######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.RahmanWaShaytan.Hindawi36246035 #META# Tags: religions #META# ID: 36246035 #META# Title: الرحمن والشيطان: الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - الثنوية الكونية‏ # 2 - المفهوم الديني للتاريخ‏ # 3 - فكرة الشيطان في الديانة المصرية وبذور ~~الثنوية الكونية‏ # 4 - ميلاد الشيطان‏ # 5 - الشيطان في التوراة بين إشكالية التوحيد ~~وإشكالية الأخلاق‏ # 6 - على هامش التوراة‏ # 7 - يهوه: شيطان الغنوصية‏ # 8 - الغنوصية المانوية وشيطانية المادة‏ # 9 - الكاثارية‏ # 10 - أمير هذا العالم‏ # 11 - الرحمن والشيطان في المعتقد الإسلامي‏ # الخاتمة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - الثنوية الكونية‏ # 2 - المفهوم الديني للتاريخ‏ # 3 - فكرة الشيطان في الديانة المصرية وبذور ~~الثنوية الكونية‏ # 4 - ميلاد الشيطان‏ # 5 - الشيطان في التوراة بين إشكالية التوحيد ~~وإشكالية الأخلاق‏ # 6 - على هامش التوراة‏ # 7 - يهوه: شيطان الغنوصية‏ # 8 - الغنوصية المانوية وشيطانية المادة‏ # 9 - الكاثارية‏ # 10 - أمير هذا العالم‏ # 11 - الرحمن والشيطان في المعتقد الإسلامي‏ # الخاتمة‏ # قائمة المصادر والمراجع‏ # | الرحمن والشيطان # | الرحمن والشيطان # | الثنوية الكونية ولاهوت التاريخ في الديانات المشرقية # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» ~~تتشكل في ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، شعرت بحاجة ~~إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، فرحت أبحث في منافذ ~~بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة السورية، وفي مكتبة ~~جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي ~~استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ستة ~~أشهر، رحت خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد البحري إلى ~~سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو سنة ونصف. بعد ذلك ~~رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي بما يلزمني من مراجع، ~~وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، وكان عمل الباحث في تلك ~~الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة ~~الإنترنت التي ms001 لعبت دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ~~ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب الإلكترونية المجانية ~~أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب الذي يعيش في ~~الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال كبسة زر على حاسوبه ~~الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، مع ~~إبقائي استخدام القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل للإنترنت، ~~أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في 20 مجلدا، أن توضع ~~على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، واخترت «مؤسسة هنداوي» ~~لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر الإلكتروني، سواء من جهة ~~جودة الإخراج أو من حيث المواضيع المتنوعة التي تثري الثقافة ~~العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة لطبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها في ~~طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت وأنا أتأملها كمن ~~ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول «مغامرة العقل ~~الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان»، ومشروع تكامل تدريجيا ~~دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي ~~أحببت أن أشرك به قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد أرضا بكرا ~~غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى بداية أخرى ~~على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة العقل الأولى: ~~دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه وأتأمله، إنه في غلاف ~~طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ناشرها إلى غلاف الطبعة ~~الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ~~ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم عناية الناشر بتجديد بلاكاتها ~~المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ذلك الوقت. وفي حالة التأمل هذه، ~~يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار حياتي ووضعني ms002 على سكة ذات اتجاه ~~واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على ~~دراسة ما أنتجته هذه الثقافة من معتقدات وأساطير وآداب ، في زمن لم تكن ~~فيه هذه الأمور موضع اهتمام عام، ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا ~~في هذا المجال، ولم أنظر إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد على هوايته. إلا أن ~~النجاح المدوي للكتاب - الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد الكتاب ~~العرب بدمشق في ستة أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ ~~لأن القراء كانوا يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح أكبر، ~~أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب الثاني. وقد ~~كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل في العودة إلى ~~الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على التاريخ العام ~~والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز عشتار» يتكامل ~~في ذهني وأعد له كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ثم كتبته في عامين ~~ودفعته إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ أي بعد مرور عشر سنوات على صدور الكتاب ~~الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح الأول، فقد نفدت طبعته ~~الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت الطبعة الثانية قبل نهاية ~~العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان ~~«لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، فتفرغت ~~للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي ~~أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، إلى أن دعتني جامعة بكين ~~للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، وعهدت إلي بتدريس ~~مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان الشرق الأوسط لطلاب ~~الدراسات العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله والكون والإنسان». على ~~أنني أفضل أن أدعو ms003 هذه الطبعة بالأعمال غير الكاملة، وذلك على طريقة ~~الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ لأن هذه المجموعة مرشحة ~~دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في ~~الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على المستوى ~~العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي المغلقة، ~~فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في تاريخ فلسطين ~~القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره صدر عام 2003 عن ~~دار # T & T Clark # في بريطانيا تحت ~~عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة ~~الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين في ~~التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال ~~المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى انعقدت في دمشق ~~بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل ~~عديدة أثارها «تومبسون» في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان الباحث ~~البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في كتاب من ~~تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ~~ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من ~~أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن نشوء ~~الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the ~~Invention of Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى ~~بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: ms004 # The Literary Trope of Return - A ~~Reply to Firas Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم يختفي ~~ولا تجده بعد ذلك إلا في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد ~~يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة التداول. وقد أطال القراء في عمر ~~مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، أما تحول ~~بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # إن مفهوم التوحيد الذي صاغته الديانات المشرقية بشكل خاص في سياق الألف ~~الأول قبل الميلاد، يترافق مع صعوبة ذات طبيعة فكرية وعاطفية في آن معا، ~~ذلك إن الإيمان بإله واحد هو علة الوجود، والمتحكم بجميع مظاهره، يجعل ~~مشكلة وجود الشر في العالم بدون حل ابتداء؛ فلقد كان من السهل تعليل الشر في ~~المعتقدات الوثنية التعددية بأنه نتاج تناقض أهواء الآلهة ومقاصدها، أو ~~بأنه نتيجة طبيعية لوجود آلهة خيرة وأخرى شريرة. أما في معتقد التوحيد ~~الذي يترافق مع تصور لله على أنه كلي القدرة وكلي المعرفة وكلي ~~الحضور، وعلى أنه منبع العدل والخير، فإن تعليل الشر يغدو بمثابة المهمة ~~الأولى والملحة المطروحة أمام أي معتقد توحيدي، كما أن طريقته في الإجابة ~~عن أسئلة مثل: كيف ينشأ الشر عن الخير؟ أو لماذا يسمح الخير المحض بوجود ~~الشر؟ هي التي تحدد موقع هذا المعتقد من المعتقدات التوحيدية الأخرى، ~~وترسم تصوره الخاص لبنية الحقيقة، ولعلاقة الله بالكون وبالإنسان. # ولقد حلت معتقدات التوحيد هذه ~~الصعوبة على أربعة أوجه، يصر الحل الأول على مفهوم صارم للتوحيد يستبعد ~~أية قوة ما ورائية حرة ومسئولة وتنشط في استقلال عن الله، يمكن أن ينسب ~~إليها وجود الشر، وينجم عن ذلك بشكل منطقي في أن ينسب الشر إلى الله مثلما ~~ينسب الخير إليه، فهو صانع الخير والشر أيضا، يسيرهما وفق خطة ms005 خفية عن ~~أفهام البشر، وهذا هو حل المعتقد التوراتي، الذي يعبر عنه النبي إشعيا ~~كأوضح ما يكون في قوله على لسان يهوه: «أنا الرب وليس آخر، مصور النور ~~وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر، أنا الرب صانع كل هذا» (إشعيا، 45: ~~6-7). وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار بأن التوحيد التوراتي لم يصل مرتبة ~~التوحيد العالمي الشمولي، بل بقي ضمن مفهوم «وحدانية العبادة»، أي عبادة إله ~~قومي واحد مع عدم إنكار وجود آلهة الشعوب الأخرى. # يجعل الحل الثاني من الله كيانا مفارقا يسمو فوق الخير والشر، ولكنه ~~رغم سموه يقف إلى جانب الخير ويدعمه في مقابل الشر. ولقد ظهر الخير والشر ~~إلى الوجود نتيجة خيار بدئي حر، عندما صدر عن الواحد الأزلي روحان توءمان ~~اختار أحدهما الخير واختار الآخر الشر، ودخلا في تنافس وصراع. وهذا هو حل ~~المعتقد الزرادشتي. # يتصور الحل الثالث وجود أصلين أزليين لا أصلا واحدا، وهما الله ~~والمادة. فالله روح بحت ونور صرف، والمادة كثافة مطبقة وظلمة دامسة، ولشدة ~~كثافة الظلمة في أسفل طبقاتها فقد تحولت إلى مادة، يتجاور عالم الظلمة ~~وعالم النور منذ الأزل ويواجه كل منهما الآخر بصفحته، وفيما عدا ذلك لا ~~حدود للنور من أعلاه، ولا من يمنته ولا من ميسرته، ولا حدود للظلمة أيضا من ~~تحتها ولا من يمنتها ولا من يسرتها، ثم إن المادة أنجبت الشيطان الذي ليس ~~أزليا في عينه رغم أن عناصره أزلية، وقد تولد الشيطان عن ظلمة كما ~~تتولد العفونة من الأجزاء الرطبة، وتولدت أفلاك القوى الملائكية عن ~~الله مثلما تشعل الشموع من مشعل متقد. وهذا هو حل المعتقد المانوي. # يؤكد الحل الرابع على الأصل الواحد للوجود، وعلى وحدانية الله وخيره ~~وعدله، إلا أنه يعزو الشر إلى شخصية ما ورائية كبرى ذات أصل سماوي، تنشط ~~في استقلال عن الله، وهذه الشخصية ليست أزلية بل مخلوقة من قبل الله الذي ~~أعطاها الحرية منذ البدء، فقامت، وبكل وعي وحرية، برفض التبعية لخالقها ~~والاستقلال عنه، ولما كانت غير قادرة على ممارسة دور الإله نفسه ms006 فقد ~~قررت أن تلعب دور المعارض والمناقض لإرادته، وتعمل على إفساد خلق الله، لا ~~سيما الإنسان الذي هو مركز الخليقة وسيد الأرض. وهكذا ظهر الشيطان وظهر الشر ~~إلى الوجود وتأصل فيه منذ الأيام الأولى للتكوين. وهذا هو حل المعتقدين ~~المسيحي والإسلامي. # أما لماذا سمح الله بظهور الشر على هذا النحو، فإن جواب الحل الرابع ~~هو أن الله لم يسمح بظهور الشر بل سمح بالحرية، وليس الشر إلا ناتجا من ~~نواتج الحرية. فالله ليس مسئولا عن الشر، وهو سيقاومه ويأتي به وبأصله إلى ~~نهاية محتومة في لحظة مقررة من صيرورة الزمن. لقد كان الله قادرا على محق ~~الشيطان لحظة عصيانه، ولكنه آثر الإبقاء على مبدأ الحرية الذي استنه ~~لخلقه، وتركزت خطته في مقاومة الشيطان على الإنسان الذي أعطاه العقل ~~والحرية أيضا، وعليه أن يستخدمها في محاربة الشر وعدم الإذعان لسلطته. إن ~~دراما صراع الخير والشر عبر زمن البشرية، قوامها مواجهة بين حرية بدئية ~~تحولت إلى جبرية أحادية عندما تبنى الشيطان الشر خيارا واحدا أبديا، ~~وبين حرية ما زالت تنطوي على جوهر الخيار، وهي حرية الإنسان. قد يخطئ الإنسان ~~ولكن خطأه لا يتحول إلى خيار نهائي وانحياز إلى معسكر الشيطان، ومن خلال ~~جدلية هذه الحرية المفتوحة على كل الاحتمالات عليه أن يصل في النهاية إلى ~~خيار وحيد ومطلق، بمعونة الله ونعمته. # وبذلك يتخذ معتقد التوحيد طابعا ثنويا على هذه الدرجة من الجذرية أو ~~تلك، تتراوح بين ثنوية مطلقة تعتقد بقيام أصلين للوجود لا أصل واحد، وثنوية ~~أخلاقية يقتصر فيها تناقض الرحمن والشيطان على المجال الأخلاقي والمجتمع ~~الإنساني من دون بقية مظاهر الوجود. هذه المعتقدات سوف تكون موضع بحثنا فيما ~~يأتي من فصول هذا الكتاب، فلقد وجدنا أنها تشكل مجموعة متميزة من ~~تاريخ الدين الإنساني، قاسمها المشترك فكرة الشيطان التي ظهرت لأول مرة في ~~تعاليم زرادشت (حوالي مطلع الألف الأول قبل الميلاد)، ثم تابعت ظهوراتها ~~بتنويعات ومضامين مختلفة خلال أكثر من ألف عام تلت، ودخلت في صميم معتقدات ~~يدين بها اليوم أكثر من ms007 نصف سكان المعمورة. # ونحن عندما نتحدث هنا عن الشيطان، وهو مفهوم متأخر نسبيا في تاريخ ~~الدين، فإننا نميز بينه وبين الكائنات الما ورائية الشريرة التي لم يخل ~~منها معتقد ديني قط. فالشيطان ليس كائنا شريرا بل هو المبدأ الكوني للشر، ~~والمصدر الما ورائي الذي يصدر عنه كل شر معاين وجزئي وملموس، إنه يشغل مكان ~~المركز في المعتقدات الثنوية، لا من حيث مكانته النسبية أمام الله، وإنما ~~من حيث تأثيره على المجتمع الإنساني وصيرورة التاريخ، فالتاريخ يستهل بسقوط ~~الإنسان الأول من الفردوس ، وينتهي بيوم الحساب الأخير، وليس الزمن الفاصل بين ~~البداية والنهاية إلا عصر اختبار للإنسانية في مواجهة قوى الشر. # رغم أن المبدأ الكوني للشر سيكون في بؤرة هذه الدراسة، إلا أن مجال ~~البحث سوف يتسع ليشمل ما يمكن أن ندعوه بلاهوت التاريخ، أي الاعتقاد بأن ~~صيرورة الزمن الدنيوي وفعالية الإنسان فيه هما ناتج لتدخل المشيئة الإلهية ~~وتكشف عن القصد الإلهي في عالم البشر والطبيعة والمادة، وبذلك يتحول ~~تقصينا لفكرة الشيطان في معتقد ما إلى تقص أشمل، يطال جوهر هذا المعتقد ~~في مسائل الخلق والتكوين ومراحل الزمن التالية وصولا إلى اليوم الآخر ~~وانقضاء الدهر، فالحياة الثانية: أي تقص لمفهوم ذلك المعتقد عن التاريخ، ~~بداياته وأواسطه ونهاياته، وطبيعة فهمه لله والعالم والإنسان، وللعلاقة بين ~~أركان هذا الثالوث الذي تدور حوله كل الأيديولوجيات الدينية، فبدون الشيطان ~~الذي شبك الشر إلى نسيج العالم الحسن والطيب لم يكن ثمة تاريخ، وبدون ما ~~تلا ظهور الشيطان من صراع بين الخير والشر لم يكن ثمة صيرورة تدفع عجلة ~~الزمن إلى غايته الأخيرة المتمثلة في القضاء على الشر واستعادة خلق الله ~~حسنا وطيبا كما كان عند البدايات. # سوف نخصص الفصل الأول والثاني لتقديم شروحات حول المصطلحات الواردة في ~~عنوان الكتاب، فنعرف بمصطلح الثنوية الكونية في الفصل الأول، وبلاهوت ~~التاريخ أو المفهوم الديني للتاريخ في الفصل الثاني، في الفصل الثالث نتقصى ~~الأصول البعيدة لمفهوم الثنوية الكونية وبذور فكرة الشيطان، والتي وجدناها في ~~الديانة المصرية القديمة وضمن العبادة الأوزيرية بشكل ms008 خاص. في الفصل الرابع ~~ندرس الديانة الزرادشتية التي أسست للاهوت الشيطان ولاهوت التاريخ. في بقية ~~الفصول نتابع دراسة الديانات التوحيدية المشرقية، فنستجلي في معتقداتها ~~مفهوم التوحيد وظلاله الثنوية، ومنعكس ذلك على مفهومها للتاريخ بشكل رئيسي. ~~كما سنتوقف عند تيارات روحية ذات صلة بموضوعنا مثل الغنوصية، والأسفار ~~التوراتية المخفية (أو غير القانونية) التي أحدثت ثورة صامتة ضمن الفكر ~~التوراتي الرسمي، ومهدت الطريق أمام المسيحية. # أما بخصوص المنهج، فقد حاولت قدر الإمكان التزام فينومينولوجيا الدين، ~~وهو منهج ظاهراتي وصفي يعتمد وصف الظاهرة الدينية المعنية، وسبر معناها ~~من داخلها، بمعزل عن الأفكار والمواقف الشخصية المسبقة. فالباحث ~~الفينومينولوجي لا يصدر في دراسته عن موقف بعينه، ولا يتعدى وصف ما يتبدى ~~له إلى إصدار حكم قيمة عليه، إنه أقرب إلى المشاهد المتفحص منه إلى ~~القاضي الذي يجد من واجبه التوصل إلى قرار بخصوص ما هو حسن وما هو رديء، ~~استنادا إلى لائحة تشريعية بعينها، # 1 # إضافة إلى ذلك، فقد عمدت إلى معالجة الموضوعات وترتيب أفكارها ~~داخليا بطريقة تسهل مقارنة بعضها ببعض، رغم أني لم ألجأ إلى المنهج ~~المقارن إلا في الحدود الدنيا وفيما يتعلق ببعض التفاصيل، ولسوف يجد ~~القارئ نفسه في النهاية أمام حصيلة تسلم نفسها للمقارنة دون جهد. # أخيرا، لا بد من بوح شخصي بخصوص دوافع هذه الدراسة وبواعثها، ولماذا ~~الشيطان في هذا الأوان! # في هذه الفترة القاتمة من زمن الإنسان، أن يبدو الشيطان وقد أمسك بزمام ~~العالم، وأن ينمو الشر مثل الفطر في كل تربة وأرض، نحن أحوج ما نكون إلى ~~تقصي طبيعة الشر على كل مستوى، ولعل الابتداء بالرمزية الدينية (وهي ~~اختصاصي على كل حال) تكون فاتحة لمثل هذا التقصي الضروري في أعماق النفس ~~وفي الآفاق، علنا نمسك ببعض الخيوط التي تتحكم بالمستقبل المجهول، الذي ~~تلوح لنا سنواته القريبة المقبلة وكأنها ترف فوق هاوية الجحيم. # حمص # كانون الثاني (يناير)، 2000م # الفصل الأول # | الثنوية الكونية # الثنوية الكونية هي معتقد تم تطويره في ارتباط مع معتقد التوحيد، وذلك ~~في المنطقة المشرقية # 1 # فيما بين ms009 أوائل الألف الأول قبل الميلاد وأواسط الألف الأول بعد ~~الميلاد، وقد نشأ معتقد التوحيد عن معتقد «وحدانية العبادة» السابق عليه، ~~والذي يقوم على عبادة إله واحد والإخلاص له من دون بقية الآلهة التي لا ينكر ~~وجودها. كما نشأت وحدانية العبادة بدورها عن الوثنية التعددية التي تقوم على ~~عبادة مجمع للآلهة مؤلف من مراتبية هرمية للقوى الإلهية، تقدم لها جميعا ~~فروض العبادة، كل بما يناسب مقامه وأهمية القوة الطبيعانية التي يمثلها ~~بالنسبة إلى حياة الجماعة. # يمكن تعريف الثنوية الكونية بأنها المعتقد الذي يقول بقيام مبدأين أو ~~أصلين متناقضين وراء مظاهر الوجود وصيرورة الزمن والتاريخ، وهذان المبدآن ~~شيمتهما الصراع من أجل أن يلغي أحدهما الآخر، وصراعهما يدفع عجلة الزمن ~~وتاريخ العالم والإنسانية نحو نهاية محتومة عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى ~~هي مرحلة العصر الذهبي للخليقة قبل أن يعدو الشر على الخير، والثانية هي ~~مرحلة امتزاج الخير بالشر، والثالثة هي مرحلة الفصل بين الخير والشر والقضاء ~~نهائيا على قوى الشر لكي يعود العالم طيبا ونقيا وكاملا كما كان، أو من ~~أجل الارتقاء به من حالة الوجود المادي إلى حالة الوجود الروحاني. # وبشكل عام يمكن تقسيم المعتقدات الثنوية من حيث شكلها ومضمونها إلى ثلاث ~~فئات هي: (1) الثنوية المطلقة. (2) الثنوية الجذرية. (3) الثنوية ~~المعتدلة. # تقول الثنوية المطلقة بوجود مبدأين أو أصلين أزليين مستقلين ومتعارضين، ~~لكل منهما عالمه وسلطانه المطلق على ذلك العالم. فعالم للروح وللنور ~~الأزلي، وعالم للمادة وللظلمة الأزلية، ولم يدخل هذان العالمان في صلة ~~مباشرة مع بعضهما إلا عندما عدت الظلمة على النور ودخلت في نسيجه، فكان لا ~~بد من الفصل بينهما مجددا، وهذا هو معتقد المانوية. أما الثنوية الجذرية ~~فتقول بوجود مبدأين متساويين في القيمة النسبية وفي علاقتهما بالوجود، ولكن ~~هذان المبدآن ليسا أزليين بل حادثين ومتولدين عن الإله الأزلي الواحد القديم، ~~وهما في حالة صراع دائم منذ صدورهما، وهذا هو معتقد الزرادشتية. وأما ~~الثنوية المعتدلة فتقول بمبدأ واحد وأصل واحد قديم وأزلي هو إله الأنوار ~~الأعلى، ثم إن هذا الإله الأعلى قد ms010 خلق إلها أدنى منه مرتبة قام بدوره ~~بخلق العالم المادي. فالمادة شر بطبيعتها، ولا يمكن للإله الواحد الخير ~~أن يخلق الشر أو يكون مسئولا عن وجوده، وهذا هو أساس المعتقدات الغنوصية على ~~تعدد فرقها واختلاف مذاهبها. # ويشكل المعتقدان المسيحي والإسلامي ثنوية خاصة بهما يمكن أن ندعوها ~~بالثنوية الأخلاقية. ذلك أن التناقض بين الله والشيطان لا يطال كل مظاهر ~~الوجود، وإنما يقتصر على الإنسان والمجتمعات الإنسانية، والشيطان لا سلطة ~~فعلية له إلا على النفس الإنسانية يعمل على إفسادها وحرفها عن طرق الله. ~~فالثنوية هنا شكلية لا أساسية، ونحن نطلقها استنادا إلى أن الإنسان هو ~~بؤرة خلق الله، وأن العالم قد خلق من أجله، فهو خليفة الله على الأرض ~~وسيدها. من هنا فإن سلطة الشيطان على الإنسان هي نوع من المشاركة في السلطة ~~على العالم، خصوصا في المعتقد المسيحي، حيث نجد إنجيل يوحنا يدعو الشيطان ~~برئيس هذا العالم (يوحنا، 12: 31) ويدعوه بولس الرسول بإله هذا الدهر ~~(الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة، 4: 4). # ولكي يتضح لنا مفهوم الثنوية بشكل أفضل، لا بد من التمييز بينه وبين ~~مفهوم القطبية الذي لا يتضمن معنى الصراع بقدر ما يتضمن معنى التكامل ~~والتعاون. # فالقطبية هي معتقد يقول بوجود ثنائية أصلية قوامها قطبان متعارضان ~~ومتناقضان في كل شيء، ولكنهما في الوقت نفسه متعاونان ولا قيام لأحدهما بدون ~~الآخر، وعن تناقضهما وتعاونهما تنشأ مظاهر الوجود المادي والحيوي وبهما ~~تستمر. إن النموذج الأكمل عن معتقد القطبية هو التاوية الصينية التي وضع ~~أسسها الفكرية المعلم لاو تسو في القرن السادس قبل الميلاد. يقول لاو تسو في ~~الكتاب الوحيد المعزو إليه، بوجود مبدأ أزلي قديم يدعى بالتاو، والتاو ليس ~~شخصية إلهية بل هو القاع الكلي للوجود، والحقيقة المطلقة التي يقوم بها كل ~~نسبي، وطبيعة عمله هي أقرب إلى مفهوم القوانين الطبيعية في العلوم الحديثة، ~~والتي تفعل دونما قصد منها أو إرادة عن هذا المبدأ الكلي صدرت قوتان مجردتان، ~~هما قوة ال «يانغ» الموجبة وقوة ال «ين» السالبة، وبدوران هاتين القوتين على ~~بعضهما نشأت «الآلاف ms011 المؤلفة» من كل شيء، على حد تعبير المعلم. تمثل قوة ~~اليانغ باللون الأبيض الذي يرمز إلى النور، وقوة الين باللون الأسود الذي ~~يرمز إلى الظلام، ولكن النور والظلام هنا لا يحملان أية دلالة قيمية أو ~~أخلاقية، ولا فضل لواحدهما على الآخر. وبالتالي فإن أحدهما لا يسعى إلى ~~التغلب على الآخر أو إقصائه، لأن مثل هذه الغلبة تعود بالكون إلى حالة ~~ما قبل الوجود، وأفضل ما يوصف به هذان القطبان هو تشبيههما بقطبي ~~المغناطيس. # في الديانات التقليدية للشرق القديم نجد أشكالا من المعتقدات الثنائية ~~التي تنتمي إلى القطبية لا إلى الثنوية، وذلك رغم عنصر الصراع الشكلي بين ~~طرفي هذه الثنائية، والذي هو ناتج من نواتج القص الميثولوجي، ونموذج هذه ~~الثنائيات عبادات الخصب الكنعانية التي مثلت الخصب والجفاف في شخصيتين ~~إلهيتين هما بعل وموت، فالإله بعل هو المتحكم بأسباب الخصب والحياة، ~~والإله موت هو المتحكم بأسباب الجفاف والموت. وتصور الأسطورة ~~الأوغاريتية هذين الإلهين في حالة صراع دائم لا يحسم لصالح واحد منهما، ~~فكلما سقط بعل صريعا بعث بعد فترة إلى الحياة ودعا موت إلى النزال، وكلما ~~وقع موت صريعا قام إلى جولة ثانية وتحدى بعل. فالإلهان والحالة هذه هما ~~ترميز على مستوى الأسطورة لواقع حياة الطبيعة وتناوب الفصول ودورات الخصب ~~والجفاف، وما الصراع الشكلي بينهما إلا من قبيل تناوب قوتي اليانغ والين في ~~التاوية، فهما قطبان في ثنائية طبيعانية لا طرفان في ثنوية كونية، رغم الطابع ~~شبه الكوني لصراعهما، والأهم من ذلك فإن تناقض هذين القطبين لا ينطوي على ~~دلالة أخلاقية، لأن موت ليس مبدأ للشر الأخلاقي ولا حتى كائنا شريرا، ~~والإله بعل ليس مبدأ للخير الأخلاقي، كما أنه ليس لتناقضهما وصراعهما أي ~~أثر على النفس الإنسانية ولا على الأخلاق الاجتماعية، يضاف إلى ذلك أن ~~الإلهين يتمتعان بالمكانة ذاتها في البانثيون الأوغاريتي، وتقدم إليهما ~~فروض العبادة على قدم المساواة. # على أن الإلهين بعل وموت، وأضرابهما في ميثولوجيات الثقافات الأخرى، ~~يمثلان ما يمكن أن ندعوه بالخير الطبيعاني والشر الطبيعاني، فإذا كان ~~الخير هو ms012 كل ما يؤدي إلى الصحة والسعادة والحياة، والشر هو كل ما يسبب ~~الألم والشقاء والموت، فإن الآثار الخيرة أو الشريرة قد تكون من مصدر ~~طبيعاني أو من مصدر إنساني، فالفيضانات المدمرة والزلازل والبراكين ~~والأعاصير هي شرور طبيعانية، وأما القتل العمد والاغتصاب والسرقة والظلم ~~والكذب فشرور أخلاقية تنجم عن العلاقات الاجتماعية، وبتعبير آخر فإن الشر ~~الطبيعاني ينجم عن ظواهر فيزيائية بينما ينجم الشر الأخلاقي عن نقائص ~~إنسانية. وبما أن الفكر الميثولوجي يرى في أحداث الطبيعة انعكاسا لعواطف ~~وإرادات إلهية، فقد نسب الخير والشر على مستوى الطبيعة إلى هذا الإله أو ~~ذاك، ولم يعقد صلة بين هذا النوع من الخير والشر والنوع الآخر المنسوب إلى ~~عواطف وإرادات الذوات الإنسانية الواعية. فحركة الطبيعة وما وراءها من ~~فعاليات إلهية، لا تحمل في حد ذاتها أية قيمة أخلاقية، رغم آثارها السلبية ~~أو الإيجابية على عالم البشر. إن صانع الشر على مستوى الطبيعة ليس بالضرورة ~~حافزا للشر على مستوى الحياة الإنسانية، كما أن صانع الخير على مستوى ~~الطبيعة ليس بالضرورة راعيا للخير وباعثا له في النفس الإنسانية، لهذا كله ~~فقد بقيت الأخلاق في المعتقدات القديمة شأنا اجتماعيا تحكمه قوانين ~~المجتمعات الداخلية، ولم تتصل بالدين إلا في فترات متأخرة نسبيا من تاريخ ~~الدين، وخصوصا مع ظهور المعتقدات الثنوية التي طابقت بين الخير الطبيعاني ~~والخير الأخلاقي وأرجعتهما إلى مصدر واحد، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشر ~~الطبيعاني والشر الأخلاقي. # إلا أن المعتقدات الثنوية تختلف في موقفها من هذه المسألة، فالثنوية ~~الزرادشتية تعزو كل شر طبيعاني وأخلاقي إلى الشيطان، وكل خير طبيعاني وأخلاقي ~~إلى الله. والثنوية الغنوصية ترى أن العالم كله شر لأنه ينتمي إلى ~~المادة، وما الخير إلا المعرفة التي تعين الروح الإنسانية على التعرف ~~على أصلها النوراني الأعلى، وبذلك يتم خلاصها واتصالها بأصلها مجددا، وهنا ~~لا تكتسب الأخلاق والسلوك القويم في الحياة أية قيمة خلاصية مباشرة، ولكنها ~~تهيئ النفس في التناسخات المقبلة إلى المعرفة المخلصة. فإذا جئنا إلى ~~الثنوية الأخلاقية وجدناها تعزو الشر والخير الطبيعانيين إلى الله، لأن ms013 ~~الشيطان لا يملك سلطانا على مظاهر الكون والطبيعة، وليس ما يبدو من شر على ~~المستوى الطبيعاني إلا تعبيرا عن غضب الله وعقابه، وكذلك ما يبدو من خير، ~~فهو رضى من الله ونعمة على عباده، فالخير والشر الطبيعانيان هما أداتان في يد ~~الخالق يستخدمهما وفق قصد إلهي قد يبدو للناس وقد يخفى عليهم. # لقد صاغت الثنوية عددا من المفاهيم الميتافيزيكية حول طبيعة الألوهة، ~~وأصل العالم، ومبدأ الشر، وصراع القوتين، والمخلص المنتظر، ونهاية الدهر ~~والحياة الأخرى. ولكن هذه التصورات كلها في اعتقادنا تخدم في النهاية ~~مفهوما فلسفيا «وجوديا» يدور حول حرية الفرد في الاختيار: اختيار ما هو ~~عليه واختيار مصيره، وحرية الإنسانية في رسم مستقبلها الذي يسير في خط صاعد ~~أبدا نحو الكمال، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي لا يخضع لجبرية الطبيعة، ~~ولا تنجم أفعاله بالضرورة عن حتمية السبب والنتيجة مما يسود في عالم المادة، ~~ذلك أن روحه هي قبس من عالم الروح الأسمى وعالم الحرية الإلهية، وليس شقاؤه ~~في التاريخ إلا اختبارا لصلابة هذه الروح وامتحانا لجدارتها بالحرية ~~ولقدرتها على التغلب على جبرية المادة، ولسوف تسوغ النتائج التي ستنجلي ~~عنها نهاية الزمن كل بؤس التاريخ ووطأته. # الفصل الثاني # | المفهوم الديني للتاريخ # إن ثنائية الفكر الديني والفكر العلماني # 1 # هي ثنائية حديثة نسبيا، ولا تعود في أصولها إلى ما قبل عصر ~~النهضة الأوروبية، ولعل أفضل طريقة لتعريف أحدهما وفهمه هي مقابلته بالآخر ~~وتوصيف الفروق الجذرية بينهما. # ينظر الفكر الديني إلى الوجود، كونا وطبيعة وحياة، على أنه مؤلف من ~~مستويين: الأول مادي متبد في كل ما حولنا من مظاهر حية وجامدة، والثاني ~~غيبي يقع وراء المادة وتبدياتها المتنوعة. الأول حادث ومتغير وقابل ~~للفناء، والثاني قديم وثابت وأزلي. الأول واقع في إسار الزمن والتاريخ، ~~والثاني يقع وراء الزمن والتاريخ ولكنه يتدخل فيهما ويحقق مقاصده من ~~خلالهما. ويستتبع ذلك أن معنى تاريخ الكون والإنسان يكمن خارج هذا التاريخ ~~لا في جدليته الداخلية الخاصة، لأن هذا التاريخ مسير من قبل قدرة علوية ~~توجهه وفق غايات خبيئة ms014 على الأفهام آنا وبادية لها آنا آخر. # أما الفكر العلماني فينظر إلى الوجود، كونا وطبيعة وحياة، في مستوى ~~واحد هو المستوى المادي المتبدي، فالمادة قائمة بذاتها، أزلية بطبيعتها، ~~وتعمل وفق قوانينها الخاصة، وهذه القوانين كانت قادرة منذ البدء على تشكيل ~~الكون والوصول به إلى صورته الحالية، وعلى توليد الحياة التي توجت ~~بالإنسان وبالوعي الإنساني صانع الحضارة. أي إن الفكر العلماني قد أحل ~~قوانين التطور وأفعال الإنسان، باعتبارها محركا للتاريخ، محل مشيئة ~~وأفعال الألوهة، مستبعدا بذلك وجود غائية أو معنى خارج جدلية التاريخ ~~نفسه. # ينطلق الفكر الديني في تصوره للبدايات من اللحظة التي خرجت عندها ~~الألوهة من كمونها وتجلت في الزمان وفي المكان الدنيويين، مبتدئة ~~فعالياتها في الأزمنة الميثولوجية الأولى، أزمنة الخلق والتكوين، عندما أطلقت ~~الزمان ومدت المكان وتواشجت مع تاريخ الكون وتاريخ الإنسان. فهنا تتحول ~~الألوهة من مفهوم نظري إلى مفهوم عملي، وتتجلى في شخصية ذات إرادة وقصد ~~وفعل، وفي إله يعلن عن نفسه في سياق زمني تاريخي، مبتدئا تاريخا مقدسا ~~يشتمل على فعاليات الألوهة ومنعكساتها في العالم وفي المجتمع الإنساني. ~~وهنالك ثلاثة أنماط لصيرورة هذا التاريخ المقدس في الفكر الديني للثقافات ~~العليا: النمط الأول هو التاريخ المفتوح، حيث يسير الزمان من لحظة البدايات ~~نحو مستقبل مفتوح بلا نهاية. والنمط الثاني هو التاريخ الدوري المتناوب حيث ~~يسير الزمان في دارات مغلقة يتبع بعض بعضا إلى ما لا نهاية، ومع اكتمال كل ~~دارة ينهار الكون القديم ليبتدئ كون جديد مع انطلاق الدارة الثانية. والنمط ~~الثالث هو التاريخ الدينامي الذي يتطور بشكل خطي منذ لحظة الخلق، عبر ~~عدد من المراحل إلى لحظة النهاية حيث ينتهي التاريخ وتنفتح الأبدية، ويتم ~~تحويل العالم القديم، بعد عملية تطهير شاملة إلى حالة من الكمال تليق بخلق ~~الله. هنا تنتهي ثنائيات المقدس والدنيوي، والله والعالم، والروح والمادة، ~~والغيبي والمنظور، والخير والشر، وتذوب أطرافها في وحدة لا ازدواجية فيها إلى ~~الأبد. # يتصل بهذه المفاهيم الثلاثة للتاريخ الديني في الثقافات العليا، ثلاثة ~~أشكال اعتقادية في طبيعة الألوهة وعلاقتها بالعالم ms015 وهي: المعتقد الربوبي، ~~والمعتقد الحلولي «وحدة الوجود»، والمعتقد الألوهي. سوف نتوقف قليلا عند ~~هذه الأشكال الاعتقادية الرئيسية قبل الانتقال إلى شرح المفاهيم الثلاثة ~~للتاريخ. ~~(1) المعتقد الربوبي # يقوم المعتقد الربوبي في طبيعة الألوهة وعلاقتها بالعالم على الفصل ~~التام بين الألوهة وخلقها، واعتبارهما من طبيعتين مختلفتين لا اتصال ~~بينهما رغم أن واحدهما هو نتاج الآخر. رغم أن الإله (أو الآلهة) قد ~~خلق العالم بجميع مظاهره المادية والحيوية والروحية، إلا أنه مستقل ~~عنه ومفارق له على كل صعيد. ورغم أنه قد أسس، في الزمان الأولي، لجميع ~~أسباب الحضارة الإنسانية ولجميع المؤسسات الاجتماعية الكفيلة بوضع الإنسان ~~على سكة التاريخ، إلا أنه لا يتدخل في مسار هذا التاريخ بشكل منهجي، ~~وليس لديه خطة توجهه وفق مقاصد معينة ونحو أهداف بعيدة مرسومة. كما ~~أنه لا يؤسس لصلة وحي دائم بينه وبين خلقه. قد تتدخل القدرة الإلهية ~~في بعض الأحداث الجسام، أو تعلن عن حضورها في العالم من خلال الكوارث ~~الطبيعانية كالطوفان المدمر أو الأعاصير التي تخرب ما بناه الإنسان، ~~إلا أن مثل هذا التدخل عرضي ولا يسير على خطة محكمة مسبقة. يضاف إلى ~~ذلك أن سلسلة التدخلات لا تنتظم في تتابع يفصح عن رابطة بينها، ولا ~~تنم عن تكشف تدريجي لمقاصد محددة. # وينجم عن مفارقة الألوهة واستقلالها عن خلقها عدم اتصافها بالعدالة، ~~وبالتالي عدم ممارسة هذه العدالة على الأرض وبين الناس، من هنا فإن أعمال ~~الفرد في الحياة الدنيا لا تلقى مكافأة أو عقابا في الحياة الثانية، ولا ~~وجود لبعث أو حساب أو لعالم آخر أفضل من الأول، فالآلهة وحدها هي الخالدة، ~~أما مصير البشر فإلى موت يتبعه وجود شبحي في العالم الأسفل المظلم، الذي ~~تئول إليه كل الأرواح بعد مفارقة أجسادها. إن الخط الصارم الحاد الذي ~~يفصله عن عالم الألوهة يجعل الإنسان أسير شرطه الأرضي، ولا يعطيه أي أمل ~~بتدخل الآلهة من أجل خلاصه وتحويل وجوده إلى مستوى أعلى قريب من وجودها، ~~ناهيك عن انعدام أي فكرة عن تحويل العالم المادي بأكمله إلى حالة أسمى ms016 ~~وأرقى من الوجود، من هنا تقوم العلاقة الطقسية بين الإنسان والألوهة ~~باعتبارها الوسيلة الوحيدة للاتصال بين العالمين المتمايزين، فمن خلال ~~الطقس، وخصوصا طقس الذبائح والقرابين، يعمل الإنسان على استرضاء القوى ~~العلوية وحثها على تحقيق أغراضه الدنيوية، واتقاء غضبها غير المفهوم أو ~~المسوغ من وجهة نظره. أما الأخلاق فشأن دنيوي تنظمه الجماعة ولا ~~علاقة له بالآلهة التي لا تتصف بالخير ولا تأبه لتحقيقه بين الناس. ~~(2) المعتقد الحلولي # 2 # يقف المعتقد الحلولي، أو معتقد وحدة الوجود، على الطرف النقيض من ~~المعتقد الربوبي، ويتميز عنه بتقديمه إرضاء أكثر للنزوع الديني في النفس ~~الإنسانية، لأنه مفهوم صوفي عن العلاقة بين الإله والإنسان يذيب الفوارق ~~بينهما ويجمعها في واحد، فهما من طبيعة واحدة، وما الروح الفردية إلا قبس ~~من روح الله الكلية رغم حجاب الجهل الذي يستر عنها هذه الحقيقة في الحياة ~~الدنيا. وبالمقابل فإن الله ليس شخصية محددة مفارقة للعالم وتمارس ~~تأثيرها عليه عن بعد، بل هو الحقيقة الكلية التي تتمظهر في العالم وتختفي ~~وراءه في آن معا، فكما يظهر الماء تحت أشكال وأسماء متعددة، منها البخار ~~والغيم والجليد والثلج والبرد بينما هو في حقيقة الأمر واحد، كذلك تتحول ~~الألوهة إلى ما لا يحصى من الظواهر المادية والنفوس الحية، مع بقائها في ~~جوهرها واحدة غير مجزأة، وكما صدرت هذه الأجزاء عن الحقيقة الواحدة فإنها ~~تعود إليها وتذوب فيها كما تذوب الأنهار في لجة الغمر العظيم. # إن عدم اتخاذ الألوهة في المعتقد الحلولي قناع إله مشخص يدخل الإنسان ~~معه في علاقة ثنائية من أي نوع، يقود إلى إحلال العرفان الداخلي محل الطقوس ~~والعبادات، حيث العبادة معرفة والطقس انكفاء نحو الداخل في محاولة لتلمس ~~الألوهة في أعماق الذات الفردية، وعندما تفلح النفس، التي تعاين نفسها ~~كذرة مستقلة، في إدراك وهم استقلالها وحقيقة تطابقها مع النفس الكلية، تكون ~~قد حققت الانعتاق وتهيأت للالتحاق بالمطلق العظيم الذي منه قد نشأت. ~~فالخلاص والحالة هذه لا يتم بتدخل قوة علوية مفارقة ولا بنعمة ومنة ~~منها، بل بالكدح الداخلي الذي يؤدي ms017 إلى استنارة النفس الغافية. # كما ينجم عن لا شخصانية الألوهة ارتفاعها فوق الخير والشر بمفهومهما ~~الاجتماعي، فالإله ليس الخير المحض ولا يتسم سلوكه بالخير ولا بالشر، من ~~هنا فإن مفهوم العدالة الإلهية غائب عن معتقد الحلول ويجري العقاب ~~والثواب بشكل أوتوماتيكي في الحياة من خلال مبدأ كوني يدعى بمبدأ الكارما، ~~أي: الفعل وجزاؤه، في أبسط أشكاله، ينطوي مبدأ الكارما على أن الوضع ~~الحالي للفرد محكوم بأعماله التي بذلها في حياته السابقة، كما أن أعماله ~~في حياته الراهنة سوف تقرر وضعه في التناسخات المقبلة التي سوف تتتالى ~~إلى ما لا نهاية إذا لم تحقق النفس عرفانها الداخلي وتصل إلى الاستنارة ~~التي تحررها من دورة الميلاد والموت، ورغم أن الأعمال الصالحة هي التي ~~تؤهل صاحبها لتجسد أفضل وأرقى في الحياة التالية، إلا أن هذه ~~الأعمال لا توصل في حد ذاتها إلى التحرر، بل تهيئ النفس لمراحل أعلى ~~وأعلى من العرفان، حتى يحين موعد الإفلات من العالم والالتحاق ~~بالأبدية. # وكما أن الأرواح الفردية أسيرة لدورة التناسخ الحيوية، فإن الكون ~~بكامله أسير أيضا لدورة تناسخ عظمى، كلما ولد كون شاخ وآل إلى الفناء ~~في مياه المطلق العظيم، ليعقبه كون جديد آخر وهكذا إلى ما لا نهاية، وبذلك ~~ينعدم التاريخ ويدور الزمن على نفسه دونما هدف أو غاية. ~~(3) المعتقد الألوهي # يقع المعتقد الألوهي في نقطة الوسط بين المعتقد الربوبي والمعتقد ~~الحلولي، الإله مفارق للعالم من جهة ومتصل به كل الاتصال من جهة ثانية، ~~ذلك أن الحاجات الروحية الدفينة عند الإنسان تتطلب الإحساس بألوهة ~~مشخصة يمكن الدخول معها في علاقة ثنائية، سواء أكانت علاقة الأب بالابن، ~~أو علاقة المحب بالمحبوب أو علاقة السيد بالعبد، وهذه الألوهة رغم ~~مفارقتها واختلافها من حيث الطبيعة مع العالم، إلا أنها حاضرة فيه على ~~الدوام، في كل هبة ريح وفي تفتح كل زهرة وفي تنفس كل كائن حي. يقول محي ~~الدين بن عربي: «وأما أهل الكشف فإنهم يرون أن الله يتجلى في كل ~~نفس ولا يكرر التجلي، ويرون أيضا أن كل ms018 تجل يعطي خلقا جديدا ~~ويذهب بخلق.» # 3 # وأيضا: «فالحق خلاق على الدوام، والعالم مفتقر إليه على ~~الدوام افتقارا ذاتيا.» # 4 # إن الله في حالة انغماس دائم بمسائل العالم ويبذل عناية لا ~~تني من أجل تطويره في الزمن، وفي التاريخ، نحو غاية منظورة ومشتركة بينه ~~وبين خلقه، رغم كونه خارج التاريخ، فمن خلال فعاليات الآلهة في الزمن وفي ~~التاريخ تتخذ الألوهة وجه الإله المشخص، ومن خلال محافظتها على موقعها ~~المفارق خارج التاريخ تحافظ الألوهة على طبيعتها الغفلة غير المشخصة مما ~~تؤمن به عقيدة الحلول. # يستدعي اتصال الله بالعالم تحويل مفهوم العدالة الأوتوماتيكي الذي يعمل ~~من خلال مبدأ الكارما في المعتقد الحلولي، إلى صفة من صفات الله، فالله ~~عادل، وكما تتجلى عدالته على المستوى الكوني في النظام المتوازن الدقيق ~~الذي يحكم عالم المادة والطبيعة، كذلك تتجلى في النظام الأخلاقي الذي ~~يحكم علاقات الأفراد والجماعات، هذه العدالة هي أهم التجليات العملية لصفة ~~الخير عند الله، فالله خير، بل هو الخير المطلق على ما تنص عليه الآية ~~الكريمة من القرآن: # فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين # وتؤدي عدالة الله وخيره إلى مطلبه ~~الأساسي من الناس الالتزام بحياة أخلاقية قوامها المحبة والعمل الصالح ~~يبذله الإنسان تجاه أخيه. قال يسوع: «قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ~~ومن قتل يكون مستوجبا الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على ~~أخيه باطلا يكون مستوجبا الحكم ... إن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك ~~تذكرت أن لأخيك شيئا عليك، فاترك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح ~~مع أخيك ... سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم ~~أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم ... لأنه إن أحببتم ~~الذين يحبونكم فأي أجر لكم؟ أليس العشارون يفعلون ذلك أيضا.» (متى: 5) ~~كما أن مطلب الحياة الأخلاقية الناشئ عن خير الله وعدله، يستدعي بدوره ~~الثواب والعقاب سواء عند نهاية حياة الفرد أم مع نهاية الزمن والبعث العام ~~والحساب الأخير. # وبذلك تقوم الصلة بين الله والناس في المعتقد الألوهي، على ثلاثة ms019 عناصر ~~هي الإيمان والأخلاق والعبادات. كما أن العبادات وما يتصل بها من طقوس ~~ليست وسيلة لاتقاء غضب السماء أو نيل مكاسب دنيوية منها، أو لحاجة الألوهة ~~إليها، كما هو الحال في المعتقد الربوبي، لأن «الله غني عن العالمين» ~~وعدالته الثابتة لا تحرفها عن مسارها طقوس شكلية، بل إن العبادات ~~والشعائر هي وسيلة اتصال دائم، وتلمس للحضور الإلهي في العالم، ورغم ~~أهمية هذه العناصر الثلاثة مجتمعة على طبيعة الصلة بين الله وخلقه، وأثرها ~~على خلاص الإنسان، إلا أن الخلاص في النهاية يبقى رهنا بالنعمة ~~الإلهية والمنة العلوية، فالله يمن على العالم بالخلاص وهو ملتزم ~~به. # ننتقل الآن إلى معالجة الرؤية الدينية للتاريخ في صلتها بالأنماط ~~الاعتقادية للثقافات العليا، من خلال ثلاثة نماذج رئيسية. ~~(4) المعتقد الربوبي والتاريخ المفتوح ~~(4-1) بلاد الرافدين نموذجا # تقدم لنا ديانة بلاد الرافدين النموذج الأمثل عن مفهوم التاريخ ~~المفتوح، حيث تستطيع تمييز أربع مراحل للتاريخ المقدس تكشف عنها ~~الأسطورة: المرحلة الأولى هي السرمدية الساكنة عندما كانت الألوهة منكفئة ~~على نفسها مكتفية بذاتها. المرحلة الثانية هي الزمن الكوزموغوني، أو زمن ~~الخلق والتكوين، عندما خرجت الألوهة من كمونها فأطلقت الزمان ومدت ~~المكان وحركت دارة الوجود. المرحلة الثالثة هي زمن الأصول والتنظيم، ~~عندما عمد الآلهة إلى تنظيم شئون العالم والمجتمع الإنساني، من خلال عدد ~~من الفعاليات المبدعة التي نشطت عند جذور التاريخ الإنساني. المرحلة ~~الرابعة هي زمن البشر المفتوح على اللانهاية. # يرسم لنا مطلع أسطورة التكوين البابلية صورة شديدة التأثير عن مرحلة ~~السرمدية الساكنة. قبل ظهور المكان وانطلاق الزمان، كانت دارة الألوهة ~~المنغلقة على نفسها تنطوي على ثلاثة جواهر مائية غير متمايزة هي: تعامة ~~الأم وآبسو الأب وممو الابن، وعلى حد تعبير النص: # عندما في الأعالي لم يكن هنالك سماء، # وفي الأسفل لم يكن هنالك أرض، # لم يكن سوى آبسو وممو وتعامة # يمزجون أمواههم معا. # وهنا يقول الكاهن البابلي برغوشا الذي ألف كتابا ~~باليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد عن تاريخ البابلين ومعتقداتهم، ~~إن تعامة هي الماء المالح وآبسو هو الماء ms020 الحلو، ولكنه يصمت عن ممو، ~~الذي نرجح مع بعض الباحثين الآخرين أن يكون الضباب المنتشر فوقهما. ~~ونلاحظ هنا أن في اختيار النص للماء كجوهر لهذه الآلهة البدئية، ~~توكيدا على الحالة العمائية والشواشية السابقة على الكون المنظم، فالماء ~~هو أكثر العناصر تمثيلا لما لا شكل له ولا نظام، إنه اللاشكل ~~واللانظام بكل امتياز، والهيولى السابقة على ظهور التحديدات والتقسيمات ~~والأبعاد التي تميز الكون. وهكذا تقوم ثنائية: كون-عماء، أو ~~كوزموس-كايوس بالمصطلح الإغريقي عند جذور الزمن، وتستمر عبر تاريخ الكون ~~اللاحق في الفكر الميثولوجي الذي يتصور قوى العماء والفوضى في حالة ~~تأهب دائم للانقضاض على الكون والعودة به إلى المحيط المائي الشواشي ~~الذي نشأ عنه. # بعد ذلك تبدأ إرهاصات الزمن عندما أنجب الآلهة الثلاثة الجيل الأول ~~من الآلهة، وأنجب هذا الجيل بدوره الجيل الثاني، الذي خرج منه الإله ~~مردوخ فقاد الصراع ضد الآلهة البدئية وقهرها، ومن جسد الأم الأولى تعامة ~~صنع السماء والأرض وبقية مظاهر الكون، ثم التفت بعد ذلك إلى تنظيم العالم ~~والحياة الطبيعية، فخلق الغيوم وحملها بالمطر، وفجر عيون الماء وملأ ~~الآبار، وأنبت من الأرض عشبا وشجرا، وأوكل إله الشمس بالأيام ففصل بين ~~تخوم الليل وتخوم النهار، وأخرج القمر فسطع بنوره وأوكله بالليل وجعله ~~حلية له وزينة، ثم توج فعالياته المبدعة هذه بخلق الإنسان. # تتابع بقية أساطير التكوين والأصول البابلية إعطاءنا مزيدا من ~~التفاصيل عن مرحلة الأصول، فلقد ابتدر الآلهة في هذه المرحلة كل أصول ~~التحضر على الأرض، فصنعوا القنوات والسدود، وأجروا المياه في السواقي ~~والأنهار، ورووا الأرض وحولوها إلى مراع وحقول للقمح ومساكب للبستنة، ~~وعمدوا إلى تربية الماشية وحلبوها فصنعوا اللبن والزبدة والجبن، وابتكروا ~~الفأس والمعول وقوالب الآجر فاستخدموها في بناء المدن والمعابد الأولى، ~~وعندما أسلموا ذلك كله للإنسان فيما بعد، عملوا على تأصيل مؤسساته ~~الاجتماعية مثل الأسرة والكهنوت والملوكية، وباختصار فإن الإله لا ~~الإنسان هو صانع الحضارة على الأرض. # وكان الآلهة في زمن الأصول هذا يكدون ويعملون من أجل تحصيل قوتهم، ~~حتى بلغ بهم التعب والإرهاق حدا لا يحتمل، ms021 فتنادوا إلى خلق الإنسان ~~ليحمل عنهم عبء العمل ويركنوا هم للراحة. ولدينا عدة نصوص تروي عن خلق ~~الإنسان من أجل خدمة الآلهة. نقرأ في نص سومري أن الآلهة في بداية ~~عهدهم لم يعرفوا أكل الخبز ولا لبس الثياب، بل كانوا يأكلون النباتات ~~بأفواههم مثل الحيوانات، ويشربون الماء من الينابيع والجداول، ثم أوكلوا ~~بعد ذلك مهمة تأمين الغذاء لهم إلى الإله لهار وأخته أشنان، فكان لهار ~~يكثر المواشي ومنتجاتها على الأرض، وأشنان تزيد في غلال الأرض ~~ومحاصيلها، ولكن منتجات هذين الإلهين لم تسد جوع الآلهة، فعمدوا إلى خلق ~~الإنسان ليكفيهم غائلة الجوع والعطش. # 5 # ولدينا نص بابلي يحكي باختصار شديد عن قصة التكوين وزمن الأصول وخلق ~~الإنسان وهذه قراءته: «بعد أن أخرجت الأرض وشكلت، وحددت مصائر ~~الأرض والسماء، واستقرت شطآن دجلة والفرات، عندها جلس الآلهة الكبار ~~آنو وإنليل وإيا وبقية الآلهة المبجلين، جلسوا جميعا في مجمعهم ~~المقدس واستعادوا ما قاموا به من أعمال، فقال إنليل: أما وقد حددنا ~~مصائر الأرض والسماء، وجرت القنوات في مجاريها وتوضعت الخنادق، واستقرت ~~شطآن دجلة والفرات. ماذا بقي علينا أن نفعل؟ ماذا نستطيع بعد أن نخلق؟ ~~فأجاب الحضور من الآلهة المبجلين، بقسميهما الأنوناكي والإيجيجي، ~~أجابوا إنليل قائلين: لنذبح بعض آلهة اللامجا، ومن دمائهم فلنخلق الإنسان ~~ونوكله بخدمة الآلهة على مر الأزمان، سنضع في يده السلة والمعول، ~~فيبني للآلهة العظام هياكل مقدسة تليق بهم، سيسقي الأرض بأقاليمها ~~الأربعة ويخرج من جوفها الخيرات، جاعلا حقول الأنوناكي تنتج غلالا ~~وفيرة، سينضح الماء العذب ويحتفل بأعياد الآلهة ... إلخ.» # 6 # وفي ملحمة أتراحاسيس البابلية يتخذ تذمر الآلهة من العمل شكل تمرد ~~وعصيان على الآلهة الكبرى السبعة التي كانت تفرض الكدح على البقية، وتلزم ~~مساكنها في دعة وراحة بال، نقرأ في مطلع النص: «حملوا العبء، عانوا ~~المشقة. تعب الآلهة عظيم، العمل ثقيل، الشقاء شديد. آلهة الأنوناكي ~~العظيمة السبعة، كانت تحمل آلهة الإيجيجي العمل، القنوات حفروا، ~~لاستمرار حياة الأرض، الأنهار حفروا، لاستمرار حياة الأرض، حفروا نهر ~~دجلة، ثم حفروا نهر الفرات، فجروا الينابيع ms022 من العمق، لاستمرار حياة ~~البلاد، تحملوا العمل ليل نهار، أحصوا سنوات التعب فزادت عن أربعين ~~عاما، صاحوا من الحفرة: الآن أعلنوا الحرب. لنمزج الحقد بالمعركة ... ~~صبوا على أدواتهم نارا وعلى رفوشهم، سلالهم رموها إلى إله النار، ~~وساروا نحو باب البطل إنليل، حاصروا البيت والإله لم يعلم.» # 7 # عندما وصل الخبر إلى إنليل، أمر بإغلاق الأبواب والاستعداد للدفاع عن ~~قصره، ثم عقد اجتماعا للآلهة العليا تدارسوا خلاله الأمر، وأوفدوا الإله ~~نسكو لمعرفة دوافع المتمردين وتحديد المسئول عن الشغب، فخاطبهم نسكو ~~قائلا: «أرسلني أبوكم آنو، ومشيركم البطل إنليل، وحاجبكم ننورتا وكبيركم ~~إنوجي . من الذي يحرض على المعركة؟ من يثير العدوان؟ ومن أشعل الحرب؟ ~~أجابوه: جميعنا أعلن الحرب، كل الآلهة أعلنت الحرب؛ لبثنا طويلا في ~~الحفرة، العناء الشديد قتلنا، شاق عملنا وعظيم كربنا، والكل، كل الآلهة ~~أيدتنا»، نقل نسكو إلى إنليل ما دار بينه وبين المتمردين، فتأثر ~~إنليل حتى دمعت عيناه، ثم تداول مع بقية الآلهة العظمى في كيفية إنصاف ~~الآلهة المكدودة، وقرروا في النهاية خلق الإنسان ليحرر الآلهة من ~~العمل ويخدمهم، فخلق الإنسان من طين معجون بدم إله قتيل قدم لهذه ~~الغاية، وقامت بهذه المهمة الإلهة مامي، ربة الولادة الملقبة بسيدة ~~الآلهة، بالتعاون مع إنكي إله الماء. # وفي المقطع الخاص بخلق الإنسان في الإينوما إيليش، يزف مردوخ للآلهة ~~خبر بنائه لمدينة بابل ولمعبدها الكبير الذي سيكون معدا لهم: «سيكون ~~مفتوحا لاستقبالكم وبه تبيتون، أو تهبطون من السماء للاجتماع، سأدعو ~~اسمه بابل، أي بيت الآلهة الكبرى، وسينهض لبنائه أمهر البنائين ... لما ~~انتهى آباؤه من سماع كلامه، توجهوا بالسؤال لبكرهم مردوخ: بعد كل ما ~~صنعت يداك، لمن ستوكل سلطانك؟ فوق الأرض التي ابتكرتها يداك لمن ~~ستوكل حكمك؟ لسماعه حديث الآلهة حفزه قلبه لخلق مبدع، ~~فأسر للآلهة بما ~~يعتمل في نفسه وأطلعهم على ما عقد عليه العزم: سأخلق دماء وعظاما، منها ~~سأشكل الإنسان لالو. نعم، سوف أخلق لالو الإنسان وسنفرض عليه خدمة ~~الآلهة فيخلدون إلى الراحة، قال إيا مبديا رأيه: ليقوموا بتسليم أحدهم ~~فيقتل ومنه ms023 تصنع الإنسان، ليجتمع كبار الآلهة هنا ويسلموا إلينا الإله ~~المذنب من أجل راحة الباقين. قام مردوخ بدعوة الآلهة الكبار وقال لهم: ~~أريد منكم قول الصدق وقسمي لكم ضمان، من الذي خلق النزاع؟ من دفع تعامة ~~وحرض على القتال؟ سلموا لي من خلق النزاع ليلقى جزاه وتخلدون إلى ~~الراحة. فأجابه الآلهة: إنه كينغو الذي خلق النزاع ودفع تعامة وحرض ~~على القتال، ثم قيدوه ووضعوه أمام إيا، أنزلوا به العقاب، قطعوا شرايين ~~دمائه، ومن دمائه جرى خلق البشر، ففرض إيا عليهم العمل وحرر الآلهة.» # 8 # على هذا النحو ينتهي زمن الأصول ويبدأ زمن الإنسان، وعلى هذا النحو ~~ترسم الأسطورة الرافدينية أصل الإنسان وتحدد علاقته بعالم الآلهة ~~ودوره في الحياة، لقد خلق منذ البداية لغرض واحد هو خدمة الآلهة ورفع ~~عبء العمل عنها، والعلاقة بين الطرفين كانت وتبقى أبدا علاقة السيد ~~بالعبد، الآلهة خالدة، وأما الإنسان ففان، والخط الفاصل بين العالمين ~~حاد وحاسم، لا يعطي أملا للإنسان حتى بمجرد التفكير بالخلاص من ~~شرطه الأرضي، والالتحاق بالعوالم القدسية بعد فناء جسده وانتهاء كدحه على ~~الأرض، أو بتبديل عالمه وتحويله إلى عالم أفضل، ولذا فإن أفضل ما يصبو ~~إليه هو اللذائذ الحياتية الصغيرة، خلال عمر قصير ينتهي به إلى العالم ~~الأسفل. وهذا ما عبر عنه نص ملحمة جلجامش من خلال حديث فتاة الحان التي ~~قالت لجلجامش الباحث عن الخلود: «إلى أين تمضي يا جلجامش؟ وإلى أين تسعى ~~بك القدم؟ الحياة التي تبحث عنها لن تجدها، لأن الآلهة لما خلقت ~~البشر، جعلت الموت لهم نصيبا وحبست في أيديها الحياة. وأما أنت يا ~~جلجامش فاملأ بطنك، وافرح ليلك ونهارك، اجعل من كل يوم عيدا، وارقص ~~لاهيا في الليل والنهار، اخطر بثياب نظيفة زاهية، اغسل رأسك واستحم ~~بالمياه، دلل صغيرك الذي يمسك بيدك، أسعد زوجك بين أحضانك، هذا هو نصيب البشر.» # 9 # في ظل مثل هذه العلاقة، تبقى الرابطة الوحيدة بين الأرض والسماء هي ~~رابطة الشعائر والطقوس، فالآلهة لا تتصف بالعدالة ولا بالخير، وكل ما ~~تسعى إليه هو ms024 عبادة الإنسان وقرابينه التي يقدمها إليها، ومن خلال ~~الشعائر والقرابين يستطيع استمالتها وحثها على اتخاذ مواقف إيجابية ~~منه. نقرأ في ملحمة أتراحاسيس البابلية أن القحط قد حل في البلاد حتى ~~عم الجوع وهلك الناس، فالتمس الحكيم أتراحاسيس وجه ربه إيا، الذي نصحه ~~بتقديم القرابين وفروض العبادة لأداد إله المطر وحده، من دون بقية ~~الآلهة، عله يخجل من هدية الإنسان: «لا تخشوا آلهتكم، لا تصلوا ~~لعشتاركم، فقط التمسوا باب أداد، أحضروا الخبز أمامه، عسى أن يمطر ~~الندى خلسة في المساء ليحمل الحقل الحبوب.» نقل أتراحاسيس نصيحة إيا إلى ~~قومه فعملوا بها: «بنوا بيتا للإله إيا، أحضروا الخبز أمامه، أسعده ~~قربان الدقيق، خجل من الهدية فكف يده، في الصباح أرسل ضبابا وخلسة ~~في المساء أمطر الندى، خلسة حمل الحقل الحبوب، غادرهم القحط وعادوا إلى أعمالهم.» # 10 # ومع ذلك فإن خدمة الآلهة والضراعة إليها في كل حين وتقديم القرابين ~~لا تؤدي بالضرورة إلى حصول الإنسان على بغيته منها، لأن مشيئتها ~~خافية على البشر، قد ترفع بواحد من الناس إلى أرفع مقام وتهوي بالآخر إلى ~~الحضيض دونما سبب واضح. نقرأ في نص بابلي معروف بعنوان «صلاة إلى جميع ~~الآلهة» ضراعة لإنسان متألم غضبت عليه الآلهة وتسببت في مرضه بغير ~~جريرة أو ذنب، ولذا فإنه يعترف هنا بذنوب لم يرتكبها: «ليهدأ قلب إلهي ~~الغاضب علي، وليرض عني الإله الذي أعرف والإله الذي لا أعرف. بجهل مني ~~أكلت طعاما حرمه إلهي، بجهل مني وطئت مكانا حرمته إلهتي. يا ربي ~~إن آثامي عديدة وخطاياي عظيمة، ويا ربتي إن آثامي عديدة وخطاياي ~~عظيمة. إني جاهل حقا بما اقترفته من ذنوب وإني جاهل حقا بما ارتكبته ~~من معاص، ولكن الإله نظر إلي بقلب غاضب، وإلهتي في غضبها تسببت في ~~مرضي. الإنسان مخلوق قاصر التفكير، لا يدري متى يجني حسنة ولا متى يصنع إثما.» # 11 # ومن نص بابلي طويل معروف بعنوان «سأثني على درب الحكمة» ~~أقتطف هذه السطور: «رفعت دعائي إلى إلهي فأشاح بوجهه عني، صليت إلى إلهتي ~~فلم تلتفت ms025 بوجهها إلي. لقد صرت كمن لم يقدم لإلهه قربانا، وصرت ~~كمن لم يشكر إلهته عند كل طعام، صرت كمن فقد صوابه ونسي ربه، وكمن حلف ~~قسما عظما بإلهه كاذبا. ولكن ما يبدو للإنسان حسنا قد يكون في عين ~~إلهه رديئا، وهل يعرف أحد مشيئة الآلهة في السماء؟ هل يعرف أحد خطط ~~الآلهة على الأرض؟» # 12 # والآلهة الرافدينية تصنع الخير مثلما تصنع الشر، وليس بمقدور الإنسان ~~التنبؤ بردود أفعالها لأنها لا تلتزم القواعد الأخلاقية ولا تجعل من ~~سلوكها قدوة في هذا المجال لبني البشر، وغالبا ما اتسمت مواقفها ~~بالفطرية ورد الفعل الآني والبعد عن الإحساس بالمسئولية ، ففي أسطورة ~~الطوفان البابلية يقرر مجمع الآلهة تدمير شوريباك وبقية المدن ~~الإنسانية الأولى بغير سبب أو جريرة. نقرأ في مطلع القصة كما وردت في ~~ملحمة جلجامش: «قال أوتنابشتيم لجلجامش: سأكشف لك أمرا كان مخبوءا، ~~وأبوح لك بسر من أسرار الآلهة، شوريباك مدينة أنت تعرفها، لقد شاخت ~~المدينة والآلهة في وسطها، فحدثتهم نفوسهم أن يرسلوا طوفانا، كان بينهم ~~آنو أبوهم، وإنليل مستشارهم، وننورتا ممثلهم، وإينوجي وزيرهم، وننجيكو ~~الذي هو إيا كان حاضرا أيضا.» وفي النص السومري المعروف بعنوان «هلاك ~~مدينة أور» يتخذ مجمع الآلهة برئاسة إنليل قرارا بتدمير مدينة أور ~~وإهلاك أهلها، قدرا من السماء وأمرا مقضيا، يبتدئ النص ببكائية ~~للإلهة ننجال إلهة مدينة أور تندب فيها مدينتها، ثم نجد الإلهة تسعى ~~يائسة لدفع الكارثة عن أور وتستعطف مجمع الآلهة الذي انعقد لاتخاذ القرار ~~الحاسم «... ثم توجهت بتصميم إلى المجمع قبل انفضاضه، بينما كان آلهة ~~الأنوناكي جلوسا يتعاهدون. جرجرت قدمي، فتحت ذراعي، ذرفت الدموع أمام ~~الإله آن، بكيت بحرقة أمام الإله إنليل، قلت لهما: عسى أور لا تدمر، عسى ~~مدينتي أور لا تدمر قلت لهما. ولكن آن لم يعط دعائي أذنا، وإنليل لم ~~يثلج صدري بكلمة، بل أصدرا الأمر بهلاك المدينة، أصدرا الأمر بهلاك أور، ~~وسيفنى أهلها وفق القضاء النافذ.» # 13 # ويتضح موقف الألوهة المتناقض والمتناوس بين الخير والشر، بشكل خاص ~~في شخصية وأفعال الإله إنليل ms026 رئيس البانثيون الرافديني، ففي ملحمة ~~أتراحاسيس، وبعد خلق الإنسان لخدمة الآلهة، يتكاثر البشر وتكثر ضوضاؤهم ~~التي تقض مضجع إنليل وتحرمه الرقاد، فيضع خطة شريرة لإنقاص عددهم حتى ~~يخلد إلى الراحة: «لم يمض ألف ومئتا عام، توسعت الأرض كثر الناس، ~~الأرض تخور كثور هائج، اضطرب الآلهة من ضجيجهم. إنليل سمع ضوضاءهم، قال ~~للآلهة الكبرى: ضجة البشر ثقلت علي، من ضجتهم أفتقد الرقاد، اقطعوا ~~المئونة عن الناس، لجوعهم ليقل الزرع، ليكف الإله أداد مطره عنهم، عسى ~~ألا يخرج فيض من الأعماق. لتعصف الرياح، ولتجف الأرض، ليقلل الحقل ~~غلته، لتحجب نيسابا إلهة الغلال والمحاصيل صدرها الخصب، عسى ألا يصل ~~الفرح إليهم. يا ليتني أخرب الأرض.» قام الآلهة بتنفيذ أوامر إنكي، لم ~~ينزل المطر من الأعلى ولم يفض ماء الينابيع من الأسفل، أغلق رحم الأرض، ~~يبس الزرع والحقول السود ابيضت، الأرض الواسعة ملئت ملحا ومرض ~~الطاعون تفشى، ثم يتابع النص: «سنة واحدة أكلوا العشب، سنة ثانية علتهم ~~الحكة، في السنة الثالثة تغيرت هيئاتهم من الجوع، عاشوا الحياة في ~~عذاب، خضراء بدت وجوههم، بانحناء يمشون في الشار، أكتافهم العريضة ضاقت، ~~أرجلهم الطويلة قصرت.» # 14 # وعندما لم تنفع كل هذه الأساليب في إنقاص عدد الناس قرر ~~إنليل إرسال طوفان عظيم يفنيهم عن آخرهم، وأقنع مجمع الآلهة بالموافقة ~~على القرار، عدا الإله إنكي الذي نقل الخبر إلى حكيم القوم أتراحاسيس ~~وأمره ببناء سفينة وفق مخطط معين، ليحمل عليها أهله وما يستطيع ~~إنقاذه من حيوان البر وطير السماء، من أجل استمرار الحياة الجديدة بعد ~~الطوفان. # ومع ذلك فإن الجانب الخير في شخصية إنليل يطغى على جوانبه ~~الغضوبة المدمرة، في أحيان كثيرة، نقرأ هذه المنتخبات من ترتيلة سومرية ~~طويلة في مدح الإله: «لولا إنليل الجبل العظيم، لم تبن المدن ولا ~~القرى، ولم يفض البحر بكنوزه الوفيرة، ولم يضع السمك بيوضه بين أجمات ~~القصب، ولم تصنع طيور الجو أعشاشها. لولاه لم تفتح الغيوم الماطرة في ~~السماء أفواهها، ولم تمتلئ الحقول والمروج بخيرات الحبوب، ولم تطلع ~~الحشائش والأعشاب بهية في الوادي، ms027 ولم تحمل الأشجار في البساتين ثمرها. ~~لولا إنليل الجبل العظيم لم يكن لبقرة أن تضع عجلها في الإسطبل، ولم ~~يكن لغنمة أن تنجب حملها في الحظيرة. إن أعمالك البارعة تثير الروع، ~~ومراميها عصية كخيط متشابك لا يمكن فكه.» # 15 # إن عدم توصل الألوهة إلى حسم مسألة الخير والشر في شخصيتها ~~وسلوكها، ينعكس على علاقتها بعالم الإنسان والمجتمعات البشرية، فالآلهة ~~الرافدينية لم تكن أخلاقية من جهة ولم تستن لعبادها شرائع أخلاقية ~~يتبعونها، بل لقد ترك المجتمع الرافديني يسير شئونه الاجتماعية ~~بنفسه، ويتعامل أفراده وفق اللوائح الأخلاقية المتعارف عليها والمؤسسة ~~منذ القدم، وقد كان حكماء المجتمع يعيدون صقل هذه اللوائح والتذكير بها ~~في كل مناسبة، وهذا ما تطلعنا عليه نصوص الحكم والوصايا التي وصلنا ~~منها العديد، وأهم ما يميز نصوص الحكمة الرافدينية أنها لم تكن ~~تجري على لسان كهان مرسومين ينطقونها وحيا من السماء، بل على لسان ~~حكماء صالحين خبروا الحياة وأفادوا من عبرها، وعرفوا مسالك الحق والباطل، ~~ولم يكن لينتقص من قيمة لوائح الأخلاق الاجتماعية ووصايا حكماء الحياة ~~الدنيا كون هذه اللوائح والوصايا ذات طبيعة دنيوية لا سماوية، وأن ~~مؤيداتها تأتي من ضمير الجماعة لا من مشيئة الآلهة. لا أدل على ذلك مما ~~نلمسه من الحساسية الخلقية العالية للإنسان الرافديني وسيادة القانون ~~الأخلاقي الوضعي على علاقات الأفراد والجماعات، يضاف إلى ذلك ما نشأ من ~~تشريعات زمنية رافدينية راقية منذ أواخر العصر السومري، بنيت على ~~القانون الأخلاقي القديم وزادت في تشعيبه ووسعت من مجالاته. ولقد استمر ~~الفصل بين الدين والأخلاق منذ البدايات الأولى للحضارة الرافدينية وحتى ~~نهايتها، وبقي السلوك الديني للأفراد وسلوكهم الأخلاقي بمثابة خطين ~~متوازيين لا يتداخلان ولا يلتقيان. تشترك الحضارة الرافدينية في هذه ~~النظرة إلى الأخلاق مع الحضارة الإغريقية، وبقية الحضارات التي تقوم ~~معتقداتها الدينية على المفهوم الربوبي، وتنظر إلى التاريخ باعتباره ~~سيالة مفتوحة على اللانهاية، وذلك على عكس حضارات أخرى طورت ~~تدريجيا مفهوما دينيا للأخلاق، مثل الحضارة المصرية التي سنقف ~~مطولا عند معتقداتها الدينية في فصل قادم. # ويتصل بمفهوم ms028 الخير عند الآلهة مفهوم العدالة، فإذا كانت الآلهة لا ~~تقيم وزنا للخير في سلوكها مع الإنسان، ولا تطلب منه بذل الخير كعنصر ~~لازم في العلاقة بينهما، فإنها بالتالي ليست معنية بالخير يبذله الفرد ~~تجاه أخيه ومجتمعه أو بالشر يفعله بهم، طالما أنه ملتزم بالصيغة ~~الطقسية الشعائرية التي من خلالها وحدها يتم الجمع بين الإنسان وإلهه، ~~كما أنها ليست معنية بثواب الإنسان وعقابه على أعماله، وفق مرجعية ~~أخلاقية سماوية، ناهيك عن عنايتها بخلاصه إلى عالم آخر يعوضه عن بؤس ~~التاريخ وشقائه، وبما أنه لا يوجد إلا هذا العالم، وما من خطة هناك ~~لإصلاحه أو تطهيره أو تحويله إلى عالم أسمى وأرقى، فإن تاريخ الإنسان ~~مفتوح ودونما نهاية منظورة، أما تاريخ الفرد فمغلق حيث ينتقل بعد الموت ~~وشقاء الحياة إلى عالم الظلمات السفلي حيث تعيش الأرواح وجودا شبحيا ~~ظليا لا معنى له ولا نكهة، لا فرق في ذلك بين أمير وفقير وبين من قدم ~~حسنة ومن قدم سيئة، رغم أن اتباع طقوس الدفن الصحيحة وتقديم القرابين ~~الدورية عند القبور لراحة أرواح الموتى قد تخفف من معاناتها هناك. ~~نقرأ في أكثر من نص بابلي عن أحوال العالم الأسفل وأهله، ومنها ما تنقله ~~لنا ملحمة جلجامش على لسان إنكيدو الذي يحتضر على فراش الموت ويرى أحوال ~~ذلك العالم بأحلامه، لقد جاءه قابض الأرواح واقتاده إلى هناك: «ظهر أمامي ~~رجل معتم الوجه، وجهه كوجه طائر الزو ومخالبه كمخالب العقاب، أمسك بخصلات ~~شعري فتمكن مني، قام بتحويل شكلي فغدت ذراعاي مكسوتين بالريش كما ~~الطيور، غاص بي وقادني إلى بيت الظلام مسكن الإلهة إرجالا، إلى دار لا ~~يرجع منها داخل إليها، إلى درب لا يرجع بصاحبه من حيث أتي، إلى مكان لا ~~يرى أهله نورا وفي الظلمة يعمهون، التراب طعام لهم والطين معاش، لباسهم ~~كالطير أجنحة من ريش، وفي بيت التراب حيث دخلت رأيت الملوك وقد نزعت ~~تيجانها، تلك التيجان التي حكمت البلاد ومنذ القدم ...» # 16 # وهنا أريد التوقف قليلا عند مقطع من ملحمة جلجامش جرى تفسيره ms029 ~~أحيانا على أنه يقدم دليلا على وجود مفهوم كوني للشر في الدين ~~الرافديني، أو على الأقل وجود بذور لمثل هذه الفكرة بشكلها الجنيني، ~~فعندما كان جلجامش يتشاور مع صديقه إنكيدو في موضوع رحلة غابة الأرز يقول ~~له: «في الغابة هناك يعيش حواوا الرهيب. هيا أنا وأنت نقتله، هيا نمسح ~~الشر كله عن وجه الأرض.» وقبل أن يشرع في رحلته يزور أمه ننسون راجيا ~~بركتها: «إلى اليوم الذي به أعود، إلى أن أصل غابة الأرز، إلى أن أقتل ~~حواوا الرهيب فأمحو عن الأرض كل شر يكرهه الإله شمش، صلي من أجلي ~~إلى شمش.» # استنادا إلى هذين المقطعين، وما تلاهما من مشاهد مغامرة غابة الأرز ~~التي انتهت بقتل حواوا الوحش الرهيب حارس الغابة، يرى بعض المفسرين في ~~حواوا رمزا لمبدأ الشر المجرد وفي الإله شمش رمزا لمبدأ الخير ~~المجرد، وهذا في واقع الأمر بعيد كل البعد عن العقلية الدينية والفلسفية ~~البابلية التي لم تتوصل إلى مثل هذا التجريد قط، ودليلنا على ذلك هو ~~المدلول الحرفي الدقيق لكلمة «الشر» الواردة هنا وهي بالأكادية ~~«ميما-ليمنو». فالكلمة تشير إلى كل ما هو مؤلم ومؤذ وغير موات لحياة ~~وسعادة الإنسان، ولا يوجد ما يدل على استخدامها للدلالة على الشر الأخلاقي. # 17 # نقرأ على سبيل المثال في نص تعويذة بابلية مخصصة لاستنهاض ~~أرواح الأسلاف من أجل شفاء المريض: «أقف اليوم في حضرة جلجامش وشمش: ~~احكما في قضيتي، أصدرا قرارا بحقي، انزعا ما في لحمي وعظمي من ميما - ليمنو.» # 18 # وفي تعويذة أخرى تستنهض روح جلجامش باعتباره أحد الأسلاف ~~العظام الصالحين: «لقد تمكن في المرض، فاحكم في قضيتي، إني أركع ~~أمامك، فأصدر قرارا بحقي، انزع المرض من جسدي خذ عني الميما-ليمنو الذي ~~يهدد حياتي، خذ عني المرض الذي يعشعش في لحمي وعظمي وأوصالي.» # 19 # إن الشر المقصود في هاتين التعويذتين هو الألم والمرض، ~~ومرتل التعويذة يستنهض روح جلجامش الذي أجهز على واحد من ممثلي هذا ~~النوع من الشر الذي يكرهه شمش على حد تعبير نص الملحمة، وهو النوع ms030 ~~الذي وصفناه في موضع سابق بالشر الطبيعاني تمييزا له عن الشر بالمعنى ~~الأخلاقي الاجتماعي. # وكان لمثل هذا الشر الطبيعاني ممثلون يجسدونه في مجمع الآلهة ~~الرافدينية، فإلى جانب آلهة البانثيون الرئيسية التي تميز سلوكها ~~بالتناقض حيال الخير والشر، فإننا نجد آلهة أخرى موكلة بشئون الشر ~~الطبيعاني وخصوصا ما تعلق منه بحياة الإنسان من ألم ومرض وموت، وهذه ~~الآلهة تنتمي إلى قوى الظلام والعالم الأسفل، فهناك إريشكيجال ربة العالم ~~الأسفل التي تعمل على ملء مملكتها من الناس أجمعين، وزوجها نرجال الذي ~~كان يرسل عفاريت الظلام لتجوس في الأرض وتؤذي الناس خلال الليل، ونرجال ~~هذا هو مظهر من مظاهر الإله شمش، الذي يغيب في باطن الأرض جهة المغرب ~~ليسير في العالم الأسفل نحو المشرق فيطلع في اليوم الثاني. إنه الشمس ~~السوداء في مقابل الشمس المنيرة البيضاء، ويمثل الجانب الأشأم من ~~فعاليات إله الشمس حيث يتسبب بالحروب والخراب والطوفانات والأوبئة، ~~وهناك نمتار رسول إريشكيجال وصلة الوصل بينها وبين آلهة العالم الأعلى، ~~وكان يلعب دور ملاك الموت قابض الأرواح، يعاونه في ذلك سبعة عفاريت تحف ~~به في غدوه ورواحه. وهناك إيرا إله الطاعون والأوبئة الفتاكة التي تحصد ~~الناس بالآلاف، يصعد من العالم الأسفل وهو يجر وراءه ستين مرضا وعلة ~~يطلقها على من يشاء من الناس. وهناك ليليث شيطانة القفار الجميلة التي ~~تمثلها الأعمال الفنية على هيئة امرأة عارية لها جناحان ومخالب الطير ~~الكاسر، وكانت تخطف الأطفال الرضع عن صدر أمهاتهم. إن هذه الكائنات ~~الما ورائية المرعبة ليست كائنات أخلاقية انحازت إلى جانب الشر عن خيار ~~ووعي، بل هي تجسيد على المستوى الميثولوجي لوجود الشرور الطبيعانية في ~~معزل عن الحكم القيمي الأخلاقي، وضمن عقيدة دينية لم تتوصل إلى مفهوم ~~للخير والشر باعتبارهما مبدأين كونيين مجردين. # خلاصة # لقد قاد هذا التصور الديني ~~للعلاقة بين أركان الثالوث الأساسي في الوجود وهي: الإله - الكون - ~~الإنسان، إلى تصور للزمن على أنه سيالة متدفقة أبدا من لحظ ~~الخلق وحتى آفاق غير منظورة في الأبدية، وإلى تصور لتاريخ الإنسان ~~على أنه سلسلة ms031 من الأحداث المتكررة المتشابهة التي تتتابع في حركة ~~خطية، لا تنبئ عن معنى ولا تهدف إلى غاية. سيبقى هنالك بشر طالما بقي ~~هنالك آلهة، وسيبقى هؤلاء البشر أسرى الشرط الأولي الذي أحاط بخلقهم. ~~جيل يمضي وجيل يأتي، والشمس تشرق كل يوم وتسرع إلى مغربها، على حد قول ~~كاتب سفر الجامعة في التوراة، والذي يعبر أبلغ تعبير عن مفهوم ~~الربوبية والتاريخ المفتوح: «الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال، ~~تذهب دائرة دورانا، وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى ~~البحر والبحر ليس بملآن، إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك ~~تذهب راجعة ... من كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع، ليس تحت ~~الشمس من جديد. إن وجد شيء جديد يقال عندها: انظر هذا جديد، ولكنه ~~منذ زمان كان، في الدهور التي كانت قبلنا. ليس ذكر للأولين، والآخرون ~~أيضا الذين سيكونون لا يكون لهم ذكر عند الذين من بعدهم ... وجهت ~~قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت السماوات، هو عناء ~~رديء جعلها لبني البشر ليعنوا فيه. رأيت كل الأعمال التي عملت تحت ~~الشمس، فإذا الكل باطل وقبض الريح» (سفر الجامعة: 1). # روح البشرية خالدة، على ما ~~يفيدنا به نص ملحمة أتراحاسيس، لأن البشر والآلهة طرفان في معادلة ~~واحدة. نقرأ في مشهد خلق الإنسان: «لتمزج الإلهة ننتو الطين، ليجتمع ~~الإله والإنسان معا في الطين، لنسمع الطبل إلى آخر الأيام، ولتكن ~~الروح البشرية من جسد الإله، ولتعلمه أن الحياة أضحت رمزه، ولتكن ~~الروح البشرية خالدة في الاجتماع، آلهة الأنوناكي مقررو المصائر، ~~أجابوا نعم. في اليوم السابع، وفي اليوم الخامس عشر من الشهر، جهزوا ~~مكانا طهورا، ذبحوا الإله دي-إبلا في اجتماعهم، وبلحمه ودمائه عجنت ~~ننتو الطين، لآخر الأيام سمعوا الطبل، وجدت الروح البشرية من جسد ~~الإله، وعلمته أن الحياة أضحت رمزه، وجدت الروح البشرية إلى الأبد.» # 20 # ولكن الخلود المعني هنا ليس خلود النفس الفردية بل خلود ~~الجنس البشري مما يقتضيه مفهوم التاريخ المفتوح. أما الأفراد فيسيرون ~~نحو نهاية محتومة ms032 في العالم الأسفل، بعد حياة قصيرة يجزون خلالها على ~~خدمتهم للآلهة، ثوابا أم عقابا، بطريقة مادية بحتة، فتطول بهم الأيام ~~ويجنون الثروة ونعمة الصحة والبنين وما إلى ذلك، أو يبلون بالآلام ~~والأمراض والموت المبكر، فلا بعث ولا نشور وما من حياة ثانية ترتقي ~~بالفرد إلى وجود يسمو على وجوده السابق، وحتى العدالة الأرضية مشكوك ~~بتحقيقها، فقد ترى من خدم الآلهة بكل إخلاص تقصر به الأيام بعد مرض ~~وألم وفقر، ومن أدار ظهره للآلهة يمتد به العمر ويزداد صحة ووفرة ~~وغنى. وعلى حد قول كاتب سفر الجامعة: «وأيضا رأيت تحت الشمس موضع ~~الحق هناك الظلم، وموضع العدل هناك الجور، قلت في قلبي: الله يمتحن ~~البشر ليريهم أنه كما البهيمة هكذا هم؛ لأن ما يحدث للبهيمة يحدث ~~لبني البشر، وحادثة واحدة لهم، موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة للكل. ~~ليس للإنسان مزية على البهيمة لأن كليهما باطل، يذهب كلاهما إلى مكان ~~واحد. كان كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما. من يعلم، روح ~~البشر هل تصعد إلى فوق؟ وروح البهيمة هل تنزل إلى أسفل الأرض؟ حادثة ~~واحدة للصديق وللشرير، للصالح وللطاهر وللنجس، للذابح وللذي لا يذبح، ~~الخاطئ كالصالح، الحالف كالذي يخاف الحلف ... الكلب الحي خير من الأسد ~~الميت، لأن الأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الموتى لا يعلمون ~~شيئا وليس لهم أجر بعد، لأن ذكرهم قد نسي، ومحبتهم وبغضتهم وحسدهم ~~هلكت منذ زمان، ولا نصيب لهم بعد إلى الأبد في كل ما عمل تحت الشمس ... ~~كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك؛ لأنه ليس من عمل ولا اختراع ~~ولا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها» (الجامعة، 3: ~~16-22، و9: 2-9). # وأخيرا، فإن افتقاد المعنى في المفهوم الرافديني للتاريخ، قد ~~جعله بعيدا عن تلمس مفهوم عام عن «الإنسانية» و«المجتمع الإنساني»، ~~وعن فهم قوانين تطور هذا المجتمع وارتقائه نحو تحقيق غاية ما، وحتى ~~في العبادات التموزية التي طورت تدريجيا مفهوما للخلاص الروحي نحو ~~عالم أفضل، فإن المخلص الإلهي بقي مخلصا فرديا، وبقيت عملية ms033 ~~التحرر والخلاص مرتبطة بالطقس السحري الذي يوحد العابد بإلهه، أكثر ~~من ارتباطها بمفهوم مجرد عن الخير والشر، ودور الإنسانية الإيجابي ~~في تاريخها الخاص وتاريخ العالم. كما أن غياب المعنى عن مفهوم ~~التاريخ المفتوح، وغياب فكرة العدالة الإلهية، وفكرة النعمة الإلهية ~~التي تحرر الإنسان من شرطه الأرضي دون قيد أو شرط، من شأنها مجتمعة ~~أن تجعل التساؤل حول الحرية والجبرية أمرا لا معنى له، لأن كل عمل ~~للإنسان، سواء بذل عن حرية أم عن جبرية، لن تكون له أية قيمة خلاصية، ~~لا على مستوى الفرد ولا على مستوى الكون. ~~(5) الحلولية والمفهوم الدوري للتاريخ ~~(5-1) الهندوسية نموذجا # تطالع الهندوسية دارسها لأول وهلة بمزيج من المعتقدات التي لا ~~يربطها رابط ولا تجمعها جامعة، كما يبدو العدد الهائل من آلهتها التي ~~تملأ أرض الهند وسماءها، عصيا عن الانتظام في مجمع واحد يضم شتاتها، ~~ولعل السبب كامن وراء ذلك التاريخ الطويل من التطور البطيء الذي تجره ~~وراءها هذه الديانة التي تعود بأصولها إلى ما وراء الألف الثاني قبل ~~الميلاد، ولكن هذه المعتقدات ما تلبث حتى تنتظم أمام الدارس الصبور تحت ~~عدد قليل من الأفكار والمفاهيم الدينية، وعدد أقل من التصورات الما ~~ورائية. أما حشد الآلهة فلا يلبث حتى تظهر حقيقته النسبية عندما تبدو ~~نصيات الإلهية بلا قوام أو جوهر حقيقيين، وتسفر عن وجهها ككائنات تشارك ~~البشر بؤس الحياة والموت في عالم السمسارا، عالم تناسخ الأرواح والدورة ~~الكونية الأزلية. # إن ما يميز المعتقد الهندوسي «أو المعتقدات الهندوسية» عن المعتقد ~~الشرقي الأوسطي، هو بالدرجة الأولى لا مركزية فكرة الله؛ فالهندوسية ~~تبدي تحررا واضحا من أية دوغمائية تتعلق بطبيعة الإله، وجوهر ~~الدين لديها لا يقوم على الاعتقاد بوجود الإله أو عدمه، أو على تعدد ~~الآلهة أو التقائها في واحد. فمن الممكن للهندوسي أن يعد مؤمنا ~~وملتزما بدينه، سواء آمن بإله واحد أم بآلهة متعددة، أم لم يؤمن ~~بالآلهة طرا، لأن هذه المسألة لم تكن أبدا بمثابة حجر زاوية ~~للديانة الهندوسية. وفي المقابل، فإن الطوائف الهندوسية تشترك بعدد من ms034 ~~الأفكار والمعتقدات الأساسية التي لا يصح دين الهندوسي بغيرها، أول هذه ~~المعتقدات ورأسها هو الإيمان بتناسخ الأرواح، يليه معتقد الكارما الذي ~~يرتبط به أشد الارتباط، والكارما تعني في الأصل الفعل، ولكنها في السياق ~~الأيديولوجي المعني هنا، تعني الفعل وجزاؤه ثوابا كان أم عقابا، على ~~أن ما يميز فكرة الثواب والعقاب في الهندوسية عن نظيرتها في ~~الديانات الشرقية الأوسطية، هو أن الجزاء غير مفروض من قبل شخصية إلهية ~~تتصف بالعدل، بل يتم بشكل أوتوماتيكي من خلال قانون الكارما الكوني، وهو ~~قانون غفل غير مشخص وغير متصل بواحد من الشخصيات الإلهية. فما تراكمه ~~الروح من كارما في تجسدها الحالي سوف يؤثر على سلسلة تناسخاتها ~~التالية ، مثلما أن وضعها الحالي محكوم بكارما التناسخات الماضيات، ~~وهكذا تتابع الروح الفردية تجسداتها في دورة سبية أزلية لا تنتهي ~~تدعى بالسنسكريتية سمسارا، وهي دورة لا بداية لها ولا نهاية، تتجاوز ~~عالم الإنسان لتطال عالم الظواهر المادية بأكمله، كل شيء واقع في إسار ~~الزمن وفي إسار الرغبة في إتيان الفعل «كارما»، والزمن نفسه عبارة عن ~~عجلة تدور على نفسها، كلما بلغت دورة منتهاها عادت إلى نقطة البداية، دون ~~أن تنشد غاية أو تسعى إلى هدف، ومع ذلك فإن الانعتاق (= موكشا) من هذه ~~الدورة ممكن التحقيق، وهو بؤرة الحياة الدينية للهندوسي، والنهاية التي ~~يطمح إليها من كدحه الروحي، إلا أن الطوائف الهندية تختلف في كيفية ~~تحقيق هذا الانعتاق، وفي الحالة التي تصير إليها الروح المتحررة بعد ~~انعتاقها. # من هنا يدعو الهنود دينهم بالدهارما الخالدة، أي سنة الكون ~~الأبدية، والكلمة تستخدم بمعنيين، فهي تدل من جهة على مجمل الكتابات ~~المقدسة وشروحاتها، ومن جهة أخرى على القانون الأبدي الثابت الذي يحكم ~~الكون برمته. وبالمعنى الثاني فإن سنة الكون تتطابق مع ما نفهمه ~~اليوم من مصطلح القانون الطبيعي الذي تجعل منه العلوم حقلا لدراستها، ~~ولكن مع فارق هام، وهو أن هذا القانون الطبيعي بالنسبة للهندوسي لا ~~يقوم بذاته، وإنما يستند إلى مستوى أعمق للوجود، هو الأرضية غير ~~المتغيرة لكل عرض متغير، ويدعى ms035 براهمن: القاع التحتي غير المشخص ~~للوجود، الذي صدر عنه الناس والآلهة ومظاهر الوجود طرا. ولبراهمن نفس ~~تدعى أتمان وهي منبثة في جميع الكائنات الحية من آلهة وبشر، وفي كل ما ~~يدب على الأرض أو يطير في الهواء أو يسبح في الماء. فالنفوس رغم تجزئتها ~~الظاهرية وتباينها هي في حقيقة الأمر نفس واحدة، وإلى هذه النفس الواحدة ~~ترجع النفوس المتحررة المنعتقة لتذوب فيها. # وبهذا يتحصل لدينا سبعة مفاهيم أساسية تشكل أساس العقيدة الهندوسية ~~وهي: ~~(1) # سمسارا: # الدورة السببية ~~الكبرى، والعالم الذي تتناسخ فيه أرواح الكائنات الحية وأرواح ~~الآلهة. ~~(2) # كارما: # الفعل وتبعاته ~~الأخلاقية. ~~(3) # دهارما: # السنة ~~الكونية. ~~(4) # موكشا: # الانعتاق من الدورة ~~السببية. ~~(5) # براهمان: # الثابت الأبدي ~~والقاع الكلي للوجود. ~~(6) # أتمان: # النفس الكلية في ~~تجزئها ووحدتها. ~~(7) # مايا: # والكلمة في الأصل تعني ~~الوهم أو الظواهر الخادعة. # تقوم فكرة المايا أساسا من أجل الربط بين الواحد غير المتجزئ ~~والكثرة التي صدرت عنه، لأن الواحد لا يمكن أن يكون سبب الكثرة، ولابد ~~أن هذه الكثرة من عناصر الطبيعة هي وهم يمت إلى عالم الظواهر والخداع، ~~وما دامت الروح تعيش في إسار دورة السببية «سمسارا» فإنها واقعة تحت سلطة ~~المايا، تعاين الكثرة والتنوع، كثرة الموضوعات الطبيعية وتنوع النفوس ~~البشرية. أما عندما تفلح في الانعتاق، فإن الوهم الكبير ينجلي، ويبدو ~~لها كل شيء متوحدا في المطلق العظيم، فتنمحي الحدود بين الظواهر وتذوب ~~الفروق بين الأرواح التي كانت تعيش وهم التفرد والاستقلال. وأما ~~الإله المشخص الذي عرفته النفوس خلال دهور دوراتها في السمسارا، فيبدو ~~لها على حقيقته: براهمان الأزلي الحق، بعد أن كان براهمان + مايا، مثلما ~~كانت النفوس الحية أيضا نفسا + مايا، وهنا يتحقق التطابق في الهوية ~~بين النفس أتمان والمطلق براهمان. إن ما يحقق للنفس هذا النوع من ~~الانعتاق النهائي هو انكشاف بصيرتها الداخلية على حقيقة أن هذا العالم ~~المتكثر هو واحد في جوهره، وإن كل ما في الوجود هو براهمان. # على أن الفهم الواضح للمعتقدات الهندوسية لن يتحصل لنا إلا إذا ~~تابعنا الكيفية التي تطورت بها هذه المعتقدات خلال تاريخ ms036 الهندوسية ~~الطويل، والذي يبتدئ مع دخول الأقوام المدعوة بالهندو-آرية إلى شبه ~~القارة الهندية. ~~(5-2) التطور التاريخي # ديانة الفيدا # حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، غزت شبه القارة الهندية ~~جماعات محاربة من الشعوب المعروفة تاريخيا باسم الهندو-آرية، والتي ~~كانت تنساح من مواطنها الأصلية في السهوب الأوراسية نحو مناطق غرب آسيا ~~وأوروبا منذ مطالع الألف الثاني قبل الميلاد. احتل الآريون أولا ~~وادي نهر الأندوز «السند» في شمال غرب الهند، حيث دمروا حضارة عريقة ~~تشبه حضارة وادي الرافدين، ثم تابعوا بعد ذلك تقدمهم ببطء إلى حوض ~~الغانج، ولم يصلوا إلى الجنوب إلا بعد منقلب الألف الأول قبل ~~الميلاد، وقد حمل هؤلاء الآريون إلى الهند الديانة المعروفة بالفيدية، ~~نسبة إلى الفيدا، وهي مجموعة أشعار تحتوي على أناشيد دينية تم تأليفها ~~بعد استقرار الآريين، وعلى امتداد فترة لا بأس بها من الزمن، باللغة ~~السنسكريتية، وهي لغة قريبة من اللغة التي تكلمها وكتب بها الفرع ~~الآخر من الهندو-آريين الذين دخلوا إيران في الوقت نفسه ~~تقريبا. # والفيدية هي ديانة طقسية تقوم على معتقد ربوبي شبيه بمعتقد وادي ~~الرافدين. ففي الأناشيد الفيدية التي كانت تتلى في الاحتفالات ~~الدينية، كان الشعراء في ذلك العصر يسألون الآلهة أن تمنح عبادها ~~قطعانا كثيرة من الماشية، وثروة وحياة مديدة مقابل ما يقدمونه إليها ~~من قرابين، وكانت خدمة الآلهة وتقديم القرابين إليها هي العنصر الحاسم ~~في تقرير مصير الروح وحياة ما بعد الموت. أما الأخلاق فكانت شأنا ~~دنيويا تنظمه الأعراف والعادات القبلية المؤسسة منذ القدم، ولم ~~يكن لأولئك الآريين في بداية عهدهم معابد ولا بقع مقدسة معينة ~~لأداء الطقوس، بل كانوا يقيمون شعائرهم في الهواء الطلق وعلى أرض ~~يمهدونها لهذه الغاية، ويجهزونها بمذبح وبموقد نار لإحراق الأضاحي، ~~وكان القربان يتألف في العادة من منتجات حيوانية مثل الزبدة والجبن، ~~ومن الحبوب، ومن عدد من الحيوانات تذبح تباعا هي التيس والخروف ~~والثور والحصان، وفي نهاية الطقس الذي غالبا ما يدوم يوما كاملا، ~~يؤتى بشراب السوما المخدر فيسكب منه أمام الآلهة ويتم تناوله من قبل ~~المشتركين ms037 بالطقس ليحملهم إلى السماء في زيارة خاطفة. # وقد اتسعت أسفار الفيدا حتى شملت أربع مجموعات ضخمة من الأناشيد ~~والتراتيل والصيغ السحرية، التي كانت تتداول شفاهة حتى وقت متأخر ~~من الألف الأول قبل الميلاد، وهذه المجموعات هي: رج فيدا، ساما فيدا، ~~ياجور فيدا، أثار فيدا. وكلمة الفيدا هنا تعني المعرفة المقدسة، وهي ~~من نفس الجذر الإنكليزي # Wise, Wisdom # واللاتيني # Video ~~، والألماني # Wissen ~~. وجميعها تؤدي معنى المعرفة ~~أو الحكمة، ورغم كل التطورات التي طرأت على الهندوسية وأشكالها ~~اللاحقة، فقد بقيت قداسة هذه الأسفار فوق كل مساءلة، وبقي الاعتراف ~~بها كمصدر للعقيدة هو الفاصل بين المذاهب القويمة والمذاهب ~~الهرطقية. # على أن معتقد الفيدا ما لبث حتى أفسح المجال لمعتقد جديد هو ~~المعتقد البراهماني، الذي حول معه معتقد الربوبية تدريجيا إلى ~~معتقد حلولي صوفي، وذلك بتأثير طبقة البراهمانيين «أو البراهمة»، وهم ~~فئة من الكهان كانت تشرف في الماضي على طقوس القرابين، ثم أخذت ~~تدريجيا بتكوين مفهوم عن الألوهة مختلف تماما، والنظر إلى الآلهة ~~الفيدية، التي كانت آلهة لمظاهر الطبيعة المختلفة، باعتبارها وجوها ~~لحقيقة كلانية واحدة هي براهمن: المطلق غير المشخص، والقدرة الشمولية ~~التي تسند مظاهر الكون المتبدية. وقد تطور الفكر البراهماني عبر ~~الأسفار المعروفة بالبراهمانات، وهي تعليقات وشروح على الفيدا، بلغت ~~ذروة نضجها في مجموعة الأوبانيشاد التي شكلت قمة من قمم التأمل ~~الحكموي العالمي، وقد تم تأليف البراهمانات والأوبانيشادات خلال ~~النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد. # البراهمانية # من خلال تفرغهم الشامل للشئون الدينية، وإشرافهم على أداء الطقوس ~~المعقدة المصحوبة بأناشيد الفيدا، طور البراهمانيون مفاهيمهم النظرية ~~الفلسفية عن معنى الطقس وغايته، والقوة الخافية التي تمنحه الفعل ~~والتأثير. فالتضحية ليست قربانا يقدم للآلهة مع الصلاة والشكر، ~~بمقدار ما هي عمل سحري يضع تحت تصرفهم القوة فوق الطبيعانية السارية في ~~الكون برمته، والتي ينبغي على الآلهة أنفسهم أن يقدموا لها فروض ~~الطاعة، هذه القوة فوق الطبيعانية التي تجعل السحر فعالا وممكنا هي ~~براهمن، وكلمة براهمن في الأصل تشير إلى الصيغة السحرية المستخدمة ~~لاستنهاض «القوة» ودفعها إلى ms038 تفعيل الأداء السحري، ثم تحولت لتصبح ~~دلالة على القوة الخافية نفسها، وشيئا شيئا أخذت الآلهة الفيدية ~~القديمة تفقد شخصيتها لتغدو رموزا طقسية لا أكثر، فبدلا من التأثير ~~على «القوة» من خلال الصيغ السحرية، صار سعي البراهماني يتجه نحو ~~التوحد مع تلك القوة القدسية الشمولية السارية في الكون، وذلك عن ~~طريق رياضات روحية معينة واحتساء شراب السوما، مما يوصل إلى الوجد ~~والإحساس بالتماهي مع «القوة» واكتساب قوى فوق طبيعانية، وهم في سعيهم ~~هذا لم يظهروا أي اهتمام بتطوير الديانة الشعبية، ولم يهتموا قط ~~بالأخلاق، لأن التفكير بالكون عندهم لا يمكن أن يقود إلى استخلاص ~~أخلاقيات معينة، والاتحاد بالسرمدي هو عمل روحاني بحت لا علاقة له ~~بالسلوك اليومي. من هنا كان كهنوتهم وقدرتهم الكهنوتية، لا الدين ~~بمعناه الأوسع والأشمل، هما اللذان يشكلان موضوع تأملاتهم، فقد كان ~~جهدهم موجها لأن ينفذوا أكثر فأكثر إلى سر الطبيعة عن طريق الممارسات ~~الطقسية، ويتحدون به في الوجد، وهذا الاتحاد الذي يعيشه البراهماني في ~~نوبات الوجد هو مقدمة للاتحاد النهائي مع عالم الألوهة بعد الممات، وهو ~~بشكل ما وقف على طبقة البراهمانيين دون غيرهم من الطبقات. # مع نشوء البراهمانية بدأ أيضا نظام الطبقات الهندوسي بالترسخ في ~~حياة الهند الدينية والاجتماعية، فقد انقسم المجتمع إلى أربع شرائح ~~متمايزة ومستقلة، الأولى شريحة الكشاتريا وهم النبلاء، والثانية ~~البراهمانيون من رجال الدين، والثالثة الفايسيا وهم عامة الآريين من ~~مزارعين وحرفيين، والرابعة الشودرا أو الخدم وهم السكان الأصليون من ~~ذوي البشرة الداكنة، ورغم أن اختلاط الطبقات الثلاثة الأولى كان يخضع ~~لعدد من القواعد الصارمة، إلا أن الحد الفاصل بين طبقات الآريين ~~هذه والطبقة الرابعة المؤلفة من السكان الأصليين كان صارما جدا، ~~ومع الزمن نشأت طبقة خامسة هي طبقة المنبوذين التي اعتبرت نجسة وخارج ~~إطار الحياة الاجتماعية كلية. ورغم أن نظام الطبقات الاجتماعية هذا ~~قد صمم في البداية للحفاظ على نقاء عرق الشريحة الحاكمة، إلا ~~أنه قد أعطي بعدا دينيا فيما بعد، عندما تبنت البراهمانية ~~معتقد التناسخ ومعتقد الكارما، مما سنتعرض له في ms039 حينه بعد قليل. # كانت أسفار الأوبانيشاد قمة إنجاز البراهمانية، ورغم أن ~~الأوبانيشاد جاء نتيجة طبيعية لجدلية الفكر البراهماني وممارساته ~~الطقسية، إلا أنه قد عمل على إحداث تغييرات عميقة في البراهمانية، ~~تجلت في انقلابين رئيسيين على صعيد الفكر والممارسة، الأول عزوف ~~البراهمانيين عن الطقوس الشكلانية الخارجية واستبدال الطقوس الداخلية ~~بها، والثاني اعتراف البراهمانيين لبقية الطبقات بإمكانية الانعتاق من ~~العالم والاتحاد ببراهمن، تنطوي الطقوس الداخلية على عدد من الممارسات ~~الجسدية والرياضات الذهنية، فإلى جانب النسك والتقشف وإنكار متع ~~الدنيا والعزوف عن أي نشاط عملي سيئا كان أم صالحا، هنالك عدد من ~~الرياضات الذهنية التي تقوم على التأمل الباطني الهادف إلى التواصل مع ~~منبع الحقيقة والتطابق معه. # رغم أن الأوبانيشادات «فصول أو أسفار الأوبانيشاد» تختلف في ~~تصورها للحقيقة المطلقة التي يدعونها براهمن، إلا أن الاختلافات هي ~~من قبيل تنوع أساليب التعبير، والميل أحيانا إلى استخدام المجازات ~~اللغوية. فبعض الأوبانيشادات تنظر إلى براهمن على أن الحقيقة ~~الكلانية الخافية غير المشخصة، والتي لا يمكن تصورها تحت أي شكل أو ~~صفة وخصيصة، فهو المطلق بكل امتياز، عنه نشأت الأكوان والحيوات وإليه ~~تعود. وبعض الأوبانيشادات ينظر إلى براهمن كإله مشخص كلي القدرة ~~والمعرفة والحضور، وكحاكم للعالم ومدبر لشئونه. هذا التناقض المتبدي ~~على مستوى التعبير بين الألوهة غير المشخصة والألوهة المشخصة، يجد ~~تفسيره في أوبانيشادات أخرى توحد بين وجهي الألوهة المختلفين ظاهرا ~~والمتحدين ضمنا، فتتحدث عن براهمن في حالين، حال الخفاء وحال ~~التجلي. فلقد أطلق براهمن الخافي نحو الخارج قوته الخلاقة الكامنة ~~فتشكلت منها بيضة ذهبية طفت على سطح مياه السرمدية عند فجر الخليفة، ~~ومن هذه البيضة خرج الإله الخالق برهما (لاحظ الفرق بين الاسمين: ~~برهما وبراهمان) الذي خلق كل شيء بواسطة المايا، أي القوة الخلاقة ~~للإله براهمان. هذا الوجه الخالق للمطلق هو الرب الذي يتوجه إليه ~~الناس بالعبادة والصلوات، وهو بوابة عبور الوعي الإنساني نحو المطلق ~~السرمدي الساكن. # وكما أن براهمان الخافي هو القاع التحتي لكل مظاهر العالم ~~الموضوعي، فإنه في الوقت ذاته القاع التحتي لكل ما ms040 يجري على النطاق ~~الذاتي من وعي وإحساس وتفكير، إنه أتمان، جوهر النفس في تمايزها عن ~~الجسد. نقرأ في مقطع أحد الأوبانيشادات: «هو الذي يقيم في الأرض وفي ~~المياه وفي النار وفي الجو وفي الرياح وفي السماء وفي الجهات الأربع ... ~~هو الذي يقيم في كل الأشياء ومع ذلك هو غيرها، هو الذي يدبر كل شيء من ~~الداخل، هو النفس، يقيم في الأنفاس وفي الكلام وفي العين وفي الأذن ... ~~هو الرائي الذي لا يرى، والسامع لا يسمع، والمفكر الذي لا يفكر ~~به، والفاهم الذي لا يفهم، هو نفسك: أتمان.» في هذا المقطع وأمثاله، ~~يؤكد الأوبانيشاد على أن جوهر الفرد وروح العالم هما شيء واحد، وهذا ~~ما تعبر عنه الجملة الشهيرة الواردة في شاندوجيا أوبانيشاد: «هو ~~أنت.» أي أن النفس الفردية هي من ذات طبيعة النفس الكلية، وأن ~~الحقيقة العليا هي براهمن-أتمان، الذاتي والموضوعي في واحد، وعندما ~~تعرف النفس الفردية من خلال حدسها الخلاق تطابقها مع براهمن تصل حالة ~~السعادة الأرضية الكاملة، وتفلح في الانعتاق والاتحاد مع براهمان بعد ~~الممات. # لم يعلم البراهمانيون في البداية سوى أن النفوس التي هي من ~~طبيعة واحدة، ترجع إلى مصدرها بعد حياة واحدة في الجسد وفي العالم ~~المادي، ولكن مذهب التناسخ بدأ يفرض نفسه على البراهمانية بقوة منذ عصر ~~الأوبانيشاد، وذلك بتأثير معتقدات سكان الهند الأصليين التي بقيت حية ~~رغم تأثرها بديانة الفاتحين. يقول مذهب التناسخ بوجود جواهر فردية ~~مستقلة هي الأرواح، وهذه الأرواح تحل في أجساد حية لتعيش دورة في ~~عالم السمسارا، وتراكم سلسلة من الكارما التي من شأنها تحديد طبيعة ~~تناسخها أو تناسخاتها المقبلة، والكارما هي كل الأعمال والأفكار ~~والأقوال، منظورا إليها بمعيار أخلاقي، والتي ستجد ثوابها وعقابها في ~~التجسد المقبل، فالكارما الحسنة سوف تقود الروح إلى تجسد أعلى، أما ~~الكارما السيئة فسوف تقود إلى تجسد أدنى، قد يصل حد التجسد في حيوانات ~~أو حشرات. وتدوم دورة التناسخ هذه إلى ما لا نهاية، إذا لم تستطع الروح ~~شق طريقها بثبات في طريق صاعد أبدا نحو ms041 تجسدات أفضل فأفضل، حتى تفلح ~~أخيرا في الانعتاق من الدورة السببية. وهنا قام الفكر الديني الهندوسي ~~بعقد الصلة بين نظام الطبقات الاجتماعي وقانون الكارما، ووجد التفاوت ~~الاجتماعي واللامساواة في النظام الطبقي تفسيره البسيط. فإذا كان ~~البراهماني يتمتع بكل ما تقدمه له طبقته من مزايا، والشودرا ~~يعاني من كل الشروط الحياتية البائسة المحيطة بطبقة الخدم، فلأن ~~كلا منهما قد قدم في حياته الماضية ما أهله لهذه الحياة الحالية. ~~وبالطبع فإن أية محاولة لإزالة الفوارق بين الطبقات هو عمل يرقى إلى ~~مستوى الهرطقة لأنه يعاكس القانون الكوني للسبب والنتيجة. # على أن البراهمانية بقيت أمينة لموقفها السابق من الأخلاق رغم ~~تبنيها لعقيدة التناسخ، فالسلوك الأخلاقي في حد ذاته لا يوصل إلى ~~الانعتاق، بل يؤهل صاحبه إلى تجسد أفضل. لقد كان على البراهماني ~~الصالح أن يلتزم بالقواعد الأخلاقية الخاصة بطبقته، ولكن سلوكه ~~الأخلاقي هذا وقف على الشطر الأول من حياته، وهي الفترة التي يمارس ~~خلالها حياته الاجتماعية كاملة فيتزوج وينجب الأولاد ويساهم في كل ~~نشاط إيجابي تتطلبه حياة الجماعة. أما في الشطر الثاني من حياته، ~~فإن البراهماني ينسحب من العالم ويهجر أسرته التي لم تعد بحاجة ~~إليه، فيذهب إلى الغابة ليعيش حياة الزهد والتنسك والتأمل، تاركا ~~العالم بخيره وشره معا، مبتدئا رحلته الداخلية العرفانية التي يأمل ~~منها أن تقوده إلى الانعتاق. نقرأ في أحد الأوبانيشادات: «إن الخالد ~~ليس لديه خوف مما ارتكبه من شر ولا أمل فيما فعله من خير، لا الخير ~~ولا الشر يتحكمان به، وإنما هو الذي يسيطر عليهما كليهما، لا شيء ~~مما فعله ولا شيء مما أهمل فعله يمكن أن يكون له أهمية عنده.» وفي ~~أوبانيشاد آخر نجد أن الأرواح بعد مغادرتها أجسادها تصعد إلى القمر ~~وتقيم فيه ردحا قصيرا، ثم يتابع بعضها سيره نحو السماء، وبعضها ~~الآخر يعود إلى الأرض مع الأمطار. يمتلئ القمر بحلول هذه الأرواح ~~فيتزايد وعند مغادرتها يتناقص، ولكل قادم جديد يتقدم القمر بالسؤال: ~~من أنت؟ فإذا أجابه أنا أنت «وهي الصيغة التي تدل على وصوله إلى ms042 ~~العرفان الداخلي الحقيقي بالتوحد مع براهمان» تركه يمر، ومن لم ~~يحر جوابا عاد إلى الأرض ليولد من جديد في جسد ما بحسب ما قدمته ~~يداه وما حقق من معرفة، أي إن كل ما يمكن للعمل الصالح أن يفيد به ~~صاحبه هو إتاحة الفرصة أمامه للتجسد في صورة إنسانية تعطيه فرصة جديدة ~~لمعرفة نفسه ومعرفة ربه. # ولقد أدى تلاؤم البراهمانية مع عقيدة التناسخ والكارما إلى تشكيل ~~المذهب البراهماني المتأخر، الذي حاول التوفيق بين جوهر البراهمانية ~~وعقيدة التناسخ القائمة على الأخلاق، وتجد هذه الصياغة التوفيقية شكلها ~~الأكثر وضوحا في مذهب الفيدانتا. يقول مذهب الفيدانتا بوجود حقيقتين، ~~الأولى ظاهرية وهي ذات رتبة دنيا، والثانية باطنية وهي ذات رتبة عليا. ~~بموجب الحقيقة ذات الرتبة العليا يستطيع الفرد تحقيق الاتحاد مع النفس ~~الكلية عن طريق العرفان الداخلي، وبموجب الحقيقة ذات الرتبة الدنيا ~~يستطيع أولئك الذين لا يعرفون براهمان تحقيق الخلاص عن طريق التعبد ~~للإله المشخص الخالق، وإنجاز واجباتهم على أتمها. لقد أدرك أصحاب هذه ~~البراهمانية المتأخرة أن صوفية الاتحاد مع براهمان هي أمر مختلف ~~تماما عن مذهب التناسخ ذي القاعدة الأخلاقية، ففضلوا تركهما ~~متعايشين جنبا إلى جنب من خلال مذهب الحقيقتين. ولقد قاوم المعلم ~~شنكارا، وهو أهم معلمي الفيدانتا، بعناد فكرة أن الانعتاق مرتبط ~~بالموقف الأخلاقي للإنسان، وكان يردد بإلحاح أن الأخلاق ليست ~~إلا محركا للحقيقة الظاهرية، ولم يجد لها إلا مكانة ثانوية في ~~السعي الحقيقي إلى الاتحاد المباشر ببراهمان. # إلى جانب معتقد التناسخ والكارما فقد تبنت البراهمانية معتقد ~~الدمار الدوري للعالم وإعادة خلقه مجددا، ففي الزمن الخطي الذي ~~يتقدم دوما نحو الأمام منطويا على تاريخ للكون وللإنسان مفتوحا ~~على اللانهاية، مما آمنت به الديانة الفيدية والبراهمانية المبكرة، صار ~~لدى البراهمانية في عصر الأوبانيشاد تصور دائري للزمن وللتاريخ، ~~فالزمن يدور على نفسه دورة كاملة لينتهي إلى حيث ابتدأ، وبعد هدأة في ~~حضن مياه السرمدية ينطلق إلى دورة تالية، وهكذا إلى ما لا نهاية. الزمن ~~لا بداية له ولا نهاية، والعالم لم يخلق مرة واحدة في ms043 زمن معين، ~~ولن يئول إلى فناء تام، وبذلك تتسع دورة السمسارا التي تتناسخ فيها ~~الأرواح لتشمل العالم بأسره، حيث كل شيء آيل إلى الدمار وكل شيء معد ~~للميلاد الجديد. وللزمن في دورانه على نفسه دورتان، الأولى تدعى ~~ماها-يوغا وهي الدورة الصغرى، والثانية تدعى كالبا وهي الدورة الكبرى، ~~تسير الدورة الصغرى ماها-يوغا عبر أربعة عصور تتدرج من الكمال ~~التام في العصر الذهبي إلى الفساد التام في العصر المظلم، وعدد سنواتها ~~4320000 سنة. أما الدورة الكبرى كالبا فتتألف من ألف دورة صغرى، ~~وتشكل يوما واحدا من أيام برهما. في نهاية كل كالبا، وفي آخر ~~لحظة من غسق يوم برهما، تنشطر الأكوان وتتهاوى عائدة إلى الماهية ~~القدسية التي نشأت عنها، ويهدأ إيقاع الزمن في ليل برهما الطويل. وفي ~~أول لحظة من فجر اليوم التالي، يولد الإله الخالق برهما مرة أخرى من ~~أعماق المطلق براهمان ليقوم بخلق كون آخر يدخل في كالبا جديدة. وهنا ~~تعود الأرواح التي بقيت غافلة عن نفسها ناسية أعمالها الماضيات في ~~الليل، فتنتبه من غفلتها وتحمل كل واحدة منها أعمالها لتدخل في دورة ~~تناسخ جديدة تمتد مليارات السنين قبل أن تهجع مع هجعة الكون في آخر ~~الكالبا ... وهكذا إلى ما لا نهاية. وقد استمر هذا المعتقد في جميع ~~أشكال الهندوسية اللاحقة. # الهندوسية الكلاسيكية # تقوم الهندوسية الكلاسيكية، ~~التي بدأت بالتشكل منذ القرون الأولى للميلاد، على معتقد الألوهية ولكن ~~دون تخل تام عن معتقد وحدة الوجود، لأنها نشأت وتطورت تحت نفوذ ~~الفكر البراهماني المتأخر. فخلال الفترة ما بين 200 و700 ميلادية، ~~عندما دخلت الحضارة الهندية عصرها الذهبي برعاية الإمبراطور غوبتا ~~وخلفائه، ظهر معلمون روحيون ينتمون إلى الفكر البراهماني، ولكنهم في ~~الوقت نفسه راغبون في سد حاجة السواد الأعظم من الناس إلى إله مشخص ~~قريب يمكن محبته وعبادته والدخول في علاقة شخصية معه. وقد حصلت النقلة ~~الحاسمة بين البراهمانية المتأخرة والهندوسية الكلاسيكية، عندما صاغ ~~أولئك المعلمون الروحيون عقيدة تقول بأن المطلق غير المشخص براهمان ~~يتجلى في العالم من خلال ثلاث ألوهات تمثل الوظائف ms044 الإلهية الثلاثة، ~~وهي: برهما الخالق، وفيشنو الحافظ، وشيفا المدمر. وبذلك نشأت عبادات ~~محلية تدور حول واحد أو أكثر من هذه الآلهة الثلاثة. # إن براهمان حاضر في العالم من خلال إله مشخص يدبره ويسيره ~~ويهتم بشئون خلقه، ويؤمن لهم سبل الانعتاق والخلاص. وهنا تحل محبة ~~الإنسان للإله والإخلاص له محل الكدح الروحي الذي يقوم على العرفان، ~~وتحل الأعمال وتأدية الواجبات على أتمها محل الممارسات الزهدية ~~والتقشفية. إن محبة الإله والاستسلام الكامل له، تقود إلى اتحاد محبة ~~معه لا إلى اتحاد عرفان، وبذلك تستطيع الشرائح الشعبية الواسعة التي ~~ليس بمقدورها الدخول في اتحاد عرفان مع المطلق أن تتخذ إلى الله طريقا ~~أقل مشقة وأقرب إلى مقدرتها الذهنية وطاقتها على الكدح الروحي، وهذا ~~الطريق لا ينكر طريق العرفان بل يعتبره طريقا أعلى وأنبل لمن يستطيع ~~السير فيه. # في عبادة الإله شيفا، ~~يتبدى المعتقد الهندوسي في أوضح أشكاله الألوهية، فالعلاقة بين الله ~~وخلقه هي علاقة محبة، وكل عمل من أعماله يصدر عن اهتمام بمخلوقاته. ~~الوجود كله مؤلف من الله ورعيته (= الأرواح) والأصفاد، وهذه الأصفاد ~~ثلاثة: (1) عالم الظواهر (= مايا) وهو عالم أزلي أبدي لا بداية له ولا ~~نهاية. (2) الكارما وهي الفعل وثماره مما تراكمه الأرواح خلال تجسداتها ~~في عالم الظواهر. (3) التجزئة وهي التي تجعل الروح منغلقة على نفسها ~~ومنفصلة عن الله. في حالتها الدنيا تكون الروح جوهرا فرديا بلا شكل ~~ولا وعي ولا حركة، وغير قابلة للفناء في الوقت ذاته، ثم تصير الروح ~~إلى المرحلة الوسيطة عندما تحل في جسد وتتحول إلى ذات واعية نشطة ~~تتحرك في عالم الظواهر المادية وتراكم الكارما الخاصة بها، وبذلك ~~تصير أسيرة الأصفاد الثلاثة. وهذه الحالة الواعية في الأصفاد الثلاثة ~~هي التي تهيئها للانعتاق وتجمعها إلى الله، وهي المرحلة الثالثة. غير ~~أن الروح المنعتقة لا تذوب في الله، كما هو الحال في التصوف ~~البراهماني، وإنما تنضم إليه مع بقائها واعية لوجودها ووجوده رغم ~~أنها صارت إلى طبيعة أقرب إلى طبيعته. # ولقد شابه موقف الهندوسية الكلاسيكية من الأخلاق، في بداية عهدها، ms045 ~~موقف البراهمانية. فمحبة الله هي محبة شخصية موجهة من الفرد إلى ~~الخالق، ولا تتسع بالضرورة لتشمل محبة الآخرين. والأعمال التي ~~يتوجب على المؤمن إتيانها لم تكن تتجاوز الواجبات التي يحددها ~~انتماؤه لطبقة معينة والالتزام بأخلاقياتها الرسمية، ولم يكن هذا ~~الموقف من الأخلاق ليعني بأية حال من الأحوال أن الهندوسي ليس ~~معنيا بمحبة جاره والسلوك بشكل أخلاقي كامل، بل إن السلوك الأخلاقي ~~يجب ألا يبذل استجلابا لمكافأة ما إلهية كانت أم اجتماعية، وأن ~~يكون حرا من أي قيد أو شرط. على أن الهندوسية الكلاسيكية ما لبثت ~~حتى سارت بمعتقدها إلى نتيجته المنطقية، وتحول الإله من كائن فوق الخير ~~والشر إلى كائن أخلاقي، ودخلت الأخلاق في صلب السلوك الديني. فإذا كان ~~الإله أخلاقيا فإنه يحض على مكارم الأخلاق ثم يجزي بها. # على أن الأخلاق الهندوسية بقيت أسيرة معتقد جبري يحرمها من ~~جوهرها كسلوك حر ومسئول. فلقد طورت الهندوسية الكلاسيكية اعتقادا ~~بجبرية شمولية تطال الكائنات الحية مثلما تطال الكون بأكمله. إن ~~الفعل الذي يقوم به الفرد، وما ينجم عنه من كارما، ليس إلا جزءا من ~~كارما الكون بأسره، وكارما الكون هي جزء من كارما الله، فالله في حالة ~~فعل دائم مثلما هو في حالة سكون دائم أيضا، وكارما الله تتم في ~~الزمن، فالزمن يتطابق مع القدر، والله يتحكم بالقدر، والإنسان في ~~حالة عجز تام أمام القدر، ويستتبع ذلك أن الإنسان ليس هو فاعل الخير ~~والشر لأنه ليس كائنا مستقلا، بل الله هو الذي ينجز الخير والشر ~~على يديه، ومع ذلك فإن على الإنسان أن يفعل دوما ما هو صالح في ~~عينيه ثم لا يلتفت إلى نتيجة أو منفعة منه، وأن يمارس كل نشاط بدافع ~~من حبه الله واستسلام كامل لما يتمه الله على يديه. هذا هو مضمون ~~الحرية الإنسانية. # تظهر هذه الأفكار بكل قوة ~~ووضوح في ملحمة الماهبهارتا، التي تعادل مكانتها في الهندوسية ~~الكلاسيكية مكانة الأوبانيشاد في البراهمانية. ففي مشهد تجلي الإله ~~كريشنا للبطل أرجونا قبل المعركة الحاسمة، يطلب الإله من أرجونا ألا ms046 ~~يتردد في قتال أبناء عمومته في الفريق الخصم، لأن على البطل أن ~~يفهم أنه ليس هو الذي يقتل وإنما ينجز عملا أراده الله. ومن خطاب ~~كريشنا لأرجونا نقرأ هذه المقتطفات: «إن على الإنسان ألا يتهرب ~~من عمل فرضه عليه منبته الطبقي، حتى لو كان فيه ما يسوء؛ فكل المشروعات ~~مصحوبة بأمور سيئة مثلما هي النار مصحوبة بالدخان» ... «حتى المجرم ~~الكبير إذا بجلني من كل قلبه ولم يفكر إلا بي وحدي، يجب أن يعتبر ~~على صواب فيما فعل لأنه قام بعمله بروح طيبة» ... «حتى لو كنت من بين ~~الخاطئين أكبرهم، فإنك على زورق المعرفة الحقيقية سوف تجتاز محيط ~~الشر» ... «مهما فعلت يا أرجونا، فإن أولئك المحاربين المصطفين للمعركة ~~سيموتون. والحقيقة أنهم قد هلكوا على يدي. أما أنت فكن الأداة ~~فقط. ذلك أن من يولد صائر إلى الموت، ومن يموت صائر إلى الولادة، ~~وأمام ما لا مفر منه لا يجدي التذمر.» # خلاصة # من هذا العرض الموجز والمكثف، نستطيع استخلاص أهم النتائج ذات الصلة ~~بموضوعنا: ~~(1) # رغم تسرب بعض أساطير الخلق والتكوين من الديانة الفيدية ~~القديمة إلى الهندوسية، إلا أن الهندوسية، وعبر جميع أطوارها، ~~لم تأخذ مسألة الأصول والبدايات بشكل جدي. فالعالم لم يخلق ~~مرة واحدة ابتداء، وليس له نهاية منظورة، أو منقلب يرتفع به من ~~مستوى أدنى من الوجود إلى مستوى أعلى. فالزمن يدور على نفسه، ومع ~~كل دورة يفنى الكون القديم ويخلق كون جديد ليسير في الحلقة ~~المفرغة نفسها، فلا بداية ولا نهاية، بل عود أبدي بلا هدف ولا ~~غاية. هذه الرؤية للزمن الدوري المتناوب عند الهندوسية تنطوي على ~~إصرار شديد على رفض التاريخ باعتباره حركة دائبة تهدف إلى تطوير ~~الكون وتطوير الجنس البشري، ولا ترى فيه إلا نسخا يكرر بعضها ~~بعضا إلى ما لا نهاية، وبالتالي لا وجود لخطة إلهية تتجلى في ~~هذا التاريخ بشكل تدريجي، وتهدف إلى تخليص الكون وتخليص ~~الإنسانية. ~~(2) # لم تتوصل الهندوسية إلى مفهوم واضح عن «الإنسانية» ولم تجد ~~لها دورا فاعلا في دفع حركة التاريخ. وما الإنسانية ms047 إلا تجمع ~~من الذوات العابرة التي يسعى كل منها بشكل فردي إلى الانعتاق من ~~دورة الحياة والموت. ~~(3) # ترتفع الألوهة فوق الخير والشر، ولا تلعب الأخلاق دورا مهما ~~في علاقة الإنسان بالله. وفي المذاهب التي مزجت بين السلوك ~~الأخلاقي والسلوك الديني، بقي الاعتقاد بالجبرية الكونية حائلا ~~دون تكوين مفهوم ناضج عن حرية الفرد ومسئوليته. ~~(4) # يعمل مبدأ الكارما على تقديم حل بدهي لمسألة وجود الشر في ~~العالم؛ فكل ما يصيب الفرد من نوائب وكوارث وحظ عاثر في حياته، ~~وكل ما يلقاه من نعمة وثروة ورغد عيش، هو نتيجة لكارما سابقة ~~راكمتها روحه في تجسداتها الماضيات. أما ما يراكمه هو من كارما ~~حسنة أو سيئة فإنه لا يجزى بها لا في حياته ولا في حياة أخرى، ~~بل إنه يجيرها للتجسد التالي. وبما أن مبدأ الكارما يعمل ~~بشكل آلي، فإن مفهوم الشر المجرد والخير المجرد هو مفهوم غريب ~~على الفكر الهندوسي، وليست العدالة صفة لكائن إلهي، بها يعاقب ~~ويثيب. ~~(5) # تتصل دورة الحياة والموت في عالم السمسارا بدورة الكون الكبرى؛ ~~فكما يفنى الكون عن نفسه ليعيش في كون آخر جديد، كذلك يفنى الجسد ~~عن نفسه ليعيش في جسد آخر جديد، وعندما تنتهي الدورة الكونية ~~الكبرى إلى الفناء وتعود إلى مياه السرمدية الساكنة، تغفو الأرواح ~~في ليل برهما الطويل. ومع بداية الدورة الجديدة تصحو لتحمل ~~كارماها مجددا إلى ملايين التجسدات المقبلة وملايين الدورات ~~الكونية المقبلة، فلا بعث ونشور، ولا دينونة ولا حساب ولا ~~عقاب. ~~(6) # أمام هذه الأرقام الفلكية لعدد الدورات الكونية والتناسخات ~~الفردية، مما يدير الرأس، لا يوجد أمام الفرد إلا طريق واحد: ~~الإفلات. ولكن من الذي سيفلت ويحقق الانعتاق أخيرا؟ هل هو ~~التجسد الأول للروح في البدايات الضاربة في الأزلية، أم هو هذا ~~التجسد الذي يفكر بالإفلات، أم هو ذلك التجسد الأخير بعد ~~بضعة مليارات من السنين؟ سؤال لا معنى له يلقي على الأيديولوجيا ~~الهندوسية ظلالا من العدمية. ~~(6) الألوهية والتاريخ الدينامي ~~(6-1) الزرادشتية نموذجا # في الديانة الزرادشتية يبلغ المعتقد الألوهي كمال رؤياه للعلاقة بين ~~الله ms048 والعالم، ويظهر مفهوم التاريخ الدينامي لأول مرة في تاريخ الدين ~~مكتملا وناجزا. فهنا يقوم الوجود بأسره، وجود الله ووجود ما سواه ~~والعلاقة بينهما، على ثلاثة مفاهيم أساسية مترابطة هي: الأخلاق والحرية ~~والمسئولية. ولأول مرة في تاريخ الدين يظهر مفهوم متسق ومتكامل عن ~~«الإنسانية»، وعن دورها الإيجابي والفعال في خطة الخلق وصيرورة التاريخ ~~ومصير الكون والحياة. فالإنسان لم يعد عبدا للآلهة ولا أداة في يد ~~القدر، بل كائن حر ومسئول، وهذه الحرية والمسئولية لا تنسحب على مصيره ~~الفردي أو الجمعي فقط، بل تتسع لتشمل الكون بأسره وتتحكم بمآل ~~التاريخ. # في البدء، لم يكن سوى الله، الذي يدعوه زرادشت أهورا مزدا، وجود ~~كامل وتام، وألوهة قائمة بذاتها مكتفية بنفسها غنية عما عداها، ثم إن ~~هذه الألوهة اختارت الخروج من كمونها والظهور فيما سواها، فصدر عنها ~~روحان توءمان هما سبينتا ماينو وأنجرا ماينو، وقد وهبهما الله منذ ~~البداية أهم خصيصة تميزهما عن مصدرهما وتجعل منهما كيانين مستقلين عنه، ~~وهي خصيصة الحرية الكاملة. ومنذ البداية أيضا استخدم هذان الروحان ~~حريتهما في الاختيار، فاختار الأول الخير، ومن هنا جاء اسمه سبينتا ماينو ~~أي الروح المقدس، واختار الثاني الشر، ومن هنا جاء اسمه أنجرا ماينو أي ~~الروح الخبيث، وبذلك تحددت القوتان الكونيتان اللتان سيدور حولهما ~~الوجود المادي والروحاني المقبل، وجرى زرع المبدأ الخلقي في أصل الوجود ~~ومبتدئه. فكل ما في الوجود الجديد حر وأخلاقي في آن معا. # بعد الخيار الأخلاقي للتوءمين، كان لا بد من تعارضهما وتصادمهما ~~ودخولهما في صراع، وبما أن التوءمين يتمتعان بالطبيعة الإلهية التي ~~لأهورا مزدا، وبما أنه قد وهبها أيضا ما له من حرية، فقد قرر عدم ~~التناقض مع نفسه، والسير بخطته التي تقوم على الحرية إلى آخرها. هنا عمد ~~الله بمشاركة الروح المقدس سبينتا ماينو إلى إظهار ستة كائنات قدسية إلى ~~الوجود تدعى بالأميشا سبينتا، أي المقدسون الخالدون، يستعين بها على ~~مقاومة الروح الخبيث أنجرا ماينو، فشكلت بطانته الخاصة التي تحيط به على ~~الدوام وتعكس مجده، وقد شارك هؤلاء الخالق فيما ms049 تلا من أعمال الخلق ~~والتكوين، وصاروا حافظين لخلق الله ووسطاء بينه وبين العالم، ثم إن ~~هؤلاء قد أظهروا إلى الوجود عددا من الكائنات القدسية الطيبة المدعوة ~~بالأهورا، وراح الجميع يكافح الشر كل في مجاله. وبالمقابل فإن أنجرا ~~ماينو قد استنهض عددا من القوى الروحانية المدعوة بالديفا ثم عمل على ~~ضلالتهم فانحازوا إلى جانبه وتحفز الجميع للانقضاض على خلق الله ~~القادم. # فوق الروحين المتنافسين، وفوق فريق الأهورا وفريق الديفا، يسمو أهورا ~~مزدا في عليائه متجاوزا ثنائيات الخلق، غير أن سمو أهورا مزدا فوق ~~الثنائيات لم يكن يعني اتخاذه موقفا سلبيا مما يجري. فبعد أن تأسس ~~الشر على المستوى الروحاني، عرف الله بواسطة علمه الذي يطال البدايات ~~والنهايات ، أن القضاء على عناصر الشر دون الإخلال بمبدأ الحرية، لن ~~يكون متيسرا إلا بخلق العالم المادي الذي سيكون المسرح المناسب لصراع ~~طويل ينتهي بمحق الشيطان أنجرا ماينو وأعوانه، فلسوف يعمد الشيطان إلى ~~مهاجمة العالم بكل قواه لأنه خلق حسن وطيب، ولكن عدوانه سيئول إلى ~~خسران في نهاية الزمن ويحسم الصراع لصالح الخير، ويتم تخليص الكون إلى ~~الأبد من شوائب الشر وإعادته كونا حسنا وطيبا إلى الأبد. وهكذا شرع ~~أهورا مزدا يخلق الكون على ست مراحل، وكان الإنسان آخر ما خلق الله في ~~اليوم السادس، ومع خلق الإنسان ينطلق التاريخ. # يسير التاريخ عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي مرحلة الخلق الطيب ~~الحسن الكامل. المرحلة الثانية هي مرحلة امتزاج الخير والشر في نسيج ~~العالم عقب هجوم أنجرا ماينو عليه وتلويثه. المرحلة الثالثة هي مرحلة ~~الفصل بين الخير والشر ودحر الشيطان ورهطه، والارتقاء بالعالم نحو ~~المستوى الماجد والجليل الذي ينتظره في نهاية التاريخ. خلال المرحلة ~~الثانية الحاسمة من التاريخ، يقف الإنسان على قدم المساواة مع الأميشا ~~سبينتا وبقية الكائنات الروحانية الأخرى في مسئوليته عن مكافحة الشر في ~~العالم، ويكون دوره حاسما في الوصول بالتاريخ إلى نهايته المرتقبة. ~~فالإنسان هو أنبل خلق الله والأقدر على مكافحة الشر، لأنه يعيش في ~~العالم المادي الذي اتخذه الشيطان مسرحا لمقاومة خلق ms050 الله وإفساده، ~~ولأنه صار في بؤرة الصراع الكوني وعرضة دائمة للغواية الناجمة عن ~~سلطة الشيطان على العالم ومخلوقاته. وأما سلاح الإنسان في المعركة ~~فوعيه وحريته وخياره الأخلاقي، ويتجلى الخيار الأخلاقي من الناحية ~~العملية في عناية الإنسان بأخيه الإنسان وببقية الكائنات الحية لأنهم ~~جميعا صنعة الخالق الواحد، كما أن عليه أن يرعى جسده وروحه في آن ~~معا، وتأتي رعاية الجسد من اتباع قواعد النظافة والطهارة والصحة العامة، ~~والاعتدال في الطعام والشراب وتجنب الإفراط في كل شيء، وأما رعاية ~~الروح فتأتي من اتباع النظام الأخلاقي الذي اختطه زرادشت، وأداء فروض ~~العبادة الله وحده. من هذا المنظور تتخذ الإنسانية مكان المركز من خلق ~~الله، وهي في سعيها نحو خلاصها إنما تخلص العالم بأسره. # في المرحلة الأخيرة من التاريخ، سوف يظهر المخلص المنتظر المدعو ~~ساوشنياط، وهو الذي سيقود المعركة الفاصلة الأخيرة ضد الشيطان ويقضي ~~عليه. ومع القضاء على الشيطان يتم تدمير العالم القديم الملوث بعناصر ~~الشر وتجديده بطريقة أقرب ما تكون إلى خلق جديد، ثم تفتح القبور وتلفظ ~~الأرض ما اتخمت به من عظام عبر الزمن، فتهبط الأرواح من البرزخ، ~~مكان إقامتها المؤقت، لتتحد أجسادها وتأتي إلى يوم الحساب الأخير الذي ~~يفصل بين الأخيار والأشرار. فأما الأشرار فيجرفهم تيار ناري ويمحو عن ~~الأرض أثرهم بعد عذاب أليم، وأما الأخيار فيعبرون الصراط المستقيم إلى ~~العالم الجديد، ويعيشون خالدين في جنة أرضية. هنا يتوقف التاريخ وتدخل ~~الإنسانية الجديدة في زمن مفتوح على الأبدية. ~~(6-2) نتيجة ومدخل # لاهوت التاريخ وفكرة الشيطان # لقد واجه الإنسان منذ فجر وعيه نوعين من الشرور: النوع الأول شرور ~~طبيعانية، والثاني شرور أخلاقية اجتماعية. فالشرور الطبيعانية هي ~~الشرور المتضمنة في صلب صيرورة عمليات الكون والطبيعة والبيولوجيا، ~~وذلك مثل البراكين والزلازل والأعاصير والفيضانات والحرائق، ومثل الألم ~~والمرض والشيخوخة والموت. وأما الشرور الأخلاقية فهي الشرور الناجمة ~~عن ممارسة الإرادة الإنسانية لدى الكائنات العاقلة، عندما تخرج عن ~~القواعد المتعارف عليها للتعامل بين أفراد الجماعة الواحدة، وذلك مثل ~~السرقة والاغتصاب والتسلط والظلم. ورغم أن الإنسان لم يربط ms051 في ~~البداية بين هذين النوعين من الشرور، ولم يتصورها ناجمة عن مصدر ~~واحد، إلا أنه قد عكس معاينته للشر الأخلاقي باعتباره فعلا ~~إراديا على الطبيعة، ورأى في عملياتها فعلا تمارسه كائنات ما ورائية ~~تمثلت في أرواح خبيثة وأرواح خيرة، ثم تحولت هذه الأرواح وارتقت ~~تدريجيا لتصير آلهة. # 21 # فالنظام المستقر المتوازن على المستوى الطبيعاني ~~والبيولوجي تدعمه آلهة معينة، والخروج على هذا النظام وتهديده تمارسه ~~آلهة أخرى، وهذا ما قاده إلى تطوير نوعين من الطقوس، الأول يهدف إلى ~~طلب عون الآلهة الخيرة، والثاني يهدف إلى اتقاء أذى الآلهة الشريرة. ~~أما الشر الأخلاقي فقد بقي شأنا اجتماعيا لا يتصل بتلك القوى الما ~~ورائية، فالذي يسرق أو يظلم أو يعتدي ليس مدفوعا من قبل إله شرير، ~~والذي ينصف ويعين ويرأف ليس أيضا مدفوعا من قبل إله خير. وبتعبير ~~آخر، فإن الثنائية أو القطبية الطبيعانية لم تتسع لتشمل العلاقات ~~الاجتماعية، وبقي الإنسان ينظر إلى السلوك في صفته الخيرة أو ~~الشريرة، ويميزه إلى فضائل ورذائل من غير أن يربطه بثنوية أخلاقية ما ~~ورائية، وهكذا تركت المجتمعات الإنسانية لتدير شئونها الأخلاقية ~~بنفسها دون وصاية من قوة قدسية ما، وهذا ما قامت به على أحسن وجه. ذلك ~~أن إحجام الآلهة عن التدخل في المسائل الأخلاقية، لم يكن معادلا ~~بأية حال من الأحوال للفوضى الأخلاقية في المجتمع، لأن الإنسان كان ~~قادرا منذ بدايات التجمع الإنساني على سن قوانينه ووضع لوائحه ~~الأخلاقية التي لم يكن بدونها للتجمع الإنساني والحياة المشتركة وجود ~~البتة. # وقد تم ربط الأخلاق بالدين تدريجيا، عندما أخذ الفكر الإنساني ~~ينظر إلى الكون باعتباره وحدة مترابطة متكاملة، يسودها نظام دقيق يجمع ~~الأجزاء إلى بعضها في توازن محكم، ويرى وراء هذا الكون قدرة إلهية ~~واحدة غير مجزأة، وتجلت هذه الرؤية بأوضح أشكالها مع ظهور المعتقد ~~التوحيدي الذي لا يرى في الوجود سوى الله من جهة والعالم من جهة أخرى، ~~ويعزو إلى الله كل الكمالات التي تنتهي جميعا إلى كمال الخير. فهو ~~الخير المحض الذي يتجلى على كل مستوى ms052 طبيعاني وبيولوجي واجتماعي، وما ~~إن وصل الفكر الديني إلى هذه النقطة، حتى تحول بشكل أوتوماتيكي إلى ~~مفهوم الشيطان الكوني الذي يمثل الشر على جميع المستويات، ويناط به ~~كل خلل في نظام الطبيعة ونظام المجتمع وبنية النفوس الواعية. ولقد ~~أدى ظهور فكرة الشيطان في المعتقد الديني إلى تكوين المفهوم الدينامي ~~للتاريخ، فالشيطان هو الخلل، والخلل ينبغي تصحيحه دون الإخلال بمبدأ ~~الحرية الذي قاد إلى ظهوره، ويتم التصحيح عبر جدلية تاريخية تقوم على ~~صراع الخير والشر، وتنتهي بانتصار الأول وهزيمة الثاني، ومع زوال ~~الشيطان ينتهي التاريخ لأنه لا وجود لتاريخ بلا صراع وبلا تناقض ~~وأضداد. # سوف نكرس ما تبقى من هذا البحث لدراسة نماذج التاريخ الدينامي ~~الرئيسية. وبما أن فكرة الشيطان، كمبدأ شمولي، قد بدأت بشكلها ~~الجنيني في الديانة المصرية القديمة، من دون أن تصل بها إلى غايتها ~~وتضعها في إطار أيديولوجي متسق ومتكامل، فإن أول ما سنبدأ به في ~~فصلنا القادم هو تلمس بذور فكرة الشيطان والثنوية الكونية في مصر ~~القديمة. ~~(6-3) مراجع المادة المعلوماتية عن الهندوسية ~~(1) # R. C. Zaehner, Hinduism, Oxford ~~1984. ~~(2) # H. Zimmer, Myths and Symbols in Indian Art ~~and Civilization, Princeton 1974. ~~(3) # J. B. Noss, Man’s Religions, McMillan, ~~London. 1969, ch. 2. ~~(4) # ألبير شويتزر، فكر الهند، ترجمه عن الفرنسية يوسف شلب الشام، ~~دار طلاس 1994. ~~(6-4) مراجع الزرادشتية # انظرها في آخر الفصل المخصص للزرادشتية لاحقا. # الفصل الثالث # | فكرة الشيطان في الديانة المصرية وبذور ~~الثنوية الكونية # يسود الاعتقاد لدى الباحثين في الديانة المصرية القديمة بأن الإله سيت ~~هو أقدم الآلهة المصرية المعروفة لنا من الفترات التاريخية، فلقد كان هذا ~~الإله هو معبود الرئيسي للسكان الأصليين قبل استهلال عصر الأسرات الأولى عند ~~أعتاب الألف الثالث قبل الميلاد، وهو العصر الذي ترافق مع حلول أقوام جديدة ~~وفدت إلى مصر من سوريا حاملة معها معتقدات دينية جديدة، ومهدت لتشكيل أسس ~~أول مملكة موحدة لمصر القديمة، ولقد تسربت هذه الأقوام إلى منطقة الدلتا ~~في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، وأخذت تبسط سلطتها تدريجيا باتجاه مصر ~~العليا، مخضعة السكان ms053 الأصليين وصولا إلى شلال النيل الأول في أقصى ~~الجنوب، ويبدو أن هذا التوسع قد تم في البداية تحت قيادات قبلية ~~متفرقة، ثم انتهى بتشكيل مملكتين واحدة جنوبية في مصر السفلى وأخرى شمالية ~~في مصر العليا. ومع مطلع الألف الثالث قبل الميلاد قام ملك مصر العليا ~~المدعو نارمر (أو مينا، وفق المؤرخ المصري المتأخر مانيتو)، بتوحيد ~~الإقليمين وأسس أول أسرة حاكمة في التاريخ المصري. # وقد ترافق بسط السلطة السياسية للجماعات الجديدة مع نشر معتقداتها ~~الدينية، وراح إلههم الأعلى المدعو حوروس # 1 # ينافس إله السكان الأصليين المدعو سيت في كل مكان. وبذلك تم ~~التأسيس لثنائية سيت-حوروس التي استمرت فاعلة في الديانة المصرية حتى ~~نهايات التاريخ المصري. لا نستطيع رسم معالم واضحة لشخصية الإله سيت في طوره ~~القديم السابق لعصر السلالات قبل انتشار عبادة الإله حوروس، ولكن نصوص ~~الأهرام «وهي أقدم النصوص الدينية المصرية، وترجع بتاريخها إلى أواسط الألف ~~الثالث قبل الميلاد» تقدم لنا الصورة اللاحقة له بعد أن تم إنزاله إلى ~~المرتبة الثانية، فصار مجسدا لكل القوى السالبة في الكون وفي حياة ~~الطبيعة، في مقابل حوروس الذي صار مجسدا لكل القوى الموجبة، وتتجلى هذه ~~الصورة البدئية للسلب والإيجاب في ثنائية النور والظلام، والنظام والفوضى، ~~وما ينضوي تحتهما من ثنائيات. فالإله حوروس هو سيد السماء، والشمس التي تهب ~~الحياة وتعكس بحركتها الثابتة نظام الكون الدقيق، أما الإله سيت فهو العدو ~~الأول للشمس وللضوء بجميع أشكاله؛ فهو الذي يحرف مسار الشمس باتجاه الجنوب ~~عقب الانقلاب الصيفي، ويسرق من نور القرص فتقصر ساعات النهار لحساب ساعات ~~الليل، وهو الذي يسرق من نور القمر عقب اكتماله بدرا فيتناقص ليلة بعد ليلة ~~حتى ينطفئ في آخر الشهر القمري، ولكن الإله ثوث يعمل على إشعاله مجددا في ~~أول أيام الشهر التالي، وفي هيئة الوحش الخرافي آبيب، ينقض سيت على قرص ~~الشمس في نهاية رحلته الليلية عبر المسار السفلي، ليطفئه ويمنعه من الشروق ~~مجددا، مستخدما أسلحة الظلام والمطر والغيوم والضباب، ولكن حوروس «أو رع في ~~الأساطير اللاحقة» يتصدى له ms054 متسلحا بالحر اللاهب وبسهام الضوء النافذة، ~~وبعد صراع مرير يقع آبيب صريعا وتتبعثر أشلاؤه، ولكنه بعد إفلات الشمس من ~~قبضته إلى يوم آخر، يعود إلى جمع أعضائه بقواه الذاتية، ويجدد نفسه ~~استعدادا للصراع التالي. # والإله سيت هو سيد العماء والشواش الذي يعارض نظام الطبيعة ويعمل على ~~نشر الفوضى، ومملكته تقع في الجهة الشمالية من السماء، وهناك يقيم في كوكبة ~~الدب الأكبر. وكانت جهة الشمال عند المصريين، وخصوصا سكان مصر العليا، هي ~~إقليم الظلام والبرد والمطر والضباب والبروق والرعود، ومنه تأتي العواصف ~~والأعاصير، وجميع هذه الظواهر الطبيعية «التي لم تكن تتصل بالخصب نظرا ~~لاعتماد الزراعة في وادي النيل على الفيض السنوي للنهر» كانت تحت سيطرة الإله ~~سيت، وبها يهدد استقرار الطبيعة. ولكن الإلهة ريريت، التي تمثلها الرسوم ~~المصرية على هيئة خرتيت بذراعي امرأة، كانت موكلة بتقييد هذه القوى ~~الظلامية بالسلاسل ومنعها من السيادة على الأرض والسماء، كما كانت تفسح ~~طريقا في الأعالي لمسار الشمس التي قرنتها النصوص المبكرة بالإله حوروس. ~~وإلى جانب ريريت هنالك أولاد حوروس الأربعة الموكلون أيضا بكف أذى سيت ~~ولجم قواه المؤذية، وهم يرافقونه على الدوام ويظهرون على شكل أربعة نجوم تبدو ~~خلف نجم الزاوية في كوكبه الدب الأكبر، وهو النجم المدعو بركبة الإله ~~سيت. # لا يوجد اتفاق بين الباحثين حول المعنى الدقيق للاسم سيت ولكن البعض ~~يرى - اعتمادا على المقارنة مع اللغة ~~القبطية - أن الكلمة تتضمن معنى الأسفل، مثلما تتضمن كلمة حوروس معنى ~~الأعالي، فحوروس هو ساكن الأعالي وسيت هو ساكن الأسافل. كما تساعدنا الإشارة ~~التي تسبق كلمة سيت في الكتابة الهيروغليفية، # 2 # على تبين خصائص وصلاحيات أخرى للإله، فالإشارة هنا هي نفس ~~الإشارة التي تكتب بها كلمة الصخرة، وفي هذا دلالة غير مباشرة على ارتباط ~~سيت بالأراضي الصخرية الجرداء وبالصحاري القاحلة وبالبوار والجفاف. وهنا ~~يخبرنا المؤرخ المصري مانيتو بأن أية حمولة حجرية كانت تدعى عظام الإله ~~سيت. ورغم أن النصوص المصرية تطلق على سيت لقب القدير والمزدوج القوة ~~والمحارب الجليل، إلا أن المؤرخ الإغريقي بلوتارخ يخبرنا ms055 في نصه المعروف ~~عن إيزيس وأوزوريس أن الأسماء التي يطلقها المصريون على هذا الإله تنطوي ~~جميعها على معاني القوة السالبة والمعطلة والكابحة والمخربة. # فنحن هنا أمام قطبية كونية لا تحمل أية دلالة قيمية. لقد تأمل ~~المصريون الكون وحياة الطبيعة من حولهم، ورأوا فيها قوتين ساريتين متعارضتين ~~ومتعاونتين في الوقت نفسه، ورأوا في الظواهر جميعها نتاجا لتداخل هاتين ~~القوتين وفعلهما المشترك. من هنا لا عجب إذا رأينا أن الأعمال الفنية في ~~مطلع عصر الأسرات تمثل الإلهين سيت وحوروس في جسد واحد يحمل رأسين: واحدا ~~لحوروس وواحدا لسيت، أو واحدا لصقر وهو رمز حوروس وواحدا لحمار وهو رمز ~~الإله سيت. ولا عجب أيضا إذا قرأنا في نصوص الأهرام أنهما يدعيان ~~بالأخوين وبالتوءمين أيضا، رغم العداء الأبدي بينهما والصراع الدائم الذي لا ~~يصل إلى نتيجة حاسمة، مثلما لا يصل التناقض بين القوتين الكونيتين إلى إلغاء ~~واحدة وسيادة الأخرى ، لأنه لا غنى عن صراعهما وعن تعاونهما من أجل صيرورة ~~العمليات الجارية على مستوى الكون ومستوى الحياة الطبيعانية. # وبما أن سيادة إحدى القوتين الكونيتين على الأخرى سوف يؤدي إلى ~~اختلال نظام الكون، فإن الآلهة كانت تتدخل في صراع سيت وحوروس كلما علا ~~أحدهما على خصمه وأوشك أن يجهز عليه، ففي أكثر من نص نجد أن الإله ثوث ~~يهب للفصل بين الخصمين عند وقوع أحدهما تحت وطأة الآخر، وهذا ما أعطاه لقب ~~قاضي الإلهين المتخاصمين، وفي نصوص أخرى نجد الإلهة إيزيس تهرع لنجدة سيت ~~الذي كبله حوروس بالأصفاد وهم بالإجهاز عليه، فتفك قيوده وتطلق سراحه. ~~كما أن الرسوم الجدارية المصرية ورسوم البرديات ملأى بمشاهد الصراع ~~ومشاهد تدخل الآلهة الأخرى للفصل بين الخصمين أو لعون الخاسر فيهما، وإلى ~~جانب تمثيلها لجانب التناقض في علاقة الإلهين التوءمين، فإن الرسوم ~~والمنحوتات المصرية تعمد إلى إظهار الوجه التحتي الآخر للعلاقة وهو وجه ~~التعاون. ففي نحت بارز من مدينة طيبة نجد سيت وحوروس يقفان عن يمين ويسار ~~الفرعون سيتي الأول ويصبان على رأسه قربان ماء الحياة، وفي عمل فني آخر ~~نجدهما ms056 يضعان معا تاج المملكة الموحدة على رأس الفرعون رمسيس الثاني، وتحت ~~الشكل نقش هيروغليفي يقول على لسان سيت: «إني أثبت التاج على رأسك ... وإني ~~أهبك الحياة والقوة والصحة ...» ونقش آخر يقول على لسان حوروس: «إني أهبك ~~حياة تعادل حياة الإله رع، وسنوات بعدد سنوات الإله طيم»، وفي عمل فني ثالث ~~نجد الإلهين بصحبة الفرعون تحوتمس الثالث، وكل منهما يعلمه كيفية استخدام أحد ~~الأسلحة. # اختص الإله حوروس في الأعمال الفنية برمز حيواني واحد هو الصقر، بينما ~~تعددت رموز الإله سيت، فمن رموز سيت الحمار، ومنها الأفعى التي تشير إلى ~~سيت في شكل الوحش الكوني آبيب، ومنها الخنزير البري، والعديد من المفترسات ~~المائية مثل التمساح. كما ساد الاعتقاد لدى المصريين بأن قوة الإله المدمرة ~~تحل في بعض الحيوانات الشرسة مثل الكلاب والقطط البرية والنمور وما إليها، ~~وجرت العادة على تقديم القرابين من هذه الحيوانات، وذلك في الأوقات التي تبلغ ~~فيها قوة الإله سيت ذروتها، مثل نهاية الشهر القمري عندما يكون الإله قد ~~ابتلع نور القمر بأكمله، ومثل الانقلاب الشتوي عندما يكون قد ابتلع ما استطاع ~~من نور الشمس وقصر الأيام المضيئة لصالح الليالي المظلمة. في مثل هذه ~~المناسبات، وعند ذبح الحيوانات الممثلة لقوى سيت يخاطبها القائمون على الطقس ~~بقولهم: سوف نعمل على تقطيعكم وتمزيق أعضائكم. بهذه الطريقة انتصر الإله رع ~~على أعدائه جميعهم، بهذه الطريقة انتصر حيرو (= حوروس) الإله العظيم وسيد ~~السماء على أعدائه جميعهم. # حتى الآن، لا يبدو لنا أن ثنائية سيت-حوروس قد اتخذت مضمونا ~~ثنويا، سواء بالمعنى الجذري أم بالمعنى الأخلاقي. ولم يضع الإله سيت بعد ~~قناع الشيطان الكوني كمجسد لمبدأ الشر، بل هو القوة الكونية السالبة ~~معبرا عنها بلغة الرمز الأسطوري، وليس ما يعزى إليه من سلوك «شرير» إلا ~~ضرورة من ضرورات التعبير الميثولوجي، الذي يترجم حركة الظواهر الكونية ~~والطبيعانية إلى إرادات ما ورائية فاعلة في العالم المتبدي. فإذا ما جاز لنا ~~التحدث عن «شر» متعلق بهذه الشخصية الإلهية الكبرى، فإنه «الشر» ~~الطبيعاني المقابل «للخير» الطبيعاني، وكلاهما مجرد من ms057 أية قيمة أخلاقية، ~~ويتبع ذلك بالطبع انعدام الصلة بين «خير» و«شر» الإلهين، وبين مسألة الخير ~~والشر على المستوى الاجتماعي. الإله سيت «شرير» ولكنه ليس مبدأ مجردا ~~للشر، وليس صانعا له في التاريخ وفي النفس الإنسانية والمجتمع، والإله حوروس ~~«خير» ولكنه لا يدخل في التاريخ ولا يحض على فضائل الأعمال أو يستن شرعة ~~أخلاقية. فالأخلاق الاجتماعية عند هذه المرحلة من تطور الفكر الديني لدى ~~المجتمعات القديمة، لم تكن (كما أسلفنا سابقا) شأنا دينيا ناجما عن ~~جدلية العلاقة مع عالم الآلهة، بل شأنا دنيويا ناجما عن جدلية الحياة ~~الاجتماعية ومتطلباتها. كما يترتب على غياب الصلة بين الأخلاق والدين فقدان ~~الصلة بين الآخروية # 3 # والأخلاق، وخصوصا التصورات الآخروية المتعلقة بمصير الروح ~~وحياة ما بعد الموت. فعند هذه المرحلة، لم يكن الخلود الفردي إلا وقفا على ~~الفرعون الذي هو ابن الإله حوروس وممثله على الأرض، كما أن خلود الفرعون ~~نفسه لم يكن رهنا بسلوكه الأخلاقي، بل بسلسلة معقدة من الطقوس والصلوات ~~والتعاويذ السحرية، وبإعداد مقبرة باهظة التكاليف لمرقده الأخير. # على أن هذه القطبية الطبيعانية قد تحولت تدريجيا إلى نوع من ~~الثنوية الأخلاقية، وأخذت فكرة الشيطان الكوني تتضح بشكلها الجنيني مع ارتباط ~~الأخلاق بالدين، وارتباط الآخروية بالأخلاق. ولسوف نتتبع فيما يأتي مسار هذا ~~التحول في تاريخ الديانة المصرية، وبواعثه السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية. # خلال النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد، كانت الحضارة المصرية ~~تنسلخ عن العصر النيوليتي وتدخل العصر المديني، # 4 # مقتفية بذلك أثر حضارة وادي الرافدين الجنوبي، وهي أول حضارة ~~مدينية في تاريخ الإنسان. فخلال هذه الفترة أخذت القرى النيوليتية التي لم ~~تكن تخضع لسلطة مركزية، بالتجمع في وحدات سياسية أكبر، وذلك من أجل تعزيز ~~وسائل الدفاع، والإدارة الأفضل لأمور الزراعة والري والأمن، وكان لكل وحدة من ~~هذه الوحدات ما يشبه العاصمة، كما كان لها حاكمها القبلي وإلهها المحلي، ثم ~~التقت هذه الوحدات السياسية في وحدات أكبر وكونت الأقاليم المصرية الرئيسية ~~المعروفة لنا من الفترات التاريخية، وعددها اثنان وأربعون إقليما، وأخيرا ~~أدت المركزية المتنامية ms058 إلى تكوين مملكتين مستقلتين واحدة في الجنوب وهي ~~مملكة مصر العليا وأخرى في الشمال وهي مملكة مصر السفلى. # حوالي عام 3100ق.م. قام ملك مصر العليا المدعو نارمر بضم مصر السفلى بقوة ~~السلاح، مؤسسا بذلك لأول مملكة كبرى موحدة في تاريخ وادي النيل وفي تاريخ ~~البشرية طرا. فلقد سبقت مملكة مصر الموحدة مملكة وادي الرافدين الموحدة ~~بحوالي ثمانية قرون، وكانت بمثابة النموذج الأسبق والأول لكل الممالك الكبرى ~~اللاحقة. نقل نارمر عاصمته من مدينة زيس بمصر العليا إلى مدينة ممفيس بمصر ~~السفلى، التي تقع إلى الجنوب من موقع القاهرة الحالي بحوالي مائة كيلومتر، ~~ومن هناك عمل هو وخلفاؤه من ملوك الأسرة الأولى على تكوين ملامح البنية ~~السياسية الجديدة لوادي النيل، وهي البنية التي احتوت وطورت البنى القبلية ~~السابقة، وصهرتها تدريجيا في مجتمع مدني موحد. يدعو المؤرخون هذه الفترة ~~التأسيسية بعصر الأسرات الأولى، وقد امتد هذا العصر من عام 3100 إلى حوالي ~~عام 2700ق.م. وحكمت خلاله أسرتان من الملوك حكما استبداديا مطلقا، يقوم ~~على مفهوم الحق الإلهي، فقد كان الملك تجسيدا للإله الأعلى حوروس وتجليا ~~بشريا للصقر السماوي، وكان الملك يدعى أيضا بالاسم حوروس خلال حياته، ثم ~~يسلم الاسم لولي عهده عند مماته. # كانت الكتابة الهيروغليفية في مرحلة تجاربها الأولى خلال هذا العصر، ونحن ~~لا نملك نصوصا كافية تساعدنا على رسم صورة واضحة للحياة والمعتقدات الدينية ~~من تلك الفترة، ولذا فإننا مضطرون إلى الاعتماد على النصوص اللاحقة التي ~~تحتوي في بعضها على إشارات واضحة إلى المعتقدات والطقوس السالفة، وإلى ~~الاعتماد على مكتشفات علم الآثار في المدافن العائدة لملوك ذلك العصر ونبلائه ~~وعامته. ولعل أول ما يواجهنا في بحثنا هذا، هو سيادة معتقد ديني عميق التأثير ~~في المجتمع المصري منذ عصر ما قبل الأسرات، يتعلق بحياة ما بعد الموت ~~وبأن تلك الحياة تشبه إلى حد بعيد الحياة الأولى. فلقد احتوت قبور ~~المصريين في المستويات الآثارية العائدة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، سواء ~~في الجنوب أو في الشمال، على هدايا جنائزية تتضمن أدوات ووسائل زينة ms059 وطعام، ~~وما إليها. # كانت مقابر عصر ما قبل الأسرات تقع بعيدا عن المناطق السكنية، وكان ~~المدفن الواحد عبارة عن حفرة بيضاوية الشكل بعمق بضعة أقدام، يوضع فيها الميت ~~في وضعية الانطواء بحيث يتجه رأسه نحو الغرب، وهي الجهة التي كان المصريون في ~~العصور التاريخية اللاحقة يعتقدون بأنها مقر عالم الأرواح. وفوق القبر ~~ترتفع تلة صغيرة من التراب أو الحجارة، وقد احتوت هذه المدافن إلى جانب ~~الهدايا الجنائزية المؤلفة من أدوات العمل وأوعية الطعام ووسائل الزينة وما ~~إليها، على تمائم سحرية على شكل حيوانات، من بينها التمساح والغزال والخرتيت ~~والصقر، كما احتوت على دمى طينية لأشكال أنثوية تمثل - على الأغلب - ~~الإلهة الأم للعصر الحجري الحديث، وقد تم تمثيل هذه الإلهة أيضا بطريقة الحز ~~على الأوعية الفخارية، حيث تبدو في هيئة امرأة لها قرون البقر ومعها ابنها ~~وحبيبها الذي صار فيما بعد إلها للخصب. كما قدمت لنا أوعية فخارية أخرى ~~مشاهد تمثل طقس الزواج المقدس بين هذين الإلهين، ومشاهد راقصة كانت على ما ~~يبدو جزءا من هذا الطقس المتجذر في منطقة الشرق القديم، والذي أعطتنا عنه ~~اللقى الأثرية في وادي الرافدين الجنوبي أمثلة مشابهة. ومن الملفت للنظر ~~وجود بعض المدافن الواسعة مخصصة لدفن نساء من ذوات المكانة الاجتماعية ~~المميزة، تحتوي على هدايا جنائزية متميزة سواء من حيث النوع أم من حيث الكم، ~~الأمر الذي يدل على المكانة العالية للمرأة في ذلك العصر، وتضلعها بمهام ~~كهنوتية ذات صلة بعبادة الأم الكبرى. # خلال الفترة الانتقالية التي قادت إلى تكوين حضارة المدن في وادي النيل ~~والتي ترافقت مع دخول جماعات آسيوية سيطرت على منطقة الدلتا ومنها على كامل ~~مصر السفلى فالعليا، حصلت تغييرات عميقة في المعتقدات الدينية وفي بانثيون ~~الآلهة، فقد تربع حوروس إله الشرائح الآسيوية الحاكمة على قمة البانثيون، ~~يليه الإله سيت المعبود القديم للسكان الأصليين، والذي نرجح أنه هو نفسه ~~الإله الابن الذي ظهر إلى جانب الأم المصرية الكبرى للعصر النيوليتي. ومرة ~~أخرى فإن المدافن هي التي تعطينا الصورة العامة عن معتقدات وطقوس ms060 عصر ~~السلالات الأولى، فيما بينا 3100 و2700ق.م. # خلال عصر السلالات الأولى نستطيع تمييز طريقتين في الدفن: الطريقة الأولى ~~وهي المتبعة من قبل السكان الأصليين، وتظهر استمرارية لعادات الدفن القديمة ~~التي كانت سائدة في عصر ما قبل الأسرات مع بعض التعديلات الطفيفة، أما ~~الطريقة الثانية فهي التي اتبعها - على ما يبدو - القادمون الجدد، والتي أخذت ~~الشرائح العليا من السكان الأصليين بتبنيها تدريجيا خصوصا في المناطق ~~الحضرية والمدن الكبرى. فلقد تحول المدفن من حفرة صغيرة يعلوها مرتفع ضئيل ~~من التراب أو الحجارة، إلى بناء مصمم على طريقة بيوت الأحياء، ويحتوي على ~~عدد من الغرف أو الأجنحة، وذلك تبعا لمكانة صاحب المدفن، وبما أن هذا ~~النوع من المدافن كان يرتفع في جزئه الأعلى قليلا عن سطح الأرض، فقد أطلق ~~عليه علماء الآثار اسم المصطبة، وهي التسمية العربية المتداولة لأية بنية ~~ترتفع قليلا عن الأرض، وقد ميز الآثاريون ثلاثة أنواع من هذه المدافن ~~المصطبية: الأول خاص بالأسرة المالكة، والثاني بالحاشية والنبلاء، والثالث ~~بعامة الناس. # خلال حكم الأسرة الأولى، كانت المدافن الملكية عبارة عن بنية محفورة في ~~الأرض الصخرية الصحراوية، ومقسمة من الداخل إلى عدد من الغرف بواسطة جدران من ~~الآجر، أكبر هذه الغرف مخصص لجثمان صاحب المدفن، أما بقية الغرف فللهدايا ~~الجنائزية المرافقة له، وفوق هذه البنية ترتفع بنية أخرى على شكل مصطبة ~~مستطيلة تشبه بيوت تلك الفترة، ومزينة من الخارج بديكورات مماثلة لما كان ~~للقصور، ويحيط بالبناء سور، وقد يوضع في غرفة خاصة، قرب السور، قارب خشبي ~~ينتظر الميت لكي ينقله في رحلته إلى العالم الآخر. خلال حكم الأسرة الثانية ~~جرى توسيع وتطوير المقابر المصطبية لتغدو أشبه بالقصر الملكي الحقيقي، فهناك ~~قاعة استقبال، وغرف للضيوف وغرفة للمعيشة، وجناح للحريم، وحمامات ومراحيض، ~~إضافة إلى غرفة النوم الرئيسية حيث يضطجع سيد القصر الملك المتوفى. # وتتسع بعض هذه المقابر الملكية لتستوعب خارج حدود السور عددا من المقابر ~~التي تنتظم على طول أضلع المصطبة الأربعة، وتحتوي على جثث لرجال ونساء من ~~حاشية الملك، وخدمه، وحرفييه الذين اصطحبوا ms061 معهم أدوات عملهم. وبما أن ~~الدلائل الأثرية تشير إلى تزامن دفن هؤلاء الأتباع مع دفن صاحب المقبرة ~~الرئيسية، فإن النتيجة التي يمكن استخلاصها هي أن الملك قد اصطحبهم معه ~~إلى العالم الآخر، لكي يتابعوا خدمته هناك مثلما كانوا يفعلون في الحياة ~~الدنيا، ويبدو أن هؤلاء قد تناولوا السم قبل دفنهم ثم نقلوا بعدها إلى ~~الأماكن المعدة لهم، وقد بلغ عدد الضحايا التي رافقت الملك زر، من الأسرة ~~الأولى، رقما يزيد على الخمسمائة بين رجال ونساء، ولكن مع نهاية حكم الأسرة ~~الأولى يبدأ طقس دفن الأتباع بالاضمحلال تدريجيا إلى أن يختفي تماما مع ~~نهاية حكم الأسرة الثانية وبداية ما يدعى بعصر المملكة القديمة. # تنسج مقابر على منوال المقابر الملكية من حيث التصميم العام، ولكنها ~~كانت أصغر منها وأكثر تواضعا، أما مقابر العامة قد توسعت وتحولت من ~~مجرد حفرة إلى غرفة صغيرة يوضع فيها المتوفى داخل تابوت خشبي، وتلبس ~~جدرانها الداخلية بالآجر، بينما تتوزع الهدايا الجنائزية على أرضية الغرفة، ~~وبقيت مقابر فقراء العامة على ما كانت عليه في العصور السابقة. # تكشف عادات وطقوس الدفن هذه عن اعتقاد المصريين بأن القوة الحيوية في ~~الجسد الإنساني تستمر بعد الموت، وتبقى على صلة بالجسد وبالعالم الأرضي ~~بطريقة ما. من هنا جاء اهتمامهم بجعل القبر أقرب ما يكون إلى بيت تسكنه الروح ~~أو تعود إليه من وقت لآخر للتزود بالطعام، أو استخدام الأدوات وما إليها من ~~الهدايا الجنائزية المودوعة فيه، والتي كانت تتفاوت في نوعيتها وكميتها حسب ~~الوضع الاجتماعي للمتوفى. وبما أن هذه الهدايا الجنائزية كانت عرضة للنفاد، ~~وخصوصا الطعام والشراب، فقد كان أهل المتوفى يعودونه على فترات منتظمة لوضع ~~مزيد منها عند مدخل القبر، أو يدخلونها من فتحة خاصة معدة لهذا الغرض، وإضافة ~~إلى ذلك كله فقد تم اللجوء إلى وسائل سحرية من شأنها تعويض ما ينفد من طعام ~~وشراب دون حاجة إلى مدد خارجي، ومن هذه الوسائل كتابة قائمة سحرية بأسماء ~~الأطعمة على نصب حجري صغير، من شأنها تحويل الأطعمة المذكورة إلى غذاء حقيقي ms062 ~~يمد صاحب القبر باحتياجاته، أو رسم صور بعض الماشية التي كان المصريون ~~يعتمدون عليها في غذائهم. # ولكي تتعرف الروح على بيتها في كل مرة وتستخدم محتوياته، كان لا بد من ~~الحفاظ على الشكل الخارجي لجثمان صاحب المقبرة، بطريقة تجعله أقرب ما يكون ~~إلى شكله في الحياة الأولى، وهذا ما دفع المصريين منذ مطلع عصر الأسرات إلى ~~إجراء التجارب الأولى في هذا المجال. لقد كانت العوامل الطبيعية كفيلة في ~~الماضي بحفظ جثث الموتى الذين كانوا قبل عصر الأسرات يدفنون في حفر ترابية ~~سطحية، لأن الجو الجاف وندرة المطر والتربة الرملية كانت تعمل على التجفيف ~~السريع للأنسجة العضوية ومنعها من التحلل، بحيث إن بعض جثث ذلك الزمن ~~كانت عند اكتشافها في العصر الحديث تحتفظ بجزء لا بأس به من الشعر والجلد ~~الملتصق على الهيكل العظمي، غير أن الانتقال إلى بناء المقابر المصطبية ولجوء ~~العامة إلى تلبيس جدران قبورهم بالآجر ، قد أدى إلى عزل الجثة عن الرمل ~~الحار الذي كان يمتص رطوبة الأنسجة، وبالتالي إلى تفسخها السريع، وهذا ما دفع ~~إلى التفكير بوسائل اصطناعية تحافظ على ما يشبه الشكل الحي لصاحب ~~القبر. # كانت أولى تقنيات التحنيط تهدف إلى الحفاظ على الشكل الخارجي للجثة قبل ~~تحللها، وذلك بلفها بطبقات من قماش الكتان الناعم المشبع بمحلول قابل ~~للتصلب بعد الجفاف، فكان القماش المبلل يلصق بإحكام فوق الجمجمة والوجه ~~وبقية الأعضاء، حتى إذا جف منه المحلول صارت الجثة إلى ما يشبه التمثال ~~الجصي، ولإضافة لمسة من الحيوية على الشكل، يجري بعد ذلك تلوين الشعر وملامح ~~الوجه، وتحديد الخطوط الخارجية للأعضاء، وبذلك يتم إنتاج نسخة خارجية مماثلة ~~للجثة الآيلة إلى التفسخ تحت هذه القشرة الخارجية، ونظرا للوقت الذي تستغرقه ~~هذه العملية وارتفاع تكاليفها، فقد كان استخدامها وقفا على مدافن الأسرة ~~المالكة وكبار النبلاء، والتي احتوت في بعض الأحيان على تمثال خشبي كامل ~~للمتوفى، لتحل محل الصورة المحفوظة بالطريقة السابقة إذا تعرضت للفناء ~~بطريقة ما. أما التحنيط الحقيقي للجثة فلم تكتمل تقنياته إلا نحو نهايات ~~المملكة القديمة في ms063 أواخر الألف الثالث قبل الميلاد. # على أن الاعتقاد بحياة ما وراء القبر عند المصريين، في هذه الفترة ~~المبكرة، لم يكن يعني أن جميع أرواح الناس سوف تخلد خلود الآلهة في عالم ~~نوراني سماوي، أو في جنة لا ألم فيها ولا مرض ولا شقاء، لأن مثل هذا الخلود ~~كان وقفا على الفرعون وحده، باعتباره إلها وإنسانا في آن معا، وعلى من ~~يختاره الفرعون بنفسه لكي يخصه بخلود مماثل لخلوده، أما بقية شرائح الشعب ~~فإن حياة ما بعد الموت بالنسبة إليها لم تكن إلا استمرارا شبحيا ~~للحياة الأرضية، يغنيها أو يفقرها مراعاة طقوس الدفن وعناية أهل الميت ~~بروحه بعد الموت، وهذا ما نستدل عليه من مدافن الحقبة التالية ووثائقها ~~الأثرية والكتابية، وهي حقبة المملكة القديمة التي امتدت من حوالي عام 2700 ~~إلى حوالي عام 2200ق.م. وكانت بمثابة ذروة الحضارة المصرية والعصر الذهبي ~~لها. # حققت المملكة القديمة منجزات في التكنولوجيا والعمارة والفنون لم يتم ~~تجاوزها أو حتى مماثلتها في الفترات اللاحقة، كما تم خلالها تكوين عدد من ~~المفاهيم والمعتقدات الدينية التي بقيت مؤثرة حتى نهاية التاريخ المصري. ~~يتجلى التقدم التكنولوجي، والمفهوم المعماري والأستاتيكي، في أوضح تعبير ~~لهما، بأهرامات الجيزة التي بناها فراعنة الأسرة الرابعة (2600-2500ق.م.)، ~~فلقد أتاحت السلطة المطلقة للملوك تسخيرهم لموارد البلاد وعمالتها الفنية ~~واليدوية من أجل تشييد مقابر لهم، على شكل صروح جبارة ما زالت باقية إلى يوم ~~الناس هذ، وهذه الصروح لم تكن نتاج نزوات فردية بقدر ما كانت نتاجا ~~لأيديولوجيا دينية سائدة في المجتمع، وراسخة في نفوس وعقول كل الشرائح ~~الاجتماعية. فلقد قام المجتمع المصري على مفهوم الملوكية، وكان الملك بمثابة ~~رمز الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية بكل فعالياتها. فهو ابن للإله ~~حوروس «أو رع بعد ذلك» من أم ملكية هي الزوجة الرئيسية للملك، حملت به من ~~أشعة الشمس العلوية لا من زوجها الشرعي، ونظرا لوضعه المتميز والاستثنائي ~~هذا، فقد كان متفردا ومستقلا عن بقية أفراد البشر، وفي موقع يسمح له ~~بالتوسط بين السماء والأرض وبين الله والناس، لقد كان ms064 النقطة التي يتصل ~~عندها الإلهي بالبشري، وكانت حياته ومماته أيضا بمثابة المحور الذي تدور ~~حوله حياة الجماعة بأكملها، كما كانت موارد المجتمع الاقتصادية وإمكاناته ~~التكنولوجية والفنية موجهة نحو تأمين حياة الملوك على هذه الأرض وضمان رحلتهم ~~الآمنة إلى العالم الآخر. من هنا يعتقد العديد من مؤرخي الحضارة المصرية ~~بأن بناء الأهرام وبقية الصروح الدينية الضخمة، قد تم بدوافع طوعية من ~~قبل المواطنين، وأن الفرعون كان يجزيهم لقاء عملهم أجورا عادلة خلال ~~مواسم العطالة التي كانوا خلالها ينتظرون انحسار فيض النيل عن الأراضي ~~الزراعية. # وفيما يتعلق بالمعتقدات الدينية للمملكة القديمة، فقد حل الإله رع ~~تدريجيا محل الإله حوروس، وصار رئيسا للبانثيون المصري وأبا للآلهة ~~جميعا. ووفق لاهوت كهنة هيليوبوليس (= أون)، المدينة التي كانت مركز ~~الحياة الدينية خلال عصر المملكة القديمة، كان رع أول من ظهر من لجة المياه ~~الأزلية بقواه الذاتية، خالقا نفسه بنفسه، وبعد أن أوجد لنفسه مكانا يقف ~~عليه فوق الماء، قام بتبديد الظلمة والعماء بالنور الذي صدر عنه، ثم أنجب رع ~~شو إله الهواء، وتفنوت إلهة الرطوبة، ومن زواج شو وتفنوت ولدت السماء نوت ~~والأرض جيب، ومن زواج السماء والأرض ولد أربعة آلهة هما أوزوريس وسيت وإيزيس ~~ونفتيس، فتزوج أوزوريس من إيزيس وسيت من نفتيس، ومن بين جميع آلهة المصريين ~~ممن كان كهنة هذه الفترة يعملون على تقصي منشئهم ورسم سير حياتهم، ~~والتوفيق بينهم عن طريق جمعهم في ثواليث وتاسوعات، فقد كان لهذه الآلهة ~~الأربعة، إضافة إلى حوروس الذي صار الآن ابنا لإيزيس وأوزوريس، أن تلعب ~~الدور الأهم في الحياة الروحية المصرية منذ نهايات المملكة القديمة إلى آخر ~~تاريخ مصر القديمة. ورغم أن الإله رع كان بمثابة تجسيد لفكرة الله عند ~~المصريين، إلا أنه كان يتجلى في العالم المادي على هيئة قرص الشمس، ~~فيقطع السماء من مشرقها إلى مغربها ثم يسير ليلا في العالم الأسفل ليشرق ~~ثانية في اليوم التالي. هذا الانبعاث اليومي للشمس هو النموذج الذي يحتذيه ~~الملك عندما يرتقي السماء على أشعة الشمس من قمة الهرم ms065 صاعدا إلى أبيه ~~السماوي، هناك يستقبله حشد الآلهة ويقودونه عند المشرق إلى مركبة رع. # على أن هذا المجتمع المستقر الذي أسسه فراعنة الأسرات الأولى، وأكمل ~~بناءه الفراعنة الأوائل لعصر المملكة القديمة، قد أخذ بالتضعضع منذ نهايات ~~حكم الأسرة الرابعة. فلقد ازدادت سلطة كهنة رع على حساب سلطة الملك وأمراء ~~الأسرة الحاكمة، ولدينا من الدلائل ما يشير إلى أن هؤلاء الكهنة صاروا ~~يتدخلون في مسألة على جانب كبير من الأهمية والحساسية بالنسبة لنظام ~~المملكة القديمة، وهي مسألة ولاية العهد ووراثة العرش، وأن العديد من ملوك ~~الأسرة الخامسة كانوا يدينون للكهنة بهذه الوراثة. كما ساعد على تقليص سلطة ~~الملك المطلقة تزايد ثروة البلاد على حساب ثروة الملك، التي كانت تتآكل ~~تدريجيا نتيجة للنفقات الهائلة التي تطلبها بناء الأهرامات والمعابد ~~الضخمة، فلقد كان كل ملك مهتم ببناء هرم جديد له من جهة، وملزم من جهة أخرى ~~بتجديد وصيانة أهرامات أسلافه، إضافة إلى واجباته التقليدية الموروثة التي ~~تلزمه بتقديم هبات للأمراء وكبار النبلاء والأتباع المقربين، تعينهم على ~~بناء وتجهيز مدافنهم الخاصة التي تضمن لهم الخلود الذي وعدهم به الفرعون، كما ~~ساهم في تآكل ثروة القصر الملكي سياسة المنح والإقطاع التي اتبعها الملوك ~~الأوائل من أجل ضمان ولاء حكام المقاطعات. # وقد نجم عن ذلك كله تحول السلطة تدريجيا نحو اللامركزية، واستقلال ~~الأقاليم البعيدة عن العاصمة ودخول حكامها في منازعات دائمة، وكان من أهم ~~نتائج تراخي قبضة السلطة المركزية عن هذه المساحات الواسعة من المملكة انهيار ~~نظام الري وتراجع غلة المواسم الزراعية وانتشار المجاعة، وكذلك انعدام الأمن ~~وغياب سلطة القانون، وهذا ما قاد بدوره إلى تعطيل طرق التجارة المحلية ~~والدولية، ومع نهاية حكم الأسرة السادسة، أخذت القبائل الرعوية تهاجم مصر من ~~حدودها الشمالية الشرقية قادمة من بوادي بلاد الشام، فكانت القشة التي قصمت ~~ظهر البعير، حيث انهارت المملكة القديمة ودخلت البلاد في الفترة التي يدعوها ~~المؤرخون بالفترة الانتقالية أو المعترضة الأولى، التي استمرت من حوالي 2200 ~~إلى حوالي 2040ق.م. بعد ذلك أفلح أول فراعنة الأسرة الثانية ms066 عشرة في إعادة ~~توحيد البلاد وفرض سلطته على جميع الأراضي المصرية مبتدئا بذلك فترة المملكة ~~المتوسطة التي دامت حتى غزو الهكسوس عام 1750ق.م. # أحدثت الفترة المعترضة الأولى تغييرات عميقة في المعتقدات الدينية ~~للمصريين، فلقد كان من نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي للأسرة الملكية وزوال ~~هيبتها السياسية أن الملوك فقدوا هالة الألوهية التي كانت تحيط بهم وتجعل ~~منهم صنفا من البشر-الآلهة، وأخذ الناس ينظرون إلى الملك كمجرد حاكم بين ~~حكام الأقاليم، ساعد على ذلك اضطرار بعض الملوك إلى اتخاذ زوجات لهم من ~~خارج نطاق الأسرة المالكة، ومصاهرة النبلاء من ذوي الثروة الكبيرة من أجل دعم ~~الوضع المالي المتردي للقصر الملكي، ومع اهتزاز صورة الملك كممثل للإله ~~الأعلى ونقطة اتصال السماء بالأرض، حصل اهتزاز شامل في القيم الدينية ~~التقليدية ووضعت موضع الشك والتساؤل. فمنذ نهايات حكم الأسرة السادسة، ~~عندما ترسخت اللامركزية السياسية وأخذ حكام الأقاليم بالاستقلال وبناء ~~قصورهم الخاصة وتنمية ثرواتهم المحلية، لم يعد الفرعون مصدر قوتهم وجاههم ~~وتمكينهم في مناصبهم، ولم يعد بالتالي شفيعهم من أجل الخلود في عالم الآلهة، ~~وبعد أن كانوا يبنون مدافنهم قرب مدفن الفرعون بمعونة من القصر الملكي، راحوا ~~الآن يبنون صروح دفن لهم في مناطقهم فاقت مع الأيام مدافن الملوك، ويسعون ~~لتحصيل الخلود، دون شفاعة الفرعون ووساطته، ولم يمض وقت طويل حتى أخذت كل ~~شرائح الشعب تتطلع إلى الخلود، وإلى حياة سعيدة بصحبة الآلهة في عالم ~~نوراني بعيد عن ألم وشقاء الحياة الأرضية، وبذلك ولدت فكرة الجنة السماوية ~~المعدة للصالحين جميعهم بصرف النظر عن منشئهم الطبقي، وساد ما يمكن تسميته ~~بديمقراطية الخلود، فمنذ هذه الفترة الحالكة من تاريخ الثقافة المصرية، صار ~~الإله الصاعد أوزوريس هو الشفيع الوحيد للموتى، وهو الذي يمسك بمفاتيح ~~العبور إلى العالم الآخر، وصارت عبادته والإخلاص له، إضافة إلى طقوس الدفن ~~الصحيحة واستخدام الصيغ السحرية القديمة، بمثابة بوابة الخلود. ومنذ هذه ~~الفترة أيضا تم ربط الأخلاق بالدين، فإذا كان الفرعون يلتحق بعالم الآلهة ~~بعد موته بسبب نسبه الإلهي، وإذا كان بقية النبلاء والأمراء يلتحقون ms067 به ~~جراء شفاعته ووساطته، فإن بقية شرائح الشعب صارت تأمل الآن بالخلود عن طريق ~~إيمانها بإله مخلص وإتيانها لصالح الأعمال في الحياة الدنيا، لقد كان ~~أوزوريس إلها أخلاقيا يحض على الفضائل ويجزي بها ويكره الرذائل ويعاقب ~~عليها. ومع ارتباط الأخلاق بالدين تحولت القطبية الكونية القديمة إلى ثنوية ~~أخلاقية وخضعت ميثولوجيا سيت-حوروس إلى تعديل جوهري من أجل ملاءمتها مع ~~العقيدة الشعبية الجديدة. # لم يكن أوزوريس بالإله الجديد على البانثيون المصري، فلدينا من الدلائل ~~ما يشير إلى كونه إلها للخصب منذ مطلع التاريخ المصري المكتوب، وكما هو حال ~~آلهة الخصب الشرق أوسطية جميعا، فقد كان أوزوريس إلها مات وبعث من الموت ~~في الأزمنة الميثولوجية الأولى، مؤسسا بذلك لدورة الطبيعة السنوية ولموت ~~وبعث الحياة النباتية، ولذا فقد كان المزارعون يحتفلون سنويا بذكرى موته ثم ~~بذكرى قيامته من الأموات، من خلال طقوس قديمة ومتجذرة في العصر النيوليتي. ~~وخلال عصر الأسرات الأولى ، ثم عصر المملكة القديمة، تعايشت عبادة أوزوريس مع ~~عبادة حوروس الصقر السماوي، ثم مع عبادة رع. ولكن ميثولوجيا أوزوريس أخذت ~~تتغير منذ نهايات عصر المملكة القديمة، عندما تحول أوزوريس من إله للخصب ~~إلى إله للموتى وقاض في العالم الآخر. # لا يوجد بين أيدينا نص ميثولوجي مصري مطرد ومتكامل عن أسطورة أوزوريس، ~~لا في حلتها القديمة ولا في حلتها الجديدة، ولكننا نملك العديد من الإشارات ~~والتلميحات إلى هذه الأسطورة، مقتطعة من سياقاتها الميثولوجية الأصلية ومدغمة ~~في سياقات طقسية شعائرية، من هذه الإشارات نعرف أن أوزوريس كان أول ملك على ~~الأرض، وأنه كان حاكما عادلا نشر الأمن والطمأنينة وقاد البشرية الأولى ~~من عصور الفوضى والهمجية إلى عصر من الحضارة والنظام، وقد مات أوزوريس غيلة ~~على يد أخيه التوءم سيت الشرير، الذي كان يحسد أوزوريس ويغار منه أشد الغيرة، ~~وقد قطع سيت جسد أخيه إلى أربع عشرة قطعة ونثرها في أماكن متفرقة من ~~مستنقعات الدلتا، حتى لا يمكن جمعها وبث الحياة فيها، ولكن إيزيس زوجة ~~أوزوريس أفلحت بالتعاون مع ابنها حوروس في العثور على القطع، فجمعتها ms068 معا ~~وبثت الحياة في الجثة الميتة وقام الإله من بين الأموات، ولكن أوزوريس ~~قرر مغادرة الأرض والصعود إلى السماء، وهناك رحب به رهط الآلهة وأعطوه ~~سلطة مطلقة على عالم الموت، فصار قاضيا في العالم الأسفل يحاسب الموتى على ~~ما قدمته أيديهم في الحياة الدنيا، يرسل بالمحسن إلى دار البقاء وبالمذنب ~~إلى دار الفناء. أما سيت فقد حول نشاطه العدواني إلى حوروس، الذي ورث عرش ~~أبيه على الأرض وراح يتهيأ للانتقام لأوزوريس. وهنا تحدثنا النصوص ~~الهيروغليفية عن جولات متتالية من صراع الإلهين، كانت تنتهي لصالح هذا ~~أحيانا ولصالح ذاك في أحيان أخرى، ولكن دون التوصل إلى حسم نهائي. وبذلك ~~اتخذت القطبية الكونية القديمة شكلا ثنويا ذا مضامين أخلاقية. # لقد كان الملك المتوفى في عصر المملكة القديمة يدعى أوزوريس، كناية عن ~~التماهي مع الإله الذي قهر الموت وبعث إلى عالم الآلهة، وكانت عبادة أوزوريس ~~موجهة بالدرجة الأولى نحو معونة الفرعون على تحقيق خلوده الفردي. وعندما صارت ~~التعاويذ السحرية التي ترافق دفن الملوك متاحة للنبلاء، وصار بمقدورهم تمويل ~~بناء مدافن صرحية لهم على طريقة الفراعنة، صار كل واحد منهم يتحول إلى ~~أوزوريس في العالم الآخر، ولكن مع صعود الميثولوجيا الأوزورية الجديدة وشيوع ~~عبادة أوزوريس بشكلها الشعبي، صار بإمكان كل متوفى أن يصبح أوزوريسا وينعم ~~بصحبة الآلهة، وذلك بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي ومنبته الطبقي، شريطة أن ~~يؤمن بأوزوريس مخلصا، ويسلك سلوكا أخلاقيا خلال الحياة الدنيا، ويحرص ~~على تأمين مدفن له تتوفر فيه الشروط الدنيا الكفيلة براحة روحه، وأداء أهله ~~للطقوس الجنائزية القديمة. إن أهم ما قدمته عبادة أوزوريس بشكلها الشعبي ~~للمعتقدات المصرية، هو التوكيد على عنصر الأخلاق الاجتماعية وربطها بالدين ~~وبمعتقد الخلود. ورغم أن المصريين قد استمروا حتى نهاية تاريخهم يجلون ~~الطقوس القديمة ويؤمنون بالتعاويذ والرقى السحرية، إلا أن الأوزيرية قد ~~رفعت الأخلاق إلى مستوى يعادل في الأهمية ما للطقوس، بل ويزيد عليها. # كانت الأوزيرية عبادة آخروية تركز على النهايات دون كبير عناية ~~بالبدايات. فقد كان المصري حرا لينخرط في أية عبادة، محلية ms069 كانت أو ملكية ~~إمبراطورية رسمية، ويؤمن بأي معتقد حول التكوين والأصول والبدايات، ويؤدي ما ~~يشاء من الطقوس لمن يشاء من القوى العليا، ولكنه عند التفكير بالموت ~~والتهيئة لرحلة العالم الآخر كان يلتفت إلى أوزوريس ويؤدي ما يتوجب عليه ~~أداؤه لكي يؤمن مزدلفا آمنا إلى الحياة الثانية. على أن المصري لم يكن ~~لينتظر حلول النهاية لكي يفكر بأوزوريس ويلتفت إليه طالبا عونه، بل إن ~~استعداده للقاء ربه كان شغله الشاغل طيلة حياته، ذلك أن سنوات حياته ووقت ~~مماته معروفة سلفا من قبل أوزوريس، ومدونة لديه في لوح القدر الذي تسجل ~~فيه الآجال ويحدد لكل امرئ نصيبه من الأيام، فهو رب القضاء والقدر ~~والمصائر، المطلع على كل شيء، لا يخفى عليه ما في السماء وما في الأرض. ~~وإلى جانب لوح القدر، فإن أوزوريس كان يحتفظ بسجل آخر يدعى سجل المصائر، ~~تدون فيه أعمال البشر جميعهم، ويشرف عليه إلهان هما تحوث وسيشيتا اللذان ~~يحصيان الأعمال الصالحة والطالحة لكل إنسان ويحفظانها إلى يوم الحساب، الذي ~~يرى فيه كل واحد أعماله عندما يقف في حضرة ربه أمام الميزان في قاعة ~~العدالة. # عندما يفلح الميت في عبور المفازات ~~المرعبة التي تفصل عالم الأحياء عن عالم الأموات، وذلك بفضل الرقى السحرية ~~التي أودعت في مدفنه من أجل استخدامها لهذه الغاية، يلقاه الإله حوروس، أو ~~الإله أنوبيس الذي يحمل رأس ابن آوى (وهو إله المدافن وراعي التحنيط) فيقوده ~~من يده ويدخله إلى قاعة العدالة المزدوجة، وهي قاعة فسيحة يتصدرها الإله ~~أوزوريس جالسا على عرشه، ووراءه الإلهتان إيزيس ونفتيس في وضعية الوقوف، ~~أمام أوزوريس وباتجاه وسط القاعة هنالك ميزان كبير منصوب يقف قربه الإله تحوث ~~إله الحكمة والكتابة في هيئة القرد، وأمامه عن الجهة الأخرى للميزان يقف ~~الوحش عم-ميت آكل الموتى متحفزا للانقضاض على الميت والتهامه إذا ثبتت ~~إدانته، وعلى طول جدار القاعة يصطف آلهة الأقاليم المصرية وعددهم اثنان ~~وأربعون، ولدى مرور الميت أمام هؤلاء يعلن أمام كل منهم براءته من إحدى ~~الخطايا التي يكرهها أوزوريس، وهكذا حتى ينتهي ms070 من إعلان براءته من اثنتين ~~وأربعين خطيئة، يوردها كتاب الموتى وفق الترتيب الآتي: # لم أقم بعمل شرير يؤذي أحدا من الناس، لم أكن سيئا في معاملة الماشية ~~والأنعام. لم أقترف خطيئة في مكان الصدق (= المعبد)، لم أحاول معرفة ما لا ~~يجب على الإنسان الفاني معرفته، لم أجدف على أحد من الآلهة، لم أكن قاسيا ~~على أحد من الفقراء، لم أقم بعمل تمقته الآلهة، لم أشوه سمعة عبد أمام ~~سيده، لم أتسبب بمرض أحد، لم أتسبب بحزن وبكاء أحد، لم أقتل ولم أعط ~~أمرا بالقتل، لم أتسبب في عذاب أحد، لم أمارس الجنس مع غلام، لم أزد ولم ~~أنقص في مكيال الحبوب، لم أغش في مقياس المساحة، لم أتلاعب بوزنات الميزان، ~~لم أغش في كفة ميزان، لم أحرم الأطفال من حليبهم، لم أحرم المواشي من ~~مراعيها، لم أمسك الطيور في حرم الآلهة، لم أصطد الأسماك في بحيرات حرم ~~الآلهة، لم أمنع الماء عن الآخرين في مواسم السقاية، لم أضع ردما أمام الماء ~~الجاري في السواقي، لم أطفئ شعلة نار لأحد، لم أتناس مواعيد تقديم القرابين ~~... إلخ. # بعد ذلك يؤتى بالميت أمام الميزان فيوضع قلبه في إحدى الكفتين وريشة طائر ~~في الكفة الأخرى، وهي رمز معات إلهة العدالة والنظام والحقيقة. والمطلوب هنا ~~أن يتساوى بدقة قلب الإنسان (الذي هو مقر العقل والعواطف والأفكار والنوايا، ~~وبالتالي يحتوي سجلا كاملا لجميع الأعمال) مع رمز الحقيقة والقانون ~~والنظام. وبعد أن يقوم أنوبيس بفحص النتيجة يبلغها إلى الإله تحوت الواقف ~~خلفه فيدونها في سجل يمسك به ثم يعلنها لأوزوريس، إذا وجد الميت مذنبا ~~انقض عليه الوحش فالتهمه ومحي من الوجود ذكره، وإذا وجد بريئا اقتاده ~~الإله حوروس إلى حضرة أوزوريس وخاطبه قائلا: جئت إليك بفلان الذي وجدنا قلبه ~~صالحا، وقد اجتاز الميزان، لقد وزن قلبه وفقا للأمر الذي نطقت به جماعة ~~الآلهة، فامنحه كعكا وجعة واسمح له بالدخول إلى حضرتك، عند ذلك يركع الميت ~~أمام أوزوريس ويخاطبه قائلا: أنا في حضرتك يا رب، ليس في ذنب، ms071 فأنا ما ~~كذبت عمدا ولا فعلت شيئا عن سوء نية، فاجعلني بين من آثرتهم بفضلك وجعلتهم ~~في صحبتك، لعلي أصير أوزوريسا يؤثره الإله الجميل بفضله، ومحبوبا من رب ~~العالمين. وهنا يجيئه الجواب المنتظر من أوزوريس: دعوا الميت ينصرف سالما ~~منتصرا، دعوه يمضي حيث يشاء، ويعيش في صحبة الآلهة وبقية الأرواح ~~الصالحة. # تدعى الجنة الأوزيرية في النصوص المصرية بحقول القصب، وهي عبارة عن أرض ~~خصبة تقع وراء الأفق الغربي، وتتخللها شبكة من القنوات المائية العذبة ~~تجعلها أشبه بالجزر المتقاربة، وتهبها خصبا وخضرة دائمة، فيها ينمو الزرع ~~والشجر من كل نوع، وفيها تعيش أرواح ~~الصالحين خالدة إلى أبد الآبدين. أما عن علاقة روح الميت بجسده الذي تركه ~~في القبر، فمسألة إشكالية في المعتقدات المصرية، ذلك أن النصوص تشير صراحة ~~إلى أن روح الإنسان الصالح تنتقل من الجسد لتعيش مع الأبرار والآلهة، أما ~~الجسد الفيزيائي فلا يبعث أبدا ولا يغادر القبر، ومع ذلك فقد استمر المصريون ~~يحافظون على جثث أمواتهم منذ بدايات التاريخ المصري وحتى نهاياته. فما فائدة ~~الجسد المادي إذا لم يكن معدا للبعث ولحلول الروح فيه مرة أخرى؟ إن ~~الجواب على هذا السؤال ليس بالأمر السهل، وأي جواب لن يكون قاطعا بحال من ~~الأحوال؛ فنحن في دراستنا للدين المصري لا نقف أمام معتقد موحد وثابت، بل ~~أمام معتقد متغير تتداخل حلقاته عبر ثلاثة آلاف سنة، وتحتوي كل حلقة من هذه ~~الحلقات على أثر باق من سابقتها، يضاف إلى ذلك أن الكهنة المصريين لم ~~يعمدوا أبدا إلى إنتاج لاهوت متكامل متماسك، ولم يعبروا عن معتقداتهم ~~بطريقة منظمة، مثلما لم يدونوا أساطيرهم المتداولة بنصوصها الكاملة، بل ~~اكتفوا بالإشارات والتلميحات وإيراد مقتطفات منها ومشاهد تفي بالأغراض ~~الطقسية. ولعل الجواب الأكثر إقناعا عن علاقة الروح بالجسد، هو أن طقوس ~~الدفن وما يرافقها من تعاويذ وصيغ سحرية تحيل الجثة المحفوظة إلى نوع من ~~الجسد الأثيري الذي ينبثق منها ويتجه إلى العالم الآخر، وهذا الجسد الأثيري ~~الذي يشبه تماما الجسد المحفوظ، هو الذي تبعث فيه الروح إلى ms072 حياتها الأخرى، ~~يضاف إلى ذلك أن الروح، ولأسباب نجهلها، تبقى بحاجة لأن تزور جسدها من وقت ~~لآخر وتقيم معه لفترات تطول أو تقصر. # خلاصة # تقدم لنا ديانة مصر القديمة نموذجا عن كيفية الانتقال من مفهوم ~~القطبية إلى شكل من أشكال مفهوم الثنوية، وعن الدور الذي تمارسه الأخلاق في ~~هذا الانتقال، عندما تتحول من شأن دنيوي إلى شأن ديني، وما ينجم عن ذلك ~~من ظهور فكرة الشيطان، وهي الفكرة التي تؤصل لمعتقد الآخروية والنهايات، ~~ولكن المعتقد الأوزيري لم يصل بهذه الأفكار الدينية جميعها إلى نهاياتها ~~المنطقية، لأن القطبية لم تتحول إلى ثنوية جذرية، ولا حتى إلى ثنوية ~~أخلاقية تامة. فرغم علو شأن الأخلاق في العبادة الأوزيرية، فإنها لم ~~تطغ تماما على الطقوس وبقيت التمائم والتلاوات السحرية وكلمات القوة وما ~~إليها جزءا لا يتجزأ من الممارسات الدينية الأوزيرية مثلما كانت سابقا، ~~ورغم كون أوزوريس إلها أخلاقيا إلا أنه لم يتحول إلى مبدأ كوني ~~للخير، مثلما لم يتحول سيت إلى مبدأ كوني للشر، فرغم اتخاذ سيت للكثير من ~~ملامح الشيطان الكوني، إلا أنه لم يتقمص فعلا شخصية الشيطان، لأن ~~أهم سمة تميز الشيطان هي انقلابه على القوة الإلهية وتحوله إلى ملعون ~~ورجيم من قبل إله الخير ورهطه السماوي، وهذا لم يحصل لسيت الذي بقي عضوا ~~محترما في البانثيون الإلهي، وبقي الناس يعبدونه ويشيدون له المعابد ~~والهياكل حتى نهايات التاريخ المصري، وبلغ من إجلال بعض الفراعنة له أن ~~تسموا باسمه مثل سيتي الأول من أواخر القرن الثالث عشر ق.م. # ومن أهم نتاج تقصير ثنوية سيت-أوزوريس (أو سيت-حوروس بشكلها الجديد) عن ~~بلوغ الثنوية الأخلاقية التامة، هي بقاء التصور المصري للتاريخ أسيرا ~~لمفهوم التاريخ المفتوح، حيث الزمن الدنيوي عبارة عن سيالة متدفقة أبدا ~~نحو اللانهاية، والتاريخ الإنساني بمحتواه التكراري يتحرك بشكل خطي دون ~~هدف أو غاية. من هنا فقد غاب عن معتقد الثنوية الأوزيرية أهم عناصر الثنوية ~~الأخلاقية الكاملة، وهو معتقد نهاية العالم، والبعث الأخير الشامل، وتحويل ~~الوجود بأسره إلى مستوى ماجد وجليل في نهاية الزمن، ms073 وبقيت التصورات ~~الآخروية في حدود القيامة الفردية والمصير الخاص لكل روح على حدة، الأمر ~~الذي يترافق مع غياب مفهوم شامل عن الإنسانية والمجتمع الإنساني، ودور ~~الإنسان كنوع متميز وخاص في دراما الخلاص العام. # على أن الأوزيرية قد قدمت لمفهوم الثنوية الكونية والتاريخ ~~الدينامي، الذي سنراه في أكمل أشكاله في الديانة الزرادشتية، بعضا من أهم ~~عناصره وهي: ~~(1) # صلة الأخلاق بالدين، وصلة المصير الفردي بالأخلاق. ~~(2) # القيامة الفردية، أو الصغرى. ~~(3) # الثواب والعقاب الآخرويان. ~~(4) # تصورات مادية واضحة عن جنة الآخرة. # وهذه العناصر جميعها سوف تشكل جزءا لا يتجزأ من عقائد الديانات ~~المشرقية منذ مطالع الألف الأول قبل الميلاد. # مراجع المادة المعلوماتية للفصل ~~(1) # A. Rosalie David, The Ancient Egyptians, ~~Routledge, London 1982. ~~(2) # Manfred Lurker, The Gods and Symbols of Ancient ~~Egypt, Thames and Hudson, London 1984. ~~(3) # E. A. Wallis Budge. The Gods of The Egyptians, ~~Dover, New York, 1969. ~~(4) # E. A. Wallis Budge, Osiris, Dover, New York ~~1973. ~~(5) # E. A. Wallis Budge, Egyptian Religion, ~~Routledge, London 1975. ~~(6) # New Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, ~~London 1977, ch. 2. # الفصل الرابع # | ميلاد الشيطان # زرادشت: نبي التوحيد نبي الثنوية ~~(1) مقدمة تاريخية # منذ مطلع الألف الثاني قبل ~~الميلاد، أخذت الشعوب المعروفة تاريخيا باسم الشعوب الهندو-آرية ~~بالانسياح من مواطنها الأصلية في السهوب الأوراسية، نحو آسيا الصغرى ~~وأوروبا والهند وإيران، وقد وصلت طلائع الهندو-آريين إلى الهضبة الإيرانية ~~خلال أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، ثم أخذت بالاستقرار تدريجيا في ~~ثلاث مناطق رئيسية، حسب عشائرها، وهي منطقة ميديا ومنطقة فارس ومنطقة ~~بارثيا. في مطلع الألف الأول قبل الميلاد حكمت ميديا سلالة ملكية بدأت ~~بتوحيد الممالك الإيرانية الصغيرة منذ القرن الثامن ق.م. ثم أفلحت في بسط ~~سلطتها على كامل إيران عقب تحالفها مع بابل وتدميرهما آشور خلال عامي ~~614-612ق.م. دام سلطان الميديين قرابة قرن من الزمان، إلى أن قام قورش ملك ~~فارس بالتمرد على حميه ملك ميديا عام 549ق.م. وأخضع ميديا وبقية المناطق ~~الإيرانية، وأسس لحكم أسرة قوية عرفت باسم الأسرة الأخمينية. بعد أن ~~استتبت له الأمور في إيران، أخذ قورش ms074 بالضغط على الحدود الشرقية ~~للإمبراطورية البابلية، إلى أن سقطت بابل العاصمة في يده عام 539ق.م. ~~وانفتحت أمامه بوابة آسيا الغربية، فتابع مسيرته غربا حتى استولى على ~~مناطق النفوذ البابلية في بلاد الشام وآسيا الصغرى جميعها، ثم أكمل ابنه ~~قمبيز ضم مصر بعد ذلك بقليل. وبذلك ابتدأ عصر جديد في منطقة الشرق القديم ~~هو عصر الإمبراطورية الفارسية، التي حكمت أصقاعا مترامية تمتد من البنجاب ~~في الهند شرقا إلى حدود اليونان القارية وحدود الصحراء الغربية في مصر ~~غربا. دامت هذه الإمبراطورية قرابة قرنين من الزمان، إلى أن انتهت على يد ~~الإسكندر المقدوني عام 331ق.م. # في عام 280ق.م. قامت في مملكة بارثيا ثورة على حكم السلوقيين السوريين ~~من خلفاء الإسكندر، بقيادة الزعيم أرشق الذي حرر بارثيا أولا ثم بقية ~~المناطق الإيرانية، وأسس لحكم أول أسرة بارثية. بعد وفاة أرشق قام خلفاؤه ~~بمتابعة الضغط على القوات السلوقية، حتى دفعوا بها إلى ما وراء نهر الدجلة. ~~وفي عهد الملك ميتراديس الأول وخليفته ميتراديس الثاني، تم إجلاء ~~السلوقيين إلى ما وراء نهر الفرات، وامتدت الإمبراطورية البارثية من حدود ~~الهند شرقا إلى الفرات غربا. امتد العمر بهذه الإمبراطورية أمدا ~~طويلا، وذلك من أواسط القرن الثاني ق.م. إلى أوائل القرن الثالث الميلادي ~~عندما عادت السلطة مجددا إلى فارس، فقد قام حاكم منطقة فارس المدعو بابك ~~بالثورة على البارثيين وأعلن فارس مملكة مستقلة، ثم وليه ابنه أردشير الأول ~~الذي التقى بآخر ملوك البارثيين في معركة فاصلة وقتله عام 226 ميلادية. ~~وأردشير الأول هو مؤسس الأسرة الساسانية التي حكمت الإمبراطورية الفارسية ~~قرابة أربعة قرون. من أشهر ملوك الساسانيين خسرو أنوشروان، المعروف لدى ~~العرب بكسرى أنوشروان، وقد ارتقى هذا العاهل الكبير العرش عام 531م، وحكم ~~قرابة خمسين عاما، وبعد وفاته شهدت البلاد فترة من الاضطرابات توالى ~~خلالها على العرش عدد من الملوك الضعفاء انتهوا بالخلع أو القتل، إلى أن ~~ولي العرش يزدجرد الثالث عام 632م. وقد استطاع هذا العاهل القوي ضبط الأمور ~~بيد من حديد، وسار بالبلاد نحو عهد من الطمأنينة ms075 والاستقرار، إلا أن ~~العرب الذين ظهروا على المسرح الدولي في ذلك الوقت، ما لبثوا أن غنموا ~~سورية عام 636م، ثم توجهوا لقتال يزدجرد في معركة القادسية الحاسمة، وبعد ~~معركتين تاليتين شق العرب طريقهم نحو الهضبة الإيرانية، ومع حلول عام 652 ~~كانت سيطرتهم على إيران تامة تقريبا. ~~(2) زرادشت # يعتبر زرادشت واحدا من أهم الشخصيات الدينية التي أثرت على مجرى ~~الحياة الروحية عبر تاريخ الحضارة، ولا تكمن أهمية هذا النبي والمعلم ~~الأخلاقي الكبير في مدى الانتشار الجغرافي والزماني للديانة الزرادشتية ~~التي قامت على وحيه وتعاليمه، بقدر ما تكمن في مدى تأثير أفكاره على ~~الديانات العالمية اللاحقة. # لا يوجد بين أيدينا مصادر تاريخية مباشرة تعيننا على رسم سيرة حياة ~~كاملة لزرادشت، ولكننا نستطيع رسم ملامح عامة لها اعتمادا على المصادر ~~الإغريقية التي تعود إلى القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وعلى المصادر ~~الزرادشتية ذاتها، وأهمها مجموعة الأناشيد التي وضعها زرادشت نفسه والمدعوة ~~بالغاثا، ومجموعتين من الأدبيات الزرادشتية معروفتين باسم الأفيستا ~~والأفيستا الصغرى، وتحتويان على تعاليم زرادشت وأحاديثه الشفوية التي تم ~~تناقلها عبر الأجيال، وعلى شروحات وتعليقات اللاهوتيين الزرادشتيين، وقد ~~تم تدوين هاتين المجموعتين خلال الفترة الساسانية بعد قرون طويلة من ~~التداول الشفهي. # رغم أننا نفهم من الأفيستا الصغرى أن زرادشت قد عاش وبشر برسالته ~~قبل عصر الإسكندر بثلاثة قرون، أي فيما بين أواخر القرن السابع وأوائل ~~القرن السادس قبل الميلاد، إلا أن الباحثين في تاريخ الزرادشتية ~~مختلفون في تاريخ ميلاد المعلم، فبينما يرجع به فريق من الباحثين إلى أواسط ~~الألف الثاني قبل الميلاد استنادا إلى التحليل الفيولوجي للهجة أناشيد ~~الغاثا التي تشف عن بنى لغوية مغرقة في القدم، فإن فريقا ثانيا يقبل ~~بالمعلومة الأفيستية ويضع ميلاده في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، ~~ويطابق بين اسم الملك فيشتاسبا الذي يتكرر في أناشيد الغاثا واسم والد ~~الملك قورش المدعو هيستابس، وهنالك فريق ثالث يضع مولد زرادشت في مطلع ~~الألف الأول قبل الميلاد، وحوالي عام 900 تقريبا، وحجة هذا الفريق قدم ~~لهجة أناشيد الغاثا من جهة، وعدم ms076 تعرضها ولو بالإشارة العابرة إلى ذكر ~~مملكة الميديين أو الأخمينيين من جهة ثانية، يضاف إلى ذلك ما تكشف عنه ~~الدراسة المدققة للأناشيد من وجود نظام سياسي كان سائدا خلال حياة ~~الكاتب، يقوم على الإمارات الصغيرة التي لا تخضع لسلطة سياسية مركزية، ومثل ~~هذا النظام لم يكن ممكنا بعد عام 900ق.م. هذا التاريخ المتوسط لميلاد نبي ~~الزرادشتية يلقى الآن تأييد معظم الباحثين. أما عن المنطقة التي ولد ~~فيها المعلم وعاش سنوات يفاعته إلى أن جاءه وحي النبوة، فإن الآراء تتفق ~~على وقوعها في المناطق الشرقية المتطرفة والبعيدة عن المراكز الحضرية، ~~والتي كانت تعيش على الرعي وتربية الماشية. # عندما ولد زرادشت، على ما تقصه الأدبيات الزرادشتية اللاحقة، احتفلت ~~كل مظاهر الطبيعة، وحدثت سلسلة من المعجزات التي رافقت ذلك الحدث المهم في ~~تاريخ الكون وتاريخ الإنسانية. أما الشيطان فقد هرب واختفى من وجه الأرض، ~~ثم ما لبث أن أرسل زبانيته لإهلاك الرضيع، فلما اقتربوا منه تكلم في ~~المهد ونطق صلاة للرب طردت الشياطين، وعندما شب عن الطوق جاءه الشيطان ~~لكي يجربه ووضع في يده سلطان الأرض كلها مقابل تخليه عن مهمته القادمة، ~~ولكن زرادشت نهره وأبعده عنه. هذه المواجهة بين المخلص والشيطان نجدها ~~أيضا في الأدبيات الدينية البوذية والمسيحية. فعندما كان البوذا في جلسة ~~التأمل الأخيرة التي قادته إلى المعرفة المطلقة، أرسل رئيس العفاريت ~~الشريرة مارا زبانيته الذين أحاطوا بالشجرة التي يجلس تحتها المعلم، ~~وحاولوا إخافته وبث الرعب في قلبه بكل الوسائل، ولكنه بقي هادئا مستغرقا ~~في تأمله الباطني، ثم هبط مارا بنفسه ورماه بكل أسلحته، ولكنها تحولت ~~إلى براعم زهور معلقة حول رأسه في الهواء، وما إن حل الصباح حتى استنارت ~~جنبات البوذا بالعرفان واخترق بعقله وروحه جوهر الحقيقة. وفي إنجيل متى ~~نقرأ أن إبليس أخذ يسوع إلى البرية بعد أن هبط عليه الروح القدس ليجربه، ~~وبعد أربعين يوما: «أخذه إلى جبل عال جدا وأراه ممالك العالم ومجدها، ~~وقال له: أعطيك هذه جميعا إن خررت وسجدت لي. حينئذ قال يسوع: اذهب يا ms077 ~~شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه تعبد» (متى: 4). # انخرط زرادشت منذ يفاعته في سلك ~~الكهنوت وصار كاهنا على دين قومه «وهو دين هندو-إيراني شبيه بدين أسفار ~~الفيدا الهندية»، وكان ينتمي إلى فئة خاصة من الكهان تدعى زاوتار، ~~يتميز أفرادها بسعة العلم والخبرة في الشئون الدينية، ولا يرسمون كهنة ~~إلا بعد خضوعهم لتدريب طويل يتمرسون خلاله بشتى المعارف اللاهوتية ~~والتقنيات الطقسية. غير أن هذا الكاهن ما لبث أن انشق عن المعتقدات ~~التقليدية التي نشأ عليها، وأحدث انقلابا دينيا كان له أعمق الأثر في ~~الحياة الروحية لإيران وللإنسانية على حد سواء. فعندما كان زرادشت في ~~الثلاثين من عمره جاءه وحي النبوة من السماء يأمره بالتبشير والدعوة إلى ~~دين الله الحق. فبينما كان الكاهن الشاب يشارك في إحدى المناسبات الطقسية، ~~دعت الحاجة إلى بعض الماء، فتطوع زرادشت لجلبه ومضى إلى النهر القريب حيث ~~خاض إلى ركبتيه وملأ وعاءه، وبينما هو خارج من الماء، # 1 # تجلى له على الضفة كائن نوراني، فخاف لرؤيته وهم بالرجوع، ~~ولكن الكائن كلمه وطمأنه قائلا بأنه فوهو مانا، أحد الكائنات الروحانية ~~الستة التي تحيط بالإله الواحد أهورا مزدا وتعكس مجده، ثم أخذ الملاك بيد ~~زرادشت وعرج به إلى السماء حيث مثل في حضرة أهورا مزدا والكائنات ~~الروحانية المدعوة بالأميشا سبينتا ، وهناك تلقى من الله الرسالة التي ~~يتوجب عليه إبلاغها لقومه ولبني البشر جميعهم. # بعد تلقيه الرسالة، انطلق زرادشت يبشر بها في موطنه وبين قومه مدة ~~عشر سنوات، ولكنه لم يستطع استمالة الكثيرين إلى الدين الجديد، فلقد وقف ~~منه الناس العاديون موقف الشك والريبة بسبب ادعائه النبوة وتلقي وحي ~~السماء، بينما اتخذ منه النبلاء موقفا معاديا بسبب تهديده لهم بعذاب ~~الآخرة، ووعده للبسطاء بإمكانية حصولهم على الخلود الذي كان وقفا على ~~النخبة في المعتقد التقليدي. ولما يئس النبي من قومه وعشيرته عزم على ~~الهجرة من موطنه، فتوجه إلى مملكة خوارزم القريبة حيث أحسن ملكها ~~فيستاشبا استقباله، ثم اعتنق هو وزوجته الزرادشتية وعمل على نشرها في ~~بلاده، ولكن ملوك المناطق ms078 المجاورة طالبوا فيستاشبا بنبذ الزرادشتية ~~والرجوع إلى دينهم التليد، وانتهزوا الفرصة للإغارة على حدود بلاده، فدخل ~~معهم في حروب طاحنة خرج منها منتصرا، وبذلك تم فتح الطريق أمام الزرادشتية ~~للانتشار التدريجي. # عاش زرادشت عمرا مديدا، ووجد ~~الوقت الكافي لنشر رسالته والعمل على تبسيط تعاليمه الأولى التي أوردها في ~~الأناشيد، وذلك بلغة تقربها إلى عامة الناس وتستميلهم إليها. تزوج ثلاث ~~مرات وأنجب ثلاثة ذكور وثلاث بنات، وكانت ثالث زيجاته من ابنة الوزير الأول ~~لمملكة خوارزم. بعد وفاة الملك فيستاشبا سادت الفوضى في المملكة وفقد ~~زرادشت سنده وحاميه، فكان عليه أن يكافح ويصمد بقواه الخاصة، وهي مهمة ~~حققها بنجاح بعد نضال شاق وطويل. إلى هذه الفترة العصيبة يرجع قانون ~~العقيدة الزرادشتي الذي يتوجب على المؤمن فهمه وإعلانه لدى دخوله في ~~الدين الجديد، وفي مقدمته الشهادة التي تقول: «أشهد أني عابد للإله أهورا ~~مزدا، مؤمن بزرادشت، كافر بالشيطان، معتنق للعقيدة الزرادشتية، أمجد ~~الإميشا سبينتا الستة، وأعزو لأهورا مزدا كل ما هو خير.» لدى نطقه بهذه ~~الشهادة يكون الفرد قد انسلخ عن الدين القديم وصار عضوا في جماعة ~~المؤمنين. # ذاعت شهرة زرادشت في العالم القديم فاعتبره الإغريق سيدا للحكمة ~~والمعارف السرانية، وعزا إليه الفيثاغوريون تأثيرا مباشرا على معلمهم ~~فيثاغورث، ونظر إليه فلاسفة الأكاديميا بإكبار وإجلال باعتباره مؤسسا ~~لفلسفة الثنوية، ثم رأت فيه المسيحية المبكرة مبشرا بقدوم السيد المسيح ~~بسبب تعاليمه حول المخلص المنتظر الذي سيأتي في آخر الأزمان، ولم تكن ~~النجمة التي ظهرت في الشرق وقادت المجوس الثلاثة إلى مهد يسوع في بيت لحم، ~~إلا إشارة إلى تحقيق نبوءة زرادشت (انظر إنجيل متى، الإصحاح الثاني). ~~وعندما ظهرت المدارس الغنوصية في سورية ومصر خلال القرون الأولى للميلاد، ~~وجدت في زرادشت واحدا من معلميها الكبار، ثم جاء ماني المعلم الثاني ~~لمعتقد الثنوية، فاعتبر زرادشت ثالث الأنبياء العظام الذين سبقوه إضافة إلى ~~موسى ويسوع. وفي العصور الحديثة أصبح زرادشت موضع اهتمام الأوروبيين منذ ~~عصر النهضة، وكان الفيلسوف الألماني نيتشه من أكثر الفلاسفة المحدثين ~~إعجابا به، واستعار اسمه ms079 لحكيم كتابه: هكذا تكلم زرادشت. ~~(3) المعتقد الزرادشتي # يتميز المعتقد الزرادشتي بابتكاره لمفهوم الوحدانية الثنوية، وصفة ~~الثنوية هنا لا تلغي صفة الوحدانية، لأن مفهوم الثنوية الزرادشتي يقف في ~~تعارض مع مفهوم التعددية، ولكنه لا يتعارض مع الوحدانية بل يتلازم معها، ~~ذلك أنه يقدم أكثر التفسيرات منطقية لوجود الشر في العالم. أهورا مزدا ~~واحد ولا ثاني له في الألوهة، خالق كل ما هو طيب وحسن، ولكنه ليس مسئولا ~~عن وجود الشر في العالم، ولم يكن ليرتضي وجوده منذ البداية، بل لقد سعى إلى ~~مكافحته بكل السبل والوسائل، ولسوف ينتصر عليه في معركة تمتد على مدى تاريخ ~~الكون والإنسان، وستشهد نهاية هذا التاريخ غلبة جند الحق على جند البهتان ~~واختفاء الشيطان وأعماله إلى الأبد. ~~(3-1) خلق العالم الروحاني # في البدء، لم يكن سوى الله، أهورا مزدا، وجود كامل وتام وألوهة قائمة ~~بذاتها مكتفية بنفسها، ولكن هذه الألوهة اختارت أن تخرج من كمونها وتظهر ~~ما عداها إلى الوجود، فكان أول خلقها روحين توءمين هما سبينتا ماينو ~~وأنجرا ماينو، ولكي يكون لهذين الروحين وجود حقيقي مستقل عن خالقهما، فقد ~~منحهما الله خصيصة الحرية التي استخدماها منذ صدورهما عنه، فاختار سبيتنا ~~ماينو الخير ودعي بالروح القدس، واختار أنجرا ماينو الشر ودعي بالروح ~~الخبيث، ثم راح يتحفز للانقضاض على خلق الله القادم ويقاوم كل عمل حسن ~~له. # هذا الخيار البدئي كان بمثابة النموذج الأسبق لكل خيار أخلاقي لاحق ~~يقوم به الإنسان، دونما جبرية أو قدرية من أي نوع، لأن الإنسان سوف ~~يخلق حرا أيضا، والحرية ستقوده إلى الاختيار، والاختيار هو جوهر ~~الأخلاق، وبذلك يقوم المعتقد الزرادشتي على ثلاثة عناصر رئيسية هي: ~~الحرية والاختيار والمسئولية الأخلاقية. إن صيرورة الوجود بكامله سوف ~~تعتمد على كيفية استخدام الذوات الواعية من أهل السماء والأرض لهذه ~~المعطيات. يقول زرادشت في أحد أناشيد الغاثا: ~~«الحق أقول لكم، إن هناك توءمين يتنافسان منذ البداية، اثنان مختلفان ~~في الفكر وفي العمل: روح خبيث اختار البهتان وثابر على فعل الشر، وروح ~~طيب اختار الحق وثابر على ms080 فعل الخير ومرضاة أهورا مزدا. وعندما تجابه ~~الاثنان لأول مرة أبدعا الحياة ونقيضها، ولكن عندما تحين النهاية فإن ~~من اتبع البهتان سوف يرد إلى أسوأ مقام، ومن اتبع الحق فسوف يرد ~~إلى أسمى مقام.» # بعد الخيار الأخلاقي للتوءمين، كان لا بد من تعارضهما وتصادمهما ~~ودخولهما في صراع مفتوح. ورغم أن الله كان قادرا منذ البداية على سحق ~~أنجرا ماينو ومحو الشر في مهده، إلا أنه قرر عدم التناقض مع نفسه ~~بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقره وأقام عليه خليقته، وآثر السير بخطته ~~التي تقوم على مقاومة الشر استنادا إلى المبدأ ذاته الذي أنتج الشر وهو ~~الحرية. وهنا عمد بمعونة الروح القدس سبينتا ماينو إلى إظهار ستة كائنات ~~نورانية قدسية إلى الوجود، شكلت بطانته الخاصة التي تحيط به على ~~الدوام، ويدعون بالأميشا سبينتا، أي الخالدون المقدسون، وقد أوجدهم الله ~~من روحه كمن يشعل الشموع من مشعل متقد، على حد تعبير أحد مقاطع ~~الأفيستا، وتدل أسماؤهم على أنهم ليسوا إلا خصائص مجسدة للإله، فهم: ~~فوهو مانا الفكر الحسن، وآشا فاهيستا الحقيقة الناصعة، وكشاترا فايرا ~~الملكوت القادم، وسبينتا أرمايتي الإخلاص، وهورفات الكمال، وإيرميتي ~~الخلود. وقد شارك هؤلاء الخالق فيما تلا من أعمال الخلق والتكوين، وصاروا ~~حافظين لخلق الله ووسطاء بينه وبين الناس وجميع مظاهر الوجود، ثم إن ~~الأميشا سبينتا خلقوا عددا من الكائنات القدسية الطيبة تدعى بالأهورا، ~~فعهد إليهم أهورا مزدا بمهامهم وأوكلهم بمكافحة الشر كل في مجاله. ~~وبالمقابل فإن إنجرا ماينو قد استنهض عددا من الكائنات المتفوقة تدعى ~~بالديفا وعمد إلى ضلالتهم فانحازوا إلى جانبه وراحوا يتهيئون للانقضاض ~~على كل عمل طيب يصدر عن الله، وبذلك تم تكوين عالم الملائكة وعالم ~~الشياطين قبل أن يظهر العالم المادي. # فوق الروحين المتنافسين وفوق فريق الديفا والأهورا، # 2 # يسمو أهورا مزدا في عليائه متجاوزا ثنائيات الخلق، ولكنه ~~يعمل في الوقت نفسه على دعم قوى الخير ~~لتدخل في منافسة عادلة مع قوى الشر. نقرأ في نشيد آخر من أناشيد زرادشت ~~المدعوة بالغاثا: # هذا ما أسألك عنه ms081 فاصدقني الخبر يا أهورا مزدا. # من هو أبو الحقيقة منذ أقدم الأزمان؟ # من رسم للشمس مسارها وللنجوم؟ # من جعل القمر يتناقص ويتزايد، من إن لم يكن أنت؟ # هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر. # من يمسك الأرض ويرفع السماء من فوقها فلا تقع؟ # من فرش الزرع وأجرى الماء؟ # من قرن جيادا مطهمة إلى عربة الريح وعربة السحاب تجرها؟ # من خلق الأفكار الخيرة، من إن لم يكن أنت؟ # هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر أيها الإله الحكيم. # أية صنعة مبدعة خلقت اليقظة والنوم؟ # من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس بمهامهم؟ # من سخر البقر والأنعام لرخاء الناس؟ # من يزرع في القلب احترام الوالدين؟ # إني أسألك أيها الإله الحكيم، لأنشر معرفتك بين الأنام. # فأنت العقل الطيب وخالق كل شيء. # بعد أن تأسس الشر على المستوى الروحاني عرف أهورا ~~مزدا أن القضاء على الشيطان وأتباعه لن يتيسر قبل خلق العالم المادي، ~~لأن عالم المادة سيكون المسرح المناسب للصراع بين جند الحق وجند ~~البهتان، ولسوف يعمد أنجرا ماينو إلى مهاجمة خلق الله بكل ما أوتي من ~~قوة، لأنه خلق طيب وحسن، ولكن هذا الهجوم سوف يفت في عضده ~~تدريجيا، حتى يفقد قوته وسلطانه في آخر الأمر، ويحسم الصراع لصالح ~~الخير في نهاية التاريخ. عندها يتم تخليص الكون إلى الأبد من شوائب الشر ~~ليعود كونا حسنا وطيبا إلى الأبد. ~~(3-2) الزمن الكوزموغوني # سار خلق الله للكون على درجتين: الأولى تدعى مينوغ، وهي حالة من ~~الوجود المثالي غير المتحقق في شكل مادي، والثانية تدعى جيتينغ، وهي ~~حالة الوجود المادي المتحقق في أشكال ذات قوام وخواص. والحالة الثانية ~~خير من الحالة الأولى، لأنها انتقلت بالكون من الحالة الهلامية إلى ~~حالة الصلابة والثبات والنظام. وهذا ما يميز خلق الله عن خلق الشيطان، ~~وقدرة الله عن قدرة الشيطان الذي لا يستطيع منح ما يخلقه القوام والمادة، ~~ويخرج به إلى حيز الوجود الفعلي. ونحن هنا أمام رؤية فلسفية جديدة لا ترى ~~في المادة حالة دنيا من أحوال الوجود، بل ترى فيها ms082 أنبل وأسمى أشكال ~~الوجود. أما ما يبدو لنا من قصور وشواش في صيرورة العالم المادي، فليس ~~إلا نتيجة لامتزاجه بعناصر الشر التي جاءت من الشيطان، وهي عناصر مؤقتة ~~التأثير سوف يتخلص منها العالم إن عاجلا أم آجلا. وتنعكس هذه الرؤية ~~للعلاقة بين المادة والروح على نظرة الزرادشتية إلى الإنسان في روحه ~~وجسده، فروح الإنسان ليست أسمى من جسده، والجسد ليس منبعا للشرور ولا ~~رداء مؤقتا نسعى إلى التخلص منه من أجل الالتحاق بالعوالم الروحانية، ~~بل هو الشرط الأمثل الذي يحقق للروح حياة ذات معنى، لذا فإن الأرواح ~~عندما تنفك عن أجسادها بالموت، فإنها تبقى في حالة انتظار تحن إلى ~~الاتحاد بأجسادها من جديد في يوم البعث الأخير. من هنا تستبعد الزرادشتية ~~كل ممارسات الزهد والتقشف الهادفة إلى تعذيب الجسد طمعا في تخليص الروح ~~من آثامه، لأن على الإنسان أن يكافح الشر بروحه وجسده معا، وأن ~~يبقيهما في أفضل حالة تمكنهما من أداء هذه المهمة على أفضل وجه. # ولقد انتقل العالم من درجة ~~المينوغ إلى درجة الجيتينغ على ستة مراحل زمنية. في البداية خلق الله ~~السماء من صخر كريستالي، ثم خلق الماء فالأرض فالحياة النباتية فالحياة ~~الحيوانية، وأخيرا خلق الإنسان الأول. وفيما يتعلق بالأرض، وهي بؤرة ~~الكون، فقد أقام الله حولها سلسلة جبال شاهقة تتصل بشروش تحتية بجبل يقع ~~في مركز الأرض يدعى جبل هارا، ومنه تنطلق أرواح الموتى في رحلتها إلى ~~السماء، ثم قسم الأرض إلى سبعة أقاليم، جميعها أراض سهلية لا التواء ~~فيها ولا وهاد ولا تلال. أول هذه الأقاليم يدعى خافي نيراينا وهو الوحيد ~~المأهول بالسكان، وحوله تتوزع الأقاليم الستة الأخرى، وصنع بحرا ~~يغطي الأرض لجهة جنوبها وفي وسطه جبل مصنوع من جبلة السماء، ومن البحر ~~فجر نبعين غزيرين فشكلا نهرين كبيرين هما دايتا ودانها، اللذان يحدان ~~الجهة الشرقية والجهة الغربية للإقليم المسكون، وزرع في البحر شجرة تحتوي ~~على البذور المعروفة بأنواعها تدعى شجرة كل البذور، وشجرة أخرى تدعى ~~شجرة الشفاء والحياة الأبدية. # بعد انتهاء أهورا مزدا من ms083 صنع الكون، قام أنجرا ماينو لفوره ~~بالانقضاض عليه، لأن حالة الوجود المتحقق جيتنغ أكثر عرضة للتخريب ~~والبعثرة والإفساد من الحالة غير المتحققة مينوغ. اقتحم أنجرا ماينو ~~الجزء الأسفل من قبة السماء فشوهها، ثم انتصب مثل الحية وقفز نحو تجمعات ~~النجوم فشتتها وأحل الاضطراب في نظام السماء، ثم غطس في البحر فأفسد ~~ماءه بالملح، وتوجه نحو الينابيع فجففها، وإلى السهول الخضراء فأذبل ~~مزروعاتها، ونشر فيها الصحارى، وبث فيها الأفاعي والعقارب وكل دابة ~~مؤذية، وانقض على النار فلوثها بالدخان وعلى الإنسان الأول فذبحه، ~~وهكذا زرع الشيطان الموت والفساد في خلق الله. ورغم أن الأميشا سبينتا ~~قد تصدت للهجوم وباشرت بإصلاح ما خربه الشيطان، إلا أن العالم لن ~~يعود إلى سابق عهده من النقاء والطيبة لأن الفساد قد عشعش فيه. لقد أخذ ~~الأميشا سبينتا نبات الأرض اليابس فطحنوه ثم نثروه فحملته الرياح إلى ~~الجهات الأربع، ثم دفع الأميشا الرياح فحملت الغيوم وأنزلت المطر، فنبتت ~~من بذور الزرع اليابس حياة جديدة، ثم أخذوا بذور الإنسان الأول القتيل ~~فطهروها بضوء الشمس وزرعوها في التربة، فخرجت منها نبتة انطوت أوراقها ~~على الزوجين البشريين الأولين ماشيا وماشيو، وعندما افترقت عنهما الأوراق ~~كانا ملتصقين في وضعية العناق لا يتبين منهما الذكر من الأنثى، فنفخ ~~فيهما الله روحا فانتصبا أمامه بشرا سويا، وقال لهما : أنتما الإنسان، ~~وأنتما سلف العالم، خلقتما كاملين، فحافظا على الفكر الحسن والكلمة ~~الحسنة والعمل الحسن، ولا تخضعا للشيطان، ثم جاء الملائكة وعلموهما ~~إشعال النار واستخدامها وألبسوهما ثيابا من جلد، كما علموهما استخراج ~~المعادن وصنع السكاكين والأدوات، وغير ذلك من التقنيات اللازمة لحياة ~~الإنسان. # بعد ذلك التفت الأميشا سبينتا إلى بقية مظاهر الطبيعة التي زرعت ~~فيها سموم الشر لترميمها، ولكن أنجرا ماينو لم يترك لهم فرصة لإتمام ~~عملهم على أحسنه، فراح يهاجم العالم بكل قواه بمعونة بقية جند الظلام، ~~فجلبوا الأمراض والآلام على الكائنات الحية وصنعوا كل نقيصة مادية، ثم ~~دخلوا في عقل ماشيا وماشيو فزرعوا بذور كل نقيصة أخلاقية. تصدى لهم ~~الأميشا وجندهم، واستمر الصراع ms084 بين الفريقين بلا هوادة وبلا توقف، وهذا ~~الصراع لن يكون له نتائج إيجابية إلا بعون الإنسان الذي يتوجب عليه ~~أن يعي مسئولياته الخلقية في هذه الحياة، ويدعم قوى الخير بفكره وقوله ~~وفعله، وبدون عون الإنسان لن يتم حسم هذا الصراع الكوني ودفع التاريخ إلى ~~مرحلته الأخيرة، عندما يتم تنقية الوجود المادي والروحاني مما داخلهما من ~~خبث. ~~(3-3) مراحل التاريخ وظهور المخلص # لقد عرف أهورا مزدا، الذي يطال علمه البدايات والنهايات، أن آخرة ~~الشر قادمة لا ريب فيها، فوضع خطة للقضاء عليه تتدرج على ثلاث مراحل، ~~يؤشر كل منها لطور من أطوار الزمن. فلقد خلق أهورا مزدا العالم في أكمل ~~وأطيب صورة ممكنة، واستمر على هذه الحالة ردحا من الزمن كان الشيطان ~~خلالها نائما، وهذه هي المرحلة الأولى، مرحلة الخلق الكامل. في المرحلة ~~الثانية يهاجم الشيطان خلق الله ويبث فيه سمومه فيختلط الخير بالشر، ~~وهذه هي مرحلة الامتزاج. في المرحلة الثالثة تبدأ عملية الفصل بين الخير ~~والشر، والتي تنتهي بدحر الشيطان ورهطه ليعود الكون كاملا وطيبا إلى ~~الأبد، ويأتي التاريخ إلى نهايته ليعقبه زمن سرمدي لا تتناوبه التناقضات ~~والمتعارضات، وينتفي منه المرض والألم والحزن والموت. ولقد ابتدأت ~~المرحلة الثالثة بميلاد زرادشت وتأتي إلى خاتمتها بميلاد المخلص ~~المدعو ساوشنياط «أو شوشانز»، وهو الذي يقود المعركة الأخيرة الفاصلة بين ~~قوى النور وقوى الظلام. سوف يولد المخلص من عذراء تحمل به عندما تنزل ~~للاستحمام في بحيرة كانا سافا، فتتسرب إلى رحمها بذور زرادشت التي حفظها ~~الملائكة هناك إلى اليوم الموعود، وبذلك تفتتح فترة التاريخ الأخير ~~بزرادشت وتختتم بمخلص أو مهدي من نسله تحمله أمه بشكل إعجازي، ورغم ~~المعجزة الإلهية التي قادت إلى ولادة هذا المهدي، فإنه يبقى إنسانا ~~مولودا من أبوين بشريين، لأن خلاص العالم في النهاية هو مسئولية ~~الإنسان ويقوده ابن الإنسان الذي سيعلن عن نفسه في الوقت المناسب، ~~فيلقي الرعب في قلوب جند الظلام ويطاردهم في كل مكان ويمحو عن الأرض ~~أثرهم. # تعود فكرة المخلص إلى أناشيد زرادشت القديمة. فلقد بشر بقرب ms085 ~~انتهاء مرحلة التمازج، وحلول مرحلة الفصل الأخيرة، وقرن ذلك بقدوم ~~المخلص، وألمح في أكثر من موضع في مجموعة الغاثا إلى أنه سيأتي من ~~بعده ليحل الحق ويدحر البهتان، ودخلت هذه الفكرة في صلب العقيدة ~~الزرادشتية منذ بداياتها، ولكن الفكرة قد أخذت أشكالا جديدة خلال ~~الفترات اللاحقة. ففي العصر الأخميني قال اللاهوتيون بظهور ثلاثة ~~مخلصين، وذلك في نهاية كل ألفية من الألفيات الأخيرة من عمر الزمن ~~الأرضي. في نهاية الألفية الأولى يظهر المخلص المدعو أوخشتاتريتا، وفي ~~نهاية الألفية الثانية يظهر المدعو أو خشياتنيما، وفي نهاية الألفية ~~الثالثة يظهر المخلص ساوشنياط نسل زرادشت من عذراء البحيرة، ولكن هذه ~~التصورات اللاهوتية اللاحقة لم تتأصل في صميم المعتقد الشعبي، وبقي ~~الناس مثبتين قلوبهم على المخلص الأخير منتظرين ظهوره. ~~(3-4) التصورات الآخروية # يرتبط معتقد نهاية التاريخ ارتباطا وثيقا بمعتقد البعث والحساب ~~والحياة الثانية، فبعد أن دخل الموت في نسيج الحياة خلال فترة التمازج ~~بين الخير والشر، صار الموت نصيب كل كائن حي، وبوابة عبور من حالة ~~الجيتنغ المادية إلى حالة المينوغ الروحانية الهلامية القاصرة. فالأرواح ~~بعد مغادرة الأجساد عقب الموت، تبقى في برزخ المينوغ تنتظر يوم القيامة ~~بشوق وترقب لكي تلتقي بأجسادها التي تبعث من التراب. يحدثنا زرادشت ~~في أناشيد الغاثا عن مصير الروح بعد الموت وأحوالها إلى زمن البعث ~~والنشور. فبعد مفارقتها للجسد تمثل الروح أمام ميترا قاضي العالم الآخر ~~(وهو رئيس فريق الأهورا الذين يشكلون مع الأميشا سبينتا الرهط السماوي ~~المقدس) الذي يحاسبها على ما قدمته في الحياة الدنيا من أجل خير ~~البشرية وخير العالم، ويقف إلى يمين ويسار ميترا مساعداه سرواشا وراشنو ~~اللذان يقومان بوزن أعمال الميت بميزان الحساب، فيضعان حسناته في إحدى ~~الكفتين وسيئاته في الأخرى. وهنا لا تشفع للمرء قرابينه وطقوسه وعباداته ~~الشكلانية، بل أفكاره وأقواله وأفعاله الطيبة، فمن رجحت كفة خيره كان ~~مآله الفردوس، ومن رجحت كفة شره كان مثواه هاوية الجحيم. بعد ذلك تتجه ~~الروح لتعبر صراط المصير، وهو عبارة عن جسر يتسع أمام الروح الطيبة فتسير ~~الهوينى ms086 فوقه إلى الجهة الأخرى نحو بوابة الفردوس، ولكنه يضيق أمام ~~الروح الخبيثة فتتعثر وتسقط لتتلقفها نار جهنم، وهناك أنجرا ماينو نفسه ~~يسوم المذنبين سوء العذاب. أما من تساوت سيئاته وحسناته فيعبر الصراط ~~إلى مكان وسط بين النعيم والجحيم، حيث يستمر في وجود باهت كظل شبحي بلا ~~إحساس. # هذا وتقدم شروحات اللاهوتيين الزرادشتيين مزيدا من التفاصيل حول ~~هذه القيامة الفردية. فبعد أن يودع الميت مثواه الأخير، تمكث روحه عند ~~رأسه ثلاث ليال تتأمل في حسناتها وسيئاتها، وخلال ذلك يزورها ملائكة ~~الرحمة إن كانت من الصالحين فيواسونها، أو شياطين العذاب إن كانت من ~~الكافرين، فيسومونها سوء العذاب. وفي اليوم الرابع تساق الروح إلى جلسة ~~الحساب، وبعد اجتياز الميزان الذي يقرر مكانها تتجه إلى الصراط، وهو ~~عبارة عن جسر يشبه السيف، فإذا كان العابر روحا خبيثة فإن السيف يستدير ~~بطرفه الحاد نحو الأعلى، فتخطو الروح عليه ثلاث خطوات هي الفكر السيئ ~~والقول السيئ والعمل السيئ، وعندما تحاول الخطوة الرابعة تنزلق إلى مهاوي ~~جهنم. أما إذا كان العابر روحا طيبة فإن السيف يستدير بطرفه العريض ~~لتعبره الروح إلى الطرف الآخر بسلام. وفي رواية أخرى، نجد أن الصالح ~~بعد خطوته الأولى على الصراط تهب عليه روائح عطرة آتية من الجنة، وعند ~~منتصف الصراط تظهر له فتاة في ريعان الصبا لم تقع العين في الحياة الدنيا ~~على أجمل منها. فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا عملك الطيب، ثم تأخذ بيده ~~إلى الجنة، وأما الإنسان الطالح فبعد خطوته الأولى على الصراط تهب عليه ~~ريح نتنة من أعماق الجحيم، وعند منتصف الصراط تظهر له عجوز شمطاء نتنة لم ~~تقع العين على أقبح منها. فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا عملك السيئ، ثم ~~تقبل عليه وتعانقه فيهويان معا إلى الجحيم. # يتألف الجحيم من عدة طبقات يقع أسفلها في مركز الأرض، حيث يتكاثف ~~الظلام حتى يمكن إمساكه باليد، وحيث يتصاعد نتن لا تطيقه نفس بشرية أو ~~شيطانية، فتستقبل كل طبقة أهلها حسب فداحة ذنوبهم، وتقدم لهم من ~~صنوف العذاب ما يوازيها. أما ms087 السماء فتتصاعد على ثلاث درجات تقابل ~~الفكر الحسن والقول الحسن والعمل الحسن. فالدرجة الأولى عند خط النجوم، ~~والثانية عند خط القمر، والثالثة عند خط الشمس. فتصعد الروح هذه الدرجات ~~تباعا وصولا إلى السماء العليا غارو-ديمانا، أو مسكن الغناء، وهناك ~~تقيم في بركة وسلام إلى يوم الحساب الأخير. # مع ظهور المخلص ساوشنياط، تحل الأيام الأخيرة وتقترب الساعة. ~~يوم تلفظ الأرض ما اتخمت به من عظام الموتى خلال مراحل التاريخ ~~الثلاثة، ويفرغ الجحيم والفردوس من سكانهما ليعودوا إلى الحشر العظيم. ~~هناك يلتقي من مات منذ آلاف السنين بمن بقي حيا إلى يوم الدينونة، ~~ليأتي الجميع إلى الحساب الأخير. في ذلك اليوم، يسلط الملائكة نارا ~~على الأرض تذيب معادن الجبال وتشكل نهرا من السائل الناري ما من أحد ~~إلا وارده. فأما الأخيار فيعبرونه كمن يخوض في نهر حليب دافئ، وأما ~~الأشرار فينجرفون في التيار الذي يفتيهم ويمحو عن الأرض أثرهم بعد عذاب ~~أليم، ويكون جند الظلام قد اندحروا في المعركة الفاصلة مع جند النور، ~~واستؤصلت شأفتهم، فيغوص نهر النار إلى أعماق الجحيم حيث لجأ أنجرا ماينو ~~ومن بقي معه، فيلتهمهم جميعا ويتم التخلص من آخر بقايا الشر. كما ~~أن الجحيم نفسه يتطهر مثلما تطهرت بقية أجزاء الكون، ويغدو إقليما ~~من أقاليم الأرض الزاهرة، عند ذلك يعيش الذين عبروا نهر النار سالمين في ~~أرض جديدة وتحت سماء، هي الأرض نفسها، والسماء نفسها وقد تطهرتا وصارتا ~~نقيتين إلى الأبد، ثم يقوم أهورا مزدا بإسقاء هؤلاء الأخيار شراب الخلود ~~الذي يجعل أرواحهم وأجسادهم في اتحاد أبدي، ويغدون خالدين في جنة وسعها ~~السماوات والأرض كل بقعة فيها ربيع أخضر دائم، وتحتوي على كل شجر وثمر ~~وزهر. ~~(3-5) الأخلاق والعبادات # الواجب الخلقي # يقف الإنسان على قدم المساواة مع الأميشا سبينتا وبقية الكائنات ~~القدسية في مسئوليته عن مكافحة الشر في العالم، وعليه بالدرجة الأولى ~~أن يعنى بأخيه الإنسان وببقية مخلوقات الأرض، لأنهم جميعا صنعة ~~الله الواحد. كما عليه أن يرعى جسده وروحه معا، وتتحقق رعاية الجسد ~~من اتباع الفرد ms088 لقواعد النظافة والصحة العامة، والاعتدال في الأكل ~~والمشرب وتجنب الإفراط في كل شيء. أما رعاية الروح فتتحقق من اتباع ~~النظام الأخلاقي السليم الذي اختطه النبي، والذي رغم تشعبه يتلخص في ~~ثلاثة عناصر، هي: الفكر الحسن، فلا يتداول الفرد في عقله إلا الأفكار ~~الطيبة ويبعد عنه الأفكار الخبيثة. والقول الحسن، فلا يصدر عنه سوى ~~الكلام الطيب. والعمل الحسن، الذي يفيد به نفسه وعائلته ومجتمعه، ولا ~~يبادر إلى ما فيه أذية مخلوق قط. فالإنسان هو أنبل خلق الله، وعليه أن ~~يستخدم ما وهبه الله من وعي وذكاء لأجل الارتقاء بالعالم نحو المستوى ~~الماجد والجليل الذي ينتظره في آخر الزمان. كما أن الخلاص الذي يسعى ~~إليه الإنسان ليس فقط خلاصا فرديا من ربقة المواد إلى دار الخلود، ~~ولا حتى خلاصا جمعيا للإنسانية طرا، بل هو خلاص للعالم بأسره، ~~لأن الإنسانية تتخذ مكان المركز في خلق الله، وعليها وحدها تقع ~~مسئولية تحرير هذا الخلق بكامله من سلطة الشيطان. # الطقوس والعبادات # كانت الديانة الأصلية التي ~~أسس لها زرادشت ديانة بسيطة لا تعتمد إلا القليل من الطقوس ~~والشكليات الدينية، وفيما عدا الأساطير القليلة الأساسية المتعلقة ~~بنشأة عالم الخير وعالم الشر، وتلك المتعلقة بالمخلص ونهاية الزمن ~~لم يكن للميثولوجيا دور في المعتقد الزرادشتي، وحتى هذه الموضوعات ~~الأسطورية الأساسية لم تعالج في أناشيد الغاثا بأسلوب القص ~~الميثولوجي، وإنما بالإشارات الموجزة والصور الشعرية البالغة ~~التأثير، الأمر الذي ترك شخصياتها أقرب إلى المفاهيم المجردة منها إلى ~~الشخصيات المجسدة. # دعا زرادشت المؤمنين إلى خمس صلوات في اليوم، تقام عند الفجر ~~والظهيرة والعصر والمغرب ومنتصف الليل، وتتخذ صلاتا الظهيرة ومنتصف ~~الليل أهمية خاصة، لأن منتصف النهار هو الوقت الذي تكون فيه قوى ~~النور في ذروة سيطرتها على العالم، الذي يشبه عندها ما كان عليه في ~~كمال البدايات. أما منتصف الليل فهو الوقت الذي تكون فيه قوى الظلام ~~في ذروة فعالياتها، فيقوم المؤمنون لإيقاد النار دعما لقوى النور ~~ولترتيل الصلوات. وتسبق الصلاة عملية الوضوء التي تتضمن غسل الوجه ~~واليدين والقدمين، بعد ذلك يقف ms089 المصلي منتصبا مسبل الذراعين في حضرة ~~أهورا مزدا، ويتلو في صلاته مقاطع خاصة من أناشيد الغاثا، كان زرادشت ~~نفسه يتلوها في صلاته، ولكن بمرور الوقت وغياب لهجة الغاثا القديمة عن ~~الاستخدام اليومي، عمد الكهنة إلى إضافة نشيد طقسي منظوم بلهجة أكثر ~~حداثة يدعى الياسنا، ويتألف من فصول قصيرة تحاكي في بنيتها أسلوب ~~الغاثا. وبينما تكون عينا المصلي مثبتتين على النار المقدسة أمامه، ~~يقوم بحل شاله ويمسك به بكلتا يديه، وفي نهاية الصلاة يقوم المصلي ~~بإعادة الشال إلى وسطه فيلفه ثلاث مرات، ثم يعقده من الأمام ومن الخلف، ~~إشارة إلى عناصر الأخلاق الزرادشتية الثلاثة. وهذا الشال هو الشارة ~~التي يميز بها الزرادشتيون أنفسهم، كما أن حله وإعادة ربطه هو ~~عمل طقسي يرمز إلى تمسك المؤمن بتعاليم النبي وتذكرها على ~~الدوام. # تتجلى بساطة الديانة الأصلية التي بشر بها زرادشت في غياب ~~الهياكل والمعابد والمذابح. فلقد منع زرادشت تشييد المعابد، لأن الله ~~موجود في كل مكان، ويمكن التوجه إليه بالصلاة في أي مكان طاهر، كما ~~منع النبي صنع الصور والمنحوتات لأهورا مزدا ولبقية الكائنات القدسية ~~السماوية، لذا قد خلت المراكز الحضرية للمملكة الأخمينية من المعابد ~~الضخمة التي عرفتها بقية ممالك المنطقة المشرقية، كما سار الملوك ~~الأخمينيون الأوائل على خطى المعلم في تحريمهم للتماثيل والصور، فكانت ~~الصلوات تقام في البيوت أو في أماكن مفرزة للعبادة الهواء في الطلق ~~ومزودة بموقد للنار المقدسة. وقد ذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوتس ~~(485-425ق.م.) أن الفرس كانوا يحتقرون المعابد ويرون فيها خطيئة، ~~لأن الله الذي لا تسعه السماوات والأرض لا يسكن في بيت مصنوع بيد ~~الإنسان. ويصف الجغرافي والمؤرخ الإغريقي سترابو (64ق.م.-23م) بقايا ~~معبد أقامه الملك قورش (557-528ق.م.)، فيقول بأنه كان عبارة عن تلة ~~في الهواء الطلق، محاطة بجدار يصعدها المؤمنون للصلاة. ولكن أردشير ~~الثاني (401-359ق.م.)، الذي جاء بعد قورش بنحو قرن ونصف القرن، خرج على ~~هذه التقاليد، وكان أول من بنى المعابد الضخمة على الطريقة البابلية، ~~وصنع صورا للكائنات السماوية، وهذا ما تبينه لنا آثار العاصمة ~~الفارسية القديمة. # استطاع ms090 أردشير الثاني استمالة فريق من الكهنة إلى معابده، فراحوا ~~يقودون فيها الصلوات، إلا أن فريقا آخر عارض ذلك ورأى فيه ~~انتهاكا للمعتقدات التقليدية. وقد بدأ الكهنة المعارضون، وبدعم من ~~الجماهير المؤمنة، يردون على هذا الإجراء بإقامة معابد لهم تتصدرها ~~شعلة النار المقدسة بدلا من تماثيل الآلهة، وبذلك ظهرت لأول مرة معابد ~~النار في إيران، وشيئا فشيئا أخذت نار المعبد تكتسب قدسية خاصة بها، ~~بعد أن كانت مجرد رمز للألوهة الخافية، وأخذ أهل الديانات الأخرى يصفون ~~الزرادشتيين بأنهم عبدة النار، ومثل هذا الوصف لم يرد في كتابات ~~المؤرخين الذين تحدثوا عن إجلال الإيرانيين للنار دون أن يصلوا حد ~~القول بعبادتها. لقد قاد نشوء معابد النار إلى إحداث تغييرات عميقة في ~~الديانة الزرادشتية، فبعد البساطة التي ميزت الممارسات الدينية في ~~السابق، انتشرت المعابد الدينية الضخمة والباذخة، ونشأت طبقة جديدة من ~~الكهنة المتفرغين لطقوس النار، التي زادت تعقيدا مع الزمن وبعدا عن ~~بساطة الطقوس الأصلية، وقد عرفت هذه الطبقة من كهنة النار تاريخيا ~~باسم ماجي، وباليونانية ماجوس، وبالعربية مجوس. # طقوس الموت # شغلت طقوس الموت حيزا هاما من الطقوس الزرادشتية بعد عصر النبي، ~~وهي تقوم على نظرة زرادشت إلى الموت على أنه ناتج من نواتج فعاليات ~~الشيطان في العالم. فأجساد الأحياء تنتمي إلى عالم أهورا مزدا، أما ~~جثث الموتى فإلى عالم أنجرا ماينو، فهي خبيثة ونجسة، لا فرق بين جثة ~~إنسان وجيفة حيوان، ولا بين جثة إنسان صالح وجثة إنسان شرير. إن لمس ~~أية جثة هو مصدر للنجاسة، وعلى من احتك بها أن يطهر نفسه ~~بالماء، كما أن أي جزء مقتطع من جسم الحي مثل قصاصات الشعر والأظافر ~~هو جزء ميت، ويجب عدم الاحتكاك به، وبالمثل أيضا فإن نفس الزفير ~~الذي يطلقه الكائن الحي من رئتيه هو هواء ملوث بالموت، على عكس نفس ~~الشهيق الذي يحمل الحياة، لهذا كان كهنة النار يضعون كمامات قماشية على ~~أفواههم عندما يقتربون من الشعلة المقدسة. وجميع الحيوانات التي تتغذى ~~على الجثث، مثل النمل والذباب والكلاب والضباع وما إليها ms091 هي حيوانات ~~نجسة يجب قتلها أينما وجدت لأنها وكلاء للشيطان. وقد قاد تابو ~~الموت هذا إلى إفراز جماعة من الاختصاصيين بشئون التخلص من الجثث، ~~وهم الذي يقومون بطقوس الجنازات ويعرفون كيف يطهرون أنفسهم عقبها. ~~أما عن الدفن، فإن صرامة تابو الموت كانت تحظر وضع الموتى على تراب ~~الأرض مباشرة كي لا تلوثه، فكانت الجثة تسجى على مصطبة حجرية في سفح ~~جبل أو في منطقة نائية مهجورة، حيث تترك مكشوفة في العراء حتى تتحلل ~~بتأثير العوامل الطبيعية أو انقضاض الجوارح عليها، وبعد فترة كافية ~~لتحلل الجسد تدفن العظام تحت التراب في انتظار يوم النشور. # قواعد الطهارة # لم تضاه الزرادشتية قبلها ملة في الحفاظ على طهارة الجسم واللبس ~~والمأكل، ويأتي حرص الزرادشتي المبالغ به على النظافة من اعتقاده بأن ~~الفساد والتحلل والعفونة وكل أنواع القذارة هي من عمل أنجرا ماينو. ~~من هنا فإن النظافة والبعد عن الاحتكاك بكل ما هو قذر وملوث شأن ~~يعادل الصلاة والعمل الطيب، لأن في التزام قواعد الطهارة محاربة ~~لقوى الشيطان ووقوفا إلى جانب الرحمن، وبذلك يستطيع الإنسان المساهمة ~~في محاربة الشر الكوني من خلال أدائه لأصغر واجباته اليومية. # لا يمكن سرد قواعد النظافة جميعها التي راكمتها الشريعة الزرادشتية ~~عبر العصور، وإنما يفي بالغرض التعرض لأهمها، وهي المتعلقة بالطعام ~~والماء والنار والدم، فالطعام ينبغي أن يحضر وفق قواعد صارمة تمنع ~~احتكاكه بأي مصدر للقذارة، كما ينبغي أن يؤكل في خشوع مثلما تؤدى ~~الطقوس الدينية، لأن كل مكوناته هي بشكل أو آخر من مخلوقات الله ~~الأخرى. وأما الماء فيجب التأكد من كونه نظيفا وطاهرا، وأنه قد ~~نضح من مصدر غير ملوث قبل استهلاكه في الشرب والطبخ والاغتسال. وفيما ~~يتعلق بالنار المنزلية أو النار الطقسية، فإن وقودها يجب أن يقتصر ~~على القش والعيدان والحطب، وألا يحرق فيها الروث والقمامة وما ~~إليها، وبدلا من حرق فضلات المنازل، فإنها تنقل إلى أماكن بعيدة ~~خاصة، حيث تجري معاملتها بالسوائل الحمضية. ويشكل الدم مصدرا ~~للنجاسة في حال سيلانه من الجسم، لأن هذا السيلان هو ms092 شكل من أشكال ~~اختلال الحالة الفيزيولوجية السليمة للكائن الحي، وعرض من أعراض ~~اقتحام قوى المرض والموت، وعلى المتلوث تطهير نفسه بوسائل شتي تختلف ~~باختلاف كمية الدم ومكان الجرح وملابسات الإصابة، كما أن على النساء ~~في فترة الطمث عدم ممارسة الطبخ والأعمال المنزلية، ومراعاة عدد من ~~قواعد الغسل والطهارة. # وبما أنه يصعب على المرء تجنب الاحتكاك بمصادر النجاسة تجنبا ~~مطلقا، فقد وضع فقهاء الشريعة أصولا معينة للتطهير بما يتناسب مع ~~درجة التلوث، وغالبا ما يوصى المتنجس بالاغتسال بالماء من رأسه إلى ~~أخمص قدميه، غير أن بعض درجات التلوث تستدعي الاستعانة بالكاهن الذي ~~يقوم بتلاوة الآيات المقدسة، ويسير بالمتنجس عبر مراحل تطهيرية ~~متعددة قد تستمر بضعة أيام، وتشغل هذه الإجراءات التطهيرية وكيفية ~~تطبيقها حيزا من برامج إعداد وتدريب الكهنة الذين يتوجب عليهم أنفسهم ~~مراعاة أدق وأصعب قواعد النظافة والطهارة. ~~(3-6) التطور التاريخي # بعد وفاة زرادشت بقيت تعاليمه الأصلية التي بثها في أناشيد الغاثا، ~~بمثابة الإنجيل الذي يحفظ جوهر الدين ويجمع المؤمنين حول العقيدة ~~والأخلاقيات والشعائر الزرادشتية. ونستدل من لهجة الغاثا المغرقة في ~~القدم، أنها قد حفظت في شكلها الأصلي، دون أن يمسها تعديل جوهري عبر ~~التداول الشفهي الطويل الذي سبق عصر التدوين، ولكن الشكل الأدبي الرفيع ~~الذي صيغت به الأناشيد وأسلوبها المختصر البليغ، قد دعا الكهنة إلى ~~التوسط من أجل شرحها وبسط وتطوير أفكارها للناس العاديين، وقد تراكمت ~~هذه الشروحات تدريجيا حتى شكلت مصدرا آخر من مصادر الدين الزرادشتي، ~~وبذلك ولدت مجموعة الأفيستا والأفيستا الصغرى، اللتين اتخذتا شكلهما ~~شبه التام نحو نهايات الفترة الأخمينية، ثم تطلبت الأفيستا بدورها الشرح ~~والتفسير، فنشأ على هامشها كتاب الزند، أو الزند أفيستا (أي شروحات ~~وتعليقات على الأفيستا). لم تدون هذه الأدبيات الدينية خلال الفترة ~~الأخمينية بسبب عزوف الكهنة عن استخدام الكتابة لحفظ النصوص المقدسة، ~~لأنهم رأوا في الكتابة شأنا دنيويا واعتبروها تدنيسا للنص، ولكن ~~الأفيستا صارت مهددة بالضياع عقب غزو الإسكندر المقدوني وما تلاه من ~~فترة النفوذ السلوقية، فأمر الملك البارثي فلاكش (حوالي عام 60ق.م.) بجمع ms093 ~~أسفارها من شتى المناطق ومقارنتها من أجل تثبيتها كتابة في صيغتها ~~النهائية المعتمدة، غير أن هذه المهمة لم تنجز كاملة إلا في عصر ~~الملك الساساني كسرى أنو شروان، عندما تم تدوين الأفيستا في واحد ~~وعشرين جزءا يتصدرها الجزء الخاص بأناشيد الغاثا. # ولقد لعب كهنة الماجي، أو المجوس، دورا مهما في تحرير وتطوير ~~الأفيستا، وهؤلاء المجوس ينتمون إلى قبيلة ماجي، وهي قبيلة متخصصة في ~~الشئون الدينية، يغلب أنها من أصول ميدية، ويرجح بعض الباحثين أن ~~المجوس كانوا على الديانة الإيرانية التقليدية ثم تحولوا إلى ~~الزرادشتية حتى لا يخسروا مكانتهم الاجتماعية، وبثوا فيها الكثير من ~~معتقداتهم وأفكارهم وطقوسهم القديمة، لهذا السبب عرفوا في العالم القديم ~~في استقلال عن الدين الزرادشتي باعتبارهم حكماء متضلعين بالسحر والتنجيم ~~والمعارف السرانية. لقد أدخل المجوس العديد من آلهة الديانة ~~الهندو-إيرانية القديمة إلى المعتقد الزرادشتي، كما تبنوا بعضا من آلهة ~~البانثيون الرافدي، وعلى رأسها عشتار، التي اتخذت في إيران اسم أناهيتا ~~أي البتول، وأخذت عبادة أناهيتا بالانتشار منذ عهد الملك الأخميني أردشير ~~الثاني، الذي كان أول من بنى المعابد وصنع صورا للكائنات القدسية. كما ~~وسع المجوس مفهوم زرادشت عن قوى النور وقوى الظلام وبنوا حوله لاهوتا ~~متكاملا عن مجمع الملائكة ومجمع الشياطين، فصارت الملائكة التي تعمل تحت ~~إمرة الأميشا سبينتا تعد بالآلاف، وكذلك الشياطين التي تعمل تحت إمرة ~~أنجرا ماينو، وتحول الأميشا سبينتا من قوى مجردة غير مشخصة إلى كائنات ~~إلهية لكل منها وظيفة محددة في نظام الكون والطبيعة، وصارت فروض العبادة ~~والتقديس تقدم إليها بما هي كذلك. ومن أهم التحريفات التي أدخلها ~~المجوس على العقيدة الزرادشتية، أنهم جعلوا أنجرا ماينو على قدم ~~المساواة مع أهورا مزدا، ونظروا إليهما كخصمين متصارعين منذ البداية. ~~وبذلك تحول أهورا مزدا من إله يسمو فوق الروحين المتنافسين اللذين صدرا ~~عنه، إلى طرف مباشر في الثنوية الكونية. # وفي عقيدة الزورفانية، التي طورها فريق من المجوس، صار أهورا مزدا ~~وأنجرا ماينو، الذي اتخذ اسم أهريمان، ابنين توءمين للإله زورفان وهو ~~الزمان. وقد عهد زورفان ms094 إلى أهورا مزدا بمهمة خلق العالم ليغدو مسرحا ~~للصراع المكشوف بين قوى الخير وقوى الشر، وحدد لصراعهما فترة محددة ~~تنتهي بغلبة أهورا مزدا على خصمه أهريمان. وبقي زورفان بمثابة العلة ~~الأولى والإطار الذي تجري ضمنه أحداث الكون. وقد انتقلت هذه العقيدة من ~~هرطقة تعيش على هامش زرادشتية الأفيستا إلى دين رسمي للدولة في عهد ~~الساسانيين الذين حولوا الزرادشتية من ديانة عالمية تتوجه لجميع بني ~~البشر، إلى ديانة قومية خاصة بإيران، وهذا ما أضعف موقف الزرادشتية تجاه ~~الديانات العالمية اللاحقة وخصوصا المانوية ثم المسيحية ~~فالإسلام. ~~(3-7) خلاصة: ميراث الزرادشتية # رغم امتلاك الزرادشتية لكل مقومات الديانة الشمولية العالمية، إلا ~~أنها لم تمارس نشاطا تبشيريا خارج إيران بعد موت معلمها، ورغم ~~ذلك فقد انتشرت الأفكار الزرادشتية شرقا وغربا ودخلت في نسيج الديانات ~~اللاحقة لها، حتى وصلت تأثيراتها إلى بوذية المهايانا في الصين. أما ~~تأثيراتها المشرقية فتعزى بالدرجة الأولى إلى عودة المهجرين اليهود ~~الذي سباهم ملوك آشور وكلدان. فلقد طالت سياسة التهجير كل المناطق ~~الواقعة تحت سيطرة آشور من إيران والخليج العربي صعودا إلى جبال طوروس ~~فهبوطا نحو الساحل الفينيقي وصولا إلى حدود مصر. وقد وصلنا حتى الآن ~~150 نصا آشوريا تذكر عمليات ترحيل واسعة النطاق، والشعوب التي طالتها ~~هذه العمليات، والمناطق التي تم تهجيرها إليها، ومنها نعرف أن الجزء ~~الأكبر من عمليات الترحيل كان باتجاه مناطق آشور الرئيسية في مدن العاصمة ~~آشور وكالح ونينوى ودور شاروكين. وعندما دمر الكلدانيون آشور تابعوا ~~سياسة السبي والتهجير ولكن على نطاق أقل بكثير، ثم ورث الفرس الأخمينيون ~~الإمبراطورية الكلدانية، وأعلن الملك قورش من بابل بيانه المشهور الذي ~~يتضمن السماح للشعوب المسبية بالعودة إلى مواطنها وبينها سبي يهوذا، ~~ولكن هذه العودة لم تتم بين ليلة وضحاها بل استغرقت أكثر من قرن من ~~الزمان، وهي فترة كافية لاحتكاك المسبيين بالفرس عن قرب والتأثر بأفكارهم ~~الدينية. # قدمت الزرادشتية عددا من الأفكار الجديدة على تاريخ الدين، بعضها ~~ما زال فاعلا ومؤثرا في الحياة الروحية لمليارات البشر في شتى أنحاء ~~المعمورة، وأهمها: ms095 ~~(1) # التاريخ الدينامي: # حيث يسعى ~~الزمن بين بداية محددة هي زمن الخلق والتكوين، ونهاية محددة يعقبها ~~تحويل كامل للوجود بأسره إلى مستوى ماجد وجليل يليق بخلق الله. ففي ~~مقابل مفهوم التاريخ المفتوح للديانات الشرق أوسطية، والتاريخ ~~الدائري المغلق للديانات الهندية والشرق أقصوية، قدم زرادشت ~~مفهوما عن تاريخ ذي معنى يسعى أبدأ نحو غاية مثلى يحققها الكون ~~والطبيعة والمجتمع الإنساني من خلال عملية تطوير وتطهير دائبة ~~ومتصاعدة. ~~(2) # الطبيعة الأخلاقية للوجود: # فالإله الأعلى إله ~~أخلاقي، والعلاقة بين الله والإنسان علاقة أخلاقية بالدرجة الأولى، ~~أما الطقوس والعبادات فليست وسيلة لإظهار الخضوع للخالق، بل هي ~~تنقية للنفس من شوائب الشر وتقويتها على قاومته، ثم إن الأخلاق ~~تتجاوز علاقة الله بالإنسان وعلاقة الإنسان بأخيه، لتغدو مبدأ ~~مزروعا في صميم الخليقة بأكملها، فالكون ذو معنى أخلاقي وصيرورة ~~الوجود قد اكتسبت طابعا أخلاقيا منذ البداية. ~~(3) # تعاون الله والإنسانية: # الإنسان شريك لله في المشروع الكوني الرامي إلى مكافحة الشيطان ~~واستعادة كمال البدايات. إن أقصى ما يصبو إليه الإنسان في ديانات ~~الشرق القديم هو اكتناه مشيئة الآلهة والتطابق معها، خلال حياة لا ~~معنى لها ولا غاية وزمن مفتوح على اللانهاية، كما أن أقصى ما ~~يصبو إليه الإنسان في ديانات الشرق الأقصى هو فهم العالم وليس ~~إصلاحه، فالعالم غير قابل للإصلاح، وهو يسير وفق قوانين أزلية ~~ثابتة في دورة تكرارية أزلية أبدية. أما الزرادشتية فترى أن ~~العالم قابل للإصلاح والتغيير بشكل جذري، ومسئولية هذا الإصلاح تقع ~~على عاتق الإنسان بالدرجة الأولى. ~~(4) # وحدانية الإله: # رغم وجود ~~اتجاهات توحيدية واضحة في الديانات السابقة على الزرادشتية، سواء ~~في مصر أم سورية وبلاد الرافدين، إلا أن زرادشت كان أول من ~~قدم مفهوما صافيا عن التوحيد وصاغه في أيديولوجيا متماسكة ~~ومتكاملة. ~~(5) # أصل الشر وفكرة الشيطان: # رغم ~~وجود الكائنات الما ورائية الشريرة في المعتقدات الدينية عبر ~~التاريخ، إلا أن زرادشت كان أول من تصور وجود مبدأ كوني ~~للشر، هو علة الفساد والنموذج البدئي لكل الشرور المتبدية في ~~العالم، وجسد هذا المبدأ في شخصية ما ورائية كبرى، وبذلك ms096 قدمت ~~الزرادشتية أول تفسير مقبول لوجود الشر في العالم، وعلى الرغم من ~~قوة الشيطان ومنازعته للرحمن السلطة على العالم، إلا أنه ليس ~~إلها أزليا ولا خالدا ولسوف يئول إلى الخسران أخيرا، وبذلك ~~يكون المعتقد الزرادشتي ثنويا في نظرته إلى العالم في حالته ~~الراهنة التي تمتزج فيها عناصر الخير بعناصر الشر، وتوحيديا ~~صافيا في نظرته إلى جوهر الكون وحقيقته ومآله. ~~(6) # حرية الإنسان: # عندما خلق ~~الله الكائنات السماوية والكائنات البشرية، وهبها الخاصية الأساسية ~~التي تميز الوعي عن المادة الجامدة، وهي الحرية، لأن الوعي ~~بدون الحرية ليس إلا شكلا آخر من أشكال وجود الجمادات. فالإنسان ~~مخير في حياته ولا يخضع لأية جبرية، وحريته هذه تستدعي ~~مسئوليته، كما تستدعي في النهاية محاسبته، لأن كل مسئول محاسب، ~~ولا حساب حيث لا مسئولية. ~~(7) # مفهوم الإنسانية: # لأول مرة ~~في تاريخ الفكر الإنساني، يظهر في الزرادشتية مفهوم واضح عن ~~«الإنسانية»، فالإنسانية ليست تجمعا لأفراد يعنى كل منهم بمصيره ~~ويسعى لخلاص خاص به، بل هي مجتمع موحد بجميع فئاته وقومياته ~~وأقاليمه، يلعب دورا واحدا في حركة التاريخ ومآله. ~~(8) # المسيانية: # يتوج كفاح ~~الإنسانية ضد الشر بظهور المخلص، وهذا المخلص رغم تفوقه ~~وكماله، إلا أنه إنسان حقيقي ومن أبوين بشريين رغم ميلاده ~~الإعجازي من بذور زرادشت المحفوظة في البحيرة. إنه بشكل ما نموذج ~~الإنسان الأسمى الذي أنتجته الإنسانية عبر مخاضها الطويل لكي ~~يتوج مهمتها. هذه التصورات الدينية المتعلقة بالمخلص المنتظر، ~~دعيت لاحقا بالمسيانية نسبة إلى كلمة ميسيا، وهي كلمة ~~آرامية-عبرانية تعني المسيح المنتظر في آخر الدهر. # 3 ~~(9) # مصير الروح: # تشبه التصورات ~~الزرادشتية حول مصير الروح إلى حد بعيد التصورات الأوزيرية في ~~الديانة المصرية، فأرواح الموتى تغادر أجسادها بعد الموت لتتجه ~~إلى مكان الحساب، حيث توزن حسناتها وسيئاتها، فإما إلى نعيم ~~وإما إلى جحيم، ولكن الأوزيرية لم تربط مسألة الثواب والعقاب ~~بتصور واضح عن حركة التاريخ، لأنها رأت في الزمن سيالة مفتوحة ~~على اللانهاية شأنها في ذلك شأن بقية معتقدات الشرق الأوسطية. ~~أما الزرادشتية فقد وضعت فكرة الثواب والعقاب في سياق مفهوم ms097 ~~ومتسق عن تاريخ دينامي ذي معنى وغاية، وربطتها بمفهوم الحرية ~~والمسئولية، كما ربطت مسألة الخلود بالتصورات الآخروية عن نهاية ~~الزمن وتجديد العالم. ~~(10) # نهاية الزمن وتجديد العالم: # ليست فكرة فناء العالم القديم وتجديده بالفكرة الغريبة تماما في ~~تاريخ الدين، ففي العديد من ميثولوجيات العالم القديم نجد أن ~~العالم يفنى، إما بطوفان شامل أو بنار سماوية، ثم يعود سيرته ~~الأولى. وفي الهندوسية يتم تدمير العالم وإعادة خلقه عقب كل دورة ~~كونية كبرى، ولكن جديد الزرادشتية هو تقديمها لأول مرة مفهوما عن ~~نهاية العالم مرتبطا بنهاية الزمن ونهاية التاريخ. فالعالم لا ~~يفنى لكي يعود سيرته الأولى ضمن الزمن الخطي نفسه أو الزمن الدوري ~~التناوبي، لأن نهاية العالم تعني في الزرادشتية تغييره جذريا، ~~والخروج به من الزمن ومن التاريخ إلى السرمدية، يضاف إلى ذلك أن ~~تجديد العالم يترافق مع البعث العام للأجساد وعودة الأرواح للقاء ~~أجسادها والاتحاد بها اتحادا أبديا لا ينفصم، وهي فكرة جديدة ~~كليا على تاريخ الدين. # هذا هو ميراث الزرادشتية الذي يجعل منها نقطة علام بارزة في تاريخ ~~الدين الإنساني، وإلى درجة يمكن معها تقسيم هذا التاريخ إلى ما قبل ~~الزرادشتية وما بعدها. # مراجع المادة المعلوماتية المستخدمة في هذا الفصل ~~(1) # Mary Boyce, Zoroastrians, Rotledge, London ~~1985. ~~(2) # R. C. Zaehner: The Dawn and Twilight of ~~Zaroastrianism, Panta’s Sons, London 1961. ~~(3) # J. B. Noss, Man’s Religions, McMillan, London ~~1974, p. 336 ff. ~~(4) # Joseph Campbell, Occidental Mythology, Penguin, London 1977, p. 189 ff. ~~(5) # Gerardo Gonoli, Zoroastrianism. In: ~~Encyclopedia of Religion, McMillan: London 1987, vol. ~~15. ~~(6) # The New Encyclopedia Britanica: ~~15 # th # Edition. # الفصل الخامس # | الشيطان في التوراة بين إشكالية التوحيد ~~وإشكالية الأخلاق # يعزو الباحثون الغربيون غياب شخصية الشيطان الكوني عن المعتقد التوراتي ~~إلى حرص محرري التوراة على وحدانية يهوه، وتنقية مفهوم الإله الأعلى من أية ~~ظلال قد تجنح به إلى ثنوية أو تعددية كان الدين الشعبي اليهودي ميالا ~~إليها على الدوام. ولكن الأمر كما نراه، هو أن غياب الشيطان الكوني واقتصار ~~ممثل الشر في التوراة على دور ثانوي جدا، يرجع ms098 بالدرجة الأولى إلى قيام ~~إشكاليتين رئيستين لم يتوصل الفكر التوراتي إلى حلهما حتى نهاية فترة تدوين ~~الأسفار القانونية، وهما إشكالية التوحيد وإشكالية الأخلاق. فمن جهة أولى، لم ~~تتوصل الأيديولوجيا التوراتية إلى مفهوم صاف للوحدانية بخصوص الإله يهوه، ~~كما لم تتوصل إلى ربط الأخلاق بالدين وإلى رسم صورة إله أخلاقي يجمع إليه ~~كل الكمالات، ويؤسس لصلة بينه وبين العالم والإنسان قائمة على الأخلاق، ~~الأمر الذي حرم الأيديولوجيا التوراتية من أهم عنصرين لازمين لبناء شخصية ~~متكاملة للشيطان في أي معتقد ديني. ~~(1) إشكالية التوحيد # لكي نفهم إشكالية التوحيد في التوراة، علينا أن نوضح، ابتداء، الفرق ~~بين مفهومين دينيين يجري الخلط بينهما في معظم الأحيان، وهما مفهوم التوحيد ~~ومفهوم وحدانية العبادة. فالتوحيد هو الاهتداء إلى فكرة الله. والله ليس ~~إلها أعلى شأنا من بقية الآلهة المتحكمة في مظاهر الطبيعة وما وراء ~~الطبيعة، بل هو الألوهة الوحيدة الخافية، والمتبدية في كل مظاهر الكون ~~والطبيعة، إنه العلة الأولى والمآل الأخير، مبتدأ السببية ونهايتها، ~~أما وحدانية العبادة فهي شكل من أشكال التعددية (= الشرك = الوثنية)، ~~يتميز بعبادة إله واحد والإخلاص له من دون بقية الآلهة، التي لا ينكر ~~وجودها وإنما تستبعد من الحياة الدينية للجماعة لصالح ذلك الإله المعبود. ~~اعتمادا على هذا التمييز بين المفهومين، يمكننا القول بأن المعتقد ~~التوراتي كان معتقد وحدانية عبادة لا معتقد توحيد بالمعنى الدقيق للمصطلح، ~~وإن الانتقال من المفهوم الأول إلى الثاني لم يتحقق تماما، حتى في ~~أسفار الأنبياء التي وصلت إلى عتبة التوحيد دون أن تتخلص من الإرث ~~الأيديولوجي التقليدي. # لقد نشأت وحدانية العبادة في التوراة عندما قام أحد الآلهة الفلسطينية ~~المدعو يهوه بإبرام عقد بينه وبين الأسلاف المفترضين لبني إسرائيل، ومضمون ~~هذا العقد (الذي سمي عهدا) هو أن يعبد أولئك الأسلاف وذريتهم من بعدهم ~~الإله يهوه من دون بقية الآلهة، مقابل تقديمه الحماية والعون لهم وإعطائهم ~~أرض كنعان (= فلسطين) ملكا لهم بعد انتزاعها من أهلها. نقرأ في سفر ~~التكوين 17 عن أول صيغة لهذا العقد بين يهوه والأب الأول إبراهيم: «وأقيم ms099 ~~عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم، عهدا أبديا، لأكون إلها ~~لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ~~ملكا أبديا، وأكون إلههم» (17: 7-8). ثم يجدد يهوه عقده هذا مع ~~إسحاق وابنه يعقوب من بعده، وبعد ذلك بأكثر من أربعمائة سنة يعود إلى تجديد ~~العهد مع موسى وشعبه، لقاء إخراجهم من مصر وتحريرهم من العبودية. نقرأ في ~~سفر الخروج 6 على لسان يهوه: «قد سمعت أنين بني إسرائيل وتذكرت عهدي، ~~لذلك قل لبني إسرائيل: أنا الرب، وأنا أخرجكم من تحت أثقال المصريين، ~~وأتخذكم لي شعبا وأكون لكم إلها وأدخلكم إلى الأرض التي رفعت يدي ~~أعطيها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأعطيكم إياها ميراثا» (6: 6-8). # يتضح لنا معتقد وحدانية العبادة منذ أول وصية تصدرت الشريعة التي ~~أنزلها يهوه على موسى. نقرأ في سفر الخروج، 20: «ثم تكلم الرب بجميع هذه ~~الكلمات قائلا: أنا الرب الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن ~~لك آلهة أخرى أمامي، لأني أنا الرب إلهك، إله غيور» (20: 1-5). ففي هذا ~~المقطع الذي سوف يتكرر مضمونه حتى آخر الأسفار، نلاحظ أن يهوه لا ~~يدعي الوحدانية، وإنما يطالب بأن يكون المعبود الوحيد من دون بقية ~~الآلهة التي تثير غيرته، فهو إله غيور، لا يحتمل وجود آلهة أخرى إلى ~~جانبه، على عكس بقية آلهة الشرق القديم التي لم تستبعد بعضها بعضا، ~~وإنما شكلت فيما بينها مجتمعا منظما أدق التنظيم. وها هو يخاطب موسى ~~مرة أخرى مؤكدا على صفة الغيرة الشديدة عنده: «فإنك لا تسجد لإله آخر، ~~لأن الرب اسمه غيور، إله غيور» (الخروج، 34: 14). وغيرته تشبه نارا ~~آكلة: «احترزوا أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم، لأن الرب إلهك ~~هو نار آكلة، إله غيور» (التثنية، 4: 23-24). وتماثيل الآلهة الأخرى تدعى ~~بتماثيل الغيرة، وهي تهيج غيرة يهوه. نقرأ في رؤيا النبي حزقيال: «وأتى ~~بي الملاك إلى أورشليم، إلى مدخل الباب الداخلي المتجه نحو الشمال حيث مجلس ~~تمثال الغيرة، المهيج للغيرة» (حزقيال، 3: 8). وعندما يجدد ms100 يشوع عهد ~~الشعب مع يهوه بعد موت موسى يذكرهم بغيرة الرب: «فالآن اخشوا الرب ~~واعبدوه، وانزعوا الآلهة التي عبدها آباؤكم واعبدوا الرب. وإن ساء في ~~أعينكم أن تعبدوا الرب فاختاروا لأنفسكم اليوم من تعبدون. وأما أنا وأهل ~~بيتي فنعبد الرب. فأجابه الشعب وقالوا: حاشا لنا أن نترك الرب لنعبد آلهة ~~أخرى، لأنه هو إلهنا. قال يشوع للشعب ... إله غيور هو، لا يغفر ذنوبكم ~~وخطاياكم. وإذا تركتم الرب وعبدتم آلهة غريبة يرجع ويسيء إليكم ويفنيكم» ~~(يشوع، 34: 14-20). # وغالبا ما يوصف يهوه بأنه الأعظم بين الآلهة: «من مثلك بين الآلهة ~~يا رب، من مثلك معتزا بالقداسة» (الخروج، 15: 11). وأيضا: «أي إله عظيم ~~مثل الله» # 1 ~~(المزمور 77: 13). وأيضا «يا رب، إله الجنود، من مثلك إله ~~قوي، وحقك، من حولك» (المزمور 8: 89). كما يلقب بإله الآلهة: «فأجاب بنو ~~رأوبين وقالوا: إله الآلهة، الرب إله الآلهة» (يشوع، 22: 21). وأيضا: «إله ~~الآلهة، الرب تكلم، ودعا الأرض من مشرق الشمس إلى مغربها» (المزمور 50: 1). ~~ونجده أحيانا واقفا بين الآلهة يصدر إليهم الأوامر: «الله قائم في مجمع ~~الله. في وسط الآلهة يقضي: حتى متى تقضون جورا وترفعون وجوه الأشرار؟ ... ~~أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم، ولكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء ~~تسقطون» (المزمور 82: 1-6). إن هذا المقطع رغم غموضه وغموض هوية أولئك ~~الآلهة التي يشير إليها، ليؤكد فكرة مجمع الآلهة التي تظهر في مواضع أخرى ~~أيضا: «لأنه من يعادل في السماء الرب؟ من يشبه الرب بين أبناء الله؟ إله ~~مهوب جدا في جماعة القديسين، ومخوف عند جميع الذين حوله» (المزمور 89: ~~6-7). وجماعة القديسين في هذا المزمور هم أبناء القدس نسل الإله إيل ~~المذكورون في نصوص أوغاريت. نقرأ في النص 129 من ملحمة بعل وعناة على لسان ~~بعل ما يلي: «أنا ليس لي بيت كما للآلهة، وليس لي مسكن كما لبني القدس.» ~~إن مؤدى الفقرة المقتبسة أعلاه من المزمور 89 لتدل بجلاء على أن يهوه ~~ليس الإله الأعلى بل واحدا من أبنائه وأعظمهم شأنا، وهذا ما نجده في ~~مزمور إشكالي آخر يقول ms101 على لسان داود: «قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى ~~أضع أعداءك موطئا لقدميك» (المزمور 110: 1). # وإذا كان التنزيه ملازما لمفهوم الله الواحد المتعالي عن الوصف، فإن ~~التشبيه ملازم لمفهوم التعددية. ولعلنا غير واجدين بين جميع آلهة المشرق ~~القديم إلها أكثر شبها بالبشر من إله التوراة. ففي سفر التكوين نجده يقوم ~~بزيارة ودية لمضرب خيام إبراهيم ومعه اثنان من أتباعه، فيتكئون تحت الشجرة ~~ويأكلون عجلا طبخته سارة زوجة إبراهيم. نقرأ في الإصحاح 18: «وظهر له الرب ~~عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه وإذا ~~ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى ~~الأرض وقال: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك. ليؤخذ ~~قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة، فآخذ كسرة خبز فتسندون ~~قلوبكم ثم تجتازون. فقالوا هكذا نفعل» (18: 1-5). «وفيما هم يستريحون من ~~وعثاء السفر، أمر إبراهيم أحد غلمانه بذبح عجل طري أعطاه لزوجته فطبخته، ~~وعجنت خبزا وجهزت زبدا ولبنا، ووضع إبراهيم ذلك كله أمام ضيوفه فأكلوا ~~وشبعوا» (18: 6-9). ثم قام الضيوف ومشى إبراهيم معهم ليشيعهم. وفيما هو ~~يسير جنب الرب، بثه يهوه مكنونات قلبه: «وكان إبراهيم ماشيا معهم ~~ليشيعهم. فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله، وإبراهيم يكون أمة ~~كبيرة وقوية ويتبارك به جميع الأمم ... إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، ~~وخطيتهم قد عظمت جدا» (18: 16-20). # بعد ذلك يظهر يهوه ليعقوب حفيد إبراهيم، ولكن بطريقة أكثر درامية، ~~فعندما وصل يعقوب أرض كنعان قادما مع أسرته من آرام النهرين حيث تغرب ~~مدة طويلة، ظهر له إنسان عند موقع يدعى مخاضة يبوق وصارعه ليلا، وعندما ~~لم يقدر عليه حتى طلوع الفجر ضربه في موضع الحق من فخذه «وهو رأس الورك»، ~~فانخلع حق يعقوب ولكنه بقي ممسكا بخصمه الذي استغاث طالبا إطلاقه، ولم ~~يكن هذا الخصم المستغيث سوى يهوه نفسه. نقرأ في سفر التكوين، 32: «فبقي ~~يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه ms102 لا يقدر عليه ~~ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني لأنه ~~قد طلع الفجر. فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال: ما اسمك؟ فقال: ~~يعقوب. فقال: لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع ~~الله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن ~~اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب المكان فنيئيل قائلا: لأني نظرت الله وجها ~~لوجه ونجيت نفسي» (32: 22-30). # وقد رآه موسى مرتين رؤية العين، في المرة الأولى من قفا وفي الثانية ~~من أمام. نقرأ في سفر الخروج، 33: «فقال - موسى - أرني مجدك. فقال: لا تقدر ~~أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش. هو ذا عندي مكان، فتقف على ~~الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى ~~أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا يري» (33: 18-23). ورغم ~~هذا التحذير من رؤية وجه الرب فقد سمح يهوه في مناسبة أخرى لموسى وسبعين ~~شيخا من شيوخ إسرائيل أن يروه وجها لوجه على جبل سيناء. نقرأ في الخروج ~~24: «ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون شيخا معه من شيوخ إسرائيل، ~~ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق وكذات السماء في ~~النقاوة، ولكن لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل، فرأوا الله وأكلوا وشربوا» ~~(24: 9-11). وهناك مواجهة ثالثة ذات طابع عنيف بين يهوه وموسى. فبينما موسى ~~عائد إلى مصر من مديان ومعه صفورة زوجته وابنهما، ظهر له الرب وأراد أن ~~يقتله لأن صفورة مانعت في ختان ابنها، فأسرعت صفورة وأمسكت بحجر صوان ~~مسنون وختنت ابنها ثم مست رجلي يهوه. ولمس الرجلين هنا على ما نعرف من ~~مواضع أخرى في الكتاب هو كناية عن لمس الأعضاء التناسلية. نقرأ في الخروج ~~4: «وحدث في الطريق أن الرب التقاه وطلب أن يقتله، فأخذت صفورة صوانة ~~وقطعت غرلة ابنها، ومست رجليه فقالت: إنك عريس دم لي، فانفك عنه» (4: ~~24-26). # وفي مواضع كثيرة يستخدم النص ~~تعبير «ملاك الرب» كناية ms103 عن حضور يهوه المرئي. نقرأ في سفر القضاة عن رؤية ~~أبوي شمشون للرب الذي جاء يبشرهما بمولد غلام يحرر إسرائيل من ~~أعدائها: «فقال منوح لملاك الرب ما اسمك حتى إذا جاء كلامك نكرمك. فقال ~~له ملاك الرب لماذا تسأل عن اسمي وهو عجيب. فأخذ منوح جدي المعزى والتقدمة ~~وأصعدهما على الصخرة للرب. فعمل عملا عجيبا، ومنوح وامرأته ينظران، فكان ~~عند صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح ~~ومنوح وامرأته ينظران، فسقطا على وجهيهما إلى الأرض ... فقال منوح لامرأته ~~نموت موتا لأننا قد رأينا الله» (13: 17-22). إلى جانب هذه الظهورات ~~التي يبدو فيها يهوه كإنسان عادي أو كجني ليلي يخاف طلوع الفجر، أو كعفريت ~~شاهرا سيفه للقتل، هناك ظهورات يبدو فيها يهوه في هيئة الملك الشرقي ~~الجالس على العرش، على هذه الصورة رآه النبي إشعيا في الهيكل رؤية العين ~~وسمع من فمه: «في سنة غزيا الملك، رأيت السيد جالسا على كرسي عال ومرتفع ~~وأذياله تملأ الهيكل ... فقلت ويلي إني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ~~ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود» (إشعيا، 6: ~~1-5). # هذا وتنعكس إشكالية التوحيد في النص التوراتي على موقف الشخصيات ~~الرئيسية في القصة التوراتية من هذه المسألة، وعلى سلوك الجماعة بأسرها، ~~فلا قادة الشعب التزموا عبادة يهوه وحده، ولا بقية الشعب من ورائهم أيضا، ~~وبما أن قائمة الشواهد من الكتاب تطول حتى تغطي عشرات الصفحات، فإننا ~~سنكتفي هنا بإيراد شاهد واحد من كل حقبة من أحقاب الرواية ~~التوراتية. # في سفر التكوين الذي يسرد قصص الآباء الأولين من إبراهيم إلى يعقوب ~~والأسباط، لدينا العديد من الشواهد النصية على أن الآلهة الأخرى كانت ~~مبجلة في بيوت أولئك الآباء. نقرأ في الإصحاح 35: «ثم قال الله ليعقوب ~~قم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك واصنع مذبحا لله ... فقال يعقوب لبيته ولكل ~~من كان معه: اعزلوا الآلهة الغريبة من بينكم وتطهروا وأبدلوا ثيابكم» (35: ~~1-2). وفي سفر الخروج، وبعد ثلاثة شهور فقط ms104 على هروب بني إسرائيل من مصر، ~~لم يجد هارون أخو موسى غضاضة في صنع تمثال للعجل، يتعبد له بنو إسرائيل ~~أثناء غياب موسى الطويل على جبل سيناء: «قال الشعب لهارون: قم اصنع آلهة ~~تسير أمامنا لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من مصر، لا نعلم ماذا أصابه. ~~فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم ~~وأتوني بها ... فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلا مسبوكا. ~~فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من مصر» (32: 1-4). وعندما وصل ~~موسى بقومه إلى شرقي الأردن بعد أربعين سنة، لم يكن موقف الشعب من يهوه قد ~~تغير: «ابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب، فدعون الشعب إلى ذبائح آلهتهن، ~~فأكل الشعب وسجد لآلهتهن، وتعلق الشعب ببعل فغور «إله موآب»، فحمي غضب ~~الرب على إسرائيل» (العدد، 25: 1-3). # وبعد موت موسى واجتياز خليفته يشوع بن نون نهر الأردن إلى أرض كنعان ~~التي غنمها ووزعها على القبائل الاثني عشر، كانت الآلهة الغريبة ترافقهم في ~~حلهم وترحالهم. وتوفي يشوع بن نون وهو يوصيهم بنزعها: «فالآن، انزعوا ~~الآلهة الغريبة التي في وسطكم وأميلوا قلوبكم إلى الرب إله إسرائيل» (يشوع ~~24: 23). وعندما استقر الشعب في كنعان عبدوا الإله بعل والإلهة عشيرة ونسوا ~~الرب الذي أخرجهم من مصر وعبر بهم الأردن، ولما جاء ملاك الرب إلى المدعو ~~جدعون وأمره أن يهدم مذبح البعل ويقطع السارية المنصوبة «جذع الشجرة ~~المقدس» عنده، لم يجرؤ على ذلك في وضح النهار. نقرأ في سفر القضاة: «وإذا ~~كان يخاف من أهل بيته وأهل المدينة أن يعمل ذلك نهارا فعمله ليلا. فبكر ~~أهل المدينة في الغد وإذا بمذبح البعل قد هدم والسارية التي عنده قد قطعت ~~... فقال أهل المدينة ليوآش: أخرج ابنك لكي يموت لأنه هدم مذبح البعل» (6: ~~27-30). # وفي عصر المملكة الموحدة نجد أصنام الآلهة موجودة في بيت داود، الشاب ~~الذي مسحه الرب ملكا على إسرائيل بدلا عن شاؤل. نقرأ في سفر صموئيل ~~الأول: «فأرسل شاؤل رسلا إلى بيت داود ليراقبوه ويقتلوه في ms105 الصباح. ~~فأخبرته ميكال زوجته قائلة: إن كنت لا تنجو بنفسك هذه الليلة فإنك تقتل ~~غدا. فأنزلت ميكال داود من الكوة فذهب هاربا ونجا، وأخذت ميكال الترافيم ~~ووضعته في الفراش ووضعت لبدة المعزى تحت رأسه وغطته بثوب» (19: 11-13). ~~والترافيم المذكور هنا، هو نوع من أصنام الآلهة الخاصة بالبيوت، ويبلغ ~~حجمها في بعض الأحيان حجم الإنسان الحقيقي. (بخصوص أصنام الترافيم راجع ~~المواضع الآتية في التوراة: التكوين، 31: 9 و34 و35؛ وصموئيل الأول، 15: ~~23). وكان الملك سليمان باني هيكل الرب في أورشليم من عبدة الآلهة السورية، ~~ولهذا فقد حكم الرب على مملكته بالانقسام بعد وفاته. نقرأ في سفر الملوك ~~الأول: «وكان في زمن شيخوخة سليمان، أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ~~ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه. فذهب سليمان وراء عشتاروت إلهة ~~الصيدونيين وملكوم رجس العمونين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب ... فقال ~~الرب لسليمان: من أجل أن ذلك عندك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي فإني أمزق ~~المملكة عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك» (11: 4-11). # بعد انهيار مملكة سليمان وانقسامها إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا، ~~كان ملوك إسرائيل وعامتها يعبدون الآلهة السورية حتى دمار عاصمتهم السامرة ~~عام 721ق.م. أما في يهوذا فإن المقطع الآتي من سفر الملوك الثاني يعطي ~~صورة حية عن حالة هيكل سليمان في أورشليم الذي امتلأ بنصب ورموز آلهة ~~الخصب الكنعانيين: «وأمر يوشيا الملك الكاهن العظيم حلقيا وكهنة الفرقة ~~الثانية أن يخرجوا من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل وللسارية ولكل ~~أجناء السماء وأحرقها خارج أورشليم، ولاشى كهنة الأصنام الذين جعلهم ملوك ~~يهوذا ليوقدوا على المرتفعات في مدن يهوذا وما يحيط بأورشليم، والذين ~~يوقدون للبعل وللشمس وللقمر ومنازل السماء ولكل أجناء السماء، وأخرج ~~السارية من بيت الرب خارج أورشليم ... وهدم بيوت المأبونين (= الدعارة ~~المقدسة) التي عند بيت الرب حيث كانت النساء ينسجن بيوتا للسارية» (23: ~~4-7). # ويحدثنا النبي حزقيال عن تحول هيكل الرب إلى مكان لعبادة الآلهة ~~الأجنبية وأداء طقوس الخصب التموزية فيه: «وقال لي ادخل وانظر الرجاسات ~~الشريرة التي هم عاملوها هنا، فدخلت ms106 ونظرت وإذا كل شكل دبابات وحيوان ~~نجس، وكل أصنام بيت إسرائيل مرسومة على الحائط على دائرة، وواقف قدامهم ~~سبعون رجلا من شيوخ بيت إسرائيل وكل واحد مجمرته في يده وعطر عنان البخور ~~صاعد ... وقال لي بعد تعود تنظر رجاسات أعظم هم عاملوها، فجاء بي إلى مدخل ~~باب بيت الرب الذي من جهة الشمال، وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على «الإله» ~~تموز ... وجاء بي إلى دار بيت الرب الداخلية وإذا عند باب هيكل الرب بين ~~الرواق والمذبح نحو خمسة وعشرين رجلا ظهورهم نحو هيكل الرب ووجوههم نحو ~~الشرق وهم ساجدون للشمس» (حزقيال، 8: 7-16). # وفي أسفار الأنبياء وفي بعض فصول شعر المزامير، يرسم المحرر التوراتي ~~صورة أكثر وضوحا لإله عالمي شمولي، تجعلنا نعتقد لأول وهلة بأن ~~الأيديولوجيا التوراتية قد لامست فكرة «الله» وبلغت أعتاب مفهوم التوحيد، ~~غير أن القراءة المدققة للمقاطع المعنية في هذه الأسفار، توضح لنا ~~أن كل وصف عالمي شمولي للإله يهوه يتبعه مباشرة توكيد على علاقة يهوه ~~بشعبه المختار، ووعد صريح بتخليصه وإعلائه فوق الجميع «وهذه المسألة لم ~~يلحظها الباحثون الغربيون الذين يعيدون القول في كل مناسبة بأن أسفار ~~المزامير والأنبياء قد توصلت أخيرا إلى مفهوم التوحيد الصافي.» ~~فالشمولية والحالة هذه ليست إلا حلية وزينة للإله التوراتي الذي يبقى رغم ~~كل سماته الكونية إلها لإسرائيل وحدها عاملا في سبيل تحقيق مملكتها ~~الأرضية وسلطانها على بقية الشعوب. # نقرأ في سفر إشعيا، وهو السفر المفضل لدى الباحثين عن التوحيد في ~~الأيديولوجيا التوراتية، هذه الفقرات المنتخبة، لنرى كيف ترتبط الصورة ~~الشمولية للإله بالصورة التقليدية لإله إسرائيل، وكيف يجري توظيفها لخدمة ~~النظرة الشوفينية الضيقة للخطاب التوراتي: «أنا الرب. أنا الأول والآخر. ~~رأت الجزائر وخافت، ارتعدت أقاصي الأرض فدنت وأقبلت ... إلخ. أما أنت يا ~~إسرائيل عبدي ويا يعقوب الذي اخترته، نسل إبراهيم خليلي، لا تخف لأني معك، ~~لا تتلفت لأني إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين بري ... يكون كلا شيء ~~مخاصموك ويبيدون، تفتش عن منازعيك ولا تجدهم» (41: 8-12). نلاحظ في هذا ~~المقطع كيف يتم ms107 الانتقال مباشرة من المفهوم التوحيدي الشمولي في قوله «أنا ~~الأول والآخر»، إلى مفهوم إله إسرائيل الذي ينصر شعبه على أعدائه، وهذه ~~الصيغة تتكرر عبر كامل سفر إشعيا: ~~«هكذا قال الرب ملك إسرائيل وفاديه، رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر ~~ولا إله غيري. من مثلي يدعو ويخبر بهذا أو يرتب لي ذاك، منذ أنشأت شعبا ~~أبديا ليخبروهم بالمستقبل وبما سيأتي. لا ترتاعوا ولا تضطربوا، ألم ~~أسمعكم من ذلك الوقت وأخبركم، أنتم شهودي هل من إله غيري أو من صخر لا ~~علم لي به؟ ... هكذا قال الرب فاديك «يا إسرائيل» وجابلك من البطن: أنا الرب ~~صانع الكل، ناشر السماوات وحدي وباسط الأرض بنفسي، مثبت كلام عبده ومتمم ~~مشورة رسله. القائل لأورشليم ستعمرين ولمدن يهوذا ستبنين وأنا أقيم ~~المنهدم منها» (44: 6-26). إن كل هذا الإعلاء من شأن إله إسرائيل وجعله ~~باسطا للأرض وناشرا للسماوات، لا يخدم أيديولوجيا توحيدية عالمية، بل ~~يهدف إلى زرع الثقة في قارئ النص بأن إله إسرائيل قادر على إعادة بناء ~~أورشليم وبقية مدن يهوذا المهدمة. # ونتابع القراءة في الإصحاح 43: «أنتم شهودي يقول الرب، وعبدي الذي ~~اخترته، لكي تعلموا وتؤمنوا بي وتفهموا أني أنا هو، لم يكن إله قبلي ولا ~~يكون بعدي. أنا، أنا الرب ولا مخلص غيري. إني أخبرت وخلصت وأسمعت وليس ~~فيكم غريب، وأنتم شهودي يقول الرب وأنا الله» (43: 10-12). إن لفظ ~~الجلالة «الله» المذكور هنا وفي مئات المواضع الأخرى من النص التوراتي هو ~~ترجمة للاسم الكنعاني «إيل» الذي يستخدمه المحرر التوراتي في الإشارة إلى ~~إله التوراة إلى جانب الاسم الآخر «إيلوهيم» الذي هو صيغة جمع من «إيل». ~~وفي الإصحاح 46 نقرأ: «اسمعوا لي يا آل يعقوب ويا بقية آل إسرائيل الذين ~~أقلوا من البطن وحملوا من الرحم إلى شيخوختكم أنا، وإلى مشيبكم ~~أقلكم. أنا صنعتكم أنا أحملكم، أنا أقلكم وأنجيكم، بمن تشبهونني ~~وتعادلونني، وبمن تمثلونني فنتشابه؟ ... اذكروا الأوائل منذ الدهر، إني أنا ~~الله وليس آخر ، أنا الله وليس مثلي، أنا المخبر منذ البداءة بالنهاية، ومن ~~القديم بما ms108 لم يكن، قائلا: إن مشورتي تثبت وإني أصنع كل ما أشاء ... ~~إني قربت بري فلا يبعد، وخلاصي فلا يبطئ، وسأجعل في صهيون الخلاص ولإسرائيل ~~فخري» (46: 3-13). ونقرأ في الإصحاح 48: «اسمع لي يا يعقوب ويا إسرائيل ~~الذي دعوته. أنا هو، أنا الأول وأنا الآخر. يدي أسست الأرض ويميني شبرت ~~السماوات. أدعوهن فيقفن جميعا ... هكذا قال الرب فاديك قدوس إسرائيل: أنا ~~الرب إلهك الذي يعلمك ما ينفع ويهديك الطريق الذي تسير فيه ... اخرجوا من ~~بابل، اهربوا من الكلدانيين بصوت الترنيم، أخبروا بهذا ونادوا به، أذيعوه ~~إلى أقاصي الأرض. قولوا قد افتدى الرب عبده يعقوب» (48: 12-20). # وهكذا نجد أن الإله الذي جلس تحت الشجرة قرب خباء إبراهيم وأكل وشرب ~~من طبيخ سارة، والذي صارع يعقوب عند مخاضة يبوق، والذي رآه موسى من قفاه ~~أولا ثم جلس وسبعين من شيوخ إسرائيل ينظرون إليه وهم يأكلون ويشربون على ~~جبل سيناء، قد تمت ترقيته إلى رتبة الإله الأعلى خالق السماوات والأرض في ~~أسفار الأنبياء، لا تأسيسا لأيديولوجيا عالمية وإنما تجميلا لصورته في ~~عين شعبه المختار، وتوكيدا لهذا الشعب بأنه وحده القادر على خلاصهم. من ~~هنا، فإن أي حديث عن توصل هذه الأسفار إلى مفهوم توحيدي صاف، هو لغو ~~لا طائل من ورائه. ~~(2) إشكالية الأخلاق # لقد عملت المسيحية من خلال تبنيها لكتاب التوراة باعتباره العهد ~~القديم، على تحسين صورة الإله اليهودي، كما أضافت تفسيراتها اللاهوتية إلى ~~الأيديولوجيا التوراتية بعدا إنسانيا تفتقده على كل صعيد. ولعل من أخطر ~~ما قدمته هذه التفسيرات إظهارها لإله التوراة في صورة الإله الأخلاقي ~~والمشرع الأخلاقي، وذلك بتركيزها على ما دعته بالوصايا العشر الواردة في ~~الإصحاح 20 من سفر الخروج، وعلى عدد قليل آخر من الوصايا الأخلاقية ~~المبعثرة في خضم آلاف الوصايا الطقسية والتحريمية المبثوثة في الأسفار ~~الخمسة، والمفصلة إلى درجة تثير الملل عند القارئ الحديث الذي لا يستطيع ~~فهم باعثها والهدف منها، تماما مثلما كان اليهودي وما زال لا يفهم ذلك ~~وإنما يطبقه في انصياع تام لشريعة غير إنسانية، تهدف إلى تكبيل ms109 ~~الإنسان بطقوس وممارسات وتحريمات لا طاقة لأحد على الالتزام بها. من هنا لا ~~عجب إذا وصف القديس بولس «وهو اليهودي السابق المتحمس» شريعة التوراة ~~بأنها لعنة، ودارت معظم تعاليمه حول بطلان زمنها وافتتاح زمن الفداء ~~بيسوع المسيح. # لم تكن الوصايا العشر أولى الوصايا التي تلقاها موسى، وأول وصية في ~~الشريعة لم تكن وصية أخلاقية بل وصية طقسية محضة أسست للفصح اليهودي، وهو ~~ذكرى الخروج من مصر. ففي اليوم السابق للخروج كلم الرب موسى وهارون، على ~~ما نقرأ في سفر الخروج: «كلم الرب موسى وهارون في أرض مصر قائلا: هذا ~~الشهر يكون لكم رأس الشهور، هو لكم أول شهور السنة. كلما كل جماعة ~~إسرائيل قائلين: في العاشر من هذا الشهر يأخذون لهم كل واحد شاة بحسب بيوت ~~الآباء، تكون لكم شاة صحيحة ذكرا ابن سنة ... ثم يذبحه كل جمهور إسرائيل في ~~العشية ... ويأكلون اللحم تلك الليلة مشويا بالنار مع فطير ... لا تأكلوا منه ~~نيئا أو طبيخا مطبوخا بالماء، بل مشويا بالنار، لا تبقوا منه إلى ~~الصباح والباقي يحرق بالنار. وهكذا تأكلونه: أحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في ~~أرجلكم، وعصيكم في أيديكم. وتأكلونه بعجلة، هو فصح للرب ... سبعة أيام ~~تأكلون فطيرا، اليوم الأول تعزلون الخمير من بيوتكم، فإن كل من أكل خميرا ~~من اليوم الأول إلى اليوم السابع تقطع تلك النفس من إسرائيل» (12: 10-15). ~~أما لماذا تؤخذ الشاة ذكرا وابن سنة فقط، ولماذا يتوجب عليهم أكلها ~~مشوية لا مطبوخة؟ ولماذا يأكلونها بعجلة وهم وقوف وأحقاؤهم مشدودة ~~وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم؟ ولماذا يأكلون خبزا فطيرا لا ~~خميرا مدة سبعة أيام؟ فجميعها أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا بالمقارنة ~~مع لوائح التابو التي نجدها عند القبائل البدائية، والتي تكمن عند جذور ~~الدين وأصوله البعيدة. # ونلاحظ من المقطع أعلاه، أن الوصية الطقسية الأولى قد وردت مترافقة ~~مع أول وصية تحريمية (= تابو) وهي عدم أكل الخبز الخمير، ثم تم تدعيم ~~هذه الوصية التحريمية بأول عقوبة إعدام في الشريعة ، وهذه العقوبة لا تفرض ~~على من يخل بنظام ms110 الجماعة ويهدد أمنها، ولا على من يتعدى حدود قاعدة ~~أخلاقية أساسية للحياة المشتركة، بل على من يأكل خبزا خميرا لا فطيرا. ~~وبذلك تعلن الشريعة الموسوية عن جوهرها منذ البداية، باعتبارها شريعة طقس ~~وتابو لا شريعة أخلاق، ومنذ البداية أيضا يعلن يهوه عن شكل العلاقة التي ~~يقيمها بينه وبين شعبه، وهي علاقة طقسية جوهرها الخوف والخضوع وتأدية ~~الشعائر وعدم تعدي حدود التابو. أما الأخلاق فمسألة ثانوية، ويستطيع من ~~ارتكب أبشع الذنوب الأخلاقية أن يغسل ذنوبه كما يغسل ثوبه. نقرأ في سفر ~~اللاويين (وهو أحد الأسفار التي تابعت تفصيل الشريعة بعد سفر الخروج، إلى ~~جانب سفر العدد وسفر التثنية) التعليمات الآتية حول طقس غسل الذنوب ~~الأخلاقية: «إذا أخطأ أحد وخان خيانة بالرب وجحد صاحبه أمانة أو مسلوبا، ~~أو اغتصب من صاحبه، أو وجد لقطة وجحدها وحلف كاذبا ... يأتي إلى الرب ~~بذبيحة لإثمه كبشا صحيحا من الغنم ذبيحة إثم للكاهن، فيكفر الكاهن ~~أمام الرب فيصفح عنه» (6: 1-7). كما يمكن غسل إثم الجماعة كلها عن طريق ~~طقس يدعى بطقس تيس الخطيئة ... «ومتى فرغ الكاهن من التكفير عن القدس وعن ~~خيمة الاجتماع وعن المذبح يقدم التيس الحي ويضع هارون يده على رأس التيس ~~ويقر عليه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم، ويجعلها على ~~رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه إلى البرية، ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم ~~إلى أرض مقفرة» (16: 20-22). # إن السرقة أو الاغتصاب والسلب وجحد الأمانة واليمين الكاذبة، وما ~~إليها من الذنوب الأخلاقية، يمكن غسلها بأداء طقس تطهيري بسيط، أما ~~تجاوز حدود قاعدة طقسية أو تحريمية فمن شأنه أن يودي بحياة أكثر الناس ~~تقوى، ويطاله عقاب يهوه الفوري، وهذا ما حدث لابني هارون المدعوين ناداب ~~وأبيهو، وكانا على رأس الموكلين بأداء الشعائر أمام خيمة الاجتماع التي ~~تضم تابوت العهد، والتي يقيم فيها يهوه بين شعبه. نقرأ في سفر اللاويين: ~~«وأخذ ابنا هارون ناداب وأبيهو كل مجمرته وجعلا فيها نارا ووضعا عليها ~~بخورا، وقربا أمام الرب نارا غريبة لم يأمرهما بها، فخرجت ms111 نار من عند ~~الرب وأكلتهما فماتا أمام الرب» (10: 1-2). وتلقى الرجل الصالح المدعو ~~عزة عقوبة مشابهة عندما انتهك التابو الذي يمنع لمس تابوت العهد، رغم أنه ~~فعل ذلك ليمنع التابوت من السقوط عن المركبة التي كانت تقله. نقرأ في سفر ~~صموئيل الثاني: «فأركبوا تابوت الرب على عجلة جديدة وحملوه ... وكان عزة ~~وأخيو ولدا أبيناداب يسوقان العجلة الجديدة ... ولما انتهوا إلى بيدر ناحون ~~مد عزة يده إلى تابوت الرب وأمسكه لأن الثيران انشمصت. فحمي غضب الرب ~~على عزة وضربه هناك لأجل غفله فمات» (6: 3-8). # إن تجاوزات الوصايا التحريمية التي تقود إلى الموت أكثر من أن تحصى ~~في شريعة موسى، ونكتفي بذكر بعض منها، فعدم غسل الكاهن ليديه ورجليه قبل ~~أداء الطقوس يعرضه للموت (الخروج، 30: 17-20)، وممارسة أي نشاط في يوم ~~السبت يستوجب الإعدام الذي تنفذه الجماعة بالمخطئ (الخروج، 31: 15)، ومثل ~~العمل في يوم السبت كذلك العمل في اليوم العاشر من الشهر السابع، وهو يوم ~~الكفارة أو الغفران (اللاويين، 23: 27-30)، وأكل الدم يستوجب الموت ~~(اللاويين، 17: 10-11)، وكذلك مضاجعة المرأة الحائض (اللاويين، 20: 18). ~~وهنا يحق لنا أن نتساءل: أين مفهوم الله من هذا الكائن الباطش المتعسف، ~~الذي وضع الشريعة لا لخلاص الناس بل لإدانتهم وتجريمهم والانتقام منهم، ~~وأين خصيصتا الأخلاق والعدالة في إله لا يتجلى إلا في الغضب والثأر ~~والثورة الآكلة؟ # لقد سبقت الوصايا الطقسية والتحريمية الوصايا العشر بوقت طويل، ثم ~~تتابعت بعدها عبر أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية، وذلك في سلسلة ~~تبدو لقارئ التوراة بلا نهاية. فبعد الوصية العاشرة مباشرة قال الرب لموسى: ~~«مذبحا من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقاتك وذبائح السلامة من بقرك وغنمك، ~~وإن صنعت لي مذبحا من حجارة فلا تبنها منحوتة، فإنك إن رفعت حديدك عليها ~~دنستها، ولا تصعد إلى مذبحي على درج لئلا تنكشف عورتك عليه» (الخروج، 20: ~~18-26). ونحن هنا أمام وصية تحريمية يجب تنفيذها دون مناقشة فحواها غير ~~المفهوم. وهي تشبه وصايا تحريمية سائدة لدى الشعوب البدائية ولدى بعض ~~الثقافات القديمة في مطالع تاريخها. فتابو استخدام الحديد معروف ms112 في روما ~~القديمة حيث كان محرما على الكهنة الحلاقة بموسى حديدية. وفي غابة آرفال ~~المقدسة قرب روما كان محرما إدخال الحديد أو أية أداة مصنوعة منه، فإذا ~~تطلب الأمر استعمال أداة حديدية في نقش كتابة ما على الحجر، كان لا بد من ~~تقديم ذبيحة تطهيرية قوامها حمل وخنزير. وإلى وقت قريب كان أهالي جزيرة ~~جاوة يحجمون عن استخدام المحاريث الحديدية في فلاحة أرضهم. ولدى بعض ~~قبائل الهنود الحمر كان محرما استخدام السكاكين الحديدية في الطقوس ~~الدينية. وفي كوريا كان محرما على الملك لمس الحديد أو استخدام أدوات ~~مصنوعة منه. وفي جنوب غربي أفريقيا تجري إلى الآن عملية ختان الصبيان ~~بواسطة سكين صوانية، فإذا تطلب الأمر إجراءها بسكين حديدية يجري التخلص من ~~السكين بدفنها بالتراب. # وتتعزز إشكالية المسألة ~~الأخلاقية في التوراة من خلال سلوك الإله التوراتي نفسه، وهو سلوك متناوس ~~بين الخير والشر، وغالبا ما ينأى عن أبسط القواعد الأخلاقية. ونستطيع ~~متابعة هذه الطبيعة الأخلاقية المتناقضة منذ الإصحاحات الأولى لسفر التكوين ~~وحتى آخر أسفار الكتاب. فبعد أن خلق الإله الإنسان الأول، لم تكن أولى ~~وصاياه إليه وصية أخلاقية ترسم له دوره في الحياة والتاريخ، بل كانت وصية ~~تحريمية غير مفهومة، وعندما يكون التحريم غير مفهوم أو مسوغ فإنه غالبا ~~ما يدفع إلى العصيان، وهذا ما حصل فعلا عند فجر الزمن. فبعد اكتمال أعمال ~~التكوين غرس يهوه بستانا في مكان على الأرض يدعوه الكتاب بشرقي عدن، وفي ~~وسط البستان أنبت شجرة الحياة وشجرة أخرى هي شجرة المعرفة، ثم وضع آدم ~~الذي صنعه من طين الأرض في ذلك البستان ليعمل به ويحفظه. وبعد أن خلق له ~~زوجة من ضلعه أوصاهما قائلا: «من جميع شجر الجنة تأكلان، وأما من شجرة ~~معرفة الخير والشر فلا تأكلا، لأنكما يوم تأكلان منها موتا تموتان.» هذا ~~التابو غير المفهوم قد سهل على الحية إغواء حواء وتزيين العصيان لها. ~~فبينما هي تتمشى قرب شجرة المعرفة تسللت الحية إلى المكان، وكانت أحيل ~~جميع حيوانات البرية حسب وصف النص، فأطلعت حواء ms113 على حقيقة التابو والغاية ~~منه؛ فثمر الشجرة لن يميتهما بل سيجعلهما مثل خالقهما حرين وعارفين الخير ~~والشر: «فقالت الحية للمرأة لن تموتا، بل الرب عارف أنه يوم تأكلان تنفتح ~~أعينكما وتكونان كالرب عارفين الخير والشر. فرأت المرأة أن الشجرة جيدة ~~للأكل وأنها بهجة للعيون فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت رجلها أيضا معها ~~فأكل.» وعندما يكتشف يهوه عصيان الإنسان ينطق بلعنته المقيمة التي تتجاوز ~~عالم الإنسان إلى عالم الطبيعة بأكملها: «ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل ~~منها كل أيام حياتك، وشوكا وحسكا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك ~~تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها، لأنك تراب وإلى تراب ~~تعود.» # لقد كذب يهوه على آدم وحواء بقوله إن شجرة المعرفة ستجلب عليهما ~~الموت. فالإنسان الأول لم يولد خالدا، وخالقه التوراتي لم يكن راغبا في ~~أن يشاركه أحد خلوده، وذلك بدليل قوله بعد ذلك: «هو ذا آدم قد صار كواحد ~~منا يعرف الخير والشر، والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة ويأكل ~~فيحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل في الأرض التي أخذ ~~منها.» وهكذا تم منذ البداية، ومن خلال التابو والكذب، التأسيس لطبيعة ~~العلاقة بين الإله والإنسان، وهي علاقة قائمة على الأمر الإلهي والرضوخ ~~الإنساني، على حرية الإله وعبودية الإنسان. # وبين الأمر والرضوخ تقوم الطقوس والشكلانيات الشعائرية باعتبارها ~~الرابطة الوحيدة بين الطرفين، والمحور الذي يدور حوله دين التوراة. # 2 # بعد أن دفع يهوه الإنسان الأول إلى الخطيئة، زرع بين ذريته الشقاق الذي ~~قاد إلى أول جريمة في التاريخ. فلقد ولد لآدم وحواء بعد طردهما من الجنة ~~ولدان هما قايين وهابيل، مما تتابعه رواية سفر التكوين: «فكان هابيل راعي ~~غنم وقايين كان يحرث الأرض. وكان بعد أيام أن قايين قدم من ثمر الأرض ~~تقدمة للرب، وقدم هابيل أيضا شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها، فنظر الرب ~~إلى هابيل وتقدمته وإلى قايين وتقدمته لم ينظر.» ولقد أدى سلوك يهوه غير ~~المسوغ والبعيد عن مفهوم العدالة، إلى حقد ms114 قايين على أخيه المفضل عند الرب، ~~فراح يتربص به إلى أن قاده إلى الصحراء حيث قتله هناك ودفنه. وبذلك أصل ~~يهوه لأول خطيئة أخلاقية في المجتمع الإنساني بعد أن أصل لأول خطيئة ~~تحريمية في الفردوس. # ثم يتابع يهوه تعامله مع بني الإنسان من موقف غير متعاطف وغير أخلاقي، ~~فعندما أخذ الناس يتكاثرون على وجه الأرض صاروا أمة واحدة تتكلم لسانا ~~واحدا وتعيش في سلام ووئام، ولما هموا ببناء مدينة لهم وبرج عال يرمز ~~إلى وحدتهم وتضامنهم، نظر يهوه إلى ما هم صانعون فخاف أن يؤدي اتحادهم ~~وازدياد قوتهم إلى تحالفهم ضده، فعمل على تشتيت شملهم وتحويلهم إلى مجموعات ~~متنافرة تتكلم لغات مختلفة لا يفهم بعضهم حديث بعض: «وكانت الأرض لسانا ~~واحدا ولغة واحدة. وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار ~~وسكنو هناك ... وقالوا هلم لنبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء، ونصنع ~~لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة ~~والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد ~~لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن ~~يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم ~~الرب من هناك على وجه كل الأرض.» إن ما فعله يهوه في حقيقة الأمر هو ~~تحويل الجماعة الإنسانية الواحدة إلى مجتمعات متباعدة ذات ثقافات متغايرة، ~~وهذا ما زرع العداوة بينها، وكان ابتداء الحروب وعدوان أمة على ~~أخرى. # فإذا غادرنا هذه الفترة الافتتاحية من تاريخ الإنسان، إلى العصر الذي ~~حلا فيه ليهوه أن ينتقي من شعوب الأرض كلها شعبا واحدا يكون له أمة ~~كهنة، على حد تعبير النص، استطعنا متابعة سلوك يهوه المتناقض أخلاقيا في ~~كل خطوة من مسيرة علاقته الطويلة مع هذا الشعب، فهو يأخذ البريء بجريرة ~~المذنب، وينتقم من الآباء في أبنائهم ممن لا ذنب لهم، وفي أبناء أبنائهم ~~وصولا إلى الجيل الرابع من نسل المخطئ: «أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، ~~في الجيل الثالث والرابع ms115 من مبغضي» (الخروج، 2: 5). ولهذا شاع في إسرائيل ~~المثل القائل: «الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون» (إرميا، 31: 29 ~~وحزقيال، 18: 2). هذا السلوك من قبل يهوه يتناقض مع قاعدة تشريعية وردت في ~~سفر التثنية تمنع أخذ الابن بجريرة أبيه: «لا يقتل الآباء عن الأبناء، ولا ~~يقتل الأبناء عن الآباء. كل بجريرته يقتل» (24: 6). وهذا يعني أن ~~الإله المشرع في حل من قواعد الشريعة عندما يأتي إلى التعامل مع ~~الإنسان، وأن على الإنسان ألا ينتظر من إلهه التزاما بأية معايير ~~أخلاقية. # وإله التوراة ولوع برؤية الدماء وغضبه لا يهدأ إلا بها. فبعد أن عبد ~~الشعب العجل في سيناء، أمر الرب كل من لم يخطئ إليه بعبادة العجل أن يستل ~~سيفه ويقتل صاحبه وابنه وأخاه من المخطئين ليحصل على بركة الرب: «فقال لهم ~~موسى كذا قال الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل واحد سيفه، واذهبوا وارجعوا من ~~باب إلى باب في المحلة، وليقتل كل واحد أخاه وصاحبه وقريبه ... فسقط من الشعب ~~في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل، وقال موسى: كرسوا اليوم أيديكم للرب، كل ~~واحد حتى بابنه وأخيه فتعطوا اليوم بركة» (الخروج، 32: 27-29). # 3 # وإذا كان هذا شأنه مع شعبه المختار، فإن ولعه بسفك دماء ~~الشعوب الأخرى لا يمكن تصنيفه تحت أي مصطلح مرضي في قاموس الطب النفسي ~~الحديث، وأخبار حملات الإبادة الجماعية للأطفال والنساء والشيوخ تملأ صفحات ~~الأسفار الخمسة، إضافة إلى سفر يشوع الذي ما زالت رائحة الدم تفوح من ~~ثناياه إلى يومنا هذا. وهذه أخبار إحدى حملات موسى التي وجهها إلى مديان: ~~«فتجندوا على مديان كما أمر الرب وقتلوا كل ذكر، وملوك مديان قتلوهم فوق ~~قتلاهم ... وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وكل ~~أملاكهم، وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم ... فخرج موسى لاستقبالهم إلى خارج ~~المحلة، فسخط موسى على وكلاء الجيش وقال لهم: هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن ~~اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها، لكن ~~الأطفال من الإناث اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات» (العدد ms116 ~~32: 8-18). # ووفق قاعدة «التحريم» التي استنها يهوه لقادة جيوشه، يتوجب على هؤلاء ~~في بعض الحالات إفناء كل نفس حية بما في ذلك المواشي والبهائم، ولا يجوز ~~لهم الاحتفاظ بأسرى أو سلب المواشي والممتلكات، لأن كل ما في المدينة من ~~حي وجامد يلقى للموت والدمار والحريق إرضاء ليهوه. وهذا ما حصل لمدينة ~~أريحا على يد يشوع: «فحرموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ ~~حتى البقر والحمير والغنم بحد السيف ... وأحرقوا المدينة مع كل ما بها في ~~النار» (يشوع، 6: 21). وهذا ما حصل لمدينة عاي: «فكان جميع الذين سقطوا ذلك ~~في اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفا هم جميع أهل عاي. ويشوع لم يرد يده ~~حتى حرم جميع سكان عاي» (يشوع، 8: 23-24). وعندما اختار الرب شاؤل ليكون ~~أول ملك على إسرائيل، وراح هذا يحرر شعبه من قمع الفلسطينيين وتسلط ~~الممالك المجاورة، ما لبث أن غضب عليه وأعطى الملك إلى داود، لأنه لم ~~يلتزم قاعدة التحريم. نقرأ في سفر صموئيل الأول الأمر الذي أعطاه الرب ~~لشاؤل بضرب شعب العماليق مع تطبيق قاعدة التحريم: «الآن اذهب واضرب عماليق ~~وحرموا كل ما له، ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، ~~بقرا وغنما، جملا وحمارا» (15: 3). فحمل شاؤل على العماليق وأفناهم ~~جميعا، ولكنه عفا عن ملكهم المدعو أجاج وجاء به أسيرا، كما أنه لم ينحر ~~كل المواشي بل احتفظ بالصحيح والسمين منها لكي يقدمه قربانا للرب على ~~المذبح. فغضب الرب على شاؤل وأرسل عليه روحا شريرا تلبسه فصارت تنتابه ~~حالات اكتئاب، إلى أن سقط قتيلا في معركة جلبوع وسمره الفلسطينيون مع ~~أولاده الثلاثة على سور مدينة بيت شان. # ورغم أن يهوه قد نهى في شريعته عن القرابين البشرية، إلا أن غضبه ~~لم يكن يهدأ أحيانا إلا بها. فقد انتقم من شاؤل بعد موته بسبعة من ~~أولاده وأولاد ابنته ميكال، تم تقديمهم قربانا له. نقرأ في سفر صموئيل ~~الثاني: «وكان جوع في أيام داود ثلاث سنين. فطلب داود وجه ربه فقال الرب: ms117 ~~هو لأجل شاؤل ولأجل بيت الدماء ... فأخذ داود ابني رصفة اللذين ولدتهما لشاؤل ~~وأبناء ميكال ابنة شاؤل الخمسة، وسلمهم إلى الجبعونيين فصلبوهم على الجبل ~~حتى انصب الماء عليهم من السماء» (صموئيل الثاني، 21: 1-10). ولدينا قصة ~~قربان بشري تقشعر لها الأبدان في سفر القضاة. فلقد خرج قاضي إسرائيل المدعو ~~يفتاح الجلعادي لقتال العمونيين، ونذر قبل خروجه للرب أضحية بشرية يرفعها ~~له محرقة إذا نصره على أعدائه، واختار أن تكون هذه الأضحية أول شخص يخرج ~~للقائه بعد عودته منتصرا، فتقبل الرب النذر وحقق له الغلبة على بني ~~عمون، وفيما هو عائد إلى بيته كان أول خارج للقائه والفرح بمقدمه هو ابنته ~~الوحيدة: «وكان لما رآها أنه مزق ثيابه وقال: آه يا بنتي، قد أحزنتني ~~لأني فتحت فمي إلى الرب ولا يمكنني الرجوع. قالت له: يا أبي، هل فتحت فمك ~~إلى الرب؟ فافعل بي كما خرج من فمك بما أن الرب قد انتقم لك من أعدائك.» ~~ولكنها طلبت مهلة شهرين لتذهب إلى الجبال مع صويحباتها وتبكي عذريتها، ~~فأمهلها، وعند نهاية المدة عادت إلى أبيها فنحرها وأحرقها على المذبح، وهي ~~لم تعرف رجلا. فصارت عادة في بني إسرائيل أن تمضي البنات في كل سنة وينحن ~~على ابنة يفتاح أربعة أيام. (القضاة، 11: 30-39). # ومن طبع يهوه الغش والخداع، فقد دفع الملك داود إلى الخطيئة وزينها ~~له، لكي يجعل من خطيئة الملك ذريعة لإنزال العقوبة بالشعب والقضاء على ~~عشرات الآلاف منهم. والخطيئة الموصوفة في هذه القصة ليست خطيئة أخلاقية بل ~~خطيئة تحريمية تتعلق بتابو قديم موضوعه تحريم عد الأنفس. لقد غفر يهوه ~~لداود قتله لجندي مخلص في جيشه لكي يسلبه زوجته (انظر قصة أوريا الحثي في ~~سفر صموئيل الأول: 11 و12) ولكنه لم يغفر له هذه الخطيئة التحريمية التي ~~لا نجد لها معنى إلا مقارنة بالتابو البدائي. نقرأ في سفر صموئيل الثاني: ~~«وعاد فحمي غضب الرب على إسرائيل، فأهاج عليهم داود قائلا له: امض واحص ~~إسرائيل ويهوذا ... فخرج يوآب ورؤساء الجيش من عند الملك ليعدوا الشعب ms118 ... ~~وطافوا كل الأرض وجاءوا في نهاية تسعة وعشرين يوما إلى أورشليم ... فجعل ~~الرب وباء في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب سبعون ألف ~~رجل، فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال: ها أنا أخطأت ~~وأنا أذنبت، وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا؟» (24: 1-17). # ومن طبعه أيضا نقض العهود والمواثيق. وها هو كاتب المزمور 89 يوجه ~~إليه التهم الموثقة بالشواهد: «لقد كلمت صفيك في رؤيا فقلت ... وجدت داود ~~عبدي، بدهن قداستي مسحته ... يدعوني إنك أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا ~~أجعله بكرا عليا فوق ملوك الأرض ... مرة حلفت بقداستي ولا أكذب على داود، ~~ليدومن نسله إلى الأبد وعرشه كالشمس أمامي ... لكنك أقصيت ورذلت، استشطت ~~على مسيحك نقضت عهد عبدك ونجست تاجه بالتراب» (19-38). # وهو ناكر للجميل يصعب إرضاؤه، فرغم كل ما فعله موسى وأخوه هارون عبر ~~ملحمة الخروج من مصر، فقد مات الاثنان في المعصية ولم يصفح لهما يهوه خطيئة ~~طقسية اشتم من ورائها نقصا في الإيمان. فعندما عطش الشعب في برية سيناء ~~تذمر على موسى وكاد أن يرجمه بالحجارة، فصرخ موسى إلى الرب طالبا عونه، ~~فأمره أن يضرب صخرة معينة بعصاه ليتفجر منها نبع، ففعل موسى وشرب الناس، ~~وبعد أن اجتاز بهم موسى كل المحن ووصل إلى الأطراف الشمالية لبرية سيناء ~~على حدود كنعان، عطش الشعب ولم يكن هنالك ماء، فأمر الرب موسى وهارون أن ~~يقفا أمام صخرة معينة ويكلماها فتخرج لهم ماء، ولكن موسى الذي كان في ~~حالة إحباط ويأس، لم يكلم الصخرة بل ضربها بعصاه كما في المرة السابقة ~~وصرخ في وجه الشعب: أمن هذه الصخرة نخرج لكم ماء! وبذلك ارتكب خطيئة ~~طقسية أولا، ثم أظهر شكه بإمكانية تفجر الماء من الحجر الأصم: «قال الرب ~~لموسى وهارون من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام عين بني ~~إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها» ~~(العدد، 30: 1-13). وبعد هذه الحادثة بمدة قصيرة حكم الرب على هارون ~~بالموت: «يضم هارون إلى قومه، # 4 ms119 # لأنه لا يدخل الأرض التي أعطيت لبني إسرائيل، لأنكم عصيتم ~~قولي عند ماء مريبة. خذ هارون وأليعازر ابنه واصعد بهما إلى هور، واخلع عن ~~هارون ثيابه والبس ابنه أليعازر إياها، فيضم هارون ويموت هناك» (30: ~~23-26). أما موسى فقد أمهله الرب حتى وصل بقومه ضفة نهر الأردن، وهناك ~~أصعده على جبل نبو فأراه الأرض الموعودة من بعيد ثم قبض روحه عقوبة له: ~~«انظر أرض كنعان التي أنا أعطيها لبني إسرائيل ملكا ومت في الجبل الذي ~~تصعد إليه، وانضم إلى قومك كما مات هارون أخوك في جبل هور، لأنكما ~~خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة» (التثنية، 32: 48-51). # إن عدم توصل إله التوراة إلى موقف متسق من مسألة الأخلاق، سواء ~~فيما يتعلق بسلوكه الخاص أم بمطلبه الأساسي من شعبه، قد جعل الشخصيات ~~الرئيسية في الرواية التوراتية تسلك بدوافع من محاكماتها الآنية ودون ~~الاستناد إلى أية مرجعية أخلاقية، ونحن إذا تتبعنا سير حياة تلك ~~الشخصيات من مختاري الرب، طالعتنا مواقف وتصرفات لا تليق بإنسان عادي، فما ~~بالك بأولئك المختارين الذين رسم لهم الرب أدوارا مهمة في حياة الجماعة. ~~فهذا نوح الأب الثاني للبشرية بعد آدم، والذي جاء وصفه في الكتاب بأنه ~~الرجل البار الكامل، يتكشف عن سكير يعاقر الخمرة في خبائه ويتعرى من ~~ثيابه حتى تنكشف عورته أمام أولاده (التكوين، 9: 20-24) ... وهذا لوط ابن أخي ~~إبراهيم يأخذ الخمرة من يد ابنتيه ويشرب حتى يفقد وعيه، فتقوم ابنته الكبرى ~~بمضاجعته في الليلة الأولى، ثم تفعل أختها الصغرى الشيء نفسه في الليلة ~~التالية، وتحمل البنتان من أبيهما. (التكوين، 19: 36-38). وإبراهيم يرتحل ~~إلى مصر في سنة مجاعة، وهناك يقول عن امرأته سارة إنها أخته لكيلا يطمع ~~بجمالها أحد المصريين فيقتله ويأخذها، ولكن جمال سارة قد لفت أنظار رجال ~~الفرعون فأخذوها إلى البلاط وألحقوها بالحريم، فدخل عليها الفرعون ثم أجزل ~~العطاء لإبراهيم بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وجمال. (التكوين، 12: ~~17-20). وبذلك يبني الرجل الأول في القصة التوراتية ثروته من زنى زوجته. ~~وقد فعل ابنه إسحاق ms120 الشيء نفسه عندما جاء إلى مدينة جرار الفلسطينية، فقال ~~عن زوجته إنها أخته حتى لا يقتل بسببها، ولكن ملك جرار المدعو أبيمالك ~~اكتشف كذبة إسحاق وعنفه قائلا: «إنما هي امرأتك فكيف قلت هي أختي؟ ~~فقال إسحاق: لأني قلت لعلي أموت بسببها. فقال أبيمالك: لولا قليل لاضطجع ~~أحد الشعب مع امرأتك فجلبت علينا ذنبا» (التكوين، 26: 3-11). وبذلك تفوق ~~أبيمالك أخلاقيا على إسحاق. # وكان لإسحاق ولدان هما عيسو الابن الأكبر، ويعقوب الابن الأصغر الذي ~~صار اسمه فيما بعد إسرائيل. وقد تآمر يعقوب مع أمه رفقة التي كانت تؤثره ~~على عيسو، على اغتصاب حقوق البكورية من أخيه، فعندما دعا إسحاق وهو على ~~فراش الموت ابنه الأكبر عيسو ليباركه، جاءت رفقه بيعقوب ليأخذ بركة أبيه ~~عوضا عن عيسو ووضعت على يديه وعنقه فروة جدي ليغدو مشعر الجسم مثل أخيه ~~عيسو، فلما حضر ولمسه أبوه الذي كان كليل النظر من وهن الشيخوخة، داخله ~~الشك فسأله: هل أنت ابني عيسو؟ فقال يعقوب: أنا هو، فباركه أبوه. ومع ~~البركة انتقلت كل حقوق الأخ الأكبر إلى يعقوب الكذاب، ومع الحقوق ورث عهد ~~الرب الذي تجدد معه لا مع أخيه الأكبر، أي إن يهوه قد بارك من جهته كذب ~~يعقوب وكافأه عليه، ثم إن يعقوب يتعرض بدوره لمكيدة من أولاده وهو في ~~سن الشيخوخة، فقد أحب يعقوب ابنه الأصغر يوسف وفضله على إخوته، الأمر ~~الذي جلب عليه بغض وحسد هؤلاء، فتآمروا لقتله عندما وافاهم في البرية وهم ~~يرعون الغنم، ثم ألقوه في بئر جافة ليموت هنالك، وعادوا إلى أبيهم بقميصه ~~وعليه أثر دم جدي وقالوا إن وحشا رديئا قد افترسه (التكوين 37). وبذلك ~~يبتدئ تاريخ الأسباط الاثني عشر بالبغض والحسد والقتل والكذب. # ولدينا قصة عن أحد أولاد يعقوب المدعو يهوذا، وهو الذي تنتسب إليه ~~قبيلة يهوذا، فقد مات الابن الأكبر ليهوذا وترك وراءه زوجته المدعوة تامار، ~~فزوجها يهوذا من ابنه الثاني الذي ما لبث أن مات أيضا، فوعدها يهوذا ~~بتزويجها من الابن الثالث ولكنه راح يماطل في الوفاء بوعده. وبينما ms121 هو في ~~طريقه إلى بلدة تمنة لبعض أشغاله، خلعت تامار عنها ثياب ترملها وتغطت ~~ببرقع وجلست إلى جانب الطريق، ولما مر بها يهوذا ظنها زانية فطلب أن ~~يدخل عليها. فقالت له: ماذا تعطيني إذا دخلت علي؟ قال: أعطيك جديا من ~~الماعز. قالت: هل تعطيني رهنا ريثما ترسل الجدي؟ قال: ما الرهن الذي ~~أعطيك؟ فقالت: خاتمك وعصابة رأسك وعصاك، فأعطاها ما طلبت ودخل عليها، ~~وبعد ثلاثة أشهر قيل ليهوذا إن تامار قد زنت وهي الآن حبلى. قال يهوذا: ~~أخرجوها وأحرقوها، ولكن تامار أرسلت إليه خاتمه وعصاه وعصابة رأسه قائلة ~~إنها حامل من صاحب هذه الأشياء. فعرف يهوذا أشياءه وبرأها ثم تزوجها، ~~فولدت له ابنين هما فارص وزارح (التكوين 38). ومن فارص ابن الزنا بالكنة ~~يتسلسل نسب الملك داود على ما نقرأ في سفر راعوث، 4: 18-22. فداود مؤسس ~~السلالة التي حكمت في أورشليم حتى نهاية تاريخها القديم كان ابن زنا، رغم ~~أن الرب قد شرع في سفر التثنية: «لا يدخل زنيم في جماعة الرب ولو في ~~الجيل العاشر» (23: 2). # في سفر الخروج، يبتدي موسى حياته بجريمة قتل لم يكن مضطرا إليها، ~~عندما هب لنجدة العبراني الذي كان يتشاجر مع مصري، فقتل موسى المصري ~~وطمره في الرمل. وقبل أن يخرج بجماعته من مصر حضهم على استغلال ثقة ~~جيرانهم المصريين وسرقتهم تحت ذريعة الإعارة المؤقتة، وقد شارك يهوه في ~~عملية السرقة هذه عندما زين للمصريين أن يعيروا لبني إسرائيل ما طلبوا: ~~«وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى. طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب ~~وثيابا. وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا ~~المصريين» (الخروج، 12: 34-36). # ويبتدي داود، مؤسس ما يدعى بمملكة كل إسرائيل، حياته العامة كقائد ~~مرتزقة يعمل لحساب الفلسطينيين من أعداء قومه (صموئيل الأول 26-29)، وعندما ~~صار ملكا استهل حكمه بالقضاء على نسل سلفه شاؤل، فعمد إلى تسليم أولاد ~~شاؤل وأولاد ابنته إلى خصومهم الجبعونيين فقتلوهم (صموئيل الثاني، 21: ~~10-1). ورغم الزوجات والسراري اللواتي حفل بهن قصره فقد اغتصب امرأة كانت ~~زوجة واحد ms122 من رجاله المخلصين يدعى أوريا الحثي، ثم دبر له مكيدة في ~~الحرب أودت بحياته، وعندما عرف أن المرأة حامل تزوجها فأنجبت له سليمان، ~~ابن الزنا والاغتصاب والقهر. لقد انتهك داود الوصية الخامسة: لا تزن. ~~وأدار ظهرا للفقرة التشريعية القائلة: «إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة ~~متزوجة يقتل الاثنان» (التثنية، 22: 22). ولم تكن أخلاق بيت داود بأفضل من ~~أخلاق رب البيت. فقد اغتصب ابنه المدعو أمنون أخته غير الشقيقة تامار ~~(صموئيل الثاني، 13). وقام ابنه الآخر المدعو أبيشالوم بالتمرد عليه ~~وحاول قتله للاستئثار بالسلطة (صموئيل الثاني، 15-18). # فإذا عدنا إلى ابن الزنا سليمان، ~~وجدناه يحتال لانتزاع ولاية العهد من أخيه أدونيا، عندما كان أبوه داود ~~شيخا مريضا يتدفأ من داء البرداء في أحضان عذراء جميلة اسمها أبيشج ~~الشمونية (الملوك الأول، 1: 34). وكان أول عمل يقوم به بعد مسحه ملكا هو ~~قتل أخيه أدونيا صاحب الحق بالعرش، وقتل قائد جيش داود المخلص المدعو يوآب ~~لدعمه أدونيا، وعندما استتبت له الأمور نسي إلهه الذي بنى له الهيكل وعبد ~~آلهة أخرى، مما أشرنا إليه سابقا. أما عن أخبار من تلا سليمان من ملوك ~~إسرائيل وملوك يهوذا بعد انقسام المملكة، فإن الصفحات هنا تضيق عن ذكر كل ~~ما ارتكبوه من مخاز وآثام، ولذلك نضرب الصفح عنها، ونحيل القارئ إلى سفري ~~الملوك الأول والملوك الثاني في الكتاب العتيد. # وأخيرا، فقد أدرك مؤلفو أسفار الأنبياء هذا المأزق الأخلاقي للتوراة ~~مثلما أدركوا المأزق التوحيدي، فحاولوا إنقاذ ما تبقى من القيم الأخلاقية ~~التوراتية، عندما راحوا يؤكدون على السلوك الأخلاقي في مقابل الطقوس. ~~نقرأ في سفر إشعيا: «لماذا لي كثرة ذبائحكم، يقول الرب: اتخمت من محرقات ~~كباش وشحم مسمنات ... البخور هو مكرهة لي، رأس الشهر والسبت ونداء المحفل. ~~لست أطيق الإثم والاعتكاف، رءوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت علي ~~ثقلا مللت حملها، فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم، وإن كثرتم الصلاة ~~لا أسمع. أيديكم ملآنة دما. اغتسلوا تنقوا اعزلوا شر أفعالكم من أمام ~~عيني» (1: 11-17). وأيضا: «من يذبح ثورا فهو قاتل إنسان، من ms123 يذبح شاة ~~هو ناحر كلب، من يصعد تقدمة يصعد دم خنزير. من أحرق بخورا فهو مبارك ~~وثنا. بل هم اختاروا طرقهم وبمحرقاتهم سرت أنفسهم» (66: 3). ويسير ~~عاموس على النهج نفسه في إعلاء الأخلاق فوق الطقوس: «اطلبوا الخير لا الشر ~~لكي تحيوا ... بغضت، كرهت أعيادكم ولست ألتذ باعتكافاتكم. إني إذا قدمتم لي ~~محرقاتكم وتقدماتكم لا أرضى، وذبائح السلامة من مسمناتكم لا ألتفت إليها. ~~أبعد عني ضجة أغانيك، ونغمة ربابك لا أسمع. وليجر الحق كالمياه، والبر ~~كنهر دائم» (5: 14، 21-24). أما حزقيال فيصحح سلوك إله التوراة الذي ~~كان يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، عندما يقول على لسان إلهه: «ما لكم أنتم ~~تضربون هذا المثل في إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ~~ضرست. حي أنا، يقول الرب: لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في ~~إسرائيل ... النفس التي تخطئ هي التي تموت ... الابن لا يحمل من إثم الأب» (18: ~~2-4، 20). # ولكن هذه النداءات الواهية المتفرقة في أسفار الأنبياء، لم تكن كافية ~~لحل إشكالية الأخلاق التي بقيت قائمة، مثلها مثل إشكالية التوحيد، حتى ~~اختتام تدوين الأسفار القانونية. ~~(3) الشيطان الحاضر الغائب # إن عدم توصل الأيديولوجيا ~~التوراتية إلى صياغة معتقد واضح متسق حول وحدانية الإله وأخلاقيته، ~~وتقصيرها عن بلوغ مفهوم الكمال والخير المطلق في شخصية ذلك الإله، الذي بقي ~~يتصرف حتى النهاية كزعيم قبلي مدفوع بردود أفعاله الآنية وبعواطفه ~~الفطرية مثل الغضب والغيرة، قد دفع بالشيطان إلى دائرة الظل عبر أحداث ~~الرواية التوراتية. فإله التوراة هو صانع الخير وصانع الشر في آن معا، ~~وها هو النبي إشعيا يقدم لنا ما يمكن اعتباره خلاصة تجربة شعب التوراة ~~مع إلهه: «أنا الرب وليس آخر. مصور النور وخالق الظلمة. صانع السلام وخالق ~~الشر. أنا صانع كل هذا» (45: 76). ونقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: «الخير ~~والشر، الحياة والموت، الفقر والغنى من عند الرب ... الظلال والظلمة خلقا ~~مع الخطأة» (11: 14-16). وأيضا: «أنا، أنا هو الرب وليس إله معي. أنا ~~أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي، وليس من يدي مخلص. إني أرفع يدي ms124 إلى ~~السماء وأقول: حي أنا إلى الأبد. سللت سيفي البارق وأمسكت بالقضاء يدي، ~~أرد نقمة على أضدادي وأجازي مبغضي. أسكر سهامي بدم ويأكل سيفي لحما بدم ~~القتلى والسبايا ومن رءوس قوات العدو» (التثنية، 32: 39-42). وبذلك يتم دمج ~~الإله والشيطان في شخصية واحدة هي شخصية يهوه الذي نراه يلعب الدورين ~~ببراعة، رغم أن العناصر الشيطانية في شخصيته تطغى على العناصر الإلهية. ~~فأي إله هذا الذي تسكر سهامه بالدم ويأكل سيفه اللحم مغمسا بدم القتلى ~~والسبايا ورءوس قوات العدو؟ وأي إله هذا الذي يشبهه مقطع آخر بالعملاق الذي ~~تعتعه السكر فراح يضرب ذات اليمين وذات الشمال: «ثم استيقظ الرب كنائم، ~~ومثل الجبار الذي رانت عليه الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء، جعلهم عارا ~~أبديا» (المزمور 78: 65-66). وأي إله هذا الذي يخرج من أنفه دخان ومن فمه ~~نار آكلة: «ارتجت الأرض وارتعشت. أسس الجبال ارتعدت وارتجت لأنه غضب، ~~صعد دخان من أنفه ونار من فمه أكلت، جمر اشتعلت منه» (المزمور 18: 7-8). ~~وأي إله هذا الذي يحف به كلما خرج شيطان الوبأ وشيطان الحمى: «قدامه ذهب ~~الوبأ وعند رجليه خرجت الحمى ... وقف وقاس الأرض، انظر، فرجف الأمم» (حبقوق ~~3: 4-6). # ومع ذلك فإن الشيطان لم يكن غائبا تماما رغم ضآلة دوره وقلة ~~حيلته، وهو يظهر شريكا ليهوه أحيانا وتابعا له في أحيان أخرى ينفذ ~~مهاما معينة. ففي الأسفار الخمسة يدعى عزازيل، ويبدو أشبه بالجن التي ~~تسكن البوادي والقفار، وهو يقتسم قربان الخطيئة مع يهوه. نقرأ في سفر ~~اللاويين: «ويأخذ هارون التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع، ~~ويلقي على التيسين قرعتين قرعة للرب وقرعة لعزازيل، ويقرب هارون التيس ~~الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحة خطيئة، وأما التيس الذي خرجت ~~عليه القرعة لعزازيل يوقف حيا أمام الرب ليفكر عنه ليرسله إلى عزازيل في ~~البرية» (اللاويين، 16: 5-10). ونجده في سفر القضاة وما تلاه تحت اسم ~~بليعال، والذي يعني بالعبرية الشرير عديم الفائدة. نقرأ في سفر القضاة عن ~~سبط بنيامين الذي كان رجاله لوطيين يصطادون الغرباء ويعتدون ms125 عليهم: ~~«وفيما هم يطيبون قلوبهم إذا برجال المدينة رجال بني بليعال أحاطوا ~~بالبيت قارعين الباب، وكلموا الرجل صاحب البيت الشيخ، قائلين: أخرج ~~الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه # 5 # فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: لا يا إخوتي لا تفعلوا ~~شرا بعدما دخل هذا الرجل بيتي لا تفعلوا هذه القباحة» (19: 22-23). ونجد ~~هنا نموذجا عن أخلاق عامة الناس في الرواية التوراتية، مما لم نتعرض له ~~عندما عرضنا لسلوك الشخصيات الرئيسية في الرواية. هذا ويرد الاسم بليعال ~~في عدة مواضع أخرى في الإشارة إلى الشيطان، ففي سفر الملوك الأول يغتصب ~~الملك آخاب كرما للمدعو نابوت اليزرعيلي ويلفق له تهمة تودي بحياته، ثم ~~يأتي بشهود زور من بني بليعال (الملوك الأول 21). وقد استخدم مؤلفو العهد ~~الجديد الاسم بليعال للدلالة على الشيطان. يقول بولس الرسول: «وأية ~~شركة للنور مع الظلام، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال» (كورنثة الثانية، ~~6: 14-15). كما استخدمت الأسفار غير القانونية الاسم أيضا ومنها نصوص ~~قمران، كما سنرى في الفصل القادم. # وقد يشير المحرر التوراتي إلى الشيطان دون ذكر اسمه صراحة، فهو ~~«المهلك» الذي يرسله يهوه في مهمات القتل والدمار، نراه في صحبته عندما ~~مر على بيوت المصريين ليضربهم في سفر الخروج، وذلك بعد أن أمر العبرانيين ~~بوضع شارة مرسومة بالدم على أبوابهم لكي يميزهم عن المصريين: «إن الرب ~~يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر ~~الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتهم ليضرب» (12: 23). ويقول إشعيا ~~بأن يهوه قد خلق المهلك لمهام الخراب والتدمير: «وأنا خلقت المهلك ~~ليخرب» (54: 16). وبه يهدد النبي إرميا أهل يهوذا وأورشليم: «قد صعد ~~الأسد من غابته، وزحف مهلك الأمم، خرج من مكانه ليجعل أرضك خرابا. تخرب ~~مدنك فلا ساكن» (4: 7). والنبي ناحوم يعد الشعب بكف أذى المهلك: «هو ذا ~~على الجبال مبشر مناد بالسلام، عيدي أعيادك يا يهوذا، أوفي نذورك، ~~فإنه لا يعود يعبر فيك أيضا المهلك. قد انقرض كله» (1: ~~15). # وهو الروح الرديء الذي يرسله يهوه فيتلبس من يخطئ أمامه، وقد أرسل ~~مثل ms126 هذا الروح فحل في جسد شاؤل: «وذهب روح الرب من عند شاؤل وبغته روح ~~رديء من قبل الرب» صموئيل الأول (16: 14). «وكان في الغد أن الروح ~~الرديء من قبل الرب اقتحم شاؤل وجن في وسط البيت» (18: 10). وهذا يعني ~~وجود صلة شراكة بين يهوه والشياطين التي تعمل تحت إمرته. وكان يسوع فيما ~~بعد يخرج مثل هذه الأرواح الرديئة من أجسام المجانين فيشفون، وهم ~~يدعون العهد الجديد بالأرواح النجسة والأرواح الشريرة والشياطين. # وهو الوباء والحمى اللذان يسيران أمام إله الغضب: «جلاله غطى السماوات، ~~والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان له لمعان كالنور، قدامه ذهب الوبا، وتحت ~~رجليه خرجت الحمى ... بغضب خطرت في الأرض، بسخط دست الأمم» (حبقوق، 3: ~~3-12)، وفي سفر طوبيا يدعى إزموداس (طوبيا، 3: 8) مثلما يدعى أيضا ~~بالشيطان (طوبيا، 6: 8 و8: 2-3). وعندما يذكر بالاسم «الشيطان» (وهو ~~بالعبرية شطن، ويعني المقاوم والمعاند) نجده واحدا من بطانة يهوه الخاصة ~~والمقربة، مكلفا بأداء مهام شريرة يوكلها إليه الرب، كما نجد أن ~~الاثنين متفقان أحيانا ومختلفان في أحيان أخرى. ففي المزمور 109 نجد كاتب ~~المزمور يدعو ربه لكي يقيم من عنده شيطانا على خصمه يفسد عليه حياته: ~~«فأقم عليه شريرا، وليقف شيطان عن يمينه، إذا حوكم فيخرج مذنبا، وصلاته ~~فلتكن خطيئة. ليكن بنوه أيتاما وامرأته أرملة» (6-9). وفي سفر زكريا ينتهر ~~الرب الشيطان لأنه وقف عن يمين الكاهن يهوشع ليقاومه: وأراني الملاك ~~الكاهن العظيم يهوشع قائما قدام الرب، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. ~~فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذي اختار ~~أورشليم (3: 1-2). # في سفر أيوب نجد أن يهوه والشيطان متفقان تماما بخصوص النيل من ~~العبد الصالح أيوب، وهما يعقدان رهانا فيما بينهما بشأنه. وهنا تتضح لنا ~~بجلاء شخصية الشيطان في التوراة ومكانته ومهامه، فهو ملاك أسود موكل من ~~قبل يهوه بأمر الشر، ويجول مع بقية الملائكة في الأرض يستقي أخبارها ويرفع ~~تقاريره إلى معلمه، وهو رغم تبعيته الظاهرية إلا أنه قادر على خداع ~~سيده، ودفعه لاتخاذ قرارات غير صائبة بناء على معلومات كاذبة ms127 يقدمها ~~إليه. وإليكم القصة نسوقها مع بعض التفصيل نظرا لأهميتها في الكشف عن ~~الجوانب الشيطانية في شخصية يهوه. # كان أيوب رجلا كاملا ~~ومستقيما، على حد وصف مطلع السفر: «وكان هذا الرجل كاملا ومستقيما، ~~يتقي الله ويحيد عن الشر ... ولد له سبعة بنين وثلاث بنات، وكانت مواشيه ~~سبعة آلاف رأس من الغنم وثلاثة آلاف جمل وخمسمائة فدان بقر وخمسمائة أتان، ~~وخدمه كثيرون جدا. فكان هذا الرجل أعظم بني المشرق» (1: 1-3). وفي أحد ~~الأيام جاء الملائكة ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان في وسطهم كواحد منهم: ~~«وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضا في ~~وسطهم. فقال الرب للشيطان: من أين جئت؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجولان # 6 # في الأرض والتمشي فيها» (1: 6-7). هنا يتذكر يهوه عبده ~~الصالح أيوب ويأمل ألا يكون الشيطان عازما على مسه بسوء: «فقال الرب ~~للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض، رجل صالح ~~كامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر» (1: 8). عند ذلك يبدأ الشيطان ~~مكيدته لأيوب، فيوحي ليهوه بأن تقوى الرجل ليست تعبيرا عن كماله وإنما ~~هي نتاج موقف نفعي، لأن الرب قد أغدق عليه ووهبه ما لم يهب لغيره، فإذا ~~مسه ضر من ربه سوف يكفر ويجدف في وجهه: «فأجاب الشيطان: هل مجانا يتقي ~~أيوب الله؟ أليس أنك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية، ~~باركت أعمال يديه فانتشرت مواشيه في الأرض، ولكن ابسط يدك الآن ومس كل ما ~~له فإنه يجدف عليك» (1: 9-11). هنا يظهر بجلاء عدم اتصاف يهوه بواحدة من ~~أهم خصائص الله وهي كلانية المعرفة، لأن الشك يداخله في أمر أيوب ويود ~~معرفة خبيئة نفسه، فينقاد لأحابيل الشيطان: «هو ذا كل ما له في يدك، ~~وإنما إليه لا تمد يدك» (1: 12). وقد كان أحرى به أن يرجع إلى معرفته ~~الكلية، إذا كان لديه منها أدنى نصيب، ليعرف خبيئة نفس أيوب بدل توظيفه ~~للشيطان والاتكال عليه. # أطلق يهوه يد الشيطان في ms128 أيوب ينزل به ما شاء من الضربات، ففي يوم ~~واحد سرقت أبقاره وجماله، وقتل اللصوص عبيده جميعا، وسقطت نار من السماء ~~فأحرقت قطعان غنمه، ثم سقط البيت على أولاده فماتوا جميعا: «فقام أيوب ~~ومزق جبته وجز شعر رأسه وخر على الأرض وسجد وقال: عريانا خرجت من بطن ~~أمي وعريانا أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ. فليكن اسم الرب مباركا. ~~وفي كل هذا لم يخطئ أيوب ولم ينسب لله جهالة» (1: 13-22). # يأتي الشيطان للمثول أمام الرب مرة أخرى فيعاتبه الرب على دسيسته لأن ~~أيوب لم يخطئ ولم يجدف رغم ما حل به من مصائب: «إلى الآن هو متمسك ~~بكماله وقد هيجتني عليه لأبتليه بلا سبب» (2: 1-3). فيقترح الشيطان أن ~~يستمر الاختبار، وأن يطال الأذى أيوب في جسمه وصحته بعد أن طاله في أملاكه ~~وعائلته، فينساق يهوه مرة أخرى لإغواء الشيطان الذي يباشر عمله فورا: ~~«فخرج الشيطان من حضرة الرب وضرب أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته، ~~فأخذ لنفسه شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد. فقالت له امرأته: أنت ~~متمسك بعد بكمالك؟ ... فقال لها: تتكلمين كلاما كإحدى الجاهلات. أنقبل ~~الخير من عند الله والشر لا نقبل؟ في كل هذا لم يخطئ أيوب بشفتيه» (2: ~~4-13). # ولكن يهوه وقد أمتعته اللعبة الآن، يزداد إمعانا في تعذيب أيوب الذي ~~تشتد عليه الأوجاع الجسدية والشقاءات الروحية، فيرفع عقيرته بالشكوى وطلب ~~العدل من إله لا يعرف مثل هذا المصطلح: «أبحر أنا أم تنين حتى جعلت علي ~~حارسا؟ إن قلت فراشي يعزيني وينزع كربتي تريعني بأحلام وترهبني برؤى ... ~~كف عني الآن لأن أيامي نفحة. ما هو الإنسان حتى تعتبره وحتى تضع عليه ~~قلبك، وتتعهده كل صباح، وكل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا تريحني ~~ريثما أبلع ريقي؟ هل أخطأت؟ ماذا أفعل لك يا رقيب الناس؟ لماذا جعلتني ~~عاثورا لنفسي حتى أكون على نفسي حملا؟» (17: 12-20). ولكن هذه الشكوى ~~تذهب هباء، لأن يهوه هو الخصم والحكم، وما من أحد يحاسبه على أعماله: ms129 ~~«ذاك الذي يسحقني بالعاصفة ويكثر جروحي بلا سبب، لا يدعني آخذ نفسي ولكن ~~يشبعني مرائر. إن كان من جهة القوة يقول ها أنا ذا، وإن كان من جهة القضاء ~~يقول من يحاكمني؟ ... أنا مستذنب فلماذا أتعب عبثا ... لأنه ليس هو ~~إنسانا مثلي فأجاوبه فنأتي جميعا للمحاكمة. ليس بيننا مصالح يضع يده على ~~كلينا » (9: 29-33). «أفهمني لماذا تخاصمني ... يداك كونتاني وصنعتاني ~~كلي جميعا، أفتبتلعني؟ ... كف عني قبل أن أذهب ولا أعود إلى أرض ظلمة ~~وظل موت» (10: 1-21). # ولكن ادعاء البراءة من جانب أيوب وثباته على توكيد حقه أمام إلهه، لا ~~يزيد هذا إلا تعنتا، وها هو يخاطبه مخاطبة الند للند مستعرضا قوته ~~أمام هذا الإنسان الضعيف القاعد فوق كومة رماد بين أطلال بيته المهدم يحك ~~قروحه بكسرة فخار: «فأجاب الرب أيوب من العاصفة وقال: من هذا الذي يظلم ~~القضاء بكلام بلا معرفة؟ أشدد حقويك الآن كرجل، فإني أسألك فتعلمني. أين ~~كنت حين أسست الأرض؟ أخبر إن كان عندك فهم، من وضع قياسها أو من مد ~~عليها مطمارا؟ على أي شيء قر قواعدها، أو من وضع حجر زاويتها عندما ~~ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني الله؟» (38: 1-6). وبعد خطبة طويلة ~~يتباهى يهوه فيها بكل ما صنعت يداه، يتقدم أيوب بإجابة مقتضبة تنم عن ~~اليأس من الاحتكام لإله يعتبر نفسه فوق الواجبات الأخلاقية: «فأجاب أيوب ~~الرب وقال: ها أنا حقير بماذا أجاوبك؟ وضعت يدي على فمي. مرة تكلمت فلا ~~أجيب، ومرتين فلا أزيد» (40: 2-4). # هذه الإجابة المختصرة تدعو يهوه إلى ثورة عارمة أقوى من الأولى، لأنه ~~يرى في ثناياها اتهاما مبطنا من قبل أيوب: «فأجاب الرب أيوب من ~~العاصفة فقال: الآن أشدد حقويك كرجل. أسألك فتعلمني. لعلك تناقض حكمي!! ~~تستذنبني لكي تتبرر أنت!» (40: 6-8). ثم يعود إلى استعراض قوته مستعيدا ~~مشاهد معروفة تظهر تسلطه على الوحوش والتنانين البحرية من أمثال بهيموث ~~ولوياتان: «هل لك ذراع كما لله وبصوت مثل صوته ترعد؟ ... أتصطاد لوياتان بشص ~~أم تضغط لسانه بحبل؟ ... من يفتح مصراعي فمه؟ ms130 دائرة أسنانه مرعبة ... عطاسه ~~يبعث نورا وعيناه كهدب الصبح، من فمه تخرج مصابيح شرار نار تتطاير منه ... ~~إلخ» (40: 9؛ و41: 1-21). بعد أن ينتهي يهوه من خطبته الاستعراضية الثانية ~~هذه، يدرك أيوب أخيرا أن إلهه لا ينطلق في تصرفاته من أية قاعدة ~~منطقية أو أخلاقية، بل من إحساسه بالتفوق والسلطة المطلقة، وأنه لا يطلب ~~من عباده إلا اعترافا تاما بالتفوق، ولا فائدة ترجى من تذكيره ~~بالعدل والإنصاف. وهنا يعمد أيوب إلى صياغة إجابته الأخيرة بطريقة تنسجم مع ~~نظرة يهوه إلى نفسه، وبذلك يفلح في كسب قضيته أخيرا: «فأجاب أيوب الرب ~~فقال: قد علمت أنك تستطيع كل شيء ولا يعسر عليك أمر ... وقد نطقت بما لم ~~أفهم بعجائب فوقي لم أعرفها ... بسمع الأذن قد سمعت عنك، والآن رأتك عيني، ~~لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد» (42: 1-5). # لا تحتوي كلمات أيوب الأخيرة على أي عرض لحق أو احتكام لعدل أو تذكير ~~بالقواعد الأخلاقية، بل إنها تبدي خضوعا كاملا وغير مشروط لجبروت إله ~~كان أيوب يسمع به وبعجائبه ولكنه رآه بعد ذلك بأم عينه، لهذا يهدأ غضب يهوه ~~ويقرر الرأفة بأيوب، فيعيد إليه كل ما سلب منه: «وزاد الرب على كل ما ~~كان لأيوب ضعفا، فجاء إليه كل إخوته وكل أخواته وكل معارفه وأكلوا خبزا ~~في بيته، ورثوا له وعزوه عن الشر الذي جلبه الرب عليه. وبارك الرب آخرة ~~أيوب أكثر من أولاه ... وعاش أيوب بعد هذا مائة وأربعين سنة ورأى بنيه وبني ~~بنيه إلى أربعة أجيال، ثم مات أيوب شيخا وشبعان الأيام» (42: 1-17). ولكن ~~من يعيد لأيوب كرامته الإنسانية التي هدرت على يد إله يدعي أنه الذي ~~أسس الأرض ورفع السماء، ويتباهى بقتل التنانين واصطيادها بشص كما السمك، ~~ولكنه لا يملك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكنه من الاطلاع على فؤاد ~~أيوب ليتأكد من صحة ادعاء الشيطان. ~~(4) لاهوت الملائكة # على عكس لاهوت الشيطان، الذي بقي ناقصا وغامضا حتى اختتام الأسفار ~~القانونية، فإن لاهوت الملائكة يأخذ بالاتضاح تدريجيا عبر الأسفار، ~~وذلك بتأثيرات رافدينية وفارسية، ms131 غير أن ما يميز مفهوم الملائكة في ~~التوراة عن مفهوم الملائكة الفارسي، هو أن الملائكة التوراتية ليست ~~كائنات نورانية خيرة تقف في وجه الشياطين وتكافح الشر في العالم على كل ~~صعيد، بل هي البطانة الخاصة التي تحيط بيهوه الملك، وتحمل عرشه كلما زار ~~الأرض، وتنفذ ما يوكل إليها من مها، فمنها للمهام الخيرة ومنها للمهام ~~الشريرة، وغالبا ما يختلط الفريقان حتى يصعب التمييز بين ملائكة النور ~~وملائكة الظلام. فبعد أن ترك يهوه خيمته التي سكن تحتها في الصحراء ردحا ~~وصار له هيكل مثل بقية الآلهة الكبرى، أخذ المحررون التوراتيون يرسمون له ~~صورة الملك الشرقي المتربع على العرش، والذي يحيط به رهط السماء من الخدم ~~والحشم والأتباع: «قد رأيت الرب جالسا على كرسيه، وكل جند السماء واقفا ~~عن يمينه ويساره» (الملوك الأول، 22: 19). «الرب جالس على كرسي قدسه» ~~(المزمور 47: 8). «الرب قد ملك. لبس الجلال، لبس الرب القدرة ائتزر بها» ~~(المزمور 93: 1). «الرب قد ملك فلتبتهج الأرض ولتفرح الجزائر الكثيرة ... ~~أسجدوا له يا كل الآلهة» (المزمور 97: 1-7). # رغم أن قصة الخلق التوراتية لم تأت على ذكر خلق الملائكة، إلا ~~أن النص يتحدث عن صنف من هذه الكائنات منذ مطالع سفر التكوين ويدعوها ~~«كروبيم»، والكلمة صيغة جمع للمفرد «كروب» وهي من أصل بابلي، وتدل على ~~كائنات مجنحة ذات رأس إنساني وجسم حيواني، كانت تصور على مداخل الأبنية ~~والقصور الملكية باعتبارها كائنات ما ورائية حارسة. يرد أول ذكر للكروب ~~والكروبيم في الإصحاح الثالث من سفر التكوين. فبعد أن جرى طرد الإنسان من ~~جنة عدن أقام الرب الكروبيم لحراسة الطريق إلى شجرة الحياة (التكوين، 3: ~~24). وفي سفر الخروج يأمر الرب موسى أن يصنع لتابوت العهد غطاء عليه صورة ~~لكروبين مجنحين: «اصنع كروبا واحدا على الطرف من هنا وكروبا آخر على ~~الطرف من هناك، ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق، مظللين بأجنحتهما ~~على الغطاء» (الخروج، 25: 19). كما أمره أن يرسم عددا آخر من الكروبيم على ~~نسيج خيمة الاجتماع التي تضم تابوت العهد (الخروج، 26: 31). وعندما بنى ~~سليمان الهيكل الذي وضع الرب ms132 بنفسه مخططه، كانت صور الكروبيم تملأ ~~المكان: «وعمل في المحراب كروبين من خشب الزيتون علو الواحد عشر أذرع، وخمس ~~أذرع جناح الكروب الواحد، وجعل الكروبيم في وسط البيت الداخلي، وجميع حيطان ~~البيت في مستديرها رسمها نقشا بنقر كروبيم ... وعمل لباب المحراب مصراعين من ~~خشب الزيتون ورسم عليهما نقش كروبيم» (الملوك الأول، 6: 23-32). # ويستخدم يهوه هذه الكائنات كواسطة نقل عندما يفكر بزيارة الأرض: ~~«طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه، ركب على كروب وطار، ورئي على أجنحة ~~الريح، جعل الظلمة حول مظلات» (صموئيل الثاني، 22: 10). ونجد الصورة نفسها ~~في المزمور 18: «ركب على كروب وهف وطار على أجنحة الريح ... من الشعاع ~~قدامه عبرت سحبه، برد وجمر ونار» (18: 10-12). كما أن الكروبيم ~~تسند عرش يهوه: «يا راعي إسرائيل يا جالسا على الكروبيم أشرق» (المزمور ~~80: 1). وأيضا: «الرب قد ملك. ترتعد الشعوب وهو جالس على الكروبيم، ~~تتزلزل الأرض» (المزمور 99: 1). وفي رؤيا حزقيال نجد أربعا من هذه ~~الكروبيم تحمل عرش الرب، الذي تحول إلى مركبة تطير به وتحط على الأرض، في ~~مشهد رأى فيه بعض أصحاب الخيال الجامح من الكتاب الغربيين ما يشبه هبوط ~~مركبة فضائية من العوالم الأخرى: «فنظرت وإذا بريح عاصفة جاءت من الشمال، ~~سحابة عظيمة ونار متواصلة وحولها لمعان، ومن وسطها شبه أربعة حيوانات هذا ~~منظرها: لها شبه إنسان، ولكل واحد أربعة أوجه وأربعة أجنحة، وأرجلها ~~قائمة، وأقدام أرجلها كقدم رجل العجل، وبارقة كمنظر النحاس المصقول، وأيدي ~~إنسان تحت أجنحتها على جوانبها الأربعة ... منظرها كجمر نار متقدة، ومن النار ~~كان يخرج برق ... وعلى رءوس الحيوانات شبه مقبب كمنظر البلور الهائل منتشرا ~~على رءوسها من فوق ... وفوق المقبب الذي على رءوسها شبه عرش كمنظر العقيق ~~الأزرق، وعلى شبه العرش كمنظر إنسان ... هذا منظر شبه مجد الرب. ولما ~~رأيته، خررت على وجهي وسمعت مرسل صوت متكلم فقال لي: يا ابن آدم قم على ~~قدميك فأتكلم معك» (1: 4-28). # ويستخدم النص في الأسفار الخمسة ~~الاسم المفرد «ملاك» في العديد من المواضع، والكلمة بالعبرية تلفظ «ملاخ» ~~وتعني رسول أو مرسل. ms133 نقرأ في سفر التكوين، في خطاب إبراهيم لعبده: «هو يرسل ~~ملاكه أمامك فتأخذ زوجة لابني من هناك» (24-7). وفي سفر الخروج: «ها أنا ~~مرسل ملاكا أمام وجهك يحفظك في الطريق». وفي سفر العدد: «فصرخنا إلى الرب ~~فسمع صوتنا وأرسل ملاكا وأخرجنا من مصر» (20: 16). وبعد ذلك تظهر في النص ~~صيغة الجمع «ملائكة» إلى جانب صيغة المفرد: «الرب في السماوات ثبت كرسيه ~~ومملكته على الكل تسود ... باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة، الفاعلين ~~أمره عند سماع صوت كلامه. باركوا الرب يا جميع جنوده، خدامه العاملين ~~مرضاته» (المزمور 103: 19-20). وهم مثل ريح ونار على حد تعبير المزمور 104: ~~«باركي يا نفسي الرب ... الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح، ~~الصانع ملائكته رياحا وخدامه نارا ملتهبة.» # ونظرا لغياب الشياطين كمخلوقات ما ورائية شريرة، فإن الملائكة تنقسم ~~إلى فريقين: واحد شرير والآخر طيب. والشريرون منهم هم أداة غضب يهوه: «أرسل ~~عليهم حمو غضبه، سخطا ورجزا وضيقا، جيش ملائكة أشرار مهد الطريق ~~لغضبه» (المزمور 78: 49-50). وأما الطيبون منهم فيحفظون أتقياء يهوه: ~~«لأنك قلت أنت يا رب ملجئي، لا يلاقيك شر، لأنه يوصي بك ملائكته لكي ~~يحفظوك في كل طرقك» (المزمور 91: 9-11). والشيطان نفسه هو واحد من هؤلاء ~~الملائكة الأشرار وربما كان رئيسا عليهم رغم عدم وجود إشارة واضحة في النص ~~إلى ذلك. وينفرد سفر إشعيا بالحديث عن طبقة من الملائكة تدعى سيرافيم، ~~وهؤلاء يطيرون بستة أجنحة لا بأربعة كما هو حال الكروبيم: «رأيت السيد ~~جالسا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه، ~~لكل واحد ستة أجنحة، باثنتين يغطي وجهه وباثنتين يغطي رجليه وباثنتين ~~يطير، وهذا نادى ذاك وقال قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض» (6: ~~1-3). # ومن مهام الملائكة الاتصال بمختاري الرب وأنبيائه. فبعد أن تحول يهوه ~~إلى ملك شرقي وترك خيمته المتواضعة في الصحراء، لم يعد يتصل مباشرة بالناس ~~بل جعل من الملائكة وسيطا بينه وبينهم. فهؤلاء إلى جانب تسبيحهم للرب ~~وتعظيمهم له فإنهم يتصلون بمختاري الرب وأنبيائه فيفسرون معنى أحلامهم ~~ويضعون النبوءات ms134 على ألسنتهم (حزقيال، 4: 3-4؛ وزكريا، 12:1). ونعرف من ~~هؤلاء الوسطاء ميخائيل رئيس الملائكة، وجبرائيل حامل الوحي. نقرأ في سفر ~~دانيال عن ظهور جبرائيل للنبي: «وبينما أنا أتكلم وأصلي وأعترف بخطيئتي ~~وخطيئة شعبي، وإذا بالرجل جبرائيل الذي رأيته في الرؤيا لمسني عند وقت ~~تقدمة المساء، وفهمني وتكلم معي وقال: يا دانيال ... إلخ» (9: 20-22). ~~وأيضا: «إذا كنت على جانب النهر العظيم الذي هو دجلة، رفعت بصري ونظرت ~~وإذا برجل لابس كتانا لابس وجسمه كالزبرجد ووجهه كمنظر البرق وعيناه ~~كمصباحي نار وصوت كلامه كصوت جمهور ... وسمعت صوت كلامه. ولما سمعت صوت ~~كلامه كنت مسبخا على وجهي، ووجهي إلى الأرض، وإذا بيد لمستني وأقامتني ~~مرتجفا وقال لي: يا دانيال ... إلخ» (دانيال، 10: 4-11). # إن تجلي جبرائيل للنبي دانيال ~~في المشهد أعلاه، يظهر بقوة أثر التقاليد الزرادشتية، ويحضر إلى الأذهان ~~مشهد تجلي الروح القدس المدعو فوهو مانا لزرادشت عندما كان على ضفة النهر، ~~وإبلاغه إياه رسالة أهورا مزدا. كما تظهر التأثيرات الزرادشتية في سفر ~~طوبيا الذي يشير إلى وجود سبعة ملائكة تقف في حضرة الرب بشكل دائم. فهذه ~~الملائكة السبعة هي نظيرة الأرواح السماوية السبع التي تحيط على الدوام ~~بأهورا مزدا وتعكس مجده. يقول الملاك للرجل الصالح طوبيا: «والآن فإن ~~الرب قد أرسلني لأشفيك وأخلص سارة كنتك من الشيطان، فإني أنا رفائيل ~~الملاك، أحد السبعة الواقفين أمام الرب» (12: 14-15). وقد انتقلت هذه ~~الفكرة بعد ذلك إلى العهد الجديد. نقرأ في رؤيا يوحنا اللاهوتي: «سلام من ~~الكائن، والذي كان والذي يأتي، ومن سبع الأرواح التي أمام عرشه» (1: 4). ~~وأيضا: «هذا يقوله الذي له سبع أرواح الله وسبعة الكواكب ... إلخ» (3: ~~1). # وخلاصة الأمر فيما يتعلق بمفهوم الملائكة في الأيديولوجيا التوراتية، ~~هي أن المحرر التوراتي قد اقتبس هذا المفهوم عن المعتقد الزرادشتي بعد أن ~~جرده من كل معانيه الأصلية. إن وجود الملائكة في المعتقد الزرادشتي هو ~~ضرورة أخلاقية، وقد خلقها أهورا مزدا لغرض محدد واضح هو مكافحة الشيطان ~~وأعوانه، والتصدي لهجوم قوى الشر الدائم على خلق الله الطيب. أما في ~~المعتقد ms135 التوراتي الذي يفتقر أصلا إلى تصور متسق وواضح عن الخير والشر، ~~وإلى أي معنى أخلاقي للكون والحياة وصيرورة التاريخ، فإن وجود الملائكة ~~لا يخدم إلا صورة يهوه عن نفسه كملك مطلق السلطان. ~~(5) الزمن ومفهوم التاريخ # تنتمي الرؤية التوراتية للزمن ~~والتاريخ إلى نمط خاص أدعوه بالتاريخ الدينامي المنقوص، لأن هذه الرؤية ~~تقوم على فكرة نهاية التاريخ، ولكن مع استمرارية الزمن الدنيوي المفتوح على ~~اللانهاية، فالأيديولوجيا التوراتية تفتقر إلى أهم العناصر التي يقوم عليها ~~مفهوم التاريخ الدينامي، وهي : وحدانية الإله وأخلاقيته، والشيطان الكوني، ~~وصراع الخير والشر الذي يقود التاريخ والزمن معا إلى نهاية يعقبها خروج من ~~الزمن إلى الأبدية. فلنتابع فيما يأتي حركة تاريخ العالم والحضارة ~~الإنسانية كما رآه محررو التوراة حتى اختتام أسفار الكتاب. # قبل بداية الزمن، لم يكن سوى المياه البدئية الأزلية، وروح الرب يرف ~~فوق سطحها، ولسبب غير مفهوم قرر الرب خلق العالم، ونفذ ذلك خلال ستة ~~أيام تقابل مراحل الخلق الست في الزرادشتية. في اليوم الأول خلق الرب ~~النور الذي شق الظلمة الأزلية المتكاثفة فوق سطح الغمر البدئي، وسمى ~~النور نهارا وسمى الظلمة ليلا. في اليوم الثاني خلق قبة السماء. وفي ~~اليوم الثالث أظهر اليابسة وميزها عن البحار ثم بث فيها الحياة ~~النباتية. وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر وبقية الأجرام السماوية. وفي ~~اليوم الخامس خلق الكائنات المائية وطيور الجو. وفي اليوم السادس خلق ~~حيوانات الأرض ثم خلق الإنسان. وفي اليوم السابع استراح من جميع عمله الذي ~~جعله خالقا (التكوين 1 و2). # مما يلفت النظر في قصة الخلق هذه، عدم تعرضها لخلق الملائكة ~~والشياطين أو أية كائنات ما ورائية أخرى، رغم أن مثل هذه الكائنات تبدأ ~~بالظهور تباعا عقب ذلك، غير أن محرر الإصحاحات الأولى من سفر التكوين ~~قد ترك لنا جملة غامضة في مطلع الإصحاح الثاني يقول فيها: «فأكملت السماوات ~~والأرض وكل جندها، وفرغ في اليوم السابع من عمله.» وهذه الجملة تفتح الباب ~~واسعا أمام عدد من التفسيرات المتعلقة بالكائنات الما ورائية على مختلف ~~أنواعها. فكلمة «جند» ms136 الواردة هنا، ومرادفها «أجناد»، مضافة إلى كلمة ~~«الرب» أو «السماء»، تدل في النص على الآلهة الأخرى أحيانا، وعلى الملائكة ~~في أحيان أخرى. نقرأ في سفر الملوك الثاني: «وكان أن بني إسرائيل أخطئوا ... ~~وتركوا جميع وصايا الرب إلههم وسجدوا لجميع جند السماء وعبدوا البعل» (17: ~~16). وأيضا: «وعمل منسي - ملك إسرائيل - الشر في عيني الرب وأقام مذابح ~~للبعل ... وسجد لكل جند السماء وعبدها» (21: 1-3). وأيضا: «وأمر الملك ... أن ~~يخرجوا من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل وللسارية ولكل أجناد ~~السماء وأحرقها خارج أورشليم» (23: 4). وفي سفر إرميا نقرأ: «في ذلك ~~الزمان، يقول الرب، يخرجون عظام ملوك يهوذا وعظام رؤسائه وعظام الكهنة ~~وعظام الأنبياء وعظام سكان أورشليم من قبورهم، ويبسطونها للشمس وللقمر ولكل ~~جنود السماء التي أحبوها والتي عبدوها» # 7 ~~(8: 1-2). # وفي مواضع أخرى نجد أن تعبير جند الرب أو جند السماء يدل بوضوح على ~~الملائكة. نقرأ في سفر يشوع: «رفع «يشوع» عينيه ونظر، وإذا برجل واقف ~~قبالته وسيفه مسلول بيده، فسار إليه يشوع وقال له: هل أنت لنا أو لأعدائنا؟ ~~فقال: كلا بل أنا رئيس جند الرب» (5: 13-14). ونقرأ في إرميا: «كما أن ~~جند السماوات لا يعد ورمل البحر لا يحصى، هكذا أكثر نسل داود عبدي» (33: ~~22). وفي سفر أخبار الأيام الثاني: «قد رأيت الرب جالسا على كرسيه وكل جند ~~السماء وقوف عن يمينه ويساره» (18: 18). وفي المزمور 103: «باركوا الرب يا ~~ملائكته ... باركوا الرب يا جميع جنوده، خدامه العاملين مرضاته» (103: 20). ~~وفي المزمور 148: «سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده» (148: ~~1-3). # هذه الشواهد وغيرها تلقي ضوءا على الجملة التي ختم بها المحرر ~~التوراتي فعاليات خلق يهوه. فلقد أراد القول بأن يهوه لم يكن وحيدا ~~عندما اكتمل خلق العالم، وأن المستوى الما ورائي كان مليئا منذ البداية ~~بحشد من الكائنات الإلهية والملائكية، ولكن يهوه قد سما عليهم جميعا من ~~خلال عملياته الخلاقة عند جذور الزمن، وها هو يراقب صيرورة التاريخ الذي ~~انطلق عقب التكوين دونما خطة إلهية مسبقة. # بعد طرد الإنسان من جنة عدن، مما فصلناه في ms137 موضع سابق، يبتدئ تاريخ ~~الحضارة الإنسانية، ولكن يهوه لا يتبع فعاليات التكوين بفعاليات التأصيل ~~على طريقة الآلهة المشرقية، التي وضعت بنفسها أصول التحضر الإنساني ودفعت ~~حثيثا مسيرة البشر الثقافية، وإنما ينسحب إلى عليائه بعد أن أسس ~~لثلاثة أصول فقط، هي الخطيئة واللعنة والجريمة. فقد دفع الزوجين الأولين ~~إلى الخطيئة ثم أخرجهما بخطيئتهما من الجنة إلى الأرض ليعملوا فيها، ولعن ~~الأرض بسببهما: «ملعونة الأرض بسببك بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك، ~~وشوكا وحسكا تنبت لك.» وعندما ولد للزوجين الأولين ابنان، هيا يهوه ~~أسباب الجريمة الأولى بقبوله قربان أحدهما ورفضه قربان الآخر، فقتل قاين ~~هابيل متبدئا تاريخ نسل آدم بالعنف والعدوان. بعد تأسيسه لهذه الشرور ~~الأولى يغفو الإله التوراتي ردحا طويلا تاركا البشر يسلكون في طرقهم ~~الخاصة، حتى تكاثروا وملئوا الأرض. وخلال هذه المدة لم يتدخل في شئونهم ~~لا سلبا ولا إيجابا ولم يؤسس لنوع من الصلة معهم. فلا طقوس ولا عبادات ~~ولا شريعة أخلاقية من أي نوع. وفجأة ينتبه يهوه ويخطر له أن يتفقد أحوال ~~الناس فيرى أن شرهم قد كثر في الأرض، ولا يجد وسيلة لإصلاح هذا الشر أفضل ~~من إفنائهم جميعا، رغم كل الخيارات الأخرى المتاحة أمام إله يفترض أنه ~~كلي القدرة: «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور ~~قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف ~~في قلبه، فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع ~~البهائم ودبابات وطيور السماء ... فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض ~~لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت» ~~(التكوين، 6). # بعد زوال الطور الأول من الحضارة وابتداء الطور الثاني مما تلا ~~الطوفان، يعود يهوه إلى الاستغراق في ذاته تاركا العالم على هواه مرة ~~أخرى، ثم يصحو ليجد الناس وقد صاروا أمة واحدة تتكلم لسانا واحدا، وها هم ~~يبنون مدينة وبرجا عاليا يصبح رمز وحدتهم وتكاتفهم، وبدلا من أن يمد لهم ~~يد العون ms138 فقد عمل على تشتيتهم وبلبلة ألسنتهم ليصبحوا شيعا متفرقة ~~متناحرة: «وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة ... وقالوا هلم نبني ~~لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على ~~وجه الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. ~~وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، ~~والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبليل هناك لسانهم ~~حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه الأرض» ~~(التكوين ، 11: 1-8). # يختفي يهوه بعد أن اطمأن إلى ~~تشتيت البشر وفرقتهم بتنوع لغاتهم، وبعد أن اطمأن إلى إحباط قفزتهم ~~الحضارية الأولى. بينما يتابع سفر التكوين سرد نسب سام بن نوح من دون جميع ~~فروع بني البشر، ومن سلسلة نسب سام هذه يتابع فقط خطا واحدا هو الخط ~~الذي انتهى بالمدعو تارح، الذي ولد في مدينة أور الكلدانية ثم ارتحل مع ~~ولديه ناحور وأبرام (= إبراهيم) وحفيده لوط من ابنه المتوفى هاران، فسار ~~وحط في مدينة حاران في الشمال السوري. هنا ينتبه يهوه مجددا وينظر إلى ~~الأرض بقاراتها وشعوبها وحضاراتها جميعها، فلا يرى منها سوى أبرام، فنراه ~~يكلمه بدون مقدمات ويأمره بالتوجه إلى أرض كنعان التي سيعطيه إياها ~~ميراثا ويجعله أمة عظيمة: «وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ~~ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم ~~اسمك ... وتتبارك فيك قبائل الأرض» (التكوين، 12: 1-3). أما لماذا وقع ~~الاختيار على أبرام هذا من دون بقية بني البشر، ولماذا سيجعل الرب منه ~~أمة عظيمة وتتبارك فيه قبائل الأرض جميعها، فأسئلة لا يجيب عليها النص، ~~ولا يستطيع من يتابع سيرة أبرام وسير أبنائه وأحفاده من بعده أن يستشف ~~أية حكمة من وراء هذا الاختيار. # بعد ذلك بمدة، يعقد يهوه عهدا بينه وبين أبرام مضمونه أن يعبد، هو ~~ونسله من بعده، يهوه وحده من دون بقية الآلهة، مقابل تقديم الحماية والعون ~~لهم وإعطائهم أرضا تصبح لهم ملكا خاصا: «ولما ms139 كان أبرام ابن تسع ~~وتسعين سنة ظهر الرب لأبرام وقال له: أنا الله # 8 # القدير. سر أمامي وكن كاملا، فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك ~~كثيرا جدا ... وتكون أبا لجمهور كبير، فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون ~~إبراهيم ... وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدا ~~أبديا لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك، وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك ~~كل أرض كنعان ملكا أبديا، وأكون إلههم» (17: 1-8). وبعد وفاة إبراهيم ~~يجدد يهوه عهده مع ابنه إسحاق ومع ابن إسحاق يعقوب، الذي صار اسمه ~~إسرائيل وأنجب اثني عشر ولدا، هم رءوس قبائل بني إسرائيل. # خلال عصر الآباء الذي يبتدئ بهجرة إبراهيم إلى كنعان، وينتهي بالتحاق ~~يعقوب وأولاده بيوسف في مصر، لا يتصل الرب بأولئك الآباء إلا مرات ~~قليلة وعلى فترات متباعدة، وذلك إما لتجديد العهد أو للتبشير بغلام بعد ~~سن العجز واليأس. كما أنه لا يستن لهم شريعة ولا يوحي بوصايا من أي نوع. ~~من هنا تبدو لنا جماعة عصر الآباء بدون عقيدة واضحة أو دين مؤسس، وفيما ~~عدا هذه الاتصالات العرضية التي يباشرها يهوه بنفسه، فإن هذا الإله الذي ~~يوصف عادة بالإله الذي يتجلى في التاريخ ويفعل من خلاله، لا يمارس ~~أية فعالية في تاريخ العالم الذي يفترض أنه خالقه، ولا في تاريخ ~~البشرية التي يفترض أنه إلهه. لقد اختار نسل إبراهيم شعبا له، ومن نسل ~~إبراهيم اختار خط إسحاق من دون إسماعيل، ومن خط إسحاق اختار خط يعقوب من ~~دون عيسو. # كما أنه من كل بقاع الأرض لا يرى إلا بقعة جغرافية صغيرة لا تكاد ~~العين تلمحها على خارطة العالم، أعطاها ملكا أبديا لشعبه هذا، وأمضى ما ~~تبقى من تاريخ العالم في محاولة الوفاء بوعده لهم. ومع ذلك فإن ~~الباحثين الغربيين لا يملون إسماعنا في كل مناسبة بأن إله التوراة هو ~~إله يتجلى في التاريخ ويفعل من خلاله، بينما تتجلى آلهة الشرق القديم ~~في الطبيعة وتفعل من خلال صيرورة عملياتها. وهذه الفكرة هي أخطر الأفكار ms140 ~~المسيطرة (= Paradigm ~~) على حقل دراسة لاهوت ~~العهد القديم، وأكثرها خطأ في الآن نفسه، إلا إذا افترضنا أن ~~الجغرافيا البشرية تقتصر على منطقة السامرة ويهوذا، وأن تاريخ العالم ~~يقتصر على فلسطين الكنعانية خلال فترة الحدث التوراتي. # ترحل جماعة سفر التكوين من كنعان ~~لتلتحق بيوسف الذي صار وزيرا للفرعون، وكان عددهم سبعين نفسا فقط، وهناك ~~أقطعهم يوسف أراضي في منطقة الدلتا فاستقروا وتكاثروا ... ولكنهم بعد موت ~~يوسف وقعوا تحت نير العبودية والسخرة مدة أربعمائة سنة، كان الرب خلالها ~~غافلا عنهم في نوبة من نوبات سباته «التاريخية» الطويلة، التي لم يوقظه ~~منها سوى صراخ بني إسرائيل، فنظر وتذكر عهده. نقرأ في مطلع سفر الخروج: ~~«وتنهد بنوا إسرائيل من العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الرب من أجل ~~العبودية، فتذكر الرب ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب» (2: 23-24). ~~اختار الرب موسى ليكون أداته في تحرير الشعب وقيادته، فتجلى له أول مرة ~~في لهيب شجرة تشتعل ولا تحترق، «فقال: لا تقترب إلى ههنا. اخلع حذاءك من ~~رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة، ثم قال: أنا إله إبراهيم ~~وإله إسحاق وإله يعقوب ... إني قد رأيت مذلة شعبي وسمعت صراخهم فنزلت لأنقذهم ~~من أيدي المصريين، وأصعدهم إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا ~~وعسلا» (3: 5-8). «لذلك قل لبني إسرائيل أنا الرب، وأنا أخرجكم من تحت ~~أثقال المصريين، وأتخذكم لي شعبا وأكون لكم إلها، وأدخلكم إلى الأرض ~~التي رفعت يدي أن أعطيها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأعطيكم إياها ميراثا» ~~(6: 6-8). # هنا فقط يقرر يهوه الدخول في ~~التاريخ، ولكن لا في تاريخ العالم وتاريخ الحضارة، بل في تاريخ بني إسرائيل ~~حصرا، وينحصر مخططه التاريخي في تخليص تلك الفئة القليلة من العبودية، ~~وقيادتهم إلى كنعان ليكونوا شعبه الذي اختاره من دون شعوب الأرض، فيصيروا ~~له مملكة خاصة. يترك يهوه علياءه ليقود بنفسه بني إسرائيل عبر صحراء سيناء. ~~فكان يتجلى لهم على شكل عمود من سحاب يسير أمامهم في النهار، وعلى شكل ~~عمود من نار يسير أمامهم ليلا فلا يضلون ms141 الطريق، و«لم يبرح عمود السحاب ~~نهارا وعمود النار ليلا من أمام الشعب» (13: 20-21). كما كان موكلا ~~بطعامهم وشرابهم، ينزل عليهم من السماء المن وطيور السلوى لمأكلهم، ~~ويفجر الصخر أمامهم لينبثق منه ماء لعطشهم، ثم سكن بين ظهرانيهم في خيمة ~~كيلا يبرحهم، وكان يتدخل في المعارك الحربية إلى جانبهم. الأمر الذي جعله ~~يبدو في الأسفار الخمسة أقرب إلى قائد ملحمي منه إلى إله علوي. كما ~~تعطينا هذه الأسفار انطباعا قويا بأن تاريخ الكون بأسره وتاريخ ~~البشرية منذ آدم، لم يكن إلا مقدمة لتحرير بني إسرائيل وقيادتهم إلى ~~كنعان، لكي يؤسس الرب بهم مملكته على الأرض ويكونوا له أحبارا في هذه ~~المملكة: «وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلي، فالآن إن سمعتم ~~لصوتي وحفظتم عهدي، تكونوا لي خاصة من بين جميع الشعوب. فإن لي كل الأرض ~~وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة» (19: 3-6). في هذه المملكة ينتظر ~~يهوه أن يتربع على العرش ويحكم بشكل مباشر: «ما أجمل قدمي المبشر على ~~الجبال، المخبر بالخلاص، القائل لصهيون قد ملك إلهك» (أشعيا، 52: 7). ~~وأيضا: «ارتعدي قدامه يا كل الأرض. قولوا بين الأمم: الرب قد ملك» ~~(المزمور 96: 8). «الرب قد ملك. فلتبتهج الأرض ... قدامه تذهب نار وتحرق ~~أعداءه حوله» (المزمور 97: 1-2). «الرب قد ملك. ترتعد الشعوب. هو جالس على ~~الكروبيم. تتزلزل الأرض» (المزمور 99: 1). # غير أن خطة يهوه لم تسر على ما يحب ويشتهي، لأن الشعب الذي ~~اختاره لم يتحمل عبء الشريعة، وراح يتذمر على موسى وإلهه منذ خروجه من ~~مصر، فهو يفضل حياة العبودية مع الطمأنينة على الحرية مع المشقة والخطر: ~~«وقالوا لموسى: هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية؟ ماذا ~~صنعت بنا، حتى أخرجتنا من مصر؟ أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر: ~~كف عنا فنخدم المصريين، لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت ~~في البرية» (الخروج، 14: 11-12). ورغم كل ما فعله يهوه من أجل شعبه، فقد ~~راح هذا الشعب يعبد آلهة أخرى خلال كل الفترة التي تغطيها ms142 الأسفار ~~التوراتية. وهذا ما صاغ منذ البداية نوعا من العلاقة المتوترة بشكل دائم ~~بين الإله وشعبه، استمرت حتى نهايات التاريخ اليهودي. فكان الرب يعاقبهم ~~كلما زاغوا عن سبيله وأهملوا وصاياه، فيضربهم بالوباء ويرسل عليهم الكوارث، ~~ثم يمد لهم الحبل عند توبتهم وعودتهم إليه. # ويدور تاريخ بني إسرائيل في الحلقة المفرغة نفسها: عصيان - غضب وعقاب - ~~توبة - عصيان ... وذلك حتى تشكيل المملكة الموحدة التي ضمت القبائل في ~~دولة واحدة، تعاقب على العرش فيها شاؤل فداود فسليمان. ولقد بدا لأول وهلة ~~أن ملك يهوه وشيك التحقق من خلال هذه المملكة التي أسبغ عليها خيال ~~المحور التوراتي كل خصائص العصر الذهبي الكاملز نقرأ في سفر الملوك الأول: ~~«فتعاظم سليمان على كل ملوك الأرض في الغنى والحكمة، وكانت كل الأرض ملتمسة ~~وجه سليمان، وكانوا يأتون إليه كل واحد بهديته بآنية فضة وآنية ذهب وحلل ~~وسلاح وأطياب سنة فسنة، وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة وجعل ~~الأرز مثل الجميز الذي في السهل لكثرته» (23-27). ولكن حلم يهوه في مملكة ~~أرضية قد تلاشي لأن سليمان انحرف عن سبيل الرب وعبد آلهة أخرى: «فقال ~~الرب لسليمان: من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي، فإني أمزق المملكة ~~عنك تمزيقا وأعطيها لعبدك» (11: 9-11). # تتمزق مملكة سليمان بعد وفاته وتنقسم إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا، ~~وتدخل هاتان المملكتان في صراع دائم وحروب طاحنة ويسير ملوكهما وعامتهما ~~على خطى من سبقهم في إدارة ظهرهم لإله موسى، فيحكم عليهما بالخراب والسبي، ~~ويستخدم في ذلك مملكة آشور التي دمرت السامرة عاصمة إسرائيل وسبت ~~أهلها، كما يستخدم بعد ذلك بابل التي دمرت أورشليم وسبت أهل يهوذا. ~~نقرأ في سفر إرميا: «قد رجعوا إلى آثام آبائهم الأولين، وقد ذهبوا وراء ~~آلهة أخرى ليعبدوها. قد نقض بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدي. لذا أنا جالب ~~عليهم شرا لا يستطيعون أن يخرجوا منه، ويصرخون إلي فلا أسمع لهم ... ~~لأنه بعدد مدنك يا يهوذا صارت آلهتك» (إرميا، 1: 9-13). وأيضا: «قد ~~جعلت وجهي على هذه المدينة - أورشليم - للشر لا ms143 للخير يقول الرب. ليد ملك ~~بابل تدفع فيحرقها بالنار» (21: 8-10). # وهكذا يغدو ملكوت الرب أشبه بسراب خادع، كلما اقترب منه بنو إسرائيل ~~صار أبعد عنهم. فمسببو إسرائيل لم يرجعوا قط إلى مواطنهم بل تفرقوا وضاع ~~أثرهم، أما مسببو يهوذا فقد سمح لهم الملك قورش الفارسي بالعودة إلى ~~ديارهم، حيث شكلوا ولاية فارسية صغيرة دعيت بمقاطعة اليهودية، قامت على ~~جزء من دولة يهوذا القديمة، ولم تكن إلا أثرا باقيا من مملكة قديمة ~~زالت إلى الأبد ولا أمل في إحيائها. ثم ما لبثت الاستقلالية الشكلية التي ~~منحت لمقاطعة اليهودية خلال العصر الفارسي أن زالت بعد إلحاقها بدولة ~~السلوقيين، التي ورثت أملاك الإمبراطورية الفارسية في مناطق غربي الفرات، ~~وعندما حاول السلوقيون إضفاء الطابع الهيلينستي على المنطقة، ثار اليهود ~~تحت قيادة المكابيين (= الأسرة الهشمونية) ودخلوا حرب استقلال طويلة أنهكت ~~المقاطعة ودمرت بناها التحتية التي لم تكن قد تعافت تماما، ثم جاء الفتح ~~الروماني ليضع حدا لكل أمل لليهود بالاستقلال وإعادة بناء ~~المملكة. # خلال هذه الأحداث كانت فكرة تحقيق ملكوت الرب على الأرض تدفع نحو ~~الآفاق غير المنظورة للمستقبل، إلى أن صارت مترافقة مع فكرة جديدة على ~~الأيديولوجيا التوراتية هي فكرة نهاية التاريخ، التي تسربت إليها من ~~الزرادشتية خلال فترة السبي والاحتكاك بالفرس. ففي نهاية التاريخ يظهر ~~المخلص المنتظر الذي بشرت به الزرادشتية، ولكن لا لكي يأتي بالزمن ~~الدنيوي إلى نهايته ويتغلب على قوى الشر الكونية ويساعد على تخليص الكون ~~والإنسانية، كما هو شأنه في العقيدة الزرادشتية، بل لكي ينصب ملكا على ~~اليهود ويحارب أعداءهم في كل مكان، فيرفع الشعب المختار فوق شعوب الأرض ~~قاطبة، ويمهد لحلول ملكوت الرب. إنه «المسيا» أي مسيح الرب # 9 # الذي يمسح ملكا زمنيا على إسرائيل ويحقق مملكتها ~~الأبدية، ورغم أن لقب مسيح الرب كان يطلق على ملوك إسرائيل الأوائل ~~الذين اختارهم يهوه بنفسه للملك مثل شاؤل وداود «كما أطلقه محرر سفر عزرا ~~على الملك قورش الفارسي الذي سمح لمسببي يهوذا بالعودة إلى أورشليم» إلا ~~أنه صار فيما بعد وقفا ms144 على مخلص نهاية التاريخ. # إضافة إلى الصفة الزمنية للمسيح المنتظر كمحرر سياسي يأتي من نسل داود، ~~فإن محرري أسفار الأنبياء، بشكل خاص، يضفون عليه خصائص قدسية تجعله أقرب ~~إلى عالم الآلهة منه إلى عالم البشر، فهو يولد من عذراء مثل المخلص ~~الزرادشتي ويدعى عمانوئيل التي تعني: الله معنا، لأنه يمثل الحضور ~~الإلهي بين الناس. نقرأ في سفر إشعيا: «هي ذي العذراء تحبل وتلد ابنا، ~~ويكون اسمه عمانوئيل» (7: 14). وأيضا: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا، ~~وتكون الرياسة على كتفيه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا، إلها قديرا، أبا ~~أبديا، رئيس السلام. لنمو الرئاسة، ولسلام لا انقضاء له على عرش داود» ~~(9: 6-7). وهو يخرج من نسل داود بن يسي: «ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت ~~غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، ~~روح المعرفة ومخافة الرب، ولذته تكون في مخافة الرب ... يقضي بالعدل للمساكين ~~ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض» (1: 1-4). ونقرأ في نبوءة ميخا أن ولادة ~~المخلص تكون في بلدة بيت لحم: «وأنت يا بيت لحم، إنك صغيرة في ألوف ~~يهوذا، ولكن منك يخرج لي من يكون متسلطا على إسرائيل ... ويقف ويرعى بعزة ~~الرب وبعظمة اسم الرب إلهه، فيكونون ساكنين لأنه حينئذ يتعاظم إلى أقاصي ~~الأرض» (5: 1-4). # ونقرأ في نبوءة دانيال أول إشارة إلى تسمية المخلص بابن الإنسان، ~~وهي تسمية ستعود للظهور في الأسفار التوراتية غير القانونية وفي العهد ~~الجديد بعد ذلك: «كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام (= الرب). ~~لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار بكراته نار ~~متقدة. نهر نار جرى وخرج من قدامه. ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف ~~قدامه ... وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، ~~فقربوه قدامه، فأعطي سلطانا ومجدا وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب ~~والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي لن يزول وملكوته لا ينقرض» (7: 9-10 ~~و13-14). # وفي المزمور الثاني يقول الرب عن مسيحه إنه ابنه وإنه اليوم قد ~~ولده: «إني أخبر من جهة قضاء ms145 الرب. قال لي أنت ابني، أنا اليوم ولدتك. ~~اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك، وأقاصي الأرض ملكا لك، تحطمهم بقضيب من ~~حديد، مثل إناء خزاف تكسرهم» (2: 7-9). لا يوضح كاتب هذا المزمور هوية ~~المتحدث بضمير المتكلم، فقد يكون الملك داود الملقب بمسيح الرب، وقد ~~يكون ابنه سليمان لأننا نقرأ في سفر صموئيل الثاني قول يهوه عن سليمان: ~~«هو يبني بيتا لاسمي وأنا أثبت مملكته إلى الأبد. أنا أكون له أبا وهو ~~يكون لي ابنا» (7: 13-14). وقد يكون المتكلم هو مسيح آخر التاريخ. وفي ~~جميع الأحوال فإن إطلاق لقب «ابن الله» مجازا على المسيح المخلص يأخذ ~~مشروعيته من مثل هذه المقاطع. # يستهل ملكوت يهوه على الأرض بما تدعوه أسفار الأنبياء بيوم الرب، ففي ~~ذلك اليوم يتدخل يهوه بشكل مباشر لإفناء الأمم والشعوب من أعداء بني ~~إسرائيل. وها هو يبدأ هجومه الكاسح بصرخة الحرب: «قريب يوم الرب العظيم ~~قريب، وسريع جدا صوت يوم الرب. يصرخ حينئذ الجبار (صراخا) مرا، ذلك ~~اليوم يوم سخط، يوم ضيق وشدة، يوم خراب ودمار، يوم ظلام وقتام، يوم ~~سحاب وضباب، يوم بوق وهتاف على المدن المحصنة وعلى الشرفات الرفيعة، ~~(يوم) أضايق الناس فيمشون كالعمي لأنهم أخطئوا إلى الرب فيسفح دمهم ~~كالتراب ولحمهم كالجلة، لا فضتهم ولا ذهبهم يستطيع إنقاذهم في يوم غضب ~~الرب، بل بنار غيرته تؤكل الأرض كلها، لأنه يصنع فناء مباغتا لكل سكان ~~الأرض» (صفنيا، 1: 14-18). # ويترافق هجوم يهوه مع حلول عدد من الكوارث الطبيعية والكونية، مما ~~رأيناه في التصورات الزرادشتية عند نهاية الأزمنة. نقرأ في سفر إشعيا: ~~«ولولوا لأن يوم الرب قريب، قادم كخراب من القادر على كل شيء ... هو ذا يوم ~~الرب قادم، قاسيا بسخط وحمو غضب، ليجعل الأرض خرابا ويبيد منها ~~خطاتها. فإن نجوم السماوات لا تبرز نورها، تظلم الشمس عند طلوعها ~~والقمر لا يلمع بضوئه ... أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب ~~الجنود وفي يوم حمو غضبه، ويكونون كظبي طريد وكغنم بلا من يجمعها» (13: ~~9-14). وأيضا: «هو ذا الرب يخلي ms146 الأرض ويفرغها ويقلب وجهها ويبدد ~~سكانها» (24: 1). وأيضا: «عليك رعب يا ساكن الأرض، لأن ميازيب من العلاء ~~انفتحت وأسس الأرض تزلزلت، انسحقت الأرض انسحاقا، تشققت الأرض تشققا، ~~تزعزعت الأرض تزعزعا، ترنحت الأرض ترنحا كالسكران، وتدلدلت كالعرزال ~~وثقل عليها ذنبها، تسقط ولا تقوم» (21: 17-20). وأيضا: «اقتربوا أيها ~~الأمم لتسمعوا، وأيتها الشعوب أصغوا، لتسمع الأرض وملؤها المسكونة وكل ~~ما تخرجه، لأن للرب سخطا على كل الأمم وحموا على جيشهم، قد حرمهم ~~دفعهم للذبح، فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم، ~~ويفنى كل جند السماوات وتلتف السماوات كدرج (= لفافة ورق)، وكل جندها ~~ينتثر» (34: 1-5). # على أنقاض الأرض المهدمة وعلى أشلاء قتلى الشعوب تقام مملكة يهوه، ~~ويتربع الرب على عرشه ملكا في جبل صهيون : «ويكون في ذلك اليوم أن الرب ~~يطالب جند العلاء في العلاء وملوك الأرض على الأرض ... ويجمعون جميعا ~~كأسارى في سجن ويغلق عليهم في حبس، ثم بعد أيام كثيرة يتعهدون، ويخجل القمر ~~وتخزى الشمس لأن رب الجنود قد ملك في جبل صهيون، وفي أورشليم وقدام ~~شيوخه قد مجد» (24: 21-23). # عند ذلك يعيد الرب ترميم الطبيعة ليرتع فيها شعبه المختار: «تفرح ~~البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويزهر كالنرجس، يزهر إزهارا ويبتهج ~~ويرنم ... الانتقام يأتي، جزاء الله يأتي، هو يخلصكم، حينئذ تتفتح عيون ~~العمي وآذان الصم تتفتح، حينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسان الأخرس ~~لأنه قد انفجرت في البرية مياه، وأنهار في القفر، ويصير السراب أجما ~~والمعطشة ينابيع ماء. ولكن هناك سكة يقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر ~~فيها نجس بل هي لهم ... ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح ~~أبدي على رءوسهم» (34: 1-10). # وبعد أن يجمع يهوه إليه شراذم الشعب المختار من كل مكان ويريحهم في ~~أرضهم إلى الأبد، فإنه يسوق من بقي من الأمم والشعوب إلى إسرائيل ليكونوا ~~عبيدا في خدمة اليهود. نقرأ في إشعيا: «ويكون في ذلك اليوم أن السيد ~~يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت من آشور ومن مصر ومن كوش ... ~~إلخ. ويجمع منفيي إسرائيل ويضم ms147 مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض لأن ~~الرب سيرحم يعقوب ويختار إسرائيل ويريحهم في أرضهم، فتقرن بهم الغرباء ~~وينضمون إلى بيت يعقوب، ويأخذهم شعوب ويأتون بهم إلى موضعهم، ويمتلكهم بيت ~~إسرائيل في أرض الرب عبيدا وإماء ويسبون الذي سبوهم ويتسلطون على ~~ظالميهم» (11: 11-12؛ و14: 1-2). وأيضا: «ويكون في ذلك اليوم أنه يضرب ~~ببوق عظيم فيأتي التائهون في أرض آشور والمنفيون في أرض مصر، ويسجدون للرب ~~في الجبل المقدس ... قومي استنيري (يا أورشليم)، لأنه قد جاء نورك ومجد ~~الرب أشرق عليك ... تسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك ... وبنو ~~الذين قهروك يسيرون إليك خاضعين، وكل الذين أهانوك يسجدون لدى باطن قدميك» ~~(27: 13 و60: 1-3 و14). أما الحالة الفردوسية التي تعقب حلول ملكوت الرب ~~فلا تشبه الجنة الزرادشتية المعدة لفاعلي الخير جميعهم، بل هي وقف على أرض ~~يهوه المقدسة، وجبل صهيون الذي يقف عليه سليل داود بن يسي راية للشعوب: ~~«فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل، والشبل والمسمن معا ~~وصبي صغير يسوقهما. والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معا. والأسد ~~كالبقر يأكل تبنا. ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر ~~الأفعوان. لا يسوءون ولا يفسدون في حبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة ~~الرب كما تغطي المياه البحر ... ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسي القائم ~~راية للشعوب، إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا» (11: 6-10). # على هذه الطريقة ينتهي التاريخ، وإلى مثل هذه النتيجة يئول سعي البشرية ~~وشقاؤها عبر مراحل التاريخ. أما الزمن الدنيوي فمستمر بعد زوال التناقضات ~~بين يهوه والآلهة الأخرى، وبين الشعب المختار وبقية الشعوب التي تسجد لدى ~~باطن قدمي أورشليم. ~~(6) التصورات الآخروية # إن خلو مفهوم التاريخ في الأيديولوجيا التوراتية من صراع الخير ~~والشر، ومن فكرة نهاية الزمن التي يعقبها تحويل كامل للوجود إلى مستوى ماجد ~~وجليل، وافتقاد الإله التوراتي إلى أهم الخصائص والصفات التي تقربه من ~~مفهوم «الله»، وأهمها الخير والعدالة، يستتبع خلو هذه الأيديولوجيا من فكرة ~~خلاص الروح وخلاص الإنسانية جمعاء من ms148 سلطان الموت ودخولها في الأبدية. ~~فالإله التوراتي لم يتدخل في تاريخ الإنسانية إلا في بداياته وبشكل ~~سلبي لا إيجابي، وعندما قرر التدخل في التاريخ بشكل فعلي، اقتصرت خطته ~~التاريخية على قيادة بني إسرائيل بنفسه وتحقيق مملكته على الأرض من خلالهم. ~~من هنا فإن هذا الإله غير معني بالإنسان، ومفهوم الإنسانية غائب تماما ~~عن الفكر التوراتي. فإذا أتينا إلى ما تجلبه نهاية التاريخ للشعب المختار، ~~لما وجدنا فيها سوى مملكة أرضية يوتوبية لا عزاء فيها للروح التي تبقى ~~أسيرة لسلطان الموت. # تنسج التصورات التوراتية عن حياة ما بعد الموت على منوال التصورات ~~الرافدينية والسورية القديمة، فأرواح الموتى تذهب إلى العالم الأسفل المدعو ~~بالعبرية شيؤل، والتي ترد في الترجمات العربية على عدة أشكال: فهي الهاوية، ~~والهاوية السفلي، والجب الأسفل، والحفرة السفلى. هذه الهاوية فاغرة فاها ~~لتلتهم كل من دنت ساعته ونفذت أيامه المعدودة، أو كل من حم عليه القضاء ~~وهو في عز شبابه. فعلى حد قول سفر الأمثال: «الهاوية والهلاك لا يشبعان» ~~(27: 20). وأيضا: «ثلاثة لا تشبع، وأربعة لا تقول كفى، الهاوية والرحم ~~العقيم وأرض لا تشبع ماء، والنار لا تقول كفى» (30: 16). وهي أرض ظلمة ~~وديجور لا يرى أهلها نورا: «قد شبعت من المصائب نفسي وحياتي إلى الهاوية ~~دنت ... وضعتني في الجب الأسفل، في ظلمات في أعماق» (أيوب، 10: 21-22). ~~وسكانها ظلال وأخيلة: «الهاوية من أسفل مهتزة لك، لاستقبال قدومك، منهضة ~~لك الأخيلة» (إشعيا، 14: 9). والإقامة فيها أبدية والطريق إليها ذو اتجاه ~~واحد: «هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد ولا يرجع بعد إلى بيته» (أيوب، ~~7: 9-10). وإليها تهبط أرواح الأشرار والأخيار معا، وأرواح مختاري الرب ~~وأنبيائه في ذلك مثل الفجار والعصاة. يقول يعقوب عندما نقل إليه أولاده خبر ~~موت يوسف: «فمزق يعقوب ثيابه وناح على ابنه أياما كثيرة. ... وقال إني نازل ~~إلى ابني نائحا إلى الهاوية السفلى» (التكوين، 37: 36). # هذا العالم الأسفل هو مملكة مستقلة لا سلطان لإله التوراة عليها، ~~وأهلها لا يعرفون الرب ولا يسبحون بحمده، وهو من جانبه قد نسيهم ومن يده ~~انقطعوا: ms149 «بين الأموات فراشي مثل القتلى المضطجعين في القبر الذين لا ~~تذكرهم بعد وهم من يدك انقطعوا ... أفلعلك يا رب للأموات تصنع عجائب أم ~~الأخيلة تقوم تمجدك؟ هل يحدث في القبر برحمتك أو بحقك في أرض النسيان. ~~أما أنا فإليك يا رب صرخت وفي الغداة صلاتي تتقدمك» (المزمور 88: ~~5-13). «لأن الهاوية لا تحمدك، الموت لا يسبحك، لا يرجو الهابطون إلى ~~الجب أمانتك. الحي هو الذي يحمدك كما أنا اليوم» (إشعيا، 38: 18-19). «في ~~عز أيامي أذهب إلى أبواب الهاوية، قد أعدمت بقية أعوامي، وقلت لا أرى ~~الرب، الرب في أرض الأحياء» (إشعيا، 38: 9-10). «ليس الأموات يسبحون الرب، ~~ولا من ينحدر إلى أرض السكون. أما نحن فنبارك الرب من الآن وإلى الدهر» ~~(المزمور 115: 17). «إليك يا رب أصرخ، وإلى السيد أتضرع. ما الفائدة من دمي ~~إذا نزلت إلى الحفرة ؟ هل يحمدك التراب هل يخبر بحقك؟ استمع يا رب وارحمني ~~... لكي تترنم لك روحي ولا تسكت» (المزمور 30: 10-12). # ونظرا لغياب فكرة البعث والحساب والعالم الآخر، فإن ثواب الرب ~~وعقابه يجري على هذه الأرض وخلال حياة الناس، ويظهر ثواب الرب بشكل رئيسي ~~بطول العمر: «أكرم أباك وأمك لكي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب ~~إلهك». (الخروج، 20: 12). «مخافة الرب تزيد الأيام وسنو المنافقين تقصر» ~~(الأمثال، 10: 27). «يا بني لا تنس شريعتي ولا ينس قلبك وصاياي، فإنها ~~تزيدك طول أيام وسني حياة وسلاما» (الأمثال، 3: 1-2). ومع ذلك قد نجد ~~الأشرار يكافئون بطول الأيام ورغد العيش والأخيار يموتون بحسرة ولم يذوقوا ~~سعادة قط. نقرأ في سفر أيوب: «لماذا تحيا الأشرار ويشيخون، نعم، ويتجبرون ~~قوة؟ نسلهم قائم أمامهم معهم، وذريتهم في أعينهم، بيوتهم آمنة من الخوف ~~وليس عليهم عصا الله» (21: 7-9). والفريقان يمضيان إلى آخرة واحدة، كما ~~يتابع أيوب فأين العدالة: «هذا يموت في عين كماله كله مطمئن وساكن، أحواضه ~~ملآنة لبنا ومخ عظامه طري، وذاك يموت بنفس مرة ولم يذق خيرا. كلاهما ~~يضطجعان معا في التراب والدود يغشاهما» (21: 23-26). وهذا الاضطجاع هو ~~الهجعة التي لا قيام منها أيضا: «الإنسان ms150 يسلم الروح فأين هو؟ قد تنفذ ~~المياه من البحر والنهر يجف و(لكن) الإنسان يضطجع ولا يقوم» (14: 10-12). ~~ويشبه سفر الجامعة موت الإنسان بموت البهيمة لأن الحادثة تودي بهما ~~إلى الفناء: «موت هذا كموت ذاك ونسمة واحدة للكل، فليس للإنسان مزية على ~~البهيمة لأن كليهما باطل، يذهب كلاهما إلى مكان واحد» (3: 19-20). # على أن إشارات قليلة وغامضة عن خلود الروح ترد في أسفار الأنبياء، ~~منها ما نقرؤه في سفر دانيال: «في ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم ~~(رئيس الملائكة) القائم لبني شعبك، ويكون زمان ضيق لم يكن (مثله) منذ كانت ~~أمة إلى ذلك الوقت ... وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء ~~إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي» (12: 1-2). مثل هذه ~~الإشارات القليلة والغامضة لم تؤثر على موقف الأيديولوجيا الرسمية من مسألة ~~خلود الروح، ولكنها فتحت الباب واسعا أمام الأسفار غير القانونية لتعيد ~~النظر بشكل جذري في هذه المسألة، على ضوء المعتقد الزرادشتي الذي نهلت منه ~~بحرية تامة بعيدا عن الرقابة الرسمية. # خلاصة # إن أفضل ما نصف به الأيديولوجيا الدينية التوراتية هو أنها ~~زرادشتية مقلوبة على رأسها. فالإله الواحد الشمولي العالمي للمعتقد ~~الزرادشتي قد صار إلها واحدا لبني إسرائيل. وتاريخ الكون الدينامي الذي ~~يدفعه صراع الخير والشر نحو نهاية الأزمنة، قد تحول إلى تاريخ دينامي ~~ناقص يتوج بسيادة الشعب المختار على كل الأمم وتحقيق ملكوت الرب على ~~الأرض. والشريعة الزرادشتية ببنودها التحريمية جميعها قد صارت شريعة موسى، ~~ولكن بعد إفراغها من بواعثها ومعانيها كسلاح في مقاومة الشيطان وقوى الموت ~~والمرض والفساد، وتحويلها إلى تحريمات مفروضة من قبل الرب، على المؤمن ~~التقيد بها دون تفكير أو مساءلة من أي نوع. # الفصل السادس # | على هامش التوراة # الثورة الدينية الصامتة # منذ مطلع القرن الثاني قبل الميلاد اكتملت عملية تحرير كتاب التوراة، ثم ~~اكتملت ترجمته حوالي عام 150ق.م. إلى اللغة اليونانية في الإسكندرية، وهي ~~الترجمة المعروفة باسم السبعينية. # 1 # وبذلك أغلق باب الوحي وأخذ الكتاب شكله النهائي تقريبا، رغم ~~أن الأسفار لم تجمع ms151 في كتاب واحد بل بقيت على شكل لفائف متفرقة حتى عام 90 ~~ميلادية، إلا أن اختتام الأسفار التوراتية على المستوى الرسمي الكهنوتي، ~~لم يكن ليغلق باب الاجتهاد والتطوير في عالم هيلينستي موحد تتمازج فيه ~~تيارات ثقافية متعددة، وخلال فترة تعد من أخصب فترات التاريخ الحضاري ~~للمنطقة المشرقية، إن لم تكن أخصبها. فمنذ القرن الثاني قبل الميلاد نشطت ~~حركة إبداع ديني داخل الديانة اليهودية، تستند إلى الفكر التقليدي ولكنها ~~تتجاوزه نحو النهايات المنطقية لتيار الفكر النبوئي والرؤيوي التوراتي، الذي ~~بقي، رغم طموحاته التجديدية، أسيرا للتركة التقليدية ولسطوة الأسفار ~~الكلاسيكية. وقد استمرت هذه الحركة ناشطة بزخم قوي حتى نهاية القرن الثاني ~~الميلادي، وكان أصحابها شخصيات متقدة فكريا وعاطفيا، تأثرت بالحياة ~~الثقافية والدينية المضطرمة لتلك الفترة، وحاولت تفسير الموروث الجامد بما ~~يتلاءم ومستجدات عصرها وروحه. وقد استخدم هؤلاء أسلوب الأسفار النبوئية ~~والرؤيوية التوراتية، ووضعوا خطابهم على لسان شخصيات توراتية بارزة من أجل ~~إسباغ سطوة الماضي على أفكارهم. من هنا جاءت تسمية أعمالهم بالأسفار ~~المنحولة، أي المنسوبة إلى غير كاتبها الحقيقي، مثلما دعيت أيضا بالأسفار ~~غير القانونية، لأنها بقيت على هامش النص القانوني الرسمي، وفي البحث ~~الغربي تدعى Pseudepigrapha ~~. # مارست الأسفار غير القانونية تأثيرا كبيرا على أفكار الفرقة الفريسية ~~التي ظهرت خلال القرن الأول قبل الميلاد، وتبنت أفكارا جديدة على الفكر ~~التوراتي مثل خلود الروح والثواب والعقاب والجنة والنار. كما أثرت بعمق على ~~الفكر التلمودي والرباني الذي تبلور خلال القرن الثاني بعد الميلاد. ولكن ~~الأهم من هذا كله هو أن الاتجاه الأكثر راديكالية وتحررا في هذه الحركة قد ~~مهد لظهور المسيحية. هذا الاتجاه الراديكالي هو الذي سيكون موضع اهتمامنا ~~فيما تبقى من هذا الفصل قبل أن نستعرض نماذج منتقاة من الفكر المنحول لا بد ~~لنا من وقفة قصيرة نستعرض خلالها أهم الأفكار الجديدة التي قدمها هذا الفكر ~~إلى الأيديولوجيا الدينية التوراتية. ~~(1) # مشكلة ~~الشر ومفهوم الشيطان الكوني: # إن نقطة الانقلاب المحورية ~~في الفكر المنحول، هي ابتداؤه بمعالجة مسألة الشر وسلطته في هذا ~~العالم، وانتقاله من ms152 التأمل في هذه المشكلة إلى صياغة لاهوت عن ~~الشيطان الكوني ودوره في صيرورة التاريخ ومآله. ~~(2) # مشكلة الأخلاق: # أعاد الفكر ~~المنحول النظر جذريا في مشكلة الأخلاق العائمة في الأيديولوجيا ~~التوراتية، وأكد على مسئولية الإنسان الخلقية وعلى أخلاقية الإله ~~وعدالته، كما جعل الأخلاق ندا للطقوس والشريعة. ~~(3) # مسألة التوحيد: # سار الفكر ~~المنحول بمفهوم التوحيد الذي بشرت به أسفار الأنبياء إلى صيغته ~~التامة، وأخذ الإله التوراتي يكتسب ملامح وخصائص «الله». فهو إله كوني ~~وشمولي ورب للبشرية جمعاء بأجناسها وأعراقها كافة، رغم عنايته الخاصة ~~ببني إسرائيل. وهو معني بخلاص هذه البشرية وملتزم بتحريرها من شقاء ~~التاريخ ومن ربقة الموت. ~~(4) # التاريخ الدينامي والارتقاء ~~بالوجود: # لقد قاد حل المشكلات الثلاث السابقة إلى صياغة ~~مفهوم دينامي للتاريخ، فحركة التاريخ تقوم على جدلية الخير والشر، وهي ~~تئول إلى نقطة مستقبلية ينتصر عندها الخير نهائيا. ومع انتصار الخير ~~ينتهي التاريخ مثلما ينتهي الزمن الدنيوي أيضا، ويتم دخول الكون ~~والإنسانية في الأبدية. ~~(5) # الآخروية والمسيانية: # جلبت فكرة ~~نهاية الزمن والارتقاء بالوجود، معها، عددا آخر من التصورات الآخروية، ~~وعلى رأسها القيامة العامة للموتى والحساب الأخير والجنة والنار. كما ~~أعاد الفكر المنحول طرح موضوع المسيح المنتظر بطريقة أكثر وضوحا ~~واتساقا مما رأيناه في الأسفار القانونية. ~~(6) # مفهوم الإنسانية: # لم يتوصل ~~الفكر المنحول إلى مفهوم مجرد وشامل عن الإنسانية ودورها في حركة ~~التاريخ وتحرير الكون. ولكن لهجة الخطاب الشوفيني التوراتي قد خفت ~~حدتها في معظم الأسفار غير القانونية، وظهرت في العديد منها فكرة ~~مساواة الأمم والشعوب أمام الله. بينما ركز الاتجاه الراديكالي على ~~فكرة تفضيل الله لأمم وشعوب أخرى على إسرائيل، لأنها تفعل مشيئته ~~وتستمع لكلمته أكثر من شعبه المختار. # سوف تتضح لنا الكيفية التي عالجت بها الأسفار غير القانونية هذه الأفكار ~~وغيرها، من خلال عرضنا التالي لنماذج منتقاة من هذه الأسفار. ونظرا لطول ~~معظم هذه النماذج واحتوائها على مادة لا تتصل بموضوعنا، فإننا سوف نقدم ~~ملخصا لكل سفر مع ترجمة كاملة لبعض المقاطع الأكثر أهمية والأكثر تعبيرا عن ~~روح العمل وأفكاره. وأما عن المراجع، فقد ms153 اعتمدت كتابين موسوعيين شارك ~~فيهما نخبة الاختصاصيين الغربيين في اللغات القديمة والدراسات التوراتية ~~وهما: # The Other Bible 1 ~~- الصادر عام 1984 ~~عن دار # Harper # بالولايات المتحدة ~~و # The Old Testament Pseudepigrapha 2 ~~- ~~الصادر عام 1983 في مجلدين ضخمين عن دار # Doubleday # بالولايات المتحدة أيضا. ~~(1) سفر أخنوخ الأول # 2 # تم العثور على مقاطع من هذا السفر باللغة الآرامية، ضمن مخطوطات البحر ~~الميت «نصوص قمران»، وأرجع الاختصاصيون تاريخها إلى أواخر القرن الثاني قبل ~~الميلاد. كما عثر على مقاطع متفاوتة الطول من هذا السفر باللغتين ~~اليونانية واللاتينية، وهي أحدث عهدا من شذرات قمران. أما النص الكامل ~~فمتوفر فقط باللغة الإثيوبية وفي أكثر من مخطوط، ويعزى هذا العدد من ~~المخطوطات الكاملة إلى أن سفر أخنوخ قد تم تبنيه من قبل الكنيسة ~~الإثيوبية كجزء من العهد القديم. # ينتمي السفر إلى جنس الأدب الديني الرؤيوي، الذي يتميز بأسلوب خيالي ~~غرائبي يصف الكاتب من خلاله مواجهات مع شخصيات ما ورائية تمده بوحي سماوي ~~يكشف له مستقبل الأيام وماضي الخليقة، أو تصعد به إلى السماوات العلى ~~وتطلعه على أسرارها. وغالبا ما يكون الموضوع الأساسي للرؤيا نهاية الزمن ~~والقيامة العامة والحياة الثانية. ويعطينا سفر دانيال في العهد القديم ~~ورؤيا يوحنا في العهد الجديد، إضافة إلى مقاطع رؤيوية من أسفار حزقيال ~~وأشعيا وزكريا وميخا التوراتية، نماذج كلاسيكية عن مثل هذا الأدب. # يضع كاتب السفر رؤياه على لسان أخنوخ بن يارد، وهو السلف السادس بعد ~~آدم من سلالة ابنه شيت، والذي يقول عنه سفر التكوين إنه رفع حيا إلى ~~السماء (5: 21-24). ويبتدئ بالمقدمة الآتية: ~~«هذه بركات أخنوخ التي أسبغها على المختارين والبررة الذين سيكونون ~~حضورا في يوم المحنة، يوم يزول كل الأشرار. أخنوخ الرجل الصالح، رجل الله ~~شرع ينطق بأمثال # 3 # وعيناه مفتوحتان، فرأى وتكلم قائلا: هذه رؤيا مقدسة من ~~السماء كشفها لي الملائكة، فسمعت منهم كل شيء وفهمته، وإني لا أتوجه إلى ~~هذا الجيل وإنما إلى الجيل البعيد الآتي، جيل المختارين الذين إليهم نطقت بمثلي، # 4 # وتلكم هو: إله الكون، ms154 القدوس الأكبر، سيخرج من مقره وسيمشي ~~على جبل سيناء، ويظهر في معسكره منبثقا من السماء بكامل قدرته. يحل الخوف ~~على الجميع والساهرون (حرفيا: الحراس اليقظون، وهم الملائكة الساقطون) ~~يرتجفون، تأخذهم الرعدة إلى أقاصي الأرض. تتزعزع الجبال والمرتفعات ~~وتتهاوى، والتلال العالية تذوب مثل أقراص العسل أمام اللهب. الأرض تتمزق ~~وتفغر شقوقها وكل ما عليها يفنى، وتحل الدينونة ويأتي حساب الجميع، لكنه ~~سيحل سكينته على الأبرار ويحفظ المختارين ويسبغ نعمته عليهم ... سيأتي ~~بصحبة عشرة ملايين من أبناء القدس «الملائكة» لينفذ أحكامه على الكل، ~~فيهلك الأشرار، ويخزي كل جسد، بما فعلوه وبكل ما اقترف الخطأة والفجرة ~~بحقه.» يلي ذلك موعظة يدعو فيها أخنوخ الإنسان إلى التأمل في مظاهر الكون ~~ومجريات الطبيعة، التي تشير كلها إلى خالقها وتسير وفق النظام الموضوع ~~لها، وذلك على عكس الإنسان الذي خرج على مشيئة ربه وما أراده له وتبع ~~أهواءه ورغباته، ثم يخلص من ذلك إلى الكشف عن أصل الشر ويروي قصة الملائكة ~~العصاة الذين هبطوا من السماء وتحولوا إلى شياطين. # تعطف هذه القصة على قصة أبناء الله الذين دخلوا على بنات الناس وأنجبوا ~~منهن أولادا مما يرويه سفر التكوين: «وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون ~~على الأرض وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات، ~~فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله ~~على بنات الناس وولدن لهم أولادا، هؤلاء هم الجبابرة الذين منهم منذ الدهر ~~ذوو اسم. ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار ~~قلبه إنما هو شرير كل يوم» 6: 1-5. يفسر كاتب السفر هذه القصة فيجد فيها ~~تعليلا لوجود الشر في العالم، ثم يعيد روايتها على الطريقة ~~الآتية: ~~«في تلك الأيام، عندما تكاثر بنو الإنسان وولد لهم بنات حسنات وجميلات، ~~حدث أن فريقا من الملائكة، أبناء السماء قد رأوهن فاشتهوهن. فقال ~~بعضهم لبعض: هلم بنا نختار لأنفسنا زوجات من بين بني الإنسان وننجب منهن ~~نسلا. ولكن رئيسهم المدعو سيمياز # semyaz ~~«أفضى ms155 بمخاوفه وحدثهم» فقال: أخشى أن تتراجعوا عن فعل هذا الأمر «بعد ~~الشروع به» وأدفع وحدي ثمن هذه الخطيئة العظيمة. فأجابوه جميعا: دعونا ~~نقسم قسما ولتحل اللعنة على كل من يتراجع عن فعل هذا الأمر. فأقسموا ~~جميعا وارتبطوا بقسم اللعنة هذا، ثم هبطوا في موضع يدعى عردوس، وهو قمة ~~جبل حرمون، وكان عددهم مئتين. وسمي الجبل حرمون نسبة إلى قسمهم الذي ربطهم باللعن. # 5 # وهذه أسماء رؤسائهم: سيمياز، راميئيل، تامئيل، دانتيل ... (إلخ). ~~هؤلاء هم رؤساء العشرات، وكان الجميع تحت إمرتهم.» # 6 # ويتابع الكاتب فيقول لنا بأن ~~هؤلاء الرؤساء وتابعيهم، قد اتخذوا لأنفسهم زوجات من بين الناس، فولدت ~~الزوجات لهم عمالقة طول الواحد منهم: ثلاثمائة ذراع. وعلم الملائكة ~~الساقطون البشر كيفية استخراج المعادن واستخدامها في صناعة السيوف والتروس ~~والدروع، وكيفية صناعة الأساور والحلي وكحل العيون وأدوات الزينة، وكذلك ~~الإفادة من النباتات، والتنجيم، وإشارات السماء والأرض، ولكن شر العمالقة ~~كثر على الأرض وأكلوا الأخضر واليابس، وعندما لم يبق ما يكفي لطعامهم ~~راحوا يلتهمون البشر أيضا. فصعد صراخ البشر إلى السماوات، عند ذلك نظر ~~الملائكة ميخائيل وسورافيل وجبرائيل من الأعالي، ورأوا ما يجري على الأرض ~~من شر وعنف، فمضوا إلى الرب وأطلعوه على الأمر. بعث الرب مع الملائكة إلى ~~أخنوخ يأمره أن يذهب إلى الساقطين وينقل لهم قضاء السماء بشأنهم، فهم ~~سيشهدون ذبح أولادهم العمالقة، وبعد ذلك سيقيدون في ثنايا الأرض لسبعين ~~جيلا حتى يوم الدينونة، عندها سيقادون إلى هوة النار وإلى العذاب الأبدي. ~~سمع الساقطون حكم الرب عليهم فارتاعوا وطلبوا من أخنوخ أن يشفع لهم عنده ~~فيقبل استرحامهم واستغفارهم، فمضى أخنوخ وجلس عند ضفة النهر حيث قرأ ~~استرحام الساقطين، وكرر ذلك حتى وقع عليه سبات، وهنا تبدأ رؤيا أخنوخ ~~التي يصفها في المقطع الآتي: ~~«دعتني رياح وناداني غمام، وهرعت بي بروق ومسارات نجوم، وحملتني في ~~الرؤيا رياح وطارت بي نحو السماء، ارتفعت حتى اقتربت من جدار مصنوع من ~~الكريستال وتحيط به ألسنة اللهب، تملكني الخوف، ولكني تقدمت حتى اجتزت ~~ألسنة اللهب ووصلت قصرا ms156 عظيما مبنيا من حبات برد كريستالية، كانت ~~جدرانه وأرضياته كشبه أرض مبلطة بالكريستال، أما سقفه فكان من بروق ومن ~~مسارات النجوم، وبينها ملائكة الكروبيم النارية، والسماء من خلف ذلك بنقاوة ~~الماء. وكانت نار تتوقد حول الجدران والبوابات وتتوهج، ولجت القصر فكان ~~ساخنا مثل النار وباردا مثل الثلج، ولا أثر لحياة فيه ... فغمرني الخوف ~~وأخذتني الرجفة ووقعت على وجهي، ورأيت رؤيا ثانية.» ~~«كان هنالك قصر آخر أعظم من ~~الأول تجل مهابته عن الوصف، قصر من جمر أرضه وسقفه من نار فوقها البروق ~~ومسارات النجوم، كانت بواباته مفتوحة أمامي فنظرت ورأيت عرشا مرتفعا له ~~مظهر الكريستال وعجلاته تبدو مثل قرص الشمس آنا ومثل ملائكة الكروبيم آنا ~~آخر. ومن تحت العرش تخرج أنهار من نار متقدة لم أستطع إدامة النظر إليها. ~~هناك يجلس المجد الأعظم. عباءته أكثر بريقا من الشمس وأكثر نصوعا من ~~الثلج، لا تستطيع الملائكة دخولا أو دنوا من مجده وعظمته، ولا يستطيع ~~كائن من لحم ودم رفع البصر إليه. نار من أمامه ومن خلفه فلا يقدر أحد منه ~~اقترابا. في حضرته مئات الآلاف من الملائكة وأكثرهم قداسة يقفون أمامه في ~~كل آن، ولكنه لا يحتاج إلى مشير.» ~~«كنت ساجدا طيلة الوقت أرتعد، ثم كلمني الرب بصوته قائلا: تقدم يا ~~أخنوخ واسمع كلامي، فجاء أحد الملائكة المقدسين فرفعني وسار بي حتى دنوت من ~~البوابة وأنا مطرق الرأس. هناك كلمني ثانية وقال: لا تخف يا أخنوخ أيها ~~الرجل الطيب يا كاتب الصدق، تقدم إلي واسمع صوتي، اذهب إلى ساهري السماء # 7 # الذين أرسلوك لتسترحم من أجلهم، وقل لهم قد كان أحرى بكم أن ~~تسترحموا من أجل الإنسان لا أن يسترحم الإنسان من أجلكم، وقل لهم لماذا ~~توليتم عن السماء العليا المقدسة لتناموا مع النساء وتتدنسوا ببنات ~~الناس، وتأخذوهن لكم زوجات مثل بني البشر وتنجبوا منهن أولادا عمالقة. ~~كنتم قديسين وروحانيين وخالدين، ولكنكم تدنستم بدم النساء وأنجبتم ~~أولادا من لحم ودم، ومثل الذين يموتون ويفنون صار لكم توق لجسد اللحم ~~والدم. لقد أعطيت ms157 أولئك نساء يخصبونهن وينجبون منهن أولادا لكيلا يفنى ~~جنسهم على الأرض، أما أنتم فكنتم روحانيين وخالدين على مر أجيال الأرض، ~~فلم أعطكم زوجات لأن السماء مسكنكم. والآن فإن العمالقة «أولادكم»، نسل ~~الروح والجسد، سيدعون أرواحا شريرة، لأن أرواحا خبيثة سوف تصدر عن ~~أجسادهم «المذبوحة» ويكون في الأرض مسكنها، لأنهم ولدوا من نساء الأرض ~~ومن الساهرين المقدسين. لن يأكلوا ولن يشربوا رغم أنهم يجوعون ويعطشون، ~~سوف يسببون الأذى والعنف والدمار على الأرض ويدفعون الناس إلى الخطيئة ~~وإلى المعصية، ويقومون ضد أبناء الناس وضد النساء لأنهم منهن قد أتوا. ~~عندما يهلك العمالقة سوف تعيث الأرواح الخارجة منهم فسادا «وترتع» بلا ~~رادع إلى يوم الحساب الأخير، يوم يهلك الساهرون الساقطون. فقل «يا أخنوخ» ~~للساهرين الذين تسترحم من أجلهم: لقد كنتم من سكان السماء، وقد كشفت لكم ~~بعض أسرارها، ولكنكم بقساوة قلوبكم نقلتم الأسرار إلى النساء، وبفضلها ~~صنع النساء والرجال مزيدا من الشرور. وقل لهم: لن يكون سلام أبدا.» # 8 # بعد ذلك يأخذ الملائكة أخنوخ في جولة تكشف له أسرار السماء ، ويستغرق ~~وصف هذه الجولة بقية الجزء الأول من سفر أخنوخ، والوصف طويل ومفصل بحيث ~~لا نستطيع هنا سوى إعطاء لمحة موجزة عن أهم ما رآه. فقد رأى خزانات الرياح، ~~وخزانات البروق والرعود، وخزانات الغيوم والثلوج، ورأى منابع أنهار الأرض ~~كلها ومنبع البحر، ورأى الملائكة التي تحرك عجلات القمر والشمس وبقية ~~الأجرام السماوية، والملائكة التي تسند قبة السماء عند نهايات الأرض حيث ~~بوابة السماء التي تخرج منها النجوم في مواعيدها، وبوابات الرياح الأربع، ~~وبوابات الثلج والبرد والضباب والندى. ورأى مكان سجن النجوم العاصية التي ~~لا تطلع في مواعيدها، وجحيم الملائكة الساقطين، وجنة الأبرار وجحيم الكفار، ~~ورأى مكان المطهر، وهو عبارة عن أربعة كهوف عظيمة محفورة في جبل هائل ~~الحجم، معدة لأرواح الموتى في انتظار يوم الحساب الأخير. ثلاثة من هذه ~~الكهوف مظلمة وواحد منير، فأما المظلمة فهي لإيواء أرواح الخاطئين وفق ~~درجة خطيئتهم، وأما الكهف المنير فمعد لأرواح الصالحين. # يحتوي الجزء الثاني على عدد ms158 آخر من الرؤى مصاغة بأسلوب شعري ترميزي، ~~وتفتقد إلى الشروحات التفصيلية المطولة التي ميزت الجزء الأول. نقتبس ~~فيما يأتي أهم هذه الرؤى المتصلة بموضوعنا، وهي التي تدور حول المخلص ~~المنتظر المدعو هنا بابن الإنسان، والتصورات الآخروية المرتبطة بنهاية التاريخ. # 9 ~~(1-1) مبدأ الأيام وابن الإنسان ~~«هناك رأيت الذي رأسه مبدأ الأيام (= الرب). كان شعره مشتعلا بياضا ~~مثل الصوف، ومعه كائن آخر له مظهر الإنسان ووجهه ممتلئ نعمة كملاك قديس. ~~فسألت الملاك المرافق أن يكشف لي سر ابن الإنسان، من هو ومن أين أتى ~~ولماذا يرافق مبدأ الأيام. فقال لي: هو ابن الإنسان الممتلئ بالخير ~~والذي به يحيا الخير والذي به تنكشف الكنوز الخبيئة، لأن رب الأرواح ~~اختاره، وقدره خير كله أمام رب الأرواح إلى الأبد. إن ابن الإنسان ~~الذي رأيت، سيرمي الملوك والجبابرة والأقوياء عن عروشها وكراسيها، ~~لأنهم لم يسبحوا بحمده ولم يمجدوه ولم يعترفوا بمصدر ملكهم وسلطانهم، ~~سوف يخلع قلوب الأقوياء ويكسر أسنان الخطأة ويخفض وجوه العتاة ويمرغها ~~بالعار، فيجعل الظلمة مسكنهم والديدان سريرهم. هناك يضطجعون ولا ~~يقومون .» # نلاحظ هنا أن الفكر المنحول قد تحول من فكرة مسيح آخر الأزمنة ~~إلى فكرة «الحقيقة المسيحانية» القائمة مع الله قبل خلق العالم. فالمسيح ~~هو حقيقة كونية سوف تتجسد في إنسان عندما يأتي الزمن والتاريخ إلى ~~نهايتهما. وهذا ما تعالجه الرؤيا التالية بشكل أكثر وضوحا. ~~(1-2) ابن الإنسان سابق الأيام ~~«هناك رأيت ينبوع الخير الذي لا ينضب معينه، وحوله من كل ناحية ~~كثير من ينابيع الحكمة، ليشرب منها العطاش ويمتلئوا حكمة، فيعيشون مع ~~الأخيار والقديسين والمختارين. في تلك الساعة سمي ابن الإنسان أمام رب ~~الأرواح وكان اسمه سابق الأيام. # 10 # قبل أن تخلق الشمس وبروج السماء، قبل أن تصنع نجوم السماء، ~~دعي اسمه أمام رب الأرواح. سيكون عصا يتوكأ عليها الأبرار فلا يتعثرون، ~~سيكون نورا تهتدي به الأمم وأملا لجميع المحزونين. أمامه سيسجد جميع ~~أهل الأرض ويعبدونه، ويحمدون ويباركون رب الأرواح بالأناشيد. لأجل هذا تم ~~اصطفاؤه وحجبه في حضرة رب الأرواح، من ms159 قبل خلق العالم وإلى نهاية الدهر. ~~لكن حكمة رب الأرواح، قد كشفت عنه للقديسين والأبرار، لأنه حافظ ~~الأبرار الذين نبذوا عالم الشر هذا وكرهوا كل طرقه وأعماله، واعتصموا برب ~~الأرواح الذي باسمه سوف يخلصون وفقا لمرضاته. في تلك الأيام سيذل ~~الملوك والمتنفذون جراء ما اقترفته أيديهم، وفي يوم كربهم لن يستطيعوا ~~إنقاذ أنفسهم، عندها سوف يسلمون لأيدي المختارين، ولسوف يحترقون مثل ~~قش في نار أمام وجه القديسين، ومثل رصاص في ماء سوف يغرقون أمام وجه ~~الصالحين وينمحي أثرهم. في يوم كربهم ذاك سيحل سلام على الأرض، وهم ~~يسقطون ولا يقومون.» ~~(1-3) القيامة والبعث ~~«في تلك الأيام سوف تعيد الأرض أمانتها، وتلفظ الهاوية ما أخذته ~~إليها، ويسدد الجحيم دينه. في تلك الأيام سيقوم المصطفى ويختار من بين ~~الأموات المبعوثين، الأبرار منهم والقديسين، لأن يوم خلاصهم قد حان. في ~~تلك الأيام سيجلس المصطفى على العرش وينطق فمه بأسرار الحكمة والموعظة ~~الحسنة، لأن رب الأرواح قد منحه إياها ومجده. في تلك الأيام سوف تقفز ~~الجبال مثل كباش فرحة، وتنط التلال مثل حملان رويت حليبا، يومئذ ستشع ~~وجوه الملائكة حبورا وتبتهج الأرض بالأخبار والمختارين وهم يمشون عليها، ~~ورب الأرواح يحكم فوقهم. سوف يأكلون مع ابن الإنسان، وينامون ويستيقظون ~~في كل يوم إلى أبد الآبدين، سيرفعون قاماتهم على الأرض ولا يخفضون رءوسهم ~~أبدا. عليهم عباءات مجد، عباءات الحياة من رب الأرواح، عباءات لا ~~تبلى مع الزمن، ولا يبلى مجدهم أمام رب الأرواح.» # هذا وتحتوي الأجزاء 3 و4 و5 من السفر على عدد متنوع جدا من ~~المواضيع، أهمها بالنسبة لموضوعنا هنا هو الإشارات المتفرقة إلى القيامة ~~والحساب والمعاد. فمن علامات اقتراب القيامة انتشار الظلم وغياب العدالة، ~~وشح المطر ومحل الأرض، واضطراب مسارات الأجرام السماوية وتغيير القمر ~~مواعيد طلوعه. وعندما تحل الساعة يحدث من الأهوال ما يجعل كل مرضعة تغفل ~~عن رضيعها وترميه عن صدرها، عندها يبعث من في القبور وكل الذين هلكوا ~~بدون دفن ومحقت آثارهم، كل الذين قضوا في الصحراء أو غرقوا في الماء ~~وابتلعتهم ms160 الأسماك، أو افترستهم الكواسر، ويقفون للحساب أمام رب الأرواح. ~~ثم تفتح بوابة الجحيم، وهي هاوية عميقة لا يسبر غورها ومهما وفد إليها ~~من الناس لا تمتلئ، فيها ملائكة العذاب يجهزون أدوات العقاب من سلاسل ~~وقضبان وما إليها، وفي قعرها نار تتضرم، نار أبدية يلقى فيها المجرمون. ~~في ذلك الوقت يعلن الملوك والمتنفذون ندمهم أمام ملائكة العذاب ويطلبون ~~فسحة من الوقت ليرجعوا عن آثامهم ويتوبوا أمام الرب ويعبدوه، ولكن طلبهم ~~يرفض ويصدر بحقهم حكم أبدي على مدى أجيال الدهور. ~~(2) سفر عزرا الرابع # يعود الأصل العبري لهذا السفر إلى أواخر القرن الأول الميلادي. ورغم أن ~~هذا الأصل قد ضاع منذ وقت مبكر، إلا أن أجزاء منه قد وجدت مترجمة ~~إلى كل من اليونانية واللاتينية والإثيوبية والقبطية والأرمنية، ولدينا ~~ترجمتان عربيتان قديمتان محفوظتان في مكتبة الفاتيكان بروما: الأولى تحت ~~رمز «العربية 1» ولها مخطوطتان الأولى أصلية والأخرى نسخة عنها، والثانية ~~تحت رمز «العربية 2» ولها ثلاث مخطوطات واحدة كاملة واثنتان ناقصتان. # 11 # أما الترجمة المعتمدة عالميا فهي الترجمة اللاتينية، ~~لكونها أكمل الترجمات، وهي التي سنعتمد نصها الإنكليزي فيما يلي: # 12 # يبتدئ السفر بمقدمة تسرد نسب عزرا، الشخصية التوراتية التي يضع السفر ~~كلامه على لسانها، ثم يفتتح السفر بقول عزرا: «وكانت كلمة الرب إلي ~~قائلا: اذهب وأعلن لشعبي عن شرورهم ولأولادهم عن خطاياهم التي اقترفوها ~~أمامي.» بعد ذلك يتابع الرب تعداد نعمه التي أنعم على بني إسرائيل وكيف ~~قابلوه بالجحود والنكران وأداروا ظهورهم لشريعته. وينتهي إلى القول بأنه ~~سيترك شعبه الذي اختاره إلى شعوب وأمم أخرى: «سوف ألتفت إلى شعوب أخرى ~~فأعطيها اسمي وتعمل شرائعي، لقد تركتموني وأنا أيضا سوف أترككم. عندما ~~تستجدون رحمتي أحجبها عنكم، وعندما تبسطون أيديكم إلي أصرف سمعي عنكم. ~~أيديكم ملآنة دما وأرجلكم سريعة لاقتراف الجريمة. والحق فإنكم ما ~~تركتموني وإنما تركتم أنفسكم، يقول الرب: ألم أعطف عليكم كما يعطف الأب ~~على أولاده والأم على فلذات كبدها، لتكونوا لي شعبا ولأكون لكم إلها، ~~وتكونوا لي أولادا وأكون لكم أبا؟ لقد جمعتكم كما ms161 تجمع الدجاجة فراخها ~~تحت جناحها، ولكن ماذا أفعل لكم الآن؟ سأنبذكم من أمامي وأدير وجهي عن ~~تقدماتكم. رءوس شهوركم، وأعيادكم، وختان الجسم، بغضتها نفسي. أرسلت إليكم ~~خدمي الأنبياء ولكنكم قتلتموهم ومزقتم أجسادهم، وها أنا ذا أطلب دماءهم ~~منكم، يقول الرب.» ~~«هو ذا بيتكم خرابا، تخرجون منه فأذروكم كما تفعل الريح بالقش ... ~~وأعطي مساكنكم لشعب يأتي، شعب يؤمن بي ولم يسمعني، يفعل مشيئتي ولم أظهر ~~له آية، يترك طرقه القديمة ولم أبعث له أنبياء، يوقنون بأقوالي ولم يروني ~~رؤية العين بل رؤية الروح. انظر يا عزرا باعتزاز الشعب الآتي من الشرق، له ~~سوف أعطي إبراهيم وإسحاق ويعقوب قادة، وأعطي هوشع وعاموس وميخا ويوئيل ... ~~(إلخ) أنبياء. لقد أخرجت هذا الشعب من الأسر وأعطيتهم وصاياي عن طريق ~~الأنبياء، ولكنهم لم يصغوا إليها بل راحت هباء ... فليتفرقوا بين الأمم ~~وليمح اسمهم وذكرهم عن وجه الأرض، لأنهم رذلوا عهدي ... هكذا يقول الرب ~~لعزرا: قل لشعبي «الجديد» بأني سأهبهم مملكة أورشليم التي أعددتها ~~لإسرائيل، وأسحب منها مجدها، سأهبهم سكنا أبديا أعددته لإسرائيل، فيه ~~شجرة الحياة تعطيهم عطرها فواحا، وفيه لا يتعبون ولا يشقون .» # بعد ذلك تعرض لعزرا رؤى سبع متتابعة، وهو في مدينة بابل التي سيق ~~إليها مسببو يهوذا. في الرؤيا الأولى يناجي عزرا ربه ويطرح عددا من ~~التساؤلات التي تدور حول أصل الشر في العالم ومصير إسرائيل والبشرية. فمنذ ~~البداية فرض الرب على آدم وصية واحدة فقط، ومع ذلك لم يكن أهلا للاضطلاع ~~بها فأخطأ إلى الرب وحكم عليه وعلى ذريته بالموت. وعن آدم نشأت شعوب ~~وأمم كثيرة جميعها مشى وراء أفكاره وترك الرب، فأهلكهم الرب بطوفان عظيم ~~وأنجى نوحا ومن معه، ولكن أمم ما بعد الطوفان لم تكن بأحسن حالا من ~~سابقتها، بل لقد فجرت وضلت أكثر منها ... ولذا فقد اختار الرب إسرائيل شعبا ~~خاصا وأعطاه الشريعة، ولكن إسرائيل ضل عن السبيل لأن الرب لم يطهر ~~قلبه من الإثم الإنساني فعاشت بذرة الخطيئة التي زرعت في قلب آدم مع ~~الشريعة جنبا إلى جنب، ثم ms162 ذهب الخير واستقر الشر في القلوب فآلت إسرائيل ~~إلى الدمار والخراب. # ثم ينظر عزرا حواليه ويرى أن خطيئة بابل ليست أقل من خطيئة إسرائيل، ~~وإثم الأمم ليس أقل من إثم نسل يعقوب. فلماذا حم القضاء على إسرائيل ~~وحدها بينما ترتع بقية الأمم الضالة بالثراء والدعة، وتكافأ على شرها ~~فيضاعف رزقها أضعافا. هنا يتدخل الملاك المدعو أوريئيل محاورا عزرا، ~~ويقول له بأن فهمه قد قصر عن استيعاب ما يجري في هذا العالم، لأن أسباب ~~ما يجري تقع وراء الظاهر، وطرق الله خفية على الإنسان، ثم يكشف له عن مجيء ~~ساعة قريبة يحصد فيها من زرع بذرة الشر محصوله، ويحصد فيها من زرع بذرة ~~الخير محصوله، وهذه الساعة تأتي في ميعاد دقيق محسوب عند رب العالمين. فكما ~~أن رحم المرأة لا يستطيع الاحتفاظ بالجنين في آخر الشهر التاسع عندما ~~يأتي المخاض، كذلك الأرض التي أتخمت بالموتى منذ بدء الخليقة، فهي لن ~~تلفظهم قبل مجيء ساعة مخاضها في اليوم الأخير. # ولكن للساعة علاماتها، ففي ذلك الوقت يتملك الناس ذعر عظيم، وتغيب ~~سبل الحق ويفقد الإيمان في الأرض. الشمس تشرق في الليل، والقمر يطلع في ~~النهار، والدم ينبثق من الأشجار، الصخر يتكلم ويسمع صوته، والنجوم تغير ~~مجراها وتتساقط على الأرض، قوة غير معروفة تبسط سلطانها، وصوت مجهول يسمع ~~في الليل من قبل الجميع، تتشقق الأرض عبر المساحات الواسعة، وتندلع نيران ~~لا تنطفئ، تترك الطيور أعشاشها وتفر، والكواسر تهجر مقراتها، والبحر يلفظ ~~أحياءه، تحمل النساء مسوخا، وابن السنة يتكلم، والحوامل تضع في ثلاثة أو ~~أربعة أشهر، وهؤلاء يعيشون ويرقصون، تجف الحقول وتفرغ الإهراءات، ويختلط ~~ماء الأرض الحلو بمائها المالح، يقوم الأصدقاء والإخوة ضد بعضهم ويتقاتلون ~~بضراوة، يفقد الرشد والتفكير السليم، وتنسحب الحكمة إلى مخبئها فلا يجدها ~~أحد، عمل الناس لا يعطي ثمارا، وكدهم يذهب هباء. # تتابع رؤى عزرا بعد الرؤيا الأولى، وفي نهاية كل رؤيا كان عزرا يصوم ~~ويصلي مدة سبعة أيام قبل أن تأتيه رؤيا أخرى. في الرؤيا الثانية يتابع ~~عزرا حواره مع الرب ms163 من خلال الملاك أوريئيل الذي يجيبه عن كل سؤال، ويدور ~~الحوار حول مصير إسرائيل والأزمنة الأخيرة. وفي النهاية يلخص الملاك ~~أجوبته بالمقطع الآتي الذي نفهم منه أن كل ما كان وما هو كائن وما سيكون، ~~إنما يجري وفق مخطط دقيق وضعه الرب قبل خلق العالم، عندما رسم دائرة على ~~وجه المياه الأولى فحدد بها موقع الكون في المكان اللامتناهي: ~~«عندما رسم دائرة الأرض، وقبل أن يرسي دعائم الكون، قبل أن تتحرك ~~مجامع الرياح، قبل أن يهدر صوت الرعد، قبل أن يلتمع ومض البرق، قبل أن توضع ~~أساسات الفردوس، قبل أن يرى بصر ورودا نضرة، قبل أن تطلق قوى الزلزال ... ~~قبل أن ينتظم حشد الملائكة ... قبل أن ترفع الأجواء عاليا، وتسمى بروج ~~السماء، قبل تشكيل مدرجات جبل صهيون، قبل أن يوضع حساب السنين، قبل أن يجنح ~~خيال الخطأة بهم نحو الخطيئة، ويختم على جباه أهل كنوز الإيمان، قبل هذه ~~جميعا وضعت مخطط كل شيء وجميعها صنعتها أنا ولا أحد آخر، مثلما سأصنع ~~نهايتها أنا ولا أحد آخر.» # في الرؤيا الثالثة ينقل الرب لعزرا خبر مملكة المسيح القادمة على ~~الأرض، والتي ستدوم مدة أربعمائة سنة: «هو ذا يوم يأتي، بعد ظهور الإشارات ~~التي أنبأتك بها، فتظهر المدينة التي لا أثر لها الآن، ويكشف عن الأرض غير ~~المنظورة الآن. عندها سيرى كل من نجا من الكوارث التي أخبرتك بخبرها ~~عجائبي. عندها سيظهر المسيح، ابني، والذين معه، وسينعم الذين بقوا مدة ~~أربعمائة سنة، ثم يموت المسيح وكل ذي نسمة حياة معه، ويعود العالم إلى ~~الصمت البدئي مدة سبعة أيام، كما كانت حاله قبل البدايات. بعد ذلك يستيقظ ~~العالم النائم ويتلاشى منه ما هو قابل للفساد ... ستلفظ الأرض الأجساد ~~النائمة فيها، وتخرج ردهات المطهر ما عهد إليها من أرواح، ويظهر العلي ~~مستويا على عرش الدينونة. عندها تزول الرحمة ويغيب الصبر ويبقى الحساب ~~«العسير». عندها ينزرع الحق وينمو البر، يصحو الخير ولا ينام الصلاح ويعرض ~~الثواب والعقاب. عندها تتعرى هاوية العذاب ويبرز في مقابلها مقام ~~النعيم، ms164 يكشف عن أتون الجحيم ويبرز في مقابله الفردوس المقيم. عندها يقول ~~العلي للأمم التي بعثت من الموت: انظروا الآن إلى الذين أنكرتم ورذلتم ~~وصاياه، ثم انظروا إلى هذه الجهة وإلى تلك. هنا السكينة والنعيم وهناك ~~العذاب والجحيم. هذا ما يقوله العلي في يوم الدينونة، يوم ليس فيه شمس ولا ~~قمر ولا نجوم، ليس فيه سحاب ولا رعد ولا برق ولا ريح ولا هواء ولا ماء، ليس ~~فيه صباح ولا مساء، ليس فيه صيف ولا ربيع ولا حر ولا صقيع، ولا وابل ~~ولا ندى، ليس فيه ظهر ولا مغرب، ولا فجر ولا إشراقة ضوء. وحده مجد العلي يتلألأ». # 13 # عقب ذلك يقول عزرا للملاك إن الفئة الناجية هم قلة والهالكين كثر؛ ~~لأن الشر المزروع في النفس الإنسانية قد حرف جل البشر عن طرق الله، ~~فيجيبه الملاك بأن الحصى في الأرض أكثر من الرصاص، والرصاص أكثر من ~~الحديد، والحديد أكثر من النحاس، والنحاس أكثر من الفضة، والفضة أكثر من ~~الذهب. فالثمين في الأرض هو القليل والنادر، وهذا ينطبق على طبقات وأنواع ~~البشر. لقد خلق هذا العالم من أجل الكثيرين، ولكن قلة معدة للخلاص ولوراثة ~~العالم القادم. # في الرؤيا الرابعة يجد عزرا امرأة في حلة الحداد، تندب وتبكي ابنها ~~الوحيد الذي اختطفه الموت في ليلة عرسه، وبينما عزرا يعزيها ويخفف من ~~أحزانها، أضاء وجهها ببريق عجيب وأطلقت صرخة عالية اختفت على أثرها، وظهرت ~~في مكانها مدينة مشيدة وضاءة هي أورشليم في يوم الخلاص. # في الرؤيا الخامسة يصعد إلى كبد السماء نسر جبار يبسط جناحيه على ~~العالم ويتحكم به، ولكن مخلوقا يشبه الأسد يظهر من الغابة ويتصدى له، ~~فيحترق النسر ويتهاوى على الأرض. يمثل النسر في هذه الرؤيا الإمبراطورية ~~الرومانية، ويمثل الأسد مسيح الرب الذي سيسحق هذه الإمبراطورية. وفي ~~الرؤيا السادسة نجد مسيح الرب هذا طالعا من وسط البحر: ~~«بعد سبعة أيام عرضت لي رؤيا جديدة وأنا نائم في الليل، هبت من البحر ~~ريح عاصفة دفعت أمامها كل أمواجه، فنظرت ورأيت من قلب الريح ms165 شكل إنسان يطلع ~~من وسط البحر، ثم نظرت ورأيت ذلك الإنسان يطير مع الغيوم في الأعالي، ~~وأينما أدار وجهه حدثت رجة ورجفة، وكلما هدر صوته ذاب سامعوه مثلما يذوب ~~الشمع الساخن، ثم رأيت حشودا تهب من جهات الرياح الأربع لتقاتل الرجل ~~الطالع من البحر، ~~ولكنه اقتطع جبلا عظيما بيديه وقذفه ~~عليهم، فتملك الذعر تلك الحشود التي تجمعت للقتال، ولكنها عزمت على ~~الهجوم. فلما رأى اقترابها منه لم يرفع يدا ولم يمسك حربة أو سلاحا، ~~ولكنه أطلق من فمه زفيرا ناريا ومن لسانه عاصفة من الشرار، فامتزج ~~الاثنان في تيار ملتهب انصب على الحشود المهاجمة، فأتت عليهم جميعا ولم ~~يبق في مكان تجمعاتهم سوى الغبار والرماد وروائح الدخان، دهشت لذلك كله، ~~ثم رأيت الرجل يهبط من الجبل ويدعو إليه حشدا آخر هادئا ومسالما، فتقاطر ~~إليه أناس بعضهم فرح وبعضهم حزين وبعضهم يرسف في الأغلال.» # يطلب عزرا تفسير رؤياه فيأتيه ~~الجواب: «إن الرجل الذي رأيته طالعا من البحر هو الذي أخفاه العلي ~~عصورا عديدة، والذي به سيخلص خليقته ويقود من بقي منها. أما عن ~~التيار الناري الذي يخرج من فمه ، وعدم حمله لحربة أو سلاح، وتدميره مع ذلك ~~للحشود التي تجمعت لقتاله، فإليك بيان ذلك: سوف يأتي يوم أعده العلي ~~لتخليص سكان الأرض، ولكن سكان الأرض يتبلبلون ويقومون لقتال بعضهم، مدينة ~~ضد مدينة، وقطر ضد قطر، وشعب ضد شعب، عندما يحصل ذلك وتظهر العلامات التي ~~أخبرتك بها سابقا، سيظهر ابني، مثلما رأيته، في هيئة رجل يخرج من البحر، ~~عندها سيترك الجميع قتال بعضهم ويتجمعون لقتاله، ولكنه سوف يقف على ذروة ~~جبل صهيون ويوبخ الأمم المحتشدة على سوء فعالها، فتأتي كلماته على شكل تيار ~~ناري ويعذبهم بما يستحقون، ثم يدمرهم بلا جهد بواسطة الشريعة التي هي مثل ~~النار. أما الحشد المسالم الذي رأيت الرجل يدعوه ويجمعه إليه، فإنهم ~~الأسباط العشرة التي سبيت وأخرجت من ديارها من قبل الملك الآشوري شلمنصر، ~~في أيام ملكها هوشع.» بعد ذلك يسأل عزرا عن مغزى طلوع الرجل من ms166 البحر ~~فيأتيه جواب العلي: «كما أنه لا أحد يستطيع أن يكتنه ما في أعماق البحر، ~~كذلك لا أحد على الأرض يستطيع رؤية ابني ومن برفقته إلا عندما يأتي وقته ~~ويومه.» ~~(2-1) كتاب اليوبيليات # اليوبيليات، أو الخمسينيات، هو كتاب منحول مطول، يعيد سرد سفر ~~التكوين والأجزاء الأولى من سفر الخروج بأسلوب مختلف، فهو يكثف ويختصر ~~في بعض المواضع، ويسهب في أخرى بداعي الشرح والتوضيح، ويضيف أحيانا، ~~أو يعيد صياغة بعض الأحداث صياغة جديدة. أما عن تاريخ التأليف واللغة ~~الأصلية للكتاب، فإن العثور على جزء منه بين نصوص قمران باللغة العبرية ~~يرجح أن لغته الأصلية هي العبرية، وأنه كتب في القرن الأول قبل ~~الميلاد على ما يدل عليه نوع الخط العبري المستخدم في كتابته. لدينا ~~أجزاء لا بأس بها من هذا الكتاب مترجمة إلى اللاتينية، ولكن النص الكامل ~~متوفر باللغة الإثيوبية التي نقل إليها بين القرن الرابع والقرن السادس ~~الميلاديين، أي خلال الفترة التي تمت خلالها ترجمة أسفار التوراة إلى تلك ~~اللغة، والكنيسة الإثيوبية هي الوحيدة التي تعترف بقانونية هذا السفر. ~~أما عن تسمية الكتاب فمستمدة من تقسيم الزمن في النص إلى وحدات ~~خمسينية تتألف كل وحدة من 49 سنة، وذلك منذ اليوم الأول للتكوين وحتى يوم ~~الدينونة الذي سيأتي بعد 4900 سنة، أي 10 خمسينية مضروبة ب 49 ~~سنة. # لا يركز كاتب اليوبيليات على المسائل اللاهوتية المتعلقة بنهاية ~~الزمن ومملكة المسيح والحياة الأخرى، ولا يأتي ذكر هذه المسائل إلا ~~بشكل مقتضب وفي سياق تذكير إسرائيل بتقوى الرب وإعادة عقد الصلة معه، ~~ولكنه بالمقابل يركز على المسائل اللاهوتية المتعلقة بعالم الملائكة ~~وعالم الشياطين. فقد خلق الرب الملائكة في اليوم الأول من أيام التكوين ~~مع خلق السماء والأرض، وجعلهم في مراتب وطبقات، ففي قمة هرم الملائكة ~~لدينا طبقة ملائكة الوجه Presence ~~، وطبقة ~~ملائكة التقديس وهم المحيطون بالعلي على الدوام، يليهم الطبقات ذات ~~المهام المحددة، فهناك ملائكة للريح وملائكة للغيوم وملائكة للبروق ~~والرعود وما إلى ذلك من الوظائف والظواهر الطبيعانية والكونية، كما ~~تتوسط الملائكة ms167 بين الرب وعالم البشر، فمنهم من ينقل أوامره وتعاليمه ~~إليهم، ومن يختبرهم ومن ينقل التقارير عن خطاياهم، ومن يسهر على أحوال ~~الأرض ويتابع شئونها ... إلخ. # وعندما أخذ البشر يتكاثرون على وجه الأرض وولد لهم بنات، رأى فريق ~~من الملائكة الساهرين أن بنات الناس حسنات، فرغبوا بهن وتخلوا عن ~~طبيعتهم الروحانية واتخذوا لهم زوجات من البشر، فأنجبت النساء أولادا ~~عمالقة أفسدوا في الأرض حتى عم الشر كل الكائنات الحية من الإنسان إلى ~~الحيوان وكل ما يمشي على الأرض. وبذلك يحل مؤلف الكتاب مشكلة وجود الشر ~~في العالم بطريقة تختلف عن مؤلف سفر عزرا الرابع. فالشر عند عزرا ينبع من ~~الإنسان لا من قوة خارجة عنه، أما في اليوبيليات فإن الشر يأتي من ~~قوة ما ورائية طاغية، وما الإنسان إلا ضحية لهذه القوة بسبب ضعفه في ~~مواجهتها. لقد تحول فريق من أهل السماء المقدسين إلى شياطين ملعونين، ~~وأخذوا يستخدمون قواهم الأصلية لدفع الإنسان في طرق الغي والضلال، بعد ~~أن أدار العلي وجهه عنهم وتحول بريقهم الملائكي إلى سواد ~~وظلمة. # ولكن الرب رغم عدم مسئوليته عن ظهور الشر، إلا أنه يسمح به بعد ~~ظهوره. فلقد أفنى الرب نسل الإنسان وكل ذي روح على الأرض بطوفان عظيم بعد ~~أن كثر شرهم إلا نوحا ومن معه، وكان الأحرى به أن يفني الشياطين التي ~~أصل الشر، ولكن حكمة العلي، كما يعيد ويكرر مؤلفو هذه الأسفار، خفية ~~على أفهام البشر، ولذلك فقد نشطت قوى البشر مجددا بعد أن تكاثر نسل نوح، ~~وصعد صوت البشر بالشكوى إلى السماء من تعديات الشياطين. وهنا يقوم اتفاق ~~بين رئيس الشياطين المدعو مستيما وبين الرب، ويسمح للإبليس مستيما أن ~~يمارس نشاطه جماعة من أتباعه، خلال مدة محدودة تنتهي في يوم القيامة ~~والحساب، ولكنه بالمقابل يأمر الملائكة أن يعلموا الإنسان طرق ~~مقاومة أذى وشر الشياطين. نقرأ في الفصل العاشر من الكتاب المقطع الآتي: # 14 ~~«في الأسبوع الثالث من تلك الخمسينية، أخذ الشياطين المتمردون بتضليل ~~نسل نوح ودفعهم للرذالات وإهلاكهم، فجاء أولاد نوح إلى ms168 أبيهم وحدثوه ~~بأمر الشياطين التي تعمي وتضل وتهلك أحفاده، فصلى نوح إلى الرب إلهه ~~وقال: يا إله الأرواح التي تقيم في كل جسد. أنت الذي رحمني وأنقذني مع ~~أولادي من مياه الطوفان فلم أهلك مع أبناء اللعنة، لأن نعمتك علي ~~كانت عظيمة ورحمتك واسعة على روحي. أسبغ نعمتك على أولادي ولا تدع ~~للأرواح الشريرة عليهم سلطانا فيبيدونهم عن وجه الأرض. باركني وبارك ~~أولادي لنكثر ونتزايد ونملأ الأرض. أنت تعلم ما فعله ملائكتك الساهرون ~~آباء هذه الأرواح في أيامي «قبل الطوفان»، وما فعله من بقي من هذه ~~الأرواح «بعد حملتك عليهم». فلتوقع بهم وتقودهم إلى مكان الحساب، ولا ~~تتركهم يعيثون فسادا بين أبناء خادمك، لأنهم يا إلهي قساة وقد خلقوا ~~لكي يدمروا، ولا تدع لهم سلطانا على نفوس الأحياء.» يستجيب الرب لصلاة ~~نوح ويأمر فريقا من الملائكة بمطاردة الشياطين وتقييدهم، ولكن الإبليس ~~مستيما رئيس الأرواح الشريرة يتوسط لدى الرب، ويطلب منه ألا يهلك ~~الشياطين جميعا بل يترك له قسما منهم لكي يستطيع متابعة مهامه الشريرة، ~~فيوافق الرب ويمهل مستيما ومن بقي معه من الشياطين إلى يوم الحساب ~~الأخير: ~~«فأمرنا الرب إلهنا # 15 # أن نوثقهم جميعا، ولكن مستيما رئيس الأرواح مثل أمام ~~الرب وقال: أيها الإله الخالق اترك بعضا منهم معي ليستمعوا إلي ~~ويفعلوا ما أمرهم به، لأنه إذا لم يبق لي منهم أحد لا أستطيع بسط ~~سلطاني على أبناء البشر، لأن شر البشر عظيم وبني الإنسان منذورون ~~للضلالة قبل أن يصدر حكمك بشأني. فأمر الرب أن يبقى عشر الأرواح الشريرة ~~مع مستيما وأن ينزل التسعة أعشار الباقية إلى مكان الحساب، ثم أمر واحدا ~~منا أن يعلم نوحا كل طرق الشفاء من شر الشياطين، لأنه يعرف أن ~~البشر لن يسيروا ولن يجاهدوا في سبل الحق والخير. فامتثلنا للأمر، ~~وقيدنا الأرواح الشريرة في مكان الحساب، وتركنا عشرهم تحت إمرة إبليس ~~على الأرض، وعلمنا نوحا طرق الشفاء من أذاهم ومن غواياتهم، وعلاج ذلك ~~بواسطة نباتات الأرض.» بعد ذلك يدخل الرب وإبليس في علاقة معقدة، ms169 فهو ~~يقيده ليكف أذاه أحيانا ثم يطلقه ليتابع مهامه في أحيان أخرى. كما ~~نجده يعهد إليه بأعمال كان قد نفذها بنفسه في النص التوراتي القانوني. ~~ففي قصة موسى وفرعون نقرأ تنويع اليوبيليات على النص الرسمي كما ~~يأتي: ~~«ولقد انتصب الرئيس مستيما أمامك يا موسى وحاول تسليمك ليد فرعون، ~~كما أنه ساعد سحرة مصر الذين مارسوا سحرهم أمامك، ولكن الرب ضربهم ~~بقروح رديئة، ومنعناهم عن إتيان معجزة واحدة، ولكن الرئيس مستيما لم ~~ينخذل بل استجمع قواه وأهاب بالمصريين أن يلاحقوك بكل جيوشهم وبكل ~~عرباتهم وخيلهم وأهل مصر، ولكني حلت بين المصريين وإسرائيل وخلصنا ~~إسرائيل من فرعون وشعبه. وفي الأيام الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر ~~والسابع عشر، كان الرئيس مستيما مقيدا ومحجوزا خلف أبناء إسرائيل لكيلا ~~يلاحقهم ويوقع بهم. وفي اليوم الثامن عشر حللنا قيوده مع أتباعه لكي ~~يساعد المصريين في ملاحقة إسرائيل فشدد عزيمة المصريين وقواهم، ثم ~~قيدناهم مجددا ... إلخ.» # إذا قارنا هذه الفقرة أعلاه بمقابلها في سفر الخروج، وجدنا أن يهوه ~~في اليوبيليات قد أحل إبليس محله في التشديد من عزيمة المصريين ~~ودفعهم إلى مطاردة بني إسرائيل. نقرأ في سفر الخروج، 14: 8-9: «وشدد ~~الرب قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل، فسعى المصريون وراءهم ~~وأدركوهم.» بينما نقرأ في اليوبيليات: «ولكن الرئيس مستيما أهاب ~~بالمصريين أن يلاحقوك بكل جيوشهم، فشدد عزيمة المصريين وقواهم.» وفي ~~تعديل مشابه يقلب الأدوار بين يهوه وشيطانه، نقرأ في اليوبيليات: «ثم ~~عدت يا موسى من مديان إلى مصر في الأسبوع الثاني من السنة الثانية ~~للخمسينية الخامسة، وأنت تعرف ما قيل لك على جبل سيناء، وتعرف كيف رغب ~~مستيما بقتلك بكل ما أوتي من قوة لكي ينقذ المصريين من يدك، لأنه رأى ~~أنك قد أرسلت لتنفيذ الحكم بهم.» أما في الموضع المقابل من سفر الخروج ~~فإن يهوه هو الذي ظهر لموسى في الطريق وأراد قتلة لأن صفورة زوجته قد ~~ترددت في ختان ابنها: «فأخذ موسى امرأته وبنيه ورجع إلى مصر، وحدث في ~~الطريق، في المنزل، ms170 أن الرب التقاه وطلب أن يقتله. فأخذت صفورة صوانة ~~وقطعت غرلة ابنها هو ومست رجليه. فقالت إنك عريس دم لي، فانفك عنه» ~~(الخروج، 4: 24-26). # ورغم أن يهوه في اليوبيليات يستخدم الشيطان على هواه، فيقيده ~~آنا ويطلقه آنا آخر، أو يحسن صورته من خلاله بأن يعزو إليه أفعالا ~~معينة كان قد قام بها هو نفسه في النص التوراتي، فإن الشيطان من ناحيته ~~كان يوقع يهوه في أحابيله ويظهر مقدرته على خداعه. ومثال ذلك ما وقع ~~بين يهوه وإبراهيم في قصة تضحية إبراهيم بابنه الواردة في التكوين، 22: ~~«وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال خذ ابنك وحيدك الذي ~~تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال ~~الذي أقول لك. فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه ~~معه وإسحاق ابنه، وقام وذهب إلى الموضع، فلما أتيا إلى الموضع الذي قال ~~له الله، بنى هناك مذبحا ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح ~~فوق الحطب، ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه، فناداه ملاك ~~الرب من السماء، فقال لا تمد يدك إلى الغلام لأني الآن علمت أنك خائف ~~الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني» (22: 1-12). # أما محرر اليوبيليات فقد أدخل تعديلا جوهريا على هذه القصة، ~~يوضح مدي سلطة الشيطان ومقدرته حتى على خداع يهوه. فلقد تحدث أهل ~~السماء عن مدى إخلاص إبراهيم للرب، وعن مدى حبه لابنه إسحاق الذي كان ~~يفضله على كل ما في الدنيا، فجاء الشيطان إلى الرب وشككه بإخلاص ~~إبراهيم ثم أقنعه أن يخضعه للتجربة والامتحان، وذلك بأن يأمره التضحية ~~بابنه الوحيد ليرى ويتأكد فيما إذا كان الرب أحب إليه من أي شيء آخر. ~~فأخذ الرب بمشورة الشيطان رغم أن سيرة حياة إبراهيم قد أكدت في كل ~~مناسبة مدى محبته للرب وإخلاصه له، وعندما نفذ إبراهيم الأمر وهم ~~بذبح ابنه، تأكد الرب من مدى خشيته له وسمع إبراهيم صوتا من السماء: ~~لا ترفع يدك على الغلام لأني عرفت الآن أنك ms171 تخشى الرب فلم تضن عليه ~~بابنك البكر، فاخز الشيطان مستيما. # قبل أن نغادر كتاب اليوبيليات، لا بد من الإشارة إلى أن المؤلف، ~~رغم تجديداته اللاهوتية الجذرية، فقد بقي أسيرا للنزعة الشوفينية ~~التوراتية، بل لقد زاد عليها. فالصراع بين الخير والشر يتجلى في العالم ~~والتاريخ بشكل رئيسي في الصراع بين إسرائيل وأعدائها من بقية شعوب ~~العالم، فإسرائيل رغم كل خطاياه يجسد الخير في العالم، والشعوب الأخرى ~~هي حصة الشر والشيطان. لقد اختار يهوه إسرائيل شعبا له قبل خلق العالم، ~~وهو ملتزم بتطهير هذا الشعب في النهاية وتخليصه وحده من بين الشعوب، وما ~~التاريخ إلا التجلي العملي لخطة يهوه هذه. نقرأ في المقاطع الأولى من ~~اليوبيليات أن الرب قد اختار إسرائيل شعبا له في اليوم السادس من أيام ~~التكوين، وذلك على عكس ما ورد في النص الرسمي الذي يقول لنا إن اختيار ~~يهوه لشعبه يبتدئ مع عهده لإبراهيم ولنسله من بعده: «وأكمل في اليوم ~~السادس كل عمله، كل ما في السماوات وما في الأرض، لقد أعطانا آية عظيمة ~~هي يوم السبت الذي نرتاح فيه بعد عمل ستة أيام، وقال لنا، نحن ملائكة ~~الوجه وملائكة التقديس، المرتبتان العاليتان، أن نحتفل بالسبت معه في ~~السماء وعلى الأرض. وقال لنا أيضا: سوف أفرز لنفسي شعبا من بين كل ~~الشعوب، فيحتفل بالسبت وأكرسه لنفسي وأباركه، مثلما كرست السبت ~~وباركته، سيكون شعبا لي وأكون إلهه. لقد اخترت بذرة يعقوب من كل ما رأت ~~عيني، وأسميتها ابني البكر الذي خصصته لنفسي إلى الأبد.» ~~(2-2) وصايا الأسباط الاثني عشر # عندما حضرت المنية يعقوب، دعا أولاده الاثني عشر فأوصاهم وتنبأ لهم ~~بما سوف يصيبهم وأوصى بمكان وطريقة دفنه. نقرأ في التكوين، 49: 1-33: ~~«ودعا يعقوب بنيه وقال اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام. ~~اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب وأصغوا إلى إسرائيل أبيكم. رأوبين أنت بكري ~~قوتي وأول قدرتي ... إلخ. شمعون ولاوي أخوان، آلات ظلم سيوفهما ... إلخ. ~~يهوذا إياك يحمد إخوتك ... إلخ. هؤلاء هم أسباط إسرائيل الاثنا عشر، وهذا ~~ما كلمهم ms172 به أبوهم وباركهم، وأوصاهم وقال ... ادفنوني عند آبائي في المغارة ~~التي في حقل عفرون الحثي ... إلخ. ولما فرغ يعقوب من توصية بنيه ضم رجليه ~~إلى السرير وأسلم الروح.» # تنسج وصايا الأسباط الاثني عشر على منوال وصية يعقوب، فكل وصية تحتوي ~~على نصائح للأولاد المجتمعين عند سرير الأب، وسرد لمراحل حياته الماضية ~~والدروس المستقاة منها، وأخيرا تنبؤات حول مستقبل إسرائيل، والأيام ~~الأخيرة في نهاية الزمن. إن العثور على مقاطع من هذه الوصايا بين نصوص ~~قمران «أواسط القرن الأول الميلادي» باللغتين الآرامية والعبرية، يدل على ~~قدم هذا النص وأرجحية وضعه في القرن الأول قبل الميلاد، وربما أبكر من ~~ذلك، إلا أن النص الكامل للوصايا غير متوفر في نسخة عبرية، وإنما ~~في نسخة يونانية متأخرة، يقول صاحبها إنه قد ترجمها عن العبرية. هذا ~~ويشكك بعض الدارسين بمصداقية الترجمة لأنهم يلمحون تأثيرات هيلنستية ~~واضحة في هذا العمل، إضافة إلى تأثيرات مسيحية. # هنالك ثلاثة محاور مشتركة بين الوصايا ذات صلة بموضوعنا وهي: (1) دور ~~الشيطان ووظيفته في العالم. (2) مجيء المخلص. (3) يوم الدينونة ونهاية ~~التاريخ. مما سنتتبعه فيما يأتي: # لا تحفل الوصايا بتقديم تاريخ للشيطان، بل تركز على سلطته على ~~نفوس الناس ونشاطه الدائب في دفع الإنسان إلى ارتكاب الشرور والمعاصي. ~~وهي تدعوه بالاسم بلعار، وتصفه بالمضلل وبرئيس الضلال وبروح الضلال، ~~وتتحدث عن معاونيه من أرواح الشر التي تعمي البصيرة وتلبس الحق ~~بالباطل والباطل بالحق، ثم تؤكد أنه سيئول إلى الخزي وإلى الدمار في ~~نهاية الزمن. # في وصية أشير لدينا مقطع على ~~جانب كبير من الأهمية، فهو ينطلق من الفكرة الزرادشتية عن صراع الروحين ~~البدئيين، ليجد معادل هذا الصراع ومنعكساته في النفس الإنسانية، ففي عمق ~~النفس هنالك نازعان واحدا نحو الخير وآخر نحو الشر، وهذان النازعان ~~يقودان إلى دربين ويصنعان سلوكين ونهايتين، واحد يرضى عنه بلعار وواحد ~~يرضى عنه الرب: ~~«استمعوا يا أبناء أشير إلى أبيكم، فأريكم كل ما هو حسن في عين الرب. ~~لقد أعطى الرب لبني الإنسان دربين ونازعين وسلوكين ونموذجين ونهايتين، ~~وهذان الدربان هما ms173 درب الخير ودرب الشر، وفي مقابل هذين الدربين هنالك في ~~صدورنا ميلان اثنان يختاران بين الدربين، فإذا مالت النفس إلى درب الخير ~~فإن كل أعمالها تسير في الخير، وتجنح للاستغفار والتوبة عن كل خطيئة. ~~وهي إن تضع نصب عينيها العمل الصالح وتدير ظهرها للعمل الطالح، فإنها ~~تقتلع الخطيئة من جذورها وتقهر الشر. أما إذا مالت النفس نحو الشر ~~فإن كل أعمالها تكون خبيثة، تهجر الخير وتفتح الصدر للشر فتستعبد ~~لبلعار. عند ذلك يتحول حتى فعل الخير إذا أرادته إلى شر، لأن مخازن ~~الشيطان مترعة بسموم الأرواح الشريرة، وأنتم يا أبنائي لا تكونوا مزدوجي ~~الوجوه، وجه للخير ووجه للشر، وإنما التزموا الطيبة لأن الرب الإله ~~يرتاح إليها والناس تتطلع إليها. أديروا ظهوركم للنوازع الشريرة ~~واستعينوا على الشيطان بعملكم الطيب، لأن مزدوجي الوجوه ليسوا من الله ~~بل عبيد لرغباتهم الآثمة وهم يرضون بلعار والذين على شاكلتهم، أنتم ~~ترون يا أبنائي كيف أن في كل شيء وأمر عنصرين، واحدا ضد الآخر، وهذا ~~مختبئ في ذاك. ففي التملك هناك يكمن الطمع، وفي المرح السكر، وفي ~~الضحك النواح، وفي الزواج الفسق. الموت يلي الحياة، والخزي يلي المجد، ~~والليل يلي النهار، والظلمة تلي النور، ولكن هذه الأشياء كلها تقود إلى ~~ضوء النهار. العمل الصالح يقود إلى الحياة، والعمل الطالح يقود إلى الموت.» # 16 # هذا وتتعاون نصوص الوصايا على رسم صورة للشيطان بلعار ولطريقة عمله، ~~فهو يعمي بصيرة الإنسان ويعتم على ذكائه وحسن تمييزه. نقرأ في وصية ~~شمعون: «في أيام صباي كنت غيورا من أخي يوسف لأن أبي أحبه أكثر منا ~~جميعا، فعزمت في سري على إهلاكه، لأن أمير الخطيئة «بلعار» أعمى ~~بصيرتي فلم أعد أرى فيه أخا ولم أصفح لأبي «تفضيله له»، ولكن إله آبائنا ~~بعث رسوله فأنقذه من يدي، لقد قيد الرب يدي ورجلي وحال بيني وبين ~~إتيان ذلك العمل، ولمدة سبعة أيام بقيت يدي اليمنى مشلولة تقريبا، ولقد ~~عرفت أن ما حصل لي كان بسبب يوسف، لهذا فقد ندمت واستغفرت وتبت ~~باكيا. لقد كان ms174 يوسف وسيما طلق المحيا لأن قلبه لم ينطو على أي شر، ~~فالوجه مرآة اضطراب النفس، لذلك يا أولادي اجعلوا قلوبكم فاضلة أمام ~~الرب، وطرقكم مستقيمة أمام الناس، وستلقون على الدوام نعمة في عين الرب ~~والناس. احفظوا أنفسكم من الفسق الجنسي لأنه أم الرذائل، وهو الذي ~~يبعد عن الله ويقود إلى بلعار ...» # وبلعار يستخدم عاطفة الغضب ~~عند الإنسان ليدفعه إلى العنف والظلم. نقرأ وصية دان: «الغضب سيئ يا ~~أولادي، يعكر الروح ويتملك جسد الغضوب، فينقل إليه قوته الخاصة ليجعله ~~يرتكب كل أنواع الظلم، والإنسان الذي يغضب، حتى ولو كان ضعيفا، يكتسب ~~أضعاف قوته العادية، لأن الغضب يعينه دائما على الظلم، الغضب سيئ ~~يا أولادي، لأنه يغدو القوة المحركة للنفس، وهذه القوة تستولي على ~~النفس وتمد الجسد بقدرات خاصة فيغدو قادرا على إتيان أحط الأعمال. إن ~~روح الغضب تمشي دائما مع روح الكذب إلى يمين الشيطان، لكي يتم أعماله ~~بالوحشية والخداع. فاحفظوا وصايا الرب يا أبنائي. تفادوا الغضب واكرهوا ~~الكذب، ليسكن الرب بينكم، وليهرب بلعار بعيدا عنكم.» # والجشع والكلام الباطل إرادته. نقرأ في وصية نفتالي: «لا تعجلوا ~~بإفساد أعمالكم بالجشع، ولا تضللوا نفوسكم بالكلام الباطل، لأن من ~~يلتزم الصمت في نقاوة الفؤاد يحفظ مشيئة الله وينبذ مشيئة بلعار.» ~~وفاعلو الشر هم أداة الشيطان بهم ينفذ مآربه. نقرأ في وصية نفتالي أيضا: ~~«فإذا سعيتم في الخير يا أولادي يبارككم الناس والملائكة ويهرب الشيطان ~~عنكم. ومن يسع في الشر يلعنه الناس والملائكة، ويتملكه الشيطان ~~فيجعله أداة له.» وبلعار سيد عالم الظلمات: «فإن الرب سيكون في النور ~~معكم وبلعار سيكون في الظلام» وصية لاوي. وأيضا: «إن الأمر بيدكم ~~أنتم لاختيار النور أو الظلمات، شريعة الرب أو أعمال بلعار» وصية ~~يوسف. # ويقدم يساكر في وصيته الوصفة الأخلاقية التي لا تترك لبلعار سلطة ~~على الأبرار: «لقد بلغت من العمر مائة واثنين وعشرين سنة ولم أقترف ~~خطيئة، لم أعرف امرأة غير زوجتي ولم أفسق بنظرة شبقة، لم أشرب الخمر حتى ~~الثمالة، لم أطمع بممتلكات جاري، لم يكن ثمة ms175 غش في قلبي، لم يجر الكذب ~~على لساني، بكيت وتألمت مع كل إنسان مقهور، شاركت الفقراء خبزي، ولم آكل ~~وحدي، كنت ورعا ومستقيما كل حياتي، أحببت الرب بكل قوتي، وأحببت كل ~~إنسان كحبي لأولادي. فافعلوا هذا يا أولادي وسيهرب كل روح لبلعار ~~بعيدا عنكم، ولن يكون لشر مخلوق سلطان عليكم.» # أما عن الوعود الآخروية وخاتمة ~~الأزمنة وظهور المخلص، وهي الموضوعات التي تفيض بها وصايا الأسباط، ~~فإن الوصايا تستخدم عددا من الأفكار والصور المتكررة مع تنويعات خاصة ~~بكل وصية. ويلفت نظرنا بشكل خاص توكيد مؤلف (أو مؤلفي) الوصايا على ~~مساواة الأمم والشعوب أمام الرب في يوم الدينونة، وتجاوزه لشوفينية ~~الخطاب التوراتي. نقرأ في وصية شمعون: «عندها ستهدأ الأرض كلها من ~~اضطرابها، ويرتاح كل من تحت السماء من الحروب، عندها سيمجد سام، لأن ~~الرب الإله، عظيم إسرائيل، سيظهر على الأرض في شكل إنسان، وينقذ بنفسه ~~آدم، عندها سيتم تسليم أرواح الضلال جميعها لكي تداس بالأقدام، ويسود ~~البشر على الأرواح الشريرة، عندها سأبعث في سعادة وأبارك العلي لأجل ~~عجائبه، لأن الرب اكتسى جسدا وتناول طعاما مع الناس وخلص البشر.» # 17 # ونقرأ في الوصية نفسها عن مسيحين لا مسيح واحد، الأول مسيح ~~سياسي يأتي من نسل يهوذا ، والثاني مسيح روحي يأتي من نسل لاوي: «والآن يا ~~أبنائي، أطيعوا لاوي ويهوذا ولا تعلوا أنفسكم فوق هاتين القبيلتين، ~~لأن الرب سيبعث من لاوي كاهنا أعظم ومن يهوذا ملكا، هو إله وإنسان، ~~وهو الذي سيخلص الأمم ويخلص شعب إسرائيل.» # وفي وصية لاوي نقرأ عن المسيح الذي سيأتي من نسل لاوي، وذلك في خطاب ~~الرب إليه في الرؤيا: «... ثم غلبني النوم، فرأيت جبلا عاليا ورأيت نفسي ~~على ذروته، والسماوات انفتحت وملاك من عند الرب تكلم معي وقال: لاوي، ~~ادخل. فعرجت إلى السماء الأولى حيث رأيت مياه الأعالي معلقة، ثم عرجت ~~إلى السماء الثانية فرأيتها أشد لمعانا وأكثر بريقا ولم يكن ~~لارتفاعها من نهاية. فقلت للملاك: لماذا هي على هذه الحال؟ فقال لي: لا ~~تعجب لما رأيت، لأنك سترى ms176 سماوات بعدها أشد منها لمعانا وأكثر بريقا، ~~وعندما ترتقي إلى هناك فإنك ستقف قريبا من الرب، وتكون كاهنا له، ~~وستنبئ بأسراره البشر، ستعلن لهم عن الذي يوشك على تحرير إسرائيل. فمن ~~خلالك وخلال يهوذا سيتراءى الرب للبشر، ويخلص بنفسه كل أعراق البشر.» ~~وأيضا: «نجمه سيسطع في السماء مثل ملك، فيشعل نار المعرفة مثلما تضيء ~~الشمس النهار، ويمجده العالم أجمع، سيشع مثل الشمس على الأرض، وسيمحو ~~الظلمات كلها تحت السماء، فيحل السلام على الأرض، وتتهلل السماء في أيامه ~~وتبتهج الأرض، سيفتح بوابات الفردوس، ويزيل السيف الذي يحرسه منذ خروج ~~آدم. سيعطي الأبرار ليأكلوا من شجرة الحياة، ويحل عليهم روح ~~القداسة، سيقيد بلعار بالأغلال ويعطي لأبنائه السلطة على وطء ~~الأرواح الشريرة بأقدامهم، وسيفرح الرب بأبنائه إلى الأبد. والآن يا ~~أبنائي، بعد أن سمعتم كل ما قلت، لكم أن تختاروا بين النور أو الظلمة، ~~بين شريعة الرب أو أعمال بلعار.» # وفي وصية يهوذا نقرأ تعليما عن ثنوية الخير والشر في النفس ~~الإنسانية مشابها لما قرأناه في وصية أشير: «فافهموا يا أبنائي أن ~~هنالك روحين مسخرين للبشر، روح الحق وروح الضلال، وبينهما الوعي ~~الصاحي الذي يميل وفق إرادته إلى هذا أو إلى ذاك. إن أعمال الحق وأعمال ~~الضلال مسجلة في ضمير الإنسان والرب يعلم بها، ما من لحظة تخفى فيها ~~أعمال الإنسان لأنها مكتوبة على القلب ومكشوفة أمام الرب، كما أن روح ~~الحق يشهد على كل شيء، ويوجه الاتهامات بحق المخطئ الذي ينهشه ضميره فلا ~~يجرؤ على رفع بصره إلى قاضيه.» # وعن المسيح الذي سيظهر من سبط يهوذا نقرأ في الوصية نفسها: «لأجلكم ~~سوف يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم رجل من نسلي مثل شمس العدل، سائرا مع ~~الناس باللطف والعدل، ويكون مطهرا من الخطيئة، ستفتح السماوات من فوقه ~~ويحل عليه الروح بركة من الأب القدوس ويسكب روح النعمة عليكم، ~~ستكونون أبناء في الحقيقة، وتعملون بتعاليمه الأولى وتعاليمه الأخيرة. ~~إنه غصن الرب العلي، إنه نبع الحياة للبشرية، عندها سيتألق صولجان ~~ملكي بواسطته، ومن جذركم سيطلع، ms177 ومن الغصن سيطلع قضيب العدل من أجل ~~الشعوب، فيحاكم وينقذ كل الذين يذكرون الرب # 18 # فيكونون شعبا واحدا للرب، ولغة واحدة لجميعكم، وستختفي روح ~~بلعار المضلة لأنه سيرمي إلى النار الأبدية. الذين ماتوا في الحزن ~~سيقومون في الفرح، والذين ماتوا في الفقر لأجل الرب سوف يبعثون في ~~الغنى، والذين هلكوا في سبيل الرب سيستيقظون إلى الحياة. أيائل يعقوب سوف ~~تجري في فرح، ونسور إسرائيل ستطير في حبور، ولكن الخطأة سيبكون، ~~والمذنبين سينوحون، وستمجد الأمم كلها الرب إلى الأبد.» # ونقرأ في وصية زبولون: «بعد ذلك سوف يتجلى لكم الرب نفسه، نور ~~العدل، وفي جناحيه الشفاء والرحمة، فيحرر من بلعار أبناء البشر الأسرى ~~ويطأ كل أرواح الضلال، ويهدي كل الأمم فتخلص له. سترون الرب في هيئة ~~إنسان يختاره الرب ويظهر اسمه في أورشليم.» # ونقرأ في وصية دان: «... لهذا عندما تفيئون إلى الرب يرحمكم ويقودكم ~~إلى مقدسه ويحل سكينته عليكم، ومن يهوذا ولاوي سيظهر لكم خلاص الرب. سوف ~~يحارب بلعار ويتيح نصر النقمة والعقاب، سوف يستعيد من بلعار أرواح ~~القديسين الأسيرة، ويهدي قلوب العصاة إلى الرب ويهب السلام الأبدي للذين ~~يدعونه. القديسون سوف يرتاحون في عدن، والأبرار ينعمون بأورشليم الجديدة ~~التي ستخصص إلى الأبد لتمجيد الرب. لن تقع أورشليم ثانية فريسة ~~للخراب، ولن تقاد إسرائيل ثانية إلى المنفى، لأن الرب سيكون بين ~~ظهرانيها يقيم مع الناس، ويحكمهم بالتواضع والفقر. سيعلو اسمه في كل ~~مكان من إسرائيل وتعرفه الأمم والشعوب باسم المخلص.» # ونقرأ في وصية نفتالي: «مروا أولادكم أن يتحدوا بيهوذا ولاوي، لأنه ~~من يهوذا سوف يظهر خلاص إسرائيل، وبه سيبارك يعقوب. من خلال قوة ملوكيته ~~سيظهر الرب ويقيم على الأرض بين الناس، فيخلص نسل إسرائيل ويجمع إليه ~~الأبرار من بين الأمم.» # ونقرأ في وصية يوسف: «ورأيت أنه من يهوذا قد حبلت عذراء ترتدي ~~ثوبا من الكتان، ومنها ولد حمل لا شية فيه، عن يساره وقف كائن ~~يشبه الأسد، هجمت عليه الحيوانات المتوحشة كلها، ولكن الحمل هزمها ~~جميعا ووطأها بقدمه، فابتهجت به الملائكة والأرض ms178 والبشرية. هذه الأمور ~~ستحصل أوقاتها في الأزمنة الأخيرة. وأما أنتم يا أبنائي، فاحفظوا وصايا ~~الرب وبجلوا لاوي ويهوذا، لأنه من صلبهما سيأتي حمل الرب الذي ~~سيمحو خطايا العالم ويخلص الأمم كلها ويخلص إسرائيل، لأن ملكه ~~يكون ملكا أبديا لا ينقضي.» # ونقرأ في وصية بنيامين: «احفظوا يا أولادي وصايا الرب حتى يظهر ~~خلاصه للأمم كلها. عندها سترون أخنوخ وشيت وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وقد ~~بعثوا على الميمنة # 19 # مستبشرين، عندها سنبعث نحن أيضا كل في سبطه ساجدين للملك ~~السماوي، سيبعث الجميع، وسيحاكم الرب إسرائيل أولا من أجل خطاياهم ثم ~~يحاكم الأمم كلها، وسيقاضي إسرائيل على يد الذين اختارهم من الأمم ... ~~لن أدعى بعد اليوم بالذئب الكاسر بسبب تعدياتكم، بل فاعلا أدعى، فأوزع ~~الطعام على فاعلي الخير. وفي آخر الزمان سوف يظهر من نسل يهوذا ولاوي ~~محبوب الرب، الذي يعمل لمرضاته بكلام فمه فينير الأمم كلها بمعرفة ~~جديدة.» ~~(2-3) نصوص قمران # نصوص قمران، أو مخطوطات البحر الميت، هي مجموعة لفائف عثر عليها ~~تباعا منذ عام 1947، في عدد من المغاور الواقعة في المنطقة الصخرية ~~الوعرة المنحدرة نحو الشاطئ الغربي الأعلى للبحر الميت، ويبدو أن هذه ~~اللفائف قد خبئت هنا حفظا لها من الضياع خلال الحملة الرومانية على ~~أورشليم عام 70 ميلادية ، وهي الحملة التي أدت إلى تدمير الهيكل تدميرا ~~كاملا، ويمكن تقسيم هذه اللفائف إلى ثلاثة أنواع حسب موضوعاتها: فلدينا ~~أولا نصوص توراتية بعضها كامل تقريبا مثل سفر إشعيا وبعضها مجتزأ بسبب ~~تلف اللفيفة. ولدينا ثانيا شذرات من النصوص المنحولة. ولدينا ثالثا ~~نصوص قمرانية خاصة بهذا الموقع. وقد أرجع الباحثون تاريخ اللفائف إلى ~~الفترة الواقعة بين أواخر القرن الثاني قبل الميلاد وأواسط القرن الأول ~~الميلادي. # لقد ساد الاعتقاد زمنا بأن نصوص قمران هي من إنتاج فرقة يهودية ~~معروفة بالفرقة الأسينية، وهي ملة يهودية عاصرت خلال القرن الأول قبل ~~الميلاد والقرن الثاني بعد الميلاد ~~الملتين الصدوقية والفريسية، وظن الدارسون الأوائل أن الأسينيين ~~كانوا يقيمون في الموقع الأثري المعروف اليوم بخربة قمران، وهو بقايا ~~قلعة قديمة ms179 تتحكم في الشواطئ الشمالية الغربية للبحر الميت حيث وجدت ~~النصوص. ولكن بعض الدراسات الحديثة قد بدأت تتحدى هذا الرأي، وتنفي وجود ~~صلة بين نصوص قمران والملة الأسينية. # 20 # وإني إذ أتبنى هنا هذا الرأي، فإني أقدم نصوص قمران ~~باعتبارها جزءا من الحركة الأشمل للفكر المنحول دون خصها بفرقة يهودية ~~معينة. # لا تنتمي نصوص قمران إلى الاتجاه الراديكالي في الفكر المنحول، ~~لأنها بقيت تراوح عند التصورات التوراتية الرسمية التي تجعل من نهاية ~~الأزمنة عصر انتصار لإسرائيل على أعدائها من الأمم جميعها دون استثناء، ~~وترى في خلاص الرب خلاصا لبني إسرائيل وحدهم، ولكن هذه النصوص قد قدمت ~~مساهمتين رئيسيتين في موضوعات الفكر المنحول: أولاهما فكرة ثنائية الخير ~~والشر المتأصلة في صميم خلق الله. والثانية حرب الأزمنة الأخيرة بين ~~المؤمنين والكفار. والمؤمنون هنا هم حصرا بنو إسرائيل المدعوون بأبناء ~~النور، أما الكفار فهم حصرا بقية الأمم أبناء الظلام وأتباع الشيطان ~~بليعال. # في المخطوط الذي أطلق عليه الباحثون الأوائل اسم «نظام الجماعة» ~~لدينا تعليم أساسي يتعلق بثنوية الخير والشر: # 21 ~~«من إله المعرفة يصدر كل ما هو كائن وما يكون. قبل أن تكون ~~الكائنات صممها، وحين تكون فبحسب أنظمتها وبحسب مخططه المجيد تتم علمها ~~ولا تبدل فيه شيئا. في يده نواميس جميع الكائنات وهو الذي يسندها في ~~جميع حاجاتها، وهو الذي خلق الإنسان ليكون سيدا على الأرض.» ~~«وأعد للإنسان روحين ليمشي فيهما إلى يوم الافتقاد هما روح الحق وروح ~~الضلال. في ينبوع النور أهل الحق وفي ينبوع الظلمة أهل الضلال. في يد ~~أمير الأنوار سيادة على جميع أبناء البر فهم في طريق النور يسيرون، وفي ~~يد ملاك الظلمة سيادة على جميع أبناء الضلال فهم في طريق الظلمة يسيرون، ~~(ولكن) بسبب ملاك الظلمة يضل أبناء البر (أيضا)، فكل آثامهم وخطاياهم ~~ومعاصيهم هي نتيجة سيادته، حسب أسرار الرب حتى الزمن المحدد، وكل الضربات ~~التي تصيبهم وكل أوقات ضيقهم هي نتيجة سيادة بغضه، كما أن الأرواح ~~كلها والتي هي من نصيبه (= الشياطين) تجعل أبناء النور يعثرون، لكن ms180 إله ~~إسرائيل وملاك حقه يعينون أبناء النور.» ~~«أجل. هو الذي خلق الروحين، روح النور وروح الظلمة، وعلى هذين ~~الروحين أسس كل عمله، وعلى مشورتيهما كل خدمة، وعلى طريقيهما كل ~~افتقاد. واحد منهما يحبه الرب مدى الأجيال ويرتضي بعمله إلى الأبد، ~~والآخر يمقت مشورته وإلى الأبد يبغض طرقه جميعها، وهاكم طرق هذين ~~الروحين في العالم. روح الحق هو الذي ينير قلب الإنسان ويمهد أمامه ~~كل طرق البر الحقيقي ويجعل في قلبه مخافة أحكام الرب ... أما روح الضلال ~~فقيه الطمع والتهرب من البر وفيه الكذب والكبرياء ...» ~~«في هذين الروحين تمضي جميع أجيال بني البشر، وفي هاتين الطبقتين ~~تتوزع جيوشهما من جيل إلى جيل وتسير. كل جزاء أعمالهم يتم بهاتين ~~الطبقتين بحسب ما قسم لكل واحد، أكان كثيرا أم قليلا على مر العصور. ~~ذلك أن الرب قد رتب هذين الروحين في أجزاء متساوية إلى الحد الأخير، ~~وجعل بغضا أبديا بين طبقتيهما، فحمية القتال تجعل الواحد يعارض ~~الآخر في جميع أوامرهما لأنهما لا يسيران معا.» ~~«أما الرب، وفي أسرار عقله ومجد حكمته، فقد وضع حدا لوجود ~~الضلال، وهو سيزيله بشكل كامل في ساعة الافتقاد، وحينئذ يظهر الحق بشكل ~~نهائي في العالم، حينئذ ينظف الرب بحقه أعمال كل فرد، وينقي جسد كل ~~إنسان فيزيل روح الضلال كله من أعضائه، ويطهره بروح قداسته من أعمال ~~الكفر، ويفيض عليه روح الحق مثل ماء التطهير، وهكذا تنتهي كل أرجاس الكذب ~~وينتهي كل تنجيس بروح النجاسة ...» ~~«حتى الزمن الحاضر يتحارب روحا الحق والضلال في قلب كل إنسان، والناس ~~يسيرون في الحكمة والجهالة، كل منهم يبغض الضلال بقدر قسمته في الحق ~~والبر، أو يمقت الحق بقدر ميراثه في حصة الضلال. فالرب قد رتب هذين ~~الروحين في قسمين متساويين حتى الحد الحاسم، حد «أو ميعاد» التجدد، وهو ~~يعرف جزاء أعمال هذين الروحين على مدى الأزمنة، وقد وزعهما بين أبناء ~~البشر لكي يعرفوا الخير ويعرفوا الشر، وهكذا تعطى قسمة كل حي بحسب روحه ~~حتى يوم الدينونة والافتقاد.» # في المخطوطة الأخرى التي اخترنا ms181 عرضها هنا وهي مخطوطة «نظام الحرب» ~~أو «حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام»، نجد أن الصراع بين روح الشر ~~بليعال وروح الخير ميخائيل رئيس الملائكة، يدوم إلى أن يحين يوم الفصل ~~العظيم بين الخير والشر. في ذلك اليوم يجتمع المؤمنون، وهم حصرا بنو ~~إسرائيل، في حشد واحد لشن الهجوم على الكفار من أتباع بليعال، وهم بقية ~~أمم الأرض، وتحدث المعركة النهائية الفاصلة. وفيما يأتي مقتطفات من هذه ~~المخطوطة: ~~«لقد بدأ تسلط أبناء النور على حزب أبناء الظلام، على جيش بليعال، ~~على زمرة آدوم ومؤاب وبني عمون، وجمهور أبناء المشرق وفلسطيا، وضد زمرة ~~كتيم، على آشور وشعبهم الذين جاءوا لمعونة الكفار الذين تجاوزوا العهد. ~~إن أبناء لاوي وأبناء يهوذا وأبناء بنيامين والمنفيين في البرية ~~يقاتلون ضدهم» «... تهيأ الحرب خلال ست سنوات، وكل الجماعة تهيئها معا. ~~وتكون الحرب على مراحل تمتد على السنوات التسع والعشرين الباقية. في ~~السنة الأولى يقاتلون آرام نهاريم. في السنة الثانية أبناء لود. في ~~الثالثة يقاتلون ما تبقى من آرام وعوص وتوجر ومشا الذين في عبر الفرات ~~... إلخ.» ~~«وتعسكر كل فرق المقاتلين تجاه ملك كتيم، وتجاه كل جيش بليعال ~~المجتمع لديه ليوم الفناء بسيف الرب، ويقف رئيس الكهنة ويقرأ على مسامعهم ~~صلاة زمن الحرب ويبدأ كلامه قائلا : تقووا، تشجعوا ... لا ترتدوا أمامهم ~~لأنهم جماعة كفر وكل أعمالهم هي في الظلمة ... اليوم موعد الحرب من قبل ~~الرب على كل مجموعة بليعال، وموعد غضب على كل بشر. فإله إسرائيل يرفع ~~يده القديرة العجيبة ضد كل أرواح الكفر، وكل جبابرة الآلهة يشدون أحقاءهم ~~للحرب، وتشكيلات القديسين تجتمع ليوم الرب، إلى أن يزول كل المكرسين ~~لبليعال، لأن إله إسرائيل قد دعا السيف ضد جميع الأمم، وهو يبسط قوته ~~بواسطة قديسي الشعب.» # بعد وصف مطول لتشكيلات ~~القتال وأساليب الكر والفر، يتم القضاء على جيوش الأمم ويرفع المنتصرون ~~صلاة شكر هذه خاتمتها: «افرحي جدا يا صهيون، وابتهجي يا كل مدن يهوذا ~~وافتحي أبوابك على الدوام لتدخل إليك ثروات الأمم، وليخدمك ملوكها ويسجد ~~أمامك كل ms182 جلاديك ويلحسوا تراب قدميك. يا بنات شعبي اهتفن هتاف الفرح، ~~وتزين بزينة المجد، وتسلطن على ممالك الشعوب. هكذا يكون الملك للرب ~~ولإسرائيل مملكة أبدية.» ~~(3) سفر أسرار أخنوخ # يدعى هذا الكتاب أيضا بسفر أخنوخ الثاني، وهو يتميز عن سفر أخنوخ ~~الأول بتركيزه على الموضوعات اللاهوتية المتعلقة بالبدايات، في مقابل تركيز ~~أخنوخ الأول على موضوعات التاريخ، وهو يتوسع بشكل خاص في مسألة سقوط ~~إبليس وتحوله إلى روح متمردة شريرة، بعد أن كان رئيسا لطبقة عليا من ~~الملائكة. كما يتوسع في مسألة خلق الإنسان الأول وسقوطه، ودور إبليس في ~~تزيين المعصية له، وهنالك وصف لأحوال السماوات السبع ولأهوال الجحيم ومتع ~~النعيم. النص متوفر فقط باللغة السلافية، ويبدو من أسلوبه أن هذه النسخة ~~السلافية هي ترجمة مباشرة عن اليونانية. أما عن زمن تدوينه فإن ~~الباحثين مختلفون في ذلك، فبينما يرجح بعضهم أن تدوينه قد تم في زمن ~~ما من القرن الأول قبل الميلاد على يد يهودي هلنستي من الإسكندرية، فإن ~~البعض الآخر يرى فيه نتاجا لعملية تحريرية طويلة أدخلت على النص القديم ~~تعديلات وإضافات خلال بضعة قرون. # ينتمي النص إلى جنس الأدب الديني الرؤيوي، وفيه يتحدث أخنوخ بن يارد، ~~السلف السادس بعد آدم من سلالة ابنه شيت، عن رؤيا نبوية عرجت به إلى ~~السماوات وصولا إلى عرش الرب، وهناك استمع من فمه مباشرة إلى قصة الخلق ~~والتكوين: ~~«عندما كنت في سن الخامسة والستين بعد الثلاثمائة، وفي أحد أيام الشهر ~~الثاني، كنت وحيدا في بيتي وأشعر بضيق عظيم، فرحت أبكي وأنتحب على وسادتي ~~حتى غلبني النوم، عندها ظهر لي رجلان هائلان في الحجم لم تر عيني مثلهما ~~على الأرض، كان وجهاهما يضيئان مثل الشمس، وعيونهما تتقد كمشعل، ومن ~~فميهما تخرج النيران، وأذرعهما لها شكل أجنحة ذهبية. وقفا على رأس سريري ~~وهتفا باسمي، عندها انتبهت من نومي وانتصبت واقفا فانحنيت أمامهما بعد أن ~~سترت وجهي خوفا وفرقا. فقالا لي: تشجع يا أخنوخ ولا تخف، فنحن رسولان من ~~عند الرب الأزلي. اليوم سترتفع معنا صعدا نحو السماء، ms183 فأخبر زوجك وأفراد ~~أسرتك بما يتوجب عليهم فعله في البيت، وقل لهم ألا يبحثوا عنك حتى ~~يعيدك الرب إليهم.» # 22 # بعد ذلك يرفع الملاكان أخنوخ على أجنحتهما ويرقيان به إلى السماء ~~الأولى، وهناك يقوده الملاك المتصرف بشئون النظام النجمي فيريه مسالك ~~النجوم ومداراتها ومعابرها، ويريه هنالك بحرا واسعا أكبر من بحار الأرض، ~~ومئات من الملائكة ترف فوقه بأجنحتها، ويريه مخازن السحب والبرد والثلج ~~والندى وعليها ملائكة يحرسونها، ثم يعود إليه الملاكان فيرقيان به إلى ~~السماء الثانية، وهنالك يرى ظلمة مترامية في أعماقها ملائكة سود مقيدون ~~بسلاسل وهم ينتحبون، فيسأل عنهم وعن سبب تعذيبهم، فيجيبه الملاكان بأنهم ~~الملائكة العصاة الذين ساروا وراء كبيرهم، وهم الآن في انتظار الحساب ~~الأخير. في السماء الثالثة يلج الملاكان بأخنوخ إلى جنة غناء يقوم على ~~حراستها ثلاثمائة ملاك، فيها من كل شجر وثمر، وما لم تره عين ولا يستطيع ~~كائن بشري وصفه. وفي وسط الجنة شجرة الحياة ونبعان يفيض منهما نهران من لبن ~~وعسل، ثم يتفرعان إلى أربعة روافد من زيت وخمر. إنها الميراث الأبدي ~~للأبرار الذين ساروا في حياتهم أمام الرب بدون خطيئة، وطهروا أرواحهم من ~~الشر، وأطعموا الجائع وألبسوا العريان، وأعانوا الأرملة واليتيم. في الجهة ~~الأخرى من السماء الثالثة يقف الملاكان بأخنوخ على عتبة مكان مظلم مخيف ~~تتأجج فيه نيران أبدية، ويقوم عليه ملائكة مخيفو الهيئة يحملون أدوات ~~تعذيب مرعبة. إنه الميراث الأبدي للخطأة الذين اختاروا طريق الشر وعاكسوا ~~إرادة الرب فسرقوا وقتلوا وحسدوا، وكدسوا الثروات على حساب الفقراء، ~~وأجاعوا المسكين وظلموا الأرملة واليتيم. # في السماء الرابعة يرى أخنوخ الشمس والقمر ومساريهما، والنجوم الأربعة ~~التي ترافق الشمس، وتحت كل واحد منها ألف نجم تابع له، وهنالك عشرات ~~الألوف من الملائكة المعينين بشئونها، ومن وسط هذه السماء الرابعة تناهى ~~إلى سمعه صوت جوقات الملائكة تسبح بحمد خالقها وتنشد على إيقاع المزامير ~~والصنوج. في السماء الخامسة يرى أخنوخ الملائكة الساقطين المدعوين ~~بالعمالقة، وهم أول زمرة من الملائكة تمردت على الرب وتبعت رئيسها المدعو ~~«ساتانا إيل»، فأدارت ms184 وجهها عن نور الرب ثم أغوت بقية الملائكة الساقطين ~~الذين رآهم في السماء الثانية، وكانوا في كرب عظيم وحزن عميق صامتين إلى ~~نهاية الأزمنة عندما يحين يوم عقاب الرب. في السماء السادسة يرى سبع زمر من ~~الملائكة هم الرؤساء الموكلون بشئون الأرض، فما من ظاهرة من ظواهر الطبيعة ~~إلا وعليها ملاك حارس منهم، وبينهم من يسجل ويحصي أعمال البشر على ~~الأرض، السيئة منها والحسنة، وكل هؤلاء يسبح بأنغام عذبة تتردد دوما ~~تحت قدمي الرب الجالس في السماء السابعة. # عندما يصل أخنوخ إلى السماء السابعة، يرى العرش من بعيد وحوله طبقات ~~الملائكة العليا من الكروبيم والسيرافيم وهم منشغلون بالإنشاد والتسبيح. ~~هنا يقول له الملاكان بأن مهمتهما قد انتهت ويتركانه وحيدا، يسقط أخنوخ ~~على وجهه لهول المشهد، ولكن الملاك جبرائيل يتقدم نحوه ويناديه قائلا: ~~تقدم يا أخنوخ ولا تخف. قم معي إلى سدة العرش العظيم. ثم يتقدم ~~إليه فيرفعه عن الأرض كورقة شجر عصف بها الريح ويضعه أمام وجه الرب. يأمر ~~الرب أن يؤتى لأخنوخ بقرطاس وورق ومداد ليكتب كل ما رآه وكل ما سيسمعه من ~~فم الرب، ليبلغه إلى أرواح البشر المعدة للأبدية من قبل أن يخلق ~~العالم، ثم يقص عليه قصة الخلق والتكوين. # تتطابق قصة الخلق في سفر أخنوخ الثاني مع قصة الخلق التوراتية في ~~خطوطها العامة، ولكنها تضيف إليها عنصرين جديدين: الأول هو خلق الملائكة ~~في اليوم الثاني من أيام التكوين، والثاني عصيان الملاك الرئيس ساتانا- إيل ~~وتمرده على ربه وتحوله إلى إبليس ورئيس للشياطين، إضافة إلى بعض تفاصيل ~~خلق الإنسان الأول في اليوم السادس. فلقد خلق الرب الملائكة من جوهر النار، ~~وجعلهم في عشر طبقات لكل طبقة رئيس، ثم إن أحد رؤساء هذه الطبقات قد ~~تصور في قلبه خطة مستحيلة، وهي أن يعلو فيصبح ندا للرب في القوة، ~~فتمرد هذا الرئيس على خالقه ثم أغوى من تحته من الملائكة وزين لهم ~~العصيان، ولكن الرب رماه من الأعالي مع ملائكته، ففقدوا بريقهم الإلهي ~~وصاروا أرواحا متمردة شريرة تهيم فوق وجه ms185 الهاوية السفلى. # في اليوم السادس خلق الرب الإنسان من سبعة عناصر، فجعل لحمه من تراب ~~الأرض، ودمه من الندى، وعينيه من الشمس، وعظمه من الصخر، وذكاءه من الغيوم ~~ومن سرعة الملائكة، وشعره وأوردته من عشب الأرض، وروحه من نفس الرب ومن ~~الريح، ودعا اسمه آدم، ثم أسكن الرب آدم في جنة زرعها على الأرض في عدن ~~شرقا، ليرعى عهده ووصاياه، وأراه الطريقتين، طريق النور وطريق الظلام، ~~وقال له هذا حسن وذاك سيئ، ومع ذلك فقد كان الخالق مطلعا على فؤاد آدم ~~عارفا بطبيعته الخاطئة، فقال في نفسه: وهل بعد الخطيئة سوى الموت، ثم أوقع ~~الرب سباتا على آدم وأخذ من أضلاعه واحدا وخلق منه زوجا له دعاه حواء. ~~ولكن الشيطان تسلل إلى الفردوس وأغوى حواء وجعلها تخطيء ولكنه لم يقارب آدم. # 23 # وهنا يقول النص على لسان الرب: ~~«فحلت لعنتي على الجهل، أما ما باركته سابقا فلم ألعنه، لا ~~الإنسان ولا الأرض ولا بقية المخلوقات، وإنما أعمال الإنسان الشريرة. ~~وقلت له إنك من تراب وإلى تراب الأرض التي أخذتك منها تعود. لن أهلكك ~~وإنما سأبعدك عن المكان الذي أسكنتك فيه، ولسوف أضمك إلي في مجيئي ~~الثاني. ثم باركت جميع مخلوقاتي المرئية منها وغير المرئية. وكانت فترة ~~إقامة آدم في الجنة خمس ساعات ونصف. وباركت يوم السبت الذي فيه استرحت من ~~جميع أعمالي، وجعلت اليوم الثامن رأس الأيام المخلوقة التي تلت أعمالي، ~~وجعلت بعده سبعة آلاف سنة بعدد الأيام السبعة الأولى، وفي بداية الألف ~~الثامن جعلت موعدا للأبدية، لزمان لا يقاس بالسنوات والشهور والأسابيع ~~والأيام والساعات.» # بعد ذلك يأمر الرب أخنوخ أن يعود إلى الأرض ويخبر بما رآه عبر رحلته ~~من السماء الأولى وإلى العرش العظيم، ويعطيهم ما سطره في كتابه ليتناقلوه ~~من جيل إلى جيل. فيرجع أخنوخ ويبشر بين الناس ويعظهم بالحياة الأخلاقية ~~السوية، لأنهم سوف يجدون أعمالهم الحسنة تنتظرهم يوم الحساب الأخير. ~~وبعد أن ينتهي من مهمته يرسل الرب ظلمة على الأرض ويرفع أخنوخ إليه ~~ليعيش خالدا في السماء. ms186 وعندما تنقشع الظلمة يتلفت الناس حولهم فلا يرون ~~أخنوخ، وفي الموضع الذي كان واقفا فيه يرون لفافة كتب عليها: الله ~~الخفي. # على هذه الصورة ينتهي أكثر أسفار الفكر المنحول راديكالية. وفي ~~اعتقادنا، إن راديكالية هذا النص ومدى تناقضه مع الأيديولوجيا التوراتية، ~~تجعل من تسميته بنص توراتي منحول تسمية اصطلاحية لا تتطابق مع مضمونه ~~وطابعه الشمولي العالمي. فلقد انطلق الكاتب من مناخ توراتي ليضع خطوطا ~~عامة لأيديولوجيا جنينية غير توراتية، سوف يكون لها أبعد الأثر على تطور ~~الفكر الديني اللاحق. ولعل بعض نقاط الاختلاف التي نوردها فيما يأتي ~~تبرر مقولتنا هذه: ~~(1) # لا يدعى الإله هنا بإله إسرائيل لأنه إله شمولي عالمي. ~~(2) # لا يوجد ذكر للشعب المختار ولا لإسقاطات مستقبلية على تاريخ بني ~~إسرائيل. ~~(3) # لا يؤكد الرب في وصاياه لأخنوخ على الشريعة، بل على السلوك ~~الأخلاقي القويم. وفي الحقيقة فإن مفهوم الشريعة غائب تماما عن ~~ذهن مؤلف النص. ~~(4) # جميع أرواح البشر معدة للخلاص وللأبدية قبل خلق العالم. ~~(5) # خلق الإنسان حرا، وبين له الخالق منذ البداية طريق الخير ~~وطريق الشر. كما أن عصيان الملاك الرئيس وبطانته يدل على أن ~~الملائكة قد خلقت حرة من البداية أيضا. ~~(6) # لا ينبع شر الإنسان من رغبته في إتيان الشر، بل من جهله؛ ولهذا ~~لم يلعن الرب الإنسان ولا الأرض مثلما لعنهما في سفر التكوين، ~~بل لعن الجهل وأعمال الإنسان الشريرة، ثم بارك جميع ~~مخلوقاته. ~~(7) # لا يؤسس يوم الدينونة لملكوت الرب على الأرض ولا لدولة إسرائيل ~~الأبدية، بل هو يوم حساب لجميع بني البشر. ~~(4) كتاب حياة آدم عندما امتنع إبليس عن السجود # كتاب «حياة آدم وحواء» نص متوفر باللغة اليونانية، إضافة إلى اللاتينية ~~والسلافية. ويرجح الباحثون اعتمادا على الصيغ والتعابير والبنى اللغوية ~~للنص اليوناني، أنه الأقدم بين النصوص المتوفرة بين أيدينا، وأنه ~~ترجمة مباشرة عن نص عبري مفقود يعود تاريخه إلى زمن ما، بين القرن الأول ~~قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، بينما تم إنتاج النص اليوناني في ~~زمن ما خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين. يروي هذا النص قصة ms187 حياة ~~آدم وحواء بعد خروجهما من الفردوس، ويكتسب القسم الأول منه أهمية خاصة ~~نظرا لتقديمه - لأول مرة في الفكر المنحول - قصة عن سقوط الملاك الرئيس ~~بسبب عصيانه أمر الرب بالسجود لآدم، وهذه ترجمتي لهذا الجزء من النص. # 24 ~~«بعد طردهما من الفردوس صنعا لنفسيهما خيمة وجلسا ينوحان مدة سبعة أيام ~~ويبكيان بأسى عظيم. بعد اليوم السابع أخذا يشعران بالجوع فراحا يفتشان ~~حولهما عن شيء يأكلانه ولم يجدا. فقالت حواء لآدم: كم أنا جائعة يا سيدي. ~~هلا ابتعدت وفتشت لنا عما يسد الرمق. ربما يشفق الرب علينا ويعيدنا ~~إلى حيث كنا سابقا، فنهض آدم وراح يجول مدة سبعة أيام في الأرض، ولكنه ~~لم يجد طعاما كالذي تناولاه في الفردوس، فقالت حواء لآدم: سيدي، هلا ~~قتلتني لعل الرب إذا مت يعيدك إلى الفردوس، فأنا السبب في نقمته وغضبه ~~عليك. فأجابها آدم: لا تتفوهي بمثل هذا الكلام لئلا نتلقى مزيدا من ~~لعنات الرب، وكيف لي أن أتخلى عن جزء من لحمي ودمي؟ من الأفضل لنا أن ~~ننهض ونتابع البحث عن وسيلة للعيش ولا نتخاذل.» ~~«مشى الاثنان مدة تسعة أيام يبحثان عن طعام، ولكنهما لم يجدا طعاما ~~يشبه ما كانا يأكلانه في الفردوس، بل طعاما مما تأكله حيوانات الأرض. ~~فقال آدم لحواء: لقد جعل الرب هذا الطعام نصيبا للحيوانات، بينما كنا ~~نتناول هناك طعام الملائكة. من الأفضل لنا أن نبكي أمام الرب خالقنا ونعلن ~~الندم والتوبة ونستغفر، لعله يسامحنا ويرأف بنا ويزودنا بأسباب الحياة. ~~فقالت حواء: قل لي يا سيدي، ما هو الندم وكيف أستغفر، لكيلا يأتينا عكس ~~مرادنا ويدير الرب وجهه عنا ولا يعير أذنا صاغية لصلاتنا. سيدي كم من ~~الوقت يستغرقه استغفارك؟ فأنا من جلب عليك التعب والمشقة. فقال آدم: لن ~~يكون بمقدورك القيام بما سأقوم به، بل ابذلي قدر استطاعتك. سوف أصوم لمدة ~~أربعين يوما، أما أنت فامضي إلى نهر الدجلة وخذي لك حجرا قفي عليه في ~~وسط الماء واغطسي إلى الرقبة فالبثي مدة سبعة وثلاثين يوما، بينما أغطس ~~أنا في ms188 نهر الأردن أربعين. والزمي الصمت لأن شفاهنا التي تنجست بالأكل ~~من الشجرة المحرمة غير جديرة بالتوسل إلى الرب. لعله بعملنا هذا يرحمنا ~~ويرأف بنا.» ~~«مضت حواء إلى نهر الدجلة وفعلت مثلما قال لها آدم، بينما مشى آدم إلى ~~نهر الأردن وأخذ لنفسه حجرا وقف عليه في الماء الذي غمره إلى رقبته، ثم ~~خاطب آدم نهر الأردن قائلا: هلا بكيت معي يا ماء الأردن، وجمعت مخلوقاتك ~~السابحة حولي لتبكي معي، لتندبني لا لتندب نفسها، فأنا الذي أخطأ من دون ~~مخلوقات الأرض، فهبت لفورها مخلوقات النهر وأحاطت بآدم وتوقف تيار ~~الماء عن الجريان.» ~~«بعد ثمانية عشر يوما وهما على هذه الحال، ثارت ثائرة الشيطان فاتخذ ~~شكل ملاك وضاء، وجاء إلى نهر الدجلة بينما كانت حواء تبكي فوقف عندها ~~وتظاهر بمشاركتها البكاء ثم قال: اصعدي من الماء وتوقفي عن البكاء، دعي ~~عنك الحزن والتنهد. ما الذي يقلقك أنت وزوجك؟ لقد سمع الرب دعاءكما ~~وقبل توبتكما، وكل الملائكة تشفعت عنده لكما، ولقد أرسلني لكي أصعدك ~~من الماء وأقدم لك طعام أهل الفردوس مما كنت تطلبينه، فهلمي معي ~~إلى حيث الطعام معد من أجلك. سمعت حواء كلام الشيطان وصدقته، فصعدت من ~~الماء ولكنها سقطت أرضا لدى ملامستها الضفة، فأقامها الشيطان وقادها إلى ~~آدم. فلما رآهما قادمين صرخ وانتحب وناداها قائلا: أين ذهب ندمك ~~واستغفارك؟ وكيف وقعت ثانية تحت غواية عدونا الذي حرمنا مسكننا الفردوسي ~~ومتعنا الروحانية؟ لسماعها نداء آدم انتبهت حواء إلى خديعة الشيطان، فسقطت ~~على وجهها في التراب وتضاعف عويلها ونواحها وصرخت في وجه مرافقها: الويل لك ~~أيها الشيطان، لماذا تهاجمنا دون سبب؟ ما الذي فعلناه حتى تلاحقنا دوما ~~بالمكر والخديعة؟ ...» ~~«فتنهد الشيطان وقال: إن كل عدائي وحسدي بسببك أنت يا آدم، بسببك ~~أنت طردت وحرمت من مجدي في السماء بين الملائكة، بسببك، أنت رميت ~~من الأعالي إلى الأسافل. قال آدم: ما الذي فعلته لك، وفي أي أمر لومك لي؟ ~~لماذا تلاحقنا ولم نسبب لك ضرا ولا أذى؟ فأجاب الشيطان: عن أي شيء ~~تتحدث ms189 يا آدم؟ بسببك أنت أخرجت من هنالك، وبعد خلقك أنت أبعدت من ~~حضرة الرب وصحبة الملائكة. فعندما نفخ الرب في أنفك نسمة الحياة وتشكلت ~~هيئتك على صورته، دعانا ميخائيل لكي نسجد لك في حضرة الرب الذي خاطبك ~~بقوله: انظر يا آدم لقد صنعتك على صورتنا وشبهنا. ولقد دعا ميخائيل جمع ~~الملائكة وقال لهم: اسجدوا لصورة الرب حسبما أمر، وكان ميخائيل أول ~~الساجدين ثم دعاني إلى السجود قائلا: اسجد لصورة الرب يهوه. فأجبته: أنا ~~لا أسجد لآدم. وعندما حثني على السجود قلت: لن أسجد لمن هو أدنى مني ~~مرتبة، لقد خلقت قبله وعليه هو أن يسجد لي. ولما سمع الملائكة التابعون ~~لي قولي، رفضوا السجود أيضا. ولكن ميخائيل تابع حثنا وقال: إذا لم تسجدوا ~~سوف يصب الرب جام غضبه عليكم. فقلت له: إذا غضب الرب علي سوف أرفع لنفسي ~~كرسيا فوق نجوم السماء وأصبح ندا للعلي. فلما سمع الرب قولي ثار ~~غضبه علي وأنزلني من مرتبة المجد مع أتباعي، وطردنا من مقرنا الأعلى إلى ~~الأرض، حيث لبثنا في حزن وأسى نندب مجدنا الضائع، وقد آلمنا أن نراك تنعم ~~هنالك بالبركة والسرور، لذا فقد جئت زوجتك بالخديعة وأغويتها فجعلتها سبب ~~فقدانك أفراح النعيم، مثلما فقدت بسببك مجدي العظيم.» # يتابع النص بعد ذلك سرد أخبار أسرة آدم وما جرى بين قابيل وهابيل وما ~~جرى لبقية أولاد آدم إلى حين وفاته، وينتهي النص بمشهد موت آدم وتلقيه ~~رحمة ربه ومغفرته: ~~«ولسبعة أيام أظلمت الشمس وأظلم القمر والنجوم. وكان شيت يحتضن جسد ~~أبيه، وحواء تشبك ذراعيها فوق رأسها المنكس والمستند على ركبتيها، وكل ~~الأولاد يبكون بحرقة. وبينما هم على هذه الحال ظهر الملاك ميخائيل واقفا ~~عند رأس آدم وخاطب شيت قائلا: انهض عن جسد أبيك وتعال إلي فأريك ماذا ~~أعد الرب له، فلقد رحم الرب مخلوقه وتاب عليه، وعزف كل الملائكة ~~بأبواقهم وأنشدوا: مبارك أنت أيها الرب الذي أشفق على مخلوقه. عندها رأى ~~شيت ذراع الرب تمتد فتحمل آدم وتسلمه إلى ميخائيل وسمعه يقول: ليكن ms190 آدم ~~في حرز لديك إلى يوم الدينونة في آخر الأزمان، عندما سأحول حزنه فرحا ~~وأجعله يتربع على عرش من غلبه (= الشيطان).» ~~(5) الهاجاده # نشأت على هامش التلمود «وهو المصدر الثاني للشريعة بعد التوراة» خلال ~~القرون الأولى للميلاد مجموعة الأدبيات الدينية المعروفة باسم الهاجاده، أي ~~رواية القصص. والاسم مستمد من أسلوب المؤلفين الذين استخدموا القصص ~~المشبعة بالميثولوجيا، وذلك من أجل تقريب المعتقدات التلمودية إلى ذهن ~~عامة الناس. فالهاجاده بالنسبة إلى التلمود تعادل الأسفار المنحولة ~~بالنسبة إلى التوراة. # يعتبر النص الذي سأقدمه ملخصا فيما يأتي، # 25 # من عيون أدبيات الهاجاده، وهو يعالج موضوعات التكوين منذ خلق ~~العالم إلى سقوط الإنسان، ويلفت نظرنا بشكل خاص تقديمه لعنصر جديد في قصة ~~خلق الإنسان عندما قال الرب للملائكة إنه سوف يخلق الإنسان، واستمع ~~لآرائهم التي تحذر من مغبة هذا العمل، لأنهم رأوا أنه سيكون ميالا ~~إلى النزاع والقتال وممتلئا بالغش والخداع، كما أن النص ينسج على منوال ~~كتاب حياة آدم في اعتبار السبب في سقوط إبليس رفضه السجود لآدم. # في البدء أوجد الرب سبعة أشياء قبل أن يخلق العالم وهي: (1) التوراة ~~مسطرة بنار سوداء على نار بيضاء، ومستقرة في حضن الخالق. (2) العرش الإلهي. ~~(3) الفردوس عن يمين العرش. (4) الجحيم عن يسار العرش. (5) الهيكل المقدس ~~أمام العرش. (6) مذبح الهيكل. (7) جوهرة على مذبح الهيكل، محفور عليها اسم ~~المسيا المخلص، وصوت يهدر قائلا: عودوا يا أبناء البشر. عندما أراد ~~الرب خلق العالم تشاور مع التوراة بهذا الخصوص، أبدت التوراة شكها من ~~جدوى خلق العالم الأرضي، لأن الناس سوف يشيحون فيه بوجوههم عن تعاليمها ~~ويقعون في المعصية. ولكن الرب بدد شكوكها بقوله إنه قد أعد للبشر ~~التوبة والغفران قبل خلقهم، وهيأ لهم سبل تصحيح سلوكهم، كما وأنه قد ~~أعد الفردوس والجحيم لأجل الثواب والعقاب، وسمى المسيا من أجل تقديم ~~الخلاص لجميع الخطأة. # تتابع بعد ذلك أعمال الخلق والتكوين وفق ترتيبها في سفر التكوين ~~التوراتي، ولكن مع توسع وإسهاب وإدخال عناصر جديدة على القصة الأصلية. ~~فالسماوات سبعا طباقا تتدرج من السماء الأولى ms191 التي تستند إلى الأرض عند ~~الجهات الأربع، وحتى السماء السابعة التي تتصل بيدي الخالق. والأرضين ~~سبعا طباقا أيضا، يفصل كل أرض عن الأخرى خمس طبقات فرعية. ثم جعل الرب ~~الجحيم في الجهة الشمالية من الأرض وقسمه إلى سبع درجات لكل درجة حصتها ~~من الخطاة وفق ذنوبهم. وقسم الدرجة إلى سبع درجات لكل درجة حصتها من ~~الخطاة وفق ذنوبهم. وقسم الدرجة إلى سبعة أجنحة، والجناح إلى سبعة آلاف ~~كهف، والكهف إلى سبعة آلاف حجرة، وفي كل حجرة سبعة آلاف عقرب، لكل عقرب ~~منها ثلاثمائة شوكة، في كل شوكة سبعة آلاف جراب، ومن كل جراب يجري سبعة ~~أنهار من السم، إذا مست قطرة منه جسم إنسان تفجرت أشلاؤه. وهناك أنهار ~~من حمم تجري في كل مكان، وأنهار من قطران وإسفلت تغلي وتضطرم. وهناك خمسة ~~أنواع من النيران وقودها قطع من الفحم بحجم الجبال، وهناك ملائكة العقاب ~~موزعون في كل مكان. # وجعل الفردوس في الجهة الشرقية من الأرض، وقسمه إلى سبع درجات لكل ~~درجة حصتها من الصالحين وفق صلاحهم. وجعل له بوابتين عليهما ألوف من ملائكة ~~الرحمة. فإذا وصل واحد من أهل الجنة إلى البوابة، تقدم منه الملائكة ~~فنضوا عنه حلة القبر وألبسوه عباءة من سحاب المجد، ووضعوا على رأسه ~~إكليلا من لآلئ وأحجار كريمة ، وفي يده سبعة أغصان تفوح بأطيب روائح الجنة، ~~ثم اقتادوه إلى مكان ربيع دائم وأنهار جارية من لبن وخمر وعسل. هناك شجرة ~~الحياة التي تثمر سبعة عشر نوعا لكل نوع مذاق ورائحة خاصة، وتهب على ~~الشجرة نسائم تحمل عبقها إلى أنحاء الفردوس جميعها، والتي يتوزع فيها ~~ملائكة يغنون بأعذب الأصوات، وليس في المكان نور يأتيه من خارجه، لأن ~~نوره مستمد من ضياء وجوه المؤمنين الذين تحولت هيئاتهم فصار أقبحهم ~~يضاهي يوسف الحسن والجمال. وفي كل يوم يمر أهل الفردوس بأربعة تحولات، ~~في الصباح يستيقظ واحدهم طفلا ليصير يافعا عند الضحى فرجلا ناضجا عند ~~الظهيرة ليعود شيخا مع المغيب، وبذلك يتمتع ساكن الجنة بما يقدمه ~~للإنسان كل طور من ms192 أطوار الحياة من متع وبما له من خصائص إيجابية. # بعد أن انتهى الرب من خلق السماوات وملائكتها والأرض وكائناتها، جاء ~~دور الإنسان. وهنا يستطلع الرب رأي رؤساء الملائكة فيما هو مقدم عليه، ~~فتأتي مشورتهم في غير صالح الإنسان، ورغم أن الرب لم يطلعهم إلا على نذر ~~يسير مما وصل إليه علمه بشأن طبيعة المخلوق الجديد، فقد تنبأ بعضهم أنه ~~سيكون ممتلئا بالغش والخداع ميالا إلى النزاع والقتال. ثم ينتهي الحوار ~~بقول الرب لملائكته: ما نفع وليمة معدة بعناية فيها كل الطيبات وما من ~~ضيف يتمتع بها؟ فيجيب الملائكة ليكن اسمك ممجدا في الأرض كلها ولتأت ~~مشيئتك بما تراه مناسبا. # مد الرب يده واغترف من جهات الأرض الأربع أربع قبضات من التراب ~~فعجنها وسواها إنسانا. فجاء آدم صنعة يد الخالق على عكس بقية المخلوقات ~~ومظاهر الكون والطبيعة التي ظهرت بكلمة فمه، وذلك تكريما له وإعلاء ~~لشأنه، ثم نفخ الرب في أنف آدم من روحه الأزلية فصار نفسا حية. وبذلك ~~غدا الإنسان أول خلق الرب في ترتيب الظهور بدل أن يكون الأخير، باعتبار ما ~~لروحه من قدم هو قدم الروح الإلهية. ومع خلق روح آدم خلق الرب أرواح ~~البشر المتسلسلين من صلبه إلى آخر الأزمان، وحفظها في مكان خاص من السماء ~~السابعة، فمن مكانها سوف تهبط لتحل في الأجسام المخلوقة في الأرحام. وسيكون ~~إذا حملت امرأة من نساء الأرض، جاءها ملاك الليل فأتي بحملها الذي لم تدب ~~فيه الروح بعد إلى حضرة الرب ليقرر للكائن الجديد كل صفاته وخصائصه، عدا ~~تلك المتعلقة بالخير والشر والتي تترك لخياره الحر في المستقبل، ثم ~~يأمر بعد ذلك خازن الأرواح أن يأتيه بالروح التي اسمها كذا، فيأتيه بها ~~وتؤمر أن تدخل في الحمل. ولكن الروح تسجد لخالقها وتتوسل إليه أن ~~يتركها في حال القداسة الذي تعيش ويعفيها من النزول إلى الأرض. فيجيبها ~~ربها إن المكان الذي ستمضي إليه أفضل من مكانها هذا، فتذعن الروح. بعد ~~ذلك يأخذها ملاك فيطوف بها ويطلعها على الفردوس ويقول لها إن ms193 مأواها ~~سيكون هنا إذا عملت صالحا، ثم يطلعها على الجحيم ويقول لها إن مأواها ~~سيكون هنا إذا أساءت، ثم يجول بها أرجاء الأرض فيريها أين ستولد وأين ~~ستعيش وأين ستموت وتدفن، بعد ذلك يعيدها إلى الرحم. وبعد تسعة أشهر يأتيها ~~الملاك نفسه ليقول إن وقت خروجها قد حان، فتتمنع الروح وتقاوم، فيقول ~~لها: لم يكن لك خيار في خلقك، ولن يكون لك خيار في ولادتك ولا في موتك ~~ثم مثولك أمام الملك القدوس لتحاسبي على ما قدمت يداك. وعندما تمعن الروح ~~في المقاومة ينقف الملاك الجنين على أنفه ويدفع به خارجا وقد نسي ما رأته ~~روحه وما تعلمته. # لقد خرج آدم من يد الخالق إنسانا تام التكوين في العشرين من عمره، ~~كاملا في مواصفاته الجسدية والخلقية، فأسكنه الرب في الجنة التي غرسها في ~~عدن شرقا ليحفظها ويرعاها، لا بواسطة عمله الجسدي، بل من خلال دراسته ~~للتوراة والتزامه وصايا ربه الأخلاقية، ولكي يثبت الرب لملائكته تفوق آدم ~~عليهم، فقد جمع حيوانات الأرض وعرضها عليهم زوجا زوجا، لينبئوه بأسمائها ~~ولكنهم عجزوا، ثم عرضها على آدم بعد أن علمه أسماءها وحيا، فسماها ~~آدم بأسمائها. فلقد كان آدم نبيا وحكمته من حكمة الأنبياء. ونلاحظ هنا ~~الإضافة المتميزة التي قدمها كاتب النص، والتي تتمثل في عنصرين: الأول ~~تحدي الرب للملائكة أن ينبئوه بأسماء كائنات الأرض، والثاني تعليمه الأسماء ~~لآدم وحيا قبل أن يدعوه إلى عرض علمه على الملائكة وإثبات تفوقه عليهم. ~~وهذان العنصران غائبان عن القصة التوراتية، حيث نقرأ في سفر التكوين، 2: ~~19-20: «وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، ~~فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو ~~اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات ~~البرية.» # عقب ذلك أمر الرب كل الملائكة أن يسجدوا لآدم فعلوا وعلى رأسهم ~~ميخائيل، الذي كان أول الساجدين لكي يضرب مثلا للآخرين في الطاعة والخضوع ~~للأمر الإلهي. ولكن الملاك الرئيس ساتان الذي أضمر الغيرة والحسد لآدم، ms194 رفض ~~السجود قائلا: لقد خلقتنا من ألقك وبهائك فكيف تأمرنا أن ننطرح أمام من ~~خلقته من تراب الأرض. فأجابه الرب: ومع ذلك فإن تراب الأرض هذا يفوقك ~~حكمة وفهما. وهنا تدخل ميخائيل وحث ساتان على الانصياع قائلا: إذا ~~لم تبجل آدم وتخضع له، عليك أن تتحمل عواقب غضب الرب. فأجابه ساتان: ~~إذا صب غضبه علي سأرفع عرشي فوق نجوم السماء وأغدو ندا للعلي. لما ~~سمع الرب ذلك منه أمسك به ورماه خارج دائرة السماء فهوى باتجاه الأرض، ~~وتبعه حشد كبير من الملائكة الذين شجعهم تمرده على إظهار ما كتموه في ~~أنفسهم من حسد لآدم ورفض لسموه عليهم، ومنذ تلك اللحظة صارت عداوة بين ~~الشيطان والإنسان. # يتابع الرب خطته في خلق الجنس البشري، فقد رمى سباتا على آدم وأخذ من ~~أضلاعه واحدا صنع منه المرأة حواء. وكان لآدم وجهان قبل خلق المرأة فأعطى ~~الرب واحدا للمرأة وترك له الآخر، ثم قال لهما أن يأكلا من كل شجر الجنة ~~عدا شجرة المعرفة لأنهما يوم يأكلان منها أو حتى يمسانها يموتان. وكانت ~~شجرة المعرفة تحجب الطريق إلى شجرة الحياة القائمة في وسط الفردوس. وكان ~~الأفعوان، أمير حيوانات البرية، صاحب حيلة وذكاء ودهاء وكان يمشي على ~~ساقين منتصب القامة مثل الإنسان، ويماثله في كثير من خصائصه وصفاته . فحسد ~~الأفعوان الإنسان وتمنى موته، فتسلل إلى الجنة واقترب من المرأة التي ~~كانت تتمشى عند شجرة المعرفة وقال لها: أحقا قال الرب لا تأكلا من هذه ~~الشجرة ولا تمساها كي لا تموتا؟ فقالت: نعم. فدفعها الأفعوان إلى جذع ~~الشجرة فتمسكت به، وقال: لقد مسست الشجرة ولم يصبك ضر كذلك الأكل ~~منها، لقد أكل الرب من ثمر هذه الشجرة قبل أن يخلق العالم، ولذا قد حرمها ~~عليكما حتى لا تعمدا إلى خلق عوالم أخرى وتصيرا مثل الآلهة، ثم مد يده ~~وأكل وأعطى المرأة فأكلت ثم مضت إلى زوجها فأطعمته وهو لا يدري أنه قد ~~تناول من الشجرة المحرمة. # يتابع النص بعد ذلك سرد تنويعاته الخاصة على خاتمة القصة ms195 التوراتية، ~~التي تتضمن عقاب الإنسان وطرده إلى الأرض التي جبل منها ليتعب فيها ~~ويكد ويأكل بعرق جبينه، حتى يحين موعد اليوم الذي يقدم فيه كشفا كاملا ~~بأعماله أمام خالقه. وقد جرى طرد آدم من الفردوس بعد اثنتي عشرة ساعة من ~~خلقه، في الساعة الأولى من النهار السادس عزم الرب على خلق الإنسان. وفي ~~الثانية تشاور مع ملائكته في الأمر. وفي الثالثة قبض أربع قبضات من تراب ~~الأرض. وفي الرابعة عجن الطين وشكله جسدا. وفي الخامسة كسا الجسد جلدا، ~~وفي السادسة اكتمل آدم جسدا بلا روح. وفي السابعة نفخ في أنفه من روحه. ~~وفي الثامنة أسكنه الجنة. وفي التاسعة أمره ألا يقرب الشجرة. وفي العاشرة ~~عصى أمر ربه. وفي الحادية عشرة حاكمه. وفي الثانية عشرة طرده إلى ~~الأرض. # خلاصة # لا ينتظم الفكر المنحول ضمن رؤية أيديولوجية واحدة، فنحن هنا ما زلنا ~~في فترة مخاض للفكر التجديدي قدم من خلالها كل مؤلف رؤياه الخاصة لجانب ~~من جوانب التجديد لم ترق إلى مستوى تكوين رؤيا عامة متماسكة تطال كل ~~ناحية من نواحي العقيدة. من هنا فقد تفاوتت المواقف بين الالتزام بالخطوط ~~العامة للأيديولوجيا الرسمية، وبين الخروج عليها وتجاوزها نحو الآفاق ~~الشمولية للثقافة الهلينستية السائدة في المنطقة. ورغم أننا لم نقدم في ~~هذا الفصل إلا غيضا من فيض الفكر المنحول، # 26 # إلا أن أمثلتنا المنتقاة كانت كافية على ما نرجو لإعطاء ~~فكرة عن مضمونه وتوجهاته العامة، لا سيما فيما يتعلق بالاتجاه الراديكالي ~~الذي تجاهلته اليهودية التلمودية، وكان له بالمقابل أثر كبير على تشكيل ~~الفكر المسيحي. # لقد ميز الفكر المنحول نفسه عن الأيديولوجيا التقليدية عندما أدخل ~~فكرة الشيطان الكوني على الرؤيا التوراتية للتاريخ. ذلك أن الشيطان ~~المجسد لمبدأ الشر هو الذي يعطي الإله الأوحد صفة الخير المحض، والخير ~~المحض لا يمكن أن ينتج الشر أو يكون مسئولا عن وجوده. فالاتجاه ~~الراديكالي في الفكر الجديد ينسج على منوال الفكر الزرادشتي في تصوره ~~للشر على أنه نتاج للحرية التي زرعها الله في خلقه من الملائكة والناس، ~~فلقد ms196 قادت الحرية إلى عصيان إبليس عن سابق قصد وتصميم ومعرفة بعواقب ~~العصيان، كما قادت الإنسان الأول إلى الخطأ عن غفلة منه وسذاجة. ولسوف ~~يتابع إبليس عصيانه المتعمد إلى آخر الأزمان، ويمتحن الإنسان في عالم ~~تتداوله قوة الشيطان المدمرة ويد الرحمن الممدودة دوما للرحمة ~~والخلاص. # هذه الجدلية بين الرحمن والشيطان على مستوى الكون، وما يتصل بها من ~~جدلية الخير والشر في النفوس الواعية، ما إن تتأسس في الأيديولوجيا ~~الدينية حتى تنتقل بها من مفهوم التاريخ المفتوح إلى مفهوم التاريخ ~~الدينامي. فالرحمن الذي سمح بوجود الشر لأنه أراد الحرية لخلقه، لن يكون ~~راضيا عنه بل سيجهد للقضاء عليه ضمن مخططه الأصلي القائم على الحرية. سوف ~~يتابع الشيطان خياره البدئي دون تدخل من الرحمن القادر على محقه متى ~~شاء، أما الإنسان فسيتابع مسيرته الحرة دون خيار بدئي، لأنه لا يخطئ ~~عن عمد وقصد في معارضة المشيئة الإلهية مثلما فعل الشيطان، بل عن جهل منه ~~وحسن نية، وهو قادر دوما على إتيان الخير ومقاومة الشر. هذا الصراع على ~~المستوى الميتافيزيكي وعلى مستوى الحياة النفسية والمجتمعية، سوف يقود ~~الزمن إلى نهايته التي ستشهد اندحار الشيطان بعد أن تطغى عناصر الخير على ~~عناصر الشر عبر الفترة الوسيطة من التاريخ، ويعود الوجود المادي والإنسان ~~إلى حالة الكمال الأولى. إن المخلص المنتظر ليس إلا صورة عن ضمير ~~الجماعة الإنسانية بأسرها، وليس انتصاره على الشيطان في آخر الأزمان إلا ~~تعبيرا عن نجاح الإنسانية في تنقية نفسها واستعادة صورة آدم قبل سقوطه ~~وانقياده للشيطان. إن ظهور الرب نفسه كمخلص على هيئة إنسان، أو إرساله ~~للمسيا الذي أعده للمهمة منذ البدء، في هيئة إنسان، هو دلالة رمزية ~~سيكولوجية تفيض بالرغبة في انتصار الروح الإنسانية وبلوغها كمال البدايات. ~~لهذا يدعى المسيا المخلص بابن الإنسان مثلما يدعى بابن الله أيضا، ~~فهو الإنسان الكامل، والمثال الآدمي الأسمى الذي بقي أمينا لجوهره كأعلى ~~المخلوقات مرتبة. وبنوته لله مثل بنوة آدم، كلاهما من روح الخالق. ولكن ~~بينما ترتب على آدم أن يعاني وطأة التاريخ وجوره ليطهر ms197 نفسه من عناصر ~~الشر، فإن نموذجه الكامل قد بقي مع الله في كمال البدايات، في انتظار ~~الساعة التي يصل فيها الزمن إلى النهايات. # لم يحدث الفكر المنحول انقلابا ~~جوهريا في الفكر اليهودي الذي تابع مسيرته التلمودية غير آبه لما يجري ~~حوله، ولكن هذا الفكر قد قدم الخميرة التي ستتفاعل في عجينة الفكر ~~المسيحي خلال القرون الأولى للميلاد، والذي سيتجاوز الفكر التلمودي والفكر ~~المنحول على حد سواء نحو آفاق إنسانية رحبة، لم يكن الأول مؤهلا ~~لارتيادها بسبب تركته التوراتية الثقيلة، مثلما لم يكن الثاني بسبب تقصيره ~~عن تقديم بديل إيديولوجي متسق ومتكامل. # قبل أن ننتقل إلى معالجة المفهوم المسيحي للثنوية وللتاريخ، سوف ~~نتوقف في الفصل القادم عند الفكر الغنوصي، الذي قدم خلال القرون الأولى ~~للميلاد أهم نقد جذري للمعتقد التوراتي، معتبرا إياه جملة وتفصيلا من ~~نواتج عبادة الشيطان الذي هو يهوه بالذات، إله اليهود. # الفصل السابع # | يهوه: شيطان الغنوصية # في الوقت الذي كان فيه مؤلفو الأسفار التوراتية المنحولة يعملون على ~~إحداث تغييرات أساسية في الأيديولوجيا التوراتية، مع الحفاظ على جوهرها إلى ~~هذا الحد أو ذاك، كان الغنوصيون يؤسسون لتيار روحي جديد يقوم على نقد جذري ~~لليهودية وللمسيحية اليهودية على حد سواء. نشأ هذا التيار في الإسكندرية ثم ~~امتد إلى سورية وبلاد الرافدين، وساهم في إغنائه عدد من المعلمين الكبار ~~من أمثال فالنتينوس وباسيليديس وبتولمايوس. ولقد نافست الغنوصية في كل مكان ~~المسيحية خلال القرون الأولى للميلاد، وشكلت تهديدا حقيقيا للكنيسة ~~الناشئة قبل أن تتلاشي إثر حملة قمع شاملة قادتها الكنيسة في القرن السادس ~~الميلادي، وقد أدت هذه الحملة التي طالت الأشخاص والكتب إلى إتلاف معظم ~~المخطوطات الغنوصية، وأما ما تبقى منها فقد ضاع أثره تدريجيا بعد فترة ~~لا بأس بها من التداول السري، وذلك بسبب صعوبة إنتاج نسخ جديدة منه، لهذا ~~فقد بقي المهتمون بالتأريخ للفكر الغنوصي يعتمدون على ما كتبه آباء الكنيسة، ~~في معرض نقدهم للغنوصية وما أوردوه من مقتطفات أمينة من كتبها الأساسية. ~~ولكن في عام 1945 تم اكتشاف مكتبة ms198 غنوصية بموقع نجع حمادي بمصر، احتوت على ~~اثنين وخمسين مخطوطة مخبأة في جرار فخارية، أمكن إرجاع تاريخها إلى حوالي ~~عام 400 ميلادية. وهذه المخطوطات عبارة عن ترجمة قبطية عن أصول يونانية. ومنذ ~~عام 1964 عكف الباحثون على ترجمة هذه الثروة الفكرية الهامة، وصارت متاحة ~~للقراء والاختصاصيين في مجلد واحد ضخم صدر بالإنكليزية بإشراف وتحرير # J. M, Robinson ~~. # 1 # والغنوصية # Gnosticism # مشتقة من # Gnosis ~~، وهي كلمة من أصل يوناني تدل على ~~المعرفة بشكل عام، ولها أشباه في بقية اللغات الهندو-أوروبية، مثل قولنا ~~بالإنكليزية # Know # أي يعرف ~~و # Knowledge # أي معرفة. على أن المعرفة ~~التي تشير إليها المفاهيم الغنوصية هي أقرب إلى مفهوم «العرفان» بمصطلح ~~التصوف الإسلامي، أي إنها فعالية روحانية تقود إلى معرفة الأسرار الإلهية ~~من خلال تجربة باطنية تقود إلى الكشف والاستنارة. ففي مقابل التزام اليهودي ~~بالشريعة وأدائه للطقوس، وفي مقابل إيمان المسيحي بيسوع المخلص، فإن ~~الغنوصي ينكفئ على ذاته في خبرة عرفانية تقوده إلى معرفة الله الحي ذوقا ~~وكشفا وإلهاما. هذه المعرفة هي وحدها الكفيلة بتحرير الروح الحبيسة في إطار ~~الجسد المادي والعالم المادي الأوسع، لتعود إلى العالم النوراني الذي صدرت ~~عنه. # ولكن الله الحي الذي يبحث عنه الغنوصي في داخله، ليس الإله يهوه صانع هذا ~~العالم المادي، بل الله العلي الذي يتجاوز ثنائيات الخلق ويسمو فوقها. فهم ~~يعتقدون أن هذا العالم الناقص والمليء بالشرور ليس من صنع الله، بل من صنع ~~إله أدنى هو إله التوراة، الذي يطابقون بينه وبين أنجرا ماينو شيطان ~~الزرادشتية، ويدعونه بأمير الظلام وحاكم العالم المادي، ويصورونه على هيئة ~~ملك متربع على عرش العالم يحيط به مساعدوه من قوى الظلام المدعوون ~~بالأراكنة «مفردها أركون أي الحاكم». هذا الإله الخالق هو نقيض إله الأنوار ~~الأعلى الذي لا يحده وصف ولا يحيط به اسم، وهو يعمل دوما على حبس النور في ~~طبقات المادة الكثيفة التي خلق منها العالم. وعندما جاء إلى خلق الإنسان في ~~نهاية عمل التكوين، صنع جسمه من مادة الأرض الظلامية، ثم حبس روحه ms199 التي أخذها ~~من نور الأعالي المسروق في ذلك الجسد، ولكي يبقيه في حجب الجهل فقد فرض عليه ~~الشريعة، التي تشغله عن العرفان واكتشاف الجوهر الحقيقي للروح. # فيما عدا الغنوصية المانوية التي تحولت على يد معلمها «ماني» إلى ديانة ~~مؤسساتية خلال أواسط القرن الثالث الميلادي، فإن الفكر الغنوصي لم يطور ~~أيديولوجيا دينية موحدة ومنمطة، وبقيت الفرق الغنوصية أقرب إلى الفرق ~~الصوفية التي يتبع كل منها معلما روحيا ذا نهج خاص وفكر متميز، مع ~~اشتراكها جميعا بعدد من الأفكار العامة التي ميزها عن غيرها من التيارات ~~الدينية والفلسفية، التي كانت تتمازج وتتلاقح خلال فترة تعد من أخصب فترات ~~التاريخ الروحي والثقافي للحضارة الإنسانية. ونظرا لخلو الغنوصية من ~~التعاليم والأيديولوجيا الناجزة، فقد تطورت ضمنها اتجاهات متنوعة بينها ~~الوثني واليهودي والمسيحي، وجميعها تدين بأصولها إلى شكل من الغنوصية ~~المبكرة هي الحكمة الهرمزية، التي قامت على تعاليم وأفكار شخصية يلفها ~~الغموض هي هرمز المثلث الحكمة. وإلى هرمز هذا تنسب مجموعة من رسائل الحكمة ~~تمتزج فيها أفكار الأفلاطونية المحدثة بالميثولوجيا المصرية في أشكالها ~~المتأخرة ذات الطابع السراني المسطيقي. وقد كتبت هذه الرسائل في مطلع القرن ~~الأول قبل الميلاد في مدينة الإسكندرية. ولهرمز المثلث الحكمة قول مأثور ~~تداولته فيما بعد الفرق المسطيقية وصولا إلى الصوفية الإسلامية وهو: «إن ~~من يعرف نفسه يعرف الكلي»، ولقد جعل المتصوفة المسلمون من هذا القول حديثا ~~نبويا لا سند له: «من عرف نفسه عرف ربه.» # 2 # اتخذت الغنوصية شكلها الناضج على يد معلمها الكبير فالينتينوس، الذي ولد ~~حوالي عام 10 ميلادية بمنطقة الدلتا بمصر، من أسرة ذات أصول يونانية، ~~وتلقى علومه بالإسكندرية، مدينة العلم والثقافة لذلك العصر، وبؤرة إشعاع ~~الفكر لأفلاطوني المحدث والفكر الهرمسي. اتصل بالمسيحيين واعتبر نفسه ~~مسيحيا، ولكنه شكل لنفسه شبكة من الأخويات الغنوصية ضمن كنيسة ~~الإسكندرية، وأسس أكاديمية للبحث الحر. اعتبر فالينتينوس نفسه المفسر ~~الحقيقي لتعاليم المسيح، وبلغ من ثقته بنفسه أنه قد دعا لنفسه كمرشح لكرسي ~~الباباوية في أواسط القرن الثاني الميلادي، رغم أن تعاليمه تشكل ~~انشقاقا كاملا ms200 عن لاهوت العهد القديم، وتفسيرا مغرقا في التطرف لحياة ~~يسوع ورسائل بولس الرسول. يرى فالينتينوس أن بؤس الإنسان ناجم عن سجن روحه ~~في المادة المظلمة من قبل يهوه، إله العهد القديم وخالق العالم المادي، ~~ولكن الخلاص متاح أمام كل فرد من خلال الغنوص أو العرفان الداخلي، ورغم أن ~~هذا العرفان ذو طابع فردي في أساسه ويؤدي إلى خلاص فردي في النهاية، إلا ~~أن كل فعالية عرفانية فردية تؤثر على صيرورة الكون بكامله وتساعد على ~~تخليص العالم، كما تساعد على إصلاح الإله الخالق نفسه لأنه إله جاهل ~~ومحروم من العرفان اللازم لخلاصه، ولكن الإنسان قادر على معونته وعلى شفائه ~~وتحريره من خلال تلمسه للنور الروحاني في داخله. # يعتبر باسيليدس المعلم الثاني للغنوصية بعد معاصره فالينتينوس. ~~اعتبر نفسه مسيحيا أيضا، وبقي عضوا في كنيسة الإسكندرية حتى آخر أيامه، ~~رغم أن أتباعه كانوا يقولون بأنهم ليسوا يهودا ولم يصبحوا بعد مسيحيين. ~~أسس باسيلديس مدرسة غنوصية اجتذبت الكثير من الأتباع خلال النصف الأول من ~~القرن الثاني الميلادي، وكان يبشر بالله العلي الذي يسمو على الإله يهوه ~~إله العهد القديم. أنتج باسيليديس ميثولوجيا على غاية من التعقيد والغموض في ~~موضوعات النشأة الأولى والتكوين، ففي البداية لم يكن شيء سوى العدم والإله ~~الخفي المتلفع بالعدم، ثم أنتج الإله الخفي بشكل تلقائي بذرة الكون التي ~~تنطوي على كل الممكنات التي تحققت فيما بعد ، مثلما تحتوي حبة الخردل على ~~ممكنات الجذر والساق والأوراق ... إلخ. من هذه البذرة خرج الأركون الأكبر ~~المدعو يهوه وباشر بخلق العالم المادي دون أن يعلم بوجود الإله الخفي الأسمى ~~منه. # أما الشخصية الثالثة في الفكر الغنوصي فكانت مرقيون. أسس مرقيون خلال ~~أواسط القرن الثاني الميلادي لكنيسة بديلة، شكلت أكبر تهديد للكنيسة ~~الرسمية، واستمرت قوية لفترة طويلة بعد وفاة مؤسسها، خصوصا في الأطراف ~~الشرقية لمناطق انتشار المسيحية مثل أرمينيا، وكانت وراء تعجيل الكنيسة في ~~إقرار الأناجيل الأربعة وتثبيت المعتقد الرسمي في صيغته النهائية. يعتبر ~~مرقيون أكثر الغنوصيين مسيحية، فهو رغم اتفاقه مع الغنوصية في كل ms201 طروحاتها ~~الرئيسية، إلا أنه يؤكد في النهاية على عنصر الإيمان المسيحي ويعليه فوق ~~العرفان الغنوصي، فالخلاص عنده يأتي بالإيمان وعن طريق يسوع المسيح بالذات ~~ابن الله العلي لا ابن يهوه، وهذا ما استتبع عنده نكران الطبيعة الواحدة ~~التي تجمع بين روح الإنسان وروح الله. فالإنسان نتاج صنعة الإله الخالق لا ~~الإله المتعالي الخفي، ولكن الإله المتعالي قد أحب الإنسان وأشفق عليه ~~فمد إليه يد الخلاص. # ينطلق مرقيون في تفكيره من مبدأ الفصل التام بين العهد القديم والعهد ~~الجديد، فيؤسس لعقيدة مسيحية مستقلة عن التوراة تقوم على إنجيل لوقا فقط في ~~شكله المشذب والمختصر من قبله، وعلى رسائل بولس الرسول. ذلك أن بولس، في ~~رأي مرقيون، هو الذي فهم الإنجيل حق الفهم من دون بقية الرسل، بعد أن تجلى ~~له المسيح على طريق دمشق وأوكل إليه مهمة التبشير بالإنجيل الحقيقي، فعارض ~~منذ البداية المسيحية اليهودية التي كان بطرس وزملاؤه يدعون إليها. يرى ~~مرقيون أن هذا العالم المادي الناقص والمليء بالشرور هو من صنع الإله ~~يهوه، وإن إله العهد القديم هذا هو الذي خلق الإنسان وفرض عليه الشريعة ~~التي كانت بمثابة لعنة، على حد تعبير بولس، ولكن يهوه هذا ليس الإله الأعلى، ~~رغم أن جهله قد جعله في البداية يعتقد بوحدانيته، فلم يعلم بوجود قوة ~~شمولية عظمى تتمثل في الله الخفي، الأب الأعلى إله المحبة. ولقد شعر الأب ~~الأعلى بالشفقة نحو الإنسان فأرسل ابنه المسيح في هيئة يسوع الناصري ليخلص ~~البشرية، ورآه الناس بينهم فجأة وهو يعلم ويبشر بملكوت الروح، فظنه ~~بعض اليهود المسيح القومي المنتظر، كما أن الحواريين أنفسهم لم يفهموا ~~المغزى الحقيقي لرسالته. ونظرا لجهل يهوه بقيمة المخلص فقد دفع به إلى ~~الصلب، وهو لا يدري أن عمله هذا سوف يجلب عليه سوء المصير، لأن ابن الله ~~قد حرر بموته الناس من سلطة يهوه ومن لعنة الناموس. # ننتقل الآن إلى تقديم نموذج عن الميثولوجيا الغنوصية التي عرض المعلمون ~~أفكارهم من خلالها، وهي ميثولوجيا شديدة الغموض والتعقيد وذات دلالات رمزية ~~بعيدة ms202 الأغوار. ونموذجنا هنا هو الكتاب المعروف بعنوان «منحول يوحنا» أو ~~«كتاب يوحنا السري» المنسوب إلى يوحنا الإنجيلي. ولكننا نرى من المفيد قبل ~~ذلك عرض وتبسيط بعض مصطلحات الميثولوجيا الغنوصية، فالآلهة بالمفهوم الغنوصي ~~أقرب إلى مفهوم الشياطين في بقية الميثولوجيات، وهي تنتمي إلى العالم المادي ~~وتشكل جزءا لا يتجزأ منه، وتدعى أراكنة، جمع أركون «أو أرخون» وتعني ~~حاكم. يحكم فوق هؤلاء الأركون الأعظم يهوه الملقب بساكلاس أي الأحمق، وسمائيل ~~أي الأعمى. أما في المستوى الروحاني الأعلى فلا وجود لآلهة بالمعنى ~~المتعارف عليه للكلمة، بل لأفلاك قوة تدعى أيونات، جمع أيون، وإذا كانت هذه ~~الأيونات تدخل في علائق مع بعضها البعض، فما ذلك إلا من دواعي أسلوب القصص ~~الميثولوجي، لا يستثنى من ذلك فلك القوة الأعلى، فهذا الفلك ليس إلها ~~وإنما هو مفهوم مجرد عن المبدأ الكلي والحقيقة النهائية. # ولدينا مفهوم مركزي من التصورات الميثولوجية الغنوصية هو «صوفيا»، أي ~~الحكمة. وصوفيا هي آخر أفلاك القوى الروحانية في ترتيب الصدور عن مركز النور ~~الأسمى، ولكن أهميتها تأتي من كونها حلقة الوصل بين الأفلاك الروحانية وما ~~يناظرها في الأسفل من عوالم المادة والظلام، وهي التي أنجبت الأركون الأعظم، ~~كبير الآلهة يهوه. ونستطيع أن نعثر على بذور فكرة صوفيا في مقاطع من سفر ~~الأمثال التوراتي وفي سفر حكمة سليمان أيضا. نقرأ في سفر الأمثال عن الحكمة ~~قولها: «الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء. منذ الأزل مسحت، ~~من الأول من قبل أن كانت الأرض. ولدت حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة، ~~قبل أن أقرت الجبال، والتلال ولدت، إذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ~~ولا أول أتربة المسكونة، حين هيأ السماوات كنت هناك، وحين رسم دائرة على ~~وجه الغمر العظيم ... لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعا، وكنت كل يوم لذته، ~~فرحة دائما قدامه» (الأمثال، 8: 22-30). # أي إن الحكمة-صوفيا كانت بمثابة الزوجة الروحية للخالق وقد شاركته في ~~فعاليات الخلق. وفي سفر حكمة سليمان: 8، هنالك مطابقة بين الحكمة والروح ~~القدس، ويشار ms203 إليها على أنها دفق مجد الرب ومرآة فعالياته الخلاقة ومنبع ~~النور الأبدي. وفي التيار الغنوصي السوري، الذي يعتبر سمعان السامري من أقوى ~~ممثليه، فإن صوفيا هي فكرة الآب الأعلى الأولى، والروح القدس، وأم الجميع، ~~وقد هبطت صوفيا من العوالم الروحانية نحو الأسفل حيث أنجبت ملائكة المادة ~~الذين خلقوا العالم. # ولدينا مفهوم مركزي آخر في الميثولوجيا الغنوصية هو «الإنسان القديم»، ~~الذي هو ابن الله العلي وصورة الإنسان الكامل التي تعيش في عالم المثل ~~الأعلى، بالمفهوم الأفلاطوني. وفي لحظة معينة من تاريخ العالم، نزل هذا ~~الإنسان المؤله الذي يدعى أيضا بابن الإنسان فتجلى في هيئة يسوع الناصري، ~~ولكن دون أن يلبس جسدا ماديا حقيقيا، ثم عاد في النهاية إلى عالم النور ~~الأسمى الذي انبثق عنه. هذا الإنسان القديم هو النموذج الذي خلق آدم على ~~صورته، فعندما كان الأراكنة يهمون بخلق الإنسان الأول من تراب الأرض، أطل ~~الإنسان القديم من الأعلى فانعكست صورته على صفحة الماء، ولما رآها الأراكنة ~~راحوا يصنعون آدم على صورة ما رأوه. # في كتاب منحول يوحنا الذي أقدم ترجمتي الملخصة له فيما يأتي، # 3 # يحاول المؤلف تقديم إجابة على سؤالين: الأول ما هو أصل الشر؟ ~~والثاني كيف نستطيع الخلاص من عالم الشر هذا؟ وهو يصوغ نصه متبعا جنس ~~الأدب الرؤيوي الذي عهدناه لدى مؤلفي الأسفار المنحولة. في البداية نجد يوحنا ~~وقد انتابته الحيرة عقب حوار بينه وبين أحد الفريسيين، فيترك المعبد وينعزل ~~في جبل يتأمل في مسائل الإنجيل. في أحد الأيام تقع له رؤيا هائلة، فتنشق ~~السماء وتهتز الأرض ويشع من الأعلى نور غامر ليس من هذا العالم، فيرتجف ~~فرقا ويسقط على وجهه، ولكن صوتا من داخل النور يناديه قائلا: «يوحنا لماذا ~~تشك؟ لا تكن ضعيف الإيمان لأني معك دائما، أنا الآب وأنا الأم وأنا الابن، ~~أنا الموجود أبدا. جئتك لأكشف لك حقيقة ما هو كائن وما كان وما سيكون، فتعرف ~~ما هو ظاهر للأعين وما هو خاف عنها، وأكشف لك عن سر الإنسان الكامل. فارفع ~~وجهك وتعال فاسمع ms204 وتعلم ما أقوله لك اليوم، لكي تنقله لأترابك من سلالة ~~الإنسان الكامل القادرين على الفهم.» ~~«الروح وحدة غير متجزئة لا يحكم فوقه أحد. إنه الله الحقيقي أبو ~~الجميع، الروح القدس، الخفي الذي يهيمن على الكل، الموجود بقيوميته، القائم ~~بنوره، الذي لا تدركه الأبصار، الروح ليس إلها أو كائنا يتمتع بصفات وخصائص ~~محددة. إنه البداية التي لا تسبقها بداية، لم يكن لأحد وجود قبله فيحتاج ~~إليه. الروح لا يحتاج الحياة لأنه سرمدي، ولا يطلب ما دونه لعدم وجود نقص ~~فيه يتطلب التكميل. إنه وراء الكمال، إنه النور، إنه بلا حدود ولا ~~أبعاد، لعدم وجود شيء قبله يحدده. خفي، لم ولن يراه أحد. دائم وموجود ~~أبدا. بلا أوصاف لأن أحدا لم يفهم كنهه فيصفه، بلا اسم لعدم وجود أحد ~~قبله يطلق عليه الاسم. ليس واسعا وليس ضيقا، ليس كبيرا وليس صغيرا، ليس ~~ماديا وليس غير مادي، ليس بكم وليس بكيف، ليس كيانا ولا غير كيان، ليس ~~زمنيا بل وراء الزمن، ليس موجودا ولكنه وراء الوجود، قائم في نفسه ~~ولنفسه. وحده الذي يقيم ضمن نوره الذي يحيط به. إنه نبع الحياة والنسور ~~الأعظم الباهر.» # بعد ذلك يتابع الصوت تعليم يوحنا ويشرح له كيفية صدور ما سوى الله عن ~~الله، وكيف تشكلت أولا أفلاك القوى الروحانية من منبع النور الأسمى، وهي ~~الأيونات «ومفردها أيون». فكانت الفكرة الأولى أول ما ظهر، ثم تحولت صورتها ~~إلى شبه إنسان، هو الإنسان القديم، بعد ذلك ظهرت المعرفة الأولى، فالديمومة، ~~فالحياة الخالدة. ثم إن الفكرة الأولى «وتدعى باربيللو» نظرت إلى أعماق ~~النور العظيم، فحملت وأنجبت شرارة من نور هي المولود البكر للنور الأعظم، ~~المسيح المعمد بطيبة الروح الخفي، فوهبه الأب العقل والإرادة والكلمة، ~~وجعل الحقيقة طوع بنانه، وأعطاه سلطانا على بقية الأيونات، بعد ذلك ظهرت ~~الأفلاك الأدنى مرتبة وأعطيت لها أسماؤها ومراتبها وصولا إلى فلك الحكمة ~~صوفيا عروس الإنسان القديم. # ثم إن صوفيا أحست برغبة في أن تنجب صورة عنها، ولكن رغبتها تلك لم ~~تلق موافقة زوجها ولم تحظ ms205 بمباركة الروح الأعلى، ومع ذلك فإن رغبتها ~~استعرت حتى شعت نحو الخارج، وأعطت الميلاد لكائن إلهي جهيض غير مكتمل أشبه ~~بالمسخ، لأنه ولد من أمه دون موافقة الأب وتعاونه. فكان له شكل مختلط من ~~أسد وأفعى، وله عينان جمرتان من نار. فلما رأته صوفيا ذعرت وأبعدته عنها، ~~ولكيلا يراه أحد من أقرانها صنعت له عرشا وأخفته في سحابة تحجبه عن الأعين، ~~ودعت اسمه يلدابوث، فكان أول الأراكنة. # بعد أن شعر يلدابوث بقوته الذاتية، خرج من المكان الذي أودعته فيه أمه ~~وجعل لنفسه فلكا ناريا أقام فيه، فكان هذا الفلك أعلى طبقات العالم المادي ~~الكثيف الذي سيظهر فيما بعد عن عالم الظلمات، ظلمات جهل أول الآلهة. ثم إن ~~يلدابوث دعا اثني عشر فلك قوة تحتية إلى الظهور، لكل فلك ملاك رئيس، تحته ~~طبقة من الملائكة الثانوية تخدمه وتأتمر بأمره. كما جعل لكل من هؤلاء ~~الملائكة الثانويين طبقة من الملائكة الثانوية تخدمه وتأتمر بأمره، وتابع ~~إظهار وتنظيم هذه المراتبية الملائكية حتى بلغ عدد الطبقات ثلاثمائة وستين ~~طبقة، وعندما نظر يلدابوث إلى ما خلق من أفلاك قوة تحته، ابتهج وصاح قائلا: ~~أنا الرب ولا إله غيري، إله غيور (سفر الخروج، 20: 3؛ وسفر التثنية، 5: 9). ~~ثم شرع يصنع السماوات والأرض بكلمته الخالقة، بالقوة التي ورثها عن أمه ~~صوفيا، ولكن صوتا جاءه من الأعالي قائلا: أنت مخطئ يا سمائيل «أي الأعمى»، ~~لأن إنسانا كاملا وخالدا ومستنيرا قد وجد قبلك، ولسوف يأتي ويحل في ~~جسد فيحطم مملكتك كما تحطم الجرة الفخارية، ويحيل كل نقص إلى كمال ~~الحقيقة. # بعد أن اكتمل خلق السماوات والأرض، أطل الأب الأعلى إلى الأرض في صورة ~~الإنسان القديم فانعكس خياله على صفحة الماء، فرآها الأراكنة الرؤساء وقال ~~بعضهم لبعض: هلم نصنع الإنسان على الصورة التي رأيناها ليخدمنا على الأرض. ~~وهكذا جبلوا الإنسان الأرضي من التراب، على صورة الإنسان القديم السماوي التي ~~تراءت لهم، ودعوه آدم، إلا أن الهيئة الطينية بقيت مسجاة بلا حراك، رغم ~~كل ما بذله الأراكنة لإحيائها. ولكن صوفيا، في رغبتها لاسترجاع ms206 قوة الروح ~~التي استمدها منها يلدابوث، أوحت إليه أخيرا أن ينفخ في أنف آدم بعضا من ~~الروح التي فيه، ولما فعل ذلك تحرك آدم وانتصب إنسانا تاما ذا جسد ~~مادي وروح سماوية. وهنا غار رؤساء طبقات الملائكة الثانوية من آدم لأنهم ~~تبينوا تفوقه عليهم فهما وحكمة، فأرادوا قتله. ولكن يلدابوث أخذه وأسكنه ~~في جنة عدن، ثم أرسل عليه سباتا وأخذ من أضلاعه واحدا صنع منه المرأة ~~حواء. أمر يلدابوث آدم وزوجه أن يأكلا من ثمر الجنة كلها عدا ثمر شجرة ~~المعرفة، وذلك خوفا من أن تنفتح عيونهما ويعرفا أصلهما النوراني في عالم ~~الروح الأعلى، ولكن حواء عصت الأمر وحرضت آدم على العصيان الذي كان بمثابة ~~الخطوة الأولى في سبيل تحرير الجنس الإنساني من حجب الجهل التي فرضها يهوه. ~~ولقد حقق الزوجان هذه الخطوة البطولية بمعونة الأفعوان، الذي يمثل هنا ~~مبدأ العرفان لا مبدأ الشر، والذي وهبهما المعرفة التي من خلالها وحدها يتم ~~التخلص من سلطة يهوه ومن إسار عالمه المادي. وعندما يبلغ سعي الإنسانية نحو ~~الخلاص أوجه، سوف يعود مبدأ العرفان ليظهر في هيئة المخلص يسوع المسيح، ~~الذي سيرفع عن كاهل الناس لعنة الشريعة التي أبقتهم طويلا في حجب الجهل، ~~وينقذهم من صاحب هذه الشريعة ومن العالم الناقص الذي صنعه، عندها يكتشفون ~~الجوهر الحقيقي للروح. # خلاصة # لقد حلت الغنوصية معضلة وجود الشر في العالم بطريقة مبدعة وجديدة على ~~الفكر الديني، وذلك بابتكارها لفكرة الأب الأعلى مصدر العالم الروحاني عالم ~~النور، والإله الأدنى خالق العالم المادي عالم الجهل والظلمة. فالكون ~~المادي لم يخلق كاملا من قبل الله ثم داخله الشر من خارجه، كما هو الحال ~~في المعتقد الزرادشتي، بل إن المادة هي الشر بعينه، ومصدر هذا الشر هو ~~إله التوراة الذي ولد صدفة من الأم صوفيا، ثم راح يخلق المادة ليقتنص ~~فيها نور الأعالي ويحبس فيها أرواح الناس. ولكن هذا الإله وعالمه سيئولان ~~إلى الدمار عندما يتعرف الإنسان على النور الأسمى في داخله، وهي المعرفة ~~التي تعتقه من دورة الميلاد والموت ms207 والتناسخ في الأجساد. فالإنسان ليس ~~خاطئا منذ البداية ولكنه مأسور في حجاب الجهل، ولا فكاك له إلا ~~بالعرفان، وهو النشاط الأسمى للنفس الإنسانية الراغبة في الانعتاق. إن ~~العرفان الداخلي الذي ينير جنبات النفس هو الذي يجعل من صاحبه إنسانا ~~طيبا وأخلاقيا، ودونما حاجة إلى لوائح أخلاقية مفروضة من الخارج، لأن ~~الشر هو الجهل والمعرفة هي الخير. أما الطقوس والعبادات الشكلية فليست في ~~حقيقتها إلا خضوعا لإله العالم المادي وتطبيقا أعمى لشرائعه، بينما لا ~~يتطلب الأب الأعلى من الإنسان سوى أن يعرفه ويتلمس منابع الخير في ~~داخله، وهو ملتزم بتخليصه واستعادة روحه إلى بيتها الذي ضاعت عنه، إذا ~~استجاب لنداء رحمته. # مراجع الفصل ~~(1) # J. M. Eobinson, edt. The Nag Hammadi Library, ~~Harper, New York 1972. ~~(2) # Willis Barnstone, edt. The Other Bible, Harper, ~~New York 1984. ~~(3) # Gnosticism, in: Encyclopedia of Religion, vol ~~2. # الفصل الثامن # | الغنوصية المانوية وشيطانية المادة # تحولت الغنوصية على يد ماني إلى دين مؤسساتي ذي عقيدة متماسكة واضحة ~~المعالم، استقت من التيارات الدينية السائدة في عصرها وأثرت فيما تلاها. ~~تقوم هذه العقيدة على مفهوم دينامي للتاريخ ينطلق، كما في الزرادشتية، من ~~وجود مبدأين كونيين متصارعين، يقود صراعهما حركة التاريخ إلى نهاية محتومة. ~~فمنذ الأزل كان النور وكان الظلام، عالمان منفصلان ومستقلان ولكنهما ~~متجاوران، وكان جوهر النور هو الحكمة وجوهر الظلام هو الجهل. وهذه هي المرحلة ~~الأولى الكاملة من مراحل التاريخ، أو العصر الذهبي. ثم إن الظلام قد عدا ~~على النور، فتقدم النور لصده وإرجاعه، فاختلطت عناصر النور بعناصر الظلمة ~~وراحا يتصارعان، وهذه هي المرحلة الثانية من مراحل التاريخ، مرحلة يوم الناس ~~هذا. ولكن النور سوف يفلح في تخليص نفسه من الظلام خلال المرحلة الثالثة ~~المقبلة، التي ستنتهي لا باستقلال النور عن الظلام فقط، بل بالقضاء عليه ~~وتأسيس ملكوت النور النهائي. في هذه المعركة الدائرة الآن، يشارك الجنس ~~البشري بكل قوته، سلاحه في ذلك العرفان الذي يحرر المبدأ النوراني الحبيس ~~في الجسد المادي المظلم. وإلى أن يحين اليوم الأخير، فإن الأرواح العارفة ~~التي ms208 اكتشفت طبيعتها كقبس من النور الأعلى، سوف تنضم إلى عالمها الذي نشأت ~~عنه، بينما تبقى الأرواح الجاهلة في إسار دورة الميلاد والموت، وتتناسخ في ~~أجساد جديدة ضمن هذا العالم المظلم. # وهكذا تستبدل المانوية المفهوم الزرادشتي عن تاريخ دينامي يشارك فيه ~~الإنسان من خلال الإيمان والأخلاق، بمفهومها عن تاريخ يشارك فيه الإنسان من ~~خلال العرفان. # من بين جميع الفرق الغنوصية، كانت ~~المانوية الأوسع انتشارا والأكثر دواما، فلقد انتشرت شرقا وغربا انطلاقا ~~من بابل الموطن الرئيسي لمعلمها، وعاشت فترة زمنية مديدة تقدر بأكثر من ~~عشرة قرون، لا كمعتقد طائفي مقتصر على جماعة بعينها، بل كدين عالمي ومعتقد ~~شمولي يتوجه إلى جميع بني البشر. وبذلك تقف المانوية في صف الديانات ~~العالمية الكبرى في تاريخ الدين، مثل الإسلام والمسيحية والبوذية. إلى جانب ~~جاذبية المعتقد المانوي واحتوائه على عناصر شتى من كل المعتقدات الأقدم منها ~~والمعاصرة له، فإن انتشار المانوية يمكن أن يعزى إلى ثلاثة عناصر رئيسية: ~~أولها النشاط التبشيري المحموم الذي مارسه ماني شخصيا في كل بقعة من بقاع ~~المشرق، وتابعه بعد ذلك حواريوه. وثانيهما التنظيم المؤسساتي الدقيق للكنيسة ~~المانوية التي كانت تتألف من مبشرين منذورين لمهامهم، وكهنة متفرغين ضمن ~~سلسلة مراتبية مرسومة بدقة، ونخبة دينية تشبه فئة الرهبان البوذية، وعامة ~~المؤمنين الذين يقدمون الدعم المالي والمعنوي للأجهزة الفعالة في المؤسسة ~~الدينية. وثالثهما اعتماد ماني على الكتب الدينية التي تؤسس للعقيدة ~~وتحفظها. فلقد كانت المانوية ديانة كتاب شأنها في ذلك شأن اليهودية ~~والمسيحية والبوذية، وعمل ماني منذ البداية على وضع كتبه بنفسه وخطها بقلمه، ~~ثم حرص على نسخها وتداولها وحفظها في حالة جيدة، سواء من خلال المواد ~~المستخدمة أم من خلال تقنيات الإنتاج العالية. # ورغم ما لحق بالمؤلفات المانوية من إتلاف متعمد على يد الخصوم خلال حملات ~~الاضطهاد المتكررة والمتلاحقة، إلا أن عددا لا بأس به من المخطوطات ~~المانوية الأصلية قد اكتشفت سليمة في القرن العشرين، ومكتوبة بعدد من ~~اللغات منها الإيرانية والتركية القديمة والصينية والقبطية واليونانية. وقد ~~مكنتنا هذه المخطوطات من إجراء التقاطعات ms209 بين المصادر الأصلية، والمصادر غير ~~المباشرة التي كان الباحثون حتى وقت قريب يعتمدون عليها وحدها. من أهم ~~المصادر غير المباشرة ما كتبه القديس أوغسطين (حوالي عام 400م)، الذي كان ~~مانويا متحمسا قبل أن يتحول إلى المسيحية، وما كتبه أفرايم السرياني ~~(حوالي عام 370م)، وتيودور بن قوينا (حوالي عام 790م)، وما كتبه المؤلفون ~~العرب من أمثال ابن النديم (القرن العاشر م)، والبيروني (القرن الحادي عشر ~~م)، والشهرستاني (القرن الثاني عشر م). # 1 ~~(1) ماني # ينتمي ماني إلى أسرة إيرانية ~~عاشت قرب مدينة طيسفون بمنطقة بابل، وكانت طيسفون في ذلك الوقت عاصمة ~~الإمبراطورية الإيرانية، ومقرا لملوك الأسرة البارثية ثم الساسانية من ~~بعدها. جاء أبوه من منطقة همذان وتزوج من المدعوة مريم، وهي سليلة أسرة ~~نبيلة تتصل بأواصر القربي بالأسرة البارثية الحاكمة، ثم أقام الزوجان في ~~بلدة مردينيوس في منطقة بابل، وهناك ولد ماني وأمضى طفولته ومراهقته. وقد ~~أكدت إشارات ماني المتفرقة هذه الرواية، ومنها قوله: «إني أنا الرسول ~~الشكور المبعوث من أرض بابل» وأيضا: «أنا النطاسي الذي جاء من أرض بابل.» ~~وتعبير النطاسي هنا يدل على المهارات الطبية العالية التي تمتع بها ماني، ~~فقد كان نطاسيا ماهرا قادرا على شفاء الأمراض المستعصية. يرجح ~~الباحثون أن الاسم «ماني» هو من أصل سامي لا من أصل إيراني، أما الاسم ~~«مانيخيوس» الذي عرف به المعلم لدى اليونان، فهو تحوير للقبه الآرامي ~~«ماني-حياه» أي ماني الحي. ومن ألقابه الأخرى الآرامية «مار-ماني» أي السيد ~~ماني، ومنه جاء اسمه بالصينية «مور-موني». # ولد ماني عام 216م، وتربى على ملة أبيه، وهي طائفة غنوصية ~~معمدانية يدعوها ابن النديم في كتابه الفهرست بالمغتسلة، وذلك نسبة إلى ~~طقوس التعميد بالماء التي كانت تمارسها. وكان المغتسلة يلتزمون سلوكا ~~طهوريا بالغ الصرامة، إذ كانوا يمتنعون عن أكل اللحم وشرب الخمر ويفرضون ~~على الممارسة الجنسية قيودا شديدة. إضافة إلى هذه الخلفية الغنوصية التي ~~اكتسبها ماني من طائفته هذه، ومن الطوائف الغنوصية الأخرى الناشطة في ~~منطقته مثل المندائية والمرقيونية والديصانية، فقد اكتسب ماني الكثير من ~~البيئة الثقافية ms210 البابلية التي كانت منفتحة على شتى التيارات الدينية ~~والفلسفية، وتلاقت عندها الأفكار المسيحية واليهودية والزرادشتية ~~والهيلنيستية والهندية والصينية، إضافة إلى الثقافة الكلدانية المحلية التي ~~تختصر التركة القديمة لبلاد الرافدين بأكملها. وهذا ما جعل من ديانته ~~نموذجا عن الديانة التوفيقية، التي تحتوي على الموروث بكل زخمه وتنوعه، ~~وتتجاوزه بطريقة مبدعة تعبر عن عبقرية صاحبها وقوة شخصيته وتفوق ~~تفكيره. # عندما بلغ ماني الثانية عشرة من عمره هبط عليه الوحي (على ما يقول) من ~~السماء عن طريق كائن نوراني يدعوه ب «التوم»، # 2 # وهو القرين السماوي للنبي، فأمره أن يعتزل ملته ويطهر ~~نفسه استعدادا للوحي الثاني الذي سيهبط عليه عندما يغدو قادرا على الدعوة ~~والتبشير. في سن الرابعة والعشرين أتاه التوم ونقل إليه وحي الرسالة كاملا ~~غير منقوص، ثم أمره أن يظهر للناس ويبلغهم ما أمره الله تعالى إبلاغهم. ~~نقرأ في كتاب الفهرست للمؤلف العربي ابن النديم: ~~«فلما تم له اثنتا عشر سنة ~~أتاه الوحي، على حد قوله، من ملك جنان النور وهو الله (تعالى عما يقول). ~~وكان الملاك الذي جاءه بالوحي يسمى التوم، وهو بالنبطية ومعناه القرين. ~~فقال له: اعتزل هذه الملة فلست من أهلها، وعليك بالنزاهة وترك الشهوات ولم ~~يئن لك أن تظهر لحداثة سنك. فلما تم له أربع وعشرون سنة، أتاه التوم ~~فقال: عليك السلام مني ومن الرب الذي أرسلني إليك واختارك لرسالته، وقد ~~أمرك أن تدعو وتبشر ببشرى الحق من قبله وتحتمل في ذلك كل جهدك. فخرج ~~يوم ملك شابور بن أردشير ووضع التاج على رأسه، وهو يوم الأحد أول يوم من ~~نيسان والشمس في برج الحمل، ومعه رجلان قد تبعاه على مذهبه، أحدهما يقال ~~له شمعون والثاني زكوا، ومعه أبوه ينظر ما يكون من أمره ... وقد زعم ماني ~~أنه الفارقليط الذي بشر به عيسى بن مريم. واستخرج ماني مذهبه من ~~المجوسية والنصرانية. والقلم الذي كتب به كتبه مستخرج من السرياني ~~والفارسي.» # ونقرأ في نص قبطي عن لسان ماني نفسه: «في هذه السنة نفسها، عندما كان ~~الملك أردشير على ms211 وشك التتويج، نزل الفارقليط # 3 # الحي وكلمني، وأباح لي معرفة السر المحجوب بخصوص عصور وأجيال ~~بني البشر، السر العميق والعالي، سر النور والظلام، سر الصراع والحرب ~~الماحقة، وعلمني ما هو كائن وما كان وما سيكون.» إن الفارقليط، أو ~~البارقليط، المذكور هنا، هو الذي أشار إليه إنجيل يوحنا في أكثر من موضع، ~~ويرد في الترجمات العربية تحت اسم «المعزي». نقرأ في الإصحاح 14: «إن ~~كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث ~~معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يراه ولا يعرفه. أما ~~أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم.» ونقرأ في الإصحاح 15: «ومتى ~~جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ~~ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي منذ الابتداء.» وبما ~~أن الفارقليط هو التوءم والصورة العليا لماني، فقد دعا ماني نفسه ~~بالبارقليط أيضا، واعتبر نفسه متمما لرسالة يسوع في صيغتها الأصلية ~~التي لم يفهمها الرسل. # اعترف ماني بقيمة الديانات السابقة، ولكنه اعتبرها مؤقتة وغير كاملة. ~~فلقد كشف كل من بوذا وزرادشت ويسوع عن حقيقة الدين، كل بما يناسب عصره ~~والأرض التي ظهر بها والشعب الذي توجه إليه بلغته. أما ماني الذي دعا ~~نفسه بخاتم الأنبياء، فقد جاء ليكمل رسالة هؤلاء ويطورها، لأنه ~~يتوجه برسالته الجديدة إلى جميع بني البشر أيا كانوا وبأية لغة ~~تحدثوا. وهو يصف هذا الطابع العالمي لتعاليمه فيقول: «كما أن نهرا ~~يرفد آخر لتكوين تيار دافق قوي، كذلك صبت الكتب القديمة في كتبي فشكلت ~~حكمة كبرى لا مثيل لها في الأجيال السابقة.» # ويرد ما يشبه قول ماني هذا في كتب المؤلفين العرب. نقرأ في كتاب ~~المغني للقاضي عبد الجبار: «وعندهم إن أول ما بعث الله تعالى بالعلم آدم، ~~ثم شيتا ثم نوحا وبعث زرادشت إلى أرض فارس، والبدة (= البوذا) إلى أرض ~~الهند، وعيسى المسيح إلى بلاد المغرب، ثم ماني خاتما للنبيين.» ونقرأ في ~~كتاب الملل والنحل للشهرستاني: «واعتقاده - أي ماني - في الشرائع ms212 ~~والأنبياء أن أول من بعث الله بالعمل والحكمة آدم أبو البشر، ثم شيتا ~~بعده، ثم نوحا بعده، ثم إبراهيم بعده، ثم بعث بالبدة إلى أرض الهند، ~~وزرادشت إلى أرض فارس، والمسيح كلمة الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب، ~~وبولص بعد المسيح إليهم، ثم يأتي خاتم النبيين.» ونقرأ في كتاب الآثار ~~الباقية للبيروني: «وكان ابن ديصان ومرقيون ممن استجابا وسمعا كلام عيسى ~~وأخذا منه طرفا، ومما سمعا من جهة زرادشت طرفا، واستنبط كل واحد من ~~كلا القولين مذهبا يتضمن القول بقدم الأصلين، وأخرج كل منهما إنجيلا ~~نسبه إلى المسيح وكذب ما عداه، ثم جاء من بعدهما ماني، وكان قد عرف مذهب ~~المجوس والنصارى والثنوية، فتنبأ وزعم في أول كتابه الموسوم بالشابورقان ~~أن الحكمة هي التي لم تزل رسل الله تأتي بها في زمن دون زمن، فكان مجيئها ~~- أي الحكمة والأعمال - في بعض القرون على يدي الرسول الذي هو البد (= ~~البوذا) إلى بلاد الهند، وفي بعضها على يدي زرادشت إلى أرض فارس، وفي بعضها ~~على يدي عيسى إلى أرض المغرب، ثم نزل هذا الوحي، وجاءت هذه النبوة في هذا ~~القرن الأخير على يدي أنا ماني رسول الله الحق إلى أرض بابل ... وذكر ماني ~~في إنجيله أنه الفارقليط الذي بشر به المسيح، وأنه خاتم ~~النبيين.» # كتب ماني خلال حياته عددا من المؤلفات يربو على العشرة، إضافة إلى بعض ~~الرسائل القصيرة، وكتاب مصور يشرح فيه عقيدته من خلال رسوم فخمة أعدها ~~بنفسه، وفيما عدا كتاب الشابورقان الذي ألفه بالفارسية وأهداه إلى الملك ~~الساساني شابور، فإن بقية كتبه قد خطت باللغة والقلم الآرامي الشرقي. ~~وكانت الآرامية في ذلك الوقت لغة الكتابة والقراءة بين متعلمي ذلك العصر ~~وأداة التخاطب الديبلوماسي. وهذا ما أمن للمانوية انتشارا واسعا لم يكن ~~لأية لغة أخرى أن تؤمنه. لم يبق من كتب ماني، التي نعرف عناوينها فقط، ~~إلا شذرات عثر عليها بشكل خاص في طورفان بآسيا الوسطى وفي الفيوم بمصر. ~~ولكن مقاطع مطولة من هذه الكتب قد وردت في مؤلفات القديس ms213 أوغسطين وابن ~~النديم. هذه الشذرات الأصلية والمقاطع المنقولة، تكشف لنا عن مدى اطلاع ~~ماني على ثقافة عصره. فلقد درس بالتأكيد الأناجيل الأربعة ورسائل بولس ~~الرسول وغيرها من أسفار العهد الجديد، القانونية منها والمنحولة، وكان ~~مطلعا على الأسفار التوراتية المنحولة وعلى رأسها كتاب أخنوخ الأول ~~وكتاب أخنوخ الثاني. ولم يخف إعجابه بتوما الرسول الذي توجه للتبشير في ~~مناطق الهند، فكانت رحلته التبشيرية الأولى تتبع خطا ذلك المبشر ~~العظيم، إضافة إلى هذا التراث المسيحي واليهودي، فقد كان ماني مطلعا على ~~الزرادشتية في شكلها الأصلي وفي أشكالها المتأخرة. وخلال رحلاته التبشيرية ~~المبكرة نحو الشرق احتك بالعديد من الثقافات الشرقية، واطلع بشكل خاص ~~على بوذية المهايانا. # بعد أن تلقى ماني الأمر بالتبشير، دعا إلى دينه أهله الأقربين؛ ~~فاستمال والده وأعضاء بارزين في أسرته، ثم شرع في رحلته التبشيرية الأولى ~~نحو أطراف الهند ومناطق آسيا الوسطى، آملا في استمالة الجيوب المسيحية ~~التي شكلتها بعثة توما الرسول، فوصل إلى إقليم السند ثم إلى إقليم ~~بلوخستان وإقليمي مكران وطورفان. ولعل أهم ما أنجزته حملة ماني التبشيرية ~~الأولى هذه هو استمالة ملك طورفان وحاشيته، فاعتنق الملك المانوية وجعلها ~~دينا للمملكة بدلا عن البوذية. لم يقدر لرحلة ماني الشرقية أن تدوم ~~طويلا، فلقد قرر الرجوع إلى موطنه بعد أن سمع بوفاة الملك أردشير ~~وصعود ابنه شابور إلى العرش، وفي طريق عودته مر بإقليم ميسان الذي يحكمه ~~مهرشاه أخو شابور، فدخل عليه مبشرا بديانته، وهنا تروي الأخبار ~~المانوية أن ماني دخل على مهرشاه وهو في بستانه الذي كان حديث الناس ~~لجماله وكثرة أشجاره ومائه وحسن تنظيمه، فقال له مهرشاه: هل يوجد في ~~الفردوس الذي تتغنى به بستان كبستاني هذا؟ فلما سمع ماني هذا أراه بقوته ~~الخارقة الملأ الأعلى وجعله يشم نسيم الحياة الأبدية، وأراه بقعا من ~~الفردوس السماوي وأشياء أخرى مما يمكن رؤيته هناك، فسقط الرجل على ~~الأرض مغشيا عليه مدة ثلاث ساعات، ثم وضع الرسول يده على رأسه فأفاق وسجد ~~عند قدمي ماني معلنا إيمانه. تبين لنا هذه الحادثة ms214 الجانب الآخر من ~~شخصية ماني، فقد كان طبيبا ماهرا يعالج الجسد بالعقاقير والروح بطرد ~~الشياطين منها، وكان صاحب معجزات تتراوح بين شفاء الأمراض المستعصية ورفع ~~الأرواح إلى السماء ساعة يشاء، وقد عرج هو نفسه إلى السماء وفق إحدى ~~الروايات ليتلقى الوحي الإلهي هناك. # أدرك ماني أن دعوته لن يقيض لها النجاح دونما سند سياسي قوي من ~~أعلى سلطة في البلاد، فاتصل بالقصر الملكي وحاور الأمراء والنبلاء فاستمال ~~فريقا منهم، وبينهم أخو الملك المدعو فيروز الذي حصل لماني على الإذن ~~بالدخول على شابور، فمثل أمامه وقدم له كتابه المعروف بالشابورقان، نسبة ~~إلى الاسم الملكي. عن هذه المقابلة الحاسمة في حياة ماني يحدثنا ابن ~~النديم في الفهرست فيقول: «وجول ماني في البلاد قبل أن يلقى شابور، ثم ~~إنه دعا أخا شابور بن أردشير فأوصله إلى أخيه شابور، فدخل إليه وعلى ~~كتفيه مثل السراجين من نور. فلما رآه أعظمه وكبر في عينيه، وكان قد عزم ~~على الفتك به وقتله، فلما لقيه داخلته له هيبة وسر به وسأله عما جاء ~~فيه، فوعده أنه يعود إليه. وسأله ماني عدة حوائج منها أن يعز أصحابه ~~في البلاد وسائر بلاد مملكته، وأن ينفذوا حيث شاءوا، فأجابه شابور إلى جميع ~~ما سأل. وكان ماني قد دعا الهند والصين وأهل خراسان، وخلف في كل ناحية ~~صاحبا له.» ويروي ماني نفسه عن هذه المقابلة قائلا: «مثلت أمام الملك ~~شابور فاستقبلني بحفاوة كبيرة، ووافق على أن أتجول في البلاد وأن أبشر ~~برسالة الحياة. وأمضيت بعد ذلك عاما بين حاشيته.» وقد بلغ من تقريب شابور ~~لماني أنه اصطحبه في حملته الكبرى ضد الروم من أجل استعادة النفوذ ~~الفارسي في آسيا الصغرى، فقاتل ماني إلى جانبه، على ما يذكره المؤلف ~~أليكسندر ليكوبوس «وهو من فلاسفة الأفلاطونية المحدثة» في رده على ~~المانوية. # كانت سنوات العلاقة الطيبة مع ~~شابور بمثابة الفترة الذهبية للدعوة المانوية، فقد تم خلال هذه الفترة ~~تأسيس الكنيسة المانوية، وتنظيمها وفق هيكل مراتبي دقيق يتألف من خمس ~~طبقات. في الطبقة الأولى العليا ms215 هناك الحواريون أو الرسل وعددهم اثنا عشر ~~رسولا، وفي الثانية الأساقفة وعددهم اثنان وسبعون، وفي الثالثة الكهنة ~~وعددهم ثلاثمائة وستون، وفي الرابعة المختارون وعددهم غير محدد لأنه ~~يتوقف على عدد المؤمنين الراغبين في التخلي عن الدنيا والالتزام بالقواعد ~~السلوكية والأخلاقية الصارمة الخاصة بالكهنوت المانوي، أما الطبقة ~~الخامسة والأخيرة في السلم فتضم عامة المؤمنين. ومن مقر إقامته في طيسفون ~~بعث ماني بحوارييه ينشرون الدين في الجهات الأربع، ولاقت دعوته نجاحا ~~كبيرا في سورية ومصر وآسيا الصغرى، كما دخلت عقر دار الإمبراطورية ~~الرومانية في أوروبا. وباتجاه الشرق تجاوز المبشرون المانويون آسيا الوسطى ~~إلى أطراف الصين. وتولى ماني بنفسه حملات تبشيرية عديدة مؤسسا جماعات ~~جديدة من الأتباع أني رحل، تاركا بين أيديهم نسخا من كتبه وخصوصا ~~إنجيله المدعو بالإنجيل الحي. وكان يتباهى بالقول بأن كتب من سبقوه من ~~أصحاب الرسالات الروحية دونت بعد وفاتهم وبيد خلفائهم، أما هو فقد ~~دون كتبه بنفسه. وعلى حد وصف أحد المراجع المسيحية المعاصرة له، فقد ~~كان ماني يشاهد بين الناس مرتديا سروالا عريضا لونه أصفر مائل إلى ~~الاخضرار وعباءة خضراء مائلة نحو الزرقة، وبيده عصا من الأبنوس، وتحت إبطه ~~الأيسر كتاب بابلي «أي مكتوب بالآرامية». عن هذا النشاط ونتائجه كتب ماني ~~يقول: «لقد وصل أملي - أي الكنيسة المانوية - إلى مشارق الأرض ومغاربها، ~~شماليها وجنوبها، وهذا ما لم يحدث لأي داعية من قبلي.» # لقد بدا للبعض أن المانوية سوف تغدو الديانة الرسمية للإمبراطورية ~~الفارسية، وذلك بسبب دعم القصر الملكي وتعاونه، إلا أن الملك شابور رغم ~~ميله الضمني لماني ومعتقده، كان يدرك قوة التقاليد الزرادشتية المحافظة ، ~~ويفهم دوره الرسمي كوصي على تراث الأجيال. يضاف إلى ذلك أن طبقة ~~المجوس كانت تقود في ذلك الوقت حركة واسعة النطاق تهدف إلى جمع وتدوين ~~الأدبيات الدينية الزرادشتية بروح قومية متعصبة، وتعمل جاهدة على مقاومة ~~المد المانوي من خلال تنظيم كنيستها الخاصة وإحياء معابد النار في كل مكان. ~~وبذلك بدت المواجهة الحاسمة بين الطرفين محتومة، ولم يؤخرها سوى مقدرة ~~الملك شابور على الإمساك ms216 بخيوط اللعبة بكل حذق ومهارة، ولكن وفاة هذا ~~العاهل الحكيم في عام 273 ميلادية قد قلب ميزان القوى فجأة، وأخذ المجوس ~~يتهيئون للتخلص من ماني. # خلف شابور ابنه هرمز الأول الذي اتخذ موقفا وديا من ماني، ولكن ~~هرمز هذا ما لبث أن توفي بعد عام فقط من توليه السلطة وخلفه أخوه بهرام، ~~الذي كان شابا ضيق الأفق لا يعرف من أمور الحكم سوى الرياضة والقنص، ~~ويعطي أذنا صاغية لدسائس الكهنة المجوس. سمع ماني بوفاة هرمز بينما كان ~~يزور بعض الجماعات المانوية عند حوض نهر الدجلة الأسفل، وفي نيته أن يتابع ~~رحلته شرقا، وبينما كان يتفكر فيما يتوجب عليه فعله وصله أمر ملكي ~~بالعودة إلى العاصمة. وهنا تصف لنا النصوص القبطية الأسابيع الأخيرة من ~~حياة ماني. فلقد عاد المعلم مبحرا في نهر دجلة حتى طيسفون، وعندما وصل ~~كان المجوس قد وضعوا أمام الملك عريضة ادعاء تتهم ماني بالتحريض ضد العقائد ~~والآلهة الإيرانية وإفساد عقول العباد، ولكن بهرام لم يكن فعلا بحاجة إلى ~~مثل هذه العريضة، لأنه اتخذ قرارا مسبقا بإيقاف الداعية الخطر عند حده، ~~فلما مثل ماني أمامه لم يكن مهتما فعلا بالاستماع إلى أقواله ~~والموازنة بينها وبين دعاوى متهميه، فلم تدم المقابلة سوى وقت قصير ~~اقتيد بعدها المعلم إلى السجن. عن هذه المقابلة العاصفة التي حضرها ~~الكاهن الأكبر قيردير عدو ماني اللدود، نقرأ في إحدى الوثائق القبطية الوصف ~~الآتي: ~~«أتى ماني لمقابلة الملك بهرام، وكان الملك جالسا إلى مائدة الطعام، ~~فدخل عليه رجال من بلاطه وقالوا له: لقد أتى ماني وهو حاضر عند الباب. ~~فأرسل الملك إلى مولانا أن يتريث حتى يستطيع القدوم إليه. فجلس مولانا إلى ~~جانب الحارس حتى غسل الملك يديه لأنه كان عازما على الذهاب إلى الصيد، ~~ثم جاء وهو يضع إحدى ذراعيه على كتف الملكة والأخرى على كتف الكاهن قيردير، ~~وخاطب مولانا قائلا: لا مرحبا بك. فرد عليه مولانا قائلا: لماذا؟ هل ~~ارتكبت أي ذنب؟ فقال الملك: لقد أقسمت ألا أدعك تبقى على هذه الأرض، ثم ms217 ~~انفجر غاضبا وخاطب مولانا قائلا: عجبا، ما الحاجة إليك؟ فأنت لا تشارك ~~في الحرب ولا في مطاردات الصيد، قد تكون مفيدا في الطب وتركيب العقاقير ~~ولكن حتى هذه لا تحسنها. فأجابه مولانا: لم أقترف بحقك أي ذنب. لقد قدمت ~~لك ولأسرتك الكثير من الفوائد، وحررت أعدادا كبيرة من عبيدكم من ~~الشياطين والأرواح الشريرة، وأقمت كثيرين من فراش المرض فشفيتهم، وخلصت ~~آخرين من الحمى ... أما الذين كانوا على حافة الهلاك وأعدتهم إلى الحياة ~~فأكثر من أن يحصوا.» # بعد أن تابع ماني تعداد ما أفاض عليه الملكان السابقان من حماية ~~ورعاية، ختم خطابه قائلا: والآن افعل بي ما تراه. فأمر الملك بتقييد ماني، ~~فوضعت ثلاث سلاسل حديدية حول يديه وثلاث أخرى حول عقبيه وواحدة حول ~~رقبته، وأخذ إلى السجن حيث أمضى ستة وعشرين يوما كان خلالها قادرا على ~~رؤية حوارييه والتكلم معهم، لأن نظم السجن الفارسية كانت تسمح بمثل ~~هذه الإجراءات. ولكن جسده الذي أضعفه الصيام والأغلال الثقيلة، كان يخور ~~تدريجيا وهو ينقل تعاليمه الأخيرة التي تكمل العقيدة والشريعة المانوية، ~~وما لبث طويلا حتى أسلم الروح. عند ذلك أمر الملك أن يغرز مشعل محترق في ~~جسد ماني ليتأكد من موته، ثم قطع رأسه وعلقه فوق بوابة المدينة. وبذلك ~~تقرر مصير واحد من أعظم أصحاب الرسالات الروحية من قبل ملك غر أنهى ~~المحاكمة المصيرية خلال الوقت الفاصل بين غسل يديه عقب الطعام والانطلاق ~~إلى الصيد، ولم ير في ماني الكهل إلا رجلا لا يصلح للحرب ولا ~~للصيد. # ولكن السلطة قد تنال من جسد المفكر وتفعل به ما تشاء، أما أفكاره ~~فتطير كل مكان ولا يمكن اصطيادها بشص أو إسقاطها بسهم. ولقد عاشت المانوية ~~أكثر من ألف عام بعد وفاة معلمها رغم أنف كل سلطة غاشمة. ~~(2) المعتقد # إن العقيدة التي بشر بها ماني هي شكل من أشكال الغنوصية السورية ~~البابلية، ولكن ماني قد تجاوز الحدود الضيقة للغنوصية فأسس لديانة شمولية ~~تقوم على موروث غنوصي بالدرجة الأولى وموروث زرادشتي ومسيحي ويهودي، إضافة ~~إلى العديد من ms218 التيارات الدينية والفلسفية الأخرى. إن توجه هذه الديانة ~~إلى جميع بني البشر ونهجها التبشيري الإنساني يجعل منها ديانة عالمية ~~توحيدية بكل امتياز. # تتفق المانوية مع الغنوصية في نقطتين رئيسيتين، الأولى هي أن العالم ~~شر ومحكوم بالقوى الشريرة، والثانية هي أن العرفان لا الإيمان هو الذي ~~يقود إلى خلاص الروح. فروح الإنسان هي قبس من النور الأعلى ومن جوهر الله، ~~ولكنه قبس حبيس في سجن المادة. ثم تسير المانوية أبعد من ذلك عندما ترى ~~أن العرفان الفردي يساهم بشكل فعال في عملية الخلاص الكونية التي ~~يقودها الأب النوراني الأعلى، من أجل انتصار النور الطيب على الظلام ~~الخبيث، وتحرير عناصر النور التي اختلطت بعناصر الظلمة. وهنا تلتقي ~~المانوية مع الزرادشتية في التوكيد على مفهوم الثنوية؛ فهي تقول بوجود ~~أصلين أو مبدأين هما النور والظلام، ولكن بينما ترى الزرادشتية أن النور ~~قديم والظلام حادث، فإن المانوية ترى أن النور والظلام أزليان ~~ومتساويان في القدم ولكنهما ليسا متساويين في الأبد، لأن الظلام يسير نحو ~~التلاشي والنور يحتل مواقعه تدرجيا عبر مراحل التاريخ الثلاث التي كشفها ~~الأب النوراني لرسوله، في المقطع الذي اقتبسناه آنفا: «وأباح لي معرفة ~~السر المحجوب بخصوص عدد وأجيال البشر. السر العميق والعالي، سر النور ~~والظلام، سر الصراع والحرب الماحقة. وعلمني ما هو كائن وما كان وما ~~سيكون.» # في المرحلة الأولى السابقة على الخلق والتكوين كان الأصلان مستقلين ~~ومنفصلين عن بعضهما. وعلى حد ما أورده ابن النديم فإن: «مبدأ العالم ~~كونان، أحدهما نور والآخر ظلام، كل منهما منفصل عن الآخر. فالنور هو العظيم ~~الأول، وهو الله ملك جنان النور ... وذلك الكون النير مجاور للكون المظلم ~~لا حاجز بينهما، فلا نهاية للنور من فوقه ولا يمنته ولا يسرته، ولا نهاية ~~للظلمة من سفلها ولا من يمنتها ولا من يسرتها. ومن الأرض المظلمة كان ~~الشيطان الذي ليس أزليا بعينه رغم أن عناصره كانت أزلية.» وعلى حد ما ~~أورده الشهرستاني في الملل والنحل: «ولم يزل النور يولد ملائكة لا ~~على سبيل المناكحة بل كما تتولد ms219 الحكمة من الحكيم والمنطق الطيب من ~~الناطق. وملك ذلك العالم هو روحه، ويجمع عالمه الخير والحمد والنور. كما ~~أن الظلمة لم تزل تولد أراكنة وعفاريت، لا على سبيل المناكحة بل كما ~~تتولد الحشرات من العفونة القذرة. وملك ذلك العالم هو روحه، ويجمع عالمه ~~الشر والذميمة والظلمة.» # في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الخلق والتكوين وما تلاها إلى يوم الناس ~~هذا، امتزجت الظلمة بالنور وتصارع الأصلان القديمان. يقول الشهرستاني: «ثم ~~اختلفت المانوية في المزاج وسببه، والخلاص وسببه. قال بعضهم إن النور ~~والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد والاختيار. وقال أكثرهم إن سبب ~~المزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض التشاغل، فنظرت الروح فرأت ~~النور فبعثت الأبدان على ممازجة النور، فأجابتها الأبدان لإسراعها إلى ~~الشر. فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملاكا من ملائكته، فاختلطت ~~الأجناس النورانية بالأجناس الظلامية ... فلما رأى ملك النور هذا الامتزاج ~~أمر ملاكا من ملائكته فخلق هذا العالم على هذه الهيئة، لتتخلص أجناس ~~النور من أجناس الظلمة.» كما نقرأ لابن النديم في أمر الامتزاج وخلق ~~العالم: «فلما تكون هذا الشيطان من الظلمة تسمى إبليس القدي، ثم راح ~~هذا الإبليس يتحرك يمنة ويسرة وإلى الأسفل، ولما رام العلوم رأى لمحات ~~النور فأعد نفسه وتسلح استعدادا للانقضاض على مملكة النور من أسفلها، ~~فعلم به ملك جنان النور واحتال لقهره. كان جنوده قادرين على قهر إبليس، ~~ولكنه أراد أن يتولى ذلك بنفسه فأولد مولودا هو الإنسان القديم # 4 # وندبه لقتال الظلمة ... فتدرع الإنسان القديم بالأجناس ~~النورانية الخمسة وهي: النسيم والريح والنور والماء والنار، واتخذها سلاحا ~~وانحط بسرعة إلى مكان إبليس. وعمد إبليس إلى أجناسه الظلامية الخمسة وهي: ~~الدخان والحريق والظلمة والسموم والسم، فتدرعها ولقي الإنسان القديم ~~فاقتتلوا مدة طويلة، ولكن إبليس ظهر على الإنسان القديم وبلع من نوره وأحاط ~~به مع أجناسه وعناصره، ولكن ملك جنان النور أرسل وراءه نجدة من قوى عالم ~~النور خلصت الإنسان القديم وأسرت من أرواح الظلمة ... وحدث لما شابك ~~إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة، أن ms220 اختلط من أجزاء النور الخمسة ~~بأجزاء الظلمة الخمسة. ~~«فلما اختلطت الأجناس الظلامية الخمسة بالأجناس النورية، نزل الإنسان ~~القديم إلى غور العمق فقطع أصول الأجناس النورية لئلا تزيد، ثم انصرف إلى ~~موضعه من الناحية الحربية، فأمر بعض الملائكة باجتذاب ذلك المزاج إلى جانب ~~من أرض الظلمة يلي أرض النور، فعلقوهم بالعلو. وبعد ذلك أمر ملك عالم ~~النور بعض ملائكته بخلق هذا العالم وبنائه من تلك الأجزاء الممتزجة، من ~~أجل تخليص أجناس النور من أجناس الظلمة، فبنى عشر سماوات وثماني أرضين ~~ووكل ملاكا بحمل السماوات وآخر برفع الأرضين، وجعل حول هذا العالم ~~خندقا ليطرح فيه الظلام الذي يستصفى من النور، ثم خلق الشمس والقمر ~~لاستصفاء ما في العالم من النور، فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين ~~الحر، والقمر وسائر النجوم تستصفي النور الذي امتزج بشياطين البرد.» # خلال هذه الفترة الثانية، يمارس الإنسان دورا فعالا في عملية الفصل ~~بين النور والظلمة ودفع التاريخ إلى مرحلته الثالثة، مرحلة استقلال النور ~~عن الظلمة والقضاء على إبليس. يقول ابن النديم: «ومما يعين في التخليص ~~والتمييز ورفع أجزاء النور، التسبيح والتقديس والكلام الطيب وأعمال البر، ~~فترتفع بذلك الأجزاء النورية في أعمال عمود الصبح (= درب المجرة) إلى فلك ~~القمر. فلا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى النصف، فيمتلئ فيصير ~~بدرا، ثم يؤدي إلى الشمس حتى آخر الشهر، فتدفع الشمس إلى نور فوقها في ~~عالم التسبيح، فيسير في ذلك العالم إلى النور الأعلى الخالص، ولا يزال يفعل ~~ذلك حتى لا يبقى من أجزاء النور شيء في هذا العالم.» # عندما تحل المرحلة الثالثة يكون معظم النور المحتبس في المادة الظلامية ~~قد عاد إلى أصله، ولم يبق في هذا العالم سوى نذر يسير، تأتي نهاية العالم. ~~يقول الشهرستاني: «حتى إذا لم يبق من أجزاء النور في هذا العالم إلا قدر ~~يسير منعقد لا تقدر الشمس ولا القمر على استصفائه، يرتفع الملاك الذي يحمل ~~الأرض، ويدع الملاك الذي يجذب السماوات، فيسقط الأعلى على الأسفل، ثم توقد ~~نار حتى يضطرم الأعلى ms221 والأسفل، ولا تزال تضطرم حتى يتحلل ما فيها من ~~النور، وتكون مدة الاضطرام ألفا وأربعمائة وثمان وستين سنة.» ويقول ابن ~~النديم: «وهكذا فأجزاء النور أبدا في الصعود والارتفاع، وأجزاء الظلمة ~~أبدا في النزول والتسفل، حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء، فيبطل الامتزاج ~~وتنحل التراكيب ويصل كل إلى كله وعالمه، وذلك هو القيامة والمعاد.» وأيضا: ~~«فإذا انقضى التدبير ورأت روح الظلمة خلاص النور وارتفاع الملائكة والجنود ~~والحفظة رامت القتال، فيزجرها الجنود من حولها فترجع إلى قبر أعد لها ~~ثم يسد على ذلك بصخرة تكون مقدار الدنيا، فتتم حينئذ الراحة من الظلمة ~~وأذاها.» # أما عن مفهوم الخلاص، وهو المفهوم المركزي في المعتقد المانوي، ~~فيرتبط بأسطورة خلق الإنسان التي تستطيع إعادة بنائها اعتمادا على شذرات ~~من النصوص المانوية، وعلى مصادر أخرى غير مباشرة. فعندما رأى الشيطان خطة ~~الله في استصفاء النور المحتبس في المادة الظلامية، جهز خطة معاكسة ~~لاحتباس مزيد من النور في نسيج المادة بواسطة الجنس البشري، الذي تتألف ~~أعضاؤه من المادة بينما تتركز الأنوار بكثافة فائقة في روحه. فعهد إلى ~~أركونين من أراكنته باستيلاد الزوجين الأولين آدم وحواء اللذين تجمع ~~فيهما جزء كبير من النور المحتجز في الأسفل. ولكن الإنسانين الأولين كانا ~~غارقين في سبات الجهل غير مدركين لوميض النور في داخلهما. فلما رأى الله ~~ما فعل الشيطان أشفق على الإنسان، فأرسل إلى آدم وحواء يسوع النوراني «وهو ~~غير يسوع الأرضي الذي بعث رسولا فيما بعد» ليزودهما بالغنوص (= العرفان) ~~ويفتح أعينهما على حقيقة الروح المحتجزة والمتألمة في سجن المادة ويظهر ~~لهما أصلهما المزدوج، ثم أرسل الله إلى نسل آدم وحواء رسلا يحملون لهم ~~المعرفة المحررة وهم: شيت ونوح وأخنوخ وشيم وإبراهيم وبوذا وزرادشت ويسوع ~~وبولس وأخيرا ماني. ذلك أن الجهل عند المانوية، كما هو عند الغنوصية ~~بشكل عام، هو الذنب وهو الخطيئة، والخلاص لا يتم إلا بالمعرفة الداخلية ~~المحررة. # إن الروح العارفة التي حققت الاستنارة وأدركت أصلها النوراني، سوف ~~تنفك من إسار دورة الميلاد والموت، وتصعد عبر عمود الصبح إلى القمر ومنه ms222 ~~إلى الشمس فإلى النور الأعلى، تاركة جسدها إلى الأبد في عالم المادة ~~الظلامية. وعندما تصل حدود النور تخرج لاستقبالها عذراء سماوية رائعة هي ~~تجسيد لعرفان الفرد ولعمله الصالح، ووراءها ثمانون ملاكا مزينين بالورود ~~يأخذون بيد الروح العارفة ويقودونها إلى جنة النور لتذوق السعادة الأبدية ~~هناك. وأما الروح الجاهلة الراسفة في أغلال المادة فإنها تبقى في إسار ~~دورة التناسخ حتى نهاية الدهر، وعقب كل موت يأتيها ملائكة العذاب فيوبخونها ~~ويذكرونها بأفعالها السيئة ثم يذيقونها أصناف العذاب، وتترك بعد ذلك ~~لتتقمص في جسد جديد، وهكذا فمن تقمص إلى آخر حتى قيام الساعة. عندما ~~تقترب الساعة وتأتي عملية استصفاء النور إلى نهايتها، تحدث كوارث طبيعية في ~~كل مكان، ثم يظهر مخلصان واحد يدعى ميترا المزيف وهو المخلص الدجال، ~~وآخر هو ميترا الحقيقي الذي يقود الحرب العظمى الأخيرة بين قوى النور وقوى ~~الظلام، والتي تنتهي بالنصر المؤزر للنور، عند ذلك يجتمع المؤمنون ~~المبعثرون، ويتم تجديد المعبد وإنقاذ الكتب المقدسة، ويقوم ملكوت الرب على ~~الأرض، وهو ملكوت يحكمه يسوع المسيح لفترة قصيرة من الزمن قبل أن يلتحق ~~بالعالم النوراني. بعد ذلك تنطبق السماء على الأرض، وتندلع نيران في كل ~~مكان تبقى مضطرمة حتى ترفع بقية ذرات النور نحو الأعلى، ويموت الجميع ~~وتفنى أجسادهم، أما أرواحهم فتبعث إما إلى نعيم وإما إلى جحيم. أما ~~الشيطان وزبانيته فيجمعون في كتلة سوداء هي بقية المادة الظلامية، ترمى ~~في أعماق حفرة كونية هائلة ويسد عليها بحجر ضخم. ~~(3) الأخلاق والعبادات # أورد الشهرستاني مقطعا مقتضبا حول الأخلاق والعبادات المانوية قال ~~فيه: «وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها ، والصلوات الأربع في ~~اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق، وترك الكذب والقتل، والسرقة، والزنا، ~~والبخل، والسحر، وعبادة الأوثان، وأن يأتي على ذي روح ما يكره أن يؤتى إليه ~~بمثله.» غير أن المصادر الأخرى تعطينا مزيدا من التفاصيل حول هذه ~~النقطة. فالأخلاق والعبادات المانوية ليست واحدة بالنسبة لجميع فئات ~~الكنيسة. لقد ذكرنا في حديثنا عن مراتبية كنيسة ماني أنها تتألف من ~~أربع فئات ms223 رهبانية وفئة خامسة تشتمل على عامة المؤمنين. يدعى أهل الفئات ~~الرهبانية بالمجتبين أو الصديقين، ويدعى أهل الفئة العريضة الخامسة ~~بالسماعين. وتختلف قواعد السلوك والعبادات المفروضة على المؤمن المانوي ~~تبعا لانتمائه إلى إحدى هاتين الشريحتين، وبشكل عام يلتزم الصديقون من ~~الشريحة الرهبانية خمس وصايا سلوكية وأخلاقية هي: ~~(1) # طهارة الفكر واللسان، فلا يتداول العقل إلا الأفكار الحسنة ~~ويبتعد عن الأفكار والعواطف السيئة كالحسد والضغينة وما إليها، ولا ~~يصدر عن اللسان إلا الصدق وكلام الحق. ~~(2) # التزام اللاعنف تجاه الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات، ~~فلا يقتل الصديق حيوانا ولا يقطع شجرة ولا يجني ثمارا أو يحصد ~~غلالا. ~~(3) # الامتناع عن أكل اللحم وشرب الخمر والتزام الغذاء النباتي. وبما ~~أن تحضير الأغذية النباتية يتضمن خطيئة مباشرة بحق الحياة ~~النباتية، فإن الصديقين يعتمدون على السماعين في هذه المهمة ~~ولا يمارسونها بأنفسهم، وعندما تقدم الأغذية النباتية إلى أحد ~~الصديقين من أحد السماعين يقبلها منه ويصلي من أجله لكي تغفر ~~خطيئته، وقبل تناول الخبز يقول: لم أحصدك ولم أطحنك ولم أخبزك، بل ~~فعل ذلك شخص آخر، لذا أتناولك دون إثم. ~~(4) # العزوف عن الزواج وعن المعاشرة الجنسية، من أجل معاكسة خطة ~~الشيطان في حبس مزيد من النور في كثافة المادة عن طريق المواليد ~~الجدد. يضاف إلى ذلك أن المانويين اعتقدوا أن السائل الحيوي في ~~الرجل يحتوي على قدر كبير من النور المركز، فكانوا حريصين على عدم ~~تسرب هذا النور إلى الخارج. ~~(5) # الفقر وعدم امتلاك أي شيء من متاع الدنيا. # إن الصديقين وحدهم هم المؤهلون للخلاص والانعتاق من دورة تناسخ ~~الأرواح، في حال التزامهم بالوصايا وتفرغهم لحياة الزهد والتأمل التي تقود ~~إلى العرفان. وبما أن نمط الحياة هذا يحول بينهم وبين أداء كل ما هو ~~عملي، فقد كان على السماعين مساندتهم بالطعام والشراب والكساء وكل ما ~~يلزمهم للتفرغ لمهامهم الروحية، وسيكون أجر المحسن منهم أن يتقمص في جسد ~~صديق في تناسخه المقبل. وقد أحل ماني لشريحة السماعين معظم ما حرمه ~~على الصديقين، فقد أباح لهم أكل اللحم والزواج والإنجاب وممارسة ms224 النشاطات ~~العملية اللازمة لاستمرار الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وفرض عليهم خمس ~~وصايا سلوكية وطقسية، هي: ~~(1) # مراعاة عشر قواعد سلوكية أهمها الامتناع عن الزنا، والإخلاص ~~الزوجي، والتزام اللاعنف تجاه الكائنات الحية. ~~(2) # تأدية الصلوات الأربعة في كل يوم، وهي صلاة الفجر وصلاة الظهر ~~وصلاة المغرب وصلاة العشاء، وتسبق الصلاة عملية الوضوء. ~~(3) # تنحية العشر من أموالهم ينفق على الفقراء، ولدعم حياة الرهبنة ~~التي يعيشها الصديقون. ~~(4) # الصيام يوم الأحد من كل أسبوع، وصيام الشهر المقدس كل سنة، وهو ~~الشهر الذي يسبق العيد الكبير المدعو بيما. ~~(5) # ممارسة الاعتراف بالخطايا كل يوم اثنين أمام الكاهن. وهناك ~~اعتراف جماعي يتلى في العيد الكبير لغفران خطايا الجماعة ~~المانوية. ~~(4) انتشار المانوية # انتشرت المانوية في سورية خلال حياة ماني، ومنها انطلقت إلى مصر حيث ~~تشكلت جماعات مانوية قوية التأثير في الحياة العامة والسياسية، كما دانت ~~إمارة الحيرة العربية بالمانوية عندما اعتنق ملكها عمر بن عدي ديانة ماني، ~~وصار من أشد المدافعين عنها خلال فترة حكمه التي امتدت من سنة 270 إلى ~~سنة 300 ميلادية. ومن الحيرة خرجت بعثات تبشيرية إلى جزيرة العرب، على ما ~~يروي الجغرافي العربي ابن رستة، فوصلت حتى مكة واستمالت بعض أهلها. بينما ~~يروي المؤرخ ابن قتيبة أن بعض القرشيين قد أحضروا هذه البدعة، كما ~~يسميها، إلى ديار العرب. ومن مصر انتشرت المانوية إلى شمال أفريقيا وإلى ~~إسبانيا، كما عبرت سورية إلى آسيا الصغرى واليونان وإليريا وإيطاليا ~~وبلاد الغال، وجميع هذه المناطق كانت من أصقاع الإمبراطورية الرومانية. ~~ولقد رأت روما في المانوية بدعة إيرانية، وفي أتباعها نوعا من الطابور ~~الخامس الذي يعمل لصالح العدو، فابتدأ الاضطهاد المنظم للمانويين منذ عهد ~~الإمبراطور ديوقليان الذي أصدر مرسوما يقضي بإحراق جميع المؤلفات المانوية ~~أنى وجدت، وقتل المانويين ومصادرة أملاكهم. # ونحو الشرق توطنت المانوية في المناطق الهندية القريبة من إيران منذ ~~حملة ماني التبشيرية الأولى، واعتنق ملك طورفان المانوية وجعلها ديانة ~~رسمية للدولة. وبعد وفاة ماني حمل حواريوه المعتقد وتوغلوا به شرقا فصارت ~~مدينتا سمرقند وطشقند الحاضرتين الرئيسيتين لإقليم الصغد بمثابة قاعدة ms225 ~~انطلاق للحملات التبشيرية على طول طريق الحرير وصولا إلى الصين، حيث دخل ~~المبشرون البلاط الصيني وشرحوا معتقدهم للإمبراطور. وحوالي عام 760م ~~صارت المانوية الديانة الرسمية لمملكة أويغور الصينية الحدودية، التي كانت ~~تسيطر على أجزاء كبيرة من مناطق آسيا الوسطى، وبعد انهيار المملكة بعد قرن ~~من الزمان، استمرت العقيدة المانوية في الصين من خلال جماعات سرية حتى ~~القرن الرابع عشر. # ولكن الاضطهاد الذي وقع على المانوية من قبل روما أولا ثم الكنيسة ~~المسيحية ثانيا فالخلافة العباسية، قد أدى إلى أفولها التدريجي حتى تلاشت ~~تماما مع مطلع العصور الحديثة. # خلاصة # تعتبر المانوية بحق نموذجا كاملا عما أسميناه في مطلع هذا البحث ~~بالثنوية المطلقة. فعالم النور وعالم الظلام أصلان قديمان أزليان ومستقلان ~~عن بعضهما البعض. وعلى حد قول فاوست تلميذ ماني في حواره مع القديس ~~أوغسطين: «إني أبشر أن هنالك عنصرين رئيسيين هما الله والمادة، فأعزو ~~كل ما هو شرير إلى المادة، كما أعزو كل خير إلى الله.» وبذلك يحل المعتقد ~~المانوي مشكلة وجود الشر في العالم بطريقة أكثر جذرية من بقية المعتقدات ~~الثنوية. فالله ليس مسئولا بشكل مباشر أو غير مباشر عن وجود الشر، لأن ~~هذا الشر قد نجم عن المبدأ الثاني المستقل. فلا الشيطان انبعث عن الرحمن ~~كما هو الحال في الثنوية الزرادشتية، ولا هو مخلوق من قبل الرحمن تمرد ~~وعصى عليه كما هو الحال في الثنوية الأخلاقية. # ورغم توكيد ماني على الأخلاق الاجتماعية وتوسيعه مفهوم السلوك الأخلاقي ~~ليشتمل على علاقة الإنسان بجميع مظاهر الحياة، إلا أن هذه الأخلاق لا ~~تقود في حد ذاتها إلى الخلاص، مثلما لا يقود الإيمان إليه، وإنما هي ~~وسيلة تطهير من شأنها تحضير النفس لتحقيق العرفان، وهو الطريق الوحيد ~~للانعتاق. # مراجع الفصل ~~(1) # Geo Widengren, Mani and Manichaenism, New York ~~1965. ~~(2) # Gerardo Gonoli, Mani-Manichaenism, in: ~~Encyclopedia of Religion, vol. 9. ~~(3) # Robert Haurdt, Mani and Manichaenism, in: The ~~Other Bible, chapter 9. ~~(4) # جيو ودينغرين: ماني والمانوية، ترجمة د. سهيل زكار، دار حسان. ~~دمشق 1985. ~~(5) # ابن النديم: الفهرست، تحقيق د. ناهدة عباس عثمان، ms226 الدوحة 1985، فصل ~~المنانية، ص644 وما بعدها. ~~(6) # الشهرستاني: الملل والنحل، دار المعرفة بيروت، المجلد الأول، ~~الباب الثالث، الفصل الثاني. # الفصل التاسع # | الكاثارية # انتشر في أرمينيا في وقت مبكر، شكل من المسيحية غير الأرثوذكسية، على يد ~~مبشر يهودي مسيحي قدم من أورشليم يدعى عاديا، الذي بشر بعقيدة تقول ~~بأن المسيح ليس ابن الله، بل هو كائن بشري تبناه الله وجعل منه ابنا له. ~~ثم تطور ضمن هذه العقيدة تنويع آخر يقول بوجود إلهين أعليين لا إله واحد، ~~الأول هو الآب السماوي الأعلى، والثاني هو خالق هذا العالم. وعندما تأسست ~~الكنيسة الكاثوليكية عام 302م وصارت كنيسة رسمية للدولة، تم تصنيف هذه ~~المسيحية الأرمنية في زمرة الهرطقات الكبرى. وبمرور الوقت وازدياد ملاحقة ~~واضطهاد الفرق الغنوصية والمرقيونية، توافد إلى أرمينيا عدد كبير من أتباع ~~هذه الفرق هربا بعقائدهم، وشكلوا تدريجيا، مع أتباع عقيدة التبني، ~~مذهبا ذا مسحة غنوصية مسيحية عرف بالمذهب البولسي. إلا أن أباطرة ~~بيزنطة تابعوا الضغط على هذه الجماعات وعملوا على تشريدها وتهجيرها، فنزح ~~فريق منهم إلى البلقان وبلغاريا، وهناك تلاقحت أفكارهم مع أفكار جماعات محلية ~~غير أرثوذكسية، ونجم عن ذلك مذهب قوي آخر عرف بمذهب البوجوميل. # يقول البوجوميل بثنوية معتدلة لا تجعل من الشيطان إلها مستقلا، بل ~~تجعله ابنا لله خرج على طاعته وعصاه. فهم يؤمنون بإله واحد أعلى هو الإله ~~المسيحي الطيب صانع كل ما هو خير وحسن، ويعتقدون بأن هذا الإله الطيب قد ~~أنجب ابنه البكر لوسيفر، الذي يعني اسمه «حامل الضياء» نظرا لشدة بريقه ~~ولمعانه، إلا أن لوسيفر هذا عصى أباه وسقط من المستوى الروحاني الأعلى ~~بمحض إرادته الحرة التي وهبه إياها أبوه، وصار اسمه ساتانا-إيل، أي ~~الشيطان. والبوجوميل، إذ يتبنون قصة التكوين التوراتية، فإنهم يعزونها ~~إلى الشيطان لا إلى الله. فقد خلق الشيطان بعد عصيانه السماوات والأرض، ~~انطلاقا من المادة القديمة المتمثلة بالمياه الأولى التي كان روح الله يرف ~~فوقها. # مع حلول القرن العاشر الميلادي كان البوجوميل قد وطدوا أنفسهم في أوربا ~~الوسطى، ثم بدأوا بهجوم عقائدي معاكس ms227 على مناطق بيزنطة، فكان لهم جماعات سرية ~~في كل مكان تقريبا من آسيا الصغرى والمناطق الأخرى للإمبراطورية البيزنطية، ~~ثم توجهوا نحو شمال إيطاليا حيث شكلت جماعات قوية منهم كنيسة جديدة خلال ~~القرن الحادي عشر دعيت بالكنيسة الكاثارية كان للمانوية تأثير كبير على ~~عقائدها. ومن إيطاليا انتشرت الكاثارية غربا وتوطنت بشكل خاص في ~~الجنوب الفرنسي، حيث عاشت في حرية مطلقة وصنعت ثقافة راقية تعد من أرفع ~~ثقافات العصور الوسطى الأوربية. # من بين الفرق الغنوصية التي عبرت المحن وعاشت حتى القرون الوسطى، كانت ~~الفرقة الكاثارية أكثرها نجاحا وانتشارا، وأشدها خطورة على الكنيسة ~~الرسمية من أية هرطقة أخرى. تركز الكاثاريون بشكل خاص في مقاطعة ~~Lanuedoc في الجنوب الفرنسي، فيما بين مدينة بوردو شمالا وسفوح البيرينيه ~~على حدود إسبانيا جنوبا، ولم تكن هذه المقاطعة في مطلع القرن الثاني عشر ~~جزءا من فرنسا، بل منطقة مستقلة بلغتها وثقافتها ونظامها السياسي، يحكمها ~~عدد من الأسر النبيلة برئاسة كونت تولوز وعائلة ترانسفال القوية. ضمن هذه ~~المنطقة الواسعة التي تضم عشرات المدن من بينها ألبين ومونبلييه وتولوز ~~ومرسيليا، نشأت ثقافة كثارية متميزة كانت الأكثر تطورا في الغرب المسيحي ~~بعد بيزنطة. فقد انتشر فيها التعليم، ونشطت التيارات الفكرية والفلسفية ~~المختلفة، وعلا شأن الشعر والشعراء، وتعلم الطلاب اللغات اليونانية ~~واللاتينية والعربية والعبرية، وتأسست مدارس للفكر الصوفي الإيزوتيري مثل ~~القابالا وغيرها. وكان النبلاء يرعون هذه النشاطات ويشاركون فيها، في الوقت ~~الذي لم يكن فيه نبلاء الشمال قادرين على كتابة أسمائهم. ونظرا لقرب المنطقة ~~من مركز الإشعاع الحضاري في الأندلس، فقد جاءتها تأثيرات عربية مباشرة، سواء ~~عن طريق الموانئ التجارية أم عبر جبال البيرينيه. # دعيت هذه الهرطقة الوسيطية بالكاثارية # Gatharism # نسبة إلى # Cathari # التي تعني نقي أو طهور، كما دعيت ~~بالألبينية نسبة إلى مدينة ألبين # Albin # وهي ~~المركز الرئيسي لانتشارها في جنوب فرنسا. وقد ربط معاصروها بينها وبين ~~الهرطقات الأسبق مثل الأريوسية والمرقيونية والمانوية. ورغم أن ~~الكاثارية قد صارت إلى ما يشبه العقيدة الرسمية لمجتمع ونظام سياسي، ~~إلا أنها لم تشكل كنيسة ms228 دينية بالمعنى المسيحي أو المانوي، ولم ~~تتحول إلى أيديولوجيا دينية مصاغة في قالب منمط، بل كانت تضم عددا من ~~الطوائف التي يتبع كل منها مرشدا روحيا ويتكنى باسمه. ورغم اختلاف هذه ~~الطوائف في تفاصيل المعتقد والممارسة، إلا أنها تتفق جميعا حول عدد من ~~مبادئ العقيدة، وعلى رأسها العرفان وتناسخ الأرواح والثنوية الكونية. # رفض الكاثاريون المؤسسة الدينية كوسيط بين الله والناس وكمفسر لوحي ~~الكتاب، كما رفضوا مفهوم الإيمان واستبدلوا به مفهوم العرفان الداخلي الذي ~~يؤدي إلى الانعتاق من دورة التناسخ. وقد استتبع ذلك عندهم رفض فكرة المسيح ~~المخلص المتجسد، ورفض المضمون الخلاصي لواقعة الصلب، والصليب كرمز لخلاص ~~الإنسانية، بل لقد رأوا في الصليب رمزا لأمير الظلام حاكم العالم المادي ~~والعدو الأول لمبدأ الخلاص، ورأوا في كنيسة روما تجسيدا لسلطان أمير الظلام ~~على العالم. ومع ذلك فقد اعتبروا أنفسهم المسيحيين الحقيقيين، واعتقدوا بمسيح ~~سماوي لم يتجسد في إنسان، لأن الجسد الإنساني ينتمي إلى عالم المادة ~~المظلمة صنيعة الشيطان، ومن غير الممكن للمسيح أن يلبس جسدا ويبقى مع ذلك ~~ابنا لله. # لا يقف المعتقد الثنوي للكاثارية عند حدود الثنوية الأخلاقية ~~المسيحية، بل يتعداه إلى ثنوية كونية تتخلل جميع مظاهر الوجود، نقيضاها ~~مبدآن تصارعان على كل صعيد، المبدأ الأول روحاني جوهره الحب، والمبدأ الثاني ~~مادي جوهره القوة. الأول هو الله والثاني هو الشيطان، وبما أن الخلق ~~والتكوين هو عمل من أعمال القوة لا من أعمال الحب، فإن العالم المادي في ~~اعتقادهم قد صنعه الشيطان، ملك الدهر وأمير هذا العالم. من هنا فإن المادة ~~بأشكالها جميعها شر، بما في ذلك جسد الإنسان. فبعد أن انتهى أمير الظلام من ~~صنع العالم وجاء إلى صنع الإنسان، وجد نفسه غير قادر على بث الحياة في جسد ~~الزوجين الأولين، فعمد إلى اصطياد روحين ملائكيتين من الأعالي وسجنهما في ~~الهيئة المادية التي صنع، فنهض أمامه آدم وحواء بشرا سويا بجسد ظلامي وروح ~~نورانية. ولما كان ملك العالم راغبا في مزيد من احتباس الروح في المادة ~~الكثيفة، فقد أغوى آدم وحواء ms229 وزين لهما الفعل الجنسي الذي يقود إلى ~~التكاثر، فكانت خطيئة الإنسان الأصلية. # ولكن الإنسان قادر على إزالة أثر الخطيئة الأصلية من خلال التعرف على ~~أصله النوراني ومقاومة كل تأثير للعالم المادي عليه، وهو في سعيه لتحرير روحه ~~إنما يشارك في الوقت نفسه بالجهد الخلاصي الكوني، الذي يهدف إلى القضاء ~~على مملكة الشيطان. غير أن سعي الإنسان هذا يبقى قاصرا دون مدد من الأب ~~النوراني الأعلى، الذي شعر بالعطف نحو ملائكته الساقطة المحبوسة في أجساد ~~بشرية مادية، وغفر للإنسان خطيئته الأصلية التي ارتكبها جهلا لا اختيارا، ~~فأرسل ابنه المسيح لمساعدتهم على الخلاص، كما أمدهم بالروح القدس لتوجيههم ~~وتعليمهم. هذا المسيح الابن ليس كلمة الله المتجسدة في بشر، ولم يكن له ~~جسم مادي رغم ترائيه للناس في هيئة وشكل، بل كان أشبه بحضور ملائكي منظور ~~ومسموع، ولهذا لم يكن له أن يصلب أو يموت أو يعاني الآلام الأرضية، رغم ~~أنه قد تألم في الأعالي من أجل الإنسانية وتعاطف معها، ولهذا أيضا لا ~~يستطيع الإنسان أن يلتمس المسيح في الكنائس لأنها ليست بيتا له، بل يلتمسه ~~في هيكل النفس ويطلب عونه على الخلاص بالمعرفة. وعندما تنتصر الإنسانية على ~~الشيطان وتخلص من ربقته، فإن هذا الانتصار لن يتوج ببعث الأجساد التي ~~تعود للاتحاد بأرواحها، بل بتدمير الجسد مع ما يتم تدميره من عالم الشيطان في ~~نهاية الأزمان، التي تشهد السيادة النهائية للعالم الروحاني بعد فناء العالم ~~المادي وقهر صانعه. # تختلف ثنوية المعتقد الكاثاري عن ثنوية البوجوميل المعتدلة، في النظر ~~إلى طبيعة تناقض المبدأين. فالتناقض بين المبدأين لدى الكاثارية هو تناقض ~~مطلق وتعارضهما أزلي، لأنهما مبدآن مستقلان ومنفصلان أصلا، ولم ينشأ أحدهما ~~عن الآخر، والكاثارية في ذلك أقرب إلى المانوية من أي معتقد غنوصي آخر. ~~فالخيار الحر لم يكن السبب في سقوط الشيطان وانفصاله عن الرحمن، لأن ~~الشيطان كان موجودا في استقلال قديم ولم يكن للرحمن في أي وقت سلطان عليه، ~~رغم أنه سيربح حربه تدريجيا ضده في نهاية الأزمان. وكما لم تكن الحرية ~~سببا ms230 في سقوط الشيطان، فإنها لم تكن أيضا سببا في سقوط الإنسان، ولن ~~تكون مفيدة في خلاصه. فالإنسان قد سقط عنوة في إسار الشيطان، ولن يتحرر من ~~هذا الإسار حتى وإن اختار الوقوف إلى جانب الخير وقاوم الشر، بل يتوجب عليه ~~أن يمر في دورات تناسخ عديدة، يعمل خلالها على تكميل معرفته وتطهير روحه في ~~عالم المادة، الذي هو الجحيم بعينه ولا جحيم غيره. هذا التطهير التدريجي يتم ~~عن طريق رفض العالم رفضا كليا ونبذ الشروط التي تجعل الوجود الإنساني ~~ممكنا، وهذا يعني الامتناع عن الزواج والمعاشرة الجنسية التي تؤدي إلى ~~الإنجاب، والامتناع عن أكل الحيوان لأنه نتاج عملية التناسل المادية، وعدم ~~تملك أي شيء من متاع الدنيا وممارسة الزهد والتقشف إلى أبعد حد ممكن. وعلى ~~النطاق الأخلاقي، على الكاثاري التزام الصدق وحسن معاملة الآخرين، وعدم ~~إيذاء جميع الكائنات الحية. # ولما كان هذا النهج عسيرا على الناس كلهم، فقد انقسم الكاثاريون على ~~طريقة المانويين إلى شريحتين؛ الأولى شريحة رهبانية منذورة للخلاص القريب، هي ~~فئة الكاملين التي تلتزم السلوكيات والأخلاقيات الكاثارية بحذافيرها، ~~وتتفرغ للتأمل والمعرفة الباطنية، والثانية هي فئة سواد المؤمنين التي ~~تمارس حياتها الاعتيادية وتتبع سلوكيات وأخلاق كاثارية أقل صرامة، ~~وتدعم شريحة الكاملين وتقبل توجيهها الروحي، على أمل الالتحاق بهؤلاء ~~الكاملين في حيوات وتناسخات مقبلة. وبما أن الانتماء إلى جماعة الكاملين ~~متاح أمام الجميع ولمن يجد في نفسه القوة الروحية اللازمة، فإن باب السماء ~~قريب ومفتوح لكل من يشاء اختصار دورة الحياة والموت والإسراع إلى الأبدية. ~~يتم قبول المريدين الجدد إلى جماعة الكاملين بعد طقس إدخالي خاص يؤمن عبور ~~المريد من عالم ملذات الدنيا الفانية إلى عالم متع الروح الصافية. ومن أهم ~~فقرات هذا الطقس عملية التعميد الروحي التي تتم بوضع يد الشيخ على رأس ~~المريد. بعد فترة اختبار تدوم عاما كاملا يكشف الشيوخ للمريدين المقبولين ~~عن التعاليم السرية للعقيدة المخفية عن عامة الناس، ويغدو هؤلاء أعضاء عاملين ~~في سلك الرهبنة الكاثارية. # حوالي عام 1200م، شعرت الباباوية الكاثوليكية بأن المقاطعة ~~الكاثارية ms231 في فرنسا وجيوبها المتفرقة المتفقة في معظم أرجاء الغرب ~~المسيحي، باتت تشكل خطرا حقيقيا عليها، فأعد البابا لحملة عسكرية ~~دعاها بالحملة الصليبية الألبينية، ووجهها إلى جنوب فرنسا عام 1209. كان ~~قوام الحملة ثلاثين ألفا من الفرسان والمشاة انحدروا من الشمال الأوروبي ~~كالإعصار نحو مقاطعة الكاثارية، وكان أجرهم ما يحصلون عليه من أسلاب ~~وغنائم إضافة إلى صك غفران ومكان لهم في الجنة. أحرق الصليبيون الجدد الأرض، ~~ومسحوا المدن الآمنة فسووها بالتراب وأفنوا سكانها عن بكرة أبيهم تقريبا. ~~ففي مدينة Beziers وحدها جرى قتل خمس عشرة ألف نسمة بين رجل وطفل وامرأة، ~~ناهيك عن عدد القتلى في عشرات المدن ومئات القرى. ويروي أحد مؤرخي تلك الحملة ~~أن قائدها سأل ممثل البابا لديه عن الكيفية التي يميز بها الهراطقة من ~~غيرهم في المدن المفتوحة قبل إعمال السيف بهم، فأجابه: اقتلهم جميعا واترك ~~لله أن يميز رعيته بينهم. وقد أرسل هذا الممثل البابوي في تقريره إلى الحبر ~~الأعظم يقول: إن السيف لم يميز ضحاياه تبعا للسن أو الجنس أو المكانة ~~الاجتماعية. ولكن هذه الحملة الألبينية الأولى لم يقدر لها أن تنتهي بسرعة ~~رغم النجاحات التي حققتها الهجمات الأولى، وذلك بسبب المقاومة العنيفة التي ~~أظهرها الكاثاريون وتراجعهم نحو المناطق الوعرة والصعبة والحصون المنيعة. ~~وكان على جيش البابا أن يحارب مدة أربعين سنة أخرى، في كر وفر وعلى فترات ~~تطول وتقصر، وذلك حتى عام 1244 عندما سقطت مدينة Monstegur وكانت آخر معقل ~~كاثاري. وبذلك تم محو أهم وأرقى ثقافة قروسطية عن الخارطة الأوروبية ~~المظلمة. # لم يندثر الفكر الكاثاري عقب زوال الحضارة الكاثارية في جنوب ~~فرنسا، بل اتخذ أشكالا جديدة، وحملته إلى العصور الحديثة حركات سرية تسمت ~~بأسماء شتى منها: # The Brothers of the Free ~~Spirit ~~، # The Hussites ~~، # The Waldensians ~~، # The ~~Anabaptists ~~، # The ~~Camisard ~~. وقد بقي نشاط الفرقة الأخيرة فاعلا حتى القرن ~~الثامن عشر وكان لها وجود قوي في لندن. هذا ويتابع بعض مؤرخي عقائد الهرطقة ~~تناسخ العقيدة الكاثارية، فيعزون إليها تشكيل جماعة فرسان المعبد ~~المعروفة في الحروب ms232 الصليبية على الشرق العربي، كما يعزون إليها تشكيل طوائف ~~الصليب الوردي التي ما زالت تعلن عن وجودها اليوم في المدن الأمريكية الكبرى ~~وفي معظم العواصم الأوروبية، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالمحافل ~~الماسونية. # مراجع الفصل ~~(1) # Michael Baigent, The Holy Blood and the Holy ~~Grail, Jonathan Cape, London 1982. ~~(2) # Cathari, in: Encyclopedia of Religion, vol. ~~1. ~~(3) # Gnosticism, in: Encyclopedia of Religion, vol. ~~2. # الفصل العاشر # | أمير هذا العالم # الشيطان في اللاهوت المسيحي # لم يبشر يسوع بإله جديد، بل كان ظاهر تعاليمه يشير على الدوام إلى ~~إله العهد القديم. ومع ذلك فقد أحدث انقلابا داخل المؤسسة الدينية اليهودية ~~أعظم أثرا من كل ما فعله الفكر المنحول، والفكر الغنوصي اليهودي على حد ~~سواء. لقد أسس لعهد جديد بين الله الحقيقي وبني الإنسان جميعهم، وألغى ~~العهد القديم عهد يهوه مع بني إسرائيل. فإله يسوع هو الألوهة السرمدية فيما ~~وراء الزمن، وهو الواحد خالق العالم وصانع التاريخ، هو المتعالي ولكنه ~~مرتبط مع العالم والإنسان برابطة الحب، وملتزم بخلاص العالم والإنسان منذ ~~اللحظة التي داخل الشر فيها نسيج العالم الحسن والطيب. هو الحق والعدل، الخير ~~ومنبع الخير، وهو فوق كل شيء إله أخلاق يأمر بها ويكافئ عليها، ولا يطلب من ~~الإنسان سوى الإيمان والعمل الطيب، وهما المرتكزان الرئيسيان للعقيدة ~~المسيحية. # لما كانت أهم صفات الله في علاقته بالعالم هي الحق والخير والعدل، ~~وجميعها تنفي مسئولية الآب السماوي عن وجود الشر في العالم، فقد لجأ المعتقد ~~المسيحي إلى حل هذه المعضلة عن طريق تبنيه لجواب قديم في صيغة جديدة، وذلك ~~بابتكاره لأول مرة مفهوم الثنوية الأخلاقية التي تجعل للشيطان سلطانا على ~~الحياة النفسية والمجتمعية للإنسان من دون بقية مظاهر الكون. هذه السلطة التي ~~اكتسبها الشيطان منذ غوايته الأولى للإنسان، قد أطلقت تاريخا ديناميا يسير ~~عبر ثلاث مراحل إلى نهاية محددة، ينتهي عندها الزمن والتاريخ وتدخل البشرية ~~في الأبدية، كل ذلك يجري وفق خطة خلاصية أعدها الآب من البدء، وهو يسير بها ~~الآن حتى نهايتها، لأنه: «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ms233 ابنه الوحيد لكيلا ~~يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (إنجيل يوحنا، 3: ~~16). # قبل أن نعمد إلى شرح مفهوم التاريخ ومراحله في اللاهوت المسيحي، سوف ~~نتوقف عند المعلومات المتفرقة في أسفار العهد الجديد عن منشأ الشيطان ~~وتأسيسه لمملكة الظلام والشر وعن مصيره المرتقب. ~~(1) الشيطان في الأناجيل # لا تقدم لنا أسفار العهد الجديد رواية متسقة ومطردة عن منشأ ~~الشيطان، لأنها اعتمدت على لاهوت للشيطان كان الفكر المنحول قد نسجه ~~ببطء، حتى صار جزءا من العقيدة الشعبية والرسمية في فلسطين. من هنا فإن ~~معظم الإشارات التي أوردها مؤلفو هذه الأسفار تلمح إلى ما كان السامع أو ~~القارئ يعرفه ويألفه، مع إضافتها لظلال وألوان جديدة على تلك الصورة ~~المألوفة. # فالشيطان ليس كائنا شريرا فحسب، وإنما هو صاحب مملكة للشر تسود في ~~هذا العالم. وقد قارن إنجيل متى بين مملكة الشيطان هذه ومملكة الله التي ~~ستبنى على أنقاضها بظهور يسوع المخلص. فعندما رأى الفريسيون أن يسوع ~~يخرج الشياطين من أجسام المجانين قالوا: «هذا لا يخرج الشياطين إلا ~~ببعل زبوب رئيس الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم: كل مملكة تنقسم على ~~نفسها تخرب، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته، فكيف تثبت ~~مملكته؟ ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت ~~الله» (متى، 12: 24-28). وللشيطان سلطان على هذا العالم قد دفع إليه ~~مؤقتا وهو يتصرف به كما يشاء. فعندما أخذ الشيطان يسوع إلى البرية ليجربه ~~أربعين يوما، ثم يئس من الإيقاع به، أخذه إلى جبل عال وأراه جميع ممالك ~~الدنيا وقال له إن سلطان هذه الممالك ومجدها قد دفع إليه يتصرف بها ~~ويعطيها من يشاء، فإن سجد له وهبه سلطة على العالم. نقرأ في إنجيل لوقا: ~~«ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من ~~الزمان، وقال له إبليس: لك أعطي هذا السلطان كله ومجده، لأنه إلي قد ~~دفع وأنا أعطيه من أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع. فأجابه يسوع ~~وقال: اذهب ms234 يا شيطان إنه مكتوب للرب تسجد وإياه وحده تعبد» (لوقا، 4: ~~5-8). # بسبب هذا السلطان الذي لإبليس على العالم، فقد دعاه إنجيل يوحنا برئيس ~~هذا العالم، ولكن رئاسته تتضعضع مع مجيء يسوع وستنتهي في يوم الدينونة: ~~«الآن دينونة هذا العالم. الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجا. وأنا إن ~~ارتفعت عن الأرض أجذب الجميع إلي» (يوحنا، 12: 31). ودعاه بولس الرسول ~~بإله هذا الدهر، لما له من سلطان على المرحلة الثانية من مراحل التاريخ: ~~«ولكن إن كان إنجيلنا مكتوما، فهو مكتوم في الهالكين، الذين فيهم إله هذا ~~الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح» ~~(2 كورنثة، 4: 3-4). وأطلق عليه بولس أيضا وعلى زبانيته لقب سلاطين ~~وحكام الظلام: «البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد ~~إبليس، لأن مصارعتنا ليست مع كائنات من لحم ودم بل مع الرؤساء، مع ~~السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر» (إفسوس، 6: 11-13). # أما عن الاسم «الشيطان» فهو من الجذر العبري «شطن» الذي يتضمن ~~معنى المقاومة والمعاندة، وعن الاسم الآخر «إبليس»، فهو من الأصل اليوناني ~~«ديابولوس» الذي يعني المشتكي زورا، ومن هذا الأصل اليوناني أيضا جاءت ~~كلمة Devil أي الشيطان، في اللغة الإنكليزية ولغات أوروبية أخرى. ويدعى ~~أيضا بالتنين وبالحية القديمة (رؤيا يوحنا، 12: 9)، وبالأسد الزائر (بطرس، ~~5: 8)، وبالكذاب وأبو الكذاب (يوحنا، 8: 44)، وببعل زبوب رئيس الشياطين ~~(متى، 12: 24). ويستخدم بولس في بعض رسائله الاسم المعروف لدينا من ~~الأسفار التوراتية المنحولة، وهو بليعال: «لا تكونوا تحت نير مع غير ~~المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة، ~~وأي اتفاق للمسيح مع بليعال» (2 كورنثه، 6: 15). # يتخذ الشيطان من النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني مجالا رئيسيا ~~لنشاطه. يشبهه بولس الرسول بأسد يزأر على الدوام باحثا عن فريسته: ~~«اصحوا واسهروا، إبليس خصمكم، كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه، فقاوموه ~~راسخين بالإيمان» (1 بطرس، 5: 8-9). وهو يرسل زبانيته لتسكن في أجساد ~~الناس وتسبب لهم أعراض الصرع والجنون (متى، 9: 34 و12: 24؛ مرقس، 9: ~~17-27). وهو يجرب الناس ليوقعهم في ms235 الخطيئة، سواء بشخصه أم من خلال ~~زبانيته (1 تسالونيكي، 3: 5؛ 1 كورنثة، 7: 5) جاعلا منهم مقاومين الله ~~ذاته (أعمال، 5: 3). وهو روح رهيب بحيله ووساوسه وخدعه (2 كورنثة، 2: 11؛ ~~إفسوس، 6: 11؛ تيماوس، 3: 7 و6: 9)، يتخذ زي ملاك النور (2 كورنثة، 11: 4). ~~وهو وراء الخطيئة الأصلية (روما، 5: 12 و7: 7). ومنذ أن أخضع آدم وحواء ~~لسلطته فقد أخضع الجنس البشري لصولته الظالمة (إفسوس، 2: 1-3). في ظل هذا ~~الوضع على الإنسان أن يختار بين الله وإبليس، بين المسيح وبليعال (2 ~~كورنثة، 6: 15)، بين الحق والشرير (1 رسالة يوحنا، 5: 18). لأن الإنسان ~~في اليوم الأخير سيرتبط مصيره إلى الأبد هذا أو ذاك، فالمؤمن يهزم إبليس ~~باتحاده بالمسيح بالإيمان (إفسوس، 6: 10)، وكذلك بالصلاة: «أبانا الذي في ~~السماوات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على ~~الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، واغفر لنا خطايانا لأننا نحن أيضا ~~نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تدخلنا في التجربة، لكن نجنا من الشرير» ~~(إنجيل متى، 6: 9-13). # إن من يختار الله ومسيحه يكون واثقا من الانتصار، ولن ينهزم إلا ~~من يقبل الهزيمة (رسالة يعقوب، 4: 7؛ إفسوس، 4: 27). فلقد حققت قيامة ~~المسيح هزيمة إبليس بالفعل، ولكن المعركة لن تنتهي تماما إلا عند آخر ~~مشهد من مشاهد تاريخ الخلاص، وذلك في يوم الرب عندما يبيد المسيح في قدومه ~~الثاني كل قوة ورئاسة وسلطان لإبليس، ويسلم الملك للآب (1 كورنثة، 15: ~~24-28). وهنا يقدم لنا سفر الرؤيا، آخر أسفار العهد الجديد، صورة شديدة ~~الحيوية والتأثير عن حرب نهاية الزمن بين الملائكة والشياطين: «وحدثت حرب ~~في السماء. ميخائيل وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنين وملائكته ولم ~~يقووا، فلم يوجد مكانهم بعد ذلك في السماء. فطرح التنين العظيم، الحية ~~القديمة المدعو إبليس والشيطان الذي يضل العالم كله، طرح إلى الأرض ~~وطرحت معه ملائكته، وسمعت صوتا عظيما قائلا في السماء: الآن صار خلاص ~~إلهنا وقدرته وملكه ... ورأيت ملاكا نازلا من السماء معه مفاتيح الهاوية ~~وسلسلة عظيمة على يده، فقبض على التنين الحية القديمة، الذي هو إبليس ~~والشيطان، قيده ألف سنة وطرحه في الهاوية وأغلق عليه، ms236 وختم عليه لكيلا ~~يضل في الأمم فيما بعد» سفر الرؤيا مقاطع من الإصحاحين 12 و20. # أما عن أصل الشيطان ونشأته، فإن الإشارات المقتضبة في الأسفار تنسج ~~على منوال الفكر المنحول. فالشياطين هم ملائكة عصوا وأخطئوا، على ما نفهمه ~~من رسالة بطرس الثانية : «لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا، ~~بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء، ولم يشفق على ~~العالم القديم ... إلخ» (2 بطرس، 2: 4-5). وفي رسالة يهوذا نقرأ: «والملائكة ~~الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم ~~بقيود أبدية تحت الظلام» 6. هؤلاء الملائكة الساقطون هم أتباع إبليس الذين ~~تبعوه بعد عصيانه وصاروا ملائكة له بعد أن كانوا ملائكة العلي: «ومتى جاء ~~ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي ~~مجده ... ثم يقول للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي لترثوا الملكوت المعد ~~لكم ... ثم يقول أيضا للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار ~~الأبدية المعدة لإبليس وملائكته» (متى، 25: 31-41). # هذه هي أهم المعلومات التي يمكن استخلاصها من العهد الجديد عن الشيطان ~~ومملكته ودوره ونهايته، وهي غير كافية من أجل إعادة بناء لاهوت واضح عن هذه ~~الشخصية، رغم كل الأهمية التي أسبغت عليه باعتباره رئيس أو إله هذا ~~العالم، والشخصية الثانية في دراما الخلق والحياة الإنسانية وصيرورة ~~التاريخ. ذلك أن مؤلفي أسفار العهد الجديد كانوا يتوجهون إلى مؤمنين ~~نشئوا في بيئة مطلعة تمام الاطلاع على أسفار التوراة وعلى الأسفار ~~المنحولة، ولديهم فكرة عن لاهوت الشيطان الذي أسست له أدبيات ما بين ~~العهدين. غير أنه مع انتشار المسيحية خارج بيئتها الأولى وبين جماعات ذات ~~خلفيات دينية وثقافية مغايرة ومتباينة، صار لزاما على العقيدة المسيحية أن ~~تتقدم بلاهوت متسق ومتكامل عن الشيطان، وذلك في السياق العام لعقيدة ~~التكوين ومراحل التاريخ ونهاية الزمن. وهذا ما ابتدأت به المسيحية منذ أيام ~~القديس أوغسطين، وساهم به تدريجيا عدد من كبار المفكرين المسيحيين، ~~إلى أن صار للمسيحية معتقدها الناجز والمستقل ms237 عن لاهوت التوراة واللاهوت ~~المنحول على حد سواء، رغم انطلاقها من هذين المصدرين. وهذا ما سنخصص له ما ~~تبقى من هذا الفصل. ~~(1-1) السرمدية، أو ما قبل التاريخ ~~«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا ~~كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان» (إنجيل ~~يوحنا، 1: 1-2). # منذ الأزل لم يكن سوى الله. وجود مكتمل قيوم بذاته غير مخلوق، ~~جوهره النور، نور غير مخلوق مختلف عن النور المخلوق الذي ظهر فيما بعد، ~~إنه نور المجد. وكان هذا الوجود بطريقة غامضة وسرية ثلاثة في واحد ~~وواحد في ثلاثة، هم الآب والابن-الكلمة والروح القدس. منذ الأزل كان ~~الابن يصدر عن الآب والروح القدس يصدر عنهما معا، فهم ثالوث مجيد وإله ~~واحد. عندما يتأمل العقل هذه السرمدية السابقة للخليقة، يصعب عليه ~~تكوين صورة صادقة عن الحقيقة الواحدة المثلثة، لأن الابن-الكلمة لم يكن ~~قد تجسد في يسوع، ولم يكن الروح القدس قد هبط على شكل حمامة نارية ~~معلنا بنوة يسوع للآب، ثم تابع حضوره الفعال في توجيه البشرية نحو ~~الخلاص. ولأن الكلمة قبل تجليه على الأرض في لحظة معينة في التاريخ، ~~كان اللوغوس أو صوفيا التي هي حكمة الله والتي بواسطتها سيتم خلق العالم ~~فيما بعد. وكان له شبه إنسان، وعلى هذه الصورة المثلى للإنسان الكامل ~~السماوي سيتم خلق الإنسان الأرضي. # منذ عصور لا بداية لها كان الابن موضع حب الآب ومسرته، وكان الروح ~~القدس بمثابة الحب الذي يغلق الدارة بينهما، دارة حب مكتملة لم ينقصها ~~شيء ولم تكن بحاجة لأن يصدر عنها شيء، لأن أي خلق آخر لن يرقى إلى حالة ~~تمامها واكتمالها وغناها عما عداها. فهي وجود يملأ كل مكان قبل أن يظهر ~~المكان، وتغطي الدهر قبل أن ينطلق الزمان، غير أن دارة الحب الإلهي ~~قد فاضت حتى جاء وقت أراد الله فيه، بحرية مطلقة ودونما سبب ملزم، أن ~~يخلق ما سواه، فكان أول ما صدر عنه، وبأمر من كلمته الخالقة، ms238 عالم من ~~الأرواح الصرفة هم الملائكة. ~~(1-2) الزمن الكوزموغوني # أول خلق الله # كان الملائكة أول ما خلق ~~الله، وقد صدروا عن مركز النور الأسمى، وتوضعوا في تسعة أفلاك نورانية ~~تحيط بالمركز، وفي كل فلك طبقة مراتبية كان أقربها إلى الله طبقة ~~الكروبيم، يليها السيرافيم، فحملة العرش ، فالسيادات، فالسلاطين، ~~فالقوى، فالأمراء، فالرؤساء، فجمع الملائكة. وجميعهم أرواح لا أبدان ~~لها ومن جوهر النار، خالدون منذ لحظة الميلاد، ينعمون بمجد الله ~~ويسبحونه منذ أن استيقظ وعيهم على مرأى النور العظيم. فأما ~~الكروبيم فهم أرواح المعرفة، لهم رأس فقط عليه جناحان، وهي صورة مناسبة ~~لتلك الأرواح المشغولة على الدوام بمعرفة الله. وأما السيرافيم، فهم ~~أرواح الحب، لهم جسد وستة أجنحة، اثنان على الرأس واثنان على الجذع ~~واثنان على القدمين، وهذه الصورة مستمدة من رؤيا إشعيا: «ورأيت السيد ~~جالسا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون ~~فوقه لكل واحد ستة أجنحة، باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه ~~وباثنين يطير» 6: 1-2. وأما حملة العرش فهم عجلات عرش الرب، لهم ~~أربعة أجنحة وأربعة وجوه، والصورة هنا مستمدة من رؤيا حزقيال: ~~«فنظرت وإذا بريح عاصفة جاءت من الشمال، سحابة عظيمة ونار متوالية ... ~~ومن وسطها شبه أربعة حيوانات لها شبه إنسان، ولكل واحد أربعة وجوه، ~~ولكل واحد أربعة أجنحة، وأرجلها أرجل قائمة وأقدام أرجلها كقدم العجل، ~~وبارقة كالنحاس المصقول، وأيدي إنسان تحت أجنحتها على جوانبها الأربعة» ~~1: 4-8. # المراتب الثلاث التي تلي هذه، وهي السيادات والسلاطين والقوى، ~~تتوسط بين المراتب الثلاث الأولى القريبة إلى الخالق والمراتب الثلاث ~~الأخيرة الموكلة بشئون العالم. وبينما لا يتوفر لدينا الكثير من ~~المعلومات حول هذه الفئة الوسيطة، فإن المعلومات غزيرة نسبيا حول ~~الفئة الدنيا وهي الأمراء والرؤساء وجمع الملائكة، وجميعها تشكل ~~حلقة الوصل العملية بين الله والعالم. فالأمراء هم الأبعد عن الشئون ~~التفصيلية وموكلون بحفظ النظام الكوني والطبيعاني وإدارة المجالات ~~العليا منه. وأما الرؤساء فهم القيمون على شئون الشريحة الدنيا من ~~الملائكة، والأقرب إلى الأرض والناس، ولهم شكل محاربين متزودين بحربات ~~وسيوف وفئوس، ms239 إضافة إلى عدد من أدوات الحرف والفنون. فهم الموكلون ~~بتصريف شئون العالم اليومية وحفظ الحياة والمجتمع الإنساني، ومرتبة ~~هؤلاء الرؤساء هي الأكثر ظهورا وحضورا في أسفار العهد الجديد التي ~~تذكر أربعة من أسمائهم؛ وهم: ميخائيل ورفائيل وأوريئيل وجبرائيل، رغم ~~وجود عدد آخر من هؤلاء الرؤساء لا نعرفهم بالاسم . وكل منهم يرأس شريحة ~~من فئة الملائكة التي تعد بآلاف الآلاف، ولكن الملاك ميخائيل هو ~~رئيس جمع الملائكة طرا، أو الطبقة الأوسع منها والأكثر فعالية ~~وتدخلا في شئون الناس. وإلى جانب ذلك فميخائيل هو رسول قضاء الله ~~وأحكامه، وله مهمات حاسمة في يوم الدينونة، فهو الذي سيقهر الشيطان ثم ~~يقيده ويرميه في هاوية الجحيم، وهو الذي يمسك بيده ميزان الحساب ~~الأخير. أما جبرائيل فرسول الرحمة الإلهية والبشارة الطيبة، وهو الذي ~~حمل بشارة الحبل المقدس إلى مريم العذراء. ورفائيل هو ملاك الصحة ~~وحامل الشفاء للمرضى. وأوريئيل هو نار الله ورسول النبوءات ومفسر مشيئة ~~الله في عقول المختارين من أنبيائه وملهميه. ولقد من الله على كل فرد ~~من أفراد البشر بملاك حارس من ملائكة الفئة الواسعة الدنيا، مخصص ~~لحراسته وحمايته من قوى الشر والظلام، وذلك منذ يوم مولده، وهو يمده ~~بحكمة وحب الآب الأعلى، كما يحمل إلى السماء صلواته. # إن الأجنحة التي يحملها الملائكة بفئاتهم وطبقاتهم جميعها، هي ~~رمز لطبيعتهم العلوية الروحانية، ودلالة على مقدرتهم على الانتقال بشكل ~~آني من مكان إلى آخر لأداء المهام. فالملاك ينتقل إلى حيث يفكر في ~~الانتقال دون فاصل زمني، ولذا يمكن لعدد غير محدد من الملائكة ~~الوقوف على رأس دبوس طالما أن الجميع يفكر برأس الدبوس، فهم ينتقلون ~~بسرعة الفكر ويقطعون الكون من أقصاه إلى أقصاه، وفيما بين السماء ~~والأرض دون زمن. # تمرد في السماء # لقد جاء خلق الله هذا كاملا، وكأفضل ما يكون الكمال الذي يلي كمال ~~الله نفسه، ثم إن الله لم يضن على الملائكة بإحدى خصائصه العليا، ~~ألا وهي الحرية. والحرية تعني الاستقلال والتسيير الذاتي دونما جبر أو ~~إكراه، لأنه بدون الحرية لن يكون للملائكة ms240 القدرة على الحب الذي لا ~~يمكن منحه إلا عن رغبة وطواعية، والحب هو جوهر وجود الله، وينبغي أن ~~يكون أيضا جوهر وجود خلقه الكامل. ولكن الحرية ليست بدون محاذير، ~~لأن من هو حر في أن يحب، حر أيضا في أن يكره، وما إن تمنح الحرية ~~لا يمكن التحكم في كيفية استخدامها إلا بإلغائها. ولقد عرف الله ~~محاذير هبته للملائكة، وعرف أيضا أن هبة الحرية سوف يساء استخدامها ~~إلى أبعد حد ممكن، ومع ذلك فقد قبل المخاطرة، لأن ما كان يخطط له من ~~خلق عظيم يجعل من مثل هذه المخاطرة أمرا مسوغا. # والآن، فمن بين الملائكة جميعا كان المدعو لوسيفر، أي حامل ~~الضياء، أجملهم وأروعهم خلقا، وكان من ملائكة الفلك الأول المقربين ~~الذين يعكسون مجد الخالق وضياءه الأخاذ، وكان أفضل ما يمكن لصنعة ~~الله البديعة أن تخلقه. فظن لإعجابه بنفسه وزهوه، أنه يستحيل على ~~الله أن يخلق من هو أكمل منه وأعلى شأنا. منذ صحوته من العدم بهر ~~لوسيفر بنور مجد الله فغطى وجهه بجناحيه، ثم راح مأخوذا يحدق إلى ~~مركز النور العظيم، يسبح بحمد الله وينشد مع بقية الملائكة المقربين ~~مجده وعظمته، وكلما حدق لوسيفر أعمق فأعمق إلى لجة الضياء ومركز ~~الثالوث الأقدس، صار يشارك العلي رؤى المستقبل، ويتوحد بعلمه للماضي ~~وللمستقبل، فشعر بالسعادة الغامرة والروعة البالغة لمثل هذه المشاركة، ~~إلى أن جاء وقت عرف فيه أن الله يعد خطة لخلق جديد، ويعد فيه ~~مكانا أعلى وأسمى من مكان الكروبيم والسيرافيم، لكائن مختلف عنهم ~~مصنوع من مادة كثيفة لا تقارن بماهيتهم النورانية، ثم تبصر أكثر ~~فأكثر وعرف أن الابن-الكلمة سوف يحل في جسد من طينة ذلك الكائن ويعيش ~~بين الناس على الأرض ردحا من الزمن. # رأى لوسيفر كل ذلك بعين بصيرته، فتملكته الضغينة وملأت الأذية ~~روحه ووجدانه، وفضل مجده الملائكي على القصد الإلهي والمشيئة ~~العلوية، ونوى التمرد والعصيان بحرية تامة ومطلقة، رغم علمه الأكيد ~~بما سيجره عليه عصيانه من عواقب وبما ينتظره من لعنة أبدية، ولكنه ~~فضل السقوط واللعنة على ms241 فقدان عزته ومجده الملائكي، وإظهار الخضوع ~~لكائن أقل منه نورانية وروحانية. أدار لوسيفر وجهه عن نور الله رافضا ~~المشاركة في خطة الخلق المقبل ونتائجها، وفر نحو الشفق الخافت حيث ~~الوجود يلامس العدم، وتبعه عدد كبير جدا من الملائكة الذين وقفوا في ~~صفه وارتأوا رأيه، فقادهم بعيدا عن دائرة الرحمة حيث وضعوا أنفسهم في ~~خدمة العدم بدلا من خدمة الوجود، وراحوا يتحفزون من أجل تخريب خطة ~~الخلق، وإفساد الإنسان الذي كرمه الله وفضله عليهم. وهكذا تحول ~~لوسيفر إلى إبليس، الملاك المظلم، وتحول ملائكته إلى شياطين، فنظمهم ~~في مراتبية سفلية من تسع طبقات تناظر الطبقات التسع العلوية التي ~~نفروا منها. لقد ظهر الشر على المستوى الروحاني، ولكنه ما زال شرا ~~مشلولا عاجزا يتولد ويتلاشى في عالم الظلمة الخارجية، غير قادر على ~~التحقق واقتحام عالم الأنوار، ينتظر خلق العالم المادي، وسيد ذلك ~~العالم، لينقض عليه ويثأر منه. # والآن، فوق مياه العمر العظيم، المادة البدئية التي تنطوي على ~~ممكنات الكون المقبل، كان العالم الروحاني يتماوج في اتساقه وكماله، ~~حيث الثالوث المقدس في المركز وحوله تسعة أفلاك تتوضع فيها آلاف مؤلفة ~~من الأرواح الملائكية، ثم عمد الآب إلى خلق العالم بواسطة كلمته ~~الابن-اللوغوس. في اليوم الأول خلق النور المادي، وهو مختلف عن النور ~~العلوي غير المخلوق، نور الثالوث ونور الملائكة، وميز الله النور عن ~~الظلمة فدعا النور نهارا ودعا الظلمة ليلا. في اليوم الثاني خلق قبة ~~السماء الدنيوية وبها فصل مياه الغمر بين مياه تحتية ومياه فوقية. في ~~اليوم الثالث خلق الأرض تحت نقطة المركز من القبة السماوية، وجمع ~~المياه التحتية إلى مكان واحد فشكلت بحار الأرض، وفي مركز الأرض صنع ~~حفرة الجحيم التي تحيطها تسعة أودية، كما أنبت من الأرض كل عشب ~~وبقل وشجر ذي ثمر. في اليوم الرابع خلق الشمس والقمر والنجوم ووزعها ~~في سبعة أفلاك، ووراء الفلك السابع صنع كويكبات خط السمت أبراج القبة. ~~وكانت الشمس وقتها في برج الحمل، في الموضع نفسه الذي ستكون فيه يوم ~~الفصح عند خلاص العالم بدم ms242 حمل الله. في اليوم الخامس خلق طيور الجو ~~وكائنات البحر. في اليوم السادس خلق حيوانات البر، كما خلق الإنسان آخر ~~أعماله المبدعة. جبل الله آدم من تراب الأرض ثم نفخ فيه من روحه فصار ~~آدم نفسا حية، وبذلك تم التجسد الأول للحق في الخلق. أما ~~التجسد الثاني فسيكون في يسوع الذي حملت به مريم من الروح القدس، فهو ~~آدم الثاني. نصب الله آدم سيدا على الأرض وجعله متسلطا على جميع ~~كائناتها وسخر له زرعها ونباتها طعاما له، ثم عرض عليه حيوانات ~~البرية كلها وطيور السماء كلها ليرى ماذا يدعوها، فدعا آدم بأسماء جميع ~~البهائم وطيور السماء وحيوانات البرية جميعها، وكل ما دعا به آدم ذات ~~نفس حية فهو اسمها. في اليوم السابع استراح الخالق من عمله الذي عمل ~~جميعه. # عصيان على الأرض # كان آدم تجسيدا للكمال الإنساني الذي أراده الله، ورغم جبلته ~~المادية فقد ولد خالدا مثل الملائكة لا يطاله الفناء، وكان مثلهم ~~أيضا حرا مستقل الإرادة. ثم غرس الله في عدن في وسط الأرض جنة ~~تماثل الجنة السماوية وأسكن فيها آدم، وخلق من ضلعه امرأته حواء، ثم ~~أمرهما أن يأكلا من شجر الجنة كلها إلا شجرة معرفة الخير والشر، ~~فعاشا في انسجام تام مع الطبيعة التي تمدهما بما يحتاجان إليه دون ~~عمل أو عناء، إلى أن تدخل إبليس. تسلل إبليس إلى الجنة في هيئة ~~الأفعوان والتف على جذع شجرة المعرفة، وكانت حواء قريبة من المكان ~~فنظرت إلى الشجرة بثمارها البراقة وإلى الأفعوان يطوق جذعها فراقها ~~المنظر ودنت، فقال لها إبليس هامسا كما تفح الأفعى: أحقا قال الله لا ~~تأكلا من شجر الجنة كلها؟ فقالت حواء: بل نأكل من شجر الجنة كلها، ~~وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه ~~لئلا تموتا. فقال الحنش: لن تموتا، ولكن الله عارف أنه يوم تأكلان ~~منه تنفتح أعينكما وتكونان مثله عارفين الخير والشر، فرأت حواء أن ~~الشجرة بهجة للنظر وجيدة للأكل، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت زوجها ms243 ~~أيضا فأكل. عندما وصل علم معصية الإنسان إلى الخالق، نطق باللعنة ~~الكبرى على الأفعوان إبليس، وعلى الإنسان وعلى عالم الطبيعة برمته، ~~لأن الإنسان كان رأس هذا العالم وسيده، فأخرجه من الجنة إلى الأرض ~~التي جبل منها ليعمل فيها ويكد ويشقى، لأنه من تراب وإلى تراب يعود ، ~~وبسقوط الإنسان سقط معه العالم بأكمله وانفصل عن مجد الله. # 1 # هذه هي الخطوط العامة لما جرى في الزمن الكوزموغوني، أو المرحلة ~~الأولى من تاريخ الكون والإنسان. فلقد خلق الله العالم كاملا ونقيا ~~وخلق الإنسان في أحسن تكوين، ولكن الإنسان استخدم حريته في معصية ~~خالقه مثلما فعل لوسيفر والملائكة الساقطون معه، وكما طرد إبليس ~~وملائكته من السماء النورانية العليا، فقد طرد آدم من مثال الجنة ~~السماوية على الأرض وخرج إلى العراء والغربة. وأكثر من ذلك فقد انتقل ~~الوجود الأرضي بأكمله من عالم المجد إلى عالم اللعنة المقيمة، وأسلم ~~إلى يد الشيطان في انتظار قدوم المخلص. # هذه القصة التي أوردناها أعلاه سواء بتسلسلها أم بمضامينها، لا ~~تشكل نصا مقدسا وليست جزءا من أسفار العهد الجديد، ولكنها كما ~~أشرت في البداية من نسج آباء الكنيسة الذين فسروا إشارات الكتاب ~~المقدس في عهديه، وربطوها بتفاصيل من الأسفار التوراتية المنحولة. من ~~هنا يأتي اختلاف المصادر المسيحية في بعض النقاط المفصلية من هذه ~~القصة، وخصوصا مسألة خلق الملائكة وهل تم هذا الخلق قبل خلق العالم ~~أم خلال مراحل الخلق الستة، ومسألة عصيان لوسيفر ودوافعه. فالقديس توما ~~الإكويني يرى أن الملائكة قد ظهرت إلى الوجود مع العالم المادي وليس ~~قبله، لأن وجودهم مرتبط بوجود العالم المادي، لا مستقلا ولا قائما ~~بذاته. بينما ترجح غالبية الآراء الأخرى أسبقية خلق الملائكة على ~~خلق العالم. وبخصوص عصيان إبليس فإن وجهة نظر بعض المفكرين المسيحيين ~~تنسج على منوال أسفار منحولة معينة، فتقول بأن لوسيفر لم يتمرد لما ~~رآه من مستقبل الإنسان ومكانته العالية، بل لأن غروره دفعه إلى ~~الاعتقاد بقدرته على الارتقاء إلى مقام يعادل مقام العلي. فلقد نظر ~~إلى ألقه الذي لا يعادله ms244 ألق آخر، ولم ينظر إلى مصدر هذا الألق ~~ومنشئه، فقال في نفسه: أرغب في أن أكون سيدا أعلى ولا أريد أحدا ~~فوقي. فأيده أتباعه قائلين: بلى، نرغب في رفع عرش مولانا ليبلغ عرش ~~العلي. عند ذلك طوح به العلي خارج دائرة النور، وتبعه من والاه ~~مديرين وجوههم عن بؤرة النور، فانطفأ بريقهم وصاروا كفحم خامد. # 2 # ويقدم القديس ديونيسيوس وجهة نظر حول طبيعة الملائكة جديرة ~~بالتوقف عندها. فهو يفسر بعض فقرات العهد القديم التي يرد فيها ~~تعبير «أبناء الله»، أو التي نفهم منها وجود آلهة أخرى حول يهوه، ~~بأنها تشير إلى الملائكة. فالملائكة هم أبناء الله، وهم في الوقت ~~ذاته آلهة لأنهم في حالة حب وتوحد مع خالقهم. من هذه الفقرات: ~~«أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ~~ما اختاروا» التكوين 6. «لأنه من يعادل الرب في السماء؟ من يشبه الرب ~~بين أبناء الله؟» المزمور 89. «يا رب، إله الجنود، من مثلك رب قوي، ~~وحقك، من حولك؟» المزمور 86. «أي إله عظيم مثل الله؟» المزمور 77. ~~«الله قائم في مجتمع الله. في وسط الآلهة يقضي» المزمور 88. «لقد قلت ~~إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم» المزمور 88. # وهنا يحق لنا أن نتساءل عن ماهية الفرق بين ديانة وثنية تؤمن بإله ~~واحد أعلى خالق للكون وخالق أو أب للآلهة الأخرى الثانوية، وبين معتقد ~~توحيدي يؤمن بإله واحد خالق للكون وخالق للملائكة من أبنائه. نقرأ في ~~نص مصري قديم يسبح بحمد الإله الأعلى ما يأتي: «أبو البدايات. أزلي ~~أبدي دائم قائم. خفي لا يعرف له شكل وليس له من شبيه. لا تدركه ~~العقول، خفي عن الناس وعن الآلهة. يلد ولم يولد. ينجب ولم ينجبه أحد، ~~خالق ولم يخلقه أحد. خالق الكون، صانع ما كان والذي يكون وما سيكون. ~~أبو الآلهة، رحيم بعباده ... إلخ.» ونقرأ في نص أكادي رافديني: «أنت ~~المولود الذي أنجب نفسه بنفسه، أنت الرحم الذي أنجب كل شيء. الأب الذي ~~أنجب البشر وأنجب الآلهة ... وليس لك بين الآلهة من شبيه ... إلخ.» # 3 ms245 # إن الخط الفاصل بين الوثنية والتوحيد مسألة فيها نظر. والديانات ~~الوثنية تنتظر قراءة عصرية لها باعتبارها «عهدا قديما»، إن جاز ~~التعبير، للديانات التوحيدية. ~~(1-3) عصور الظلام أو مرحلة التمازج # لقد عرف الله الذي يطال علمه البدايات والنهايات، أن الحرية التي ~~أعطاها للوسيفر ولآدم سوف يساء استخدامها، وأن العالم سيقع فريسة ~~للموت والفساد نتيجة عصيان الكائنات العاقلة، ولكنه كان يضمر خطة ~~لتخليص الإنسان في الوقت المناسب، دون الإخلال بمبدأ الحرية الذي ارتضاه ~~للوعي المستقل عنه. سوف يهبط الأقنوم الثاني في الثالوث ليغدو إنسانا ~~لأمد معلوم، فيدخل في زمن الناس وفي دورة الحياة والموت، ليخلص خلقه من ~~اللعنة القديمة، وهكذا كان. ولد الكلمة من رحم العذراء، وتجلى في هيئة ~~يسوع الناصري فعاش على الأرض وشارك الناس الألم والمعاناة، ثم مات على ~~الصليب من أجل خلاصهم، وبذلك افتدت الذبيحة الإلهية، وهي القربان الكامل، ~~الإنسان فخلصته من الموت الذي جلبته خطيئة آدم، وفتحت أمامه بوابة ~~الأبدية. فالمسيح هو معنى التاريخ وليس نتاجا له، ولهذا السبب فقد جاء ~~تجسده في منتصف الزمن لا في بدايته ولا في نهايته، ليكون بمثابة محور ~~التاريخ الذي يضفي على البداية والنهاية معناهما. # انطلاقا من هذه الرؤية إلى التاريخ، لم يكن اللاهوت المسيحي ينظر ~~إلى الأحداث السابقة على الميلاد إلا باعتبارها فترة مظلمة، لم يعرف ~~الناس خلالها الله إلا من خلال ظلال قائمة لا تعكس مجده الحقيقي، بما ~~في ذلك كامل الفترة التي تغطيها أحداث العهد القديم (= التوراة). ~~فالتاريخ يبدأ بآدم، ثم يبدأ بداية جديدة بيسوع المسيح الذي هو آدم ~~الثاني. وما الزمن الفاصل بين هاتين البدايتين إلا شكلا من أشكال ~~الجاهلية الإنسانية، كان العالم خلاله ينتظر قدوم المخلص. وهكذا فقد ~~عكس ميلاد يسوع مبدأ السبب والنتيجة في الصيرورة التاريخية، فبدلا من أن ~~يقرأ الحاضر على ضوء الماضي باعتباره نتيجة منطقية له، صار الحاضر الذي ~~هو تجسد المسيح، ونتائجه، مفسرا للأحداث الماضية كلها التي صارت تفهم ~~على ضوء هذا الحدث. وصار التاريخ يقرأ ويفسر من ميلاد المسيح صعودا نحو ~~البدايات، ms246 ومنه هبوطا نحو نهاية الزمن. أما أحداث أسفار العهد القديم ~~فقد تحولت من تاريخ يقص أحداثا متتابعة ذات معنى وقيمة في حد ذاتها، ~~إلى سلسلة من الرموز والإشارات التي تبشر بالمسيح وكنيسته، وتم ~~تبني القصص التوراتية في حدود صلاحياتها كأنماط ونماذج أولى لدورة حياة ~~المسيح المقبلة. # من هذا المنظور، تغدو قصة التكوين والخطيئة، وسلسلة أنساب آدم، ~~وتاريخ شعب يهوه المختار من إبراهيم والآباء الأولين إلى الخروج من مصر ~~ودخول كنعان إلى سقوط أورشليم والسبي فالعودة وبناء الهيكل، تغدو كلها ~~بمثابة دراما شبحية تستبق ظهور المسيح وتعلم عنه. إن قصة قايين ~~وهابيل غير المسوغة منطقيا، تغدو في التفسير المسيحي استباقا لما جرى ~~بين اليهود وجماعة المسيح. قايين الذي قتل أخاه هو الشعب اليهودي وهابيل ~~هو المسيح وكنيسته. لقد رفض الرب قربان قايين الذي هو تقدمات اليهود ~~وقرابينهم عبر تاريخهم، وقبل قربان هابيل الذي هو نموذج مسبق عن موت ~~المسيح على الصليب. وصعود أخنوخ إلى السماء في الإصحاح الخامس من سفر ~~التكوين هو استباق لصعود المسيح بعد قيامته. وملكي صادق كاهن الله العلي ~~هو استباق ليسوع كاهن السماوات الأعلى. وقبول إبراهيم التضحية بابنه ~~إسحاق هو استباق لتضحية الرب بابنه الوحيد. والأسباط الاثنا عشر من ~~أبناء يعقوب الذين انحدرت منهم كنيسة المسيح هم استباق للحواريين الاثني ~~عشر الذين انحدرت منهم الكنيسة. ونزول يعقوب وأبناؤه إلى مصر هو استباق ~~لفرار العائلة المقدسة من بطش الملك هيرود. وخروج موسى بشعبه من مصر ~~وتحريرهم من العبودية هو استباق لتحرير المسيح للإنسانية من ربقة ~~الشيطان وسلطان الموت. والفترة التي قضاها بنو إسرائيل في الصحراء هي ~~استباق لفترة كفاح المسيحية، بين واقعة التجسد والقدوم الثاني للمسيح ~~الذي يعلن نهاية الزمن ودخول المؤمنين إلى الجنة الموعودة. # ووفق هذه الطريقة في النظر إلى أحداث العهد القديم باعتبارها نماذج ~~سابقة وشبحية للأحداث الحقيقية التي ستلي، فإن اللاهوت المسيحي نظر إلى ~~أهم عناصر لاهوت العهد القديم، وهي مؤسسة القربان ومؤسسة الشريعة، ~~باعتبارهما وعدا بالخلاص ولكنها لا تقدم في حد ذاتها خلاصا. ~~فالقربان ms247 اليهودي وقوامه نحر الماشية على مذبح الهيكل لا يكفي لعقد الصلة ~~المقطوعة مع الخالق، لأن الإرادة الإنسانية التي حرفتها الخطيئة، ليس ~~بمقدورها تحقيق استسلام خالص وفعلي للإرادة الإلهية، ولا بد من انتظار ~~القربان الوحيد الحقيقي القادر على إرجاع العالم إلى رحمة الله، عندما ~~يتجسد الكلمة في إنسان ويقوم ذلك الإنسان -الإله بأعظم فعل طاعة ومحبة ~~يمكن تصورها، فيقدم نفسه طواعية إلى الموت ويتمم على هذا النحو ~~عمل الفداء، وذلك بعبوره هو أولا من عالم المادة والموت إلى عالم الروح ~~والخلود. إن الله لم يسمح بخطيئة آدم ونتائجها إلا لأن يسوع المسيح ~~كان قمينا بالانتصار عليها. # أما عن مؤسسة الشريعة، فإن المسيحية ترى أن ما فرضه يهوه على ~~موسى من شرائع هو أثقل من طاقة الإرادة الإنسانية على الالتزام بها، ~~وأنها قد فرضت لكي تدين الخطأة، وذلك بوضع معيار للسلوك لا يمكن ~~تحقيقه، وبذلك تعمل الشريعة على إكثار الخطيئة لا على قمعها. يقول بولس ~~في رسالته إلى أهل رومية: «وأما الناموس فقد دخل لكي تكثر الخطية، ~~ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا، حتى كما ملكت الخطية في ~~الموت، هكذا تملك النعمة بالبر، بالحياة الأبدية بيسوع المسيح» (رومية، ~~5: 20-21). من هنا فقد أبطل تجسد المسيح الشريعة واستبدل سر النعمة ~~بها، التي هي مدد من عند الله يجعل الإرادة المؤمنة بالمسيح قادرة على ~~إتيان ما هو فوق طاقتها البشرية. الإنسان لا يتبرر إلا عن طريق الإيمان ~~بالمسيح لا بقوة الأعمال بحسب الشريعة، كما يقول بولس: «وأما الآن فقد ~~ظهر بر الله بدون الناموس مشهودا له من الناموس والأنبياء، بر الله ~~بالإيمان بيسوع المسيح» (رومية، 3: 21). لهذا فقد أعتق الذين هم في ~~المسيح من الشريعة: «لأن ناموس روح الحياة في يسوع المسيح قد أعتقني من ~~ناموس الخطيئة والموت» (رومية، 8: 2). إن اليهود الذين يحوزون الشريعة ~~ويطلبون بواسطتها البرارة هم خطأة كالوثنيين سواء بسواء (رومية، 2: ~~17-24). وحتى إذا نظرنا إليها من وجهتها الأخلاقية، فإن الشريعة تعطي ~~معرفة الخير، ولكن ليس القدرة اللازمة على صنعه (رومية، 9: 30-31). ms248 ~~إنها بدلا من أن تخلص البشر من الشر تكاد تغمسهم فيه، وتعدهم ~~للعنة لا يستطيع إنقاذهم منها سوى المسيح بحملها على عاتقه (رسالة بولس ~~إلى أهالي غلاطية، 3: 10-14). وإن المسيح الذي حرر الإنسان من ~~الخطيئة (رومية، 6: 1-19) يحرره أيضا من وصايا الشريعة (رومية، 7: ~~1-6). وبذلك يكون قد أنهى النظام المؤقت، لأن المسيح نهاية الشريعة ~~(رومية، 10: 4). وهو الذي يجعل المؤمنين يبلغون البر بالإيمان (رومية، ~~10: 5-13). # ويلخص المقطع البليغ الآتي لبولس، كل موقف المسيحية من مسألة ~~الشريعة والإيمان: «لأني مت بالناموس لأحيا لله. مع المسيح صلبت ~~فأحيا، لا أنا بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد إنما ~~أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. لست أبطل ~~نعمة الله، لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذا مات بلا سبب» غلاطية ~~2: 20-21. # إن الفترة الفاصلة بين السقوط وميلاد يسوع، هي إذن فترة انتظار ~~وترقب للمخلص الذي سيحرر العالم والإنسان من الظلام ومن اللعنة. ~~وهي بشكل ما فترة سيادة الشيطان على العالم. فهو رئيس هذا العالم بحسب ~~إنجيل يوحنا، 12: 31، وهو إله هذا الدهر بحسب بولس، ومع زبانيته هم رؤساء ~~وسلاطين وولاة هذا العالم وعلى ظلمة هذا الدهر. وينجم عن هذا الوضع أن ~~كل مولود إنساني من أبناء هذه الفترة الوسيطة السابقة على ظهور المسيح، ~~واقع تحت سلطان أمير الظلام وراح تحت لعنة الخطيئة الأصلية التي جلبها ~~آدم على ذريته. ولكن ظهور المسيح قد قسم البشر إلى أبناء هذا العالم، ~~أو هذا الدهر، وأبناء النور (لوقا، 16: 8). لأن الله بيسوع قد: «دعاكم ~~من الظلمة إلى نوره العجيب» (رسالة بطرس الأولى، 2: 9). «ولأنه نجانا ~~من سلطان الظلمات ونقلنا إلى ملكوت ابنه لكي نشاطر القديسين ميراثهم في ~~النور» (رسالة بولس إلى كولوسي، 1: 12-13). # في الفترة الوسيطة من التاريخ، العالم مدان والإنسان مدان، ~~لأنهما شريكان في سر الشر الذي يعمله الشيطان خلال هذا الدهر: «فقال ~~لهم يسوع: إن وقتي لم يحضر بعد، أما وقتكم ففي كل حين حاضر. لا يقدر ~~العالم أن يبغضكم ولكنه يبغضني ms249 أنا لأني أشهد عليه أن أعماله شريرة» ~~(يوحنا، 7: 6-7). «العالم كله قد وضع في الشرير (= الشيطان)» (رسالة ~~يوحنا الأولى، 7: 19). ولذلك إنه عالم خداع تثقل عناصره على الإنسان ~~وتستعبده. فالإنسان قبل ظهور المسيح كان مثل الوارث القاصر الذي وضع تحت ~~وصاية وكلاء إلى الوقت المؤجل من أبيه، وكما أن هذا الوارث القاصر هو ~~بمثابة العبد مع كونه صاحب الأرض، كذلك الإنسان المستعبد من قبل قوى ~~الشر رغم أنه وارث هذا العالم (غلاطية، 4: 1-3). وهو في كل خطوة مدعو ~~من قبل الشيطان إلى الخطيئة، وهذه الدعوة إلى الخطيئة هي ما يطلق عليه ~~العهد الجديد اسم التجربة. فلقد سمح الله للشيطان بالتجربة ولكنه ترك ~~للإنسان منفذا منها: «لم تصبكم تجربة إلا بشرية، ولكن الله أمين. ~~الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضا المنفذ ~~لتستطيعوا أن تحتملوا» (1 كورنثة، 10: 13). ولهذا يدعو المؤمن ربه عند كل ~~صلاة أن ينجيه من الشيطان ولا يوقعه في التجربة: «لا تدخلنا في تجربة ~~ولكن نجنا من الشرير.» ~~(1-4) ملكوت الرب أو مرحلة الفصل # ميلاد المخلص وافتتاح الملكوت ~~«في الشهر السادس، أرسل جبرائيل، الملاك من الله، إلى مدينة من ~~الجليل اسمها ناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، ~~واسم العذراء مريم، فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيتها المنعم ~~عليها، الرب معك. مباركة أنت في النساء. فلما رأته اضطربت من كلامه ~~وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية. فقال لها الملاك: لا تخافي لأنك ~~قد وجدت نعمة عند الله، وها أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع. ~~هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ~~ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. قالت مريم ~~للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟ فأجاب: الروح القدس يحل ~~عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله ~~... قالت مريم: هو ذا أنا أمة الرب، ليكن لي كقولك. فمضى من عندها ~~الملاك» (لوقا، 1: 26-33). ~~«أما ولادة ms250 يسوع فكانت هكذا: لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل ~~أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان بارا ولم ~~يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سرا، ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور ~~إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا: يا يوسف ابن داود لا تخف أن ~~تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس، فستلد ~~ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله لكي ~~يتم ما قيل من النبي القائل: هي ذي العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون ~~اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا» (متى، 1: 18-23). ~~«وفي تلك الأيام صدر أمر من أغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة، ~~فذهب الجميع ليكتتبوا كل واحد إلى مدينته. فصعد يوسف أيضا من الجليل ~~من مدينة الناصرة إلى (مقاطعة) اليهودية، إلى مدينة داود التي تدعى ~~بيت لحم، لكونه من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم امرأته ... وبينما ~~هما هناك تمت أيامها لتلد، فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في ~~المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل (خان المسافرين)» (لوقا، 2: ~~1-7). # وهكذا عند منتصف الليل، وعند أول الانقلاب الشتوي، حيث تصل الشمس ~~أدنى مدى لها في الانخفاض مستعدة لصعود ذروة السمت مرة أخرى، وقع الحدث ~~الذي هو بؤرة الزمن. لقد ولدت العذراء ابنا فالتقت عنده السرمدية ~~بالزمن، لأنه إله حقيقي وإنسان حقيقي. وهنا تتابع الأدبيات غير ~~الرسمية وصف الحدث بالطريقة الملحمية المعتادة في الأدبيات الدينية ~~الأخرى. فعند ولادة يسوع هدأت الطبيعة وكأنما سكن نبضها لوهلة، وسرى ~~في أرجائها وحي ينبئ كل عناصرها بأن الكلمة قد تجسد في الزمن وفي ~~التاريخ. لقد أوحي إلى كل فصائل الخلق من الأحجار والصخور عند أسفل ~~سلم الموجودات، وإلى الملائكة في أعلاه، وتضعضعت أساسات معبد روما ~~الكبير، وذلك وفقا لنبوءة عرافة دلفي بأن المعبد سيبقى قائما حتى ~~تلد العذراء ابنا. وأوحي إلى المياه وينابيع الأنهار التي فاضت زيتا ~~بدل الماء، وإلى النباتات حتى أن الكرمة أورقت في الشتاء وحملت ms251 ~~عناقيدها. وأوحي إلى الحيوانات والطيور فصاح الديك عند منتصف الليل. ~~وأوحي إلى الملائكة فهبطت من عليائها وأحاطت بمكان الميلاد حتى حول ~~ألقها الليل إلى نهار. وما أن عبرت فترة الصمت الشامل في الطبيعة حتى ~~اندفع الملائكة في السماوات وعلى الأرض ينشدون: المجد لله في الأعالي، ~~وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة. # 4 # فيما عدا الإشارات القليلة التي أوردها إنجيل لوقا عن طفولة يسوع، ~~فإن الأناجيل الرسمية تصمت صمتا تاما عن نشأة يسوع الأولى ~~ويفاعته، وتفتتح قصتها بالمشهد الأول الذي نرى فيه يسوع وهو رجل ~~مكتمل في الثلاثين يأتي إلى يوحنا المعمدان، نبي ذلك الوقت، ليتعمد ~~على يديه بماء الأردن، وعند خروجه من الماء يهبط عليه الروح القدس ~~معلنا عن هوية يسوع ومفتتحا رسالته. نقرأ في إنجيل لوقا: «وإذ كان ~~الشعب ينتظر، والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح، أجاب ~~يوحنا الجميع قائلا: أنا أعمدكم بماء ولكن يأتي من هو أقوى، الذي ~~لست أهلا لأن أحل سيور حذائه، هو سوف يعمدكم بالروح القدس، ونار» ~~(لوقا، 3: 15-16). وبينما يسوع خارج من الماء: «وإذا السماوات قد ~~انفتحت له، فرأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من ~~السماوات قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» (متى، 3: ~~16-17). # لقد افتتح هبوط الروح القدس على يسوع المرحلة الثالثة من مراحل ~~التاريخ، وهي مرحلة الفصل بين الخير والشر المتمازجين في المرحلة ~~السابقة، وقد شبه يوحنا المعمدان عملية الفصل هذه بعملية تنقية بيدر ~~القمح من التبن الذي يخالطه. فالمسيح المقبل هو: «الذي رفشه في يده، ~~وسينقي بيدره وبجمع القمح إلى مخزنه، وأما التبن فيحرقه بنار لا ~~تطفأ» (لوقا، 3: 17). ويشبه يسوع مهمته بعملية تنقية القمح من ~~الزوان الذي زرعه الشيطان في وسط الحقل لإفساد الزرع: «يشبه ملكوت ~~السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقل. وفيما الناس نيام جاء عدوه ~~وزرع زوانا في وسط الحنطة ومضى. فلما طلع النبات وصنع ثمرا، حينئذ ~~ظهر الزوان أيضا فجاء عبيد رب البيت وقالوا له: أتريد أن نذهب ونجمع ~~الزوان؟ ms252 قال: لا، لئلا تقتلعوا الحنطة مع الزوان وأنتم تجمعونه، دعوهما ~~ينميان معا إلى وقت الحصاد، وفي وقت الحصاد أقول للحصادين اجمعوا ~~أولا الزوان واحزموه حزما ليحرق، وأما الحنطة فاجمعوها إلى مخزني» ~~(متى، 13: 24-30). كما يشبه يسوع مهمته أيضا بعملية تمييز الجداء ~~السود عن الخراف البيض: «ومتى جاء ابن الإنسان ... يجتمع أمامه الشعوب، ~~فيميز بعضهم عن بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم ~~الخراف عن يمينه والجداء عن يساره، ثم يقول للذين عن يمينه تعالوا يا ~~مباركي أبي لترثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» (متى، 25: ~~31-34). # ولكن الشيطان لم يكن ليسمح لعملية الفصل أن تنطلق بهذه السهولة، ~~فما إن طلع يسوع من نهر الأردن حتى أقبل عليه وكشف له عن هويته كأمير ~~لهذا العالم، ثم عرض عليه أن يدفع إلى يديه ما أعطي من سلطان على ~~العالم، لأنه يستطيع التصرف به ووهبه لمن يشاء: «ثم أصعد يسوع إلى ~~البرية من الروح ليجرب من إبليس. بعد ما صام أربعين نهارا وأربعين ~~ليلة جاع أخيرا، فتقدم إليه المجرب وقال له: إن كنت ابن الله فقل ~~أن تصير هذه الحجارة خبزا. أجاب وقال: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ~~بل بكلمة تخرج من فم الله. ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة وأوقفه ~~على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه ~~مكتوب، أنه يوصي ملائكته بك ... قال له يسوع: مكتوب أيضا أن لا تجرب ~~الرب إلهك» ... ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة ~~في لحظة من الزمان، وقال له إبليس لك أعطي كل هذا السلطان ومجدهن ~~(أي مجد الممالك) فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع. فأجابه يسوع وقال: ~~اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد ... ولما ~~أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين» متى: 4، ولوقا: 4. # ابتدأ يسوع مهمته بأن أعلن عن نفسه باعتباره مسيح الرب، ولكنه ~~كان حذرا على الدوام من أن يفهم من ذلك أنه المسيح السياسي الذي ~~كان اليهود ms253 ينتظرونه ليعيد مجد مملكة داود الضائع. فبعد أن رجع من ~~البرية حيث صام واعتكف أربعين يوما: «جاء إلى الناصرة حيث كان قد ~~تربى، ودخل المجمع حسب عادته السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر إشعيا ~~النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: «روح الرب ~~علي لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي منكسري القلوب، ~~لأنادي للمأسورين بالإطلاق والعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في ~~الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبلة. # 5 # ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس، وجميع الذين في ~~المجمع كانت عيونهم شاخصة. فابتدأ يقول لهم إنه اليوم قد تم هذا ~~المكتوب في مسامعكم» (لوقا، 4: 16-21). # بعد هذا، اتخذ يسوع من قرية كفر ناحوم مركزا لبث دعوته ونشر ~~رسالته، فكان يعلم في مناطق الجليل ويصنع المعجزات، ويظهر سلطانه ~~على عالم الأرواح فيخرج الشياطين مع أجسام المجانين، ويشفي العاهات ~~والأمراض المستعصية، كما وأظهر سلطانه على الحياة والموت وذلك بإحيائه ~~للموتى. وعندما كان يوحنا المعمدان في السجن بأمر من الملك هيرود ~~أغريبا، المتصرف بمنطقة الجليل، سمع بأعمال يسوع فأرسل اثنين من مريديه ~~لسؤال يسوع أهو حقا المسيح: «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فأجاب يسوع ~~وقال لهما: اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران. العمي يبصرون ~~والعرج يمشون والبرص يطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين ~~يبشرون» (متى، 11: 2-5). ثم إنه سأل تلامذته الذين تبعوه ومشوا ~~معه في جولاته: «ماذا يقول الناس عني؟» وذلك لكي يكشف لهم هويته ~~ويطلعهم على حقيقة من هو. «فقالوا: قوم (يقولون) يوحنا المعمدان، ~~وآخرون إيليا (النبي) وآخرون إرميا (النبي) أو واحد من الأنبياء. قال ~~لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ~~ابن الله الحي. فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان. إن دما ولحما ~~لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السماوات» (متى، 16: 13-16). وفي أكثر ~~من مناسبة ألمح يسوع إلى أنه المسيح: «انظروا، لا يضلكم أحد؛ فإن ~~كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح، ويضلون كثيرين» (متى، 24: ~~4). وفي مشهد محاكمته يسأله ms254 رئيس الكهنة: «أستحلفك بالله الحي أن تقول ~~لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ فقال يسوع: أنت قلت» (متى، 26: 63-64). ~~وفي حوار يسوع مع المرأة السامرية عند بئر الماء: «قالت له المرأة: أنا ~~أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل ~~شيء. فقال لها يسوع أنا الذي أكلمك هو» (يوحنا، 4: 25-26). # ويرتبط بلقب «المسيح» اللقب الآخر «ابن الله»، والذي يرد في اتصال ~~معه أو استقلال. فعندما مشى يسوع على الماء ليلحق بتلاميذه في السفينة، ~~سجدوا له قائلين: في الحقيقة أنت ابن الله (متى، 14: 32-33). وفي ~~مشهد محاكمة يسوع، وقف مرقس «قام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع ... ~~وقال له: أأنت المسيح ابن المبارك؟ قال يسوع: «أنا هو» (مرقس، 14: 63). ~~وكان يسوع يشير إلى الله بقوله أبي أو أبي الذي أرسلني. فعندما شفى ~~مريضا في يوم السبت، طلب اليهود قتله لأنه مارس عملا في اليوم ~~المقدس. فقال لهم يسوع: «أبي يعمل الآن، وأنا أعمل، فمن أجل هذا كان ~~اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال إن ~~الله أبوه معادلا نفسه بالله» (يوحنا، 5: 17-18). وعندما شفى رجلا ~~أعمى منذ ولادته بأن وضع طينا على عينيه قال له: «أتؤمن بابن الله؟ ~~أجاب الرجل وقال: من هو يا سيد حتى أؤمن به؟ قال له يسوع: قد رأيته، ~~والذي يتكلم معك هو هو. فقال: أؤمن يا سيد، وسجد له» (يوحنا، 9: ~~35-38). # وتتعدد في إنجيل يوحنا الأقوال التي يطابق فيها يسوع بينه وبين ~~الآب: «أنا والآب واحد» (10: 30)، و«إن الآب في وأنا فيه» (10: 38)، ~~و«ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي، لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي ~~أيضا، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه. فقال له فيليبس: يا سيد، أرنا ~~الآب وكفانا. قال يسوع: أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا ~~فيليبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب، كيف تقول أنت أرنا الآب؟ ألست تؤمن ~~إني في الآب والآب في» (14: 1-10). «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى ~~يومي، فرأى وفرح. قال له ms255 اليهود: ليس لك خمسون سنة بعد، أرأيت إبراهيم؟ ~~قال لهم يسوع: الحق أقول لكم، قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (8: ~~54-58). # والمسيح ابن الله يدعى أيضا ابن الإنسان. وتعبير «ابن الإنسان»، ~~كما صادفناه في سفر دانيال وفي كتابات ما بين العهدين، يشير إلى حقيقة ~~قديمة ومثال سماوي يتجلى في العالم على هيئة إنسان. وفي العهد الجديد ~~يشير التعبير إلى الأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس متجل في العالم ~~على هيئة إنسان. # 6 # نقرأ في إنجيل متى: «فكما يجمع الزوان ويحرق بالنار، ~~هكذا يكون انقضاء العالم. يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته ~~جميع المعاثر وفاعلي الإثم ويطرحونهم في أتون من النار. هناك يكون ~~البكاء وصرير الأسنان» (متى، 13: 41-42). وعندما جاءوا إليه بمشلول ~~ليشفيه قال له: «يا بني مغفورة لك خطاياك. وكان قوم من الكتبة هناك ~~جالسين يفكرون في قلوبهم لماذا هذا هكذا يتكلم بتجديف؟ من يقدر أن ~~يغفر الخطايا إلا الله وحده؟ فقال لهم: لماذا تفكرون بهذا في ~~قلوبكم؟ أيهما أيسر، أن يقال للمفلوج مغفورة لك خطاياك أم يقال له ~~قم احمل سريرك وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على ~~الأرض أن يغفر الخطايا» (متى، 9: 1-8). وعندما تقدم إليه واحد من ~~الكتبة: «وقال له: يا معلم أتبعك أينما تمضي. قال له يسوع: للثعالب ~~أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه» ~~(متى، 8: 19-20). ويسوع يفضل لقب ابن الإنسان على لقب المسيح، كما ~~نقرأ عند مرقس: «فقال لتلاميذه وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس ~~وقال له: أنت المسيح، فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه، وابتدأ ~~يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي له أن يتألم كثيرا ويرفض من ~~الشيوخ ورؤساء الكهنة ويقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم» (مرقس، 8: ~~29-31). # وترتبط بلقب ابن الإنسان ~~صورة مخلص العالم الذي يفدي الجنس البشري بموته، ويسفك دمه لمغفرة ~~الخطايا، ثم يقوم من الموت ليصعد إلى المكان الذي أتى منه، في انتظار ~~قدومه في نهاية الأزمنة: «فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث ms256 كان ~~أولا» (يوحنا، 6: 62). «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم. ~~وأيضا أترك العالم وأذهب إلى الآب» (يوحنا 61: 28). «فإن ابن ~~الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب ~~عمله. الحق أقول لكم، إن من القيام هنا قوما لا يذوقون الموت حتى ~~يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته» (متى، 16: 37-38). «وأيضا أقول ~~لكم، من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على ~~سحاب السماء» (متى، 26: 64). «وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتيا في ~~سحابة بقوة ومجد كثير» (لوقا، 21: 25-27). «وليس أحد يصعد إلى السماء ~~إلا الذي نزل من السماء: ابن الإنسان الذي هو في السماء» (يوحنا، 3: ~~13). # التعاليم # بعد أن تعمد يسوع على يدي يوحنا المعمدان ونزل عليه الروح القدس ~~ثم خرج من تجربة الشيطان منتصرا، انطلق إلى الجليل يعلم ويبشر. ~~وهذه أولى كلماته وفقا لمرقس: «وبعد أن أسلم يوحنا، جاء يسوع إلى ~~الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله ويقول: قد كمل الزمان واقترب ملكوت ~~الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل» (مرقس، 1: 14-15). وبذلك يعلن يسوع عن ~~جوهر رسالته التي هي رسالة أخروية، ترتكز على فكرة نهاية الزمن ~~والتاريخ، وحلول اليوم الذي فيه ينتزع الله العالم من الشيطان، الذي ~~كان حتى كرازة يسوع سيدا على الأرض. فبعد أن كان سلطان العالم مدفوعا ~~إلى إبليس الذي قال ليسوع: «لك أعطي هذا السلطان كله لأنه قد دفع ~~إلي وأنا أعطيه لمن أريد»، فقد آل السلطان الآن إلى يسوع: «دفع ~~إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض» (متى، 28: 18). «لأجل هذا ~~أظهر ابن الله، لكي ينقض أعمال إبليس» (رسالة يوحنا الأولى، 3: 8). ~~«الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده» (يوحنا، 3: 35). «وإذا كنت ~~بروح الله أطرد الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله» (متى، 12: 28). ~~فملكوت الله، أو ملكوت السماوات، هو الحقبة الأخيرة من تاريخ العالم، ~~والتي ستشهد تجلي مجد الله هنا والآن، بعد أن كان محجوبا خلال فترة ~~الظلام التي شهدت سيادة الشيطان. وتعبير «ملكوت الله في داخلكم» الوارد ~~في إنجيل لوقا 17: 12، يعني ملكوت الله ms257 هو بينكم الآن: «ولما سأله ~~الفريسيون متى يأتي ملكوت الله؟ أجابهم لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ~~ولا يقولون هوذا هنا أو هوذا هناك، لأنها ملكوت الله في داخلكم» ~~(لوقا، 17: 21). # ولكن يسوع قدم منذ البدء مفهومه الخاص لملكوت الله، وميزه بحدة ~~عن المفهوم السائد لدى يهود عصره، الذين كانوا ينتظرون مسيحا سياسيا ~~من سلالة داود، يعيد مجد إسرائيل ويخضع جميع الأمم تحت قدميها، ثم ~~يسلم الحكم إلى يهوه. فملكوت يسوع ملكوت روحاني، وكان متحفظا تجاه ~~لقب المسيح وفضل عليه دوما لقب ابن الإنسان، لما للقب المسيح من ~~تداعيات سياسية ، كما أنه تحفظ تجاه لقب الملك ولم يقبله إلا ~~باعتبار ما سيأتي من صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب، لأن ~~مملكته ليست مملكة أرضية بل مملكة روحانية. وعندما سأله بيلاطس في ~~المحكمة عما إذا كان ملك اليهود، لم ينكر اللقب تماما وإنما ~~أعطاه بعدا روحانيا: «ليست مملكتي من هذا العالم. ولو كانت مملكتي ~~من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ~~ليست مملكتي هنا. قال له بيلاطس: أفأنت إذا ملك. أجاب يسوع: أنت تقول ~~إني ملك. لهذا ولدت أنا، ولهذا أتيت إلى العالم لأشهد للحق» يوحنا ~~18: 37-36. لقد كان يسوع في إجابته على سؤال بيلاطس واضحا كل الوضوح ~~ودقيقا في تحديده لمفهومه عن الملك، كما كان منسجما مع مواقفه ~~السابقة. فعندما تبعته الجموع بعد معجزة تكثير السمك والخبز ونادوا به ~~ملكا هرب وتوارى عن الأنظار: «وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن ~~يأتوا ويخطفوه ليجعلوه ملكا انصرف أيضا إلى الجبل وحده» (يوحنا، 6: ~~15). # إن مفهوم يسوع عن ملكوت الله هو عصر تتم فيه معرفة الناس الآب، ~~ويمد إليهم يده لتخليصهم من الخطيئة الأولى ومن الموت ومن سلطان أمير ~~الظلام. فالملكوت رابطة روحية تجمع المؤمنين إلى بعضهم وتجمعهم إلى ~~خالقهم، بعد عصور الظلام التي باعدت بينهما. وإذا كان الملكوت قد حل ~~بظهور المخلص، وموته الطوعي فداء للبشرية الخاطئة، فإن هذا ~~الملكوت سوف يستمر ردحا من الزمن كاف لتنقية عناصر ms258 الخير من عناصر ~~الشر، وحرمان الشيطان مما تبقى له من سلطة على العالم. عندما ~~سيعود ابن الإنسان على غمام المجد في اليوم الأخير ليختتم الزمن ويفتتح ~~الأبدية. # وعلى عكس ملكوت الرب اليهودي، فإن ملكوت يسوع يشمل جميع الأمم ~~والشعوب. ولقد أكد في أكثر من قول له عدم أهلية اليهود لدخول هذا ~~الملكوت، رغم اعتقادهم القديم بأنهم أصحابه الشرعيين: «وأقول لكم ~~إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب في ملكوت السماوات، وأما بنو الملكوت «أي اليهود» فيطرحون ~~إلى الظلمة الخارجية» (متى، 8: 12). وأيضا: «لذلك أقول لكم إن ~~ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره» (متى، 21: 43). وهو ~~يقول لليهود صراحة بأنهم لم يعرفوا الله قط، وإن أباهم الحقيقي هو ~~إبليس: «لستم تعرفونني أنا ولا أبي. لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضا ... ~~أنتم من أسفل، أما أنا فلست من هذا العالم. فقلت إنكم تموتون في ~~خطاياكم ... أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا ... الذي ~~من الله يسمع كلام الله، لذلك أنتم لستم من الله ... أبي هو الذي ~~يمجدني الذي تقولون إنه إلهكم ولستم تعرفونه، وأما أنا فأعرفه» ~~(يوحنا، 8: 18-24، و44-47، و54-55). # ولكن إذا كان ملكوت الله حاضرا هنا والآن، فكيف للإنسان أن ينتمي ~~إليه ويخلص من ربقة الشيطان؟ إن ما تبقى من تعاليم يسوع تدور حول ~~الإجابة عن هذا السؤال. وهي تدور حول أربعة عناصر هي: (1) الأخلاق. (2) ~~الإيمان. (3) المحبة. (4) الشريعة الجديدة. # بعد أن ابتدأ يسوع يكرز ببشارة الملكوت، كان أول من انضم إليه ~~أربعة هم: سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحنا. وكان يطوف كل الجليل يعلم ~~في مجامعهم ويشفي كل مرض، فتبعته جموع كثيرة، ولما رأى الجموع صعد ~~إلى الجبل وجلس، وهناك ألقى أولى مواعظه الأخلاقية، وهي المعروفة ~~بموعظة الجبل، وفيها يحدد الخطوط العامة للأخلاقية المسيحية. ~~الموعظة تشغل في إنجيل متى كامل الإصحاحات الخامس والسادس والسابع. ~~وهذه مقتطفات منها: ~~«طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى ~~لأنهم يتعزون، طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض، طوبى للرحماء ~~لأنهم يرحمون، ms259 طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ... قد سمعتم ~~أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل فإنه يكون مستوجبا الحكم. ~~وأما أنا فأقول لكم إن من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجبا ~~الحكم ... فإذا قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك عليك ~~شيئا، فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. قد ~~سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر ~~إلى امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه. سمعتم أنه قيل عين بعين ~~وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك ~~الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له ~~الرداء أيضا. ومن سخرك ميلا واحدا فامش معه ميلين اثنين، ومن سألك ~~فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده. سمعتم أنه قيل تحب قريبك ~~وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، ~~أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ... ~~احترزوا أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروا إليكم ... وأما أنت ~~فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك لكي تكون صدقتك في الخفاء ~~... لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض، بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء ... ~~لا تدينوا كي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون ~~تدانون، وبالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ... اسألوا تعطوا، اطلبوا ~~تجدوا، اقرعوا يفتح لكم ... كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هذا ~~بهم ... ادخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي ~~يؤدي إلى الهلاك. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، ~~وقليل هم الذين يجدونه.» # ولكن الأخلاق وحدها لا تكفي، بل لا بد من الإيمان بيسوع مسيحا ~~ومخلصا: «الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن ~~يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله» (يوحنا، 3: 36). «الذي يؤمن به لا ~~يدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن بابن الله الوحيد» (يوحنا، ~~3: 18). «من آمن ms260 بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيا وآمن بي لن يموت ~~إلى الأبد» (يوحنا، 11: 25-26). «فقالوا له: ماذا نفعل حتى نعمل أعمال ~~الله؟ أجاب وقال لهم: هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي أرسله» (يوحنا، ~~6: 28-29). «الحق أقول لكم، إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله ~~حياة أبدية» (يوحنا، 6: 47). «الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل ~~حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هنالك فينتقل» ~~(متي 17: 20). # ومع الأخلاق والإيمان هناك المحبة: «وصية جديدة أنا أعطيكم. أن ~~تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون أيضا بعضكم بعضا» (يوحنا ~~13: 34). «أيها الأحباء، إن كان الله قد أحبنا، هكذا ينبغي لنا ~~أيضا أن نحب بعضنا بعضا ... الله محبة. ومن يثبت في المحبة يثبت في ~~الله، والله فيه ... إن قال أحدكم إني أحب الله وأبغض أخاه فهو ~~كاذب، لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن الله الذي لم ~~يبصره» (رسالة يوحنا الأولى، 4: 11-20). وعندما سأل يسوع واحد ناموسي ~~ليجربه قائلا: «يا معلم أية وصية هي العظمى في الناموس؟ قال له ~~يسوع: تحب الله إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. والثانية ~~مثلها، تحب قريبك كحبك لنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله ~~والأنبياء» (متى، 22: 35-40). # أما عن شريعة يسوع الجديدة، فإن يسوع، وهو يعلن إنجيل الملكوت، ~~يفتتح نظاما دينيا جديدا كل الجدة. فالشريعة والأنبياء أمر ينتهي ~~مع يوحنا المعمدان (لوقا، 16: 16). ورغم أن يسوع قد قال: «لا تظنوا ~~أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل»، وهو قول ~~ينبغي عدم أخذه بحرفيته، فقد ألغى يسوع شريعة العهد القديم بجرة قلم ~~عندما قال: «السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت» ~~(مرقس، 2: 27)، وذلك في رده على الفريسيين الذين رأوا تلاميذه يقطفون ~~السنابل وهم سائرون بين الزروع لسد جوعهم. وعندما احتج الفريسيون على ~~يسوع لأن تلاميذه لا يصومون، قال لهم إن خمر الإنجيل، وهي شريعة ~~يسوع، لا يمكن صبها في أوعية قديمة هي شريعة ms261 العهد القديم: «ليس أحد ~~يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق، وإلا فالملء الجديد يأخذ من ~~العتيق فيصير الخرق أردأ، وليس أحد يجعل خمرا جديدة في زقاق عتيقة ~~لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق، فالخمر تنصب والزقاق تتلف» (مرقس، 2: ~~21-22). وعندما دخل يسوع المجمع «وكان هناك رجل يده يابسة، فصاروا ~~يراقبونه هل يشفيه في السبت. قال للرجل الذي له اليد اليابسة: قم في ~~الوسط، ثم قال لهم: هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر؟ تخليص نفس ~~أو قتل؟ فسكتوا، فنظر حوله إليهم بغضب حزينا على غلاظة قلوبهم، وقال ~~للرجل: مد يدك، فمدها، فعادت صحيحة كالأخرى » (مرقس، 3: 1-5). وعندما ~~رأى اليهود أن بعضا من تلاميذه يأكلون بأيد غير مغسولة، لاموه على ~~عدم تقيدهم بالشرعية. فقال لهم: «ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه ~~يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان ... ~~لأنه من الداخل، من قلوب الناس، تخرج الأفكار الشريرة» (مرقس، 7: ~~14-21)، وفي قوله المشهور: «أريد رحمة لا ذبيحة» (متى، 9: 13) ~~يقوض مؤسسة القربان اليهودي في شريعة موسى، ويعلن سدى الطقوس ~~التوراتية مؤسسا لطقوس تقوم على القلب لا على الدم. لقد تجاوز موسى ~~ولم يعد للهيكل اليهودي ما يسوغ بقاءه. وهذا ما يعلن عنه صراحة في ~~خطابه للمرأة السامرية التي ظنت أنه نبي يهودي: «قالت له المرأة: ~~يا سيد أرى أنك نبي. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في ~~أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه. قال لها: يا امرأة صدقيني ~~إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب، أنتم ~~تسجدون لما لستم تعلمون، وأما نحن فنسجد لما نعلم.» ثم يتابع ~~فيقول إن الخلاص لا يتم قبل التخلص من اليهود: «... لأن الخلاص هو من ~~اليهود. ولكن تأتي ساعة وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب ~~بالروح والحق» (يوحنا، 4: 19-23). # لقد كان اليهود يحملون نير الشريعة، أما المؤمنون الجدد فيحملون ~~نير المسيح، وهو نير هين وخفيف. قال يسوع: «تعالوا إلي ms262 يا جميع ~~المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلموا ~~مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هين ~~وحملي خفيف» (متى، 11: 28-30). ففيما عدا الصلاة اليومية البسيطة ~~التي تؤدى كل يوم لمرة واحدة بكلمات قليلة، لم يؤسس يسوع إلا ~~لطقسين اثنين هما العماد والإفخارتسيا (= القربان المقدس). # لم يكن طقس العماد، أو المعمودية، بالطقس الجديد. فقد كان يوحنا ~~المعمدان يعمد بالماء من أجل التوبة وغفران الخطايا، وكان يسوع من ~~بين من تقدموا للاعتماد على يديه، جاعلا نفسه بين الخطأة كأي إنسان ~~آخر، لكي يحمل خطيئة العالم على كاهله ويموت فيما بعد لأجل خلاص هذا ~~العالم. ولكن المعمودية المسيحية التي فرضها يسوع تتخذ معنى إضافيا، ~~فهي علامة الميلاد الجديد وبوابة الدخول إلى كنيسة المسيح. إنها ~~بالنسبة للعهد الجديد بمثابة الختان في العهد القديم، كلاهما علامة على ~~العهد. كما أنها شرط الخلاص، مثلها مثل الإخلاص والمحبة والإيمان: ~~«الحق أقول لكم، إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ~~ملكوت الله ... وبعد هذا جاء يسوع وتلاميذه إلى أرض «مقاطعة» اليهودية، ~~ومكث معهم هناك، وكان يعمد» يوحنا 3. # أما طقس الإفخارتسيا فقد أسس له يسوع في عشائه الأخير مع ~~تلاميذه. والكلمة يونانية، وتعني من حيث المبدأ العرفان بالجميل وإبداء ~~الشكر. وفي العهد الجديد استخدمها يسوع عند افتتاحه تناول الطعام، فهي ~~نوع من صلاة الشكر لله على نعمه: «وأخذ يسوع الأرغفة وشكر ووزع على ~~التلاميذ» (يوحنا، 6: 11)، ثم أخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع نظره ~~إلى السماء وبارك وكسر وأعطى الأرغفة للتلاميذ» (متى، 14: 19). وفي ~~مشهد العشاء الأخير نقرأ في إنجيل متى: «ولما كان المساء اتكأ مع ~~الاثني عشر ... وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبر وبارك وكسر وأعطى ~~التلاميذ وقال: خذوا كلوا، هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم ~~قائلا اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد، الذي ~~يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا» (متى، 26: 26-28). ونقرأ عند ~~يوحنا: «من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه ms263 في اليوم ~~الأخير ... من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه» (يوحنا، 6: ~~54-56). بهذا الطقس يتم اتحاد المؤمنين بالمسيح. ومن خلال آلامه وموته ~~وقيامته يعبرون معه من عالم الخطيئة عالم الشيطان إلى عالم الحرية ~~والسعادة، عالم الرحمن، من عبودية الموت إلى رحاب الأبدية. # مراحل الملكوت واليوم الأخير # اكتملت سلسلة الأنبياء عند يوحنا المعمدان، كما اكتملت الأزمنة ~~وافتتح عصر الملكوت. فالملكوت قائم الآن، كما علم يسوع في أكثر من ~~قول له: «أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتي الحصاد؟ ها أنا ~~أقول لكم ارفعوا وانظروا الحقول إنها قد ابيضت للحصاد، والحاصد ~~يأخذ أجره ويجمع ثمارا للحياة الأبدية» (يوحنا، 4: 35-36). ولكن لا ~~يزال هناك وقت يفصل افتتاح الملكوت عن تحققه كاملا، وهو الوقت الذي ~~يناضل خلاله كل من تحدوا بالمسيح قوى الشيطان، عاملين على تطوير ~~الملكوت والوصول به إلى غايته الأخيرة: «يشبه ملكوت السموات حبة خردل ~~أخذها إنسان وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور ولكن متى نمت فهي ~~أكبر البقول، وتصير شجرة حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في ~~أغصانها. وقال لهم مثلا آخر: يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة ~~وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع» متي 13: ~~31-33. # هذه الفترة الوسيطة من تنامي الملكوت، تمتد فترة غير محددة عقب موت ~~وقيامة يسوع، وتنتهي بالمجيء الثاني في اليوم الأخير. لقد ظهر الابن في ~~مجيئه الأول على هيئة إنسان هو يسوع الناصري ابن مريم، وأما في مجيئه ~~الثاني فسيأتي إلها ديانا ينهي العالم القديم ويقيم على أنقاضه ~~عالما جديدا يرثه المؤمنون: «فإن ابن الإنسان يأتي في مجد أبيه مع ~~ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله» (متى، 16: 27). ولقد ألمح ~~يسوع أكثر من مرة إلى قرب المجيء الثاني: «الحق أقول لكم إن من ~~القائمين هنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ~~ملكوته» (متى، 16: 28). إلا أنه ترك في أقوال أخرى موعد هذا ~~المجيء مفتوحا: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد ولا ~~ملائكة السموات، إلا ms264 أبي وحده»، ولهذا فهو يدعو المؤمنين إلى السهر ~~والترقب والتزود لذلك اليوم: «اسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون في أية ~~ساعة يأتي ربكم. واعلموا أنه لو عرف رب البيت في أي هزيع يأتي السارق ~~لسهر ولم يدع بيته ينقب. لذلك كونوا أنتم أيضا مستعدين، لأنه في ~~ساعة لا تظنون، يأتي ابن الإنسان» (متى، 24: 36-44). # ومع ذلك، فقد أعطى يسوع بعضا من علامات الساعة وإشاراتها: «تقدم ~~إليه تلاميذه قائلين: قل لنا متى يكون هذا، وما هي علامة مجيئك ~~وانقضاء الدهر؟ فأجاب يسوع ... سوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. انظروا ولا ~~ترتاعوا، لأنه لا بد أن تكون هذه كلها، ولكن ليس المنتهى بعد، لأنه ~~تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في ~~أماكن، ولكن على هذه كلها مبتدأ الأوجاع ... الذي يصير إلى المنتهى فهذا ~~يخلص. ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة، شهادة لجميع الأمم، ~~ثم يأتي المنتهى ... فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال، والذي ~~على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئا، والذي في الحقل فلا يرجع إلى ~~ورائه ليأخذ ثيابه. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام ... بعد ضيق ~~تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والنجوم تسقط من ~~السماء، وقوات السماء تتزعزع، وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في ~~السماء، وحينئذ تنوح كل قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على ~~سحاب السماء بقوة ومجد كثير، فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون ~~مختاريه» (متى، 24: 3-30). # ويتحدث يسوع عن مسحاء كذبة يظهرون قبل اليوم الأخير فيضلون ~~الناس: «لا يضلكم أحد، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ~~ويضلون كثيرين» (متى، 24: 4-5). ~~وفي رسائل الحواريين يجري الحديث عن مسيح مزيف أو دجال يظهر في آخر ~~الزمن ويدعى نقيض المسيح أو ضد المسيح: «يا أيها الأبناء هي الساعة ~~الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح ~~كثيرون. من هنا تعلم أنها الساعة الأخيرة» (رسالة يوحنا الأولى، 2: ~~18). «أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل ms265 هي من ~~عند الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من ~~الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من ~~الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم إنه يأتي، والآن هو في ~~العالم» (رسالة يوحنا الأولى، 4: 1-3). ويطور بولس في رسائله شخصية ~~الدجال ويعدد ألقابه، فيدعوه ابن الهلاك والمقاوم والأثيم، وجميعها ~~من ألقاب الشيطان. والدجال يأتي قبل المجيء الثاني للمسيح فيحاكي هيئته ~~في مجيئه، وموعده الخاص المعين من الله، ويصنع آيات ومعجزات فائقة ~~تدفع ضعفاء الإيمان إلى مواكبته والانصياع إليه. وهو الآن محجوز بقوة ~~مجهولة، ولكنه سوف ينطلق من مكان احتجازه لينجز آخر هجوم لقوى ~~الشيطان في هذا العالم. وعندما يظهر المسيح سوف يبيده بنفخة من فمه ~~ويبطله بظهور مجيئه الثاني (2 تسالونيكي، 2: 3-11). وفي سفر رؤيا يوحنا ~~اللاهوتي، هنالك مشهد رؤيوي يصف ظهور الدجال على هيئة وحش طالع من ~~البحر، أعطاه إبليس قدرته وعرشه وسلطانا عظيما ولهذا الوحش سبعة رءوس ~~كتب على كل واحد منها كلمة كافر أو مجدف. فصنع عجائب وأعطي سلطانا ~~على الأرض اثنين وأربعين شهرا، فسجد له ولإبليس كل من ليس منذورا ~~للخلاص (رؤيا يوحنا 13). # واليوم الأخير هو يوم الدينونة الذي يشهد بعث الموتى من قبورهم، ~~ونشورهم إلى الحساب حيث يقفون أمام ديان العالم، ابن الإنسان، الذي ~~تجمع أمامه كل الشعوب فيميز بعضهم عن بعض ويقيم المباركين عن ~~يمينه، وهؤلاء هم أهل اليمين، ويقيم الملاعين عن يساره، وهؤلاء هم أهل ~~الشمال: «ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي لترثوا ~~الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم ... ثم يقول للذين عن يساره اذهبوا ~~عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته ... فيمضي هؤلاء ~~إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية» (متى، 25: 31-46). «إن كل ~~كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين، لأنك ~~بكلامك تتبرر وبكلامك تدان» (متى، 12: 36-37). «هكذا يكون في انقضاء ~~العالم، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من الأبرار ms266 ويطرحونهم في أتون ~~النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (متى، 13: 49-50). # ولدينا في إنجيل لوقا حوار حول واحد من أهل الجحيم وآخر من أهل ~~الجنة، يعطينا صورة عن أحوال ساكني هذين العالمين. فقد: «كان إنسان ~~غني وكان يلبس الأرجوان والبز وهو يتنعم كل يوم مترفها. وكان هناك ~~مسكين اسمه لعازر طرح عند بابه مضروبا بالقروح ويشتهي أن يشبع من ~~الفتات الساقط من مائدة الغني. فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن ~~إبراهيم، ومات الغني أيضا ودفن. فرفع عينيه وهو في العذاب ورأى ~~إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه، فنادى وقال: يا أبي إبراهيم، ارحمني ~~وأرسل لعازر ليبل إصبعه بماء ويبرد طرف لساني لأني معذب في هذا ~~اللهيب. فقال إبراهيم: يا بني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك، ~~وكذلك (استوفى) لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب» (لوقا، 16: ~~19-25). # ويصف يسوع في إنجيل لوقا حياة أهل النعيم بأنها أشبه بحياة ~~الملائكة. فعندما جاء قوم من الصدوقيين الذين ينكرون القيامة والمعاد، ~~وسألوه عن امرأة تزوجت سبعة أخوة على التوالي ماتوا جميعا، فلمن ~~تكون المرأة من بينهم يوم القيامة؟ فأجاب يسوع: «أبناء هذا الدهر ~~يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر، ~~والقيامة من الأموات، لا يزوجون ولا يزوجون، لأنهم مثل ~~الملائكة، وهم أبناء الله، إذ هم أبناء القيامة» (لوقا، 20: 27 35). ~~كما أنه وعد الأبرار بالجلوس على مائدته السماوية ليأكلوا ويشربوا: ~~«أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي، وأنا أجعل لكم كما جعل أبي ملكوتا ~~لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط ~~إسرائيل» (لوقا، 22: 28-30). وهؤلاء يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم: ~~«حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم» (متى، 13: 43). وهم ~~يشربون بصحبة المسيح من نتاج الكرمة: «وأقول لكم إني من الآن لا أشرب ~~من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديدا في مملكة ~~أبي» (متى، 26: 29). # فإذا انتقلنا إلى الكرازة الرسولية وجدناها تعطي تفاصيل أخرى ~~بخصوص قيامة الموتى ومصيرهم. فعند بولس، فإن الراقدين المؤمنين ~~سيقومون على صوت ms267 نفخة الصور ويخطفون لملاقاة المسيح الهابط على سحب ~~الغمام: «لأننا إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام، فكذلك الراقدون، ~~بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه ... لأن الرب بهتاف بصوت رئيس ملائكة ~~وبوق الله، سوف ينزل من السماء، والأموات في المسيح سيقومون أولا، ثم ~~نحن الأحياء الباقين سوف نخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب في ~~الهواء. هكذا نكون كل حين مع الرب» (1 تسالونيكي، 4: 14-17). وهناك يرى ~~المنعم عليهم وجه الله: «أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله، ولم ~~يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أظهر نكون مثله لأننا ~~سنراه كما هو» (رسالة يوحنا الأولى، 3: 2). # ورغم توكيد بولس على بعث الأجساد في اليوم الأخير، إلا أنه ~~يقول لنا إن هذه الأجسام المادية بعد بعثها سوف تلبس حلة نورانية ~~سماوية : «هكذا أيضا قيامة الأموات: يزرع - الجسم - في فساد ويقام في ~~عدم فساد، يزرع في هوان ويقام في مجد، يزرع في ضعف ويقام في قوة، يزرع ~~جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا ... وكما لبسنا صورة الترابي ~~سنلبس صورة السماوي أيضا» (1 كورنثة، 15: 44-42 و49). وينفخ الملائكة ~~في الصور سبع مرات، وعند الصور السابع يستيقظ الموتى في أجساد لا ~~ينالها الفساد، كما تتغير أجساد من كان حيا أيضا: «في لحظة، في ~~طرفة عين، عند البوق الأخير، فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد، ~~ونحن نتغير، لأن هذا - الجسد - الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، ~~وهذا المائت يلبس عدم موت.» وبذلك يتم انتصار المسيح على الموت وعلى ~~العالم الأسفل: «فحينئذ تصير «تتحقق» الكلمة المكتوبة: ابتلع الموت ~~إلى غلبة. أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية» (1 كورنثة، 15: ~~43-55). # في سفر الرؤيا، ليوحنا اللاهوتي، وهو آخر أسفار العهد الجديد، ~~لدينا تفاصيل عن اليوم الأخير مكتوبة بأسلوب رؤيوي رمزي، مما عهدناه ~~في الأسفار الرؤيوية الأخرى، نقتطف منها المقاطع الآتية: «ونظرت، وإذا ~~زلزلة عظيمة حدثت، والشمس صارت سوداء كمسح من الشعر، والقمر صار ~~كالدم، ونجوم السماء سقطت إلى الأرض كما تطرح شجرة التين سقاطها إذا ~~هزتها ريح ms268 عظيمة. والسماء انفلقت كدرج ملتف، وكل جبل وجزيرة تزحزحا ~~عن موضعهما، وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأقوياء وكل عبد وكل ~~حر أخفوا أنفسهم في المغاور وفي صخور الجبال، وهم يقولون للجبال ~~وللصخور اسقطي علينا وأخفينا» 6: 12-16. «ثم حدث سكوت في السماء نحو ~~نصف ساعة، ورأيت سبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أعطوا سبعة ~~أبواق ... ثم إن سبعة الملائكة الذين معهم سبعة الأبواق تهيأوا لكي ~~يبوقوا. فبوق الملاك الأول فحدث برد ونار مخلوطان بدم وألقيا ~~على الأرض، فاحترق ثلث الأشجار واحترق كل عشب أخضر. ثم بوق الملاك ~~الثاني فكأن جبلا عظيما متقدا بالنار ألقي إلى البحر، فصار ثلث ~~البحر دما ومات ثلث الخلائق التي في البحر وأهلك ثلث السفن. ثم بوق ~~الملاك الثالث فسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح، ووقع على ثلث ~~الأنهار وعلى ينابيع المياه، ومات كثيرون من الناس من المياه لأنها ~~صارت مرة. ثم بوق الملاك الرابع فضرب ثلث الشمس وثلث القمر وثلث ~~النجوم. ثم بوق الملاك الخامس فرأيت كوكبا سقط من السماء وأعطي ~~مفتاح بئر الهاوية، ففتح بئر الهاوية فصعد دخان من البئر كدخان أتون ~~عظيم، ومن الدخان خرج جراد على الأرض فأعطي سلطانا كما للعقارب ~~وعذابه كعذاب عقرب إذا لدغ إنسانا. وفي تلك الأيام سيطلب الناس الموت ~~ولا يجدونه ... ثم بوق الملاك السادس فسمعت صوتا قائلا للملاك: فك ~~أربعة الملائكة المقيدين عند نهر الفرات العظيم، فانفك أربعة ~~الملائكة المعدون للساعة لكي يقتلوا ثلث الناس ... وأما بقية الناس ~~الذين لم يقتلوا بهذه الضربات فلم يتوبوا عن أعمال أيديهم ... ثم بوق ~~الملاك السابع فحدثت أصوات عظيمة في السماء قائلة: قد صارت ممالك ~~العالم لربنا ومسيحه، فسيملك إلى أبد الآبدين» 11: 9-15. ~~«ثم نظرت، فإذا سحابة بيضاء وعلى السحابة جالس شبه ابن إنسان، ~~على رأسه إكليل من ذهب وفي يده منجل حاد، وخرج ملاك آخر من الهيكل ~~يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة: أرسل منجلك واحصد لأنه قد ~~جاءت ساعة الحصاد إذ يبس حصيد الأرض. فألقى الجالس على السحابة ms269 منجله ~~على الأرض فحصدت الأرض. ثم رأيت آية أخرى في السماء، سبعة ملائكة معهم ~~سبع ضربات أخيرة لأن بها أكمل غضب الله ... وسمعت صوتا عظيما من ~~الهيكل قائلا لسبعة الملائكة: امضوا واسكبوا جامات غضب الله على الأرض ~~... فسكب الملاك الأول جامه على الأرض فحدثت دمامل خبيثة على الناس، وسكب ~~الملاك الثاني جامه على البحر فصار دما، ثم سكب الملاك الثالث جامه ~~على الأنهار والينابيع فصارت دما، ثم سكب الملاك الرابع جامه على ~~الشمس فأحرقت الناس بنارها ... ثم سكب الملاك الخامس جامه على عرش ~~الوحش (= الدجال) فأباد مملكته، ثم سكب الملاك السادس جامه على ~~النهر الكبير الفرات فنشف ماؤه، ثم سكب الملاك السابع جامه على ~~الهواء فحدثت رعود وبروق وزلازل عظيمة فزالت لجزر والجبال، ثم نزل ~~برد ثقيل من السماء على الناس» 16: 1-17. ~~«ورأيت ملاكا نازلا من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة ~~على يده، فقبض على التنين، الحية القديمة، الذي هو إبليس والشيطان، ~~قيده ألف سنة وطرحه الهاوية وأغلق عليه، # 7 # وختم عليه لكيلا يضل الأمم فيما بعد، حتى تتم ألف ~~السنة، وبعد ذلك لا بد أن يحل زمانا يسيرا ...» بعد ذلك يقيم المسيح ~~مملكته على الأرض ويعيش مع المؤمنين ألف سنة: «ثم متى تمت ألف ~~السنة، يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا ~~الأرض (وهم) جوج وماجوج ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر. ~~فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة، ~~فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم، وإبليس الذي كان يضلهم ~~طرح في بحيرة النار والكبريت ... ثم رأيت عرشا عظيما أبيض و(رأيت) ~~الجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضع، ~~ورأيت الأموات صغارا وكبارا واقفين أمام الله ... وسلم البحر الأموات ~~الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما، ودينوا كل ~~واحد بحسب أعماله. وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار» 20: ~~1-14. # خلاصة # لا تنشأ أية عقيدة دينية في فراغ ثقافي تام، ولا بد للعقيدة الجديدة ~~من أن تستوعب ms270 الفكر الديني السائد في الثقافة التي نشأت فيها، فتستفيد منه ~~ومن المفاهيم والصور والنماذج الراسخة في الضمير الشعبي، لتصب أفكارها ~~الجديدة فيها فتعطيها معاني وأبعادا جديدة، ثم تتجاوزها نحو تركيب مغاير ~~كل المغايرة. فالمسيحية هي نتاج الفكر التوراتي المنحول # 8 # الذي قصرت ثورته الدينية الصامتة «كما دعوناها» عن زعزعة ~~المؤسسة الدينية اليهودية رغم تأثيره البالغ فيها. ولكن الفكر المسيحي كما ~~تبلور في الأناجيل وفي كرازة الرسل، وخصوصا بولس، قد تجاوز أصوله في ذلك ~~الفكر المنحول مثلما تجاوز أيضا الفكر التوراتي، فأسس لعقيدة أصيلة ذات ~~طابع إنساني كوني قل مثيلها في تاريخ الدين. # الفصل الحادي عشر # | الرحمن والشيطان في المعتقد الإسلامي # يقوم المعتقد الإسلامي على الإيمان بالله إلها أوحد وخالقا أوحد، ويتبع ~~هذا الركن الأساسي في إيمان المسلم عدد آخر من أركان الإيمان، تفصلها لنا ~~الآية 136 من سورة النساء: # يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على ~~رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا ~~. غير أن هذا الإيمان وحده لا ~~يكفي لإسلام المرء، بل لا بد من اقترانه بالعمل الصالح وتجليه على أرض الواقع ~~من خلال السلوك الأخلاقي القويم، ويتضح لنا مدى اقتران الإيمان بالأخلاق، في ~~النص القرآني، من تكرار ورود كلمة «الإيمان» وتصريفاتها المختلفة، في ارتباط ~~مع العمل الصالح. وذلك كقوله تعالى: # وأما من آمن ~~وعمل صالحا فله جزاء الحسنى ~~(الكهف: 88). # والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك ~~أصحاب الجنة ~~(البقرة: 82). # ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات ~~(الطلاق: 11). لقد ورد الإيمان بالله مقترنا بالعمل الصالح حوالي خمسين مرة ~~في النص القرآني «والإيمان بالله أينما ورد يتضمن حكما الإيمان برسوله ~~وبالكتاب الذي نزل على رسوله.» وورد مقترنا باليوم الآخر حوالي ثماني عشرة ~~مرة، وبالكتب السماوية والرسل والملائكة حوالي عشر مرات. وهذا يدل على أن ~~المسلم الذي ينطق الشهادتين لا يصح إيمانه إلا إذا تجلى في السلوك ~~الأخلاقي أولا، وبالإيمان باليوم الآخر ثانيا، ثم بالكتب السماوية والرسل ~~والملائكة ms271 ثالثا. # لا يشكل الإيمان بالشيطان عنصرا من عناصر العقيدة القرآنية، ولكن ~~الاعتقاد بوجوده ودوره في حياة الفرد والجماعة أمر مفروض على كل مسلم. ~~فالشيطان عدو للإنسان يتربص به عند كل زاوية وباب ليضله عن سبل الحق: # ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين ~~(البقرة: 208). # إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ~~(الإسراء: ~~53). # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشاء ~~(البقرة: 268). # ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ~~(النساء: 60). # إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء ~~(المائدة: 91). # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل ~~(النمل: 24). فلقد أخذ الشيطان على نفسه عهدا، ~~منذ أن خلق الله آدم، بالإيقاع بالإنسان وتزيين المعصية له وحرفه عن سبل ~~الحق والخلق القويم: # قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين ~~(الأعراف: 16-17). # رغم ما يبدو من شبه ظاهري بين الشيطان في المعتقد القرآني وشيطان العقائد ~~الثنوية، فإن فحوى المعتقد القرآني يختلف عن فحوى الثنويتين الجذرية ~~والمطلقة في نقطة مبدئية حاسمة، وهي أن الشيطان في الإسلام ليس ندا ~~للرحمن ولا حتى بصورة مرحلية مؤقتة، ولذا فإنه لا يتمتع بالسلطة أو القوة ~~اللازمتين للخلق، أو للتدخل في مظاهر خلق الله وإفسادها: # أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~(النحل: 17). # هذا خلق الله فأروني ماذا ~~خلق الذين من دونه ~~(لقمان: 11). كما يختلف فحوى ~~المعتقد القرآني عن فحوى الثنويات الأخلاقية في نقطة حاسمة أخرى، وهي أن ~~الشيطان ليس مبدأ كونيا للشر، وليس حاكما على مملكة للشر تقف في مواجهة ~~مملكة أخرى للخير، كما أنه ليس متصرفا بشئون هذا العالم، يتصرف به كما ~~يشاء خلال الفترة الوسطية من التاريخ. فالخير والشر احتمالان مجردان وخياران ~~أخلاقيان سيرهما الله لبني البشر ليكونا موضوعا للحرية التي وهبها، ~~تمييزا لهم وتكريما على بقية الكائنات غير العاقلة: # كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة وإلينا ترجعون ~~(الأنبياء: 35). # ورغم سلطة الشيطان على المجال الأخلاقي وحده من دون بقية المجالات، فإن ~~مقدرته على التأثير في ms272 هذا المجال محدودة أيضا، لأن سلطانه يقتصر على ~~الأشخاص الذين اتخذوا خيارهم وانحازوا إلى جانب الشر، فهو يعاضدهم ويزيد ~~في غيهم. أما من اختار جانب الخير فلا سلطان للشيطان عليه. وهذا ما تنص ~~عليه آيات كريمة عديدة: # إنه ليس له سلطان ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون ~~(النحل: 99-100). # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى ~~بربك وكيلا ~~(الإسراء: 65). # إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين ~~(الحجر: 42). # ولقد صدق ~~عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين * وما كان له عليهم من ~~سلطان ~~(سبأ: 20-21). # وقال الشيطان ~~لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ~~ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم ~~(إبراهيم: 22). # وإننا لواجدون في مؤدى قول ~~الشيطان أعلاه : # وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم # خلاصة مفهوم الخير والشر في المعتقد ~~القرآني. فهذان النازعان موجودان في النفس الإنسانية ولا يأتيانها من خارجها: # ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من ~~زكاها * وقد خاب من دساها ~~(الشمس: ~~7-10). أمام هذه المحنة الكبرى يقف الإنسان بكل عزة وكرامة تليق بخليقة الله ~~على الأرض، ليكافح الشر في نفسه وفي خارجها، ويسير بالتاريخ نحو غاية ~~سامية، والخروج به من عالم المتناقضات إلى عالم الخير الكامل. # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن ~~كفر فعليه كفره ~~(فاطر: 39). لقد قبل الإنسان ما وهبه ~~الله من وعي ومن حرية وتحمل مسئولية هذه الهبة، وما عليه سوى السير في درب ~~التاريخ الشاق ليثبت أهليته لعطية ربه: # إنا عرضنا ~~الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا ~~(الأحزاب: 72). أي ظالما لنفسه بقبوله ~~هبة الله، جاهلا بعواقب موقفه البطولي هذا. لقد رفض الإنسان أو يكون جمادا، ~~أو حيوانا مشترطا بغرائزه، أو ملاكا مسيرا لا إرادة له، وفضل ما ms273 ~~تسبغه عليه الحرية من تميز على جميع خلق الله، وما تعطيه هذه الحرية من مغزى ~~ومعنى لحياته، فكان عليه أن يتحمل كل وطأة وجور التاريخ، قبل أن يحقق ~~انتصارا بعيدا ولكنه مؤكد بعون الله وعطفه. # بعد أن ابتلى الله الإنسان بالخير ~~والشر، وقبل الإنسان أمانة الوعي الحر والمسئول، لم يكن الله ليقف موقف ~~الحياد تجاه خلقه، فهو الخير المحض، وهو الذي يحفظ خلقه المؤمن من شرور ~~إبليس: # فالله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين ~~(يوسف: 64). وتتجلى رحمة الله ولطفه بعباده في ~~عونه لهم ومدهم بالقوة أمام إغواء الشيطان، وتزيين الخير لهم: # اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير ~~(الحج: 77). # وينزل عليكم ~~من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به ~~الأقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة ~~أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ~~(الأنفال: 11-12). # ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ~~(النساء: 83). # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم ~~(الأعراف: 200). # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~(الأعراف: ~~201). فالله يريد الخير لعباده، وما يأتيهم الشر إلا من أنفسهم: # ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك ~~من سيئة فمن نفسك ~~(النساء: 79). ولكن المبادرة يجب ~~أن تأتي من الإنسان أولا: # إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~(الرعد: 11). # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها ~~(الجاثية: 15). # يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ~~(الانشقاق: 6). # إن دور الشيطان كوكيل للشر وحافز ~~عليه دور ثانوي، وهو لا يستطيع ممارسة سلطانه إلا على من جنح للسيئة واختار ~~الشر، عند ذلك يغدو الشيطان وليه وموجها لخطاه. فالشر ينبع من النفس أولا ~~ثم يتفاقم بعون الشيطان: # بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون ~~(يوسف: 18). # ولقد خلقنا ~~الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~(ق: 16). # وكذلك سولت لي نفسي ~~(طه: 96). ~~من هنا فإن كيد الشيطان ضعيف إذا لم يكن عند الفرد قابلية مسبقة لتلقي ~~الكيد: # فقاتلوا ms274 أولياء الشيطان إن ~~كيد الشيطان كان ضعيفا ~~(النساء: 76). وهو رغم ~~استقلاليته الظاهرية، إلا أنه خاضع للرحمن، يأتمر بأمره متى شاء، فيرسله ~~على من ضل ليزيده ضلالا: # ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون ~~(الزخرف: 36-37). # ألم تر ~~أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~* فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم ~~عدا ~~(مريم: 83-84). وهو رغم دعوته إلى الكفر، إلا أنه يبطن ~~الإيمان والخضوع لرب العالمين: # كمثل الشيطان ~~إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء ~~منك إني أخاف الله رب العالمين ~~(الحشر: 16). ~~وها هو يعلن لمن اتبعه أنه يكفر بإشراكهم له مع الله في الطاعة: # ما أنا بمصرخكم # 1 # وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما ~~أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب ~~أليم ~~(إبراهيم: 22). # فالإنسان مخير في سعيه، وهو الذي يحدد مصيره بنفسه: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا ~~(الإنسان: 3). ولو شاء الله لأتى بخلق مؤمن منذ البداية، ~~ولكنه ارتضى للإنسان مكانة متميزة، وأعلنها للملائكة عندما أمرهم بالسجود ~~لآدم، وذلك إشعارا منه لجميع خلقه بأن الوعي يسمو على كل ما في الكون: # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين ~~(يونس: 99). # ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك ~~عليهم حفيظا ~~(الأنعام: 107). # ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~الساجدين ~~(الأعراف: 11). # ولكن سعي الإنسان وكدحه إلى ربه لن يقيض له النجاح بغير مدد من عند ~~الله وعون. وخلاص الإنسان في النتيجة هو منة علوية، ورحمة من الله الذي ~~التزم بخلاص البشرية منذ البداية: # لهم فيها ما ~~يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا ~~(الفرقان: 16). # وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من ~~الله ~~(التوبة: 111). # إن علينا ~~للهدى * وإن لنا للآخرة والأولى ~~(الليل: 12-13). # فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك ~~(غافر: 55). # قل ~~لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ms275 شاء ~~الله ~~(الأعراف: 188). # يختص برحمته ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(آل عمران: 74). # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ~~الله ~~(الأنعام: 111). # ثم يتوب الله ~~من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ~~(التوبة: 27). # ولكن يدخل من يشاء في ~~رحمته ~~(الشورى: 8). # وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~(التكوير: 29). # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~(المائدة: 16). # سوف تتضح هذه الأفكار أمامنا بشكل ~~أوسع وأدق من خلال تقصينا لمفهوم التاريخ في القرآن الكريم، وهو المفهوم ~~المركزي الذي يدور حوله تعليم القرآن من أوله إلى آخره. فالآيات والسور تتلى ~~لتروي للمؤمنين قصص البدايات والنهايات، خلق العالم وخلق الإنسان، سير ~~الأولين ومن تلاهم إلى يوم الدين. فالتاريخ هو المسرح الذي تتجلى فيه مشيئة ~~الله وقصده الخلاصي. فهو منذ أن تاب على آدم بعد معصيته، ملتزم بتخليص خليفته ~~وهدايته إلى سبل العيش القويم، وإلى الحياة السرمدية، بعد عصور الامتحان ~~الطويلة. # يتحرك التاريخ عبر ثلاث مراحل تعقب الحالة السابقة على التكوين عندما ~~لم يكن سوى الله والعرش والماء. ~~(1) الخلق والتكوين ~~(1-1) السرمدية # لا يوجد في القرآن الكريم سوى ~~آية واحدة تصف الحالة السابقة على الخلق، وهي الآية السابعة من سورة هود: # وهو الذي خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا ~~(هود: 7). فقبل ظهور العالم لم يكن ~~سوى الماء والعرش وخالقهما، ثم خلق الله السماوات والأرض على ست مراحل ~~متتابعة. وأما هدف الخلق فهو الإنسان الذي أخلفه الله في الأرض ليظهر ~~جدارته بهذه الخلافة، ويبذل ما هو صالح لنفسه ولبقية كائناتها التي ~~سخرها الله له، مثلما سخر له بقية مظاهر الكون والطبيعة. # وقد ورد في تفسير الكشاف لهذه الآية ما يلي: «أي خلقهما في مقدار ~~ستة أيام من أيام الدنيا. وفي ذلك حث للعباد على التأني في الأمور، ~~فإن الله الأقدر على خلق الكائنات بلمح البصر قد خلقها في ستة أيام. ~~وكان عرشه على الماء: أي ms276 وكان العرش قبل خلقهما على الماء. وفي هذا قال ~~الزمخشري: أي ما كان تحته خلق. وفيه دليل على أن العرش والماء كانا ~~مخلوقين قبل السماوات والأرض.» # 2 # وقال الطبري: إن الله قد خلق العالم من هذا الماء البدئي: ~~«إن الله تعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل ~~الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق ~~الماء فسما عليه فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم ~~فتقها فجعلها سبع أرضين.» # 3 ~~(1-2) خلق العالم # لا تعطي الآيات الكريمة المتعلقة بالخلق والتكوين جدولا زمنيا ~~لتتابع أعمال الخلق، وإنما يكتفي معظمها بالحديث عن خلق السماوات ~~والأرض إجمالا في ستة أيام واستواء الخالق بعد ذلك على العرش، ومنها: # إن ربكم الله الذي خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ~~(الأعراف: 54). # إن ربكم ~~الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش يدبر الأمر ~~(يونس: ~~3). # الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا ~~(الفرقان: 59). # هو الذي خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج ~~في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم ~~(الحديد: 4). # ولقد خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا ~~من لغوب ~~(ق: 38). وكلمة لغوب في الآية الأخيرة تعني ~~التعب. وقد ورد في تفسير القرطبي أن ~~في الآية الكريمة ردا على اليهود الذين زعموا أن الله خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وأنه تعب ~~فاستراح في يوم السبت. # 4 # على أننا نفهم من آيات معينة ~~أن خلق الأرض قد تم أولا: # هو الذي خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ~~(البقرة: 29). # قل أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له ~~أندادا ذلك رب العالمين * وجعل ms277 ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين * فقضاهن سبع سموات ~~في يومين وأوحى في كل سماء أمرها # 5 ~~(فصلت: 9-12). وقد جاء خلق الأرض مناظرا لخلق السماء، ~~ففي الأعلى سبع سماوات، وفي الأسفل سبع أرضين: # الله ~~الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ~~(الطلاق: 12). # أما عن خلق بقية المظاهر الكونية والطبيعانية، فقد تم خلال هذه ~~الأيام الستة، ولكن دون الإشارة إلى ترتيب معين في أسبقية الظهور: # الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ~~وجعل الظلمات والنور ~~(الأنعام: 1). # يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~(الأعراف: 54). # لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في ~~فلك يسبحون ~~(يس: 40). # وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم ~~(فصلت: 12). # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~(يونس: 5). # وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين وسخر لكم الليل والنهار ~~(إبراهيم: 33). # إنا زينا السماء ~~الدنيا بزينة الكواكب ~~(الصافات: 6). # والذي أخرج المرعى * ~~فجعله غثاء أحوى ~~(الأعلى: 4-5). # وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى ~~(طه: 53). # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه ~~في السماء ~~(الروم: 48). # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ~~ماء فأسقيناكموه ~~(الحجر: 22). # وقد جاء خلق الله هذا تاما وكاملا، وسيبقى كذلك إلى اليوم ~~الموعود. فالعالم كله حسن وخير، يسير وفق الخطة التي وضعها الله له، ~~ولا سلطة للشيطان عليه: # الذي أحسن كل ~~شيء خلقه ~~(السجدة: 7). # فتبارك ~~الله أحسن الخالقين ~~(المؤمنون: 14). # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين ~~من دونه ~~(لقمان: 11). # ما ترى في ~~خلق الرحمن من تفاوت ~~(الملك: 3). # وكل شيء عنده بمقدار ~~(الرعد: 8). # الشمس والقمر بحسبان ~~(الرحمن: 5). # والسماء رفعها ووضع ~~الميزان ~~(الرحمن: 7). وهذا يعني أن ما يبدو من اضطراب في ~~عمليات الطبيعة أحيانا مثل العواصف والأعاصير والفيضانات والزلازل ~~والبراكين، هو جزء من نظام الطبيعة ذاتها، لا اختلال في ذلك النظام. كما ~~أن الله ms278 يسخر بعض هذه الظواهر كأدوات عقاب على الأقوام العاصية التي ~~فسدت وتحللت فيها الأخلاق والمعاملات: # فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما ~~كفرتم ~~(الإسراء: 69). # فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~(فصلت: ~~16). والشيء نفسه يقال عن المخلوقات المؤذية بطبيعتها وعن الأمراض ~~والأوبئة. وبتعبير آخر، فإن كل ما يبدو حولنا من تعارضات ذات طبيعة ~~قطبية، هو جزء من النظام الخفي لصيرورة العمليات الكونية ~~والطبيعانية. ~~(1-3) الملائكة # لا تفيدنا آيات الخلق والتكوين عن ترتيب ظهور الملائكة في خطة ~~الخلق، ولكننا نعرف أنها كائنات سماوية ذات قوى متفوقة تحيط بعرش ~~الله وتسبح بحمده. # 6 # وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش يسبحون بحمد ربهم ~~(الزمر: 75). # والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض ~~(الشورى: 5). # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته ~~(الرعد: 13). # الذين ~~يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ~~(غافر: 7). ومن أهم صفاتهم الانصياع التام لخالقهم، ~~فهم مسيرون لا مخيرون: # لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(التحريم: ~~6). # وللملائكة عدد متنوع من ~~الوظائف فهم رسل بين السماء والأرض: # الحمد لله ~~فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة ~~رسلا ~~(فاطر: 1). ويتصلون بالأنبياء والمختارين لإبلاغهم ~~مشيئة الرب: # فنادته الملائكة وهو ~~قائم يصلي في المحراب ~~(آل عمران: 39). # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين ~~(آل عمران: 42). وقد ذكر القرآن الكريم من أسماء ~~الملائكة: جبريل وميكال ومالك. وجبريل هو الذي حمل الوحي إلى الرسول ~~محمد: # قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~(البقرة: ~~97). والملائكة تحمل رحمة الله إلى المؤمنين: # إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة ~~(فصلت: 30). ومنهم أولياء وحفظة ~~على المؤمنين: # نحن أولياؤكم في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~(فصلت: 31). # كلا بل تكذبون بالدين * ~~وإن عليكم لحافظين * كراما ~~كاتبين * يعلمون ما تفعلون ~~(الانفطار: 9-12). ولكل فرد من أفراد البشر اثنان من هؤلاء الملائكة ~~الحافظين يرافقانه طيلة حياته، واحد عن يمينه وآخر عن شماله: # إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ~~وعن الشمال ms279 قعيد * ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد # 7 ~~(ق: 17-18). # ومن الملائكة من يرسله الله ليعاضد المؤمنين في القتال: # إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها ~~(الأحزاب: 9). ومنهم موكلون ~~بقبض أرواح البشر عندما تحين المنية: # إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~(النساء: 97). # ولو ترى إذ الظالمون في ~~غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم ~~(الأنعام: 93). # ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ~~وأدبارهم ~~(الأنفال: 50). فوق هذه الزمرة من الملائكة ~~التي تقبض الأرواح رئيس تدعوه الآية بملاك الموت دون أن تذكر اسمه: # 8 # قل يتوفاكم ملك الموت ~~الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ~~(السجدة: 11). ومنهم خزنة للنار وخزنة للجنة (الزمر: 71-73). فملائكة ~~الجنة تيسر أسباب السعادة لأهل الجنة، بينما تقوم ملائكة الجحيم على ~~تعذيب المجرمين (الواقعة: 17-27، التحريم: 6). # وللملائكة في يوم القيامة دور ~~هام يلعبونه: # هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك ~~(النحل: 33). # يوم يرون الملائكة لا ~~بشرى يومئذ للمجرمين ~~(الفرقان: 22). وللملائكة ~~أجنحة يختلف عددها على ما يبدو باختلاف طبقاتها: # جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع ~~(فاطر: 1). على أن هذا لا يضفي الصفة المادية على ~~الشكل الملائكي، والبشر لا يقدرون على رؤيتها، في حال تجليها، إلا في ~~هيئة إنسانية عادية: # وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون ~~(الأنعام: 8- 9). وكلمة «رجل» في هذه الآية ~~الكريمة تدل على الإنسان لا على جنس الذكر، لأن الملائكة لا جنس ~~لها. ~~(1-4) الجن # الجن هم فريق آخر من الكائنات غير المادية، خلقها الله قبل الإنسان ~~من عنصر النار: # ولقد خلقنا الإنسان ~~من صلصال من حمإ مسنون * والجان ~~خلقناه من قبل من نار السموم ~~(الحجر: ~~26-27). # وخلق الجان من مارج من ~~نار ~~(الرحمن: 15). إن تعبير «نار السموم» وتعبير «مارج ~~من نار» في الآيتين السابقتين يدلان على النار الصافية التي لا يخالطها ~~دخان. وهذا يعني أن الجن مخلوقون من نار غير أرضية، فهم ms280 طاقة صافية ~~لا أجساد لها، ومع ذلك فإنهم يسكنون المجال الأرضي وينقسمون إلى أمم ~~وشعوب، شأنهم في ذلك شأن البشر. ومثل البشر أيضا، هم مخيرون وعرضة ~~للامتحان عبر صيرورة الزمن: # يا معشر الجن ~~والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ~~آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~(الأنعام: ~~130). # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم ~~أعين لا يبصرون بها ~~(الأعراف: 179). # قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم ~~من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة ~~لعنت أختها ~~(الأعراف: 38). ثم إنهم في النهاية ~~مطالبون بالإيمان برسالة الإسلام: # وإذ صرفنا ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما ~~حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى ~~قومهم منذرين ~~(الأحقاف: 29). # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا ~~أحدا ~~(الجن: 1-2). # ويبدو أن الآلهة التي عبدها البشر من دون الله كانت من الجن ~~الكافر: # وجعلوا لله شركاء ~~الجن ~~(الأنعام: 100). # ويوم ~~يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون * قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~(سبأ: ~~40-41). وللجن شياطين تغويهم مثلما للإنس: # شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه ~~فذرهم وما يفترون * ولتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~(الأنعام: 112-113). # ولدينا في سورة النمل نموذج عن القوة فوق الطبيعانية التي للجن، وذلك ~~في قصة ملكة سبأ مع سليمان. فلقد سمع الملك سليمان بخبر ملكة سبأ، فأرسل ~~إليها يدعوها للإيمان بالله وترك عبادة الشمس والكواكب، فأرسلت إليه ~~هدايا ثمينة ولم تجبه للإيمان، فرد سليمان هداياها إليها وعزم على ~~السير لمحاربتها، ولكنها بادرته بالسير لزيارته، قبل أن تصل الملكة ~~أراد أن يريها آية تدفعها إلى الإيمان. ولما كان سليمان متسلطا على ~~الجن، يأتمرون بأمره: # ومن الجن من يعمل ~~بين يديه بإذن ربه ~~(سبأ: 12)، فقد دعا الجن ~~وسألهم أيهم قادر على إتيانه بعرش الملكة ms281 من بلدها قبل أن تصل: # قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * ~~قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا ~~عنده قال هذا من فضل ~~(سورة النمل: 38-40). ~~(1-5) خلق الإنسان وسقوطه # بعد أن فرغ الله من خلق السماوات والأرض عزم على خلق الإنسان، فأطلع ~~الملائكة على نواياه: # هو الذي خلق لكم ~~ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم * وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل ~~في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(البقرة: 29-30). ثم خلق الله آدم من تراب الأرض الممزوج بالماء، مثلما ~~تصنع الآنية الفخارية: # خلق الإنسان من ~~صلصال كالفخار ~~(الرحمن: 14). # إنا خلقناهم من طين لازب ~~(الصافات: 11). ~~والطين اللازب هو الطين اللزج الرخو، وكذلك الحمأ المسنون: # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمإ مسنون ~~(الحجر: 26). وقد تولى الله خلق آدم بيديه ~~لا بكلمته، على ما نفهم من خطابه لإبليس بعد ذلك: # قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي ~~(ص: 75). وقد ورد في التفاسير أن الله تعالى جبل ~~آدم من تراب الأرض فعجنه بماء فصار طينا لازبا، أي متلاصقا يلتصق ~~باليد، ثم تركه حتى صار حمأ مسنونا، أي طينا أسودا، ثم صورة كما ~~تصور الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إذا نقر صوت. # 9 # وبعد أن انتهى الخالق من صنع جسد آدم نفخ فيه من روحه: # وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~(السجدة: 7-9). وبذلك صار آدم نفسا حية، يجمع في تركيبه عنصرين: الأول ~~مادي ينتمي إلى الأرض، والثاني روحاني، هو قبس من روح الله ذاته. # هذا التكوين ms282 الخاص الجامع بين المادة و«الروح»، هو الذي جعل آدم ~~مميزا على بقية الكائنات التي خلقها الله، ومفضلا على الملائكة ~~والجان. ولكي يظهر الله للملائكة فضل آدم عليهم، فقد علمه أسماء جميع ~~مخلوقات الأرض، ثم عرضهم على الملائكة لينبئوه بأسمائهم فعجزوا، ولكن ~~آدم فعل: # وعلم آدم الأسماء كلها ~~ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * ~~قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك ~~أنت العليم الحكيم ~~(البقرة: 31-32). عند ذلك أمرهم ~~الله بالسجود لآدم سجود تبجيل وتكريم: # وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ~~(البقرة: 34). # قال ما منعك ألا تسجد ~~إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين * قال فاهبط منها ~~فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين ~~(الأعراف: 11-13). # أسكن الله آدم في الجنة، ثم خلق منه زوجة له، وقال لهما أن يأكلا من ~~كل شجر الجنة عدا شجرة معينة، # 10 # وحذرهما من غواية الشيطان الذي صار عدوا لهما بعد عصيانه ~~وطرده. والنص لا يصف كيفية خلق المرأة ولا يطلق عليها اسما معينا: # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ~~(النساء: 1). # ويا آدم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين ~~(الأعراف: 19). # فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ~~(طه: 117-119). ولكن الشيطان الذي حلت عليه لعنة ربه بسبب آدم، جاء إلى ~~آدم ووسوس إليه مزينا له الأكل من الشجرة: # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك ~~على شجرة الخلد وملك لا يبلى * ~~فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه ~~فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه ~~وهدى * قال اهبطا منها جميعا بعضكم ~~لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~اتبع هداي فلا ms283 يضل ولا يشقى * ~~ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~(طه: 120-124). # وفي آية أخرى يوسوس الشيطان ~~إلى الزوجين معا: # فوسوس لهما الشيطان ~~ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ~~ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة ~~بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما ~~عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن ~~من الخاسرين * قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى ~~حين ~~(الأعراف: 20-24). ولكن رحمة الله ترافقت مع غضبه، فما ~~لبث طويلا حتى غفر للإنسان خطيئته: # فأزلهما ~~الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو ~~التواب الرحيم ~~(البقرة: 36-37). # نلاحظ من الآيات الكريمة التي أوردناها أعلاه عددا من النقاط ~~الأساسية التي تميز الرواية القرآنية عن الروايات الكتابية الأخرى. ~~فالشيطان قد وسوس إلى آدم أولا، ثم إلى الزوجين معا، ثم إن ~~الاثنين قد أكلا من الشجرة، دون الإشارة إلى من كان البادئ بالأكل ~~والمحرض عليه. وبذلك فقد برأ القرآن الكريم المرأة من التحريض على ~~المعصية الأولى، وألقى اللوم على الطرفين معا، ثم إن الله لم يلعن ~~الإنسان بسبب معصيته، ولم يلعن الأرض بسببه، بل طرده من الجنة إلى الأرض ~~ليحصل فيها قوته بالكد والعتب. وأعلن منذ البداية التزامه بهدايته ~~وخلاصه: # قلنا اهبطوا منها جميعا ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~(البقرة: 38). كما ~~أن الله قد سامح الإنسان وغفر له ذنبه ما إن دعاه وطلب غفرانه. وهذا ~~يعني أن مفهوم الخطيئة الأصلية غير موجود في المعتقد القرآني، وأن ~~نسل الإنسان لم يرث خطيئة آدم لينوء بها عبر تاريخه، بل هو قادر على ~~تحقيق خلاصه ms284 بمجرد الإيمان بالله تعالى والإخلاص له. ~~(1-6) إبليس # كان إبليس من الملائكة على ما تفيده صيغة الاستثناء المستخدمة في ~~قصة سقوطه، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس. ~~ولكننا في سورة طه نجد أنه من قوم الجن ولم يكن من الملائكة. ويبدو ~~أنه كان رئيسا على الجن، على ما يذهب إليه بعض المفسرين. # 11 # أما لماذا كان بين الملائكة عندما أمرهم ربهم بالسجود ~~لآدم، فإن النص يصمت عن هذه المسألة ولا يذهب أبعد من ذلك: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ~~وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ~~(الكهف: ~~50). # وعندما حلت عليه لعنة ربه بسبب عجرفته وتكبره وعصيانه، وآذن بهلاك ~~مؤكد، طلب التأجيل إلى يوم القيامة: # إذ قال ~~ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ~~فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة ~~كلهم أجمعون * إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين * قال يا ~~إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين * قال ~~أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ~~* قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين ~~* قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون * قال فإنك من المنظرين ~~* إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين ~~(ص: 71-85). # لم يكن عصيان إبليس واتخاذه جانب الشر بالأمر المهم في صيرورة تاريخ ~~العالم وتاريخ الإنسانية. فالشر لا يصدر عن إبليس بقدر ما يصدر عن النفس ~~الإنسانية الواعية والحرة والمسئولة. كما أن نهاية التاريخ مقررة ~~ومقدرة سلفا، وهي جزء لا يتجزأ من خطة الله في الخلق، ولم يكن لمعصية ~~إبليس أو خطيئة الإنسان أي أثر على هذه الخطة. ونحن إذا نظرنا إلى الآيات ~~الكريمة المتعلقة بالخلق والتكوين نجد في معظمها قد ربط الخلق بالنهاية، ~~لأن العالم مخلوق لأجل مسمى: # ما خلقنا ms285 ~~السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى ~~(الأحقاف: 3). # وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى ~~(لقمان: 29). # وخلق الله ~~السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت ~~(الجاثية: 22). فالعالم مخلوق لأجل الإنسان، وهو ~~المسرح الذي يحقق فيه خياراته عبر صيرورة التاريخ. ورغم أن مسيرة ~~الزمن والتاريخ مرسومة مسبقا في خطوطها العامة، إلا أن ما يجري في ~~هذا التاريخ هو مسئولية الإنسان. # ضمن هذه الخطة المتكاملة التي تجمع الجبرية في صيرورة التاريخ، ~~والحرية في نشاط الإنسان ضمن هذا التاريخ، لا يلعب الشيطان إلا دورا ~~ثانويا، وليس العهد الذي أخذه على نفسه بغواية بني البشر بذي أثر حقيقي ~~على خطة الرحمن. نقرأ في سورة الإسراء: # وإذ ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ~~إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا * ~~قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك ~~منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان ~~إلا غرورا * إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ~~(الإسراء: ~~61-65). ونقرأ في سورة الأعراف: # قال أنظرني ~~إلى يوم يبعثون * قال إنك من ~~المنظرين * قال فبما أغويتني ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين * قال اخرج منها مذءوما ~~مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين ~~(الأعراف: 14-18). # باشر إبليس مهمته فورا، وبعد إغوائه لآدم وزوجته عمد إلى ضلالة فريق ~~من الجن «أو الملائكة» فانحازوا إلى جانبه وتحولوا إلى شياطين تعمل ~~كجند تحت إمرته: # وبرزت الجحيم ~~للغاوين ~~(الشعراء: 91). # فكبكبوا ~~فيها هم والغاوون * وجنود إبليس ~~أجمعون ~~(الشعراء: 94-95). كما صار له ذرية ونسل تقفوا ~~أثره: # أفتتخذونه وذريته ~~أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا ~~(الكهف: 50). وكلمة «ذرية» في هذه الآية الأخيرة قد ~~تعني نسلا بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد تعني النظائر والأشباه، وذلك ~~كقوله تعالى: # إن المبذرين ms286 كانوا ~~إخوان الشياطين ~~(الإسراء: 27). فأخوة بعض البشر ~~للشياطين هنا ليست أخوة فعلية، بل أخوة معنوية. # وهكذا ابتدأ الشيطان والإنسان تاريخهما معا، ودخلا المرحلة الثانية ~~من التاريخ، مرحلة الامتحان الكبير. ~~(2) مرحلة الامتحان الكبير # قال تعالى: # وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما لاعبين * ما ~~خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم ~~أجمعين ~~(الدخان: 38-40). # أولم ~~يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ~~وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ~~لكافرون ~~(الروم: 8). فالإنسان هو معنى العالم وغايته، وإليه ~~أوكل الله الأمانة الكبرى التي لم يحملها أحد من خلق الله، وإن عليه خلال ~~المرحلة الثانية من التاريخ أن يثبت جدارته بهذه الأمانة ويصل بها إلى ~~هدفها الأخير، وهو تنقية النفس الإنسانية من شوائب البشر، وتحقيق الخيار ~~الوحيد اللائق بالجنس البشري، خيار الحق والخير، ليكون أهلا للدخول في ~~السرمدية. وهو رغم مسئوليته الكاملة عن مصيره، فإنه ليس وحيدا في خضم ~~الامتحان، لأن الله يقف على الدوام إلى جانب من تولوه في صراعهم مع ~~نوازعهم ومع الشيطان، ويحارب الباطل بالحق: # وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه ~~من لدنا إن كنا فاعلين * بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~(الأنبياء: 16-18). # منذ أن طرد الله آدم من الفردوس أعلن عن مقصده في التاريخ، والتزامه ~~بهداية الإنسان وخلاصه من عالم التجربة والمحنة إلى حياة الأبدية: # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما ~~أخرج أبويكم من الجنة ~~(الأعراف: 27). # ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~(التغابن: ~~11). # إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ~~(يونس: 9). # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم * الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمات ~~(البقرة: 256-257). # يا ~~بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون ~~(الأعراف: 35). # ثم أرسلنا ms287 رسلنا تترى ~~(المؤمنون: 44). # خلال المرحلة الثانية ينشط إبليس وجنوده فيضلون ويفسدون، ولكن الله ~~الأمين على عهده ووعده، يتابع صلته بالبشر ليجنبهم مهاوي الشيطان: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط ~~(الحديد: 25). # ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت ~~(النحل: 36). # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم ~~(إبراهيم: 4). # قد جاءكم ~~الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~(يونس: ~~108). # تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين ~~(لقمان: 2-3). ~~ولكن هذه المرحلة تميزت بعزوف معظم الناس عن الهداية، وعدم الإصغاء لصوت ~~الحق: # كلما جاء أمة رسولها ~~كذبوه ~~(المؤمنون: 44). # ولقد ~~أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * ~~وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ~~يستهزئون ~~(الحجر: 10-11). # يا ~~حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزئون ~~(يس: 30). # ولكن حسرته تعالى على العباد ~~تنقلب إلى غضب ونقمة، عندما يستفحل الظلم والضلالة والخطيئة: # وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ~~بياتا أو هم قائلون # 12 ~~(الأعراف: 4). # وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن ~~من بعدهم ~~(القصص: 58). # وتلك ~~القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا ~~(الكهف: 59). # وما كنا ~~مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ~~(القصص: 59). ~~ومع ذلك فإن رحمة الله تسبق غضبه: # وما كان ~~ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ~~يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون ~~(القصص: 59). # ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها ~~من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ~~(فاطر: 45). # هذا الصراع المفتوح بين الخير والشر لن يستمر أبدا، لأن الزمن يسير ~~نحو نهاية محتومة ومقررة سلفا في صلب الخلق الأول. ولسوف ترجح كفة الخير ~~في الهزيع الأخير من التاريخ، الذي يتوج باستئصال شأفة الأشرار ووليهم ~~إبليس: # ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون ~~(المجادلة: 19). والهزيع الأخير من التاريخ يبتدئ ~~بالبعثة المحمدية. ~~(3) البعثة المحمدية ونهاية التاريخ ~~(3-1) خاتم الأنبياء # قال تعالى: # ما كان محمد أبا أحد ~~من رجالكم ms288 ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين ~~(الأحزاب: 40). # وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ~~(سبأ: 28). قبل البعثة المحمدية كان الله يختص كل أمة برسول. أما وقد ~~اقترب الزمن من نهايته، # 13 # وجاءت مرحلة الفصل الأخير بين الخير والشر، فقد خاطب الله ~~الناس كافة، كل الشعوب والأمم، وبعث رسوله برسالة عالمية شاملة ليكون آخر ~~الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسالات: # هذا بلاغ ~~للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولو الألباب ~~(إبراهيم: 52). # هذا بصائر للناس وهدى ورحمة ~~لقوم يوقنون ~~(الجاثية: 20). # الر ~~كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور بإذن ربهم ~~(إبراهيم: 1). # هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور ~~(الحديد: 9). ~~لقد بينت الرسالة المحمدية لجميع الناس، وللمرة الأخيرة، الحد الواضح ~~بين الهدى والضلالة، وما زال هنالك وقت للاختيار قبل أن يأتي يوم الفصل: # لا إكراه في الدين قد تبين ~~الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام ~~لها ~~(البقرة: 256). ولسوف يشهد هذا الهزيع الأخير من التاريخ ~~فلاح القصد الإلهي في تخليص البشر: # إذا جاء ~~نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح ~~بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ~~(النصر: 1-3). أما من بقي وليه الشيطان فموعده الساعة، يوم تتم هزيمة ~~الشيطان وجنده وأتباعه: # سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر * بل الساعة ~~موعدهم والساعة أدهى وأمر ~~(القمر: ~~45-46). ~~(3-2) الساعة واليوم الآخر # تتخذ الرسالة المحمدية طابعا آخرويا واضحا، فلا تكاد تخلو سورة ~~من سور القرآن الكريم من آية أو عدد من ~~الآيات التي تذكر باليوم الآخر وبقيام الساعة. لقد بلغ عدد مرات ذكر ~~«الآخرة» و«اليوم الآخر» في الكتاب حوالي 140 مرة، وذكر «الساعة» حوالي ~~48 مرة. وذلك إضافة إلى التعابير الأخرى التي تحمل الدلالة نفسها مثل ~~«الغاشية» و«الواقعة» و«القارعة» و«الآزفة» و«اليوم الموعود» و«يوم ~~الوعيد» و«الموعد» و«الميقات» وغيرها. فاليوم الآخر هو تجسيد لعدالة الله ~~الحقة، وكل تعاليم القرآن تصب في النهاية في تعليم واحد، هو آخر الزمن ~~ونهاية التاريخ. # يفتتح اليوم ms289 الآخر بالساعة الرهيبة التي تزعزع الأرض وتشقق السماء ~~وتبعثر النجوم وتفيض البحار. هذه الساعة قريبة، ولكن موعدها لا يعلم به ~~سوى الله: # يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها قل إنما علمها عند ربي ~~(الأعراف: ~~187). # وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون ~~(الزخرف: 85). # وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا ~~(الأحزاب: 63). # وما يدريك لعل الساعة ~~قريب ~~(الشورى: 17). فهي تأتي بغتة دون إنذار: # أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون ~~(سويف: 107). # ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم ~~الساعة بغتة ~~(الحج: 55). # بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم ~~(الأنبياء: 40). يسبق ~~الساعة ثلاث إشارات: هي الدخان ودابة الأرض التي تكلم الناس، وخروج شعب ~~يأجوج ومأجوج: # فارتقب يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين * يغشى الناس ~~هذا عذاب أليم ~~(الدخان: 10-11). # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون ~~(النمل: 82). # حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~* واقترب الوعد الحق فإذا هي ~~شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين ~~(الأنبياء: ~~96-97). ويأجوج ومأجوج هم القوم الذين حجبهم ذو القرنين وراء سد كبير ~~اتقاء أذاهم (الكهف: 94-97). وهم قبل الساعة ينقبون السد ويخرجون للفساد ~~في الأرض. # ينتبه الأحياء من غفلتهم على صوت بوق عظيم تضطرب له الأرض وتفزع ~~الكائنات: # ويوم ينفخ في الصور ففزع ~~من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء ~~الله ~~(النمل: 87). ويأتي صوت البوق أشبه بصيحة واحدة لا ~~متقطعة ولا متكررة: # وما ينظر هؤلاء إلا ~~صيحة واحدة ما لها من فواق ~~(ص: 15). يلي ذلك ~~عدد من الكوارث الطبيعية والكونية: # فإذا نفخ ~~في الصور نفخة واحدة * وحملت ~~الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت ~~السماء فهي يومئذ واهية ~~(الحاقة: 13-16). # إذا السماء انفطرت * ~~وإذا الكواكب انتثرت * وإذا ~~البحار فجرت ~~(الانفطار: 1-3). # إذا زلزلت الأرض زلزالها * ~~وأخرجت الأرض أثقالها * وقال ~~الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها ~~(الزلزلة: 1-5). # والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة والسموات مطويات ms290 بيمينه ~~(الزمر: 67). # إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * ~~وإذا الجبال سيرت * وإذا العشار ~~عطلت ~~(التكوير: 1-4). # إن عذاب ~~ربك لواقع * ما له من دافع * يوم تمور السماء مورا * ~~وتسير الجبال سيرا ~~(الطور: 7-10). # يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسأل ~~حميم حميما ~~(المعارج: 8-10). # يوم ~~ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع ~~كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ~~(الحج: 2). # ثم ينفخ في البوق مرة ثانية فيفنى # 14 # كل من بقي حيا بعد تلك الكوارث: # ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ~~(الزمر: 68). # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم ~~خامدون ~~(يس: 29). # كل من ~~عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام ~~(الرحمن: 26-27). بعد أن يموت ~~الجميع، ويستوي من مات حديثا مع من مات منذ آلاف السنين، ينفخ في البوق ~~مرة ثالثة، فيبعث الموتى من مرقدهم، وتعود إليهم الأرواح التي فارقتهم: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون ~~(الزمر: 68). # ونفخ في ~~الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ~~ينسلون ~~(يس: 51). # خشعا ~~أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر ~~(القمر: 7). # قالوا يا ~~ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون ~~(يس: 52). ثم ينفخ في ~~الصورة مرة رابعة فيجمع الناس إلى مكان الحشر: # يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ~~(النبأ: ~~18). # ونفخ في الصور فجمعناهم ~~جمعا ~~(الكهف: 99). # إن كانت إلا ~~صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون ~~(يس: 53). # وترى الأرض ~~بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ~~(الكهف: 47). # عند ذلك ينزل الله من السماء آتيا مع السحاب: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ~~ترجع الأمور # 15 ~~(البقرة: 210). # ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ~~(الفرقان: 25). # وانشقت السماء فهي ~~يومئذ واهية * والملك على أرجائها ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # 16 ~~(الحاقة: 16-17). # كلا إذا دكت ~~الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك ~~صفا صفا # 17 ~~(الفجر: 21-22). # وجوه يومئذ ms291 ~~ناضرة * إلى ربها ناظرة # 18 ~~(القيامة: 22-23). # إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين * ~~كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون # 19 ~~(المطففين: 13-15). عندما يعرض الناس على الواحد القهار من ~~أجل الحساب: # يومئذ تعرضون لا تخفى ~~منكم خافية ~~(الحاقة: 18). # وبرزوا لله الواحد القهار ~~(إبراهيم: ~~48). # وعندها تبرز صحف أو كتب الأعمال التي كان الملائكة يسجلون فيها ~~أعمال كل فرد خلال حياته: # ووضع الكتاب ~~فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ~~ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا ~~(الكف: 49). # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا ~~(الإسراء: 13-14). # إنا نحن ~~نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين ~~(يس: 12). ومع إبراز ~~صحف الأعمال ينقسم المحشورون إلى أهل اليمين وأهل الشمال: # وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ~~(الواقعة: 27). # وأصحاب الشمال ما ~~أصحاب الشمال ~~(الواقعة: 41). # فأما من أوتي كتابه بيمينه * ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب ~~إلى أهله مسرورا ~~(الانشقاق: 7-9). # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ~~يا ليتني لم أوت كتابيه * ولم ~~أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت ~~القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه ~~(الحاقة: ~~25-29). # بعد استلام صحف الأعمال، يتجه المحشورون إلى ميزان الحساب المنصوب: # ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة ~~(الأنبياء: 47). # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون * ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم ~~(الأعراف: 8-9). # فأما ~~من ثقلت موازينه * فهو في عيشة ~~راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية # 20 ~~* وما أدراك ما هيه * نار حامية ~~(القارعة: 6-11). بعد اختبار ~~الميزان يتجه أهل اليمين إلى نعيم مقيم، ويتجه أهل الشمال إلى عذاب ~~السعير. ~~(3-3) أحوال الجنة وأحوال النار # للذين اتقوا عند ربهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج ~~مطهرة ورضوان من الله ~~(آل عمران: 15). وللجنة ~~أبواب تستقبل أهلها وفق ms292 طبقاتهم، وعليها خزنة موكلون بشئونها: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال ~~لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين ~~(الزمر: 73). وللجنة درجات: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # ذواتا أفنان ~~(الرحمن: 46، 48). # ومن دونهما جنتان # فيهما عينان نضاختان ~~(الرحمن: ~~62 و66). وفيها أنهار من ماء عذب وأنهار من لبن وعسل وخمر: # فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر ~~لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ~~(محمد: 15). ولكن خمر الجنة لا يسكر: # يطاف ~~عليهم بكأس من معين * بيضاء ~~لذة للشاربين * لا فيها غول ولا ~~هم عنها ينزفون ~~(الصافات: 45-47). # يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون ~~(الواقعة: 17-19). # يسقون من رحيق ~~مختوم * ختامه مسك وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من ~~تسنيم * عينا يشرب بها ~~المقربون ~~(المطففين: 25-28). # وأهل الجنة لا يعملون ولا يكدون، بل يأتيهم رزقهم دون سعي أو مشقة، ~~وليهم فيها أزواج مطهرة: # جنات عدن التي ~~وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان ~~وعده مأتيا * لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم ~~رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~(مريم: 61-62). # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون * هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكئون * لهم فيها فاكهة ~~ولهم ما يدعون * سلام قولا من ~~رب رحيم ~~(يس: 55-58). # أولئك ~~لهم رزق معلوم * فواكه وهم ~~مكرمون * في جنات النعيم * على سرر متقابلين ~~(الصافات: ~~41-44). # ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون * جزاء بما كانوا ~~يعملون ~~(الواقعة: 21-24). # ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم ~~(الأعراف: 44). # ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين ~~(الأعراف: 50). # ولجهنم أيضا أبواب تستقبل أهلها حسب طبقاتهم، وعليها حفظة ~~يديرون شئونها: # وإن جهنم لموعدهم ~~أجمعين * لها سبعة أبواب ms293 لكل ~~باب منهم جزء مقسوم ~~(الحجر: 43-44). # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ~~حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ~~آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين ~~(الزمر: 71). ولها أيضا درجات تتسلسل صعدا من ~~الأسفل إلى الأعلى: # إن المنافقين في ~~الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا ~~(النساء: 145). فإذا اقتربوا منها سمع عن بعد صوت ~~غليان النار فيها، مثلما يغلي صدر الغضبان من الغيظ، وسمع لها شهيق ~~وزفير: # وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا ~~(الفرقان: 11-12). # إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ~~وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ ~~كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير ~~(الملك: 7-8). فإذا رأى الكافرون ما هم فيه ~~من عذاب ندموا وطلبوا فسحة من الوقت يرجعون خلالها إلى الحياة الدنيا ~~ليعملوا صالحا، ولكن هيهات، فإقامتهم هنا أبدية: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين ~~(الأنعام: 27). # فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد ~~(هود: 106-107). # ومن صنوف العذاب التي يلقونها ~~على يد ملائكة العقاب: # فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ~~(البقرة: 24). # عليها ملائكة غلاظ ~~شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون ~~(التحريم : 6) # إن الذين ~~كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب ~~(النساء: 56). # إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ~~(غافر: 71). # إنا أعتدنا للكافرين ~~سلاسل وأغلالا وسعيرا ~~(الإنسان: 4). # فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار يصب من فوق رءوسهم الحميم * ~~يصهر به ما في بطونهم والجلود * ~~ولهم مقامع من حديد * كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ~~وذوقوا عذاب الحريق ~~(الحج: 19-22). # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف ~~عنهم من عذابها ~~(فاطر: 36). وفي مقابل ms294 طيبات رزق ~~الجنة، فإن لأهل النار طعاما أيضا: # إن ~~شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * ~~كغلي الحميم ~~(الدخان: 43-45). # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * ~~طلعها كأنه رءوس الشياطين * ~~فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون ~~(الصافات: 64-66). ~~(3-4) الخلق الجديد # ورد في الآية 107 من سورة هود التي أوردناها أعلاه، أن الذين شقوا ~~هم في النار # خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض # وفي هذا دلالة على أن العالم لن ~~يفنى عقب يوم القيامة، وإنما يتم تجديده بعد الدمار الشامل الذي حل ~~به. ويدعم هذا التفسير الذي نتقدم به هنا الآيات الكريمة التي تتحدث ~~عن «الخلق الجديد». ففي بعض هذه الآيات يرد تعبير «الخلق الجديد» للدلالة ~~على إعادة خلق الموتى وبعثهم، وذلك كقوله تعالى: # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ~~(يونس: 4). ~~وكقوله: # وإن تعجب فعجب قولهم ~~أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ~~(الرعد: 5). ولكن تعبير الخلق الجديد يرد في مواضع أخرى للدلالة على ~~إعادة خلق العالم. وذلك كقوله: # قل سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ ~~النشأة الآخرة إن الله على كل شيء ~~قدير ~~(العنكبوت: 20). # يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول ~~خلق نعيده ~~(الأنبياء: 104). # أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ~~(يس: 81). من هنا، فإن الجنة والنار اللتين لم يحدد النص صراحة ~~مكانهما وموضعها، قد تكونان في هذه الأرض الجديدة، خصوصا وأن بعض ~~الآيات تنص صراحة على أن المؤمنين يرثون الأرض في اليوم الآخر: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث ~~نشاء ~~(الزمر: 74). # كما بدأنا ~~أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ~~* ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(الأنبياء: 104-105). # أي إن الله يخلق بعد تدمير السماء والأرض سماء جديدة وأرضا ~~جديدة، تدخلان في السرمدية مع المؤمنين، الذين يسقيهم ربهم شرابا ~~طهورا، هو شراب الخلود في عالم انتفت ms295 منه التناقضات والتعارضات، بعد أن ~~توقف التاريخ وصب تيار الزمن في الأبدية. ~~(3-5) في الحديث الشريف # لقد التزمنا فيما سبق من هذا الفصل نص القرآن الكريم، من دون ~~الأحاديث النبوية الشريفة، # 21 # ولكننا سوف نتوقف فيما يلي من نهاية هذا الفصل عند ~~أحاديث نبوية مختارة في موضوع الساعة واليوم الآخر، وذلك بسبب تطرقها إلى ~~مسائل لم ترد في النص القرآني، وذلك مثل أشراط الساعة وعلاماتها، وعودة ~~المسيح، والمهدي، والدجال، وحروب آخر الزمن، والموت وعذاب القبر. وذلك مع ~~التحفظ على قبول هذه الأحاديث باعتبارها ممثلة للعقيدة الإسلامية. # الموت وعذاب القبر ~~«إن أحدكم إذا مات، عرض ~~عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن ~~كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.» # 22 ~~«القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده ~~أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد.» # 23 ~~«إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ~~ليسمع وقع نعالهم، إذا انصرفوا أتاه الملكان فيقعدانه فيقولان له: ~~ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد ~~الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا ~~من الجنة. وأما الكافر فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه. ~~فيقال: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح ~~صيحة يسمعها من يليه.» # 24 # وهناك حديث طويل عن عمل الميت يأتيه في صورة رجل حسن أو في صورة ~~رجل قبيح، نقتبس بعض أجزائه: «ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب، فيقول ~~أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت فوجهك ~~الحسن يجيء بالخير، فيقول أنا عملك الصالح. فيقول رب أقم الساعة، رب ~~أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن كان العبد كافرا يأتيه رجل ~~قبيح الوجه منتن الريح، فيقول أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت ~~توعد فيقول من أنت ms296 فوجهك القبيح يجيء بالشر، فيقول أنا عملك الخبيث، ~~كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصيته فجزاك الله شرا. ثم يفتح ~~له باب من النار، ويمهد له فرش من النار.» # 25 # عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، ~~فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة فسألت رسول الله عن ~~عذاب القبر فقال نعم، عذاب القبر حق، قالت فما رأيت رسول الله، بعد، ~~صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.» # 26 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي قال: «إن الموتى ~~ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم.» # 27 # عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله ~~بعدما غربت الشمس فسمع صوتا فقال يهود تعذب في قبورها.» # 28 # أشراط الساعة # عن عائشة رضي الله عنها: ~~«سمعت رسول الله يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، ~~قلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أن ~~ذلك تام. قال إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا ~~طيبة فتتوفى كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من إيمان، فيبقى من ~~لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم.» # 29 # وورد في أحاديث أخرى «يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى ~~حثالة كحثالة الشعير أو التمر.» # 30 ~~«إن الله يبعث من اليمن ريحا ألين من الحرير، فلا تدع ~~أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته.» # 31 # بعد أن يرحم الله المؤمنين من فتن الساعة وأهوالها يعم الشرك ~~ويفقد الإيمان وتنتشر الفوضى في كل مكان: «والذي نفسي بيده، لا تقوم ~~الساعة حتى تقتلوا إمامكم، وتجتلدوا بأسيافكم، ويرث دنياكم شراركم.» # 32 ~~«ويل للعرب من شر قد اقترب، قطعا كالليل المظلم. يصبح ~~الرجل مؤمنا ويمسي كافرا. يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل. ~~المتمسك بدينه يومئذ كالقابض على الجمر.» # 33 ~~«إن بين ms297 يدي الساعة أياما ينزل فيها الجهل، ويرفع ~~العلم، ويكثر الهرج أي القتل.» # 34 ~~«ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ~~ولا يدري المقتول في أي شيء قتل.» # 35 ~~«لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، ~~والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، ~~وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، ونار ~~تخرج من قعر عدن تسوق الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا.» # 36 # حروب آخر الزمان ~~«وتقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان ~~المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين.» # 37 ~~«إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما ينتعلون نعال ~~الشعر. وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن ~~وجوههم المجان المطرقة.» # 38 ~~«إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح ~~بغنيمة، ثم مال بيده هكذا ونحاها نحو الشام، فقال عدو يجمعون لأهل ~~الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال نعم، ويكون ذلكم ~~القتال ردة شديدة.» # 39 ~~«لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم ~~المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر ~~يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.» # 40 # ويخرج من أقاصي الأرض شعب يدعى يأجوج ومأجوج، بعد أن نقب السد ~~الذي بناه ذو القرنين، فتشق جيوشهم الطريق وصولا إلى ديار الإسلام: ~~«فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم إلى ~~السماء فترجع وعليها هيئة الدم. فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل ~~السماء. فيبعث الله إليهم نغفا في أقفائهم فيقتلهم بها.» # 41 # المسيح والمسيح الدجال # الدجال في الحديث الشريف ، رجل من بني آدم، ضخم الجثة، أكرد الشعر، ~~أعور العين اليمنى، وعينه اليسرى شديدة الضوء كأنها كوكب دري، مكتوب ~~على جبهته كافر. يأتي الدجال من المشرق فيدعي الصلاح، ثم يدعي ~~النبوة ويقول إنه المسيح، ثم يدعي الألوهية. يدخل كل ديار الإسلام ~~عدا مكة والمدينة فهما محرمتان عليه. يجري الحق سبحانه ms298 وتعالى على ~~يديه معجزات باهرة، لأن الله جعله فتنة للناس يبتلي بها العباد. من ~~معجزاته إحياء الموتى وإظهار خصب الأرض الجرداء بدعوته، وإمحال الأرض ~~الخضراء بمشيئته، وإسقاط المطر بإشارته، ومعه صورة جنة ونار يريهما ~~لمن يشاء. ينادي على الصحراء أن تخرج كنوزها فتتبعه كنوز الأرض ~~جميعا، فيهلك من يتبعه من المرتابين والمنافقين، وينجو من يكذبه ~~ويبطل حيله من المؤمنين. يلبث في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة ~~ويوم كشهر ويوم كأسبوع، وبقية أيامه مثل أيام الناس. # بعد ذلك يبعث الله عيسى ابن مريم، فينزل عند الموضع الذي يدعوه ~~الحديث الشريف بالمنارة البيضاء شرقي دمشق، فينفخ عيسى على الكفار ~~فيبيدهم، ونفسه يمتد إلى حيث ينتهي بصره. فيهرب الدجال ويتبعه عيسى ~~حتى يدركه عند باب مدينة اللد فيقتله هناك. والأحاديث الشريفة في موضوع ~~الدجال عديدة وطويلة جدا، نسوق فيما يأتي أقصرها: «ما من نبي إلا ~~وقد أنذر أمته من الأعور الكذاب. ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس ~~بأعور. مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤها كل مسلم.» # 42 ~~«إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تعقلوا. إن المسيح ~~الدجال قصير أفحج، جعد، أعور مطموس العين، ليست بناتئة ولا حجراء. فإن ~~التبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور.» # 43 ~~«يقتل ابن مريم الدجال بباب لد.» # 44 ~~«الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان، يتبعه قوم ~~كأن وجوههم المجان المطرقة.» # 45 ~~«يتبع الدجال من يهود أصفهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة.» # 46 # بعد أن يقتل المسيح عيسى بن مريم الدجال ويفني أتباعه، يحكم الأرض ~~بالعدل فترة يسود خلالها الأمن والسلام والإيمان. ورد في الحديث الذي ~~رواه النواس بن سمعان عن ظهور المسيح وقتله للدجال: «فبينما هو كذلك - ~~أي الدجال - إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام. فينزل عند ~~المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين # 47 # واضعا كفيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا ~~رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا ~~مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه.» # 48 # وفي حديث ms299 آخر: «ينزل ابن مريم إماما عادلا وحكما ~~مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويرجع المسلم، ويتخذون السيوف ~~مناجل، ويذهب حمة كل ذات حمة، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض ~~بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان فلا يضره، ويراعي الغنم الذئب فلا ~~يضرها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرها.» # 49 ~~«وإنه - أي عيسى - نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه. رجل مربوع ~~إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه ~~بلل. فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع - أي يرفع - الجزية.» # 50 # وعلى ما ورد في أحاديث أخرى، فإن المسيح ابن مريم يمكث ~~في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. # كما تظهر في آخر الزمن شخصية فذة أخرى يدعوها الحديث الشريف ~~بالمهدي: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم ~~حتى يبعث فيه رجلا مني - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه ~~اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا.» # 51 ~~«المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ويملك سبع سنين.» # 52 # انتهى # إميسا (حمص) # كانون الثاني (يناير) 2000 # | الخاتمة # يا عبد، # إذا رأيتني في الضدين رؤية واحدة، # اصطفيتك لنفسي. # النفري # 1 # من كتاب المخاطبات، فقرة 26 # | قائمة المصادر والمراجع # مراجع البحث # Barnstone, W. edt. The Other Bible, Harper, New ~~York 1984. # Baigent, M. The Holy Blood and The Holy Grail, ~~Jonathan Cape, London 1982. # Byoce. Mary, Zoroastrians, Rotledge, London ~~1985. # Budge. Wallis, Egyptian Rligion, Rotledge, ~~London 1975. # Budge. Wallis, Osiris, Dover, New York ~~1973. # Budge. Wallis, Ods of The Egyptains, Dover, New ~~York 1969. # Campbell. Joseph, Occidental Mythology, Penguin, London 1977. # Charlesworth. J. H. edt, The Old Testament Pseudepigrapha, Dobleday, New York 1983. # Dally. Stephanie, Myths From Mesopotamia, ~~Oxford 1991. # David. A. Rosalie, The Ancient Egyptians, ~~Rotledge, London 1982. # Fox. M, and Sheldrake. R, The Physics of ~~Angeles, Harper, San Francisco 1996. # Golb. Norman, Who Wrote the Dead Sea Scrolls, ~~Scribner, New York 1995. # Gonoli. Gerardo, Mani, Manichemanism. In: ~~Encyclopedia ms300 of Religion. # Gonoli. Gerardo, Zoroastrianism. In: ~~Encyclopedia of Religion. # Grand. R. M, The Apocryphon of John. in: W. ~~Barnston, edt, The Other Bible. # Haurdt. R, Mani and Manicheanism. In: W. ~~Barnston, edt, The Other Bible. # Isaac. E, Ethiopic Apocalypse of Enoch. In: The ~~Old Testament Pseudepigrapha, vol.1. # Jacopsen. Th. The Treasures of Darkness, Yale, ~~New Haven 1976. # Kee. H. C. Testament of The Twelve Partriarchs. ~~In: The Old Testament Pseudepigrapha, ~~vol.1. # Lurker. Manfred, The Gods and Symbols of ~~Ancient Egypt, Thames and Hudson. London ~~1984. # Metzger. B. M. The Fourth Book of Ezra. In: The ~~Old Testament. # Noss. McMillan, London ~~1969. # Robenson. J. M. edt, The Nag Hammadi Library, ~~Harper, New York 1972. # Tigay. J. H. The Evolution of the Gilgamesh ~~Epic, University of Pennsylvania 1982. # Wisse. F, The Apocryphon of John. In: The Nag ~~Hammadi Library. # Widengreen. Geo, Mani and Manicheanism, New ~~York 1965. # Watts. Allan, Myth and Ritual in Christianity, ~~Thames and Hudson, London 1983. # Wintermut. O. S, The Book of Jubilees. In: The ~~Old Testament Pseudepigapha, vol. 2. # Zaehner. R. C, The Dawn and Twilight of ~~Zaroastrianism, London 1961. # Zaehnr. R. C. Hinduism, Oxford ~~1984. # Zimmer. H. Myths and Symbols in Indian Art and ~~Civilization, Prencenton 1974. # موسوعات # New Larousse Encyclopedia of Mythology, Hamlyn, ~~London 1977. # Encyclopedia of Religion, McMillan, London ~~1978. # New Encyclopedia Britanica, ~~15 # th # edition. # مراجع باللغة العربية # ابن النديم: الفهرست، تحقيق د. ناهدة عباس عثمان، الدوحة، ~~1985م. # جيو ويدنغرين: ماني والمانوية، ترجمة د. سهيل زكار، دار حسان، ~~دمشق، 1985م. # جبور، باسم ميخائيل: ملحمة أتراحاسيس، رسالة دكتوراه محفوظة في ~~جامعة حلب. # السواح، فراس: مغامرة العقل الأولى، اتحاد الكتاب العرب، ~~دمشق، 1976م. # السواح، فراس: «جلجامش: ملحمة الرافدين الخالدة»، دار علاء ~~الدين، دمشق، 1996م. # الفغالي، د. بولس: كتابات قمران، الرابطة الكتابية، بيروت، ~~1997م. # شويتزر، ألبير: فكر الهند، ترجمة يوسف شلب الشام، دار طلاس، دمشق ~~1994م. # سومر، أندريه دوبون: كتابات ما بين العهدين، ترجمة موسى الخوري، ~~دار الطليعة الجديدة، دمشق، ms301 1998م. # الكتاب المقدس، العهد القديم والعهد الجديد. # القرآن الكريم. ms302