######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.LughzCishtar.Hindawi30850472 #META# Tags: religions :: philosophy #META# ID: 30850472 #META# Title: لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # عشتار تتحدث عن نفسها‏ # فاتحة‏ # 1 - البؤرة الحضارية والأسطورة الأولى‏ # 2 - عشتار الأم الكبرى‏ # 3 - عشتار القمر‏ # 4 - عشتار الخضراء‏ # 5 - عشتار العذراء‏ # 6 - عشتار البغي المقدسة‏ # 7 - عشتار السوداء‏ # 8 - عشتار سيدة الأسرار‏ # 9 - تموز الخضر‏ # 10 - عشتار المخلصة‏ # رؤيا‏ # مراجع البحث‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # عشتار تتحدث عن نفسها‏ # فاتحة‏ # 1 - البؤرة الحضارية والأسطورة الأولى‏ # 2 - عشتار الأم الكبرى‏ # 3 - عشتار القمر‏ # 4 - عشتار الخضراء‏ # 5 - عشتار العذراء‏ # 6 - عشتار البغي المقدسة‏ # 7 - عشتار السوداء‏ # 8 - عشتار سيدة الأسرار‏ # 9 - تموز الخضر‏ # 10 - عشتار المخلصة‏ # رؤيا‏ # مراجع البحث‏ # | لغز عشتار # | لغز عشتار # | الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل ~~الأولى» تتشكل في ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، ~~شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، ~~فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة ~~الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية ~~فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن ~~الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ~~ستة أشهر، رحت خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد ~~البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو ~~سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي ~~بما يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، ~~وكان عمل الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن ~~لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة ~~الإنترنت التي لعبت دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ~~ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب الإلكترونية ~~المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب ~~الذي يعيش في ms001 الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال ~~كبسة زر على حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، ~~مع إبقائي استخدام القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل ~~للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في 20 ~~مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، ~~واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع ~~المتنوعة التي تثري الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها ~~في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت وأنا أتأملها ~~كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول «مغامرة ~~العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان»، ومشروع تكامل ~~تدريجيا دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي ~~الخاص الذي أحببت أن أشرك به قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد ~~أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى ~~بداية أخرى على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة ~~العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه ~~وأتأمله، إنه في غلاف طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ~~ناشرها إلى غلاف الطبعة الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق ~~الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم ~~عناية الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ~~ذلك الوقت. وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار ~~حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي ~~بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته هذه الثقافة ~~من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور ms002 موضع اهتمام ~~عام، ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا المجال، ولم أنظر ~~إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد على هوايته . إلا أن النجاح المدوي للكتاب ~~- الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق في ستة ~~أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ لأن القراء كانوا ~~يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح ~~أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب ~~الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل في ~~العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على ~~التاريخ العام والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز ~~عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ~~ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ أي بعد مرور عشر ~~سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح ~~الأول، فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت ~~الطبعة الثانية قبل نهاية العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان ~~«لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، ~~فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين ~~الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، إلى أن ~~دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، ~~وعهدت إلي بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان ~~الشرق الأوسط لطلاب الدراسات العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله ~~والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه الطبعة بالأعمال غير ~~الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ ~~لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في ~~طي الغيب. # وعلى الرغم ms003 من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في ~~الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على المستوى ~~العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي ~~المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في ~~تاريخ فلسطين القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره ~~صدر عام 2003 عن دار # T & T Clark # في ~~بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة ~~الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين ~~في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال ~~المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى انعقدت في دمشق ~~بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل ~~عديدة أثارها «تومبسون» في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان ~~الباحث البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في ~~كتاب من تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ~~ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من ~~أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن ~~نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the Invention of ~~Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى ~~بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic ~~Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A Reply to Firas ~~Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم ms004 يختفي ~~ولا تجده بعد ذلك إلا في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد ~~يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة التداول. وقد أطال القراء في ~~عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، أما ~~تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | عشتار تتحدث عن نفسها # أنا الأول، وأنا الآخر، # أنا البغي، وأنا القديسة ، # أنا الزوجة، وأنا العذراء، # أنا الأم، وأنا الابنة، # أنا العاقر، وكثر هم أبنائي، # أنا في عرس كبير ولم أتخذ زوجا، # أنا القابلة ولم أنجب أحدا، # وأنا سلوة أتعاب حملي، # أنا العروس وأنا العريس، # وزوجي من أنجبني، # أنا أم أبي، وأخت زوجي، # وهو من نسلي. # | فاتحة # عندما يشرع المؤلف في الكتابة بعد فترة تحضير طويلة، يقبل على عمله ~~معتقدا أن جملة الأفكار التي غدت جاهزة في ذهنه، والخطوط العامة التي ~~بعثرها على الأوراق والدفاتر والبطاقات، هي كل ما سيقدمه كتابه إلى ~~القراء، وأن جهده المقبل سوف ينصب على توضيح تلك الأفكار وصقلها ~~وتفصيلها من خلال المنهج الذي رسمه. إنه يريد من خلال عمله مشاركة ~~الآخرين له في معارف توصل إليها وحقائق أضناه الكدح في سبيلها. ولكنه ~~ما إن يسير شوطا قصيرا في طريق ظنه ممهدا سهلا، حتى تتكشف ~~له جسامة المهمة وقصور العدة التي تزود بها؛ فكل مرحلة من ~~الطريق ترمي به إلى أخرى أشق وأكثر وعورة، فيجد نفسه يرتاد مفازات ~~لم يحلم بارتيادها، وتتكشف أمام ناظريه آفاق لم تخطر ببال. فإذا ~~وصل غايته سالما غانما بعد أن حدثته نفسه مرارا بالنكوص والعودة ~~من حيث أتى، استدار ببصره إلى الوراء البعيد، إلى نقطة البداية، وقارن ~~حصيلته الراهنة بأهدافه الأولى، عرف مقدار ما علمته الرحلة مقاسا ~~بما كان عنده. ثم يخامره شعور غامض وخفي، حقيقي بمقدار ما هو غير ~~مفهوم، شعور بأنه لم يكن إلا قناة مرت من خلالها حقائق كامنة في الظل، ~~منتظرة ms005 أن تعبر عن نفسها من خلال أحد ما مستعد لبذل الوقت والجهد ~~وأرق النفس. ولعل أهم ما علمني إياه العمل في هذا المؤلف، هو وحدة ~~التجربة الروحية للإنسان عبر الزمان واختلاف المكان، وأن كل دين ~~ونظام ميثولوجي ليس إلا قطعة ملونة صغيرة في فسيفساء بديعة زاخرة ~~بالأجزاء التي تبدو مستقلة عن قرب، متوحدة عن بعد، في نظام متكامل ~~يعطي معنى لكل جزء من أجزائه، ويستمد معناه من هذه الأجزاء ~~ذاتها. # في البداية، كنت أطمح إلى تقديم بحث واف عن شخصية الإلهة الأم، أو ~~الأم الكبرى، في النسق الميثولوجي السوري-البابلي، ومتوازياتها في ~~الثقافات الكبرى المجاورة. ثم اكتشفت تدريجيا أن الحيز المكاني ~~الثقافي، والمدى الزمني اللذين حددتهما إطارا للبحث قاصران عن الإحاطة ~~بالموضوع. كان تتبع الأم الكبرى يوغل بي زمنيا إلى ما وراء حدود ~~التاريخ، حيث وجدت نفسي أودع النصوص المكتوبة مجتازا عتبة ما قبل ~~التاريخ، حيث لا شواهد وعلامات سوى الأدوات الحجرية وأعمال الإنسان ~~الفنية الأولى. وكان اقتفاء أثر قدميها على الأرض يأخذني في الاتجاهات ~~الأربعة حتى درت الكرة المعمورة، راجعا إلى نقطة المبتدى. وشيئا ~~فشيئا كنت أتبين أن البحث في ميثولوجيا الأم الكبرى ليس بحثا في ~~موضوع محدد، بل هو بحث في جوهر الأسطورة ومبدئها وغاياتها؛ لأنها ~~المحور الأساسي الذي دارت حوله أساطير الثقافات البشرية، وعنه شعت ~~وتفرقت. ومن خلال البحث تكونت النظرية التي تلم شتات الملاحظات في ~~كل واحد فتفسرها وتعطيها المعنى. وكما تكونت النظرية من خضم البحث، ~~لا سابقة عليه، ولا موجهة له، كذلك جعلتها تتفتح تلقائيا عبر ~~صفحات الكتاب دون أن أعمد إلى بسطها ثم أنفق الجهد في إثباتها. فأنا لا ~~أطمح إلى وضع تفسير شامل لا يأتيه الباطل من أمام أو وراء، بل أطمح ~~لإثارة الأسئلة عند من سيحاورهم هذا الكتاب ويحاورونه لا لإعطاء ~~الأجوبة. # ورغم أني قد قدمت الملامح العامة للنظرية في الفصل الأول، فإن الفصول ~~الباقية يجب ألا تعتبر بحال من الأحوال جهدا منصبا على إثبات ~~الأطروحات الأولى؛ لأنني في الحقيقة قد كتبت الفصل ms006 الأول آخر ما كتبت ~~لا أوله، فكان بالنسبة لي نتيجة لا افتراضا مسبقا موجها للبحث. ~~من هنا، يستطيع أي قارئ أن يصرف النظر عنه إذا شاء دون أن يفقد البحث ~~مضمونه ووحدته وتماسكه. # أخيرا، لقد كان من الأهداف الأساسية لمنهجي في البحث، تقديم كتاب ~~سهل التناول للقارئ غير المتخصص، وإقامة حوار على المستوى العالمي مع ~~الحلقات المهتمة والمتخصصة بهذا الموضوع. كل ما أرجوه ألا أكون قد ضحيت ~~بأحد هذين الهدفين لحساب الآخر. # الفصل الأول # | البؤرة الحضارية والأسطورة الأولى # منذ أن انبثق الإنسان من المملكة الحيوانية، كان في صراع مع عوامل ~~البيئة من أجل إثبات نفسه كجنس متميز يبتكر تاريخه الخاص، مبتعدا عن ~~الأجناس الأخرى التي خلفها وراءه بلا تاريخ مستسلمة لآلية الطبيعة. ~~وقد جاءت حضارتنا الحديثة ثمرة لذلك السعي الدائب الذي استمر مئات ~~الألوف من الأعوام وتتويجا له. إلا أن السؤال الذي طرح نفسه منذ أمد ~~طويل على العقل الإنساني، لم يجد جوابه إلا في العقود الثلاثة الأخيرة، ~~ومن خلال البحث الأركيولوجي الحديث: فمتى بدأت حضارتنا الحديثة، وما هي ~~العوامل الحاسمة التي أدت إلى ظهورها؟ أين ابتدأت هذه الحضارة؟ وكيف ~~تم تعميمها على جهات العالم الأربع؟ هل نشأت في بؤرة أساسية فشعت ~~منها نحو الأطراف، أم صدرت عن مراكز متباعدة وسارت في خطوط متوازية ~~قبل أن تلتقي وتتمازج؟ # تميز التاريخ الإنساني بأربعة تحولات أساسية؛ كان كل تحول منها ~~يحدث انقلابا شاملا في شتى مناحي الحياة، ويعطي للحضارة نقلة حاسمة ~~في شتى مظاهرها ومضامينها: ~~(أ) # أقدم هذه التحولات حدث في مطلع العصر البليستوسيني ~~الأعلى الذي امتد من عام 100000ق.م. إلى عام 10000 قبل ~~الميلاد. فهنا تشير الدلائل إلى أن الإنسان قد أحس ~~انفصاله الفعلي عن عالم الحيوان، وأخذ في إدراك إمكانيات ~~بيئته الطبيعية وتكييف نفسه تجاهها، وتنظيم جهوده من أجل ~~استغلالها وتوجيهها لمصلحته. وقد اصطلح على تسمية جملة ~~التغييرات التي حدثت خلال هذه الفترة بالثقافة ~~بالباليوليتية Paleolithic # أي ثقافة العصر الحجري القديم، والتي تم تقسيمها إلى ~~ثلاثة عصور فرعية هي: الباليوليتي ms007 الأدنى، والمتوسط، ~~والأعلى. ~~(ب) # التحول الثاني حدث في سياق الألف التاسع وأوائل الألف ~~الثامن قبل الميلاد؛ وذلك بتأثير ثلاثة عوامل حاسمة هي: ~~(1) الاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة الأولى. ~~(2) اكتشاف الزراعة والبداية المنظمة لإنتاج الغذاء. (3) ~~تدجين الماشية. ولقد أحدث هذا التحول هزة كبرى في بنية ~~المجتمعات البشرية أعطتها الدفعة الأولى الحاسمة لبناء ~~الحضارة، والخروج من رقدتها المستكينة في حضن الطبيعة، ~~وامتلاك مصيرها بنفسها. فخرج الإنسان من كهوفه وبدأ ببناء ~~القرى المستقرة الأولى في السهول المفتوحة، منهيا بذلك ~~تاريخا طويلا من التجوال في الأرض بحثا عن الغذاء. ثم ~~تعلم زراعة الحبوب بعد أن قضى زمنا في جمعها من حقولها ~~البرية، وسيطر على بعض الأنواع الحيوانية فدجنها وأخذ ~~يستفيد من منتجاتها. ولقد أطلق على هذا التحول الهام ~~اسم «الثورة النيوليتية» التي فتحت الطريق لثقافة العصر ~~النيوليتي # Neolithic # الذي امتد بين 8500ق.م. و4500ق.م. وانتهى بظهور أول ~~المدن في تاريخ البشرية. ~~(ج) # حدث التحول الثالث مع تكون المدن الأولى في وادي ~~الرافدين الأدنى بتنظيماتها المدنية والسياسية والدينية ~~المتطورة، وهو التحول الذي أطلق عليه اسم «الثورة ~~المدينية» # Urban Revolution # والذي كان بداية لعصر ما ~~زلنا نعيش فيه حتى الآن. ~~(د) # أما التحول الرابع فهو آخر التحولات وأقربها إلينا، ~~وهو التحول المعروف باسم «الثورة الصناعية» في القرن ~~التاسع عشر، والذي أحدث انقلابا جذريا في كل أساليب الإنتاج. # 1 # وأعتقد أننا الآن في خضم ثورة رابعة هي ~~الثورة المعلوماتية. # وفي الواقع، فإن الثورة النيوليتية التي أدت إلى الاستقرار واكتشاف ~~الزراعة وتدجين الماشية، هي البداية الحقيقية لحضارتنا القائمة الآن. ~~أما الثورة المدينية فهي التي أعطت هذه الحضارة أطرها الأولى التي ما ~~زالت قائمة في أساسات مجتمعات العصر الحديث. ورغم أن كل الحضارات، ~~القائمة منها والمندثرة، قد حققت هاتين الثورتين في زمن ما من ~~تاريخها، فإن علم الآثار الحديث يقرر اليوم أن الثورة النيوليتية ~~والثورة المدينية قد حدثتا لأول مرة في تاريخ الشرية في منطقة الشرق ~~الأدنى القديم، وهي المنطقة الوحيدة التي حققت ثورتيها في معزل عن كل ~~تأثير ms008 خارجي، جاعلة من نفسها نموذجا أول للتحولات التالية في ~~المناطق الأخرى. # 2 # فالثورة المدينية وظهور المدن الأولى، قد تم في سومر بوادي ~~الرافدين، ومنها انتقلت جنوبا نحو مصر، وشرقا نحو الهند. # 3 # أما البشائر الأولى للثورة النيوليتية، البداية الحقيقية ~~للحضارة، فقد انطلقت من سوريا، حيث أثبتت الحفريات الأثرية التي ما ~~زالت قائمة اليوم على قدم وساق، أن أولى التجمعات البشرية المستقرة، ~~وأولى القرى المبنية في السهول المفتوحة قد قامت في سوريا الجنوبية في ~~منطقة فلسطين ووادي الأردن خلال الألف العاشر والألف التاسع ق.م. # 4 # وأن أولى التجارب الزراعية قد تمت في المناطق الداخلية من ~~سوريا على طول الشريط الممتد من جنوب حلب إلى صحراء سيناء، ويعتقد أن ~~قصب السبق في هذا المضمار كان لموقعين رئيسين هما موقع تل المريبط في ~~الشمال عند شاطئ الفرات، وموقع أريحا في الجنوب بوادي الأردن، وذلك نحو ~~نهاية الألف التاسع وبداية الألف الثامن قبل الميلاد. # 5 # وخلال الألفين التاليين تم انتشار الزراعة انطلاقا من ~~مراكزها الأولى نحو جميع الاتجاهات، فلم يأت الألف السادس قبل الميلاد ~~حتى كانت الثورة النيوليتية قد آتت ثمارها في جميع أنحاء الشرق القديم، ~~وانطلقت منها نحو آسيا وجنوب أوروبا. # 6 # وهكذا يأتي علم الآثار ليدعم نظرية البؤرة الحضارية الأولى ~~وانتشار الحضارة من مركز واحد، في مقابل نظرية التطور المتوازي، ~~ويشير إلى منطقة الهلال الخصيب كموطن لهذه البؤرة، حيث بدأ الاستقرار ~~في الأرض وتبعته الزراعة في قرن الهلال الغربي، وظهرت المدينة الأولى ~~نواة مدنية اليوم في قرنه الشرقي. ولسوف نأتي فيما يلي على سرد الخطوط ~~العريضة لهذا التحول الكبير؛ وذلك لأهميته القصوى لموضوع هذا ~~الكتاب. # لقد شكلت المرحلة الممتدة بين الألف العاشر والألف السادس قبل ~~الميلاد، مرحلة حاسمة في تاريخ الإنسانية؛ فالتحولات الجذرية التي تمت ~~هنا قد نقلت الإنسانية من مرحلة الصيد والالتقاط إلى مرحلة الاستقرار ~~والزراعة وتربية المواشي. وإن الدلائل تشير حتى الآن إلى أن هذه ~~التحولات التي شكلت القاعدة المكينة لحضارتنا المدنية قد تمت في الشرق ~~الأدنى قبل أن تتم ms009 في أي مكان آخر على سطح الكرة الأرضية. # 7 # ولقد كانت نقطة انطلاق هذه التحولات مجموعة من الصيادين ~~واللاقطين التي بدأت تدريجيا بالخروج من كهوفها والتجمع في وحدات ~~قروية صغيرة شبه مستقرة، أخذت شكلها الثابت مع مطلع الألف التاسع قبل ~~الميلاد في منطقة فلسطين وغور الأردن، حيث ظهرت أولى القرى ذات البنية ~~الحضرية المكينة، فيما يدعى بالحضارة النطوفية التي نشأت وتطورت ~~مستوطناتها المستقرة الأولى قبل ظهور أية دلالات واضحة على إنتاج الغذاء. # 8 # ولقد كان اقتصاد هذه المستوطنات استمرارا بطريقة جديدة ~~لاقتصاد العصر الباليوليتي، إلا أنها قد أخذت بالاعتماد أكثر فأكثر على ~~الاغتذاء بالقمح البري الذي كانت الشروط المناخية في المنطقة قد ساعدت ~~على انتشاره بكثرة. فكانت المستوطنات في شكلها المتواضع البدئي تقام ~~بصورة مؤقتة قرب حقول القمح البري على شكل مستوطنة، أم تدعمها معسكرات ~~تابعة تبعد عنها مسافة ليست بالقصيرة، يقيم فيها رجال المجموعة خلال ~~تطوافهم بحثا عن الغذاء، ليعودوا من ثم إلى مستوطنتهم الأصلية التي ~~كانت تنتقل من مكانها كل فترة سعيا وراء حقوق قمح أغنى وقطعان صيد أوفر. # 9 # وقد استمدت هذه الحضارة النطوفية اسمها من وادي نطوف حيث تم العثور ~~على أولى مواقعها، وبعد ذلك تابع الكشف الأثري البحث عن امتدادات هذه ~~الثقافة حتى تم اكتشاف ثلاثة عشر موقعا رئيسيا من مواقعها، وذلك في ~~الشريط الضيق الذي يمتد بعرض ثمانين كيلومترا على محاذاة البحر ~~المتوسط بين خط عرض بيروت وخط عرض القاهرة؛ أي من جنوب دمشق في الشمال ~~حتى نهايات صحراء النقب باتجاه سيناء، فكانت هذه المنطقة من أكثر ~~المناطق كثافة سكانية بمعايير ذلك الزمن. وفي الألف التاسع، أخذت ~~المستوطنات النطوفية تأخذ شكل القرى المستقرة وبعضها كان يسكن لمدة ~~تصل عدة مئات من السنين، أما تعداد سكانها فيتراوح بين الخمسين ~~والمئتين والخمسين فردا، وهو تعداد كبير إذا ما قورن بتعداد التجمعات ~~الباليوليتية السابقة التي لم تكن تزيد عن الخمسة والعشرين فردا. في ~~هذه القرى ظهرت العمارة لأول مرة، وبنيت البيوت ذات الأساسات والجدران ~~الصلبة والثابتة والأرضيات ms010 المرصوفة، فكان عدد بيوت القرية الواحدة يصل ~~في بعض الأحيان إلى خمسين بيتا. ورغم أن الزراعة لم تكن قد اكتشفت ~~بعد، إلا أن الاستفادة المكثفة من القمح البري وبعض الحبوب الأخرى كانت ~~على ما يبدو المرحلة المنطقية الممهدة للمرحلة الزراعية، حيث تم في ~~المواقع النطوفية العثور على أدوات الاستفادة من الحبوب وتحضيرها ~~للغذاء، وذلك كالمناجل الصوانية وأحجار الطاحون وما إليها، ومخازن ~~الحبوب، دون العثور على أية بينة تشير إلى توصل هذه الحضارة إلى تقنيات ~~الزراعة أو البداية المنظمة لتدجين الماشية. # 10 # وإضافة إلى النشاطات شبه الزراعية والصيد، فإن التبادل التجاري ~~الإقليمي ، قد بدأ في شكله المتواضع البدئي خلال الفترة النطوفية، ولعب ~~دورا مكملا في اقتصاد تلك القرى الأولى؛ فقد تم العثور في المواقع ~~النطوفية على بعض أنواع أصداف الزينة التي يرجع مصدرها إلى البحر ~~المتوسط والبحر الأحمر؛ مما يدل على وقوع تبادل تجاري مع تلك المواقع. ~~كما تشير الدلائل إلى حصول تبادلات تتعلق بأنواع أخرى من بضائع ~~الرفاهية وبضائع الاستهلاك؛ مثل الأحجار، وقطع العظم المحفورة، ~~والجلود، والملح. # 11 # نحو نهاية الألف التاسع انتهت الثقافة النطوفية، وهجرت ~~قراها دون سبب واضح، مفسحة المجال لظهور القرى الزراعية ~~الأولى. # أثبت علم الآثار الحديث بالتعاون الوثيق مع علم الحياة النباتية لما ~~قبل التاريخ، أن الزراعة لم تظهر لأول مرة في وديان الأنهار الخصبة، ~~كما جرى الاعتقاد لفترة طويلة، بل في السهول والوديان الداخلية التي ~~ترويها مياه الأمطار، وفي المناطق التي شهدت لفترة طويلة النمو الحر ~~لحقول الحبوب البرية، وعلى الخصوص سهول سوريا الداخلية وسفوح زاغروس ~~الغربية شرقي وادي الرافدين. # 12 # فمع مطلع الألف الثامن قبل الميلاد تظهر البينات على بداية ~~التجارب الزراعية الأولى في سوريا في أريحا جنوبا، وفي تل المريبط ~~شمالا، وبذلك يبتدئ العصر النيوليتي الأول، الذي اصطلح على تسميته ~~بنيوليتي ما قبل الفخار، والذي استمر حتى الألف السادس قبل الميلاد. # 13 # كما تظهر البينات بعد ذلك بوقت قصير على تدجين الماشية ~~لأول مرة في الشرق القديم في موقع «الخيام» غربي البحر الميت. ms011 # 14 # تظهر أريحا كقرية مكتملة منذ عام 8350ق.م. فوق موقع نطوفي قديم، ~~وتستمر آهلة بالسكان مدة ألف عام كاملة حتى 7350ق.م. وذلك على ما أعطته ~~تواريخ الفحم 14. وفي الحقيقة فإن إطلاق اسم قرية على هذا الموقع ليس ~~إلا انسجاما مع التسمية السائدة لمواقع ذلك العصر؛ ذلك أن أريحا ~~كانت الموقع الرائد لسلسلة أعقبتها خلال الألفين التاليين من مواقع ~~أشباه المدن. فعدد السكان يقفز هنا من تعداد المواقع النطوفية الذي لم ~~يتجاوز الثلاثمائة بأية حال، إلى الألفي نسمة وربما أكثر، في مساحة ~~تزيد عن خمسة الهكتارات، كما أن البنية المدنية والسياسية والاقتصادية ~~تتطور وتتعقد تاركة إلى الأبد الشكل النطوفي البسيط. فاستمرار هذا ~~الموقع قائما لمدة ألف عام ومسكونا بالثقافة نفسها، إنما يدل على ~~اقتصاد مستقر وثابت، وعلى بنية مدنية وسياسية متطورة. كما أن السور ~~الحجري الذي تم الكشف عن بعض أجزائه، والذي يعتقد أنه يحيط بالمدينة ~~من شتى جهاتها بسماكة ثلاثة أمتار، وارتفاع يزيد عن أربعة، وهو أول سور ~~في التاريخ يبنى حول مدينة، إنما يكشف عن موارد مادية وبشرية ضخمة ~~بمقياس ذلك العصر، وعلى وجود سلطة مركزية متطورة قادرة على القيام بمثل ~~هذا العمل الجماعي الجبار وتوجيهه والإنفاق عليه. فإلى جانب الزراعة، ~~تظهر التجارة كعامل مكمل في دعم اقتصاد أريحا. ويبدو خلال هذه الفترة ~~أن خطوط التجارة قد امتدت إلى مئات الكيلومترات عبر سوريا في اتجاه ~~الشمال لتصل إلى الأناضول؛ فقد عثر في أريحا على أدوات من حجر السبج ~~(الأوبسيدان)، وهو زجاج بركاني استعمله الأقدمون في صنع المرايا ~~والنصال الصلبة الحادة، ولم يكن متوفرا إلا في منطقة واحدة في هضبة ~~الأناضول. كما كانت أريحا تبادل بمواد الأسفلت والكبريت والملح المتوفر ~~من البحر الميت، وبعض المنتجات الحرفية المصنوعة محليا. أما موقع تل ~~المريبط (80كم جنوب شرقي حلب)، فرغم كونه أصغر قليلا من أريحا، إلا ~~أنه يعكس خصائص مشابهة. فهنا توصل الإنسان إلى اكتشاف تقنيات الزراعة ~~منذ مطلع الألف الثامن قبل الميلاد، واستمر في سكن هذه القرية الزراعية ~~الأولى مدة ألف عام ms012 كاملة، كما هو الحال في أريحا. وقد تم هجر هذين ~~الموقعين دون سبب واضح في نهاية الألف الثامن، حيث أتت إليهما بعد ذلك ~~أقوام جديدة وحلت فيهما ثقافات أخرى. وهنا يتحول المركز الحضاري كلية ~~من سوريا الجنوبية إلى سوريا الشمالية خلال الألف السابق قبل الميلاد؛ ~~أي في المرحلة الثانية من العصر النيوليتي ما قبل الفخاري. # 15 # خلال الألف السابع قبل الميلاد، بلغت الثورة النيوليتية غايتها، حيث ~~صارت الزراعة العامل الأساسي في اقتصاد البؤرة الحضارية، بعد أن كانت ~~في شكلها الأولي مجرد عنصر داعم، واكتمل الشكل المدني والسياسي للقرى ~~الكبيرة المستقرة التي تزايد عددها بشكل كثيف من غابات ساحل المتوسط ~~غربا، إلى حوض الفرات شرقا، مرورا بالسهول الداخلية، وما يعرف الآن ~~ببادية الشام، ومن طوروس شمالا إلى أريحا في الجنوب. من هذه القرى ما ~~تم الكشف عنه مؤخرا في رأس شمرا على شاطئ المتوسط الشمالي، وأبو ~~هريرة ويقرص في حوض الفرات، وتل أسود على رافد بليخ، والكوم ومواقع ~~أخرى حول منطقة تدمر، وتل أسود وتل الرماد حول مدينة دمشق. وقد اعتمد ~~الاقتصاد الزراعي لهذه المستوطنات على الزراعة المطرية، إلا أن تقنيات ~~السقاية البدائية قد بدأت بالظهور في أكثر من منطقة. وبالإضافة إلى ~~الزراعة فقد تابع إنسان المنطقة الاعتماد على الصيد، إلا أن تدجين ~~الماشية الذي غدا نشاطا مستقرا قد حل تدريجيا محل الصيد. وقد ~~ارتبطت هذه المستوطنات بعضها ببعض من خلالها شبكة تجارية متطورة، حيث ~~كان تبادل السلع يتم عبر دروب تتراوح من عشرات الكيلومترات إلى مئات ~~الأميال. كما نشطت بشكل كثيف تجارة حجر السبج من الأناضول.كل ذلك جعل ~~من المنطقة السورية وحدة ثقافية متكاملة. # 16 # وفي أواسط هذه الفترة حوالي 6500ق.م. ظهرت على الوجود ~~مستوطنة شتال حيوك جنوب الأناضول، وهي أكبر مستوطنة نيوليتية تم ~~الكشف عنها حتى الآن، وهي أقرب إلى المدن السومرية الأولى التي ظهرت ~~بعد 3500ق.م. في وادي الرافدين، بمعابدها وكهنتها المتفرغين وعمارتها ~~المتطورة الجدارية وتماثيلها. فكانت هذه المدن جزءا من البؤرة ~~الحضارية الأولى أغنتها واغتنت بها. # 17 ms013 # مع نهاية الألف السابع وبداية الألف السادس قبل الميلاد ينتهي العصر ~~النيوليتي ما قبل الفخاري، ليبدأ عصر الفخار الذي أبدع فيه الإنسان ~~أرقى فنونه التشكيلية. غير أن الألف السادس تميز بالتحول التدريجي ~~لمركز الثقل الحضاري من سوريا باتجاه وادي الرافدين. فعبر الفترة ~~الممتدة من 5500 إلى 4500 قبل الميلاد نشأت في وادي الرافدين الأعلى، ~~وفي القوس الممتد من نهر الخابور الذي يرفد الفرات إلى شواطئ دجلة ~~الوسطى والجنوبية ثلاث حضارات تتابعت وتداخلت فيما بينها زمنيا ~~وثقافيا، وهي حضارات حسونة وسامراء وتل حلف، وجميعها نشأ بتأثيرات ~~شرقية واضحة. ولم تقتصر كل حضارة من هذه الحضارات على الموقع الأساسي ~~الذي أعطاها اسمها ، بل انتشرت شرقا وغربا من المحيط الهندي إلى ساحل ~~المتوسط، على طول الخطوط التجارية البعيدة المدى. وقد تميزت هذه الفترة ~~بنهضة جمالية شاملة تجلت على وجه الخصوص في الفخاريات الرائعة التي تعد ~~من أجمل ما أنتج العصر النيوليتي على الإطلاق، وذلك بخطوطها الجيومترية ~~التي ظهرت لأول مرة في هذه المواقع وألوانها البديعة الغنية والمتنوعة. ~~كما أن فنون وتكنولوجيا العصر النيوليتي من نحت وعمارة وحياكة ~~وتقنيات زراعية، قد وصلت هنا إلى أبعد مدى في التطور. أما التعدين ~~والصناعات المعدنية المتواضعة؛ فقد ازدهرت نسبيا في هذه الفترة ~~تمهيدا لعصور المعادن القادمة. # 18 # مع انهيار حضارة حلف حوالي 4500ق.م. تنهي الثقافة النيوليتية أشواطها ~~الأخيرة، وتفسح المجال لعصر المدينة الذي كان موقع تل العبيد جنوبي ~~وادي الرافدين مقدمة له، مهيئا المسرح لظهور الحضارة السومرية التي ~~ابتدأ معها تاريخ الإنسان المكتوب. وقد انتشرت تأثيرات حضارة تل ~~العبيد من مواقعها الرئيسية لتغطي كل المناطق التي شملتها تأثيرات ~~الحضارات الآنفة الذكر، ولم يتسن لحضارة بمفردها قبل تل العبيد أن ~~يبلغ تأثيرها في جميع الاتجاهات مبلغ هذه الحضارة. # 19 # إلا أنه منذ مطلع الألف الرابع قبل الميلاد يبدأ السومريون ~~بالتدفق على وادي الرافدين الجنوبي، آخذين ببناء حضارة جديدة على أنقاض ~~حضارة تل العبيد التي انطفأت مراكزها واحدا إثر الآخر بتأثير الضغط ~~الجديد. ويبدو أن الثقافة السومرية التي ازدهرت ms014 فيما بعد مدينة إلى ~~ثقافة تل العبيد بأكثر مما اعتقده المؤرخون قبل أن يتم الكشف الكامل ~~عن أوابد هذه الثقافة. # 20 # أعطى السومريون كل العناصر الأولى التي قامت عليها حضارة الإنسان ~~المكتوبة. فإلى جانب الكتابة السومرية، وهي أول كتابة في تاريخ ~~البشرية، قدم السومريون العجلة والمحراث وأوجدوا النظام العشري، ~~وقسموا محيط الدائرة إلى 360 درجة، والسنة إلى 365 يوما، ووضعوا أسس ~~الرياضيات ومبادئ الهندسة، وراقبوا الأفلاك، وبنوا المعابد، وأسسوا نظم ~~الحكم والإدارة، وصاغوا الشرائع المكتوبة. # 21 # وما إن نصل إلى عام 3000 قبل الميلاد، وهو العام الذي تبدأ ~~كتب التاريخ فيه سرد قصة الحضارة، حتى تكون الثورة المدينية قد اكتملت ~~وبدأت بالانتشار خارج البؤرة الحضارية الأولى على الدروب نفسها التي ~~سارت عليها الثورة النيوليتية. # في الوقت الذي عبرت فيه الثقافة ~~النيوليتية من سوريا إلى أرض الرافدين، كانت تنطلق في اتجاهات أخرى ~~وخصوصا نحو الشمال والغرب، وذلك بتأثير الاحتكاك المباشر والتجارة ~~والتحركات الديمغرافية. فباتجاه الشمال اجتازت الأناضول إلى بحر قزوين ~~والبحر الأسود، وباتجاه الغرب وصلت جنوب أوروبا وقطعت البحر إلى قبرص ~~وكريت، حيث نجد الثقافة النيوليتية تظهر فجأة في هاتين الجزيرتين دون ~~مقدمات؛ مما يدل على وصول مهاجرين ذوي ثقافة نيوليتية مكتملة. أما ~~الانطلاق نحو إيران والهند من جهة، ومصر، بوابة أفريقيا، من جهة ثانية؛ ~~فقد تأخر عن موجات الانطلاق السريعة الأولى. # 22 # وهكذا كانت الثقافة النيوليتية تبتعد عن بؤرتها في حلقات ~~يولد بعضها بعضا، طاردة أمامها الثقافة الباليوليتية حتى بلغت شواطئ ~~المحيط الأطلسي الأوروبية، والمحيط الهادي عند أطراف الصين. وهناك ~~توقفت فترة قبل أن تتمكن من العبور نحو العالم الجديد عن طريق ~~بولونيزيا وميلانيزيا. # 23 # فعند حدود الأطلسي لا نعثر في تلك الأطراف الأوروبية على ~~دلائل لإنتاج الغذاء قبل عام 4000 ق.م. وكذلك الأمر في الصين. أما في ~~العالم الجديد فيبدو أن الزراعة لم تتوطد تماما بعد فترة التجارب ~~الابتدائية قبل عام 2500ق.م. # 24 # وعندما كانت الثقافة النيوليتية تجاهد لاكتساب العالم، اكتملت الثورة ~~المدينية في سومر، وانطلقت منها أول ما ms015 انطلقت نحو الهند ومصر، # 25 # فكانت التأثيرات السومرية بمثابة المحرض الأول للنهضة ~~المدينية الأولى مع مطلع عهد الأسرات في مصر عام 2800ق.م. بعد ذلك ~~انطلقت الثورة المدينية نحو كريت غربا والهند شرقا في الوقت نفسه ~~تقريبا عام 2600ق.م. ووصلت الصين عام 1600ق.م. وأخيرا عبرت المحيط ~~الهادي نحو العالم الجديد فوصلت أمريكا الوسطى والجنوبية بين القرن ~~السابع والقرن الرابع قبل الميلاد. # 26 # وعلى ذلك يمكن القول بحق: إن الحضارة الكونية عبارة عن ~~شجرة واحدة ذات أصل واحد وفروع متعددة. # 27 # الأسطورة الأولى # إن المقدمة التي سقناها حول أصل الحضارة ونظرية البؤرة الواحدة، ~~كانت ضرورية لتحديد منطلق هذه الدراسة. فإذا كانت البؤرة الحضارية ~~قد قدمت الأسس التقنية والمادية الأولى التي قامت عليها الحضارة من ~~زراعة ، وتدجين ماشية، وعمارة، وفن، وكتابة، ونظم مدينية وما إليها، ~~فإنها بلا شك كانت الرقعة التي نضجت فيها تأملات الإنسان البدئية ~~وتصوراته الدينية وأساطيره. ولذا فإن البحث في هذه العوامل غير ~~المادية للحضارة يجب أن يأخذ نقطة انطلاق له من المكان الأول الذي ~~نشأت فيه هذه العوامل، فيدرسها في بيئتها الأولى ليلاحظ فيما بعد ~~كيفية انتشارها خارج هذه البيئة. أي إن نقطة الانطلاق يجب أن تكون ~~من ديانة الثقافة النيوليتية وأساطير زراع القمح الأول، والشكل ~~اللاحق لهذه الديانة والأساطير في المجتمع المديني الأول؛ ومن ثم ~~دراسة تنوعاتها من خلال عبقريات الحضارات الأخرى ونظمها الدينية ~~والأسطورية. إن المنهج المقارن الذي اعتمد حتى وقت قريب دراسة ~~الثقافات البدائية القائمة أو القريبة منا زمنيا، ثم إسقاطها على ~~الأشكال الأولى لديانات الإنسان وأساطيره، لم يعد مبررا الآن بعد ~~أن صارت بين أيدينا الوثائق الدينية للعصر النيوليتي من تماثيل ~~وعادات دفن وهياكل عبادة وما إليها. إلا أن هذا المنهج المقارن ~~سيبقى مفيدا عندما يتعلق الأمر بملء بعض الفجوات الأساسية التي ~~تعجز هذه الوثائق عن ملئها. # إن نظريتنا في هذا الكتاب تقوم على القول بنشوء ديانة مركزية ~~واحدة وأسطورة أولى في العصر النيوليتي، كانت ذات تأثير مباشر على ~~الأشكال الدينية والأسطورية لدى جميع الثقافات ms016 اللاحقة، بدءا من ~~المجتمع المديني الأول في وادي الرافدين وانتهاء بالديانات الكبرى ~~للحضارات اللاحقة. فمع انتشار الأسباب المادية للثقافة النيوليتية ~~من بؤرتها الأولى، انتشرت معها الأفكار المرتبطة بحضارة الاستقرار ~~والزراعة، وقام كل شعب من الشعوب التي تبنت الثقافة الجديدة ~~بابتكار تنويعه الخاص انطلاقا من هذه المعطيات الأولى. وهذا ما ~~يفسر لنا بحق تشابه الأساطير الأساسية لدى شعوب العالم القديم، ~~وهو التشابه الذي سنعمل على كشف كثير من جوانبه عبر فصول هذا ~~الكتاب. ورغم أن جهدنا لن ينصب بالدرجة الأولى على إثبات هذه ~~النظرية في مقابل نظرية النشوء المتوازي المعاكسة؛ إلا أن البرهان ~~سيتكامل من تلقاء ذاته تدريجيا، وذلك من خلال المجرى الرئيسي ~~لدراستنا وهو: الإلهة الأم. # كيف كانت ديانة الإنسان النيوليتي؟ وعلى أي شكل جاءت أساطيره؟ ~~وما فحوى غيبياته فيما وراء المادة؟ لم يترك العصر النيوليتي لنا ~~نصوصا مكتوبة ولكنه ترك لنا رسوما وتماثيل ومدافن ومعابد، ~~حملها كل ما يمكن أن تحمله الرقم المخطوطة، فوصلت إلينا رسائله ~~عبر فنونه وجمالياته وإبداعاته التشكيلية والمعمارية. ولقد صار ~~لدينا الآن ثروة من نتاجاته كافية لفهم حياته الروحية وتصوراته ~~الدينية وطبيعة طقوسه وعباداته. وفي الحقيقة فقد ورثت الثقافة ~~النيوليتية الزراعية المعطيات الثقافية للعصر الباليوليتي وطورتها ~~في اتجاهات تتلاءم وأسلوب الحياة الجديد، وذلك إضافة لإبداعاتها ~~الخاصة التي أنشأتها من العدم. # وفي المجال الديني ورثت عن آخر حلقات العصر الباليوليتي ~~(30000-10000ق.م.) تصورها للقوة الإلهية في شكل وماهية أنثوية، ~~هي الأم الكبرى للكون. غير أن الإنسان النيوليتي قد بنى حول هذا ~~الشكل الإلهي القديم بنية جديدة من التصورات والاعتقادات ~~والأساطير، ذات فحوى ومضامين تتصل بالزراعة التي غدت جوهر حياته ~~وأساس تنظيمه الاجتماعي والسياسي. فالديانة النيوليتية الأولى ~~والحالة هذه هي ديانة زراعية في اعتقادها وطقسها، والأسطورة الأولى ~~هي أسطورة زراعية تتركز حول إلهة واحدة هي سيدة الطبيعة في شكلها ~~الوحشي، وشكلها المدجن الجديد الذي تشارك يد الإنسان في ~~صنعه. # كانت إلهة العصر الباليوليتي ومطلع العصر النيوليتي وحيدة تتربع ~~على عرش الكون، ولكننا مع نضوج الثقافة النيوليتية واكتمال الشكل ms017 ~~الاقتصادي الجديد، وتزايد الدور الاجتماعي للرجل بعد أن كان ~~المجتمع حتى ذلك الوقت أموميا في جوهره، نجد إلى جانب الإلهة ~~الكبرى ابنها الذي دعته عصور الكتابة بتموز أو أدونيس، لا ندري بأي ~~اسم دعاها عبادها الأولون، ولكننا نعثر على تماثيلها في كل موقع ~~من مواقع العصر النيوليتي، هذه التماثيل التي ابتدأت طينية صغيرة ~~على شكل دمى، # 28 # وانتهت حجرية ضخمة تسكن المعابد الكبرى. وعندما تعلم ~~الإنسان الكتابة أخبرنا بأسمائها، وقدمتها لنا فنونه التشكيلية في ~~صور شتى ترمز كل منها إلى خصيصة من خصائصها أو جانب من جوانبها؛ ~~فنراها في هيئة امرأة حبلى، أو أم تضم إلى صدرها طفلها ~~الصغير، أو عارية الصدر تمسك ثدييها بكفيها في وضع عطاء، أو ترفع ~~بيديها باقة من سنابل القمح، أو باسطة ذراعيها في وضع من يستعد ~~لاحتواء العالم، أو ممسكة بزوج من الأفاعي، أو معتلية ظهور ~~الحيوانات الكاسرة. # ولقد لعبت المكانة الاجتماعية للمرأة في تلك العصور، والصورة ~~المرسومة لها في ضمير الجماعة، دورا كبيرا في رسم التصور الديني ~~والغيبي الأول وفي ولادة الأسطورة الأولى. كانت المرأة بالنسبة ~~لإنسان العصر الباليوليتي موضع حب ورغبة، وموضع خوف ورهبة في آن ~~معا؛ فمن جسدها تنشأ حياة جديدة، ومن صدرها ينبع حليب الحياة، ~~ودورتها الشهرية المنتظمة في ثمانية أو تسعة وعشرين يوما تتبع ~~دورة القمر، وخصبها وما تفيض به على أطفالها هو خصب الطبيعة التي ~~تهب العشب معاشا لقطعان الصيد، وثمار الشجر غذاء للبشر. وعندما ~~تعلم الإنسان الزراعة وجد في الأرض صنوا للمرأة؛ فهي تحبل ~~بالبذور وتطلق من رحمها الزرع الجديد. لقد كانت المرأة سرا أصغر ~~مرتبطا بسر أكبر؛ سر كامن خلف كل التبديات في الطبيعة والأكوان؛ ~~فوراء كل ذلك أنثى كونية عظمى، هي منشأ الأشياء ومردها، عنها تصدر ~~الموجودات، وإلى رحمها يئول كل شيء كما صدر. # غير أن الأنظمة الدينية النيوليتية تتزعزع مع بزوغ عصر ~~الكتابة، وظهور المدن الكبيرة ذات التنظيمات المدنية والسياسية ~~والاقتصادية المعقدة، التي عكست واقعها على الحياة الدينية ~~الجديدة. فمع انتقال السلطة في المجتمع ms018 إلى الرجل، وتكوين دولة ~~المدينة ذات النظام المركزي، والهرم السلطوي والطبقي التسلسلي ~~الصارم، الذي قام على أنقاض النظام الزراعي البسيط، يظهر الآلهة ~~الذكور ويتشكل مجمع الآلهة برئاسة الإله الأكبر، ذلك المجتمع الذي ~~يعكس تشعب الاختصاصات وتقسيم العمل في المجتمع الجديد وتمركز ~~السلطة في يد الملك. هنا تجد الإلهة الكبرى للعصر النيوليتي نفسها ~~وقد غدت إحدى آلهة المجمع، بعد أن كانت الإلهة الواحدة لا يشاركها ~~في السطات سوى ابنها، الذي نشأ عنها، وكان مقدمة لظهور بقية ~~الآلهة الذكور. غير أن هذا التحول في مكانة الأم الكبرى، لم يتم ~~إلا على النطاق الرسمي؛ بينما بقيت مكانتها القديمة على حالها في ~~ضمير الناس عامة ممن لم يتوجهوا إلا إليها عند الخوف واليأس وأزمنة ~~الشدة. # ومن ناحية أخرى فإن الكتابة التي ابتكرها الإنسان في مطلع العصر ~~المديني، وراح يدون بها أساطيره الموروثة عن أسلافه البسطاء، قد ~~ساهمت في تظليل صورة الأم الأولى، وإسدال حجب سميكة أمام وجهها. ~~فالكهنة المتفرغون ممن ساعد الرفاه الاقتصادي في المجتمع الجديد ~~على تفرغهم كلية للنشاط الديني، والذين كانوا أول من استعمل ~~الكتابة وحفظ أسرارها المقدسة، قد راحوا يدونون أساطير الأمس ~~بلغة اليوم الشعرية، التي ابتعدت عن أصلها الطبيعي المباشر متجهة ~~أكثر فأكثر نحو المجاز والرمز، وانتشت نفوسهم بهذه الأداة الجديدة، ~~فأخذوا يطلقون على الأم الكبرى أسماء متعددة يشير كل منها لوظيفة ~~من وظائفها أو خصيصة من خصائصها. ثم استقلت الأسماء فصارت ذوات ~~منفصلة بتأثير التوجه الديني الجديد، ولكن دون أن يفقد الإنسان ~~إحساسه بالوحدة الصميمية لهذه الذوات وتطابقها، وبكونها تنبع عن ~~وتصب في ذات واحدة؛ فالفكر الأسطوري لا يهمه أن يعبر عن الحقيقة ~~بطريقة مباشرة كما هو شأن الفكر الفلسفي والعلمي اللاحقين، بل إنه ~~يسعى إلى التعبير بلغة المجاز والخيال والرمز، وإيصال رسالته إلى ~~القلوب والمشاعر لا إلى العقول والأذهان. فالأسطورة، والحالة هذه، ~~ليست عين شكلها وما ترويه من قصص وأحداث، بل هي كالحلم الذي يبدو ~~غامضا متنافر الوقائع؛ ولكنه غني بكل معنى ودلالة. إن منطقها ليس ~~أن: «آ» ms019 هو «آ» وليس «ب» كما هو الحال عند أرسطو، بل منطق أن: «آ» ~~هو عين «ب» إذا كان الاثنان يشفان عن حقيقة واحدة، ويظهران ~~كتبد لمبدأ واحد. إن آخر مأرب للأسطورة أن تؤخذ بحرفيتها وشكلها ~~ونصها؛ لأنها إشارة وإيماءة، لا دوغما جامدة. # من الأسماء التي استقرت فصارت ذواتا، نجد في سومر الإلهة ~~«نمو» الإلهة البدئية والمياه الأولى، و«إنانا» إلهة الطبيعة ~~والخصب والدورة الزراعية. وفي بابل نجد «ننخرساج» الأم - الأرض، ~~وعشتار المقابلة لإنانا. وفي كنعان «عناة» و«عشتارت»، وفي مصر ~~«نوت» و«إيزيس» و«هاتور» و«سيخمت»، وعند الإغريق «ديمتر» و«جايا» ~~و«رحيا» و«أرتميس» و«أفروديت». وفي فرجيا بآسيا الصغرى «سيبيل». ~~وفي روما «سيريس» و«ديانا» و«فينوس». وفي جزيرة العرب «اللات » ~~و«العزى» و«مناة»، وفي الهند «كالي»، وفي حضارة السلت الأوروبية ~~«دانو» و«بريجيت». أسماء متنوعة لإلهة كانت واحدة قولا وفعلا في ~~العصر النيوليتي، فصارت متعددة قولا وواحدة فعلا في عصور ~~الكتابة. وإني لأدعوها في هذا الكتاب باسمها البابلي «عشتار»، عيش ~~الأرض. # قد يعجب من تعود قراءة الكتب الأكاديمية في الأسطورة، مما نقول ~~به من تطابق بين إلهات عرفهن كلا على حدة؛ إلا أن أحد أهدافنا ~~الرئيسية في هذا الكتاب هو البحث عن التطابق في التباعد وعن الوحدة ~~في الشتات. ولسوف يتفتح اللغز تدريجيا وبشكل تلقائي عبر الفصول ~~القادمة. وها هي «إيزيس» تقدم لنا منذ البداية بعض المعونة؛ إذ ~~تقول عن نفسها في أحد النصوص من الفترة الرومانية: «أنا أم الأشياء ~~جميعا، سيدة العناصر وبادئة العوالم، حاكمة ما في السماوات من فوق ~~وما في الجحيم من تحت، مركز القوة الربانية. أنا الحقيقة الكامنة ~~وراء الآلهة والإلهات، عندي يجتمعون في شكل واحد وهيئة واحدة، بيدي ~~أقدار أجرام السماء وريح البحر وصمت الجحيم، يعبدني العالم بطرق ~~شتى وتحت أسماء شتى، أما اسمي الحقيقي فهو «إيزيس»، به توجهوا ~~إلي بالدعاء». # 29 # لا يقتصر لغز عشتار على تعدد الأسماء وتنوع التجليات، بل يتعدى ~~ذلك إلى كل ما يتعلق بها من خصائص ووظائف وطقوس وأساطير وتراتيل. ~~ولعل في لغز عشتار البابلية نموذجا لألغاز شبيهاتها عشتارت ms020 ~~الثقافات الأخرى؛ فكل سر من أسرارها يفضي إلى سر آخر، ولا ~~نكاد نمسك بها في صورة حتى تنحل إلى أخرى، أو نقبض عليها في ~~هيئة حتى تنقلب إلى نقيضها. هي ربة الحياة وخصب الطبيعة، وهي ~~الهلاك والدمار وربة الحرب. في الليل عاشقة وفي النهار مقاتلة ترعى ~~المواقع وتغشى المذابح. هي الأم الحانية، راعية الحوامل والمرضعات ~~الحاضرة أبدا قرب سرير الميلاد، وهي البوابة المظلمة الفاغرة ~~لالتهام جثث البشر. هي ربة الجنس وسرير اللذة، وهي من يسلب الرجال ~~ذكورتهم ويخصى تحت قدميها الأبطال. هي القمر المنير، وهي كوكب ~~الزهرة. هي النور ورمزها الشعلة الأبدية، وهي العتم والظلمة وما ~~يخفى. هي القاتلة، وهي الشافية . هي العذراء الأبدية، وهي الأم ~~المنجية. هي البتول، وهي البغي المقدسة. هي ربة الحكمة، وهي سيدة ~~الجنون. هي الإشراق بالعرفان، وهي غيبوبة الحواس وسباتها. التقت ~~عندها المتناقضات وتصالحت المتنافرات. # إن بحثنا في لغز عشتار هو في الوقت ذاته بحث عن الأسطورة ~~الأولى، والديانة المركزية الأولى والطقوس الأولى. إنه بحث عن أصول ~~الديانات البشرية ومردها، عن مبدأ الحياة الروحية والغايات التي ~~تسعى إليها. عدتنا في هذه المغامرة: أداة ... وخيال. أما الأداة ~~فهي ما تركه لنا الأقدمون من أساطير ونصوص طقسية وصلوات، وما كشفت ~~عنه الحفريات من رسوم ونقوش ومنحوتات. وأما الخيال، فليس خيالا ~~جامحا فوق الحد والقيد، بل هو الخيال اللازم لأي معرفة ومغامرة ~~فكر. سيساعدنا الخيال على تخطي صرامة الفكر الحديث، الذي يحاكم ~~تركه الماضي بأطر العصر ومنطقه وعلومه الوضعية، فنلبس لبوس الإنسان ~~القديم وننظر إلى العالم بعينه، ونفكر بطريقته ومن خلال منطق ~~أسطورته. سننظر إلى الأسطورة من داخلها، ونهبط إلى مستوياتها ~~السرانية الباطنية منحدرين من شكلها الخارجي إلى أعماقها الحقيقية، ~~مما يظن فكرنا المنطقي العلمي الفلسفي أنها تقول إلى ما تريد فعلا ~~أن تقول. # ومن ناحية أخرى فلن يكون منهجنا تاريخيا يعتمد تسلسل المراحل ~~وتتابعها، ولا إثنولوجيا يعتمد دراسة معتقدات كل شعب على حدة ~~ومقارنتها، من ثم، بمعتقدات الشعوب الأخرى؛ بل سنضع أنفسنا في قلب ~~اللغز متتبعين طريقنا ms021 في كل الاتجاهات زمنيا وجغرافيا وإثنيا ~~لنصل إلى أطرافه. وستقدم لنا في كثير من الأحيان أعمال الإنسان ~~الفنية التشكيلية معونة أكبر مما تقدمه لنا نصوصه المكتوبة. ~~فالكلمة مخادعة مخاتلة، تزوغ من معنى لتلبسها معان، أما العمل ~~التشكيلي فشاهد صامت، أسهل قراءة في رأينا وأكثر قدرة على الإيصال. ~~غير أن الأداتين ستتعاونان تعاونا فعالا في مسار البحث، فيلقي ~~العمل الفني ضوءا على النص، ويفك لنا النص رموز العمل الفني. إن ~~عملا فنيا من العصر النيوليتي سيلقي ضوءا على آخر من مطلع عصر ~~الكتابة، أو على نص من فترة الحضارات الكبرى. وبالمقابل فإن نصا ~~مكتوبا سيعيننا على فهم عمل فني تركه صاحبه دون رسالة مكتوبة. سوف ~~تتبادل عشتار المعابد الكبرى والتماثيل الرخامية الرائعة أسرارها ~~مع عشتار المزارع الأول الذي صنع لها الدمى بطين حقله معجونا بعرق ~~بدنه، وستتعاون الاثنتان على كشف كثير من جوانب الديانات الكبرى ~~اللاحقة، التي يربطها بأول طقس قام به إنسان المستوطنات الزراعية ~~في سوريا، وهو يزرع سنبلته الأولى، خيط مكين. # عشتار سيدة الأسرار، من يجرؤ على هتك سرها حلت عليه لعنتها ~~المقيمة. تقول عن نفسها بلسان الأم المصرية الكبرى: «أنا ما كان، ~~وما هو كائن، وما سيكون ... وما من إنسان بقادر على رفع برقعي»، # 30 # ومن حاول رفع الستر عنها لقي مصير الشاب الذي أزاح ~~البرقع عن تمثال لإيزيس في أحد هياكلها؛ فأصابه الخبال لما رأى، ~~وانعقد لسانه بقية حياته. وكذلك مصير الشاب الصياد الوسيم ~~«أكيتون» الذي اقتحم على أرتميس وهي تستحم عارية في مياه البحيرة ~~العالية عند منبع النهر، فمسخته الإلهة أيلا طاردته كلابه فمزقته ~~إربا إربا. هذه القصص لا تشير إلى احتجاب عشتار بجسدها؛ فهي ~~العارية أبدا، التي صور الإنسان جسدها منذ أن تعلم تشكيل ~~المادة بيديه، ولكنها تشير إلى لغزها الكبير وحيرة الألباب في ~~أمرها. ومع ذلك فإننا سوف نبدأ برفع براقعها واحدا تلو آخر، لنكشف ~~عن وجهها الأخاذ؛ وجه الأنثى الخالدة الكامن في ضمير كل منا. ~~سوف أنطلق من المشهد البانورامي لأسطورة الشرق القديم ms022 وأساطير ~~الحضارات الكبرى، ثم أرتقي الأحراش الجبلية في طرق ضيقة وعرة نحو ~~البحيرة الصافية حيث تستحم عشتار، وعندما أصل لن يثنيني عن ~~الاقتحام لعناتها المقيمة؛ لأنني لا أكشف عن وجهها كشف هتك بل ~~كشف عشق. # الفصل الثاني # | عشتار الأم الكبرى # المجتمع الأمومي - فردوس الأرض # كان الاعتقاد سائدا حتى أواسط القرن التاسع عشر، أن العائلة ~~بشكلها الأبوي القائم اليوم، قديمة قدم المجتمع الإنساني، وأن ~~المجتمعات الأولى قد تشكلت في بداياتها نتيجة لتجمع عدد من هذه ~~العائلات وتزايدها تدريجيا. إلا أن هذه الفرضية قد تهاوت أمام ~~النقد الذي وجهه إليها عدد من رواد الأنثروبولوجيا والعلوم ~~الإنسانية الأخرى، ممن قدموا في دراستهم الأدلة الكافية على وجود ~~شكل أقدم من أشكال العائلة سبق شكلها الأبوي الحديث نسبيا. وهذا ~~الشكل لا يقوم على قيم الذكورة وسلطة الأب، بل على قيم الأنوثة ~~ومكانة الأم. # 1 # إن التجمع الإنساني الأول لم يؤسس بقيادة الرجل ~~المحارب الصياد، بل تبلور تلقائيا حول الأم التي شدت عواطفها ~~وحدبها ورعايتها الأبناء حولها في أول وحدة إنسانية متكاتفة هي ~~العائلة الأمومية، خلية المجتمع الأمومي الأكبر. ذلك أن عاطفة ~~الأم نحو أولادها وعاطفة الأولاد نحو أمهم، هي العاطفة الأصلية ~~الوحيدة، وكل ما عداها يأتي بالاكتساب والتعلم، لا يستثنى من ذلك ~~عاطفة الأب نحو أبنائه وعاطفة الأبناء نحو أبيهم، التي تأتي بالصقل ~~الاجتماعي ومعرفة الواجب الأخلاقي. لقد عرفت المرأة، قبل أن يتعلم ~~الرجل، كيف توسع دائرة ذاتها بالحب لتشمل ذاتا أخرى ومخلوقا ~~آخر، وكيف توجه كل ما لديها من هبات الطبيعة نحو حفظ تلك الذات ~~الأخرى وتنميتها كنفسها، وكيف تفتح هذه الدائرة بعد ذلك لتشمل ~~أولاد أولادها وأولاد النساء الأخريات؛ لأن كل رحم ينجب إخوة ~~وأخوات للمولودين من رحم آخر. بالولادة تزدوج المرأة جسديا ~~ونفسيا، وتوسع آفاق كيانها الطبيعي والروحي؛ أما الرجل ~~فبالمولود الجديد يشد أزره ويدعم وضعه الاجتماعي، ويحافظ على ~~ممتلكه في مقابل ممتلك الآخرين، ويتمرأى أمام ذاته. فالمبدأ ~~الأمومي يجمع ويوحد، والمبدأ الأبوي يفرق ويضع الحواجز والحدود. ~~المبدأ الأمومي مشاعة وعدالة ومساواة، ms023 والمبدأ الأبوي تملك ~~وتسلط وتمييز. الأمومية توحد مع الطبيعة وخضوع لقوانينها، ~~والأبوية خروج عن مسارها وخضوع لقوانين مصنوعة. # 2 # في المجتمع الأمومي، أسلم الرجل قياده للمرأة، لا لتفوقها ~~الجسدي؛ بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الإنسانية، وقواها الروحية، ~~وقدراتها الخالقة، وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة. كانت ~~بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الآلهة، فكانت ~~الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى. بهذه الأسلحة غير ~~الفتاكة، مضى الجنس الأضعف قوة بدنية فتبوأ عرش الجماعة دينيا ~~وسياسيا واجتماعيا، وأمام هذه الأسلحة أسلمت الجماعة قيادتها للأمهات. # 3 # ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه؛ فلقد ~~كانت المنتج الأول في الجماعة، لكونها المسئولة الأولى عن حياة ~~الأطفال وتأمين سبل العيش لهم. كانت المرأة مسئولة عن تحضير جلود ~~الحيوانات وتحويلها إلى ملابس ومفارش وأغطية، وكانت النساجة ~~الأولى والخياطة، وأول من صنع الأواني الفخارية. وبسبب قضائها ~~وقتا طويلا في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت ~~خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض؛ فكانت الطبيبة الأولى. ~~وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه، وكانت تاجرة تقايض بمنتجاتها الآخرين. # 4 # ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات ~~المتأخرة، وقيام عذراوات المعبد بحراستها والإبقاء عليها مشتعلة، ~~نستطيع الاستنتاج بأن شعلة النار الأولى قد أوقدتها المرأة وكانت ~~أول حارس عليها حافظ لأسرارها. وأخيرا توجت المرأة دورها ~~الاقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة، ونقل الإنسان من مجتمع الصيد ~~والالتقاط إلى مجتمع إنتاج الغذاء؛ # 5 # بينما حافظ الرجل طيلة هذه المرحلة على دوره التقليدي ~~في الصيد والتنقل بحثا عن الطرائد الكبيرة. # في ذلك المجتمع القديم المتمركز حول الأم، فاضت طبائع المرأة ~~وصفاتها لتصبغ حياة الجماعة وقيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها. ~~فحب المرأة لأطفالها هو العاطفة التي ميزت علاقاتها بالمحيط ~~الأوسع، وهو النموذج الأساسي للعلاقات السائدة بين أفراد ينظرون ~~لبعضهم على أنهم إخوة في أسرة كبيرة تتسع لتشمل المجتمع الأمومي، ~~صغيرا كان أم كبيرا. ومعاملة المرأة لأطفالها دون تمييز قائم ~~على خصائص معينة أو قدرات وقابليات ومنجزات، هي التي أسست لروح ~~العدالة والمساواة الاجتماعية القائمة ms024 في الجماعة الأمومية. ~~وابتعاد سيكولوجية المرأة عن كل ميل نحو التسلط والاستبداد، هو ~~الذي أعطى هواء الحرية الذي تنفسته الجماعات الأمومية طيلة عهدها. ~~ونفورها من العنف الجسدي إلا عند الحاجة الحقيقية إليه، قد أشاع ~~السلام بين أفراد الجماعة ذاتها وبين الجماعات الأمومية الأخرى. ~~وفيضها الطبيعي على من حولها دون حساب، كان أساس المشاعة البدائية ~~وعدالة توزيع الثروة ضمنها. مناخ أقرب إلى مناخ فردوس فقده الإنسان ~~بحلول مجتمع الذكر الذي ضيع السلام والدعة، ربما إلى الأبد. # 6 # ولقد جاءت بينات البحث الأركيولوجي الحديث لتثبت بعض سمات ~~المجتمعات الأمومية القديمة؛ فالمستوطنات المستقرة الأولى في سوريا ~~منذ الألف التاسع إلى الألف السادس قبل الميلاد، كانت تهجر بعد ~~فترات طويلة من سكناها دون بينة على وجود تدمير أو حرائق أو حروب. ~~ولا يشذ عن ذلك مدينة أريحا الشهيرة بسورها الكبير، # 7 # فرغم تأكيد البعض على الغاية الدفاعية لهذا السور، فإن ~~البينة الموضوعية لم تؤكد ذلك، خصوصا وأن المدينة لم تكشف ~~بكاملها بعد، ولم تظهر طبيعة الأجزاء المدفونة الباقية من ذلك ~~السور الذي ربما كان مجرد تقنية هندسية لدعم المنازل الملاصقة له. ~~يضاف إلى ذلك أن مستوطنات تلك الفترة لم تعرف الأسوار قط. # 8 # غير أنه يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن دور الرجل في الجماعة ~~الأمومية كان دور التابع؛ ذلك أن الرجل قد بوأ المرأة مكانتها ~~احتراما وتقديرا لا خنوعا، ورجال العصر الأمومي كانوا أكثر عزة ~~وأنفة وفروسية من رجال العصر البطريركي؛ فقد نقل إلينا مؤرخو ~~اليونان ممن احتكوا بأقوام كانت تعيش آخر عصور الأمومية، أو سمعوا ~~بأخبارها، أن رجال تلك المجتمعات كانوا من أفضل فرسان عصرهم على ~~الإطلاق، وكانت بطولتهم وتضحيتهم في المعارك مضرب الأمثال. # 9 # ثم يأتي أرسطو في كتابه «السياسة» فيؤكد هذه الحقيقة ~~ويجعل منها ظاهرة شمولية عندما يقول إن أغلب الشعوب العسكرية ~~الميالة إلى القتال هي شعوب منقادة إلى النساء. ذلك أن المرأة رغم ~~طبيعتها المسالمة، تسلك سلوك اللبوة الكاسرة عندما يتعرض أشبالها ~~للخطر. # مر المجتمع الأمومي عبر تاريخه الطويل ms025 بمراحل متعددة، انتهت ~~بالانقلاب الكبير الذي قام به الرجل متسلما دفة القيادة من ~~المرأة ومؤسسا للمجتمع الذكري البطريركي. # ونستطيع تتبع وفهم تلك المراحل، بتتبع أشكال العائلة الأمومية ~~ونمط العلاقة الجنسية في كل شكل. ففي البدايات السحيقة للتجمعات ~~الإنسانية، كانت العلاقات الجنسية حرة تماما دون ضابط أو قانون، ~~حيث كل امرأة لكل رجل، وكل رجل لكل امرأة. وهذا الطور موغل في ~~القدم لدرجة يستحيل معها تقديم القرائن المباشرة على وجوده؛ إلا أن ~~إثباته يتأتى من أطوار لاحقة له منبثقة منه، أطوار حل فيها نوع ~~من التنظيم المتطور. والتنظيم عادة لا يأتي إلا لضبط حالة سابقة من ~~الفوضى وانعدام النظام. ولعل نظام عائلة قرابة الدم هو الشكل الأول ~~الذي ورث وضع الفوضى البدئية . فوفق هذا النظام تنقسم الجماعات ~~الزواجية حسب الأجيال، فنجد جميع الجدود والجدات في نطاق القبيلة ~~أزواجا فيما بينهم، وكذلك الأمر فيما يتعلق بأولادهم؛ أي الآباء ~~والأمهات؛ بينما يشكل أولاد هؤلاء الأخيرين الحلقة الثالثة في حلقة ~~الجماعات الزواجية. وهكذا نجد أن هذا الشكل قد حرم العلاقة الجنسية ~~بين الآباء والأبناء، من دون الإخوة والأخوات. ثم جاءت الخطوة ~~التالية لتحرم العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات. وهذا ما أدى ~~إلى تفتيت المشاعات القديمة وظهور عائلات زواجية أضيق، حيث كانت ~~مجموعة من الإخوة من أم واحدة تدخل في علاقة زواج مشترك مع عدد ~~معين من النساء لا يوجد بينهن أخوات لهم، والعكس صحيح. عن هذا ~~الشكل الثالث للعائلة القديمة نشأت أشكال فرعية وتنويعات متعددة، ~~وكلها تبيح العلاقة الجنسية بين شريحتين واسعتين من دون الإخوة ~~والأخوات المباشرين، أو عبر خطوط القرابة المنحرفة. وبما أنه في كل ~~هذه الجماعات الزواجية لا يمكن معرفة والد الطفل؛ فقد كان الأولاد ~~ينتسبون لأمهاتهم ويعرف كل واحد بأمه لا بأبيه. وهذا ما أطلق عليه ~~الباحثون اسم «حق الأم»، الذي يشمل انتساب الولد لأمه وما ينشأ عن ~~ذلك من علاقات وحقوق اجتماعية واقتصادية مختلفة. أما الشكل ~~الرابع من أشكال العائلة؛ فهو العائلة الثنائية التي بدأت ~~بالتكون تدريجيا داخل الشكل السابق، ms026 حيث كان لكل رجل زوجة ~~رئيسية داخل مجموعة الزوجات، يساكنها فترة تطول وتقصر، وكان ~~بالنسبة إليها الزوج الأساسي في عداد أزواج كثيرين. وقد تحولت هذه ~~المساكنة الطويلة إلى زواج ثنائي وعائلة صغيرة مؤلفة من زوجين ~~وأبنائهما المباشرين. في هذا الزواج الثنائي حافظت المرأة على ~~وضعها المتميز السابق، فكانت حرة في فصل الزواج متى شاءت، فيعود ~~الأولاد إليها لا إلى الزوج الذي يخرج من البيت صفر اليدين. كما ~~بقي الأولاد ينتسبون إلى أمهم وعشيرتهم، لا إلى أبيهم الذي كان ~~ينظر إليه دوما كغريب. وبناء على «حق الأم» لم يكن الأبناء يرثون ~~ثروة آبائهم؛ بل يرثون عن أمهاتهم على قدم المساواة مع بقية ~~أقربائهم بالدم، أما تركة الأب وممتلكاته فكانت تذهب إلى إخوته ~~وأقربائه بالدم. إلا أنه مع تزايد الثروات بتأثير حياة الاستقرار ~~والزراعة، كان مركز الزوج الاقتصادي يتدعم باستمرار على حساب مركز ~~الزوجة، وثرواته وممتلكاته تتزايد، الأمر الذي أدى بجماعة الذكور ~~إلى التفكير جديا بقلب نظام الوراثة القديم لصالح أولادهم. وقد ~~نجحوا في ذلك خلال المرحلة الأخيرة السابقة لظهور المدن الأولى، ~~حيث أفلح الرجل أخيرا في القضاء على «حق الأم» وإحلال «حق الأب»، ~~وظهرت العائلة الأحادية التي تقوم على سيادة الرجل مع الرغبة ~~الصريحة في ولادة أولاد تكون أبوتهم ثابتة لا جدال فيها من أجل ~~تمليكهم وتوريثهم. فكان إسقاط حق الأم هزيمة تاريخية عالمية للجنس ~~النسائي، ابتدأ مع تاريخ استذلال المرأة واستعبادها. # 10 # إلا أن الجنس النسائي لم يهزم دون مقاومة. ورغم أن التاريخ لم ~~يحفظ لنا آثار ونتائج الصدام المباشر بين الجنسين، والذي حصل ولا ~~شك في زمن ما عند أعتاب التاريخ المكتوب، إلا أن الأسطورة تستطيع ~~تزويدنا بكثير من المعلومات في هذا الصدد. فالأسطورة في بعض ~~جوانبها ذاكرة الإنسانية، فيها تحفظ الأحداث طرية غضة بشكل رمزي ~~لا يتطلب فهمه سوى الإمساك بمفاتيح التفسير. من الأساطير المتعددة ~~التي تشير إلى صراع الجنسين، سنأتي على ذكر أكثرها شهرة، وهي ~~الأسطورة الإغريقية عن «النساء الأمازونيات». فالأمازونيات وفق ~~الرواية الإغريقية كن قبيلة من ms027 النساء المحاربات، أتين من شواطئ ~~البحر الأسود وسكن عند تخوم بلاد الإغريق، فأسسن عددا من ~~المدن تحكمها ملكة، وتتعبد للإلهة «أرتميس». وبسبب عداوتهن ~~للرجال كان مجتمع الأمازونيات وقفا على النساء وحدهن، اللواتي إذا ~~أردن الإنجاب أتين بلادا مجاورة فضاجعن رجالها وعدن من حيث ~~أتين، حتى إذا وضعن مواليدهن قتلن الذكور في المهد وأبقين على ~~الإناث، اللواتي تتم تربيتهن منذ الصغر على فنون الحرب وكره ~~الرجال. ويقال إنهن كن يقطعن النهد الأيمن في صدورهن ليستطعن ~~استعمال القوس بسهولة. وتنسب الأساطير إلى هؤلاء بناء عدد من المدن ~~بعيدا عن موطنهن الأصلي؛ منها مدينة إفسوس في آسيا الصغرى، وبافوس ~~في قبرص. كما يدعي أكثر من بطل أسطوري إغريقي قتالهن منفردا ~~والقضاء على ملكتهن. من هؤلاء هرقل وثيسيوس. # 11 # إن هذه الأسطورة لتدل على أن المرأة في إحساسها بالوضع ~~المهين الذي أخذت بالانحدار إليه على يد الرجل قد فضلت، في لحظة ~~ما من التاريخ، فصم المجتمع والاستقلال بذاتها؛ سعيا وراء حياة ~~أسمى وأنقى وأكثر حرية وكرامة، وراحت تدافع بضراوة عن مكتسباتها، ~~متحولة ولو بشكل مؤقت عن طبيعتها المسالمة وغريزتها الأمومية، في ~~سبيل نقاء القيم الأنثوية الأصلية ونبالتها. وإن شيوع هذه الأسطورة ~~خارج الثقافة الإغريقية، ووجود شبيهاتها لدى حضارات أخرى، ليدل على ~~حدوث ذلك الصدام في المجتمعات البشرية في زمن ما من تاريخها، وعلى ~~رد الفعل الطبيعي لدى المرأة تجاه المحاولات الأولى لاستعبادها. # 12 # إن كثيرا من أساطير الشعوب تحتوي عناصر تاريخية واضحة تشير إلى ~~الانقلاب الذكري الكبير، وإحلال حق الأب محل حق الأم. ولسوف ~~نتعرض إلى الكثير منها خلال الفصول القادمة، ولذا سأكتفي هنا بذكر ~~الأسطورة الإغريقية حول أصل مدينة أثينا. ففي صباح أحد الأيام، ~~وقبل أن يطلق على مدينة أثينا اسمها المعروف، أفاق أهل المدينة ~~على حادث عجيب؛ فمن باطن الأرض نبتت في ليلة واحدة شجرة زيتون ~~ضخمة، لم يروا لها شبيها من قبل، وعلى مقربة منها انبثق من جوف ~~الأرض نبع ماء غزير لم يكن هناك البارحة، وقد أدرك الناس أن وراء ms028 ~~ذلك سرا إلهيا ورسالة تأتي من الغيب. فأرسل الملك إلى معبد ~~دلفي يستطلع عرافته الأمر ويطلب منها تفسيرا. فجاءه في الجواب أن ~~شجرة الزيتون هي الإلهة أثينا، وأن نبعة الماء هي الإله بوسيدون، ~~وأن الإلهين يخيران أهل المدينة في أي من الاسمين يطلقون على ~~مدينتهم. عند ذلك جمع الملك كل السكان واستفتاهم في الأمر، فصوتت ~~النساء إلى جانب أثينا، وصوت الرجال إلى جانب بوسيدون. ولما كان ~~عدد النساء أكبر من عدد الرجال كانت الغلبة لهن، وتم إطلاق اسم ~~الإلهة أثينا على المدينة. وهنا غضب بوسيدون فأرسل مياهه المالحة ~~العاتية فغطت أراضي أثينا وتراجعت تاركة أملاحها التي حالت دون ~~زراعة التربة وجني المحصول. ولتهدئة خواطر الإله الغاضب، فرض رجال ~~المدينة على نسائها ثلاث عقوبات: أولا لن يتمتعن بحق التصويت ~~العام بعد اليوم. وثانيا لن ينتسب الأولاد إلى أمهاتهم بعد اليوم ~~بل لآبائهم. وثالثا لن تحمل النساء لقب الأثينيات، ويبقى ذلك ~~وقفا على الرجال. # 13 # إن أي نص تاريخي موثق صحيح الإسناد وفق المنهج ~~التاريخي الصارم، لا يمكن أن يحمل من صدق الخبر ما تحمله هذه ~~الأسطورة التي تؤرخ فعلا لانتزاع حقوق المرأة المدنية والسياسية ~~والاجتماعية عند جذور التاريخ الإغريقي. # إلا أن المجتمع الأمومي لم يندثر تماما بحلول المجتمع الأبوي، ~~بل استمر كثير من قيمه سائدا في بعض المجتمعات الجديدة إلى فترة ~~متأخرة من تاريخها. ففي المجتمع المصري بقيت لمسات الثقافة ~~الأمومية واضحة عليه طيلة تاريخه الطويل الذي استمر قرابة أربعة ~~آلاف سنة. كان كرسي الملك ينتقل عبر سلسلة النسب الأمومي لا النسب ~~الأبوي، وكل أميرة هي وارثة طبيعية للعرش. لذا كان على الفرعون ~~الجديد أن يتزوج من وارثة العرش لتثبيت حقه فيه. والشيء نفسه فيما ~~يتعلق بوراثة الممتلكات المادية لدى جميع طبقات الشعب، فكانت هذه ~~الممتلكات تنتقل إلى البنات لا إلى الأبناء. وهذا ما رسخ زواج ~~الإخوة من أجل الحفاظ على العرش ضمن الأسرة المالكة، والحفاظ على ~~ممتلكات العائلة الواحدة من الخروج إلى أيدي الغرباء. أما دور ~~المرأة ومكانتها في العائلة ms029 والمجتمع، فلم تتغير كثيرا عما كانت ~~في العصور الأمومية، وتوضح عقود الزواج التي وصلت إلينا من فترات ~~مختلفة من تاريخ الثقافة المصرية وضع المرأة الحقيقي. ففي أحد صكوك ~~الزواج الذي يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يقول الزوج ~~موجها كلامه إلى سيدة المستقبل: «منذ اليوم أقر لك بجميع الحقوق ~~الزوجية، ومنذ اليوم لن أفوه بكلمة تعارض هذه الحقوق. لن أقول ~~أمام الناس بأنك زوجة لي؛ بل سأقول بأنني زوج لك. منذ اليوم لن ~~أعارض لك رأيا، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني. ~~كل ممتلكات بيتك لك وحدك، وكل ما يأتيني أضعه بين يديك ...» وبعد ~~ألفي عام من هذا الصك، نجد المرأة في صك آخر يرجع تاريخه إلى ~~الفترة البطلمية تقول لزوج المستقبل : «إذا تركتك في المستقبل لكرهي ~~لك أو لمحبتي رجلا آخر، فإنني أتعهد أن أدفع لك مكيالين ونصفا من ~~الفضة، وأعيد إليك هدايا الزواج.» في هذه العائلة القائمة على ~~سيادة المرأة كان الأطفال في مصر ينتسبون لأمهاتهم، ويعودون إليها ~~في حال الانفصال؛ لذلك لم يكن مفهوم الطفل غير الشرعي معروفا، ولم ~~يكن هناك فرق بين الطفل المولود ضمن مؤسسة الزواج، وبين الطفل ~~المولود خارجها. # 14 # وفي جزيرة كريت الموطن التقليدي للثقافة الأمومية، استمرت القيم ~~العشتارية محركا أساسيا للمجتمع، منذ أن هبط إليها المهاجرون ~~الأول قادمين من المراكز النيوليتية في الشرق الأدنى خلال الألف ~~الخامس، وحتى انهيارها أواسط الألف الثاني قبل الميلاد. فالأعمال ~~التشكيلية التي وصلت إلينا من فترة ازدهار الحضارة الكريتية، كانت ~~في غالبيتها تتخذ المرأة موضوعا رئيسيا لها. فبالإضافة إلى رسوم ~~وتماثيل الأم الكبرى التي لم يعبد الكريتيون سواها طيلة تاريخهم، ~~كانت الأعمال التشكيلية الأخرى تصور المرأة في أبهى وضع وحلة؛ ~~فهي إما سيدة قصر، أو أميرة، أو راكبة عربات منطلقة تسوقها نسوة ~~لا رجال. أما الأعمال التي كان الرجال موضوعا لها أو جزءا من ~~موضوعها، فكانت تصور أولئك الرجال كجنود أو موسيقيين أو ~~حصادين، أو سقاة وحملة أكواب، ولم يتم العثور على أعمال تصور ms030 ~~الرجال كحكام ومتنفذين وما إلى ذلك من المهن العالية. وفي ذلك ~~دلالة واضحة على ما تمتعت به المرأة من مكانة في ذلك المجتمع الذي ~~استمر فيه «حق الأم» مؤثرا شأن المجتمع المصري. فحبل النسب هنا ~~أيضا كان مرتبطا بالأم لا بالأب، وكانت المرأة مساوية للرجل في ~~جميع الحقوق والواجبات التي ينص عليها عقد الزواج، فإذا انفصم ~~الزواج لرغبة أحد الطرفين عاد للمرأة أولادها وأموالها، ونشأ ~~الأولاد تحت رعايتها وحماية أخيها الذي يلعب، منذ البداية وقبل ~~انفصام الزواج دورا أساسيا في تربيتهم والاهتمام بهم؛ لأن صلة ~~الأخ بأولاد أخته في المجتمع الأمومي لا تقل، إن لم تزد، على ~~صلة الأب. # 15 # ويقدم لنا المجتمع الإسبارطي في مطلع عهده صورة عن استمرار «حق ~~الأم» في فجر الحضارة اليونانية. فالمرأة الإسبارطية لم تكن مطالبة ~~بالحفاظ على عذريتها قبل الزواج، وكان الأطفال المولودون خارج ~~مؤسسة الزواج يدعون بأطفال «الميلاد العذري»، ويتمتعون بالوضعية ~~الاجتماعية نفسها التي يتمتع بها الأطفال الآخرون. وكانت نساء ~~إسبارطة في مطلع عهدها كما يروي «بلوتارخ»، يعلون على رجالها في كل ~~المجالات العامة والخاصة. أما في المستوطنات الإغريقية التي ~~استقر بها الإغريق خارج موطنهم في وقت مبكر، فإن حق الأم هناك لم ~~يتأثر كثيرا بالتبدلات الحاصلة في الوطن الأصلي، واستمر الأولاد ~~ينتسبون لأمهاتهم، وبقيت المرأة حرة في حياتها الجنسية وفي اختيار ~~زوجها وتركه أنى شاءت. # 16 # وفي بابل وفينيقيا لم يستطع الرجل وحتى فترات متأخرة من تاريخ ~~المجتمع الذكري هنا، أن يضع تحت وصايته حياة المرأة الجنسية قبل ~~الزواج؛ فكانت بكارة المرأة ملكا للإلهة عشتار، لا لزوجها المقبل. ~~وكانت تهب عذريتها في المعبد، حيث تمارس الجنس المقدس تحت رعاية ~~الإلهة قبل أن تلتزم حياة الزوجية. # 17 # وفي أوروبا عند الفتح الروماني الذي ساعد على ترسيخ ~~القيم الذكرية، كانت آثار القيم الأمومية باقية هناك. فعند السلت ~~الذين ازدهرت حضارتهم في أيرلندا وبعض أجزاء الجزر البريطانية ~~والبر الأوروبي، كانت المرأة سيدة نفسها تختار زوجها وتترك مؤسسة ~~الزواج أنى شاءت، وكذلك الأمر في بلاد الغال، ms031 فإذا أرادت المرأة ~~الغالية الزواج دعت جميع الشبان الراغبين فيها إلى مأدبة عامرة، ~~فإذا أكل الجميع وشربوا قامت بتقديم كأس من الشراب لمن وقع عليه اختيارها. # 18 # ليست هذه الأمثلة إلا غيضا من فيض. فعند جذور الحضارات جميعا، ~~من اليابان شرقا، وحتى مجتمعات الهنود الحمر غربا، عثر الباحثون ~~على الأساسات الأمومية التي قامت عليها المجتمعات الذكرية الحديثة. ~~وفي الحقيقة فإن فهم الثقافة الأمومية بقيمها ومبادئها وحق الأم ~~السائد فيها، هو نقطة الانطلاق لفهم الإلهة الأم التي كانت بالنسبة ~~لإنسان تلك العصور الإلهة الأولى وربما الوحيدة. # الأم الكبرى # كانت تماثيل عشتار أول عمل فني تشكيلي صاغه الإنسان على شاكلته، ~~مجسدة أول معبوداته. فمنذ أن اعتدل جسد الإنسان منسلخا عن شكله ~~النياندارتالي ذي القامة المنحنية، كانت عشتار - الأم الكبرى له ~~إلها، وطفق يصنع لها تماثيل انتشرت من أقاصي سيبيريا إلى شواطئ ~~المحيط الأطلسي. لم تكن تلك الأعمال الفنية نتاج ولع فني جمالي ~~بمقدار ما كانت نتاج حس ديني، وخبرة أولى مع الحضور الإلهي؛ ذلك أن ~~الأسلوب الذي صنعت به، والمعتمد على تحوير فني مبالغ فيه، يجعلها ~~أبعد ما تكون عن تصوير شخصيات واقعية تنتمي للأجناس التي ظهرت ~~بينها. فهي، كما اتفق الدارسون من شتى الاختصاصات، رموز لكائنات ~~فوق طبيعية كانت محل عبادة الإنسان الأول. # 19 # تظهر تماثيل الأم الكبرى ~~سمات متشابهة، في جميع مراكز الثقافة الباليوليتية؛ فالرأس عبارة ~~عن كتلة غير متمايزة الملامح ترتكز على الجذع مباشرة أو بواسطة ~~رقبة قصيرة. والكتفان دقيقتان أو منحدرتان بطريقة تبعد الذهن عن أي ~~مفهوم للقوة بمعناها الذكري، والذراعان نحيلتان جدا ترتكزان ~~على الصدر أو البطن، فتوحيان بعدم جدواهما للفعل الإرادي، وقد يقوم ~~الفنان بمجرد الإشارة إليهما دون العناية بإظهارهما كعضو تشريحي ~~كامل. والساقان في جزئهما الأسفل ضعيفتان وقصيرتان وتنتهيان بقدمين ~~صغيرتين. أما المنطقة الأساسية في كل تلك التماثيل، فمنطقة الثديين ~~والبطن والحوض وأعلى الفخذين، التي تشكل معا كتلة ممتلئة عني ~~الفنان بإظهار وتضخيم كل جزء فيها بطريقة تبدو معها بقية الأعضاء ~~وكأنها رسمت لتظهر ما ms032 لهذه الكتلة من أهمية قصوى. فالثديان عبارة ~~عن كتلتين هائلتين مستديرتين، والبطن منتفخ في إشارة لحمل أبدي، ~~والردف ثقيل، والوركان قويان بارزان، ومثلث الأنوثة منتفخ يشكل مع ~~أعلى الفخذين وحدة متماسكة. وقد يتدلى الثديان ليشكلا مع البطن ~~والوركين تكوينا واحدا متراصا تتجمع فيه هذه الرموز في بؤرة ~~واحدة هي مستودع الخلق (الشكلان # 2-1 ~~، # 2-2 ~~). # شكل 2-1: عشتار ليسبوغ فرنسا. # في هذه الأشكال يثبت الفنان كل ما له علاقة بالخصب والفيض ~~التلقائي الطبيعي، ويهمل ما له علاقة بالتصميم والتدبير والفعل ~~الإرادي المباشر. وهو بذلك إنما يعطي خلاصة تأملاته في القوة ~~الإلهية التي تصدر عنها الأشياء دون قصد كما تصدر الحياة عن ~~المرأة. فخلف ظواهر الطبيعة المتبدية، هناك سر كلي أعظم هو أصل لها ~~ومبدأ، وروح شمولية هي وراء الزمان والمكان، ومع ذلك تنحل إلى كل ~~شكل في الزمان وفي المكان، قدرة إلهية تبدو كأم وأنثى كونية ~~متطابقة مع نظام الطبيعة لا متعالية عليه فاعلة فيه عن بعد، كما ~~صار شأن الإله الذكر فيما بعد حين تخيل العالم فكرة، ثم نطقه كلمة، ~~ثم سواه وهذبه وشذبه وقبع وراءه منفصلا عنه مسيرا له. # شكل 2-2: عشتار ويلندورف النمسا. # ففي البدء عشتار ولا أحد معها، أمومة تنطوي على المبادئ الأولى، ~~ثم تبدت فخلقت وأعطت. وكما تنقسم الأنثى دون أن تفكر وتدبر، كذلك ~~تحولت أمومة عشتار الكامنة إلى كل شيء حي وجامد، فكان ما صدر عنها ~~جزءا منها غير منفصل ولا مفارق، نتاج جسدها في حركته التلقائية، ~~لا نتاج ذهنها في حركته المجردة، أو نتاج إرادتها المستقلة ~~الفاعلة. وكما تتغذى الحياة التي أطلقتها الأنثى من رحمها وعلى ~~جسدها وفي أحضانها، وكما يعطي هذا الجسد حليبا ينبثق منه بشكل ~~سحري معجز، وكما يهب هذا الجسد طفولة الإنسان دفئا وأمنا وسكنا، ~~كذلك هي الأم الكبرى. عنها انبثقت الحياة على المستوى الشمولي ~~وعليها تتغذى وتستمر. # ولعل مما يدعم القيمة الدينية والرمزية لهذه الأعمال الفنية أن ~~من بين الستين عملا نحتيا التي وصلتنا من العصر الباليوليتي، ~~هناك خمسة وخمسون ms033 منها مكرسة لأشباه هذه الأشكال، وخمسة أعمال فقط ~~تمثل أشكالا ذكرية منفذة بشكل سيئ يدل على عدم الاهتمام، وعلى ~~عدم تمثيلها لهيئات إلهية، كما هو حال الأشكال الأنثوية. وهذا يتفق ~~مع حقيقة أن الإله المذكر لم يظهر إلا في الفترات المتأخرة، ~~مبتدئا عهده كابن للأم الكبرى. # 20 # عندما خفتت نبضات المراكز الثقافية للعصر الباليوليتي، أعطت تلك ~~المراكز طاقتها لنبض واحد قوي مركزه الشرق الأدنى القديم. وانتقلت ~~عشتار إلى مستقرات الإنسان الأولى في سوريا، حيث بدأت تماثيلها ~~الطينية الصغيرة تظهر عند عتبات العصر النيوليتي، عصر الزراعة. ~~فإذا كانت الأم الكبرى للعصر الباليوليتي تمثل الطبيعة البكر ~~بمياهها وأمطارها ومروجها وشجرها وعواصفها وبرقها ورعدها، فإن ~~عشتار العصر النيوليتي ستغدو إلهة الطبيعة المنظمة التي تتعهدها يد ~~الإنسان ويساهم جهده في توجيه غاياتها، دون أن تفقد خصائصها ~~الأولى. إنها الآن سيدة الدورة الزراعية ومركز للديانة الزراعية ~~الأولى التي ستغدو مصدرا للديانات اللاحقة. وكما كانت عشتار سيدة ~~مطلقة للعصر الباليوليتي، كذلك ستغدو سيدة مطلقة للعصر النيوليتي ~~في حقبته الأولى ما قبل الفخارية، خلال الألفين الثامن والسابع قبل ~~الميلاد. ومنذ الألف السادس قبل الميلاد سيبدأ الإله الابن ظهوره ~~معها، وتبدأ الأعمال التشكيلية في رسمهما معا بعد أن كانت وقفا ~~على الأم وحدها. # حافظت تماثيل عشتار في العصر النيوليتي على كثير من خصائص تماثيل ~~عشتار العصر الباليوليتي، وذلك من حيث التركيز على مناطق الخصوبة ~~وإبرازها في مقابل بقية الأعضاء (الأشكال # 2-3 ~~، # 2-4 ~~، # 2-5 ~~). كما ظهرت ~~منذ مطلع الألف الثامن الوضعية التي غدت كلاسيكية فيما بعد، وهي ~~وضعية عشتار الممسكة بثدييها العاريين (الشكل # 2-4 ~~)، والتي سنجدها خلال الفترات اللاحقة لدى كل ثقافات الشرق ~~القديم تقريبا كرمز لخصب الإلهة الأم. ولقد أعطتنا التنقيبات ~~الأثرية في مواقع الألف الثامن والألف السابع (وبعضها ما زال ~~جاريا اليوم) الكثير من هذه التماثيل، كما هو الأمر في المنحطة ~~والبيضا في الأردن، وأريحا ووادي فلاح والخيام في فلسطين، وتل أسود ~~وتل رماد وتل المريبط في سوريا، وشتال حيوك وهيجيلار في جنوب ~~الأناضول وغيرها. # شكل 2-3: ms034 الأم السورية الكبرى. # تل أسود قرب دمشق. # شكل 2-4: الأم السورية الكبرى. # تل المريبط على الفرات. # وهذا يدل على أن عبادات الشرق القديم في تلك الفترة إنما كانت ~~تنويعات على أرضية مشتركة. هذه الأرضية المشتركة هي ما نعنيه ~~بمصطلح «الديانة المركزية». # وخلال العصر النيوليتي، نضجت في سوريا الرموز التشكيلية الخاصة ~~بالأم الكبرى، وهي الرموز التي انتقلت معها بانتقال ديانتها ~~النيوليتية إلى الأصقاع الأخرى. من تلك الرموز: الصليب المعكوف ~~(السواستيكا) والصليب العادي، اللذان استمرا رمزين مقدسين في ~~الديانات العشتارية والديانات الذكرية على السواء، وصولا إلى ~~السيد المسيح وأمه مريم آخر أم كبرى في الديانات البشرية. وما زال ~~الصليب المعكوف رمزا مقدسا لدى الهندوسية في الهند والبوذية في ~~الشرق الأقصى، كما وجد في نقوش ورسوم الهنود الحمر في أمريكا. وليس ~~صليب النازية إلا إحياء لتقليد قديم من تقاليد القبائل التوتونية ~~التي تحدر منها الألمان . ومن الرموز الأولى الفأس المزدوج، رمز ~~الصاعقة، الذي حفلت به بشكل خاص حضارة تل حلف، والذي سوف نراه في ~~كثير من رسوم الأم الكبرى في حضارة كريت ومطلع الحضارة الإغريقية ~~(الشكل # 2-14 ~~). # شكل 2-5: الأم السورية الكبرى - شتال حيوك جنوب ~~الأناضول. # شكل 2-6: صليب العصر النيوليتي، نقش على جدار جنوب ~~الأناضول، الألف السادس قبل الميلاد. # وقد رسم الفنان النيوليتي مع مطلع الفخار هذه الرموز في وحدات ~~زخرفية تجريدية، وبأسلوب فني ما زالت جماليته وقواعده سارية إلى ~~يومنا هذا. فإذا كان فنان العصر الباليوليتي لم يعن قط بإبراز ~~حيز استاتيكي يجمع في داخله عناصر متباينة في وحدة جمالية مترابطة ~~وإيقاع منتظم، فإن الفنان النيوليتي، وابتداء من حضارة تل حلف ~~وسامراء، قد ابتكر ولأول مرة العمل الفني الجيومتري المتكامل ذا ~~الوحدات التجريدية المترابطة في كل موحد (الشكلان # 2-8 ~~، # 2-9 ~~). # شكل 2-7: صليب عصر الكتابة - من اليسار: بابل، مصر، ~~إيران. # إلى جانب الرموز التجريدية؛ فقد ارتبطت بالأم الكبرى رموز ~~حيوانية لا يخلو عمل تشكيلي من واحد منها؛ أهمها الحمامة، ~~والأفعى، والثور. وسوف نلقي أضواء على هذه الرموز كل في حينه. ~~ولقد ms035 انتقلت مجموعة الرموز هذه مع انتقال عبادة الأم النيوليتية ~~إلى الثقافات الأخرى، فانتقلت أولا إلى كريت، ومن هناك نقلتها ~~السفن عبر مضيق جبل طارق شمالا حتى الجزر البريطانية، وجنوبا على ~~طول الشاطئ الأفريقي. ومن كريت أيضا إلى ميسينا وهي أول مدينة ~~متحضرة على الأرض اليونانية. ومن ميسينا تخللت الثقافتين الإغريقية ~~والرومانية. ومن الهلال الخصيب وصلت مجموعة الرموز هذه إلى مصر منذ ~~مطلع الألف الرابع قبل الميلاد، كذلك اتجهت شرقا نحو آسيا وصولا ~~إلى أقصى أصقاع المعمورة جنبا إلى جنب مع الديانة العشتارية. # 21 # شكل 2-8: نقش على الفخار - تل حلف. # شكل 2-9: نقش على الفخار - إريدو السومرية. # ومنذ أن تعلم الإنسان ~~النيوليتي صناعة الجرار الفخارية، انضم الإناء الفخاري إلى جملة ~~رموز الأم الكبرى؛ # 22 # ذلك أن الجسد الأنثوي هو أشبه بالوعاء السحري الذي ~~يتحول في داخله الدم إلى حليب يتفجر من فوهة الثدي، وبالمستودع ~~الذي تختمر في ظلماته بذور الحياة لتنطلق من بوابة الرحم. وجسد ~~الأنثى الكونية هو الجرة الفخارية التي تحتوي على نعم الحياة ~~وأسبابها ثم تطلقها نحو الخارج. وقد انتقلت تقاليد صناعة الجرار ~~المقدسة من العصور النيوليتية التي حفلت بها إلى عصور الكتابة، ~~وتعددت أنماط صياغتها ومعظمها يعير الجرة المقدسة الأثداء الأنوثية ~~التي هي مركز العطاء في جسد المرأة؛ فقد تصنع الجرة على هيئة جسم ~~كروي ذي عنق قصير، يليه ثديان وسرة واضحة، أو على هيئة كتلة مؤلفة ~~من أربعة أثداء متقابلة، أو جسم تطاول في أعلاه ثديان عند الصدر، ~~تليهما عشرات الأثداء التي تغطي الجسم كله. وقد تزين السرة ~~بصليب عادي أو سواستيكا (صليب معكوف). والسرة هنا ذات قيمة رمزية ~~كبيرة؛ لأن سرة عشتار هي مركز الكون، ومعبدها هو سرة الأرض. وفيما ~~بعد صار لرمز السرة الإلهية هذا شأن في الديانات الذكرية؛ حيث ~~صار كل شعب ينظر إلى معبد إلهه الرئيسي على أنه سرة الأرض. كذلك ~~كان معبد أبولو في دلفي سرة الأرض بالنسبة لليونان، وهيكل سليمان ~~في أورشليم بالنسبة للعبرانيين، والكعبة بالنسبة للعرب. هذا ونجد ~~عشتار ms036 نفسها في العديد من رسومها ومنحوتاتها تحمل بيدها جرة فخارية ~~يميل عنقها قليلا نحو الأمام؛ من ذلك التمثال المعروف باسم ربة ~~الينبوع المحفوظ في متحف مدينة حلب، والذي يمثل عشتار مدينة ماري ~~السورية. ويعتبر هذا التمثال أحد أجمل الأعمال الفنية التي تركتها ~~الحضارات القديمة. # شكل 2-10: الجرة المقدسة - طروادة 1200ق.م. # شكل 2-11: الجرة المقدسة - كريت 1300ق.م. # وقد كان للقيمة الرمزية للجرة الفخارية أثر في تكوين بعض عادات ~~الدفن؛ ففي فلسطين تم العثور على جرار فخارية استعملت كتوابيت ~~للموتى منذ الألف الخامس قبل الميلاد، حيث تكورت الهياكل العظمية ~~على نفسها متخذة وضعية الجنين في رحم أمه. فالجرة الفخارية هي ~~الرحم الذي يطلق الإنسان إلى الحياة، والرحم الذي يستعيده إليه ~~ثانية بعد الممات. كما شاعت عادة دفن الموتى أو دفن رمادهم في ~~الجرار، وذلك في مناطق كثيرة خلال العصر البرونزي؛ منها جزر بحر ~~إيجه، وآسيا الصغرى، وإيطاليا، ومناطق متعددة من أوروبا. ونجدها ~~أيضا في أمريكا الجنوبية . # 23 # كما صار للجرار المقدسة قيمة طقسية كبيرة لدى العديد ~~من ديانات عصور الكتابة. من ذلك مثلا الجرار الفخارية التي كانت ~~تستخدمها عذراوات النار المقدسة في هياكل عشتار، سيدة الشعلة في ~~روما. ومن ذلك الجرة المقدسة التي كان يحفظها العبرانيون داخل ~~تابوت العهد مع لوحي الوصايا اللذين تلقاهما موسى من يهوه، ~~والتي اعتقدوا أنها تحتوي على بعض من المن الذي نزل عليهم من ~~السماء أثناء تيههم في صحراء سيناء، # 24 # إلا أن مريم العذراء قد أعادت لهذه الجرة العبرانية ~~المقدسة صلتها المباشرة بالأم الكبرى. فبالإضافة إلى كون مريم ~~الوعاء الذي احتوى على الإله الكوني نفسه، فإنها الجرة التي تهب ~~البشر حياة وغذاء؛ حيث نقرأ في بعض مدائحها: «السلام عليك يا جرة ~~تحوي المن المحلي حواس الأنقياء، السلام عليك يا غذاء يقوم بدل المن.» # 25 # وبعد، إذا كانت الأم الكبرى هي مصدر الأشياء وسند الأحياء، ~~ومالئة الكون بالخصب وأسباب النماء؛ فإن هذه الصورة التجريدية لم ~~تتعارض في ذهن الإنسان القديم مع صور أخرى مشخصة ومعاينة للأم ~~الكبرى. ms037 فإذا كان الكون بكليته يشكل تبديا في الزمان والمكان ~~لها، فإن أي جزء من هذا الكون، في حد ذاته، وفي اعتبار ماهيته، هو ~~... هي. فقبة السماء الزرقاء التي تنشر غطاءها فوق الأرض هي الأم ~~الكبرى، ورداء الليل المعتم الذي يبدو بلا أطراف هو الأم الكبرى، ~~والبحر الذي يصدر عن مياه أزلية لا نهاية لها في الامتداد هو الأم ~~الكبرى. إن ذهن الإنسان القديم قادر على التجسيد قدرته على ~~التجريد. والعالمان عنده متداخلان تتحرك بينهما الحدود وتنمحي ~~السدود؛ لا المادي منفصل عن الإلهي، ولا الإلهي يعلو على المادي، ~~كلاهما يعكس الآخر في مرآته. ولعل أكثر مظاهر الكون تجسيدا للأم ~~الكبرى، كانت الأرض. فالأرض هي الأم الحقيقية للإنسان ولجميع مظاهر ~~الحياة عليها، من بطنها يخرج عشبا وزرعا وشجرا، حياة للإنسان ~~والحيوان، ومن أعماقها تتفجر ينابيع المياه، وعلى سطحها تسيل مجاري ~~الأنهار. يلتصق بها الإنسان في حياته ويعود إلى جوفها في مماته. من ~~هنا كانت تماثيل عشتار توضح صلتها هذه بالأرض، وخصوصا تلك ~~التماثيل التي تظهرها في وضعية الجلوس، حيث يشكل الردف والساقان ~~المطويان تحته أو المنبسطان، تكوينا مندمجا على هيئة قاعدة ~~مستقرة على الأرض، تعطي الناظر إحساسا بالوحدة بين التمثال ~~والأرض، وذوبان الواحد في الآخر (الشكل # 2-5 ~~). ~~وفي تماثيل عشتار الواقفة نجد أن الشكل كله متمركز حول محور ثقله ~~يتجه نحو الأرض. وقد تزود التماثيل تحت الورك مباشرة بقاعدة مستوية ~~مستقرة على الأرض. ولعل هذه التمثيلات التشكيلية هي أصل الإشارة ~~إلى الأم الكبرى على أنها الجبل، ذلك الجزء من الأرض المرتكز فوقها ~~بكل عظمة وجلال، المتصل معها في وحدة عضوية. إن العمل الفني الموضح ~~في (الشكل # 2-12 ~~) لذو دلالة عميقة في هذا ~~المجال، حيث نجد الأم الكريتية وقد ذاب جزؤها الأسفل في الجبل الذي ~~يشكل قاعدة مخروطية لها، بينما يشكل جزؤها الأعلى قمة ذلك الجبل. ~~ومثل الجبل في الدلالة على الأرض: الصخر والحجر المنتزع من الأرض. ~~لذا كان للأم الكبرى في العديد من الثقافات حجر مقدس تعبد من ~~خلاله، كما هو الحال ms038 في حجر عستارت الأسود في فينيقيا، وحجر سيبيل ~~في الأناضول، وحجر اللات في الطائف. # شكل 2-12: عشتار الجبل - كريت 1500ق.م. # الأم الكبرى لعصور الكتابة # منذ البدايات الأولى للثورة المدينية تتزايد الأعمال الفنية ~~المخصصة لتمثيل الآلهة الذكور، ويأخذ الفن الديني، الذي كان وقفا ~~على عشتار وحدها، ثم على عشتار وابنها، في معاجلة موضوعات مقدسة ~~أخرى طيلة أربعة آلاف عام، قبل أن يعود فيقتصر على الأم والابن في ~~الأيقونات البيزنطية المسيحية. إلا أن تماثيل الأم الكبرى ورسومها ~~تستمر في خط فني متواصل مع المرحلة النيوليتية، ولكن مع تطويرات ~~استاتيكية استدعتها طبيعة العصر. فجسم الإلهة يغدو أكثر رشاقة ~~وتناسقا، وتختفي المبالغات والتحويرات الرمزية، مع استمرار ~~التأكيد على مناطق الخصوبة، إلا أن هذا التأكيد يتبع أسلوبا ~~مختلفا لا تحوير فيه ولا تضخيم، بحيث تشد هذه المناطق النظر دون ~~أن تبدو في تنافر مع بقية أعضاء الجسم. والتمثال الموضح في الشكل ~~( # 2-13 ~~) هو نموذج على ذلك، فيه نجد عشتار ~~البابلية واقفة بكل جمال الأمومية وجلالها، مسندة ثدييها بكفيها في ~~وضع بذل وعطاء. ويبدو هذا العمل وكأنه بالفعل تطوير لتمثال تل ~~المريبط الموضح في الشكل ( # 2-4 ~~)، والذي تفصله ~~عنه ستة آلاف عام. # شكل 2-13: عشتار البابلية. # إلا أنه رغم التفتت الذي عانته صورة الأم الكبرى على نطاق الدين ~~الرسمي للدولة؛ فقد حافظت على سماتها القديمة داخل مؤسسة العبادة ~~العشتارية، وفي قلوب الناس العاديين الذين تعبدوا للآلهة ~~السماوية تعبد خوف، وتابعوا تعبدهم للأم الكبرى تعبد محبة. ~~ففي سومر التي شهدت أول مجمع لآلهة الذكور برئاسة إله السماء «آن»، ~~الذي ادعى لنفسه معظم خصائص الأم الأولى الخالقة، بقيت أساطير ~~الأم الكبرى وأناشيدها وصلواتها تشير إلى مقامها الذي لا يعلو عليه ~~أحد. # تقول صلاة مرفوعة إلى «إنانا» ربة الطبيعة وخصب الأرض ودورة ~~الزراعة والتكاثر: «سيدة النواميس الكونية، أيها النور المشع، يا ~~واهبة الحياة وحبيبة البشر، أنت أعظم من كبير الآلهة آن، وأعظم من ~~الأم التي ولدتك. يا مليكة البلاد الحكيمة العارفة، يا مكثرة المخلوقات.» # 26 # وفي ترتيلة لعشتار البابلية ms039 نقرأ: «لك الحمد يا أرهب ~~الإلهات، لك الإجلال يا سيدة البشر وأعظم الآلهة. عشتار ما لها في ~~عظمتها قرين، بيدها مصائر الموجودات جميعا. لها الدعاء واسمها ~~الأول بين الأسماء، نافذة شرائعها سامية محكمة. مقامها هو الأعلى، ~~يسعى الآلهة إليها، ظاهرة فوقهم مطاعة الكلمات، مليكة عليهم نافذة الإرادة.» # 27 # لم تكن إنانا وعشتار الصورتين الوحيدتين اللتين انحلت إليهما ~~صورة الأم السورية الكبرى في وادي الرافدين. إلا أنهما كانتا ~~الصورتين الرئيسيتين اللتين كان لهما عبادة منظمة ومعابد وكهنوت. ~~أما بقية الصور فبقيت صورا ميثولوجية لا تلعب دورا فعليا في ~~الديانة والأساطير الاعتقادية. ففي سومر بقيت صورة الأم الأولى ~~الخالقة على حالها تقريبا دون أن تمسها الأسطورة الذكرية ~~بالتشويه، بل أبعدتها عن مجال العبادة والهيكل الرسمي لمجمع ~~الآلهة. ففي البدء كانت الإلهة «نمو» أصل الكون وأم الجيل الأول من ~~الآلهة. وقد تخيل السومريون # 28 # امتدادها البدئي كمياه أولى تملأ حيز المكان قبل بدء ~~الزمان. ثم أنجبت هذه الأم الأولى أول كتلة متمايزة عن الماء، وهي ~~كتلة السماء والأرض ملتصقين في جبل بدئي تغمره المياه من كل جانب. ~~في داخل هذا الجبل ولد الجيل الأول من الآلهة، ثم انقسم الجبل إلى ~~نصفين كما الصدفة، فصار الشق الأعلى سماء وارتفع، وصار الشق الأسفل ~~أرضا واستقر. # إن الجو العام لأسطورة التكوين السومرية هذه، لقريب جدا من جو ~~الأسطورة النيوليتية السابقة عليها، وإنها رغم اجتزائها لتلقي ~~أضواء على جوانب الأسطورة الأصل. إن ما فعله النظام الميثولوجي ~~للمجتمع المديني الأول هو فصل الخصائص الكونية للأم الكبرى عن ~~خصائصها المتعلقة بالخصب وحركة الطبيعة، فترك الأولى لاسمها «نمو» ~~وجعلها إلهة مرحلة تعيش في عالم المجردات بلا ظل ولا معبد ولا ~~ديانة منظمة، وترك الثانية لاسمها «إنانا» التي أدمجها في بانثيون ~~الإله الجديد برئاسة «آن»، وجعل لها نسبا وأما وأبا في شجرة ~~عائلة الآلهة الذكرية. # وفي بابل نجد الشيء نفسه؛ ففي مقابل الإلهة الكونية «نمو» نجد ~~الإلهة الكونية «تعامة» المياه الأولى وأصل الكون وأم الجيل الأول ~~من الآلهة، التي تصفها الأسطورة ms040 بخالقة الأشياء جميعا. غير أن ~~الفيض التلقائي الذي رأيناه في الأسطورة السومرية، التي كانت قريبة ~~زمنيا من الأسطورة النيوليتية، يتحول في الأسطورة البابلية إلى ~~انقسام بالإكراه والقتل يمارسه الإله مردوخ، الذكر الأسمى، على ~~الأم الكبرى. ففي البدء كانت الأم تعامة على شكل مياه بلا تخوم ولا ~~حدود؛ في أعماقها ولد الجيل الأول من الآلهة وتناسل، إلى أن خرج ~~جيل جديد من الآلهة الفتية، قرر التمرد على تعامة وإحلال نظام ~~جديد. فعقدوا اللواء لأشجعهم «مردوخ» الذي دخل في صراع مميت مع ~~تعامة فقتلها، ثم قسم جسدها نصفين؛ فمن نصف رفع السماء، ومن نصف ~~ثبت الأرض. ثم أخذ بتنظيم الكون ليخرجه على صورته الحالية. # 29 # إن إسطورة التكوين البابلية هذه، لتعترف بدور الأم الكبرى في ~~إخراج الكون من حيز الهيولى إلى حيز الوجود، ولكنها تجعل منه دورا ~~سلبيا؛ لأن الأم الكبرى تغدو مادة لفعل الإله الذكر لا مصدرا ~~تلقائيا للإشعاع، ومرحلة يتجاوزها مردوخ ليبني مجمع آلهته الجديد ~~على أشلاء جسدها الذي كان أصلا خميرة الخلق، الخلق بمحبة المرأة ~~لا الخلق بقوة الرجل. ومن ناحية أخرى فإن قتل الأم في هذه ~~الأسطورة ليعكس رغبة الرجل، سيد الحضارة الجديدة، في الخروج من حضن ~~الطبيعة والتحكم فيها، وتوجيهها لمصلحته بعد تاريخ طويل من ~~الاستسلام والعيش في كنفها. # إضافة إلى تعامة التي غدت في الميثولوجيا البابلية إلهة - مرحلة ~~عاشت في الأيام الغابرة، ثم ماتت عند عتبة التاريخ، فإننا نجد في ~~بلاد الرافدين شكلا آخر من أشكال الأم الكبرى، أكثر حضورا يتمثل ~~في الأم - الأرض «نتو» أو «ننخرساج». فلما كان الإله الذكر لا ~~يستطيع الادعاء بقتل الأرض، ولو استطاع لفعل؛ فقد أضعف صورتها ~~الكلية القدرة وجعلها منفعلة لا فاعلة، فخصبها لا يفيض عنها بل ~~يأتي من خارجها، وماؤها الذي ينبع من أعماقها ويسقي تربتها لا ~~ينتمي إلى مملكتها بل إلى مملكة إله آخر هو «إنكي» إله الماء ~~العذب، الذي تجعله بعض الأساطير زوجا لننخرساج، فنراهما يعيشان في ~~جنة وارفة الظلال تفيض بكل شجر وثمر نتيجة لاتحاد الماء ms041 إنكي ~~بتربة الأرض ننخرساج. هذه الجنة البدئية هي النموذج الأول لكل أرض ~~مزروعة تعطي أكلها بلقاح الماء للأرض. هذا، وقد احتفظت هذه الأم - ~~الأرض - ببعض خصائص الخلق القديمة، فنراها تلعب دورا أساسيا في ~~خلق الإنسان ولكن بمعونة إنكي. نقرأ في نص بابلي طقسي كان يتلى ~~لتخفيف آلام الحوامل عند الوضع: «أنت عون الآلهة يا مامي الحكيمة، ~~أنت الرحم الأم أيتها الخالقة، اخلقي الإنسان. فقالت ننتو للآلهة ~~الكبار: لن يكون لي أن أنجز ذلك وحدي، ولكن بمعونة إنكي يخلق الإنسان.» # 30 # وفي سوريا - كنعان وآرام - لم تعطنا الأساطير المعروفة حتى الآن ~~صورة عن الأم الأولى الخالقة، رغم أننا نجد بعض ملامحها في شخصية ~~الإله «عشيرة» زوجة إيل كبير الآلهة ورب السماء السابعة. ويبدو هنا ~~أن زواج إله السماء المبكر من الأم الكبرى قد ساعد على طمس وجهها ~~القديم ونقل خصائص الخلق كاملة إلى الإله المذكر. إلا أن الخصائص ~~المتعلقة بالخصب والتكاثر ودورة الزراعة تبقى في يد وريثات الأم ~~النيوليتية. ففي أوغاريت نجد الإلهة عناة، وفي بيبلوس ودويلات ~~المدن الكنعانية الفينيقية والفلسطينية نجد الإلهة عستارت التي يرد ~~ذكرها في التوراة تحت اسم عشتاروت، ولدى الأنباط وبعدهم التدمريون ~~نجد الأم الكبرى تحت اسم «اللات». هذا وقد نقل الجنود السوريون في ~~الفيالق الرومانية إلى الأرض الإيطالية عبادة هذه الإلهة ذات ~~الأسماء المتعددة، ولكن تحت اسم موحد هو «ديا-سوريا» أي: الإلهة السورية. # 31 # وفي مصر تظهر لعبة الأسماء بوضوح أكثر من أي مكان آخر؛ ذلك أن ~~الانتقال المستمر لمراكز القوة السياسية من منطقة لأخرى عبر تاريخ ~~مصر الطويل، وأرضها المترامية، كان يعطي الأم الكبرى في كل مرة ~~اسما جديدا. إلا أن دارس الميثولوجيا المصرية يستطيع بسهولة، إذا ~~غاص قليلا تحت القشرة الظاهرية للأساطير المختلفة، أن يدرك أكثر ~~من أي مكان آخر الوحدة الحقيقة لهذه الأسماء. وإن أول ما يلفت ~~انتباهنا في مجموعة تجليات الأم الكبرى في الميثولوجيا المصرية هو ~~الإلهة «نيت». فهذه الإلهة، إن لم تكن بذاتها واسمها الإلهة ~~النيوليتية المصرية، فإنها وريثتها المباشرة. وإلى ms042 جانبها نجد ~~الإله «نوت» و«إيزيس» و«هاتور» و«سيخمت». # إن شارة الإلهة «نيت» المؤلفة من سهمين متصالبين مرسومين على ~~جلد أو درع، هي ذاتها شارة قبائل الدلتا النيوليتية. ونجد أن اسمها ~~قد تسمت به أميرتان من الأسرة الأولى عند بداية التاريخ المصري. ~~كانت نيت أم الآلهة، وبالذات أم كبيرهم «رع» الذي أنجبته قبل أن ~~يكون للولادة وجود. وهي البقرة السماوية التي أنجبت السماء كأول ~~مظهر من مظاهر الكون. وهي التي نسجت فيما بعد مادة العالم بمغزلها. ~~وهي صاحبة القول الذي سقناه في الفصل الأول: «أنا ما كان وما هو ~~كائن وما سوف يكون، وما من أحد بقادر أن يرفع عني برقعي.» هذا ~~وتختلط هذه الإلهة بالإلهة إيزيس في الطقوس الأوزيرية. # 32 # أما الإلهة نوت فلم تلعب دورا في الدين والطقس، بل ~~بقيت إلهة - مرحلة. فهي قبة السماء المحدبة التي يتقوس ظهرها فوق ~~الأرض «جيب» المستلقي تحتها، وهي البقرة السماوية التي أنجبت الشمس ~~التي تشرق من حضنها وإلى حضنها تعود عند المغيب، أما بطنها فسقف ~~الكون الذي تزينه النجوم والكواكب. وبينما تأخذ نوت ونيت خصائص ~~الأم الكونية البدئية، تأخذ إيزيس وهاتور وسيخمت خصائصها الطبيعية ~~الدينامية. وهؤلاء الإلهات الثلاث لسن في حقيقة الأمر إلا ~~واحدة، كما سيجري تبيان ذلك في مواضع قادمة من هذا المؤلف. # فإذا انتقلنا من الشرق ~~الأدنى القديم نحو الغرب، عثرنا في جزيرة كريت على ظاهرة فريدة في ~~تاريخ الديانات القديمة؛ فكريت قد عرفت أول ثورة نيوليتية في ~~أوروبا، وتمت فيها أيضا أول ثورة مدينية هناك؛ وذلك بتأثير ~~الهجرات الأولى النيوليتية من البر السوري والأناضولي، وبتأثير ~~الاحتكاك المباشر الدائم الذي استمر بين الجهتين، # 33 # إلا أن هذه الحضارة لم تعرف طيلة تاريخها سوى عبادة ~~الأم الكبرى وابنها، وذلك حتى نهايتها على يد البرابرة الإغريق ~~الذين دمروا حضارتها العظيمة حوالي عام 1400ق.م. ويبدو أن نهاية ~~كريت المفاجئة قد تمت قبل أن يتمكن المجتمع الذكري فيها من تحقيق ~~انتصاره الكامل، رغم اكتمال ثورتها المدينية، وإحاطتها من كل جانب ~~بالمجتمعات ذات الثقافة الأبوية. لهذا ms043 حفظت الأم الكريتية خصائص ~~الإلهة الكبرى للعصر النيوليتي من خلق وخصب. # بسبب المصاعب التي ما زالت قائمة في قراءة اللغة الكريتية ~~القديمة، وندرة النصوص الأسطورية التي تعود إلى ما قبل فترة دمار ~~الحضارة الكريتية، فإن الاسم الحقيقي للأم الكريتية الكبرى ما زال ~~غير مؤكد، إلا أن النصوص اليونانية تشير إليها باسم «رحيا». كانت ~~رحيا الأم الكونية التي تجتمع عندها كل خصائص الألوهية في تركيب ~~واحد، ويمتد سلطانها فوق كل مظاهر الوجود. فإضافة إلى كونها والدة ~~الكون المتحكمة بأفلاكه ومدرات كواكبه، فإنها سيدة خصب الطبيعة ~~وتكاثر الحيوان والإنسان، وربة الفصول المتعاقبة. كما أنها تحكم ~~مملكة الأموات والعالم الأسفل. وإلى جانبها ظهر فيما بعد ابنها ~~الذي أطلق عليه اليونان اسم «زيوس»، والذي يبدو أحيانا في هيئة ~~بشرية، وأحيانا أخرى في هيئة الثور. # 34 # وسوف نرى فيما بعد أن ابن الأم الكبرى كان يتخذ منذ ~~العصور النيوليتية في الشرق الأدنى هيئة الثور، ابن البقرة ~~السماوية. # من الأعمال الفنية الجميلة التي تمثل الأم الكريتية، الرسم ~~الموضح في الشكل # 2-14 ~~، حيث نجد الإلهة في وضعية ~~الوقوف ترفع بيديها الاثنتين فأسين مزدوجين، وتيارات من الحليب ~~تنثال من ثدييها العاريين فيسقيان الأرض، وعن يمينها وشمالها ~~زمرتان من العباد في وضعية الصلاة. # في الثقافة الإغريقية، بقيت الأم الأولى لما قبل العصر الهيليني ~~قائمة في شخصية الإلهة «جايا» الأم-الأرض، إلا أن هذه، كمثيلاتها ~~في الثقافات الذكرية الأخرى، قد استمرت شخصية أسطورية بلا ظل ولا ~~عبادة، بينما تقاسمت «ديمتر» و«أرتميس» و«أفروديت» الخصائص ~~الطبيعية للأم القديمة. فكانت «أرتميس» إلهة الغاب والبراري والأرض ~~البكر، «وديمتر» إلهة الأرض المزروعة ودورة الطبيعة، «وأفروديت» ~~إلهة التكاثر والحب الجنسي. # شكل 2-14: الأم الكبرى الكريتية 1500 (ق.م.). # كانت «جايا» الأرض، أول من انبثق من الشواش والعماء الأول. أول ~~مواليدها كان كرونوس، السماء الذي غطاها من جميع جهاتها. بعد ذلك ~~تفرغت لخلق العالم فصنعت الجبال والأنهار والبحار، وبقية مظاهر ~~المادة، ومنها تناسل بقية الآلهة. ويبدو من ترتيلة هوميرية أن هذه ~~الإلهة كانت أول معبودات الإغريق. يقول مطلع الترتيلة: ms044 «غنوا ~~لجايا، أم الكون، وأقدم الآلهة.» # 35 # ولعلنا واجدون في أرتميس مدينة إفسوس الإغريقية في ~~آسيا الصغرى، صورة عن الأم الشرقية الكبرى. فأرتميس هنا لا تبدو ~~كإلهة للطبيعة البكر، بل كأم زراعية كبرى تصورها تماثيل إفسوس في ~~هيئة ممتلئة وقد تزاحم في صدرها عشرات الأثداء (الشكل # 2-15 ~~) تماما كالجرة الفخارية الموضحة في الشكل # 2-11 ~~. # شكل 2-15: أرتميس - إفسوس. # غير أن الديانات الذكرية المتطرفة قد حاولت أن تجتث تماما ~~صورة الأم الكبرى من نظامها الأسطوري، كما هو الحال في ديانة ~~العبرانيين بشكلها التوراتي المتأخر. فهنا لا نكاد نجد ما يذكر ~~بالأم الكبرى سوى أثر باهت باق في شخصية حواء التي حولتها ~~الأسطورة التوراتية من مبدأ للكون إلى مجرد أم للجنس البشري. وحتى ~~أمومتها هذه ليست أمومة أصلية؛ لأنها هي نفسها مولودة من الذكر ~~آدم؛ مأخوذة من ضلعه. وبذلك يبلغ تحوير أسطورة الأم الكبرى أبعد ~~غاياته بتجريدها حتى من أمومة البشر، وإعطاء آدم فضل الأبوة ~~والأمومة، الأبوة لإنجابه الجنس البشري بواسطة حواء، والأمومة ~~لإنجابه حواء نفسها. # ولكن التقاليد المسيحية ما تلبث أن تعيد للأم الكبرى سابق مجدها ~~وسلطانها، وتبدأ مريم العذراء رحلتها من أم يهودية تقية، كما تبدو ~~في الأناجيل، إلى أم كونية ووالدة للإله الذي اقترب من البشر ~~بدخوله في تاريخهم وتجسده في عالمهم، ومروره عبر جسد الأم الكبرى ~~طفلا لها. «فمريم العذراء التي ظهرت في فلسطين وعاشت هناك عددا ~~من السنين ليست إلا تجليا في المكان للأم الكبرى مريم الموجودة ~~قبل الزمان وقبل المكان، والتي ستبقى بعد فناء المكان وتوقف جريان الزمان.» # 36 # نقرأ للقديس كيريليس ~~الإسكندري في شرحه لأمومة مريم الإلهية أمام مجمع إفسوس سنة 431م: ~~«السلام عليك يا مريم، يا أم الله، يا كنزا يمجده العالم، يا ~~نورا ساطعا ويا إكليل البتولية، والصولجان الذي يحمي العقيدة ~~الصحيحة، والهيكل الذي لا ينقض. فيه سكن من لا يستطيع أن يحتويه ~~شيء. أنت التي فيك يتمجد الثالوث ويعبد.» # 37 # ونقرأ في بعض عظات الكنيسة: «إن من بنى السماوات ~~واحتواها، والذي صنع ms045 الكون وما وراء الكون، الذي لا مقر له، قد جعل ~~نفسه فيها طفلا صغيرا، ويجعل منها مقر ألوهيته، الفسيح الذي يملأ ~~كل شيء وحيدا، ولا حد له، تجمع فيها دون أن يتصاغر.» # 38 # ونقرأ للقديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية في القرن ~~الخامس الميلادي في شرحه لعقيدة انتقال مريم إلى السماء: «لقد كان ~~مستحيلا أن يبقى ذلك الجسد الطاهر محجوزا عليه داخل قبر الأموات، ~~ذلك الإناء الذي احتوى الله بالذات، ذلك الهيكل الذي مده بالحياة، ~~الإناء الذي امتلأ بالله، الذي حمل الله. كنت أيتها العذراء ~~المجيدة الجسد الذي استراح فيه هو.» # 39 # أخيرا إذا انتقلنا من أساطير العالم القديم إلى أساطير الشعوب ~~التي داهمها العصر الحديث قبل أن تحقق ثورتها المدينية، لوجدنا ~~صورة الأم الكبرى النيوليتية ما زالت مطبوعة على نقائها لدى الكثير ~~من تلك الشعوب، ولعل الأنشودة التي سنقدم مقتطفات منها فيما يأتي، ~~والمأخوذة من تراتيل قبيلة الكاجايا الهندية في كولومبيا بأمريكا ~~الجنوبية، تعطي صورة عن استمرار عشتار في ضمير الإنسان عبر العصور: ~~«سيدة الأناشيد والأغاني، أم النسل البشري، حملت بنا منذ البدء، أم ~~الأجناس جميعا وأم القبائل المختلفة، سيدة الرعود والأمطار، أم ~~الأنهار والأشجار، سيدة الصخور والأحجار، أم الحبوب وكل شيء حي، أم ~~الشعوب المجاورة، وأم الأجانب والأغراب، سيدة الرقص والأغاني، ربة ~~المعابد كلها، أم الحيوانات، الواحدة المؤلهة، سيدة المجرة المضيئة ~~... لا أم لنا إلا هي.» # 40 # الفصل الثالث # | عشتار القمر # مثلما وجد الإنسان القديم في الأرض تجسيدا للأم الكبرى، كذلك وجد في ~~القمر؛ فالاثنان يشفان عن حقيقة واحدة وينتميان لمبدأ واحد، وفي كل ~~مكان نعثر على ثنائية الأرض والقمر وعلى الاعتقاد بصلتهما الخفية. # 1 # فالقمر هو الأرض السماوية الأكثر شفافية ونقاء. # 2 # ويسود الاعتقاد لدى كثير من الشعوب بأن القمر قد جبل من ~~أديم الأرض، والإغريق يطلقون عليه فعلا اسم الأرض العليا. # 3 # ورغم أن الخصائص القمرية للأم الكبرى تبدو واضحة في نصوص وفنون عصر ~~الكتابة، فإن ميثولوجيا الحضارات الكبرى لم تمدنا بأسطورة قمرية ~~متكاملة عن الأم الكبرى. ولذا ms046 فإن جهودنا في هذا الفصل ستصب في ~~اتجاهين؛ الأول إعادة بناء الأسطورة القمرية النيوليتية التي نؤمن ~~بوجودها، والاتجاه الثاني إعادة تفسير أساطير عصر الكتابة لإظهار ~~الجوانب القمرية للأم الكبرى، سواء في النصوص المكتوبة أو في الأعمال ~~الفنية التشكيلية. وسنبدأ من تحليل أسطورة سومرية معروفة، هي أسطورة ~~هبوط إنانا إلى العالم الأسفل: # من الأعلى العظيم تاقت إلى الأسفل العظيم، # من الأعلى العظيم، تاقت الربة إلى الأسفل العظيم، # من الأعلى العظيم تاقت «إنانا» إلى الأسفل العظيم، # هجرت سيدتي السماء، وتركت الأرض، ~~«إنانا» هجرت السماء والأرض، # إلى العالم الأسفل قد هبطت. # بهذه الفاتحة الجميلة، يبدأ نص الأسطورة السومرية ~~«هبوط إنانا إلى العالم الأسفل»، # 4 # وهو النص الذي يعد من أجمل ما أنتجه الأدب المشرقي القديم. ~~تبدو الأم السومرية في هذه الأسطورة تواقة إلى ترك كرسيها السماوي ~~وهجرة الأرض التي ترعاها، في رحلة إلى العالم الأسفل، عالم الظلمات ~~الذي تهبط إليه أرواح الموتى، والذي تحكمه أختها الإلهة «إريشكيجال». ~~وهي إذ تشرع في هبوطها عبر بوابات الموت السبع، توصي تابعها «ننشوبار» ~~أن ينتظر عودتها ثلاثة أيام وثلاث ليال، فإن لم ترجع عليه أن يمضي إلى ~~مجمع الآلهة طلبا لعونهم في استرجاعها إلى العالم الأعلى. تنزل إنانا ~~درجات العالم الأسفل السبع بكامل حللها وزينتها السماوية، ولكن حراس ~~البوابات يطلبون منها أن تخلع عند كل باب جزءا من ثيابها تنفيذا ~~للشرائع المتبعة، إلى أن تعبر البوابة الأخيرة وتمثل عارية تماما أمام ~~ملكة الموت إريشكيجال، التي تأمر بموتها حالا وشد جثتها إلى عمود ~~خشبي. حتى إذا انقضت ثلاثة أيام وثلاث ليال، مضى تابعها ننشوبار إلى ~~الآلهة طالبا عونهم، فيتلكئون إلا «إنكي» إله المياه العذبة الذي يصنع ~~لتوه مخلوقين يزودهما بطعام الحياة وماء الحياة، ويرسلهما في ~~إثرها حيث يفلحان في إعادة الحياة إليها، وتصعد من جديد درجات العالم ~~الأسفل. ولدى صعودها تستعيد ثيابها وحليها حتى تخرج في الهيئة التي ~~دخلت بها. # لقد حار علماء السومريات ممن تصدوا لترجمة هذا النص وحل رموزه ~~اللغوية، في حل رموزه الأسطورية المعقدة. فلماذا ms047 اشتاقت ربة السماوات ~~إلى زيارة عالم الظلمات؟ ما الذي دفعها إلى ترك عرشها الإلهي والشروع ~~في رحلة مجهولة العواقب؟ إلام يشير موتها؟ وماذا يعني صعودها وتغلبها ~~على الموت؟ في الحقيقة، إننا لا نستطيع فهم أي نص أسطوري اعتمادا على ~~سطوره ومنطوقه ومكانه وزمانه؛ فالنص الواحد هو جزء من جماع التجربة ~~الأسطورية، ومكانه ساحة العالم كلها، وزمانه تاريخ الإنسان. والأسطورة ~~الواحدة ليست نتاج إبداع فني جمالي لشخص بعينه، بل هي محصلة خبرة بشرية ~~طويلة، وتاريخ طويل يمتد إلى أغوار الماضي السحيق، وتطور بطيء. كل هذا ~~يجعلها لذهننا العصري مثقلة بالرموز الصعبة، حافلة بكل عصي غريب. من ~~هنا، ففهم أي أسطورة يتطلب إعادة بنائها، والكشف عن تاريخها وأشكالها ~~السابقة المتضمنة في شكلها الأخير، وصولا إلى حلتها الأولى وباعثها ~~الأساسي. # إن النص الذي بين أيدينا الآن قد تم تدوينه في أواسط الألف الثالث ~~قبل الميلاد، إلا أن أصوله البعيدة ترجع إلى أعماق العصر الحجري، عندما ~~كان الإنسان يتأمل حائرا في مظاهر الكون العجيبة، محاولا إيجاد ~~التفسير لما يجري من حوله. رفع رأسه إلى السماء منذ أن انتصب على ~~قائمتين، وراقب حركة أجرامها وسير شمسها وقمرها وتتابع ليلها ونهارها، ~~فكان القمر أول ما رمى في نفسه الروع والرهبة بتألقه وسط الليل الغامض، ~~وتعارضه مع القبة المعتمة التي يسبح فيها، وغلبته على جميع الأجرام ~~المنيرة المنتشرة في أرجاء السماء، فكان أول جرم سماوي توجه إليه ~~بالعبادة. كان الإنسان محاطا بالألغاز من كل جانب وكل ما حوله سر ~~مكنون، لا يستطيع التمييز بين أحلامه وواقع يومه. وشعوره لم يتمايز ~~تماما عن لا شعوره، محكوما بغرائزه وملكاته الفطرية لا بعقله، موجها ~~بمشاعره وأحاسيسه لا بمنطقه. كان الليل يطمس له بصره ويتركه في ظلمة ~~ورعب من نفسه ومما حوله، ينتظر القمر سيد الليل المترامي الأطراف ~~والكون الممتد بلا نهاية، وسيد ظلمة النفس وخوافيها. # عظم الإنسان الشمس، ولكنه لم يجد فيها ندا للقمر. لم تثر في ~~نفسه من العجب والتساؤل ما أثاره القمر. الشمس تشرق كل يوم من نفس ms048 ~~المكان وتغرب من مكان محدد آخر، في حركة رتيبة منتظمة. أما القمر فكل ~~يوم هو في شأن؛ يشرق اليوم من مكان، وغدا يشرق من مكان آخر، يغرب ~~اليوم في مكان، وغدا يغرب في مكان آخر. في يومه الأول يبدأ هلالا ~~نحيلا ثم يأخذ في الامتلاء والاكتمال والتزايد حتى يستدير محيطه ~~ويتوسط قبة السماء بدرا شعشعا جميلا مهيبا. ولكن اكتماله مؤقت؛ إذ ~~ما يلبث أن يبدأ في الانحدار والتناقص قطعة قطعة، حتى يختفي تماما في ~~آخر الشهر غائصا نحو العالم الأسفل. وفي اليوم الثالث لغيابه، وبعد ~~تسعة وعشرين يوما من شروقه السابق، تظهر قرونه عند الأفق من جديد ~~مبشرا بميلاد آخر. حركة طبيعية كونية، أشبه ما تكون بالحركة الطبيعية ~~الداخلية لجسد الأنثى في دورته الشهرية. فكان القمر بحق أنثى كونية ~~عظمى، وكان هو ذاته الأم الكبرى والدة الكون، والأرض الخصبة وقد ظهرت ~~في تجليها الجديد: القمر. # فكما أن «آ»، وفق المنطق الأسطوري، يمكن أن تكون «ب» أو «ج» في الوقت ~~نفسه، طالما أن الجميع يعكسون مبدأ واحدا، كذلك هي عشتار الآن. إنها ~~تتجلى في القمر الذي يهبط من الأعلى العظيم على درجات ومراحل إلى ~~الأسفل العظيم، القمر الذي يحمل توقا دائما كلما توسط السماء بكامل ~~حلله وزينته، إلى الانحدار عنها والنزول إلى عالم الظلمات، نازعا عنه ~~زينته قطعة قطعة حتى يغيب تماما في اليوم الأول ويظهر في اليوم ~~الثالث. وهو في هبوطه هذا، لا يموت كما يموت الأحياء، وإنما يغادر ~~العالم الأعلى كسيد له، ليلبث أياما في العالم الأسفل سيدا له ~~أيضا. فعشتار الأولى كانت سيدة للسموات والعالم النوراني، وسيدة لعالم ~~الموت وظلمات العالم الأسفل. في أسطورة العصر الحجري، لا تهبط إنانا ~~لتموت في العالم الأسفل ثلاثة أيام، بل لتمارس دورا إلهيا آخر، دور ~~ربة الموت. وفي أسطورة العصر الحجري لا وجود لأختها إريشكيجال؛ لأنها ~~هي بالذات إريشكيجال، الوجه الآخر المعتم للقمر. في طورها الأعلى هي ~~إنانا، وفي طورها الأسفل اسمها إريشكيجال. تهبط وتصعد دون معرفة من ~~إله آخر، وفق حركة ms049 طبيعية تلقائية لا تحكم لأحد فيها من ~~خارجها. # لعل أسطورة هبوط عشتار هي أول أسطورة منظمة صاغها خيال الإنسان؛ إلا ~~أن شكلها الأخير الذي دونه قلم الكاتب السومري على الفخار، ليس إلا ~~نتاجا لتطور طويل، يعكس لنا بحق تاريخ الأسطورة وتبدلاتها عبر مراحل ~~تطور المجتمعات الإنسانية. في شكلها الأخير، حافظت الأسطورة على هيكلها ~~الأمومي العام رغم تداخل العناصر الذكرية اللاحقة، ورغم تقطيع أوصال ~~الأم الكبرى وتشظي صورتها الأولى. ولنعد إلى النص من جديد، محاولين ~~فهمه على ضوء ما تقدم. # لا يقدم النص سببا لهبوط عشتار إلى العالم الأسفل؛ لأن هبوطها هو ~~جزء من قانون طبيعي، ولأنها سيدة العالمين تترك الواحد لتنتقل إلى ~~الآخر. وقد كان عباد عشتار وكهنتها ممن حافظوا على أسرارها تحت طغيان ~~الديانات الذكرية يعرفون المعاني الخفية الكامنة وراء زخرف النص، وشكله ~~الخارجي ذي الصيغة الذكرية الواضحة. قبل أن تهبط عشتار لبست ووضعت ~~زينتها: # شدت إلى وسطها ألواح الأقدار السبعة، # وعلى رأسها وضعت تاج السهول، # فمن محياها يشع الألق والبهاء، # بيدها قبضت على الصولجان اللازوردي، # وجيدها قد زينت بعقد أحجار كريمة، # وعلى صدرها ثبتت جواهر متلألئة، # وكفها قد رصعت بخاتم ذهبي، # وجسدها وشحت بأثواب السيادة والسلطان، # ومسحت وجهها بالزيت والطيوب، # ثم مشت إنانا في طريقها إلى العالم الأسفل. # يمثل هذا المقطع اكتمال البدر في منتصف الشهر القمري، ~~وتربعه على عرش السماء بكامل ألقه وبهائه. ولأن القمر لا يكتمل إلا ~~لكي يهبط متناقصا خلال الجزء التالي من دورته، فإن عشتار هنا تتخذ ~~زينتها وتلبس أثواب السيادة والسلطان، وتضع الأحجار الكريمة المتلألئة ~~استعدادا للهبوط إلى العالم الأسفل، يشيعها خلال المرحلة الأولى من ~~الطريق تابعها ورسولها «ننشوبار» الذي صار فيما بعد رسول الآلهة ~~السومرية والبابلية، وانتقل إلى اليونان تحت اسم «هرمز». وقبل أن ~~يغادرها راجعا، تقوم عشتار بإعطائه تعليماتها بأن يمضي إلى الآلهة ~~طالبا عونهم إذا لم تعد من رحلتها في اليوم الثالث، ثم تتابع سيرها ~~حتى تصل بوابة الظلمات الأولى: # افتح يا حارس البوابة، افتح البيت، # افتح الباب يا «نيتي». ms050 وحيدة سوف ألج منه، ~~«نيتي» كبير حجاب العالم الأسفل، # أجاب إنانا الطاهرة: ~~- من يا ترى تكونين؟ ~~- أنا ملكة السماء، ذلك المكان الذي تشرق فيه الشمس. ~~- فما الذي أتى بك إذن إلى الأرض التي لا عودة منها؟ # وإلى الطريق الذي لا يرجع منه مسافر، كيف حفزك قلبك؟ # إن لقب ملكة السماء الذي تدعو به عشتار نفسها في هذا ~~النص، هو من ألقابها الرئيسية التي لازمتها طيلة عهدها وتحت كل أسمائها ~~وتجلياتها، إلى جانب ألقاب وأوصاف أخرى معظمها يشير إلى علاقتها ~~بالقمر. فهي عابرة السماوات، وهي نور السماوات، وهي الساطعة المنيرة، ~~وهي اللامعة. وهذه هي إيزيس تتخذ ألقابا مشابهة؛ فهي سيدة السماوات، ~~وسيدة الشعلة المضيئة، وسيدة النور، والنار الساطعة، وواهبة النور. حتى ~~إذا وصلنا إلى السيدة مريم العذراء وجدناها تحمل نفس الألقاب القمرية. ~~فهي سلطانة السماء، # 5 # وهي قمر الروح، والقمر الخالد، وقمر الكنيسة. ويشير البابا ~~إنوست الثالث في بعض كتاباته إلى العلاقة بين مريم العذراء والقمر ~~عندما يقول: إلى القمر يجب أن يرفع رأسه ذلك الغارق في الخطايا. لقد ~~غاب عنه النهار، ولم تعد له تشرق الشمس. ولكن ها هو القمر عند الأفق . ~~فليتوجه إلى مريم التي يجد عندها الآلاف في كل يوم طريق الخلاص. # 6 # وفي البرتغال يدعو الأهالي القمر ب «أم الإله»، وفي فرنسا ~~يدعو الفلاحون في كثير من أنحائها القمر باسم «السيدة العذراء». # 7 # بعد أن يسمع كبير حجاب العالم الأسفل حديث عشتار، يتركها عند الباب ~~ويهرع إلى سيدته «إريشكيجال» ربة عالم الأموات وأخت سلطانة السماء؛ ~~لينقل إليها خبر الزيارة. تمتعض إريشكيجال لزيارة عشتار وتعطي ~~تعليماتها إلى «نيتي» وقد أضمرت شرا: ~~- أي نيتي، يا كبير حجاب العالم الأسفل اقترب مني، # وأعط أذنا صاغية لما آمرك به، # ارفع مزاليج بوابات العالم الأسفل السبع، # وعند بوابة جانزير، واجهة العالم الأسفل أعلن ~~قوانيننا. ~~(يصدع الحاجب بما أمر، ويمضي إلى عشتار المنتظرة عند ~~البوابة الأولى): ~~- تعالي فادخلي يا إنانا. # ولدى دخولها من البوابة الأولى، # خلع عن رأسها الشوجار، تاج السهول، ~~- ما هذا ms051 الذي تفعلون؟ ~~- أي إنانا، لقد صيغت قوانين العالم الأسفل بعناية ~~واكتمال، # فلا تناقشي يا إنانا شعائر العالم الأسفل. # ولدى دخولها من البوابة الثانية، # اقتلع من كفها الصولجان اللازوردي، # وهكذا يستمر عبور عشتار بوابات العالم الأسفل، وعند كل ~~بوابة تفقد جزءا من زينتها وثيابها، حتى تمثل عارية في حضرة ~~إريشكيجال: # إريشكيجال، كانت مستوية على عرشها، # يحيط بها الأنوناكي السبعة الذين يصدرون الأحكام، # ركزوا عليها أنظارهم، أنظار الموت، # وبكلمة منهم، الكلمة التي تعذب الروح، # تحولت المرأة المتعبة إلى جثة، # ثم شدت إلى وتد مغروس، # ثلاثة أيام مرت وثلاث ليال. # يشير هذا المقطع والذي سبقه بوضوح إلى تناقص البدر ~~قطعة قطعة، وانحداره عن وسط السماء تدريجيا في كل ليلة. وليست درجات ~~الموت السبعة التي تخلع عندها إنانا جزءا من زينتها سوى الأيام ~~الأخيرة السبعة من الشهر القمري؛ حيث يفقد القمر بوضوح قطعه الكبيرة، ~~حتى يغيب تماما في الأيام الأخيرة. عند هذه المرحلة من النص، تبدأ ~~المداخلة الذكرية بالظهور. فعشتار لم تعد قادرة كما كان شأنها في ~~الماضي على الصعود من العالم الأسفل وحيدة، معتمدة على قواها الذاتية، ~~بل لا بد من معونة الآلهة الذكور في هذه المهمة . وهنا يأخذ رسولها ~~ننشوبار بالطواف على الآلهة الأخرى في أرجاء السماء، وقد ملأ الكون ~~صراخه وعويله طالبا عونهم على إرجاع سيدته إلى الحياة: # رسولها ننشوبار، # ذو الكلمات الطيبة، # وحامل كلماتها الحقة، # أخذ يملأ السماء صراخا من أجلها، # وبكى عليها في حرم المجمع، # في بيت الآلهة ركض هنا وهناك من أجلها، # ذبلت عيناه وتغير وجهه من أجلها، # وكفقير شريد لبس ثوبا واحدا من أجلها، # وإلى إيكور بيت «إنليل» اتجه وحيدا. # بكى في حضرته قائلا: # أيها الأب إنليل، لا تدع ابنتك تموت في العالم ~~الأسفل، # لا تترك معدنك الثمين يلقى في تراب العالم الأسفل، # لا تترك لازوردك الغالي يكسر كحجارة البنائين، # ولا صندوقك الخشبي يقطع كخشب النجارين، # لا تترك الفتاة إنانا للموت في العالم الأسفل. # فأجاب الأب إنليل ننشوبار قائلا: # ابنتي في الأعلى العظيم سارت بقدميها إلى الأسفل ms052 ~~العظيم، # إنانا في الأعلى العظيم سارت بقدميها إلى الأسفل ~~العظيم، # وشرائع العالم الأسفل، أنت تعرف ما شرائع العالم ~~الأسفل، # ومن يا ترى بقادر على الوصول إلى ذلك المكان. # بعد إنليل يطوف ننشوبار على عدد آخر من الآلهة ليلقى ~~نفس الموقف غير المبالي، إلى أن يصل إلى «إنكي» إله الماء العذب الذي ~~يسرع إلى نجدة الإلهة الميتة. يصنع إنكي مخلوقين ويعطيهما طعام الحياة ~~وشراب الحياة، ويزودهما بالتعليمات اللازمة لعبور العالم الأسفل ~~واستعادة إنانا إلى الحياة. يفلح المخلوقان في اقتحام العالم ~~الأسفل: # على الجثة المشدودة إلى وتدها وجها أشعة النار، # ونثرا عليها من ماء الحياة ستين مرة، ومن طعام الحياة ~~ستين، # فنهضت إنانا، # وصعدت من عالم الأموات. # هنا يبدأ ظهور القمر مجددا أول الشهر كخيط رفيع ~~يتزايد يوما بعد يوم؛ لأن عشتار تضع لدى صعودها عند كل بوابة ما خلعته ~~في نزولها: # ولما مر بها عبر البوابة الأولى أعاد إلى ثياب ~~جسدها، # ولما مر بها عبر البوابة الثانية أعاد الأساور إلى يديها ~~وقدميها، # ولما مر بها عبر البوابة الثالثة أعاد إلى وركها تعويذة ~~الولادة، # ولما مر بها عبر البوابة الرابعة أعاد إلى صدرها جميع ~~الحلي، # ولما مر بها عبر البوابة الخامسة أعاد إلى جيدها ~~العقود، # ولما مر بها عبر البوابة السادسة أعاد إلى أذنيها ~~الأقراط، # ولما مر بها عبر البوابة السابعة أعاد إلى رأسها التاج العظيم. # 8 # وهكذا يتربع القمر من جديد على عرش السماء. إن هذه ~~الأسطورة المدونة منذ مطلع عصر الكتابة، تعود في أصلها إلى أعماق ~~العصور الحجرية المجهولة، كما ألمحنا منذ قليل، ولكنها في شكلها الأخير ~~نتاج عملية تطورية تركيبية. فالإنسان النيوليتي قد ورث الأسطورة ~~القمرية عن العصر الباليوليتي وطورها، ثم ألهمته هذه الأسطورة أسطورة ~~هبوط أخرى تقوم بها عشتار سنويا إلى العالم الأسفل من أجل ضمان دورة ~~الزراعة، وما لبثت الأسطورتان أن أدمجتا في أسطورة واحدة عندما صار ~~الإله الابن بطل الهبوط بدلا من الإلهة الأم في الأسطورة الزراعية. ~~فأخذت عشتار تهبط في كل عام إلى العالم الأسفل ms053 لفك أسر تموز المحتجز ~~هناك طيلة فترة الخريف والشتاء، فتغيب في اليوم الأول لتصعد في اليوم ~~الثالث ومعها الابن القتيل، وقد بعث حيا، ولسوف نعمل على توضيح هذه ~~البنية المعقدة والمتشابكة تدريجيا في الفصول القادمة. # تظهر درجات الموت التي يهبطها القمر في بعض الأعمال الفنية على هيئة ~~سلم مؤلف من أربع عشرة درجة؛ كل درجة تمثل يوما من أيام النصف ~~الثاني للشهر القمري؛ من هذه الأعمال: الرسم المصري الموضح في (الشكل # 3-1 ~~)، حيث نجد القمر على قمة زهرة اللوتس ~~المقدسة وبين قرنيه عين أوزوريس (أو ابنه حورس) التي ترمز إلى القمر ~~المتناقص أو القمر المتزايد حسب اتجاه فتحة العين في شكلها الجانبي، ~~وأمامه سلم هابط نحو الأسفل هو الطريق الموصل إلى عالم ~~الظلمات. # شكل 3-1: درجات العالم الأسفل - رسم فرعوني. # البقرة السماوية # منذ أن رأى الإنسان في ~~القمر تجسيدا لعشتار ربط في ذهنه رمزيا بين قرون البقر وقرني ~~الهلال، وصور في خياله الأم الكبرى على هيئة بقرة سماوية يرسم ~~قرناها هلالا في السماء، وقد استمرت هذه الصورة الباليوليتية ~~والنيوليتية مرتبطة بالأم الكبرى في عصور الكتابة، فعندما لا تظهر ~~الأم الكبرى في الأعمال التشكيلية على هيئة البقرة الكاملة تظهر ~~برأس البقرة أو بقرون البقر، أو تشير إليها النصوص الميثولوجية ~~والطقسية بلقب البقرة؛ فالإلهة «نوت» المصرية التي هي قبة السماء، ~~كانت تصور في هيئة بقرة كاملة، والأم المصرية «نيت» كانت تدعى ~~بالبقرة السماوية، والإلهة هاتور كانت تظهر دوما برأس بقرة، ~~والإلهة إيزيس إن لم تظهر برأس بقرة ظهرت وعلى رأسها قرنان كبيران ~~غالبا ما يحتويان قرص القمر البدر بين طرفيهما (الشكل # 3-2 ~~). كذلك الأمر فيما يتعلق بعشتار البابلية ~~وعشتار الكنعانية التي تظهر في الرسوم والمنحوتات وعلى رأسها ~~قرنان. # شكل 3-2: الأم القمرية الكبرى إيزيس وفي حضنها الوليد ~~الإلهي. # ولعل من أجمل هذه الأعمال، ذلك المحفوظ في متحف دمشق والذي يمثل ~~الإلهة عشتار المجنحة ترضع من ثدييها العاريين إلهين صغيرين، وعلى ~~رأسها تاج يزينه قرنان، وقد يعمد الفنان إلى إظهار الهلال ذاته بدل ms054 ~~القرون فيتوج به رأس الأم الكبرى. # ومن ناحية أخرى فإن بعض ألقاب الأم الكبرى التي عرفت بها في ~~عصور الكتابة، تظهر صلتها بذلك التصور القديم، فهي البقرة وهي ~~العجلة، نقرأ في صلاة سومرية إلى إنانا من عصر صارغون الأول: ~~«أيتها البقرة البرية الجموح، أنت أعظم من كبير الآلهة آن». # 9 # وفي بعض ألواح أوغاريت نجد الإلهة عناة تحمل لقب العجلة، # 10 # وفي نصوص بعل وعناة الأوغاريتية نجد الإله بعل يضاجع ~~الإلهة عناة وهي في هيئة العجلة قبل أن يهبط إلى الأسفل. # 11 # هذا وقد بقي لقب البقرة أو العجلة يطلق على الأم ~~الكبرى وصولا إلى السيدة مريم العذراء. نقرأ في طقوس عيد تقدمة ~~مريم إلى الهيكل: «إن والدة الإله بالجسد لما قدموها للرب عجلة ~~ذات ثلاث سنين، تقبلها زخريا كاهن الله ووضعها في الهيكل.» # 12 # وأيضا: «فليسر يواكيم الجد، ولتبتهج حنه؛ لأنهما ~~قدما لله السيدة البريئة من كل عيب كمثل عجلة ذات ثلاث سنين.» # 13 # وفي التراتيل البيزنطية التي تتلى يوم الجمعة الحزينة ~~نقرأ: «لما رأت العجلة ابنها معلقا على الصليب ناحت وأعولت.» # 14 # وأيضا: «أنت الآن في باطن الأرض أيها المخلص، ~~والقمر الذي أنجبك يتلاشى حسرة لغيابك.» # 15 # وتدعم الأعمال التشكيلية هذه النصوص الطقسية المتعلقة ~~بالسيدة مريم حين تربطها أيضا بالبدر أو الهلال. من هذه الأعمال ~~لوحة الحبل بلا دنس للفنان موريو من عصر النهضة المحفوظة في متحف ~~مدريد، والتي تظهر السيدة واقفة ويداها مضمومتان إلى صدرها والهلال ~~يتقاطع مع جسمها. # وعندما ظهر الإله الابن أخذ عن أمه صفاتها القمرية والرموز ~~المتعلقة بها، فصار يرمز إليه برأس الثور الوحشي ذي القرنين ~~الكبيرين. وهناك من الأدلة ما يشير إلى أن تقديس الثور كان قائما ~~في المستوطنات الزراعية الأولى في سوريا وخصوصا تل المريبط، # 16 # حيث يتزامن ظهور الثور مع ظهور الإلهة الأم. ولسوف نجد ~~هذا الثنائي بعد ألفي سنة في شتال حيوك، ثم في حضارة تل حلف شمال ~~سوريا. ففخاريات تل حلف حافلة بالأشكال التزيينية لقرون الثور الوحشي. # 17 # وخارج ms055 منطقة الشرق الأدنى القديم نعثر على هذا الثنائي ~~المقدس في كريت حيث يزين رأس الثور الوحشي جدران القصور والمعابد، ~~كما نعثر عليه في مطلع عهود مدن يونانية كثيرة مثل طيبة ودلفي، وفي ~~مكدونيا، وتراقيا. # 18 # هذا وربما تلقي أسطورة الميناتور الإغريقية أضواء على ~~عبادة الثور في كريت. فالميناتور، كما تروي الأسطورة، # 19 # كان مخلوقا عجائبيا نصفه ثور ونصفه الآخر رجل، صنع ~~له ملك كريت مينوس قصرا خاصا على شكل متاهة لا يستطيع الداخل ~~إليها أن يعثر على طريق خروجه منها. وكان الميناتور لا يتغذى إلا ~~بلحوم البشر. وخصوصا لحوم أسرى الحروب. كما كانت له وجبة دورية من ~~أهالي أثينا، التي فرض مينوس على أهلها جزية قوامها سبعة فتيان ~~وسبع فتيات تقدم طعاما للميناتور. وقد استمرت هذه الجزية قائمة ~~حتى تمكن البطل ثيسيوس من دخول قصر التيه وقتل الميناتور، بعد أن ~~تطوع للخروج مع فريق الفدية إلى كريت. إن هذه الأسطورة ليست في ~~الواقع إلا ذكرى لعبادة الثور في كريت، والميناتور الذي تصوره ليس ~~كائنا حيا، بل تمثالا في المعبد تقدم له الأضاحي البشرية التي ~~كانت معروفة في كريت، وربما كان بين تلك الأضاحي شبان إغريق يجري ~~اصطيادهم لهذه الغاية أو يرسلون بالفعل كجزية. # شكل 3-3: الإله الثور - شتال حيوك الألف السادس ~~ق.م. # وقد بقيت قرون الثور النيوليتي تزين رءوس الآلهة الأبناء حتى ~~العصور المتأخرة، فهذا هو الإله بعل الكنعاني يظهر في رسومه ~~ومنحوتاته بقرون بارزة نحو الأمام، وكذلك أوزوريس المصري الذي ~~تصوره بعض الأعمال الفنية برأس الثور، وهو نفسه الإله سيرابيس الذي ~~انتقل فيما بعد إلى العالم الكلاسيكي، والذي يعني اسمه «الإله الثور». # 20 # وكان الفرس القدماء يعتقدون أن روح العالم مقيمة في ~~ثور بدئي يسكن السماء. # 21 # وفي الثقافة الهندية كان الثور تجسيدا لكل من الإله ~~«إندارا» والإله «شيفا». # 22 # أنوثة القمر وقمرية المرأة # إن الاعتقاد بأنوثة القمر وتمثيله للأم الكبرى، قد ساد الحضارات ~~القديمة وبقيت آثاره في ثقافات الأقوام البدائية في عالمنا الحديث. ~~فبعيدا عن مسرح الحضارات الكبرى ms056 في الهلال الخصيب ومصر والعالم ~~اليوناني، التي تخللت عناصر الأسطورة القمرية الأولى أساطيرها ~~ودياناتها، فإن معظم الثقافات البدائية تنظر للقمر باعتباره أنثى ~~وتعتقد بتجسيده لإلهة أنثى. يسود هذا الاعتقاد في ثقافة الهنود ~~الحمر في أمريكا الشمالية والجنوبية، ونجده لدى معظم الثقافات ~~الأفريقية، ولدى أكثر الشعوب البدائية في أستراليا وبولونيزيا ~~وغرينلاند. ويحمل الفلاحون الأوروبيون معتقدا مشابها يتجلى في ~~الفلكلور والحكايا الشعبية. # 23 # تحدثنا أسطورة من غينيا الجديدة عن القمر الأنثى، ~~الذي يهبط إلى باطن الأرض ثلاثة أيام، ثم يبعث ساطعا من جديد ~~فتقول: «إنه في الأزمان السحيقة، كان القمر فتاة جميلة اسمها ~~«رابية» تعيش على الأرض بين أهلها وقومها. ثم إن الرجل الشمس ~~«نويل» وقع في حبها ولكنها صدت عنه، فقرر الانتقام. قام رجل الشمس ~~بتغييب رابية في الأرض عند جذور شجرة، وباءت كل جهود أهلها في ~~إنقاذها، فلبثوا ينظرون إليها وهي تغيب ببطء في جوف الأرض. عندما ~~تأكدت الفتاة من مصيرها المحتوم وبلغ منها التراب العنق، طلبت من ~~أهلها أن يذبحوا خنزيرا ويقيموا مأدبة على روحها، ولكنها طمأنتهم ~~إلى أنها لن تلبث في باطن الأرض طويلا. ففي مساء اليوم الثالث ~~عليهم أن يراقبوا السماء؛ لأنها ستكون قد انتقلت إلى هناك على شكل ~~جرم سماوي منير.» # 24 # تحتوي هذه الأسطورة على الكثير من العناصر الرئيسية ~~لأسطورة هبوط إنانا، ولعلها ليست سوى صدى بعيد من أصداء الأسطورة ~~النيوليتية الأولى، حيث اختلطت الأسطورة القمرية بالأسطورة ~~الزراعية. فالفتاة في هذه الأسطورة تغوص عند جذور الشجرة، دلالة ~~على الصلة بين الأنثى الكونية وخصب الأرض، وهي تغيب ثلاثة أيام في ~~العالم الأسفل، وتظهر في الأفق هلالا منيرا، تماما كنموذجها ~~الأول عشتار. # ومن ناحية أخرى فإن حياة المرأة الفيزيولوجية والسيكولوجية ذات ~~طبيعة قمرية وإيقاع قمري، فهي مرتبطة بدورة شهرية معادلة لدورة ~~القمر الذي يبدأ هلالا في أول الشهر ليتلاشى في آخره، بعد أن يمر ~~في فترة تقع في منتصف الشهر عندما يبلغ البدر تمامه. وقد كان سكان ~~بلاد الرافدين # 25 # يعتبرون تمام البدر يوما تحيض فيه عشتار ms057 وتستريح من ~~كل أعمالها. لذا فقد ارتبطت بهذا اليوم مجموعة من المحرمات؛ ~~كالشروع في السفر، وأكل الطعام المطبوخ، وإشعال النار، وهي نفس ~~الأمور التي تستريح منها المرأة الحائض. وقد دعي هذا اليوم بيوم ~~«السباتو» أي يوم الراحة، وكانوا يحتفلون به في كل شهر، ثم مرة في ~~كل ربع من أرباع الشهر القمري، وعنهم أخذ اليهود هذه العادة أيام ~~السبي، فجعلوا يوم السبت يوم راحة للرب فيه استراح من عناء الخلق، ~~ودعوا ذلك اليوم بيوم ال «سبات»، وفرضوا على أنفسهم فيه محرمات ~~مشابهة ما زالت تسيطر على سلوكهم حتى اليوم. # وفي اللغات الحديثة، نجد أثرا للاعتقاد القديم بعلاقة طمث ~~المرأة بدورة القمر؛ ففي اللغة الإنكليزية نجد أن كلمة # menstruation # الدالة على الطمث ~~إذا ما أرجعت إلى أصولها تعني «التغير القمري». وفي الفرنسية من ~~الشائع أن يشار إلى الحيض على أنه «وقت القمر»، وفي ألمانيا يطلق ~~الفلاحون في بعض المناطق على فترة الطمث بشكل مباشر اسم القمر. وفي ~~الكونغو يستعمل الأهالي كلمة واحدة للدلالة على الطمث والقمر، ~~وكذلك في بعض مناطق الهند. وكثير من اللغات البدائية تستعمل تعبير ~~«المرض القمري» للدلالة على الحيض. # 26 # ولعل اقتران المرأة بالقمر له ما يبرره في نظر الإنسان القديم، ~~فكلاهما ينتميان إلى المبدأ السالب في الطبيعة والكون، ذلك المبدأ ~~الذي أطلق عليه الفكر الصيني اسم ال «ين» ويقابله ال «يانغ» المبدأ ~~الموجب الذي ينتمي إليه كل من الشمس والذكر. من تفاعل هاتين ~~القوتين المتكافئتين تستمر حركة العالم ومكوناته، التي تتداخل فيها ~~القوتان فتتعادلان أحيانا، وتغلب إحداهما أحيانا أخرى، دون أن ~~تلغي الواحدة نظيرتها. ففي قبة السماء يسود اليانغ، وفي الأرض ~~الين. في الماء يسود الين وفي النار يسود اليانغ. في المرأة يسود ~~الين وفي الرجل يسود اليانغ ... إلخ. فالين هو العتم، الظل، الرطوبة، ~~الغموض. واليانغ هو النور الساطع، الحرارة، الجفاف، القوة، ~~الإنجاز، الوضوح. # 27 # أما الفكر اليوناني فقد أطلق على المبدأ السالب اسم ال ~~«الإيروس»، والمبدأ الموجب اسم «اللوغوس». فالإيروس هو عالم ~~الطبيعة والرغبات والغرائز وخفايا ms058 النفس؛ أما اللوغوس فهو التسلط ~~على الطبيعة، والمنطق، والتفكير المنظم البارد. إلى الإيروس تنتمي ~~المرأة وإلى اللوغوس ينتمي الرجل. وفي علم النفس الحديث أطلقت ~~المدرسة اليونغية على الطاقة الموجبة في النفس البشرية اسم ~~«الأنيموس»، والطاقة السالبة اسم «الأنيما». فالأنيما هي الأنثى ~~الكامنة في كل رجل، والأنيموس هو الرجل الكامن في كل ~~امرأة. # كما يحكم إيقاع القمر حياة ~~المرأة، فإن الرجل يحكم حياته إيقاع الشمس؛ فالشمس هي مصدر منتظم ~~للنور والحرارة، تخضع في شروقها وغروبها لنظام وقانون دقيق؛ تشع في ~~النهار وتختفي في الليل لتظهر ثانية في الصباح، ولا أحد يشك في ~~شروقها التالي. أما القمر فنوره متبدل متغير، يشرق في الليل، ~~ولكن شروقه لا يتواقت مع ابتداء الليل مثلما يتواقت شروق الشمس مع ~~ابتداء النهار، بل يبدو أن شروقه تابع لمزاجه الخاص؛ فقد نراه مع ~~المغيب، ثم يغوص نحو الغرب، وقد يطلع من الشرق في أوائل الليل، أو ~~في أوسطه، أو نحو نهايته، أو لا يطلع أبدا تاركا سماءنا في ظلام، ~~أو يظهر، ويا للغرابة، في وسط النهار مؤكدا وجوده سابحا في أرجاء ~~السماء المملوءة بنور الشمس. إنه الأنثى المتقلبة المزاج، الغامضة ~~الأطوار، التي تستلهم في سلوكها خصائصها الطبيعية لا قوانين ~~التنظيمات الاجتماعية المحكمة. أما الشمس فهي الذكر، واضع ~~القوانين وعبدها، يصوغ الغايات والأهداف المتعالية على نظام ~~الطبيعة، ولا يخلص من ربقتها طوال حياته. الرجل نظام المجتمع، ينظر ~~دوما نحو الأعلى، راغبا في مزيد من الإنجاز وتحقيق عظائم الأمور، ~~أما المرأة فهي حكمة الطبيعة، تنظر دوما نحو الأرض، تنشد ~~السعادة التي تحققها حركة الجسد في إيقاعه الطبيعي، لا حركة الذهن ~~في إيقاعه المجرد المتعالي. # يتبع الرجل في حياته منحى ~~ثابتا لا يكاد يتغير، تماما كمنحنى الشمس. أما المرأة فحياتها ~~مليئة بالتغيرات الجذرية التي تبدل كيانها وتهزه، وبالمنعطفات ~~الحاسمة التي تحمل لها تحولات أساسية لا تستطيع لها تبديلا أو ~~عنها رجوعا. إن التغيرات التي تطرأ على جسد المرأة وروحها عند ~~البلوغ لا تقارن، كما ونوعا، بالتغيرات التي تطرأ على الذكر، ~~وفعل ms059 الحب الأول في حياة المرأة ليس كفعل الحب الأول في حياة ~~الرجل؛ فهو يجعل من المرأة مخلوقا جديدا من الناحية الجسدية ~~والنفسية، بينما لا يكاد يترك في نفس الرجل أو جسده أثرا أو ~~علامة، يتجاوزه بثبات دون أن ينظر نحو الوراء. والمرأة قبل الحيض ~~هي غيرها أثناءه وغيرها بعده. وهي قبل الحمل غيرها بعد الولادة. ما ~~إن تلد المرأة حتى تغدو أما ... لا يهم إن مات ابنها أو عاش بعد ~~ذلك، لقد صارت أما مرة واحدة وإلى الأبد، وبذرة الحياة دوما ~~هناك، تنبض تحت القلب كما نبضت طوال تسعة أشهر. يقبل الرجل على ~~فعل الجنس كما يقبل على أي نشاط آخر من نشاطات الحياة؛ أما ~~المرأة فهي عذراء قبل الجنس، ولكنها أم بعده، تهب نفسها في كل ~~مرة وكأنها المرة الأولى. # أسبقية عبادة القمر # لقد كان مشهد الليل الجليل وقبة السماء الحالكة بنجومها وشهبها ~~ومذنباتها السابحة، من أكثر المشاهد تأثيرا في نفس الإنسان ~~القديم. فكان الليل بالنسبة إليه هو الأصل والنهار هو الفرع. الليل ~~هو الأزلي، والنهار هو الحادث. عن عتمة الليل القديمة، أخذ الكون ~~بالتمايز، وعن العماء الأول ظهرت الموجودات وترتبت كما تظهر نجوم ~~السماء في كل يوم من جوف الليل، وعن الظلمة الخافية ظهرت المرئيات ~~الواضحة. الخلق فعل سري يسمو على الإفهام، ولذا فإنه يصدر عن الليل ~~والظلمة، لا عن النهار والنور، والعتم هو الرحم البدئي الذي حبل ~~بالكون وأنجبه. # بتأثير هذه النظرة القديمة، تؤكد معظم أساطير الخلق والتكوين على ~~ظهور النشأة الأولى من لجة الظلمة الأزلية؛ ففي أسطورة التكوين ~~البابلية، كانت تعامة هي الرحم المائي المظلم الذي نشأ عنه الكون ~~والآلهة. وفي الأسطورة المصرية نجد «نون» العماء البدئي المظلم ~~والرحم المائي الذي أنجب أول الآلهة «رع». وعند الكنعانيين نجد أنه ~~في البدء لم يكن هناك سوى ريح عاصفة وخواء مظلم. # 28 # وفي التكوين التوراتي نجد أنه في البدء خلق الرب ~~السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، ~~وروح الرب يرف فوق الماء. # 29 # وفي ms060 الأسطورة السومرية، تنبثق الأجرام السماوية من ~~ظلمة العالم الأسفل عندما يهب الإله إنليل سيد مجمع آلهة سومر إلى ~~العالم الأسفل، ويضاجع الإلهة ننليل التي تتبعه إلى هناك عند كل ~~بوابة من بواباته السبع، فكان القمر أو مولود لها من إنليل، ثم إن ~~القمر نفسه صار بعد ذلك أبا للشمس. # 30 # ومن المثير للتأمل حقا، أن العديد من أساطير التكوين لم يربط ~~بين الشمس والنور، ولم يجعل صلة بينها وبين تتابع الأيام؛ ففي ~~أسطورة التكوين البابلية تظهر دورة الأيام واختلاف الليل والنهار، ~~قبل ظهور الشمس إلى الوجود. وفي التكوين التوراتي، يقوم يهوه بخلق ~~النور وتمييز الليل عن النهار قبل أن يخلق الشمس؛ فخلق النور قد ~~تم في اليوم الأول من أيام التكوين: «وقال الرب ليكن نور فكان ~~نور، ورأى الرب النور أنه حسن وفصل الرب بين النور والظلمة. ودعا ~~الرب النور نهارا والظلمة دعاها ليلا.» # 31 # أما خلق الشمس فلم يتم إلا في اليوم الرابع من أيام ~~التكوين: «وقال الرب لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار ~~والليل وتكون لآيات وأوقات وسنين، وتكون أنوار في جلد السماء لتنير ~~على الأرض وكان كذلك. فعمل الرب النورين العظيمين؛ النور الأكبر ~~لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل ... وكان مساء وكان صباح ~~يوما رابعا.» # 32 # إن أولوية الليل على النهار تستدعي أولوية القمر، سيد الليل على ~~الشمس، وأسبقية الديانات القمرية على الديانات الشمسية. ففي جميع ~~الثقافات كانت الميثولوجيا القمرية سابقة على الميثولوجيا الشمسية. # 33 # ويكاد يجمع دارسو الأسطورة، في يومنا، على هذه ~~الحقيقة، وكذلك علماء الأنثروبولوجيا ممن درسوا الثقافات البدائية ~~المعاصرة التي تسود فيها الديانات القمرية أو أشكال أخرى متطورة عنها. # 34 # ففي ميلانيزيا بشتى مناطقها، تجمع الأساطير على أن ~~الأم القمرية الكبرى هي خالقة الكون وسيدته، وإلى جانبها يعبد ~~الأهالي ابنيها القمر المتزايد والقمر المتناقص، وليس للشمس في ~~دياناتهم إلا مكانة ثانوية. وفي غينيا الجديدة، يسود اعتقاد مشابه ~~بسيدة القمر وابنيها. وعندما نزل الإسبان في إندونيسيا وجدوا القمر ~~هو المعبود الرئيسي لكثير من ms061 قبائلها، وما زالت عبادته قائمة ~~اليوم لدى بعض قبائلها البدائية. وفي بولونيزيا لا تكاد الشمس تلعب ~~دورا مهما في الدين والأسطورة اللذين يتركزان حول القمر. ولدى ~~قبائل الإسكيمو تقوم الشمس مقام الأخت بالنسبة للقمر الذي تدور ~~حوله دياناتهم، ويعتقدون أن نور الشمس وحرارتها قد استمدت منذ ~~القديم من القمر. ويؤمن الهنود الحمر في أمريكا الشمالية بالأم ~~القمرية الكبرى ويدعونها بالمرأة القديمة، والمرأة المتغيرة، ~~والمرأة الأبدية. وفي أمريكا الوسطى والجنوبية، التي يعتبرها البعض ~~الموطن التقليدي للديانات الشمسية، لم تكن هذه الديانات، في حضارات ~~الآزتك والإنكا، إلا من خلق الطبقة الحاكمة الأرستقراطية التي كانت ~~تجبر الناس على بناء هياكل الشمس، أما الطبقات الشعبية فقد بقيت ~~على معتقداتها القمرية السابقة. وفي أفريقيا بقي كثير من القبائل ~~البدائية حتى وقت قريب أمينا للديانات القمرية وسيدتها ~~الكبرى. # مع انهيار الثقافات الأمومية وصعود الثقافات الذكرية، غلبت الشمس ~~القمر، وتوطدت الديانات الشمسية السماوية، وراح آلهة الشمس وآلهة ~~السماء السامية يبنون أمجادهم بعد معارك حاسمة مع سيدة العتم ~~وابنها الثور. فقتل مردوخ الأم تعامة في صورة تنين رهيب، ومثله ~~إندارا في الهند الذي ارتفع على أشلاء تنينه أيضا، وزيوس في الغرب ~~الذي قتل التنين طيفون ابن الأرض، وميترا الفارسي الذي شاعت عبادته ~~في العالم اليوناني الروماني بعد الميلاد والذي قتل الثور السماوي، ~~فأحل نور الشمس محل ضوء القمر. وإلى جانب آلهة الشمس وآلهة السماء ~~السامية، قام الأبطال الشمسيون أنصاف الآلهة بأفعال مشابهة ترمز ~~إلى قيام الطبقات العسكرية الحاكمة الأوليجاركية بإحلال عبادة ~~الشمس محل عبادة القمر عند أعتاب الحضارة. إن أساطير هؤلاء الأبطال ~~بشكلها المزخرف الأخير وبهائها الأدبي لا تخفي أصلها القديم وشكلها ~~الأول الذي صاغه آباء الانقلابات الدينية قبل مطلع عصور الكتابة، ~~وكل أفعالهم تتركز على قهر الرموز القمرية. فهذا جلجامش البابلي ~~حبيب «شمش» إله الشمس، يسير برعاية إلهه وتوجيهه فيقتل مع صديقه ~~أنكيدو تنين غابة عشتار. وتجعل الأسطورة الذكرية من عشتار امرأة ~~لعوبا تقع في حب جلجامش الذي يعرض عنها ويقوم بتحقيرها وتعداد ~~مثالبها، فترسل ضده ثور ms062 السماء الذي يقتله جلجامش دون عناء. إن هذه ~~الأسطورة التي دونت مع أسطورة تعامة ومردوخ في مطلع الألف الثاني ~~قبل الميلاد، وهو عصر صعود الملك حمورابي وإرساء دعائم ~~الإمبراطورية البابلية، ليست إلا تردادا لأسطورة شفهية قديمة ~~تظهر الصراع بين البطل الشمسي من جهة والأم الكبرى وابنها الثور ~~من جهة أخرى. ولعلها في الأصل ليست إلا صراعا بين شمش نفسه ~~وعشتار. # ومثل جلجامش هرقل، البطل الإغريقي ابن زيوس من امرأة بشرية، الذي ~~يوجه معظم أعماله الخارقة ضد الرموز القمرية. يقتل هرقل «هيدرا» ~~التنين ذا الرءوس السبعة، ويمرغ أنف الإلهة أرتميس في التراب عندما ~~يقبض على أيلها البري المقدس الذي لم يقدر عليه أحد من قبل، ويقبض ~~على الخنزير البري الشرس، وهو من الرموز التقليدية للأم الكبرى، ~~ويصرع الثور الإلهي المتوحش، ويتغلب على قبيلة النساء الأمازونيات. ~~وبعده يأتي «ثيسيوس» ابن الإله بوسيدون من امرأة بشرية، الذي يقتل ~~الميناتور، الثور الكريتي ساكن قصر التيه. إن أسطورة قتل الميناتور ~~ليست في الحقيقة سوى صياغة أسطورية لواقعة تاريخية تتعلق بهجوم ~~القبائل البطريركية اليونانية على كريت، وتقويض ثقافتها الأمومية ~~وهدم هياكلها القمرية، وتحطيم تماثيل الإله الثور الابن وإحلال ~~عبادة الآلهة الآباء. ومن الشواهد الباقية في الأساطير اليونانية ~~على الصراع القديم بين الآلهة الشمسية والآلهة القمرية، تلك القصص ~~التي تروى عن صراع آلهة الأوليمب مع العمالقة؛ فكل إله أوليمبي ~~كان له معركة مع عملاق أو أكثر، تنتهي بانتصاره المؤزر الذي يعزز ~~مكانته في مجمع الآلهة العلوية. إن المعنى الكامن وراء هذا الصراع ~~ضد العمالقة لا يتضح إلا إذا رجعنا إلى الأصول اللغوية لكلمة ~~العملاق. فالكلمة الدالة على العملاق في اللغة اليونانية واللغات ~~الأوروبية الحديثة هي ~~(giant) # جيانت المستمدة من «جايا» الأم-الأرض. فالعملاق والحالة هذه هو ابن ~~الأرض جايا، التي كانت تصور في بعض المشاهد وقد انبثقت من ~~الأعماق لتحمي ابنها من عدوان الإله الأوليمبي. # 35 # لقد أخذت الميثولوجيا ~~الشمسية ببناء نفسها على الأسس السابقة للميثولوجيا القمرية، وأخذ ~~الآلهة الشمسيون يتبنون خصائص وصلاحيات الأم القمرية وابنها. كما ~~استطاعت ms063 الميثولوجيا الشمسية تحويل بعض الآلهة القمرية إلى آلهة ~~شمسية. فمردوخ-بل، سيد آلهة بابل ليس إلا بعل الكنعاني، الإله ~~القمر بالأصل الذي أتت به سلالة حمورابي السورية. كما أن بعل قد ~~تحول إلى إله شمسي في كثير من مناطق عبادته الأصلية، وذلك كبعلبك ~~وتدمر حيث أقيمت له هياكل الشمس على أنقاض هياكل القمر. وزيوس ~~الإغريقي أعتى الآلهة الذكور وسيد البانثيون الإغريقي، ليس إلا ~~زيوس الثور، ابن الأم الكريتية الكبرى الذي حمله معهم الآخيون إلى ~~أرض اليونان عقب دمار الحضارة المينوية. ولعل التعمق في دراسة ~~شخصية ومنحى تطور بعض الآلهة التي اعتبرت شمسية منذ ظهورها، ~~يوصلنا إلى أصلها القمري القديم. وهذه نقطة لا نستطيع التوسع في ~~بحثها هنا. # القمر والخصوبة # وجد الإنسان القديم علاقة بين القمر وخصب الأرض ونمو الزرع، قبل ~~أن يكتشف العلاقة الفعلية بين الشمس والحياة النباتية. فضوء القمر ~~الأصفر اللين، وطراوة الليل الذي تترك أردانه، قبل أن ينجلي، ندى ~~يمد أوراق النبات بالحياة، ورطوبة تنعش الأرض، كانت في تصور ~~الإنسان أكثر ملاءمة لحياة الزرع من أشعة الشمس الحارقة ونور ~~النهار الساطع. ومن ناحية أخرى؛ فقد لاحظ الإنسان أن تتابع الفصول ~~هو الذي يهيئ الشروط لتستكمل الدورة الزراعية غايتها، وأن تتابع ~~الفصول بدوره نتاج دورة القمر الشهرية التي تضع علامات الزمن. فكان ~~القمر بالنسبة للإنسان خالق الزمن وسيده، ورب الفصول التي تتوج ~~حركتها بفصل الربيع الذي يحيي الأرض بعد سباتها. # وقد عبرت الأعمال التشكيلية للحضارات الأولى في ثقافات الشرق ~~القديم عن علاقة القمر بخصب الأرض ونمو الزرع والشجر، مدفوعة إلى ~~ذلك بالأفكار التي ورثتها عن الثقافات النيوليتية، فنجد في كثير ~~من الرسوم أن القمر والشجرة يندمجان في وحدة تشكيلية جمالية؛ ففي ~~الشكل # 3-4 ~~، يبدو القمر وكأنه جزء عضوي من ~~أجزاء الشجرة التي رسمها الفنان البابلي بأسلوب زخرفي تبسيطي ~~جميل. # شكل 3-4: شجرة القمر - بابل، الألف الثاني ق.م. # وفي الشكل # 3-5 # يكرر الفنان الآشوري نفس ~~العناصر، متبعا نفس الطريقة الزخرفية، مع إضافة الحيوانات إلى ~~الوحدة التشكيلية؛ لأن القمر مسئول أيضا عن ms064 تكثير الحيوانات وعن ~~توالد الإنسان. # شكل 3-5: شجرة القمر - آشور، الألف الأول ق.م. # إن مسئولية القمر عن نفخ الحياة في البذور الجامدة، وإرسال مياه ~~المطر، وتوزيع الندى، وتفجير الينابيع، هي فكرة ميثولوجية شائعة ~~نستطيع تتبعها في كل الثقافات، ولعل دراسة معتقدات الشعوب البدائية ~~الحديثة تعطينا صورة عن بقايا معتقد الإنسان القديم؛ ففي كولومبيا ~~البريطانية يرسم الأهالي صورة القمر، وقد علقت على أطرافه أباريق ~~الماء التي يسكب منها على الأرض. ويعتقد الهنود الحمر في أمريكا ~~الشمالية بأن القمر مسئول عن هطول الأمطار والإنبات ويدعونه بأم ~~الذرة، المحصول الرئيسي لديهم. وفي البرازيل تدعو القبائل القديمة ~~القمر بأم المحاصيل. وفي الهند هو حامل البذور، وأيضا حامل ~~النباتات. وفي الإسكيمو يعتقد الأهالي بأن القمر هو الذي يرسل الثلج. # 36 # وإضافة إلى خصوبة الأرض، فإن القمر مسئول عن خصوبة النساء؛ ففي ~~غرينلاد يسود الاعتقاد بأن القمر هو الذي ينفخ الحياة في أرحام ~~النساء؛ لذلك فإن المرأة غير الراغبة في الحمل لا تنام على ظهرها ~~ليلا دون أن تغطي منطقتها بإحكام؛ خوفا من تسلل شعاع القمر. وفي ~~نيجيريا يقتصر دور الفعل الجنسي الذي يمارسه الرجل على تسهيل مهمة ~~القمر الذي يعتبر المسئول الحقيقي عن الحمل. ولدى قبائل الماوري في ~~أمريكا الشمالية يسود الاعتقاد بأن القمر هو زوج النساء جميعا. ~~وتعتقد بعض القبائل في منغوليا ومناطق أخرى من العالم بأن القمر ~~قادر وحده أحيانا ودون تدخل الرجل على إخصاب النساء. # 37 # وتقوم المرأة المتزوجة حديثا، لدى بعض هنود تكساس، ~~بالوقوف عارية في وعاء مملوء بماء تم تعريضه لضوء القمر. وفي بعض ~~روايات ولادة البوذا أنه قد ولد من عذراء لقحها ضوء القمر. ويصف ~~الفرس القمر بأنه حافظ بذور الثور؛ لأن أسطورة قديمة تقول بأن ~~الإله الثور قد أودع بذوره المخصبة في القمر. وفي أنحاء كثيرة من ~~العالم ما زالت النساء ترفع المولود الجديد عاليا نحو القمر ~~ليبارك نموه. وفي أوروبا الوسطى اليوم تحذر الفتيات بعضهن البعض ~~مازحات من الشرب من ماء بركة ينعكس عليه خيال القمر لكيلا ms065 تحملن. ~~وفي مقاطعة بريتاني بفرنسا يتندر الناس بالقول: إن على المرأة ألا ~~تكشف جزءها الأسفل تحت ضوء القمر وإلا حملت منه. # 38 # ومما لا شك فيه أن هذه المعتقدات المتشابهة، إنما ترجع ~~في أصولها إلى الإيمان القديم بالقوة الخالقة للأم القمرية الكبرى، ~~التي تنفخ الحياة في أرحام النساء وتهب الجنسين خصوبتهما، كما تفعل ~~في الطبيعة النباتية. # إلى جانب مسئوليتها عن حمل النساء، فإن الأم القمرية ترعى حياة ~~النساء الحوامل، وتكون حاضرة فوق سرير الولادة لتسهيل عملية الوضع، ~~وكانت نساء بابل يتوجهن بالدعاء إلى عشتار وهن على فراش الوضع. ~~ولا يقتصر الأمر على ذلك؛ لأن الأم الكبرى أيضا، ولدى كل ~~الثقافات، راعية النساء في شتى مراحل حياتهن، وكانت إلهتهن ~~الأولى. نقرأ في ترتيلة بابلية إلى عشتار: # تعين النساء، فتاة أو امرأة أو أمة. # نافذة شرائعها سامية محكمة. # 39 # لهذا السبب كان أهل حران في سوريا يقولون إن ~~الشعوب التي تعتقد بأنوثة القمر وتعبده في هذه الصفة، تسلم ~~قيادها لنسائها، أما الشعوب التي تعتقد بذكورة القمر وتعبده في ~~هذه الصفة، فإن لرجالها الغلبة على نسائها، ومثل هذه الفكرة كانت ~~شائعة لدى قدماء الأنكلوساكسون الذين اعتقدوا بأن النظر إلى القمر ~~باعتباره أنثى يؤدي إلى غلبة النساء في المجتمع. # 40 # كل هذه البركات التي ~~يمنحها القمر، قد جعلت من ظهوره في أول الشهر بشرى طيبة يترقبها ~~الناس في كل مكان. وما زال التفاؤل برؤية القمر الجديد قائما إلى ~~يومنا هذا لدى كل الشعوب دون أن يدركوا تفسيرا لذلك. وفي بلادنا ~~يفضل الناس رؤية القمر الجديد مع شخص يحبونه لتحمل لهم أيام الشهر ~~المقبلة حظا طيبا، فيقول أحدهم: لقد رأيت القمر على وجه فلان أو ~~فلانة، فإذا رأوه في صحبة غير محببة تطيروا وتوقعوا حظا ~~عاثرا. # الأطوار الثلاثة للقمر # إذا كانت الشمس تبدد الظلام وتمحوه، فإن القمر يتآلف معه ويتعايش ~~معه جنبا إلى جنب. انظر إلى السماء في ليلة مقمرة، تجد ضوء القمر ~~يلج في العتم ويتشابك معه، والعتم يعشعش في ضوء القمر ويسكن بين ms066 ~~أجزائه؛ فالنور والظلام لا يتنافران عند سيدة القمر بل يتجاذبان ~~وعندها يلتقيان. نحو النور تدير وجها، ونحو الظلام تدير وجهها ~~الآخر، وفي دورة حياتها الشهرية تظهر الضدين، وتوحد بينهما من خلال ~~تعاقب أطوارها الثلاثة: الطور المتزايد، والطور الكامل، والطور ~~المتناقص. # يمر القمر في ثلاثة أطوار منذ ظهوره في أول الشهر وحتى اختفائه ~~تماما في آخره؛ الطور الأول هو الفترة التي يقضيها الهلال في ~~التزايد التدريجي والتحول من خيط رفيع إلى قرص مكتمل، والطور ~~الثاني هو فترة القمر البدر الذي يتوسط كبد السماء بكامل استدارته ~~وتألقه، والطور الثالث هو الفترة التي يقضيها القمر في التناقص ~~والميلان عن كبد السماء حتى التلاشي والغوص في أعماق الظلام. وقد ~~اعتقد الأقدمون أن بركة القمر وخصائصه الإيجابية إنما تكمن في طوره ~~المتزايد؛ طور اكتمال النور؛ لذلك كانوا يباشرون تحضير حقولهم ~~للموسم الزراعي، ويقومون بفلاحتها وبذرها خلال أيام القمر ~~المتزايد، ويشرعون في كل عمل يريدون له نجاحا خلال هذه الفترة، ~~فإذا ابتدأ القمر بالتناقص كان ذلك نذيرا بكل سوء محتمل، فكانوا ~~يقلعون عن مباشرة الأعمال الزراعية والشروع في أي نشاط يأملون له ~~فلاحا؛ ذلك أن الأم القمرية الواحدة، مسئولة عن القوى السالبة ~~في الكون مسئوليتها عن القوى الموجبة، وعن الخير مسئوليتها عن ~~الشر، وعن الحياة مسئوليتها عن الموت. وهي في طورها المتناقص قد ~~تأخذ ما أعطته في طورها المتزايد. وعندما تختفي تماما في الأعماق ~~ترسل عفاريت العالم الأسفل لقبض أرواح من وهبتهم الحياة. إن ديانة ~~تؤمن بإله واحد ولا تؤمن معه بوجود إبليس يحمل عنه مسئولية الشرور ~~في العالم، ستتوصل ولا شك إلى إيمان بوحدة النقيضين في تركيب ~~واحد. # لقد عبرت الأعمال التشكيلية القديمة عن هذه الوجوه الثلاثة ~~لعشتار سيدة القمر بأساليب رمزية مختلفة؛ ففي سوريا رمز الفينيقيون ~~إلى أطوار عشتار الثلاثة، بثلاثة أعمدة متفاوتة الطول يعلوها ~~الهلال، أو بثلاثة أعمدة يتخذ كل واحد منها هيئة صليب يعلوه هلال ~~(الشكلان # 3-6 # و # 3-7 ~~). وقد ~~يرسم القمر على شكل دائرة تحتوي على ثلاثة أهلة، يرمز كل منها ms067 ~~لطور من أطواره، كما هو الأمر في بعض النقوش البابلية (الشكل # 3-8 ~~). # شكل 3-6: أطوار القمر الثلاثة - نصب فينيقي. # شكل 3-7: أطوار القمر الثلاثة - نقش فينيقي. # وعندما تحول القمر إلى إله مذكر في بلاد الرافدين تحت اسم «سن»، ~~بقيت الأعمال التشكيلية تعبر عن وجوهه الثلاثة. ففي الشكل رقم # 3-9 # نجد إله القمر جالسا في الوسط حاملا ~~قرص البدر يحيط به الهلال، وأمامه حيوان مقبل يشير إلى القمر ~~المتزايد ووراءه آخر مدبر يشير إلى القمر المتناقص. إضافة إلى هذه ~~الرموز التشكيلية، فإن الأم القمرية قد صورت أحيانا في هيئة ~~مثلثة، كما هو الحال في الشكل ( # 7-4 ~~) الذي يمثل ~~الإلهة الإغريقية أرتميس - هيقات بثلاثة رءوس يلتفت أولها إلى ~~اليمين دلالة القمر المتزايد، والثاني نحو الأمام دلالة القمر ~~التام، والثالث إلى اليسار دلالة القمر المتناقص، ويتعلق بيدها ~~اليسرى كلب الجحيم الضاري واثبا على قائمتيه الخلفيتين. هذا وسوف ~~ندرس مزيدا من الأعمال التشكيلية المعبرة عن ثلاثية الأم القمرية ~~في فصل عشتار السوداء اللاحق. # شكل 3-8: الأطوار الثلاثة للقمر - نقش البابلي. # شكل 3-9: الأطوار الثلاثة للإله سن - ختم بابلي. # وقد يؤدي تثليث سيدة القمر ~~إلى عبادتها في ثلاثة أشكال، كما هو الحال في الأم الكبرى لحضارة ~~السلت «بريجيت». كانت بريجيت أم الآلهة وسيدة الطبيعة، ومن ألقابها ~~«الأم الطيبة». وكانت أيضا أما قمرية تدعى ب «المتألقة» وب ~~«مونا»، وهو الاسم الذي بقي قائما في اللغات الأوروبية للدلالة ~~على القمر. وقد عبدت هذه الإلهة في ثلاث إلهات، اسم كل منهن ~~بريجيت. وفي الفترات المسيحية الأولى اختلطت هذه الإلهة بالسيدة ~~مريم، فدعاها البعض بمريم الغوليين نسبة إلى الغول من سكان فرنسا ~~القدماء، كما دعيت بأم المسيح. # 41 # وربما كان تثليث الأم الكبرى لجزيرة العرب هو الذي أدى إلى ~~انقسامها إلى ثلاثة من اللات والعزى ومناة، اللواتي كن أعلى ~~آلهة العرب شأنا، وكان اسمهن يذكر أثناء الطواف حول الكعبة. ~~ورغم استقلال كل قبيلة عربية بعبادة واحدة من هذه الإلهات، فإن كل ~~إلهة على حدة كانت تظهر خصائص تثليثية واضحة. ms068 ففي كتاب «الأصنام» ~~لابن الكلبي نقرأ عن تثليث الأم العربية الكبرى إن: «العزى قد ~~عبدت مجسمة في ثلاث شجرات من شجر السمار بواد اسمه حراض، ~~وتقول الروايات إن الرسول قد أمر خالد بن الوليد بهدم بيت العزى ~~وقطع سمراتها الثلاث؛ فأتاها فقطع الشجرة الأولى ثم الثانية، ~~وعندما هم بالثالثة خرجت عليه امرأة حبشية عريانة، نافشة شعرها، ~~واضعة يدها على عنقها، تصر بأنيابها، وخلفها سادنها ينشد: # أعزاء شدي شدة لا تكذبي # على خالد ألقي الخمار وشمري # فقال خالد: # يا عز كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # شكل 3-10: أرتميس المثلثة - رسم إغريقي. # شكل 3-11: المسيح المثلث - أيقونة من بوليفيا. # ثم ضربها ففلق رأسها وقتل السادن وقطع الشجرة، ثم أتى رسول الله ~~فأخبره، فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب، أما إنها لن ~~تعبد بعد اليوم.» # 42 # وقد حاول الفن المسيحي اتباع أسلوب التثليث في رسم المسيح، إلا ~~أن الكنيسة كانت ضد هذا الاتجاه في أحيان كثيرة؛ لأنها رأت فيه ~~نوعا من الوثنية المقنعة. وقد قام البابا أوريان الثامن عام ~~1628 بإزاحة هذا النوع من التماثيل أو التصاوير من كنائس إيطاليا ~~وأمر بإحراقها علنا، # 43 # إلا أن بعضها قد بقي قائما حتى فترات قريبة جدا ~~كالأيقونة الموضحة في الشكل ( # 3-11 ~~). # هذا وقد عبدت الأم ~~القمرية من خلال رمز الكتلة الحجرية؛ فالصخر الذي هو رمز الأرض هو ~~في الوقت نفسه رمز للقمر. وكان لون الحجر الذي تعبد فيه عشتار ~~يعكس طورها المنير أو طورها المظلم؛ فالأم الكبرى لجزيرة العرب كان ~~لها أكثر من حجر مقدس؛ من ذلك الحجر الأسود للإلهة مناة الذي ~~كانت تعظمه العرب وخصوصا الأوس والخزرج، ولم تزل على ذلك حتى ~~خرج الرسول من المدينة عام الفتح وبعث عليا فهدم الحجر. # 44 # وكان للات حجر مربع أبيض في الطائف هدمه المغيرة بن شعبة. # 45 # وكان للأم الكبرى لآسيا الصغرى «سيبيل» حجر مقدس أسود ~~في مقر عبادتها الرئيسي في فرجيا نقله الرومان إلى عاصمتهم في ~~احتفال تاريخي مشهود، أرخ لانتقال ms069 عبادة سيبيل إلى روما. (وسوف ~~يأتي حديث هذا الحجر بتفصيل أكثر في موضع لاحق). وعشتار ~~الكنعانية كان لها حجر أبيض في بيبلوس ومثله في قبرص. # 46 # وقد يتحول شكل الكتلة الحجرية إلى عمود متطاول أو ~~مخروطي، يظهر في النصب أو المنحوتات البارزة وقد علاه هلال. # القمر والصليب # شكل 3-12: عشتار في هيئة الصليب - نحت على جدار معبد في ~~شتال حيوك. # يظهر رمز الصليب أكثر ~~ارتباطا بالأم الكبرى في تجليها القمري. فخطا الصليب المتقاطعان ~~ربما يرمزان إلى الامتداد اللانهائي للحضور الإلهي، وإلى شمولية ~~الأم الكبرى. وإذا كان الصليب قد وجد مرسوما على جدران المعابد ~~النيوليتية ومنقوشا على خزفيات تل حلف وسامراء، فإن الأم الكبرى ~~نفسها قد نحتت وصورت في هيئة الصليب، كما هو الأمر في مستوطنة ~~شتال حيوك التي صورت فيها الأم الكبرى بالطريقة الكلاسيكية ~~المعروفة لذلك العصر، وبطريقة تبسيطية رمزية؛ ففي النوع الثاني ~~يشكل جسم الإلهة خط الصليب العمودي، بينما ترسم الذراعان خطه ~~الأفقي، أما الساقان فمبسوطتان على مدهما ومتقاطعتان مع الجسم ~~الذي لا يظهر من تكوينه الواقعي سوى السرة (الشكل # 3-12 ~~). # ومع مطلع عصور الكتابة ~~يتابع الصليب اقترانه بالقمر؛ ففي أهرامات الجيزة عثر على أشكال ~~زخرفية تمثل الأم الكبرى في هيئة الصليب الذي يعلوه الهلال، حيث ~~استبدل الرأس بالهلال (الشكل # 3-13 ~~). وهذه ~~الأشكال استمرار للصلبان الزخرفية التي وجدت على جدران معابد شتال ~~حيوك (الشكل # 3-14 ~~). وفي بلاد الرافدين كانت ~~شارة عشتار البابلية عبارة عن دائرة مكتملة يعلوها صليب. وهذه ~~الشارة بالذات هي التي استعملها الفن الديني المصري للدلالة على ~~الحياة الأبدية، والتي لا يخلو منها رسم أو تمثال. وفي جميع حضارات ~~الشرق الأدنى والبحر المتوسط يقترن الصليب بالهلال، أو يستعمل كرمز ~~تبادلي له؛ فقد يرتكز الهلال على قمة الصليب في النصب المقدسة ~~والنقوش (الشكل # 3-15 ~~). وقد نجد الصليب إلى جانب ~~الهلال أو في وسطه (الشكل # 3-16 ~~). هذا وقد ~~استمدت الرموز المسيحية هذا التكوين؛ حيث نعثر على الهلال الذي ~~يرتكز في وسطه عمود، أو صليب في بعض الكنائس اليونانية الأولى ms070 ~~(الشكل # 3-17 ~~). # شكل 3-13 # شكل 3-14 # شكل 3-15 # شكل 3-16 # شكل 3-17 # لم يقتصر رمز الصليب على الحضارات القديمة، وبعض الديانات ~~العالمية، بل نراه رمزا قائما لدى كثير من الديانات البدائية ~~الحديثة؛ فالهنود الحمر في كاليفورنيا يمثلون الأم الكبرى، وقد ~~امتدت أطرافها الأربعة على هيئة صليب. وتتخذ قبائل هندية أخرى ~~الصليب كرمز للاتجاهات الأربعة وللرياح الأربعة، ويضع أفراد قبائل ~~الماوري الصليب في أعناقهم كرمز للأم القمرية. وفي جزيرة إستير ~~المهجورة في المحيط الهادي والتي لا تحتوي إلا على تماثيل ضخمة لم ~~يعرف صانعوها، نجد الصليب محفورا في مواضع مختلفة من تلك ~~التماثيل، وتسود لدى قبائل بدائية كثيرة عادة رسم الصليب على ~~الأشجار لتحميهم من الأرواح الشريرة، كما يرفعون الصلبان في مكان ~~تقديم ذبائحهم للقمر. # 47 # لقد رافق صليب الأم السورية الكبرى الإنسان منذ بدايات مغامرته ~~الروحية الكبرى، وما زال قائما بيننا يؤكد وحدة التجربة الروحية ~~للبشرية عبر العصور. # سيدة الموقف، سيدة الأقدار والمصائر # كانت حركة القمر الشهرية بالنسبة للإنسان القديم، هي المؤشر ~~الرئيسي على مرور الزمن، فكان مرور الأيام يحسب بالليالي، ومرور ~~الشهور يحسب بظهور القمر الجديد، وانقضاء العام يحسب بانقضاء اثني ~~عشر قمرا متتاليا. ولم تكن حركة القمر هذه مجرد ساعة كونية ترصد ~~الوقت؛ بل كانت بالفعل هي التي تصنع حركة الزمن؛ فالأم القمرية ~~الكبرى هي التي ابتدأت زمن الكون المنظم بعد أن خرجت به من أزمان ~~الهيولى الأولى، وهي سيدته القيمة على استمراره وتدفقه. ورغم ~~غلبة الآلهة الشمسية على سيدة القمر القديمة، فإنهم لم يستطيعوا ~~السيطرة على الزمن ولم يضعوا تقويمهم وسنتهم الشمسية إلا في وقت ~~متأخر جدا من تاريخ الحضارة، حيث بقي التقويم القمري الأداة ~~الوحيدة التي استخدمها الإنسان لحساب الوقت وترقب حركة الفصول. فها ~~هو مردوخ بعد قتله الأم الكبرى في أسطورة التكوين البابلية، يؤكد ~~سيطرته على القمر ويأمره أن يبقى مقياسا للوقت: # ثم أخرج القمر فسطع بنوره، وأوكله بالليل، # وجعله حلية له وزينة، وليعين الأيام: # أن اطلع كل شهر دون انقطاع مزينا بتاج، # وفي أول ms071 الشهر بقرنين يعينان ستة أيام، # وفي اليوم السابع يكتمل نصف تاجك، # وفي المنتصف من كل شهر ستغدو بدرا في كبد السماء. # 48 # لقد كان البابليون يمثلون شهور السنة القمرية ~~بأبراج السماء الاثني عشر التي أسموها منازل القمر، كما أطلقوا اسم ~~زنار السيدة عشتار على دائرة الأبراج التي يقطعها القمر أثناء ~~عبوره في السماء. ومثلهم في ذلك كل شعوب الحضارات القديمة التي ~~بقيت على تقويمها القمري، إلى أن تم اكتشاف التقويم الشمسي، ~~فتحول البعض إليه وحافظ البعض الآخر على التقويم القمري حتى العصر ~~الحديث، كالشعوب الإسلامية التي ارتبطت الشهور القمرية عندها ~~بالعبادات والمناسبات الدينية؛ نقرأ في القرآن الكريم: # يسألونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج ~~(البقرة: 189)، كما ~~نقرأ أيضا عن وظيفة القمر كمؤشر للوقت: # والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم ~~(يس: 39) عن هذه الآية يقول ~~تفسير ابن كثير: أي جعلناه يسير سيرا يستدل به على مضي ~~الشهور. # وفي اللغات الحديثة نجد آثارا باقية من توقيت القمر، وحساب ~~الأيام بالليالي؛ ففي اللغة الإنكليزية ما زالت ~~(fortnight) # تستعمل للدلالة ~~على أسبوعين. والكلمة اختصار ودمج لكلمتين هما ~~(fourteen) # التي تعني أربعة ~~عشر، و ~~(night) # التي تعني ليلة. وفي ~~كثير من التعابير ما زالت كلمة ~~(moon) # أي قمر تستعمل للدلالة ~~على الشهر؛ من ذلك مثلا كلمة ~~(Honeymoon) # التي تترجم ~~حرفيا إلى قمر العسل، ولكن المعني بها شهر العسل. وفي العربية ما ~~زلنا نقول: سأقضي ليلتين في هذا المكان، بمعنى سأمكث يومين. فإذا ~~عدنا إلى القواميس نستطلع أصل كلمة (الشهر) لوجدناه في ظهور القمر؛ ~~فشهر الشيء إظهاره وإخراجه، وذلك كقولنا شهر سيفه؛ أي أخرجه من ~~غمده، والشهرة هي وضوح الأمر. وفي القرآن الكريم نقرأ: # فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه ~~. إن الشهر كعدد من الأيام لا تمكن ~~مشاهدته، وإنما يشاهد القمر عند ظهوره. وقد استعملت هذه الكلمة ~~هنا بمعنى مزدوج للدلالة على القمر وعلى أيام الشهر ~~القمري. # يستتبع سيطرة عشتار على الزمن، سيطرتها على الأقدار والمصائر ~~والنهايات. في لحظة الميلاد يكتب للإنسان مسار حياته وتحدد ms072 ساعة ~~فنائه، وفي نسيج الحياة تغرس الخالقة خيط الموت. في بداية الأزمان ~~ظهرت المادة البدئية، ومن هذه المادة الخام انبثقت مظاهر الكون من ~~الأدنى إلى الأعلى، ومن البسيط إلى المركب نسجت الأم الكبرى مادة ~~الكون في رحمها بإحكام وأطلقتها إلى خارج. ثم تابعت في رحمها ~~الأرضي المظلم وفي رحم وكيلاتها النساء، حبك نسيج التعضي الحي ~~وإظهاره مكتملا. ولكن خيط الحياة مجدول بخيط الموت، وبداية ~~الأشياء تقود إلى نهايتها، وناسجة الحياة هي ناسجة المصائر ~~والنهايات. إن تيار الحياة الدائم الجريان، أشبه بنهر متدفق محكوم ~~بحركته الداخلية التي تحمل مياهه من نبعه إلى مصبه، حيث يتلاشى في ~~خضم المحيط الواسع عائدا إلى رحم المياه البدئية الأولى. # لهذا كانت عشتار، في ميثولوجيا معظم الحضارات، تحمل ألواح ~~الأقدار، وهي الألواح المحفوظة التي نقشت عليها مصائر الأشياء ~~والأحياء، والتي اغتصبها الإله الذكر بعد إنزاله الأم الكبرى عن ~~عرشها السماوي. نقرأ في ملحمة التكوين البابلية، في مشهد استعداد ~~الأم تعامة للقاء مردوخ في ساح المعركة: # ومن الجيل الأول للآلهة في مجلسها، # اختارت كينغو، وجعلته عليا وعظيما، # وضعته أمام جيشها قائدا، # فيشهر السلاح للمعركة ويبدأ الصراع. # ثم أسلمت إليه ألواح الأقدار وزينت بها صدره ~~قائلة: # سيكون أمرك نافذا وكلمتك ماضية. # ولكن النصر يكون أخيرا لمردوخ الذكر، الذي يصرع تعامة ~~في مجابهة ثنائية، ثم ينثني على جيشها فيشتت شمله ويقبض ~~على قائده فيسلبه ألواح الأقدار التي أودعتها الأم بين ~~يديه. # أما كينغو الذي وضع رئيسا عليهم، # فقد كبله وأسلمه إلى إله الموت. # جرده من ألواح الأقدار التي حازها دون حق، # فمهرها بخاتمه وزين بها صدره، # ثم عاد إلى تعامة المقهورة. # وقف على جزئها الخلفي، # وبهراوته العتية فصل رأسها، # وقطع شرايين دمائها، # التي بعثرتها ريح الشمال إلى الأماكن المجهولة. # 49 # وها هي «إنانا» تشد إلى وسطها ألواح الأقدار قبل أن تهبط ~~إلى العالم الأسفل: # شدت إلى وسطها لوحات الأقدار السبع، # وبقية الأقدار المقدسة جعلتها إلى يدها. # وعندما تبدأ بهبوط درجات العالم الأسفل، وتخلع عند ~~كل درجة جزءا من ثيابها ms073 وزينتها. لا يورد النص ذكرا لألواح ~~الأقدار، ولا يشير إلى قيام عشتار بخلعها والتخلي عنها. وفي هذا ~~دلالة على أن ألواح الأقدار ليست ألواحا مادية يمكن حملها باليد ~~أو شدها إلى الوسط فعلا، بل هي رمز إلى خصيصة من خصائص الأم ~~الكبرى، كسيدة للمصائر. # وتشير بعض أسماء الأم الكبرى إلى علاقتها بالقدر والمصير، فلقد ~~رأينا أن الأم الكبرى لجزيرة العرب قد عرفت بأسماء ثلاثة هي ~~اللات والعزى ومناة. عن هذه الأسماء ومعانيها نقرأ في القواميس ~~العربية: إن اسم اللات هو مؤنث لفظ الجلالة الله، والعزى من العزيز، # 50 # أما مناة فالاسم مشتق من المنية. وقد استعمل ~~العرب كلمة المنية بمعنى الموت، ولكنها في الحقيقة لا تعني الموت ~~بحد ذاته، بل صفة له باعتباره أمرا مقدرا لا مهرب منه. # 51 # هذه السيطرة على المصائر والأقدار، قد أعطت الأم ~~الكبرى في جميع الحضارات اسم «النساجة»، وأيضا «الغزالة»، فهي ~~التي تحيك نسيج الحياة، وتغزل خيط القدر. وهي إذ تحضر إلى سرير ~~الميلاد كربة للولادة، فإنها في نفس الوقت تحضر كسيدة للمصير، ~~وتكتب لكل مولود أقداره. ولا يقتصر دورها على قيادة مصائر البشر، ~~بل هي التي تغزل أيضا خيط أقدار الكون برمته. وقد مثل الفكر ~~الأسطوري هذا الجانب من جوانب الأم القمرية بربات ثلاث: هن ربات ~~القدر، يظهرن في فن بلاد الرافدين واقفات على تيس ذي قرنين كبيرين، ~~وفوقهن يتوسط الهلال المشهد. وفي الثقافة الإغريقية يظهرن تحت اسم ~~«الموريا» ربات القدر الثلاث المولودات من الليل البدئي، اللواتي ~~يحلقن فوق آلهة الأوليمب. وتبدو أفروديت نفسها في بعض أشكالها ~~ككبرى الموريا الثلاث. # 52 # والسيدة مريم العذراء تصور في كثير من الأيقونات البيزنطية التي ~~تعالج قصة البشارة، وقد أمسكت بيدها خيطا يمر من وسط جسدها ~~ملفوفا على مغزل، وموضوع البشارة من أحب الموضوعات الدينية إلى ~~قلب صانعي الأيقونات البيزنطية وأكثرها انتشارا؛ نظرا لأهمية سر ~~التجسد في المعتقد المسيحي ونتائجه الخلاصية. ويورد لنا دليل ~~التصوير الأثوسي التقنية التي يترتب على الرسام اتباعها في رسم هذه ~~الأيقونة: ~~«تمثل العذراء ms074 جالسة على عرش مواجهة الملاك، أو مديرة ظهرها ~~قليلا ناظرة إليه أو خافضة عينيها تتأمل. تمسك بيدها اليسرى ~~الموضوعة على ركبتها خيط حرير أحمر ملفوفا على مغزل، يمر بين ~~سبابة وإبهام يدها اليمنى الموضوعة على صدرها، وفي أعلى الأيقونة ~~دائرة داكنة تحوم وسطها حمامة بيضاء رمز الروح القدس، وتنحدر منها ~~ثلاثة شعاعات نور على البتول القديسة.» # 53 # وفي بعض لوحات عصر النهضة، تظهر بوضوح علاقة الخيط ~~الذي تغزله العذراء بخيط القدر؛ ففي إحدى هذه اللوحات وهي من ~~ألمانيا القرن الرابع عشر، تظهر السيدة جالسة إلى مغزل وقد أمسكت ~~بيديها خيطه الذي يتقاطع عند سرتها مع دائرة تحتوي الجنين ~~الإلهي. # تستمر الأسطورة دائما حية في الخيال الشعبي بعد زوال تأثيرها ~~الديني والروحي، من خلال الحكايا الفلكلورية وحكايات الأطفال. فبعد ~~تفكك الأسطورة العشتارية، لم يبق من الأم الكبرى سوى جانبها ~~السالب المعتم الذي ما فتئت الأسطورة الذكرية تكرسه وتفرزه عن بقية ~~الوجوه العشتارية، حتى لم يبق من عشتار سوى جنية الظلام، ~~والغولة والنهالة، والساحرة العجوز. وقد استمر مغزل عشتار متداولا ~~إلى يومنا هذا في حكايات الساحرات الشريرات اللواتي يغزلن به دوما ~~المصائر السوداء. وفي إحدى قصص الأطفال المتداولة حاليا في ~~بلادنا، والمستمدة من الفولكلور الأوروبي، يرزق أحد الملوك بابنة ~~جميلة بعد عقم طويل فيقيم احتفالا كبيرا يدعو إليه نبلاء الدولة ~~وأعيانها. وكان في البلاد اثنتا عشرة ساحرة، كلهن طيبات إلا ~~واحدة كان همها الأذى وتدبير الشر. دعا الملك الساحرات الطيبات إلى ~~الحفل، وأخذت كل واحدة منهن تهب الفتاة نعمة من النعم، فأعطتها ~~إحداهن الجمال والأخرى الصحة، والثالثة الخلق الحسن ... وهكذا حتى ~~انتهين. عند ذلك هبت على المكان عاصفة قوية، ودخلت الساحرة ~~الشريرة العجوز، فوقفت عند سرير الطفلة مقدمة بدورها هديتها، ~~فقدرت على الفتاة أن تموت بوخزة من إبرة المغزل. أمر الملك ~~بإحراق كل المغازل في الدولة لكيلا تتحقق النبوءة. ولكن الساحرة ~~استطاعت بمكرها وبعد سنوات من الدأب، أن تضع في طريق الصبية مغزلا ~~فأمسكت به وماتت. # إن حضور الساحرات الاثنتي عشرة إلى ms075 سرير الميلاد في هذه الحكاية، ~~هو تكرار للحضور العشتاري القديم في لحظة الميلاد كربة للولادة ~~وسيدة للمصير. وما نطقت به الساحرة الشريرة، ليس في الواقع إلا ~~تكملة طبيعية لما نطقت به الساحرات الطيبات. هن رسمن مسار حياتها ~~الأبيض، وعين لها الصفات والخصائص الطبيعية المولودة معها، وهي ~~غرزت خيط مغزل القدر في نسيج الحياة، ورسمت مصيرها الأسود، مصير كل ~~كائن حي. أما حصر عدد الساحرات باثنتي عشرة، فلأن هذا الرقم ~~بالتحديد يمثل الزمن الذي يحمل في طياته وجريانه المصير. إنه عدد ~~شهور السنة، وهو المثلث القمري مضروبا في أربعة، وعدد شهور الفصل ~~الواحد مضروبا بعدد فصول السنة. # عشتار، كوكب الزهرة # توجت الثقافة الذكرية انتصارها بإجلاء عشتار عن القمر، وإعطائها ~~كوكب الزهرة، ثالث الأجرام المنيرة في السماء. وصار القمر تجسيدا ~~لإله مذكر هو الإله «سن» في بلاد الرافدين وأشباهه في الثقافات ~~الأخرى. وفي الثقافات التي بقي القمر فيها تجسيدا لإلهة أنثى، فإن ~~مكانته في العبادات والأساطير قد أنزلت إلى المرتبة الثانية. وبقيت ~~إلهته ثانوية كما هو الأمر في الثقافة الإغريقية التي تركت في ~~القمر وجها عشتاريا باهتا هو الإلهة «سيلين». أطلق البابليون ~~اسم «عشتار» على كوكب الزهرة، ولم يكن يعرف إلا بهذا الاسم. ~~والكنعانيون أطلقوا عليه اسم «عشتارت»، واليونانيون «أفروديت»، ~~والرومان «فينوس»، وأفروديت «أو فينوس» ليست في الحقيقة سوى عشتار ~~الكنعانية التي جاءت إلى قبرص مع الفينيقيين إبان سيادتهم على ~~البحر المتوسط. ويجمع دارسو الميثولوجيا الإغريقية # 54 # على أن اسم أفروديت يرجع إلى أصول سورية، وأن عبادتها ~~انتقلت من قبرص إلى سائر أنحاء بلاد اليونان والرومان، وأنها كانت ~~في الأصل إلهة الخصب والأرض والطبيعة بكل مظاهرها، ثم اقتصرت ~~وظيفتها على الحب بشتى أنواعه. تحكي الأسطورة مولد أفروديت الكثيرة ~~الزخارف ، عن أصلها القبرصي، فتقول: إن الإله «كرونوس» قد تمرد على ~~أبيه «أورانوس» وقام بمساعدة أمه «جايا» بإخصاء الأب، ورمى بأعضائه ~~التناسلية في البحر، فأخصبت الماء المالح مكونة زبدا أبيض ~~انبثقت منه أفروديت، التي خرجت إلى شاطئ قبرص في أبهى شكل أنثوي ~~وقع عليه ms076 بصر إنسان أو إله من قبل. # وعند العرب ارتبط كوكب الزهرة بالأم الكبرى، وكانوا يعبدونه لدى ~~ظهوره ويسمونه «العزى». كما كانوا يتفاءلون لرؤيته ويعتقدون ~~بقدرته على جلب الحظ وإشاعة السرور والسعادة. ونسبوا إليه دوافع ~~العشق والجنس عند البشر، وأسموه كوكب الحسن. # 55 # وتروي أساطير المنطقة في الفترات المتأخرة، أن كوكب ~~الزهرة كان امرأة جميلة فاتنة تعيش على الأرض، قبل أن تصعد إلى ~~الأجواء العليا وتتحول إلى ذلك الكوكب الأحمر البراق؛ من ذلك مثلا ~~ما نقرؤه في تفسير الطبري # 56 # عن الملكين هاروت وماروت. ورغم أن القرآن الكريم قد ~~أورد اسم الملكين دون الإشارة إلى أية قصة تتعلق بهما، فإن خيال ~~المفسر قد استمد قصصا كانت شائعة ومتداولة في ذلك العصر، وتعود في ~~أصولها إلى أساطير قديمة؛ فالملائكة، كما أورد الطبري، قد أخذت ~~تشكو فجور البشر وضلالهم بعد آدم، فأراد الله ابتلاء الملائكة ~~فأرسل ملكين من أكثرهم نقاوة، هما هاروت وماروت، وأنزلهما إلى ~~الأرض ليأمرا بالمعروف وينهيا عن المنكر. ولكن امرأة فائقة الحسن ~~والجمال عرضت لهما، فأقبلا عليها وراوداها عن نفسها، فأبت واشترطت ~~عليهما الخروج عن دينهما وعبادة الأوثان فامتنعا. ثم أتياها ثانية ~~فتمنعت واشترطت عليهما ارتكاب إحدى معاص ثلاث: فإما عبادة ~~الأوثان، أو قتل النفس، أو شرب الخمر؛ فاختارا شرب الخمر، فسقتهما ~~حتى لعب برأسيهما فواقعاها! هنا مر بهما رجل فخافا افتضاح أمرهما ~~فقتلاه. ثم إنهما أرادا العودة إلى السماء فما استطاعا، فطلبت ~~منهما المرأة تعليمها الكلام الذي يصعدان به إلى السماء ففعلا، ~~فعرجت ولكنها بقيت معلقة هناك على هيئة كوكب الزهرة. وكما نستطيع ~~أن نلاحظ بسهولة، فإن شخصية المرأة في الرواية تحتوي على آثار ~~دراسة من بعض جوانب شخصية الإلهة عشتار كإلهة للحب والجنس وككوكب ~~الزهرة. # والأدعية المريمية حافلة بأوصاف السيدة العذراء باعتبارها ~~النجمة، ونجمة البحر، ونجمة الصبح. # 57 # نقرأ في صلاة للقديس برنردوس بعنوان يا نجمة الصبح: ~~«إن ثارت عليكم رياح التجارب، أو صدمتكم المحن؛ فالتفوا إلى النجمة ~~وادعوا مريم. وإن أحاقت بسفينتكم القلقة أمواج الغيظ أو البخل ms077 أو ~~الشهوة، فارفعوا النظر إلى مريم.» # 58 # لقد لفت نظر الكنعانيين تحول عشتار من نجمة للمساء، تظهر عند ~~مغيب الشمس، إلى نجمة للصبح تسطع بنورها الأحمر قبل طلوع الشمس، ~~فكان ظهورها الصباحي بشارة الميلاد وتجدد الحياة. لذلك كانوا ~~يحتفلون ببعث الإله أدونيس ابن الأم الكنعانية وحبيبها، في اليوم ~~الأول الذي تظهر فيه عشتار كنجمة للصبح في الربيع، وكان ظهورها ~~بشارة بإسراعها لإيقاظ الإله الميت ورفعه من العالم الأسفل. # 59 # وقد ظهرت هذه النجمة مرة أخرى، وفي نفس الأماكن التي ~~كانت تحتفل بميلاد أدونيس، لتبشر بميلاد السيد المسيح؛ نقرأ في ~~العهد الجديد: «ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودوس ~~الملك؛ إذ مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو ~~المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في الشرق وأتينا لنسجد له. ~~فلما سمع هيرودوس الملك، اضطرب وجميع أورشليم معه، فجمع كل رؤساء ~~الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: أين يولد المسيح؟ فقالوا في بيت لحم ~~اليهودية؛ لأنه هكذا مكتوب ... حينئذ دعا هيرودوس المجوس سرا ~~وتحقق من زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم وقال: اذهبوا ~~وافحصوا بالتدقيق عن الصبي ومتى وجدتموه فأخبروني لكي آتي وأسجد له ~~أيضا. فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق ~~يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي، فلما رأوا النجم فرحوا ~~فرحا عظيما وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع أمه مريم فخروا ~~وسجدوا له.» # 60 # لقد كانت بلدة بيت لحم من المراكز الهامة لعبادة أدونيس، # 61 # وفوق المغارة التي ولد فيها المسيح قام الإمبراطور ~~أدريان بوضع تمثال للإله أدونيس ليمحو ذكر المسيح، # 62 # ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يظهر في السماء كوكب ~~الأم الكبرى ليرعى الميلادين. # الأم القمرية، أم واحدة # لم يتم بالفعل تحطيم صورة الأم الكبرى وتشتيتها إلى صور مختلفة ~~تحت أسماء متعددة، إلا على النطاق الديني الرسمي؛ لأن صورتها ~~الأولى كأم واحدة للكون والبشر قد استمرت في الضمير الشعبي، ~~واستمرت معتقداتها وطقوسها وعباداتها قائمة ms078 إلى جانب العبادات ~~الرسمية. ثم تحولت في الفترات المتأخرة إلى عبادات سرية تمارس في ~~الخفاء، كما سنشرح ذلك مفصلا في فصل لاحق مستقل. وها هو الكاتب ~~الروماني «أبوليوس» الذي دخل في ديانة إيزيس بعد شيوعها في ~~الإمبراطورية الرومانية، وصار أحد كهنتها سنة 200 بعد الميلاد، ~~يعلن في كتابه الكلاسيكي المشهور # The Golden ~~Ass # وحدة التجليات العشتارية جميعا في الأم ~~القمرية الكبرى، الذات الإلهية الواحدة التي تختصر كل الآلهة ~~والإلهات. وفي النص الذي سأنقله فيما يأتي: تظهر عشتار بكل أبهتها ~~وعظمتها للنبيل «لوكيوس» تلبية لدعواته وصلواته، وترفع عنه لعنة ~~السحر الذي حوله إلى حمار سنوات طويلة: ~~«لم يمض وقت طويل، حتى هزني خوف مفاجئ، فتحت عيني ورأيت قمرا ~~بدرا متألقا يطلع من البحر، في هذه الأوقات السحرية تستكمل إلهة ~~القمر، السيدة الوحيدة للجنس البشري قوتها وجلالها. إنها الإلهة ~~المشعشعة التي تسند بقواها المقدسة كل الموجودات الحية والجمادات، ~~التي يحكم مدها وجزرها إيقاع الحياة في كل الأجسام، سواء في الأرض ~~أم في الهواء، أم تحت البحار. كنت أعلم ذلك كله، ولذا فقد انتويت ~~أن ألجأ إلى تجلي الإلهة المرئي، فلعل إلهة الحظ قد قررت أخيرا ~~أنني عانيت من الآلام ما يكفي، وأن فرصتي للخلاص قد لاحت. قفزت من ~~مكاني ونزلت إلى البحر حيث تطهرت سبع مرات، ثم توجهت إلى الإلهة ~~بهذه الصلاة وكلي أمل وفرح، ودموعي تغمر وجهي: ~~«يا ملكة السماء المباركة، بأي اسم تحبين أن أدعوك؟ هل أدعوك ~~«سيريس» أم المحاصيل التي لعثورها على ابنتها «بيرسفوني» أعطت ~~الناس قمحا وخبزا بعد أن كانوا يلتقطون جذور البلوط البسيط ~~طعاما؟ هل أدعوك «فينوس» النورانية، التي منذ بدء الخليقة جمعت ~~بين الذكر والأنثى برباط الجنس والحب؛ فقدرت بذلك استمرار نسل ~~البشر إلى الأبد؟ هل أدعوك «أرتميس» أخت أبولو المنير، مخففة آلام ~~النساء عند المخاض؟ هل أدعوك «بيرسفوني» المخيفة التي يصرخ إليها ~~البوم في المساء، ذات الوجه الثلاثي الذي يرعب الأشباح ويتركهم تحت ~~الأرض؟ أي إلهتي، يا من ترتعين في غاباتك المقدسة، ويتعبدك الناس ~~بطقوس ms079 مختلفة متنوعة، يا من ترسلين ضوءك الأنثوي فينير جدران كل ~~مدينة، وشعاعك الرقيق فيغذي البذور تحت التربة، يا من تحكمين مسار ~~الشمس وقوة شعاعها، أتضرع إليك بأي اسم وبأي وجه أو هيئة، وبأية ~~طقوس، رأفة بي وبيأسي، أنعشي آمالي المحطمة وهبيني أمنا وسلاما ~~بعد طول العذاب، أو فهبيني نعمة الموت».» # عندما أنهيت صلاتي وأفرغت ما في صدري المثقل، عدت إلى مكاني حيث ~~عاودني النعاس، وقبل أن أغلق أجفاني، بدأ خيال امرأة يطلع من وسط ~~البحر. كان لها وجه لو رآه معي جميع الآلهة لسجدوا تعبدا ~~لجماله. طلع رأسها أولا، ثم أخذ جسدها اللألاء يظهر تدريجيا حتى ~~انتصبت أمامي بتمامها فوق سطح الماء. إن الكلام البشري ليعجز عن ~~وصف ما رأيت. ولكن لعل الآلهة نفسها تسعف خيالي بنفخة شعرية تكفي ~~لإعطاء ومضة مما شهدت عيناي. # كان شعرها الطويل الغزير ينسدل جدائل مستدقة الأطراف على عنقها ~~الجميل، فوقه إكليل شبكت إليه كل أنواع الورود، وحول الرأس قرص ~~نوراني يسطع كمرآة أو كوجه القمر البهي؛ مما أنبأني عن حقيقتها. ~~وكان أفعوانان ينتصبان من يديها اليمنى واليسرى ليسندا ذلك القرص. ~~على جانبهما تنطلق سنابل القمح، أما ثوبها فمن قطن متعدد الألوان؛ ~~بين أبيض ناصع وزعفراني وأحمر متقد، مزينة حواشيه بأصناف الزهور ~~والفاكهة، تتعلق به وتتأرجح مهتزة مع النسيم، فوق الثوب عباءة ذات ~~سواد لماع، تتقاطع مع جسدها من الورك الأيمن إلى الكتف الأيسر، ذات ~~طيات كثيرة، مطرزة بالنجوم عند الأطراف، وفي الوسط منها يشرق قمر ~~ناري ملتهب، وفي قدميها نعل من ورق النخيل. ابتدأت الإلهة كلامها ~~إلي، ففاحت كل عطور الجزيرة العربية وملأت الجو، قالت: أنا ~~الطبيعة، الأم الكونية وسيدة الموجودات جميعا، ابنة الزمن البدئي ~~وربة كل شيء حي، ملكة الأموات، وملكة أهل الخلود. أنا التجلي ~~الأوحد لكل الآلهة والإلهات، حاكمة السماوات العليا وبحار الأرض، ~~والعالم الأسفل. يعبدني الجميع في وجوه متعددة وتحت أسماء كثيرة، ~~ويتقربون إلي بطقوس مختلفة في جميع أرجاء الأرض. يطلق علي ~~الفريجيون اسم «بيسنيوتيكا» أم الآلهة، والأثينيون «أرتميس». في ~~قبرص ms080 أنا «أفروديت»، وفي كريت «ديكتينا»، وفي صقلية «بيرسفوني»، ~~وفي إيلوسيس الإغريق أنا «أم القمح». البعض يدعونني «جونو» والبعض ~~«بيلونا» سيدة المعارك، والبعض «هيقات»، والبعض «هارمونيا». أما ~~الأثيوبيون الذين تشرق الشمس من أرضهم، والمصريون المتفوقون في ~~الحكمة القديمة، فيدعونني باسمي الحقيقي: الملكة «إيزيس»، ~~ويعبدونني بالطقوس اللائقة بي.» # 63 # الفصل الرابع # | عشتار الخضراء # وقف إنسان الكهف سنين طويلة يرقب بوجل، في الليالي العاصفة المدلهمة، ~~ألسنة النيران المتصاعدة من الأشجار التي تضربها الصواعق. لقد رأى في ~~النار قوة إلهية غامضة تنبعث من داخل الشجر، ورأى في لونها القمر المشع ~~نفسه، فكانت النار بالنسبة إليه قبسا من قوة القمر، أودع في الحياة ~~النباتية، به يعيش العشب والشجر، فإذا استلب منه زال وناله الفناء ~~متحولا إلى رماد. ثم تعلم بعد ذلك كيف يستثير تلك القوة من مكمنها، ~~عن طريق دلك غصنين جافين دلكا دءوبا يؤدي إلى انطلاق القوة القمرية ~~الهاجعة فيهما؛ لتعطيه دفئا ونورا بعد أن أعطته ثمرا ... عطية أخرى من ~~عطايا الأم القمرية. وقد استمر أسلوب استثارة النار بالدلك قائما ألوف ~~السنين، ومنه استمد رمز الصليب العشتاري، ربما، أول دلالاته. فالصليب ~~هو ذانك الغصنان الأولان اللذان أطلقا النار لأول مرة، وهو بذلك رمز ~~للقوة الإخصابية الكونية في تصورها الأولي. # تعبر الأعمال التشكيلية عن هذا المعتقد بأبلغ ما يمكن لأي كلام أن ~~يفعل، كما هو الحال في الشكل رقم ( # 4-1 ~~)، وهو من ~~كريت، المكان التقليدي لعبادة الأم الكبرى وابنها الثور؛ حيث كانت ~~تلقب ب «تلك التي تشع على الجميع» و«السيدة الندية»، وحيث كانت طقوس ~~الندى المخصب تقام لها في كل الهياكل. # 1 # في هذا الشكل، نجد كاهنة تتعبد أمام مذبح فوقه شجرة زيتون ~~مورقة، وتحت الشجرة يشرق القمر الهلال، روح الإخصاب التي تمد النبات ~~بقدرة الحياة. فالحياة النباتية، وفق المعتقد العشتاري، لم تظهر بأمر ~~سماوي أعطاها الدفعة الأولى، بل هي قائمة بنسمة من روح الأم القمرية ~~الكبرى، تسكن فيها وتعطيها استمرارها في كل لحظة. والشجرة الدانية ~~القطوف ليست سوى يد عشتار التي تمدها مليئة بخيرات ms081 الأرض، مثبتة ~~أمومتها للبشر. وذلك على عكس المعتقدات الذكرية التي تنظر إلى الحياة ~~النباتية، كظاهرة خاضعة للفعل الإلهي المفارق، شأنها في ذلك شأن بقية ~~ظواهر الكون. نقرأ في كتاب التوراة: «وقال الرب: لتنبت الأرض عشبا ~~وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر ... وكان ذلك.» # 2 # شكل 4-1: كريت، أواخر الألف الثاني ق.م. # لم تعبد عشتار كروح للخصوبة وربة للحياة النباتية فقط مع اكتشاف ~~الزراعة. فمن زمن بعيد راقب الإنسان التبدلات التي تطرأ على وجه الأرض ~~خلال الفصول، وظهور النبات وخضرة الأشجار في الربيع ثم اختفاءها في ~~الخريف. ولما كان يعتمد في جزء من حياته على التقاط الثمار والنقب عن ~~الجذور، وفي جزئها الآخر على حيوانات الصيد التي تأكل من الأعشاب؛ فقد ~~كان ينظر بقلق إلى جفاف الأرض وغياب مظاهر الخضرة في البراري ~~والغابات، ويلبث طيلة فترة الشتاء ينتظر بفارغ صبر عودة روح الإنبات ~~إلى الظهور، ويقيم الطقوس التي تعينها على ذلك. لم يكن هذا التناوب ~~الدوري مفهوما لديه، فربطه بحركة قوة ماورائية. # إن موت النباتات في الخريف وحياتها في الربيع هو غياب «عشتار» روح ~~الخصوبة الكونية، وعودتها حية قوة متجددة، والاحتجاب الشهري للأم ~~القمرية هو الآن احتجاب سنوي لأم الخصوبة وروح الإنبات. في الخريف تهبط ~~عشتار إلى العالم الأسفل لترقد هناك طيلة فصل الشتاء، ومع الربيع تنتفض ~~من مرقدها ملونة وجه البسيطة بكل أخضر بهيج. هذا التصور الأسطوري ~~البدئي قد نضج وأخذ كامل أبعاده مع اكتشاف الزراعة واعتماد الإنسان في ~~غذائه بشكل أساسي على القمح والحبوب الأخرى، فاكتملت أسطورة هبوط الأم ~~الكبرى إلى العالم الأسفل، وأخذت صيغتها النيوليتية التي نستطيع تلمس ~~آثارها ومعالمها الرئيسية في أساطير عصر الكتابة. وإن بعض الأعمال ~~الفنية التشكيلية اللاحقة لتعطينا صورة حية نابضة عن هذه الأسطورة ~~الزراعية الأولى في شكلها الأصلي، رغم بعد العهد وتكاثف الحجب. ففي ~~الشكل ( # 4-2 ~~) وهو رسم على الخزف من فترة نضج ~~الثقافة الإغريقية، نجد عشتار كروح للخصوبة والإنبات تبعث من الأرض في ~~فصل الربيع داخل أكمة صغيرة أشبه بالقبر، ومعها تصحو ms082 الأشجار والأغصان ~~المزهرة والأوراق الخضر. وحول الإلهة عدد من أنصاف الآلهة يبتهجون ~~لرجوعها. # شكل 4-2: بعث عشتار - رسم على الخزف، بلاد الإغريق. # تحولت عشتار الصيد والالتقاط والحياة البرية، إلى عشتار العصر ~~النيوليتي، عصر الزراعة والإنتاج المنظم للغذاء، ولكن دون أن تفقد ~~خصائصها القديمة، فصارت إلهة الطبيعة بنوعيها؛ الطبيعة البكر بغاباتها ~~العذراء وبراريها الوحشية وقطعانها البرية، والطبيعة المدجنة بحقولها ~~المحروثة ونتاجها المنظم وحيوانها الأليف، روح الغاب وروح القمح ~~والحبوب. إلا أن هذه الصورة الواحدة قد فقدت تماسكها تدريجيا وانفصمت ~~إلى صورتين: عشتار البراري القديمة ونموذجها أرتميس اليونانية وديانا ~~الرومانية، وعشتار الزراعية ونموذجها عشتار البابلية وديمتر ~~اليونانية. # روح الغاب # إن ستارا كثيفا يحول بيننا وبين عشتار النبع الصافي، حيث كانت ~~تستحم وحيدة في بحيرتها وسط الأدغال محاطة بحورياتها العذراوات، أو ~~تجري في البراري الوحشية على جناح الريح، فيسمع لخطوها فوق الأعشاب ~~الطويلة وسيقان القمح البري وقع خفيف، أو تهدأ في محرابها القائم ~~وسط الأحراش، قبل أن تقام لها المعابد في المدن الكبيرة، وقبل أن ~~يشاركها السلطان ذكور الآلهة. بيد أننا نستطيع اقتفاء آثارها، ~~والبحث عن ملامحها في بعض إلهات الثقافة الذكرية اللواتي حافظن على ~~شيء من صفاء الصورة الأولى. تقدم لنا الإلهة اليونانية «أرتميس» ~~نموذجا حيا عن الأم الكبرى لعصر الصيد والالتقاط، والعصر الذي ~~تلاه وتعايش معه ردحا؛ وأعني به عصر الاستقرار قرب حقول الحبوب ~~البرية، حيث كان الإنسان يحصد ما تجود به الطبيعة دون أن يعرف كيف ~~يعيد إنتاجه. # كانت أرتميس في الثقافة اليونانية ربة الغابات والبحيرات ~~والينابيع والنباتات البرية والحيوانات الطليقة وربة للصيد، تمثلها ~~الأعمال الفنية على هيئة امرأة شابة رشيقة القوام خفيفة الحركة، ~~قاسية الملامح، لا تعرف الابتسام رغم جمالها الفائق، ترتدي التنورة ~~القصيرة التي كشف عن ركبتيها وتمسك بيدها القوس وتضع على كفتها ~~جعبة السهام، وفي قدميها صندل الصيادين، يرافقها في حلها وترحالها ~~كلابها المتوحشة، ويشب عن يمينها ويسارها الأيائل والغزلان. لا ~~تقام لها المعابد في المدن والأماكن المأهولة، بل في الأحراش حيث ~~تتلقى قرابين عبادها من بكور ms083 مواشيهم وبواكير ثمار شجرهم. ومن بعض ~~الأساطير المتأخرة، نستنتج أن القرابين في الماضي كانت تتضمن ~~أيضا أضاحي؛ ففي إلياذة هوميروس، تجعل أرتميس الرياح ساكنة أمام ~~سفن اليونان فلا يستطيعون تقدما حتى يذبح آغاممنون ابنته أفيجينيا ~~قربانا لها. من ألقابها «العذراء» لم تتزوج طيلة حياتها ولم تعرف ~~رجلا. ولم تكن تقبل في خدمتها سوى الفتيات العذراوات اللواتي كن ~~يقمن دوما على حراسة النار المقدسة، وإبقاء شعلتها حية في ~~هياكلها. وكان على هؤلاء الإبقاء على بكارتهن طيلة الحياة، وإلا ~~تعرضن لانتقام الإلهة الرهيب. تروي الأساطير أنها قد وقعت في الحب ~~مرة واحدة، ولكنها قتلت من أحبته خطأ، عندما طلب منها أخوها ~~«أبولو» أن تصوب سهمها نحو نقطة تتحرك في البعيد، ليمتحن دقة ~~رمايتها، وهو عارف بأن تلك النقطة المتحركة لم تكن سوى الرجل الذي ~~أحبت، فكان أن قتلته. وكربة لخصوبة الطبيعة البكر، كانت ~~أرتميس أيضا ربة لخصوبة النساء وإلهة الولادة والأمومة، تستغيث ~~بها الحاملات ساعة الوضع، لتكون حاضرة أمام سرير الميلاد. # 3 # ولهذا تصورها بعض الأعمال الفنية أحيانا على عكس ~~صورتها الشائعة، ممتلئة الجسم، يبرز من صدرها عشرات الأثداء، وتزين ~~جيدها وثوبها الطويل برءوس حيوانات الغاب المختلفة (الشكل # 2-15 ~~، فصل الأم الكبرى). # هذا وتقدم لنا «ديانا»، روح الغاب عند الرومان، مثالا آخر. فهي ~~إلهة للغاب والبراري الوحشية وحيوان الصيد؛ أقيم هيكلها الرئيسي ~~في غابة «نيمي» تحت أقدام جبال ألبان على شاطئ بحيرة كبيرة تسمى ~~«مرآة ديانا». وما زالت الغابة وبحيراتها قائمة إلى يومنا هذا بكل ~~جمال صورتها السابقة عندما كانت مرتعا للإلهة. وديانا الرومانية، ~~كزميلتها الإغريقية، كانت عذراء، وكانت النار المقدسة في هيكلها ~~مشتعلة ليلا نهارا، تحرسها عذراوات النار المنذورات، كما كانت ~~ربة للولادة تخفف آلام الحاملات عند الوضع. وفي وسط غابة «نيمي» ~~كان هناك شجرة كبيرة وارفة، اعتقد عباد ديانا بأنها تجسيد للإلهة نفسها. # 4 # هذه العذراء المتوحدة الجميلة الصارمة، هي التي عبدها النساء ~~الأمازونيات؛ لأنها تمثل صورة الأم الكبرى للعصر الأمومي القديم، ~~عندما كانت عشتار ولا أحد معها، بلا زوج، ms084 أو ولد، تحكم وحيدة في ~~مركز الطبيعة الخصبة البكر، وحولها كاهناتها العذراوات، اللواتي ما ~~زلن يعشن بين ظهرانينا اليوم في ثياب راهبات السيدة مريم ~~العذراء. # شجرة الحياة # عبد الإنسان الأول روح الغاب ممثلة في الشجرة، ولم تكن عبادته ~~موجهة نحو الشجرة بذاتها؛ بل نحو الروح الكامنة فيها. ثم بدأت ~~عشتار تخرج من الشجرة في شكلها الإنساني الجميل، فحفرت على الجذع ~~وصارت تعبد شجرة وشكلا إنسانيا مصورا، ثم غادرت الشجرة تاركة ~~محراب الغابة الصغير، وحلت في التماثيل الرخامية التي تتصدر معابد ~~المدن الضخمة. ولكن الشجرة لم تفارقها تماما، بل بقيت رفيقتها في ~~كثير من الأعمال الفنية التشكيلية. ففي بلاد الرافدين، تظهر ~~الشجرة مرارا خلف عشتار بشكل يوحي للناظر بالوحدة بين الشكلين ~~وإشارتهما تبادليا للقدرة الإلهية الواحدة. وفي الشكل رقم # 4-3 # مثال على ذلك. نرى في الرسم عشتار جالسة ~~وعلى رأسها تاج على هيئة قرنين، من خلفها تنتصب شجرة، وفي حضنها ~~تموز الوليد الذي يبدو منطلقا من حجرها إلى الأمام، وكأنه قد ~~انبثق من جذع الشجرة ورحم الأم الكبرى في آن معا. وتؤيد الأسطورة السورية # 5 # هذا المعنى الكامن في الصورة عندما تقول إن الإله ~~أدونيس قد ولد من شجرة المر التي حملته في جذعها عشرة أشهر، قبل أن ~~تنشق قشورها وتسمح للإله الوليد بالخروج. وقد قامت الأسطورة ~~اليونانية بزخرفة هذه الأسطورة القديمة على طريقتها فقالت إن شجرة ~~المر كانت فتاة جميلة وابنة لملك قبرص، حملت من أبيها سفاحا ثم ~~تحولت إلى شجرة نما في داخلها الإله. # 6 # هذه الشجرة أم الإله ليست في الحقيقة إلا عشتار نفسها ~~التي عبدها الإنسان القديم في هيئة الشجرة الممثلة لروح ~~الغاب. # وفي الفن الكريتي، والفن الإغريقي القديم إبان مرحلة تأثره ~~بالميثولوجيا الكريتية الأمومية، نجد الشجرة مرافقة للأم الكبرى في ~~كثير من الرسوم والنقوش؛ ففي الشكل # 4-4 # نجد ~~عشتار جالسة كجلستها في الشكل البابلي، وراءها شجرة تنوء بثمارها ~~التي تمتد إليها يد فتاة بالقطاف، وفي يدها غصن من الخشخاش، ~~وأمامها عدد من الكاهنات في أيديهن تقدمات ms085 من أغصان مورقة ومزهرة. ~~وفي وسط الشكل، الفأس المزدوج رمز الرعد والبرق والصاعقة، وفي ~~أعلاه حزام المجرة والقمر والشمس. # شكل 4-3: عشار والشجرة وابنهما تموز - ختم بابلي. # وقد عبدت الأم الكبرى في جزيرة العرب مجسدة بالشجرة. يحدثنا ابن ~~هشام في روايته للسيرة النبوية أن عرب نجران كانوا يعبدون نخلة ~~طويلة يأتونها كل سنة في يوم معين، فيعلقون عليها الثياب والحلي ~~النسائية ويعكفون عليها طيلة يومهم. وأن أهل قريش كل لهم شجرة ~~عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها ~~أسلحتهم ويعكفون عليها يوما. وفي رواية عن ابن الحارث بن مالك ~~الليثي: «خرجنا مع الرسول إلى حنين ونحن حديثو العهد بالجاهلية: ~~فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: ~~يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال الرسول: ~~الله أكبر! قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.» # 7 # وقد رأينا في الفصل السابق كيف عبد العرب أيضا إلهتهم ~~العزى مجسدة في ثلاث شجرات، وهي العزى التي أهداها الرسول ~~(ص) شاة عفراء عندما كان على دين قومه، وفق بعض أخبار ~~السيرة. # شكل 4-4: الأم الكبرى والشجرة - نقش من ميسينا. # وكان جذع الشجرة لدى الكنعانيين ينصب في محراب الأم الكبرى ~~عستارت أو «عشتاروت»، وتقدم له فروض العبادة باعتباره تجسيدا ~~لإلهة الطبيعة. كما كانوا يقيمون طقوسا خاصة تحت الأشجار الخضراء ~~في المرتفعات. وقد ورد ذكر هذا الجذع في كتاب التوراة في معرض ~~الحديث عن الصراع بين الديانة العشتارية الكنعانية والديانة ~~اليهودية، وأطلق مؤلفو التوراة عليه اسم السارية، وجمعها سواري، ~~وقد سار العبرانيون على خطى الكنعانيين في عبادة عشتار وشجرتها، ~~وكان كثير من السامرة ويهوذا على دين السوريين: «كان آحاز ابن ~~عشرين سنة عندما ملك، وملك ست عشرة سنة في أورشليم، ولم يفعل ~~المستقيم في عيني الرب كداود أبيه، بل سار في طريق ملوك إسرائيل، ~~وعمل أيضا تماثيل مسبوكة للبعليم (الإله بعل) وذبح وأوقد على ~~المرتفعات وتحت كل شجرة خضراء.» ms086 # 8 ~~«وكان منسي ابن اثنتي عشرة سنة حين ملك، وملك خمسا ~~وخمسين سنة في أورشليم، وعمل الشر في عيني الرب. وعاد فبنى ~~المرتفعات التي هدمها حزقيا أبوه وأقام مذابح للبعليم وعمل سواري.» # 9 ~~«وعمل آخاب سواري، وزاد آخاب في العمل لإغاظة الرب إله ~~إسرائيل أكثر من جميع الملوك الذين قبله.» # 10 # إن الاعتقاد بتجسيد الشجرة لروح الخصوبة قد استمر في أشكال ~~مختلفة، وحفظت لنا معتقدات القبائل البدائية في العصر الحديث بعض ~~آثاره؛ ففي بورما جرت العادة لدى بعض القبائل أن يخرج أفرادها عند ~~انحباس المطر إلى الحرش القريب، فينتخبون أكبر الشجرات، ويطلقون ~~عليها اسم إلههم الموكل بالخصب والمطر، ثم يقدمون لها القرابين من ~~خبز وثمار وطيور ويتضرعون إليها قائلين: أيها الإله ارحم عبادك ~~الفانين لا تحبس عنهم المطر، أيها الإله تقبل قرباننا وهبنا ~~مطرا لا يكف ليل نهار. وتعقد بعض القبائل الأفريقية بأن إلهة ~~الإنبات تتجسد في بعض الأشجار الطويلة الضخمة، فتخرج إليها في ~~مواسم معينة، فتصلي وتضرع طالبة محصولا وفيرا وغلة، ثم يرقص ~~النساء والرجال في أزواج حولها، حاملين في أيديهم حزما من القمح. ~~وفي شمال الهند تعتقد بعض القبائل بقدسية شجرة جوز الهند؛ إذ يرون ~~فيها تجسيدا لإلهة الخصوبة والتوالد، فيخرجون إليها ويسكبون فوق ~~جذورها ماء التقدمات المقدس، طالبين إليها مباركة نسل الإنسان والماشية. # 11 # وفي أوروبا كانت عبادة الشجرة من العبادات الرئيسية عند الفتح ~~الروماني لها. وكانت شجرة البلوط من أكثر الأشجار قدسية وتجسيدا ~~للقدرة الإلهية المخصبة. # 12 # وإلى يومنا هذا، ما زال أهل الريف في أوروبا يقومون ~~بشعائر لا تخفي طابعها العشتاري القديم. ففي أول شهر أيار (مايو)، ~~يقام في كثير من المناطق الريفية الأوروبية احتفال يبدؤه الفلاحون ~~بالتوجه إلى الغابة، فيقتطعون شجرة يحملونها إلى وسط القرية، حيث ~~ينصبونها في الساحة ويحتفلون حولها. أو يأتي كل منهم من الغابة ~~بغصن فيعلقه على باب بيته لاستمداد البركة من روح الشجرة. وقد ~~تثبت هذه الأغصان على أبواب الحظائر لتكثر من مواليد الماشية ~~وتجري اللبن غزيرا في ضروعها، وقد ms087 توضع في حجرة نوم الأزواج ~~الجدد. تبقى شجرة أيار في ساحة القرية، وتبقى أغصانها معلقة على ~~أبواب البيوت والحظائر عاما كاملا؛ فإذا أتى ربيع آخر، آن وقت ~~استبدالها بشجرة أخرى عبقة بعطر الربيع الجديد، شجرة تحمل روح ~~الإنبات وقد تجددت بعد سبات. وفي عيد العنصرة، كان من عادة ~~الفلاحين في روسيا إلى مطلع القرن الماضي الذهاب إلى الغابات وسط ~~الأغاني المرحة والأهازيج، فيقطعون شجرة غضة من شجر البتولا، ~~ويضعون عليها ثيابا نسائية يزينونها بالشرائط الملونة، ثم يعودون ~~بها إلى القرية فيضعونها في أحد البيوت طيلة فترة العيد، حيث ~~يترددون عليها كضيفة شرف. وفي اليوم الأخير يمضون بها إلى نهر ~~فيلقونها فيه. # 13 # ولقد خلد فن الشرق الأدنى القديم عشتار الشجرة، من خلال ~~معالجته لموضوع شجرة الحياة التي تظهرها الأعمال التشكيلية بشكل ~~زخرفي تبسيطي جميل، وعن يمينها ويسارها مخلوقات خرافية، تحرسها ~~آنا، وتتعهدها بالسقاية والرعاية آنا آخر (الشكل # 4-5 ~~). وشجرة الحياة هذه التي مثلتها في ~~الميثولوجيا اليونانية الرومانية الشجرة الضخمة القائمة وسط غابة ~~ديانا-أرتميس، هي التي تظهر مجددا في مركز الجنة التوراتية التي ~~غرسها يهوه: «وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم ~~الذي جبله. وأنبت الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل. ~~وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر.» ولكن آدم أكل ~~من شجرة معرفة الخير والشر بعد أن أغوت الحية حواء، وخاف الإله أن ~~تمتد يده إلى شجرة الحياة: «فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل في ~~الأرض التي أخذ منها، فطرد «الرب» الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن ~~«ملائكة» الكروبيم، وسيف لهب متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.» # 14 # إن الكروبيم الذين أقامهم يهوه لحراسة شجرة الحياة، ~~والذين نعرف من نصوص أخرى أنها مخلوقات مجنحة، هي المخلوقات ~~المجنحة نفسها التي نراها تحف بشجرة الحياة في الرسوم البابلية ~~والسورية. # شكل 4-5: شجرة الحياة - فينيقيا. # تظهر العناصر الرئيسية لقصة آدم وحواء والحية، في الختم السومري ~~الموضح في الشكل ( # 4-6 ~~)، في وسط الشكل تظهر ~~الشجرة وقد تدلت ms088 منها ثمرتان يانعتان، وعن يمينها ويسارها يجلس رجل ~~وامرأة يمدان يديهما لاقتطاف الثمر، ووراء المرأة تنتصب الحية في ~~وضع الهامس الموسوس في أذن المرأة، فهل يحكي هذا العمل قصة سقوط ~~الإنسان قبل ألفي عام من قيام مؤلفي التوراة بتدوينها؟ # شكل 4-6: شجرة الحياة - ختم سومري. # وشجرة الحياة التي ولد منها ~~ابن الأم السورية الكبرى عستارت، هي التي ترعى أيضا ميلاد ابن ~~الأم السورية الكبرى مريم: # فأجاءها ~~المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني ~~مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا * فناداها من تحتها ألا تحزني ~~قد جعل ربك تحتك سريا * ~~وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا ~~. # 15 # إنها شجرة الميلاد التي توضع في كل بيت عشية ميلاد ~~المسيح، وتزين بالشموع والأضواء التي ترمز إلى الأجرام السماوية ~~المنيرة؛ ذلك أن شجرة الحياة هي في الوقت نفسه شجرة الكون، وسيدة ~~السماوات المعتمة، التي تتعلق الأجرام المنيرة بصدرها تعلق ~~الشموع بشجرة الميلاد. # روح القمح # عندما اكتشف الإنسان القمح البري وبدأ بالاستقرار النسبي قرب ~~حقوله، يتغذى ببعضها ويخزن البعض الآخر، صار لدورة الطبيعة أهمية ~~أكبر بالنسبة لحياته. لقد دخل الخبز في نظامه الغذائي، وغير من ~~عاداته الاجتماعية، فاستقر في الأرض مودعا حياة الصيد والالتقاط، ~~وتمركزت كل حياته ونظمه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية حول دورة ~~الطبيعة، وتتابع الفصول الذي تعتمد عليه الدورة الزراعية السنوية. ~~عند أعتاب هذه المرحلة تجمعت الأفكار الأسطورية المبعثرة والغائمة، ~~عن غياب الأم الكبرى سيدة الطبيعة في الخريف، وعودتها مع خضرة ~~الربيع، في أسطورة متماسكة تركزت حولها حياة الجماعة الدينية، كما ~~تركزت حياتها الاجتماعية حول إنتاج الخبز. # إن نتائج الحفريات الحديثة في المواقع النطوفية والنيوليتية في ~~سوريا، لتظهر بشكل واضح هذا الارتباط بين تطور البنى الروحية ~~للجماعة، وتطور أسلوبها في تحصيل الغذاء. ففي المستوطنات النطوفية ~~التي كانت تتحول إلى مستوطنات نيوليتية مع نهاية الألف التاسع قبل ~~الميلاد، يتزايد ظهور التماثيل الطينية الصغيرة الممثلة لأشكال ~~أنثوية رمزية، وذلك عند أعتاب التحولات الكبيرة التي ستشهدها ~~المنطقة السورية، والتي ستنقل البشرية من مرحلة الصيد والالتقاط ms089 ~~إلى مرحلة إنتاج الغذاء. هذه التماثيل الصغيرة هي النماذج البدئية ~~لما سوف يغدو في المستقبل الأم السورية الكبرى، والتي ستبزغ بكامل ~~أبهتها خلال الألف الثامن قبل الميلاد، وتتابع تحولاتها وتناسخاتها ~~حتى الفترات التاريخية. # 16 # إن الحبيبات الصغيرة ~~الجافة التي يدفنها الزراع في باطن الأرض، فتظهر في أول الربيع ~~عشبيات خضراء تتحول مع فصل الصيف إلى سنابل ناضجة، لتختزل سر ~~الطبيعة كلها، وسر الحركة الإلهية الكامنة وراءها. فروح الغاب ~~والحياة البرية، هي الآن روح القمح التي تشكل دورة حياتها السنوية ~~خلفية ماورائية لما يجري على مسرح الحقل. وعشتار سيدة الطبيعة التي ~~لا تأمرها من عل، بل تشكل منها اللباب والروح والحركة الداخلية، ~~إنما تمثل بنفسها كل ما يبدو على مستوى الطبيعة، ولأول وهلة، ~~عصيا على الفهم والتفسير. إن دورة حياة القمح، ليست سوى دورة ~~حياة الإلهة التي تقضي جزءا من السنة في العالم الأسفل وجزءا في ~~العالم الأعلى. وجملة الأعمال الزراعية التي يقوم بها الإنسان من ~~حصاد وحرث وبذر وما إليها، ليست أعمالا دنيوية، بل طقوس دينية ~~مقدسة يمارسها على هامش الدرام الإلهي الكوني، مساعدة لروح الطبيعة ~~على إتمام دورتها السنوية، والعودة مجددا في الربيع لتهبه غذاء ~~عام آخر. فإذا كانت روح الطبيعة والإنبات في الماضي تغيب في باطن ~~الأرض، ثم تعود دون تدخل من أحد، فإن روح القمح والحبوب تتطلب ~~مساهمة من الإنسان وتدخلا من خلال عمله المقدس وطقوسه وصلواته. ~~عند الحصاد، يندب الحصادون روح القمح الميتة، ثم يدفنونها في ~~التراب؛ إذ يدفنون حبوب القمح اليابسة، ويقضون فصل الشتاء في ~~الطقوس والصلوات لمساعدتها على صعود درجات العالم الأسفل. فإذا ~~لاحت تباشير الربيع وظهرت رءوس السنابل الصغيرة، عم الجميع فرح ~~طاغ، لقد عادت عشتار من جديد بين طقوس العمل وطقوس الابتهاج. إن ~~الشكل رقم ( # 4-7 ~~) ليختصر هذا الدرام دون الحاجة ~~إلى كلمة منطوقة أو مكتوبة واحدة. # شكل 4-7: عودة عشتار من العالم الأسفل - رسم إغريقي على ~~الخزف. # بالنسبة لإنسان المستوطنات ~~الزراعية الأولى، لم يكن هبوط عشتار إلى العالم الأسفل موتا، ولم ms090 ~~يكن صعودها منه بعثا؛ لأنها سيدة العالمين معا. تمكث في العالم ~~الأعلى جزءا من السنة لتهبه الخير والبركة والحياة، ثم تهبط إلى ~~العالم الأسفل في جزء السنة الآخر لتحكم مملكة الأموات تاركة عالم ~~الأحياء في جفاف. إننا لا نعرف الشكل الصافي الأول هذه الأسطورة؛ ~~لأن ألوف السنين تفصل ما بينها وبين أول لوح مكتوب خطته يد ~~الإنسان، ولكننا نستطيع رسم خطوطها العريضة اعتمادا على الأساطير ~~اللاحقة والتي بقيت، رغم التطوير والتحوير، تحمل في صميمها نواة ~~الأسطورة الأولى. ولكي نصل إلى هذه النواة يجب ألا يقتنصنا شكل ~~الأسطورة في حلته الأخيرة الزاهية الألوان، بل علينا أن نغادره إلى ~~مستوياته السرية، التي تقودنا عبر سراديب ضيقة شاقة المسالك إلى ~~الأصل والمنبع. # بين الأساطير العشتارية المختلفة، وتنوعاتها في شتى الثقافات، ~~تبدو أسطورة ديمتر وبيرسفوني اليونانية أقرب الأساطير كلها إلى ~~الأسطورة الأم؛ وذلك لمحافظتها على طابع أمومي أصيل، وبقائها في ~~منجاة، إلى حد ما، من المداخلة الذكرية. # كانت ديمتر عند الإغريق إلهة الحبوب بصورة عامة، والقمح بصوة ~~خاصة، وكانت تدعى بالإلهة الشقراء كناية عن سنابل القمح الصفراء ~~الناضجة. تصورها الأعمال الفنية على هيئة امرأة ذات قوام جميل ~~ممتلئ بعض الشيء، ووجه جميل ولكنه قاس وصارم في نفس الوقت، تضع ~~على رأسها إكليلا مضفورا من سنابل القمح، أو تحمل بيدها باقة ~~منه، وقد تحمل مشعلا مضيئا. تعزو إليها الأساطير اكتشاف القمح ~~وتعليم البشر زراعته والاستفادة منه في جميع بقاع الأرض المعمورة. ~~كما تعزو إليها تعليم ملوك البشر الأوائل شتى أنواع العلوم التي ~~يسرت لهم أسباب الحضارة. كانت عازفة عن الزواج وعن الرجال؛ ولكن ~~إله البحار بوسيدون استطاع النيل منها بعد أن فرت من وجهه ~~طويلا، وكذلك نال منها كبير الآلهة زيوس. وعندما أحبت «إياسون» ~~أرسل عليه زيوس صاعقة قتلته. # 17 # هذه البقية الباقية، في التصورات الأسطورية الذكرية، ~~ما زالت تحمل خطوطا واضحة من صورة عشتار القديمة كروح للقمح ~~والحبوب والإنبات. فروح القمح في هذه التصورات هي إلهة القمح وقد ~~خرجت من الطبيعة لتمارس سيادتها عليها ms091 كما يفعل الآلهة الذكور. ~~وليس اكتشاف ديمتر لزراعة القمح ونقلها للبشر إلا إشارة إلى كونها ~~هي نفسها روح القمح القديمة. وشقرة شعر الإلهة هي شقرة السنبلة ~~الأولى التي حلت بها روح القمر وتطابقت معها. أما قيام ديمتر بنقل ~~أسباب العلوم والحضارة إلى الملوك الأوائل، فإنه إقرار تاريخي من ~~جانب الأسطورة بأن زراعة القمح كانت الخطوة الحاسمة نحو الاستقرار ~~والحضارة. ومن ناحية أخرى فإن عزوف ديمتر عن الرجال وبقاءها على ~~الدوام دون زوج، شأنها في ذلك شأن أرتميس، إنما يعكس الصورة ~~القديمة للأم الكبرى المتوحدة. فالشاب الوحيد الذي أحبته قتل في ~~وقت مبكر وقبل أن يتحول إلى زوج؛ وذلك إصرارا من الأسطورة ~~الأمومية على بقاء عشتار إلهة متوحدة. ورغم المداخلات الذكرية في ~~الأسطورة؛ فقد حاولت الانتقاص من قدر ديمتر بأن جعلت آلهة الأوليمب ~~ينالونها واحدا بعد آخر، إلا أن الأسطورة الأمومية الصافية تعود ~~إلى الظهور في رواية ديمتر وابنتها بيرسفوني، حيث نرى الأم الكبرى، ~~مجددا، كسيدة عظمى ذات سطوة وجبروت، يخشاها كل الآلهة بمن فيهم ~~كبيرهم زيوس. # كانت بيرسفوني تجمع ~~الأزهار في البرية، عندما انشقت الأرض وظهرت عربة الإله هاديس ~~إله العالم الأسفل، الذي اختطفها ومضى بها إلى غياهب الظلمات. سمعت ~~ديمتر صرخات الاستغاثة التي ملأت أرجاء الأرض، وهرعت لنجدة ابنتها، ~~ولكن الأرض كانت قد التأمت وضاع كل أثر يدل على الحادث. اتشحت ~~الإلهة بالسواد وراحت تجوب أصقاع الأرض بحثا عن ابنتها وقد أضاءت ~~الكون مشاعلها الملتهبة، ولكن من غير طائل. وعندما نال منها اليأس، ~~أشارت عليها الإلهة هيقات أن تستخير نبوءة الإله هليوس، الذي كشف ~~لها سر اختفاء ابنتها، وأخبرها بأن هاديس قد حملها إلى العالم ~~الأسفل لتكون زوجته وملكة على الأموات. عند ذلك قررت ديمتر ~~الانتقام من الآلهة جميعا لسماحهم بما حدث، فمنعت قواها الإخصابية ~~عن الأرض التي تحولت إلى حقول مالحة لا تنبت ولا تزهر، وهددت ~~المجاعة كل الأحياء على وجه البسيطة. اضطرب الآلهة لما حصل، وجاءوا ~~إلى ديمتر واحدا إثر آخر بمن فيهم كبيرهم زيوس، يرجونها أن ms092 ترفع ~~لعنتها عن الأرض، ولكنها اشترطت أن تعود إليها ابنتها أولا. ولما ~~يئسوا من إقناعها، أمر زيوس الإله هرمز أن يمضي إلى هاديس فيبلغه ~~رغبة كبير الآلهة في رجوع بيرسفوني إلى أمها. نزل هاديس عند رغبة ~~زيوس وأطلق بيرسفوني، ولكنه أعطاها قبل ذهابها طعاما يعيدها إلى ~~العالم الأسفل بعد خروجها. فرحت ديمتر بلقاء بيرسفوني، ولكن فرحتها ~~لم تدم؛ لأنها عرفت بأمر الطعام، وامتنعت عن تنفيذ اتفاقها مع ~~الآلهة، ثم وافق الجميع على أن تقضي بيرسفوني ثلث السنة مع زوجها ~~في العالم الأسفل، وثلثيها مع أمها في العالم الأعلى. عند ذلك ~~أعطت ديمتر أوامرها للطبيعة، فأورقت الأشجار وازدهرت وملأت الخضرة ~~سطح الأرض. إلا أن ذلك لن يدوم طويلا، فما إن يحين موعد عودة ~~بيرسفوني إلى عالم هاديس، حتى تيبس الأشجار مرة أخرى وتصفر ~~النباتات ويكفهر وجه الأرض؛ مشاركة للأم في حزنها الجديد. # 18 # تبدو ديمتر وفق المنطوق الشكلي لهذه الأسطورة سيدة للحياة ~~الطبيعية، تأمرها فتنصاع لأمرها، تماما كما يفعل آلهة الأوليمب ~~الذكور الذين تحرروا من إسار الطبيعة وارتقوا إلى أعالي السماء. ~~ويجري تفسير دورة الحياة النباتية بحزن الإلهة السنوي على ابنتها ~~الغائبة وفرحها من ثم بلقائها من جديد. إلا أن المستوى الثاني ~~لفهم هذه الأسطورة يقودنا إلى الاعتقاد بأن بيرسفوني هي روح النبات ~~التي تهبط إلى العالم الأسفل جزءا من السنة، وتعود إلى العالم ~~الأعلى في جزء السنة الآخر، فتغيب معها الحياة النباتية عن وجه ~~الأرض ثم تنتعش بعودتها. يجد هذا التفسير دعما له في طقوس ديمتر ~~المشهورة التي كانت تقام في معبدها الرئيسي في إيلوسيس، حيث كانت ~~تتلى وتمثل قصة اختطاف بيرسفوني وعودتها إلى أمها. ففي تلك ~~الطقوس كان المحتفلون يرفعون باقات القمح رمزا للولادة الجديدة ~~للإلهة الغائبة. وهنا نجد أنفسنا أمام لغز محير. فإذا كانت ~~بيرسفوني هي روح الإنبات وأم الطبيعة التي تعكس دورة حياتها ~~السنوية دورة الحياة الزراعية، فمن هي إذن الأم؟ وما علاقتها ~~بالابنة؟ # إذا نزلنا إلى المستوى الثالث الأعمق لفهم هذه الأسطورة، لوجدنا ~~أنفسنا وجها لوجه ms093 أمام الأسطورة الأصلية الصافية، حيث لا وجود لأم ~~وابنتها، بل لعشتار المتوحدة التي تلعب ديمتر وبيرسفوني دوريها ~~المتناقضين المتكاملين في آن معا؛ فعشتار في دورها الأعلى كروح ~~النبات هي ديمتر، وفي دورها الأسفل كسيدة لعالم الظلمات هي ~~بيرسفوني، زوجة الموت هاديس. تنحل ديمتر إلى بيرسفوني عندما تهبط ~~إلى العالم الأسفل، وتتحول بيرسفوني إلى ديمتر عندما تصعد إلى ~~العالم الأعلى، في جدلية دائمة ما دامت دورة الطبيعة قائمة. وليس ~~أكل بيرسفوني من النبات السحري الذي يعيدها إلى الموت كلما ارتدت ~~إلى الحياة، سوى إشارة من المستوى الأول للتفسير، على الحقيقة ~~الكامنة في المستوى الثالث. فالإلهتان أقنومان في واحد وتجليان ~~لنفس الجوهر. كلما تحولت ديمتر إلى بيرسفوني تحولت بيرسفوني إلى ~~ديمتر، تماما كما يتحول قمح السنة الماضية الذي هبط إلى باطن ~~الأرض إلى قمح السنة الجديدة الذي يخرج من الأرض. إن ديمتر هي قمح ~~السنة الماضية، وبيرسفوني هي قمح السنة الجديدة، الذي سيغدو بدوره ~~قمح السنة الماضية في العالم المقبل. # إن العمل الفني التشكيلي ~~الذي اعتبرناه دوما أصدق من الكلمة المنطوقة أو المكتوبة في شرح ~~المستوى الباطني للأسطورة، يلعب دورا حاسما في دعم تفسيرنا ~~الثالث. ففي كل الرسوم والمنحوتات البارزة التي تظهر ديمتر ~~وبيرسفوني، لا يستطيع الناظر أن يميز بين الأم والابنة المتقابلتين ~~على الدوام، لتطابقهما في كل شيء فيما عدا الشارات المميزة لكل ~~منهما؛ فديمتر في معظم الأعمال التي تجمعها من بيرسفوني تحمل في ~~يدها الفاكهة الناضجة. أما بيرسفوني فتحمل في يدها الأزهار. ~~الموسم القديم والموسم الجديد في مقابل بعضهما البعض. تتحول الزهرة ~~إلى ثمرة، والثمرة تموت للتتحول إلى زهرة. ومن الشارات المميزة ~~لكلتا الإلهتين أيضا باقة القمح والمشعل، حيث تحمل ديمتر باقة ~~القمح وتحمل بيرسفوني المشعل. لكنهما في الأعمال التي تمثلها كل ~~على حدة، قد تتبادلان الشارات، فنرى ديمتر ومعها الشعلة وبيرسفوني ~~ومعها باقة القمح. في الشكل رقم ( # 4-8 ~~) تظهر ~~الإلهتان وبينهما الشاب تريبتوليموس الذي عهدت إليه ديمتر بمهمة ~~نشر القمح في جميع أرجاء العالم. تقوم ديمتر بتسليم الشاب باقة ms094 ~~القمح الأولى، ومن خلفه تقف بيرسفوني مقابل أمها وقد أمسكت بيديها ~~مشعلين، رمز النار المخصبة. # يظهر موضوع الأم والابنة، ~~قمح السنة الماضية وقمح السنة الجديدة، في عمل فني بابلي من أواسط ~~الألف الثالث قبل الميلاد؛ أي قبل قرابة ألفي سنة من تدوين نص ~~أسطورة ديمتر وبيرسفوني في أشعار هوميروس. ففي الشكل رقم ( # 4-9 ~~) نجد عشتار كروح للقمح جالسة على مقعد ~~ملتحم بالأرض ممتزج معها، من كتفيها تنبعث سنابل القمح وعلى رأسها ~~تنتصب حية ذات رأسين على هيئة قرنين، ومن خلفها إلهة أخرى أصغر ~~حجما ولكنها تتطابق معها في كل شيء، تطلع من هوة فوق مرتفع صغير ~~يبدو وكأنه يرتفع بها تدريجيا، وقد انبعثت السنابل من كل أجزاء ~~جسدها. لم يوجد في بلاد الرافدين أي نصب مكتوب يحكي قصة هذا العمل ~~التشكيلي المحمل بالرموز، ولكنه يبدو واضحا كل الوضوح على ضوء ~~تفسيرنا لأسطورة ديمتر وبيرسفوني. فهو بلا شك يحكي أسطورة مشابهة ~~لم تسجل نصوصها بسبب اقتحام الذكر مسرح الأسطورة. والأسطورتان، في ~~تفسيرنا، ترجعان إلى أصل مشترك واحد، إلى الأسطورة النيوليتية ~~الأم. # شكل 4-8: ديمتر وبيرسفوني - رسم إغريقي على الخزف. # شكل 4-9: عشتار روح القمح - ختم بابلي، الألف الثالث ~~ق.م. # إن تفسيرنا لأسطورة ديمتر ~~وبيرسفوني، وللأسطورة المفترضة في العمل التشكيلي البابلي الموضح ~~أعلاه، ليلقي ضوءا على أسطورة سومرية أقدم منهما، وهي أسطورة ~~اختطاف إريشكيجال من قبل إله العالم الأسفل السومري «كور» وجعلها ~~زوجة له وملكة على عالم الموتى. ورغم أن الألواح السومرية المكتشفة ~~لم تورد من هذه الأسطورة سوى مقدمتها، فإننا نستطيع فهم مسارها ~~العام ونهايتها، من معرفتنا لمجمل الميثولوجيا السومرية. تجري ~~أحداث الأسطورة بعد استقرار الكون وترسيخ أركانه وتقسيمه بين ~~الآلهة الذكور: # بعد أن أبعدت السماء عن الأرض، # وفصلت الأرض عن السماء، # وتم خلق الإنسان، # وأخذ آن السماء، # وانفرد إنليل بالأرض، # أخذ الإله كور إريشكيجال غنيمة له، # ولكن الإله إنكي أبحر، # أبحر الأب إنكي إلى كور، # قصد إلى كور مبحرا، # رماه بالحجارة الصغيرة، # كما رماه بالحجارة الكبيرة. # 19 # لا يوصلنا النص ms095 الذي وردت فيه هذه المقدمة إلى ~~نتيجة القصة. ولكن النصوص السومرية والبابلية اللاحقة، تحدثنا عن ~~الإلهة إريشكيجال باعتبارها إلهة للعالم الأسفل، ويختفي ذكر كور ~~كشخصية إلهية، ليبقى اسمه دلالة على العالم الأسفل؛ مما يدل على أن ~~إنكي قد أخفق في مهمة إنقاذ الإلهة، التي بقيت هناك وارثة مملكة ~~الأموات، تماما كالإلهة بيرسفوني. # ولكن من هي هذه الإلهة المخطوفة؟ إن اسم إريشكيجال يعني باللغة ~~السومرية «سيدة العالم الأسفل». فهو والحالة هذه لقب لا اسم. فماذا ~~كان اسمها في العالم الأعلى؟ وهل كانت سوى عشتار نفسها، روح القمح ~~وأم الطبيعة في العصور النيوليتية، التي كان اسمها في العالم ~~العلوي عشتار، واسمها في العالم الأسفل إريشكيجال؟ أليست الفتاة ~~الصاعدة من هوة عالم الأموات في الشكل ( # 4-9 ~~) ~~هي إريشكيجال-بيرسفوني، سنابل السنة الجديدة التي سوف تتحول إلى ~~عشتار-ديمتر، السنابل الناضجة التي تموت هابطة إلى الأسفل من جديد؟ ~~إن الأساطير السومرية والبابلية المكتوبة لا تتحدث عن صعود ~~إريشكيجال السنوي من العالم الأسفل، كما هو الحال في الأسطورة ~~الإغريقية، بسبب اقتحام الذكر مسرح الأحداث وحلول الإله تموز، ابن ~~عشتار وحبيبها، محلها في درام الهبوط والصعود، كما سنرى ذلك مفصلا ~~فيما بعد. ولكن فرضيتنا هذه إنما تحاول إعادة بناء الأسطورة ~~النيوليتية الأم، عندما كانت عشتار تجر وراءها، وحيدة، دورة الفصول ~~تحت اسم واحد، ثم اتخذت اسمين؛ اسم لوجهها الأخضر المنير، واسم ~~لوجهها الأسود المعتم، ثم تحول الاسمان إلى ذاتين، ثم جاءت المرحلة ~~الأخيرة عندما حل ابنها محلها كروح للقمح. # لم يبدل اقتحام الذكر ~~أسطورة الأم الكبرى سيدة الطبيعة، شيئا من خصائص عشتار الإخصابية؛ ~~فقد بقيت سيدة للحياة النباتية وربة خصب الأرض، وكان الدور الذي ~~يلعبه ابنها وحبيبها تموز وأشباهه (أدونيس، أوزوريس، آتيس، ~~ديونيسيوس ... إلخ) دورا مكملا لدورها الأساسي، فالأم عشتار هي ~~التي كانت تدفع بتموز إلى العالم الأسفل، حيث يبقى جزءا من السنة ~~هناك، وهي التي تهبط إلى العالم الأسفل لاستعادته إليها، حيث يقضي ~~جزء السنة الآخر معها (وسنبحث هذه العلاقة بين الأم الكبرى وابنها ~~والأساطير المتعلقة بهما ms096 في فصل تموز الأخضر). لهذا فقد بقيت في كل ~~الثقافات، الإلهة الخضراء، سيدة الطبيعة النباتية دعاها البابليون ~~بعشتار الخضراء، ودعاها المصريون بإيزيس الخضراء، وسيدة الخبز، ~~وسيدة الجعة، وأم القمح، ودعاها اليونان بسيدة السنابل، وقد خلدت ~~الأعمال الفنية عبر التاريخ هذا الوجه الأخضر للأم الكبرى؛ حيث ~~نراها في معظم الرسوم والمنحوتات وقد أمسكت بيدها سنابل القمح أو ~~الأغصان المورقة أو الثمار الناضجة، من هذه الأعمال الفنية ~~الجميلة، ذلك النحت البارز المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق، الذي ~~يمثل عشتار عارية الصدر، ترفع بيديها الاثنتين حزمتين من النبات، ~~وعن يمينها وشمالها يشب زوجان من الماعز. وقد ينوب الإناء الفخاري، ~~وهو الرمز القديم للأم الكبرى، منابها في الأعمال التشكيلية، حيث ~~نجد الجرة الفخارية والسنابل تنبعث من كتفيها، كما هو الأمر في ~~النقش الفينيقي الموضح في الشكل ( # 4-10 ~~). # شكل 4-10: عشتار الإناء الفخاري سيدة السنابل - ~~فينيقيا. # هذا وتنحو بعض الأعمال الفنية الممثلة للسيدة مريم العذراء منحى ~~الأعمال العشتارية القديمة؛ إذ تمثل العذراء كسيدة للسنابل وقد ~~زينت سنابل القمح ثوبها ونبتت الأرض تحت قدميها؛ من هذه الأعمال ~~قطعة جميلة من الحفر على الخشب من ألمانيا القرن الخامس عشر (الشكل ~~رقم 43). يقول القديس أمبروزي عن السيدة مريم: «في رحم مريم المقدس ~~زرعت حبة واحدة من الحنطة، ولذا نحن ندعوها ببستان القمح.» # 20 # شكل 4-11: مريم العذراء سيدة السنابل - حفر على الخشب، ~~ألمانيا القرن الخامس عشر. # إذا كانت الأم الكبرى هي المسئولة عن خصب الأرض ودورة الزراعة، ~~فإن وكيلاتها الأرضيات هن امتداد لخصائصها الإخصابية. إن اكتشاف ~~ديمتر للقمح ونشر زراعته في أنحاء الأرض، ومثلها في ذلك إيزيس التي ~~عهدت إلى أوزوريس تعليم البشر زراعة القمح، ليس إلا إقرارا، على ~~مستوى الأسطورة، بفضل المرأة في اكتشاف الزراعة. لقد كانت مهمة ~~التقاط الثمار والبحث عن الجذور الصالحة للأكل من نشاطات المرأة ~~الأساسية، وهذا ما قادها إلى اكتشاف القمح البري كغذاء، وابتكار ~~أساليب إعداده من طحن وعجن وخبز. ثم أتاحت لها الأوقات الطويلة ~~التي كانت تقضيها في حقل القمح البري، فرصة ms097 الملاحظة المتأنية ~~لآلية نشاط الطبيعة، فعرفت أن السنبلة التي تنمو في الربيع، إن هي ~~إلا الحبة الميتة التي تسقط في الخريف، فحاولت تقليد آلهة الطبيعة ~~وتكرارها، وطمرت أول حفنة قمح مبتدئة بذلك تاريخ الحضارة. لقد رأى ~~الإنسان في هذا النشاط الجديد استمرارا لخصوبة المرأة، وفيضا آخر ~~لقواها المبدعة الخلاقة، وعطية من عطايا جسدها المرتبط بالقوى ~~الإلهية العشتارية. فالجسد الذي يهب من ظلماته الحياة ويغذيها ~~ويرعاها، وهو الذي مد سلطانه أيضا إلى التربة ليضرم فيها جذوة ~~الخصوبة. ومنذ استنبات حفنة القمح الأولى، صارت الزراعة من مهام ~~المرأة الرئيسية، وصارت طقوس إحياء الأرض وقفا على النساء من دون ~~الرجال. فإذا كان على الرجل المساهمة في العمل الزراعي، فإن ~~مساهمته تقتصر على المجهود العضلي المتمثل في شق الأرض وتحضيرها، ~~أما وضع البذرة في الأرض فيجب أن تقوم به المرأة التي تنقل للبذرة ~~وللتربة شحنة من خصب جسدها المتوحد مع إيقاع الطبيعة. # إن العادات القائمة في العصر الحديث لدى القبائل البدائية، والتي ~~حفظت في شكلها النيوليتي الصافي تدعم هذا الاستنتاج. فمن الشائع ~~لدى كثير من القبائل أن يقوم الرجل بكل الأعمال التمهيدية السابقة ~~للبذار، ثم تأتي المرأة فتضع البذور في الشقوق التي يسبقها الرجل ~~إلى تحضيرها. # 21 # كما تسود لدى كثير من القبائل البدائية في أنحاء ~~مختلفة من العالم، أسطورة اكتشاف الزراعة لأول مرة من قبل المرأة، ~~وتقوم النساء في هذه المجتمعات بطقوس استجلاب المطر واستثارة خصوبة الأرض. # 22 # وفي فترة نضج الحضارة الإغريقية كانت المرأة مسئولة عن ~~استثارة خصوبة التربة وإحياء الأرض، وكانت تقام لهذه الغاية ~~احتفالات خاصة يمارس طقوس الخصب فيها نساء مهيآت لهذه المهمة. # 23 # مع نمو وتوسع المستوطنات الزراعية البدائية، انتقلت روح القمح ~~إلى المعابد مغادرة محرابها الصغير في الحقل. وعندما تحولت ~~المستوطنة إلى مدينة، تركت عشتار سكنها القديم في السنبلة وجذع ~~الشجرة وحلت في التماثيل الرخامية الجميلة المتقنة الصنع، داخل ~~المعابد الضخمة التي تناطح أبراجها المدرجة السحاب، وتشبهت بآلهة ~~الذكور فانسلت من الحياة النباتية التي كانت روحا لها، لتغدو ms098 ~~سيدتها الآمرة. ولكن زارع الحقل الأول الذي آمن بروح القمح وعبدها ~~وتغذى على جسدها، قد بقي على ولائه القديم، وبقيت روح القمح تسكن ~~في كوخه وتعايشه في حقله. لم يعرف أن عشتار قد انتقلت إلى بابل ~~والأقصر وأثينا وروما، ولم يسمع أساطيرها في حلتها الجديدة بعد ~~أن انطلقت من حقله وصيغت في حلل أدبية منمقة. وعندما آمن، في ~~الفترات المتأخرة بالإله الفادي المخلص الذي يموت ليهب العالم ~~الحياة، لم يدر بخلده أن هذا الإله الجديد ليس إلا إلهه هو، وقد ~~عاد إليه في حلة فلسفية قشيبة، وليس إلا روح القمح القديمة التي ~~كانت تموت في كل عام لتهب له الحياة. # ومن الملفت للنظر أن نجد روح القمح ما زالت تعيش في مواطنها ~~الأولى، حيث حقول القمح إلى العصر الحديث. إلا أننا لا نستطيع ~~تتبع آثارها اليوم في المعتقد الديني والطقس، بل في الفلكلور ~~الشعبي، الذي حفظ لنا على طريقته الهيكل العام لأسطورة زارع القمح ~~الأول وطقوسه. # فإلى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، كان الفلاحون في كثير من ~~المناطق الأوروبية، يتحدثون عن «الأم القمح» التي تجوس حقول القمح ~~الناضج في الربيع والصيف، كلما تمايلت السنابل مع هبات الريح، فإذا ~~وصل الحصاد إلى نهايته، ولم يبق في الحقل سوى مجموعة من السنابل ~~قائمة في نهايته، قالوا: إن الأم القمح قد حلت في هذه المجموعة، ~~فإذا أجهز الحصادون على السنابل الأخيرة، جرت العادة في بعض ~~المناطق أن تضم في حزمة واحدة، فتلبس زيا نسائيا، ويطلق عليها ~~اسم الأم القمح، ثم يؤخذ من هذه الحزمة أفضل باقاتها، فيصنع منها ~~إكليل تلبسه أجمل فتاة في القرية. أما الحزمة فتعلق على عمود ~~يحمله شابان، ويسير الجميع وراءه في موكب هازج تتقدمهم الفتاة ذات ~~الإكليل إلى بيت عمدة القرية، الذي يتسلم الإكليل من الفتاة فيعلقه ~~في بيته إلى يوم الأحد، حيث يقوم بتسليمه إلى الكنيسة، فيبقى هناك ~~إلى مساء عيد الفصح من العام المقبل. في ذلك الوقت يتم تسليمه إلى ~~فتاة صغيرة، فتجوس به في الحقل ms099 وتفرط حبات السنابل ناثرة إياها فوق ~~القمح الغض الجديد، كما جرت العادة في مناطق أخرى، على أن يربط ~~الشاب الذي حصد الباقة الأخيرة من القمح إلى الحزمة، فيضرب ~~تمثيليا ويدار به في شوارع القرية، ويشار إليه على أنه ابن الأم ~~القمح. وفي بعض المناطق لا تجري هذه الممارسات في الحقل، بل في ~~مكان درس القمح. فروح القمح تهرب أمام الحصادين لتأوي إلى مكان ~~تجميع القمح المحصود، وهناك تقتل تحت ضربات الدارسين أو تهرب ~~إلى الحقل المجاور. وقد يقبض على أول امرأة غريبة تظهر في حقل ~~القمح، فتربط إلى الحزمة الأخيرة، وتؤخذ إلى مكان الدرس، حيث ~~يمثل الحصادون عملية درسها وتذريتها. وقد تحمل المرأة التي قامت ~~بجمع آخر باقات القمح، فتوضع في مكان قريب، ويقوم الحصادون بتمثيل ~~عملية توليدها باعتبارها حاملة بروح القمح التي ستلد منها. # 24 # سيدة الشعلة # كما كشفت عشتار سر الزراعة للمرأة، فكانت أول من بذر حبة القمح ~~في التراب، كذلك كشفت لها سر النار، تلك القوة القمرية المخصبة، ~~فكانت أول من استخرجها من مكمنها في أغصان الشجرة وحافظ على ~~اتقادها. يدلنا على ذلك كثير من أساطير الشعوب # 25 # التي تحكي عن شعلة النار الأولى، وكيف جاءت بها إلى ~~الأرض امرأة سرقتها من القمر؟ وكذلك قيام المرأة عبر التاريخ ولدى ~~جميع الشعوب بحراسة النار والإبقاء على اشتعالها في البيوت ~~والمعابد، وذلك كاستمرار لفعلها الخلاق الأول. وفي بعض الأساطير ~~البدائية تنبعث شعلة النار الأولى من قيام إلهة القمر بإمرار يدها ~~بيد ساقيها. # 26 # وهذا يذكرنا بعمل تشكيلي من الهند يمثل الأم الكبرى ~~وقد باعدت ما بين ساقيها المرفوعتين نحو الأعلى ومن رحمها تنبت الشجرة. # 27 # فالأنثى الكونية المخصبة التي وهبت الشجر هي التي تهب ~~النار الكامنة فيه، قدرة نماء وطاقة ليبيدية كونية تشد الأحياء إلى ~~بعضهم بعضا لاستمرار الفصائل والأجناس. وعشتار الخضراء روح الغاب ~~وروح القمر، هي الآن سيدة الشعلة الدائمة، رمز النفس الحية ~~المتوقدة للكون. # خشي إنسان العصر الحجري انطفاء النار لصعوبة الحصول عليها وإعادة ~~إشعالها، كما خشي ms100 انطفاءها لأنها قبس من الأم الكبرى وبركة، فكان ~~انطفاؤها انقطاعا لما بينه وبينها، وانفصالا للعهد الذي قطعته له ~~بالحفاظ على حياته ورعاية معاشه، لهذا كان للقبيل البدائي شعلته ~~الدائمة التي ترعاها النساء، حولها يجتمع أفراد الجماعة مساء، ~~فتخفف من وحشتهم وتجمع شملهم. فالنار كالأنثى الأم، مركز جذب وعامل ~~تأليف. وعندما توسع القبيل، صار لكل بيت شعلته الدائمة التي لا ~~تنطفئ، رمز لوحدة العائلة واجتماعها حول الأم وحول موقد البيت؛ ~~فإذا أراد أحد أفراد العائلة الزواج وتكوين بيت مستقل، حمل من موقد ~~أهله شعلة وضعها في سكنه الجديد؛ توكيدا على صلته التي لن تنقطع ~~رغم بعده. ومع اكتشاف الزراعة، صارت الشعلة العشتارية عنصرا ~~أساسيا في طقوس الخصب، حيث كان المزارعون يطوفون الحقول ليلا ~~بمشاعلهم المتقدة، لبث روح سيدة الشعلة في الأرض، وتفجير ~~الحياة في البذور الصماء. # وقد استمرت هذه الطقوس قائمة في العصر الحديث لدى القبائل ~~البدائية، كما هو الحال لدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا الشمالية ~~وقبائل البازوتو والزوني وغيرهم، # 28 # مما يدل على أصولها المغرقة في القدم. # عندما انتقلت عشتار من بيت المزارع القديم وحقله إلى معابد ~~المدن، انتقلت معها شعلتها المقدسة الدائمة الاتقاد، وصار للنار ~~العشتارية كاهنات عذراوات متفرغات لحراستها والإبقاء على جذوتها، ~~وإقامة الطقوس الخاصة بها. وأخذت الأعمال التشكيلية تصور الأم ~~الكبرى وبيدها مشعل، كما هو الحال في تماثيل ورسوم ديمتر (شكل رقم # 4-14 ~~)، وأرتميس (شكل رقم # 4-12 ~~)، وبيرسفوني (شكل رقم # 4-8 ~~) وهيقات وديانا. # شكل 4-12: أرتميس - سيدة الشعلة رسم إغريقي. # يبدو رمز الشعلة أكثر التصاقا بالإلهة الرومانية «ديانا» من ~~غيرها من تجليات الأم الكبرى، فلا تظهر في رسم أو نحت إلا وفي ~~يدها مشعلها المضيء. واسمها نفسه إذا أعيد إلى جذره القديم يعني «المضيئة»، # 29 # وذلك إشارة إلى خصائصها النارية وطبيعتها القمرية. وفي ~~هيكلها الذي كان قائما وسط غابة نيمي عند أقدام جبال الألب، كانت ~~كاهناتها العذراوات يوقدن نارها المقدسة ويحفظنها مشتعلة ليلا ~~ونهارا على مدار السنة. وكانت النساء يأتين إلى الهيكل ومعهن ~~المصابيح الزيتية التي ms101 توضع عند المحراب تقربا، ووسيلة لاستجابة ~~الدعوات. أما في عيد ديانا الكبير يوم الثالث عشر من آب (أغسطس)، ~~فقد كانت غابتها المقدسة تضاء بالمشاعل التي تنعكس أنوارها على ~~صفحة بحيرة نيمي الهادئة، كما كانت طقوس النار في ذلك اليوم تقام ~~في جميع أنحاء إيطاليا حول مواقد البيوت. # 30 # من ألقاب ديانا القديمة «فيستا» # 31 # الذي يعني أيضا إذا أعيد إلى جذره القديم: «المضيئة» ~~أو «المشعة». ثم تحول اللقب إلى إلهة مستقلة موكلة بالنار ~~عموما، وبالنار المنزلية ونار الطقوس الدينية خصوصا. كانت فيستا ~~أجمل إلهات الرومان إطلاقا، وعذراء كصنوها ديانا، طاهرة كشعلة ~~النار التي ترمز إليها. وكانت كاهنات النار العذراوات يحرسن شعلتها ~~ويبقينها متقدة على مدار السنة ويقمن طقوسها. وكن ينتقين من ~~أنبل العائلات الرومانية، ويخضعن لتدريب طويل مدته عشر سنوات يبدأ ~~في سن السادسة، ثم ينخرطن في خدمة الإلهة مدة عشر سنوات أخرى، ~~يتفرغن بعدها لتدريب جيل جديد من الكاهنات مدة عشر سنوات أخيرة، ~~فإذا أتممن ثلاثين سنة في خدمة المعبد، سمح لهن بالعودة إلى أهلهن ~~والزواج إذا أردن ذلك. غير أن معظمهن كان يعزف عن الزواج للإبقاء ~~على مركزهن المقدس في المجتمع الروماني الذي كان يكن لهن أعظم ~~تقدير وإجلال. # 32 # وكما جردت ديانا من نفسها الإلهة فيستا، كذلك جردت ~~أرتميس اليونانية من نفسها الإلهة هستيا. كانت هستيا إلهة النار ~~المنزلية ونار المعابد، وكانت شعلتها الأساسية في معبد دلفي تعتبر ~~الشعلة الكونية؛ لأن معبد دلفي نفسه كان لدى اليونان بمثابة مركز ~~للكون. كما كانت هستيا تجسيدا للنار الباطنية التي تتقد في مركز ~~الأرض. وكرمز قديم للنار المنزلية ونار القرية، كانت هستيا حامية ~~للعائلة وحارسة للمدينة. حاول الزواج منها أبولو وبوسيدون، ~~ولكنها لجأت إلى زيوس الذي وهبها حمايته فحافظت على عذريتها إلى الأبد. # 33 # هذا وقد ارتبطت النار بعبادة إيزيس المصرية، خصوصا في ~~شكلها القمري الناري تحت اسم «باست»، التي كانت تصور على هيئة ~~سيدة برأس هرة. # 34 # ولربما كانت هذه التسمية هي أصل اسم «البس» أو ~~«البسينة» الذي يطلق ms102 على القطة في كثير من اللهجات العربية ~~المحكية اليوم. وكانت طقوس النار تقام في معابد إيزيس لإيقاظ الإله ~~الميت أوزوريس، حيث يحمل الكهنة مشاعل الأم الكبرى، ويطوفون بها ~~حول تابوت الإله لتشتعل روحه من جديد بالحياة، مستمدة من شعلة ~~الإلهة القمرية واهبة الحياة. # 35 # كما ارتبطت النار بعبادة الأم الكبرى لحضارة السلت «بريجيت» التي ~~حافظت على وجودها في أيرلندا تحت اسم «القديسة بريجيت» بعد انتشار ~~المسيحية، كما رأينا سابقا. وإلى يومنا هذا تقوم كاهنات الأم ~~القمرية، التي دعاها السلتيون بأم الآلهة، بحراسة نارها المقدسة ~~وهن في لباس راهبات السيدة مريم في دير كيلدر بأيرلندا. # 36 # وفي يوم 2 شباط يحتفل الأيرلنديون بيوم قداس الشموع، ~~حيث يتم إشعال نار الشموع الجديدة في الكنائس الكاثوليكية وتطفأ ~~نار الشموع القديمة. وهذا اليوم يتوافق في تاريخه مع عيد الإلهة ~~بريجيت القديمة، تماما كما يتوافق يوم المشاعل المخصص للإلهة ~~ديانا مع يوم صعود السيدة مريم في إيطاليا ومناطق كاثوليكية أخرى. # 37 # وبشكل عام يمكن القول بأن طقوس إشعال الشموع في معابد ~~الديانات الكبرى اللاحقة، كما هو الأمر في الكنائس المسيحية ~~والمعابد البوذية والهندوسية وحول أضرحة الأولياء المسلمين، هي ~~استمرار للطقوس النارية للأم الكبرى القديمة. # وقد بلغ تقديس النار أوجه في الديانة الزرادشتية، التي كان ~~أتباعها يقدسون النار باعتبارها التجلي الحقيقي للإله أهورا مزدا، ~~نور الكون والقدرة الكامنة وراءه. وفي الديانات التي تبدو بعيدة كل ~~البعد عن تقديس النار بصورة مباشرة غالبا ما نجد هذه النار قائمة ~~خلف رموز القداسة والألوهية. فعند اليهود تجلى الرب لموسى أول مرة ~~على هيئة شعلة نارية: «فساق الغنم إلى البرية، وجاء إلى جبل حوريب. ~~وظهر له ملاك الرب بلهيب نار وسط عليقة، فنظر وإذا العليقة تتوقد ~~بالنار، والعليقة لم تكن تحترق. فقال موسى: أميل الآن لأنظر هذا ~~المنظر العظيم، لماذا لا تحترق العليقة؟ فلما رأى الرب أنه مال ~~لينظر، ناداه الرب من وسط العليقة وقال: موسى، موسى. فقال: ها أنا ~~ذا. فقال: لا تقترب إلى ها هنا اخلع حذاءك من ms103 رجليك؛ لأن الموضع ~~الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة.» # 38 # وهذا المكان من سيناء الذي تجلى عنده الرب لموسى في ~~هيئة نارية، لا يبعد كثيرا عن معبد سيدة التوركواز الذي أقامه ~~السوريون في قفر سيناء للأم الكبرى سيدة الشعلة. # 39 # وفيما بعد، كان حضور يهوه مرتبطا بالنار، وكانت النار ~~تشتعل ليلا فوق الخيمة التي كانت مسكن الرب ومقر تابوت العهد: ~~«وفي يوم إقامة المسكن، غطت السحابة المسكن خيمة الشهادة. وفي ~~المساء كان على المسكن كمنظر نار إلى الصباح هكذا دائما، السحابة ~~تغطيه ومنظر النار ليلا» # 40 ~~... «وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه ~~بالنار، وصعد دخانه كدخان الأتون.» # 41 # وقد انتقل رمز الشجرة الملتهبة، كتجل قدسي، من التوراة إلى ~~التقاليد المسيحية التي وجدت في الشجرة رمزا للسيدة العذراء، وفي ~~النار المتوقدة رمزا للسيد المسيح: «رأى موسى العليقة في جبل ~~حوريب تتوقد بالنار وهي لا تحترق، فتحتفظ بين ألسنة اللهيب بنضارة ~~اخضرارها ورطوبة ماديتها. ومريم حبلت وولدت كلمة الله المتأنس: ~~النار الملتهبة، ومع ذلك لم تثلم البتولية ولم تفض البكارة، فحافظت ~~في أمومتها على ماهية بتوليتها، وجمعت في ذاتها بين ضدين: شرف ~~الأمومة وسناء البتولية. لقد أدرك موسى في العليقة سر ولادتك ~~العظيم، أيتها العذراء القدسية المنزهة عن الفساد.» # 42 # هذا وقد بقيت طقوس النار القديمة مستمرة حتى الأزمنة الحديثة، ~~رغم أن الناس قد نسوا منشأها وضاعوا عن أصلها؛ ففي أوروبا الحديثة ~~نزولا إلى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، كان الفلاحون يقومون ~~بطقوس وشعائر لا تخفي طابعها العشتاري القديم. من ذلك مثلا طقوس ~~نار الصوم الكبير. # 43 # ففي فرنسا وأجزاء من أوروبا، كانت تشعل الحرائق في أول ~~آحاد الصوم الكبير. وكان البادئ بإشعال الحريقة الأولى رجل وامرأة ~~تزوجا حديثا (لأن الجذوة العشتارية تكون مشتعلة بينهما وفي أوج ~~اتقادها، فيبادلان النار خصبا بخصب، ويمدانها بشحنتهما الخاصة). ~~وعندما ترتفع ألسنة اللهب يقوم الناس بالرقص حول النار، ويأتون ~~بقطعان الماشية يسوقونها بين الحرائق والدخان؛ لتحصينها ضد المرض ~~وضمان تكاثرها، ms104 ثم يأتون بالمشاعل فيضرمون نارها من الحرائق ~~ويطوفون بها الحقول وبين الأشجار قائلين: أعطنا ثمرا أكثر من ~~الورق. # وفي ألمانيا والنمسا وسويسرا كان الناس في نفس المناسبة يجمعون ~~القش والحطب، فيهيلونه كتلة ضخمة حول شجرة زان كبيرة، ثم يثبتون ~~عارضة خشبية طويلة على الشجرة بحيث تشكل معها هيئة صليب. بعد ذلك ~~يضرمون في هذه المجموعة النار، فإذا هب دخان الحريق نحو حقول ~~القمح تفاءلوا خيرا بموسم جيد. وفي بعض أجزاء من تلك البلدان، ~~كانوا يصنعون عجلة كبيرة من أغصان وأوراق الشجر اليابس (وفي ذلك ~~رمز للقمر)، ثم يسحبونها إلى أعلى تل قريب، فيضرمون فيها النار ~~ويتركونها تتدحرج مشتعلة نحو القرار، وكلما كان توهج العجلة ~~كبيرا، تطلعوا إلى مواسم وفيرة. # ومن المناسبات الأخرى التي تشعل فيها النار المقدسة في أوروبا، ~~عيد الفصح. ففي السبت تشعل الكنائس الكاثوليكية كل شموعها المطفأة ~~من شمعة كبيرة وسط الكنيسة، هي شمعة الفصح، رمز الأم الكبرى مريم، ~~وقد تشعل النار في فناء الكنيسة الخارجي، ويأتي الناس بأغصان من ~~الزان أو البلوط يشعلونها من نار الفصح، ويأخذونها إلى بيوتهم ~~فيشعلون بها نارا جديدة. أما العصي المطفئة فقد توضع في الحقول ~~لضمان المواسم الجيدة. وفي أنحاء كثيرة من ألمانيا، تشعل الحرائق ~~عشية الفصح على أعالي التلال، وتتبارى القرى المجاورة في إيقاد ~~أكبر الحرائق وأكثرها توهجا وإنارة؛ لأن المسافة التي يمكن أن يرى ~~منها نور حرائق الفصح، ستكون محصنة ضد الجفاف في العام المقبل. وفي ~~بعض المناطق لا تشعل نار الفصح بالوسائل العادية، بل لا بد من ~~إشعالها بحك قطعتين من الخشب، وقد تدفن بقايا الحرائق في الحقول ~~لزيادة خصبها. # ومن المناسبات الأخرى التي تقام فيها طقوس النار المقدسة يوم ~~الأول من أيار، وهو احتفال كبير يقام في طول أوروبا وعرضها. ولعل ~~أوضح مثال على الطابع العشتاري لهذا الاحتفال ما كان يقوم به ~~المزارعون في منطقة ويلز ببريطانيا. ففي عشية أول أيار، يقوم بضعة ~~رجال بالتوجه إلى الغابة القريبة، فيحتطبون كمية من أغصان الأشجار ~~يأتون بها إلى القرية، فيشكلون ms105 منها صلبانا صغيرة توضع حول دائرة ~~في الوسط (نفس الدائرة والصليب اللذين رمز بهما إنسان الثقافة ~~النيوليتية في سوريا إلى الأم الكبرى منذ الألف السابع قبل ~~الميلاد) ثم يقوم أحد الرجال بحك قطعتين من خشب البلوط ببعضهما، ~~فإذا اشتعلت فيهما النار، أوقد منها بقية الأغصان، وقام الناس ~~بالرقص حول النار والقفز من فوقها، وجلبوا قطعانهم إليها. # هذا وتتعدد المناسبات التي تقام فيها الاحتفالات المشابهة، فنجد ~~طقوس النار في يوم القديس يوحنا المعمدان في الرابع والعشرين من ~~حزيران، وهو اليوم الذي تصل فيه الشمس أقصى مدى لها في الارتفاع. ~~كما نجدها في عيد جميع القديسين، وفي يوم منتصف الشتاء، وكلها ~~مناسبات لا تخفي طابعها الوثني القديم. # وقد مارس العرب في جاهليتهم طقوسا مشابهة تستهدف حث القوى ~~الإخصابية بواسطة النار، فكانوا إذا احتبس المطر خرجوا لصلاة ~~الاستسقاء، فأشعلوا نارا في أذناب البقر وتركوها تنحدر من قمة جبل ~~وعر؛ اعتقادا منهم بأن تلك النار سوف تستنزل عليهم الغيث. وبينما ~~كانت الأبقار تندفع نحو السفح في خوار وضجيج، كانوا يرفعون أصواتهم ~~بالصلوات والأدعية. # 44 # وفي سوريا، مهد المسيحية الأول، ما زالت طقوس النار ~~تقام في بعض المناسبات الدينية وخصوصا يوم عيد القديس مارجورجيوس ~~(الذي يشكل مع ولي الله الأخضر، سيدنا الخضر، استمرارا للإله بعل ~~ابن الأم السورية الكبرى) وعيد الصليب، حيث تندلع الحرائق الصغيرة ~~في كل مكان احتفالا بهاتين المناسبتين. # وأخيرا، لا أدري أي رمز استلهم الفنان الفرنسي صانع تمثال ~~الحرية العملاق المنتصب أمام مدينة نيويورك في عرض البحر، ولكن إذا ~~أمعنا النظر إليه، ألا نرى عشتار سيدة الشعلة المقدسة مؤكدة ~~وجودها في قلب أعتى ثقافة ذكرية بطريركية عبر التاريخ؟ # عشتار الأفعى # اعتقد الإنسان القديم بأن الحية خالدة لا تموت، وأن تبديلها ~~لجلدها القديم بجلد آخر، هو تجديد لحياتها كلما نال منها الهرم، ~~وربط بينها وبين القمر الذي يجدد حياته في دورة شهرية دائمة، فيسلخ ~~جلده القديم في طوره المتناقص ويلبس جلدا جديدا في طوره ~~المتزايد. فكانت الحية رمزا للإلهة القمرية منذ الأزمنة السحيقة. ms106 ~~ومن هنا جاء اسم الأفعى في اللغة العربية على أنه الحية مشتقا ~~من الحياة. وفي وصف بابلي للإلهة عشتار أن جسدها مغطى بحراشف الأفعى، # 45 # وفي ذلك تعبير رمزي على صلتها بالحية، وتجديدها الدوري ~~لجلدها القمري. وقد اعتقد اليونان أن عدد أضلاع الحية تعادل عدد ~~أيام الشهر القمري، # 46 # كما عبرت الأعمال التشكيلية للحضارات القديمة عن هذه ~~الوحدة الخفية بين القمر والأفعى بشكل واضح. ففي الشكل رقم ( # 4-13 ~~)، وهو رسم على الفخار من سوسة في إيران، نجد ~~الأفعى منتصبة وعلى رأسها الهلال وأمامها الصليب؛ ثلاثة رموز ~~عشتارية في تأليف فني واحد. # شكل 4-13: عشتار الأفعى - سوسة، إيران. # هذه التصورات الميثولوجية التي تعود في أصلها إلى العصر ~~النيوليتي، ما زالت مستمرة في التصورات الميثولوجية للشعوب ~~البدائية الحديثة، فلدى كثير من قبائل ميلانيزيا وأستراليا ~~وإندونيسيا وأفريقيا، وهنود أمريكا، تشير الحية إلى القمر ويشير ~~القمر إلى الحية. وما زال رمز الحية التي تحمل الهلال على رأسها ~~قائما لدى بعض هذه القبائل؛ للدلالة على الحياة الأبدية، وتتم ~~الاحتفالات والطقوس الخاصة بالإلهة الأفعى في اليوم الأول لظهور ~~القمر الجديد. ومن علاقة القمر بالأفعى، انتقلت التصورات ~~الميثولوجية إلى الربط بين الأفعى والمرأة؛ فالمرأة في أصلها كانت ~~أفعى، والأفعى كانت امرأة. ففي أسطورة من الكونغو عند الطوفان ~~الكبير: أن الذعر الذي حل بالبشر إبان تلك الكارثة قد أعاد ~~المخلوقات إلى أصولها، فتحول الرجال إلى قرود وتحولت النساء إلى ~~أفاع. وهذه الأسطورة تنسج على منوال خرافات العصور الوسطى في ~~أوروبا التي تؤكد أن النساء خلقن من أرجل الأفعى التي فقدتها لدى ~~تسللها إلى الفردوس. # 47 # شكل 4-14: ديمتر والأفعى. # تبدو عشتار في كل الثقافات مصحوبة بالأفعى في كثير من الأعمال ~~التشكيلية التي تصورها؛ فعشتار البابلية تلبس على رأسها تاجا على ~~هيئة أفعى ذات رأسين (شكل # 4-9 ~~)، وديمتر تعطي ~~تريبتوليموس سنبلة القمح الأولى وراءها تنتصب الأفعى (شكل # 4-14 ~~)، والأم الكريتية الكبرى تمسك بيدها الأفاعي ~~أو تلتف حول جسدها (الشكل # 4-17 ~~)، وإيزيس ينتصب ~~عن يمينها ويسارها أفعوانان عملاقان، وفي أفق ms107 السماء يظهر الهلال ~~في يومه الأول (الشكل # 4-15 ~~). # شكل 4-15: إيزيس والأفعى. # شكل 4-16: الإناء الفخاري والأفعى إسبرطة. # شكل 4-17: رحيا والأفعى. # وقد ينوب عن الأم الكبرى الإناء الفخاري، رمزها القديم، فتلتف ~~عليه الأفعى كما تلتف على جسد الأم الكريتية (الشكل # 4-16 ~~)، والنساء الجورجونات في الميثولوجية ~~الإغريقية تنطلق الأفاعي من رءوسهن بدل الشعر، وكذلك الميدوزا التي ~~تحول نظرتها الرجال إلى حجارة. وفي هذا المجال نتذكر نص أبوليوس ~~السالف الذكر عن الأم القمرية الواحدة التي قدم لها صورة أدبية ~~رائعة وهي تطلع من البحر: «كان شعرها الطويل الغزير ينسدل جدائل ~~مستدقة الأطراف على عنقها الجميل. فوقه إكليل شبكت إليه كل أنواع ~~الورود، وحول الرأس قرص نوراني يسطع كمرآة، أو كوجه القمر البهي، ~~مما أنبأني عن حقيقتها. وكان أفعوانان ينتصبان من يديها اليمنى ~~واليسرى، ليسندا ذلك القرص وإلى جانبهما تنطلق سنابل ~~القمح.» # إن حية الأم الكبرى هي رمز معقد ومتشابك، ولكنه في جانبه الأساسي ~~يشير إلى خصائص عشتار القمرية وخصائصها الإخصابية أيضا. ففي الشكل ~~( # 4-14 ~~) نجد الأفعى تنتصب خلف ديمتر في ~~اللحظة التي تسلم فيها سنبلة القمح الأولى إلى الشاب الذي سيوزعها ~~في جميع أنحاء العالم. وفي وصف أبوليوس تنطلق سنابل القمح على جانب ~~الأفعوانين اللذين يسندان قرص القمر. كما اعتبرت الحية بمنزلة روح ~~للشجرة، وحارسة لمياه الينابيع، نجدها في كثير من الأعمال ~~التشكيلية وقد التفت حول الشجرة ومن تحتها تنبثق مياه الينبوع، ~~كما هو الحال في الشكل رقم ( # 4-18 ~~) الذي يمدنا ~~أيضا بمثال عن الحية ذات القرون. وهذه العناصر الثلاثة: الشجرة ~~والأفعى والنبع، تتكرر في كثير من الرسوم. وفي بعضها يغلب على ~~المشهد جو فردوسي تنتعش فيه كل أنواع النباتات، مما يشير إلى أن ~~الأفعى هي رمز لخصب الطبيعة بشكل عام، إلى جانب كونها روحا للشجر ~~والغاب. وفي كثير من النقوش والرسوم، سواء في العالم اليوناني ~~الروماني أو في الشرق القديم، تبدو الحية محاطة بكل رموز الخصب، ~~وخصوصا سنابل القمح؛ مما يدل على أنها كانت موضوع عبادة وتقديس ~~باعتبارها تجليا لقوى ms108 الخصوبة. # 48 # شكل 4-18: عشتار الأفعى، روح الشجرة وحارسة المياه - رسم ~~إغريقي. # ففي بلاد اليونان كان معبد دلفي مكرسا للأم - الأرض «جايا» ~~وكانت تحرسه، كما تروي الأساطير المتأخرة، الأفعى العملاقة بيثون، ~~إلى أن جاء الإله أبولو فقتل الأفعى واغتصب المعبد الذي صار منذ ~~ذلك الوقت مكرسا لأبولو. # 49 # إلا أن كاهنة دلفي التي كانت تصدر النبوءات وتكشف ~~الغيب منذ القديم في معبد جايا، قد بقيت موكلة بالنبوءة في معبد ~~أبولو، وحافظت على اسم الحية بيثون. # 50 # كما بقيت حيات الأم الكبرى ترتع في بعض معابد ~~أبولو على أنها من نسل أفعى جايا، وكان لها كاهنات مخصصات ~~يخرجنها من مخبئها في مناسبات خاصة، ويقدمن لها الطعام وهن ~~عاريات. فإذا تقدمت الحيات بهدوء وسكينة فالتقطت طعامها دون أن ~~تخيف الكاهنة، كان ذلك بشيرا بمواسم طيبة وسنة خالية من الكوارث ~~والأمراض. أما إذا حدث العكس، كان ذلك نذيرا بشر مستطير قادم، # 51 # وهذه الطقوس بقية باقية من طقوس أفعى الأم الكبرى. وفي ~~الديانة الديونيسية - الأورفية، كانت الأفعى تعبد باعتبارها الإله ~~ديونيسيوس نفسه، وهناك بعض الأعمال التشكيلية الأورفية تظهر الأفعى ~~المجنحة، ديونيسيوس، ملتفة حول نفسها وحولها عدد من الرجال والنساء ~~عراة في وضع التقديس والتعبد. # 52 # وقد انتقلت عبادة الأفعى من ديانات الخصب إلى ديانات ~~الخلاص السرية التي انبثقت عنها. ففي الطقوس الخاصة ببعض هذه ~~الديانات، كان المحتفلون يحتفظون بحية في سلة ثم يخرجونها في لحظة ~~معينة من الطقوس لتمثيل اتحاد العابدين بالإله المخلص. وقد تنوب ~~عن الأفعى الحقيقية أفعى مصنوعة من الذهب. # 53 # هذه الأفعى الذهبية تذكرنا بالحية التي صنعها موسى لقومه في ~~قفر سيناء: «فأرسل الرب على الشعب حيات محرقة فلدغت الشعب، ومات ~~قوم كثيرون من إسرائيل. فأتى الشعب إلى موسى وقالوا: أخطأنا إذ ~~تكلمنا على الرب وعليك، فصل إلى الرب ليرفع عنا الحيات، فصلى ~~موسى لأجل الشعب، فقال الرب لموسى: اصنع حية محرقة وضعها على ~~راية، فكل من لدغ ونظر إلى حية النحاس يحيا.» # 54 # ومن الغريب فعلا أن يقوم موسى ms109 بصنع تمثال نحاسي للحية ~~بعد أن تلقى أمرا من الرب يقول: «لا تصنع لك تمثالا منحوتا ~~ولا صورة ما، مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت، وما في ~~الماء من تحت الأرض.» # 55 # والتفسير الوحيد لقيام مؤلفي التوراة بإيراد هذه ~~الرواية، هو تبرير عبادة الأفعى التي كانت قائمة لدى اليهود، والتي ~~استمرت حتى زمن طويل بعد موسى بتأثير الديانات السورية المحيطة ~~بهم. فبعد ما ينوف عن الأربعمائة سنة من وفاة موسى، نجد نصوص ~~التوراة ما زالت تتحدث عن عبادة الأفعى؛ فهذا هو الملك حزقيا: «قد ~~عمل المستقيم في عيني الرب حسب كل ما عمل داود أبوه وهو أزال ~~المرتفعات، وكسر التماثيل، وقطع السواري، وسحق حية النحاس التي ~~عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ~~ودعوها نحشتان.» # 56 # ولعل عبادة الأفعى لدى العبرانيين ترجع في أصولها إلى ~~تاريخ أبعد من موسى. يدلنا ذلك اسم القبيلة التي كانت تمسك بزمام ~~الكهنة في الديانة اليهودية وهي قبيلة اللاويين، أو بني لاوي؛ إذ ~~أن لاوي يشترك في جذره في اللغة العبرانية مع اسم لواياتان؛ أي: ~~الحية. # وكما كان لكل فردوس حيته التي تعبر عن روح الشجر والغاب، كذلك ~~كان فردوس يهوه الذي غرسه شرقي عدن. فبعد أن أينعت الجنة ~~التوراتية، وصنعت حواء من ضلع آدم، تسلل رمز الحية لإكمال المشهد: ~~إن شجرة المعرفة التي زرعها الرب في وسط الجنة، والتي تظهرها ~~الأعمال الفنية منذ القرون الوسطى وقد التفت حولها توسوس في أذن ~~المرأة، لتبدو نسخة تامة الشبه بشجرة الأم الكبرى وحيتها الموضحة ~~في الشكل ( # 4-18 ~~)، وغيره من الأعمال القديمة ~~التي تعالج الموضوع نفسه. ونحن هنا أمام تبديات للأم الكبرى في ~~مركز الفردوس التوراتي. فحواء هي نموذج إنساني مصغر لعشتار سيدة ~~الحياة، واسمها نفسه يعني الحية أو سيدة الحياة؛ لأن كل الحيوات ~~المقبلة إلى نهاية الزمن مودعة في صلبها، والشجرة هي أيضا عشتار ~~مركز الفردوس النباتي. والحية هي روح الطبيعة التي تطلب من المرأة ~~أن تبقى لصيقة بها ms110 ولا تنصاع لشرائع الذكر الذي بدأ بالانفصال عن ~~الطبيعة. وليس الأمر الذي أعطاه الرب لآدم بألا يأكل من الشجرة، ~~إلا تعبيرا عن شرائع الذكر نفسه، التي سنها وعمل على الالتزام ~~بها لتنظيم ارتقائه عن القانون الطبيعي، بلجوئه إلى قانون من صنعه. ~~ولكن شرائع الذكر تسقط أمام إصرار المرأة على الوفاء للطبيعة، ~~فتصغي لنداء عشتار الذي تهمس به الحية وتأكل من الثمرة المحرمة ~~متحدية شرائع الذكر، ثم ينسى الذكر شرائعه ويتحد بالأنثى تحت شجرة ~~عشتار، إلى أن يصحو على صوت الرب الغاضب، صوت ضمير الرجل الذي وضع ~~نصب عينيه الخروج من مملكة الطبيعة. يأخذ الرجل بيد أنثاه ويطرد ~~نفسه من جنة عدن، براءة الإنسان الأولى، ويدخل عالما من صنعه هو؛ ~~عالم البناء والتشييد، عالم التصعيد، عالم حضارة لا تحاكي الطبيعة ~~بل تقف ندا لها. # وقد استمرت عبادة الحية التي عبدها العبرانيون تحت اسم نحشتان ~~قائمة في المذاهب الغنوصية، التي تشكلت نتيجة لقاء عدة روافد من ~~ثقافات الشرق القديم والفلسفة اليونانية والمسيحية الجديدة. يخبر ~~القديس هيبوليتوس عن معتقدات إحدى هذه الفرق في عام 230م فيقول: ~~«كانوا يعبدون فقط الحية «نعاس» أو «نحاش»، ويؤمنون بأن كل معابد ~~الأرض يجب أن تكون مكرسة لها، وكل الطقوس يجب أن تقوم من أجلها ~~وبحضورها داخل المعبد.» # 57 # ومن الملاحظ أن اسم نحاش ما زال يطلق في اللغة السورية ~~المحكية على الأفعى، مع بعض التعديل في ترتيب الحروف؛ إذ يسميها ~~الناس «حنش». وفي خبر آخر عن معتقدات بعض هذه الفرق أنهم: «كانوا ~~يحتفظون بحية في صندوق إلى يوم الطقوس، ثم يخرجونها ويدعونها تزحف ~~فوق أرغفة من الخبز موضوعة أمامها. بعد ذلك يكسرون الخبر ويوزعونه ~~بينهم، ويقوم كل واحد منهم بتقبيل الحية في فمها؛ ذلك أن الحية قد ~~تم تدجينها بتميمة سحرية، ثم يخضعون أمامها ويصلون، ويرسلون من ~~خلالها ترتيلة للإله الأب الذي في السماوات.» # 58 # شكل 4-19: الصليب والأفعى في الحمامة - نقش من الفترة ~~المسيحية الأولى. # هذا وقد دخل رمز الأفعى في التفسيرات الماورائية لفرق غنوصية ~~أخرى. ms111 عن هذا يخبر القديس هيبوليتوس أيضا: «يتألف الكون بالنسبة ~~لهم من الأب والابن والمادة. يتوسط الابن، وهو اللوغوس، بين الأب ~~والمادة، وهو الأفعى التي تنوس أبدا بينهما، فتأخذ قوى الأب ~~وتطبعها على المادة التي كانت أصلا بلا شكل أو هيئة. ولا يمكن ~~لأحد أن ينجز خلاصه وينهض من عالم الأموات إلى الأبدية بدون الابن، ~~الذي هو الأفعى؛ لأنه هو الذي زود هذا العالم بالصورة والشكل، من ~~الماهية العلوية الكائنة عند الأب، وهو الذي سيرفع معه المستيقظين.» # 59 # هذه المعتقدات الغنوصية عن الابن - الأفعى، المخلص، ~~لم تتأثر بالعبادات العشتارية وبعبادات الخلاص المتفرعة عنها، بل ~~إنها لتجد سندا لها في العهد الجديد نفسه. نقرأ في إنجيل يوحنا: ~~«وكما رفع موسى الحية في البرية، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان، ~~لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية؛ لأنه هكذا ~~أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به، ~~بل تكون له الحياة الأبدية.» # 60 # لقد فتحت هذه الفقرات من إنجيل يوحنا الباب على ~~مصراعيه لدخول رمز الأفعى إلى الفنون التشكيلية المسيحية. ففي ~~الشكل رقم ( # 4-19 ~~) نجد الأفعى والصليب وحمامة ~~الروح القدس في تكوين رمزي واحد. أما في الشكل ( # 4-20 ~~) فنجد الأفعى مرفوعة على الصليب رمزا ~~للمسيح نفسه. # شكل 4-20: المسيح - الأفعى على الصليب، ألمانيا القرن ~~السادس عشر. # ولقد وجهت الميثولوجيا الذكرية، هنا أيضا، هجوما ضد هذا الرمز ~~العشتاري المرتبط بعبادة الأم الكبرى، ونكاد لا نعثر على إله شمسي ~~أو سماوي لم يدخل في صراع مميت مع أفعى الأم الكبرى. ولعل هذا ~~الصراع يعكس صداما موغلا في القدم تم عند مشارف التاريخ ~~المكتوب، بين الديانات الأمومية القديمة والديانات الذكرية ~~الصاعدة، وانتهى بتدمير معابد الأم الكبرى، وقتل كاهنتها التي ~~ترتدي جلد الأفعى وقناعها، وتحطيم تماثيل الحية المعدنية داخل ~~الحرم. فالإله أبولو، كما تروي الأسطورة الإغريقية، # 61 # قد تصدى بعد ولادته بأربعة أيام فقط للأفعى «بيثون» ~~أفعى الأم جايا وبنت الأرض. وفي المكان الذي قتلها فيه، بنى معبده ms112 ~~الجديد في دلفي. ولكننا نعرف من مصادر إغريقية أخرى أن معبد دلفي ~~قديم العهد جدا، وكان مكرسا للأم - الأرض جايا قبل أن يصبح ~~معبدا لأبولو، الأمر الذي يلقي ضوءا على هذه الأسطورة، ويضعها ~~في سياقها التاريخي الصحيح. فالإله أبولو لم يبن معبدا جديدا، ~~بل اقتحم وراء كهنته معبد الأم جايا، وقتل حيتها، وجعله معبدا ~~له. # وفي الميثولوجيا الإغريقية أيضا، يصرع زيوس أفعى الأم الكبرى ~~ممثلة بالأفعوان الهائل «طيفون» أصغر أبناء الأرض جايا، الذي تصوره ~~الرسوم على هيئة أفعى مجنحة ذات رأس بشري وذراعين. أما الأساطير، ~~فتخبر في وصفه أن رأسه يناطح النجوم، وذراعيه تمتدان من مشرق الشمس ~~إلى مغربها، ومن كتفه تنبعث مئات من رءوس الأفاعي، التي تمد ألسنة ~~طويلة يخرج منها اللهب الحارق، فإذا زمجر رددت الجبال صدى صوته ~~الرهيب واهتزت مساكن الآلهة في أعالي الأوليمب، وإذا تحرك ارتجت ~~الأرض وأضاء لهب أنفاسه الساخنة سطح بحر الظلمات، وغلت مياه ~~المحيطات فتفرقت أمواجها تلطم الشواطئ. وقد كاد هذا الأفعوان أن ~~يغدو سيد الخليقة، لولا أن تغلب زيوس على خوفه وتقدم لصراعه، فشطره ~~بالصواعق ودفع به إلى العالم الأسفل. ومن هناك بقيت تصدر منه ~~العواصف التي تحرك المحيطات وتغرق السفن وتحطم ما يبنيه البشر على السواحل. # 62 # وفي بلاد الرافدين تكثر الأعمال التشكيلية التي تظهر صراع الإله ~~مع تنانين أفعوانية. كما نجد في أسطورة الإله مردوخ والأفعوان لابو ~~جوا شبيها بجو أسطورة زيوس وطيفون. فكما كان طيفون ابنا للأم ~~الأولى جايا، كذلك الأفعوان لابو الذي كان ابنا للأم الأولى ~~تعامة، خرج من أعماق البحر البدئي القديم مهددا مجمع آلهة بابل، ~~وكاد يقضي عليهم جميعا لولا أن تصدى له أحد الآلهة (ربما مردوخ) ~~فصرعه بالزوابع والأعاصير، وترك أشلاءه في السماء باقية حتى الآن ~~مشكلة درب المجرة المضيء. # 63 # وفي الميثولوجيا العبرانية، يقوم يهوه أيضا بالصراع ضد الأفعى ~~«لوياتان» ويقضي عليها: «في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي ~~العظيم لوياتان الحية الهاربة، لوياتان الحية الملتوية، ويقتل ~~التنين الذي في البحر.» # 64 # وأيضا: «أنت ms113 شققت البحر بقوتك، كسرت رءوس التنانين ~~على المياه، أنت رضضت رءوس لوياتان جعلته طعاما للشعب.» # 65 # كما نجد وصفا للوياتان يذكرنا بوصف لابو: «من يفتح مصراعي ~~فمه، دائرة أسنانه مرعبة، عطاسه يبعث نورا وعيناه كهدب الصبح، من ~~فمه يخرج مصابيح، شرار نار تتطاير منه. من منخريه يخرج دخان، عند ~~نهوضه تفزع الأقوياء، يحسب الحديد كالتبن، والنحاس كالعود النخر، ~~يضيء السبيل وراءه.» # 66 # سيدة الحيوان # إن سيدة الغاب والبراري ~~الوحشية والطبيعة البكر، هي سيدة عالم الحيوان، تظهرها رسوم ~~ومنحوتات العصر النيوليتي في صحبة حيواناتها، أو ممتطية صهواتها، ~~أو حاملة أشبالها على كتفيها. ففي الشكل رقم ( # 4-21 ~~) وهو منحوتة من شتال حيوك، نجد الأم الكبرى ~~في شكلها النمطي جالسة على الأرض وعلى كتفيها زوج من الفهود، التي ~~كانت في ميثولوجيا شتال حيوك رمزا للحياة الطبيعية الوحشية، ~~ورمزا لقوة الأم الكبرى وبأسها. وإضافة إلى ظهور هذه الحيوانات ~~إلى جانب الإلهة في تماثيلها ورسومها، فإن أشكالها تزين جدران ~~المعابد، لا باعتبارها موضعا للتقديس والعبادة بذاتها، بل ~~باعتبارها رمزا لسلطة الأم الكبرى على الحياة البرية، وكانت ~~الإلهة نفسها تبدو في بعض الأعمال التشكيلية لشتال حيوك وقد ارتدت ~~جلود الفهد، أو تجلس على عرش تحمله الحيوانات المختلفة. # 67 # وفي عصور الكتابة اللاحقة تتابع عشتار ظهورها كسيدة للحيوانات في ~~جميع الثقافات؛ رغم الاتجاهات الدينية الجديدة التي تجعل الألوهة ~~المذكرة في صراع مع الحيوانات لا في وئام معها، شأن عشتار. ففي ~~مقارعة الحيوانات الكاسرة رمز لانفصال الرجل عن عالم الطبيعة ~~وترويضه لكل ما هو فطري وغريزي، سواء في داخله أو على المستوى ~~الطبيعي. وفي رعاية عشتار للحيوان رمز لوفاء المرأة لتكوينها ~~الأصيل كجزء من الطبيعة متحد معها لا منفصل ولا متسام عليها. لقد ~~صرع إله الشمس تنانينه ووحوشه الخرافية، وبنى فوق أشلائها عالما ~~من صنعه، تحكمه شرائعه وقوانينه الموضوعة، بينما بقيت الإلهة ~~القمرية مع حيواناتها جزءا من حكمة الطبيعة المتدفقة أزلا ~~وأبدا. # في بلاد الرافدين نجد ~~كثيرا من الأختام الأسطوانية تعالج موضوع سيدة الحيوان؛ إذ نجد ~~إنانا السومرية ms114 أو عشتار البابلية في وضع عار أو نصف عار وسط حشد ~~من مختلف أنواع الحيوانات. وفي بعض الأختام السومرية، نجد سيدة ~~الحيوان واقفة فوق تيس، وفي نحت من أوغاريت نجد عناة عارية الصدر ~~تمسك بيدها حزمتين من أوراق النبات، وعن يمينها وشمالها يشب تيسان ~~على أقدامهما الخلفية. وفي نحت أوغاريتي آخر نراها عارية فوق أسد ~~وبيديها الاثنتين ترفع حزمتين من النبات (شكل رقم # 4-22 ~~). وفي كريت تقف على مرتفع وعن يمينها ~~ويسارها أسدان (الشكل رقم # 2-12 # فصل الأم ~~الكبرى). # شكل 4-21: سيدة الحيوان - شتال حيوك، 6000ق.م. # وفي اليونان لا تكاد أرتميس تظهر في رسم أو نحت دون حيواناتها من ~~أيائل وغزلان وما إليها. والرسم الخزفي الموضح في الشكل رقم ( # 4-23 ~~) يظهر سيدة الحيوان واقفة وسط مجموعة متنوعة ~~من الحيوانات، باسطة ذراعيها في وضع من يهب الحماية والرعاية، وقد ~~زخرت أرضية الشكل برمز الصليب المعكوف. وجو العمل الفني هنا ~~يذكرنا بنص هوميري تبدو فيه الإلهة أفروديت كسيدة للحيوان: «من ~~ورائها مشت ذئاب غبراء تتمسح بها، وأسود ذات عيون متوحشة ودببة ~~وفهود ضامرة. وكانت الإلهة فرحة بها جميعا فأهاجت الرغبة في ~~صدرها، فانفردت أزواجا أزواجا تتضاجع في الوديان الظليلة.» # 68 # ومثل أفروديت تتجلى الحورية العشتارية «سيرسي» في ~~جزيرتها لأوديسيوس (= يوليسيس) الضارب في متاهات البحار: «حول ~~بيتها ترتع الذئاب وأسود الجبال. حيوانات لا تهاجم الرجل بل تشب ~~أمامهم وتتمسح بهم، محركة أذيالها ككلب ينتظر خروج سيده من البيت.» # 69 # وقد ارتبط بالأم الكبرى عدد من الرموز الحيوانية ذات الدلالة ~~العميقة، التي تشير إلى بعض خصائص الإلهة وسلطتها على مجالات معينة ~~من مجالات النفس الإنسانية والكون الأرحب. ولعل من أهم هذه الرموز، ~~رمز الأفعى الذي أفردنا له جزءا خاصا من هذا الفصل، ورمز ~~السمكة، ورمز الحمامة. # شكل 4-22: سيدة الحيوان - أوغاريت. # شكل 4-23: سيدة الحيوان - اليونان. # إن السمكة السابحة في أعماق ~~البحار المظلمة، كالقمر السابح في السماء المعتمة، هي الرمز الأكثر ~~تعبيرا عن الدوافع والغرائز الطبيعية الخافية للنفس. ومن ناحية ~~أخرى، فإن في رمز ms115 السمكة إشارة إلى المياه التي تشكل ثالث العوالم ~~الكبرى التي تقع تحت سيطرة الأم الكبرى، بعد عالم السماء والأرض. ~~فالأم الكبرى هي المياه البدئية الأولى التي تحرك المطلق في ~~أعماقها من حالة السكون إلى دينامية الخلق. وعلى المستوى الطبيعي، ~~هي مصدر المياه التي تتفجر ينابيعها وتجري أنهارا تملأ البحيرات ~~العذبة والبحار والمحيطات المالحة. لذا فقد بقي رمز السمكة مرتبطا ~~بالأم الكبرى رغم إعطاء عالم المياه للآلهة الذكور في ميثولوجيا ~~عصور الكتابة. فنرى السمكة مرسومة على رداء السيدة، كما هو الحال ~~في تمثال عشتار مدينة ماري السورية المعروف باسم ربة الينبوع، حيث ~~نراها في وضعية الوقوف ممسكة بجرة تميل فوهتها نحو الأمام وقد ~~اصطفت الأسماك على طول ثوبها الذي يلامس الأرض. وكما هو الحال في ~~الرسم الإغريقي الموضح سابقا في الشكل رقم ( # 4-23 ~~). ففي هذا الشكل يتخذ جسد الأم الكبرى كله هيئة جرة فخارية ~~ينثال الماء من وسطها تيارا نحو الأرض، وفي داخلها سمكة ترمز ~~للمياه الباطنية التي تولدها الجرة - الأرض جسد الأم الكبرى، ~~وتطلقها إلى الخارج. وفي سوريا كانت عشتار أحيانا تظهر في الأعمال ~~التشكيلية في هيئة امرأة نصفها الأسفل سمكة، وتدعى بعشتار - ديركيتو. # 70 # وهذا التجلي العشتاري السمكي هو الذي أمد الأساطير ~~والخرافات الشعبية بعنصر حوريات البحر. وإلى جانب الأعمال ~~التشكيلية، نجد في بعض ألقاب الأم الكبرى توكيدا على خصائصها ~~المائية البحرية؛ فعشتاروت الكنعانيين كانت تدعى بسيدة البحار، ~~وكذلك إيزيس. وفيما بعد، رفع البحارة السيدة مريم العذراء راعية ~~للمحيطات وحافظة للملاحين تحت اسم «نجمة البحر». # 71 # يقوم الطائر كرمز لرحلة عشتار عبر السماوات من مشارق الأرض إلى ~~مغاربها. وعشتار المجنحة، هي القمر السابح في الأعالي في رحلته ~~اليومية. يمثلها الفن الكنعاني في نحت بارز محفوظ في متحف دمشق، ~~وقد نشرت جناحيها اللذين يملآن الصورة، وعن يمينها ويسارها إلهان ~~أقصر منها قامة، يتطاولان ويشرئب عنقاهما ليرضعا من ثدييها ~~العاريين، ومثلها في ذلك الإلهة إيزيس التي غالبا ما يعيرها الفن ~~الفرعوني جناحين كبيرين، والتي تتحدث عنها النصوص الطقسية ~~والأسطورية بهذه الصفة: ms116 # إيزيس صاحبة السلطان وروح العدل، حمت أخاها، # بحثت عنه بلا كلل ولا أقعدها عناء، # ظللت جسده بريشها ورفت فوقه بجناحيها. # 72 # وعندما لا تبدو الأم الكبرى في هيئة الطائر، فإن ~~الطيور تظهر إلى جانبها في الأعمال التشكيلية، وقد تدخل هذه الطيور ~~في صلب طقوسها وعباداتها كما كان الأمر في ثقافة شتال حيوك ~~النيوليتية. فطائر النسر كان رمزا للأم الكبرى لشتال حيوك، نجده ~~في جميع معابدها وقد ملأ جناحاه جدار المعبد المقابل لتمثال الآلهة. # 73 # وهناك من الأدلة ما يشير إلى أن كاهناتها كن يلبسن ~~أردية من ريش النسور، ويضعن أقنعة على هيئة رءوس النسر خلال الطقوس ~~وتقديم القرابين. # 74 # هذا وقد بقي النسر رمزا للأم الكبرى في بعض ثقافات ~~عصور الكتابة، كما هو الحال في مصر، حيث أظهرت الأعمال التشكيلية ~~أحيانا الأم الكبرى برأس النسر. كما اعتقد المصريون قديما بأن ~~النسور كلها من جنس الإناث وأنها تحبل بواسطة الريح. # 75 # وفي الأعمال التشكيلية الإغريقية تظهر الطيور مرافقة لأرتميس كما ~~هو الحال في الشكل ( # 4-12 ~~) الموضح آنفا. إلا ~~أنها تظهر على وجه الخصوص مرافقة للإلهة أفروديت المشهورة ~~بحماماتها التي تنتشر حولها أو تهدأ بين يديها. ومع أفروديت يتخذ ~~رمز الطائر دلالة إضافية، فهي إلهة الحب الذي يجعل أفئدة البشر ~~تخفق كخفق أجنحة الحمام عندما تضطرم الجنبات بالعواطف. وابنها ~~الإله كيوبيد هو الإله الحمامة، الذي يطير دوما بجناحين أبيضين ~~فيرمي بسهامه قلوب البشر ليزرع فيها الحب والعشق. # وفي الأيقونات المسيحية منذ العصر البيزنطي، تبدو الحمامة كرمز ~~للألوهة، وللروح القدس الذي يهبط على السيدة مريم ليهبها غلاما. ~~وفي هذا النوع من الأيقونات التي تدعى بأيقونات البشارة، نجد ~~العذراء والملاك الذي يأتيها بالبشارة، ثم حمامة الروح القدس ~~البيضاء ترف داخل دائرة في الأعلى، تنحدر منها ثلاث حزم من نور على البتول. # 76 # وهذه الأيقونات تعتمد حادثة البشارة الواردة في العهد ~~الجديد موضوعا لها، عندما هبط الملاك يبشر مريم بمولودها: «فقالت ~~مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟ فأجاب الملاك وقال ~~لها: الروح ms117 القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك؛ فلذلك أيضا ~~القدوس المولود منك يدعى ابن الله.» # 77 # إن حمل مريم بابنها بعد هبوط الروح القدس عليها في ~~هيئة حمامة، هو استمرار (على المستوى السراني للحدث الأسطوري) ~~لفكرة الأم الكبرى المخصبة ذاتيا، والتي تلد ابنها دون معونة من ~~ذكر، بل بواسطة قواها الإخصابية المعكوسة نحو الخارج، والمستردة ~~إليها من ثم، وأم الإله هنا إنما تلتقي برمزها الخارجي الذي ~~يستقطب قواها الإخصابية ذاتها. ولسوف نعمل على توضيح هذه النقطة ~~الدقيقة في فصل «تموز الخضر» في هذا الكتاب. # وقد اعتمد رسامو الأيقونات البيزنطية على نصوص العهد الجديد ~~ذاتها، في إظهار الروح القدس، ثالث الأقانيم الثلاثة، في هيئة ~~الحمامة. نقرأ في إنجيل متى: «فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، ~~وإذا السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا ~~عليه، وصوت من السماوات قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت.» # 78 # وفي إنجيل يوحنا: «وشهد يوحنا قائلا: إنني قد رأيت ~~الروح نازلا عليه مثل حمامة من السماء فاستقر عليه.» # 79 # وفي إنجيل لوقا: «وإذا كان يصلي انفتحت السماء ونزل ~~عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء ~~قائلا: أنت ابني الحبيب الذي به سررت.» # 80 # وفي إنجيل مرقس: «وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة ~~الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن، وللوقت وهو صاعد من الماء رأى ~~السماوات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلا عليه.» # 81 # والروح القدس، الحمامة، هو أيضا رمز للحب في اللاهوت المسيحي، ~~لا للحب بمعناه الأرضي والأفروديتي، وإنما للحب البدئي الإلهي ~~الكامن خلف تبديات الكون: «فقبل الخلق والتكوين كان الإله - ~~الثالوث مؤلفا من الإله الأب، والإله الابن الذي هو الكلمة أو ~~اللوغوس قبل أن يتجسد فيما بعد على الأرض، والروح القدس، ومنذ ~~الأزل كان الابن موضع حب الأب ومسرته، وكان الروح القدس (= ~~الحمامة) هو الحب الساري بينهما.» # 82 # وفي كتاب التوراة تظهر الحمامة كرمز للبشارة الكبرى بالحياة ~~الجديدة فوق كوكب الأرض. فبعد أن هدأ الطوفان ms118 الكبير الذي غمر ~~الأرض وقضى على مظاهر الحياة فيها إلا ما حمل نوح معه في السفينة ~~الكبرى، أطلق نوح حمامته لاستطلاع الأرض. فعادت وفي منقارها غصن ~~زيتون أخضر، دلالة على انخفاض مستوى المياه وظهور رءوس الجبال الخضراء. # 83 # وما تزال حمامة عشتار هذه، التي بشرت بنجاة الحياة ~~فوق الأرض، رمزا للبشارة بنجاة العالم من الحروب وابتداء عصر سلام ~~بين الشعوب يعيد أدوار العهود الأمومية القديمة. # وفي الفلكلور والمعتقد الشعبي الإسلامي، ما زالت حمامة عشتار ~~مقدسة في شكل الحمامة المعروفة باسم «الستيتية» أي: حمامة الست. ~~وهذه الحماة تعامل بكثير من الاحترام والإكرام ويكره صيدها ~~وأكلها. فهي التي عزا إليها كتاب السيرة النبوية حماية الرسول ~~وصاحبه أبي بكر، عندما تواريا عن أنظار المشركين الذين طاردوهما في ~~هجرتهما إلى المدينة، فاختبآ في غار ثور، وجاءت الستيتية فاستقرت ~~عند باب الغار مطمئنة فوق بيضها؛ ما أبعد عن أذهان المشركين، لما ~~وصلوا المكان، فكرة وجود أحد داخله، كما ساعد على إنقاذ المتوارين ~~في الغار، نسيج القدر الذي تعزو نفس المصادر إلى العنكب بناءه فوق ~~مدخل غار ثور. # وأخيرا لا تزال حمامات عشتار جزءا من مملكة السماء في التقاليد ~~الدينية التي تصور الملائكة في هيئة مخلوقات نورانية، تخفق بأجنحة ~~الحمام. # سيدة الشفاء # خلال تجوالها الطويل في البرية بحثا عن الجذور والأعشاب الصالحة ~~للأكل، اكتسبت المرأة معرفة بفصائل الأعشاب وأنواعها وطرق الإفادة ~~منها، ثم قادتها الخبرات في هذا المجال إلى اكتشاف الخواص الشافية ~~لبعض الأعشاب، والخواص السامة المميتة لبعضها الآخر، فاستحلبتها ~~وصنعت منها الأكاسير، مضيفة بذلك نشاطا جديدا إلى نشاطاتها ~~التحويلية الخلاقة، ومتحكمة بسر آخر من أسرار الطبيعة، به تشفي وبه ~~تميت، سر أودعته عشتار الخضراء في نباتاتها ولم تكشف عنه إلا ~~لوكيلاتها على الأرض. إن سيدة الحياة هي من يستعيد المريض إلى ~~الحياة، وسيدة النبات التي أخرجت الحب والمرعى، فجعلته طعاما ~~للبشر والحيوان، هي من وضعت فيه سرا آخر من أسرار الحفاظ على ~~الحياة. # تظهر عشتار البابلية كسيدة للشفاء في التراتيل والصلوات التي ~~تركتها لنا ثقافة ms119 بلاد الرافدين، كما نستطيع متابعة هذه الخصيصة ~~لدى معظم تجليات الأم الكبرى في شتى الثقافات. إلا أن إيزيس ~~المصرية تقدم لنا أوضح مثال عن الأم الكبرى الشافية؛ فإيزيس # 84 # هي التي اكتشفت الأدوية الشافية الأولى، وكانت حاذقة ~~في فنون الطب، تمد يد العون لكل جسد عليل يطلب رحمتها، وغالبا ما ~~كانت تظهر في أحلام المرضى لتعطيهم الراحة وتدلهم على سبيل الشفاء، ~~ويقال إن الأعمى كان يبصر والكسيح يمشي بتأثير لمستها الشافية. وقد ~~وصلت قدراتها الشافية حد إقامة الموتى من مضجعهم. ومن بعدها برع ~~ابنها حورس في هذا المجال، فاكتسب منها أسرار الشفاء، وقدم للبشر ~~خدمات جلى. # أما السيدة مريم العذراء فقد حافظت على لقب «سيدة الصحة»، # 85 # وتدعوها الصلوات المريمية بشافية أسقام النفس وأوجاع ~~الجسد. ويؤمن الناس إلى اليوم بالقدرة الشافية لبعض تماثيل ~~العذراء، كما يروون عن معجزات ظهورها في الحلم لبعض المرضى الميئوس ~~منهم، وشفائها لهم عن طريق اللمس. لمسة الشفاء هذه، يعزوها المعتقد ~~الشعبي الإسلامي إلى السيد «الخضر» فيقولون عن الدواء الشافي ~~الفعال بأنه يشبه لمسة الخضر. واسم الخضر، بفتح الخاء وكسر ~~الضاد، يعني الأخضر، وهي صفة قديمة للإله تموز البابلي ابن الأم ~~الكبرى عشتار، الذي كان من بعدها تجسيدا لروح النبات. وليس الخضر ~~في الواقع إلا استمرارا في الخيال الشعبي لذلك الإله الزراعي، ~~الذي يجدد حياته في كل عام بالموت والبعث، وهو مثله السيد الحي في ~~كل زمان ومكان. # كما كانت الحية رمزا لعشتار الخضراء، روح الإنبات والخصوبة؛ فقد ~~كانت أيضا رمزا لعشتار الشافية؛ ففي سومر يظهر رمز الأفعوانين ~~المتقابلين الملتفين على عصا (الشكل # 4-24 ~~) ~~كرمز لإله الشفاء ننجزيدا (وهو أحد أشكال الإله تموز)؛ وذلك منذ ~~أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، وقد انتشر هذا الرمز نحو الهند ~~شرقا منذ زمن مبكر جدا، وقبل اجتياح القبائل الهندو أوروبية، ~~وما زال قائما إلى اليوم في التقاليد الفلكلورية لوسط جنوب الهند ~~وبشكله السومري القديم؛ إذ يعتقد الهنود بقدرة هذا الرمز على إعطاء ~~الخصوبة للنساء العاقرات، فينحت على حجر يغمر مدة ms120 ستة أشهر بماء ~~البحيرة لإكسابه قوة الحياة، ثم يخرج فينصب تحت إحدى الأشجار. كما ~~انتشر الرمز غربا نحو اليونان وصار رمزا لإله الطب «أسكليبيوس»، # 86 # وعند الرومان ارتبط بسنابل القمح كرمز للخصب، # 87 # الشكل ( # 4-25 ~~). # شكل 4-24: الكاديكيوس السومري. # شكل 4-25: الكاديكيوس اليوناني الروماني. # وقد دعي هذا الرمز لدى اليونان والرومان بالكاديكيوس. ونستطيع ~~ملاحظة وجود واستمرار هذا الرمز حيا في الشرق القديم، من حكاية ~~حية النحاس التي رفعها موسى في القفر لشفاء العبرانيين، فتلك الحية ~~لم تكن سوى أفعوان ملتف على عصا. # عن أسكليبيوس إله الطب، تقول الأسطورة الإغريقية: إنه كان ابنا ~~لأبولو، علمه السنتور (وهو مخلوق نصفه حصان ونصفه إنسان) الطب ~~فنشأ بارعا فيه لدرجة أنه كان قادرا على إحياء الموتى ، كما كان ~~مدينا ببراعته للأفعى التي علمته أسرار النبات وخصائصه. ولكن كبير ~~الآلهة زيوس قضى على إله الصحة والشفاء بصواعقه المميتة؛ لأنه كان ~~يهدد سلطان العالم الأسفل بإنقاصه عدد الموتى. إلا أن أسكليبيوس قد ~~تابع مهمته في شفاء الناس بعد موته، فكان يظهر في أحلامهم ويدلهم ~~على سبل الشفاء. تمثله الأعمال التشكيلية على هيئة رجل حكيم في ~~أواسط العمر، يتوكأ على عصا تلتف عليها أفعى. وقد تظهر الأفعى ~~وحدها باعتبارها إله الشفاء نفسه. ترك أسكليبيوس وراءه ابنته هيجيا ~~التي صارت من بعده إلهة للصحة. # 88 # إلى جانب الأفعى التي علمت إله الطب أسرار النباتات والأعشاب ~~الشافية، نجد في الميثولوجيا الإغريقية، أفعى أخرى أعطته بعد موتها ~~دمها الذي يشفي والذي يميت. وهي المرأة الأفعى ميدوزا، التي قتلها ~~البطل نصف الإله بيرسيوس في جملة أعماله البطولية الخارقة. وقد ~~أعطى دمها لأسكليبيوس الذي جمع دماء أوردتها اليمنى في إناء آخر، ~~فكان بدم الجهة اليمنى يشفي وبدم الجهة اليسرى يعطي السم القاتل. # 89 # ومن الملفت للنظر حقا أن نجد العناصر الرئيسية لهذه ~~الأسطورة تتكرر في حكايات ألف ليلة وليلة. فالأسطورة عندما تتدهور ~~وتفقد سيطرتها وتأثيرها، تتشظى إلى خرافات مبعثرة في الفلكلور ~~والحكايات الشعبية، إلا أن رموزها مع ذلك تبقى حية متوهجة رغم ms121 ~~الرماد المتراكم فوقها. ففي حكاية حاسب الدين نجد الميدوزا، الأفعى ~~العشتارية، في شخصية ملكة الحيات التي تقتل ويؤخذ من جسدها مستحضر ~~يشفي ومستحضر يميت وثالث يهب الحكمة: # شكل 4-26: الأفعى وإناء عشتار - كريت. # يجد حاسب الدين نفسه في بئر مهجورة مظلمة بعد أن خانه زملاؤه ~~وتركوه ليموت هناك، ولكنه يفلح في ثقب جدار البئر بحثا عن مخرج، ~~فينفتح أمامه ممر طويل يسلكه ليصل إلى باب ذي مقبض ذهبي، يفتح حاسب ~~الدين الباب فيجد نفسه أمام حديقة عظيمة يضيئها نور باهر، وتتوسطها ~~بحيرة ماء في مركزها تل من الزبرجد الأخضر، عليه سرير منصوب من ~~الذهب حوله اثنا عشر كرسيا. يتجول حاسب الدين ممتعا أنظاره ~~بمشهد الحديقة، ثم يصعد إلى السرير حيث يغفو زمنا ليفيق على صوت ~~فحيح وصفير، ويرى على الكراسي حيات عظيمة، طول كل منها مائة ذراع، ~~والماء من حوله قد امتلأ بحيات صغيرة لا يعلم عددها إلا الله. ثم ~~تقبل على المكان حية عظيمة على ظهرها طبق من ذهب في وسطه حية تضيء ~~مثل البلور ووجهها كوجه إنسان تتكلم بلسان فصيح، فيعلم أنها ملكة ~~الحيات، تطمئنه وتعطيه الأمان، ولكنها تخبره بأن في خروجه إلى سطح ~~الأرض خطرا على حياتها؛ لأنه مكتوب منذ القدم أن نهايتها ستكون ~~على يد رجل يعرف مكانها ويدل عليها، ولذا فإن عليه أن يبقى ضيفا ~~عليها وينسى إلى الأبد حياته السابقة. يمر عامان كاملان وحاسب ~~الدين في أسر وضيافة ملكة الحيات، لا ينقصه شيء سوى الحرية في ~~العودة إلى بيته وبلده. وكان لا يكف عن الشكوى إليها والتوسل من ~~أجل إطلاق سراحه، واعدا إياها بحفظ سرها كما حفظت حياته. تلين ~~الملكة أخيرا وتقرر الإفراج عن حاسب الدين تحت شرط واحد؛ هو ألا ~~يدخل أحد حمامات المدينة طيلة حياته، فيتعهد بحفظ الوصية، ويجد ~~نفسه عند فوهة البئر الذي تركه فيه رفاقه. بعد مدة من الزمن يضطر ~~حاسب الدين تحت ظروف قاهرة إلى دخول الحمام العام، وما إن يسكب ~~الماء على جسمه، حتى تظهر على بطنه بقعة ms122 زرقاء كبيرة، تلفت نظر ~~جواسيس الوزير، الذين بثهم في كل حمامات المدينة منذ زمن طويل؛ ~~بحثا عن رجل تظهر على بطنه مثل هذه البقعة؛ لأنه مكتوب منذ القديم ~~أن مثل هذا الرجل يعرف مكان ملكة الحيات التي لا شفاء للملك من ~~دائه العضال إلا بأكل لحمها. يأتي العسكر بعد قليل فيقتادون حاسب ~~الدين إلى ديوان الوزير، هناك وتحت الضغط والإرهاب، يفشي حاسب ~~الدين بمكان ملكة الحيات ويمضي مع الوزير إلى البئر التي نزل فيها، ~~حيث يتم استخراج الملكة عن طريق التمائم السحرية. في الطريق إلى ~~المدينة يعتذر حاسب الدين للأفعى عن خيانته للعهد، ويشرح لها ~~الظروف التي أكرهته على ذلك؛ ولكن الأفعى تطمئنه بأنها لا تكن له ~~أي حقد أو ضغينة، وأنها تسلم أمرها للقدر المكتوب الذي لم يكن حاسب ~~الدين إلا أداة له ومطية. ثم تكشف له عن سر خطير وهو أن جزءا من ~~جسدها يشفي ويحيي، وجزءا يميت، وثالثا يهب الحكمة. وتطلب منه ~~أن يشرف بنفسه على عملية ذبحها وتوزيع لحمها، فيعطي الملك الجزء ~~الذي يشفي، والوزير الجزء الذي يميت انتقاما منه على اقتيادها إلى ~~حتفها، ويأخذ لنفسه الجزء الذي يهب الحكمة. يفعل حاسب الدين حسب ~~مشيئة الحية؛ فيشفى الملك ويموت الوزير. أما هو فقد انفتحت له ~~أبواب السماء ورأى السماوات السبع وما فيهن إلى سدرة المنتهى، وصار ~~أكثر أهل عصره حكمة ومعرفة. # 90 # إن الأفعى في هذه الحكايا ما زالت محافظة على ثلاث خصائص للأم ~~الكبرى كإلهة للحياة والشفاء، وإلهة للحكمة، وقد درسنا إلهة الحياة ~~في هذا الفصل، وسنأتي إلى دراسة إلهة الموت وإلهة الحكمة في فصول ~~قادمة. # أخيرا، إن أفعى عشتار الشافية ما زالت قائمة بيننا اليوم ورمز ~~الكاديكيوس السومري، شارة الطب والشفاء، ما زال إلى الآن رمزا ~~للطب في جميع أنحاء العالم، نجده مطبوعا على الوصفات الطبية ~~وعبوات الأدوية، من دون أن نتساءل عن معنى ذلك الشكل المؤلف من ~~أفعوانين ملتفين بشكل متقابل على عمود. كما أننا لا نتساءل عن ~~معنى رمز طبي آخر، نراه ms123 مرسوما على أبواب الصيدليات ولافتاتها، ~~وهو الكأس التي تلتف حولها أفعى واضعة رأسها عند الفوهة. إن الكأس ~~هنا هو الإناء الفخاري، جسد الأم الكبرى، والحية حيتها وقوتها ~~الإحيائية وقدراتها الشافية. وهذا الرمز الطبي الثاني، قديم قدم ~~الرمز الأول، وعالجته الأعمال التشكيلية في الشرق القديم وكريت ~~واليونان. (شكل رقم # 4-26 ~~). # الفصل الخامس # | عشتار العذراء # يوم أحيل إلى فناء كل ما قد خلقت، # ستعود الأرض محيطا بلا نهاية كما في البدء. # وحدي، أنا، أبقى، # فأستحيل إلى أفعى كما كنت، # خفية عن الإفهام. # 1 # هذا ما تحدثت به عن نفسها الأم المصرية الكبرى، مختصرة ~~مبدأ الأشياء وحالها ونهايتها، فقبل البدء كان العماء، الظلمة الأزلية، ~~الأوقيانوس المائي بلا سطح أو قرار، التماثل الساكن قبل أن تخرج منه ~~الأشكال، الواحد قبل أن يتولد منه الكثير، التركيب المطلق قبل نشوء ~~المتناقضات، النقطة التي تملأ كل فراغ، الرحم المظلم الخصيب بكل ~~الممكنات، الأم الأزلية عشتار العذراء، الأفعى الكونية التي تستدير على ~~نفسها فتعض على ذيلها واصلة مبتدأها بمنتهاها. # هذه الحالة الأولى التي تتداخل فيها الظلمة والمياه والسكون، هي ~~الهيولى البدئية والمدار الأعظم الذي رمزت إليه ميثولوجيا الشعوب بشكل ~~الحية التي تعض على ذيلها (الشكل # 5-1 ~~) دلالة ~~الاكتمال الأزلي للمطلق قبل أن ينحل إلى مظاهر الكون المختلفة. فعشتار ~~كانت ولا شيء معها، قيومة بذاتها، مكتملة بنفسها، غنية عن العالمين. ~~وكانت عذراء لأنها ابتدأت الكون، فيما بعد، من خصبها الذاتي دون معونة ~~من مبدأ ذكري مشارك لها في أزلها، فتولدت عنها الموجودات كما يتولد ~~النور من مصدر الاحتراق، وإليها تعود الموجودات في نهاية الأزمان لتفنى ~~فيها، وتبقى وحدها لتلتف على نفسها، كما كانت، دائرة مكتملة، بعد أن ~~يهدأ صخب الوجود وتسكن حركة السالب والموجب وتتصالح المتناقضات. # شكل 5-1: الأوروبورس - الأفعى الكونية. # خرجت الدارة الأولى عن سكونها واكتمالها الأزلي لكي تظهر الكون إلى ~~الوجود، فتحركت على محورها ونتج عن حركتها السالب والموجب، اللذان نجم ~~عن تناوبهما وتناقضهما كل الموجودات تباعا، بدءا من أول نقيضين هما ~~السماء والأرض؛ السماء الموجبة والأرض ms124 السالبة؛ ففي الأسطورة السومرية ~~كانت الأم «نمو» محيطا بلا بداية أو نهاية أو قرار، ثم إن هذه الإلهة ~~أنجبت في أعماقها المظلمة كتلة هي جبل السماء والأرض. من لقاح السماء ~~للأرض ولد الهواء الذي تمدد فباعد بين أبويه، وهكذا ظهرت معالم الكون الأولى. # 2 # هذه الحركة الأمومية التلقائية التي خرج بها المطلق المؤنث ~~عن سكونه وانحل إلى الكون المادي، تكررها أسطورة التكوين البابلية ~~إبان نضج الثقافة الذكرية، بشكل مختلف يتفق مع معطيات الثقافة ~~الجديدة. فخروج الأم الأولى من حالة العماء والهيولى الأولى لا يتم إلا ~~كرها، حيث يشن عليها أولادها الذكور، الذين ولدتهم في أعماق رحمها ~~المائي، حربا شعواء بقيادة كبيرهم مردوخ الذي يقتلها ويشطر جسدها إلى ~~قسمين؛ واحد يرفعه فيجعله سماء وثان يبسطه أرضا وبحارا. ولكن الحبكة ~~الذكرية للأسطورة لا تخفي أصلها الأمومي القديم الذي أعطتنا الأسطورة ~~السومرية صورة قريبة منه، حيث يتم الخروج من حالة الأوروبوروس المغلق ~~إلى حالة الكون المتحرك طوعا ورغبة من الأم الأولى في إنجاب ~~العالم. # تشير أسطورة التكوين البابلية إلى الأم تعامة باسم الأم «هابور» ~~خالقة الأشياء جميعا. ونفهم من سياق النص أنها كانت على هيئة تنين أو ~~أفعى، وفي نفس الوقت يقدمها مطلع الأسطورة على أنها المياه ~~البدئية: # عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء. # وفي الأسفل لم يكن هناك أرض، # لم يكن سوى آبسو أبوهم، # وممو وتعامة التي حملت بهم جميعا، # يمزجون أمواههم معا. # 3 # يقدم لنا هذا المقطع المكثف صورة كاملة عن حالة ~~الأقيانوس المائي البدئي المنكفئ على نفسه في صمت وسكون أزلي. فالأم ~~الأولى تعامة قد أنجبت في داخلها «آبسو» وتزوجته، وعنهما نتج «ممو»، ~~إلا أن هذين الاثنين لم يكونا إلا من ذات طبيعتها، ووجودهما كان مكملا ~~لوجودها. ولم تبدأ الحركة ويخرج الأوروبوروس عن تمامه إلا مع الجيل ~~الثاني والثالث من الآلهة الذين بدءوا يهزون جوف تعامة ويملئون بطنها ~~صخبا وضجيجا. # وتجمع الصحب المؤلهون، # أزعجوا بحركتهم جوف تعامة، # يروحون جيئة وذهابا في مسكنهم المقدس. # هنا تحصل المواجهة بين السكون الأزلي ms125 والحركة التي ~~تريد كسر الدارة والخروج إلى حالة جديدة: # فتح آبسو فمه قائلا لتعامة بصوت مرتفع: # لقد غدا سلوكهم مؤلما لي، # في النهار لا أستطيع راحة وفي الليل لا يحلو لي رقاد، # لأدمرنهم وأضع حدا لفعالهم، # فيخيم الصمت ونخلد بعدها للنوم. # ولكن آبسو يخسر المعركة فيقتله الإله «إنكي» ويأسر ~~ابنه ممو. وتجد تعامة نفسها أمام المعركة الفاصلة التي يتوجب عليها ~~دخولها كارهة ضد أبنائها الآلهة بقيادة الإله الشمسي مردوخ: # الابن الشمسي، وشمس السماوات، # مثل نوره كنور عشرة آلهة معا. جبار عتي، ~~(ولكنها تخسر المعركة ويجهز عليها مردوخ بعد معركة ~~مهولة): # نشر الرب شبكته واحتواها في داخلها، # وفي وجهها أفلت الرياح الشيطانية التي تهب وراءه، # وعندما فتحت فمها لابتلاعه، # دفع في فمها الرياح الشيطانية فلم تقدر له إطباقا، # وامتلأ جوفها بالرياح الصاخبة، # فبطنها منتفخ وفمها فاغر على اتساعه، # ثم أطلق الرب من سهامه واحدا مزق أعماقها، # تغلغل في الحشا وشطر منها القلب، # فلما تهاوت أمامه أجهز على حياتها، # طرح جثتها أرضا واعتلى عليها، ~~... # وقف على جزئها الخلفي، # وبهراوته العتية فصل رأسها، # وقطع شرايين دمائها، # التي بعثرتها ريح الشمال إلى الأماكن المجهولة. # بعد ذلك يشطر جسدها فيصنع منهما السماء والأرض ويتابع، ~~من ثم، بقية أعمال الخلق. # إن هذه الملحمة المليئة بالزخرف والتهويل لا تعدو أن تكون بناء ~~مصطنعا فوق الأساس البسيط الذي رأيناه في أسطورة الأم السومرية «نمو». ~~فإذا نحينا جانبا المداخلة الذكرية التي أقحمت الذكر الأسمى مردوخ ~~على سياق الأسطورة الأصلية، موكلة إليه مهمة الخلق وإخراج الكون من ~~العماء بالعنف والقتل، لوجدنا أنفسنا أمام نفس العناصر: الأم العذراء ~~المكتملة، حركة في داخلها تنتج السالب والموجب، انحلالها إلى السماء ~~والأرض وبقية الموجودات. إن فكرة القتل الواردة في هذه الملحمة ليست ~~إلا تحويرا بلغة العقلية الذكرية لفكرة تجاوز المطلق حالته الساكنة ~~وتحرك الأقطاب في داخله، وانتقاله إلى حالة دينامية جديدة تنطلق منها ~~المادة غير المتشكلة التي ما تلبث أن تتشكل وتتكون. إن الكون بعد الخلق ~~ليس إلا العماء البدئي، وقد خرج من حالة ms126 إلى حالة دون أن يفقد جوهره ~~الأصلي، الذي يبقى قائما في منطقة ثابتة يدور حولها الوجود، كما تدور ~~العجلة على المحور الساكن. # في شرحه لنظرية التكوين الفينيقية المنسوبة لكاهن كنعاني غامض عاش في ~~القرن الرابع عشر ق.م. اسمه «سانخو نياتن»، حاول الفيلسوف السوري ~~«فيلو» في القرن الأول الميلادي تقديم ملخص عن أفكار الفينيقيين في ~~التكوين فقال: «في البدء لم يكن هناك سوى ريح وعماء وظلمة، ثم إن هذه ~~الريح وقعت في حب مبادئها الخاصة وتمازجت. ذلك التمازج كان الرغبة. ~~هكذا كان مبدأ خلق الأشياء جميعا، ولم يكن للريح معرفة بما فعلت. نتج ~~عن تمازج الريح «موت» الذي كان عبارة عن كتلة من الطين أو مجموعة من ~~العناصر المائية المتخمرة، وكان بذرة الخلق.» # 4 # في هذه النظرية المصاغة بطريقة فلسفية، نعثر على نفس ~~العناصر التي وجدناها في الأسطورة السومرية والبابلية. فهناك العماء ~~البدئي المظلم الذي ولدت في أعماقه «الرغبة». بالرغبة تحركت الأقطاب ~~الساكنة، فتمازجت الريح وواقعت نفسها بعد أن انفصلت إلى سالب وموجب، ~~فأنجبت الكتلة الأولى البيضة الشبيهة بجبل السماء والأرض التي أنجبتها ~~الأم السومرية الأولى «نمو»، عن هذه البيضة الكونية صدرت كل ~~الأشياء. # فإذا عدنا إلى الميثولوجيا المصرية، وجدنا التقاليد الذكرية تطلق على ~~العماء البدئي اسم «نون» وهو الأوقيانوس الذي كان قبل السماء والأرض. ~~في أعماق هذا الأوقيانوس كانت تحوم روح بلا شكل أو هوية. ثم تركزت في ~~داخلها تدريجيا كل ممكنات الوجود، وصار اسمها «آتوم» الذي يعني العدم ~~وأيضا «الاكتمال»، وهو الإله الذي تجلى ذات يوم تحت اسم آتوم-رع، ~~وأخرج إلى الوجود الآلهة والبشر وكل شيء حي. وفي نص آخر نجد أن إله ~~الشمس «رع» كان كامنا في حضن المياه الأولى «نون» تحت اسم «آتوم». ~~ولخوفه على بريقه من الانطفاء انطوى داخل برعم اللوتس الذي ظل هائما ~~على غير هدى في الأعماق المائية، إلى أن جاء يوم سئم فيه من حالته ~~الشبيهة بالعدم، فانبثق بإرادته وتجلى تحت اسم «رع»، ثم أنجب الهواء ~~«شو» وتوأمه الإلهة «تفنوت»، اللذين أنجبا بدورهما ms127 الأرض «جيب» والسماء «نوت». # 5 # إن برعم اللوتس في هذه الأسطورة هو جبل السماء والأرض، ~~البيضة الكونية التي تنطوي في داخلها على ممكنات الوجود، والكتلة ~~الأولى المولدة من الأوروبوروس الكوني التي انقسمت إلى السماء والأرض ~~وبقية مظاهر الكون. ونحن ما زلنا حتى الآن ضمن العناصر الأسطورية ~~الأولى التي وضعها النص السومري ومن بعده البابلي. ولسوف نتابع هذه ~~العناصر في ميثولوجيا شعوب أخرى. # تقتفي أسطورة التكوين التوراتية أثر أسطورة التكوين البابلية، فتعزو ~~شق المياه الأولى وتكوين السماء والأرض من مادتها إلى الإله يهوه، الذي ~~قام من قبله مردوخ بالمهمة ذاتها. نقرأ: «في البدء خلق الرب السماوات ~~والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الرب يرف ~~على وجه المياه. وقال الرب: ليكن نور؛ فكان نور. ورأى الرب أنه حسن، ~~وفصل الرب بين النور والظلمة، ودعا الرب النور نهارا والظلمة دعاها ~~ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا. وقال الرب: ليكن جلد في ~~وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ومياه. فعمل الرب الجلد وفصل بين ~~المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد، وكان كذلك. ودعا الرب ~~الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا. وقال الرب: لتجتمع ~~المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة وكان كذلك، ودعا الرب ~~اليابسة أرضا ومجتمع المياه دعاه بحارا.» إذا تغاضينا عن التناقض ~~الواضح في هذا النص، والذي يرجع في أصله إلى إدماج روايتين بعضهما ~~ببعض، وجدنا حالة السكون الأولى والعماء البدئي ممثلة بالمياه والظلمة ~~وروح الرب الذي يرف فوق سطح الماء، في تموج أبدي دونما هدف أو غاية. ~~ومطلع الأسطورة يتشابه في جوهره العام وإيحاءاته مع مطلع التكوين ~~البابلي عندما كان آبسو وتعامة وممو يمزجون أمواههم معا في سكون مطلق ~~وتناغم أزلي. كما أن روح الرب الذي يرف فوق سطح الماء يشبه تلك الروح ~~التي كانت تحوم دون شكل أو قصد داخل الأوقيانوس البدئي في الأسطورة ~~المصرية، كما يشبه برعم اللوتس الذي يرحل في أعماق المياه في حالة أشبه ~~بالعدم. وكما جاء ms128 وقت سئم فيه الإله رع من كمونه فأظهر نفسه بإرادته ~~الخاصة، كذلك يفعل يهوه الذي أظهر الضدين الأولين وهما النور في مقابل ~~الظلام، وأتبعهما بالمذكر والمؤنث فشق المياه الأولى مكونا من شقيها ~~السماء والأرض، كما شق مردوخ جسد تعامة. # وفي بلاد اليونان تقوم أسطورة التكوين الإغريقية، وفقا لهزيود: «إنه ~~في البدء كان العماء، ظلمة وامتدادا بلا نهاية، ومن العماء ظهرت الأرض ~~«جايا»، ثم الحب والرغبة «إيروس». وبعدها أنجبت جايا، دونما زوج، بكرها ~~السماء «أورانوس» الذي غطاها من كل جهاتها، ثم خلقت الجبال والمحيط ~~بأمواجه المتناغمة. وكانت الأرض خالية من كل حياة، فتزوجت جايا ابنها ~~أورانوس وأنجبت منه الجيل الأول من الآلهة ثم الجيل الثاني، وهم الآلهة «التيتان».» # 6 # ويبدو أن الإلهة جايا كانت المعبود الأول للإغريق القدماء ~~قبل فترة نضج الحضارة الإغريقية وظهور آلهة الأوليمب. فهي الأم الكبرى ~~التي تهب الخصب للأرض والإنسان والحيوان، وهي خالقة الكون والآلهة ~~والبشر، وكان آلهة الأوليمب يقسمون باسمها. # 7 # تقدم لنا نظرية التكوين ~~الأورفية تقليدا إغريقيا آخر. ففي البدء كان الزمن الذي أنجب البيضة ~~الكونية الفضية. من هذه البيضة خرج الإله فانيس-ديونيسيوس المضيء، وكان ~~إلها مؤنثا ومذكرا في آن معا، له رأس ثور وجناحان. في داخله انطوى ~~على بذور الوجود جميعا، خلق السماوات والأرض والشمس والنجوم وأنجب ~~الآلهة. كانت «نيكس» أي الليل ابنته الأولى، وبعدها أنجبت «جايا» ~~و«أورانوس» ثم «كرونوس». # 8 # أطلق الأورفيون على فانيس أسماء متعددة: منها «إيروس»، ~~ومنها «زاغروس»، ومنها «زيوس». وزيوس الأورفي لا علاقة له بزيوس كبير ~~آلهة الأوليمب كما تصوره ميثولوجيا هزيود وهوميروس. نقرأ في ترتيلة ~~أورفية مرفوعة لفانيس-ديونيسيوس تحت اسم زيوس: # زيوس هو الأول والآخر، المشع بنور البرق، # زيوس هو الرأس، هو الوسط، هو اكتمالات الأشياء، # زيوس هو عماد الأرض والسماء ذات النجوم، # زيوس كان ذكرا، وكان عذراء إلهية، # زيوس روح الكون، وشعلة لا تنطفئ، # زيوس بداءة البحر وهو الشمس وهو القمر، # زيوس هو الملك، القاهر فوق الجميع، # في داخله أوجد الأشياء كلها وأطلقها نحو النور ~~المبارك، # من صميم ms129 قلبه المقدس أظهر فعالا باهرة. # 9 # من الواضح أن كل ما يعزوه الفكر الأسطوري الأورفي إلى ~~فانيس-ديونيسيوس كان في أصله للأم الكبرى؛ خصوصا وأن الأورفية قد ~~تفرعت عن ديانة الخصب الديونيسية، شأنها في ذلك شأن ديانات الخلاص ~~السرية التي نشأت في صميم ديانة الأم الكبرى ثم استقلت عنها. فالبيضة ~~الكونية الفضية هي كتلة السماء والأرض، والإله الذي تقول الأسطورة إنه ~~انبثق من البيضة بطبيعة مؤنثة ومذكرة، هو الأم الأولى، الأفعى الكونية، ~~وقد أنجبت السالب والموجب، المذكر والمؤنث؛ فالليل والنهار؛ فالسماء ~~والأرض. إن فانيس المذكر والمؤنث هو رمز لتحرك المتناقضات في أعماق ~~الأم الأولى العذراء المكتملة. والمضاجعة النرجسية بين شقيه هي إذابة ~~لحالة التكامل الأولى وتجاوزها إلى وضع دينامي جديد. هذه المضاجعة التي ~~تذيب الوحدة الأصلية لتذكرنا بالمضاجعة التي تمت بين آدم وحواء . ~~فآدم في الأسطورة الذكرية هو المخلوق الأول في جنة التكامل والسكينة ~~الأبدية. ورغم أنه كان ذكرا إلا أنه كان يحتوي في داخله على بذور ~~الأنوثة الكامنة التي تحققت عندما استلت منه حواء، فحصل انقسام ~~المخلوق الأول وولدت المتناقضات، وحدثت المضاجعة التي أفقدت الذكر ~~والأنثى وحدتهما الأولى وتكاملهما، وقذفت بهما إلى عالم الخير والشر، ~~عالم المتعارضات هذا. ورغم أن الأسطورة الأورفية، الآنفة الذكر، لا ~~تشير إلى ولادة البيضة الفضية من الأفعى الكونية، فإن الأعمال ~~التشكيلية الأورفية تظهر البيضة التي انطلق منها فانيس فيما بعد، وقد ~~التفت عليها الأفعى في حركة لولبية. وهذه الحركة اللولبية تعادل في ~~مدلول الرمز حركة الأفعى المنغلقة التي تعض على ذيلها. # في المعتقد المسيحي نجد فكرة الأوروبوروس البدئي والدارة المغلقة في ~~الحالة التي كان عليها المطلق قبل خلق العالم. فكما رأينا في الفصل ~~السابق: «كان المطلق قبل الأزمان ثلاثة: الإله الأب والإله الابن ~~والروح القدس. وكان الابن موضوع حب الأب، أما الروح القدس فكان الحب ~~الساري بينهما، وهو الذي كان وراء خلق العالم وهو الذي ميز علاقة ~~الله بالكون. # 10 # فالحب هنا، هو الذي يغلق المدار الأعظم البدئي، منتقلا من ~~الأب إلى الابن، ومن الابن ms130 إلى الأب في حركة أبدية تكرس السكون التام ~~للمطلق المكتفي بذاته، اكتفاء الأقانيم الثلاثة: تعامة وآبسو وممو في ~~الأسطورة البابلية. ولكن الحب الذي يغلق هذه الدارة هو الذي يكسرها ~~فتنفتح لتشمل الكون الذي يتم خلقه بواسطة الإله الابن. وهنا يلعب الحب ~~نفس الدور الذي لعبه في تكوين سانخونياتن عندما «وقعت الريح في حب ~~مبادئها الخاصة وتمازجت، هذا التمازج كان الرغبة»، ونفس الدور الذي ~~لعبه في التكوين الإغريقي عندما خرج إيروس من العماء الأول بعد جايا، ~~وكذلك في التكوين الأورفي عندما كان إيروس أول من خرج من بيضة ~~الأوروبوروس. # بدافع الحب خرج الإله الابن من الدارة المطمئنة والعلاقة النرجسية ~~الأزلية، فرسم على سطح المياه التي كان روح الثالوث يرف فوقها قبل ~~التكوين، دائرة الكون، البيضة الأولى. وهذا هو معنى الترتيلة التي ما ~~زلنا نسمعها يوم الجمعة الحزينة: «اليوم علق على خشبة، الذي علق الكون ~~على المياه.» وإلى هذا العمل الأول من أعمال الخلق، تشير بعض اللوحات ~~الفنية التي تصور الإله الابن وقد أمسك بيده فرجارا يرسم به كرة فوق ~~سطح المياه الأولى، تحتوي بداخلها مادة الكون في شكلها الأولي. ولكن ~~ما طبيعة هذه المياه الأولى التي أنجبت كرة الكون بمعونة الإله الابن، ~~هذه المادة التي كان الثالوث المقدس يرف فوقها في انسجام مطلق، ~~والمشاركة له في أزليته؟ # إن كل هذه الرموز الأسطورية ~~الخاصة بالسيدة مريم العذراء على غناها وتعقدها، لتشير بشكل سراني إلى ~~أنها المادة الأولى العذراء، التي شقها الخالق لاستخراج مظاهر الكون من ~~رحمها البدئي، فهي «النبع المختوم» و«الرحم المقدس»، وهي مياه الغمر ~~الأولى، وهي البيضة البدئية التي كورها اللوغوس فوق المحيط، وهي زهرة ~~العالم التي يفيض الوجود من مركزها. تصورها بعض الأعمال التشكيلية وقد ~~خرجت من زهرة كونية تنفتح كما يتفتح الرحم عند الولادة (الشكل رقم # 5-2 ~~)، وليس تجليها في الزمن تحت اسم مريم ابنة ~~حنة ويواكيم، إلا مقدمة لدخول المطلق في التاريخ، من أجل تحقيق خلاص ~~البشر. وفي القداسات الخاصة بالسيدة مريم، وخصوصا يوم صعودها إلى ~~السماء تتلى ms131 الصلوات والتراتيل المأخوذة من العهد القديم، مع إسباغ ~~معان جديدة عليها تنطبق على السيدة مريم باعتبارها الأم التي كانت قبل ~~العالم، والتي ستستمر بعد فنائه. # 11 # ونشير في هذا المجال خصوصا إلى ذلك المقطع من سفر الأمثال ~~الذي يتحدث عن حكمة الرب: «الرب قناني أول طريقه، من قبل أعماله منذ ~~القدم، منذ الأزل مسحت، منذ البدء منذ أوائل الأرض؛ إذ لم يكن غمر ~~أبدئت؛ إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه. من قبل أن تقررت الجبال، ~~قبل التلال أبدئت إذ لم يكن قد صنع الأرض ولا البراري ولا أول أعفار ~~المسكونة. لما ثبت السماوات كنت هناك أنا، لما رسم دائرة على وجه الغمر.» # 12 # يظهر رمز الدائرة العذراء والأوروبوروس في بعض الأعمال التشكيلية ~~المسيحية. ففي الشكل ( # 5-3 ~~) نجد البيضة الكونية ~~تحيط بها الأفعى، ومنها ينبت الصليب. ربما أراد الفنان في هذه اللوحة ~~أن يقول: إن العالم قبل هبوط الإله الابن كان مسرحا للموت وللشيطان ~~الذي تمثله الأفعى، وأن موت المسيح على الصليب قد خلص البشر من ربقة ~~الموت ومن سطوة الشيطان. ولكن الرمز لا يستأذن عالم الشعور الفردي قبل ~~أن ينبثق؛ لأنه يسير عبر السيكولوجيا الإنسانية من جيل إلى جيل متبعا ~~مسالك اللاشعور الجمعي. # شكل 5-2: الأوروبوروس وشجرة الصليب - حفر على الخشب، فرنسا ~~1830. # شكل 5-3: السيدة العذراء زهرة الكون - حفر على الخشب، ألمانيا ~~القرن 16. # لعل أجمل تعبير عن المدار الأعظم الذي تجاوز نفسه، فأنتج الكون بعد ~~أن تحركت في صميمه المتناقضات، قد أنتجته الحكمة التاوية في الصين، تلك ~~الحكمة التي تخللت الثقافة الصينية منذ القرن الخامس قبل الميلاد، ~~وسيطرت على الحياة الروحية في الشرق الأقصى. نقرأ للحكيم لاو تسو واضع ~~أسس التاوية في كتابه: تاو تي تشينغ الذي يعتبر إنجيل المذهب التاوي، ~~النص الآتي: # شيء ما لا شكل له، # موجود قبل السماوات والأرض، # صامت وخاو، # قائم وحده لا ينتابه تغيير، # يدور على نفسه ولا يبلى، # إنه بحق أم هذا الكون، # لا أعرف اسمه، فأدعوه ال «تاو»، # لا أستطيع وصفه، فأقول: العظيم، ms132 # عظمته امتداد في المكان، # الامتداد في المكان، يعني امتدادا بلا نهاية، # الامتداد بلا نهاية يعني العودة إلى نقطة البدء. # 13 # هذا المطلق القديم الساكن الصامت، الذي يمتد في المكان ~~امتدادا لا نهائيا فيعود إلى مبدئه، كأنه في حركة ولكنه ثابت مستقر، ~~قد عبر عنه التصوف الإسلامي بلسان ابن عربي عندما قال: «ولهذا يرجع ~~فخذ البركار في فتح الدائرة عند الوصول إلى غاية وجودها إلى نقطة ~~البداية، فارتبط آخر الأمر بأوله وانعطف أبده على أزله، فليس إلا ~~وجودا مستمرا، وشهودا ثابتا مستقرا.» # 14 # ولكن هذه الدارة الفارغة التي رمز إليها الفكر التاوي ~~بدائرة كاملة، قد أنتجت في داخلها القوتين الكونيتين العظيمتين: قوة ~~«يانج» الموجبة، وقوة «ين» السالبة. وراحت أعماقها تضطرب بحركة هاتين ~~القوتين، وتناوبهما الذي نشأت عنه كل الموجودات. وتحولت دائرة التاو ~~الفارغة إلى دائرة اليانج-ين المؤلفة من مساحتين متداخلتين في حالة ~~دورانية (الشكل # 5-4 ~~) وكأنهما سمكتان ملتفتان على ~~بعضهما؛ واحدة بيضاء ترمز لليانج الموجب المذكر، والأخرى سوداء ترمز ~~للين السالب المؤنث. وفي كل مساحة توجد دائرة صغيرة بلون المساحة ~~المقابلة تأخذ شكل العين من السمكة للدلالة على تداخل القوتين، ووجود ~~بذرة كل منهما في الأخرى. ففي كل مظهر من مظاهر الكون المادي والحيوي، ~~هناك مقدار من اليانج ومقدار من الين يتفاعلان دون أن يلغي أحدهما ~~الآخر. # شكل 5-4: دائرة اليانج-ين. # تعود بنا دائرة اليانج-ين إلى شكل الصليب الذي يأخذ الآن معنى ~~جديدا، وهو تقاطع القوتين العظميين في الوجود عند نقطة المحور، وإلى ~~شكل السواستيكا (الصليب المعقوف) الذي يمثل هاتين القوتين في حركتهما ~~الدورانية. إن ذراعي صليب عشتار المعقوف في وضع الحركة ضمن الدائرة، ~~لهما دلالة مشابهة لدلالة اليانج-ين في مدار التاو. فهما النقيضان ~~المولودان عن الدائرة العذراء. وهما ما حدث عنه التصوف الإسلامي ~~بلسان الشيخ عبد الكريم الجيلي إذ قال: «واعلم أن الوجود والعدم ~~متقابلان وفلك الألوهية محيط بهما؛ لأن الألوهية تجمع الضدين من القديم ~~والحديث، والحق والخلق والوجود والعدم، فيظهر فيها الواجب مستحيلا بعد ~~ظهوره واجبا، ويظهر المستحيل واجبا ms133 بعد ظهوره فيها مستحيلا.» # 15 # ولذا فقد كان الصليب المعقوف رمزا لرحلة البوذا الروحية ~~في الفكر الشرقي؛ لأن السعي الروحي نحو المطلق هو خروج من المتناقضات ~~ودخول في الأبدية الكاملة؛ خروج من دورة السالب والموجب ورحيل نحو ~~المدار المنغلق الساكن، أو نحو مركزه الثابت الذي يدور حوله الوجود ~~المتحرك، وحركة السواستيكا التي أظهرت المكان والزمان والعوالم المادية ~~هي التي تحمل العارف بحركتها العكسية إلى ما وراء المكان والزمان ~~والمادة. # شكل 5-5: سواستيكا وماندالا من الفن البوذي. # شكل 5-6: صليب وماندالا من الفن المسيحي. # يظهر الشكل ( # 5-5 ~~) وهو عمل تشكيلي من الفن ~~البوذي، «ماندالا» وفي مركزها سواستيكا. أما الشكل ( # 5-6 ~~)، وهو عمل تشكيلي من الفن المسيحي، فيظهر ~~«ماندالا» وفي وسطها دائرة فارغة وصليب. ويكاد العملان يتشابهان في كل ~~عنصر من عناصر التكوين الفني فيهما. إن ما يريد هذان العملان أن يفضيا ~~به، قد أفضى به إنسان الثقافة النيوليتية في سوريا منذ الألف الخامس ~~قبل الميلاد، عندما ابتكر لأول مرة الشكل الزخرفي الذي عرف فيما بعد ~~باسم الماندالا، وهو دائرة تنقسم إلى أجزاء متناظرة تشد كلها نحو ~~المركز، أو تشع عنه في تكوين جمالي متماسك. وقد استعملت الماندالا على ~~الدوام، ولدى جميع الثقافات فيما بعد، في الرسوم الدينية، وما زال ~~حكماء الشرق الأقصى إلى اليوم يستغرقون في تأملاتهم أمامها. ففي الشكل ~~( # 5-7 ~~) الذي تظهر فيه ماندالا من تل حلف، نجد ~~صليبا يقسم الدائرة إلى أربعة أقسام متناظرة متساوية، بينما يتألف ~~محيط الدائرة الخارجي من خط يرسم تموجات صغيرة كأنها أمواج البحر. أما ~~الشكل ( # 5-8 ~~)، وهو ماندالا من سامراء على نهر ~~الدجلة، فنجد الصليب الساكن والصليب الدائر/السواستيكا (الذي يوحي ~~بالدوران) وقد تطابقا في تكوين واحد ضمن دائرة الأوروبوروس ~~الكلي. # شكل 5-7: ماندالا وصليب ساكن - أريدو، بلاد النهرين، الألف ~~الرابع ق.م. # شكل 5-8: ماندلا وسواستيكا - سامراء، الألف الرابع ~~ق.م. # لم يترك لنا إنسان العصر النيوليتي نصوصا تأملية تشرح لنا رموز ~~الماندالا الأولى ودلالتها، ولكنها في رأينا أول محاولة تأملية للإنسان ~~في المطلق الساكن القديم، ms134 الذي أنجب القوتين العظميين اللتين تناوبتا ~~لإظهار الكون المادي. إن سواستيكا سامراء ودائرة اليانج-ين الصينية، ~~ليستا إلا تبديان لرمز واحد. يدعم وجهة نظرنا هذه أن الصليب ~~والسواستيكا ما زالا مرتبطين إلى اليوم بأفكار الخلق والتكوين عند بعض ~~الثقافات، التي كانت إلى عهد قريب تعيش في المرحلة الشبيهة بالنيوليتية. # 16 # ففي الشكل ( # 5-9 ~~) نجد تكوينا يرمز به ~~الهنود الحمر في أوكلاهوما إلى خلق العالم. في مركز الشكل سواستيكا ~~صغير ضمن دائرة وحوله سواستيكا أكبر تأخذ أذرعه شكل رءوس الطير. وفي ~~الشكل ( # 5-10 ~~) الذي يعتبر من الرموز المقدسة لدى ~~هنود أوكلاهوما أيضا، نجد في وسط التكوين صليبا ضمن دائرة صغيرة يحدد ~~خطاه المتقاطعان مركز المدار، وحول الدائرة الصغيرة تلتف أربع أفاع في ~~حركة دورانية سواستيكية. # شكل 5-9: سواستيكا خلق العالم عند الهنود الحمر. # شكل 5-10: الأفعى السواستيكا عند الهنود الحمر. # هذا وقد ارتبطت فكرة المطلق لدى متصوفة المسلمين برمز المدار المغلق ~~الأعظم، نقرأ للشيخ عبد الكريم الجيلي من القرن السابع الهجري: «واعلم ~~أن أبده عين أزله، وأزله عين أبده. وهما وضعان لله أظهرتهما الإضافة ~~الزمانية لتعقل وجوب وجوده، وإلا فلا أزل ولا أبد. كان الله ولا شيء ~~معه. فلا وقت له سوى الأزل الذي هو الأبد، الذي هو حكم وجوده باعتبار ~~مرور الزمن عليه، وانقطاع حكم الزمن دون التطاول إلى مسايرة بقائه، ~~فبقاؤه الذي ينقطع الزمان دون مسايرته هو الأبد، فافهم ...» # 17 # إن أزل المطلق الذي يمتد بلا نهاية، وفق هذا النص، ليتحول ~~إلى أبد راجعا إلى نقطة مبتدئه. ودارته هذه هي دارة التاو الذي حدثنا ~~عنها لاوتسو عندما قال: «الامتداد بلا نهاية يعني العودة إلى نقطة ~~البدء.» فهي دارة تنقل الأبد إلى الأزل إلى الأبد، وهي في الوقت نفسه ~~مجرد نقطة؛ لأن هذه الحركة اللانهائية بين الأزل والأبد تجعلهما ~~متطابقين، ويصير مركز الدائرة منها المحيط والمحيط منها المركز، لهذا ~~يعبر العقل العربي عن مفهوم الصفر بنقطة، ويعبر عنه العقل الغربي ~~بدائرة فارغة. # عن النقطة المطلقة التي صدر - فيما بعد - عنها الوجود، ms135 نقرأ للجيلي ~~أيضا: «واعلم أن النون عبارة عن انتقاش صور المخلوقات بأحوالها ~~وأوصافها، كما هي عليه جملة واحدة. وذلك الانتقاش عبارة عن كلمة الله ~~تعالى لها: كن؛ فهي تكون حسبما جرى به القلم في اللوح المحفوظ. فلهذا ~~قلنا: إن النون مظهر كلام الله تعالى. واعلم أن النقطة التي فوق النون ~~هي إشارة إلى ذات الله تعالى الظاهرة بصورة المخلوقات. فأول ما يظهر من ~~المخلوقات ذاته، ثم يظهر المخلوق؛ لأن نون ذاته أعلى وأظهر من نون ~~المخلوق ... فإذا علمت أن النقطة إشارة إلى ذات الله تعالى، فاعلم أن ~~دائرة النون إشارة إلى المخلوقات»، وأيضا: «فاستدارة رأس الهاء إشارة ~~إلى دوران رحى الوجود الحقي والخلقي على الإنسان. فهو في عالم المثل ~~كالدائرة التي أشار إليها الهاء. فقل ما شئت؛ إن شئت قلت الدائرة حق ~~وجوفها خلق، وإن شئت قلت الدائرة خلق وجوفها حق؛ فهو حق وهو خلق.» # 18 # ولمحيي الدين ابن عربي عن دائرة الحق والخلق نقرأ: «دائرة ~~الوجود أولها حب وافتراق، وآخرها حب وتلاق. ومحورها الحق ومحيطها ما لا ~~يحصى من مجالي الوجود. الكل يخرج من المركز والكل يعود إليه.» # 19 # فالحب أول ما خرج من دائرة العماء المغلقة، وبه تم خلق ~~العالم وافتراقه عن المدار الأعظم، وبالحب تعود الموجودات لتلتحم ~~بمصدرها وتذوب فيه: # كل من عليها فان ~~* ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # قرآن كريم. # 20 # لقد لخص الرقص الديني لدى بعض فرق المتصوفة المسلمين، هذا السعي ~~الروحي للوصول إلى المطلق بإدراك سر الدائرة وسر الحركة الدورانية ~~للسواتيكا. ففي طقوس فرقة «المولوية» التي أسسها جلال الدين الرومي في ~~القرن السابع الهجري، وما زالت حية إلى اليوم في تركيا وسوريا، يقوم ~~الراقص على إيقاع الدفوف بالدوران على قدم واحدة، باسطا ذراعيه ~~اللذين يرسمان حوله دائرة يضع نفسه في مركزها. وبتسارع الحركة يرحل من ~~محيط الدائرة إلى مركزها، من الظاهر نحو الباطن، من محيط الخلق إلى ~~مركز الحق. إن ما يقوم به الصوفي بالدوران حول مركز الحق الذي يتلمسه ~~في داخله، إنما ms136 يقوم به كل مسلم يؤدي فريضة الحج عندما يدور حول ~~الكعبة؛ مركز الحق الذي يتلمسه أهل الظاهر في الخارج. # ليس طقس المولوية بالجديد في تاريخ الطقوس الدينية؛ فالرقص الدائري ~~كان شائعا في ديانات الأسرار الشرقية، وازدهر لدى بعض الفرق الغنوصية، ~~وقد قام السيد المسيح برقصة دائرية مع أصحابه قبل أن يقاد إلى الصليب ~~وفقا لكتاب «أعمال يوحنا»، وهو جزء من أعمال الرسل رفضته الكنيسة ~~واعتبرته من الأعمال المنحولة. يعود هذا الكتاب بتاريخه إلى مطلع القرن ~~الثالث الميلادي، وهي الفترة التي اتخذت فيها الأناجيل شكلها الأخير. ~~فيه يتحدث يوحنا الإنجيلي عن سيرة المسيح بطريقة أقرب إلى الفكر ~~الغنوصي منها إلى النمط الإنجيلي المعروف، وفيه نقرأ أن السيد المسيح ~~قبل أن يسلم نفسه، قد جمع حوارييه الاثني عشر لرفع صلاة للإله الأب، ~~وتأدية رقصة دورانية كان هو قائدها. من كلماته في تلك الصلاة: «دأب ~~الألوهة الدوران ... سأنفخ في المزمار لترقصوا كلكم دورانا. من تقاعس عن ~~الرقص فاته سر هذا الاجتماع»، وبعد الانتهاء يمضي السيد إلى المحاكمة ~~والصلب ويتفرق الحواريون. أما يوحنا فيأوي إلى كهف في جبل الزيتون ~~يبكي. وفي الساعة السادسة للصلب يخيم الظلام على الأرض كلها، ولكن ~~المسيح يتجلى ليوحنا فيضيء الكهف، ويتوجه إليه بالكلام قائلا: ~~«بالنسبة للحشود المجتمعة هناك، أنا مصلوب وأوخز بالرماح وأتجرع الخل ~~والمرار ... ولكن الصليب الذي ستراه وأنت هابط ليس هو الصليب ... ولست أنا ~~من تراه معلقا على الخشبة.» # 21 # النبع المختوم # تتجلى الأم الكبرى باعتبارها الطبيعة الكلية بعد أن تجلت ~~باعتبارها العماء البدئي. وكما أنتجت من دارتها العذراء المكتملة ~~الكون، كذلك ينتج اكتمالها على المستوى الطبيعي كل ما يحفظ الكون ~~ويديم استمراره، فتعطي دون أن تنقص وتهب دون أن تنفد، كنبع مختوم ~~أو كإناء فخاري مغلق، تخرج مياهه دون أن يكشف غطاؤه. فهي خصب ~~الأرض وكل ما يخرج منها، وهي مياه الأمطار العلوية ومياه الأعماق ~~الباطنية التي تتفجر أنهارا وعيونا، وهي نبعة الحياة والطاقة ~~الكامنة خلف كل متحرك. وكل ما يصدر عنها هو فيض ذاتي متولد ms137 عنها ~~دون علة خارجة عنها فاعلة فيها. وهذا هو مدلول عذرية الأم الكبرى ~~على المستوى الطبيعي. # وعندما أخذت الثقافة الذكرية توطد أركانها، وبدأ الرجل بالصعود ~~ليشارك المرأة سلطانها في حياة الجماعة، ولدت العذراء ابنا دونما ~~نكاح، بقواها الذاتية، وخصبها الذي يحتوي في صميمه بذور الأنوثة ~~والذكورة معا. وكما كانت عشتار عذراء قبل الولادة، كذلك هي عند ~~الولادة؛ لأن عذريتها رمز اكتمالها وغناها عمن سواها، ورمز لأسبقية ~~المبدأ الأنثوي على المبدأ الذكري. وأختام عشتار لم تفض لزرع بذرة ~~الإله الابن، ولم تفض لخروجه، ولن تفض بعد ذلك بالممارسة ~~الجنسية؛ لأن أختامها رمز اكتمالها وغناها واغتنائها، ورمز ~~لسيطرتها على جسدها الذي لا ينقص منه الجماع، ولا يترك فيه ذكر ~~علامة. لذا فقد حملت إلهات الطبيعة لقب العذراء. فهذه إنانا ~~السومرية في أكثر من نص تخاطب بالعذراء، أو تتحدث عن نفسها ~~كعذراء؛ ففي حوارية بينها وبين أوتو إله الشمس حول زواج الإلهة ~~المرتقب نقرأ: «أي أختاه عليك بالراعي الكثير الأنعام، إنانا أيتها ~~العذراء لماذا تعرضين عن الراعي ...؟ أنا العذراء سأتزوج المزارع، ~~الفلاح الذي يزرع النباتات ويعطي الغلال الوفيرة.» # 22 # في نصوص بعل وعناة الأوغاريتية نقرأ عن لقاء الإلهين ~~الحبيبين: «في توق شديد أمسك بفرجها، في توق شديد أمسكت بقضيبه، ~~عليان بعل قام بفعل الحب آلاف المرات مع العذراء عناة.» # 23 # إن آلاف المرات من المضاجعة بين بعل وعناة لا تذهب ~~ببكارة الإلهة المتجددة؛ لأن بكارتها رمز للدافع الجنسي الكوني ~~الذي يدفع الكائنات الحية بعضها إلى بعض، ويساهم في استمرارها ~~وبقائها. ومن أسماء الأم الكريتية الكبرى «بريتوماريتس» أي: ~~العذراء العذبة. # 24 # وهي التي تبدو في معظم رسومها، وعلى حضنها أو ذراعها ~~ابنها الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الرجولة والاستقلال عن الأم طيلة ~~فترة الحضارة المينوية. وفي معابد الخصب الكنعانية كان ميلاد الإله ~~الابن يعلن بصرخة ابتهاج عالية عند منتصف الليل: «ها هي العذراء ~~تلد ابنا والنور ينتشر»، وذلك عند منتصف ليلة الخامس والعشرين من ~~كانون الأول (ديسمبر) # 25 # وهي الليلة التي ولد فيها يسوع ms138 الناصري فيما بعد؛ ~~تحقيقا لبشارة الملاك ليوسف النجار: «لا تخف أن تأخذ امرأتك مريم؛ ~~لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنا وتدعو اسمه ~~يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله لكي يتم ما قيل من الرب ~~بالنبي القائل: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا، ويدعون اسمه ~~عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا.» # 26 # وعندما ولدت عشتار ابنها، شقها الذكري الكامن فيها منذ الأزل، ~~تزوجته لتخصب نفسها به فتستعيد إلى نفسها قوتها الإخصابية الذاتية ~~التي أطلقتها نحو الخارج. ولذلك كان الإله الابن ابنا للأم ~~الكبرى، وزوجا أو حبيبا في نفس الوقت. هذا هو شأن تموز ابن عشتار ~~البابلية، وأدونيس ابن عشتار الكنعانية، وأوزوريس في شكل حورس ~~ابن إيزيس المصرية، وآتيس ابن سبيل وزيوس ابن رحيا الكريتية. ~~وبعيدا عن الشرق القديم والعالم الهيليني نجد الأم العذراء وابنها ~~قد وصلا إلى شواطئ العالم الجديد مع وصول الزراعة إليها. ففي ثقافة الأزتيك # 27 # نجد الأم العذراء إلهة الطبيعة والخصب وقد حملت بابنها ~~دون نكاح، ثم أسلمته للموت من أجل استمرار دورة الزراعة، فكان يموت ~~مع بذار الذرة وينتعش مع ظهور عيدانها الجديدة. وفي الطقوس الخاصة ~~بهذا الإله، كان عباده يصنعون تماثيل صغيرة له من عجين ممزوج ~~بدماء الضحايا فيأكلونها على أنها جسد الإله ودمه. وفي أسطورة صينية # 28 # كانت الإلهة الأم تجلس وحيدة على عرش الكون، وهي التي ~~وطدت النظام ويسرت أسباب الحضارة بعد الطوفان الكبير الذي اجتاح ~~الأرض، مبتدئة بذلك تاريخ الثقافة الصينية. ثم إن هذه الأم العذراء ~~أنجبت ابنا وتزوجته، ولكن أبناءها استطاعوا فيما بعد إقصاءها ~~ومشاركتها في سلطاتها. # إن تفسيرنا لمفهوم الميلاد العذري، وعلاقة الابن-الحبيب بين ~~عشتار وابنها، ليجد دعما له في المكتشفات الأثرية الجديدة التي ~~قدمت لنا أعمالا فنية من العصر النيوليتي تظهر الإله الابن تارة ~~بين ذراعي أمه كطفل، وتارة أخرى في وضع جنسي شبقي معها، راجع ~~الشكل ( # 9-3 ~~) والشكل ( # 9-4 ~~)، فصل تموز الخضر. # عند هذا الحد نستطيع مراجعة المعاني والمستويات المتعددة لعذرية ~~عشتار، فهي ms139 عذراء على المستوى البدئي؛ لأنها الأوروبوروس المغلق ~~الذي انحل إلى عالم المادة المتنوع، وهي عذراء على المستوى ~~الطبيعي يفيض خصبها على العالم دون مؤثر خارجي، وهي العذراء التي ~~أنجبت لأول مرة دون إخصاب من ذكر، وهي العذراء السيدة التي تبقى ~~بكارتها رمزا لسلطانها على نفسها وجسدها، ولا يقوم إلى جانبها زوج ~~يساويها أو يعلو عليها، أو ينقص من اكتمالها. وعند جميع هذه ~~المستويات، لا علاقة للعذرية العشتارية بمفهوم التبتل ~~الجنسي. # الفصل السادس # | عشتار البغي المقدسة # يربط الفكر الأسطوري دوما حركة الحياة والمادة بحركة الآلهة التي ~~تشكل أرضية ماورائية لكل ما يجري على مسرح الكون. لا يشذ عن هذه ~~القاعدة حياة الإنسان، وكل ما يتعلق به من غرائز وعواطف ودوافع تجد ~~أصلها ومنشأها أيضا في فعالية إلهية كونية، وعلى رأسها الدافع ~~الجنسي. # قدس الإنسان الدافع الجنسي واعتبره قبسا إلهيا يربطه بالمستوى ~~النوراني الأسمى؛ ففي الفعل الجنسي، يتجاوز الإنسان شرطه الزماني ~~والمكاني ليدخل في حال هو أقرب ما يكون إلى الآن الأبدي، فينطلق من ~~ذاته المعزولة ليتحد بقوة كونية تسري في الوجود الحي. يفتح مخزون ~~الطاقة الحبيسة لترجع إلى مصدرها الذي منه شعت، وفي أجساد الأحياء ~~أودعت. لم يكن الفعل الجنسي متعة فردية ونشاطا شخصيا معزولا، بل ~~طقسا يربط الإنسان المتناهي بالملكوت اللامتناهي، عبادة يكرر فيها ~~الفرد على المستوى الأصغر، ما قامت به القدرة الخالقة على المستوى ~~الأكبر. ففي البدء تحرك السالب والموجب في رحم الأوروبوروس الأعظم ~~وتناكحا فأنجبا، وفي البدء ولد من رحم المياه الأولى جبل السماء ~~والأرض، وسرت بين قطبيه الرغبة فاتحدا وتباعدا ونشأ عنهما الكون. وفي ~~البدء وقعت الريح في حب مبادئها، فكانت كتلة المادة الأولى، وفي البدء ~~كان روح الإله المذكر يرف فوق المياه المؤنثة. وفي الأزمان الأولى ~~خلقت عشتار من نفسها زوجها واتحدت به، وبقي نشاطها الجنسي الدائم ~~يولد الطاقة التي لا غنى عنها لاستمرار شتى أشكال الحياة ~~وتكاثرها. # تظهر الأعمال الفنية التشكيلية منذ العصور الحجرية قدسية الدافع ~~الجنسي والقيمة الدينية للممارسة الجنسية؛ فمن العصر النطوفي الذي ms140 ~~يعتبر مقدمة للعصر الحجري الحديث في سوريا الجنوبية، وصلتنا تماثيل ~~صغيرة تعود للألف التاسع قبل الميلاد تمثل أزواجا متعانقة في أوضاع ~~جنسية، وفي هذه التماثيل تعبير عن قيم جنسية دينية مرتبطة بمعتقدات ذلك العصر. # 1 # راجع الشكل ( # 6-1 ~~). # شكل 6-1: تماثيل جنسية من العصر النطوفي، 9000ق.م. # كما تظهر المعابد المكرسة للأم السورية الكبرى نظرة الإنسان القديم ~~للجنس باعتباره فعلا دينيا مقدسا. فبعض هذه المعابد قد صمم ~~بطريقة توحي بالعضو الجنسي للمرأة (الشكل # 6-2 ~~)، ~~كما هو الحال في معابد تل العبيد وخفاجة وأوقير. # شكل 6-2: معابد الجنس في بلاد الرافدين. # وهذه المعابد الثلاثة، كغيرها من معابد بلاد الرافدين الأخرى التي ~~بنيت عند أعتاب عصر الكتابة، كانت مكرسة للإلهة إنانا أو للإلهة ~~ننخرساج، وهما من الأشكال الأولى للأم الكبرى للعصور التاريخية. وقد ~~انتقل هذا التصميم الجنسي إلى الهند مع انتقال الزراعة إليها في وقت ~~متأخر جدا عن اكتشافها في سوريا؛ حيث نجد الحرم الداخلي لهيكل الأم ~~الكبرى على هيئة عضو التأنيث. # 2 # وإلى اليوم لا نزال نستمع إلى تراتيل ننخرساج تتلى في ~~معابد الأم الهندية الكبرى: «أنت الوجود الأول، أنت أم العالم ومبدؤه، ~~أنت أم المخلوقات كلها، أنت خالقة الآلهة، الخالق براهما والحافظ فيشنو ~~والمدمر شيفا كلهم من صنعك، أنت مسرة العالمين.» وإلى اليوم ما تزال ~~طائفة هندية مجهولة الأصل تعبد الأم الكبرى تحت اسم «تورغوش»، ولكنها ~~تكرر في صلواتها كلمة غامضة دون أن تعرف معناها هي كلمة «ننكورشاج» # 3 # المحورة عن اسم الأم الكبرى لحضارة الرافدين «ننخرساخ». ~~هذا ويلخص التصميم التشكيلي المعروف باسم «اللينغوم-يوني» القيمة ~~الدينية للفعل الجنسي في العبادات الهندوسية اليوم. وهو عبارة عن عضو ~~الأنوثة منظورا إليه من الداخل، وقد اخترقه عضو الذكورة (الشكل # 6-3 ~~). إن هذا الرمز ليلقي ضوءا جديدا على الصليب ~~العشتاري الذي يحمل إشارة إلى الفعل الجنسي. # شكل 6-3: اللينغوم-يوني. # لم ير الإنسان القديم في الدافع الجنسي نتاجا لحركة التعضي الحي، ~~بل رأى فيه نشاطا صادرا عن قوة جنسية شاملة متمثلة في عشتار، تودعها ~~في الأجساد ms141 ثم تستثيرها فتطلقها. ولم ير في الفعل الجنسي استجابة لغرض ~~دنيوي وتحقيقا لمتعة فردية، بل استجابة لنداء مبدأ كوني شامل؛ لذلك ~~ارتبط الجنس بالطقس والعبادة، وكان الاحتفال الديني في بعض جوانبه ~~مناسبة يظهر فيها البشر انسجامهم مع ذلك المبدأ وتحقيقهم لأهدافه ~~وأغراضه، وذلك بالممارسات الجنسية التي تشكل جزءا من الطقوس المقدسة، ~~حيث يتلقون الطاقة من مصدرها ويعيدون شحن ذلك المصدر بطاقة معاكسة في ~~حركة تناوبية؛ فالفعل الجنسي على المستوى الإنساني هو مدد من القوة ~~الجنسية الكونية، ودعم لها في آن واحد. تماما كما هو الأمر في ~~الطقوس الدينية الأخرى التي تهدف إلى عون القوى الإلهية ومساعدتها على ~~إتمام دورها. فكهنة المصريين القدماء كانوا يصلون طوال الليل لمعونة ~~الشمس على الخروج من رحلتها في باطن الأرض والشروق من جديد. وكان ~~البابليون يعتقدون بالقوة السحرية لاحتفالات رأس السنة الجديدة التي ~~تعين الإله مردوخ على مقاومة قوى العماء، وتجديد الكون الذي يبلى في ~~نهاية العام. وكان الكنعانيون يؤمنون بأن البكاء على أدونيس وتمثيل ~~عذاباته وموته، سوف يعينه على فك قيوده والصعود من عالم الموتى؛ ذلك أن ~~العلاقة بين الإنسان القديم وآلهته لم تكن علاقة اعتماد من طرف واحد، ~~بل كانت علاقة اعتماد متبادل. # على ضوء ذلك نستطيع فهم معنى البغاء المقدس الذي كان شائعا في ~~حضارات الشرق القديم؛ فالبغاء المقدس هو ممارسة الجنس بين أطراف لا ~~يجمعهم رابط شخصي، ولا تحركهم دوافع ~~محددة تتعلق بالتوق الفردي لشخص بعينه، أو تتعلق بالإنجاب وتكوين ~~الأسرة، هو ممارسة جنسية مكرسة لمنبع الطاقة الكونية مستسلمة له، ~~منفعلة به، ذائبة فيه، كالأنهار التي تصدر من المحيط وإلى المحيط تعود. ~~وكانت عشتار هي البغي المقدسة الأولى؛ لأنها مركز الطاقة الجنسية ~~الشاملة التي لا ترتبط بموضوع محدد. وليس انغماسها في الفعل الجنسي ~~الدائم إلا تعبيرا، على مستوى الأسطورة، عن نشاط تلك الطاقة الذي لا ~~يهدأ؛ لأن في سكونه همودا لعالم الحياة. تقول عشتار البابلية عن ~~نفسها: «أنا العاهرة الحنون»، # 4 # و«أنا من يدفع الرجل إلى المرأة، ويدفع المرأة إلى الرجل.» ms142 # 5 # وفي نص هبوط عشتار إلى العالم الأسفل نقرأ: # بعد أن هبطت السيدة عشتار إلى أرض اللاعودة، # اضطجع الرجل وحيدا في غرفته، # ونامت المرأة على جنبها وحيدة. # 6 # وفي ترتيلة بابلية إلى عشتار من القرن السادس ق.م. ~~نقرأ عن سيدة الحب والدافع الجنسي: # لك الحمد يا أرهب الإلهات جميعا، # لك الإجلال يا سيدة البشر وأعظم الآلهة، # موشحة بالحب والمتعة، # تفيض طاقة وسحرا وشهوة. # شفاهها عذبة وفي فمها الحياة، # ظهورها ينشر الفرح والابتهاج، # بيدها مصائر الأشياء جميعا، # نظراتها فيها الفرح، # وفيها القوة والعظمة، # إلهة حامية وروح حارسة. # 7 # يظهر هذا النص كل خصائص جمال عشتار وجلالها؛ فهي ~~المرأة العذبة الفاتنة التي يضطرم جسدها بالحب والشهوة، وهي كذلك ~~السيدة القوية المسيطرة، ربة نفسها وربة جسدها. إنها صورة المرأة في ~~الثقافة الأمومية، عذبة ورقيقة ولكنها قوية متماسكة، يأتي جمالها ~~مكملا لخصائصها الأخرى لا حاجبا لها، كما هو الحال في الثقافة ~~الذكرية عندما صارت المرأة حبيسة جسدها وجمالها. # أما الأسطورة الذكرية فتحدثنا عن جنسانية عشتار بطريقة مختلفة تنسجم ~~وروح الثقافة البطريركية؛ ففي ملحمة جلجامش تقع الإلهة في حب البطل نصف ~~الإله العائد من معركته المظفرة مع وحش غابة الأرز وتعرض عليه ~~وصالها: # تعال يا جلجامش وكن حبيبي، # هبني ثمارك هدية، # كن زوجا وأنا زوج لك، ~~(ولكن جلجامش يدير ظهرا لحب الإلهة، ويأخذ في تعداد مثالبها ~~وتهتكها): # أي حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد؟ # وأي راع لك أفلح يرضيك على مر الأزمان؟ # تعالي أفضح لك حكايا عشاقك: # على تموز زوجك الشاب، # قضيت بالبكاء عاما إثر عام، # 8 # أحببت طائر الشقراق الملون، # ولكنك ضربته فكسرت له الجناح، # وها هو في الغيضات ينادي: وا جناحي، # أحببت الأسد، الكامل القوة، # ولكنك حفرت له مصائد سبعا، # أحببت الحصان السباق في المعارك، # ولكنك قدرت عليه السوط والمهماز والأحزمة، # أحببت راعي القطيع، # ولكنك ضربته فمسخته ذئبا، # يلاحقه أبناء جلدته، # وتعض كلابه ساقيه، # أحببت إيشولاتو بستاني نخيل أبيك، # فضربته فمسخته خلدا، # فإن أحببتني، ألا يكون نصيبي منك كهؤلاء؟ # 9 # هذا الانهماك الدائم ms143 في الجنس الذي تأخذه الأسطورة ~~الذكرية على عشتار هو عين فضيلتها؛ ذلك أن الألوهة في المفهوم العشتاري ~~ليست تحريكا للكون عن بعد، بل هي عين حركته. وعشتار ليست آمرا للدافع ~~الجنسي، بل هي الدافع الجنسي ذاته في ديناميكيته الكونية الدائبة. ورغم ~~الأخلاقية الجنسية البطريركية التي توجتها في الشرق القديم الشرائع ~~اليهودية، بقيت الأخلاقية الجنسية العشتارية حية في الثقافة الأمومية ~~الصغرى التي تركزت حول العبادات العشتارية في قلب الديانات ~~البطريركية السائدة، وبقيت طقوس الجنس المقدسة قائمة في معابد الخصب ~~وفي أعياد الربيع السنوية. # تبدو الأم الكبرى كسيدة للدافع الجنسي في الأعمال التشكيلية منذ مطلع ~~العصر الحجري الحديث. فإلى جانب الدمى والتماثيل الصغيرة التي تؤكد على ~~خصائص الأمومة، وذلك بالتأكيد على الثديين والبطن والوركين، هناك ~~تماثيل تؤكد بصورة رئيسية على مثلث الأنوثة الذي يبدو مركزا للعمل ~~الفني والبؤرة الوحيدة التي تشد النظر. من هذه التماثيل ما تمدنا به ~~مواقع المستوطنات الزراعية الأولى؛ مثل تل المريبط، وتل أسود، وتل ~~الرماد (الشكل رقم # 6-4 ~~). وقد استمر هذا التقليد ~~النيوليتي قائما إلى عصور حضارة الكتابة في سوريا وبلاد الرافدين، حيث ~~تبدو عشتار عارية أو نصف عارية مع التأكيد على مثلث الأنوثة، وفي بعض ~~الأختام الأسطوانية والمنحوتات البارزة تبدو نصف مكتسية، وقد أزاحت ~~عباءتها بإحدى يديها عن منطقتها الجنسية. وفي أحد الأختام الأسطوانية ~~من موقع أور بأرض الرافدين، نجد عشتار وقد باعدت بين فخذيها لتظهر ~~منطقتها الجنسية بشكل واضح، وفتحت ذراعيها في وضع من يتأهب ~~للاحتضان (الشكل # 6-5 ~~). # شكل 6-4: سيدة الجنس - تل المريبط 8000ق.م. # وفي عمل مشابه، تبدو إيزيس وقد جلست في وضع مماثل فوق خنزير بري، ~~وأمسكت بيدها سلما ترتكز قاعدته السفلى على الخاصرة (الشكل # 6-6 ~~)، وربما كان في رمز السلم إشارة إلى الصعود عن ~~طريق الجنس إلى الملكوت العشتاري الأسمى، وإشارة إلى ذلك الإحساس ~~الخاطف الذي يختبره الإنسان لحظة انطلاق الطاقة العشتارية من جسده ~~لتذوب في تيار الطاقة الكونية فتشحنه وتنشحن به. # شكل 6-5: سيدة الجنس - ختم أسطواني من أور. # بعيدا عن منطقة ms144 الشرق القديم، نجد التقاليد الفنية في كل الثقافات ~~وقد نحت منحى الفنون الشرقية في تمثيل الأم الكبرى كسيدة للدافع ~~الجنسي، وذلك بالتأكيد على عريها ومنطقتها الجنسية. ويبلغ جمال العري ~~الأنثوي قمته العليا في تماثيل أفروديت اليونانية، إلهة الحب الجنسي في ~~ثقافة الإغريق، التي كانت تثير ضرام الشبق في أجساد البشر والآلهة على ~~السواء، عن طريق ابنها ورسولها إيروس (الشبق أو الرغبة) الذي لا تخطئ ~~سهامه أهدافها أبدا. # وفي الفن الإسلامي الفارسي، حيث لا مجال لتصوير العري، تظهر الرسوم ~~كوكب الزهرة على هيئة حسناء فاتنة تعزف على العود. وكوكب الزهرة هذا، ~~قد ارتبط منذ الجاهلية العربية بالإلهة العزى. وكان العرب يعتقدون ~~بإثارته للحب وإضرامه لنار العشق الجنسي بين الرجل والمرأة، # 10 # وهو الكوكب الذي لعنه رسول الله ~~( # صلى الله عليه وسلم ~~) في أحد أحاديثه وأسماه ~~بالحميراء. وفي ذلك إشارة واضحة إلى العزى؛ فيروى عن الصحابي عبد ~~الله بن عمر: أنه كان يقول كلما رأى شروق كوكب الزهرة: طلعت الحميراء ~~فلا مرحبا ولا أهلا، فعقب أحدهم بقوله: سبحان الله، نجم مسخر سميع ~~مطيع، فأجابه ابن عمر: ما قلت إلا ما سمعت عن رسول الله. # 11 # شكل 6-6: إيزيس سيدة الدافع الجنسي - مصر، العصر ~~الهيلينستي. # كان الإنسان القديم يلبي نداء الطاقة العشتارية ويرفدها بفعله الجنسي ~~الخاص من خلال ثلاثة أشكال من الممارسات الجنسية: الشكل الأول: هو ~~الممارسة الجنسية الفردية بين شريكين يربطهما رباط مؤقت أو دائم، ~~والشكل الثاني: طقوس الجنس الجماعي في المناسبات والاحتفالات الدينية، ~~والشكل الثالث: هو البغاء المقدس الذي كان يمارس بصورة شبه دائمة في ~~معابد الأم الكبرى. وسنبحث فيما يأتي كل شكل من هذه الأشكال على ~~حدة. # الممارسة الجنسية الفردية: # احتوت الثقافة الذكرية هذا النوع من الممارسة ~~الجنسية ضمن إطار الزواج الأحادي ومؤسسته التي يسود ~~فيها الرجل، وفرضت على الشريكين رباطا دائما يهدف ~~إلى تكوين الأسرة وإنجاب الأولاد، وتحول الفعل الجنسي ~~إلى ممارسة دنيوية بعد أن كان طقسا مقدسا وعبادة ~~وتواصلا مع القوى الإلهية. أما في الثقافة الأمومية ~~واستطالاتها في ms145 عبادات الخصب، فقد كانت الممارسة ~~الجنسية مع الشريك المختار إرضاء للنوازع الجنسية من ~~جهة، ورفدا لقوى الخصوبة الكونية المنبثة في الحياة ~~الإنسانية والحيوانية والنباتية، من جهة أخرى. وهنا لا ~~يكون الفعل الجنسي مجرد إسكات لدافع متمرد، بل تمتعا ~~بمنة إلهية، وتفتيحا للجسد المبارك الذي وهبته ~~السماء، لا لجما للجسد الخاطئ الذي لعنته السماء. إن ~~الأفعال الجنسية التي يمارسها الناس أزواجا، لتتجمع ~~في رافد واحد يصب في بحر الطاقة الجنسية ~~الكونية. # تقدم لنا الممارسات الشائعة لدى الشعوب البدائية ~~اليوم صورة عن معتقد الإنسان القديم في قدرة الفعل ~~الجنسي البشري على شحن الطاقة الإخصابية الكونية. ففي ~~بعض مناطق جزيرة جاوا يمضي الرجل وزوجته إلى حقل الأرز ~~عند ابتداء نضج الشتلات، فيمارسان الجنس هناك في ~~العراء للإسراع في نمو النبات وزيادة المحصول. # 12 # ولدى قبائل البيبيليز في أمريكا الوسطى، ~~جرت العادة أن يمتنع الأزواج عن مقاربة أزواجهم فترة ~~لا بأس بها من الزمن قبل موسم البذار، ثم يأتونهن ~~قبل البذار فيباشرونهن بتوق ورغبة، ويشع عن لقائهم ~~طاقة تشحن الحقل المستعد لاستقبال البذار. وهذا اللقاء ~~واجب ديني لا تصح مباشرة البذار بدونه. كما أن ~~أزواجا معينين كانوا يخصصون لممارسة الجنس في الحقل ~~لحظة وضع البذار في الأرض. # 13 # ولدى قبائل البانجادا في أفريقيا الوسطى ~~يقوم الزوجان اللذان أنجبا توأمين بممارسة الجنس في ~~حقلهم وحقل الأقارب والأصدقاء، لشحنها بطاقاتهم ~~الإخصابية الفياضة. # 14 # مثل هذه الممارسات كانت قائمة إلى عهد ~~قريب في أوروبا القرن التاسع عشر؛ ففي يوم القديس سان ~~جورج كان أهل أوكرانيا يأتون بالأزواج الجدد، ويخرجون ~~بهم إلى الحقول المحروثة فيتدحرجون عليها لشحنها ~~بطاقاتهم الجنسية الإخصابية التي ما زالت في أوجها. # 15 # هذا ورغم التركيب المدني والاقتصادي لرابط الزوجية ~~في الثقافة البطريركية، فإن هذا الرابط قد حافظ على ~~قدسيته الدينية عبر التاريخ ولدى جميع الشعوب، وبقي ~~الزواج أمرا دينيا يعقد لإرضاء الآلهة وتحت رعاية ~~رجال الدين، ولم تستطع حتى الآن سوى ثقافات قليلة ~~التخلص من الزواج الديني والتحول إلى الزواج المدني ~~البحت. ولعل الدين ms146 الإسلامي من أكثر الديانات العالمية ~~الكبرى القائمة اليوم اهتماما بتنظيم الأمور الجنسية ~~للإنسان تحت مظلة الزواج، وإضفاء الطابع الديني عليها. ~~وفي حديث صحيح عن النبي # صلى الله عليه وسلم # نقرأ: ~~«عن أبي ذر رضي الله عنه: أن أناسا قالوا: يا رسول ~~الله، ذهب أهل الدثور # 16 # بالأجور؛ يصلون كما نصلي ويصومون كما ~~نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله ~~لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة ~~صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر ~~بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع # 17 # أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي ~~أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها ~~في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال ~~كان له أجر.» # 18 # طقوس الجنس الجماعي: # كانت هذه الطقوس تتم بصورة خاصة في أعياد الربيع ~~عندما كان الناس يحتفلون بصعود روح الخصوبة الغائبة في ~~عالم الأموات، وعودة عشتار، أو ابنها، إلى الحياة ~~حاملة معها كل نتاج الأرض من باطن التربة، فكانت ~~الممارسات الجنسية في هذه الأعياد مدادا للقوة ~~الإخصابية النائمة التي بدأت تستعيد نشاطها، ودفعا ~~لها لتعود سيرتها الأولى. وقد ارتبط هذا النوع من ~~الممارسات الجنسية بعبادة الأم الكبرى وابنها في جميع ~~أنحاء آسيا الغربية وقبرص وكريت، وانتقل إلى العالم ~~اليوناني الروماني حيث ارتبطت طقوس سيبيل وديمتر ~~وديونيسيوس بالبغاء الجماعي، سواء في الأعياد ~~العشتارية السنوية أو في الاحتفالات الطقوسية السرية. ~~ولعل العبادة الديونيسية كانت أكثر عبادات العالم ~~القديم تركيزا على الطقس الجنسي باعتباره وسيلة اتصال ~~بالقوى الإلهية؛ فبالخمرة والممارسة الجنسية يتوصل ~~التصوف الديونيسي إلى الاتحاد بديونيسيوس، روح الخصوبة ~~الكونية المنبثة في العالم ومخلوقاته. «إن انطلاق ~~الديونيسية من المادي والحسي إلى المستويات الروحانية ~~العليا قد لاءم الطبيعة الأنثوية، فكانت النساء في ~~العالم اليوناني الروماني عماد هذه العبادة، وسندا ~~لها حتى النهاية، وكان ديونيسيوس بحق سيد النساء، ~~لهن يدين بانتصار عبادته المؤزر على الديانة ~~الأبولونية الأوليمبية.» # 19 # مثل هذه الطقوس الجنسية ما زال قائما لدى كثير من ms147 ~~الثقافات البدائية الحديثة. ففي بعض الجزر الواقعة ~~غربي غينيا الجديدة وأجزاء من شمال أستراليا، يعتقد ~~الأهالي بأن إله الشمس المذكر يهبط من عليائه مرة في ~~كل سنة ليحضن إلهة الأرض المؤنثة، وذلك قبل بدء موسم ~~الأمطار، فيجتمعون رجالا ونساء تحت شجرة التين؛ حيث ~~يعتقدون أن الجماع الإلهي يتم هناك، ويمارسون الجنس ~~الجماعي الذي من شأنه حث الطبيعة على إطلاق خيراتها ~~الكامنة، فيهطل المطر وتنبت الأرض وتتكاثر الماشية ~~وتخصب أرحام النساء. ويجري الطقس في جو ديني رصين لا ~~يوحي برغبة المشاركين في إرضاء نوازعهم الجنسية الفردية. # 20 # استمرت طقوس الجنس الجماعي قائمة بعد انتشار ~~المسيحية في الشرق الأدنى والعالم الهيليني تحت أشكال ~~مختلفة ومضامين متنوعة. وقد وصلتنا تفاصيل عن هذه ~~الطقوس لا يمكن الركون إليها تماما؛ لأن ناقليها ~~قدموها دفاعا عن العقيدة المسيحية وتسفيها للمذاهب ~~المنافسة التي نازعتها السيادة فترة طويلة قبل أن ~~تندحر أمامها. يروي القديس أبيفانيوس ما شاهده بأم ~~عينه من طقوس إحدى فرق المسيحية الغنوصية السورية، ~~عندما انتمى إليها وهو شاب خلال تقلبه بين العقائد ~~السائدة في زمانه بحثا عن الحقيقة، قبل تحوله للعقيدة ~~القويمة؛ فقد زين له تلك الفرقة عدد من النساء ~~الفائقات الفتنة والجمال، اللواتي اكتشف فيما بعد ~~أنهن لسن إلا أداة في يد الشيطان. يجتمع أفراد هذه ~~الفرقة رجالا ونساء في مكان معين فيصافحون بعضهم ~~بعضا بطريقة خاصة يتعارفون بها؛ لاكتشاف أي غريب أو ~~فضولي لا علاقة له بالمذهب. فإذا اطمأنوا بسطوا مائدة ~~عارمة باللحوم والخمور فأكلوا وشربوا، ثم قاموا فافترق ~~الأزواج عن زوجاتهم، وقال كل رجل لامرأته: هيا إلى ~~مأدبة الحب مع أحد إخوانك. ثم يختلط الحابل بالنابل ~~ويتضاجع الرجال والنساء، فإذا انتهوا أخذوا ما يسكبه ~~الرجال خارج أرحام النساء في أيدهم وتظاهروا برميه من ~~أكفهم وراء ظهورهم في حركة ابتهالية توحي بنكران ~~المتعة الشخصية، ثم لا يتورعون عن رفع أيديهم النجسة ~~بالصلاة إلى الإله الأب مبدأ الأشياء، مقدمين له ما في ~~أكفهم قائلين: لك نقدم هذا القربان الذي هو عين جسد ~~المسيح، ثم ms148 يضعونه في أفواههم، ويفعلون الشيء نفسه بدم ~~النساء الحائضات قائلين إنه دم المسيح، وذلك تفسير خاص ~~منهم لما ورد في (سفر رؤيا يوحنا الإصحاح 2: 22) ~~«وأراني نهرا صافيا من ماء حياة، لامعا كبلور ~~خارجا من عرش الله. وعلى النهر هنا وهناك شجرة حياة ~~تضع اثنتي عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها وورق الشجر ~~لشفاء الأمم.» وهم إذ يمنعون بذورهم عن الأرحام إنما ~~يتفادون إنجاب الأطفال، مكرسين فسقهم لإرضاء شبقهم. # 21 # وفي أوروبا المسيحية استمرت طقوس الجنس الجماعي إلى ~~مطلع العصور الحديثة، من خلال عبادة سرية لا نعرف عنها ~~شيئا حتى الآن، كانت تعرف في العصور الوسطى بعبادة ~~الشيطان، التي انتشرت محافلها السرية في طول أوروبا ~~وعرضها. وكان عباد الشيطان يجتمعون في ليالي القمر ~~الكامل ويمارسون الجنس الجماعي. # 22 # ولكن محاكم التفتيش المسيحية كانت لهم ~~بالمرصاد، وكانت تلاحق وتحرك كاهنات هذه العبادات ~~بتهمة ممارسة السحر، فهل كان أتباع هذه الديانة ~~المجهولة يعبدون الشيطان فعلا، أم أن ديانتهم كانت ~~استمرارا لمعتقدات الخصب القديمة؟ إن الشيطان في ~~الكتابات والأعمال الفنية المسيحية يبدو على هيئة ~~إنسان مكسو بشعر الماعز، له ساقا تيس وقرنان صغيران ~~وأذنان مدببتان. هذه الملامح العامة للشيطان المسيحي ~~هي ذاتها ملامح الإله «بان » وفصيلة الآلهة الثانوية ~~المعروفة باسم الساتيرز. كان الساتيرز في الميثولوجيا ~~الإغريقية أشبه بجن الغابات يمثلون الروح البدائية ~~للأحراش والجبال، وكانوا يحبون الطرب والرقص والموسيقى ~~وحياة العبث واللهو، يقضون أوقاتهم في مطاردة وإغواء ~~الحوريات، كما كانوا من أتباع الإله ديونيسيوس، ~~يرافقونه ويلعبون دورا في طقوس الجنس الجماعي أثناء ~~الاحتفالات الديونيسيوسية. وتروي الأساطير أن أكبرهم ~~وحكيمهم «سيلينيوس» كان مرشدا لديونيسيوس ومعلما له. # 23 # أما الإله «بان» فكان ابنا لهرمس من إحدى ~~الحوريات، وكان إلها للطبيعة البرية والأحراش ~~والرعاة، كما كان من آلهة الموسيقى، وهو الذي ابتكر ~~مزمار الرعاة المعروف حتى اليوم باسم بان-فلوت. وقد ~~تغلب في إحدى المباريات الموسيقية على أبولو إله ~~الموسيقى الأول. تجعله الأساطير أبا للساتير سيلينيوس ~~معلم ديونيسيوس. # 24 # وفي تفسيري، فإن ديانة السحر والشيطان ~~التي كانت سائدة ms149 في أوروبا في القرون الوسطي ليست إلا ~~امتدادا، تحت ظروف الضغط والإرهاب، للعبادة ~~الديونيسية، وليس الشيطان الذي كانت محاكم التفتيش ~~تلاحقه وتحرق كاهناته، سوى ذلك الساتير الظريف الذي ~~كان يشارك أتباع تلك العبادات السرية طقوس الجنس ~~الجماعي التي تقام لإخصاب الأرض الطبيعية. وربما كان ~~حضور بان والساتير بين المحتفلين يمثل بأفراد يلبسون ~~جلد الماعز، ويضعون قرون التيس وأذنيه. # البغاء المقدس: # في مطلع العصور الزراعية التي ظهرت فيها، كما رأينا ~~سابقا، الأسرة الثنائية والعلاقة المديدة بين شريكين ~~في ظل حق الأم. كان هذا الاختصاص الجنسي الذي قد يدوم ~~العمر كله، أمرا مخالفا لطبيعة عشتار. فالمرأة لم ~~تعط كل جمالها وفتنتها لتبلغ أرذل العمر في أحضان ~~رجل واحد، فكان لا بد من التسوية بين النظامين ~~واسترضاء الإلهة بإعطاء الحرية الجنسية للفتيات قبل ~~الزواج، وفرض الإخلاص الزوجي عليهن بعده. وقد تم ~~تقليص هذه الحرية تدريجيا حتى تحولت فعلا إلى نوع ~~من الكفارة الدينية التي تقدمها المرأة لقاء اختصاصها ~~برجل واحد. وصارت هذه الكفارة تقدم مرة واحدة في ~~العمر في معابد الأم الكبرى كشرط لصحة الزواج، وبعد ~~ذلك أعفيت عامة النساء من تقديم هذه الكفارة، وصار ~~البغاء المقدس في المعابد وقفا على البغايا ~~المقدسات اللواتي كن يمارسن الجنس نيابة عن كل ~~النساء، وأخذت المرأة تقدم في المعبد شعرها بدل جسدها ~~لإلهة الدافع الجنسي. # 25 # هذا وقد وصف مؤرخو اليونان من أمثال ~~هيرودوتس وسترابو، في فترة نضج المجتمع الذكري ~~الإغريقي، بعض عادات الشعوب غير المتحضرة التي ~~احتكوا بها، والتي كانت أشكال مختلفة من الكفارة ~~الجنسية ما زالت شائعة بينهم. من ذلك مثلا: أن العروس ~~في ليلة زفافها كانت تضاجع كل من يجلب إليها هدية ~~زواج، أو كانت تضاجع أقارب العريس واحدا واحدا ~~مبتدئة بأكثرهم قرابة، فإذا انتهى الأقارب جاء دور ~~الأصدقاء، وأخيرا يأتيها عريسها لأول مرة وتصبح صالحة ~~للإخلاص الزوجي. # 26 # كانت طقوس البغاء المقدس شائعة في جميع أرجاء الشرق ~~القديم؛ ففي قبرص التي يروي المؤرخ الإغريقي هيرودوتس ~~أن الفينيقيين كانوا أول من أوجد فيها ms150 معابد ~~أفروديت، كان على كل فتاة أن تخدم في معبد أفروديت ~~كبغي مقدسة تعطي جسدها للغرباء فترة من الزمن قبل أن ~~تتزوج، حيث كان الجنس يمارس بكل أبهة الطقس الديني ~~وجديته بعيدا عن أي مظهر من مظاهر الدعارة الرخيصة ~~أو إرضاء الميل الشخصي. ويروى أن سيزينياس الفينيقي ~~ملك قبرص الأسطوري هو الذي أوجد هذه الطقوس، وكانت ~~بناته من بين بغايا المعبد. وفي بابل كان على كل امرأة ~~أن تستسلم في معبد عشتار لأول غريب يطلبها، وتأخذ منه ~~أجرا رمزيا غير محدد تسلمه إلى الهيكل هبة منها ~~لإلهة الحب، وتوكيدا على انعدام الأهداف الفردية ~~لفعلها الجنسي. ولم تكن المرأة بقادرة على العودة إلى ~~بيتها قبل أن يمر بها ذلك الغريب. لذا كان فناء المعبد ~~مليئا على الدوام بنسوة في الانتظار، ولربما قضى ~~بعضهن سنوات قبل أن يقع عليهن اختيار أحد. وفي بعلبك ~~وبيبلوس وغيرها من مراكز الثقافة السورية، سادت عادات ~~مشابهة في معابد الإلهة عستارت، وبقيت قائمة إلى ما ~~بعد انتشار المسيحية. وتروي الأخبار أن الإمبراطور ~~البيزنطي قسطنطين هو الذي ألغى البغاء المقدس في ~~بعلبك، وهدم معبد عستارت فبنى فوقه كنيسة. وفي ~~أرمينيا، كانت العائلات النبيلة تقدم بناتها للخدمة ~~كبغايا مقدسات في معبد أنايتيس إلهة الخصب، حيث يمكثن ~~هناك فترة لا بأس بها قبل الزواج، وعند انتهاء ~~خدمتهن كن يمضين إلى بيوتهن ويتقدم لخطبتهن أكابر القوم. # 27 # يقول المؤرخ الإغريقي هيرودوتس إن كل الشعوب القديمة ~~ما عدا الإغريق والمصريين، كانت تمارس الجنس المقدس في ~~المعابد. وهذا القول مقارب للحقيقة في جزئه الأول ~~ومجافيا لها في جزئه الثاني. فالإسبارطيون قد ألحقوا ~~بمعبد ديونيسيوس بيتا خاصا للدعارة. # 28 # وأفروديت في بعض أشكالها كانت تدعى ~~بأفروديت-بورني؛ أي العاهرة، وكانت حامية للبغاء من كل ~~صنف ونوع. وفي مدينة كورنثة، كانت عاهرات المدينة ~~يعتبرن بمثابة بغاياها المقدسات. # 29 # وفي ليديا المتأثرة بالثقافة الإغريقية ~~بقي البغاء قائما حتى القرن الثاني الميلادي. # 30 # إلى جانب هذا النوع من البغاء المقدس الذي كانت تقوم ~~به كل النساء لمرة واحدة، ms151 أو لفترة قد تطول أو تقصر من ~~حياتهن، كان في معابد عشتار كاهناتها الدائمات ~~المكرسات على الدوام لإبقاء جذوة الجنس متقدة لا يخبو ~~لها أوار، تماما كشعلة النار التي كانت دائمة الاتقاد ~~في هياكلها. وكن يحظين باحترام المجتمع وتقديره. فها ~~هو الملك الأكادي العظيم «صارغون» مؤسس أول إمبراطورية ~~سامية امتدت من حدود إيران إلى شواطئ المتوسط في أوساط ~~الألف الثالث قبل الميلاد يفخر بأنه ابن بغي مقدسة: ~~«أمي كانت بغيا مقدسة، ولم أعرف لي أبا، وضعتني في ~~سلة وأحكمت غطاءها، ثم أسلمتني للنهر الذي حملني، ~~التقطني آكي، ناظر ماء القرابين وتبناني. رباني حتى ~~شببت فصرت أعنى ببستانه. هناك رأتني عشتار، فأحبتني ~~وجعلتني ملكا.» # 31 # عشتار في التوراة # تسللت سيدة الحب الجنسي إلى كتاب التوراة العبرانية، وشغلت سفرا ~~كاملا من أجمل أسفاره، ألا وهو نشيد الأنشاد المنسوب للملك سليمان ~~الذي كان طيلة حياته من عبدة الآلهة السورية، وخصوصا عشتاروت ~~(عشتار) وبعليم (بعل). فالسفر بكامله أنشودة حب وعشق دنيوي متقد، ~~مرفوعة إلى عشتار مهما حاول اللاهوتيون إقحام تفسيراتهم الروحية ~~ورموزهم الدينية عليه. إنه واحة عذبة في جدب الشرائع والقوانين ~~البطريركية التي يطفح بها الكتاب. وفي تفسيري، يشكل السفر تردادا ~~لأنشودة خصب عشتارية قديمة تصف لقاء عستارت وأدونيس بعد انقضاء فصل ~~الشتاء وحلول الربيع، خصوصا وأن مشاهد العشق فيها تترافق مع مشهد ~~حياة الأرض بعد انقضاء موسم الأمطار. وهذه منتخبات منه: ~~«كالسوسنة بين الشوك، حبيبتي بين البنات، كالتفاح بين شجر الوعر، ~~كذلك حبيبي بين البنين، تحت ظله اشتهيت أن أجلس، وثمرته حلوة في ~~حلقي. أدخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقي محبة. أسندوني بأقراص ~~الزبيب، أنعشوني بالتفاح فإنني مريضة حبا. يساره تحت رأسي ~~ويمينه تعانقني، أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ~~ألا توقظن الحبيب حتى يشاء ... صوت حبيبي هو ذا آت، طافرا على ~~الجبال قافزا على التلال. حبيبي شبيه بالظبي أو بغفر الأيائل، ~~هو ذا واقف وراء حائطنا: قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي؛ لأن ~~الشتاء قد مضى والمطر مر وزال، الزهور ظهرت ms152 في الأرض، بلغ أوان ~~القضب، وصوت اليمامة سمع في أرضنا. قومي يا جميلتي، وتعالي ~~يا حمامتي أريني وجهك، أسمعيني صوتك؛ لأن صوتك لطيف ووجهك جميل ... ~~ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان من تحت ~~نقابك، شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد، أسنانك كقطيع الجزائر ~~الصادرة من الغسل، كل واحد متئم وليس فيهن عقيم، شفتاك ~~كسلسلة من القرمز وفمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك. عنقك كبرج ~~داود المبني للأسلحة، ثدياك كخشفتي ظبية، توأمين يرعيان بين السوسن ~~... شفتاك يا عروس تقطران شهدا، تحت لسانك عسل ولبن، ورائحة ثيابك ~~كرائحة اللبان. أختي العروس جنة مغلقة، عين مقفلة، نبع مختوم، ~~أغراسك فردوس رمان مع أثمار نفيسة، ينبوع جنات، بئر مياه حية، ~~وسيول من لبنان. استيقظي يا ريح الشمال، وتعالي يا ريح الجنوب، ~~هبي على جنتي فتقطر أطيابها، ليأت حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره ~~النفيس. دوائر فخذيك مثل الحلي، صنعته يدا صناع، سرتك كأس مدورة ~~لا يعوزها شراب ممزوج، بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن، ثدياك ~~كخشفتين، توأمي ظبية، عنقك كبرج لبنان الناظر نحو دمشق. ما أجملك ~~وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات، قامتك هذه شبيهة بالنخلة، وثدياك ~~بالعناقيد، قلت: إني أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها، ويكون ثدياك ~~كعناقيد الكرم .» # هذا ما جرى به لسان باني هيكل الرب في أورشليم، الذي أعطاه الرب ~~ما لم يعطه لغيره من ملوك الأرض: «أعطيتك قلبا حكيما ومميزا ~~حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظير، وقد أعطيتك أيضا ما ~~لم تسأله غنى وكرامة، حتى إنه لا يكون رجل مثلك في كل الملوك كل ~~أيامك» (سفر الملك الأول 3: 12-13). هذه الحكمة نفسها هي التي فتحت ~~عين سليمان الداخلية على حكمة الأفعى وسر عشتار: «فذهب سليمان وراء ~~عشتروت إلهة الصيدونين» (سفر الملوك الأول 11: 5). # الفصل السابع # | عشتار السوداء # تولج الليل في النهار وتولج ~~النهار في الليل وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي ~~، قرآن كريم. # 1 # إن ما تقصد إلى قوله هذه الآية الكريمة، بعيدا ms153 عن ~~التفسيرات التقليدية، هو # 2 # أن الكون المادي ليس وجودا ساكنا، بل كينونة تتحرك بين ~~قطبين إلى نهاية الأزمان، وطاقتين متناوبتين تنشأ كل واحدة عن ضدها ~~وتقوم به. الطاقة الأولى سوداء سالبة تحمل الموت، والثانية بيضاء موجبة ~~فيها الحياة، فلا حياة بلا موت، ولا موت بلا حياة، ولا نهار بلا ليل، ~~ولا ليل بلا نهار، ولا خير بلا شر، ولا شر بلا خير. نقرأ في آيات كريمة ~~أخرى أيضا: # وهو الذي يحيي ويميت ~~وله اختلاف الليل والنهار ~~، # 3 # وآية لهم الليل نسلخ ~~منه النهار فإذا هم مظلمون ~~، # 4 # وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~، # 5 # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ~~. # 6 # ويدور تعليم السيد المسيح حول نفس الفكرة: «الحق، الحق أقول لكم: إن ~~لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت فإنها تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي ~~بثمر كثير. من يحب نفسه يهلكها.» # 7 # لأن في صميم الحياة تكمن خميرة الموت، وفي غياهب الموت ~~تكمن بذرة الحياة. والموت ليس نفيا للحياة بل نقيضا مكملا لا قيام ~~لها بدونه، تماما كالقطب الكهرومغناطيسي السالب الذي بدونه يتلاشى ~~القطب الموجب، وهذان النقيضان هما خيطان ينسجان مادة الوجود. في كل ~~لحظة تتحرك دفقات جديدة من الحياة لتسير في طريقها المرسوم نحو المحيط ~~اللانهائي حيث تتلاشى، مفسحة الطريق أمام دفقات جديدة تتبعها. وتحت ~~قناع الكون الساكن أمام البصر، حركة لا تهدأ من موت وحياة. # ولقد صورت الأسطورة هذه الحركة الدائبة بين النقيضين المتعاونين ~~بلغتها الخاصة، فخلقت صراعا بين إله الموت وإله الحياة، وبين القوة ~~التي تهدم والقوة التي تبني. ولعل أسطورة بعل وموت الأوغاريتية، تقدم ~~لنا أكثر أشكال هذا الصراع وضوحا ودرامية. ففي هذه الأسطورة، يبدأ ~~الصراع بين إله الحياة والدورة الزراعية بعل وإله الموت والعالم الأسفل ~~موت، عقب انتصار بعل على العماء الأول المتمثل بالإله يم، المياه ~~البدئية، وتوطيد أركان مملكته الجديدة؛ إذ ينبري موت من عالمه السفلي ~~صائحا: # أنا وحدي من سيحكم فوق جميع الآلهة، # أنا وحدي من سيأمر الناس ms154 والآلهة، # ويسيطر على كل من في الأرض. # 8 # فيبعث إليه بعل برسله طالبا منه التعايش بسلام، ولكن ~~موت يرفض عروض بعل، ويسلط عليه التنين الهائل لوتان ذا الرءوس السبعة، ~~فيسحقه بعل مسجلا بذلك انتصارا كونيا ثانيا على قوى الفوضى. هنا ~~يثور موت ثورة عارمة ويطلب إلى بعل تسليم نفسه والهبوط إلى العالم ~~الأسفل، فيقبل بعل وهو في قمة سلطانه وجبروته الاستسلام للموت، والنزول ~~إلى عالم الظلمات من فم الإله موت الفاغر لابتلاعه: # فشفة في الأرض وشفة في السماء، # واللسان بين النجوم، # ليدخل بعل إلى أعماقه هابطا عبر فمه، # فتجف أشجار الزيتون ومنتجات الأرض وثمار الشجر. # خاف علينا بعل، فزع راكب الغيوم، # وأرسل إلى موت معلنا استسلامه: # اذهبا وقولا للإله موت، # تحية لك أيها الإله موت، # عبدك أنا سأكون، # عبد لك إلى الأبد. # وهكذا يقدم بعل نفسه طواعية للموت في استسلام يذكرنا ~~باستسلام إنانا في الأسطورة السومرية. وبعد موت بعل تقضي حبيبته الإلهة ~~عناة فترة حزن وحداد عليه، ثم تمضي في محاولة يائسة إلى الإله موت ~~طالبة استعادة بعل إلى الحياة ولكن عبثا. وبعد تكرار المحاولة وتكرار ~~الرفض، قررت التصدي بنفسها للإله موت، فدخلت معه في صراع حاسم ~~ودحرته: # كقلب البقرة على عجلها وكقلب الشاة على حملها، # كذلك هو قلب عناة على بعل، # لقد أمسكت بالإله موت، # بالسيف تقطعه وبالمذارة تذريه، # وبالنار تشويه، وبالطاحونة تطحنه، # وفي الحقل تدفنه فلا تأكل لحمه الطيور ولا تنهشه ~~الجوارح. # فيعود بعل إلى الحياة، ويلتقي الحبيبان على سطح الأرض ~~حيث يرتقي بعل عرشه من جديد فوق قمة جبل الأقرع، بينما كانت السماوات ~~تقطر زيتا والوديان تجري بالعسل، ابتهاجا بعودة سيد الطبيعة إلى ~~الحياة. ولكن موت لا يغيب إلى الأبد، والأمور لا تستقيم لبعل على ~~الدوام: # وهكذا، من أيام إلى شهور، # ومن شهور إلى سنين. # ولكن في السنة السابعة، # نهض موت معلنا نفسه لعليان بعل، ~~(وتعود القوتان الكونيتان للصراع من جديد). # إلا أن هذا الصراع الذي يطفو على سطح الأسطورة، ليس في ~~حقيقته وغاياته إلا تعاونا بين ms155 القوتين من أجل حفظ الوجود، ومنعه من ~~العودة إلى هاوية السكون والعدم. وهذا ما تعبر عنه المستويات السرانية ~~للأسطورة. ففي النص الآنف الذكر نجد في مشهد قتال عناة وموت، أن عناة ~~تقوم بقتل موت وتقطيعه بالسيف وتذريته بالمذارة وشيه بالنار وطحنه ~~بالطاحون، وطمر أجزائه تحت التراب في الحقول لكيلا تأكلها العصافير. ~~وفي ذلك كله إشارة إلى مراحل عملية حصد القمح بالمنجل ثم تذريته ~~بالمذارة فطحنه فخبزه وتوفير بعضه لدفنه تحت التراب من أجل زراعة ~~الموسم القادم الجديد. وما تريد الأسطورة هنا أن تقوله، هو أن الإله ~~موت هو حبوب القمح اليابسة التي تهاوت تحت مناجل الحصادين؛ فقدمت غذاء ~~للبشر ودفن بعضها من أجل إعطاء الحياة الجديدة، في فصل الربيع القادم، ~~وإن الإله موت ليس إلا الوجه الآخر للإله بعل الذي يمثل السنابل ~~الخضراء، فموت هو بعل الميت، وبعل هو موت الحي. من هنا رأينا في نظرية ~~تكوين سانخونياتن التي نسبها فيلو للفينيقيين، أن الإله موت هو الخميرة ~~الأولى وبذرة الخلق. # شكل 7-1: سيت-حورس. # ونجد الشيء نفسه في الأسطورة المصرية؛ فالإله أوزوريس رب الخصب ودورة ~~الطبيعة يدخل في صراع مع أخيه «سيت» الذي يمثل البوار والصحراء والشر. ~~وعندما يتحول أوزوريس من إله للطبيعة إلى إله للعالم الأسفل، يستمر ~~الصراع بين ابنه «حورس» و«سيت»، فجولة لهذا وأخرى لذاك دون غلبة ~~لأحدهما على الآخر. وقد عبرت الأعمال التشكيلية عن المستوى السراني ~~لأسطورة حورس وسيت؛ إذ رسمتها في جسد واحد ذي رأسين (الشكل رقم # 7-1 ~~)، واحد لحورس وهو رأس الصقر وآخر ليست وهو رأس الحمار. # 9 # وفي الميثولوجيا الإغريقية نجد وحدة الحياة والموت في ~~الإلهة بيرسفوني، التي تمثل روح العالم الأسفل وأيضا روح القمح الذي ~~ينبعث من باطن الأرض في الربيع. أما زوجها هاديس فهو الذي يعزى إليه ~~دفع المزروعات للخروج إلى وجه الأرض، وارتبطت عبادته أحيانا بعبادة ~~ديمتر، أم القمح. # 10 # ومما له دلالة موحية في هذا المجال أن اسمه الآخر «بلوتو»؛ ~~يعني «واهب الخيرات». # 11 # فإذا انتقلنا من أساطير الخصب إلى أساطير ms156 التكوين، وجدنا وحدة الحياة ~~والموت تتجلى على المستوى البدئي. فالكون المنظم ومبادئ الحياة الأولى ~~قد ظهرت من أشلاء إله قتيل أعطى حياته القديمة من أجل الحياة الجديدة، ~~كما هو الأمر في أسطورة التكوين البابلية التي حللناها سابقا، وأساطير ~~أخرى كثيرة منها القديم ومنها البدائي الحديث؛ ففي أسطورة إسكندنافية ~~يقوم الإله الشاب «أودين» بقتل الإله البدئي والعملاق الكوني «يمر»، ~~ومن جسده تنشأ شجرة الكون. # 12 # من لحم «يمر» جبلت الأرض وشكلت، # من عرقه المتصبب تجمعت البحار، # من عظامه تكونت الصخور، # من شعره نبتت الأشجار، # من نخاعه تصاعدت الغيوم. # 13 # وفي أسطورة من تراث أمريكا الوسطى، كانت الإلهة ~~البدئية «تياتيولتي» تهيم وحيدة فوق المياه الأولى. ثم ظهر الإلهان ~~«كويتز الكوت» و«تيزكا نليكبو» اللذان قررا الانقضاض على الإلهة وقتلها ~~لخلق العالم من أشلائها. ولم تكن مهمتهما بالمهمة السهلة؛ لأن تلك ~~الإلهة لم تكن بالفتاة الغضة، بل كانت أشبه بالتنانين، كلها عيون لترى ~~في جميع الاتجاهات وكلها أفواه بارزة الأنياب تنهش كالكواسر، ولكن ~~الإلهين أفلحا بعد معركة مهولة فصرعاها وشقا جسدها نصفين وصنعا من ~~أشلائها الأرض والسماء والآلهة الأخرى. ثم قررت الآلهة جميعا، من أجل ~~ترضيتها، أن يصنعوا منها أيضا كل مظاهر الحياة على الأرض. وهكذا صنعوا ~~من شعرها الأشجار والأزهار والأعشاب، وصنعوا من عيونها الينابيع، ومن ~~أفواهها الأنهار والكهوف الكبيرة، ومن أنفها الوديان، ومن كتفيها ~~الجبال. إلا أن الإلهة كانت تبكي طوال الليل؛ لأن بها توقا لالتهام ~~قلوب البشر، فلم تهدأ إلا بها، ولم تكن تحمل الثمار إلا إذا سقيت الدماء. # 14 # وبعد خلق الكون يأتي خلق الإنسان الذي تنشأ حياته أيضا من الموت؛ ~~ففي الأسطورة الإغريقية يخلق زيوس الإنسان من رماد آلهة التيتان الذين ~~ضربهم بصواعقه. وفي أسطورة التكوين البابلية يأمر الإله مردوخ بعد قتله ~~تعامة، أن يصنع الإنسان من دماء زوجها كينغو الأسير: # فلما انتهى مردوخ من سماع حديث الآلهة، # حفزه قلبه لخلق مبدع: # سأخلق دماء وعظاما، # منها أصنع «لالو» وسيكون اسمه الإنسان. ~~(ثم يطلب أن يحضر أمامه كينغو، ويطلب إلى ms157 الإله «إيا» ~~أن يتعهد خلق البشر من دمائه): # ثم قيدوه ووضعوه أمام إيا، # أنزلوا به العقاب فقطعوا شرايين دمائه، # ومن دمائه تم خلق البشر. # وفي أسطورة بابلية أخرى عن خلق الإنسان، نجد الآلهة ~~وقد كلت من عناء العمل اليومي، تأتي إلى الأم الكبرى طالبة منها خلق ~~الإنسان ليحمل عبء العمل؛ فتفعل ذلك مستخدمة دم إله قتيل: # أنت عون الآلهة، «مامي» أيتها الحكيمة، # أنت الرحم الأم. # اخلقي الإنسان فيحمل العبء، # ويأخذ عن الآلهة عناء العمل. # فتحت «ننتو» فمها وقالت للآلهة الكبار: # لن يكون لي أن أنجز ذلك وحدي، # ولكن بمعونة «إنكي» سوف يخلق الإنسان، # الذي سوف يخشى الآلهة، ويعبدها، # فليعطني إنكي طينا أعجنه. # فتح إنكي فمه قائلا للآلهة الكبيرة: # في الأول والسابع والخامس عشر من الشهر، # سأجهز مكانا طهورا، # وسيذبح هناك أحد الآلهة، # وبلحمه ودمائه ستقوم ننتو بعجن الطين، # إله وإنسان معا، # سيتحدان في الطين أبدا. # 15 # وفي أسطورة بابلية ثالثة، نجد الآلهة وقد اجتمعوا بعد ~~انتهاء خلق العالم للتشاور فيما يمكن لهم فعله بعد ذلك: # ماذا نستطيع بعد أن نخلق؟ # لنذبح بعض آلهة «اللامجا»، # ومن دمائهم فلنصنع الإنسان، # فنوكله بخدمة الآلهة، # على مر الأزمان. # 16 # وتتجلى وحدة الحياة والموت في الفكر الأسطوري، في زمرة ~~الأساطير التي تحكي عن ظهور نباتات الغذاء التي تعلم الإنسان فيما ~~بعد زراعتها. وسوف نسوق أمثلتنا من ميثولوجيا الشعوب البدائية ~~الحديثة. تتحدث أسطورة من هاواي عن ظهور نبتة الخبز (وهي نوع من ~~البطاطا) من زراعة جثة رجل قتيل. ففي الأزمنة السحيقة، وقبل أن يتعلم ~~الناس الزراعة، اجتاحت الجزيرة مجاعة عامة، وضعت الناس على حافة الموت. ~~وكان هناك رجل حكيم اسمه «أولو»، يقصد المعبد كل يوم، فيتضرع للآلهة من ~~أجل إنقاذ ابنه الصغير الذي هزل جسمه وصار من الموت قاب قوسين أو أدنى. ~~وقد استجاب لدعائه الآلهة وأطلعوه على الحل، الذي يقتضي منه تقديم ~~حياته لإنقاذ ابنه وبقية سكان الجزيرة، فعاد إلى زوجته وطلب منها أن ~~تنفذ فيه تعليمات الآلهة بحذافيرها. فعند غياب الشمس سوف تفارقه الروح، ms158 ~~وعليها عند ذلك أن تدفن أجزاء جسده في حفر متفرقة من الأرض؛ فالرأس عند ~~نبعة الماء والقلب قرب باب المنزل، وذراعاه وساقاه في أماكن أخرى ~~قريبة، ثم تضطجع في سريرهما ولا تفارقه حتى الصباح، فإذا سمعت من ~~مكانها صوت حفيف أوراق وتساقط ثمار على الأرض، فمعنى ذلك أن الآلهة قد ~~وفت بما وعدت. حزنت الزوجة لفراق زوجها، ولكنها قامت تماما بما طلب ~~منها. وفي الصباح كانت نبتة الخبز قد طلعت من المكان الذي دفنت فيه رأس ~~زوجها، وشجرة الموز من المكان الذي دفنت فيه قلبه، وفيما بينهما نمت ~~شجيرات الكرمة ونباتات متنوعة أخرى، فقطفت من الشجر وأطعمت ابنها ودعت ~~بقية الناس للأكل. # 17 # وفي جزيرة كوك بالمحيط الهادي، تحكي الأسطورة عن فتاة اسمها «إينا» ~~كانت تستحم في إحدى البحيرات عندما أتتها أفعى مائية كبيرة، ما لبثت أن ~~نضت عنها ثوبها ليظهر تحته الفتى الوسيم «تونا». وقع الاثنان في حب ~~بعضهما وتكررت لقاءاتهما عند البحيرة، إلى أن جاء يوم قرر الفتى فيه ~~وداع صديقته ومغادرتها دون رجعة. هنا قررت إينا الانتقام من تونا ~~فقتلته في لقائهما الأخير، واجتثت رأسه فدفنته في التراب، وراحت تزوره ~~في كل يوم. وبعد مدة من الزمن لاحظت الفتاة أن نبتة صغيرة قد بدأت تزيح ~~التراب عن رأس الفتى المدفون. ويوما بعد يوم أخذت تلك النبتة تتطاول ~~حتى غدت شجرة كبيرة هي أول شجرة جوز هند في العالم، وكانت ثمارها ~~العجيبة، وما تزال تحمل عيني الفتى وبعض ملامح وجهه. # 18 # وفي كولومبيا بأمريكا الجنوبية تحكي أساطير السكان ~~الأصليين عن فتى عذب الصوت كان الناس يتقاطرون إليه من كل فج عميق ~~لسماع أغانيه الشجية. وحدث ذات يوم، لسوء حظ الفتى، أن الناس بعد ~~انصرافهم عنه أصابهم داء غريب قضى على كثيرين منهم، فجاءوا إلى الفتى ~~وقد حملوه مسئولية ما حدث، فقتلوه، وأحرقوه ودفنوا رماده تحت التراب. ~~وبعد قليل نبتت فوق قبره شتلة صغيرة ما لبثت أن تحولت إلى أول نخلة في العالم. # 19 # هذا ويضيق المجال عن ذكر ms159 أمثلة أخرى مشابهة؛ لأن شيوعها ~~يعادل شيوع أساطير الطوفان الكبير، وأساطير خلق الزوجين البشريين ~~الأولين من الطين، وأساطير خلق العالم من المياه البدئية ~~الأولى. # لقد ظهر الوجود من لجة العماء بالقتل، وظهرت مظاهر الحياة الأولى ~~بالقتل، وبدأت حياة الإنسان بالقتل. ثم لاحظ الإنسان أن استمرار بقائه ~~يعتمد على القتل، فكان اقتطاع الشجرة بالنسبة إليه قتلا، وصيد ~~الحيوانات قتلا، وحصد القمح قتلا، وصيد الحيوانات قتلا. الحياة ~~تستمر بالقتل، تتغذى على الموت، والموت فاغر فاه يتغذى على الحياة. من ~~الجثث المتفسخة تنطلق ديدان حية نشطة، وفوق القبور وبقايا النباتات ~~تنبت أعشاب وسيقان خضر. لهذا عمل الإنسان القديم على رفد الحياة ~~بالموت، ورفد الموت بالحياة، من خلال طقس القرابين البشرية والحيوانية. ~~فما نشأ عن الموت لا يستمر إلا بالموت، وحياة الجماعة لم تكن لتقوم إلا ~~بتقديم بعض أفرادها لقمة للموت، ومزروعاتها لم تكن لتنتعش من باطن ~~الأرض إلا بدم الأحياء الذي يراق فوق التربة حاملا أرواح الضحايا إلى ~~العالم الأسفل. لذلك كانت الأضاحي البشرية تذبح في الحقول، وتؤخذ ~~أجزاؤها فتدفن تحت التراب بين البذور المزروعة، وتؤخذ دماؤها فترش ~~فوق الوريقات الصغيرة الخضراء. ورغم أن القربان البشري قد تم ~~استبداله بالقربان الحيواني لدى كثير من الثقافات في أزمنة مختلفة من ~~تاريخها، إلا أن هذا الطقس قد استمر قائما إلى مطلع القرن العشرين لدى ~~بعض الثقافات التي هي أبعد ما تكون عن البدائية، كما هو حال الثقافة ~~الهندوسية في شبه القارة الهندية. # وفي الرواية التوراتية عن الفرودس وسقوط الإنسان، التي استلهمت ~~روايات دينية أقدم، نجد أن الموت يظهر إلى الوجود في نفس الوقت الذي ~~يكتشف فيه الإنسان الفعل الجنسي الذي بواسطته يبتكر الحياة. ومع اكتمال ~~هذين الضدين المتعاونين، يدخل الإنسان في الزمن المادي، ويهبط إلى ~~الأرض ليبتدئ الحضارة. لقد جلب آدم وحواء على نفسيهما الموت بعد أكلهما ~~من ثمرة الجنس المحرمة، ولكنهما قد اختارا لذريتهما من الجنس البشري ~~نوعا آخر من الخلود، هو خلود النوع الناجم عن دينامية المتناقضات، لا ~~خلود الفردوس الساكن الذي يشبه ms160 العدم. وبعد هبوطهما إلى الأرض، كان في ~~مصرع ابنهما هابيل على يد أخيه قابيل، أول تجسيد لقوة الموت في الحياة ~~الأرضية التي ابتدأت لتوها. وتم استهلال تاريخ البشرية بجريمة قتل: ~~«وحدث إذ كانا في الحقل أن قابيل قام على هابيل أخيه وقتله، فقال الرب ~~لقابيل: أين هابيل أخوك؟ فقال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟! فقال: ماذا ~~فعلت؟ صوت أخيك صارخ إلي من الأرض؛ فالآن ملعون أنت من الأرض التي ~~فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يديك.» # 20 # هذه الأرض التي فتحت فاها لتتلقف جسد هابيل هي التي جبل منها جسد ~~أبيه آدم، وهي التي سوف تتلقف جثث الموتى إلى نهاية الأزمان. إنها الأم ~~الكبرى التي تأخذ باليسار ما أعطته باليمين. سيدة القوتين الكونيتين. ~~قوة الحياة النشطة وقوة الموت الساكنة، قوة النور وقوة الظلام، قوة ~~الخير وقوة الشر، اليانج والين في دورانهما الأبدي. وذراعا الصليب ~~المعقوف في تناوبهما السرمدي. # الأم الكبرى سيدة الموت # إن الإله الكوني الشمولي، عندما لا يجرد من نفسه ظلا له يحمله ~~مسئولية الموت وشرور الحياة، لا بد له من الإمساك بخيوط القوتين ~~الكونيتين بذراعيه الاثنتين، فباليمنى يمسك قوة الحياة والخير، ~~وباليسرى قوة الموت والشر. وهنا تغدو مسألة استرضاء وجه الإله ~~الأبيض، واتقاء غضب وجهه الأسود، الموضوع الأساسي للعبادة والطقوس. ~~من هنا نستطيع أن نفهم الخصيصتين المتناقضتين للأم الكبرى للعصر ~~الحجري، أول إله شمولي عبده الإنسان . كما نستطيع أن نفهم استمرار ~~هاتين الخصيصتين في وريثات الأم الكبرى. # تدل الاكتشافات ~~الأركيولوجية الحديثة من منطقة الشرق الأدنى، على أن الأم الكبرى ~~للعصر النيوليتي قد عبدت كسيدة للموت كما عبدت كسيدة للحياة. # 21 # وتدل طقوس الدفن التي مارسها سكان المستوطنات الزراعية ~~النيوليتية، على أن الموت لم يكن بالنسبة إليهم سوى معبر للعودة ~~إلى أحضان سيدة الموت التي كانت في نفس الوقت سيدة للحياة. ففي ~~مستوطنة شتال حيوك، كان النسر، ذلك الطائر الذي يعيش على جثث ~~الموتى، رمزا للأم الكبرى في وجهها الأسود. وكانت معابد المستوطنة ~~ملأى بالرسوم الجدارية التي تمثل نسورا ms161 عملاقة منقضة على جثث ~~الموتى (شكل رقم # 7-2 ~~). ويستدل علماء الآثار، ~~اعتمادا على هذه الرسوم، وعلى دراسة بقايا الهياكل العظمية لسكان ~~تلك المستوطنة، على أن الموتى كانوا يوضعون على مصاطب عالية في ~~أماكن بعيدة خاصة، تأتيها النسور فتلتهم لحم الجثث وتترك الهيكل ~~العظمي سليما. وكانت المصاطب العالية تحمي الجثث من الكلاب ~~والضباع وما إليها من الحيوانات القمامة، وتتركها وقفا على طيور ~~الأم الكبرى. فإذا انتهت النسور من عملها حملت الهياكل العظمية إلى ~~مستودعات خاصة تترك فيها إلى فصل الربيع، حيث تأخذ كل عائلة موتاها ~~فتدفنهم في منزلها تحت مصاطب النوم والجلوس. كما كانت أرضيات ~~المعابد تستخدم لدفن الموتى من ذوي المكانة الخاصة. # 22 # شكل 7-2: نسر الأم الكبرى، رسم على جدار معبد في شتال ~~حيوك 6000ق.م. # ورغم أن فريقا آخر من علماء الآثار يطرح تفسيرا مغايرا ~~لمشاهد النسور في الرسوم الجدارية، فإن كلا الفريقين متفق على أن ~~النسر هو رمز للأم الكبرى لشتال حيوك باعتبارها سيدة للموت؛ ذلك أن ~~الفريق الثاني يرى أن تلك المشاهد ليست تمثيلا لطقس، بل تمثيل ~~لأسطورة تتعلق بعالم ما بعد الموت، وأن نسور الأم الكبرى هي التي ~~تتلقى الموتى بعد عبورهم إلى العالم الآخر. # 23 # هذا وقد وجد المنقبون في شتال حيوك أن مناقير النسور ~~كانت مدفونة في الأثداء الأنثوية المشكلة من الصلصال، التي كانت ~~تزين بعض جدران معابد المدينة. وفي ذلك إشارة بليغة إلى سلطة الأم ~~الكبرى على عالمي الموت والحياة في آن معا. # 24 # إن عادة دفن الموتى تحت أرضيات بيوت الأحياء لم تكن وقفا على ~~موقع شتال حيوك، بل يبدو أنها كانت عادة شائعة في معظم أنحاء الشرق ~~القديم خلال العصر النيوليتي. ولنا في عادات الدفن في موقع تل ~~المريبط، وموقع أبي هريرة على نهر الفرات وغيرهما أمثلة على ذلك. # 25 # كما كان من عادات الدفن في بعض المواقع (ونموذجها موقع ~~أريحا) أن تؤخذ جماجم الموتى بعد تحلل الهيكل العظمي، فيعاد تشكيل ~~ملامح أصحابها بواسطة الجص، وتوضع الأصداف في محاجر العيون، ثم ms162 ~~تنصب في أمكنة بارزة في البيوت، # 26 # وهذه الممارسات إنما تدل على إحساس إنسان العصور ~~الحجرية العميق بوحدة الحياة والموت. فالموت لم يكن أمرا بغيضا ~~يتناساه الإنسان ما عاش، ثم يلقاه فجأة إذا ما بلغت روحه الحلقوم، ~~بل هو حقيقة قائمة وحضور دائم، هنا والآن. والخط الفاصل بين ~~العالمين وهم سراب. # ولعلنا واجدون في المعتقدات القمرية القديمة منبعا أساسيا من ~~منابع الاعتقاد بوجهي عشتار المتناقضين والمتعاونين؛ ففي طوره ~~الأول، عندما يرتفع الهلال فوق الأفق الشرقي آخذا بالتزايد حتى ~~الاكتمال، تدير عشتار نحو العالم وجهها المضيء؛ وجه الحياة والخصب ~~والحب. وفي طوره الآخر، عندما يأخذ البدر بالتناقص منحدرا نحو ~~الأفق الغربي، تدير عشتار وجهها الأغبر، فترسل الأمراض والأوبئة ~~الفتاكة والعواصف المدمرة، وتعتلي مركبتها الحربية لتقود المعارك. ~~فإذا ابتلعت القمر بوابة الغرب، انتصبت عشتار السوداء خلفا ~~لعشتار البيضاء فتقبض إليها باليد اليسرى ما أطلقته يدها اليمنى، ~~وتتحول العذراء الطروب الأنثى الجميلة الرقيقة، الأم الواهبة ~~المعطاء، إلى شيطانة مولعة بالقتل، ترسل بأحبابها إلى الموت حيث ~~يحل القبر محل سرير اللذة. في طورها المنير هي التي أنشدت أعذب ~~أغاني الحب: «في الليلة الفاتنة، أنا الملكة، كنت ألتمع في كبد ~~السماء. كنت أرتع في أرجاء السماء وأغني عندما التقاني دوموزي. ~~السيد دموزي التقاني فوضع يده في يدي وعانقني.» # 27 # وفي طورها المظلم هي التي رمت دوموزي بنظرات الموت، ~~مهيبة بعفاريت العالم الأسفل أن تحمله إلى العالم الأسفل: «فانقضت ~~عليه العفاريت وجرته من ساقيه، فانقطع الراعي عن نفخ نايه ~~ومزماره. ثم ركزت إنانا عليه أنظارها، ركزت عليه أنظار الموت، ~~ونطقت ضده بالكلمة التي تعذب الروح وصرخت في وجهه قائلة: أما هذا ~~فخذوه. وبذلك أسلمت إنانا الطاهرة دوموزي الراعي إلى أيديهم.» # 28 # في نص سومري آخر نقرأ: # أيها الابن الملكي، يا أخي ذا الوجه الأجمل بين ~~الوجوه، # نهايتك باتت قريبة، وقدر عليك مصير بائس، # أيها الحبيب، الرجل الذي يسكن القلب، # لقد قدرت عليك مصيرا بائسا يا ذا الوجه الأجمل بين الوجوه. # 29 # وقد عبر إنسان العصر الحجري ms163 الحديث عن وجهي عشتار ~~المظلم والمنير بأن مثلها في هيئة مزدوجة؛ ففي معابد شتال حيوك ~~نجد الأم الكبرى في بعض المنحوتات الجدارية وقد ازدوجت في شكلين ~~اثنين متطابقين يولد منهما الإله الابن-الثور (الشكل رقم # 7-3 ~~). وهذان الشكلان ليسا تعبيرا عن إلهتين ~~منفصلتين، بل هما تعبير عن الإلهة الواحدة للعصر النيوليتي ذات ~~الوجهين؛ وجه تديره نحو الحياة وآخر نحو الموت، وهي التي سوف تستمر ~~فيما بعد في شخصية أم القمح الإغريقية ذات الوجهين: ديمتر وبيرسفوني. # 30 # وفي ميثولوجيا الشعوب البدائية، بقي مفهوم عشتار المزدوجة قائما ~~إلى العصر الحديث؛ فالأم القمرية ما زالت حية لدى كثير من القبائل ~~البدائية تحت أسماء شتى. فهي «المرأة الخالدة» و«المرأة المتغيرة» ~~و«المرأة التي تبدل جلدها» و«المرأة المضيئة». وهذه الأم القمرية ~~تلد توأمين؛ الابن الأبيض، والابن الأسود، الأول سيد الحياة ~~والثاني سيد الموت، وهما في صراع دائم لا ينتهي. فما إن يخر ~~أحدهما صريعا حتى يستجمع قواه وينهض من جديد. # شكل 7-3: عشتار المزدوجة - شتال حيوك 6000ق.م. # وفي بعض هذه الأساطير تزدوج الأم القمرية نفسها متحولة إلى ~~إلهين؛ إله الخير والحياة، وإله الشر والموت، # 31 # وهذا يذكرنا بصراع بعل وموت في الأسطورة السورية، ~~وأوزوريس وأخيه سيت في الأسطورة المصرية، وأهورا مازادا ونقيضه ~~أهريمان في الأسطورة الفارسية الزرادشتية. كما تلقي هذه الأساطير ~~ضوءا على ظهور فكرة الشيطان لدى كثير من الديانات. فصورة الإله ~~الأسود قد بدأت تزداد قتامة وتنفصل عن صورة الإله الأبيض، حتى زالت ~~عنها صفة الألوهة متحولة إلى نقيضها؛ ذلك أن التركيز المتزايد على ~~الوجه المضيء للقوة الإلهية واستبعاد وجهها الأسود، قد أدى ~~بالضرورة إلى ظهور الشيطان مرافقا للرحمن، وقام كل إله أبيض ~~بابتكار شيطانه الأسود، فحمله شرور العالم. ففي التقليد المسيحي ~~(والإسلامي أيضا مع اختلاف في التفاصيل) كان الشيطان من الملائكة ~~المقربين الذين يعكسون مجد الله وعظمته، قبل أن تحل عليه اللعنة ~~ويهبط من السماء إلى عالم الظلمات، ومعه آلاف الملائكة الذين وقفوا ~~في صفه وتحولوا إلى شياطين. وكان اسم الشيطان قبل الهبوط «لوسيفر» ~~الذي ms164 يعني «حامل الضياء». # 32 # وفي خرافة هنغارية تعتمد تقاليد أسطورة موغلة في ~~القدم أن الإله كان يتمشى وحيدا في أحد الأيام عندما رأى ظله ~~يتبعه، فالتفت إليه قائلا: قم إلي أيها الصديق. فنهض الشيطان من ~~ظل الإله وتقدم طالبا أن يقسم العالم فيما بينهما، فيأخذ إليه ~~الأرض ويترك السماء للإله. فكان أن وافق الاثنان على تلك القسمة ~~ووقعا اتفاقا بذلك. # 33 # وهذه الفكرة تتكرر في أسطورة من أواسط آسيا تقول: إن ~~الإله كان يجلس وحيدا على صخرة عندما حدث نفسه قائلا: لو كان ~~عندي أخ لتعاونت معه على خلق العالم. وما إن أنهى كلامه حتى بصق ~~على وجه البحر، ومن بصاقه ظهر جبل من وسط الماء، فقام إليه وشقه ~~بسيف فخرج منه الشيطان الذي تقدم من الإله قائلا: يجب أن نصبح ~~أخوين. فقال الإله: لا بل سنكون رفيقين. وهنا شرعا معا في خلق العالم. # 34 # رغم تشظي صورة الأم ~~الكبرى للعصر النيوليتي، وتحول أسمائها وصفاتها إلى ذوات منفصلة ~~ظاهريا متطابقة باطنيا، فإن كل اسم من أسمائها، وكل تجل من ~~تجلياتها قد حافظ على خصائص وجهها الأسود. فعشتار البابلية # 35 # كانت تدعو نفسها في بعض النصوص «بسيدة الليل» و«سيدة ~~النواح». تظهرها الأساطير تارة ابنة لسن إله القمر، وتارة ابنة ~~لآنو إله السماء. فكابنة لآنو، كانت عشتار إلهة للدمار وسيدة ~~للحروب والمعارك. من ألقابها «نجمة العويل» التي تختطف الأصحاب ~~وتفرق بين الأحباب، ومن ألقابها «سيدة المعارك». تمثلها الأعمال ~~الفنية في عدة الحرب الكاملة، تعتلي مركبة تجرها سبعة أسود وفي ~~يدها قوسها المشدود. وكانت تعين أختها إريشكيجال إلهة العالم ~~الأسفل على ملء جهنم من الناس أجمعين. وفي بعض النصوص تبدو ذات ~~سلطة على العالم الأسفل تعادل سلطة أختها إريشكيجال نفسها، الأمر ~~الذي يؤكد تفسيراتنا السابقة حول الوحدة السرانية للإلهتين، ~~وتحدرهما معا من أصل مشترك لم تكن الأسطورة قد نسيته في تلك ~~الأيام. ففي ملحمة جلجامش، تطلب عشتار من أبيها آنو أن يعطيها ثور ~~السماء لتهلك به جلجامش الذي أهانها، وتهدد بأن تفتح بوابات ms165 ~~العالم الأسفل، فتطلق كل من ماتوا منذ بدء الخليقة ليأكلوا ~~ويشربوا مع الأحياء، لتعم المجاعة ويشرف الكل على الهلاك: # أبتاه اخلق لي ثور السماء أهلك به جلجامش، # فإن لم تخلق لي ثور السماء، # أحطم بوابات العالم الأسفل، أنزع رتاجها، # أترك أبوابه مفتوحة على مصاريعها، # فيصعد الأموات ليأكلوا مثل الأحياء، # وسيربو عدد الأموات على عدد الأحياء. # 36 # وفي ترتيلة بابلية إلى عشتار، نجد وجهها الأغبر ~~كسيدة للدمار والمعارك مختلط مع وجهها الأبيض الذي يمنح البركة ~~للبشر: # لك أرفع صلاتي، يا سيدة السيدات، يا إلهة ~~الإلهات. # أي عشتار، يا مليكة كل الشعوب وحاكمة البشر. # أي «إرنيني» العالية، سيدة أرواح السماء. # أنت الجليلة القاهرة، واسمك الأعلى بين الأسماء. # أنت نور السماوات والأرض، أيتها الباسلة يا ابنة إله ~~القمر. # أنت ربة كل سلاح، ولك الأمر الفصل في المعارك. # أنت مستنة الشرائع، وعلى رأسك تاج السلطان. # أي سيدتي، إن قدرك العظيم ليسمو فوق كل الآلهة. # أنت سبب العويل والنواح، تزرعين العداوة وتفرقين بين ~~الإخوة. # أي «جوتبرا» أنت متمنطقة بالمعارك، متشحة بالرعب ~~والهول. # لذكر اسمك تهتز السماوات والأرض. # يرتجف الآلهة وتترنح أرواح البشر. # 37 # وفي صلاة إلى «إنانا» من أواسط الألف الثالث قبل ~~الميلاد، تبدو إلهة الخصب السومرية في أعتى أشكالها كسيدة للغضب ~~والدمار والهلاك: # سيدة النواميس الكونية، أيها النور المشع، # واهبة الحياة، صفية الإله «آن» وحبيبة الشعب. # لقد ملأت الأرض بالسم كما التنين. # احتبس الزرع لصوتك الراعد كصوت أشكور (إله ~~العاصفة). # أسلت مياه الطوفان من علالي الجبال، # أمطرت الأرض حمما من نار. # أعطاك «آن» النواميس يا ممتطية الوحوش الكاسرة، # فمن يسبر غور طقوسك العظيمة. # أمدمرة البلاد العاصية، لقد وهبت العاصفة ~~جناحا. # صفية «إنليل» لقد سلطت الرياح على الأصقاع، # وحملت مشيئة آن. # مليكتي، إن البلاد العاصية لترتعد من صيحتك. # يرتفع إليك صراخ البشر، # هلعا من رياح الجنوب العاتية. # يعولون أمامك وينتحبون في الطرقات، # وفي غمار الوغى، كل شيء يكون حطاما عندك. # مليكتي، أيتها الملتهمة الشرسة، # لقد تابعت هجومك كعاصفة زاعقة، # تهدرين برعد فاق صوت أشكور، # تعولين ms166 بأعلى من صوت الرياح الشيطانية. # مليكتي، إن الآلهة الكبار، # فرت أمام وجهك الغضوب، # لم ترفع نظرا إلى جبينك المهوب، # فما من سبيل لتهدئة جنانك الثائر، # مليكتي، أنت الجذلى الطروب، # ولكن، يا ابنة سن، غضب قلبك بلا حدود. # مليكتي، سيدة البلاد، من يستطيع إعطاء طاعتك ~~حقها؟ # أنت من يمنع الزرع والإنبات عن أراضي العصاة، # تسحقين بواباتها المنيعة، # تجرين أنهارها دماء فلا يجدون ما يشربون، # وتملئين مرابع لهوها نكبات. # تحجبين عنها كلماتك الطيبة، # فتبتعد المرأة عن زوجها، # لا تسمعه في الليل كلام الحب، # ولا تفضي له بسريرة قلبها. # أيتها البقرة البرية الجموح، # أنت أعظم من كبير الآلهة آن، # وأعظم من الأم التي ولدتك. # فيا مليكة البلاد الحكيمة العارفة، # يا مكثرة المخلوقات والناس، # هذه أغنيتي أرفعها بحمدك. # 38 # إلى جانب ~~تجلي القوة الإلهية الأنثوية المدمرة في الوجه الأسود لكل من عشتار ~~البابلية وإنانا السومرية، فإننا نعثر في بلاد الرافدين على إلهة ~~ثالثة تلعب دورا هاما في عالم الشر والظلام والعالم الأسفل هي ~~الإلهة «ليليث» عفريتة وشيطانة القفار المظلمة. تصورها الأعمال ~~الفنية التشكيلية على هيئة امرأة مجنحة عارية، جميلة الجسد ~~مكتنزة الصدر، تقف فوق لبوتين، وتنتهي ساقاها بمخالب الطيور ~~الكاسرة عوضا عن القدمين، وعن يمينها ويسارها بومتان. وهكذا تقوم ~~رموز الأم الكبرى المضيئة بدور معاكس عندما تدير عشتار وجهها ~~المعتم. فالأجنحة التي كانت رمزا لسماوية الأم، هي الآن رمز ~~لعالمها المظلم. وحمامات عستارت وأفروديت، التي مثلت خفق القلوب ~~بالعواطف، هي بومات وغربان تمثل خفق القلوب بالرعب، وتبشر بالفراق ~~والشقاق والموت. ففي بلاد الرافدين نعثر على زمرة من الرموز ~~المتعلقة بالأجنحة والطيور، وقد عكس مدلولها لتغدو رمزا للطاقة ~~السالبة في الكون بعد أن كانت رمزا للطاقة الموجبة. فمن الألف ~~الثالث قبل الميلاد، وصلتنا مجموعة من الأختام الأسطوانية التي ~~تمثل بوابة مجنحة يحملها على ظهره ثور راكع أمام الأم الكبرى ~~الجالسة على عرشها، وفي يدها كوب فوقه الهلال في يومه الأول. هذه ~~البوابة المجنحة هي رحم الأم الكبرى الذي يطلق إلى العالم شتى ~~مظاهر الحياة مع ms167 إشراق الهلال الجديد، وهي بوابة الغرب التي يدلف ~~منها الموتى إلى عالم الظلمات، مع هبوط القمر درجات الموت السبعة. ~~وفي الأساطير المتعلقة بالعالم الأسفل، نجد عفريت الموت قابض ~~الأرواح على هيئة طائر، كما نجد الموتى هناك وقد تغيرت أشكالهم ~~واستعاروا بعضا من هيئة الطيور وملامحها. ففي ملحمة جلجامش، على ~~سبيل المثال، نقرأ على لسان إنكيدو: # ظهر أمامي إله معتم الوجه. # ملامحه كوجه طائر الزو، # ومخالبه كمخالب العقاب، # وثب علي، فتمكن مني، ثم غاص بي، # قام بتحويل شكلي، # فغدت ذراعاي مكسوتين بالريش. # ثم قادني إلى بيت الظلام، إلى مسكن إرجالا، # إلى دار لا يرجع منها داخل إليها، # إلى مكان لا يرى أهله نورا، # فالتراب طعام لهم والطين معاش، # لباسهم كالطير، أجنحة من ريش، # لا يرون نورا وفي ظلمة يعمهون. # 39 # وفي الميثولوجيا والطقوس السورية، لا تبدو الإلهة ~~«عستارت» أقل تعطشا للدماء، من صنوها عشتار البابلية. فحول الحجر ~~المقدس الذي يمثل عستارت في معابد الكنعانيين، ثم العثور على عشرات ~~الهياكل العظمية لأطفال تم تقديمهم قربانا للإلهة. # 40 # وفي قرطاجة الكنعانية، ارتبطت عبادة الإله الثور ابن ~~الأم الكبرى بالتضحية البشرية، فكان الأطفال يرمون إلى داخل تمثال ~~برونزي مجوف هائل الحجم له رأس الثور، تتأجج في داخله النيران. ~~وهذا التمثال يمثل الإله مولوخ، صنو الإله بعل. # 41 # وفي أوغاريت الكنعانية، تكشف إلهة الخصب عناة عن وجهها ~~الأسود في أحد نصوص أسطورة بعل وعناة: # هي ذي عناة تقاتل بضراوة. # إنها تذبح أبناء المدينتين، # إنها تصارع أبناء شاطئ البحر، # وتبيد أبناء مشرق الشمس. # تحتها الرءوس تتطاير كالنسور، # وفوقها تتناثر الأذرع كالجراد. # إنها تخوض في دماء الأبطال حتى الركب. # إنها تغوص في دماء الناس حتى العنق. # كبدها يتفجر سرورا، # وقلبها يمتلئ حبورا. # تغسل يديها في دماء الجنود، # وأصابعها في دماء البشر. # 42 # فإذا انتقلنا إلى الميثولوجيا المصرية، التي لقيت ~~فيها صورة الأم الكبرى من التشظي ما لم تلقه في ميثولوجيا الثقافات ~~الأخرى، لوجدنا الوجه الأسود للأم الكبرى الأولى وقد تجلى في كل ~~صورها المبعثرة اللاحقة. وفي الحقيقة ms168 فإن هذا التشظي في صورة الأم ~~المصرية، إن هو إلا ظاهرة سطحية ساعد على توضيحها للعقل الحديث ~~دارسو الأسطورة الأكاديميون، ممن لم يلمحوا الرابطة السرانية بين ~~جميع تجليات الأم المصرية وأسمائها، وهي رابطة قدمت لنا الأسطورة ~~مفاتيحها بطريقة لا تخفى على البصيرة، وإن خفيت على البصر الكليل. ~~وسوف نجد أن كل تجل من تجليات الأم الكبرى يفضي إلى الآخر، وكلها ~~تصب أخيرا في الإلهة الواحدة للعصر النيوليتي، سيدة الحياة ~~والموت. # نقرأ في كتاب الموتى المصري، فصل البوابات السرية، وهي بوابات ~~العالم الأسفل السبع، عن الأم الكبرى ذات الوجهين: «سيدة الرعدة، ~~عشيقة الدمار، حاكمة السماوات، سيدة العوالم، ملتهمة بنارها متسلطة ~~بحد السيف، سيدة الشعلة، سيدة النور، لا يعرف لها امتداد، وليس ~~كمثلها شيء منذ البداية. نار موقدة لا يخمد أوارها، ألسنتها تطال ~~القاصي. مهلكة لا يقف في وجهها شيء، ولا يدرك الإنسان برشده وعقله ~~سر أذاها، راعدة الصوت مدمرة، سيدة البوابات لها ترفع الابتهالات ~~يوم الظلمة، ملتهمة أجساد الموتى، سيدة القتل والمذابح حاصدة ~~الرءوس واسمها قاطع كحد السكين.» # 43 # من التجليات القديمة لهذه الإلهة الأم، الإلهة «نيخبت» ~~وهي إلهة الأسر الفرعونية الأولى. كان النسر رمزا لها، كما ~~صورتها الأعمال التشكيلية على هيئة امرأة برأس نسر. كانت نيخبت ~~إلهة الميلاد، وفي نفس الوقت كانت طائر الموت الذي يمزق الجثث ~~ويلتهمها. وفي العالم الأسفل كانت راعية الموتى. # 44 # وبعد أن أفل نجم هذه الإلهة، نجدها تنبعث في إلهة أخرى ~~تحت اسم «مت» الذي يعني «الأم». وقد صورتها الأعمال التشكيلية على ~~هيئة امرأة تضع على رأسها تاجا مصنوعا على هيئة رأس النسر. كما ~~صورت على هيئة بقرة سماوية، هي البقرة التي ارتقى ظهرها إله الشمس ~~الأكبر عندما ولد من البيضة الكونية، وخرج من أعماق الأوقيانوس ~~المائي الأول، صاعدا نحو قبة السماء، وصورت أيضا على هيئة هرة ~~وهيئة لبؤة. # 45 # وهذه الهيئات جميعا، سوف تتكرر في تجليات الألوهية ~~المؤنثة اللاحقة في الميثولوجيا المصرية. فالإلهة «نيت» والتي ~~تنافس في القدم الإلهة «نيخبت» كانت البقرة السماوية من ms169 قبل أن ~~توجد الأشياء، وهي أم الآلهة جميعا التي أنجبت إله الشمس «رع»، ثم ~~أتبعته بقية الآلهة. وإلى جانب هذا الدور الكوني، تظهرها النصوص ~~والأعمال التشكيلية كإلهة للحروب وراعية للأموات في العالم الأسفل ~~تقدم لهم الخبز والماء عند وصولهم. كما تظهر في وضع الإلهة النساجة ~~التي تغزل خيوط القدر وتحيك مادة الكون. وفي الدرام الأوزوريسي ~~نجدها أحيانا وقد حلت محل الإلهة إيزيس كحبيبة للإله أوزوريس القتيل. # 46 # وفي ذلك توكيد على أن قدماء المصريين كانوا يطابقون ~~بين الإلهة القديمة «نيت» والإلهة الجديدة «إيزيس»، رغم اختلاف ~~الأسماء الذي فرضته عوامل الصراع الدينية والسياسية عبر حياة ~~الحضارة المصرية المديدة. # تظهر «إيزيس» غالبا وعلى رأسها قرنا بقرة، وفي أحيان قليلة برأس ~~بقرة، أما الإلهة «هاتور» وهي أحد أشكال الإلهة «إيزيس» فتحمل ~~غالبا رأس البقرة، وتبدو في أحيان قليلة برأس بشري يحمل قرني ~~بقرة. وكانت هاتور تدعى في بعض النصوص «بأم حوروس» وهو لقب إيزيس ~~نفسها. ونجدها في النصوص والأعمال التشكيلية على هيئة بقرة سماوية ~~أنجبت الشمس والكون، وهي مرضعة كل الأحياء من لبنها، وأيضا راعية ~~كل الأموات. فتحت اسم «سيدة المغارب» تظهرها الرسوم وقد نهضت من ~~أطراف الصحاري القاصية عند حدود الغرب حيث تغيب الشمس، لتستقبل ~~الأموات وتقدم لهم الخبز والماء، ثم تحملهم على ظهرها إلى العالم ~~الأسفل. وهي تمسك بسلم الصعود إلى السماء، الذي يتسلقه كل من ~~مروا بسلام عبر امتحانات العالم الأسفل القاسية. # 47 # وربما كان هذا السلم هو الذي رأينا إيزيس العارية ~~ممسكة به في الشكل رقم ( # 6-6 ~~) من فصل البغي ~~المقدسة. ومن ألقاب هاتور لقب «سيخمت» الذي يعني الجبارة، وقد تحول ~~هذا اللقب إلى إلهة مستقلة تحمل اسم «سيخمت»، وتحت هذا الاسم تبدو ~~الأم المصرية الكبرى في أقسى أشكالها كإلهة للحروب والمذابح ~~الجماعية. نراها في أحد النصوص وقد باشرت حملة إبادة ضد الجنس ~~البشري انتقاما للإله رع الذي تنكر له الناس. ولكن الإله رع ~~يخشى فناء البشرية فيتدخل لدى الإلهة، لتوقف حملتها دون أن يلقى ~~منها أذنا صاغية؛ إذ ms170 تجيبه وهي سكرى بالدماء بأن قلبها ينشرح ~~للذبح وسفك الدم. عند ذلك يأتي بسبعة آلاف برميل من شراب مسكر أحمر ~~اللون مصنوع من مزيج الجعة وعصير الرمان، فيسكبها في ساح ~~المعمعة، فتشربها «سيخمت» عن آخرها، معتقدة أنها تشرب من دماء ~~البشر المسفوحة، وهنا تبدأ قواها بالتخاذل وتعجز عن إكمال المجزرة. # 48 # هذا وقد اختلطت بهذه الإلهة إلهة أخرى اسمها «باست» ~~التي تبدو على شكل هرة، أو على شكل امرأة برأس هرة. وكانت في أصلها ~~كزميلتها «سيخمت» لبؤة أو امرأة برأس لبؤة. # 49 # وفي الجزيرة العربية، نجد في أسماء الأم الكبرى المثلثة، ما يشير ~~إلى وجهها الأسود. فاسمها «اللات» هو اشتقاق من اسمها السوري ~~«إيلات» مؤنث «إيل»، واسمها «العزى» يعني في العربية القوية ~~المرهوبة الجانب، ويعادل اسم «سيخمت» الجبارة عند المصريين. أما ~~اسمها «مناة» فمشتق من المنية؛ أي الموت. وقد رأينا في رواية سابقة ~~عن قتل خالد بن الوليد للعزى صورة باهتة قدمها الإخباريون ~~المسلمون عن وجه الإلهة الأسود (راجع فصل عشتار القمر). وكان العرب ~~يحملون صورة العزى قائلين: ألا لنا العزى ولا عزى لكم. فيجيب ~~المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وكانوا يقدمون لها القرابين ~~البشرية؛ فقد ذكر مؤرخ سرياني قديم أن الملك المنذر قد ضحى للعزى ~~بابن الحارث ملك غسان وقد وقع بيده أسيرا، كما ضحى لها ببعض ~~الراهبات المتنسكات في بعض أديرة العراق. # 50 # وجاء في أخبار أحد المؤرخين عام 400ق.م. عن طقوس ~~القرابين البشرية للعزى بين عرب الشمال: أنهم كانوا يكرمون كوكب ~~الصبح ويخرون له ساجدين، ويضحون له بأجود أسراهم الذين أخذوهم ~~في الغزوات. وهم يفضلون لذلك الشباب إذا كانوا في عز الصبا وصبيحي ~~الوجوه، فيعدون لهذه الغاية مذبحا من الحجارة والصخور التي ~~يكومونها في انتظار الفجر، حتى إذا لاح كوكب الصبح ضربوا ضحاياهم بالسيوف. # 51 # فإذا انتقلنا من الشرق القديم نحو ثقافات الغرب، وجدنا أول تجل ~~لوجه الأم الكبرى الأسود في الإلهة رحيا، الأم الكريتية الكبرى ~~التي رأيناها أما للكون وسيدة للفصول وخصب الأرض وجميع مظاهر ms171 ~~الطبيعة. فهي «بريتومارتيس» أي: العذراء العذبة، ومع ذلك كانت سيدة ~~الموت وحاكمة العالم الأسفل، # 52 # وقد نسج الإغريق على منوالها إلهتهم «جايا» الأم ذات ~~الأثداء، والأرض التي ترضع كل الأحياء، أم الآلهة وأم البشر. ورغم ~~بقاء هذه الإلهة في الميثولوجيا الإغريقية كصورة باهتة بلا عبادة، ~~عقب انتصار آلهة الأوليمب على الديانة الأمومية الأقدم، فإن ~~تجلياتها المختلفة قد بقيت عكس وجهيها القديمين؛ وجه الحياة الأبيض ~~ووجه الموت الأسود. # لعل الإلهة «ديمتر» أكثر إلهات الإغريق في عصور الكتابة قربا ~~إلى الصورة الأولى للأم النيوليتية. فهي الأم-الأرض، سيدة المحاصيل ~~وربة خصب الطبيعة. وفي عهودها الأولى، وقبل ظهور أسطورة ابنتها ~~بيرسفوني، كانت سلطتها تمتد إلى العالم الأسفل. # 53 # من ألقابها كأم بيضاء «الأم العظمى» و«الأم الجبل» ~~و«أم الآلهة». ومن ألقابها كأم سوداء «الغضوبة» و«السوداء». # 54 # إلا أن وجهها الأسود قد انفصل فيما بعد عن وجهها ~~الأبيض متمثلا في ابنتها بيرسفوني التي غدت إلهة للعالم الأسفل ~~وزوجة للموت هاديس. وباختطاف بيرسفوني ونزولها إلى العالم الأسفل ~~يظهر القمح إلى الوجود؛ ذلك أن الموت في الأسطورة العشتارية ليس ~~قدرا مظلما تفرضه قوى عمياء، بل هو بذرة كامنة في صميم كل حياة، ~~والحياة بذرة كامنة في أعماق كل موت. # أما أرتميس إلهة الصيد والغابات والبراري الوحشية؛ فقد عبدت ~~في بعض المدن اليونانية خارج أرض اليونان على أنها الأرض الأم. في ~~مدينة إفسوس الإغريقية بآسيا الصغرى نجد أرتميس العذراء الرشيقة ~~القد، وقد صورت في هيئة سيدة ممتلئة يندفع من صدرها عشرات الأثداء. ~~وكانت تماثيلها تدهن باللون الأبيض وباللون الأسود آنا آخر (راجع ~~الشكل رقم # 2-15 # فصل الأم الكبرى ). منذ ولادتها ~~أسرعت أرتميس إلى أبيها زيوس طالبة تزويدها بقوس وجعبة سهام وصندل ~~يساعدها على الجري في الغابات. ثم انطلقت تجوس الأحراش وتطوف ~~البراري بصحبة كلابها المتوحشة. من ألقابها: «المدمرة» و«سيدة ~~الموت المفاجئ»، تطلق سهامها فتصيب وتقتل وترسل الأمراض الفتاكة ~~فتفني المواشي والسكان. وكانت تسر بالأضاحي البشرية؛ ففي إلياذة ~~هوميروس نجد «آغاممنون» يذبح ابنته «أفيجينيا» قربانا لأرتميس ~~السوداء لتقوم بتحريك الريح ms172 أمام سفن الإغريق في طريقهم إلى ~~طروادة. وفي رواية أخرى للحادثة نفسها، أن الإلهة قد أنقذت ~~«أفيجينيا» في اللحظة الأخيرة من الذبح وحملتها إلى منطقة تاوروس، ~~حيث جعلت منها كاهنتها الأولى المشرفة على الأضاحي البشرية التي ~~تقدم هناك لأرتميس ... ومنطقة تاوروس هذه كانت معروفة بالأضاحي ~~البشرية التي يتقرب بها العابد لأرتميس السوداء الشرهة للدماء، حيث ~~كان الغرباء ممن قضى حظهم العاثر الاقتراب من تلك الشواطئ ~~يقدمون على مذبح الإلهة. وفي مناطق أخرى جرت العادة في فترات ~~قديمة من تاريخ الإغريق على تقديم عدد من الفتيان قربانا لأرتميس ~~كل خمس سنوات، ثم استبدل طقس القرابين بطقس الجلد بالسياط أمام ~~تمثال الإلهة، فكان الشبان يساقون في مناسبات معينة إلى معبد ~~أرتميس حيث يتم جلدهم بقسوة أمام تمثال الإلهة المحمول من قبل ~~كاهناتها على محفة خاصة. وكان وزن التمثال، كما تروي الأخبار، ~~يزداد ثقلا إذا توانى المكلفون بالجلد عن أداء مهمتهم على الوجه الأكمل. # 55 # إن الوجه الأسود لأرتميس لا يتجلى بشكله الكامل إلا تحت اسمها ~~الذي استقطب كل خصائصها السوداء، وهو أرتميس-هيقات سيدة الموت ~~والظلام وعالم السحر والأشباح. تشترك هيقات مع الإلهة بيرسفوني ~~باسم الأب «بيرسيس». كما تظهر في النصوص والطقوس السرية الديمترية ~~مرتبطة بالإلهة ديمتر؛ # 56 # مما يشير إلى كونها شكلا من أشكال الإلهة بيرسفوني نفسها. # 57 # من ألقابها: «القهارة» و«بريتانيا» سيدة الموت التي ~~ترسل عفاريتها إلى الأرض لتعذيب الرجال. وتظهر في الليل بموكب مرعب ~~مصحوبة بحشد من شيطاناتها وكلابها المتوحشة، فتجوس المناطق ~~المحيطة بالمقابر، وتظهر عند تقاطع دروب السفر، حيث كان الإغريق ~~والرومان ينصبون صورتها المثلثة، ويقدمون لها الأضاحي لاسترضائها ~~وكف غضبها. من شاراتها المفتاح الذي يرمز للتكاثر والتناسل؛ لأنها ~~إلهة للميلاد ولغروب الحياة في آن معا. # 58 # ولما كانت هيقات إلهة قمرية، فإن الأعمال التشكيلية قد ~~مثلتها في هيئة مثلثة (الشكل رقم # 7-4 ~~). هذا ~~وقد بقي اسم هيقات مرتبطا بالسحر وطقوس الظلام في الفلكلور والأدب ~~الأوروبي إلى فترات متأخرة من العصور الحديثة. نقرأ في مسرحية ~~ماكبث لشكسبير على سبيل ms173 المثال: «... في هذه الساعة، تهدأ الطبيعة في ~~شطر من شطري هذه الكرة هدوء الموت، وينخدع النيام بأحلام سيئة ~~تخامرهم في مضاجعهم. في هذه الساعة تقدم الساحرات للهرة الصفراء ~~الجنية هيقات قربان الظلام.» # 59 # وقد كان للإلهة أفروديت التي احتفظت لنفسها بمعظم الخصائص اللينة ~~للأم الكبرى، وجهها الأسود أيضا. فأداتها التي تزرع بواسطتها الحب ~~في قلوب البشر هي نفس السهام التي تؤدي إلى التهلكة. وقد عبدت في ~~إسبرطة وقبرص كإلهة للحرب والمعارك، وصورت في عدة الحرب الكاملة. # 60 # كما عبدت كإلهة للموت تحت اسم «أفروديت المقابر». # 61 # ويجب أن نلاحظ فيما يتعلق بأفروديت أيضا أن كل ~~خصائصها الدنيوية كإلهة للحب ومتع الجسد لم تحجب ذكراها القديمة ~~كأم كونية. وها هي تقول عن نفسها في أسطورة إيروس وسايكي، كما ~~رواها «أبوليوس»: أنا الأم الكونية ومصدر العناصر الخمسة ... # 62 # شكل 7-4: هيقات الثلاثية. # إلى جانب هذه الأشكال الرئيسية لتجليات الأم الكبرى السوداء، فإن ~~الميثولوجيا الإغريقية زاخرة بأشكال إلهية ثانوية تنتمي إلى ذات ~~الطاقة الأنثوية التدميرية. من هذه الأشكال: الإلهة البحرية ~~المرعبة «سكيلا» ذات الرءوس السبعة والأسنان الحادة، التي كانت ~~تكمن عند الشاطئ بين سلاسل الصخور البحرية، فإذا مرت بها سفينة مدت ~~أعناقها الطويلة والتهمت بكل رأس بحارا. وقد فقد أوديسيوس بعض ~~رجاله عند مروره قرب شواطئها. # 63 # وصورتها الأعمال الفنية الرومانية بطريقة مختلفة، ~~فنراها على هيئة امرأة جميلة لها ثلاث سيقان على شكل كلاب ضارية، ~~ويتعلق بوركيها أفعوانان بحريان خرافيان، وترفع بيدها سلاحا ~~ماضيا فتاكا (الشكل رقم # 7-5 ~~). ومثل «سكيلا» ~~أيضا الإلهة «كاربيديس» ابنة الأرض جايا والبحر بوسيدون. كانت ~~«كاربيديس» سيدة الدوامات المائية التي تسحب السفن نحو الأعماق، ~~كما كانت سيدة الأمواج تقبع في أعماق المحيط وتبتلع الماء في جرعات ~~هائلة ثلاث مرات في اليوم، ثم تعيده ثانية من جوفها، مسببة الأمواج ~~العاتية التي تضرب شواطئ اليابسة. # 64 # شكل 7-5: الإلهة سكيلا - نقش روماني. # وإلى ذات الطبيعة الأنثوية المائية ينتمي «السيرينيات»، وهن ~~جنيات متعطشات للدماء كن يسكن جزرا اسمها «سيرين». صورتهن ~~الأساطير والأعمال ms174 التشكيلية على هيئة نساء برأس آدمي وجسد طائر، ~~أو على هيئة نصفها آدمي ونصفها الآخر سمكي. وكن ذوات صوت عذب ~~وأغان ساحرة ينشدنها على أنغام القيثار والفلوت، فتجذب إليها ~~السفن العابرة، وينقاد الرجال نحوهن دون وعي أو إرادة ليلقوا ~~مصيرهم الأسود، ويتحولوا إلى عظام نخرة تتجمع أكواما على شواطئ الجزيرة. # 65 # وقصة أوديسيسوس في الأوديسة مع السيرينيات معروفة، ~~عندما سد آذان بحارته بالشمع، وطلب منهم ربطه إلى سارية السفينة، ~~ليستطيع سماع السيرينيات دون أن يكون قادرا على الفكاك والانقياد ~~لسحرهن. # كما تبدو القوة العشتارية المدمرة في هيئة إلهات ثلاث، هن ~~استمرار للأم القمرية المثلثة. وقد عرفت الميثولوجيا الإغريقية ~~عددا من هذه الثواليث؛ منها الإيرينيات الثلاث، ربات الانتقام ~~اللواتي ولدن من الأرض جايا بعد أن أخصبتها دماء أورانوس الذي خصاه ~~ابنه كرونوس وارتقى مكانه عرش الأوليمب. من ألقابهن: «كلبات ~~الجحيم» و«بنات الليل الأبدي». وكن إذا وقعت جريمة تواجدن في ~~مكانها بلمح البصر وقد تحول شعرهن إلى أفاع وتسلحن بالمشاعل ~~والسياط، فيطاردن المجرم حتى يطلنه ويرسلنه إلى الجحيم، حيث يتابعن ~~مهمة تعذيبه هناك. # 66 # وفي الحقيقة، يبدو أن الإيرينيات لسن إلا تجريدا لبعض ~~خصائص الإلهة ديمتر، يدلنا على ذلك نشوء أسطورتهن الأولى في ~~أركاديا حيث كانت ديمتر تعبد تحت اسم ديمتر إيريني، ومنه اشتق ~~اسم الإيرينيات. # 67 # وتظهرهن بعض الأساطير كمساعدات لبيرسفوني إلهة العالم ~~الأسفل، لا يمكن لإله أو بشر قهرهن طالما بقيت على الأرض جريمة ~~تستحق العقاب. # 68 # وإلى جانب ذلك كانت الإيرينيات بنات الظلمة التحتية، ~~والقوة الباطنية التي تولد الحياة من أعماق الأرض وتعطي الغذاء. ~~فهن كأمهن الأرض جايا، يتحركن بين القطبين الناظمين لحركة ~~الوجود؛ قطب الميلاد وقطب الفناء. # 69 # ومن الثواليث المرعبة ~~الجورجونات الثلاث: «ستينو، وإيريالا، والميدوزا»، الأخوات اللواتي ~~تنبت الأفاعي من رءوسهن بدل الشعر، ويتدلى لسانهن الطويل خارج فم ~~ذي أنياب حادة، ولهن أذرع من معدن البرونز، وأجنحة من الذهب. ~~كانت نظرتهن تحول كل حركة إلى سكون، وإذا وقعت أبصارهن على ~~بشر صار حجرا جامدا لا حياة فيه. ms175 وقد قام البطل الأسطوري ~~«بيرسيوس» بقتل الميدوزا كبيرتهن، واجتث رأسها في صراع دام ~~تفادى خلاله نظراتها بأن جابهها وهو ينظر إلى انعكاس صورتها على ~~ترسه اللامع. # 70 # وكان للجورجونات أخوات ثلاث أيضا اسمهن: الخوف والرعب ~~والهلع، يعشن على شاطئ الغرب الأقصى عند حدود الليل ومملكة الموت. # 71 # إن نظرة الجورجون التي تحول الرجال إلى حجارة هي نظرة ~~الموت التي توقف جريان الحياة فتعيده إلى سكون الفناء، وتذكرنا ~~بنظرة الموت التي ركزتها إنانا السومرية على تموز فأرسلت به إلى ~~درك الجحيم. أما لسان الجورجون الممتد خارج الفم؛ فهو رمز ~~لدينامية طاقة الفناء المقابلة لطاقة الحياة عند الأم الكبرى؛ فهو ~~دائم الحركة لالتهام مظاهر الحياة، وإعادتها إلى أعماق الصمت ~~والسكون عبر الأسنان الحادة التي تحيل المادة الحية إلى مادة ~~متحللة. # يقدم لنا الفن الإغريقي حشدا من الرسوم والمنحوتات التي تمثل ~~الجورجون في أوضاع ومشاهد مستوحاة من الأسطورة. في إحدى المنحوتات ~~البارزة، نراها جالسة على الأرض تحيط بها أفعى هائلة، وقد فتحت ~~ذراعيها اللتين يتعلق بكل منهما أسد يشب على قائمتيه الخلفيتين، ~~وباعدت ما بين ساقيها. وهذه الجلسة تذكرنا بجلسة عشتار البغي ~~المقدسة التي رأيناها في الشكل رقم ( # 6-5 ~~) ~~والشكل رقم ( # 6-6 ~~) من فصل البغي المقدسة؛ فكل ~~ما في وضعية الجورجون هنا يقابل وضعية عشتار، ولكنه نقيض له في ~~الوقت نفسه؛ فالعينان متسعتان جاحظتان، والفم مفتوح يتدلى منه ~~اللسان الطويل، والنهدان متدليان حتى البطن دلالة العقم والجفاف. ~~أما الذراعان اللتان تفتحهما عشتار البغي المقدسة للعناق، فإن ~~الجورجون تفتحهما من أجل الخنق والقتل، ويتعلق بهما الأسدان إشارة ~~للطاقة الافتراسية العمياء، والساقان اللتان تباعدهما عشتار مبرزة ~~عضوها الجنسي المرسوم بدقة رمزا لطاقة الحياة دافع الجنس، فإن ~~الجورجون تباعدهما عن مساحة سوداء غير متمايزة وهوة لا قرار لها، ~~رمزا للطاقة المعكوسة التي تسترد إلى الرحم كل ما صدر عنه من ~~حياة. # إن هذا الرمز الجنسي للوجه الالتهامي للأم الكبرى لتعبر عن ~~أساطير الأقوام البدائية الحديثة بطريقة أكثر مباشرة؛ ففي بعض ~~التماثيل الأنثوية الأفريقية نجد فرج المرأة ms176 وقد افتر عن أسنان ~~قاطعة. وهذا التمثيل كان معروفا في حضارة الأزتيك في أمريكا ~~الوسطى فيما يتعلق بالأم الكبرى السوداء. وفي بعض أساطير الهنود ~~الحمر في أمريكا الشمالية، نجد أن سمكة مقدسة شرسة تسكن فرج الأم السوداء. # 72 # ولدى قبائل الهنود الحمر في نيو مكسيكو، تقول ~~الأسطورة: إن أول نساء ظهرن إلى الوجود كن أربع نساء كل واحدة ~~منهن على شكل فرج ذي أسنان قاطعة، له رأس وأطراف. وعندما سمع ~~الرجال بوجودهن جذبهم إليهن الدافع الجنسي فتقاطروا إلى بيتهن. ~~غير أن الداخل إلى ذلك البيت لم يكن يرجع منه إلى صحبه؛ لأنهن كن ~~يعانقن الرجال ثم يلتهمنهم في غمرة الفعل الجنسي، الأمر الذي أثار ~~حيرة الرجال وخوفهم دون أن يستطيعوا منع أنفسهم عن قصد ذلك البيت. ~~إلى أن أتى يوم تصدى فيه شاب جريء لكشف لغز السنوة، فدخل عليهن، ~~واقتلع الأسنان من فروجهن فحولهن إلى نساء عاديات. # 73 # وعندما نتحدث عن القوة الأنثوية المدمرة في الميثولوجيا ~~الإغريقية لا ننسى «باندورا» المرأة التي لعبت في الأسطورة ~~اليونانية دورا مشابها لدور حواء في الرواية التوراتية. فعندما ~~عهد الإله زيوس إلى الإلهين بروميثيوس وأخيه أبيميثيوس بخلق ~~الحيوان والإنسان، قام أبيميثيوس بوهب الحيوان كل ما وهبه برميثيوس ~~للإنسان. وهنا أعطى بروميثيوس النار للبشر إعلاء لشأنهم، ولكن زيوس ~~سحبها منهم؛ مما دفع بروميثيوس إلى اقتحام السماء وسرقة شعلة من ~~النار لإعطائها للبشر ثانية. وهنا قرر زيوس الانتقام من بروميثيوس ~~ووضع حد لطموح البشر، فطلب من الإله هفستوس أن يصنع امرأة من ~~طين، وطلب من بقية الآلهة أن يهدوها صفات وخصائص متميزة؛ فخرجت آية ~~في الجمال والروعة. ثم إن زيوس أعطاها صندوقا لتحتفظ به شريطة ألا ~~تفتحه أبدا، وقدمها هدية لبروميثيوس وأخيه. رفض بروميثيوس قبول ~~باندورا ، أما أخوه فرحب بها وتزوجها. وعندها تاقت باندورا إلى ~~فتح الصندوق، وما إن رفعت غطاءه حتى انطلقت منه كل شرور العالم، من ~~أوبئة وأمراض وكوارث وما إليها مما ابتليت به البشرية إلى يومنا ~~هذا. وعندما أفلحت باندورا في إغلاق الصندوق، ms177 لم يكن قد بقي فيه ~~إلا شيء واحد هو: الأمل. وقد تابع زيوس انتقامه من بروميثيوس بأن ~~ربطه إلى قمة جبل وسلط عليه صقرا ينهش كبده كل يوم، وبقي على هذه ~~الحال حتى قام هرقل بفك قيده وتخليصه من لعنة كبير الآلهة. # 74 # فإذا تابعنا رحلة الأم الكبرى غربا حتى شواطئ الأطلسي في العالم ~~القديم، إلى مواطن الثقافة السلتية في جنوب بريطانيا وفرنسا ~~وإسبانيا، وفي أيرلندا التي تتحدث أساطيرها عن قدوم السلت من الشرق ~~الأدنى القديم عبر إسبانيا، # 75 # التقينا بالوجه الأسود للأم الكبرى، متمثلا في الإلهة ~~الثلاثية «بريجيت»، التي عرفنا وجهها الأبيض كأم قمرية وأم الآلهة ~~وسيدة الخصب والنار. فكانت بريجيت في طورها الأسود تدعى ب «آنو ~~السوداء» ملتهمة البشر التي تضرب الرجال بالجنون، وكانت الأضاحي ~~البشرية تقدم على مذبحها باستمرار. # 76 # إذا انتقلنا من الشرق الأدنى القديم إلى القارة الهندية التي ~~ازدهرت فيها ثقافة العصر البرونزي، فيما بين أواسط الألف الثالث ~~وأواسط الألف الثاني قبل الميلاد، وفي توقيت متزامن مع ازدهار ~~الثقافة البرونزية في كريت وبحر إيجة، بتأثير النبضات الحضارية ~~الأولى في سوريا وبلاد الرافدين، # 77 # نجد عشتار السوداء في أبهى تجلياتها تحت اسم «كالي» ~~الأم الهندية الكبرى ذات الأسماء المتعددة. فتحت اسم «برافاتي» ~~نجدها امرأة شابة فاتنة تطارح زوجها «شيفا» الغرام. وتحت اسم ~~«دورجا» نجدها إلهة للحرب على هيئة امرأة ذات وجه هادئ وأذرع عشر، ~~تحمل بكل ذراع منها سلاحا فتاكا. وقد تصدت تحت هذا الاسم ~~لعملاق خرافي هدد كل الآلهة فتغلبت عليه وحدها. وتحت اسم «كالي-ما» ~~أي: الأم السوداء، تصدت لجيش العفاريت وأبادته عن آخره عدا قائده ~~الذي كانت كل قطرة تسيل منه تتحول إلى ألف عفريت جديد، فما كان ~~منها إلا أن شربت دماءه كلها ورمته جثة جامدة ، وراحت ترقص بجنون ~~حتى زلزلت الأرض تحت قدميها، وكادت تميد بالبشر والآلهة. وعندما ~~حاول زوجها شيفا التدخل لتهدئتها لم تستطع تمييزه في نشوتها ~~الدموية، فألقته بين جثث العفاريت ووطئت جسده بقدميها. من أسمائها ~~أيضا «ساختي» ذات الجبروت ms178 و«بهارافي» المرعبة و«أمبيكا» الخلاقة ~~و«ساتي» الزوجة الطيبة، و«ساتي» المتألقة و«دورجا» التي لا يمكن ~~الاقتراب منها. # 78 # يعتبر معبد كالي من أكثر ~~المعابد دموية عبر التاريخ؛ فمنذ أواسط القرن التاسع عشر بدأت طقوس ~~القرابين البشرية للإلهة كالي بالاختفاء تدريجيا حتى زالت اليوم. ~~إلا أن كمية القرابين الحيوانية التي كانت تقدم لها، تجعل من ~~معبدها مكانا أقرب إلى بيت لذبح الماشية منه إلى معبد. ففي عيدها ~~السنوي في كلكتا، يذبح الحجاج تحت قدميها ما يقارب الثمانمائة رأس ~~من الماشية، واهبين دماءها للإلهة التي وهبت كل حي دمه، ويكومون ~~الرءوس في أهرامات عالية أمام تمثال الإلهة، ثم يعود كل منهم ببقية ~~الذبيحة إلى بيته ليقيم الوليمة المقدسة. وقد جرت العادة في الماضي ~~القريب أن يقام المذبح وسط باحة رملية عميقة، حتى إذا تشبعت الرمال ~~بالدماء، رفعت وملئت الباحة برمال جديدة، وكانت عملية تبديل ~~الرمال تتم مرتين في كل يوم من أيام عيدها السنوي، وتؤخذ الرمال ~~الدامية إلى الحقول حيث تمزج بالتربة من أجل إخصاب الأرض وزيادة المحصول. # 79 # تظهر تماثيل الإلهة كالي خصائصها الدموية ووجهها الأسود بطريقة ~~لا يمكن لأي نص مكتوب أن يعبر عنها. تبدو في إحدى المنحوتات ~~البارزة بوجه مفزع أقرب إلى وجوه الجثث، بعيون جاحظة وفم مشدود ~~متقلص ينفتح عن فجوة مظلمة، وتضع في أذنيها قرطا من جثث الموتى، ~~وفي عنقها طوقا من الأفاعي الملتفة، وفي وسطها حزاما من الجماجم. ~~وفي منحوتة أخرى نراها في هيئة مشابهة وقد جلست القرفصاء فوق جثة ~~مفتوحة البطن تأكل من أمعائها. وفي الثالثة يتدلى لسانها الطويل ~~خارج فمها ليصل إلى بطنها في هيئة تذكرنا بالجورجون الإغريقية. ~~وفي أحد التماثيل، تبدو منتصبة فوق جسد شيفا المسجى على الأرض، في ~~هيئة امرأة سوداء داكنة البشرة، مكتنزة الجسم ناهدة الصدر، تكشر عن ~~قواطع حيوانية تبرز خارج فمها، وتزين عنقها بإكليل من رءوس الرجال ~~المقطوعة، ووسطها بحزام من أذرع بشرية. أما أذرعها الأربعة ~~فبواحدة ترفع سيفا هائلا وبأخرى وعاء تشرب به الدماء، وتضم إليها ~~قبضة الثالثة إظهارا للقوة، ms179 وتبسط الرابعة لتلقي صلوات ~~البشر. # يقدم لنا نص من أواخر القرن التاسع عشر مكتوب بيد كاهن كالي ~~الأكبر، صورة حية عن الوجوه المتعددة لهذه الأم الكبرى: «كالي هي ~~الزمن الجليل، كالي هي الزمن السرمدي، كالي هي الإلهة السوداء. قبل ~~الوجود وقبل الشمس والقمر والنجوم والأرض، عندما كان وراء الظلام ~~ظلام، وحدها كانت كالي. واهبة العطايا والخيرات هي، ومصدر الخوف ~~والرعب هي. هي الإلهة الحامية في أزمان الشدائد والمصائب وكوارث ~~الزلازل والطوفان والأوبئة، وهي القوية ذات البأس سيدة الدمار. ~~مسكنها عند محارق الموتى تحيط بها الأشباح الأنثوية المخيفة. من ~~فمها يفيض تيار من الدم، ومن عنقها يتدلى عقد من الرءوس، وفي وسطها ~~حزام من الأيدي البشرية. بعد خراب العالم في نهاية الدورة الكونية ~~العظمى، تقوم الأم كالي بزرع بذور الحياة من جديد، وتخرج إلى ~~الوجود عالم المظاهر المتنوعة. هل هي سوداء إلهتي كالي؟ إنها ~~سوداء، عن بعد، ولكنها بيضاء لمن عرفها عن قرب. وبها يجد البشر خلاصهم.» # 80 # وهكذا تربط كالي، العشتار القائمة في عالم اليوم، ~~ديانة العصر النيوليتي بإحدى أكبر ديانات العصر الحديث. # إذا عبرنا المحيط نحو العالم الجديد وجدنا أنفسنا مرة أخرى على ~~أرض مألوفة، حيث الأم الكبرى الكونية ذات الوجهين الأبيض والأسود، ~~تحكم السماء والأرض في ميثولوجيا حضارة الآزتيك تحت أسماء وتجليات ~~متعددة، كما هو شأنها في ميثولوجيا شعوب العالم القديم. ففي ~~المكسيك، نجد الأم الكبرى تحت اسم «أم الفتح» و«قلب الأرض» و«أم ~~الآلهة». وكإلهة كونية نشأت عنها مظاهر الوجود المختلفة نجدها تحت ~~اسم «الأم القديمة». كانت إلهة للمتع الجسدية وإلهة للخلق المتجدد ~~وخصب الطبيعة. وكانت أيضا القمر وكانت الأرض. وفي شكلها كإلهة ~~للغرب، كانت سيدة للموت وللعالم الأسفل، لباطن الأرض المظلم الذي ~~يصرخ دوما من أجل مزيد من الدماء وقلوب الضحايا، ليستطيع ~~الاستمرار في دفع الخيرات نحو ظاهر الأرض. لم تكن تكتفي بجثث ~~الأحياء، بل كانت تبتلع أيضا الشمس كلما مالت نحو بوابة الغروب، ~~والنجوم عندما تأفل. يرافقها ويعينها حشد من أرواح الظلام الأنثوية ~~التي تتوسط بين ms180 قوى الغرب البدئية والعالم القائم، وتجمع في ~~تركيبها بين جوهر الميلاد وجوهر الفناء. وفي منتصف النهار، تصعد ~~هذه الأرواح إلى خط السمت فتجذب الشمس إلى مقرها عند بوابة الأفول. ~~وفي اليوم الأخير عندما تدنو نهاية العالم تنتشر لالتهام الجنس البشري. # 81 # تمثل الأعمال الفنية التشكيلية إلهة الآزتيك في طورها الأسود، ~~وقد ارتدت عباءة من جلود الأفاعي، تقبض على خنجر من حجر الصوان ~~المقدس وقد نبتت من أصابعها مخالب النمر، وبرزت أسنان فكيها العلوي ~~والسفلي نحو الخارج من فمها المفتوح. ومثلها الأم الكبرى لحضارة ~~المايا في الجنوب «أكشيل» التي كان من أسمائها «امرأة القمر» ~~و«امرأة البحر» و«سيدة الظلمتين»: ظلمة السماء المعتمة، وظلمة ~~أعماق المحيطات. رمزها الجرة الفخارية المقلوبة التي تشير إلى ~~الهلاك والدمار، بعكس الجرة الفخارية المستوية التي تشير في يد ~~الأم الكبرى إلى الخلق والعطاء. نراها في طورها الأسود (الشكل رقم # 7-6 ~~) على هيئة عجوز شمطاء تمسك جرتها ~~المقلوبة، وعلى رأسها أفعى هائلة فاغرة فاها. # 82 # شكل 7-6: الأم السوداء لحضارة المايا. # وأخيرا، تشكل حواء في التوراة بديلا عن الأم الكبرى السوداء ~~سيدة الموت، فهي التي ابتدأت الموت في الوجود، وبغلطتها الأولى ~~جرت كل ذريتها إلى باطن الأرض وظلمة العالم الأسفل، ولذلك تدعى ~~في اللاهوت المسيحي ب «أم الموتى». ولم ترفع اللعنة التي جرتها ~~خطيئتها على البشر إلا بظهور السيدة مريم، حواء الثانية، التي قدمت ~~للبشر خلاصا من الموت. نقرأ للقديس غزيناوس: «أن البشرية المحكوم ~~عليها بالموت بسبب عذراء، قد خلصت بعذراء أخرى ...» # 83 # كما نقرأ للقديس أوغسطينوس: «كانت حواء الأولى أم ~~الأموات فصارت حواء الجديدة أم الأحياء. خاطب ملاك الظلمة حواء ~~الأولى ولكن مريم خاطبها ملاك النور. دعا ملاك الظلمة حواء إلى ~~الثورة على الله، ولكن ملاك النور دعا مريم إلى طاعته. حواء الأولى ~~قدمت لنا الثمرة المميتة، أما مريم حواء الجديدة فمنحتنا ثمرة ~~أحشائها يسوع المسيح رب القيامة والحياة.» # 84 # وللقديس الشهيد يوستينوس نقرأ: «نحن ندرك أن المسيح ~~صار إنسانا عن طريق عذراء حتى ينتهي التمرد الذي دفعت ms181 إليه الحية ~~بالطريقة نفسها التي بدأ بها. والحقيقة أن حواء العذراء إذ حبلت ~~بكلام الحية ولدت التمرد والموت، أما العذراء مريم فقد حملت ~~إيمانا وفرحا، حين بشرها الملاك جبريل بأن روح الرب يحل عليها ~~وقوة العلي تظللها، حتى إن المولود منها يكون ابن الله.» # 85 # ورغم أن السيدة مريم العذراء، تبدو في كل النصوص المسيحية أما ~~بيضاء، فإن الخيال الشعبي الذي رفعها أما كبرى قد أعطاها وجها ~~أسود، شأنها في ذلك شأن كل أم كبرى عبدها البشر. ففي أوروبا نعثر ~~على كثير من تماثيل العذراء وقد صنعت من مادة سوداء، أو طليت ~~باللون الأسود تماما، وتدعى هذه التماثيل بماري السوداء، وتلقى ~~من التقدير ما لا تلقاه تماثيل ماري البيضاء، حيث يسود الاعتقاد ~~بالقوة الغامضة لماري السوداء وقدرتها العجيبة على إتيان المعجزات. ~~من أشهر هذه التماثيل التمثال الموجود في كنيسة نوتردام دي لاكورنس ~~بأورليانز، والذي يحمله الناس في أوقات الشدائد والمصائب ويطوفون ~~به الشوارع. والتمثال الموجود في كنيسة نوتردام دي مونسيرات الذي ~~يصور العذراء وابنها وقد طليا باللون الأسود. هذا ويربو عدد مزارات ~~ماري السوداء في أوروبا عن المائتي مزار. # 86 # تنسج تماثيل ماري السوداء على منوال تماثيل إيزيس ~~السوداء وابنها حورس، والتي كانت معروفة في مصر وفي روما بعد ~~انتقال عبادتها إلى هناك. ولربما نشأت مزارات ماري السوداء في ~~الأصل حول مزارات أقدم منها كانت مخصصة لإيزيس. # 87 # عندما انهارت الديانات العشتارية وارتفع على أنقاضها آلهة الشمس ~~الذكور، فاحتكروا وجه الألوهة الأبيض ورموا بوجهها الأسود للأبالسة ~~والشياطين، تحللت صورة عشتار السوداء الجليلة، وتفتتت إلى صور ~~مبعثرة مبتذلة يلوكها الخيال الشعبي، ويعجنها على طريقة الحكايا ~~الفولكلورية. ففي الغرب هي الساحرة العجوز الشمطاء التي تركب عصا ~~المقشة طائرة في الهواء. وفي بلادنا هي «النهالة» مصاصة الدماء، ~~وهي «السماوية » خاطفة الأطفال، وهي «الغولة» آكلة البشر التي ~~احتفظت بلقب «الأم» حيث يشير إليها الناس دوما على أنها أمنا ~~الغولة. # التدمير الذاتي # لم تكن عشتار السوداء فقط سيدة الهلاك الذي يعترض سير الحياة ~~فيداهمها من ms182 الخارج، بل كانت أيضا سيدة النزعة التدميرية التي ~~تداهم سير الحياة من الداخل، من أعماق النفس الإنسانية التي ~~تحتوي في تركيبها على نزوع نحو الحياة ونزوع نحو الموت في آن معا؛ ~~النزوع الأول واع يهدف إلى حفظ التعضي الحي، واكتساب المتعة ~~واجتناب الألم، والنزوع الثاني غير واع يسعى نحو الألم وتعذيب ~~النفس، والانحدار إلى هاوية السكون المطلق. إن جنوح الإنسان إلى ~~الحرب منذ بداية تشكيل المجموعات البشرية إلى يومنا هذا، هو أوضح ~~تجليات النزعة التدميرية الذاتية. فبصرف النظر عن كل التسويغات ~~العقلانية وبراقع البطولة الرومانسية، ليست الحرب إلا اندفاعا لا ~~شعوريا نحو الموت وتلبية لنداء داخلي بإيقاف الحياة، نداء يصدر ~~عن عشتار السوداء التي رفعها الإنسان إلهة للحرب، وأسقط عليها ~~ميوله التدميرية الكامنة. # وعندما لا تصل النزعة التدميرية حدها الأقصى ببلوغ الموت وإهلاك ~~النفس، فإنها تقف به عند الألم ونفي اللذة، وهو أقصى ما يمكن ~~للتعضي أن يعارض به جريان الحياة الحر من دون أن يتسبب في إيقافه ~~كليا، وهنا تتحول نزعة الموت إلى نوزع مازوكي، يسعى الإنسان من ~~خلاله إلى تعذيب نفسه وإيذائها وإيقاف بعض فاعليات الحياة في جسده. ~~وكما سار الإنسان وراء نزعة الموت إلى الحرب تحت راية عشتار ~~السوداء؛ فقد مارس أيضا أقسى أفعاله المازوكية تحت رايتها ومن أجل ~~إرضائها، وذلك من خلال الطقوس الدموية التي تتم في أعيادها ~~السنوية، تلك الطقوس التي تبلغ قمة عنفها ومعارضتها لمبدأ الحياة، ~~بفعل الخصاء الذي يقوم به الرجال على مذبح الإلهة، واهبينها ~~ذكورتهم وكل حياة ممكنة سوف تنشأ عنهم. إن القربان البشري هو تغذية ~~للموت بإنسان حي، أما الخصاء فإنه تغذية للموت بنسل لم يولد ~~بعد، ولن يولد، إنه تعطيل لوظيفة الحياة ذاتها بتعطيل وسائلها ~~وأسبابها. هذا ويمكننا متابعة هذه الطقوس المازوكية في أعياد الأم ~~الكبرى في أمكنة وثقافات متعددة. # ففي بلاد الرافدين كانت أعياد عشتار السنوية تقام في الربيع ~~احتفالا بعودة ابن الأرض، الإله تموز من العالم الأسفل، وانتعاش ~~الطبيعة الخضراء التي ماتت بموته في الخريف، وكان اليوم الأول ms183 من ~~الاحتفال مخصصا لندب الإله تموز الميت الغائب في العالم الأسفل، ~~والنواح على روح النبات الهاجعة في أعماق الظلمات. ثم يتحول النحيب ~~الهادئ إلى تفجع مأساوي وهستيريا جماعية، ويباشر المحتفلون لطم ~~خدودهم وضرب أنفسهم وإيذاء أجسامهم بما تصل إليه أيديهم من أدوات ~~جرح وتقطيع، وتمزيق ثيابهم وحثو التراب على رءوسهم. وفي سوريا، ~~كانت تقام في المناسبة نفسها أعياد مشابهة احتفالا ببعث الإله ~~أدونيس الميت، ابن الإله عستارت وحبيبها، تبدأ طقوس الدم عندما ~~يأخذ كهان عستارت الخصيان بتجريح أجسامهم بالسكاكين الحادة، على ~~صوت الطبول والزمور والصنوج التي تعزف إيقاعا عنيفا مجنونا، ثم ~~تنتقل الحمى إلى بقية المحتفلين الذين يصل ببعضهم مرأى الدم وصوت ~~الموسيقى إلى حالة من الهيجان يغدو معها مهيئا لمباشرة طقس ~~الخصاء، الذي يشكل جزءا هاما من طقوس عستارت المشهودة في ذلك ~~اليوم، وهنا يندفع الشباب واحدا إثر آخر إلى مكان مخصص فيه سيوف ~~مغروسة فيستلونها ويخصون أنفسهم بأيديهم، ثم يركض أحدهم في شوارع ~~المدينة لا يلوي على شيء، يسوقه ألمه المجنون، حاملا أجزاءه ~~المفصولة في قبضته، إلى أن يرميها أمام أحد البيوت في نهاية جريه ~~الأعمى، وهنا يتوجب على صاحب الدار أن يدخله ويعتني به، ويقدم له ~~من ثم ثوبا نسائيا يرتديه بقية حياته. # 88 # وعندما يهدأ صخب الاحتفال، وتسكن أصوات الطبول ~~والصنوج، تمضي السكرة ويصحو الشاب ليكتشف أن عشتار قد سلبته رجولته ~~إلى الأبد، وألحقته بجيش الخصيان الذين يعج بهم معبدها وأطرافه. ~~فعن معبد عشتار وخصيانه، نقرأ في أسطورة إله الطاعون البابلية ~~وصفا لمدينة عشتار «أوروك» بأنها: مدينة البغايا المقدسة والغلمان ~~والخصيان، وفي وسطها معبد عشتار الذي يعج بالمخنثين ممن نالت ~~الإلهة من رجولتهم. # 89 # وإلى عهد قريب كانت هذه الإلهة تنال من رجولة الذكور لدى بعض ~~القبائل البدائية، فقبائل الوينباغو الهندية في أمريكا، كانت تعتقد ~~أن القمر هو إلهة أنثى، وأن ظهورها في حلم الرجل هو تعبير عن ~~رغبتها في أن يقدم لها ذكورته قربانا. فإذا استفاق النائم من مثل ~~هذا الحلم، كان عليه أن ينفذ ms184 أمر الإلهة، فينزع ثياب الرجال ويرتدي ~~حلل النساء وينضم إلى زمرة الكينيدي، وهم فريق من الرجال قد سبقوه ~~إلى هذا المصير فتخلوا عن عالم الرجال ولزموا بيوت النساء. # 90 # في روما كانت أعياد الأم الكبرى سيبيل وابنها أو حبيبها آتيس ~~تسير على نمط مشابه للأعياد العشتارية في سوريا وبابل؛ فالإلهة ~~سيبيل إلهة شرقية انتشرت عبادتها في روما انتشار النار في الهشيم، ~~بعد أن تأسست عبادتها رسميا عام 204 قبل الميلاد، عقب نقل حجرها ~~الأسود المقدس من مقره في فرجيا بآسيا الصغرى إلى عاصمة ~~الإمبراطورية الرومانية. وقد كان لحلول الحجر الأسود في مقره ~~الجديد تأثير مباشر على محصول تلك السنة، كما تروي المصادر ~~الرومانية؛ إذ لم تشهد البلاد غلالا وفيرة فاضت بها الأرض كما ~~شهدته في تلك السنة، وبالإضافة إلى ذلك فإن تلك السنة جاءت بحدث ~~هام من أهم أحداث التاريخ الروماني، ألا وهو تراجع جيوش هانيبعل ~~الفينيقية عن حصار روما وعودتها نحو قرطاجة، وهو حدث عزاه الرومان ~~إلى نصرة الإلهة سيبيل. إلا أن هانيبعل وهو يلقي نظرته الأخيرة على ~~السهول الإيطالية في لحظة وداع لحلم كبير، لم يخطر بباله أن روما ~~المنتصرة قد استسلمت في نفس السنة إلى غزو من نوع آخر، غزو سيقيض ~~له، خلال القرنين القادمين، أن يحقق ما لم تستطع الجيوش الفينيقية ~~أن تفعله، إنه غزو الديانات الشرقية. # 91 # في اليوم الثاني لأعياد سيبيل الربيعية التي تقوم احتفالا ببعث ~~الإله آتيس، وهو اليوم المعروف بيوم الدم، تبدأ طقوس الدم، فيستهل ~~كبير الكهان الخصيان الطقس بأن يحدث جرحا كبيرا في ذراعه تجعل ~~الدم ينبثق منه كالنافورة، ثم يتبعه بقية الكهان الذين يسقون بما ~~يفيض من دمائهم جذع الشجرة المنصوب الذي يمثل إلهة الطبيعة، الأم ~~سيبيل، وفيما تعزف الموسيقى ألحانها المجنونة التي تدفع الكهان ~~والمحتفلين إلى رقص وحشي ينسون فيه أنفسهم وإحساسهم بأجسادهم، ~~يتقدم الكهنة الجدد، ممن التحقوا بخدمة الإلهة حديثا، وهم في ~~هيجان النشوة والوجد، فيضحون بذكورتهم أمام تمثال الآلهة، ويرمون ~~بأجزائهم المفصولة تحت قدميها. وبعد انتهاء الاحتفال، ms185 تؤخذ الأجزاء ~~فتدفن في غرفة مقدسة سفلية تقع تحت المعبد. # 92 # هذه الأجزاء المفصولة هي التي تزين عنق أرتميس وديانا ~~في بعض تماثيلها، حيث تظهران وقد لبستا عقدا مصنوعا من الغلفات ~~أو القضبان المقطوعة. # 93 # إن طقوس الخصاء لتضعنا مرة أخرى أمام عشتار سيدة التناقضات. ~~فكهان عشتار خصيان متبتلون نذروا للإلهة طهارة جنسية كاملة؛ أما ~~كاهناتها فبغايا مقدسات لا ينقطعن عن ممارسة الجنس، موهوبات لكل ~~الرجال. داخل حرم الآلهة يخصى الرجال، وحول معبدها تستمر الدعارة ~~المقدسة في كل الأوقات. تركيب محير لا يمكن فهمه إلا على ضوء ~~الصراع والتعاون القائم بين القوتين العظميين المتجسدتين في الأم ~~الكبرى؛ قوة الموت وقوة الحياة. ففي إطلاق جنسانية الأنثى توكيد ~~على مبدأ الحياة، وفي كف جنسانية الرجل توكيد على مبدأ الموت. ومن ~~ناحية أخرى فإن الخصاء الذي يقوم به الكهان وبعض خاصة العباد، هو ~~نوع من التوحد الصوفي بالروح الأنثوية الكونية، وتوكيد على أولية ~~الأنوثة وتبعية الذكورة ضمن المؤسسة الدينية العشتارية، التي تشكل ~~جزيرة أمومية في بحر الثقافة الذكرية. إن الخصيان إنما يكررون أمام ~~الأم الكبرى دور الإله تموز الذي كان جميلا غضا مؤنث الصفات، ~~خاضعا لعشتار مسلما لها قياده، ودور آتيس الذي خصى نفسه تحت شجرة ~~التين التي ترمز إلى سيبيل، ودور أوزوريس الذي قام أخوه سيت بقتله ~~وتقطيع جسده أربع عشرة قطعة، وجدتها إيزيس وجمعتها فبعثت فيها ~~الحياة عدا عضو الذكورة الذي ضاع إلى الأبد. # وأخيرا، فإن نظام كهانة الأم الكبرى القائم على الخصاء، قد لا ~~يبدو كثير الغرابة إذا قارناه بنظام الرهبنة والكهانة القائم على ~~خصاء رمزي في الديانة المسيحية، حيث يحرم رجال الدين على أنفسهم ~~كل زواج وممارسة جنسية مدى الحياة، وهو نظام مبني على تعاليم السيد ~~المسيح نفسه. نقرأ في إنجيل متى: «إن موسى من أجل قساوة قلوبكم، قد ~~أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا. وأقول لكم: ~~إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج ~~بمطلقة يزني، قال له تلاميذه: ms186 إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا ~~يوافق أن يتزوج. فقال لهم: ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين ~~أعطي لهم؛ لأنه يوجد خصيان ولدوا من بطون أمهاتهم، ويوجد خصيان ~~خصاهم الناس، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات، من ~~استطاع أن يقبل فليقبل.» # 94 # الفصل الثامن # | عشتار سيدة الأسرار # لعبت المرأة دور المعلم الأول في تاريخ الحضارة؛ فالمرأة أكثر حسا ~~بالخفي والماورائي من الرجل، وأكثر منه تدينا وإيمانا بالقوة ~~الإلهية، وأكثر شفافية روحية. فبينما يتجه عقل الرجل للتعامل مع ظواهر ~~المادة، تتجه نفس المرأة إلى تحسس العوالم الروحانية وتلمس القوى ~~الباطنية؛ مما جعلها الكاهنة الأولى والعرافة الأولى وناطقة الوحي ~~الأولى، في المجتمع الأمومي القديم القائم على حق الأم وسيادة المرأة ~~الاجتماعية وسلطان عشتار الكونية. لذلك تأنست المرأة قبل الرجل وقادته ~~بيده من إيقاع المادة الرتيب إلى ملكوت الروح الإنسانية الرحيب. إن ~~العلاقة بين إنكيدو رجل البراري المتوحش في ملحمة جلجامش، والمرأة التي ~~روضته، هي نموذج أسطوري لما تم بالفعل عند جذور التاريخ والممارسة ~~الجنسية التي تمت بينهما، والتي كشفت بصيرة إنكيدو فجعلته حكيما ~~عارفا، وأبعدت عنه رفاق الأمس من الحيوان، لم تكن باللعبة الجنسية ~~التي يمارسها الإنسان كل يوم، بل كانت رمزا للكدح الذي بذلته المرأة ~~من أجل أن تكشف للرجل العوالم التي اكتشفتها قبله، وجذبه من دارة الجوع ~~والشبع المغلقة، التي يشترك فيها مع الحيوان، إلى دارة الجمال المفتوحة ~~على الأبدية. # كانت الديانات النيوليتية في ~~المستوطنات الزراعية الأولى من خلق النساء، وكانت المرأة كاهنة الأم ~~الكبرى وقيمة على طقوسها وشعائرها. وتشير البينات الأركيولوجية إلى ~~أن وظيفة الكهانة كانت وقفا على النساء، رغم عدم إمكاننا أن ننفي ~~تماما وجود كهنة من الذكور. # 1 # ويغلب الظن، أن بعض الذكور كانوا يلعبون دورا مساعدا لا ~~دورا رئيسيا في المؤسسة الدينية النيوليتية. وقد كان لمكانة المرأة ~~الدينية أثر كبير في دعم مكانتها ونفوذها في المجتمع، وتعزيز موقفها ~~أمام الرجل الذي بقي خاضعا لها ما دامت ممسكة بمفاتيح قوة الغيب، ~~وجعلها لآجال ms187 طويلة في موقف المتفوق على قوة الرجل الجسدية، المروض لها. # 2 # ورغم تمكن الرجل، بعد صراع طويل، من السيطرة على المؤسسة ~~الدينية، ورفع آلهته الذكور الذين أعطوه وظيفة الكهانة، فإن هذه ~~الوظيفة قد استمرت وقفا على النساء في بعض الديانات العشتارية، كما هو ~~الحال في عبادة أرتميس، وديانا، وهستا-فيستا. أما في العبادات ~~العشتارية التي شارك الرجل في مهام كهنوتها فإن شرائعها كانت تقضي بأن ~~يلغي الكاهن ذكورته ويخصي نفسه تشبها بالكاهنات اللواتي احتكرن خدمة ~~الآلهة منذ فجر الديانات. كما كان على الكهان أن يلبسوا ملابس النساء ~~التي تنقل لهم قوى وخصائص الجنس الآخر. هذا وما زالت عادة ارتداء ملابس ~~النساء قائمة لدى الكثير من كهان وعرافي القبائل البدائية الحديثة، ~~الذين يعتقدون بقدرة هذه الملابس على خلق مناخ ملائم للاتصال مع القوى الخفية. # 3 # وإلى جانب الملابس، احتفظ الكهان الذكور بأسماء نسائية ~~أيضا تشير إلى سيطرة النساء القديمة على الحياة الروحية؛ فلدى بعض ~~القبائل الأفريقية يحمل كبير الكهنة اسم «المرأة القديمة»، ويشار إليه ~~بضمير المؤنث هي. # 4 # وفي ثقافة الآزتيك في أمريكا الوسطى، نجد إلى جانب الملك ~~مساعدا يحمل اسم «المرأة الأفعى»، وهو موكل بالشئون الدينية. # 5 # لقد كانت سيطرة المرأة على الحياة الدينية سيطرة على عالم يموج ~~بالأسرار والخفايا. فإلى جانب المستوى الطبيعي للديانة العشتارية، الذي ~~تعطي عشتار عنده ثمار الأرض، وخيرات الطبيعة، هناك المستوى السراني ~~الذي تعطي عنده الأم القمرية، راعية الليل، ثمار الروح. في المستوى ~~الأول، هي أم القمح تهب أهل الظاهر قوت يومهم، وفي المستوى الثاني هي ~~أم الخمر التي تهب أهل الباطن قوت قلوبهم، وتفتح بصائرهم على حكمة ~~الليل. فعند الخمر والمستحضرات المخدرة المستخلصة من النباتات، ينقلب ~~الطبيعي والمادي إلى روحاني علوي، وتضع عشتار سرها كسيدة لعالم الضوء ~~وعالم العتم في آن معا؛ عالم الطبيعة وعالم الروح. وقد كشفت سرها هذا ~~للمرأة في مراحل الحضارة البشرية الأولى، عندما كانت المرأة تخزن ~~الثمار وتبحث عن الجذور والأعشاب، وتم على يديها لأول مرة تحويل نتاج ~~الأرض إلى وسط ms188 ناقل إلى مستويات الروح. ففي نشوة الخمر وتهويم المخدر، ~~نموذج لكل ما ستنتزعه المرأة من أعماق الظلام؛ من شعر وفن وعرفان ~~وإلهام ومعراج واستنارة. # ولكن انطلاق الروحاني من ~~المادي، ليس قطيعة عن الطبيعة وذوبانا في نيرفانا إلهية تنكر كل رابط ~~أرضي؛ لأن روحانية المرأة، على عكس روحانية الرجل، تنطلق من المادي ~~وتبقى مخلصة له. إن كل تصعيد لديها يبدأ من حركة الجسد الدينامي، لا من ~~حركة الذهن المجرد، والعقل التأملي البارد. وكل ارتقاء نحو الأعلى يبدأ ~~في نزول نحو عتمة النفس، عن طريق الرقص والموسيقى والمسكر والمخدر ~~والجنس. ولعلنا واجدون في العبادات والطقوس الديونيسية، التي شكل ~~النساء سواد أتباعها، أوضح تعبير عن هذا الاتجاه الذي يتوسل إلى الروحي ~~بالمادي، وإلى سكون النفس بصخب الجسد. لذا كان ديونيسيوس، بحق، إلها ~~للنساء، قدم لهن في فترات الضياع المتأخرة إطارا دينيا استوعب تصوف ~~الجنس الأنثوي، فأعاد إليه حرارة الأيام القديمة. فهو إذ يحرض طاقة ~~الجسد الحبيسة، ويجلو حسية الأعضاء واضعا الكيان العضوي في مساره ~~الصحيح كظاهرة طبيعية، إنما يدفع في نفس الوقت إلى تجاوز حركة الجسد ~~الظاهرة نحو أسرار الطبيعة الخافية التي لا يستطيع العقل إلا أن يمس ~~أطرافها. ففي البدء لم يخرج الكون من لجة العماء بواسطة العقل، بل ~~بحركة الجسد. وعشتار لم تخلق مظاهر الطبيعة بكلمتها، بل بتحول جسدها ~~الذي نشأت عنه السماوات والأرض. إن حركة الطبيعة، جسد الأم الكبرى، ~~لتستوعبها حركة الجسد الإنساني لا سكونية العقل. وما يقوم به دراويش ~~المتصوفة اليوم من رقص دوراني على إيقاع الموسيقى، ليصلنا بالتصوف ~~العشتاري القديم، حيث يستنير الجسد بأنوار الرحمن وهو في ذروة أفراحه ~~الأرضية. # سيدة الحكمة # تدعو الشمس إلى التفكير المنطقي الصاحي، أما القمر فهو سيد ~~الإلهام الذي يهبط دون تصميم أو تدبير. لذلك يتلمس الرجل طريقه ~~للمعرفة بالتأمل العقلي المنطقي، أما المرأة فتتلمس طريق الإحساس ~~الباطني والغريزة والكشف القلبي . طريقان لفاعلية العقل، أطلق ~~عليهما التصوف الإسلامي اسم المعرفة للأول والعرفان للثاني. تسير ~~المعرفة بخطى بطيئة من المقدمات إلى نتائجها؛ أما العرفان ms189 فيضيء ~~النفس في ومضات تشتعل وتنطفئ، كأنما تصدر عن تماس مع قوة خفية ~~إلهية عبر قناة صافية مباشرة؛ قوة رآها الأقدمون في عشتار الحكمة ~~الأنثوية الخالدة. # عشتار هي أصل الكون، مبدأ الأشياء، عماد الحياة. هذا ما يعرفه ~~عنها العموم، وعند هذا الحد يتوقف سعيهم. السير وراء هذا التخم ~~دخول في منطقة محرمة موصودة في وجه الكثرة، مغلقة أمام الباحثين ~~بالعقل عن الأصول ونظام الأشياء؛ لأن مثل هذا السير رحلة عرفانية ~~يطرح الشارع فيها خلفه كل المعارف السابقة وأدوات الفهم المبذولة ~~للجميع. يغتسل من صحو النهار ويقظة العقل، ليدخل في ملكوت الليل ~~فيهبط مدارج النفس التي تقود إلى مركز السر الأعظم، فإذا آب المريد ~~من رحلته سالما غانما، دخل في ثلة العارفين، وإلا بقي مع ~~العابدين المحجوبين. # في شكلها كإلهة للحكمية الأنثوية، تتخذ عشتار ألقابا شتى؛ فهي ~~«آنتيا» أي سيدة الرؤى، وهو لقب عرفت به كل من سيبيل، وأرتميس-هيقات، # 6 # الإلهة المرعبة السوداء وسيدة الظلام وواهبة الحكمة للبشر. # 7 # وهي «معات» أي: سيدة الحقيقة عند المصريين. # 8 # وهي سيدة النبوءة التي تتحدث بلسان عشتار البابلية ~~فتقول: «بكل اكتمالي أتجلى فأعطي النبوءات للبشر.» # 9 # وعند الإغريق هي «صوفيا» ومنها جاءت كلمة (فيلو-صوفيا) ~~أي: حب الحكمة التي أطلقت على الفلسفة بمعناها المعروف فيما بعد. ~~يصور عمل فني من العصور الوسطى «صوفيا» جالسة على رأسها تاج على ~~هيئة ثلاث رءوس أنثوية؛ واحد يتجه نحو الأمام، وآخر نحو اليسار، ~~وثالث نحو اليمين، رمز التثليث العشتاري القديم، وحولها الفنانون ~~والأدباء والشعراء والفلاسفة يستمدون منها وحيهم. وفي عمل آخر ~~نراها في هيئة سيدة جليلة القدر كاملة اللباس، تخرج ثدييها فترضع ~~منهما رجلين جاثيين حليب الحكمة. وفي عمل ثالث نراها على هيئة ~~امرأة متوجة تمسك بيدها اليسرى صولجانا وباليمين كتابا ~~مفتوحا، ومن قلبها يتفجر تيار من الماء يتلقفه تحتها بأفواههم ~~موسيقيون وعلماء وفلاسفة وجنود. وهكذا يتحول حليب الأم الكبرى الذي ~~رأيناه في أشكال سابقة ينبثق من ثدييها ليسقي الأرض ويعطي البشر ~~غذاءهم الأرضي، إلى حليب الحكمة الذي يهبهم ms190 غذاءهم الروحي. # تظهر علاقة الحكمة بعالم الليل والظلام، في أسطورة تيريسياس حكيم ~~الإغريق المشهور، الذي لم تخب له نبوءة قط، والذي تنبأ لأوديب ~~الملك بمصيره الفاجع في الأسطورة والتراجيديا المعروفة. كان ~~تيريسياس يتجول في الغابة عندما رأى حيتين تتجامعان فضربهما ~~بعصاه. عند ذلك تحول تيريسياس بتأثير سحر غامض إلى امرأة، وعاش في ~~حالته الأنثوية سبع سنوات. وفي السنة الثامنة كان يتجول في نفس ~~الغابة عندما رأى نفس الحيتين تتجامعان فضربهما مرة ثانية لعل ~~السحر يزول عنه، وكان كذلك؛ إذ عاد تيريسياس إلى حالته الذكرية. ~~وكان بعد مدة، أن وقع جدال بين كبير الآلهة زيوس وزوجته هيرا، حول ~~موضوع المتعة الجنسية، وأي الجنسين أكثر استمتاعا بالجماع من ~~الآخر. فاستدعى زيوس تيريسياس للفصل في هذه المسألة؛ لأنه أكثر ~~الناس مقدرة على الحكم في ذلك، لكونه قد عاش الحياة الجنسية ~~بشكليها الذكري والأنثوي. حكم تيريسياس إلى جانب زيوس وقرر أن ~~المرأة أكثر استمتاعا من الرجل بالعملية الجنسية. وهنا ثار غضب ~~هيرا، وضربت تيريسياس بالعمى، ولكن زيوس تعويضا له عما فقد من ~~بصر، وهبه الحكمة وقدرة على النبوءة ومعرفة الغيب. # 10 # لقد كف بصر تيريسياس عن نور الشمس ولكن بصيرته ~~الداخلية فتحت على حكمة الظلام؛ إذ لا حكمة دون الانكفاء على عالم ~~الأم القمرية المعتم. # إلا أن زيوس الذي وهب تيريسياس الحكمة، لم يكن هو نفسه يملك حكمة ~~أصيلة؛ فحكمته كانت مكتسبة من أحد الأشكال العشتارية السابقة على ~~تاريخ الإغريق المكتوب. تحكي الأسطورة الإغريقية: # 11 # أن إلهة الحكمة القديمة «ميتيس» ابنة الزوجين المائيين ~~«أوقيانوس» و«ثيتيس»، كانت أولى زوجات زيوس، وهي التي وصفها هزيود ~~صاحب كتاب «أصول الآلهة» بأن لها من الحكمة أكثر مما لكل الآلهة ~~مجتمعين. وعندما حملت ميتيس من زيوس، جاءته نبوءة مفادها أن زوجته ~~ستضع له أطفالا يفوقونه قوة ويتحدون سلطانه. عند ذلك قام زيوس ~~بابتلاع ميتيس قبل أن تضع له مولودها. وعندما جاء ميتيس المخاض وهي ~~في أعماق زيوس، انتابه صداع أليم لم يهدأ حتى عمد الإله هيفستوس ~~إلى شج رأسه ms191 بفأس، ومن الشق العميق ولدت «أثينا» منبثقة بكامل ~~عدتها الحربية، أما أمها ميتيس فقد بقيت في جوف كبير الآلهة تمده ~~بفيض حكمتها وإلهامها. # تمدنا هذه الأسطورة بفيض من الدلالات والمعاني؛ فكبير الآلهة ~~زيوس، رغم اعتلائه عرش الأوليمب، وسلطانه المطلق على عالم البشر ~~والآلهة، كانت تنقصه حكمة الإلهة الأنثى التي جرها عن عرشها، ولم ~~يكن أمامه لاكتساب تلك الحكمة سوى أن يستوعب الإلهة القديمة ~~بابتلاعها وامتصاص قواها. كما أنه، وهو الذكر الأسمى، ما زال يشعر ~~بالحسد تجاه وظيفة الولادة التي تتمتع بها المرأة، وهو حسد ميز ~~موقف الرجل من المرأة طيلة تاريخه؛ لأن في الحمل والولادة صلة ~~بالقوى الكونية الخلاقة، وانتماء إلى عالم الألوهية. وإذا كان هذا ~~الحسد قد زال من عقل الرجل الواعي في العصور التاريخية، فلأنه قد ~~وضع جل همه في التقليل من قيمة هذه الوظيفة. إن علم النفس ~~الفرويدي الحديث ليعزو إلى المرأة إحساسا بالنقص والحسد تجاه ~~الرجل لامتلاكه القضيب، وهو لا يعلم، أو يتجاهل، أن دهورا طويلة ~~قد مرت على الرجل وهو يشعر بالنقص تجاه وظائف المرأة الخلاقة. لقد ~~أرادت أسطورة ميتيس أن تعزو لكبير الآلهة القدرة على الولادة، ~~شأنها في ذلك شأن الرواية التوراتية التي عزت الشيء نفسه إلى آدم ~~الذي أخرج حواء من جسده. فعانى زيوس آلام المخاض في رأسه؛ لأنه لا ~~يستطيع معاناتها في مكان آخر؛ فهو الرجل المفكر لا المرأة ~~المتحدة مع إيقاع الطبيعة، التي تشعر آلام المخاض في بطنها وتلد ~~بالعناء وفيض الدماء طفلها المتعلق بها بحبل السرة. وعندما انفتح ~~رحم زيوس العلوي، انطلقت منه أثينا كإلهة للذكاء، وحكمة الشمس، في ~~مقابل حكمة الظلام التي بقيت في داخل زيوس تمده بفيضها الأنثوي، لا ~~كأفكار تنبثق من الرأس كما انبثقت أثينا، بل كعرفان ينير ~~النفس. # ومثل ميتيس، حكمة الآلهة، كذلك «ديوتيما» حكمة الفلاسفة التي ~~نصبها سقراط أبو الفلسفة اليونانية معلمة له في محاورة المأدبة ، ~~وعزا إليها تعليمه فلسفة الحب، وكيف ينتقل الإنسان من معاينة ~~الجمال المادي الطبيعي إلى معاينة الجمال الأعلى السرمدي. فديوتيما ms192 ~~هذه، لم تكن كائنا بشريا موجودا في زمن سقراط، كما يفهم من ~~ظاهر النص، بل قناعا لحكمة الأم الكبرى؛ حكمة الأنثى التي بقيت ~~تمد قلوب الرجال حتى في عصر الفلسفة وتراجع سطوة الأسطورة. # وحكمة الأنثى التي أدبت سقراط، هي التي نقلت من قبل إنكيدو من ~~مستوى الحيوان إلى مستوى الإنسان، كما ألمحنا منذ قليل. فالبغي ~~المقدسة التي أرسلها جلجامش لتلين من عريكته وتقوده إلى المدينة، ~~ليست إلا رسولة عشتار ووكيلة حكمتها: # ستة أيام وسبع ليال قضاها إنكيدو مع فتاة اللذة. # روى نفسه من مفاتنها، # ثم غادرها نحو رفاقه من الحيوان، # فولت لرؤيته الغزلان هاربة، # حيوانات الفلاة فرت أمامه، # جعلته في حيرة من أمره. ثقيلا كان جسده، # خائرة كانت ركبتاه، ورفاقه ولوا بعيدا. # تعثر إنكيدو في جريه، صار غير ما كان، # لكنه غدا عارفا، واسع الفهم عميقه. # قفل عائدا إلى المرأة، جلس عند قدميها، # رافعا بصره إليها، # كله آذان لما تنطق به. # 12 # هذه الجلسة التي جلسها إنكيدو يستمع إلى حكمة ~~المرأة، هي ما يجب أن تتعلمه أخيرا حضارة اليوم، فلقد أمضينا آلاف ~~السنين نعلم المرأة، وآن الأوان اليوم كي نستمع إليها قليلا، ~~فلديها الكثير لتقوله لنا، ولعل في بعضها خلاصنا من الطريق المسدود ~~الذي وصل إليه سعي حضارة الرجل. # وكما فتحت رسولة عشتار عين ~~إنكيدو على عالم المعرفة، كذلك فتحت رسولة عشتار، في هيئة الأفعى، ~~عين آدم وحواء على المعرفة، فأعطتهما ثمار شجرة المعرفة القائمة في ~~وسط الجنة ونقلتهما من عالم يعيشان فيه شبحين بلا ظل، إلى عالم ~~الطبيعة الحافل بأفراح الجسد، وجيشان الروح التي لا تدرك ماهيتها ~~إلا بولادتها في الجسد، وذلك مثل عين كانت مفتوحة على الفراغ ~~اللانهائي، ثم وضع أمامها فجأة قوس قزح. # وشجرة المعرفة هذه، هي شجرة الأم الكبرى التي جلس تحتها البوذا ~~وأقسم ألا يبرح مكانه حتى تأتيه الاستنارة، وتفتح بصيرته على ~~الحقيقة: «هنا، وفي هذا المكان ، سأجلس حتى يبلى جسدي ويجف جلدي أو ~~أصل إلى المعرفة. هذا ما قاله البوذا، وهو يأخذ مكانه تحت ms193 شجرة ~~الاستنارة، والأرض اهتزت ست مرات ... وما إن حل المساء حتى بدأ قلب ~~البوذا بالاستنارة الكاملة كزهرة كونية تتفتح.» # 13 # وفي حكاية ألف ليلة وليلة، حاسب الدين وملكة الحيات، التي لخصتها ~~في فصل عشتار الخضراء، نجد الأفعى رمز عشتار كواهبة للحياة والموت، ~~وكواهبة للحكمة في الوقت نفسه. فبعد أن أعطى حاسب الدين جزء الأفعى ~~الذي يقتل للوزير، وجزأها الذي يحيي للملك، أخذ لنفسه جزأها الثالث ~~الذي يهب الحكمة «ففجر الله في قلبه ينابيع الحكمة، ورأى السماوات ~~السبع وما فيهن إلى سدرة المنتهى.» # 14 # هذا وترتبط حكمة الأم الكبرى بالعرافة وكشف حجب المستقبل. فكانت ~~كاهنات عشتار أول العرافات وأول من رجم بالغيب، وبقيت هذه المهمة ~~محصورة بهن إلى وقت متأخر من تاريخ العالم القديم. ولنا في معبد ~~دلفي الإغريقي وعرافته المشهورة، التي بقيت تتنبأ لليونانيين ~~وغيرهم من الأقوام حتى الفترات المتأخرة من التاريخ الكلاسيكي، ~~أوضح مثال على ذلك. ورغم أن معبد دلفي صار فيما بعد مكرسا للإله ~~أبولو بعد أن اغتصبه من إلهة الأرض «جايا» وقتل حيتها العملاقة ~~هناك، فإن عرافتها وناطقة وحيها قد استمرت عرافة لأبولو، ولكنها ~~بقيت مخلصة لتقاليد الأرض القديمة، فكانت تنطق بالنبوءات وهي جالسة ~~على صخرة فوق الأرض تمضغ ورق الغار، وتتنشق من كفيها حفنة من تراب الأرض. # 15 # ولما كان التنبؤ مرتبطا بتدفق الزمن وبأقدار الناس ومصائرهم، ~~فإن عرافات الأم الكبرى كن يستمددن قدرتهن على كشف الغيب من عشتار ~~القمرية، بادئة الوقت وسيدة الزمن وحاكمة الأقدار التي تقر لكل ~~مصيره، أو كن يستمددن هذه القدرة من تجلياتها المثلثة التي تعكس ~~أطوارها القمرية، وذلك كالموريات الثلاث والهوريات الثلاث ~~والكاريتس الثلاث. وكلهن من إلهات القدر في الميثولوجيا اليونانية، والرومانية. # 16 # ويقابلهن عند المصريين الهاتوريات نسبة إلى ~~هاتور-إيزيس، اللواتي كن يظهرن في عدد من أضعاف الثلاثة، وهو ~~التسعة، عند سرير الطفل لحظة الميلاد، فيتنبأن له ويكشفن مستقبل أيامه. # 17 # وتبدو الإلهة أفروديت نفسها أحيانا كأم للكاريتيس الثلاث، # 18 # وأحيانا كالأخت الكبرى بين الموريات الثلاث، # 19 # أما في بلاد الرافدين ms194 فنرى نجمة عشتار تتوسط إلهات ~~القدر الثلاث وهن يعتلين صهوة الثور. # 20 # وفي كل ذلك إشارة إلى أن هذا النوع من التثليث الأنثوي ~~لا يشكل ذواتا مستقلة لها كيانها الألوهي الخاص، بل هو تجسيد ~~لخصائص عشتار المثلثة، فهن لا يظهرن إلا معا ولا يعملن إلا معا، ~~ولا تملك أي منهن شخصية واضحة وسيرة منفصلة. # شكل 8-1: الموريات الثلاث - نقش روماني. # وكسيدة للحكمة الليلية الخافية، كانت عشتار أيضا سيدة للإلهام ~~الذي ينير نفوس الشعراء والفنانين، فكانت راعية للفنون والآداب ~~والشعر؛ ذلك أن الفنون بشتى ألوانها تمنح من مصادر الحكمة الليلية، ~~لا من مصادر الحكمة الشمسية التي تصدر عنها العلوم. والفنان المبدع ~~إنما يغلق بوابات الصحو ويفتح بوابات المحو، فيسلم نفسه للرؤى ~~والخيالات النابعة من دخيلته المعتمة، لا من رشده النقدي اليقظ. ~~وهنا يظهر الحضور العشتاري مرة أخرى على هيئة إلهات ثلاث، هن مصدر ~~الإلهام ومنبع الإبداع الفني والأدبي بشتى صوره وأشكاله، حكمة ~~الأنثى المتدفقة من نبع الأم الكبرى الصاعد من أعماق اللاشعور. من ~~هذه الثواليث العشتارية النعم الثلاث (= # Graces ~~) والميوز الثلاث. كانت ~~النعم الثلاث مرافقات لأفروديت وهن اللواتي كن يشرفن على زينتها ~~كلما أرادت أن تبدو في أكثر أشكالها بهاء وإغراء، كما كن مسئولات ~~عن تفتح الأزهار والبراعم في الربيع ونضج الثمار في الصيف. اسم ~~الأولى أجلايا، أي المتألقة، والثانية تالايا، واهبة الأزهار، ~~والثالثة أفروزينا، مسرة القلوب. تصورهن الأعمال التشكيلية عرايا ~~تضع كل منهن يدها على كتف الأخرى. # 21 # أما الميوز الثلاث فهن عرائس الشعر والموسيقى، وربات ~~للينابيع والذاكرة، يظهرن في الأساطير الإغريقية أحيانا كثلاث في ~~العد، وأحيانا كتسعة. وتظهرهن الأعمال التشكيلية على هيئة حسان ~~لابسات أردية طويلة، مبتسمات أو مستغرقات في التأمل. وتشير أسماؤهن ~~التسعة إلى توزيع الاختصاصات بينهن؛ فواحدة للتاريخ، وثانية لآلة ~~الفلوت الموسيقية، وثالثة لأشعار الحب، والرابعة للتنجيم ... # 22 # وفي الميثولوجيا الفيدية في الهند كان القمر صوما الذي ولد من ~~زبد الأوقيانوس الهائج، هو الثور السماوي سيد مملكة النبات وحاكم ~~حركة المياه في الطبيعة. وكان في الوقت نفسه ms195 أميرا للشعر وسيدا ~~للإلهام والإبداع والخلق الفني. # 23 # كما كانت إلهة السلت بريجيت التي التقينا بها مرارا ~~عبر صفحات هذا الكتاب كأم قمرية مثلثة، إلهة للشعر والحكمة والمعارف. # 24 # وعند العرب كانت جنيات وادي عبقر بمنزلة عرائس للشعر، ~~منها يستمد الشعراء إلهامهم، وإليها يعزى كل أمر معجز. ومن وادي ~~عبقر جاءت كلمة عبقري، وعبقرية. # فإذا انتقلنا إلى التقليد المسيحي وجدنا آباء الكنيسة وقد طابقوا ~~بين السيدة مريم العذراء، وبين الحكمة الموجودة مع الرب منذ الأزل. ~~ورأوا في بعض نصوص العهد القديم التي تتحدث عن الحكمة الإلهية، ~~إشارة إلى السيدة العذراء، وخصوصا سفر الأمثال، من الإصحاح الأول ~~إلى الإصحاح التاسع. # 25 # نقرأ في سفر الأمثال: «طوبى للإنسان الذي يجد الحكمة ~~وللرجل الذي ينال الفهم، هي أثمن من اللآلئ وكل جواهرك لا تساويها. ~~في يمينها طول أيامك وفي يسارها الغنى والمجد. طرقها طرق نعم وكل ~~مسالكها سلام. هي شجرة الحياة لممسكيها والمتمسك بها مغبوط. الرب ~~بالحكمة أسس الأرض، أثبت السماوات بالفهم. بعلمه انشقت اللجج ~~وتقطر السحاب ندى» ... «أنا الحكمة، أسكن الذكاء وأجد معرفة ~~التدابير. أنا مخافة الرب بغض الشر. أبغضت الكبرياء والتعظيم وطريق ~~الشر وفم الأكاذيب. لي المشورة والرأي، أنا الفهم لي القدرة. بي ~~تملك الملوك وتقضي العظماء عدلا» ... ~~«الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. منذ الأزل ~~مسحت من الأول قبل أن كانت الأرض. ولدت حين لم تكن الغمار ~~والينابيع الغزيرة. من وجدني وجد الحياة ونال مرضاة الرب» ... ~~«الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة. ذبحت ذبحها، مزجت خمرها، ~~أيضا رتبت مائدتها. أرسلت جواريها تنادي على ظهور أعالي المدينة، ~~من هو جاهل فليمل إلى هنا، والناقص الفهم قالت له: هلموا كلوا من ~~طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها.» # 26 # فالسيدة العذراء هي صوفيا، حكمة الرب التي صاغها اللوغوس منذ ~~الأزل، فكانت معه قبل تجسيدها في الزمان والمكان، وعادت إلى ~~السماوات بعد فناء جسدها الأرضي لتأخذ مكانها إلى جانب الثالوث المقدس، # 27 # من ألقابها «مقر الحكمة»، # 28 # ومنها استمد القديسون ms196 حكمتهم. يروي القديس يوحنا الفم ~~الذهبي أن انكشاف بصيرته قد تم بخارقة من خوارق السيدة العذراء. ~~فبينما كان أمام تمثالها يوما يصلي وهو ما زال طفلا، فإذا ~~بالحياة تدب في التمثال وتخاطبه العذراء قائلة: يوحنا، تعال قبل ~~شفتي ولسوف تحل عليك بعد ذلك المعرفة. فتقدم منها بعد تردد، ثم طبع ~~على شفتيها قبلة كانت كافية لأن تملأ كيانه حكمة ومعرفة. # 29 # سيدة الجنون ~~«خذوا الحكمة من أفواه المجانين» قول عربي مأثور، يصل عالم ~~الحكمة بعالم الجنون، ويلخص نظرة الثقافات القديمة إلى بعض أنواع ~~الجنون، التي ليست في حقيقتها سوى شكل من أشكال الحكمة العشتارية. ~~إن حكمة الليل التي تدير وجه صاحبها عن صحو النهار ومنطق الشمس، هي ~~انفصال عن الواقع وإيغال في عوامل الباطن حيث يخفت تدريجيا إيقاع ~~الزمن الأرضي، وتخبو تكتكات الدقائق والساعات، لينفتح عالم الصمت ~~وتزحف استطالات الزمن الراكد. حيث المعرفة غير المنطوقة، ولذاذات ~~الروح التي لم تكن لذاذات الجسد إلا مقدمة لها وبشارة. حيث ~~المهابط، التي تشد السالك إلى مركز السر الأعظم، معارج للصعود نحو ~~الملكوت الأعلى؛ حيث اللحظة الزمنية، آنا بلا نهاية في أعماق جسد ~~عشتار الليلي. # حكمة الشمس زاد لواقع اليوم، تدبير لشئونه، وحكمة القمر زاد للغد ~~الآتي حيث يحجب الموت نور الشمس فاتحا بوابة الظلمة المديدة. حكمة ~~الشمس ترويض للعقل وحكمة القمر ترويض للروح، تهيئة في هذا العالم ~~لما سيأتي وراءه. في حكمة الشمس إضعاف للروح، وفي حكمة القمر إضعاف ~~للعقل. وتناوس السالك بين عالم النور وطوايا الظلام قد يتوقف ~~ليختار الفرد عالم الظلام، ويغلق على نفسه تماما في رحلة لا عودة ~~منها، رحلة يسميها الناس جنونا، ويختبرها أهلها انجذابا وكشفا. ~~ولنا في مجاذيب التصوف خير مثال على هذه الخبرة، وفي كلمة «مجذوب» ~~أفضل دليل على أصل الجنون المقدس الذي يعانيه أصحابه «انجذابا» ~~نحو قوة داخلية علوية في آن معا. # تقول الأم المصرية قديما عن نفسها: «أنا ما كان، وما هو كائن، ~~وما سوف يكون، وما من بشر قادر أن يرفع عني برقعي.» # 30 ms197 # ذلك أن معارف عشتار وحكمتها لا يمكن كشفها بالفهم ~~العقلي وقواعد المنطق. بل بالذوبان فيها والفناء بها، والدخول تحت ~~حجابها دون رفعه، إن الاستنارة التي تتحدث عنها حكمة البوذا، ~~والكشف الذي يحكي عن مذاقه المتصوفة، ليسا إزاحة لبرقع الحقائق ~~الربانية بالجهد العقلي المنظم، بل كدح روحي يدخل صاحبه مملكة ~~الظلام خلف برقع إيزيس، لتنكشف له أنوار عالم آخر عند مركز السر أو ~~سدرة المنتهى. عند ذلك يغادر عالم الدورة الشمسية التي تحدد الأيام ~~وزمن الأرض، ويدخل دارة مفتوحة على الأوقيانوس الكلي. # تظهر خاصية الأم الكبرى كسيدة للجنون في أوضح أشكالها لدى كل ~~من إلهة السلت بريجيت، وهيقات، وسيبيل. فبريجيت التي رأيناها إلهة ~~قمرية مثلثة ووالدة للآلهة جميعا وسيدة لخصب الأرض وملتهمة ~~للرجال، هي أيضا من يضرب العقل بالجنون. # 31 # ومثلها هيقات سيدة الرؤى، # 32 # وكذلك سيبيل التي ضربت ابنها وحبيبها آتيس بالجنون، ~~فخصى نفسه تحت شجرة التين ونزف حتى الموت. # 33 # إن في أسطورة سيبيل وآتيس رمزا لثلاثة معابر أو برازخ ~~يمر بها الذكر في علاقته بالروح الأنثوية الكونية. فالجنون برزخ ~~لتحصيل الحقائق الخفية، تخل عن الصحو، ودخول في مملكة السكرة. ~~والخصاء تكريس لحكمة الليل وتوحد صوفي مع المبدأ الأنثوي. والموت ~~برزخ أخير يجتازه من أجل البعث في عالم جديد، وهو بعث يتم أيضا ~~تحت جناح الأم الكبرى، كما سنرى في فصل عشتار المخلصة. # إن ارتباط الجنون بالأم القمرية قديما، قد ترك آثاره اللاحقة في ~~معظم الثقافات التي تربط بين القمر وحالات الجنون. وما زلنا في ~~العالم العربي نعتقد بتأثير البدر على حالات معينة من الجنون التي ~~تشتد في ليالي القمر الكامل. كما وأننا نجد آثار هذا الاعتقاد ~~باقية في بعض اللغات. فمن الكلمات الدالة على الجنون في اللغة ~~الإنكليزية كلمة # Lunacy ~~، وهي مشتقة ~~من كلمة # Luna # اللاتينية الدالة على ~~القمر. فالجنون وفق هذا الاشتقاق هو المرض القمري، وهو المرض الذي ~~أصاب رواد مركبة أبولو التي حطت على سطح القمر، بعد عودتهم إلى ~~الأرض، دون أن يتم شفاء بعضهم كاملا ms198 حتى الآن. # سيدة الغيبوبة # تدعو حكمة الشمس إلى تركيز الحواس وشحذها للتعامل مع الواقع ~~بأعلى كفاية ممكنة، أما حكمة القمر فتدعو إلى بلبلة الحواس ~~الخارجية من أجل تفتيح الحواس الداخلية. تدعو حكمة الشمس إلى بناء ~~الجسد وتوجيهه لأداء وظائفه العلمية، أما حكمة القمر فتدعو الجسد ~~إلى اللعب الحر، إلى الرقص الذي يجعل الجسد موضوعا لنفسه، ويعكس ~~طاقته نحو نفسها، محولا الحركة المادية إلى نشوة روحية ووجد صوفي. ~~فالإنسان في الديانة العتشارية لا يعرف الصلاة، بل يعرف الرقص. وفي ~~المناسبات الداعية للصلاة في الديانة الشمسية، نجد الإنسان ~~العشتاري يرقص. وهو في رقصه لا يعبد إلها بعيدا منفصلا، بل يعيش ~~إلهه ويتلمسه في أعماق نفسه. وفي قمة النشوة، عندما يتحقق للراقص ~~الانفصال التام عن مبدأ الواقع، ويشعر أن حركته تتلاشى عند نقطة ~~ثابتة في مركز ذاته، يتوقف الزمن في ومضة عند شاطئ الأبدية، ثم تشع ~~الحركة من جديد وتفيض نحو المحيط الذي منه انطلقت. رحيل من محيط ~~الذات إلى مركزها الذي يتطابق مع مركز السر الأعظم ... «فمن عرف نفسه ~~عرف ربه» - حديث شريف. # ويساعد الخمر المستحلب من الثمار، والمخدر المستخلص من الأعشاب ~~المقدسة، على ولوج عالم الليل والتحرر من عالم النهار. فكما أعطت ~~عشتار حبوبا ونباتا، معاشا للإنسان، كذلك أودعت في نتاج الأرض ~~سرا من أسرار الألوهة ونذرا من جنات الخلد. فالمخدر يهب المريد ~~مركبة سحرية تجتاز به تخوم الصحو نحو العوالم المقدسة، يحرره من ~~كثافة المادة وشروط الواقع ليضعه على مشارف الإلهي وتخوم الحرية، ~~في بارقة مؤقتة هي قبس من ملكوت آت. لذلك كانت نبتة الخشخاش # 34 # التي يستخلص منها أقوى أنواع المخدرات، رمزا من رموز ~~الأم الكبرى في ثقافات المتوسط وفي ثقافات بعيدة تماما كثقافة ~~الآزتيك في أمريكا الوسطى. فنجد الإلهة ديمتر في بعض الأعمال ~~التشكيلية تحمل بيديها باقتين من سنابل القمح ونبت الخشخاش، رمزا ~~لسلطتها على عالم الغذاء المادي والغذاء الروحي في آن معا. وفي ~~الشكل رقم ( # 4-4 ~~) الموضح في فصل عشتار الخضراء، ~~نجد الأم الكريتية الكبرى جالسة تحت ms199 شجرة الكرمة التي تتدلى ~~عناقيدها، وقد حملت بيدها باقة من نباتات الخشخاش. # ولقد أعطت عشتار أول ما أعطت سر المخدر إلى المرأة؛ فالمرأة التي ~~اكتشفت كل أسرار مملكة النبات، فصنعت الغذاء واستحضرت الدواء ~~واستخلصت السموم، قد اكتشفت أيضا نباتات المخدر وعرفت خصائصها ~~واستعمالاتها المختلفة. وما زالت نساء القبائل البدائية حتى يومنا ~~هذا، موكلات بتحضير الأكاسير المخدرة، حافظات لأسرارها. وهناك من ~~الأدلة ما يشير إلى أن نبات الخشخاش قد تم استخدامه منذ العصر ~~الحجري إبان العصر الجليدي. # 35 # ومنذ ذلك الوقت استمر تناول المخدرات باعتباره طقسا ~~أساسيا من طقوس ديانات الخصب في الشرق الأدنى القديم وثقافات ~~المتوسط؛ ففي سومر كان كهنة ديانة الخصب يبحثون عن أنواع معينة من ~~الفطر المخدر الذي اعتبر ابنا للسماء، وذلك بسبب نموه السريع تحت ~~جنح الليل بعد المطر المصحوب بالرعد والبرق. وكانوا يصنعون منه ~~أكاسير تجعل شاربها يمضي في رحلة روحية يرى خلالها جنات النعيم ثم ~~يعود إلى الأرض. # 36 # وقد استمرت هذه الطقوس قائمة بشكل سرى في أنحاء مختلفة ~~من الشرق القديم، ويقال: (ولسنا متأكدين من ذلك) إنها ظهرت لدى ~~إحدى الفرق الدينية الإسلامية المعروفة باسم الفرقة الحشيشية، وهي ~~الفرقة التي بدأت دعوتها في إيران ثم انتقلت إلى بقاع أخرى في فترة ~~خريف الخلافة العباسية. والحشيشية اسم أطلقه العامة على هذه ~~الفرقة، وهو مستمد من نبات الحشيش، المخدر المعروف في معظم بقاع ~~الشرق، وذلك ظنا منهم أن أتباع هذه الفرقة إنما يتناولون الحشيش ~~في طقوسهم واحتفالاتهم. إلا أن كل البينات تشير إلى أن المادة ~~المخدرة التي يستعملها هؤلاء كمحرض على النشوة الصوفية، هي مادة ~~أقوى بكثير من الحشيش. وأغلب الظن أنها المادة التي نقل السومريون ~~أسرارها كمحرض على النشوة الصوفية إلى أجيال الفرق الباطنية ~~اللاحقة. # إلى جانب المواد المخدرة لعب الخمر دورا كبيرا في طقوس ~~واحتفالات الديانات العشتارية، وكانت إنانا السومرية تدعى ب «الأم ~~النورانية إلهة الخمر». # 37 # وقد بلغت طقوس السكرة العشتارية قمتها في عبادات ~~ديونيسيوس، إله الخمر في العالم الكلاسيكي؛ ذلك الإله الغريب ms200 عن ~~البانثيون الإغريقي، والذي أتى بلاد اليونان من «تراقيا» في مواكب ~~معربدة صدمت لأول مرة ذوق اليونانيين الأبولوني. ولكن هذا الإله ~~الجديد ما لبث أن أخذ مكانه بين آلهة الأوليمب، وتحولت إليه ~~الاتجاهات الباطنية اليونانية. # 38 # وبقي اسمه إلى يومنا هذا علما لاتجاه السكرة في مقابل ~~اتجاه الصحو، كتيارين موجهين لسلوك الإنسان ونتاجاته. # سكر ومخدر وموسيقى ورقص، تلك هي عدة الغيبوبة العشتارية ~~التي تعبر بالمريد من جفاف الشمس إلى نداوة القمر. عدة كانت عبر ~~تاريخ الثقافة الذكرية، وسيلة للتمرد والحلم، تمرد على النظم ~~العقلانية المسيطرة التي تجعل من الفرد عبدا مسخرا للقوى ~~الاجتماعية الطاغية وديانتها البطريركية، وحلم بعالم أمومي جديد ~~وفردوس عشتاري أرضي يعيد للجسد الإنساني قدرته على اللعب الحر، ~~ولروحه طاقاتها غير المتناهية. ولنا في حركة «الهيبي» التي اجتاحت ~~العالم الغربي إبان ستينيات القرن العشرين، خير مثال على ~~ذلك. # سيدة السحر # كواهبة لجرعة الحليب الأولى التي تسلم الطفل إلى أولى لحظات ~~الحياة، كانت المرأة تجسيدا على مستوى الواقع لمبدأ الحياة الكلي. ~~ومنذ عصر قبيل الصيادين البدائي إلى عصر المستوطنات الزراعية ~~المستقرة، كانت المرأة مركزا للناشطات الرامية إلى حفظ البقاء، ~~مستعينة بقدراتها الخفية على تحويل المادة وتغيير خصائصها؛ فقد ~~رأينا المرأة مسئولة عن التقاط الثمار وخزنها واستخلاص أكاسير ~~الأعشاب وعصير الكرمة، ورأيناها موكلة بالاستفادة من منتجات ~~الحيوان، والغزل والنسيج والحياكة، وبإبقاء النار التي اكتشفتها ~~مشتعلة، واستخدامها في تحويل الطين إلى فخار وخزف، وتحويل الطعام ~~النيئ إلى غذاء شهي، والعجين الفظ إلى خبز ناضج. إن هذه النشاطات ~~وغيرها، مما تحول فيما بعد إلى أعمال دنيوية يومية عادية، لم تكن ~~في الماضي كذلك؛ ذلك أن الشروط البيئية والمناخية الصعبة، والصراع ~~المستميت الذي دخله الإنسان ضد أنواع الحياة الأخرى من أجل البقاء، ~~قد جعل من نشاطات حفظ الحياة مهمة مستحيلة دون عون الأم الكونية ~~الذي تبذله عن طريق وكيلتها على الأرض. لذلك كانت المرأة تمارس كل ~~نشاطات حفظ الحياة وتأمين الغذاء والمأوى والكساء، باعتبارها ~~طقوسا تحويلية مقدسة لا تتم إلا بمعونة جسدها الخلاق، ms201 وكان ~~التحويل نوعا من السحر. # ومن التحويل الأصغر المتمثل في نشاطات المعاش ، إلى التحويل ~~الأكبر المتمثل في السلطة على عالم المادة والطبيعة، كانت المرأة ~~مسئولة عن الاتصال بالعوالم السرية عن طريق السحر. إن الأنثى بواقع ~~تكوينها الجسدي والنفسي أكثر قدرة، كما أسلفنا، على تحقيق مثل هذه ~~الصلة. فنفسها أكثر شفافية ورقة من نفس الرجل الصلبة، وإحساسها ~~الباطني دوما لا يخيب، وأحلامها نبوءة وكشف، أما جسدها فمستودع ~~الأسرار العشتارية، يعمل بطريقة هي أقرب لفعل السحر منها للفعل ~~الطبيعي. لذلك كانت المرأة الساحرة الأولى، وبسحرها كانت تمارس ~~سيطرتها على الرجل وتعزز مكانتها ضمن الجماعة. فليس من المستغرب أن ~~يبدأ الرجل أولى خطواته في التحرر من سلطة المرأة باغتصاب صلاحيات ~~السحر. # لقد كان من الإنجازات الأولى لجماعة الرجال التي حققت الانقلاب ~~التاريخي ضد سلطة المرأة، قيامهم بالسيطرة على نشاطات السحر، ~~وتجريد المرأة من أحد أسلحتها الأساسية، # 39 # وما زالت ذكرى هذه الانتفاضة محفورة في بعض أساطير ~~القبائل البدائية في العصر الحديث، والتي حققت انقلاباتها الذكرية ~~في أزمنة متأخرة؛ ففي أمريكا الجنوبية، تروي قبائل «أونا» أسطورة ~~مفادها: أنه في الأيام القديمة كانت فنون السحر وقفا على النساء ~~اللواتي كن يجتمعن في محافل سرية خاصة، لا يجرؤ الرجال على الدنو ~~منها. وكانت البنات الصغيرات يلقن أسرار السحر عندما يقتربن ~~من سن النضج، ويتعلمن كيف يجلبن الأذى والمرض وربما الموت لكل من ~~يسيء إليهن، ثم سرعان ما يلتحقن بالمحافل ليرثن إدارتها عن ~~متقدماتهن. أما الرجال فكانوا يعيشون في خضوع كامل للنساء، وخوف ~~مما يمكن لسحرهن أن يجلب عليهم من كوارث. لقد كان في حوزتهم ~~الأقواس والسهام والرماح يصطادون بها الطرائد من أجل غذاء الجماعة، ~~ولكن سلاحهم لم يكن ينفع في مواجهة قوى السحر. إلى أن كان يوم أجمع ~~فيه الرجال على التخلص من النساء بقتلهن جميعا، فخططوا لمذبحة ~~كبيرة وقاموا بتنفيذها، فقتلوا كل امرأة وكل فتاة، ولم يبقوا إلا ~~على البنات الصغيرات في أعوامهن الأولى، ممن لم تتح لهن بعد ~~أية فرصة للاطلاع على فنون السحر ms202 ومعرفة ما يجري في محافل النساء. ~~ثم قاموا بعد ذلك بتشكيل محافلهم الخاصة المحظورة على الإناث، ~~وبدءوا بتحضير جيل جديد من النساء غير قادر على التواصل من جديد مع ~~قوى السحر المخيفة، قابل لسلطة الرجال خاضع لهم. # 40 # هذا وتتحدث أساطير أخرى من أمريكا الجنوبية أيضا عن ~~انقلاب ذكري ضد سلطة النساء اللواتي كن يحكمن بالسحر، دون أن ~~يكون لهذا الانقلاب نفس الطابع العنيف. كما أن شيوع هذا النوع من ~~الأساطير في أنحاء متفرقة من العالم ليشير بكل وضوح إلى مرحلة ~~حقيقية من مراحل التاريخ البشري. # 41 # ولربما كان توكيد المرأة على نشاط السحر في المراحل المتأخرة من ~~حياة المجتمعات الأمومية، هو نوع من الدفاع الأخير عن النفس، أمام ~~تصاعد قوة الذكور واستعدادهم للانقضاض الحاسم. تقدم لنا مكتشفات ~~العصر الحجري بينات واضحة على نشاط السحر الذي كانت تقوم به ~~المرأة، والدور العملي الذي كان هذا النشاط يلعبه في حياة الجماعة. ~~ففي نقش على الحجر من العصر الباليوليتي (الشكل رقم # 8-2 ~~)، نجد مشهدين جمعهما الفنان في حيز واحد. ~~الأول مشهد يظهر الرجل في حقل الصيد، وسط مجموعة من الطرائد ~~الكبيرة، مستعدا لإطلاق سهمه. والثاني مشهد يظهر المرأة في كهف ~~تمارس طقسا سحريا من شأنه إمداد الرجل بالقوة والتأثير على ~~الحيوان. تبدو المرأة في المشهد رافعة ذراعيها نحو الأعلى؛ ~~لاستمداد الطاقة العشتارية الخفية وتمثلها في داخل جسدها، وإطلاقها ~~من ثم عبر بوابة رحمها في قناة خفية، تتصل بالمنطقة الجنسية للرجل ~~الضارب في البراري، فتسري فيه وتعطيه الغلبة على الطرائد الشرسة. ~~وقد قام الفنان بإظهار المرأة أكبر حجما من الرجل ومن حيوانات ~~الصيد؛ وذلك للدلالة على قيمتها وعلو مكانتها، تماما كما يقوم ~~أطفال اليوم بإظهار الأب في رسومهم أكبر حجما من كل المحيطين ~~به. # شكل 8-2: ساحرة العصر الحجري - العصر الباليوتي - شمال ~~أفريقيا. # ويتكرر مشهد الصيد الممتزج بمشهد نشاطات السحر الأنثوية في عدد ~~آخر من الأعمال الفنية للعصر الحجري، وصولا إلى عتبات عصور ~~الكتابة. ففي رسم على الفخار من مصر يعود إلى الألف ms203 الرابع قبل ~~الميلاد (الشكل رقم # 8-3 ~~). نعثر على مشهد مماثل ~~لمشهد العصر الحجري الآنف الذكر، رغم ألوف السنين الفاصلة بينهما. ~~فهناك حقل واسع يرتع فيه عدد كبير من الطرائد، وأربعة رجال متأهبين ~~بأسلحتهم؛ بينهم ثلاث نساء يمارسن نشاط السحر برفع الذراعين نحو ~~الأعلى. ورغم تداخل أشكال النساء مع عناصر المشهد، فإن حيز الرسم ~~يجمع بين مكانين متباعدين: هما حقل الصيد ومكان إقامة الطقوس. تبدو ~~المرأة هنا أيضا أكبر حجما من الرجل ومن الحيوانات على حد ~~سواء، مع التركيز على منطقة الحوض جريا على التقاليد الفنية للعصر ~~الحجري السابق. # شكل 8-3: الساحرات والصيد - مصر، الألف الرابع ~~ق.م. # هذا وتقدم لنا الفترة التاريخية نفسها عددا كبيرا من الأشكال ~~الأنثوية في أوضاع مشابهة، وهي أشكال تمثل الأم الكبرى في حالة ~~ممارسة السحر، أو كاهناتها. كما تتضح القيمة السحرية لذراعي المرأة ~~المرفوعتين في عدد من الأشكال الأنثوية الفخارية التي تعود إلى عصر ~~تل العمارنة (أواسط الألف الثاني ق.م.) في مصر. وفي أحد هذه ~~الأشكال، وهو محفوظ في متحف بروكلين، نجد رجلين يقومان بإسناد ~~ذراعي المرأة المرفوعتين؛ وذلك لإطالة مدة وقوفها على هذه الهيئة ~~وإدامة فترة تأثيرها السحري. وقد حفظ لنا كتاب التوراة ممارسة ~~سحرية مشابهة قام بها موسى الذي لم يكن قد مضى على مغادرته مصر وقت ~~طويل عندما واجه شعب العماليق. وإذا كانت ممارسات موسى السحرية في ~~مصر أمام الفرعون قد تمت بعون الرب، فإن ممارسته خلال حرب العماليق ~~كانت ممارسة سحرية بحتة، لا تعتمد القوى الإلهة. نقرأ في سفر ~~الخروج: «وأتى عماليق وحارب إسرائيل في رفديم. فقال موسى ليشوع: ~~انتخب لنا رجالا واخرج حارب عماليق، وغدا أقف أنا على رأس تلة ~~وعصا الرب في يدي. ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق. وأما ~~موسى وهارون وحور فصعدوا على رأس التلة. وكان إذا رفع موسى يده ~~أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يده أن عماليق يغلب. فلما صارت يدا ~~موسى ثقيلتين، أخذا حجرا ووضعاه تحته فجلس عليه، ودعم هارون وحور ~~يديه الواحد من ms204 هنا والآخر من هناك، فكانت يداه ثابتتين إلى غروب ~~الشمس، فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف.» # 42 # إن ما كانت تقوم به نساء العصر الحجري من طقوس سحرية لمدد الرجال ~~بالقوة في حقول صيدهم، قد استمر في عادات وطقوس القبائل البدائية ~~الحديثة؛ ففي جزيرة مدغشقر إلى عهد ليس بالبعيد، كانت نساء القبيلة ~~إذا توجه رجالهن إلى الحرب، يبدأن رقصا طقوسيا لا يهدأ ليل ~~نهار؛ اعتقادا منهن أن مثل هذا الرقص الطقوسي يهب الرجال في ساح ~~المعركة البأس والشجاعة والحظ الحسن. وفي ساحل العاج ومناطق أخرى ~~من أفريقيا الغربية، إذا خرج الرجال إلى القتال قامت النساء بدهن ~~أجسامهن باللون الأبيض، وزين أنفسهن بالريش وقرون الثور وأشياء ~~غريبة أخرى، وشرعن بحركات طقوسية سحرية. وفي كولومبيا كانت نساء ~~الهنود الحمر في المناسبات المشابهة يرقصن وفي أيديهن نصال مشحوذة ~~يمثلن بها عملية قتل الأعداء، ليتجلى فعلهن السحري على أرض القتال ~~حقيقة، ويقتل رجالهن أعداءهم. وفي كاليفورنيا كانت نساء قبائل ~~اليوكي يقمن حلقة رقص دائري لا تهدأ طالما كان رجالهن غائبين في ~~الحرب؛ لأن فتور حركة الرقص يضعف همة الرجال في القتال، بينما ~~يشدها استمراره وحرارته. # 43 # في كل مكان وفي كل ثقافة عزا الناس إلى النساء استعدادا فطريا ~~للسحر وقدرة على ممارسته. # 44 # وإذا كانت الثقافة الذكرية التي بلغت قمتها في ~~المجتمعات الرأسمالية الحديثة، قد طمست كل ما يذكر بخصائص القوة ~~عند المرأة، فإن القبائل البدائية الحديثة ما زالت رغم طابعها ~~الذكري الغالب تعزو للمرأة السيطرة على القوى الخفية ومن بينها ~~السحر، وتربط بين قدرة النساء على السحر وعلاقتهن الغامضة ~~بالقمر. فهنود أمريكا الشمالية وشعوب الإسكيمو على حد سواء يعتقدون ~~بأن القمر هو مصدر لكل قوة سحرية. # 45 # وتعتقد قبائل التتار في آسيا الوسطى، أن النساء لا ~~يستطعن ممارسة السحر إلا مرة في كل شهر، حين يكون القمر هلالا في ~~يومه الأول. وفي ساحل العاج يستعمل القوم كلمة واحدة للدلالة على ~~السحر وعلى القمر. ويجري الاعتقاد لدى قبائل كثيرة وفي أماكن ~~متباعدة من العالم ms205 أن القمر هو الذي يهب للمرأة قدرتها على إتيان ~~السحر، ولذلك تستلقي النساء الساحرات تحت القمر ساعات طويلة ~~لامتصاص قوى القمر . # 46 # وفي أوروبا القرون الوسطى كانت تهمة السحر لا تلصق إلا ~~بالنساء، وحتى القرن السابع عشر نجد بعض المؤلفات الدينية مهتمة ~~بتفسير ظاهرة استعداد النساء الفطري لممارسة السحر من دون الرجال. # 47 # هذا القمر الذي يمد النساء بقدراتهن الخفية هو الأم الكبرى سيدة ~~الأسرار وربة القوى الغامضة، التي تتجلى في أبهى أشكالها تحت اسم ~~هيقات وإيزيس؛ ففي ثقافة اليونان استقطبت الربة القمرية هيقات ~~خصائص الأم الكبرى الساحرة؛ فهي سيدة السحر بشتى أشكاله وأنواعه، # 48 # وكل عمل سحري يجري بمعونتها واستلهام قوى الظلام التي ~~تسيطر عليها. # 49 # وفي مصر، تبقى على مر العصور اسما يبعث في النفس رهبة ~~الغوامض والخفايا والعوالم السرانية. تقص أسطورة مصرية كيف حصلت ~~إيزيس على سلطتها المطلقة من يد الإله الأكبر رع، بواسطة قواها ~~السحرية الخارقة. فالإله رع قد كبر وغدا طاعنا في السن، حتى إن ~~لعابه صار يسيل خارج فمه المتدلي. ولكنه بقي سيدا للسموات والأرض ~~بقوة اسمه السري الذي لا يعرفه أحد. وكانت إيزيس تتوق إلى الصعود ~~إلى مرتبة السيد الأكبر رع كحاكمة للكون وسيدة للآلهة، فأحكمت خطة ~~تجبر الإله رع على إفشاء سره لها. قامت إيزيس بمزج لعاب الإله رع ~~بتراب الأرض، فصنعت حية من طين نفخت فيها الحياة وأرسلتها في ~~طريقه، فعضته في ساقه ودفعت سمها في جسده. سرى السم في جسد الإله، ~~فدعا كل آلهة الأرض والسماء لشفائه دون جدوى. ثم حضرت إليه إيزيس ~~التي تعبق أنفاسها بنسمة الحياة، وتطرد تعاويذها كل الآلام، فعرضت ~~على كبير الآلهة شفاءه مقابل أن يفشي لها باسمه السري. ولكنه تهرب ~~من ذلك قائلا: أنا من خلق السماوات والأرض، من رفع الجبال وملأ ~~البحار وأسدل الأفقين. أفتح عيني فأصنع نهارا وأغلقهما فأصنع ~~ليلا، وبأمري يرتفع ماء النيل ثم ينحسر. في الصباح اسمي خيبيرا، ~~وفي الظهيرة اسمي رع، وفي المساء اسمي توم. ولكن إيزيس تقول له: إن ms206 ~~أيا من هذه الأسماء ليس هو اسمه السري، وتمتنع عن علاجه. وعندما ~~تصل آلام الإله حدا لا يطاق، يرضخ لمشيئة إيزيس، ولكنه لا ينطق ~~باسمه السري، بل يجعله ينتقل من قبله إلى قلب إيزيس دون كلام؛ كيلا ~~يسمع به أحد غيرها. وهنا تقوم إيزيس باستخدام تعاويذها السحرية ~~لطرد السم من جسد رع، وتحوز بذلك على جميع قوى الإله الأكبر ~~بانتقال اسمه السري إليها. # 50 # الفصل التاسع # | تموز الخضر # كانت عشتار، كما أشرنا في مواضع أخرى سابقة، أول قوة إلهية توجه ~~إليها الإنسان بالعبادة، وكانت تماثيلها أول صورة مقدسة نحتها. وقد ~~استمرت عبادة القوة الإلهية في شكلها الأنثوي خلال العصر النيوليتي، ~~الذي شهد منذ مطلعه ازدهارا لصور الأم الكبرى، مترافقا مع ظهور ~~المستوطنات الزراعية الأولى. إلا أنه خلال الألف السابع ق.م. تبدأ ~~التماثيل الذكرية المقدسة بالظهور على نطاق ضيق جدا، وبشكل مترافق مع ~~التماثيل الأنثوية التي بقيت سائدة. وبذلك يبدأ التمهيد تدريجيا ~~لظهور الثنائي الإلهي: الأم الكبرى وابنها، الذي سيأخذ أولى صوره ~~الواضحة مع مطلع الألف السادس ق.م. في ثقافة شتال حيوك جنوب الأناضول. ~~ففي شتال حيوك التي أخذت أبعادها كشبه مدينة مع مطلع الألف السادس قبل ~~الميلاد، تبدأ ملحمة الإله الذكر في تاريخ المعتقد الديني الإنساني. ~~فرغم بقاء الأم الكبرى المركز الأساسي لديانة هذه المستوطنة، فإن بعض ~~صورها تبدأ بإظهار الإله الذكر إلى جانبها. وهذا الإله الذكر هو ابن ~~الأم الكبرى وزوجها في آن معا. # 1 # تمثله المنحوتات الجدارية على هيئة ثور يولد من رحم الأم ~~الكبرى، كما هو الحال في الشكل رقم ( # 3-12 ~~) من فصل ~~عشتار القمر الذي يمثل الأم الكبرى في شكل تبسيطي تلد الإله الثور. وفي ~~الشكل رقم ( # 7-3 ~~) من فصل عشتار السوداء الذي يمثل ~~بنفس الأسلوب التبسيطي، الأم الكبرى المزدوجة في نفس الوضع، وفي الشكل ~~رقم ( # 9-1 ~~) الموضح أدناه، حيث يبلغ الأسلوب ~~التبسيطي مداه الأقصى، وتتحول الإلهة المزدوجة إلى عمل فني أشبه بأعمال ~~النحت الحديث. أما في الشكل رقم ( # 9-2 ~~) فإن ~~الإلهة تعود إلى شكلها المألوف ms207 الذي عهدناه في تماثيلها التقليدية التي ~~تبالغ في التوكيد على مناطق الخصوبة وإظهارها. فنراها جالسة على عرش ~~تحمله الحيوانات، وهي تضع مولودها الذي يبرز رأسه بين ساقيها لحظة ~~الميلاد . وقد يظهر الإله الذكر في بعض منحوتات شتال حيوك في هيئة الرجل ~~الناضج، ولكن دون أن يعطي انطباعا برهبة الألوهة؛ مما يدل على أن ~~الفنان قد أراد التوكيد على الدور الثانوي للإله الذكر وتبعيته للإلهة ~~الأم. # شكل 9-1: الأم المزدوجة وابنها الثور - شتال حيوك. # شكل 9-2: الأم الكبرى تضع طفلها - شتال حيوك. # هذه العائلة المقدسة لديانة ~~شتال حيوك، لا تتألف من أربعة آلهة، كما يبدو للناظر لأول وهلة؛ إذ ~~يعتقد أنه أمام أم وابنة، وأب وابن، بل تتألف في الواقع من إلهين ~~وأربعة تجليات؛ فهناك الأم الكبرى في وجهيها، وهي الأم التي ستظهر فيما ~~بعد في حضارة كريت تحت اسم «السيدتين»، وفي اليونان تحت اسم ~~ديمتر/بيرسفوني، وهناك الابن الذي يلعب في الوقت نفسه دور الزوج المخصب. # 2 # ولقد بحثنا بالتفصيل دلالة ازدواج الإلهة الأم في فصول ~~سابقة، أما ازدواج الإله الابن، وقيامه بدور الوليد الإلهي والزوج ~~المخصب، فيجد تفسيره في معتقد الإلهة الواحدة للعصر الحجري. فوفق هذا ~~المعتقد، لا يمكن أن يظهر إلى جانب الأم الكبرى إله آخر، إلا إذا كان ~~ناشئا عنها مولودا من رحمها. وعندما وصل التطور داخل المجتمع ~~النيوليتي والديانة النيوليتية حدا كان لا بد معه من ظهور إله ~~مذكر، لم يكن هذا الإله إلا ابنا للأم الكبرى، أنجبته لتخصب به نفسها. ~~وقد بقيت هذه العلاقة قائمة بين الأم الابن في الديانات العشتارية ~~اللاحقة، رغم ما أصابها من تطور وتغير. ولعل هذه الفكرة ستغدو للقارئ ~~أقل تجريدا، إذا نحن دعمناها بمزيد من الأمثلة المأخوذة من الأعمال ~~التشكيلية. ففي الشكل رقم ( # 9-3 ~~) وهو تمثال للأم ~~الكبرى وابنها من مستوطنة هيجيلار بجنوب الأناضول، التي تنتمي للثقافة ~~السورية النيوليتية الشمالية، نجد الأم الكبرى في وضعية الجلوس، وقد ~~احتضنت إلى صدرها ابنها، الوليد الإلهي الصغير. أما في الشكل رقم ~~( # 9-4 ~~) وهو تمثال ms208 من نفس الموقع، فنجد الأم ~~والابن في وضع المجامعة الجنسية الواضحة. وفي كلا الدورين اللذين ~~يلعبهما الإله الابن، في هذين العملين التشكيليين المعبرين، يبدو الإله ~~الذكر طفلا أبديا للأم الكبرى، ودوره الجنسي كحبيب مخصب للإلهة، ~~لا يعطيه ميزة عليها بل على العكس من ذلك؛ لأن سيطرة المرأة في العملية ~~الجنسية تبدو واضحة تماما، ويظهر العمل الفني اسيتعابها للعاشق الذي ~~يلعب حتى في الفعل الجنسي دور الابن التابع المعتمد على أمه اعتمادا ~~مطلقا. # شكل 9-3: الإله الذكر في دور الابن - جنوب الأناضول، الألف ~~السادس ق.م. # شكل 9-4: الإله الذكر في دور الحبيب - جنوب الأناضول، الألف ~~السادس ق.م. # لم يكن انشطار عشتار إلى ذكر وأنثى بالفكرة الجديدة تماما على ~~المعتقد الديني النيوليتي، فعشتار في طورها الأوروبوري البدئي كدارة ~~مغلقة مكتملة، كانت تحتوي في صميمها على بذرة السالب والموجب، اللذين ~~نشأ عن حركتهما الكون المتولد عن الأم الكبرى. وفي تجليها الثاني كأم ~~للطبيعة المادية بشتى مظاهرها، بقيت عشتار تحمل في جوهرها بذرة الذكورة ~~والأنوثة؛ لأن كمال الألوهة في جمع الضدين. فكانت الإلهة الواحدة أنثى ~~كونية، وكانت في الوقت نفسه تنطوي في داخلها على بذرة الذكورة التي ~~انفصلت فيما بعد، وأعطت الإله الابن الذي لم يكن في الواقع إلا القوة ~~الإخصابية الذاتية للأم الكبرى معكوسة نحو الخارج. لذلك نجد إنسان ~~الثقافة النيوليتية في الشرق القديم، يرسم إلهته الأم أحيانا في هيئة ~~مؤنثة ومذكرة في آن معا. ففي الشكل رقم ( # 9-5 ~~) ~~نجد تمثالا من موقع «تيب سراب» في سفوح زاغروس، شرقي بلاد الرافدين، ~~يمثل الأم الكبرى في وضعية الجلوس وقد استعاضت عن ساقيها بقضيب ذكري ~~كامل. أما الشكل رقم ( # 9-6 ~~) فنجد تمثالا للأم ~~الكبرى من موقع تل الرماد بسوريا، يمثلها في هيئة ثنائية الجنس. # شكل 9-5: الأم الكبرى المخنثة - زاغروس، الألف السادس ~~ق.م. # شكل 9-6: الأم الكبرى المخنثة - سوريا، تل الرماد، الألف ~~السادس ق.م. # هذه العلاقة بين الأم العذراء التي ولدت ابنها دون نكاح، ثم تزوجته ~~لتستعيد إلى ذاتها قوتها الإخصابية التي غدت مشخصة في ms209 الخارج، هي التي ~~تفسر إشارة النصوص الأسطورية والطقسية فيما بعد إلى الإله الابن؛ ابن ~~الأم الكبرى أحيانا، وزوجها أو حبيبها أحيانا أخرى. ورغم أن كل ~~الآلهة الذكور في الثقافة الذكرية قد نشئوا عن الإله الابن ، ثم اتخذوا ~~لأنفسهم شخصيات مستقلة، وارتفعوا نحو السماء ناكرين أصلهم الأرضي، إلا ~~أن هذا الإله قد بقي ابنا لعشتار، محافظا على وضعه القديم كظل للأم ~~الكبرى، مكمل لها، حامل جزءا من صفاتها وصلاحياتها. فهو «دوموزي» في ~~سومر، و«تموز» في بابل، و«أدونيس» في سوريا، و«أوزوريس» في مصر، ~~و«آتيس» في فرجيا وروما، و«ديونيسيوس» عند الإغريق. وكل هؤلاء يلعبون ~~دورهم المزدوج كأبناء وأزواج. ففي نصوص بلاد الرافدين على سبيل المثال، ~~نقرأ على لسان إنانا عددا من المزامير الموجهة لدوموزي الحبيب. تقول ~~له في إحداها: «الحبيب التقى بي، فقضى مني وطرا وقضيت. وجاء بي إلى ~~بيته فأضجعني على سرير العسل وقام بفعل الحب خمسين مرة ...» # 3 # في نصوص أخرى يشار إلى تموز على أنه الزوج، كما هو الحال ~~في نص هبوط عشتار إلى العالم الأسفل، حيث نقرأ في آخر النص على لسان ~~إريشكيجال: «أما زوجها الشاب، فخذوه واغسلوه بماء طهور وضمخوه بالعطور ~~الطيبة ...» وفي ملحمة جلجامش كذلك، حيث نقرأ في خطاب جلجامش لعشتار: ~~«على تموز زوجك الشاب قضيت بالبكاء عاما إثر عام ...» أما في بكائيات ~~عشتار على تموز القتيل فيظهر تموز على أنه الإله الابن، حيث تصرخ عشتار ~~ومعها الندابات: «ويلي يا دامو ... ويلي عليك يا بني ...» # 4 # وفي نص سومري عن إنانا النائحة على دموزي نقرأ: # ناحت إنانا على عريسها الفتى: # لقد مضى زوجي الحبيب، # لقد مضى ابني الحبيب. # 5 # ولقد بقي في علاقة السيد المسيح بأمه العذراء أثر من ~~هذا التقليد القديم، بعد أن ارتقت العلاقة المزدوجة إلى مستويات ~~روحانية سامية. نقرأ للقديس مار فرام السرياني في إحدى أناشيد الميلاد ~~على لسان السيدة العذراء: # كيف أدعوك أيها الغريب عنا والذي صار منا؟ # هل أدعوك ابنا؟ هل أدعوك أخا؟ هل أدعوك خطيبا؟ # هل أدعوك ربا؟ # أنا أخت من ms210 بيت داود، # وأنا أم من أجل الحبل بك، # وأنا خطيبة من أجل قدسك. # 6 # وفي بعض صلوات الطقس البيزنطي نقرأ: «أيتها السيدة ~~عروس الله. العذراء النقية الطاهرة التي لا عيب فيها ولا فساد ولا دنس. ~~يا من بولادتها العجيبة وحدت الإله-الكلمة، والبشر.» # 7 # وفي بعض المدائح المريمية نقرأ: «السلام عليك أيتها ~~العذراء عروس الله يا منعشة آدم ومميتة الجحيم. السلام عليك يا منزهة ~~من كل عيب، يا بلاطا للملك الأوحد. يا عرشا ناريا للقدير ...» # 8 # منذ الألف السادس قبل الميلاد، يبدأ هذا الزوج الإلهي بالانتشار في ~~البؤرة الحضارية الأولى، ثم يجتازها تدريجيا في جميع الاتجاهات حتى ~~يصل شواطئ العالم الجديد بعد عدة آلاف من السنين. إن موضوع العذراء ~~والطفل، الذي يعالجه الشكل رقم ( # 4-3 ~~) من فصل عشتار ~~الخضراء، والذي يمثل عشتار البابلية في وضعية الجلوس وفي حضنها الوليد ~~الإلهي، هو استمرار لموضوع العذراء والطفل، رغم ثلاثة الآلاف عام ~~الفاصلة بينهما. ولسوف يتكرر هذا الموضوع في جميع ثقافات الشرق القديم ~~وبحر إيجة وقبرص. وتكاد بعض الأعمال التشكيلية التي تعالجه، تكون نسخة ~~طبق الأصل من بعضها، رغم الفاصل الزمني والتباعد المكاني، كما هو الحال ~~في الشكلين رقم ( # 9-7 ~~) ورقم ( # 9-8 ~~) الذي يبدو أحدهما وكأنه نسخة معدلة عن الآخر رغم الفارق الزمني ~~الذي يصل إلى ألفين من السنين. # شكل 9-7: العذراء الكونية وابنها - نقش معدني، كريت ~~1500ق.م. # شكل 9-8: الرعاة يقدسون المسيح ليلة الميلاد، إيطاليا 600 بعد ~~الميلاد. # يبدو الإله الابن في ثقافة كريت وبحر إيجة، أكثر أقرانه قربا للإله ~~الابن في المستوطنات النيوليتية. ويرجع ذلك، كما أشرنا مرارا، إلى ~~احتفاظ الثقافة الكريتية بطابعها الأمومي القديم، وإلى انهيارها ~~المفاجئ على يد الفاتحين القادمين من البر اليوناني، قبل اكتمال ~~الانقلاب الديني الذكري فيها. فمنذ بداية هذه الثقافة وحتى تدميرها لم ~~تعبد سوى الأم الكبرى وابنها، الذي يبدو في الأعمال التشكيلية، ~~أحيانا كطفل صغير، وأحيانا أخرى كشاب يافع. # 9 # وكما هو الأمر على البر الأسيوي المقابل، فإن الثور كان ~~منذ البدء رمزا لهذا الإله الابن، ms211 ولعب دورا كبيرا في الديانة ~~الكريتية وطقوسها، التي لا نعرف عنها الكثير بسبب وصولها إلينا محورة ~~من خلال الأساطير الإغريقية. # 10 # ولعل في أسطورة الميناتور الكريتي ساكن قصر التيه، التي ~~ليست إلا ذكرى باهتة لطقوس عبادة الثور في كريت، مثالا على هذا ~~التحوير . على أن الأمر الأكيد حول ديانة كريت، هو استمرار الإله الذكر ~~ابنا للأم الكبرى الواحدة لتلك الديانة، وعدم تحويله إلى شخصية إلهية ~~مستقلة تبتدئ معها التقاليد الدينية الذكرية بالترسخ، كما حدث في ~~الثقافات الأخرى، التي أتاح لها الوقت تحقيق انقلاباتها الكاملة. وإذا ~~كان لهذا الإله الكريتي أن يحقق استقلاله الذكري وبناء شخصيته ~~البطريركية، فإن ذلك سوف يحدث على البر اليوناني الذي ارتحل إليه جموع ~~الفاتحين من أشباه البرابرة، الذين عادوا به إلى موطنهم عقب تدمير ~~الحضارة الكريتية العظيمة، أواسط الألف الثاني ق.م. # إن دراسة متأنية لأساطير الأصول الإغريقية، من شأنها أن تكشف لنا عن ~~كيفية نشوء آلهة الأوليمب الذكور، عن الإله الابن للمجتمع الأمومي ~~السابق. ففي البدء، # 11 # ظهرت الإلهة الأم، الأرض جايا، من العماء الأول، وأنجبت ~~ابنها الأول أورانوس الذي جعلته ندا لها، فكان السماء التي تغطيها من ~~كل جوانبها. ثم إن جايا اقترنت بابنها وأنجبت الجيل الأول من الآلهة. ~~ولكن أورانوس كان يخشى تزايد قوة أولاده في المستقبل وتهديدهم لسلطته، ~~فكان كلما ولد له ابن سجنه في أعماق الأرض، دون أن تجدي معه توسلات ~~جايا ودموعها من أجل أولادها. وبمرور الوقت وتزايد عدد الأولاد ~~المسجونين، قررت وضع حد لطغيان أورانوس، فرسمت خطة بالتعاون مع ابنها ~~الجريء «كرونوس» للتمرد على الأب. زودت جايا ابنها بمنجل حاد من صنعها ~~وجعلته يكمن قرب مخدعها، وعندما جاء أورانوس ساحبا وراءه ستار الليل ~~لينام في مخدع زوجته، قام إليه ابنه فخصاه بالمنجل ورمى بأعضائه ~~التناسلية إلى البحر، ورفع نفسه سيدا للكون. ولكن الحكاية ذاتها تتكرر ~~في الجيل التالي من الآلهة. فكرونوس يتزوج من الإلهة «رحيا» (وهي شكل ~~آخر من أشكال الأرض جايا) وتأخذ زوجته بالإنجاب. ولكنه كان يبتلع ~~أولاده حال ms212 ولادتهم مدفوعا بنفس الخوف الذي لاحق والده من قبله. ~~ويستمر الحال على ذلك، إلى أن تلد رحيا ابنها الأخير «زيوس» فتهرب به ~~إلى كريت حيث تخبئه هناك، بعد أن تدفع إلى زوجها بحجر ملفوف في قماط ~~فيبتلعه على أنه الوليد الجديد. وعندما يكبر زيوس، يرجع إلى أبيه فيجره ~~عن عرش السماوات دافعا به إلى ما وراء المحيطات ويعتلي عرشه. # إن بعض جوانب قصة الانقلاب الديني الذكري تكمن خلف الشكل المزخرف ~~لهذه الأسطورة الإغريقية. فأورانوس إله السماء الأعلى الذي أنجبته ~~الإلهة الأم ثم تزوجته، لم يكن في أصله إلا تموز ديانة المجتمع الأمومي ~~الأسبق، ابن الأم وحبيبها المخصب. ثم جاءت جماعة الذكور المنتصرة ~~فرفعته أبا مستبدا، وحلت سلطة الأب وسيطرته محل حنو الأم، وغابت ~~صورة الأم التي تحضن طفلها لتظهر صورة الأب الذي يسجن أولاده أو ~~يبتلعهم. ولم يكن الصراع بين الابن وأبيه في كل جيل، سوى انعكاس للصراع ~~بين العناصر الأمومية والعناصر الذكرية في ثقافة لم تصل بعد مرحلة ~~الاستقرار. ولكن الصراع كان يميل دوما لمصلحة الاتجاه الذكري؛ لأن ~~الإله الابن الذي تحاول الأم إنقاذه، يتحول بدوره إلى طاغية يكرر دور ~~أبيه. ومن الجدير بالذكر أن زيوس الإغريقي الذي يمثل الجيل الثالث من ~~الآلهة، وأمه رحيا، هما بالذات الأم الكريتية رحيا وابنها زيوس، اللذان ~~تركزت حولهما ديانة كريت وبحر إيجة، التي لم تندحر أمام المد الديني ~~البطريركي، إلا بعد اجتثاثها من أرضها وحملها إلى بلاد الإغريق. # وكما ارتفع آلهة الإغريق الذكور، فسكنوا السماء مبتعدين عن أمهم ~~الأرض، كذلك فعل من قبلهم آلهة السماوات العلى في الشرق الأدنى القديم ~~منذ مطلع عصور الكتابة. ففي سومر، نجد الإله «آن» والإله «إنليل»، وفي ~~بابل نجد «آنو» و«مردوخ»، وفي آشور نجد «آشور»، وفي سوريا نجد «إيل»، ~~وفي مصر نجد «رع». إلا أن طغيان الديانات البطريركية لم يقض على ديانة ~~الأم العذراء ووليدها الإلهي التي بقيت تستقطب العاطفة الشعبية ~~الدينية، وبقي الناس يقدمون الولاء لآلهة السلطة، ويكنون الحب لعشتار ~~وابنها. وعندما انتصرت المسيحية أخيرا وقامت ms213 فوق بحر من العبادات ~~المتناحرة، حققت التسوية النهائية بين الإله الأب سيد السماء، والإله ~~الابن ربيب الأرض. فهبط الإله الأب من عليائه، وصار جنينا في رحم ~~العذراء الأرضية، ثم ولد وعاش بين الناس، ومات ثم بعث راجعا إلى ~~سمائه. # ما هي الملامح العامة لهذا الإله الابن؟ وكيف نشأت وتطورت صلاحياته ~~واختصاصاته؟ إن الوثائق الفنية لعصور ما قبل الكتابة، لتقدم الدليل ~~الواضح على أن هذا الإله لم يكن موضع عبادة بمعزل عن أمه. لقد عاش ~~حياته كلها ظلا للأم الكبرى، يمارس قسما من صلاحياتها واختصاصاتها ~~التي انفردت بها قبله، ولكن تحت رعايتها وبمعونتها. فهو وجهها الآخر، ~~وشقها الذكري الذي كان كامنا فيها منذ الأزل، ثم انفصل عنها شكلا ~~ولكنه بقي جزءا منها فعلا. وإذا كانت الأم الكبرى قبل ظهور الابن ~~تحمل في بعض صورها التركيب الأنثوي والذكري معا، فإن ابنها بدوره سوف ~~يحمل ذات التركيبين، ويعيش حياته «ابن أمه»، الفتى الرقيق الحميل ذا ~~الملامح الأنثوية والجسد الطري الغض. فعشتار وتموز هما في الحقيقة ~~أقنومان لا إلهان مستقلان؛ اثنان في واحد، وواحد في اثنين. # أخذ الإله الابن عن أمه خصائصها القمرية؛ فهو الآن الثور السماوي ابن ~~القبة المعتمة، الذي تظهر قرونه عند الأفق ليلة ميلاد القمر الجديد، ثم ~~يبدأ بالصعود لينهي دورة حياة مقدارها ثمانية وعشرون يوما، فيموت ~~ويبعث في اليوم الثالث من بين الأموات. ورغم قيام الميثولوجيا الذكرية ~~برفع آلهة مذكرة جديدة للقمر، كالإله «نانا» في سومر والإله «سن» في ~~بابل، فإن الخصائص القمرية القديمة للإله الابن بقيت تدل على نفسها عن ~~طريق الإشارة والرمز. فقرون الثور النيوليتي بقيت تزين رءوس أبناء الأم ~~الكبرى حتى العصور المتأخرة، ونجدها على وجه الخصوص في تماثيل الإله ~~الكنعاني بعل. أما الإله دوموزي أو تموز فتطلق عليه النصوص لقب الثور ~~الوحشي. فها هي «إنانا» تناجيه بهذا الاسم في أحد مزامير العشق: «أطلق ~~سراحي أيها الثور الوحشي لأعود إلى بيتي ... ماذا عساني أقول لأمي؟» ~~وعندما يلقنها دوموزي ما عليها أن تقول لأمها يدعوها للبقاء قائلا: ~~«هذا ms214 ما تقولينه لأمك، بينما نمرح في حضن الهوى ... تعالي، سأهيئ لك ~~سريرا رخصا حيث نقضي أعذب الأوقات.» # 12 # وفي مصر القديمة نجد اسم الإله ~~الابن «أوزوريس» إذا أعيد إلى جذوره القديمة فإنه يعني سيد القمر، # 13 # وكان من ألقابه «آزر-آه» الذي يعني أوزوريس القمر. ولعلنا ~~واجدون في أسطورة هذا الإله ودورة حياته ما يشير إلى خصائصه القمرية. ~~فهو قد عاش ثمانية وعشرين عاما فقط، وفي ذلك إشارة إلى دورة القمر ~~الشهرية المؤلفة من ثمانية وعشرين يوما. وعندما قتله أخوه «سيت» قطع ~~جسده إلى أربع عشرة قطعة، بعثرها في أماكن متفرقة، ثم جاءت زوجته إيزيس ~~فبحثت عن القطع وجمعتها إلى بعضها ونفخت فيها الحياة. وفي ذلك إشارة ~~إلى أجزاء القمر التي يفقدها يوما فيوم، أثناء هبوطه إلى العالم ~~الأسفل، خلال فترة التناقص المؤلفة من أربعة عشرة يوما، ثم استعادته ~~لتلك الأجزاء خلال فترة التزايد. وقد كان المصريون يحتفلون في اليوم ~~الأول من الشهر القمري يوم ظهور الهلال، وفي اليوم الخامس عشر منه وهو ~~يوم ابتداء فترة القمر المتناقص. إضافة إلى ذلك، فإن الرمز القمري ~~لأوزوريس يتجسد في ثوره المقدس «آبيس»، الذي يعتبر روح أوزوريس الحية ~~على الأرض، والذي ولد من بقرة أخصبها شعاع القمر. وكان هذا الثور ~~المقدس يعامل خلال حياته على أنه الإله نفسه، وتقدم له فروض العبادة ~~والتقديس بما يليق بوضعه هذا. # 14 # فإذا مات حلت روحه الخالدة في ثور آخر، وقام الناس في ~~طول البلاد وعرضها بالبحث عنه مسترشدين بعلامات فارقة تميزه. فهو أسود ~~اللون تماما لا شية فيه، على جبهته مثلث أبيض، وعلى خاصرته صورة ~~الهلال. فإذا تم العثور على مثل هذا الثور، تم اقتياده إلى معبده ~~الخاص في مدينة ممفيس. # 15 # وفي آخر أشكاله كان أوزوريس، إبان حكم البطالمة في مصر، ~~يدعى «سير ابيس». والاسم مؤلف من مقطعين؛ الأول «سير» أو «زير»، ~~المختصر عن أوزوريس، والثاني: «ابيس» الثور. وتحت هذا الاسم انتشرت ~~عبادته في الإمبراطورية الرومانية. # 16 # عبرت الأعمال التشكيلية عن الرموز القمرية للإله الابن بطرق ms215 شتى، ~~ففي الشكل ( # 9-9 ~~) نجد أوزوريس القمر في نهاية سلم ~~مؤلف من أربع عشرة درجة، هي درجات صعود القمر وهبوطه، وهي في الوقت ~~نفسه أجزاء أوزوريس التي تفقد ثم يتم جمعها في كل شهر. وفي الشكل رقم ~~( # 9-10 ~~) نجد أوزوريس يجلس على عرشه داخل قرص ~~القمر البدر وأمامه الإله حورس. وفي أعلى الصورة نرى الهلال في يومه ~~الثاني، وأمامه اثنتا عشرة نجمة تشير إلى المراحل الباقية التي توصل ~~إلى القمر الكامل. وعلى اليسار إيزيس، وفي الأسفل الإله التمساح ~~«سيبيك» يحمل على ظهره مومياء الإله القتيل. أما الفن الإغريقي؛ فقد ~~رسم الإله ديونيسيوس في كثير من الأحوال في هيئة ثور كامل، كما هو ~~الحال في الشكل رقم ( # 9-11 ~~) حيث نرى الثور ديونيسيوس ~~والنعم الثلاث ترقص بين قرنيه، وفوقه تصطف سبعة نجوم تشير إلى الرقم ~~القمري المقدس. # شكل 9-9: درجات القمر الأربع عشرة، أو أجزاء أوزوريس ~~المفقود. # شكل 9-10: أوزوريس القمر - نحت بارز. # وقد واصل الإله الثور رحلته غربا من الشرق الأدنى القديم، إلى أن ~~حط الرحال عند حواف العالم القديم وشواطئه، حيث حافظ على اسمه ~~السامي «ثو». ففي الثقافة الإسكندنافية القديمة، كان الإله «ثور» ابنا ~~للأم-الأرض، وربا للرعد والعاصفة والأمطار ونظام الطبيعة، نراه في ~~الأساطير والرسوم متمنطقا بمطرقة هائلة يحطم بها جليد الشتاء، ليطلق ~~الربيع من أعماق الأرض في كل عام، ويركب عربة تجرها التيوس الجامحة ~~التي ينحرها كلما جاع ليتغذى بلحومها، ثم ما يلبث أن يعيدها إلى الحياة ~~من جديد. من مآثره التصدي للمردة التي كانت تهدد نظام الكون، وصراعه ~~مع أفعى البحر الهائلة «مجدادا». وكان يوم الخميس لدى الإسكندنافيين ~~القدماء، يوما مقدسا للإله «ثور»، فيه تعقد الزيجات، وقد بقي اسم ذلك ~~الإله يطلق على يوم الخميس في نص اللغات الأوروبية، كما هو الحال في ~~اللغة الإنكليزية، التي تطلق على يوم الخميس اسم # Thursday # المحور عن # Thur’s day # أي: يوم الثور. ويقابل ~~الإله ثور لدى الجرمان، الإله «دونار» الذي يتمتع بنفس الوظائف ~~والخصائص، وأطلق اسمه على يوم الخميس المعروف باسم ms216 «دونر-ستيج». # 17 # شكل 9-11: ديونيسيوس الثور - رسم إغريقي. # إضافة إلى خصائصه القمرية التي استمدها من أمه، فإن الإله الابن قد ~~بدأ تدريجيا منذ ظهوره، بمشاركتها أيضا خصائصها كربة للإنبات ودورة ~~الزراعة. ورغم أننا لا نعرف الكثير عن الأسطورة النيوليتية المتعلقة ~~بالإله الابن، فإن بمقدورنا أن نتلمس خطوطها العريضة؛ اعتمادا على ~~الأساطير المدونة لعصور الكتابة الأولى؛ ذلك أن النصوص التي سارع ~~الإنسان إلى تدوينها عقب اكتشاف الكتابة الأولى، لم تكن إلا استمرارا ~~لتقاليد شفهية موغلة في القدم، حافظت على عناصرها الأساسية، رغم ما ~~اقتضته مراحل التطور المتعاقبة من تعديل في الشكل والصياغة. فتموز، ~~الثور القمري، قد غدا مثل عشتار الخضراء إلها للنبات ودورة الزراعة؛ ~~فهو تموز الخضر (الأخضر)، رب الإنبات والدورة الزراعية، الإله الحي ~~الميت، والميت الحي، الذي يهبط إلى باطن الأرض في الخريف، ويبعث من ~~عالم الظلمات مع قدوم الربيع، ساحبا وراءه خيرات الأعماق وبركات الرحم ~~المظلم الذي خرج منه. ولكن مهمته هذه لا تنجز بقواه الذاتية بل لا بد ~~من معونة عشتار له. فعشتار التي كانت تهبط درجات العالم الأسفل وحيدة ~~وتصعد وحيدة، هي الآن من يدفع بتموز إلى العالم الأسفل لابتداء دورة ~~الزراعة، وهي من يستعيده إلى الحياة لإكمال هذه الدورة. إن الدور الذي ~~يلعبه هذان الإلهان في أساطير الخصب منذ أن أنجبت عشتار ابنها، هو دور ~~واحد متكامل؛ لأنهما في الأصل وفي المستويات السرانية للأسطورة ليسا ~~إلا وجهين لقدرة إلهية واحدة. فإلى جانب الأعمال التشكيلية التي أظهرت ~~لنا انبعاث عشتار من باطن الأرض وحيدة في الربيع (الشكل رقم # 4-2 # والشكل رقم # 4-7 ~~، فصل عشتار ~~الخضراء)، تظهر لنا أعمال تشكيلية أخرى أن الإله الابن هو الذي ينبعث ~~من باطن الأرض في الربيع ومعه أولى سيقان الزرع الخضراء. ففي الشكل رقم ~~( # 9-12 ~~) أدناه، وهو رسم إغريقي على الخزف، نجد ~~إله الخصب يخرج من الأرض عبر تلة مرتفعة، ترفرف إلى جانبه ربة الانتصار ~~المجنحة «فيكتوريا» رمز انتصاره على الموت، ومن جانب التلة تنمو أول ~~نبتة مورقة. وفي رسوم أخرى، نجد ms217 رأس الأم والابن معا يطلان من باطن ~~الأرض ويصعدان جنبا إلى جنب. # شكل 9-12: بعث الإله الابن - رسم إغريقي على الخزف. # هذا الدور المتكامل للأم والابن، قد عبرت عنه الأسطورة بأكثر من شكل ~~وطريقة. فالأم ديمتر في الأسطورة الإغريقية، هي التي اكتشفت زراعة ~~القمح ولكن ربيبها الشاب تريبتليموس، هو الذي قام بنشره في شتى أنحاء ~~العالم بتوجيهها ومساعدتها ؛ فقد عمدت ديمتر إلى تجهيز عربة تجرها ~~التنانين المجنحة، وأسلمت تريبتليموس أول حزم القمح، ولقنته كيفية ~~زراعتها وحصادها وصنع الخبز منها، ثم طلبت منه أن يطير في الاتجاهات ~~الأربعة لنشر فنون الزراعة وتحضير البشر. # 18 # ومثل تريبتليموس في نشر خيرات الأم الكبرى في جميع أنحاء العالم، إله ~~الخصب المصري أوزوريس. فهذا الإله هو الذي نقل المصريين، كما تقول ~~الأسطورة، من مستوى الوحوش البرية إلى مستوى البشر، وذلك عن طريق ~~تعليمهم زراعة القمح وأكل الخبز. بعد أن بنى أوزوريس المدن في مصر وسن ~~الشرائع والقوانين ووضع أسس العبادات المنظمة، تركها في مهمة مشابهة ~~لمهمة رسول ديمتر، لكي ينشر الحضارة في كل مكان على الأرض. # 19 # إن مثل هذه الأساطير لتحفظ لنا بشكل صاف ذكرى القفزة ~~الحضارية الكبرى التي حققها الإنسان باكتشافه القمح وأكله الخبز، فلقد ~~كان الرغيف برزخ العبور من مرحلة الهمجية إلى مرحة الحضارة. وفي ملحمة ~~جلجامش، كان أول عمل قامت به المرأة التي قادت بيد إنكيدو من حياة ~~البرية إلى حياة المدنية، أن جعلته يتذوق الخبز الذي غدا بعد أكله ~~بشرا سويا: «وضعوا أمامه خبزا فارتبك. فإنكيدو لا يعرف شيئا عن ~~أكل الخبز وشرب الشراب القوي، ففتحت المحظية فمها قائلة لإنكيدو: كل ~~الخبز يا إنكيدو، عماد الحياة هو. وخذ الشراب القوي فهو عادة أهل ~~البلاد ...» # 20 # لذلك كان الإله الابن في أسطورته النيوليتية إلها للقمح ~~بشكل خاص، بل كان القمح جسده، وكان هو للقمح روحه. فقبل أن ترتفع ~~الآلهة إلى السماء لتتحكم في مظاهر الطبيعة عن بعد، كانت جزءا لا ~~يتجزأ من مظاهر الطبيعة، وكل ما في الطبيعة كان إلهيا مقدسا، ms218 ~~ودنيويا ماديا، في آن معا. # إن أول صرخة تضرع أطلقها الإنسان للقوى الإلهية لم تكن صرخة عابد ~~يطلب خلاص الروح، بل صرخة جائع يطلب حفظ الحياة في الجسد. وكان حقل ~~القمح الأول هو المسرح البدائي الطبيعي، الذي جرت عليه أسطورة الإله ~~الميت الحي، الحي الميت، الذي دخل في إسار الدورة الزراعية السنوية ~~مقدما للبشر خلاصا من الجوع. # القمح القتيل # تقدم لنا إحدى أساطير الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، مدخلا ~~لرسم الملامح العامة لأسطورة الإله الابن النيوليتية. فهذه ~~الأسطورة وأمثالها من أساطير الثقافات البدائية الحديثة قد حفظت ~~لنا الكثير من العناصر الأصلية لأساطير العصور الزراعية الأولى؛ ~~تقول الأسطورة: «إنه في سالف الأيام كان الهنود الحمر يعيشون على ~~صيد الحيوانات البرية والاغتذاء بلحومها، دون أن يعرفوا الزراعة ~~وأكل الخبز. ثم جاء وقت تناقصت فيه حيوانات الصيد وعز الحصول ~~عليها، الأمر الذي دفع بالناس إلى حافة المجاعة. وكان لسيد إحدى ~~القبائل ابن شاب في ريعان الصبا، دائم التفكير في «الروح الكبرى» ~~التي تتحكم في مجرى حياة البشر وتدير حركة الكون، وفي حكمتها ~~الخافية عن إدراك الناس، وكان يعمل ذهنه ليل نهار في البحث عن حل ~~ينقذ به شعبه من الهلاك. وما لبث الفتى طويلا حتى بلغ السن الذي ~~ينذر فيه فتيان القبيلة للروح الكبرى صوما مقداره سبعة أيام، ~~فينتجعون مكانا قصيا يقضون الوقت في العبادة والتأمل. فآلى ~~الفتى على نفسه أن تكون فترة صومه مناسبة لتوطيد صلته بالروح ~~الكبرى، ولمزيد من التفكير في طريقة لتلافي الكارثة المحدقة. كان ~~يخرج كل يوم من معتكفه عند أطراف القرية، فيجوس البراري والغابات ~~متأملا مختلف أنواع الأعشاب والأشجار، متفكرا في سر نموها ~~وتجددها. وفي اليوم الثالث لصومه وتجواله هبط عليه من السماء شاب ~~غض الإهاب، وسيم الطلعة، يرتدي عدة أثواب طباقا، متدرجة ألوانها ~~بين الأصفر الفاتح في الخارج، والأخضر الغامق في الداخل، ويضع على ~~رأسه قبعة على شكل حزمة من الريش. وقف أمامه وأعلمه عن هويته ~~قائلا بأنه رسول من عند «الروح الكبرى» بعثت به لغوث البشر، ms219 ~~وتعليمهم أساليب جديدة في تحصيل القوت، تغنيهم عن حياة الصيد ولحوم ~~الحيوانات، وإنه مكلف بإطلاعه على السر الكبير بعد فترة تحضيرية ~~محددة، ثم طلب منه أن يتقدم لمصارعته في منافسة ثنائية، وذلك ~~كمقدمة للاختبار الذي سوف يستمر بضعة أيام. تحامل الفتى الذي أنهكه ~~الصيام على نفسه، ودخل في صراع مع الرسول استمر ساعات طويلة دون أن ~~يتغلب أحدهما على الآخر، ثم توقف الرسول معلنا انتهاء فاصل اليوم، ~~وغادر صاحبه على أن يأتيه في اليوم التالي. وهكذا تكرر لقاء ~~الاثنين وصراعهما حتى اليوم السابع من أيام صيام الفتى، عندما جاءه ~~الرسول قائلا: إن صراع اليوم هو الأخير، وإنه سوف يموت في نهايته، ~~وأن على الفتى أن ينظف قطعة صغيرة من الأرض، فينتزع منها الجذور ~~والأشواك، ثم يحفر فيها حفرة يدفنه فيها ويردم التراب الناعم ويدعه ~~في سلام. ثم يتردد عليه بعد ذلك مرة في كل شهر، فيزيح من فوق تربته ~~الأعشاب ويمزجها بتربة جديدة، وذلك إلى عدة شهور يعود بعدها إلى ~~الحياة، ويعرف الفتى السر الذي أرادت الروح الكبرى نقله إلى البشر. ~~وهكذا انتهى الصراع فعلا بموت الرسول، فقام الفتى بتنفيذ تعليماته ~~حرفيا، فدفنه بالطريقة التي أوصى بها، وراح يزوره في كل شهر ~~ويعتني بتربة قبره، وذلك حتى أواخر الصيف؛ حيث أخذت تزيح التراب من ~~باطن الأرض نبتة صغيرة، تطاولت شيئا فشيئا حتى صلب عودها، وحملت ~~أكواز الذرة الذهبية التي يشبه كل واحد منها ذلك الرسول السماوي ~~القتيل، لابس الأثواب المتعددة التي تتدرج في ألوانها من الأصفر ~~إلى الأخضر، والقبعة ذات الأرياش الطويلة. # 21 # لا تختلف هذه الأسطورة في هيكلها العام وبواعثها ومراميها عن ~~أسطورة الإله الابن في العصور النيوليتية. فاكتشاف الزراعة بالنسبة ~~لإنسان العصر الحجري، لم يكن نتيجة فعل بشري، بل نتيجة عون سماوي. ~~وسنبلة القمح الأولى التي زرعها، لم تكن إلا جسد الإله الابن ~~القتيل الذي أرسلت به الأم الكبرى إلى العالم الأسفل، من أجل ~~ابتداء دورة الزراعة والحفاظ على استمرارها؛ فهو الإله الحي؛ الميت ~~الحي الذي يهبط إلى ms220 باطن الأرض في الخريف، ثم يعود ساحبا وراءه ~~خضرة الربيع، مكملا دورة حياته السنوية التي تركزت حولها حياة ~~المستوطنات الأولى ودياناتها وطقوسها. هذه الأسطورة بشكلها البدائي ~~البسيط المختلط بالطقس، هي الأساس الذي بنيت عليه فيما بعد أساطير ~~إله الخصب الميت ابن الأم الكبرى، بشتى أشكالها وتنوعاتها، بعد ~~انتقال عشتار وابنها من حقول قمح المستوطنات الزراعية الأولى، إلى ~~المدن الكبيرة التي بدأت بالتوطد مع بدايات عصور الكتابة. إلا أن ~~زارع القمح قد بقي وفيا لطقوسه وممارساته القديمة بعيدا عن ~~سفسطة كهان المعابد، وتعقيد الحياة الدينية، وجنوح أساطيرها نحو ~~الكلمة المنمقة والرمز المثقل. فحتى وقت متأخر من تاريخ الحضارات ~~في الشرق القديم، كان زارعو القمح يمارسون طقوسا شبيهة بطقوس ~~المزارع النيوليتي، عندما كان يندب في الصيف روح القمح القتيل الذي ~~قضى تحت مناجل الحصادين، ثم يحتفل بعودته إلى الحياة في الربيع. ~~فإذا كان النواح على تموز في معابد المدن الكبرى قد اتخذ أشكالا ~~ومضامين دينية مختلفة، فإنه في حقل القمح قد حافظ على أصله القديم ~~كنواح على سنابل القمح الجافة، جسد الإله، الذي يقدم نفسه طائعا ~~للموت. # تروي المصادر الإغريقية أن المسافرين اليونان عبر الحقول السورية ~~إبان الحصاد، كانوا يسمعون صرخات تفجع عالية، يطلقها الحصادون ~~وهم يرددون، وفق إيقاع، كلمة آيلينوس ... وفي تفسير معنى كلمة ~~آيلينوس، تذهب تلك المصادر إلى القول بأن آيلينوس كان فتى غضا ~~رباه أحد الرعاة، ولكنه ما لبث أن مات ميتة قاسية؛ إذ انقضت عليه ~~كلابه ومزقته إربا؛ فالمزارعون يندبونه منذ ذلك الحين. إلا أن ~~تحليل الكلمة اعتمادا على اللغات السامية يشير إلى أنها مؤلفة من ~~مقطعين هما آي - لانو، وتعني «وا أسفا علينا» # 22 # أو الويل لنا. وتشبه إلى حد بعيد صرخة الفجيعة التي ~~تطلقها الندابات في سوريا اليوم وهي «ولي علينا». إن الرواية ~~الإغريقية ليست إلا محاولة لتفسير طقس الندب في حقل الحصاد. وليست ~~أسطورة الفتى آيلينوس إلا زخرفة، على الطريقة الإغريقية، لأسطورة ~~إله القمح القتيل الذي يلقى مصرعه تحت وقع المناجل، وتبريرا لطقوس ~~التفجع التي ms221 كان الحصادون السوريون يمارسونها، بنفس الطريقة التي ~~مارسها من قبل حصادو العصر النيوليتي، والذين ما زلنا إلى اليوم ~~نستعمل صرختهم ذاتها. إن صرخة «ولي علينا ... ولي ...» التي يسمعها ~~المار من قرب منزل حلت به مصيبة في أي حي شعبي في سوريا، هي من ~~أكثر الصرخات في كل اللغات تعبيرا عن حس الفجيعة الصادر من ~~الأعماق. وكلما ارتفعت بها حناجر الندابات، في نغمها المأساوي ~~الممدود، تلتقي أصداؤها عند آخر مدى للصوت، بأصداء أخرى زاحفة من ~~أعماق التاريخ فوق كل مواسم القمح: آيلينو ... آيلنيو ... آي. # وفي مصر كما يروي المؤرخ الإغريقي هيرودوتس، كانت صرخة ~~التفجع ذات الإيقاع المأساوي الحزين التي كان الحصادون ~~يرددونها إبان الحصاد، من أقدم الألحان التي يمكن للمصريين ~~تذكرها، ولربما كانت أول أغنية غنوها. وفي مقابل كلمة آيلينوس ~~التي كانت تسمع في سوريا وفي قبرص أيضا، كان الحصادون المصريون ~~يرددون كلمة «مانيروس» التي فسرها المؤرخ بقوله: إن مانيروس كان ~~أول ملوك مصر، وهو الذي اكتشف الزراعة وعلمها للمصريين، ولكنه مات ~~وهو في ريعان الصبا؛ فالناس يتذكرونه وينوحون عليه في كل موسم ~~حصاد. إلا أن كلمة «مانيروس» إذا حللت إلى مقاطعها المكونة في ~~اللغة الهيروغليفية وهي: «ما-ني-هرا» فإنها تعني: عد إلى بيتك. # 23 # والحصادون إنما يندبون الإله نفسه الابن القتيل، روح ~~القمح، الذي تحول فيما بعد إلى أوزوريس أو تموز أو آتيس، الإله ~~اليافع الذي مات في زهوة الشباب، ويطلبون منه أن يعود إلى بيته ~~ويصحو من موته في الربيع. # وفي فرجيا بآسيا الصغرى، الموطن التقليدي للأم الكبرى سيبيل ~~وابنها آتيس، كانت صرخة الحصادين المشابهة لمثيلاتها في سوريا ~~وقبرص هي «ليتريسيس»، وهنا تكرر الروايات اليونانية قصة الميتة ~~القاسية للفتى اليافع أو الملك الشاب. فليتريسيس كان ابن الملك ~~ميداس، ملك فرجيا، وقد لقي مصرعه على يد هرقل الذي قطع رأسه ~~بالمنجل ورمى بجثته إلى النهر. وتفصيل الأسطورة: أن ابن الملك كان ~~شابا ذا قوة هائلة وبأس عظيم، وكان حصادا ماهرا لا يجاريه في ~~سرعة الحصاد أحد. فإذا مر بحقله أحد الغرباء ms222 أدخله فقدم له الطعام ~~والشراب، ثم خرج به وأجبره على الدخول معه في منافسة لحصد القمح، ~~فكان إذا سبقه، وهذا ما كان يحدث على الدوام، قام إليه فأدرجه داخل ~~حزمة من سيقان القمح وقطع رأسه بمنجل الحصاد، ثم بسط جسده في الحقل ~~مدة، يلقي به بعدها إلى مياه النهر. وقد قضى ليتريسيس على عدد ~~كبير من الرجال بهذه الطريقة، إلى أن مر بحقله هرقل، ودخل معه في ~~منافسة هزمه فيها، وقتله بنفس الطريقة التي كان يقتل بها ضحاياه. # 24 # سنتوقف قليلا عند هذه الأسطورة الأخيرة؛ لأننا سوف نبني عليها ~~هيكلا متماسكا من التفسيرات، يلقي ضوءا على طقوس القمح القتيل، ~~ومفهوم القربان البشري في ديانات الخصب القديمة. ففي أسطورة ~~ليتريسيس عناصر جديدة لم نصادفها فيما سبق من شبيهاتها. فإذا كان ~~تفسيرنا السابق عن الشاب القتيل في ريعان الصبا صحيحا، فإن ما ~~نضيف إليه هنا، هو أن الرواية اليونانية قد فهمت الأسطورة والطقس ~~في فرجيا بشكل معكوس؛ ذلك أن ليتريسيس لم يكن هو الذي مات ميتة ~~ضحاياه السابقين؛ بل إن الضحايا في حقل القمح هم من كان يموت ميتة ~~الإله الابن، روح القمح الذي قضى تحت مناجل الحصادين. والأسطورة ~~تحتوي على أثر من طقس موغل في القدم، كانت بموجبه القرابين البشرية ~~تقدم في حقل القمح، وتقتل بنفس الطريقة التي مات بها الإله الابن؛ ~~فروح القمح التي رأيناها في فصل عشتار الخضراء، تتحرك في حقل القمح ~~أمام الحصادين، إلى أن تلقى مصرعها في حزمة القمح الأخيرة التي حلت ~~فيها، هي التي تقتل طقسيا في شخص القربان البشري الذي يلف داخل ~~حزمة القمح، ويقطع رأسه بالمنجل، ثم يبسط في الحقل لإخصابه، ~~وأخيرا يرمى إلى الماء للإيحاء بمواسم ممطرة قادمة. إن إعادة بناء ~~هذا الطقس القديم انطلاقا من أسطورة ليتريسيس لا تبدو مجرد افتراض ~~تخيلي، إذا نحن قدمنا للقارئ بعض العادات الشعبية والألعاب ~~الفلكلورية التي كانت موجودة لدى الحصادين في أوروبا إلى عهد قريب ~~جدا. فطقوس القمح القتيل الموغلة في القدم، قد أخذت تتلاشى بمرور ms223 ~~الزمن لتحل محلها ممارسات رمزية تشير إلى أصولها السابقة، ثم تلاشت ~~هذه بدورها لتغدو فلكلورا شعبيا يتخذ طابع اللعب والمرح، ~~وترويحا عن النفس خلال موسم الحصاد المضني. إن مسابقات الحصاد في ~~أسطورة ليتريسيس والقبض على الغريب وقتله ورميه في الماء، كلها ~~عناصر سوف تظهر في الفلكلور الشعبي بشكل ملفت للنظر. وسنعمد فيما ~~يأتي إلى إغناء الأمثلة التي أوردناها في فصل عشتار الخضراء حول ~~هذا الموضوع. # في فرنسا، وإلى عهد قريب، كان الحصادون يأخذون حزمة القمح ~~الأخيرة، فيجعلونها على شكل امرأة يرقصون حولها وينادون باسم ~~«سيريس» (التي هي ديمتر). فإذا انتهوا قتلوا الدمية بأن أضرموا ~~النار فيها، وراحوا يدعون إلى الأم-القمح أن تعطيهم غلالا وفيرة. ~~وفي مناطق أخرى من الريف الأوروبي كان الحصادون يأخذون حزمة القمح ~~الأخيرة فيجعلونها على شكل كتلة كبيرة يضعون في داخلها حجرا ~~يجعلها أكثر ثقلا، وذلك إيحاء بمواسم وفيرة للعام المقبل، وكانوا ~~يدعون هذه الكتلة بالأم الكبرى. فإذا انتهوا من رقصهم ومرحهم مع ~~انتهاء الحصاد، أضرموا النار في الكتلة. وقد يربط حاصد الحزمة ~~الأخيرة إلى تلك الحزمة، ويشار إليه على أنه روح القمح. وفي ذلك ~~تمثيل نباتي وإنساني مزدوج لروح القمح التي تم الإمساك بها في ~~ملجئها الأخير، وهنا يعامل الحصادون زميلهم الموثق إلى الحزمة ~~معاملة قاسية قد تصل إلى حد الإيذاء أحيانا. وقد ترمى الحزمة إلى ~~الماء لاستجلاب المطر أو تحرق ويذر رمادها فوق الحقول لإخصابها. ~~وفي ممارسات أخرى يتم القبض على روح القمح بعيدا عن الحقل في مكان ~~الدرس، حيث التجأت بعد هربها من عصف المناجل واختبأت في مكان تجميع ~~الحصاد. وهناك تقتل تحت ضربات الدراسين. وهنا يؤخذ صاحب الضربة ~~الأخيرة في عملية الدرس، فيربط إلى آخر حزم القش ويطوف به زملاؤه ~~في طرقات المدينة وسط تهكم الناس وضحكاتهم. # 25 # من أجل ذلك كان الحصادون يتسابقون في الحقل ومكان الدرس، وكل ~~واحد يحاول ألا يأتي آخر الحصادين أو الداسين؛ لأن روح القمح إذ ~~ذاك سوف تحل فيه، وعندها يلقى من زملائه معاملة تختلف باختلاف ~~الأمكنة ms224 وتنوع العادات؛ فقد يطاف به في عربة مكشوفة تطوف طرقات ~~القرية، وقد يربط إلى حزمة القمح ليعاني اللكز والوخز، وقد يرش ~~بالماء، أو يرمى به إلى مياه النهر، أو يلقى كل هذه الصنوف مجتمعة. ~~ففي بعض المناطق كان حاصد الحزمة الأخيرة يدرج بداخلها فلا يبدو ~~منه رأس أو قدم، ثم يحمل على الظهور فيطاف به بين تهليل رفاقه ~~وصراخهم، وقد يحمل الأخير في الحصاد، في آخر عربة راجعة إلى ~~القرية على أنغام الموسيقى، وهنا يقوم رفاقه بدحرجته على الأرض حول ~~مخزن الحبوب، ويقوم آخرون خلال ذلك برشه بالماء. وقد تخضع المرأة ~~التي تضم الحزمة الأخيرة من حزم القمح، إلى معاملة لا تختلف عن ~~معاملة الرجال المتخلفين في حصاد الحزمة، حيث تلقى صنوفا من اللكز ~~والوخز، ثم تربط إلى الحزمة وتدعى بدمية القمح. # 26 # ومن الممارسات ما هو أقرب إلى تمثيل قتل روح القمح التي تحل في ~~حزمة القمح الأخيرة أو فيمن يحصدها؛ ففي بعض مناطق ألمانيا كانت ~~حزمة القمح الأخيرة تربط وتترك قائمة في الحقل، ثم يتقدم إليها ~~حصاد شاب فيشحذ منجله ويصرعها بضربة قوية فتتهاوى وتتبعثر. وفي ~~مناطق أخرى، يصنع الحصادون دمية من عيدان القمح، ويأخذونها معهم ~~إلى مكان الدرس، حيث توضع تحت آخر كومة قمح معدة للدرس وهي الكومة ~~التي تتلقى ضربة الدراس الأخيرة، الذي يعتبره زملاؤه قاتل روح ~~القمح. وقد تجمع زوجة صاحب الأرض إلى الحزمة الأخيرة في مكان ~~الدرس، وتجري عملية درسها ثم توضع في المذراة، ويجري تمثيل عملية ~~تذريتها باعتبارها ممثلة لروح القمح. # 27 # هذا وقد يجري تمثيل القبض على روح القمح باعتبارها ~~حالة في غريب عابر يمر قرب حقل القمح، أو في زائر أو في سيد ~~الأرض نفسه لدى دخوله حقل الحصاد لأول مرة. ومثل هذه الممارسات ~~كانت شائعة في جميع أنحاء ألمانيا، وفي بعض مناطق النروج وفرنسا. ~~فكان الغريب يقاد إلى حقل الحصاد أو إلى مكان الدرس، حيث تربط إليه ~~عيدان القمح ويشد وثاقه حتى يوافق على دفع فدية نقدية. وفي هذه ~~الأثناء ms225 يقوم الآسرون بشحذ مناجلهم والتلويح بها في وجهه كمن يستعد ~~لقطع عنقه. وقد يردد الحصادون حول الضحية أهازيج تتصل بالطقس ~~القديم عندما كان الغريب يضحى به فعلا في حقل القمح؛ من ذلك ~~قولهم: «الرجال جاهزون والمناجل مسنونة. القمح طويل وقصير، والسيد ~~يجب أن يحصد رأسه.» # 28 # إن هذه العادات التي كانت شائعة لدى حصادي العصر الحديث عند ~~أواخر القرن التاسع عشر، لتظهر مشابهة ملفتة للنظر من أسطورة ~~ليتريسيس. فهناك مباريات الحصاد، وربط الخاسر في المنافسة إلى حزمة ~~القمح أو إدراجه فيها، ورشه بالماء أو رميه إلى النهر، والقبض على ~~الغريب المار بقرب الحقل وتمثيل عملية قتله. كل ذلك يشير إلى ~~أمرين، الأول: إن ممارسات الحصادين الحديثة هي استمرار لممارسات ~~مزارعي العصر النيوليتي، بعيدا عن خط التطور المديني. والثاني: أن ~~أسطورة ليتريسيس هي تفسير على الطريقة الإغريقية، لطقس كان قائما ~~في ذلك الوقت في حقول الحصاد في الشرق الأدنى القديم. ورغم أن ~~تقديم الأضاحي البشرية، كان قد توقف منذ زمن بعيد عندما وضع ~~الإغريق روايتهم، فإن ما كان يجري في الحقل فعلا هو طقس يقدم ~~دراما تمثل مقتل الإله الابن، روح القمح الذي حلت روحه في حاصد ~~الحزمة الأخيرة، أو في غريب عابر. وهذه الدراما كانت في الأزمنة ~~الأسبق، فعلا حقيقيا لا تمثيليا؛ إذ كان الحصادون يقدمون ~~قربانا بشريا حقيقيا، يموت من خلاله الإله الابن، على المستوى ~~العياني، موتا يجسد موته على المستوى الماورائي غير المنظور، ~~فالإله الابن في المعتقد والطقس السابق لعصور الكتابة، كان يموت ~~على ثلاثة مستويات متطابقة، يظهر بعضها بعضا. المستوى الأول: ~~غيبي؛ حيث يتم موت الإله في المجال المقدس غير المنظور. المستوى ~~الثاني: طبيعي؛ حيث يمثل القمح جسد الإله القتيل، وحيث ترفرف روحه ~~في حزمة القمح الأخيرة. المستوى الثالث: إنساني؛ حيث يموت الإله من ~~خلال جسد بشري من لحم ودم حلت فيه الروح المقدسة المستعدة للهبوط ~~إلى العالم الأسفل، وحيث يتم تمثيل ما يجري على المستويين الأوليين ~~بشكل واقعي يستقطب كل الشحنات الانفعالية، من حزن على الإله ms226 ورأفة ~~بجسده الذي بذله لخلاص الجميع، وأمل في عودته التي يتوقف عليها ~~معاش البشر. وأخيرا تنتهي التراجيديا التموزية بنزول السكينة على ~~قلوب العباد، فجسد القربان البشري الذي مثل موت الإله سيتحول إلى ~~أوكسير ينعش الأرض، ودمه سيصير أمطارا تروي التراب. أما الإله ~~الميت فسوف يعود إلى بيته كما عودهم دائما «ماني-هرا»، وسوف يبعث ~~من مرقده حقا وصدقا. لذلك كان إله الخصب الميت «زيبي» في حضارة ~~الآزتيك بأمريكا الوسطى، ما زال ينشد عند اقتحام الأوروبيين للعالم ~~الجديد: # ربما سأموت، أتلاشى وأغيب، # أنا عود القمح الطري، # ولكن قلبي جوهرة خضراء، # لذا سأعود أخضر، كما كنت، # ولسوف يولد البطل مرة أخرى. # 29 # وقبل ذلك في بلاد الرافدين كانت الأنشودة البابلية ~~تنادي تموز، الذي سيمضي مختارا إلى عالم الظلمات من أجل ظهور ~~سنابل القمح مرة أخرى: # انهض أيها البطل وامض إلى عالم الظلمات، # ها هو يغيب، ها هو يغيب في حضن الأرض، # سيغمر عالم الأموات بالخيرات العميمة، # امض إلى الأرض البعيدة خلف مدى الأبصار. # 30 # فرغم أن الأساطير المدونة لعصر الكتابة تظهر ~~أحيانا، أن الإله الابن قد هبط إلى العالم الأسفل مرغما، كما هو ~~حال بيرسفوني التي اختطفها هاديس، ودوموزي الذي اختطفته عفاريت ~~العالم الأسفل، إلا أن جوهر الاختيار يكمن عند المستويات السرانية ~~للأسطورة، ويعبر عن نفسه في النصوص الطقسية التي لم يمسها كبير ~~تحوير، كالنص الذي أوردته أعلاه. وها هو السيد المسيح، آخر إله ابن ~~في سلسلة الآلهة المتناسلة من الابن-القمح، للعصر النيوليتي، يقدم ~~في ميتته أنبل مثال عن الموت الاختياري من أجل خلاص البشر، ذلك ~~الخلاص الذي بدأ خلاصا ماديا من الجوع، وانتهى خلاصا روحيا ~~ودخولا في الأبدية. ورغم ألوف السنين الفاصلة بين القمح القتيل ~~ابن الأم العذراء للعصر النيوليتي، وابن الأم العذراء لعالم اليوم، ~~فإن الملايين من البشر حول المسكونة يرددون كل يوم مقاطع من ~~الإنجيل تعيد ذكرى الصلوات النيوليتية الأولى. نقرأ في إنجيل ~~يوحنا: «أنا هو خبز الحياة، من يقبل إلي لا يجوع، ومن يؤمن بي ~~فلا يعطش أبدا ...» «أنا ms227 هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن في ~~البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء؛ لكي يأكل منه ~~الإنسان ولا يموت. أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. إن أكل ~~أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطي هو جسدي الذي ~~أبذله من أجل حياة العالم.» # 31 # إن رغيف القمح النيوليتي ما زال قائما على مائدة ~~البشرية الروحية. # لم يكن القربان البشري إذا، في بداية عهده، تقربا من الآلهة ~~وطلبا لرضائها ومعونتها، بل كان تمثيلا لموت الإله نفسه. ~~والقربان ما إن يختار ويخص لغاية التضحية، حتى يفقد صفته البشرية ~~وتحل به الروح المقدسة المستعدة للموت. وهو إذ يتعذب ويموت، لا ~~يلاقي مصيرا فرديا بائسا، بل إنه يشارك الروح الإلهية موتها ~~وعذاباتها. ورغم تعقد الطقوس الزراعية فيما بعد، وابتعادها عن حقل ~~القمح، فإن طقس القربان البشري، حيثما استمر في ديانات الخصب، لم ~~يبتعد عن جوهره القديم. ولعل تحليل عدد من الأمثلة المأخوذة من ~~ثقافات متباينة مكانيا وزمانيا، سوف يلقي ضوءا على هذه ~~الفكرة. # في العالم الجديد، بقيت طقوس الخصب تقدم القربان البشري في ~~المكسيك إلى ما بعد الفتح الإسباني بقليل. وتروي المصادر الإسبانية ~~أن الآزتيك كانوا يحتفلون بعيد الخصب السنوي المكرس لآلهة الذرة في ~~شهر أيلول (سبتمبر) من كل عام. وكانوا في ذلك العيد يختارون فتاة ~~صغيرة في غاية الجمال يلبسونها زي إلهة الذرة، ويزرعون في شعرها ~~باقة من الريش الملون، تشبيها بحزمة الليف التي تنبث في رأس كوز ~~الذرة (قارن مع أسطورة رسول الروح الكبرى التي أوردتها في مطلع هذا ~~الفصل)، ويحيطون عنقها بعقد أكواز الذرة، ويضعون على رأسها تاجا. ~~بعد ذلك يضعونها على محفة مملوءة بحبات الذرة والبذور من كل ~~الأنواع، ومزركشة حواشيها بأكواز الذرة وأوراقها، ثم يحملونها في ~~موكب حافل إلى المعبد. هناك تنزل الفتاة، فيأتي النبلاء والنبيلات ~~في صف واحد، وقد حمل كل واحد وعاء فيه دم مفصود من جسمه، فيسكبون ~~ما في الوعاء تحت قدميها. ثم يردد الجميع وراء كبير الكهنة أدعية ~~وصلوات ms228 وهم يبكون وينوحون ويندبون. فإذا انتهوا بسطوا جسد الفتاة ~~على كومة من حبات الذرة والبذور الأخرى، وتقدم كبير الكهنة فقطع ~~رأسها، وقام برش دمها على التمثال القائم لإلهة الذرة وعلى الحبوب ~~والبذور. بعد ذلك يتم سلخ الجثة، ويعطى جلدها إلى أحد الكهنة الذي ~~يحاول إدخال نفسه فيه قدر المستطاع، ثم يأتونه بملابس الفتاة وكامل ~~زينتها فيضعها عليه ويأخذونه فيسيرون به خارج المعبد في موكب صاخب ~~على أنغام الطبول. # 32 # وهكذا يبدو الطقس بكامله تمثيلا لموت وبعث إلهة الذرة ~~التي تموت من خلال الفتاة، وتبعث من خلال الكاهن الذي يلبس جلد ~~الفتاة ويضع على نفسه زينتها من باقة الريش وعقد الأكواز وما ~~إليها. ورغم أن طابع الدراما يغلب على الطقس، غير أن المشاركين فيه ~~كانوا إذا بلغ الاحتفال أوجه واجتث رأس الفتاة، يرون في موتها ~~فعلا موتا لربة الخصب، وفي تمثيل بعثها أملا في عودة حبيبات ~~الذرة إلى الحياة كرة أخرى. إن الفرق بين هذا الطقس وأشباهه لدى ~~الثقافات الأخرى وبين الطقس النيوليتي الأصيل، يكمن في أن الطقس ~~النيوليتي كان خلوا من عنصر الدراما، وأن القائمين عليه كانوا ~~يرون في إزهاق روح القربان البشري إزهاقا لروح الإله الذي تهاوى ~~جسده تحت المناجل. # وتقدم لنا القارة الهندية كثيرا من الأمثلة على القربان البشري ~~المقدس؛ ففي مناطق البنغال، وحتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، ~~كان القربان البشري يقدم كل عام في عيد إلهة الأرض، فكانت الضحايا ~~تشترى، من كلا الجنسين، من العائلات الفقيرة في سن صغيرة وتهيأ ~~لهذا المصير. وعندما كان الشاري يستلم الضحية من أهلها كان يقول ~~لهم: لقد قدمتم ابنكم للموت لكي يعيش العالم. ثم يؤخذ الطفل فيعتنى ~~به عدة سنوات عناية كبيرة ويعتبر كائنا مقدسا. فإذا دنت الساعة، ~~اقتيد القربان إلى غابة عذراء، لم تنل من أشجارها فأس من قبل، ~~وهناك يربط إلى عمود خشبي ويضمخ بالعطور ويكسى بأفخر الحلل، وذلك ~~على مرأى من الحشود المجتمعة التي تتدافع للتبرك بجسده المقدس. ثم ~~يأتي الكاهن الأكبر فيجرح الضحية بفأس دون ms229 أن يقتلها، ويتقدم ~~وراءه ممثلو المناطق، فينهالون عليها بسكاكينهم يقتطعون من جسدها ~~قطعا، يحملونها معهم إلى قراهم حيث يقسمونها بالتساوي بين ~~العائلات، لتدفن في الحقل أو تعلق في الهواء فوق مجرى الماء الذي ~~يسقي الحقل، أما ما تبقى فيحرق ويذر رماده في الحقول. # 33 # لقد تحول جسد القربان، من جسد بشري عادي إلى جسد مقدس ~~تنطلق منه قوى إخصابية إلهية، وهذا التحول لم يتم لأن الجسد البشري ~~قد قدم لمرضاة الإلهة؛ بل لأن الإلهة نفسها في الطقس الأصلي هي ~~التي حلت فيه وماتت من خلاله. # وفي أمريكا الشمالية، كانت بعض قبائل الهنود الحمر تقوم بتقديم ~~قربان بشري من أحد الأسرى في العيد المخصص لكوكب الزهرة، فكان ~~الأسير المنتخب يغذى بأفضل طعام مدة لا بأس بها، فإذا حل الوقت ~~جاءوا به فألبسوه خير لباس وشدوا وثاقه إلى صليب خشبي، ثم قتلوه ~~رميا بالسهام. بعد ذلك يتقدم الكاهن فيشق صدر الضحية وينتزع منها ~~القلب ويلتهمه، ثم يقطع جسدها وهو ما زال دافئا إلى قطع صغيرة، ~~توزع في سلال صغيرة على الأسر التي تأخذها لإخصاب حقولها، وهناك ~~يقوم رب الأسرة بعصر قطع اللحم الطرية فوق حفنة من القمح لإخصابها ~~قبل دفنها في التراب. ولدى هنود المكسيك، يتم قتل الضحية بين حجري ~~الطاحونة في عيد الحصاد، وتدفن أشلاؤها في الحقل. ولدى بعض قبائل ~~أفريقيا يجري استعمال أدوات زراعية أخرى كالمعازق والمجارف. # 34 # إن قيام الكاهن بالتهام قلب الضحية بعد قتلها، ليس ~~بأية حال بقية من طقس سابق يتعلق بأكل لحوم البشر؛ لأن مثل هذه ~~الطقوس لم تعرف قط عند الهنود الحمر، ولكنه طقس يهدف إلى التوحد ~~بالإله عن طريق أكل الجزء النابض من جسده، الذي يمثله الآن جسد ~~القربان. ولسوف نرى مثل هذا الطقس شائعا بأشكاله المتنوعة لدى ~~كثير من الثقافات. أما قتل الضحية بين حجري الطاحونة، أو باستخدام ~~الأدوات الزراعية؛ ففيه إشارة واضحة إلى أن القتيل ليس إلا ممثلا ~~لروح القمح القتيل، التي حلت في الجسد البشري وماتت من ~~خلاله. # إن بربرية هذه ms230 الطقوس، بمفهومنا العصري، يجب ألا تحجب عن أعيننا ~~ما وراءها من رمز عميق. فالقربان البشري يمثل نقطة اللقاء بين ~~الإنساني والإلهي، حيث يموت الإله في جسد بشري، ويموت الإنسان ميتة ~~الإله. هذا الرمز قد يبدو أقل تعقيدا وبعدا عن المألوف، إذا ~~تلمسناه في تعبيره الأبهى، من خلال سيرة السيد المسيح؛ الإله الابن ~~الذي استعار جسد الإنسان، ومات في شكل الإنسان من أجل خلاص العالم، ~~مجسدا سعي الإنسان للالتقاء بالإلهي عبر تاريخ الحياة الروحية ~~للبشر. # والآن كيف تطور معتقد هذا الابن، القمح القتيل، وكيف تحولت ~~وتناسخت أسطورته الأولى خلال الأزمنة وعبر الأمكنة. هذا ما سنتعرض ~~له بالتفصيل فيما يأتي من هذا الفصل. # عشتار وتموز # لم تحرر الألوهة نفسها من إسار الطبيعة دفعة واحدة، بل لقد حققت ~~ذلك إثر عملية طويلة وبطيئة، استطاعت بعدها أن تنتقل من روح محركة ~~للطبيعة من داخلها، متحدة معها، إلى قوة منفصلة عنها متعالية عليها ~~متحكمة بها عن بعد، وذلك بتأثير القيم الذكرية التي بدأت تفرض ~~نفسها تدريجيا داخل الثقافة. ففي شكلها الأقدم كانت عشتار روحا ~~للنبات، تقضي جزءا من السنة في باطن الأرض، وجزأها الآخر في نسغ ~~الحياة النباتية، إلهة مزدوجة تمثل العالمين، وتنتقل بينهما دون أن ~~تفقد بانتقالها إلى واحد تأثيرها على الآخر. وعندما أخذت بالخروج ~~من مملكة الطبيعة والتحول تدريجيا إلى سيدة لها، بدأت صورتها ~~المزدوجة بالانقسام وظهرت بدلا عنها صورة الأم والابنة، حيث تابعت ~~الأم مسيرتها نحو الأعلى لتأخذ مكانها أخيرا بين آلهة السماء، ~~وتركت ابنتها حبيسة الحياة الطبيعة ودورة الإنبات السنوية. إلا أن ~~هذا الانقسام لم يتم تكريسه نهائيا، وبقيت الأم ديمتر والابنة ~~بيرسفوني في المستويات السرانية للأسطورة اثنتين في واحدة وواحدة ~~في اثنتين. أما في الميثولوجيا التي لم يقيض لها أن تتابع خط ~~تطورها الأمومي؛ فقد تحول شق عشتار الآخر إلى ابن أسلمته إلى دورة ~~الطبيعة وتابعت مسيرتها مع آلهة الذكور نحو الأعلى، إلا أنها هنا ~~أيضا قد بقيت متحدة معه عند المستويات السرانية للأسطورة، وبقي ~~تموز شقها الآخر، وجانبها الذكري ms231 الكامن معكوسا نحو ~~الخارج. # عند هذه النقطة من البحث أعتقد بأننا قد حللنا لغزا كبيرا من ~~ألغاز الأساطير وديانات الخصب، وذلك بتوضيح العلاقة بين الإلهين ~~الرئيسيين في دراما الخصب الكوني، هذين الإلهين اللذين بقيت ~~خصائصهما ووظائفهما مختلطة، حتى في أذهان أصحاب الطريقة الأكاديمية ~~في دراسة الأسطورة ممن يشيرون إليهما، وبكثير من الحرية، على أنهما ~~إله وإلهة الخصب. إن إلهة الخصب وسيدة الطبيعة هي عشتار، وعشتار ~~وحدها. أما تموز فإنه روح النبات التي تموت وتحيا في دورة مستمرة ~~باقية، بمعونة روح الخصوبة الكونية التي يتوقف عليها إنعاش الابن ~~القتيل واستعادته من العالم الأسفل. # إن أول نص مكتوب خطه الإنسان عن الأم الكبرى وابنها القتيل، هو ~~نص الأسطورة السومرية المعروف بهبوط إنانا إلى العالم الأسفل. من ~~هنا يمكننا اعتبار هذا النص تدوينا للأسطورة النيوليتية في شكلها ~~الأخير الذي اتخذته عند أعتاب عصور الكتابة. ومن هنا أيضا يمكننا ~~اعتبار العناصر الأساسية لهذه الأسطورة بمثابة النمط الذي ستنهج ~~عليه الأساطير الموازية لبقية الثقافات. فالأم الكبرى ترسل بابنها ~~(أو حبيبها) إلى العالم الأسفل، ثم تقضي الأيام في ندبه وبكاء روحه ~~الغائبة. وعندما لا يجدي البكاء فتيلا، تتهيأ للشروع في رحلة ~~طويلة للبحث عنه، وتخاطر بالنزول إلى العالم الأسفل لاستعادته ~~وتحريره من قبضة سيدة الموت، فتفلح في مهمتها وتستعيده إلى الحياة ~~من جديد. إلا أن عهده بالحياة في العالم الأرضي لا يدوم طويلا، ~~ويهبط إلى العالم الأسفل من جديد مبتدئا دورة أخرى. هذه العناصر ~~الأساسية المستمدة من نص الأسطورة، ومن الطقوس المرتبطة بها. ومجمل ~~الإشارات إلى موضوعها في نصوص أخرى، ستظهر فيما بعد في أساطير ~~متباعدة زمانيا ومكانيا؛ بعضها سيظهر بشكل واضح، وبعضها الآخر ~~بشكل رمز وإشارة، فمسئولية إنانا المباشرة عن هبوط دوموزي إلى ~~العالم الأسفل، قد لا تظهر في الأساطير الأخرى إلا تحت ستار كثيف ~~من الرموز، مما سيجري الحديث عنه في حينه. # لدى تقديمنا مقاطع من أسطورة هبوط إنانا إلى العالم الأسفل في ~~فصل سابق، توقفنا عند خروج الإلهة منتصرة على الموت وصعودها درجات ms232 ~~العالم الأسفل. أما القسم الثاني من الأسطورة، فيصف طواف إنانا في ~~البلاد بحثا عمن ينوب منابها في العالم الأسفل، وهو الشرط الذي ~~وضعته إريشكيجال ربة الظلمات، لإطلاق سراحها وإعتاقها من الموت. ~~فإذا كان الشرط في الماضي ينص على عودة الإلهة ذاتها بعد قضائها ~~جزءا من السنة على سطح الأرض، وهو ما رأيناه في أسطورة ديمتر ~~وبيرسفوني التي تنتسب مع أسطورة إنانا ودوموزي إلى أصل واحد، فإن ~~الشرط الآن هو عودة البديل، الذي سوف يلعب من الآن فصاعدا دور روح ~~النبات. ولضمان تنفيذ الشرط، ترسل إريشكيجال مع إنانا المتحررة، ~~عفاريت لا تعرف الشفقة لجر البديل إلى عالم الظلام: # الذين تقدموها، # الذين تقدموا إنانا، # مخلوقات لا تعرف الطعام ولا تعرف الشراب، # ولا تأكل خبز التقدمات، # ولا تشرب من خمر القرابين. # تخطف الزوجة من حضن زوجها، # وتنتزع الطفل من صدر أمه الرءوم. # هكذا صعدت إنانا من العالم الأسفل. # يسير الموكب في طريقه إلى مدينة إنانا، وكانت ~~العفاريت كلما التقت بواحد من حاشية الإلهة، عرضت عليها خطفه فداء ~~لها، فكانت تجد لكل منهم صنيعا يشفع له، إلى أن وصلوا إلى مدينة ~~كولاب مقر دوموزي: # في كولاب، وضع دوموزي عليه حلة فاخرة، واعتلى ~~عرشه، # فانقضت عليه العفاريت وجرته من ساقيه. # انقضت عليه العفاريت كما تفعل مع الرجل العليل. # فانقطع الراعي (دوموزي) عن نفخ نايه. # ثم ركزت إنانا عليه أنظارها، ركزت أنظار الموت. # ونطقت ضده بالكلمة، نطقت بالكلمة التي تعذب ~~الروح. # وصرخت في وجهه صرخة الاتهام: # أما هذا ... فخذوه. # وبذلك أسلمت إنانا الطاهرة دوموزي إلى أيديهم. # 35 # لقد حير موقف إنانا في هذه الأسطورة المفسرين ~~والدارسين، فلماذا وقع اختيار الإلهة على زوجها وحبيبها الذي قضت ~~معه أحلى أوقات الحب وأنشدته أعذب مزامير الهوى؟ ... إن التفسير ~~ليغدو سهلا إذا رجعنا إلى أسطورة وطقس الأم الكبرى وابنها القمح ~~القتيل؛ فالإله الابن لم يولد إلا ليسلم إلى الموت من أجل حياة ~~البشر. وقد بقي هذا شأنه حتى آخر تجلياته وأعظمها. نقرأ في إنجيل ~~يوحنا: «إذا كان قيافا رئيسا للكهنة ms233 في تلك السنة. تنبأ أن يسوع ~~مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله ~~المتفرقين إلى واحد.» # 36 # وفي أسطورة مخصصة لوصف عذابات وموت الإله الابن، نجد دوموزي يهرب ~~من عفاريت العالم الأسفل مختبئا بين الأعشاب الطويلة والقصيرة، ~~هروبا يذكرنا بهروب روح القمح واختبائها بين السنابل، وها هو ~~يتحدث إلى أخته قائلا: # أي صفيتي، سأختبئ بين الأعشاب، # فلا تخبري أحدا بمكمني. # سأختبئ بين الأعشاب القصيرة، # سأختبئ بين الأعشاب الطويلة، # سأختبئ بين القنوات والترع، # فلا تخبري أحدا بمكمني. # ولكن العفاريت تأتي إلى بيت أخته وتبدأ استجوابها ~~عن مكانه، فيخشى دوموزي أن يصيب أخته شر على يد العفاريت، فيعود من ~~تلقاء ذاته ويسلم نفسه إليهم، حيث ينقضون عليه ويوثقونه من يديه ~~وقدميه، ويوسعونه ضربا بالعصي والسياط ويهيئونه للرحيل معهم. وهنا ~~يتجه بالدعاء إلى أوتو إله الشمس، طالبا معونته، فيستجيب له ويحول ~~يديه ورجليه إلى قوائم غزال فيفر هاربا مرة أخرى: # أي أوتو، أنت أخو زوجتي وأنا زوج أختك، # أنا الذي يحمل الطعام إلى معبد إنانا. # في مدينة إيريك قد أتممت زواجي. # فأنا من قبل الشفاه الطاهرة، # وعانق الجسد المقدس جسد إنانا، # فحول يدي إلى يدي غزال، # وحول قدمي إلى قدمي غزال، # حتى لا تطالني أيدي عفاريت الجالا. # ولكن العفاريت تلقي عليه القبض مختبئا في بيت ~~إحدى الإلهات، وهناك تعاود ضرب وتعذيب الإله المنكود مجددا. ولكنه ~~يهرب بمساعدة أوتو إلى حظيرة أخته وهناك كانت نهايته: # دخل الحظيرة العفريت الأول، # وضرب خدود دوموزي بمسمار طويل نفاذ. # وتبعه إلى الحظيرة العفريت الثاني، # فراح يضرب وجه دوموزي بعصا الراعي. # ثم دخل إلى الحظيرة العفريت الثالث، # وأزال ما في الممخضة ورماها خاوية. # وتبعه إلى الحظيرة العفريت الرابع، # فرمى الكوكب المقدس عن مشجب تعليقه. # ثم دخل إلى لحظيرة العفريت الخامس، # فحطم الممخضة الخاوية من اللبن، # وكسر الكوب، فدوموزي لم يعد من الأحياء، # وحظيرته قد راحت نهبا للرياح. # 37 # هذه العذابات والآلام، وهذه الميتة القاسية التي ~~ماتها دوموزي، هي التي كان الحصادون وصولا إلى ms234 العصر الحديث، ~~يمثلونها في حقول القمح، مع فارق أساسي وهو أن دراما الحصادين ليست ~~مستمدة من أسطورة دوموزي أو أية أسطورة اتخذت شكلها في المدينة ~~وبين جدران المعابد، بل هي مستمدة من الطقس الأول والأسطورة الأولى ~~التي قامت عليها أسطورة دوموزي ذاتها. # إضافة إلى أسطورة هبوط إنانا، تتعدد الإشارات في النصوص الأخرى ~~إلى مسئولية إنانا، أو عشتار، عن إرسال دوموزي أو تموز إلى العالم ~~الأسفل. ففي ملحمة جلجامش، عندما يقف البطل الشمسي بكل عنجهيته ~~الذكرية متحديا عشتار، يذكرها بمسئوليتها عن مصير تموز: # أي حبيب أخلصت له الحب إلى الأبد، # وأي راع أفلح في إرضائك على مر الأزمان؟ # على تموز، زوجك الشاب، # قضيت بالبكاء عاما إثر عام. # في هذا النص إشارة إلى إرسال عشتار لزوجها إلى ~~العالم الأسفل، كما أن فيه إشارة إلى الطقوس المعروفة عن بكاء عباد ~~عشتار على تموز القتيل في كل عام، وهو البكاء الذي تشارك فيه عشتار ~~نفسها، أو بالأحرى، الذي تبدأه عشتار نفسها وتشاركها فيه جموع ~~الندابين. نقرأ في بكائية سومرية لإنانا: # لقد بكت السيدة بمرارة على زوجها، # لقد ناحت إنانا بمرارة على زوجها: # قضى زوجي بين سيقان النبات الأمامية، # قضى بين سيقان النبات الخلفية، # ذهب يبحث عن طعام فتحول إلى طعام، # 38 # وذهب يبحث عن ماء فأسلم إلى الماء. # 39 # غير أن البكاء وحده لا يعيد الإله الميت، ولا بد ~~من قيام الإلهة نفسها بتخليصه من ربقة الموت، وذلك بالهبوط إلى ~~العالم الأسفل واستعادته من إريشكيجال. هذا الهبوط تحدثنا عنه ~~الأسطورة البابلية، التي تكرر أحداث أسطورة إنانا في معظم ~~تفاصيلها، مع الفارق الأساسي وهو أن عشتار لا تحقق بنفسها انتصارا ~~على الموت لكي ترسل تموز بديلا عنها، بل إنها تحقق لنفسها ولتموز، ~~الذي هبطت من أجله، بعثا جديدا. نقرأ في ختام الأسطورة: # ثم التفتت (إريشكيجال) إلى وزيرها نمتار: # امض يا نمتار واقرع باب الإيجالينا، # زين العتبة بحجر الإيريتو. # استدع الأنوناكي، ودعهم يجلسون على عروشهم ~~الذهبية، # ثم انضح عشتار بماء الحياة وخذها بعيدا، ~~... # أما تموز زوجها ms235 الشاب، # فخذوه واغسلوه بماء طهور وضمخوه بالعطور الطيبة، # ألبسوه عباءة ودعوه يعزف نايه اللازوردي، # ولتحط به كاهنات عشتار يهدئن من خواطره. # 40 # وبصعود روح النبات من العالم الأسفل، تتفجر الخضرة ~~من أعماق الأرض، وتنبث المزروعات من كل لون وصنف، وتزهر أغصان ~~الشجر اليابس، ويكتمل عيد الربيع في يومه الثالث، حيث يتحول بكاء ~~العباد وعويلهم فرحا. لقد اطمأنوا الآن إلى الموسم الطيب وما ~~عليهم سوى انتظار موسم الحصاد ليرسلوا بتموز مرة أخرى إلى أعماق ~~الجحيم. # يشكل عيد الربيع السنوي البابلي، اختصارا لعيدين قديمين تم ~~دمجهما في عيد واحد؛ هما عيد الحصاد الذي كان يتم في شهر يوليو، ~~وهو الشهر الذي ما زال المشرق العربي يطلق عليه اسم تموز، حيث كانت ~~تقام طقوس ندب تموز القتيل روح القمح، وعيد الربيع الذي كان يتم مع ~~الانقلاب الربيعي، حيث كانت تقام طقوس الاحتفالات بعودة روح القمح ~~القتيل إلى الحياة. ثم جرى تأخير الاحتفال الربيعي ليستقر حول ~~الخامس والعشرين من نيسان (إبريل) ملخصا الاحتفالين معا في عيد ~~مدته ثلاثة أيام؛ حيث يتم في اليوم الأول بكاء تموز الميت وتمثيل ~~عذاباته وآلامه، بشكل يدفع جمهرة المحتفلين إلى هستريا جماعية، ~~يتخللها إلى جانب النحيب والعويل، لطم الخدود وتمزيق الثياب وما ~~إلى ذلك. وفي اليوم الثالث، عندما يعلن الكهنة قيام السيد من بين ~~الأموات، ينقلب المأتم إلى عرس، وتبدأ احتفالات العيد الحقيقية، ~~التي يتخللها السكر والمجون والرقص والموسيقى والممارسات ~~الجنسية. إن مدة العيد المؤلف من ثلاثة أيام، لا تعكس فترة موت ~~تموز واحتجازه في العالم الأسفل، فطقوس العيد ليست سوى دراما ~~يستعيد فيها المحتفلون قصة عشتار وتموز، وهي بقية من طقس قمري قديم ~~كان يتم في كل شهر، لمساعدة القمر على الظهور ثانية عند أفق ~~المشرق، ثم صار يتم في كل عام لمساعدة روح النبات على قهر الموت. ~~أما موعد العيد السنوي، حوالي الخامس والعشرين من نيسان؛ فقد بقي ~~موعدا تجمعت حوله معظم أعياد أبناء الأم الكبرى، وصولا إلى عيد ~~الفصح المجيد، ذكرى موت السيد المسيح وقيامه من ms236 بين ~~الأموات. # وقد استمرت طقوس البكاء على تموز إلى وقت متأخر في الشرق الأدنى. ~~ونجد ذكرا لها في التوراة، باعتبارها من الطقوس التي كان يمارسها ~~اليهود في هيكل الرب، تقليدا لجيرانهم السوريين: «وقال ادخل وانظر ~~الرجاسات الشريرة التي هم عاملوها هنا. فدخلت ونظرت، وإذا كل شكل ~~دبابات وحيوان نجس وكل أصنام بيت إسرائيل مرسومة على الحائط على ~~دائرة، وواقف قدامها سبعون رجلا من شيوخ بني إسرائيل، وكل واحد ~~مجمرته في يده ... وجاء بي إلى مدخل بيت الرب الذي في جهة الشمال، ~~وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز.» # 41 # وفي مدينة حران بسوريا، وهي المدينة التي حافظت على ~~تقاليدها السابقة إلى ما بعد الفتح الإسلامي بفترة طويلة، كانت ~~طقوس تموز ما زالت حية إلى القرن العاشر الميلادي، فبعض المصادر ~~الإسلامية تذكر أن بعض الفرق الدينية في حران، كانت في شهر تموز ~~تقيم عيد «البغاث»، وهو عيد النساء الندابات اللواتي كن يبكين ~~الإله «تاعوز». وتمضي تلك المصادر في تفسير معنى الطقس فتقول: إن ~~تاعوز كان شابا يافعا قتله سيده ثم طحن جسده بين حجري الطاحون ~~وذرا أجزاءه في الهواء، ولذلك كانت النساء خلال العيد لا تأكل ~~قمحا مطحونا، بل يقتصرن على الأطعمة النباتية. # 42 # وهكذا نجد المصادر التاريخية تقع في الخطأ نفسه، وتروي ~~بعد ما ينوف عن الألف عام، القصة التبريرية نفسها عن الفتى الشاب ~~الذي يموت ميتة قاسية في عز شبابه. إن تاعوز هنا ليس سوى تموز ~~القمح القتيل، وليس امتناع النساء عن أكل القمح المطحون سوى امتناع ~~عن أكل جسد الإله في عيده السنوي. # عستارت وأدونيس # لقد تزوج الإله الابن الأم الكبرى في وجهيها الأبيض والأسود، ~~فعاش في أحضان عشتار جزءا من السنة، وفي كنف إريشكيجال جزء السنة ~~الآخر. وإذا كانت أسطورة عشتار وتموز لا تظهر هذه الفكرة بشكلها ~~الصريح؛ إذ يبدو تموز في العالم الأسفل رهينا لإريشكيجال ينتظر فك ~~أسره، فإن عنصر زواج تموز من الإلهتين وتنافسهما من أجله يبدو ~~واضحا في أسطورة عستارت وأدونيس الكنعانية. # إذا استثنينا ms237 الأساطير الأوغاريتية التي وصلت إلينا محفورة على ~~ألواحها الطينة في حالة سليمة نسبيا، فإن معرفتنا المباشرة ~~بأساطير الكنعانيين قليلة جدا. فجل ما نعرفه عنها منقول عن ~~المصادر الإغريقية أو على لسان مؤلفين سوريين هلنستيين من الفترات ~~المتأخرة؛ لذلك يجب أن نكون منتبهين للعناصر الإغريقية التي تبدو ~~واضحة في بعض الأساطير، ومنها أسطورة عستارت وأدونيس. خصوصا وأن ~~الإلهة عستارت الفينيقية هي التي غدت أفروديت الإغريقية، بعد أن ~~أخذ اليونان عبادتها عن طريق جزيرة قبرص التي أنشأ السوريون أول ~~حواضرها ، وأسسوا فيها عبادة عستارت، التي كان معبدها في مدينة ~~«بافوس» يعتبر من المعابد المشهورة في العالم القديم، عندما كانت ~~هذه المدينة مرتبطة مباشرة بملك بيبلوس الكنعانية. # تقول الرواية الإغريقية ~~للأسطورة: إن أم الإله أدونيس قد حولت نفسها إلى شجرة عندما حملت ~~به، ثم ولدته وهي في هذه الحال، فأتى طفلا ذا جمال لا حد له، ~~فأحبته الإلهة أفروديت وهو طفل صغير فأخذته إليها. وفيما هي تستعد ~~لغياب طويل، وضعت أدونيس في صندوق أحكمت إغلاقه خوفا على الصغير، ~~ثم أودعت الصندوق لدى بيرسفوني إلهة العالم الأسفل، وغادرتها ~~معتقدة أن بيرسفوني سوف تحافظ على الصندوق دون أن يدفعها فضولها ~~إلى فتحه ومعرفة ما بداخله. وعندما عادت أفروديت من غيبتها، وجدت ~~أن بيرسفوني قد فتحت الصندوق وبهرها جمال الطفل فقررت الاحتفاظ به ~~لنفسها. هنا ينشأ نزاع بين الإلهتين حول الاستئثار بأدونيس الصغير، ~~ينتهي بأن تحتكما إلى كبير الآلهة الذي يحكم بأن تتقاسم الإلهتان ~~أدونيس، وذلك بأن يقضي نصف السنة في العالم الأسفل بصحبة بيرسفوني، ~~ونصف السنة الآخر بصحبة أفروديت. # 43 # وفي رواية أخرى لأسطورة أدونيس، نجده شابا يافعا ~~مولعا بالصيد والقنص، تقع في حبه أفروديت وتقضي وقتها في قلق عليه ~~من مخاطر هوايته تلك، محاولة دفعه للإقلاع عنها. إلى أن جاء يوم ~~صرعه فيه خنزير بري في جبل لبنان، قرب منبع النهر الذي سمي فيما ~~بعد باسمه، ففاض دمه ملونا مياه النهر بالأحمر القاني، وانبثقت من ~~قطرات دمه المتساقطة على التراب أزهار شقائق النعمان الحمراء. ms238 وفي ~~كل عام يأتي أدونيس إلى المكان نفسه في الربيع ليلقى الميتة نفسها ~~وتفيض دماؤه فتصبغ المياه نفسها المتدفقة من بين الصخور الجبلية. # 44 # هذا وما زالت بقايا معبد عستارت العظيم الذي أقيم عند ~~نبع أدونيس، الذي هو نهر إبراهيم اليوم، قائمة قرب قرية أفقا ~~اللبنانية. وما زال هناك نصب صخري يصور مصرع أدونيس، حيث نرى الإله ~~الشاب وبيده حربة منتظرا انقضاض الوحش، وعلى مقربة تبدو عستارت ~~جالسة في وضع الحزن والحداد. والمشهد كله لا يصف لنا لحظة صراع ~~بقدر ما يصف لحظة استسلام للموت. فحربة أدونيس ليست في وضع ~~الاستعداد والتأهب، وإنما مسترخية في وضع الراحة، أما عستارت فلا ~~تبدو في وضع من يحاول الدفاع أو المساعدة، ولا حتى في هيئة القلقة ~~على الحدث الجلل الذي يوشك أن يقع، وإنما في وضع المستسلمة للمصير ~~المقدر. # رغم الشكل المزخرف لهذه الأسطورة، في روايتيها، فإنها تطرح ~~تشابها واضحا مع أسطورة عشتار وتموز البابلية، وتشف في الوقت ~~نفسه عن العناصر الأساسية للأسطورة النيوليتية الأولى. (1) فالشجرة ~~التي ولد منها الإله هي عستارت نفسها، أو عشتاروت كما يدعوها كتاب ~~التوراة؛ إذ إن الكنعانيين كانوا يرمزون لها بجذع شجرة يضعونه في ~~محرابها. وقد أشار التوراة في أماكن متعددة من أسفاره إلى هذه ~~الجذوع الممثلة للإلهة، باسم السواري جمع سارية. ولربما كان أصل ~~حكاية الميلاد من شجرة، أن الكنعانيين كانوا يمثلون دراما ميلاد ~~أدونيس في المعبد أمام جذع الشجرة-العشتاروت. (2) يلعب أدونيس في ~~هذه الأسطورة دور الابن ودور العشيق أمام الإلهتين. فالصغير الذي ~~وضع في الصندوق هو الابن، أما الشاب الجميل الذي تتناوله أحضانهما، ~~فهو الحبيب الذي يتزوج الأم الكبرى في وجهيها الأبيض والأسود. (3) ~~أفروديت وبيرسفوني، هما عشتار وإريشكيجال. وأدونيس الذي يقضي ستة ~~أشهر في عالم بيرسفوني المظلم، وستة أشهر أخرى في عالم أفروديت، هو ~~تموز الذي يموت في الأسطورة البابلية ستة أشهر ثم يبعث إلى الحياة ~~ستة أشهر أخرى. (4) إن قيام عشتار بتسليم تموز إلى الموت، يبدو في ~~أسطورة أدونيس وعشتاروت في قيام أفروديت بوضع الطفل ms239 في صندوق ~~وإيداعه لدى بيرسفوني. أما هبوط عشتار إلى العالم الأسفل لاستعادة ~~تموز، فيعكسه رجوع أفروديت إلى بيرسفوني طالبة استعادة الصندوق. ~~(5) كما أن قيام عستارت بتسليم أدونيس إلى الموت يبدو في المستويات ~~السرانية لفهم رواية الخنزير البري. فالخنزير البري كان رمزا من ~~رموز الإلهة عستارت، وليس قيامه بقتل أدونيس إلا إشارة إلى قيام ~~عستارت بإرسال حبيبها إلى العالم الأسفل. وفي إحدى روايات الميلاد ~~من شجرة، نجد الخنزير البري ينطح بقرنه الشجرة الحبلى فتنشق ويخرج ~~منها الوليد الإلهي، وبذلك يساهم الخنزير في ولادة الإله، ثم يرسله ~~فيما بعد إلى العالم الأسفل. وفي كل ذلك رمز وإشارة إلى أن الأم ~~الكبرى التي وهبت أدونيس الحياة هي التي سلبت منه الحياة. (6) يظهر ~~عنصر الاستسلام الإرادي للموت في المشهد الذي يقدمه النصب الصخري. ~~فأدونيس يقف مستسلما في انتظار مصيره المقرر سلفا، وعستارت تشرع ~~في حدادها تاركة خنزيرها ينقض على زوجها الشاب. (7) تطرح هذه ~~الأسطورة تشابها واضحا أيضا مع أسطورة ديمتر وبيرسفوني. ففي كلا ~~الأسطورتين إله شاب أو إلهة شابة يختطفها الموت، فنزاع بين إله ~~علوي وإله سفلي، ينتهي بتسوية تجعل الإله المخطوف أو الإلهة ~~المخطوفة، يقسمان وقتهما بين العالم العلوي والعالم السفلي. # فإذا أرجعنا كل هذه البنية ~~الأسطورية المعقدة والمثقلة بالرموز إلى عناصرها الأولية البسيطة، ~~لوجدنا أنفسنا مرة أخرى وجها لوجه أمام قصة الإله الابن، روح ~~القمح، الذي تحول فيما بعد إلى روح للنبات بشكل عام. تموز الخضر، ~~وتحت قناع أدونيس، يظهر هنا وجه «آيلينوس»، الشاب الغض الذي كان ~~الحصادون السوريون يندبون موته، وهم يهوون بمناجلهم على سيقان ~~القمح الجافة. هذه العلاقة بين أدونيس وآيلينوس لم تكن غائبة ~~تماما. فهذه «سافو» الإغريقية، شاعرة جزيرة ليسبوس التي أنشدت ~~بكائيات أدونيس: # أدونيس الرقيق يموت يا «كيثيريا»، فما نحن ~~فاعلات؟ # اضربن على صدوركن أيتها الفتيات ومزقن أرديتكن. # 45 # هذه الشاعرة المشهورة، هي التي أنشدت أيضا ~~بكائيات آيلينوس. # 46 # ويبدو أنها بالفعل كانت تطابق بين الشخصيتين، وتندب ~~شخصا واحدا تحت اسمين؛ # 47 # ذلك أن روح القمح القديمة الممثلة ms240 في إله لا نعرف ~~اسمه، بل نعرف صرخة التفجع عليه، تلك الصرخة التي صارت بتقادم ~~الأزمان اسما له، قد خضعت لتطور بطيء وطويل. ومع هذا التطور اكتسب ~~الإله أسماء متعددة وكلها تشير إلى الإله الابن الأخضر. فهو البعل ~~وهو حدد آدون الذي حوله الإغريق إلى أدونيس وهو النعمان. # إن اسم النعمان ما زال قائما إلى يومنا هذا في اللغة العربية، ~~وبعض اللغات الأوروبية؛ إذ نراه متضمنا في اسم تلك الوردة البرية ~~القانية اللون، التي تندفع من باطن الأرض في كل مكان من سهول الشرق ~~القديم مع بشائر الربيع الأولى. يدعوها العرب شقائق النعمان؛ أي ~~جراح النعمان-أدونيس. وتدعى في اللغة الإنكليزية «أنيمون» ~~(Anemone) # المشتقة من النعمان. ~~وفي هذا بقية من المعتقد القديم، بأن هذه الوردة قد نبتت من دم ~~أدونيس القتيل بعد تخضيبه لتربة الأرض، فهي تحمل لون دمه إلى الأبد. # 48 # كما أن لكلمة النعمان ذاتها علاقة بمعاني الخضرة وعالم ~~النبات. ففي القواميس العربية نجد كلمة نعم، بفتح النون وكسر ~~العين وفتح الميم، بمعنى نضر واخضوضر. # 49 # ومنها كلمة الناعمة، التي تعني الروضة أو الحديقة. # 50 # وبذلك يكون اسم أو لقب النعمان الذي لقب به أدونيس ~~مقابلا للقب «الأخضر»، وهو اللقب المميز للإله الابن. # تظهر شخصية أدونيس، على ~~وجه الخصوص، ذلك الجانب الأنثوي من شخصية الإله الابن؛ فهو الشق ~~الذكري للأم الكبرى، وجزؤها الذي لم يستقل عنها، بل بقي مرآة ~~لصفاتها وخصائصها. فأدونيس هو أفروديت المذكرة، وأفروديت هي أدونيس ~~المؤنث. إن كل النصوص المتعلقة بهذا الإله، وكل الأعمال التشكيلية ~~لتؤكد على هذا الجانب. فهو الإله الجميل الرقيق، الغض الناعم. وفي ~~الرسوم التي تمثله يؤكد الفنانون على ليونة جسد الأنثى ويستبعدون ~~التفاصيل الحادة لجسد الذكر. ولعل بعض تماثيله القديمة التي لم ~~تصلنا والتي نفترض أنها تجمع في تركيب واحد بين أعضاء الذكورة ~~والأنوثة، هي الباعث على ظهور أسطورة تبريرية لاحقة في الميثولوجيا ~~الإغريقية، هي أسطورة الإله «هرمافروديت» ابن أفروديت من الإله ~~هرمس، الذي يجمع في جسده خصائص الجنسين معا، والذي يتألف ms241 اسمه من ~~مقطعين مندمجين الأول «هرم» المأخوذ من هرمس، والثاني: من اسم أمه ~~ذاتها. فالإله هرمس هو إله القضيب، وكان في بعض مراحله يمثل على ~~هيئة قضيب فقط. # 51 # أما أفروديت فإن لاسمها جذورا تعود إلى السومريين، ~~وهو يعني الرحم الخصب: آ-بورو-داتي. # 52 # هكذا فهرمافروديت ليس إلا القضيب-الفرج، وهو الإله ~~الابن ذاته، وليست أسطورته التي سنرويها فيما يأتي إلا صياغة أدبية ~~لأفكار وتصورات قديمة، ألقي أمامها ستار كثيف من الرموز؛ فقد أنجبت ~~أفروديت ابنها من هرمس وعهدت به عقب ولادته مباشرة إلى حوريات جبل ~~إيدا في كريت، اللواتي ربينه في الأحراش الجبلية، فنشأ فتى بريا ~~لا يجد متعة إلا في الصيد والقنص ومطاردة الوحوش في الغابات. وفي ~~أحد الأيام أتى بحيرة صافية ونضى عنه ثيابه فاستحم فيها، فرأته ~~حورية البحيرة «سلماسيس» وبهرها جماله الفتان فوقعت في حبه. ولما ~~راودته عن نفسه، انتهرها الشاب الخجول وأعرض عنها محاولا إبعادها ~~عنه. وهنا صاحت الحورية بصوت عال: «عبثا تحاول مني فككا ... ~~أيتها الآلهة جمعاء، أدعو إليكم ألا تتركوا شيئا يفرق بيني ~~وبينه.» وللحال، استجيبت دعوة الحورية، فالتصق الجسدان ببعضهما ~~إلى الأبد، وامتزجت خصائصهما الذكرية والأنثوية، وتحول هرمافروديت ~~إلى مخلوق ثنائي الجنس. # 53 # إن قصة هرمافورديت هذه، تعيد إلى الأذهان لمحات من حياة وخصائص ~~بعض الآلهة الأبناء؛ فنشأته في جبل إيدا هي نشأة ديونيسيوس وزيوس ~~الكريتي ابن الأم الكبرى للحضارة المينوية اللذين ترعرعا في نفس ~~الجبل المقدس. وولعه بالصيد والقنص هو تكرار لولع أدونيس صياد جبل ~~لبنان. وهو في خنوثته يعادل أتيس وأوزوريس المخصيين. والأعمال ~~التشكيلية التي تمثله تذكرنا ببعض تماثيل ديونيسيوس التي تظهره ~~بأثداء كاملة، وتماثيل ورسوم كل الآلهة الأبناء التي تؤكد على ~~ليونة الجسد ورقته، لا على قوته وصلابته. ولا تشذ عن ذلك تماثيل ~~ورسوم السيد المسيح التي أبدعها عصر النهضة في أوروبا. إن ~~هرمافروديت، في تفسيرنا، هو أدونيس نفسه. ولعل في تمثال أفروديت ~~ذات اللحية الذي كان موضع عبادة وتقديس كبيرين في قبرص # 54 # توكيدا لتفسيرنا هذا. ففي هذا التمثال يندمج ms242 أدونيس ~~وأفروديت في شخصية واحدة، ويتجلى الأقنومان في هيئة واحدة تجمع ~~خصائص الذكورة والأنوثة. # طقوس أدونيس # كانت طقوس أدونيس الرئيسية ~~تقام في عيده السنوي، الذي اختلف توقيته من مكان إلى آخر؛ فبعض ~~المناطق السورية كانت تحتفل به في الصيف، وأخرى في الربيع. أما في ~~مصر واليونان، فكانت احتفالات «الآدوينا»، وهي التسمية الإغريقية ~~لأعياد أدونيس تقام في الصيف. يشير هذان التوقيتان إلى أصل الإله ~~أدونيس كروح للقمح القتيل، وإلى تطوره اللاحق كروح للإنبات بشكل ~~عام؛ ففي فينيقيا كانت النساء تصنع دمى من شمع أو طين مشوي تمثل ~~الإله القتيل، فتضعها عند مداخل البيوت وتتحلق حولها بثياب الحداد، ~~فتبكي وتندب وتضرب صدورها، وتنشد أغاني حزينة على أنغام الناي. كما ~~كانت صور أدونيس تحمل في مواكب جنائزية في شوارع المدن وخلفها رجال ~~يعزفون ونساء تنوح. # 55 # أما في الإسكندرية أيام البطالمة التي وصلتها عبادة ~~أدونيس وعستارت، فكان تمثال الفتى اليافع أدونيس يسجى على محفة ~~ويغطى بوشاح أرجواني، إلى جانبه يوضع تمثال آخر لفينوس-عستارت. ثم ~~تضمخ المحفة بأطيب العطور وتزين بكل أنواع الفواكه وأغصان الأشجار ~~المثمرة، وتعلق عليها سلال صغيرة تدعى بحدائق أدونيس. وهذه ~~الحدائق تعدها النساء قبل الاحتفال بوقت قصير، حيث يضعن في سلال أو ~~أوعية وأكواب قليلة العمق قليلا من تراب الأرض، وينثرن فوقها ~~حبوبا مختلفة كالقمح والشعير والشمرة، ثم يعرضنها لأشعة الشمس ~~ويتعهدنها بالسقاية فتنتش الحبوب وتظهر سيقانها الصغيرة بسرعة ~~كبيرة. بعد ذلك تحمل المحفة ويسير وراءها المحتفلون في مواكب ~~الحداد، حتى إذا انتهى الاحتفال قامت النساء برمي حدائق أدونيس مع ~~دمى صغيرة تمثله إلى ماء البحر. # 56 # وفي بلاد اليونان، تشير بعض الدلائل التاريخية إلى ~~وقوع احتفالات الآدونيا في منتصف الصيف، فعندما أقلع أكبر أسطول ~~حربي يوناني لقتال سيراكوزه في عز الصيف، كانت الآدونيا، كما تنقل ~~الأخبار، في أوجها، وكان الجنود وهم يجتازون الشوارع هبوطا نحو ~~الميناء يسمعون عويل النساء على أدونيس، ويصادفون صوره معلقة عند ~~كل باب. # 57 # تمثل حدائق أدونيس التي ارتبطت بالآدونيا في كل من سوريا ومصر، ms243 ~~حياة الإله القصيرة وميتته المفاجئة. فالسيقان الخضراء القصيرة ~~التي اندفعت بسرعة من تحت التراب بدون جذور حقيقية، لا تستطيع ~~العيش طويلا، وما تلبث أن تذوي وتموت. أما تعليق هذه الحدائق على ~~محفة الإله الميت وحملها مع مواكب الدمى والصور التي تمثله؛ فهو ~~نوع من التمثيل المزدوج للإله في شكله النباتي والإنساني. وليس رمي ~~الحدائق والدمى إلى مياه البحر أو النهر إلا إيحاء للطبيعة بمواسم ~~طيبة ومطر غزير؛ مما يذكرنا بالممارسات الباقية لدى فلاحي العصر ~~الحديث، ممن رأيناهم يربطون ممثل روح القمح إلى آخر حزمة حصاد ~~ويلقونها في الماء . هذا وقد بقيت طقوس حدائق أدونيس، وبعض عناصر ~~احتفالات الآدونيا قائمة إلى يومنا هذا في طقوس المسيحية. # ففي عيد الفصح، الذي يتطابق توقيته السنوي تقريبا مع توقيت ~~الآدونيا الربيعي في فينيقيا، يتم الاحتفال بموت السيد المسيح في ~~اليوم الأول يوم الجمعة الحزينة، وبعثه في اليوم الثالث يوم أحد ~~الفصح، وتقوم النساء في جزيرة صقلية، وفي مناطق أخرى من إيطاليا ~~قبل عيد الفصح، بإعداد حدائق أدونيس بنفس الطريقة التي اتبعتها ~~نسوة كنعان قبل ألوف السنين. فإذا حل الفصح وانتشت البذور ~~المزروعة، حملن أطباقهن وقد ربطت سيقان القمح القصيرة إلى بعضها ~~بشرائط حمراء، ومضين إلى الكنيسة حيث توضع قرب صور وتماثيل السيد ~~المسيح. وطيلة يوم الجمعة الحزينة تعرض في الكنيسة صورة شمعية ~~للسيد المسيح، ويتقدم الناس لتقبيلها، بينما تقرع أجراس الكنيسة ~~إيقاعات حزينة حتى حلول المساء. وفي وقت متأخر من الليل، تحمل ~~صورة المسيح فوق نعش مزين بأغصان الليمون والأزهار من مختلف ~~الأنواع، فيطاف بها في شوارع المدينة في موكب وئيد الخطا على ضوء ~~الشموع الطويلة، وسط نحيب المشيعين وعبق البخور الذي تحرقه النسوة ~~على طرفي الطريق عند أبواب البيوت. فإذا انتهت جنازة المسيح أعيدت ~~الصورة إلى مكانها في الكنيسة، والتزم المشيعون صوما يستمر طيلة ~~السبت ومعظم ليلة الأحد. فإذا دقت الساعة الثانية عشرة، خرج الأسقف ~~ليعلن الخبر السار: «لقد قام المسيح»، فيرد خلفه الحشد الساهر: ~~«لقد قام حقا وصدقا»، ثم تبدأ المدينة احتفالاتها ms244 الفرحة، وتهيم ~~مجموعات الشباب تشعل الحرائق الصغيرة في الشوارع والساحات. # 58 # هذا ويمكن مشاهدة مثل هذا الطقس في كثير من المناطق ~~الكاثوليكية، وخصوصا في إسبانيا. # كما يمكن مشاهدته بشكل أقل درامية في بعض الكنائس السورية ~~واللبنانية؛ حيث يقتصر موكب جنازة المسيح على باحة الكنيسة. ففي ~~صباح الجمعة الحزينة يتوجه الناس بلباس الحداد إلى الكنيسة، حيث ~~يقام جناز كامل تتلى خلالها قصة موت المسيح، ويبكي المجتمعون ~~بحرارة وهم يستمعون إلى ترتيلة: «اليوم علق على شجرة الذي علق ~~الكون على المياه.» ثم يحمل رجال الدين تابوتا مغطى بالورود ~~والأزهار فيطوفون في موكب صغير حول الكنيسة وفي باحتها. # وفي كلمات أقرب ما تكون ~~إلى كلمات عشتار في ندبها تموز عندما قالت: «ويلي عليك يا بني، ~~ويلي عليك يا دامو ...» نجد السيدة مريم في الطقس البيزنطي تندب ~~ابنها المسيح: # ويحي يا ولدي الإلهي. ويلي يا نور العالم، # لماذا غبت عن مقلتي يا نور الله؟ # وحدي دون سائر النساء قد ولدتك يا بني من دون ~~ألم، # وأنا الآن أقاسي ما لا يحتمل، # يا ضياء عيني يا ولدي كيف حجبت في القبر. # 59 # لم تورد الأناجيل الأربعة شيئا عن مراثي مريم. ~~وانفرد إنجيل يوحنا بالإشارة إلى وجود مريم عند الصليب عندما أسلم ~~المسيح الروح (يوحنا 19: 25-27). إلا أن مراثي العذراء قد بدأت ~~تدخل في الطقس المسيحي مع ظهور الكنيسة السورية، ومنها انتقلت إلى ~~الكنيسة اليونانية. ومعظم هذه المراثي تنسج على منوال المراثي ~~الأدونيسية القديمة؛ مما يشير إلى بقاء المراثي الأدونيسية حية في ~~الأذهان، وانبعاثها مجددا في طقوس الديانة الجديدة. # 60 # نقرأ في الطقس اليوناني: # وا حسرتاه، وا حسرتاه يا أجمل الأبناء، # يا نور عيني، يا ملك كل الأشياء، # وا حسرتاه، وا حسرتاه، كيف أحتمل رؤياك على الصليب، # 61 # وفي الطقس البيزنطي نقرأ أيضا: # هو ذا أجمل المخلوقات قد صار جثة، # من أعطى رونق الطبيعة وجمال الكون. # كيف لي أن أطبق عينيك الحلوتين أيها الكلمة ... # يا ربيعي الحلو، يا طفلي الأجمل، أين مضى حسنك؟ # أيتها الجبال والوديان، ms245 وأنتم أيها الناس ابكوا ~~معي، # كل الأشياء تبكي معي. أنا أم الإله. # 62 # وبعد المسيحية، تسللت مراثي الإله الميت إلى ~~الإسلام في طقوس عاشوراء؛ ذكرى مقتل سيدنا الحسين بن علي. وتبدو ~~طقوس كربلاء لناظرها اليوم مشهدا لم تغير منه مئات السنين شيئا. ~~وبينما يقوم المحتفلون بلطم خدودهم وشد شعورهم وضرب أنفسهم بسلاسل ~~الحديد حزنا على الحسين الشهيد، تلتقي صرخة التفجع التي يطلقونها ~~في عنان السماء «يا فتى يا حسين» بصرخة عشتار النائحة المحفوظة في ~~طبقات الأثير العليا، وصرخة العذراء الثكلى، ونكاد نستمع إلى مرثاة ~~واحدة تمثل وحدة العاطفة الإنسانية عبر تاريخ البشرية. # آيلينوس ... مانيروس ، # ويلي عليك يا بني ... ويلي عليك يا دامو، # ويحي يا ولدي ... ويحي يا نور العالم ... # كيف تراك مقلتي معلقا على الصليب، # كل الأشياء تبكي معي ... # يا فتى يا حسين. # أخيرا، بقيت ذكرى أعياد الربيع الأدونيسية - ~~التموزية - الأوزيرية، حية في أعياد ربيعية فولكلورية قائمة إلى ~~يومنا هذا في الشرق الأدنى الحديث؛ وذلك كعيد النيروز، وعيد شم ~~النسيم، وأعياد محلية صغيرة في سوريا، كيوم خميس المشايخ الذي بقي ~~سكان المناطق الوسطى يحتفلون به إلى أوائل الستينات. ولا أزال أذكر ~~شخصيا ركضنا الفرح ونحن أطفال وراء موكب المشايخ المهيب، الذي ~~ينطلق في العشرين من نيسان من قرية «بابا عمرو» التي تبعد خمسة ~~كيلومترات عن مدينة حمص غربا، ثم يخترق المدينة طائفا شوارعها ~~الرئيسية. كان الموكب يتألف من رجال دين توارثوا مهمة إحياء العيد ~~جيلا عن جيل. بعضهم يسير في الموكب فارسا وآخر راجلا، عليهم ~~عمائم وعباءات لا تلبس إلا في تلك المناسبة، وبعضهم يضع على وجهه ~~لثاما. يتقدم كل فارس (سنجق) خاص تتوارثه العائلة ويخرج به الابن ~~في الموكب بعد وفاة أبيه، فوق رءوسهم رايات كبيرة ملونة كتبت ~~عليها آيات قرآنية، وخيولهم مجللة بالأقمشة ومزينة غررها بالأرياش. ~~وفي مقدمة الموكب يسير الموسيقيون الذين يضربون الطبول والصنوج في ~~إيقاع جليل يسمع من مسافات بعيدة، ولا يمكن لمن سمعه قط أن ينساه ... ~~حتى إذا وصلوا إلى نقطة معينة، ألقى الناس بأنفسهم ms246 تحت سنابك الخيل ~~التي تدوسهم دون أن يمسهم أذى، وهذه من كرامات بعض المشايخ ~~المباركين في ذلك اليوم، يضاف إليها كرامات أخرى يظهرها بعض ~~المشايخ السيارة؛ إذ يطعنون أنفسهم بالشيش (سيف مسنون الرأس لا ~~حد له) فيدخل البطن نافذا من الظهر دون أن يمسهم أذى. # وهكذا بقي موكب الربيع يسير متعرجا في سهول حمص منذ ألوف ~~السنين، إلا أن تابوت الإله قد انزلق من أيدي المشيعين مع وصول ~~الإسلام، وسقط في ثنايا التاريخ. # عناة وبعل # سادت عبادة الإله الابن في كنعان تحت اسم بعل خلال الألف الثاني ~~قبل الميلاد، وتحت اسم حدد (أو هدد ) في آرام خلال الألف الأول قبل ~~الميلاد. تحت هذين الاسمين يخطو الإله الابن خطا أبعد نحو ~~الاستقلال عن الأم الكبرى، وبناء شخصيته الخاصة المستقلة ذات ~~الطابع المسيطر القوي. هنا ترك الإله الابن شخصيته القديمة كروح ~~للإنبات، وأسير لدورة القمح والزراعة، وارتفع فوق الظواهر الطبيعية ~~مقلدا آلهة الثقافة الذكرية الصاعدة، دون أن يقطع تماما حبل ~~السرة الذي يربطه بحركة الطبيعة ودورة الزراعة. إنه الآن سيد ~~لعوامل الخصب الفاعلة. فهو راكب السحاب الذي يرسل الأمطار من أعالي ~~السماء، وسيد البرق والصاعقة. صوته كالرعد المجلجل وسلاحه العاصفة ~~والطوفان. يروض المياه البدئية الأولى كالإله مردوخ البابلي، ويقتل ~~التنين ذا الرءوس السبعة ويصارع الوحوش الخرافية العجيبة. صورة سوف ~~تبلغ شكلها الأكمل في شخصية زيوس كبير آلهة الأوليمب الذي قطع، ~~فيما بعد، كل الجسور التي كانت تصله بأصوله القديمة في كريت كإله ~~ابن قتيل. وفي علاقته بالأم الكبرى، يلعب بعل-حدد دور الشريك الند ~~المكافئ، لا دور التابع الخاضع، وترجح في شخصيته خصائص الذكورة في ~~مقابل خصائص الأنوثة التي ميزت أدونيس. إلا أن العنصر الأساسي في ~~دراما الإله الميت يبقى هنا ثابتا، وهو استسلام الإله الابن للموت ~~استسلاما إراديا، وقيام الأم الكبرى، من ثم بانتشاله من ~~العالم الأسفل وإعادته للحياة. # إن مصدرنا الأساسي عن أساطير الإله بعل هو ألواح مدينة أوغاريت، ~~التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والتي تقدم ~~لنا ms247 أكمل النصوص الأدبية الكنعانية؛ ففي الألواح التي اصطلح على ~~تسميتها بألواح بعل وعناة، نجد الإله بعل وقد بدأ بتوطيد مملكته ~~وبسط سلطانه، على طريقة الآلهة البطريركية التي تثبت جدارتها في ~~مستهل حياتها بالتغلب على قوى إلهية كونية خارقة، تنتمي لعالم ~~الديانات الأمومية الأسبق. فكانت أولى معارك بعل معركته ضد المياه ~~الأولى ممثلة الإله «يم» أو «نهر» الذي صرعه بعل دون صعوبة. وبعده ~~ينتصر على التنين «لوتان» ذي الرءوس السبعة. ثم يجنح إلى الراحة، ~~فيبني بيتا له يستقر فيه إسوة ببقية آلهة البانثيون الكنعاني، ~~تساعده في ذلك حبيبته الإلهة عناة، التي تستخدم دالتها على كبير ~~الآلهة «إيل» ليسمح ببناء ذلك البيت. غير أن الوضع الجديد لبعل لا ~~يدوم طويلا؛ لأن إله العالم الأسفل «موت» (بالكنعانية مت) ينبري ~~له ويتقدم إلى مجمع الآلهة طالبا تسليمه بعل. وهنا لا يبدأ بعل ~~استعداده لمعركة، كما فعل عندما تصدى له الإله يم، بل نراه ينزل من ~~عليائه مختارا دونما عراك، ومعه غيومه وأمطاره، وعواصفه وبقية ~~رموز سلطته، ويستسلم طائعا لإله الموت، الذي يفتح فمه الفاغر ~~لابتلاعه، فشفته الواحدة في الأرض والأخرى تطال السماء ولسانه بين ~~النجوم (على حد تعبير النص). وعندما يهبط بعل إلى جوفه، تجف لغيابه ~~أشجار الزيتون ومنتجات الأرض وثمارها. أما عناة فتهيم على وجهها ~~نادبة حبيبها الغائب في صرخات تردد صداها الجبال والوديان، حتى ~~هدها التعب والإعياء، ثم تمضي إلى الإله موت طالبة منه إعادة بعل ~~إليها، فيردها خائبة متفاخرا أمامها بما فعل. ولكن عناة لا تيئس ~~وتعود إليه مرارا وتكرارا بنفس الطلب لتلقى منه نفس الموقف ~~المتعنت. فتقرر مجابهته واسترداد بعل بالقوة، تدخل معه في معركة ~~فاصلة تنتهي بانتصارها المؤزر؛ إذ تمسك بالإله موت فتقطعه بالسيف ~~وتذريه بالمذراة، وتشويه بالنار وتطحنه بالطاحون وتدفنه في ~~الحقل، ثم تسترد إليها بعل، الذي تعود معه الحياة إلى شتى مظاهر ~~الطبيعة، فيورق الشجر وينضج الثمر وتنتعش سويقات القمح. غير أن ~~الإله موت يسترد قوته بعد سبع سنين فينبري مجددا للإله ~~بعل: # وهكذا من أيام إلى ms248 شهور، # ومن شهور إلى سنين ... # ولكن في السنة السابعة، # نهض موت معلنا نفسه لعليان بعل. # رفع صوته وصاح: # أي بعل، بسببك أنت جللني العار. # بسببك أنت ذقت السيف. # بسببك أنت وردت النار. # بسببك أنت عرفت حجر الطاحون. # بسببك أنت دفنت في الحقول. # 63 ~~(وتعود القوتان الكونيتان إلى الصراع وتتكرر دورة حياة ~~بعل). # إن ما يميز دورة حياة الإله بعل عن أشباهه من آلهة ~~الطبيعة في ميثولوجيا الشرق القديم والعالم اليوناني، هو أن دورة ~~حياة هذا الإله ليست دورة سنوية، بل دورة تتبع نظاما خاصا يعيش ~~بموجبه سبع سنوات، ثم يموت ليبعث من جديد إلى سبع سنوات أخر. وعليه ~~فإن التفسيرات المتعجلة التي تطابق بين بعل وبقية الآلهة كتموز ~~وأدونيس وغيرهما، فتجعله تجسيدا لروح النبات التي تموت وتحيا في ~~كل عام، لا تصمد أمام النقد. كما أن التفسيرات الأخرى التي تفسر ~~أسطورة بعل بوجود دورة مناخية في سوريا القديمة، كانت تتسبب في ~~حصول جفاف الأرض وندرة المطر في كل سبع سنوات هي تفسيرات ضعيفة؛ ~~رغم أننا لا نستبعدها تماما. والحقيقة في رأينا هي أن تفسير هذه ~~الأسطورة يجب أن ينطلق من فكرة التجديد الدوري للقوة الإلهية، وهي ~~فكرة قائمة في ميثولوجيا وطقوس المنطقة المشرقية ولدى بعض الثقافات ~~البدائية الحديثة، وثقافات أخرى موغلة في القدم. # لم تكن القوة الإلهية، بالنسبة للإنسان القديم، قوة مطلقة لا ~~ينتابها وهن أو قصور، بل كانت في بعض جوانبها، كقوة الإنسان، تطلب ~~سندا ومددا دوريا لتجدد نفسها كلما آنست ضعفا، وتبدأ دورة ~~نشيطة أخرى. فأعياد رأس السنة البابلية لم تكن، كما رأينا، سوى ~~طقوس تهدف إلى شحن الطاقة الإلهية التي تسند الكون المنظم، بقوة ~~جديدة في مواجهة قوى العماء الأولى التي تحاول إعادة الكون إلى ~~سكونه القديم. وفي أسطورة إيرا إله الأوبئة الفتاكة (البابلية)، ~~نجد كبير الآلهة يمضي للاستجمام في مكان تجدد ناره المطهرة قواه ~~بعد ضعف ووهن: # إلى بابل، مدينة ملك الآلهة، شد إيرا رحاله، # دخل «الإيزاجيلا» قصر السماوات والأرض، ومثل أمام ~~مردوخ، # فتح فمه وقال ms249 مخاطبا ملك الآلهة: # أيها الرب، إن الهالة النورانية رمز ألوهتك، # المشعة أبدا كنجم سماوي، # قد خبا لونها، # وتاج سيادتك قد مال عن رأسك، # اترك مكان سكنك وانطلق، # ونحو الدار التي ستظهر نارها عباءتك، شد الرحال. # 64 # غير أن التجديد الحقيقي للقدرة الإلهية لا يتم إلا ~~بالموت الفعلي الحقيقي الكامل الذي يليه البعث، حيث يزيل الموت ما ~~بلي، ويعطي البعض كل جديد. ففي النظم الميثولوجية التي لا وجود ~~فيها لمعتقد الموت السنوي لآلهة الطبيعة، نجد هناك معتقد الموت ~~الدوري، حيث يموت الإله عند استكمال دورة زمنية تقدر بعدد من ~~السنين، يختلف من ثقافة إلى أخرى؛ فآلهة الخصب هي أكثر الآلهة حاجة ~~إلى تجديد قواها؛ لأن أي بادرة ضعف تنتابها، سيكون لها تأثير مباشر ~~على توازن الطبيعة وحياة الكائنات. لذا كان على الإله أن يقدم نفسه ~~للموت وهو في عز الشباب، فيجدد نفسه، ويبعث ثانية قبل أن تنال منه ~~السنون. ولكن كيف يموت الإله، وكيف يتابع البشر دورة حياته ~~ويساعدونه على إتمامها؟ # في معتقد موت الإله السنوي، رأينا أن الروح الإلهية تحل مؤقتا ~~في جسد القربان البشري وتموت من خلاله، أما في معتقد الموت الدوري، ~~فإن الروح الإلهية تتجسد في كائن بشري حي مدة أطول من الزمن، ~~وتحافظ على نشاطها وحيويتها ما دام هذا الكائن البشري متمتعا ~~بالحياة النشطة الشابة. وغالبا ما يكون هذا الكائن شخصية ملكية ~~مقدسة تعتبر ظلا حيا للقوة الإلهية الخفية، وممثلة له على ~~الأرض. فإذا وصل منحى حياة الشاب أوجه، كان على ممثل الإله أن يموت ~~قبل أن تضعف قواه ويتخاذل؛ لأن في ضعفه تخاذلا للقوة الإلهية التي ~~تعبر عن نفسها من خلاله. وبموت ممثل الإله، يموت الإله أيضا، ~~ليبعث من جديد في الخلف الفتي للملك المقتول، ويبدأ معه دورة حياة ~~جديدة. ونستطيع العثور على مثل هذا الاعتقاد والطقس، لدى الكثير من ~~الثقافات التي تعتبر الملك تجسيدا لألوهة الخصب ومركزا لنظام ~~الطبيعة، يتوقف عليه هطول المطر وخصب الأرض وتكاثر الحيوان وتتابع ~~الفصول. # فإلى عهد قريب، كان من عادة ms250 قبائل الشايلوك، التي تسكن ضفاف ~~النيل الأزرق في أفريقيا، أن يقتلوا ملوكهم بعد فترة زمنية مقدارها ~~سبع سنين من توليهم الحكم. وقد تختصر هذه الفترة، ويقتل الملك قبل ~~أوانه، إذا أجدبت الأرض وساءت المواسم. وخلال حياته القصيرة، كان ~~ملك الشايلوك يخضع في كل مناحي حياته إلى نظام حديدي مفروض من قبل ~~الكهنة، مليء بمختلف أنواع القيود والتحريمات (التابو). فشخص الملك ~~مقدس لا يمكن إلا للنبلاء رؤيته، والدخول عليه محرم حتى على ~~أولاده. فإذا خرج في موكب رسمي، أحاط به سادة القوم من كل جهة ~~وأخلي السبيل أمامه من المارة، وهرع الناس إلى بيوتهم فأغلقوا ~~أبوابها ونوافذها حتى يبتعد الركب الملكي. وعندما يحل الموعد ~~المحدد لموت الملك، كان الكاهن الكبير يدعو جميع النبلاء إلى ~~احتفال سري، يتم خلالها قتل الملك ودفنه، وكانوا يدفنون إلى جانبه ~~فتاة عذراء وهي حية. ويجب أن يتم هذا الطقس في إحدى الليالي ~~المظلمة الواقعة بين غياب القمر القديم وظهور القمر الجديد، خلال ~~فترة الجفاف السابقة لموسم الأمطار، وقبل أن تزرع البذور في ~~الحقول. وبعد مرور عام كامل يتم تعيين الملك الجديد الشاب. # 65 # وفي مناطق أخرى من أفريقيا نعثر على معتقدات وطقوس ~~مشابهة؛ ففي موزمبيق وأنغولا وروديسيا، كان الملك يعتبر تجسيدا ~~للإله الأكبر، وكان يدعى بالقمر وزوجته تدعى بكوكب الزهرة. وكان ~~الاثنان يقتلان في نهاية فترة محددة من حكم الملك على يد الكهنة، ~~ويدفنان في قبر واحد على أحد المرتفعات. # 66 # وتقص حكاية شعبية من جنوب السودان عن عادة قتل الملوك التي كانت ~~سائدة في تلك المناطق فتقول: إن مملكة كوردفان كانت من أغنى ~~الممالك الأفريقية، وكان ملكها من أغنى ملوك الأرض؛ إلا أنه كان ~~أتعس الملوك؛ لأن مدة حكمة وحياته كانت محددة بفترة زمنية، تتحكم ~~فيها دورة فلكية لا يعرف أسرارها سوى الكهنة، الذي كانوا يتابعون ~~تحركات النجوم في السماء لمعرفة الوقت الذي يتوجب فيه قتل الملك. ~~فإذا حل موعد الموت أجبر الكهنة الملك على الموت، ومعه عدد من ~~أفراد عائلته وبعض المقربين ممن اختارهم ms251 شخصيا لهذه المهمة عند ~~صعوده إلى الحكم في بداية الدورة الفلكية. وقد سارت الأمور على هذا ~~المنوال أجيالا طوالا، إلى أن اعتلى العرش فتى في ريعان الصبا ~~اسمه «أقف»، وتم اختيار مرافقيه في رحلة الموت وعلى رأسهم مملوك ~~اسمه «فارليماس»، وأخت الملك الشابة واسمها «سالي» التي تم ~~تعيينها في منصب كاهنة النار المقدسة التي تبقى مشتعلة ما دام ~~الملك حيا، حتى إذا جاء أجله الموعود، أطفئت النار وقتلت كاهنتها ~~وأشعلت نار جديدة ترعاها كاهنة أخرى. وكان المملوك فارليماس ~~معروفا برواية الحكايا الساحرة، فآنس إليه الملك وقربه، وأخذ ~~يستمع إلى حكاياه في كل يوم، ومعه المقربون من أفراد حاشيته. فكان ~~إذا ابتدأ فارليماس حكايته الجديدة، كان الملك وضيوفه يغفلون عن ~~طعامهم وشرابهم، ويغفل الخدم عن خدمتهم، ويبقى الجميع مشدودين إلى ~~فم فارليماس حتى آخر الليل وظهور تباشير الصباح، كأن في كلماته ~~سحرا، أو أن فيها مخدرا قويا. إلى أن جاء يوم انتابت فيه الملك ~~صحوة، فأحس أن كل يوم يمر إنما يقربه من أجله، فأخذ يفكر في ~~طريقة يتفادى بها ما يعتقده الجميع قدرا محتوما. وكان مثله في ~~ذلك فارليماس وسالي اللذين وقعا في حب بعضهما، وتاقا إلى اعتصار ~~العمر حتى أيام الشيخوخة الأخيرة. وأخيرا اهتدت سالي إلى طريقة ~~تصرف بها نظر الكهنة عن مراقبة النجوم ومتابعة الدورة الفلكية؛ إذ ~~استطاعت إقناع كبير الكهنة ومعه بعض أتباعه، بالحضور إلى بلاط ~~الملك للاستماع إلى حكايا فارليماس. فأتوا بعد أن أذن لهم الملك، ~~يدفعهم الفضول في الليلة الأولى، وبدافع الشوق في الليلة الثانية، ~~ثم تعودوا إتيان حلقة فارليماس في كل ليلة، يشدهم إليها نداء سحري ~~لا يستطيعون عنه صدا. وفي إحدى الليالي، وبعد أن انتهت حكاية ~~فارليماس، اكتشف الكهنة أن أحدا منهم لم يبق لمراقبة النجوم، ~~وتأكدوا من أنهم قد فقدوا أثر الدورة الفلكية التي كادت تقارب ~~نهايتها؛ فثارت ثائرتهم وقرروا قتل فارليماس، إلا أن الملك التمس ~~له ليلة أخيرة يقص فيها آخر حكاياته، فكان له ما أراد. في تلك ~~الليلة، هب الناس ms252 من كل حدب وصوب، إلى ساحة كبيرة نصب فيها عرش ~~الملك وكرسي لفارليماس، الذي ابتدأ حكايته على مسمع من الناس ~~جميعا. وعندما جاء الصباح وانتهت الحكاية، تنبه الناس من خدرهم ~~فوجدوا أن الكهنة جميعا قد ماتوا، فعاش الملك حتى بلغ الشيخوخة، ~~وأبطلت من بعده عادة قتل الملوك. # 67 # وفي جنوب الهند في مقاطعة ملابر، كان على الملك أن يضحي بنفسه في ~~نهاية دورة زمنية فلكية مقدارها اثنا عشر عاما، وهي الفترة ~~اللازمة لدوران كوكب جوبيتر حول الشمس، وعودته مرة ثانية إلى برج ~~السرطان. فإذا حل الموعد المضروب، جاء الكهنة الذين أمضوا وقتهم في ~~مراقبة الأفلاك، إلى الملك وأبلغوه بانتهاء أجله، ثم نصبوا له منصة ~~خشبية يعتليها أمام حشد كبير من الناس، حيث يبدأ طقس القربان. هنا ~~يعطي الملك سكينا مسنونة قاطعة، ويبدأ بتقطيع أجزاء جسده مبتدئا ~~بالأنف فالأذنين فالشفتين، ثم ينتقل إلى يديه وساقيه، وكلما قطع ~~عضوا رماه إلى خارج المنصة أمام الجمهور، حتى إذا خارت قواه وقارب ~~الانهيار عمد إلى قطع حنجرته. # 68 # ومن الممارسات والطقوس الحديثة نعود القهقرى إلى ممارسات وطقوس ~~الحضارات القديمة. فالمصادر الرومانية الموغلة في القدم تروي أن ~~ريمولوس أول ملوك روما قد قتل على يد أعيان المدينة، وأن أجزاء ~~جسده قد دفنت في أماكن متفرقة من الأرض. كما تنقل الروايات ~~اليونانية: أن بعض ملوك طيبة وتراقيا قد قتلوا ومزقوا إربا إربا، ~~ودفنت أجزاؤهم في الأرض بسبب تجديفهم على الإله ديونيسيوس. ويغلب ~~الظن أن هذه الروايات ليست إلا بقية من طقس قديم كان الملك بموجبه ~~يقتل باعتباره ممثلا للإله ديونيسيوس نفسه، الذي مات ميتة مشابهة ~~عندما مزقه التيتان إربا. # 69 # وفي الثقافة الإسكندنافية القديمة كانت فترة حكم الملك ~~تستمر تسعة أعوام يتوجب قتله بعدها. ويحكى أن أحد ملوك السويد قد ~~عكف، قبل حلول أجله، على الصلاة وتقديم القرابين للآلهة لتجنبه ~~المصير المحتوم، فسمحت له الآلهة بالعيش، إن استطاع فداء نفسه بأحد ~~أبنائه كل تسعة أعوام. وقد ضحى ذلك الملك بتسعة من أبنائه، وعاش ~~حتى بلغ الشيخوخة. ms253 وعندما كان يستعد للتضحية بابنه العاشر قام عليه ~~الناس وقتلوه. # 70 # وهناك من الدلائل والإشارات ما يدفع للاعتقاد، بأن بعض ملوك ~~اليونان في التاريخ السحيق، كانوا يقتلون في دورة مقدارها ثماني ~~سنوات؛ ففي الفترات التاريخية، كان القضاة الخمسة الذي يشكلون ~~المجلس الأعلى المسيطر على الملك، يختارون في كل ثماني سنوات، ليلة ~~صافية السماء مظلمة لا قمر ينيرها، فيجلسون لمراقبة النجوم في صمت ~~إلى طلوع الصباح، فإذا لاح لهم شهاب مارق، كان في ذلك إشارة لهم ~~بأن الملك قد اقترف إثما بحق الآلهة. عند ذلك يأمر المجلس بلزوم ~~الملك بيته وكف يده عن الحكم، حتى تفصل في أمره نبوءة عرافة معبد ~~دلفي ، فإما أن يعاد إلى منصبه، أو يرفع إلى العرش ملك جديد. وفي ~~جزيرة كريت، كان على الملك، بعد مرور ثماني سنوات من حكمه، أن يلجأ ~~إلى أحد الكهوف في جبل إيدا المقدس (حيث ولد ابن العذراء زيوس)، ~~فيخلد إلى الراحة والتأمل، ويتلقى توجيهات الإله التي تعينه على ~~مواجهة أعباء الحكم في السنوات الثماني القادمة، ويستمد منه قوة ~~تجدد نشاطه الروحي والجسدي. هذه الدورة الزمنية المؤلفة من ثماني ~~سنوات التي حددت في كل من كريت واليونان توقيت تجديد الروح ~~الإلهية-الملكية، بالقتل أو بالوسائل البديلة التي حلت محله، ربما ~~كانت دورة فلكية مرتبطة بحركة الشمس والقمر في مداريهما. ففي كل ~~ثماني سنوات يصادف وقوع ليلة البدر الكامل في أطول أيام السنة أو ~~أقصرها، وقد رأى الأقدمون في هذا التوافق نوعا من الانسجام بين ~~النظامين الفلكيين الرئيسيين، اللذين يحددان نوعين في التقويم ~~الزمني، هما التقويم الشمسي والتقويم القمري. بعد أن يلتقي ~~النظامان والتقويمان، تبدأ في السماء دورة أخرى، وسباق جديد بين ~~الجرمين الكبيرين ... لذا وفي هذه الليلة بالذات يتوجب تجديد القوة ~~الإلهية الملكية. # 71 # وفي أحد الأعياد البابلية الذي يطلع عليه البابليون اسم ~~«السقاية»، نجد أثرا باقيا من عادة موغلة في القدم، تتعلق بقتل ~~الملوك؛ ففي هذا العيد المليء بالمرح وغرائب العادات، يتبادل ~~السادة والعبيد أدوارهم، فيقوم السادة على خدمة عبيدهم، ويلعب ms254 ~~العبيد دور السادة. وفي اليوم الأول للعيد يؤتى بأحد السجناء ~~المحكومين بالإعدام، فيكسى بملابس الملك ويوضع على العرش ويسمح له ~~بإصدار الأوامر. كما يترك على سجيته فيأكل ويشرب ويمتع نفسه بكل ~~وسيلة ممكنة، حتى إنه ينام مع سرايا الملك ومحظياته، وذلك إلى ~~اليوم الخامس، وهو آخر أيام العيد. عند ذلك تنزع عنه الثياب ~~الملكية ثم يقتل. إن استمتاع الملك البديل بكل حقوق الملك الأصلي ~~بما فيها النوم مع نسائه، وجلوسه على عرشه ولبسه ثيابه وإصداره ~~الأوامر المطاعة، هي محاولة لإسباغ الشخصية الملكية عليه ليكون ~~بديلا حقيقيا عن الملك في طقس القربان المقدس. ولا شك أن هذه ~~العادة التي تحولت في الفترات الأخيرة إلى لهو ولعب، قد كانت في ~~يوم من الأيام طقسا جديا، يموت بموجبه أحد الأفراد بديلا عن ~~الملك، الذي كان هو نفسه موضع القربان في فترات أبعد. # 72 # بعد هذه الجولة خلال المعتقدات والطقوس المتعلقة بالتجديد الدوري ~~للقوة الإلهية، قديمها وحديثها، نعود إلى ما تقدمنا به من تفسير ~~لدورة حياة الإله بعل، بعد أن توفرت لنا الأرضية اللازمة لدعم هذا ~~التفسير. فإله الخصوبة في المعتقد الكنعاني الأوغاريتي، يجدد قواه ~~عن طريق الموت والبعث من جديد في دورة مقدارها سبع سنوات. أما عن ~~عدد سنوات هذه الدورة فنتقدم بتفسيرين. فإذا كان عدد سنوات الدورة ~~هو فعلا سبع سنوات، فإن اختياره راجع إلى قدسيته باعتباره رقما ~~قمريا يدخل في صميم أسرار العبادات القمرية القديمة. ولكن هناك ~~من الأسباب ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن عدد سنوات الدورة البعلية ~~هو ثماني سنوات لا سبع؛ فالإله موت يصحو في السنة السابعة لتحدي ~~بعل؛ ولكن بعل لا يموت إلا في الثامنة بعد انتهاء الصراع. يدعم هذا ~~الاعتقاد نص في ملحمة «دانيال» الأوغاريتية، التي يعود تاريخ ~~تدوينها إلى نفس تاريخ تدوين نصوص بعل وعناة. فهذا هو الملك دانيال ~~يلعن الأرض التي ذبح فوقها ابنه «أقهات»: # فليبتليك بعل بسبع سنين، # ليبتليك راكب الغيوم بثماني سنين، # ليمنع عنك الندى، # لتنحبس عنك الأمطار، # لينقطع دفق الأنهار، # وتحتجب خيرات ms255 صوت بعل. # 73 # وفي هذه الحالة، فإن دورة حياة بعل المؤلفة من ~~ثماني سنوات، هي نفسها الدورة اللازمة لوقع ليلة القمر الكامل، في ~~أطول يوم أو أقصر يوم من أيام السنة الشمسية، وتوافق التقويمين ~~القمري والشمسي، وقد رأينا منذ قليل كيف كانت هذه الدورة تتحكم في ~~حياة الملوك من ممثلي الآلهة في كريت واليونان. # إيزيس وأوزوريس # تتجلى الأم المصرية الكبرى، في شكلها الأبهى كسيدة للطبيعة، تحت ~~اسم إيزيس التي تصفها النصوص الميثولوجية والطقسية بالإلهة ~~المتعددة الأسماء. فهي سيدة القمح وأول من اكتشف زراعته. من ~~ألقابها: «خالقة كل نبت أخضر» و«حقل القمح». وقد قرنها الإغريق ~~والرومان بكل من «ديمتر» و«سيريس»، ووصفتها بعض النصوص الإغريقية ب ~~«والدة ثمار الأرض» و«أم حزم القمح». ولذا نراها في الأعمال ~~التشكيلية الإغريقية والرومانية وقد رفعت بيديها الاثنتين باقتين ~~من سيقان القمح أو زينت رأسها بسنابله. وقد انتشرت عبادتها في ~~العالم الكلاسيكي انتشار النار في الهشيم، منذ فتح الإسكندر ~~الكبير، وملأت تماثيلها المقدسة أصقاع الإمبراطورية الرومانية، ~~وخصوصا تلك التي تمثلها جالسة وفي حضنها الوليد الإلهي، والتي بقي ~~بعضها يعبد من قبل المسيحيين على أنه تمثال السيدة مريم وابنها يسوع. # 74 # ومنذ الأزمنة المبكرة، يظهر الإله أوزوريس إلى جانب ~~إيزيس أخا أو زوجا أو ابنا، وشريكا في خصائص الخصب، وإلها ~~أسيرا لدورة القمح والإنبات. # فبعد أن اكتشفت إيزيس القمح، أعطت باقاته الأولى لأوزوريس الذي ~~قام بتعليم البشر زراعتها. # 75 # وقد ابتدأ أوزوريس مهمته في أرض مصر فأبطل العادات ~~الهمجية القديمة، وعلم الناس كيفية صناعة الأدوات الزراعية ~~واستعمالها في استنبات القمح والشعير، وعلمهم أكل الخبز وشرب ~~النبيذ والجعة وبناء البيوت. وهو الذي أسس الديانة الأولى وعلم ~~البشر عبادة الآلهة، واستخدام الآلات الموسيقية. وبعد أن قام بنشر ~~الحضارة في مصر غادرها إلى آسيا وبقية أنحاء المعمورة، متابعا ~~مهمته في نشر الحضارة مستميلا إليه الناس باللين والمحبة ~~والموسيقى، ثم عاد إلى مصر ليحكمها بالعدل، ولكن إلى حين. ففي ~~السنة الثامنة والعشرين من حكمه، قام ضده أخوه الشرير «سيت» الذي ~~نام على ms256 حسده وغيرته وضغائنه فترة طويلة، فقتله غيلة ووضع جسده في ~~صندوق خشبي أغلقه بإحكام ورماه في النيل. حملت مياه النيل الصندوق ~~إلى البحر، فطاف على غير هدى حتى استقر عند شواطئ كنعان أمام مدينة ~~بيبلوس، حيث أمسكت به أغصان شجرة الطرفاء النحيلة، التي ما لبثت أن ~~نمت بشكل غير مألوف بعد أن لامسها التابوت المقدس، واحتوته بكامله ~~داخل جذعها. فلما رآها ملك بيبلوس، أعجب بها أشد العجب وأمر بأن ~~تقطع لاستعمالها كعمود يزين قصره ويدعم به سقفه. وما إن نصبت ~~الشجرة عمودا حتى أخذت تتضوع طيبا نفاذا ذاع صيته في كل ~~البلاد، ووصل إلى أسماع إيزيس في مصر، التي كانت في حداد مقيم منذ ~~غياب زوجها. فعرفت ببصيرتها سر الشجرة، وطارت لتوها إلى بيبلوس، ~~حيث تنكرت في هيئة امرأة عادية، ودخلت القصر الملكي كضيفة على ~~الملكة «عستارت»، وصارت مربية لابنها. ثم ما لبثت أن أعلنت عن ~~نفسها وطالبت باستعادة أوزوريس من الشجرة، فكان لها ما أرادت. شقت ~~إيزيس الشجرة وأخرجت الصندوق ففتحته وبكت ما شاء لها البكاء فوق ~~جثة زوجها المسجاة، ثم حملته وطارت به إلى مصر حيث خبأته مؤقتا في ~~مستنقعات الدلتا؛ خوفا من أن يعثر عليه أخوه «سيت». ولكن سيت يجد ~~الصندوق فيفتحه ويمزق جسد أوزوريس ~~إلى أربع عشرة قطعة، يوزعها في ~~طول البلاد وعرضها. غير أن هذا لا يفت في عضد إيزيس التي تعود ~~للبحث عن أوزوريس وتذرع الأرض منقبة عن أجزائه المبعثرة، فتعثر ~~عليها قطعة بعد قطعة، ما عدا عضو الذكورة، ثم تجمع فتنفخ فيها ~~الحياة مستعيدة حبيبها من عالم الموتى. ولكن أوزوريس بعد بعثه، لا ~~يفضل قضاء حياته على الأرض، وإنما يهبط إلى العالم الأسفل ليغدو ~~سيدا له، حاكما وقاضيا في مملكة الموتى، بينما يتابع ابنه من ~~إيزيس «حورس»، مقارعة عمه سيت، ويستمر صراع القوتين: قوة النور ~~والخير، وقوة الظلام والشر. # 76 # وصلت هذه الأسطورة إلينا عن طريق المصادر الإغريقية، وهي النص ~~الوحيد المعتمد نظرا لعدم وجود نص مصري متكامل يروي قصة إيزيس ~~وأوزوريس. ولا ms257 شك أن الإغريق قد استلهموا روايات شفهية كانت سائدة ~~في القرون القليلة السابقة للميلاد، وخصوصا إبان عصر البطالمة، ~~فجاء النص تعبيرا عن الأسطورة في شكلها المتأخر، مضافا إليه ~~تزيين إغريقي واضح. ولكننا رغم ذلك نستطيع أن نكتشف فيها آثارا ~~تدل على أشكال الأسطورة الأقدم. فالمراحل الأولى للأسطورة القمرية ~~تظهر في تقطيع أوزوريس إلى أربعة عشر جزءا، ثم إعادة تجميعها ونفخ ~~الحياة فيها. وقد أشرنا إلى ذلك مفصلا في مكان آخر من هذا الفصل. ~~أما الأسطورة النيوليتية الأولى، فتظهر في قيام الإله بنشر زراعة ~~القمح والحبوب في مصر وبقية أنحاء العالم، ونقل البشر من طور ~~البداءة إلى طور الحضارة. فأوزوريس هنا هو القمح الذي كان لاكتشاف ~~زراعته الأثر الحاسم في بداية التاريخ البشري، وليس موته، وقيام ~~إيزيس بإعادته إلى الحياة، إلا تكرارا لأسطورة القمح القتيل ودورة ~~حياته السنوية. ونستطيع التأكيد على أن أسطورته كانت نسخة مطابقة ~~لأسطورة تموز وأسطورة أدونيس، قبل أن تحوله الاتجاهات المتأخرة إلى ~~إله للعالم الأسفل. ولربما كان تحوله إلى إله للعالم الأسفل، قد مر ~~بمرحلة انتقالية كان فيها إلها لذلك العالم، خلال نصف السنة التي ~~يغيب فيها القمح في باطن الأرض، كما هو حال بيرسفوني التي كانت ~~تقضي نصف السنة ملكة على الموتى، ونصفها الآخر ملكة نورانية في ~~العالم الأعلى. أما توزيع أجزاء أوزوريس الأربعة عشر في أنحاء ~~متفرقة من الأرض، فيذكرنا بالأمثلة العديدة التي أوردناها في هذا ~~الفصل، وبعض الفصول السابقة، عن دفن أجزاء جسد القربان البشرية ~~الممثل لإله الخصب القتيل في الأرض لإخصابها. ولربما كان ملوك مصر ~~الأوائل، الذين بقوا حتى آخر أيام الحضارة المصرية يحملون قبسا من ~~روح الإله الأكبر، وتقدم لهم فروض العبادة كالآلهة، ربما كانوا في ~~الأيام السالفة يقتلون باعتبارهم ممثلين للإله أوزوريس نفسه، ~~وتوزع أجزاؤهم في الحقول لإخصابها. # هذا وتشف بعض عناصر الأسطورة عن صلتها الوثيقة بأسطورة أدونيس ~~الكنعانية، فأوزوريس يولد ولادة ثانية من الشجرة، كما ولد أدونيس. ~~وهذه الولادة تحصل في مدينة جبيل الفينيقية، المركز الرئيسي لعبادة ~~أدونيس. وكما خبأت ms258 عستارت أدونيس في صندوق وضعته في عهدة بيرسفوني، ~~ثم عادت إلى العالم الأسفل تحاول استرجاعه، كذلك هو حال أوزوريس ~~الذي وضع جسده القتيل في صندوق راحت إيزيس تبحث عنه حتى وجدته في ~~قصر ملكة بيبلوس، التي تطلق عليها الأسطورة اسم «عستارت». وهذا ~~التطابق بين اسم الملكة واسم الإلهة ليس من قبيل الصدف، بل هو بقية ~~باقية من أسطورة أدونيس، التي ارتحلت في تاريخ مبكر من شواطئ كنعان ~~إلى شواطئ مصر حيث يبدأ حياته الجديدة في أحضان الأم المصرية ~~الكبرى. ويذكرنا الصراع بين أوزوريس الأخضر وسيت، الذي يمثل ~~الجفاف والصحراء التي تحاول التوسع دوما على حساب الأراضي الخصبة ~~حول ضفاف النيل، بالصراع بين بعل وموت. وبشكل عام نلاحظ أن شخصية ~~أوزوريس تتطابق في ملامحها مع شخصية تموز وأدونيس، وخصوصا في ~~علاقته بإيزيس، التي تبدو في النصوص المصرية ظلا حاميا للإله ~~الابن، لا حياة له بدونها. نقرأ في نص يعود إلى المملكة ~~المتوسطة: # أخته من قدم الرعاية له وبسط عليه الحماية. # دفعت عنه الأعداء وجنبته مهاوي حظه العاثر. # دحرت خصومه بتمتمات السحر رتلتها شفتاها، # وتحرك بها لسانها المجرب، وفمها الذي لا تنفد ~~كلماته. # إيزيس، صاحبة السلطان وروح العدل، حمت أخاها. # بحثت عنه بلا كلل، ولا أقعدها عناء. # بدموع جارية طافت كل البلاد فما استراحت قبل ~~لقياه. # ظللت جسده بريشها ورفت فوقه بجناحها. # نعم، إيزيس التي شدت أزر أخيها، # ونفخت في جسده المتلاشي العزيمة. # إيزيس التي تلقت بذوره في بطنها، # وحملت بوارثه فأرضعته في مأمن. # 77 # طقوس أوزوريس # تختلف مواعيد الدورة الزراعية في مصر عن بقية بلدان الشرق الأدنى ~~اختلافا بينا؛ وذلك لندرة الأمطار والاعتماد على فيضان النيل ~~السنوي. يبدأ منسوب مياه النيل بالارتفاع اعتبارا من شهر حزيران ~~(يونيو)، ليبلغ حده الأعلى نحو نهاية شهر أيلول (سبتمبر) فيغمر ~~الشريط الخصب الممتد حول شواطئ النهر. ولمدة شهر تقريبا تبقى مياه ~~النهر ثابتة عند منسوبها، ثم تبدأ بالانخفاض ليعود النهر إلى سريره ~~الطبيعي نحو شهر كانون الأول (ديسمبر)، مخلفا في الأرض التي تركها ~~تربة جديدة ms259 خصبة، جرفها معه عبر مساره الطويل. لذلك يختلف موسم دفن ~~الحبوب في التراب وموسم حصاد الحبوب عن بقية المواسم في المنطقة. ~~فزراعة الحبوب تبدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) وتنتهي في ديسمبر ~~(كانون الأول)، وذلك تبعا لجغرافية المنطقة ووضعها من النهر. ~~أما الحصاد فيبدأ في الربيع وينتهي في أيار (مايو). وفي الفترة ~~الفاصلة بين انتهاء الحصاد وبداية ارتفاع النيل تبدو سهول مصر في ~~حالة كئيبة، تهب عليها الرياح الساخنة وتلفحها شمس حزيران الحارقة. ~~ولقد أثر هذا الطابع الخاص للدورة الزراعية في مصر على الطقوس ~~والأعياد الأوزيرية، وعلى مواعيدها السنوية. # يمكن تتبع نوعين من الطقوس الأوزيرية في تاريخ مصر القديم؛ ~~النوع الأول: هو الطقوس الشعبية البدائية التي مارسها زارعو القمح ~~منذ القديم، وبقوا على ولائهم لها حتى الفترات المتأخرة. وقد ~~ارتبطت هذه الطقوس بمواعيد الدورة الزراعية النيلية، فبقيت ثابتة ~~عبر آلاف السنين، تقام كل عام في الموعد المحدد نفسه. أما النوع ~~الثاني: فالطقوس الرسمية التي كان الكهنة يقيمونها في المعابد. ~~وهذه الطقوس رغم انبثاقها عن طقوس المزارع القديم؛ فقد انفصلت عن ~~مواعيد الدورة الزراعية؛ نظرا لابتكار الكهنة تقويما لا يتطابق ~~تماما مع السنة الشمسية، ولا يجري تعديله دوريا لتحقيق مثل هذا ~~التطابق. لذلك راحت مواعيد الطقوس الأوزيرية الرسمية، عبر فترة ~~طويلة من الزمن، تدور عبر الفصول من الصيف إلى الخريف فالشتاء ~~فالربيع، راجعة مرة أخرى إلى الصيف، وذلك حتى جرى تبني التقويم ~~الشمسي الحقيقي، وهو التقويم الإسكندري، عام 30ق.م. # 78 # تتشابه الطقوس الشعبية الأوزيرية في جوهرها وكثير من شكلياتها، ~~مع طقوس المزارعين السوريين التي سلف الحديث عنها؛ ففي أوقات ~~الحصاد كان الحصادون لدى قطعهم حزم القمح الأولى، يندبون الإله ~~القتيل الذي تهاوى تحت مناجلهم المسنونة، ويرفعون أدعية خاصة إلى ~~الإلهة إيزيس (مما يدل على أن النواح في أصله كان نواحا على إيزيس ~~لا على أوزوريس). وكان نواح الحصادين يتخذ إيقاعا موسيقيا مع ~~ترديد بعض الكلمات، التي ميز الرواة اليونانيون منها كلمة مانيروس، ~~والتي تعني: عد إلى بيتك، مما جرى الحديث عنه في ms260 مكان آخر من هذا ~~الفصل. وبعد انتهاء الحصاد وابتداء موسم الفيضان، يقام احتفال آخر ~~مكرس لإيزيس؛ فقد رأى المصريون في فيضان النهر دموع الإلهة التي ~~تبكي زوجها الميت، فتنثال دموعها سواقي ترفع مياه النيل. ولما كان ~~ابتداء الفيض يترافق مع ظهور نجم الشعري اليمانية (سيريوس) أكثر ~~النجوم الثابتة لمعانا في السماء؛ فقد نسب المصريون هذا النجم ~~لإيزيس. وكانوا يرون في ظهوره قبل الفجر، خلال الأيام القليلة ~~السابقة للانقلاب الصيفي، إيزيس نفسها وقد أتت لتبكي أوزوريس ~~الفقيد. أما بعد تراجع الفيضان وبدء موسم البذار، فكان للمزارعين ~~طقوس حداد ثانية على الإله القتيل الذي يوارى الثرى. وقد وصف ~~الكاتب اليوناني «بلوتارخ» هذه الطقوس ودعا قارئه إلى عدم العجب ~~منها؛ لأنها تشابه في جوهرها طقوس الحداد الديمترية. # 79 # أما الطقوس الرسمية فكانت تقام في معابد المدن بعيدا عن حقل ~~القمح الذي نشأت فيه. وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن عيدا ~~واحدا لأوزوريس كان يقام مرة في السنة في شهر تشرين الثاني ~~(نوفمبر)، وأن هذا العيد قد بقي ثابتا في توقيته منذ تبني ~~التقويم الشمسي الإسكندري. تستمر طقوس الندب على أوزوريس القتيل في ~~عيده السنوي مدة أربعة أيام، تمثل خلالها دراما حياته القصيرة ~~وعذاباته وبعثه، وتتشابه هذه الطقوس مع غيرها من طقوس الإله الابن ~~القتيل، حيث يقود الكهنة جموع الندابين، فيقرعون صدورهم ويلطمون ~~وجوههم وينكئون جراحهم القديمة، ويقومون بالبحث عن أوزوريس الفقيد ~~حتى يجدوه، فيعلنون عودة الإله إلى الحياة وتبدأ الأفراح. وقد ~~تمثل عودة أوزوريس إلى الحياة بطفل صغير يرفعه كاهن يمثل الإله ~~أنوبيس، الذي ساعد إيزيس في البحث والعثور على زوجها. وفي ذلك ~~إشارة خفية إلى كون أوزوريس هو الأخ والزوج والابن في آن معا. ~~وطيلة أيام الطقوس ينصب في المكان تمثال خشبي لبقرة متشحة بالسواد ~~يرمز للإلهة إيزيس، وقد يحمل تمثال البقرة هذا ويطاف به، لتمثيل ~~طواف إيزيس الطويل في رحلة البحث عن أوزوريس. # 80 # أما أوزوريس فيمثل أحيانا في هذه الطقوس بعمود ~~معروف في النصوص والأعمال التشكيلية باسم عمود ال ms261 «دجد». وكان هذا ~~العمود في هذه المناسبات وغيرها موضع تقديس وعبادة، وينوب مناب ~~تمثال الإله نفسه. # 81 # وفي أصله لم يكن ال «دجد» سوى جذع شجرة من فصيلة ~~الأشجار دائمة الخضرة، ثم تحول إلى عمود ذي تاج رباعي، # 82 # وفي ذلك إشارة إلى أوزوريس باعتباره روحا للشجرة ~~والإنبات بشكل عام. ومما يرويه المؤرخ الإغريقي هيرودوتس عن هذه ~~الاحتفالات التي شاهدها بأم عينه، قيام فريقين من المشاركين في ~~الطقوس بتمثيل الصراع بين أوزوريس وأخيه، عن طريق الاشتباك الفعلي ~~في قتال دام، تستعمل فيه الهراوات الخشبية سلاحا، ويسقط في ~~نهايته عدد كبير من الجرحى وربما بعض القتلى أيضا. # 83 # هذا، وقد عثر على برديات مصرية قديمة تحتوي على نصوص شبه ~~درامية، وضعت لتوجيه الكهنة ومساعدتهم في الإخراج الدرامي لأسطورة ~~أوزوريس. وقد تم في هذه النصوص تقسيم الأحداث إلى مشاهد منفصلة، ~~وقدمت التعليمات إلى الممثلين كل حسب دوره في الاعتماد على ~~الحركة والأفعال الرمزية، أكثر من الكلمة المنطوقة. # 84 # وهذا يذكرنا بنصوص بعل وعناة الأوغاريتية التي احتوت ~~بين سطورها إشارات موجهة للمثلين. # 85 # مما يؤكد المنشأ الديني للدراما في شكلها المتطور ~~اللاحق، وولادة المسرح من طقوس الخصب القديمة. # سيميلي وديونيسيوس # بعد أدونيس، كان ديونيسيوس ثاني أبناء الأم الكبرى الذين اقتحمت ~~عبادتهم الديانة الإغريقية، وقد جاء هذا الإله، ذو الأصول الشرقية ~~الواضحة، من منطقة تراقيا المتاخمة لآسيا الصغرى من جهة الشمال ~~والمتأثرة بها ثقافيا وحضاريا، وابتدأ حياته إلها ثانويا ~~إلى جانب آلهة اليونان القدامى، ولكنه ما لبث أن صعد إلى الأوليمب، ~~وصار أكثر الآلهة شعبية خلال القرون القليلة السابقة ~~للميلاد. # جاء ديونيسيوس إلى اليونان ~~مع أمه «سيميلي» الأم-الأرض التراقية، ولكنه ما لبث أن انفصل عنها ~~تدريجيا، وخضعت أسطورته إلى تحويرات الثقافة الذكرية، حتى خلت ~~ديانته تماما من عبادة الإله الأم، وبقي الإله الابن يلعب وحده ~~الدور الأساسي في الطقس والأسطورة. بعد سيميلي، جعلت منه الأساطير ~~الإغريقية المتعددة والمختلفة، ابنا لعدد من أشكال الإلهة الأم؛ ~~فهو ابن لبيرسفوني أو لديمتر أو لسيبيل. وهذا التنوع في ms262 الروايات ~~المتعلقة بنسب ديونيسيوس، يشير إلى تراجع دور الأم في الأسطورة ~~الديونيسية، وظهور الابن كممثل وحيد على مسرح الطبيعة. غير أن هذا ~~التراجع في دور الأم لم يؤثر على جوهر الديانة الديونيسية، التي ~~بقيت أمومية في صميمها وغاياتها. ورغم تحوله في شكله الأخير إلى ~~إله للخمر والكرمة والأشجار المثمرة؛ فقد بقي ديونيسيوس يحمل ملامح ~~واضحة قوية من شكله القديم كإله للقمح والحبوب، وشكله الأقدم كإله ~~قمري وثور سماوي. # فقد جاء ديونيسيوس كمولود ذي قرون، وتشير إليه بعض النصوص على ~~أنه «المولود من بقرة» و«ذو القرنين». وكان يظهر لأتباعه في بعض ~~المناسبات في هيئة الثور الكاملة. وقد استلهمت الأعمال التشكيلية ~~هذه الألقاب والصفات، فاستعارت له بعض ملامح الثور وأعضائه، ومثلته ~~في هيئة الثور، فنراه أحيانا في هيئة فتى ذي قرنين، وأحيانا ~~يرتدي جلد الثور الذي يتعلق به الرأس والذيل والأطراف، وأحيانا ~~كطفل له رأس عجل يجلس في حضن امرأة. # أما عن أصوله كإله للقمح، فيحكي عن مولده أن أول سرير وضعته أمه ~~فيه كان مذراة للقمح. وقد غدت هذه المذراة رمزا من رموزه، وأشارت ~~إليه بعض النصوص على أنه «ذو المذراة»، كما أنه أول من ربط الثيران ~~إلى المحراث ومارس حراثة الأرض بهذه الطريقة. وكان النور يشع من ~~بعض معابده عشية عيده السنوي ليبشر بمواسم حصاد طيبة. ومن إله ~~للقمح، تحول ديونيسيوس إلى إله للإنبات بشكل عام، وإله للشجر ~~المثمر بشكل خاص. فهو الذي اكتشف زراعة الشجر، من ألقابه ~~«ديونيسيوس الشجر» و«ساكن الشجر». من هنا كان الكهنة ينصبون في ~~معابده جذع شجرة ينوب مناب تمثاله، وكذلك زارعو الشجر الذين كانوا ~~ينصبون في مزارعهم جذاعا مقدسا مماثلا، ويشيرون إلى ديونيسيوس ~~بألقاب منها «المزهر» و«منبت الثمر» و«ذو الثمار اليانعة». وكان ~~شجر الصنوبر من أشجار الإله المقدسة، ومنه صنعت بعض تماثيله، التي ~~يظهر في بعضها وقد حمل في يده صولجانا ينتهي بثمرة الصنوبر. وكذلك ~~الأمر فيما يتعلق بشجرة التين التي ارتبطت وثيقا بعبادة ~~ديونيسيوس، فكان وجهه في بعض التماثيل يصنع من خشب هذا الشجر. ms263 إلا ~~أن شجرته الرئيسية كانت شجرة الكرمة التي ارتبطت بخمرها طقوس هذا ~~الإله وديانته. # 86 # أما عن أسطورة ديونيسيوس فإن الرواية الرئيسية لها ~~تجري على النحو الآتي: # عندما جاءت الإلهة ديمتر من كريت ومعها ابنتها بيرسفوني، قامت ~~بإخفاء ابنتها في كهف أمين قرب أحد الينابيع، وأوكلت بحراستها ~~الثعبانين الهائلين اللذين يجران عادة عربتها. وفي ذلك الكهف مكثت ~~بيرسفوني تنسج وشاحا صوفيا لترسم عليه صورة بديعة للكون (قارن ~~ما ورد في فصل القمر، عن عشتار كناسجة للقدر). ولكن الإله زيوس ~~يتمكن من دخول الكهف في هيئة ثعبان، ويضاجع بيرسفوني التي تحمل ~~وتضع في المغارة ابنها ديونيسيوس، الذي تتعهده بالرعاية في نفس ~~المكان. إلا أن زوجة زيوس الغيور هيرا تحرض التيتان على قتل الإله ~~الصغير، فيأتون في هيئة تنكرية، وقد طلوا وجوههم وأجسامهم بالجبس ~~الأبيض، فينقضون على الطفل الذي أظهر شجاعة وفطنة في التخلص منهم، ~~حيث حول نفسه إلى أسد، فحصان، فأفعى ذات قرون فنمر. وأخيرا أمسكوا ~~به وهو في هيئة الثور، وقطعوه إلى سبع قطع والتهموه نيئا، ومن ~~قطرات دمه التي تساقطت على الأرض نبتت أزهار الرمان. إلا أن الإلهة ~~أثينا، التي كانت على مقربة من الحادث، استطاعت إنقاذ قلب الإله ~~وسلمته إلى أبيه زيوس الذي أسرع إلى المكان، فقضى على التيتان ~~ببرقه وصواعقه، وأخذ قلب الصغير فأعطاه إلى جدته «رحيا» التي أعادت ~~ديونيسيوس إلى الحياة. وفي رواية أخرى أن أثينا قد وضعت القلب في ~~قالب من الجبس ثم نفخت فيه الحياة. # 87 # في شكل آخر للأسطورة، نجد ديونيسيوس ابنا لسيميلي، ~~وهي إلهة الأرض في فرجيا وتراقيا، # 88 # وإلهة للقمر أيضا. وكانت عابدات القمر في احتفال ال ~~«لينايا» الذي يطلق عليه اسم احتفال النساء المتوحشات، يضحين لها ~~بثور يقطعونه إلى تسع قطع يلتهمنها نيئة، # 89 # ولكن الأسطورة المتأخرة تجعل من سيميلي زوجة للملك ~~قدموس ملك طيبة، التي يأتيها زيوس في هيئة بشرية ويضاجعها خفية عن ~~زوجها، فتحمل منه بالإله ديونيسيوس، وتستمر علاقتهما إلى أن يبلغ ~~الجنين في بطنها الشهر السادس. عندها ms264 تعرف زوجة زيوس الغيور هيرا ~~بالأمر، فتأتي إلى سيميلي في هيئة جارة عجوز وتنصحها بأن تطلب من ~~زيوس أن يظهر أمامها في هيئته الحقيقية، كإله للبرق والصواعق؛ ~~لتتأكد من شخصيته الإلهية. وعندما يأتي زيوس مساء لينام معها، ~~تتمنع سيميلي طالبة منه أن يتبدى أمامها في شكله الإلهي فيرضخ ~~لطلبها، إلا أن صواعقه تحرقها فتهبط لتوها إلى العالم الأسفل، ولكن ~~زيوس يفلح في إنقاذ الجنين من أحشائها بمعونة الإله هرمز، ويقوم ~~بشق ساقه ووضع الجنين فيه ليتم فترة حمله. وفي الشهر التاسع يفتح ~~ساقه، ويستولد منها ديونيسيوس # 90 # الذي يتسلق وهو طفل عرش أبيه ويلعب بصواعقه بيديه ~~الصغيرتين مقلدا كبير الآلهة. # إلا أن زيوس الذي يعرف أن حقد هيرا لن يقف عند هذا الحد، قد أخذ ~~ابنه الصغير وأسلمه أمانة للملك «آتماس» وزوجته «أنيو»، لينشئاه ~~بعيدا عن عيون هيرا. فأخذاه وربياه في جناح الحريم وألبساه ثياب ~~البنات، زيادة منهما في التمويه. ولكن هيرا تكتشف الأمر، وتعاقب ~~الملك وزوجته فتضربهما بالجنون. فيعمد زيوس إلى نقل ديونيسيوس إلى ~~عهدة حوريات جبل «نيسا» حيث يكبر ويشتد ساعده، ويكتشف في مخبئه ذاك ~~زراعة الكرمة ويصنع منها الخمر. ورغم وصوله مرحلة الشباب واكتسابه ~~هيئة أنثوية، نتيجة للتربية الخاصة التي خضع لها، فإن هيرا تتعرف ~~فيه على ملامح الابن غير الشرعي لزيوس، فتضربه بالجنون فيهيم على ~~وجهه في البراري دون هدى فترة طويلة. وعندما يصحو يقرر الطواف في ~~جميع أنحاء العالم ومعه معلمه الساتير «سيلنوس»، وحشد كبير من ~~الساتير الآخرين الذين ساروا وراءه في موكب حافل. زار ديونيسيوس ~~مصر وسوريا والهند وبقاعا أخرى كثيرة، فنشر فيها زراعة الكرمة ~~ووطد فيها الشرائع والقوانين، وبنى المدن الكبيرة، وأسس لعبادته ~~فيها. ثم قفل عائدا إلى جبل الأوليمب حيث ارتقى سدة الرئاسة إلى ~~يمين أبيه كبير الآلهة. غير أن ديونيسيوس لم ينس أمه سيميلي التي ~~ماتت قبل أن تلده. فقرر الهبوط إلى العالم الأسفل لاسترجاعها إلى ~~الحياة، وهناك استطاع استرضاء بيرسفوني ببعض الهدايا، ففكت إسار ~~سيميلي من الموت، وصعدت مع ابنها ms265 إلى السماء وانضمت إلى آلهة الأوليمب. # 91 # هذه هي أسطورة ديونيسيوس في خطوطها العامة، وقد لعب فيها الخيال ~~الإغريقي بحرية كبيرة، وتناولتها الاتجاهات الدينية المختلفة كل ~~على هواه. ومع ذلك، فإنها لا تخفي الهيكل الأصلي لأسطورة الإله ~~الابن، شأنها في ذلك شأن بقية أساطيره المتأخرة، على ما نبينه في ~~المقارنات التالية: ~~(1) # فالقطع السبع التي مزقه إليها التيتان والتهموها، ثم ~~أعيد بعثها في جسد جديد، هي درجات الموت السبع التي ~~هبطتها إنانا السومرية وعشتار البابلية، والقطع ~~الرئيسية التي يفقدها القمر في طريقه للاحتجاب في ~~العالم الأسفل. وهي أيضا نصف العدد 14، الذي قسم إليه ~~جسد أوزوريس من قبل أخيه سيت، والتي أعادت إيزيس جمعها ~~ونفخت فيه الحياة. ~~(2) # رغم أن الأسطورة في شكلها الأخير لا تشير صراحة إلى ~~موت وبعث ديونيسيوس باعتباره موتا وبعثا سنويا، ~~إلا أن هذا الفكرة متضمنة في طقوسه السنوية التي ~~سنتطرق إليها بعد قليل. ولا شك أن إسقاط الأسطورة ~~لعنصر الموت السنوي، قد جاء نتاجا لتذكير الأسطورة ~~ومحاولة الابتعاد بها عن حلتها الأمومية، ورفع ~~ديونيسيوس من أسير لدورة الطبيعة إلى إله أوليمبي، ~~يجلس عن يمين كبير الأرباب في الأعالي، لا في الأسفل ~~حيث حضن الأرض. ~~(3) # لعلنا واجدون في انقضاض التيتان على ديونيسيوس ~~وتمزيقه في هيئة الثور، وهي آخر هيئة تحول إليها، ~~تكرارا لمشهد مصرع دوموزي في الأسطورة السومرية، حيث ~~تنقض عليه عفاريت العالم الأسفل محاولة جره معها، ~~فيطلب إلى الإله «أوتو» تحويله تارة إلى غزال وتارة ~~إلى حية. نقرأ في نص هبوط إنانا إلى العالم ~~الأسفل: # فبكى دوموزي حتى ازرق وجهه، # ورفع يديه إلى السماء نحو أوتو ~~قائلا: # حول يدي إلى حية وقدمي إلى حية، # أنقذني من العفاريت ولا تدعهم يأخذونني. # 92 ~~(وفي نص آخر عن موت دوموزي، نجده يدعو أن ~~يتحول إلى غزال): # فتلقى أوتو دموعه قربانا، # وكإله رحمة واسعة أراه من رحمته. # حول يديه إلى يدي غزال، # فلم تطله عفاريت الجالا، # ونجى بنفسه إلى شوبيريلا. # 93 # ولكن العفاريت تنقض في النهاية على ~~دموزي وتمزقه، كما مزق التيتان ms266 من بعده ديونيسيوس رغم ~~تحولاته المتعددة إلى أسد فحصان فأفعى. ~~(4) # إن رحلة ديونيسيوس الطويلة في أنحاء المسكونة وتعليم ~~أهلها أصول الحضارة وإعطاءهم الشرائع والقوانين وبناء ~~المدن الكبيرة، تكاد تكون نسخة مكررة عن رحلة أوزوريس، ~~مع فارق واحد يتعلق بالنبات الذي حمله كل إله إلى بني ~~البشر. فبينما حمل أوزوريس القمح وعلم الناس أكل ~~الخبز، حمل ديونيسيوس الكرمة وعلم الناس شرب الخمر. ~~وفي الحقيقة لم يكن النبات الذي حمله ديونيسيوس في ~~شكله القديم إلا القمح، ولم يعلم الناس إلا أكل الخبز؛ ~~لأن الشرائع والقوانين التي مد بها ديونيسيوس البشر، ~~والمدن الكبيرة التي بناها، لتدل على انتشار زراعة ~~القمح، والاستقرار في الأرض وبناء المستوطنات الثابتة، ~~أكثر مما يدل على انتشار زراعة الكرمة وتخمير الشراب ~~المسكر. ~~(5) # تبرر الأسطورة ، بطريقة مبسطة، التكوين الأنثوي للإله ~~الابن، فتعزوه إلى تربيته في جناح الحريم تربية ~~نسائية، ولبسه لفترة طويلة ملابس النساء اختفاء عن ~~عيون هيرا، التي كانت تترصده في كل مكان. وبذلك لا يشذ ~~ديونيسيوس عن بقية الآلهة الأبناء في التكوين الأنثوي ~~الذي يميز شكله وشخصيته، بل لعله في ذلك قد بز جميع ~~أقرانه. وتفسير ذلك في رأينا راجع إلى غياب صورة ~~الإلهة الأم من الديانة الديونيسية، واستقطاب الإله ~~الابن كل الميول العاطفية التي كانت تستقطبها عبادة ~~الأنثى. يضاف إلى ذلك، أن الديونيسية كانت بشكل أساسي ~~ديانة للنساء، كما ألمحنا إلى ذلك في فصل سابق، ولا ~~نستطيع أن نستبعد أثرهن على تشكيل الصورة العامة لإله ~~تلك الديانة. # هذا ونستطيع أن نعثر على مساهمتين أساسيتين للميثولوجيا الذكرية، ~~في إضفاء طابع بطريركي على هذه الأسطورة: ~~(1) # لم تسمح ~~الأسطورة للإلهة الأم بأن تستكمل مهمة ولادة ابنها ~~ديونيسيوس، بل لقد شاركها في ذلك الإله الأب نفسه، ~~فحمل عنها نصف المهمة والأهم؛ إذ قام زيوس الذي تسبب ~~بوفاة سيميلي، بإنقاذ الجنين وزرعه داخل جسمه ليطلقه ~~إلى الحياة كائنا مكتملا في ولادة حقيقية. وهذه هي ~~المرة الثانية التي يلد فيها كبير آلهة الأوليمب. ~~فقبلها قام بولادة ابنته أثينا من جبهته بعد أن ابتلع ms267 ~~أمها «ميتس» وهي حامل بها. وربما كان في هذه الرواية ~~أثر من حدث تاريخي قديم، عندما اجتاحت القبائل ~~البطريركية المجتمع الأمومي، أو ثارت جماعة الذكور من ~~الداخل، فقضت على عبادة الأم الكبرى وقتلت كاهنتها، ~~بينما أبقت على عبادة الإله الابن وحاولت إدماجه في ~~نظامها الديني الأبوي. ~~(2) # في الشكل ~~المتأخر لأسطورة ديونيسيوس، يخضع أحد العناصر الأساسية ~~لأسطورة الإله الابن، إلى أكبر عملية تحوير وعكس ~~للأدوار بين الأم الكبرى وابنها الوليد الإله المحكوم ~~بالهبوط إلى العالم الأسفل. ففي الشكل الأصلي للأسطورة ~~يهبط الابن ميتا إلى العالم الأسفل، وتقوم الأم ~~باستعادته إلى الحياة. أما في الأسطورة الذكرية، فإن ~~الأم هي التي تهبط ميتة إلى العالم الأسفل، بينما يهرع ~~الابن إلى استعادتها وبعثها من الموت. # طقوس ديونيسيوس # لدينا من الدلائل ما يشير إلى أن طقوس ديونيسيوس الرئيسية كانت ~~تقام في عيده السنوي الذي يصادف وقوعه في فصل الربيع، حيث يجر ~~الإله الصاعد من العالم الأسفل فصل الخضرة والإنبات وراءه. في ذلك ~~العيد كانت دراما الإله الميت تمثل وتنشد بكامل تفاصيلها، مع ~~التأكيد على اللحظات الأخيرة التي عانى فيها ديونيسيوس العذاب ~~والآلام ثم ذاق الموت، حتى إن جوقة الصنوج والفلوت كانت تعبر ~~بألحان تثير كل أشجان النفس، عن حشرجات الإله وهو يسلم أنفاسه ~~الأخيرة. وبعد ذلك كانت الدراما تنتقل إلى نهايتها المعروفة، حيث ~~يتم بعث الإله وعودته إلى عرشه السماوي من جديد. وخلال الطقوس كان ~~المشتركون يأتون بثور يمثل الإله ديونيسيوس نفسه، فيمزقونه حيا ~~ويأكلون لحمه نيئا ويشربون دمه، ثم يهيمون بين الأحراش حاملين ~~معهم سلة يفترض أن بها قلب الإله القتيل. وفي مناطق أخرى كان الطقس ~~يركز على قصة هبوط ديونيسيوس إلى العالم الأسفل لاستعادة أمه ~~سيميلي، ثم عودته ظافرا من العالم الأسفل. فكانت الدراما تمثل ~~سنويا عند شاطئ بحيرة، كان يعتقد أن الإله قد هبط منها إلى ~~العالم الأسفل، وأنه من ذات البحيرة سوف يبعث من جديد. # 94 # وبذلك يعود الطقس إلى شكله المألوف الذي عهدناه في ~~طقوس بقية الآلهة الأبناء، ويبدو ديونيسيوس ms268 على حقيقته كروح ~~للإنبات التي تموت وتحيا في كل عام. # وفي مناطق أخرى كان المحتفلون يأتون بتيس يمزقونه حيا ويأكلونه ~~بدل الثور، وذلك انطلاقا من معتقد آخر يربط ديونيسيوس بالماعز لا ~~بالبقر. فمن ألقاب ديونيسيوس الكثيرة أيضا «الذي يلبس جلد التيس»، ~~وكان يظهر في بعض المناسبات على هذه الهيئة، # 95 # وهذا ما يجعله أول الساتير، وهم جنس من الآلهة ~~الثانوية التي تصورها الأسطورة والأعمال التشكيلية في هيئة البشر ~~وهيئة الماعز، وكانوا يعيشون في الغاب ويكرسون حياتهم للشرب وللهو ~~والجنس، وشكلوا عصبة تسير وراء الإله ديونيسيوس وتشارك في طقوسه، ~~وقد قدمنا تفصيلات عنهم في مكان آخر من هذا الكتاب. كما جرت العادة ~~في بعض المناطق على تقديم قربان بشري بدل التيس أو الثور في طقوس ~~ديونيسيوس، فكان هذا القربان يقتل ويمزق بنفس الطريقة التي كان ~~يتم بها قتل وتمزيق التيس أو الثور. وقد استبدل طقس القربان ~~الحيواني بهذا الطقس فيما بعد. وهذا ما يعود بنا إلى الممارسات ~~القديمة المتعلقة بقتل الإله ممثلا في القربان البشري. ولعل في ~~الروايات المتوارثة عن قتل وتمزيق اثنين من ملوك اليونان القدماء، ~~وهما «بنثيوس» و«ليكورغوس» لتجديفهما على الإله ديونيسيوس، إشارة ~~إلى ممارسة قديمة تتعلق بقتل الملوك ممن كانوا يمثلون الإله ~~ديونيسيوس نفسه. # 96 # وبعد، لقد بعثت الديونيسية التقاليد الأمومية في المجتمع ~~الإغريقي بعد نوم طويل، وقام زيوس أخيرا بتسليم العرش إلى ~~ديونيسيوس، ابن الأم الكبرى وسليل النسب القمري، لا إلى أبولو ~~إله الشمس وسليل آلهة الذكور الأعلين. كما مهد انتصار الديونيسية ~~المؤزر الطريق أمام غزو الديانات الأمومية الشرقية، التي بدأت منذ ~~فتوحات الإسكندر بالتغلغل في العالم الكلاسيكي، حيث شاعت عبادة ~~إيزيس، وعبادة «ديا-سيريا» أي الإلهة السورية التي هي عشتار أو ~~عستارت، وعبادة سيبيل الأم الكبرى لآسيا الصغرى. كما عمد بعض ~~الأباطرة ذوو الأصل السوري على جعل الآلهة السورية آلهة رسمية ~~للدولة، مثلما فعل الإمبراطور أليجابالوس (أليجا - بعلوس)، عندما ~~حاول رفع الإله بعل إلها أكبر للإمبراطورية. وقد بدا لفترة، أن ~~الشرق الذي أخفق في اجتياح الغرب عسكريا ms269 منذ الألف الخامس قبل ~~الميلاد، قد صار مهيئا لاجتياحه روحيا وثقافيا. وفي هذا الصدد ~~يقول «باخوفن»، وهو أحد رواد دراسة الأسطورة في القرن التاسع عشر ~~الذي تركت آراؤه بصمات واضحة على علم الأسطورة في الغرب: ~~«لقرون عديدة بدت إيطاليا وكأنها ستبقى أبدا معتمدة على آسيا، ~~بعد أن تمكنت الديانات الشرقية من كل ركن من أركانها. كما بدا أنها ~~لن تستطيع تجاوز الثقافات الشرقية، التي أقامت عليها روما صرح ~~حضارتها في الأرض الإيطالية، وبزغت من رحمها. إلا أن الرومان قد ~~أخذوا تدريجيا يعون بوضوح التناقض فيما بينهم وبين الثقافات ~~الغريبة المحيطة بهم، ويدركون دورهم التاريخي؛ ذلك أن القضاء على ~~العناصر الآسيوية داخل جسم الحضارة الرومانية، كان شرطا للوجود ~~بالدرجة الأولى، وشرطا لمجد روما بالدرجة الثانية. من هنا جاء ~~تحرك الروح الرومانية للقضاء على مصادر التهديد في الداخل والخارج. ~~فبعد أن تم القضاء على مراكز الثقافة الشرقية في الأرض ~~الإيطالية، تفرغت روما لحربها الفاصلة مع قوى الشرق، ممثلة في ~~قرطاجة وقائدها هانيبعل. فكان تدمير قرطاجة الفينيقية أهم نقطة ~~تحول في تاريخ الإنسانية؛ لأنه نقل السيطرة على العالم من الشرق ~~إلى الغرب. لقد كان تدمير قرطاجة، بلا شك، خسارة كبرى في المعارف ~~والخبرات الإنسانية، ولكننا غير نادمين على ذلك؛ لأن المبادئ ~~الروحية الغربية قد انتصرت وقضت على التركة الشرقية إلى الأبد.» # 97 # على أن ما غفل عنه باخوفن في تحليله هذا هو أن الرومان في قمة ~~صراعهم مع هانيبعل، عندما كان القائد السوري يقرع الأبواب، لم ~~يستنجدوا إلا بالأم الشرقية الكبرى، حيث بعثوا رسلا رسميين إلى ~~فرجيا بآسيا الصغرى؛ لجلب حجر الإلهة «سيبيل» الأسود، ونصبه في ~~روما لاستجلاب بركتها. ~~(1) سيبيل وآتيس # دخلت سيبيل روما تحت اسم «ماجنا-ماتر» أي: الأم الكبرى، وذلك عام ~~204 قبل الميلاد، عندما كانت الجيوش الفينيقية تتقدم نحو روما لحسم ~~المعركة على الأرض الإيطالية. وكان ذلك إثر نبوءة لإحدى العرافات ~~جاء فيها أن نصر روما سيتحقق بوجود الأم الكبرى بينهم. وقد أوفد ~~مجلس الشيوخ رسلا رسميين إلى فرجيا، فجاءوا بحجر ms270 الإلهة سيبيل ~~الأسود، الذي يعتبره الفرجيون عرش الإلهة المقدس، ونصبوه في احتفال ~~رسمي وشعبي كبير فوق قمة البالنتين حيث معبد النصر. وبعد ذلك بأقل ~~من عامين انسحب هانيبعل من إيطاليا، فبنى الرومان لسيبيل معبدا ~~خاصا، وانتشرت عبادتها مع حبيبها آتيس في جميع أنحاء البلاد مع ~~مطلع العصر الإمبراطوري. # 98 # وقد لمس الرومان بركة الأم الكبرى منذ العام الأول ~~لإقامتها بينهم؛ إذ فاضت مواسم ذلك العام بخيرات لم تشهد لها ~~البلاد مثيلا منذ زمن بعيد. أما القائد القرطاجي المتراجع فقد وقف ~~على الشاطئ الإيطالي، قبل صعوده في آخر سفينة مغادرة، ليلقي نظرة ~~أخيرة على الأرض التي كانت مسرحا لأحلامه، وهو لا يدري أن روما ~~العظيمة، التي دحرت المد الشرقي العسكري، قد فتحت أبوابها لغزو ~~شرقي من نوع آخر، غزو ديني اكتسبها دون قتال، # 99 # ابتدأ بالأم الكبرى سيبيل وابنها آتيس القتيل، وانتهى ~~بانتصار آخر مؤزر للشرق على الغرب، على يد الأم الكبرى مريم ~~العذراء وابنها يسوع المسيح بعد بضع مئات من السنين. # يبدو آتيس في الأسطورة ابنا لسيبيل تارة، وحبيبها تارة أخرى. ~~وتحكي رواية مولده أن أمه العذراء قد حملت به بعد أن احتضنت غصنا ~~من أغصان شجر اللوز أو شجر الرمان. وعندما شب الإله الصغير وصار ~~فتى وسيم الطلعة، لم يستمتع بشبابه طويلا؛ إذ إن حياته قد انقضت ~~بميتة عنيفة، عندما خصى نفسه تحت شجرة الصنوبر ونزف حتى الموت، ومن ~~دمائه التي سقت التربة نبتت أزهار البنفسج. ويقال إن الإله بعد ذلك ~~تحول إلى شجرة صنوبر، وفي رواية أخرى: يموت آتيس نفس الميتة التي ~~سبقه إليها أدونيس؛ إذ يفترسه الخنزير البري. ولذلك يمتنع عباد ~~آتيس، شأنهم في ذلك شأن عباد أدونيس، عن أكل لحم الخنزير. أما عن ~~طقوس آتيس فكانت تقام في عيده السنوي يوم الثاني والعشرين من آذار. ~~تبدأ الاحتفالات في اليوم الأول بأن يمضي إلى الغابة فريق من ~~المحتفلين، فيقتطع شجرة صنوبر يلفها بالقماش الأبيض كما تلف الجثة، ~~ويزينها بأزهار البنفسج التي انبعثت من جراح الإله القتيل، ثم ms271 تعلق ~~إلى وسطها صورة لآتيس الشاب، وتحمل إلى معبد سيبيل حيث تنصب هناك. ~~وفي اليوم الثاني تنطلق الأبواق من معبد الإلهة ومن شتى أنحاء ~~المدينة، تعزف الأنغام الحزينة التي تنعي موت الإله. أما انفجار ~~الحزن في شكله الدرامي العنيف فيتم في اليوم الثالث الذي يدعى بيوم ~~الدم، حيث يبدأ كبير الكهنة بإحداث جرح كبير في ذراعه يندفع منه ~~الدم على شكل نافورة غزيرة، ثم يندفع بقية الكهنة إلى الحلبة في ~~رقص مجنون على أنغام آلات النفخ المختلفة، إلى أن يتوصلوا إلى حالة ~~من الوجد يفقدون معها الإحساس، فيأخذون بتجريح أنفسهم بقطع من ~~الزجاج والخزف أو الموسى، ويغسلون بدمائهم مذبح الإلهة وصورة الإله ~~القتيل. بعد ذلك تبدأ طقوس الخصاء حيث يتقدم الكهنة الجدد لتقديم ~~ذكورتهم على مذبح سيبيل، مما تحدثنا عنه في مكان سابق من هذا ~~الكتاب. وفي مساء هذا اليوم يتحول حزن العباد إلى فرح غامر، فلقد ~~فتح غطاء القبر وبعث آتيس من بين الأموات. وفي اليوم الرابع ~~للاحتفال، الذي كان يعتبر موعدا للانقلاب الربيعي، ينهي العباد ~~صومهم عن الخبز الذي بدءوه في اليوم الأول؛ اقتداء بسيبيل التي ~~صامت عنه حزنا على زوجها الغائب. وتشهد المدينة احتفالات ~~وكرنفالات بهيجة يشترك فيها أهل روما من كل الطبقات ويبيحون ~~لأنفسهم كل ممنوع. وينتهي العيد بأن يحمل الكهنة على عربة خاصة ~~تمثالا للإلهة، مصنوعا من فضة ورأسه من حجر أسود، فيسيرون به في ~~موكب يتقدمه نبلاء القوم حفاة الأقدام، فيصلون إلى النهر ويغسلون ~~العربة والتمثال بالماء، ثم يعودون بالعربة وقد زينوها بكل نوع من ~~أزهار الربيع. # 100 # لا تقدم لنا أسطورة آتيس وطقوسه كثيرا من الأشياء الجديدة على ~~الأرضية التي صارت مألوفة لدينا تماما. فالعذراء تحمل بقواها ~~الإخصابية الخاصة دون معونة من ذكر، وليست الإشارة إلى احتضانها ~~غصنا من شجر الرمان إلا تعبيرا، باللغة السرية للأسطورة، عن ~~إخصاب الأم نفسها بنفسها باحتضان رمز من رموزها. وكهنة سيبيل ~~الخصيان وطقوس الخصاء في أعيادها، تذكرنا بكهنة عستارت ~~الكنعانية وطقوس الخصاء في معابدها. ومن الملفت للنظر ms272 أن نجد ذكرا ~~لعستارت وكهنتها الخصيان وطقوسها، في كتاب مشهور لكاتب روماني عاش ~~في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، وهي الفترة التي ثبتت فيها ~~المسيحية أقدامها في كل من سوريا وروما. والكتاب لا يشير إلى ~~الإلهة بالاسم، وإنما يدعوها باسم «الإلهة السورية» ففي كتابه # The Golden Ass # يقدم الكاتب ~~الروماني # Apuleius # في فصل «الكهنة ~~الخصيان» الوصف الحي التالي لجماعة من خصيان الإلهة السورية وقد ~~خرجت في موكب طقوسي وراء تمثال الإلهة المحمول: ~~«كانت ملابسهم متعددة الألوان، وقد صبغوا وجوههم بالأحمر، يضعون ~~على رءوسهم قلنسوات زعفرانية اللون، ويرتدون جلابيب وأحزمة حريرية، ~~ويلبسون في أرجلهم أحذية صفراء. أما الإلهة فقد غطوها بعباءة ~~حريرية خاصة. بدأ عازفو الهورن موسيقاهم العالية، وأخذ الكهان ~~يلوحون بسيوفهم الضخمة وهراواتهم الشوكية، وهم يتقافزون كأن بهم ~~مسا وأذرعهم عارية حتى الأكتاف. وبعد أن مررنا بعدة قرى توقف ~~الموكب أمام بيت ريفي كبير، وعاد الكهنة إلى الرقص فكانوا يحركون ~~رءوسهم نحو الأمام بقوة تجعل شعرهم الطويل يغطي وجوههم، ثم يهزونها ~~بحركة دورانية سريعة، تجعل شعرهم الطويل يتطوح في دائرة واسعة حول ~~الرأس. وبين حين وآخر كانوا يعضون أنفسهم بوحشية، فإذا بلغوا ~~الذروة أخذوا بتجريح أذرعهم بسكاكين حادة يحملونها. وكان فيهم واحد ~~فاضت به النشوة، فكان يطلق تنهدات من أعماق صدره وكأنه امتلأ بروح ~~الإلهة، فبدا كمن به جنة، ثم راح يدلي باعترافاته عن آثام ~~ارتكبها، ويدعو يداه لإيقاع العقاب به. وبعد أن انتهى استل سوطا ~~وأخذ يجلد به نفسه حتى سال دمه، وهو يتحمل الألم بثبات يثير ~~الدهشة. أما أنا فلم أكن في راحة من أمري، وخطر لي أن هذه الإلهة ~~السورية ربما كانت متعطشة لدمي أيضا ...» # 101 # أما آتيس فلا يختلف في شيء عن التجليات الأخرى للإله الابن؛ ~~فالتاج الهلالي الذي يلبسه على رأسه في بعض تمثيلاته التشكيلية ~~ينبي عن أصوله القمرية، # 102 # واسمه نفسه إنما يعني «التيس»، وهو ذكر الماعز ذو ~~القرون. وبذلك يلتقي آتيس مع ديونيسيوس الذي كان التيس رمزه الثاني ~~بعد الثور، كما يلتقي الإلهان ms273 عند رمز آخر وهو شجرة الرمان. فغصن ~~الرمان الذي حملت بواسطته أم آتيس هو الذي نبت من دماء ديونيسيوس ~~القتيل. أما الصنوبرة التي مات تحتها آتيس والتي كانت صورته ترفع ~~عليها في احتفاله السنوي، فهي الشجرة المقدسة في الديانة ~~الديونيسية التي صنعت منها تماثيل ديونيسيوس، والتي حافظت على ~~قداستها وصولا إلى الديانة المسيحية، حيث ما زالت في نصف المعمورة ~~اليوم تنصب شجيراتها الصغيرة في عيد الميلاد. وموته بواسطة الخنزير ~~البري يجعل منه نسخة مستعادة لأدوينس، ودمه الذي نبتت منه أزهار ~~البنفسج هو دم أدونيس الذي نبتت منه شقائق النعمان، ودم ديونيسيوس ~~الذي نبتت منه أزهار الرمان. # وآتيس هو روح القمح التي تموت في الخريف وتحيا مع الربيع. فمن ~~ألقابه «باقة القمح»، وليس صيام عباده عن الخبز خلال أيام العيد ~~إلا صياما عن أكل جسد الإله، وهو ما يذكرنا بعادة أهل حران في ~~سوريا، الذين كانوا يمتنعون عن كل طعام يمر تحت حجر الطاحون خلال ~~فترة حزنهم على الإله تموز. وهو روح الإنبات بشكل عام، يمثله نحت ~~محفوظ في أحد متاحف روما، وقد أمسك بيديه باقة من القمح وأنواعا ~~مختلفة من الفاكهة، ووضع على رأسه إكليلا من ثمار الصنوبر، وزهرة ~~البنفسج. وهو أيضا روح الشجر والغاب، وليست إشارة الأسطورة إلى أن ~~آتيس قد بعث من موته في شجرة صنوبر إلا توكيدا على ذلك. كما أن في ~~تعليق صورة آتيس على شجرة الصنوبر وحملها معا في مواكب الاحتفال، ~~تمثيلا مزدوجا للإله في شكله النباتي والإنساني. وربما كانت ~~العادة في الماضي أن تعلق إلى شجرة الصنوبر أضحية بشرية تمثل الإله ~~القتيل، ثم استبدلت صورته بها فيما بعد. # هذا ويذكرنا تحول آتيس إلى شجرة وحمله في هيئة بشرية على شجرة، ~~بأوزوريس الذي انفتحت شجرة الطرفاء لتحتويه، وبأدونيس الذي ولد من ~~شجرة. كما تذكرنا شجرة الصنوبر التي تلف بالأكفان البيضاء ~~بأوزوريس الذي يبدو في معظم الأعمال التشكيلية ملفوفا بالأكفان من ~~رأسه إلى قدميه، لا يظهر منه خارجا إلا الرأس واليدين. # ولعلنا واجدون في تعليق آتيس ms274 على الشجرة استباقا وتمهيدا ~~لتعليق السيد المسيح على خشبة الصليب؛ فخشب الصليب ليس خشبا ~~عاديا بالنسبة للأسطورة المسيحية، بل هو مصنوع من شجرة مقدسة هي ~~شجرة المعرفة القائمة في جنة عدن، والتي أكل منها آدم وحواء. من ~~هنا تطابق النصوص الطقسية والترانيم الدينية بين الصليب والشجرة. # 103 # يوسف الجميل # عندما تكبت الرموز السارية في ثقافة ما بفعل سلطة روحية أو ~~سياسية طاغية، فإن هذه الرموز لا تخمد ولا تموت؛ بل تحاول التعبير ~~عن نفسها بطرق باطنية سرية شتى، فتتبدى في أشكال جديدة هي أبعد ~~ما تكون عن أشكالها الأصلية القديمة، مع محافظتها على طاقتها ~~الإيحائية المتدفقة. ولعل حكاية يوسف بن يعقوب التوراتية، هي خير ~~مثال على ذلك. فبعد قرون طويلة من كفاح كهنة يهوه ضد عبادات الخصب ~~الشائعة لدى العبرانيين وجيرانهم الكنعانيين، نجد أسطورة الإله ~~الميت تتسلل إلى التوراة بشكل رمزي جميل، لا تخفى على البصيرة ~~أصولها. # ففي قصة يوسف، تعود إلى الظهور العناصر الأساسية للأسطورة التموزية، # 104 # وذلك في تبطين حذق لا ندري معه هل جاء تسلل الرمز ~~نتيجة تضمين واع، أم نتيجة تدفق لا شعوري عبر ذاكرة الثقافة. كان ~~يوسف راعيا شابا، غض الإهاب، حسن الصورة، فائق الجمال، رقيق ~~التكوين، ولد ليعقوب في شيخوخته من زوجته الثانية راحيل. فكان ~~الأثير إلى قلب أبيه المفضل على إخوته جميعا. صنع له قميصا ~~ملونا وألبسه إياه، وقد أثار تفضيل الأب ليوسف حقد إخوته ~~وغيرتهم. كما زاد من كرههم له حلم قصه عليهم يتنبأ له بمستقبل ~~عظيم وبتفوقه على إخوته، فقرروا مجتمعين التخلص منه. وبينما هم ~~يرعون الغنم بعيدا عن أرضهم رموا أخاهم في بئر مهجورة بعد أن ~~نزعوا عنه قميصه الملون، وعادوا به إلى أبيهم وعليه دم تيس ذبحوه ~~عند البئر، فأوهموه أن وحشا ضاريا قد افترس يوسف. ولكن قافلة ~~عابرة في طريقها إلى مصر تنتشل يوسف وتحمله معها؛ حيث تبيعه إلى ~~فوطيفار رئيس شرطة الفرعون. وهناك يلقى حظوة عند سيده الذي الذي ~~يأمن له ويسلمه أمور بيته ورزقه؛ لأن الرب ms275 كان يأخذ بيد يوسف في كل ~~أمر من أموره. # لم يكن حقد الإخوة، في الواقع، نابعا فقط من تفضيل الأب ليوسف، ~~بل لقد لعب ثوب يوسف الملون دورا هاما في زرع النفور في نفوسهم؛ ~~ذلك أن الأثواب الملونة كانت في التقاليد العبرانية وقفا على ~~النساء من دون الرجال، فكان ثوب يوسف تأسيسا للقيم الأمومية بين ~~الجماعة البطريركية الذكرية من ناحية، وقبولا للجانب الأنثوي في ~~شخصية إله الخصب. هذا وتشير مصادر يهودية أخرى إلى أن الثوب الذي ~~لبسه يوسف، لم يكن سوى الثوب الذي لبسته أمه راحيل يوم عرسها. ~~وبذلك يعود بنا زي يوسف النسائي إلى ثياب الإله ديونيسيوس ~~النسائية، التي تحدثنا عنها في مكان آخر من هذا الفصل، وإلى تربيته ~~في جناح الحريم. فيوسف الذي ولد ليعقوب في شيخوخته من زوجته ~~الثانية، كان ابنا للأم في بيت مليء بأبناء الأب. وإضافة إلى زيه ~~النسائي، فإن ملامح شخصيته العامة ترسم صورة الإله الابن، فتظهر ~~خطوطها متقطعة تحت القناع التوراتي الجامد. ومن ناحية أخرى، ليس ~~هبوط يوسف إلى الجب وصعوده منه، سوى موت رمزي وانبعاث، ويعادل هبوط ~~تموز أو أدونيس إلى العالم الأسفل. ويقدم لنا دم التيس الذي لطخ به ~~قميص يوسف عنصرا هاما. فإذا كان يوسف قد مات في الجب رمزيا، ~~فإن التيس الذي هو رمز من رموز إله الخصب، قد ذبح فعليا وفاضت ~~دماؤه على ثياب يوسف. # في بيت فوطيفار، تقع الزوجة في حب يوسف وتعرض عليه وصالها فيعرض ~~عنها ولاء لسيده، فتتهمه بإغوائها، ويلقى به في السجن سنوات ~~طوال. وهناك يشتهر بتفسيراته الصائبة للأحلام، ومنها تفسيره لحلمين ~~رآهما ساقي فرعون وخبازه اللذان أذنبا إلى سيدهما فألقى بهما في ~~السجن، فكان تفسيره لحلم الخباز أنه سوف يقتل بعد ثلاثة أيام، ~~ولحلم الساقي أنه سوف يعود إلى مكانته وعمله بعد ثلاثة أيام. وقد ~~وقع بعد ثلاثة أيام ما أكد صحة تفسير يوسف؛ إذ تم إعدم الخباز، ~~وإطلاق سراح الساقي. وحدث بعد سنتين من ذلك أن الفرعون قد رأى ~~حلمين أقضا عليه ms276 مضجعه فراح يبحث عن تفسير لهما عند حاشيته ~~والمقربين إليه. وهنا يتذكر الساقي زميل سجنه، يوسف مفسر الأحلام، ~~فيؤتى به على عجل، ويقص عليه الفرعون حلميه؛ في الحلم الأول رأى ~~سبع بقرات طالعات من النهر مكتنزات، تتبعهن سبع بقرات هزيلات ~~قميئات، فتأكل البقرات الهزيلات البقرات السمينات. وفي الحلم ~~الثاني يرى سبع سنابل طالعات في ساق واحدة ممتلئة حسنة، وراءها سبع ~~سنابل رقيقة ملفوحة بالريح الشرقية، فتبلع السنابل الرقيقة السنابل ~~الممتلئة. بعد تأمل قصير قال يوسف للفرعون: إن الحلمين في الواقع ~~ليسا إلا حلما واحدا. وتفسيره أنه سوف يأتي على مصر سبع سنين ~~خيرة تعم فيها المواسم الطيبة، تتلوها سبع سنين عجاف يعم فيها ~~القحط والجفاف. وهنا يؤمن الفرعون بتفسير يوسف، ويطلقه من السجن ~~ليسلمه مباشرة إدارة موارد الدولة. أخذ يوسف يخزن القمح في سنوات ~~الخصب التي ما لبثت أن توالت سبعا تباعا. حتى إذا لاحت بوادر ~~السبع العجاف، أخذ يوزع ما ادخر أيام الوفرة مجنبا البلاد كارثة ~~كانت محققة. ويبدو أن الجفاف لم يضرب أرض مصر فقط في تلك الأيام، ~~بل امتدت آثاره لتشمل جزءا كبيرا من البلاد المجاورة أيضا. لذلك ~~تحدثنا بقية القصة عن إرسال يعقوب لأولاده إلى مصر لشراء الحبوب ~~منها، وعن استقرارهم فيما بعد إلى جانب أخيهم في أرض مصر. # إن إلقاء يوسف في غياهب السجن ثم خروجه منه هو موته الرمزي ~~وبعثه. وكما كان خروجه الأول من الجب بركة وخيرا على فوطيفار، ~~كذلك كان خروجه الثاني من السجن بركة وخيرا على مصر والبلدان ~~لمجاورة. تماما كالإله الابن الذي يشكل موته وبعثه شرطا ~~لاستمرار دورة الطبيعة. ويوسف في تنظيمه لنتاج دورتي الخصب والجدب ~~المؤلفة كل منهما من سبع سنوات، إنما يعيد تمثيل دور الإله بعل ~~الذي تتحكم حياته في إيقاع دورة الخصب المؤلفة من سبع سنوات. كما ~~أن علاقة يوسف بسيدته، زوجة فوطيفار، تحمل إشارة خفية إلى عنصر ~~الخصاء عند الإله الابن، وإلى عنصر الأسطورة المتعلق بإرسال عشتار ~~بحبيبها إلى العالم الأسفل. # مارجورجيوس الأخضر - سيدنا الخضر # تقدم ms277 شخصية مارجورجيوس في التراث الشعبي المسيحي، وشخصية الخضر ~~(= الأخضر) في التراث الشعبي الإسلامي نموذجا عن الخيال الشعبي ~~الذي يعطي الرموز القديمة على الدوام شحنة عاطفية تجعلها مستمرة ~~عبر الشروط المتبدلة. فبينما تحاول السلطة الكهنوتية لكل دين تحويل ~~التاريخ الروحي للبشرية إلى قطع منفصلة ينسخ بعضها بعضا، يقوم ~~الخيال الشعبي بدور خيط المسبحة الذي يجمع الثقافة الإنسانية بعضها ~~إلى بعض في تتابع وتداخل ملون بديع. وهكذا استمر تموز الأخضر حيا ~~في الثقافة المسيحية والإسلامية إلى يومنا هذا من خلال مارجورجيوس ~~والخضر. # ففي أوروبا يحتفل الريفيون بيوم القديس مارجورجيوس، الذي يدعونه ~~بالقديس جورج الأخضر، وذلك في الثالث والعشرين من نيسان، وهو نفس ~~التاريخ الذي دارت حوله معظم أعياد الخصب القديمة. ففي العديد من ~~المناطق يؤتى صباح الاحتفال بجذع شجرة، فيزين بأنواع الأزهار ~~والأوراق الخضراء والأكاليل، ثم يحمل في موكب مرح ، وإلى جانبه ~~يمشي شاب غض الإهاب، غطى جسمه كله بأغصان الشجر وأوراقه. حتى إذا ~~وصل الموكب بين غناء ورقص وموسيقى إلى ضفة النهر، حمل المحتفلون ~~الشاب ورموه إلى الماء. وفي مناطق أخرى يقطع جذع شجرة عشية يوم ~~القديس جورج، فيزين بالطريقة السابقة نفسها ويفرش تحته ثوبان. ~~حتى إذا جاء الصباح أتى الناس إليه، فإذا رأوا بعض الأوراق قد ~~تساقطت على الثوبين كان في ذلك بشرى بمواسم طيبة. ثم يأتون بشاب ~~يغطونه من قمة رأسه حتى أسفل قدميه بالأوراق والبراعم، ويأتون ~~بقطعانهم فينثر فوقها قبضات من العشب الطري الجديد لتزداد وتتكاثر. ~~ثم يسير الجميع إلى النهر حيث يرمى الشاب إلى الماء، أو ترمى ~~دمية تمثل القديس جورج الأخضر. وفي بعض مناطق روسيا كانت العادة أن ~~يخرج الكاهن مع جمهرة من الناس صبيحة يوم القديس جورج الأخضر إلى ~~الحقول فيباركها ويتلو الدعوات من أجل مواسم طيبة. ثم يتقدم بعض ~~الشبان والشابات ممن تزوجوا حديثا فيتدحرجون على الأرض ليمدوها ~~بخصبهم. هذا وتكشف الأناشيد والأغاني التي يترنم بها الناس في ذلك ~~اليوم عن جوهر القديس جورج كروح للنبات والإخصاب. تقول إحداها: ~~أتينا ومعنا جورج الأخضر. أتينا. ms278 وإلى جانبنا جورج الأخضر. فليهبنا ~~علفا لمواشينا، فإن لم يفعل ألقينا به إلى الماء. # 105 # وفي سوريا (بلاد الشام) اليوم، يحتفل الناس بعيد مارجورجيوس ~~خصوصا في المناطق التي حافظت على طابعها الآرامي القديم كبلدة ~~صيدنايا التي يقام فيها كل عام احتفال مشهور يتقاطر الناس للمشاركة ~~فيه من شتى أنحاء البلاد. # إلى جانب وظائف الخصب التي تعزى إلى القديس جورج، فإن الخيال ~~الشعبي قد حفظ في هذه الشخصية جوانب أخرى لآلهة الخصب السورية ~~القديمة، لا سيما الإله بعل في شكله المعروف كقاهر للتنين ذي ~~الرءوس السبعة. فالأيقونات الشرقية التي ما تزال تزين جدران البيوت ~~في بلادنا، وجدران المتاحف في أوروبا، تظهر القديس ممتطيا جواده ~~يخوض صراعا مميتا مع التنين متعدد الرءوس. وإلى جانب المشهد تبدو ~~امرأة جميلة تنظر بهدوء واثق نتيجة الصراع، هي في الأصل عناة ~~الأوغاريتية، ولكنها في رمز الأيقونة، الكنيسة التي يقاتل من أجلها ~~القديس. # ومارجورجيوس، هو نفسه «الخضر» في التراث الشعبي الإسلامي. وكل ~~مسلم ومسيحي يطابق بين الشخصيتين دون أن يعرف الأساس الذي تبنى ~~عليه مثل هذه المطابقة. واسم «الخضر» بفتح الخاء وكسر الضاد، ~~يعني الأخضر، وهو نبي حي في كل زمان ومكان، محجوب عن الأبصار إلى ~~يوم القيامة. نراه في القصص الشعبي وروايات الإخباريين جالسا على ~~طنفسة خضراء على وجه الماء، متشحا بثوب أخضر، ينبت العشب تحت ~~قدميه أينما حل. # الفصل العاشر # | عشتار المخلصة # لم يمر على الإنسان وقت لم يكن فيه مأخوذا بفكرة خلود الروح، ~~والخلاص من عالم المادة إلى عالم آخر ذي طبيعة مغايرة. فقبل ظهور ~~«الإنسان العاقل» الذي تعتبر البشرية اليوم استمرارا له، كان الإنسان ~~النياتدرتالي الشبيه بالقرد يدفن موتاه وفق طقوس خاصة، ويضع في قبورهم ~~بعض الطعام والشراب؛ مما يدل على اعتقاده بأن الموت ليس إلا معبرا من ~~حالة إلى حالة ومن عالم إلى عالم. كما تقدم لنا حفريات العصور الحجرية ~~القديمة بينات كثيرة على طقوس واعتقاد مماثل. # ويبدو أن القمر كان منذ فجر الإنسانية مركزا لمعتقد وطقس الخلود ~~والخلاص. فالقمر الذي يجدد ms279 نفسه كل شهر في حركة دائمة، وينبعث من ~~العالم الأسفل جديدا كلما هبط إليه، إنما يضع أمام الناس مثالا، ~~ويهبه أملا غامضا في السير على منواله، والبعث بعد الهبوط إلى باطن ~~الأرض. ولعلنا واجدون في معتقدات الشعوب البدائية للعصر الحديث بقية من ~~معتقد الإنسان القديم ونظرته للقمر. # ففي الملايو، تعتقد بعض القبائل بأن انبعاث القمر الشهري هو الذي ~~يحفظ حياة البشر على الأرض، ولذلك كانوا يقيمون الطقوس التي من شأنها ~~مساعدته على الظهور ثانية، بعد الليلة الظلماء التي يغيب فيها في أعماق ~~الأرض. وعندما يقوم الهنود الحمر برقصاتهم الطقسية في ليالي القمر ~~ينشدون: كما يموت القمر ثم ينهض للحياة من جديد، كذلك نحن نموت ولكن ~~الحياة الجديدة في انتظارنا. ويشيع لدى قبائل أخرى دعاء موجه للقمر ~~يقول: هل لي أن أجدد حياتي كما تجدد أنت حياتك. وفي مدغشقر تقول ~~الأسطورة إن البشر لما خلقوا أول مرة خيروا في أن يتجددوا كما يتجدد ~~القمر فيخلدوا بذواتهم، أو أن يتجددوا كما تتجدد شجرة الموز؛ أي بتخليد ~~نوعهم عن طريق بذورهم، فاختاروا النوع الثاني من الخلود، مفضلين الحياة ~~الجنسية التي تهب البنين على جنة لا تربط المرأة والرجل برباط الجنس، ~~تماما كما هو حال الرواية التوراتية عن آدم وحواء؛ اللذين خسرا الخلود ~~الفردي مقابل الفعل الجنسي الذي يخلد النوع. وفي ميلانيزيا تقول ~~الأسطورة: إن إلهة القمر الكامل أرادت أن تسبغ نعمة التجدد والخلود على ~~البشر، ولكن أختها إلهة القمر الهلال قد حولت تلك النعمة إلى جنس ~~الأفاعي (قارن مع ملحمة جلجامش). وفي أستراليا اعتقد السكان الأصليون ~~أن البشر في مطلع عهدهم، كانوا يتجددون كما القمر فيبعثون في اليوم ~~الثالث لموتهم. # 1 # لقد رأى إنسان العصر الحجري في القمر إلهة خالدة قادرة على تجديد ~~نفسها أبدا، وقادرة على منح الخلود لعبادها، وعندما صارت إلهة القمر ~~الخالدة إلهة للدورة الزراعية، تموت وتبعث سنويا لضمان دورة الفصول، ~~بقي بعث عشتار أملا للإنسان ببعث مماثل. فالإلهة التي هبطت إلى العالم ~~الأسفل لتنتزع حياة النبات من غياهب الموت، ms280 فتهب البشر معاشا في هذه ~~الحياة، قد ذاقت الموت أيضا لتهب البشر خلاصا من الموت وبعثا إلى ~~عالم أفضل. إلا أن نعمة الخلود لم تكن مبذولة للجميع، كما لم تكن جزاء ~~يناله كل من أدى فريضة العبادة وطقوسها، وسار في خط الأخلاق القويم؛ ~~بل كانت وقفا على الخاصة ممن استطاعوا في هذه الحياة، ومن خلال رياضات ~~روحية شاقة وطقوس سرية متاحة للقلة، أن ينتشلوا جوهر الروح من حمأة ~~المادة، ويحققوا لقاء المتناهي باللامتناهي، الإنساني بالإلهي، في ~~أعماق النفس الإنسانية، في تجربة تجعل من الوعد الآتي خبرة معاشة الآن ~~والساعة. # ففي الديانات الرسمية لمعظم حضارات الشرق الأدنى وحوض المتوسط، لا ~~نعثر منذ بدايات عصور الكتابة على اعتقاد واضح في وجود حياة ثانية ~~وخلاص إلى عالم أفضل. فالموت كان نهاية الحياة الفردية، وأرواح البشر ~~دون تمييز تذهب إلى العالم الأسفل، لتبقى هناك في حالة من الوجود الممض ~~الثقيل، في جو مظلم مغبر ساكن، وزمن راكد لا جريان فيه ولا تغيير. هذه ~~كانت حال العالم الأسفل في بلاد الرافدين، الذي أطلق عليه السومريون ~~والبابليون اسم «كور» والإغريق اسم «هاديس». ولم يشذ عن ذلك العالم ~~الأسفل التوراتي الذي أطلق عليه العبرانيون اسم «شيئول» أو «الهاوية» ~~في الترجمات العربية. فالعبرانيون قد ساروا في تصوراتهم الأخروية على ~~نسق التصورات السومرية والبابلية، وبقيت فكرة الخلود والعالم الآخر ~~غامضة لديهم حتى ظهور المسيح الذي حرر الموتى وفتح أمام البشرية بوابة السماء؛ # 2 # ففي الفلكلور المسيحي الذي اعتمد إنجيلا منحولا اسمه ~~إنجيل «نيوكوديموس» يهبط المسيح بعد موته إلى العالم الأسفل؛ ليحرر ~~الموتى وجميع الأنبياء المحتجزين هناك منذ زمن إبراهيم. وقبل ظهور نور ~~المسيح في عالم الظلمات يشعر الموت بأن أمرا ما سوف يحدث، فيلتفت إلى ~~الشيطان يحدثه قائلا: إنني لأشعر بمن ابتلعتهم منذ الخليقة يضطربون في ~~جوفي، فبطني اليوم يؤلمني. وما إن أتم كلامه حتى بزغ من غياهب الظلمة ~~نور أكثر سطوعا من نور الشمس أضاء العالم الأسفل كله، وجلجل صوت كقصف ~~الرعد قائلا: افتح أبوابك الأبدية ليدخل إليك ms281 ملك المجد. فاضطرب ~~الشيطان وأعوانه محاولين تدعيم بوابات العالم الأسفل، متسائلين: ومن ~~هو ملك المجد هذا؟ فأجابهم الأنبياء، وخصوصا إشعيا والملك داود: إنه ~~الرب الجليل الذي سيحطم بوابات النحاس ويكسر قضبان الحديد ليحرر ~~المأسورين، وينير شعاب الموت المظلمة. ولكن يد المسيح تمتد إلى الشيطان ~~قبل أن يستطيع صد البوابات في وجهه، ويسلمه إلى الملائكة الذين قيدوه ~~وأطبقوا فمه، ثم يقوم بتحرير آدم والأنبياء والقديسين ويرفعهم معه إلى السماء. # 3 # إلى جانب هذا المعتقد الرسمي المرتبط بعبادة الآلهة الشمسية نجد ~~معتقدات الخلاص والنشور إلى عالم آخر، قائمة في قلب الديانات العشتارية ~~ذات الأصول القمرية. وقد بقيت هذه المعتقدات جزءا من ديانات الخصب، ~~تحافظ عليها وتمارس طقوسها ضمن حلقات ضيقة داخل الديانة نفسها، إلى أن ~~استقلت هذه الحلقات مشكلة عبادات سرية خاصة بها، وهي عبادات الأسرار ~~التي شاعت في الشرق القديم والعالم اليوناني-الروماني ، خلال القرون ~~القليلة السابقة لميلاد السيد المسيح. ورغم أن هذه العبادات قد تركزت ~~حول آلهة الخصب ذاتها، إلا أنها قد جعلت من فكرة الخلاص مركزا ~~لمعتقدها وطقسها، مبتعدة عن معتقد الخصب الذي نشأت عنه، وتحول إله ~~الخصب إلى مخلص للبشر من عالم المادة الفاني إلى عالم الروح الباقي. ~~وتحولت طقوس الخصب السنوية إلى طقوس سرية مقتصرة على فئة قليلة، تهدف ~~إلى تخليص أتباعها من الموت عن طريق التوحد بالإله الذي عرف الموت ~~وانتصر عليه. ففي الوقت الذي كان يحتفل فيه أتباع ديانات الخصب ببعث ~~روح الخصوبة لتدفع عنهم جوع عام آخر؛ كان أتباع ديانات الخلاص يحتفلون ~~ببعث المخلص الذي يفتح لهم بوابة الأبدية. ورغم أن الفريقين كانا ~~يحتفلان بنفس الدرام الإلهي القائم على دورة حياة إله الخصب، إلا أن ~~أحداث هذا الدرام كانت تتخذ معاني سرية خاصة عند أتباع الأسرار، حتى ~~إذا وصل الدرام نهايته، رفع ممثلو درام الخصب باقة طرية من سنابل القمح ~~الذهبية، رمزا لولادة إلهة الخصب من ظلام العالم الأسفل، ورفع ممثلو ~~درام الخلاص نفس الباقة، رمزا لولادة جوهر الروح الذهبي الذي لا ~~يفنى. # إن ما ms282 نعرفه عن عبادات الأسرار قليل جدا مقارنة بأهمية تلك ~~العبادات في الحياة الروحية للحضارات الكبرى وشيوعها الواسع، وذلك يعود ~~إلى طبيعتها السرية والتكتم الشديد الذي فرضته على نفسها. فهي رغم ~~كونها قد نشأت أصلا في منطقة شرق المتوسط، ومنها انتشرت إلى العالم اليوناني-الروماني، # 4 # فإن جل معلوماتنا عنها مستقى من أشكالها الغربية. ولعل ~~أهم ما تميزت به هو طقوس العبور # initiation # المفروضة على المريد ~~الجديد الذي يستعد للانضمام إلى حلقة الجماعة الناجية، وهذه الطقوس ~~تبدأ بنوع من التطهير المادي الذي يعكس استعداد المريد إلى تطهير روحه ~~من كل ما علق بها في مراحل حياته السابقة، وتجهيزها للمرحلة الجديدة. ~~يلي ذلك طقس الموت الرمزي والبعث، حيث يتم تمثيل موت المريد ثم إفاقته ~~من الموت، وذلك كناية عن فناء نفسه القديمة وانتعاش نفسه الجديدة ~~المستعدة لتقبل الخلاص. وهنا تنتهي مرحلة العبور الأولى إلى أسرار ~~الخلاص. ولكن مراحل أخرى في انتظار المريد قبل أن يصل إلى مرتبة ~~العارف، ولكل مرحلة طقوسها الخاصة التي تؤمن عبوره إلى المرحلة التي ~~تليها، وتعطيه معرفة جديدة وتفتح قلبه وروحه على عوالم نورانية جديدة. ~~والمعرفة هنا ليست ذلك النوع من المعارف العقلية التي تقدمها المدارس ~~الفلسفية لتلاميذها، بل هي عرفان نابع من الداخل، وخبرة روحية ليس لها ~~معادل من كلمات مرصوفة، خبرة يحصلها المريد بجهده وكدحه وتوجيه من ~~سبقوه في الطريق. فالأسرار ليست تعاليم دينية وعبادات، وطقوسها ليست ~~هدفا بحد ذاتها بل أدوات. # تقدم لنا الأسرار الإليوسية (نسبة إلى إيليوسيس، المقر الرئيسي ~~لعبادة الإلهة ديمتر في اليونان) نموذجا عن الأسرار العشتارية القديمة ~~الصافية. وقد انحدرت الأسرار الديمترية من فترات موغلة في القدم سابقة ~~على الحضارة الإغريقية، وورد أول ذكر مكتوب لها في ترتيلة هيوميرية ~~تقول: إن الأسرار الديمترية قد أسست من قبل الإلهة نفسها، وأن ~~المشاركين في تلك الأسرار هم المباركون الذين تفتح هذه الطقوس أمامهم ~~بوابة الخلود. # 5 # وفي نص من مطلع القرن الرابع ق.م. نقرأ: لقد وهبت الإلهة ~~ديمتر للبشرية شيئين عندما حلت في إيليوسيس؛ الأول ms283 نتاج الحقل الذي حول ~~الإنسان عن حال الحيوان، والثاني طقوس الأسرار التي جعلتنا ننظر بأمل ~~إلى نهاية الحياة. # 6 # إن معجزة نمو النبات من باطن الأرض وتناوب الدورة الزراعية ~~بين الموت والحياة ليس إلا نموذجا للمعجزة المقبلة؛ معجزة بعث الأرواح ~~بعد الموت ورفعها إلى العوالم النورانية. لقد أخذ الإنسان ثمار الأرض ~~من يد الموت، من هاديس إله العالم الأسفل الذي أشرنا سابقا إلى أن ~~اسمه يعني «واهب الخيرات»، ومن يد زوجته بيرسفوني التي ليست إلا ديمتر ~~في وجهها الأسود الآخر. ومن يد الموت أيضا سوف تعطي له ديمتر الحياة، ~~عن طريق الطقوس السرية والخبرة التي يمر بها المشاركون في تلك ~~الطقوس. # عرفت بلاد الإغريق نوعين من الطقوس الديمترية هما: الطقوس الصغرى ~~والطقوس الكبرى. كانت الطقوس الصغرى تقام في كل عام احتفالا بعثور ~~ديمتر على ابنتها وصعود بيرسفوني من العالم الأسفل، وكان يغلب على هذه ~~الطقوس طابع احتفالات الخصب. أما الطقوس الكبرى فكانت تتم مرة كل خمسة ~~أعوام وهي مخصصة لديمتر المخلصة وأسرارها الإليوسية. فكان موكب ~~المشاركين في الطقوس الكبرى ممن تم اختيارهم لدخول أسرارها والعبور إلى ~~حلقة خاصة عبادها، ينطلق من أثينا مشيا على الأقدام في طريق طويل إلى ~~إيليوسيس. وعند المرور قرب البحر كان المشاركون ينزلون في الماء لتطهير ~~أنفسهم رمزيا من حياتهم السابقة، والاستعداد للحياة الجديدة التي ~~تنتظرهم، كما كانوا يطهرون بالماء خنازير جاءوا بها معهم فيقدمونها ~~قربانا للإلهة. وفي إيليوسيس تبدأ طقوس العبور بعدد من الطقوس ~~التمهيدية؛ منها تناول شراب خاص، وأكل نوع من الكعك المصنوع من الدقيق، ~~وتمثيل دراما اختطاف بيرسفوني وعودتها ثانية. أما ما تبقى من الأسرار ~~فقد بقي أمرا غامضا إلى يومنا هذا؛ لأن المشاركين فيها قد حاذروا ~~دوما من البوح بحقيقة ما كان يجري هناك، # 7 # ولكنهم بلا شك قد خبروا تجربة فريدة هزت كيانهم وبدلت ~~حياتهم المادية والروحية. تقول إحدى التراتيل الديمترية عن طقوس العبور ~~الكبرى: «لقد رأى النعمة الإلهية من شهد هذه الأسرار، وعاش في الضلالة ~~من لم يشارك بها وسد ms284 في وجهه الطريق. تعيسا يهبط إلى غياهب الظلمة والديجور.» # 8 # وتضع الأسطورة على لسان البطل هرقل، الذي مر بأسرار ~~إيليوسيس قبل نزوله إلى العالم الأسفل، قوله: «لقد نجحت لأني قد رأيت ~~ما رأيت في إيليوسيس.» # 9 # إن تمثيل الدراما الإلهية في ~~طقوس الأسرار أو تلاوتها من قبل المنشدين، إنما يتخذ في هذه الطقوس ~~دورا مركزيا أساسيا في التحضير لتلقي الحقائق الكامنة وراء كل عمل ~~من أعمال الإلهة الممثلة في الدراما. وإن ما تحاول الأسرار أن تنقله ~~للمريد المشارك، هو أن الأسطورة رغم شكلها الخارجي كتتابع لأحداث إلهية ~~تروى في صيغة الماضي، فإنها حقيقة أزلية وحاضر مستمر حي لا يتحول أبدا ~~إلى ماض ميت، وأن أحداثها تلك ليست إلا تعبيرا عن حقائق جوهرية من ~~حقائق النفس والروح والوجود الكلي. هنا فقط تستطيع الأسطورة أن تمارس ~~دورها الفعلي كمعلم روحي، لا كقصة تصف أحداثا تعاقبت في زمن ما ، لا ~~تربطنا به رابطة. وهنا فقط يشعر المريد في الأسرار الديمترية أن ~~الإلهتين حاضرتان معه الآن والساعة، وأنهما جزء لا يتجزأ من كيانه؛ ~~لأنهما وحدة الحياة والموت في جسده وروحه، وتحول كل منهما إلى الآخر في ~~حركة دائبة. لقد حاولت الأسرار الديمترية أن تعيد الوحدة القديمة بين ~~الإله والإنسان، في زمن بدأت فيه الأسطورة بالتحول إلى لاهوت وتعاليم، ~~إلى جثة هامدة لا بهاء فيها ولا ألق. # الابن المخلص # بعدما حل الإله الابن محل الأم الكبرى كبطل رئيسي في درام ~~الخصب السنوي، حل محلها أيضا كبطل رئيس في درام الخلاص، وصار ~~الإله الذي دفعت به إنانا إلى العالم الأسفل من أجل ضمان استمرار ~~الدورة الزراعية، إلها مخلصا للبشر من ربقة الموت. لقد بذلت ~~عشتار ابنها الوحيد من أجل خلاص العالم، ولسوف يستمر المعنى السري ~~لهذه الأسطورة حيا في عبادات الأسرار، ويدخل عنصرا أساسيا في ~~المسيحية التي يتركز معتقدها وطقسها على هذه الفكرة. نقرأ في إنجيل ~~يوحنا: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكيلا ~~يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة ms285 الأبدية.» # 10 # وقد أخذ الإله الابن بالاستقلال تدريجيا عن الأم الكبرى في ~~عبادات الخلاص، حتى صار في بعضها البطل الوحيد، يقود ملحمة الخلاص ~~دون أم كبرى. وقد حصل هذا التطور في عبادتين رئيسيتين من عبادات ~~الخلاص التي شاعت في العالم اليوناني-الروماني بين سنة 200ق.م. ~~وسنة 200 ميلادية، وهما عبادة ميترا المخلص الشمسي الذي غزا ~~الإمبراطورية الرومانية قادما من فارس (والذي قارعت عبادته السرية ~~الديانة المسيحية الناشئة مدة قرنين من الزمن قبل أن تتراجع ~~أمامها)، والعبادة الأورفية التي نشأت في قلب عبادة الخصب ~~الديونيسية، ثم استقلت عنها وحولت إلهها ديونيسيوس من إله للخصب ~~والكرمة والخمر إلى إله مخلص. # تنتسب النحلة الأورفية إلى ~~«أورفيوس» نبي الإله ديونيسيوس المخلص، ومؤسس أسراره. تجعله بعض ~~الروايات ابنا للحورية «كاليوبي» دون أن تحفل بذكر الأب. ويغلب ~~الظن أن أورفيوس كان شخصية دينية عاشت في مطلع القرن السادس قبل ~~الميلاد، ثم رفعته الفرقة الدينية التي أسسها إلى مصاف الآلهة. # 11 # وتصور الأساطير الأورفية النبي الإله أورفيوس شابا ~~جميلا حالما ينشد أغانيه في البراري على ألحان قيثارته السحرية، ~~فيأسر غناؤه كل المخلوقات، وتجتمع حوله الحيوانات من شتى الفصائل، ~~والأشجار لتستمع إلى ألحانه التي كانت أيضا تحرك الأحجار والصخور. ~~أحب الحورية «أوريديس» التي كانت الأنثى الوحيدة في حياته، ولكنها ~~ماتت قبل الأوان، فمضى أورفيوس يملأ الأرض أنغاما حزينة، حتى رق ~~له قلب إله وإلهة العالم الأسفل اللذين أخذا بسحر ألحانه، فسمحا ~~له بالهبوط إلى عالم الموتى واستعادة حبيبته من هناك تحت شرط واحد، ~~هو أن يقودها خارجا بها دون أن ينظر إليها حتى وصولهما إلى العالم ~~الأرضي. عثر أورفيوس على حبيبته ومشى بها عبر بوابات الجحيم، ولكن ~~صبره نفد عند البوابة الأخيرة فالتفت إليها، وحالا سحبتها قوى ~~الموت نحو الأعماق من جديد، فصعد أورفيوس وحيدا ونذر على نفسه ~~عفة فما اقترب من امرأة، إلى أن قتلته نساء تراقيا غيرة وحسدا ~~ومزقنه إربا، وألقين به وقيثارته إلى مياه النهر. # 12 # وبذلك يلقى نبي ديونيسيوس نفس الميتة التي ماتها إلهه ~~من ms286 قبله عندما مزق التيتان جسده إربا، وتبقى عذاباته موضوعا ~~دائما لتفجع أتباع الأورفية، الذين بقوا يسترجعون ذكراها ~~ويعيشونها في احتفالاتهم. # لكي نفهم فكرة الخلاص لدى الفرقة الأورفية، يتوجب علينا أن نفهم ~~نظرية التكوين الأورفية في خلق العالم وظهور الآلهة والبشر؛ لأنها ~~تقدم مفتاحا للولوج إلى عالم الأورفية السري وتصوراتها الكونية ~~والأخروية. تقسم الأسطورة الأورفية تاريخ الكون إلى ثلاثة أدوار ~~تتطابق مع المراحل الثلاث التي مر بها الإله ديونيسيوس منذ العماء ~~البدئي، إلى حادث موته وارتفاعه مخلصا للبشرية. ففي البدء، كانت ~~البيضة الكونية التي انشقت ليخرج منها ديونيسيوس-فانيس، أي ~~ديونيسيوس المضيء أو حامل الضياء، الذي كان ذكرا وأنثى في آن ~~معا، وله رأس الثور وجناحان من ذهب، وفي داخله بذور الآلهة، وجميع ~~مظاهر الكون التي ما لبثت أن انبثقت عنه. من أسمائه في هذه المرحلة ~~«إيروس»، ومن أسمائه «ميتيس»، وكانت الإلهة «نيكس» أي الليل أول ~~ذريته، فكان أباها وأمها في نفس الوقت. ثم أنجبت «نيكس» الأرض ~~«جايا»، والسماء «أورانوس»، ثم «كرونوس». وهنا ينتهي الدور الكوني ~~الأول ليبدأ الدور الثاني الذي يحكمه ديونيسيوس أيضا تحت اسم ~~زيوس. كان زيوس أعظم أحفاد ديونيسيوس-فانيس؛ ولكنه لم يتوصل إلى ~~السلطان إلا بعد ابتلاعه للإله البدئي فانيس نفسه. لم يكن هذا ~~الابتلاع بمثابة فعل همجي يمارسه حفيد صغير للاستيلاء على عرش الجد ~~الأكبر، بل كان فعلا طبيعيا ضم الوجود الاستاتيكي السكوني للإله ~~فانيس، إلى الوجود الديناميكي الحركي للإله زيوس في كل موحد. ~~فبعد هذا الابتلاع تبدأ معالم الوجود المادي المنظم بالظهور ~~والتشكل. ثم يضاجع زيوس ابنته بيرسفوني وينجب منها ~~ديونيسيوس-زاغروس. وقبل أن يشب زاغروس عن الطوق يعهد إليه أبوه ~~بحكم العالم الأعلى والعالم الأسفل معا؛ الأمر الذي أثار غيرة ~~التيتان فانقضوا على الطفل فمزقوه إربا والتهموه. ولكن زيوس ~~عاجلهم بصواعقه فأحالهم إلى رماد، ومن رمادهم خرج الجنس البشري ~~الذي ينطوي في جبلته على شر متأصل ورثه عن التيتان، وعلى قبس ~~من روح الألوهة ورثه عن ديونيسيوس الذي التهمه التيتان. وهنا ينتهي ~~الدور الكوني الثاني ليبدأ الدور ms287 الثالث، دور ديونيسيوس-زاغروس ~~المخلص. فالإلهة أثينا التي كانت على مقربة من مسرح الجريمة، قد ~~استطاعت إنقاذ قلب الإله قبل أن يأتي عليه التيتان مع بقية ~~الأعضاء، فحملته إلى زيوس الذي شق فخذه وحضنه فيه حتى اكتمل ~~جنينا، ثم أخرجه إلى العالم مرة أخرى. فكانت ولادة ~~ديونيسيوس-ليسيوس مخلص البشرية ومحرر الأرواح، فمع ديونيسيوس ~~الثالث ترجع الكثرة إلى أصلها في الواحد الإلهي الأزلي. # وكما عاش ثلاث مرات في ثلاث مراحل، كذلك هي روح الإنسان التي ~~تعيش ثلاث مرات أيضا متقمصة ثلاثة أجساد؛ منها الحيواني ومنها ~~البشري، قبل أن تتحرر من كثافة المادة وتترك الجسد راجعة إلى ~~مصدرها في العوالم العلوية، بمعونة ديونيسيوس المخلص الذي تصفه ~~النصوص الأورفية بأنه صياد الأرواح، الذي يخرج أرواح البشر من سجن ~~المادة إلى حرية الأبدية. # 13 # وهي نفس المهمة التي قام بها السيد المسيح فيما بعد ~~عندما خاطب الصيادين بطرس وأندراوس قائلا : هلما ورائي فأجعلكما ~~صيادين للناس. # 14 # إلى جانب الديمترية والديونيسية كانت عبادة الإلهة سيبيل وابنها ~~آتيس، ثالث أكبر عبادات الخصب في العالم اليوناني-الروماني. وفي ~~هذه العبادة أيضا نشأت حلقات سرية لمعتقد الخلاص، عاشت داخل ~~الديانة الأم دون أن تستقل عنها، وكان أتباع هذه الحلقات يمارسون ~~طقوسهم واحتفالاتهم الخاصة في المواعيد المخصصة لاحتفالات عبادة ~~الخصب السيبيلية نفسها. ورغم قلة ما نعرفه عن معتقدات تلك الجماعات ~~وطقوسها، فإن نتفا مبعثرة من أخبارهم تدل على أن إله الخصب آتيس ~~قد تحول في معتقدهم إلى إله مخلص، وأن غاية الطقوس السرية ~~الآتيسية كانت التوحد مع ذلك الإله، وخصوصا عن طريق طقس العشاء ~~السري، الذي يتناول خلاله الأتباع جسد الإله ويشربون دمه. ويسبق ~~طقس العشاء السري فترة صوم قاسية، يطهر المريدون الجدد خلالها ~~أجسادهم من آثار الغذاء الأرضي، ويستعدون لتلقي جسد المخلص. وفي ~~نهاية الصيام يؤتى لهم بطعام في أوعية تشبه الطبول، وشراب في أوعية ~~تشبه الصنوج، وذلك على غرار الأداتين الموسيقيتين اللتين تستعملان ~~في احتفالات آتيس الصاخبة المملوءة بالعنف ومشاهد الدم. وإلى جانب ~~العشاء السري، كان من أبرز طقوس ms288 العبور إلى الأسرار الآتيسية، طقس ~~العماد بالدم، حيث يؤتى بالمريد الجديد وينزل به إلى حفرة تغلق ~~فوهتها بألواح من خشب، ثم يؤتى بثور فينحر فوق الفوهة المغطاة، ~~ويترك دمه ينسال من شقوق الألواح فيتلقاه المريد مخضبا به جسده، ~~ثم يخرج وقد غطاه الدم بين تهليل أقرانه وصلواتهم. فلقد غسل بدم ~~الثور خطاياه الماضيات وولد من جديد بعد موته الرمزي، وبعث حيا ~~في آتيس. يبدو أن هذه الطقوس كانت تقام في روما في معبد الإلهة ~~سيبيل الرئيسي الذي كان قائما على تلة الفاتيكان، وفي نفس المكان ~~الذي شيدت فيه كنيسة القديس بطرس؛ فقد تم العثور عام 1608 خلال ~~أعمال توسيع كنيسة الفاتيكان على مخطوطات تتعلق بطقوس آتيس المخلص. # 15 # إذا انتقلنا إلى الشرق الأدنى القديم وجدنا في الديانة الأوزيرية ~~المصرية أوضح مثال على معتقدات الخلاص الشرقية. فهنا تطور الإله ~~أوزوريس، كغيره من آلهة الخصب، من إله قمري إلى إله للدورة ~~الزراعية، وأخيرا إلى إله مخلص يحكم العالم الأسفل ويتلقى ~~الموتى، فيحاسبهم على ما قدمت أيديهم في الحياة الدنيا، ويزن ~~حسناتهم وسيئاتهم فيرسل بالمحسنين إلى النعيم وبالمفسدين إلى ~~الجحيم. وفي شكله الأخير هذا، صار أوزوريس أكثر الآلهة شعبية في ~~مصر خلال الألف الأول قبل الميلاد، وطغت عبادته تدريجيا على ~~عبادة الآلهة الرسمية. # في بداية التاريخ المصري كان الخلاص وقفا على الملك الذي يعتبر ~~تجسيدا بشريا لأوزوريس، وكانت قصة حياة الإله القصيرة وآلامه ~~وموته وبعثه، تتلى من قبل الملك شخصيا لضمان خلاصه وخلوده من دون ~~بقية البشر. وما لبث بعض الأفراد من الأسرة الملكية ومن علية القوم ~~أن شاركوا في ذلك الطقس، فاتسعت دائرة الناجين وتأسست عبادة ~~أوزوريس السرية التي بقيت في توسع مستمر، حتى شملت أخيرا كل عابد ~~صادق راغب في خلاص نفسه. # 16 # وكان المحظوظ بين الناس من يجد له قطعة صغيرة من ~~الأرض يحفرها قبرا له في الأرض المقدسة التي تضم قبر الإله وهيكله ~~المقدس، فيشارك الإله بعثه وخلوده. # 17 # هذا وتشير عادات الدفن إلى الأمل الذي يعقده الميت على ms289 ~~أوزوريس الذي سيبعثه كما انبعث هو في سنابل القمح الجديدة. ففي ~~كثير من القبور تم العثور على دمى مصنوعة من القماش، محشوة بحبوب ~~القمح موضوعة في تابوت خشبي أو فخاري قرب تابوت المتوفى، كما عثر ~~على نوع آخر من الدمى، مصنوع وجهها من الشمع الأخضر المحشو بحبوب ~~القمح. وقد توضع بين ساقي المومياء دمى من طين زرعت فيها حبوب قمح ~~قد انتشت وبرزت سيقانها الصغيرة. # 18 # وإلى جانب عادات الدفن هذه، تزودنا الصلوات والأدعية ~~الأوزيرية من كتاب الموتى المصري، بفكرة عن أصول معتقد الخلاص ~~الأوزيري نقرأ في إحداها: «أي أوزوريس، يا أبي المقدس، احفظ ~~أعضاء جسدي فلا أفنى. لم أفعل في حياتي أمرا تكرهه، فلا تجعلني ~~أصير إلى الديدان، خلصني كما خلصت نفسك، ولا تتركني إلى الفساد ~~كبقية الأحياء؛ أي أوزوريس يا أبي المقدس، جسدك لم يتحلل، لم يدركه ~~الهلاك، فاجعلني مثلك، دعني أحيا، دعني أستيقظ في سلام.» # 19 # ورغم أن عبادة الخلاص الأوزيرية قد صارت مفتوحة أخيرا أمام ~~الجميع، فإن هناك من الأدلة على أن الأسرار القديمة قد حافظت على ~~استمرارها ضمن تيار الأوزيرية العام؛ ذلك أن الخلاص الذي تقدمه ~~طقوس الأسرار يقود أصحابه نحو درجات أعلى من مجرد الاستمرار في ~~حياة ما بعد القبر. والأسرار الأوزيرية في ذلك، إنما تشبه طرائق ~~التصوف التي تقدم لأتباعها مفتاحا لعوالم لا يصل إليها المتعبد ~~العادي الذي يقصد بعبادته مجرد شراء مكان له في الجنة السماوية. ~~وهكذا يحدثنا شاهد عيان هو المؤرخ الإغريقي «هيرودوتس» عن الطقوس ~~السرية الأوزيرية المحجوبة عن العامة، فيقول باقتضاب: «على تلك ~~البحيرة أمام المعبد في الدلتا، يقيم المصريون طقوسهم المكرسة ~~لإلههم الذي لن أنطق اسمه. ورغم شهودي لكل مأتم في ذلك المكان، ~~فإنني لن أزيد في القول عنه شيئا، وأمسك لساني كما أمسكته عن ~~البوح بما رأيت في طقوس الإلهة ديمتر في إيليوسيس؛ ولكني أستطيع ~~القول فقط، دون أن أقع في التجديف، إن بنات دانيوس هن من أتى ~~بهذه الطقوس من مصر ودربن نساء بيلاسيان عليها.» # 20 # وعندما ms290 انتقلت عبادة إيزيس وأوزيريس إلى العالم ~~اليوناني-الروماني عقب فتوح الإسكندر، لعبت دورا كبيرا في الحياة ~~الروحية هناك، وبقي تأثيرهما قائما إلى ما بعد القرن الثاني ~~الميلادي، وكان لكل من إيزيس وأوزوريس أسراره الخاصة ومعابده ~~وعباده، وقد وصلنا من القرن الثاني للميلاد، وصف حي لطقوس العبور ~~في ديانة إيزيس المخلصة، بقلم الكاتب الروماني «أبوليوس» الذي ~~يعتبر من كبار مثقفي تلك الفترة الحافلة بتمازج الثقافات ~~والديانات، والذي تحول فيما بعد إلى كاهن لإيزيس عقب مروره ~~بأسرارها. نقرأ في كتابه المعروف بعنوان ~~(The ~~Golden Ass) # عن تجربته الشخصية ما يلي: ~~«في الصباح، قادني الكاهن الأعظم من يدي إلى المعبد ~~الكبير، وعندما فتح أبوابه قام بأداء شعائر الصباح ~~المعروفة، ثم مضى إلى الحرم وأحضر معه كتبا مكتوبة بخط ~~غير مألوف، لمحت في بعضها كتابة على شكل رسوم لحيوانات ~~وما إليها، وفي بعضها الآخر كتابة بخط عادي جرى وصل حروفه ~~بعضها ببعض، ودوائر من شأنها إخفاء مدلولها على غير الخبير ~~بها، ثم قرأ علي تعليمات تتعلق بما يلزم التزود به من ~~ثياب وحاجيات أخرى لازمة لطقس العبور المقبل، فمضيت ~~لتوي وحصلت عليها كما أشار. وعندما حل الموعد المحدد ~~جاءني الكاهن الأعلى فقادني إلى الحمام ومعه كهنة آخرون ~~كانوا يحفون بي طيلة الطريق، وهناك أتممت غسلي المعتاد، ثم ~~قام الكاهن نفسه بسكب ماء مقدس خاص على جسدي وهو يتلو ~~صلوات وأدعية خاصة. فلما انتهينا أعادني إلى المعبد ~~وأجلسني عند قدمي تمثال الإلهة، وأعطاني تعليمات مقدسة لا ~~أجرؤ الآن حتى على الهمس بها، ثم ألزمني صياما خاصا فلا ~~أقرب اللحم والخمر عشرة أيام، أقتصر خلالها على الطعام ~~البسيط اللازم لسد الرمق، ففعلت ذلك كله. وعندما حل مساء ~~اليوم الأخير وأنا في موضعي، رأيت الكهان يتقاطرون علي ~~من كل زوايا المعبد، وفي يد كل منهم هدية تهنئة، على ما ~~تقتضيه العادة القديمة. ثم جاء الكاهن الأعظم فأمر بانصراف ~~كل من لم يمر بطقوس العبور، ثم ألبسني عباءة قطنية، ~~وقادوني إلى قدس أقداس المعبد. لا أشك في هذه اللحظة ms291 أن ~~قارئ كلماتي هذه قد أخذه الشوق ليعرف ما جرى لي هناك، ~~ولكني لو سمحت للساني بالنطق، وسمحت أنت لأذنك بالسمع، فإن ~~لساني سيلقى جزاء بما نطق، وأذنك جزاء بما سمعت. ومع ~~ذلك فإني أستطيع الإفضاء لك بما هو مسموح لي أن أفضي، ~~شريطة أن تكون مستعدا لتصديق كل كلمة فيه. فاستمع إلي: ~~لقد دنوت من حافة الموت الفعلي ووضعت قدمي على عتبة ~~بيرسفوني، ثم سمح لي أن أعود القهقرى سابحا عبر العناصر ~~كلها. في منتصف الليل شهدت الشمس ساطعة كوقت الهاجرة. ~~مثلت في حضرة آلهة العالم الأسفل، وكان آلهة العالم الأعلى ~~يقدمون لهم فروض الولاء. هكذا كان، وعندما انتهى الطقس ~~الجليل، خرجت من قدس القداس وعلي اثنا عشر ثوبا، فأمرني ~~الكاهن أن أصعد إلى المنبر القائم في وسط المعبد أمام ~~تمثال الآلهة، وأمسكني مشعلا باليد اليمني، ووضع على رأسي ~~إكليلا من أغصان النخيل، ثم رفعت الستارة التي تحجب ~~المنبر من أمامي لتقع علي عيون الجمع المحتشد ...» # 21 # أما الإله أوزوريس فقد رحل إلى العام اليوناني-الروماني تحت اسمه ~~الجديد «سيرابيس» المأخوذ عن الاسم المصري أوزوريس-آبيس. (والاسم ~~آبيس، كما مر معنا سابقا، هو اسم الثور المقدس الذي يمثل ~~أوزوريس). وقد أسس عبادته أول ملوك البطالمة في الإسكندرية، ومنها ~~انتقل إلى روما منذ عام 300ق.م. واستمرت عبادته قائمة حتى عام ~~300م. وفي روما حاول أتباع سيرابيس رفعه إلها كونيا شموليا، ~~نقرأ في أحد النصوص عن لسان سيرابيس: «السماء رأسي والبحر بطني، ~~والأرض قدمي، والشمس عيني.» كما طمحت عبادته لأن تكون ديانة أممية ~~عالمية، فاستعارت لإلهها ملامح وخصائص آلهة متعددة من مصر وسوريا ~~وإيطاليا، الأمر الذي نشر عبادته على أوسع نطاق ممكن، فكانت صوره ~~تعلق في أعناق الرومانيين وتماثيله تنصب في المرافئ، وكان عدد من ~~الأباطرة الرومان ميالين لعبادته، مشجعين على انتشارها، مثل ~~كاليجولا وتيتوس وفسبازيان. ويروى أن الأخير كان يشفي العميان ~~والمرضى بقوة إلهه سيرابيس. # 22 # لم تكن ديانة سيرابيس المخلص الوحيدة التي تسعى نحو الشمولية ~~والأممية، فإلى مثل هذه الشمولية والأممية ms292 كان طموح الديانة ~~الأورفية أيضا. فكانت هذه بمظاهرها البسيطة وتجنبها بناء المعابد، ~~وإقامة صلواتها وطقوسها في البيوت العادية، نموذجا لحركة ~~المسيحيين الأوائل. فإذا أضفنا إلى ذلك حشد الآلهة المخلصين ~~الذين امتلأت بهم ثقافات الشرق القديم والبحر المتوسط، اكتملت أمام ~~أعيننا صورة المشهد الذي شكل أرضية لملحمة انتصار ديانة الخلاص ~~الجديدة المتركزة حول آخر المخلصين، يسوع المسيح، الذي ما زال ~~وعده قائما على الأرض. # يسوع المخلص # لكي نفهم معتقد الخلاص الذي قدمه يسوع للبشرية، لا بد لنا من ~~الرجوع إلى نظرية التكوين المسيحية كما بناها آباء الكنيسة الأوائل ~~انطلاقا من العهد القديم، وسيرة يسوع وأقواله، وأعمال الرسل وخاصة ~~بولص، وفكر أولئك الآباء المتأثر بحصيلة الثقافة المتوسطية في تلك ~~الفترة الخصبة. # فقبل ظهور المكان وجريان الزمان، ومنذ الأزل، كان هناك الإله ~~الأب والإله الابن والروح القدس، ثلاثة في واحد. في أزمان ما قبل ~~الأزمان تلك، وقبل أن يتجسد الابن في هيئة بشرية ليغدو يسوع ~~الناصري، وقبل أن يهبط الروح القدس في هيئة حمامة نارية مبشرا ~~مريم، كان الإله الابن الكلمة-اللوغوس، المولود الوحيد للإله الأب، ~~يصدر عنه منذ الأزل ومنذ الأزل كان الروح القدس ينبثق منهما معا ~~ويغلق الدارة بينهما. ثلاثة في واحد إله قديم غير مخلوق، لم يظهر ~~أقنوم من أقانيمه قبل ظهور الآخر، ولم يمر وقت لم يكن فيه الثلاثة ~~معا في واحد. دارة حب مغلقة مكتملة مكتفية، فاض بها العطاء فأرادت ~~أن تخلق، لا عن حاجة إلى الخلق وإنما عن حرية مطلقة، وهكذا، وبأمر ~~من الكلمة، تم خلق أولى الكائنات المفارقة للطبيعة الإلهية وهم ~~الملائكة؛ مخلوقات نورانية أحاطت بالنور الأعظم في هالات، هالة بعد ~~هالة، كل هالة تحتوي على رتبة من رتب الملائكة، أعلاها رتبة ~~الكيروبيم، يليها السيرافيم، وصولا إلى الملائكة العاديين. # 23 # بين هذه المخلوقات النورانية التي تحيط بالإله وتسبح بحمده، كان ~~هناك ملاك من المرتبة الأولى اسمه لوسيفر، أي الوضاء، وكان فائق ~~الجمال، مكتمل الصنعة الملائكية، معجبا أشد العجب بما وهبه الله ~~من عظمة، واعيا أشد الوعي لها، ms293 معتقدا أنه من الصعب على الخالق ~~أن يصنع ما هو أعظم منه؛ لأنه مثال على معجزة الخلق. وقد كان ~~لوسيفر دائم التحديق إلى مركز النور الأعظم، حتى إنه أخذ يشاركه في ~~رؤى المستقبل. فكان أن عرف أن الإله يعد لإيجاد مرتبة أعلى من ~~مرتبة الكيروبيم والسيرافيم، يضع فيها مخلوقات فظة وجلفة من لحم ~~ودم يكسو جلدها الشعر، وأن امرأة من هؤلاء ستغدو في المستقبل ملكة ~~عليه. كما عرف، ويا للعجب، أن الابن نفسه سوف يغدو إنسانا منهم ~~ويلبس جسدا آدميا. # وهنا، وانطلاقا من إرادته الحرة، فضل أن يلتزم مجده الملائكي ~~الذي وهبه له الرب، فيقدمه على القصد الإلهي ويظهر تمرده على الله؛ ~~رغم علمه الكامل بما سيجر عليه هذا التمرد من لعنة أبدية مقيمة. ~~وهكذا كان؛ إذ أدار لوسيفر ظهره لنور الخالق، وتبعه في ذلك عدد ~~كبير من الملائكة الآخرين، ممن أثار فيهم موقفه مشاعر مماثلة، ~~فتطوح الجميع في مهاوي الظلام الخارجي، وتحول لوسيفر إلى إبليس ~~ومن تبعه إلى شياطين، وصار حاكما لمملكة الظلام عدوا للخالق، ~~آخذا على عاتقه إحباط صنائع الله، وإفساد البشر الذين أعدت لهم ~~تلك المكانة العالية. # 24 # بعد ذلك تأتي مرحلة خلق الكون؛ فكان أول ما ظهر المادة البدئية ~~الهيولية التي هي المياه الأولى بلا شكل ولا حدود، والرحم المظلم ~~الذي كان روح الأب يرف فوقه على غير هدى. ثم أخذت الكلمة تخلق ~~الكون انطلاقا من تلك المادة الأولى، فاكتمل في ستة أيام. وكان ~~اليوم السادس يوم خلق الحيوانات الدابة على سطح الأرض وخلق الإنسان ~~الأول كذلك. جبل الإله آدم من تراب الأرض فسواه على صورته ونفخ في ~~أنفه نسمة الحياة، فجاء في صورة مادية كاملة وروح خالدة، ثم صنع له ~~جنة في مركز الكون أسكنه فيها. وكان في وسط الجنة شجرة الحياة، ~~وشجرة المعرفة. وقال الله لآدم أن يأكل من كل شجر الجنة عدا شجرة ~~المعرفة؛ لأن الأكل من ثمرها سيجلب عليه الموت. ثم وهبه المرأة ~~حواء التي صنعها من ضلعه وهو نائم، وتركهما يرتعان ms294 في أرجاء الجنة ~~التي سخر لهما كل ما فيها، فعاشا فيها بعيدا عن كل هم أو ألم ~~أو حاجة إلى كدح وعمل، عاريين لا يخجلان من عريهما. إلى أن تسلل ~~لوسيفر إلى الجنة في هيئة الأفعى، والتف حول شجرة المعرفة منتظرا ~~مرور المرأة حواء. فلما مرت من قرب الشجرة لفت نظرها وجود الأفعى، ~~فاقتربت منها، فقالت الأفعى: أصحيح أن الرب قد منعكما عن ثمار ~~الجنة؟ فقالت المرأة: بل نستطيع أن نأكل من كل شجر الجنة عدا هذه ~~الشجرة؛ لأن الرب قد أمرنا ألا نأكل منها أو نلمسها كيلا نموت. ~~فقالت الأفعى: لن تموتا، بل ستنفتح أعينكما إن أكلتما منها، ~~وتصبحان كالآلهة فتعرفان الخير والشر. وهكذا رأت حواء أن الشجرة ~~صالحة للأكل وممتعة للنظر، فمدت يدها وأكلت ثم نادت آدم وأطعمته ~~كذلك. وما إن أكلا حتى انفتحت عيونهما وانتبها لعريهما فراحا ~~يخصفان عليهما من ورق شجرة التين القريبة. وهنا مر الإله وعرف ~~فعلتهما فقال لآدم الذي اختبأ وامرأته من وجهه: هل أكلت من الشجرة ~~التي أمرتك ألا تأكل منها؟ فقال آدم: إن المرأة التي أعطيتني هي ~~التي جعلتني آكل. فقال الإله للمرأة: أي فعل اقترفت؟ فقالت: ~~الأفعى أغوتني فأكلت. وهنا ثار غضب الرب وصب لعنته على آدم ~~وحواء، تلك اللعنة التي انسحبت على عالم الطبيعة برمته؛ لأن آدم ~~كان رأس ذلك العالم وسيده. وقدر الرب على حواء ومن يليها من نساء ~~البشر أن يلدن أولادهن بالوجع والآلام، وأن يكن تبعا ~~لأزواجهن. أما آدم فقد لعن الرب من أجله الأرض، فجعلها لا تنبت إلا ~~بعمل الإنسان وكده وتعبه، وجعلها تنبت مع الزرع شوكا وحسكا، ثم ~~قدر عليهما معا الموت، وطردهما من الجنة إلى الأرض التي جبلا ~~منها فيكدحان عليها وذريتهما. منذ ذلك الوقت ظهر الموت إلى الوجود، ~~وظهر الألم، وظهر الشر مخالطا لنسيج الوجود المادي. وافترق ~~الإنسان عن أصله الإلهي وسقط من عوالمه العلوية. # 25 # منذ البداية، كان الرب عارفا بما ستجره حرية الاختيار التي ~~وهبها للوسيفر الملاك وآدم الإنسان من فساد ms295 للكون، وكان عليه الآن ~~أن يقدم الدواء للعالم الغارق في الظلمة الحقيقية والخطيئة والموت، ~~وذلك بالحلول في عالم الخلق ودخوله هو نفسه في دورة الحياة والموت، ~~من أجل رفع لعنة الموت وحمل خطايا البشرية؛ فهو الوحيد القادر على ~~تقديم القربان الكامل الذي من شأنه تحرير الخليقة من لعنتها ~~البدائية وخطيئتها الأصلية الأولى. وهكذا هبط الابن من عليائه وعاش ~~بين الناس ردحا قصيرا، ثم مات على الصليب مقدما لمن آمن به حياة ~~أبدية. فإذا كان بآدم الأول يموت الكل، فإنه بآدم الثاني يسوع ~~المسيح الكل يحيا، وإذا كانت حواء الأولى قد قدمت ثمرة الموت، فإن ~~حواء الثانية التي هي السيدة مريم قد حملت بثمرة الحياة. # نقرأ للقديس مار أفرام السرياني: ~~«إن البتول دعتني لأرنم سر بتوليتها العجيب، فأعطني يا ~~ابن الله منك معجزة، ومن عطيتك هذه أغني على كنارتي فأرسم ~~صورة والدتك بهيبة ... البتول مريم ولدت ابنها بالقداسة ~~وأرضعت حليبها مرضع البرايا، وحملت ركبتاها حامل الكون. ~~وهي بتول وهي أم ... فلتفرح بمريم جميع أجواق العذارى لأن ~~واحدة منهن قد أنجبت ووضعت الجبار الحامل البرايا، وبه ~~البشرية المستعبدة حررت. فليفرح بمريم آدم الأول الذي ~~لسعته الحية، فمريم أعطته نبتة إن أكل منها سحق الحية، ~~وبها يشفى من لسعة الحية القاتلة، فليفرح الكهنة بالمباركة ~~التي انحنت، ووضعت الكاهن العظيم الذي صار ذبيحة وعفاهم من ~~سائر الذبائح، وهو بإرادته صار ذبيحة وأرضى أباه.» # 26 # فآدم يرمز إلى المسيح وحواء إلى مريم، والمسيح هو آدم الجديد، ~~منقذ البشرية ومعيدها إلى حالها الأول، ومريم هي حواء الجديدة، ~~شريكة آدم الجديدة في إعطاء الحياة الفائقة الطبيعة. وصورة آدم ~~وحواء المستقلين عن الله بالثورة والابتعاد عنه، قد محتها وبدلتها ~~صورة المسيح والعذراء المرتبطين بالله. فالمسيح تخلى عن ذاته ~~والتصقت حياته وإرادته بحياة الله وإرادته، فانتصر على الخطيئة ~~وجاز الموت. وبموته وقيامه أقام معه البشرية كلها. # 27 # نقرأ في العهد الجديد: «من آمن بي وإن مات فسيحيا، وكل من كان ~~حيا وآمن فلن يموت إلى الأبد» # 28 ~~... «الآن دينونة ms296 هذا العالم، الآن يطرح رئيس هذا العالم ~~خارجا. وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب الجميع إلي.» # 29 # وفي رسائل بولص الرسول نقرأ: «حتى كما أقيم المسيح من ~~الأموات بمجد الرب، هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة؛ لأنه إن ~~كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضا بقيامته، عالمين أن ~~إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة، كي لا نعود نستعبد ~~أيضا للخطيئة؛ لأن الذي مات قد تبرأ من الخطيئة، فإن كنا قد متنا ~~مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضا معه.» # 30 # ولبولص الرسول نقرأ أيضا: «مع المسيح صلبت فأحيا، لا ~~أنا بل المسيح يحيا في، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في ~~الإيمان؛ إيمان ابن الله الذي أحبني وسلم نفسه لأجلي.» # 31 # وهكذا تم التحول من شريعة موسى الحديدية التي تهدف إلى اتقاء ~~غضب الإله الرب، إلى الإيمان بالإله الابن وبحقيقة تجسده في ~~المسيح. وهذا الإيمان هو الذي يهب الإنسان الخلاص ويجعله واحدا مع ~~المسيح الذي مات من أجل الإنسان، وقهر الموت لأجل خلاصه. كما تم ~~التحول من أخلاق العهد القديم، إلى النموذج الخلقي الذي تطرحه سيرة ~~السيد المسيح من أقوال وأفعال وسلوك. # وفي الحقيقة، فإن معتقد التجسد في جوهره الرمزي يتجاوز في غاياته ~~الكبرى مفهوم اللاهوت الرسمي، الذي ينظر بالدرجة الأولى إلى حادثة ~~التجسد باعتبارها واقعة تاريخية زمنية حصلت ليسوع المسيح وحده، ~~جاعلا منها ماضيا ميتا لا آنا حيا متجددا؛ ذلك أن التجسد لا ~~يقدم للبشرية، على مستوى الرمز، حقيقة تاريخية، بل حقيقة زمنية ~~ماثلة أبدا هنا والآن، إنه وحدة الإلهي والإنساني؛ فالإله الابن ~~عندما تجسد في هيئة بشرية، قد امتزجت خصائصه الإلهية بخصائصه ~~البشرية فرفع البشر إلى مستوى الألوهة، وهبط بالألوهة إلى مستوى ~~البشر. وهو بحلوله في جسد بشري واحد هو جسد يسوع، قد حل في كل ~~الأجساد البشرية مرة واحدة وإلى الأبد، فمن أدرك سر هذا المعنى ~~أدرك سر الخلاص الذي قدمه يسوع. # خمر جديد في زقاق قديمة # في قول للسيد المسيح من ms297 إنجيل لوقا نقرأ: «ليس أحد يجعل خمرا ~~جديدة في زقاق عتيقة؛ لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق، فهي تهرق ~~والزقاق تتلف. بل يجعلون خمرا جديدا في زقاق جديدة فتحفظ جميعا.» # 32 # والزقاق جمع زق، وهو قربة جلدية كبيرة تحفظ فيها ~~السوائل. والخمر الجديد هنا هو تعاليم يسوع، أما الزقاق القديمة ~~فهي تعاليم التوراة. والمقصود هنا هو أن ما جاء به يسوع ليس صيغة ~~جديدة عن التعاليم التوراتية، ولا يمكن فهمه من خلالها. ولكن ~~المسيحية في تطورها اللاحق قد وضعت في صيغ قديمة فعلا، كانت ~~معروفة في عبادات الأسرار ومعتقدات الخلاص السائدة في ذلك الوقت، ~~وهذه المعتقدات هي التي هيأت المسرح لمشهد انتصار معتقد يسوع ~~المخلص، الذي جاء تتويجا لها، وخاتمة لذلك المخاض الديني الروحي ~~الطويل. يقول كليمنت الإسكندري، وهو أحد الدعاة الأوائل: «تعال ~~إلي لأريك أسرار اللوغوس، وأشرحها لك من خلال صور مألوفة ومعروفة عندك.» # 33 # ولعل هذا القول يقدم لنا مفتاحا ذهبيا لفهم معادلة ~~الخمر الجديد والزقاق القديمة في تكوين المسيحية الناشئة. # تطرح دورة حياة يسوع المخلص، في خطوطها العامة، تشابها واضحا ~~مع دورة حياة الآلهة الأبناء المخلصين. ورغم أن موت يسوع وبعثه ~~لا يتخذ طابعا دوريا سنويا، كما هو شأن آلهة الخصب، فإن ~~الاحتفال بتجسيده وميلاده وموته ثم بعثه عبر السنة الطقسية ~~المسيحية، يجعل من دورة حياته سلسلة من الأحداث الحاضرة أبدا، ~~المتكررة إلى يوم الدينونة؛ ذلك أن الاحتفال بهذه الأحداث ليس ~~إحياء لذكرى وقائع ماضيات، بل هو عيش لوقائع تحدث الآن والساعة، ~~والسيد المسيح في مولده وموته وبعثه، إنما يجمع إلى شخصه خصائص ~~المخلص الشمسي والمخلص القمري في آن معا، فميلاده شمسي، ~~أما بعثه فقمري. # لم يرد في الأناجيل الأربعة ما يشير إلى تاريخ مولد المخلص ~~يسوع، ولم تحتفل به الكنيسة في مطلع عهدها. ولكن المسيحيين في مصر ~~بدءوا يحتفلون بعيد الميلاد في يوم السادس من كانون الثاني ~~(يناير)، وعنهم أخذت الكنائس الشرقية هذا التقليد. حتى إذا حل ~~القرن الرابع الميلادي تبنت الكنيسة الغربية، التي لم تحتفل من ms298 ~~قبل بعيد الميلاد، يوم الخامس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) ~~كتاريخ رسمي لميلاد السيد المسيح. وكان لهذا التاريخ في ذلك الوقت ~~دلالات دينية في العالم اليوناني-الروماني، وفي الشرق الأدنى ~~القديم على حد سواء. فيوم الخامس والعشرين من كانون الأول هو يوم ~~الانقلاب الشتوي حسب التقويم الجولياني، فيه تصل الشمس آخر مدى لها ~~في الميلان عن كبد السماء، ويبلغ النهار أقصره، ولذا فقد اعتبر يوم ~~ميلاد للشمس ولآلهة الشمس؛ لأن اليوم الذي يليه هو يوم صعود الشمس ~~من جديد نحو كبد السماء، واستطالة النهار على حساب الليل. فكان ~~أتباع المخلص الشمسي «ميترا» يحتفلون بميلاد مخلصهم في ذلك ~~التاريخ، وكذلك السوريون الذين تحول مخلصهم إلى إله شمسي في ~~الفترات المتأخرة، وفي المناطق التي تأثرت بالثقافة الرومانية مثل ~~بعلبك. ففي ليلة الخامس والعشرين من شهر كانون الأول، عند منتصف ~~الليل، كانت صرخة الميلاد تنطلق من حجرات قدس الأقداس معلنة ميلاد ~~المخلص: «ها هي العذراء تلد ابنا والنور ينتشر»، # 34 # والعذراء المعنية هنا هي الأم الكبرى عستارت، سيدة ~~السماوات . وفي الأناجيل هناك عدد من الإشارات والرموز السرية ~~القديمة التي تربط الابن المخلص بالشمس وميلاده بميلادها. ومنها ~~حادثة اعتماد السيد المسيح بمياه الأردن. # فعماد السيد المسيح هو ميلاده الثاني، وكل مسيحي يجب أن يولد ~~ثانية بعد التعميد بالماء: «الحق، الحق أقول لك. إن كان أحد لا ~~يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله.» # 35 # أما عن حادثة الاعتماد فنقرأ «حينئذ جاء يسوع من ~~الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه، ولكن يوحنا منعه قائلا: ~~أنا محتاج أن أعتمد منك وأنت تأتي إلي؟ فأجاب يسوع وقال له اسمح ~~الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، حينئذ سمح له. فلما اعتمد ~~يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح ~~الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من السماوات قائلا: هذا ~~هو ابني الحبيب الذي سررت به.» # 36 # وفي الحقيقة فإن طقس الاعتماد الذي كان معروفا في ~~الديانات السرية، ms299 يرجع في أصله إلى عبادة إله الماء ~~السومري-البابلي «إيا» الذي يعني اسمه إله بيت الماء، وكانت طقوس ~~الاعتماد بالماء تتم في معبده، بيت الماء ذاك، وكان البابليون ~~يرمزون للإله إيا بحيوان خرافي، نصفه الأعلى لجدي ونصفه الأسفل ~~لسمكة، كما كانوا يرمزون لبرج إنكي السماوي بنفس الحيوان، وهذا ~~البرج ما زال معروفا إلى يومنا هذا ببرج الجدي، وهو البرج الذي ~~لاحظ البابليون القدماء أن الشمس تدخله وقت الانقلاب الشتوي، ~~لتجتازه بعد ذلك صاعدة في دورتها الجديدة نحو منتصف السماء. فإذا ~~علمنا أن الاسم الذي عرف به الإله إنكي في الفترات المتأخرة هو ~~«أوانيس» الذي يلفظ باليونانية «يوانيس»، وباللاتينية «يوحانيس»، ~~وبالعبرية «يوحنان»، لأدركنا العلاقة السرانية بين إله الماء إنكي ~~ويوحنا المعمدان في الإنجيل. # 37 # وهذه العلاقة إنما تربط في الوقت نفسه بين يوحنا ~~المعمدان الذي يعمد بالماء، وبرج إنكي الذي تمر فيه الشمس قبل ~~ولادتها الجديدة في السماء. وتجعل من حادثة اعتماد السيد المسيح ~~انعكاسا للحدث الفلكي. فالسيد المسيح بعد اعتماده بماء الأردن على ~~يد يوحنا وولادته الجديدة، يصعد من الماء ويجتازه ليهبط عليه الروح ~~القدس، ويكرسه ابنا للإله وقاهرا برسالته للظلام، تماما كما تلد ~~الشمس في يوم الخامس والعشرين من ديسمبر مجتازة برج الماء في ~~ميلادها السنوي الجديد. # أما بعث السيد المسيح فقمري، وتسير حادثة موته وقيامته على خطا ~~موت وبعث الآلهة القمرية القديمة، التي تغيب في اليوم الأول وتظهر ~~في يومها الثالث. وكما كان الآلهة القمريون آلهة للخصب ودورة ~~الزراعة أيضا، يبعثون إلى الحياة مع الانقلاب الربيعي، كذلك هو ~~السيد المسيح الذي يبعث في يوم الفصح الربيعي. ففي البلدان الناطقة ~~باللاتينية حيث شاعت عبادة الإله آتيس ابن الأم الكبرى سيبيل، جرت ~~العادة على الاحتفال بيوم آلام المسيح وموته في الخامس والعشرين من ~~آذار (مارس) المصادف ليوم الانقلاب الربيعي حسب التقويم الجولياني، ~~وبقيامته في يوم الفصح الموافق للسابع والعشرين من آذار. وهذه ~~التواريخ مقاربة لتواريخ احتفالات آتيس، حيث يصادف يوم الثاني ~~والعشرين من آذار يوم الاحتفال بموت آتيس والخامس والعشرين منه ms300 يوم ~~بعثه، وقد كان هذا التطابق بين المناسبتين مدعاة لجدل طويل بين ~~أتباع الديانتين، فبينما اتهم أتباع آتيس المسيحيين بالتقليد، لجأ ~~المسيحيون إلى اتهام الشيطان الذي يقلب موازين الأمور ويغطي الحق ~~بالباطل ليزيغ به القلوب. # 38 # أما اليوم فيتم الاحتفال بعيد الفصح في الكنائس ~~الشرقية في أول يوم أحد يلي القمر البدر، عقب الانقلاب الربيعي ~~مباشرة. وبذلك يجمع الفصح إلى نفسه البعثين؛ بعث القمر وبعث ~~الطبيعة. # وكما تحول أبناء الأم الكبرى، من آلهة قمح يهبون جسدهم لدفع ~~غائلة الجوع عن البشر، إلى آلهة خلاص يهبون نفس الجسد القديم لخلاص ~~الروح، كذلك السيد المسيح، فجسده الذي وهبه من أجل البشر هو قمح ~~الحياة الأبدية: «أنا هو خبز الحياة، من يقبل إلي فلا يجوع، ومن ~~يؤمن بي فلا يعطش أبدا» # 39 ~~... «أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد ~~من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ~~أبذله من أجل حياة العالم.» # 40 # وجسد المسيح أيضا هو ثمر الأرض الذي صار ثمر الخلاص: ~~«أنا الكرمة الحقيقية وأبي الكرام.» # 41 # على أن الإيمان بتجسيد ~~الإله الابن وظهوره على الأرض في هيئة يسوع الناصري، والإيمان ~~بدورة حياته التي انتهت بالموت على الصليب والقيامة من بين ~~الأموات، واتباع مثاله الخلقي في الحياة، كل ذلك لا يكفي لجعل ~~المؤمن واحدا مع المسيح ونيل الخلاص. فهناك عدد من الأسرار التي ~~لا بد من المرور بها، وطقوس عبور لازمة لكل راغب في التحول ~~للمسيحية. من ذلك سر التناول وسر العماد وسر المسحة وغيرها. وسنقوم ~~فيما يأتي بعرض سريع لسر التناول باعتباره السر الأساسي المركزي في ~~الطقس المسيحي. فمن بين سلسلة أحداث حياة المسيح التي تتابعت ~~لتحقيق الخلاص، كان العشاء الأخير من أكثرها إثارة لعواطف ~~المؤمنين، ووعدا قائما بالخلاص عن طريق التوحد مع الفادي. نقرأ ~~في إنجيل متى: «وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى ~~التلاميذ وقال: خذوا هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا: ~~اشربوا منها كلكم؛ ms301 لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي يسفك من ~~أجل الكثيرين لمغفرة الخطايا.» # 42 # وفي إنجيل لوقا: «ثم تناول كأسا وشكر وقال خذوا هذه ~~واقتسموها بينكم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى ~~يأتي ملكوت الله. وأخذ خبزا وشكر وكسر وأعطاهم قائلا: هذا هو ~~جسدي الذي يبذل عنكم، اصنعوا هذا لذكري، وكذلك الكأس أيضا بعد ~~العشاء قائلا هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم.» # 43 # وفي رسائل بولص الرسول: «إن الرب يسوع في الليلة التي ~~أسلم فيها أخذ خبزا وشكر فكسر وقال: خذوا كلوا هذا هو جسدي ~~المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكري، كذلك الكأس أيضا بعدما تعشوا ~~قائلا: هذا الكأس هي العهد الجديد بدمي. اصنعوا هذا كلما شربتم ~~لذكري، فإنكم إن أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت ~~الرب إلى أن يجيء.» # 44 # إن طقس التناول ليس استعادة لذكرى فداء المسيح، بل هو إعادة. ~~فالسيد المسيح لم يبذل جسده ودمه في لحظة معينة من التاريخ، بل إنه ~~يبذلهما من أجل البشر في كل مرة يجتمعون من أجل المناولة إلى فناء ~~الأكوان، والخبز والخمر اللذان يتناولهما المجتمعون، هما خبز وخمر ~~من النوع العادي الذي يألفونه في حياتهم اليومية، إلا أن إيمانهم ~~بسر الفداء يعطي لهذه المادة العادية رمزا كبيرا ويحولها إلى ~~فكرة؛ ذلك أن أكل جسد المسيح في شكل خبز القربان المقدس، وشرب دمه ~~في شكل خمرة الكرمة، ليس توحدا مع المسيح في الجسد، بل توحد معه ~~في الجوهر من طريق الإيمان، وتثبيت للإلهي في الروح البشرية. نقرأ ~~في إنجيل يوحنا: «اثبتوا في وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن ~~يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم أيضا، إن لم ~~تثبتوا في. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت في وأنا فيه، ~~هذا يأتي بثمر كثير.» # 45 # إن اللحظة التي يتناول فيها المجتمعون الخبز والخمر في ~~إيمان كامل بأن ما يأخذونه إليهم هو جسد الفادي ودمه، لتضعهم خارج ~~الزمان وخارج ms302 المكان في ومضة خاطفة، وتفتح لهم بوابة على الأبدية، ~~وتجدد العهد ما بينهم وبين المخلص. # إن تفرد سر التناول المسيحي، في مضمونه وغاياته، لا ينفي ~~اعتماده على الأسرار السابقة والمعاصرة له إبان تشكله، وعلى طقوس ~~دينية أخرى موغلة في القدم. ففي الفصل السابق رأينا كيف أن القربان ~~البشري لم يكن إلا تمثيلا للقربان الإلهي. كما رأينا أن التضحية ~~بالملك الذي حلت فيه روح الإله، أو في ابنه، أو في أي قربان بشري ~~آخر يقوم مقامه، ليست إلا حدثا يجري في تزامن وتواقت مع موت الإله ~~نفسه. لذلك كان لجسد القربان البشري طابع القداسة، فما إن يتم ~~تنصيب الملك الجديد الذي سيقتل بعد مدة محددة، أو يتم تخصيص شخص ~~ما ليكون موضوعا للقربان، حتى يفقد الشخص المهيأ للموت مع الإله ~~خصائصه البشرية، ويغدو جزءا من الإله نفسه. من هنا كان أكل جزء من ~~جسد القربان عقب قتله، هو أكل لجسد الإله نفسه في سعي للتوحد معه. ~~والشيء نفسه ينطبق على القربان الحيواني الذي يقتل كممثل للإله، ~~ثم يؤكل لحمه طقسيا لاكتساب القداسة التي حلت فيه. وفي هذا ~~المجال نذكر بطقوس ديونيسيوس التي كان عباده خلالها يأتون بثور ~~حي يمثل الإله فيمزقونه إربا ويأكلونه. كما كان عباد أدونيس في ~~سوريا يذبحون في عيده الخنزير، وهو رمز الإله نفسه، ويأكلونه في ~~وليمة طقسية رغم أن لحمه كان محرما عليهم في الأوقات العادية، ~~وخارج هذه المناسبة. # على أن التضحية الفعلية بإنسان أو حيوان، لم تكن دوما عنصرا ~~أساسيا في طقوس التناول؛ ففي بعض ديانات الخلاص كان يكتفى بصنع ~~نوع خاص مقدس من الخبز يمثل جسد الإله، يتم أكله في الاحتفال ~~الديني، كما هو الأمر في طقوس ديمتر أم القمح، التي أشرنا إليها ~~في مكان آخر من هذا الفصل، وفي طقوس ميترا حيث تظهر بعض الرسوم ~~القائمين بالطقس، وقد وضعوا أمامهم على المائدة أرغفة رسم عليها ~~شكل الصليب. # 46 # وبعيدا عن حضارات العالم القديم، فإن ثقافات القارة ~~الأمريكية تمدنا بأمثلة عدة عن طقوس أكل جسد ms303 الإله. ففي ثقافة ~~الآزتيك في المكسيك، كانت طقوس العشاء المقدس تتم مرتين، الأولى في ~~كانون الأول (ديسمبر)، والأخرى: في أيار (مايو)، حيث يصنع ~~المحتفلون في كل مرة دمية من عجين مصنوع من دقيق عدد متنوع من ~~الحبوب، تمثل الإله الأكبر، ثم توضع الدمية على المذبح الرئيسي في ~~المعبد ليلة الاحتفال، ويحرق حولها البخور طيلة الليل، ويقيم ~~أمامها الكهنة طقوسا خاصة، حتى إذا جاء الصباح حملت إلى قاعة ~~كبيرة يحتشد فيها النساء، ويأتي الكاهن الأكبر فيرمي صدر الدمية ~~بسهم ويتقدم فينتزع قلبها ويقدمه للملك، ثم يقسم بقية الجسد إلى ~~قطع صغيرة يوزعها على بقية الموجودين فيأكلونها في حزن وخشوع، ~~ويصلون قائلين: إنهم يأكلون جسد الإله وعظامه. # 47 # وقد بقي من طقوس أكل جسد ~~الأم الكبرى ديمتر في هيئة خبز القربان بقية في عادات مزارعي القمح ~~في أوروبا حتى العصر الحديث. فإلى وقت قريب كان المزارعون يقيمون ~~بعد الحصاد وليمة تدعى بعشاء الحصاد، حيث يقوم رب الأسرة بعجن ~~رغيف كبير مأخوذ من آخر حزمة قمح (وهي الحزمة التي رأينا سابقا أن ~~روح القمح تسكن فيها)، ثم يجعله على هيئة دمية نسائية، ويخبزه في ~~النار، ثم يجلس وأسرته إلى عشاء الحصاد حيث يأكلون الدمية. وفي بعض ~~المناطق تصنع دمية من العجين تعلق على غصن شجرة مقطوع، ثم تنقل في ~~آخر عربة حصاد راجعة من الحقل، فتؤخذ إلى بيت عمدة القرية، الذي ~~يقسمها بين الناس المجتمعين في بيته لهذه المناسبة. وفي بعض ~~المناطق التي لا تصنع دمى خاصة لعشاء الحصاد، تقوم عائلة المزارع ~~بصنع خبز خاص لهذه المناسبة، يأكله الجميع في خشوع وهم يرفعون ~~أدعية موجهة لله وللأرض الخصيبة في آن معا. # 48 # ننتقل الآن إلى الجانب الآخر لمعتقد الخلاص المسيحي، والمتمثل في ~~الإيمان بيسوع المسيح كحامل لخطايا البشر ومحرر لهم من الذنوب ~~الماضيات. نقرأ في رسائل بولص الرسول: «وأما الآن فقد ظهر بر الله ~~بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء. بر الله بيسوع ~~المسيح وإلى كل وعلى كل الذين يؤمنون؛ لأنه لا ms304 فرق؛ إذ الجميع ~~أخطئوا وأعوزهم مجد الله. متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي ~~بيسوع المسيح، الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه، لإظهار بره من ~~أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله.» # 49 # وأيضا: «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي ~~باركنا بكل بركة روحية في المسيح ... الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا.» # 50 # وفي رسائل يوحنا الرسول نقرأ: «يا أولادي أكتب لكم هذا ~~لكيلا تخطئوا، وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الأب، يسوع المسيح البار ~~الذي هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا بل لخطايا كل العالم أيضا.» # 51 # وفي رؤيا يوحنا اللاهوتي نقرأ: «... يسوع المسيح الشاهد ~~الأمين البكر من الأموات، ورئيس ملوك الأرض الذي أحبنا وقد غسلنا ~~من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكا وكهنة لله أبيه، له المجد والسلطان ~~إلى أبد الآبدين آمين ...» # 52 # وفي إنجيل يوحنا نقرأ: «وفي الغد نظر يوحنا يسوع ~~مقبلا إليه فقال: هو ذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم.» # 53 # وفي إنجيل يوحنا أيضا: «... فقال لهم واحد منهم وهو ~~قياف، وكان رئيسا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئا، ~~ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك ~~الأمة بأسرها. ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسا للكهنة في ~~تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، ~~بل لجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد.» # 54 # إن فكرة الإله القتيل حامل الخطايا هنا، رغم تفردها في المضمون ~~والغايات، فإنها تحمل أيضا تاريخا طويلا من معتقد الإنسان ~~وطقسه. وسنقوم فيما يأتي برسم صورة عن الزقاق القديمة التي صب ~~فيها هذا المعتقد الجديد. # اعتقد الإنسان القديم بإمكانية التخلص من آلامه وأحزانه وآثامه ~~وسوء طالعه وما إلى ذلك، عن طريق تحويلها إلى موضوع خارجي قد يكون ~~إنسانا، أو جمادا، أو حيوانا، وذلك كما ينقل الواحد ثقلا ~~ماديا ليضعه على كاهل الآخر. ونستطيع متابعة هذا الاعتقاد في ~~ممارسات الإنسان وطقوسه عبر أزمنة وأمكنه مختلفة. ففي بعض أجزاء ~~جنوب الهند ms305 يتم نقل خطايا الميت إلى عجل صغير يؤتى به ليقف عند رأس ~~جسد المسجى، ثم يقوم كبير القبيلة بتلاوة لائحة الآثام التي ~~ارتكبها بطريقة ترتيلية قائلا: لقد ارتكب كذا وكذا ... وإنها ~~لخطيئة. فيردد الجمع المتحلق حول المتوفى: إنها لخطيئة. ثم يضع يده ~~على رأس العجل فتنتقل الخطيئة من الميت إلى الحيوان، ثم يتابع ~~ترتيله ويتابع الآخرون الترداد وراءه، حتى ينتهي من تلاوة ~~الاعترافات نيابة عن الميت، فإذا انتهى أحنى رأس العجل، ووضع كفي ~~الميت عليه ليتطهر من بقايا ذنوبه، ثم يقول بصوت عال: تستطيع الآن ~~أن تلجأ إلى قدمي ربك الطاهرتين. أما العجل فيطلق ليهيم على وجهه ~~في البراري بعد أن ترسم عليه علامة معينة، ويمنع على من يلتقي به ~~أن يستخدمه لأي غرض دنيوي؛ لأنه قد غدا مقدسا. وهم يعتقدون أنه لن ~~يلبث طويلا حتى يختفي ويتلاشى. وفي أجزاء أخرى من الهند، كان ~~المهراجا وزوجته يتخلصان من آثامهما بنقلها إلى أحد المجرمين ~~المحكومين، الذي كان يشتري حريته بالتطوع لهذه المهمة. وكان طقس ~~نقل الخطايا يتم على الوجه الآتي: تنصب للشخصيتين الملكيتين منصة ~~خشبية يوضع المتطوع تحتها، ثم يصعد إليها المهراجا وزوجته وهما في ~~أبهى حلة وأفخر ثياب، فيسكب فوقهما ماء يغسلهما، ويتسرب من بين ~~شقوق المنصة ليبلل المجرم القابع تحتها، ناقلا بذلك خطاياهما ~~إليه. وفي طقس آخر يتطوع أحد رجال البراهما الصالحين ليحمل خطايا ~~المهراجا وهو في نزعه الأخير، فيأتي إلى سريره ويعانقه قائلا: ~~إنني أحمل عنك أيها الملك كل خطاياك وآثامك. فإذا أسلم الروح تم ~~إبعاد حامل خطاياه إلى ما وراء حدود المملكة، ولا يسمح له بالعودة ~~بعد ذلك. # 55 # وجرت العادة لدى بعض قبائل النيل الأبيض في أفريقيا، على أن تقوم ~~بعض العائلات باقتناء بقرة مقدسة تحتفظ بها إلى أوقات الأزمات ~~العامة، فإذا حلت بالقبيلة شدة أو انتشر وباء، قام زعيم القبيلة ~~باختيار إحدى هذه البقرات لتحمل عن القرية آلامها، عند ذلك تأتي ~~نساء القرية بالبقرة المقدسة فيسقنها بين بيوت القرية بيتا ~~بيتا، ثم يدفعنها عبر النهر ms306 إلى الشاطئ الآخر، حيث تترك نهبا ~~للوحوش الضارية، حاملة معها المصائب والرزايا. ولدى بعض قبائل ~~أفريقيا الشرقية، إلى وقت متأخر من القرن التاسع عشر، كانت تسود ~~عادة التضحية بكبش فداء بشري يحمل عن القبيلة خطاياها. فكانوا ~~يحتفظون بالرجل المفرد للقربان مدة من الزمن يجري خلالها تغذيته ~~والعناية به على أكمل وجه، حتى إذا حل الموعد المضروب، سيق في ~~طرقات القرية وقد أخفيت ملامحه بطبقة من الأصباغ، فيتزاحم الجميع ~~حوله واضعين أيديهم عليه، لينقلوا إليه آثامهم وأمراضهم وسوء ~~طالعهم. ثم يؤخذ إلى المعبد حيث يذبح، فإذا تصاعدت أناته ~~وحشرجاته ارتفعت أصوات المجتمعين، خارجا بصرخات الفرح والتهليل؛ ~~لأن موت القربان البشري سيعطيهم راحة الضمير وسكينة النفس. # 56 # وفي التيبت، كان نقل الخطايا إلى كبش فداء بشري، يتم دوريا مع ~~مطلع كل سنة جديدة، حيث يلقي الناس عن كاهلهم شرور السنة القديمة، ~~ويتقون مجهول السنة القادمة. فكانوا في عيد رأس السنة يأتون بالرجل ~~المخصص للفداء، فيدهن وجه بالأبيض والأسود، ويلبس ثوبا من جلد ~~ويطلق عليه اسم «ملك السنة». ثم يأخذونه إلى أزقة المدينة ~~وأسواقها، حيث يسير بين الناس وبيده ذيل ثور أسود يهزه فوق رءوس ~~المتقاطرين إليه من كل مكان، فيأخذ إليه خطاياهم وحظوظهم العاثرة. ~~بعد ذلك يوضع على حصان أبيض وينطلقون به إلى جبال جرداء قريبة، بين ~~صراخ الناس وشتائمهم وطلقات البنادق والسهام الموجهة نحو الأعلى، ~~هناك يوضع الرجل في كهف مهجور، ويمنع من مغادرة المنطقة حتى موعد ~~رأس السنة القادمة، حيث يأتون إليه مرة أخرى، فإن وجدوه ميتا ~~اختاروا شخصا جديدا كملك للسنة، وإن وجدوه حيا اقتادوه لتمثيل ~~الدور نفسه. # 57 # وهنا يستوقفنا لقب «ملك السنة» الذي يطلق على كبش ~~الفداء في الطقس التيبتي، ويحضر في ذاكرتنا طقوس قتل الملوك الذين ~~تتجسد فيهم روح إله الطبيعة المستعد للموت من أجل تجديد دورة ~~الطبيعة. ولعلنا نستطيع الافتراض ببعض الثقة أن ملك السنة كان في ~~بداية ظهور الطقس بديلا للدالاي لاما كاهن التيبت وملكها، وأن ~~الملك نفسه كان في الفترات الأقدم عهدا هو ms307 موضوع القربان حامل ~~الخطايا ومجدد روح الطبيعة في آن معا. # وفي ثقافة الإغريق نجد حشدا من الأمثلة على الكبش البشري؛ فعلى ~~سبيل المثال كان الأثينيون يحتفظون بعدد من الأرقاء عديمي ~~الفائدة والقيمة العملية لأوقات الأزمات، حتى إذا أرادوا صد شر ~~وباء أو كارثة محدقة، أخرجوا اثنين من هؤلاء وضحوا بهما فداء عن ~~الجميع. وفي بعض الأوقات، كانت هذه التضحية تتم دوريا في كل سنة ~~حيث تقاد الضحيتان خارج أسوار المدينة وترجمان بالحجارة حتى ~~الموت. وفي تراقيا القريبة من بلاد اليونان، كانت مدينة إبديرا ~~تطهر نفسها سنويا بقتل كبش فداء بشري رجما حتى الموت، وقبل قتل ~~الضحية كان يعلن أمامها وعلى مسمع من الجميع أنها تموت لكي تحمل ~~وحدها خطايا الناس جميعا. # 58 # وفي روما القديمة كان طقس الفداء البشري يقام في أول ليلة قمر ~~كامل تعقب رأس السنة الرومانية، التي تبدأ في الأول من شهر آذار ~~(مارس). ففي تلك الليلة كان يتم اقتياد رجل يرتدي الملابس الجلدية ~~في موكب يخترق شوارع المدينة، وخلال المسيرة يقوم أفراد الموكب ~~بضرب الرجل بعصي طويلة بيضاء حتى يصلوا به أطراف المدينة، حيث ~~يلقون به خارجا ويطلقون عليه اسم «مارس القديم». # 59 # ومارس هو اسم لأول شهور الربيع، وبنفس الوقت اسم للإله ~~الروماني المعروف بإله الحرب. ولعل إلقاء مزيد من الضوء على شخصية ~~هذا الإله يساعدنا على فهم خفايا هذا الطقس الروماني وأصوله ~~البعيدة. فالإله مارس لم يكن في مطلع عهده إلها للحرب؛ بل إلها ~~للخصب وفصل الربيع وتكاثر القطعان، وكانت عبادته مقدمة على عبادة ~~جوبيتر الذي صار فيما بعد رئيسا للبانثيون الروماني. وتروي ~~الأسطورة أن أمه قد أنجبته دون لقاح من ذكر، بل من لقاء بينها وبين ~~زهرة خرافية، ولم يتحول مارس إلى إله للحرب إلا في الفترات ~~الرومانية المتأخرة، حيث نزعت عنه خصائص الخصب وأعطيت إلى آلهة ~~أخرى، ولكن اسمه بقي مع ذلك يطلق على أول شهور الربيع. # 60 # من هنا نستنتج أن كبش الفداء الروماني الذي يضرب في ~~شوارع المدينة تحت اسم ms308 مارس القديم، ثم يرمى به خارجا، لم يكن في ~~بداية عهده سوى ممثل لإله الخصب الذي يموت في كل عام لضمان دورة ~~الزراعة. كما نستطيع أن نستنتج أن إله الخصب كان يلعب في الوقت ~~نفسه دور كبش الفداء حامل الخطايا، فعنده قد اجتمع الطقسان ~~المستقلان في طقس واحد، فإذا كان لا بد من موت إله الخصب، فلماذا ~~لا يتم تحميله في الوقت نفسه كل آثام الجماعة وشرورها وخطاياها ~~ليخلصهم منها في كل عام. هذا الدور المزدوج لإله الخصب، رغم عدم ~~وضوحه في ديانات الخصب في شكلها المتأخر وديانات الخلاص المتفرعة ~~عنها، إلا أنه متضمن في الموقف النفسي للمشتركين في الاحتفالات ~~الدينية السنوية. فالبكاء الحقيقي الصادر من أعماق القلب والتفجع، ~~ليس فقط حزنا على الإله الميت وندبا لموته، بل ينطوي على أبعد من ~~ذلك، إنه نوع من الإحساس بالخطيئة والاعتراف بها، والندم عليها، ~~وتحويلها إلى الإله ليحملها معه ويريحهم منها. # أخيرا، يكتمل إرث الشكل والقالب القديم لمعتقد الخلاص الجديد، ~~إذا عرفنا أن يسوع المخلص إنما يموت في صفة الملك. نقرأ في إنجيل ~~يوحنا: «فقال له بيلاطس: أفأنت إذن ملك؟ أجاب يسوع: أنت تقول إني ~~ملك؛ لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق. كل ~~من هو من الحق يسمع صوتي. قال له بيلاطس: ما هو الحق؟ ولما قال هذا ~~خرج أيضا إلى اليهود وقال لهم: أنا لست أجد فيه علة واحدة. ولكم ~~عادة أن أطلق لكم واحدا في الفصح. أفتريدون أن أطلق لكم ملك ~~اليهود؟ فصرخوا جميعهم قائلين: ليس هذا، بل باراباس. وكان باراباس ~~لصا» ... «وكان استعداد للفصح، ونحو الساعة السادسة، فقال لليهود: ~~هو ذا ملككم، فصرخوا: خذه ... خذه اصلبه» ... «وكتب بيلاطس عنوانا ~~ووضعه على الصليب، وكان مكتوبا: يسوع الناصري ملك اليهود.» # 61 # وفي نجيل متى نقرأ أن يسوع قد لقب منذ مولده بملك ~~اليهود: «ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودوس ~~الملك، إذا مجوس من الشرق قد أتوا إلى أورشليم قائلين: أين هو ~~المولود ms309 ملك اليهود؟» # 62 # وهو تحت لقب ملك اليهود يصلب ويموت: «فأخذ عسكر ~~الوالي يسوع على دار الولاية، وجعلوا عليه كل الكتيبة فعروه ~~وألبسوه رداء قرمزيا، وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه ~~وقصبة على يمينه. وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام ~~يا ملك اليهود.» # 63 # ومن ناحية أخرى فإن نصوص العهد الجديد تشير إلى النسب ~~الملكي ليسوع الناصري وتربطه بأسرة الملك داود. فرسائل بولص الرسول ~~توضح أن المسيح بحسب الجسد هو من ذرية داود. # 64 # وفي إنجيل لوقا نجد أن الملاك يبشر مريم بابن يرث ~~كرسي ملك أبيه «لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها ~~أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيما ~~وابن العلي يدعى. ويعطيه الرب كرسي داود أبيه.» # 65 # شكل 10-1: أورفيوس على الصليب وفوق رأسه الهلال والكواكب ~~السبعة - 300 بعد الميلاد. # على أنه لا بد من القول: إن معتقد الخلاص الجديد قد مارس بدوره ~~تأثيرا قويا على معتقدات الخلاص التي نافسته ردحا من الزمن قبل ~~أن تنهزم أمامه إلى الأبد، فبعض معتقدات الخلاص الغنوصية التي نشأت ~~في الشرق القديم، وامتدت إلى العالم اليوناني الروماني خلال القرون ~~الثلاثة التالية للميلاد، قد جعلت من السيد المسيح نفسه مركزا ~~لطقسها ومعتقدها. كما قامت المعتقدات الأقدم بانتحال بعض خصائص ~~المخلص الجديد ونسبها إلى آلهتها. فأتباع الأورفية مثلا قد ~~أخذوا يصورون في أعمالهم التشكيلية أورفيوس معلقا على الصليب ~~(الشكل رقم # 10-1 ~~)؛ مما يدل على أن كل ديانة ~~كانت تحاول استمالة أتباع الديانة الأخرى، عن طريق الاستعارة منها، ~~وصب رسالتها في قوالب مفهومة لديهم ومقدسة عندهم. # وبعد، لعل الزقاق القديمة، كما رأينا، لم تفسد الخمر الجديدة، ~~والخمر الجديدة لم تشقق الزقاق القديمة، بل لقد حفظت الزقاق ~~خمرها جاهزة في كل آن للمؤمنين بجوهر الإلهي لا بحرفية اللاهوت ~~وطرائق الكهنوت. # مريم المخلصة # لا تمدنا الأناجيل الأربعة الرسمية بمعلومات كافية عن السيدة ~~مريم، التي تبدو شخصيتها غامضة وغير واضحة المعالم عبر سيرة السيد ~~المسيح. فبشارة الملاك لمريم بالمولود ms310 الإلهي لا ترد إلا في إنجيل ~~لوقا. وفي القليل الذي أورده إنجيل متى عن طفولة المسيح، لا تتضح ~~العلاقة بين الأم والابن، ولا دور الأم في تربية وتنشئة ابنها. ~~وعندما تريد المشيئة الإلهية إنقاذ العائلة المقدسة من بطش الملك ~~هيرودوس يهبط الوحي على يوسف النجار ليأمره بالهرب إلى مصر هو ~~وأسرته، وعندما يموت هيرودوس يهبط عليه ثانية ليأمره بالعودة. وفي ~~كلا الإنجيلين تنتقل بنا الأحداث بسرعة عبر طفولة المسيح الغامضة، ~~لنجد أنفسنا فجأة أمام يسوع الرجل يعتمد بماء الأردن. أما إنجيلا ~~مرقس ويوحنا فيبتدئان بحادث الاعتماد، وما يليه من بدايات التبشير ~~دون أي ذكر لميلاد يسوع وطفولته وحداثته. # وعبر حياة السيد المسيح التبشيرية القصيرة، لا نستطيع أن نتبين ~~للسيدة مريم دورا خاصا. وفي المواقف التي تجمع يسوع بأمه، لا ~~نجد أصحاب الأناجيل يصرفون الأذهان إلى مريم، بل يبقى الابن في ~~مركز الصورة وبؤرتها. نقرأ في إنجيل مرقس على سبيل المثال: «فجاء ~~حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجا وأرسلوا إليه يدعونه، وكان الجميع ~~جالسا من حوله، فقالوا له: هو ذا أمك وإخوتك خارجا يطلبونك، ~~فأجابهم قائلا: من أمي وإخوتي؟ ثم نظر حوله إلى الجالسين وقال: ها ~~أمي وإخوتي ... لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي.» # 66 # وفي إنجيل لوقا نقرأ: «وفيما هو يتكلم بهذا، رفعت ~~امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك والثديين ~~اللذين أرضعاك. أما هو فقال: بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه.» # 67 # وعندما يتكلم الابن والأم مع بعضهما البعض، لا تنبي ~~طريقة تخاطبهما بعلاقة خاصة، بل العكس؛ إذ يسود جو من الموضوعية ~~بينهما. ولعل في حادثة عرس قانا، الذي دعيت إليه مريم كما دعي ~~إليه يسوع وتلاميذه في اليوم الثالث لهبوط الروح القدس؛ مثالا على ~~ذلك: «وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل، وكانت أم يسوع ~~هناك. ودعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس. ولما فرغت الخمر، قالت ~~أم يسوع له: ليس لهم خمر. فقال يسوع: ما لي ولك يا امرأة، لم تأت ms311 ~~ساعتي بعد.» # 68 # ولا يشذ إنجيل يوحنا عن الأناجيل الأخرى في طمس ملامح ~~السيدة مريم، وذلك رغم أن يوحنا قد تعهد مريم بعد موت ابنها ~~وضمها إلى بيته؛ تنفيذا لوصية يسوع وهو على الصليب: «فلما رأى ~~يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا، قال لأمه: يا امرأة، هو ~~ذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هو ذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ ~~إلى خاصته.» # 69 # إلا أن تحولا جذريا أخذ يطرأ على صورة السيدة مريم فيما بين ~~القرن الأول والقرن الرابع للميلاد، بتأثير العاطفة الشعبية التي ~~تركزت لأجيال طويلة حول الأم الكبرى، وبتأثير بعض القديسين الأوائل ~~ممن أسسوا بكتاباتهم المبكرة وأشعارهم وصلواتهم لعبادة السيدة ~~العذراء. ومن هؤلاء القديسين يوحنا الفم الذهبي، ومار أفرام ~~السرياني، وميتوديوس وغيرهم. نقرأ في ترتيلة للقديس ~~ميتوديوس: ~~«إن اسمك يا مريم، يا أم الله، ممتلئ نعمة وبركة إلهية. أنت أم ~~المؤمنين. لقد أدركت ما لا يدرك، وحويت من لا يحده مكان. أنت أم ~~الخالق، ومغذية مغذي الجميع. وقد حملت من بكلمته يحمل الجميع. ~~لقد أقرضت الله الذي لا يعوزه شيء جسدا ليظهر به للبشر. القدير ~~على كل شيء، قد رضي أن يصير إنسانا ويعرف الناس إليه. أي شيء ~~أعظم من هذا الشرف، وهو أن المالئ السماوات والأرض، والمالك كل شيء ~~قد رضي أن يصير فقيرا فيحتاج إليك. أنت أقرضت الله ثوبا وجسدا ~~لم يكن له من قبل. ابتهجي يا أم الله وأمته، فإن دائن الخليقة ~~كلها قد صار مدينا لك. نحن كلنا مدينون لله وهو صار مدينا لك. ~~والذي قال: أكرم أباك وأمك، شاء أن يحفظ هذه الشريعة التي سنها. ~~لهذا غمر أمه نعمة شرفا لأنها ولدته ميلادا جديدا.» # 70 # إلا أن أمومة مريم الإلهية ~~قد بقيت موضوع خلاف بين المذاهب المسيحية الأولى، حتى انعقاد مجمع ~~إفسوس الذي انتصر فيه التيار الغالب المؤمن بالأمومة. وقد رأس ~~المجمع القديس كيرلس الإسكندري الذي أثرت تعاليمه على قرارات ~~المجمع حول هذه النقطة. وكان من جملة أقواله التي ساقها في فترة ms312 ~~التمهيد لعقد المجمع وخلاله: «إني أعجب من أولئك الذين يتساءلون: ~~هل يجوز لهم أن يسموا القديسة العذراء أم الله أم لا؟ بما أن سيدنا ~~يسوع المسيح هو الله، فكيف لا تكون التي ولدته أم الله؟ تلك هي ~~العقيدة التي نقلها إلينا الرسل القديسون، ولو أنهم لم يستعملوا ~~هذه العبارة.» وبعد انتهاء مداولات المجمع بحضور 150 أسقفا تمت ~~الموافقة على عقيدة الأمومة الإلهية، وتم إطلاق اسم «أم الله» ~~رسميا على السيدة مريم. وكان شعب مدينة إفسوس واقفا تحت نوافذ ~~قاعة الاجتماعات يترقب تحديد العقيدة وإعلانها. وما إن تم ذلك، حتى ~~خرج الشعب كله إلى الشوارع، وسار الجميع وعلى رأسهم الأساقفة ~~يقطعون شوارع المدينة والمشاعل في أيديهم والنساء يحملن المباخر، ~~والجميع ينادون بأن مريم والدة الإله وينادون: يا مريم يا أم الله.» # 71 # لقد فتح هذا اللقب الجديد الباب واسعا أمام العاطفة الشعبية ~~لتكريس السيدة مريم أما كبرى. إن أمومة مريم الإلهية ليست أمومة ~~للطبيعة الإلهية، ولا لكيان الابن القديم؛ لأنه الكلمة الذي كان ~~عند الله بلا بداية، بل هي أمومة للإله الكلمة المتأنس يسوع. ومع ~~ذلك فإن لقب أم الله قد وضعها في مصاف الأم الكبرى التي تدعى لدى ~~كل الثقافات بأم الإله. وبدأ الخيال الشعبي يسبغ عليها ويستعير لها ~~كل خصائص وصفات الأمهات اللواتي كن موضع عبادة في الديانات ~~السابقة، واتخذت مقاما في العبادة يأتي مباشرة بعد الثالوث ~~المقدس. وذلك يرجع في رأينا إلى نزوع نفسي متأصل في الطبيعة ~~البشرية لعبادة القوى الإلهية في تجليها الأنثوي، إلى جانب عبادتها ~~في تجليها الذكري. ولقد استعرضنا عبر فصول هذا الكتاب رحلة السيدة ~~مريم من قديسة إلى أم كبرى، ولا نجد حاجة لتقديم ملخص شامل حول هذا ~~الموضوع. # ولقد ساهمت الأعمال الفنية والتشكيلية في رسم هذه الصورة الجديدة ~~للسيدة مريم، وقدمتها كأبهى ما تكون الأم الكونية الكبرى. من فيض ~~هذه الأعمال نشير إلى عملين يقدمان في رأينا فكرة عما حاولت بقية ~~الأعمال أن تقول. ففي تمثال خشبي بالحجم الطبيعي من فرنسا القرن ~~الخامس ms313 عشر، # 72 # نجد السيدة العذراء في وضعية الجلوس تحمل في يدها ~~اليسرى كرة الكون، وتضم بيدها اليمنى الوليد الإلهي الواقف على ~~ركبتها. إلا أن سر التمثال يكمن في أنه مجوف من الداخل وله مصراعان ~~قابلان للفتح، فللوهلة الأولى يبدو التمثال عملا عاديا من النوع ~~المألوف، فإذا فتح المصراعان كشف التمثال عن معانيه السرانية، إذ ~~نجد في داخله الإله الأب ممسكا بيديه الاثنتين الصليب، والإله ~~الابن معلقا عليه، وكلاهما متضمنان في كون العذراء الرحيب. أما ~~العمل الثاني فلوحة زيتية من روائع الفنان الإسباني فلاسكيز محفوظة ~~في متحف مدريد تحت اسم تتويج السيدة. في هذه اللوحة نجد الثالوث ~~المقدس مؤلفا من الأب والابن والعذراء التي تتوسط الاثنين، شاغلة ~~مركز الصورة وأكبر مساحة فيها، ويمسك الأب والابن بتاج يضعانه على ~~رأس السيدة. # هذا الدور الكبير للسيدة العذراء قد جعلها شريكة كاملة للإله ~~الابن في سر الفداء والخلاص، فبدونها لم يكن ممكنا لملحمة الخلاص ~~أن تتم وتستكمل شروطها. نقرأ في أناشيد الكنيسة الشرقية وصلواتها: ~~«بما أنك كنز قيامتنا يا جديدة بكل تسبيح، انشلي الواثقين بك من ~~قعر جب الزلات، فإنك أنت خلصت الحاملين تبعة الخطيئة بولادتك ~~الخلاص. يا من هي قبل الولادة عذراء وبعد الولادة عذراء» ... «السلام ~~عليك يا فرحنا وسترنا وخلاص نفوسنا. إن أجناس الأرضيين كافة ~~يلتجئون إلى سر معونتك» ... «سهلي لي مناهج الخلاص يا والدة الإله؛ ~~لأني دنست نفسي بخطايا سمجة، وأفنيت عمري كله بالتواني» ... «لما ~~حياك جبرائيل أيتها البتول، تجسد مع صوته سيد الكل فيك، أيها ~~التابوت المقدس، وظهرت أرحب من السماوات إذ حملت خالقك. فالمجد ~~للذي سكن فيك، المجد للذي أتى منك، المجد للذي حررنا بولادته منك.» # 73 # وفي المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أعلن الدستور ~~العقائدي للكنيسة، ثم تناول شخصية السيدة مريم ودورها في تدبير ~~الخلاص، وذلك في الفصل الثامن من الدستور الفقرة (60) حيث نقرأ: ~~«عن العذراء الطوباوية التي أعدت منذ الأزل في تصميم تجسد الكلمة ~~كي تكون أم الله، غدت إلى الأرض بتدبير العناية الإلهية أما ~~حبيبة للمخلص الإلهي ms314 وشريكة سخية في عمله بصفة فريدة أبدا، ~~وأما للرب وديعة. بالحبل بالمسيح وبوضعها إياه في العالم ~~وبتغذيتها له، وبتقدمته في الهيكل إلى أبيه، وتألمها مع ابنها الذي ~~مات على الصليب، ساهمت في عمل المخلص مساهمة لا مثيل لها.» # 74 # وفي الواقع، فإن مثل هذه الكلمات التي تصدر عن أعلى سلطة رسمية ~~كاثوليكية، لا يمكن إلا أن تكون ذات صيغة توفيقية بعيدة عن التطرف، ~~وذلك حفاظا على الروابط مع بعض الكنائس التي ليس لعبادة العذراء ~~فيها المكانة نفسها، وتدعيما لسبل الوحدة المسيحية، ولعل في قول ~~الكردينال الفرينك خلال مناقشات المجمع الفاتيكاني الثاني الآنف ~~الذكر، ما يشير إلى الاختلاف بين الصيغة الرسمية للعقيدة والممارسة ~~الشائعة؛ إذ قال: «إن التعبد للعذراء مريم شيء، والتعبير عن إيمان ~~الكنيسة وتعاليمها شيء آخر.» # وبعد، لقد كانت السيدة مريم العذراء آخر تجل للألوهة المؤنثة ~~في ضمير الإنسان، ويبدو أنها باقية معه على مر الأزمان. # | رؤيا # ها هو الممر الضيق الوعر الذي يصعد بنا عبر الأحراش المتشابكة يوصلنا ~~إلى القمة ... خطوات ونزيح آخر الأغصان التي تحجب بحيرة عشتار الصافية. ~~هنا مسخت الإلهة الراعي الشاب أكيتون أيلا جزاء اقتحامه عزلتها ~~ورؤيتها عارية تستحم، فطاردته كلابه ومزقته إربا. # أضع قدمي الأولى على العشب الأخضر وأسير بحذر؛ لكني لا أسمع وقعا ~~لخطواتي، كل ما حولي ساكن سكون الوجود لحظة الخلق قبل أن تنبث فيه روح ~~الخالق. الشمس والقمر ثابتان جنبا إلى جنب عند خط الأفق، والنجوم ~~منتثرة بلا بريق. أمشي إلى حافة البحيرة وأستلقي. الصمت يدخل من مسام ~~جلدي كدخول الهواء في إناء مفرغ، حتى امتلأت بالعدم. لا أدري هل مرت ~~دقائق أم سنون وعيناي مفتوحتان على اتساعهما تحدقان في أعماق ليل ~~سرمدي. ثم تحرك الزمن وأخذت أميز الأشياء ببطء. النجوم عادت إلى ~~تألقها، وظلال الأشجار تتطاول وتتلاشى مع غروب الشمس، والقمر يصعد ~~بدرا إلى خط السمت. نسمات تهب حاملة معها كل عبق المكان. انكفأت على ~~وجهي أشم رائحة التراب والعشب، وصوت يتصاعد خافتا من أعماقي؛ ولكني ~~أسمعه بوضوح، صوت المتصوف ms315 «النفري» يقول على لسان الحق: ~~«أمر كان، وأمر يكون، وأمر لا يكون. فالأمر الذي كان: محبتي لك، ~~وأمر يكون: تراني. وأمر لا يكون: لا تعرفني معرفة أبدا» - النفري: ~~المواقف والمخاطبات. # | مراجع البحث # Alexiou, Margaret. The Ritual Laments ~~in Greek Tradition, Cambridge ~~1974. # Allegro, J., The Sacred Mushroom and ~~the Cross, Abacus, London ~~1970. # Apuleius, The Golden Ass, translated by ~~R. Graves, Penguin, London ~~1980. # Bachofen, J., Myth, Ritual and Mother ~~Right, Princeton, New York ~~1973. # Braidwood. R., Prehistoric Man, Scott ~~and Company, Illinois 1975. # Briffault, Robert. The Mothers, ~~Athenaeum, New York 1977. # Budge, E. A. Wallis, Osiris, University ~~Books, New York 1970. # Budge, E. A. Wallis. The Gods of the ~~Egyptians, Dover, N. Y. 1969. # Campbell, Joseph. Primitive Mythology, Penguin Books, London 1977. # Campbell, Joseph Occidental Mythology, Penguin Books, London 1977. # Campbell, Joseph. Creative Mythology, Penguin Books, Londin 1977. # Campbell, Joseph. Creative Mythology, Penguin Books, Longon 1977. # Cauvin, Jacques. Les Premiers Villages ~~de Syrie-Palestine, Maison de l’Orient, Lyon ~~1978. # Cauvin, Jacques. Religions ~~Neolithiques, Centre de Recherches D’ecologie et de Prehistoire, Paris 1972. # Child, Gordon. The Most Ancient Near ~~East, Norton library, New York ~~1969. # Frazer, James. The Golden Bough, ~~MacMillan, New York 1971. # Colegrare, Sukie. The Spirit of the ~~Valley. # Gordon, C. H. The Ancient Near East, ~~Norton library, New York ~~1965. # Gordon, C. H., Ugarit and Minoan Crete ~~Norton library, New York ~~1967. # Graves, Robert, Greek Myths, Pelican ~~Book, London 1970. # Cuirand, F., Greek Mythology, Hamlyn, ~~London 1963. # Cuirand, F., Roman Mytholog, in: ~~Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, London ~~1977. # Harding, M. Esther, Woman’s Mysteries, ~~Harper and Row, New York ~~1976. # Harrison, Jane. Epilegomena to the ~~study of Greek Religion, University Books, New York ~~1966. # Heidel, Alexander. The Babylonian ~~Genesis, Chicago, 1969. # Heidel, Alexander. The Gilgamesh Epic, Phoenix, Chicago, 1970. # Henderson, J. L., The Wisdom of the ~~Serpent, Collier Books, New York ~~1971. # Hooke, S. H., Babylonian and Assyrian ~~Religion, Hutchinson University. Library, London ~~1953. # I Ching. Book of Changes, Princeton, ~~New York 1977. # Jung, C. G., Transformation ms316 Symbolism ~~in the Mass. In: (The Mysteries) edited by J. ~~Campbell, Princeton, New York ~~1978. # Kirk. G. S., Myth, Its Meaning and ~~Functions, Cambirdge University, Cambridge ~~1983. # Kramer, S. N. Histoey Begins at Summer, ~~Doubleday, New York 1959. # Kramer, S. N,. Sumerian Mythology, ~~Harper and Row, New York ~~1961. # Kramer, S. N,. Mythology of the Ancient ~~World (edited), Anchor Books, New ~~York. # Kramer, S. N. The Sacred Marriage Rite, ~~Indiana university Press ~~1969. # Loa Tzu, Tao Te Ching, translated by D. ~~C. Lau, Penguin, London 1978. # Mellaart, James. Earliest Civilizations ~~of the Near East, Thames and Hudson, London ~~1978. # Mellaart, James, The Neolithic of the ~~Near East, Thames and Hudson, London ~~1981. # Mellart James, Catal Huyuk, Thames and ~~Hudson, London 1967. # Moor, Andrew, North syria in Neolithic, ~~in: Prehistoire de Levant, CNRS, paris ~~1981. # Nagel, George. The Mysteries of Osiris, ~~in: the Mystereies, edited by J. Campbell, Princeton, New York 1978. # Neuman, Erich. The Great Mother, Priceton, New York 1974. # Neuman, Erich, The Origins and History ~~of Consciousness, Princeton. # Otto, Walter, The Meaning of Eleusinian ~~Mysteries, in: The Mysteries, edited by J. Campbell, Princeton, New York 1978. # Ovid. Metamorphosis, penguin Books, ~~London 1982. # Oursel and Morin. Indian Mythology, in: ~~Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, London ~~1977. Pritchard, James, The Ancient Near ~~East, Princeton 1975. Pylver Max. Jesus Round Dance According ~~to the Acts of John, in: The Mysteries, edited by J. ~~Campbell. Princeton New York ~~1978. # Edman, Charles. The Rise of ~~Civilization. # Shapiro and Hendricks. A Dicthionary of ~~Mythology, Granada, London ~~1981. # Schmitt, Paul The Ancient Mysteries and ~~their Transformation, in: The Mysteries, edited by ~~J. Campbell, Princeton, New York ~~1978. # Viaud, J,. Egyptian Mythology, in: ~~Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, London ~~1977. # Watts, Allan. Myth and Ritual in ~~Christianity, Thames and Hudson, London ~~1954. # Watts, Allan. The Two Hands of God, ~~Rider and Company, New York ~~1968. # Willi, Walter. The Orphinc Mysteries. ~~In: The Mysterieas, edited by J. Campbell, Princeton, New ms317 York 1978. # Zimmer, Heinrich. Myth and Symbols in ~~Indian Art, Princeton, New York ~~1974. # Zimmer, Heinrich, The Indian World ~~Mother, in: The Mystic Vision, Princeton, New York ~~1968. # إنجلز، أصل العائلة والدولة والملكية الخاصة، دار ~~التقدم، موسكو. # ابن الكلبي، كتاب الأصنام، تحقيق: أحمد زكي، الدار ~~القومية للطباعة، القاهرة 1965. # الطبري، تفسير الطبري، المطبعة الميمنية، ~~القاهرة. # الشيخ عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل في معرفة ~~الأواخر والأوائل. # فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، دار الكلمة، بيروت ~~1981. # فراح السواح، ملحمة جلجامش، دار الكلمة، بيروت ~~1981. # محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية. # الأب لويس شيخو اليسوعي، النصرانية وآدابها بين عرب ~~الجاهلية. # محمود سليم الحوت، الميثولوجيا عند العرب، دار النهار، ~~بيروت 1979. # الأب الدكتور متري هاجي أثناسيو، الموسوعة المريمية، ~~دمشق 1982. # النووي، رياض الصالحين، دار إحياء الكتب العربية، عيسى ~~البابي، القاهرة. # أرسطو، في السياسة، ترجمة: أوغسطينس بربارة البولسي، ~~اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1980. ms318