######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.TariqIkhwanSafa.Hindawi50597179 #META# Tags: philosophy #META# ID: 50597179 #META# Title: طريق إخوان الصفا: المدخل إلى الغنوصية الإسلامية #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # مقدمة‏ # 1 - نظرية التكوين‏ # 2 - صفة العالم‏ # 3 - معرفة النفس‏ # 4 - ارتقاء النفس والنجاة من أسر الطبيعة‏ # 5 - الآخرة والنشأة الثانية‏ # 6 - إسلام إخوان الصفاء‏ # 7 - طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # مقدمة‏ # 1 - نظرية التكوين‏ # 2 - صفة العالم‏ # 3 - معرفة النفس‏ # 4 - ارتقاء النفس والنجاة من أسر الطبيعة‏ # 5 - الآخرة والنشأة الثانية‏ # 6 - إسلام إخوان الصفاء‏ # 7 - طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية‏ # | طريق إخوان الصفا # | طريق إخوان الصفا # | المدخل إلى الغنوصية الإسلامية # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل ~~الأولى» تتشكل في ذهني، وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، ~~شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، ~~فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة ~~الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية ~~فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن ~~الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ~~ستة أشهر، رحت خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد ~~البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة وأنجزت الكتاب في نحو ~~سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي ~~بما يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، ~~وكان عمل الباحث في تلك الأيام وفي مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن ~~لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة ~~الإنترنت التي لعبت دورا مهما في وضع الثقافة في متناول الجميع، ~~ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب الإلكترونية ~~المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب ~~الذي يعيش في الدول النامية، ووصلته بالثقافة العالمية من خلال ~~كبسة زر على حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر ms001 على الكتابة من دونه، ~~مع إبقائي استخدام القلم في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل ~~للإنترنت ، أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في 20 ~~مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، ~~واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر ~~الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع ~~المتنوعة التي تثري الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي ~~الاثنين والعشرين ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات ~~إصدارها في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال الكاملة»، كنت ~~وأنا أتأملها كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين ~~كتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون ~~والإنسان»، ومشروع تكامل تدريجيا دون خطة مسبقة في ثلاث وعشرين ~~مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي أحببت أن أشرك به قرائي. ~~وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف ~~مجاهلها، وتقودني نهاية كل مغامرة إلى بداية أخرى على طريقة ~~سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب «مغامرة العقل الأولى: دراسة ~~في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه وأتأمله، إنه في غلاف ~~طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ناشرها إلى غلاف ~~الطبعة الأولى الصادرة عام 1976، الذي صممه الصديق الفنان «إحسان ~~عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون واحد لعدم عناية ~~الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ذلك ~~الوقت. وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار ~~حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي ~~بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته هذه ~~الثقافة من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور ~~موضع اهتمام عام، ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا ~~المجال، ولم أنظر إلى نفسي إلا كهاو عاكف بجد ms002 على هوايته. إلا أن ~~النجاح المدوي للكتاب - الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد ~~الكتاب العرب بدمشق في ستة أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني ~~بالمسئولية؛ لأن القراء كانوا يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون ~~إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ~~ويفرض عليه التزامات لا فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح ~~أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا يتجاوز نفسه في الكتاب ~~الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم ~~أتعجل في العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي ~~صارت وقفا على التاريخ العام والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد ~~عام، كان كتاب «لغز عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له كل عدة ~~ممكنة خلال ثمانية أعوام، ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر ~~عام 1986؛ أي بعد مرور عشر سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا ~~مدويا آخر فاق النجاح الأول، فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 ~~نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت الطبعة الثانية قبل نهاية العام، ثم ~~تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي ~~كان «لغز عشتار» من نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، ~~فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل شيئا آخر خلال السنوات ~~الثلاثين الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، ~~إلى أن دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل ~~محاضرا فيها، وعهدت إلي بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ~~ومادة تاريخ أديان الشرق الأوسط لطلاب الدراسات العليا، وهناك أنجزت ~~كتابي الأخير «الله والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه ~~الطبعة بالأعمال غير الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» ~~التي فعلت ذلك من قبلي؛ لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال ~~أعضاء جدد ما زالوا الآن في طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات ~~البحث الغربي ومناهجه، ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة ms003 ~~البحث في الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة إلى مساحة البحث على ~~المستوى العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي ~~الغربي المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» ~~المتخصص في تاريخ فلسطين القديم والدراسات التوراتية إلى المشاركة ~~في كتاب من تحريره صدر عام 2003 عن دار # T & T ~~Clark # في بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and ~~Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah ~~Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في ~~العاصمة الأردنية عمان عام 2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من ~~الباحثين الغربيين في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا صداقة متينة ~~استمرت بعد ذلك من خلال المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة ~~دولية أخرى انعقدت في دمشق بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة ~~العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول تاريخ أورشليم القدس وما يدعى ~~بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل عديدة أثارها «تومبسون» في ~~ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان الباحث البريطاني الكبير «كيث ~~وايتلام» قد دعا كلينا إلى المشاركة في كتاب من تحريره ~~بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران ~~في ذلك الكتاب، وهكذا كان. فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات ~~الباحثين من أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ببريطانيا، وفيه ~~دراسة لي عن نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the ~~Invention of Religious Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان ~~الأولى بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of Return - A ~~Reply to Firas Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم ~~يختفي ولا تجده بعد ذلك إلا في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم ~~الزمن وقد يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة ms004 التداول. وقد أطال ~~القراء في عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة ~~الكتب، أما تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي ~~وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # | ضرورة التأويل في الفكر الديني # إن النص المقدس بطبيعته نص إشكالي. هذه السمة الإشكالية تنطبق على ~~النص المقدس الإسلامي، مثلما تنطبق على غيره من النصوص المقدسة لأديان ~~الثقافات العليا. فكتاب التاو الصيني بقي موضع تأمل وإلهام العقول ~~الصينية والشرق أقصوية، منذ أن وضعه الحكيم لاو-تسو قبل ألفين وخمسمائة ~~عام من يومنا هذا، وما زال الجدل قائما بشأنه حتى الآن شرقا وغربا. ~~وهذا هو حال الأوبانيشاد الهندي الذي تم تحريره في الزمن نفسه تقريبا، ~~والذي ميزت كل فرقة هندوسية نفسها اعتمادا على طريقة فهمه وتفسيره؛ ~~وأناشيد الغاثا التي وضعها زرادشت، والتي فهمهما مفكرو كل طور من أطوار ~~الزرادشتية على طريقته وصولا إلى المجوسية المتأخرة؛ وأسفار الأنبياء ~~في كتاب العهد القديم التي تشكل الجانب الروحي في التوراة؛ وكلمات يسوع ~~البسيطة والملغزة في آن معا، والتي ما زال الخلاف قائما في تفسيرها ~~وتأويلها. # تنبع إشكالية النص المقدس من عدة عوامل: ~~(1) # يستخدم النص بنى لغوية وأسلوبية قديمة، متصلة بالعصر الذي ~~دون فيه؛ فهو ينتمي إلى زمن ماض وبيئة ثقافية واجتماعية ~~مغايرة تماما لبيئة عصر القارئ. ~~(2) # يتسم النص بلغة أدبية راقية تستنفد كل الإمكانات البلاغية ~~لعصرها، وهي أقرب إلى اللغة الشعرية من حيث الاختصار والإيجاز، ~~وزخم الكلمة والعبارة؛ وهذا ما يبعدها عن أساليب التعبير ~~النثرية المباشرة الخاصة بالعصر الحديث. ~~(3) # رسالة النص الديني عاطفية روحانية، تتوجه إلى القلب قبل ~~العقل، وهي تهدف إلى زرع الإيمان في تجاوز لطرائق البرهان؛ ~~فإذا أخضعت بعد ذلك إلى التأمل العقلي، صار الإيمان والبرهان ~~بحاجة إلى ما يؤلف بينهما. ~~(4) # إن موضوعات النص الديني، من حيث طبيعتها، تتأبى على الصياغة ~~بمفردات اللغة الاصطلاحية المعدة أصلا للتعامل مع المحسوس ~~والملموس، والتي تغدو عرجاء كلما ابتعدنا عن التعامل ms005 مع ظاهر ~~الموجودات في محاولة للتعبير عن بواطن العلاقة بين النهائي ~~واللانهائي، بين المحدود والمطلق. هنا لا تجد اللغة بدا من ~~اللجوء إلى الإشارات والرموز من أجل التعبير عما يصعب التعبير ~~عنه بالوسائل المباشرة. ~~(5) # يتوجه النص الديني إلى شرائح مختلفة من الناس تتوزع بين ~~الجاهل والمتوسط والعالم، وعليه أن يصوغ رسالته إليهم على عدة ~~مستويات، بحيث تفهم كل شريحة منهم على قدر استيعابها، وذلك ~~انطلاقا من الأبسط الظاهر إلى الأعمق الباطن ، من غير الوقوع ~~في التناقض بين المستويات. ~~(6) # على الرغم من ارتباطه بزمان معين ومكان معين، فإن النص ~~المقدس في الديانات العالمية التي تعتمد التبشير بين الأقوام ~~كافة، يسمو على الزمان والمكان، ويتوجه إلى الإنسان في كل زمان ~~ومكان. وهذا يستدعي بالضرورة احتواءه على معان قريبة مباشرة، ~~وأخرى بعيدة تنفتح تدريجيا بمرور الزمن وبالتطور المعرفي ~~للإنسان. أي إن سعة التجربة المعرفية لكل جيل سوف تقود إلى ~~إدراك مستويات للنص لم يكن بمقدور الجيل الأسبق ~~إدراكها. ~~(7) # إن الكلمات في أي لغة كانت، محتملة للمعاني، والأفهام تذهب ~~في طلبها كل مذهب، كما تتعدد دلالات العبارة الواحدة حتى لو ~~أراد بها قائلها معنى واحدا. وتتعقد هذه المشكلة كلما اتسعت ~~الشقة الزمنية بين المرسل والمستقبل. ~~(8) # لا تنتظم مقولات النص المقدس في كل متسق، وهو لا يعبر عن ~~نفسه بشكل خطي ينطلق من المقدمات إلى نتائجها، على طريقة النص ~~الفلسفي، وإنما عبر لمحات وومضات وإشراقات. # إن إشكالية النص المقدس هذه، قد دعت بالضرورة إلى نشوء علم على هامش ~~النص يعنى بفهمه من خلال التفسير والتأويل. ينصب جهد التفسير ~~بالدرجة الأولى على المشكلات اللغوية للنص، وترجيح معنى معين من ~~المعاني المحتملة للكلمة الواحدة، أو دلالة بعينها من دلالات العبارة ~~نفسها، مستندا في ذلك إلى اللغة الاصطلاحية، وما تواتر إلى المفسر من ~~وجهات نظر الأجيال السابقة الأقرب إلى زمن النص. أما التأويل فيتابع ~~العملية التفسيرية من أجل الكشف عن المستويات الباطنية للنص، مزودا ~~بعلوم متنوعة تتجاوز علم اللغة لتغطي كامل المساحة المعرفية المتاحة ~~لأهل العصر؛ ذلك أن ms006 حجم التجربة المعرفية للإنسان في مواجهة النص ~~المقدس، هو الذي يقود إلى إدراك عمقه وتعدد مستوياته الباطنية. # إن المفسر كلما تجاوز التفسير الحرفي القريب للنص، ازداد توغلا في ~~التأويل الذي يشكل المستوى الأعمق من التفسير. مثال ذلك قوله تعالى ~~في القرآن الكريم: # هو الذي خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ... # 1 # وقوله: # الرحمن على العرش ~~استوى ~~. # 2 # إن أكثر أهل التفسير الحرفي تزمتا، وهم المشبهة ~~والمجسدة، يفسرون العرش والاستواء بأن لله عرشا يجلس عليه كما يجلس ~~الملك؛ وهذا ما يتنافى وتنزيه الذات الإلهية وبعدها عن التشبه بأحوال ~~البشر، وهو القائل: # ليس كمثله ~~شيء ~~. # 3 # أما أهل التأويل فيعطون بعدا معنويا للعرش والاستواء، ~~وهم في ذلك على عدة مذاهب؛ فالبعض يقول: إن العرش والاستواء هما ~~للتعبير عن سلطة الله المطلقة على العالم، معبرا عنها بما تثيره ~~هاتان الكلمتان من مفهوم السلطة على مستوى الجماعات الإنسانية. ويقول ~~البعض الآخر اعتمادا على الحديث القدسي: «ما وسعني سمائي ولا أرضي، ~~ووسعني قلب عبدي المؤمن»، إن عرش الرحمن هو قلب الإنسان. وقد نسير مع ~~إخوان الصفاء في تأويلهم العقلي الذي يعتمدون فيه على الحصيلة العلمية ~~لعصرهم، ونقول: إن عرش الرحمن هو الحد الفاصل بين العوالم المادية ~~والعوالم الروحانية، والذي رأوه في الفلك الخارجي للكون الذي دعوه ~~بالفلك المحيط، حيث تنتظم النجوم الثابتة لتشكل حافة الكون المعروف. ~~وباستخدام المفاهيم العلمية الحديثة، هو تلك المجرات الأبعد من الكون ~~الأحدب التي تتباعد عن مركزه بسرعات خيالية، وتشكل حدا بين المعلوم ~~والمجهول. # مثال آخر، قوله تعالى في وصف الجنة وأحوال أهلها: # في جنات النعيم * على سرر ~~متقابلين * يطاف عليهم بكأس من ~~معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * ~~كأنهن بيض مكنون # 4 # وقوله: # على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * ~~يطوف عليهم ولدان مخلدون * ~~بأكواب وأباريق وكأس من معين ~~، # 5 ~~... وزوجناهم بحور ~~عين # 6 # وأيضا: # مثل الجنة التي ~~وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من ms007 لبن لم يتغير طعمه وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ~~ولهم فيها من كل الثمرات # 7 # إن أهل الحرف يصرون حتى يومنا هذا على أن لذات أهل الجنة ~~هي لذات مادية جسدانية، آخذين الوصف القرآني على ظاهره، أما أهل ~~التأويل فيرون في وصف اللذات المادية إشارة للعارفين المتحققين إلى ما ~~وراء ظاهر الوصف المادي من معان روحانية؛ لأن الانتقال إلى الجنة يكون ~~بالروح لا بالجسد، على ما يقوله إخوان الصفاء في رسائلهم. نقرأ في ~~الرسالة 30: ~~«أكثر [الله] في القرآن من وصف محاسن الجنان وسرور أهلها ولذات ~~نعيمها، فتارة وصفها أوصافا جسمانية على قدر طاقة القوم، مثل قوله ~~تعالى: # على سرر موضونة * ~~متكئين عليها متقابلين * يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون * بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين ~~. # 8 # ذكر هذا وبين على قدر قبول أفهامهم، لا بمعنى أن هذه ~~الأشياء ستوجد في الجنة على حالات جسمانية، بل ستوجد أشياء روحانية: ~~«ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» ... وتارة وصفها ~~بأوصاف هي بين الروحانية والجسمانية، مثل قوله تعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها ~~أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن ... ~~. # 9 # أما ترى يا أخي أنه قال: مثل الجنة على سبيل التشبيه ~~والتمثيل، ليقرب من الفهم تصورها؛ لأنه يقصر الوصف عنها بحقائقها؟ ~~وإنما خاطب كل طائفة من الناس بحسب عقولهم ومراتبهم في المعارف ~~والفهوم؛ لأن دعوة الأنبياء عليهم السلام عموم للخاص والعام جميعا ~~ومن بينهما من طبقات الناس. وقد صرح المسيح، عليه السلام، في وصف ~~الجنان بأوصاف غير جسمانية ... لأن خطابه كان مع قوم قد هذبتهم التوراة ~~وكتب الأنبياء، عليهم السلام، وكتب الحكماء أيضا، وكانوا غير ~~محتاجين إلى الإشارات والتنبيهات، بل كانوا متهيئين لصورها مستعدين ~~لقبولها. فأما سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، صلى الله عليه وآله، فقد ~~اتفق مبعثه في قوم أميين من أهل البوادي، غير مرتاضين بالعلوم، ولا ~~مقرين بالبعث والنشور ... فجعل أكثر صفة الجنان في كتابه جسمانية، ~~ليقربها من فهم القوم، ويسهل تصورها عليهم، ms008 وترغب نفوسهم بها.» (30: ~~3، 76-78). # هذا هو الوجه الموضوعي لعملية التأويل. ولكن للتأويل وجه آخر ذاتي ~~يقول به المتصوفة؛ فالقرآن لم ينزل على قلب محمد # صلى الله عليه وسلم # مرة واحدة ~~فقط، ولكنه في حالة نزول دائم على قلوب المؤمنين، ونزوله في القلب جديد ~~لا يبلى إلى يوم القيامة، فهو الوحي الدائم؛ ذلك أن العارف الذي فتح ~~قلبه للقرآن، يتلقاه وكأنه أنزل عليه للمرة الأولى مثلما نزل على ~~قلب محمد، ويغدو قادرا على تلمس مستوياته الباطنية دون وسيط. قال ~~تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ~~أنفسهم ... ~~. # 10 # فالآيات المنزلة في الآفاق هي الوجه الظاهر للقرآن، والذي ~~يراه الناس فيما خرج عنهم، أما الآيات المنزلة في أنفسهم فهي الوجه ~~الباطن للقرآن، والذي يراه العارفون في ذواتهم كشفا وبيانا، فنزول ~~القرآن على القلوب يكون بحسب استعدادها لتلقيه، وهذا معنى قوله تعالى: # أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها ... ~~. # 11 # أي أنزل القرآن من السماء إلى الأرض كما أنزل المطر من ~~الغيم، فاحتملت القلوب من علم القرآن بحسب اتساعها في المعارف وصفاء ~~جواهر النفوس، مثلما تحمل الأودية من سيل المطر بحسب سعتها ~~وجريانها. # يجد التأويل أصوله في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف. فقد نبه ~~الباري عز وجل إلى وجود نوعين من الآيات في كتابه العزيز، بعضها محكم ~~وبعضها متشابه، أي يشتبه على القارئ معناه للوهلة الأولى. فالمحكم واضح ~~للجميع، أما المتشابه فيتطلب التأويل؛ أي التبصر في معانيه الباطنية. ~~قال تعالى: # هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا ... ~~. # 12 # وهذه الآية يجب أن تقرأ وفق بعض المفسرين من أهل التأويل، ~~على أن الواو الواقعة بين «الله» و«الراسخون في العلم» هي واو العطف ~~وليست استئنافية؛ فالله والراسخون في العلم معه هم الذين يعرفون تأويل ~~الآيات المتشابهات. وهذا الرأي هو الأصوب، وإلا فما ms009 معنى امتلاء القرآن ~~بآيات لا يعرف تأويلها إلا الله وحده، وهو الكتاب الذي أنزل هدى ~~للناس كافة؟ # لقد أعان الله على فهم القرآن ~~عن طريق «العلم» و«الحكمة» اللذين وهبهما لأنبيائه، وأتاح لمن يشاء من ~~عباده الارتقاء على مدارج العلم وصولا إلى الحكمة التي هي غاية العلم ~~القصوى. قال تعالى: # كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون ~~. # 13 # يؤتي الحكمة من يشاء ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. # 14 # الرحمن * علم ~~القرآن * خلق الإنسان * ~~علمه البيان ~~. # 15 # اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم ~~. # 16 ~~... وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم ~~. # 17 ~~... فقد آتينا آل إبراهيم ~~الكتاب والحكمة ... ~~. # 18 # ويعلمه الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل ~~. # 19 ~~... قال قد جئتكم ~~بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون ~~فيه ... ~~. # 20 # وكذلك يجتبيك ربك ~~ويعلمك من تأويل الأحاديث ... ~~. # 21 # بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه ولما يأتهم تأويله ... ~~. # 22 # ولعل في قوله تعالى: ~~... هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم ... # 23 # أوضح إشارة إلى ارتباط فهم بواطن القرآن بدرجة تحصيل ~~العلم؛ فآياته خالية من الألغاز لدى «الراسخين في العلم» وهم ليسوا ~~بحاجة إلى تأويله لأنفسهم بل إلى العامة من الناس؛ لأنهم يرون آياته في ~~أنفسهم، وإليهم أشار تعالى بقوله: # سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ... # 24 # وفي هذا يقول إخوان الصفا في الرسالة 40: ~~«فمن مواهب الله الجزيلة وعطاياه الجميلة لبعض عباده، التي خص بها ~~قوما دون قوم، هي الحكمة البالغة كما ذكر بقوله: ~~... ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ... # 25 # يعني به علم القرآن خاصة، وتفسير آياته ومعاني أسراره ... ~~حيث يفسر قوم آيات الله على خلاف ما هو معناه، كما فسروا الاستواء ~~بالجلوس والتمكن على العرش، والرؤية بالنظر إلى الجسم المشار إليه، ~~وبالسمع والبصر فسروا الأعضاء الإلهية، وفسروا الكلام بالنطق والحروف، ~~وبالنزول الانتقال من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وغير ذلك من ~~الآيات التي لا ms010 يعرف تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وهؤلاء هم ~~الذين يعلمون ويعرفون تأويل آياته وأسراره، ويقولون: آمنا به، كل من ~~عند ربنا، فهذا قول الحكماء الربانيين والعلماء المتفلسفين» (40: 3، ~~344). # وقد عني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # منذ بداية الدعوة بشرح وتفسير آيات القرآن لأصحابه. وهم القرشيون الذين ~~نزل القرآن بلغتهم ولهجتهم، وما عرفوا قصد الحق من بعض التعابير ~~والآيات، ورأوا فيها رموزا وإشارات تتطلب الرجوع إلى النبي من أجل ~~بيان تأويلها. ولما كان النبي عارفا بكل بواطن القرآن وظواهره، فقد ~~كان يفسر آياته على وجهين، الأول: ظاهري يتعلق بمستوى فهم العامة، ~~والثاني: باطني يتعلق بمستوى فهم الخاصة. لهذا يروى عنه قوله: «إن ~~للقرآن ظهرا وبطنا، ولبطنه سبعة أبطن.» ولهذا فقد بث في صحابته ~~المقربين تأويلات للكتاب لم يظهرها للعامة. ويروى عن عبد الله بن عباس ~~أنه قال في الآية 12 من سورة الطلاق: # 26 ~~«لو فسرت هذه الآية كما سمعتها من رسول الله لرجمتموني.» ~~ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «ورثت من رسول الله علمين، ~~الأول: بثثته فيكم، والثاني: لو بثثته لقطع مني هذا البلعوم.» وقال ~~ابن عباس: «لو فسرته لكنت فيكم الكافر المرجوم.» # وقد بقي هذا العلم الباطني متوارثا في الخاصة من الأجيال الأولى ~~للمسلمين، يدارونه ويحجبونه إلا على من هو أهل له. وفي هذا يقول ~~الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق، مقتبسا عن الإمام علي، كرم الله ~~وجهه: «إن ها هنا - وضرب على صدره بيده - لعلوما جمة لو وجدت لها ~~حملة.» ويروى عن ابنه موسى الكاظم، الإمام السابع لدى الاثني ~~عشرية، بيتان من الشعر تتداولهما حلقات الصوفية إلى يومنا هذا: # يا رب جوهر علم لو أبوح به # لقيل ~~لي أنت ممن يعبد الوثنا # ولاستحل رجال مسلمون دمي # يرون ~~أقبح ما يأتونه حسنا # هذا الموقف المزدوج للرسول # صلى الله عليه وسلم # في نقله لمضامين القرآن، يفسره محيي الدين بن عربي بازدواجية ~~«النبوة» و«الولاية» في شخصه، أو ازدواجية «الشريعة» و«الحقيقة». ~~فالنبوة مختصة بالظاهر، والولاية مختصة بالباطن؛ ولكن للولاية ms011 الأولوية ~~على النبوة بسبب أولوية الباطن على الظاهر؛ والنبوة تتضمن الولاية، ~~ولكن الولاية لا تتضمن النبوة. فكل نبي ولي، ولكن ليس كل ولي نبيا؛ ~~وسلسلتا النبوة والولاية ممتدتان منذ أول الأنبياء آدم عليه السلام. ~~فإذا التقتا في شخص معين، يكون هو الرسول المبعوث في أمته، وإذا ~~افترقتا يكون هو الولي العارف العالم القادر على فهم الشريعة وباطن ~~الشريعة. وهؤلاء هم ورثة الأنبياء القادرون بما وهبهم الله بما حصلوا ~~من علم على نشر الحقيقة وتبيانها للناس على قدر استيعاب عقولهم ~~ودرجاتهم في المعرفة. ولهذا قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «العلماء ورثة الأنبياء». ~~وإذا كانت سلسلة الأنبياء قد انقطعت بالبعثة المحمدية، فإن سلسلة ~~الأولياء مستمرة إلى يوم القيامة؛ لأن الباطن لا يتوقف عن التفتح ~~باستمرار. # فإذا كان القرآن كلام الله، فإن هذا الكلام لم يرسل لكي تفهمه فئة ~~من الناس ذات معارف عقلية معينة في زمن معين، وإنما لكي يفهمه البشر ~~عبر مراحل عصورهم، وما يحمله تقدم العصور من توسع في الآفاق وزيادة ~~في المعارف. فرسالة النص المقدس ذات وجهين، وجه تاريخي يتبدى في زمان ~~معين ومكان معين، ووجه آخر يسمو على التاريخ وتقلباته ليتبدى جديدا ~~أبدا. والوسيلة المثلى للجمع بين هذين الوجهين وقراءة أحدهما في ~~الآخر، هي متابعة عملية التفسير والتأويل. إن على كل عصر أن يكشف عن ~~بطن من بطون القرآن التي أشار إليها الحديث الشريف، لا يتعارض وظاهره؛ ~~لأن الظاهر أساس الباطن والمدخل إليه؛ والتوكيد على الباطن يجب ألا ~~يقود إلى نسخ الشريعة أو إضعافها، مثلما أن التوكيد على الظاهر يجب ~~ألا يعمينا عن المعاني الروحانية للنص. ذلك أن الشريعة إذا تجردت ~~من بواطنها تغدو مجرد عبادات شكلانية منقطعة عن معانيها الروحانية، ~~والحقيقة إذا فارقت أصولها في الشريعة تؤدي بنا إلى الغلو في التأويل ~~والانقطاع عن جوهر الإسلام. # ولقد أعطى التأويل ثماره في بيئتين فكريتين إسلاميتين هما البيئة ~~الاعتزالية والبيئة الشيعية. ولكن بينما يؤكد المعتزلة على إعمال العقل ~~في القرآن وفي الحديث النبوي الشريف، من أجل الكشف عن بواطن ms012 معانيهما ~~ورد المتشابه إلى المحكم، فإن الشيعة ينظرون إلى التأويل على أنه إرث ~~روحي تواتر إلينا من الرسول وآل بيته الكرام، عبر سلسلة الأئمة ~~المتحدرين من صلبه، والذين اعتبروا بمثابة القيم على القرآن، ~~يفسرونه ويوضحون للناس ما خفي من معانيه اعتمادا على علمهم المتوارث. ~~قد تعلم علي على يد رسول الله وكان أقرب الناس إليه، وعنه حمل علم ~~القرآن وتأويله ثم بثه في أولاده، ولهذا قال الرسول: «من كنت مولاه ~~فعلي مولاه.» وقال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها.» وقال: «مثل أهل ~~بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.» وقال: «إني تارك ~~فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ~~أبدا.» ووصف علي هذه العلاقة الوثيقة التي ربطته بالنبي فقال: «كنت ~~من رسول الله مثل الفصيل [أي صغير الجمل] من أمه، أحذو حذوه.» # هذا العلم المتواتر عن الرسول والمتوارث في سلسلة الأئمة، ينقطع عند ~~الشيعة الاثني عشرية باختفاء الإمام المهدي الثاني عشر؛ لأن الإمامة قد ~~توقفت باختفائه. أما الشيعة الإسماعيليون الذين استقلوا عن التيار ~~الشيعي الرئيس بعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق، فقد تابعوا الإمامة ~~عن طريق نسب ابنه الأكبر إسماعيل، الذي توفي قبل والده بعد أن أوصى له، ~~وذلك في سلسلة غير منقطعة من الأئمة، ووصلوا بمفهوم الإمامة إلى أقصى ~~نتائجه المحتملة، من خلال عقيدة تجعل الإمام في مركز الكون. # كما أثمر التأويل في الحلقات الصوفية والفلسفية، التي حرضها الفكر ~~الشيعي على تثبيت مواقعها في مواجهة الفقهاء وأهل الحرف. وكان إخوان ~~الصفا من بواكير الحلقات الفلسفية التي أسست لمذهب إسلامي كوني يقوم ~~على التأويل والتفسير الدينامي للكتاب. والإخوان على تأثرهم بالاعتزال، ~~وبالبيئة الشيعية التي صدروا عنها، إلا أنهم مستقلون عن الشيعة وعن ~~المعتزلة وبقية المذاهب الإسلامية، ويتسم مذهبهم بالأصالة على الرغم ~~من أن كل التيارات الفكرية والروحانية لعصرهم قد صبت فيه ورفدته. وقد ~~مارس تأثيرا في الفلسفة الإسلامية التي بلغت طور النضج بعده، كما مارس ~~تأثيرا على المذاهب الإسلامية التي تفرعت عن ms013 المذهب الشيعي، ولا ~~سيما الإسماعيلية التي قامت فلسفتها السامقة على قاعدة مكينة من فكر ~~إخوان الصفاء. # | مقدمة # إخوان الصفاء وخلان الوفاء، جمعية سرية تأسست على الأغلب في مدينة ~~البصرة حاضرة الثقافة الإسلامية، في زمن ما من النصف الأول من القرن ~~الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وتركت لنا ميراثا فكريا وروحيا ~~متميزا، بقيت آثاره فاعلة في الثقافة العربية عبر عصورها، يتمثل في ~~اثنتين وخمسين رسالة لم يذكر مؤلفوها أسماءهم، تستغرق في الطبعات ~~الحديثة نحو ألفين وخمسمائة صفحة، تبحث في شتى معارف عصرهم من فلسفة ~~وعلوم وإلهيات، وتهدف إلى التأسيس لمذهب إسلامي ذي طابع كوني، يستغرق ~~المذاهب كلها ويوحد بينها. نقرأ في الرسالة 45، على سبيل المثال: ~~«وبالجملة، ينبغي لإخواننا أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علما من ~~العلوم أو يهجروا كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا لمذهب من المذاهب؛ لأن ~~رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعا.» وغايتهم من ~~ذلك كله هي فهم الشرط الإنساني والعمل بما يوجبه هذا الفهم، من أجل ~~حياة عقلية ونفسية وروحية متوازنة في هذا العالم، تعد الإنسان إلى ~~الخلود الروحي في العالم الآخر. # يلف الغموض نشأة هذه الجماعة وتنظيمها وعدد أعضائها، على الرغم من ~~أنها نشطت في عصر حكم الأسرة البويهية في بغداد، وهي فترة موثقة لنا ~~تمام التوثيق. وقد تضاربت فيها أقوال القدماء وتباينت الآراء، ومعظمها ~~متأخر عن عصر الإخوان، وذلك عائد إلى الطابع السري للجماعة ولجوئها إلى ~~التقية والستر، على انتشارها الواسع في جميع أرجاء العالم الإسلامي. ~~وفي الحقيقة، فإنه لا يتوفر لنا إلا خبر تاريخي واحد يمكن الركون إليه، ~~جاءنا عن المؤلف أبو حيان التوحيدي المعاصر للإخوان، وعلى وجه التحديد ~~لمن ألف الرسائل منهم. فقد أورد التوحيدي في كتابه «الإمتاع ~~والمؤانسة» وفي كتابه الآخر «المقابسات» هذه الحوارية التي جرت بينه ~~وبين ابن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي، نحو عام 372ه على ~~الأرجح: # قال الوزير للتوحيدي: إني لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولا ~~يريبني، ومذهبا لا عهد لي به، وكناية عما لا أحقه، وإشارة ms014 إلى ما لا ~~يتوضح شيء منه. يذكر الحروف ويذكر اللفظ، ويزعم أن الباء لم تنقط من ~~تحت واحدة إلا لسبب، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة، ~~والألف لم تمد إلا لغرض، وأشباه هذا. فما حديثه؟ وما شأنه؟ وما ~~دخلته؟ وما خبرته؟ قد بلغني أنك كنت تغشاه وتجلس إليه وتكثر وتورق ~~له ... # فقال التوحيدي: أيها الوزير، إنك كنت تعرفه قبلي قديما وحديثا ~~بالتربية والاختبار والاستخدام، وله منك الأخوة القديمة والنسبة ~~المعروفة. # قال الوزير: دع هذا وصفه لي. # قال التوحيدي: هناك ذكاء غالب، وذهن وقاد، ويقظة حاضرة، وسوانح ~~متناحرة، ومتسع في فنون النظم والنثر ... وتبصر في الآراء والديانات، ~~وتصرف في كل فن ... # قال الوزير: فعلى هذا ما مذهبه؟ # قال التوحيدي: لا ينسب لشيء ولا يعرف برهط، لجيشانه بكل شيء، ~~وغليانه في كل باب ... وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا، وصادف بها جماعة ~~جامعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة، منهم: أبو سليمان محمد بن معشر ~~البستي ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد ~~المهرجاني، والعوقي، وغيرهم. فصحبهم وخدمهم. وكانت هذه العصابة قد ~~تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة، واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، ~~فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان ~~الله والمصير إلى جنته. وذلك أنهم قالوا: إن الشريعة قد دنست ~~بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا ~~بالفلسفة ... وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية ~~فقد حصل الكمال. وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها ~~وعمليها، وأفردوا لها فهرسا، وسموها رسائل إخوان الصفاء وخلان ~~الوفاء، وكتموا أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ولقنوها للناس، ~~وادعوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه الله عز وجل وطلب ~~رضوانه. # تعطينا هذه المحاورة معلومات ~~لا بأس بها عن جماعة الإخوان. فقد جرت، كما قلنا، نحو عام 372ه، وهو ~~العام الذي تولى فيه ابن سعدان الوزارة في خدمة البويهيين الفرس، الذين ~~حكموا إلى جانب بني العباس من عام 334 إلى عام 447ه. ومن صيغة الماضي ~~التي استخدمها التوحيدي في ms015 وصف زيد بن رفاعة، وكون الرسائل مبثوثة في ~~الناس في فترات سابقة على المحاورة، نستدل على أن زمن تأليف الرسائل ~~ربما يعود إلى أواسط القرن الرابع، في وقت كان فيه أبو حيان شابا ~~يجلس إلى زيد ويورق له، أي ينسخ له كتبه. فإذا كانت الرسائل قد وضعت ~~في هذا الزمن فعلا، وهي زبدة فكر الإخوان ولا يعرف لهم غيرها، فإن ~~التنظيم السري لا بد وأن يكون قد تشكل قبل هذا الزمن، وربما في أوائل ~~القرن الثالث أو قبل ذلك، وكان يعتمد في دعاوته على مجموعة من التعاليم ~~الغنوصية العرفانية مبثوثة في مرجع أكثر اختصارا من الرسائل، تتحدث عن ~~الأصل السماوي للنفس الإنسانية، وهبوطها إلى عالم المادة، والوسائل ~~العرفانية الكفيلة بتحريرها وعودتها إلى مصدرها، وهذه هي المحاور ~~الرئيسة التي قامت الرسائل بعد ذلك بتطويرها، وتقديمها في إطار موسوعي ~~أشمل احتوى على كل المعارف المتاحة لذلك العصر. # وتقدم لنا الرسائل نفسها إشارات تدل على زمن تأليفها. في معرض نقدهم ~~لعقيدة الإمام الغائب عند الشيعة الاثني عشرية، يقولون في الرسالة 42: ~~«ومن الآراء الفاسدة والاعتقادات المؤلمة لمعتقديها رأي ... من يرى ~~ويعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف ~~المخالفين. واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول عمره، منتظرا لخروج ~~إمامه، متمنيا لمجيئه، مستعجلا لظهوره، ثم يفني عمره ويموت بحسرة ~~وغصة لا يرى إمامه، ولا يعرف شخصه من هو» (42: 3، 532). فإذا عرفنا أن ~~الإمام المهدي قد اختفى في سن صغيرة نحو عام 265ه، وأضفنا إلى ذلك ~~الفترة الزمنية اللازمة لترسخ هذه العقيدة بعد مرور الوقت الكافي لوفاة ~~الإمام، لوصلنا إلى أواسط القرن الرابع، وهذا ما يتطابق مع ما ~~استنتجناه من المحاورة. # تشير المحاورة بشكل مباشر إلى المقر الرئيس للجماعة، وهو البصرة، حيث ~~التقى زيد بن رفاعة بجماعة جامعة لأصناف العلم، فصحبهم وخدمهم. كما ~~تذكر من أعضائها الرئيسين إلى جانب زيد أربعة؛ هم: المقدسي، والزنجاني، ~~والمهرجاني، والعوقي، وجميع هؤلاء لم يكونوا من الشخصيات الفكرية ~~البارزة في ذلك العصر، والمؤلفات التي تعزى إلى بعضهم لم ms016 تكن بمستوى ~~ووزن الرسائل. وعلى الرغم من أن كل الباحثين يعزون تأليف الرسائل إلى ~~زيد بن رفاعة وهؤلاء الأربعة، إلا أنني أرجح أن يكون هؤلاء الأربعة هم ~~أصحاب الرسائل من دون زيد «الذي صحبهم وخدمهم» على حد تعبير التوحيدي، ~~ويبدو أنه كان أصغر منهم سنا. وإني أستند في هذا الترجيح إلى ما ~~للرقم الرباعي من أهمية في فكر الإخوان، فأصل الأعداد كلها هو من ~~الواحد إلى الأربعة، وعدد مراتب الوجود أربعة، وعدد أقسام رسائلهم ~~أربعة، ويقوم تنظيمهم على الرقم أربعة. فعلى قمة الهرم يتربع أربعة ~~أشخاص هم بمثابة القيادة العليا، وهؤلاء الأربعة منتقون من أربعين، ~~والأربعون منتقون من أربعمائة، والأربعمائة منتقون من أربعة آلاف، ~~ووراء الأربعة آلاف عدد لا يحدده النص من «الأنصار» الذين يدعونهم ~~بالتائبين المخلصين (الرسالة التاسعة). # وتدلنا المحاورة على السمة العامرة لمذهب الإخوان الذي يعتمد على ~~التوفيق بين الدين وفلسفات العصر وعلومه، حيث قال التوحيدي: «وذلك أنهم ~~قالوا: إن الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى ~~غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ... وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة ~~اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال.» وهناك تتمة لما أوردناه ~~من المحاورة تضيء بعض جوانب هذه المسألة. فقد سأل الوزير أبا حيان ~~التوحيدي عن المقدسي الذي يبدو أنه كان الأبرز بين الأربعة، وعن رأيه ~~في الشريعة والفلسفة، فروى التوحيدي عنه قوله: ~~«الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب الأصحاء. والأنبياء يطببون للمرضى ~~حتى لا يتزايد مرضهم، وحتى يزول المرض بالعافية فقط، وأما الفلاسفة ~~فيحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا. فبين مدبر المريض ~~وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف؛ لأن غاية تدبير المريض أن ~~ينتقل به إلى الصحة ... وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة، وإذا حفظ ~~الصحة قد أفاده كسب الفضائل وفرغه لها وعره لاقتنائها؛ وصاحب هذه ~~الحال فائز بالسعادة العظمى وقد صار مستحقا للحياة الإلهية، والحياة ~~الإلهية هي الديمومة والخلود. وإن كسب الفضائل من يبرؤ من المرض بطب ~~صاحبه أيضا، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل؛ لأن ms017 إحداهما ~~تقليدية والأخرى برانية، وهذه مظنونة وهذه مستيقنة، وهذه روحانية وهذه ~~جسمانية، وهذه دهرية وهذه زمانية.» # وفي حديث التوحيدي تلميحات صائبة إلى روحانية مذهب الإخوان، وجنوحهم ~~إلى السلم في نشر مذهبهم الذي يخلو من المطامح الدنيوية والسياسية، ~~واعتناقهم لمثل اجتماعية عليا، والطابع الأخوي لتنظيمهم، عندما قال: ~~«وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة وتصافت بالصداقة، واجتمعت على ~~القدس والطهارة والنصيحة.» فرسالتهم على ما نجد في ثنايا الرسائل ~~أخلاقية بالدرجة الأولى، تحث على تهذيب النفس وتطهيرها من الآراء ~~الفاسدة والاعتقادات الرديئة المؤلمة لأصحابها، والارتقاء بها فوق عالم ~~المادة الذي يعتبرونه سجنا للنفوس الإنسانية. ولكن هذه السمة الخلاصية ~~لمذهبهم لم تكن تعني انسحاب الفرد من العالم والانكفاء على نفسه من أجل ~~تدبير خلاصها؛ لأن على الفرد في سعيه لخلاصه الفردي أن يساعد النفوس ~~الأخرى على الخلاص أيضا، وذلك عن طريق نشاط جمعي واسع تقوم به جماعة ~~الإخوان، التي جعلت من نفسها نموذجا للمجتمع الجديد المنشود الذي تحث ~~تعاليمهم على بنائه. وقد وجهوا النقد اللاذع إلى الفساد السياسي ~~والاجتماعي السائد في زمنهم، والتدهور الأخلاقي الذي يسم العلاقات ~~الاجتماعية، وشخصوا أمراض المجتمع، وأشاروا إلى طرائق الإصلاح. # أما عن جدة هذا المذهب، وعدم انتمائه إلى أحد المذاهب الإسلامية ~~المعروفة من شيعة أو معتزلة أو إسماعيلية أو قرمطية، فنجده في قول ~~التوحيدي: إن زيدا ورفاقه «قد وضعوا فيما بينهم مذهبا»، ولم ينسبهم ~~إلى أحد. ولو كان على دراية بصلتهم بإحدى الجماعات السياسية أو الفكرية ~~أو الدينية، لما تردد في ذكر ذلك. وهذا الرأي الذي يصدر عن شخصية ~~مرموقة عاصرت إخوان الصفاء، وعرفت بعضا من أعضائها البارزين، هو أكثر ~~مصداقية من آراء بعض المؤلفين الإسماعيليين المتأخرين على إخوان الصفاء ~~بنحو قرنين أو أكثر، والذين يؤكدون انتماء الإخوان إلى الإسماعيلية. ~~وهذه مسألة سوف نتعرض لها في حينها عندما نتحدث عن «إسلام إخوان ~~الصفاء» في أحد الفصول القادمة. وأكتفي هنا بالقول: إن فكرة الإمامة، ~~وهي حجر الرحى في الفكر الشيعي عامة والفكر الإسماعيلي خاصة، لم تكن ~~موضع توكيد لدى الإخوان، ms018 وهم في أكثر من موضع في رسائلهم يستبعدونها من ~~مذهبهم. ومن ذلك قولهم في الرسالة 47: «واعلم أن العقلاء الأخيار إذا ~~انضاف إلى عقولهم القوة بواضع الشريعة، فليس يحتاجون إلى رئيس يرأسهم ~~ويأمرهم وينهاهم ويزجرهم ويحكم عليهم؛ لأن العقل والقدرة لواضع الناموس ~~يقومان مقام الرئيس الإمام. فهلم بنا أيها الأخ أن نقتدي بسنة ~~الشريعة ونجعلها إماما لنا» (47: 4، 137) وفي الحقيقة، فإن أي تشابه ~~بين فكر الإخوان وفكر فلاسفة الإسماعيلية المتأخرين عليهم، إنما يعكس ~~تأثير الإخوان في الإسماعيلية وليس العكس، وأثناء القرن الرابع الهجري ~~لا نجد أي أثر فكري إسماعيلي بارز كان يمكن له أن يرفد فكر ~~الإخوان. # وهنالك إشكالية في حديث التوحيدي تتعلق بعدد الرسائل، فهو يقول: إنهم ~~قد صنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها. ~~ولكننا نجد أن عدد الرسائل في فهارس المخطوطات التي وصلت إلينا هو ~~اثنتان وخمسون رسالة، على الرغم من أن الإخوان يذكرون في ثنايا الرسائل ~~تارة أنها اثنتان وخمسون وتارة أخرى أنها واحد وخمسون، وفي مطلع ~~رسالتهم الثانية والخمسين وفق الفهرست يقولون: «وهذه هي آخر الرسائل من ~~القسم الرابع، وهي الحادية والخمسون.» كما وأنهم يشيرون إلى تصنيفهم ~~لرسالة إضافية دعوها بالرسالة الجامعة، واعتبروها بمثابة تلخيص ~~للرسائل، من أجل إتاحة الفرصة لمن لم يطلع على الرسائل كلها وفاته ~~بعضها، لربط ما فاته بما تحصل لديه. فما هو عدد الرسائل بالضبط؟ في ~~الحقيقة نحن لا نملك سوى الالتزام بالعدد 52 الوارد في فهرست الرسائل، ~~وهذا ما فعلته في إشارتي إلى مراجع المقتبسات، حيث اعتبرت الرسالة ~~الثانية والخمسين هي الرسالة الأخيرة. أما عن الرقم 51، فيبدو أن ~~الإخوان بعد انتهائهم من كتابة الرسائل، قد بثوها في اثنين وخمسين ~~رسالة، وفيما بعد عندما وضعوا الرسالة الجامعة في وقت لاحق على نشر ~~الرسائل، أرادوا الحفاظ على الرقم 52 وهو رقم يحمل دلالة رمزية، قاموا ~~بضم رسالتين إلى بعضهما في رسالة واحدة، وهما على الأغلب الرسالة ~~الأولى من القسم الثالث المعنونة «في المبادئ العقلية على رأي ~~الفيثاغوريين»، والرسالة التي تليها والمعنونة «في ms019 المبادئ العقلية على ~~رأي إخوان الصفاء»، وجعلوا العنوان المشترك لهما «في المبادئ العقلية». ~~وأما عن الرقم خمسين الذي ذكره التوحيدي، ففي ذلك أكثر من تفسير؛ فإما ~~أن التوحيدي أورد رقما تقريبيا لم يتوخ فيه الدقة، وإما أن ما ~~وصله من الرسائل لم يتجاوز الخمسين، وإما أن الإخوان في ذلك الوقت لم ~~يكونوا قد بثوا الرسالتين الأخيرتين في الوراقين ولم يكن متداولا منها ~~إلا خمسون. # على أنني، في الحديث عن عدد رسائل إخوان الصفاء، أود أن أثير مسألة ~~قد لا نستطيع فيها الوصول إلى قول فصل على ضوء معلوماتنا الحالية؛ وهي ~~انتماء الرسالة الجامعة إلى الرسائل الأصلية للإخوان، وكون مؤلفي ~~الرسائل هم فعلا واضعوها. إن القراءة المدققة لهذه الرسالة لا يمكن ~~إلا أن تقود إلى ملاحظة اختلافها عن رسائل الإخوان، فهي غامضة في ~~تعابيرها، وتفتقد إلى حيوية وسهولة أسلوب الإخوان الذي يتوجه إلى ~~عامة المثقفين لا إلى خاصتهم على الرغم من أن هدفها المعلن هو تلخيص ~~الرسائل والربط بين أفكارها، وتوضيح غاياتها؛ كما أنها تحتوي على عدد ~~من الأفكار التي تتناقض مع ما ورد في الرسائل، وعلى الأخص فيما يتعلق ~~بمسألة الإمامة. ولعل من قرأ الفلسفة الإسماعيلية التي بدأت بواكيرها ~~تتفتح في القرن الخامس الهجري، يستطيع ملاحظة الشبه بين أسلوب فلاسفة ~~الإسماعيلية وأسلوبها. فهل قام بوضعها أحد المفكرين الإسماعيليين ممن ~~أرادوا إعطاء طابع إسماعيلي للرسائل؟ إن الأمر غير مستبعد، لا سيما أن ~~الأفكار الإسماعيلية التي يقال عن وجودها في الرسائل مبثوثة في هذه ~~الرسالة بالذات. أما عن ورود ذكر الرسالة الجامعة في أكثر من موضع في ~~الرسائل، فيمكن تفسيره في هذه الحالة بأن النساخ الذين بدءوا بعد ~~ذلك بنسخ الرسالة الجامعة هذه إلى جانب الرسائل الأصلية، قد حشروا ~~عنوان الرسالة الجامعة إلى جانب بقية العناوين. هذه اللمسة التحريرية ~~على الرسائل تغدو ممكنة إذا عرفنا أن الحلقات الإسماعيلية هي التي صارت ~~معنية فيما بعد بتوريق وتداول الرسائل، بعد زوال تنظيم إخوان ~~الصفاء. # نأتي الآن إلى مضمون الرسائل وموضوعاتها ومنهج الإخوان في صياغتها. ms020 ~~فقد تكلم الإخوان في شتى فروع المعارف الفلسفية والعلمية، في زمن لم ~~يكن فيه العلم قد استقل عن الفلسفة. وعلى حد قول التوحيدي فإن الإخوان ~~صنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها. فلقد ~~كتبوا في علم العدد، والمنطق، والفلك، والطبيعيات، والجغرافيا، والبيئة ~~الأرضية، وعلم النفس، والإلهيات، وذلك بأسلوب لا يصعب حتى على قارئ ~~العربية الحديث. يقولون في الرسالة 15: «عملنا في هذه الرسائل، ~~وأوجزنا فيها القول، شبه المدخل والمقدمات، لكيما يقرب على ~~المتعلمين فهمها، ويسهل على المبتدئين النظر فيها.» ويقولون في الرسالة ~~الأولى: إن الفلاسفة «لما بحثوا عن علم النفس بقرائح قلوبهم، واستخرجوا ~~معرفة جوهرها بنتائج عقولهم، دعاهم ذلك إلى تصنيف الكتب الفلسفية. ~~ولكنهم لما طولوا الخطب فيها، ونقلها من لغة إلى لغة من لم يكن فهم ~~معانيها، وثقلت على الباحثين أغراض مصنفيها. ونحن قد أخذنا لب ~~معانيها وأقصى أغراض واضعيها، وأوردناها بأوجز ما يكون من الاختصار في ~~اثنتين وخمسين رسالة.» ولكن الإخوان لم يقصدوا إلى إنتاج موسوعة ~~معرفية، وهي الصفة التي تلصق بالرسائل من قبل معظم الباحثين، بقدر ما ~~قصدوا إلى سعادة الإنسان في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى؛ وهذه ~~السعادة تبتدئ باستلام طريق المعرفة. # وضع الإخوان رسائلهم في أربعة أقسام، يختص كل قسم منها بموضوع من ~~موضوعات الفلسفة. ويبدو أن كل واحد من الأربعة الذين يتربعون على قمة ~~الهرم التنظيمي، كان مسئولا عن إعداد قسم من هذه الأقسام، وهي: ~~(1) # القسم الرياضي، ويدعون رسائله بالرسائل الرياضية التعليمية، ~~وعددها أربع عشرة رسالة. ~~(2) # القسم الطبيعي، ويدعون رسائله بالرسائل الجسمانية الطبيعية، ~~وعددها سبع عشرة رسالة. ~~(3) # قسم النفسانيات والعقليات، ويدعون رسائله النفسانية العقلية، ~~وعددها عشر رسائل. ~~(4) # قسم الآراء والديانات، ويدعون رسائله بالناموسية الإلهية ~~والشرعية الدينية، وعددها إحدى عشرة رسالة. # أما الرسالة الجامعة، فقد أفردوا لها مجلدا خاصا يستغرق في ~~الطبعات الحديثة نحو 350 صفحة. وهم في نهاية فهرستهم للرسائل في مقدمة ~~الكتاب، يصفون ما ورد فيها بأنه مجرد نماذج لما في حوزتهم من الحكمة ~~والمعارف، يعرضونها على طالبي العلم علهم يرغبون في ms021 الاطلاع على مزيد ~~مما لديهم. يقولون في مقدمة الرسائل التي تحتوي على الفهرست: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن مثل صاحب هذه ~~الرسائل مع طالبي العلم ومؤثري الحكمة ومن أحب خلاصه، واختار ~~نجاته، كمثل رجل حكيم جواد كريم، له بستان خضر نضر بهج مونق معجب ~~طيب الثمرات، لذيذ الفواكه، عطر الرياحين ... أراد لكرم نفسه وسخاء ~~سجيته أن يدخلها كل مستحق ... فنادى في الناس أن هلموا وادخلوا في ~~هذا البستان، وكلوا من ثمارها ما اشتهيتم، وشموا من رياحينها ما ~~اخترتم ... فلم يجبه أحد ... فرأى الحكيم من الرأي أن وقف على باب ~~البستان، وأخرج مما فيه تحفا، وطرفا ولطفا من كل ثمرة طيبة، ~~وفاكهة لذيذة، وريحان زكي ... فكل من مر به عرضها عليه ... حتى إذا ذاق ~~وشم وفرح به ... واشتاق إلى دخول البستان وتمناه، وقلق إليه ولم ~~يصبر عنه، قال له عند ذلك: ادخل البستان، وكل ما شئت، وشم ما ~~شئت، واختر ما شئت.» (فهرست الرسائل: 1، 45-46). # ولكن على الرغم من هذا التقسيم المنهجي للرسائل وتوزيعها على أربعة ~~أقسام، لكل قسم منها موضوعه الخاص ولكل رسالة فيه موضوعها أيضا، إلا ~~أن الإخوان لم يتقيدوا بهذا التقسيم؛ فهم لا يستنفدون الموضوع الواحد ~~في رسالة واحدة أو قسم بعينه، بل نراهم يعودون إليه في رسائل أخرى وقسم ~~آخر، لمزيد من المعالجة والتطوير، أو قد يكررون حرفيا ما قالوه ~~سابقا دون تغيير؛ الأمر الذي يؤكد تعدد المؤلفين، كما يؤكد ما ~~أوردته سابقا عن وجود مرجع مشترك لهم سابق على كتابة الرسائل. وينجم ~~عن ذلك عدم اقتصار الرسالة الواحدة على موضوعها المعلن في العنوان، ~~واحتوائها على الكثير من الاستطرادات التي تعالج أفكارا خارجة عن ~~السياق. وهذه في رأيي أبرز الصعوبات التي تواجه قارئ الرسائل، الذي لا ~~يستطيع الإحاطة بأي موضوع تعالجه، أو فهم جانب من جوانب مذهب الإخوان ~~إلا بعد الانتهاء من قراءة الرسائل جميعها، وكان على قدر من النباهة ~~يمكنه من ربط شتات الأفكار والتأليف فيما بينها عبر كل مرحلة من ~~المراحل. ms022 # يقوم مذهب الإخوان على التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو طريق اختطه ~~قبلهم الفيلسوف الكندي، ولكنهم كانوا أول من وصل به إلى أقصى غاياته. ~~فإذا كان على المرء أن يبدأ أولا بالإيمان الذي هو التصديق والإقرار ~~بما أخبر الأنبياء، إلا أن الإنسان العاقل لا يلبث حتى يضع إيمانه هذا ~~موضع التفكير العقلي. وهنا يأتي دور الفلسفة، وطلب المعارف الحقيقية ~~التي تقود إلى تصديق العقل بعد تصديق القلب. نقرأ في الرسالة 46: «ومن ~~أجل هذا دعت الأنبياء أممها إلى الإقرار أولا، ثم طالبوها بالتصديق ~~بعد البيان، ثم حثوهم على طلب المعارف الحقيقية. والدليل على صحة ما ~~قلنا، قوله عز وجل: # الذين يؤمنون ~~بالغيب ~~، ولم يقل الذين يعلمون بالغيب؛ ثم حثهم على طلب ~~العلم بقوله: # فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار ~~؛ ثم مدحهم قال: ~~... يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ... # 1 # فكفى بهذا فرقا بين العلم والإيمان.» # وفي هذا الوقت كان الغرب المسيحي يشهد قيام عملية مشابهة من التوفيق ~~بين الدين والفلسفة، ابتدأت بأول الفلاسفة المسيحيين الكبار وهو كليمنس ~~الإسكندري (ت 215م) الذي اعتبر الفلسفة اليونانية هبة من الله. وقد أسس ~~في الإسكندرية مدرسة لتأهيل معلمي الديانة المسيحية كانت تدرس الفلسفة ~~اليونانية وعلى وجه الخصوص فلسفة أفلاطون. ثم خلفه تلميذه أوريجين ~~(ت 254م) الذي ألف دراسات للكتاب المقدس مبنية على التفكير الفلسفي، ~~واعتبرت بعض كتاباته خارجة عن المعتقد القويم. وقد بلغت هذه الحركة ~~ذروتها مع ظهور كتابات القديس أوغسطين (ت 340م) الذي يعتبر من أبرز ~~الأفلاطونيين المحدثين في الفكر المسيحي، وأكثر المفكرين أثرا في ~~تاريخ الكنيسة. فقد سار أوغسطين على نهج الأفلاطونية المحدثة وصبغه ~~بالصبغة المسيحية، وبفضل مؤلفاته تحولت الفلسفة إلى مصدر من مصادر علم ~~اللاهوت المسيحي؛ ويمكن تشبيه دوره بالدور الذي أداه الفيلسوف الكندي ~~في الثقافة الإسلامية. وفي القرن العاشر الميلادي (الذي نشط فيه إخوان ~~الصفاء) ولدت الفلسفة المدرسية المسيحية (= السكولائية)، عندما عكف ~~رهبان الأديرة على دراسة وترجمة العديد من المخطوطات الفلسفية ~~اليونانية التي كانت محفوظة لديهم، ووضعوا لها الشروح والتفسيرات. وكان ms023 ~~من أوائل هؤلاء المدرسين جون سكوت إريجينا، الذي حاول التوفيق بين ~~مفهوم الأفلاطونية عن الفيض الإلهي وتعاليم المسيحية في الخلق والتكوين ~~(ت 877م). وقد بلغت الفلسفة المدرسية عصرها الذهبي في زمن إنسلم أسقف ~~كانتربري (ت 1109م)، الذي أكد بأن على المؤمن أن يجتهد في فهم ما سبق ~~وأن يؤمن به، وذلك اعتمادا على العقل؛ # 2 # وهذا عين ما قال به إخوان الصفاء. # كما يقوم مذهب الإخوان على التوفيق بين الأديان؛ لأن في كل منها ~~جانبا من الحقيقة. يقولون في الرسالة 42: «فاعلم أن الحق في كل دين ~~موجود، وعلى كل لسان جار، وأن الشبهة دخولها على كل إنسان جائز ~~ممكن، فاجتهد يا أخي أن تبين الحق لكل صاحب دين ومذهب مما هو في يده، ~~أو مما هو متمسك به، وتكشف الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه ~~الصناعة ... ثم اعلم أن الأنبياء، عليهم السلام، لا يختلفون فيما يعتقدون ~~من الدين سرا وعلانية ... وأما الشرائع التي هي أوامر ونواه وأحكام ~~وسنن، فهم فيها مختلفون ... ثم اعلم أن اختلاف الشرائع ليس بضار، إذا ~~كان الدين واحدا» (42: 3، 486-487، 501). # لذلك، فإن التعصب هو آفة العقول يعميها عن رؤية الحقائق: «... ثم اعلم ~~أنه ينبغي لمن يريد أن يعرف حقائق الأشياء أن يبحث أولا عن علل ~~الموجودات وأسباب المخلوقات، وأن يكون له قلب فارغ من الهموم والغموم ~~والأمور الدنيوية ... ويكون غير متعصب لمذهب أو على مذهب؛ لأن العصبية هي ~~الهوى، والهوى يعمي عين العقل، وينهى عن إدراك الحقائق» (40: 3، ~~376). # من هنا، فإن مذهب الإخوان هو استمرار وتكملة لكل معارف الإنسانية، ~~وعلومهم مأخوذة من أربعة مصادر رئيسية: «أحدها: الكتب المصنفة على ~~ألسنة الحكماء والفلاسفة، من الرياضيات والطبيعيات، والآخر: الكتب ~~المنزلة التي جاءت بها الأنبياء ... والثالث: الكتب الطبيعية، وهي صور ~~أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك، وأقسام البروج، ~~وحركات الكواكب ومقادير أجرامها، وتصاريف الزمان، واستحالة الأركان، ~~وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات ... والنوع الرابع: الكتب ~~الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون» (45: 4، 42). # لقد تأثر الإخوان بالفلسفة اليونانية، ms024 ووضعوا فيثاغورس وأفلاطون ~~وأرسطو في درجة تعادل درجة الأنبياء، واستشهدوا بأقوالهم في سياق واحد ~~مع أقوال عيسى المسيح والرسول الكريم، كما تأثروا بالفلسفة الأفلاطونية ~~الحديثة التي نشطت في المشرق العربي في العصر الهيلينستي، لا سيما فيما ~~يتعلق بنظرية الفيض الإلهي التي تفسر كيفية ظهور العالم عن الله؛ وصبت ~~في إنائهم الفكري تيارات قادمة من الهند وفارس، والصابئة المحليين في ~~حران وهم أصحاب عقيدة كوكبية تقدس الأجرام السماوية. ولكنهم خرجوا من ~~ذلك كله بمذهب أصيل أسس لغنوصية إسلامية أعطت ثمارها بعد ذلك في الفكر ~~الصوفي، ولدى الفرق الإسلامية ذات الطابع الفلسفي وهي: الإسماعيلية ~~والنصيرية والدرزية. # الإخوان والغنوصية # الغنوصية مذهب فضفاض لا يقوم على أيديولوجيا دينية متحجرة، أو ~~دوغما مذهبية. وقد بدأت بواكيره في الظهور مع مطالع القرن الأول ~~الميلادي، بتأثير من الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية ~~المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، # 3 # وهذه التعاليم مبثوثة في ثماني عشرة رسالة تمثل نوعا ~~من الغنوصية المبكرة، صاغها على ما يبدو عدد من المؤلفين المجهولين ~~الذين ينتمون إلى أخوية روحية تشبه في تنظيمها جماعة إخوان الصفاء. ~~ويظهر في هذه الرسائل الهرمزية عدد من الأفكار المؤسسة للغنوصية، ~~وأهمها مثنوية الإنسان وانقسامه إلى جزء مادي وآخر روحي، حيث يمثل ~~الجسد كل ما هو مادي ومظلم وفان، ويمثل العقل (الذي يتطابق مع ~~الروح) كل ما هو نوراني وحقيقي وخالد، وهو الذي يقود في النهاية ~~إلى الخلاص من سجن المادة، وتجسد فعالياته سعي الروح إلى ~~الانعتاق، ودعوتها إلى العوالم النورانية العليا، إلى الله الذي ~~تدعوه هذه النصوص بالأب الكلي. # جاءت تسمية الغنوصية # Gnosticism # من الكلمة اليونانية غنوص # Gnosis # التي تعني المعرفة الحدسية الباطنية، أو العرفان بمصطلح التصوف ~~الإسلامي؛ فالعارفون هم الغنوصيون # Gnostics # الذين يتواصلون مع الحقيقة الكلية عن طريق ~~بصيرتهم الداخلية، أما الآخرون فهم «غير العارفين» الذين يقفون عند ~~ظاهر التعاليم الدينية، ولا ينفذون إلى حقيقتها الباطنية. فإذا كان ~~الطريق إلى الجنة لدى اليهودية هو الالتزام بأحكام الشريعة، ولدى ~~المسيحية هو الإيمان بيسوع المسيح، فإن الخلاص عند الغنوصية يتأتى ms025 ~~عن طريق فعالية روحية داخلية تقود إلى معرفة النفس، وفي أعماق ~~مستوياتها تقود إلى معرفة الله ذوقا وكشفا وإلهاما. هذه المعرفة ~~هي التي تحرر الروح الحبيسة في إطار الجسد المادي والعالم المادي ~~الأوسع، لتعود إلى مصدرها حيث كانت قبل الهبوط. # في الفترة المبكرة لانتشار المسيحية في مصر وبلدان الهلال ~~الخصيب، تحولت جماعات غنوصية عديدة إلى المسيحية، ونتج عن ذلك تيار ~~مسيحي غنوصي عبر عن عقيدته عن طريق أدبيات غنوصية غزيرة، بينها ~~أناجيل صنفت بعد ذلك بين الأناجيل المنحولة. وهذه العقيدة لا ~~تركز على الإيمان، بل على العرفان. لقد قال يسوع في الأناجيل ~~الرسمية: «من آمن بي وإن مات فسيحيا.» وقال: «أنا هو الطريق ~~والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي.» أما في الأدبيات ~~الغنوصية فإن المسيح ليس وسيطا للخلاص، بل هو رمز لمعرفة الحقيقة ~~بالكدح الشخصي. في إنجيل توما الغنوصي قال التلاميذ ليسوع: «أرنا ~~المكان الذي أنت فيه لأنه من الضروري أن نبحث عنه.» فقال لهم: «من ~~له أذنان فليسمع. هنالك نور داخل إنسان النور من شأنه أن يضيء ~~العالم، ولكن إذا لم يضئ فلا شيء سوى الظلمة.» # 4 # مثل هذا القول يوجه ذهن المريد إلى ذاته الحقيقية ~~وخبيئته التي تنطوي على طاقة هائلة، وإلى النور الداخلي الذي ~~يساعده على اكتشاف طريقه بنفسه. # وفي «كتاب توما المنافح»، قال يسوع: «من لم يعرف نفسه لم يعرف ~~شيئا، ولكن من عرف نفسه حقق معرفة بأعماق الكل.» وفي نص حوار ~~المخلص لدينا مثال على طريقة يسوع في تحويل السائل إلى نفسه ليجد ~~عندها الجواب. فقد سأله أحد التلاميذ أن يريهم مكان الحياة حيث ~~النور النقي، فأجاب يسوع: «من عرف نفسه منكم فقد رآه.» وسأله آخر: ~~«من الذي يبحث ومن الذي يكتشف؟» فأجاب يسوع: «إن من يبحث عن ~~الحقيقة هو الذي يكشف عنها.» وفي نص «بيان الحقيقة» يقول المؤلف: ~~«إن المريد في الواقع هو تلميذ عقله الخاص، وهو الذي يكتشف أن عقله ~~هو أبو الحقيقة ويعرف ما يتوجب عليه معرفته عن طريق ms026 التأمل الباطني ~~الصامت.» فيسوع الحي بالنسبة إلى الغنوصيين ليس إلا رمزا لمعرفة ~~الحقيقة. # إن بؤس الشرط الإنساني يعود إلى الجهل لا إلى الخطيئة الأصلية؛ ~~فالبشر في هذه الحياة هم في حالة نسيان وغفلة وعدم إحساس بذواتهم ~~الحقيقية. وهذا ما يدعوه إخوان الصفاء عبر رسائلهم بنوم الغفلة ~~ورقدة الجهالة. يقول المعلم فالينتينوس في «إنجيل الحقيقة»: «إن ~~الوجود أشبه بالكابوس؛ فالنائم يرى أحيانا أنه يسقط من جبل، أو ~~تطارده الوحوش المفترسة، أو يلاحقه قاتل، أو يطير في الهواء بغير ~~جناح؛ ولكنه حين يستيقظ من نومه يتلاشى كل ذلك. وهذا هو حال أهل ~~العرفان الذين تخلصوا من جهلهم مثلما يتخلص النائم من كابوسه، ~~تاركين حياة الجهل مثلما يترك من أفاق من نومه لليل أحلامه ~~وكوابيسه، مقبلين على عالم جديد يتلاشى فيه الجهل مثلما يتلاشى ~~الظلام أمام نور الصباح.» # هذا السعي نحو الاستنارة يتطلب الكفاح ضد مقاومة داخلية هي ~~أشبه بالرغبة في البقاء على حال النوم ورفض الصحو. يقول المعلم ~~سيلفانوس في نصه المدعو بالتعاليم: «قم من هذا النوم الذي يثقل ~~عليك. اصح من الغفلة التي تملؤك بالظلام. لماذا تطلب الظلام مع أن ~~النور متاح لك؟ الحكمة تناديك ولكنك تطلب الحماقة. الإنسان الأحمق ~~يتبع طريق الرغبات والشهوات ويغرق في مستنقعها، إنه مثل سفينة ~~جانحة تدفعها الرياح في كل اتجاه، أو مثل حصان جامح بلا فارس يحتاج ~~لجاما هو الرشد. قبل كل شيء اعرف نفسك ... اعتمد على مرشدك الذي هو ~~العقل، ومعلمك الذي هو الرشد ... عش وفق ما يمليه عليك عقلك ... اكتسب ~~القوة لأن العقل القوي ... أنر عقلك ... أشعل النور في داخلك ... اقرع ~~عقل باب ذاتك وامش عليها كما تمشي على درب مستقيم وممهد، فإذا ~~مشيت في هذا الدرب فلن تضل أبدا.» # فالغنوصية معتقد خلاص، وكل مفاهيمها وتصوراتها الكونية تتلخص ~~أخيرا في مفهوم واحد عن التحرر والانعتاق. ولكن الخلاص الغنوصي لن ~~يتأتى عن طريق العبادات الشكلية والطقوس، إذا لم تترافق مع المعرفة ~~وتكون مقدمة له. إن الصراع الرئيس الذي يخوضه الإنسان هو صراع بين ~~المعرفة ms027 التي تقود إلى الخلاص، وبين الجهل الذي يبقيه في دورة ~~الميلاد والموت، كلما بلي جسمه وآل إلى الفناء تقمصت روحه جسدا ~~آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية إن هي لم تفلح في الانعتاق. من هنا فإن ~~الحكمة القديمة المنقوشة على جدار معبد دلفي في اليونان، والمؤلفة ~~من كلمتين هما «اعرف نفسك» تتخذ أهمية مركزية في كل النظم القائمة ~~على المعرفة. فلقد استخدمتها الأفلاطونية وفسرتها بمعرفة النفس ~~الإلهية في داخل الإنسان، وكذلك الهرمزية التي نقرأ في إحدى ~~رسائلها: «إن الله الآب الذي جاء منه الإنسان هو نور وحياة، فإذا ~~عرفت أنه نور وحياة وأنك صدرت عنه، فسوف تستعاد إلى الحياة مرة ~~أخرى.» # فعلى عكس الزرادشتية وبقية النظم الدينية التي تبشر ببعث أجساد ~~الموتى في اليوم الأخير، فإن البعث الذي تبشر به الغنوصية هو بعث ~~الأرواح؛ إنه خلاص من الجسد ومن العالم في آن معا، لا من الخطيئة ~~ومن الذنوب. وإذا كان هنالك من مفهوم عن الخطيئة الأصلية في ~~العقيدة الغنوصية، فإنه سقوط الروح في عالم المادة، وإذا كان هنالك ~~من مفهوم عن التوبة، فإنه وعي الإنسان للقبس الإلهي في داخله، ~~وبحثه عن الوحدة المفقودة. مع انبعاث هذا الوعي تبتدئ الروح رحلة ~~خلاصها وانعتاقها، ويتحول الموت من بوابة تؤدي إلى القبر أو إلى ~~دورة تناسخ جديدة، إلى بوابة تؤدي إلى العالم الروحاني ~~الأعلى. # وفي هذا يقول إخوان الصفاء بأن موت الجسد هو ولادة الروح؛ ~~ويشبهون ملاك الموت بقابلة الأرواح لأنه يستولد النفس (= الروح) من ~~الجسد كما تستولد القابلة الجنين من الرحم. ولهم في ذلك تشبيهات ~~أخرى؛ فالنفوس تشبه الدر بينما تشبه الأجساد الصدف، وما الموت ~~سوى استخراج الدرة من الصدفة ليستأنف بها أمر آخر. والنفوس أيضا ~~تشبه لب الحب إذا نضجت السنابل وآن أوان الحصاد، حيث يرمى ~~بقشورها ويؤخذ لبها ويستأنف بها أمر آخر. (الرسالة 5). # ويقول مؤلف العمل الغنوصي المعروف بعنوان رسالة في البعث: «إن ~~الوجود الإنساني هو نوع من الموت الروحي، أما القيامة فهي لحظة ~~الكشف والاستنارة التي تنقل العارف إلى ms028 عالم جديد. وإن من يصحو ~~على هذه الحقيقة يغدو حيا من الناحية الروحية. إن باستطاعتك ~~الانبعاث من عالم الموتى هنا والآن. هل أنت مجرد جسد فان؟ هل ~~تفحصت نفسك ووعيت بأنك قد قمت من بين الأموات.» أي إن من حقق ~~المعرفة قد بعث من الموت قبل أن يموت، وما عليه سوى انتظار واقعة ~~الموت التي تنزع عنه رداءه المادي وتحوله إلى روح منعتقة. وفي ~~هذا يقول إنجيل فيليب الغنوصي: «إن من يعتقد أن عليه أن يموت أولا ~~ثم يبعث فهو على ضلال؛ لأن بمقدوره أن يبعث وهو حي.» لذلك قال ~~يسوع في إنجيل توما الغنوصي: «هذه السماء ستزول، والتي فوقها ~~ستزول، ولكن الذين هم أموات لن يحيوا، والذين هم أحياء لن ~~يموتوا.» # إن إنكار القيامة العامة للموتى في نهاية الزمن يستتبع عند ~~الغنوصيين رفض مفهوم التاريخ الدينامي الذي يسعى إلى نهاية معينة ~~يتخلص عندها العالم من بذور الشر التي زرعها فيه الشيطان، ليغدو ~~كاملا ونقيا كما كان عندما خرج من يد الخالق. فالعالم ليس حسنا ~~وخيرا في أصله، بل هو شر من حيث الأساس، والتاريخ لا يسعى إلى ~~غاية وليس له معنى، وما على الإنسان إلا الهروب من العالم ورفضه ~~بدلا من انتظار النهاية السعيدة؛ لأن الروح الحبيسة في المادة لن ~~تنعتق إلا عن طريق الغنوص، وما الجسد إلا ثوب نرتديه لفترة مؤقتة ~~ثم نتخلص منه إلى الأبد. وهذا ما دعاه الغنوصيين إلى احتقار الجسد ~~واعتبار وظائفه غير مهمة بالنسبة إلى الكائن الروحاني. قال يسوع في ~~إنجيل توما: «إنني أعجب لهذه الثروة العظيمة [= الروح] تقيم في ~~هذا الفقر المدقع [= الجسد].» فالجسد مصدر للألم والمعاناة، وعرضة ~~للمرض والشيخوخة وكل أنواع الأذى. فإذا لم يكن لدينا جسد، من أين ~~تأتينا المشكلات؟ # إن الصراع ضد شهوات الجسد يقع في صميم الأخلاق الغنوصية. ~~والغنوصيون يرون أن الأخلاق السائدة في المجتمع هي أخلاق براغماتية ~~لمن يلتزمون بها. فالذي يعمل بقاعدة «لا تسرق» يفعل ذلك لكي لا ~~يتعرض هو نفسه إلى السرقة؛ والذي يعمل بقاعدة «لا ms029 تقتل»، يفعل ذلك ~~لكي يحمي نفسه من القتل؛ والذي يعمل بقاعدة «لا تزن» أو «لا تشته ~~امرأة قريبك»، يدفع عن نسائه الرجال الآخرين. إن مثل هذه النواهي ~~الواردة في الشرائع ليست أخلاقا حقيقية، والالتزام بها لا ينشأ عن ~~تلمس فعلي للخير الكامن في النفس الإنسانية، وإنما ينبع عن ~~الخوف. أما الأخلاق الغنوصية فتنشأ عن الحرية التي يحققها الغنوص ~~للإنسان، وعن اكتشافه لمصدر الخير الأسمى في داخله. فالمعرفة تحقق ~~كمال الإنسان والكامل لا يستطيع إلا فعل الخير، لا خوفا ولا ~~طمعا. إن الأب النوراني الأعلى لا يطلب من الإنسان إلا أن يعرفه ~~في داخله، وعندما يعرفه يغدو حرا وكاملا وخيرا. والحر لا ~~يرتكب الخطيئة؛ لأن من يرتكب الخطيئة هو عبد للخطيئة. إن المعرفة ~~تسمو بقلوب المؤمنين وتجعلهم فوق العالم، وهم ليسوا عبيدا إلا ~~للحب. # فيما عدا الغنوصية المانوية التي تحولت على يد معلمها ونبيها ~~ماني إلى ديانة مؤسسية في أواسط القرن الثالث الميلادي، فإن الفكر ~~الغنوصي لم يطور أيديولوجيا دينية موحدة ومنمطة، وبقيت الفرق ~~الغنوصية أشبه بالطرق الصوفية الإسلامية التي يتبع كل منها شيخا ~~ذا نهج خاص، على اشتراك هذه الفرق بالأفكار العامة الرئيسة. ولقد ~~قاد تعدد المدارس الغنوصية وتوكيد معلميها على حرية الإبداع، إلى ~~خلق تيارات فكرية غنوصية لم تنتظم أبدا في كنيسة واحدة ذات هيكلية ~~مراتبية، تفرض عقيدة يعد الإخلال بواحد من بنودها هرطقة وخروجها ~~عن الإيمان القويم. هذه التيارات لم تتصارع ولم يستبعد بعضها بعضا ~~كما فعلت الفرق المسيحية أو الإسلامية من بعدها، ولم يعتبر أي ~~منها نفسه بمثابة القيم الوحيد على الإيمان الغنوصي، بل تعاونت ~~وأغنت بعضها بعضا، ووجدت في التنوع إثراء لفكرها المشترك. من هنا ~~فإن الغنوصية لم تعتمد نصوصا مقدسة بعينها، ونظرت إلى نصوصها ~~باعتبارها مقاربات للحقيقة الكلية الخافية، التي لا يمكن إدراكها ~~إلا عن طريق تنويعات رمزية تعين المريد في تجربته الروحية ~~الخاصة. # هذه هي الخطوط العامة للمذهب الغنوصي، عرضتها باختصار لا يفي ~~هذا الفكر حقه ولا يتعرض لكل جوانبه، وذلك لغرض التقديم لفكر ms030 إخوان ~~الصفاء الذي رأيت فيه تنويعا على الفكر الغنوصي ومدخلا إلى ~~الغنوصية الإسلامية. وكما سنرى عبر فصول هذا الكتاب، فإن مذهب ~~الإخوان يقوم على عدد من الأفكار الغنوصية الأساسية، وأهمها: ~~(1) # إن الروح الإنسانية، أو النفس كما يفضلون تسميتها، هي ~~شرارة من النور الإلهي الأسمى تم احتباسها في الجسد ~~المادي. وبمصطلح الإخوان المستمد من نظريتهم في الخلق ~~والتكوين، فإن النفس الجزئية التي تسكن الجسد الإنساني هي ~~قوة منبعثة وفائضة عن النفس الكلية التي هي فيض فائض من ~~العقل الكلي، الذي فاض بدوره عن الذات الإلهية. وقد أهبطت ~~هذه النفس الجزئية إلى مركز العالم المادي، وهو الأرض، ~~واتحدت بالأجسام الجزئية. ~~(2) # ويتبع ذلك أن الإنسان عبارة عن جملة مجموعة من جوهرين ~~متباينين: جسد جسماني، ونفس روحانية. فالصفات المختصة ~~بالجسد بمجرده ، هي أنه جوهر مادي طبيعي، وهو منفسد ومتغير ~~ومستحيل بعد الموت إلى العناصر المادية التي تكون منها. ~~أما الصفات المختصة بالنفس بمجردها، فهي أنها جوهرة ~~روحانية، سماوية، نورانية، حية بذاتها، فعالة في الجسد ~~ومستعملة له إلى وقت معلوم، ثم إنها تاركة له وراجعة إلى ~~عنصرها ومبدئها. ~~(3) # إن فكاك النفس من أسر العالم المادي وسجن الجسد لن ~~يتأتى لها إلا بمعرفتها لأصلها، وصحوها من حالة الجهل ~~والنسيان التي آلت إليها عقب ارتباطها بالجسد، والتي ~~يدعوها الإخوان بنوم الغفلة ورقدة الجهالة. ~~(4) # إن النفس العارفة ترتقي عبر المراتب الروحية صعودا إلى ~~أعلى رتبة إنسانية تهيئها للانعتاق النهائي بعد الموت. ~~ولكن الانعتاق الحقيقي، يتحقق لها قبل ذلك في لحظة الصحو ~~والانتباه التي تكشف البصيرة. فالبعث، على ما يقول ~~الإخوان، هو انتباه النفوس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ~~والقيامة هي قيامة النفس من قبرها وهو الجسد، أما الجسد ~~فيسقط ولا يقوم أبدا. ~~(5) # إن النفوس العارفة التي فارقت أجسادها بالموت، لن ترد ~~إليها إثر قيامة عامة للأموات، وإنما تبقى سعيدة ملتذة حرة ~~في عالم الأفلاك، أما النفوس غير العارفة فتبقى بعد مفارقة ~~أجسادها حبيسة في العالم المادي الأسفل. فهاتان هما الجنة ~~والنار اللتان تدومان ما دامت السماء والأرض، فإذا ms031 حان وقت ~~دمار العالم انسحبت منه النفس الكلية فبطلت حركته وآل إلى ~~الفناء، وحشرت النفوس الجزئية أي اجتمعت بالنفس الكلية ~~واتحدت معها، والنفس الكلية تلتحق بالعقل الكلي الذي يلتحق ~~بباريه عز وجل. ~~(6) # إن المهمة الملقاة على عاتق الإنسان الذي انفتحت بصيرته ~~على الحقائق هي الكدح في سبيل تنقية نفسه وتطهيرها من أجل ~~تحضيرها للانعتاق، وفي الوقت نفسه مد يد العون إلى النفوس ~~الجاهلة والأخذ بيدها على طريق المعرفة. وهو إذ يبدأ بفهم ~~الشريعة وتطبيقها والالتزام بما ورد فيها من أوامر ونواه، ~~عليه أن يدرك أن الشريعة وحدها لا تحقق الانعتاق، وأنه ~~لا بد من اقترانها بالكدح المعرفي الذي يحول النفس ~~الغافلة إلى نفس منتبهة. # على أن الإخوان يختلفون مع الغنوصية التقليدية في أكثر من نظرة ~~وممارسة. فالعالم عند الغنوصيين شر كله ولا سبيل إلى إصلاحه؛ لأنه ~~من صنع إله التوراة الذي يقرنونه بالشيطان، لا من صنع الله الحق، ~~الأب النوراني الأعلى خالق العوالم الروحانية التي تسمو على العالم ~~المادي. وقد رأف الله بالبشر وأرسل إليهم ابنه المسيح من أجل تخليص ~~أرواحهم التي تنتمي إلى العوالم الروحانية العليا. من هنا يأتي رفض ~~الغنوصية للعالم ومحاولة الانسحاب منه. وبما أن الجسد ينتمي إلى ~~العالم المادي علينا أن نرفضه أيضا ونتنكر لشهواته ورغباته، حتى ~~إن بعض الفرق الغنوصية قد شجعت على ترك الزواج والإنجاب والعلاقات ~~الجنسية. أما الإخوان فلا يرون أن العالم شر بطبيعته لأنه من صنع ~~الله، بل هو ناقص، ونقصه ناجم عن كونه الحلقة الأخيرة من سلسلة ~~الفيض الإلهي، حيث قصرت كل حلقة من هذه السلسلة عن اللحوق ~~بسابقتها وعجزت عن التماثل معها، وصولا إلى الحلقة المادية ~~الدنيا التي تلي فلك القمر، وهي أكثر الحلقات نقصا وعجزا. ولكن ~~هذا العالم المادي الأدنى على نقصه وكونه سجنا للنفوس الهابطة، ~~إلا أنه قدم لها في الوقت نفسه فرصة للانفلات من عقاله عن طريق ~~المعرفة. والإخوان يشبهون المدة التي تقضيها النفس الجزئية في ~~العالم بتلك المدة التي يقضيها الجنين في الرحم؛ فكما أن الجنين ms032 لا ~~يستطيع الانتفاع بالحياة إلا بعد بقائه المدة الكافية في الرحم ~~لاستكمال الخلقة وتتميم الأعضاء، كذلك هو حال الإنسان الذي يتوجب ~~عليه قضاء المدة اللازمة في هذا العالم من أجل التعلم والتبصر ~~والارتقاء، ومن ثم الانتفاع بالحياة الثانية. # وينجم عن ذلك أن الإخوان، على ذمهم للجسد، لا يجدون فيه شرا ~~إلا بالنسبة إلى أولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مجرد جسد، ~~فينغمسون في اللذات وتلبية دواعي الشهوات، غافلين عن نفوسهم وعن ~~معادها ونشأتها الثانية، أما العارفون الذين يدركون مثنوية الجسد ~~والنفس ويعون العلاقة الجدلية بينهما، فإنهم في موقع السادة ~~لأجسادهم لا في موقع العبيد، ويتحول الجسد عندهم، بما فيه من أعضاء ~~ووظائف نفسية وعصبية، إلى أداة للمعرفة المنجية. فالجسد على ما ~~يكرر الإخوان هو الصراط المستقيم الذي تجوز عليه النفس لتصل إلى ~~جنات الخلد. والنفوس الجزئية: «إنما ربطت بأجسادها التي هي أجساد ~~جزئية، كيما تكمل فضائلها وتخرج كل ما في القوة والإمكان من ~~الفضائل والخيرات إلى الفعل والظهور، ولا يمكن ذلك إلا بارتباطها ~~بهذه الأجساد وتدبيراتها لها» (الرسالة 9). # فمذهب الإخوان، على عكس الغنوصية التقليدية، مذهب تفاؤلي؛ وهم إذ ~~يدركون ما في العالم من قصور ونقص، يؤمنون بالقدرة على إصلاحه. وهم ~~ينطلقون من قاعدة نقدية واسعة للمجتمع ومؤسساته وللأخلاق السائدة، ~~من أجل تحقيق هذا الإصلاح المنشود. # كما تختلف غنوصية الإخوان في وسائل وأساليب تحقيق المعرفة. ~~فبينما تركز الغنوصية التقليدية على المعرفة الصوفية التي يحققها ~~التأمل الباطني في معزل عن العالم ومؤثراته، فإن الإخوان يرون أن ~~الثمرة الأخيرة للمعرفة، وهي معرفة النفس ومعرفة الله، لن تتأتى ~~قبل معرفة العالم ومجرياته، ومعرفة الجسد الإنساني بجميع وظائفه؛ ~~لأنه مسكن النفس ووسيلتها إلى الانعتاق. نقرأ في الرسالة السابعة: ~~«إن الإنسان لما كان جملة من جسد جسماني ونفس روحانية ... صار من أجل ~~جسده الجسماني مريدا للبقاء في الدنيا متمنيا الخلود فيها، ومن ~~أجل نفسه الروحانية صار طالبا للدار الآخرة متمنيا البلوغ إليها ~~... فصارت قنيته أيضا نوعين: جسمانية كالمال ومتاع الدنيا، ~~وروحانية كالعلم والدين. وذلك أن ms033 العلم قنية للنفس كما أن المال ~~قنية للجسد. وكما أن الإنسان يتمكن بالمال من تناول اللذات من ~~الأكل والشرب في الحياة الدنيا، فهكذا بالعلم ينال الإنسان طريق ~~الآخرة وبالدين يصل إليها؛ وبالعلم تضيء النفس وتشرق وتصح، كما أن ~~بالأكل والشرب ينمو الجسد ويزيد ويربو.» # من هنا، فقد ابتدأ الإخوان رسائلهم بأكثر العلوم تجريدا وهو ~~الرياضيات وعلم العدد؛ ثم انتقلوا إلى الهندسة؛ ثم إلى الموسيقى ~~التي عدوها علما رياضيا؛ ثم وجهوا أنظارهم إلى السماء ورسموا ~~خارطة للكون؛ ثم عادوا إلى الغلاف الجوي ورصدوا ظواهره من بروق ~~ورعود وحركة رياح وشهب وما إليها؛ ومنه هبطوا إلى سطح الأرض ~~فدرسوا بيئاتها وتضاريسها ومناخاتها ونباتها وحيوانها، وأدركوا ~~كرويتها فقاسوا قطرها ومحيطها، وحددوا خط الاستواء والمدارين، ~~وخطوط الطول والعرض؛ ثم نزلوا إلى أعماقها وحددوا مركزها ~~واعتبروه مركز الأثقال جميعها مشيرين بذلك بشكل عام إلى قانون ~~الجاذبية، ووصفوا معادنها وتركيبها العمقي؛ وتوقفوا مليا عند جسم ~~الإنسان فوصفوا عملياته البيولوجية ووظائف أعضائه، واكتشفوا الدورة ~~الدموية والسيالات العصبية، ووصفوا آليات السمع والبصر والشم ~~والحس، وتحدثوا عن مراكز الدماغ ووظائفها، والعمليات النفسية من ~~إدراك وإحساس وما إليها، وبسطوا المنطق الأرسطي والبرهان الفلسفي ~~وطبقوا ذلك في مناهجهم البحثية، ووضعوا الأسس الأولى للنظرية ~~الداروينية في ارتقاء الأنواع والتطور بشكل عام. وفي غمار ذلك ~~كانوا يبسطون مذهبهم ويدعون إليه، إثر تعليقهم على كل علم من ~~العلوم وظاهرة من ظواهر الطبيعة والكون. # هذه الذخيرة المعرفية للإخوان قد خطفت أبصار الباحثين الذين ~~تصدوا لدراسة الرسائل، فاعتقدوا أنها مقصودة لذاتها، وأشبعوا ~~فروع المعرفة التي تكلم فيها الإخوان بحثا وتحليلا، ولكنهم لم ~~يولوا مذهب الإخوان ما يستحق من عناية ودراسة، وبعضهم لم يتلمس ~~خيوطه المنسوجة ببطء وعناية عبر الرسائل، سواء بإفصاح أم بتكتم ~~مفصح لمن يريد الغوص إلى بواطن المعاني. وإني إذ أعترف بقيمة ما ~~قدمه هؤلاء جميعا، إلا أنني أختلف معهم في المقاربة، والمنهج، ~~والخلاصات، فيما يتعلق برسالة الإخوان ومذهبهم وغاياتهم. # عن المنهج # كانت قراءتي الأولى للرسائل محبطة، لقد أعطتني الدهشة والفرح، ~~ولكن رسالتها بقيت ms034 غائمة ومشتتة. وهذا إحساس يعانيه كل من راود ~~الرسائل عن نفسها في مقاربة أولى. في القراءة الثانية عمدت إلى ~~تفكيك الرسائل، ورصد الأفكار الرئيسية فيها وكيفية تطوير الإخوان ~~لها، ووضعت في ذلك ثبتا طويلا ارتصفت فيه الأفكار والمعلومات ~~دون نظام. في القراءة الثالثة استدركت ما فاتني في القراءة ~~السابقة، ورحت أجمع الأفكار والمعلومات وفق محاور رئيسة استبعدت ~~منها كل تكرار واستطراد ومعالجات إضافية، فتجمعت هذه الحصيلة في ~~سبعة محاور أعطيتها العناوين الآتية: ~~(1) # نظرية التكوين. ~~(2) # صفة العالم. ~~(3) # معرفة النفس. ~~(4) # ارتقاء النفس ونجاتها. ~~(5) # الآخرة والنشأة الثانية. ~~(6) # إسلام إخوان الصفاء. ~~(7) # طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية. # كانت القراءة الرابعة للمتعة الشخصية، ومن أجل حل بعض المشكلات ~~التي بقيت عالقة بسبب غموض الإخوان في معالجتها، ولجوئهم إلى ~~التكتم، واستخدام التعابير التي تفهم على أكثر من وجه. من هذه ~~المشكلات قصة آدم وحواء ومدلولاتها وتأويلاتها، وقصة إبليس وعصيانه ~~ورهطه من الشياطين الملاعين، وغيرها مما استطعت التوصل إلى تفسير ~~مرض بشأنها. إلا أن ما لم أستطع البت فيه هو مشكلة التقمص؛ فهل ~~كان الإخوان من أتباع هذه العقيدة؟ إن ظاهر القول عند الإخوان يدل ~~على أنهم ليسوا من أهل التقمص، وهم يضعون أصحاب هذه العقيدة بين ~~الفرق التي يختلفون معها فكريا؛ ولكن باطن القول عندهم يدل على ~~اعتناقهم لعقيدة خاصة بهم في التقمص لم يفصحوا عنها تماما، ولم ~~يقدموا لنا المفاتيح التي تعيننا على الولوج إليها. # إن أي محور من هذه المحاور التي عددتها أعلاه، والتي تشكل فصول ~~الكتاب، لم ينجز اعتمادا على تلخيص قمت به لقسم من أقسام الرسائل ~~الرئيسية الأربعة، أو لعدد من الرسائل المتتابعة التي تشكل فيما ~~بينها وحدة متكاملة، فمثل هذا الانتظام غير موجود في الرسائل. بل ~~لقد قمت بجمع ما بعثره الإخوان عبر رسائلهم من أفكار تتعلق بكل ~~محور، ونسقت فيما بينها في نص مطرد، دون أن أعمد إلى إعادة صياغة ~~ما قاله فيها الإخوان، وإنما قدمتها بنصها الذي وردت فيه. فقد يجد ~~القارئ مقطعا من الرسالة الخمسين، يتلوه مقطع من الرسالة ms035 الأولى، ~~فمقطع من الرسالة الثانية والعشرين؛ وهكذا دون أن يشعر بأن عشرات ~~أو مئات الصفحات تفصل بين هذه المقاطع في النص الأصلي. ولم أكن ~~أتدخل إلا في الحدود الدنيا، كلما شعرت أن القارئ يحتاج إلى بعض ~~الربط والمساعدة. لقد كان جهدي منصبا على تتبع المذهب أكثر منه ~~على تتبع المعلومات، وعلى رصد الأفكار وكيفية تطويرها أكثر منه ~~على إبراز الذخائر المعرفية للإخوان. أي إنني لم أكن معنيا بكل ~~ما قالوه، وإنما بالغايات الكامنة وراء كل ما قالوه. # لقد أردت أن أخرج رسائل إخوان الصفاء من حلقات الدراسة ~~الأكاديمية، الفلسفية منها خاصة، لأضعها بين أيدي أوسع شريحة ممكنة ~~من القراء، ليطلعوا عليها عن طريق نصوصها ولغتها الأصلية، وبصدق ~~وحرارة أسلوبها، وأقدم لمن تاقت نفسه لقراءتها ولم يجد سبيلا إلى ~~الولوج إليها، مزدلفا سهلا من خلال زبدتها التي استخلصتها في هذا ~~الكتاب، الذي أردت له أن يتخذ شكل «رسالة جامعة عصرية» لرسائل ~~إخوان الصفاء، التي نحتاج اليوم إلى قراءتها أكثر من أي وقت مضى، ~~في زمن تسود فيه الطائفية والمذهبية والتعصب، ويختصر الدين إلى ~~جملة من الشعائر الشكلية المنقطعة عن أصولها الروحانية. # أخيرا أود أن أتقدم بملاحظة ضرورية لمن يريد الرجوع من الباحثين ~~إلى أصل المقتبسات التي أوردتها، وهي أنني اعتمدت طبعة دار صادر، ~~بيروت. وذيلت كل مقتبس بثلاثة أرقام؛ الأول: يشير إلى رقم ~~الرسالة، والثاني: إلى رقم الجزء، والثالث: إلى رقم الصفحة في ~~الجزء المعني، (22: 3، 188). أما فيما يتعلق بالرسالة الجامعة، فقد ~~اعتمدت طبعة منشورات عويدات، بيروت، 1995م. وقد أشرت إليها بالرمز ~~«جا» يليه رقم الصفحة أو الصفحات. # الفصل الأول # | نظرية التكوين # تشكل نظرية التكوين المحور الرئيس في مذهب إخوان الصفاء، وعنها ~~تتفرع بقية المحاور، على الرغم من أن الإخوان لم يبسطوها في نص مطرد ~~يشغل حيزا محددا من رسائلهم. ولسوف نعمد فيما يأتي إلى استقصاء هذه ~~النظرية من خلال مقتبسات من رسائلهم توضح بالتدريج نظرية التكوين ~~الصفائية، لنزود القارئ بالمفاتيح الرئيسة التي تعينه على فهم فكر ~~الإخوان، ومتابعته عبر بقية المحاور. ms036 ولسوف نبتدئ أولا في استجلاء ~~أفكار الإخوان في طبيعة الألوهة وماهيتها وصفاتها وعلاقتها ~~بالعالم. ~~«اعلم أن ملاك الأمر في معرفة حقائق الأشياء هو في تصور الإنسان ~~حدوث العالم وكيفية إبداع الباري العالم، واختراعه إياه، وكيفية ترتيبه ~~للموجودات، ونظامه للكائنات بما هي عليه الآن، ولم كان ذلك. # ثم اعلم أن كل عاقل إذا سمع ~~كلام العلماء في حدوث العالم، وأقاويل الحكماء في كيفية إبداع الباري ~~تعالى العالم، واختراعه له بعد أن لم يكن، وتفكر فيما قالوه، فإنه ~~يشتهي ويتمنى لو علم كيف صنعه، ومتى عمله، ولم فعل ذلك بعد أن لم ~~يكن قبل. فإن فكر في هذه الثلاثة من المباحث ولم يتصور كيفية ذلك، ~~ولا متى، ولا لم، لصعوبتها ودقتها، ربما تحير عقله، وتشككت نفسه فيما ~~قالت الحكماء، وارتابت بها وتبلبلت. # ثم اعلم أن العلة في صعوبة ~~التصور لحدوث العالم، وكيفية إبداع الباري تعالى له من غير شيء، هو من ~~أجل العادة في الشاهد أن كل مصنوع فإن صانعه يعمله من هيولى ما، في ~~مكان ما، في زمان ما، بحركات وأدوات. وليس حدوث العالم وصنعته وإبداع ~~الباري له هكذا، بل أخرج من العدم إلى الوجود هذه الأشياء كلها، أعني ~~الهيولى والمكان والزمان والحركات والأدوات والأعراض، فمن أجل هذا لا ~~يتصور كيفية حدوث العالم وإبداعه. # ثم اعلم أن الله تعالى قد علم بأنه يعرض للعقلاء هذه الشكوك والحيرة ~~حيث تفكروا في كيفية حدوث العالم، ولا يتصور بهذه الطريقة ~~لصعوبتها، فجعل له طريقا آخر أسهل من هذه وأقرب، وركزها في نفوسهم ~~كأنها مكتوبة فيها كتابة إلهية، لا يمكن لأحد من العقلاء إنكارها إذا ~~أنصف عقله؛ لأنه يجد صدقها في نفسه شاهدا له بها، وهي كيفية صورة ~~العدد، ومنشؤه من الواحد الذي قبل الاثنين» (40: 3، 344-347). # 1 ~~«ثم اعلم أن مسألة الخلاف للذات والصفات هي أيضا من إحدى المسائل ~~الخلافية بين العلماء في الآراء والمذهب. وذلك أن كثرة الظنون ~~والتخيلات العارضة للأفهام، إذا تفكرت النفوس في ماهية الله، ~~وكيفية صفاته اللائقة، فلا تهتدي الظنون ولا ms037 تقر الأفهام عن الجولان، ~~ولا تسكن النفوس إليه ولا تطمئن القلوب له حتى يعتقد الإنسان رأيا من ~~الآراء، وتسكن نفسه إليه ويطمئن قلبه به. # فمن الناس من يرى ويعتقد أن الله تعالى شخص من الأشخاص الفاضلة، ذو ~~صفات كثيرة ممدوحة وأفعال كثيرة متغايرة، لا يشبه أحدا من خلقه، ولا ~~يماثله سواه من بريته، وهو منفرد من جميع خلقه في مكان دون مكان. وهذا ~~رأي الجمهور من العامة وكثير من الخواص. ومنهم من يرى ويعتقد أنه في ~~السماء فوق رءوس الخلائق جميعا. ومنهم من يرى أنه فوق العرش في ~~السماوات، وهو مطلع على أهل السماوات والأرض، وينظر إليهم، ويسمع ~~كلامهم، ويعلم ما في ضمائرهم لا تخفى عليه خافية من أمرهم. واعلم أن ~~هذا الرأي والاعتقاد جيد للعامة من النساء والصبيان والجهال ، ومن لا ~~يعلم شيئا من العلوم الرياضية والطبيعية والعقلية والإلهية؛ لأنهم إذا ~~اعتقدوا فيه هذا الرأي تيقنوا عند ذلك وجوده، وتحققوا وعلموا وصاياه ~~التي جاءت بها الأنبياء، عليهم السلام، من الأوامر والنواهي ... وكان في ~~ذلك صلاح لهم ولمن يعاملهم ويعاشرهم من الخاص والعام، وليس يضر الله ~~شيء مما اعتقدوه. # ومن الناس طائفة أخرى فوق هؤلاء في العلوم والمعارف ترى بأن هذا ~~الرأي باطل، ولا ينبغي أن يعتقدوا في الله تعالى أنه شخص يحويه مكان، ~~بل هو صورة روحانية سارية في جميع الموجودات، حيثما كان لا يحويه مكان ~~ولا زمان ولا يناله حس ولا تغيير ولا حدثان وهو لا يخفى عليه من أمر ~~خلقه ذرة في الأرضين والسماوات، يعلمها ويراها ويشاهدها في حال وجودها، ~~وكان يعلمها قبل كونها وبعد فنائها. # ومن الناس طائفة أخرى فوق هؤلاء في العلوم والمعارف والعقل ترى ~~وتعتقد أنه ليس بذي صورة؛ لأن الصورة لا تقوم إلا في الهيولى [= ~~المادة]، بل ترى أنه نور بسيط من الأنوار الروحانية # لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار ~~. # ومن الناس ممن فوق هؤلاء من العلوم والمعارف والنظر والمشاهد، يرى ~~ويعتقد أنه ليس بشخص ولا صورة بل هوية وحدانية، ذو قوة واحدة ms038 وأفعال ~~كثيرة وصنائع عجيبة، لا يعلم أحد من خلقه ما هو، وأين هو، وكيف هو، ~~وهو الفائض منه وجود الموجودات، وهو المظهر صورة الكائنات في الهيولى، ~~المبدع جميع الكيفيات بلا زمان ولا مكان، بل قال كن، فكان، وهو موجود ~~في كل شيء من غير المخالطة، ومع كل شيء من غير الممازجة، كوجود الواحد ~~في كل عدد. كما وصفنا في رسالة المبادئ. # ثم اعلم أن الله تعالى جعل بواجب حكمته، في جبلة النفوس، معرفة هويته ~~طبعا من غير تعلم ولا اكتساب، لتكون تلك المعرفة داعية لها ومؤدية إلى ~~طلب ماهيته ومعرفة آنيته، ولتكون طلبتها في هذه المعارف داعية لها ~~ومؤدية إلى إحكام جميع العلوم والمعارف الإلهية والطبيعية والرياضية ~~والعقلية والحسية، حتى إذا أحكمت [أي النفوس] هذه العلوم والمعارف، ~~عرفته عند ذلك حق معرفته، وسكنت إليه واطمأنت وثبتت معه، ونالت ~~السعادة القصوى التي هي سعادة الآخرة» (42: 3، 514-516). # إن نقطة الانطلاق في أي نظرية عقلية للتكوين هي إثبات حدوث العالم ~~ونفي صفة القدم عنه. من هنا يجادل الإخوان في أكثر من موضع في رسائلهم ~~من يقول بقدم العالم وما ينجم عن ذلك من نفي صانع له. فالعالم محدث، ~~وكل محدث لا بد له من محدث وموجد. ومن جملة ما أوردوه من براهين على ~~حدوث العالم قولهم: ~~«ثم اعلم أن غرضنا من ذكر حركات العالم وحركات أجزائه الكليات ~~والجزئيات وفنون تصاريفها، هو بيان بطلان قول من يقول بقدم العالم، ~~وذلك لأن الحركات المختلفة تدل على اختلافها، والمتحرك والمختلف ~~الأحوال لا يكون قديما؛ لأن القديم هو الذي يكون على حالة واحدة لا ~~يتغير ولا يستحيل ولا يحدث له حال، ولذلك ليس يوجد موجود هذا شأنه إلا ~~الله الواحد الأحد ... # ثم اعلم أن الذين قالوا بقدم العالم ظنوا بأنه ساكن، والساكن لا ~~تختلف أحواله، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا من سكون العالم، كما ~~بينا فيما تقدم بكثرة حركات كلياته وجزئياته ما لا تنكره العقول ~~السليمة: فمنها حركات الكواكب، ودوران الأفلاك، واستحالات الأركان، ~~وتكوين المولدات مما لا ms039 خفاء به. # ولعمري إن الفلك المحيط هو جسم كروي محيط بسائر الأشياء والأفلاك، ~~وهو ساكن في مقره لا ينتقل منه، ولكنه متحرك الأجزاء كله. وكل فلك، ~~من الأفلاك المستديرة، والأفلاك الخارجة المراكز، يدور كل واحد حول ~~مركزه الخاص، لا يقر ولا يهدأ طرفة عين» (39: 3، 332). «فإن كان ~~المراد بالقديم أنه قد أتى عليه زمان طويل، فالقول صحيح؛ وإن كان ~~المراد به أنه لم يزل ثابت العين على ما هو عليه الآن، فلا؛ لأن العالم ~~ليس بثابت العين على حالة واحدة طرفة عين، فضلا عن أن يكون لم يزل على ~~ما هو عليه الآن» (14: 1، 447). ~~«واعلم يا أخي بأن الحافظ للعالم على هذه الصورة، هو سرعة حركة الفلك ~~المحيط، والمحرك للفك هو غير الفلك، و[اعلم] أن [في] تسكين الفلك عن ~~الحركة بطلان العالم . وإنما يكون طرفة عين، كما قال عز وجل: ~~... وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ~~أو هو أقرب ~~. # 2 # واعلم بأنه إذا وقف الفلك عن الدوران، وقفت الكواكب عن مسيرها، ~~والبروج عن طلوعها وغروبها، وعند ذلك تبطل صورة العالم وقوامه، وتقوم ~~القيامة الكبرى» (14: 1، 447-448). ~~«ثم اعلم أن الآراء الفاسدة كثيرة لا يحصى عددها ... فمن ذلك رأي من ~~رأى واعتقد أن العالم قديم لا صانع ولا مدبر له، وإن هذا الرأي مؤلم ~~لنفوس معتقديه، معذب لقلوبهم، وذلك أنه لا يخلو أن يكون صاحب هذا الرأي ~~سعيد أهل الدنيا أو من أشقيائهم؛ فإن كان من سعدائهم فإنه لا يدري من ~~أين له هذا، وما هو فيه، ولا يدري من أعطاه ذلك ليشكر له، ويطلب منه ~~المزيد ويرجو منه خيرا مما أعطي إما من الدنيا وإما في الآخرة. وقد ~~علم يقينا أن الذي فيه من النعمة ورغد العيش لا يدوم له، وأنه مفارقه ~~على رغمه، مع شدة محبته للبقاء فيما هو فيه ... فيعيش طول عمره خائفا من ~~الموت وجلا من الفناء مشفقا من الهلاك، ثم يموت على رغم وحسرة ~~وندامة لا يرجو بعد الموت خيرا ... وإن كان من أشقيائها فهو أسوأ حالا ~~وأمر عيشا ms040 وأشر سيرة من غيره، وذلك أنه يفني عمره كله بجهل وعناء ~~وتعب وشقاء في طلب ما لم يقدر له ... فهو بجهله بربه، يعيش طول عمره ~~مغتما حزينا، ضجرا لما رأى أنه فاته ما وجد غيره، ثم يموت بحسرة ~~وغصة وندامة لا يرجو بعد الموت خيرا» (42: 3، 520). «فأما من يعتقد ~~خلاف ذلك، وهو يعتقد أن العالم محدث مصنوع بقصد قاصد، وفعل حكيم، فإنه ~~يعرض له عند ذلك خواطر عجيبة، وفكر وروية، واعتبار وبصيرة، وسؤالات ~~طريفة، ومباحث لطيفة عن العلوم الشريفة، ويكون في ذلك النجاة والسبب ~~لانتباه النفس من نوم الغفلة، وتتفتح له عين البصيرة، ويحيا حياة ~~العلماء، ويعيش عيش السعداء في الدنيا والآخرة جميعا» (39: 3، ~~340-341). # وأيضا: ~~«ثم اعلم أن أحد الآراء الصحيحة، المنجية لنفوس معتقديها، اعتقاد ~~الموحدين بأن العالم محدث مخترع مطوي في قبضة باريه ، محتاج إليه في ~~بقائه، مفتقر إليه في دوامه، لا يستغني عنه طرفة عين، ولا عن مداد ~~الفيض عليه ساعة فساعة؛ وأنه لو منعه ذلك الفيض والحفظ والإمساك لحظة ~~واحدة، لتهافتت السماوات، وبادت الأفلاك، وتساقطت الكواكب ... ودثر ~~العالم دفعة واحدة بلا زمان ... # واعلم يا أخي أن من يعتقد هذا الرأي، ويتحقق هذا الاعتقاد في أمر ~~السماوات والأرض، فهو في دائم الأوقات يكون متعلق القلب بربه، معتصما ~~بحبله، متوكلا عليه في جميع أحواله، مسندا ظهره إليه في جميع ~~تصرفاته، داعيا له في جميع أوقاته، سائلا منه كل حوائجه، مفوضا ~~إليه سائر أموره؛ فيكون بهذه الأوصاف قربة إلى ربه، وحياة لنفسه» ~~(38: 3، 296-297). # فإذا كان العالم محدثا فلا بد له من محدث، وهنا ندخل في صلب ~~نظرية التكوين الصفائية، حيث يتناوب الإخوان بين الفيثاغورية التي تقوم ~~على علم العدد، والأفلاطونية التي تقول بالفيض. فهم يقربون فكرة نشوء ~~كثرة الموجودات عن الله الواحد من خلال ما وجدوه في علم العدد من نشوء ~~كثرة الأعداد عن الرقم الواحد، الذي هو أصلها ومبتدؤها: ~~«فالواحد بالحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة ولا ينقسم، وكل ما ~~لا ينقسم فهو واحد من تلك الجهة التي ms041 بها لا ينقسم ... وأما الكثرة فهي ~~جملة لآحاد؛ وأول الكثرة الاثنان، ثم الثلاثة، ثم الأربعة، ثم الخمسة، ~~وما زاد على ذلك بالغا ما بلغ ... والواحد الذي قبل الاثنين هو أصل ~~العدد ومبدؤه، ومنه ينشأ العدد كله، صحيحه وكسوره، وإليه ينحل راجعا. ~~أما نشوء الصحيح فبالتزايد، وأما الكسور فبالتجزؤ ... # وأما نشوء العدد الكسور من الواحد على هذا المثال الذي أقول: إنه إذا ~~رتب العدد الصحيح على نظمه الطبيعي الذي هو واحد، اثنان، ثلاثة ... ~~عشرة؛ ثم أشير إلى الواحد من كل جملة، فإنه يتبين كيف يكون نشوءه من ~~الواحد، وذلك أنه إذا أشير إلى الواحد من الاثنين، يقال للواحد عند ~~ذلك نصف، وإذا أشير إلى الواحد من جملة ثلاثة فيقال له الثلث ... وأيضا ~~إذا أشير إلى الواحد من جملة الأحد عشر فيقال له جزء من أحد عشر ... وعلى ~~هذا المثال يعتبر سائر الكسور. # إذا تأملت ما ذكرنا من تركيب العدد من الواحد الذي قبل الاثنين، ~~ونشوئه منه، وجدته من أدل الدليل على وحدانية الباري - جل ثناؤه - ~~وكيفية اختراعه الأشياء وإبداعه لها. وذلك أن الواحد الذي قبل الاثنين، ~~وإن كان منه يتصور وجود العدد وتركيبه، فهو لم يتغير عما كان عليه، ~~ولم يتجزأ؛ كذلك الله، عز وجل، وإن كان هو الذي اخترع الأشياء من نور ~~وحدانيته، وأبدعها وأنشأها، وبه قوامها وبقاؤها وتمامها وكمالها، فهو ~~لم يتغير عما كان عليه من الوحدانية قبل اختراعه وإبداعه لها. فقد ~~أنبأناك بما ذكرنا من أن نسبة الباري - جل ثناؤه - من الموجودات كنسبة ~~الواحد من العدد، وكما أن الواحد أصل العدد ومنشؤه وأوله وآخره، كذلك ~~الله عز وجل هو علة الأشياء وخالقها وأولها وآخرها، وكما أن الواحد لا ~~جزء له ولا مثيل في العدد، فكذلك الله - جل ثناؤه - لا مثل له في خلقه ~~ولا شبه؛ وكما أن الواحد محيط بالعدد كله ويعده، كذلك الله، جل ~~جلاله، عالم بالأشياء وماهيتها» (1: 1، 49-55) ... «وأما قولنا: إن ~~الواحد أصل العدد ومنشؤه فهو أن الواحد إذا رفعته من الوجود ارتفع ~~العدد بارتفاعه، وإذا ms042 رفعت العدد من الوجود، لم يرتفع الواحد» (1: 1، ~~57). # ولكن الباري، جل ثناؤه، لا يباشر الأجسام بنفسه، ولا يتولى الأفعال ~~بذاته. (19: 2، 128)، والعالم ليس صنعة يديه، وإنما أظهره إلى الوجود ~~عبر مراحل وسيطة، وبواسطة عملية الفيض: ~~«واعلم يا أخي أن الباري - جل ثناؤه - أول شيء اخترعه وأبدعه من نور ~~وحدانيته جوهر بسيط يقال له: العقل الفعال، كما أنشأ الاثنين من ~~الواحد بالتكرار. ثم أنشأ النفس الكلية الفلكية من نور العقل، كما أنشأ ~~الثلاثة بزيادة الواحد على الاثنين. ثم أنشأ الهيولى الأولى من حركة ~~النفس، كما أنشأ الأربعة بزيادة الواحد على الثلاثة. ثم أنشأ سائر ~~الخلائق من الهيولى ورتبها بتوسط العقل والنفس، كما أنشأ سائر العدد من ~~الأربعة، بإضافة ما قبلها إليها» (1: 1، 54). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن العدد كله آحاده ~~وعشراته ومئاته وألوفه، أو ما زاد بالغا ما بلغ، فأصلها كلها من ~~الواحد إلى الأربعة، وهي هذه «1، 2، ~~3، 4». وذلك أن سائر الأعداد كلها من هذه يتركب ... بيان ذلك أنه إذا ~~أضيف واحد إلى الأربعة، كانت خمسة، وإن أضيف اثنان إلى أربعة كانت ستة؛ ~~وإن أضيف ثلاثة إلى أربعة، كانت سبعة؛ وإن أضيف واحد وثلاثة إلى أربعة ~~كانت ثمانية؛ وإن أضيف اثنان وثلاثة إلى أربعة، كانت تسعة، وإن أضيف ~~واحد واثنان وثلاثة إلى أربعة، كانت عشرة. وعلى هذا المثال حكم سائر ~~الأعداد» (1: 1، 53). # وأيضا: ~~«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن أول ~~شيء اخترعه الله - جل ثناؤه - وأوجده جوهر بسيط روحاني في غاية التمام ~~والكمال والفضل، فيه صور جميع الأشياء يسمى العقل الفعال؛ وأن من ذلك ~~الجوهر فاض جوهر آخر يسمى النفس الكلية؛ وانبجس من النفس جوهر آخر يسمى ~~الهيولى الأولى؛ وأن الهيولى الأولى قبلت المقدار الذي هو الطول والعرض ~~والعمق، فصارت بذلك جسما مطلقا وهو الهيولى الثانية. # ثم إن الجسم قبل الشكل الكري، الذي هو أفضل الأشكال، فكان من ذلك ~~عالم الأفلاك والكواكب ما صفا منه ولطف، الأول فالأول من لدن الفلك ~~المحيط إلى منتهى فلك القمر، وهي ms043 تسع أكر بعضها في جوف بعض: فأدناها ~~إلى المركز فلك القمر، وأبعدها وأعلاها الفلك المحيط، ويسمى أيضا ~~الفلك الحامل للكل الذي هو ألطف الأفلاك جوهرا وأبسطها جسما، ثم دونه ~~فلك الكواكب الثابتة، ثم دونه فلك زحل، ثم دون فلك المشتري، ثم دونه ~~فلك المريخ، ثم دونه فلك الشمس، ثم دونه فلك الزهرة، ثم دونه فلك ~~عطارد، ثم دونه فلك القمر، ثم دون فلك القمر الأركان الأربعة التي هي ~~النار والهواء والماء والأرض، فالأرض هي المركز وهي أغلظ الأجسام ~~جوهرا وأكثفها جرما» (32: 3، 187). (راجع الشكل # 2-1 # في الفصل الثاني). # بهذا المنهج العقلاني البعيد عن الفكر الأسطوري الذي يميز عادة ~~نظريات التكوين الدينية، يتابع الإخوان رؤيتهم للنشأة الأولى: ~~«ولما ترتبت هذه الأكر بعضها في جوف بعض ... ودارت الأفلاك بأبراجها ~~وكواكبها على الأركان الأربعة، وتعاقب عليها الليل والنهار والشتاء ~~والصيف والحر والبرد، واختلط بعضها ببعض، فامتزج اللطيف منها بالكثيف، ~~والثقيل بالخفيف، والحار بالبارد، والرطب باليابس، تركبت منها على ~~طول الزمان أنواع التراكيب التي هي المعادن والنبات والحيوان. فالمعدن ~~هو كل ما انعقد في باطن الأرض وقعر البحار وجوف الجبال من البخارات ~~المتحللة والدخانات المتصاعدة، والرطوبات المحتقنة في المغارات ~~والأهوية. والترابية عليها أغلب. وأما النبات فهو كل ما نجم على وجه ~~الأرض من العشب والكلأ والحشائش والبقول والزروع والأشجار. والمائية ~~عليها أغلب. وأما الحيوان فهو كل جسم يتحرك ويحس وينتقل من مكان إلى ~~مكان بجثته. والهوائية عليه أغلب. # فالمعادن أشرف تركيبا من الأركان [الأربعة]، والنبات أشرف تركيبا ~~من المعادن، والحيوان أشرف تركيبا من النبات، والإنسان أشرف تركيبا ~~من جميع الحيوان. والنارية عليه أغلب. وقد اجتمع في تركيب الإنسان جميع ~~معاني الموجودات من البسائط والمركبات التي تقدم ذكرها؛ لأن الإنسان ~~مؤلف من جسد غليظ جسماني، ومن نفس بسيطة روحانية» (32: 3، 188). # إن أفضل ما يمكن أن نشبه به فيض الباري عز وجل، هو النور الذي يفيض ~~من عين الشمس بشكل متصل لا ينقطع: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الله تعالى لما كان ~~تام الوجود، ms044 كامل الفضائل عالما بالكائنات قبل كونها، قادرا على ~~إيجادها متى شاء، لم يكن من الحكمة أن يحبس تلك الفضائل في ذاته لا ~~يجود بها ولا يفيضها. فإذا بواجب الحكمة أفاض الجود والفضائل منه كما ~~يفيض من عين الشمس النور والضياء، ودام ذلك الفيض منه متصلا متواترا ~~غير منقطع، فيسمى أول ذلك الفيض العقل الفعال، وهو جوهر بسيط روحاني، ~~نور محض، في غاية التمام والكمال والفضائل، وفيه صور جميع الأشياء، كما ~~تكون في فكر العالم صور المعلومات. وفاض من العقل الفعال فيض آخر ~~دونه في الرتبة يسمى العقل المنفعل، وهي النفس الكلية، وهي جوهرة ~~روحانية بسيطة قابلة للصور والفضائل من العقل الفعال على الترتيب ~~والنظام، كما يقبل التلميذ من الأستاذ التعليم. وفاض من النفس أيضا ~~فيض آخر دونها في الرتبة يسمى الهيولى الأولى، وهي جوهرة بسيطة ~~روحانية ، قابلة من النفس الصور والأشكال بالزمان شيئا بعد شيء. فأول ~~صورة قبلتها الهيولى الطول والعرض والعمق، فكانت بذلك جسما مطلقا وهو ~~الهيولى الثانية. ووقف الفيض عند وجود الجسم ولم يفض منه جوهر آخر ~~لنقصان رتبته عن الجواهر الروحانية، وغلظ جوهره، وبعده عن العلة ~~الأولى. # ولما دام الفيض من الباري تعالى على العقل، ومن العقل على النفس، ~~عطفت النفس على الجسم فصورت فيه الصور والأشكال والأصباغ، لتتمه ~~بالفضائل والمحاسن بحسب ما يمكن قبول الجسم وصفاء جوهره. فأول صورة ~~عملت النفس في الجسم الشكل الكري الذي هو أفضل الأشكال كلها، وحركته ~~بالحركة الدورية التي هي أفضل الحركات، ورتبت بعضها في جوف بعض من لدن ~~الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، وهي إحدى عشرة كرة، فصار الكل ~~عالما واحدا، منتظما نظاما كليا واحدا، وصارت الأرض أغلظ ~~الأجسام كلها، وأشدها ظلمة لبعدها من الفلك المحيط، وصار الفلك المحيط ~~ألطف الأجسام كلها وأشدها روحانية، وأشفها نورا، لقربه من الهيولى ~~الأولى التي هي جوهر بسيط معقول. وصارت الهيولى أنقص رتبة من العقل ~~والنفس لبعدها من الباري جل وعز» (32: 3، 196-198). # وأيضا: ~~«لما كانت الموجودات كلها ~~مرتبة بعضها تحت بعض، متعلقة في ms045 الوجود بالعلة الأولى الذي هو الباري ~~تعالى كتعلق العدد وترتيبه عن الواحد الذي قبل الاثنين، وكانت النفس ~~أحد الموجودات، وكانت مرتبتها دون العقل وفوق الجسم المطلق، وكان الجسم ~~فارغا من الأشكال والصور والنقوش والحياة، قابلا لها بالطبع؛ وكانت ~~النفس حية بالذات، علامة بالقوة، فعالة بالطبع، ولم يكن من الحكمة ~~الإلهية والعناية الربانية أن تترك النفس فارغة غير مشغولة بضرب من ~~الحكمة، وأن يكون الجسم، مع قبوله للتمام، عاطلا ناقص الحال؛ ولم يكن ~~للنفس أن تتحكم على الموجودات التي فوق رتبتها والتي هي العقل ~~الفعال، [فقد] عطفت النفس بواجب الحكمة على الجسم المطلق؛ إذ كان ~~دونها في الرتبة، فتحكمت فيه بالتحريك له والشكل والتصاوير والنقوش ~~والأصباغ ليتم الجسم بذلك، وتكمل النفس أيضا بإخراج ما في قوتها من ~~الحكمة والصنائع إلى الفعل والظهور والإظهار ... # فمن أجل هذا ربطت النفس الكلية بالجسم الكلي المطلق الذي هو جملة ~~العالم من أعلى فلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، وهي سارية في جميع ~~أفلاكه وأركانه ومولداته، ومدبرة لها ومحركة بإذن الله تعالى ~~وتقدس» (29: 3، 36). «ومكنها الله تعالى من ذلك وجعله جسدا لها ... ~~فأقبلت تمثل فيه ما كان ممثلا فيها، وتخرجه من القوة إلى الفعل، ومن ~~المعقول إلى المحسوس، الشيء بعد الشيء» (30: 3، 88). ~~«واعلم يا أخي أن العقل إنما ~~قبل فيض الباري تعالى وفضائله التي هي البقاء والتمام والكمال دفعة ~~واحدة بلا زمان ولا حركة ولا نصب؛ لقربه من الباري - عز وجل - وشدة ~~روحانيته. فأما النفس فإنه لما كان وجودها من الباري - جل ثناؤه - ~~بتوسط العقل، صارت رتبتها دون العقل، وصارت ناقصة في قبول الفضائل، ~~ولأنها أيضا تارة تتوجه نحو العقل لتستمد منه الخير والفضائل، وتارة ~~تقبل على الهيولى لتمدها بذلك الخير والفضائل. فإذا هي توجهت نحو ~~العقل لتستمد منه الخير اشتغلت عن إفادتها الهيولى ذلك الخير، وإذا هي ~~أقبلت على الهيولى لتمدها بذلك الفيض اشتغلت عن العقل وقبول ~~فضائله. # ولما كانت الهيولى ناقصة الرتبة عن تمام فضائل النفس، وغير راغبة في ~~فيضها، احتاجت النفس أن تقبل عليها إقبالا ms046 شديدا، وتعنى بإصلاحها ~~عناية تامة، فتتعب ويلحقها العناء والشقاء في ذلك. ولولا أن الباري، عز ~~وجل، بفضله ورحمته أيدها بالعقل وأعانها على تخليصها، لهلكت النفس في ~~بحر الهيولى ... وأما العقل فليس يناله في تأييده النفس تعب ولا نصب؛ لأن ~~النفس جوهرة روحانية سهلة القبول، تطلب فضائل العقل، وترغب في خيراته ~~... # وأما الهيولى فلبعدها من الباري، تعالى ذكره، صارت ناقصة المرتبة، ~~عادمة الفضائل، غير طالبة لفيض النفس ولا راغبة في فضائلها، ولا ~~علامة ولا مفيدة ولا حية، بل قابلة فحسب. فمن أجل هذا يلحق النفس ~~التعب والعناء والجهد والشقاء في تدبيرها الهيولى وتتميمها لها» (32: ~~3، 185-186). ~~«واعلم، أيدك الله وإيانا بروح ~~منه، أن الوجود متقدم على البقاء، والبقاء متقدم على التمام، والتمام ~~متقدم على الكمال؛ لأن كل كامل تام، وكل تام باق وكل باق موجود. ولكن ~~ليس كل موجود باقيا ، ولا كل باق تاما، ولا كل تام كاملا. وذلك أن ~~الباري، جلت أسماؤه، الذي هو علة الموجودات ومبدعها ومبقيها ومتممها ~~ومكملها، أول فيض فاض منه الوجود، ثم البقاء، ثم الكمال» (32: 3، 182). ~~«واعلم أن علة وجود العقل هي وجود الباري، عز وجل، وفيضه الذي فاض ~~منه. وعلة بقاء العقل هو إمداد الباري، عز وجل، له بالوجود والفيض الذي ~~فاض أولا، وعلة تمامية العقل هي قبول ذلك الفيض والفضائل واستمداده ~~من الباري تعالى. وعلة كمال العقل: هي إفاضة ذلك الفيض والفضائل على ~~النفس بما استفاده من الباري عز وجل. فبقاء العقل إذا علة لوجود ~~النفس، وتمامية العقل علة لبقاء النفس، وكماله علة لتمامية النفس، ~~وبقاء النفس علة لوجود الهيولى، وتمامية النفس علة لبقاء الهيولى. ~~فمتى كملت النفس تمت الهيولى. وهذا هو الغرض الأقصى في رباط النفس ~~بالهيولى، ومن أجل هذا دوران الفلك وتكوين الكائنات لتكمل النفس ~~بإظهار فضائلها في الهيولى، وتتم الهيولى بقبول ذلك. ولو لم يكن هذا ~~هكذا لكان دوران الفلك عبثا» (32: 3، 185). # وإذا كان ما دون الله قد ظهر عنه من خلال فعالية الفيض، فإن هذا ~~الفيض يبقى متواترا لا يفتر؛ لأن به وجود ms047 العالم وبقاءه واستمراره. ~~فالخلق والحالة هذه ليس عملا إلهيا تم في مطلع الزمن ثم توقف، بل هو ~~فعالية دائمة تحفظ الكون في كل لحظة: ~~«ثم اعلم أن الأشياء هي أعيان، أي صور غيريات أفاضها تعالى، وأبدعها ~~كما أن العدد هو أعيان، أي صور غيريات، فاض من الواحد بالتكرار في ~~أفكار النفوس، والأشياء كانت في علم الباري تعالى قبل إبداعه واختراعه ~~لها، كما أن الواحد لم يتغير عما كان عليه قبل ظهور العدد منه في أفكار ~~النفوس. # ومن أخص أوصاف الباري أنه غير الوجود، وأصل الموجودات وعلتها، كما أن ~~الواحد أصل العدد ومبدؤه ومنشؤه، ولو كان للباري تعالى ضد لكان ~~العدم، ولكن العدم ليس بشيء، والباري تعالى في كل شيء، ومع كل شيء، من ~~غير مخالطة لها ولا ممازجة معها، كما أن الواحد في كل عدد ومعدود، فإذا ~~ارتفع الواحد من كل الموجود توهمنا ارتفاع العدد كله، وإذا ارتفع العدد ~~لم يرتفع الواحد، كذلك لو لم يكن الباري لم يكن شيء موجودا أصلا، ~~وإذا بطلت الأشياء لا يبطل هو ببطلان الأشياء ... # ثم اعلم أن كل موجود تام فإنه يفيض منه على ما دونه فيض ما، وأن ~~ذلك الفيض هو من جوهره، أعني صورته المقومة التي هي ذاته. والمثال في ~~ذلك حرارة النار فإنها تفيض منها على ما حولها من الأجسام، من التسخين ~~والحرارة، وهي جوهرية النار التي هي صورتها المقومة لها، وهكذا أيضا ~~يفيض من الماء الترطيب والبلل على الأجسام المجاورة له. والرطوبة ~~جوهرية في الماء، وهي صورة مقومة لذاته، وهكذا أيضا يفيض من الشمس ~~النور والضياء على الأفلاك والهواء؛ لأن النور جوهري في الشمس، وهي ~~صورته المقومة لذاته. وهكذا أيضا تفيض من النفس الحياة على الأجسام؛ ~~لأن الحياة جوهرية لها، وهي الصورة المقومة لذاتها. # ثم اعلم أنه ما دام الفيض من الفائض يكون متواترا متصلا، دام ذلك ~~المفاض عليه، ومتى لم يتواتر متصلا، عدم [المفاض عليه] وبطل وجوده؛ ~~لأنه يضمحل الأول فالأول. والمثال في ذلك الضوء في الهواء، فإذا تواتر ms048 ~~البرق واتصل، بقي الهواء مضيئا مثل النهار؛ [وكذلك الشمس إذا تواتر ضوءها] # 3 # لأن الشمس تفيض الفيض منها على الهواء متواترا متصلا، ~~فإذا حجز بينهما حاجز، عدم ذلك الضوء من الهواء؛ لأنه يضمحل ساعة ~~ساعة، ولا يتواتر الفيض عليه؛ وهكذا الحياة من النفس على الأجسام ما ~~دامت متصلة متواترة، تدوم الحياة، فإذا فارقت النفس الجسد، بطلت حياة ~~الجسد من ساعته واضمحلت. وهكذا حكم وجود العالم وبقائه من الباري ~~تعالى، ما دام الفيض والجود والعطاء متواترا متصلا دام وجود العالم ~~من الله تعالى» (40: 3، 348-350). ~~«اعلم أن وجود العالم عن الباري ليس كوجود الدار عن البناء، أو ~~كوجود الكتاب عن الكاتب، [ذلك الوجود] الثابت المستقل بذاته، المستغني ~~عن الكاتب بعد فراغه من الكتابة، وعن البناء بعد فراغه من أبنية ~~الدار؛ ولكن كوجود الكلام عن المتكلم الذي إن سكت بطل وجود الكلام. ~~فالكلام يكون موجودا ما دام المتكلم به يتكلم ومتى سكت بطل وجوده. أو ~~كوجود نور السراج في الهواء، ما دام السراج باقيا، فالنور باق موجود. ~~أو كوجود ضوء الشمس في الجو، فإذا غابت الشمس بطل وجدان الضوء من الجو ~~... # ثم اعلم أن كلام المتكلم ليس هو جزءا منه، بل فعل فعله أو عمل عمله ~~وأظهره بعد أن لم يكن. وهكذا حكم النور الذي يرى في الجو عن جرم الشمس ~~ليس هو جزءا منها بل هو أشخاص منها وفيض وفضل منها ... وهكذا الحكم ~~والمثال في وجود العالم عن الباري، وذلك أن العالم ليس بجزء منه، بل ~~فضل تفضل به، وفيض جود أفاضه، وفعل فعله بعد أن لم يكن فعل ... ولا ~~ينبغي أن تظن أن وجود العالم عن الله تعالى طبعا بلا اختيار منه مثل: ~~وجود نور الشمس في الجو طبعا لا اختيار منها، ولا تقدر أن تمنع نورها ~~وفيضها؛ لأنها مطبوعة على ذلك طبعها رب العالمين، فأما الباري تعالى ~~فمختار في فعله إن شاء فعل، وإن شاء أمسك عن الفعل تركا، مثل المتكلم ~~القادر على الكلام، إن شاء تكلم، وإن شاء أمسك ms049 وسكت» (39: 3، ~~337-338). # هذا الفيض الإلهي قاد إلى ظهور عالمين، عالم روحاني: مرتبته فوق ~~الفلك المحيط، وعالم جسماني: هو الفلك المحيط وما يليه من أفلاك، وهو ~~ينقسم بدوره إلى قسمين، الأول: هو الأعلى والأكثر شفافية ونقاء ويمتد ~~من الفلك المحيط إلى منتهى فلك القمر، ويدعى عالم الأفلاك. والثاني: ~~هو الأدنى والأغلظ، ويقع دون فلك القمر، ويدعى عالم الأركان الأربعة، ~~وهو دائم التغير والاستحالة، ولذلك يدعى أيضا عالم الكون ~~والفساد: ~~«ثم اعلم أن لله تعالى عالمين: أحدهما جسماني، والآخر روحاني. ~~فالعالم الجسماني: هو الفلك المحيط وما يحويه من سائر الأفلاك، ~~والكواكب، والأركان، والمولدات الثلاثة [المعادن والنبات والحيوان]، ~~والعالم الروحاني: هو عالم العقل وما يحويه من النفس، والصور التي ليست ~~بأجسام ذوات الأبعاد الثلاثة التي هي ظل ذي ثلاث شعب. # 4 # ثم اعلم أن العالم الروحاني محيط بعالم الأفلاك، كما أن عالم الأفلاك ~~محيط بعالم الأركان الذي دون فلك القمر. وقد جعل الله تعالى عالم ~~الأفلاك كريات الأشكال، مستديرات الحركات؛ لأن هذا الشكل هو أفضل ~~الأشكال من عدة وجوه ومعان، والحركة المستديرة أفضل الحركات من جهات ~~شتى ... # فإذا قيل: لم جعل الباري تعالى عالم الأجسام قسمين، أحدهما: علوي هو ~~عالم الأفلاك وما فيها من أصناف الأكر والكواكب، والآخر: سفلي وهو عالم ~~الأركان وما فيها من أجناس الخلائق؟ فيقال له: لعلل شتى وأسباب عدة، ~~ولما فيه من إتقان الحكمة وإحكام الصنعة ما لا يبلغ فهم البشر كنه ~~معرفتها، ولكن نذكر طرفا منها فنقول: ليكون في ذلك تبصرة للعقلاء ~~وبيان لأولي الأبصار. فإن لله دارين اثنتين، إحداهما: هي الدنيا التي ~~هي عالم الأجسام ومسكن الأجرام، والأخرى: هي الدار الآخرة التي هي عالم ~~الأرواح ومحل النفوس» (40: 3، 361-362). # وكما سيشرح لنا الإخوان فيما بعد عبر تصوراتهم عن الآخرة والنشأة ~~الثانية، فإن النفوس الجزئية التي اتحدت بالأجسام الإنسانية تنتقل عبر ~~هذه المراتب الثلاثة للوجود. فإذا هي حققت العرفان الذي يقود إلى ~~نجاتها من أسر الطبيعة، انتقلت إلى عالم الأفلاك الذي هو الجنة، فتقيم ~~هناك حتى يحين موعد انسحاب ms050 النفس الكلية من جسد العالم، ويخرب العالم ~~المادي، فتعود هذه النفوس إلى الالتحاق بالنفس الكلية في العالم ~~الروحاني الأعلى. # ولكن هل تم إبداع هذه العوالم الروحانية والجسمانية دفعة واحدة، أم ~~على مراحل؟ إن الإخوان في جوابهم عن هذه المسألة يقفون على جانب ~~النظرية التطورية التي أثبتتها العلوم الكونية الحديثة: ~~«ثم اعلم أن كل لبيب عاقل إذا فكر في كيفية حدوث العالم وإبداع ~~الباري له، وخلقه أطباق السماوات والأرض، وتركيبه أكر الأفلاك، ~~وتدويره أجرام الكواكب البسيطة والأركان الأربعة، وتكوينه المولدات ~~الثلاثة منها، فلا بد له أن يعتقد فيها أحد الآراء الثلاثة: إما أن يظن ~~ويتوهم بأنها أبدعت دفعة واحدة، وأخرجها الباري تعالى من العدم إلى ~~الوجود على ما هي عليه الآن، أو يظن ويتوهم بأنها أبدعت على تدريج ~~فأخرجت على ترتيب أولا فأولا إلى آخرها على مر الدهور والأزمان، أو ~~يقول بعضها دفعة، وبعضها على التدريج؛ إذ ليس في القسمة العقلية غير ~~هذه الثلاثة. # فأما من يظن ويقول إنها أبدعت دفعة واحدة بلا زمان، فلا يجد لما ~~يقول دليلا من الشاهد، فيتشكك فيما يقول. وأما من يقول: إنها أبدعت ~~وأخرجت من العدم إلى الوجود على تدريج ونظام وترتيب، فهو يجد على ما ~~يقوله شواهد كثيرة من الموجودات باستقراء واحد. وأما من يقول: إن ~~بعضها أبدع وأحدث دفعة واحدة، وبعضها على التدريج [وهذا رأي إخواننا ~~الكرام]، فهو يحتاج إلى أن يبينها ويشرحها ويفصلها، فنقول: # إن الأمور الطبيعية أحدثت على تدريج مر الدهور والأزمان، وذلك أن ~~الهيولى الكلي، أعني الجسم المطلق، قد أتى عليه دهر طويل إلى أن تمخض ~~وتميز اللطيف منه من الكثيف، وإلى أن قبل الأشكال الفلكية الكرية ~~الشفافة وتركب بعضها في جوف بعض، وإلى أن استدارت أجرام الكواكب ~~النيرة، وركزت مراكزها، وإلى أن تميزت الأركان الأربعة، وترتبت مراتبها ~~وانتظمت نظامها. والدليل على ذلك قوله تعالى: # خلق السموات والأرض في ستة أيام ... # 5 # وقوله تعالى: ~~... وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون ~~. # 6 # فأما الأمور الإلهية الروحانية فحدوثها دفعة واحدة ms051 مرتبة منتظمة بلا ~~زمان ولا مكان ولا هيولى ذات كيان، بل بقوله: «كن فيكون». والأمور ~~الروحانية الإلهية هي: العقل الفعال، والنفس الكلية، والهيولى ~~الأولى، والصور المجردة. فالعقل هو نور الباري تعالى وفيضه الذي فاض ~~أولا، والنفس هي نور العقل وفيضه الذي أفاضه الباري منه، والهيولى ~~الأولى هي ظل النفس وفيؤها، والصور المجردة هي النقوش والأصباغ ~~والأشكال التي عملتها النفس في الهيولى بإذن الله تعالى وتأييده لها ~~بالعقل. وهذه الأمور كلها بلا زمان ولا مكان، بل بقوله: «كن فيكون»، ~~كما قال: # وما أمرنا إلا واحدة ~~كلمح بالبصر # 7 # والمثال حدوث البرق، وإشراف نور الشمس في الهواء، وإضاءة ~~الأبصار ورؤية الأشياء دفعة واحدة بلا زمان. # ثم اعلم أن الأركان الأربعة متقدمة الوجود على مولداتها بالأيام ~~والشهور والسنين، كما أن الأفلاك متقدمة الوجود على الأركان بالأزمان ~~والأدوار والقرانات، وعالم الأرواح متقدم على عالم الأفلاك بالدهور ~~الطوال التي لا نهاية لها، والباري تعالى متقدم الوجود على الكل، كتقدم ~~الواحد على جميع العدد. # ثم اعلم أنه قد أتى على النفس دهر طويل قبل تعلقها بالجسم ذي ~~الأبعاد، وكانت هي في عالمها الروحاني ومحلها النوراني ودارها ~~الحيوانية [نسبة إلى الحياة] مقبلة على علتها العقل الفعال تقبل منه ~~الفيض والفضائل والخيرات، وكانت منعمة متلذذة مستريحة، مسرورة فرحانة. ~~فلما امتلأت من تلك الفضائل والخيرات، أخذها شبه المخاض، فأقبلت تطلب ~~ما تفيض عليه تلك الخيرات والفضائل. وكان الجسم فارغا قبل ذلك من ~~الأشكال والصور والنقوش، فأقبلت النفس على الهيولى تميز الكثيف من ~~اللطيف، وتفيض عليه تلك الفضائل والخيرات. فلما رأى الباري تعالى ذلك ~~منها مكنها من الجسم، وهيأ لها، فخلق من ذلك الجسم عالم الأفلاك ~~بعضها في جوف بعض، وركز الكواكب مراكزها، ورتب الأركان مراتبها على ~~أحسن النظام والترتيب بما هي عليه الآن، لكيما تتمكن النفس من إدارتها ~~وتسيير كواكبها، ويسهل عليها إظهار أفعالها وفضائلها والخيرات التي ~~قبلتها من العقل الفعال. # فهذا الذي كان سبب كون العالم، أعني عالم الأجسام، بعد أن لم يكن. ~~ومن يريد أن يتصور كيفية ms052 تمخض الهيولى، وتميز أجزاء الجسم اللطيف ~~منها من الكثيف، وقبولها الأشكال الكرية الفلكية الشفافة، وكيف تركب ~~بعضها في جو بعض في مراتبها ودورانها، وكيف استدارت أجرام الكواكب ~~النيرة، وركزت مراكزها في أفلاكها في مسيراتها، وكيف تمخضت أجزاء ~~الأركان الأربعة بعضها مع بعض، وتميز بعضها من بعض، وترتبت على ما هي ~~عليه الآن كلها من هيولى واحدة من حيث الجسمية، مع اختلاف صورها وفنون ~~أشكالها، فليعتبر تركيب جسده من دم الطمث في الرحم كيف تمخض وتميز، ~~وصار بعضها عظاما بيضا صلبة، وبعضها لحما أحمر، وبعضها شحما دسما ~~أصفر، وبعضها عروقا مجوفة ... وما شاكل هذه الأشياء المختلفة الأشكال ~~والصور ... وإن عجز فهمه عن تصور كون هذه من دم الطمث، ومن النطفة ~~وتركيبها منه، وكيفية قبولها هذه الصور والأشكال والطعوم والألوان التي ~~هي أقرب إليه، ومعرفتها أسهل عليه، فهو عن تصور كيفية الأفلاك، وخلق ~~أطباق السماوات والأرضين أبعد، وهو بها أجهل وأقل فهما. # ثم اعلم أنه سترجع النفس الكلية إلى عالمها الروحاني ومحلها النوراني ~~وحالتها الأولى التي كانت عليها قبل تعلقها بالجسم، كما قال تعالى: ~~... كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين ... # 8 # ولكن لا يكون ذلك إلا بعد مضي الدهور والأزمان الطوال. ~~وسيخرب العالم الجسماني إذا فارقته النفس» (40: 3، 351-354). # ذلك أن نفس العالم هي علة حياته وحركته مثلما أن النفس الجزئية هي ~~علة حياة وحركة أجسام الأحياء التي ربطت إليها: ~~«إن الحركة هي صورة روحانية تجعلها النفس في الأجسام، فيها تكون ~~الأجسام متحركة ... فالنفوس هي المحركة للأجسام، والأجسام هي المحركات ~~والمسكنات بتحريك النفوس لها وتسكينها إياها ... والتحريك هو فعل ~~النفس، والحركة هي صورة تجعلها النفس في الجسم، بها يكون الجسم ~~متحركا؛ وأما التسكين فهو أيضا فعل من أفعال النفس التي تحرك الجسم ~~وتسكنه تارة أخرى ... # وإذا تأملت يا أخي واعتبرت ما وصفنا من أحوال الحركات والمتحركات ~~التي في العالم، علمت وتبين لك أن حكم العالم بجميع أجزائه ومجاري ~~أموره، تجري مجرى مدينة واحدة، أو حيوان واحد، أو إنسان واحد، ms053 لا ينفك ~~من الحركة والسكون، إما بكليته أو بجزئيته. # وقد بينا في رسالة ماهية الطبيعة، ورسالة السماء والعالم، أن سبب ~~حركات الأركان ومولداتها هو حركة الكواكب، وسبب حركات الكواكب دوران ~~الفلك، والمحرك والمدبر للأفلاك هي النفس الكلية الفلكية، فإن النفس ~~الفلكية هي ملك من الملائكة المقربين وجنوده وأعوانه، وهو الذي أشير ~~إليه بقوله تعالى: # يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن ... # 9 # وقال تعالى: # ما خلقكم ولا ~~بعثكم إلا كنفس واحدة ... ~~. # 10 # وهذا الملك وكله الله تعالى بإدارة الأفلاك، وحركات ~~الكواكب، وما تحت فلك القمر من سائر الأركان ومولداتها من المعادن ~~والنبات والحيوان أجمع» (39: 3، 322 و328). ~~«اعلم أيها الأخ الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن أفعال ~~الروحانيين لا يتهيأ لأحد من العالم الجسماني الوقوف عليها والمعرفة ~~بها، إلا بعد معرفته بجوهر نفسه، وكيفية فعلها في جسمه. وإذا عرف كيفية ~~ذلك، ووقف عليه، تهيأ له بعد ذلك الوقوف على أحوال الروحانيين في ~~العالم جميعا: العلوي بما فيه، والسفلي وما يحويه، وقاده ذلك إلى ~~معرفة خالقه وتنزيه مبدعه، وفعله الذي فعله بذاته، وما أبدعه من ~~موجوداته، وبمعرفة ذلك يكون كمال الإنسان ... # واعلم أيها الأخ، أيدك الله، أن دائرة العقل مرتبة من أمر الله ~~تعالى لا يدركها خاطر نفساني، وأن الأنوار المضيئة مرتبة في أفق العقل ~~الكلي بحيث لا يدركها حس ولا يتناولها لمس. فالدائرة الأولى هي البعيدة ~~عنها أوهام المخلوقين من العالمين الروحاني والجسماني، اللطيف والكثيف، ~~وهي موصوفة بالفعل الخاص بها، الصادر عنها، وهو العقل الذي عقل ما ~~دونه من مجاوريه، فرجعت الأوهام قبل بلوغها غايته، ذاهلة عن بلوغ بعض ~~ما في دائرته وسعة إحاطته ... وهي الدائرة الأولى الحاوية لجميع ما كان ~~منها، ولذلك قيل له السابق. وكذلك دائرة النفس كالثاني التالي للسابق، ~~وهي تالية الأول، ثم الثالثة وهي كالهيولى، والرابعة وهي كالطبيعة. ~~وكذلك الدوائر الكائنة عن هذه الأصول، حتى تكون آخرها دائرة الأرض ~~... # واعلم أيها الأخ البار أن الباري سبحانه أوجد الزوجين الأولين [= ~~العقل والنفس] ms054 اللذين هما أبوا الموجودات كلها بأسرها، وهما الدائرتان ~~المحيطتان بما في عالم العلو والسفل، إحداهما: حائطة، والأخرى: محوطة ... ~~ولذلك سمي (العقل) عقلا؛ لأنه عقل صور الموجودات بأسرها، وجاد ~~عليها بخصائصها، وترتيبه له في مواضعها، وتكوينه إياها في أماكنها، فهو ~~بالإشراق عليها وبما فاض عليها يتدلى إليها # 11 ~~... ولما كان العقل كذلك، كانت النفس غير حائطة بكلية ما في ~~العقل بلا واسطة له بكمال صفاته الموجودة، إلا ما أمدها به وأفاضه ~~عليها الشيء بعد الشيء ولو كانت قابلة لجميع ما فيه دفعة واحدة لكانت ~~لا فرق بينها وبينه، ولا فضل له عليها لاتساعها لما وسعه، وإحاطتها لما ~~بلغه. وإنما هي حائطة بما دونها كإحاطة العقل بها ... وغير محيطة بكلية ~~ما في العقل من الصور المعراة والجواهر المبرأة من الهيولى إلا بما ~~يلقيه إليها ويمدها به. # ولما كان ذلك كذلك، صارت الطبيعة في كل لحظة وفي كل وقت من الأوقات، ~~ومع كل حركة من الحركات الزمانية الطبيعية، تظهر شكلا ونوعا ولونا، ~~فغرائبها لا تحصى وعجائبها لا تفنى، وهي تبديها الشيء بعد الشيء بحسب ~~ما يلقى إليها ويفاض عليها من النفس الكلية ... فهي قوة صادرة باعثة ~~لما تقدم لها في الوجود، كقوة حركة الدولاب التي تبدو أولا عن حركة ~~أولى، وهي الحركة البهيمية المستعلمة في آلة الدولاب، وإيصالها من آلة ~~إلى آلة أخرى، حتى تكون مرة حاطة لأواني الدولاب إلى قعر البئر ~~فتملأ، ثم ترفعها على علو فيعود ما كان ممتلئا فارغا، ثم ممتلئا، ~~فلا تزال كذلك ما دامت الحركة متصلة، فإذا بلغ المحرك المستخدم لتلك ~~الدابة المحركة لتلك الآلة ما أراد من الملء والتفريغ، أمسك الحركة فوق ~~الدولاب عن الرفع والحط. كذلك فعل الطبيعة، إنما هي حركة متصلة بها عن ~~آلة فلكية محركة دورية، مربوطة بها النفس الكلية بقوة عقلية، تبدو عن ~~مشيئة إلهية وعناية ربانية بأمر من هو لا يعلمه إلا هو» (49: 4، ~~198-203). # هذه هي الخطوط العامة لنظرية التكوين الصفائية، بسطنا فيها كل ما من ~~شأنه يأن يعيننا على متابعة رحلتنا ms055 في فكر الإخوان. في الفصل القادم ~~سوف نبسط أهم أفكار الإخوان العلمية والفلسفية التي أرادوها مدخلا ~~لفهم العالم وكيفية عمله، بعد أن أطلعونا على نشأته وكيفية صدوره عن ~~العلة الأولى. # الفصل الثاني # | صفة العالم # إذا كانت غاية السعي المعرفي ~~للإنسان هي فهم وإدراك الشرط الإنساني، على ما يؤكده إخوان الصفاء، فإن ~~دون هذه الغاية رحلة شاقة وطويلة نقطعها على درب المعرفة العلمية ~~الاختبارية والبرهانية، تقودنا إلى فهم العالم وفهم أنفسنا التي هي جزء ~~عضوي من هذا العالم. هذا الفهم هو الذي ينير لنا أخيرا ذلك الشرط ~~الإنساني، ويفتح لنا بوابة الخلاص من ظلمة المادة التي اقتنصت النفس ~~الهابطة من السماء عالم الروح الفسيح، حيث كان مسكنها قبل السقوط، ~~والحلول في الأجسام الكثيفة البعيدة عن مرتع الأنوار العلوية. إن ~~العرفان الداخلي الذي يقود إلى معرفة النفس ومعرفة الله حق المعرفة، لن ~~تنطلق شرارته قبل المعرفة العلمية التي تكشف للإنسان حقيقته وحقيقة كل ~~ما حوله. لذلك قال الإخوان في الفلسفة: «الفلسفة أولها محبة العلوم، ~~وأوسطها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطاقة الإنسانية، وآخرها القول ~~والعمل بما يوافق العلم.» (الرسالة 1: الجزء الأول، ص48). وقالوا في ~~طريق العلم الصاعد من المحسوسات إلى المجردات: «واعلم يا أخي، أيدك ~~الله وإيانا بروح منه، بأن غرض الفلاسفة الحكماء من النظر في العلوم ~~الرياضية، وتخريجهم تلامذتهم بها، إنما هو السلوك والتطرق منها إلى ~~علوم الطبيعيات؛ وأما غرضهم من النظر في الطبيعيات فهو الصعود منها ~~والترقي إلى العلوم الإلهية الذي هو أقصى غرض الحكماء، والنهاية التي ~~إليها يرتقى بالمعارف الحقيقية. ولما كان أول درجة من النظر في العلوم ~~الإلهية هو معرفة جوهر النفس، والبحث عن مبدئها من أين كانت ~~قبل تعلقها بالجسد، والفحص عن ~~معادها إلى أين تكون بعد فراق الجسد، الذي يسمى الموت ...» (1: 1، ~~75-76). # تبتدئ رحلة الإخوان العلمية والفلسفية من محاولة فهم الكون الرحيب ~~بنجومه وحركة أفلاكه، وصولا إلى بيئة الأرض والتعليل العلمي لكل ما ~~يحيط بنا من الظواهر الطبيعية. ولسوف نتابعهم في هذه الرحلة التي جندوا ~~لها كل ms056 المعارف الإنسانية التي كانت متاحة لهم في ذلك الزمان، متوقفين ~~عند أهم الظواهر التي درسوها دون أن نستنفدها جميعها. # في علم النجوم وتركيب الأفلاك # عرف الإخوان الكثير مما نعرفه اليوم في علم النجوم، ولكنهم كانوا ~~على رأي اليوناني بطليموس، من أن الأرض الكروية هي جرم ثابت لا ~~يدور، وأنها تقع في مركز الكون، وكل الأجرام السماوية تدور حولها. ~~ونظرا لبدائية أدوات الرصد في ذلك الزمان، فإنهم لم يميزوا إلا ~~عددا محدودا من النجوم الثابتة التي اعتقدوا أنها تنتظم في فلك ~~واحد. ولما كانت هذه النجوم على ثباتها بالنسبة إلى بعضها البعض ~~تبدو وكأنها تدور مجتمعة حول الأرض في كل يوم وليلة دورة واحدة، ~~فقد اعتقدوا بوجود فلك فوقها يدور بشكل دائم ومعه كل ~~الكواكب: ~~«أصل علم النجوم هو معرفة ثلاثة أشياء، وهي الكواكب والأفلاك ~~والبروج، فالكواكب أجسام كريات مستديرات مضيئات، وهي ألف وتسعة ~~وعشرون كوكبا كبارا؛ التي أدركت بالرصد؛ منها سبعة يقال لها ~~السيارة، وهي زحل والمشتري والمريخ والشمس والزهرة وعطارد والقمر؛ ~~والباقية يقال لها ثابتة. ولكل كوكب من السبعة السيارة فلك يخصه. ~~والأفلاك: هي أجسام كريات مشفات مجوفات، وهي تسعة أفلاك مركبة ~~بعضها في جوف بعض كحلقة البصلة؛ فأدناها إلينا فلك القمر وهو محيط ~~بالهواء من جميع الجهات، كإحاطة قشرة البيضة ببياضها، والأرض في ~~جوف الهواء كالمح في بياضها، ومن وراء فلك القمر فلك عطارد، ومن ~~وراء فلك عطارد فلك المريخ، ومن وراء فلك المريخ فلك المشتري، ومن ~~وراء فلك المشتري فلك زحل، ومن وراء فلك زحل فلك الكواكب الثابتة، ~~ومن وراء فلك الكواكب الثابتة فلك المحيط، ومثال ذلك الرسم المبين ~~أدناه» (3: 1، 115). # شكل 2-1 ~~«واعلم يا أخي أن السماوات هي الأفلاك، وإنما سميت السماء سماء ~~لسموها، والفلك لاستدارته. واعلم بأن الأفلاك تسعة: سبعة منها هي ~~السماوات السبع، وأدناها وأقربها إلينا فلك القمر، وهي السماء ~~الأولى؛ ثم من ورائه فلك عطارد وهي السماء الثانية، ومن ورائه فلك ~~الزهرة وهي السماء الثالثة، ثم من ورائه فلك الشمس وهي السماء ~~الرابعة، ومن ms057 ورائه فلك المريخ وهي السماء الخامسة، ومن ورائه فلك ~~المشتري وهي السماء السادسة، ثم من ورائه فلك زحل وهي السماء ~~السابعة، وزحل هو النجم الثاقب، وإنما سمي الثاقب؛ لأن نوره يثقب ~~سمك سبع سماوات حتى يبلغ أبصارنا. وأما الفلك الثامن، وهو فلك ~~الكواكب الثابتة الواسع المحيط بهذه الأفلاك السبعة، فهو الكرسي ~~الذي وسع السماوات والأرض. وأما الفلك التاسع، المحيط بهذه الأفلاك ~~الثمانية، فهو العرش العظيم الذي يحمله فوقهم يومئذ ثمانية، كما ~~قال الله عز وجل. # واعلم يا أخي أن كل واحد ~~من هذه السبعة المقدم ذكرها سماء لما تحته وأرض لما فوقه، ففلك ~~القمر سماء الأرض التي نحن عليها وأرض لفلك عطارد، وكذلك فلك عطارد ~~سماء لفلك القمر وأرض لفلك الزهرة، وعلى هذا القياس حكم سائر ~~الأفلاك» (16: 2، 26). ~~«فقد بان بهذا المثال أن جملة العالم إحدى عشرة كرة، اثنتان في ~~جوف فلك القمر، وهما الأرض والهواء؛ لأن الأرض والماء كرة واحدة ~~والهواء والأثير كرة واحدة؛ وتسع من ورائه محيطات بعضها ببعض» (16: ~~2، 28). ~~«اعلم أن الشمس لما كانت في الفلك كالملك في الأرض، صار مركزها ~~بواجب الحكمة الإلهية وسط العالم، كما أن دار الملك وسط المدينة، ~~ومدينته وسط البلدان من مملكته، وذلك أن مركز الشمس وسط فلكها، ~~وفلكها في وسط الأفلاك؛ لأنه لما كان جملة العالم إحدى عشرة كرة، ~~وكان خمس منها من وراء فلكها محيطات بعضها ببعض، وهي كرة المريخ، ~~وكرة المشتري وكرة زحل، وكرة الكواكب الثابتة، وكرة المحيط؛ وخمس ~~دونها، وهي في جوف كرتها محيطات بعضها ببعض، أولها فلك الزهرة، ~~ودونها كرة عطارد، ودونها كرة القمر، ودونها كرة الهواء، ودونها ~~كرة الأرض، فصار موضعها في وسط العالم بهذا الاعتبار، كما أن موضع ~~الأرض في مركز العالم» (16: 2، 30). ~~«واعلم يا أخي أن هذه ~~الأكر محيطات بعضها ببعض كإحاطة طبقات البصل، مماس سطح الحاوي ~~بسطح المحوى وليس بينها فراغ ولا خلاء إلا فصل مشترك وهمي. وقد ظن ~~قوم من أهل العلم أن بين فضاء الأفلاك وأطباق السماوات وأجزاء ~~الأمهات مواضع فارغة، وليس الأمر كما ms058 ظنوا؛ لأن معنى الخلاء هو ~~المكان الفارغ الذي لا متمكن فيه، والمكان صفة من صفات الأجسام لا ~~يقوم إلا بالجسم ولا يوجد إلا معه» (16: 2، 28). ~~«اعلم يا أخي أن هذه ~~الإحدى عشرة كرة هي جملة العالم ومساكن الخلائق أجمعين. وقد ظن ~~كثير بالأوهام أن وراء الفلك المحيط جسم آخر وخلاء، بلا نهاية، ~~وكلا الحكمين خطأ لا حقيقة له؛ لأنه قد قام بالبرهان العقلي أن ~~الخلاء غير موجود أصلا، لا خارج العالم ولا داخله؛ لأن معنى ~~الخلاء: هو المكان الفارغ الذي لا متمكن فيه كما وصفنا، والمكان: ~~صفة من صفات الأجسام، وهو عرض ولا يقوم إلا بالجسم ولا يوجد إلا ~~معه. فمن ادعى أن خارج العالم جسم آخر من أجل الوهم الذي يتخيله ~~فهو المطالب بالدليل على دعواه. # واعلم أن حكم العقل هو ~~الذي يتساوى فيه العقلاء، وكلهم لم يتفقوا على أن خارج العالم جسم ~~آخر؛ لأن الحس لم يدركه والعقل لم يقض به والبرهان لم يقم عليه» ~~(16: 2، 29). ~~«إن الفلك المحيط دائم الدوران كالدولاب، يدور من المشرق إلى ~~المغرب فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض، في كل يوم ~~وليلة دورة واحدة، ويدير سائر الأفلاك والكواكب معه، كما قال الله ~~عز وجل: ~~... وكل في فلك ~~يسبحون ~~. # 1 # وهذا الفلك المحيط مقسوم باثني عشر قسما كجزر ~~البطيخة، كل قسم منها يسمى برجا، وهذه أسماؤها: الحمل والثور ~~والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي ~~والدلو والحوت. فكل برج ثلاثون درجة (من أقسام الدائرة)، جملتها ~~ثلاثمائة وستون درجة، وكل درجة ستون جزءا، كل جزء يسمى دقيقة، ~~جملتها واحد وعشرون ألفا وستمائة دقيقة، وكل دقيقة ستون جزءا ~~يسمى ثانية ... مثال ذلك الرسم المبين أدناه. # شكل 2-2 # وهذه البروج توصف بصفات ~~شتى من جهات عدة ... نقول: منها ستة شمالية وستة جنوبية ... أما الستة ~~الشمالية فهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة [= ~~العذراء]. وإذا كانت الشمس في واحد منها يكون الليل أقصر والنهار ~~أطول. وأما الستة الجنوبية فهي: الميزان والعقرب والقوس والجدي ~~والدلو والحوت. وإذا كانت ms059 الشمس في واحد منها، يكون الليل أطول ~~والنهار أقصر. وأما المستقيمة الطلوع فهي السرطان والأسد السنبلة ~~والميزان والعقرب والقوس، وكل واحد منها يطلع في أكثر من ساعتين. ~~وإذا كانت الشمس في واحد منها، تكون هابطة من الشمال إلى الجنوب، ~~ومن الأوج إلى الحضيض، والليل آخذ من النهار. وأما المعوجة ~~الطلوع فهي الجدي والدلو والحوت والحمل والثور والجوزاء، وكل واحد ~~منها يطلع في أقل من ساعتين. وإذا كانت الشمس في واحد منها، تكون ~~صاعدة من الجنوب إلى الشمال، ومن الحضيض إلى الأوج، والنهار آخذ من ~~الليل ... ومن وجه آخر هذه البروج تنقسم أربعة أقسام منها ثلاثة ~~ربيعية صاعدة في الشمال، زائدة النهار على الليل، وهي: الحمل ~~والثور والجوزاء، وثلاثة صيفية هابطة في الشمال، آخذة الليل من ~~النهار، وهي: السرطان والأسد والسنبلة. منها ثلاثة خريفية هابطة في ~~الجنوب، زائدة الليل على النهار، وهي: الميزان والعقرب والقوس، ~~ومنها ثلاثة شتوية صاعدة من الجنوب، آخذة النهار من الليل، وهي: ~~الجدي والدلو والحوت ... # فقد بان بهذا الوصف في هذا الشكل أن لو كانت البروج أكثر من اثني ~~عشر، أو أقل من ذلك، لما استمرت فيه هذه الأقسام على هذا الوجه ~~الذي ذكرنا. فإذا بواجب الحكمة كانت اثني عشر؛ لأن الباري، جل ~~ثناؤه، لا يفعل إلا الأحكم والأتقن. ومن أجل هذا جعل الأفلاك كريات ~~الشكل؛ لأن هذا الشكل أفضل الأشكال، وذلك أنه أوسعها وأبعدها من ~~الآفات، وأسرعها حركة، ومركزه في وسطه، وأقطاره متساوية، ويحيط به ~~سطح واحد، ولا يماس غيره إلا على نقطة، ولا يوجد في شكل غيره هذه ~~الأوصاف، وجعل أيضا حركته مستديرة؛ لأنها أفضل الحركات» (3: 1، ~~115-119). ~~«الفلك المحيط دائم الدوران كالدولاب يدور من المشرق إلى المغرب ~~فوق الأرض، ومن المغرب إلى المشرق تحت الأرض، فيكون في دائم ~~الأوقات نصف الفلك ستة أبراج مائة وثمانين درجة فوق الأرض، ويسمى ~~يمنة، والنصف الآخر ستة أبراج مائة وثمانين درجة تحت الأرض، يسمى ~~يسرة. وكلما طلعت درجة من أفق المشرق غابت نظيرتها في أفق المغرب ~~من البرج السابع ms060 منه، فيكون في دائم الأوقات ستة أبراج طلوعها ~~بالنهار، وستة طلوعها بالليل، ويكون في دائم الأوقات درجة في أفق ~~المشرق، وأخرى نظيرتها في أفق المغرب، ودرجة أخرى في كبد السماء، ~~وتسمى وتد العاشر، وأخرى نظيرتها منحطة تحت الأرض تسمى: وتد ~~الرابع؛ فيكون الفلك في دائم الأوقات منقسما بأربعة أرباع، كل ربع ~~منها تسعون درجة، فمن أفق المشرق إلى وتد السماء تسعون درجة يقال ~~لها الربع الشرقي الصاعد في الهواء، ومن وتد السماء إلى وتد المغرب ~~تسعون درجة يقال لها الربع الجنوبي الهابط، ومن وتد المغرب إلى وتد ~~الأرض تسعون درجة يقال لها الربع الغربي الهابط في الظلمة، ومن وتد ~~الأرض إلى وتد المشرق تسعون درجة يقال لها الربع الشمالي الصاعد» ~~(3: 1، 126-127). # شكل 2-3 ~~«والكواكب السيارة تدور حول الأرض مثلما تدور أيضا في البروج ~~الاثني عشر؛ ودورة كل كوكب في هذه البروج تعبر عن سنة هذا ~~الكواكب، مثلما يعبر دوران الشمس في البروج عن السنة الأرضية. ولكن ~~من أجل اختلاف حركات الكواكب في السرعة والإبطاء، اختلفت أزمان ~~أدوارها حول الأرض، ومن أجل اختلافها حول الأرض اختلفت أدوارها في ~~فلك البروج. ومثل دوران الأفلاك بكواكبها حول الأرض كمثل دوران ~~الطائفين حول البيت [الحرام]، ومثل اختلاف أدوارها حول الأرض كمثل ~~اختلاف أشواط الطائفين حول البيت، وذلك أننا نرى الطائفين حول ~~البيت منهم من يمشي الهوينى، ومنهم من يستعجل، ومنهم من ~~يهرول، ومنهم من يسعى، فتختلف بحسب ذلك أشواطهم، وكلهم متوجهون ~~في طوافهم نحوا واحدا وقصدا واحدا. ولكن إذا بلغ الماشي الركن ~~العراقي، قد بلغ المستعجل الركن الشامي، والمهرول الركن اليماني، ~~والساعي الحجر الأسود. بهذا السبب إذا طاف الماشي شوطا واحدا، ~~فقد طاف الساعي أشواطا، فهؤلاء الطائفون، وإن اختلفت أشواطهم من ~~أجل سرعة حركاتهم وإبطائها، فليس قصدهم إلا قصد واحد إلى جهة ~~واحدة؛ فهكذا حكم الأفلاك وكواكبها في دورانها حول الأرض» (16: 2، ~~39-40). # وقد حسب إخوان الصفاء بدقة سنة كل كوكب من الكواكب السيارة، ~~فكوكب زحل وهو الأبعد: «يدور في البروج الاثني عشر في كل ms061 ثلاثين ~~سنة بالتقريب دورة واحدة، يقيم في كل برج سنتين ونصف السنة، وفي كل ~~درجة شهرا، وفي كل دقيقة اثنتي عشرة ساعة ... والمشتري يدور في ~~البروج الاثني عشر في اثنتي عشرة سنة بالتقريب مرة واحدة يقيم في ~~كل برج سنة، وفي كل درجتين ونصف شهرا، وفي كل خمس دقائق يوما ~~وليلة ... المريخ يدور في الفلك مدة سنتين إلا شهرا واحدا ~~بالتقريب، يقيم في كل برج خمسة وأربعين يوما، يزيد وينقص، ويقيم ~~في كل درجة مقدار يوم وبعض يوم ... الزهرة تدور في البروج مثل دوران ~~الشمس، غير أنها تسرع السير تارة فتسبق الشمس وتصير قدامها، وتارة ~~تبطئ في السير فترجع وتصير خلفها ... حالات عطارد من الشمس مثل حالات ~~الزهرة منها ... القمر يدور في البروج في كل سنة عربية اثنتي عشرة ~~مرة، في كل شهر مرة، ويقيم في كل برج يومين وثلثا، وفي كل منزل ~~يوما وليلة، وفي كل درجة ساعتين بالتقريب» (3: 1، ~~130-133). # أما دوران الشمس في البروج فهو السبب في تتابع الفصول على الأرض ~~وتغييرات أرباع السنة: «الشمس تدور في البروج الاثني عشر في كل ~~ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وربع دورة واحدة، تقيم في كل برج ~~ثلاثين يوما وكسرا، وفي كل درجة يوما وليلة وكسرا. تكون ~~بالنهار فوق الأرض وبالليل تحت الأرض، وتكون في الصيف في البروج ~~الشمالية في الهواء، وتقرب من سمت رءوسنا، وتكون في الشتاء في ~~البروج الجنوبية، وتنحط في الهواء، وتبعد من سمت رءوسنا؛ وفي الأوج ~~ترتفع في الفلك، وتبعد من الأرض، وفي الحضيض تنحط في الفلك، وتقرب ~~من الأرض ... # إذا نزلت الشمس أول دقيقة ~~من برج الحمل استوى الليل والنهار واعتدل الزمان، وانصرف الشتاء ~~ودخل الربيع، وطاب الهواء وهب النسيم، فذابت الثلوج وسالت ~~الأودية ... وطال الزرع ونما الحشيش ... ودرت الضروع، وتكونت الحيوانات ~~وانتشرت على وجه الأرض ... إذا بلغت الشمس آخر الجوزاء وأول السرطان ~~تناهى طول النهار، وقصر الليل، وأخذ النهار في النقصان وانصرف ~~الربيع، ودخل الصيف، واشتد الحر وحمي الهواء ... ويبس العشب ... وأدرك ~~الحصاد ونضجت الثمار وسمنت ms062 البهائم ... وإذا بلغت الشمس آخر السنبلة ~~وأول الميزان استوى الليل والنهار مرة أخرى، وأخذ الليل في الزيادة ~~على النهار، وانصرف الصيف ودخل الخريف، وبرد الهواء وهبت ريح ~~الشمال، وتغير الزمان. وإذا بلغت الشمس آخر القوس وأول الجدي ~~تناهى طول النهار، وأخذ الليل في الزيادة، وانصرف الخريف، ودخل ~~الشتاء، واشتد البرد، وخشن الهواء، وتساقط ورق الأشجار، ومات أكثر ~~النبات ... وإذا بلغت الشمس آخر الحوت وأول الحمل عاد الزمان كما كان ~~في العام الأول، وهذا دأبه، ذلك تقدير العزيز العليم» (3: 1، ~~127-130). ~~«فجسم العالم بأسره كري الشكل، وحركات أفلاكه كلها دورية، ونور ~~الكواكب السماوية كلها ذاتي إلا القمر، وأجرام الكرة كلها شفافة ~~إلا الأرض» (16: 2، 25-26). ~~«اعلم أيها الأخ أن معنى قول الحكماء: العالم، إنما يعنون به ~~السماوات السبع والأرضين، وما بينهما من الخلائق أجمعين، وسموه ~~أيضا إنسانا كبيرا؛ لأنهم يرون أنه جسم واحد بجميع أفلاكه ~~وأطباق سماواته وأركان أمهاته ومولداتها، ويرون أيضا أن له ~~نفسا واحدة سارية قواها في جميع أجزاء جسمها كسريان نفس الإنسان ~~الواحد في جميع أجزاء جسده» (16: 2، 24-25). # هذا العالم الواحد المؤلف من تسعة أفلاك وإحدى عشرة كرة، ينقسم ~~إلى قسمين: علوي وسفلي. الأول يمتد من أعلى الفلك المحيط هبوطا ~~إلى أدنى فلك القمر، وهو يشتمل على الأجسام الكليات البسيطات التي ~~هي الأفلاك والكواكب، والثاني يمتد من أدنى فلك القمر هبوطا إلى ~~مركز الأرض، وهو يشتمل على الأمهات الكليات التي هي النار والهواء ~~والماء والأرض، وتدعى أيضا الأركان الأربعة، كما يشتمل أيضا على ~~الجزئيات المولدات التي هي المعادن والنبات والحيوان، وهذه ~~الجزئيات تنتج عن الأركان الأربعة وتتولد منها. والأمهات الكليات ~~أو الأركان الأربعة تتوضع داخل الهواء وكرة الأرض والماء؛ وكرة ~~الهواء هي التي تحتوي على ركن النار؛ لأن سمك الهواء ينفصل بثلاثة ~~طبائع متباينة، فالهواء الذي يلي فلك القمر هو نار سموم في غاية ~~الحرارة ويدعى الأثير، والذي يليه في غاية البرودة ويدعى ~~الزمهرير، والذي دونه معتدل المزاج يسمى النسيم (3: 1، 146) (17: ~~2، 65). # 2 # تتشارك أجسام العالم العلوي والعالم السفلي في كثير من ms063 الصفات. ~~فالقمر، الذي هو أحد الأجسام الفلكية، يرى فيه اختلاف قبول النور ~~والظلمة كما يرى في الأجسام الأرضية، وله ظل كظلالها، وهو غير مشف ~~مثل الأرض؛ والأفلاك كلها تشارك الهواء والماء والبلور في الإشفاف، ~~والشمس والكواكب تشارك النار في النور، وكلها يشارك الأرض في ~~اليبس. ولكن أجسام العالم العلوي تختلف عن أجسام العالم السفلي في ~~أنها لا تقبل الكون والفساد، والتغير والاستحالة، والزيادة ~~والنقصان، كما تقبلها الأجسام التي تحت فلك القمر، وفي أن حركاتها ~~كلها دورية. وهذه الأجسام الفلكية محفوظ نظامها وباقية أشخاصها ما ~~دامت ثابتة على دورانها، فإذا وقفت عن الدوران وسكنت حركاتها تولد ~~فيها السكون والبرودة وفسد نظامها، ومن فساد النظام يأتي البوار ~~والبطلان. وهذا لا يحدث إلا إذا فارقت نفس العالم جسدها وعادت إلى ~~باريها عندما تقوم القيامة الكبرى (16: 2، 46-47 و49). من هنا يدعو ~~إخوان الصفاء العالم العلوي بعالم النظام والثبات، ويدعون العالم ~~السفلي الذي هو دون الفلك القمر بعالم الكون والفساد؛ لأنه دائم ~~التغير بالنشوء والبلى. # ويقول الإخوان في شرح تعبير «الكون والفساد» الذي يتكرر عبر ~~الرسائل، إن «الكون» عبارة عن خروج الشيء من العدم إلى الوجود، أو ~~من القوة إلى الفعل، والفساد عكس ذلك، أي عودة الشيء إلى العدم ~~(15: 2، 13). وقالوا أيضا: «واعلم يا أخي بأن الكون والفساد هما ~~ضدان لا يجتمعان في شيء واحد في زمان واحد؛ لأن الكون هو حصول ~~الصورة في الهيولى، والفساد انخلاعها منها، فإذا فسد شيء منها لا ~~بد أن يتكون شيء آخر؛ لأن الهيولى إذا انتزعت منها صورة ألبست ~~أخرى. فإن كانت التي ألبست أشرف سمي كونا، وإن كانت أدون سمي ~~فسادا. مثال ذلك أن يصير التراب والماء نباتا، ويصير النبات ~~حبا وثمارا، والثمار والحب يصيران غذاء، والغذاء يصير دما ~~ولحما وعظما، فيكون من ذلك حيوان. والفساد أن يحترق النبات فيصير ~~رمادا، ويموت الحيوان فيصير ترابا. واعلم يا أخي أن جسدك، الذي ~~تختص به نفسك، أحد الكائنات الفاسدات، وما هو بالنسبة إلى نفس إلا ~~كدار سكنت أو كلباس ألبس، فلا ms064 تكونن كل همتك وأكثر عنايتك ~~بتزويق هذه الدار وتطرية هذا اللباس، فإنك تعلم بأن كل مسكن يخرب ~~وكل لباس لا بد أن يبلى. ولكن اجعل بعض أوقاتك للنظر في أمر نفسك ~~[= روحك]، وطلب معرفة جوهرها، ومبدئها ومعادها، فإنها جوهرة خالدة ~~أبدية الوجود، ولكن تنتقل لها حال بعد حال» (17: 2، 58-59). # لقد راقب الإخوان السماء ودرسوا حركة الكواكب السيارة وعلائقها ~~مع بعضها بعضا، وحاولوا بما تيسر لهم من وسائل معرفة الحجم ~~التقريبي من الأكر التي تشكل العالم. ومن بين الظواهر السماوية ~~التي درسوها وأعطونا عنها تفسيرا علميا دقيقا لا يختلف عما ~~نعرفه اليوم، ظاهرتي الكسوف والخسوف التي يدعونها بظاهرة الكسوفين. ~~قد قالوا فيها: ~~«وهذه الكواكب لبعضها في بيوت بعض مواضع مخصوصة فمنها الشرف ~~والهبوط، ومنها الأوج والحضيض، ومنها الجوزهر ... ومعنى الجوزهر ~~تقاطع طريق الكواكب لطريق الشمس بممرها في البروج في موضعين، ~~أحدهما يسمى رأس الجوزهر ... والآخر ذنب الجوزهر، ويقال لهما أيضا ~~العقدتان ... وإذا اجتمع الشمس والقمر في وقت من الأوقات عند أحدهما ~~في برج واحد ودرجة واحدة، انكسفت الشمس، ولا يكون ذلك إلا في آخر ~~الشهر؛ لأن القمر يصير محاذيا لموضع الشمس من البرج والدرجة، ~~فيمنع نور الشمس عن أبصارنا فنراها منكسفة مثلما تمنع قطعة غيم عن ~~أبصارنا نور الشمس إذا مرت محاذية لأبصارنا ولعين الشمس. وإذا كانت ~~الشمس عند أحدهما وبلغ القمر إلى الآخر انكسف القمر، ولا يكون كسوف ~~القمر إلا في نصف الشهر؛ لأن القمر في نصف الشهر يكون في البرج ~~المقابل للبرج الذي فيه الشمس، وتكون الأرض في الوسط فتمنع نور ~~الشمس عن إشراقه على القمر، فيرى القمر منكسفا؛ لأنه ليس له نور ~~من نفسه وإنما يكتسي النور من الشمس» (3: 1، 120-122). # ولحركة الأفلاك في العالم العلوي موسيقى عذبة ناجمة عن دورانها ~~المتسق المتناغم، يسمعها سكان ذلك العالم فتستلذ بها نفوسهم ~~وتذكرهم بسرور عالم الأرواح التي فوق الفلك. نقرأ في رسالتهم عن ~~الموسيقى: ~~«فإذا استوت الأوتار على ~~هذه النسب الفاضلة وحركت حركات متواترة متناسبة حدث عند ذلك منها ~~نغمات متواترة ms065 متناسبة ... فإذا وصلت المعاني المتضمنة في تلك ~~النغمات والألحان إلى المسامع، استلذت بها الطباع، وفرحت فيها ~~الأرواح، وسرت بها النفوس؛ لأن تلك الحركات والسكونات التي تكون ~~بينها، تصير عند ذلك مكيالا للأزمان وأذرعا لها، ومحاكية لحركات ~~الأشخاص الفلكية ... إذا كيل بها الزمان كيلا متساويا متناسبا ~~معتدلا، كانت نغماتها مماثلة لنغمات حركات الأفلاك والكواكب، ~~ومناسبة لها ... اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه لو لم ~~يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات ولا نغمات، لم يكن لأهلها فائدة من ~~القوة السامعة الموجود فيهم. فإن لم يكن لهم سمع فهم صم بكم ~~عمي. وهذه حال الجمادات الجامدات الناقصات الوجود. وقد قام الدليل ~~وصح البرهان بطريق المنطق الفلسفي، أن أهل السماوات وسكان الأفلاك ~~هم ملائكة الله وخالص عباده، يسمعون ويبصرون ويعقلون ويعلمون ~~ويقرءون ويسبحون الليل والنهار ... ويقال إن فيثاغورس الحكيم سمع ~~بصفاء جوهر نفسه وذكاء قلبه نغمات حركات الأفلاك والكواكب فاستخرج ~~بجودة فطرته أصول الموسيقى ونغمات الألحان، وهو أول من تكلم في هذا ~~العلم، ثم بعده نيقوماخس وبطليموس وإقليدس وغيرهم من الحكماء. ~~وهذا كان غرض الحكماء من استعمالهم الألحان الموسيقية ونغم الأوتار ~~في الهياكل وبيوت العبادة؛ وخاصة الألحان المحزنة المرققة للقلوب ~~القاسية المذكرة للنفوس الساهية والأرواح اللاهية الغافلة عن ~~سرور عالمها الروحاني ومحلها النوراني ... ولإخراجها من عالم الكون ~~والفساد، ولتخليصها من غرق بحر الهيولى، ونجاتها من أسر الطبيعة» ~~(5: 1، 205-210). # على أن انقسام الموجودات إلى عالم علوي وعالم سفلي، لا يعني ~~استقلال كل عالم بنفسه عن الآخر؛ لأن العالم بأسره يشبه مدينة ~~واحدة أو حيوانا واحدا ذا نفس واحدة تسري قواها في العالمين ~~جميعا من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض. في هذه المنظومة ~~المتكاملة تلعب الكواكب السيارة دورا فاعلا في نقل النور والفيض ~~والقوى من الأعلى إلى الأسفل: ~~«واعلم يا أخي أن أول قوة تسري من النفس الكلية نحو العالم، فهي ~~في الأشخاص الفاضلة النيرة التي هي الكواكب الثابتة، ثم بعد ذلك في ~~الكواكب السيارة، ثم بعد ذلك فيما دونها من الأركان ms066 الأربعة، وفي ~~الأشخاص الكائنة منها من المعادن والنبات والحيوان. # واعلم بأن مثال سريان قوى النفس الكلية في الأجسام الكلية ~~والجزئية جميعا كمثال سريان نور الشمس والكواكب في الهواء ومطارح ~~شعاعاتها نحو مركز الأرض. # واعلم يا أخي بأن الكواكب ~~السيارة ترتقي تارة بحركاتها إلى أعلى ذرا أفلاكها وأوجاتها، وتقرب ~~من تلك الأشخاص الفاضلة التي تسمى الكواكب الثابتة، وتستمد منها ~~النور والفيض والقوى؛ وتارة تنحط إلى الحضيض، وتقرب من عالم الكون ~~والفساد، وتوصل تلك الفيضات والقوى إلى هذه الأشخاص السفلية، فتسري ~~فيها كما تسري قوة النفس الحيوانية في الدماغ، ثم بتوسط الأعصاب ~~تصل إلى سائر أطراف البدن، كما بينا في رسالة الحاس والمحسوس. ~~فإذا وصلت تلك القوى والفيضات مع شعاعاتها إلى هذا العالم فإنها ~~تسري أولا في الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء ~~والأرض، ثم يكون ذلك سببا لكون الكائنات التي هي المعادن والنبات ~~والحيوان» (3: 1، 146-147). # أما عن كيفية نشوء الجزئيات المولدات، التي هي المعادن والنبات ~~والحيوان، عن الأركان الأربعة، فللإخوان فيها نظرية تدل على تفكير ~~علمي مادي سليم: ~~«واعلم يا أخي بأن هذه الأركان الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض، ~~فيصير الماء تارة هواء، وتارة أرضا، وهكذا أيضا حكم الهواء، ~~فإنه يصير تارة ماء، وتارة نارا. وكذلك النار، وذلك أن النار إذا ~~أطفئت وخمدت صارت هواء، والهواء إذا غلظ صار ماء، والماء إذا جمد ~~صار أرضا، وعكس ذلك أن الأرض إذا تحللت ولطفت صارت ماء، والماء ~~إذا ذاب صار هواء، والهواء إذا حمي صار نارا، وليس للنار أن تلطف ~~فتصير شيئا آخر، ولا للأرض أن تغلظ فتصير شيئا آخر. ولكن إذا ~~اختلطت أجزاء هذه الأركان بعضها ببعض، كان منها المتولدات الكائنات ~~الفاسدات التي هي المعادن والنبات والحيوان. وأصل هذه كلها ~~البخارات والعصارات إذا امتزج بعضها ببعض، فالبخار ما يصعد من ~~لطائف البحار والأنهار والآجام في الهواء من إسخان الشمس والكواكب ~~لها بمطارح شعاعاتها؛ والعصارات مما ينجلب في باطن الأرض من مياه ~~الأمطار، وتخلط بالأجزاء الأرضية وتغلظ، فتنضجها الحرارة ~~المستنبطة في عمق ms067 الأرض. # اعلم بأن أول ما يستحيل هي الأربعة الأركان إلى هذين الخليطين، ~~أعني البخارات والعصارات، ويكون هذان الخليطان هيولى ومادة لسائر ~~الكائنات الفاسدات التي تحت فلك القمر، وذلك أن الشمس والكواكب إذا ~~سخنت المياه ... قللت المياه، ولطفت أجزاء الأرض، وصارت بخارا ~~ودخانا. والبخار والدخان يصيران سحابا، والسحاب يصير أمطارا، ~~والأمطار إذا بللت التراب واختلطت الأجزاء الأرضية بالأجزاء ~~المائية، تتكون منها العصارات، والعصارات تكون مادة وهيولى ~~للكائنات التي هي المعادن والنبات والحيوان» (17: 2، ~~57-58). # وينسب الإخوان كل الحوادث التي تجري في العالم السفلي الذي دون ~~فلك القمر إلى قوى طبيعية يجملونها تحت اسم «الطبيعة»، وهي القوى ~~التي يدعوها الدين بالملائكة. وهي تمارس نشاطها الخلاق بواسطة ~~الأشخاص الفلكية: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الطبيعة: إنما هي ~~قوة من قوى النفس الكلية، منبثة منها في جميع الأجسام التي دون فلك ~~القمر، سارية في جميع أجزائها كلها، تسمى باللفظ الشرعي الملائكة ~~الموكلين بحفظ العالم وتدبير الخليقة، بإذن الله، وتسمى باللفظ ~~الفلسفي: قوى طبيعية، وهي فاعلة في هذه الأجسام بإذن الباري، جل ~~ثناؤه ... والأشخاص الفلكية للطبيعة كالأدوات للصانع، وذلك أن الفلك ~~يدوم دورانه حول الأرض في كل أربع وعشرين ساعة دورة واحدة، وبحركات ~~كواكبه ومطارحه شعاعاته في سمك الهواء على سطح الأرض والبحار ~~وإسخانها لا، يحلل المياه فيصيرها بخارا، ويلطف أجزاء التراب ~~فيصيرها دخانا، وتختلطان، ويكون منهما المزاجات كما يكون من أصباغ ~~المصورين. ثم إن قوى النفس الكلية الفلكية السارية في جميع الأجسام ~~المسماة الطبيعة، تنقش وتصور وتصوغ من تلك المزاجات والأخلاط أجناس ~~الكائنات التي هي الحيوان والنبات والمعادن، بإذن الله، عز وجل» ~~(18: 2، 63-65). # على أن الطبيعة في تكوينها للمولدات الجزئيات في عالم الكون ~~والفساد، لا تعمل مستقلة عن الباري عز وجل، فهي قوة من قوى النفس ~~الكلية، والنفس الكلية فيض عن المبدع الأول: ~~«واعلم أن الله تعالى غير محتاج في أفعاله إلى الأدوات والآلات ~~والأماكن والأزمان والهيولى والحركات، بل فعله الخاص به هو: ~~الإبداع والاختراع، إذ الاختراع هو الإخراج من العدم ms068 إلى الوجود ~~... # واعلم أن طائفة من المجادلة أنكرت أفعال الطبيعة لما جهلت ماهية ~~الطبيعة نفسها، ولم تدر أنها ملك من ملائكة الله تعالى الموكلين ~~بتدبير عالمه وإصلاح خلائقه، فنسبت كل أفعال الطبيعة إلى الباري، ~~جل ثناؤه، حسنة كانت أم سيئة، خيرا كانت أم شرا. وفيهم من نسب ~~ما كان حسنا إلى الباري وما كان قبيحا إلى غيره ... # واعلم يا أخي أن الباري، جل ~~ثناؤه، لا يباشر الأجسام بنفسه، ولا يتولى الأفعال بذاته، بل ~~يأمر ملائكته الموكلين، وعباده المؤيدين، فيفعلون ما يؤمرون ... ~~واعلم يا أخي أن هذه الصنائع والأفعال التي تجري على أيدي عباده، ~~إذا نسبت إلى الباري، جل جلاله، فإن نسبتها على مثل نسبة أفعال ~~الملوك، إذا قيل: بنى فلان الملك مدينة كذا، وحفر نهر كذا، وعمر ~~بلد كذا ... فلأن ذلك كان بأمرهم وإرادتهم ومشيئتهم وعنايتهم، لا ~~أنهم تولوا الأفعال بأنفسهم أو باشروا الأعمال بأجسامهم» (19: 2، ~~127-129). # فيما يأتي من هذا الفصل سوف نركز على العالم السفلي، عالم الكون ~~والفساد، الذي هبطت إليه النفوس الجزئية من عالمها الروحاني، كيما ~~تستكمل فضائلها وتسعى لإعتاق نفسها من هيولى المادة وظلمة الأجسام ~~الكثيفة. فهذا العالم هو الذي ينشط فيه الإنسان الذي وضع الإخوان ~~رسائلهم من أجل الكشف عن بصيرته وإفهامه شرطه. # في كيفية نضد عالم الكون والفساد # في وصفنا لكيفية نضد العالم، قلنا: إن العالم السفلي الذي ينتظم ~~تحت فلك القمر يتألف من كرتين هما آخر الأكر الإحدى عشرة التي ~~يتكون منها العالم بأسره، وهما كرة الهواء وكرة الأرض؛ لأن الأرض ~~والماء كرة واحدة. ولكن الإخوان يعودون إلى إعطائنا تفصيلات أكثر ~~بخصوص نضد عالم الكون والفساد ودوائره المتتابعة. ~~«فأول الدوائر التي دون فلك القمر دائرة الأثير وهي دائرة كرية ~~نارية حادثة من تحريك فلك القمر وما يتصل به من أفلاك الكواكب ~~ونيران حرارات دوران الأفلاك واصطكاكاتها وتموجها وشعاعاتها، ~~وتجتمع كلها تحت فلك القمر. وكيفية هذه الدائرة وردية متموجة ~~متحركة مستديرة، ينحط منها إلى العالم قوى نارية، والنار التي في ~~العالم منها، ويكون وصولها إلى ms069 العالم بوصول نور الشمس وهي الحرارة ~~التي تنحل بنور الشمس مما دون فلك القمر، تقوى في الصيف وتضعف في ~~الشتاء ... ومن فعل دائرة الأثير في العالم يكون التسخين والنضج ~~وإصلاح الغذاء، وهي النار المستضاء بها من ظلمات الليل، وهي نار ~~جزئية من النار الكلية. # ومن تحتها دائرة الزمهرير؛ وكيفيتها كرية لونها أزرق وتحمر، ~~وحدوثها من الهواء والبخارات الصاعدة من الأرض، فإذا وصلت إلى سطح ~~كرة الأثير تعذر عليها نفوذها فوقفت مرتبة تحتها. منها ينبث إلى ~~العالم ما يحدث في الشتاء من البرد والأمطار والثلوج، وما شاكل ~~ذلك، إذا بعدت الشمس وضعف فعل دائرة الأثير ... وفعلها البرد ~~والرطوبة، ووصولها يكون بوصول [نور] القمر، ويزيد بزيادته وينقص ~~بنقصانه. # ومن تحتها دائرة النسيم # 3 # وكيفيتها مستديرة ممتزجة، ولونها اسمانجوني، وهو لون ~~السماء، وتبيض بإشراق الشمس والقمر والكواكب عليه، تضيء بالنهار ~~وتظلم بالليل، وهي مهيأة لقبول الأنوار وتضيء بحسب قواها فيها ~~ووصولها إليها وإشراقها عليها. وفعل هذه الدائرة في العالم تغذية ~~الأجسام وحفظها على استواء النظام، وترويح الحرارة الغريزية ~~والنفس، وحفظ القوة والحركة، وطيبة العيش ولذة الحياة. وهي معتدلة ~~تميل مع ما يقوى عليها ويتصل بها، تبرد في الشتاء بما يتصل بها من ~~قوة الزمهرير، وتحمى في الصيف بما يتصل بها من قوة حر الأثير، وما ~~يكون من فعل الشمس والقمر وبقية الكواكب، ذلك تقدير العزيز ~~العليم. # ودون دائرة الهواء دائرة الماء، وهي مستديرة حائطة بالأرض، ~~والهواء حائط بها، فما ينشفه الهواء ويصعد به ويعرج معه بالبخارات ~~الصاعدة مع لطائف الأمهات حتى يتصل بدائرة الزمهرير ويسخن بحرارة ~~الأثير، وتشرق الشمس عليه مع شعاعات الكواكب، فيصير مطرا وغيثا ~~يغاث به أهل الأرض ويصير حلوا طيبا سائغا ... ومنه ما يكون قبل ~~صعوده ملحا أجاجا كالبحار المالحة ... # وبعد دائرة الماء دائرة الأرض وهي التراب، وكيفيتها مستديرة، ~~ولونها أسود، كثيفة جامدة، وعلى بسيطها مستقر الجثمانيين، وعلى ~~ظهرها إشراق أنوار الروحانيين ... وهي مهبط الوحي والملائكة ~~المقربين، وفي باطنها سكون المعادن، وفي البقاع الطيبة يستقر الماء ~~المعين الذي هو لذة ms070 للشاربين سطحها مما يلي الأفلاك هو وجهها، وهو ~~مقر العالم الجسماني، والخلق الإنساني ... # وإذ قد ذكرنا الدوائر التي هي دون فلك القمر إلى منتهى مركز ~~الأرض، فلنذكر الدوائر التي على سطح الأرض، الكائنة فيها، الصاعدة ~~عنها، المستقرة عليها. # اعلم أيها الأخ أنه أول ما بدأ في باطن الأرض، وتحرك بالكون، ~~المعادن؛ وهي دائرة كانت ذات قوة كامنة، كثيفة وثقيلة، منها صلبة ~~ورخوة، ذات ألوان وأصباغ وزيادة ونقصان ... ولكل شكل منها فعل يختص ~~به وقوة توجد فيه. ثم الدائرة التي فوقها التالية لها دائرة ~~النبات، وهي مرتفعة عن الأرض بعد كونها مرتفعة نحو المحيط، قابلة ~~لما ينزل عليها، وفعلها الغذاء للحيوان، وهي الواسطة بينه وبين ~~الأرض بما يتناوله من ثمارها وحبوبها ... # والدائرة التي من فوقها دائرة الحيوان ... وهي حائطة بدائرة ~~النبات، قاهرة لما يكون فيها، تأكل منها وتتغذى بها، ولكل جنس منها ~~عمل وهو عامل له، وفعل يختص به، وفيها للإنسان منافع. والدائرة ~~المرتبة فوق هذه الدوائر، التي هي لها كالفلك المحيط بالأفلاك، ~~دائرة عالم الإنسان، إذ كان المتحكم فيها كلها ... # وهذه النفوس الحيوانية المرتبة تحت الإنسان بالطاعة له والانقياد ~~لأمره ونهيه، هم الملائكة الذين سجدوا لآدم، عليه السلام، وأقروا ~~بالطاعة، وهم صور وأشباح للملائكة الذين هم سكان السماوات وعالم ~~الأفلاك» (49: 4، 225-229). # في صفة الأرض # يقول الإخوان في مطلع رسالة الجغرافيا: «من أجل أن مذهب إخواننا، ~~أيدهم الله وإيانا بروح منه، هو النظر في جميع الموجودات والبحث عن ~~مبادئها وعن علة وجدانها، وعن مراتب نظامها، والكشف عن كيفية ~~ارتباط معلولاتها بعللها بإذن باريها، جل ثناؤه، احتجنا إلى أن ~~نذكر حال الأرض وكيفية صورتها، وسبب وقوفها في مركز العالم. وذلك ~~أن المعرفة بحالها وبكيفية وقوفها في الهواء، من العلوم الشريفة؛ ~~لأن عليها وقوف أجسامنا، ومنها بدأ كون أجسادنا ونشوءها ومادة ~~بقائها، وإليها عودها عند مفارقة نفوسها. وأيضا، فإن النظر في ~~هذا العالم يكون سببا لترقي همم نفوسنا إلى عالم الأفلاك مسكن ~~العليين. وكثرة أفكارنا في عالم الأفلاك مسكن العليين. وكثرة ~~أفكارنا في ms071 عالم الأفلاك تكون سببا لانتباه نفوسنا من نوم الغفلة ~~ورقدة الجهالة، ويدعوها ذلك إلى الانبعاث من عالم الكون والفساد ~~إلى عالم البقاء والدوام» (4: 1، 158-159). # وفي الحقيقة فإن ما قدمه لنا الإخوان في وصف الأرض، يدل على ~~معارف جغرافية واسعة تتفق في خطوطها العامة مع معارفنا الراهنة. ~~فقد قاسوا محيط الأرض، وحددوا مركزها وطول قطرها، وأعطونا فكرة ~~شاملة عن مناخاتها وأقاليمها، وعدد بحارها، وأهم سلاسل جبالها، ~~وعدد أنهارها الرئيسة وأطوالها. وحددوا قطب الشمال وقطب الجنوب، ~~ورسموا خط الاستواء وخطوط العرض والطول، والخط الطولي الرئيس الذي ~~ندعوه اليوم بخط غرينتش. وإليكم بعض ما قدموه من معلومات: ~~«وقبل وصفها [الأقاليم]، نحتاج إلى أن نذكر صفة الأرض وجهاتها ~~الست، وكيفية وقوفها في الهواء. أما الجهات فهي الشرق والغرب ~~والجنوب والشمال والفوق والأسفل. فالشرق من حيث تطلع الشمس، والغرب ~~من حيث تغرب الشمس، والجنوب من حيث مدار سهيل [= السرطان]، والشمال ~~من حيث مدار الجدي والفرقدين، والفوق مما يلي السماء، والأسفل مما ~~يلي مركز الأرض. # والأرض جسم مدور مثل الكرة وهي واقفة في الهواء ... والهواء محيط ~~بها من جميع جهاتها شرقها وغربها وجنوبها وشمالها ... وبعد الأرض من ~~السماء من جميع جهاتها متساو. وأعظم دائرة في بسيط الأرض 25455 ~~ميلا 6855 فرسخا، وقطر هذه الدائرة هو قطر الأرض 6551 ميلا 2167 ~~فرسخا بالتقريب. ومركزها هي نقطة متوهمة في عمقها على نصف القطر، ~~وبعدها من ظاهر سطح الأرض ومن سطح البحر من جميع الجهات متساو ... ~~وليس شيء من ظاهر سطح الأرض من جميع جهاتها هو أسفل الأرض كما ~~يتوهم كثير من الناس ... وذلك أنهم يتوهمون بأن سطح الأرض من الجانب ~~المقابل لموضعنا هو أسفل الأرض، وليس الأمر كما توهموا ... وذلك أن ~~أسفل الأرض بالحقيقة هو نقطة وهمية في عمق الأرض ... فأما سطحها ~~الظاهر المماس للهواء، وسطح البحار من جميع الجهات، فهو فوق ~~... # واعلم يا أخي أن الإنسان أي موضع وقف على سطح الأرض ... فقدمه ~~أبدا يكون فوق الأرض، ورأسه إلى فوق، مما يلي السماء، ورجلاه ~~أسفل، مما يلي ms072 مركز الأرض. وهو يرى من السماء نصفها، والنصف الآخر ~~يستره عنه حدبة الأرض، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الموضع إلى ~~الموضع الآخر، ظهر له من السماء مقدار ما خفي عنه من الجهة الأخرى» ~~(4: 1، 160-161). # وفي تعليلهم لسبب وقوف الأرض في وسط الهواء، يكشف الإخوان عن ~~معرفتهم العامة بقانون الجاذبية: ~~«وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقاويل؛ منها ما ~~قيل: إن سبب وقوفها هو جذب القلب لها من جميع جهاتها بالسوية، فوجب ~~لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الجذب من جميع الجهات؛ ومنها ما ~~قيل: إنه الدفع بمثل ذلك، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة ~~الدفع من جميع الجهات؛ ومنها ما قيل: إن سبب وقوفها في الوسط هو ~~جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط؛ لأنه لما كان ~~مركز الأرض مركز الفلك أيضا، وهو مغناطيس الأثقال بينما مركز ~~الأرض، وأجزاء الأرض لما كانت كلها ثقيلة انجذبت إلى المركز، وسبق ~~جزء واحد وحصل في المركز، ووقف باقي الأجزاء حولها، يعني حول ~~النقطة، يطلب كل جزء منها المركز، فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة ~~واحدة بذلك السبب ... والوجه الرابع ما قيل في سبب وقوف الأرض في وسط ~~الهواء هو خصوصية الموضع اللائق بها، وذلك أن الباري، عز وجل، جعل ~~لكل جسم من الأجسام الكليات، يعني النار والهواء والماء والأرض، ~~موضعا مخصوصا هو أليق المواضع به، وهكذا القمر وعطارد والزهرة ~~والشمس والمريخ والمشتري وزحل، جعل لكل واحد منها موضعا مخصوصا ~~في فلكه هو ثابت فيه والفلك يديره معه» (4: 1، 162). ~~«الأرض نصفها مغطى بالبحر الأعظم المحيط، والنصف الآخر مكشوف؛ ~~مثلها مثل بيضة غائصة نصفها في الماء والنصف الآخر ناتئ من الماء. ~~وهذا النصف المكشوف نصف منه خراب مما يلي الجنوب من خط الاستواء ~~والنصف الآخر الذي هو الربع المسكون مما يلي الشمال من خط ~~الاستواء. وخط الاستواء هو خط متوهم ابتداؤه من المشرق إلى المغرب ~~تحت مدار رأس برج الحمل، والليل والنهار أبدا على ذلك الخط ~~متساويان، والقطبان هناك ms073 ملازمان للأفق، أحدهما مما يلي مدار سهيل ~~[= السرطان] والآخر في الشمال مما يلي الجدي ... وهذا الربع الشمالي ~~المسكون من الأرض سبعة أبحر كبار، وفي كل بحر منها عدة جزائر، ~~تكسير كل جزيرة منها عشرون فرسخا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ. ~~فمنها بحر الروم وفيه نحو خمسين جزيرة، ومنها بحر الصقالبة وفيه ~~نحو ثلاثين جزيرة، ومنها بحر جرجان وفيه خمس جزائر، ومنها بحر ~~القلزم وفيه نحو خمس عشرة جزيرة، ومنها بحر فارس وفيه سبع جزائر، ~~ومنها بحر السند والهند وفيه نحو ألف جزيرة، ومنها بحر الصين وفيه ~~نحو مائتي جزيرة ... وأما بحر الغرب وبحر يأجوج ومأجوج وبحر الزنج، ~~وبحر الزانج، والبحر الأخضر، والبحر المحيط فخارج عن هذا الربع ~~المسكون، وكل واحد من هذه الأبحر شعبة وخليج من البحر المحيط، ~~وكلها مالح. # وفي هذا الربع أيضا مقدار مائتي جبل طوال، منها ما طوله من ~~عشرين فرسخا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ ... ومنها ما يمتد طوله من ~~المشرق إلى المغرب، أو من الجنوب إلى الشمال، ومنها ما يتنكب ما ~~بين المشرق والجنوب، ومنها ما يتنكب ما بين المشرق والشمال ... وفي ~~هذا الربع أيضا مقدار مائتين وأربعين نهرا، طول كل نهر منها من ~~عشرين فرسخا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ. فمنها ما جريانه من ~~المشرق إلى المغرب، ومنها ما جريانه من الغرب إلى الشرق، ومنها من ~~الشمال إلى الجنوب، ومنها من الجنوب إلى الشمال، ومنها ما يتنكب من ~~هذه الجهات. وكل هذه الأنهار تبتدئ من الجبال وتنتهي إلى البحار في ~~جريانها وإلى البطائح والبحيرات، وتسقي في ممرها المدن والقرى ~~والسوادات، وما يفضل من مائها ينصب إلى البحار، ويختلط بماء البحر، ~~ثم يصير بخارا ويصعد في الهواء، وتتراكم منه الغيوم وتسوقه الرياح ~~إلى رءوس الجبال والبراري، ويمطر هناك ويسقي البلاد، فتجري الأودية ~~والأنهار ويرجع إلى البحار من الرأس، وذلك دأبها. # وفي هذا الربع سبعة أقاليم تحتوي على سبعة عشر ألف مدينة كبيرة، ~~يملكها نحو من ألف ملك ... كل إقليم منها كأنه بساط ms074 مفروش قد مد ~~طوله من المشرق إلى المغرب وعرضه من الجنوب إلى الشمال ... واعلم أن ~~هذه الأقاليم السبعة ليست أقاليم طبيعية، وإنما خطوط وهمية وضعتها ~~الملوك الأولون الذين طافوا الربع المسكون من الأرض؛ ليعلموا بها ~~حدود البلدان والمسالك والممالك. وأما ثلاثة أرباعها الباقية ~~فمنعهم من سلوكها الجبال الشامخة والمسالك الوعرة، # 4 # والبحار الزاخرة، والأهوية المتغيرة المفرطة التغير من ~~الحر والبرد والظلمة. مثال ذلك ما في ناحية الشمال مما يلي مدار ~~الجدي، فإن هناك بردا مفرطا جدا؛ لأنه ستة أشهر يكون الشتاء ~~هناك ليلا كله، فيظلم الهواء ظلمة شديدة، وتجمد المياه بشدة ~~البرودة، ويتلف النبات والحيوان. وفي مقابل هذا الموضع في ناحية ~~الجنوب حيث مدار سهيل [= السرطان] يكون نهارا كله، ستة أشهر صيفا ~~... # فاعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن ~~حدود الأقاليم معتبرة بساعات النهار وتفاوت الزيادة فيها. وبيان ~~ذلك أنه إذا كانت الشمس في أول برج الحمل كان طول الليل والنهار ~~وساعاتهما تتساوى في هذه الأقاليم كلها. فإذا سارت الشمس في درجات ~~برج الحمل والثور والجوزاء، اختلفت ساعات نهار كل إقليم، حتى إذا ~~بلغت آخر الجوزاء الذي هو أول السرطان، صار طول النهار في وسط ~~الإقليم الأول ثلاث عشرة ساعة، وفي وسط الإقليم الثاني ثلاث عشرة ~~ساعة ونصفا، وفي وسط الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة ... وفي المواضع ~~التي عرضها ست وستون درجة وما زاد إلى تسعين درجة، يصير نهارا ~~كله. # واعلم أن معنى كل طول بلدة ومدينة هو بعدها من أقصى المغرب [= ~~خط غرينتش]، ومعنى عرضها: هو بعدها من خط الاستواء، وخط الاستواء ~~هو الموضع الذي يكون الليل والنهار هناك أبدا متساويين. فكل مدينة ~~على ذلك الخط فلا عرض لها، وكل مدينة في أقصى المغرب فلا طول لها ~~أيضا ... # واعلم أن الأرض بجميع ما عليها من الجبال والبحار بالنسبة إلى ~~سعة الأفلاك ما هي إلا كالنقطة في الدائرة، وذلك أن في الفلك ألفا ~~وتسعة وعشرين كوكبا، أصغر كوكب منها مثل الأرض ثماني عشرة مرة، ~~وأكبرها مائة ms075 وسبع مرات، فلشدة البعد وسعة الأفلاك تراها كأنها ~~الدر المنثور على بساط أخضر. فإذا فكر الإنسان في هذه العظمة، ~~تبين له حكمة الصانع وجلالة عظمته، فينتبه من نوم الغفلة ورقدة ~~الجهالة، ويعلم أنه ما خلق هذه الأشياء إلا لأمر عظيم، وذلك قوله ~~تعالى # ما خلقنا السموات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق ... ~~. # 5 # واعلم يا أخي بأن من دخل الدنيا وعاش فيها زمنا طويلا مشغولا ~~بالأكل والشرب والنكاح، دائبا في طلب الشهوات ... متمنيا الخلود ~~فيها، تاركا لطلب العلم، مهملا لرياضة النفس، متوانيا في ~~الاستعداد للرحلة إلى الدار الآخرة، حتى إذا فني العمر ... ثم خرج من ~~هذه الدار جاهلا لم يعرف صورتها، ولم يفكر في الآيات التي في ~~آفاقها ... فمثلهم مثل قوم دخلوا إلى مدينة ملك عظيم حكيم عادل، قد ~~بناها بحكمته، وأعد فيها من طرائف صنعته ما يقصر الوصف عنها إلا ~~بالمشاهدة لها ... ثم دعا عبادا له إلى حضرته ليمنحهم بالكرامة، ~~وأمرهم بالورود إلى تلك المدينة في طريقهم، لينظروا إليها ويبصروا ~~ما فيها، ويتفكروا في عجائب مصنوعاته، ويعتبروا غرائب مصوراته، ~~ليروض بها نفوسهم، فيصيرون برؤيتها ومعرفتها حكماء أخيارا فضلاء، ~~فيصلون إلى حضرته، ويستحقون كرامته. فوردها قوم ليلا فباتوا طول ~~ليلتهم مشغولين بالأكل والشرب واللعب واللهو، ثم خرجوا منها ~~سحرا لا يدرون من أي باب دخلوا، ولا من أيها خرجوا، ولا رأوا ~~مما فيها شيئا من آثار حكمته وغرائب صنعته، ولا انتفعوا بشيء منها ~~أكثر من تمتعهم تلك الليلة بالأكل والشرب حسب. فهكذا حكم أبناء ~~الدنيا الواردين إليها جاهلين، الماكثين فيها متحيرين مكرهين، ~~المنكرين أمر الدار الآخرة، الراحلين عنها كما قال الله، جل ثناؤه: # ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~» # 6 ~~(4: 1، 162-169). # حول هذه الكرة الأرضية التي وصفناها بمقاطع منتقاة من رسائل ~~إخوان الصفاء، تنشط في كرة الهواء ظواهر جوية ذات أثر كبير في ~~الحياة الأرضية، مثل حركة الرياح والضباب والغيوم والرعود والبروق ~~والصواعق والشهب والمذنبات. وقد وصف الإخوان هذه الظواهر وعللوها ~~تعليلات علمية تتفق في معظمها ms076 مع ما قدمته لنا العلوم الحديثة. وفي ~~الأحوال التي قصروا فيها عن بلوغ الأرب وإصابة الحقيقة، فإن ~~تقصيرهم لا يعزى إلى خلل في المنهج، وإنما إلى محدودية مساحة ~~المعرفة العلمية في ذلك الزمان. # في الظواهر الطبيعية ~~«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ~~لما فرغنا من ذكر الأركان الأربعة، أردنا أن نذكر في هذه الرسالة ~~الملقبة بالآثار العلوية حوادث الجو وتغييرات الهواء وكيفية ~~حدوثها بتأثيرات الأشخاص الفلكية فيها. ولكن من أجل أن كثيرا من ~~الناس العقلاء يظنون أن المطر ينزل من السماء من بحر هناك، وأن ~~البرد يقع من جبال، ثم يستشهدون على صحة ظنونهم بقوله عز وجل: ~~... وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا # 7 # وقوله تعالى: ~~... وينزل من ~~السماء من جبال فيها من برد ... # 8 # ولا يعرفون معاني قوله سبحانه، ولا تفسير آيات كتابه، ~~جل ثناؤه، احتجنا أن نذكر فيها طرفا لتزول الشكوك ~~والشبهة. # واعلم يا أخي بأن معنى السماء في لغة العرب هو كل ما علا ~~الرءوس، وأن المطر إنما ينزل من السحاب، والسحاب يسمى سماء ~~لارتفاعه في الجو، ويسمى أيضا السحاب جبالا لتراكمه بعض فوق بعض ~~كتراكم أركان الجبال وركود أطوادها بعضها فوق بعض، كما يرى ذلك في ~~أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوف متراكم بعضه فوق بعض» ~~(18: 2، 62-63). ~~«إنا قد بينا في رسالة السماء والعالم أن كرة الهواء محيطة ~~بكرة الأرض من جميع جهاتها، وأن سمكها من ظاهر سطح الأرض إلى أدنى ~~فلك القمر مثل قطر الأرض ست عشرة مرة ونصفها، وذلك أن قطر الأرض ~~ألفان ومائة وسبعة ستون فرسخا، فيكون سمك الهواء 35758 فرسخا» ~~(18: 2، 65). وفيما يتعلق بكرة النسيم، وهي الأدنى إلى الأرض وفيها ~~ينشط معظم الظواهر الجوية: «إن أكثر ما يكون سمك كرة النسيم ستة ~~عشر ألف ذراع ارتفاعا في الهواء، وأقله ما يطابق سطح الأرض. ومن ~~الدليل على أن أكثر ما يكون سمك كرة النسيم هذا المقدار هو أن أعلى ~~جبل يوجد على الأرض لا يجاوز ارتفاع رأسه في ms077 الهواء هذا المقدار ~~... # اعلم يا أخي أن أول ما يقبل الهواء من التغييرات والاستحالات ~~هو النور والظلمة والحر والبرد، ثم ما يحدث فيه من اختلاف الرياح ~~من كثرة البخارات المتصاعدة، والدخانات الساطعة المطبقة، وتتبعها ~~الزوابع والهالات والضباب والغيوم والرعود والبروق والصواعق ~~والهزات، ثم الأمطار والطل والندى والصقيع والثلوج والبرد وقوس قزح ~~والشهب وكواكب الأذناب، وما يتبع هذه من هيجان البحار والمد والجزر ~~في البحار» (18: 2، 68). ~~«واعلم يا أخي أن الهواء بحر واقف، لطيف الأجزاء، خفيف الحركة، ~~سريع السيلان، سهل القبول للتغيرات والحوادث. وقد بينا في ~~رسالة الحاس والمحسوس كيفية قبوله للنور والظلمة والأصوات ~~والروائح، وكيفية قبوله البرد والحر في رسالة الكون والفساد. ونريد ~~أن نصف في هذا الفصل كيفية حدوث الرياح، وكمية أنواعها وجهاتها، ~~واختلاف تصاريفها، وما العلة المحركة لها في وقت دون وقت، وفي بلد ~~دون بلد؛ ونبين أيضا كيفية سياقة الغيوم من البحار إلى البراري ~~والقفار ورءوس الجبال، وكيف تهز السحاب حتى يهطل القطر ... # واعلم أن الريح ليست شيئا سوى تموج الهواء بحركته إلى الجهات ~~الست، كما أن أمواج البحر ليست شيئا سوى حركة الماء وتدافع أجزائه ~~إلى الجهات الأربع. وذلك أن الماء والهواء بحران واقفان، غير أن ~~أجزاء الماء غليظة ثقيلة الحركة، وأجزاء الهواء لطيفة خفيفة ~~الحركة. # واعلم يا أخي أن أحد أسباب حركة الهواء، هو أن صعود البخار من ~~البحار والبراري والقفار، أثار من البحار بخارا رطبا، ومن ~~البراري والقفار دخانا يابسا، فيدفع الهواء بعضه بعضا إلى ~~الجهات، فيتسع المكان للبخارين الصاعدين. فإن كان الدخان اليابس ~~أكثر، كانت منه الرياح؛ لأن تلك الأجزاء إذا صعدت إلى أعلى كرة ~~النسيم وبردت ومنعها برد الزمهرير عن الصعود إلى فوق، عطفت عند ذلك ~~راجعة إلى أسفل، ودافعت الهواء إلى الجهات الأربع، فكانت منها ~~الرياح المختلفة. # واعلم أن الرياح كثيرة التصاريف في الجهات الست، ولكن جملتها ~~أربعة عشر نوعا، المعروف منها عند جمهور الناس أربع ... وذلك أن ~~الهواء إذا تموج من المشرق إلى المغرب، يسمى ذلك التموج ريح الصبا، ~~وإذا تموج ms078 من الجنوب إلى الشمال يسمى التيمن، وإذا تموج من المغرب ~~إلى المشرق يسمى الدبور، وإذا تموج من الشمال إلى الجنوب يسمى ~~الجريباء ... # وأما التي تهب من أسفل إلى فوق، فمنها تكون الزوابع، وهما ريحان ~~تلتقيان وتصعدان، كما يلتقي الماء في الكرادات وعند نزوله في ~~البلاليع والثقب. وأما التي تهب من فوق إلى أسفل، فمنها الريح ~~الصرصر التي أهلكت عادا ... # وإذا ذكرنا ماهية الريح وكمية أنواعها وجهات هبوبها، فإنا نريد ~~أن نذكر علة تصاريفها في الجهات، وما الغرض منها، وذلك أن أحد ~~الأغراض من تصاريفها هو أن تسوق الغيم من سواحل البحار إلى البلدان ~~البعيدة والبراري المقصودة بها. # وأيضا فإن أحد الأغراض من الجبال الشامخة الطوال المسطوحة على ~~بسيط الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا هو أن تمنع الرياح من سوق ~~السحاب إلى غير البلدان والبراري المقصودة بها ... ولهذه الجبال ~~الشامخة غرض آخر، وذلك أن في أجوافها مغارات وأهوية واسعة، فإذا ~~هطلت في رءوسها الأمطار والثلوج وذابت، غاضت المياه في تلك ~~المغارات والأهوية، وصارت فيها كالمخزونة. وفي أسفل تلك الجبال ~~منافذ ضيقة تخرج منها المياه المخزونة في تلك المغارات والأهوية، ~~وهي العيون، وتجري منها جداول، وتسير منها أودية وأنهار تجري فتسقي ~~الزروع والأشجار، وما يفضل منها ينصب إلى البحار والآجام والغدران، ~~وتلطفها الشمس وتصعدها بخارا من الرأس، وتكون منها الغيوم ~~والسحاب، وتسوقها الرياح إلى المواضع المقصودة بها، كما كان عام ~~أول. وذلك دأبها أبدا، ذلك تقدير العزيز العليم ... # واعلم يا أخي أنه إذا ارتفعت البخارات في الهواء، وتدافع الهواء ~~إلى الجهات، ويكون تدافعه إلى جهة أكثر من جهة، ويكون من قدام له ~~جبال شامخة مانعة، ومن فوق له برد الزمهرير مانع، ومن أسفل مادة ~~البخارين متصلة، فما يزال البخاران يكثران ويغلظان في الهواء، ~~وتتداخل أجزاء البخارين بعضها في بعض، حتى يسخن ويكون منها سحاب ~~مؤلف متراكم. وكلما ارتفع السحاب بردت أجزاء البخارين، وانضمت ~~أجزاء البخار الرطب بعضها إلى بعض، وصار ما كان دخانا يابسا ~~ريحا، وما كان بخارا رطبا ماء وأنداء. ثم ms079 تلتئم تلك الأجزاء ~~المائية بعضها إلى بعض، وتصير قطرا بردا؛ وتثقل فتهوي راجعة من ~~العلو إلى السفل، فتسمى حينئذ مطرا ... وإن ارتفعت تلك البخارات في ~~الهواء قليلا، وعرض لها البرد، وصارت سحابا رقيقا، وإن كان ~~البرد مفرطا جمد القطر الصغار في حلل الغيم، فكان من ذلك الجليد ~~أو الثلج ... فإن عرض لها برد مفرط في طريقها جمدت وصارت بردا ~~قبل أن تبلغ إلى الأرض ... ~~... وأما البروق والرعود فإنهما يحدثان في وقت واحد، ولكن البرق ~~يسبق إلى الأبصار قبل الصوت إلى المسامع؛ لأن أحدهما روحاني الصورة ~~وهو الضوء، والآخر جسماني وهو الصوت ... وأما علة حدوثهما فهي ~~البخاران الصاعدان إذا اختلطا في الهواء، والتف البخار الرطب على ~~البخار اليابس الذي هو الدخان، واحتوى برد الزمهرير على البخار ~~الرطب، وضغطهما، فانحصر البخار اليابس في جوف البخار الرطب، والتهب ~~في جوف البخار الرطب، وطلب الخروج دفعة، وانخرق البخار الرطب، ~~وتفرقع من حرارة الدخان اليابس، كما تتفرقع الأشياء الرطبة إذا ~~احتوت عليها النار دفعة واحدة، وحدث من ذلك قرع في الهواء، واندفع ~~إلى جميع الجهات ... وانقدح من خروج ذلك البخار اليابس الدخاني ضوء ~~يسمى البرق، كما يحدث من دخان السراج المنطفئ إذا أدني من سراج ~~مشتعل ثم ينطفئ . وربما يذوب ذلك البخار ويصير ريحا، ويدور في جوف ~~السحاب، ويطلب الخروج، فيسمع له دوي وتقرقر، كما تسمع من الجوف ~~المنتفخ ريحا. وربما ينشق السحاب دفعة واحدة بشدة، فيكون من ذلك ~~صوت هائل يسمى صوت الصاعقة ... فإنها تقتل كثيرا من الحيوانات ~~القريبة منها ومن الناس أيضا ... وكذلك حكم البروق أيضا، وذلك أن ~~من شأن النار أن تتحرك إلى فوق، فإذا منعها السحاب المتراكم رجعت ~~منحطة إلى الأرض، فأحرقت ما أتت عليه من الحيوان والنبات. # وأما الهالة التي تكون حول الشمس والقمر، فإنها تدل على المطر ~~ورطوبة الهواء. وذلك أنها تحدث في أعلى سطح كرة النسيم وقتما يرتفع ~~البخار إلى هناك، ويأخذ يتألف منه الغيم. وعلتها أن النيرين إذا ~~أشرقا على ذلك السطح انعكس شعاعهما، من هناك إلى ms080 فوق، وحدث من ذلك ~~الانعكاس دائرة كما يحدث من إشراقهما على سطح الماء. ويشف رسم تلك ~~الدائرة من تحت ذلك الغيم الرقيق ... # وأما قوس قزح فإنه يحدث في سمك كرة النسيم عند ترطيب الهواء ~~مشبعا، ولا يكون وضعه إلا منتصبا قائما، وحدبته إلى فوق مما يلي ~~سطح كرة الزمهرير، وطرفاه إلى أسفل مما يلي وجه الأرض. ولا يكاد ~~يحدث إلا في طرفي النهار في الجهة المقابلة لموضع الشمس مشرقا أو ~~مغربا ... وأما علة حدوث هذا القوس فهي أيضا إشراق الشمس على أجزاء ~~ذلك البخار الرطب الواقف في الهواء، وانعكاس شعاعها منه إلى ناحية ~~الشمس. وأما أصباغه التي ترى فهي أربعة ... هذه القوس إذا حدثت وكانت ~~أصباغها مشبعة، تدل على ترطيب الهواء وكثرة العشب والكلأ وزكاء ثمر ~~الشجر وحب الزرع، فيكون ظهورها ورؤيتها كالبشارة قدمتها الطبيعة ~~للحيوان والناس ... وأما ترتيب ألوانها فإن الحمرة أبدا تكون فوق ~~الصفرة والصفرة دونها، والزرقة دون الخضرة فإن وجدت قوسا أخرى ~~دونها، ترتبت هذه الألوان في القوس السفلي عكس ذلك. ~~... وأما الحوادث التي في سمك كرة الزمهرير فهي الشهب ... وأما ~~هيولاها ومادتها فهو الدخان اليابس اللطيف، الصاعد من الجبال ~~والبراري؛ فإذا بلغت تلك المادة في صعودها إلى الفصل المشترك بين ~~كرة الزمهرير وبين كرة الأثير، استدارت هناك وتشكلت واشتعلت فيها ~~نار الأثير، كما تشتعل نار السراج في دخان السراج المنطفئ، وكما ~~تشتعل نار البرق في الدخان اليابس الدهني الذي في السحاب، وكما ~~تشتعل النار في النفط الأبيض ثم تفنيه بسرعة فينطفئ. ومما يدل على ~~أن مادتها دخان يابس كثرة ما يرى منها في سني الجدب. # وأما كيفية تشكل هذه الدخانات، إذا صعدت إلى هناك واشتعلت فيها ~~النار، فإنها إذا اعتبرت بالفكر، وجدت تارة كأنها أعمدة مخروطة ~~قائمة قاعدتها مما يلي كرة النار، ومخروطها مما يلي وجه الأرض. ~~ودليل ذلك أنه إذا اشتعلت النار فيها ترى عظيمة الاشتعال، ثم لا ~~تزال تصغر وتنخرط وتقل حتى تنطفئ. # وقد يظن كثير من الناس أن ~~انقضاض هذه الشهب هي كواكب ms081 تسقط ويرمى بها من السماء في الهواء ~~إلى الأرض، ويستدلون على صحة ظنونهم الكاذبة بقوله تعالى: # ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ... # 9 # وليس في هذه الآية دلالة على أن الكواكب هي ترمى ~~بأنفسها؛ لأنك إذا قلت: اتخذت هذه القوس لأرمي بها العدو والكفار، ~~فليس في قولك دلالة على أنك ترمي بنفس القوس، بل ترمي عنها ~~بالنشاب، فهكذا قوله تعالى: ~~... وجعلناها رجوما للشياطين ... ~~؛ # 10 # أي يرمون بالشهب؛ لأن هذه الشهب لا تحدث في الهواء إلا ~~بإشراق هذه الكواكب وشعاعاتها في الهواء، كما بينا من قبل. وقد ~~فسرنا معنى هذه الآية وأخواتها في رسائل لنا ... # ومما يدل على أن هذه الشهب تحدث قريبة من الأرض، بعيدة عن فلك ~~القمر، سرعة حركتها، فإنها في لحظة تمر من المشرق إلى المغرب، أو ~~من المغرب إلى المشرق. فلو كانت قريبة من فلك القمر لما رأيت ~~حركتها بهذه السرعة ... # وأما الكواكب ذوات الأذناب التي تظهر في بعض الأحايين قبل طلوع ~~الشمس أو بعد غروبها، فإنها لا تحدث إلا في كرة الأثير قريبا من ~~فلك القمر. والدليل على ذلك دورانها مع فلك القمر، تارة بالتقدم ~~على توالي البروج كمسير الكواكب السيارة، وتارة بالتأخر كرجوعها. ~~وأما مادتها التي تتكون منها فهي دخان وبخار لطيفان يصعدان إلى ~~هناك، فينعقدان بقوة زحل وعطارد، وتكون شفافة كشفيف البلور ... فلا ~~تزال تدور مع الفلك وتطلع وتغيب إلى أن تضحمل وتتلاشى» (17: 2، ~~68-85). # بهذا المنهج المادي في تفسير الظواهر الطبيعية، يتابع الإخوان ~~تفسير استحالات المولدات الجزئيات وهي المعادن والنبات والحيوان، ~~والتي تتكون وتحدث وتتغير وتفسد بطول الزمان والدهور، وتناوب الليل ~~والنهار، وتعاقب الفصول على الأركان الأربعة واختلاف أحوالها بموجب ~~أحكام النجوم، وبحسب أشكال الفلك ومسيرات الكواكب ومطارح ~~شعاعاتها. # في تكون المعادن # في مطلع رسالة المعادن يأخذنا الإخوان في جولة علمية شيقة أخرى ~~تكشف لنا مزيدا من أسرار الظواهر الطبيعية. فقد كان لديهم حدس ~~صائب بخصوص ما ندعوه اليوم بالعصور الجيولوجية التي تعاقبت على ~~الأرض، وبخصوص التغيرات المناخية الكبرى التي تطرأ على ms082 هذا الكوكب، ~~وتؤدي إلى إعادة تشكيل الهيئات الطبيعية على سطحه: ~~«إن الأرض بجملتها نصفان، نصف شمالي ونصف جنوبي. وظاهر كل قسم ~~منها ينقسم إلى نصفين، فتكون جملته أربعة أرباع، كل ربع منها موصوف ~~بأربعة أنواع، فمنها مواضع براري وقفار وفلوات وخراب، ومنها مواضع ~~البحار والأنهار والآجام والغدران، ومنها مواضع الجبال والتلال ~~والارتفاع والانخفاض، ومنها مواضع المراعي والقرى والمدن ~~والعمران. # واعلم يا أخي أن هذه المواضع تتغير وتتبدل على طول الدهور ~~والأزمان، وتصير مواضع الجبال براري وفلوات، وتصير مواضع البراري ~~بحارا وغدرانا وأزهارا، وتصير مواضع البحار جبالا وتلالا ~~وسباخا وآجاما ورمالا، وتصير مواضع العمران خرابا، ومواضع ~~الخراب عمرانا ... # واعلم بأن في كل ثلاثة آلاف سنة تنتقل الكواكب الثابتة، وأوجات ~~الكواكب السيارة وجوزهراتها، في البروج ودرجاتها. وفي كل تسعة آلاف ~~سنة تنتقل إلى ربع من أرباع الفلك. وفي كل ستة وثلاثين ألف سنة ~~تدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة. فبهذا السبب تختلف مسامتات ~~الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض وأهوية البلاد، ويختلف ~~تعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف عليها، إما باعتدال واستواء، ~~أو بزيادة ونقص وإفراط من الحرارات والبرودات، واعتدال منهما. ~~وتكون هذه أسبابا وعللا لاختلاف أحوال الأرباع من الأرض، ~~وتغييرات أهوية البلاد والبقاع وتبديلها بالصفات من حال إلى حال» ~~(19: 2، 91-92). # بعد ذلك ينتقل الإخوان إلى تفسير عدد من الظواهر الطبيعية، مثل ~~علة هيجان البحار وارتفاع مياهها وشدة تلاطم أمواجها، وعلة المدة ~~والجزر في البحار، وعلة اختلاف طعوم مياه العيون والينابيع، وعلة ~~ملوحة طعم مياه البحر، والزلازل والبراكين، وفيض الأنهار، ومد نهر ~~مصر، وغير ذلك مما لا يتيح لنا المجال الدخول في تفصيلاتها. نأتي ~~الآن إلى مسألة المعادن، والتي يأتي ترتيبها الأول في التكون، ثم ~~يليها النبات، ثم الحيوان. ~~«واعلم أن الجواهر المعدنية كثيرة الأنواع ... وقد ذكر بعض الحكماء ~~... أنه عرف وعد منها نحو تسعمائة نوع، كلها مختلفة الطباع والشكل ~~واللون والطعم والرائحة والثقل والخفة، والمضرة والنفع. ونريد أن ~~نذكر منها طرفا ليكون دلالة على الباقية وقياسا عليها، فنقول: إن ~~من الجواهر ms083 المعدنية ما هو حجري صلب، لكن يذوب بالنار، ويجمد إذا ~~برد، مثل الذهب والفضة والنحاس والحديد والأسرب (الرصاص الأسود ~~الرديء) والرصاص والزجاج وما شاكلها. ومنها ما هي صلبة حجرية لا ~~تذوب إلا بالنار الشديدة، ولا تنكسر إلا بالماس، كالياقوت والعقيق. ~~ومنها ترابي رخو لا يذوب ولكن ينفرك، كالأملاح والزاجات والطلق. ~~ومنها مائية رطبة تفر من النار كالزئبق. ومنها هوائي دهني تأكله ~~النار كالكباريت والزرانيخ. ومنها نباتي كالمرجان الأبيض والأحمر. ~~ومنها حيواني كالدر. ومنها طل منعقد كالعنبر والبازهرات، وذلك أن ~~العنبر إنما هو طل يقع على سطح ماء البحر، فينعقد في مواضع مخصوصة ~~في زمان معلوم ... وكذلك الدر فإنه طل يرسخ في أصداف نوع من الحيوان ~~البحري، ثم يغلظ ويجمد وينعقد فيه ... والطل هو رطوبة هوائية تجمد من ~~برد الليل وتقع على النبات والحجر والشجر والصخور. وعلى هذا القياس ~~حكم جميع الجواهر المعدنية، فإن مادتها إنما هي رطوبات ومياه ~~وأندية وبخارات تنعقد بطول الوقوف وممر الزمان في البقاع المخصوصة ~~لها. فقد تبين بما ذكرنا أن الجواهر المعدنية مركبة كلها مع ~~اختلاف أنواعها ... مركبة كلها ومؤلفة من أجزاء ترابية صلبة ثقيلة ~~مظلمة مشفة، ومن أجزاء مائية رطبة سيالة صافية بين الثقل والخفة، ~~ومن أجزاء هوائية خفيفة لينة دهنية صافية نيرة، ومن حرارة قوية أو ~~ضعيفة منضجة أو مقصرة، ومن تأليف على نسبة فاضلة أو دون ذلك من ~~النسب التأليفية ... # اعلم يا أخي أن تلك الرطوبات المختنقة في باطن الأرض والبخارات ~~المحتبسة هناك إذا احتوت عليها حرارة المعدن تحللت ولطفت وخفت ~~وتصاعدت علوا إلى سقوف تلك الأهوية والمغارات، ومكثت هناك ~~زمانا. وإذا برد باطن الأرض في الصيف، جمدت وغلظت وتقاطرت راجعة ~~إلى أسفل تلك الأهوية والمغارات، واختلطت بتربة تلك البقاع وطينها، ~~ومكثت هناك زمانا، وحرارة المعدن دائما في نضجها وطبخها، وهي ~~تصفو بطول وقوفها وتزداد ثقلا وغلظا، وتصير تلك الرطوبات بما ~~يخالطها من الأجزاء الترابية ... زئبقا رجراجا، وتصير تلك الأجزاء ~~الهوائية الدهنية، وما يتعلق بها من الأجزاء الترابية بطبخ الحرارة ~~لها بطول الزمان، ms084 كبريتا محترقا. # فإذا اختلطت أجزاء الكبريت والزئبق مرة ثانية، تمازجت واختلطت ~~واتحدت، والحرارة دائمة في نضجها وطبخها، فتنعقد عند ذلك ضروب ~~الجواهر المعدنية المختلفة. وذلك أنه إذا كان الزئبق صافيا ~~والكبريت نقيا، واختلطت أجزاؤهما، وكانت مقاديرهما على النسبة ~~الأفضل ... وكانت حرارة المعدن على الاعتدال في طبخها ونضجها، ولم ~~يعرض لها عارض من البرد واليبس قبل إنضاجها، انعقد من ذلك على طول ~~الزمان الذهب الإبريز؛ وإن عرض لها البرد قبل النضج انعقدت وصارت ~~فضة بيضاء؛ وإن عرض لها اليبس من فرط الحرارة وزيادة الأجزاء ~~الأرضية، انعقدت فصارت نحاسا أحمر يابسا ... وعلى هذا القياس تختلف ~~الجواهر المعدنية بأسباب عارضة خارجة عن الاعتدال وعن النسبة ~~الأفضل من زيادة الكبريت والزئبق ونقصانهما، وإفراط الحرارة أو ~~نقصانها، أو برد المعادن قبل نضجها أو خروجها عن الاعتدال. فعلى ~~هذا القياس حكم الجواهر المعدنية الترابية. # وأما الجواهر الحجرية مثل البلور والياقوت والزبرجد والعقيق، وما ~~شاكلها من التي لا تذوب بالنار، فإنها تنعقد من مياه الأمطار ~~والأنداء التي ترشح في تلك المغارات والكهوف والأودية التي من ~~الجبال الصلدة والأحجار الصلبة، ولا يخالطها شيء من الأجزاء ~~الترابية والطين، بل بطول الزمان كلما طال وقوفها هناك، ازدادت ~~المياه بقاء وثقلا وغلظا، وحرارة المعدن دائما في نضجها ~~وطبخها ، حتى تنعقد وتصير حجارة صلبة صافية ... # وأما حكم الجواهر الترابية في كيفية تكوينها، فهي أن تلك المياه ~~إذا اختلطت بتربة البقاع وعملت فيها حرارة المعدن، تحل أكثر تلك ~~الرطوبات، وتصير بخارا يرتفع في الهواء كما ذكرنا قبل، وما بقي ~~منه يكون محبوسا ملازما للأجزاء الأرضية، متحدا بها، عملت فيها ~~الحرارة وأنضجتها وطبختها، حتى تغلظ وتنعقد. فإن تكن تربة تلك ~~البقاع مشورجة سبخة، تكونت منها ضروب الأملاح والبوارق والشبوب، ~~وإن تكن تربة البقاع عفصة، انعقدت منها ضروب الزاجات الخضر والصفر ~~... وإن تكن تربة البقاع حصاة وترابا ورمالا مختلطة، انعقد منها ~~الجص والإسفيذاج وما شاكلها، وإن تكن تربة البقاع لينة وطينا ~~حرا انعقدت منها الكمأة، ونبتت منها ضروب العشب والحشائش ~~والأشجار والزروع» (19: 2، 104-108). # استمرارا لنظريتهم ms085 في النفوس الجزئية المنبثقة عن النفس الكلية ~~والحالة في المولدات الجزئيات، يرى إخوان الصفاء في المعادن نوعا ~~من الوعي الخافت لا يبلغ مرتبة وعي بقية المولدات من نبات وحيوان. ~~هذه الفكرة تبدو لنا أقل غرابة إذا عرفنا أن علماء الفيزياء ~~الكمومية الحديثة قد ألمحوا إلى وجود مثل هذا الوعي في المادة، ~~عندما أذهلهم سلوك بعض الجسيمات الدقيقة في التجارب المخبرية، ولم ~~يستطيعوا تفسيرها إلا بوجود وعي غامض في المادة غير الحية. يقول ~~الإخوان: ~~«واعلم يا أخي أن لهذه الجواهر خواص كثيرة، طباعها مختلفة: فمنها ~~متضادة متنافرة، ومنها متشاكلة متآلفة، ولها تأثيرات بعضها في ~~بعض، إما جذبا وإمساكا أو دفعا ونفورا. ولها أيضا شعور خفي ~~وحس لطيف كما للنبات والحيوان، إما شوقا ومحبة، وإما بغضا وعداوة ~~... والدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا قول الحكماء في كتاب ~~الأحجار ونعتهم لها أن طبيعة تؤلف طبيعة، وطبيعة تناسب طبيعة ~~أخرى، وطبيعة تلصق بطبيعة، وطبيعة تأنس بطبيعة، وطبيعة تقهر طبيعة ~~... [القائمة التي يوردها الإخوان طويلة، وهذا شرح لبعض ~~فقراتها]: # فأما الطبيعة التي تألف ~~طبيعة أخرى فمثل الألماس والذهب، فإنه إذا قرب من الذهب التصق به ~~وأمسكه ... ومثل طبيعة حجر المغناطيس في جذب الحديد، فإن هذين ~~الحجرين يابسين صلبين، بين طبيعتهما ألفة واشتياق، فإذا قرب ~~الحديد من هذا الحجر حتى يشم رائحته ذهب إليه والتصق به، وجذبه ~~الحجر إلى نفسه ... وعلى هذا القياس، ما من حجر من الأحجار المعدنية ~~إلا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر ألفة واشتياق، عرف الناس ذلك ~~أم لم يعرفوه ... وأما الطبيعة التي تقهر طبيعة أخرى فمثل طبيعة ~~السنباذج التي تأكل الأحجار عند الحك أكلا، وتلينها وتجعلها ~~ملسا. ومثل طبيعة الأسرب الوسخ الذي يفتت الماس القاهر لسائر ~~الأحجار الصلبة ... وأما الطبيعة التي تزين طبيعة أخرى وتنورها ~~فمثل النوشادر الذي يغوص في قعر الأحجار ويغسلها من الوسخ. وأما ~~الطبيعة التي تعين على طبيعة أخرى، فمثل البورق الذي يعين النار ~~على سبك هذه الأحجار المعدنية الترابية، ومثل الزاجات والشبوب التي ~~تجلوها وتنورها ms086 ... وعلى هذا القياس والمثال حكم سائر الأحجار» (19: ~~2، 110-112). ~~«وقد تبين مما ذكرنا أن الجواهر المعدنية، مع كثرة أنواعها ~~واختلاف طبائعها وفنون خواصها، أصلها كلها وهيولاها هي الأركان ~~الأربعة التي تسمى الأمهات، وهي النار والهواء والماء والأرض. ~~وتبين أيضا أن الفاعل فيها والمؤلف لأجزائها والمركب لها هي ~~الطبيعة بإذن الله تعالى؛ وتبين بأن الغرض من هذه الجواهر ~~المعدنية هو منافع الناس والحيوان، وإصلاح أمر الحياة الدنيا ~~ومعيشة الحيوان إلى وقت معلوم» (19: 2، 127). # في تكون النبات (بوادر نظرية التطور) # للإخوان نظرية في التطور الطبيعي سبقت بنحو ألف عام الفكر ~~التطوري الذي ظهر في العصور الحديثة في القرن التاسع عشر. ~~فالمولدات الكائنات التي دون فلك القمر، وهي المعادن والنبات ~~والحيوان، أصلها كلها من مادة واحدة، واختلافها بالصور فقط، وهي ~~مرتبطة ببعضها البعض في نظام تسلسلي بواسطة حلقات وصل. ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الباري، جل ~~ثناؤه، لما أبدع الموجودات واخترع الكائنات، جعل أصلها كلها من ~~هيولى واحدة، وخالف بينها بالصور المختلفة، وجعلها أجناسا ~~وأنواعا مختلفة متفننة متباينة، وقوى ما بين أطرافها، وربط ~~أوائلها وأواخرها بما قبلها رباطا واحدا على ترتيب ونظام لما فيه ~~من إتقان الحكمة وإحكام الصنعة لتكون الموجودات كلها عالما واحدا ~~منتظما نظاما واحدا وترتيبا واحدا لتدل على صانع أحد. # فمن تلك الموجودات المختلفة الأجناس، المتباينة الأنواع، ~~المربوطة أوائلها بأواخرها، وأواخرها بما قبلها في الترتيب ~~والنظام، المولدات الكائنات التي دون فلك القمر، وهي أربعة ~~أجناس: المعادن والنبات والحيوان والإنسان. وذلك أن كل جنس منها ~~تحته أنواع كثيرة، فمنها ما هو في أدون المراتب، ومنها ما هو في ~~أشرفها وأعلاها، ومنها ما هو بين الطرفين. فأدون أطراف المعادن مما ~~يلي التراب الجص والزاج وأنواع الشبوب، والطرف الأشرف الياقوت ~~والذهب الأحمر، والباقي بين هذين الطرفين من الشرف ~~والدناءة. # وهكذا أيضا حكم النبات، فإنه أنواع كثيرة متباينة متفاوتة، ولكن ~~منه ما هو في أدون الرتبة مما يلي رتبة المعادن، وهي خضراء الدمن، ~~ومنها ما هو في أشرف الرتبة مما يلي رتبة ms087 الحيوان، وهي شجرة النخل. ~~وبيان ذلك أن أول المرتبة النباتية وأدونها مما يلي التراب هي ~~خضراء الدمن، وليس بشيء سوى غبار يتلبد على الأرض والصخور ~~والأحجار، ثم تصيبه الأمطار وأنداء الليل، فيصبح بالغد كأنه نبت ~~زرع وحشائش. فإذا أصابه حر شمس نصف النهار جف ... # وأما النخل فهو آخر المرتبة النباتية مما يلي الحيوانية، وذلك أن ~~النخل نبات حيواني؛ لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات، وإن كان ~~جسمه نباتا. بيان ذلك أن القوة الفاعلة منفصلة من القوة المنفعلة، ~~والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث، ~~ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك للحيوان ... وأيضا فإن ~~النخل إذا قطعت رءوسها جفت وبطل نموها ونشوءها وماتت. كل ذلك ~~موجود في الحيوان ... # فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط، وهو ~~الحلزون، وهي دودة في جوف أنبوبة ... تخرج نصف شخصها من جوف تلك ~~الأنبوبة، وتبسط يمنة ويسرة تطلب مادة يتغذى بها جسمها ... وليس لها ~~سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق إلا الحس اللمس فقط. وهكذا أيضا ~~الديدان التي تتكون من الطين وفي قعر البحار وأعماق الأنهار ... ~~لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أن لا تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج ~~إليه في جذب المنفعة ودفع المضرة؛ لأنها لو أعطته ما لا يحتاج إليه ~~لكان وبالا عليه في حفظه وبقائه. فهذا النوع حيواني نباتي لأن ~~جسمه ينبت كما ينبت بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما؛ وهو من أجل ~~غذائه يتحرك جسمه حركة اختيارية حيوانية، ومن أجل أنه ليست له إلا ~~حاسة واحدة، فهو أنقص الحيوان رتبة في الحيوانية. وتلك الحاسة ~~أيضا فقد يشارك بها النبات، وذلك أن النبات له حس اللمس فقط. ~~والدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع الندية، وامتناعه عن ~~إرسالها نحو الصخور واليبس، وأيضا فإنه متى اتفق منبته في مضيف ~~مال وعدل عنه طالبا الفسحة والسعة ... فهذه الأفعال تدل على أن له ~~حسا وتمييزا بمقدار الحاجة. # إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليست من وجه ms088 واحد ولكن ~~من عدة وجوه. وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدنا للفضل ~~وينبوعا للمناقب، لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان ولكن عدة ~~أنواع، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها ~~ما قاربها بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثير من أخلاقه ... والفيل ~~في ذكائه، وكالببغاء والهزار ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات ~~والألحان ... وما من حيوان يستعمله الناس ويأنس بهم إلا ولنفسه قرب ~~من نفس الإنسانية» (21: 2، 166-170). # بعد شرحهم لتداخل مراتب المولدات الجزئيات يتابع الإخوان موضوع ~~تكون النبات في رسالتهم المعنونة: «في أجناس النبات» وهذه مقاطع من ~~أهم ما ورد فيها: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن النبات مصنوعات ~~ظاهرة جلية لا تخفى، ولكن صانعها وعلتها باطنة خفية محتجبة عن ~~إدراك الأبصار لها، وهي التي يسميها الفلاسفة القوى الطبيعية، ~~ويسميها الناموس الملائكة وجنود الله الموكلين بتربية النبات ~~وتوليد الحيوانات وتكوين المعادن، ونحن نسميها النفوس الجزئية. ~~والعبارات مختلفة والمعنى واحد ... # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن لكل نوع من النبات ~~أصلا، فما أصله لكيموس [= خليط] ما، وليكيموسه مزاج ما، لا يتكون ~~من ذلك المزاج إلا ذلك الكيموس، ولا يتكون من ذلك الكيموس إلا ذلك ~~النوع من النبات، وإن كان يسقى بماء واحد، وينبت في تربة واحدة، ~~ويلحقها نسيم هواء واحد، وتنضجها حرارة شمس واحدة ... وذلك أن أجزاء ~~الأركان إذا اجتمعت واختلطت وامتزجت واتحدت، صارت هيولى، ليتكون ~~النبات. والمسبب في اجتماعها واختلاطها هو دوران الأفلاك حول ~~الأركان، ومسيرات الكواكب في البروج، ومطارح شعاعاتها في جو الهواء ~~نحو مركز الأرض. كل ذلك بإذن الله تعالى ولطيف حكمته، فهو الذي خلق ~~الأفلاك وأدارها، وقسم البروج وأطلعها، وصور الكواكب وسيرها ... ~~وأما كيفية ذلك فنحن نذكرها ونبينها لقوم يعقلون ... # واعلم يا أخي، أيدك الله ~~وإيانا بروح منه، أن الشمس إذا طلعت على آفاق البلاد ... حميت مياه ~~البحار والأنهار، ولطفت أجزاؤها وصارت بخارا لطيفا خفيفا وصارت ~~غيوما ... وساقتها الرياح إلى رءوس الجبال والبراري والقفار والقرى ~~والسوادات والمزارع، وهطلت هناك الأمطار، ms089 وابتل وجه الأرض، وشرب ~~التراب رطوبة الماء، واختلطت أجزاؤه واتحدت؛ فإذا طلعت الشمس على ~~وجه الأرض وسخنتها حيث تلك الأجزاء المائية، جفت وأخذت ترتقي من ~~قعر الأرض إلى وجهها، ورفعت معها تلك الأجزاء الأرضية المتحدة بها ~~إلى ظاهر سطح الأرض، ثم إن قوى النفس البسيطة التي هي دون فلك ~~القمر السارية في الأركان، تصور من تلك المادة أنواع النبات ~~بفنون أشكالها وألوان أصباغها، كما يعمل الصناع البشريون في أسواق ~~المدن فنون المصنوعات من الهيولات الموضوعات في صناعتهم ... # واعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلية الفلكية البسيطة التي ذكرنا ~~أنها تعمل أجناس النبات وأنواعها هي التي ذكرت في كتب الأنبياء، ~~عليهم السلام، أنها ملائكة الله وجنوده ... ونحن نسمي ما كان منها ~~موكلا بالنبات النفس النباتية. واعلم يا أخي أن الله، جل ثناؤه، ~~قد أيد النفس النباتية بسبع قوى فعالة، وهي: القوة الجاذبة، ~~والقوة الماسكة، والقوة الهاضمة، والقوة الدافعة، والقوة الغاذية، ~~والقوة المصورة، والقوة النامية. # واعلم بأن كل قوة من هذه تفعل شيئا خلاف ما تفعل القوة الأخرى ~~في أجسام الحيوان والنبات. فأما أول فعلها في تكوين النبات فهو ~~جذبها عصارات الأركان الأربعة، ومصها لطينها ... ثم إمساكها لها ~~بالقوة الماسكة، ثم نضجها لها بالهاضمة، ثم دفعها إلى أطرافها ~~بالدافعة، ثم تغذيتها لها بالغاذية، ثم النمو والزيادة في أقطارها ~~بالنامية، ثم التصوير لها بأنواع الأشكال والأصباغ بالمصورة. ~~وذلك أن القوة الجاذبة إذا مصت نداوة الماء بعروق النبات ... ~~وجذبتها، انجذبت معها الأجزاء الترابية اللطيفة لشدة انجذابها، ~~فإذا حصلت تلك المادة في عروق النبات أنضجتها الهاضمة، وصارت ~~كيموسا على مزاج ما شاكلها من الجرم والعروق، وتناولتها القوة ~~الغاذية وألصقت بكل شكل ما يلائمه من تلك المادة، وزادت في أقطارها ~~طولا وعرضا وعمقا، وما فضل من تلك المادة ولطف ورق دفعته ~~إلى فوق في أصول النبات وقضبانها وأغصانها، وجذبته الجاذبة إلى ~~هناك، وأمسكته الماسكة لئلا يسيل راجعا إلى أسفل. ثم إن القوة ~~الهاضمة تنضجها مرة ~~ثانية ... # واعلم يا أخي أن النباتات هي كل جسم يخرج من ms090 الأرض ويتغذى وينمو، ~~فمنها ما هي أشجار تغرس قضبانها أو عروقها، ومنها ما هي زروع ~~تبذر حبوبها أو بذورها أو قضبانها، ومنها ما هي أجزاء تتكون من ~~أجزاء الأركان إذا اختلطت وامتزجت، كالكلأ والحشائش. فهذه ثلاثة ~~الأجناس يتنوع كل واحد منها أنواعا كثيرة من جهات عدة وصفات ~~مختلفة، نحتاج أن نذكر منها طرفا، ونشرحها ليكون قياسا على ~~باقيها ...» (21: 2، 152-158). # بعد ذلك يدخل الإخوان في تفاصيل عن هذه الأقسام الثلاثة، فيصفون ~~أشكالها وأجناسها وأماكن نموها وأزمان نموها، ويصفون ثمارها ~~وألوانها وطعومها، وما إلى ذلك مما لا نرى ضرورة للخوض فيه. # في تكون الحيوان # في رسالتهم عن كيفية تكوين الحيوانات وأصنافها، يقدم لنا إخوان ~~الصفاء فصلا جديدا في نظريتهم عن التطور الطبيعي. فالنبات ظهر ~~قبل الحيوان، والحيوان ظهر قبل الإنسان، والحيوانات الدنيا ظهرت ~~قبل الحيوانات العليا. وقد تكون الحيوان والإنسان في المناطق ~~الواقعة تحت خط الاستواء، فهناك تكون آدم وحواء ثم توالدا. أي إن ~~آدم وحواء البشريان لم يعرفا الجنة قط، وإنما عرفها آدم وحواء ~~الروحيان؛ وليست قصة الهبوط من الجنة، كما سنرى في فصول قادمة، إلا ~~رواية عن قصة هبوط النفس من مكانتها السامية وحلولها في العالم ~~المادي. كما أدرك الإخوان بحدسهم الصائب أن الحياة تكونت في ~~البحار أولا: ~~«واعلم أيها الأخ ، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الجواهر ~~المعدنية هي في أدون مراتب المولدات من الكائنات، وهي كل جسم ~~متكون منعقد من أجزاء الأركان الأربعة؛ وأن النبات يشارك ~~الجواهر في كونها من الأركان، ويزيد عليها وينفصل بأنه كل جسم ~~يتغذى من الأركان وينمو ويزيد في أقطاره الثلاثة طولا وعرضا ~~وعمقا؛ وأن الحيوان يشارك النبات في الغذاء والنمو، ويزيد عليه ~~وينفصل عنه بأنه جسم متحرك حساس؛ والإنسان يشارك النبات والحيوان ~~في أوصافها ويزيد عليها وينفصل عنها بأنه ناطق مميز، جامع لهذه ~~الأوصاف كلها. # ثم اعلم يا أخي بأن النبات ~~متقدم الكون والوجود على الحيوان بالزمان؛ لأنه مادة لها، وهيولى ~~لصورها، وغذاء لأجسادها، وهو كالوالدة للحيوان، أعني النبات. وذلك ~~أنه يمتص رطوبات ms091 الماء ولطائف أجزاء الأرض بعروقه إلى أصوله، ثم ~~يحيلها إلى ذاته، ويجعل من فضائل تلك المواد ورقا وثمارا وحبوبا ~~نضيجا، ليتناول الحيوان غذاء صافيا هنيئا مريئا، وذلك كما ~~تفعل الوالدة بالولد، فإنها تأكل الطعام نضيجا ونيئا وتناول ~~ولدها لبنا خالصا سائغا للشاربين. فلو لم يكن النبات يفعل ذلك ~~من الأركان لكان يحتاج الحيوان إلى أن يتغذى من الطين صرفا، ومن ~~التراب سفا، ويكون منغصا في غذائه وملاذه. فانظر يا أخي، أيدك ~~الله وإيانا بروح منه، إلى معرفة حكمة الباري، جل ثناؤه، كيف جعل ~~النبات واسطة بين الحيوان وبين الأركان ... لطفا من الله تعالى ~~بخلقه ... # ثم اعلم يا أخي، أيدك الله إيانا بروح منه، بأن من الحيوان ما هو ~~تام الخلقة كامل الصورة كالتي تنزو وتحبل وترضع، ومنها ما هو ناقص ~~الخلقة كالتي تتكون من العفونات، ومنها ما هو بين ذلك كالحشرات ~~والهوام، التي تنفذ وتبيض وتحضن وتربي. # ثم اعلم بأن الحيوانات الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة ~~الخلقة بالزمان في بدء الخلق، وذلك أنها تتكون في زمان قصير، والتي ~~هي تامة الخلقة تتكون في زمان طويل لأسباب وعلل يطول شرحها. ونقول ~~أيضا: إن حيوان الماء وجوده قبل وجود حيوان البر بزمان؛ لأن الماء ~~قبل التراب، والبحر قبل البر في بدء الخلق . # واعلم يا أخي بأن الحيوانات التامة الخلقة كلها كان بدء كونها من ~~الطين أولا، من ذكر وأنثى توالدت وتناسلت وانتشرت في الأرض سهلا ~~وجبلا، وبرا وبحرا، من تحت خط الاستواء حيث يكون الليل والنهار ~~متساويين، والزمان أبدا معتدلا هناك بين الحر والبرد، والمواد ~~المتهيئة لقبول الصورة موجودة دائما. وهناك أيضا تكون أبونا ~~آدم أبو البشر وزوجته، ثم توالدا وتناسلت أولادهما، وامتلأت الأرض ~~منهم سهلا وجبلا، وبرا أو بحرا إلى يومنا هذا. # ثم اعلم يا أخي بأن الحيوانات كلها متقدمة الوجود على الإنسان ~~بالزمان؛ لأنها له ولأجله، وكل شيء هو من أجل شيء آخر فهو متقدم ~~الوجود عليه. هذه الحكمة في أولية العقل لا تحتاج إلى دليل من ~~المقدمات ونتائجها؛ ms092 لأنه لو لم يتقدم وجود هذه الحيوانات على وجود ~~الإنسان لما كان للإنسان عيش هنيء ولا نعمة سائغة، بل كان يعيش ~~عيشا نكدا ... # واعلم يا أخي بأن الحيوان هو جسم متحرك حساس يتغذى وينمو ويحس ~~ويتحرك حركة مكان، وأن من الحيوان ما هو في أشرف المراتب مما يلي ~~رتبة الإنسانية، وهو ما كانت له الحواس الخمس والتمييز الدقيق ~~وقبول التعليم. ومنه ما هو في أدون رتبة مما يلي النبات، وهو كل ~~حيوان ليس له إلا حاسة اللمس حسب، كالأصداف وما كان كأجناس الديدان ~~كلها تتكون في الطين أو في الماء أو في الخل أو في لب الثمر ... ~~وهذا النوع من الحيوانات أجسامه لحمية وبدنه متخلخل وجلده رقيق، ~~وهو يمتص المادة بجميع بدنه بالقوة الجاذبة، ويحس باللمس وليس له ~~حاسة أخرى. وهو سريع التكون وسريع الهلاك والفساد والبلى ... ومنها ~~ما هو أتم وأكمل، وهو كل حيوان له لمس وذوق وشم، وليس له سمع ولا ~~بصر، وهي الحيوانات التي تعيش في قعر البحار والمياه والمواضع ~~المظلمة. ومنها ما هو أتم وأكمل، وهو كل حيوان من الهوام والحشرات ~~التي تدب في المواضع المظلمة، له لمس وذوق وسمع وشم، وليس له بصر، ~~مثل الحلمة ... ومنه ما هو أتم بنية وأكمل صورة، وهو ما له خمس حواس ~~كاملة، ثم يتفاضل في الجودة والدون ... # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن أبدان الحيوانات ~~التامة الخلقة، والناقصة الخلقة جميعا، مؤلفة ومركبة من أعضاء ~~مختلفة ... وما من عضو في أبدان الحيوانات صغيرا كان أم كبيرا إلا ~~وهو خادم لعضو آخر، ومعين له ... مثال ذلك الدماغ في بدن الإنسان، ~~فإنه ملك الجسد، ومنشأ الحواس، ومعدن الفكر، وبيت الرؤية، وخزانة ~~الحفظ، ومسكن النفس، ومجلس محل العقل. وإن القلب خادم للدماغ ~~ومعينه في أفعاله، وإن كان هو أمير الجسد، ومدبر البدن، ومنشأ ~~العروق الضوارب، وينبوع الحرارة الغريزية. وخادم القلب ومعينه في ~~أفعاله ثلاثة أعضاء أخرى، وهي الكبد والعروق الضوارب والرئة ~~... # وهكذا أيضا حكم الرئة بيت الريح، يخدمها ويعينها في ms093 أفعالها ~~أربعة أعضاء أخرى، وهي الصدر والحجاب والحلقوم والمنخران. وذلك أن ~~من المنخرين يدخل الهواء المستنشق إلى الحلقوم، ويعتدل فيه مزاجه، ~~ويصل إلى الرئة ويتصفى فيها، ثم يدخل إلى القلب ويروح الحرارة ~~الغريزية هناك، وينفذ من القلب إلى العروق الضوارب، ويبلغ إلى سائر ~~أطراف البدن الذي يسمى النبض، ويخرج من القلب الهواء المحترق إلى ~~الرئة، ومن الرئة إلى الحلقوم، ومن الحلقوم إلى المنخرين أو إلى الفم. # 11 # والصدر يخدم الرئة في فتحه لها عند استنشاق الهواء، ~~وضمه إياها عند خروج النفس. والحجب تحفظ الرئة من الآفات العارضة ~~لها عند الصدمات والدفعات واضطراب أحوال البدن. # وهكذا حكم الكبد تخدمه المعدة بانضمام الكيموس قبل وصوله إليه ... ~~وتخدمه المرارة بجذب المرة الصفراء إلى نفسها وتصفية الدم منها، ~~وتخدمه الكليتان بجذب الرطوبة الرقيقة اللينة منها إلى نفسها، وهو ~~الذي يكون منه البول؛ وتخدمه العروق المجوفة بجذب الدم إليها ~~وإيصاله إلى سائر أطراف الجسد، الذي هو مادة لجميع أجزاء البدن ... ~~وعلى هذا المثال والقياس سائر الأعضاء. والغرض الأقصى منها كلها هو ~~بقاء الشخص وتتميمه وتبليغه إلى أكمل حالاته» (22: 2، ~~180-191). # بعد ذلك يدخل الإخوان في تفاصيل مطولة عن حيوان البر وحيوان ~~الماء وطيور الجو، ويبحثون في أجناسها وأنواعها وسلوكها، مما لا ~~يتسع المجال لذكره هنا. # لقد رأينا في عرضنا لتكوين المولدات الجزئيات كيف تعمل قوى ~~الكواكب من خلال الأركان الأربعة على توليد المعادن والنبات ~~والحيوان. ولكن للكواكب أفعال أخرى في الكائنات التي دون فلك ~~القمر. سوف نعمل على شرحها فيما يأتي. # أفعال الكواكب في عالم الكون والفساد ~~«واعلم يا أخي بأن جسم العالم بأسره بمنزلة جسم إنسان واحد، وأن ~~جميع أفلاكه وطبقات سماواته وكواكب أفلاكه وأركان طبائعه ~~ومولداتها، من جملة جسمه، بمنزلة أعضاء بدن إنسان واحد ومفاصل ~~جسده؛ فإن نفسه تدير أفلاكه وتحرك كواكبها بإذن الباري، جل وعز، ~~كما تحرك نفس إنسان واحد أعضاء جسده ومفاصل بدنه؛ وإن للنفس ~~بحركات كواكبه فيما دون فلك القمر من الأركان ومولداتها، أفعالا ~~فيها وبها ومنها لا يحصي عددها إلا ms094 الله سبحانه ... فكما أن في ~~الجسد سبع قوى فعالة بها قوام أمر الجسد وصلاح حاله، وهي: القوة ~~الجاذبة، والقوة الماسكة، والقوة الهاضمة، والقوة الدافعة، والقوة ~~الغاذية، والقوة النامية، والقوة المصورة. ولكل قوة من هذه عضو ~~مخصوص من الجسد، منه تسري القوة إلى جميع أعضاء الجسد، وبه تظهر ~~أفعالها في البدن، وهي المعدة والكبد والقلب والدماغ والرئة ~~والطحال والمرارة [عددها 7]. فكما أن من هذه الأعضاء تبث هذه ~~القوى في البدن، وتنشر أفعالها في الجسد، فهكذا حكم أفعال هذه ~~الكواكب السبعة في الفلك؛ وكما أن من إفراط أفعال هذه القوى ~~ونقصانها يعرض في البدن الاضطراب والتألم، فهكذا من إفراط ~~تأثيرات هذه الكواكب ونقصان أفعال قوتها تكون المناحس والفساد في ~~عالم الكون. وشرح أحكام النجوم طويل ... ولكن نذكر منها طرفا ~~فنقول: # إنه ينبث من جرم الشمس قوة روحانية في جميع العالم، فتسري في ~~أفلاكه وأركان طبائعه ومولداتها، في جميع الأجساد الكلية ~~والجزئية، وبها يكون صلاح العالم وتمام وجوده وكمال بقائه، كما ~~تنبعث من القلب الحرارة الغريزية في جميع الجسد ... ويسمي الفلاسفة ~~هذه القوة وما انبث منها في العالم روحانيات الشمس ... ويسمي الناموس ~~هذه القوة ملكا ذا جنود وأعوان، وإسرافيل منهم صاحب ~~الصور. # وهكذا ينبث من جرم زحل قوة روحانية تسري في جميع العالم من ~~الأفلاك والأركان والمولدات، وبها يكون تماسك الصور في الهيولى، ~~وانبثاثها كما تنبث من جرم الطحال قوة الخلط السوداوي في جميع ~~الجسد ومفاصله، وبها يكون تماسك الأجزاء في البدن من العظام والعصب ~~والجلد، وجمود الرطوبات التي لو لم تكن لسال هيولى الجسد كما يسيل ~~الماء والهواء. ويسمي الفلاسفة هذه القوة روحانيات زحل، والناموس ~~يسميها ملكا ذا جنود وأعوان، وملك الموت منهم، ومنكر ونكير ~~أيضا. # وهكذا ينبث من جرم المريخ قوة روحانية تسري في جميع العالم من ~~الأفلاك والأركان والمولدات، وبها يكون النزوع والنهوض نحو ~~المطالب، والنشاط نحو الأعمال والصنائع، والترقي في المعالي، وطلب ~~الغايات للبلوغ إلى التمام والوصول إلى الكمال في الموجودات كلها. ~~وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما ينبث منها ms095 في العالم روحانيات ~~المريخ، ويسميها الناموس ملكا ذا جنود وأعوان، وجبرائيل منهم، ~~ومنهم مالك الغضبان وخزنة جهنم أجمعون. وسريانها في العالم وانبثاث ~~قواها، كما ينبث من جرم المرارة والقوة الصفراوية المميزة للأخلاط، ~~الموصلة بها إلى مواضعها المقصودة من أطراف البدن ونهايات الجسد، ~~المثيرة للغضب والحقد والحمية وما يشاكلها. # وهكذا ينبث من جرم المشتري قوة روحانية تسري في جميع العالم، بها ~~يكون اعتدال الطبائع المتضادات، وتأليف القوى المتنافرات، وسبب ~~المتولدات الكائنات، وحفظ النظام على الموجودات، كما ينبث من الكبد ~~رطوبة الدم التي بها تعتدل أخلاط الجسد، ويستوي مزاج الطبائع، ~~وينمو الجسد وتنشأ الأبدان، وتطيب الحياة ويلذ بالعيش، وتأنس ~~الأرواح وتألف النفوس. وتسمي الفلاسفة هذه القوة وما ينبث من ~~أفعالها روحانيات المشتري، ويسميها الناموس ملكا ذا جنود ~~وأعوان، ورضوان خازن الجنان منهم. # وهكذا ينبث من جرم الزهرة قوة روحانية فتسري في جميع العالم ~~وأجزائه، وبها تكون زينة العالم وحسن نظامه وبهاء أنواره، ورونق ~~الموجودات وزخرف الكائنات، والتشوق إليها والعشق لها، والمحبات ~~والمودات أجمع، كما ينبث من جرم المعدة شهوة الملاذ إلى جميع ~~مجاري الحواس، التي بها تستلذ المشتهيات وتستطاب النعم وتستحسن ~~الزينة، ومن أجلها يراد البقاء في الدنيا ولا يتمنى الوصول إلى ~~الآخرة. ويسمي الفلاسفة هذه القوة وما يتفرع منها روحانيات ~~الزهرة، ويسميها الناموس ملكا ذا جنود وأعوان، منها الحور العين ~~وخزان الجنان. # وهكذا ينبث من جرم عطارد قوة روحانية تسري في جميع جسم العالم ~~وأجزائه، بها تكون المعارف والإحساس في العالم والخواطر والإلهام ~~والوحي والنبوة والعلوم أجمع، كما تنبث من الدماغ القوة الوهمية، ~~وما يتبعها من الذهن والتخيل والروية والتمييز والفراسة والخواطر ~~والإلهام والشعور والإحساس والمعارف والعلوم أجمع. وتسمي الفلاسفة ~~هذه القوة وما يتبعها روحانيات عطارد، ويسميها الناموس ملكا ذا ~~جنود وأعوان، والولدان الذين هم خدام أهل الجنان، والكرام ~~البررة، والكرام الكاتبون منهم. # وهكذا ينبث من جرم القمر قوة روحانية تسري في جميع جسم العالم ~~وأجزائه، وتكون النفس للموجودات في العالمين جميعا، تارة من ~~عالم الأفلاك إلى عالم الكون والفساد من ms096 أول الشهر، وتارة من عالم ~~الكون والفساد نحو عالم الأفلاك من آخر الشهر. وهي القوة المتوسطة ~~بين عالم الأفلاك معدن البقاء والدوام، وبين عالم الأركان معدن ~~الكون والفساد، كما ينبث من جرم الرئة القوة التي يكون فيها ~~التنفس ... ويسمي الفلاسفة هذه القوة وما ينبث عنها من الأفعال ~~روحانيات القمر، ويسميها الناموس ملكا ذا جنود وأعوان. فبهذه ~~القوة تنزل الملائكة بالوحي والبركات من السماء، وبها يصعد بأعمال ~~بني آدم إلى السماء ... # وهكذا ينبث من كل كوكب من الثوابت قوة روحانية تسري في جميع جسم ~~العالم من أعلى الفلك الثامن الذي هو الكرسي الواسع إلى منتهى مركز ~~الأرض، كما ينبث نور الشمس في الهواء والأجسام الشفافة. وبهذه ~~القوة تحفظ صورة أجناس الموجودات في الهيولى، وبها صلاح العالم ~~وقوام وجوده بإذن الباري، عز وجل، ومنها ثبات سكان السماوات ~~والأرضيين، وإليها أشار بقوله تعالى: ~~... وما ~~يعلم جنود ربك إلا هو ... # 12 ~~... وحملة العرش منهم. (20: 2، 143-148). # قبل أن نختم فصل «صفة العالم»، لا بد من التعرف على بعض المفاهيم ~~الفيزيائية التي عالجها الإخوان بحرفية فلسفية عالية وهي: الحركة ~~والسكون، الهيولى والصورة، الزمان والمكان. # مفاهيم فيزيائية ~~«لما كان النظر في علم الطبيعيات جزءا من أجزاء صناعة إخواننا، ~~أيدهم الله، والأصل في هذا العلم هو معرفة خمسة أشياء، وهي: ~~الهيولى والصورة والحركة والزمان والمكان، وما فيها من المعاني إذا ~~أضيف بعضها إلى بعض، احتجنا أن نذكر في هذه الرسالة طرفا من معاني ~~هذه الأشياء» (15: 2، 5). # في الهيولى والصورة ~~«اعلم، وفقك الله، أن معنى قول الحكماء الهيولى، إنما يعنون به ~~كل جوهر قابل للصورة، وقولهم الصورة، يعنون به كل شكل ونقش يقبله ~~الجوهر. # واعلم أن اختلاف الموجودات إما هو بالصورة لا بالهيولى، وذلك أنا ~~نجد أشياء كثيرة جوهرها واحد، وصورها مختلفة. مثال ذلك: السكين ~~والسيف والفأس والمنشار وكل ما يعمل من الحديد من الآلات والأدوات ~~والأواني، فإن اختلاف أسمائها من أجل اختلاف صورها، لا من أجل ~~اختلاف جواهرها؛ لأن كلها بالحديد واحد ... وعلى هذا المثال يعتبر ~~حال الهيولى والصورة ms097 في المصنوعات كلها؛ لأن كل مصنوع لا بد له من ~~هيولى وصورة يركب منهما. # واعلم أن الهيولى على أربعة أنواع، منها هيولى الصناعة، وهيولى ~~الطبيعة، وهيولى الكل، والهيولى الأولى. فهيولى الصناعة هي كل جسم ~~يعمل منه وفيه الصانع صنعته، كالخشب للنجارين ... والغزل للحاكة، ~~والدقيق للخبازين، وعلى هذا القياس كل صانع لا بد له من جسم يعمل ~~صنعته فيه ومنه ... أما الأشكال والنقوش التي يعملها فيها، فهي ~~الصورة. فهذا هو معنى الهيولى والصورة في الصنائع. # وأما الهيولى الطبيعية فهي الأركان الأربعة، وذلك أن كل ما تحت ~~فلك القمر من الكائنات، أعني النبات والحيوان والمعادن، فمنها ~~تتكون وإليها تستحيل عند الفساد. أما الطبيعة الفاعلة لهذا، فهي ~~قوة من قوى النفس الكلية الفلكية ... # وأما هيولى الكل، فهي الجسم المطلق الذي منه جملة العالم، وأعني ~~الأفلاك والكواكب والأركان والكائنات أجمع؛ لأنها كلها أجسام وإنما ~~اختلافها من أجل صورها المختلفة. وأما الهيولى الأولى فهي جوهر ~~بسيط معقول لا يدركه الحس، وذلك أنه صورة الوجود حسب، وهو الهوية. ~~ولما قبلت الهوية الكمية صارت بذلك جسما مطلقا مشارا إليه أنه ~~ذو ثلاثة أبعاد التي هي الطول والعرض والعمق. ولما قبل الجسم ~~الكيفية وهي الشكل، كالتدوير والتثليث والتربيع وغيرها من الأشكال، ~~صار بذلك جسما مخصوصا مشارا إليه، أي شكل هو؛ فالكيفية هي ~~كالثلاثة (بين الأعداد)، والكمية كالاثنين، والهوية كالواحد. وكما ~~أن الثلاثة متأخرة الوجود عن الاثنين، كذلك الكمية متأخرة الوجود ~~عن الهوية؛ والهوية هي متقدمة الوجود على الكمية والكيفية ... # ثم اعلم أن الهوية والكمية والكيفية كلها صور بسيطة معقولة غير ~~محسوسة، فإذا تركت على بعض صار بعضها كالهيولى، وبعضها كالصورة. ~~فالكيفية هي صورة في الكمية والكمية هيولى لها، والكمية هي صورة في ~~الهوية والهوية هيولى لها. والمثال في ذلك من المحسوسات أن القميص ~~صورة في الثوب [= القماش] والثوب هيولى له، والثوب صورة في الغزل ~~والغزل هيولى له، والغزل صورة في القطن والقطن هيولى له، والقطن ~~صورة في النبات والنبات هيولى له، والنبات صورة في الأركان وهي ~~هيولى له، ms098 والأركان صورة في الجسم والجسم هيولى لها، والجسم صورة ~~في الجوهر والجوهر هيولى له ... وعلى هذا المثال يعتبر حال الصورة ~~عند الهيولى وحال الهيولى عند الصورة، إلى أن تنتهي الأشياء كلها ~~إلى الهيولى الأولى التي هي صورة الوجود حسب، لا كيفية فيها ولا ~~كمية، وهي جوهر بسيط لا تركيب فيه بوجه من الوجوه، قابل للصور كلها ~~ولكن على الترتيب، الأول فالأول. مثال ذلك: أن الحب لا يقبل صورة ~~العجين إلا بعد قبوله صورة الدقيق، والدقيق لا يقبل صورة الخبز إلا ~~بعد قبوله صورة العجين، وعلى هذا المثال يكون قبول الهيولى للصور ~~واحدة بعد أخرى. # ثم اعلم أن الأجسام كلها جنس واحد من جوهر واحد وهيولى واحدة، ~~وإنما اختلافها بحسب اختلاف صورها، ومن أجلها [أي صورها] صار بعضها ~~أصفى من بعض وأشرف. وذلك أن عالم الأفلاك أصفى وأشرف من عالم ~~الأركان، وعالم الأركان بعضها أشرف من بعض؛ وذلك أن النار أصفى من ~~الهواء وأشرف منه، والهواء أصفى من الماء وألطف منه، والماء أصفى ~~من التراب وأشرف منه. وكلها أجسام طبيعية يستحيل بعضها إلى بعض ... ~~إذا تكونت أجزاؤها يكون منها المولدات، أعني المعادن والنبات ~~والحيوان، لكن يكون بعضها أشرف تركيبا من بعض، وذلك أن الياقوت ~~أصفى من البلور وأشرف منه، والبلور أصفى من الزجاج وأشرف منه، ~~والزجاج أصفى من الخزف وأشرف منه ... وكلها أحجار معدنية أصلها كلها ~~الزئبق والكبريت ... وكذلك حكم الحيوان والنبات، فإنها بالهيولى ~~واحد، واختلافها وشرف بعضها على بعض بحسب اختلاف صورها. ~~... وكل جسم قبل صورة ما، فإنه عند ذلك يكون أفضل من كونه ساذجا، ~~فهكذا الحكم في جواهر النفوس، وذلك أن كلها جنس واحد وجوهر واحد، ~~وأن اختلافها بحسب معارفها وأخلاقها وآرائها وأعمالها؛ لأن هذه ~~الحالات هي صور في جواهرها وهي كالهيولى. وكذلك النفس الجزئية إذا ~~قبلت علما من العلوم تكون أفضل وأشرف من سائر النفوس التي هي من ~~أبناء جنسها. # ثم اعلم أن العلوم في النفس ليست بشيء سوى صور المعلومات ~~انتزعتها النفس وصورتها في فكرها، فيكون عند ms099 ذلك جوهر النفس لصور ~~تلك المعلومات كالهيولى، وهي فيها كالصورة. # واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصور بصورة النفس الكلية، ومنها ~~ما يقاربها، وذلك بحسب قبولها ما يفيض عليها من العلوم والمعارف ~~والأخلاق الجميلة، وكلما كانت أكثر قبولا كانت أفضل وأشرف من سائر ~~أبناء جنسها، مثل نفوس الأنبياء، عليهم السلام ... ومثل نفوس ~~المحققين من الحكماء، التي استنبطت علوما كثيرة حقيقية ... ومثل ~~نفوس الكهنة والمخبرة بالكائنات قبل كونها بدلائل فلكية وعلامات ~~زجرية. وإلى مثل هذه النفوس أشاروا بقولهم: الفلسفة هي التشبه ~~بالإله بحسب الطاقة الإنسانية» (15: 2، 5-10). ~~«ثم اعلم أن الأمور الإلهية هي الصور المجردة من الهيولى، وهي ~~جواهر باقية خالدة لا يعرض لها الفساد والآفات، كما يعرض للأمور ~~الجسمانية. واعلم أن نفسك هي إحدى تلك الصور، فاجتهد في معرفتها ~~لعلك تخلصها من بحر الهيولى وهاوية الأجسام وأسر الطبيعة ...» (15: ~~2، 21). # في المكان ~~«أما المكان عند الجمهور فهو الوعاء الذي يكون فيه المتمكن. ~~فيقال إن الماء مكانه الكوز الذي هو فيه، وإن الخل مكانه الزق الذي ~~هو فيه، وعلى هذا القياس مكان كل شيء هو الوعاء الذي هو فيه ... ~~وبالجملة مكان كل متمكن هو الجسم المحيط به. وقيل أيضا إن المكان ~~هو سطح الجسم الحاوي الذي يلي المحوي، وقيل لا بل المكان هو سطح ~~الجسم المحوي الذي يلي الحاوي، وعلى كلا الرأيين والقولين يجب أن ~~يكون المكان جوهرا. وقيل إن المكان هو الفصل المشترك بين سطح ~~الجسم الحاوي وسطح المحوي، وعلى هذا الرأي يجب أن يكون المكان ~~عرضا. وقيل أيضا إن المكان هو الفضاء الذي يكون فيه الجسم ~~ذاهبا طولا وعرضا وعمقا، وإن مكان كل جسم مثله سواء، فإن كان ~~الجسم مدور الشكل أو مربعا أو مثلثا أو غيرها من الأشكال، فإن ~~مكانه مثله سواء لا أصغر ولا أكبر ... وعلى هذا الرأي يجب أن يكون ~~المكان جوهرا. # واعلم أن الذين قالوا إن المكان هو الفضاء، إنما نظروا إلى صورة ~~الجسم، ثم انتزعوها من الهيولى بالقوة الفكرية، وصوروها في نفوسهم، ~~وسموها الفضاء، وإذا نظروا إليها ms100 وهي في الهيولى سموها المكان، ~~وهذا يدل على قلة معرفتهم بجوهر النفس وكيفية معارفها ~~ومعانيها. # واعلم أن من شرف جوهر النفس وعجائب قواها، أنها تنتزع صورة ~~المحسوسات من هيولاها، وتصورها في ذاتها، وتنظر إليها خلوا من ~~الهيولى، وتفرق بين الهيولى والصورة، وتنظر إلى كل واحد منها تارة ~~مفردة، وتارة مركبة ... وتتوهم أيضا أن خارج العالم فضاء إلى ما لا ~~نهاية له ... وأن المدة [= الزمان] جوهر أسبق من نشوء العالم، وأن ~~الجزء من الهيولى يتجزأ أبدا، وما شاكل هذه المسائل ...» (15: 2، ~~12-13). ~~«وقد ظن قوم من أهل العلم، أن بين فضاء الأفلاك وأطباق السماوات ~~وأجزاء الأمهات مواضع فارغة، وأن وراء الفلك المحيط جسم آخر وخلاء ~~بلا نهاية. وكلا الحكمين لا حقيقة له؛ لأن قد قام بالبرهان العقلي ~~أن الخلاء [= الفراغ] غير موجود أصلا، لا خارج العالم ولا داخله؛ ~~لأن معنى الخلاء هو المكان الفارغ الذي لا متمكن فيه، والمكان ~~صفة من صفات الأجسام ... وهو عرض، ولا يقوم إلا بالجسم ولا يوجد ~~إلا معه» (16: 2، 28-29). # هذا الرأي لإخوان الصفاء في استحالة وجود مكان مطلق لا تشغله ~~الأجسام يتفق ومعطيات الفيزياء الكونية الحديثة التي تنفي على ~~طريقة إخوان الصفاء وجود مكان لا متمكن فيه، وتقول إن المجرات التي ~~تتباعد عند أطراف الكون وتفر في كل اتجاه بسرعات مذهلة نتيجة تمدد ~~الكون المستمر هي التي تخلق المكان الجديد، ولا مكان هناك سابق ~~لوصولها إليه. # في الحركة والسكون ~~«الحركة هي النقلة من مكان إلى مكان في زمان ثان، وضدها السكون ~~وهو الوقوف في المكان الأول في الزمان الثاني. والحركة نوعان: ~~سريعة وبطيئة، والحركة السريعة هي التي يقطع المتحرك بها مسافة ~~بعيدة في زمان قصير، والبطيئة هي التي يقطع المتحرك بها مسافة أقل ~~منها في ذلك الزمان بعينه. والحركتان لا تعدان اثنتين إلا أن يكون ~~بينهما زمان سكون، والسكون هو وقوف المتحرك في مكانه الأول زمانا ~~ما كان يمكنه أن يكون متحركا فيه حركة ما» (5: 1، ~~192-193). ~~«الحركة يقال على ستة أوجه: الكون والفساد، والزيادة والنقصان، ~~والتغير والنقلة. ms101 فالكون هو خروج الشيء من العدم إلى الوجود، أو من ~~القوة إلى الفعل، # 13 # والفساد عكس ذلك؛ والزيادة هي تباعد نهايات الجسم عن ~~مركزه، والنقصان عكس ذلك؛ والتغير هو تبدل الصفات على الموصوف، من ~~الألوان والطعوم والروائح وغيرها من الصفات؛ وأما الحركة التي تسمى ~~النقلة فهي عند جمهور الناس الخروج من مكان إلى مكان آخر، وقد ~~يقال: إن النقلة هي الكون في محاذاة ناحية أخرى في زمان ثان. وكلا ~~القولين يصح في الحركة التي هي على سبيل الاستقامة؛ فأما التي على ~~الاستدارة فلا يصح؛ لأن المتحرك على الاستدارة لا يصير في محاذاة ~~أخرى في زمان ثان ... # واعلم أنه متى تحركت الأجزاء من جسم فقد تحركت تلك الجملة، ومتى ~~تحركت تلك الجملة فقد تحركت تلك الأجزاء؛ لأن تلك الأجزاء ليست غير ~~تلك الجملة. وذلك أنه إذا تحرك الإنسان فقد تحركت جملة أعضائه؛ ~~وإذا تحركت أعضاؤه فقد تحرك هو؛ وإن تحركت يده وحدها فقد تحركت ~~أجزاء اليد كلها؛ لأن اليد ليست شيئا غير تلك الأجزاء، وكذلك إن ~~تحرك أصبع واحد فقد تحركت أجزاء الأصبع كلها؛ لأن الأصبع ليست ~~غير تلك الأجزاء. فمن يظن أنه يجوز أن تتحرك الأجزاء ولا تتحرك ~~الجملة، أو تتحرك الجملة ولا تتحرك بعض الأجزاء، فقد أخطأ. # واعلم أنه قد ظن كثير من أهل العلم أن المتحرك على الاستقامة ~~يتحرك حركات كثيرة؛ لأنه يمر في حركته بمحاذيات كثيرة في حال ~~حركته. لا ينبغي أن تعتبر كثرة الحركات لكثرة المحاذيات، فإن ~~السهم في مروره، إلى أن يقع، حركة واحدة يمر بمحاذيات كثيرة. وكذلك ~~المتحرك على الاستدارة فحركته واحدة إلى أن يقف وإن كان يدور ~~أدوارا كثيرة. # ثم اعلم أنه لا تنفصل حركة عن حركة إلا بسكون بينهما، وهذا يعرفه ~~ولا يشك فيه أهل صناعة الموسيقى؛ وذلك أن صناعتهم معرفة تأليف ~~النغم، والنغم لا يكون إلا بالأصوات، والأصوات لا تحدث إلا من ~~تصادم الأجسام، وتصادم الأجسام لا يكون إلا بالحركات، والحركات لا ~~تنفصل بعضها عن بعض إلا بسكونات تكون بينها. فمن ms102 أجل هذا قال الذين ~~نظروا في تأليف النغم إن بين زمان كل نقرتين زمان سكون. وقد بينا ~~طرفا من هذا العلم في رسالتنا في تأليف اللحون» (15: 2، ~~13-15). # ولمعرفة المزيد عما قاله الإخوان بخصوص الحركة والسكون في ~~الموسيقى، ننتقل إلى رسالتهم الخامسة الموسومة «في الموسيقى» لنقرأ ~~في أحد فصولها ما يلي: ~~«إن كل نقرتين من نقرات الأوتار وإيقاعات القضبان فلا بد من أن ~~يكون بينهما زمان سكون، طويلا كان أم قصيرا؛ وإنه إذا تواترت ~~نقرات تلك الأوتار، وإيقاعات تلك القضبان، تواترت أيضا سكونات ~~بينها، ثم لا تخلو أزمان تلك السكونات من أن تكون مساوية لأزمان ~~تلك الحركات أو تكون أطول منها، وإذا كانت أقصر منها فالمتفق عليه ~~بين أهل هذه الصناعة أن زمان الحركة لا يمكن أن يكون أطول من زمان ~~السكون الذي هو من جنسه، فإن كانت أزمان السكونات مساوية لأزمان ~~الحركات في الطول، ولا يمكن أن يقع في تلك الأزمان حركة أخرى، سميت ~~تلك النغمات عند ذلك العمود الأول، وهو الخفيف الذي لا يمكن أخف ~~منه؛ لأنه إذا وقعت في تلك الأزمان حركة أخرى صارت نغمتها متصلة ~~بنغمة النقرة التي قبلها والتي بعدها، وصار الجميع صوتا متصلا. ~~وإن كانت أزمان السكونات أطول من هذه بمقدار ما يمكن أن يقع فيها ~~حركة أخرى، سميت تلك النغمات العمود الثاني والخفيف الثاني. وإن ~~كانت أزمان تلك السكونات طولها بمقدار ما يمكن أن يقع فيه حركتان، ~~سميت تلك النغمات الثقيل الأول. وإن كانت تلك الأزمان أطول من هذه ~~بمقدار ما يمكن أن يقع فيه ثلاث حركات، سميت تلك النغمات الثقيل ~~الثاني ... # واعلم يا أخي بأنه إذا زادت أزمان السكونات التي بين النقرات ~~والإيقاعات على هذا المقدار من الطول، خرج من الأصل والقانون ~~والقياس، أعني من أن تدركها وتميزها القوة الذائقة السمعية. والعلة ~~في ذلك أن ... طنين الأصوات لا يمكث في المسامع زمانا إلا ريثما ~~تأخذ القوة المتخيلة رسومها، ثم تضمحل من المسامع تلك الطنينات، ~~وإذا طالت أزمان السكونات بين النقرات وزادت على المقدار ms103 الذي تقدم ~~ذكره، اضمحلت النغمة الأولى وطنينها من المسامع قبل أن ترد النغمة ~~الأخرى، فلا تقدر القوة المفكرة أن تعرف مقدار الزمان الذي بينهما، ~~فتميزهما وتعرف التناسب الذي بينهما؛ لأن جودة الذوق في المسامع هي ~~معرفة كمية الأزمان التي بين النغمتين، وما بين أزمان السكونات ~~وبين أزمان الحركات من التناسب والمقدار» (5: 1، 200-201). # نعود إلى موضوعنا الرئيس في الحركة لنقرأ: ~~«واعلم أنه ينبغي لمن ينظر في حقائق الأشياء، ويبحث عن ماهيتها، ~~أن يبتدئ أولا وينظر ويبحث هل الشيء جوهر، أو عرض، أو هيولى، أو ~~صورة جسمانية، أو روحانية. فإن كان جوهرا فأي جوهر هو؟ وإن كان ~~عرضا فأي عرض هو؟ وإن كان هيولى فأي هيولى هو؟ وإن كان صورة فأي ~~صورة هي وكيف هي؟ # واعلم أن الحركة في بعض الأجسام جوهرية كحركة النار، فإنها متى ~~سكنت حركتها طفئت وبطلت وبطل وجودها؛ وفي بعض الأجسام عرضية لها ~~كحركة الماء والهواء والأرض؛ لأنها إن سكنت حركتها لا يبطل ~~وجدانها. # واعلم أن الحركة هي صورة جعلتها النفس في الجسم بعد الشكل، وأن ~~السكون هو عدم تلك الصورة. والسكون بالجسم أولى من الحركة؛ لأن ~~الجسم ذو جهات لا يمكنه أن يتحرك إلى جميع جهاته دفعة واحدة، وليست ~~حركته إلى جهة أولى به من جهة؛ فالسكون به إذا أولى من ~~الحركة. # واعلم أن الحركة، وإن كانت ~~صورة، فهي صورة روحانية متممة تسري في جميع أجزاء الجسم، وتنسل ~~عنه بلا زمان كما يسري الضوء في جميع أجزاء الجسم الشفاف ... وذلك لو ~~أن خشبة طولها من المشرق إلى المغرب نصبت ثم جذبت إلى المشرق أو ~~إلى المغرب عقدا واحدا، لتحركت جميع أجزائها دفعة واحدة» (15: 2، ~~15-16). # ومن ناحية أخرى، فإن الحركة ~~هي: ~~«صورة روحانية تجعلها النفس في الأجسام، فبها تكون الأجسام ~~متحركة ... فالنفوس هي المحركة للأجسام، والأجسام هي المحركات ~~والمسكنات بتحريك النفوس لها وتسكينها إياها. والتحريك هو فعل ~~النفس، والحركة هي صورة تجعلها النفس في الجسم، بها يكون الجسم ~~متحركا. وأما التسكين فهو أيضا فعل من أفعال النفس [التي] ms104 تحرك ~~الجسم تارة وتسكنه أخرى، مثال ذلك: أن الإنسان يحرك يده تارة ~~ويسكنها أخرى ... إن المحركات اثنا عشر نوعا حسب، لا أقل ولا أكثر. ~~منها حركات الأفلاك التسعة، ومنها حركات الكواكب السيارة، ومنها ~~حركات الكواكب ذوات الأذناب، ومنها حركات الرياح ... [إلخ] ... # وإذا تأملت يا أخي واعتبرت ما وصفنا من أحوال الحركات والمتحركات ~~التي في العالم، علمت وتبين لك أن حكم العالم بجميع أجزائه ومجاري ~~أموره تجري مجرى مدينة واحدة، أو حيوان واحد، أو إنسان واحد لا ~~ينفك من الحركة والسكون، إما بكليته أو بجزئيته» (39: 3، 322، ~~328). ~~«ثم اعلم أن غرضنا من ذكر حركات العالم وحركات أجزائه الكليات ~~والجزئيات وفنون تصاريفها، هو بيان بطلان قول من يقول بقدم العالم. ~~وذلك أن الحركات المختلفات تدل على اختلافها، والمتحرك والمختلف ~~الأحوال لا يكون قديما؛ لأن القديم هو الذي يكون على حالة واحدة ~~لا يتغير ولا يستحيل ولا يحدث له حال. وليس يوجد موجود هذا شأنه ~~إلا الله تعالى الواحد الأحد ... # ثم اعلم أن كل حركة في متحرك فهي متحركة له، وهي سبب لشيء آخر، ~~فمتى عدمت تلك الحركة بطل ذلك السبب. مثال ذلك حركة الرحى عن ~~الدابة التي تديرها أو الماء، وهي سبب الطحن، فمتى وقفت الدابة ~~وانقطع الماء سكنت الرحى وعدم الطحن وهكذا حكم الرياح وتحريكها ~~المراكب والمياه فمتى سكنت الرياح وقفت مراكب البحر عن السير وسكنت ~~الأمواج ... فهكذا حكم العالم، متى وقف الفلك المحيط عن الدوران وقفت ~~الكواكب عن المسير والحركات، ووقفت عند ذلك مجاري الليل والنهار ~~والشتاء والصيف، فيبطل عند ذلك الكون والفساد، ويبطل نظام العالم، ~~وتذهب الخلائق، وتفارق النفس الكلية الجسم الكلي، وتقوم القيامة ~~الكبرى. وذلك أن العالم هو إنسان كبير، فإذا فارقت نفس العالم ~~الجسم الكلي فقد مات الإنسان الكبير وقد قامت قيامته الكبرى» (39: ~~3، 332-333). # في الزمان ~~«أما الزمان عند جمهور الناس فهو مرور السنين والشهور والأيام ~~والساعات. وقد قيل إنه عدد حركات الفلك بالتكرر، وقد قيل إنها مدة ~~تعدها حركات الفلك. وقد يظن كثير من الناس أن الزمان ليس ms105 ~~بموجود أصلا إذا اعتبر بهذا الوجه، وذلك أن أطول أجزاء الزمان ~~السنون، والسنون منها ما قد مضى ومنها ما لم يجئ بعد، وليس الموجود ~~منها إلا سنة واحدة؛ وهذه السنة أيضا شهور منها ما قد مضى ومنها ~~ما لم يجئ بعد، وليس الموجود منها إلا شهرا واحدا وهذا الشهر منه ~~أيام مضت وأيام لم تجئ بعد، وليس الموجود منها إلا يوما واحدا، ~~وهذا اليوم ساعات منها ما قد قضت ومنها ما لم تجئ بعد، وليس ~~الموجود منها إلا ساعة واحدة، وهذه الساعة أجزاء منها ما قد مضى ~~وآخر ما جاء بعد. فبهذا الاعتبار ليس للزمان وجود أصلا. # فأما الوجه الآخر إذا اعتبر، فالزمان موجود أبدا. وذلك أن ~~الزمان كله يوم وليلة، أربع وعشرون ساعة، وهي موجودة في أربع ~~وعشرين بقعة من استدارة الأرض تكون حولها دائما. بيان ذلك أنه إذا ~~كان نصف النهار في يوم الأحد مثلا في البلد الذي طوله تسعون درجة، ~~فإن الساعة الأولى من هذا اليوم موجودة في البلدان التي طولها من ~~درجة إلى خمس عشرة درجة، والساعة الثانية موجودة في البلدان التي ~~طولها من ست عشرة درجة إلى ثلاثين درجة، والساعة الثالثة موجودة في ~~البلد الذي طوله من إحدى وثلاثين درجة إلى خمس وأربعين درجة ... ~~[وهكذا وصولا إلى الساعة الثانية عشرة التي تكون موجودة في ~~البلدان التي طولها إلى تمام مائة وثمانين درجة]. # وفي مقابلة كل بقعة من هذه البقاع من استدارة الأرض، ساعات الليل ~~موجودة كل واحدة كنظيرتها. ولكل موضع من الأرض أقدار مختلفة من ~~الليل والنهار ... وكلما دار النهار دار الليل معه، كل واحد منهما ضد ~~صاحبه. وكلما زال أحدهما زال الآخر معه. فالليل والنهار يبتديان ~~الإقبال من مشرق الأرض، ثم يسيران على مسير الشمس فيسبق طلوع الشمس ~~على أول الأرض طلوعها على آخرها باثنتي عشرة ساعة، وكذلك الليل ~~... # ثم اعلم أن من كرور الليل والنهار حول الأرض دائما، يحصل في نفس ~~من يتأملها صورة الزمان كلها، مثلما يحصل فيها صورة العدد من تكرار ms106 ~~الواحد؛ وذلك أن العدد كله أفراده وأزواجه، صحيحه وكسوره، آحاده ~~وعشراته، ومئاته وألوفه، ليست بشيء غير جملة الآحاد تحصل في نفس ~~من يتأملها كما بينا في رسالة العدد. وهكذا الزمان ليس هو بشيء ~~سوى جملة السنين والشهور والأيام والساعات، تحصل صورتها في نفس من ~~يتأمل تكرار كرور الليل والنهار حول الأرض دائما. فهذه خمسة ~~الأشياء التي أتينا على شرحها، وهي الهيولى والصورة والمكان ~~والزمان والحركة، محتوية على كل جسم. فمن لم يكن مرتاضا بالنظر في ~~هذه الأشياء، فلا يسعه النظر في أمور الطبيعة؛ لأنه لا يمكن له أن ~~يعرفها كنه معرفتها البتة، ولو لم يكن مرتاضا في الأمور الطبيعية، ~~فلا يسعه الكلام في الأمور الإلهية؛ لأنه لا يمكنه أن يعرفها كنه ~~معرفتها» (15: 2، 17-19). # هذه هي أهم الأفكار والمعلومات التي قدمها لنا إخوان الصفاء في ~~صفة العالم وكيفية عمله. وكلها ليست إلا مقدمات لمعرفة الإنسان ~~لنفسه وإدراكه لشرطه، وهي المعرفة المنجية التي تقود إلى ~~الانعتاق. وهذا هو موضوع الفصل القادم. # الفصل الثالث # | معرفة النفس # «اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الحكماء والفلاسفة قد ~~أكثرت في كتبها وفي مذكراتها ذكر النفوس، وحثت تلاميذها وأولادها على ~~طلب علم النفس ومعرفة جوهرها؛ لأن في علم النفس ومعرفة جوهرها، معرفة ~~حقائق الأشياء الروحانية من أمر المبدأ والمعاد، والباري تعالى عز وجل، ~~وملائكته، وخاصة معرفة البعث وحقيقة القيامة ... وذلك أن كل إنسان لا ~~يعرف نفسه ولا يعلم ذاته، ولا يعلم ما الفرق بين النفس والجسد، تكون ~~همته كلها مصروفة إلى إصلاح أمر الجسد، ومرافق أمر البدن، من لذة العيش ~~والتمتع بنعيم الدنيا، وتمني الخلود فيها، مع نسيان أمر المعاد وحقيقة ~~الآخرة. وإذا عرف الإنسان نفسه وحقيقة جوهرها، صارت همته في أكثر ~~الأحوال في أمر النفس، وفكرته أكثرها في إصلاح شأنها، وكيفية حالها ~~بعد الموت، واليقين بأمر المعاد، والاستعداد للرحلة من الدنيا، والتزود ~~للمعاد، والمسارعة في الخيرات، والتوبة وتجنب الشر والمنكر ~~والمعاصي. # فإذا فعل ذلك يزول عنه خوف الموت، وربما تمنى لقاء الله تعالى. ms107 وهذه ~~صفة أولياء الله تعالى وعباده الصالحين، كما ذكر الله سبحانه، وأشار ~~إليهم بقوله في كتابه على لسان نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، في توبيخه لليهود ~~لما زعموا أنهم أولياء الله من دون الناس، فقال لهم: ~~... فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين # 1 ~~[أي صادقين] بأنكم أولياء الله من دون الناس. وإنما يتمنى ~~أولياء الله الموت إذا تذكروا ما وعدهم الله وأعده لهم من التحية ~~والسلام. كما قال جل ثناؤه: # تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ~~، # 2 # وقال: # ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # 3 # وقد علم كل عاقل علما يقينا أن أجساد هؤلاء قد بليت في ~~التراب، وأن هذه الكرامة والتحية والسلام هي لأرواحهم ونفوسهم الطاهرة ~~الزكية. كما ذكر جل ثناؤه بقوله تعالى: # يا ~~أيتها النفس المطمئنة * ارجعي ~~إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في ~~عبادي * وادخلي جنتي # 4 # وآيات كثيرة في القرآن في ذكر النفس وخطابها بالتأنيث، ~~ليعلم كل عاقل أنها هي شيء غير الجسد؛ لأن الجسد مذكر لا يخاطب ~~بالتأنيث، فكفى بهذا فرقا وبيانا بين النفس والجسد. # وقد يعلم كل عاقل إذا تأمل وتفكر في أمر الجسد، أنه جسم مؤلف من ~~اللحم والدم والعروق والعصب والعظام وما شاكلها، وأصله نطفة ودم انطمس، ~~ثم [يأتي بعد ذلك] اللبن والغذاء والمأكولات والمشروبات [لهذا الجسد من ~~أجل تنشئته]، ثم آخر الأمر الموت، وبعد مفارقة النفس إياه يبلى ويصير ~~ترابا. # فأما النفس، يعني الروح، فهي ~~جوهرة سماوية، نورانية، حية، علامة، فعالة بالطبع، حساسة ~~دراكة، لا تموت ولا تفنى، بل تبقى مؤبدة إما ملتذة وإما مؤتلمة. ~~فأنفس المؤمنين من أولياء الله وعباده الصالحين، يعرج بها بعد الموت ~~إلى ملكوت السماوات وفسحة الأفلاك، وتخلى هناك، فهي تسبح في فضاء من ~~الروح وفسحة من النور وروح وراحة إلى يوم القيامة ... وأما أنفس الكفار ~~والفساق والأشرار، فتبقى في ms108 عماها وجهالاتها، معذبة متألمة، مغتمة ~~حزينة، خائفة وجلة إلى يوم القيامة» (38: 3، 288-290). ~~«واعلم يا أخي أن العلوم كلها شريفة، ونيلها عز لصاحبها، وعرفانها ~~نور لقلوب أهلها، وهداية وحياة لنفوسهم ... ولكن قيل: بعض العلوم أشرف ~~وأفضل وأكرم. فأشرف العلوم وأجل المعارف التي ينالها العقلاء المكلفون ~~معرفة الله جل ثناؤه، والعلم بصفات وحدانيته وأوصافه اللائقة به. ثم ~~بعد هذا معرفة جوهر النفس، وكيفية تصاريف أحوالها في جميع الأزمان ~~الماضية والآتية والحاضرة، ثم كيفية تعلقها بالأجسام، وتدبيرها ~~للأجساد، واستعمالها الأبدان مدة، ثم كيفية تركها لها ومفارقتها إياها، ~~وتفردها بذاتها ولحوقها بعالمها وعنصرها وجوهرها الكلي. ثم معرفة البعث ~~والقيامة والحشر ... # واعلم يا أخي أن هذا الفن من العلوم هو لب الألباب، وإليه ندب ذوو ~~العقول الراجحة والحكمة الفلسفية دون غيرهم من الناس؛ لأن هذا الفن من ~~العلم والمعارف آخر مرتبة ينتهي إليها الإنسان في المعارف، مما يلي ~~رتبة الملائكة. # 5 # ومن أجل هذا هو مكلف متعبد وقاصد نحوه، منذ يوم [أن] خلقه ~~الله تعالى إلى يوم يلقاه، فيوفيه حسابه، وهو الغرض الأقصى من وجود ~~النفس وتعلقها بالأجساد، ونشوئها معها وتتميمها وتكميلها. # واعلم يا أخي أيدك الله وإيانا بروح منه، أنك إذا أردت النظر في هذا ~~العلم الشريف، والبحث عن هذا السر اللطيف، تحتاج إلى أن تقصد إلى أهله ~~وتسألهم عنه، كما يقصد في سائر العلوم والصنائع إلى أهلها، كما قيل: ~~استعينوا على كل صناعة بأهلها . # واعلم أن أهل هذه الصناعة، وعلماء هذه الأسرار هم إخواننا الكرام ~~الفضلاء [= إخوان الصفاء]. فانظر يا أخي فيما قالوا، وتأمل ما وصفوه من ~~حقائق الأشياء التي أنت مقر بها بلسانك، وتؤمن بقلبك، ثم تفكر فيما ~~تسمع، وتأمل ما يوصف لك، وميزه ببصيرتك، واعرضه على عقلك الذي هو حجة ~~الله عليك، والقاضي بينك وبين أبناء جنسك، فإن اتضحت لك حقيقة ما تسمع، ~~وتصورت ما يصفون، وتيقنت ما يخبرون، فبتوفيق من الله وهداية منه ... ~~وإن لم يتفق لك يا أخي لقاء أحد من أهل هذه الصناعة، بحيث أن تسأله عن ~~حقيقة ms109 هذا السر ... فاسلك في هذا البحث والنظر طريقة الحكماء النجباء، ~~واستعمل القياس البرهاني الذي هو ميزان العقول، كما وصف في المنطق. ~~وقد بينا من علم المنطق، في رسائل شبه المدخل والمقدمات ما فيه ~~كفاية» (38: 3، 301-303). # وبما أن معرفة النفس التي تقود إلى معرفة الله هي الغرض الأقصى من ~~العلوم، فإليها ندب إخوان الصفاء رسائلهم كلها، وهي غاية كل تعليم ~~فلسفي: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن غرض الفلاسفة الحكماء ~~من النظر في العلوم الرياضية، وتخريجهم تلامذتهم بها، إنما هو السلوك ~~والتطرق منها إلى علوم الطبيعيات، وأما غرضهم من النظر في الطبيعيات ~~فهو الصعود منها والترقي إلى العلوم الإلهية، الذي هو أقصى غرض ~~الحكماء، والنهاية التي إليها يرتقى بالمعارف الحقيقية. ولما كان أول ~~درجة من النظر في العلوم الإلهية هو معرفة جوهر النفس، والبحث عن ~~مبدئها من أين كانت قبل تعلقها بالجسد، والفحص عن معادها إلى أين تكون ~~بعد فراق الجسد [ذلك الفراق] الذي يسمى الموت، وعن كيفية ثواب ~~المحسنين كيف يكون في عالم الأرواح، وعن جزاء المسيئين كيف يكون في دار ~~الآخرة. وخصلة أخرى أيضا، لما كان الإنسان مندوبا إلى معرفة ربه، ولم ~~يكن له طريق إلى معرفته إلا بعد معرفة نفسه، كما قال الله تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا ~~من سفه نفسه ... # 6 # أي جهل النفس؛ وكما قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربه. وقد قيل ~~أيضا : أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه. [فإذن] وجب على كل عاقل طلب معرفة ~~النفس ومعرفة جوهرها، وتهذيبها. وقد قال الله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها ~~فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها ~~* وقد خاب من دساها # 7 ~~... وآيات كثيرة في القرآن ودلالات على وجود النفس وعلى ~~تصرفات حالاتها، وهي حجة على الجرميين # 8 # المنكرين أمر النفس ووجدانها. # وأما أولئك الحكماء الذين كانوا يتكلمون في علم النفس قبل نزول ~~القرآن والإنجيل والتوراة، فإنهم لما بحثوا عن علم النفس بقرائح ~~قلوبهم، واستخرجوا معرفة جوهرها بنتائج عقولهم، دعاهم ذلك إلى تصنيف ~~الكتب الفلسفية. ms110 ولكنهم لما طولوا الخطب فيها، ونقلها من لغة إلى ~~لغة من لم يكن فهم معانيها ولا عرف أغراض مؤلفيها، انغلق على الناظرين ~~في تلك الكتب فهم معانيها، وثقلت على الباحثين أغراض مصنفيها، ونحن قد ~~أخذنا لب معانيها وأقصى أغراض واضعيها، وأوردناها بأوجز ما يمكن من ~~الاختصار في اثنتين وخمسين رسالة» (38: 1، 75-77). ~~«ثم اعلم أن الأمور الإلهية هي الصورة المجردة من الهيولى، وهي جواهر ~~باقية خالدة لا يعرض لها الفساد والآفات، كما يعرض للأمور الجسمانية. ~~واعلم أن نفسك هي إحدى تلك الصور، فاجتهد في معرفتها لعلك تخلصها من ~~بحر الهيولى وهاوية الأجسام وأسر الطبيعة التي وقعنا فيها بجناية كانت ~~من أبينا آدم عليه السلام، حين عصى ربه فأخرج هو وذريته من الجنة التي ~~هي عالم الأرواح، وقيل لهم: # قال اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين * ... وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون # 9 ~~... وقيل: # انطلقوا إلى ظل ذي ~~ثلاث شعب ~~، # 10 # هو عالم الأجسام ذو الطول والعرض والعمق ... # واعلم أن النفس بمجردها لا تلحقها الآلام والأمراض والأسقام والجوع ~~والعطش والحر والبرد والغموم والهموم والأحزان ونوائب الحدثان؛ لأن ~~هذه كلها تعرض لها من أجل [= بسبب] مقارنتها للجسد؛ لأن الجسد جسم قابل ~~للآفات والفساد والاستحالة والتغير، فأما النفس فإنها جوهرة روحانية، ~~فليس لها من هذه الآفات شيء. # واعلم أنه قد ذهب على أكثر أهل العلم معرفة أنفسهم، لتركهم النظر في ~~علم النفس، والبحث عن معرفة جواهرها، والسؤال من العلماء العارفين ~~بعلمها؛ ولقلة اهتمامهم بأمر أنفسهم وطلب خلاصها من بحر الهيولى وهاوية ~~الأجسام، والنجاة من أسر الطبيعة ... # وإنما قلة رغبتهم فيها لقلة تصديقهم بما أخبرت به الأنبياء، عليهم ~~السلام، وما أشارت إليه الفلاسفة والحكماء ... فانصرفت همم نفوسهم كلها ~~إلى أمر هذا الجسد المستحيل [= المتغير من حال إلى حال]، وجعلوا سعيهم ~~كله لصلاح معيشة الدنيا ... وصيروا نفوسهم عبيدا لأجسادهم، وأجسادهم ~~مالكة لنفوسهم ... # فهل لك يا أخي بأن تنظر إلى نفسك، وتسعى في صلاحها، وتطلب نجاتها ... ~~وأن ترغب في صحبة أصدقاء لك نصحاء، وإخوان ms111 لك فضلاء [= إخوان الصفاء]، ~~وادين لك كرماء، حريصين معاونين لك على صلاحك ونجاتك مع أنفسهم ... بأن ~~تسلك مسلكهم، وتقصد قصدهم، وتخلص سرك معهم، وتتخلق بأخلاقهم، وتسمع ~~أقاويلهم، لتعرف اعتقادهم ... إذا دخلت مدينتنا الروحية، وسرت بسيرتنا ~~الملكية، وعملت بسنتنا الزكية، وتفقهت في شريعتنا العقلية، فلعلك ~~تؤيد بروح الحياة، لتنظر إلى الملأ الأعلى، وتعيش عيش السعداء، ~~مخلدا مسرورا أبدا، بنفسك الباقية الشريفة الشفافة الفاضلة، لا ~~بجسدك المظلم الثقيل المتغير المستحيل الفاسد الفاني» (15: 2، ~~21-23). ~~«واعلم يا أخي أنما ذهب على الذين ينكرون فعل الطبيعة، علم النفس، ~~وخفي عليهم معرفتها، من أجل أنهم طلبوا إدراكها بالحواس، فلم يجدوها، ~~فأنكروا وجودها. وأما الذين أقروا بالنفس وأدركوا وجودها، فإنما عرفوا ~~ذلك بالأفعال الصادرة عنها في الأجسام؛ وذلك أنهم اعتبروا أحوال الجسم، ~~فوجوده لمجرده لا فعل له البتة، ولا للأعراض الحالة فيه، وإنما ~~الأفعال كلها للنفس؛ وأما الجسم وأعراضه فإنها للنفس بمنزلة أدوات ~~وآلات لصانع يظهر بها ومنها أفعاله، كما يرى ذلك من الصناع ~~البشريين، فإنهم بأدوات جسمانية يظهرون صناعاتهم في الأشياء، مثال ذلك ~~النجار، فإنه يظهر أفعاله في الخشب، الذي هو جسم طبيعي، بآلات ~~وأدوات جسمانية، كالفأس والمنشار وما شاكلها، وكلها أجسام صناعية. ~~وأجسام الصناع هي أيضا من الأجسام الطبيعية، وهي آلات لنفوسهم ~~وأدوات لها، يظهرون بها [= الأجسام] صناعتهم وأفعالهم ... إذ قد بان ~~أنه لا فعل إلا للنفس، وأنها تفعل أفعالها بقوتها في الأجسام، وأن ~~الأجسام كلها أدوات ومفعولات لها، كما أن الفكر والعلم آلات للنفس في ~~إدراك المعلومات والمعقولات، وإخراجها من القوة إلى الفعل» (18: 2، ~~63-64). ~~«ثم اعلم أن لكل شيء من الموجودات قسطا من السعادة قلت أم ~~كثرت، وهي أن يبقى ذلك الشيء موجودا أطول ما يمكن على أحسن حالاته ~~وأتم نهاياته. ولكن أسعد السعادات وأتم النهايات وأرفع المقامات، ما ~~يناله أولياء الله الذين هم صفوته وأهل مودته، وهو ثلاث خصال: أولاها ~~معرفتهم بربهم، والثانية قصدهم نحوه بهممهم، والثالثة طلابهم مرضاته ~~بسعيهم وأعمالهم. فأما معرفتهم بربهم، فهو أن يعلم أن كل نفس جزئية هي ~~قوة ms112 منبجسة فائضة من النفس الكلية؛ ويعلم أن النفس الكلية هي أيضا قوة ~~منبجسة فائضة من العقل الكلي؛ ويعلم أن العقل الكلي هو أيضا نور فائض ~~من وجود الباري تعالى؛ ويعلم أن الله تعالى هو نور الأنوار ومحض الوجود ~~ومعدن الجود ومعطي الفضائل والخيرات والسعادات، وهو باق أبدا سرمدا، ~~وأن النفس الجزئية هي أيضا أنوار وضياء وإشراقات فائضة من النفس ~~الكلية منبثة منها في العالم ... فهذا أصل علم أولياء الله تعالى ~~ومعرفتهم بربهم. وأما قصدهم نحوه بهمم نفوسهم، فإنه فكرتهم [= تفكرهم] ~~آناء الليل وأطراف النهار في عجائب مصنوعاته وغرائب مخترعاته وأصناف ~~خلائقه، واعتبارهم تصاريف أحوالها، وكيفية الوصول إليها وإلى صانعها ~~وبارئها ...» (39: 3، 342). ~~«واعلموا أيها الإخوان، أيدكم الله وإيانا بروح منه، أنه لا يمكن ~~الوصول إلى هناك إلا بخلتين: إحداهما صفاء النفس، والأخرى استقامة ~~الطريقة. فأما صفاء النفس فلأنها لب جوهر الإنسان، فإن اسم الإنسان ~~إنما هو واقع على النفس والبدن؛ فأما البدن فهو هذا الجسد المرئي ~~المؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد، وما شاكله، وهذه ~~كلها أجسام أرضية مظلمة ثقيلة متغيرة فاسدة؛ وأما النفس فإنها جوهرة ~~سماوية روحانية حية نورانية خفيفة متحركة غير فاسدة، علامة دراكة ~~لصور الأشياء؛ وإن مثلها في إدراكها صور الموجودات، من المحسوسات ~~والمعقولات، كمثل المرآة، فإن المرآة إذا كانت مستوية الشكل مجلوة ~~الوجه، تتراءى فيها صور الأشياء الجسمانية على حقيقتها ... وأيضا إن ~~كانت المرآة صدئة الوجه، فإنه لا يتراءى فيها شيء البتة. # فهكذا أيضا حال النفس ، فإنها إذا كانت عالمة ولم تتراكم عليها ~~الجهالات، طاهرة الجوهر لم تتدنس بالأعمال السيئة، صافية الذات لم ~~تتصدأ بالأخلاق الرديئة، وكانت صحيحة الهمة لم تعوج بالآراء الفاسدة، ~~فإنها تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها، فتدركها ~~النفس بحقائقها، وتشاهد الأمور الغائبة عن حواسها بعقلها وصفاء جوهرها، ~~كما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسها، إذا كانت حواسها صحيحة سليمة. ~~وأما إذا كانت النفس جاهلة غير صافية الجوهر، وقد تدنست بالأعمال ~~السيئة أو صدئت بالأخلاق الرديئة أو اعوجت بالآراء الفاسدة، واستمرت ~~على ms113 تلك الحال، بقيت محجوبة عن إدراك حقائق الأشياء الروحانية، وعاجزة ~~عن الوصول إلى الله تعالى، ويفوتها نعيم الآخرة، كما قال الله تعالى: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون ~~. # 11 ~~... واعلموا أيها الإخوان، أيدكم الله بروح منه، أن النفس إذا عميت عن ~~آمر عالمها، وتوهمت أنه لا وجود لها إلا على هذه الحال التي هي عليها ~~الآن في دار الدنيا، فتحرص عند ذلك على البقاء في الدنيا، وتتمنى ~~الخلود فيها، وترضى بها وتطمئن إليها، وتيأس من الآخرة وتنسى أمر ~~المعاد، كما ذكر الله تعالى: ~~... ورضوا ~~بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ... # 12 # وقال: ~~... يئسوا من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور # 13 ~~... فإذا جاءت سكرة الموت التي هي مفارقة النفس الجسد وترك ~~استعمال الجسم، وفارقته على كره منها وبقيت عند ذلك فارغة من استعمال ~~البدن وإدراك المحسوسات، تراجعت إلى ذاتها لتنهض فلا يمكنها النهوض من ~~ثقل أوزارها، ومن أعمالها السيئة وعادتها الرديئة، # 14 # كما قال تعالى: ~~... يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم ... # 15 # فعند ذلك يتبين لها أنها قد فاتتها اللذات المحسوسات التي ~~كانت لها بتوسط البدن، ولم تحصل لها اللذات المعقولات التي في عالمها، ~~فعند ذلك تبين لها أنها قد خسرت الدنيا والآخرة» (43: 4، 6-8). # ويورد الإخوان في الرد على من ينكر وجود النفس هذا الخطاب ~~المنطقي: ~~«أخبرنا أيها الأخ: هل أنت عالم ومتيقن بأن مع هذا الجسد الطويل ~~العريض العميق، أعني الجسد المركب من اللحم والعظم والعصب والعروق، ~~المؤلف من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمرتان [= المرة ~~الصفراء والمرة السوداء]، التي كلها أجسام أرضية مظلمة غليظة منتنة، ~~متغيرة فاسدة، جوهرا آخر هو أشرف منه وهو النفس التي هي جوهرة ~~روحانية، بسيطة حية، سماوية شفافة، وهي المحركة لهذا الجسم، المدبرة ~~له، المظهرة به ومنه أفعالها وأقوالها وعلومها؟ أو تقول إنه ليس ها هنا ~~شيء آخر غير هذا الجسد المرئي المحسوس، المتغير الفاسد، المستحيل ~~الهالك، الذي إذا أصابه حر ذاب، أو إن أصابه برد جمد، وإن نام بطلت ~~حواسه، وإن انتبه لا يشعر بوجوده، ms114 وإن نقل لا يدري أين كان، وإن ترك ~~لا يتحرك، وإن حرك لا يحس بذاته، جاهل لا يعلم شيئا، وإن لم يسق ~~جف عطشا، وإن لم يطعم ذبل، وإن طعم امتلأ من الدم والصديد والبول ~~والغائط، كأنه ربع مجصص ظاهره؛ مملوء من القاذورات باطنه، إن مات ~~نتن، وإن لم يدفن افتضح، وإن عاش فهو في العذاب والشقاء؟ # أترى أن الفاعل لهذه الأفعال المحكمة، والصنائع المتفننة التي تظهر ~~على أيدي البشر هو هذا الجسد وحده؟ والناطق بهذه اللغات المتباينة ~~والمتكلم بهذه الأقاويل المختلفة، والمخبر عن الأمور المنقضية مع ~~الأزمان الماضية ... والمستنبط غرائب العلوم من خواص جواهر العدد وأشكال ~~الهندسة، وتأليف اللحون، وتشريح الأجساد، وتركيب الأفلاك، وحساب حركات ~~الكواكب ... هل هو هذا الجسد وحده؟ أو تنسب هذه العلوم والأقاويل ~~والفضائل إلى مزاج الجسد ... والمزاج عرض من الأعراض، وهو أحد الأشياء ~~التي ذكرناها؟ فقد بعد من الصواب من قال هذا القول، وعمي عن معرفة ~~حقائق الأشياء من اعتقد هذا الرأي؛ وأول غفلة دخلت عليه جهالته بجوهر ~~نفسه وتركه طلب معرفة ذاته ... ~~... وإن كنت مقرا، أيها الأخ البار الرحيم، بأن مع هذا الجسد ~~جوهرا آخر هو أشرف منه، وأن هذه الأفعال والأقاويل والعلوم والفضائل ~~إليه تنسب، ومنه تبدو، وهو المظهر من هذا الجسد هذه الأشياء، فقد ~~قلت صوابا، وأقررت بالحق وأنصفت في الجواب. فخبرنا عن هذا الجوهر ~~الشريف، هل يمكن أن يعرف ما هو؟ وكيف كونه مع الجسد؟ باختيار منه، أو ~~مضطر أن يكون معه؟ أو هل تعرف أين كان قبل أن يقرن بهذا الجسد، وأين ~~يذهب إذا فارقه؟ أو تقول إني لا أدري؟ وهل ترضى من نفسك الجهل بهذا ~~المقدار من العلم أن تقول: إن هذا العلم ليس في طاقة الإنسان أن يعلمه، ~~وكيف يسوغ لك هذا القول، والعلماء مقرون أجمع، وأنت منهم، بأن ~~معرفة الله واجبة على كل عاقل؟ وكيف يستوي للعبد إذا معرفة ربه وهو لا ~~يعرف نفسه؟ ... وأنت تعلم أيها الأخ أن نفس الإنسان أقرب إليه من كل ~~قريب، فكيف ms115 يستوي لك أن تقول: لا يمكن أن يعلم الإنسان نفسه ويعلم ~~غيرها من الأشياء البعيدة الغائبة عن حواسه وعقله؟» (48: 4، ~~191-193). # وفي تعريفهم للحياة والموت يرى الإخوان أن الحياة هي استعمال النفس ~~للجسد بعد ارتباطها به، وأنه لا حياة للجسد بمفرده؛ لأن حياته عرضية ~~لمجاورة النفس إياه، فإذا فارقته بلي وعاد إلى التراب، بينما تستأنف ~~النفس حياتها إما في مستوى أعلى من الوجود أو في مستوى أدنى تبعا ~~لأعمالها. فالموت هو فناء للجسد وولادة للروح: ~~«فاعلم أنه إذا فكر العاقل العالم في تركيب هذا الجسد وما هو عليه من ~~إتقان البنية وإحكام الصنعة ... وكيفية ابتدائه من النطفة، وتتميمه في ~~الرحم، ونشوئه في أيام الصبا، وتكميله في أيام الشباب، وتنضيجه في أيام ~~الكهولة، فيرى أنه في غاية الكمال والحكمة والإتقان. ثم إذا تفكر في ~~أيام الشيخوخة وفي ذهاب قوته وتغييرات رونقه وإدباره، ثم هدمه بالموت، ~~وتغيره بعد ذلك بالانتفاخ والنتن، وفساده، ثم كيف يبلى في التراب ~~ويضمحل، ولا يعرف ما وجه الحكمة فيه، فيتحير ويتشكك ويضل عن الصواب. ~~فمن أجل هذا احتجنا أن نذكر في هذه الرسالة الموت والحياة، ونبين ما ~~الحكمة في خلقهما وكونهما. # واعلم أنه إذا فكر العاقل اللبيب في خلقة الرحم وحال المشيمة، وكون ~~الجنين من النطفة، وكيفية ذلك المكان [أي الرحم]، وما قد أعد هناك ~~من المرافق والمرافل لتتميم الخلقة وتكميل الصورة، فيراها في غاية ~~الحكمة وإتقان الصنعة من الصواب، وما يتعجب منه أولو الألباب. ثم إذا ~~فكر في حال الولادة، وكيف ينقلب [الجنين] في الرحم، وتنخرق المشيمة ~~وتنقطع تلك الأوتار، وتسترخي تلك الرباطات التي كانت تمسك الجنين هناك، ~~وكيف يسيل الدم والرطوبات المعدة التي كانت هناك لمرافقه، وما ~~تلقاه الوالدة من الجهد والشدة، فإنه يرى شيئا يدهش العقل ويحير أولي ~~الأبصار والألباب. # ولكن لما كان من حال ما ينقل إليه الجنين من فسحة هذا العالم وطيب ~~نسيمه وإشراق أنواره، وما يستأنف الطفل من العمل في مستقبل العمر من ~~لذة العيش والتمتع بنعيم الدنيا، وإذا قدر الله ونجاه ms116 من ذلك ~~المكان الضيق المظلم الناقص الحال [= الرحم]، بالإضافة إلى أحوال هذه ~~الدار من التصرف والتقلب، فيرى أن الحكمة والصواب كان في الخروج من ~~هناك. # فهكذا ينبغي لك يا أخي أن تعتبر لتعلم أن حال النفس مع الجسد كحال ~~الجنين في الرحم، وأن حالها بعد الموت كحال الطفل بعد الولادة؛ لأن موت ~~الجسد ولادة النفس، وكذلك ولادة الطفل ليست شيئا سوى خروجه من الرحم، ~~وكذلك ولادة النفس ليست هي شيئا سوى مفارقة النفس إياه [أي للجسد الذي ~~خرج من الرحم]. ~~[أما في ماهية الحياة] فنقول: اعلم أن الموت والحياة نوعان: جسداني ~~ونفساني. والحياة الجسدانية ليست شيئا سوى استعمال النفس الجسد، ~~والموت الجسداني ليس شيئا سوى تركها استعماله، مثلما أن اليقظة ليست ~~سوى استعمال النفس الحواس، وليس النوم شيئا سوى تركه ~~استعمالها. # فأما النفس فحياتها ذاتية لها، وذلك أنها بجوهرها حية بالفعل، ~~علامة بالقوة، فعالة في الأجسام والأشكال والنقوش والصور طبعا، ~~وأن موتها هو جهالتها بجوهرها، وغفلتها عن معرفة ذاتها؛ وأن ذلك عارض ~~لها من شدة استغراقها في بحر الهيولى، ولبعد ذهابها في هاوية الأجسام ~~... # اعلم أن الجسد ميت بجوهره، وأن حياته عرضية لمجاورة النفس إياه، كما ~~أن الهواء مظلم بجوهره، وإنما ضياؤه بإشراق نور الشمس عليه والقمر ~~والكواكب. والدليل على أن الجسد ميت بجوهره ما يرى من حاله بعد مفارقة ~~النفس إياه له، كيف يتغير ويفسد ويتلاشى ويرجع إلى التراب» (29: 3، ~~38-40). # وأثناء فترة ارتباط النفس بالجسد، ما بين مسقط النطفة في الرحم وفجوة ~~القبر، يكون الجسد عالة على النفس وعبئا، لا تستريح منه إلا ~~بمفارقته: ~~«فمن عيوب هذا الجسد كون النفس كمحبوس في كنيف [= المرحاض]؛ لأن ~~الكنيف بالحقيقة هو هذا الجسد، فهو ينبوع لكل قاذورات من وسخ وبول ~~وغائط ومخاط وبصاق ودم وصديد ولعاب وعرق نتن وبخر وصنان. وإن كل ما ~~يكون في الكنيف من القاذورات فمنه [أي من الجسد] يخرج وفيه يتكون؛ ~~فأوله نطفة قذرة وآخره جيفة منتنة، وما بين الحالتين مملوء عذرة، ~~والنفس على دوام الأوقات [مشغولة] في ms117 تنظيفه وغسله وتنقيته ومداواته ~~وستر عوراته، وحفظه من آفات الحر والبرد والجوع والعطش والصدمة ~~والضربة، والآفات العارضة التي لا يحصى عددها. # وبالجملة، فليس في العالم نتن ولا نجاسة ولا قاذورة ولا جيفة إلا ~~منه. ومن وجه آخر فنقول: مثل النفس مع الجسد كعابد صنم يعبده، بالليل ~~والنهار؛ وذلك أن النفس إذا تركت تعلم العلم وعبادة الله عز وجل، ~~والنظر في أمور معادها بعد فراق الجسد ... واشتغلت بما يكون فيه صلاح ~~الجسد من الأكل والشرب واللباس والمسكن والمركب وما شاكلها من أنواع ~~زينة الدنيا، فتكون كأنها هودي [= يهودي] يعبد صنما كما ذكر تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ~~أفلا تذكرون ~~. # 16 # ومن وجه آخر فنقول: الجسد كأنه كافر محجوب عن الله تعالى، لا يعرفه ~~ولا يدري من خلقه ورزقه. ومن وجه آخر، كأنه صاحب بدعة يدعو على هواه، ~~ويريد أن تكون الأمور بمراده. ومن وجه آخر، كأنه جاهل عجول لا ينظر في ~~العواقب. وأيضا كأنه عدو للنفس يظهر الصداقة ويكتم العداوة. وأيضا ~~كأنه شيطان من كثرة الوساوس. وأيضا كأنه إبليس يدعو إلى العداوة. ~~وأيضا كأنه ميت على جنازة حملتها النفس على كتفها لا تستريح منه، يا ~~ويلتها، حتى إذا دفنته في التراب. وأيضا كأنه غيم بين أبصار الناظرين ~~ونور الشمس؛ لأن ظلمات أخلاط الجسد تمنع عن النظر إلى نور العقل، وهو ~~يمطر الآمال وينسي الآجال» (29: 3، 49-50). وأيضا: ~~«مثل هذه النفس الجزئية، مع شرف جوهرها ، وما هي عليه من غربتها في ~~هذا العالم الجسماني، وما قد ابتليت به من آفات هذا الجسد وفساد ~~هيولاه، كمثل رجل حكيم في بلد الغربة قد ابتلي بعشق امرأة رعناء، فاجرة ~~جاهلة، سيئة الأخلاق، رديئة الطبع، وهي في دائم الأوقات تطالبه ~~بالمأكولات الطيبة، والمشروبات اللذيذة، والملبوسات الفاخرة، والمسكن ~~المزخرف والشهوات المردية؛ وإن ذلك الحكيم، من شدة محبتها لها وعظم ~~بلائه بصحبتها، قد صرف كل همته إلى إصلاح أمرها، وأكثر عنايته ms118 بتدبير ~~شأنها، حتى نسي أمر نفسه وإصلاح شأنه، وبلدته التي خرج منها، وأقرباءه ~~الذين نشأ معهم أولا، ونعمته التي كان فيها بديا» (48: 4، ~~183). # على أن مثالب الجسد هذه، لا تعني عند إخوان الصفاء رفضه بشكل كلي، ~~وإنما رفض العبودية له والانصياع لكل رغباته. فالإنسان مثنوي في تكوينه ~~مؤلف من جسد ونفس، وكما سنرى فيما بعد فإن هذا الجسد هو الصراط ~~المستقيم الذي تجوز عليه النفس مرتقية نحو الدرجات العليا: ~~«واعلم يا أخي بأن الصفات ~~المختصة بالجسد بمجرده، هي أن الجسد جوهر جسماني طبيعي ... وهو متكون ~~من الأخلاط الأربعة التي هي الدم والبلغم والمرتان، المتولدة من ~~الغذاء الكائن من الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء ~~والأرض، ذوات الطبائع الأربع التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة ~~واليبوسة، وهو منفسد ومتغير ومستحيل وراجع إلى هذه الأركان الأربعة بعد ~~الموت ... أما الصفات المختصة بالنفس بمجردها، فهي أنها جوهرة روحانية ~~سماوية نورانية، حية بذاتها، علامة بالقوة، فعالة بالطبع، قابلة ~~للتعليم، فعالة في الأجسام ومستعملة لها، ومتممة للأجسام الحيوانية ~~والنباتية إلى وقت معلوم؛ ثم إنها تاركة لهذه الأجسام ومفارقة لها، ~~وراجعة إلى عنصرها ومبدئها ... وأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون ~~من الذين ذمهم رب العالمين بقوله: ~~... لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ~~بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل أولئك هم الغافلون ... # 17 # أفترى ذمهم من أجل أنهم لم يكونوا يعقلون أمر معيشة ~~الدنيا؟ إنما ذمهم لأنهم لم يكونوا يتفكرون في أمر الآخرة والمعاد ~~... # ولما تبين أن أكثر أمور الإنسان ، وتصرف أحواله مثنوية متضادة، ~~من أجل أنه جملة مجموعة من جوهرين متباينين، جسد جسماني ونفس روحانية، ~~صارت قنيته أيضا نوعين: جسمانية كالمال ومتاع الدنيا، وروحانية ~~كالعلم والدين. وذلك أن العلم قنية للنفس كما أن المال قنية للجسد، ~~وكما أن الإنسان يتمكن بالمال من تناول اللذات من الأكل والشرب في ~~الحياة الدنيا، فهكذا بالعلم ينال الإنسان طريق الآخرة وبالدين يصل ~~إليها، وبالعلم تضيء النفس وتشرق وتصح، كما أن بالأكل والشرب ms119 ينمى ~~الجسد ويزيد ويربو ويسمن. فلما كان هكذا، صارت المجالس أيضا اثنين: ~~مجلس للأكل والشرب، واللهو واللعب، واللذات الجسمانية من لحوم الحيوان ~~ونبات الأرض، لصلاح هذا الجسد المستحيل الفاسد الفاني، ومجلس للعلم ~~والحكمة وسماع روحاني، من لذة النفوس التي لا تبيد جواهرها ولا ينقطع ~~سرورها في الدار الآخرة ... فلما كانت المجالس اثنين صار أيضا السائلون ~~اثنين، واحد يسأل حاجة من عرض الدنيا لصلاح هذا الجسد ولجر المنفعة ~~إليه، أو لدفع المضرة عنه، وواحد يسأل مسألة من العلم لصلاح أمر النفس ~~وخلاصها» (6: 1، 260-261). # والجسد والنفس مرتبطان إلى درجة أن آلام الجسد ولذاته تلحق النفس، ~~ولكن آلام النفس ولذاتها لا تلحق الجسد: ~~«اعلم أن جميع اللذات التي تجدها النفس الإنسانية نوعان: منها ما ~~تجدها بمجردها، ومنها ما تجدها بتوسط الجسد. و[ما تجده بتوسط الجسد] هي ~~سبعة أنواع: أحدها المدركات باللمس بطريق النظر من محاسن الألوان ~~والأشكال والنقوش والتصاوير والأصباغ الطبيعية منها والصناعية جميعا؛ ~~والثاني المدركات بطريق السمع من الأصوات والألحان والنغم والمدح ~~والثناء وما شاكلها، والثالث المدركات بطريق الذوق من الطعوم الموافقة ~~لشهواتها، والرابع الملموسات المقوية لأخلاط جسدها، والخامس المشمومات ~~الملائمة لمزاج أخلاطه، والسادس لذة الجماع؛ والسابع لذة الانتقام. ~~وهذه كلها لذات تجدها النفس بتوسط الجسد مرتين: إحداهما عند مباشرة ~~الحواس لها، والأخرى عند ذكرها [= تذكرها] بعدها. مثال ذلك: إذا رأى ~~المرء وجها حسنا، أو زينة من محاسن الدنيا، فإن النفس تجد عند رؤيتها ~~سرورا لها ولذة، ثم إذا غابت عن رؤية العين بقيت تلك المحاسن مصورة في ~~فكر النفس، وكلما لمحت هي ذاتها ونظرت إلى جوهرها رأت تلك الرسوم ~~المصورة في فكرها، فسرت بها والتذت، وتذكرت تلك المحسوسات، ~~وهكذا سائر المحسوسات ... وليس التفكر والتذكر شيئا سوى لمحات النفس ~~ذاتها ونظرها إلى جوهرها، ورؤيتها رسوم تلك المحسوسات مطبوعة في ذاتها ~~كما ينطبع نقش الفص في الشمع المختوم. فهذه الملاذ والآلام وإن كانت لا ~~تصل إلى النفس إلا بتوسط الجسد، فقد نجدها بعد غيبة المحسوسات عن ~~مباشرة الحواس لها، فيدل هذا على أن ms120 النفس لها لذة تجدها بعد مفارقة ~~الجسد أيضا كما تجد لذة المحسوسات بعد مفارقتها وغيبتها. # أما اللذات الروحانية التي تجدها النفس بمجردها فهي ... ما تجده من ~~اللذة والسرور والفرح عند تصورها حقائق الموجودات من المحسوسات ~~والمأكولات جميعا؛ والثانية ما تجده عند اعتقادها الآراء الصحيحة ~~ومذاهبها الحميدة؛ والثالثة ما تجده عند عذوبة أخلاقها الكريمة ~~وعاداتها الجميلة، والرابعة ما تجده من الفرح والسرور واللذة عند ذكر ~~أعمالها الزكية وأفعالها الخيرة. وهذه اللذات مشتركة بين الإنسان وبين ~~الملائكة، وأضدادها من الآلام، مشتركة بين الإنسان والشياطين. # وأما بيان ما يلحق النفوس من اللذة والألم في اعتقاداتها ومعارفها ~~وجهالاتها وأخلاقها وأعمالها، فاعلم أن الإنسان إذا كانت أعماله سيئة ~~وأفعاله قبيحة، فإن نفسه تكون مرتابة مرعوبة مضطربة متألمة، كما ذكر ~~تعالى في صفة المنافقين فقال: ~~... يحسبون كل ~~صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم ~~الله ... # 18 # فإذا كانت أعمالهم صالحة وأفعالهم جميلة، فإن نفوسهم أبدا ~~تكون ساكنة هادئة مستريحة. # وهكذا، إذا كانت أخلاق الإنسان جميلة وسجاياه سهلة، ومعاملته طيبة، ~~ومخالطته عذبة، فإن نفسه تكون أبدا في القلوب محبوبة ومن الغوائل ~~آمنة. وإن كانت أخلاقه شرية، وطباعه وحشية، وهمته سبعية، يكون من ~~يصحبه أبدا في عناء، وهو من نفسه في جهل وبلاء. فهكذا حكم الاعتقادات ~~والآراء، وذلك أن بعضها مؤلم لنفوس معتقديها ومحير ومشكك ... مثل من ~~يعتقد أن ربه قتلته اليهود، ومثل من يعتقد أن إمامه مختف من خوف ~~مخالفيه، ومثل من يعتقد أن رب العالمين خلق خلقا وناصبهم العداوة وهو ~~إبليس وجنوده، ومثل من يعتقد أن رب العالمين حقود حنق يغتاظ على ~~الكفار والعصاة من خلقه، ومثل من يرى ويعتقد أن أمر العالم غير منتظم، ~~وأن مدبره وصانعه قد أهمل أمر عالمه حتى يجري فيه أشياء على غير مراده ~~ومشيئته، ومثل من يرى ويعتقد أن رب العالمين الغفور الرحيم يأمر ~~الملائكة بأن يأخذوا الكفار والعصاة ويرموا بهم في خندق من النار، ~~وكلما احترقت جلودهم وصاروا فحما ورمادا أعاد فيها الرطوبة والحياة ~~ليذوقوا العذاب، ومثل من يعتقد أنه ms121 يباشر في الجنة مع الأبكار ويلتذ ~~منها ويزيل البكارة، ثم تعود البكارة، ومثل من يعتقد أنه يتمنى في ~~الجنة الطيور المشوية فيتحصل بعد تمنيه في الحال، ثم يأكل منها حتى ~~الشبع، ثم بعد ذلك تطير الطيور كما تطير في حال الحياة، ومثل من يعتقد ~~أن الإنسان إذا مات بطلت نفسه ووجودها، ومثل من لا يرجو الجنة إلا بعد ~~خراب السماوات وطيها كطي السجل للكتب، ومثل من يعتقد أن أعمال الإنسان ~~تجعل في كفتين من كفتي الميزان، ومثل من يعتقد ويرى أن في الجحيم ~~تنانين وثعابين وأفاعي يأكلون الفساق، ويصيرون أحياء بعد ذلك، وما ~~شاكل هذه من الاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها. مع أن جميع ما نطق به ~~الأنبياء عليهم السلام، من صفة الجنة ونعيم أهلها وعذاب النار والعقاب ~~وأحوال القيامة كلها حق وصدق ولكن ليس كما يرى هؤلاء، بل أمر وراء ذلك ~~لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم. # وأما من يرى ويعتقد ويعلم أن للعالم بارئا حكيما، قادرا حليما، ~~جوادا كريما، غفورا رحيما، وأنه قد أحكم أمر عالمه على أحسن نظام، ~~ولم يترك فيه خللا، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا ~~يرى في خلق الرحمن من تفاوت، فإن نفسه ساكنة هادئة مستريحة من الألم ~~والآراء الفاسدة وأوجاع الاعتقادات الزائفة، ومن وحشة ظلمات الجهالات ~~المتراكمة، وهو في راحة من نفسه والخلق في راحة منه؛ ومن جهة في أمان ~~لا يريد بأحد سوءا، ولا يرى له فضلا عليهم، ولا يطالبهم بحق، ولا ~~يشكوهم من جفاء، ولا يصيبهم منه أذى. فهذه صفة إخواننا الكرام. # فهل لك يا أخي أن ترغب في صحبتهم، وتتبع منهاجهم، وتسير سيرتهم، ~~وتتخلق بأخلاقهم، وتنظر في علومهم وسياستهم، لتعرف أسرارهم ~~واعتقاداتهم، أو تحضر مجلسهم لتسمع كلامهم وأقاويلهم، أو تقرأ رسائلنا ~~هذه لعلك توفق لفهم معاني ما تضمنته، وتنتبه لنفسك من نوم الغفلة، ~~وتستيقظ من رقدة الجهالة، وتنفتح لك عين البصيرة، فتحيا حياة العلماء، ~~وتعيش عيش السعداء، وتصعد إلى ملكوت السماء» (30: 3، 68-73). # في الفصل الأول من ms122 هذا الكتاب، وفي القسم الخاص بتكون الحيوان ~~أوردنا هذا المقطع لإخوان الصفاء: ~~«واعلم يا أخي بأن الحيوانات التامة الخلقة كلها كان بدء تكونها من ~~الطين أولا، من ذكر وأنثى توالدت وتناسلت، وانتشرت في الأرض سهلا ~~وجبلا، وبرا وبحرا، من تحت خط الاستواء، حيث يكون الليل والنهار ~~متساويين، والزمان أبدا معتدلا هناك بين الحر والبرد والمواد ~~المتهيئة لقبول الصورة موجودة دائما. وهناك أيضا تكون أبونا آدم ~~أبو البشر وزوجته، ثم توالدا وتناسلت أولادهما، وامتلأت الأرض منهم» ~~(22: 2، 181-182). وهذا يعني أن آدم الجسماني لم يعرف الجنة الروحية ~~قط، وإنما عرفها آدم الروحاني، وهو رمز يستخدمه الإخوان للدلالة على ~~النفس وهبوطها من عالمها النوراني وحلولها في الأجسام. نقرأ في الرسالة ~~الثانية على سبيل المثال قولهم: «واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح ~~منه، أنه ينبغي لك أن تتيقن بأنك لا تقدر أن تنجو وحدك مما وقعت فيه ~~من محنة هذه الدنيا وآفاتها بالجناية التي كانت من أبينا آدم، عليه ~~السلام» (2: 1، 100) وفي الرسالة 15: «واعلم أن نفسك هي إحدى تلك ~~الصور، فاجتهد في معرفتها لعلك تخلصها من بحر الهيولى وهاوية ~~الأجسام، وأسر الطبيعة التي وقعنا فيها بجناية كانت من أبينا آدم، عليه ~~السلام، حين عصا ربه فأخرج هو وذريته من الجنة التي هي عالم الأرواح، ~~وقيل لهم: ~~... اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~* قال فيها تحيون وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون # 19 # وقيل [لهم أيضا]: # انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب # 20 # وهو عالم الأجسام ذو الطول والعرض والعمق» (15: 2، ~~21). # وهم يطورون هذه الفكرة في أكثر من موضع : ~~«اعلم أيها الأخ أن النفس الجزئية لما أهبطت من عالمها الروحاني، ~~وأسقطت من مرتبتها العالية للجناية، وغرقت في بحر الهيولى، وغاصت في ~~قعر أمواج الأجسام، وقيل لها: # انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب # 21 # فغرقت في هياكل الأجسام، وتفرقت بعد وصلتها، وتشتت شمل ~~ألفتها، كما ذكر الله عز وجل اسمه بقوله: ~~... اهبطوا منها جميعا ... ~~، # 22 # إلى قوله: ~~... ومنها ~~تخرجون ~~، # 23 # عرض لها عند ذلك ms123 من الدهشة والأهوال والمصائب، مثل ما عرض ~~لقوم من ركاب البحر لما اشتدت بهم الريح، واضطرب بهم البحر، وهاجت بهم ~~الأمواج، وكسر بهم المركب، وغرقوا في قعر البحار، وغاصوا في ظلمات ~~الماء ... فكما أن أولئك القوم في الوقت الذي انكسر بهم المركب تراهم بين ~~غائص في الماء، أو طائف، أو متعلق بخشبة أو بحبل، أو يركب بعضهم كتف ~~بعض، يقول كل واحد: نفسي نفسي، من شدة الأهوال، لا يفكر بغيره، ولا ~~يريد النجاة إلا لنفسه، ولا يهمه سواها، ولا يذكر شيئا مما كان فيه ~~قبلا، فهكذا حال النفوس في هذه الدنيا وكونها مع هذه الأجساد وما ~~ابتليت به من ظلمات هذه الأجساد، من هموم المعاش، وخوف الجوع، وألم ~~العطش، وأوجاع الأمراض والسقام ... فمن أجل هذه الشدائد والمصائب صارت ~~النفس لا تذكر شيئا مما كانت فيه من أمر عالمها ومبدئها ومعادها، كما ~~قال الله، جل ذكره: # وإذا ذكروا لا ~~يذكرون ~~. # 24 # واعلم أيها الأخ أن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة، واستيقظت من ~~رقدة الجهالة، وأبصرت ذاتها، وعرفت جوهرها، وأحست بغربتها في عالم ~~الأجسام، ومحنتها وغرقها في بحر الهيولى ... وتنسمت بروح عالمها ~~وريحانها، اشتاقت إلى هناك، ومالت إلى الكون في ذلك العالم، ومقتت ~~الكون مع الأجساد، وزهدت في نعيم الدنيا، وتمنت الموت الذي هو مفارقة ~~الجسد والخروج من ظلمة الأجسام، فيكون مثلها في ذلك كمثل قوم خرجوا ~~من الحبس والمطامير مع ضوء الصبح، فشاهدوا هذا العالم بما فيه دفعة ~~واحدة» (48: 4، 184-185). ~~«الأرض بما عليها من المدن والقرى والجزائر التي في البحار، وما فيها ~~من المساكن، كلها حبوس ومطامير وسجون ومضائق للنفوس الجزئية ، وكذلك ~~جميع أشخاصها من النبات والحيوان ذوات النفوس، كلها قيود وأغلال وكبول ~~للنفوس المتعلقة بما يجذبها إلى أسر الطبيعة، وكلها برازخ، ولكنها ~~متفاوتة الصفات ومتغايرة الدرجات، ومتباينة الصور من الضيق والاتساع ~~والاتضاع والارتفاع والآلام واللذات؛ ومنها ما هو في العذاب المهين ~~والذل المقيم، مثل البهائم المستعملة والحيوانات المذبوحة في الهياكل ~~والبيع، والنبات الذي هو في غاية الذل والهوان؛ وأكملها ms124 صورة وأتمها ~~بنية وأعلاها منزلة الصورة الإنسانية، فهي صراط مستقيم وكتاب مبين ~~وطريق قويم، وهي المطية التي من سار عليها قاصدا، وكان في سيره على ~~الحق معتمدا، فلا شك أنه يصل بها إلى دار السعادة ويفارق دار الهوان؛ ~~ومن خلى زمام مطيته وتاه في محجته، يوشك أن تعدل به المطية إذا خلى ~~زمامها، إلى طريق الهلكة» (جا: 53-54). # أما عن ماهية خطيئة النفس الجزئية التي أهبطت بسببها إلى عالم ~~الأجسام، فلا يحدثنا الإخوان عنها إلا بشكل غامض لا يروي غليل ~~قارئهم: ~~«وكان الأصل في ذلك [أي في زلة النفس] أن النفس الجزئية كان منها ~~فتور عن قبول فوائد النفس الكلية، والمواد العقلية، فأهبطت إلى عالم ~~الجسم، وجعل لها واسطة لتناول العلوم بالحس واللمس، لتتصور بتأمل ~~المحسوسات المركبات صور الأشياء المعقولات الروحانيات المجردات من ~~الهيولانيات. فإذا فارقت [النفس] المحسوسات، وبقيت آثارها [أي آثار ~~المحسوسات] فيها، وشاهدت الصور العقلية المجردة من الهيولى، كان ذلك ~~معينا لها على طلب الاتحاد بها، والكون بحيث هي [أي الصور] في جنة ~~المأوى والفردوس الأعلى. فلذلك قال سبحانه: ~~... ~~وأتوا به متشابها ... # 25 # وقولهم: ~~... هذا الذي رزقنا ~~من قبل ... # 26 # يعنون وهم في محل الأجسام في دار الدنيا» (جا: 65). # فقوى النفس الكلية المنبعثة عنها والسارية فيما دونها في عالم الكون ~~والفساد الذي هو دون فلك القمر هي: «آثار جزئية مرتبطة بعالم الكون ~~والفساد، كائنة في محل الأجساد، وهي الأرواح الهابطة للزلة التي كانت ~~منها، والخطيئة التي جنتها، فأخرجت من الجنة وأبعدت عن دار الكرامة، ~~فبقيت معذبة مربوطة بالطبيعة الحسية، والتكليفات اللازمة لها في ~~الشرائع الناموسية، جزاء لها بما أسلفت، وليكون ذلك قربة لها إذا قبلت ~~أوامر الشرع ... فعند ذلك يكون رجوعها إلى محلها النوراني» (جا: 79). ~~وأيضا: ~~«وإذا قالت الحكماء النفوس الجزئية، فإنما يعنون بها القوة المنبعثة ~~الهابطة إلى المركز السفلي والمشتاقة إلى عالم الطبيعة، المتخلفة عن ~~قبول الإفاضة العقلية، التي لحقها الفتور عن التسبيح والتقديس في محل ~~الأنوار، فأهبطت إلى قرار المركز، ووقع بها تكليف العبادة وصعوبة ~~الطاعة ms125 ... وإليه [أي إلى محل الأنوار] ترجع إذا تابت من خطيئتها ~~واستقالت من عثرتها» (جا: 196-197). # في هبوطها إلى عالم الكون والفساد، تقطعت النفس الجزئية الخاطئة ~~إلى ثلاث فرق: فرقة اتحدت بجوهرية المعدن، وفرقة بجوهرية النبات، وفرقة ~~بجوهرية الحيوان. فعناصر الأرض ومعادنها ونباتاتها تمتلك نفوسا جزئية ~~مثل التي للحيوان والإنسان: ~~«واعلم يا أخي أن النفس قد أتى عليها دهر طويل قبل تعلقها بالجسم. ~~وذلك أنها تحركت حركة طويلة، غير متوهمة كتوهم الحركات المحسوسات ~~الكائنة في الزمان الفلكي، وكانت في عالمها الروحاني ومحلها النوراني ~~ومركزها العقلي ودارها الحيواني، مقبلة على علتها العقل الفعال، تقبل ~~منه الفيض والفضائل والخيرات، وتتراءى فيها المثالات العقلية أنوارا ~~ذاتية وأشباحا نورانية ملكية ... فلما امتلأت من تلك الفضائل والخيرات، ~~أرادت التشبه بعلتها، وأن تكون مفيدة ... فلما رأى الباري سبحانه ذلك ~~منها، مكنها من عالم الجسم وهيأه لها، وخلق من ذلك الجسم [بتوسط ~~النفس] عالم الأفلاك وأطباق السماوات، من لدن فلك المحيط إلى منتهى ~~مركز الأرض، وركب الأفلاك بعضها فوق بعض فتحركت النفس فيها حركة ~~اختيار، فوجدت في الأشياء المخلوقة لها قوة لقبول آثارها منها، وصورت ~~فيها صورة ما في ذاتها ... وأقام أمر النفس جاريا على هذه الحال مدة ما ~~شاء الله الباري عز وجل، على أحسن النظام وأكمل التمام، إلى أن كان من ~~آدم ما كان، فأهبطت النفس الجزئية إلى مركز الأرض ... وتقطعت ثلاث فرق: ~~فرقة اتحدت بجوهرية المعادن، وفرقة اتحدت بجوهرية النبات، وفرقة اتحدت ~~بجوهرية الحيوان الذي أفضله عالم الإنسان. ثم عطفت النفس الكلية بعد ~~ذلك راجعة إلى قبول الفيض العقلي، بالتوبة والإنابة والاستغفار لمن في ~~الأرض، وطلب الرحمة والرضوان لهم من ربهم ... ولا تزال الأشياء موجودة ~~على ما هي به، من اجتماع الكثيف [= الجسم] باللطيف [= النفس]، ما دامت ~~النفوس الجزئية متحركة بالنشوء والبلى، والكون والفساد، والترقي من ~~الحال الأدنى إلى الحال الأعلى، حتى تترقى كلها، وتصعد بأجمعها كما ~~تتصاعد المياه مع البخارات وتصير في الغمام، ولا يبقى في الأوان إلا ~~تفالاتها فيرمى بها، إذ لا حاجة ms126 إليها. واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا ~~بروح منه، بأنه سترجع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية بأجمعها، وتصير ~~في عالمها الروحاني ... وسيخرب العالم الأرضي والمركز السفلي إن فارقته ~~النفس، وسكن الفلك عن الدوران والكواكب عن المسير والأركان عن الاختلاط ~~والامتزاج، وبلي النبات والحيوان والمعادن، فتخلع النفس الصور والأشكال ~~والنقوش، ويبقى الجسم [المطلق] فارغا كما كان في البداية إذا أعرضت ~~عنه النفس، وأقبلت نحو عالمها، ولحقت بعلتها [العقل] ... وأقبل عليها ~~دفعة واحدة، فتخلت عن الجسم دفعة واحدة. فعند ذلك تبطل الحركات ~~الدنياوية» (جا: 271-273). # 27 # في كيفية ارتباط النفس الجزئية بالأجسام # لا يكفي لكي تعرف نفسك أن تستنبط أعماق ذاتك وتنظر في الآفاق، بل ~~لا بد أيضا من أن تعرف تاريخك منذ أن تكونت في الرحم جسدا وحلت ~~فيك روحك الجزئية. وهنا يأخذنا الإخوان في رسالتهم «مسقط النطفة» ~~في نزهة علمية وأسترولوجية، نقتطف منها ما يلي: ~~«واعلم بأن مثل الأركان الأربعة التي هي الأمهات في جوف الفلك ~~كاللبن في الوعاء، وحركات الكواكب من محيط الأفلاك كالمخض # 28 # به، والكائنات [المتولدة] عنها كالزبدة المجتمع من ~~لطائفها. # ثم اعلم أنه إذا تمخضت الأركان من تحريك الأشخاص الفلكية لها، ~~واجتمع من لطائف زبدتها شيء، وشخص، وامتاز عن البسائط، ربطت به في ~~الوقت والساعة قوة من قوى النفس الكلية الفلكية ... وتشخص تلك ~~القوة، وتمتاز عن سائر القوى لتعلقها بتلك الزبدة واختصاصها بتلك ~~الجملة. فعند ذلك تسمى تلك القوة نفسا جزئية. وعند ذلك تقع ~~الإشارة إلى تلك الجملة؛ لأنها حادث كائن، حيوانا كان أو نباتا ~~أو معدنا. # واعلم يا أخي أنه لا بد من ~~أن يكون في ذلك الوقت وتلك الساعة درجة طالعة من أفق المشرق من ~~الفلك، على أفق تلك البقعة التي حدثت تلك الزبدة هناك، ويكون شكل ~~الفلك ومواضع الكواكب على هيئة ما ... فعند ذلك يضاف إلى تلك القوة ~~قوى روحيات سائر الكواكب، وتجذب معها تلك الزبدة المواد المشكلة ~~لها، ويكون قبولها بحسب ما في طباع أشخاص أنواع ذلك الجنس من ~~الأفعال والأخلاق والخواص، ms127 حيوانا كان أم نباتا أم ~~معدنا. # أمثال ذلك أنه إذا جرت ~~نطفة الإنسان، التي هي زبدة دم الرجال، واجتمعت في الإحليل عند ~~حركة الجماع ... وخرجت من الإحليل، وانصبت في الرحم واستقرت هناك، ~~ربطت بها في الوقت والساعة قوة من قوى النفس النباتية # 29 # السارية في جميع الأجسام النامية، التي هي أيضا قوة ~~من قوى النفس الطبيعية السارية في جميع الأركان الأربعة، والتي هي ~~أيضا قوة منبثة من النفس الكلية الفلكية السارية في جميع الأجسام ~~الموجودة في العالم. # ثم اعلم يا أخي أن للنفس النباتية سبع قوى فعالة، وهي الجاذبة ~~والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والمصورة، وأن أول فعلها ~~عند استقرار النطفة في الرحم هو جذبها دم الطمث إلى الرحم وإمساكها ~~لها هناك وهضمها. # ثم اعلم يا أخي بأنه إذا جذبت هذه القوة الدم إلى هناك، أخفته ~~حول النطفة، وأدارته عليها كما يدور بياض البيض حول محها، فيكون ~~عند ذلك حول النطفة كالمحة، ودم الطمث حولها كالبياض. ثم إن ~~حرارة النطفة تسخن رطوبة الدم، فتنضجها، فتسخن وتنعقد تلك ~~الرطوبة، فتصير علقة، كما ينعقد اللبن الحليب من الإنفحة، وتستولي ~~عند ذلك على تلك الجملة قوى روحانيات [كوكب] زحل، وتبقى في ~~تدبيراتها بمشاركة قوى روحانيات سائر الكواكب شهرا واحدا ثلاثين ~~يوما ... # واعلم يا أخي بأن ابتداء تدبير النطفة إنما صار لزحل من أجل أنه ~~أعلى الكواكب السيارة فلكا مما يلي فلك الكواكب [الثابتة] الذي هو ~~مكان الجواهر الشريفة، ومنصب القوى الروحانية ... # ثم اعلم يا أخي بأنه ما دام التدبير لزحل إلى تمام شهر، ثلاثين ~~يوما، فإن تلك العلقة تكون باقية بحالها، غير مختلطة ولا ممتزجة، ~~بل جامدة متمسكة، جارية إليها المواد، لغلبة برد زحل وسكونه وثقل ~~طبيعته، إلى أن يدخل الشهر الثاني، ويصير التدبير للمشتري الذي ~~فلكه يتلو فلك زحل، وتستولي عليها قوى روحانيته، فيولد عند ذلك في ~~تلك العلقة حرارة، وتسخن، ويعتدل مزاجها، ويختلط الماءان، ويمتزج ~~الخلطان، ويعرض لتلك الجملة حركة مثل الاختلاج والارتعاش والهضم ~~والنضج، فلا تزال هذا حالها ما دامت في ms128 تدبير المشتري إلى تمام ~~شهرين. ثم يدخل الشهر الثالث ويصير التدبير للمريخ الذي يلي ~~المشتري في الفلك، وتستولي على تلك العلقة قوى روحانيته، ويشتد ~~اختلاجها وارتعاشها، ويتولد فيها فضل حرارة وسخونة، وتصير تلك ~~العلقة مضغة حمراء؛ فلا تزال تتقلب حالا بعد حال من النضج ~~والاستحكام بمشاركة قوى روحانيات سائر الكواكب للمريخ إلى تمام ~~ثلاثة أشهر. ثم يدخل الشهر الرابع ويصير التدبير للشمس رئيسة ~~الكواكب وملكة الفلك وقلب العالم بإذن الباري جل ثناؤه. # واعلم يا أخي بأنه إذا دخل الشهر الرابع من مسقط النطفة، وصار ~~التدبير للشمس، واستولت على المضغة روحانياتها، نفخت فيها روح ~~الحياة، وسرت فيها النفس الحيوانية. وذلك لأن الشمس هي رئيسة ~~الكواكب في الفلك، وهي المستولية على الكائنات التي دون فلك القمر، ~~وخاصة على مواليد الحيوانات ذوي الرحم، وأشد اختصاصا بمواليد ~~الإنس؛ وذلك أن جرمها في العالم بمنزلة جرم القلب في البدن ... ~~وسريان قوى روحانياتها في العالم كسريان الحرارة الغريزية المنبثة ~~من القلب السارية في أعضاء البدن. # وأما سائر قوى روحانيات الكواكب، فهي لها كالجنود والأعوان ... ~~وعند ذلك تكون قد اختلطت الطبائع من الأركان الأربعة في تركيب بنية ~~الجنين، واعتدل المزاج، وانتقشت الصورة، وأنشئت الخلقة، وظهرت ~~أشكال العظام، وركبت المفاصل، وتهندم التركيب، والتفت الأعصاب على ~~المفاصل، وامتدت العروق في خلل اللحم، وظهرت البنية [مخلقة ~~وغير مخلقة]. # اعلم يا أخي بأنه إذا دخل الشهر الخامس ... وصار التدبير للزهرة، ~~الساعد الأصغر وصاحبة النقش والتصاوير، واستولى على المخلقة قوى ~~روحانياتها، استتمت الخلقة، واستكملت البنية، وظهرت صورة الأعضاء، ~~واستبان رسم العينين، وانشق المنخران، وانفتح الفم وثقب الأذنين ~~ومجرى السبيلين، وتميزت المفاصل. ولكن الجنين يكون مجموعا منضما، # 30 # منقبضا كأنه مصرور في صرة ، ركبتاه مجموعتان إلى صدره، ~~ومرفقاه منضمان إلى حقويه، وهو منكس رأسه على دفته وعلى ركبتيه، ~~وكفاه على خديه، وهو شبه نائم محزون. # فلو رأيته يا أخي لرحمته لضيق مكانه وضعف أحواله، ولكنه لا يحس ~~بما هو فيه رفقا من الله تعالى بخلقه ولطفا بهم. وتكون سرته ~~متصلة بسرة أمه، تمتص ms129 منها الغذاء إلى يوم الولادة، ويكون وجهه إن ~~كان ذكرا مما يلي ظهر أمه، وإن كان أنثى فعكس ذلك ... # ثم اعلم أنه عند دخول الشهر السادس، يصير التدبير لعطارد، ~~وتستولي عليه قوى روحانياته، فيتحرك عند ذلك الجنين في الرحم، ~~ويركض برجليه ويمد يديه، ويبسط جوارحه، ويضطرب ويحس بمكانه، ويفتح ~~فاه، ويحرك شفتيه، ويدير لسانه في فيه، فيكون تارة متحركا، وتارة ~~يسكن، وتارة ينام، وتارة يستيقظ. فلا يزال ذلك دأبه إلى أن يتم ~~الشهر السادس ويدخل الشهر السابع، ويصير التدبير للقمر، وتستولي ~~عليه قوى روحانياته، فيربو لحم الجنين حينئذ، وتسمن جثته وتشتد ~~أعضاؤه ... ويحس بضيق مكانه، ويطلب التنقل والخروج؛ فإن قدر له ~~ذلك ... وكان الجنين كاملا عاش وتربى وعمر، وإن بقي هناك إلى أن ~~يدخل الشهر الثامن وتدخل الشمس بيت الموت يرجع التدبير إلى زحل، ~~فتستولي عليه قوى روحانياته، عرض للجنين ثقل وسكون، وغلب عليه ~~البرد والنوم وقلة الحركة. فإن ولد في هذا الشهر كان بطيء النشوء ~~ثقيل الحركة قليل العمر، وربما كان ميتا. وإذا دخل الشهر التاسع ... ~~ورجع التدبير إلى المشتري، السعد الأكبر، واستولت عليه قوى ~~روحانياته، واعتدل المزاج وقويت روح الحياة، ظهرت أفعال النفس ~~الحيوانية في الجسد ... فإذا خرج الجنين بعد ثمانية أشهر، استأنف ~~العمر في الدنيا ... # واعلم يا أخي بأن الكائنات التي تحت فلك القمر تبتدئ من أنقص ~~الحالات وأدونها مترقية إلى أتمها وأفضلها. ويكون ذلك في مر ~~الزمان والأوقات؛ لأن طبيعتها لا تقبل فيض أشخاص فلكية دفعة واحدة، ~~ولكن شيئا بعد شيء على التدريج، كما يقبل المتعلم الذكي من ~~الأستاذ الحاذق. # واعلم بأن فيضات الكواكب من محيط الأفلاك متصلة نحو مركز الأرض ~~في دائم الأوقات، ولكنها مفننة الألوان، متغايرة الأشكال، وذلك ~~بحسب مواضعها من أفلاكها، وموازاتها من فلك البروج، وحدودها ~~... ~~[ولكن] لا ينبغي لك يا أخي أن تتوهم أو تظن أن هذه الكواكب ~~والأفلاك التي ذكرنا أفعالها وتأثيراتها في تركيب الجسد الإنساني ~~هي آلات وأدوات للباري، جل ثناؤه، يخلق بها الإنسان، بل إنما هي ~~آلات وأدوات للنفس ms130 الكلية الفلكية، وهذه النفس هي عبد مطيع للباري ~~تعالى، فقد أيدها بالعقل الكلي الذي هو ملك من ملائكته المقربين # الذين يحملون العرش ومن ~~حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ~~. # واعلم يا أخي أن هذه الأشخاص الفلكية، لما كانت موضوعة بعضها من ~~بعض على النسبة الموسيقية من ثلاثة أنواع، أحدها نسبة أعظام [= ~~أحجام] بعضها عند بعض، والآخر نسبة أبعاد مراكزها بعضها من بعض ومن ~~الأركان الأربعة، وكذلك الثالث نسبة حركاتها في سرعة وإبطاء، فمن ~~أجل ذلك إذا عرضت لها تلك الحالات المختلفة التي تقدم ذكرها في ~~الفصل الأول، اختلفت مناسباتها، فعند ذلك تختلف تأثيراتها في ~~الكائنات بحسب اختلاف النسبة، كما تختلف أصوات الموسيقى ونغماتها ~~عند طول الأوتار وقصرها ودقتها وغلظها، وسرعة حركات المضارب ~~وإبطائها، فتختلف عند ذلك تأثيراتها في نفوس المستمعين بحسب اختلاف ~~طبائعهم وآرائهم وأخلاقهم، كما بينا طرفا من ذلك في رسالة ~~الموسيقى ... # ثم اعلم يا أخي بأنه متفق بين أهل صناعة التنجيم في أحكام ~~المواليد، أنه من يوم الولادة إلى تمام أربع سنين شمسية يكون الطفل ~~في تدبير القمر صاحب النمو والزيادة والنشوء، وتشاركه سائر الكواكب ~~في التدبير ... ثم يصير في تدبير عطارد ثلاث عشرة سنة، وهو صاحب ~~النطق والحركة والتعاليم والآداب والتمييز والفهم، وتشاركه في ~~التدبير سائر الكواكب ... ثم يصير المولود في تدبير الزهرة ثماني ~~سنوات، وهي صاحبة الحسن والزينة والشهوات واللذة والرغبة في النكاح ~~والحرص على السفاح، وتشاركها في التدبير سائر الكواكب، فيظهر من ~~المولود في هذه المدة الرغبة في التزوج والنكاح، وطلب الشهوات ~~والتمتع باللذات، ومحبة الزينة والحسن والجمال ... والانهماك في ~~الشهوات إلى مدة ما. ثم يصير في تدبير الشمس، صاحبة العز والرياسة ~~والتدبير والسياسة عشر سنوات؛ ويظهر من المولود الكدخدائية في ~~المنزل، وتربية الأولاد، وتأديب الأهل والجيران، ومراعاة أمر ~~الأقرباء والإخوان، وطلب العز والسلطان والرفعة والعلو والشرف في ~~المنزلة، وما شاكل ذلك ... ثم يصير في تدبير المريخ سبع سنوات، وهو ~~صاحب الحزم والعزم والشجاعة ... والإنصاف والعزة. وبالجملة كل خصلة ~~لا بد منها ms131 لساسة الأمور، وقادة الجيوش، ورعاة الجماعات، ومدبري ~~الملك والناموس جميعا ... # ثم يصير المولود في تدبير المشتري اثنتي عشرة سنة، وهو صاحب ~~الدين والورع، والتوبة والندامة، والزهد والعبادة، والرجوع إلى ~~الله، جل ثناؤه، بالصوم والصلاة، وطلب الآخرة والرغبة فيها ... فإن ~~اجتهد الإنسان وفعل ما رسم في الشريعة من لزوم أحكامها ~~ومفروضاتها، وعمل بما وصف في الفلسفة وصبر عليه مدة ما، فعما ~~قليل يخف عليه كل ما هو فيه من تجاذب الطبيعتين المتضادتين، إلى أن ~~يصير التدبير إلى زحل بعد إحدى عشرة سنة، وهو صاحب السكون والهدوء ~~والكسل، وجمود نيران الشهوات الجسمانية، وذهاب القوى الحيوانية، ~~واسترخاء الأعصاب، وذبول الآلات الجسدانية ... فعند ذلك تقل رغبته في ~~هذه الدنيا، وينقطع طمعه في المقام في عالم الكون والفساد. ثم ~~يجيئه الموت الطبيعي على التدريج إذا انطفأت الحرارة الغريزية من ~~البدن، وانسلت الروح الحيوانية من الجسد، كما ينطفئ السراج ويذهب ~~الضوء إذا فني الدهن واحترقت الفتيلة. # فإن كان الإنسان قد ارتاض فيما مضى من عمره، وتعلم علما من ~~العلوم، وأدبا من الآداب، أو صناعة من الصنائع، أو تدين بمذهب ~~من الآراء، أو عمل عملا من الأعمال يهدى به إلى طريق الآخرة وأمر ~~المعاد، فإنه يرجى لتلك النفس أن تهتدي إلى الرجوع إلى عالمها ~~النفساني ومحلها الروحاني، واللحوق بأبناء جنسها الذين مضوا قبلها، ~~ووصلوا إلى هناك، وتخلصوا من دركات عالم الكون والفساد ... ~~... وقد تبين بما ذكرنا أن مكث الجنين في الرحم مدة ما، إنما هو ~~لكي يتم الجسد وتستكمل صورة البدن، والغرض من ذلك أن المولود ~~ينتفع بالحياة الدنيا بعد الولادة. وكذلك أيضا قد قال الحكيم: إن ~~مكث الإنسان العاقل [في هذه الدنيا، و] الذي هو تحت الأمر والنهي، ~~إما بموجب العقل أو بطريق السمع بأوامر الناموس ونواهيه، وفي طول ~~عمره الطبيعي مدة ما، إنما هو لأن تتم فضائل النفس، وتستكمل ~~أخلاقها المختلفة، ومعارفها الربانية، بالتأمل والبحث في النظر، ~~والسعي والاجتهاد في العمل، كما ذكر في حد الفلسفة أنها التشبه ~~بالإله بحسب طاقة الإنسانية، أو بما رسم ms132 في الناموس من الوصايا ~~والأوامر والنواهي. كل ذلك لكي تستكمل النفس فضائل الملائكة فيها» ~~(منتخبات من الرسالة 25، م2، ص417-455). # فالإنسان العاقل يستطيع والحالة هذه معرفة حقائق الوجود باستخدام ~~عقله وبصيرته، والعمل وفق ما جاء به الحكماء والفلاسفة في عمره ~~المديد في هذه الدنيا، لينتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ~~ويتهيأ لرحلة خلاص النفس من عالم الكون والفساد. ولكن الناس كلهم ~~ليسوا مهيئين لمثل هذا الاعتماد على النفس، وكثير منهم لا يسمح له ~~عمره القصير الذي لا يصل أقصى مداه بتحقيق هذا العرفان. وهنا يأتي ~~دور الأديان المنزلة من السماء لأمثال هؤلاء: ~~«اعلم يا أخي أن الله، جل ثناؤه، لما علم بأن أكثر الناس لا ~~يعيشون أعمارا طبيعية على التمام، ولا يتركون في الدنيا زمانا ~~طويلا تهذب فيه نفوسهم وتستكمل فضائلهم، لطف بهم من أجل ذلك، ~~وبعث إليهم الأنبياء، والرسل واضعي النواميس بالوصايا والأوامر ~~والنواهي والسنن الزكية والشرائع المرضية، إذا استعملوها على ~~نحو ما رسم لهم استتمت فضائل نفوسهم، وتهذبت أخلاقهم، [حتى] وإن ~~كانوا قصيري الأعمار ... فهذا هو حكم نفوس البالغين الذين هم تحت ~~الأمر والنهي. وأما حكم نفوس الأطفال والمجانين [إذا قضوا]، فهي ~~تنجو بشفاعة الآباء والأمهات والأنبياء والمرسلين» (25: 2، ~~454-455). # في معرفة الجسد وأحواله # لما كان الإنسان مثنويا في تكوينه، مؤلفا من جسد ونفس شريفة، ~~فإن معرفته بجسده هي جزء لا يتجزأ من معرفته بنفسه. ومعرفة الجسد ~~تبتدئ عند الإخوان من فهم كيفية تركيبه ووظائف أعضائه، بما فيها ~~الدماغ والجملة العصبية، وتنتهي بآليات الإحساس والإدراك، ونظريتهم ~~في المعرفة. # اعلم، وفقك الله، أن الإنسان إذا ادعى معرفة الأشياء وهو لا ~~يعرف نفسه، فمثله كمثل من يطعم الناس وهو جائع، وكمثل من يداوي ~~غيره وهو مريض سقيم عليل ... واعلموا أن اسم الإنسان إنما هو واقع ~~على هذا الجسد الذي هو كالبيت المبني، وعلى هذه النفس التي تسكن ~~هذا الجسد، وهما جميعا جزءان له وهو جملتهما والمجموع منهما، ولكن ~~أحد الجزأين الذي هو النفس أشرف، وهو كاللب، والجزء الآخر الذي ~~هو الجسد كالقشر ms133 ... فمن أجل هذا يحتاج كل إنسان أن يعرف نفسه ~~بالحقيقة، ويحتاج في معرفة ذلك إلى أن ينظر فيه من ثلاثة أوجه: # أحدها: # النظر في حالات الجسد ما هو، وكيف هو من تركيب ~~أجزائه وتأليف أعضائه، وما الصفات المخصوصة به خلوا ~~من النفس. # والجهة الثانية: # النظر في أمر النفس مجردة من الجسد، وقواها وما هي، ~~وكيف هي، وما الصفات المخصوصة بها. # والجهة الثالثة: # النظر في مجموعهما وما يظهر من جملتهما من الأخلاق ~~والأفعال ... وما شاكل ذلك. # ونبتدئ أولا بذكر حالات الجسد وصفاته بكلام مختصر، كيما يكون ~~دليلا على أمر النفس وحالاتها؛ لأن الجسد ظاهرة مكشوفة مخيلة ~~مدركة بالحواس، وأما أمر النفس وحالاتها فغائب عن إدراك الحواس، ~~وباطن في عمق الجسد، مستور خفي، وإنما يدرك بالعقل. # فاعلموا، أيها الإخوان، أن الشاهد من حالات الجسد يدل على الغائب ~~من حالات النفس، والظاهر يدل على الباطن ... والمحسوس على المعقول. ~~وقد قلنا في الرسالة الأولى [من قسم: الجسمانيات الطبيعيات]: إن ~~الجسد مؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد وما ~~شاكلها. وهذه كلها أجسام أرضية ميتة مظلمة ثقيلة متجزئة متغيرة ~~فاسدة. وأما النفس فإن جواهرها سماوية روحانية ناطقة نورانية، غير ~~ثقيلة ولا متجزئة، وغير فاسدة بل متحركة باقية علامة دراكة ~~لصور الأشياء وحقائقها. # وفي كيفية تركيب الجسد وكيفية أخلاط البدن ومزاج الطبائع، فنقول: ~~اعلم، وفقك الله، أن الباري تعالى لما خلق الجسد وسواه، ونفخ فيه ~~من روحه وأحياه، ثم أسكن فيه النفس وأولاه، وكان مثل أساس بنية ~~الجسد وتركيب أجزائه وتأليف أعضائه كمثل أساس بناء مدينة بنيت من ~~أشياء مختلفة ... فأحكمت بنيتها، وشيد بنيانها ... # وذلك أن الله تعالى لما ~~أراد تركيب الجسد ابتدأ أولا فاخترع أربع طبائع منفردات ، متعاديات ~~القوى بسلطانها بعضها على بعض، ثم ألف بين كل اثنتين منها [وهي: ~~الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة]. و(اخترع كذلك) أربعة ~~أركان مزدوجات مؤتلفات الطبائع متناسبات القوى من أركانها [وهي: ~~النار، والهواء، والماء، والأرض]. ثم أسس بنية هذا الجسد من هذه ~~الأركان الأربعة التي هي أساس لبنيانها [أي ms134 لبنيان المدينة التي ~~يشبه جسد الإنسان بها]، ثم ابتدأ بنيانها من أربعة أخلاط ~~متعاديات طباعها متناسبات قواها، التي هي مجموعات من أصل أركانها ~~[وهي: الصفراء، والدم، والبلغم، والسوداء]. ثم جمع هذه الأخلاط ~~الأربعة، فخلق منها تسعة جواهر مختلفة أشكالها هي ملاك بنيانها ~~[وهي: العظام، والمخ، والعصب، والعروق، والدم، واللحم، والجلد، ~~والظفر، والشعر]. ثم ألفها وركب بعضها فوق بعض عشر طبقات متصلات ~~بهندامها [وهي: الرأس، والرقبة، والصدر، والبطن، والجوف، والحقو، ~~والوركان، والفخذان، والساقان، والقدمان]. ثم أسندها وأقامها ~~بمائتين وثمانية وأربعين عمودا مستويات القد أقرانا [وهي ~~العظام، 248 عظمة]. ثم سمرها ومد حبالها وشد أوصالها بسبعمائة ~~وخمسين رباطا، ممدودات محتويات، ملتفات عليها كالحبال [وهي ~~الأعصاب]. ثم قدر بيوتها وقسم خزائنها، وأودع إحدى عشرة خزانة ~~معمورة مملوءة من الجوهر مختلفة أنواعها وألوانها [وهي: الدماغ، ~~والنخاع، والرئة، والقلب، والكبد، والمرارة، والطحال، والمعدة، ~~والأمعاء، والكليتان، والأنثيان]. وخط شوارعها وأنفذ طرقاتها، ~~وجعل لها ثلاثمائة وستين مسلكا لسكانها [وهي العروق الضوارب]، ~~واستخرج منها عيونا، وشق فيها أنهارا هي ثلاثمائة وتسعون جدولا ~~مختلفات في الجهات لجريانها [وهي الأوردة]. وفتح على سورها اثني ~~عشر روزنا [= كوة] مزدوجات المسالك لجريانها [وهي: العينان، ~~والأذنان، والمنخران، والسبيلان، والثديان، والفم، والسرة]. وأحكم ~~بناء هذه المدينة على أيدي سبعة صناع متعاونين، هم خدامها [وهي: ~~القوة الجاذبة، والقوة الماسكة، والقوة الهاضمة، والقوة الدافعة، ~~والقوة النامية، والقوة المصورة]، ووكل بحفظها خمسة حراس ~~حراسا على حفظ أركانها [وهم الحواس الخمس]. # ثم رفع هذه المدينة في ~~الهواء على رأس عمودين [هما الرجلان]، وحركها على ست جهات ~~بجناحين [وهما اليدان اللتان تشيران إلى الجهات الست التي هي قدام ~~وخلف ويمنة ويسرة وفوق وتحت]، ثم أسكن فيها ثلاث قبائل من الجن ~~والإنس والملائكة ، وجعلهم سكانها [وهي النفس الشهوانية (= ~~النباتية) التي هي في أخلاقها وأفعالها كالجن، والنفس الحيوانية ~~التي هي في أخلاقها وأفعالها كالإنس، والنفس الناطقة التي هي في ~~تمييزها ومعارفها كالملائكة]، ثم رأس عليهم ملكا واحدا وعلمه ~~أسماء من فيها وأمره بحفظها، وأمرهم بطاعته [وهو العقل]» (23: 2، ~~378-382). ~~«اعلم أن النظر ms135 في ماهية النفس مجردة من الجسد، والتصور بذاتها ~~خلوا منه، عسر جدا على المرتاضين بالرياضيات الحكمية، فكيف ~~على غيرهم؟ ولكنه إذا نظر إلى ما يظهر من أفعالها في الجسد، واعتبر ~~تصرف أحوالها مع الجسد، يسهل عليه ذلك، ويقرب من فهم ~~المتعلمين، والتصور في أفكار المتفكرين وجودها، وتبين شرف ~~جوهرها. ونريد أن نبين من ذلك طرفا ونضرب أمثالا، كيما يكون ~~أوضح للبيان وأقرب من فهم المبتدئين، وأبلغ للتصور في أفكار ~~المفكرين، فنقول: # اعلم أن هذا الجسد لهذه النفس هو بمنزلة دار لساكنها بنيت وأحكم ~~بناؤها، وقسمت بيوتها، وملئت خزائنها، وسقفت سطوحها، وفتحت ~~أبوابها، وعلقت ستورها، وأعد فيها كل ما يحتاج صاحب المنزل في ~~منزله ... ثم إن هذا الجسد لهذه النفس، من جهة أخرى، بمنزلة دكان ~~الصانع، وإن جميع أعضاء الجسد للنفس بمنزلة أدوات الصانع في دكانه، ~~وإن النفس بكل عضو تظهر ضروبا من الأفعال وفنونا من الحركات. ~~[وذلك] كالنجار، فإنه ينحت بالفأس وينشر بالمنشار ويثقب بالمثقب ... ~~وعلى هذا القياس سائر الصناع، كل واحد منهم يعمل بأدوات مختلفة ~~أعمالا مختلفة وحركات متباينة. # فهكذا حال النفس، [فإنها] تبصر بالعينين وتسمع بالأذنين، وتشم ~~بالمنخرين ... وتتفكر بواسطة الدماغ الأشياء ... وتصوت بالحلقوم ... ~~وبالجملة ما من عضو في الجسد إلا وللنفس فيه ضروب من الأفعال وفنون ~~من الأعمال. ~~«ثم اعلم أن هذا الجسد لهذه النفس الساكنة فيه يشبه مدينة عامرة ~~بأهلها مأنوسة بسكانها. وحالات الجسد تشبه حالات المدينة، وتصرف ~~النفس يشبه تصرفات أهل المدينة فيها ... # ثم اعلم أن في هذه النفس الساكنة في هذا الجسد قوى طبيعية ~~وأخلاقا غريزية منبثة في أعضاء هذا الجسد، تشبه قبائل أهل تلك ~~المدينة وشعوبها النازلين في المحال بتلك المدينة، وأن لتلك القوى ~~وتلك الأخلاق أفعالا وحركات منبثة في أوعية هذا الجسد، ومجاري ~~مفاصله تشبه أفعال أهل تلك المدينة في منازلهم، وحركاتهم في ~~طرقاتها، وأعمالهم في أسواقهم. فأما القوى الطبيعية والأخلاق ~~الغريزية التي تشبه القبائل والشعوب فهي ثلاثة أجناس: # فمنها قوى النفس النباتية [= الشهوانية]، ونزعاتها وشهواتها، ~~فضائلها ورذائلها، ومسكنها الكبد، وأفعالها تجري ms136 مجرى الأوراد إلى ~~سائر أطراف الجسد. # ومنها قوى النفس الحيوانية، وحركاتها وأخلاقها وحواسها وفضائلها ~~ورذائلها. ومسكنها القلب، وأفعالها تجري مجرى العروق الضوارب إلى ~~سائر أطراف الجسد. # ومنها قوى النفس الناطقة، وتمييزاتها ومعارفها، وفضائلها ~~ورذائلها؛ ومسكنها الدماغ، وأفعالها تجري مجرى الأعصان إلى سائر ~~أطراف الجسد. # ثم اعلم أن هذه النفوس الثلاث ليست متفرقات متباينات بعضها من ~~بعض، ولكنها كلها كالفروع من أصل واحد، متصلات بذات واحدة كاتصال ~~ثلاثة أغصان من شجرة واحدة، تتفرع من كل غصن عدة قضبان، ومن كل ~~قضيب عدة أوراق وثمار ... فهكذا أمر النفس، فإنها واحدة بالذات، ~~وإنما تقع عليها هذه الأسماء بحسب ما يظهر منها من الأفعال. وذلك ~~إذا فعلت في الجسم الغذاء والنمو، فتسمى النفس النامية، وإذا فعلت ~~في الجسم الحس والحركة والنقلة فتسمى النفس الحيوانية، وإذا فعلت ~~الفكر والتمييز، فتسمى النفس الناطقة» (23: 2، 383-387). ~~«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ~~لما فرغنا من تركيب جسد الإنسان، وبيان أنه عالم صغير، وأن بنية ~~هيكله تشبه مدينة فاضلة، وأن نفسه تشبه ملكا في تلك المدينة، ~~فنريد الآن أن نذكر طرفا من المعلومات فنقول: # إن علم الإنسان بالمعلومات يكون من ثلاثة طرق، أحدها: طريق ~~الحواس الخمس الذي هو أول الطرق، ويكون جمهور علم الإنسان، ويكون ~~معرفته بها من أول الصبا، ويشترك الناس كلهم فيها وتشاركهم ~~الحيوانات. والثاني: طريق العقل الذي ينفصل به الإنسان دون سائر ~~الحيوانات، ومعرفته به تكون بعد الصبا عند البلوغ. والثالث: طريق ~~البرهان الذي يتفرد به قوم من العلماء دون غيرهم من الناس، وتكون ~~معرفتهم بها بعد النظر في الرياضيات الهندسية والمنطقية» (24: 2، ~~396-397). ~~«[أما] في العلة التي صار علم الإنسان بالمعلومات من ثلاثة طرق ~~فنقول: إنه لما كان الإنسان من جملة مجموعة بدن جسماني ونفس ~~روحانية، صار بنفسه الروحانية يدرك العلم، كما أنه بجسده الجسماني ~~يعمل الصنائع. # 31 # ولما كانت النفس في الرتبة الوسطى من الموجودات، وذلك ~~أن من الأشياء ما هو أعلى وأشرف من جوهر النفس كالباري تعالى ~~والعقل والصور ms137 المجردة من الهيولى الذين هم ملائكة الله المقربون. ~~ومنها ما هو أدون من النفس كالهيولى والطبيعة والأجسام أجمع، فصارت ~~معرفة النفس بالأشياء التي دونها في الشرف بطريق الحواس التي هي ~~المباشرة والمماسة والمخالطة والإحاطة. وأما ما كان أشرف منها ~~وأعلى، فصارت معرفتها لها بطريق البرهان الذي يضطر العقول إلى ~~الإقرار به من غير إحاطة ولا مباشرة، وصارت معرفتها بذاتها وجوهرها ~~بطريق العقل؛ لأن نسبة العقل إلى النفس كنسبة الضوء من البصر، ~~وكنسبة المرآة إلى الناظر فيها. فكما أن البصر لا يرى شيئا من ~~الأشياء إلا بالضوء ... كذلك النفس لا تنظر ذاتها إلا بنور العقل، ~~ولا تعرف حقائق الموجودات إلا بالنظر إلى العقل. وإنما يتسنى للنفس ~~النظر إلى العقل بعين البصيرة، إذا هي انفتحت؛ وإنما تنفتح لها عين ~~البصيرة إذا هي انتبهت من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، ونظرت بعين ~~الرأس إلى هذه المحسوسات، وفكرت في معانيها، واعتبرت أحوالها حتى ~~تعرفها حق معرفتها» (24: 2، 415-416). ~~«[أما] وقد بينا لم صارت طرق العلوم ثلاثة ... فنريد أن نذكر ~~الآن طرق الحواس الخمس، ونصف كيفية إدراك القوى الحساسة ~~لمحسوساتها ... فنقول أولا: ما الحواس الخمس؟ وما القوى الحساسة؟ ~~وما الحس؟ وما الإحساس؟ وما المحسوسات؟ جواب ذلك: # فاعلم أن الحواس هي آلات جسدانية، وهي خمس: العين، والأذن، ~~واللسان، والأنف، واليد. وذلك أن كل واحد منها عضو من ~~الجسد. # وأما القوى الحساسة فهي قوى روحانية نفسانية، يختص كل منها بعضو ~~من أعضاء الجسد. # وأما المحسوسات، فالأشياء المدركة بالحواس. والمدركة بالحواس هي ~~أعراض حالة في الأجسام الطبيعية، مؤثرة في الحواس، مغيرة لكيفية ~~مزاجها. # والحس هو تغيير مزاج الحواس عن مباشرة المحسوس لها. والإحساس هو ~~شعور القوى الحساسة لتغييرات كيفية أمزجة الحواس. # بيان ذلك أن القوة الباصرة مجراها في العينين، وهي مستبطنة ~~الحدقتين في الرطوبة الجلدية. والقوة السامعة مجراها في الأذنين، ~~وهي مستبطنة الصماخين مما يلي البطن المؤخر من الدماغ. والقوة ~~الشامة مجراها في المنخرين، وهي مستبطنة الخياشيم مما يلي البطن ~~المقدم من الدماغ. والقوة الذائقة مجراها الفم، وهي مستبطنة في ms138 ~~رطوبة اللسان. والقوة اللامسة مجراها في عامة سطح بدن الحيوان ~~الرقيق الجلد، ولكنها في الإنسان أظهر وخاصة في الأنملة، وهي ~~مستبطنة في الجلدين اللذين أحدهما ظاهر البدن والآخر مما ~~يلي. # واعلم أن المحسوسات كلها خمسة أجناس، منها المدركات بطريق اللمس ~~... والجنس الثاني المدركات بطريق الذوق التي هي الطعوم ... والجنس ~~الثالث هي الروائح المدركة بطريق الشم ... والجنس الرابع هي الأصوات ~~المدركة بطريق السمع ... والجنس الخامس هي المبصرات المدركات بطريق ~~البصر» (24: 2، 397-402). # بعد ذلك ينتقل الإخوان إلى شرح كيفية إدراك القوى الحساسة ~~لمحسوساتها واحدا واحدا. ولسوف نقتصر هنا على ذكر كيفية إدراك ~~القوة السامعة والقوة الباصرة. والإخوان هنا يتفقون مع كل ما نعرفه ~~حاليا عن هذا الموضوع، ويستخدمون مصطلحات ما زالت الفيزياء ~~الحديثة تستخدمها: ~~«أما إدراك القوة السامعة لمحسوساتها التي هي الأصوات ... [فإن] كل ~~هذه الأصوات إنما هي قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجسام. وذلك أن ~~الهواء لشدة لطافته، وخفة جوهره، وسرعة حركة أجزائه، يتخلل الأجسام ~~كلها؛ فإذا صادم جسم جسما انسل ذلك الهواء من بينهما بحمية ~~وتدافع وتموج إلى جميع الجهات، فحدث من حركته شكل كروي، واتسع كما ~~تتسع القارورة من نفخ الزجاج [= صانع الزجاج] فيها، أو الماء ~~الساكن إذا ألقي فيه حجر فيتزاحم الماء حتى يبلغ أطراف الغدير، ~~وكلما اتسع ذلك الشكل ضعفت حركته وتموجه إلى أن يسكن ويضمحل. فمن ~~كان حاضرا من الناس وسائر الحيوانات التي لها أذن بالقرب من ذلك ~~المكان، تموج ذلك الهواء الذي هناك، فأحست عند ذلك القوة السامعة ~~بتلك الحركة والتغير. # واعلم أن كل صوت له نغمة وصيغة وهيئة روحانية خلاف الصوت الآخر، ~~وأن الهواء من شرف جوهره ولطافة عنصره يحمل كل الأصوات بهيئتها ~~وصيغتها، ويحفظها لئلا يختلط بعضها ببعض فتفسد هيئتها، إلى أن ~~يبلغها أقصى مدى غاياتها عند القوة السامعة، لتؤديها إلى القوة ~~المتخيلة ... # أما كيفية إدراك القوة الباصرة لمحسوساتها التي هي عشرة أنواع: ~~أولها الأنوار والظلم، والألوان، والسطوح، والأجسام أنفسها، ~~وأشكالها، وأبعادها، وحركاتها، وسكونها، وأوضاعها. فالمدرك من هذه ~~الأنواع بالحقيقة والذات [هما] ms139 النور والظلمة حسب، إلا أن الظلمة ~~شيء يرى ولا يرى بها شيء آخر، والنور هو الذي يرى ويرى به شيء ~~آخر ... # ثم اعلم أن النور والظلمة لونان روحيان، وأن السواد والبياض ~~لونان جسمانيان، وأن النور مشاكل للبياض، وأن الظلمة مشاكلة ~~للسواد. وذلك أن البياض يلوح على سائر الألوان كما أن في النور ~~ترى سائر المرئيات، وعلى السواد لا تتبين الألوان وفي الظلمة لا ~~يرى شيء. # ثم اعلم أن النور والظلمة يسريان في الأجسام المشفة كسريان ~~الروح في الجسد، وينسلان منها بلا زمان. ولكن الضوء إذا سرى في ~~الأجسام المشفة حمل معه ألوان الأجسام وأوصافها حملا روحانيا، ~~وحفظها بهيئتها، حتى لا يختلط بعضها ببعض، فيفسد هيئتها، كما حمل ~~الهواء الأصوات بهيئتها، كما وصفنا قبل، حتى يبلغها أقصى مدى ~~غايتها عند القوة الباصرة المستبطنة في الرطوبة الجلدية التي في ~~الحدقتين. # ثم اعلم أن الحدقتين هما أحد الأجسام المشفة، وهما مرآتا الجسد. ~~وذلك أنهما رطوبتان مغطاتان بغشاءين شفافين، وهما غشاءا ~~القرنية. فإذا سرى الضوء في الأجسام المشفة، وحمل معه ألوان ~~الأجسام الحاضرة، واتصل بحدقتي الحيوان الحاضرة هناك، وسرى فيهما ~~كسريانه في سائر الأجسام المشفة، انطبعت الجليدية بتلك الألوان كما ~~ينطبع الهواء بالضياء، فعند ذلك تحس القوة الباصرة بذلك التغيير، ~~فتؤدي خبره إلى القوة المتخيلة، كما تؤدي سائر القوى الحساسة أخبار ~~محسوساتها ... # وقد ظن كثير من أهل العلم أن إدراك البصر المبصرات إنما يكون ~~بشعاعين يخرجان من العينين، وينفذان في الهواء وفي الأجسام المشفة، ~~ويدركان هذه المبصرات؛ وهذا ظن من لا رياضة له بالأمور ~~الروحانية، ولا بالأمور الطبيعية، ولو ارتاض فيها لبان صحة ما قلنا ~~ووصفنا ... ~~[أما] في كيفية وصول آثار المحسوسات إلى القوة المتخيلة، فنقول: ~~إنه ينتشر من مقدم الدماغ عصبات لطيفة لينة تتصل بأصول الحواس، ~~وتتفرق هناك، وتنسج في أجزاء جرم الدماغ كنسج العنكبوت. فإذا ~~باشرت كيفية المحسوسات من أجزاء الحواس وتغير مزاج الحواس ~~عندها، وغيرتها عن كيفياتها، وصل ذلك التغيير في تلك الأعصاب ~~التي في مقدم الدماغ، والتي منشؤها من هناك ms140 كلها، فتجتمع آثار ~~المحسوسات عند القوة المتخيلة، كما تجتمع رسائل أصحاب الأخبار عند ~~صاحب الخريطة، فيوصل تلك الرسائل كلها إلى حضرة الملك. ثم إن الملك ~~يقرؤها ويفهم معانيها، ثم يسلمها إلى خازنه ليحفظها، فيحفظها إلى ~~وقت الحاجة إليها. # فهكذا حكم القوة المتخيلة إذا اجتمعت عندها آثار هذه المحسوسات ~~التي أدتها إليها القوة الحساسة، دفعتها إلى القوة المفكرة التي ~~مسكنها وسط الدماغ، لتنظر فيها وترى في معانيها، ثم يسلمها إلى ~~خازنه ليحفظها، فيحفظها إلى وقت الحاجة إليها. # فهكذا حكم القوة المتخيلة إذا اجتمعت عندها آثار هذه المحسوسات ~~التي أدتها إليها القوة الحساسة، دفعتها إلى القوة المفكرة التي ~~مسكنها وسط الدماغ، لتنظر فيها وترى في معانيها، وتعرف حقائقها ~~ومضارها ومنافعها، ثم تؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت ~~التذكار ...» (24: 2، 407-411). # هذه القوى الثلاث يميزها إخوان الصفاء عن القوى الحساسة بكونها ~~روحانية، ويضيفون إليها قوتين أخريين هما الناطقة والصانعة: ~~«اعلم وفقك الله، أن للنفس الإنسانية خمس قوى أخر روحانية، ~~سيرتها غير سيرة الخمس الحساسة الجسمانية، وهي القوة المتخيلة ~~والمفكرة والحافظة والناطقة والصانعة وذلك بإدراكها رسوم المعلومات ~~إدراكا روحانيا من غير هيولاها. فأما الحساسة فلا تدرك ~~محسوساتها إلا في الهيولى. وأيضا فإن هذه القوى الروحانية تتناول ~~رسوم المعلومات بعضها من بعض، على غير سيرة الحساسة. وذلك أن القوى ~~الحساسة كل واحدة منها مختصة بإدراك جنس من المحسوسات؛ وذلك أن ~~الباصرة لا تدرك الأصوات ولا الطعوم ولا الروائح ولا الملموسات إلا ~~الألوان. وهكذا الشامة والذائقة واللامسة، كل واحدة لا تشارك غيرها ~~في محسوساتها. # وأما القوى الخمس الروحانية، فإنها كالمتعاونات في إدراكها رسوم ~~المعلومات. وذلك أن القوة المتخيلة إذا تناولت رسوم المحسوسات ~~كلها، وقبلتها في ذاتها كما يقبل الشمع نقش الفص، فإن من شأنها أن ~~تناولها كلها إلى القوة المفكرة من ساعتها، فإذا غابت المحسوسات عن ~~مشاهدة الحواس لها، بقيت تلك الرسوم مصورة صورة روحانية في ذاتها، ~~كما يبقى نقش الفص في الشمع المختوم مصورا بصور روحانية مجردة ~~عن هيولاها، فيكون عند ذلك لها كالهيولى، وهي ms141 فيها كالصورة. # ثم إن من شأن القوة المفكرة أن تنظر إلى ذاتها وتراها [أي رسوم ~~المحسوسات] معاينة، وتتروى فيها وتميزها، وتبحث عن خواصها ~~ومنافعها ومضارها. ثم تؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت ~~التذكار. ثم إن من شأن القوة الناطقة التي مجراها على اللسان، إذا ~~أرادت الإخبار عنها والإنباء عن معانيها والجواب للسائلين عن ~~معلوماتها، ألقت لها ألفاظا من حروف المعجم، وجعلتها كالسمات لتلك ~~المعاني التي في ذاتها، وعبرت عنها للقوة السامعة من ~~الحاضرين. # ولما كانت الأصوات لا تمكث في الهواء إلا ريثما تأخذ المسامع ~~حظها [منها]، ثم تضمحل، احتالت الحكمة الإلهية بأن قيدت معاني تلك ~~الألفاظ بصناعة الكتابة. ثم إن من شأن القوة الصانعة أن تصوغ لها ~~من الخطوط الأشكال بالأقلام، وتودعها وجوه الألواح وبطون المطامير، ~~ليبقى العلم مفيدا فائدة من الماضين للغابرين، وأثرا من الأولين ~~للآخرين» (24: 2، 414-415). # والآن، إذا كانت هذه هي القوى التي يحصل بواسطتها الإنسان على ~~معلوماته، وأنواعها خمس حسية وخمس روحانية، فإلى أي حد تبلغ ~~طاقته في المعارف؟ وإلى أي حد مبلغه من العلوم؟ ~~«اعلم أن الله تعالى لما خلق جسد آدم، عليه السلام، أبي البشر، ~~من التراب وصوره في أحسن تقويم ... ثم نفخ فيه من روحه، صار ذلك ~~الجسد الترابي بتلك الروح الشريفة حيا عالما قادرا. ثم فضله ~~بما علمه من الأسماء على بعض الملائكة لا عليهم كلهم، وأمرهم ~~بالسجود له من أجل تلك الروح الشريفة التي نفخ فيه، لا من أجل ~~الجسد الترابي. وإبليس اللعين لما نظر إلى الجسد الترابي، وعرف ~~ورأى تلك الروح الشريفة الفاضلة العالمة، قال: ~~... أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين ~~. # 32 # إذ النار خير من التراب؛ لأن النار جسم مضيء متحرك ~~يطلب العلو، والتراب جسم مظلم ساكن يطلب السفل. وكان هذا منه ~~قياسا خطأ؛ لأن السجود لم يكن للجسد الترابي، بل لتلك الروح ~~الشريفة؛ لأن الإنسان إنما يأكل ويشرب وينام من أجل الجسد، ويتحرك ~~ويحس ويتكلم ويعلم بالنفس الشريفة التي من أمر الله. # ثم اعلم أن ms142 العلم غذاء للنفس وحياة لها، كما أن الطعام وجميع ~~المتناولات غذاء وشراب للجسد وحياة له. # ثم اعلم أن العلم بالأشياء، بعضه طبيعي غريزي مثل ما يدرك ~~بالحواس ومثل ما في أوائل العقول [= البديهات]، وبعضها تعليمي ~~مكتسب مثل الرياضيات والآداب، وما يأتي به الناموس. فمن الناس من ~~لا يرغب في التعلم والتأدب، بل يتكل على ما تدركه الحواس أو ما في ~~قرائح العقول، ومنهم من يرغب في التعلم والتأدب، لكن من الناس من ~~لا يقبل من العلم إلا ما يتصور في نفسه أو يقوم عليه برهان هندسي ~~أو منطقي، ومنهم طائفة لا تقبل إلا ما يدل عليه قول الشاعر، وطائفة ~~لا تقبل إلا برواية وخبر، ومنهم طائفة لا تقبل إلا بالاحتجاج ~~والجدل، ومنهم من يرضى بالتقليد ويقنع بذلك. # وينبغي لنا أن نبين مبلغ قوة الإنسان في إدراك المعلومات ~~والمحسوسات إلى أي نهاية، وهي جهده وطاقته في معرفة حقائق الأشياء، ~~وإلى أي حد ينتهي؛ لأن في الناس طائفة من العقلاء لما تفكروا في ~~حدوث العالم، وبحثوا عن العلة الموجبة لكونه، بعد أن لم يكن، لم ~~يعرفوها ولم يتصوروا في عقولهم بدء كون العالم، فدعاهم جهلهم عند ~~ذلك إلى القول بقدم العالم. ومنهم من لاح له شيء غير ما لاح ~~للآخر، فاختلفت أقاويلهم في حدوث العالم والعلة الموجبة لكونه ~~... # ثم اعلم أن من تفكر في كيفية حدوث العالم وعلة حدوثه بعد أن لم ~~يكن، ويريد أن يعرفها أو يتصور كيف كان ذلك، وهو جاهل لا يعرف ~~كيفية تركيب جسده، ولا يتفكر في بنية هيكله، ولا يدري كيف كان ~~بدء كون ذاتها، ولا يعلم ماهية جوهر نفسه ولا كيفية ارتباطها ~~بجسده، ولا لأي علة ربطت به بعد أن لم تكن مربوطة، ولا لأي علة ~~تفارق الجسد في آخر العمر ... هو يريد أن يعرف بدء كون العالم وكيفية ~~حدوثه، وما تلك العلة الموجبة لكونه، مع جهله بما ذكرنا من هذه ~~الأشياء التي هي أقرب إلى فهمه وأسهل لتعليمه، وأمكن لتصوره، فمثله ~~كمثل رجل لا يطيق ms143 حمل مائة رطل، فهو يتكلف حمل ألف رطل، أو كمثل من ~~لا يقدر على المشي، وهو يريد أن يعدو ... # ثم اعلم أنه إذا اعتبر أحوال الإنسان ومجاري أموره من ذلك، وحال ~~جثته، فإنه متوسط بين الصغر والكبر، فلا صغير جدا ولا كبير ~~مفرطا؛ فهكذا حال بقائه، فلا هو طويل العمر في الدنيا، ولا قصير ~~المدة فيها؛ وهكذا حال وجوده، فلا هو متقدم الوجود على الأشياء، ~~ولا متأخر عنها ... وهكذا حال رتبته في الشرف والدماثة متوسط؛ لأن من ~~الموجودات ما هو أشرف منه كالملائكة المقربين، ومنها ما هو أدون ~~منه كالبهائم؛ وهكذا حاله في القوة والضعف متوسط، فلا هو قوي متين ~~ولا ضعيف مهين ... وهكذا حال قوة حواسه على إدراك المحسوسات، فلا يحس ~~منها إلا المتوسطات بين الطرفين. وذلك أن القوة الباصرة لا تقوى ~~على إدراك الألوان في الظلمة الظلماء، ولا على إدراكها في النور ~~الباهر ... وهكذا قوة السمع لا تطيق استماع الصاعقة لشدتها وجلالتها، ~~ولا تقوى أيضا على إدراك دبيب النملة ... # وهكذا قوة عقل الإنسان متوسطة، [فهو] لا يقوى على تصور الأشياء ~~المعقولة إلا ما كان متوسطا بين الطرفين من الجلالة والخفاء. وذلك ~~أن من الأشياء المعقولة ما لا يمكن عقل الإنسان إدراكه وإحاطة ~~العلم به لجلالته وشدة ظهوره وبيانه ووضوحه مثل جلالة الباري عز ~~وجل، فإنه لا يقوى عقل الإنسان على إدراكه وإحاطة العلم بماهية ذات ~~جلالته، وذلك لشدة ظهوره ووضوح بيانه، لا لخفاء ذاته وشدة كتمانه؛ ~~و[أيضا] مثل عجز الإنسان عن تصور صورة العالم بكليته، لشدة كبره ~~وظهوره لا لصغره وخفائه؛ ومثل عجزه أيضا عن إدراك الصور المجردة ~~عن الهيولى لشدة صفائها ولطافتها ونفوذها في الأشياء ... # ثم اعلم أنه ليس إلى معرفة علل هذه الأشياء وصول إلا أن تؤخذ من ~~الأنبياء، عليهم السلام، تقليدا كما أخذوها عن الملائكة ~~تسليما. # ثم اعلم أن نسبة علم البشر ~~إلى علم الملائكة ومعرفتهم، كنسبة علم حيوان البحر إلى حيوان البر ~~ومعرفتها بأمورها، وكعلم حيوان البر إلى علم البشر ومعرفته ~~بأمورها. وذلك أن ms144 حيوان الماء لها حس وحركة وتمييز تتصرف بها من ~~طلب غذائها ومصالحها ومنافعها والهرب من عدوها وعرفانها ذكرانها ~~وإناثها وأبناء جنسها؛ فأما إحساسها بأحوال حيوان البر ومعرفتها ~~بأمورها، فليس لها إلى معرفة ذلك إلا شيء يسير. وهكذا علم حيوان ~~البر بأحوال البشر ومعرفتها بأمور الناس، فليس لها إلا شيء يسير. ~~وهكذا علم البشر بأحوال الملائكة، ومعرفتهم بأمور الذين في فضاء ~~الأفلاك وطبقات السماوات، فليس لهم بها علم إلا شيء يسير. وهكذا ~~أحوال الملائكة في مراتبها ومقاماتها، متفاوتة متباينة، الأول ~~فالأول والأشرف فالأشرف. وفوق كل ذي علم عليم وإلى ربك ~~المنتهى ... # ثم اعلم أن علم جميع الخلائق بالنسبة إلى علم الله تعالى، ليس ~~إلا كالجزء اليسير، كما قال تعالى: # ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله ... # 33 # يعني علم الله. وقال: ~~... ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ... ~~. # 34 # ونحن قد جعلنا هذه الرسالة تنبيها لإخواننا على نهاية ~~مبلغ طاقة الإنسان في العلوم والمعارف، وتوبيخا لأقوام جهال ~~يعارضون العلماء بالكلام والجدال، ويسألونهم عن علل أشياء ليس في ~~طاقة الإنسان معرفتها، وهم قد تركوا البحث عن أشياء واجب عليهم ~~تعلمها والبحث عنها، ثم لا يسألون عنها ولا يتفكرون فيها بجهلهم» ~~(28: 3، 18-24). # أخيرا نعيد القول بأن معرفة النفس ليست غاية مقصودة لذاتها، بل ~~لغاية أكثر سموا ورفعة، وهي الارتقاء بهذه النفس من عالم المادة ~~إلى ملكوت الروح. وذلك بأن: ~~«النفوس الجزئية إنما ربطت بأجسادها التي هي أجسام جزئية، كيما ~~تكمل فضائلها وتخرج كل ما في القوة والإمكان إلى الفعل ~~والظهور من الفضائل والخيرات، ولم يمكن ذلك إلا بارتباطها بهذه ~~الأجساد وتدبيراتها لها، كما أن الباري، جل ثناؤه، لم يكن إظهار ~~جوده وفيض إحسانه وأفضاله وإنعامه إلا بإيجاده هذا الهيكل العظيم ~~المبني بالحكمة، المصنوع بالقدرة، أعني الفلك المحيط وما يحويه من ~~سائر الأفلاك والكواكب والأركان والمولدات الكائنات، وتدبيره لها ~~وسياسته إياها» (9: 1، 318). # فالغاية القصوى لحياة النفس في الجسد وفي هذا العالم هو الارتقاء ~~بها ms145 من الحالة الدنيا إلى حالة الكمال التي تؤهلها للانعتاق ~~والنجاة من أسر الطبيعة. والإخوان في سياق تعليمهم الخاص بارتقاء ~~النفس قد وضعوا الأسس الأولى لنظرية ارتقاء الأنواع مما قالت به ~~الداروينية بعدهم بنحو ألف عام. وهذا ما يقودنا إلى الفصل ~~التالي. # الفصل الرابع # | ارتقاء النفس والنجاة من أسر الطبيعة # في الارتقاء الطبيعي # عندما أهبطت الروح من ~~مكانتها العليا إلى عالم المادة تقطعت ثلاث فرق: «فرقة اتحدت ~~بجوهرية المعادن، وفرقة اتحدت بجوهرية النبات، وفرقة اتحدت بجوهرية ~~الحيوان الذي أفضله عالم الإنسان ... ولا تزال الأشياء موجودة على ما ~~هي به من اجتماع الكثيف باللطيف، ما دامت النفوس الجزئية متحركة ~~بالنشوء والبلى، والكون والفساد والترقي من الحال الأدنى إلى الحال ~~الأعلى، حتى تترقى كلها، وتصعد بأجمعها كما تتصاعد المياه من ~~البخارات وتصير في الغمام ولا تبقى في الأواني إلا تفالاتها، فيرمى ~~بها؛ إذ لا حاجة إليها. واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، ~~بأنه سترجع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية بأجمعها، وتصير في ~~عالمها الروحاني ومحلها النوراني وحالها الأزلي ووقتها الدهري ~~الأبدي السرمدي الذي لا نهاية لطوله، الذي كانت فيه قبل تعلقها ~~بالجسم» (جا: 272). # إن العالم الطبيعي مليء بالأرواح، والنفوس التي أهبطت من ~~عليائها لم تسجن فقط في الهيئة الحيوانية التي أشرفها الهيئة ~~الإنسانية، وإنما في الهيئة النباتية، وحتى في العناصر التي تتكون ~~منها الأرض، والتي نظنها مواتا لا حياة فيها: ~~«واعلم يا أخي أن لهذه ~~الجواهر [المعدنية] خواص كثيرة، وطباعها مختلفة، فمنها متضادة ~~متنافرة، ومنها متشاكلة متآلفة، ولها تأثيرات بعضها في بعض، إما ~~جذبا أو إمساكا أو دفعا أو نفورا. ولها أيضا شعور خفي وحس ~~لطيف كما للنبات والحيوان، إما شوقا ومحبة، وإما بغضا وعداوة. ~~والدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا، قول الحكماء في كتاب ~~الأحجار ونعتهم لها أن طبيعة تألف طبيعة، وطبيعة تناسب طبيعة أخرى، ~~وطبيعة تلتصق بطبيعة، وطبيعة تأنس بطبيعة، وطبيعة تقهر طبيعة» (19: ~~2، 110). # وهنالك عملية ارتقاء دائبة تحصل في هذه المستويات الثلاثة التي ~~حبست فيها النفوس الجزئية ms146 في العالم الطبيعي الذي هو بمثابة جهنم ~~لهذه النفوس. فالنفوس المعدنية ترتقي وتتحول إلى نفوس نباتية، وهذه ~~بدورها ترتقي وتتحول إلى نفوس حيوانية، وهذه أيضا تصعد نحو ~~المرتبة الإنسانية التي يحصل عندها وحدها التحرر والخلاص من سجن ~~المادة. وهيئة الإنسان المنتصبة هي الصراط المستقيم الذي يصعد ~~بالروح إلى الملأ الأعلى: ~~«ولما أهبطت النفس الجزئية وقرنت بالهياكل الجسمانية، افترقت ~~من حال إلى حال حتى بلغت إلى آخر باب في جهنم عالم الكون والفساد، ~~وهي الصورة الإنسانية ... فإن صورة الإنسان أجل الأشكال وأتم ~~الصور، وذلك أنه منتصب، وهو الصراط الممدود بين الجنة والنار، وهو ~~سيد الصور، وذلك أنه منتصب وجميع الصور التي دونه ساجدة له ~~وراكعة وهو ربها وسيدها ... وهي مكلفة بطاعته والسجود له، كما هو ~~مكلف بطاعة ربه والخضوع إليه ... وعبادته سبحانه وتعالى حق عبادته. ~~ولذلك وجب عليه الطاعة والانقياد لباريه، وسقط ذلك عن غيره من ~~الحيوانات» (جا: 63-64). ~~«إن الأرض بما عليها من المدن والقرى والجزائر التي في البحار، ~~وما فيها من المساكن، كلها حبوس ومطامير وسجون ومضائق للنفوس ~~الجزئية، وكذلك جميع أشخاصها من النبات والحيوان ذوات النفوس كلها ~~قيود وأغلال وكبول للنفوس المتعلقة بما يجذبها إلى أسر الطبيعة؛ ~~وأنها كلها برازخ، ولكنها متفاوتة الصفات ومتغايرة الدرجات، ~~ومتباينة الصور من الضيق والاتساع والاتضاع والارتفاع والآلام ~~واللذات؛ وأن منها ما هو في العذاب المهين والذل المقيم مثل ~~البهائم المستعملة والحيوانات المذبوحة في الهياكل والبيع، والنبات ~~الذي هو في غاية الذل والهوان؛ وأن من أكملها صورة وأتمها بنية ~~وأعلاها منزلة الصورة الإنسانية، وأنها صراط مستقيم وكتاب مبين ~~وطريق قويم، وهي المطية التي من سار عليها قاصدا، وكان في سيره ~~على الحق معتمدا، فلا شك أنه يصل بها إلى دار السعادة، ويفارق دار ~~الهوان» (جا: 53-54). ~~«واعلم يا أخي أن المعادن تستحيل إلى أجسام النبات، وأجسام ~~النبات تستحيل إلى أجسام الحيوان، وأشرف الحيوان الإنسان. فصورة ~~النبات صراط منكوس إلى العمق # 1 # وقد جازتها النفس الحيوانية ونجت منها؛ وصورة الحيوان ~~صراط ممدود على السطح، ms147 وقد جازتها النفس الإنسانية ونجت منها؛ ~~وصورة الإنسان صراط مستقيم كالخط قائما منتصبا بين الجنة والنار ~~وهي أخريات جهنم، فأي نفس جازها نجت من جهنم ودخلت الجنة التي هي ~~صورة الملائكة، وإلا ردت إلى أسفل السافلين، كما ذكر الله تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين ~~* إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون # 2 ~~(29: 3، 47). # ونحن هنا أمام البوادر الأولى للنظرية الحديثة في التطور الطبيعي ~~وارتقاء الأنواع، فالنبات قد نشأ عن عناصر الأرض الطبيعية، ~~والحيوان قد نشأ عن النبات، والإنسان قد نشأ عن الحيوان. وهذا ~~الارتقاء في الشكل المادي يرافقه ارتقاء روحي من الصراط المنكوس ~~إلى الصراط المستقيم الذي يوصل إلى الصورة الملائكية التي تحررت من ~~الشكل المادي، والتي هي الغاية القصوى: ~~«واعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الجواهر ~~المعدنية هي في أدون مراتب المولدات من الكائنات، وهي كل جسم ~~متكون منعقد من أجزاء الأركان الأربعة التي هي النار والهواء ~~والماء والأرض؛ وأن النبات يشارك الجواهر في كونها من الأركان، ~~ويزيد عليها وينفصل منها بأنه كل جسم يتغذى من الأركان وينمو ويزيد ~~في أقطاره الثلاثة طولا وعرضا وعمقا؛ وأن الحيوان أيضا يشارك ~~النبات في الغذاء والنمو، ويزيد عليه وينفصل عنه بأنه جسم متحرك ~~حساس؛ والإنسان يشارك النبات والحيوان في أوصافها ويزيد عليها ~~وينفصل عنها بأنه ناطق مميز جامع لهذه الأوصاف كلها. # ثم اعلم يا أخي بأن النبات ~~متقدم الكون والوجود على الحيوان بالزمان؛ لأنه مادة لها كلها، ~~وهيولى لصورها، وغذاء لأجسادها، وهو كالوالدة للحيوان، أعني ~~النبات. وذلك أنه يمتص رطوبات الماء ولطائف أجزاء الأرض بعروقه إلى ~~أصوله، ثم يحيلها إلى ذاته، ويجعل من فضائل تلك المواد ورقا ~~وثمارا وحبوبا نضيجا ويتناوله الحيوان غذاء صافيا هنيئا ~~مريئا، كما تفعل الوالدة بالولد إنها تأكل الطعام نضيجا ونيئا، ~~وتناول ولدها لبنا خالصا سائغا للشاربين. فلو لم يكن النبات ~~يفعل ذلك من الأركان لكان يحتاج الحيوان إلى أن يتغذى من الطين ~~صرفا، ومن التراب سفا، ويكون ms148 منغصا في غذائه وملاذه. فانظر ~~يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، إلى معرفة حكمة الباري، جل ~~ثناؤه، كيف جعل النبات واسطة بين الحيوان وبين الأركان ... # ثم اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن من الحيوانات ما ~~هو تام الخلقة كامل الصورة كالتي تنزو وتحبل وتلد وترضع، ومنها ما ~~هو ناقص الخلقة كالتي تتكون من العفونات، ومنها ما هو كالحشرات ~~والهوام بين ذلك، التي تبيض وتحضن وتربي. ثم اعلم بأن الحيوانات ~~الناقصة الخلقة متقدمة الوجود على التامة الخلقة بالزمان في بدء ~~الخلق ... وإن حيوان الماء وجوده قبل وجود حيوان البر بزمان # 3 ~~... # واعلم يا أخي بأن الحيوانات التامة الخلقة كلها كان بدء كونها من ~~الطين أولا، من ذكر وأنثى توالدت وتناسلت وانتشرت في الأرض سهلا ~~وجبلا وبرا وبحرا، من تحت خط الاستواء حيث يكون الليل والنهار ~~متساويين، والزمان أبدا معتدلا هناك بين الحر والبرد، والمواد ~~المتهيئة لقبول الصورة موجودة دائما. وهناك أيضا تكون أبونا ~~آدم أبو البشر وزوجته، ثم توالدا وتناسلت أولادهما وامتلأت الأرض ~~منهم ... # ثم اعلم يا أخي بأن الحيوانات كلها متقدمة الوجود على الإنسان ~~بالزمان؛ لأنها له ولأجله [وجدت]، وكل شيء هو من أجل شيء آخر فهو ~~متقدم الوجود عليه. هذه الحكمة في أولية العقل لا تحتاج إلى دليل ~~من المقدمات ونتائجها؛ لأنه لو لم يتقدم وجود هذه الحيوانات على ~~وجود الإنسان لما كان للإنسان عيش هنيء، ولا مروءة كاملة، ولا نعمة ~~سائغة، بل كان يعيش عيشا نكدا ... # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن صور النبات منكوسة ~~الانتصاب إلى أسفل لأن رءوسها نحو مركز الأرض ومؤخرها نحو محيط ~~الأفلاك، والإنسان بالعكس من ذلك؛ لأن رأسه مما يلي الفلك، ورجليه ~~مما يلي مركز الأرض في أي موضع وقف على بسيطها شرقا وغربا ~~وجنوبا وشمالا ... والحيوانات متوسطة بين ذلك لا منكوسة كالنبات، ~~ولا منتصبة كالإنسان، بل رءوسها إلى الآفاق، ومؤخرها إلى ما يقابله ~~من الأفق الآخر ... # وقد بينا في رسالة لنا أن قوى النفس الكلية ms149 أول ما تبتدئ ~~تسري في قعر الأجسام من أعلى سطح الفلك المحيط نحو مركز الأرض. ~~فإذا سرت في الأفلاك والكواكب والأركان والمولدات وبلغت إلى مركز ~~الأرض من أقصى مدى غاياتها ومنتهى نهاياتها، عطفت عند ذلك راجعة ~~نحو المحيط، وهو المعراج والبعث والقيامة الكبرى. # فانظر الآن يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، كيف يكون انصراف ~~نفسك من هذا العالم إلى هناك، فإنها هي إحدى القوى المنبثة من ~~النفس الكلية السارية في العالم، وقد بلغت إلى المركز، وانصرفت ~~ونجت من الكون في المعادن، أو في النبات، أو في الحيوان، وقد جاوزت ~~الصراط المنكوس [صورة النبات] والصراط المقوس [صورة الحيوان]، وهي ~~الآن على صراط مستقيم آخر درجات جهنم، وهي الصورة الإنسانية. فإن ~~جاوزت وسلمت من هذه دخلت الجنة» (22: 2، 180-183). # حلقات التطور هذه مرتبطة بعضها ببعض عبر مراحل وسيطة تتحول ~~عندها إحدى الحلقات إلى التي تليها: ~~«آخر مرتبة الجواهر المعدنية متصلة بأول مرتبة الجواهر النباتية ~~... وآخر مرتبة النبات متصلة بأول مرتبة الحيوانية، وآخر مرتبة ~~الحيوانية متصلة بأول مرتبة الإنسانية، وآخر مرتبة الإنسانية متصلة ~~بأول مرتبة الملائكة الذين هم سكان السماوات وقاطنو الأفلاك ~~... # اعلم يا أخي بأنك مندوب للقاء ربك، ومبعوث من هذه الدنيا إلى هذه ~~المرتبة [الملائكية]، ومقصود بك إليها منذ يوم خلقت، تنتقل من ~~حال أدون إلى حال هي أتم وأكمل وأشرف إلى أن تلقى ربك ... فمن تلك ~~الحالات ما قد جاوزت وشاهدت، ومنها ما لم تبلغها بعد» (21: 2، ~~150-151). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الباري، جل ~~ثناؤه، لما أبدع الموجودات واخترع الكائنات، جعل أصلها كلها من ~~هيولى واحدة، وخالف بينها بالصور المختلفة، وجعلها أجناسا ~~وأنواعا مختلفة متفننة متباينة، وقوى ما بين أطرافها، وربط ~~أوائلها وأواخرها بما قبلها رباطا واحدا على ترتيب ونظام لما فيه ~~من إتقان الحكمة وإحكام الصنعة ، لتكون الموجودات كلها عالما ~~واحدا منتظما نظاما واحدا وترتيبا واحدا، لتدل على صانع ~~أحد. # فمن تلك الموجودات المختلفة الأجناس المتباينة الأنواع، المربوطة ~~أوائلها بأواخرها وأواخرها بما قبلها في الترتيب ms150 والنظام، المولدات ~~الكائنات التي دون فلك القمر، وهي أربعة أجناس، المعادن والنبات ~~والحيوان والإنسان. وذلك أن كل جنس منها تحته أنواع كثيرة، فمنها ~~ما هو في أدون المراتب، ومنها ما هو في أشرفها وأعلاها، ومنها ما ~~هو بين الطرفين. أدون أطراف المعادن مما يلي التراب: الجص والزاج ~~وأنواع الشبوب؛ والطرف الأشرف: الياقوت والذهب الأحمر، والباقي بين ~~هذين الطرفين [على درجات متفاوتة] من الشرف والدناءة، كما بينا ~~في رسالة المعادن. # وهكذا أيضا حكم النبات فإنه أنواع كثيرة متباينة متفاوتة، ولكن ~~منها ما هو في أدون الرتبة مما يلي رتبة المعادن، وهي خضراء ~~الدمن، ومنها ما هو في أشرف الرتبة مما يلي رتبة الحيوان، وهي ~~شجرة النخل. وبيان ذلك أن أول المرتبة النباتية وأدونها مما يلي ~~التراب هي خضراء الدمن، [وهذه] ليست بشيء سوى غبار يتلبد على ~~الأرض والصخور والأحجار، ثم تصيبه الأمطار وأنداء الليل، فيصبح ~~بالغد كأنه نبت زرع وحشائش. فإذا أصابه حر شمس نصف النهار جف، ~~ثم يصبح من غد مثل ذلك من أول الليل وطيب النسيم، (ومثلها الكمأة ~~والفطر وما شاكل ذلك. وذلك أن هذا الجنس من الكائنات يتكون في ~~التراب كالمعدن، ثم ينبت في المواضع الندية في أيام الربيع من ~~الأمطار، كما ينبت النبات، ولكن من أجل أنه ليس له ثمرة ولا ورقة ... ~~صار يشبه المعادن، ومن جهة أخرى يشبه النبات). # 4 # ولا تنبت الكمأة ولا خضراء الدمن إلا في أيام الربيع في البقاع ~~المتجاورة، لتقارب ما بينهما؛ لأن هذا [أي خضراء الدمن] معدن ~~نباتي، وذاك [أي الكمأة] نبات معدني. # وأما النخل فهو آخر المرتبة النباتية مما يلي الحيوانية، وذلك أن ~~النخل نبات حيواني؛ لأن بعض أحواله مباين لأحوال النبات، وإن كان ~~جسمه نباتا. بيان ذلك أن القوة الفاعلة [فيه] منفصلة من القوة ~~المنفعلة، والدليل على ذلك أن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص ~~الإناث، ولأشخاص فحولته لقاح في إناثها كما يكون ذلك للحيوان ... ~~وأيضا فإن النخل إذا قطعت رءوسها جفت وبطل نموها ونشوءها وماتت. ~~كل ذلك موجود في ms151 الحيوان. فبهذا الاعتبار تبين أن النخل نباتي ~~بالجسم، حيواني بالنفس؛ إذ كانت أفعاله أفعال النفس الحيوانية، ~~وشكل جسمه شكل النبات. # وفي النبات نوع آخر فعله أيضا فعل النفس الحيوانية، لكن جسمه ~~جسم النبات، وهو الكشوث. وذلك أن هذا النوع من النبات ليس له أصل ~~ثابت في الأرض كما يكون لسائر النباتات، ولا له أوراق كأوراقها، بل ~~إنها تلتف على الأشجار والزروع والشوك، فتمتص من رطوبتها وتتغذى ~~بها كما يتغذى الدود الذي يدب على ورق الأشجار وقضبان النبات ~~ويقرضها، فيأكلها ويتغذى بها ... قد بان بما وصفنا أن آخر الرتبة ~~النباتية متصل بأول المرتبة الحيوانية، وأما سائر المراتب النباتية ~~فهي بين هذين. # واعلم يا أخي بأن أول مرتبة الحيوان متصل بآخر مرتبة النبات ... ~~فأدون الحيوان وأنقصه هو الذي ليس له إلا حاسة واحدة فقط، وهو ~~الحلزون، وهو دودة في جوف أنبوبة، تنبت تلك الأنبوبة على الصخر ~~الذي في سواحل البحار وشطوط الأنهار. وتلك الدودة تخرج نصف شخصها ~~من جوف تلك الأنبوبة، وتبسط يمنة ويسرة تطلب مادة يتغذى بها جسمها، ~~فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليه، وإذا أحست بخشونة أو صلابة ~~انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها ومفسد ~~لهيكلها. وليس لها سمع ولا بصر ولا شم ولا ذوق، إلا الحس واللمس ~~قط. وهكذا أكثر الديدان التي تتكون في الطين وفي قعر البحار ~~وأعماق الأنهار ... فهذا النوع حيوان نباتي؛ لأن جسمه ينبت كما ينبت ~~بعض النبات، ويقوم على ساقه قائما. وهو من أجل أن يتحرك جسمه حركة ~~اختيارية حيوان، ومن أجل أنه ليست له إلا حاسة واحدة فهو أنقص ~~الحيوان رتبة في الحيوانية. وتلك الحاسة أيضا قد يشارك بها ~~النبات، وذلك أن النبات له حس اللمس فقط. والدليل على ذلك إرساله ~~بعروقه نحو المواضع الندية، وامتناعه من إرسالها نحو الصخور ~~واليبس. وأيضا فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل عنه طالبا ~~للفسحة والسعة ... فهذه الأفعال تدل على أن له حسا وتمييزا بمقدار ~~الحاجة ... # فقد بان بما وصفنا كيفية مرتبة ms152 الحيوانية مما يلي النبات، فنريد ~~أن نبين كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسان فنقول: إن ~~رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليست من وجه واحد ولكن من ~~عدة وجوه. وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدنا للفضل وينبوعا ~~للمناقب، لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان ولكن عدة أنواع؛ فمنها ~~ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد، ومنها ما قاربها ~~بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثير من أخلاقه ... ومثل الفيل في ~~ذكائه، وكالببغاء والهزاز ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات ~~والألحان والنغمات، ومنها النحل اللطيف الصنائع، إلى ما شاكل هذه ~~الأجناس، وذلك أنه ما من حيوان يستعمله الناس ويأنس بهم إلا ولنفسه ~~قرب من نفس الإنسانية. # أما القرد، فلقرب شكل جسمه من شكل جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي ~~أفعال النفس الإنسانية، وذلك مشاهد منه متعارف بين الناس. وأما ~~الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أنه صار مركبا للملوك، ~~وذلك أنه ربما بلغ من أدبه أنه لا يبول ولا يروث ما دام بحضرة ~~الملك أو حاملا له. وله أيضا ذكاء وإقدام في الهيجاء وصبر على ~~الطعن والجراح، كما يكون الرجال الشجعان ... وأما الفيل فإنه يفهم ~~الخطاب بذكائه، ويمتثل الأمر والنهي كما يمتثل الرجل العاقل ~~المأمور المنهي. فهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوان مما يلي رتبة ~~الإنسان، لما يظهر فيها من الفضائل الإنسانية. وأما باقي أنواع ~~الحيوانات فهي فيما بين هاتين المرتبتين» (21: 2، 166-170). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن أحق النفوس ~~الحيوانية أن تنتقل أن رتبة الإنسانية التي هي الخادمة للإنسان، ~~المستأنسة به، المنقادة لأمره، المتعوبة في طاعته، الشقية في ~~خدمته، وخاصة المذبوحة منها في القرابين. وعلى هذا المثال والقياس ~~حكم النفوس الإنسانية، فإن أحقها أن تنتقل إلى رتبة الملائكة التي ~~هي الخادمة في أوامر الناموس ونواهيه، المنقادة لأحكامه، المتعوبة ~~في حفظ أركانه» (9: 1، 320). # ونحن هنا أمام نظرية شمولية في مبدأ التناسخ التصاعدي المرافق ~~لعملية الارتقاء الطبيعي والنفسي: ~~«النفوس الجزئية إنما ربطت بأجسادها التي هي أجسام جزئية كيما ~~تكمل ms153 فضائلها وتخرج كل ما في القوة والإمكان إلى الفعل والظهور ~~من الفضائل والخيرات. ولم يمكن ذلك إلا بارتباطها بهذه الأجساد ~~وتدبيراتها لها ... واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن ~~الباري جل ثناؤه لما رتب النفوس مراتبها كمراتب الأعداد المفردات ~~كما اقتضت حكمته، جعل أولها متصلا بآخرها، وآخرها متصلا بأولها ~~بوسائطها المرتبة بينهما. وذلك أنه رتب النفوس النباتية تحت ~~الحيوانية وجعلها خادمة لها ورتب الحيوانية تحت الناطقة الإنسانية ~~وجعلها خادمة لها، ورتب الناطقة الإنسانية تحت الحكمية وجعلها ~~خادمة لها، ورتب العاقلة تحت الناموسية وجعلها خادمة لها، ورتب ~~الناموسية تحت الملكية وجعلها خادمة لها. فأية نفس منها انقادت ~~لرئيسها وامتثلت أمره في سياساتها نقلت إلى مرتبة رئيسها وصارت ~~مثلها في الفعل» (9: 1، 318-320). # وأيضا: ~~«واعلم يا أخي بأن مراتب النفوس ثلاثة أنواع، فمنها مرتبة الأنفس ~~الإنسانية، ومنها ما فوقها، ومنها ما هي دونها؛ فالتي هي دونها ~~سبع؛ والتي فوقها سبع أيضا، وجملتها خمس عشرة مرتبة. والمعلوم من ~~هذه المراتب التي ذكرناها عند العلماء، ويمكن لكل عاقل أن يعرفها ~~ويحس بها، خمس، منها اثنتان فوق رتبة الإنسانية وهي رتبة الملكية ~~القدسية، ورتبة الملكية هي رتبة الحكمية، ورتبة القدسية هي رتبة ~~النبوة والناموسية، واثنتان دونها وهي مرتبة النفس النباتية ~~والحيوانية ... فأما المراتب التي دون النباتية وفوق القدسية فبعيدة ~~معرفتها على المرتاضين بالعلوم الإلهية، فكيف على غيرهم. # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الله، جل ثناؤه، ~~لما ربط الأنفس الجزئية بالأجسام الجزئية للعلة التي ذكرناها، ~~أيدها وأعانها بضروب من المعاونة وفنون من التأييدات، كل ذلك جود ~~منه ولطف بها وإنعام منه عليها ... وذلك أنه كلما بلغت نفس منها ~~رتبة ما، أمدها بزيادة فضلا منه وجودا، أو نقلها إلى ما فوقها ~~وأرفع منها وأعز وأشرف وأجل وأكرم، كل ذلك ليبلغها إلى أقصى مدة ~~غاياتها وتمام نهاياتها » (9: 1، 311-312). # وأيضا: ~~«وكما قلنا في نفوس الإنسانية إنها تنتقل إلى رتبة الملائكة، ~~فهكذا نقول أيضا في نفوس الملائكة إنها تترقى في درجات الجنان ~~ومقاماتها في المعارف، ms154 كما ذكر الله تعالى: ~~... يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ... # 5 # وكما قلنا في تنقل نفوس الإنسانية إلى الملائكة، كذلك ~~نقول في النفوس الحيوانية إنها ستنتقل إلى الرتبة الإنسانية على ~~ممر الدهور والأزمان ... # ثم اعلم أن أحق النفوس الحيوانية أن تنتقل إلى رتبة الإنسانية هي ~~الشقية في أيدي البشر، المسخرة للإنسان، المتعبة في خدمته، ~~المنقادة لطاعته. كما أن أحق النفوس الإنسانية أن تنتقل إلى رتبة ~~الملائكة هي النفوس المتعوبة في التعبد، المنقادة لأحكام الشريعة، ~~الخادمة في الهياكل والمساجد والبيع، والصلوات والصوم والقرابين ~~والدعاء والتأله، كما ذكر الله تعالى بقوله: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر ... ~~» # 6 ~~(46: 4، 120-121). # يتضح مما أوردناه آنفا أن عقيدة التناسخ عند إخوان الصفاء تختلف ~~عن عقيدة التناسخ في أديان الهند والشرق الأقصى وفي الغنوصية، في ~~أمر جوهري يجعلها نسيجا متفردا. ففي معتقدات التناسخ الأخرى يجري ~~انتقال الأرواح على مستوى أفقي من جسد إنساني إلى جسد إنساني آخر، ~~وعلى مستوى هابط من جسد إنساني إلى جسد حيواني، وعلى مستوى صاعد من ~~جسد إنساني إلى كينونة قدسية؛ أما في معتقد إخوان الصفاء فإن ~~انتقال النفس لا يتم إلا صعودا نحو الأعلى، عندما تصير النفس ~~الجزئية في المرتبة الإنسانية لا يوجد أمامها إلا فرصة واحدة في ~~حياة واحدة تتطور أثناءها داخل المرتبة الإنسانية قبل الانتقال إلى ~~المرتبة الملائكية، وإلا ردت إلى أسفل سافلين وبقيت في البرزخ إلى ~~يوم يبعثون. وهذه نقطة سوف نبحثها بتفصيل أكثر في فصل الآخرة ~~والنشأة الثانية. # في الارتقاء النفسي ~~«اعلم يا أخي بأن أول مرتبة الإنسانية التي تلي مرتبة الحيوانية ~~هي مرتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات، ولا يعرفون من ~~العلوم إلا الجسمانيات، ولا يطلبون إلا إصلاح الأجساد، ولا يرغبون ~~إلا في رتب الدنيا، ولا يتمنون إلا الخلود فيها، مع علمهم بأنه لا ~~سبيل لهم إلى ذلك، ولا يشتهون من اللذات إلا الأكل والشرب مثل ~~البهائم، ولا يتنافسون إلا في الجماع والنكاح كالخنازير والحمير، ~~ولا ms155 يحرصون إلا على جمع الذخائر من متاع الحياة الدنيا، ويجمعون ما ~~لا يحتاجون إليه كالنمل، ويحبون ما لا ينتفعون به كالعقعق، # 7 # ولا يعرفون من الزينة إلا أصباغ اللباس كالطواويس، ~~ويتهارشون على حطام الدنيا كالكلاب على الجيف. فهؤلاء، وإن كانت ~~صورهم الجسدانية صورة الإنسان، فإن أفعال نفوسهم أفعال النفوس ~~الحيوانية والنباتية. فأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون منهم ~~أو مثلهم ... # وأما رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة، فهو أن يجتهد ~~الإنسان ويترك كل عمل وخلق مذموم قد اعتاده منذ الصبا، ويكتسب ~~أضداده من الأخلاق الجميلة الحميدة، ويعمل عملا صالحا، ويتعلم ~~علوما حقيقية، ويعتقد آراء صحيحة، حتى يكون إنسان خير فاضلا ~~وتصير نفسه ملكا بالقوة فإذا فارقت جسدها عند الموت صارت ~~ملكا بالفعل، وعرج بها إلى ملكوت السماء ودخلت في زمرة ~~الملائكة، ولقيت ربها بالتحية والسلام، كما ذكر الله جل ثناؤه: ~~... تحيتهم يوم يلقونه ~~سلام ... ~~» # 8 ~~(21: 2، 171-172). ~~«الإنسان إنما هو جملة مجموعة من جسد جسماني في أحسن الصور، ومن ~~نفس روحانية من أفضل النفوس. واعلم يا أخي أن لكل واحد من جزأيه ~~غاية إليها ينتهي، ونهاية إليها يرتقي. فأعلى رتبة ينالها الإنسان ~~بجسده، وأشرف رتبة يبلغها ببدنه هي سرير الملك والعز والسلطان على ~~أجساد أبناء جنسه، والقهر والغلبة بالقوة الغضبية. وأما أعلى رتبة ~~ينالها الإنسان من جهة نفسه، وأشرف درجة يبلغها بصفاء جوهرها، فهي ~~قبول الوحي الذي به يعلو الإنسان على سائر أبناء جنسه، وبه يغلبهم ~~بما يدرك من المعارف الحقيقية بالقوة الناطقة. ولما تبين أن النفس ~~أشرف جوهرا من الجسد، صارت الرتبة التي ينالها الإنسان بنفسه أشرف ~~وأعلى من التي ينالها بجسده؛ لأن هذه جسمانية دنيوية، وتلك روحانية ~~أخروية» (46: 4، 83-84). ~~«إن كل إنسان تكون نفسه أصفى جوهرا وأذكى فهما، كما بينا ~~في رسالة كيفية الطريق إلى الله تعالى، فكانت أخلاقه وسجاياه ~~لأخلاق الكرام أقرب وأشبه، كما بينا في رسالة الأخلاق، وكان ~~مذهبه واعتقاده باعتقاد الأنبياء ومذهب الحكماء أشد تحقيقا، كما ~~بينا في رسالة الناموس، وكانت أعماله وسيرته بأفعال الملائكة ms156 ~~وسيرتها أشد تشبها، كما بينا في رسائل إخوان الصفاء. فأقول: إن ~~قبول نفسه لإلهام الملائكة والوحي والأنباء أمكن، وفهمه لمعانيها ~~أسهل، مثل نفوس الأنبياء، ثم بعدهم نفوس الصديقين، ثم بعدهم نفوس ~~المؤمنين المصدقين الأخيار الفضلاء الأبرار، ثم الأمثل فالأمثل ~~والأقرب فالأقرب» (46: 4، 116-117). ~~«ومثل آخر في كيفية قبول الإنسان إلهام الملائكة، فنقول: إن ~~العلماء ذكروا أن العلوم ثلاث مراتب: أولها الرياضيات وبعدها ~~الطبيعيات وبعدها الإلهيات. فمن ابتدأ أولا بتعلم الرياضيات ~~وأحكمها كما ينبغي، سهل عليه تعلم الطبيعيات، ومن أحكم الطبيعيات ~~كما ينبغي، سهل عليه تعلم الإلهيات. فهكذا نقول: من يريد أن يهذب ~~نفسه ويهيئها لقبول إلهام الملائكة إذا ابتدأ أولا فأصلح أخلاقه ~~الرديئة التي نشأ عليها منذ الصبا ثم سار سيرة عادلة في متصرفاته ~~كما رسم له في الشريعة، ثم نظر في العلوم الحسية فأحكمها كما يجب، ~~مثلما ذكرنا في رسالة الحاس والمحسوس، ثم نظر في الأمور العقلية ~~فأحكمها كما يجب ليحل بها عن ضميره، والآراء الفاسدة التي اعتقدها ~~قبل البحث عن حقائق الأشياء، كما بينا في رسالة العقل ~~والمعقول. فأقول: إن نفسه عند ذلك متهيئة لقبول إلهام الملائكة. ~~وكلما زاد في المعارف استبصارا، صارت نفسه لقبول إلهام الملائكة ~~أسهل طبعا، ولطاعة العقل أشد تشبها، وإلى السمائية أقرب قربة. ~~وإنما يمنعها عن الصعود إلى ملكوت السماء نوازع طبيعة الجسد ما ~~دامت تتعلق به. فإذا فارقته عند الممات كانت في طرفة عين مع أبناء ~~جنسها ممن مضى على سنن الهدى ... # واعلم أن كل عالم تكون أكثر معلوماته روحانية فهو إلى الملائكة ~~أقرب نسبة. ومن أجل هذا جعل الله طائفة من بني آدم واسطة بين الناس ~~وبين الملائكة؛ لأن الواسطة هي التي تناسب أحد الطرفين من جهة، ~~والطرف الآخر من جهة؛ وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يناسبون ~~الملائكة بنفوسهم وصفاء جوهرها، ومن جهة أخرى كانوا يناسبون الناس ~~بغلظ أجسامهم» (46: 4، 120 و121). ~~«ثم اعلم أيها الأخ أنه ~~ليس كل نفس وردت إلى عالم الكون والفساد تكون محبوسة فيه، كما أنه ~~ليس كل من ms157 دخل الحبس يكون محبوسا فيه، بل ربما دخل الحبس من يقصد ~~إخراج المحبوسين منه، كما أنه قد يدخل بلاد الروم من يستنقذ أسارى ~~المسلمين؛ وإنما وردت النفوس النبوية إلى عالم الكون والفساد ~~لإنقاذ هذه النفوس المحسوبة في حبس الطبيعة الغريقة في بحر ~~الهيولى، الأسيرة في الشهوات الجسمانية» (34: 3، 218). «ثم اعلم أن ~~النفوس التامة الكاملة إذا فارقت الأجساد تكون مشغولة بتأييد ~~النفوس الناقصة المجسدة، لكيما تتم هذه وتكمل تلك، وتتخلص هذه من ~~حال النقص، وتبلغ تلك إلى حال الكمال، وترتقي هذه المؤيدة أيضا ~~إلى حالة هي أكمل وأشرف وأعلى» (40: 3، 371). # سبل الارتقاء # من هذه المقاطع نفهم أن ~~ارتقاء النفس يقوم بعدد من الأسباب، أولها وأهمها: اكتساب العلوم ~~والمعارف. ذلك أن النفس التي انقطعت عن أصلها لما حصل منها من ~~خطيئة قد تراكمت عليها حجب الجهل، وغرقت في نوم الغفلة ورقدة ~~الجهالة، ولا سبيل إلى رفع هذه الحجب والاستيقاظ من نوم الغفلة إلا ~~بالعلم الذي تتيحه للنفس الحياة في جسد إنساني تؤهلها لتذكر أصلها ~~ومعرفة ماهيتها والارتقاء من الرتبة الإنسانية، آخر بوابات جهنم، ~~إلى الرتبة الملائكية، فصعودا بعد البعث والنشور للاتحاد بالنفس ~~الكلية: ~~«واعلم يا أخي بأن من دخل الدنيا وعاش فيها زمانا مشغولا ~~بالأكل والشرب والنكاح، دائبا في طلب الشهوات والحرص على جمع ~~المال والأثاث، واتخاذ البنيان وعمارة الأرض والعقارات، وطلب ~~الرياسة، متمنيا الخلود فيها، تاركا لطلب العلم، غافلا عن معرفة ~~حقائق الأشياء، مهملا لرياضة النفس، متوانيا في الاستعداد للرحلة ~~إلى الدار الآخرة، حتى إذا فني العمر وقرب الأجل وجاءت سكرة الموت ~~التي هي مفارقة النفس الجسد، ثم خرج من هذه الدار جاهلا لم يعرف ~~صورتها، ولم يفكر في الآيات التي هي آفاقها، ولا اعتبر أحوال ~~موجوداتها ولا تأمل الأمور المحسوسة التي شاهد فيها، فمثلهم مثل ~~قوم دخلوا مدينة ملك عظيم حكيم عادل رحيم قد بناها بحكمته، وأعد ~~فيها من طرائف صنعته ما يقصر الوصف عنها إلا بالمشاهدة لها، ~~ووضع فيها مائدة قوتا للواردين إليها وزادا للراحلين عنها. ثم ~~دعا عبادا له إلى ms158 حضرته ليمنحهم بالكرامة، وأمرهم بالورود إلى تلك ~~المدينة في طريقهم؛ لينظروا إليها ويبصروا ما فيها، ويتفكروا في ~~عجائب مصنوعاته ويعتبروا غرائب مصوراته، ليروض بها نفوسهم، فيصيرون ~~برؤيتها ومعرفتها حكماء أخيارا فضلاء، فيصلون إلى حضرته ويستحقون ~~كرامته. فوردها قوم ليلا فباتوا طول ليلتهم مشغولين بالأكل والشرب ~~واللعب واللهو، ثم خرجوا منها سحرا لا يدرون من أي باب دخلوا، ~~ولا من أيها خرجوا، ولا رأوا مما فيها شيئا من آثار حكمته وغرائب ~~صنعته، ولا انتفعوا بشيء منها أكثر من تمتعهم تلك الليلة بالأكل ~~والشرب حسب. فهكذا حكم أبناء الدنيا الواردين إليها جاهلين، ~~الماكثين فيها متحيرين مكرهين، الراحلين عنها كما قال الله، جل ~~ثناؤه: # ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~» # 9 ~~(4: 1، 167-168). ~~«اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الإنسان لما كان ~~هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية، وهما جوهران متباينان ~~في الصفات، متضادان في الأحوال، ومشتركان في الأفعال المعارضة ~~والصفات الزائلة، صار الإنسان من أجل جسده الجسماني مريدا للبقاء ~~في الدنيا، متمنيا الخلود فيها، ومن أجل نفسه الروحانية صار ~~طالبا للدار الآخرة، متمنيا البلوغ إليها، وهكذا أكثر أمور ~~الإنسان وتصور أحواله مثنوية متضادة ... صارت قنيته أيضا نوعين: ~~جسمانية كالمال ومتاع الدنيا، وروحانية كالعلم والدين، وذلك أن ~~العلم قنية للنفس كما أن المال قنية للجسد. وكما أن الإنسان ~~يتمكن بالمال من تناول اللذات من الأكل والشرب في الحياة الدنيا، ~~فهكذا بالعلم ينال الإنسان طريق الآخرة، وبالدين يصل إليها؛ ~~وبالعلم تضيء النفس وتشرق وتصح، كما أن بالأكل والشرب ينمي الجسد ~~ويزيد ويربو ويسمن. فلما كان هكذا صارت المجالس أيضا اثنين: مجلس ~~للأكل والشرب واللهو واللعب واللذات الجسمانية لصلاح هذا الجسد ~~المستحيل الفاسد الفاني، ومجلس للعمل والحكمة وسماع روحاني من لذة ~~النفوس التي لا تبيد جواهرها ولا ينقطع سرورها في الدار الآخرة ... ~~فلما كانت المجالس اثنين صار أيضا السائلون اثنين، واحد يسأل حاجة ~~من عرض الدنيا لصلاح هذا الجسد ولجر المنفعة إليه أو لدفع المضرة ~~عنه، ms159 وواحد يسأل مسألة من العلم لصلاح أمر النفس وخلاصها من ظلمات ~~الجهالة، أو للتفقه في الدين طلبا لطريق الآخرة ... ونجاة من عالم ~~الكون والفساد» (7: 1، 259-261). ~~«وليس من فريضة من جميع مفروضات الشريعة وأحكام الناموس أوجب ولا ~~أفضل ... من العلم وطلبه وتعليمه. وبيان ذكر شرف العلم ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «تعلموا العلم فإن في ~~تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، ~~وتعليمه لمن لا يعلمونه صدقة، وبذله لأهله قربة» ... واعلم يا أخي ~~بأن كل علم وأدب لا يؤدي صاحبه إلى طلب الآخرة، ولا يعينه على ~~الوصول إليها، فهو وبال على صاحبه وحجة عليه يوم القيامة» (9: 1، ~~346-349). ~~«واعلم يا أخي أن أنفس العلماء علامة بالفعل، وأنفس المتعلمين ~~علامة بالقوة، والتعليم ليس شيئا سوى إخراج ما في القوة إلى ~~الفعل، والتعلم هو الخروج من القوة إليه [أي إلى الفعل]، وأن كل ~~شيء بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا لشيء هو بالفعل يخرجه إليه، وأن ~~النفس الكلية الفلكية هي علامة بالفعل، والأنفس الجزئية علامة ~~بالقوة. فكل نفس جزئية تكون أكثر معلومات وأحكم مصنوعات، فهي أقرب ~~إلى النفس الكلية، لقرب نسبتها إليها وشدة شبهها بها، [وذلك] كما ~~قيل في حد الفلسفة: إنها التشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية. ~~فاجتهد أن تكتسب معلومات كثيرة تكن أفعالك كلها حكمية زكية ... ~~واعلم أن بالعلم تحيا النفوس من موت الجهالة، وبه تنتبه من نوم ~~الغفلة، كما قال الله: # أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ... # 10 # فالعلم يهديك إلى طريق ملكوت السماء، ويعينك على ~~الصعود إلى هناك» (10: 1، 399-400). ~~«واعلم أن نفوس الحكماء تجتهد في أفعالها ومعارفها وأخلاقها، في ~~التشبه بالنفس الكلية الفلكية، وتتمنى اللحوق بها، والنفس الكلية ~~أيضا كذلك، فإنها تتشبه بالباري في إدارتها الأفلاك، وتحريكها ~~الكواكب، وتكوينها الكائنات، كل ذلك طاعة لباريها، وتعبدا له ~~واشتياقا إليه. ومن أجل هذا قالت الحكماء: إن الله هو المعشوق ~~الأول، والفلك إنما يدور شوقا إليه» (36: 3، 285). ~~«ثم اعلم أن نفوس الجهال ~~كلها ms160 موتى بالقياس إلى نفوس العلماء، وذلك أن قلوب العلماء مفتوحة، ~~وصدورهم منشرحة متسعة، ممتلئة من نور الهدى وروح المعارف، وقلوب ~~الجهال حرجة منغلقة، وصدورهم من الوسواس والخيالات ضيقة مظلمة، ~~وأوهامهم هائمة وأفكارهم تائهة في ظلمات الجهالات المتراكمة ~~ونفوسهم ممتلئة من الوساوس والخيالات، كما قال الله تعالى من ~~القرآن، مثل قوله: # أو كظلمات في ~~بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور ~~. # 11 # واعلم أن حياة النفوس ويقظتها هي المعارف والعلوم، كما ~~أن حياة الأجساد ويقظتها بالحس والحركة» (42: 3، 532). ~~«واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصور بصورة النفس الكلية، ومنها ~~ما يقاربها، وذلك بحسب قبولها ما يفيض عليها من العلوم والمعارف ~~والأخلاق الجميلة. وكلما كانت أكثر قبولا كانت أفضل وأشرف من سائر ~~أبناء جنسها، مثل نفوس الأنبياء، عليهم السلام ... ومثل نفوس ~~المحققين من الحكماء التي استنبطت علوما كثيرة حقيقية ... ومثل نفوس ~~الكهنة المخبرة بالكائنات قبل كونها بدلائل فلكية وعلامات زجرية ... ~~واعلم يا أخي أن فضائل النفس الكلية فائضة على الأنفس الجزئية دفعة ~~واحدة، مبذولة لها دائم الأوقات؛ لكن الأنفس الجزئية لا تطيق ~~قبولها إلا شيئا بعد شيء ... ثم إن المانع للأنفس الجزئية قبول فيض ~~النفس الكلية دفعة واحدة هو لأجل استغراقها في بحر الهيولى، وتراكم ~~ظلمات الأجسام على بصرها، لشدة ميلها إلى الشهوات الجسمانية، ~~وغرورها باللذات الجرمانية. فمتى انتبهت من نوع الغفلة واستيقظت من ~~رقدة الجهالة ... وأخذت ترتقي في العلوم والمعارف، ودامت على تلك ~~الحال، لحقت بالنفس الكلية، وشاهدت تلك الأنوار العقلية والأضواء ~~البهية» (15: 2، 10-11). ~~«واعلم يا أخي أن الإنسان إذا سلك في مذهب نفسه، وتصرف في ~~أحوالها، مثلما سلك به في خلق جسده وصورة بدنه، فإنه سيبلغ أقصى ~~نهاية الإنسانية مما يلي رتبة الملائكة ... وأما ما سلك به في ~~خلقه فهو أنه ابتدئ من نطفة من ماء مهين، ثم كان علقة جامدة ~~في قرار مكين، ثم كان مضغة، ثم ms161 كان جنينا مصورا تاما، ثم كان ~~طفلا متحركا حساسا، ثم كان صبيا ذكيا فهما، ثم كان ~~شابا متصرفا قويا نشيطا، ثم كان كهلا مجربا عالما عارفا ~~... # واعلم يا أخي بأنك لم ~~تنقل رتبة من هذه المراتب إلا وقد خلع عنك أعراض وأوصاف ناقصة، ~~وألبست ما هو أجود منها وأشرف؛ فهكذا ينبغي أن لا ترتقي في درجة ~~العلوم والمعارف إلا وتخلع عن نفسك أخلاقا وعادات وآراء ومذاهب ~~وأعمالا مما كنت معتادا لها منذ الصبا من غير بصيرة ولا روية، ~~حتى يمكنك أن تفارق الصورة الإنسانية، وتلبس الصورة الملكية، ~~ويمكنك الصعود إلى ملكوت السماوات وسعة عالم الأفلاك» (14: 1، ~~448-449). # إن الهدف الأقصى للمعرفة هو معرفة الإلهيات. ولكن معرفة الأمور ~~الإلهية لا تأتي إلا بالتدرج من العلوم الرياضية إلى العلوم ~~الطبيعية، «فمن لم يكن مرتاضا بالنظر في هذه الأشياء فلا يسعه ~~النظر في أمور الطبيعة؛ لأنه لا يمكن له أن يعرفها كنه معرفتها ~~البتة، ولو لم يكن مرتاضا في الأمور الطبيعية، فلا يسعه الكلام في ~~الأمور الإلهية» (15: 2، 19). ثم إن عملية المعرفة من ناحية أخرى ~~تتدرج ابتداء من معرفة الأمور المحسوسة التي تدركها الحواس بشكل ~~مباشر إلى معرفة الأمور العقلية والروحانية: ~~«واعلم يا أخي أن الباري جل جلاله جعل الأمور الجسمانية المحسوسة ~~كلها مثالات ودلالات على الروحانية العقلية، وجعل طرق الحواس درجا ~~ومراقي يرتقى بها إلى معرفة الأمور العقلية التي هي الغرض الأقصى ~~في بلوغ النفس إليها. # فإذا أردت يا أخي أن تبلغ إلى أفضل المطلوبات وأشرف الغابات التي ~~هي الأمور العقلية، فاجتهد في معرفة الأمور المحسوسة فإنك بذلك ~~تنال الأمور العقلية. وقد بينا في رسائلنا الطبيعية طرفا من ~~ذلك. ثم اعلم أن معرفة الأمور الجسمانية المحسوسة، هي فقر للنفس ~~وشدة الحاجة، ومعرفة الأمور المعقولة الروحانية هي غناها ونعيمها، ~~وذلك أن النفس في معرفة الأمور الجسمانية محتاجة إلى الجسد وحواسها ~~وآلاتها لتدرك بتوسطها الأمور الجسمانية، وأما إدراكها الأمور ~~الروحانية فيكفيها ذاتها وجوهرها بعدما تأخذها من الحواس بتوسط ~~الجسد. وإذا حصل لها ذلك فقد استغنت عن ms162 الجسد وعن التعليم بالجسم ~~بعد ذلك. # فاجتهد يا أخي في طلب الغنى الأبدي بتوسط هذا الهيكل وآلاته ما ~~دام يمكنك ذلك قبل فناء العمر وتصرم المدة، وفساد الهيكل وبطلان ~~وجوده. واحذر كل الحذر أن تبقى نفسك فقيرة محتاجة إلى هيكل ليتم به ~~ما فاته من الكمال، فتكون ممن يقول: يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل» (35: 3، 246-247). ~~«إن الله لما خلق الإنسان الذي هو آدم أبو البشر، عليه السلام، ~~وفضله على كثير ممن خلق قبله تفضيلا، جعل إحدى فضائله كثرة ~~العلوم وغرائب المعارف، وجعل له إليها عدة طرقات: فمنها طرق الحواس ~~الخمس التي بها يدرك الأمور الحاضرة في الزمان والمكان، كما ~~بينا في رسالة الحاس والمحسوس؛ ومنها طريق استماع الأخبار التي ~~ينفرد بها الإنسان دون سائر الحيوانات، يفهم بها الأمور الغائبة ~~عنه بالزمان والمكان جميعا، كما ذكر الله تعالى ومن به عليه ~~فقال: # خلق الإنسان * ~~علمه البيان # 12 # ومنها طريق الكتابة والقراءة يفهم بها الإنسان معاني ~~الكلام واللغات والأقاويل ... # واعلم أن فهم القراءة والكتابة ومعرفتها متأخرة عن فهم الكلام ~~والأقاويل، كما أن فهم الكلام والأقاويل ومعرفتها إنما هي متأخرة ~~عن فهم المحسوسات ... وذلك أن الطفل إذا خرج من الرحم فإنه في الوقت ~~والساعة تدرك حواسه محسوساتها ... إلى أن تتم سنة التربية، ويغلق ~~باب الرضاع ويفتح [باب] الكلام والنطق. ثم بعد ذلك تجيء أيام ~~الكتابة والقراءة، والآداب والصنائع والرياضيات، وسماع الأخبار ~~والروايات، والفقه في الدين، والنظر في العلوم والمعارف، وطلب ~~حقائق الموجودات والبحث عن الكائنات، والاستدلال بالحاضرات على ~~الغائبات والمحسوسات على المعقولات، وبالجسمانيات على الروحانيات، ~~وبالرياضيات على الطبيعيات، وبالطبيعيات على الإلهيات التي هي ~~الغاية القصوى في العلوم والمعارف، والسعادة الأبدية والدوام ~~السرمدي. بلغك الله وإيانا إلى هذه الغاية، وشرح صدرك وفتح قلبك» ~~(42: 3، 414-415). # ويرى الإخوان أن التفكر في الأمور العقلية هو في مرتبة أعلى من ~~العبادات المفروضة والمسنونة في الشرائع، والوقوف عند هذه العبادات ~~هو شأن العامة والجهال، أما الخواص فيتجاوزونها، دون أن يسقطوها، ~~نحو آفاق المعرفة المنجية للنفوس: ~~«اعلم ms163 يا أخي أن جزاء المحسنين يتفاضل في الآخرة بحسب درجاتهم في ~~المعارف واجتهادهم في الأعمال الصالحة. والناس متفاوتو الدرجات في ~~أعمالهم، كل على شاكلته، وأجود أحوال العامة والجهال كثرة الصوم ~~والصدقة والصلاة والقراءة والتسبيح، وما شاكل ذلك من العبادات ~~المفروضة والمسنونة في الشرائع، المشغلة لهم عن فضول وبطالة، وما ~~لا ينبغي لهم كي لا يقعوا في الآفات. وأفضل أعمال الخواص التفكر ~~والاعتبار بتصاريف أمور المحسوسات والمعقولات، وبخاصة ما يتعلق ~~بالدين. وقد قيل: أفضل أعمال الخير خصلة واحدة وهي التفكر. قال ~~الله تعالى: # قل إنما أعظكم ~~بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ... ~~. # 13 # ثم اعلم أن الإنسان إذا عقل الأمور المحسوسة وعرفها، وتفكر في ~~الأمور العقلية وبحث عنها وعن عللها، استقبلته عند ذلك طريقان: ~~إحداهما ذات اليمين تؤديه إلى الهداية والرشاد، والأخرى ذات الشمال ~~تؤديه إلى الغي والضلال. وذلك أن أمور العالم نوعان: كليات وجزئيات ~~لا غير. فإذا أخذ الإنسان يفكر في كلياتها ويعتبر أحوالها ~~وتصاريفها، ويبحث عن الحكمة فيها بانت له، وأمكنه أن يعرفها ~~بحقائقها وأرشد إليها ... وإذا أخذ يتفكر في جزئياتها، والبحث عنها ~~وعن عللها، خفيت وانغلقت مناحيها، وكلما ازداد تفكرا ازداد ~~تحيرا وشكوكا، ومن الله بعدا ... # مثال ذلك أنه إذا ابتدأ الإنسان أولا وتفكر في نفسه، ونظر إلى ~~بنية هيكلها وكيفية تركيب جسده، وكيف كان أولا في صلب أبيه ماء ~~مهينا، ثم كيف صار نطفة في قرار مكين ... ثم كيف أخرج من الرحم ... ~~[إلخ]. فإذا فكر الإنسان في هذه الحالات التي ينقل فيها من ~~أدونها إلى أتمها، ومن أفضلها إلى أكملها، فيعلم بالضرورة ويشهد له ~~عقله أن له صانعا حكيما هو الذي اخترعه وأنشأه وأنماه ... فهذا هو ~~الطريق ذات اليمين المؤدي سالكه إلى الله تعالى وإلى نعيم ~~جنانه. # وأما الطريق الآخر، ذات الشمال، المؤدي إلى الشكوك والحيرة ~~والضلالة والعمى، فهو أن يبتدئ الإنسان، قبل النظر في العلوم ~~والآداب والرياضيات وقبل أن يحسن أخلاقه ويهذب نفسه، بالكشف عن ~~الأمور الجزئية الخفية المشكلة على الحذاق من العلماء والفلاسفة ~~فضلا عن ms164 غيرهم، نحو معرفة ألم الأطفال، وطلب معرفة مصائب الأخيار، ~~والبحث عن الأنباء وتيسير أمور الأشرار، ولم زيد الحازم فقير ~~وعمرو العاجز غني؟ ولم جعفر الغبي أمير وعبد الله الحكيم فقير؟ ~~ولم هذا الرجل ضعيف والآخر قوي صحيح؟ ... ولماذا يصلح البق والذباب ~~والقردان والبراغيث؟ ... وأي حكمة في خلق العقارب والحيات، وما شاكل ~~ذلك من المسائل التي لا يحصي عددها إلا الله ولا يعلم سواه عللها ~~... فيبتدئ أولا بطلب الأمور المشكلة التي تقدم ذكرها فلا يدركها ~~ولا يعقلها، فيرجع عند ذلك خاسرا متفكرا متحيرا غافلا بنفسه، ~~وسواسا في قلبه، فينظر عند ذلك إلى أمر العالم مهملا، والكائنات ~~باتفاق لا بعناية حكيم ولا صنع صانع عليم، أو نظر إلى أن رب ~~العالمين غافل عن أمر عالمه حتى يجري فيه ما لا يليق بالحكمة، أو ~~يظن أنه لا يعلم ما يجري فيه ... وما شاكل هذه من الظنون والشكوك ~~والحيرة والضلال الذي قد تاهت في طلب معرفته عقول كثير من العقلاء ~~المتقدمين المرتاضين بالعلوم الحكمية، فكيف غيرهم ممن ليست له ~~رياضة ولا معرفة بحقائق الأسرار» (42: 3، 504-507). # فالارتقاء يحصل بالناموس، أي الشريعة، وبالعلوم الحكمية: «اعلم ~~أن الإنسان العاقل إذا سمع أوامر الناموس ونواهيه، ووعيده وزواجره، ~~ثم لم يأتمر بحدوده ولم ينقد لأحكامه، أو سمع العلوم الحكمية فلم ~~يقم بواجبها ... [إلخ]» (30: 3، 79). ولكن الناموس لا يختصر إلى ~~شكليات الصيام والصلاة وما إليها من أحكام وحدود، بل هو أن تحيا ~~بروح المعارف العقلية فتعيش بعيش العلماء الربانيين، وهذا طريق ~~الخاصة من الناس إلى النجاة: ~~«فقد بينا أن خير صناعة تبلغ إليها طاقة البشر [هي] وضع ~~الناموس الإلهي، وقد ذكرنا كيفيتها وشرائطها في رسالة الناموس ~~الإلهي. فاجتهد يا أخي في معرفة أسراره، لعل نفسك تنتبه من نوم ~~الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف العقلية فتعيش بعيش ~~العلماء الربانيين، وتنال نعيم عالم الروحانيين ... فإن لم يستو لك ~~ذلك فكن خادما في الناموس يحفظ أحكامه والقيام بحدوده، فلعلك تنجو ~~بشفاعة أهله من بحر الهيولى وأسر الطبيعة» (8: 1، 295). # وقد أسهب الإخوان في تعداد أنواع ms165 العلوم، ودخلوا في تفاصيل كل ~~علم مما لم نجد ضرورة للخوض في معظمها. ولكننا سوف نتوقف هنا عند ~~تعدادهم لأجناس العلوم لإعطاء فكرة عن الموضوعات التي تطرقوا إليها ~~في مواضع متفرقة من رسائلهم: ~~«واعلم يا أخي بأن العلم إنما هو صورة المعلوم في نفس العالم، ~~وضده الجهل وهو عدم تلك الصورة من النفس. واعلم بأن أنفس العلماء ~~علامة بالفعل، وأنفس المتعلمين علامة بالقوة، وأن التعلم والتعليم ~~ليسا شيئا سوى إخراج ما في القوة، يعني الإمكان، إلى الفعل، يعني ~~الوجود. فإذا نسب ذلك إلى العالم سمي تعليما، وإن نسب إلى ~~المتعلم سمي تعلما» (7: 1، 262). ~~«فاعلم يا أخي بأن العلوم التي يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس: ~~فمنها الرياضية ومنها الشرعية الوضعية ومنها الفلسفية الحقيقية. ~~فالرياضية هي علم الآداب التي وضع أكثرها لطلب المعاش وصلاح أمر ~~الحياة الدنيا. وهي تسعة أنواع، أولها علم الكتابة والقراءة، ومنها ~~علم اللغة والنحو، ومنها علم الحساب والمعاملات، ومنها علم الشعر ~~والعروض، ومنها ... علم الحرف والصنائع، ومنها علم البيع والشراء ~~والتجارات ... # فأما أنواع العلوم الشرعية التي وضعت لطب النفوس وطلب الآخرة ~~فهي ستة أنواع: أولها علم التنزيل، وثانيها علم التأويل، والثالث ~~علم الروايات والأخبار، والرابع علم الفقه والسنن والأحكام، ~~والخامس علم التذكار والمواعظ والزهد والتصوف، والسادس علم تأويل ~~المنامات ... # وأما العلوم الفلسفية فهي ~~أربعة أنواع: منها الرياضيات، ومنها المنطقيات، ومنها الطبيعيات ~~ومنها الإلهيات. فالرياضيات أربعة أنواع: أولها الأرتماطيقي ~~[= الحساب] ... والثاني الجومطريا وهو الهندسة ... والثالث الأسطرنوميا ~~وهي النجوم ... والرابع الموسيقى. والعلوم المنطقيات خمسة أنواع: ~~أولها أنولوطيقا وهي معرفة صناعة الشعر، والثاني ريطوريقا وهي ~~معرفة صناعة الخطب، والثالث طوبيقا وهي معرفة صناعة الجدل، ~~والرابع بولوطيقا وهي معرفة صناعة البرهان، والخامس سوفسطيقا وهي ~~معرفة صناعة المغالطين في المناظرة والجدل. وقد تكلم الحكماء ~~الأولون والمتأخرون في هذه الصنائع والعلوم وصنفوا فيها كتبا ~~كثيرة، وهي موجودة في أيدي الناس. وقد عمل أرسطاطاليس ثلاثة كتب ~~أخر، وجعلها مقدمة لكتاب البرهان، أولها قاطيغورياس [= كتاب ~~المقولات]، والثاني باريمنياس [= كتاب العبارة]، والثالث أنولوطيقا ~~الأولى [= كتاب القياس]. وإنما جعل عنايته ms166 أكثرها بكتاب البرهان؛ ~~لأن البرهان ميزان الحكماء يعرفون به الصدق من الكذب في الأقوال، ~~والصواب من الخطأ في الآراء، والحق من الباطل في الاعتقادات، ~~والخير من الشر في الأفعال ... وقد عمل فرفوريوس الصوري كتابا وسماه ~~إيساغوجي، وهو المدخل إلى صناعة المنطق الفلسفي. ولكن من أجل أنهم ~~طولوا الخطب فيها، ونقلها من لغة إلى لغة من لم يكن عارفا بها ~~وبمعانيها، انغلق على الناظرين في هذه الكتب فهم معانيها وعسر على ~~المتعلمين أخذها. وقد عملنا في كل واحدة من هذه الصنائع رسالة ~~ذكرنا فيها نكت ما يحتاج إليه وتركنا التطويل ... # وأما العلوم الطبيعية فهي سبعة أنواع: أولها علم المبادئ ~~الجسمانية، وهي معرفة خمسة أشياء: الهيولى والصورة، الزمان والمكان ~~والحركة ... والثاني علم السماء والعالم، وهو معرفة جواهر الأفلاك ~~والكواكب وكميتها وكيفية تركيبها وعلة دورانها ... والثالث علم الكون ~~والفساد، وهو معرفة ماهية جواهر الأركان الأربعة التي هي النار ~~والهواء والماء والأرض، وكيف يستحيل بعضها إلى بعض بتأثيرات ~~الأشخاص العالية، ويكون منها الحوادث والكائنات من المعادن والنبات ~~والحيوان ... والرابع علم حوادث الجو، وهو معرفة كيفية تغييرات ~~الهواء ... وتصاريف الرياح والضباب والغيوم والأمطار والثلوج والبرد ~~والبروق والرعود والشهب والصواعق ... وما شاكلها مما يحدث فوق ~~رءوسنا من التغييرات والحوادث. والخامس علم المعادن ... والسادس علم ~~النبات ... والسابع علم الحيوان ... # والعلوم الإلهية خمسة أنواع: أولها معرفة الباري، جل جلاله وعم ~~نواله، وصفة وحدانيته، وكيف هو علة الموجودات ... والثاني علم ~~الروحانيات، وهو معرفة الجواهر البسيطة العقلية العلامة ~~الفعالة، التي هي ملائكة الله وخالص عباده، وهي الصور المجردة من ~~الهيولى، المستعملة للأجسام المدبرة لها ... والثالث علم النفسانيات، ~~وهي معرفة النفوس والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية، ~~من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، ومعرفة كيفية إدارتها ~~للأفلاك وتحريكها للكواكب، وتربيتها للحيوان والنبات، وحلولها في ~~جثث الحيوانات، وكيفية انبعاثها بعد الممات. والرابع علم السياسة ~~وهي خمسة أنواع ... والخامس علم المعاد، وهو معرفة ماهية النشأة ~~الأخرى وكيفية انبعاث الأرواح من ظلمة الأجساد، وانتباه النفوس من ~~طول الرقاد ...» (7: 1، 266-274). # نلاحظ من هذا ms167 العرض لأجناس العلوم أن الإخوان قد وضعوا العلوم ~~الفلسفية في نقطة المركز، وأولوها العناية القصوى. فالفلسفة هي ~~أشرف الصنائع بعد النبوة: ~~«واعلم بأن المنطق ميزان الفلسفة، وقد قيل إنه أداة الفيلسوف. ~~وذلك أنه لما كانت الفلسفة أشرف الصنائع البشرية بعد النبوة، صار ~~من الواجب أن يكون ميزان الفلسفة أصح الموازين، وأداة الفيلسوف ~~أشرف الأدوات، لأنه قيل في حد الفلسفة إنها التشبه بالإله بحسب ~~الطاقة الإنسانية. # واعلم بأن معنى قولهم: طاقة الإنسان، هو أن يجتهد الإنسان ويتحرز ~~من الكذب في كلامه وأقاويله، ويتجنب من الباطل في اعتقاده، ومن ~~الخطأ في معلوماته، ومن الرداءة في أخلاقه، ومن الشر في أفعاله، ~~ومن الزلل في أعماله، ومن النقص في صناعته. هذا هو معنى قولهم: ~~التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسان؛ لأن الله عز وجل لا يقول إلا ~~الصدق، ولا يفعل إلا الخير. فاجتهد يا أخي في التشبه به في هذه ~~الأشياء، فلعلك توفق لذلك فتصلح أن تلقاه، فإنه لا يصلح للقائه ~~إلا المهذبون بالتأيب الشرعي والرياضيات الفلسفية» (13: 1، ~~427-428). # وإذا كانت الفلسفة أشرف الصنائع بعد النبوة، فإن الفلاسفة ~~والحكماء يأتون في سلم الارتقاء الإنساني بعد الأنبياء ~~مباشرة: ~~«اعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الحيوانات زينة ~~الأرض، كما أن الكواكب زينة السماء، وأن أتم الحيوانات هيئة، ~~وأكملها صورة، وأشرفها تركيبا هو الإنسان؛ وأفضل الإنسان هم ~~العقلاء، وأخيار العقلاء هم العلماء، وأعلى العلماء درجة وأرفعهم ~~منزلة هم الأنبياء، عليهم السلام، ثم بعدهم في الرتبة الفلاسفة ~~الحكماء» (47: 4، 124). ولكن الفرق الأساسي بين الأنبياء والفلاسفة ~~يكمن في أن معرفة الأنبياء إلهاما، أما معرفة الفلاسفة ~~فاستنباطا: ~~«واعلم أن من إحدى الخصال التي يضعها صاحب الشريعة أن لا ينسب ~~إلى رأيه واجتهاده وقوته شيئا مما يقول ويفعل ويأمر وينهى في وضع ~~الشريعة، لكنه ينسبها إلى الواسطة التي بينه وبين ربه من الملائكة ~~التي توحي إليه في أوقات غير معلومة. وأما الحكماء والفلاسفة إذا ~~استخرجوا علما من العلوم، وألفوا كتابا أو استخرجوا صنعة من ~~الصنائع، أو بنوا هيكلا، أو دبروا سياسة، ms168 نسبوا ذلك إلى قوة ~~أنفسهم واجتهادهم وجودة رأيهم وفحصهم وبحثهم» (47: 4، 136). # من هنا فإن الحكماء والفلاسفة هم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم ~~في الإرشاد والتوجيه إذا مضوا لسبلهم: «ثم اعلم أن الحكماء ~~والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم سفراء الله بينه وبين ~~خلقه، ليعبروا عنه المعاني، ويفهموها الناس بلغات مختلفة، لكل ~~أمة ما تعرفه على قدر احتمال أفهامهم. فإذا مضت الأنبياء لسبلها ~~خلفهم العلماء والحكماء، وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا ~~يقولون ويفعلون، ويعلمون الناس من معالم الدين وطريق الآخرة ~~ومصالح الدنيا. فمن قبل منهم ما قالوه وعمل بما أمروه، فهو على ~~طريق النجاة والفوز، ومن أبى وكفر به فهو على خطر عظيم وخوف من ~~الهلاك. فاحذر يا أخي مخالفة الحكماء ومعاندة العلماء، بل كن منهم ~~إذا استوى لك، وينبغي ألا ترضى لنفسك إلا بأعلى مرتبة في العلم ~~والحكمة، فإن بذلك يكون القربة إلى الله، كما ذكر بقوله: ~~... قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو ~~الألباب ~~» # 14 ~~(40: 3، 347). # فالفلسفة هي الحكمة ومحبة النفس إياها، كما ورد في أكثر من موضع ~~في رسائل الإخوان: «لفظ الفيلسوف عند اليونانيين معناه الحكيم، ~~والفلسفة تسمى الحكمة. والحكيم هو الذي أفعاله تكون محكمة، ~~وصناعته متقنة، وأقاويله صادقة، وأخلاقه جميلة وآراؤه صحيحة، ~~وأعماله زكية، وعلومه حقيقية. وهي [أي الحكمة] معرفة حقائق الأشياء ~~وكمية أجناسها، وأنواع تلك الأجناس، وخواص تلك الأنواع واحدا ~~واحدا، والبحث عن عللها ...» (40: 3، 345). # والأصل في الحكمة اتفاقها مع الشريعة لا اختلافها معها، فكلاهما ~~يتفقان في الغرض المقصود، وهو تهذيب النفس الإنسانية وإصلاحها ~~والارتقاء بها: ~~«ثم اعلم أن العلوم الحكمية والشريعة النبوية كلاهما أمران ~~إلهيان يتفقان في الغرض المقصود منهما، الذي هو الأصل، ويختلفان في ~~الفروع. وذلك أن الغرض الأقصى من الفلسفة هو ما قيل: إنها التشبه ~~الإله بحسب طاقة البشر، كما بينا في رسائلنا أجمع. وعمدتها أربع ~~خصال؛ أولاها معرفة حقائق الموجودات، والثانية اعتقاد الآراء ~~الصحيحة، والثالثة التخلق بالأخلاق الجميلة والسجايا الحميدة، ~~والرابعة الأعمال الزكية والأفعال الحسنة. والغرض من هذه الخصال هو ~~تهذيب ms169 النفس والترقي من حال النقص إلى التمام، والخروج من حد القوة ~~إلى الفعل بالظهور، لتنال بذلك البقاء والدوام ... وهكذا الغرض من ~~النبوة والناموس هو تهذيب النفس الإنسانية وإصلاحها وتخليصها من ~~جهنم عالم الكون والفساد، وإيصالها إلى الجنة ونعيم أهلها ... # وأما اختلافهما في الطرق المؤدية إليها فمن أجل الطبائع المختلفة ~~والأعراض المتغايرة التي عرضت للنفوس، وبذلك اختلفت موضوعات ~~النواميس وسنن الديانات ومفروضات الشرائع، كما اختلفت عقاقير ~~الأطباء وعلاجاتها بحسب اختلاف الأمراض العارضة للأجساد ... ومثال ~~آخر في اختلاف سنن الديانات النبوية والفلسفية جميعا، وفنون ~~مفروضات النواميس، والمقصد واحد، كاختلاف طرقات القاصدين نحو بيت ~~الله الحرام وتوجههم شطره بحسب مواضع بلدانهم» (27: 3، 30). # وما التناقض الذي يبدو أحيانا بين الحكمة والشريعة إلا لقصور ~~فهم جماعة من العاملين في العلوم الحكمية وجماعة من العاملين في ~~العلوم الشرعية. ولهذا فقد جهد الإخوان في رسائلهم من أجل تبيان ~~الاتفاق بين الدين والفلسفة: ~~«ثم اعلم أن الحكماء الأولين قد تكلمت في فنون من العلوم وضروب ~~من الآداب، وغرائب من الحكم لا يحصي عددها إلا الله الواحد ~~القهار. فمنها من تكلم في تركيب الأفلاك وأحكام النجوم، وتكلموا ~~أيضا في الطب والطبائع والكائنات التي تحت فلك القمر؛ وقوم من ~~العلماء الشرعيين ينكرون أكثره، إما لقصور فهمهم عما وصف القوم، ~~أو لتركهم النظر فيها واشتغالهم بعلم الشرع وأحكامه، أو لعناد ~~بينهما. وكذلك أيضا إن أكثر من ينظر في العلوم الحكمية من ~~المبتدئين فيها والمتوسطين من بينهم يتهاونون بأمر الناموس وأحكام ~~الشريعة ويزرون بأهله، ويأنفون من الدخول تحت أحكامه إلا خوفا ~~وكرها ... كل ذلك لقصور فهم الفريقين جميعا عن معرفة حقائق هذه ~~الأشياء المذكورة ولقلة علمهم أيضا بماهيات الكائنات. ولما كان ~~مذهب إخواننا الفضلاء الكرام النظر فيها جميعا والكشف عن حقائق ~~أشيائها، أعني العلوم الحكمية والنبوية جميعا، وكان هذا العلم ~~بحرا واسعا وميدانا طويلا، احتجنا أن نتكلم في ما دعت الضرورة ~~إلى عمل هذه الرسائل التي هي إحدى وخمسون رسالة، والكلام فيها ~~بأوجز ما يمكن» (27: 3، 29). ~~«فإن اجتهد الإنسان وفعل ما رسم في الشريعة ms170 من لزوم أحكامها ~~ومفروضاتها، وعمل بما وصف في الفلسفة وصبر عليه مدة ... فإنه يرجى ~~لتلك النفس أن تهتدي إلى الرجوع إلى عالمها النفساني ومحلها ~~الروحاني، واللحوق بأبناء جنسها الذين مضوا قبلها، ووصلوا إلى ~~هناك، وتخلصوا من دركات عالم الكون والفساد» (25: 2، ~~449). ~~«وإن مكث الجنين في ~~الرحم مدة ما، إنما هو لكي يتم الجسد وتستكمل صورة البدن. ~~والغرض من ذلك أن المولود ينتفع بالحياة الدنيا بعد الولادة. وكذلك ~~أيضا قد قال الحكيم: إن مكث الإنسان العاقل، الذي هو تحت الأمر ~~والنهي، إما بموجب العقل أو بطريق السمع بأوامر الناموس ونواهيه، ~~وفي طول عمره الطبيعي مدة ما [في هذه الدنيا] إنما هو لأن تتم ~~فضائل النفس، وتستكمل أخلاقها المختلفة، ومعارفها الربانية، ~~بالتأمل والبحث في النظر، والسعي والاجتهاد في العمل ... أو بما رسم ~~في الناموس من الوصايا والأوامر والنواهي، كل ذلك لكيما تستكمل ~~النفس فضائل الملائكة فيها. والغرض من هذا كله هو أن يمكنها ~~ويتهيأ لها الصعود إلى عالم الأفلاك والدخول في سعة ~~السماوات ... # اعلم يا أخي أن الله، جل ثناؤه، لما علم بأن أكثر الناس لا ~~يعيشون أعمارا طبيعية على التمام، ولا يتركون في الدنيا زمانا ~~طويلا تهذب فيها نفوسهم وتستكمل فضائلهم، لطف بهم من أجل ذلك، ~~وبعث إليهم الأنبياء والرسل واضعي النواميس بالوصايا والأوامر ~~والنواهي والسنن الزكية والشرائع المرضية، إذا استعملوها على ~~نحو ما رسم لهم من السيرة العادلة، استتمت فضائل نفوسهم، وتهذبت ~~أخلاقهم [حتى] وإن كانوا قصيري الأعمار ... وأما حكم نفوس الأطفال ~~والمجانين، فهي تنجو بشفاعة الآباء والأمهات والأنبياء والمرسلين ... ~~وإذ قد تبين لك يا أخي ما الغرض من المكث في الرحم مدة ما، وما ~~الغرض من المكث في الدنيا مدة ما أيضا، فبادر الآن وتشمر وتزود، ~~فإن خير الزاد التقوى، وشد وسطك للرحيل من الدنيا الفانية إلى دار ~~القرار الباقية، قبل فناء العمر وتقارب الأجل» (25: 2، ~~453-455). ~~«فاجتهد يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، في تصفية نفسك ~~وتخليصها من بحر الهيولى وأسر الطبيعة، وعبودية الشهوات الجسمانية، ~~وافعل كما فعلت الحكماء ms171 ووضعت في كتبها ، فإن جوهر نفسك من جوهر ~~نفوسهم، وصف نفسك من الأخلاق الرديئة والآراء الفاسدة والجهالات ~~المتراكمة والأفعال السيئة، فإن هذه الخصال هي المانعة لها عن ~~الصعود إلى هناك بعد الموت ... واعلم يا أخي أن الموت ليس شيئا سوى ~~مفارقة النفس الجسد، كما أن الولادة ليست شيئا سوى مفارقة الجنين ~~الرحم. قال المسيح عليه السلام: من لم يولد ولادتين لم يصعد إلى ~~ملكوت السماء» (5: 1، 226). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن من أجل نتائج ~~العقول وأشرف وجدانها، الآراء الجيدة والاعتقادات الصحيحة المصلحة ~~لنفوس معتقديها. وذلك أن الآراء الجيدة والاعتقادات الصحيحة معينة ~~لنفوس معتقديها على الانبعاث من نوم الغفلة ومن رقدة الجهالة ... ثم ~~اعلم أن أحد الآراء الصحيحة المنجية لنفوس معتقديها اعتقاد ~~الموحدين بأن العالم محدث مخترع مطوي في قبضة باريه، محتاج إليه ~~في بقائه مفتقر إليه في دوامه، لا يستغني عنه طرفة عين ولا عن ~~إمداد الفيض عليه ساعة فساعة، وأنه لو منعه ذلك الفيض والحفظ ~~والإمساك لحظة واحدة لتهافتت السماوات وبادت الأفلاك وتساقطت ~~الكواكب وعدمت الأركان وهلكت الخلائق ودثر العالم دفعة واحدة بلا ~~زمان، كما ذكر الله تعالى بقوله: # إن الله ~~يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ... ~~. # 15 ~~«واعلم يا أخي أن من يعتقد ~~هذا الرأي، ويتحقق هذا الاعتقاد في أمر السماوات والأرض، فهو في ~~دائم الأوقات يكون متعلق القلب بربه، معتصما بحبله ... داعيا له في ~~جميع أوقاته، سائلا منه كل حوائجه، مفوضا إليه سائر أموره؛ فيكون ~~بهذه الأوصاف قربه إلى ربه وحياة لنفسه وهدوء لقلبه ... فأما من يظن ~~ويتوهم أن العالم مستقل بذاته، ومستغن في وجوده عن فيض باريه ~~عليه بالمادة والبقاء والحفظ والإمساك، فهو يكون ... في حيرة وضلال، ~~لا يدري لم ابتلي ولا كيف عوفي هو، ويكون جاهلا بربه حق معرفته، ~~فيبقى محجوبا عن ربه طول عمره في دنياه # فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~. # 16 # ومن الآراء الجيدة والاعتقادات النافعة لنفوس معتقديها ... اعتقاد ~~الإنسان العاقل وعلمه ms172 اليقين أنه متوجه إلى ربه وقاصد نحوه من يوم ~~خلقه نطفة في قرار مكين، ينقله ربه وخالقه حالا بعد حال من الأدون ~~إلى الأشرف والأفضل إلى أن يلقى ربه ...» (38: 3، 296-297). ~~«ثم اعلم أن الآراء الفاسدة والاعتقادات الرديئة كثيرة لا يحصى ~~عددها، ولكن نذكر منها طرفا ... فمن ذلك رأي من رأى واعتقد أن ~~العالم قديم لا صانع ولا مدبر له. وإن هذا الرأي مؤلم لنفوس ~~معتقديه معذب لقلوبهم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون صاحب هذا الرأي ~~سعيد أهل الدنيا أو من أشقيائهم، فإذا كان من سعدائهم فإنه لا يدري ~~من أين له هذا، وما هو فيه ... وقد علم يقينا أن الذي هو فيه من ~~النعمة ورغد العيش لا يدوم له، وأنه مفارقه على رغمه مع شدة محبته ~~للبقاء ... كلما ذكر الموت والفناء نغص عليه شهواته، فيعيش طول عمره ~~خائفا من الموت ... ثم يموت على رغم وحسرة وندامة لا يرجو بعد الموت ~~خيرا ... وإن كان من أشقيائها فهو أسوأ حالا وأمر وأشر سيرة من ~~غيره، وذلك أنه يفني العمر كله بجهل وعناء وتعب، وشقاء في طلب ما ~~لم يقدر له ... فهو بجهله بربه يعيش طول عمره مغتما حزينا ~~ضجرا لما رأى أنه فاته ما وجد غيره، ثم يموت بحسرة وغصة وندامة لا ~~يرجو بعد الموت خيرا ... # ومن الآراء الفاسدة الرديئة المؤلمة لنفوس معتقديها رأي من يرى ~~ويعتقد أن العالم محدث مصنوع وله صانع واحد حكيم، ولكن لا يرى ~~البعث والنشور والقيامة ولا الحشر والحساب ولا لقاء ربه. فمن يعتقد ~~هذا الشأن ... يفني عمره كله في طلب الدنيا وإصلاح أمر المعاش لجر ~~منفعة إلى جسده، أو دفع مضرة عنه، أو نيل شهوة أو الوصول إلى لذة، ~~متمنيا للخلود في الدنيا مع علمه ويقينه أنه لا يدرك فيها ولا ~~يبقى هو له، وأنه لا بد من الموت، ثم لا يرجع ولا يرجو بعد الموت ~~ثواب عمل ولا جزاء إحسان، بل يموت بحسرة وندامة آيسا مما يرجوه ~~المؤمنون» (42: 3، 521-522). # في الأخلاق # ترتبط الأخلاق ms173 عند إخوان ~~الصفاء ارتباطا وثيقا بعملية الارتقاء النفسي. والإخوان هنا ~~متشائمون بخصوص الطبيعة الإنسانية التي لا يرون أنها خيرة من حيث ~~الأصل؛ لأن الإنسان ورد إلى الدنيا جاهلا توجهه غرائزه ورغباته ~~الطبيعية التي يسعى لإرضائها دون حسبان لمسألة الخير والشر، وهو لا ~~يغدو كائنا أخلاقيا إلا بالكد والاجتهاد من أجل تهذيب نفسه ~~وإصلاح أخلاقه. ولما لم يكن بإمكان كل عاقل أن يفعل ذلك، نظرا لأن ~~كل ما في السلوك الأخلاقي يتعارض مع ما هو مغروس في الجبلة ~~الإنسانية من الرغائب والشهوات وحب الدنيا، فقد خفف الله تعالى على ~~الناس وبعث الأنبياء بالوصايا الشرعية وأمرهم بامتثال أمرهم ~~ونهيهم. فالأصل في الأخلاق الحميدة الاكتساب لا الطبع، والخاصة من ~~الناس تهتدي إلى السلوك الأخلاقي بموجب العقل، أما العامة فبموجب ~~الناموس ونواهيه وأحكامه وحدوده. فمن هذب نفسه بسلوك إحدى هاتين ~~الطريقتين أو كلاهما، فهو من أبناء الآخرة؛ ومن اتبع أخلاقه ~~المغروسة في الطبيعة الإنسانية، فهو من أبناء الدنيا: ~~«اعلم يا أخي أن الناس ينقسمون في سعادة الدنيا والآخرة وشقائهما ~~أربعة أقسام: فمنهم سعداء في الدنيا والآخرة جميعا، ومنهم أشقياء ~~فيهما جميعا، ومنهم أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة، ومنهم ~~سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة. فأما السعداء في الدنيا والآخرة ~~جميعا فهم الذين وفر حظهم في الدنيا من المال والمتاع والصحة ~~ومكنوا فيها، فاقتصروا منها على البلغة ورضوا بالقليل وقنعوا ~~به، وقدموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لأنفسهم، كما ذكر الله تعالى ~~بقوله: ~~... وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله ... # 17 # وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى. # وأما سعداء أبناء الدنيا وأشقياء أبناء الآخرة، فهم الذين وفر ~~حظهم من متاعها ومكنوا منها وارتقوا فيها، فتمتعوا وتلذذوا ~~وتفاخروا وتكاثروا، ولم يتعظوا بزواجر الناموس، ولم ينقادوا له، ~~ولم يأتمروا لأمره، وتعدوا حدوده ... وهم الذين أشار إليهم بقوله جل ~~ثناؤه: ~~... ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من ~~نصيب # 18 # وآيات كثيرة في القرآن في وصف هؤلاء. # وأما أشقياء الدنيا وسعداء الآخرة، ms174 فهم الذين طالت أعمارهم فيها، ~~وكثرت مصائبهم في تصاريف أيامها، واشتدت عنايتهم في طلبها، وفنيت ~~أبدانهم في خدمة أهلها، وكثرت همومهم من أجلها، ولم يحظوا بشيء من ~~نعيمها ولذاتها، وائتمروا بأوامر الناموس ولم يتعدوا حدوده. وقد ~~ذكر الله ذلك في آيات كثيرة من القرآن: ~~... إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب ~~. # 19 # وأما أشقياء الدنيا والآخرة، فهم الذين بخسوا حظهم من الدنيا ~~ولم يمكنوا منها وشقوا في طلبها، فعاشوا فيها طول أعمارهم ~~بأبدان متعوبة ونفوس مهمومة، ولم ينالوا خيرا، ثم لم يأتمروا ~~بأوامر الناموس، ولم ينقادوا لأحكامه، وتجاوزوا حدوده ... فهم الذين ~~خسروا الدنيا والآخرة جميعا، ذلك هو الخسران المبين. # وإذا قد تبين بما ذكرنا، بأقسام عقلية، أنه لا يخلو أحد من الناس ~~من أن يكون داخلا في أحد تلك الأقسام الأربعة، فنريد أن نذكر ~~أخلاق أبناء الدنيا وطباعهم، وأخلاق أبناء الآخرة وسجاياهم، ~~ليعرف الفرق بينهم. # اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن أخلاق بني الدنيا ~~هي التي ركزتها الطبيعية في الجبلة من غير كسب منهم ولا اختيار ~~ولا فكرة ولا روية ولا اجتهاد ولا كلفة، فهم يسعون فيها ويعملون ~~عليها مثل البهائم في طلب منافع الأجساد ودفع المضرة عنها، كما قال ~~الله تعالى ذكره: ~~... ويأكلون كما ~~تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ~~. # 20 # وأما أخلاق أبناء الآخرة فهي التي اكتسبوها باجتهادهم، ~~إما بموجب العقل والفكر والروية، وإما باتباع أوامر الناموس ~~وتأديبه، وتصير عند ذلك عادة لهم بطول الدءوب فيها وكثرة ~~الاستعمال لها، وعليها يجازون ويثابون. # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأنك إذا أنعمت النظر ~~بعقلك، وفكرت برويتك، وتأملت أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه ~~وحدوده ... عرفت وتبينت أن أكثر أوامره هي بخلاف ما في طباع الناس ... ~~وذلك أنه أمر الصيام وترك الأكل والشرب عند شدة الجوع والعطش، ~~وبالطهارة عند البرد، وبالقيام في الصلاة وترك النوم على الفراش ~~الوطيء، وبالمواساة عند القلة وشدة الحاجة، وبالتعفف عند هيجان ~~الشهوة، وبالحلم عند سورة الغضب، وبالشجاعة عند المخاوف، وبالعفو ~~عند المقدرة ... وما شاكل ms175 هذه الأفعال والأعمال والأخلاق والسجايا ~~التي في الجبلة خلافها، وفي الطباع مركوز غيرها ... # واعلم يا أخي بأن أخلاق بني الدنيا وسجاياهم إنما جعلت طبيعة ~~مركوزة في الجبلة؛ لأنهم وردوا إلى الدنيا جاهلين غير مستعدين لها. ~~فأما أبناء الآخرة فصارت أخلاقهم مكتسبة معتادة [لأنهم استعدوا ~~لها] بما أعلموا بها وأخبروا عنها وبشروا بها وجدوا في طلبها ~~وأوضح لهم طريقها ... # واعلم يا أخي أنه لما لم يكن في مكنة كل عاقل أن يفعل ما وصفنا؛ ~~إذ كان يحتاج فيه إلى عناية شديدة وبحث دقيق ونظر قوي، خفف الله ~~تعالى ذلك عليهم، وبعث واضعي النواميس الإلهية مؤيدين مع الوصايا ~~المرضية، وأمرهم بامتثال أمرهم ونهيهم، فبنوا لهم الهياكل ~~والمساجد والبيع ومواضع الصلوات وبيوت العبادات، وأمورهم بالدخول ~~إليها بعد طهارة ونظافة ... وترك أشياء كانت مباحة لهم ... كل ذلك ~~ليكون دلالة لكل عاقل فهم أنه هكذا ينبغي أن تكون سيرة من يريد أن ~~يدخل الجنة ويعرج بروحه إلى هناك» (9: 1، 331-336). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله، ~~بأنه، جل ثناؤه، قد فرض على المؤمنين المقرين به وبأنبيائه أشياء ~~يفعلونها، ونهاهم عن أشياء ليتركوها، كل ذلك ليبتليهم بها، وجعلها ~~عللا وأسبابا ليرقيهم فيها وينقلهم حالا بعد حال إلى أن يبلغهم ~~إلى أتم حالاتهم وأكمل غاياتهم. # واعلم يا أخي بأن من ~~بلغه الله درجة ورتبة، فوقف عندها، ولم يرجع القهقرى بعد بلوغها، ~~ثم قام بحقها ووفى بشرائطها، جعل جزاءه وثوابه أن ينقله من تلك ~~الرتبة والدرجة إلى ما فوقها، ويرفعه من تلك إلى ما هو أشرف وأجل ~~منها، ومن جهل قدر النعمة التي في تلك الرتبة فلم يشكرها، ولا ~~اجتهد في طلب ما فوقها، ولا رغب في الزيادة عليها، كان جزاؤه أن ~~يترك مكانه ويوقف حيث انتهى به عمله ويحرم المزيد، فيفوته ما ~~وراء ذلك وفوقه من الدرجات والمراتب، وكان ذلك الفوت والحرمان هو ~~عقوبته» (9: 1، 345-346). # في الخير والشر # تعد آراء إخوان الصفاء في مسألة الخير والشر استمرارا لآرائهم ~~في الأخلاق. فكما أن الخلق السيئ هو تقصير من الإنسان على ms176 الكد ~~والاجتهاد في تهذيب نفسه والارتقاء بها، كذلك الشر الذي هو تخلف ~~عن اللحاق بالخير الأفضل المتقدم عليه؛ فمتى غفل المفضول عن اللحاق ~~بالفاضل ورضي لنفسه بالمكان الخسيس فهو الشر البعيد عن الخير. فما ~~من شر كوني وما من مملكة للشر تعارض مملكة الخير، والكون كله خير ~~ومخلوق من قبل إله خير، وما نرى فيه من شر ليس بالقصد الأول ~~وإنما بالقصد الثاني، وليس إبليس إلا تجسيدا للنفس الشهوانية ~~الغضبية المغوية للنفس الناطقة: ~~«إن الشر لا أصل له في الإبداع الأول من جهة المبدع الحق سبحانه. ~~فإن قال قائل: فإذا لم يكن للشر أصل في الإبداع، فمن أين كان؟ وكيف ~~يكون؟ ولم كان؟ فليعلم هذا القائل أن الخير الكلي والجود المحض ~~[هو] إفاضة الباري سبحانه على العقل بجوده، فكان له [أي للعقل] ~~السبق والتمام والكمال والتقدم بالوجود على الأشياء. ثم كانت النفس ~~منبعثة منه تالية له، فكان ما بينهما من التفاضل مرتبة منحطة ~~بالنفس عن اللحوق بالعقل ونقصانا عن درجته فقصرت عن الكمال، فصار ~~ذلك التقصير عنه عجزا، فحدث عن ذلك العجز نقص عن البلوغ إلى الفضل ~~الكلي. ثم حدثت الطبيعة عن النفس، وكانت النفس أفضل منها لكونها ~~أصلا لها، فكان ما بينهما من التفاضل عجزا هو أكثر من عجز النفس ~~عن بلوغ درجة العقل ومرتبته. ثم كانت الأشياء من المركبات بحدوث ~~بعضها من بعض، ولها وجود التفاضل، وبوجود التفاضل وجود العجز، ~~وبوجود العجز وجود النقص، وبوجود النقص معرفة الفاضل والمفضول. ~~فعند ذلك عطف العقل على النفس بخيراته وفضائله ليرقيها إليه، ~~ويبلغها إلى درجته، ويزيل عنها النقص ويرفعها إلى درجة الكمال، ولم ~~يرض لها بالتخلف عن البلوغ إلى درجته واللحوق بمنزلته؛ لأنه ليس ~~من شأنه الحسد ولا الكبر، وإن أحب الأشياء إليه كونها مثله لأنه ~~خير كله؛ وعطفت النفس عند ذلك على الطبيعة، وعطفت الطبيعة على ~~المولدات منها، وعطفت الأشياء كلها بعضها على بعض، فالفاضل أبدا ~~إنما يجتهد ليرقي المفضول إلى درجته ويبلغه منزلته، دائما في ~~ذلك مجتهدا فيه. فقد ms177 بان بالبرهان وصح أن الشر لا أصل له في ~~الإبداع، وسمي عجز الأشياء لحدوث بعضها من بعض شرا، بمعنى ~~التخلف عن اللحوق بالخير الأفضل المتقدم عليه؛ فمتى غفل المفضول عن ~~اللحوق بدرجة الفاضل ورضي لنفسه بالمكان الخسيس الرذل، فهو الشر ~~المحض البعيد عن الخير، وهو النحس البعيد من السعد. فإذا العالم ~~إذا قبل الفيض والجود وارتقى إلى الفاضل صار خيرا كله وسعدا كله، ~~فزال الشر، وعاد الخلق إلى أوله فصار خيرا كله ... # اعلم يا أخي أن الغرض الأقصى في إدارة الأفلاك وتسيير الكواكب، ~~ومجيء الأنبياء والرسل والحكماء ... هو أن يصير العالم خيرا كله ~~ويزول منه العجز والنقص والشر، ويعود إلى ما بدا منه فيصير لاحقا ~~به» (جا: 25-26). # وكمثال على أن الشرور في العالم ليست بالقصد الأول، يعالج ~~الإخوان مسألة الأوجاع والآلام والأمراض، وأكل الكائنات الحية ~~بعضها لبعض، وهي القضايا التي عدها فلاسفة الخير والشر، ولا سيما ~~الثنويين منهم، التجلي الأمثل للشر في العالم: ~~«ثم اعلم أن الله تعالى جعل في جبلة الحيوان أربعة أسباب: ~~آلامها، ودواعي عطب أبدانها، وشقاوة نفوسها، وهلاك هياكلها، وهي ~~الجوع والعطش والشهوات المختلفة واللذات الذليلة. أما قصد الباري ~~الحكيم في فعله ذلك كله فهو لبقاء نسلها وصلاح معاشها. وأما الذي ~~يعرض لها من الآلام والنكب فليس بالقصد الأول ولكن بالعرض، من أجل ~~النقص الذي في الهيولى. وذلك أن الله تعالى جعل لها الجوع والعطش ~~لكيما يدعواها إلى الأكل والشرب ليخلف على أبدانها من الكيموس [= ~~سوائل البدن] بدل ما يتحلل من البدن؛ لأن البدن في التحلل دائما ~~من أسباب خارجة وأسباب داخلة؛ وأما الشهوات فلكيما تدعو إلى ~~المأكولات المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها وما تحتاج إليه ~~طباعها. وأما اللذة فلكيما تأكل بقدر الحاجة من غير زيادة ولا ~~نقصان. # فإن قيل: لم جعل للنفوس من الآلام والأوجاع والأفزاع عند الآفات ~~العارضة لأجسادها؟ قيل له: لكيما تحرص نفوسها على حفظ أجسادها من ~~الآفات العارضة لها إلى وقت معلوم؛ إذ كانت الأجساد لا تقدر على جر ~~منفعة ولا دفع مضرة ms178 عنها. فإن قيل: لم جعل بعض الحيوانات آكلة ~~لحوم بعض؟ قيل: لكيما لا يضيع شيء مما خلق الله بلا نفع؛ وذلك أنه ~~قد تاهت أوهام العلماء وتحيرت عقولهم في طلب علة أكل الحيوانات ~~بعضها بعضا، وما وجه الحكمة منه؛ إذ كان الباري جعل ذلك في طباعها ~~جبلة، وهيأ بها آلات وأدوات تتمكن بها، كأنياب ومخالب وأظافير ~~حداد ... فلما تفكروا في ذلك ولم تسنح لهم العلة ولا ما وجه العلة ~~والحكمة، اختلفت عند ذلك بهم الآراء والتبست بهم المذاهب، حتى قال ~~بعضهم: إن تسلط الحيوانات بعضها على بعض، وأكل بعضها لبعض ليس من ~~فعل الحكيم، بل فعل شرير قليل الرحمة؛ فلهذا قالوا: إن للعالم ~~فاعلين: خير وشرير؛ ومنهم من نسب ذلك إلى النجوم، ومنهم من ~~قال: عقوبة لها لما سلف منها من الذنوب في الأدوار السالفة، وهم ~~أهل التناسخ، ومنهم من قال بالعرض، ومنهم من قال: إن هذا ~~أصلح، ومنهم من أقر على نفسه بالعجز وقال: لا أدري ما العلة في ~~أكل الحيوانات بعضها بعضا، ولا ما وجه الحكمة فيه، غير أنه قال: ~~الباري الحكيم لا يفعل شيئا إلا بحكمته؛ ومنهم من قال: بل لا ~~حكمة فيه. # وكل هذه الأقاويل قالوها في طلب الحكمة والعلة، وإنما لم يقفوا ~~عليها؛ لأن نظرهم كان جزئيا، وبحثهم عن علل الأشياء خصوصيا، ~~وليس يعلم علل الأشياء الكليات بالنظر الجزئي؛ لأن أفعال الباري ~~إنما الغرض منها النفع الكلي والصلاح العمومي، وإن كان قد نقص من ~~ذلك ضرر جزئي ومكاره خصوصية، وليس يعلم علل الأشياء الكليات ~~أحيانا. والمثال في ذلك أحكام الشريعة النبوية وحدوده فيها، وذلك ~~كحكم القصاص في القتل. قال تعالى: # ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي الألباب ... # 21 # وإن كان موتا وألما للذي يقتص منه. وكذلك قطع يد ~~السارق، فمنه نفع عمومي وصلاح الكل، وإن كان يناله حزن وألم. وكذلك ~~غروب الشمس وطلوعها، والأمطار كان النفع منها عموميا والصلاح ~~كليا، وإن كان يعرض لبعض الناس والحيوان والنبات من ذلك ضرر جزئي ~~... # ولما كان نزول الأمر ms179 في المنقلب إلى الصلاح العمومي والنفع ~~الكلي، كانت الشدائد والجهد والبلوى في جنبه أمرا صغيرا جزئيا. ~~على هذا المثال والقياس ينبغي أن يعتبر من يريد أن يعترض ما العلة ~~وما وجه الحكمة في أكل الحيوانات بعضها بعضا، ليتبين له الحق ~~والصواب. ونحن نريد أن نبين ما العلة وما وجه الحكمة في الكل، وفي ~~أكل الحيوانات بعضها بعضا، ولكن لا بد أن نقدم أشياء لا بد من ~~ذكرها، فنقول: # اعلم أن عقول القوم إنما أنكرت أكل الحيوانات لما ينالها من ~~الآلام والأوجاع عند الذبح والقتل، ولولا ذلك لما أنكروا، كما لا ~~ينكرون أكل الحيوان النبات، إذ ليس ينال النبات الآلام والأوجاع، ~~فنقول: قصد الله وغرضه في ألم الحيوانات ما جبلت عليه طباعها، ~~والأوجاع التي تلحق نفوسها عند الآفات العارضة، ليس عقوبة لها ~~وعذابا كما ظن أهل التناسخ، بل حث لنفوسها على حفظ أجسادها وصيانة ~~هياكلها من الآفات العارضة لها، إذ كانت الأجساد لا تقدر على جر ~~منفعة ولا دفع مضرة عنها؛ ولو لم يكن ذلك كذلك لتهاونت النفوس ~~بالأجساد وخذلتها وأسلمتها إلى الهلاك قبل فناء أعمارها وتقارب ~~آجالها، ولهلكت كلها دفعة واحدة في أسرع مدة. فلهذه العلة جعلت ~~الآلام والأوجاع للحيوان دون النبات، وجعل فيها حب للبقاء، إما ~~بالحرب والقتال، وإما بالهرب والفرار والتحرز لحفظ جثتها من الآفات ~~العارضة إلى وقت معلوم، فإذا جاء أجلها فلا ينفع القتال ولا الهرب ~~ولا التحرز بل التسليم والانقياد ... # وإذ قد ذكرنا ما يحتاج إليه، نقول الآن: إن الله تعالى لما خلق ~~أجناس الحيوانات التي في الأرض، وعلم أنها لا تدوم بذاتها أبد ~~الآبدين، جعل لكل نوع منها عمرا طبيعيا أكثر ما يمكن منه، ثم ~~يجيئه الموت إن شاء أو أبى. وقد علم الله أنه يموت كل يوم منها ~~في البر والبحر والسهل والجبل عدد لا يحصيه إلا الله تعالى. ثم جعل ~~بواجب الحكمة جثة جيف موتاها غذاء لأحيائها ومادة لبقائها، لئلا ~~يضيع شيء مما خلق الله بلا نفع ولا فائدة، وكان في هذا منفعة ms180 ~~لأجسادها ولم يكن فيه ضرر على الموتى. وخصلة أخرى، لو لم تكن ~~الأحياء تأكل جيف الموتى منها، لبقيت تلك الجيف، واجتمع منها على ~~ممر الأيام والدهور، حتى تمتلئ منها الأرض وقعر البحار، وتنتن ~~ويفسد الهواء والماء من نتن روائحها ... فأي حكمة أكثر من هذه أن جعل ~~الباري تعالى في أكل الحيوانات بعضها بعضا من المنفعة للأحياء، ~~ودفع المضرة عنها كلها، وإن كانت تنال بعضها الآلام والأوجاع عند ~~الذبح والقتل وليس قصد القابض من القاتل من ذبحها وقبضها إدخال ~~الألم والوجع عليها، بل لينال المنفعة فيها لدفع مضرة بها. # ثم اعلم أن الله تعالى لما أبدع الموجودات واخترع الكائنات، ~~قسمها قسمين اثنين: كليات وجزئيات؛ ورتب الجميع ونظمها مراتب ~~الأعداد المفردات، كما بينا في رسالة المبادئ. وكانت مرتبة ~~الكليات أن جعل الأشرف منها علة لوجود أدونها، وسببا لبقائها ~~ومتمما لها، ومبلغا إلى أقصى غاياتها وأكمل نهاياتها. وكانت ~~مرتبة الجزئيات أن جعل الناقص منها علة للكامل وسببا لبقائه، ~~والأدون منها خادما للأشرف ومعينا ومسخرا له. وبيان ذلك من ~~النبات الجزئي: لما كان أدون رتبة من الحيوان الجزئي وأنقص حالة ~~منه، جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان ومادة لبقائه، وجعل النفس ~~النباتية في ذلك خادمة للنفس الحيوانية ومسخرة لها. وهكذا أيضا ~~لما كانت رتبة النفس الحيوانية أنقص وأدون من رتبة النفس ~~الإنسانية، جعلت خادمة ومسخرة للنفس الإنسانية الناطقة ... ولما كان ~~بعض الحيوانات أتم خلقة وأكمل صورة، كما بينا قبل هذا، جعلت ~~النفس الناقصة منها خادمة ومسخرة للتامة منها الكاملة، وجعلت ~~أجسادها غذاء ومادة للأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها، لتبلغ ~~إلى أتم غاياتها وأكمل نهاياتها، كما جعل جسم النبات غذاء لجسم ~~الحيوان ومادة لبقائه وسببا لكماله» (40: 3، 364-369). # وقد كان لا بد للإخوان في مناقشتهم لمسألة الخير والشر من التعرض ~~للعقائد الثنوية القائلة بوجود أصلين للعالم واحد خير والآخر ~~شرير، فنقدوها على قاعدة فلسفية مكينة في أكثر من موضع في رسائلهم. ~~ومن ذلك قولهم: ~~«اعلم، وفقك الله، أن القائلين بالأصلين طائفتان: إحداهما ترى ~~وتعتقد أن لهما ms181 فاعلين أحدهما نور خير، والآخر ظلمة شرير. وهذا ~~رأي زرادشت وماني وأتباعهما وبعض الفلاسفة. والطائفة الأخرى ترى ~~وتعتقد أن إحدى العلتين فاعل، والأخرى منفعل، يعنون به الهيولى. ~~وهذا رأي بعض الحكماء اليونانيين، والذي دعاهم إلى هذا الرأي هو ~~نظرهم إلى الشرور التي تجري بين كل اثنين متنازعين من الناس ~~والحيوان، من القتل والحروب والخصومات والعداوات، وما يحدث بينهما ~~من الأسباب والأحوال. فبهذا الاعتبار قالوا، وبهذا القياس حكموا ~~بأن حدوث العالم كان سببه فاعلين اثنين متنازعين، لكن أحدهما خير ~~والآخر شرير ... # فأما القائلون بأن أحد الأصلين فاعل والآخر منفعل، فإنما دعاهم ~~إلى هذا الرأي ما رأوا أنه يلزم القائلين بالفاعلين من الشنعة ~~والقبح، وما يوجب لهما من العجز والنقص من فعالهما وتناقضهما، وما ~~يقتضي دون ذلك من قلة النظام في تركيب العالم وخلق السماوات، وما ~~يعرض من الفساد العام والبوار الكلي ... وذلك أنهم قد تبينوا نظام ~~العالم، وعرفوا إتقان خلق السماوات مع سعتها وكبر أجزائها وكثرة ~~خلائقها التي هناك، وليس فيها شيء من الفساد والشرور البتة، وأنها ~~كلها على أحسن النظام، وأجود الترتيب والهندام، وأن الشرور لا توجد ~~إلا في عالم الكون والفساد التي تحت فلك القمر، ولا توجد الشرور ~~أيضا في عالم الكون والفساد إلا في النبات والحيوان دون سائر ~~الموجودات، ولا في كل وقت أيضا، ولكن في وقت دون وقت، وأسباب ~~عارضة لا بالقصد الأول من الفاعل، بل من جهة نقص الهيولى وعجز فيه ~~عن قبول الخير في كل وقت أو على كل حال ... ومثال ذلك أن الحكيم منا، ~~في الشاهد، في وده أن يعلم كل علم وكل حكمة يحسنها لأولاده ~~وتلامذته، وأن يجعلهم حكماء فضلاء مثله في أسرع ما يكون، ولكنهم لا ~~يقبلون ذلك إلا على التدريج، وفي ممر الأيام والأوقات شيئا بعد ~~شيء، [وذلك] لنقص فيهم لا لعجز في الحكيم ... والنقص في الكمال يسمى ~~شرا، وليس الشر سوى عدم الخير والتمام والكمال. # فأما القائلون بالعلة الواحدة وأنها قديمة فإنهم نظروا أدق من ~~نظر أولئك وبحثوا أجد من ms182 بحثهم وتأملوا غير تأملهم، فرأوا من ~~القبيح الشنيع أن يكون محدث العالم [اثنين] قديمين؛ واعتبارهم ~~وقياسهم كان في ذلك هكذا: [فقد] قالوا لا يخلو الأصلان القديمان من ~~أن يكونا متفقين في كل شيء من المعاني، أو مختلفين في كل المعاني، ~~أو متفقين في شيء ومختلفين في شيء. فإن كانا متفقين في جميع ~~المعاني فواحد [هما] لا اثنان، وإن كانا مختلفين في المعاني ~~فأحدهما عدم، وإن كانا متفقين في شيء ومختلفين في شيء فالشيء ~~الثالث، وقد بطلت المثنوية فيجب أن يكون أصل العالم ثلاثة، ~~والقائلون بالثلاثة أو أكثر لازمة بهم هذه الحكومة والشنيعة أيضا» ~~(42: 3، 462-464). # إذن وفي ظل معتقد التوحيد الإسلامي الصارم الذي يتبناه إخوان ~~الصفاء، لا وجود للشر على المستوى الكوني، وما من أصل قديم للشر، ~~ولا من ملحمة للصراع بين الأصلين، سواء أكانا قديمين أم كان أحدهما ~~قديما والآخر محدثا، وما يبدو لنا من شرور جزئية على المستوى ~~الطبيعي إنما تخدم صالحا عاما وخيرا شموليا، حتى وإن خفيت ~~هذه الغاية أحيانا عن الأفهام. وبهذه النظرة لا يبقى من مجال ~~للصراع بين الخير والشر إلا في النفس الإنسانية، وعلى مستوى الحياة ~~الاجتماعية؛ لأن الإنسان هو الكائن الحر الوحيد المخير بين إتيان ~~الشر أو إتيان الخير. فكيف عالج الإخوان هذه المسألة، وما هو دور ~~إبليس في ذلك كله؟ # في العديد من المواضع، وفي أكثر من قصة ومثل مما أورده الإخوان ~~في رسائلهم، تم تصوير إبليس على أنه شخصية مستقلة ذات وجود موضوعي ~~يسعى إلى إغواء البشر ودفعهم إلى إتيان الشرور، وذلك جريا على ~~التفسير الظاهري لآيات القرآن الكريم. ولكنهم في غوصات التأويل لا ~~يرون في إبليس إلا نوازع النفس الشهوانية الغضبية إذا تغلبت على ~~نوازع النفس الناطقة. وليس اندحار إبليس في النهاية إلا تعبيرا عن ~~وصول الإنسانية إلى ذروة ارتقائها في نهاية الزمن، وضعف النفس ~~الشهوية الحائدة عن التقوى، وظهور النفس الناطقة عليها بتأييد من ~~النفس الكلية التي تستعد الآن إلى التخلي عن الطبيعة التي تعلقت ~~بها، والعودة إلى التعلق بالعقل ms183 لا يشوبها كدر من علق الطبيعة، ~~فتقبل منه الخير الكلي والجود المحض، مما سنبحثه في فصل ~~الآخرة . # وأما إبليس الروحاني الذي يجري مجرى الدم من ابن آدم، فهو كما ~~قلنا في رسالة الأخلاق إنه منزلة النفس الغضبية الشهوانية الحائدة ~~عن التقوى المعتكفة على شهوات الدنيا، فإنها أيضا في أوان دور ~~الكشف [= نهاية الزمن] تضعف قوتها وتقل شهوتها، وتقهرها النفس ~~الناطقة إذ أيدتها النفس الكلية، بظهور النفس الزكية والإفاضات ~~العقلية وتلاشي الأمور الطبيعية وخراب المحاسن الدنيوية، وحدوث أمر ~~الآخرة والنشأة الثانية والبعث الجديد والقيامة الكبرى، فلا يكون ~~حينئذ نفس حيوانية؛ فذلك أن الحيوان لا يكون في مثل ذلك الزمان ... ~~وأنه يترقى على التدريج حتى يلحق التمام. وعند بلوغ الأشياء إلى ~~تمامها، وكونها على أفضل حالاتها وأتم نهاياتها في الفضائل، تتخلى ~~النفس عن الطبيعة دفعة واحدة وترجع إلى التعلق بالعقل لا يشوبها ~~كدر يعلق بها من علق الطبيعة، ولا عائق يعوقها، فتقبل منه الفيض ~~الكلي والجود المحض ... # ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عن إبليس لما قال: ~~... فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين # 22 # عنى بهم الذين تخلصت أنفسهم الناطقة من أنفسهم الغضبية ~~وقهروها ... قال: # إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان ~~. # 23 # وكل من غلب هواه على عقله فهو إبليس، وكل من أطاع نفسه ~~الغضبية وداخلته الحمية الجاهلية والعصبية للباطل فهو شيطان ... تفقد ~~يا أخي هذا الباب وانظر كيف تغلقه عمن استوجب إغلاقه دونه وتفتحه ~~لمن استحق دخوله ... ولا تكشفه إلا لأهله ولا تظهره إلا لمستحقه بعد ~~مؤكدات العهود ومعقدات المواثيق، وإلا هلكت وأهلكت ... فإن ~~الجاهل عدو للعلم، ومن جهل شيئا عاداه» (جا: 39-40). ~~وأيضا: ~~«النفس الناطقة هي رئيسة الجسد ... وإن معها مقارنا لها يغويها ~~ويخدعها، ويجذبها إلى شهوات الطبيعة ولذاتها، ويدعوها إلى كل ما ~~نهيت عنه، وتناول ما حذرت منه وحظر عليها تناوله، وأمرها ربها ~~بالبعد عنه والتخلي عنه، وأن لا تقربه ولا تدنو إليه إلا بقدر ~~الحاجة إليه وما لا غناء لها عنه؛ وكانت الطبيعة ولذاتها الحسية، ~~والانهماك في ms184 رقدة الجهالة ونومة الغفلة، وهي الشجرة المنهي عن ~~قربها والممنوع من أكلها، وقد حذر عنها في بدء الأمر وزجر عنها ~~بتبليغ الذكر. وكانت النفس الناطقة في هذا الموضع مثل آدم، وكانت ~~النفس الشهوانية مثل إبليس الغوي المغوي. ولذلك أنه متى انخضعت ~~النفس الناطقة للنفس الغضبية، وقبلت منها وسارعت إلى شهواتها ~~وانهمكت في لذاتها، وقعت في الخطيئة، وفارقتها الأنوار العقلية ~~وانكشفت عورتها، ونزع عنها لباس التقوى، واستوجبت العقوبة ~~والهوان. كما قيل: إن إبليس كان أكثر همه وأشد عزمه لما أضمره ~~لآدم هو أن يوقعه في الخطيئة ليزول عنه لباسه، ويسخط عليه ربه، ~~وكذلك حال النفس الشهوانية مع النفس الناطقة. ولذلك قال الحكيم ~~الناطق، النبي الصادق: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. ~~[وقد] عنى بالجهاد الأصغر جهاد السيف للعدو والمخالف، وبالجهاد ~~الأكبر مجاهدة النفوس الناطقة للنفوس الشهوانية الغضبية. فتأمل يا ~~أخي هذا القول فإنه يؤيد ما ذكرناه» (جا: 64-65). ~~«قال العالم المستبصر لأخ له من أبناء جنسه فيما جرى بينهما من ~~المذاكرة في أمر الشياطين وعداواتهم: كيف عرفت الشياطين ~~ووساوسهم؟ قال: إني لما نشأت وتربيت، وشدوت من الآداب طرفا، وأخذت ~~من العلم نصيبا ... تبينت ما يجب علي من أحكام الناموس ... ثم قمت ~~بواجبها جهدي وطاقتي بحسب ما وفقت له ... ثم تفكرت في قول الله ~~تعالى: # إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا ... # 24 # وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى، وتفكرت في قول ~~النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى ~~الجهاد الأكبر؛ يعني مجاهدة النفس ... وفكرت في قوله عليه السلام: ~~لكل إنسان شيطانان يغويانه ... وقوله: إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم ... وآيات كثيرة في القرآن في مثل هذا المعنى وأحاديث ~~مروية أيضا ... ثم تأملت وبحثت ودققت النظر، فوجدت حقيقة معنى ~~الشياطين، وكثرة جنود إبليس اللعين أجمعين، ومخالفتهم بني آدم، ~~وعداوتهم لهم ووساوسهم إياهم، هي أمور باطنة وأسرار خفية مركوزة في ~~الجبلة، مطبوعة في الخليقة، وهي الأخلاق الرديئة، والطباع المذمومة ~~المنتشئة منذ الصبا مع الإنسان بالجهالات المتراكمة ms185 ... المنسوبة إلى ~~النفس الشهوانية والنفس الغضبية. ثم تأملت ونظرت، فوجدت الخطاب ~~في الأمر والنهي والوعد والوعيد والمدح والذم متوجها كله إلى ~~النفس الناطقة العاقلة المميزة المستبصرة، ووجدتها هي بما توصف من ~~الأخلاق الجميلة والمعارف الحقيقية والآراء الصحيحة والأعمال ~~الزكية ملكا من الملائكة، بالإضافة إلى النفس الشهوانية الغضبية ~~جميعا. ووجدت هاتين النفسين، أعني الشهوانية والغضبية، بما توصفان ~~به من الجهالات المتراكمة والأخلاق المذمومة والطباع المركوزة ~~والأفعال القبيحة التي لهما بلا فكر ولا روية كأنهما شيطانان ~~بالإضافة إلى النفس الناطقة ...» (9: 1، 364-366). # هذا الشيطان الداخلي عند الإنسان، هو شيطان بالقوة، أي بالإمكان، ~~ولكنه يتحول إلى شيطان بالفعل إذا حضرت المنية ولم يستكمل هذا ~~الإنسان عملية الارتقاء وقهر النفس الشهوانية الغضبية: ~~«إن في العالم نفوسا أفعالها ظاهرة وذواتها خفية يسمون ~~الروحانين، وهم أجناس الملائكة وقبائل الجن وأحزاب الشياطين. ~~فأجناس الملائكة هي نفوس خيرة موكلة بحفظ العالم وصلاح الخليقة، ~~وقد كانت متجسدة قبل وقتا من الزمان [في أجسام بشرية] فتهذبت ~~واستبصرت وفارقت أجسادها واستقلت بذاتها وفازت ونجت، وساحت في فضاء ~~الأفلاك وسعة السماوات، فهي مغتبطة فرحانة مسرورة ملتذة ما دامت ~~السماوات والأرض. وأما عفاريت الجن ومردة الشياطين، فهي نفوس شريرة ~~مفسدة، وقد كانت متجسدة قبل وقتا من الزمان [في أجسام بشرية] ~~فارقت أجسادها غير مستبصرة ولا متهذبة ... فهي سابحة في ظلمات بحر ~~الهيولى، غائصة في قعر من الأجسام المظلمة ...» (30: 1، ~~142-143). # وأيضا: ~~«اعلم أن النفوس المتجسدة الخيرة ملائكة بالقوة، فإذا فارقت ~~أجسادها كانت ملائكة بالفعل ... كذلك النفوس المتجسدة الشريرة هي ~~شياطين بالقوة، فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين بالفعل. فهذه ~~النفوس الشيطانية بالفعل توسوس للنفوس الشيطانية بالقوة لتخرجها ~~إلى الفعل، كما قال تعالى: ~~... شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا ... # 25 # فشياطين الإنس هي النفوس المتجسدة الشريرة آنست ~~بالأجساد، وشياطين الجن هي النفوس الشريرة المفارقة للأجسام ~~المحتجبة عن الأبصار. ومثل وسوسة هذه النفوس المفارقة لهذه النفوس ~~المتجسدة، كمثل من قويت شهوته للطعام والشراب، وضعفت حرارته ~~الهاضمة عن نضجها، فهو يشتهي ولا يستمرئ، فعند ذلك ms186 تكون همته أن ~~يرى الطعام والآكلين لينظر إليهم، فيستريح عنها لضعف الآلة وبطلان ~~فعل القوة ... وهذه حكم النفوس المفارقة ليست لها آلة تنال بها ~~اللذات المحسوسة، فهي تحب وتوسوس إلى أبناء جنسها ممن لها تلك ~~الآلة على الفعل» (30: 3، 81). فشياطين الجن إذن لا توسوس إلا ~~لشياطين الإنس من أبناء جنسها، وليس لها من سلطان على عباد الله ~~الصالحين وهم الذين أشار إليهم بقوله تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ... # 26 # وقوله: # إلا عبادك منهم ~~المخلصين ~~» # 27 ~~(جا: 66). وهذه النفوس المفارقة الشريرة تكون مشغولة ~~بتأييد النفوس الشريرة المتجسدة، مثلما تكون النفوس الكاملة ~~المفارقة مشغولة بتأييد النفوس الصالحة المتجسدة لكيما تتم هذه ~~وتكمل تلك، وتتخلص هذه من حال النقص وتبلغ تلك إلى حال الكمال، ~~وترتقي هذه المؤيدة أيضا إلى حالة هي أكمل وأشرف وأعلى» (40: 3، ~~371). # ويرى إخوان الصفاء، في النهاية، أن الاعتقاد بوجود إبليس ~~باعتباره شخصية موضوعية مجسدة للشر، هو من الآراء الفاسدة التي لا ~~بد للمؤمن الحق من التخلي عنها: ~~«ومن الآراء الفاسدة من يعتقد أن الله خلق خلقا ورباه وأنماه ~~وأنشأه، وسلطه وقواه على عباده متمكنا في بلاده، ثم ناصبه ~~بالعداوة والبغضاء، وهو إبليس وجنوده من الشياطين، وهم يفعلون ما ~~يريدون على رغم منه، وهو الجاعل لهم المشيئة والإرادة والعداوة ~~والاستطاعة وطول العمر والمهلة وسعة الرزق والنعمة. فإن صاحب هذا ~~الرأي إذا فكر في أمر إبليس وجنوده، وما نسب إليه من الشرور، وما ~~يعتقده من مخالفتهم لله وعداوتهم، فإنه امتلأ منهم غيظا وحقدا ~~عليهم وناصبهم العداوة والبغضاء، حتى إنه لو أنه أمكنه قتلهم كلهم ~~... وإذا لم يقدر على ذلك بقي طول عمره مغتاظا مغتما متألما نفسه ~~معذبا قلبه؛ حتى إنه ربما فكر في خلق الله لهم وتربيته إياهم وسعة ~~رزقه عليهم وتمكينه لهم فيما يفعلون وإمهاله لهم، فعاتب ربه في ~~الضمير وخاصمه في السر، ويقول: لم خلقهم، ولم رباهم ورزقهم، ولم ~~مكنهم وسلطهم ... وما شاكل هذه الوساوس والظنون الموبقة المؤلمة ~~لنفوس المعترضين على الله في تدبير خلقه» (42: 3، 528-529). # الفصل الخامس # | الآخرة ms187 والنشأة الثانية # في الدنيا والآخرة وحكمة الموت # إن الغاية التي تسعى إليها الحياة هي الموت، والدنيا ليست إلا ~~عارضا مؤقتا في الطريق إلى الآخرة، وليس الكدح العرفاني للإنسان ~~إلا تهيئة للموت الذي هو ولادة ثانية. فإذا كانت الولادة الأولى من ~~الرحم ولادة للجسد الفاني، فإن الولادة الثانية بالموت هي ولادة ~~للروح: ~~«واعلم يا أخي ... أن الدنيا والآخرة هما داران متقابلتان، ~~واسماهما مضادان، ومعناهما وحقيقتهما وصفتهما مختلفات متضادات؛ ~~إحداهما كالقشرة وهي الدنيا، والأخرى كاللب وهي الآخرة ... أما ~~الدنيا فاسمها مشتق من الدنو والقرب، والآخرة من التأخر؛ وأما ~~حقيقتهما، فالدنيا هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم ولادة ~~الجسد إلى يوم الممات الذي هو ولادة النفس ومفارقتها إياه، والآخرة ~~هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم الممات ومفارقة النفس ~~الجسد إلى ما بعدها أبد الآبدين ودهر الداهرين. # واعلم يا أخي بأن الله، جل ثناؤه، سمى الحياة الدنيا عرضا ~~ومتاعا إلى حين؛ لأن كون الإنسان في الدنيا عارض عرض في طريق ~~الآخرة، ولم يكن القصد والغرض المقام فيها، كما أن الغرض في ~~الكون في الرحم لم يكن الغرض والقصد [منه] طول المكث والمقام ~~هناك، ولكن طريقا وجوازا إلى الدنيا؛ فكذلك كون النفس في هذا ~~الجسد، هو سفينة ومركوب ومعبر إلى الدار الآخرة. وذلك أنه لم يكن ~~الورود إلى الدنيا [ممكنا] دون الكون هنالك [أي في الرحم] زمانا ~~لتتميم بنية الجسد وتكميل صورته، كما بينا في رسالة مسقط النطفة، ~~فهكذا أيضا حكم المكث في الدنيا والكون فيها زمانا هو طريق ~~وجواز إلى ما بعدها؛ وذلك أنه لم يمكن الورود إلى الدار الآخرة دون ~~الجواز على الدنيا والكون فيها زمانا ما لكيما تتم أحوال النفس ~~وتكمل فضائلها ... # اعلموا أيها الناس إنكم إنما خلقتم للأبد، ولكن من دار إلى دار ~~تنقلون، ومن الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن ~~الدنيا إلى البرزخ، ومن البرزخ إلى الجنة أو إلى النار، كما ذكر ~~الله، عز وجل، بقوله: # أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون ms188 # 1 # وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا والترغيب ~~في الآخرة، مثل قوله تعالى: ~~... وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان ... # 2 ~~[= الحياة] ... # واعلم يا أخي بأن الله، جل ثناؤه، سمى الدار الآخرة الحيوان؛ ~~لأنها عالم الأرواح ومعدن النفوس، والدنيا عالم الأجسام، وجواهر ~~الأجسام موات بطبائعها، وإنما تكسبها الحياة النفوس والأرواح ~~بكونها فيها ومعها، كما تكسب الشمس الهواء النور والضياء ~~بإشراقها عليه» (9: 1، 328-330). # وأيضا: ~~«... وقد تبين مما ذكرنا أن مكث الجنين في الرحم تسعة أشهر إنما هو ~~لكيما تتم البنية، وتستكمل الصورة، وتفيض عليها قوى الأشخاص ~~الفلكية. ولو أمكن تتميمها وتكميلها في يوم واحد لما تركت هناك ~~يومين، ولو أمكن في شهرين. قد يعرف كل عاقل أن من يولد غير تام ~~البنية ولا كامل الصورة، لا ينتفع في هذه الدنيا ونعيمها، ولا ~~يتلذذ ولا يتمتع بلذاتها على التمام والكمال، ولم يزل شقيا منغص ~~العيش، مبتلى كالزمنى [= أصحاب العاهات] والمفاليج والناقصي الخلقة ~~الغير تامي الصورة. فهكذا الحكم والقياس في الدار الآخرة بعد ~~الموت. وذلك أن الإنسان إنما يترك في هذه الدنيا مقدار ما يمكنه ~~تتميم أحوال نفسه مع الجسد ... وتكمل فضائلها بالكون في الدنيا ... ~~فإذا فارقت النفس الجسد عند الموت الذي هو ولادة ثانية، انتفعت ~~بالحياة في الدار الآخرة، ويمكنها الصعود إلى ملكوت السماوات، كما ~~قال المسيح عليه السلام: من لم يولد ولادتين لا يلج في ملكوت ~~السماء» (25: 2، 442-443). ~~«اعلم أن الجسد ميت بجوهره، وأن حياته عرضية لمجاورة النفس إياه، ~~كما أن الهواء مظلم بجوهره، وإنما ضياؤه بإشراق نور الشمس عليه ~~والقمر والكواكب. والدليل على أن الجسد ميت بجوهره ما يرى من حاله ~~بعد مفارقة النفس له كيف يتغير ويفسد ويتلاشى ويرجع إلى التراب كما ~~كان بدئيا: # منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم ... ~~. # 3 # اعلم أنما ربطت الأنفس الجزئية [بالجسد الجزئي] كيما تكمل ~~بالرياضة وتخرج ما في جوهرها من الحكمة والصنائع والفضائل من حد ~~القوة إلى حد الفعل، لتتم الهيولى الجزئية، وتكمل هي أيضا، ويتشبه ~~ذلك الجزء بالكل، وهو أن تتعلم النفس الجزئية السياسة ms189 والتدبير ~~والتهذيب بالأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة، والأعمال الزكية ~~والمعارف الحقيقية. وهكذا تشبه الجزء بالكل، كما قيل في حد ~~الحكمة إنها التشبه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية. # وإذا بلغت النفس الإنسانية إلى أقصى مدى غاياتها ، وكملت بما ~~أظهرت من الفضائل، وهدم الجسد، نقلت هذه الأنفس بعد مفارقة ~~الجسد إلى حالة أخرى ونشوء آخر أعلى وأشرف من هذا الجسد المؤلف من ~~اللحم والدم والأخلاط الأربعة القابلة للكون والفساد ... # ثم اعلم أن النفس لا تحس تلك الحال التي تنقل إليها إلا بعد ~~مفارقة الجسد، كما أن الجنين لا يحس بأحوال هذه الدنيا إلا بعد ~~الولادة. فمن أجل هذا قال النبي صلى الله عليه وآله: الناس نيام ~~فإذا ماتوا انتبهوا ... فإذا جاءت سكرة الموت بالحق، التي هي مفارقة ~~النفس الجسد، وعاينت الحقيقة التي كانوا بها يوعدون كما قال الله ~~تعالى: ~~... فكشفنا عنك غطاءك ~~فبصرك اليوم حديد ~~. # 4 # وقال لنبيه، عليه السلام: # واعبد ربك حتى يأتيك اليقين # 5 # يعني الموت بعد مفارقة الجسد. وقال: # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ~~ترجعون # 6 # فإذن الموت حكمة؛ إذ لا رجوع لها إلى ربها الرحمن ~~الرحيم إلا بعد الموت، ولا وصول للنفس إلى ما وعد الله ورسوله إلا ~~بعد مفارقتها الجسد ... # اعلم بأن لكل كون ونشوء أولا وابتداء، وله غاية ونهاية إليها ~~يرتقي، ولغايتها ثمرة تجتنى. فمسقط النطفة كون قد ابتدئ، وغايته ~~الولادة التي إليها المنتهى، والولادة أيضا كون قد ابتدئ، والموت ~~غايته التي إليها المنتهى. وكما أن ثمرة مسقط النطفة لا تكون إلا ~~بعد الولادة؛ لأن الطفل لا يتمتع إلا بعد الولادة، فهكذا النفس لا ~~تتمتع إلا بعد مفارقة الجسد؛ لأن موت الجسد ولادة النفس وهي الروح ~~... # واعلم يا أخي أن مثل النفس مع الجسد كمثل الصبي في المكتب؛ ~~ليتعلم ويتأدب ويرتاض، فإذا تعلم وأحكم ذلك فليس حال أخرى إلا ~~الخروج من المكتب والانتفاع بما حصل في المكتب؛ لأنه قد تم ما ~~يراد منه وبقي الإكرام والمجازاة. فهكذا حكم النفس مع الجسد إذا ~~أحكمت ما يراد منها بكونها ms190 معه، ليس من طريقة إلا المفارقة. وكما ~~أن الصبي إذا أحكم ما يراد منه في المكتب، استغنى عن حمل اللوح ~~والدواة والمداد والقلم ... فهكذا حكم النفس مع الجسد إذا هي أحكمت ~~أمر المحسوسات بطريق الحواس، وأمر المعقولات بطريق الفكر والروية، ~~وعرفت حقائق أمور هذا العالم من الكون والفساد، وارتقت بعد ذلك ~~بطريق الرياضيات التي هي البراهين إلى معرفة الأمور الغائبة عن ~~الحواس، وارتاضت فيها وعرفتها حق معرفتها، واستبان لها أمر عالمها ~~ومبدئها ومعادها، وعاينت بعين البصيرة أحوال أبناء جنسها من ~~السابقين الذين مضوا على سنن الهدى، وارتقوا إلى ملكوت السماء ~~وفسحة الأفلاك وسعتها، اشتاقت هي عند ذلك الصعود إلى هناك واللحاق ~~بأبناء جنسها، ولا يمكنها ذلك بهذا الجسد الثقيل إلا بتركها ~~ومفارقتها إياه، وهو الموت. فلو لم يكن الموت لكانت ممنوعة من ~~الوصول إلى هناك. فإذن الموت حكمة ونعمة ورحمة وفضل ورضوان من الله ~~عز وجل للنفوس المخيرة المستبصرة» (29: 3، 40-43). # وللإخوان في ذلك تشبيهات أخرى؛ فملاك الموت في قبضه للأرواح إنما ~~يعبر بها من دار إلى دار، ويساعد على ولادتها الجديدة في الحياة ~~الثانية، فهو بمثابة قابلة الأرواح، ومهمته تشبه مهمة قابلة ~~الأجساد التي تساعد النساء على الوضع والولادة. والنفوس تشبه ~~الدر بينما تشبه الأجساد الصدف ... وما الموت إلا استخراج الدرة من ~~الصدفة ليستأنف بها أمر آخر إذا رمي بالصدف وحصل الدر. ~~والنفوس أيضا تشبه لب الحب إذا نضجت السنابل وآن أوان ~~الحصاد، حيث يرمى بقشورها ويحصل لبها ويستأنف بها أمر آخر. (5: ~~1، 211-212). # ويورد الإخوان الحوار الآتي في ذم الدنيا ومدح الآخرة: ~~«ويحكى عن بعض من كان يعتقد هذا الرأي أنه لقي أخا من رأيه ~~فقال له: كيف أصبحت يا أخي، وكيف حالك من الدنيا؟ قال: بخير، ونرجو ~~خيرا من هذا إن سلمنا من آفاتها وبلياتها، إن شاء الله تعالى؛ ~~فكيف أنت وكيف حالك؟ قال ... أصبحنا في الدنيا معذبين في صورة ~~المنعمين، مجبورين في صورة المختارين، مغرورين في صورة المغبوطين، ~~أحرارا كراما في صورة عبيد مهانين، مسلطا علينا خمسة حكام ms191 ~~يسوموننا سوء العذاب، ينفذون أحكامهم علينا شئنا أم أبينا، ليست ~~لنا حيلة في الخروج عن أحكامهم، ولا دفع سلطانهم، ولا الخلاص من ~~جورهم إلى الممات. # قال: أخبرني من هؤلاء الحكام؟ قال: نعم. أولهم هذا الفلك الدوار ~~الذي نحن في جوفه محبوسون، وكواكبه السيارة لا تزال تدور علينا ~~ليلا ونهارا لا تقر، تارة تجيئنا بالليل وظلمته، وتارة بالنهار ~~وحرارته، وتارة بالصيف وسمائمه، وتارة بالشتاء وزمهريره، وتارة ~~بالرياح والعواصف في زعازعها، وتارة بالغيوم وأمطارها، وتارة ~~بالرعود والزوابع وصواعقها، وتارة بالجدب والغلاء والموتان ~~والبلاء، وتارة بالحروب والفتن، وتارة بالهموم والأحزان. ليس منها ~~نجاة إلا بجهد وبلوى، وكدر وعناء، وخوف ورجاء إلى الممات. ثم قال: ~~فهذا واحد. # وأما الآخر، فهو هذه الطبيعة وأمورها المركوزة في الجبلة، من ~~حرارة الجوع، ولب العطش، ونار الشبق، وحريق الشهوات والآلام، ~~والأمراض والأسقام، وكثرة الحاجات، وليس لنا شغل ليلا ولا نهارا ~~إلا طلب الحيلة لجر المنفعة، أو لدفع المضرة عن هذه الأجساد ~~المستحيلة [= المتغيرة] التي لا تقف على حالة واحدة طرفة عين، ~~فنفوسنا منها في جهد وبلاء، وكد وعناء، وبؤس وشقاء. ليس لنا راحة ~~إلى الممات. فهذا اثنان. # وأما الثالث فهو هذا الناموس، وأحكامه وحدوده، وأوامره ونواهيه، ~~ووعده ووعيده، وزجره وتهديده وتوبيخه؛ إن خرجنا من أحكامه ضرب ~~الرقاب والحدود، وإن فررنا منه لم نجد لذة في العيش ولا صلاح ~~الوجود في الوحدة، وإن دخلنا تحت أحكامه فما نقاسي من الجهد ~~والبلوى في إقامة حدوده أكثر مما يحصى، من ألم الجوع عند الصيام، ~~وتعب الأبدان عند القيام بالصلاة، ومقاساة برد الماء عند الطهارات، ~~ومجاهدة شح النفوس عند إخراج الزكاة والصدقات الواجبات، ومشقة ~~الأسفار والأحكام عند قضاء الحج والجهاد؛ وما نقاسي من الألم عند ~~ترك اللذات والشهوات المحرمات؛ وإن لم نأتمر ولم ننته، فالحدود ~~والأحكام بحسب الجنايات. ومع هذه كلها # كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف ~~تعلمون * كلا لو تعلمون علم ~~اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم ~~لتسألن يومئذ عن النعيم ~~. # 7 # فهذه حالنا، ليس لنا منها خلاص ولا ms192 نجاة إلى الممات. ~~فهذه ثلاثة. # وأما الرابع، فهذا السلطان المسلط الجائر الذي قد ملك رقاب الناس ~~بالقهر والغلبة، واستعبدهم جبرا وكرها، يتحكم عليهم كما يشاء، ~~ويرفع ويكرم من يريد ممن يخدمه ويطيعه، ويتصرف بين يديه ويمتثل ~~أمره ونهيه، ويضع ويبعد من خالفه، ويعذب ويقتل من خانه أو غشه. ~~فإذا خرجنا من مملكته، وفررنا من سلطانه، لا عيش لنا في الوجود في ~~هذه الدنيا إلا عيشا نكدا ... وإن خدمناه وقمنا بواجب طاعته، فما ~~نقاسي من الجهد والبلوى أكثر مما يحصى ... فهذه أربعة. # وأما الخامس، فهو شدة الحاجة إلى المواد التي لا قوام لهذا ~~الهيكل إلا بها، من المأكولات والمشروبات واللباس والمسكن والمركب ~~والأثاث ... وما نقاسي من الجهد والبلوى في طلبها ليلنا ونهارنا، في ~~تعلم الصنائع والتجارات المتعبة، والمكاسب الكدة من الحرث ~~والزرع، والبيع والشراء، والمناقشة في الحساب، والحرص والشره، وجمع ~~الأموال وحفظها من حيل اللصوص ومكابرة القطاع، وأخذ السلطان لها ~~بالجور والظلم، وحراستها من الآفات العارضة التي لا يحصى عددها. ~~كل ذلك بالكد والعناء، والهموم والغموم، وتعب الأبدان، وعناء ~~الأرواح، وشقاء النفوس التي لا راحة لنا منها إلى الممات. # فهذه حالنا يا أخي، وحال أبناء جنسنا في هذه الحياة الدنيا. فأما ~~من يريد المقام في الدنيا، ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات كلها، ~~فهو من أجل إحدى خلتين: إما أنه لا يؤمن بالآخرة ولا يصدق ~~بالمعاد، ولا يتصور الوجود إلا هكذا، ويظن ويتوهم أن بعد الموت ~~عدما أو شرا محضا، فمن أجل هذا الرأي وهذا الاعتقاد يريد ~~المقام في الدنيا ويتمنى الخلود فيها مع هذه الآفات كلها. ويكون ~~معذورا في تمنيه وإرادته الخلود؛ لأن في جبلة الخلائق وفي طبائع ~~الموجودات محبة البقاء وكراهية الفناء. فمن أجل هذه الخصال ~~والشرائط يرضى أكثر أبناء الدنيا المقام فيها ويتمنون ~~الخلود. # أما من قد تصور كيفية ~~الدار الآخرة، وتحقق أمر المعاد، وعرف فضلها وشرفها وسرورها ~~ولذاتها ونعيمها، فأي عذر له في التمني للخلود في الدنيا، مع ما قد ~~عرف من آفاتها وشرورها، وأحزانها ومصائبها وبلياتها. ms193 فاجتهد يا أخي ~~في طلب معرفة الدار الآخرة، وحقيقة أمر المعاد، لكيما تساق نفسك ~~إليها، بعد الفراق، مع أهلك زمرا، كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا ... ~~» # 8 ~~(38: 3، 305-309). # 9 # في البعث والقيامة الصغرى # إن أفكار إخوان الصفاء في ~~البعث وقيامة النفس، وما يتصل بذلك من ثواب وعذاب وجنة ونار، على ~~جانب من الغموض، بسبب محاولتهم التوفيق بين التفسير الظاهري الحرفي ~~والتفسير الباطني لآيات القرآن. وهم يقولون: إن هذا العلم خاف عن ~~أهل التقليد الذين يأخذونه تسليما وتصديقا، وإن أهل الحكمة ~~والعرفان وحدهم من يعرف حقيقته. وبشكل عام، وعلى الرغم من كل ~~محاولاتهم التوفيقية، فإن أفكار إخوان الصفاء في مسألة البعث ~~والقيامة الصغرى التي هي قيامة الفرد إذا مات، تلتزم الخط الغنوصي ~~الواضح، حيث يتركز إيمانهم على بعث النفس وقيامتها لا على بعث ~~الجسد الفاني. ويبلغ تأويلهم ذروته في تصوراتهم عن الجنة والنار ~~والحساب والثواب والعقاب، على ما سنراه في حينه: ~~«اعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن العلوم كثيرة وكلها ~~شريفة، وفي معرفتها عزة، وفي طلبها نجاة من الهلكة، ونيلها حياة ~~للنفوس وراحة للقلوب ... ولكن بعض العلوم أشرف من بعض، وأهلها ~~يتفاضلون. وذلك أن أفضل العلماء هم أهل الدين والورع الذين هم من ~~أمر الآخرة على يقين وبصيرة لا على تقليد ورواية. واعلم يا أخي، ~~أيدك الله وإيانا بروح منه، أن معرفة حقيقة الآخرة والعلم ~~بالمعاد محجوب عن إبليس وذريته المنكرين لما غاب عن رؤية الأبصار، ~~و[محجوب] عن أهل التقليد الذين لا يعرفون حقيقة ما هم مقرون به ~~من أمر الآخرة والبعث والقيامة والحشر والحساب والميزان والصراط ~~والمعاد والجزاء هناك ... لأن هذا العلم هو لب الألباب، وسر ~~لأولياء الله دون سواهم ... ونريد أن نلوح من هذا العلم طرفا في هذه ~~الرسالة الجليلة القدر [رسالة البعث والقيامة] بإشارات مرموزة، ~~وأمثال مضروبة للمريدين لله عز وجل، الطالبين دار الآخرة؛ إذ كان ~~الإخبار عن حقيقتها يدق عن البيان، ويبعد عن التصور بالأفكار ~~والتخيل بالأوهام، إلا لأنفس ms194 زاكية وأرواح طاهرة وقلوب واعية وآذان ~~سامعة ... # اعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الذين أنكروا أمر البعث ~~والقيامة ... وما شاكل هذه الأمور المذكورة في كتب الأنبياء عليهم ~~السلام، لشكوك في نفوسهم وحيرة في قلوبهم. والعلة في ذلك طلبهم ~~حقيقة معرفتها ، وكيفيتها وأبنيتها وماهيتها وكميتها، قبل معرفتهم ~~أنفسهم وحقيقة جوهرها، وكيفية كونها مع الجسد، ولم ربطت به وقتا ~~ما ... ومن أين كان مبدؤها، وإلى أين يكون معادها بعد مفارقتها ~~جسدها. وهذه المباحث علم غامض وسر لطيف، ليس إليها طريق للمبتدئين ~~في العلوم الحكمية إلا التسليم والإيمان والتصديق للمخبرين عنها ~~الصادقين عن الله، جل ثناؤه، الذين أخذوا هذا العلم عن الملائكة ~~وحيا وإلهاما بتأييد من الله، جل ثناؤه. # وأما الذين لا يرضون أن يأخذوا هذا العلم تسليما وتصديقا، بل ~~يريدون براهين عقلية وحججا فلسفية، فيحتاجون إلى أن تكون لهم نفوس ~~زكية وقلوب صافية، وأذن واعية وأخلاق طاهرة، وأن يكونوا غير ~~متعصبين في الآراء والمذاهب المختلفة، ومع ذلك يكونون قد ارتاضوا ~~في الرياضيات الفلسفية من علم العدد والهندسة والمنطق والطبيعيات، ~~ثم نظروا في العلوم الإلهيات ... # ثم اعلم يا أخي أن معنى القيامة مشتق من قام يقوم قياما، والهاء ~~فيه للمبالغة، وهي [أي القيامة] من قيامة النفس من وقوعها في ~~بلائها. والبعث هو انبعاثها وانتباهها من نوم غفلتها ورقدة ~~جهالتها. وهي بالفارسية رست خيزاي [أي] قياما مستويا ... # واعلم يا أخي بأن الناس في أمر الآخرة على رأيين ومذهبين: فطائفة ~~مقرة بها، وطائفة منكرة. فالمنكرون أمر الآخرة هم الذين يظنون ~~أن حكم الإنسان بعد الممات كحكم النبات والحيوان ... فقالوا: ~~... نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر ... ~~. # 10 # فقال الله تعالى: ~~... ما لهم ~~بذلك من علم ... # 11 # لأنهم لو سئلوا ما الدهر، لعجزوا عما هو الدهر في ~~البيان، وما دروا ما الدهر. # واعلم يا أخي أن المقرين ~~بالآخرة طائفتان من الناس: إحداهما الذين يقرون بها بألسنتهم ~~من غير تصور منهم لها بقلوبهم، ولا معرفة بحقيقتها بعقولهم؛ ~~فإقرارهم إيمان يسلم لقول الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وتقليد ~~لهم ms195 فيما يقولون ويخبرونهم عنها. والطائفة الأخرى الذين هم مع ~~إقرارهم بها وتصديقهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، متصورون لها ~~بقلوبهم عارفون حقيقتها بعقولهم. وقد مدح الله تعالى كلا الطائفتين ~~جميعا وأثنى عليهم بقوله: ~~... يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ... # 12 # ولكن فضل الله إحداهما على الأخرى بقوله: ~~... هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون ... ~~. # 13 # واعلم يا أخي أن العلم هو تصور الشيء على حقيقته وصحته، فأما ~~الإيمان فهو الإقرار بذلك الشيء والتصديق لقول المخبرين عنه من غير ~~تصور له. فالأنبياء، عليهم السلام، وأولياؤهم هم المخبرون عن ~~الآخرة، المتصورون لها بقلوبهم، والعارفون حقيقتها بعقولهم. ~~والمؤمنون هم المقرون بالآخرة بألسنتهم، المصدقون الأنبياء، عليهم ~~الصلاة والسلام، في إخبارهم، المنتظرون لكشفها لهم. # واعلم يا أخي أن المنتظرين لأمر الآخرة طائفتان من الناس: ~~إحداهما ينتظرون كونها وحدوثها في الزمان المستقبل، عند خراب ~~السماوات والأرضين، وهم لا يعلمون من الأمور إلا المحسوسات، ولا من ~~الجواهر إلا الجسمانيات، ولا من أحوالها إلا ما ظهر. والطائفة ~~الأخرى ينتظرونها كشفا وبيانا واطلاعا عليها، وهم الذين ~~يعرفون الأمور العقولة والجواهر الروحانية والحالات النفسانية ~~... # اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن من أفضل مناقب ~~العقلاء كثرة العلوم والمعارف؛ وأن من أشرف العلوم وأجل المعارف ~~التي يبلغها العقلاء العلماء، ويهدي الله أولياءه إليها من ~~المؤمنين المصدقين ويكرمهم بها، [هو] علم البعث، ومعرفة حقيقة ~~القيامة وكيفية تصاريف أحوالها. وقد ذكر الله سبحانه في القرآن ~~تصاريف أحوالها في نحو من ألف وسبعمائة آية، وأشار إليها بأوصاف ~~شتى وإشارات مفننة، مثل قوله تعالى يوم القيامة: «ويوم يبعثون» ~~«ويوم الدين» «ويوم الفصل» «ويوم التغابن» ... وما شاكل هذه الأوصاف ~~والإشارات التي قد تاهت عقول أكثر العلماء في طلب حقائقها وتصور ~~كيفياتها بكنه صفاتها، ولا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في ~~العلم من أولياء الله وأصفيائه الذين يقولون: ~~... كل من عند ربنا ... # 14 ~~... ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء ... # 15 ~~... فلا يظهر على ~~غيبه أحدا * إلا من ارتضى من ~~رسول ... # 16 ms196 ~~... وهم من خشيته ~~مشفقون # 17 ~~... # ونريد أن نلوح من هذا السر طرفا، ونشير إليه إشارة ما؛ إذ لا ~~يجوز التصريح به، اقتداء بسنة الله عز وجل: ~~... والله يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم # 18 # وقال عليه السلام: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. ~~إشارة إلى مثل هؤلاء القوم الذين هم ظالم لنفسه. # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه لما كان العقلاء ~~متفاوتي الدرجات في ذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم وجودة تمييزهم، ~~صاروا أيضا متفاوتي الدرجات في العلوم والمعارف. ولما كان الأمر ~~كما وصفنا، لم يكن [لهم] أن يخاطبوا بصريح الحقائق خطابا ~~واحدا، إلا بألفاظ مشتركة المعاني، ليحمل كل ذي لب وعقل وتمييز ~~بحسب طاقته واتساعه في المعارف والعلوم، كما ذكر الله، جل ثناؤه، ~~بقوله على سبيل المثال: # أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها ... # 19 # قال المفسرون: معنى هذه الآية وتأويلها أنه أنزل ~~القرآن من السماء إلى الأرض كما أنزل المطر من الغيم، فاحتملت ~~القلوب من علم القرآن بحسب اتساعها في المعارف وصفاء جواهر النفوس، ~~كما تحمل الأودية من سيل المطر بحسب سعتها وجريانها. ثم أفهم أن ~~لفظ القلب [هنا] ليس هو قطعة لحم صنوبري الشكل، المعلقة من الصدر ~~الموجود في أكثر الحيوانات، وليس المراد بالقلب ها هنا ذاك، بل ~~مراد إخواننا أمر وراء ذلك وهي النفس. # واعلم يا أخي أن لفظ البعث اسم مشترك في اللغة العربية يحمل ~~ثلاثة معان: فمنها قول القائل: بعثت، يعني أرسلت، كما قال الله ~~تعالى: ~~... فبعث الله ~~النبيين ... # 20 # يعني أرسلهم. ومنها ما يكون معنى البعث هو بعث الأجساد ~~الميتة من القبور ونشر الأبدان من التراب، كما وعد الكفار ~~والمنكرين بقولهم: # أئذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * ~~أوآباؤنا الأولون # 21 # قال الله تعالى: # قل ~~نعم ... # 22 # ومنها بعث النفوس الجاهلة من نوم الغفلة وإحياؤها من ~~موت الجهالة، كما ذكر الله جل ثناؤه بقوله: # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ~~ليس بخارج منها ms197 ... # 23 # وقوله تعالى: # ثم بعثناكم ~~من بعد موتكم لعلكم تشكرون # 24 ~~... # واعلم يا أخي أن من لا يوقن ببعث الأجساد ولا يتصوره، فليس من ~~الحكمة أن يخاطب ببعث النفوس؛ لأن بعث الأجساد يمكن تصوره ويقرب ~~فهمه وعلمه، فأما من لا يقر به ولا يتصوره، فهو لبعث النفوس ~~أنكر وبه أجهل، ومن تصوره أبعد؛ لأن بعث النفوس هو من علم ~~الخواص، ولا يتصوره إلا المرتاضون بالعلوم الإلهية والمعارف ~~الربانية. وإنما وعد الكفار أن يبعث أجسادهم ليوافقهم على تكذيبهم ~~ويجازيهم بسوء أفعالهم، ووعد الله المؤمنين أن يحيي نفوسهم ويبعث ~~أرواحهم؛ ليجازيهم على حسناتهم ويثيبهم بأعمالهم. فلا تكن يا أخي ~~ممن ينتظر بعث الأجساد ويؤمل نشر الأبدان، فإن ذلك ظلم عظيم في حقك ~~إذا كنت تتوهم ذلك. ولكن إن استوى لك، فكن من الذين ينتظرون بعث ~~النفوس، ويؤملون حياتها ووصولها إلى عالمها الروحاني ودار قرارها ~~الحيواني.» # أي إن النفوس الخاطئة هي التي ترد إلى أجسادها مرة أخرى، أما ~~النفوس الناجية فقد تخلصت من عبء أجسادها إلى الأبد: ~~«واعلم يا أخي أن بعث الأجساد من القبور الدراسات وقيامها من ~~التراب، إنما يكون ذلك إذا ردت إليها تلك النفوس والأرواح التي ~~كانت متعلقة بها وقتا من الزمان، فيما سلف من الدهر، فتنتعش تلك ~~الأجساد، وتحيا تلك الأبدان، وتتحرك وتحس بعدما كانت جمودا، ثم ~~تحشر وتحاسب وتجازى؛ لأن الغرض من البعث هو المجازاة ~~والمكافأة. # واعلم يا أخي أن رد النفوس الناجية إلى الأجسام، الفانية في ~~التراب من الرأس، ربما يكون موتا لها في الجهالة، واستغراقا في ~~ظلمات الأجسام، وحبسا في أسر الطبيعة وغرقا في بحر الهيولى. ~~فأما بعث النفوس وقيام الأرواح، فهو الانتباه من نوم الغفلة ~~واليقظة من رقدة الجهالة، والحياة بروح المعارف ... والرجوع إلى ~~عالمها الروحاني ومحلها النوراني ...» (مقاطع مختارة من الرسالة 38: ~~3، 287-301). ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن علم الإنسان ~~المعلومات: بعضها بطريق الحواس، وبعضها بطريق السمع والروايات ~~والأخبار، وبعضها بطريق الفكر والروية والتأمل والعقل الغريزي، ~~وبعضها بطريق الوحي والإلهام، وبعضها ms198 بطريق القياس والاستدلال، وهو ~~العقل المكتسب. وبهذا العقل يفتخر العلماء، وبه يتفاضل الحكماء ~~والفلاسفة. # واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنك إذا طلبت علم ~~البعث ومعرفة حقيقة القيامة وما يوصف من أحوالها، فليست تخلو ~~معرفتها من أحد هذه الطرق التي تقدم ذكرها. فإن أردت أن تعرفها ~~بطريق القياس والبرهان، فأعمل هذه المسألة وابحث كما يعمل أصحاب ~~[كتاب] المجسطي عند طلبهم معرفة عظم جرم الشمس. وذلك أنهم قالوا: ~~لا يخلو جرم الشمس من أن يكون مساويا لجرم الأرض، أو أعظم أو أصغر ~~منها في المقدار؛ إذ ليس في القسمة العقلية غير هذه. ثم بحثوا عن ~~واحد واحد من هذه الأقسام الثلاثة حتى عرفوا حقيقتها، كما هو مذكور ~~في كتبهم بشرح طويل. فاعمل أنت يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح ~~منه، في هذه المسألة مثلما عمل هؤلاء في مسألتهم، وهو أن تقول: لا ~~يخلو أمر البعث ومعنى القيامة، أن تبعث الأجساد دون النفوس، أو ~~النفوس دون الأجساد، أو الجميع؛ إذ كان ليس في القسمة غير هذه ~~الوجوه الثلاثة. ثم ابحث وتصفح عن حقيقة واحد واحد من هذه الوجوه ~~الثلاثة، كما نبين في هذا الفصل. # اعلم يا أخي، أيدك الله ~~وإيانا بروح منه، # 25 # أن من يرى ويعتقد بأن الإنسان ليس هو شيء سوى هذه ~~الجملة المحسوسة: أعني الجسد المؤلف من اللحم والدم والعظم والعروق ~~وما شاكلها، التي هي أجسام طويلة عريضة عميقة، وما يحلها من ~~الأعراض الجسمانية والنوازع الجاذبة لها إلى الأسباب الضرورية من ~~الجوع والعطش ... [إلخ]، فهو لا يتحقق أمر البعث ولا يتصور حقيقة ~~القيامة إلا إعادة هذه الأجساد برمتها، وتلك الأجرام والأعراض ~~بعينها على هذه الحال التي هي عليها الآن، ثم يحشرون ويحاسبون ~~... # وأما من كان فوق هذه الطوائف في العلوم والمعارف، فهو يرى ويعتقد ~~بأن مع هذه الأجساد جواهر أخرى أشرف منها وأفضل، وليست بأجسام، ~~تسمى أرواحا أو نفوسا. فهو لا يتصور أمر البعث ولا يتحقق أمر ~~القيامة إلا برد تلك النفوس والأرواح إلى تلك الأجساد بعينها، ms199 أو ~~أجساد أخر تقوم مقامها، ثم يحشرون ويحاسبون ويجازون بما عملوا من ~~خير أو شر. وهذا الرأي أجود وأقرب إلى الحق، وفي اعتقادهم له صلاح ~~لهم ولغيرهم. و[لكن] اعلم يا أخي أن هذا الرأي والاعتقاد جيد ~~للنساء والصبيان والجهال والعوام، ومن لا ينظر في حقائق العلوم ولا ~~يعرفها. وذلك أنهم إذا اعتقدوا هذا الرأي وتحققوا هذا الاعتقاد ، ~~يكون ذلك حثا لهم على عمل الخير وترك الشرور واجتناب المعاصي ~~وفعل الطاعات ... [إلخ]. ويكون ذلك صلاحا لهم ولمن يعاملهم ... # وأما من كان فوق هذه الطائفة في العلم والمعارف والدراية، فهو ~~يرى ويعتقد بأن الغرض من كون هذه النفوس والأرواح مع هذه الأجساد ~~في الدنيا مدة ما، هو من أجل أن تستقيم ذواتها وتكمل صورها، وتخرج ~~من حد القوة والكمون إلى الفعل والظهور، ولتستكمل أيضا فضائلها من ~~عرفانها أمر المحسوسات وتخيلها رسوم المعقولات، وتخرج بالآداب ~~والرياضيات والنظر في العلوم الطبيعية والإلهيات، وبالاعتبار ~~والتجارب والتدبير والسياسيات، وليكون ذلك سببا لانتباه النفوس من ~~نوم الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف، وينفتح لها عين ~~البصيرة؛ لتنظر إلى عالمها الروحاني وتشاهد دارها الحيواني، ويتبين ~~لها أنها في عالم الغربة وموضع المحنة والبلوى، غريقة في بحر ~~الهيولى مبتلاة في أسر الطبيعة، مشتعلة فيها نيران الهاوية الموقدة ~~المطلعة على الأفئدة. ومن كان يرى ويعتقد أمر الحياة في الدنيا على ~~هذه الحال ويرى ويعتقد بأنه محبوس في هذه الدنيا إلى وقت معلوم، ~~كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. فهو ~~لا يتصور أمر البعث ولا يتحقق أمر القيامة إلا مفارقة النفس الجسد ~~بعد استقلالها بذاتها وتفردها بجوهرها ومشاهدتها عالمها، ولا يسأل ~~ربه إلا اللحاق بأبناء جنسها من الماضين من عباد الله الصالحين» ~~(38: 3، 303-305). # في رمزية الجنة والنار # لقد قال لنا الإخوان في أكثر من موضع في رسائلهم إن النفوس التي ~~حققت الارتقاء في المرتبة الإنسانية تصل إلى الرتبة الملائكية في ~~سلم الارتقاء العام، وتنضم إلى أبناء جنسها سائحة في عالم الأفلاك ~~متحررة من قيود ms200 الجسد والعالم المادي عالم الكون والفساد ما دامت ~~السماء والأرض؛ فإذا قامت القيامة الكبرى في نهاية الزمن عادت ~~للاتحاد بالنفس الكلية التي تتخلى عن الجسم الكلي لتلحق بالعقل ~~الكلي. أما النفوس الشريرة التي قصرت عن الارتقاء، فتتحول إلى ~~شياطين تبقى سائحة في قعر عالم المادة لا تقدر على الصعود بسبب ثقل ~~خطاياها وأعمالها السيئة. وفي الحقيقة فإن هذه هي نظرة الإخوان ~~للجنة والنار التي عبر عنها الناموس بصور مادية قريبة من أفهام ~~عامة الناس. فعالم الكون والفساد هو جهنم، وعالم الأفلاك هو الجنة، ~~وما من جحيم مادي تحترق فيه أجساد الكفار، أو جنة مادية تتنعم فيها ~~أجساد الأبرار بكل ما لذ وطاب من طعام وشراب وملبس ومسكن ~~ونكاح: ~~«اعلم أن الكفر في لغة العرب [هو] الغطاء، وهو شيء يعرض للنفس من ~~جهة الجسد. وذلك أنه إذا استقرت النفس في الجهالة تغطى عليها أمر ~~ذاتها، وذهب عليها معرفة جوهرها، وتنسى مبدأها ولا تذكر من أمر ~~معادها، حتى تبلغ من جهالتها ألا تعلم بأن لها وجودا خلوا من ~~الجسد ... فمن لا يعرف جوهر النفس فهو لا يعرف شيئا من الأمور ~~الروحانية ولا يتصورها، وإذا سمع ذكرها أنكرها لشدة استغراقه في ~~بحر الهيولى وظلمات الجهالات. فهؤلاء إذا سمعوا بذكر جهنم لا ~~يتصورونها إلا أمرا صناعيا، وهم يظنون أن جهنم هي خندق محفور ~~كبير واسع مملوء من نيران تشتعل وتلتهب، وأن الله تعالى يأمر ~~الملائكة قصدا منه وغيظا على الكفار أن يأخذوهم ويرموا بهم في ~~ذلك الخندق. ثم إنه كلما أحرقت أجسادهم وصارت فحما ورمادا أعاد ~~فيها الرطوبة والدم حتى يشتعل من الرأس ثانيا كما اشتعل أول مرة، ~~وهكذا يكون دأبهم أبدا. ويحتجون بقوله تعالى: ~~... كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ليذوقوا العذاب ... # 26 # ولا يدرون معنى قوله تعالى ولا تأويل كتابه. إنهم إذا ~~سمعوا أن الله غفور رحيم حنان منان رءوف ودود، وما شاكل ذلك من ~~أسمائه الحسنى، وتفكروا فيها، أنكرت عليهم عقولهم ما اعتقدوا فيه ~~من الحقد وقلة الرحمة لخلقه، فعند ذلك ms201 يتحيرون ويتشككون فيما أخبرت ~~به الأنبياء، عليهم السلام، إذ لا يعرفون شيئا عن صفة جهنم وعذاب ~~أهلها، ولا يعرفون تأويل كتبهم ولا معاني إشاراتهم ورموزاتهم ~~ودقائق أسرارهم. # فهكذا إذا سمعوا ذكر الجنة ونعيمها وسرور أهلها ولذاتهم، فلا ~~يتصورونها إلا أمورا جسمانية، شبه بساتين فيها أشجار وعليها ثمار، ~~وقصور بينها أنهار، وفي تلك القصور حور وغلمان وولدان مردان على ~~أمثال أبناء الدنيا ونعيم أهلها. وإذا سمعوا بأن أهل الجنة في جوار ~~الرحمن حيث قال: # في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر ~~. # 27 # وأنهم يزورون رب العالمين فيرونه وينظرون إليه، كما ~~قال تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # 28 # وأن الملائكة يزورونهم بالهدايا والتحف، كما ~~قال تعالى: ~~... والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب ~~، # 29 # وما شاكل هذا من وصف أهل الجنة من شرب الشراب أو ~~مباشرة مع الأبكار، وأنهم أحياء لا يموتون، وشبان لا يهرمون، ~~وأصحاء لا يمرضون ... وما شاكل هذه من الصفات ... فإذا فكروا فيها ~~تحيروا أيضا في الجنة وما خبرت به الأنبياء، عليهم السلام، من ~~وصف الجنان ونعيم أهلها وحالاتهم، وما يقصر الوصف عنها. فإذا ذهب ~~عليهم معرفتها وتغطى عليهم علمها، أنكروها بقلوبهم ... فهذا هو حقيقة ~~الكفر والضلال والجهالة وعمى البصر؛ لأن هؤلاء لا يؤمنون إلا ~~بظواهر الآيات والأخبار ... # ثم اعلم وتيقن ولا تشك في أن جهنم هي عالم الكون والفساد الذي هو ~~دون فلك القمر، وأن الجنة هي عالم الأرواح وسعة السماوات، وأن أهل ~~جهنم هم النفوس المتعلقة بأجساد الحيوانات [= الأحياء] التي تنالها ~~الآلام والأوجاع دون سائر الموجودات التي في العالم، وأن أهل الجنة ~~هي النفوس الملكية التي في عالم الأفلاك وسعة السماوات في روح ~~وريحان، البريئة من الأوجاع والآلام. والدليل على ذلك قوله تعالى: # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب # 30 # إشارة إلى النفوس المتحدة بالأجسام ذات الطول والعرض ~~والعمق التي دون فلك القمر ... # وإنما قيل: إن جهنم هي سبع طبقات؛ لأن الأجسام التي دون فلك ~~القمر سبعة أنواع: أربعة منها هي الأمهات المستحيلات التي هي ~~الأركان الأربعة، ms202 وهي النار والهواء والماء والأرض، وثلاثة هي ~~المولدات الكائنات الفاسدات التي هي المعادن والنبات ~~والحيوان. # ثم اعلم أن تلك النفوس لما أخرجت من الجنة عالم الأفلاك، أهبطت ~~إلى الأرض عالم الكون والفساد الذي دون فلك القمر، وهي ساكنة في ~~عمق هذه الأجساد، وغريقة في بحر الهيولى القابل للكون والفساد، ~~وغائصة في هياكل هذه المتولدات منقطعة فيها، كما قال تعالى: # وقطعناهم في الأرض أمما منهم ~~الصالحون ومنهم دون ذلك ... # 31 ~~... وإنما قال لها سبعة أبواب لكل باب منها جزء مقسوم؛ ~~لأن كل ما يجري في عالم الكون والفساد فبدلائل هذه [الكواكب] ~~السبعة السيارة. وإنما قال: عليها تسعة عشر؛ لأن دلائلها لا تظهر ~~في عالم الكون والفساد إلا بمسيرها في هذه البروج الاثني عشر، ~~فجملتها تكون تسعة عشر، وهي التي بها يكون تقلب أحوال الدنيا ~~وما تقتضيه موجبات أحكامها في مواليد هذه الأجساد، وما يدل عليها ~~مما يصيبهم من الآلام والأوجاع والأسقام والأمراض والأحزان ... وما ~~شاكل هذه المصائب التي لا يحصى عددها» (30: 3، 61-65). ~~«واعلم ... بأن ليس غرض الأنبياء، عليهم السلام، فيما وصفوا من ~~مجلس الجنان ولذات أهلها هو الإقرار باللسان حسب بلا اعتقاد، ولا ~~الاعتقاد حسب بلا تحقيق يظهر لهم، بل الغرض هو التصور لها ~~بحقائقها كيما تقع الرغبة فيها والطلب لها؛ لأن الإنسان لا يطلب ما ~~لا يرغب فيه، ولا يرغب فيما لا يتحققه، ولا يتحقق فيما لا يتصوره، ~~ولا يتصور الشيء الخفي الغائب إلا بالوصف البليغ بالمحاسن. فمن أجل ~~هذا أكثر في القرآن من وصف محاسن الجنان وسرور أهلها ولذات نعيمها، ~~فتارة وصفها أوصافا جسمانية على قدر طاقة القوم، مثل قوله تعالى: # على سرر موضونة * ~~متكئين عليها متقابلين * يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون * بأكواب ~~وأباريق ... # 32 # ذكر هذا وبين على قدر قبول أفهامهم، لا بمعنى أن هذه ~~الأشياء ستوجد في الجنة على حالات جسمانية، بل ستوجد أشياء ~~روحانية: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... # وتارة وصفها بأوصاف هي بين الروحانية والجسمانية، مثل قوله ~~تعالى: # مثل ms203 الجنة التي وعد ~~المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار ~~من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ... ~~. # 33 # أما ترى يا أخي أنه قال: مثل الجنة، على سبيل التشبيه والتمثيل ~~ليقرب من الفهم تصورها؛ لأنه يقصر الوصف عنها بحقائقها. ~~وإنما خاطب كل طائفة من الناس بحسب عقولهم ومراتبهم في المعارف ~~والفهوم؛ لأن دعوة الأنبياء ، عليهم السلام، عموم للخاص والعام ~~جميعا ومن بينهما من طبقات الناس. وقد صرح المسيح عليه السلام، ~~في وصف الجنان ونعيم أهلها بأوصاف غير جسمانية، فقال للحواريين في ~~وصية لهم: إذا فعلتم ما فعلت وما قلت لكم، تكونون معي غدا في ~~ملكوت السماء عند أبي وأبيكم، وترون ملائكته حول عرشه يسبحون بحمده ~~ويقدسونه، وأنتم هناك ملتذون بجميع اللذات بلا أكل ولا شرب. وإنما ~~صرح المسيح، عليه السلام، ولم يرمز؛ لأن خطابه كان مع قوم قد هذبت ~~نفوسهم التوراة وكتب الأنبياء، عليهم السلام، وكتب الحكماء أيضا، ~~وكانوا غير محتاجين إلى الإشارات والتنبيهات، بل كانوا متهيئين ~~لصورها مستعدين لقبولها. # فأما سيد الأنبياء وخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله، فقد اتفق ~~مبعثه في قوم أميين من أهل البوادي، غير مرتاضين بالعلوم ولا ~~مقرين بالبعث والنشور ... فجعل أكثر صفة الجنان في كتابه جسمانية، ~~ليقربها من فهم القوم ويسهل عليهم تصورها، وترغب نفوسهم بها. ~~ونحن قد جعلنا بحثنا عن أسرار الكتب الإلهية، وبينا في أكثر ~~رسائلنا معنى أسرار التنزيلات النبوية، وكشفنا عن أكثر الرموزات ~~والإشارات وعن الموضوعات الناموسية. وذلك لأن خطابنا لا يكون إلا ~~مع أقوام علماء فضلاء، مارسوا إخوان الصفاء ورسخوا في العلم، ~~وارتاضوا بالرياضيات الحكمية المقرونة بأسرار الكتب الإلهية ~~وإشارات الأنبياء عليهم السلام» (30: 3، 76-77). # من هنا فإن الاعتقاد بمادية عذاب جهنم ونعيم الجنة هو من الآراء ~~والاعتقادات الفاسدة التي ينبغي على العاقل أن يتخلى عنها في ~~سعيه نحو الارتقاء: ~~«ومن الآراء الفاسدة رأي من يرى ويعتقد أن الله الرحيم الرءوف ~~الحنان يعذب الكفار والعصاة في خندق في ms204 النار غيظا عليهم ~~وحنقا، وكلما احترقت أجسادهم وصارت فحما ورمادا، عادت فيها ~~الرطوبة والدم لتحرق مرة ثانية. # واعلم يا أخي أن هذا الرأي يسيء ظن صاحبه بربه، ويعتقد فيه قلة ~~الرحمة وشدة القساوة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ومن الآراء الفاسدة أيضا ~~أنه يرى بأن أهل الجنة أجسادهم لحمية، وأجسامهم طبيعية مثل أجساد ~~أبناء الدنيا، قابلة للتغيير والاستحالة، متعرضة للآفات. فإذا تأمل ~~ما وصف الله تعالى في صفات أهل الجنة: # لا ~~يمسهم فيها نصب ... # 34 # لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى ... # 35 # وأنهم خالدون، وما شاكل هذه الأوصاف المذكورة في ~~القرآن، التي لا تليق بالأجساد اللحمية والأجسام الطبيعية، [تحير ~~فكره واضطرمت شكوكه]. # 36 # واعلم أنه لا يليق بالعقلاء أن يعتقدوها، # 37 # فضلا عن عقول الحكماء، بل النساء والجهال والصبيان ~~جيد لهم، فإن هذا الرأي يليق بأفهامهم ويصلح لهم، ويقرب من ~~عقولهم ما وعدوا به ويوعدون من نعيم الجنان ويضاعف رهبتهم من عذاب ~~النيران، ويزيدهم خوفا من سوء أفعالهم فيتركونها، ويقوي رجاءهم ~~لثواب أعمالهم. وعليكم بدين العجائز [فإنه] لائق في هذا المقام لا ~~في مقام آخر. # وأما من رزقه الله قليلا من التمييز والعقل والفهم، ونظر في ~~علوم الحكمة، فإن هذا الرأي لا يصلح له ولا يليق به؛ لأنه إذا عرضه ~~على عقله أنكره عليه، فيقع عند ذلك في شك وحيرة وسوء ظن وتخيلات ~~فاسدة. # ثم اعلم أن أسوأ الناس مذهبا، وأشنعهم رأيا، من يعتقد أمرا ~~ويكون عقله منكرا عليه، ونفسه مرتابة، وظنه سيئا بربه، كما قال: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخاسرين ~~.» # 38 ~~(42: 3، 527-528). # في هذا الإطار، يفسر الإخوان وعيد الله تعالى للمسيئين تفسيرا ~~خاصا: ~~«اعلم أن مسألة الوعيد هي أيضا إحدى أمهات مسائل الخلاف بين ~~العلماء. وذلك أن منهم من يرى ويعتقد أنه واجب في حكم الله وعدله ~~أن يفي بوعيده كما وفى بوعده؛ لأنه إن لم يفعل كان كاذبا، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنهم من يرى ويعتقد أنه لا يكون ~~كاذبا ms205 لأن الكذب هو الخبر بأنه قد فعل ولم يكن فعل، أو يقول: ما ~~فعلت وقد كان فعل. فأما إذا قال: سأفعل، ثم لم يفعل فيكون مخالفا ~~[لا كاذبا]؛ والمخالف في الوعد يكون مذموما غير وفي، فأما في ~~الوعيد فربما كان الخلاف عفوا وصفحا ورحمة وتحننا وإشفاقا ~~وكرما وسماحة وإنعاما. وكذلك هذه الخصال ممدوحة محمودة، تليق ~~بفضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه. ومنه قول بعض العرب: # إني إذا أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # فإن إخلاف الوعيد مكرمة افتخر بها. وذلك أن وعيد الله لعبيده ~~مماثل لوعيد الأب الشفيق الطيب العالم للولد الجاهل العليل، يقول ~~[له]: لا تأكل ولا تشرب كيت وكيت، وافعل كيت وكيت، فإنك إن لم تفعل ~~ولم تقبل نصيحتي، ضربتك وحبستك وعاقبتك. فإن لم يفعل الولد، ولم ~~يقبل نصيحة والده ولم يأتمر له، ولم ينته عما نهاه عنه، وأكل وشرب ~~ما نهاه عنه، وترك ما كان مأمورا به، بقي عليلا سقيما، وفاتته ~~الصحة والأنفع والأصلح، وبقي متألما وجيعا، فإن الأب الشفيق ~~يشفق عليه أن يفي بوعيده فيضربه ويزيده ألما وعذابا. فهكذا حكم ~~عذاب الله ووعيده لعباده، وهذا أليق به وبرحمته وجوده وكرمه ~~وإحسانه. # وأما وقت وفاء الوعد لثواب ~~المحسنين متى يكون وكيف يكون؟ فإن هذه المسائل هي من غوامض العلوم ~~ودقائق الأسرار، وقد أكثر العلماء فيها القال والقيل، وتحيرت فيها ~~عقول الكثير من الناس أولي الألباب. فمنهم من يرى ويعتقد أنها في ~~الدنيا قبل الممات، ومنهم من يرى أنها تكون في الآخرة بعد ~~الممات. وأما كثير من الناس فينكرون أمر الآخرة فلا يعرفونها ولا ~~يقرون بها. وأما المقرون بها فمختلفون أيضا فيها وفي ماهيتها ~~وكيفيتها وأبنيتها على مذاهب شتى: فمنهم من يرى ويعتقد أن الآخرة ~~ودار الجزاء إنما تكون بعد خراب السماء وفناء الخلق أجمعين، ثم إن ~~الله يعيدهم مرة ثانية خلقا جديدا، فيثيبهم ويجازيهم ما كانوا ~~يعملون في الدنيا من خير أو شر، أو عرف أو نكر. وهذا جيد للعامة ~~ولمن لا يعرف من الأمور شيئا، ويرضى ms206 الدين تقليدا وإيمانا، وأما ~~الخاص ومن قد نظر في بعض العلوم الرياضية والطبيعية، فإن هذا الرأي ~~لا يصلح لهم. وذلك أن كثيرا من العقلاء الحكماء ينكرون خراب ~~السماوات، ويأبون ذلك إباء شديدا، والجيد لهم إذن أن يعتقدوا أمر ~~الآخرة أن لها وجودا متأخرا عن الكون في الدنيا، كما كان في ~~الدنيا موجودا متأخرا عن الكون في الرحم» (42: 3، ~~502-504). ~~«فالدنيا: هي مدة بقاء النفس مع الجسد إلى وقت افتراقها الذي ~~يسمى الموت. والموت: هو ترك النفس استعمال البدن، ويقال أيضا ~~الموت: هو بقاء النفس بعد مفارقة الجسد. والآخرة: هي نشوء ثان بعد ~~الموت، وخلودها في عالمها. والجنة: هي عالم الأرواح. وجهنم: هي ~~عالم الأجسام. والجنة أيضا هي المرتبة العليا وجهنم هي المرتبة ~~السفلى؛ فجنة النفس النباتية [هي] صورة الحيوانية، وجنة النفس ~~الحيوانية صورة الإنسانية، وجنة النفس الإنسانية صورة الملائكة. ~~والبعث: هو انتباه النفوس من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ... والقيامة: ~~قيام النفس من قبرها وهو الجسد ... والحشر: هو جمع النفوس الجزئية ~~نحو النفس الكلية واتحاد بعضها ببعض» (41: 3، 397-398). # فالآخرة والحالة هذه، وما يرافقها مع ثواب وعقاب، ليس شأنا ~~مؤجلا إلى يوم القيامة الكبرى عندما تنسحب النفس الكلية من ~~الطبيعة، بل هي شأن قائم هنا والآن، والنفوس التي فارقت أجسادها ~~بالموت الذي هو القيامة الصغرى، هي الآن إما معذبة في عالم الكون ~~والفساد لا تستطيع صعودا إلى الأعالي، أو منعمة في فسحة ~~الأفلاك: ~~«معنى القيامة مشتق من القيام، فإذا فارقت النفس قامت قيامتها. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: «من مات فقد قامت قيامته.» ~~وإنما أراد قيام النفس لا الجسد؛ لأن الجسد لا يقوم عند الموت، بل ~~يقع وقوعا لا يقوم بعده، إلى أن ترد النفس إليه ثانية. فانتبه يا ~~أخي من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، وتزود للرحلة، واستعد للقيامة ~~قبل أن تقوم قيامتك بأن يؤخذ منك هذا الهيكل المبني، مملوءا من ~~آثار الحكمة، قهرا وأنت كاره، فتبقى نفسك بلا سمع ولا بصر ولا شم ~~ولا ذوق ولا لمس، فارغة خاوية ms207 تهوي في هاوية البرزخ إلى يوم ~~القيامة [الكبرى] إلى يوم يبعثون. فبادر وشمر واجتهد بأن تكتسب ~~بتوسط هذا الهيكل الجسماني هيكلا روحانيا، وبتوسط هذه الحواس ~~الجسدانية حواس عقلية، ليكون بعد حين، فترجع نفسك من عالم الأجسام ~~إلى عالم الأرواح بربح لا بخسران» (16: 2، 49-50). ~~«واعلم يا أخي بأن الجنة إنما هي عالم الأرواح، وكله صورة ~~روحانية لا هيولى جرمانية، بل حياة محضة وراحة ولذة وسرور وغبطة، ~~لا يعرض لها الكون والفساد ولا التغيير والبلى؛ لأنها دار الحيوان ~~لو كانوا يعلمون. فإذا كانت الدار هي الحيوان، فما ظنك يا أخي بأهل ~~الدار كيف حالهم، فإنه يقصر الوصف عنهم بالاختصار، كما ذكر الله ~~تعالى في كتابه على لسان نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. فقال: ~~... وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وأنتم فيها خالدون ~~. # 39 # واعلم يا أخي أن النار وجهنم هي عالم الأجسام التي تحت فلك ~~القمر، الذي هو دائم في الكون والفساد والتغيير والاستحالة والبلى، ~~وأن أهلها: ~~... كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ~~... ~~» # 40 ~~(17: 2، 60). ~~«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن ~~العاقل الفهم إذا نظر في علم النجوم، وفكر في سعة هذه الأفلاك ~~وسرعة دورانها، وعظم هذه الكواكب وعجيب حركاتها، وأقسام هذه البروج ~~وغرائب أوصافها، تشوقت نفسه إلى الصعود إلى الفلك والنظر إلى ما ~~هناك معاينة. ولكن لا يمكن الصعود إلى ما هناك بهذا الجسد الثقيل ~~الكثيف، بل النفس إذا فارقت هذه الجثة ولم يعقها شيء من سوء ~~أفعالها، أو فساد آرائها وتراكم جهالاتها أو رداءة أخلاقها، فهي ~~هناك في أقل من طرفة عين بلا زمان؛ لأن كونها حيث همتها ومحبوبها ~~كما تكون نفس العاشق حيث معشوقه. فإذا كان عشقها هو الكون مع هذا ~~الجسد، ومعشوقها هذه اللذات المحسوسة المحرقة الجرمانية، وشهواتها ~~هذه الزينة الجسمانية، فهي لا تبرح من ها هنا ولا تشتاق الصعود إلى ~~عالم الأفلاك ولا تفتح لها أبواب السماوات ولا تدخل الجنة مع زمر ~~الملائكة، بل تبقى تحت فلك القمر سائحة في ms208 قعر هذه الأجسام ~~المستحيلة المتضادة، تارة من الكون إلى الفساد، وتارة من الفساد ~~إلى الكون ~~... كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب ... ~~» # 41 ~~، # 42 ~~(3: 1، 137). # وأيضا: ~~«اعلم أن الإنسان العاقل إذا سمع أوامر الناموس ونواهيه ووعيده ~~وزواجره، ثم لم يأتمر بحدوده ولم ينقد لأحكامه، أو سمع العلوم ~~الحكمية فلم يقم بواجبها ... بل جعل أكثر عنايته في إصلاح شأن هذا ~~الجسد ... وأفنى عمره كله ساهيا ولاهيا إلى الممات، ثم جاءته سكرة ~~الموت بالحق التي هي مفارقة النفس الجسد على كره منها وإجبار منها ~~... بقيت عند ذلك نفسه بلا جسد، وقد سلبت آلات الحواس التي كانت ~~تنال بها اللذات الجسمانية وقد اعتادتها بطول الدربة فيها. فانطبع ~~في همتها النزول إليها، [ولكن] لا وصول لها إلا بهذا الجسد ~~وأعضائه، وقد منعت ذلك لكون مثلها عند ذلك كمثل من سلت عيناه، ~~وصمت أذناه، وشلت يداه، وقطعت رجلاه، وخرس لسانه، وشد منخراه، ~~وعمي قلبه ... وما بقي معه إلا الروح في الجسد معذبا، فلا هو حي ~~يلذ بالعيش، ولا ميت يستريح من العذاب، كما قال تعالى: ~~... لا يموت فيها ولا يحيا ~~، # 43 # فتبقى تلك النفوس عند ذلك تائهة بهمومها في طلب ما قد ~~فاتها بما اعتادته من لذات هذه المحسوسات، وقد منعت الوصول إليها ~~والعود ... فعند ذلك تبقى بحسرتها وندامتها متألمة بذاتها، معذبة ~~من سوء عاداتها، عمياء في جهالاتها، دون فلك القمر، سائحة في قعر ~~الأجسام المدلهمة، غريقة في بحر الهيولى، هائمة هاوية في عالم ~~الكون والفساد مع أبناء جنسها من الأمم الخالية إخوان الشياطين ~~وجنود إبليس أجمعين، كما ذكر الله تعالى: ~~... كلما دخلت أمة لعنت أختها ... ~~» # 44 ~~(30: 3، 79-80). ~~«... فأما النفوس الصافية غير المتجسدة فهي غير محتاجة إلى الكلام ~~والأقاويل في إفهام بعضها بعضا من العلوم والمعاني التي في ~~الأفكار، وهي النفوس الفلكية؛ لأنها قد صفت من درن الشهوات ~~الجسمانية، ونجت من بحر الهيولى وأسر الطبيعة، واستغنت عن الكون مع ~~الأجساد المظلمة التي هي أسفل السافلين وعالم الكون والفساد، ~~وارتفعت إلى أعلى أفق العالم العلوي، وسرت ms209 في الجواهر النيرة ~~والشفافة التي هي الكواكب والأفلاك، وذلك كما توجب الحكمة الإلهية ~~والعناية الربانية، إذا لم تقرن بالأجسام الساترة ولم تحتج إلى ~~كتمان أسرارها، ولا إلى إخفاء ما في ضمائرها؛ إذ كانت صافية من ~~الخبث والدغل، وبريئة من الإضمار للشر. فقرنت بالجواهر النيرة ~~والأكر الشفافة التي يتراءى الجزء منها في الكل، والكل يتراءى ~~في الجزء، كما تتراءى وجوه المرايا المجلاة بعضها في بعض، وكما ~~تتراءى وجوه الجماعة المتقابلين في عين الواحد منهم، ووجه الواحد ~~في أعين الجميع. فهم غير محتاجين إلى الإخبار عن الإضمار، ولا ~~السؤال عن كتمان الأسرار؛ لأنهم في الإشراق والأنوار التي هي معدن ~~الأخبار والأبرار» (10: 1، 402-403). # وعلى الرغم من أن الإخوان لم يوردوا الكثير من التفاصيل الجزئية ~~عن حال الأرواح بعد الموت، مكتفين بالعموميات، إلا أنهم أوردوا في ~~جملة قصصهم المبعثرة التي قصدوا منها العبرة، قصة عن الرجل التائب، ~~أنهوها بهذا المشهد الحي المؤثر: ~~«ثم إن ذلك الرجل التائب بقي مدة من الزمان مجتهدا في عبادة ~~الله، على عادته، حتى قرب أجله ووقت مفارقته، فرأى في منامه كأن ~~روحه قد خرجت من جسده، وإذا هي على صورة مثل شكل الجسد وهيئته ~~سواء، غير أن هذا الشكل جسماني، وتلك صورة روحانية شفافة، لا ~~ينالها لمس ولا حس، وإذا هي قد ثبتت في الهواء حيث شاءت، وكيف ~~شاءت، بلا كلفة، ولا عناء، وهي تجد من ذاتها خفة وراحة وسرورا، ~~وروحا ولذة وفرحا لا توصف بمثلها حال الأجسام. ولما نظرت إلى ~~جسدها، فإذا هو مطروح لا حراك به، فحنت إليه لطول الصحبة وإلف ~~العادة، فلما دنت منه وتأملته، فإذا هو كأنه قد أتى ثلاثة أيام بعد ~~الموت، وهو منتفخ منتن الرائحة، يسيل منه الدم والقيح والصديد، ~~وتجري بين لحمه الديدان ... فلما رأت ذلك المنظر الهائل اشمأزت منه، ~~وتأخرت عنه، وأنفت من الدنو إليه، وجعلت تغبط حالها حين فارقته، ~~وخرجت منه، ونجت من وسخه ودرنه ووحشته وعاره ووباله. ثم التفتت، ~~فإذا هي أبواب السماء قد فتحت، والمعراج قد امتد من ms210 السماء إلى ~~الأرض، والملائكة نزلت وامتلأت الآفاق من النور والضياء. وسمع ~~مناديا ينادي: # يا أيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلي في عبادي ~~* وادخلي جنتي # 45 # فانتبه من نومه ذلك، ثم أخبر بما رأى، وأوصى وصيته، ~~وما مكث إلا أياما حتى توفي ومضى لسبيله» (46: 4، 98). # في القيامة الكبرى # تدوم الجنة والنار ما دامت السماوات والأرض، على ما ورد في أكثر ~~من آية في كتاب الله عز وجل. ولكن السماوات والأرض لا تدومان، ~~والنفس الكلية التي فاضت قواها في الجسم الكلي زمن التكوين سوف ~~تنسحب من هذا الجسم ويحدث بوار العالم، ويزول منه العجز والنقص، ~~فيغدو الوجود خير كله، ويعتق أهل النار وتبطل جهنم الدنيا، وتبعث ~~الأنفس الجزئية الإنسانية كلها: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه إذا فاضت قوى ~~النفس الكلية الفلكية في الجسم الكلي الذي هو جملة العالم ~~الجسماني، ابتدأت من أعلى فلك المحيط متوجهة نحو مركز العالم، وسرت ~~في الأفلاك والكواكب والأركان الأربعة والأوقات الزمانية أولا ~~فأولا، حتى إذا بلغت إلى منتهى مركز العالم اجتمعت كلها هناك، ~~ويكون ذلك سببا لكون الأجسام الجزئية الكائنة الفاسدة التي دون ~~فلك القمر، وهي الحيوانات والنباتات والمعادن؛ لأنها إذا علت إلى ~~أقصى مدى غاياتها الذي هو الغرض الأقصى بطول الزمان، وعطفت عند ذلك ~~راجعة، أعني تلك القوى، نحو المحيط، فيكون سبب بعث الأنفس الجزئية ~~الإنسانية الكلية» (29: 3، 37). ~~«ثم اعلم أن غرضنا من ذكر حركات العالم وحركات أجزائه الكليات ~~والجزئيات وفنون تصاريفها، هو بيان بطلان قول من يقول بقدم ~~العالم، وذلك لأن الحركات المختلفة تدل على اختلافها، والمتحرك ~~والمختلف الأحوال لا يكون قديما؛ لأن القديم هو الذي يكون على ~~حالة واحدة لا يتغير ولا يستحيل ولا يحدث له حال، وذلك ليس يوجد ~~موجود هذا شأنه إلا الله الواحد الأحد، ولا يمكن أن يوجد شيء سوى ~~الله تعالى هذا شأنه. # ثم اعلم أن الذين قالوا بقدم العالم ظنوا بأنه ساكن، والساكن لا ~~تختلف أحواله، وليس الأمر كما ظنوا وتوهموا من سكون العالم، ms211 كما ~~بينا فيما تقدم بكثرة حركات كلياته وجزئياته ما لا تنكره العقول ~~السليمة؛ فمنها حركات الكواكب، ودوران الأفلاك، واستحالات الأركان، ~~وتكوين المولدات، مما لا خفاء به ... # اعلم أن كل حركة في متحرك فهي متحركة له، وهي سبب لشيء آخر، فمتى ~~عدمت تلك الحركة بطل ذلك السبب. مثال ذلك حركة الرحى عن الدابة ~~التي تديرها أو الماء، وهي سبب الطحن، فمتى وقفت الدابة وانقطع ~~الماء، سكنت الرحى وعدم الطحن ... وهكذا متى وقفت الكواكب السبعة ~~السيارة في البروج عن دورانها، وقفت الأمور التي تحت [فلك القمر] ~~عالم الكون والفساد من الحيوان والنبات عن حركاتها وتكوينها. يعرف ~~حقيقة هذا من كان حاذقا بصناعة النجوم وتكلم عليها. والمثال في ~~ذلك كرواحة متى وقفت عن الدوران سقطت بعدما كانت قائمة منتصبة عند ~~حركاتها. فهكذا حكم العالم، متى وقف المحيط عن الدوران وقفت ~~الكواكب عن المسير والحركات؛ ووقفت عند ذلك مجاري الليل والنهار ~~والشتاء والصيف، فيبطل عند ذلك الكون والفساد، ويبطل نظام العالم، ~~وتذهب الخلائق، وتفارق النفس الكلية الجسم الكلي، وتقوم القيامة ~~الكبرى. وذلك أن العالم هو إنسان كبير، فإذا فارقت نفس العالم ~~الجسم الكلي فقد مات الإنسان الكبير، وقد قامت قيامته الكبرى» (39: ~~3، 332-333). ~~«اعلم يا أخي أن الغرض الأقصى في إدارة الأفلاك وتسيير الكواكب ~~ومجيء الأنبياء والرسل والحكماء، ونزول الملائكة من السماء إلى ~~الأنبياء بالوحي والأنباء، هو أن يصير العالم خيرا كله ويزول منه ~~العجز والنقص والشر، ويعود إلى ما بدأ منه فيصير لاحقا به، فتتم ~~الحكمة وتكمل الخلقة، ويرتفع عالم الكون والفساد، ويعتق أهل ~~النار، وتبطل جهنم الدنيا، ويصير العالم خيرا كله وسعادة كله، ~~وتقوم القيامة الكبرى، ويمحق الشر وأهله، وينقرض حزبه ويتلاشى. ~~فهذا هو الغرض الأقصى والمعرفة العظمى. فاحفظ ما ألقيناه إليك من ~~هذا العلم المصون والسر المخزون الذي لا يمسه إلا المطهرون. فإذا ~~صح بالبرهان الصحيح أن إدارة الأفلاك، وجريان العالم على ما هو به، ~~إنما الغرض فيه أن يكون العالم خيرا كله ونورا كله وسعادة كله، ~~وأن أصل الإبداع جود الباري ms212 سبحانه وفيضه، فإنه عند بلوغ النفس إلى ~~درجة العقل، فيكون سكونها وبطلان الحركة والبلوغ إلى النهاية. ~~وعند ذلك تكون الراحة الدائمة والطمأنينة الكاملة ... كذلك النفس إذا ~~بلغت درجة العقل سكنت عن الحركة الطبيعية واستعمال الطبيعة، وعادت ~~إلى استعمال ذاتها الروحانية في عبادة باريها سبحانه، حتى تقوم بما ~~يجب عليه من الشكر له، إذ أوصلها إلى درجة الكمال. فهذا يا أخي هو ~~معرفة حقيقة الجنة، ومعرفة القيامة بالبرهان في هذا الوجه بغير رمز ~~ولا إشارة» (جا: 25-26). # الفصل السادس # | إسلام إخوان الصفاء # تشيع إخوان الصفاء # يؤكد إخوان الصفاء أن مذهبهم يستوعب المذاهب كلها، ويجمع العلوم ~~كلها. وهذا يعني أنهم لا ينتمون فعلا لأي مذهب إسلامي من المذاهب ~~المعروفة، بل يشكلون فرقة إسلامية قائمة بذاتها: ~~«وبالجملة ينبغي لإخواننا، ~~أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علما من العلوم، أو يهجروا كتابا ~~من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا ~~يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم جميعها. وذلك أنه هو النظر في ~~جميع المجودات بأسرها الحسية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها ~~وباطنها، جليها وخفيها، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ واحد، ~~وعلة واحدة، وعالم واحد، ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة، ~~وأجناسها المتباينة، وأنواعها المفننة، وجزئياتها المتغايرة» ~~(45: 4، 41-42). # ولكن هنالك أمور تجمعهم إلى الشيعة على الرغم من عدم انتمائهم ~~إلى إحدى فرقها. وها هم يخاطبونهم في الفصل المعنون «فصل في ~~مخاطبة المتشيعين» بعبارات تؤكد الصلة دون توكيد التماثل ~~التام: ~~«قد جمع الله بيننا وبينك ~~أيها الأخ البار الرحيم في أسباب شتى وخصال عدة، مما يؤكد المودة ~~بين الإخوان، ويجمع شمل الأصدقاء في جميع صلاح الدين والدنيا، أيدك ~~الله ... # ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ البار الرحيم محبة نبينا، عليه ~~السلام، وأهل بيت نبينا الطاهرين، وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب خير الوصيين، صلوات الله عليهم أجمعين» (48: 4، 195). # وأيضا: ~~«واعلم يا أخي أنا قد عملنا إحدى وخمسين رسالة في فنون الآداب ~~وغرائب العلوم وطرائف الحكم، كل واحدة منها شبه المدخل والمقدمات ~~والأنموذج، ms213 لكيما إذا نظر فيها إخواننا وسمع قراءتها أهل شيعتنا، ~~وفهموا بعض معانيها، وعرفوا ما هم مقرون به من تفضيل أهل بيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنهم خزان علم الله، ووارثو علم النبوات، وتبين له ~~تصديق ما يعتقدون فيهم من العلم والمعرفة ...» (48: 4، 186). # وفي كل موضع تعرض فيه الإخوان لوصف مذهبهم لم يشيروا من قريب ~~أو بعيد لصلة هذا المذهب بالتشيع، بل يصفونه بالمذهب القديم غير ~~المستحدث: ~~«واعلم أن هذا الأمر الذي قد ندبنا إليه إخواننا وحثثنا عليه ~~أصدقاءنا ليس هو برأي مستحدث ولا مذهب محدث، بل هو رأي قديم قد سبق ~~إليه الحكماء والفلاسفة والفضلاء، وهو طريق سلكه الأنبياء، عليهم ~~السلام، ومذهب مضى عليه خلفاء الأنبياء والأئمة المهديون، وبه كان ~~يحكم النبيون الذين أسلموا للذين هادوان والربانيون والأحبار بما ~~استحفظوا من كتاب الله، وهي ملة أبينا إبراهيم وبه سمانا المسلمين ~~من قبل» (47: 4، 126). # ويعلن الإخوان صراحة عدم انتمائهم إلى الشيعة الاثنا عشرية، ~~الفئة الشيعية الرئيسة في ذلك العصر، وذلك عن طريق نقدهم لفكرة ~~غيبة الإمام والإمام المختفي: ~~«ومن الشيعة من يقول إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، ~~ولا يدرون حقيقة ما يقرون به وصحة ما يعتقدونه. ومنهم من يقول إن ~~الإمام المنتظر مختف من خوف المخالفين، كلا بل هو ظاهر بين ~~ظهرانيهم وهم له منكرون» (48: 4، 148). # وأيضا: ~~«من الآراء الفاسدة والاعتقادات المؤلمة لنفوس معتقديها رأي ... من ~~يرى ويعتقد أن الإمام الفاضل المنتظر الهادي مختف لا يظهر من خوف ~~المخالفين. واعلم أن صاحب هذا الرأي يبقى طول عمره منتظرا لخروج ~~إمامه، متمنيا لمجيئه مستعجلا لظهوره، ثم يفني عمره ويموت بحسرة ~~وغصة، لا يرى إمامه، ولا يعرف شخصه من هو» (42: 3، 523). # وبشكل عام لم تأخذ مسألة الإمامة، على مركزيتها في العقيدة ~~الشيعية، حيزا يذكر في رسائل الإخوان، ولم يتعرضوا لها إلا ~~لماما. ولعل من أهم ما أوردوه فيها هذا المقطع الطويل من الرسالة ~~42 الذي يحتوي ضمنا إنكارهم لفكرة الإمامة: ~~«اعلم أن مسألة الإمامة هي أيضا من إحدى أمهات مسائل الخلاف بين ~~العلماء، قد تاه ms214 فيها الخائضون إلى حجج شتى، وأكثروا فيها القيل ~~والقال، وبدت بين الخائضين فيها العداوة والبغضاء، وجرت بين ~~طالبيها الحروب والقتال ... وهي باقية إلى يومنا هذا لم تنفصل ... ~~فنحتاج أن نذكر أولا ما الأصل المتفق عليه بين أهلها، ثم نذكر ~~أسباب الخلاف في فروعها فنقول: # اعلم أن الأمة كلها تقول إنه لا بد من إمام يكون خليفة لنبيها في ~~أمته بعد وفاته، وذلك لأسباب شتى وخصال عدة؛ أحدها هو أن يحفظ ~~الإمام الشريعة على الأمة، ويحيي السنة في الملة ... وقوم آخرون ~~يكونون خلفاءه في سائر البلدان للمسلمين بالنيابة عنه في جباية ~~الخراج وأخذ الأعشار والجزية، وتفريقها على الجند والحاشية ليحفظ ~~بها ثغور المسلمين ... ويقهر الأعداء ويحفظ الطرقات من اللصوص ~~والقطاع ... وينصف ويعدل بين الناس فيما يتعاملون به، وما شاكل هذه ~~الخصال التي لا بد للمسلمين من قيم بها في ظاهر أمور ~~دنياهم. # وخصلة أخرى هي أن يرجع فقهاء المسلمين وعلماؤهم عند مشكلاتهم في ~~أمر الدين إليه، وعند مسائل الخلاف، فيحكم هو بينهم فيما هم فيه ~~يختلفون ... ويصدرون كلهم عن رأيه وتدبيره ... فهذا هو الأصل المتفق ~~بينهم في حاجتهم إلى الإمام. # وأما من ينبغي أن يكون الإمام؟ ومن هو؟ فهم فيه مختلفون على ~~رأيين ومذهبين. فمنهم من يرى ويعتقد أنه لا ينبغي إلا أن يكون ~~أفضلهم كلهم بعد نبيها [أي الأمة]، وأقربهم إليه نسبة، ويكون قد ~~نص عليه، ومنهم من يرى بخلاف ذلك ... ولكن نحتاج إلى أن نذكر علة ~~اختلافاتهم من أين كان بدؤها، ومن أين أشكل الأمر عليهم ~~فيه. # واعلم أن الإمامة إنما هي خلافة، والخلافة نوعان: خلافة النبوة ~~وخلافة الملك ... ونحتاج إلى أن نذكر أولا خصال النبوة قبل خصال ~~الملك فنقول: إن أول خصال النبوة الوحي ... ثم إظهار الدعوة في ~~الأمة، ثم تدوين الكتاب المنزل بالألفاظ الوجيزة، وتبيين قراءته في ~~الفصاحة، ثم إيضاح تفسير معانيه وبلوغ تأويله، ثم وضع السنن ~~المركبة ... وإجراء السنة في الشريعة ... وتفصيل الحدود والأحكام ~~في أمور الدنيا جميعا ... وما شاكل هذه الخصال ... فأما خصال الملك ~~فأولها ms215 أخذ البيعة على الأتباع المستجيبين ... وجباية الخراج والعشر ~~والجزية من الملة، وتفريق الأرزاق على الجند والحاشية، وحفظ الثغور ~~... وقبول الصلح والمهادنة من الملوك والرؤساء ... وما شاكل هذه الخصال ~~... # ثم اعلم أنه ربما تجتمع هذه الخصال في شخص واحد من البشر في وقت ~~من الزمان، فيكون هو النبي المبعوث وهو الملك، وربما تكون في ~~شخصين اثنين: أحدهما النبي المبعوث إلى تلك الأمة، والآخر المسلط ~~عليهم. واعلم أنه لا قوام لأحدهم إلا بالآخر كما قال ملك الفرس ~~أزدشير في وصيته: إن الملك والدين توأمان لا قوام لأحدهما إلا ~~بالآخر ... # ثم اعلم أن الله تعالى قد جمع لنبيه محمد، عليه الصلاة والسلام ~~والتحية، خصال الملك والنبوة جميعا ... ولما أضاف إلى نبوته الملك، ~~لم يضفها لرغبته [أي النبي] في الدنيا وحرصه عليها، ولكن أراد الله ~~تعالى أن يجمع لأمته الدين والدنيا جميعا، وكان القصد الأول هو ~~الدين، والملك عارض لأسباب شتى، أحدها أنه لو كان الملك في غير ~~أمته لم يكن يؤمن أن يردهم عن دينهم أو يسومهم سوء العذاب من كان ~~مسلطا عليهم، مثلما كان يفعل فرعون ببني إسرائيل ... وخصلة أخرى هي ~~أن الناس في طباعهم وجبلتهم لا يرغبون إلا في دين الملوك، ولا ~~يرهبون إلا منهم. وبهذه الخصال وخصال أخرى يطول شرحها جمع الله ~~الملك والنبوة لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام والتحية والرضوان ... ~~واعلم يا أخي أن الله تعالى قد جمع لمحمد، عليه السلام، الملك ~~والنبوة، وأيده بروح منه، حتى إنه قام بواجب حقهما لما خصه الله به ~~من الجبلة القوية والقوة المتينة، كما قال تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # 1 # وقل من يكون كذلك؛ لأن النبوة تتم بنيف وأربعين خصلة ~~من فضائل البشرية» (42: 3، 493-497). # وأيضا: ~~«... وأما سبب اختلافهم في الأئمة الذين هم خلفاء الأنبياء، عليهم ~~السلام، في أممهم بعدهم، فمن أجل أن صاحب الناموس يحتاج في وضعه ~~للناموس وتتميمه وتكميله إلى نيف وأربعين خصلة من الفضائل البشرية ~~والملكية جميعا؛ فإذا أحكم صاحب الناموس أمر الشريعة وسنن الدين ~~ومنهاجه، وبين المنهاج وأوضح ms216 الطريق، ومضى لسبيله، بقيت الخصال ~~وراثة في أصحابه وأنصاره الفضلاء من أمته، ولكن لا تكاد تجتمع كلها ~~أجمع وراثة في واحد منهم، ولا يخلو أحد من شيء منها» (42: 3، ~~489). # في هذين المقطعين يقوض الإخوان الأسس التي تقوم عليها نظرية ~~الإمامة. فالإمامة هي خلافة نبوة وخلافة ملك، والنبوة والملك ~~يحتاجان إلى ما يزيد عن أربعين خصلة لن تجتمع لشخص واحد بعد رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وإنما تتفرق في الجيل الأول من أصحاب الرسول وفضلاء ~~أمته: ~~«فإذا اجتمعت تلك الأمة، ~~بعد وفاة نبيها، وتعاونت وتعاضدت وتناصرت مع ائتلاف القلوب ... بقوا ~~هادين راشدين منصورين على أعدائهم، سعداء في الدنيا والآخرة ~~جميعا. ثم إذا مضى أولئك على منهاج الذين تقدموهم، خلفهم من بعدهم ~~قوم آخرون من ذرياتهم وتلامذتهم، متمسكين بسننهم في أي بلد كانوا، ~~وأي منازل نزلوا، هادين راشدين» (42: 3، 489). وأغلب الظن هنا أن ~~الإخوان يشيرون إلى أنفسهم وتنظيمهم الذي يقوم بجميع مهام الإمامة، ~~وإلى مذهبهم الذي يقوم على حكم العقل، فقد قالوا في موضع ~~آخر: ~~«واعلم أنه ما من جماعة تجتمع على أمر من أمور الدين والدنيا ... ~~إلا ولا بد لها من رئيس يرأسها ليجمع شملها ويحفظ نظام أمرها ... ~~ونحن قد رضينا بالرئيس على جماعة إخواننا، والحكم بيننا، العقل ~~الذي جعله الله تعالى رئيسا على الفضلاء من خلقه الذين هم تحت ~~الأمر والنهي، ورضينا بموجبات قضاياه على الشرائط التي ذكرناها في ~~رسائلنا وأوصينا بها إخواننا، فمن لم يرض بشرائط العقل وموجبات ~~قضاياه ... فعقوبته في ذلك أن نخرج من صداقته ونتبرأ من ولايته ...» ~~(47: 4، 127). # وأيضا: ~~«واعلم أن العقلاء الأخيار إذا انضاف إلى عقولهم القوة بواضع ~~الشريعة، فليس يحتاجون إلى رئيس يرأسهم ويأمرهم وينهاهم ويزجرهم ~~ويحكم عليهم؛ لأن العقل والقدرة لواضع الناموس يقومان مقام الرئيس ~~الإمام، فهلم بنا أيها الأخ أن نقتدي بسنة الشريعة، ونجعلها ~~إماما لنا ...» (47: 4، 137). # وفي كل موضع تحدث فيه الإخوان عن مراتب النفس الإنسانية على طريق ~~الارتقاء لم يتحدثوا عن المرتبة الإمامية التي تلي النبوة في ~~العقيدة الشيعية: ~~«اعلم أيها الأخ، أيدك الله ms217 وإيانا بروح منه، أن الحيوانات زينة ~~الأرض، كما أن الكواكب زينة السماء، وأن أتم الحيوانات هيئة، ~~وأكملها صورة، وأشرفها تركيبا هو الإنسان، وأفضل الإنسان هم ~~العقلاء، وأخيار العقلاء هم العلماء، وأعلى العلماء درجة وأرفعهم ~~منزلة هم الأنبياء، عليهم السلام، ثم بعدهم في الرتبة الفلاسفة ~~الحكماء» (47: 4، 124). في هذا النص وأشباهه لا يوجد ذكر للأئمة، ~~وورثة الأنبياء هم الحكماء لا الأئمة، وهؤلاء الحكماء لم يرثوا ~~المرتبة وراثة عن آل البيت ولكنهم حصلوها بكدحهم الروحي: «ثم ~~اعلم أن الحكماء والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم سفراء ~~الله بينه وبين خلقه ... فإذا مضت الأنبياء لسبلها خلفهم العلماء ~~والحكماء، وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا يقولون ويفعلون» ~~(40: 3، 317). # الإخوان والإسماعيلية # وإذا لم يكن إخوان الصفاء ~~ينتمون إلى إحدى الجماعات الشيعية المعروفة، وعلى الأخص إلى ~~الشيعية الاثنا عشرية التي كانت تشكل الاتجاه الشيعي الرئيس، فمن ~~الأولى عدم انتمائهم إلى الإسماعيلية التي وصل تركيزها على ~~الإمامية حد قول بعض مفكريهم بأن الله وضع وحدته في الإمام وخلع ~~عليه ألوهيته. وقد انشق الإسماعيليون عن الاتجاه الشيعي الرئيس عقب ~~وفاة الإمام السادس جعفر الصادق عام 148 للهجرة. فقد كان الإمام قد ~~أوصى بالإمامة من بعده لإسماعيل، ابنه من زوجته الأولى فاطمة حفيدة ~~الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان يكبر أخاه غير الشقيق موسى الكاظم ~~بنحو خمس وعشرين سنة. ولكن إسماعيل توفي في أواخر حياة والده. ~~وعندما توفي جعفر الصادق دون وصية جديدة، قاد النزاع على خلافته ~~إلى الانقسام الشيعي الكبير إلى موسوية تبعوا موسى الكاظم الأخ ~~الأصغر غير الشقيق لإسماعيل، وإسماعيلية قالوا إن الإمامة لا تنتقل ~~من أخ لأخيه، وإنما هي نازلة في الأعقاب، وبالتالي فإن الإمامة ~~تنتقل من إسماعيل إلى ابنه محمد. وبعد سلسلة من الأئمة المكتومين ~~من أعقاب محمد بن إسماعيل الذين أقام معظمهم في مدينة سلمية ~~بالمنطقة السورية الوسطى، آلت الإمامة إلى عبد الله المهدي الذي ~~تولى القيادة عام 286ه، ثم رحل إلى شمال أفريقيا حيث أسس الدولة ~~الفاطمية. # لقد عاصر إخوان الصفاء صعود الخلافة الفاطمية ms218 التي كان على رأسها ~~الأئمة الإسماعيليون، ولكن رسائلهم لم تشر من قريب أو بعيد إلى ~~هؤلاء الأئمة، ولم تبد معنية بدعوتهم، وإنما كانت تبشر بدولة ~~إخوان الصفاء ومملكتهم الروحانية. ~~«واعلم أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء حكماء وخيار ~~فضلاء يجتمعون على رأي واحد، ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد، ~~ويعقدون بينهم عهدا وميثاقا أن لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة ~~بعضهم بعضا، ويكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في ~~جميع تدبيرهم فيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة» (4: 1، 181). ~~«وينبغي لنا أيها الأخ بعد اجتماعنا على الشرائط التي تقدمت من ~~صفوة الإخوان، أن نتعاون ... ونبني مدينة فاضلة روحانية، ويكون بناء ~~هذه المدينة في مملكة صاحب الناموس الأكبر الذي يملك النفوس ~~والأجساد» (48: 4، 171). # وبالمقابل فإننا لا نجد لإخوان الصفاء ورسائلهم ذكرا لدى ~~المفكرين الإسماعيليين إبان عصر نهضة الفكر الإسماعيلي في القرنين ~~الرابع والخامس الهجري، من أمثال القاضي النعمان، والكرماني، ~~والنسفي، والرازي، والسجستاني. ولو كانت رسائل الإخوان تشكل المصدر ~~الأكبر للفكر الإسماعيلي، لاعتمد عليها هؤلاء المفكرون صراحة ~~وأشادوا بها، ولكن شيئا من هذا لم يحدث. على أن هذا التجاهل لا ~~يعني أن هؤلاء المفكرين والدعاة الإسماعيليين لم يعرفوا الرسائل أو ~~يتأثروا بها، بل لقد عرفوها وتداولوها ونهلوا منها الكثير، ودخلت ~~أفكارها في صلب العقائد الإسماعيلية، ولكنهم كانوا يعرفون أيضا أن ~~مؤلفي الرسائل لم يكونوا إسماعيليين، ولم يكن لهم بالتالي أن يعطوا ~~أفكارهم مصداقية رسمية، أو أن يعتبروها بقضها وقضيضها تراثا ~~إسماعيليا. وفي الحقيقة فإن الرسائل لم تعتبر مصدرا رسميا ~~معتمدا من قبل أي فئة إسماعيلية عدا فئة الإسماعيلية الطيبية ~~التي شكلت لها دولة في اليمن في القرن السابع الهجري، أي بعد ~~انهيار الخلافة الفاطمية في مصر. # بعد زوال الخلافة الفاطمية عام 569ه، وأثناء فترات ضعف الدعوة ~~الإسماعيلية، أخذ بعض المؤلفين الإسماعيليين بإعادة الاعتبار ~~للرسائل، وصنفوها في عداد الأعمال الإسماعيلية المبكرة، حتى إن ~~بعضهم عزا تأليفها إلى أحد الأئمة من سلالة محمد بن إسماعيل في دور ~~الستر قبل تأسيس الدولة ms219 الفاطمية. وحذا حذوهم في ذلك بعض المفكرين ~~الإسماعيليين المعاصرين الذين دافعوا عن هذه الفكرة بقوة. يورد ~~الدكتور عارف تامر في مقدمته للرسالة الجامعة، وفي كتابه «حقيقة ~~إخوان الصفاء وخلان الوفاء» # 2 # الشواهد الآتية: # قال المؤرخ اليمني الكبير إدريس عماد الدين المتوفى سنة 872ه في ~~كتابه عيون الأخبار: ~~«وقام الإمام التقي أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، بعد ~~أبيه بأمر الإمامة، وبث دعاته في الآفاق من مدينة سلمية، واتصل به ~~الدعاة ودعوا إليه وهم مخفون لمقامه كاتمون لاسمه. وكان [الخليفة] ~~المأمون حين احتال على علي بن موسى الرضى بن جعفر ظن أن أمر الله ~~قد انقطع وحجته قد ارتفعت، فحين ظن ذلك الظن ووهم ذلك الوهم سعى ~~في تبديل شريعة محمد وتغييرها لكي يرد الناس إلى الفلسفة وعلم ~~اليونانيين، فخشي الإمام أن يميل الناس إلى ما زخرف المأمون عن ~~شريعة جده، فألف رسائل إخوان الصفاء» ... وذكر هذا المؤلف أيضا ~~فهرست هذه الرسائل على التمام فقال: «هذه فهرست الرسائل التي ألفها ~~الإمام. وقد جمع فيها أنواع العلوم الفلسفية والهندسية، وجعل ~~رسالته الجامعة الغاية التي يتبين منها المراد ويتضح المعنى ~~للمرتاد، وقصرها على خلصاء شيعته وخبرة خاصته. وإنما ألف الإمام ~~تلك الرسائل لتقوم الحجة على المأمون وأتباعه حين انحرفوا عن علم ~~النبوة». # وقال الفقيه اليمني الكبير شرف الدين جعفر المتوفى سنة 834ه، في ~~رسالته «الموقظة»: ~~«حتى هم المأمون أن يرد الأمة إلى دين القول بالنجوم ... وقال: ~~ما جاء محمد إلا بناموس ملك به الناس، وحقيقة وأساس، حتى أظهر ولي ~~الله وابن رسول الله رسائل إخوان الصفاء، وفيها ما تحير به جميع ~~العالم من العلوم في كل فن، والاستشهاد على شريعة الرسول، وهو في ~~كهف التقية مستتر، ودعاته الباقون مغرقون لتلك الرسائل في كل شهر ~~وقطر.» # ويورد المؤرخ الإسماعيلي نور الدين أحمد المتوفى سنة 885ه في ~~بلدة مصياف السورية، في كتابه «فصول وأخبار»: ~~«بعد أن اشتد الضغط على الإمام السابع محمد بن إسماعيل ... لأن ~~الرشيد يريد القبض عليه ... خرج مستترا إلى مدينة ms220 تدمر في بلاد ~~الشام، حيث عاش فيها إلى أن أدركته الوفاة، بعد أن نص على إمامة ~~ولده عبد الله، الذي عاش في مدينة سلمية قرب حمص. وبعد وفاته تسلم ~~الإمامة حسب النص الشرعي ولده أحمد، وهو مؤلف رسائل إخوان الصفاء ~~وخلان الوفاء.» # وفي الحقيقة فإن هذه الشواهد وأمثالها مما يعتمد عليها أصحاب ~~نظرية إسماعيلية إخوان الصفاء، لا تتمتع بمصداقية تاريخة؛ لأنها ~~متأخرة قرونا عديدة عن عصر إخوان الصفاء في القرن الرابع الهجري. ~~أما المصادر الأقرب إلى عصرهم فإنها تجمع على أن مؤلفي الرسائل هم ~~جماعة من الحكماء، بينهم زيد بن رفاعة، وأبو سليمان المقدسي، وأبو ~~حسن الزنجاني، وأبو أحمد النهرجوري، والعوقي. # وأما الرأي الذي يورده عارف تامر عن المستشرق كازانوفا بأن آراء ~~الإسماعيلية توجد كلها في رسائل إخوان الصفاء، فإن التشابه بين ~~العقيدتين لا يعزى إلى إسماعيلية إخوان الصفاء، بل إلى التأثير ~~الذي مارسه فكر الرسائل في الفكر الإسماعيلي إبان عصر نهضته، وهو ~~تأثير خفي لم يعلن عنه رواد النهضة الإسماعيلية. ولو أن الرسائل ~~كانت فعلا من تأليف الإمام أحمد بن عبد الله، لكان لها مكان ~~الصدارة في الأدبيات الإسماعيلية في ذلك العصر، ولاعترف بفضلها ~~عليهم أولئك المفكرون الذين وضعوا أسس العقيدة الفلسفية ~~الإسماعيلية. يضاف إلى ذلك أننا إذا سلمنا جدلا بأن آراء ~~الإسماعيلية توجد كلها في رسائل إخوان الصفاء، فإن آراء إخوان ~~الصفاء لا توجد كلها في مؤلفات الإسماعيليين، وهناك اختلاف بين ~~بين الفريقين بخصوص بعض الأفكار الاعتقادية الرئيسة، كما هو الحال ~~في نظرية الفيض التي تشكل عماد كوزمولوجيا الإخوان، والتي يرفضها ~~كل المفكرين الإسماعيليين، ويستبدلونها بنظرية الإبداع. وهذه نقطة ~~لن نتوقف عندها طويلا حتى لا ننحرف عن المنهج الذي وضعناه لهذا ~~الكتاب. # مما لا شك فيه أن الإخوان قد نشئوا في بيئة شيعية، وأنهم بشروا ~~بعقيدتهم أول ما بشروا بين الشيعة. ولكن تشيعهم كان تشيعا فضفاضا ~~انطلقوا منه لبناء عقيدة إنسانية شمولية تسمو على الحرفية ~~الأيديولوجية وعلى تعصب المذاهب التي صبت عقائدها في صيغ جامدة ~~متحجرة ... ولكي أشرح ms221 ما أعنيه بالتشيع الفضفاض يمكن أن أقارن ~~استقلال إخوان الصفاء عن الخط الشيعي الرئيس باستقلال الشيعة ~~الزيدية، مع الفارق الواسع بين الاتجاهين والجماعتين. # فقد شهدت السنوات الأولى من إمامة جعفر الصادق ظهور حركة ~~انشقاقية قادها زيد بن علي، الأخ غير الشقيق للإمام الخامس محمد ~~الباقر وعم جعفر الصادق، تميزت بالمواقف الصدامية الواضحة في مقابل ~~ما دعاه زيد بالاستكانية التي ميزت مواقف الأئمة الشيعية، وروي ~~عنه قوله إنه إذا ما رغب الإمام في اعتراف الناس به عليه أن يخرج ~~وسيفه بيده. لم يعلق زيد أهمية كبرى على الإمامة الوراثية، ونظر ~~باستخفاف إلى المفاهيم الأخروية المرتبطة بمهدية الإمام، وقال ~~بجواز انتقال الإمامة إلى أي شخص من سلالة علي دون حصرها في نسب ~~الحسين بن علي على ما تقول عامة الشيعة. وقد اعترف زيد بخلافة أبي ~~بكر وعمر وعثمان مظهرا تجاههم موقفا إيجابيا نابعا عن ~~براجماتية سياسية أوضحها بقوله الشهير عن جواز إمامة المفضول مع ~~قيام الأفضل. فعلى الرغم من أن عليا كان الأفضل لخلافة النبي، ~~إلا أن البيعة التي أعطيت للخلفاء الثلاثة الأوائل المفضولين تبقى ~~شرعية طالما أن المصلحة في ذلك الوقت تطلب ذلك. وفي هذا الموقف من ~~الخلفاء الأوائل تتفق آراء الزيدية وآراء إخوان الصفاء الذين ~~أشادوا في أكثر من موضع بأبي بكر وعمر وعثمان ودعوهم بالخلفاء ~~الراشدين، وهو نعت لم تستخدمه الشيعة، وأينما ورد ذكر أحدهم أتبعوه ~~بقولهم رضي الله عنه (9: 1، 323 و346). كما أظهر الإخوان الموقف ~~نفسه من عائشة على الرغم من مواقفها المعادية لعلي (9: 1، ~~358). # على أننا إلى جانب ما أوردناه من نصوص، وغيرها مما لم نورده، ~~والتي تبين الموقف السلبي للإخوان من مفهوم الإمامة، فإننا نجد ~~أنفسنا أمام نصوص قليلة متفرقة تؤكد الإمامة، وتستخدم في التعامل ~~معها مصطلحات إسماعيلية لا لبس فيها، ومعظمها يرد في الرسالة ~~الأخيرة، وفي الرسالة الجامعة. نقرأ في الرسالة الأخيرة على سبيل ~~المثال أن الأئمة: ~~«هم خلفاء الله تعالى، التابعون لأمره، وبهم صلاح العالم. وربما ~~كانوا ظاهرين بالعيان موجودين في المكان في دور الكشف، ms222 وبالضد من ~~ذلك في دور الستر. غير أنهم في دور الستر لا يكونون مفقودي الوجه ~~جملة من أعدائهم. فأما أولياؤهم فيعرفون مواضعهم، ومن أراد منهم ~~قصدهم تمكن منه. ولو كان غير ذلك كان منه خلو الزمان من الإمام ~~الذي هو حجة الله على خلقه، وهو تعالى لا يرفع حجته ولا يقطع الحبل ~~الممدود بينه وبين عباده، فهم [أي الأئمة] أوتاد الأرض وهم الخلفاء ~~بالحقيقة في الدورين جميعا، ففي دور الكشف يظهر ملكهم في الأجسام ~~والأرواح، وفي دور الستر يجري أمرهم في الأنفس والعقول ...» (52: 4، ~~379). # كيف نوفق بين ما يظهر في هذا المقطع من إعطاء أهمية لفكرة ~~الإمامة، وما ورد فيه من مصطلحات وأفكار إسماعيلية، وبين ما ~~أوردناه قبل ذلك من شواهد تدل على عدم أخذ الإخوان بجدية فكرة ~~الإمامة، بل وحتى صرفهم النظر عنها تماما؟ إن التفسير المنطقي ~~الوحيد لهذا التناقض في موقف الإخوان من فكرة الإمامة، وهم الذين ~~عودونا على الاتساق والبعد عن التناقض، هو أن بعض المتحمسين ~~الإسماعيليين للرسائل في الفترات المتأخرة، قد قاموا بإقحام بعض ~~المقاطع أو إعادة تحرير مقاطع أخرى من أجل التوكيد على الآراء التي ~~كانت تظهر في ذلك الوقت عن إسماعيلية الرسائل وصلة الأئمة ~~المتقدمين بتأليفها أو الإشراف على عملية تأليفها. مثل هذا التحريف ~~يبدو ممكنا إذا علمنا أن الحلقات الإسماعيلية كانت وحدها هي ~~المعنية بنسخ وتداول الرسائل بعد تفكك تنظيم الإخوان وتشتت ~~شملهم. # بين الدين والفلسفة # يؤكد الإخوان في كل مكان من رسائلهم ضرورة الالتزام بأحكام ~~الشريعة الإسلامية، لا يسقطون منها حرفا، وهم الأولى بها من ~~غيرهم: ~~«واعلم أيها الأخ أن جماعة إخوان الصفاء أحق الناس بالعبادة ~~الشرعية ومراعاة أوقاتها وأداء فروضها ومعرفة تحليلها وتحريمها؛ ~~لأنا أخص الناس بها وأولاهم بحملها وأقرب الناس إلى من جاءت على ~~يديه وأولاهم به» (50: 4، 268). # ولكن الدين الإسلامي لا يختصر إلى أوامر ونواهي الشريعة، بل له ~~جانب فلسفي يحث الإنسان على معرفة نفسه ومعرفة ربه حق المعرفة، ~~والارتقاء من رتبة الحيوانية إلى الرتبة الملائكية على طول طريق ~~الارتقاء الصاعد ms223 نحو ملكوت السماوات. وهنا يأتي دور الفلسفة التي ~~تنير لنا هذا الجانب الآخر من الدين وتعيننا على فهمه. إن غرض ~~الأنبياء والفلاسفة واحد، وهو طب النفوس وعونها على النجاة: ~~«واعلم بأن غرض الأنبياء، عليهم السلام، وواضعي النواميس الإلهية ~~[من الفلاسفة والحكماء] أجمع، غرض واحد وقصد واحد، وإن اختلفت ~~شرائعهم وسنن مفترضاتهم، وأزمان عباداتهم، وأماكن بيوتاتهم، ~~وقرابينهم وصلواتهم، كما أن غرض الأطباء كلهم غرض واحد ومقصد واحد ~~في حفظ الصحة الموجودة واسترجاع الصحة المفقودة، وإن اختلفت ~~علاجاتهم ... وذلك أن غرض الأطباء كلهم هو اكتساب الصحة للمريض ~~وحفظها على الأصحاء، ودفع الأمراض وإزالتها عن المرضى. فهكذا غرض ~~الأنبياء، عليهم السلام، وغرض جميع واضعي النواميس الإلهية من ~~الفلاسفة والحكماء. وذلك أنهم أطباء النفوس، وغرضهم هو نجاة النفوس ~~الغريقة في بحر الهيولى، وإخراجها من هاوية عالم الكون والفساد، ~~وإيصالها إلى الجنة عالم الأفلاك وسعة السماوات، [ذلك] بتذكيرها ما ~~قد نسيت من مبدئها ومعادها» (20: 2، 141). # وأيضا: ~~«ثم اعلم أن العلوم الحكمية والشريعة النبوية كلاهما أمران ~~إلهيان يتفقان في الغرض المقصود الذي هو الأصل، ويختلفان في ~~الفروع. وذلك أن الغرض الأقصى من الفلسفة هو ما قيل: إنها التشبه ~~بالإله بحسب طاقة البشر، كما بينا في رسائلنا أجمع. وعمدتها أربع ~~خصال: أولاها معرفة حقائق الموجودات، والثانية اعتقاد الآراء ~~الصحيحة، والثالثة التخلق بالأخلاق الجميلة والسجايا الحميدة، ~~والرابعة الأعمال الزكية والأفعال الحسنة. والغرض من هذه الخصال هو ~~تهذيب النفس والترقي من حال النقص إلى التمام، والخروج من حد القوة ~~إلى الفعل بالظهور؛ لتنال بذلك البقاء والدوام والخلود في النعم مع ~~أبناء جنسها من الملائكة. # وهكذا الغرض من النبوة والناموس، هو تهذيب النفس الإنسانية ~~وإصلاحها وتخليصها من جهنم عالم الكون والفساد، وإيصالها إلى الجنة ~~ونعيم أهلها في فسحة عالم الأفلاك وسعة السماوات، والتنسم من ذلك ~~الروح والريحان المذكور في القرآن. فهذا هو المقصود من العلوم ~~الحكمية والشريعة النبوية جميعا. وأما اختلافهما في الطرق المؤدية ~~إليها، فمن أجل الطبائع المختلفة والأعراض المتغايرة التي عرضت ~~للنفوس. وبذلك اختلفت موضوعات النواميس وسنن الديانات ومفروضات ms224 ~~الشرائع، كما اختلفت عقاقير الأطباء وعلاجاتها بحسب اختلاف ~~الأمراض» (28: 3، 30). # وليس ما يبدو من تناقض بين الفلسفة والدين إلا من قبيل قصور فهم ~~بعض أهل العلوم الحكمية والعلوم الشرعية: ~~«ثم اعلم أن الحكماء ~~الأولين قد تكلمت في فنون من العلوم وضروب من الآداب وغرائب من ~~الحكم كثيرة لا يحصي عددها إلا الله ... وقوم من العلماء الشرعيين ~~ينكرون أكثره، إما لقصور فهمهم عما وصف القوم، أو لتركهم النظر ~~فيها واشتغال بعلم الشرع وأحكامه، أو لعناد بينهما. وكذلك أيضا إن ~~أكثر من ينظر في العلوم الحكمية، من المبتدئين فيها والمتوسطين من ~~بينهم، يتهاونون بأمر الناموس وأحكام الشريعة ويزرون بأهله، ~~ويأنفون من الدخول تحت أحكامه إلا خوفا وكرها من قوة الملك الذي ~~هو أخو النبوة. كل ذلك لقصور فهم الفريقين جميعا عن معرفة حقائق ~~هذه الأشياء المذكورة، ولقلة علمهم بماهيات الكائنات. ولما كان ~~مذهب إخواننا الفضلاء الكرام النظر فيها جميعا والكشف عن حقائق ~~أشيائها، أعني العلوم الحكمية والنبوية جميعا، وكان هذا العلم ~~بحرا واسعا وميدانا طويلا، احتجنا أن نتكلم فيما دعت الضرورة ~~إلى عمل هذه الرسائل التي هي إحدى وخمسون رسالة، والكلام فيها ~~بأوجز ما يمكن» (28: 3، 29). # ونفوس الفلاسفة والحكماء من طينة نفوس الأنبياء، وهي أكثر قبولا ~~لفيض النفس الكلية من بقية النفوس: ~~«واعلم أن من الأنفس الجزئية ما يتصور بصورة النفس الكلية، ومنها ~~ما يقاربها، وذلك بحسب قبولها ما يفيض عليها من العلوم والمعارف ~~والأخلاق الجميلة. وكلما كانت أكثر قبولا كانت أفضل وأشرف من سائر ~~أبناء جنسها، مثل نفوس الأنبياء عليهم السلام، فإنها لما قبلت ~~بصفاء جوهرها الفيض من النفس الكلية أتت بالكتب الإلهية ... وما وضعت ~~من الشرائع العلمية النافعة للكل، والسنن العادلة الزكية، ~~فاستنقذوا بها نفوسا كثيرة غريقة في بحر الهيولى وأسر الطبيعة. ~~ومثل نفوس المحققين من الحكماء، التي استنبطت علوما كثيرة حقيقية، ~~واستخرجت صنائع بديعة، وبنت هياكل حكيمة ... وإلى مثل هذه النفوس ~~أشاروا بقولهم: ... من خاصية العقل المنفعل أن يقبل الجزء منه صورة ~~الكل» (15: 2، 10). # من هنا فإن الفلسفة لا تتفق مع الدين ms225 فقط، بل إنها تساعد على فهم ~~النص المقدس نفسه، وتفسير آياته، والكشف عن أسراره: ~~«إن نعمة الله تعالى على عباده جمة لا تفنى، ومواهبه كثيرة لا ~~تحصى، ولكن يتفاضل بعضها بعضا بحسب جزالتها وغزارتها. فمن مواهب ~~الله الجزيلة وعطاياه الجميلة لبعض عباده، التي خص بها قوما دون ~~قوم، هي الحكمة البالغة كما ذكر بقوله: ~~... ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~... # 3 # يعني به علم القرآن خاصة، وتفسير آياته ومعاني أسراره ~~وإشاراته اللطيفة ... حيث يفسر قوم آيات الله على خلاف ما هو معناه، ~~كما فسروا الاستواء بالجلوس والتمكن على العرش، و[فسروا] الرؤية ~~بالنظر إلى الجسم المشار إليه، وبالسمع والبصر فسروا الأعضاء ~~الإلهية، وفسروا الكلام بالنطق والحروف، وبالنزول الانتقال من ~~السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وغير ذلك من الآيات التي لا ~~يعرف تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون ~~ويعرفون تأويل آياته وأسراره. ويقولون: ~~... آمنا به كل من عند ربنا ... # 4 # فهذا قول الحكماء الربانيين والعلماء ~~المتفلسفين. # ثم اعلم أن لفظ الفيلسوف عند اليونانيين معناه الحكيم، والفلسفة ~~تسمى الحكمة. والحكيم هو الذي أفعاله تكون محكمة وصناعته متقنة، ~~وأقاويله صادقة، وأخلاقه جميلة، وآراؤه صحيحة، وأعماله زكية، ~~وعلومه حقيقية ...» (40: 3، 344-345). ~~«ثم اعلم أن الحكماء والعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء هم ~~سفراء الله بينه وبين خلقه ... فإذا مضت الأنبياء لسبلها خلفهم ~~العلماء والحكماء، وقاموا مقامهم ونابوا منابهم فيما كانوا يقولون ~~ويفعلون، ويعلمون الناس من معالم الدين وطريق الآخرة ومصالح ~~الدنيا. فمن قبل منهم ما قالوه وعمل بما أمروه، فهو على طريق ~~النجاة والفوز، ومن أبى وكفر به فهو على خطر عظيم وخوف من ~~الهلاك. فاحذر يا أخي مخالفة الحكماء ومعاندة العلماء، بل كن منهم ~~إذا استوى لك. وينبغي أن لا ترضى لنفسك إلا بأعلى مرتبة في العلم ~~والحكمة، فإن بذلك يكون القربة إلى الله كما ذكر بقوله: ~~... قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو ~~الألباب ~~. # 5 ~~... ويحتاج كل من يدعي أنه يعرف الحكمة ... أن يكون له قلب ms226 فارغ من ~~هموم الدنيا وأمورها، ونفس زكية، وفهم دقيق، وعقل واضح، وأخلاق ~~طاهرة، وصدر سليم من الدغل والغش والآراء الفاسدة، ويكون مرتاضا ~~بالرياضيات الحكمية الأربع، والنظر في المنطق والطبيعيات، ويكون قد ~~عرف السؤالات وأجوبتها، ثم ينظر في هذا الفن الذي يسمى علم ~~الأنبياء الملقب بعلم الإلهيات [= الحكمة]؛ لأن هذا العلم هو ~~الغاية القصوى التي ينتهي إليها الإنسان في علم المعارف» (40: 3، ~~347-348). # وقبل هذا كله لا بد من إتقان علوم الدين وأحكام الشريعة: ~~«... ويكره النظر في علوم ~~الفلسفة للأحداث والصبيان وكل من لم يتعلم علم الدين، ولا يعرف من ~~أحكام الشريعة قدر ما يحتاج إليه، وما هو فرض عليه، ولا يسعه ~~جهله وتركه. فأما من قد تعلم علم الشريعة وعرف أحكام الدين وتحقق ~~أمر الناموس، فإن نظره في علم الفلسفة لا يضره بل يزيده في علم ~~الدين تحققا، وفي أمر المعاد استبصارا، وبثواب الآخرة وبالعقاب ~~الشديد يقينا، وإليها اشتياقا، وفي الآخرة رغبة» (3: 1، ~~157). # هذه العروة الوثقى بين الدين والفلسفة تبدو واضحة في الشواهد ~~التي يوردها الإخوان، حيث يقتبسون في حيز واحد أقوالا للفلاسفة ~~والأنبياء معا، كما هو الحال في هذا المقطع الذي يستشهد فيه ~~الإخوان بأرسطو وفيثاغورس وغيرهما من الحكماء، مثلما يستشهدون ~~بأقوال الرسول: ~~«ويحكى في الحكمة القديمة أنه من قدر على خلع جسده ورفض حواسه ~~وتسكين وساوسه، وصعد إلى الفلك، جوزي هناك بأحسن الجزاء. ويقال إن ~~بطليموس كان يعشق علم النجوم، وجعل علم الهندسة سلما صعد به إلى ~~الفلك، فمسح الأفلاك وأبعادها، والكواكب وأعظامها، ثم دونه في ~~[كتاب] المجسطي. وإنما كان ذلك الصعود بالنفس لا بالجسد. # ويحكى عن هرمس المثلث بالحكمة ... إنه صعد إلى فلك زحل ودار معه ~~ثلاثين سنة، حتى شاهد جميع أحوال الفلك، ثم نزل إلى الأرض فخبر ~~الناس بعلم النجوم ... # وقال أرسطاطاليس في كتاب الثالوجيا، شبه الرمز: إني ربما خلوت ~~بنفسي وخلعت بدني، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلا في ~~ذاتي، خارجا عن جميع الأشياء، فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء ما ~~أبقى له متعجبا باهتا، ms227 فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى ~~الفاضل الشريف. # وقال فيثاغورس في الوصية الذهبية: إذا فعلت ما قلت لك يا ~~ديوجانس وفارقت هذا البدن حتى تصير نحلا في الجو، فتكون حينئذ ~~سائحا غير عائد إلى الإنسانية ولا قابل للموت. # وقال المسيح، عليه السلام، للحواريين في وصية له: إذا فارقت هذا ~~الهيكل [= البدن] فأنا واقف في الهواء عن يمنة عرش ربي، وأنا معكم ~~حيثما ذهبتم، فلا تخالفوني حتى تكونوا معي في ملكوت السماء ~~غدا. # وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لأصحابه في خطبة له طويلة: أنا واقف لكم ~~على الصراط، وإنكم ستردون على الحوض غدا، فأقربكم مني منزلا يوم ~~القيامة من خرج من الدنيا على هيئة ما تركته. ألا لا تبدلوا ~~بعدي، ألا لا تتبدلوا بعدي. # فهذه الحكايات والأخبار كلها دليل على بقاء النفس بعد مفارقة ~~الجسد، وإن الإنسان العاقل إذا استبصرت نفسه في هذه الدنيا وصفت من ~~دون الشهوات والمآثم، وزهدت في الكون ها هنا، فإنها عند مفارقة ~~الجسد لا يعوقها شيء عن الصعود إلى السماء ودخول الجنة، والكون ~~هناك مع الملائكة» (3: 1، 137-138). # ويروي الإخوان عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «أنا أرسطاطاليس ~~هذه الأمة.» فهو إلى جانب كونه صاحب شريعة، فقد كان متعمقا ~~بالفلسفة الإلهية: ~~«كان، عليه السلام، مؤمنا عارفا بالدعاء في وقت الإجابة، ولذلك ~~كان لا يرد له دعاء. وكان إماما للمسلمين والمؤمنين عارفا ~~بالفلسفة الإلهية. ولما تمت الفضيلة لواحد من أهله وأصحابه قال ~~مفتخرا: أنا أرسطاطاليس هذه الأمة» (50: 4، 263). # إن إسلام إخوان الصفاء يقوم على الميراث الروحي والثقافي ~~الإنساني بأكمله، وعلومهم مستمدة من مصادر متنوعة، وكلها تغني ~~إيمان المسلم وتفتح قلبه لفهم خوافي النص الديني، وإدراك مدلولات ~~الشرائع: ~~«إن علومنا مأخوذة من أربعة كتب: أحدها الكتب المصنفة على ألسنة ~~الحكماء والفلاسفة، من الرياضيات والطبيعيات؛ والآخر الكتب المنزلة ~~التي جاءت بها الأنبياء، صلوات الله عليهم، مثل التوراة والإنجيل ~~والفرقان وغيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من ~~الملائكة، وما فيها من الأسرار الخفية؛ والثالث الكتب ms228 الطبيعية، ~~وهي صور وأشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك، ~~وأقسام البروج، وحركات الكواكب ومقادير أجرامها، وتصاريف الزمان، ~~واستحالة الأركان، وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات ... ~~والنوع الرابع الكتب الإلهية التي لا يمسها إلا المطهرون الملائكة ~~... وهي [معرفة] جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزيئاتها، ~~وتصاريفها للأجسام، وتحريكها لها وتدبيرها إياها وتحكمها عليها، ~~وإظهار أفعالها بها ومنها حالا بعد حال، في ممر الزمان وأوقات ~~القرانات والأدوار، وانحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام، وارتفاع ~~بعضها تارة من ظلمات الجثمان، وانبعاثها من نوم الغفلة والنسيان ...» ~~(45: 4، 42). # وأيضا: ~~«واعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن لنا كتبا ~~نقرؤها مما شاهدها الناس ولا يحسنون قراءتها، وهي صورة أشكال ~~الموجودات بما هي عليه الآن ... ولنا كتاب آخر لا يشاركنا فيه ~~غيرنا ولا يفهمه سوانا؛ وهو معرفة جواهر النفوس ومراتب ~~مقاماتها، واستيلاء بعضها على بعض، وافتنان قواها، وتأثيرات ~~أفعالها في الأجسام من الأفلاك والكواكب، والأركان والمعادن ~~والنبات والحيوانات، وطبقات الناس ... فإن نشطت أيها الأخ البار ~~الرحيم، إلى قراءة هذه الكتب أنت وإخوانك؛ لتعلم ما فيها وتفهم ~~معانيها وتعرف أسرارها، فهلم إلى حضور مجلس إخوان لك فضلاء ~~وأصدقاء لك كرام، تسمع أقاويلهم وترى شمائلهم وتعرف سيرتهم، لعلك ~~تتخلق بأخلاقهم وتتهذب بآدابهم فتنبه نفسك من نوم الغفلة، وتستيقظ ~~من رقدة الجهالة ... فترى ما قد أبصروه بعيون قلوبهم، وتشاهد ما قد ~~عاينوه بصفاء جواهر نفوسهم، وتنظر إلى ما نظروا إليه بنور عقولهم، ~~وتفهم معاني هذه الكتب الأربعة كما فهموها ...» (48: 4، ~~167-168). # وعلى الرغم من أولوية العقل على النقل عند الإخوان، إلا أنهم ~~يعطون الأسبقية للإيمان على العلم الذي يلي لاحقا، وعلى الإنسان ~~ألا يطلب البرهان أولا، بل يبتدئ بالتصديق ثم يطلب البرهان ~~الفلسفي بعد ذلك: ~~«إن الحكماء قالوا: إن العلم هو تصور النفس رسوم المعلومات في ~~ذاتها. فإذا كان العلم هو هذا فليس كل ما يرد الخبر به من طريق ~~السمع تتصوره النفس بحقيقته؛ فإذن لا يكون ذلك علما بل إيمانا ~~وإقرارا وتصديقا. ومن أجل هذا دعت الأنبياء أممها ms229 إلى الإقرار ~~أولا ثم طالبوها بالتصديق بعد البيان، ثم حثوهم على طلب المعارف ~~الحقيقية. والدليل على صحة ما قلنا قول الله عز وجل: # الذين يؤمنون بالغيب ... ~~، # 6 # ولم يقل يعلمون بالغيب. ثم حثهم على طلب العلم بقوله: ~~... فاتقوا الله يا أولي ~~الألباب ... # 7 # ثم مدح فقال: ~~... يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ... # 8 ~~... الذين أوتوا العلم ~~والإيمان ... # 9 # فكفى بهذا فرقا بين العلم والإيمان ... # واعلم يا أخي أن الناس كلهم في المعارف على أربع منازل: فمنهم من ~~قد رزق العلم ولم يرزق الإيمان، ومنهم من رزق الإيمان ولم يرزق ~~العلم، ومنهم من قد وفر حظه منهما جميعا، ومنهم من قد حرمهما ~~جميعا ... وأما الذين أوتوا الإيمان ولم يرزقوا العلم، فهم طائفة ~~من الناس المقرين بما في كتب الأنبياء، عليهم السلام، من أخبار ~~البعث وأمر المبدأ والمعاد، وأحوال الملائكة ومقاماتهم، وحديث ~~البعث والقيامة والحشر والنشر ... وما شاكلها من الأمور الغائبة عن ~~الحواس، البعيدة عن تصور الأوهام. وهم، مع قلة علمهم، ساكنة نفوسهم ~~ما أخبرت به الأنبياء، وما أشارت إليه الحكماء من الثواب في المعاد ~~ونعيم الجنان، ومصدقون لهم في السر والإعلان، راغبون فيها، طالبون ~~لها، عاملون من أجلها، ولكنهم تاركون البحث عنها والكشف لها والنظر ~~في حقائقها ... # وأما الذين رزقوا حظا من العلم ولم يرزقوا الإيمان، فهم طائفة ~~من الناس نظروا في كتب الفلاسفة والحكماء، وبحثوا عنها، وارتاضوا ~~بما فيها من الآداب، مثل الهندسة والتنجيم والطب والمنطق والجدل ~~والطبيعيات، وما شاكلها، فأعجبوا بها وتركوا النظر في كتب النواميس ~~والتنزيلات النبوية ... فعميت عليهم الأنباء فهم شاكون في حقائقها، ~~متحيرون في معرفة معانيها، جاهلون بلطيف أسرارها، غافلون عن عظيم ~~شأنها، وإليهم أشار بقوله: ~~... فرحوا بما ~~عندهم من العلم ... ~~. # 10 # وأما الذين حرموا العلم والإيمان جميعا، فهم طائفة من الذين ~~أترفوا في هذه الحياة الدنيا، فهم مشغولون الليل والنهار في طلب ~~شهواتها، مغرورون بعاجل حلاوات لذات نعيمها، تاركون لطلب الآداب، ~~معرضون عن العلم وأهله، غافلون عن أمر الديانات وأحكام الشرائع ... ~~وإليهم ms230 أشار بقوله: ~~... وأترفناهم في ~~الحياة الدنيا ... # 11 ~~... # فأما الذين أوتوا من العلم والإيمان حظا جزيلا، فهم إخواننا ~~الفضلاء الكرام الأخيار الذين أشار إليهم بقوله: ~~... يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات ... ~~. # 12 # وقد أخبرنا عن مذهبهم، وعرفناكم أخلاقهم، وبينا ~~آراءهم، وأوضحنا أسرارهم في إحدى وخمسين رسالة ... # واعلم يا أخي أن الإيمان يورث العلم لأنه متقدم الوجود على ~~العلم. ومن أجل هذا دعت الأنبياء، عليهم السلام، الأمم إلى الإقرار ~~أولا بما خبرتهم، والتصديق بما كان غائبا عنهم عن إدراك حواسهم ~~وتصور أوهامهم، فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند ذلك المؤمنين. ثم ~~طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر الله: ~~... ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه ... # 13 # فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديقين، كما قال ~~تعالى: # والذي جاء بالصدق وصدق ~~به أولئك هم المتقون # 14 ~~... ~~... واعلم أنك أيضا محتاج إلى الإيمان والتصديق لقول المخبر لك، ~~الذي هو فوقك في العلم وأعلى منك في المعارف؛ لأنك إن لم تؤمن بما ~~يخبرك به حرمت أشرف العلوم وأجل المعارف. وتعلم أنه ليس لك طريق ~~إلى تصديق المخبر لك في أول الأمر إلا حسن الظن بصدقه، ثم على ممر ~~الأوقات تتبين لك حقيقة ذلك. فلا تطلبه بالبرهان في أول الأمر، ~~ولكن اجتهد في أن تتصور في فكرك ما تسمع بأذنك، ثم اطلب السبيل ~~والبرهان بعد ذلك. ولا ترض بالتقليد إذا توسطت في العلم، ولا ~~تطلب البرهان في أوله ...» (46: 4، 62-66). # وإذا كان الإخوان أحق الناس بالعبادة الشرعية وأداء فروضها، كما ~~قدمنا سابقا، فإن لهم إلى جانبها عبادات فلسفية تقام في مواعيد ~~محددة، ويكون لمن اقتدى بها بعد ذلك أعياد فلسفية أيضا: ~~«فأما العبادتان فإحداهما الشرعية الناموسية باتباع صاحب الناموس ~~والانقياد إلى أوامره ونواهيه، والمسارعة إلى ما جاء به وقضاه وحكم ~~به على من استجاب إليه ... والنظر إلى أفعال النبي # صلى الله عليه وسلم # والاقتداء بأفعاله، والتشبه به في جميع أفعاله، كما ~~قال الله: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~... ~~، # 15 # والتضرع إلى الله سبحانه بالدعاء والابتهال في ms231 وقت ~~الاجتماعات في الأعياد والجمعات ... وأما العبادة الثانية فهي ~~العبادة الفلسفية الإلهية، وهي الإقرار بتوحيد الله عز وجل ~~... # فاعلم يا أخي أنك متى كنت مقصرا في العبادة الشرعية فلا يجب لك ~~أن تتعرض لشيء من العبادة الفلسفية وإلا هلكت وأهلكت وضللت وأضللت، ~~وذلك أن العمل بالشريعة الناموسية، والقيام بواجب العبادة فيها، ~~ولزوم الطاعة لصاحبها، عليه السلام، إسلام، # 16 # والعلم بالعبادة الفلسفية الإلهية إيمان. ولا يكون ~~المؤمن مؤمنا حتى يكون مسلما، والإسلام سابق على الإيمان كما قال ~~الله تعالى: # قالت الأعراب آمنا ~~قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم ... # 17 # وإنما تخصص أصحاب الرسول بعده بالصبر الذي رأوه كان ~~يستعمله في العبادة والطاعة لربه فرضا على نفسه وتعليما لأصحابه، ~~فقام بالأمرين وكمل بالمنزلتين وحاز الفضيلتين؛ لأنه كان مسلما ~~مؤمنا عارفا بالدعاء في وقت الإجابة، ولذلك كان لا يرد له ~~دعاء، وكان إماما للمسلمين والمؤمنين، عارفا بالفلسفة ~~الإلهية. # وأما العبادة الفلسفية ~~الإلهية فإن أول درجة منها، وهي التي كانت الفلاسفة القدماء ~~والأجلة العلماء يأخذون بها أولادهم وتلامذتهم بعد تعليمهم أحكام ~~السياسات الجسمانية والنفسانية والعبادات الناموسية الشرعية، أن ~~يكون لهم في كل شهر من شهور السنة اليونانية ثلاثة أيام في كل شهر: ~~يوم في أوله، ويوم في وسطه، ويوم في آخره. # فأما اليوم الأول من الشهر، فيجب له أن يتطهر أنظف طهور، ويتبخر ~~بأطيب ما يقدر عليه من البخور، ولا يفرط في طهارته وصلواته ~~المفروضة عليه في شريعة الناموس. فإذا انقلب من محراب صلاة العشاء ~~الآخرة، جلس يسبح الله ويقدسه ويهلله ويكبره إلى أن يمضي من ~~الليل الثلث الأول. ثم يقوم ويجدد الوضوء ويسبغ الطهارة ليكون ~~طهور على طهور ونور على نور، ويبرز من بيته إلى أن يحصل تحت السماء ~~بحذاء الجدي، وهو النجم الذي يهتدى به ... فيتأمل الكتاب المبين ~~ويتدبر آياته ويرى الملكوت دائما، وهو يسبح الله ويقدسه ولا يدع ~~التكبير والتهليل ... ولا يزال كذلك حتى يذهب من الليل الثلثان، ~~فيكون الثلث الأول قياما بعبادة الناموس، والثلث الثاني ms232 قياما في ~~التفكير في الملكوت. # فإذا زال أوان الثلث ~~الأوسط هبط إلى الأرض ساجدا بتذلل وخضوع لباريه، فلا يزال كذلك ما ~~قدر عليه، ثم يرفع رأسه ببكاء واستغفار وتوبة واستعبار، فيعدد ~~ذنوبه على نفسه، وينوي التوجه بحسناته وصالح أعماله، ويدعو بالدعاء ~~الأفلاطوني والتوسل الإدريسي [= الهرمسي]، والمناجاة الأرسططالية ~~المذكورة في كتبهم. فلا يزال كذلك حتى يبدو الفجر، فيقوم فيسبغ ~~الوضوء ويتطهر، فيرجع إلى محرابه فيصلي صلاة الفجر، ويجلس في مكانه ~~إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس وأقبل أول النهار، ذبح بيده ~~إذا كان ممن قد اعتاد ذلك ما قدر عليه من محلل الحيوان، ويأمر ~~بإصلاح ما كان من الطعام، ويأذن لأهله وإخوانه بالدخول عليه ~~والوصول إليه، ويحضر ذلك بين أيديهم. فإذا فرغوا من طعامهم حمدوا ~~الله، جل وعز اسمه، وشكروه وخروا له سجدا شكرا له بما من ~~عليهم. ثم يخرج إليهم من الحكمة بحسب ما يوجبه الزمان ويسعه ~~المكان. ولا يزالون كذلك بقية يومهم إلى الوقت من [صلاة] العشاء ~~الآخرة. فيرجعون إلى منازلهم ... إلى اليوم الثاني [في وسط الشهر] ~~وهو يوم ليلة البدر ... فيفعل في تلك الليلة وصبيحة ذلك اليوم كما ~~فعل في اليوم الأول وأزيد قليلا ... ثم في آخر الشهر وهو اليوم ~~الخامس والعشرون ... # ويكون لمن اقتدى بهذه السنة ثلاثة أعياد: العيد الأول يوم ~~نزول الشمس برج الحمل، وذلك أنه في هذا اليوم يستوي الليل والنهار ~~في الأقاليم، ويعتدل الزمان، ويطيب الهواء ... ويذوب الثلج، وتسيل ~~الأودية ... وينبت العشب، ويطول الزرع ... وكان الحكماء في هذا اليوم ~~يجتمعون ويجمعون أولادهم وشبان تلامذتهم بأحسن زينة وأنظف طهور إلى ~~الهياكل التي كانت لهم، ويذبحون الذبائح الطاهرة ... فإذا أكلوا ~~وفرحوا أخذوا في استعمال الموسيقى بالنقرات المحركة للأنفس إلى ~~معالي الأمور، والنغمات اللذيذة بتلاوة الحكمة ونشر العلم، فيكون ~~بذلك راحة النفس وكمال الأنس، فلا يزالون كذلك بقية يومهم ثم ~~ينصرفون إلى أشغالهم. ولهذا اليوم اسم باليونانية [وهو] نوء ~~الربيع. # فإذا نزلت الشمس أول السرطان، فإن ذلك اليوم [هو] العيد الثاني: ~~نوء الصيف. وفيه يتناهي طول ms233 النهار وقصر الليل، وانصراف الربيع، ~~ومجيء الصيف، واشتداد الحر وهبوب السمائم، ونقصان المياه، ويبس ~~العشب، واستحكام الحب، وإدراك الحصاد والثمار. فيكون ذلك اليوم ~~عيدا لاستقبال زمان جديد تابع للزمان الأول ... # فإذا نزلت [الشمس] أول دقيقة من برج الميزان، استوى الليل ~~والنهار مرة أخرى، ودخل الخريف، وطاب الهواء، وهبت رياح الشمال ... ~~فيكون ذلك اليوم أيضا يوم عيد، فيدخلون إلى الهيكل المبني لذلك ~~اليوم، ويكون استعمالهم من الأكل ما يوافق طبيعة ذلك اليوم ~~والزمان، ومن نشر العلم ما لاق به، ولا عيد لهم بعده إلى أن تبلغ ~~الشمس آخر القوس أول الجدي. # العيد الرابع يتناهى طول الليل وقصر النهار، ويأخذ الليل في ~~النقصان والنهار في الزيادة، وينصرف الخريف، ويدخل الشتاء ويشتد ~~البرد ... ويتساقط ورق الشجر ويموت أكثر النبات ... وكانت الحكماء تتخذ ~~هذا اليوم يوم حزن وكآبة وندم واستغفار، وكانوا يصومونه ولا يفطرون ~~فيه» (50: 4، 261-268). # والإخوان إذ يتبنون هذه الأعياد الفلسفية القديمة، فلأنها تتطابق ~~مع مناسبات معينة في تاريخ التنظيم غامضة علينا، ويصعب إلقاء ~~الأضواء عليها في ظل الوضع الحالي لمعلوماتنا عنهم. وهم في الإشارة ~~إليها لا يزيدوننا إلا غموضا: ~~«فأعيادنا أيها الأخ هي أشخاص ناطقة وأنفس فعالة تفعل بإذن ربها ~~ما يوحيه إليها ويلهمها من الأفعال والأعمال. فاليوم الأول من ~~أيامنا والعيد الفاضل من أعيادنا هو يوم خروج أول القائمين # 18 # منا، ويكون اليوم الموافق له لنزول الشمس برج ~~الحمل، لمجيء الربيع والخصب والنعمة ... وهو يوم فرح وسرور لنا ~~ولجميع إخواننا. واليوم الثاني هو يوم قيام الثاني، الموافق يوم ~~قيامه يوم نزول الشمس أول السرطان في تناهي طول الليل وقصر النهار؛ ~~إذ كان فيه تصرم دولة أهل الجور وانقضاؤها، وهو فرح وسرور ~~واستبشار. واليوم الثالث هو يوم قيامة ثالثنا الموافق لنزول الشمس ~~أول الميزان واستواء الليل والنهار، ودخول الخريف، وهي مقاومة ~~الباطل الحق، وكون الأمر على خلاف ما كان عليه. ثم اليوم الرابع ~~يوم الحزن والكآبة، يوم رجوعنا إلى كهفنا وكهف التقية والاستتار، ~~وكون الأمر على ما قال صاحب الشريعة: إن الإسلام ms234 ظهر غريبا وسيعود ~~غريبا، فيا طوبى للغرباء» # 19 ~~(50: 4، 269-270). # ويختم الإخوان حديثهم عن الأعياد بنص أكثر غموضا عن قربان إخوان ~~الصفاء: ~~«واعلم أيها الأخ أن القربان كما ذكرنا قربانان: شرعي وفلسفي لا ~~ثالث لهما. فأما القربان الشرعي فهو المأمور به في الحج من ذبح ~~الحيوانات المذكورة الموصوفة على شرائطها ... وأما الفلسفي فهو مثل ~~ذلك إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى الله سبحانه بتسليمها ~~إلى الموت وترك الخوف، كما فعل سقراط لما شرب السم المذكورة قصته ~~في كتاب فأذن، وكاستبشار أرسطاطاليس لما نزل الموت به لما حزن عليه ~~تلامذته وما كان من خطابه به ووصيته المذكورة في رسالة ~~التفاحة. # واعلم أيها الأخ أن أعظم القرابين هو ترك النفس محبة الدنيا، ~~والزهد فيها، وقلة الخوف من الموت وتمنيه. # وأما قربان إخوان الصفاء فهو قربان يجمع هذه الخصال كلها بأسرها ~~شرعيها وفلسفيها، وهو التقرب بما تقرب به إبراهيم من الكبش الممنون ~~به عليه فداء لولده الذي قد رعى في أرض الجنة أربعين خروفا. فإن ~~تمكنت أن تتقرب بكبش رعى في أرض الجنة ولو شبرا، فافعل ولا تقعد ~~عنه، واجتهد في ذلك لتكون قد بلغت المجهود وأقمت المثل، وعمرت عالم ~~الله تعالى. وأرجو أن يوفقك الله لفهم ما تسمع ويجعلك من أهله» ~~(50: 4، 270-271). # الظاهر والباطن # تتخلل ثنائية الظاهر والباطن رسائل الإخوان من أولها إلى آخرها، ~~وكل ما في الوجود له ظاهر وباطن بما في ذلك الإنسان الذي يمتلك ~~جسدا ظاهرا ونفسا خفية: ~~«اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الإنسان لما كان ~~هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية، وهما جوهران متباينان ~~في الصفات، متضادان في الأحوال، ومشتركان في الأفعال العارضة ~~والصفات الزائلة، صار الإنسان من أجل جسده الجسماني مريدا للبقاء ~~في الدنيا متمنيا الخلود فيها، ومن أجل نفسه الروحانية صار طالبا ~~للدار الآخرة متمنيا للبلوغ إليها. وهكذا أكثر أمور الإنسان ~~وتصرف أحواله مثنوية متضادة، كالحياة والممات والنوم واليقظة ~~والعلم والجهالة» (7: 1، 259). ~~«فلما كان الإنسان هو جملة مركبة من جسد جسماني ms235 ظاهر جلي، ومن ~~نفس روحانية باطنة خفية، صارت أحكام الدين والإسلام وحدود الشريعة ~~على وجهين ظاهر وباطن. والظاهر هو أعمال الجوارح، والباطن هو ~~اعتقادات الأسرار في الضمائر، وهو الأصل، كما قال، عليه السلام: ~~الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى» (42: 3، 486). ~~«فاعلم يا أخي بأن لكل شيء من الموجودات في هذا العالم ظاهرا ~~وباطنا. وظواهر الأمور قشور وعظام، وبواطنها لب ومخ، وأن الناموس ~~هو أحد الأشياء الموجودة في هذا العالم منذ كان الناس، وله أحكام ~~وحدود ظاهرة بينة يعلمها أهل الشريعة وعلماء أحكامها من الخاص ~~والعام، ولأحكامه وحدوده أسرار وبواطن لا يعرفها إلا الخواص منهم ~~والراسخون في العلم» (9: 1، 328). ~~«ثم اعلم، أيدك الله، أن علم الدين وآدابه وما يتعلق به نوعان: ~~فمنها ظاهر جلي، ومنها ما هو باطن خفي، ومنها ما هو بين ذلك. ~~وأولى ما يصلح للعامة من حكم الدين وآدابه ما كان ظاهرا جليا ~~مكشوفا، مثل علم الصلاة والصوم، والزكاة والصدقات ... وما شاكلها ~~تعليما وتسليما وإيمانا. وأولى علوم الدين بالمتوسطين بين ~~الخاصة والعامة هو التفقه في أحكامها، والبحث عن السيرة العادلة، ~~والنظر في معاني الألفاظ مثل التفسير والتنزيل والتأويل، والنظر في ~~المحكمات والمتشابهات، وطلب الحجة والبرهان، وأن لا يرضى من الدين ~~تقليدا إذا كان يمكنه الاجتهاد ودقة النظر. # والذي يصلح للخواص البالغين في الحكمة الراسخين في العلوم من علم ~~الدين أن يطلبوه ... هو النظر في أسرار الدين وبواطن الأمور الخفية، ~~وأسرارها المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون ... وهي البحث عن ~~مرامي أصحاب النواميس في رموزهم وإشاراتهم اللطيفة، المأخوذة ~~معانيها عن الملائكة، وما تأويلها وحقيقة معانيها الموجودة في ~~التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف الأنبياء عليهم السلام، من ~~الأخبار عن بدء كون العالم وخلق السماوات في ستة أيام، ثم استوى ~~على العرش، وخلق آدم الأول الترابي، وأخذ الميثاق عليه وعلى ~~ذريته، وعتاب الملائكة لربها ... وما شاكل هذه الإشارات والمرامي عن ~~أمور قد مضت مع الزمان وانقضت مع الأيام، وما ينتظر في المستقبل ~~كالمكث في البرزخ، والبعث والقيامة ... وما شاكل هذه الأمور المذكورة ~~في ms236 كتب الأنبياء» (42: 3، 511). ~~«واعلم أن الله تعالى جعل الدين طريقا من الدنيا إلى الآخرة، ~~وجعل في قوام الدين صلاحا للدنيا والآخرة جميعا. وذلك أن الدين ~~له ظاهر وباطن وقوامه بها جميعا. فمن الناس من لا يريد بتمسكه ~~بالدين إلا صلاح الدنيا ومنافعها، فيحرص في أحكام الدين وشريعته من ~~الصلاة والصوم وما شاكلهما، ويرائي الناس وبذلك يطلب منافع الدنيا، ~~فيكون في حفظه أحكام الدين قوام له، كما قيل: إن الله ينصر هذا ~~الدين بأقوام لا خلاق لهم. ومن الناس من يريد الدنيا لطلب الآخرة ~~وصلاح المعاد، فهم يزهدون في الدنيا ويتركون الشرور، ويؤدون ~~الأمانات سرا وإعلانا، ويعاملون الناس بالصدق ... وفي ذلك صلاح ~~أمر الدنيا والآخرة جميعا» (42: 3، 492). ~~«اعلم أن اعتقادات الناس ~~كثيرة لا يحصى عددها إلا الله تعالى، ولكن لا تخرج كلها من ثلاثة ~~أنواع: فمنها ما يصلح للخاص دون العام، ومنها ما للعام دون الخاص، ~~ومنها ما بين الخاص والعام» (42: 3، 452). وذلك بحسب استعداداتهم ~~لفهم ما يلقى إليهم: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله ~~وإيانا بروح منه، أنه لما كان العقلاء متفاوتي الدرجات في ذكاء ~~نفوسهم، وصفاء أذهانهم وجودة تميزهم، صاروا أيضا متفاوتي الدرجات ~~في العلوم والمعارف. ولما كان الأمر كما وصفنا، لم يكن أن يخاطبوا ~~بصريح الحقائق خطابا واحدا، إلا بألفاظ مشتركة المعاني، ليحمل كل ~~ذي لب وعقل وتمييز بحسب طاقته واتساعه في المعارف والعلوم، كما ذكر ~~الله، جل ثناؤه، بقوله على سبيل المثال: # أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها ... # 20 # قال المفسرون معنى هذه الآية وتأويلها أنه أنزل القرآن ~~من السماء إلى الأرض، كما أنزل المطر من الغيم، فاحتملت القلوب من ~~علم القرآن بحسب اتساعها في المعارف وصفاء جواهر النفوس، كما تحمل ~~الأودية من سيل المطر بحسب سعتها وجريانها. ثم افهم أن لفظ القلب ~~ليس هو قطعة لحم صنوبري الشكل، المعلقة من الصدر الموجود في أكثر ~~الحيوانات؛ وليس المراد من القلب ها هنا ذاك، بل مراد إخواننا أمر ~~وراء ذلك وهي النفس» (38: 3، 299-300). # من هنا فإن الأنبياء صرحوا للخواص دون استخدام ms237 الرموز، ورمزوا ~~للعوام بمعان محتملة للتأويل بما تفهمها عقولهم وتقبلها ~~نفوسهم: ~~«واعلم يا أخي أن الأنبياء يستعملون في خطابهم للناس ألفاظا ~~مشتركة المعاني، لكيما يفهم كل إنسان بحسب ما يحتمل عقله؛ لأن ~~المستمعين لألفاظهم وقراء تنزيلات كتبهم متفاوتون في درجات ~~عقولهم: فمنهم خاص، ومنهم عام، ومنهم بين ذلك. فالعامة يفهمون من ~~تلك الألفاظ معاني، والخاصة يفهمون معاني أخرى أدق وألطف. وفي ذلك ~~صلاح للجميع؛ لأنه قد قيل في الحكمة: كلموا الناس على قدر عقولهم. ~~وقال المسيح، عليه السلام، للحواريين: لا تضيعوا الحكمة فتضعوها ~~عند غير أهلها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (46: 4، 122). # وأيضا: ~~«وإنما يستعمل صاحب ~~النواميس هذه الألفاظ في تنزيله وخطبه؛ لأن كلامه على العموم ~~للناس: الخاص والعام. وفي المخاطبين: نساء وصبيان، وعلماء وجهال، ~~وعقلاء وأغبياء. ما بين ذلك إلا لكي يعقل ويكمل كل إنسان ~~منهم معاني ألفاظه بحسب فهمه وذكائه وصفاء جوهره، فلا يخلو أحد ~~منهم من فائدة إذا سمعوا قراءة التنزيل. وهذا هو من أجل المعجزات ~~في كتب الأنبياء، وخاصة القرآن منها. ومن أجل هذا قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف. كل آية لها ~~ظاهر وباطن» (42: 3، 488). # وأيضا: ~~«فإذا تحققت هذه الآراء في نفس واضع الشريعة، وتصورها في فكرة ~~كأنه يشاهد يقينا لا شك فيه، دعا عند ذلك إليها أهل دعوته الذين ~~أرسل إليهم، ويجتهد في إنبائهم ما قد اعتقده [وذلك] بالتصريح عنها ~~للخواص من أهل دعوته في السر والإعلان، غير مرموز ولا مكتوم، ثم ~~يشير إليها ويرمز عنها عند العوام بالألفاظ المشتركة، والمعاني ~~المحتملة للتأويل بما يعقلها الجمهور وتقبلها نفوسهم. فمن فهم تلك ~~المعاني وتصور حقائق تلك الأمور التي أشار إليها واضع الشريعة، ~~وتيقن بها، ودام بعد نصرتها مجتهدا في معاونته، محتملا للضيم، ~~صابرا في السر أو الضر طلبا لمرضاة الله تعالى، سماهم واضع ~~الشريعة الصديقين والشهداء والصالحين ... وإنما سماهم الشهداء ~~لمشاهدتهم لتلك الأمور الروحانية المفارقة للهيولى، يعني به: جنة ~~الحياة ونعيمها، وسماهم الصديقين؛ لتصديقهم لها بالطلب والاجتهاد ~~... # فأما من قصر ms238 فهمه عن معرفة تلك المعاني، وعن تصور تلك الأمور ~~بحقائقها، فأقر بما أخبره واضع الشريعة، وصدقه على ما قال، وقام ~~معه بنصرته مجتهدا في معاونته، صابرا تحت أمره ونهيه، سماهم واضع ~~الشريعة المؤمنين، ومدحهم الله تعالى وأثنى عليهم من جهة إيمانهم ~~بما أخبرهم، وتصديقهم له واجتهادهم معه في نصرته ومعاونته فقال: # وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات ... ~~. # 21 # وأما من أقر بلسانه وشك فيما قال بقلبه سماهم ~~المسلمين، وذمهم الله تعالى قال: # قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ... ~~» # 22 ~~(47: 4، 132). # والناجون من أسر الطبيعة المرشحون للرتبة الملائكية هم أهل ~~الباطن الذين وفقوا لفهم معاني الكتب الإلهية وأسرار موضوعات ~~الشريعة. أما أهل الظاهر فلعلهم ينجون بشفاعة أهل الباطن: ~~«واعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة، وهي الألفاظ المقروءة ~~المسموعة، ولها تأويلات خفية باطنة ... وفي استعمال أحكامها الظاهرة ~~صلاح للمستعملين في دنياهم ، وفي معرفة أسرارها الخفية صلاح لهم في ~~أمر معادهم وآخرتهم. فمن وفق لفهم معاني الكتب الإلهية، وأرشد ~~إلى معرفة أسرار موضوعات الشريعة، واجتهد في العمل بالسنة الحسنة ~~والسير بسيرته العادلة، فإن تلك النفوس هي التي إذا فارقت الجسد ~~ارتفعت إلى رتبة الملائكة التي هي جنات لها، وهي ثماني مراتب، ~~وفازت ونجت من الهيولى ذي ثلاث الشعب التي هي الطول والعرض ~~والعمق ... ومن لم يرشد لفهم تلك المعاني ولا معرفة تلك الأسرار، ~~ولكن وفق للعمل بسنته العادلة وأحكامه الظاهرة، فإن تلك النفوس ~~عند مفارقتها الجسد تبقى محفوظة على صورة الإنسانية التي هي الصراط ~~المستقيم إلى أن يتفق لها الجواز على الصراط المستقيم» # 23 ~~(47: 4، 138). # وأيضا: ~~«فقد بينا أن خير صناعة تبلغ إليها طاقة البشر وضع الناموس ~~الإلهي ... فاجتهد يا أخي في معرفة أسراره، لعل نفسك تنتبه من نوم ~~الغفلة ورقدة الجهالة، وتحيا بروح المعارف العقلية، فتعيش بعيش ~~العلماء الربانيين، وتنال نعيم عالم الروحانيين في جوار الملائكة ~~المقربين مخلدا أبد الآبدين، فإن لم يستو لك ذلك فكن خادما في ~~الناموس بحفظ أحكامه والقيام بحدوده، لعلك تنجو بشفاعة أهله من بحر ~~الهيولى وأسر الطبيعة وهاوية ms239 عالم الأجسام، بالكون والفساد ذوي ~~الآلام» (8: 1، 295). # إن ثنائية الظاهر والباطن في الدين تجعل من تأويل النص الديني ~~ضرورة لا غنى عنها؛ لأن غرض واضعي النواميس الإلهية بعيد الغور، ~~وقد جاءوا بكلام محتمل للمعاني؛ لتفهم كل طبقة من الناس منه على ~~قدر مبلغها من العلوم: ~~«واعلم أن الحق هو غاية ليست وراءها نهاية، ولكن دونها أمور ~~متشابهة مشكلة. واعلم أن الألفاظ محتملة للمعاني، والأوهام تذهب في ~~طلبها كل مذهب. فينبغي لك إذا سمعت لفظة محتملة للمعاني ألا تحكم ~~عليها حكما دون أن تتبين بعقلك كل المعاني التي تحتملها تلك ~~اللفظة، لعلك تفهم الغرض الأقصى الذي هو الصواب، وتبلغ الغاية ~~القصوى التي هي الحق. # واعلم أن غرض واضعي النواميس الإلهية بعيد الغور جدا في أحكام ~~النواميس، لا يتصور لك في أول وهلة، ولكن بعد النظر الشافي والبحث ~~الشديد» (46: 4، 78). # ففي النص الديني إشارات ورموز مثل: ~~«سبب بدء كون العالم بعد أن لم يكن، ووقوع النفس وغرورها وخلق ~~آدم الأول وسبب عصيانه، وحديث الملائكة وسجودهم لآدم، وقصة إبليس ~~والجان واستكباره عن السجود، وشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى، ~~وسبب أخذ الميثاق إلى ذرية آدم، وأخبار القيامة والنفخ في الصور ~~والبعث والنشور والحساب، وفصل القضاء، والجواز على الصراط، وزيارة ~~الرب تبارك وتعالى، وما شاكل هذا من الأخبار المذكورة في كتب ~~الأنبياء، صلوات الله عليهم، وما حقائق معانيها؛ لأن في الناس ~~أقواما عقلاء مميزين متفلسفين، إذا فكروا في هذه الأشياء وقاسوها ~~بعقولهم لا تتصور لهم معانيها الحقيقية، وإذا حملوها على ما يدل ~~عليه ظاهر ألفاظ التنزيل لا تقبله عقولهم، فيقعون عند ذلك في ~~الشكوك والحيرة، وإذا طالت تلك الحيرة بهم أنكروها بقلوبهم، وإن ~~كانوا لا يظهرون ذلك باللسان مخافة السيف. # وفي الناس أقوام دونهم في العلم والتمييز يؤمنون ويعلمون أنها ~~الحق، وأقوام آخرون يأخذونها تقليدا ولا يتفكرون فيها. وفي الناس ~~طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل نفرت نفوسهم منها واشمأزوا عن ~~ذكرها، وينسبون المتكلم أو السائل عنها إلى الكفر والزندقة والتكلف ~~لما لا ينبغي ... وفي الناس ms240 طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل تطلعت ~~همم نفوسهم إلى أجوبتها ورغبت في معرفة معانيها، فإذا سمعوا الجواب ~~عنها قبلتها بلا حجة ولا برهان، ولكن على التقليد. أولئك قوم ~~نفوسهم سليمة بعد لم تتعوج بالآراء الفاسدة ولم تستغرق بعد في ~~نوم الجهالة، فيحتاج المذكر إلى أن يسلك بهم طريقة التعليم إلى ~~التدريج ... وفي الناس طائفة من أهل العلم قد نظروا في بعض العلوم ~~وأقروا بعض كتب الحكماء ... قد تكلموا في مثل هذه المسائل وأجابوا ~~عنها بجوابات مختلفة، ولم يتفقوا على شيء واحد ولا صح لهم فيها رأي ~~واحد، بل وقعت بينهم في ذلك منازعات ومناقضات. كل ذلك لأنهم لم يكن ~~لهم أصل واحد صحيح ولا قياس واحد مستو يمكن أن يجاب به عن هذه ~~المسائل ... ~~... ونحن لا نرخص لأحد بالنظر في مثل هذه الأشياء ولا السؤال عنها ~~إلا بعد تهذيب نفسه بمثل ما قلناه ووصفناه ... فمن أجل هذا وجب على ~~الحكماء، إذا أردوا فتح باب الحكمة للمتعلمين # 24 # وكشف الأسرار للمريدين، أن يروضوهم أولا، ويهذبوا ~~نفوسهم بالتأديب، كيما تصفو نفوسهم وتطهر أخلاقهم؛ لأن الحكمة ~~كالعروس تريد لها مجلسا خاليا فإنها من كنوز الآخرة، وإن الحكم ~~إذا لم يفعل ما هو واجب في الحكمة من رياضة المتعلمين قبل أن يكشف ~~لهم أسرار الحكمة، فيكون مثله في ذلك كمثل حاجب ملك أذن لقوم ~~بله بالدخول على الملك من غير تأديب ولا ترتيب» (43: 4، ~~9-13). # وللإخوان من التأويل موقف اعتزالي يقوم على تحكيم العقل في فهم ~~النص الديني ورد المتشابه منه إلى المحكم. فالمؤولون هم أهل ~~العقل الراسخون في العلم، والإخوان يقرءون الآية 7 من سورة آل ~~عمران على الشكل الآتي: ~~... وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا ... # 25 # فالواو قبل كلمة «الراسخون» هي واو العطف، والذي يعرف ~~تأويل الآيات المتشابهات هو الله والراسخون في العلم، الذين ~~يقولون: آمنا به ... الآية. وكما أوردنا من أقوالهم في موضع سابق، ~~فإن: «أفضل الإنسان هم العقلاء، وأخيار العقلاء هم ms241 العلماء، وأعلى ~~العلماء درجة وأرفعهم منزلة هم الأنبياء، عليهم السلام، ثم بعدهم ~~في الرتبة الفلاسفة الحكماء» (47: 4، 124). # فالعقل هو الرئيس، والهادي والمرشد للفضلاء من خلق الله: «ونحن ~~قد رضينا بالرئيس على جماعة إخواننا، والحكم بيننا، العقل الذي جعل ~~الله تعالى رئيسا على الفضلاء من خلقه الذين هم تحت الأمر والنهي، ~~ورضينا بموجبات قضاياه على الشرائط التي ذكرناها في رسائلنا ~~وأوصينا بها إخواننا» (47: 4، 127). وأيضا: «واعلم أن العقلاء ~~الأخيار إذا انضاف إلى عقولهم القوة بواضع الشريعة، فليس يحتاجون ~~إلى رئيس يرأسهم ويأمرهم وينهاهم ويزجرهم ويحكم عليهم؛ لأن العقل ~~والقدرة لواضع الناموس يقومان مقام الرئيس الإمام. فهلم بنا أيها ~~الأخ أن نقتدي بسنة الشريعة ونجعلها إماما لنا فيما عزمنا عليه» ~~(47: 4، 137). # من هنا يلجأ الإخوان إلى ~~ذكر العقل والعقلاء وحكم العقل عندما يلجئون إلى التأويل: ~~«ومن الآراء الفاسدة أيضا أنه يرى بأن أهل الجنة أجسادهم لحمية ~~وأجسامهم طبيعية مثل أجساد أبناء الدنيا، قابلة للتغيير ~~والاستحالة، متعرضة للآفات. فإذا تأمل ما وصف الله تعالى في صفات ~~أهل الجنة، [أنهم] لا يمسهم فيها نصب، ولا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى، وأنهم خالدون، وما شاكل هذه الأوصاف المذكورة في ~~القرآن، التي لا تليق بالأجساد اللحمية والأجسام الطبيعية. واعلم ~~أنه لا يليق بالعقلاء أن يعتقدوها فضلا عن عقول الحكماء، بل ~~النساء والجهال والصبيان جيد لهم، فإن هذا الرأي يليق بأفهامهم ~~ويصلح لهم ... وأما من رزقه الله قليلا من التمييز والعقل والفهم ~~ونظر في علوم الحكمة، فإن هذا الرأي لا يصلح له ولا يليق به؛ لأنه ~~إذا عرضه على عقله، أنكره عليه» (42: 3، 528). # ومن تأويل الكتاب ما يمكن توضيحه للعامة، ومنه ما يجب أن يبقى ~~وقفا على الخاصة؛ لأن عقول العامة لا تحتمل فهم ذلك: ~~«لأن أكثر كلام الله تعالى وكلام أنبيائه وأقاويل الحكماء رموز ~~لسر من الأسرار مخفيا عن الأشرار، وما يعلمها إلا الله تعالى ~~والراسخون في العلم. وذلك أن القلوب والخواطر ما كانت تحمل فهم ~~معاني ذلك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: كلموا الناس على قدر ~~عقولهم. و[قال]: ms242 إفشاء سر الربوبية كفر. وأما الخواص من الحكماء ~~الذين هم الراسخون في العلم، فهم لا يحتاجون إلى زيادة بيان؛ إذ هم ~~مطلعون على حقائق جميع الأسرار والمرموزات» (22: 2، 343). # وقد جاءت معظم تأويلات إخوان الصفاء، مما عرضنا له في ثنايا هذا ~~الكتاب، في اتفاق مع حكم العقل ومع ما بينت لهم علومهم أنه الحق. ~~وهم غالبا ما يعطون المصطلح الواحد لفظا شرعيا ولفظا عقليا ~~فلسفيا. ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن الطبيعة إنما هي ~~قوة من قوى النفس الكلية، منبثة منها في جميع الأجسام التي دون فلك ~~القمر، سارية في جميع أجزائها كلها، تسمى باللفظ الشرعي الملائكة ~~الموكلين بحفظ العالم وتدبير الخليقة بإذن الله، وتسمى باللفظ ~~الفلسفي قوى طبيعية» (18: 2، 63). # وأيضا: ~~«واعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلية الفلكية البسيطة التي ذكرنا ~~أنها تعمل أجناس النبات وأنواعها، هي التي ذكرت في كتب الأنبياء ~~عليهم السلام أنها ملائكة الله وجنوده الموكلون بها. وذكر أنه قد ~~ورد في الأخبار المتواترة أن مع كل ورقة وثمرة وحبة تخرجها الأرض ~~من النبات ملكا موكلا يربيها وينشئها ويحفظها من الآفات ...» (21: ~~2، 156). وأيضا: ~~«واعلم يا أخي، أيدك الله ~~وإيانا بروح منه، بأن النبات مصنوعات ظاهرة جلية لا تخفى، ولكن ~~صانعها وعلتها باطنة خفية محتجبة عن إدراك الأبصار لها، وهي التي ~~يسميها الفلاسفة القوى الطبيعية، ويسميها الناموس الملائكة وجنود ~~الله الموكلين بتربية النبات وتوليد الحيوانات وتكوين المعادن، ~~ونحن نسميها النفوس الجزئية. والعبارات مختلفة والمعنى واحد. وإنما ~~نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطبيعية، ~~و[نسبها] صاحب الشرع إلى الملائكة، ولم ينسبها إلى الله تعالى؛ ~~لأنه يجل الباري، جل ثناؤه، عن مباشرة الأجسام الطبيعية والحركات ~~الجرمانية والأعمال الجسدانية، كما يجل الملوك والسادة والرؤساء ~~عن مباشرة الأفعال بأنفسهم، وإن كانت تنسب إليهم على سبيل الأمر ~~بها والإرادة لها، كما يقال: بنى الإسكندر السد، وبنى سليمان مسجد ~~إيليا [= القدس]، وبنى المنصور مدينة السلام» (21: 2، ~~152-153). # ومن أمثلة التأويل العقلاني ما أوردوه في الآية الكريمة: # وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش يسبحون بحمد ms243 ربهم ... # 26 # فقالوا: ~~«واعلم يا أخي أن الملائكة الحافين بالعرش هم حملة العرش، وهي ~~الكواكب الثابتة الحافة بالفلك التاسع [فلك الكواكب الثابتة] من ~~داخله، كما يحف الحجاج بالبيت في طوافهم من خارجه. فهم يسبحون بحمد ~~ربهم، كما قال: # وما منا إلا له ~~مقام معلوم * وإنا لنحن ~~الصافون * وإنا لنحن ~~المسبحون # 27 # ويؤمنون ويقرون بأن من وراء مراتبهم ومقاماتهم أمورا ~~أخرى هي أشرف وأعلى، يقصر علمهم عنها، ويقف فهمهم دونها» (20: 2، ~~142). # وقد رأينا في فصل ارتقاء النفس، كيف فسر الإخوان الصراط المستقيم ~~بأنه الصورة الإنسانية التي تسير عليها النفس في آخر ارتقائها، وهي ~~الصراط المنتصب في مقابل الصراط المنكوس الذي هو صورة النبات، ~~والصراط المقوس الذي هو صورة الحيوان. كما عرضنا لنماذج من ~~تأويلاتهم في الجنة والنار والحساب والحشر وغيرها، في فصل الآخرة ~~والنشأة الثانية، بما لا ضرورة لتكراره هنا. # الإسلام الكوني # لما كان مذهب الإخوان «يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم ~~جميعها»، وكانت آراؤهم مستمدة من الموروث الإنساني بكامله «من ~~الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة ... والكتب المنزلة التي ~~جاء بها الأنبياء ... والكتب الطبيعية ... والكتب الإلهية»، على ما ~~قالوه في الرسالة 45، فإن مذهبهم هو إسلام كوني شمولي لا يدعي ~~احتكار الحقيقة المطلقة، ولا يسفه المذاهب الأخرى باعتبارها ~~ضلالا وغيا وبعدا عن جادة الحق. وما اختلاف المذاهب إلا من ~~قبيل دخول الشبهة عليها، فإذا زالت الشبهات زالت الاختلافات وتبينت ~~لنا الوحدة الجوهرية للأديان. قد يكون الإسلام بالنسبة للإخوان ~~أفضل الطرق الموصلة إلى الله وأقصرها، ولكنه ليس الطريق الوحيد ~~المقبول، وقد عرضت له الشبهات مثلما عرضت للأديان الأخرى، بسبب ~~التعصب وضيق الأفق والوقوف عند حرفية النص المقدس: ~~«فاعلم أن الحق في كل دين موجود، وعلى كل لسان جار، وأن الشبهة ~~دخولها على كل إنسان جائز ممكن. فاجتهد يا أخي أن تبين الحق لكل ~~صاحب دين ومذهب مما هو في يده، أو مما هو متمسك به، وتكشف عنه ~~الشبهة التي دخلت عليه إن كنت تحسن هذه الصناعة، وإلا فلا تتعاطاها ~~إن كنت لا تحسنها. ولا ms244 تمسك بما أنت عليه الآن من دينك ومذهبك، ~~واطلب خيرا منه، فإن وجدت لا يسعك الوقوف على الأدون، ولكن واجب ~~عليك الأخذ بالأخير الأفضل والانتقال إليه. ولا تشتغلن بذكر عيوب ~~مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب» (42: 3، 501). # لهذا ينبذ الإخوان التعصب البغيض، ويدعون لانفتاح المذاهب على ~~بعضها والإفادة بعضها من بعض؛ لأن في كل مذهب جانبا من جوانب ~~الحق: ~~«وبالجملة، ينبغي ~~لإخواننا، أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علما من العلوم، أو ~~يهجروا كتابا من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب» (45: 4، ~~41-42). «واعلم أيها الأخ أنا لا نعادي علما من العلوم، ولا ~~نتعصب على مذهب من المذاهب، ولا نهجر كتابا من كتب الحكماء ~~والفلاسفة مما وضعوه وألفوه في فنون العلم، وما استخرجوه بعقولهم ~~وتفحصهم من لطيف المعاني. وأما معتمدنا ومعولنا وبناء أمرنا ~~فعلى كتب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وما جاءوا به من ~~التنزيل» (48: 4، 167). «... ثم اعلم أنه ينبغي لمن يريد أن يعرف ~~حقائق الأشياء أن يبحث أولا عن علل الموجودات وأسباب المخلوقات، ~~وأن يكون له قلب فارغ من الهموم والغموم والأمور الدنيوية ... ويكون ~~غير متعصب لمذهب أو على مذهب؛ لأن العصبية هي الهوى، والهوى يعمي ~~عين العقل وينهى عن إدراك الحقائق، ويعمي النفس البصيرة عن تصور ~~الأشياء بحقائقها» (40: 3، 376). # والأنبياء لا يختلفون فيما جاءوا به من معتقدات على الرغم من ~~اختلاف شرائعهم باختلاف الأزمنة والأمكنة: ~~«ثم اعلم أن الأنبياء، عليهم السلام، لا يختلفون فيما يعتقدون من ~~الدين سرا وعلانية، ولا في شيء منه البتة، كما قال تعالى: ~~... أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ... # 28 # وقد بينا أنها اثنتا عشرة خصلة يعتقدها الأنبياء ~~وأصحاب النواميس الإلهية أجمعون لا يختلفون فيها، كما بينا في ~~رسالة النواميس. # وأما الشرائع التي هي أوامر ونواه وأحكام وحدود وسنن. فهم فيها ~~مختلفون، كما قال تعالى: ~~... لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ... # 29 # وقال: # لكل أمة جعلنا ~~منسكا هم ناسكوه ... ~~. # 30 # ثم اعلم أن اختلاف الشرائع ليس بضار إذا كان الدين واحدا ... ~~لأن أوامر أصحاب النواميس ونواهيهم ms245 مماثلة لأمر الطبيب الرفيق ~~الشفيق فيما أمر العليل من الحمية ... وفيما يرى ويأمر له. فمن أجل ~~هذا اختلفت شرائع الأنبياء ... لأنهم أطباء النفوس ومنجموها ... فقد ~~تعرض للنفوس من أهل كل زمان أمراض وأعلال مختلفة من الأخلاق ~~الرديئة والعادات الجائرة والآراء الفاسدة من الجهالات المتراكمة، ~~كما يعرض للأجساد من الأمراض والأعلال من تغييرات الزمان والأهوية ~~والأغذية، فبحسب ذلك يجب أن يكون اختلاف علاجات الأطباء ~~ومداواتهم. # فهكذا شرائع الأنبياء واختلاف سننهم بحسب أهل كل زمان وما يليق ~~بهم أمة أمة، وقرنا قرنا، مثل شريعة نوح، عليه السلام، في ~~زمانه، وشريعة إبراهيم، عليه السلام، بعده في زمان آخر وقوم آخرين، ~~وشريعة موسى ... وشريعة المسيح ... وشريعة سيد الأنبياء محمد عليه ~~الصلاة والسلام ... فهؤلاء كلهم دينهم واحد وإن كانت شرائعهم مختلفة» ~~(42: 3، 486). # فطريق الخلاص مفتوح أمام جميع الأديان وليس حكرا على المسلمين ~~وحدهم، والإخوان عندما يذكرون العابدين التائبين، لا يشيرون إلى ~~المساجد وحدها كأماكن للعبادة ، وإنما يشيرون إلى الهياكل والمساجد ~~والبيع، أي إلى أماكن العبادة لدى جميع الأديان. ومن ذلك قولهم ~~الذي اقتبسناه في موضع سابق: «إن أحق النفوس الإنسانية أن تنتقل ~~إلى رتبة الملائكة، هي النفوس المتعوبة في التعبد، المنقادة لأحكام ~~الشريعة، الخادمة في الهياكل والمساجد والبيع، والصلوات والصوم ~~والقرابين والدعاء والتأله، كما ذكر الله تعالى بقوله: # إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر ... ~~.» # 31 # إن هذه الآية من سورة البقرة، التي يستشهد بها الإخوان هنا واضحة ~~الدلالة؛ فأهل الأديان السماوية، وكل من آمن بالله واليوم الآخر، ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وعلى ما ورد في سورة البقرة، الآية ~~62: ~~... فلهم أجرهم عند ~~ربهم ... ~~. # لهذا يذم الإخوان اقتتال أهل الشرائع المختلفة وتكفير بعضهم ~~بعضا وهدر دم بعضهم بعضا، ويعلنون أن مذهبهم هو مذهب الرحمة ~~والشفقة لكل الناس: ~~«... فإن من الناس من يرى ويعتقد في دينه ومذهبه أنه حلال له سفك ~~دم كل مخالف له في مذهبه، مثل اليهود والخوارج، وكل من يكفر بالرب. ~~ومن الناس من يرى ويعتقد في دينه ms246 ومذهبه الرحمة والشفقة للناس ~~كلهم، ويرثي للمذنبين ويستغفر لهم، ويتحنن على كل ذي روح من ~~الحيوان، ويريد الصلاح للكل. وهذا مذهب الأبرار والزهاد والصالحين ~~من المؤمنين، وهذا مذهب إخواننا الكرام [إخوان الصفاء]» (45: 4، ~~44). # وأيضا: ~~«فإذا تأملت في أمور الدنيا وجدتها كدار قد ملئت أجناس حيوانات ~~تعادي بعضها بعضا عداوة طبيعية ... كعداوة البوم والغربان، وعداوة ~~الكلب والسنانير ... فهكذا أمور الدنيا وأهلها، الأشرار أعداء ~~الأخيار، والفقراء أعداء الأغنياء يتمنون لهم المصائب، وإذا قدروا ~~على شيء من أموالهم أخذوه ونهبوه. وكذلك أهل الشرائع المختلفة يقتل ~~بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، كما يفعل النواصب والروافض ~~والجبرية والقدرية والخوارج والأشاعرة، وغير ذلك. وكذلك في الملة ~~العبرانية مثل العينية والسمعية، وفي الملة السريانية كالنسطورية ~~واليعقوبية وما بينهما من الخلاف. وكذلك في الملة الصابئية ... ثم ~~اعلم أنه لا يصلح بين أهل الديانات ولا يؤلف بين المتعاديات ... إلا ~~المعرفة بالحق الذي يجمعهم على كلمة التقوى» (31: 3، ~~160-161). # ولإيضاح مذهبهم المتسامح البعيد عن الهوى والتعصب، يورد الإخوان ~~الحوار الآتي: ~~«فهذه محاورات جرت بين رجلين، أحدهما: من أولياء الله تعالى ~~وعباده الصالحين الذين نجاهم الله من نار جهنم ... والآخر: من ~~الهالكين المعذبين فيها بألوان العذاب. # قال الناجي للهالك: كيف أصبحت يا فلان؟ # قال: أصبحت في نعمة من الله، طالبا للزيادة راغبا فيها حريصا ~~على جمعها، ناصرا لدين الله، معاديا لأعداء الله، محاربا ~~لهم. # قال الناجي: ومن أعداء الله هؤلاء؟ # قال: كل من خالفني في مذهبي واعتقادي. # قال: وإن كان من أهل لا إله إلا الله؟ # قال: نعم. # قال: إن ظفرت بهم ماذا تفعل بهم؟ # قال: أدعوهم إلى مذهبي واعتقادي ورأيي. # قال: فإن لم يقبلوا منك؟ # قال: أقاتلهم وأستحل دماءهم وأموالهم، وأسبي ذراريهم. # قال: فإن لم تقدر عليهم ماذا تفعل؟ # قال: أدعو عليهم ليلا ونهارا، وألعنهم في الصلاة، كل ذلك ~~تقربا إلى الله تعالى. # قال: فهل تعلم أنك إذا دعوت عليهم ولعنتهم يصيبهم شيء؟ # قال: لا أدري! ولكن إذا فعلت ما وصفت لك، وجدت لقلبي راحة، ~~ولنفسي لذة، ولصدري شفاء. # قال له الناجي: ms247 أتدري لم ذلك؟ # قال: لا، ولكن قل أنت. # قال: لأنك مريض النفس، معذب القلب، معاقب الروح. لأن اللذة ~~هي خروج من الآلام. ثم اعلم أنك محبوس في طبقة من طبقات جهنم، وهي ~~الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، إلى أن تخلص ~~منها وتنجو نفسك من عذابها، إذا لقيت الله عز وجل كما وعد بقوله: # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # 32 # ثم قال الهالك للناجي: أخبرني أنت عن رأيك ومذهبك وحال ~~نفسك كيف هي؟ # قال: نعم. أما أنا فإني أرى أني قد أصبحت في نعمة من الله وإحسان ~~لا أحصي عددها، ولا أؤدي شكرها، راضيا بما قسم الله لي وقدر، ~~وصابرا لأحكامه، لا أريد لأحد من الخلق سوءا، ولا أضمر لهم ~~دغلا، ولا أنوي لهم شرا. نفسي في راحة، وقلبي في فسحة، والخلق ~~من جهتي في أمان. أسلمت لربي مذهبي، وديني دين إبراهيم عليه ~~السلام، أقول كما قال : ~~... فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم # 33 # إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم ~~» # 34 ~~(38: 3، 312-313). # ويورد الإخوان أيضا هذه الحكاية التي تحمل في ثناياها نقدا ~~لاذعا للتعصب وضيق الأفق اليهوديين، على الرغم من أنهم استشهدوا ~~بها في حديثهم عن الأخلاق. وبطلا الحكاية يهودي متعصب يرى أن بقية ~~البشر من غير اليهود على ضلال ويحلل سفك الدماء، ومجوسي متسامح ~~يؤمن بإله أعلى للبشر يريد الخير لكل إنسان: ~~«جاء في الخبر أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار، أحدهما مجوسي من ~~أهل كرمان، والآخر يهودي من أهل أصفهان. وكان المجوسي راكبا على ~~بغلة عليها كل ما يحتاج إليه المسافر في سفره من الزاد والنفقة ~~والأثاث، فهو يسير مرفها، واليهودي كان ماشيا ليس معه زاد ولا ~~نفقة. فبينا هما يتحدثان؛ إذ قال المجوسي لليهودي: ما مذهبك ~~واعتقادك يا خوشاك؟ قال اليهودي: اعتقادي أن في هذه السماء إلها ~~هو إله بني إسرائيل؛ وأنا أعبده وأسأله وأطلب إليه ومنه سعة الرزق، ~~وطول العمر ... أريد منه الخير ms248 لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي، ~~ولا أفكر فيمن يخالفني في ديني ومذهبي، بل أرى وأعتقد أن من ~~يخالفني في ديني ومذهبي، فحلال لي دمه وماله، وحرام علي نصرته أو ~~نصيحته أو معاونته أو الرحمة أو الشفقة عليه. ثم قال للمجوسي: قد ~~أخبرتك عن مذهبي واعتقادي لما سألتني عنه، فأخبرني يا مغا أنت ~~أيضا عن مذهبك واعتقادك. # قال المجوسي: أما اعتقادي ورأيي، فهو أني أريد الخير لنفسي ~~ولأبناء جنسي كلهم، ولا أريد لأحد سوءا، لا لمن كان على ديني ~~ويوافقني، ولا لمن يخالفني ويضادني في مذهبي. فقال اليهودي له: ~~وإن ظلمك وتعدى عليك؟ قال: نعم؛ لأني أعلم أن في هذه السماء ~~إلها خبيرا فاضلا عادلا حكيما عليما لا تخفى عليه خافية في ~~أمر خلقه، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم، ويكافئ المسيئين على ~~إساءتهم. فقال اليهودي للمجوسي: فلست أراك تنصر مذهبك وتحقق ~~اعتقادك. فقال المجوسي: وكيف ذلك؟ قال: لأني من أبناء جنسك، وأنت ~~تراني أمشي متعوبا جائعا ، وأنت راكب شبعان مترفها. قال: صدقت، ~~وماذا تريد؟ قال: أطعمني واحملني ساعة لأستريح قد أعييت. فنزل ~~المجوسي عن بغلته، وفتح له سفرته، فأطعمه حتى أشبعه، ثم أركبه ومشى ~~معه ساعة يتحدثان. فلما تمكن اليهودي من الركوب وعلم أن المجوسي قد ~~أعيا، حرك البغلة وسبقه، وجعل المجوسي يمشي فلا يلحقه، فناداه: يا ~~خوشاك، قف لي وانزل فقد أعييت. فقال له اليهودي: أليس قد أخبرتك عن ~~مذهبي يا مغا وخبرتني عن مذهبك ونصرته وحققته، وأنا أيضا أريد ~~أن أنصر مذهبي وأحقق اعتقادي؛ وجعل يجري البغلة والمجوسي في أثره ~~يعدو ويقول: ويحك يا خوشاك، قف لي قليلا واحملني معك، ولا تتركني ~~في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعا وعطشا، وارحمني كما ~~رحمتك. وجعل اليهودي لا يفكر في ندائه ولا يلوي عليه حتى مضى وغاب ~~عن بصره. # فلما يئس المجوسي منه وأشرف على الهلاك، تذكر تمام اعتقاده، وما ~~وصف له بأن في السماء إلها خبيرا فاضلا عالما عادلا لا يخفى ~~عليه من أمر خلقه خافية، فرفع رأسه إلى السماء ms249 فقال يا إلهي، قد ~~علمت أني قد اعتقدت مذهبا ونصرته وحققته، ووصفتك بما سمعت ~~وعلمت وتحققت، فحقق عند اليهودي خوشاك ما وصفتك به ليعلم حقيقة ما ~~قلت. فما مشى المجوسي إلا قليلا حتى رأى اليهودي وقد رمت به ~~البلغة فاندقت عنقه، وهي واقفة بالبعد منه تنتظر صاحبها. فلما لحق ~~المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله، وترك اليهودي يقاسي الجهد ويعالج ~~كرب الموت. فناداه اليهودي: يا مغا، ارحمني واحملني ولا تتركني ... ~~وحقق مذهبك وانصر اعتقادك. قال المجوسي: قد فعلت مرة، ولكن بعد لم ~~تفهم ما قلت لك، ولم تعقل ما وصفت لك ... قال اليهودي: قد فهمت ما ~~قلت وعلمت ما وصفت. فقال له المجوسي: فما الذي منعك أن تتعظ بما ~~قلت لك يا خوشاك؟ فقال اليهودي: اعتقاد قد نشأت عليه ومذهب قد ~~ألفته وصار عادة وجبلة بطول الدءوب فيه، وكثرة الاستعمال له ~~اقتداء بالآباء والأمهات والأستاذين والمعلمين من أهل ديني ~~ومذهبي، فقد صار جبلة وطبيعة ثابتة يصعب علي تركها والإقلاع ~~عنها. فرحمه المجوسي وحمله معه حتى جاء به إلى باب المدينة وسلمه ~~إلى أهله مكسورا» (9: 1، 308-310). # هذا الفكر الكوني للإخوان يربط الإنسان المسلم بالتراث الثقافي ~~والروحي للإنسانية جمعاء، سواء أكان مذهبا فلسفيا أم مسيحيا ~~أم إسلاميا: ~~«اعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن ~~العلم والحكمة للنفس كتناول الطعام والشراب للجسد ... وذلك أن الأنفس ~~الجزئية تتصور بالعلوم جواهرها، وتنمو بالحكمة ذواتها، وتضيء ~~بالمعارف صورها، وتقوى بالرياضيات فكرها، وتنير بالآداب خواطرها ... ~~ويشتد على البلوغ إلى أقصى مد غاياتها عزماتها، من الترقي في ~~المراتب العالية بالنظر في العلوم الإلهية، والسلوك في المذاهب ~~الروحانية الربانية، والتعبد في الأمور الشريفة من الحكمة على ~~المذهب السقراطي، والتصوف والتزهد والترهب على المنهج المسيحي، ~~والتعلق بالدين الحنيفي. وهو التشبه بجوهرها الكلي ولحوقها بعالمها ~~العلوي» (27: 3، 8). # وهم يرون أن الفضائل تجتمع في أحد الأشخاص إذا كان: ~~«الفاضل الذكي، المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي ~~المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي ~~النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي ms250 السيرة، الملكي ~~الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف ...» (22: 2، 376). # وهم يعبرون عن معتقدهم في وحدة الأديان أعمق تعبير في هذا النص ~~المرموز الذي لا يخفى تأويله على من مشى معنا حتى الآن على درب ~~إخوان الصفاء: ~~«أو هل لك يا أخي أن تنظر معنا حتى ترى ملكوت السماوات التي رآها ~~أبونا إبراهيم لما جن عليه الليل حتى تكون من الموقنين؟ # أو هل لك يا أخي أن تتم الميعاد وتجيء إلى الميقات عند الجانب ~~الأيمن [من الطور] حيث قيل: يا موسى. فيقضى إليك الأمر، فتكون من ~~الشاهدين؟ # أو هل لك يا أخي أن تصنع ما عمل فيه القوم، كي ينفخ فيك الروح ~~فيذهب عنك اللوم، حتى ترى الأيسوع # 35 # عن ميمنة عرش الرب قد قرب مثواه كما يقرب ابن ~~الأب، أو تر من حوله من الناظرين؟ # أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن # 36 # حتى ترى اليزدان # 37 # قد أشرق منه النور في فسحة أفريحون؟ # أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون، # 38 # حتى ترى الأفلاك التي يحيكها أفلاطون، وإنما هي أفلاك ~~روحانية لا ما يشير إليه المنجمون؟ وذلك أن علم الله تعالى محيط ~~بما يحوي العقل من المعقولات، والعقل محيط بما تحوي النفس من ~~الصور، والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات، والطبيعة محيطة ~~بما تحوي الهيولى من المصنوعات. فإذن هي أفلاك روحانية محيطات ~~بعضها لبعض. # أو هل لك أن لا ترقد من أول ليلة القدر، حتى ترى المعراج في حين ~~طلوع الفجر، حيث أحمد المبعوث في مقامه المحمود، فتسأل حاجتك ~~المقضية لا ممنوعا ولا مفقودا، وتكون من المقربين؟ # وفقك الله، أيها الأخ البار الرحيم، وجميع إخواننا لفهم هذه ~~الإشارات والرموز، وفتح قلبك وشرح صدرك وطهر نفسك ونور عقلك، ~~لتشاهد بعين البصيرة حقائق هذه الأسرار. فلا تفزع من موت الجسد إذا ~~فارقته، وفيه حياة للنفس» (44: 4، 18-19). # الفصل السابع # | طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية # إن ما يميز مذهب إخوان الصفاء عن كثير من مذاهب الخلاص هو تركيزهم ~~على أن النجاة التي ms251 يسعون إليها لا تتحقق إلا بالجهد الجمعي المشترك، ~~وتعاون الأفراد مع بعضهم على تحقيقها. فكما أن البشر محتاجون للتعاون ~~في شئون دنياهم، كذلك هم محتاجون إليه في شئون آخرتهم: ~~«اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، بأن الإنسان الواحد لا ~~يقدر أن يعيش وحده إلا عيشا نكدا؛ لأنه محتاج إلى طيب العيش من إحكام ~~صنائع شتى، ولا يمكن الإنسان الواحد أن يبلغها كلها؛ لأن العمر قصير ~~والصنائع كثيرة؛ فمن أجل هذا اجتمع في كل مدينة أو قرية أناس كثيرون ~~لمعاونة بعضهم بعضا. وقد أوجبت الحكمة الإلهية والعناية الربانية بأن ~~يشتغل جماعة منهم بإحكام الصنائع، وجماعة في التجارات، وجماعة بإحكام ~~البنيان ... لأن مثلهم في ذلك كمثل إخوة من أب واحد في منزل واحد، ~~متعاونين في أمر معيشتهم، كل منهم في وجه منها ... # واعلم يا أخي، أيدك الله ~~وإيانا بروح منه، أنه ينبغي لك أن تتيقن بأنك لا تقدر أن تنجو وحدك مما ~~وقعت من محنة هذه الدنيا وآفاتها بالجناية التي كانت من أبينا آدم، ~~عليه السلام؛ لأنك محتاج في نجاتك وتخلصك من هذه الدنيا ... والصعود ~~إلى عالم الأفلاك ... إلى معاونة إخوان لك نصحاء وأصدقاء لك فضلاء، ~~متبصرين بأمر الدين علماء بحقائق الأمور، ليعرفوك طرائق الآخرة وكيفية ~~الوصول إليها، والنجاة من الورطة التي وقعنا فيها كلنا بجناية أبينا ~~آدم عليه السلام. فاعتبر بحديث الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ~~ودمنة، وكيف نجت من الشبكة، لتعلم حقيقة ما قلنا» (2: 1، ~~99-100). ~~«واعتبر يا أخي كيفية انصراف ~~الحج إلى بلدانهم، فإنك ترى لأهل كل بلد قافلة وطريقا يمرون فيه ~~متعاونين ذاهبين وراجعين؛ فهكذا وردت النفوس إلى هذا العالم في كل أمة ~~بدلالة كوكب وبرج في قران، ولا تنصرف من الدنيا إلا بدين ومذهب، ويكون ~~زاد كل نفس ما كسبت من خير وشر. فلا تظن يا أخي أنك تقدر على أن ترجع ~~بنفسك وحدها. # واعلم أن الطريق بعيدة، والشياطين بالمرصاد قعود كقطاع الطريق، ~~فاعتبر؛ فكما أنك لا تقدر على أن تعيش وحدك إلا عيشا نكدا، ms252 ولا تجد ~~عيشا هنيا إلا بمعاونة أهل المدينة، وملازمة شريعة، فهكذا ينبغي لك ~~أن تعتبر لتعلم بأنك محتاج إلى إخوان أصدقاء متعاونين، لتنجو بشفاعتهم ~~من جهنم، وتصعد إلى ملكوت السماء بمعاونتهم، وتدخل الجنة بلا ~~حساب. # واعلم يا أخي علما يقينا أنه ~~لو كان يمكن أن تنجو نفس وحدها بمجردها لما أمر الله تعالى بالتعاون، ~~حيث قال: ~~... تعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان ... # 1 # وقال تعالى: # وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ... ~~» # 2 ~~(20: 2، 139). ~~«واعلم أن هذا الجسد لهذه النفس، في المثال، بمنزلة دار تسكن، أو ~~دابة تركب، أو آلة تستعمل؛ وما دامت هذه النفس مع هذا الجسد مربوطة ~~به إلى الوقت المعلوم، فلا بد من النظر فيما تصلح به معيشة الدنيا، وما ~~تنال به النجاة والفوز في الآخرة. # واعلم أن هذين الأمرين لا يجتمعان ولا يتمان إلا بالمعاونة، ~~والمعاونة لا تكون إلا بين اثنين أو أكثر من ذلك. وليس شيء أبلغ على ~~المعاونة من أن تجتمع قوى الأجساد المتفرقة، وتصير قوة واحدة، وتتفق ~~تدابير النفوس المؤتلفة وتصير تدبيرا واحدا، حتى تكون كلها كأنها ~~جسد واحد ونفس واحدة، فعند ذلك تغلب كل من رام غلبتها، وتقهر كل من ~~خالفها وضادها. فهلم بنا يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، لنجتمع ~~ونتعاون على ذلك» (48: 4، 169-170). ~~«فهل لك يا أخي بأن تنظر إلى نفسك وتسعى في صلاحها وتطلب نجاتها ... ~~وأن ترغب في صحبة أصدقاء لك نصحاء، وإخوان لك فضلاء، وادين لك ~~كرماء، حريصين معاونين لك على صلاحك ونجاتك مع أنفسهم، قد خلعوا أنفسهم ~~من خدمة أبناء الدنيا، وجعلوا عنايتهم وكدهم في طلب نعيم الآخرة، بأن ~~تسلك مسلكهم وتقصد مقصدهم، وتخلص سرك معهم وتتخلق بأخلاقهم، وتسمع ~~أقاويلهم لتعرف اعتقادهم، وتنظر في علومهم لتفهم أسرارهم وما يخبرونك ~~به من العلوم النفسية ... إذا دخلت مدينتنا الروحانية وسرت بسيرتنا ~~الملكية وعملت بسنتنا الزكية وتفقمت في شريعتنا العقلية، فلعلك تؤيد ~~بروح الحياة، لتنظر إلى الملإ الأعلى وتعيش عيش السعداء» (15: 2، ~~23). ~~«واعلموا أن دولة أهل الخير يبدأ ms253 أولها من أقوام خيار فضلاء يجتمعون ~~في بلد ويتفقون على رأي واحد ودين واحد ومذهب واحد، ويعقدون بينهم ~~عهدا وميثاقا بأنهم يتناصرون ولا يتخاذلون ويتعاونون ولا يتقاعدون عن ~~نصرة بعضهم بعضا، ويكونون كرجل واحد في جميع أمورهم، وكنفس واحدة في ~~جميع تدابيرهم وفيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة» (48: 4، ~~187-188). # ويورد الإخوان حكاية رمزية تشير إلى أسلوبهم في الدعوة إلى مذهبهم ~~واكتساب المريدين: ~~«اعلم أنه في الزمان السالف ذكروا أنه كان رجلا من الحكماء عارفا ~~بالطب، دخل إلى مدينة من المدن، فرأى عامة أهلها بهم مرض خفي لا يشعرون ~~بعلتهم، ولا يحسون بدائهم الذي بهم. ففكر ذلك الحكيم في أمرهم كيف ~~يداويهم ليبرئهم من دائهم ويشفيهم من علتهم التي استمرت بهم، وعلم أنه ~~إن أخبرهم بما هم فيه لا يستمعون قوله ولا يقبلون نصيحته، بل ربما ~~ناصبوه بالعداوة، واستعجزوا رأيه، واستنقصوا آدابه، واسترذلوا علمه. ~~فاحتال عليهم في ذلك لشدة شفقته على أبناء جنسه، ورحمته لهم وتحننه ~~عليهم، وحرصه على مداواتهم طلبا لمرضاة الله عز وجل، بأن طلب من أهل ~~تلك المدينة رجلا من فضلائهم الذين كان بهم ذلك المرض، فأعطاه شربة من ~~شربات كانت معه قد أعدها لمداواتهم، وسعطه بدخنة كانت معه لمعالجتهم، ~~فعطس ذلك الرجل من ساعته، ووجد خفة في بدنه، وراحة في حواسه، وصحة في ~~جسمه وقوة في نفسه. فشكر له وجزاه خيرا وقال له: هل لك من حاجة أقضيها ~~لك مكافأة لما اصطنعت إلي من الإحسان في مداواتك لي؟ فقال: نعم، ~~تعينني على مداواة أخ من إخوانك، قال سمعا وطاعة لك. فتوافقا على ذلك، ~~ودخلا على رجل آخر ممن رأيا أنه أقرب إلى الصلاح، فخلوا به من رفقائه ~~وداوياه بذلك الدواء، فبرأ من ساعته. فلما أفاق من دائه جزاهما خيرا ~~وبارك فيهما وقال لهما: هل لكما حاجة أقضيها لكما مكافأة لما صنعتما ~~إلي من الإحسان والمعروف؟ فقال: تعيننا على مداواة أخ من إخوانك. ~~فقال: سمعا وطاعة لكما. فتوافقوا على ذلك، ولقوا رجلا آخر، فعالجوه ~~وداووه بمثل الأول، ms254 فبرئ ... ثم تفرقوا في المدينة يداوون الناس واحدا ~~بعد آخر في السر، حتى أبرءوا أناسا كثيرا، وكثر أنصارهم وإخوانهم ~~ومعارفهم ... حتى أبرءوا أهل المدينة كلهم. # واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن هذا ~~مثل الأنبياء صلوات الله عليهم في بدء دعوتهم الناس ... وذلك أن النبي، ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في أول مبعثه ودعوته ابتدأ أولا بزوجته ~~خديجة، عليها السلام، ثم بابن عمه علي، عليه السلام، ثم بصديقه أبي ~~بكر، ثم مالك وأبي ذر وصهيب وبلال وسلمان وجبير وبشار وغيرهم، حتى ~~التأموا تسعة وثلاثين رجلا وامرأة. ثم دعا رسول الله، صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أن يعز الله عز وجل، الإسلام بأحد الرجلين، إما بأبي جهل ~~أو بعمر بن الخطاب، فاستجيبت دعوته في عمر وأسلم، والتأموا أربعين ~~رجلا، وأظهروا الدعوة» (44: 4، 14-16). # هذا الرقم الرباعي هو الذي يبني عليه إخوان الصفاء تنظيمهم، تيمنا ~~بما روي عن النبي أنه قال: لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا من ~~الصالحين على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام: ~~«ويقال إن من هؤلاء الأربعين رجلا أربعة منهم الأبدال. وإنما ~~سموا الأبدال؛ لأنهم بدلوا خلقا بعد خلق، وصفوا تصفية بعد ~~تصفية. وذلك أن هؤلاء الأربعين منتقون من جملة أربعمائة من الزاهدين ~~العارفين المحققين، الأربعمائة منتقون من أربعة آلاف من المؤمنين ~~التائبين المخلصين. وكلما مضى شخص من الأربعة قام في رتبته شخص من ~~الأربعين. وإذا مضى شخص من الأربعين قام في رتبته شخص من الأربعمائة، ~~وإذا مضى شخص من الأربعمائة ارتقى إلى منزلته شخص من الأربعة الآلاف، ~~فبلغ مرتبته وقام مقامه، وكلما مضى شخص من الأربعة الآلاف ارتقى مكانه ~~بدلا منه واحد من المؤمنين التائبين المخلصين، فبلغ درجته وقام مقامه» ~~(9: 1، 377). # فمراتب تنظيم إخوان الصفاء أربع، ولكنها تقوم على قاعدة واسعة من ~~الأنصار المهيئين للترقي إلى مرتبة الأعضاء العاملين، وهم الذين دعاهم ~~النص بالمؤمنين التائبين المخلصين. وهذه القاعدة منتشرة في جميع أنحاء ~~العالم الإسلامي على ما يقوله لنا الإخوان، ولا نملك إلا تصديقهم فيما ms255 ~~يقولون: # شكل 7-1 ~~«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن لنا ~~إخوانا وأصدقاء من كرام الناس وفضلائهم متفرقين في البلاد؛ فمنهم ~~طائفة من أولاد الملوك والأمراء والوزراء والعمال والكتاب، ومنهم ~~طائفة من أولاد الأشراف والدهاقين والتجار والتناء، ومنهم طائفة من ~~أولاد العلماء والأدباء والفقهاء وحملة الدين، ومنهم طائفة من أولاد ~~الصناع والمتصرفين وأمناء الناس. وقد ندبنا لكل طائفة منها أحدا من ~~إخواننا ممن ارتضيناه في بصيرته ومعارفه، لينوب عنا في خدمتهم بإلقاء ~~النصيحة إليهم بالرفق والرحمة والشفقة عليهم» (48: 4، 165). # وكل مرتبة من هذه المراتب لها سن معين ودرجة في العلم والرقي ~~الروحي: ~~«واعلم أيها الأخ البار الرحيم أن قوة نفوس إخواننا في هذا الأمر ~~الذي نشير إليه ونحث عليه على أربع مراتب: أولها صفاء جواهر نفوسهم ~~وجودة القبول وسرعة التصور، وهي مرتبة أرباب ذوي الصنائع في مدينتنا ~~التي ذكرناها في الرسالة الثانية، وهي القوة العاقلة المميزة لمعاني ~~المحسوسات، الواردة على القوة الناطقة بعد خمس عشرة سنة من مولد الجسد. ~~وإلى هذا أشار [تعالى] بقوله: # وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم ... # 3 # وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الأبرار ~~الرحماء. # وفوق هذه المرتبة مرتبة الرؤساء ذوي السياسة، وهي مراعاة الإخوان، ~~وسخاء النفس وإعطاء الفيض بالشفقة والرحمة والتحنن على الإخوان. وهي ~~القوة الحكمية الواردة على القوة العاقلة بعد ثلاثين سنة من مولد ~~الجسد. وإليه أشار بقوله تعالى: # ولما بلغ ~~أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ... # 4 # وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الأخيار ~~الفضلاء. # والمرتبة الثالثة فوق هذه، وهي مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر ~~والنهي والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف ... وهي القوة الناموسية ~~الواردة على النفس بعد مولد الجسد بأربعين سنة، وإليها أشار بقوله ~~تعالى: ~~... حتى إذا بلغ أشده وبلغ ~~أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه ... # 5 # وهم الذين نسميهم في رسائلنا إخواننا الفضلاء ~~الكرام. # والرابعة فوق هذه، وهي التي ندعو إليها إخواننا كلهم في أي مرتبة ~~كانوا، وهي التسليم ms256 وقبول التأييد ومشاهدة الحق عيانا. وهي القوة ~~الملكية الواردة بعد خمسين سنة من مولد الجسد، وهي الممهدة للمعاد، ~~والمقربة بمفارقة الهيولى، وعليها ترد قوة المعراج، وبها تصعد إلى ~~ملكوت السماء ... وإلى هذه المرتبة أشار بقوله تعالى: # يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~» # 6 ~~(48: 4، 173-174). # فالمرتبة الدنيا يشغلها من هم بين الخامسة عشرة والثلاثين من العمر، ~~والتي فوقها يشغلها من هم بين الثلاثين والأربعين، والتي فوقها من هم ~~بين الأربعين والخمسين، والتي فوقها من أتم الخمسين. # والإخوان يركزون في دعوتهم على الشباب؛ لأن عقولهم لم تمتلئ بعد ~~بالأفكار المسبقة، ولم يتشكل لديهم بعد هوى وتعصب لمذهب من ~~المذاهب: ~~«واعلم أن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم واعتقاد ~~من الآراء كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، فإذا كتب فيه شيء، ~~حقا كان أم باطلا، فقد شغل المكان ومنع أن يكتب فيه شيء آخر، ~~ويصعب حكه ومحوه. فهكذا حكم أفكار النفوس، إذا سبق إليها علم من ~~العلوم واعتقاد من الآراء أو عادة من العادات، تمكن فيها، حقا كان ~~أو باطلا، ويصعب قلعها ومحوها، كما قال القائل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا فارغا فتمكنا # فإذا كان الأمر كما وصفت، فينبغي لك أيها الأخ أن لا تشغل بإصلاح ~~المشايخ الهرمة، الذين اعتقدوا من الصبا آراء فاسدة وعادات رديئة ~~وأخلاقا وحشية، فإنهم يتعبونك ثم لا ينصلحون، وإن صلحوا قليلا ~~قليلا فلا يفلحون. ولكن عليك بالشباب السالمي الصدور، الراغبين في ~~الآداب، المبتدئين بالنظر في العلوم ... التاركين الهوى والجدل، غير ~~متعصبين على المذاهب. # واعلم أن الله تعالى ما بعث نبيا إلا وهو شاب، ولا أعطى لعبد ~~حكمة إلا وهو شاب، كما ذكرهم ومدحهم فقال عز اسمه: ~~... إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى # 7 # وقال تعالى: # قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم # 8 # وقال أيضا: ~~... قال موسى ~~لفتاه ... ~~. # 9 # واعلم أن كل نبي بعثه الله فأول من كذبه مشايخ قومه المتعاطون ~~الفلسفة والنظر والجدل، كما وصفهم ms257 تعالى فقال: # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ~~ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ~~» # 10 ~~(45: 4، 51-52). وأول ما يتلقاه الشاب في فترة تحضيره ~~للانخراط في الجماعة هو التعليم المناسب: ~~«واعلم بأن خير شيء يرزقه الإنسان [هو] السعادة، وأن السعادات ~~نوعان: داخل وخارج؛ فالذي هو داخل نوعان؛ أحدهما في الجسد والآخر في ~~النفس. فالذي في الجسد كالصحة والجمال، والذي في النفس كالذكاء وحسن ~~الخلق، والذي من خارج نوعان: أحدهما ملك اليد كالمال ومتاع الدنيا، ~~والآخر الأقران من أبناء الجنس كالزوجة والصديق والولد والأخ والأستاذ ~~والمعلم ... فمن أسعد السعادات أن يتفق لك يا أخي معلم رشيد عالم عارف ~~بحقائق الأشياء والأمور ... ومن أنحس المناحس أن يكون لك ضد ذلك. واعلم ~~أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها وعلة حياتها، كما أن والدك ~~أب لجسدك وكان سببا لوجوده. وذلك أن والدك أعطاك صورة جسدانية ومعلمك ~~أعطاك صورة روحانية ...» (45: 4، 49-50). # لا يقتصر تعاون إخوان الصفاء على النواحي العلمية والروحانية، وإنما ~~يشمل كل نواحي الحياة: ~~«فينبغي لإخواننا ممن رزق المال والعلم جميعا أن يؤدي شكر ما أنعم ~~الله، عز وجل، به عليه بأن يضم إليه أخا من إخوانه ممن قد حرمهما، ~~ويواسيه من فضل ما أتاه الله تعالى من المال؛ ليقيم به حياة جسده في ~~دار الدنيا، ويرفده ويعلمه من علمه لتحيا به نفسه للبقاء في دار الآخرة ~~... ولا ينبغي له أن يمن عليه بما ينفق عليه من المال ولا يستحقره، ~~ويعلم أن الذي حرم أخاه هو الذي أعطاه؛ وكما أنه لا يمن على ابن ~~له جسداني فيما يربيه وينفقه عليه من ماله ... كذلك لا يجب أن يمن على ~~ابنه النفساني؛ لأنه إذا كان ذلك ابنه الجسداني فهذا ابنه النفساني، ~~كما روي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال لعلي عليه السلام: أنا وأنت أبوا هذه ~~الأمة. وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: المؤمن أخو المؤمن من أبيه وأمه ... وبهذا المعنى ~~قال المسيح، عليه السلام، ms258 للحواريين: جئت من عند أبي وأبيكم ... فهذه ~~الأبوة نفسانية لا ينقطع نسبها كما قال النبي، عليه السلام: يا بني ~~هاشم لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، فإني لا ~~أغني عنكم من الله شيئا. إنما أراد النسبة الجسدانية لأنها تنقطع إذا ~~اضمحلت الأجسام وبقيت النسبة النفسانية ... # وأما من رزق المال ولم يرزق من العلم من إخواننا، فينبغي له أن ~~يطلب أخا ممن قد رزق العلم ويضمه إليه، ويواسيه هذا من ماله ويرفده ~~هذا من علمه، ويتعاونان جميعا على إصلاح أمر الدين والدنيا ... فهكذا ~~ينبغي أن يكون تعاون إخوان الصفاء في طلب صلاح الدين والدنيا، وذلك أن ~~معاونة الأخ ذي المال للأخ ذي العلم بماله، ومعاونة الأخ ذي العلم للأخ ~~ذي المال بعلمه، في صلاح الدين، كمثل رجلين اصطحبا في الطريق في مفازة، ~~أحدهما بصير ضعيف البدن معه زاد ثقيل لا يطيق حمله، والآخر أعمى قوي ~~البدن ليس معه زاد، فأخذ البصير بيد الأعمى يقوده خلفه، وأخذ الأعمى ~~ثقل البصير فحمله على كتفه، وتواسيا بذلك الزاد، وقطعا الطريق، ونجوا ~~جميعا. فليس لأحدهما أن يمن على الآخر في إنجائه له من الهلكة في ~~معاونته؛ لأنهما نجوا جميعا بمعاونة كل واحد منهما صاحبه» (45: 4، ~~52-55). # ويقولون في خطاب موجه إلى أخ بعثوه للإشراف على أحد فروع ~~الجمعية: ~~«وقد اخترناك أيها الأخ الرحيم، أيدك الله وإيانا منه، لمعاونتهم ... ~~لتكون مساعدا لهم ومعاضدا لإخوانك؛ لأن جوهرك من جوهرهم، ونفسك من ~~نفوسهم. فانظر بعقلك وميز ببصيرتك من ترى من إخوانك وأصدقائك من ~~الكتاب والعمال، وأهل العلم والفضل، وحملة الدين والأديان، ومن تبعهم ~~من حاشيتهم وغلمانهم، ممن يمكنك الوصول إليهم بأرفق ما تقدر عليه من ~~اللطف والمداراة، بأن تذكر لهم ما ألقيناه عليك من حكمتنا وأسرار علمنا ~~... فإذا عرفت منهم أحدا وآنست منه رشدا، عرفنا حاله وما هو بسبيله ~~من أمر دنياه وطلب معايشه وتصرفه في حالاته، لكي نعرف ذلك ونعاونه ~~على ما يليق به من المعاونة. فإن كان ممن يخدم السلاطين ويتصرف في ~~أعمالهم، أوصينا إخواننا ms259 ممن يكون بحضرة السلاطين والملوك بالنيابة عنه ~~والنصيحة له وحسن الرأي فيه لدى الملوك والسلاطين والوزراء؛ وإن كان من ~~أبناء التناء والدهاقين والأشراف وأرباب الضياع، أوصينا إخواننا ~~ممن يتولى عمل السلطان بصيانته وحسن معاونته في ملته وكف الأذية عنه، ~~وقبض أيدي الظالمين عن البسط إليه؛ وإن كان من أبناء أصحاب النعم ~~وأرباب الأموال عاوناه بحسب ذلك؛ وإن كان من الفقراء المحتاجين ~~واسيناه مما آتانا الله من فضله؛ وإن كان ممن يرغب في العلم والحكمة ~~والأدب وأمر الدين وطلب الآخرة، علمناه مما علمنا الله، عز وجل، ~~وألقينا إليه من حكمتنا وأطلعناه على أسرارنا، بحسب ما يحتمل عقله ~~وتتسع له نفسه وتتوق إليه همته. ~~... واعلم أننا لا نستعين بأحد من إخواننا على أمر الدين قبل أن نبذل ~~له من المعاونة على أمر الدنيا؛ فإن كان مستغنيا عن معاونتنا فذلك ~~الذي نريد له، وإن كان محتاجا إلينا فذلك الذي نريد منه، حتى إذا ~~كفيناه ما يهمه من أمور دنياه، وأفرغ لنا قلبه وأجمع لنا رأيه واستغنى ~~عن ذلك بقوة نفسه وتمييز عقله وصفاء جوهره، فإن كان عنده علم ليس عندنا ~~تعلمنا منه تعلم صبيان الكتاب ... وإن كان يرغب فيما لدينا من ~~العلم علمناه، بحسب رغبته وطلبته» (48: 4، 165-167). ~~«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، ~~أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ليس من جماعة يجتمعون على تعاون في ~~أمر من أمور الدنيا والآخرة أشد نصيحة بعضهم لبعض من تعاون إخوان ~~الصفاء. وينبغي أن تعلم أن العلة التي تجمع بين إخوان الصفاء هي أن يرى ~~ويعلم كل واحد منهم أنه لا يتم له ما يريد من صلاح معيشة الدنيا، ونيل ~~الفوز والنجاة في الآخرة، إلا بمعاونة كل واحد منهم لصاحبه. وأما السبب ~~الذي يحفظهم على تلك الحال فهو المحبة والرحمة والشفقة والرفق من كل ~~واحد منهم، والمساواة فيما يريد ويحب ويبغض ويكره لنفسه. واعلم أن هذه ~~الشرائط تتم وتدوم إذا علم كل واحد منهم بأن أنفسهم نفس واحدة وإن كانت ~~أجسادهم متفرقة» (48: 4، 170). ~~«... إنا نحن جماعة إخوان الصفاء، ms260 أصفياء وأصدقاء كرام، كنا نياما في ~~كهف أبينا آدم مدة من الزمان تتقلب بنا تصاريف الزمان ونوائب الحدثان، ~~حتى جاء وقت الميعاد بعد تفرق في البلاد في مملكة صاحب الناموس الأكبر، ~~وشاهدنا مدينتنا الروحانية المرتفعة في الهواء، وهي التي أخرج منها ~~أبونا آدم وزوجته وذريتهما، لما خدعهما عدوهما اللعين وهو إبليس وقال: ~~... هل أدلك على شجرة الخلد ~~وملك لا يبلى ~~. # 11 # واغترا بقوله ... وأخرجاهما وذريتهما جميعا بعضهم لبعض ~~عدو. وقيل لهم: اهبطوا منها ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فيها ~~تحيون وفيها تموتون، ومنها تخرجون يوم البعث، إذا انتبهتم من نوم ~~الجهالة واستيقظتم من رقد الغفلة ... فهل لك يا أخي، أيدك الله وإيانا ~~بروح منه، أن تبادر وتركب معنا في سفينة النجاة التي بناها أبونا نوح، ~~عليه السلام، فتنجو من طوفان الطبيعة قبل أن تأتي السماء بدخان مبين، ~~وتسلم من أمواج بحر الهيولى ولا تكون من المغرقين؟» (44: 4، ~~18). ~~«وتبادر قبل الفوات في فكاك نفسك من أسر الطبيعة ... وتخرجها من قعر ~~الأجسام وظلمة الأجساد ونيران الشهوات المحرقة والغرور باللذات ~~الجرمانية في جوار الشيطان، وتعمل كما يعمل النجباء بأن تصحب إخوانا ~~لك نصحاء وأصدقاء كرماء، محبين لك وادين، مواظبين على نجاتك ونجاة ~~نفوسهم، وأن ترغب في صحبتهم، وتسمع أقاويلهم وتفهم كلامهم بحضورك في ~~مجالسهم، وتنظر في كتبهم لتعرف اعتقادهم، وتتخلق بأخلاقهم، وتتعلم ~~علومهم، وتسير بسيرتهم العادلة، وتعمل بسنتهم الزكية، وتتفقه في ~~شريعتهم العقلية» (44: 4، 33). # وهنالك إشارات متفرقة تعطينا لمحات عامة وغير وافية عن المسائل ~~التنظيمية: ~~«اعلم أيها الأخ، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه ينبغي لإخواننا، ~~أيدهم الله حيث كانوا من البلاد، أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في ~~أوقات معلومة، لا يداخلهم فيه غيرهم، يتذاكرون فيه علومهم، ويتحاورون ~~فيه أسرارهم. وينبغي أن تكون مذاكرتهم أكثرها في علم النفس، والحس ~~والمحسوس، والعقل والمعقول، والنظر والبحث عن أسرار الكتب الإلهية ~~والتنزيلات النبوية، ومعاني ما تضمنها من موضوعات الشريعة. وينبغي ~~أيضا أن يتذاكروا العلوم الرياضيات الأربعة، أعني العدد والهندسة ~~والتنجيم والتأليف. وأما أكثر عنايتهم ms261 وقصدهم فينبغي أن يكون البحث عن ~~العلوم الإلهية التي هي الغرض الأقصى» (45: 4، 41). # وهنالك معايير خاصة يمتحن عليها المرشحون للعضوية: ~~«وينبغي لإخواننا، أيدهم الله، حيث كانوا في البلاد، إذا أراد أحدهم ~~أن يتخذ صديقا مجددا أو أخا مستأنفا، أن يعتبر أحواله ويتعرف ~~أخباره، ويجرب أخلاقه، ويسأله عن مذهبه واعتقاده، ليعلم هل يصلح ~~للصداقة وصفاء المودة وحقيقة الأخوة أم لا؛ لأن في الناس أقواما ~~طبائعهم متغايرة ... فمنهم خير وشرير، وكفور وشكور، وذو أمانة وغدار، ~~وحليم وسفيه ... وما شاكل هذه الأخلاق المحمودة والمذمومة، مضادات بعضها ~~لبعض ... فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقا أو أخا أن تنتقده كما تنتقد ~~الدراهم والدنانير ... واعلم أن الخطب في اتخاذ الإخوان أجل وأعظم ~~خطرا من هذه كلها؛ لأن إخوان الصدق هم الأعوان على أمور الدين والدنيا ~~جميعا ... وهم أعز من الكبريت الأحمر. وإذا واحدا وجدت منهم فتمسك ~~به، فإنه قرة العين ونعيم الدنيا وسعادة الآخرة؛ لأن إخوان الصدق نصرة ~~على دفع الأعداء، وزين عند الأخلاء، وأركان يعتمد عليهم عند الشدائد ~~والبلوى ...» (45: 4، 43-45). ~~«واعلم يا أخي أن الإنسان كثير التلون قليل الثبات على حال واحد؛ ~~وذلك أنه قل من الناس من تحدث له حال من أحوال الدنيا أو أمر من ~~أمورها؛ من غنى إلى فقر، أو من فقر إلى غنى، أو من حضر إلى سفر، أو ~~من عزوبة إلى تزويج، أو من ذل إلى عز ... إلا ويحدث له خلق جديد وسجية ~~أخرى، ويتغير خلقه مع إخوانه، ويتلون مع أصدقائه، إلا إخوان الصفاء ~~الذين ليست صداقتهم خارجة من ذاتهم. وذلك أن كل صداقة تكون لسبب ما، ~~فإذا انقطع ذلك السبب بطلت تلك الصداقة، إلا صداقة إخوان الصفاء فإن ~~صداقتهم قرابة رحم، ورحمهم أن يعيش بعضهم لبعض، ويرث بعضهم بعضا. وذلك ~~أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فكيفما تغيرت حال ~~الأجساد بحقيقتها فالنفس لا تتبدل ولا تتغير، كما قال القائل: # وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه # ولو ~~أن ما في الوجه منه خراب # يغير مني الدهر ما ms262 شاء غيرها # فأبلغ أقصى العمر وهي كعاب» ~~(45: 4، 47-48). # ويبدو أن الدعاة ~~يخضعون لتدريب خاص على كيفية مخاطبة وإقناع الشرائح المختلفة من الناس. ~~وهذا ما نجد أثرا له في الرسالة 48 التي أفردت حيزا لهذه المسألة. ~~فقد أفردوا فصلا في كيفية خطاب المتفلسفين الشاكين في أمر الشريعة، ~~وفصلا في خطاب الشاكين في أمر النفس، وفصلا في خطاب الملوك ~~والسلاطين، وفصلا في مخاطبة أهل العلم الغافلين عن أمر النفس، وفصلا ~~في مخاطبة المتشيعين نقتطف فيما يأتي بعض فقراته التي نفهم منها أن ~~هنالك صلة وثيقة بين الإخوان والمتشيعين، ولكنها لا تصل حد التماثل، ~~وهم يخاطبونهم هنا كإحدى الجماعات التي يرغبون في استمالتها: ~~«قد جمع الله بيننا وبينك أيها الأخ البار الرحيم في أسباب شتى وخصال ~~عدة ... فمن إحدى تلك الخصال والأسباب التي تؤكد المودة بين الأصدقاء ملة ~~الإسلام التي هي آكد الأسباب ... # ومما يجمعنا وإياك أيها الأخ ~~البار الرحيم محبة نبينا، عليه السلام، وأهل بيت نبينا الطاهرين، ~~وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خير الوصيين، صلوات الله عليهم ~~أجمعين. ومما يجمعنا وإياك حرمة الأدب والخروج من جملة العوام، وهو ~~العماد لما نحن بسبيله ونشير إليه. ومما يجمعنا وإياك من الأخلاق ~~الجميلة والأفعال الحميدة وحرية النفس وصفاء جوهرها، وهي التي تدعونا ~~إلى مكاتبتك ومراسلتك، وما نرجو منه النفع لك فيما يستقبل من الأمر، ~~والله يؤيدك وإيانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد. وقد أنفذنا ~~إليك أخا من إخواننا ممن قد ارتضيناه في بصيرته وحمدنا طريقته في دينه ~~وأخلاقه. وأنت أيدك الله تعرف حقه وما يجب من حرمته وتوصله إليك على ~~خلوة من مجلسك وفراغ من قلبك، وتصغي إليه فيما يقول، وتسمع منه ما ~~ألقينا إليك من أسرارنا وما نشير إليه من علمنا، ليتبين لك مذهبنا، ~~وتفهم اعتقادنا في أمر الدين والدنيا جميعا. فإذا سمعت أقاويلنا وفهمت ~~معانيها ... أجبتنا عن رأيك فيما أشرنا إليه ... لا محتشما ولا متهيبا ... ~~والله يوفقك للصواب» (48: 4، 195). # وأيضا: ~~«واعلم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أن شيعتنا وإخواننا المتفرقين في ms263 ~~البلاد وسائر من ينسب إلينا، فهم في أحوالهم ومراتبهم على منازل ثلاث: ~~فطائفة منهم خواص عقلاء، متدينون أخيار فضلاء، وطائفة منهم أغبياء ~~أشرار أردياء، وطائفة بين ذلك متوسطون ... # إن من خواص إخواننا الفضلاء أنهم العلماء بأمور الديانات، العارفون ~~بأسرار النبوات، المتأدبون بالرياضيات الفلسفية؛ وإذا لقيت أحدا منهم ~~وأنست منه رشدا، فبشره بما يسره، وذكره باستئناف دور الكشف ~~والانتباه، وانجلاء الغمة عن العباد بانتقال القرآن من برج مثلثات ~~النيران إلى برج مثلثات النبات والحيوان، في الدور العاشر الموافق لبيت ~~السلطان وظهور الأعلام. # واعلم أن من إخواننا وأهل شيعتنا طائفة أخرى بوجودنا شاكون، وفي ~~بقائنا متحيرون فيما يعتقدون من موالاتنا، وطائفة أخرى موقنون ببقائنا ~~لكنهم غافلون عن أمرنا غير عارفين بأسرارنا، وكلهم منتظرون لظهور ~~أمرنا، مستعجلون لمجيء أيامنا، مشتهون نصرة أمرنا. فإذا لقيت منهم ~~أحدا فبشره بما يسره، وأقر عينه بما يظنه بعيدا مما يؤلمه ... وذكر ~~من وثقت بهم من إخواننا بما ألقينا إليك من علمنا ... وأخرج إليهم من ~~رسائلنا ما ترغب نفوسهم فيه وترتاح إليه، وليكن ذلك على النظام ~~والترتيب كما بينا لك. فلعلهم إذا استمعوا إليها وفهموا معانيها انتبهت ~~نفوسهم من نوم الغفلة ورقدة الجهالة . # واعلم يا أخي بأن في الناس طائفة من أهل ملتنا مقرون بفضلنا وفضل أهل ~~بيتنا، ولكنهم جاهلون بعلومنا غافلون عن أسرارنا وحكمتنا؛ فمن ذلك أنهم ~~يجحدون وجودنا وينكرون بقاءنا، ومع هذا فإنهم يزرون بشيعتنا المقرين ~~بوجودنا المنتظرين ظهور أمرنا، ومعاندون لهم متعصبون عليهم مبغضون ~~لهم. # واعلم بأن أحد الأسباب في ذلك هو أن قوما من أشرار الناس جعلوا ~~التشيع سترا لهم عما يحذرون من الآمرين عليهم بالمعروف والناهين لهم ~~عن المنكر فيما يفعلون. وذلك أنهم يركبون كل محظور ويتركون كل مأمور ~~به، وإذا نهوا عن منكر فعلوه، بارزوا بإظهار التشيع ... ومن الناس طائفة ~~ينسبون إلينا بأجسادهم وهم براء بنفوسهم منا، ويسمون أنفسهم العلوية ~~وما هم من العلويين ولكنهم من أسفل سافلين، لا يعرفون من أمرنا إلا ~~نسبة الأجساد، ولا من القرآن إلا اسمه، ولا من ms264 الإسلام إلا رسمه ... ومن ~~الناس طائفة قد جعلت التشيع مكسبا لها، مثل النائحة والقصاص، لا ~~يعرفون من التشيع إلا التبري والشتم والطعن واللعنة والبكاء مع النائحة ~~... # ومن الشيعة من يقول إن الأئمة يسمعون النداء ويجيبون الدعاء، ولا ~~يدرون حقيقة ما يقرون به وصحة ما يعتقدونه. ومنهم من يقول إن الإمام ~~المنتظر مختف من خوف المخالفين، كلا بل هو ظاهر بين ظهرانيهم يعرفهم ~~وهم له منكرون» (48: 4، 145-148). # إن الإشارة في هذا المقطع الأخير إلى الإمام الظاهر ليست إشارة إلى ~~الإمام الإسماعيلي الفاطمي، للأسباب التي بيناها في الفصل السابق، ولم ~~يكن في تلك الفترة من إمام شيعي يدعو إليها الدعاة بعد اختفاء الإمام ~~الثاني عشر. من هنا، فلا بد أن يكون المقصود بالإمام تنظيم إخوان ~~الصفاء نفسه. فهو الإمام وهو الهادي بتنظيمه الذي يتربع على قمته ~~أربعون رجلا صالحا مختارين من أربعمائة تم اختيارهم من أربعة آلاف، ~~من ورائهم شريحة لا نعرف عددها من الأنصار. وفوق هؤلاء جميعا يقوم ~~أربعة أشخاص هم بمثابة الهيئة التنفيذية لهذه القيادة الجماعية التي لا ~~تعترف برئيس ولا بسلطة إلا سلطة العقل. ويدعم رأينا هذا، أن الإخوان ~~عبر رسائلهم كلها لم يظهروا دعوتهم لإمام ما سواء أكان هذا الإمام ~~ظاهرا أم مكتوما، ولم يولوا مسألة الإمامة أهمية تذكر، على ما أشرنا ~~إلى ذلك سابقا. وقد عبر الإخوان عن ذلك بشكل واضح عندما قالوا: ~~«وليس كل أمر يتم بواحد من الناس بل ربما يحتاج فيه إلى الجمع العظيم. ~~وخاصة أمر الناموس، وأقل ما يحتاج فيه إلى أربعين خصلة تجتمع في أحد ~~من الأشخاص، أو أربعين شخصا مؤتلفي القلوب» (48: 4، 177). وبما أن ~~خصال النبوة الأربعين لا يمكن أن تجتمع في واحد من الناس حتى يكون ~~هاديا لهم بعد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، على ما قالوه لنا في مقطع أوردناه ~~سابقا، فإن الرئاسة تبقى في هؤلاء الأربعين المؤتلفي القلوب، وهم بؤرة ~~تنظيم إخوان الصفاء. # والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: لماذا لم يصطدم هذا التنظيم الواسع ~~الانتشار في العالم الإسلامي ms265 مع السلطة الزمنية في بغداد؟ ولماذا لم ~~يلق إخوان الصفاء من عسف واضطهاد العباسيين ما لقيت جماعات وتنظيمات ~~أخرى عديدة؟ والجواب عن ذلك واضح كل الوضوح، فالسلطة العباسية لم تكن ~~معنية كثيرا بتحري ومراقبة الحركات الفلسفية والروحانية قدر عنايتها ~~بتحري ومراقبة الحركات السياسية المعارضة التي تهدف إلى قلب نظام الحكم ~~وإحلال تغييرات جذرية في المجتمع والسلطة عن طريق القوة. والإخوان لم ~~يكونوا من دعاة الانقلاب على السلطة، ولم يخططوا للصدام معها، والمملكة ~~التي دعوا إلى إخلالها كانت أقرب إلى مفهوم المسيح عن ملكوت الرب ~~السماوي منها إلى المملكة السياسية الأرضية: ~~«واعلم أيها الأخ البار الرحيم، أنا لا نكتم أسرارنا عن الناس ~~خوفا من سطوة الملوك ذوي السلطنة الأرضية، ولا حذرا من شغب جمهور ~~العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا كما أوصى المسيح قال: لا ~~تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها ~~فتظلموهم. # واعلم أيها الأخ أنا لا نحسد ملوك الأرضين ولا نتنافس في مراتب ~~أبناء الدنيا، ولكن نطلب الملك السماوي ومراتب الملائكة الذين هم أولو ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع. لأن جوهرنا جوهر سماوي وعالمنا عالم علوي، ~~ونحن ها هنا أسرى غرباء في أسر الطبيعة، غرقى في بحر الهيولى بجناية ~~كانت من أبينا آدم الأول حين خدعه عدوه اللعين إذ قال: ~~... هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى ~~» # 12 ~~(48: 4، 166). # لقد وصفوا الخلافة العباسية بأنها دولة أهل الشر وتوقعوا زوالها ~~وحلول دولة أهل الخير محلها، ولكنهم رأوا أن هذا الزوال محكوم بحتمية ~~تاريخية سوف تقود إليه، وأن عليهم الاستعداد لتلك اللحظة الآتية دون ~~استعجالها بالعنف: ~~«واعلم بأن كل دولة لها وقت منه تبتدي، وغاية إليها ترتقي، وحد إليه ~~تنتهي؛ فإذا بلغت إلى أقصى غاياتها ومدى نهاياتها تسارع إليها الانحطاط ~~والنقصان، وبدا في أهلها الشؤم والخذلان ... والمثال في ذلك مجاري أحكام ~~الزمان، وذلك أن الزمان كله نصفان، نصفه نهار مضيء، ونصفه ليل مظلم، ~~وأيضا نصفه صيف حار ونصفه شتاء بارد، وهما يتداولان في مجيئهما ~~وذهابهما ... وكلما تناهى أحدهما ms266 في الزيادة ظهرت قوته وكثرت أفعاله في ~~العالم، وخفيت قوة ضده وقلت أفعاله. فهكذا حكم الزمان في دولة أهل ~~الخير ودولة أهل الشر: تارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في ~~العالم لأهل الخير، وتارة تكون الدولة والقوة وظهور الأفعال في العالم ~~لأهل الشر ... # وقد نرى أيها الأخ البار الرحيم، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه قد ~~تناهت دولة أهل الشر وظهرت قوتهم وكثرت أفعالهم في العالم في هذا ~~الزمان، وليس بعد التناهي في الزيادة إلا الانحطاط والنقصان. واعلم بأن ~~الدولة والملك ينتقلان في كل دهر وزمان ودور وقران من أمة إلى أمة، ~~ومن أهل بيت إلى أهل بيت، ومن بلد إلى بلد. # واعلم يا أخي أن دولة أهل الخير يبدأ أولها من قوم علماء حكماء وخيار ~~فضلاء، يجتمعون على رأي واحد، ويتفقون على مذهب واحد ودين واحد، ~~ويعقدون بينهم عهدا وميثاقا أن لا يتجادلوا ولا يتقاعدوا عن نصرة ~~بعضهم بعضا، ويكونون كرجل واحد في جميع أموره، وكنفس واحدة في جميع ~~تدبيرهم فيما يقصدون من نصرة الدين وطلب الآخرة، لا يبتغون سوى وجه ~~الله ورضوانه جزاء ولا شكورا. فهل لك أيها الأخ البار الحكيم، أيدك ~~الله وإيانا بروح منه، بأن ترغب في صحبة إخوان لك نصحاء، وأصدقاء لك ~~أخيار فضلاء، هذه صفتهم، بأن تقصد مقصدهم وتتخلق بأخلاقهم، وتنظر في ~~علومهم لتعرف مناهجهم، وتكون معهم وتنجو بمفازاتهم، لا يمسهم السوء ولا ~~هم يحزنون» (4: 1، 180-182). # ومن حديث الإخوان عن المدينة الفاضلة التي يسعون إلى بنائها، يظهر ~~بكل وضوح أنهم ليسوا في سبيل ملك أرضي وإنما في سبيل ملكوت سماوي، ~~وليس تنظيم إخوان الصفاء إلا الصورة الأرضية عن ذلك الملكوت المنشود. ~~فمدينتهم تؤسس على تقوى الله لا على أبنية مادية حجرية، ويشيد بناؤها ~~لا من لبنات الآجر والقرميد بل من لبنات الصدق في الأقاويل والتصديق في ~~الضمائر، وتتم أركانها على الوفاء والأمانة. ولا ينبغي أن يكون بناء ~~هذه المدينة في الأرض ولا على وجه الماء ولا مرتفعا في الهواء وإنما ~~في الأعالي بحيث يشرف ms267 على سائر البلدان. أي إن هذه المدينة ستكون منزهة ~~من العناصر التي تؤلف الوجود المادي. وينبغي أن يكون الهيكل التنظيمي ~~لهذه المدينة مرتبا على أربع مراتب هي مراتب تنظيم إخوان الصفاء ~~نفسه: ~~«وينبغي لنا أيها الأخ، بعد اجتماعنا على الشرائط التي تقدمت من صفوة ~~الإخوان، أن نتعاون ونجمع قوة أجسادنا ونجعلها قوة واحدة، ونرتب تدبير ~~نفوسنا تدبيرا واحدا، ونبني مدينة فاضلة روحانية، ويكون بناء المدينة ~~في مملكة صاحب الناموس الأكبر الذي يملك النفوس والأجساد؛ لأن من ملك ~~النفوس ملك الأجساد، ومن لم يملك النفوس لم يملك الأجساد. وينبغي أن ~~يكون أهل هذه المدينة قوما أخيارا حكماء فضلاء مستبصرين بأمور النفوس ~~وحالاتها، وما يتبع ذلك من أمور الأجساد وحالاتها. وينبغي أن يكون لأهل ~~المدينة سيرة جميلة كريمة حسنة يتعاملون بها فيما بينهم، وأن يكون لهم ~~سيرة أخرى يعاملون بها أهل المدن الجائرة. # ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض حيث تكون أخلاق أهل ~~سائر المدن الجائرة؛ ولا ينبغي أيضا أن يكون بناؤها على وجه الماء؛ ~~لأنه يصيبها من الأمواج والاضطراب ما يصيب أهل المدن التي على السواحل ~~من البحار، ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الهواء مرتفعا ~~لكيلا يصعد إليها دخان المدن الجائرة فتكدر أهويتها، وينبغي أن تكون ~~مشرفة على سائر المدن ليكون أهلها يشاهدون حالات أهل سائر المدن في ~~دائم الأوقات، وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله كيلا ~~ينهار بناؤها، وأن يشيد بناؤها على الصدق في الأقاويل والتصديق في ~~الضمائر وتتم أركانها على الوفاء والأمانة كيما تدوم ويكون كمالها على ~~الغرض في الغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم. فإذا فرغنا من ~~بنائها بنينا المركب الذي هو سفينة النجاة، حتى تكون السفينة مستقلة ~~بثقل الأجساد وتكون المدينة مأوى الأرواح. # وينبغي أن يكون تعاون أهل المدينة مرتبا أربع مراتب: إحداهما مرتبة ~~أرباب الأركان الأربعة ذوي الصنائع، والثانية مرتبة ذوي الرياسات، ~~والثالثة مرتبة الملوك ذوي الأمر والنهى، والرابعة مرتبة الإلهيين ذوي ~~المشيئة والإرادة ... # واعلم أيها ms268 الأخ علما يقينا أن هذه المدينة مفروغ من بنائها على ~~هذا الوصف، ولكن لا يمكن أحدا أن يدخل مدينتنا هذه متى لم يكن علمه ~~مساويا لعلمنا؛ لأن حولها أربعة أسوار مبنية من جهالات الناس، ما بين ~~كل سورين خندق من سوء أعمالهم وفساد آرائهم ورداءة أخلاقهم، وقد ذكرنا ~~ذلك فيما تقدم. فمن عزم على دخولها فعليه بعلم النفس ومعرفة جوهرها، ~~فإنه أولى بأن يستفتح في مدينتنا. وقد بينا كل ما يحتاج إخواننا، ~~أيدهم الله، إليه من هذا العلم في إحدى وخمسين رسالة. فانظر فيها أيها ~~الأخ إن لم يكن يستوي لك الحضور في مجلسنا، واعرضها على إخوانك الذين ~~ترتضيهم وتأنس منهم الرشد والسداد، لعلكم توفقون لفهم معاني ما ذكرنا ~~فيها من معاني فنون العلم وغرائب الحكم، وترشدون إلى العمل بما يقربكم ~~إلى الله زلفى» (48: 4، 171-172). # هذا السعي الروحي للإخوان وطلبهم لسعادة النفس في العالم الآخر، ~~ولجوئهم للأساليب السلمية في نشر دعوتهم، لم تعن أبدا أنهم قد أداروا ~~ظهورهم لمشكلات عصرهم ومجتمعهم، بل على العكس من ذلك؛ فرسائلهم طافحة ~~بالنقد الاجتماعي والسياسي. ويتركز هذا النقد بشكل خاص في حكاية احتكام ~~الإنس والأنعام إلى ملك الجن بيراست، والتي تشغل عشرات الصفحات من ~~الرسالة 22، وهي الرسالة الثامنة من القسم الثاني الطبيعي. وهي حكاية ~~مليئة بالرموز والتوريات ذات الدلالات العميقة. نقرأ على لسان الببغاء ~~هذا النقد اللاذع الذي لم يستثن حتى مقام الخلافة نفسه: ~~«وأما تجاركم فيجمعون من حرام وحلال، ويبنون الدكاكين والخانات، ~~ويملئونها من الأمتعة ويحتكرونها، ويضنون بها على أنفسهم وجيرانهم ~~وأحبابهم، ويمنعون الفقراء والمساكين حقوقهم، ولا ينفقون حتى تذهب جملة ~~واحدة، إما في حرق أو غرق أو سرقة أو مصادرة سلطان جائر أو قطع طريق، ~~وما شاكل ذلك. ويبقى هو بحزنه ومصيبته معاقبا بما كسبت يداه، فلا زكاة ~~أخرج، ولا صدقة أعطى، ولا يتيما بر ... # وأما الذين ذكرتهم من الكتاب والعمال وأصحاب الدواوين، وافتخرت بهم، ~~فهكذا يليق بكم الافتخار بالأشرار الذين يهتدون إلى أسباب الشرور ما لا ~~يهتدي غيرهم، ويصلون إلى ما ms269 لا يصل إليه سواهم، لدقة أفهامهم وجودة ~~تمييزهم، ولطف مكايدهم وطول ألسنتهم، ونفاذ خطابهم في كتبهم. يكتب ~~أحدهم إلى أخيه وصديقه زخرا من القول غرورا، بألفاظ مسجعة وكلام ~~حلو وخطاب فصيح يغريه، وهو من ورائه في قطع دابره، والحيلة في إزالة ~~نعمته، والوصول إلى أسباب نكايته، وتدوين الأعمال في مصادراته وتأويلات ~~الأخذ لماله. # وأما قراؤكم وعبادكم الذين تظنون أنهم أخياركم ... فهم الذين غروكم ~~بإظهارهم الورع والخشوع والتقشف والنسك ... وترك التفقه في الدين ... وترك ~~تهذيب النفس وإصلاح الخلق، واشتغلوا بكثرة السجود والركوع بلا علم، حتى ~~ظهر أثر السجود على جباههم ... وتركوا الأكل والشرب حتى جفت أدمغتهم ~~ونحلت شفاههم ... وقلوبهم مملوءة بغضا وحقدا وجفاء لمن ليس مثلهم، ~~ونفوسهم مملوءة وساوس وخصومة مع ربهم بضمائرهم ... # وأما فقهاؤكم وعلماؤكم، فهم الذين يتفقهون في الدين طلبا للدنيا، ~~وابتغاء للرياسة والولاية والقضاء والفتاوى بآرائهم وقياساتهم، يحللون ~~تارة ويحرمون تارة بتأويلاتهم، ويتبعون ما تشابه ويتركون حقيقة ما ~~أنزل الله من الآيات المحكمات، فنبذوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ~~ويتبعون ما تتلو الشياطين على قلوبهم من الخيالات. كل هذا طلبا للدنيا ~~وتكسبا للرياسة من غير ورع ولا تقوى من الله تعالى ... # وأما قضاتكم وعدولكم والمزكون لكم، فأدهى وأظلم وأبطر وهم أشر ~~سيرة من الفراعنة والجبابرة. وذلك أنك تجد الواحد منهم قبل الولاية ~~قاعدا بالغدوات في مسجده، حافظا لصلاته، مقبلا على شانه، يمشي بين ~~جيرانه على الأرض هونا، حتى إذا ولي الحكم والقضاء تراه راكبا بغلة ~~فارهة وحمارا مصريا بسرج ومركب، وغاشية يحملها السودان ... قد ضمن ~~القضاء من السلطان الجائر بشيء يؤديه إليه من أموال اليتامى ومال ~~الوقوف. وصالح عدوله بشيء من السحت والبراطيل، فقبل منهم الرشوة، ~~ويرخص لهم في الجنايات وشهادات الزور وترك أداء الأمانات والودائع ~~... # وأما خلفاؤكم الذين تزعمون أنهم ورثة الأنبياء، عليهم السلام، فكفى ~~وصفهم ما قاله الله تعالى. وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ما من نبوة إلا ~~ونسختها الجبروتية. ويسمون باسم الخلافة، ويسيرون بسيرة الجبابرة، ~~وينهون عن منكرات الأمور، ويرتكبون هم منها كل ms270 محظور، ويقتلون أولياء ~~الله وأولاد الأنبياء، عليهم السلام، ويسبونهم ويغصبونهم على حقوقهم، ~~ويشربون الخمر، ويبادرون إلى الفجور ... فبدلوا نعمة الله كفرا ... فويل ~~لهم مما كسبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون! وذلك أنه إذا ولي أحد منهم ~~ابتدأ أولا بالقبض على من تقدمت له حرمة لآبائه وأسلافه، وأزال نعمته، ~~وربما قتل أعمامه وإخوانه وأبناء عمه وأقربائه، وربما كحلهم أو حبسهم ~~ونفاهم ... كل ذلك حرصا على طلب الدنيا وشدة الرغبة فيها، وشحا عليها ~~وقلة الرغبة في الآخرة ...» (22: 2، 358-361). # لقد طال هذا النقد الشامل الذي تحفل به الرسائل جميع شرائح المجتمع، ~~وكل الأخلاق الرديئة والعادات الفاسدة السائدة لدى الناس، وذلك ~~انطلاقا من نظرة الإخوان إلى النجاة من عالم الكون والفساد، والتي لا ~~تتهيأ للفرد المنعزل عن المجتمع، بل للفرد الفاعل فيه الساعي إلى ~~تحسينه وتطويره. فإذا كان الخلاص يبدأ بجهد فردي إلا أنه لا يتحقق ~~فعلا إلا بجهد جمعي، عندما تتحد الإرادات وتتوحد الغايات، لا من ~~أجل قلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة، بل من أجل إحداث انقلاب في ~~صميم الثقافة الإسلامية يهيئها لقدوم دولة أهل الخير، ويمهد ~~لها. ms271