحالت يبابا ~~خلال فترة حكم التنين، فأتم ذلك على أحسن وجه بواسطة إله الحرف والفنون الذي استعاد ~~الوجه القديم للمدينة وزاد في تجميلها، فهلل الآلهة لإندارا وأعلنوه ملكا ومخلصا. ~~غير أن إندارا الذي أسكرته نشوة النصر وغلبه الإعجاب بالنفس، طلب من إله الحرف أن يبني ~~له قصرا ملكيا لم يحلم بمثله إله أو شيطان من قبل. فشرع المعماري في عمله وأتمه في ~~عام واحد، وكان لإندارا ما أراد وأكثر؛ قاعات وأبهاء، أسوار وبوابات وأبراج وحدائق ~~وجداول وبحيرات. ولكن ملك الآلهة طلب المزيد؛ مزيدا من الأجنحة ومزيدا من الحدائق ~~والبحيرات ومزيدا من وسائل الرفاهية ومما يبهر الأبصار. وكلما تقدم إله الحرف نحو ~~تحقيق مخططات إندارا، خطرت لكبير الآلهة أفكار جديدة وزادت رؤاه سعة في الخيال وبعدا ~~عن الإمكان، حتى حل اليأس بالمعماري ووصل إلى حالة من الحيرة والإحباط. فمضى إلى الإله ~~الخالق برهما # 5 ms225 # وعرض عليه الأمر ملتمسا عون الآلهة الكبرى، فطمأنه هذا ووعده خيرا. ثم إن ~~براهما صعد إلى الملأ الأعلى حيث الإله الأكبر فيشنو (الذي يلعب في أسفار البورانا دور ~~براهمان)، وعرض عليه ما صار إليه إندارا ومشكلة إله الحرف معه. أصغى فيشنو بصمت وهدوء ~~حتى انتهى برهما من حديثه، ثم هز رأسه بحركة خفيفة دلالة موافقته على التدخل في ~~المسألة. # في اليوم التالي، وقف بباب إندارا صبي برهمي # 6 # يحمل في يده عصا الحج، وطلب من الحراس السماح له بالمثول أمام ملك الآلهة. ~~خف الملك شخصيا لاستقبال الصبي المقدس عند الباب، واقتاده إلى الداخل حيث حياه ~~الآلهة المجتمعون في بهو الاستقبال، وسكبوا أمامه العسل واللبن وقدموا الثمار، ثم ~~سأله إندارا عن قصده وسبب زيارته. كان الصبي في العاشرة من عمره، نحيلا ذا عينين ~~نفاذتين يشع منهما ألق الحكمة، وعندما تكلم مجيبا عن سؤال الملك، صدر عنه صوت ~~رخيم عميق، أشبه ببشارة صوت بعيد لرعد غيمة ماطرة. قال الصبي: «أي ملك الآلهة، لقد ~~سمعت عن القصر العظيم الذي تعمل على تشييده، فأتيت لأطرح أمامك بعض تساؤلات خطرت في ~~ذهني. فكم من الأعوام يستغرقه إكمال قصرك على ما تحب وتشتهي؟ وكم بقي على المعماري ~~إنجازه من أجلك أيها الإله الكبير؟» قالها الصبي وقد علت محياه ابتسامة ذات مغزى. «لم ~~يكن لأي إندارا من قبلك أن ينجح في بناء القصر الذي تتصور في قلبك، فكيف تنجح أنت في ~~ذلك؟» # لم يفقه الملك المفتون بقوته إشارة الصبي إلى «إندارات» أتت قبله ثم مضت، فالتفت إليه ~~يخاطبه بلهجة أبوية، كمن يستوضح أمرا لم يحسن صاحبه التعبير عنه وصياغته بطريقة ~~مفهومة: «كم من إندارا قد رأيت قبلي، أو به قد سمعت؟» # أجاب الضيف الغريب وهو يهز رأسه برفق: «لقد رأيت الكثير منهم.» كان صوت الصبي حلوا ~~ودافئا كلبن بقرة استحلب لتوه، ولكن كلماته جعلت الدم يسري باردا في عروق إندارا. ثم ~~تابع الصبي: «نعم إندارا، يا طفلي العزيز، لقد عرفت أباك كاشايابا الرجل السلحفاة، سلف ~~مخلوقات الأرض ms226 وسيدها، وعرفت جدك ماريشي، شعاع النور السماوي وابن برهما، كما أنني عرفت ~~برهما الذي أنجبه فيشنو من برعم لوتس نما من صرته، وعرفت فوق كل هذا فيشنو، الكائن ~~الأسمى الذي أسند عملية الخلق إلى برهما. أي ملك الآلهة، لقد رافقت انحلال الأكوان، ~~ورأيت كل شيء يتلاشى مرة بعد مرة عقب كل دورة كونية؛ في ذلك الوقت المهول تذوب كل ذرة ~~في الوجود في مياه الأبدية التي صعدت منها، كل شيء يعود إلى جوف أوقيانوس بلا قرار، ~~عليه ظلمة فوق ظلمة، ولا أثر لكائن حي. آه ... من يستطيع أن يحصي عدد الأكوان التي عبرت ~~وزالت، والخلق الذي تلاه غضا جديدا صاعدا من هيولى الغمر العظيم؟ من يستطيع أن يعد ~~دهور الكون دهرا يتبع دهرا، بلا بداية بلا نهاية؟ ومن يستطيع أن يقطع لا نهايات ~~المكان ليعد الأكوان الماضيات تجثم متراصة كونا كونا، وكل كون له إندارا خاص به ~~وكذلك فيشنو وشيفا؟ ومن يعد الإندارات فيها إندارا إندارا، ممن حكموا في تلك العوالم ~~الماضيات صعودا، واحدا إثر آخر، إلى عرش الألوهة، ثم هبوطا إلى عالم النسيان؟ أي ~~مليك الآلهة، قد يوجد من يستطيع عد ذرات الرمل على الأرض، وقطرات الماء الهاطل من ~~السماء، ولكن لن يوجد من يستطيع عد كل أولئك الإندارات الماضيات. وهذا أيها المليك ما ~~يعرفه العارفون.» # وفي هذه الأثناء لاحظ الصبي على الأرض طابورا من النمل يقطع القاعة فيما يشبه ~~الموكب العسكري، فتوقف محدقا به ثم أطلق ضحكة رنانة، ما لبث بعدها أن أطرق في سكون ~~وتأمل. فقال إندارا متلعثما: «ما الذي يجعلك تضحك؟ من أنت أيها الكائن المتلفح بهيئة ~~الغلام الخادعة؟» كان صوت ملك الآلهة الفخور متهدجا، وقد جفت منه الحنجرة والشفتان: ~~«من أنت يا بحر المناقب المتستر وراء سديم مضلل؟» رفع الصبي رأسه وقال: «لقد ضحكت لمرأى ~~موكب النمل هذا، ولكن لا تسل لماذا أضحكني مرآه؛ فوراء ذلك سر ينطوي على ثمر الحكمة، ~~سر يجتث شجرة غرور هذا العالم، ولكنه مدفون في غياهب حكمة العصور، ونادرا ما ms227 يكشف ~~عنه حتى للقديسين. إنه نسمة الحياة لأولئك النساك الذين تخطوا هذا الوجود الفاني، ولكنه ~~مميت لأولئك المنغمسين في حمأة الرغبة والخيلاء.» قال هذا ثم أمسك عن الكلام وغرق في ~~الصمت، فقال إندارا وقد زاولته الخيلاء واتضعت هيئته: «أيها الغلام البرهمي، لا أعرف من ~~أنت، ولكنك الحكمة المتجسدة، اكشف لي عن سر العصور هذا، عن النور الذي يبدد الظلمة.» ~~فلما رأى الصبي تغير هيئة الملك ورغبته الجادة في التعلم، أخذ يكشف له خفايا ~~الحكمة: ~~«لقد رأيت النمل منتظما في طابور طويل، كل نملة فيه كانت في عالم مضى إندارا، كل ~~واحدة مثلك ارتقت إلى رتبة ملك الآلهة بفضل التقوى والأعمال الحسنة، ولكنها الآن، وبعد ~~عدد من الولادات والتناسخات، صارت نملة مرة أخرى. انظر إلى هذا الجيش، إنه جيش من ~~الإندارات السابقة، ذلك أن الأعمال السامية ترفع أهل الأرض إلى المنازل العليا ~~السماوية، وحتى إلى منازل برهما وشيفا والمنزلة الأعلى لفيشنو، أما الأعمال الرذيلة ~~فتهبط بهم إلى الدرك الأسفل، فيخرجون من رحم الخنازير وحيوانات الفلاة، أو يصيرون ~~طيورا وحشرات وما إليها. بالأعمال تجني السعادة أو البؤس، تصير سيدا أو خادما، ~~بالأعمال تصير ملكا أو برهميا أو إندارا أو برهما، وبالأعمال أيضا ترد وحشا ~~ضاريا. هذا هو جوهر السر، وهذه هي الحكمة التي تعبر بك خضم الجحيم.» بعد أن أنهى ~~كلامه، تلاشى الصبي من مجلس إندارا، وعرف الجميع أنه لم يكن سوى الكائن الأسمى ~~فيشنو. # وقف إندارا مذهولا يستعيد ما جرى أمامه وكأنه في حلم، ثم أخذ يشعر بتغيير عميق يجري ~~في كيانه؛ لم يعد راغبا في المزيد من السلطان، ولا في المضي قدما لتوسيع قصره ~~السماوي. استدعى المعماري العظيم فأثنى على مهارته وفنه، ومنحه هدايا ثمينة ثم صرفه ~~لشأنه. لقد فتح الصبي عينيه ورمى الحكمة في قلبه، فلن يرضيه بعد الآن سوى التحرر ~~والانعتاق. استدعى ابنه وعهد إليه بمهام الحكم، واستعد لحياة الزهد والتأمل. إلا أن ~~زوجته المخلصة جزعت للقرار وهرعت إلى إله الحكمة والسحر تسأله أن يساعدها في إقناع ~~زوجها ms228 لكي يعدل عما انتوى، فقام الإله بجمع الزوجين وراح يعدد لهما فضائل حياة الزهد ~~والتقشف من جهة، وفضائل الحياة الدنيا من جهة أخرى، وصاغ حديثه بطريقه جعلت إندارا يعدل ~~عن قراره ويختار الطريق الوسط بين الحياتين. # وهكذا تنتهي أسطورة إندارا وموكب النمل، على نحو يفتح أمامنا عالما غير مألوف من ~~مفاهيم الزمان والمكان في الفكر الهندوسي. فالأكوان السابقات والتاليات تجثم في حيز ~~واحد، وتتبدى متتابعة في زمان وعود أبدي، كلما انتهت دورة بدأت أختها، وكلما انحل كون ~~وآل إلى الفناء متلاشيا في جوهر المطلق الأبدي، نشأ كون جديد يعيد سيرة سابقه الأولى. ~~فتاريخ الكون لا يسير في زمن خطي باتجاه واحد، بل في زمن دوري ينتقل من النضج إلى ~~الانحلال فإلى النضج مرة. هذا النوع من الوعي بالزمن يتخطى المدى الزمني لحياة الجماعات ~~والأمم بل الجنس البشري كله، إنه زمن الطبيعة التي لا تعرف المئات والألوف من السنين، ~~بل الدهور الجيولوجية والكونية. # في المعتقدات الهندية، تتألف كل دورة كونية من أربعة عصور، يتصف العصر الأول بالكمال ~~في كل شيء، وينتصب فيه القانون الأخلاقي راسخا على أربع ركائز، فيه يولد الناس أخيارا ~~ويكرسون حياتهم لأداء مهامهم وواجباتهم الأخلاقية على أكمل وجه، وهو أطول العصور ~~الأربعة إذ يدوم ما مقداره 1728000 سنة (مليون وسبعمائة وثمانية وعشرون ألفا). في ~~العصر الثاني، يبدأ الفساد بالتسرب إلى الكون وإلى المجتمع الإنساني، فهنا يتوجب على ~~البشر أن يتعلموا الفضائل بعد أن كانت مغروسة في طبعهم، ويدوم هذا العصر ما مقداره ~~1296000 سنة (مليون ومئتان وستة وتسعون ألفا). يدخل العصر الثالث في فترة توازن حرجة ~~بين النقص والكمال، ويهتز القانون الأخلاقي مستندا إلى ركيزتين فقط، ويدوم هذا العصر ~~864000 سنة (ثمانمائة وأربعة وستين ألفا). أما العصر الرابع المظلم فتسود فيه البغضاء، ~~وتتغلب الرذيلة على الفضيلة، وتقوم المنازعات بين الأفراد والحروب بين الشعوب. يدوم هذا ~~العصر 432000 (أربعمائة واثنين وثلاثين ألفا)، وهو أقصر العصور، ونحن نعيش اليوم في ~~أحد هذه العصور السوداء، من إحدى الدورات الكونية الصغرى المدعوة ms229 ماها يوغا # Maha Yoga ~~، والتي يبلغ مجموع سنيها 4320000 سنة ~~(أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرين ألفا). أما الدورة الكبرى فتدعى كالبا # Kalpa ~~، وتتألف من ألف ماها يوغا؛ أي 4320000 × 1000 = ~~4320000000 (أربعة مليارات وثلاثمائة وعشرين مليونا)، وتؤلف يوما واحدا من أيام ~~برهما، وتدور بملياراتها الأربعة كلما رمش فيشنو بعينه رمشة واحدة، وبعد أن تئول إلى ~~نهايتها يليها ليل بطولها هو ليل برهما. ففي نهاية هذه الدورة الكبرى، وفي آخر لحظة من ~~يوم برهما، تنشطر الأرض وتتداعى الأكوان بما فيها من بشر وكائنات حية وآلهة عائدة إلى ~~الماهية القدسية الأبدية، ويهدأ نبض الزمن في ليل برهما الطويل، حيث ينام فيشنو على ~~أمواج مياه الأبدية التي تؤلف جوهره، بعد أن امتص إلى جوفه الكون الذي صدر عنه. وفي أول ~~لحظة من لحظات يوم برهما التالي، يولد برهما جديد من البرعم الذي ينمو من سرة فيشنو، ~~ليقوم بخلق كون آخر، وتبتدئ دورة كونية كبرى جديدة. # 7 # والإله فيشنو هنا يلعب دورا مزدوجا؛ ففي نهار برهما ودوراته الكونية الصغرى هو ~~الإله الأعلى المشخص، وفي الليل الذي يليه عندما تئول الأكوان إلى الفراغ الأعظم، يسفر ~~عن حقيقته باعتباره براهمان المطلق الأبدي، ويسقط قناع فيشنو الوهمي مع ما يسقط من بقية ~~العوالم السرابية التي آلت إلى رحم مياه الألوهة الأزلية. ولسوف نرى لاحقا كيف يتناوب ~~فيشنو وشيفا على التقاط قناع الإله المشخص، ولعب الدور المزدوج في الميثولوجيا ~~الهندوسية. ولكن ما الذي يحل بأرواح البشر والآلهة وبقية الكائنات التي كانت تلعب دورة ~~التناسخ، عندما يصمت الوجود وينطوي المطلق على ذاته كأن شيئا لم يكن؟ # عندما ترجع الأكوان إلى مصدرها في ليل برهما الطويل، فإن الأرواح التي فنيت أجسادها ~~لا تفنى ولا تنعتق، بل تبقى في حالة سكون، غافلة عن نفسها ناسية أعمالها الماضيات. ~~وعندما يبتدئ نهار جديد، تنتبه الأرواح وتحمل كل واحدة حمل أعمالها السابقة مجددا إلى ~~دورة كاملة أخرى، فليل آخر، فنهار آخر، مليارات من السنين تعقب مليارات، حتى يحين وقت ~~الخلاص إذا حان له وقت. وهذه ms230 الأرواح التي تتناسخ في الأجساد البشرية والإلهية ~~والحيوانية وحتى النباتية، لا تنتمي إلى أصناف مختلفة، بل إنها من طبيعة واحدة، تنتقل ~~من حجاب إلى حجاب، من حشرة إلى إنسان إلى إله أو بالعكس، حتى تحقق الانعتاق. وهذا ~~الانعتاق لا يتحقق إلا انطلاقا من الشرط الإنساني، وحين تكون الروح متقمصة في إنسان، ~~فالإنسان وحده من دون بقية المخلوقات هو القادر على تخليص الروح وتحقيق الانعتاق، أما ~~الآلهة فإن عليها أن تنتظر فرصة تجسدها في إنسان لتستطيع من خلال حياة إنسانية كاملة ~~أن تنفلت من دورة السببية الكبرى. # 8 # لقد تلاشت فكرة إندارا الساذجة عن نفسه وعن دوام مجده، عندما رأى أن هذا المجد ليس ~~أرسخ من الجبال التي تبدو لحياة فرد أو جيل أو حقبة تاريخية، ثابتة أبدية، ولكنها من ~~منظور الدهور المتعاقبة أشبه بموج البحر يعلو ثم يهبط. لقد كانت مشاريعه العمرانية ~~متناسبة مع إحساسه بأناه التي ظنها مطلقة وبلا حدود، أما بعد أن فتح فيشنو عينيه، ورأى ~~ملايين السنين تتحول إلى دقائق، والدهور إلى أيام، فقد رأى كيانه وكيان الآلهة من ~~أمثاله عرضا مؤقتا زائلا، ورأى كل ما تجنيه اليدان تذروه رياح الفناء كأن لم يكن. ~~لقد تبين له الكون أشبه بنهر دائب الجريان، لا يركن إلى حال ولا يبغي مآلا، ولكنه تبين ~~في الوقت نفسه الجوهر الثابت وراء كل متغير. # إن إدراك التغير والتبدل في كل ظاهرة من ظواهر العالم، تجعله يبدو أشبه بسراب ناتج عن ~~خداع الحواس، أو تلفيقة يصنعها الوعي المتمركز حول الأنا. هذه الخبرة بالعالم تجعله ~~معادلا للمايا، والمايا هي الصنعة الفنية التي تنتج عملا يدويا أو تشكيليا لهيئة ~~ما، من مادة غير مشكلة. إن معنى التشكيل انطلاقا من مادة لا شكل لها، يرتبط هنا بشكل ~~وثيق بالمعنى الذي بيناه آنفا، والذي يعود إلى الجذر الذي يعني الكيل والقياس ~~والتحديد، ولكنه ينطوي في الآن نفسه على ظلال جديدة. فبما أن المايا هي إظهار لهيئة لم ~~يكن لها وجود، فإنها تتصل أيضا بالوهم، والحيلة البارعة، وخداع ms231 البصر، وما إلى ذلك. ~~ومايا الآلهة هي قدرتها على الظهور بهيئات مختلفة، وذلك بإظهارها لجوانب متنوعة من ~~ماهيتها اللطيفة. غير أن الآلهة هي في الوقت نفسه نتاج مايا كبرى؛ نتاج تبد ذاتي ~~تلقائي لماهية قدسية كبرى لا حضور فيها للهيئات والأشكال. وهذه المايا الكبرى لا تنتج ~~الآلهة فقط، بل العوالم التي تنشط فيها أيضا؛ كل العوالم الماضيات والمقبلات تتشارك ~~الوجود في المكان، وتتبع بعضها بعضا في الزمان. ومستويات الوجود وما فيها من مخلوقات ~~طبيعانية وفوق طبيعانية، هي تجليات يظهرها نشاط المايا الذي ينضح من نبع أزلي لا ينضب. ~~وعندما يهبط ليل برهما الطويل، فإن المايا تتوقف عن النشاطات، وتنحل الظهورات التي ~~تبدت في نهار الدورة الكونية الكبرى. إن المايا هي وجود العالم الذي نعيه ووجودنا نحن ~~بالذات، ولكنها أيضا الطاقة العظمى التي تلد المشهد كله وتفعل من داخله، إنها الوجه ~~الدينامي للماهية الكونية. وبتعبير آخر، إن المايا هي السبب والنتيجة في آن معا؛ فهي ~~الفاعل الداخلي وهي أيضا التدفق والجريان الذي يبدو على السطح. وقد دعيت في ~~الميثولوجيا باسم شاكتي، والكلمة مستمدة من الجذر السنسكريتي # sak # الذي يعني القدرة على إتيان شيء، وجرى تصورها ~~كألوهة مؤنثة، واعتبرت الوجه الأنثوي المشخص للكائن الأسمى. # 9 # ونحن إذا أعدنا هذه التصورات الفلسفية المعقدة والصور الميثولوجية ~~المتشابكة إلى صيغتها البسيطة، لوجدنا أن المعتقد الهندوسي الجوهري يتلخص بسهولة إلى ~~مصطلحينا المألوفين؛ أي المجال القدسي وقوته السارية. # ولكن لكي يكتمل في أذهاننا الدرس الذي تعلمه إندارا عن المايا الكبرى المولدة لدورة ~~الكون، لا بد لنا من الاطلاع على درس آخر يتعلق بالدورة الصغرى؛ دورة تناسخ الأرواح، ~~وذلك بسرد أسطورة أخرى من أسفار البورانا اخترتها لهذه الغاية. # تدور الحكاية حول ناسك ذي نسب إلهي اسمه نارادا. في يوم من الأيام تجلى الإله فيشنو ~~لهذا الناسك في معتكفه مكافأة له على تعبده الطويل، ومنحه استجابة لدعوة واحدة فقط ~~يدعوها، ورغبة يحققها له. ولكن نارادا الزاهد في كل أمور الدنيا لم يطلب سوى أن يفهم ~~مايا الإله وكيف تفعل، ms232 إلا أن فيشنو حاول التملص من تحقيق هذا المطلب عارضا على ~~الناسك الصحة وطول العمر، وغير ذلك مما يطلب البشر عادة، فأصر هذا على طلبه مؤكدا ~~أن لا رغبة له في شيء سوى النفاذ إلى سر وجوده. ولما لم يجد الإله إلى التهرب سبيلا، ~~قام بتلبية رغبة نارادا، ولكن بدلا من أن يشرح له كيف تعمل المايا بكلمات، عرضه ~~لتجربة ساحقة، خبرها بجسده ووجدانه على أعنف شكل يمكن تصوره. أمر فيشنو نارادا أن يغوص ~~في مياه البحيرة القريبة، ففعل. وعندما صعد إلى السطح لم يكن هو نارادا، بل تحول إلى ~~فتاة اسمها سوشيلا، هي ابنة ملك مقاطعة بينارس (ربما أحد تقمصات نارادا السابقة أو ~~اللاحقة)، وكانت مخطوبة لابن ملك المقاطعة المجاورة. ولم يطل بسوشيلا الأمر حتى زفت ~~إلى الأمير، وعرف الحكيم الزاهد نارادا كل متع الجسد في قميصه الأنثوي الجديد. ثم إن ~~الملك المسن توفي وصعد إلى العرش الأمير الشاب زوج سوشيلا، وسارت حياة الزوجين على ~~أفضل وجه، فأنجبت الملكة لزوجها عددا من الأولاد وصار لها أحفاد وهي ما زالت في ريعان ~~الصبا. ولكن بعد مدة من الزمن وقع نزاع بين المقاطعتين المتجاورتين، ودخل أبو سوشيلا ~~وزوجها في حرب ضروس أنهكت الطرفين. وفي معركة أخيرة فاصلة قتل زوج سوشيلا وأبوها ~~معا وعدد من أولادها وأحفادها. تركت سوشيلا العاصمة لسماعها النبأ الفاجع وهرعت إلى ~~ميدان المعركة، وهناك أقامت مناحة على قتلاها، ثم أمرت صنع محرقة جنائزية كبيرة وضعت ~~فوق حطبها جثث أحبائها، ثم قربت نارا وأوقدت المحرقة. وبينما النار تندلع أمام ~~عينها راحت تصرخ كالمجنونة يا ولداه، يا ولداه. ثم رمت نفسها في وسط اللهيب. عند ذلك ~~ابتردت النار وتحولت المحرقة إلى بحيرة؛ البحيرة نفسها التي غطس فيها نارادا، ورأى ~~الناسك نفسه والإله يقوده من يده نحو الشاطئ. وهناك قال فيشنو للحكيم الشيخ وعلى فمه ~~ابتسامة قاسية: «من هذا الابن الذي كنت تبكي موته يا نارادا؟» هنا فتحت عيناه على الحقيقة. # 10 # والآن هل كانت الحياة الأخرى التي عاشها نارادا كامرأة، ms233 هي استعادة لتقمص سابق، أم ~~إرهاصا بتقمص لاحق، أم كانت وهما خلقته قدرة فيشنو على المايا؟ إن الأمر سيان في ~~الحقيقة؛ لأن حيوات نارادا السابق منها والحالي والتالي، ليست إلا سلسلة من التهيؤات ~~التي تولدها المايا الكونية. # في الأسطورتين اللتين اخترت روايتهما آنفا، وفي بقية الأساطير الثماني عشرة التي ~~تؤلف أسفار البورانا، يظهر المطلق الأعظم تحت قناع الإله فيشنو. وعبر السرد القصصي لهذه ~~الأساطير يكتسب المجال القدسي لمسة شخصية تظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى، رغم أن ~~رسالة الأسطورة تؤكد على الجوهر اللاشخصي للألوهة؛ لأن كل الهيئات والأشكال والشخصيات ~~والأجزاء سراب عابر، والموجود الحق هو المطلق الكلي الساكن المتماثل. وفي الواقع، فإن ~~لمسة التشخيص التي تضيفها الأسطورة إلى المجال القدسي، هي من طبيعة الميثولوجيا نفسها، ~~ولا مناص منها في أسلوب السرد القصصي؛ لأن الترميز الميثولوجي، على عكس التأمل الذهني، ~~يتعامل بالصور الحركية لا بالأفكار المنظمة، ولكي تؤدي الأسطورة فكرة ما، عليها أن ~~توصل المعنى من خلال مشاهد حيوية يتحرك فيها عدد من الشخصيات؛ الأمر الذي يقود ~~تلقائيا إلى تشخيص المجردات. غير أن الإله فيشنو لم يكن القناع الوحيد الذي لبسه ~~المطلق الكلي براهمن عبر تاريخ الديانة الهندوسية الطويل؛ فقد لعب هذا الدور أيضا ~~كل من برهما وشيفا العضوان الآخران في الثالوث الأقدس الهندوسي، المؤلف من فيشنو ~~الحافظ وشيفا المدمر وبرهما الخالق. وفي المراحل المتأخرة من تاريخ الديانة الهندوسية، ~~أخذت الميثولوجيا الشعبية تعلي من شأن شيفا حتى صار الإله الأعلى المشخص الذي يستتر ~~وراءه المطلق الكلي، بعد أن كان مجرد قناع يظهر به فيشنو عندما تحين ساعة التهام الكون ~~وإعادته إلى الأوقيانوس الأصلي، حيث يقوم بإحراق الأكوان وإحالتها إلى رماد، وعندما ~~تحين ساعة الخلق الجديد يولد برهما من البرعم النامي من سرة فيشنو ليبدأ خلقا جديدا. ~~فكلا الإلهين كانا، في ميثولوجيا فيشنو، تعبيرا عن قوة الخلق وقوة الدمار الصادرتين عن ~~المطلق الساكن. أما الآن، فقد أخذ شيفا الأدوار الثلاثة معا فصار الحافظ والمدمر ~~والخالق، وظهرت إلى جانبه قرينته شاكتي التي تلعب دور ms234 المايا؛ القوة السارية في ~~الكون. # وبما أننا قد أعطينا فكرة عن رمزية الإله فيشنو من خلال الميثولوجيا، فإننا سوف نعطي ~~فيما يأتي فكرة عن رمزية الإله شيفا من خلال التعبيرات التشكيلية في التصوير الديني ~~الهندي، مستندين بشكل رئيسي إلى التقاليد التانترية # Tantra ~~. هنا سوف يظهر لنا أيضا أن التشخيص في الأعمال التشكيلية ~~ليس إلا ترميزا لمفهوم الألوهة المجرد، ورداء يختفي وراءه المطلق الكلي. # تقترن رمزية شيفا برمزية شاكتي ذات الأسماء المتعددة، فهما التشخيص المزدوج للمطلق ~~الذي يتكشف في الزمان والمكان، من خلال القران المقدس بين قوتيه السالبة والموجبة. ~~وتركز هندوسية التانترا على فكرة القران المقدس بين الإلهين شيفا وشاكتي، من خلال ~~النصوص الأدبية والأعمال التشكيلية؛ فهما في جدلية دائمة وحوار أبدي، نراهما في ~~المنحوتات والصور يتعانقان ويتهامسان، ومن خلال حوارهما هذا يعلن جوهر براهمن عن نفسه ~~للفهم الإنساني. تتكرر مشاهد العناق مرات ومرات في آيات النحت الهندي، وقد ينوب عن ~~الشكل الإنساني للإلهين الرمز التشكيلي المعروف باسم لينغوم-يوني، وهو عبارة عن عضو ~~الذكورة وعضو الأنوثة في وضع الاتحاد. وفي بعض الحالات، عندما ينصب قضيب شيفا الحجري ~~منفردا في الهياكل، فإن كوة في جدار النصب تنتفخ لتظهر من ورائها شاكتي بكامل أبهتها ~~قابعة في صميم القوة الفعالة للذكر؛ ذلك أن كل قوة من هاتين القوتين إنما تكشف سر ~~الأخرى وتكمن في جوهرها. وهذا هو الدرس نفسه الذي تعلمناه سابقا من دائرة اليانغ-ين؛ ~~حيث يعلن جانب الدائرة الأسود عن حضوره في الأبيض من خلال دائرة صغيرة بيضاء. # وفي عمل نحتي يعتبر من آيات الفن الهندي الكلاسيكي، ويعود إلى القرن الثامن ~~الميلادي، نجد أبلغ تعبير عن التشخيص الفني الذي يهدف إلى التعبير عن المطلق غير ~~المشخص. يدعى هذا النحت بشيفا المثلث؛ لأنه يمثل إلها بثلاثة وجوه؛ وجه جبهي وآخرين ~~جانبيين ينظر كل منهما في اتجاه. يبدو الوجه الجبهي مغمض العينين في حالة حلمية، ~~غائصا في ذاته مستغرقا في صمت حجري أبدي، وهو يمثل المطلق الساكن والجوهر القدسي ~~الذي صدر عنه القطبان السالب والموجب. ms235 من الجانب الأيمن لهذا الحضور غير المبالي ينبثق ~~الوجه الجانبي للإله شيفا، الذي تعبر خطوط وجهه الحادة عن قسوة وعزم وتصميم، ومن ~~الجانب الأيسر المقابل ينبثق الوجه الجانبي للإلهة شاكتي، التي تفيض عذوبة وحلاوة ~~ووعدا لا ينتهي بالعطاء. وبين هذين القطبين المتوترين يبقى الوجه الساكن الملغز ~~للمطلق على حياده، غير آبه للحركة الصادرة عن ذات يمينه وذات شماله. إنه وجه الأبدية ~~الذي يفيض الزمن وطاقة الحياة من أعماق سكونه، أو إنهما يبدوان في حالة الفيض. فمن وجهة ~~نظر الوجه الجبهي، فإنه لا شيء يحدث على الإطلاق؛ وفي هذه الحضرة الجليلة لوجه الأبدية، ~~يبدو الوجهان الجانبيان أشبه بغيمتين زائلتين، والأحداث التي يمثلانها على مسرح الزمان ~~والمكان تبدو أقرب إلى لعبة الظل والضوء في الأشكال المتلاشية، التي تبدو مرئية للعين ~~المحجوبة خلف ستار الجهل فقط، أما العين المستنيرة فتخترق هذه المرئيات نحو الجوهر ~~الثابت الذي لا يتغير. # في منحوتة شيفا المثلث، يظهر الوجهان الجانبيان في حالة الفعل ومن ورائهما العالم ~~الدائم التغير والجريان، أما الوجه الجبهي فيقول لنا إنه لا شيء يحدث بالفعل، لا شيء ~~يأتي ويذهب. وهنا نجد أبلغ تعبير عن تعايش براهمان مع مايا، فالمايا هي قناع براهمان، ~~والوجه الذي يبدو به في العالم الاختباري. من هنا فقد عبدت المايا باعتبارها كل ~~المظاهر المتبدية للطبيعة؛ فهي الأم العليا للكون، وطاقة حياة البشر والآلهة وكل شيء ~~حي، إنها مايا-شاكتي-ديفي. # 11 # وهناك رسم تانتري سوف أخصه بالشرح فيما يأتي؛ لأنه يمثل نموذجا من الرسوم مكرسا ~~لإرشاد السالك في كدحه من أجل اختراق حجب الجهل نحو الجوهر الخفي للكون؛ فمن خلال تركيز ~~النظر والقلب على الأيقونة، يترك الناظر لمعانيها أن تتفتح في وعيه دون شرح أو كلمات. ~~يدعى هذا الرسم بجزيرة الدرر، وهو يتألف من محيط مائي داكن الزرقة، لا قرار لها ولا ~~حواف، هاجع وساكن، ولكنه ينطوي على كل الممكنات، وعلى بذور كل القوى المتعارضة ~~والمتجاذبة. وفي قلب هذا المحيط تبرز من الماء بقعة تحدد المركز؛ إنها بؤرة القوة ~~الأولى، والنقطة البدئية ms236 التي اتسعت لتشكل كل المكان. تتخذ البقعة شكل جزيرة دائرية في ~~وسط الأوقيانوس، وتزين حوافها أشجار درية تنغمس فروعها الكريمة في الماء. في وسط ~~الجزيرة هناك عرش كبير تجلس عليه الأم الكونية شاكتي في وضعية القعود، إنها الطاقة ~~التي تفجرت في صميم النقطة المكانية وشكلت السماء والأرض وما بينهما، وهي تدعى هنا ~~فيمارسا-شاكتي # Vimarsa Sakti ~~، حيث تعني كلمة ~~فيمارسا التفكير والتخطيط والتدبير، وكلمة شاكتي القوة والطاقة. وللإلهة أربعة أذرع ~~ترفع بها أربعة أسلحة هي: القوس والسهم والأنشوطة والدبوس. وهذه الأسلحة ينبغي أن تفهم ~~مدلولاتها الرمزية المستندة إلى قيمها الاستعمالية؛ فالقوس والسهم يرمزان إلى الإرادة، ~~والأنشوطة إلى المعرفة، والدبوس إلى الفعل. ولكن الإلهة تقوم في جلستها فوق جسدين ~~ذكريين مسجيين واحدا فوق الآخر، يمثلان وجهي المطلق. يدعى العلوي شيفا سكالا # Skala Shiva ~~، حيث تعني سكالا القمر التام والبدر ~~الكامل الأجزاء، أما السفلي فيدعى شيفا نشكالا # Nishkala ~~، حيث تعني نشكالا القمر الفاقد الأجزاء أو ~~المظلم. فشيفا العلوي والحالة هذه هو المطلق المتحقق في الزمان والمكان، وشيفا السفلي ~~هو المطلق المفارق، الهاجع الساكن؛ جملة الإمكانات الخبيئة؛ ولهذا يبدو الشكل العلوي في ~~هيئة الإنسان الصاحي، فهو في حالة التحقق لاتصاله بطاقته الذاتية الصادرة عنه، وهي ~~الطاقة التي تجسدها الإلهة التي تقوم فوقه، والتي تعين الإله على إظهار نفسه على أنه ~~الكون. أما الشكل السفلي فيبدو مغمض العينين مسترخيا غائبا عن الوعي؛ ذلك أن المطلق ~~في استقلاله عن القوة هو فراغ ومفارقة مطلقة. # إن الأشكال الثلاثة المتوضعة فوق بعضها في جزيرة الدرر، يمكن قراءتها من الأسفل إلى ~~الأعلى أو بالعكس؛ فشيفا الهاجع السفلي هو الجوهر القدسي في حد ذاته ولذاته، أما شيفا ~~الصاحي العلوي فهو المطلق في حالة إظهار إمكاناته غير المحدودة على التمايز وإظهار نفسه ~~على أن الكون. وهذا الكون هو مايا-شاكتي المتربعة فوق الاثنين، قدرة الإله على تشكيل ~~المادة، وعالم المادة نفسه أيضا؛ وبذلك يتجلى المطلق عبر ثلاث مراحل، من العطالة ~~التامة والفراغ، إلى التمايز الدينامي والحركة الشاملة. غير أن هذه المراحل الثلاثة، ms237 ~~ينبغي ألا تظهر لبصيرة السالك في استقلالها وتتابعها إلا مؤقتا؛ ذلك أن العرفان الأعلى ~~هو الذي تتبدى فيه الأطوار الثلاثة كجوهر واحد. فالحقيقة هي خواء وامتلاء، كل شيء ولا ~~شيء في آن معا. ومن خلال التركيز على هذه الحقيقة، يتوصل العارف إلى اكتشاف تطابق ~~ذاته الفردية أتمان مع الذات الكلية براهمن. أما قراءة هذه الأيقونة من الأعلى إلى ~~الأسفل، ابتداء من الأم الكبرى شاكتي، فيؤدي إلى النتيجة نفسها، ولكن ابتداء من ~~ملاحظة ظواهر الطبيعة والقوة المنبثة في هذا العالم (مايا). ولكن تركيز الوعي على عالم ~~الظواهر هذا ما يلبث أن يقود السالك إلى الخروج من ذاته، والانطلاق من الوعي الفردي ~~القائم على الخبرة المباشرة للحواس، إلى الوعي الكوني الذي يمثله شيفا الصاحي، وأخيرا ~~إلى الاستغراق في شيفا الهاجع، حيث الصمت المطلق، وانعدام الفكر والعمل. # إلى جانب هذه الأعمال التشكيلية من رسم ونحت، هناك أشكال تخطيطية تجريدية لا وجود ~~فيها إلا للخطوط والأشكال الهندسية، تدعى يانترا # Yantra ~~، وتستخدم في تقنيات الاستغراق الداخلي # Meditation ~~، من شأنها أن تعين البصيرة الداخلية ~~لمتأملها على الوصول إلى مستويات أعمق للإحساس بالوجود الإلهي المجرد. وهي بإزاحتها لكل ~~الأشكال المشخصة الشفيعة، تضع السالك وحيدا أمام الحضرة الكبرى، حيث لا وسيط ولا شفيع ~~يفصل بينهما. من هذه الأشكال، اليانترا المعروفة باسم # Shri ~~Yantra ~~، وترسم على طريقة المندالا؛ أي إنها تتألف من عدة مستويات ~~تتدرج من محيط الدائرة إلى مركزها. والوحدة الأساسية للرسم هنا هي المثلث الذي يتكرر في ~~وضعيتين؛ فهناك خمسة مثلثات رأسها نحو الأعلى، تتداخل مع أربعة مثلثات رأسها نحو ~~الأسفل. وهذا التداخل يعطي لعين الناظر انطباعا بتماوج حركتين؛ حركة صادرة من المركز ~~نحو الأطراف، وأخرى مرتدة من الأطراف نحو المركز، فيما يشبه انطباع الحركة المتناوبة ~~الذي تتركه دائرة اليانغ-ين الصينية. ولكن بينما تعطي دائرة اليانغ-ين انطباعا بتناوب ~~دوراني، فإن دائرة اليانترا هذه تعطي انطباعا بتناوب نبضي، مع تركيز أقوى على التوتر ~~الذي يخلقه خداع النظر الذي يولده تداخل المثلثات. تمثل المثلثات الخمسة المتجهة ~~رءوسها نحو الأعلى ms238 القوة الكونية الأنثوية، أما المثلثات الأربعة المتجهة نحو الأسفل ~~فتمثل القوة الكونية الذكورية. والأشكال التسعة في حركتها وتداخلها، تعبر عن التكشف ~~التدريجي لممكنات المطلق الساكن، من خلال حركة القطبين السالب والموجب المتولدين عنه، ~~واللذين يعطيان بحركتهما هذه مظاهر العالم الحيوي والمادي. ونلاحظ هنا أن المطلق نفسه ~~لم يشر إليه في الشكل بأي رمز من الرموز، فهو النقطة المتلاشية عند المركز، حيث تنطفئ ~~الحركة المرتدة، أو تبدأ الحركة الصادرة. # بعد هذه الجولة في الميثولوجيا والفنون الهندية، بحثا عن الوحدة في الشتات الظاهري ~~للمعتقدات الهندوسية، لا بد لنا من التوقف عند ذروة الفكر الفلسفي والديني الهندي، ~~وأعني بها كتاب الأوبانيشاد. ولسوف يرجع بنا تقليب صفحات الأوبانيشاد من القص الأسطوري ~~إلى التأمل الذهني مرة أخرى. ~~(1) الأوبانيشاد، حكمة الهند الخالدة # في التصوف الإسلامي، هناك تمييز بين نوعين من المعرفة؛ يطلق على الأول علم ~~السطور والثاني علم الصدور. يؤخذ علم السطور عن الكتب ويكتسب بالدرس والتعلم ~~وتحصيل المعلومات، أما علم الصدور فيجري نقله عبر الأجيال من الشيخ إلى مريده دونما ~~حاجة إلى رقاق وكراريس؛ لأن هذا العلم مختزن في صدور أهله لا يباح به إلا لمن هو ~~أهل لتلقيه. وهذا هو بالضبط ما تشير إليه تسمية الأوبانيشاد، فالكلمة تعني ~~المعرفة القريبة؛ أي تلك التي يجري تلقينها عن قرب من المعلم (= الغورو) إلى السالك ~~في طريق الانعتاق. # يعود الأوبانيشاد إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وهو يختتم الأسفار المقدسة ~~التقليدية المعروفة بالفيدا، والتي تشكل نخاع الديانة الهندوسية. ويتألف الكتاب من ~~أحد عشر سفرا صاغها حكماء متفرقون، ولكنها تنتظم في سياق فكري واحد؛ فهي تأملات ~~عميقة في النفس الكونية براهمان وفي النفس الإنسانية أتمان. ويطلق على كل سفر من ~~هذه الأسفار اسم أوبانيشاد مضافا إليه الاسم الخاص بالسفر؛ مثل كين- أوبانيشاد، ~~وإيش-أوبانيشاد. ورغم صغر هذا الكتاب مقارنة بأسفار الفيدا السابقة عليه، إلا أن ~~تأثيره على فكر الهند كان أقوى من تأثير أي كتاب آخر. # تقوم تأملات الأوبانيشادات حول معرفة براهمان، الذي يقوم وراء الزمان والمكان ~~ووراء كل المجالات التي ms239 يمكن لأفكارنا الإنسانية أن تجوس خلالها. إنه بلا هيئة بلا ~~شكل بلا اسم بلا خصائص أو صفات، إنه الحقيقة الوحيدة، وما عداه مجرد ظهور عابر؛ فكل ~~ما نراه من أشكال وهيئات لا حصر لها، أشبه بانعكاس نور ألف شمس في قطرة صغيرة من ~~الندى ما تلبث أن تجف وتتلاشى. نقرأ في كين أوبانيشاد: # 12 # هو الذي لا تدركه الأبصار، # وبه تدرك الأبصار. # هو الذي لا تسمعه الآذان، # وبه تسمع الآذان. # هو الذي لا يوضحه كلام، # وبه يتضح الكلام. # هو الذي لا تطاله العقول، # وبه تعقل العقول. # هو المختلف عما نعرف، # وهو المختلف عما لا نعرف. # إنه براهمان. # اعرفه في صميم ذاتك، # ولا تعبد أيا سواه ( # Ken Opanishad 1, ~~5-9 ~~). ~~(وفي الأوبانيشاد نفسه نقرأ أيضا): # لا أعتقد أني أعرف عنه شيئا، # ولا أعتقد أني لا أعرف أيضا. # لا يعقل أن يعرفه المرء، # ولا يعقل ألا يعرفه أيضا. # من يدرك مني هذا القول # ربما عرفه قليلا. # والحكيم الذي يلمس حضوره أنى توجه # يجتاز بحار الوهم ويدخل الأبدية ( # Ken ~~Opanishad 2, 2-5 ~~). # وحول هذا المعنى نفسه يقول النفري، المتصوف الإسلامي، في المواقف: «الجهل حجاب ~~الرؤيا، والعلم حجاب الرؤيا. أنا الظاهر لا حجاب، وأنا الباطن لا كشوف. وقال لي من ~~عرف الحجاب أشرف على الكشف» (موقف 29). وأيضا: «إذا رأيتني استوى الكشف والحجاب» ~~(موقف 31). وأيضا: «فرأيت العيون كلها شاخصة، فتراه في كل شيء احتجبت به، وإذا ~~أطرقت رأته فيها» (موقف 47). والإشارة في الموقف الأخير إلى الآية: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~(41: 53). # عن هذا المجال القدسي الذي لا تلحقه ~~الأسماء والصفات، والمدعو في الأوبانيشادات براهمان نرغونا # Nirguna ~~، أي المنزه عن الأسماء والخصائص، ~~ينشأ براهمان ساغونا؛ أي ذو الخصائص والأسماء. ويحقق براهمان هذه النقلة من الكمون ~~إلى الظهور بالأسماء والصفات، بواسطة قوته: مايا. ثم إنه يحقق النقلة الثانية ~~بواسطة هذه القوة أيضا، فينشأ عن براهمان ساغونا الطور الثالث للألوهة، وهو قناع ~~الإله الخالق هيرانيا غاربا # Herania Garbha ~~، أو ~~الابن البكر. وعند هذا القناع تقف أفهام الناس الذين يتقدمون ms240 إليه بفروض العبادة ~~ويقربون القرابين، إلا من أراد منهم اجتياز بحر الوهم والدخول في الأبدية. # بعد معرفة براهمان عن طريق اختراق حجاب الإله الخالق إليه، يؤكد حكماء ~~الأوبانيشاد على الفكرة الهامة الثانية، وهي أن النفس الإنسانية التي تبدو منعزلة ~~في الجسد المفرد، ليست إلا قبسا من نفس براهمان الكلية، وإن كدح الإنسان الروحي ~~يجب أن ينصب على تلمس هذا التطابق بين براهمان-النفس الكلية وأتمان-النفس ~~الإنسانية. وهذا هو معنى قول السيد المسيح فيما بعد: «أنا والأب واحد؛ فمن رآني رأى ~~الأب.» وهو أيضا ما قصده الحلاج بن منصور، المتصوف الإسلامي، عندما أنشد: # أنا من أهوى ومن أهوى أنا # نحن روحان حللنا بدنا # فإذا أبصرتني أبصرته # وإذا أبصرته أبصرتنا # فبراهمان يقيم في سويداء قلب الجسد الحي، وهو ~~الذي يدفع من هناك الأنفاس شهيقا وزفيرا: # هو رب اليوم ورب الغد، # ولكن القلب الذي بحجم إصبع الإبهام # مقر له ومكان. # من يعرفه في صميم قلبه # لا يعرف الخوف ولا الأحزان. # من سويداء القلب حيث يقيم، # يدفع أنفاس الزفير خارجا # ويجذب أنفاس الشهيق داخلا، # والحواس الخمس خدم له؛ # فما الذي يبقى من هذا الكائن (الإنسان) # بعد أن ينقطع عن سيده الداخلي؟ ( # Kath Opanishad, ch2, 1, 12-13, ~~2, 3-4 ~~). والمقصود بأن الحواس الخمس خدم له، هو أن براهمان، ~~الذي يسكن النفس الحية، إنما يتملى جمال الخلق الذي صدر عنه بحواس خلقه. فهو الخالق ~~والخلق والصلة بينهما؛ المستمتع والمستمتع به وفعل الاستمتاع، كما سيقوله لنا مقطع ~~آخر. فإذا انقطع هذا البدن عن سيده الداخلي وخميرته الحية، لا يبقى سوى تلك النفس ~~الخالدة التي تعود إلى براهمان. أما عن القلب الذي لا يتجاوز في حجمه إصبع الإبهام ~~ومع ذلك يتسع للمطلق، فيذكرنا بقول الشيخ محيي الدين بن عربي في فصوص الحكم: ~~«اللسان ترجمان الجنان ... والجنان متسع الرحمن، وهو له بمنزلة المكان، فما وسع الرب ~~إلا القلب» (ف 4، 363). وتتكرر فكرة المطلق الذي يبث نفسه في خلقه بتنويعات ~~مختلفة: # الذي من أجل هناءته بخلقه # أودع نفسه في كل كائن. # وبعد تعرفه على ms241 حقيقة ذاته، # حرر نفسه من كل قيوده. # هو السيد الكلي المعرفة، # وهو النفس الغافلة الجاهلة. # هو الرب وهو العبد. # بالطبيعة غير المخلوقة تم هذا الخلق كله، # وخلق المستمتع به وفعل الاستمتاع. # فالحكيم الذي يعرف هذه الوجوه الثلاثة لبراهمان # يتحرر من كل قيد ( # Svetasvata Opanishad 1, ~~8-9 ~~). # فبراهمان يودع نفسه فيما لا يحصى من الكائنات الحية، ثم يحرر نفسه من قيوده في ~~المادة، عندما تتحرر الأرواح الحبيسة في الأجساد. فهو المطلق بوجه، وبالوجه الآخر ~~هو تلك النفوس الحبيسة في الأجساد غافلة من أصلها ومصدرها. أما الطبيعة غير ~~المخلوقة التي تم بواسطتها الخلق، فهي طبيعة براهمان أو قوته، فهي غير مخلوقة أو ~~مولودة لأنها كانت معه منذ الأزل، وهذا ما يذكرنا بمطلع إنجيل يوحنا: «في البدء ~~كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء عند الله، ~~كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.» # والإنسان ليس المجلى الوحيد لحقيقة براهمان، بل كل المظاهر الحية وغير الحية ~~أيضا: # أنت الفراشة وأنت النحلة. # أنت الطير الزاهي الألوان. # أنت السحاب المرعد المبرق. # أنت الفصول يتبع بعضها بعضا. # أنت المحيطات الزاخرة المائجة. # أنت الموجود بلا بداية. # وأنت الواحد # الذي ولدت منه كل هذي العوالم ( # Avetasva ~~Opanishad 4/4 ~~). # ويستعمل حكماء الأوبانيشاد تعبير «ذلك هو هذا» أو «هو أنت» للتعبير عن تماثل ~~الماهية بين الخالق وخلقه؛ بين الخلق والحق: # ذلك هو هذا؛ # فكما يتطاير الشرر من النار المتأججة، # كذلك تصدر كل هذه الكائنات المختلفة # عن الحقيقة الخالدة، # ثم إليها يكون سعيهم ومآلهم ( # Mundak ~~Opanishad, ch 2 1/1 ~~). # وهناك تشبيه يعتمد العنكبوت الذي يتدلى من السقف أو الغصن بواسطة خيط رقيق يغزله ~~في بطنه؛ فإذا أراد الصعود استعاد بفمه الخيط إياه: # كما يغزل العنكبوت خيوطا في جسده # ليصنع منها نسجا، ثم يستعيدها إليه، # كما تنطلق النباتات من أديم الأرض، # كما ينمو الشعر من بشرة الإنسان، # كذلك يأتي الكون إلى الوجود، # من براهمان الأبدي الذي لا ينقص ( # Mundak ~~Opanishad ch 1, 1-7 ~~). # وإذا كان براهمان ms242 بحجم الإصبع ليتسع له قلب المؤمن، فإنه أكبر من أي كبير ~~نتصور، وأيضا أصغر من أي صغير نتصور. والمقصود طبعا أنه خارج مفهوم الامتداد في ~~المكان. # أكبر من أي كبير نتصور، # وأصغر حتى من ذرة الهباب، # فابحث عنه في أعماق ذاتك. # ليكن الأوبانيشاد قوسك، والعقل سهمك، # والأحاسيس وترا لك. # شد وترك، وصوب نحو براهمان # هدفك الوحيد ( # Mundak Opanishad, ch 2, 2, ~~2-3 ~~). ~~(فإذا انعتقت الروح ذابت فيه كما الأنهار في المحيط): # كما تفقد الأنهار الجارية أسماءها وأشكالها # لتنتهي في المحيط الكبير، # كذلك يترك الحكيم وراءه اسمه وشكله، # ويذوب في ذلك العظيم العظيم ( # Mundak ~~Opanishad, ch 2. 2-8 ~~). ~~(والطريق إليه ليس الطقوس والقرابين، بل العرفان الداخلي ~~الصامت): # لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الكلمات، # لا تصل إليه بالأضحية والتكفير، # بل بالمعرفة التي تجلو العقل، # بتأملات العقل الصافي وحده # يتجلى لك براهمان في كليته ( # Mundak ~~Opanishad, ch 3, 1, 8 ~~). # والمقصود بالعقل الصافي هنا ليس العقل التحليلي، بل العقل بكليته بعد أن يتخلص من ~~قدح زناد الفكر وإعمال الذهن، إنه اللافكر الذي بشرت به التاوية كطريق ~~للعرفان. # الفصل الرابع # | ما وراء اللاهوت # المبدأ اللاإلهي في الجاينية والبوذية # تشغل الفترة الممتدة فيما بين القرن السادس والقرن الأول قبل الميلاد في الهند، العصر ~~الكلاسيكي للفكر الفلسفي والدين الهندي. وقد وضعت منذ بدايات هذا العصر القواعد ~~الأساسية للاتجاهين الرئيسين في الفكر الديني الهندي، وهما: اتجاه مستقيمي الرأي، ~~واتجاه الهراطقة. ومن حيث المبدأ، فإن الخلاف الرئيسي بين الاتجاهين يدور حول سلطة ~~أسفار الفيدا # 1 # وقداستها؛ فبينما يعلي الاتجاه الأول من شأن الفيدا ويعتبرها بمثابة الوحي ~~المنزل، فإن الاتجاه الثاني لا يحفل بها ولا يقيم لها وزنا. وقد طور الاتجاه الثاني ~~المبدأ «اللاإلهي» في الدين (= # Atheism ~~)، وهو المبدأ ~~الذي يقوم على عدم الإيمان بوجود إله خالق للكون، ويرى بأن الإيمان بالآلهة هو إيمان ~~زائف من حيث المبدأ. ويبدو أن الخطوة الأولى نحو اللاإلهية تبدأ في سياق الأفكار ~~الدينية التقليدية التي تجسدها أسفار الفيدا، ففي هذه الأناشيد القديمة نتعرف على ~~مجموعة من الآلهة ms243 التي يتحكم كل منها بظاهرة معينة من ظواهر الطبيعة، ويبدو في كثير ~~من الأحيان متطابقا مع هذه الظاهرة، إلا أن كل إله ~~من هؤلاء يبدو لنا وكأنه الإله الأعلى عندما تتوجه إليه الصلاة بالشكر والثناء ~~والتسبيح، الأمر الذي يفرغ فكرة الإله الأعلى من مضمونها الفعلي. ومع أن الإله إندارا ~~قد نال الحظ الأوفر من صلوات الفيدا، إلا أننا نجد في بعض هذه الصلوات مقاطع تسخر من ~~قوته المشهورة وتلقي ظلالا من الشك حتى على وجوده. ورغم ندرة هذا النوع من الصلوات ~~الذي يحتوي على النقيضين، فإن أهميتها تتعدى نسبتها الضئيلة هذه؛ وذلك بسبب تضمينها في ~~أكثر النصوص الدينية الهندية قداسة. وإلى جانب هذين التوجهين، فإننا نلاحظ في بعض أسفار ~~الفيدا، وخصوصا في الأقسام الأخيرة من ال «رج فيدا»، إشارات إلى إله غير معلوم يحيط ~~بالكائنات جميعا؛ فهو الذي ظهر بقواه الخاصة قبل الموجودات جميعا وتنفس بغير هواء. ~~كما نجد أيضا إشارات متفرقة إلى نظام خفي للكون يخضع له الكل بما فيهم الآلهة أنفسهم. # 2 # وبذلك تمهد الفيدا للاتجاهات الرئيسية الثلاثة في الديانة الهندية. # من الأديان الهندية الهرطقية ما ينص صراحة على عدم الاعتراف بوجود الإله الأعلى ~~خالق الكون، وعدم أهمية الآلهة بالنسبة للإنسان، مثل الجاينية # Jainism ~~، ومنها ما ينفي وجود الإله الأعلى ضمنيا، وذلك برفضها ~~لمناقشة هذا الأمر، مثل البوذية، أما داخل اتجاه مستقيمي الرأي الذي يعلي من شأن ~~الفيدا، فلدينا ست مدارس بينها واحدة على الأقل تنكر وجود الآلهة. وقد قام بين هذه ~~المدرسة والمدارس الأخرى جدال فلسفي دام قرونا حول وجود الإله الخالق أو عدمه، وقفت ~~فيه إحدى المدارس المثبتة لوجود الإله موقف الوسط؛ إذ قالت بأن الحجج على وجود الإله ~~الخالق مقبولة وذات قدرة على الإقناع على مستوى حقائق الحياة اليومية، أما على مستوى ~~المعرفة الدينية الأعمق، فإن الكائن الأعلى هو حقا وهم. وقد انهمكت الجاينية من طرفها ~~في هذا الجدال الفكري، ونظرا إلى أن هذه الديانة ترفض فكرة الإله من أجل تسويغ وجود ~~العالم، فقد تقدمت ms244 بثماني حجج تدافع فيها عن معتقدها، لا يتسع مجالنا هنا لسردها. أما ~~البوذية فلم تحفل قط بخوض أي جدال يدور حول الآلهة؛ لأنها لا تحفل بها أصلا، ولا تقيم ~~تعاليمها على نفي أو إثبات وجود كائن أعلى. ولعل من المهم أن نثبت هنا أن هذا الجدال ~~الفكري، على أهميته بين المدارس الفكرية المختلفة في الهند، لم يتخذ طابعا هجوميا ~~عدوانيا، ولم يحاول أي اتجاه فرض وجهة نظره بالقوة على الاتجاهات الأخرى، وذلك عبر ~~التاريخ الديني الطويل للقارة الهندية. # 3 ~~(1) الجاينية: ديانة علمانية # الجاينية هي الديانة الثانية التي يذكر لنا تاريخ الدين اسم مؤسسها ويروي سيرة ~~حياته. وقد ألمحنا في موضع سابق إلى أن الزرادشتية كانت الديانة الأولى التي قامت ~~على أفكار وتعاليم وسيرة حياة مؤسس فذ، مفتتحة بذلك عصر الوحي، والأديان التي تنشأ ~~عن تجربة روحية معممة لفرد واحد. # ولد المهافيرا، مؤسس الجاينية، في بيت ملكي في مقاطعة بيهار الحالية عام 599ق.م. ~~على ما تذكره التقاليد الجاينية، وعندما بلغ سن الرشد تزوج وأنجبت له زوجته ~~ابنة. ولكن الشاب كان كثير التأمل، عازفا عن حياة الترف المحيطة به، وغالبا ما ~~كان ينسل من القصر إلى الغابة القريبة حيث كان يلتقي بجماعة من النساك ~~المتجولين، منجذبا إلى طريقة حياتهم، واجدا في الاستماع إليهم ما يرضي ذهنه ~~الباحث وروحه المتقدة. وعندما توفي والداه وشبت ابنته عن الطوق، قرر أن يهجر ~~حياة الناس نهائيا، فباع كل ما يملك من ذهب وفضة وعهد بأسرته إلى أخيه الأكبر، ثم ~~مضى في رحلة طويلة من أجل البحث عن الحقيقة. تجول المهافيرا حافيا عاريا في ~~غابات وسهول وقرى مناطق الهند الوسطى، مؤمنا بأن إعتاق الروح من دورة الحياة ~~والموت، لا يتم إلا بتجاهل الجسد واحتياجاته الطبيعية، وبالتزام مبدأ ال # Ahimsa ~~، أي عدم الإيذاء، الذي يتضمن تجنب ~~الأذية لأي كائن حي، من الإنسان وصولا إلى أصغر حشرة يمكن رؤيتها بالعين. ولم يكن ~~يقضي أكثر من ليلة واحدة في كل قرية، أو أكثر من خمس ليال في كل بلدة؛ كي ms245 لا ~~تشده أية رابطة إلى مكان أو أية صلة حميمة إلى الناس. وغالبا ما كان القرويون ~~يرون جالسا في العراء في وضعية التأمل، مستغرقا في ذاته عن كل ما حوله، غير عابئ ~~ببرد أو ريح أو مطر. وبعد اثني عشر عاما من التطواف والتأمل، وفي إحدى جلسات ~~استغراقه العميق، سطع النور في داخله ووصل إلى الاستنارة الكاملة، فصار جينا # Jina ~~، أي المنتصر، الذي قهر الموت وحرر روحه من ~~عالم السمسارا، ومن هذه الصفة جاءت الجاينية. وعندما أفاق من استغراقه، أخذ يبشر ~~ويجمع الأتباع يعلمهم طريق الخلاص، حتى بلغ الثانية والسبعين من عمره حيث قرر ~~مغادرة العالم، وقطع الأواصر التي تشد الناس إلى الميلاد والشيخوخة والموت، متحررا ~~إلى الأبد من كل ألم. # 4 # عاشت الجاينية بعد موت مؤسسها قرونا طويلة ~~بين مد وجزر، وما زال لها أتباع يعيشون اليوم في منطقة بومبي بشكل رئيسي، وهم في ~~جلهم من رجال الأعمال الناجحين. # تقوم تعاليم الجاينية على الإيمان المطلق ~~بالإنسان كسيد وحيد لنفسه، وبقدرته على تحقيق الخلاص والانعتاق دون معونة من أية ~~جهة علوية أو تحتية كانت. ورغم اعتقاد الجاينية بوجود كائنات متفوقة تدعى الآلهة، ~~إلا أن هذه الكائنات خاضعة مثل الإنسان إلى دورة السمسارا، ولا ترجى منها شفاعة؛ ~~لأن عليها أن تخلص نفسها قبل أن تكون قادرة على تخليص الآخرين. وفي هذا يقول ~~المهافيرا: «أيها الإنسان، أنت صديق نفسك. فلماذا تبحث عن صديق خارج ذاتك؟» من هنا، ~~فإن العالم غير مخلوق، وهو أزلي قائم بنفسه منذ القدم، وهو يتألف من مكونين هما ~~عالم المادة وعالم الروح. تتألف المادة من ذرات دقيقة جدا تتجمع وفق أنماط ~~معينة لتشكل صنوف المادة المتنوعة كالتراب والماء والهواء وما إلى ذلك. وهي تتدرج ~~في الكثافة من المواد الشديدة الصلابة إلى نوع خفيف جدا من التكوينات المادية ~~التي لا تستطيع الحواس اكتشافها لرقتها وخفتها، ومن هذه مادة الكارما التي تترسب ~~على الأرواح فتثقل عليها نتيجة لأعمالها السيئة. أما عالم الروح، فيتألف من جماع ~~الأرواح الفردية المنبثة في الكائنات ms246 الحية كلها، وهو عالم خير على عكس عالم ~~المادة السيئ. والأرواح خيرة في طبيعتها وأصلها، إلا أن ما تجنيه من أعمال سيئة، ~~يؤدي إلى تداخل عالم المادة بعالم الروح فتعلق منه بعض مواده الخفيفة في الروح، وهي ~~مادة الكارما، فتثقل عليها وتجرها إلى تقمصات أدنى في سلم الكائنات الحية. ولا ~~يجلو أثر هذه المادة عن الروح سوى الأعمال الصالحة، التي تجعل الروح خفيفة متخلصة ~~من أدرانها فترتقي سلم الوجود، ربما نحو عالم الآلهة حيث تتقمص هناك جسد إله ما، ~~ثم صعودا فصعودا حتى تحقيق الانعتاق الكامل من دورة السمسارا. # بعد تحقيقها للانعتاق الذي يأتي بالمعرفة الداخلية والسلوك القويم، تعيش الأرواح ~~في القسم الأعلى من الكون المدعو # Isatpragbhar ~~، في ~~سلام أبدي حائزة على المعرفة المطلقة والقوة المطلقة والقداسة المطلقة. وبما أن ~~الجاينية لا تؤمن بثنائية أتمان-برهمان، وبتطابق الروح الفردية مع المطلق الكلي ~~وذوبانها فيه، فإنها ترى أن الأرواح الفردية في حالة الانعتاق تحافظ على فرديتها ~~ولا تذوب في كيان كلي، وهي رغم فقدانها للصفات والخصائص والعلائق، إلا أنها تبقى في ~~حالة وعي تام وكامل. ويصف الروح المنعتقة أحد النصوص الجاينية فيقول: «إن المنعتق ~~ليس بالطويل ولا بالقصير، وليس بالثقيل ولا بالخفيف. إنه بلا جسم؛ لأنه لن يبعث ~~بعد ذلك أو يتناسخ، ولا شيء يصله من قريب أو بعيد بعالم المادة، إنه ليس بأنثى وليس ~~بذكر، كما أنه ليس حيادي الجنس أيضا، إنه يدرك ويعرف، ولكننا لا نستطيع أن نعرف ~~كيف.» # إن أقصر طريق لتحقيق التحرر الذي حققه المهافيرا، هو الزهد والتنسك والصوم ~~وفقا لقواعد معينة، ويجب أن يترافق ذلك مع ممارسة الاستغراق الباطني ~~( # Meditation ~~) الذي يعزل العقل عن وظائفه ~~المباشرة اليومية، ويوجهه نحو تحقيق المعرفة الباطنية التي توصل إلى التحرر، بعد ~~تطهير النفس من كل رغبة وتعلق بأشياء العالم المادي. وبما أن الناس جميعا ليسوا ~~على درجة واحدة من الاستعداد لمثل هذا الطريق الشاق، فإن الجاينية تقسم أتباعها إلى ~~فريقين؛ فريق الرهبان الذين نذروا أنفسهم لتحقيق الخلاص، وهم يعيشون في الأديرة ms247 ~~والمعابد الجاينية، أو يتجولون في العراء دون مأوى، وفريق عامة المؤمنين الذين ~~يمارسون الحياة اليومية المعتادة. وقد استنت الجاينية لهؤلاء العامة شريعة أسهل ~~تطبيقا واتباعا من شريعة الرهبان، وتتضمن اثني عشر بندا أخلاقيا هي: ~~(1) عدم إيذاء أو قتل أي مخلوق حي. (2) عدم الكذب. (3) عدم السرقة. (4) الإخلاص ~~الزوجي. (5) الابتعاد عن الطمع وتكديس الثروة. (6) الابتعاد عن كل ما من شأنه تسويغ ~~الخطيئة. (7) الاكتفاء بالحد الضروري من وسائل العيش. (8) الانتباه للخطايا التي ~~يمكن تجنبها. (9) إفراد أوقات معينة لممارسة الاستغراق الباطني. (10) إفراد أوقات ~~لممارسة الزهد والتنسك. (11) قضاء أوقات معينة، وعلى فترات، في سلك الرهبنة. (12) ~~تقديم الطعام والكساء اللازم للرهبان المتفرغين لطريقة المهافيرا. وقد قادت هذه ~~الأخلاق القويمة التي اتبعها الجاينيون إلى إكسابهم ثقة الناس واحترامهم، وإلى ~~نجاحهم في كل المجالات العملية. # 5 # لا تحتوي معابد الجاينية على صور الآلهة، بل على صور للمرشدين الروحيين في أوضاع ~~الاستغراق الباطني. أما الطقوس التي تجري في هذه المعابد فلا علاقة لها بالتقرب إلى ~~الكائنات العليا، وإنما تتركز حول الاحتفالات التذكارية بالمراحل الخمس التي ترسم ~~سيرة حياة المهافيرا، وهي: ~~(1) الحمل به. (2) ولادته. (3) تزهده. (4) الاستنارة. (5) الانعتاق الأخير. وذلك ~~إضافة إلى بعض الحركات الطقسية مثل غسل الصور المقدسة بالماء، والتلويح بالمصابيح ~~الزيتية أمامها، وما إلى ذلك. ورغم أن الجاينية قد أدخلت إلى معتقداتها الشعبية ~~الإيمان بالآلهة المشخصة، وبقدرة هذه الآلهة على عون الإنسان، إلا أن الآلهة بقيت ~~جزءا من الوجود المادي الذي تعيشه الأرواح في الحياة الدنيا، ولا علاقة لها ~~بالعوالم الأخرى التي ترحل إليها أرواح المتحررين. فالآلهة موجودة بالنسبة للناس ~~العاديين لعونهم ومواساتهم، ولكن فقط إلى حين نجاح هؤلاء في تحقيق التحرر بقواهم ~~الذاتية فقط. # 6 ~~(2) طريق النيرفانا # يطرح أمامنا طريق البوذا أوضح مثال على ~~النهج الديني المتحرر من أية صلة بعلم اللاهوت، ومعرفة الآلهة بأي مفهوم لها أو ~~تصور. فهنا، وكما في الجاينية، لا يوجد إله تقدم له فروض العبادة، ولا طقوس تقرب ~~الإنسان من خالقه، ولا دار آخرة ترحل إليها أرواح الموتى. وأكثر من ذلك؛ فلا وجود ms248 ~~للأرواح الفردية التي تخلد بذواتها بعد فناء أجسادها. ومع ذلك، فإن البوذية لم تبذل ~~أي جهد لأجل نفي الإله، كما فعلت الجاينية وبعض الاتجاهات الهندوسية؛ لأن فكرة ~~الإله لم تكن ضرورية للطريق الذي رسمه البوذا من أجل التحرر ودخول النيرفانا، فلا ~~هي أثبتت ولا هي نفيت؛ لأن في صميم كل إثبات عقلي نوعا من النفي، وفي صميم كل ~~نفي نوعا من الإثبات. إن ما بحث عنه البوذا هو نوع مختلف من الإثبات لحقيقة شمولية ~~واحدة تتجاوز المنطق الذهني، وتقع فيما وراء ثنائيات هذا العالم وتقسيماته الوهمية. ~~أما الطريق إلى ذلك فيسير بشكل معاكس لطريقة العلوم اللاهوتية. فهنا، وفي مقابل ~~توسيط الإله وما يرتبط بعالمه من مفاهيم ورموز، يعتمد طريق البوذا على التواصل غير ~~الذهني مع المستوى الحقيقي للوجود، بدون أفكار وبدون مفاهيم وبدون إعمال فكر. ~~فالعقل هو جزء من عالم الظواهر المادية، عالم السمسارا الذي يمسك بالأرواح في إساره ~~إلى ما لا نهاية إن لم تفلح في الانعتاق؛ ولذلك فإن طريق الخلاص يسير في اتجاه ~~مغاير لاتجاه العقل، إنه طريق «اللاعقل» أو «اللافكر» على حد تعبير التاوية. فهنا، ~~وبدلا من أن تتجه التجربة الوجودية نحو الخارج في رحلة بحث ذهنية، تنكفئ نحو ~~الداخل في عملية استغراق باطني فردي، تؤدي بالمستغرق إلى تلمس القاع الكلي للوجود، ~~أي النيرفانا بالمصطلح البوذي، وهي الحالة التي يتلمسها المستنير في هذه الحياة، ~~قبل أن يدخل فيها كلية بعد الممات. # إلا أن ما يميز النيرفانا كمستوى مواز للوجود (بالمعنى الذي استخدمناه حتى ~~الآن) عن مفهوم براهمان في الهندوسية، هو أن البوذية لا تتعامل مع النيرفانا ~~باعتبارها مفهوما يمكن التأمل فيه بمعزل عن التجربة الذوقية الفردية، ففي حالة ~~النفي المطلق لكل ما نعرف، ومن غير حاجة إلى تعريف أو تقريب للأذهان بأية صيغة ~~تتضمن المحاكاة أو التشبيه. وقد رفض البوذا طيلة حياته وضع مفهوم ذهني للنيرفانا، ~~على طريقة حكماء الأوبانيشاد، كما رفض الدخول في الموضوعات الميتافيزيقية الأخرى ~~التي كانت موضع جدال بين الفرق الهندوسية؛ لأن مثل هذه ms249 الموضوعات لم تكن في ~~اعتقاده ذات أهمية مباشرة لسعي الأفراد نحو الخلاص. وفي التعاليم الأصلية المنسوبة ~~للبوذا، نراه يوضح هذه المسألة لتلامذته على أفضل وجه: ~~«ضعوا نصب أعينكم ما أكدته لكم وميزوه عما لم أؤكد لكم؛ فأنا لم أؤكد لكم ~~بأن العالم أزلي، ولم أؤكد أن العالم حادث. وأنا لم أؤكد لكم بأن العالم زائل، ولم ~~أؤكد لكم بأن العالم أبدي. أنا لم أؤكد لكم بأن الروح والجسد واحد. أنا لم أؤكد لكم ~~بأن المستنير يتابع وجوده بعد الموت، وأنا لم أؤكد لكم بأنه لا يتابع وجوده بعد ~~الموت، كما أني لم أؤكد لكم بأن المستنير يصير إلى حالة لا هي بالوجود ولا هي ~~بالعدم بعد الموت. أما لماذا لم أؤكد لكم هذه الأمور؟ فلأنه لا فائدة منها، ولا ~~علاقة لها بأساسيات تعليمي. وبالمقابل، فلقد أكدت لكم بأن وجود الإنسان شقاء، ~~وأشرت إلى سبب هذا الشقاء، وعلمتكم الطريق لرفع الشقاء عنكم. أما لماذا أكدت ~~لكم هذه الأمور؟ فلأنها ذات فائدة ترجى، ولأنها متصلة بتعاليمي، تزيل الرغبة من ~~نفوسكم وتهبكم المعرفة والحكمة العليا التي تقود إلى النيرفانا.» # 7 # وبكلمات أخرى، فإن المسألة ليست في الطريقة التي يفلسف الإنسان بها وجوده، بل ~~في طريقة إحساسه بهذا الوجود. من هنا فإن عليه ألا يبدد جهده الفكري في الغيبيات، ~~بل أن يحصره في فهم رغباته والتحكم بها عن طريق الإرادة؛ لأنها مكمن الخطر عليه. ~~ويقود هذا الموقف بالطبع إلى عدم الالتفات إلى مسألة الآلهة وجودا أو عدما؛ ~~فالآلهة في حال وجودها هي كائنات خاضعة لدورة السمسارا، وليس لديها ما تقدمه ~~للإنسان في كدحه نحو الخلاص؛ لذلك فإن التعبد إلى هذه الكائنات وتقديم القرابين ~~لها، وغير ذلك من الممارسات الدينية، هي جهد ضائع يجب توفيره؛ إذ ليس للإنسان إلا نفسه. # 8 # ولد الأمير سدهارتا غوتاما (البوذا فيما بعد) عام 563ق.م. على ما تذكره ~~التقاليد البوذية. وتبدي سيرة حياة سدهارتا شبها واضحا بسيرة حياة المهافيرا، ~~إلى درجة التطابق الكامل في بعض التفاصيل؛ الأمر الذي دعا بعض ms250 الدارسين إلى ~~الاعتقاد بأن الشخصيتين هما في الأصل شخصية واحدة؛ فكلا الرجلين ولد في بيت ملكي، ~~ثم تزوج مبكرا، وأنجب ولدا واحدا أو بنتا، وكان منذ صغره كثير التأمل، غير ~~قانع بما تقدمه الهندوسية الكلاسيكية من أجوبة على تساؤلاته، وكلاهما هجر عيشة ~~الملوك وتحول إلى ناسك متجول يبحث عن سبيل لخلاص الروح البشرية، ثم جاءته ساعة ~~الاستنارة بعد سنوات طويلة من التزهد والتأمل. # عاش الأمير سدهارتا في وقت كانت فيه تعاليم الأوبانيشاد في ذروة تأثيرها على ~~الفكر الديني الهندي. وعندما قرر الأمير الشاب ترك زوجته الشابة وابنه الصغير، ~~والتحول إلى حياة الزهد والتجوال، فإنه كان يتبع تقليدا هنديا شائعا يحض من ~~بلغ أواسط العمر وأدى معظم أو كل التزاماته الاجتماعية والعائلية، على ترك الحياة ~~التقليدية والالتحاق بالنساك الباحثين عن الحقيقة، بعيدا عن التجمعات السكنية ~~الكبيرة. بعد قضاء ست سنوات من الزهد والتطواف كناسك هندوسي تقليدي، اكتشف أنه كان ~~يسير في الطريق الخاطئ؛ فخلال هذه السنوات الطوال، حاول قهر جسده بالصوم والعري ~~والسهر، كغيره من النساك الهائمين على وجوههم يحدوهم الأمل في تحقيق الخلاص لنفوسهم ~~من دورة الحياة والموت، والنفاذ إلى أسباب السر في شبكة المايا، ولكن جهده ضاع ~~سدى. كان يشعر كلما لجأ إلى التأمل والاستغراق، أن النفس التي يحاول تخليصها تزوغ ~~منه، وكلما ركز انتباهه إلى أعماق فكره لسبر غوره، لم يكن يشعر إلا بجهده المبذول ~~في التركيز، أما موضوع ذلك التركيز فغائب تماما. في النهار الذي سبق ليلة ~~الاستنارة، وقع الأمير مغشيا عليه من الوهن، وظن صحبه من النساك أنه قد مات، ~~ولكنه ما لبث أن تحامل على نفسه واتجه نحو جدول قريب، فاغتسل بمائه الذي أنعش جسده ~~وفكره. وهنا قرر الكف عن سعيه وقطع صيامه، فقبل صحنا من الأرز المطبوخ قدمته ~~إليه فتاة عابرة، وعندما انتهى من تناوله شعر بقوة في عقله وجسده، فاتجه إلى دغل ~~قريب مع حلول المساء، حيث جلس تحت شجرة تين وارفة، وأقسم ألا يبرح مكانه حتى تأتيه ~~الاستنارة الكاملة. ومع أول شعاع ms251 ضوء عند الفجر، استفاق سدهارتا من استغراقه العميق ~~على الحقيقة الكاملة، متحررا من إسار المايا ودورة الحياة والموت، فصار البوذا؛ أي ~~المستنير. ورغم أنه كان جاهزا للانعتاق والدخول في النيرفانا الأبدية، إلا أنه ~~فضل البقاء في هذا العالم من أجل إرشاد البشر إلى الطريق الذي انكشف أمامه، ~~فانطلق يبشر ويجمع الأتباع حتى بلغ الثمانين من عمره، وقرر أن مهمته قد انتهت، ~~وأن أتباعه صاروا قادرين على الاستمرار بدونه. # 9 # إن الحقائق التي توضحت أمام البوذا قد قادته بعيدا عن المعتقدات الهندوسية. ~~وأولى الحقائق التي قادت إلى تكوين المعتقد والسلوك البوذي، تدور حول كلمة ~~سنسكريتية هي # Duhkha ~~، التي تترجم عادة بالألم أو ~~الشقاء. هذا الشقاء هو الذي يميز حياة الإنسان في العالم، والذي كرس البوذا حياته ~~وأرسى تعاليمه من أجل شفاء البشرية منه؛ فالولادة ألم، والمرض ألم، والفراق عمن نحب ~~ألم، والشيخوخة ألم، والموت ألم، كل وجود الإنسان قائم على الشقاء والألم، وإلى ~~جانب هذا الألم تقوم حياة الإنسان في هذا العالم على أمرين آخرين؛ هما «اللاثبات» # Anitya # و«اللانفس» # Anatman ~~. فكلما حاول الإنسان فهم العالم أحس ~~بجريانه وتبدله ولا ديمومته، وكلما تأمل في نفسه لم يستطع العثور على جوهر لهذه ~~النفس. وفكرة اللانفس هنا هي في الواقع من أدق أفكار البوذية، ويمكن شرحها على ~~الوجه الآتي: إذا كانت الهندوسية الكلاسيكية ترى في كل فرد جوهرا ثابتا هو # Atman ~~، النفس التي هي قبس من براهمان، وأن هذه ~~النفس أو الجوهر هي التي تنتقل من جسد إلى آخر حاملة معها أعمالها السابقة (كارما)، ~~إلى حين فلاحها في تحقيق الانعتاق ( # Moksha ~~)، فإن ~~البوذية لا ترى في الفرد إلا تجمعا مؤقتا لعدد من المسببات التي يدعوه اجتماعها ~~إلى الوجود في هذا العالم لمدة ما، والتي تجعله يشعر بأناه وشخصيته المتميزة. وهذه ~~الشخصية تستمر بفعل الذاكرة التي تحفظها من الولادة إلى الممات، أما عند الموت فإن ~~المسببات التي دعت إلى تكوين الشخصية تتحلل ويتحلل معها الفرد تماما، ولا يبقى منه ~~سوى أعماله التي يحملها شخص آخر ms252 يتكون بالطريقة نفسها. # 10 # من هنا لا يمكن القول بأن الفرد يفنى تماما، ولا يمكن القول بأنه ~~يستمر. فالأعمال باقية، وسلسلة التناسخات التي تمر عبرها هذه الأعمال، يمكن ~~تشبيهها بسجل مفتوح تزيد عناصره أو تنقص، دونما حامل شخصي ذي جوهر ثابت ينقلها، ~~وذلك إلى أن تحل ساعة النيرفانا والانطفاء الكامل. # وقد شبهت تعاليم البوذا وشروح تلاميذه بوسائل شتى كيفية تناسخ الكارما دون ~~حامل؛ فهذه العملية تشبه قيامنا بطبع ختم على شمع طري، حيث تنتقل الأشكال المحفورة ~~على الختم إلى الشمع الطري مكونة نسخة عنها، دون أن ينتقل بين هذا وذاك أي جوهر ~~ثابت. إن الفرد خلال حياته يكون مجموعة صفات وخصائص ونمط سلوك، تصير إلى بنية ~~مكتملة صلبة قبل موته، وهذه البنية الصلبة هي ما ينطبع على الشمع الطري لوجود جديد ~~يتشكل في الرحم ويستعد للانطلاق إلى الحياة. ولدينا محاورة طريفة بين حكيم بوذي ~~يدعى # Nagasena # والملك # Milinda ~~، تدور حول هذه النقطة، أسوقها فيما ~~يلي: # الملك ~~: # هل يتم التناسخ حقا دونما شيء يتناسخ أيها الحكيم؟ # الحكيم ~~: # نعم يا صاحب الجلالة، إن التناسخ يتم حقا دونما شيء يتناسخ. # الملك ~~: # هل لنا بما يوضح هذا الأمر ويقربه إلى الذهن؟ # الحكيم ~~: # لنفرض أننا أشعلنا شمعة أخرى من هذه الشمعة، هل يتوجب على ضوء هذه أن ~~يحل في ضوء تلك؟ # الملك ~~: # كلا أيها الحكيم. # الحكيم ~~: # كذلك حال التناسخ، إنه يحصل دونما حاجة لانتقال شيء ملموس بين ~~ميلادين. # الملك ~~: # هل لنا في مثال آخر؟ # الحكيم ~~: # هل يذكر جلالتكم أنه قد حفظ في الصغر قصيدة عن أستاذه؟ # الملك ~~: # نعم أيها الحكيم. # الحكيم ~~: # حسنا، هل تحرك شيء اسمه القصيدة بين أستاذك وبينك؟ # الملك ~~: # كلا أيها الحكيم، لا أعتقد أن شيئا ما تحرك منتقلا بينه وبيني. # الحكيم ~~: # كذلك حال التناسخ، إنه يحصل دونما حاجة لانتقال شيء بين ميلادين. # الملك ~~: # حقا إنك رجل قادر على الإقناع أيها الحكيم. # 11 # أما المسببات أو العناصر التي تدعو إلى الوجود المؤقت للشخصية الفردية أو الذات ~~(= # self ~~) فعددها خمسة، هي: (1) الجسم. (2) الإدراك. ~~(3) الإحساس. ms253 (4) الدوافع. (5) المحاكمة الذهنية. وطالما بقيت هذه العناصر مجتمعة ~~إلى بعضها، فإن الفرد الناتج عنها يتابع صيرورته ككائن مستقل له تاريخ ومنحى حياة ~~متميزة عن الآخرين. إلا أن هذه العناصر ليست ثابتة على حال بل في تغير دائم، ~~والجسم يتبدل بين يوم وآخر تغيرا لا يلحظ إلا على فترات متباعدة؛ فمن كان طفلا ~~صار الآن شابا، فكهلا فشيخا، وعندما يأتي الموت تنحل المكونات ويتبخر الشخص ~~الذي ضمت أجزاؤه. إن ما يبدو أمامنا «شخصية» أو «ذاتا» ليس في حقيقة الأمر إلا ~~مظهرا واسما نعطيه لتلك «الوحدة الوظيفية» المتشكلة بتأثير اجتماع وتفاعل ~~العناصر الخمسة، والتي لا توجد إلا كنبضة عابرة في جريان الصيرورة الأبدي. وبما ~~أنه لا وجود لجوهر ينتقل بين الشخصية التي ذابت والأخرى التي تشكلت وانطبعت ~~بطابعها، فإن السؤال الذي يدور حول هوية الحامل الجديد، وهل هو القديم نفسه أم هو ~~غيره، يبقى سؤالا لا معنى له على الإطلاق. # أما النقطة الأساسية التي ينبغي إثباتها، فهي أن ما يفكر به ويفعله شخص ما في ~~حياته هذه، سوف يستمر إلى غد وإلى ما بعد غد، في حيوات قادمة لا نهاية لها. ونحن ~~كلما تأملنا العالم من حولنا وفي داخلنا، رأيناه في حالة صيرورة وتغير، لا يوجهها ~~ولا يتحكم بها كائن أعلى وفق غائية ما. فالظواهر كلها وهم، وكذلك الذات الفردية، ~~ولا خلاص إلا بالخروج من عالم الجريان هذا إلى عالم الثبات والسكون الأبدي. # 12 # ولكن لكي نتعرف على طريق الخلاص البوذي، ينبغي أن نشير أولا إلى ما ~~أسماه البوذا بالحقائق النبيلة الأربعة، التي لخص بها طريقه، # 13 # وهي: # الحقيقة الأولى: # هي أن الحياة شقاء (أو ألم). وقد عالجت هذه المسألة منذ ~~قليل. # الحقيقة الثانية: # هي أن سبب الألم والشقاء هو الرغبة، الرغبة في الحياة وفي ~~متعها؛ ذلك أن الرغبة لا يمكن إرضاؤها، فهي كالنار كلما أوقدتها ~~حطبا زادت تأججا، وكلما ازداد الفرد رغبة في الحياة، كلما دفع ~~أمامه سلسلة لا تنتهي من التناسخات المقبلة، يخلقها الطمع في ~~استمرار وهم الوجود. # الحقيقة الثالثة: ms254 # هي أن القضاء على الشقاء ممكن، وذلك بالقضاء على الرغبة، وعدم ~~التعلق بأسباب الحياة، وهذا من شأنه تحضير الفرد للخروج من دورة ~~التناسخ إلى النيرفانا؛ أي من الصيرورة إلى الوجود. أما ما هو شكل ~~هذا الوجود وما طبيعته، فأمر رفض البوذا التحدث عنه ~~بإصرار. # الحقيقة الرابعة: # هناك طريق إلى النيرفانا، هو طريق ذو المراحل الثمانية، ~~وهي: ~~(أ) الرؤيا السليمة: وهنا على السالك أن يتخلص من كل الخرافات والطقوس البدائية، ~~وخصوصا ما تعلق منها بالقرابين الحيوانية. كما عليه أن يتخلص من الاعتقاد بالأرواح ~~الحالة في مظاهر الطبيعة، والجن والعفاريت من أي نوع. وبشكل خاص عليه أن يتخلص من ~~فكرة وجود خالق أعلى للكون يمكن أن يمد يد العون للإنسان في سعيه نحو التحرر، وأن ~~يسلك منفردا طريق الانعتاق. (ب) الموقف الفكري السليم: فإذا آمن الإنسان مثلا ~~بالتمييز بين الأفراد أو الجماعات أو الأجناس، فإن ما يصدر عنه من أحكام وقرارات ~~سوف يتسبب في مزيد من الآلام له ولمن حوله. (ج) الخطاب السليم: فكل فعل يسبقه عادة ~~كلام، وهذا الكلام يجب أن يكون خاليا من الكذب والخداع والفردية. (د) السلوك ~~السليم: حيث يحجم الفرد عن القتل والسرقة والزنى وشرب المسكرات وما إليها، ~~ويقبل على الصدقة والعون وحسن المعاملة. (ه) سبل العيش السليمة: وتقوم هذه ~~السبل على أساس مكين من السلوك السليم، فلا يحصل الفرد عيشه إلا بأفضل الطرق ~~وأنبلها. (و) السعي السليم: فعلى المرء أن يسعى من أجل ارتقائه العقلي والخلقي، من ~~ذلك مثلا نبذ العادات السيئة واكتساب عادات حسنة، والتحرر من الميول الهدامة ~~وتنمية الميول البناءة. (ز) اليقظة السليمة: وهي العناية المبذولة من أجل تيقظ ~~الجسم والعقل، حيث يبقى الفرد في حالة مراقبة لأحاسيسه وأفكاره. (ح) التأمل السليم: ~~وهو الاستغراق الباطني الذي يدفع بالسالك إلى عتبة الاستنارة. ففي جلسة الاستغراق ~~التقليدية التي نراها في تماثيل البوذا، يقوم المستغرق بتركيز وعيه على الآن، وكأن ~~الزمان قد توقف، فلا ماضي للوعي ولا مستقبل، في لحظة متطاولة تبدو وكأنها حاضر ~~أبدي. ولهذا الاستغراق في ms255 الممارسة البوذية ثماني درجات، توصل الدرجة الأخيرة منها ~~إلى النيرفانا، بعد تمرس طويل بالدرجات السبع السابقة. # فيما يتعلق بهذه الخطوات الثمانية للتخلص من الالتصاق بالحياة ودخول النيرفانا، ~~أود أن أتقدم بملاحظتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بالسلوك الأخلاقي الذي تتضمنه ~~الخطوات من 2 إلى 7؛ فهذا السلوك لا يتبع شريعة أخلاقية مفروضة من قبل أية سلطة ~~عليا، بل هو التزام داخلي من شأنه مساعدة السالك على توليد كارما إيجابية تنتهي به ~~إلى حالة اللافعل. فالأعمال الحسنة هي غالبا تلك الأعمال التي لا تصدر عن رغبة ولا ~~عن طمع، وهي التي تقود في النهاية إلى عون صاحبها على التخلص من الرغبة في استمرار ~~العيش، وصولا إلى الحالة التي يعزف السالك فيها عن إتيان أي فعل حسنا كان أم ~~سيئا؛ لأن أي فعل في النهاية هو فعل موجه نحو التشبث بالحياة. والملاحظة الثانية ~~تتعلق بالفهم الصحيح لموقف السالك البوذي من حياته الحالية؛ فالخطوات السبع، التي ~~أشرت إليها أعلاه، تظهر بوضوح أن البوذي يتخذ من حياته وحياة الآخرين موقفا ~~إيجابيا لا سلبيا عدميا، وهو بالتزامه المعايير الأخلاقية لا يدير ظهره ~~للمجتمع والحياة، بل ينخرط فيهما دونما تعلق أو تشبث، ويمارس الفعل الذي لا يصدر ~~عن رغبة وطمع، وذلك تمهيدا لقطع سلسلة السمسارا التي تولدها الرغبة في استمرار ~~العيش. فجهده والحالة هذه إنما ينصب على عدم الولادة الجديدة في تقمص كارمي آخر، ~~لا على تدمير حياته الحالية أو إدارة ظهره لها، وحالة اللافعل التي يتوصل إليها في ~~النهاية إنما تأتي بعد أن يكون قد أدى التزاماته الاجتماعية والأسرية. # إن صرامة الطريق الذي وضعه بوذا للتحرر، قد أدى بشكل طبيعي إلى انقسام المجتمع ~~البوذي إلى شريحتين، كما هو حال المجتمع الجايني، شريحة الرهبان المنذورين للخلاص، ~~وشريحة الناس العاديين الذين يتبعون منهجا أقل صرامة لا يؤدي إلى الانعتاق بل إلى ~~تناسخات مقبلة تمهد له. وقد قادت صرامة البوذية الأصلية، التي تنتشر اليوم في ~~سيريلانكا وبورما وتايلاند، إلى نشوء مدارس بوذية تجديدية، أهمها بوذية المهايانا ~~التي انتشرت نحو الصين واليابان ms256 وبقية أنحاء الشرق الأقصى. وبما أن مجالنا هنا لا ~~يتسع لمعالجة الفوارق بين الاتجاهين، فإننا نكتفي بالإشارة إلى أهمها في اعتقادنا، ~~وهو لجوء المهايانا إلى خلق كائنات ما ورائية شفيعة من شأنها مد يد العون للبشر في ~~حياتهم وعونهم على تحقيق الخلاص. ~~••• # وهكذا، فمع انتهائنا من استقصاء المعتقد البوذي الذي لم ير في الحياة إلا تدفقا ~~وهميا لا ثبات له إلا في النيرفانا، ولم ير في عالم الناسوت إلا ظلا لا قوام ~~له يلقيه عالم اللاهوت مصطنعا ما يشبه الوجود وما هو بالوجود، نكون قد أكملنا ~~رحلتنا في معتقدات الحضارات الكبرى للشرق الأقصى. # إن النتيجة التي أوصلنا إليها استقصاؤنا للمعتقدات الشرقية، تؤكد لنا أننا ما ~~زلنا أمام المفاهيم الدينية الأساسية لإنسان العصر الحجري، ولأشكالها التي استمرت ~~في الثقافات البدائية، وأن المعتقد الديني الإنساني واحد في أساسه وأصوله. إن بضعة ~~الآلاف من السنين التي قضاها الإنسان المتحضر وهو يفلسف معتقده الديني فيصبه في ~~هذا القالب النظري أو ذاك، لم يؤد به إلا إلى قول الأشياء القديمة نفسها وفق صيغ ~~جديدة ظن بها تقديم الجديد، وما هو بالجديد. ولقد تعلمنا شيئا على جانب كبير من ~~الأهمية، خلال رحلتنا الاستقصائية المشرقية هذه، يتعلق بدور الألوهة المشخصة في ~~الحياة الدينية للإنسان، وعلاقتها بالمعتقد الأصلي الأساسي للألوهة غير المشخصة؛ ~~فالأصل في الألوهة التجريد والتنزيه، والإنسان الأول لم يجعل لمجاله القدسي ممثلين ~~يمشون على الأرض أو يتحركون في السماء، ولم يرسم لهم صورة ولم يتخيلهم بأي شكل من ~~الأشكال، بل آمن بالمجال القدسي، ورأى آثار قوته السارية في مظاهر الكون، فجعل له ~~شارة هي رمزه المرئي في عالم الناسوت. وعندما ظهرت الآلهة عبر المراحل الدينية ~~اللاحقة، فإنها حلت محل الشارة المقدسة القديمة، وصارت الرمز الذي يتوصل الإنسان من ~~خلاله إلى المجال القدسي. ثم إن القوة السارية قد حلت في هذه الكائنات، وبدلا من ~~تلك القوة الغفلة غير المشخصة، صار لدينا عدد من القوى المتجزئة المتخصصة. # ولكن الشيء المهم الذي برهنا عليه ، هو أن الآلهة المشخصة لم ms257 تحل قط محل ~~الألوهة غير المشخصة، بل بقيت بوابة الخيال إليها، ونقطة ارتكاز يستند إليها في ~~صعوده التدريجي من عالم الملموسات إلى الفراغ المطلق اللانهائي. # وقد علمتنا الهندوسية بشكل خاص كيف ينتقل الوعي بالمطلق عبر درجات متتالية ~~للتشخيص، وصولا إلى تشخص المطلق نفسه، وكيف أن الصورة المشخصة للمطلق ما تلبث أن ~~تذوب وتتلاشى بعد أن نستند إليها للوصول إلى القاع الكلي للوجود. ورأينا كيف أن ~~التشخيص الهندوسي (سواء كان تشخيصا ماديا يرسم صورة مرئية للإله من حجر أو خشب، ~~أم تشخيصا ذهنيا بتصور الإله في هيئة معينة، ويعزو إليه أخلاقا وخصائص وسيرة ~~حياة وعلائق واضحة، وإرادة ومقاصد محددة في عالم البشر)، لا يقوم إلا كحالة وسيطة ~~في علاقة الإنسان بالمستوى القدسي، ولا يقود بالنتيجة إلا إليه. يقول واحد من حكماء ~~التانترية في العصر الحديث، وهو راما كريشنا، حول عبادة الإلهة مايا- شاكتي ما ~~يلي: ~~«عندما أفكر بالكائن الأعلى في حالة السكون واللافعل، حيث لا خلق ولا حفظ ولا ~~دمار، فإنني أدعوه براهمان؛ الإله المنزه. وعندما أفكر به في حالة الفعل والخلق ~~والحفظ فالدمار، أدعوه مايا أو شاكتي؛ الإله المشخص. غير أن التمييز بين هذين ~~الحالين لا يعني اختلافا؛ ذلك أن المنزه والمشخص هما واحد، تماما كما هو حال ~~الحليب وبياضه، والماسة وبريقها، والحية وتلويها؛ حيث لا يمكن فصل أحد هذين الوجهين ~~عن الآخر أو تصورهما في حال استقلالهما. إن الأم الإلهية كالي (= مايا، شاكتي) ~~وبراهمان هما واحد. إن كالي ليست سوى ذاك الذي تدعونه برهمان. كالي هي الطاقة ~~البدئية، وأن تقبل كالي يعني أن تقبل براهمان؛ لأن براهمان وقوته متطابقان.» # 14 # وهذا يشبه قول اللاهوت المسيحي بأن الآب والابن هما واحد؛ فالآب هو المطلق ~~السرمدي الذي لا يتصل بالكون المخلوق إلا من خلال قوته التي يمثلها الابن؛ فالابن ~~هو الكلمة الذي كان عند الله منذ الأزل، والذي به تم خلق العالم، وهو الذي رسم في ~~البدء دائرة على وجه الغمر، فحدد معالم الكون وأخرجه من لجة العماء إلى طور ~~النظام، وهو ms258 الذي تجسد في يسوع ليشفع للبشر وينقذهم من عبء الخطيئة إلى رحاب ~~السماء، فكان الشفيع والوسيط بين الله والناس. وليس التثليث المسيحي في الواقع إلا ~~صياغة لاهوتية موفقة للجميع بين التنزيه والتشخيص؛ الواحد هو المطلق المنزه، ~~والثلاثة هم المطلق المشخص. وعندما نقول ثلاثة في واحد، فإننا ننطلق من أطراف ~~الدائرة نحو مركزها. وعندما نقول واحد في ثلاثة، فإننا نصدر عن النقطة المتلاشية في ~~المركز نحو محيطها. # هذه الأفكار الابتدائية التي سقتها أعلاه حول اللاهوت المسيحي، يمكن تطويرها ~~وتعميقها لتشمل الأفكار اللاهوتية منذ القديس أوغسطين وتوما الأكويني، وصولا إلى ~~المعلم إيكهارت في العصور الحديثة. كما يمكن الشروع في جهد معادل من أجل استقصاء ~~لاهوت ما تبقى لدينا من الأديان الكبرى الموثقة. ولكن هذا الكتاب، كما أوضحت ~~سابقا، ليس كتابا في تاريخ الدين، بل هو اكتناه للظاهرة الدينية عند الإنسان من ~~خلال دراسة معمقة لأهم نماذجها التاريخية، التي نعتقد بتمثيلها للبقية غير ~~المدروسة. من هنا فإن المجال لا يتسع لعرض واستقصاء مزيد من الأمثلة، عدا ~~واحدا. # ستكون محطتنا الأخيرة عند التصوف الإسلامي؛ فالفكر الصوفي في الإسلام هو الذي وضع ~~مسألة التشخيص والتجريد، أو باستخدام المصطلح الإسلامي: التشبيه والتنزيه، في ~~إطارها الصحيح ضمن المعتقد الإسلامي. إن الدرس الأخير الذي يعلمنا إياه المعتقد ~~الصوفي، هو أن تصور الله في صورة ما، وصنع منحوتات له ورسوم، ليس الفيصل في ~~التفريق بين التنزيه والتشبيه؛ لأن الصورة الفكرية لله قد ترفع في بعض الأحيان ~~وثنا ذهنيا يفوق في صلابته أي وثن مصنوع من الجلمود. أما الصورة الحجرية فربما ~~فتحت آفاق الذهن والروح معا إلى ما وراء الحجر الذي قد يشف عن أكثر المعتقدات ~~تنزيها. # الفصل الخامس # | إله المتصوفة # ابتدأ التصوف كسلوك زهدي في الثقافة الإسلامية، منذ البدايات الأولى للاحتكاك مع ~~الثقافة المسيحية في مصر وبلاد الشام، ومع الثقافات المشرقية الأخرى فيما بين فارس ~~وحدود الصين. أما المعتقد الصوفي، فرغم أن ملامحه الأولى قد تشكلت على يد متصوفة من ~~أمثال الجنيد منذ أواخر القرن الثالث الهجري، إلا أن ms259 صياغته النظرية المتماسكة لم تكتمل ~~حتى القرن السادس الهجري، وذلك على يد الغزالي ومحيي الدين بن عربي، ومن بعدهما عبد ~~الكريم الجيلي في القرن السابع. ولسوف أعتمد في عرضي هذا لمعتقد المتصوفة على الجيلي ~~وابن عربي دون سواهما؛ لأني أرى في أعمالهما خلاصة للتجربة الصوفية الإسلامية بكل ~~أبعادها الروحية والفكرية. # يربط الفكر الصوفي بين مفهومين للألوهة ~~ساريين في كتاب الله وسنة رسوله؛ المفهوم الأول يأتي من آيات مثل: # يد الله فوق أيديهم ~~(الفتح: 10)، # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ~~(آل ~~عمران: 54). والمفهوم الثاني يأتي من آيات مثل: # ونحن أقرب ~~إليه منكم ولكن لا تبصرون ~~(الواقعة: 85)، و # إن الله لغني عن العالمين ~~(العنكبوت: 6). ومن ~~أحاديث قدسية مثل: «ما وسعتني سمائي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن.» الذي ~~يذكرنا بقول الأوبانيشاد: «هو رب اليوم ورب الغد، ولكن القلب الذي بحجم إصبع الإبهام ~~مقر له ومكان.» واللقاء بين هذين المفهومين في الفكر الصوفي يأتي من وحدتهما الضمنية، ~~واختلافهما في الظهور والتجلي؛ ذلك أن الأصل في الألوهة الكمون والغنى، وما درجات ~~التشخيص التي تتجلى بها سوى أمر اقتضاه ظهور الكون عنها؛ فالموجودات هي التي تتطلب من ~~الألوهة الصفات والأسماء، وبغير الموجودات تبقى الألوهة ذاتا مستغرقة في نفسها. يقول ~~عبد الكريم الجيلي في كتابه الإنسان الكامل: ~~«إن ذات الله سبحانه وتعالى عبارة عن نفسه التي هو بها موجود؛ لأنه قائم بنفسه. ~~فالذات لا تدرك بمفهوم عبارة، ولا تفهم بمعلوم إشارة؛ لأن الشيء إنما يفهم ~~بما يناسبه فيطابقه، أو بما ينافيه فيضاده. وليس ~~لذاته في الوجود مناسب ولا مطابق ولا مناف ولا مضاد؛ فارتفع من حيث الاصطلاح إذن ~~معناه في الكلام، وانتفى بذلك أن يدرك للأنام. المتكلم في ذات الله صامت، والناظر ~~باهت. عز أن تدركه العقول والأفهام، وجل أن تجول فيه الأفهام والأفكار، لا يتعلق ~~بكنهه حديث العلم ولا قديمه ... وهذا الوجود المطلق هو الذات الساذج الذي لا ظهور فيه ~~لاسم أو نعت أو اسم أو إضافة، ولا لغير ذلك .» # 1 # المرتبة الأولى في خروج ms260 الألوهة من كمونها وغناها، يؤشر إليها ظهور الممكنات فيها ~~جميعا، ولكن بحكم البطون لا بحكم الظهور؛ فكل ما سيظهر للوجود فيما بعد، كان في حيز ~~الممكن الثابت في الذات الإلهية الغنية. فهنا يتجلى المطلق في نفسه ولنفسه، وتتأمل ~~الألوهة نفسها دون أن تلحقها الاعتبارات والإضافات. ويدعى هذا التجلي الأول للذات ~~بالأحدية. يقول الجيلي: ~~«الأحدية عبارة عن مجلى الذات، ليس للأسماء ولا للصفات فيه ظهور؛ فهي اسم لصرافة ~~الذات المجردة عن الاعتبارات الحقية والخلقية. وليس لتجلي الأحدية في الأكوان مظهر ~~أتم منك إذا استغرقت في ذاتك، ونسيت اعتباراتك، وأخذت بك فيك عن ظواهرك، فكنت أنت في ~~أنت من غير أن ينسب إليك شيء مما تستحقه من الأوصاف. ومجلى الأحدية هو أول تنزلات ~~الذات من ظلمة العماء إلى نور المجالي، وهو أعلى المجالي؛ لأن كل مجلى بعده لا بد أن يتخصص.» # 2 # والتخصص هو أن تدير الألوهة وجهها نحو الخارج وتخرج من بطونها وكمونها، فتنتقل بذلك ~~إلى التجلي الثاني المدعو بالألوهية، وهو الذي يظهره نشوء الثنائيات ضمن الأحدية، وهنا ~~يظهر الاسم «الله»، وهو الاسم الذي يبصر الحق به نفسه، ويتوصل الخلق به إلى معرفة ~~الألوهية. يقول: ~~«الألوهية أعلى مظاهر الذات؛ إذ له الحيطة والشمول على كل مظهر، وهيمنة على كل اسم أو ~~وصف. واعلم أن جميع حقائق الوجود وحفظها في مراتبها تسمى الألوهية. وأعني بحقائق ~~الوجود الحق والخلق؛ فشمول المراتب الإلهية وجميع المراتب الكونية، وإعطاء كل حقه ~~من مرتبة الوجود؛ هو معنى الألوهية. والله اسم لرب هذه المرتبة ... والحق سبحانه وتعالى ~~لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق أسمائه وصفاته، وكل الأسماء والصفات واقع تحت الاسم: ~~الله. واعلم أن الحق سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم هيولى كمال صور المعاني الإلهية، وكان ~~كل من تجليات الحق التي لنفسه في نفسه داخلا تحت حيطة هذا الاسم، وما بعده إلا ~~الكلمة المحضة التي تسمى بطون الذات في الذات. وهذا الاسم هو نور تلك الظلمة، فيه ~~يبصر الحق نفسه، وبه يتوصل الخلق إلى معرفته ... واعلم أن ms261 الوجود والعدم متقابلان، وفلك ~~الألوهية محيط بهما؛ لأن الألوهية تجمع الضدين من القديم والحديث، والحق الخلق، والوجود ~~والعدم. يظهر الحق فيها بصورة الخلق، مثل قوله في الحديث الشريف: رأيت ربي في صورة شاب ~~أمرد. ويظهر الخلق بصورة الحق مثل قوله: خلق آدم على صورته.» # 3 # فالألوهية والحالة هذه هي برزخ بين الذات الكامنة والخلق الذي يصدر عنها، إنها مرتبة ~~الذات من حيث كونها إلها يعبد ويقدس، ومن خلالها يتوصل العقل إلى معرفة الألوهة. ~~ويمكن هنا إجراء مقارنة مع التصورات التانترية الهندوسية في أيقونة جزيرة الدرر؛ فالذات ~~المستغرقة في نفسها لنفسها في الأحدية تقابل شيفا الهاجع؛ المطلق المستغني بنفسه عن ~~العالمين؛ أما الألوهية التي تظهر فيها التناقضات والثنائيات، فتقابل شيفا الصاحي الذي ~~يستعد لخلق العالم بواسطة المايا؛ قوة الألوهة الخالقة. كما يمكن أيضا إجراء مقارنة ~~بين فلك الألوهية الذي يحيط بالوجود والعدم، بدائرة التاو التي تحيط بالضدين الأساسيين ~~في الفكر التاوي. # عندما تدخل الألوهية طور الخلق، نأتي إلى تجلي الرحمانية. وهنا تتجلى الألوهة كقدرة ~~خالقة لكل مظاهر الكون. إلا أن الخلق هنا ليس خلق صانع ماهر يشكل العالم بيديه، وإنما ~~خلق ألوهة تنقسم إلى حق وخلق، دون أن تفقد وحدتها وتكاملها. وهذان المصطلحان اللذان ~~يتكرران في الأدبيات الصوفية كلها يشيران إلى المظهر المزدوج للحقيقة الواحدة؛ فالوجود ~~خلق من حيث مظاهره، وحق (أو ألوهة مولدة) من حيث جوهره. ويتطلب الخلق عند الجيلي، ~~أولا، أن تظهر الألوهية بحقائق أسمائها وصفاتها، فتظهر أولا بالأسماء الذاتية ~~المقتصرة على الحق، مثل الصمد والقيوم وما إليها؛ ثم تظهر بأوصافها العامة التي تشترك ~~بها مع الخلق، مثل السميع والبصير وما إليها. يقول: ~~«والاسم الظاهر في هذه المرتبة هو الرحمن. واختصاص هذه المرتبة بهذا الاسم من أجل ~~الرحمة الشاملة لكل المراتب الحقية والخلقية؛ فإن بظهوره في المراتب الحقية ظهرت ~~المراتب الخلقية، وصارت الرحمة من الحضرة الرحمانية عامة في جميع الموجودات. فأول ~~رحمة رحم الله بها الموجودات أن أوجد العالم من نفسه؛ ولهذا سرى ظهوره في الموجودات، ~~فظهر كماله في ms262 كل جزء وفرد، ولم يتعدد بتعدد مظاهره، بل هو واحد في جميع تلك المظاهر، ~~أحد على ما تقتضيه ذاته الكريمة.» # 4 # ويشبه الجيلي في أكثر من موضع انقسام الألوهة إلى حق وخلق، وصدور المخلوقات عنها ~~دون أن تفقد وحدتها وتكاملها، بالجليد أو الثلج الذي يتكون على أطراف البحيرة أو ~~سطحها؛ فهذا الثلج إذا نظر إليه من حيث ظاهره بدا شيئا مختلفا عن الماء، وإذا نظر ~~إليه من حيث جوهره بدا عين الماء؛ فاسم الثلج والحالة هذه هو اسم مؤقت لطور عابر يصير ~~إليه الماء، فإذا ذاب الثلج عاد إلى أصله واسمه. يقول: ~~«فكان الحق هيولى العالم؛ فمثل العالم مثل الثلج، والحق سبحانه وتعالى الماء، الذي ~~هو أصل هذا الثلج؛ فاسم تلك الثلجة على ذلك المنعقد معار، واسم المائية عليه حقيقة.» # 5 # آخر مجالي الألوهة هو الربوبية، وهو المجلى الخارجي المختص حصرا بعالم الخلق، والرب ~~اسم لهذه المرتبة. ويقع تحت هذا الاسم كل الأسماء التي يتطلبها وجود المخلوقات، مثل: ~~المريد والملك والقهار والمجيب والمعز والمذل ... إلخ. فإذا كانت الذات تمثل بطون ~~الألوهة المطلق وغناها الكامل عن العالمين، فإن الربوبية هي ظاهر الألوهة الذي يتجه نحو ~~عالم الخلق ويتطلبه. يقول: ~~«الربوبية اسم للمرتبة المقتضية للأسماء التي تتطلبها الموجودات؛ فدخل تحتها الاسم ~~العليم والسميع والبصير والمريد والملك وما أشبه ذلك؛ لأن كل واحد من هذه الأسماء ~~والصفات يطلب ما يقيم عليه؛ فالعليم يقتضي المعلوم، والقادر يقتضي مقدورا عليه، ~~والمريد يطلب مرادا، وما أشبه ذلك. واعلم أن للربوبية تجليين؛ تجليا معنويا ~~وتجليا صوريا؛ فالتجلي المعنوي ظهوره في أسمائه وصفاته على ما اقتضاه القانون ~~التنزيهي من أنواع الكمالات، والتجلي الصوري ظهوره في مخلوقاته على ما اقتضاه القانون ~~الخلقي التشبيهي.» # 6 # إن وحدة هذين التجليين للربوبية تظهر ذوقا لمن يناجيهم الحق، فيسمع المناجي خطابا ~~لا يصدر عن جهة ولا عن جارحة: ~~«أنت خلاصة الأكوان والمقصود بالوجود والحدثان. تقرب إلى شهودي، فقد تقربت إليك ~~بوجودي. لا تبتعد فإني أنا الذي قلت: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. ms263 لا تتقيد باسم ~~العبد؛ فلولا العبد ما كان الرب. أنت أظهرتني كما أنا أظهرتك؛ فلولا عبوديتك لم تظهر ~~لي ربوبية. أنت أوجدتني كما أنا أوجدتك؛ فلولا وجودك ما كان وجودي موجودا.» # 7 # وكما أن خروج الألوهة عن كمونها يتم عبر مجال ومراتب متدرجة متتابعة، كذلك يكتشف ~~الإنسان عالم الألوهة من خلال هذه المراتب نفسها، وبما يتلاءم واستعداد كل فرد لوطأة ~~الصلة مع المرتبة؛ فالصلة الأولى بين عالم الناسوت وعالم اللاهوت تعقد مع المجلى ~~الخارجي؛ مجلى الربوبية، ومع الاسم الرب الذي هو إله الشرائع. وعامة الناس يبقون عادة ~~عند هذه المرتبة ولا يستطيعون تجاوزها في معرفة الحق. يقول: ~~«ثم إن الله تعالى تعبد للمسلمين من حيث اسمه ~~الرب؛ فهم مقتدون بأوامره ونواهيه؛ لأن أول آية أنزلها الله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق ~~، فقرن الأمر بالربوبية لأنها ~~محله؛ لذلك فرضت عليهم العبادات؛ لأن المربوب يلزمه عادة عبادة ربه؛ فجميع عوام ~~المسلمين عابدون لله تعالى من حيث اسمه الرب، لا يمكنهم أن يعبدوه من غير ذلك. بخلاف ~~العارفين؛ فإنهم يعبدونه من حيث اسمه الرحمن؛ لتجلي وجوده الساري في جميع الموجودات ~~عليهم. بخلاف المحققين؛ فإن عبادتهم له سبحانه وتعالى من حيث اسمه الله؛ لثنائهم عليه ~~بما يستحقه من الأسماء والصفات التي اتصفوا بها؛ لأن حقيقة الثناء أن تتصف بما وصفته به ~~من الاسم، أو الصفة التي أثنيت عليه وحمدته بها، فهم عباد الله المحققون، والعارفون ~~عباد الرحمن، وعامة المسلمين عباد الرب. فمقام المحققين: # الحمد ~~لله ~~، ومقام العارفين: # الرحمن على العرش ~~استوى * له ما في السموات وما في الأرض ~~، ~~ومقام عامة المسلمين: # ربنا إننا سمعنا مناديا ~~ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار ~~. # 8 # إن تنزلات الذات، كما يراها الجيلي هنا، من ظلمة العماء إلى مجالي الشهود، عبر عدد من ~~المراتب التي تقوم الألوهة من خلالها بإطلاق الزمان ومد المكان وإظهار الموجودات فيما ~~بينهما، وقيام الإنسان بالتعرف على الألوهة مقتديا بتجلياتها ابتداء من الخارج ~~متوغلا ms264 نحو الداخل، ليحضر في أذهاننا صورة المندالا التانترية، التي ترمز مثلثاتها ~~الخمسة ذات الرءوس المتجه نحو الأعلى إلى التكشف التدريجي لعالم اللاهوت في عالم ~~الناسوت، ومثلثاتها ذات الرءوس المتجهة نحو الأسفل إلى توغل العارفين في مراتب الألوهة؛ ~~من الحد الخارجي مايا إلى النقطة المتلاشية عند المركز براهمان. # هذه هي خلاصة المعتقد الصوفي في الألوهة، كما صاغها الشيخ عبد الكريم الجيلي، وسأنتقل ~~الآن إلى تقديم خلاصة لفكر ابن عربي # 9 # حول المسألة ذاتها؛ فالاثنان متفقان في كل الأساسيات، مع اختلاف في ~~التفاصيل. # يقوم البناء السامق لصوفية ابن عربي على نظرية التجلي؛ فكل ما هو موجود في عالم ~~الظواهر عبارة عن مجلى أو مظهر إلهي؛ فالحق يتجلى في الأشياء أي يظهر فيها، فيتكثر ~~دون أن ينقسم. ولتقريب مفهوم التكثر من غير انقسام، يسوق ابن عربي مثالا بديعا ~~مستمدا من الأعداد، فيقول: إن الواحد العددي هو جوهر الاثنين والثلاثة وسائر الأعداد، ~~فهو يستصحبها في الظهور دون أن ينقسم، وهو في كل عدد يحافظ على إشارة واحدة ودلالة ~~واحدة، وهي إشارته إلى ذاته ودلالته على هذه الذاتية. أما بقية الأعداد فلكل منها ~~دلالتان؛ دلالة على نفسه ودلالة على الواحد المندرج أو المتكرر فيه. كذلك هو شأن الحق ~~والعالم؛ فالذات الإلهية إذا نظر إليها معراة عن جميع العلاقات والنسب، لم يكن لها ~~دلالة ولا إشارة إلا إلى نفسها، أما العالم الذي هو كثرة من صور الوجود، فله إشارتان؛ ~~إشارة إلى نفسه وإشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره. # 10 # فظهور العالم إذا، ليس خلقا عن عدم، بل هو خروج من وجود علمي إلى وجود ~~عيني. فالله يظهر الممكنات التي يدعوها ابن عربي بالأعيان الثابتة إلى الوجود المحسوس، ~~ويعطيها وجودها باسمه الظاهر؛ فهو الظاهر في كل صورة والمتجلي في كل وجه، وهو الوجود ~~الواحد، والأشياء موجودة به معدومة بنفسها. إلا أن وجود الحق لا ينحصر ويتحدد بظهوره في ~~المظاهر، بل إن له وجودا متعاليا خاصا به، فبينما يتجه اسمه الظاهر نحو الخارج، ~~فإن اسمه ms265 الباطن يتجه نحو الغيب ولا يكون فيه تجل أبدا. وهذا ما يفرق بين المفهوم ~~المادي لوحدة الوجود، الذي يقول بأنه لا وجود لشيء سوى العالم الذي يقال له الله، ~~ومفهوم ابن عربي. # 11 # يقول في الفتوحات المكية: ~~«فهو تعالى المتجلي في كل وجه، والمطلوب في كل آية، والمنظور إليه بكل عين، ~~والمعبود في كل معبود، والمقصود في الغيب والشهود، لا يفقده أحد من خلقه بفطرته ~~وجبلته؛ فجميع العالم له مصل وإليه ساجد.» وأيضا: «ما ثم إلا الله، والممكنات ~~ثابتة» (ج4، 410)، و(ج3، 449). # والمقصود بالممكنات الثابتة هو ثبوت الممكنات أو تجذرها في العدم؛ فهي الأعيان أو ~~المثل الثابتة في علم الله، المعدومة في العالم الخارجي. وهذه الأعيان رغم ظهورها في ~~الوجود الخارجي، فإنها لم تفارق عالم الإمكان. يقول في الفتوحات: ~~«ثم لما ظهرت في أعيانها ... فإن الإمكان ما فارقها حكمه ... فلما كان الإمكان لا ~~يفارقها طرفة عين ولا يصح خروجها منه ... فما لها خروج من خزائن إمكانها، وإنما الحق ~~سبحانه فتح أبواب هذه الخزائن حتى نظرنا إليها ونظرت إلينا، ونحن فيها وخارجون عنها» ~~(ج3، 193). # ذلك أن الممكنات لا تنتقل أبدا إلى حيز الوجود الفعلي، رغم أننا نطلق عليها اسم ~~الموجودات؛ لأن الموجود الحقيقي هو الذي يستطيع أن يسند وجوده بنفسه دون أي مدد من جهة ~~خارجة عنه؛ وهذا محال بالنسبة إلى الكثرة الظاهرية؛ لأن وجودها مستمد من الذات الإلهية ~~التي تمدها به في كل لحظة. وهذا ما يقودنا إلى مفهومين آخرين من المفاهيم الأساسية ~~لوحدة الوجود عند ابن عربي، وهما: الخلق الدائم، والوجود الخيال. # إن خلق الله العالم، أي إظهاره من خزائن الممكن، لم يحدث مرة واحدة في بداية الزمن، ~~وإنما هو خلق دائم يجري في كل لحظة. فمع كل نفس من أنفاس الإنسان يعود إلى الفناء ثم ~~يسترده الرحمن إلى الوجود ثانية. والإيقاع ذاته يسري على بقية الموجودات التي هي فانية ~~فموجودة ففانية مرة أخرى، وهكذا إلى ما شاء الله. يقول في الفتوحات: ~~«إن العالم الحسي والكون الثابت - أي المزروع في ms266 العدم - استحالات مع الأنفاس لا ~~تدركها الأبصار ولا الحواس، وذلك لتغيير الأصل الذي يمده، وهو - أي الأصل - التحول ~~الإلهي في الصور ... وهو قوله تعالى: # كل يوم هو في ~~شأن ~~... فلما كان الله كل يوم هو في شأن، كان تقليب العالم، الذي هو صورة ~~هذا القالب، من حال إلى حال مع الأنفاس، فلا يثبت العالم قط على حال واحدة، زمانا ~~فردا؛ لأن الله خلاق على الدوام. ولو بقي العالم على حال واحد زمانين لاتصف ~~بالغنى عن الله» (ج3، 198-199). وأيضا: «فهو خلاق على الدوام، والعالم مفتقر إليه ~~تعالى على الدوام افتقارا ذاتيا» (ج2، 208). وأيضا: «واعلم أنه ليس في العالم سكون ~~البتة، وإنما هو متقلب أبدا دائما من حال إلى حال، دنيا وآخرة، ظاهرا وباطنا» (ج3، ~~303-304). # في كل لحظة تغيب صور المخلوقات لتحل محلها صور أخرى فيما يأتي من اللحظات، ورغم أن ~~هذه الصور الأخرى تبدو استمرارا للصور الغائبة، إلا أنها جديدة كل الجدة، وهي تحل محل ~~سابقتها دون فاصل زمني ملحوظ؛ لأن الذهاب هو في الآن نفسه بقاء لما يظهره التجلي ~~الثاني. يقول في الفصوص: ~~«إن كل تجل يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق؛ فذهابه هو عين الفناء عن التجلي، والبقاء ~~لما يعطيه التجلي الآخر، فافهم» (الفص 12، فقرة 14ت). # لقد أدرك ابن عربي بحدسه المبدع ما توصلت إليه اليوم فيزياء الكم حول طبيعة الكون ~~والمادة؛ فالوجود عبارة عن طاقة ذات ذبذبات متغيرة، وليست تبديات هذه الطاقة نفسها ~~والظواهر المرئية التي تشكلها إلا اختلافات في درجة الذبذبة. وسواء رأينا إلى هذه ~~الطاقة في طبيعتها الموجية أو الكمومية، فإنها تأتي دوما على دفقات متقطعة، لا ~~كسيالة مستمرة. فالوجود كله والحالة هذه يحدث بشكل متقطع رغم استمراريته الظاهرة ~~لنا. # ثم إن إمداد الصور بقوامها من قبل الحق يتم بفعل الفيض، وهو على نوعين؛ الفيض ~~الأقدس والفيض المقدس. فالفيض الأقدس هو تجلي الذات الأحدية لنفسها في جميع الممكنات ~~التي لم تخرج إلى عالم المظاهر بعد، بل هي مجرد قوابل للوجود، وهي الأعيان الثابتة في ~~العدم ms267 التي ألمحنا إليها سابقا. فإذا ظهرت هذه الأعيان الثابتة في العالم المحسوس، كان ~~الفيض المقدس، الذي يتجلى الواحد من خلالها في صور الكثرة الوجودية. ولهذا الفيض المقدس ~~صفة الدوام والاستمرار؛ فلو جرى الفيض مرة واحدة، بداءة، واستمرت الممكنات في العالم ~~الحسي بذاتها بعده، لقامت المخلوقات بقواها الذاتية في غنى عن موجدها، وهذا محال. ~~من هنا لا بد أن يكون الفيض مستمرا، والخلق دائما في كل لحظة، وأن يكون الله خالقا ~~على الدوام. # 12 # يقول: ~~«ويتطرق إليهم، أي إلى المخلوقات، الأفول ~~والشروق، والتغير والبطلان، والتنقل من حالة إلى حالة أبدا؛ # كما ~~بدأكم تعودون ~~(قرآن كريم). فهم الموجودون بغيرهم، والوجود لهم ~~عارية ومجاز ومستعار. ولو كان الوجود لهم حقيقة لأشبه وجود الحق، تعالى الله علوا ~~كبيرا. ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل شيء هالك إلا وجهه. فبهذا نفهم أنه لا يسع مع ~~وجوده تعالى شيء البتة؛ لأن البطلان يتطرق إلى الأشياء مع الخطرات، وما استفادت ~~الممكنات من الحق تعالى إنما هو شروق شمس الإيجاد عليهم، ولو أمسك تجديد الإيجاد عنهم ~~طرفة عين لانعدموا بلا زمان في أسرع من طرف العين» (تذكرة الخواص، 4). # 13 # وينجم عن قول ابن عربي بالخلق المستمر، واتصال ~~المخلوقات بخالقها اتصالا غير مكاني ولا زماني، يهبها الوجود في كل لحظة، تصور للكون ~~كمتصل مندمج غير منقطع؛ فكل حقيقة أو مرتبة في العالم متصلة بغيرها، بحيث تستمد من ~~الأعلى وتمد الأدنى. ويجري هذا الإمداد عبر ما يدعوه ابن عربي بالرقائق. والرقائق هي ~~صلات ممتدة بين الحقائق تشبه في رقتها أشعة الشمس في امتدادها إلى البصر؛ فكل حقيقة ~~يشع منها رقائق تربطها بالحقائق الأعلى والأدنى، وعلى هذه الرقائق يصل الإمداد العلمي ~~والوجودي من الحقائق الأعلى إلى هذه الحقيقة، وعليها توصيل الإمداد إلى الحقائق الأدنى. # 14 # وهذا ما يوصلنا إلى آخر الجوانب المهمة في معتقد وحدة الوجود، وهو: الكون ~~الخيال. # فإذا كان الوجود الحقيقي هو لله وحده، فإن كل وجود آخر لا يعدو أن يكون خيالا، أو ~~بالأحرى نتاج فعل ms268 الخيال الخلاق عند الذات الإلهية؛ فالحياة حلم، وكذلك كل ما نراه ~~من صور الوجود الخارجي، فإنها خيال في خيال. وإلى هذا يشير الحديث الشريف الذي يقول: ~~«الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا.» يقول في الفصوص: ~~«فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال؛ أي خيل لك أنه أمر زائد ~~قائم بنفسه خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر ... فاعلم أنك خيال، وجميع ما تدركه مما ~~تقول فيه ليس أنا، خيال. فالوجود كله خيال في خيال، والوجود الحق إنما هو لله، خاصة من ~~حيث ذاته لا من حيث أسماؤه» (الفص 9، فقرة 7 و8). # والخيال هو هذا الجريان الدائم، وما نراه عن تبدل في عالم الخلق. يقول في ~~الفتوحات: ~~«وحقيقة الخيال التبدل في كل حال والظهور في كل ~~صورة، فلا وجود حقيقي لا يقبل التبدل في كل حال والظهور في كل صورة، فلا وجود حقيقي لا ~~يقبل التبدل إلا الله. فما في الوجود المحقق إلا الله، وأما ما سواه فهو الوجود الخيالي ~~... فكل ما سوى ذات الحق خيال حائل وظل زائل، فلا يبقى كون ... ولا شيء مما سوى الله على ~~حالة واحدة، بل تتبدل من صورة إلى صورة دائما وأبدا» (ج2، 313). # والخيال قدرة على التشكيل؛ ولذلك فإنه معادل للقدرة الإلهية ذاتها. يقول في ~~الفتوحات: ~~«ما أوجد الله أعظم من الخيال منزلة ولا أعم ~~حكما، يسري حكمه في جميع الموجودات والمعدومات من محال وغيره؛ فليس للقدرة الإلهية ~~فيما أوجدته أعظم وجودا من الخيال، منه ظهرت القدرة الإلهية ... وهو حضرة المجلى الإلهي ~~في القيامة» (ج3، 508). # مع هذا المقطع من الفتوحات المكية تكتمل أمامنا الخطوط الرئيسية لمفهوم الخيال عند ~~ابن عربي. ونستطيع هنا أن نلاحظ مدى اقتراب هذا المفهوم عنده من مفهوم ال # Anitya # في البوذية، والذي يؤدي معنى الجريان ~~المستمر والتغير الدائم لكل ما في الوجود، وهو أحد الأسباب الرئيسية في الألم والشقاء، ~~على ما تقرره الحقيقة الأولى من الحقائق النبيلة الأربع عند البوذا. كما يمكن أن ~~نلاحظ بسهولة مدى اقتراب مفهوم الخيال ms269 عند ابن عربي، الذي يتجلى كقدرة فعالة تظهر ~~الموجودات، من مفهوم المايا في الفكر الهندي؛ فالمايا كما شرحنا سابقا هي الوجود ~~الوهمي للظواهر، وأيضا هي القوة الخلاقة للمطلق، بها يستعين على تشكيل مظاهر الكون ~~المرئي. وتحصل المطابقة بين المفهومين عندما نرى أن ابن عربي يشير إلى الطبيعة، التي هي ~~خيال، على أنها الأم العالية للكون، والتي تعادل مايا-شاكتي، القوة الأنثوية الخلافة ~~المنبعثة عن المطلق في الفكر الهندي. يقول في الفتوحات: ~~«وليس إلا الطبيعة في هذه الدار، فإنها محل الانفعال ... لأنها للحق بمنزلة الأنثى ~~للذكر، ففيها يظهر التكوين؛ أعني تكوينا على ما سوى الله ... فللطبيعة القبول ... فهي الأم ~~العالية الكبرى للعالم» (ج4، 150). # ويلجأ ابن عربي إلى استخدام زمرة أخرى من الرموز لمعالجة مسألة تجلي الألوهة في ~~الطبيعة؛ فالألوهة لا تفعل في الطبيعة بشكل مباشر، بل بشكل غير مباشر، وعبر مرتبتين ~~ينتقل الفعل خلالهما من الجانب الإلهي إلى المظاهر الطبيعية، وهما العقل الكلي أو ~~القلم، والنفس الكلية أو اللوح المحفوظ؛ فقد ورد في الحديث الشريف: «إن أول ما خلق الله ~~العقل.» وورد أيضا أنه: «أول ما خلق الله القلم.» فالعقل والقلم صنوان. يقول: ~~«فأول موجود ظهر، مقيد فقير، يسمى العقل الأول، ويسمى الروح الكلي، ويسمى القلم ... ~~وله أسماء كثيرة باعتبار ما فيه من وجود.» # 15 # ويقول أيضا: ~~«فأول ما أوجد الله تعالى من عالم العقول المدبرة، جوهر بسيط لا صفة له، مقامه الفقر ~~والذلة والاحتياج إلى باريه وموجوده ومبدعه، له نسب وإضافات ووجوه كثيرة، لا يتكثر في ~~ذاته بتعددها، فياض بوجهين من الفيض؛ فيض ذاتي وفيض إرادي ... وله افتقار ذاتي لموجده ~~سبحانه ... وسماه الحق سبحانه وتعالى في القرآن حقا وقلما وروحا، وفي السنة عقلا.» # 16 # ويتجه فعل العقل، الذي هو بمثابة القلم، إلى النفس الكلية التي هي بمثابة اللوح، ~~فينتقش عليها ما سيكون في العالم إلى يوم القيامة. وهذه بدورها تنقل ما حملته من القلم ~~لتظهره واقعا في عالم الموجودات، فيكون لها الانفعال (عن القلم) والفعل (في الطبيعة)، ~~أما العقل فيبقى ملتزما ms270 دوره الفاعل. يقول في الفتوحات: ~~«وأين مرتبة الفاعل من المنفعل؟! ألا ترى النفس الكلية التي هي أهل للعقل الأول، ولما ~~زوج الله بينهما لظهور العالم كان أول مولود ظهر عن النفس الكلية هو الطبيعة.» ~~وأيضا: ~~«أول متعلم قبل العلم بالتعلم لا بالذات: العقل الأول. فعقل عن الله ما علمه، ~~وأمره أن يكتب ما علمه في اللوح المحفوظ الذي خلقه منه ... واسم اللوح المحفوظ عند ~~العقلاء: النفس الكلية. وهو أول وجود انبعاثي منفعل عن العقل، وهي (أي النفس) للعقل ~~بمنزلة حواء لآدم.» وأيضا: «فكان بين القلم واللوح نكاح معنوي معقول، وأثر حسي ~~مشهود ... وكان ما أودع في اللوح من الأثر مثل الماء الدافق الحاصل في الرحم، وما حصل من ~~تلك الحكاية من المعاني المودعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة ~~في أجسامهم» (ج3، 399؛ وج1، 129). # كل هذا يصل بنا إلى نتيجة مهمة في فكر ابن عربي، وفي الفكر الصوفي عامة، حول تشخيص ~~الألوهة وتجريدها، أو بالمصطلح الصوفي تشبيهها وتنزيهها. فالتشبيه والتنزيه متلازمان؛ ~~لأن التنزيه يتطلب التشبيه، والتشبيه لن يقود إلا إلى التنزيه. ويذهب ابن عربي في القول ~~بتلازم التشبيه والتنزيه مذهبا يوصله إلى القول بأن كل المعبودات التي توجه إليها ~~البشر في كل مكان وزمان، لم تكن في واقع الحال إلا مجالي أسماء الله، وأن التوجه إليها ~~بالعبادة لم يكن إلا طريقا لمعرفة الذات الإلهية الحقة؛ لأن الله قال في كتابه: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~، ولم يقل: ~~وأمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فكل عبادة تتوجه والحالة هذه لغير الله مآلها إليه. يقول ~~في فصوص الحكم عن قوم نوح: ~~«فقالوا في مكرهم: # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا ~~تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ~~(قرآن ~~كريم)؛ لأنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء؛ فإن للحق في كل ~~معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله. فما عبد غير الله في كل معبود» (الفص 3، ~~فقرة 8). # وهو يجد في القرآن الكريم العديد من الآيات ms271 التي تقرن التنزيه بالتشبيه، ومنها: # ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير ~~. ففي قوله تعالى: # ليس كمثله ~~شيء # تنزيه، وفي قوله: # وهو السميع ~~البصير # تشبيه. من هنا يقول الشيخ شعرا: # فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدا # وإن قلت بالتشبيه كنت محددا # وإن قلت بالأمرين كنت مسددا # وكنت إماما في المعارف سيدا ~~(الفص 4، الفقرة 4) # والتشبيه عنده أمر يتطلبه بطون الذات الإلهية؛ إذ لا بد من صلة تصل ~~هذا المحدود بذاك اللامحدود. يقول في الفصوص: ~~«وبالجملة، فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع إليه ويطلبه فيها. فإذا تجلى له الحق ~~فيها أقر به، وإن تجلى له في غيرها أنكره ... فلا يعتقد معتقد إلها إلا بما جعل في ~~نفسه. فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إلا نفوسهم وما جعلوا فيها» (الفص 10، ~~الفقرة 13). # إلا أن من قطع شوطا في مسار العارفين، يجب ألا يتقيد بصورة دون أخرى، بل عليه أن ~~يقبل الصور جميعا، وما هو فوق هذه الصور. يقول أيضا: ~~«فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر ~~على ما هو عليه؛ فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من ~~أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: # فأينما تولوا فثم ~~وجه الله ~~» (الفص 10، فقرة 13). # هذه الصورة التي يكونها الإنسان عن الألوهة هي صورة مخلوقة من صنعه، ويدعوها ابن ~~عربي بإله المعتقدات، أو الإله المجعول، أو الحق الاعتقادي. يقول: ~~«فلا يشهد القلب ولا العين أبدا إلا صورة معتقده في الحق» (الفص 12، فقرة 7). # وصورة المعتقد هذه هي بشكل من الأشكال وثن يوضع بين الحق والخلق. يقول: «فما ثم إلا ~~عابد وثنا» (الفتوحات، 186 / 4). ~~••• # وهكذا نعود من رحلتنا في معتقدات الإنسان إلى نقطة المبتدى؛ فالوثن الذي يراه ابن ~~عربي قائما بين الإنسان والذات الإلهية، ما هو إلا شارة القداسة التي أقامها إنسان ~~العصر الحجري في محاريبه ورسمها على جدران كهوفه. وها نحن نقف بخشوع أمام رأس الثور في ~~المريبط وشتال حيوك، وندلف إلى أعماق كهف ms272 لاسكو حيث الظلال تنعكس على مشهد البيسون ~~المتحفز للانطلاق. فما هذا إلا ذاك. ولكم ذهب الإنسان بعيدا ليعيد صياغة المعتقد ~~نفسه ولكن بأشكال جديدة. لقد قام برحلة عقلية طويلة، ولكنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه ~~في رحلته النفسية. # الباب السادس # | نتيجة، ومدخل جديد # الفصل الأول # | نظريات في منشأ الدين: نقد وتأسيس # لقد قلت في بداية هذا الكتاب إن ما أهدف إليه هو التعرف على الظاهرة الدينية عند ~~الإنسان، كما هي، وعلى حقيقتها، وذلك بوصفها وصفا دقيقا، وعزلها عن بقية ظواهر النشاط ~~العقلي والنفسي المتعددة الأخرى؛ لغرض الجواب على التساؤل الأساسي: ما هو الدين؟ وقد ~~خصصت القسم الأول من الدراسة لتحليل بنية الدين، فوجدت أنه يتألف من مكونات أساسية ~~هي: المعتقد والطقس والأسطورة؛ وأخرى ثانوية هي: الأخلاق والشرائع. وبما أن كل ظاهرة ~~يمكن تلخيصها إلى بنية الحد الأدنى التي يقودنا استقصاؤها إلى توضيح ماهية الظاهرة ~~ومعناها، فقد وجدنا في المعتقد الديني ذلك الحد الأدنى الذي يمكن تقليص الظاهرة الدينية ~~إليه دون المساس بأساسياتها. ثم انتقلت إلى الافتراض بأن المعتقدات الدينية قديمها ~~وحديثها وبسيطها ومركبها، يمكن إرجاعها إلى عدد من العناصر الثابتة والمشتركة بين ~~الأديان جميعا. ففي القاع من كل إيمان ديني لا بد من وجود عدد من الأفكار البسيطة ~~الأولية التي تجمعه إلى كل إيمان آخر؛ لأن الظاهرة الواحدة لا بد لها من أساس واحد تقوم ~~عليه، رغم تنوع تبدياتها عبر الأزمان واختلاف البيئة والمكان. وبتعبير آخر، فإن بنية ~~الحد الأدنى للدين التي وجدتها في المعتقد، إنما تقوم بدورها على بنية أخرى للحد الأدنى ~~الاعتقادي، هي تصور إنساني واحد يقوم عليه الدين برمته، وأنى التقينا به. ثم خصصت ~~القسم الثاني من الدراسة لتقصي هذا الحد الأدنى الاعتقادي، أو التصور الإنساني ~~المشترك، وذلك باستعراض أهم النماذج الممثلة لدين الإنسان عبر التاريخ، فاتضح أمامنا ~~تدريجيا صحة فرضيتنا، وتكشفت كثرة المعتقدات عن وحدة صميمية: # يقوم المعتقد الديني على الإحساس بانقسام الوجود إلى مستويين، أو مجالين؛ المستوى ~~الطبيعاني، وهو عالم الظواهر المحسوسة الذي يعانيه ms273 ويتحرك ضمنه الإنسان؛ والمستوى ~~القدسي، وهو الغيب الذي صدرت عنه هذه الظواهر المحسوسة بما فيها الإنسان وأشكال الحياة ~~الأخرى. يتصل المستوى القدسي بالكون من خلال حالة فعالية ، هي قوته السارية، التي تجمع ~~بين المستويين في دارة واحدة؛ باطنها الألوهة، وظاهرها ما لا يحصى من الظواهر الحية ~~والجامدة. # في المناهج الحديثة لدراسة أي موضوع، هنالك تمييز بين ثلاث مراحل للتقصي؛ ففي المرحلة ~~الأولى نبحث في طبيعة الموضوع، وفي الثانية في كيفية نشأته وعن ماذا، وفي الثالثة في ~~معناه وأهميته ودوره. تتخذ المرحلتان الأولى والثانية طابعا معرفيا عمليا، بينما ~~تتخذ الثالثة طابعا قيميا وأخلاقيا وفلسفيا. وهنا يكمن فيصل التمييز بين المنهج ~~الفينومينولوجي الظاهراتي الذي يقف عند المرحلة الثانية لا يتجاوزها، والمنهج الآخر ~~الذي يستوفي المراحل الثلاث؛ لأنه يهدف منذ البداية إلى معرفة قيمة الظاهرة المدروسة ~~وإصدار الأحكام القيمية بشأنها، استنادا إلى معايير موضوعة وموازين منصوبة. ولقد تعرفت ~~على طبيعة الظاهرة الدينية من خلال وصفها وصفا شاملا، ثم لخصتها إلى بنية الحد الأدنى ~~التي تلخص ماهيتها وجوهرها، وذلك في القسمين الأولين من هذه الدراسة، وبقي علينا أن ~~نتساءل عن المصدر والمنشأ، أما التقييم وإصدار الحكم فأمر لا يعنى به منهجنا الذي ~~التزمناه. # فعن ماذا ينشأ الاعتقاد بانقسام الوجود إلى مستويين، متمايزين ظاهرا ومتحدين ضمنا ~~وباطنا؟ وما هي بواعث ذلك الإحساس بالوحدة الشاملة التي يقوم عليها المعتقد الديني، ~~ومن ورائه الظاهرة الدينية إجمالا؟ وباستخدام المصطلحات والتعابير الشائعة نقول: ما هو ~~الأصل في الدين؟ وما هي بواعث التدين؟ وهو التساؤل المعروف الذي عالجته مدارس فكرية من ~~شتى المشارب والمذاهب. ولكن، قبل أن نشرع في بسط ما قادتنا إليه هذه الدراسة من نهايات ~~تتعلق بهذا التساؤل، سوف نعمد إلى استعراض أهم المواقف الفكرية من المسألة، فنناقشها ~~ونبني على دحضها نظرية جديدة مدعمة. قد نعود إلى مناقشة بعض الأفكار الرئيسية لمدارس ~~ومذاهب معينة، ولكن لا لغرض التكرار، بل لوضعها في سياق جديد. # إن البحث في منشأ الدين وأصله ليس بالأمر الجديد، كما يعرف كل منا معرفة جيدة. ms274 ولقد ~~قادنا الاطلاع على النظريات الرئيسية في أصل الدين إلى تصنيفها في زمرتين، تؤكد الزمرة ~~الأولى على الأصل العقلاني، بينما تؤكد الثانية على الأصل العاطفي غير العقلاني . ينتهي ~~كلا الاتجاهين إلى نتيجة تستدعيها مقدماتهما، وهي أن الدين لا ينبع إلا عن وهم خلقه ~~خيال البشر أو عواطفهم عبر التاريخ، وأنه لا يعكس بأية حال خبرة تمت إلى عالم الحقيقة ~~بصلة. فإلى أي حد تتمتع هذه النتيجة بقيمة تؤهلها لأن تكون نهاية المطاف في استقصاء ~~منشأ الدين؟ # لفترة طويلة من الزمن، طرحت النظرية الأرواحية (= # Animism ~~) نفسها كأقوى معبر عن الاتجاه العقلاني ~~في تفسير الدين، وبقيت حتى الآن نظرية كلاسيكية تتمتع ببعض القبول. يرى الفيلسوف ~~والاجتماعي البريطاني هربرت سبنسر، أن البشرية قد مرت في مراحلها الأولى بزمن لم تعرف ~~خلاله الدين، ثم بدأ الدين بالتكون عندما أخذت الجماعات البشرية بتقديس أرواح زعمائها ~~الراحلين، وتحولت أرواح هؤلاء الأسلاف المبجلين تدريجيا إلى آلهة، تمركز الدين حولها ~~وابتدأ بها. ثم جاء الأنتروبولوجي تيلور، فطور هذه الفكرة المركزية في مذهب سبنسر، ~~ووضع الأسس النظرية المتكاملة للنظرية الأرواحية. فمن فكرة الروح التي طورها الإنسان ~~القديم انطلاقا من مراقبته لأحلامه، انتقل تيلور إلى الربط بين فكرة الروح وتطور مفهوم ~~الآلهة ونشوء الدين. ومن فكرة الأرواح البشرية، انتقل تيلور إلى فكرة الأرواح الحالة ~~في مظاهر الطبيعة. فالبدائي، كما يرى تيلور، لم يكن يستطيع رسم فاصل واضح بين الكائنات ~~الحية والأشياء الجامدة؛ ولذلك فقد نقل إيمانه بأرواح البشر إلى الإيمان بأرواح المظاهر ~~الطبيعية، وفسر ما يراه من حركة هذه المظاهر بالأرواح التي تسكنها. وبذلك وسع ~~الإنسان مفهوم الروح التي افترضها في الكائنات الحية ليشمل عالم الطبيعة، فقرن عبادة ~~الأسلاف بعبادة مظاهر الطبيعة. لقد قدمنا، بتفصيل أكثر، مذهب تيلور في موضع سابق من ~~هذا الكتاب، ولكن ما أريد إضافته هنا يتعلق بالموقف العقلاني الذي تقوم عليه الأرواحية؛ ~~فالدين عند تيلور إنما ينشأ نتيجة التأمل في العمليات النفسية للإنسان، وبشكل خاص، فإن ~~التأمل في الأحلام هو الذي يقود إلى افتراض وجود الروح، ms275 فإلى عبادة أرواح الأسلاف ~~ومظاهر الطبيعة؛ وبذلك يكون الدين قد نشأ، في تفسيره، على عدد من المفاهيم الذهنية التي ~~تكونت نتيجة الفكر والتأمل. # 1 # النظرية الرئيسية الأخرى في الاتجاه العقلاني هي النظرية الطبيعيانية. وقد جاء ~~أصحابها في صفوف الباحثين في أديان الحضارات الكبرى، لا من صفوف علماء الأنتروبولوجيا ~~والإثنولوجيا. وقد ساهم في صياغة هذه النظرية عدد من الباحثين من أمثال الألماني # A. Kuhn ~~(عام 1859م)، والفرنسي # M. ~~Breal ~~(عام 1863م)، ولكن المسئول الأخير عن صياغتها بأوضح الأشكال ~~وأكثرها تأثيرا على العصر هو ماكس مولر # Max Muller ~~(عام 1878م). # يظهر الموقف العقلاني منذ البداية في تفكير مولر، حيث يؤكد على أن الاعتقاد الديني لا ~~يتضمن عنصرا لا يقوم على الإدراك الحسي والتصور المسبق. لكن ما هي المدركات الحسية ~~التي قادت إلى تكوين الدين؟ ينطلق مولر من دراسة أسفار الفيدا السنسكريتية في الهند، ~~فيجد أن معظم أسماء الآلهة الهندوأوروبية، هي كلمات دالة على ظواهر طبيعية؛ فالاسم أغنى # Agni # الذي يطلق على إله النار، هو في الوقت نفسه ~~اسم للنار، سواء في السنسكريتية أم في لغات هندوأوروبية أخرى. ففي اللاتينية لدينا كلمة # Ignis # التي تدل على النار بمفهومها الفيزيائي ~~المعتاد دون أية ظلال ما ورائية، ومثلها كلمة # Ugnis # بالليتوانية، و # Ogni # بالسلافية القديمة. والشيء نفسه ~~ينطبق على الاسم # Dyaus # الذي يطلق على إله السماء في ~~السنسكريتية، والذي يعني أيضا السماء الوضاءة. وللاسم ما يقابله في الإغريقية وهو # Zeus ~~، وفي اللاتينية # Jovis ~~، وفي الجرمانية الشمالية # Zio ~~. وبعد سلسلة من هذه المقارنات اللغوية، يخلص ~~مولر إلى القول بأن العواطف الدينية في أشكالها الأولى إنما نشأت نتيجة استثارة جاءت من ~~عالم الطبيعة؛ فلقد أدهشت مشاهد الطبيعة المتنوعة والمتغيرة أبدا إنسان العصر القديم، ~~وزرعت في نفسه بذور الإحساس الديني. إن الإعجاز الذي اتسمت به حركة الأجرام السماوية ~~وتعاقب الفصول ودورة الحياة النباتية، والروع الذي أثارته هذه المجريات في قلب الإنسان، ~~هو الذي أنتج فكرة المجهول في ذهنه مقابل فكرة المعلوم، واللانهائي في مقابل المحدود، ~~وهذا ما أعطى ms276 النبضات الأولى للأفكار الدينية ومفرداتها اللغوية. فلدى تفكره في مشاهد ~~الطبيعة، لم يملك الإنسان إلا أن يمتلئ بفكرة الاتساع واللامتناهي. فوراء الأبعاد التي ~~تدركها الحواس، هناك أبعاد وأبعاد، ووراء كل لحظة لحظة أخرى، وكل زمن زمن يعقبه نحو ~~أبد لا نعقله وإن أسميناه أبدا، المحيطات تترامى بلا أطراف، والأنهار تجري دون أن ~~ينفذ ماؤها، والريح تروح وتجيء مدفوعة بقوة لا تنفد. # 2 # غير أن المواجهة البكر مع الطبيعة، كما يرى ~~مولر، لا تقدم إلا الإحساس الديني في صيغته العمومية، أما الدين بشكله المنظم فلا يبتدئ ~~بالفعل إلا عندما تخرج مظاهر الطبيعة من حالتها المجردة في الذهن إلى حالة الفعل، ~~باعتبارها كائنات روحية تحيا وتفكر وتؤثر من الخارج؛ ذلك أن الدين الحقيقي هو أفكار ~~وممارسات تتمحور حول شخصيات مستقلة ذات هيئة وكيان، تنتمي إلى عالم الإعجاز الذي طرحته ~~المواجهة البكر مع الطبيعة. أما الانتقال من الظاهرة الطبيعة نفسها إلى الإله الذي ~~يمثلها، فيأتي من التأثير الذي تمارسه اللغة على الأفكار، أو من التباسات اللغة؛ وهذا ~~ما يدعوه مولر بالمرض اللغوي. فلقد وجد مولر أن اللغة السنسكريتية التي اعتمدها في ~~دراسته اللغوية-الميثولوجية، إنما تقوم على «الفعل» أكثر من قيامها على «الاسم»، وهو ~~حال اللغات السامية إذا نظرنا إلى جذورها اللغوية. ففي العربية مثلا، ترجع المعاجم ~~الكلمات كلها إلى جذر الفعل الثلاثي، ومن هذا الجذر نحصل على الأسماء كلها والصيغ ~~الناجمة عنه؛ ففعل «كتب» يعطينا «الكتاب» و«المكتبة» و«الكاتب»، وفعل «علم» يعطينا ~~«العلم» و«العالم» ... إلخ. فالأصل في اللغة إنما يقوم على الحركة و«الفعل» لا على الثبات ~~و«الاسم»، وليست الأسماء إلا حالة معينة من حالات الفعل. من هنا يرى مولر أن قدماء ~~الهندوأوروبيين في لغتهم السنسكريتية، قد أسموا قوى الطبيعة بما يدل على فعلها؛ ~~فالصاعقة هي الشيء الذي يمزق التربة أو ينشر النار، والريح هي الشيء الذي يصفر، والشمس ~~هي الشيء الذي يصدر السهام الذهبية، والنهر هو الشيء الذي يفيض، وما إلى ذلك، وبمرور ~~الزمن تم تحويل هذا الشيء الذي يمارس الفعل إلى شخصية تفعل ms277 كما يفعل الإنسان، وأخذت ~~الموضوعات الطبيعية التي أثارت في النفس الروع والإجلال تختفي وراء غلالات من ~~الاستخدامات اللغوية، حتى انفصلت عن الإدراك المباشر بواسطة المجازات، ثم تم أخذ هذه ~~المجازات بحرفيتها وظهرت الآلهة. وبذلك فرضت اللغة على العالم الطبيعي، كما يتجلى ~~للحواس، عالما متخيلا من الكائنات الروحية، التي اعتبرت منذ ذلك الوقت السبب الفاعل ~~وراء حركة الطبيعة. # لقد مارست نظرية الدين الطبيعاني تأثيرا واسعا على الحلقات الأكاديمية في زمنها، ~~وما زال بعض دارسي الميثولوجيا والدين في أيامنا يتبنون شكلا معدلا من أشكالها. ~~نذكر من هؤلاء # R. Pettazzoni # في كتابه # Essays On The History Of Religion ~~(عام 1954م)، ~~و # Thorkild Jacopsen # في كتابه # The ~~Treasures of Darkness ~~(عام 1976م)، وفي أبحاثه الأسبق التي نخص ~~منها مساهمته في كتاب # Before Philosophy # المعروف لدى ~~قراء العربية في ترجمته التي تحمل الاسم نفسه؛ أي «ما قبل الفلسفة». فلقد توصل Pettazzoni # نتيجة لدراسته الواسعة لميثولوجيات ~~العالم، إلى أن معظم الثقافات تعطي المركز الأول في مجمع الآلهة إلى إله السماء، أو ~~لشكل من أشكاله مثل إله الطقس. ويخلص من كل شواهده التي يسوقها إلى القول بأن السماء ~~هي المظهر الطبيعي الأسمى الذي زرع بذرة الإحساس الديني. أما # Jacopsen ~~، فيرى من دراسته للميثولوجيا السومرية أن ~~تمثيل الفكر الأسطوري لقوى الطبيعة باعتبارها آلهة، وحبك الأقاصيص عن حياتها ~~وعلاقاتها ببعض وبالإنسان، كان مفتاحا لاستيعاب الإنسان السومري لحركة الطبيعة وسير ~~عملياتها، في وقت كان من الصعب فيه على الإنسان صياغة معادل ذهني منطقي للعالم ~~الخارجي؛ وبالتالي فإن ظهور الآلهة وتطورها، لا يمكن أن ينشأ في استقلال عن علاقة ~~الإنسان بالطبيعة. # إن ما أريد قوله في التعقيب على أطروحات ~~الاتجاه العقلاني في نشوء الدين، هو أننا إذا قبلنا جدلا كل ما جاءت به النظرية ~~الأرواحية والنظرية الطبيعانية، فقد نقبله كتفسير لنشوء فكرة الآلهة في تاريخ الدين، لا ~~لتفسير نشوء الدين في حد ذاته؛ لأن الدين كان أسبق بكثير من المرحلة التي ظهرت فيها ~~الآلهة في الحياة الدينية للإنسان، كما أوضحنا بكل ms278 جلاء عبر الفصول السابقة من هذا ~~الكتاب. كما أريد أن أضيف إلى هذه الملاحظة عددا من الملاحظات الأخرى الصائبة التي ~~أثارها إميل دوركهايم في نقده للاتجاه العقلاني. # يرى دوركهايم أن المدرسة الطبيعانية قد أقامت حججها انطلاقا من نقدها للمدرسة ~~الأرواحية التي تنشئ الدين على أساس من التهويمات التي تتخذ من الأحلام والأرواح ~~منطلقا لها، فادعى الطبيعانيون أنهم إنما ينشئون الدين على أساس من الخبرة المحسوسة. ~~غير أن الطبيعانية في واقع الأمر لا تختلف عن الأرواحية من حيث النتيجة؛ لأنها تختصر ~~الدين في النهاية إلى نظام من التهيؤات القائمة على شبكة من المجازات التي تفتقر إلى ~~القيمة الموضوعية. فهنا لا تحتك الأفكار الدينية بالواقع إلا لكي تحجبه سريعا بغطاء ~~يخفي حقيقته، والإنسان لا يعيش من خلال منظوره الديني للوجود إلا في عالم مسكون ~~بكائنات لا تمتلك إلا وجودا شفويا معلقا في فراغ الوهم. فإذا أتينا إلى الركن الذي ~~تقوم عليه النظرية الطبيعانية، وهو إحساس الإنسان بالروع والدهشة أمام مظاهر الطبيعة ~~وحركة عناصرها، لوجدنا أننا هنا أمام افتراض يطرح كبدهية لم تخضع للنقد حتى الآن؛ ذلك ~~أن الطبيعة تظهر لنا نظاما روتينيا متكررا أكثر مما تظهر إعجازا، والمنتظم ~~المتكرر لا يمكن أن يترك في النفس أثرا عاطفيا كبيرا، فالشمس تشرق كل يوم ~~وتغيب، والقمر يسير في كل شهر عبر الأطوار نفسها، والأنهار تجري في أحواضها دون انقطاع. ~~قد يخسف القمر أحيانا وقد تكسف الشمس، وقد تفيض الأنهار أو تعصف الرياح، إلا أن هذه ~~الانقطاعات في مسار الطبيعة الروتيني لا تترك إلا انطباعات مؤقتة ما تلبث أن تزول، ولا ~~يمكن لهذه المفاجآت الطبيعية أن تكون أساسا لهذا النظام الدائم من المعتقدات ~~والممارسات مما ندعوه دينا. وفوق هذا وذاك، فإن مفهوم الطبيعة الطاغية هو مفهوم حديث ~~نسبيا؛ لأن الإنسان القديم لم يكن يشعر بأن قوى الطبيعة أكثر من قواه الذاتية، بل كان ~~يعتقد بقدرته على التدخل في مسار العمليات الطبيعانية بواسطة طقوسه السحرية؛ فهو يأمر ~~الرياح ويتحكم بماء المطر ويحفظ حركة الأجرام السماوية. إنه ms279 لم يشعر قط بضآلته أمام ~~جبروت الطبيعة، فكيف يمكن لما يقع تحت سيطرتنا أن يثير فينا الروع الذي يولد الحس الديني؟ # 3 # لقد وجد العقلانيون في الدين نظاما من الأفكار، ينطلق من واقعة بيولوجية مثل ~~الأحلام عند الأرواحيين، أو واقعة طبيعية مثل ظاهرة ما من ظواهر الطبيعة المؤثرة عند ~~الطبيعانيين. وهم يؤكدون على أن فكرة الألوهة تنشأ في الذهن نتيجة التأمل في موضوع ما، ~~ومحاولة الإجابة على تساؤلات تدور حوله. غير أن المؤمن عندما يصف لنا حقيقة إحساسه ~~الديني، لا نجد في وصفه موقفا فكريا عقلانيا من أي نوع؛ فالخبرة الدينية لا تعمل ~~على زيادة معارفه ومعلوماته بخصوص موضوعات معينة يجهلها الآخرون، بل تجعل منه إنسانا ~~متكاملا مع نفسه، ومع كل ما يحيط به؛ أي إن التفكير لا يخلق الخبرة الدينية في النفس ~~الإنسانية ولا يزرع فكرة الألوهة فيها، بل يأتي لاحقا لهذه الخبرة التي تداهم ~~الإنسان وتستولي عليه دون تفكير مسبق. والتأمل لا يسبق الإحساس بالألوهة، بل ينطلق من ~~هذا الإحساس نفسه ويستهدف التعامل معه بما هو كذلك. # إن الملاحظات النقدية التي سقتها أعلاه، ليست موجهة فقط إلى المدرستين الأرواحية ~~والطبيعانية، بل إلى كل رأي يعزو نشأة الدين إلى موقف عقلاني تفكيري من الحياة والوجود. ~~ولم يكن اختيارنا للمدرستين المذكورتين إلا باعتبارهما المؤسستين لهذا الاتجاه في ~~العصر الحديث وأقوى المعبرين عنه. وسننتقل الآن إلى نقد النظرية العاطفية في نشوء ~~الدين، وهي التي ترى في الدين انعكاسا للعواطف الإنسانية لا استجابة لتأملات ~~ذهنية. # يمكن تلخيص العواطف، التي يرى أهل الاتجاه العاطفي وجودها وراء الدين، إلى عاطفتين ~~أساسيتين عند البشر، هما: الخوف والطمع. وبما أن منتهى مخاوف الإنسان هو خوفه من الموت، ~~ومنتهى طمعه هو الاستمرار والخلود بعد الممات، فإن هاتين العاطفتين تتعاونان على صياغة ~~معتقد يقسم الإنسان إلى كيانين؛ واحد مادي وآخر روحاني. فإذا كان الموت لا بد مدرك ~~كيانه المادي، كما تعلمنا الخبرة اليومية، فإن الكيان الروحاني سوف يجتاز واقعة الموت، ~~ويترك سكنه المؤقت الذي آل إلى التلف إلى ms280 مستوى آخر للوجود يتمتع فيه بالحياة الأبدية. ~~وبما أننا نواجه فكرة الروح هذه، إلا ما ندر، في كل ديانة قديمة أو حديثة مما وصل إليه ~~علمنا، كما نواجه في كل منها تصورا ما لحالة الروح بعد واقعة الموت الفردي، فقد ~~توصل أهل النظرية العاطفية إلى القول بأن الحس الديني هو نتاج ثانوي لعاطفة الخوف من ~~الموت وعاطفة الطمع في الخلود، وأن مفهوم الألوهة لم يترسخ إلا لكي يضمن الإنسان لنفسه ~~خلاصا وبقاء أبديا. # فإلى أي حد تفلح هذه النظرية، وما أكثر أتباعها، في تقديم تفسير يتوافق مع ما نعرفه ~~عن تاريخ الأديان ومعتقداتها؟ # في مجال العلوم الطبيعية، تقوم نظرية ما من أجل تفسير عدد من الظواهر المتكررة ~~والمتشابهة. وتبقى هذه النظرية مجدية حتى يثبت لنا عدم مقدرتها على تفسير بعض الظواهر ~~الداخلة في مجالها، أو حتى ظاهرة واحدة مفردة فقط؛ ذلك أن أهم ما يجب أن تتصف به ~~الظواهر التي تفسرها النظرية هو تماثلها وتكرارها، وصمودها أمام التغير باختلاف المكان ~~والزمان. فقانون الثقالة (الجاذبية) سوف يفقد قدرته على تفسير حركة الأجسام، إذا ~~اكتشفنا جسما يسير بأسرع من الضوء. كما أننا سوف نضطر إلى إعادة النظر في كل قوانين ~~الحركة (= الميكانيك) إذا خرقت كرة القدم في ملعب ما أحد القوانين الرئيسية في الحركة، ~~ولم ترتد عن عارضة المرمى بعد اصطدامها بها. ولعل الأمر لا يختلف كثيرا في مجال العلوم ~~الإنسانية عن العلوم الطبيعية، بخصوص صلاحية نظرية ما أو بطلانها؛ فالنظرية مطالبة ~~هنا أيضا بتقديم تفسير لجميع الظواهر التي تصدت لتفسيرها، لا لبعضها. وبما أن معطيات ~~تاريخ الأديان، وعلم الأديان المقارن، ومعطيات الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا، تزودنا ~~بأكثر من مثال على معتقدات دينية، من بدائية وغيرها، لا نجد فيها أثرا لفكرة خلود ~~الروح الفردية، ولا لعالم أفضل ترحل إليه أرواح الموتى، فإن النظرية العاطفية في تفسير ~~نشوء الدين، أي نظرية الخوف من الموت والطمع في الخلود، تهتز أركانها أمامنا. ولسوف ~~أعمد فيما يلي إلى تقديم البرهان على أن الخوف والطمع لا يكمنان عند جذور ms281 الدين، وذلك ~~من خلال عرض عدد من الأمثلة الموثقة توثيقا جيدا، ومختارة من تاريخ الدين ومن ملفات ~~الأنتروبولوجيا الميدانية. # يعطينا معتقد الإنسان الأسترالي في تناسخ الأرواح فكرة واضحة عن نظرته إلى مسألة ~~النفس وخلود الروح. ومعتقد التناسخ الأسترالي، كما أوضحنا سابقا، لا يشبه أي معتقد آخر ~~في التناسخ؛ ففي بداية الزمان عاش على الأرض فريق من الناس، هم الأسلاف الأسطوريون ~~الذين رحلوا بعد أعمار مديدة إلى باطن الأرض، ولكن أرواحهم بقيت خالدة تتجدد في كل ~~جيل. وهم يدعون هؤلاء الأسلاف بأكثر من اسم وصفة، وكلها تؤدي معنى «الأسلاف غير ~~المخلوقين»، وهؤلاء مسئولون، كما رأينا، عن تناسل الناس؛ ففي تجوال أرواحهم خارج مقرها، ~~تجسد نفسها في أجسام؛ وبذلك يجسد السلف نفسه في أكثر من مولود، ويعيش عددا من الحيوات ~~في آن واحد، مع احتفاظه بنواته التي تبقى خارج سلسلة التجسدات. من هنا يمكن القول بأن ~~الأسترالي لم يؤمن قط بالروح الفردية؛ لأن روحه ليست إلا شذرة من كل، وإلى هذا الكل ~~تعود بعد الموت. أما شخصية صاحبها المؤقت، فلا تتمتع بالخلود في حياة قادمة أخرى، وهي ~~آيلة حتما إلى الفناء مع فناء شقها المادي. ومع ذلك، فقد كان الأسترالي إنسانا ~~متدينا، رغم عدم إيمانه بالروح الفردية وخلودها، واحتوت ديانته على كل مقومات الدين ~~المتكامل في صيغته البدائية. ويمكن لدارس الدين الأسترالي أن يقول بكل ثقة بأن مفهوم ~~الروح هو ناتج ثانوي من نواتج الدين، وليس باعثه الرئيسي ولا حتى باعثا من ~~بواعثه. # في مثالي الثاني أنتقل من أديان الشعوب البدائية شبه المنعزلة، إلى أديان الشعوب ~~البدائية التي عاشت على أطراف الحضارات الكبرى. والمثال هنا عن معتقدات القبائل ~~التيوتونية في أوروبا الشمالية، وهي القبائل التي عاشت على حدود مناطق النفوذ الروماني ~~في أوروبا، وقاومت انتشار المسيحية حتى وقت متأخر من العصور الوسطى. فلقد آمن التيوتون ~~بوجود الروح الفردية التي تسكن الجسد، واعتقدوا بالخلود الفردي لهذه الروح بعد موت ~~صاحبها، ولكنه خلود الفناء التام أرحم منه؛ فالأرواح بعد انفصالها عن الأجساد لا ترحل ms282 ~~إلى آخرة خير من الأولى، وإنما تهبط إلى أرض الظلمة في العالم الأسفل لتستمر في وجود ~~شبحي لا نكهة فيه للعيش ولا متعة، لا فرق في ذلك بين أمير أو فقير أو بين صالح في هذه ~~الحياة أو طالح. يدير شئون العالم السفلي إلهة مرعبة أسميها هيل # Hel ~~، لها رأس يتطوح أمامها عندما تتحرك، ووجها ممسوح ~~الملامح في نصفه الأيسر، واضحها في نصفه الأيمن. وكلما هبطت روح جديدة هبت هيل ~~لاستقبالها وحددت لها مكان سكناها في عالمها الواسع، الذي يتألف من أجنحة وأقسام ~~كثيرة، لكل فئة من الأرواح مثواها ومقرها فيه إلى أبد الآبدين. وهناك قاعة شرف خاصة ~~مهيأة للموتى من الآلهة أنفسهم؛ ذلك أن الآلهة في المعتقد التيوتوني خالدة ما لم ~~تتعرض للقتل العمد من قبل من هو أقوى منها. ولديهم أسطورة تحكي كيف أن كبير الآلهة ~~أودين لم يستطع إنقاذ ابنه بالدر، الفتى المحبب لدى الآلهة جميعا، من قبضة الإلهة ~~هيل، وكيف أنه أرسل أشجع إخوة القتيل بالدر، المدعو هيرمود، في مهمة مستحيلة لاسترجاع ~~أخيه. وصل هيرمود، بعد قهره ما يشبه المستحيل، إلى قصر الملكة هيل في بؤرة الأعماق ~~المظلمة، حيث استقبلته بما يليق بابن كبير الآلهة من حفاوة وتقدير، وعندما استمعت ~~لرغبة كبير الآلهة في استرجاع ابنه وافقت، ولكن بشرط واحد، وهو أن تبكي كل الجمادات ~~والأحياء في العالم الأعلى الإله الغائب. بعث الآلهة رسلهم إلى الجهات الأربع، طالبين ~~من كل إنسان وكل حيوان وكل حجر وشجر ونبع ونهر أن يبكي الإله الميت بالدر، ففعل الجميع، ~~وقامت مناحة في طول الأرض وعرضها. ولكن عندما وصل الرسل إلى عجوز من جنس العمالقة تأوي ~~وحيدة إلى مغارتها الجبلية، أدارت لهم ظهرها بدون اكتراث، وقالت: لم يقدم لي بالدر في ~~حياته منة ما، فلماذا أبكي عليه؟ دع الموت يمسك موتاه. وبذلك خسر الإله الفتى فرصته ~~الوحيدة للخلاص من العالم الأسفل، ولم تكن تلك العجوز سوى هيل نفسها. # 4 # ورغم أن مكانة سكان العالم الأسفل في المعتقد التيوتوني تختلف باختلاف المكانة ms283 التي ~~كانت لهم في العالم الأعلى، إلا أن الفروق في شروط المعيشة في عالم هيل ليست بالقدر ~~الذي يخفف من بؤس مصير الروح هناك. وأغرب مصير تصير إليه زمرة من الأرواح الهابطة إلى ~~هيل، هو مصير جماعة المحاربين الذين سقطوا في ساح القتال؛ فهؤلاء يحلون ضيوفا في قاعة ~~شرف خاصة بهم، ولهم فيها ما يشتهون من طعام أو شراب، يطوف به عليهم عذارى حسان ، ~~ويلبين لهم كل مطلب. غير أن هؤلاء المحاربين محكومون بخوض قتال لا يهدأ في كل يوم؛ ~~فمع ابتداء اليوم الجديد يتخذ الأبطال عدتهم للحرب وينخرطون في قراع يستمر إلى آخر ~~اليوم حيث يأوون إلى أسرتهم؛ لكي يتابعوا الأمر نفسه في اليوم التالي. فأي مصير ينتظر ~~أشجع وأقوى ما عرفته أوروبا من مقاتلين؟ وأي عزاء يحمله هذا المعتقد إلى المؤمنين؟ وكيف ~~يكون الخوف من الموت والطمع في الخلود هنا أساسا لنشوء معتقد ديني لا يطامن من خوف ولا ~~يرضي طمعا؟ # فإذا عدنا القهقرى إلى حضارات الشرق القديم، وجدنا في معتقداتها حول الروح ومآلها ما ~~يشبه المعتقدات البدائية الأوروبية، وذلك باستثناء مصر الفرعونية التي تنفرد ديانتها ~~بتصورات خاصة بها. ففي المعتقد السومري وصنوه البابلي، تهبط الروح إلى العالم الأسفل ~~الذي تحكمه الإلهة إريشكيجال، الملكة المرعبة التي يخافها حتى الآلهة الأعلون. في ذلك ~~العالم، تتساوى مصائر الأرواح الهابطة إليه، مع فروق طفيفة تتوقف على المكانة ~~الاجتماعية السابقة للمتوفى، وعلى مقدار التزام أهل الميت بطقوس الدفن وغيرها من الطقوس ~~المخصصة لراحة أرواح الموتى، من تقديم أضاح وما إليها. كما أن بعض الأعمال الصالحة في ~~الحياة الدنيا قد تخفف من وطأة العالم الأسفل على الروح. نقرأ في النص السومري ~~المعروف بعنوان «جلجامش وإنكيدو والعالم الأسفل»، كيف انسلت روح إنكيدو الميت من كوة ~~إلى العالم الأعلى لتشرح لجلجامش أحوال عالم الموتى. وبعد أن يتعانق الصديقان: # إنكيدو ~~: # إذا كان علي أن أحدثك عن مسالك العالم الذي رأيت عليك أن تجلس أولا ~~وتبكي. # جلجامش ~~: # سأجلس وأبكي. # إنكيدو ~~: # إن جسمي الذي لم تمسك به في ms284 العناق، تنهشه الهوام حتى غدا كالخرقة البالية، ~~جثة مليئة بالتراب. ~~(فصرخ جلجامش يا ويلاه، وسقط على وجهه في التراب.) # جلجامش ~~: # هل رأيت في العالم الأسفل من أنجب في حياته ولدا واحدا؟ # إنكيدو ~~: # نعم لقد رأيت، إنه جالس عند الجدار يبكي بحرقة. # جلجامش ~~: # هل رأيت الذي أنجب ولدين؟ # إنكيدو ~~: # نعم لقد رأيت، إنه يسكن في بيت من الآجر ويأكل الخبز. # ثم يتابع النص على هذا المنوال، حتى نصل إلى استفسار جلجامش عن الموتى، الذين لا ~~يعتني الأحياء بأرواحهم: # جلجامش ~~: # هل رأيت الذي تركت جثته في العراء؟ # إنكيدو ~~: # نعم لقد رأيت، إن روحه لا تجد راحة في العالم الأسفل. # جلجامش ~~: # هل رأيت من لا يعتني الأحياء بروحه؟ # إنكيدو ~~: # نعم لقد رأيت، إنه يأكل الأقذار وما يرمى في الممرات من فتات. # 5 # هذه الأرواح التي تهيم في العالم الأسفل وتأكل الفتات، هي التي تنسل أحيانا إلى ~~عالم الأحياء لتسبب لهم القلق والفزع، ولا تعود إلى مقرها إلا بتقريب القرابين. نقرأ ~~في النص الآشوري: «أي شمش، يا إلهي. إن شبحا مرعبا يجثم على صدري، يلاحقني كظلي ~~في الليل وفي النهار، جاعلا شعر رأسي ينتصب رعبا ... هل هو روح هائمة لا تجد مستقرا؟ ~~يا إلهي، أتوسل إليك، هذه عباءة لملبسه، وهذا حذاء لقدميه، وهذه قطعة جلد لمنطقته، ~~وماء قراح لشرابه، وطعام لمئونة عودته ... فليمض إلى مغرب الشمس ويسلم إلى نيدو حارس ~~العالم الأسفل، فيدخله ويوصد خلفه الأبواب.» # 6 # من هنا، فإن الصلاة إلى الآلهة، في الدين البابلي، لا ترفع طمعا في خلاص ~~الروح إلى عالم أفضل، بل طمعا بمزيد من أيام العمر في هذه الحياة. نقرأ نصا ~~بابليا: «إن القرابين تمد في الأعمار ... وخشية الآلهة تطيل الأيام على هذه الأرض.» ~~ونقرأ في دعاء لأحد ملوك بابل: «يا إلهي، احفظني من الخطيئة نحو ذاتك العظيمة، وامنح لي ~~عمرا مديدا، وازرع في فؤاد ابني وبكري مخافتك وخشيتك، فلا يقترف ذنبا؛ ليمنح ~~أياما كثيرة.» وعن ملك آشوري نقرأ: «إن ما قدمته يدا أبي من أفعال وما قربه من ms285 ~~قرابين قد سر فؤاد الآلهة فعاش عمرا مديدا.» وعن ملك آشوري آخر: «لدوام الصحة وطول ~~العمر وامتداد الحكم، أسجد إليك أيتها الآلهة.» وعلى العكس من ذلك، فإن الخطيئة تقصر ~~العمر وتقطع سلسلة الأيام كما يقول أحد النصوص الآشورية: «من لا يخشى الآلهة سيكسر ~~عوده كقضيب القصب.» # لذلك، عندما انقشعت الغشاوة عن بصيرة جلجامش، في الملحمة البابلية، ورأى أن كل ما ~~يصنعه الإنسان في حياته باطل، وأن الأيام مهما امتدت به لا بد وأن تقوده إلى موت ~~أكيد، لم يلتفت إلى الدين البابلي يطلب العزاء عنده، ولا إلى آلهة قومه يستجدي خلاص ~~روحه؛ لأنها لا تستطيع أن تمنح مثل هذا الخلاص، بل رام الخلود في هذه الحياة، أو راح ~~يبحث عن خلاص لم تبشر به ديانة وادي الرافدين، معتمدا على نفسه فقط دون عون من إله أو ~~بشر. ولو كان في المعتقد البابلي مفهوم حقيقي لخلاص الروح إلى عالم أفضل، لما طرحت ~~مسألة الموت نفسها بهذا الإلحاح على الفكر البابلي. # فإذا انتقلنا من حضارة الهلال الخصيب في قرنه الشرقي، نحو قرنه الغربي في سوريا، لم ~~تقدم لنا الوثائق الكتابية صورة واضحة عن معتقدات الموت وأحوال الروح في الدار ~~الآخرة؛ وذلك بسبب ندرة هذه الوثائق خارج موقع أوغاريت من جهة، وعدم عناية ما عثر عليه ~~منها بالموضوعات الميثولوجية والدينية. ورغم أننا نعرف من ألواح أوغاريت عن وجود عالم ~~أسفل يرعاه الإله موت، وعن هبوط الإله بعل ميتا إليه، إلا أن التفاصيل التي أمدتنا ~~بها الوثائق الكتابية عن هذا الموضوع قليلة أو شبه معدومة في سوريا. من هنا فإننا لا ~~نستطيع إلا الاعتماد على كتاب التوراة، الذي ورث الكثير من المعتقدات الكنعانية في ~~الروح، وأحوالها بعد الموت في الدار الآخرة. # يظهر المعتقد التوراتي، في الروح وأحوال الدار الآخرة، شبها واضحا بالمعتقد ~~الرافدي؛ فالأرواح متساوية في مصيرها، وهي تهبط إلى دار سفلى اسمها «شيئول»، أو ~~«الهاوية» وفق الترجمات العربية للتوراة. وهذه الدار تقع تحت الأرض (سفر العدد 16: ~~30-32)، ولها أبواب تذكرنا ببوابات العالم السفلي ms286 الرافدي السبع (إشعيا 38: 10)، وهي ~~أرض ظلمة وديجور لا يرى أهلها نورا (صموئيل الثاني 22: 6، والمزمور 6: 5، و88: 12)، ~~وإليها تذهب أرواح الموتى دون استثناء (التكوين 37: 35، والمزمور 31: 17، وإشعيا 38: ~~10)، وهي عميقة وتبتلع (التثنية 3: 22، والأمثال 1: 12). والإله التوراتي لا سلطة له ~~على العالم الأسفل: «أفلعلك يا رب للأموات تصنع عجائب؟ أم الأخيلة تقوم تمجدك؟ هل يحدث ~~في القبر برحمتك أو بحقك في الهلاك؟ هل تعرف الظلمة عجائبك وبرك في أرض النسيان؟» ~~(المزمور 6). والموتى قد فقدوا في الدار الآخرة السفلى كل صلة لهم بإله الأحياء، فلا ~~بعث ولا نشور ولا حساب، نقرأ في (إشعيا 43: 17): «يضطجعون معا لا يقومون، قد خمدوا ~~كفتيلة انطفأت.» وفي (إرميا 51: 39): «ينامون نوما أبديا ولا يستيقظون.» وفي (أيوب ~~14: 10-12): «أما الرجل فيموت ويبلى؛ الإنسان يسلم الروح، فأين هو؟ قد تنفد الحياة من ~~البحيرة والنهر يجف، والإنسان يضطجع ولا يقوم.» # على أن احتكاك محرري أسفار التوراة بالفكر الديني الفارسي في المنفى إبان حكم ~~قورش الأول، قد أدى إلى ظهور أفكار ضبابية حول الثواب والعقاب وخلاص الروح بعد ~~الممات، ولكن النصوص المتعلقة بهذه الأفكار قد بقيت غامضة وعرضة للتأويلات والتفسيرات ~~المتباينة. وانعكس هذا التردد على المسيحية في فتراتها الأولى قبل استقلالها عن ~~اليهودية، حيث بقي المعتقد المسيحي في بدايات تشكله دون موقف واضح من مسألة خلود الروح ~~الفردية وخلاصها، وتخبط فترة لا بأس بها قبل أن يتوصل إلى قرار حاسم بخصوصها. ويظهر ~~لنا إنجيل نيكوديمس المنحول هذا الموقف الغامض؛ فالسيد المسيح بعد أن يسلم الروح على ~~الصليب، يهبط إلى العالم الأسفل ويحرر الأنبياء والقديسين فيرفعهم معه إلى السماء، ~~أما بقية سكان الهاوية فلا نعرف شيئا عن مصيرهم. # 7 # فإذا نظرنا إلى أديان الهند والشرق الأقصى عامة، وجدنا أن معتقداتها في الروح والخلود ~~لا تتفق وفكرة خلود الشخصية الفردية؛ فالبوذية تنفي وجود الروح الفردية، كما تنفي وجود ~~جوهر روحي يحل في الأحياء عبر تناسخات متتالية، وما الفرد إلا حالة عابرة لا تتكرر، في ~~سلسلة تقمصات الكارما التي تئول إلى الانطفاء التام في النيرفانا. أما في الهندوسية، ~~فرغم التوكيد ms287 على وجود جوهر روحي ثابت محكوم بالتناسخ في الأجساد، وقادر على تحقيق ~~الانعتاق النهائي، إلا أن هذا الجوهر الخالد لا يتطابق في الواقع مع أي من الشخصيات ~~المفردة التي تجسد فيها، عبر مليارات السنين التي قضاها في الانتقال من ظهور إلى ~~آخر. من هنا، فإني لا أرى فارقا كبيرا بين مفهوم النفس الهندوسي، الذي هو حالة عارضة ~~لجوهر ثابت، ومفهوم اللانفس البوذي الذي هو حالة عارضة بلا جوهر ثابت؛ لأننا إذا ~~جردنا مفهوم الروح (أو الجوهر الثابت) في الهندوسية من كل الحالات الشخصية التي صارت ~~إليها قبل انعتاقها، فإنها تفقد محتوياتها من الأفعال والذكريات وتغدو خاوية بلا ماهية ~~أو قوام، لتذوب في الفراغ العظيم عقب انسلاخها عن آخر تقمصاتها. فأي فرق إذن بين ذوبان ~~الروح الكامل في براهمان كما يذوب النهر في المحيط، وبين انطفاء سلسلة الكارما في ~~النيرفانا البوذية، طالما أن الروح لا تعيش استقلاليتها خارج سلسلة التناسخ إلا لتذوب ~~في المطلق؟ # إن الخوف من الموت والطمع في الخلود لا يكمنان في أساس الدين ولا يبعثان على نشوئه، ~~والنظرية العاطفية قاصرة على تسويغ وجود أديان لا تقدم لأتباعها مثل هذا العزاء، وذلك ~~من أكثرها بدائية وبساطة إلى أكثرها تجريدا وتفلسفا. مما لا شك فيه أن بعض الأديان قد ~~صاغ تصورا بهيجا عن خلود للشخصية الفردية في عالم مثالي قادم، وأنه قد استخدم فكرة ~~الخلود الشخصي من أجل تثبيت مثله الأخلاقية والتمكين لنواظمه التشريعية، إلا أن ~~دراستنا لتاريخ الدين تظهر بكل جلاء أن معتقدات الروح الفردية وخلود الشخصية قد بنيت ~~على المعتقد الديني، ولم تشكل في أي وقت باعثا من بواعث الدين. # إن رفضنا للاتجاهات التفسيرية المستعرضة أعلاه، # 8 # يعني أننا نرفض تفسير الدين بما ليس هو، وذلك بإرجاعه إلى نظام معرفي آخر، ~~أو تقليصه إلى ظاهرة أدنى منه، ويستخدم هذا الموقف الإرجاعي، عادة، صيغة تقريرية ~~تقول: «إن الدين ليس إلا ... كذا.» وبذلك تنتهي مشكلة الدين لتبدأ مشكلة ال «كذا» الذي تم ~~إرجاع الدين إليه، وتغيب الظاهرة الدينية في ركام ms288 النظام الآخر الذي أحلنا الظاهرة ~~الدينية إليه، باعتبارها ناتجا ثانويا من نواتجه، لا يتمتع بخاصية متفردة. ولعل أبلغ ~~مثال على الموقف الإرجاعي، هو الإرجاعية السيكولوجية، التي تختصر الدين إلى جملة من ~~العمليات النفسية، التي تمكننا دراستها من التعرف على أصول الدين كظاهرة نفسية لا ~~تتمتع بأساس موضوعي صلب. وتبلغ الإرجاعية السيكولوجية عند سيجموند فرويد أكثر أشكالها ~~تطرفا، عندما يقرر أن الدين ما هو إلا عوارض عصابية يمكن دراستها في جملة ما ندرس ~~من ظواهر العصاب عند البشر. # لا يقدم فرويد في أي من مؤلفاته تعريفه الواضح للدين، وهذا ما يجعله يتعامل مع ~~عناصر ثانوية من الظاهرة الدينية، وكأنها حجر الزاوية التي يقوم عليها الدين؛ فهو يمزج ~~مثلا بين الحس الديني والحاجة إلى الإله المشخص الذي يقوم مقام الأب، فهذه الحاجة ~~نمت منذ أيام الطفولة، وتحت إحساس الطفل بالضعف وما يستتبعه من نظرة إلى الأب القوي ~~القادر على كل شيء. وهذه الحالة الطفلية تتعدى عنده مرحلة الطفولة الفردية لتشمل طفولة ~~الجنس البشري؛ فالمعتقدات الدينية القائمة اليوم تحمل معها طابع الأزمان الأولى التي ~~أنتجتها عندما كانت الحضارة طفلا يحبو، وهو يرى أن العزاء الذي تجلبه لا يستحق الثقة. ~~فالدين والحالة هذه هو مرحلة في تطور الحضارة ينبغي تجاوزها، مثلما يتجاوز الفرد أحوال ~~الطفولة العصابية في طريقه نحو النضج. وبتعبير آخر، فإن الدين هو ظاهرة عصابية على ~~المستوى العام تعادل الظاهرة العصابية على المستوى الخاص، إنه نوع من العصاب ~~الاستحواذي الذي يصيب الجماعة. وفرويد لا يميز بين الدين والتشريع، فيرجع ظهور الدين ~~إلى بدايات ظهور التشريع، خصوصا في كتابيه «موسى والتوحيد» و«الطوطم والتابو». فبعد ~~أن قتل الأولاد أباهم، في القبيل البدئي، الذي يفترض وجوده في بداية الأزمان، واستحوذوا ~~على نسائه، شعروا بالذنب وحرموا على أنفسهم نساء أبيهم، فكان ذلك أول تشريع سنه ~~البشر وابتداء للدين. # 9 # إن معارضتنا للإرجاعية، ومجالنا لا يتسع لعرض المزيد من نظرياتها، تستند إلى خصوصية ~~التجربة الدينية، وعدم قابليتها للإرجاع إلى ظاهرة أخرى؛ لأن في هذا الإرجاع إقرارا ~~بأن ms289 الدين وهم إنساني، وأن الخبرة الدينية هي جدلية ذاتية لا موضوع لها؛ فالدين ليس ~~وهما، والمؤمن ليس واهما في إحساسه بوجود قوة أعظم منه تضم الوجود إلى وحدة متكاملة؛ ~~لأن الخبرة الدينية قد ارتكزت عبر الأزمان على تجربة حقيقية صلبة، وعلى شرط معطى ~~للوجود الإنساني. من هنا، فإن الأديان كلها تقف على قدم المساواة، وتتمتع بدرجة واحدة ~~من المشروعية، حيث لا وجود لأديان حقيقية وأخرى زائفة، لأديان راقية وأخرى منحطة؛ لأنها ~~جميعا نتاج تلك التجربة الحقيقية الصلبة، والشرط المعطى للوجود الإنساني. فما هي هذه ~~التجربة؟ وتحت أي شرط تتم؟ # لقد توصلنا في بحثنا عن المعتقد الديني في بنيته الدنيا، إلى أنه يعكس إحساسا ~~بانقسام الوجود إلى قدسي ودنيوي، وأن القدسي يتصل بالدنيوي من خلال «حالة فعالية» هي ~~قوته السارية التي تجمعهما إلى دارة واحدة، باطنها الألوهة وظاهرها ما لا يحصى من ~~الظواهر الحية والجامدة. ولسوف نلتفت في الجزء الأخير من دراستنا هذه إلى البحث عن ~~الأساس الذي يقوم عليه هذا الاعتقاد، فنجده متجذرا في خبرة حقيقية طرفاها ~~الإنسان-الوعي من جهة، والكون-المادة من جهة أخرى. أما مضمون هذه الخبرة، فاجتماع الوعي ~~المتأمل إلى موضوعاته الخارجية، ووحدة طرفي الحقيقة؛ الإنسان والكون. # رحلتنا القادمة شاقة ومليئة بالمفاجأة، تتطلب عناء وصبر من قرر مرافقتنا حتى ~~الآن، إنها رحلة في الفيزياء الحديثة، في ذلك الجانب الذي يشكل الآن لبابها، والذي ~~يدعونه بالنظرية الكوانتية، أو بميكانيكا الكم. قد يبدو أن هذا الموضوع بعيد عن مسألة ~~الدين، ولكننا واجدون في نتائجه المدهشة الصيغة الحقيقية لعلاقة الإنسان- الوعي ~~بالكون-المادة؛ وبالتالي لمنشأ المعتقد الديني. # إن ما يعنينا هنا من فيزياء الكم هو نتائجها المعرفية، ودورها في اكتشاف الإنسان ~~لوضعه في هذا الكون وطبيعة علاقته به، بعد أن هزت بعمق كل ما كنا نعرفه عن أنفسنا ~~وعن الواقع الموضوعي الذي نتعامل معه، وأدت إلى إعادة نظر فلسفية في كل أفكارنا ~~التقليدية المتوارثة. ولكن، لكي نستطيع أن نفهم هذه النتائج المعرفية، لا بد لنا من ~~عرض مقدماتها بطريقة سهلة تضع القارئ في ms290 قلب أكبر مغامرة عقلية في تاريخ ~~الإنسان. # الباب السابع # | الوعي والكون # كلانية الوجود في الفيزياء الحديثة ومنشأ الدافع الديني # الفصل الأول # | العالم الكمومي والنظرية الكوانتية # فرض ميكانيك الكم نفسه على المسرح العلمي في بداية القرن العشرين بشكل تلقائي غير ~~مقصود، وتضافرت على دراسته وصياغة نظريته صفوة العقول في العالم المتقدم. والكم # Quantum # هو في الأصل اللغوي اليوناني كمية من شيء ~~ما. من هنا فإن تعبير ميكانيك الكم يعني دراسة حركة الكمات أو الكموم. فالطبيعة تبدو ~~وكأنها تحدث على دفقات؛ أي كوانتا # Quanta ~~، ويقوم ~~ميكانيك الكم بملاحظة ودراسة هذه الظاهرة. # 1 # تطور ميكانيك الكم تدريجيا، عندما وجد الفيزيائيون أنفسهم أمام ظواهر لا يمكن ~~تفسيرها بالرجوع إلى مبادئ الفيزياء النيوتونية التقليدية، فجاء هذا العلم الجديد من ~~أجل تكميل واحتواء القديم دون إلغائه، وذلك بتطوير وجهات نظر أكثر شمولية من شأنها ~~مساعدتنا على تفسير الطبيعة كما صرنا نلاحظها الآن؛ فالفيزياء النيوتونية ما زالت ~~صالحة لدراسة وتفسير العالم الكبري # Macrocosm ~~، كالنظام ~~الشمسي وغيره من الظواهر التي تسود الكون الأكبر، ولكنها باتت عاجزة عن دراسة وتفسير ~~العالم الصغري # Microcosm ~~؛ عالم الذرة والجسيمات ~~الدقيقة المكونة لها. وبتعبير آخر، فإن إنزال مركبة فضائية على سطح القمر لا يغدو ~~ممكنا دون استخدام مبادئ الميكانيك التقليدي، التي شرحها نيوتن في القرن السابع عشر في ~~كتابه المعروف بالمبادئ. أما التوغل في أعماق المادة، وفهم حركة ذراتها والإفادة من ~~طاقة هذه الذرات، فيتطلب منا التحول إلى ميكانيك الكم ومبادئ النظرية الكمومية ~~(الكوانتية). # بقي عالم الذرة عالما افتراضيا منذ أن طرح بعض فلاسفة الإغريق، وبعض حكماء الشرق، ~~تصورهم لبنية المادة على أنها مكونة من ذرات متراصة متماثلة هي اللبنات ~~الأولى، أو الوحدات الأساسية، التي لا يمكن تجزئتها إلى وحدات أصغر. ولم يتحول الافتراض ~~إلى واقع تجريبي حتى القرن التاسع عشر، عندما بدأ الفيزيائيون يلاحظون آثار ونتائج ~~الظاهرة الذرية. وأكثر من ذلك؛ فقد لاحظ الفيزيائيون في الوقت نفسه أن هذه الذرات ليست ~~الوحدات الصغرى النهائية المكونة للمادة، وإنما هي تتألف بدورها من وحدات ms291 أصغر منها هي ~~البروتون والنيترون والإلكترون، فدعوا مكونات الذرة هذه بالجسيمات الأولية، اعتقادا ~~منهم بأنها اللبنات الأساسية التي تؤلف الذرة وبالتالي المادة برمتها. ومع اكتشاف ~~الذرة ومكوناتها، اكتشف الفيزيائيون عدم صلاحية كل المفاهيم التقليدية التي تعودوا ~~استخدامها لوصف الموضوعات الطبيعية، مثل الموضع المكاني (= Position ~~) والسرعة (= # Velocity ~~) واللون والحجم وما إليها، والتي غدت غير ~~دقيقة بل وإشكالية أيضا، إذا أتينا لاستخدامها في عالم الجسيمات الدقيقة. ولكي نفهم ~~هذه النقلة الحاسمة في تصور وفهم طبيعة المادة ، لا بد لنا من إجراء مقارنة سريعة بين ~~مقتربات الفيزياء النيوتونية ومقتربات الفيزياء الحديثة الكوانتية. # تتمثل المساهمة الكبرى لإسحاق نيوتن في تاريخ العلم باكتشافه قوانين الحركة وقانون ~~التثاقل (= الجاذبية). فوفق قانونه الأول للحركة، إذا تحرك جسم ما على خط مستقيم، ~~فإنه سوف يستمر في التحرك على مساره إلى ما لا نهاية، إلى أن تتسلط عليه قوة خارجية ~~تحد من حركته أو تحرفه عن مساره. ووفق قانونه الثاني، فإن كل فعل يقابله رد فعل مساو ~~له في الشدة ومعاكس في الاتجاه. أما في التثاقل، فإن الأجسام جميعها تتبادل ما دعاه ~~نيوتن بالتأثير عن بعد وفق قوة تثاقل تفعل بينها. وهذه القوة هي التي تشد التفاحة ~~الناضجة نحو الأرض، وهي التي تحفظ أيضا القمر في مداره حول الأرض والكواكب في مساراتها ~~حول الشمس. # تصف قوانين الحركة عند نيوتن ما الذي يحصل لجسم ما وهو في حالة الحركة؛ فنحن نستطيع ~~إذا عرفنا قوانين الحركة أن نتنبأ بمستقبل الجسم المتحرك إذا توافرت لدينا معلومات ~~دقيقة عن أحواله الابتدائية، مثل سرعته الابتدائية واتجاهه الأصلي ... إلخ. وكلما ~~تزودنا بمعلومات ابتدائية أكثر عددا وأكثر دقة، كلما كانت تنبؤاتنا بالأحوال ~~المقبلة أكثر صوابا ودقة أيضا. وأكثر من ذلك، فإن المعلومات الحالية عن جسم متحرك ~~ما، من شأنها أن تكشف لنا عن أوضاعه الماضية أيضا. فإذا عرفنا الموضع الحالي للأرض ~~بالنسبة إلى الشمس والقمر، وعرفنا سرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس، فإننا نستطيع ~~التنبؤ بالكسوفات المقبلة للشمس، ونستطيع أيضا معرفة كسوفاتها الماضيات. فمن حيث ~~المبدأ، ms292 تعتقد الفيزياء النيوتونية بقدرتها على التنبؤ الدقيق والكامل بوقوع أية حادثة ~~فيزيائية، إذا توفرت لدى الباحث المعلومات الكافية حولها. إلا أن ما يمنع من تحقيق ~~مثل هذه التنبؤات الدقيقة والكاملة لكل الحوادث، هو الكمية الكبيرة من المعلومات ~~اللازمة أحيانا بخصوص حادثة ما، وتداخل هذه المعلومات. ولنأخذ مثالا على ذلك حالة ~~بسيطة تتعلق بارتداد كرة عن حائط وسقوطها بزاوية معينة في موضع معين، إن التنبؤ بمسار ~~هذه الكرة قبل اصطدامها، ونقطة الاصطدام، ثم ارتدادها ونقطة سقوطها على الأرض، يتطلب ~~تحصيل معلومات كاملة عن شكل وحجم ومرونة الكرة، وعن سرعتها الابتدائية وزاوية قذفها، ~~وعن كثافة وضغط ورطوبة وحرارة الهواء، وعن سرعة الريح وزاوية تأثيره على المقذوف، وعن ~~صلابة الحائط، وما إلى ذلك. فإذا تضمنت الحادثة الواحدة أكثر من عنصر، زاد حجم ~~المعلومات وتعقدت الرابطة بينها إلى درجة قصوى. ومع ذلك، فإن إمكانية التنبؤ الدقيق ~~والكامل تبقى قائمة، ولو نظريا، حتى في أعقد الحالات. وقد بلغت هذه القناعة عند نيوتن ~~حدا من الرسوخ، دفع به إلى القول بأنه لو قيض لنا معرفة كل المعلومات الابتدائية ~~المتعلقة بلحظة نشوء الكون، وكنا قادرين على معالجتها بكفاية تامة، لاستطعنا التنبؤ بكل ~~الأحداث التي تعرض لها الكون في الماضي وبما ينتظره في المستقبل. # تقود هذه الرؤيا النيوتونية إلى تصور حتمي جبري للكون؛ فكل ما جرى ويجري وسوف يجري، ~~قد تم تقريره في مطلع الأزمان، وما الكون إلا آلة جبارة تعمل بدقة وفق العوامل ~~الأولى التي أطلقت حركتها، ووفق قوانين دقيقة تنطبق على الأجسام الأرضية والأجسام ~~السماوية معا، وذلك بضم مبدأ التثاقل إلى مبادئ الحركة. ولكي يختبر نيوتن صحة اشتمال ~~قوانينه، التي استنبطها من ملاحظة حركة الأجسام من حوله، على حركة الأجرام السماوية ~~البعيدة، قام بحساب حركة القمر وبعض الأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية، باستخدام ~~معادلاته في الحركة العادية، ثم قارن الأرقام التي توصل إليها بالأرقام المتحصلة لدى ~~علماء الفلك، فجاءت النتائج متطابقة كل التطابق. وبذلك ألغى نيوتن، وبضربة واحدة، ~~الفاصل التقليدي القديم بين الأجسام الأرضية والأجسام السماوية، ms293 فكلا النوعين يخضع ~~للقوانين نفسها. فكان هذا أول توحيد من نوعه بين السماء والأرض، قائم على ملاحظة علمية ~~مبرهن عليها تجريبيا ورياضيا. # على عكس الفيزياء التقليدية، فنحن في ميكانيك الكم لا نستطيع، من حيث المبدأ، أن ~~نعرف ما يكفي عن الوضع الراهن لعناصر الحادثة الفيزيائية، لنستطيع التنبؤ بأوضاعها ~~المستقبلية، حتى لو توفرت لدينا أفضل معدات القياس. والمسألة هنا لا تتعلق بحجم هذه ~~المهمة وصعوبتها، كما هو الحال في الفيزياء النيوتونية، بل استحالتها؛ ذلك أن طبيعة ~~المادة في العالم الصغري تجعلها عصية على أساليب الفيزياء المعتادة في توقع المسار ~~المقبل للحدث. ولنضرب مثالا على ذلك، حادثة تقليدية في العالم الكبري وأخرى كمومية ~~في العالم الصغري. # إذا أقلعت طائرة من المطار ب في طريقها إلى المطار ج، بسرعة ثابتة مقدارها 800كم في ~~الساعة، فإننا نستطيع في أية لحظة معرفة مكانها على الطريق المؤدي إلى مطار الهبوط ج، ~~طالما أننا نملك معلومات عن سرعتها ووجهتها، فنقول إن الطائرة ستكون بعد ساعتين في س ~~على مسافة 1600كم من مطار الانطلاق. أما في العالم الكمومي، فإن التجارب على الجسيمات ~~الدقيقة قد برهنت عدم قدرتنا على معرفة سرعة جسيم ما وموضعه في آن واحد؛ ففي الوقت ~~الذي نستطيع به ضبط سرعة الجسيم، فإننا نفقد تماما موضعه، وعندما نستطيع تحديد موضعه ~~نفقد سرعته، وهذا ما يعرف بمبدأ الريبة أو اللاتعيين # 2 # The Uncertainity Principle # في الفيزياء ~~الكمومية. هذا الوضع لا ينشأ، كما يمكن أن يتبادر إلى الذهن، عن قصور في الوضع الحالي ~~لتقنيات القياس، بل هو وضع ناجم عن طبيعة العالم الكمومي، الذي تتحدى ظواهره تجاربنا ~~اليومية وفهمنا المعتاد. وتتعدى حالة اللاتعيين التي تواجهنا في ملاحظة حركة الكموم، ~~والعلاقة بين سرعة الجسيم وموضعه، إلى علائق أخرى مثل الزمن الذي تستغرقه حادثة على ~~المستوى الذري والطاقة اللازمة لإتمامها. # إن عدم قدرتنا على تقرير سرعة وموضع الجسيم، يعني أننا لا نستطيع التنبؤ بدقة بأحواله ~~المقبلة كما هو الأمر مع الأجسام المتحركة في عالمنا المعتاد. من هنا، فإن ميكانيك الكم ms294 ~~لا يتنبأ بأحداث محددة، بل باحتمالات وقوع هذه الأحداث. وفي هذا المجال، فإن ميكانيك ~~الكم يتمتع في حساب الاحتمالات بالدقة نفسها التي يتمتع بها الميكانيك التقليدي في توقع ~~الأحداث؛ فالفيزياء التقليدية تقول: إذا كانت الأمور الآن على حالة كذا وكذا، فإن كذا ~~وكذا لا بد حاصل. أما الفيزياء الكوانتية فتقول: إذا كانت الأمور الآن على حالة كذا ~~وكذا، فإن احتمال حدوث كذا وكذا هو ... وهنا يحسب الاحتمال بدقة وفق أساليب رياضية ~~خاصة. # ينجم عن هذا الوضع الذي نواجهه على المستوى الكمومي، مسألة فلسفية على غاية من ~~التعقيد؛ فالجسم الحقيقي يجب أن يتمتع بسرعة معينة، ويجب في الوقت نفسه أن يتواجد في ~~موضع معين. ولكن الوضع الكمومي يخيرنا بين معرفة واحد فقط من هذين الوجهين على حساب ~~فقدان الآخر. وهذا يعني أننا لا نؤثر فقط في عالم الواقع، بل إننا نعمل بشكل ما على ~~خلقه. فخيارنا لقياس السرعة يظهر لنا السرعة، وخيارنا لمعرفة الموضع يظهر لنا ذلك ~~الموضع. وبتعبير آخر، فإن خيارنا لمعرفة الموضع يظهر لنا ذلك الموضع. وبتعبير آخر، فإن ~~خيارنا لاكتشاف خاصية ما ربما يعمل على خلق هذه الخاصية وإظهارها إلى حيز وعي ~~المراقب. وهنا يزول مفهوم الإنسان المراقب للطبيعة، ليحل محله مفهوم الإنسان ~~المشارك في حدوث عمليات الطبيعية. وفي هذا يقول الفيزيائي المعروف من جامعة برنستون ~~جون ويلر ما يلي: ~~«إن أهم ما في الفيزياء الكوانتية أنها ألغت مفهوم العالم الذي يقع وراء عدسة ~~المراقب المستريح خلف أدوات رصده. إن رصد جسيم صغير مثل الإلكترون يتطلب من المراقب أن ~~يخترق أداة رصده ليصل إليه، إن عليه أن يختار بين تحضير عدته لرصد سرعة الإلكترون أو ~~تحضيرها بشكل مختلف لرصد موضعه؛ لأن أحد التحضيرين يمنع ويستبعد التحضير الآخر. وفوق ~~ذلك، فإن عملية القياس تغير من حالة الإلكترون الأصلية، ولن يعود الحال إلى ما كان ~~عليه قبل القياس. فإذا أردنا أن نصف حقيقة ما حدث، وجب علينا أن نتجاوز مفهوم المراقب، ~~ونستبدله بالمفهوم الجديد وهو المشارك؛ ذلك أن الكون هو، ms295 بطريقة غريبة ما، كون تشاركي.» # 3 # ففي العالم الصغري، إذن لا يستطيع الفيزيائي أن يلعب دور المراقب الموضوعي، كما ~~كان حال الفيزيائي التقليدي، والموضوعية العلمية هنا لا محل لها ولا معنى؛ لأن المراقب ~~ينخرط بشكل عضوي في العالم الذي يراقبه، إلى درجة تأثيره في الظاهرة التي يراقبها. فنحن ~~جزء من الطبيعة، وعندما نقوم بدراسة أية ظاهرة من ظواهرها، فإن الطبيعة بشكل ما هي ~~التي تعمل على دراسة نفسها بنفسها. ولسوف نرى فيما بعد كيف انتهت الفيزياء الحديثة إلى ~~موقف غير علمي (بالمعنى القديم للكلمة)، وذلك باكتشافها أن الرجوع إلى الوعي ضرورة ~~أساسية من ضرورات صياغة قوانين الميكانيك الكمومي. أما الآن فلنعد إلى بعض الأفكار ~~الأولية حول العالم الصغري. # إن الانتقال من العالم الكبري إلى العالم الصغري يتم على مرحلتين؛ الأولى تنقلنا ~~إلى المستوى الذري، والثانية إلى المستوى ما دون الذري؛ أي عالم الجسيمات الدقيقة. إن ~~أصغر جسم في العالم الكبري يمكن رؤيته بأقوى المجاهر ليحتوي على ملايين الذرات التي لا ~~يمكن رؤيتها مباشرة بأية وسيلة كانت. وإذا أردنا إعطاء فكرة عن مدى ضآلة حجم هذه ~~الذرات الموجودة، مثلا، في كرة بحجم طابة التنس، فإننا نطلب من القارئ أن يتخيل هذه ~~الطابة وقد تضخمت حتى غدت بحجم الكرة الأرضية، عندها فقط يمكن له رؤية ذراتها التي ~~تكون بحجم حبات العنب تملأ هذه الطابة التي ضاهت الأرض عظما. ولكن الذرة ليست أصغر ~~مكونات المادة؛ فلقد اكتشفت الفيزياء الحديثة، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أن الذرة ~~تتألف بدورها من جسيمات أصغر منها، تم حصرها مبدئيا في ثلاثة هي البروتون والنيترون ~~والإلكترون، ودعيت بالجسيمات الأولية، اعتقادا من العلماء بأن هذه هي المكونات ~~الأساسية للمادة ولبناتها الأولى. فإذا أردنا إعطاء فكرة عن مدى ضآلة هذه الجسيمات، ~~بدورها، بالنسبة إلى الذرة، فإننا نطلب من القارئ أن يتخيل الذرة وقد صارت بحجم قبة ~~مسجد يعادل ارتفاعها مبنى باثني عشر طابقا، عند ذلك يستطيع أن يرى نواة الذرة على ~~شكل بضع حبيبات من الملح هي البروتونات والنيترونات المكونة ms296 للنواة، وأن يرى ~~الإلكترونات عبارة عن نثرات من الغبار الدقيق تتحرك على مدارات حول النواة، أبعدها ~~يتطابق وسقف القبة العالية. هذا هو النظام الشمسي للذرة كما تصوره الفيزيائي ~~البريطاني رذر فورد عام 1911م، وكما طوره بعد ذلك الدانيمركي نيلز بوهر # N. Bohr # عام 1913م، اعتمادا على تجربته المشهورة في ~~تحليل طيف توهج غاز الهيدروجين. # إلا أن نظرية الكم التي ظهرت بعد ذلك بقليل، وتطورت خلال العقود الأولى من القرن ~~العشرين، قد أظهرت لنا أن الجسيمات الأولية في العالم ما دون الذري لا يمكن مقارنتها من ~~حيث طبيعتها بحبات الملح أو نثرات الغبار؛ لأن هذه الحبات والنثرات في العالم الكبري هي ~~«أشياء» أو «موضوعات» ذات كيان محدد، أما الجسيمات المدعوة بالأولية، فلا تمتلك ~~«وجودا» من هذا القبيل، بل إنها تنحو لأن تكون موجودة. ومقدار ميلها إلى الوجود يمكن ~~حسابه بواسطة الاحتمالات. إنها مقدار أو كم من شيء ما لا نستطيع تحديد هويته حتى الآن. ~~وبتعبير آخر، فإن الوحدات الأساسية المكونة للمادة ليست لبنات مادية، بل هي كموم من ~~موجود لا ندري كنهه، وأحداث احتمالية تتحقق عندما نجري عليها عملية القياس والرصد. ~~وبما أن عملية الرصد تغير، كما رأينا، من حقيقة المرصود وتحدث فيه اضطرابا، فإننا ~~لن نعرف قط حقيقة المرصود في ذاته، وبمعزل عن الراصد، هذا إن كانت له حقيقة مستقلة عن ~~مشاركتنا إياه حال الوجود. لقد أظهرت التحليلات الدقيقة لعمليات الرصد على المستوى ~~الصغري، أن الجسيمات الدقيقة (= ما دون الذرية) لا يمكن فهمها ككيانات منعزلة مستقلة ~~عن بعضها، وإنما كنوع من العلائق المتبادلة بين أدوات الرصد وما يرافقها من تحضيرات من ~~جهة، والنتائج التي تتحصل لدينا في نهاية عملية القياس والرصد من جهة أخرى. ونحن كلما ~~توغلنا في أعماق المادة، تقابلنا الطبيعة بنوع من الوجود تغيب في مواجهته فكرة ~~المكونات الأساسية، ليحل محلها فكرة النسيج الموحد الذي تشكله العلائق لا الوحدات ~~المادية الصغرى. ومع ذلك، فإن فيزياء الكم بقيت تتعامل مع الجسيمات الأولية باعتبارها ~~«أشياء» و«موضوعات»؛ وذلك لسببين؛ الأول استمرار ms297 نوع من الفكر الفيزيائي التقليدي في ~~الفيزياء الحديثة، والثاني عدم وجود خيار آخر في الوقت الحاضر أمام الفيزياء؛ لأن ~~لغاتنا التقليدية ومفاهيمنا السائدة ليست في حال يسمح بابتكار مصطلحات جديدة تستوعب ~~الرؤية الجديدة للكون. # لقد قلنا إن ميل الظواهر دون الذرية إلى الوجود تحكمه الاحتمالات. أما مبدأ الاحتمال ~~فمتصل بالإحصاء، والإحصاء هو وصف لسلوك الجماعات لا الأفراد. تستخدم أساليب الإحصاء ~~الحديثة على نطاق واسع اليوم من أجل التنبؤ بسلوك المجموعات. من ذلك مثلا، ما تقوم به ~~الجهات المختصة في مجتمع ما من دراسة النمو السكاني لهذا المجتمع، والمعدلات المرتقبة ~~لزيادة السكان خلال فترة معينة قادمة. إن هذه المعدلات المرتقبة تتنبأ بزيادة إجمالية ~~مقدارها كذا، ولكنها تعجز عن التنبؤ بالعائلات التي سوف تساهم في تقديم المواليد ~~الجديدة وتلك التي لن تفعل. وإدارة المرور في المدن الكبيرة تقوم بدراسات إحصائية تشمل ~~بعض التقاطعات الحرجة، لتعرف نسبة السيارات التي تنعطف نحو اليسار وتلك التي تنعطف نحو ~~اليمين، أو التي تتبع قدما نحو الأمام. وهنا تقدم قوانين الإحصاء مساعدة بالغة في ~~التنبؤ بالسلوك الإجمالي للسيارات، ولكنها تعجز عن تحديد السيارات التي سوف تنعطف ~~يمينا أو يسارا. # لقد عرفت الفيزياء التقليدية مبادئ الإحصاء وأفادت منها، إلا أنها اعتقدت بأن الصورة ~~الإحصائية لسلوك مجموعة فيزيائية ما، هي نتاج إجمالي لسلوك عناصر المجموعة. فالضغط ~~الحاصل مثلا على جدران مضخة هوائية، هو مجموع اصطدامات جزيئات الهواء المضغوط بتلك ~~الجدران، ونحن نستطيع ولو من حيث المبدأ أن ندرس مسار كل جزيء داخل المضخة وحساب الضغط ~~الفردي الذي يمارسه. أما في الفيزياء الكوانتية، فنحن لا نمتلك من حيث المبدأ أي وسيلة ~~للتنبؤ بالسلوك الفردي لأي جسيم؛ ولذا فإن التركيز هنا يتم على السلوك الإجمالي، أما ~~السلوك الفردي فسلوك احتمالي صرف ولا نستطيع تحديده بدقة. والاحتمال هو الخصيصة ~~الأساسية لميكانيك الكم. وهنا نستطيع أن نسوق مثالا مبسطا يوضح مفهوم الاحتمال ~~الكوانتي. فكلنا يعرف أن الكربون المشع يتحلل بمرور الزمن عن طريق إطلاقه لإشعاعات ~~معينة، وأن هذا النوع من الكربون يخسر نصف ms298 وزنه كل 160 سنة. فإذا دفنا في الأرض ~~غراما واحدا من الكربون المشع، فسنكون على بينة تامة من أننا لو أخرجناه بعد 1600 سنة ~~فسنراه وقد تحول إلى نصف غرام فقط، ولكننا لا نستطيع معرفة الذرات التي ستتحلل وتلك ~~التي ستبقى سليمة، كل ما نستطيع تقريره هو أن 50٪ من هذه الذرات سوف ينطلق على شكل ~~إشعاعات، و50٪ منها سوف يبقى في شكله الحالي. # إن الطابع الإحصائي للقوانين الفيزيائية الناظمة للعالم الذري وما دون الذري، لا يعكس ~~جهلنا الحالي بالعالم الصغري قدر ما يعكس طبيعة ذلك العالم، حيث الاحتمال هو الخصيصة ~~الأساسية التي تحكم كل العمليات الجارية فيه. فالجسيمات الأولية لا توجد على وجه ~~التأكيد في أمكنة ومواضع معينة، وإنما تظهر ميلا للوجود، والحوادث الذرية لا تأخذ ~~مجراها على وجه التأكيد في أزمنة معينة وبطرائق محددة، وإنما تظهر ميلا للحدوث. فمن ~~غير الممكن، مثلا، أن نقول على وجه التأكيد أين يوجد الإلكترون على مداره حول النواة، ~~وإنما نستطيع تكوين احتمالات عن ميله للتواجد في أمكنة مختلفة حول النواة، وذلك من خلال ~~صيغة رياضية تدعى تابع الاحتمال، تدلنا على إمكانيات تواجد الإلكترون في أمكنة متنوعة ~~وأزمنة متنوعة. لنفرض الآن أننا حررنا هذا الإلكترون من مداره حول النواة بواسطة ~~تجهيزات معدة لهذا الغرض، وذلك بقصد دراسة خصائصه ~~وسلوكه. إن إتمام عملية الرصد والاختبار هذه لن يتم إلا إذا ارتحل الإلكترون حرا وعبر ~~مسافة معينة، من منطقة التجهيز التي حررناه فيها إلى منطقة أخرى معدة للقياس، حيث ~~نتلقاه على لوح حساس كما هو موضح في الشكل ~~أدناه. # إن كل الأحوال التي يمر بها الإلكترون من مكان إطلاقه إلى اصطدامه باللوح الحساس، ~~هي أحوال احتمالية صرفة؛ فنحن لا نستطيع التأكد من مكان وجوده على مسار ارتحاله في زمن ~~معين، بل لدينا عدد من الاحتمالات عن تواجده في أماكن معينة وأزمنة معينة، تقدمها لنا ~~الصيغة المعروفة بتابع الاحتمال. وكذلك الأمر عن موضع سقوطه على اللوح الحساس؛ إذ إن ~~تابع الاحتمال يقول لنا إن هنالك 60٪ لإمكانية سقوطه ms299 في المنطقة # x # و40٪ لسقوطه في المنطقة # y ~~، والأمر كله خاضع للصدفة. فإذا سقط الإلكترون على ~~اللوح الحساس، فإنه يترك آثارا مرئية عليه يمكن تحليلها رياضيا بمساعدة الكمبيوتر ~~لاستخلاص النتائج. وبتعبير آخر، فإن خصائص الإلكترون لا يمكن تحديدها في معزل عن هذه ~~العملية، التي تنقسم إلى إجراءات في منطقة التجهيز وإجراءات في منطقة الاختبار، والجسيم ~~لا يوجد ولا يكون له معنى إلا في هذا السياق الرصدي، إنه ليس كيانا مستقلا، وإنما ~~رابطة تصل بين شقي جملة الرصد. ويجري التأكد من ذلك، إذا أدخل القائمون على التجربة ~~تعديلات على عملية التجهيز أو على عملية القياس؛ لأن خصائص الإلكترون المرصود سوف تتبدل ~~تبعا لذلك. وهذا كله يعني أن الجسيمات ما هي إلا تجريدات ذهنية تفيدنا في التعامل ~~العملي مع العالم الكمومي ولا تتمتع بوجود حقيقي. # سوف تتضح أمامنا هذه الأفكار على غرابتها تدريجيا، وسيكون لنا وقفات مطولة معها ~~لاحقا. أما الآن فعودة ثانية إلى بعض المفاهيم الأولية. # يعتقد معظم الناس بأن الفيزياء إنما تدور حول أشياء لا تتمتع بصفة الحياة، وذلك بعكس ~~الكائنات العضوية الحية. غير أن هذا التمييز بين الحي ~~والجامد قد صار اليوم أكثر مرونة، خصوصا في أعماق ~~عالم الجسيمات، حيث تبدو هذه الجسيمات في التجارب وكأنها تعالج المعلومات وتتصرف وفق ~~قراراتها الخاصة، التي تستند بدورها إلى قرارات تتخذها جسيمات أخرى بعيدة عنها. وأكثر ~~من ذلك؛ فقد بينت بعض التجارب أن تبادل المعلومات بين الجسيمات يجري بشكل آني ودون أن ~~يستغرق زمنا ما مهما كان ضئيلا؛ أي إنها تخرق المطلق الوحيد في عالم الفيزياء، الذي ~~هو سرعة الضوء. وهذا يعني أن الجسيمات تشكل ما يشبه العضوية الواحدة، وأن الكون ~~برمته ليس إلا كيانا عضويا متصلا. # والقصة تبدأ عام 1900م باكتشاف للفيزيائي الألماني ماكس بلانك، يعتبر البداية ~~الفعلية لميكانيك الكم. لقد اكتشف بلانك أن البنية الأساسية للطبيعة هي بنية متقطعة، ~~وكان ذلك في سياق دراسته لإشعاع الأجسام السوداء عند تسخينها. كان الفيزيائيون قبل ~~بلانك يعرفون أن الإشعاع الناجم عن توهج الأجسام ms300 المسخنة يحدث نتيجة لاستثارة ذرات ~~الجسم بالحرارة؛ ذلك أن إلكترونات الذرات المستثارة تأخذ بالذبذبة والاهتزاز بتأثير ~~الحرارة التي امتصتها، ثم إنها تشعها بشكل متصل وتدريجي حتى تهدأ وتفقد كل الطاقة ~~المكتسبة. ولكن بلانك قد اكتشف أن الأجسام المسخنة لا تكتسب الطاقة بشكل متصل ثم تشعها ~~بالطريقة نفسها، مثل نابض تم ضغطه ثم ترك لكي يتمدد ثانية، وإنما تكتسب هذه الطاقة ثم ~~تشعها على دفقات منتظمة متقطعة أشبه بالرزم المتساوية أو الوحدات المتماثلة، وكلما ~~شعت مقدارا من هذه الرزم هبطت إلى مستوى طاقي أدنى، حتى تهدأ تماما وتتوقف عن ~~الاهتزاز. وقد اعتمد بلانك مصطلح # Quanta ~~، أي الكم، ~~للإشارة إلى رزم الطاقة هذه، مدخلا بذلك المفهوم الكمومي إلى عالم الفيزياء، رغم ~~أنه سوف يمر سبع وعشرون سنة قبل أن تتخذ النظرية الكمومية شكلها وتدعى بهذا ~~الاسم. # لقد اكتشف بلانك أن الطاقة يتم استيعابها وإشعاعها على دفقات أو كموم، ولكن أينشتاين ~~هو الذي أثبت بعد ذلك بخمس سنوات أن الطاقة نفسها تحدث على دفقات، وأننا لا نواجهها ~~إلا في سلوكها الكمومي هذا. وقد استخدم أينشتاين تجربة بسيطة لإثبات نظريته، قوامها ~~حزمة من الضوء يجري تسليطها على لوح معدني أملس. عندما يصطدم الضوء بالسطح المعدني، ~~فإنه يتسبب في اقتلاع عدد من الإلكترونات التي تترك ذراتها وتتحرك طائرة في الهواء. ~~ولا يمكن لهذه الظاهرة أن تحدث إذا كان الضوء عبارة عن موجة تتحرك في الأثير، كما كان ~~الاعتقاد سائدا، بل لا بد أن يكون الضوء تيارا من ~~حبيبات تندفع بطاقة معينة من شأنها اقتلاع الإلكترونات، كما يفعل حجر طائر في الهواء ~~اصطدم بحائط وأدى إلى تفتيت بعض نثرات الملاط عند موضع الاصطدام وإطلاقها في الهواء. ~~وقد دعيت هذه الظاهرة بالأثر الكهرضوئي Photoelectric ~~Effect ~~، ودعيت حبيبات الضوء بالفوتونات. # ثم قادت هذه التجربة أيضا إلى ملاحظة أن تخفيف شدة الضوء المسلط على السطح، لا ~~يؤدي إلى تخفيف سرعة الإلكترونات المتطايرة نتيجة الصدم، بل إلى الإقلال من عددها فقط، ~~وهذا يعني أن طاقة رزم الضوء الوارد إلى السطح ms301 لم تهبط بتخفيف شدته، وإنما قل عدد ~~هذه الرزم مع احتفاظها بقوة الصدم ذاتها، أما تخفيف طاقة رزم الضوء الوارد إلى السطح، ~~وهو الذي يدلنا عليه هبوط سرعة الإلكترونات المقتلعة، فيحدث نتيجة لتغيير لون يمتلك ~~مقدارا من الطاقة يزيد أو يقل عن فوتونات اللون الآخر، بينما تتماثل كمية الطاقة في ~~فوتونات اللون الواحد؛ وبذلك أكد أينشتاين ما كان بلانك قد اكتشفه سابقا من تناسب ~~الطاقة طردا مع شدة توتر الضوء. فالضوء البنفسجي ذو التردد (= التوتر، الذبذبة) الأعلى ~~في الطيف الشمسي، يتألف من فوتونات ذات طاقة أعلى من الضوء الأحمر ذي التردد الأدنى في ~~الطيف . وهذه العلاقة البسيطة بين التردد والطاقة هي شأن مركزي في ميكانيك الكم. # ولكن المشكلة هنا أننا عندما نتحدث عن التردد، فإننا ننظر إلى الضوء باعتباره موجة لا ~~جسيمات تتلاحق في تيار دافق. والفرق بين الموجة الطاقية وتيار الفوتونات يشبه الفرق ~~بين موجة ماء على سطح البحر وسرب من الأسماك يسير تحتها في اتجاه واحد؛ فالموجة في أي ~~وسيط مادي مثل الماء تبدو على الشكل الآتي: # فالتردد هو عدد الموجات التي تعبر نقطة معينة ~~مثل س في ثانية واحدة؛ فإذا عبرت النقطة س عشر موجات في الثانية، قلنا إن تردد ~~الموجة هو 10 دورات في الثانية، وإذا عبرتها مائة موجة قلنا إن ترددها هو مائة دورة ~~في الثانية، وهكذا ... وكما نلاحظ من الشكل أعلاه، فإن للموجة طولا هو المسافة الفاصلة ~~بين ذروتين متتاليتين، ولها ارتفاع هو علو الذروة عن محور الحركة. ومن التردد نستنتج ~~السرعة؛ فسرعة الموجة هي عدد تردداتها مضروبا بطول الموجة. ولكننا بخصوص موجة الضوء لا ~~نحتاج إلى إجراء مثل هذا الحساب؛ لأن لموجة الضوء سرعة ثابتة في الفضاء، وهي 300000كم ~~في الثانية أو 186000 ميل في الثانية، كما أثبتت التجربة. فكيف يمكن للضوء أن يتبدى ~~أحيانا كموجة وأحيانا أخرى كجسيمات يلاحق بعضها بعضا؟ إن الجسيم هو شيء ما يشغل ~~حيزا معينا، أما الموجة فإنها انتشار في وسط ما لأثر طاقي معين. فنحن إذا رمينا ms302 ~~حجرا في ماء ساكن، فإننا نلاحظ عددا من الأمواج يصدر عن مركز الصدم، يتوسع بشكل ~~دائري حتى يتلاشى تماما. إن ما يحدث هنا هو أن الطاقة الحركية التي يحملها الحجر أثناء ~~قذفه، قد انتشرت في الماء على هيئة أمواج ولد بعضها بعضا، دون أن يكون لدينا هنا أي ~~جسم مادي يتحرك على محور الموجة، حتى الماء. فالماء الذي ينقل الموجة لا يتحرك معها ~~دائما، بل يصعد ويهبط في مكانه دون أن يتقدم معها. من هنا فإن ما قد يعتقده البعض لأول ~~وهلة، من إمكانية التوحيد بين ظاهرة الموجة وظاهرة الجسيم، بتخيل جسيم يسير على موجة، ~~لا يتمتع بأساس علمي؛ فالجسيمات في الطبيعة لا تسير إلا في اتجاه مستقيم، وجزيئات الماء ~~الذي تعبره الموجة لا تتحرك معها، بل تدور في مكانها لدى عبور الموجة، كما هو مبين ~~أدناه. # إن ما يعرفه الجميع عن الضوء هو أنه ذو طبيعة موجية، وأنه يتشكل من موجات طاقة لا من ~~رزم متقطعة تسير في الفضاء. وهذا أمر تدعمه التجربة، ولا يستطيع أحد أن يبرهن على ~~عكسه، منذ أن قام توماس يونغ بتجربته المشهورة قبل ~~أينشتاين بمائة عام، وأثبت من خلالها موجية الضوء. استفاد يونغ من مراقبته لسلوك ~~الموجات المائية، ومن ظاهرة الحيود التي يمكن ملاحظتها في هذه الموجات، وهي الظاهرة ~~التي سنتوقف عندها قليلا قبل أن نشرح تجربة يونغ نفسها. # تصور أنك تحلق في حوامة فوق حاجز لصد الأمواج أمام أحد الشواطئ، في هذا الحاجز ~~فتحة تسمح بمرور سفينتين كل في اتجاه، والموج يصطدم بالحاجز ثم يرتد عنه. عندما ~~ننعم النظر فيما يجري عند الفتحة، فإننا نلاحظ أن الموجات التي تصل إليها تجتازها إلى ~~الطرف الثاني حتى تتلاشى في المياه الهادئة الواقعة خلف الحاجز، كما هو موضح في الشكل ~~أدناه. # والآن إذا قمنا بإحداث فتحة أخرى في الحاجز أضيق من الأولى، لا تسمح بمرور أكثر من ~~قارب عادي واحد، وعدنا إلى مراقبة سلوك الأمواج عند هذه الفتحة، فإننا سنلاحظ سلوكا ~~مختلفا للأمواج الواصلة إليها؛ فبدلا ms303 من اجتياز الموجة للفتحة نحو الطرف الآخر، فإن ~~اصطدامها بالحاجز عند الفتحة يؤدي إلى تشكيل موجات جديدة أصغر، تتوسع في حلقات حول ~~الفتحة التي تتخذ مكان البؤرة، فيما يشبه الأثر الذي يحدثه سقوط حجر في ماء ساكن، ~~كما هو موضح في الشكل أدناه. وهذا ما يدعى بالحيود # Diffraction ~~. وتفسير ظاهرة الحيود هذه يكمن في مقارنة عرض الفرجة ~~الجدارية بطول الموجة المتجهة نحوها؛ ففي الحالة الأولى كان عرض الفتحة أوسع من المسافة ~~الفاصلة بين ذروتي موجتي جبهتين؛ الأمر الذي يسمح بمرور الأمواج إلى الجهة الأخرى؛ ~~أما في الحالة الثانية فإن عرض الفتحة كان مساويا لطول الموجة أو أضيق من ذلك؛ الأمر ~~الذي يؤدي إلى ظاهرة الحيود. # فإذا كان الضوء موجة، فإننا قادرون ولا ريب على ملاحظة حيود أمواجه عند مرورها عبر ~~ثقب ضيق. وللتأكد من ذلك نستطيع أن نجري التجربة الآتية: نضع أمام منبع ضوئي حاجزا ~~أحدثنا وسطه فتحة مربعة أبعادها بضعة سنتيمترات، فنجد أن الضوء يمر من خلال الفتحة ~~ويرسم على الحائط المقابل شكلا مربعا مماثلا لمربع الفتحة، ذا حواف واضحة يتمايز ~~عندها النور والظلمة، كما هو موضح في الشكل أدناه. # إن الأمواج الضوئية هنا قد عبرت الفتحة دونما ~~عائق، وعكست شكل الفتحة المربع على الحائط، دونما حيود. ولكننا إذا استبدلنا الحاجز ~~ذا الفتحة المربعة الواسعة بآخر ذي فتحة ضيقة لا تزيد فرجتها عن شق الموسى، وبذلك لا ~~تسمح بمرور الموجة الضوئية، حصل لدينا الحيود، وتشكلت على الجدار بقعة ضوئية غير ~~منتظمة تماما يتداخل عند حوافها النور والظل. وكما نلاحظ من الشكل أدناه، فإن هذه ~~البقعة غير المنتظمة تعكس على الحائط شكل الشق الذي مرت عبره، كما كان حال البقعة ~~المنتظمة الحواف التي عكست شكل الفتحة المربعة؛ لأن الضوء هنا قد حاد عند الشق، ~~مكونا مويجات متتابعة جديدة ناشئة عن اصطدام الموجة بالشق دون أن تستطيع عبوره بسبب ~~ضيقه بالنسبة لعرضها. استنادا إلى ظاهرة الحيود هذه، قام توماس يونغ بتجربته المعروفة ~~في إثبات الطبيعة الموجية للضوء. # استخدم يونغ الشمس كمنبع ms304 ضوئي، فجعل ضوءها ~~يمر في فتحة إلى حاجز صنع فيه ثقبين صغيرين جدا، متوضعين على خط عمودي، يمكن ~~تغطية كل منهما بصفيحة معدنية. وراء الحاجز هنالك جدار يتلقى الضوء القادم من أحد ~~الثقبين أو من كليهما، كما هو مبين في الشكل أدناه. سمح يونغ لنور الشمس أن يمر من ~~أحد الثقبين وكان الآخر مغلقا، فوجد على الجدار بقعة ضوئية غير منتظمة تماما يتداخل ~~عند حوافها النور والظل؛ لأن الضوء قد حاد عند الثقب، ثم سمح للضوء أن يمر عبر ~~الثقبين معا فوجد على الجدار، بدلا من بقعتي ضوء تمثلان حيود الضوء عند الثقبين، ~~عددا من المناطق المضيئة والمناطق المظلمة المتناوبة. # إن التفسير الوحيد لتكون هذه المناطق المتعاقبة ~~من النور والظلمة على الجدار، يكمن في ظاهرة معروفة تماما في ميكانيك الموجة، وهي ~~التداخل. ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة إذا رمينا في حوض ماء ساكن حجرين في وقت واحد، وفي ~~نقطتين متقاربتين عند ذلك تتشكل مجموعتان من الموجات تتوسعان باتجاه بعضهما إلى أن ~~تتداخلا. نلاحظ في نقاط تقاطع الموجات تشكل ذرى عالية ووديان منخفضة. فالذروة ~~العالية يشكلها التقاء قمتي موجتين، تتضافران لتشكلا ذروة عالية واحدة، أما الوادي ~~الذي يناظرها فيشكله التقاء قمة موجة بقاع موجة أخرى، فتتفانى الموجتان، ويظهر الماء ~~ساكنا عند التقائهما. وهذا بالضبط ما يحدث في تجربة توماس يونغ؛ فحيود الضوء عند ~~الثقبين يؤدي إلى تشكيل مجموعتين من الأمواج، التي تقترب من بعضها ثم تتداخل، فيؤدي ~~تداخلها إلى تكوين مناطق مضيئة تفصل بينها مناطق معتمة. فالمناطق المضيئة تشكلها ذرى ~~موجات الضوء المتضافرة، التي يؤدي تطابقها إلى إضاءة نقطة السقوط بشدة على الحائط. أما ~~المناطق المعتمة فيشكلها تفاني الموجات، عندما تكون إحدى الموجتين في قمتها والأخرى ~~في حضيضها؛ أي إن الضوء لا بد أن يكون موجة؛ لأن الموجات وحدها هي التي تحدث نمط ~~التداخل. وبذلك نكون قد حصلنا على «حقيقتين» حول طبيعة الضوء؛ فتجربة يونغ قد أثبتت بما ~~لا يدع مكانا للشك أن الضوء هو طاقة متصلة يرتحل أثرها في موجات، أما ms305 تجربة أينشتاين، ~~التي جرت بعد ذلك بمائة عام، فقد أثبتت بما لا يدع مكانا للشك أيضا بأن للضوء بنية ~~حبيبية، تؤلفها الفوتونات التي تنتمي بشكل ما إلى زمرة الأجسام المادية، رغم عدم ~~تمتعها بكتلة؛ أي إن الضوء هو موجة وجسيم في آن معا، وهما حقيقتان تنفي إحداهما ~~الأخرى؛ لأن الأثر الطاقي شيء والجسيم شيء آخر. وهذه أول أعجوبة هزت أركان المنطق ~~القديم والفيزياء التقليدية. ولكن الظاهرة الكمومية تخفي في جعبتها الكثير من ~~الأعاجيب؛ فبعد اكتشاف أينشتاين للبنية الحبيبية للطاقة بعقدين من الزمان، أثبتت ~~تجربة حاسمة أخرى أن المادة أيضا ذات طبيعة مزدوجة في بنيتها الأولية الدنيا، ~~فالجسيمات الأولية المشكلة للمادة رغم تركيبها الحبيبي فإنها تتصرف كالأمواج ~~أيضا. # في عام 1924م، ألقى فيزيائي فرنسي شاب قنبلة ~~جديدة مزقت كل أمل باق بلقاء الفيزياء التقليدية بالفيزياء الجديدة؛ فلقد اقترح ~~لوي دوبروي # L. Debroglie # بأن للمادة أيضا أمواجا ~~مرافقة لها، ودعم مقولته هذه بحلول رياضية تعتمد معادلات بلانك وأينشتاين. وقد حددت ~~حلوله الرياضية طول الموجات المرافقة للمادة، مثبتا أنه كلما ازداد عزم الجسيم (= # Momentum ~~) # 4 # كلما قصرت الموجة المرافقة له. وبعد ذلك ببضعة أعوام قام ديفسون # C. Davisson # بتجربة أثبتت نتائج دوبروي الرياضية، ونال ~~الاثنان جائزة نوبل للفيزياء، تاركين بقية الفيزيائيين أمام المعضلة الجديدة؛ أن المادة ~~أيضا موجة. # أعاد ديفسون تجربة الشقين بوضع شاشة ~~تلفزيونية على الحائط في منطقة السقوط، وباستبدال المنبع الضوئي بقاذف إلكترونات. ~~والإلكترونات كما نعرف هي جسيمات مادية ذات كتلة يمكن قياسها، وتدخل بشكل أساسي في ~~تكوين ذرات المادة. أرسل ديفسون نحو الحاجز حزمة من الإلكترونات بعد إغلاق أحد ~~الشقين، فعبرت الإلكترونات الشق المفتوح وسقطت على الشاشة، حيث شكلت عليها نمط ~~توزع شبيها بنمط توزع فوتونات الضوء؛ فمعظم الإلكترونات قد سقط حول المركز المقابل ~~للشق، ثم قل انتشارها نحو الأطراف وصولا إلى الحواف غير المنتظمة للبقعة، التي كان ~~النور والظل يتداخلان عندها في التجربة السابقة؛ أي إن الإلكترونات قد شكلت على الشاشة ~~ما يشبه بقعة النور غير المنتظمة، وإننا أمام ms306 ظاهرة حيود موجي، رغم أننا لا نقذف ضوءا ~~بل حزمة جسيمات مادية. وللتأكد من ظاهرة الحيود هذه قام ديفسون بإطلاق حزمة ثانية من ~~الإلكترونات نحو الحاجز، ولكن مع فتح الشقين هذه المرة. وبدلا من تشكل بقعتين غير ~~منتظمتين على الشاشة، كل منهما تقابل أحد الشقين المفتوحين، فقد تشكلت مناطق ظليلة ~~تزدحم فيها مواضع سقوط الإلكترونات وأخرى خالية؛ الأمر الذي يشير إلى التداخل الموجي ~~بين حزمتي الإلكترونات الصادرة عن الشقين. إن الإلكترونات التي عبرت الشق الواحد ~~المفتوح لن تسقط في نفس البقعة، التي سقطت فيها بعد فتح الشق الثاني، بل إنها تختار ~~مناطق معينة لسقوطها دون الأخرى، مكونة شرائط مزدحمة وأخرى خالية. # ننتقل الآن إلى الجزء الأكثر إثارة في التجربة؛ فبدلا من حزمة الإلكترونات، قام ~~المجرب بإطلاق الإلكترونات فرادى، ومن أجل كل إلكترون يعبر الحاجز نضع على الحائط ~~بدلا من الشاشة لوحا فوتوغرافيا حساسا، يسجل لنا موضع سقوط الإلكترون المقذوف. تم ~~إغلاق أحد الشقين وترك الآخر مفتوحا، ثم أطلقت الإلكترونات واحدا إثر آخر، مع ~~تغيير اللوح الحساس عقب سقوط كل إلكترون. بعد سقوط عدد كبير من الإلكترونات، قام ~~المجرب بوضع الألواح الشفافة التي تجمعت لديه بعضها فوق بعض في وضعية المطابقة، ~~وكل لوح منها يحمل أثر سقوط إلكترون واحد، فنتجت لديه بقعة غير منتظمة مشابهة لبقعة ~~النقاط عبر المنتظمة، التي ظهرت على الشاشة التلفزيونية لدى إطلاقنا لحزمة الإلكترونات ~~على شق واحد مفتوح، أعاد المجرب الكرة بعد فتح الشقين معا، وأخذ يطلق الإلكترونات ~~فرادى أيضا مع تغيير اللوح الحساس في كل مرة، وبعد سقوط عدد كبير من الإلكترونات، ~~رتب الألواح الحساسة الشفافة بالطريقة نفسها، فتكونت لديه مناطق مزدحمة وأخرى خالية ~~مشابهة لتلك التي ظهرت على الشاشة التلفزيونية، لدى إطلاق حزمة الإلكترونات على الشقين ~~المفتوحين، وهذا يدل على أن مجموعة الأحداث الإفرادية المتمثلة بعبور إلكترون واحد لأحد ~~الشقين المفتوحين، تظهر تداخلا موجبا أيضا، وأن الإلكترون المفرد يسلك كموجة لا ~~كجسيم إذا كان الشق الآخر مفتوحا. فكيف يعرف الإلكترون وهو يتوجه نحو شق واحد ms307 ليمر ~~منه أن الشق الآخر مفتوح فيسلك كموجة لا كجسيم؟ وكيف له أن يعرف ما الذي ينوي إلكترون ~~آخر أن يفعله، فيحجم عن السقوط في الشرائح الخالية مفضلا السقوط في الشرائح الأخرى ~~المعدة لسقوط الإلكترونات الأخرى؟ # يقول الفيزيائي هنري ستاب: «إن اللغز المركزي في النظرية الكوانتية، هو انتقال ~~المعلومات بهذه السرعة والكيفية، فأنى للجسيم أن يعرف بوجود شقين؟ وكيف يمكن تحصيل ~~المعلومات عما حدث هناك لتقرير ما يمكن أن يحدث هنا؟» # 5 # ويجيب بعض الفيزيائيين على هذه التساؤلات بأن يعزوا للجسيمات وعيا من نوع ~~ما. يقول ووكر: «ربما كان علينا أن نعزو وعيا من نوع خاص إلى كل عمليات الميكانيك ~~الكوانتي ... وبما أن كل ما يجري من حولنا هو في ~~النهاية نتيجة لحادثة كوانتية أو أخرى، فإن الكون يبدو مسكونا بعدد لا نهائي من وحدات ~~وعي صغيرة، وغير مفكرة، مسئولة عن السير التفصيلي لعمليات الكون.» # 6 # لقد كان اكتشاف الطبيعة المزدوجة للطاقة وللمادة، بمثابة الضربة القاصمة لقانون ~~السببية في الفيزياء التقليدية. فوفق القوانين النيوتونية، كنا نستطيع التنبؤ بنتائج ~~معينة وبشكل حتمي، إذا عرفنا الشروط الابتدائية لأية حادثة. أما الآن فإن معلوماتنا عن ~~الشروط الابتدائية لا تفيد بتاتا في التنبؤ بنتيجة الحادثة، وتجربة الشقين الآنفة ~~الذكر أكبر دليل على ذلك. فهنا، ورغم التماثل التام للشروط الابتدائية، فإن الإلكترون ~~يهبط في مكانين مختلفين، وهو يسلك كجسيم مادي وكموجة أيضا، وذلك تبعا لطريقة ترتيب ~~معدات التجربة. وهكذا يبدو أنه يتوجب علينا منذ الآن أن نقبل نظرات متعارضة في رؤية ~~المادة والتعامل معها. # لقد أظهر أينشتاين أن الطاقة ذات طبيعة جسيمية، وأنها تأتي على دفقات، ولكنه لم يدحض ~~النظرية الموجية، ناهيك عن أنه لم يكن راغبا في ذلك. ولتفسير هذا التعارض في طبيعة ~~الطاقة، اقترح أينشتاين وجود «موجات شبحية» ترافق الفوتونات وتقود خطاها، وهذه الموجات ~~هي كيانات رياضية لا تملك وجودا فعليا؛ فالفوتونات يبدو أنها تتبع مسارات لها كل ~~الخصائص الرياضية للموجة، ولكن هذه الموجة لا وجود لها. ورغم أن قلة من الفيزيائيين ما ms308 ~~زالت ترى في هذا التفسير حلا مرضيا، إلا أن الغالبية العظمى وجدت أنه لا يفسر شيئا ~~رغم منطقيته. وفي عام 1924م، تم إنجاز أول خطوة عملية مهمة نحو فهم الظاهرة الكمومية؛ ~~فلقد اقترح ثلاثة من الفيزيائيين وعلى رأسهم نيلز ~~بوهر # N. Bohr ~~، أن الموجات المرافقة للجسيمات هي موجات احتمال. والاحتمال هنا ~~يشير إلى أمر في طور الحدوث ولكنه لم يحدث بعد، إنه ميل الشيء إلى التحقق، وهذا الميل ~~إلى التحقق يمتلك نوعا من الوجود، رغم عدم بلوغه مرحلة الحادثة المكتملة. وبناء ~~عليه، فإن موجات الاحتمال هي كيانات رياضية يستطيع الفيزيائيون الاعتماد عليها من أجل ~~التنبؤ باحتمالات وقوع أو عدم وقوع حادثة ما. إلا أن الفرق بين ~~موجات أينشتاين الشبحية وموجات الاحتمال هذه، هو أن ~~موجات الاحتمال تطلعنا على حوادث ذات وجود خاص لم نعهده من قبل. يقول فيرنر ~~هايزنبرغ: ~~«إنها تعني ميلا نحو شيء ما؛ فهي بشكل ما تعبير كمي عن مفهوم الكمون في الفلسفة ~~الأرسطية. وإن فيها أمرا يقف في موقع الوسط بين فكرة الحادثة والحادثة نفسها؛ فهي نوع ~~غريب من الحقيقة الفيزيائية، يتوسط بين الإمكان والتحقق الفعلي.» # 7 # إن ما يحدث فعلا في تجربة الشقين عندما نقذف الإلكترونات فرادى، هو أن احتمال ~~سقوط الإلكترون المفرد، يتحسس كلا الشقين محدثا موجتين تجتازان إلى الجهة الأخرى ~~وتتداخلان مع بعضهما، وبما أن ذرى إحدى الموجتين ووديان الأخرى تتضافر أو تتفانى، ~~محدثة حزما ممتلئة وأخرى فارغة (أو مضيئة ومظلمة في حال قذف الفوتونات)، فإن هناك ~~احتمالا أكبر لتوجه الجسيم نحو مواضع الحزم الأكثر وميضا والابتعاد عن الحزم ~~المظلمة. وبسبب اللاتعيين المتأصل في موضع الإلكترون وحركته، وهو اللاتعيين الذي يؤدي ~~إلى الطبيعة الموجية، فإنه ليس من الممكن التنبؤ بالمسار الذي سوف يسلكه الجسيم فعلا، ~~إلا أنه يمكن التنبؤ بسلوك مجموعة كبيرة من الإلكترونات على أساس إحصائي، وذلك من خلال ~~التحليل الرياضي للموجة. ولقد أظهرت التجارب بعد ذلك أن الطبيعة الموجية والجسيمية ~~للفوتون والإلكترون، تتعداهما إلى بقية مكونات الذرة والعالم الصغري إجمالا، بل وللذرة ms309 ~~نفسها وللجزيئات. وأكثر من ذلك؛ فإن تمتع العالم الصغري بموجات احتمال، يقود إلى القول ~~بوجود موجات الاحتمال في العالم الكبري أيضا؛ فلكل شيء في عالمنا موجة احتمال خاصة به؛ ~~الكرة المقذوفة، والسيارات المنطلقة، وحتى الناس أنفسهم. غير أن ما يمنع من ملاحظة أثر ~~الأمواج الاحتمالية في العالم الكبري هو قصرها المتناهي في الصغر. # في تجارب ميكانيك الكم، هنالك دوما منطقة للتجهيز ومنطقة للقياس؛ ففي تجربة الشقين ~~مثلا، تتألف منطقة التجهيز من القاذف الإلكتروني ومن الحاجز ذي الشقين، وقد وضعا ~~وفق ترتيب معين مدروس. أما منطقة القياس (أو الرصد)، فتتألف من اللوح الفوتوغرافي ~~الحساس الموضوع على بعد معين من منطقة التجهيز. ~~نقوم بإعداد الجسيم في منطقة التجهيز، ثم يترك ليرتحل إلى منطقة القياس، بشكل معزول عن ~~المؤثرات الخارجية (وفي الحقيقة، فإن عمليات التحضير والقياس تكون في معظم الحالات أكثر ~~تعقيدا من تجربة الشقين، خصوصا في تجارب تصادم الجسيمات التي تجري في المسارعات ~~النووية). من حيث المبدأ، فإننا نتصور الجملة المقاسة وهي ترتحل بين المنطقتين دون ~~تدخل أو توجيه، وفق قانون سببي خاص وضع أسسه الفيزيائي النمساوي أروين شرودينغر ~~عام 1924م في معادلته المعروفة بمعادلة شرودينغر الموجية؛ ذلك أن ما يجري بين منطقة ~~التجهيز ومنطقة القياس أثناء الارتحال المفترض للجسيم هو انتشار لممكنات، يجري تمثيله ~~رياضيا بما يدعوه الفيزيائيون بالدالة الموجية (= التابع الموجي # wave function ~~)؛ لأنها تبدو رياضيا كموجة تنتشر في حلقات. وهذه ~~الدالة هي ابتكار ذهني رياضي يمثل كل الممكنات التي يمكن أن تحدث للجملة المقاسة ~~(الإلكترون مثلا) عندما تتفاعل مع جملة المراقبة التي تتضمن معدات القياس والرصد، ~~إضافة إلى القائمين على التجربة أنفسهم. ويجري تشكيل الدالة الموجية رياضيا بواسطة ~~معادلة شرودينغر من أجل كل لحظة بين زمن مفارقة الجسيم لمنطقة التجهيز وظهور أثره في ~~جملة المراقبة. وبعد الانتهاء من حساب دالة الموجة، نقوم بإجراء عملية رياضية على ~~الدالة من أجل الحصول على دالة أخرى ندعوها بدالة الاحتمال، وهذه تخبرنا عن الاحتمالات ~~القائمة في كل زمن لكل ممكن ممثل في دالة ms310 الموجة، فهي تقول بأن هناك فرصا مقدارها كذا ~~وكذا لتحقيق هذا الممكن أو ذاك. # إن الدالة الموجية للإلكترون المرتحل في مثالنا، تحتوي على النتائج الممكنة كلها ~~لتفاعله مع أجهزة الرصد، وذلك كأن يهبط الإلكترون في المنطقة أ أو ب أو ج أو د من اللوح ~~الحساس، فما إن يتخذ الإلكترون مساره حتى تدخل الدالة الموجية في أطوارها المتغيرة وفق ~~معادلة شرودينغر، إلى أن يتفاعل الجسيم مع جملة المراقبة. في هذه اللحظة يتحقق واحد من ~~الممكنات المتضمنة في الدالة الموجية، وتتحول بقية الممكنات إلى صفر؛ أي إن الدالة ~~الموجية تفقد كيانها وتتلاشى. كل هذا يعني أننا لا نعرف شيئا بالفعل عن حالة الجسيم ~~بين منطقة التجهيز ومنطقة القياس، كما أننا لا نعرف عن مكان هبوطه على اللوح الحساس، كل ~~ما نستطيع القيام به هو حساب احتمالات متتابعة عن مكان الهبوط، أما فيما بين المنطقتين ~~فلا يوجد لدينا جسيم مؤكد في حالة الحركة. ومن الناحية الرياضية، لا يوجد جسيم على ~~الإطلاق. وعليه فإننا لا نستطيع وصف حالة الجسيم بمفاهيم محددة ذات طبيعة متعارضة؛ لأنه ~~لا يوجد في مكان محدد، وفي الوقت نفسه غير غائب ~~تماما، وهو لا يغير موضعه، وفي الوقت نفسه لا يبقى في مكان ثابت. إن ما يتغير هنا هو ~~النمط الاحتمالي. وبكلمات الفيزيائي روبرت أوبنهايمر: ~~«لو تساءلنا مثلا: هل يبقى موضع الإلكترون على حاله؟ كان الجواب بالنفي. ولو ~~تساءلنا: هل يتغير موضع الإلكترون بمرور الزمن؟ كان الجواب بالنفي. ولو تساءلنا: هل هو ~~في حالة حركة؟ كان الجواب بالنفي.» # 8 # ويقول الفيزيائي نيلز بوهر: «إن الجسيمات المادية المستقلة، ليست إلا تجريدات من ~~صنعنا، أما خصائصها فلا يمكن تحديدها وملاحظتها إلا من خلال تفاعلها مع جمل أخرى.» # 9 # وهكذا تكشف نظرية الكم عن علائقية متأصلة في طبيعة الكون؛ فهي تظهر عدم مقدرتنا على ~~تقسيم المادة إلى وحدات مكونة أولية منفصلة بعضها عن بعض. صحيح أننا كلما أوغلنا في ~~عالم المادة وجدنا أنها مؤلفة من جسيمات، إلا أن هذه الجسيمات ليست تلك ms311 اللبنات ~~الأساسية التي تصورها ديموقرطيس ونيوتن، بل هي تجريدات ذات فائدة عملية من أجل التعامل ~~مع المادة. ففي المستوى ما دون الذري، في عالم الجسيمات الأولية، تتحول الأجسام المادية ~~إلى أنماط موجية احتمالية، وهذه الأنماط الاحتمالية لا تمثل احتمالات لأشياء بل ~~احتمالات لعلائق متبادلة. إن التحليل المتأني لعملية الملاحظة والرصد هنا، تظهر أن ~~الجسيمات ما دون الذرية لا يمكن فهمها ككيانات مستقلة، وإنما كعلائق بين ما يجري في ~~مرحلة التحضير للرصد ومرحلة القياس اللاحقة. وبذلك تطلعنا نظرية الكم على الوحدة ~~الضمنية للكون، بإظهارها عدم إمكانية تجزئة العالم إلى مكونات متناهية في الصغر تتمتع ~~بوجود مستقل عن الكل، وأن هذا الكل ليس إلا نسيجا متصلا من العلائق التي تكونه، أما ~~الوعي الإنساني الذي يراقب الطبيعة ويحاول فهمها بشكل تجزيئي، فليس إلا جزءا من هذه ~~العلائقية الشمولية؛ إنه النقطة التي تنتهي عندها أية حادثة وتتخذ معناها. # ينقلنا موضوع الرصد الذي كنا نجريه لغاية الكشف عن الجسيم، إلى مسألة جديدة من مسائل ~~الفيزياء الكوانتية، وهي دور المراقب في تحقيق الحادثة التي كانت مطوية في موجات ~~الاحتمال؛ ذلك أن الدالة الموجية تتلاشى في منطقة القياس عندما يتداخل المراقب من أجل ~~تحقيق أحد الاحتمالات. فإلى أي حد يساهم الوعي في صنع الحادثة الفيزيائية؟ تطلعنا ~~الفيزيائية الحديثة على أمر في غاية الغرابة، وهو أننا لا نستطيع رصد شيء في العالم ~~الصغري دون أن نعمل بذلك على إحداث تغيير فيه؛ فالمراقب وموضوع مراقبته يتداخلان، وهما ~~في حالة اعتماد متبادل لا تنفصم عراه. وبتعبير آخر، فإن ما نحصل عليه من خلال فعل ~~المراقبة، ليس معلومات موضوعية عن «العالم الخارجي»، بل معلومات عن تداخلنا وتفاعلنا مع ~~هذا «العالم الخارجي». وهذا ما يدعوه الفيزيائيون بالتكاملية # Complementarity ~~. والتكاملية مفهوم طوره نيلز بوهر، أصلا، من أجل ~~تفسير الطبيعة المزدوجة للضوء؛ فقد رأى بوهر أن الخصيصة الموجية للضوء والخصيصة ~~الحبيبية ضروريتان رغم تعرضهما من أجل فهم ظاهرة الضوء؛ لأن هاتين الخصيصتين ليستا في ~~الواقع خصيصتين للضوء، بل إنهما خصيصتان لتداخلنا مع ظاهرة الضوء؛ ms312 فنحن نستطيع أن ندفع ~~الضوء إلى إظهار هذه الخصيصة أو تلك باختيار التجربة المناسبة. فإذا أردنا إظهار ~~الخصيصة الموجية قمنا بإجراء تجربة الشقين، وإذا أردنا إظهار الخصيصة الجسيمية أجرينا ~~تجربة أينشتاين في الأثر الكهرضوئي. وهذا يعني أن المراقب الواعي هو صلة الوصل بين ~~مظهري الضوء، وأنه بدون الوعي يبقى الضوء بدون خصائص محددة. # ولكن القول بحاجة الضوء إلى الوعي ليظهر خواصه، يقودنا إلى الاعتراف بأن الوعي الذي ~~يتفاعل مع الضوء يحتاج بدوره إلى الضوء وإلى غيره لكي يتلمس خصائصه الذاتية. وفي هذا ~~يقول بوهر: «إننا لا نستطيع أن نعزو الوجود الحقيقي المستقل، بالمفهوم الفيزيائي ~~المعتاد، إلى الظاهرة المرصودة، ولا إلى القائم بالرصد أيضا؛ # 10 # ذلك أن عالمنا الذي نعيش فيه لا يتألف من «أشياء»، بل من علائق وتفاعلات ، ~~وأن الخصائص ليست من طبيعة ما يتمظهر على أنه «شيء»، بل من طبيعة الترابطات التي تتوسع ~~في شبكة منسوجة بإحكام لتشمل الكون كله. وفي هذا يقول هايزنرغ: «إن العلوم الطبيعية لا ~~تقوم بمجرد وصف وتفسير الطبيعة، بل هي جزء من ذلك التفاعل بيننا وبين الطبيعة.» ويقول ~~أيضا: «إن ما نرصده ليس الطبيعة في ذاتها، بل الطبيعة كما تتبدى لطرائقنا في استجوابها.» # 11 # وبناء على ذلك فقد قدمت الفيزياء الكوانتية مفهوم المشارك لكي يحل محل ~~مفهوم الراصد أو المراقب. وهناك بوادر منذ الآن على ضرورة تضمين الوعي الإنساني في أي ~~وصف فيزيائي للعالم. # لقد ألهمت أمواج المادة الفيزيائي النمساوي إروين شرودينغر فكرة جديدة حول بنية ~~الذرة؛ فبدلا من التصور المعتاد لإلكترونات حبيبية تدور حول نواة الذرة في مدارات ~~تتوسع نحو الخارج، خرج شرودينغر بنظريته عن أمواج الاحتمال التي تحيط بالذرة في دوائر ~~مغلقة متتابعة. فإذا قمنا بعملية الرصد للتحري عن الإلكترونات، وجدناها في مكان ما على ~~هذه المدارات، إلا أننا لا نستطيع القول بأن هذه الإلكترونات تدور حول النواة بالمفهوم ~~التقليدي للفيزياء النيوتونية. وبما أن المسار الذي تتحرك عليه موجات الاحتمال هذه هو ~~مسار مغلق، فإن الأمواج المتشكلة على المدارات هي من النوع ms313 الذي ندعوه بالأمواج ~~الواقفة. والأمواج الواقفة هي نمط موجي يظهر عندما تكون الأمواج محصورة في حيز ~~محدود، لا يسمح للموجة بالتلاشي كما تتلاشى الموجات في المدى المفتوح، مثل الهواء الطلق ~~والحيز المائي الواسع؛ ذلك أن الأمواج في الحيز المحصور تجبر على الارتداد على نفسها، ~~مشكلة سلسلة مقابلة من الأمواج تعود نحو المصدر الذي يردها مجددا، وهكذا في حركة ~~دائبة تؤدي إلى تكوين الموجة الواقفة بين نهايتي الحيز المحصور. ونحن نستطيع رؤية هذه ~~الأمواج الواقفة بالعين إذا ربطنا نهاية حبل إلى الجدار، ثم شددنا النهاية الأخرى ~~باليد، ورحنا نحرك الساعد بشدة صعودا وهبوطا، عند ذلك تظهر أمامنا موجات الحبل ~~وكأنها واقفة رغم حركته، كما هو مبين في الشكل أدناه. # والشيء المهم الذي نلاحظه من هذا الشكل، هو أن الموجات تتوزع ضمن الحيز المغلق بشكل ~~متساو لا يسمح بظهور أجزاء من الموجة، بل هناك على ~~الدوام عدد تام من الموجات، فإذا زادت كانت وحدة الزيادة موجة واحدة لا نصف أو ربع ~~موجة، وإذا نقصت فإنها تنقص بالطريقة ذاتها؛ فهي موجات كمومية تأتي دوما في دفقات. إن ~~مثل هذه الحبال الموجية المؤلفة من عقد متصلة النهايات، هي التي تحيط بنواة الذرة وفق ~~نظرية شرودينغر التي تم التأكد من نتائجها الرياضية تجريبيا. وبذلك حل التصور الجديد ~~محل التصور القديم، وأعطى نتائج تجريبية عملية باهرة؛ فالذرة لم تعد نظاما شمسيا ~~مصغرا، وبدل الجسيمات التي تدور حول النواة علينا الآن أن نتخيل أمواجا احتمالية ~~مكان المدارات القديمة. فإذا قمنا بعملية الرصد، فإننا سنعثر على الإلكترون في مكان ما ~~على الحبال الموجية، ولكننا لا نستطيع القول بأن الإلكترونات تدور حول النواة بالمفهوم ~~الميكانيكي التقليدي. انظر الشكل أدناه: # غير أننا في محاولة التعرف على مضامين الفيزياء الحديثة، يجب أن نحذر من الاعتقاد بأن ~~النظرية عندما تعطي نتائج عملية هي نظرية تصف «الحقيقة»، ويمكن تطبيقها على أوسع نطاق؛ ~~فنظرية شرودينغر في أمواج الاحتمال والموجة الواقفة (أو الساكنة)، ومعادلاته الرياضية ~~التي تم تطبيقها على أوسع نطاق، تخفق في فيزياء الجسيمات ms314 ذات الطاقة العالية، حيث يقوم ~~الفيزيائيون باستخدام المسرعات النووية من أجل إحداث التصادم بين الجسيمات عن طريق ~~شحنها بطاقات عالية جدا. والسبب في ذلك راجع إلى أن الجسيمات المتصادمة ونواتجها، ~~إنما تتحرك بسرعات خيالية تقارب أحيانا سرعة الضوء؛ الأمر الذي يحتم علينا أن نأخذ ~~بالحسبان مفاهيم النظرية النسبية، وهذا ما لم تفعله نظرية شرودينغر. إن أي نظرية ~~فيزيائية تطمح اليوم إلى بعض الشمول أو كله، عليها أن تترك حيزا للقران بينها وبين ~~النظرية النسبية. # بدأت فيزياء الجسيمات ذات الطاقة العالية كاستمرار للبحث القديم عن اللبنات الأساسية ~~التي تتشكل منها المادة. ففي بداية هذا البحث عن مكونات المادة، اكتشف الفيزيائيون ~~الذرة، ثم اكتشفوا بعد ذلك مكونات الذرة، وهي ثلاثة: البروتون والنيترون والإلكترون، ~~فدعوها بالجسيمات الأولية. وبعدها بدأ السعي لاكتشاف المكونات التي تتألف منها هذه ~~المكونات الثلاثة للذرة، وذلك باستخدام تقنيات التصادم العنيف بينها لغرض تفكيكها ~~ومعرفة مكوناتها، بعد أن تأكد لهم أنها ليست أولية ولا بسيطة التركيب. ففي المسارعات ~~النووية، يطلق جسيم التسديد (الذي يدعى بالقذيفة) في مسار دائري يؤمن شحنه بطاقة ~~حركية عالية، قبل أن يترك متجها إلى حجرة التصادم المدعوة بحجرة الضباب. عند الدخول ~~إلى حجرة الضباب الموضوعة ضمن حقل مغناطيسي، تنحرف الجسيمات ذات الشحنة الموجبة في ~~اتجاه معاكس للجسيمات ذات الشحنة السالبة، وبناء على شدة هذا الانحراف يمكن حساب كتلة ~~الجسم الذي يترك وراءه أثرا تلتقطه وسائل فوتوغرافية عالية التقنية، وهذا الأثر يشبه ~~ذيل الأبخرة الذي تتركه وراءها الطائرات النفاثة. # إلا أن التصادمات العنيفة في المسارعات لم تحقق الآمال المعقودة عليها في الكشف عن ~~اللبنات الأولية المكونة للجسيمات الذرية؛ ذلك أن هذه التصادمات لم تؤد إلى تفكيك ~~الجسيمات الأولية إلى مكوناتها، بل إلى خلق جسيمات جديدة ذات طبيعة أولية كطبيعة ~~الجسيمات الداخلة في عملية التصادم. وبعض هذه الجسيمات الجديدة تتمتع بكتلة معادلة ~~لكتل الجسيمات المولدة لها. وهذا يشبه قيامنا بإجراء تصادم عنيف بين سيارتين لمعرفة ~~الأجزاء المؤلفة لهما، ولكننا بدل الحصول على نوابض ونواقل حركة وعجلات وما إليها، ms315 فإن ~~التصادم قد أعطانا سيارات أخرى بعضها يماثل تماما السيارتين الأصليتين. يمثل الشكل ~~أعلاه رسما تخطيطيا مأخوذا عن صورة فوتوغرافية من حجرة التصادم، يمثل اصطداما بين ~~بروتونين، حيث قام البروتون الأول بعد دخوله حجرة التصادم باقتلاع إلكترون عن مساره في ~~ذرته، ثم تابع ليصطدم بالبروتون الثاني، لينتج عن اصطدامهما ستة عشر جسيما ~~جديدا. # كيف حصل ذلك؟ ومن أين جاءت الجسيمات الجديدة؟ إن جزءا من الإجابة تقدمه لنا نظرية ~~النسبية الخاصة لأينشتاين، أما الإجابة الكاملة فما زالت من المهمات القائمة لفيزياء ~~الجسيمات؛ فالجسيمات الجديدة تنشأ عن الطاقة التي تكتسبها الجسيمات الداخلة في التصادم ~~أثناء تسريعها، والطاقة تزيد في كتلة الجسيم المتسارع؛ فإذا وصلنا إلى نقطة الاصطدام، ~~كانت الكتلة الأصلية للجسيمين، إضافة إلى الكتلة التي اكتسباها من جراء السرعة ~~الزائدة، كافية لتخليق الجسيمات الجديدة الناجمة عن التصادم. فلقد علمتنا النظرية ~~النسبية مبدأ التعادل بين الكتلة والطاقة، من خلال المعادلة الشهيرة: ط = ك × ~~س # 2 ~~؛ أي: الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء؛ أي إن ~~الكتلة ليست إلا شكلا من أشكال الطاقة، وإن العالم المادي الذي كنا بسبيل معرفة جوهره ~~هو عالم بدون جوهر مادي؛ ذلك أن جوهره غير مستقل عن الحوادث التي تكونه على مستوى ~~الجسيمات، حيث الممثل والمسرحية شيء واحد، والمغني والأغنية نسيج متكامل، والراقص ~~والرقصة لا يمكن تمييزهما. إن عالم الجسيمات دون الذرية هو رقصة خلق وفناء دائم، حيث ~~تتحول الطاقة باستمرار إلى كتلة والكتلة إلى طاقة. وبتعبير آخر أدق نقول: حيث تتحول ~~الطاقة إلى أشكالها الأخرى؛ لأننا، سواء في النسبية أم في ميكانيك الكم، نواجه أشكالا ~~لا جواهر، والمهم في أية ظاهرة هو الشكل الذي يتبدى به الحدث، لا جوهر مكوناته. # لكي نفهم المعنى العميق المتضمن في معادلة أينشتاين الآنفة الذكر، لا بد لنا من تقديم ~~توضيح مبسط لمفهوم الطاقة ومفهوم الكتلة؛ ففي حياتنا اليومية نقول عن جسم ما بأنه ~~يحتوي على طاقة، إذا كان قادرا على الإتيان بعمل ما. وهذه الطاقة تأخذ أشكالا كثيرة؛ ~~كالطاقة الحركية، والطاقة الحرارية، والطاقة الكهربائية، ms316 والطاقة الكيميائية، والطاقة ~~التثاقلية وغيرها. فبصرف النظر عن شكلها، فإن الطاقة تستخدم لأداء عمل ما. وفي فيزياء ~~الذرة، فإن الطاقة ترتبط بنشاط أو عملية ما، وأهميتها الأساسية تكمن في حقيقة أن الطاقة ~~المتضمنة في عملية ما، هي طاقة محفوظة على الدوام. قد تغير الطاقة من شكلها ~~بطرائق شديدة التعقيد، ولكنها لا تفقد شيئا من كميتها المتضمنة في أية عملية. أما ~~الكتلة فمرتبطة دوما بجسم مادي ما، وهي مقياس لوزنه؛ أي للأثر الثقالي الواقع عليه. ~~إضافة إلى ذلك، فإن الكتلة هي مقياس لعطالة الجسم؛ أي لمقاومته فعل التسارع. فالأجسام ~~ذات الكتلة الكبيرة أصعب على إكسابها سرعة إضافية من الأجسام ذات الكتلة الصغيرة، ~~ويستطيع أن يختبر هذا الأمر كل من حاول دفع سيارة على الطريق. وفوق ذلك، فإن الكتلة ~~ترتبط في المفاهيم الفيزيائية التقليدية بجوهر غير قابل للفناء، هو أصغر جزء مكون ~~لها، والذي يكون أيضا كل كتلة أخرى. # ولكن ها هي النظرية النسبية توحد بين هذين المفهومين المستقلين، وذلك بإظهارها أن ~~الكتلة ليست إلا شكلا للطاقة؛ فالطاقة لا يمكن لها فقط أن تتحول من أحد أشكالها إلى ~~الآخر، كما هو الحال في تحول الطاقة الكهربائية إلى طاقة حرارية، وإنما يمكن لنا أيضا ~~أن نبحث عنها في كتل الأشياء؛ فالطاقة المتضمنة في كتلة جسيم ما، مثلا، تعادل كتلة ~~الجسيم مضروبة بمربع سرعة الضوء. وهذا ما يفسر لنا تخليق المادة واختفاءها في ~~المسارعات النووية، فإذا تم تسريع جسيم إلى ما يقارب سرعة الضوء، فإن كتلته تزداد ~~باطراد، وهذه الزيادة في الكتلة ما هي إلا تعبير عن تحول طاقة الحركة إلى مادة، ثم ~~إذا اصطدم هذا الجسيم المتسارع بجسيم متسارع آخر، تحولت كتلتاهما إلى طاقة، تعمل ~~بدورها على تخليق جسيمات أخرى جديدة تنتج عن التصادم. من هنا يمكن القول بأن الكتلة ~~ليست أكثر من طاقة مخزونة في قمقم علاء الدين. ونحن إذا تأملنا مجددا معادلة ~~أينشتاين أعلاه لتبين لنا من أول وهلة الكم الهائل من الطاقة المخزون في جزء صغير ~~من المادة؛ فلمعرفة كم ms317 الطاقة هذا يتوجب علينا أن نضرب الكتلة برقم خيالي هو مربع سرعة ~~الضوء. ولإعطاء مثال توضيحي عن ذلك نقول: إن كتلة البروتون مثلا تساوي حوالي جزء واحد ~~من مليون مليار مليار من الغرام، ولكن رغم ضآلة هذه الكتلة، فإنها تنتج لدى استحالتها ~~إلى طاقة، ومضة من الضوء يمكن رؤيتها بالعين المجردة على مسافة تبلغ عشرة أمتار. # إضافة إلى التوحيد بين الكتلة والطاقة في مفهوم نسبي واحد، فقد عمدت النظرية النسبية ~~أيضا إلى التوحيد بين الزمان والمكان في مفهوم نسبي واحد. ولتوضيح هذا الأمر لا بد ~~لنا من إلقاء نظرة على القوانين الخمسة للنظرية النسيبة. # 12 # انطلق أينشتاين في بناء نظريته من مبدأين؛ أولهما مبدأ ثبات سرعة الضوء، الذي حوله ~~من لغز إلى بدهية يبتدئ بها، وثانيهما مبدأ نسبية الحركة. ولنبتدئ بالمبدأ الأول. فما ~~الذي نعنيه بقولنا إن للضوء سرعة ثابتة مقدارها 300000كم في الثانية أو 186000 ميل في ~~الثانية؟ إذا كنت في سيارة تنطلق بسرعة 100كم في الساعة، وأمامك سيارة أخرى تسبقك بسرعة ~~150كم في الساعة، وقمت من مكانك بقياس سرعة السيارة الأمامية، فإنها ستكون حتما 50كم ~~في الساعة، وهذا الرقم هو حاصل طرح السرعتين من بعضهما. أما إذا كانت السيارتان تنطلقان ~~نحو بعضهما في اتجاهين متعاكسين، فإن سرعة السيارة الأخرى مقاسة من قبلك ستكون 250كم ~~في الساعة، وهو حاصل جمع السرعتين المتعاكستين. وهذه من حسابات الحركة المعروفة منذ ~~أيام غاليلو. إلا أن الضوء، وعلى عكس كل ما يتحرك في الطبيعة، يتحرك بسرعة ثابتة وبصرف ~~النظر عن الوضع الحركي للمراقب. فإذا عمدت إلى قياس سرعة شعاع قادم إليك من مصدر مشع ~~ساكن، لوجدتها 300000كم/ثا، وإذا تحركت نحو مصدر الشعاع بسرعة 100000كم/ثا، لوجدت أن ~~سرعته أيضا ثابتة، وهي 300000كم/ثا. والأعجب من ذلك أنك إذا لاحقت شعاعا هاربا وأنت ~~تتحرك بسرعة تصل إلى 250000كم/ثا، لوجدت أيضا سرعة الضوء ثابتة، ولما استطعت أبدا أن ~~تقصر المسافة بينك وبينه. # أما عن نسبية الحركة، فيمكن شرحها من خلال المثال الآتي. تصور أنك قد غادرت الأرض ms318 في ~~مركبة فضائية انطلقت بسرعة منتظمة مقدارها 5000كم/سا، حتى غابت الأرض تماما عن ~~ناظريك. بعد أن غدوت وحيدا في الفضاء، فإنك تفترض بأنك ما زلت تسير بالسرعة نفسها؛ ~~لأنها السرعة التي انطلقت بها. غير أن هذه الفرضية غير مؤكدة، ناهيك عن أن مقدار السرعة ~~في الفراغ أمر لا معنى له؛ نظرا لعدم وجود مرجع تبتعد عنه أو تقترب منه، ويعين لك ~~مقدار سرعتك بالنسبة إليه. لنفترض الآن أن سفينة فضائية أخرى قد مرت بك، وأنك قمت ~~بقياس سرعتها من مكانك عند عبورها لك فوجدتها 1000كم/سا. وبما أنك تفترض أن سرعتك ما ~~زالت 5000كم/سا بالنسبة إلى الأرض، فإن تقديرك لسرعة السفينة الأخرى بالنسبة للأرض ~~أيضا سيكون 6000كم/سا، وهو حاصل جمع السرعتين المنتظمتين. إلا أن هذه العملية الحسابية ~~خاطئة كليا في حال غياب مرجعية واحدة للحركة بالنسبة إليكما معا . وفي الواقع، فإن ~~هناك احتمالات أخرى لتفسير تخطي السفينة الأخرى لك بسرعة 1000كم/سا؛ فقد تكون أنت ~~واقفا بسفينتك والأخرى تتحرك بسرعة 1000كم/سا؛ وقد تكون سرعتك 10000كم/سا، والسفينة ~~الأخرى قد مرت بك بسرعة 11000كم/سا؛ وقد تكون السفينة الأخرى واقفة وأنت ترجع إلى ~~الأرض بسرعة 1000كم/سا. كل هذا سوف يدفعك إلى عدم التفكير نهائيا بالسرعة الحقيقية؛ ~~لأنه لا وجود لمثل هذه السرعة في حال غياب المرجع الثابت، وكل ما تستطيع قوله هو أن ~~سرعة السفينة العابرة بالنسبة إليك هو 1000كم/سا، أو بالعكس؛ لأن الحركات كلها نسبية ~~بعضها إلى بعض في غياب المرجعية المشتركة. انطلاقا من هذين المبدأين صاغ أينشتاين ~~قوانين النظرية الخاصة في النسبية، التي سأسوقها فيما يأتي مجردة عن معادلاتها ~~الرياضية. # القانون الأول: # إن كل جسم مادي متحرك ينكمش في اتجاه حركته، حيث يغدو طوله أقصر ~~فأقصر، إلى أن يختفي كلية إذا بلغ سرعة الضوء. لنفترض أن لدينا ~~مركبتين فضائيتين، طول الواحدة منهما عند قاعدة الانطلاق عشرون مترا. ~~أطلقت المركبتان إلى الفضاء الخارجي حيث غابتا عن أية مرجعية ثابتة. ~~بعد ذلك عبرت المركبة أ زميلتها ب بسرعة نسبية مقدارها 150000كم/ثا؛ أي ~~بما يعادل نصف ms319 سرعة الضوء. يقوم طاقم ب بقياس سرعة المركبة العابرة ~~ليتأكد من سرعتها بالنسبة إليه، ثم يعمد إلى قياس طولها في الوقت نفسه، ~~فيجده 17 مترا فقط لا عشرين. وهو الرقم الذي تعطيه بالفعل معادلة ~~أينشتاين في انكماش الأجسام المتحركة. فإذا زادت السرعة النسبية بينهما ~~لتصل إلى 90٪ من سرعة الضوء، أي 270000كم/ثا، وقام طاقم ب مرة أخرى ~~بقياس طول المركبة العابرة أ، لوجده عشرة أمتار فقط. أما إذا بلغت سرعة ~~أ بالنسبة إلى ب سرعة الضوء نفسها، وهو افتراض جدلي لا يمكن تحقيقه، ~~فإن طول المركبة العابرة بسرعة الضوء سيكون صفرا. ومن الجدير بالذكر ~~أن طاقم المركبة العابرة أ إذا قام بقياس المركبة الأخرى التي يتجاوزها ~~ب، لوجد أنها هي التي تنكمش إلى 17 مترا في الحالة الأولى، وإلى 10 ~~أمتار في الحالة الثانية، وأنها هي التي تتلاشى تماما إذا عبرها بسرعة ~~الضوء، وذلك في الوقت الذي يجد طاقم كل مركبة أن طول مركبته ثابت لا ~~يتغير. وهذا يعني أن وحداتنا الاصطلاحية لقياس المكان هي وحدات نسبية ~~تطول وتقصر؛ مما يستتبع القول بنسبية المكان (= الفضاء)؛ لأنه لا فرق ~~بين المتر الذي ينكمش في السرعات العالية، وبين المكان الذي يشغله هذا ~~المتر. # القانون الثاني: # إذا تحرك جسم بالنسبة إلى مشاهد، فإن كتلة الجسم المتحرك ستزداد كلما ~~ازدادت سرعته، وتعطي المعادلة الرياضية لهذا القانون مقدار زيادة ~~الكتلة بدقة متناهية. فإذا عدنا إلى مثالنا السابق عن المركبتين ~~الفضائيتين، وافترضنا أن وزن كل منهما في قاعدة الانطلاق هو 1000كغ، ~~تقوم المركبة أ باجتياز المركبة ب بسرعة 250000كم/ثا، وعندها قام طاقم ~~ب بقياس كتلة أ فوجد أنها تصل إلى 1200كغ، فإذا زادت سرعة المركبة أ ~~إلى 270000كم/ثا؛ أي 90٪ من سرعة الضوء، فإن كتلتها ستصير ضعف ما كانت ~~عليه في قاعدة الانطلاق؛ أي 2000كغ. والشيء نفسه يحدث إذا قام طاقم أ ~~بقياس كتلة ب عند تجاوزها، وذلك في الوقت الذي يجد كل طاقم أن كتلة ~~مركبته ثابتة لا تتغير. # وقد تم إثبات صحة نتائج معادلة أينشتاين هذه ms320 في تجارب المسارعات ~~النووية، وأعطت القياسات أرقاما متطابقة تماما مع نتيجة المعادلة. من ~~هذه التجارب ما أجراه معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث استطاع رفع ~~سرعة إلكترون واحد إلى 0,99999 من سرعة الضوء، فزادت كتلته المقاسة 900 ~~مرة عن كتلته قبل التسريع. # القانون الثالث: # وتعطي معادلته مقدار السرعة النسبية بين جسمين متحركين. وهذا المقدار ~~ليس جمعا بسيطا لمقدار السرعتين إذا كان الجسمان يتحركان في اتجاه ~~بعضهما، ولا طرحا إذا كانا يتحركان عكس بعضهما. ففي مثالنا الأسبق عن ~~سيارتين تتجهان نحو بعضهما، قمنا بجمع سرعة الأولى إلى سرعة الثانية، ~~وحصلنا على 100كم/سا + 150كم/سا = 250كم/سا، ولكن معادلة أينشتاين ~~الثالثة تجعل الفرق بين حسابنا العادي هذا وحساب النسبية، حوالي جزء ~~من مليون جزء تقريبا من السنتيمتر. وهذا فارق ضئيل جدا يمكن تجاهله ~~في مسائل الحياة اليومية. أما في السرعات العالية التي تقارب سرعة ~~الضوء، فإن معادلة النسبية تغدو ضرورية. فإذا تحركت المركبتان ~~الفضائيتان، في مثالنا السابق، نحو بعضهما بسرعة 160000كم/ثا، فإن ~~السرعة النسبية بينهما لا يمكن أن تكون 160000كم/ثا + 160000كم/ثا = ~~320000كم/ثا؛ لأن هذه السرعة تزيد بمقدار 20000كم/ثا عن سرعة الضوء، ~~وهذا محال. أما تطبيق معادلة أينشتاين الثالثة فيعطينا سرعة نسبية ~~بين المركبتين مقدارها 259000كم/ثا، وهي أقل من سرعة الضوء. # القانون الرابع: # تزداد طاقة الجسم المتحرك بزيادة سرعته، وهذه الطاقة المضافة هي طاقة ~~الحركة. ويقول القانون: إن هذه الطاقة ذات كتلة تضاف إلى كتلة الجسم ~~المتحرك، وتحسب بواسطة المعادلة التي أوردناها سابقا، وهي ط = ك × ~~س # 2 ~~. # القانون الخامس: # إن الزمن يتسارع أو يتباطأ تبعا لسرعة الجملة الفيزيائية المتحركة ~~بالنسبة إلى جملة فيزيائية أخرى. لنفترض في مثال المركبتين أنهما ~~انطلقتا في توقيت واحد من قاعدة الانطلاق، ثم حافظتا بعد ذلك على سرعة ~~نسبية بينهما مقدارها صفر. في هذه الحالة، فإن الساعة الحائطية ~~المعلقة في كل مركبة تشير إلى التوقيت نفسه. فإذا زادت السرعة ~~النسبية بين المركبتين، فإن الأمر العجيب الذي يحدث هو اختلاف التوقيت ~~في ساعة كل مركبة عن الأخرى؛ فالزمن سوف يبطئ في واحدة ويبقى ms321 على حاله ~~في الأخرى. والأعجب من ذلك أن طاقم كل مركبة سوف يجد أن ساعته هي ~~الدقيقة، وأن الأخرى هي التي تبطئ. فإذا فرضنا أن السرعة النسبية ~~بينهما وصلت إلى 150000كم/ثا، ونظر طاقم ب إلى ساعة المركبة أ التي ~~تجتازه، لوجد أنها أقل بست دقائق، وإذا زادت السرعة إلى 270000كم/ثا، ~~وجد طاقم ب أن ساعة أ قد أبطأت بمقدار النصف تماما. وهذا ما تبينه ~~المعادلة الخامسة من معادلات النسبية الخاصة. # ومن خصائص هذه المعادلة الخامسة المتعلقة بالزمن أن نتائجها تسير في ~~اتساق تام مع نتائج المعادلة الأولى المتعلقة بانكماش الطول؛ فالزمن ~~في المعادلة الخامسة يتغير بالنسبة إلى السرعة، بنفس «العامل الرياضي» ~~الذي يتغير وفقه الطول بالنسبة إلى السرعة، بحيث يغدو الزمن صفرا في ~~المركبة أ عندما يغدو طولها صفرا أيضا. وهذا يعني وجود صلة عميقة ~~جدا بين المكان الثلاثي الأبعاد الذي نعيش ضمنه وبين الزمن، وأن هذه ~~الأبعاد لا وجود لها من دون الزمن؛ لأنه البعد الرابع للوجود ~~الفيزيائي، وهو كم فيزيائي مثله مثل الطول والعرض والعمق. إن الإنجاز ~~الأكبر للنسبية الخاصة هو ضم العناصر الأربعة للكون في عنصرين؛ ~~فبدلا من الزمان والمكان والطاقة والكتلة، صار لدينا زمان-مكان ~~وكتلة-طاقة. # غير أن أينشتاين لم يكن راضيا تماما عن إنجازه في نظرية النسبية الخاصة؛ لأنها ~~ركزت على حركات الأجسام التي تسير بسرعات ثابتة، وأغفلت حركة الأجسام المتسارعة ~~بإغفالها لمبدأ التثاقل (أو الجاذبية). وهذا ما تداركه أينشتاين بعد ذلك بعشر سنوات، ~~عندما نشر في عام 1915م نظريته في النسبية العامة. # وجد أينشتاين من خلال المعادلات الشديدة التعقيد للنسبية العامة أنه لا يوجد في الكون ~~شيء اسمه قوة الجاذبية بالمفهوم النيوتوني. أما ما يتبدى على أنه قوة تثاقل بين ~~الأجسام، فليس إلا نتيجة لانحناء المتصل الزماني المكاني (= الزمكان) حول الكتلة ~~السابحة في الفضاء؛ أي إن المكان (= الفضاء) ليس متصلا متماثلا ومتشابها في جميع ~~أرجاء الكون، بل إنه يتحدب حول الكتل المتأثرة في أرجائه. ولو قيض لعين بصيرة أن ~~ترى الفضاء من خارج الكون، لوجدته ms322 أشبه بمادة هلامية تتكاثف حول النجوم والأجرام، ~~ويزداد هذا التكاثف كلما ازدادت كتلة الجرم الذي يحيط به الهلام. فالفضاء يتحدب حول ~~الشمس أكثر من تحدبه حول الأرض، ويتحدب حول الأرض أكثر من تحدبه حول القمر. هذا ~~التحدب حول الكتل الكبيرة هو الذي يفسر دوران الكواكب حول الشمس في نظامنا الشمسي ~~والأنظمة الشبيهة به؛ ذلك أن التحدب الشديد للزمكان حول الشمس يجبر الأجرام من حولها ~~على الطواف في مدارات إهليلجية، هي أشبه بأخاديد محفورة في المتصل المنحني، حددتها ~~طبيعة الفضاء المتحدب الرباعي الأبعاد. كما أن التحدب حول الجرم لا يؤدي فقط إلى إجبار ~~الأجرام الأصغر على الدوران حوله، بل إلى إجبار الضوء القادم إليه على الانحناء أيضا ~~وإن بدرجة أقل. وقد تم التأكد من انحناء الضوء عند كوكب الأرض، من خلال تجربة معروفة ~~شهيرة، من التجارب التي تمت لإثبات صحة النسبية العامة. # أكتفي بهذا القدر من شرح النظرية النسبية، وأعود إلى فيزياء الجسيمات ذات الطاقة ~~العالية، حيث توقفت. # إن اكتشاف الفيزياء لحقيقة أن الكتلة ليست إلا شكلا من الطاقة، قد أدى إلى إحداث ~~تغيير أساسي في نظرتنا إلى الجسيم؛ فبما أن المادة لم تعد مرتبطة بجوهر مادي، فإن ~~الجسيمات قد بدت الآن على حقيقتها كرزم من الطاقة لا كجواهر مادية. وبما أن الطاقة هي ~~فعل ونشاط وعمليات جارية أبدا، فإن الجسيمات بالتالي ذات طبيعة حركية دينامية لا ~~سكونية. إن القران بين النسبية ونظرية الكم يقودنا إلى تصور الجسيمات من منظور نسبوي، ~~في إطار ينحل ضمنه الزمان والمكان إلى متصل ذي أبعاد أربعة، والتحول نهائيا عن ~~تصورها كعناصر مادية سكونية في أبعاد ثلاثة، مثل حبات رمل مرصوصة. عند ذلك فقط سوف ~~تبدو لنا على حقيقتها كأشكال في الزمان وفي المكان، وكأنماط دينامية ذات وجه مكاني وآخر ~~زماني. فالوجه المكاني يجعلها تبدو كأشياء ذات كتلة معينة، والوجه الزماني يجعلها تبدو ~~كعمليات جارية تشتمل على الطاقة المعادلة لتلك الكتلة المكانية. إن هذه الأنماط ~~الدينامية، أو رزم الطاقة، هي التي تشكل البنية الذرية والجزيئية المستقرة ms323 للمادة ~~المرئية، وتعطيها شكلها الصلب، الذي يجعلنا نظن بأنها قد صنعت من جوهر مادي ثابت. أما ~~في الأعماق السفلى لهذا المظهر المرئي الصلب، فلا تواجهنا سوى أنماط دينامية، تتحول ~~بعضها إلى بعض في رقصة أبدية للطاقة هي جوهر الوجود. # لقد قادت فيزياء الجسيمات خلال الأربعين سنة الأخيرة، إلى اكتشاف ما يزيد من المائة ~~نوع من أنواع الجسيمات الأولية، وجميعها ليس في الواقع «أوليا» بالمعنى الأصلي لهذه ~~الكلمة، معظم هذه الأنواع لا يعيش بعد تخليقه في المسارعات النووية أكثر من جزء أو بضعة ~~أجزاء من مليون جزء من الثانية الواحدة. ويمكن تمييز كل نوع من خلال خصائص ثلاث، هي: ~~الكتلة، والشحنة، واللف (= # spin ~~)؛ أي الدوران الذاتي ~~على محور وهمي. تحسب كتلة الجسيم انطلاقا من حالته السكونية التي تدعى بكتلة السكون # rest mass ~~؛ لأن كتلته بعد ذلك تتغير تبعا ~~لسرعته. أما شحنة الجسيم فهي إما سالبة وإما موجبة وإما حيادية . وأما معدل اللف فأساسي ~~جدا لتمييز شخصية الجسيم، إلى درجة أن تغيير هذا المعدل يؤدي إلى تدميره تماما. وهنا ~~يجب أن نضع نصب أعيننا بأن مسألة اللف، مثلها مثل مسألة الحركة، هي شأن اصطلاحي؛ ~~لأنه كما أن الجسيم ليس حبيبة مادية تتحرك في الفضاء، كما أسلفنا، فإنه ليس حبيبة ~~مادية ذات معدل لف ثابت. وعلى حد قول الفيزيائي ماكس بورن فإن: «لف الجسيمات دون الذرية ~~يتضمن فكرة اللف، دون أن يكون هناك شيء يلف.» # 13 # ومع اكتشاف هذه الجسيمات، اكتشف الفيزيائيون أن لكل جسيم نظيرا يشبهه تماما ولكنه ~~يختلف عنه في الشحنة، وقد دعيت هذه الجسيمات بالجسيمات المضادة. فإذا اجتمع جسيم ~~ونقيضه تفانيا فورا، وذلك كالتقاء إلكترون بنقيضه المدعو بوزيترون؛ فمثل هذا اللقاء ~~يؤدي إلى فنائهما فورا في ومضة ضوء، وينشأ عنهما فوتونان ينطلقان بسرعة الضوء. إن مادة ~~عالمنا المرئي مؤلفة من الجسيمات الاعتيادية، ولكن الفيزيائيين يعتقدون بوجود مادة ~~نقيضة في أرجاء الكون مؤلفة من جسيمات نقيضة. # لقد قلنا سابقا بأن المادة كلها في عالمنا تؤلفها الذرات، وهذه الذرات تؤلفها ~~البروتونات والنيترونات ms324 والإلكترونات. أما الجسيم الرابع في عالمنا فهو الفوتون، وحدة ~~الضوء المادية العديمة الكتلة. إن ثلاثة من هذه الجسيمات الرئيسية تتمتع بوضع مستقر؛ أي ~~إنها تعيش إلى الأبد إن لم تدخل في عملية تصادم، وهي البروتون والإلكترون والفوتون. أما ~~النيترون فيتحلل بشكل تلقائي فيما يدعى بعملية تحلل بيتا، وهي العملية المميزة لبعض ~~أنماط النشاط الإشعاعي. ففي هذه العملية الإشعاعية يتحول النيترون إلى بروتون، مع تخليق ~~إلكترون من العدم وجسيم آخر عديم الكتلة يدعى نيترينو. ويؤدي تحول نيترونات بعض ~~المواد المشعة إلى بروتونات، إلى تغيير في ذراتها؛ وبالتالي تحويلها إلى عناصر أخرى. ~~ويتميز هذا الجسيم المدعو نيترينو بالاستقرار أيضا، مثله مثل الجسيمات الثلاثة الآنفة ~~الذكر. أما بقية الجسيمات التي تم التعرف عليها حتى الآن، فغير مستقرة، ولا تعيش أكثر ~~من جزء من مليون جزء من الثانية كما ذكرنا منذ قليل، فهي إما أن تتلاشى، أو تدخل سلسلة ~~من التحولات تؤدي بها في النهاية إلى حالة مستقرة، وذلك بتحولها مجددا إلى بروتون أو ~~إلكترون أو فوتون. إن دراسة الجسيمات غير المستقرة عمل مكلف وعلى غاية من التعقيد؛ ~~لأنه يتطلب دوما استخدام تقنية التصادمات في المسارعات النووية. # وفي الواقع، فإن التصادمات ليست وحدها المسئولة عن تخليق الجسيمات الجديدة، وعن تحول ~~الجسيمات بعضها إلى بعض؛ فمثل هذه التحولات تحدث بصورة دائمة في العالم الصغري ودونما ~~توقف، بل إنها قانون ذلك العالم. إن الإلكترونات السابحة في مداراتها حول النواة تطلق ~~فوتونات ضوء لا تكاد تتخلق حتى تعود الإلكترونات إلى ابتلاعها، لكي تعود ثانية إلى ~~إطلاق غيرها، وهكذا دونما توقف. وهذه الفوتونات التي تطلقها الإلكترونات في داخل ~~الذرة ليست فوتونات أصيلة؛ لأن الفوتون الأصيل ما إن يولد حتى يطير مبتعدا بسرعة ~~الضوء، أما هذه ففوتونات «كسيحة» # 14 # لا تتمتع بكل خصائص الفوتون، ولا تستطيع تمثيل دور الموجة الضوئية المرتحلة ~~في الفضاء. وتحدث عملية لفظ الإلكترون للفوتون وإعادة ابتلاعه من جديد، في ومضة زمنية ~~خاطفة لا تتعدى 10 ~~−15 # من الثانية. # كما تقوم مكونات النواة، من بروتونات ونيترونات، ms325 بتفاعل مع نفسها مشابه لتفاعل ~~الإلكترون مع نفسه؛ فالبروتون يطلق جسيما اسمه البيون، ثم يعيد ابتلاعه قبل أن يستكمل ~~قوته ليصير بيونا أصيلا. وبما أن كل البروتونات متشابهة، فإننا نستطيع الافتراض بأن ~~البروتون في تفاعله مع نفسه قد فني، مصدرا بروتونا آخر وبيونا، منتهكا بذلك قانون ~~انحفاظ الطاقة؛ لأن كتلة الجسيمين الجديدين أكبر من كتلة الجسيم الأول الذي صدرا عنه ~~(انظر المخطط أدناه)، هذا الانتهاك لقانون انحفاظ الطاقة ممكن في حالة واحدة فقط، وهي ~~أن يحصل التفاعل في لحظة تبلغ من القصر حدا لا يسمح للقانون بالانتباه إليها، ~~ويحسب هذا الزمن وفق إحدى معادلات مبدأ اللاتعيين ~~لهايزنبرغ. # وهكذا يتوجب على الجسيمين الجديدين أن يفنيا في ومضة لا حساب لها في سير الزمن، وأن ~~يخلقا بفنائهما بروتونا جديدا واحدا. وهذه عملية دائبة تستمر إلى ما لا نهاية. ~~وهنالك نوع آخر لتفاعل البروتون مع نفسه؛ فبدلا من أن يطلق بيونا حيادي الشحنة، كما ~~في الحالة الأولى أعلاه، فإنه يطلق بيونا موجبا ثم يتحول هو نفسه إلى نيترون. أو ~~بافتراض آخر، فإن البروتون يفنى مصدرا بيونا موجبا ونيترونا (انظر المخطط أدناه). ~~ومرة أخرى، وضمن الوقت الذي يتيحه مبدأ اللاتعيين، يفنى الجسيمان الجديدان لكي يخلقا ~~بروتونا واحدا مكانهما. # وهكذا يمكننا تصور البروتون والنيترون داخل النواة، وكل منهما مغلف بسحابة من ~~البيونات الكسيحة، التي ما إن تخلق من الفراغ حتى تعود إليه. ولكن إذا اقتربت سحابتان ~~لبروتون ونيترون من بعضهما كثيرا، فإن البيون الذي يطلقه البروتون يلتقطه النيترون، ~~ويؤدي هذا التبادل إلى أن يتحول البروتون إلى نيترون، والنيترون إلى بروتون وفق المخطط ~~أدناه. وهذا ما يؤدي إلى ربط هذين الجسيمين النوويين بقوة هائلة يدعوها الفيزيائيون ~~بالقوة الفائقة، وهي أعظم قوى الطبيعة قاطبة. وهذا يعني أن القوة، أية قوة في الطبيعة، ~~ما هي إلا عملية جارية لتبادل جسيمات كسيحة بين جسيمات أصيلة، وأن القوة والمادة هما، ~~مرة أخرى، وجهان لحقيقة واحدة. # تدعى أمثال المخططات التي أوردناها أعلاه بمخططات فيينمان، نسبة إلى الفيزيائي الذي ~~ابتكرها # R. Feynman ms326 ~~. ومخططات فيينمان يجب أن ترسم، من ~~حيث المبدأ، على محورين يمثلان المكان والزمان، وفق التالي: # يمثل المخطط أعلاه، حادثة تفاعل إلكترون حر مع ~~نفسه أثناء سيره في الفراغ. ينطلق الإلكترون من نقطة ما في المكان مع تقدمه في ~~الزمان؛ أي إن حركته هي حركة أفقية مكانية وشاقولية زمانية؛ لأن كل متحرك إنما يتحرك في ~~المكان والزمان معا، أما ما يبقى على حاله دون حركة، فإن حركته هي شاقولية فقط؛ لأنه ~~ينتقل في الزمان فقط. في نقطة ما محددة على مخطط فيينمان أعلاه، يلفظ الإلكترون ~~فوتونا أصيلا ينطلق آن ولادته بسرعة الضوء نحو اليمين، وقد مثله المخطط بخط ~~متقطع، أما الإلكترون فإنه يقوم بتغيير اتجاه حركته عند النقطة نفسها منحرفا نحو ~~اليسار؛ وذلك بسبب تأثر عزم انطلاقه # Momentum # بعد لفظ ~~الفوتون. وبعد أن ينحرف فإنه يسير بسرعة أبطأ. # وتنبع أهمية مخططات فيينمان من اكتشافه لتقابل هذه المخططات المكانية الزمانية مع ~~طرائق التعبير الرياضية التي تصف الحادثة نفسها، والتي تعطي احتمالات التفاعلات ~~الممكنة. وعليه، فإن بإمكاننا النظر إلى أي مخطط من هذه المخططات، باعتباره نظيرا ~~لمعادلة رياضية، وبديلا عنها. وإليكم مخططا آخر، يظهر تصادما بين إلكترون وبوزيترون ~~(أي إلكترون نقيض): # في المخطط أعلاه، يأتي إلكترون من اليسار ليلتقي مع نقيضه البوزيترون القادم من ~~اليمين في نقطة التلامس (ويجب أن نلاحظ هنا عدم وجود عملية تصادم عنيف). يتفانى الجسيم ~~ونقيضه، ويتخلق عن فنائهما فوتونان أصيلان ينطلقان بسرعة الضوء كل في اتجاه. وفي ~~الواقع، فإن كل حادثة في العالم الصغري يؤدي إليها فناء الجسيمات الداخلة في التفاعل، ~~كما ينجم عنها تخليق لجسيمات أخرى جديدة. وترسم الحادثة على مخطط فيينمان على شكل عقدة ~~صغيرة سوداء، كما هو واضح أعلاه. من هنا يمكن النظر إلى المخطط السابق الذي يمثل لفظ ~~الإلكترون للفوتون عند نقطة الحادثة، ثم انعطافه نحو اليسار، على أنه تمثيل لفناء ~~الإلكترون عند نقطة الحادثة، وظهور فوتون وإلكترون جديدين، وهو تفسير أكثر بساطة ~~واتساقا. # لننظر مرة أخرى إلى المخطط أعلاه، والذي يمثل تماس الإلكترون ms327 مع البوزيترون، ~~ولنفترض بأننا نستطيع استخدام اتجاه رأس السهم لتمييز الإلكترون من نقيضه البوزيترون؛ ~~فإذا كان رأس السهم نحو الأعلى دلنا على الإلكترون، وإذا كان نحو الأسفل دلنا على ~~البوزيترون. عند ذلك، سوف يبدو المخطط كما هو موضح أدناه. # ولكن بما أن مخططات فيينمان تصف حادثة تجري في الزمان والمكان، وأن الحركة الزمانية ~~فيها صاعدة نحو الأعلى، فإن رأس السهم النازل في المخطط أعلاه سوف يشير إلى زمن معكوس ~~للبوزيترون. فهل ستكون هذه الطريقة في التمييز، على المخطط، بين الجسيم ونقيضه صالحة ~~من الناحية الرياضية؟ في الواقع، لقد اكتشف فيينمان عام 1949م، ومن خلال مطابقة ~~معادلاته الرياضية مع المخططات المقابلة لها، أنه لا فرق من الناحية الرياضية بين موجة ~~بوزيترون تتطور زمنيا نحو الأمام، وموجة إلكترون تتطور زمنيا نحو الوراء. وبتعبير ~~آخر، فإن الجسيم النقيض هو ذات الجسيم متحركا في زمن معكوس. من هنا، فإن تدوير المخطط ~~أعلاه في الاتجاهات الأربعة سوف يعطي النتائج نفسها، كما هو مبين أدناه. # في المخطط الأيسر، الذي هو نتاج تدوير المخطط ~~الأصلي ربع دورة نحو اليسار، نجد إلكترونا يأتي من اليمين ليصطدم مع فوتون يأتي من ~~اليسار، فينتج عن تصادمهما إلكترون آخر وفوتون آخر. وهذا ما يحصل فعلا بالحل الرياضي ~~وبالتجربة العملية. في المخطط الأوسط، الذي هو نتاج تدوير المخطط الأصلي نصف دورة، نجد ~~فوتونين يتصادمان لينتج عنهما إلكترون يتجه نحو اليسار وبوزيترون يسير هابطا عكس ~~الزمن. وفي المخطط الأيمن، الذي هو نتاج تدوير المخطط الأصلي ثلاثة أرباع الدورة، نجد ~~بوزيترونا وفوتونا يتصادمان لينتج عنهما بوزيترون آخر وفوتون آخر. وإليكم الآن مخططا ~~يرسم تصادما لفوتونين عند النقطة # B ~~. # إن تصادم هذين الفوتونين سوف يخلق عند # B # إلكترونا ~~وبوزيترونا (وأذكر هنا بأننا لا نرسم للفوتون اتجاها لأنه نقيض نفسه). يلتقي ~~البوزيترون الناجم عن الحادثة # B # بإلكترون قادم من ~~اليسار، فيتفانى الجسيم ونقيضه عند # A ~~، وينجم عن ~~تفانيهما فوتونان ينطلقان بسرعة الضوء. ولكننا إذا تأملنا المخطط مجددا، فإن التفسير ~~الأفضل للمخطط يقدم نفسه فورا، فهنالك إلكترون ms328 على يسار الشكل يتقدم نحو # A ~~، حيث يلفظ عندها فوتونين؛ الأمر الذي يؤدي إلى ~~تحويله إلى نقيضه البروزيترون. يسير البوزيترون في زمن معكوس نحو # B ~~، وهناك يمتص فوتونين قادمين من الأسفل، فيعكس ~~اتجاهه في الزمن مجددا ويتحول إلى إلكترون مرة أخرى، منطلقا نحو اليمين. وبهذه ~~الطريقة، نكون قد استبدلنا جسيما واحدا يتحرك باتجاه الزمن حينا وعكس الزمن حينا ~~آخر، استبدلناه بالجسيمات الثلاثة الداخلة في التفاعل بجسيم واحد يتحرك في اتجاه الزمن ~~حينا وعكس الزمن حينا آخر. وهذه هي صورة المتصل الزماني المكاني الواحد التي تقودنا ~~إليها النظرية النسبية. # إن النظرة النيوتونية للمكان والزمان هي نظرة دينامية، حيث الحوادث تتطور بمرور ~~الزمان الأحادي الاتجاه، الذي يسير من الماضي نحو المستقبل عبر الحاضر. أما النسبية ~~الخاصة، فتقودنا إلى القول بأنه من الأنسب والمجدي أكثر، أن نفكر بمساحة ساكنة للمكان ~~والزمان، هي المتصل الزماني المكاني (الزمكان). في هذه الصورة الساكنة لا تتطور الحوادث ~~في اتجاه محدد، بل إنها فقط توجد. فإذا قيض لنا أن نرى البعد الرابع؛ وهو الزمن في ~~اتصاله مع أبعاد المكان الثلاثة، واستطعنا أن نستعرضه دفعة واحدة كما نستعرض عناصر ~~المكان، لوجدنا أن الحوادث لا تتطور في زمان ينساب، بل تقدم نفسها لنا كلوحة منسوجة في ~~قماش المتصل الزماني المكاني، حيث الماضي والحاضر والمستقبل موجود معا وفي تطابق مع ~~المكان. وهذا يعني أن الإحساس بتطور الحادثة عبر الزمن، ما هو إلا نتاج لطبيعة وعينا ~~الذي يسمح لنا برؤية قطاع صغير فقط في كل مرة من تلك الصورة الإجمالية الزمكانية. وفي ~~هذا يقول الفيزيائي الفرنسي لوي دي بروي، صاحب نظرية الموجة، ما يأتي: ~~«في المتصل الزماني المكاني، يعطى الماضي والحاضر والمستقبل لكل منا في رزمة واحدة ~~... إلا أن كل واحد، وبمرور زمنه، يستكشف شرائح جديدة من الزمكان، تبدو له كجوانب متتابعة ~~للعالم المادي. أما في الحقيقة، فإن جماع الحوادث المشكلة للزمكان موجودة قبل ~~معرفتنا بها.» # 15 # هذا إذن هو معنى الزمكان في الفيزياء النسبية. إن الزمان والمكان متطابقان وموحدان ~~في متصل ms329 ذي أربعة أبعاد. في هذا المتصل يمكن لتفاعل الجسيمات أن يسير في أي اتجاه؛ فإذا ~~أردنا أن نتصور التفاعلات الممكنة جميعا، الموجودة في قطاع معين من الزمكان، فعلينا أن ~~نلتقط لها صورة كلمح البصر، تظهر كل المدى الزمني المتضمن وكل المساحة المكانية ~~أيضا. أما لماذا تستطيع الجسيمات في العالم الصغري أن تتحرك بحرية صعودا وهبوطا ~~في الزمن، ولا تقدر على ذلك أجسام العالم الكبري بما فيها الإنسان، فإن فيزياء الكم، ~~وعلم التيرمو-ديناميك، يقدمان على هذا السؤال إجابة لا نجد متسعا هنا ~~لعرضها. # كانت مخططات فيينمان والنظرية التي تقوم عليها، والمعروفة بنظرية الحقل الكمومي، أول ~~محاولة جدية للتوحيد بين النسبية والكوانتية. ولقد أثبتت هذه النظرية فعاليتها في ~~وصف التفاعلات الكهرطيسية، التي تتضمن الإلكترونات والفوتونات بشكل رئيسي، ولكنها بدت ~~فيما بعد أقل ملاءمة لوصف التفاعلات القوية للجسيمات الأثقل المدعوة بالهادرونات، من ~~أمثال البروتونات والنيترونات والبيونات، وغيرها من الجسيمات الثقيلة، التي تتطلب شحنها ~~بسرعات عالية جدا لإتمام عمليات التصادم. وهنا ظهرت نظرية مصفوفة التبعثر # Scattering Matrix ~~، المعروفة اختصارا بالمصفوفة # S ~~، كأفضل بديل لوصف الهادرونات وتفاعلاتها. إن ~~المبدأ الذي تقوم عليه المصفوفة # S ~~، هو عدم النظر إلى ما ~~يجري بين بداية التجربة ونهايتها، بل فقط إلى مدخلات التجربة ومخرجاتها؛ فهي تركز ~~على الحادثة أكثر من تركيزها على الجسيمات. إن مخططا للمصفوفة # S ~~، مبنيا على جداولها الرياضية، يمكن أن يبدو على ~~الشكل التالي: # يمثل هذا المخطط حادثة تصادم بروتون وبيون سالب، ينجم عنهما في النهاية بروتون ~~وبيون سالب، أما ما الذي حدث بين هذا الوضع الأولي الذي ابتدأت به التجربة والناتج ~~الأخير لها، فلا يظهره المخطط كما كانت مخططات فيينمان تفعل. والآن إذا زادت مدخلات ~~التجربة، يمكن للمخططات أن تبدو على الشكل الآتي: # إن الجسيم وفق نظرية المصفوفة # S ~~، هو حالة وسيطة في ~~شبكة التفاعلات. والخطوط هنا لا تمثل التطور في الزمان والمكان، كما كان الحال في ~~مخططات فيينمان، بل هي قنوات تفاعل تجري عبرها الطاقة من أجل تخليق جسيمات أخرى؛ ~~فالنيترون مثلا هو قناة ms330 تفاعل يمكن تشكيلها بواسطة تصادم بروتون وبيون سالب، ولكن إذا ~~توفرت طاقة أكبر، يمكن تخليق النيترون بواسطة تصادم قوي بين جسيم لامدا وكوان حيادي، ~~وهكذا إلى آخر هذه الممكنات واحتمالات تحقيقها. لننظر الآن إلى المخطط الآتي: # إن النيترون في هذا المخطط، ورمزه الحرف # n ~~، هو قناة ~~تفاعل بين أربعة جسيمات؛ فقد تم أولا تخليق النيترون بواسطة تصادم بين بروتون # p # وبيون سالب، ثم قام النيترون نفسه بتخليق لامدا ~~سالب وكوان موجب؛ أي إن الجسيمات في المخطط جميعها حوادث في شبكة واحدة، وكل جسيم منها ~~عبارة عن تركيب محتمل لغيره من الجسيمات، كما أنه في الوقت نفسه متضمن في غيره. ~~فالجسيمات حوادث، ولا وجود لها إلا في علاقتها بضعها مع بعض. وهذا يعني بشكل ما أن كل ~~جزء من الطبيعة في العالم الصغري ينطوي على الأجزاء الأخرى. وفي هذه النتيجة التي ~~توصلت إليها الفيزياء الحديثة ما يشبه بعض الأفكار البوذية حول طبيعة العالم. نقرأ في ~~أحد كتب التعاليم المنسوبة إلى بوذا: «في سماء إندارا، هنالك شبكة عقدها من أحجار ~~كريمة، قد نسجت بطريقة تجعل الناظر إلى أحد أحجارها يرى كل أحجار الشبكة منعكسة فيه. ~~كذا هو حال الكون؛ إن كل شيء فيه ليس نفسه فقط، بل يحتوي على كل شيء آخر.» # 16 # وفي الواقع، فلقد وصلت الفيزياء الحديثة في رحلة اكتشافها لأعماق المادة وطبيعة الكون ~~إلى حافة الصمت، وباتت اللغة عاجزة عن نقل الوقائع الكمومية التي تبدو مفهومة تماما ~~بلغة الرياضيات إلى لغة الحروف والكلمات. وهذا ما يدعوه بعض الفيزيائيين بمأزق اللغة. ~~وهم لشدة إحساسهم بهذا المأزق، انطلقوا للتبشير بمنطق كمومي جديد، يحل محل المنطق ~~التقليدي، وقد بدأت المحاولات الأولى في هذا الاتجاه تظهر في بعض المقالات والمؤلفات ~~الحديثة. # لقد لاحظ الرواد الأوائل لنظرية الكم، منذ البداية، ترابطا غريبا وعصيا على ~~التفسير بين الظواهر الكمومية، واعتبروه أمرا يمكن للنظرية تفسيره في المستقبل. ولقد ~~أظهر هذا الترابط نفسه بشكل جلي بطرق عدة رأينا إحداها في تجربة الشقين، عندما ~~كان الإلكترون يعرف بطريقة ms331 ما أن الشق الآخر مفتوح، ويكيف مساره وفقا لذلك. إلا أن ~~عددا من التجارب اللاحقة قادت إلى استنتاجات محيرة للعقل حول طبيعة الترابط بين ~~أجزاء العالم الكمومي. وأكثر هذه التجارب شهرة هي التجربة التي اقترح مبادئها ثلاثة ~~من الفيزيائيين، هم: أينشتاين وبودولسكي وروزين، حوالي عام 1935م، والتي لم تنفذ ~~عمليا إلا في السنوات الأخيرة، بعد أن تطورت التكنولوجيا إلى الحد الذي سمح باختبار ~~أفكارهم. # يمكن فهم المبدأ الأساسي في «أحجية أينشتاين وبودولسكي وروزين»، وهو الاسم الذي ~~اشتهرت به، وذلك بتصور قذيفة تم إطلاقها من مدفع. تدل التجربة على أن المدفع يرتد في ~~لحظة الإطلاق إلى الخلف باندفاع يساوي اندفاع القذيفة إلى الأمام تماما، ولو كان ~~المدفع والقذيفة متساويين في كتلتهما فإنهما ينطلقان بعد الإطلاق باتجاهين متعاكسين ~~لكن بسرعتين متساويتين. وإذا كانت سبطانة المدفع محلزنة كما هي العادة، فإن القذيفة ~~تأخذ بالفتل حول نفسها في أثناء انطلاقها، ويحدث الأمر نفسه للمدفع الذي ينفتل في ~~الاتجاه المعاكس. بكلمات أخرى، فإن كلا من الحركة الانسحابية والدورانية اللتين ~~تكتسبهما القذيفة لدى انطلاقها، يؤديان إلى رد فعل في المدفع لحظة الإطلاق يعاكس ~~تماما حركة القذيفة. وفي المستوى دون الذري، توجد أيضا جسيمات تطلق قذائف في حركة ~~انسحابية ودورانية. وقد بينت التجارب أن ارتداد ومعدل فتل كل من الجسيمات ~~وقذائفها، تخضع للقواعد نفسها التي تحكم المدفع وقذيفته. وبعض الجسيمات يمكن أن تتفكك ~~إلى وحدتين متماثلتين تماما، مما يجعلهما ينطلقان باتجاهين ومعدل لف متعاكسين ~~تماما. فالبيون مثلا، وهو جسيم عديم اللف في الأصل، يتفكك في أقل من عشرة أجزاء من ~~مليون مليار من الثانية، منقسما إلى فوتونين ينطلقان باتجاهين متعاكسين، ثم إن فتل ~~أحدهما يأخذ اتجاها معاكسا للآخر، فإذا انطلق أحدهما يلف في اتجاه عقارب الساعة، ~~انطلق الآخر وهو يلف في عكس اتجاه عقارب الساعة؛ لذلك وبسبب هذا الترابط التام بين ~~اتجاه انطلاق ولف الفوتونين، يجب أن يعطي رصد أحدهما معلومات عن الآخر. # 17 # والآن يمكن للتجربة أن تسير على الوجه التالي: نقوم بتفكيك أحد الجسيمات لنحصل ms332 على ~~جسيمين آخرين ينطلقان كل في خط سير معاكس للآخر، وفي اتجاه لف معاكس أيضا؛ فإذا كان ~~أحدهما يلف على مساره نحو الأعلى كان الآخر يلف نحو الأسفل، وإذا كان الواحد يلف نحو ~~اليمين كان الآخر يلف نحو اليسار. لنفترض الآن أننا تركنا مسافة كبيرة بين هذين ~~الجسيمين لا تسمح بأي نوع من الاتصال بينهما، ثم عمدنا إلى تغيير اتجاه لف أحدهما عن ~~طريق إدخاله في حقل مغناطيسي (الحقل المغناطيسي يغير دوما اتجاه لف الجسيمات)، عند ~~ذلك تحدث لدينا ظاهرة لا يمكن تفسيرها، وهي أن الجسيم الآخر الذي لم يمر عبر الحقل ~~المغناطيسي يغير من اتجاه لفه في الوقت نفسه الذي يغير نظيره اتجاه لفه بتأثير ~~الحقل المغناطيسي، بحيث يبقى الجسيمان متعاكسين في اتجاه حركة اللف، وكأنهما ما زالا ~~شريكين في جملة فيزيائية واحدة، رغم المسافة الشاسعة التي تفصل بينهما. # والأغرب من ذلك أن نتيجة التجربة تبقى واحدة إذا افترضت صيغها الرياضية أن الجسيمين ~~قد ابتعدا عن بعضهما مسافة ضوئية؛ إذ يبقى أحد الجسيمين يغير اتجاه لفه كلما تعرض ~~اتجاه لف الآخر إلى التغيير، ودون فاصل زمني على الإطلاق؛ مما يدل على أن هذا النوع من ~~التواصل ليس تواصلا بالإشارة، بل هو تواصل ترابط عميق يتخطى مفاهيمنا المعتادة عن ~~السببية الفيزيائية. وهذه نتيجة لم تكن في منظور أينشتاين وزميليه عندما صاغوا هذه ~~التجربة الذهنية الرياضية. # قد يرى البعض أن نتائج مثل هذه التجارب لا تمت بصلة إلى حياتنا اليومية؛ لأن ~~نتائجها لا تنطبق إلا على الجسيمات الدقيقة، وأن العالم من حولنا يبقى خاضعا، بهذا ~~الشكل أو ذاك، إلى المبادئ التقليدية التي نعرفها. ولكن الحقيقة هي أن العالم الكبري ~~يتألف من ذرات خاضعة إلى مبادئ الكم؛ ففي حفنة صغيرة من المادة العادية لا تزيد في ~~حجمها عن السنتيمتر المكعب، هناك آلاف من مليارات من ~~الذرات، وكلها تتفاعل وتتصادم ملايين المرات في الثانية. ولدى تفاعل جسيمين ذريين ثم ~~انفصالهما، لا نستطيع اعتبار أي منهما كيانا حقيقيا مستقلا؛ لأن حقيقة كل ~~منهما لا ms333 تنبع منه، بل من صيغة الترابط التي تجمعه إلى غيره؛ ذلك أن جميع الجمل ~~الكمومية عبر الكون كله مترابطة معا لتشكل كلا غير قابل للتجزئة، هو المستوى ~~الوحيد الذي يمكن لنا عنده التفكير بالحقيقة. # في عام 1964م، نشر الفيزيائي الأيرلندي ج. س. ~~بيل # J.S. Bell # برهانا رياضيا عرف فيما بعد باسم نظرية بيل، التي اعتبرها ~~البعض أهم عمل فردي في تاريخ الفيزياء. ولقد عمل بيل على تطوير نظريته خلال السنوات ~~العشر التي تلت نشرها، حتى آلت إلى شكلها الناضج الحالي. والنظرية بناء رياضي شديد ~~التعقيد، لا يمكن شرحه بعيدا عن لغة الرياضيات، ولكن إحدى أهم خلاصات برهانها هو أن ~~الأجزاء المؤلفة للكون تلتقي مع بعضها عند المستوى الأساسي والعميق للوجود، وتتصل ~~بطريقة مباشرة وكأنها تذوب في لجة لا تتمايز فيها الأشياء. كما تبرهن النظرية ~~انطلاقا من صحة التنبؤات الإحصائية لنظرية الكم، أن العالم ليس كما يتبدى لنا، أو ~~بالأحرى كما عودنا أنفسنا على رؤيته. ولا يقتصر زوغان العالم هذا على المستوى ~~الصغري، بل يتعداه إلى المستوى الكبري؛ أي إن عالمنا اليومي بكل أحداثه ومجرياته لا ~~يسير كما نظن أنه يسير. وقد أتبع بيل نظريته بتجربة ذهنية مشابهة لتجربة أينشتاين ~~وروزين وبودولسكي، تم فيما بعد التحقق من نتائجها بالتجريب العملي عام 1972م، على يد ~~الفيزيائيين # Clause # و # Freedman ~~، حيث أثبت هذان العالمان أن الجسيمات ~~تتواصل مع بعضها بدون إشارة تنتقل بينهما. وقد كتب الفيزيائي هنري ستاب عن نظرية بيل ~~يقول: ~~«إن الشيء الهام في نظرية بيل هو نقلها للمشكلة التي تطرحها الظاهرة الكوانتية على ~~المستوى الصغري إلى المستوى الكبري. وهي تظهر أن أفكارنا المعتادة عن الكون من حولنا ~~قاصرة على المستوى الكبري قصورها على المستوى الصغري.» # 18 # ويقول أيضا: «إن الظاهرة الكوانتية تقدم بينة من الطراز الأول على أن ~~المعلومات تنتقل بطريقة لا تمتثل للقواعد التقليدية ... إن كل ما عرفناه حتى الآن يقودنا ~~إلى القول بأن العمليات الأساسية للطبيعة تقع خارج الزمان والمكان، ولكنها تولد حوادث ~~متوضعة في الزمان والمكان.» # 19 ms334 # ومعنى قول ستاب هنا هو أن الحوادث الفيزيائية، سواء على المستوى الصغري أم على ~~المستوى الكبري، لا تجد أسبابها عند الجذور المرئية أو الملموسة بالتجريب، بل في مستوى ~~أعمق لا تستطيع تجربتنا الوصول إليه. وهذا ما يسميه الفيزيائي دافيد بوهم بالكلانية غير المتجزئة # Unbroken Wholeness ~~، مما سوف نتحدث عنه ~~بعد عرض موجز لفرضية البوتستراب # Bootstrap ~~، التي ~~نشأت في السياق النظري والتجريبي للمصفوفة # S ~~، على يد ~~الفيزيائي ج. تشو # Geoffrey Chew # الذي طور فكرة ~~البوتستراب إلى فلسفة للطبيعة، ثم استخدمها لبناء نظرية للجسيمات مصاغة بلغة المصفوفة # S ~~. # تعتبر البوتستراب بمثابة الرفض النهائي والحاسم، الذي أعلنته الفيزياء الحديثة، ~~للنظرة الميكانيكية للكون. فبالنسبة للفيزياء التقليدية، يقوم الكون على بنية قوامها ~~لبنات أساسية هي الوحدات الأولية المكونة للمادة، والتي لا يمكن تجزئتها إلى أصغر ~~منها أو تحليلها. أما وفق النظرية الجديدة للكون، وهي النظرة التي تعبر عنها ~~البوتستراب أحسن تعبير، فإن المادة لا يمكن فهمها باعتبارها تجمعا لكيانات مادية صغيرة ~~لا يمكن تحليلها؛ لأن الكون هو نسيج محكم من حوادث متداخلة ومعتمدة بعضها على بعض، ~~بحيث لا يمكن اعتبار أي جزء من الكون أكثر أولية أو أساسية من الآخر؛ لأن خصائص كل جزء ~~فيه تعتمد على خصائص الأجزاء الأخرى. يضاف إلى ذلك أن الاتساق الكلي للعلائق المتبادلة ~~بين الأجزاء، هو الذي يحدد بنية النسيج بكامله. من هنا فإن البوتستراب لا تنكر فقط ~~المكونات المادية الأساسية، بل إنها تنكر المكونات الأساسية من أي نوع، سواء جاءت على ~~صيغة قوانين أو معادلات رياضية أو مبادئ؛ وبذلك تبتعد البوتستراب عن فكرة كانت جوهرية ~~في علوم الطبيعة لمئات خلت من السنين، وهي فكرة القوانين الأولية للطبيعة؛ فالقوانين ~~كما يلمسها الفيزيائيون اليوم ليست إلا ابتكارا ذهنيا يساعد على رسم خريطة للحقيقة، ~~ولكنها لا ترسم الحقيقة نفسها. # أما الفيزيائي دافيد بوهم # David Bohm ~~، # 20 # فتقوم نظريته على الكلانية # Wholeness # والنظام المنطوي # Implicate Order ~~، على فكرة أن ~~الظواهر الكوانتية لا يمكن فهمها إلا إذا توقفنا عن النظر إلى الجزء باعتباره الوحدة ms335 ~~الأساسية للدراسة، وحولنا اهتمامنا إلى الكل؛ ذلك أن دراسة العالم الكمومي تقودنا إلى ~~مفهوم كلاني غير متجزئ للكون، يتنافى مع المفهوم التقليدي عن كون مؤلف من أجزاء ~~ذات وجود مستقل ومنفصل، حيث العلائق الكمومية التي لا يمكن فصمها هي الواقعة الأساسية، ~~أما الأجزاء التي تسلك في استقلال ظاهري، فليست إلا أشكالا عرضية في ذلك الكل. # يعتبر بوهم أيضا واحدا من أهم الفيزيائيين الذين ساروا بنظرية الكم نحو نتائجها ~~الفلسفية القائمة على الصيغ الرياضية والتجارب العملية؛ فالعالم كما يتبدى لهذا ~~الفيزيائي والمفكر العميق، هو عالم متكثر الأبعاد. وليس المستوى الذي تجري ضمنه ~~حياتنا اليومية وتنشط فيه علومنا الطبيعية، إلا المستوى السطحي للوجود، وهذا المستوى ذو ~~أربعة أبعاد، ويدعوه بوهم بالمستوى المنبسط (أو النظام المنبسط) # Explicate Order ~~. ورغم أن هذا المستوى السطحي ~~الظاهري يمكن وصفه اعتمادا على مظاهره وحدها، إلا أن فهمه لا يتيسر لنا باختراقه نحو ~~المستوى الأعمق للوجود، وهو المستوى الذي يشكل الخلفية الشاملة التي تقوم عليها ~~خبرتنا الفيزيائية والسيكولوجية والروحية، ويدعوه بوهم بالمستوى المنطوي # Implicate Order ~~. فعند هذا المستوى الخفي الباطني، ~~تتحد كل الظواهر التي تبدو مستقلة ومتمايزة في المستوى المنبسط الظاهري، وفيه تجد ~~الأحداث الفيزيائية الغامضة تفسيرها. وهذان المستويان، يتبادلان الظهور والخفاء في ~~حركة جريان كلي ، حيث ينبسط جزء من هذا الجريان على السطح ليعطي أشكالا ذات استقرار ~~نسبي، ولكنها متجذرة في ذلك الجريان السفلي غير المنظور، ثم ما انبسط يعود إلى ~~الانطواء فإلى الانبساط، وذلك في حركة تبادلية دائبة. ويوضح بوهم أن هذه الصورة للحركة ~~الكلانية ليست نتاج تأمل ذهني بحت، ولكنها «المعنى» الذي تنطوي عليه رياضيات ميكانيكا ~~الكم، أو بتعبير آخر، فإن رياضيات الكم ليست إلا وصفا لهذه الحركة الكلانية ~~( # Holomovement ~~). يقول: ~~«إن الكلانية هي الأمر الحقيقي، وما التجزئة إلا حاصل استجابة الكل لأفعال الإنسان ~~التي يوجهها إدراك يقوم على أفكار متجزئة. وبتعبير آخر، فإن المقترب التجزيئي في النظر ~~إلى الكون، هو الذي يدعو الكون إلى إظهار استجابات متجزئة ... إن كل ما نحتاجه بالفعل هو ~~مران ms336 صعب وطويل على التخلي تدريجيا عن أساليبنا التجزيئية في التفكير، لنستطيع اتخاذ ~~مقتربات كلية من الحقيقة، تدفعها إلى الاستجابة إلينا بطريقة كلية.» # 21 ~~«إن النتائج الضمنية لكل من النظرية النسبية والنظرية الكوانتية، تظهر الحاجة إلى ~~رؤية العالم ككل غير مجزأ تندمج فيه الأجزاء وتتحد. في هذا الكل، تعتبر النظرة ~~الذرية للمادة نوعا من التبسيط والتجريد، يصلح فقط ضمن مجال محدد. أما الرؤيا ~~الجديدة، فيمكن أن ندعوها بالكلانية غير المتجزئة في حركتها الجارية # Undivided Wholeness in Flowing Movement ~~. في هذا ~~الجريان الكوني، لا يمكن اعتبار العقل والمادة بمثابة جوهرين مستقلين؛ لأنهما وجهان ~~مختلفان لحركة كلانية متصلة. وبهذه الطريقة يكون بمقدورنا النظر إلى جوانب الوجود ~~جميعها في اتصالها لا في انفصالها، وننهي تلك التجزيئية الكامنة في النظرية الذرية إلى ~~المادة، وهي النظرة التي تدفعنا إلى فصل كل شيء عن كل شيء آخر على جميع المستويات.» # 22 ~~«لقد اكتشفنا أن الجسيمات التي اعتبرت أولية، يمكن تخليقها وإفناؤها وتحويلها؛ مما ~~دل على أنها أشكال ذات استقرار نسبي مستخلصة من مستوى أعمق للحركة. وقد نفترض هنا أن ~~هذا المستوى قابل بدوره للتحليل إلى جسيمات أكثر رهافة، ربما تكون الجوهر الأخير ~~للحقيقة، إلا أن فكرة الجريان التي نستكشفها هنا تنفي مثل هذه الفرضية؛ لأنها تتضمن أن ~~أية حادثة أو كيان، أو أي شيء مما يمكن ملاحظته ووصفه، هو استخلاص وتجريد من حركة كلية ~~جارية، غير معينة أو معروفة. وهذا يعني أنه بصرف النظر عن تطور معارفنا في قوانين ~~الفيزياء، فإن محتوى هذه القوانين لن ينطبق إلا على تجريدات لا تمتلك إلا استقلالية ~~نسبية في وجودها وسلوكها.» # 23 ~~(1) خلاصة ونتائج # لقد قادنا هذا العرض السريع، والشامل إلى حد ما، إلى استخلاص بضع نظرات جديدة ~~إلى الكون، لا تتناسب مع أي شيء نعرفه سابقا ونطمئن إليه. ولعل أهم فكرة زودتنا ~~بها الفيزياء الحديثة، من أجل الرؤيا الجديدة للكون، هي عدم وجود لبنات أساسية أو ~~مكونات أولية للمادة، وأن بنية الذرة لا يمكن وصفها كتجمع لبروتونات ونيترونات ~~في نواة ms337 يدور حولها الإلكترونات في مدارات ثابتة، على طريقة النظام الشمسي، وأن هذه ~~الجسيمات الذرية ليست أولية، مثلما أن الجسيمات الناجمة عن تحطيمها بالتصادم ليست ~~أولية أيضا. وبتعبير آخر، فإن الجسيم الأولي لا وجود له، وإن المادة التي تحيط ~~بنا هي مادة بدون جوهر مادي. فلقد أظهرت الجسيمات، الذرية منها وما دون الذرية، ~~بالتجربة أنها عبارة عن عمليات جارية، وليست كيانات مستقلة بأي شكل من الأشكال. ~~وأخذ العالم يبدو لنا أكثر فأكثر على أنه نسيج محكم من حوادث مترابطة متداخلة، ~~لا يتمتع أي جزء منه بصفة الأساسية والجوهرية؛ لأن خصائص كل جزء في هذا النسيج ~~تعتمد على خصائص الجزء الآخر، بحيث تقرر العلائق المتبادلة بين الأجزاء، واتساقها ~~العام، البنية الكلية للمادة. # إن نتائج فيزياء الجسيمات ذات الطاقة العالية، يمكن تلخيصها بالقول المثير الذي ~~أوردناه آنفا، وهو أن كل جسيم في العالم الصغري يتألف من كل الجسيمات الأخرى. ~~وهنا يجب ألا نتخيل أن كل جسيم يحتوي بقية الجسيمات فعلا، ووفق المفاهيم ~~الفيزيائية التقليدية، بل أن نتخيل تلك الجسيمات وهي تتضمن بعضها بعضا بالمفهوم ~~الدينامي الاحتمالي للمصفوفة # S ~~، حيث يتخذ كل جسيم ~~وضعه في النسيج الكلي، كحالة ترابط احتمالية لبقية مجموعات الجسيمات التي يمكن أن ~~تتفاعل مع بعضها من أجل تخليق هذا الجسيم. ففي تجارب التصادمات العنيفة في ~~المسارعات النووية، أظهرت الجسيمات الثقيلة من البروتونات والنيترونات والبيونات ~~وغيرها، أنها عبارة عن بنية احتمالية مركبة، مكوناتها جسيمات ثقيلة أخرى، وجميعها ~~لا تتمتع بصفة الجسيمات الأولية. فالبروتون قد يخلق بروتونا آخر، وإذا شحن ~~بطاقة أعلى قد يخلق عددا من البروتونات والنيترونات والبيونات، التي تعود بدورها ~~إلى تخليقه من جديد؛ وبهذا فإن كل جسيم ثقيل على المستوى الصغري يلعب ثلاثة أدوار؛ ~~فهو جسيم يتمتع باستقلال ظاهري من جهة، وهو بنية مركبة تؤلفها جسيمات أخرى يمكن أن ~~تتخلق عنه من جهة ثانية، وهو عامل تبادل بين جسيمين آخرين من جهة ثالثة. وهذا ~~التبادل الذي تمارسه الجسيمات فيما بينها، هو الذي يضمها إلى بعضها في قوة ندعوها ~~بالقوة ms338 الفائقة؛ أي إن القوة ليست شيئا مختلفا عن المادة، بل هي قيام الجسيمات ~~بتبادل جسيمات أخرى. وبهذه الطريقة فإن كل جسيم يعمل على تخليق جسيمات تقوم بدورها ~~بتخليقه، وكل شيء متضمن في كل شيء آخر. ورغم أن هذا المفهوم الصعب يمكن إعطاؤه ~~معادلا رياضيا دقيقا، إلا أن شرحه بالكلمات لا يمكن أن يؤدي إلى مزيد من ~~الإيضاح. # كما أوصلتنا الفيزياء الحديثة إلى أخطر اكتشاف يتعلق بطبيعة المعرفة، وهو أن كل ~~القوانين التي ظننا دوما أنها تحكم العمليات الطبيعية، ما هي في الواقع إلا ~~ابتكارات ذهنية تساعدنا على فهم الطبيعة؛ أو بتعبير آخر، ما هي إلا طريقتنا في فهم ~~الطبيعة. من هنا، فإن كل ما نراه من قوانين فاعلة فيما حولنا، هو تقريبات تجعل هذا ~~القطاع أو ذاك معقولا ومفهوما بالنسبة إلينا؛ إنها أشبه بالخرائط المرسومة التي ~~لا تربطها بالهيئات الطبيعية التي تصورها إلا أوهى الروابط. ومن ناحية أخرى، فقد ~~وحدت الفيزياء الحديثة بين طرفي عملية المعرفة، فلم يعد هناك «عارف» و«موضوع ~~معرفة»؛ لأن المراقب الإنساني، كما تبين لنا، ضروري لتعيين صفات وخصائص الموضوع ~~المادي، الذي يبقى دون تعيين بعيدا عن الوعي، وعن تفاعله مع من يراقبه؛ وبذلك سقطت ~~الموضوعية العلمية القديمة، ولم يعد بإمكان الفيزيائي أن يلعب دور المراقب ~~الموضوعي؛ لأنه متصل بالظواهر التي يراقبها إلى درجة التأثير في خصائص موضوعات ~~مراقبته. إن أية حادثة في العالم هي حلقة في سلسلة من العمليات الجارية التي تنتهي ~~عند الوعي الإنساني الذي يرصد ويراقب، بحيث لم يعد ممكنا صياغة قوانين النظرية ~~الكوانتية بغير الرجوع إلى الوعي. وقد رأينا بوضوح، ومن خلال عدد من الأمثلة ~~والتجارب، كيف أن الحوادث تبقى معلقة في الفراغ كمجموعة احتمالات، إلى أن يتدخل ~~المراقب، مجبرا أحد هذه الاحتمالات على التحقق، ومحدثا ما أسميناه بانهيار ~~الدالة الموجية. فالفوتونات تتصرف كالموجات ما سمح لها أن تتصرف كذلك، وتنتشر في ~~الفضاء دون أن يكون لها موضع معين، ولكن بمجرد أن يسأل المراقب عن مكانها، وذلك ~~بتعيين الشق الذي تمر عبره في ms339 تجربة الشقين، أو يجعلها تصطدم بحاجز، فإنها تغدو ~~فجأة جسيمات مادية. # ورغم أن الفيزياء لم تعمد بعد إلى إدخال الوعي باعتباره عنصرا فيزيائيا ~~كغيره من العناصر المشتملة بالتجربة، وذلك بسبب شدة تأثير الأفكار القديمة ~~التقليدية، إلا أن مثل هذه الخطورة تغدو ضرورية أكثر فأكثر بالنسبة لأية نظرية ~~فيزيائية مستقبلية؛ ذلك أن الإنسان ضروري لوجود الكون بمقدار ضرورة الكون لوجود ~~الإنسان؛ لأننا نعيش في عالم تشاركي لا غنى فيه لأحد مكونيه عن الآخر، والوعي ~~والمادة متضمنان في بعضهما في عروة وثقى لا تنفصم. غالبا ما نستمع إلى البعض ~~يقول: «لماذا أتيت إلى هذا العالم؟» أو «يجب أن أفعل كذا قبل أن أغادر العالم»، أو ~~ما إلى ذلك من صيغ تعبيرية تعكس نظرتنا إلى أنفسنا كمخلوقات ضئيلة عابرة في هذا ~~العالم. ولكن الإنسان، كما بدأ يعي وجوده الآن، ليس كائنا غريبا «يأتي» إلى ~~العالم ثم «يخرج منه»، بل هو عنصر لازم لقيام عالمه بالذات، إنه يشارك بصنعه ~~وإظهاره إلى حيز الوجود، والكون ليس مجموعة من الظواهر الكائنة «هناك»، تمارس ~~«وجودها» في معزل عن الإنسان، بل هو تعيين مشترط بالوعي ومتضافر معه على إظهار ما ~~ندعوه دوما ب «الحقيقة». # لقد قمنا في هذا الفصل برحلة في الفيزياء الحديثة، لغرض اكتشاف علاقة الإنسان ~~بالكون؛ الإنسان-الوعي بالكون-المادة، وهي العلاقة التي اقترحت أننا واجدون في ~~صميمها بذرة المعتقد الديني، ومن ورائه الدافع الديني. فهل فسر لنا درس الفيزياء ~~هذه العلاقة؟ وهل بتنا على عتبة قول كلمتنا الأخيرة؟ # | خاتمة # منشأ الدافع الديني # إذا كان الوعي من حيث الأساس هو نصف الحقيقة، وإذا كان الكون لا يقفز إلى عتبة الوجود ~~بغير الإنسان، فلماذا كان علينا أن ننتظر درس الفيزياء الحديثة ليطلعنا على هذا ~~الواقع؟ وجوابي على هذا التساؤل المشروع، هو أن الإنسان كان يشعر دوما، وفي المستوى ~~الآخر الأعمق لوعيه، بكلانية الكون وبلا تمايزه عن الوعي. وليس الدين إلا ظاهرة ~~عبرت، منذ بزوغ الوعي، عن هذا الإحساس المتأصل بالتكامل مع العالم والمشاركة في ~~«الحقيقة»، وإن الدافع إلى التدين ms340 وإلى تكوين المعتقد الديني لينشأ عن هذا الإحساس ~~بالكلانية، وبالمشاركة في كون واحد حي. # لقد علمتنا الفيزياء الحديثة أهم دروسها، وهو أن الأجزاء المستقلة ظاهرا، ترتبط ~~مع بعضها ارتباطا لا زمانيا ولا مكانيا، وأن هذا الارتباط يرجع إلى جذر واحد ~~مشترك، يكمن في نظام خفي منطو، تقوم عليه كل الحوادث الفيزيائية الظاهرة في النظام ~~المنبسط السطحي. وبتعبير الفيزيائي دافيد بوهم، فإن حوادث الحركة في هذا النظام ~~المنبسط، التي تؤدي إلى إظهار الكون برمته، ليست إلا فقاعة طافية فوق أوقيانوس ~~النظام الخفي المنطوي. وبما أن الوعي هو الشكل الآخر للمادة وصنوها الذي لا تقوم ~~للحقيقة قائمة بدونه، فإنه هو أيضا موزع بين نظامين؛ نظام سطحي منبسط ونظام خفي ~~منطو. وهذان الوجهان للوعي أدعوهما بوعي الصحو ووعي الغيب. يتجه وعي الصحو نحو ~~المستوى المتجزئ الظاهري، حيث تلعب الأجزاء دور الاستقلال والانفصال، وتؤثر ببعضها وفق ~~سببية ظاهرية، فيحصل على معرفة خطية (أي من الأسباب الظاهرية إلى نتائجها الظاهرية في ~~اتجاه واحد) تجمعه إلى بقية الظواهر، وتساعد الإنسان على حفظ الفردية والتلاؤم مع ~~محيطه. أما وعي الغيب فيتجه نحو المستوى المنطوي للوجود، حيث تلتقي الأجزاء وتجتمع في ~~كلانية غير متجزئة، فيحصل على معرفة غير خطية، تجعل الإنسان في اتساق مع الكل وتعطيه ~~حس الاتصال بكل ما عداه. # إن توضيح العلاقة بين الوعي والمادة، كان من المهام الصعبة عبر التاريخ الفكري ~~للإنسان. وتأتي الصعوبة من ذلك التمايز الجذري الذي يبدوان به أمام تجربتنا من ناحية، ~~ومن تلازمهما تلازما غير مفهوم من ناحية ثانية. ولعلنا واجدون في التفسير الذي أتى به ~~ديكارت مثالا على كيفية التعامل مع هذه المسألة الشائكة؛ فديكارت يعرف المادة على ~~أنها «جوهر يتمتع بخاصية الامتداد في المكان»، ويعرف الوعي على أنه «جوهر يتمتع ~~بخاصية التفكير»، وعلى تباعد هاتين الخصيصتين، فإن الاتصال بينهما غير ممكن، في رأيه، ~~على الإطلاق، إلا بواسطة الخالق الذي يوجد خارجهما معا، ويضمن في الوقت ذاته اتصالهما ~~واللقاء بينهما. # ولكن البيولوجيا والفيزياء الحديثة تشير اليوم بكل وضوح إلى أن ms341 الوعي ليس شيئا ~~غريبا عن العالم يضاف إليه من خارجه، بل إنه بطريقة ما ناتج عن مادة هذا العالم من ~~جهة، وإنه يعمل بعد تكوينه على إعادة صياغة العالم. فالوعي ينطوي على المادة لأنه ~~يدركها، والمادة تنطوي على الوعي لأنها تنتجه؛ فهما مستقلان ظاهرا متحدان ضمنا، في ~~بنية كلانية تحتية غير متجزئة. وقد كان للسيكولوجي المعروف كارل غوستاف يونغ أفكار ~~نبوئية حول هذا الموضوع. يقول في كتابه # Aion # ما ~~يلي: ~~«عاجلا أم آجلا، فإن فيزياء الذرات وسيكولوجيا اللاشعور سوف تقتربان من بضعهما ~~كثيرا؛ لأنهما، ومن موضعين مستقلين، قد شقا طريقهما نحو أرض مشتركة ... إن النفس لا ~~يمكن لها أن تستقل تماما عن المادة، وإلا فكيف تؤثر فيها؟ والمادة ليست غريبة عن ~~النفس، وإلا فكيف تعمل على إنتاجها؟ إن المادة والنفس موجودتان في العالم نفسه، وكل ~~واحدة منهما تشارك في الأخرى. وبدون هذا فإن أي تبادل للفعل بينهما يغدو مستحيلا. فإذا ~~قيض للبحث الجاري أن يتطور بما يكفي، فإننا لا شك واصلون إلى لقاء تام بين المفاهيم ~~الفيزيائية المادية والمفاهيم السيكولوجية. إن محاولاتنا الجارية الآن في هذا الاتجاه ~~جريئة، ولكني أعتقد بأننا نسير في الطريق الصحيح.» # 1 # لقد أمضى يونغ حياته العلمية في تتبع آثار جدلية الخافية الفردية (الخافية = ~~اللاوعي) مع الخافية الجمعية، وأظهر بمقتربه التجريبي وبصيرته الثاقبة ، وحدة الوعي ~~الإنساني، واتصال الذوات الإنسانية عند أعمق مستويات الواعية الفردية، حيث تتلاشى ~~سيكولوجية الفرد في البحر العظيم لسيكولوجية الجنس البشري. ورغم أنه لم يتوصل صراحة ~~إلى ما يمكن أن ندعوه بالوعي الكوني، فإن مثل هذه النتيجة المنطقية تغدو بين أيدينا إذا ~~نحن زاوجنا بين سيكولوجيا الأعماق ليونغ والنتائج المعرفية الفلسفية للفيزياء الحديثة. ~~ولشرح مثل هذه المزاوجة التي تظهر لنا الوعي الكوني الكامن فينا وطريقة عمله، سأقوم ~~برسم المخطط التوضيحي التالي الذي يعبر عن نظريتي في منشأ الدافع الديني: # فالوجود عبارة عن دارة مغلقة ذات قرصين يدوران على بعضهما دوران الرحى؛ الأول ~~هو الكون، والثاني هو الوعي. وبدوران هذا على ذاك يظهر الوجود. ms342 فإذا زال الوعي، تحول ~~الكون إلى أنماط موجية احتمالية لعوالم متراكبة تنحو نحو الوجود، ولكنها لا تستطيع ~~إنجاز هذه الخطوة منفردة. وإذا زال الكون تلاشى الوعي لتلاشي موضوعه. وفي الرسم ~~التخطيطي الثاني أدناه، أوضح كيفية انقسام الكون والوعي، إلى مستوى تجزيئي ظاهري ~~ومستوى كلاني تحتي. ففي المستوى التجزيئي تمارس الأجزاء وجودا مستقلا ظاهريا، ~~كما يمارس وعي الصحو الفردي أيضا وجودا مستقلا ظاهرا، فيشعر الفرد بأناه المنعزلة ~~وبممارسته للمعرفة التجزيئية، التي تجعله يتعرف على الموضوعات المتجزئة الأخرى. وفي ~~المستوى الكلاني التحتي تتحد الحوادث المادية، كما يتحد الوعي الفردي بالوعي الجمعي ثم ~~يجتازه إلى الوعي الكوني، حيث يتلاشى الوعي في المادة وتتلاشى المادة في الوعي، في وحدة ~~متكاملة. # أما الرسم التخطيطي الثالث، فيوضح درجات انفتاح الوعي؛ من وعي الصحو إلى وعي الغيب ~~الفردي (وهو الخافية الفردية)، فوعي الغيب الجمعي (وهو الخافية الجمعية الإنسانية)، ~~فالوعي الكوني الذي يوحد الفرد والجنس البشري بالكون. # ينغرس الوعي في صميم المادة-الكون، ويعطي الإنسان ~~شعورا بالخروج من ذاتيته والتوحد بكل ما عداه. وهذا الشعور ليس شعورا وهميا، بل إنه ~~أكثر المشاعر الإنسانية حقيقية. كما أنه في الوقت ذاته ليس شعورا اصطناعيا ناجما عن ~~إعمال فكر في طبيعة الكون والمادة وعلاقة الإنسان بهما، بل هو أشبه بوظيفة نفسانية ~~مؤسسة بشكل راسخ؛ لأنه يعكس بالفعل حالة انغماس الوعي بالقاع الكلي للوجود. وفي الواقع، ~~فإن وعي الغيب يعمل بطريقة آنية وأكثر مباشرة من وعي الصحو، الذي يعمل بطريقة تحليلية ~~بنائية شديدة التعقيد. ففي وعي الصحو، نحن نتلقى المعلومات عن الحوادث الخارجية بواسطة ~~الحواس التي تنقلها إلى المراكز الدماغية عبر سيالات كهربائية، حيث يجري فرزها ~~وتحليلها، والاستعانة بالذاكرة من أجل تمييزها وتقييمها، ثم تعمل مراكز المنطق في الجهة ~~اليمنى من الدماغ، بعد ذلك، على تمحيص هذه المعلومات وتفسيرها، إلى آخر هذه العملية ~~التي يجري بعضها عفويا وبعضها بشكل قصدي إرادي. أما في وعي الغيب، فإن العالم كله ~~معطى لنا بشكل آني مباشر، وما علينا سوى الاستسلام إليه والثقة به. ولا أدل على ms343 هذه ~~الآلية المباشرة في عمل وعي الغيب من حالة الحلم؛ ففي الأحلام يحمل لنا وعي الغيب ~~الجمعي، ومن دون جهد يذكر من قبلنا أو قصد، رموزا ورؤى تنبع من أعماق الخافية، لا ~~تنفع في وصفها وتحليلها مئات الصفحات المكتوبة، توضع أمام وعي الصحو من أجل استيعابها ~~وفق معارفه الخطية. # ولكن الإنسان، عبر تاريخ طويل من اعتماده على وعي الصحو من أجل الارتقاء بتقنياته في ~~مواجهة شروطه البيئية، قد وسع باستمرار مساحة الصحو في وعيه على حساب مساحة الغيب، ~~إلى درجة جعلت من العالم التجريبي الظاهري المجال الوحيد لما هو أصيل وحقيقي، ودفعت ~~بوعي الغيب ومحتوياته إلى أعماق منسية في النفس الإنسانية؛ الأمر الذي كان يعمل ~~باستمرار على تكريس استقلال الذات الفردية، حتى وصل الإنسان الحديث إلى أقصى درجات ~~الفردية والعزلة التي تقطعه عن بقية الأفراد وعن الطبيعة. والحقيقة أن الإنسان بحاجة ~~إلى إقامة توازن دقيق بين وعي صحوه ووعي غيبه؛ لكي يشعر باستقلال كاف يساعده على ~~التعامل بكفاية مع محيطه وبيئته وتنمية تقنياته المختلفة، ولكي يؤمن في الوقت نفسه ~~حالة توازن نفسي وروحي مع الكون؛ ذلك أن طغيان وعي الغيب يقف حجر عثرة أمام التعامل ~~المباشر مع الطبيعة، أما طغيان وعي الصحو فيدفع الأفراد إلى هوة البؤس النفسي والروحي. ~~ولعل من أهم منجزات علوم الطبيعة والنفس ، أنها قد فتحت عيوننا على تكامل شطري الوعي ~~وضرورتهما بعضهما لبعض. # وهكذا، وعلى ضوء توحيد النتائج المعرفية والفلسفية للفيزياء الحديثة مع سيكولوجيا ~~الأعماق، تبدو أمامنا المسائل الأساسية للمعرفة، وهي الكون والمادة والحياة والوعي، وقد ~~اجتمعت في مسألة واحدة. وصرنا نرى هذه العناصر المستقلة كإسقاطات لحقيقة واحدة هي ~~الكلانية التحتية غير المتجزئة. ولكن الوعي الديني قد أحس دوما بهذه الحقيقة ~~البسيطة، وعبر عن هذا الإحساس بمعتقد يقسم الوجود إلى مستويين؛ هما المستوى الظاهري ~~للخبرة الحياتية العادية، والمستوى القدسي الغائب الذي يصدر عنه عالم الظواهر. يجتمع ~~هذان المستويان على استقلالهما الظاهري في دارة وجود واحدة، لحمتها القوة السارية التي ~~تصدر من عالم اللاهوت لتعطي كل حركة ms344 في عالم الناسوت. أو بمصطلح الفيزياء الحديثة؛ ~~الطاقة الصافية، التي تصدر عن النظام المنطوي الخفي، لتتخذ أشكالها على هيئة حوادث ~~دائمة التبدل والتغير في المستوى المنبسط السطحي. إن أشكال المعتقدات الدينية كافة ليست ~~إلا تنويعات على هذه القاعدة الأساسية للحد الأدنى الاعتقادي، الذي توصلنا إليه في ~~دراستنا الحالية. # ولكن وعي الغيب ووعي الصحو لم يكونا دوما في حالة توازن مثالي. ففي المراحل الأولى ~~للحضارة الإنسانية، كان وعي الغيب يشغل مساحة تزيد عن مساحة وعي الصحو، والإنسان الأول ~~كان يشعر بوحدته مع كل أشكال الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية، بل كان يرى أيضا ~~إلى الكون كعضوية تتخللها حياة واحدة ونفس واحدة. ولقد أنتج هذا الوعي الغيبي الكلاني ~~بالوجود معتقدات المجال القدسي والقوة السارية في ثقافات العصر الحجري والثقافات ~~البدائية، وكل أشكالها الأنضج في الحضارات الكبرى للهند والشرق الأقصى؛ لأن الإنسان كان ~~يواجه الكلانية الوجودية بموقف كلاني، وفكر كلاني يصدر عن وعي غيبه أكثر من صدوره عن ~~وعي صحوه. غير أن نمو وعي الصحو على حساب وعي الغيب، ومقابلة الكلانية الوجودية بموقف ~~تجزيئي، وفكر تجزيئي يصدر عن وعي الصحو أكثر من صدوره عن وعي الغيب، قد أدى إلى ~~الظهور التدريجي للإله المشخص، الذي كان بمثابة تسوية سيكولوجية بين شطري الوعي. فإذا ~~كان الوجود للأجزاء، فلا بد أن تكون الألوهة شخصا ذا هوية محددة وكيان مفارق؛ ~~وبذلك سار الوعي في إحساس مباشر بالكلانية، إلى إحساس غير مباشر بها عن طريق توسيط كائن ~~ما ورائي يضمن وحدة شطري الوجود. # وجماع القول هو أن الدين لا يقوم على أساس وهمي، ولا على أساس عدد من الأفكار ~~الخاطئة التي تم تكوينها في طفولة الجنس البشري؛ فالإحساس الذي يجعل الدين ممكنا إنما ~~يقوم على اختبار نفسي في وعي الغيب للوحدة الكلية للوجود، ومنعكساته في وعي الصحو. ~~وبصرف النظر عن الإله المشخص الذي يوسطه الإحساس بالوحدة الكلية، فإنه يبقى معبرا ~~إلى ما وصفته في الصفحات الأولى بأنه: حالة الوجود الحق. # | ثبت المراجع # (1) في الدين والميثولوجيا وتاريخ الأديان # ابن الكلبي، ms345 كتاب الأصنام، تحقيق أحمد زكي، القاهرة 1965م. # ابن النديم، الفهرست، تحقيق الدكتورة ناهد عثمان، الدوحة 1985م. # Boyce, Mary. History of Zaroastrianism, Leden ~~1982. # Budge, Wallis. Egyptian Religion, Routledge, London ~~1985. # بدج، واليس، الديانة الفرعونية، ترجمة نهاد خياطة، دمشق 1987م. # Campbell, Joseph. The Masks of God, vol. 1. Primitive ~~Mythology, Penguin. London 1978. # Davidson, H. R. Ellis. Gods and Myths of Northern ~~Europe, Pelican, London 1964. # Devi, Savitri. Son of the Sun, A. M. O. R. C, San Jose, ~~California, 1981. # Eliade, Mercea. The Sacred and the Profane, Harvest, ~~New York 1969. # ميرسيا إلياد، المقدس والدنيوي، ترجمة نهاد خياطة، دمشق 1987م. # Every, George, Christian Mythologe, Hamlyn, London ~~1970. # Hook, S. H. Babylonian and Assyrian Religion, ~~Hutchinston, 1970. # Noss, J. B. Man’s Religions, MacMillan, London 1969. # Otto, Rodulf, The Idea of the Holy, New York ~~1970. # Ovid, Metamorphoses, Tr. M. Innes, Penguin, London ~~1981. # Watts, Alan, The Two Hands of God, Rider, London ~~1978. # ودينغرين، جيو، ماني والمانوية، ترجمة سهيل زكار. دمشق 1985م. ~~(2) ديانات وفنون العصر الحجري # Breuil, A. H. Four Hundred Centuries of Cave Arts, ~~Dordgne, Centre De Etudes et de Documentation Prehistorique. # Braidwood, R. J. Prehistoric Man, Scott Illinois, ~~1975. # Cauvin, Jacques, Religions Neolithiques, Centre de ~~Recherches de Ecologie et de Prehistoire, Paris ~~1972. # جاك كوفان، ديانات العصر الحجري الحديث، ترجمة سلطان محيسن، دمشق ~~1988م. # Clark, Grahame, Prehistoric Societies, Knopf, New York ~~1968. # Cohen, M. N. The Food Crisis in Prehistory, Yale ~~University 1977. # Gimutas, Mariga. Goddesses and Gods of Old Europe, ~~University of California 1982. # Goff. B. L. Symbols of Prehistoric Mesopotamia, Yale ~~University 1967. # Kenyon, Kathleen. Archaeology in the Holly Land, ~~Manthuen, London 1985. # Laming, Emperaire. La Signification de I’Art Rupestre Poleolithique, Picard, Paris. # Leroi Gourhan, A. Prehistoire de I’Art Occidental, Paris, Mazenod 1971. # Leroi Gourhan, A. Treasures of Prehistoric Arts, New ~~York 1965. # Leroi Gourhan, A. Les Religions de la Prehistoire, Presses Universitaires de France, Paris 1964. # Lommel, Andiron, Prehistoric and Primitive Man, Hamlyn, ~~London 1976. # Mellart, James, Cattal Huyuk, Tahmes ms346 and Hudson, London ~~1967. # Starr, C. G. Early Man, Oxford ~~1973. ~~(3) أصل الدين والأنتروبولوجيا والأديان البدائية # Durkheim, Emile, The Elementary Forms of Religious ~~Life, London 1903-1915, Free Press, New York ~~1965. # Frazer, James. The Golden Bough, MacMillan. London ~~1922, 1971. # Froelich, J. C. Animism, Editions de l’Orante, Paris, ~~1964. # فراوليش، ج. س، ديانات الأرواح، ترجمة يوسف شلب الشام، اللاذقية ~~1988م. # Harrison, Jane. Themes, Cambridge 1927, University ~~Books, New York 1966. # Lang, Andrew. Myth, Rite and Religion, London 1887, New ~~York, 1968. # Mauss, M. A General Theory of Magic, London, ~~1972. # Morgan, Ashley. The Concept of the Primitive, Free Press, New York, 1976. # آشلي مورغان، البدائية، ترجمة محمد عصفور، الكويت 1982م. # Voiget, Johannes. Max Muller, The Man and his Ideas. ~~Calcutta 1967. ~~(4) أديان وفلسفات الشرق الأقصى # Akiyama, A. Shinto and its Architecture, Tokyo ~~1955. # Bapat, P. V. 250 Years of Buddhism, New Delhi, ~~1956. # Banergee, N. V. The Spirit of Indian Philosophy, New ~~Delhi 1973. # البيروني، تحقيق ما للهند، حيدر أباد 1985م. # Buddhist Promoting Foundation. The Teachings of Buddha. ~~Tokyo, 1977. # Devi, Chitrita. Upanishads for All, New Delhi, ~~1977. # Greel, H. G. Chinese Thought, Mentro, New York ~~1960. # I. ching, The, or The Book of Changes, The Richard ~~Wilhelm Translation. Renderd into English by C. F. Baynes, Princeton, 1977. # Lao Tzu. Tao Te Ching, translated by D. C. Lan, Penguin, 1978. # Ono, Sokyo. Shinto, The Camy Way, Tokyo, ~~1992. # Takai, J. C. Basic Terms of Shinto, Tokyo, ~~1985. # Watts, Allan. The Way of Zen, Penguin, ~~1965. # Watts, Allan, Tao, The Water Course Way, Penguin, ~~1979. # Yutang, Lin. The Wisdom of Confocius, Modern Library, ~~New York, 1978. # Zimmer, Heinrich, Myth and Symbols in Indian Art and ~~Civilization, Princeton, 1974. ~~(5) السيكولوجيا وسيكولوجيا الدين # Frued, Sigmund, The Complete Works, Standard Edition, ~~Hogarth Press, London. # James, William, The Varieties of Religious Experience, ~~Modern Library New York. # Jung. C. G. The Collected Works, Rotledg, ~~London. ~~(6) الفلسفة والاجتماع # Burrow, J. W. Evolution and Society, Cambridge ~~1970. # Cassirer, Ernest. The Philosophy of Symbolic Forms, ~~Yale, New ms347 Haven 1977, vol. 2. ~~(7) نصوص الشرق القديم # Hiedel, Alexandar. The Gilgamesh Epic, University of ~~Chicago 1963. Pritchard. J. B. The Ancient Near Eastern Texts Related ~~to the Old Tastement, Princeton, 1969. ~~(8) تاريخ الفن # Hauser, Arnold. The Social History of Art, Vintage, ~~1957. # أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة ~~1969م. ~~(9) موسوعات في الدين والفن والميثولوجيا # Encyclopedia of Religion, edt, Mercea Eliad Editor in ~~chief, MacMillan, London, 1987. # Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, London. ~~1977. # Larousse Encyclopedia of Prehistoric and Ancient Art, ~~Hamlyn. London. ~~(10) الفيزياء الحديثة ونظرية الكم # Bohm. David. Wholeness and the Implicate Order, Ark, ~~London, 1984. # Bohr, Nils. Atomic Physics and Human Knowledge, John ~~Wiley, New York, 1958. # Capra, Fritjof. The Tao of Physics, Flaminco, Glasco ~~1983. # Heisenberg, Werner. Physics and Philosophy, Alen and ~~Unwin, London, 1963 (Harper and Row, New York ~~1958). # فيرنر هايزنبرغ، فيزياء وفلسفة، ترجمة أدهم السمان، دمشق 1984م. # Mehara, J. The Physcist Concept of Nature, Dordrecht, ~~Holland, 1973. # Openheimer, R. Science and the Common Understanding, ~~Oxford, 1954. # Zukav, Gary. The dancing Wu-Li Masters, An Over View of ~~New Physics, Flaminco, Glasco 1984. # عبد الرحمن بدر، الكون الأحدب وقصة النظرية النسبية، طرابلس-لبنان ~~1986م. # بول ديفس، العوالم الأخرى، ترجمة حاتم النجدي، دمشق 1990م. ~~(11) مجلات ودوريات # American Scientific, February ~~1963. ~~(12) التصوف الإسلامي # ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت. # ابن عربي، فصوص الحكم، شرح وتقديم أبو العلا عفيفي، دار الكاتب العربي، ~~بيروت. # ابن عربي، الرسائل، دار إحياء التراث العربي، بيروت. # ابن عربي، إنشاء الدوائر، دار المثنى، بغداد. # عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل، دار مصطفى البابي الحلبي، ~~القاهرة. # د. سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، دار دندرة، بيروت . # النفري، المواقف والمخاطبات، دار الكتاب العربي ومكتبة المثنى، ~~بغداد ms348