######OpenITI# #META# URI: 1450FirasSawwah.WajhAkharLiMasih.Hindawi84637573 #META# Tags: religions #META# ID: 84637573 #META# Title: الوجه الآخر للمسيح: موقف يسوع من اليهودية – مقدمة في الغنوصية #META# AuthorID: 80572614 #META# Author: فراس السواح #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - في الأناجيل الأربعة ومؤلفيها ورسالتها‏ # 2 - الغنوصية ونشأة المسيحية‏ # 3 - اليهودية في فلسطين ومسألة الجليل‏ # 4 - المداخلات اليهودية في العهد الجديد وموقف يسوع من اليهود واليهودية‏ # 5 - استطراد حول الغنوصية‏ # 6 - الانتفاضة الأخيرة للغنوصية البوجوميل والكاثار‏ # 7 - أثر الغنوصية في الفكر الحديث‏ # 8 - نموذج من الأدبيات الغنوصية‏ # ملحق: الإنجيل بحسب مرقس‏ # مراجع البحث‏ # الكتب الإلكترونية، هبة العصر‏ # مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة‏ # فاتحة‏ # 1 - في الأناجيل الأربعة ومؤلفيها ورسالتها‏ # 2 - الغنوصية ونشأة المسيحية‏ # 3 - اليهودية في فلسطين ومسألة الجليل‏ # 4 - المداخلات اليهودية في العهد الجديد وموقف يسوع من اليهود واليهودية‏ # 5 - استطراد حول الغنوصية‏ # 6 - الانتفاضة الأخيرة للغنوصية البوجوميل والكاثار‏ # 7 - أثر الغنوصية في الفكر الحديث‏ # 8 - نموذج من الأدبيات الغنوصية‏ # ملحق: الإنجيل بحسب مرقس‏ # مراجع البحث‏ # | الوجه الآخر للمسيح # | الوجه الآخر للمسيح # | موقف يسوع من اليهودية - مقدمة في الغنوصية # تأليف # فراس السواح # | الكتب الإلكترونية، هبة العصر # في عام 1970م بدأت الأفكار العامة لكتابي الأول «مغامرة العقل الأولى» تتشكل في ذهني، # وعندما بذلت المحاولات الأولى لكتابتها، شعرت بحاجة إلى مراجع أكثر من المراجع القليلة التي في حوزتي، # فرحت أبحث في منافذ بيع الكتب، وفي المراكز الثقافية التابعة لوزارة الثقافة السورية، وفي مكتبة جامعة # دمشق؛ عن مراجع باللغة الإنجليزية فلم أجد ضالتي، فتأكدت لي استحالة إتمام المشروع وتوقفت عن # الكتابة. # وفي عام 1971م قمت برحلة طويلة إلى أوروبا والولايات المتحدة دامت ستة أشهر، رحت # خلالها أشتري ما يلزمني من مراجع وأشحنها بالبريد البحري إلى سوريا، وعندما عدت شرعت في الكتابة # وأنجزت الكتاب في نحو سنة ونصف. بعد ذلك رحت أستعين بأصدقائي المقيمين في الخارج لإمدادي بما # يلزمني من مراجع، وكانت مهمة شاقة وطويلة تستنفد المال والجهد، وكان عمل الباحث في تلك الأيام وفي # مثل تلك الظروف عملا بطوليا، إن لم يكن مهمة مستحيلة. # بعد ذلك ظهر الحاسوب الشخصي في أوائل الثمانينيات، ثم تأسست شبكة الإنترنت التي لعبت # دورا مهما في ms001 وضع الثقافة في متناول الجميع، ووفرت للباحثين ما يلزمهم من مراجع من خلال الكتب # الإلكترونية المجانية أو المدفوعة الثمن، فأزاحت هم تأمين المراجع عن الكاتب الذي يعيش في الدول النامية، # ووصلته بالثقافة العالمية من خلال كبسة زر على حاسوبه الشخصي. # لقد صار حاسوبي اليوم قطعة من يدي لا أقدر على الكتابة من دونه، مع إبقائي استخدام القلم # في الكتابة، لا برنامج الوورد. ولرد الجميل للإنترنت، أردت لطبعة الأعمال الكاملة لمؤلفاتي التي صدرت في # 20 مجلدا، أن توضع على الشبكة تحت تصرف عامة القراء والباحثين، واخترت «مؤسسة هنداوي» لحمل # هذه المهمة؛ لأنها مؤسسة رائدة في النشر الإلكتروني، سواء من جهة جودة الإخراج أو من حيث المواضيع # المتنوعة التي تثري الثقافة العربية. # جزيل الشكر ل «مؤسسة هنداوي»، وقراءة ممتعة أرجوها للجميع! # | مقدمة طبعة الأعمال غير الكاملة # عندما وضعت أمامي على الطاولة في «دار التكوين» كومة مؤلفاتي الاثنين والعشرين ومخطوط ~~كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها في طبعة جديدة عن الدار تحت عنوان «الأعمال ~~الكاملة»، كنت وأنا أتأملها كمن ينظر إلى حصاد العمر. أربعون عاما تفصل بين كتابي الأول ~~«مغامرة العقل الأولى» والكتاب الجديد «الله والكون والإنسان»، ومشروع تكامل تدريجيا دون ~~خطة مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي أحببت أن أشرك به ~~قرائي. وفي كل مغامرة كنت كمن يرتاد أرضا بكرا غير مطروقة ويكتشف مجاهلها، وتقودني ~~نهاية كل مغامرة إلى بداية أخرى على طريقة سندباد الليالي العربية. ها هو طرف كتاب ~~«مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة» يبدو لي في أسفل الكومة. أسحبه وأتأمله، إنه في ~~غلاف طبعته الحادية عشرة الصادرة عام 1988، التي عاد ناشرها إلى غلاف الطبعة الأولى الصادرة ~~عام 1976، الذي صممه الصديق الفنان «إحسان عنتابي»، ولكن ألوانه بهتت حتى بدت وكأنها بلون ~~واحد لعدم عناية الناشر بتجديد بلاكاتها المتآكلة من تعدد الطبعات التي صدرت منذ ذلك الوقت. ~~وفي حالة التأمل هذه، يخطر لي أن هذا الكتاب قد رسم مسار حياتي ووضعني على سكة ذات اتجاه ms002 ~~واحد؛ فقد ولد نتيجة ولع شخصي بتاريخ الشرق القديم وثقافته، وانكباب على دراسة ما أنتجته ~~هذه الثقافة من معتقدات وأساطير وآداب، في زمن لم تكن فيه هذه الأمور موضع اهتمام عام، ~~ولكني لم أكن أخطط لأن أغدو متخصصا في هذا المجال، ولم أنظر إلى نفسي إلا كهاو عاكف ~~بجد على هوايته. إلا أن النجاح المدوي للكتاب - الذي نفدت طبعته الأولى الصادرة عن اتحاد ~~الكتاب العرب بدمشق في ستة أشهر، ثم تتابعت طبعاته في بيروت - أشعرني بالمسئولية؛ لأن القراء ~~كانوا يتوقعون مني عملا آخر ويتلهفون إليه. # إن النجاح الكبير الذي يلقاه الكتاب الأول للمؤلف يضعه في ورطة ويفرض عليه التزامات لا ~~فكاك منها، فهو إما أن ينتقل بعده إلى نجاح أكبر، أو يسقط ويئول إلى النسيان عندما لا ~~يتجاوز نفسه في الكتاب الثاني. وقد كنت واعيا لهذه الورطة، ومدركا لأبعادها، فلم أتعجل ~~في العودة إلى الكتابة، وإنما تابعت مسيرتي المعرفية التي صارت وقفا على التاريخ العام ~~والميثولوجيا وتاريخ الأديان. وعاما بعد عام، كان كتاب «لغز عشتار» يتكامل في ذهني وأعد له ~~كل عدة ممكنة خلال ثمانية أعوام، ثم كتبته في عامين ودفعته إلى المطبعة فصدر عام 1986؛ ~~أي بعد مرور عشر سنوات على صدور الكتاب الأول، وكان نجاحا مدويا آخر فاق النجاح الأول، ~~فقد نفدت طبعته الأولى، 2000 نسخة، بعد أقل من ستة أشهر، وصدرت الطبعة الثانية قبل نهاية ~~العام، ثم تتالت الطبعات. # كان العمل الدءوب خلال السنوات العشر الفاصلة بين الكتابين، الذي كان «لغز عشتار» من ~~نواتجه، قد نقلني من طور الهواية إلى طور التخصص، فتفرغت للكتابة بشكل كامل، ولم أفعل ~~شيئا آخر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة التي أنتجت خلالها بقية أفراد أسرة الأعمال الكاملة، ~~إلى أن دعتني جامعة بكين للدراسات الأجنبية في صيف عام 2012 للعمل محاضرا فيها، وعهدت إلي ~~بتدريس مادة تاريخ العرب لطلاب الليسانس، ومادة تاريخ أديان الشرق الأوسط لطلاب الدراسات ~~العليا، وهناك أنجزت كتابي الأخير «الله والكون والإنسان». على أنني أفضل أن أدعو هذه ~~الطبعة بالأعمال غير ms003 الكاملة، وذلك على طريقة الزميلة «غادة السمان» التي فعلت ذلك من قبلي؛ ~~لأن هذه المجموعة مرشحة دوما لاستقبال أعضاء جدد ما زالوا الآن في طي الغيب. # وعلى الرغم من أنني كنت أخاطب العقل العربي، فإني فعلت ذلك بأدوات البحث الغربي ومناهجه، ~~ولم أكن حريصا على إضافة الجديد إلى مساحة البحث في الثقافة العربية، قدر حرصي على الإضافة ~~إلى مساحة البحث على المستوى العالمي، وهذا ما ساعدني على اختراق حلقة البحث الأكاديمي الغربي ~~المغلقة، فدعاني الباحث الأميركي الكبير «توماس تومبسون» المتخصص في تاريخ فلسطين القديم ~~والدراسات التوراتية إلى المشاركة في كتاب من تحريره صدر عام 2003 عن دار # T ~~& T Clark # في بريطانيا تحت عنوان: # Jerusalem in History and Tradition # ونشرت فيه فصلا بعنوان: # Jerusalem During the Age of Judah Kingdom # كنت قد تعرفت على «تومبسون» في ندوة دولية عن تاريخ القدس في العاصمة الأردنية عمان عام ~~2001، شاركت فيها إلى جانب عدد من الباحثين الغربيين في التاريخ وعلم الآثار، وربطت بيننا ~~صداقة متينة استمرت بعد ذلك من خلال المراسلات، إلى أن جمعتنا مرة ثانية ندوة دولية أخرى ~~انعقدت في دمشق بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة العربية، وكانت لنا حوارات طويلة حول ~~تاريخ أورشليم القدس وما يدعى بتاريخ بني إسرائيل، واختلفنا في مسائل عديدة أثارها «تومبسون» ~~في ورقة عمله التي قدمها إلى الندوة. وكان الباحث البريطاني الكبير «كيث وايتلام» قد دعا ~~كلينا إلى المشاركة في كتاب من تحريره بعنوان: # The Politics of Israel’s Past # فاتفقنا على أن نثير هذه الاختلافات في دراستينا اللتين ستنشران في ذلك الكتاب، وهكذا كان. ~~فقد صدر الكتاب الذي احتوى على دراسات الباحثين من أوروبا وأميركا عام 2013 عن جامعة شيفلد ~~ببريطانيا، وفيه دراسة لي عن نشوء الديانة اليهودية بعنوان: # The Faithful Remnent and the Invention of Religious ~~Identity # خصصت آخرها لمناقشة أفكار «تومبسون»، ول «تومبسون» دراستان الأولى بعنوان: # What We Do And Do Not Know About Pre-Hellenistic ~~Al-Quds # والثانية خصصها للرد علي بعنوان: # The Literary Trope of ms004 Return - A Reply to Firas ~~Sawah # أي: العودة من السبي كمجاز أدبي - رد على فراس السواح. # الكتاب يشبه الكائن الحي في دورة حياته؛ فهو يولد ويعيش مدة ثم يختفي ولا تجده بعد ذلك إلا ~~في المكتبات العامة، ولكن بعضها يقاوم الزمن وقد يتحول إلى كلاسيكيات لا تخرج من دورة ~~التداول. وقد أطال القراء في عمر مؤلفاتي حتى الآن، ولم يختف أحدها من رفوف باعة الكتب، ~~أما تحول بعضها إلى كلاسيكيات فأمر في حكم الغيب. # فإلى قرائي في كل مكان، أهدي هذه الأعمال غير الكاملة مع محبتي وعرفاني. # فراس السواح # بكين، كانون الثاني (يناير) 2016 # | فاتحة # | مولع بيسوع # قرأت الإنجيل في سن الحداثة، وفتنتني شخصية يسوع التي رأيت فيها نموذجا للثوري الذي جاء ~~ليعلن نهاية عالم قديم، وتأسيس عالم جديد يتحقق المثالي فيه باعتباره واقعا، واليوتوبيا ~~باعتبارها حالة يمكن أن نحياها، قال يسوع: «روح الرب نازل علي؛ لأنه مسحني وأرسلني لأبشر ~~الفقراء، وأبلغ المأسورين إطلاق سبيلهم، والعميان عودة البصر إليهم، وأفرج عن المظلومين.» ~~(لوقا 4: 18)، وقال: «تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين بالأحمال، وأنا أريحكم، احملوا ~~نيري عليكم وتعلموا مني؛ لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم.» (متى 11: 28، ~~29)، لقد كانت رسالة يسوع موجهة بالدرجة الأولى إلى الشرائح الاجتماعية المظلومة والمضطهدة، ~~إلى المتعبين والمعذبين، وكان راعية للحرية والعدل والمساواة، ولم يلق منه الأغنياء أي ~~تعاطف، بل لقد طالبهم بالتخلي عن ممتلكاتهم وتوزيعها على المحتاجين، قال يسوع لغني أراد ~~الانضمام إلى جماعته: «إذا أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع ما تملكه وتصدق به على الفقراء، ~~فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني. فلما سمع الشاب هذا الكلام مضى حزينا لأنه كان ذا ~~مال كثير، فقال يسوع لتلاميذه: يعسر على الغني أن يدخل ملكوت السموات، وأقول لكم، لأن يدخل ~~الجمل في سم الإبرة أيسر من أن يدخل الغني في ملكوت السموات.» (متى 19: 21-24)، وقال: ~~«الويل لكم أيها الأغنياء فقد نلتم عزاءكم، الويل لكم أيها الشباع فسوف تجوعون، الويل لكم ~~أيها الضاحكون الآن فسوف تحزنون وتبكون.» ms005 (لوقا 6: 24-25). # انطلاقا من هذا الالتزام الاجتماعي، فقد كانت شرائح المجتمع الدنيا هي التي استحوذت على ~~اهتمامه، قال يسوع: «جاء يوحنا المعمدان لا يأكل ولا يشرب، فقالوا إن به مسا من الشيطان، ~~جاء ابن الإنسان (= يسوع) يأكل ويشرب، فقالوا هو ذا رجل أكول سكير صديق للعشارين ~~والخاطئين.» (متى 11: 18-19)، «وكان تلاميذ كثيرون يتبعونه، فلما رأى بعض الكتبة من ~~الفريسيين أنه يؤاكل الخاطئين والعشارين، قالوا لتلاميذه، لماذا يؤاكل الخاطئين والعشارين؟ ~~فسمع يسوع كلامهم، فقال لهم: ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى، ما جئت لأدعو ~~الأبرار بل الخاطئين.» (مرقس 2: 16-17)، وقال لهم أيضا: «إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ~~ملكوت الله، جاءكم يوحنا المعمدان سالكا طريق البر فلم تؤمنوا به، وآمن به العشارون ~~والزواني، وأنتم رأيتم ذلك فلم تندموا وتؤمنوا به ولو بعد حين.» (متى 21: 31-32). # من هنا جاءت سخرية يسوع من السلطة، وحضه على إلغاء المراتبية الاجتماعية: «ووقع جدال ~~بينهم في من يعد أكبرهم، فقال لهم: إن ملوك الأمم يسودونها، وأصحاب السلطة فيها يريدون أن ~~يدعوا محسنين، أما أنتم فليس الأمر فيكم كذلك، بل ليكن الأكبر فيكم كالأصغر، والمترئس ~~كالخادم.» (لوقا 22: 24-26)، وعندما كان يتناول العشاء الأخير مع تلامذته: «قام عن العشاء ~~فخلع رداءه، وأخذ منشفة فائتزر بها، ثم صب ماء في مطهرة وشرع يغسل أقدام تلاميذه ... فلما ~~غسل أقدامهم ولبس رداءه وعاد إلى المائدة قال لهم: أتفهمون ما صنعت إليكم؟ أنتم تدعونني ~~معلما وسيدا، وأصبتم فيما تقولون، فهكذا أنا، وإذا كنت أنا المعلم والسيد قد غسلت ~~أقدامكم، فيجب عليكم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض، فقد جعلت لكم من نفسي قدوة لتصنعوا ما ~~صنعت إليكم.» (يوحنا 13: 5-15). # ولقد أدان يسوع سعي البشر المحموم إلى مراكمة الثروات والإقبال على الاستهلاك: «فلا ~~تهتموا فتقولوا ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس؟ فهذا كله يطلبه الوثنيون، وأبوكم السماوي ~~يعلم أنكم تحتاجون هذا كله، فاطلبوا الملكوت وبره قبل كل شيء، تزادوا هذا كله.» ~~(متى 6: 31-33). هذا الكلام طبقه يسوع على نفسه قبل أن يدعو الآخرين ms006 إليه، فترك أسرته وبيته في سبيل ~~دعوته، وراح يتجول في القرى والبلدات غير آبه بما يأكل أو يشرب أو يلبس: «وبينما هم ~~سائرون، قال له رجل في الطريق: أتبعك حيث تمضي، فقال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطير السماء ~~أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له ما يضع رأسه عليه.» (لوقا 9: 57-58)، وعلى من يتبعه أن يحتذي ~~حذوه، ويقطع كل روابطه بالعالم القديم، ويتخلى عن كل ما يشده إليه: «وقال لآخر: اتبعني، ~~فقال: سيدي ائذن لي أن أمضي أولا فأدفن أبي، فقال له: دع الموتى يدفنون موتاهم. وقال له ~~آخر: أتبعك سيدي، ولكن ائذن لي أولا أن أودع أهل بيتي، فقال له يسوع: ما من أحد يضع يده ~~على المحراث ثم يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله.» (لوقا 9: 59-62)، وعندما أرسل اثنين ~~وسبعين تلميذا للتبشير في الأمصار قال لهم: «اذهبوا فها أنا ذا أرسلكم كالحملان بين الذئاب، ~~لا تحملوا صرة ولا مزودا ولا نعلين.» (لوقا 10: 3-4). وتطبيقا لهذه التعاليم كانت حلقة ~~التلاميذ المحيطة بيسوع عبارة عن مشاعة صغيرة لا يملك أحد فيها شيئا لنفسه، وكان لها ~~أمين صندوق يحتفظ بالمال القليل المتوفر وينفق منه على احتياجاتها. # مثل هذا الانقلاب على القيم القديمة لن يحصل بيسر وسهولة، ولا بد من الصراع بكل عنف ~~وشراسة؛ لأن حركة يسوع هي حركة راديكالية من شأنها تمزيق المجتمع القديم تمهيدا لإحلال ~~المجتمع الجديد، قال يسوع: «لا تظنوا أني جئت لأحمل السلام إلى الأرض، ما جئت لأحمل سلاما ~~بل سيفا، جئت لأفرق بين المرء وأبيه، والبنت وأمها، والكنة وحماتها، ويكون أعداء الإنسان ~~أهل بيته.» (متى 10: 34-36)، والعالم القديم يجب أن يحترق ليخرج من رماده العالم الجديد: ~~«جئت لألقي على الأرض نارا، وكم أرجو أن تكون قد اشتعلت، أوتظنون أني جئت لألقي السلام ~~على الأرض؟ أقول لكم لا، بل الخلاف، فمنذ اليوم يكون في بيت واحد خمسة، فيخالف ثلاثة منهم ~~اثنين، واثنان يخالفان ثلاثة.» (لوقا 12: 49-52)، من هنا لا يكفي أن يقطع أتباع يسوع كل رابطة تشدهم ~~إلى المجتمع ms007 المتآكل الذي يهدفون إلى تغييره، بل أن يلبسوا الأكفان وهم على قيد الحياة ~~استعدادا للموت في أي لحظة: «من لم يحمل صليبه ويتبعني ليس جديرا بي، من حفظ حياته ~~يفقدها، ومن فقد حياته في سبيلي يجدها.» (متى 10: 39)، وقال أيضا: «فملكوت السموات ما زال ~~في جهاد منذ أيام يوحنا المعمدان إلى اليوم، والمجاهدون يأخذونه عنوة.» (متى 11: ~~12). # تمثل المجتمع القديم وقيمه في الوثنية التقليدية التي فقدت روحها خلال الفترة الهلينستية، ~~وتحولت إلى عبادات شكلانية، كما تمثلت في اليهودية وشريعتها البالية، التي تكمن خصوصيتها ~~في أنها شريعة طقوس ترمي بالدرجة الأولى إلى تأسيس الطرائق التي يحب الإله يهوه أن يبجل ~~بها، ونوع الأضاحي المقربة إليه، والحفاظ على السبت، والاحتفالات الدينية الدورية، والطقوس ~~والعبادات التي يتوجب إقامتها، وما يجوز وما لا يجوز في كل مناحي الحياة، حتى زادت القواعد ~~التي تقيد حياة اليهودي وسلوكه اليومي عن 600 قاعدة، لقد كان الشغل الشاغل لليهود خلال ~~القرون الخمسة السابقة للميلاد، وهي فترة تشكل الديانة اليهودية، هو الحفاظ على تفردهم ~~الديني بأي ثمن، وهذا ما أدى إلى إنتاج ظاهرتين مهمتين في الحياة الدينية اليهودية، أولاهما ~~التنظيم الكهنوتي، والثانية الحرص على الالتزام بالشريعة التي اعتبرت حاجزا يفصل بين ~~اليهود وبقية الأمم، وحارسا على إيمان إسرائيل، ولكن يسوع هدد ركني السلطة اليهودية هذين، ~~أي الشريعة وحراسها من الكهنة، والكتبة، والناموسيين (علماء الشريعة)، والفريسيين، الذين ~~يمثلون النخبة المتعلمة من المجتمع اليهودي. # لقد عبر يسوع من خلال سلوكه اليومي عن رفضه لشريعة موسى، وأحل محلها شريعة القلب والروح، ~~شريعة تخدم الإنسان بدل أن تستعبد الإنسان: «ومر يسوع في السبت خلال المزارع فأخذ تلاميذه ~~يقطفون السنابل وهم سائرون، فقال له الفريسيون: انظر، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟ ... ~~فقال لهم: إن السبت جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت.» (مرقس 2: 23-27)، كما عبر في ~~أقوال عديدة عن فساد حراس الشريعة: «الويل لكم أيها الناموسيون تحملون الناس أحمالا ~~باهظة، وأنتم لا تمسون هذه الأحمال بإحدى أصابعكم ... الويل لكم أيها الناموسيون، فقد ~~استوليتم ms008 على مفتاح المعرفة، فلا أنتم دخلتم ولا الذين أرادوا الدخول تركتموهم يدخلون.» (لوقا ~~11: 46-52). # في رفضه للوثنية التقليدية والشريعة التوراتية، بشر يسوع برسالة شمولية تتوجه إلى العالم ~~أجمع، لا لهذه الفئة الإثنية أو تلك، ولا لهذه الطائفة الدينية أو تلك، فقد قال لتلاميذه في ~~إنجيل متى بعد قيامه: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح ~~القدس.» (متى 28: 19)، وقال في إنجيل مرقس: «اذهبوا في الأرض كلها وأعلنوا البشارة إلى الخلق ~~أجمعين.» (مرقس 16: 15)، وهذه الرسالة الشمولية جوهرها المحبة، محبة الله ومحبة الآخرين: ~~«فسأله واحد منهم، وهو ناموسي، ليجربه: يا معلم ، ما هي أكبر وصية في الشريعة؟ فقال له: ~~أحبب ربك بجميع قلبك وجميع نفسك وجميع ذهنك، تلك هي الوصية الكبرى والأولى، والثانية مثلها، ~~أحبب قريبك حبك لنفسك، بهاتين الوصيتين يرتبط كلام الشريعة كلها والأنبياء.» (متى 22: 35-40)، وقال أيضا: «وصية جديدة أنا أعطيها لكم، أن تحبوا بعضكم بعضا.» (يوحنا 13: 34)، وأيضا: ~~«افعلوا للناس ما أردتم أن يفعله الناس لكم، هذه هي خلاصة الشريعة وكلام الأنبياء.» (متى 7: ~~12)، وبهذا فقد ألغى يسوع شريعة الطقوس القديمة، وأحل محلها شرع المحبة والأخلاق. # على أن من يقرأ الإنجيل للمرة الأولى ويعجب بهذا الانقلاب الشامل الذي أراده يسوع، يدهش ~~من أقوال ليسوع ترسخ القديم وتكرسه، فقد ورد في إنجيل متى، مثلا، قوله: «لا تظنوا أني ~~جئت لأبطل كلام الشريعة والأنبياء، ما جئت لأبطل بل لأكمل، الحق أقول لكم إلى أن تزول ~~السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة، حتى يتم كل شيء، فمن خالف وصية ~~من أصغر تلك الوصايا، وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد صغيرا جدا في ملكوت السموات.» ~~(متى 5: 17-19)، وورد في إنجيل متى أيضا: «إن الكتبة والفريسيين على كرسي موسى جالسون، ~~فافعلوا ما يقولونه لكم واحفظوه، ولكن لا تفعلوا مثل أفعالهم؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون.» ~~(متى 23: 1-3)، كما وتصدم القارئ مواقف تتسم بالشوفينية الإثنية والدينية، وتتعارض بشكل ~~صارخ مع تعاليم يسوع الإنسانية، لقد وصف يسوع، في قول منسوب إليه في إنجيل ms009 متى، ~~الكنعانيين بالكلاب، ورفض شفاء ابنة امرأة كنعانية في نواحي صيدا، بحجة أنه مرسل فقط إلى ~~بني إسرائيل: «فدنا منه تلاميذه يتوسلون إليه، فقالوا: أجب طلبها واصرفها لأنها تتبعنا ~~بصياحها، فأجاب: لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل، ولكنها وصلت إليه فسجدت ~~له، وقالت: أغثني سيدي. فأجابها: لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويلقى إلى جراء الكلاب، ~~فقالت: رحماك سيدي، حتى جراء الكلاب تأكل من الفتات الذي يتساقط عن موائد أصحابها.» (متى ~~15: 21-27). # في قراءتي المبكرة للعهد الجديد فضلت التغاضي عن مثل هذه الأقوال والمواقف، باعتبارها من ~~إشكاليات الإنجيل التي تتطلب التفسير والتأويل، ولكني بعد الاطلاع المنهجي على نشوء ~~المسيحية وتشكلها خلال القرنين التاليين للميلاد، وما جرى خلال هذه الفترة من صراع بين ~~كنيسة الأمم العالمية وكنيسة أورشليم التي أرادت الحفاظ على بعض الملامح اليهودية في ~~الإيمان المسيحي الجديد، أدركت مدى التأثير الذي مارسه اليهود المتحولون إلى المسيحية على ~~الصياغة الأخيرة للأناجيل الرسمية، وما قادت إليه مثل هذه المداخلات المقحمة على سيرة يسوع ~~من ربط عضوي لكتاب العهد القديم بالعهد الجديد، وما فرضه هذا الربط على المسيحيين من تركة ~~توراتية ثقيلة، كان يسوع قد رفضها بكل وضوح وصراحة، تركة عاد بعض الفرق المسيحية ~~للتوكيد عليها في العصور الحديثة، حتى صار الإيمان بكل ما ورد في العهد القديم جزءا لا ~~يتجزأ من الإيمان المسيحي. # إن الروايات المختلفة للحادثة الواحدة في الأناجيل، وحتى التناقضات في الإنجيل الواحد ~~(مما كان موضع دراسة مكثفة خلال القرنين الماضيين) يمكن تفسيرها باختلاف مصادر الرواة، ~~واختلاف الذكريات التي حفظت عن أقوال يسوع وأعماله، ولكن مثل هذه التناقضات الجذرية التي ~~سقنا بعضها آنفا، والتي تضعنا أمام نوعين من التعاليم لا يمكن التوفيق بينهما على أي صعيد، ~~لا يمكن تفسيرها إلا بالمداخلات اليهودية التي أقحمت عن عمد، من أجل الحفاظ على الخمرة ~~الجديدة التي سكبها يسوع ضمن زقاق قديمة (جمع زق، وهو قربة من جلد تحفظ فيه السوائل) هي ~~زقاق العهد القديم، على الرغم مما قاله يسوع ms010 عن استحالة سكب الخمرة الجديدة في زقاق ~~قديمة، مشيرا بذلك إلى تعاليمه المستقلة عن تعاليم العهد القديم: «ما من أحد يجعل الخمرة ~~الجديدة في زقاق قديمة، لئلا تشق الخمرة الجديدة الزقاق فتراق وتتلف الزقاق، بل يجب أن ~~تجعل الخمرة الجديدة في زقاق جديدة فتسلم جميعا.» (لوقا 5: 37-38)، و(متى 9: 17). # والحق أقول لكم إن قراءة العهد الجديد لن تستقيم وتعطي مدلولات واضحة ورسالة متماسكة، ~~إذا لم يتم عزل المداخلات اليهودية وفصلها عن سياق النص، وتبيان مدى غرابتها عن المتون ~~الأصلية، وهذا أحد الأهداف الرئيسية التي أسعى لتحقيقها في هذا الكتاب، ولكن دراستي لن ~~تكتفي بذلك لأن الوجه الآخر للمسيح، الذي أحاول نفض ما تراكم عليه من غبار الزمن، ليس الوجه ~~الذي يتجاوز العهد القديم فقط، بل الوجه الرافض للعهد القديم وكل ما يمثله، والرافض أيضا ~~لإله العهد القديم، الذي لم يكن إله يسوع، والذي اعتبرته الكنيسة المسيحية الغنوصية ~~متطابقا مع الشيطان، وبشرت بالأب النوراني الأعلى، أبي الحقيقة، ومخلص الإنسانية. # إن دراستي لنشوء المسيحية والتي ترافقت مع ترجمة ونشر النصوص الغنوصية التي اكتشفت في نجع ~~حمادي بصعيد مصر، ولم توضع بين أيدي الباحثين إلا في أواسط سبعينيات القرن العشرين، قد ~~أوضحت لي، ولكثير من الباحثين، أن الأناجيل الأربعة التي اعتمدت من قبل كنيسة روما في ~~أواخر القرن الثاني الميلادي، لا تحتكر صورة يسوع الحقيقي، التي لا بد لاستكمالها من الرجوع ~~إلى الأناجيل والمؤلفات الغنوصية لمكتبة نجع حمادي، التي شكلت خلال القرون الثلاثة التالية ~~للميلاد الأساس الفكري لكنيسة غنوصية نافست الكنيسة الرسمية لعدة قرون، وادعت حيازتها ~~لتعاليم أخرى ليسوع بثها في حلقة ضيقة من تلاميذه المقربين. # سوف يعتمد استقصائي للوجه الآخر للمسيح على أسفار العهد الجديد نفسها؛ لأنها بقيت تحتفظ ~~بخطوط واضحة وقوية من هذا الوجه على الرغم من المداخلات اليهودية واللمسات التحريرية ~~التوفيقية، وفي الوقت نفسه أعقد صلة بين ما تحصل لدي من قراءة الأناجيل الأربعة وصورة ~~يسوع كما رسمتها الأناجيل والنصوص الغنوصية، التي جرى إتلافها في القرن الرابع الميلادي عقب ~~حملات التصعيد ms011 التي تعرضت لها، ولم يبق منها سوى ترجمات قبطية دفنت في صحراء الصعيد، ولم ~~تكتشف إلا بعد مرور ألف وخمسمائة سنة، وبما أن منطقة الجليل كانت المسرح الذي شهد مولد ~~يسوع، وفيها عاش كل حياته وبشر برسالته، فإننا سوف نولي هذه المنطقة اهتماما خاصا من ~~الناحية الإثنية والثقافية والدينية، ونتقصى صلتها التاريخية بيهوذا والسامرة، ثم بمقاطعة ~~اليهودية التي نشأ وتطور فيها الدين اليهودي، وذلك في محاولة لإلقاء الضوء على خلفية يسوع ~~الثقافية، وعلاقته باليهود واليهودية. # قبل الشروع في قراءة الفصل الأول من هذا الكتاب أنصح القارئ بقراءة سيرة يسوع كما وردت ~~في إنجيل مرقس ، والتي خصصت لها ملحقا في آخر الكتاب، وقد اخترت إنجيل مرقس بالذات بسبب ~~قصره واختصاره وبعده عن التطويل، فهو يقدم سيرة يسوع في خطوطها العامة دون الخوض في كثير ~~من التفاصيل التي وردت في الأناجيل الأخرى. إن قراءة هذا الإنجيل، أو أي إنجيل آخر يختاره ~~القارئ، من شأنها تزويده بمزدلف سهل إلى الجو العام لهذا الكتاب، وقد اعتمدت الترجمة ~~الكاثوليكية الجديدة للعهد الجديد الصادر في بيروت عام 1969م، وهي بمثابة تشذيب للترجمة ~~الأقدم، لجعلها أقرب إلى العربية العصرية، ولاستيعاب القارئ الذي لم يعد قريب الصلة بأساليب ~~الكتابة القديمة ومصطلحاتها، وهذه الترجمة هي التي اقتبست منها معظم شواهدي الإنجيلية في ~~هذا الكتاب، مع الاستعانة بالترجمة البروتستانتية عندما أجد الجملة فيها أكثر ~~فصاحة. # فراس السواح # حمص، حزيران (يونيو) 2004م # الفصل الأول # | في الأناجيل الأربعة ومؤلفيها ورسالتها # لم يترك يسوع أثرا مكتوبا، بل تعاليم شفوية وسيرة حياة، لقد تكلم وعاش وكانت الجماعات ~~المسيحية الأولى تتناقل أقواله وسيرة حياته كما وصلت إليها عن طريق تلاميذ يسوع الذين رأوه ~~وسمعوه، ومارسوا تبشيرهم وهم تحت تأثير شخصيته وطريقة عيشه وأعماله. وعندما مات معظم أفراد ~~هذا الجيل حاملين معهم ذكرياتهم وانطباعاتهم المباشرة، وطفت على السطح الخلافات والتناقضات ~~داخل الكنيسة الأولى، ظهرت الحاجة إلى تدوين سيرة يسوع وتعاليمه، بهدف تثبيت المعتقد ~~المسيحي من جهة، وتوكيد وجهة نظر هذه الجماعة أو تلك من جهة أخرى، ms012 ويبدو أن إنجيل مرقس كان ~~أقدم الأناجيل، حيث يجمع دارسو العهد الجديد على أنه قد دون نحو عام 70م، تلاه إنجيلا ~~متى ولوقا اللذان دونا خلال الفترة الواقعة بين عامي 70 و90م، ثم إنجيل يوحنا الذي ~~دون في زمن ما خلال الفترة الواقعة بين عام 90 وعام 110م. # إلى جانب هذه الأناجيل الأربعة، التي اعتبرت وحدها قانونية فيما بعد، فقد تداول المسيحيون ~~خلال القرون الأولى الميلادية عددا كبيرا من الأناجيل والرؤى والأعمال التي دعيت منحولة ~~فيما بعد، ومنع المسيحيون من قراءتها وتداولها، تتضمن الكتابات المنحولة روايات عن ميلاد ~~يسوع وطفولته ويفاعته، مما يغطي الفترة التي تجاهلتها الأناجيل الأربعة من حياة يسوع ، ~~وروايات عن مريم العذراء وميلادها وحياتها، وأخرى عن تاريخ يوسف النجار، وغيرها من ~~الموضوعات التي كان الخيال الشعبي والتقوى المسيحية البسيطة بحاجة إليها، وعلى الرغم من ~~بقاء هذه الكتابات المنحولة على هامش العهد الجديد، فإنها مارست تأثيرا كبيرا على الفن ~~التشكيلي المسيحي، والموسيقى الكنسية، والمناسبات والأعياد الدينية، إن مغارة الميلاد التي ~~ما زالت تصور حتى يومنا هذا على بطاقات أعياد الميلاد ورأس السنة، ليست إلا تقليدا باقيا ~~من تقاليد الميلاد المنحولة. # إلى جانب هذه المؤلفات المنحولة ذات الطابع التقوي الشعبي، ظهر نوع آخر من الأناجيل ~~والمؤلفات الغنوصية أحدثت شرخا حقيقيا في الكنيسة المبكرة، وإذا كانت الكنيسة القويمة # 1 # قد تجاهلت النوع التقوي الشعبي من الأناجيل والمؤلفات المنحولة لأسباب شتى ~~أهمها امتلاؤها بالعجائب والغرائب والمعجزات، فإنها حرمت المؤلفات الغنوصية باعتبارها هرطقة ~~وتجديفا وخطرا على الإيمان المسيحي. # في هذا الفصل سوف نركز على الأناجيل الأربعة القانونية؛ لأنها عماد المسيحية التي نعرفها ~~اليوم، ونبحث في مؤلفيها وبنيتها ومضمونها، مع التركيز على وجهتي النظر التي تطرحها بخصوص ~~حياة يسوع وشخصيته وتعاليمه، تتبدى وجهة النظر الأولى في الأناجيل الثلاثة المدعوة ~~بالإزائية والمتشابهة، وهي متى ومرقس ولوقا، أما وجهة النظر الثانية فتتبدى في إنجيل ~~يوحنا، الذي يعتبر نسيج وحده بين الأربعة. ~~(1) الأناجيل الإزائية # عزيت هذه الأناجيل إلى أسماء من العصر الرسولي، هم على التوالي: متى ms013 ومرقس ولوقا، ويبدو ~~أن عناوين هذه الأناجيل، التي تقول: الإنجيل بحسب متى، أو بحسب مرقس، أو بحسب لوقا، قد ~~وضعت بعد تأليفها بزمن طويل، وذلك لإضفاء السلطة والمصداقية عليها، إن أقدم إشارة إلى ~~متى ومرقس بوصفهما ~~مؤلفين لإنجيليهما قد وردت لدى أوزيبوس القيساري # Eusibius Of Caesarea ~~، ~~الذي عاش في القرن الرابع الميلادي ووضع في تاريخ الكنيسة كتابا اعتمد في أخباره عن ~~الإنجيليين على الأسقف بابياس Papias # الذي عاش في القرن الثاني الميلادي. ~~يقول بابياس بأن ~~متى كان أول من جمع تعاليم يسوع في مؤلف دعاه «بالأقوال» # Logia ~~، كتبه بالآرامية، ثم قام ~~الآخرون بترجمته كل حسب مقدرته، ونحن لا نعرف بالفعل ما إذا كان هذا الكتاب هو نفسه إنجيل ~~متى المعروف، والذي يحتوي على أكثر من مجرد أقوال وتعاليم يسوع، ولا ندري ما إذا كان ~~متى «الأقوال» هذا هو نفسه متى العشار تلميذ يسوع. وفي الحقيقة فإن معظم الباحثين في ~~العهد الجديد، منذ القرن التاسع عشر، يشكون بنسبة إنجيل متى إلى متى العشار تلميذ يسوع، ~~ولكن هذا الخبر عن «الأقوال» أو «اللوجيا» يلفت نظرنا إلى حقيقة مهمة تتعلق بتأليف ~~الأناجيل، وهي أن المؤلفين قد اعتمدوا مجموعة أو أكثر لأقوال يسوع، ثم وضعوا لها مناسبات ~~معينة، وشبكوا هذه المناسبات إلى بعضها في سياق كرونولوجي لتعطي الانطباع بسيرة مطردة، ~~وقد بقي لنا نموذج عن مثل هذه «الأقوال» التي لم تتحول إلى سيرة، وذلك في إنجيل توما، الذي ~~يحتوي على 114 قولا ليسوع دون ذكر مناسباتها أو سياقها الكرونولوجي في حياة يسوع، الذي ~~يبدو هنا خارج أي سياق دنيوي، ومعلما يهدي إلى العرفان في جمل قصيرة ومكثفة. # ثم يقدم لنا بابياس هذا مرقسا باعتباره مرافقا لبطرس في رحلاته التبشيرية، ويقول بأن ~~مرقس قد سجل ما سمعه من بطرس عن حياة وأقوال يسوع، على الرغم من أنه لم ير يسوع ولم يسمع ~~منه مباشرة. أما عن الإنجيل الثالث فإن أقدم إشارة تربطه بلوقا تأتي من أول كاتالوج للعهد ~~الجديد في نهاية القرن الثاني الميلادي، ولوقا ms014 هذا، شأنه شأن مرقس، شخصية غامضة وغير ~~واضحة المعالم، ونحن لم نعرف عنهما إلا من إشارات متفرقة في سفر أعمال الرسل، وفي رسائل ~~بولس. # وبشكل عام، هنالك شبه إجماع بين دارسي العهد الجديد، على أنه على الرغم من الاسم الرسولي ~~لكاتب الإنجيل الأول، فإن مؤلفي الأناجيل الثلاثة لم يروا يسوع ولم يسمعوا منه مباشرة، ~~وإنما كتبوا أناجيلهم باللغة اليونانية بعد مضي جيل أو جيلين على وفاة يسوع، اعتمادا على ~~ذكريات ومعلومات غير مباشرة، وربما توفرت لواحد منهم أو أكثر مجموعة أقوال ليسوع دونها ~~مؤلف مجهول الهوية. ويبدو من المعلومات التي يوردونها عن فلسطين عصر يسوع، عدم معرفتهم ~~بجغرافية وطبوغرافية وبيئة فلسطين، من ذلك مثلا ما ورد في إنجيل مرقس 517: 1 وإنجيل لوقا ~~8: 26، عن ممسوس في كورة (أو ناحية) الجدريين (نسبة إلى بلدة جدرة الجليلية) أخرج يسوع منه ~~شياطين كثيرة كانت تعذبه، ولكن الشياطين استأذنت يسوع أن تدخل في قطيع من الخنازير كان ~~يرعى في الجوار، فأذن لها، وعندما حلت الشياطين في الجزيرة اهتاجت واندفعت من على الجرف إلى ~~بحر الجليل وغرقت، والمعروف أن بلدة جدرة كانت تقوم على مسافة بعيدة جدا عن بحر الجليل، ~~بحيث إذا أرادت الخنازير أن تصل إليه كان عليها أن تطير لا أن تقفز. # 2 # دعيت هذه الأناجيل الثلاثة بالإزائية؛ لأنها تعكس وجهة نظر واحدة في حياة يسوع ورسالته؛ ~~ولأن القصة فيها تسير عبر مفاصل رئيسية متقابلة، بحيث نستطيع المقارنة بينها عن طريق وضعها ~~إزاء بعضها بعضا في أعمدة ثلاثة. لننظر مثلا إلى حادثة شفاء يسوع لحماة بطرس في ~~الأناجيل الثلاثة، ونرى كيف تتقابل الروايات عندما نضعها في ثلاثة أعمدة إزائية. # متى 8 # مرقس 1 # لوقا 4 ~~(14) وجاء يسوع إلى بيت بطرس فرأى حماته ملقاة على الفراش محمومة. ~~(29) ولما خرجوا من المجمع جاءوا إلى بيت سمعان وأندرواس. ~~(38) ثم ترك المجمع ودخل بيت سمعان. وكانت حماة سمعان مصابة بحمى شديدة فسألوه أن يسعفها. ~~(30) وكانت حماة سمعان في الفراش محمومة فأخبروه بأمرها. ~~(15) فلمس يدها ففارقتها الحمى فنهضت وأخذت ms015 تخدمهم. ~~(31) فدنا منها فأخذ بيدها وأنهضها ففارقتها الحمى وأخذت تخدمهم. ~~(39) فانحنى عليها وزجر الحمى، ففارقتها فنهضت من وقتها وأخذت تخدمهم. # ولكن المقابلة بين الأناجيل الإزائية ليست دوما ~~على هذه الدرجة من الدقة، ذلك أن إنجيل مرقس هو الأقصر بينها والأشد اختصارا، وهو يبدأ من ~~ظهور يوحنا المعمدان وتعميده للناس في نهر الأردن، ومجيء يسوع للاعتماد على يديه، وهو ~~يتجاهل تماما ميلاد يسوع وطفولته ونسبه، على عكس الإنجيلين الآخرين اللذين يبتدئان ~~بروايتين مطولتين ومختلفتين عن الميلاد، ثم ينفرد لوقا بإيراد قصة يسوع وهو فتى في الثانية ~~عشرة من عمره يناقش شيوخ الهيكل، وبينما يزيد طول إنجيل متى على 60٪ من طول إنجيل مرقس، ~~فإن إنجيل لوقا يزيد على إنجيل مرقس بمقدار 70٪، هذا وتشكل المادة التي قدمها مرقس قاسما ~~مشتركا بين متى ولوقا، عالجاها على هذه الدرجة أو تلك من التطوير والإطالة، ولكن ~~الإنجيلين يشتركان أحيانا بإيراد أحداث أو أقوال لم ترد عند مرقس، وقد ينفرد أحدهما ~~بمادة غير موجودة في الآخر، وهذا ما دعا الباحثين في العهد الجديد إلى الاستنتاج بأن إنجيل ~~مرقس هو تأليف أصلي مستقل اعتمده كل من متى ولوقا، فنظم مادته بشكل خاص به، وأضاف ~~إليها مادة مستمدة من مرجع آخر مجهول ومشترك بينهما أيضا دعوه ب «كويلا» # Quella ~~، وهي ~~كلمة ألمانية تعني «المصدر». # وإليكم هذه المقارنة الثانية: # مرقس 8 # متى 16 # لوقا 9 ~~(27) ثم ذهب يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيليبس، فسأل في الطريق تلاميذه: من أنا على حد قول الناس؟ ~~(13) ولما وصل يسوع إلى نواحي قيصرية فيليبس، سأل تلاميذه: من هو ابن الإنسان على حد قول الناس؟ ~~(18) واتفق أنه كان يصلي في عزلة، والتلاميذ معه، فسألهم: من أنا على حد قول الجموع؟ ~~(28) فأجابوه: يوحنا المعمدان، والبعض يقول إيليا، وآخرون أحد الأنبياء. ~~(14) فقالوا: بعضهم يقول هو يوحنا المعمدان، وبعضهم يقول هو إرميا أو أحد الأنبياء. ~~(19) فأجابوه: يوحنا المعمدان، وبعضهم يقول إيليا، آخرون نبي من الأولين قام. ~~(29) فسألهم: ومن أنا على حد قولكم أنتم؟ ~~(15) فقال لهم: ومن أنا على ms016 حد قولكم أنتم؟ ~~(20) فقال لهم: ومن أنا على حد قولكم أنتم؟ ~~(30) فأجاب بطرس: أنت المسيح، فنهاهم أن يخبروا أحدا بأمره. ~~(16) فأجاب سمعان بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي. ~~(21) فأجاب بطرس مسيح الله، فنهاهم بشدة أن يخبروا أحدا بذلك. ~~(17) فأجابه يسوع: طوبى ~~لك يا سمعان ابن يونا، فليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل أبي الذي في ~~السموات، وأنا أقول لك: أنت صخر، وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي فلن تقوى ~~عليها أبواب الجحيم، وسأعطيك مفاتيح ملكوت السموات ... ثم أوصى تلاميذه ~~بألا يخبروا أحدا بأنه المسيح. # نلاحظ من هذه المقارنة أن ~~الإضافة التي انفرد بها متى تخدم أهدافه، فليس الإعلاء من شأن بطرس هنا إلا انتصارا من ~~قبل متى لكنيسة الختان التي كان بطرس داعيتها الرئيسي، على حساب كنيسة الأمم التي كان ~~بولس داعيتها الرئيسي. # فإذا تابعنا المقارنة السابقة وجدنا لوقا الذي عودنا على التفصيل والإفاضة، يهمل ما تلا ~~ذلك من تفريع يسوع لبطرس. # مرقس 8 # متى 16 # لوقا 9 ~~(32) ثم بدأ يعلمهم أن ابن الإنسان يجب عليه أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله الشيوخ والأحبار والكتبة وأن يقتل، وأن يقوم في ثلاثة أيام. ~~(21) وبدأ يسوع من ذلك اليوم يظهر لتلاميذه أنه يجب عليه الذهاب إلى أورشليم ويلقى أشد الآلام من الشيوخ والأحبار والكتبة، ويقتل ويقوم في اليوم الثالث. ~~(22) وقال: يجب على ابن الإنسان أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله الشيوخ والأحبار والكتبة وأن يقتل ويقوم في اليوم الثالث. ~~(32) وكان يقول هذا الكلام صراحة فانفرد به بطرس وراح يعاتبه. ~~(22) فانفرد به بطرس وجعل يعاتبه فيقول: حاشاك يا رب من هذا المصير. ~~(33) فالتفت فرأى تلاميذه، فزجر بطرس وقال: اذهب عني يا شيطان لأن أفكارك ليست أفكار الله بل أفكار البشر. ~~(23) فالتفت وقال لبطرس: سر خلفي يا شيطان، فأنت عقبة دوني؛ لأن أفكارك ليست أفكار الله بل أفكار البشر. ~~(2) بين إنجيل مرقس والإنجيلين الآخرين # لعل أكثر ما يلفت النظر في مسألة الفروق بين الأناجيل الإزائية، هو الإطار الزمني الذي ~~تجري فيه أحداث الرواية، فإنجيل ms017 مرقس الأكثر اختزالا بينها يفتتح روايته، كما ألمحنا ~~سابقا، بالظهور العلني ليوحنا المعمدان وتعميده بالماء لمغفرة الخطايا، وهو يتجاهل تماما ~~عنصر الحبل العذري بيسوع وقصة ميلاده وطفولته، فيسوع يظهر فجأة عندما يأتي من الناصرة ~~ليتعمد على يدي يوحنا. وفي النسخ القديمة لإنجيل مرقس يختتم المؤلف روايته عندما هربت ~~النساء الثلاث اللواتي أتين إلى قبر يسوع مذعورات؛ لأنهن لم يجدن الجثمان، وقال لهن الملاك ~~الواقف في الداخل إن يسوع قد قام من بين الأموات، وإنه سيسبق تلاميذه إلى الجليل، وهذا ما ~~يرجح في رأي بعض الباحثين أن قصة الميلاد العذري، وكذلك ظهورات المسيح المتكررة لتلاميذه، ~~وارتفاعه أخيرا إلى السماء أمام أعينهم، مما ورد في النسخ اللاحقة للإنجيل، هي عناصر مقحمة ~~على النص الأصلي. # أما متى فإنه يزيد على مرقس مقدمة تتعلق بنسب يسوع من ناحية يوسف النجار، فيعرض سلسلة ~~تبتدئ بإبراهيم وتنتهي بيوسف زوج مريم، مرورا بالملك داود، ثم ينتقل بعد ذلك إلى قصة ~~الميلاد، وفي النهاية يقدم لنا خاتمة تتجاوز خاتمة مرقس لتقص باختصار عن ظهورات يسوع بعد ~~القيامة، وأما لوقا فإنه يمد القصة في كلا الاتجاهين، فقبل أن يتحدث عن الميلاد وعن نسب ~~يسوع، يورد لنا قصة ميلاد يوحنا المعمدان التي تتساوق أحداثها مع قصة ميلاد يسوع، ثم يزيد ~~على قصة الميلاد حادثة زيارة الأبوين للهيكل، وبقاء يسوع الفتى هناك يجادل الشيوخ الذين ~~أدهشتهم حكمته. وفي نهاية إنجيله يقدم لنا لوقا خاتمة طويلة عن قيامة المسيح وظهوراته، ~~تحتوي على العديد من العناصر التي لم ترد عند متى. ~~(3) الميلاد بحسب متى # الإصحاح الأول ~~(1) نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم. ~~(2) فإبراهيم ولد إسحاق، وإسحاق ولد يعقوب، ويعقوب ولد يهوذا وإخوته. (3) ويهوذا ولد فارص وزارح من تامار، وفارص ولد حصرون، وحصرون ولد آرام. (4) وآرام ولد ~~عميناداب، وعميناداب ولد نحشون، ونحشون ولد سلمون. (5) وسلمون ولد بوعز من راحاب، وبوعز ولد ~~عوبيد من راعوث، وعوبيد ولد يسي. (6) ويسي ولد الملك داود، وداود ولد سليمان من امرأة أوريا. (7) ~~وسليمان ولد رحبعام، ورحبعام ولد أبيا، ms018 وأبيا ولد آسا. (8) وآسا ولد يهوشافاط، ويهوشافاط ولد ~~يورام، ويورام ولد عوزيا، وعوزيا ولد يوتام. (9) ويوتام ولد آحاز، وآحاز ولد حزقيا (10) وحزقيا ~~ولد منسي، ومنسي ولد آمون، وآمون ولد يوشيا. (11) ويوشيا ولد يكينا وأخوته في أثناء الجلاء إلى ~~بابل. (12) ويكينا ولد شألتئيل، وشألتئيل ولد زربابل. (13) وزربابل ولد أبيهود، وأبيهود ولد ~~أليقايم، وأليقايم ولد عازور. (14) وعازور ولد صادوق، وصادوق ولد آخيم، وآخيم ولد أبيهود. (15) ~~وأبيهود ولد عازر، وعازر ولد متان، ومتان ولد يعقوب. (16) ويعقوب ولد يوسف زوج مريم والدة يسوع ~~الذي يقال له المسيح. (17) فجملة الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى ~~الجلاء إلى بابل أربعة عشرة جيلا، ومن الجلاء إلى بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا. ~~(18) أما ميلاد يسوع المسيح، فهذا خبره: لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف، وجدت حاملا من ~~الروح المقدس قبل أن يتساكنا. (19) وكان يوسف زوجها بارا فلم يرد أن يشهر أمرها، فعزم على ~~تركها سرا. (20) وفيما هو متفكر في ذلك تراءى له ملاك الرب في الحلم وقال له: يا يوسف ابن ~~داود، لا تخف أن تجيء بامرأتك مريم إلى بيتك؛ لأن الذي تحمله هو من الروح القدس. (21) وستلد ~~ابنا فسمه يسوع؛ لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم. (22) وإنما حدث هذا كله ليتم ما أوحى ~~الرب إلى النبي القائل. (23) هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا يدعى عمانوئيل، أي الله معنا. (24) ~~فلما قام يوسف من النوم، فعل ما أمره به ملاك الرب فجاء بامرأته إلى بيته. (25) على أنه لم ~~يعرفها حتى ولدت ابنها البكر فسماه يسوع. # 3 # الإصحاح الثاني ~~(1) ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية على عهد الملك هيرود، قدم أورشليم مجوس من المشرق. (2) ~~وقالوا: أين هو المولود ملك اليهود؟ فقد رأينا نجمه طالعا في المشرق فجئنا لنسجد له. (3) فلما ~~بلغ الخبر هيرود اضطرب واضطربت أورشليم كلها معه. (4) فجمع الأحبار وكتبة الشعب، واستخبرهم أين ~~يولد المسيح. (5) فقالوا له: في بيت لحم اليهودية، فقد أوحي إلى النبي فكتب: (6) «وأنت يا بيت ~~لحم أرض ms019 يهوذا، لست الصغيرة في ولايات يهوذا، فمنك يخرج وال يرعى شعبي إسرائيل.» (7) فدعا ~~هيرود المجوس سرا وتحقق منهم في أي وقت ظهر النجم. (8) ثم بعثهم إلى بيت لحم وقال: اذهبوا ~~وافحصوا بالتدقيق عن الطفل، فإذا وجدتموه فأخبروني لأذهب أنا أيضا وأسجد له. (9) فلما سمعوا ~~كلام الملك انصرفوا، وإذا النجم الذي رأوه طالعا يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل ~~فوقف فوقه. (10) فلما أبصروا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا. (11) ودخلوا البيت فرأوا فيه الطفل ~~وأمه مريم فجثوا له ساجدين، ثم فتحوا حقائبهم وأهدوا إليه ذهبا وبخورا ومرا. (12) ثم أوحي ~~إليهم في الحلم ألا يرجعوا إلى هيرود، فانصرفوا سالكين طريقا آخر إلى بلادهم. ~~(13) وكان بعد انصرافهم أن تراءى ملاك الرب ليوسف في الحلم، وقال له: قم فاهرب بالطفل وأمه ~~إلى مصر وأقم فيها حتى أعلمك؛ لأن هيرود سيبحث عن الطفل ليهلكه. (14) فقام وسار بالطفل وأمه ~~ليلا ولجأ إلى مصر. (15) فأقام فيها إلى أن توفي هيرود، لكي يتم ما أوحي إلى النبي فقال: «من ~~مصر دعوت ابني.» ~~(16) أما هيرود فلما رأى أن المجوس سخروا منه، استشاط غضبا وأرسل فقتل كل طفل في بيت لحم ~~وسائر أراضيها، من ابن سنتين فما دون ذلك، بحسب الوقت الذي تحققه من المجوس. (17) فتم ما أوحي ~~إلى النبي إرميا فقال (18): «صراخ سمع في الرامة، بكاء ونحيب، راحيل تبكي بنيها، وتأبى أن ~~تتعزى لأنهم زالوا من الوجود.» ~~(19) وما أن توفي هيرود حتى تراءى ملاك الرب في حلم ليوسف في مصر. (20) وقال له: اذهب بالطفل ~~وأمه وارجع إلى أرض إسرائيل، قد مات من كان يريد إهلاك الطفل. (21) فقام فذهب بالطفل وأمه ورجع ~~إلى أرض إسرائيل. (22) فسمع أن أرخلاوس قد خلف أباه هيرود على اليهودية فخاف أن يذهب إليها. (23) ~~فأوحى إليه في الحلم، فلجأ إلى الجليل وجاء إلى مدينة يقال لها الناصرة فسكن فيها ليتم ما ~~أوحي إلى الأنبياء فقالوا: «وإنه ناصريا يدعى.» ~~(إلى هنا وتتوقف سيرة يسوع عند متى حتى ظهور يوحنا المعمدان وقدوم يسوع للاعتماد على ~~يديه، حيث يقول ms020 متى في الإصحاح 3): ~~(13) ثم ظهر يسوع فجأة من الجليل إلى الأردن قاصدا يوحنا ليعتمد على يده. (14) فجعل يوحنا ~~يمانعه فيقول: أنا أحتاج إلى الاعتماد على يدك، فكيف تجيء أنت إلي؟ (15) فأجابه يسوع: دعني ~~الآن وما أفعل فهكذا يحسن بنا أن نتم بكل بر. فكف عن ممانعته. (16) واعتمد يسوع وخرج لوقته من ~~الماء فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه. (17) وإذا صوت من ~~السماء يقول: «هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت.» ~~••• # يطرح مطلع إنجيل متى المتعلق بنسب المسيح أولى المداخلات اليهودية في الإنجيل، فسلسلة ~~النسب عبر خط الذكور تتألف عنده من أربعة عشر جيلا مقسمة على ثلاث مجموعات: الأولى من ~~إبراهيم إلى داود، والثانية من داود إلى يكنيا (ويدعى كيناهو، ويهوياكين، وهو واحد من ~~أواخر ملوك يهوذا)، والثالثة من يكنيا إلى يسوع عبر يوسف، فيسوع هو ابن داود، وهو المسيح ~~اليهودي المنتظر. ولكن سلسلة نسب يسوع هذه تتهاوى كبيت من ورق، عندما ينهيها متى بخاتمة ~~تنسفها من حيث الأصل فبدلا من أن يتابع سلسلته على طريقة «أ» أنجب «ب»، و«ب» أنجب «ج»، ~~و«ج» أنجب «د»، وصولا إلى نهايتها المنطقية التي يجب أن تكون: «ويعقوب أنجب يوسف، ويوسف ~~أنجب يسوع»، وهذا ما يتناقض مع فكرة الحمل العذري من الروح القدس، فقد أنهاها متى على ~~الشكل التالي: «ويعقوب أنجب يوسف زوج مريم والدة المسيح»، وهذه الخاتمة على غموضها تشير إلى ~~أن يسوع ليس الابن الجسدي ليوسف، وفي هذه الحالة يبقى السؤال الذي لم يجب عليه متى ~~مطروحا، وهو: «كيف يكون يسوع ابنا لداود عبر هذه السلسلة الطويلة، على الرغم من أنه ليس ~~الابن الجسدي ليوسف؟ هذا على فرض صحة نسب يوسف لداود، وهي مسألة سوف نثيرها فيما ~~بعد. # أما قصة الميلاد نفسها فتحتوي على أخطر المداخلات اليهودية في الإنجيل، وهي المداخلة التي ~~رسخت الأصل اليهودي ليسوع، فأسرة يسوع ليست أسرة جليلية متهودة، بل هي أسرة يهودية من مدينة ~~بيت لحم الواقعة في مقاطعة اليهودية، ويسوع ولد في ms021 بيت عادي من بيوت بيت لحم؛ حيث قصده ~~المجوس هناك وسجدوا له وقدموا الهدايا، ولكي يعطي قصته هذه مصداقية، نراه يقتبس من العهد ~~القديم نبوءة حول المسيح المنتظر، ولكنه يعدلها بطريقة تخدم أهدافه عندما يقول بأن ميلاد ~~يسوع في بيت لحم يهوذا قد حقق النبوءة القديمة القائلة: «وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا، لست ~~الصغيرة في ولايات يهوذا، فمنك يخرج وال يرعى شعبي إسرائيل.» وفي الحقيقة فإن النبوءة ~~الوحيدة التي يمكن أن تتطابق مع ما اقتبسه متى، هي الواردة في سفر ميخا 5: 2 والتي تقول: ~~«أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون ~~متسلطا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل.» وبما أن «أفراتة» التي يذكرها هذا ~~النص تقع في منطقة الجليل، على ما نفهم من عدة مواضع في سفر التكوين، وفيها تقع مدينة بيت ~~لحم الجليلية التي كان مؤلف متى يعرفها جيدا، فقد عمد إلى التلاعب بنص العهد القديم ~~وحول بيت لحم أفراتة الصغيرة على أن تكون بين ألوف يهوذا، إلى بيت لحم أرض يهوذا التي ~~ليست أصغر ولايات يهوذا، ومنها يخرج وال يرعى شعب إسرائيل وهذه نقطة سوف نعود إليها ~~بالتفصيل لاحقا. # ولكي يبرر متى وجود أسرة يسوع في الجليل ونشأته وتبشيره هناك، فإنه يبتكر قصة هرب ~~العائلة المقدسة إلى مصر؛ خوفا من هيرود الذي كان يبحث عن الطفل ليقتله، وعندما توفي ~~هيرود، ويسوع ما زال طفلا صغيرا، عاد يوسف ليسكن مع عائلته في موطنه الأصلي بيت لحم، ~~ولكنه عرف لدى وصوله إلى أرخيلاوس، قد خلف أباه هيرود على حكم اليهودية، فخاف ونزح بعائلته ~~إلى الجليل حيث سكن في مدينة الناصرة، وهنا يبتكر متى نبوءة لم ترد في أي موضع من ~~أسفار العهد القديم عندما قال: «فسكن فيها ليتم ما أوحي إلى الأنبياء فقالوا: إنه ناصريا ~~يدعى.» # ومن ناحية أخرى فقد كان لمتى من وراء قصة قيام هيرود بقتل كل المواليد في بيت لحم، على ~~أمل أن ms022 يكون يسوع بينهم، هدف لاهوتي بعيد المرامي، فيسوع هو موسى الجديد، معلم إسرائيل ~~القديم في حلة جديدة، فكما أمر فرعون في سفر الخروج بقتل كل المواليد العبرانيين الذكور ~~إبان الوقت الذي ولد فيه موسى، كذلك يأمر الفرعون الجديد، وهو الملك هيرود الشرير، بقتل كل ~~مواليد بيت لحم، ولكن يسوع ينجو مثلما نجا موسى عندما أودعته أمه في سلة ورمته إلى نهر ~~النيل (سفر الخروج 1 و2). # وسواء في قصة الميلاد الافتتاحية أم في بقية إنجيل متى، يحاول المؤلف على الدوام إثبات ~~المطابقة بين يسوع وبين مسيح العهد القديم، من خلال إيراد الأقوال النبوية التوراتية، ~~وتوجيهها لتنطبق على سيرة يسوع، فهو يولد من عذراء تحقيقا لنبوءة إشعياء 7: 14: «هو ذا ~~العذراء تحبل وتلد ابنا يدعى عمانوئيل ...» ويكون مولده في بيت لحم تحقيقا لنبوءة ميخا 5: ~~2: «وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا ... إلخ.» وهيرود يقتل مواليد بيت لحم تحقيقا لنبوءة إرميا 31: ~~15: «صراخ سمع في الرامة، بكاء ونحيب، راحيل تبكي على بنيها ...» والعائلة المقدسة تلجأ إلى ~~مصر تحقيقا لنبوءة هوشع 11: 1: «من مصر دعوت ابني.» وهو يسكن في كفر ناحوم، بعد الناصرة، ~~تحقيقا لنبوءة إشعيا 9: 2: «أرض زبولون وأرض نفتالي، طريق البحر، عبر الأردن جليل الأمم، ~~الشعب القاعد في الظلمة أبصر نورا باهرا.» ويوحنا المعمدان يبدأ مهمته التبشيرية قبل ~~يسوع، تحقيقا لنبوءة ملاخي 3: 1: «ها أنا ذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك.» ويسوع يكلم ~~مستمعيه بالأمثال تحقيقا لنبوءة وردت في المزمور 77: 2: «أنطق بالأمثال وأعلن ما كان ~~خفيا.» وهو يطرد الأرواح الشريرة من الممسوسين ويشفي المرضى، تحقيقا لنبوءة إشعيا 53: 4: ~~«أخذ أمراضنا وحمل أسقامنا.» وروح الرب يحل عليه ليبشر الأمم، تحقيقا لنبوءة إشعيا 42: ~~1-2: «هو ذا فتاي # 4 # الذي اخترته حبيبي الذي رضيت عنه، سأفيض روحي عليه فيبشر الأمم بالحق.» وتتتابع ~~هذه النبوءات عبر حياة يسوع التبشيرية وصولا إلى مشهد الصلب، عندما سقوه خلا فيه مرارة ~~ليشربها، ثم اقترعوا على ثيابه، حيث تم هذا تحقيقا لما ورد في المزمور 69: 21: «ويجعلون في ~~طعامي علقما، وفي عطشي يسقونني الخل.» ولما ورد ms023 في المزمور 22: 18: «ثقبوا يدي ورجلي، أحصي ~~كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون، يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون.» ~~(4) الميلاد بحسب لوقا # الإصحاح الأول ~~(5) كان في عهد هيرود ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيا، له امرأة من بنات هارون ~~اسمها أليصابات. (6) وكانا كلاهما بارين عند الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه، ولا غبار ~~عليهما. (7) ولم يكن لهما ولد لأن أليصابات كانت عاقرا، وقد طعنا كلاهما في السن. (8) وبينما ~~هو يكهن لدى الله في نوبة فرقته. (9) ألقيت القرعة جريا على سنة الكهنوت، فأصابته ليدخل هيكل ~~الرب ويحرق البخور. (10) وكانت جماعة الشعب كلها تصلي في خارج المذبح عند إحراق البخور. (11) ~~فتراءى ملاك الرب قائما عن يمين مذبح البخور. (12) فاضطرب زكريا حين رآه، واستولى عليه الخوف. ~~(13) فقال له الملاك: يا زكريا لا تخف، إن دعاءك قد سمع، وستلد امرأتك ابنا فسمه يوحنا. (14) ~~وستلقى فرحا وابتهاجا، ويفرح بمولده أناس كثيرون. (15) لأنه سيكون عظيما لدى الرب ولن يشرب ~~الخمر ولا مسكرا، ويمتلئ من الروح القدس وهو في بطن أمه. (16) ويهدي كثيرا من بني إسرائيل ~~إلى الله ربهم. (17) ويتقدمه روح إيليا وقوته، ليعطف بقلوب الآباء على الأبناء، ويرجع العصاة ~~إلى حكمة الأبرار، فيعد للرب شعبا صالحا. (18) فقال زكريا للملاك: بم أعرف هذا، وأنا شيخ ~~كبير وامرأتي طاعنة في السن؟ (19) فأجابه الملاك: أنا جبرائيل القائم في حضرة إله، أرسلت ~~إليك لأبلغك هذه البشرى. (20) وستصاب بالخرس فلا تستطيع الكلام إلى يوم يحدث ذلك لأنك لم تؤمن ~~بكلامي، وكلامي سيتم في أوانه. (21) وكان الشعب ينتظر زكريا متعجبا من إبطائه في الهيكل. (22) ~~فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم فعرفوا أنه رأى رؤيا في الهيكل، وكان يخاطبهم بالإشارة وبقي ~~أخرس. (23) فلما انتهت أيام خدمته انصرف إلى بيته. (24) وبعد تلك الأيام حبلت امرأته أليصابات، ~~فكتمت أمرها خمسة أشهر وكانت تقول: (25) هذا ما آتاني الرب من فضله يوم عطف علي، فأزال عني ~~العار من بين الناس. ~~(26) وفي الشهر السادس أرسل الله الملاك جبرائيل إلى مدينة في الجليل تدعى الناصرة. (27) إلى ~~عذراء مخطوبة ms024 لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم. (28) فدخل إليها فقال: السلام ~~عليك أيتها الممتلئة نعمة، الرب معك. (29) فاضطربت لهذا الكلام وقالت في نفسها ما معنى هذا. (30) ~~فقال لها الملاك: يا مريم لا تخافي قد نلت حظوة عند الله. (31) فستحملين وتلدين ابنا تسمينه ~~يسوع. (32) فيكون عظيما وابن العلي يدعى، ويوليه الله ربنا عرش داود أبيه. (33) ويملك على بيت ~~يعقوب أبد الدهر، ولن يكون لملكه انقضاء. (34) فقالت مريم للملاك: أنى يكون هذا وأنا لست أعرف ~~رجلا؟ (35) فأجابها الملاك إن الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك؛ لذلك يكون المولود ~~قدوسا وابن الله يدعى. (36) وإن قريبتك أليصابات قد حبلت هي أيضا بابن في شيخوختها، وهذا هو ~~الشهر السادس لتلك التي كانت تدعى عاقرا. (37) فما من شيء يعجز الله. (38) فقالت مريم: أنا أمة ~~الرب فليكن لي كما قلت. وانصرف الملاك من عندها. ~~(39) وفي تلك الأيام مضت مريم تجد السير إلى الجبل إلى مدينة يهوذا [أورشليم]. (40) ودخلت ~~بيت زكريا فسلمت على أليصابات. (41) فلما سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، ~~وامتلأت أليصابات من الروح القدس. (42) فهتفت بأعلى صوتها: مباركة أنت بين النساء ومباركة ~~ثمرة بطنك. (43) أنى لي أن تأتيني أم ربي؟ (44) فما أن وقع صوت سلامك في مسمعي حتى اهتز الجنين ~~طربا في بطني. (45) فطوبى لك يا من آمنت بأن ما بلغها من عند الرب سيتم. (46) فقالت مريم: تعظم ~~الرب نفسي. (47) وتبتهج روحي بالله مخلصي. (48) لأنه عطف على أمته الحقيرة، سوف تهنئني جميع ~~الأجيال. (49) لأن القدير آتاني فضلا عظيما قدوس اسمه. (50) ورحمته للذين يتقونه من جيل إلى ~~جيل. (51) كشف عن شدة ساعده فشتت ذوي القلوب المستكبرة. (52) أنزل الأعزاء عن العروش ورفع الأذلاء. ~~(53) أشبع الجياع من الخيرات وصرف الأغنياء فارغين. (54) نصر عبده إسرائيل. (55) فتذكر ما وعد به ~~آباءنا من رحمة لإبراهيم وذريته إلى الأبد. ~~(56) ومكثت مريم عندها نحو ثلاثة أشهر ثم عادت إلى بيتها. (57) وأما أليصابات فلما حان موعد ~~ولادتها وضعت ابنا. (58) فسمع جيرانها وأقاربها بأن الرب رحمها رحمة عظيمة ففرحوا معها. (59) ~~وجاءوا ms025 في اليوم الثامن ليختنوا الطفل وسموه باسم أبيه زكريا. (60) فاعترضت أمه وقالت: لا بل ~~يسمى يوحنا. (61) قالوا: ليس في قرابتك من تسمى بهذا الاسم. (62) وسألوا أباه بالإشارة ماذا يريد ~~أن يسمي. (63) فطلب لوحا وكتب: اسمه يوحنا، فتعجبوا كلهم. (64) فانفتح فمه من ساعته وانطلق ~~لسانه فتكلم وبارك الله. (65) فاستولى الخوف على جيرانهم أجمعين وتحدث الناس بجميع هذه الأشياء ~~في جبال اليهودية كلها. (66) وكان كل من سمع بذلك يحفظه في قلبه قائلا: ما عسى أن يكون هذا ~~الطفل؟ فإن يد الرب كانت معه. (67) وامتلأ أبوه زكريا من الروح القدس فأنبأ قال: ~~(68) تبارك الله إله إسرائيل لأنه تفقد شعبه وافتداه. (69) فأقام لنا قرن خلاص في بيت عبده ~~داود. (70) كما وعد بلسان أنبيائه الأطهار في العهد القديم. (71) إنقاذا لنا من أعدائنا وأيدي ~~جميع مبغضينا. (72) ورحمة لآبائنا وذكرا لعهده المقدس. (73) والقسم الذي أقسمه لأبينا إبراهيم ~~بأن ينعم علينا. (74) فننجو من أيدي أعدائنا. (75) ونعبد بالتقوى والبر غير خائفين طوال أيام ~~حياتنا. (76) وأنت أيها الطفل ستدعى نبي العلي لأنك تتقدم الرب لتعد طرقه. (77) وتعلم شعبه أن ~~الخلاص هو في غفران خطاياهم. (78) تلك رحمة من لطف إلهنا يتفقدنا لها الشارق من العلى. (79) ~~ليضيء للقاعدين في الظلمة وظلال الموت ويسدد خطانا لسبيل السلام. ~~(80) وكان الطفل ينمو وتزكو روحه وأقام في البراري إلى أن ظهر لإسرائيل. # الإصحاح الثاني ~~(1) وفي ذلك الزمان، أمر القيص أغسطس بإحصاء جميع أهل المعمورة. (2) وجرى هذا الإحصاء الأول؛ ~~إذ كان كيرينيوس حاكما في سورية. (3) فذهب جميع الناس ليكتتب كل واحد في مدينته. (4) وصعد يوسف ~~أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، فقد كان ~~من بيت داود وذريته. (5) ليكتتب ومريم خطيبته وكانت حاملا. (6) وبينما هما فيها حان وقت ولادتها. ~~(7) فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في مذود لأنه لم يكن لهما موضع في الفندق. ~~(8) وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم. (9) ~~ففاجأهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم فخافوا خوفا شديدا. (10) فقال لهم ms026 الملاك: لا تخافوا ~~إني أبشركم بفرح عظيم يعم الشعب بأجمعه. (11) ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود وهو المسيح ~~الرب. (12) وإليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود. (13) وانضم إلى الملاك بغتة ~~جمهور من جند السماء يسبحون الله فيقولون: (14) المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام ~~وبالناس المسرة. ~~(15) فلما انصرف الملائكة عنهم إلى السماء قال الرعاة بعضهم لبعض: هلم بنا إلى بيت لحم فنرى ~~هذا الحدث الذي أنبأنا به الرب. (16) وجاءوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل مضطجعا في ~~المذود. (17) فجعلوا بعدما رأوا الطفل يخبرون بما قيل لهم فيه. (18) فصار كل من سمع الرعاة يعجب ~~مما حدثوه به. (19) وكانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور وتتأملها في قلبها. (20) ورجع الرعاة وهم ~~يمجدون الله، ويسبحونه على كل ما سمعوا ورأوا كما أنبئوا. ~~(21) ولما بلغ يومه الثامن وهو اليوم الذي يجب أن يختن فيه، سمي يسوع، كما سماه الملاك ~~قبل أن يحبل به. (22) ولما حان يوم طهورهما بحسب شريعة موسى صعدا به إلى أورشليم ليقرباه إلى ~~الرب. (23) كما تقضي شريعة الرب من أن كل بكر ذكر ينذر للرب. (24) وليقربا ما تفرضه شريعة الرب: ~~زوجي يمام أو فرخي حمام. (25) وكان في أورشليم رجل بار تقي اسمه سمعان، ينتظر الفرج لإسرائيل، ~~والروح القدس نازل عليه. (26) وكان الروح القدس قد أوحى إليه أنه لا يذوق الموت قبل أن يرى ~~مسيح الرب. (27) فأتى إلى الهيكل بوحي من الروح ولما دخل بالطفل أبواه ليؤديا عنه ما تفرضه ~~الشريعة. (28) حمله على ذراعيه وبارك الله ثم قال: (29) رب أطلق الآن عبدك بسلام وفاقا لقولك. (30) ~~فقد رأت عيناي ما أعددته من خلاص. (31) للشعوب كلها. (32) نورا لهداية الأمم ومجدا لشعبك ~~إسرائيل. (33) وكان أبوه وأمه يعجبان مما يقال فيه. (34) وباركهما سمعان ثم قال لأمه مريم: إنه ~~جعل لسقوط كثير من الناس وقيام كثير منهم في إسرائيل وآية ينكرونها. (35) وأنت سينفذ سيف في ~~نفسك لتنكشف الأفكار عن قلوب كثيرة. ~~(36) وكان هناك نبية هي حنة ابنة فانوئيل من سبط أشير، طاعنة في السن، عاشت مع ms027 زوجها سبع ~~سنوات بعد بكارتها. (37) ثم بقيت أرملة فبلغت الرابعة والثمانين من عمرها لا تفارق الهيكل ~~متعبدة بالصوم والصلاة ليل نهار. (38) فحضرت في تلك الساعة وأخذت تحمد الله وتحدث بأمر الطفل ~~كل من كان ينتظر فداء أورشليم. ~~(39) ولما أتما جميع ما تفرضه شريعة الرب، رجعوا إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة. (40) وكان ~~الطفل ينمو ويترعرع ويمتلئ حكمة وكانت نعمة الله عليه. ~~(41) وكان أبواه يذهبان إلى أورشليم كل سنة في عيد الفصح. (42) فلما بلغ اثنتي عشرة سنة صعدوا ~~إليها جريا على السنة في العيد. (43) فلما انقضت أيام العيد ورجعا بقي الصبي يسوع في أورشليم ~~من غير أن يعلم أبواه. (44) وكانا يظنان أنه في القفلة فسارا مسيرة يوم ثم أخذا يبحثان عنه عند ~~الأقارب والمعارف. (45) فلما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يبحثان عنه. (46) فوجداه بعد ثلاثة أيام ~~في الهيكل جالسا في حلقة العلماء يستمع إليهم ويسألهم. (47) وكان جميع سامعيه في حيرة من ~~ذكائه وجواباته. (48) فلما أبصراه دهشا فقالت له أمه: يا بني لم صنعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث ~~عنك متلهفين. (49) فقال لهما: ولم بحثتما عني؟ ألم تعلما أنه يجب علي أن أكون عند أبي؟ (50) فلم ~~يفهما الكلمة التي قالها. (51) ثم نزل معهما وعاد إلى الناصرة وكان طائعا لهما. (52) وكانت أمه ~~تحفظ كل شيء في قلبها، وكان يسوع يتسامى في الحكمة والقامة والحظوة عند الله والناس. ~~••• # هذه هي قصة الميلاد المطولة عند لوقا، والتي لم يفتتحها على طريقة متى بسلسلة نسب يسوع، ~~الأمر الذي يدل على أنه لم يولها الأهمية التي أولاها متى، ولكن لوقا لم يتجاهل تماما ~~نسب يسوع بل أورده لاحقا، وبعد أن جعل يسوع يعتمد على يد يوحنا المعمدان، عندما هبط عليه ~~الروح القدس فهو يقول: ~~(22) ونزل الروح القدس عليه في صورة جسم كأنه حمامة، وأتى صوت من السماء يقول: «أنت ابني ~~الحبيب الذي عنه رضيت.» (23) وكان يسوع في بدء رسالته في نحو الثلاثين من عمره، وكان الناس ~~يحسبونه ابن يوسف ابن عالي. (24) ابن متثات بن لاوي بن ملكي بن ms028 ينا بن يوسف (25) بن متاثيا بن ~~عاموص بن ناحوم بن حسلي بن نجاي (26) بن مآث بن متاثيا بن شمعي بن يوسف بن يهوذا (27) بن يوحنا ~~بن ريسا بن زربابل بن شألتئيل بن نيري (28) بن ملكي بن أدي بن قطم بن ألمودام بن عير (29) بن ~~يوسي بن أليعازر بن يوريم بن متثات بن لاوي (30) بن شمعون بن يهوذا بن يوسف بن يونان بن ~~أليقايم بن مليا بن مينان بن متاثا بن ناثان بن داود (32) بن يسي بن عوبيد بن بوعز بن سلمون ~~بن نحشون (33) بن عميناداب بن آرام بن حصرون بن فارص بن يهوذا (34) بن يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم بن تارح بن ناحور (35) بن سروح بن رعو بن فالج بن عابر بن شالح (36) بن قينان بن ~~أرفكشاد بن سام بن نوح بن لامك (37) بن متوشالح بن أخنوخ بن يارد بن مهلئيل بن قينان (38) بن ~~أنوش بن شيت بن آدم ابن الله. # على الرغم من أن سلسلة نسب يسوع عند لوقا تربط يسوع بداود كما هو الحال عند متى، إلا ~~أنها تضيف عنصرا لاهوتيا مهما، فهي إذ تبدأ بالاتجاه المعاكس لاتجاه سلسلة متى، أي ~~من يسوع ويوسف لا من إبراهيم وإسحاق، فإنها تتجاوز إبراهيم إلى بدء الخليقة إلى آدم ابن ~~الله، وبذلك يتقاطع لوقا هنا مع تعاليم بولس بخصوص شمولية رسالة يسوع باعتباره آدم الثاني، ~~فآدم الأول قد وهب الإنسانية الموت، أما آدم الثاني فقد وهبها الحياة. # ومع ذلك فإن الجملة الاستهلالية التي ابتدأ بها لوقا سلسلة النسب عندما قال: «وكان الناس ~~يحسبونه ابن يوسف ابن عالي» تجعل السلسلة تتهاوى أيضا كبيت من ورق مثلما تهاوت سلسلة متى ~~في خاتمتها عندما قال: «ويعقوب ولد يوسف زوج مريم والدة المسيح»، ولم يقل: «ويعقوب ولد يوسف، ~~ويوسف ولد يسوع»، فيسوع ليس الابن الجسدي ليوسف، وسلسلة النسب هذه لا معنى لها في الواقع، ~~يضاف إلى ذلك أن السلسلتين غير متفقتين في حلقاتهما، ويبدو التناقض بينهما جليا ابتداء ~~من الجد المباشر ليسوع، الذي يورد اسمه ms029 لوقا على أنه عالي، بينما يورد اسمه متى على أنه ~~يعقوب، ويبدو لنا الاختلال واضحا إذا وضعنا السلسلتين في مقابل بعضهما لغرض المقارنة، بعد ~~أن نقلب سلسلة متى لجعلها متوازية مع سلسلة لوقا. # سلسلة متى # سلسلة لوقا # يوسف بن يعقوب # يوسف بن عالي # ومتان ولد يعقوب # بن مثتات بن لاوي # وعازر ولد متان # بن ملكي بن ينا # وأليهود ولد عازر # بن يوسف بن متاثيا # وأخيم ولد أليهود # بن عاموص بن ناحوم # وصادوق ولد أخيم # بن حسلي بن نجاي # وعازور ولد صادوق # بن مآث بن متاثيا # وألياقيم ولد عازور # بن شمعي بن يوسف # وأبيهود ولد ألياقيم # بن يهوذا بن يوحنا # وزربابل ولد أبيهود # بن ريسا بن زربابل # وشألتئيل ولد زربابل # بن شألتئيل بن نيري # ويكينا ولد شألتئيل # بن ملكي بن أدي # ويوشيا ولد يكينا # بن قصم بن المود # ومنسي ولد آمون # بن عير بن يوسي # وحزقيا ولد منسي # بن اليعازر بن يوريم # وآحاز ولد حزقيا # بن متثات بن لاوي # ويوتام ولد آحاز # بن شمعون بن يهوذا # وعوزيا ولد يوتام # بن يوسف بن يونان # ويورام ولد عوزيا # بن ألياقيم بن مليا # ويوشافاط ولد يورام # بن مينان بن متاثا # وآسا ولد يوشافاط # بن ناثان بن داود # وآبيا ولد آسا # بن يسي بن عوبيد # ورحبعام ولد آبيا # بن بوعز بن سلمون # وسليمان ولد رحبعام # بن نحشون بن عميناداب # وداود ولد سليمان # بن آرام بن حصرون # ويسي ولد داود # بن فارص بن يهوذا # وعوبيد ولد يسي # بن يعقوب بن إسحاق # وبوعز ولد عوبيد # بن إبراهيم بن تارح # وسلمون ولد بوعز # بن ناحور بن سروج # ونحشون ولد سلمون # بن رعو بن فالج # وعميناداب ولد نحشون # بن عابر بن شالح # وآرام ولد عميناداب # بن قينان بن أرفكشاد # وحصرون ولد آرام # بن سام بن نوح # وفارص ولد حصرون # بن لامك بن متوشالح # ويهوذا ولد فارص # بن أخنوخ بن يارد # ويعقوب ولد يهوذا # بن مهلئيل بن قينان # وإسحاق ولد يعقوب # بن أنوش بن شيت # وإبراهيم ولد إسحاق # بن آدم ms030 ابن الله # إن المقارنة البسيطة بين هاتين السلسلتين تظهر مدى اختلافهما وتباينهما حتى لكأنهما وضعتا لشخصيتين ~~منفصلتين لا لشخصية واحدة ثابت نسبها. ولو كانت إحدى السلسلتين تختلف عن الأخرى ببضعة ~~أسماء، لقلنا إن إحداهما على خطأ والأخرى على صواب، أما وأنهما تختلفان في كل حلقاتهما ~~تقريبا فلا يمكننا إلا القول بأنهما على خطأ كليهما، وأن محاولة ربط نسب يسوع بالملك داود ~~ليس إلا مداخلة يهودية من شأنها الإقلال من أهمية الحبل البتولي من ناحية، والتوكيد على أن ~~مسيح الإنجيل هو الذي حقق مسيح التوراة على مسرح التاريخ من ناحية ثانية. # أما قصة الميلاد نفسها فتختلف عناصرها في لوقا اختلافا بينا عنها في متى، فقد لعب ~~يوسف الدور الرئيسي في قصة ميلاد متى التي تقدمه كرجل حكيم عاقل، تصرف بهدوء عندما عرف ~~أن خطيبته مريم حامل، فلم يشأ أن يشهر أمرها بين الناس وعزم على تركها سرا، ولكن ملاك ~~الرب ظهر له في الحلم، وقال له أن يحتفظ بامرأته؛ لأن الذي تحمله هو من روح القدس، وأن عليه ~~أن يسمي مولودها يسوع، وبعد ولادة الطفل يهرب بعائلته إلى مصر؛ خوفا من الملك هيرود الذي ~~كان يطلب إهلاك يسوع. ثم يعود بعد وفاة هيرود ليجد أن ابنه أرخيلاوس قد خلفه على حكم ~~اليهودية، فيرحل إلى الجليل حيث يستقر في مدينة الناصرة. أما عند لوقا فإن الدور الرئيسي ~~تلعبه مريم، فالملاك يظهر لمريم في اليقظة لا في المنام، ويدخل عليها ملقيا السلام كأي ~~زائر عادي، وعندما تضطرب من دخوله المفاجئ ومن تحيته يطمئنها ويبشرها بأنها ستحمل من ~~الروح القدس، وأن عليها أن تسمي ابنها يسوع، كما ينقل إليها خبر حمل قريبتها العاقر ~~أليصابات زوجة الكاهن زكريا بمولود ذكر، ولا نعرف بعد ذلك كيف عرف يوسف بخبر الحمل ولا عن ~~ردة فعله تجاه ذلك، ثم نجدهما معا في أورشليم قادمين من ناصرة الجليل للاكتتاب في بيت لحم ~~حيث وضعت مريم مولودها. # بعد ذلك نجد مريم تعيش حياتها الخاصة بحرية، ودون أي إشارة إلى أسرتها، ms031 فبعد سماعها خبر ~~حمل قريبتها أليصابات تترك مدينتها في الجليل وتتوجه لزيارة أليصابات في مقاطعة اليهودية، ~~قاطعة مسافات طويلة ووعرة وشاقة، حيث مكثت عندها ثلاثة أشهر إلى أن وضعت مولودها ثم قفلت ~~راجعة. # يجعل لوقا من ناصرة الجليل موطنا أصليا ليوسف ومريم، ولكنه يضطرهما إلى القدوم إلى بيت ~~لحم اليهودية من أجل الاكتتاب فيها، فقد أمر القيصر أغسطس بإحصاء جميع أهل الإمبراطورية، ~~وجرى هذا الإحصاء عندما كان كيرينيوس واليا على سورية، فذهب جميع الناس ليكتتب كل واحد في ~~مدينته، وصعد يوسف أيضا من مدينته الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، ~~فقد كان من بيت داود وذريته ليكتتب ومريم خطيبته وكانت حاملا، وبينما هما فيها حان وقت ~~ولادتها فولدت ابنها البكر فقمطته وأضجعته في مذود؛ لأنه لم يكن لهما موضع في الفندق بسبب ~~كثرة القادمين إلى المدينة للاكتتاب. وفي الحقيقة، فإن الإحصاء الروماني للسكان قد جرى في ~~عهد كيرينيوس فعلا، ولكن في عام 6 للميلاد على ما نعرف من السجلات الرومانية، فإذا كان ~~يسوع وفق لوقا قد ولد في هذا العام، فإن تاريخ ميلاده يأتي متأخرا بأكثر من عشر عنه وفق ~~متى، الذي جعله في عام 6 قبل الميلاد، أي قبل عامين من وفاة هيرود؛ ولهذا لا نجد في قصة ~~لوقا مكانا لمذبحة أطفال بيت لحم، ولا لهرب العائلة المقدسة إلى مصر ثم عودتها منها بعد ~~وفاة هيرود. # يتحول مجوس متى الذين رأوا نجم يسوع طالعا في المشرق، ثم تقدمهم ليرشدهم إلى البيت ~~الذي ولد فيه يسوع، إلى رعاة عند لوقا كانوا يبيتون في البرية، عندما ظهر لهم ملاك الرب ~~وبشرهم بولادة مخلص في مدينة داود، وقال لهم إنهم سيجدونه مقمطا مضطجعا في مذود، وانضم ~~إلى الملاك بغتة جمهور من جند السماء يسبحون الله، فبحث الرعاة عن المولود حتى وجدوه كما ~~وصف الملاك، وراحوا يخبرون بما قيل لهم فيه. وفي غياب عنصر الخوف من هيرود تتتابع القصة ~~بشكل روتيني، فقد انتظر الوالدان ثمانية أيام وهي الفترة اللازمة ms032 لطهور الوالدة بعد الوضع، ~~فختنا الطفل حسب شريعة موسى وقدما قربانا في الهيكل، حيث سمعا عن مستقبله من خلال خطبة ~~ألقاها رجل شيخ، كان يلزم الهيكل في انتظار ظهور المسيح، ومن خلال عدة أقوال لنبية اسمها ~~حنة كانت تلزم الهيكل أيضا، ثم رجعوا إلى الجليل، بعد ذلك ينفرد لوقا بذكر قصة يسوع في ~~الهيكل يجادل الشيوع، وهو حدث في الثانية عشرة من عمره، مفصحا عن حكمة مبكرة لا تتوفر ~~عادة لشخص عادي في مثل هذه السن. # وبالرغم من أن لوقا لا يحاول التوفيق على طريقة متى بين نبوءات العهد القديم وأحداث ~~سيرة يسوع، فإن نصه يمتلئ بمقتبسات من العهد القديم ظهرت في نشيد زكريا، عندما فكت ~~عقدة لسانه بعد ولادة الطفل، وفي نشيد مريم عندما ارتكض الجنين في بطن نسيبتها أليصابات، ~~لما فتحت الباب لمريم وتلقت سلامها، فعرفت أمرها وعظمت ما تحمله في بطنها، وفي خطبة الرجل ~~التقي سمعان في الهيكل، وهذه نماذج منتقاة من فقرات هذه النصوص: ~~• # تعظم الرب نفسي وتبتهج روحي بالله مخلصي (مريم). ~~• # قدوس اسمه، ورحمته للذين يتقونه جيلا فجيل (مريم). ~~• # إني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي (حبقوق 3: 18). ~~• # قدوس ومهوب اسمه (المزمور 111: 9). ~~• # أما رحمة الرب فإلى الدهر والأبد على خائفيه (المزمور 103: 17). ~~• # أشبع الجياع من الخيرات وصرف الأغنياء فارغين (مريم). ~~• # لأنه أشبع نفسا مشتهية وملأ نفسا جائعة خبزا (المزمور 107: 9). ~~• # تبارك الله رب إسرائيل لأنه افتقد شبعه وافتداه (زكريا). ~~• # مبارك الرب إله إسرائيل (المزمور 41: 13). ~~• # أرسل فداء لشعبه (المزمور 111: 9). ~~• # ليضيء للقاعدين في الظلمة وظلال الموت (زكريا). ~~• # الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما الجالسون في ظلال الموت أشرق عليهم نور (أشعيا 9: 3). ~~• # فقد رأت عيناي ما أعددته من خلاص للشعوب كلها (سمعان). ~~• # قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم، فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا (أشعيا 52: 10). ~~(5) البعث والقيامة # كما اختلفت الأناجيل الإزائية في بداياتها، كذلك تختلف في نهاياتها التي تروي عن قيامة ~~يسوع من بين الأموات، فمؤلف إنجيل مرقس في نصه الأصلي، # 5 # يقدم لنا خاتمة موجزة جدا ms033 عن القيامة، تنتهي بشكل مفاجئ مع هروب النسوة ~~الثلاث مذعورات من القبر الفارغ، بعد أن أخبرهن شاب يجلس هناك مرتديا ثوبا أبيض بأن يسوع ~~قد قام من بين الأموات، ومع ذلك فباستطاعتنا مقارنة بقية خاتمة مرقس، المضافة فيما بعد، مع ~~خاتمة متى لنظهر الاختلافات فيما بينها: # مرقس # متى # الخاتمة الأصلية ~~: # ولما انقضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة طيبا ~~ليأتين فيطيبنه، وفي غداة يوم الأحد جئن إلى القبر وقد طلعت الشمس، ~~وكان يقول بعضهم لبعض: من تراه يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟ فنظرن ~~فرأين أن الحجر قد دحرج، وكان كبيرا جدا، فدخلن القبر فأبصرن ~~شابا جالسا عن اليمين، عليه حلة بيضاء فارتعبن، فقال لهن: # لا ترتعبن، أنتن نتطلبن يسوع الناصري الذي صلب، إنه قام وليس هنا، وهذا ~~هو المكان الذي وضع فيه، فاذهبن وقلن للتلاميذ ولبطرس أن يتقدمكم إلى ~~الجليل، فترونه هناك كما أنبأكم، فخرجن هاربات من القبر، لما أخذهن من ~~الرعدة والدهشة، ولم يخبرن أحدا بشيء؛ لأنهن كن خائفات. # ولما انقضى السبت وبزغ فجر الأحد جاءت مريم المجدلية، ومريم الأخرى ~~تتفقدان القبر فإذا زلزال شديد قد حدث، ذلك بأن ملاك الرب نزل من ~~السماء وجاء إلى الحجر فدحرجه وقعد عليه، وكان منظره كالبرق وثوبه أبيض ~~كالثلج، فقال الملاك للمرأتين: # لا تخافا أنتما، أنا أعلم أنكما تطلبان ~~يسوع المصلوب، إنه ليس هنا، فقد قام من بين الأموات كما أنبأ، تعاليا ~~فانظرا الموضع الذي فيه كان مضطجعا، وأسرعا في الذهاب إلى تلاميذه ~~وقولا لهم إنه قام من بين الأموات، وها هو ذا يسبقكم إلى الجليل، ~~فترونه هناك. فتركتا القبر مسرعتين، وهما في خوف شديد وفرح عظيم، ~~وبادرتا إلى التلاميذ تحملان البشرى. # الإضافة اللاحقة ~~: # قام يسوع صباح الأحد فتراءى أولا لمريم المجدلية، تلك التي أخرج منها ~~سبعة شياطين، فمضت وأخبرت تلاميذه، وكانوا في مناحة ونحيب، فلما سمعوا ~~أنه حي، وأنها شاهدته لم يصدقوها، وتراءى بعد ذلك بهيئة أخرى لاثنين ~~منهم، كانا في الطريق ذاهبين إلى إحدى القرى. # فرجعا وأخبرا ms034 الآخرين، ~~فلم يصدقوهما أيضا، وتراءى آخرا للأحد عشر أنفسهم، وهم على الطعام ~~فوبخهم لقلة إيمانهم وقساوة قلوبهم؛ لأنهم لم يصدقوا الذين رأوه ~~بعدما قام، ثم قال لهم: اذهبوا في الأرض كلها وأعلنوا البشارة إلى ~~الخلق أجمعين، فمن آمن واعتمد يخلص، ومن لم يؤمن يقض عليه والذين ~~يؤمنون تصحبهم هذه الآيات: فباسمي يطردون الشياطين، ويتكلمون بلغات ~~مختلفة، ويمسكون بأيديهم الحيات، وإن شربوا شرابا قاتلا لا يؤذيهم، ~~ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون. # وبعدما كلمهم الرب يسوع، رفع إلى ~~السماء، وجلس على يمين الله. # وإذا يسوع قد جاء للقائهما فقال لهما: # السلام عليكما، فتقدمتا والتزمتا ~~قدميه ساجدتين له، فقال لهما يسوع: # لا تخافا، اذهبا فقولا لإخوتي أن ~~يمضوا إلى الجليل فهناك يرونني. # وأما التلاميذ الأحد عشر، فذهبوا إلى ~~الجليل إلى الجبل الذي جعله يسوع موعدا لهم، فلما رأوه سجدوا له . # ولكن ~~بعضهم ارتابوا، فدنا يسوع إليهم وكلمهم، وقال: # إني أوليت كل سلطان في ~~السماء والأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن ~~والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وها أنا ذا معكم ~~طوال الأيام إلى انقضاء الدهر. # من هذه المقارنة بين الروايتين نجد أن النص الأصلي لمرقس صامت تماما عن ~~ظهورات المسيح وعن ارتفاعه إلى السماء، حتى إنه لا يتابع النتيجة المنطقية المتوقعة، وهي ~~ذهاب النسوة الثلاث إلى التلاميذ وإخبارهم بما رأين وسمعن، وبذلك يبقى خبر القيامة بالنسبة ~~إلى التلاميذ مجرد رواية قالها شاب غامض، ونقلتها نسوة يشك بشهادتهن، ومن هنا كان لا بد ~~من إكمال القصة وتزويدها بما يعطيها مصداقية، وذلك بجعل عدد متزايد من التلاميذ يواجهون ~~المسيح القائم من بين الأموات، وهكذا تمت صياغة خاتمة كل من متى ولوقا بشكل يتجاوز خاتمة ~~مرقس الأصلية، كما جاء محرر متأخر فزاد على خاتمة مرقس عناصر الظهور والارتفاع إلى السماء، ~~بعض هذه العناصر مستمد من متى ولوقا، وبعضها من مصدر مجهول لا نعرفه. # تبدي خاتمتا مرقس ومتى في شكلهما الأخير عددا من التباينات، فمرقس يذكر ثلاث نسوة هن: ~~مريم المجدلية، ms035 ومريم أم يعقوب، وسالومة، بينما يذكر متى امرأتين فقط، هما: مريم المجدلية، ~~ومريم الأخرى (التي كان قد دعاها في الإصحاح 27: 56 بأم يعقوب وموسى)، وفي نص مرقس تجد ~~النسوة أن الحجر قد دحرج عن مدخل القبر، فيدخلن ليجدن شابا جالسا عن اليمين، يخبرهن بأن ~~يسوع قد قام وأنه سيلتقي بتلامذته في الجليل، أما في نص متى فتجد النسوة أن الحجر قد دحرج ~~عن مكانه بسبب زلزال، ويرين ملاك الرب جالسا فوقه، ومنظره كالبرق وثيابه بيضاء كالثلج، ~~فيخبرهن بأن يسوع قد قام، ويأمرهن بالإسراع لإعلام تلاميذه بذلك؛ لأنه سيسبقهم إلى الجليل ~~حيث يرونه هناك. وبدون أن تتأكد المرأتان من فراغ القبر، تسرعان في خوف وفرح لإعلام ~~التلاميذ. # يظهر الانقطاع في نص مرقس واضحا، فبعد أن يقول بأن النسوة الثلاث خرجن من القبر هاربات، ~~وقد أخذتهن الرعدة والدهشة، ولم يخبرن أحدا لأنهن كن خائفات، يتابع قوله: «قام يسوع صباح ~~الأحد فتراءى أولا لمريم المجدلية ...» فذهبت وأخبرت التلاميذ الذين لم يصدقوها، ثم بعد ~~ذلك تراءى لاثنين منهم وهم على الطريق إلى إحدى القرى، فراحا أيضا وأخبرا البقية الذين ~~ظلوا على عدم تصديقهم، وأخيرا ظهر يسوع للتلاميذ الأحد عشر وهم مجتمعون للطعام، فوبخهم على ~~قلة إيمانهم ثم وجههم للتبشير بين الخلق أجمعين، وبعد ذلك يرتفع إلى السماء أمام أعينهم، ~~أما عند متى فإن يسوع لا يظهر إلا مرة واحدة للتلاميذ الأحد عشر الذين سبقوه إلى الجليل، ~~وهذا يعني أنه ظهر لهم بعد عدة أيام من قيامته، لا في يوم القيامة نفسه ولا في أورشليم، ~~كما هو الأمر عند مرقس، ولا يأتي متى على ذكر ظهور يسوع للمجدلية ولا للتلميذين الآخرين، ~~ثم إن الخاتمة عند متى لا تنتهي بصعود يسوع إلى السماء، وإنما بقوله: «اذهبوا وتلمذوا ~~جميع الأمم ... وها أنا ذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر». # فإذا انتقلنا إلى خاتمة لوقا وجدناها الأكثر إطالة وتفصيلا، وغنى بالحوارات والعناصر ~~الأدبية، يقول لوقا: # الإصحاح الثالث والعشرون ~~(55) وكان النسوة اللواتي جئن من الجليل مع يسوع يتبعن يوسف، ms036 فأبصرن القبر وكيف وضع فيه ~~جسده. (56) ثم رجعن وأعددن طيبا وحنوطا، واسترحن في السبت على ما تقضي به الوصية. # الإصحاح الرابع والعشرون ~~(1) وجئن عند فجر الأحد إلى القبر وهن يحملن الطيب الذي أعددنه. (2) فوجدن الحجر قد دحرج عن ~~القبر. (3) فدخلن فلم يجدن جسد الرب يسوع. (4) وبينما هن في حيرة؛ إذ تراءى لهن رجلان عليهما ثياب ~~براقة. (5) فاستولى عليهن الخوف ونكسن وجوههن نحو الأرض، فقالا لهن: لماذا تبحثن عن الحي بين ~~الأموات؟ (6) إنه ليس ها هنا بل قام، اذكرن ما أنبأكن إذ كان في الجليل. (7) قائلا: يجب على ابن ~~الإنسان أن يسلم إلى أيدي الخاطئين، ويصلب ثم يقوم في اليوم الثالث. (8) فذكرن كلامه. (9) ورجعن ~~من القبر فأخبرن الأحد عشر والآخرين جميعا بهذه الأحداث كلها. (10) وهن مريم المجدلية وحنة ~~ومريم أم يعقوب، وكذلك سائر النسوة اللواتي صحبنهن أخبرن الرسل بذلك ، فبدا لهم هذا الكلام ~~ضربا من الهذيان ولم يصدقوهن، غير أن بطرس قام فأسرع إلى القبر، فلم ير عند انحنائه غير ~~اللفائف، فانصرف متعجبا مما حدث. ~~(13) واتفق أن اثنين منهم كانا ذاهبين في ذلك اليوم إلى قرية يقال لها عماوس، على مسافة ~~ستين غلوة من أورشليم. (14) وكانا يتحدثان بهذه الأمور كلها. (15) وإنهما ليتحدثان ويتجادلان إذ ~~يسوع نفسه قد دنا منهما وأخذ يسير معهما. (16) على أن أعينهما حجبت عن معرفته. (17) فقال لهما: ~~ما هذا الحديث الذي تخوضان فيه وأنتما سائران؟ فوقفا مكتئبين. (18) وأجابه أحدهما واسمه ~~كلاوبا: أأنت وحدك تقيم في أورشليم ولا تعلم ما حدث فيها هذه الأيام؟ (19) فقال لهما: ماذا؟ ~~قالا له: ما حدث فيها ليسوع الناصري، وكان نبيا مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب ~~كله. (20) كيف أسلمه الأحبار وأولياء أمرنا ليحكم عليه بالموت، وكيف صلبوه. (21) وهو الذي كنا ~~نرجو أن يعتق إسرائيل ومع ذلك كله فهذا هو اليوم الثالث لتلك الأحداث التي وقعت. (22) غير أن ~~نسوة منا قد حيرتنا، فإنهن قد بكرن إلى القبر. (23) فلم يجدن جسده فرجعن وقلن إنهن أبصرن ~~ملائكة تراءوا لهن وقالوا إنه حي. (24) فذهب بعض أصحابنا ms037 إلى القبر فوجدوا الحال على ما قالت ~~النسوة ولكنهم لم يروه. (25) فقال لهما: بل قليلي الإدراكي وبطيئي القلب عن الإيمان بكل ما ~~تنطق به الأنبياء. (26) أما كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام فيدخل في مجده؟ (27) ثم أخذ ~~يفسر لهما ما يعنيه مما ورد في جميع الكتب من موسى إلى سائر الأنيباء. (28) ولما اقتربوا من ~~القرية التي يقصدان إليها، أظهر لهما أنه ماض إلى مكان بعيد. (29) فتمسكا به وقالا: أمكث ~~معنا، فقد حان المساء ومال النهار فدخل ليمكث معهما. (30) ولما جلس معهما إلى الطعام أخذا ~~خبزا وبارك ثم كسره وناولهما. (31) فانفتحت أعينهما وعرفاه فتوارى عنهما. (32) فقال أحدهما ~~للآخر: أما كان قلبنا متقدا في صدرنا حين حدثنا في الطريق وفسر لنا الكتب؟ (33) ثم قاما من ~~ساعتهما ورجعا إلى أوشليم، فوجدا الأحد عشر وأصحابهم مجتمعين. (34) وكانوا يقولون: قام الرب ~~حقا وتراءى لسمعان. (35) فرويا لهم ما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز. (36) وإنهما ~~ليتكلمان، إذ هو يتوسطهم فيقول: السلام عليكم. (37) فدهشوا وخافوا وتوهموا أنهم يرون روحا. (38) ~~فقال لهم: ما بالكم مضطربين ولم ثارت الأوهام في نفوسكم؟ (39) انظروا إلى يدي ورجلي أنا هو ~~بنفسي، المسوني وتوحققوا، فإن الروح ليس لها لحم ولا عظم كما ترون لي. (40) قال هذا وأراهم ~~يديه ورجليه. (41) غير أنهم لم يصدقوا من الفرح يتعجبون فقال لهم: ألديكم ما يؤكل؟ (42) فناولوه ~~قطعة سمك مشوي. (43) فأخذها وأكل على مرأى منهم. ~~(44) ثم قال لهم: ذاك كلامي الذي قلته لكم إذ كنت معكم، وهو أنه يجب أن يتم كل ما كتب في ~~مصيري في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير. (45) فحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب. (46) ~~وقال لهم: كتب أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث. (47) ويدعى باسمه في ~~جميع الأمم إلى التوبة لغفران الخطايا، ويبتدأ بذلك في أورشليم. (48) وأنتم شهود على ذلك. (49) ~~وسأرسل إليكم ما وعد به أبي فامكثوا في المدينة إلى أن تنزل عليكم القوة من العلا. ~~(50) ثم خرج إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. (51) وبينما هو يباركهم ms038 انفصل عنهم ورفع إلى ~~السماء. (52) فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم. (53) وكانوا يلازمون الهيكل لله ~~مسبحين. # تظهر لنا المقارنة بين رواية لوقا هذه وروايتي مرقس ومتى عددا من خصوصيات خاتمة لوقا. ~~فالنساء الثلاث عند مرقس، وهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة، والمرأتان عند متى ~~وهن مريم المجدلية ومريم الأخرى (أم يعقوب ويوسي) يتحولن إلى عدد غير محدد من النساء ~~اللواتي جئن من الجليل وتبعن يسوع، وشهدن صلبه وموته ودفنه، وأبصرن القبر الذي وضع فيه ~~جسده، ثم ذهبن فأعددن طيبا وحنوطا واسترحن في السبت، ثم جئن إلى القبر في صباح الأحد، ~~وعندما دخلن لم يجدن جسد يسوع، ولكنهن وجدن رجلين عليهما ثياب براقة لا رجلا واحدا كما هو ~~الحال عند مرقس، فرجعن من القبر وأخبرن التلاميذ، وكان بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ~~وحنة، لا مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة كما هو الحال عند مرقس، ولكن التلاميذ رأوا ~~في خبر النسوة ضربا من الهذيان، وكان لا بد لهم من شهادة رجل موثوق، فذهب بطرس بنفسه وتحقق ~~من خلو القبر، وذهاب بطرس هذا، عنصر انفرد به لوقا. # ثم إن لوقا يغض الطرف عن ظهور يسوع للمجدلية أولا، ويجعل ظهوره الأول للاثنين اللذين ورد ~~ذكرهما عند مرقس (16: 12)، ولكنهما لا يتعرفان عليه للوهلة الأولى، وهنا يتوقف لوقا ليسرد ~~حوارية بين يسوع والتلميذين تنتهي بأن يتعرفا على يسوع عندما جلس معهما للطعام، وأخذا خبزا ~~وبارك ثم كسره وناولهما، ثم قاما ورجعا إلى أورشليم، وعندما كانا يسردان لبقية التلاميذ ما ~~وقع لهما، عرفا أن يسوع قد تراءى أيضا لسمعان (بطرس)، ولكن دون تفاصيل، وهنا يحصل الظهور ~~الأخير ليسوع عندما تجلى أمام التلاميذ الأحد عشر. # ولكي يزيد لوقا في التوكيد على أن ظهور يسوع لم يكن ظهورا شبحيا، وإنما ظهورا ماديا ~~حقيقيا، فقد جعله يطلب من التلاميذ أن يلمسوه، وأراهم موضع المسامير في يديه ورجليه من أثر ~~الصلب، وكما أكل مع التمليذين أولا، فقد طلب منهم أن يأكل معهم، فناولوه قطعة سمك مشوي، ~~وأكل ms039 أمام أنظارهم، وبعد أن فتح أعينهم على معنى رسالته التي عليهم إكمالها، انفصل عنهم ~~وصعد إلى السماء. ~~(6) رسالة يسوع في الأناجيل الإزائية # إن الأناجيل الإزائية، على اختلافها في التفاصيل، تقدم لنا سيرة واحدة ليسوع ووجها ~~واحدا لشخصيته وتعاليمه، حتى لتبدو وكأنها إنجيل واحد في ثلاثة تنويعات. # ولقد أعلن يسوع عن جوهر رسالته في مطلع إنجيل مرقس، في أول تعاليمه العلنية، حيث نقرأ في ~~الإصحاح الأول: 14-15: «وبعد أن أسلم يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: ~~قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل.» # فيسوع هو المسيح الذي يأتي من نسل داود، وفق النبوءات التوراتية، ليختتم التاريخ ويفتتح ~~الزمان المقدس، أو ملكوت الله، يتقدمه النبي إيليا في صورة يوحنا المعمدان، وفق النبوءة ~~التوراتية الواردة في سفر ملاخي 4: 5-6: «ها أنا ذا أرسل إليكم إيليا النبي، قبل مجيء يوم ~~الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم.» ولهذا ~~أجاب يسوع رسل يوحنا الذين بعثهم من سجنه ليسألوه: أأنت الآتي، أم ننتظر الآخر؟ وقال لهم: ~~«اذهبوا وأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون، إن العمي يبصرون والكسحان يمشون، والبرص يبرءون، ~~والصم يسمعون، والموتى يقومون، والفقراء يبشرون، وطوبى لمن لا يشك في» (متى 11: 2-5)، ~~وهذه كلها من علامات ظهور المسيح في اليوم الأخير الذي يفتتح ملكوت الرب في التصورات ~~التوراتية (راجع إشعيا 26: 19 و29: 8 و35: 5)، ولما انصرف الرسل، أخذ يسوع يقول للجموع بشأن ~~يوحنا: «ماذا خرجتم إلى البرية تنظرون؟ أقصبة تهزها الريح؟ بل ماذا خرجتم ترون؟ أرجلا يلبس ~~الثياب الناعمة؟ بل ماذا خرجتم؟ ألكي تروا نبيا أقول لكم أجل، بل أكرم من نبي، فهذا الذي ~~كتب في خبره: ها أنا ذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك، الحق أقول لكم لم يظهر في أولاد ~~النساء أكبر من يوحنا المعمدان، ولكن أصغر الذين في ملكوت السموات أكبر منه ... فإذا شئتم أن ~~تصدقوني، فاعلموا أنه إيليا الذي ينتظر رجوعه، من كان له أذنان فليسمع.» # يتخذ مفهوم مملكة الله، ms040 أو مملكة السموات، مكانة مركزية في تعاليم يسوع الإزائي، ولا أدل ~~على ذلك من ورود هذا التعبير نحو ثمانين مرة في الأناجيل الثلاثة، بينما لم يرد إلا مرة ~~واحدة فقط في إنجيل يوحنا، كما تشغل المطاليب الأخلاقية والسلوكية لدخول مملكة الرب الجزء ~~الأكبر من تعاليم يسوع، فرسالة يسوع الإزائي هي رسالة أخروية بالدرجة الأولى، وترتكز على ~~فكرة نهاية الزمن والتاريخ، وحلول اليوم الذي فيه ينتزع الله العالم من الشيطان، الذي كان ~~حتى كرازة يسوع سيدا على الأرض، ولكن يسوع قدم منذ البدء مفهومه الخاص عن ملكوت الله، ~~وميزه بحدة عن المفهوم السائد لدى يهود عصره، الذين كانوا ينتظرون مسيحا سياسيا، يعيد ~~مجد إسرائيل ويخضع جميع الأمم تحت قدميها، ثم يسلم الحكم إلى يهوه، فملكوت يسوع هو ملكوت ~~روحاني، وكان متحفظا تجاه لقب المسيح، وفضل عليه لقب ابن الإنسان لما للقب المسيح من ~~تداعيات سياسية، كما أنه تحفظ تجاه لقب الملك ولم يقبله إلا باعتبار ما سيأتي من صعوده إلى ~~السماء وجلوسه عن يمين الآب. # وعلى عكس ملكوت الرب اليهودي، فإن ملكوت السموات الذي بشر به يسوع يشمل جميع الأمم ~~والشعوب، وهو يؤكد في أكثر من قول له عدم أهلية اليهود لدخول هذا الملكوت، رغم اعتقادهم ~~بأنهم أصحابه الشرعيون، نقرأ في إنجيل متى 8: 12: «الحق أقول لكم، سوف يأتي أناس كثيرون ~~من المشرق والمغرب، فيجالسون إبراهيم وإسحاق ويعقوب على المائدة في ملكوت السموات، وأما بنو ~~الملكوت فيلقون في الظلمة البرانية، وهناك البكاء وصريف الأسنان.» ونقرأ في متى 21: 43: ~~«لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع عنكم إلى أمة تجعله يخرج ثمره.» # لقد اكتملت سلسلة الأنبياء عند يوحنا المعمدان، كما اكتملت الأزمنة وظهر يسوع في مجيئه ~~الأول ليبشر بالملكوت، ثم صلب ومات وقام في اليوم الثالث ليتمجد مسيحا كونيا يجلس عن ~~يمين الآب، وأما في مجيئه الثاني فسيأتي إلها ديانا ينهي العالم القديم، ويقيم على ~~أنقاضه عالما جديدا يرثه المؤمنون، نقرأ في إنجيل متى 16: 27-28: «سوف يأتي ابن الإنسان ~~في مجد أبيه مع ملائكته ms041 فيجازي يومئذ كل امرئ على قدر أعماله، الحق أقول لكم، في جملة ~~الحضور هنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ابن الإنسان آتيا في ملكوته.» ونقرأ في متى ~~أيضا 24: 29: «وعلى أثر الشدة في تلك الأيام، تظلم الشمس ويفقد القمر ضوءه وتتساقط النجوم ~~من السماء، وتتزعزع أجرام السموات، عندئذ تظهر في السماء آية ابن الإنسان، فتنتحب جميع ~~قبائل الأرض، ويرى الناس ابن الإنسان آتيا على غمام السماء بقوة ومجد كثير، فيرسل ~~ملائكته ببوق عظيم الصوت، ليجمعوا مختاريه من جهات الرياح الأربع، من أطراف السموات إلى ~~أطرافها الأخرى.» # إنجيل يوحنا # إنجيل يوحنا ظاهرة فريدة بين الأناجيل، وهو يشكل بحق جنسا قائما بذاته بين أسفار العهد ~~الجديد، وإذا كانت الأناجيل الثلاثة الأولى تتبع نفس الخطوط العامة لسيرة يسوع وتعاليمه، ~~فإن إنجيل يوحنا يمتلك رؤية خاصة به وبنية عامة، وتحقيبا زمنيا، ونسيجا لاهوتيا، ~~وأسلوبا في أقوال يسوع، لا يوازيها شيء في الأناجيل الإزائية، أما الرسالة المعوزة ليسوع ~~فيه فجديدة، وغالبا ما تتناقض مع شهادات الإزائيين، إن القراءة النقدية للأناجيل الأربعة ~~لا توصلنا إلى تسوية من أي نوع بينهما، فإذا كان يوحنا على حق، كان الإزائيون على خطأ، ~~والفريقان لا يمكن أن يكونا صحيحين في الوقت نفسه، وفق أبسط قواعد المنطق، فالإزائيون، ~~مثلا، يعينون سنة واحدة لحياة يسوع التبشيرية، بينما يعين يوحنا سنتين أو أكثر، وذلك بذكره ~~لثلاثة أعياد فصح، والإزائيون يؤرخون حادثة الصلب في الخامس عشر من نيسان، في يوم الفصح ~~بينما يؤرخ يوحنا الحادثة في الرابع عشر من نيسان، اليوم السابق للفصح. # يجمع معظم الباحثين في العهد الجديد على أن إنجيل يوحنا قد كتب بين عام 90 وعام 110م، ذلك ~~أن الشذرات الأقدم التي وصلتنا منه يتراوح تاريخها بين 125 و150م، كما أن أقدم الإشارات إلى ~~هذا الإنجيل في المصادر الخارجية ترجع إلى أواسط القرن الثاني الميلادي، وهذا ما يرجح أن ~~الإنجيل قد كتب قبل هذه التواريخ، ومن ناحية أخرى فإن اللاهوت العالي التركيب للنص، يشير ~~إلى فترة تالية لفترة تحرير الأناجيل الإزائية ms042 التي يرجح أنها كتبت خلال الفترة من عام ~~70 إلى عام 90م، ويرى بعض الباحثين أن ما يظهره إنجيل يوحنا من العداء السافر لليهود، يشير ~~إلى الفترة التي طرد فيها المسيحيون من الكنيس اليهودي، أي خلال الفترة الانتقالية من ~~القرن الأول إلى القرن الثاني الميلادي. # أما بخصوص مؤلف الإنجيل، فإن الباحثين في العهد الجديد ليسوا على هذه الدرجة من الاتفاق، ~~فهل هو يوحنا التلميذ الذي كان يحبه يسوع أكثر من غيره، والذي اتكأ على صدره في مجلس العشاء ~~الأخير؟ أم هو شخص آخر يحمل الاسم نفسه؟ أم إن المسألة ليست أكثر من إعطاء مصداقية للنص من ~~خلال نسبه إلى يوحنا الحبيب؟ إن عنوان النص: الإنجيل بحسب يوحنا، لا يزيل هذا الالتباس، ~~والنص لا يطابق بين كاتب الإنجيل ويوحنا الحبيب إلا في الفقرة الأخيرة من المشهد الختامي، ~~والتي يمكن أن تكون مقحمة على السياق، حيث نقرأ: «وهذا التلميذ (أي الذي يحبه يسوع) هو الذي ~~يشهد بهذه الأمور ويدونها، ونحن نعلم أن شهادته حق» (يوحنا 21: 24). يضاف إلى ذلك أن أخبار ~~يوحنا الحبيب تنقطع في أسفار العهد الجديد، قبل وقت طويل من الفترة المفترضة لتدوين ~~الإنجيل، فقد ورد ذكره لآخر مرة في أعمال الرسل، عندما ذهب مع بطرس إلى أهل السامرة ليبشر ~~بينهم، كما أفاد بولس المتوفى سنة 67 أو 68م أن يوحنا كان أحد أعمدة كنيسة أورشليم مع يعقوب ~~وبطرس (غلاطية 2: 9)، فهل عاش يوحنا أربعين سنة أخرى حتى كتب إنجيله؟ وهل كان في نحو ~~المائة من عمره في وضع عقلي يساعده على التذكر وربط الأحداث، وإنجاز مثل هذا النص اللاهوتي ~~المتماسك والعالي التركيب؟ ولماذا انتظر كل هذه السنين ليخرج علينا بإنجيله؟ وأخيرا، يرى ~~البعض أنه من الصعب علينا أن نتصور أن كاتب الإنجيل الرابع، المتبحر في الفلسفة ~~الهيلينستية، هو نفسه يوحنا بن زبدي، صياد السمك البسيط. # لقد ترسخ اعتقاد الكنيسة بنسبة الإنجيل الرابع إلى يوحنا الحبيب، بتأثير ما أورده ~~إيرينايوس، أحد آباء الكنيسة الأوائل، والذي كتب في أواسط القرن الثاني الميلادي، أن ms043 يوحنا ~~الرسول قد رحل إلى إفسوس بآسيا الصغرى، حيث عاش إلى سن متقدمة جدا، وأنجز إنجيله في ~~أواخر حياته، ولكن لا يوجد بين أيدينا شاهد من أسفار العهد الجديد، يقيم صلة بين يوحنا ~~الرسول ومدينة إفسوس، كما أن أغناطيوس الشهيد، أسقف أنطاكية الذي كتب نحو عام 110م رسالة ~~إلى مسيحيي إفسوس، قد وصفهم بأنهم جماعة بولس (صاحب الرسالة إلى أهالي إفسوس)، ولم يذكرهم ~~بأن يوحنا كان بين ظهرانيهم في ذلك الوقت، أو قبله بقليل. # انطلاقا من كل هذه المعطيات، فإن الرأي الغالب لدى الباحثين غير الكنسيين، هو أن مؤلف ~~إنجيل يوحنا لم يكن شاهد عيان على حياة يسوع، ويتراوح الرأي في هويته من أنه كان يهوديا ~~خوارجيا ذا خلفية صوفية مسطيقية، أو مثقفا يونانيا اعتنق المسيحية، إلا أن هذا، في ~~رأينا، لا يقدم حجة على ضعف مصداقية ما أورده هذا الإنجيل من تعاليم يسوع، بل ربما يكون ~~العكس هو الصحيح، ذلك أن ما يظهره إنجيل يوحنا من مواقف حاسمة ليسوع في رفض اليهود ~~واليهودية، يدل على رسالة مسيحية صافية لم تنلها المداخلات اليهودية إلا في الحد الأدنى، ~~وفي هذا يقول ألبير باييه، الباحث في سيسيولوجيا العهد الجديد: «إن إنجيل يوحنا في شكله ~~الأول يسير على النهج الذي عرفناه في مؤلفات الغنوصي مرقيون، وبعد إدانة مرقيون وحرمانه من ~~الكنيسة، أي بعد عام 144م، خضع الإنجيل لتنقيحات مهمة غرضها إسباغ حلة قويمة عليه.» # 6 # إن القواسم المشتركة بين إنجيل يوحنا والأناجيل الإزائية، هي من الندرة بحيث تقتصر على ~~الإصحاح السادس الذي يسرد معجزة إطعام خمسة آلاف شخص من خمسة أرغفة وسمكتين، وسير يسوع على ~~الماء لاحقا تلاميذه الذين كانوا قد سبقوه في سفينة إلى الضفة الأخرى من بحيرة طبرية، ~~وهناك قصص أخرى أوردها يوحنا بشكل معدل، ومنها قصة شفاء يسوع لخادم قائد روماني، وذلك ~~بنطقه أمر الشفاء عن بعد، والتي حولها يوحنا إلى شفاء يسوع لابن موظف عند أنتيباس ملك ~~الجليل (وهو هيرود أنتيباس بن هيرود الكبير)، نقرأ في إنجيل متى 8: 5-13 ms044 (وما يقابله في ~~إنجيل لوقا 7: 1-10) ما يلي: «ودخل كفر ناحوم فدنا منه قائد مائة متوسلا إليه بقوله: سيدي ~~إن عبدي ملقى على الفراش في بيتي مقعدا يعاني أشد الآلام، فقال له: أنا ذاهب لأشفيه، ~~فأجاب قائد المائة: سيدي، لست أهلا لأن تدخل بيتي، فتقف تحت سقفي، ولكن حسبك أن تقول ~~فيبرأ عبدي ... ثم قال يسوع لقائد المائة: اذهب وليكن لك قدر ما آمنت، فبرئ العبد من ساعته.» ~~وقد وردت هذه الحادثة عند يوحنا على الوجه التالي: «وكان في كفر ناحوم عامل للملك له ابن ~~مريض، فلما عرف أن يسوع عاد من اليهودية إلى الجليل، وفد عليه يسأله أن ينزل فيبرئ ابنه ~~الذي أشرف على الموت، فقال له يسوع: إذا لم تروا الآيات والأعاجيب لا تؤمنوا، فقال له عامل ~~الملك: انزل سيدي قبل أن يموت ولدي، فقال له يسوع: اذهب إن ابنك حي فآمن الرجل بالكلمة ~~التي قالها يسوع ومضى ... وبينما هو نازل تلقاه عبيده فبشروه بأن ابنه حي » (يوحنا 4: 46-51). # ومن القصص التي وردت بشكل معدل قصة طرد يسوع للباعة والصيارفة من باحة الهيكل، فقد وضع ~~الإزائيون هذه القصة في نهاية حياة يسوع التبشيرية بينما وضعها يوحنا في أولها وحملها ~~معاني نبوئية ولاهوتية عندما قال: انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام، نقرأ في ~~يوحنا 2: 13-22 (وما يقابله عند متى 21: 12-13، ومرقس 11: 15-17، ولوقا 19: 45-46): ~~«واقترب فصح اليهود فصعد يسوع إلى أورشليم، فرأى في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام، ~~والصيارفة جالسين إلى مناضدهم، فجدل سوطا من حبال وطردهم جميعا من الهيكل مع الغنم ~~والبقر، ونثر دارهم الصيارفة وقلب مناضدهم، وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذا من هنا، ولا ~~تجعلوا من بيت أبي بيت تجارة. فتصدى له اليهود فقالوا: أية آية ترينا حتى نفعل هذا؟ فأجابهم ~~يسوع: انقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام، قال له اليهود: بني هذا الهيكل في ست ~~وأربعين سنة فكيف تقيمه في ثلاثة أيام، ولكنه كان يعني هيكل جسده، فلما قام من بين الأموات ms045 ~~تذكر تلاميذه أنه قال ذلك.» # ولدينا أيضا قصة قيام مريم، أخت لعازر (الذي أقامه يسوع من بين الأموات)، بدهن قدمي يسوع ~~بزجاجة عطر فاخرة ومسحها بشعرها، واعتراض يهوذا على ذلك، فهذه القصة عند يوحنا تحتوي على ~~عناصر من قصتين، الأولى وردت عند متى 26: 6-13، ومرقس 14: 3-9، حيث قامت امرأة لم يورد ~~النص اسمها بسكب زجاجة طيب على رأس يسوع، عندما كان جالسا للعشاء في قرية بيت عنيا عند ~~المدعو سمعان الأبرص، والثانية وردت عند لوقا 7: 36-50، عندما دخلت امرأة خاطئة على يسوع ~~وهو جالس للعشاء في بيت أحد الفريسيين، فجلست عند رجليه وجعلت تبلل قدميه بالدموع وتمسحها ~~بشعرها، وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب. وهذه هي القصة في الروايات الثلاث: # عند متى 26، ومرقس 14 # عند لوقا 7 # وكان يسوع في بيت عنيا عند سمعان الأبرص، وبينما هو على الطعام دنت ~~منه امرأة بيدها قارورة طيب غالي الثمن فأفاضتها على رأسه. # ودعاه أحد الفريسيين إلى الطعام عنده، فدخل بيت الفريسي وجلس إلى ~~المائدة، وكان في المدينة امرأة خاطئة، فعلمت أنه على المائدة في ~~بيت الفريسي فجاءت ومعها قارورة طيب، وطلبت مكانا من خلف عند ~~رجليه وهي تبكي، وجعلت تبلل قدميه بالدموع وتمسحهما بشعرها ~~وتدهنهما بالطيب. # فلما رأى التلاميذ ما فعلت استاءوا فقالوا: لم هذا الإسراف؟ فقد ~~كان يمكن بيعه غاليا والتصدق بثمنه على الفقراء، فشعر بهم يسوع ~~فقال لهم: لماذا تعنتون هذه المرأة؟ فقد عملت لي عملا صالحا، أما ~~الفقراء فهم عندكم دائما، وأما أنا فلست عندكم دائما، وإذا كانت ~~قد أفاضت هذا الطيب على جسدي، فلأجل دفني صنعت ذلك، الحق أقول لكم: ~~حيثما تعلن هذه البشارة في الأرض كلها، يحدث بما صنعت إحياء ~~لذكراها. # فلما رأى الفريسي الذي دعاه هذا الأمر، قال في نفسه: لو كان هذا ~~الرجل نبيا لعلم من هي المرأة التي تلمسه وما حالها، إنها خاطئة. ~~فأجابه يسوع: يا سمعان عندي ما أقوله لك: # أترى هذه المرأة؟ إني ~~دخلت بيتك فما سكبت على قدمي ماء، وأما هي فبالدموع بللت ms046 قدمي ~~وبشعرها مسحتهما، أنت ما قبلتني قبلة أما هي فلم تكف عن تقبيل ~~قدمي، أنت ما دهنت رأس بزيت، أما هي فبالطيب دهنت قدمي، أقول لك: ~~إنما غفرت لها خطاياها الكثيرة؛ لأنها أحبت كثيرا، وأما الذي يغفر ~~له القليل فإنه يحب قليلا. # عند يوحنا 12 # جاء يسوع قبل الفصح بستة أيام إلى بيت عنيا، حيث كان لعازر الذي أقامه من بين الأموات، ~~فأعد له عشاء، وأخذت مرتا (أخت لعازر) تخدم، وكان لعازر في جملة الذين كانوا على الطعام ~~فتناولت مريم (أخت لعازر الأخرى) حقة طيبة من الناردين الخالص غالية الثمن، ودهنت قدمي يسوع ~~ثم مسحتهما بشعرها، فعبق البيت بالطيب، فقال يهوذا الإسخريوطي، أحد تلاميذه، وهو الذي كان ~~مزمعا أن يسلمه: لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاثمائة دينار، ليتصدق بها على الفقراء؟ ولم ~~يقل هذا لعطفه على الفقراء، بل لأنه كان لصا، وكان مؤتمنا على صندوق الدراهم، فيختلس ما ~~يدفع فيه، فقال يسوع: دعها، فإنها حفظت هذا الطيب ليوم دفني، أما الفقراء، فهي عندكم ~~دائما أبدا، وأما أنا فلست عندكم دائما أبدا (12: 1-8). # ولقد أكدت الأناجيل الإزائية على أعمال يسوع الشفائية، وطرده للشياطين من أجساد المرضى ~~والممسوسين، ولكن هذا العنصر غائب تقريبا في إنجيل يوحنا، فمن بين عمليات الشفاء الكثيرة ~~الواردة لدى الإزائيين لم يحتفظ يوحنا إلا بواحدة فقط، قدمها بشكل معدل، وهي قصة شفائه ~~لخادم موظف روماني، التي حولها يوحنا إلى شفائه لابن واحد من موظفي ملك الجليل، مما شرحناه ~~منذ قليل، ثم أضاف يوحنا إلى هذه الحادثة، حادثتين من عنده لم تردا عند الإزائيين، الأولى ~~شفاؤه لرجل مقعد بكلمة من فمه: قم احمل سريرك وامش (5: 2-9)، والثانية شفاؤه لأعمى منذ ~~الولادة، عندما طلى عينيه بعجينة من تراب الأرض مزجها بلعابه (9: 1-7)، وفيما عدا ذلك فقد ~~وردت مجرد إشارات عامة إلى أن يسوع كان يصنع آيات في المرضى (6: 2)، وربما يرجع ذلك إلى ~~ارتباط هذه الظواهر الشفائية لدى الإزائيين بفكرة قرب حلول مملكة الرب، التي لم يركز عليها ~~يسوع يوحنا، ولم ms047 تكن فكرة محورية في لاهوت الإنجيل الرابع. # وبالمقابل فإن يوحنا أكد على معجزات يسوع، واعتبرها «آيات» تشف عن أصله السماوي فوق ~~الطبيعي، فإلى جانب معجزة تكثير خمسة أرغفة وسمكتين، لإطعام خمسة آلاف شخص، ومعجزة سير يسوع ~~على الماء، التي اشترك بهما مع الأناجيل الإزائية، فقد انفرد إنجيل يوحنا بمعجزة تحويل ~~الماء إلى خمر في عرس قانا (2: 1-11)، وقصة إحياء الشاب لعازر (أخي مرتا، ومريم التي سكبت ~~الطيب على قدمي يسوع) بعد أربعة أيام من موته (11: 1-45)، وهي المعجزة التي صنعت له شهرة ~~كبيرة في اليهودية، وأقنعت أحبار اليهود بأنه لا بد من قتل يسوع. # وردت قصة معجزة تحويل الماء إلى خمرة في الإصحاح الثاني من إنجيل يوحنا، بعد أن جمع يسوع ~~إليه التلاميذ الخمسة الأوائل، فكانت أول عمل علني ليسوع افتتح به حياته التبشيرية، نقرأ في ~~يوحنا 2: 1-12 ما يلي: ~~«كان في قانا الجليل عرس وكانت فيه أم يسوع فدعي يسوع وتلاميذه إلى العرس، ولما فرغت ~~الخمر قالت أم يسوع له: لم يبق عندهم خمر، فقال لها يسوع: ما لي ولك أيتها المرأة؟ لم تأت ~~ساعتي بعد، فقالت أمه للخدم: افعلوا ما يأمركم به، وكان هناك ست أجاجين لقضاء الطهارة تسع ~~كل واحدة منها مقدار مكيالين أو ثلاثة، فقال لهم يسوع: املئوا الأجاجين ماء، فملئوها حتى ~~طفحت، فقال لهم: اغرفوا الآن وناولوا وكيل المائدة، فناولوه فذاق وكيل المائدة الماء الذي ~~صار خمرا، وكان لا يدري من أين أتت، غير أن الخدم الذين استقوا يدرون، فدعا وكيل المائدة ~~العريس، وقال له: جرت عادة الناس أن يقربوا الخمرة الجيدة أولا، فإذا أخذ منهم الشراب ~~قربوا ما كان دونها في الجودة، أما أنت فأخرت الخمر الجيدة إلى الآن. فهذه أولى آيات يسوع ~~أتى بها في قانا الجليل، فأظهر مجده فآمن به تلاميذه.» # أما معجزة إقامة لعازر من بين الأموات فقد تمت في آخر حياة يسوع التبشيرية، نقرأ في يوحنا ~~11: 1-45 ما يلي: ~~«وكان رجل مريض يدعى لعازر من بيت عنيا، من قرية مريم ms048 وأختها مرتا، ومريم هي التي دهنت ~~الرب بالطيب ومسحت قدميه بشعرها، وكان لعازر المريض أخاها، فأرسلت أختاه تقولان: ربنا، إن ~~الذي تحبه مريض، فقال يسوع حين بلغه الخبر: ليس هذا المرض مرض الموت، بل مآله إلى مجد الله، ~~ليتمجد به ابن الله، وكان يسوع يحب مرتا وأختها ولعازر، على أنه لبث في مكانه يومين بعدما ~~عرف أنه مريض، ثم قال لتلاميذه بعد ذلك: لنعد إلى اليهودية، فقال له تلاميذه: رابي (= يا ~~معلم) أتعود إلى هناك وقد أراد اليهود رجمك منذ قريب؟ فأجاب يسوع: أليس النهار اثنتي عشرة ~~ساعة؟ فمن سار في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم، ومن سار في الليل يعثر لأنه ليس ~~فيه نور، وقال لهم بعد ذلك: إن صديقنا لعازر راقد، فأنا ذاهب لأوقظه، فقال له تلاميذه: ~~ربنا، إذا كان راقدا فسيشفى. وكان يسوع يعني موته، فظنوا أنه أراد به رقاد النوم، فقال لهم ~~يسوع موضحا: قد مات لعازر، ويسرني، رحمة لكم كي تؤمنوا، أني لم أكن هناك فلنمض إليه ... فلما ~~وصل يسوع رأى أنه في القبر منذ أربعة أيام ... وكان كثير من اليهود قد جاءوا إلى مرتا ومريم ~~يعزونهما عن أخيهما، فلما سمعت مرتا بمجيء يسوع خرجت لاستقباله، ولبثت مريم قاعدة في ~~البيت، فقالت مرتا ليسوع: يا سيد، لو كنت هنا لما مات أخي، ولكني ما زلت أعلم أن الله يعطيك ~~جميع ما تسأله إياه. فقال لها يسوع: سيقوم أخوك. قالت له: أعلم أنه سيقوم في القيامة في ~~اليوم الآخر. فقال لها يسوع: أنا القيامة من آمن بي يحيا وإن مات، ومن يحيا مؤمنا بي لا ~~يموت أبدا. أتؤمنين بهذا؟ قالت له: نعم يا سيد أؤمن بأنك المسيح ابن الله الذي يأتي إلى ~~العالم ... قال: أين وضعتموه؟ قالوا: تعال سيدي فانظر، فدمعت عينا يسوع فقال اليهود: ما أشد ما ~~كان يحبه. على أن بعضهم قالوا: أما كان بوسعه أن يرد الموت عنه، وهو الذي فتح عيني الأعمى؟ ~~فارتعشت نفس يسوع ودنا من القبر، وهو ms049 كناية عن مغارة وضع عليها حجر، فقال يسوع: ارفعوا ~~الحجر. فقالت مرتا: هذا يومه الرابع، لقد أنتن، قال لها يسوع: ألم أقل لك إني آمنت بي ترين ~~مجد الله؟ فرفعوا الحجر، ورفع يسوع عندئذ عينيه وقال: شكرا لك يا أبت لأنك استجبت لي، وقد ~~علمت أنك تستجيب لي في كل حين، ولكني قلت هذا من أجل أولئك الناس الذين يحدقون بي؛ لكي ~~يؤمنوا أنك أنت الذي أرسلتني، وصاح بعد ذلك بأعلى صوته: هلم لعازر فاخرج. فخرج الميت مشدود ~~اليدين والرجلين بالعصائب ملفوف الوجه بمنديل، فقال لهم يسوع: حلوه ودعوه يذهب، فآمن به ~~كثير من اليهود الذين جاءوا إلى مريم إذ رأوا ما صنع.» # كما انفرد يوحنا بذكر حادثتين تحملان دلالات بعيدة الأثر، الأولى حادثة العفو عن الزانية، ~~التي أعلن فيها يسوع صراحة معارضته لشريعة موسى، والثانية لقاؤه مع امرأة سامرية عندما مر ~~في أراضي السامرة، منتهكا العرف اليهودي بتجنب المرور في أراضي السامريين، والاحتكاك بهم ~~وإقامة أي علاقة معهم، وقد شف حواره مع المرأة السامرية بشكل خاص عن بعض الجوانب المهمة ~~في لاهوت يوحنا. # نقرأ في يوحنا 4: 4-24 ~~«فوصل إلى مدينة سامرية تدعى سيخارة، بالقرب من الأرض التي جعلها يعقوب لابنه يوسف، ~~وفيها بئر يعقوب، وكان يسوع قد تعب من المسير فقعد على حافة البئر، وكانت الساعة نحو ~~السادسة، فجاءت امرأة من السامرة تستقي، فقال لها يسوع: اسقيني، وكان التلاميذ قد مضوا إلى ~~المدينة ليبتاعوا قوتا، فقالت له المرأة (وقد ظنته يهوديا): أنت يهودي وأنا سامرية فكيف ~~تستقيني؟ فأجابها يسوع: لو كنت تعرفين عطاء الله، ومن هو الذي يقول لك اسقيني، لسألته أنت ~~فأعطاك ماء حيا، قالت له: سيدي ليس لك ما تستقي به، والبئر عميقة، فمن أين لك الماء ~~الحي؟ هل أنت أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر، وشرب منها هو وماشيته، فأجابها ~~يسوع: من يشرب من هذا الماء فلا بد له أن يظمأ، وأما الذي يشرب من الماء الذي أعطيه إياه ~~فلن يظمأ أبدا، فالماء الذي ms050 أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية، قالت المرأة: ~~سيدي أعطني هذا الماء؛ لكي لا أظمأ فأعود إلى الاستسقاء من هنا، قال لها: اذهبي فادعي زوجك ~~وارجعي إلى هنا، أجابت المرأة: ليس لي زوج، فقال لها يسوع: أصبت إذ قلت ليس لي زوج، فقد ~~اتخذت خمسة أزواج وأما الذي يصحبك اليوم فليس بزوجك لقد صدقت، قالت المرأة: سيدي أرى أنك ~~نبي، قد تعبد آباؤنا في هذا الجبل، وأنتم تقولون إن أورشليم هي المكان الذي فيه يجب التعبد، ~~قال لها يسوع: صدقيني يا امرأة ستأتي ساعة تعبدون فيها الآب لا في هذ الجبل ولا في ~~أورشليم، أنتم تعبدون ما تجهلون، ونحن نعبد ما نعلم؛ لأن الخلاص هو من اليهود، ستأتي ساعة ~~بل أتت الآن، يعبد فيها العباد الصادقون الآب بالروح والحق؛ لأن الآب يريد مثل هؤلاء ~~العباد، إن الله روح، فيجب على العباد أن يعبدوه بالروح والحق.» # لقد أعلن يسوع للمرأة السامرية عن زوال العبادات الشكلانية القديمة، والتأسيس لعبادة ~~روحية جديدة، عبادة القلب لا عبادة الحرف، في هذه العبادة لم يعد لهيكل أورشليم مبرر؛ لأن ~~الله سوف يعبد في كل مكان من دون ذبائح ولا محارق يصعد دخانها إلى عنان السماء ليتشممها ~~يهوه فيرضى، وقبل ذلك يجب التخلص من اليهود ومن معتقداتهم البالية. # ولقد أعلن يسوع في مناسبات عديدة سدى الشريعة اليهودية، وضرب مثالا على ذلك من خلال ~~سلوكه وسلوك تلاميذه. # ولعل في حادثة عفوه عن المرأة الزانية، التي أوردها إنجيل يوحنا، أوضح تعبير عن موقف يسوع ~~الحقيقي من هذه المسألة. ~~«أما يسوع فذهب إلى جبل الزيتون ثم عاد عند الفجر إلى الهيكل، فأقبل إليه الشعب كله، فجلس ~~وجعل يعلمهم، فأتاه الكتبة والفريسيون بامرأة أخذت في زنا، فأقاموها في وسط الحلقة وقالوا ~~له: يا معلم، إن هذه المرأة أخذت في الزنا المشهود، وقد أوصانا موسى في الشريعة برجم ~~أمثالها، فأنت ماذا تقول؟ وإنما قالوا ذلك ليحرجوه فيتهموه، فأكب يسوع يخط بإصبعه في الأرض، ~~فلما ألحوا عليه في السؤال جلس ms051 وقال لهم: من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم ويرمها أولا بحجر، ~~ثم أكب ثانية يخط في الأرض، فلما سمعوا هذا الكلام، انصرفوا واحدا بعد واحد يتقدمهم ~~كبارهم سنا، ولبث يسوع وحده والمرأة في مكانها، فجلس يسوع وقال لها: أين هم أيتها المرأة؟ ~~ألم يحكم عليك أحد؟ فأجابت: لا يا سيدي، فقال لها يسوع: وأنا لا أحكم عليك، اذهبي ولا تعودي ~~إلى الخطيئة» (8: 1-11). # ويسبغ يوحنا على قصة لقاء يسوع بيوحنا المعمدان، والتي أوردها بشكل مختلف عن الإزائيين، ~~معاني لاهوتية خاصة به، فيسوع لم يعتمد على يد يوحنا؛ لأنه الابن المؤله الذي ولد بلا خطيئة ~~يغسلها العماد، وهو أعظم من يوحنا وبالتالي لا موجب لكي يركع أمامه ويعتمد على يديه، ويوحنا ~~يشهد له بأنه ابن الله، وهو الذي رأى دون غيره، الروح القدس ينزل عليه، ولكن من غير أن يعين ~~المكان والزمان: «فسألوه أيضا (الكتبة واللاويون): إذا لم تكن المسيح ولا إيليا ولا النبي، ~~فلم تعمد إذا؟ فأجابهم يوحنا: أنا أعمد بالماء وبينكم من لا تعرفونه ذاك الذي يأتي من ~~بعدي ولست أهلا لأن أحل سيور حذائه ... وفي اليوم الثاني رأى يسوع آتيا نحوه فقال: هو ذا ~~حمل الله الذي يحمل خطيئة العالم، هذا الذي قلت فيه: يأتي بعدي رجل قد تقدمني؛ لأنه كان ~~قبلي، ولم أكن أعرفه، فجئت أعمد بالماء لكي ينجلي لإسرائيل وشهد يوحنا قال: رأيت الروح ينزل ~~كأنه حمامة فيستقر عليه، ولم أكن أعرفه، ولكن الذي أرسلني أعمد بالماء قال لي: إن الذي ترى ~~الروح ينزل عليه فيستقر، هو ذاك الذي يعمد بالروح القدس، وأنا رأيته وشهدت له بأنه ابن ~~الله» (يوحنا 1: 24-34). # ينفرد يوحنا هنا بتعبير «حمل الله»، وهو من خلال هذا التعبير يقارن بين يسوع وحمل الفصح ~~الذي يضحي به اليهود ابتداء من بعد ظهر اليوم السابق للفصح، والذي يحمل دمه المراق مفعولا ~~تطهيريا وخلاصيا عند اليهود، ولكن على عكس حمل الفصح الذي يطهر اليهود من خطاياهم، فإن ~~حمل الله هذا سوف يحمل خطيئة العالم بأكمله ms052 وذلك بموته على الصليب؛ ولهذا السبب فقد انفرد ~~يوحنا عن الإزائيين بجعله واقعة الصلب في اليوم السابق للفصح؛ لكي تكتمل رمزية الفداء وتأخذ ~~أبعادا كونية غير مسبوقة في الأناجيل الإزائية، مؤسسة بذلك لأهم ركن في اللاهوت المسيحي ~~المقبل. # وينعكس اختيار يوحنا لليوم السابق على الفصح يوما للصلب، على قصة العشاء الأخير، فالعشاء ~~الأخير عند الإزائيين كان عشاء فصح وحصل عشية الفصح، أما عند يوحنا فقبل ذلك بأربع وعشرين ~~ساعة، وهنا تختلف الرسالة في كلتا القصتين، فبينما يركز الإزائيون على طقس التناول الذي ~~ابتدره يسوع في تلك الجلسة، عندما أخذ خبزا وبارك ثم كسره وناولهم، وقال: «خذوا هذا هو ~~جسدي، ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم فشربوا منها كلهم، وقال لهم: هذا هو دمي، دم العهد، الذي ~~يراق من أجل جماعة كثيرة» (مرقس 14: 22-23)، (راجع أيضا متى 26: 26-28، ولوقا 22: 17-20)، فإن يوحنا يتجاهل هذه المناولة ويستبدلها بقيام يسوع بضرب مثل عملي لتلاميذه على ~~المحبة والتواضع، عندما قام وغسل أرجلهم جميعا (يوحنا 13: 4-6). # ومن أهم خصائص إنجيل يوحنا تركيزه على كراهية يسوع لليهود، وسعي اليهود منذ البداية لقتله ~~والتخلص منه، وإذا كان الإزائيون قد جعلوا من النخبة اليهودية المتمثلة في الفريسيين ~~والكتبة والناموسيين من علماء الشريعة، الخصوم الرئيسيين ليسوع فإن إنجيل يوحنا يشير على ~~الدوام إلى اليهود جملة باعتبارهم خصوما ليسوع يرومون هلاكه بسبب إفساده للعقيدة: «وأخذ ~~يسوع بعد ذلك يسير في الجليل، ولم يشأ أن يسيروا في اليهودية؛ لأن اليهود كانوا يريدون قتله ~~... وكان اليهود يطلبونه في العيد، ويقولون: أين هو» (يوحنا 7: 25-26) وقد وصف يسوع اليهود ~~بأبشع الأوصاف، فهم أولاد الأفاعي وقتلة الأنبياء وأولاد الشيطان: «فقال يسوع لليهود ... إنكم ~~أولاد أبيكم إبليس، وأنتم تريدون إتمام شهوات أبيكم، ذاك كان منذ البدء مهلكا للناس لم ~~يثبت على الحق» (يوحنا 8: 31-44). ~~(7) رسالة يسوع في إنجيل يوحنا # في الأناجيل الإزائية تمحورت أقوال يسوع حول الأب السماوي، وقرب حلول ملكوت الله الذي ~~سيفتتحه المسيح في قدومه الثاني، هابطا من السماء على جناح الغمام، فيفصل بين ms053 الأشرار ~~والأخيار، ويرسل الأشرار إلى عذاب أبدي، ويجعل الأخيار ينعمون بسعادة أبدية، أما يسوع ~~يوحنا فلا يبدي انشغالا بملكوت الله، وهذا التعبير لم يرد في أقواله إلا مرة واحدة (بينما ~~ورد في الأناجيل الإزائية ثمانين مرة)، وحتى في هذه الحالة فقد اتخذ مفهوم ملكوت الله معاني ~~مختلفة تماما عن معناه لدى الإزائيين، نقرأ في يوحنا 3: 5-8: «الحق، الحق أقول لك: ما من ~~أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا ولد من عل، فقال له نيقوديموس: كيف يسع الإنسان أن ~~يولد وهو شيخ كبير؟ أيستطيع أن يدخل في بطن أمه ثانية ثم يولد؟ أجاب يسوع: الحق، الحق أقول ~~لك، ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلا إذا ولد وكان مولده من الماء والروح، فمولود ~~الجسد يكون جسدا، ومولود الروح يكون روحا.» أي إن دخول الملكوت لن يتيسر في زمن مقبل، بل ~~هو متاح الآن وهنا إذا مات الإنسان عن نفسه وعاش في الله. # ورسالة يسوع ليست رسالة آخروية وإنما هي رسالة عرفان روحي، يتحقق من خلال معرفة الابن ~~الذي هو تجسيد لله على الأرض، والإيمان بأنه ابن الله الوحيد، الذي حمل الخلاص للعالم بموته ~~على الصليب؛ لهذا فإن يوحنا لا يهتم في مطلع إنجيله بتتبع الأصل الأرضي ليسوع، على طريقة ~~متى ولوقا، وإنما يفتتح نصه بمقدمة فلسفية صوفية تتتبع أصل يسوع السماوي، باعتباره ~~الكلمة-الابن، الذي كان عند الله منذ الأزل، والذي صار جسدا وحل بين الناس في هيئة يسوع ~~الناصري، الابن الوحيد الذي أتى من لدن الآب، نقرأ في إنجيل يوحنا 1: 1-18: ~~«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله، كان منذ البدء لدى الله، ~~به كل كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان، هو الحياة لكل موجود، والحياة نور الناس، والنور ~~يضيء في الظلمات، ولا تغشاه الظلمات، ظهر رسول من لدن الله اسمه يوحنا، جاء شاهدا ليشهد ~~للنور، فيؤمن على يديه جميع الناس، لم يكن هو النور، بل شاهدا للنور، الكلمة هو النور ms054 الحق ~~الذي ينير كل إنسان، كان قادما إلى العالم، وكان في العالم، ولم يعرفه العالم، جاء إلى ~~بيته، فما قبله أهل بيته، أما الذين قبلوه فقد أولاهم أن يصيروا أبناء الله، هم الذين آمنوا ~~باسمه، وهو ليس من دم، ولا من رغبة ذي لحم، بل الله ولده، والكلمة صار بشرا فسكن بيننا ~~فرأينا مجده، مجد الابن الواحد الذي أتى من لدن الأب ملؤه النعمة والحق، شهد له يوحنا فهتف: ~~هذا الذي قلت فيه إن الذي يأتي بعدي قد تقدمني؛ لأنه كان قبلي، ومن ملئه نلنا بأجمعنا نعمة ~~على نعمة؛ لأن الشريعة أتتنا على يد موسى، وأما النعمة والحق فقد بلغا إلينا على يد يسوع ~~المسيح، ما من أحد رأى الله، الابن الواحد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه.» # ويكمل هذه المقدمة ما ورد على لسان يسوع في الإصحاح الثالث: «لم يصعد أحد إلى السماء، ~~إلا الذي نزل من السماء ... إن الله بلغ من حبه للعالم أن جاد بابنه الواحد، لكي لا يهلك من ~~يؤمن به، بل ينال الحياة الأبدية، فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليحكم على العالم، بل ~~ليخلص العالم، فمن يؤمن به لا يحكم عليه، ومن لم يؤمن به حكم عليه؛ لأنه لم يؤمن باسم ابن ~~الله وواحده، وإنما الدينونة هي أن النور جاء إلى العالم، فاستحب الناس الظلام على النور؛ ~~لأن أعمالهم سيئة» (يوحنا 3: 13-19). # من هنا، فقد كان اللقب الذي أحب يسوع يوحنا أن يستخدمه في الإشارة إلى نفسه هو لقب الابن، ~~الابن الغريب عن هذا العالم، «فقال لهم (لليهود) أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا ~~العالم، أما أنا فلست من هذا العالم» (8: 23). وهذا بالفعل هو جوهر رسالة الإنجيل الرابع: ~~يسوع الابن، ابن الله الآب، الذي جاء من عند الآب وإلى الآب يعود: «لأني من الله خرجت ~~وأتيت، وما أتيت من نفسي بل هو الذي أرسلني» (8: 42). «لأن الكلام الذي بلغتنيه بلغتهم إياه، ~~فقبلوه وعرفوا حقا أني من لدنك أتيت، ms055 وآمنوا بأنك أنت أرسلتني» (17: 8). «أتيت من لدن الآب ~~وجئت إلى العالم، أما الآن فإني أترك العالم وأمضي إلى الآب» (16: 28). «لأني إلى الآب ذاهب» ~~(14: 12). والطريق إلى معرفة الآب هي معرفة الابن لأنهما من طبيعة واحدة: «أنا هو الطريق ~~والحق والحياة، لا يمضي أحد إلى الآب إلا إذا مر بي، فإذا كنتم تعرفونني عرفتم أبي أيضا، ~~وقد عرفتموه ورأيتموه ... من رآني رأى الآب ... صدقوا قولي: إني في الآب، وإن الآب في» (14: 6-11). # هذه المعرفة هي التي تضمن الحياة الأبدية: «من يؤمن بالابن فله الحياة الأبدية، ومن لم ~~يؤمن بالابن لا يرى الحياة الأبدية» (3: 36). فهو ماء الحياة: «من يشرب من هذا الماء فلا بد ~~له أن يظمأ، وأما من يشرب من الماء الذي أعطيه إياه فلن يظمأ أبدا» (4: 13). «من كان عطشان ~~فليأتني، ومن آمن بي فليشرب» (7: 38). وهو خبز الحياة، قال لليهود: «آباؤكم أكلوا المن في ~~البرية وماتوا، هو ذا الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان فلا يموت، أنا الخبز الحي ~~الذي نزل من السماء» (6: 49-51). # وفي الحقيقة فإن هذه الأقوال وغيرها مما سنورده لاحقا من إنجيل يوحنا تشف عن طابع ~~غنوصي لا يخفى، كما سيتضح لنا في سياق الفصل القادم، الذي سنقدم من خلاله الخطوط العامة ~~للفكر المسيحي الغنوصي اعتمادا على نصوصه الأصلية، وعلى الرغم من أن إنجيل يوحنا ليس ~~إنجيلا غنوصيا بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنه يشكل في حقيقة الأمر صلة وصل بين الأناجيل ~~الأربعة والأناجيل الغنوصية. # الفصل الثاني # | الغنوصية ونشأة المسيحية # إن المسيحية السائدة اليوم، على اختلاف طوائفها، ترجع في أصولها إلى صيغة من المسيحية ~~اتخذت ملامحها العامة في نهاية القرن الثاني الميلادي، عندما تبنت كنيسة روما الأناجيل ~~الأربعة المعروفة، إضافة إلى رسائل بولس التي كانت متداولة بشكل مكتوب قبل تدوين الأناجيل ~~الأربعة بوقت طويل، وفي نهاية القرن الرابع الميلادي تم اعتماد الكاتالوج الأخير لأسفار ~~العهد الجديد الذي نعرفه الآن، والذي يتضمن الأناجيل الأربعة، ورسائل بولس، وأعمال الرسل، ~~ورسالة يعقوب، ورسالتين لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا، ورسالة ليهوذا، ورؤيا ليوحنا، وعددها ms056 ~~جميعا سبعة وعشرون سفرا. # ولقد انتقت الكنيسة الرسمية، التي أطلقت على نفسها اسم الكنيسة الأرثوذكسية (أي القويمة ~~الإيمان) هذه الأسفار من بين عشرات الأسفار المقدسة التي كانت متداولة بين المسيحيين، ~~وأسبغت عليها صفة القداسة، ووصمت بقية الأسفار بالزيف ودعتها بالأسفار المنحولة، وحرمت ~~بعضها ودعت أولئك الذين يتداولونها بالهراطقة، أي المنحرفين عن الإيمان القويم. # وهذا يعني أن الأيديولوجيا المسيحية الرسمية لم تتشكل إلا عبر صراع طويل بين مجموعة من ~~الفرق التي نشأت وتنازعت فيما بينها، عقب موت يسوع مباشرة، فلقد حصل الانشقاق الأول بين ~~كنيسة أورشليم وهي (كنيسة الختان)، التي فرضت على أتباعها عادة الختان اليهودية، وبقي فهمها ~~لتعاليم يسوع متلونا بالأيديولوجيا التوراتية، وبين كنيسة الأمم التي تأسست بين الوثنيين ~~بتأثير تعاليم بولس، على مساحة تمتد من أنطاكية وآسيا الصغرى إلى روما، وحررت أتباعها من ~~شريعة الختان، وتخلصت إلى هذا الحد أو ذاك من سلطة الأيديولوجيا التوراتية، ذلك أن مسيح ~~بولس ليس المسيح الذي انتظره اليهود ليحمل الخلاص لهم وحدهم، بل المسيح الكوني الذي افتدى ~~بدمه البشرية جمعاء. # وعلى الرغم من هذا الانقسام الأيديولوجي والجغرافي، فقد بقيت عناصر من كنيسة الختان فاعلة ~~في كنيسة الأمم، وعناصر من كنيسة الأمم فاعلة في كنيسة الختان، كما كان لكل من الكنيستين ~~أتباع في مناطق الكنيسة الأخرى، وكان المسيحيون اليهود هم الخصوم الذين جادلهم بولس حيثما ~~ذهب، سواء في غلاطية، أم في إفسوس وكولوسي ورومة، وغيرها، بينما كانت كنيسة الأمم تتوسع على ~~حساب كنيسة الختان في مصر وسورية. # وعلى الرغم من أن هذا الانقسام قد تبعه انقسامات أخرى داخل كل كنيسة، فإن كنيسة الأمم ~~كانت تتغلب على خلافاتها وترسخ أقدامها، حتى طغت على كنيسة الختان، واستقرت معتقداتها عندما ~~توصلت في نهاية القرن الثاني الميلادي إلى صياغة الشكل المبكر من «قانون الإيمان المسيحي»، ~~الذي ما زال حتى اليوم القاسم المشترك بين الكنائس المسيحية المختلفة، والذي بني على ~~تفسير خاص للأناجيل الأربعة ولتعاليم الرسل، كما ونظمت الكنيسة نفسها في مؤسسة ذات هيكلية ~~مراتبية، يشرف عليها ثلاث شرائح ms057 كهنوتية، هم الأساقفة والقساوسة والشمامسة، الذين نظروا إلى ~~أنفسهم باعتبارهم حماة الإيمان الحق، والمصدر الوحيد لتفسير الكتاب المقدس. # وقد تربعت كنيسة روما على رأس الكنائس الأممية، وصار لها دور الرياسة والقيادة الروحية ~~والتنظيمية، فهناك الآن كنيسة واحدة أرثوذكسية أي مستقيمة الإيمان، وهي في الوقت نفسه ~~كاثوليكية أي مسكونية عالمية، وأما ما عداها فهرطقات ينبغي محاربتها واجتثاث أصولها، خلال ~~هذه الفترة كانت كنيسة الختان تخسر مواقعها أمام الكنيسة القويمة، حتى تبدد أتباعها في ~~الغرب واختفوا تماما، أما في الشرق فقد انقسمت إلى شيع مختلفة أهمها الأبيونيون ~~والنصارى، واضمحلت تدريجيا حتى لم يبق منها أثر بعد الفتح الإسلامي لأقطار ~~المشرق. # ولكن كنيسة الختان لم تكن، في الواقع، الخصم الأقوى شكيمة للكنيسة القويمة، فخلال الفترة ~~الانتقالية من القرن الأول إلى القرن الثاني الميلادي، وهي الفترة التي كتب خلالها إنجيل ~~لوقا (نحو سنة 90م)، وإنجيل يوحنا (نحو 110م)، بدأت بالظهور، في سورية ومصر، حركة مسيحية ~~راديكالية عارضت كلتا الكنيستين، هي الحركة الغنوصية التي اتخذت نحو أواسط القرن الثاني ~~الميلادي شكل كنيسة غير منمطة عقائديا وغير منظمة مراتبيا، وإذا كانت الكنيسة القويمة ~~قد فصلت نفسها بشكل غير جذري عن المسيحية اليهودية، فإن المسيحية الغنوصية التي اعتبرت ~~نفسها الممثل الحقيقي للدين العالمي الجديد، لم تكتف بالإعلان عن استقلالها عن اليهودية، بل ~~وأظهرت العداء لكل الميراث التوراتي وتصوراته عن الألوهية والإنسان والعالم، وفي مقابل ~~الأناجيل التي تداولتها الكنيسة القويمة، فقد أنتج الغنوصيون أناجيلهم الخاصة التي قالوا ~~باعتمادها على فهمهم الأصيل لتعاليم يسوع المبثوثة في أناجيل القويمين، وعلى تعاليم أخرى له ~~سرية بثها في تلاميذه، وعلى تعاليم بولس التي بثها في رسائلها المعروفة، وتعاليم أخرى سرية ~~له ولرسل آخرين، وصلت إليهم عن طريق التداول الشفهي، وفي هذا يقول المعلم الغنوصي ~~بتولمايوس (الذي كان رئيسا للمدرسة الغنوصية في إيطاليا نحو عام 160م) في إحدى رسائله: ~~«إننا تلقينا أيضا تعاليم رسولية عبر سلسلة من المعلمين، تحتوي ملاحق سرية لمجموعة أقوال ~~يسوع المعروفة.» # 1 # إضافة إلى تعاليم يسوع السرية التي بثها ms058 في نخبة من تلاميذه خلال حياته، يقول الغنوصيون ~~بأن يسوع قد تابع اتصاله بالمختارين من تلامذته بعد صلبه وقيامه، وذلك عن طريق الرؤى ~~الذهنية، وهم يستشهدون بالرؤيا التي حصلت لبولس وهو على طريق دمشق، عندما كان يهوديا ~~متعصبا، وموكلا من قبل المجمع اليهودي بملاحقة اليهود المتحولين إلى المسيحية (أعمال ~~الرسل: 9)، كما يستشهدون برؤيا أخرى له عندما صعد إلى السماء في حالة انخطاف روحي، حيث رأى ~~وسمع ما لا يمكن التلفظ به، وقد تحدث بولس عن تجربته هذه مستخدما الضمير الثالث عندما قال ~~في رسالته الثانية إلى أهالي كورنثة 12: 2-4: «أعرف رجلا اختطف إلى السماء الثالثة منذ ~~أربع عشرة سنة، أبجسده؟ لا أعلم، أم بغير جسده؟ لا أعلم، الله أعلم وإنما أعلم هذا الرجل ~~اختطف إلى الفردوس ... وسمع كلمات لا تلفظ ولا يحل لإنسان أن يذكرها.» # وكما تلقى بولس تعاليم خفية من الملأ الأعلى، كذلك يدعي المعلمون الغنوصيون تلقيهم حكمة ~~خفية من يسوع الحي، وهنا تلعب شخصية يسوع الروحاني، لا يسوع الناصري، دورا مركزيا في ~~تعاليمهم، فهم بدلا من رواية قصة يسوع من الميلاد إلى الصلب، على الطريقة التقليدية، فإن ~~أناجيلهم تبدأ من حيث تنتهي الأناجيل الأربعة، أي منذ ظهور المسيح الروحاني لتلامذته بعد ~~حادثة الصلب ، ففي كتاب يوحنا السري (أو منحول يوحنا) يبدأ الكاتب بوصف حالة الحزن والخوف ~~والإحباط، التي انتابت تلاميذ يسوع بعد أن أسلم إلى الصلب، وكيف مضى يوحنا وحيدا إلى جبل ~~الزيتون يتداول في رأسه عددا من الأسئلة المحيرة، عند ذلك، انفتحت السماء وأضاءت الدنيا ~~بنور ليس من هذا العالم، واهتز الكون، ثم أتاه صوت يقول: «يوحنا، لماذا تشك؟ لا تكن قليل ~~الإيمان، إني معك.» يلي ذلك حوار بين يوحنا والمسيح يوضح له فيه أهم المسائل التي خفيت ~~عليهم، حول أصل الكون والإنسان، والشر، وطبيعة الخلاص، # 2 # ويبتدئ إنجيل فيليب بالطريقة نفسها، فبعد صلب يسوع يلجأ التلاميذ إلى جبل ~~الزيتون يصلون، عندما شع نور أضاء الجبل وناداهم صوت قائلا: «أنصتوا، أنا يسوع المسيح، ~~الباقي معكم دوما.» يلي ms059 ذلك حوار يفضي لهم المسيح من خلاله بالأسرار التي كانت خافية عليهم، # 3 # وفي نص «حوار المخلص» يتكرر مشهد التلاميذ وقد لجئوا إلى جبل الزيتون بعد ~~الصلب، فتجلى لهم المخلص لا في هيئته الأرضية التي عرفوها، بل في هيئة أشبه بملاك نور، ~~وأخذ يعلمهم أسرار الخطة الإلهية للعالم ومصيره. # 4 # هذا النوع من التواصل المباشر مع الإلهي لا يقتصر على الرسل والتلاميذ، والغنوصيون ~~يعتقدون أن كل من تلقى (الروح) يستطيع التواصل مع الإلهي دون واسطة، يقول المعلم الغنوصي ~~هيركاليون: «يؤمن الناس بناء على شهادة الآخرين أولا، ثم يأتي وقت يستمدون إيمانهم فيه من ~~الحقيقة نفسها.» # 5 # ويقول المعلم فالينتينوس إنه قد تلقى في البداية التعاليم السرية لبولس الرسول ~~ثم عرضت له بعد ذلك رؤيا صارت منبع عرفانه الخاص، فقد ظهر له طفل وليد، فسأله فالنتينوس: ~~من أنت؟ فقال له: «أنا الكلمة.» # 6 # ويتحدث المعلم ماركوز عن تجربة مماثلة، عندما ظهرت له امرأة هبطت من ~~الأعالي، وقالت له: «أريدك أن ترى الحقيقة ذاتها، فقد جلبتها من الأعالي لتراها عارية دون ~~حجاب، وتفهم حقيقة جمالها.» # 7 # وعلى عكس المسيحيين القويمين الذين لا يرفضون الرؤى الذهنية تماما، وإنما يتوقعون منها ~~أن تأتي في اتفاق مع تعاليم الرسل التي تميز الإيمان القويم من الهرطقة، فإن الغنوصيين ~~يقولون بأنهم قد تجاوزوا تعاليم الرسل، على حد تعبير إيرينايوس أشهر نقاد الغنوصية، ~~واكتشفوا مزيدا عما عرفوه، وأن هؤلاء الرسل الذين يبشرون بالأناجيل الرسمية ما زالوا تحت ~~تأثير الفكر اليهودي، # 8 # وهنا يجب أن نؤكد مرة أخرى على أن الغنوصيين عندما يتحدثون عن تعاليم الرسل، ~~إنما يميزون بين التعاليم الظاهرية التي تلقاها الرسل عن يسوع خلال حياته، وتلك التي ~~تلقوها منه بعد قيامته، وهي الأهم والأكثر أصالة، ففي النص الغنوصي المعروف برؤيا بطرس نجد ~~أن هذا الرسول الأكثر قربا إلى المسيحية اليهودية، يختبر حضور المسيح في حالة انخطاف ~~روحي، فيفتح بصيرته على الحقائق الروحانية: «قال لي المخلص: ضع كفيك على عينيك وقل لي ماذا ~~ترى؟ ففعلت، وقلت له: ms060 ليس بمقدور أحد أن يرى بهذه الطريقة، فقال لي: افعل ثانية، عندها ~~انتابني رعب ممزوج بالغبطة: فلقد رأيت نورا أعظم من نور النهار.» # 9 # وفي إنجيل يعقوب الغنوصي، نجد التلاميذ جلوسا يتذاكرون ما قاله المخلص لكل ~~منهم، علانية أو على انفراد، ثم يلمسون حضور المسيح بينهم، فيقترب منهم ويختار بطرس ~~ويعقوب، فيختلي بهما على انفراد، وينقل إليهما تعاليمه السرية. # 10 # كل ذلك من شأنه أن يؤكد عند الغنوصيين تفوق موروثهم على الموروث التقليدي، إلا أنهم ~~ينقسمون بخصوص موقفهم من الكنيسة القويمة إلى فريقين، يرى الفريق الأول، ويمثله كاتب «رؤيا ~~بطرس»، أن أولئك الأساقفة والقساوسة والشمامسة، الذين يدعون تلقي سلطتهم من الله، ليسوا إلا ~~جداول ماء جافة، وهم يتفاخرون بامتلاكهم وحدهم أسرار الحقيقة، على الرغم من أنهم لا يفقهون ~~الأسرار، لقد أساءوا فهم تعاليم الرسل، وأسسوا لكنيسة زائفة بدلا عن الأخوية المسيحية ~~الحقيقية، أما الفريق الثاني، ويمثله المعلم فالنتينوس، فلا ينكر على الكنيسة القويمة ~~تعليمها للموروث الرسولي التقليدي، ولكنه يرى أن من حاز على العرفان قد تخطى أولئك الموظفين ~~الكنسيين ولم يعد خاضعا لسلطتهم؛ لأن كل من وضع نفسه في تماس مباشر مع يسوع الحي صار ~~سيدا لنفسه، والخبرة الفردية وحدها هي محك الحقيقة، وتعلو على الخبرة المستمدة من ~~التقاليد، وهذا ما قاد إلى عدم وجود مؤسسة دينية غنوصية مراتبية على غرار الكنيسة القويمة؛ ~~لأن القيادة فيها تبقى تلقائية ومفتوحة ومتبدلة. # 11 # وإذا كانت الكنيسة القويمة مفتوحة للجميع وبلا شروط، سوى الاعتماد بالماء والنطق بقانون ~~الإيمان والمشاركة في العبادة، فإن الكنيسة الغنوصية مفتوحة للنخبة، وتقوم عضويتها على ~~تقييم النضج الروحي للمريد الذي يجب عليه إظهار الشواهد الملموسة على قابليته لتلقي ~~الأسرار، وذلك انطلاقا من قول يسوع: «من ثمارهم تعرفونهم.» وفي هذا الصدد، يقول مؤلف إنجيل ~~فيليب الغنوصي: «إن كثيرا من المرشحين لعضوية الكنيسة يغطسون في ماء العماد، ويخرجون دون ~~أن يتغير فيهم شيء»، # 12 # أي إن ما يهم الكنيسة القويمة هو الكم، أما الكنيسة الغنوصية فيهمها النوعية، ~~وبينما تركز الأولى على ms061 الطاعة العمياء لرجال الدين، تركز الثانية على حرية الفرد في سلوك ~~طريقه، مسترشدا بخبرة المعلمين الغنوصيين دون تقليدها بشكل أعمى، حتى إذا وصل مرحلة النضج ~~الروحي استغنى عن أي مرشد ودليل. # مثل هذه الحرية الفردية داخل المؤسسة الدينية مفقود في الكنيسة القويمة، يقول الأسقف ~~أغناطيوس، أسقف أنطاكية في أواسط القرن الثاني الميلادي: «إن الالتصاق بالأسقف هو التصاق ~~بالكنيسة، أما الاستقلال عنه فليس استقلالا عن الكنيسة فقط، وإنما استقلالا عن الله نفسه ... ~~وبعيدا عن الهرمية الكنسية لا توجد كنيسة على الإطلاق.» # 13 # ويقول أسقف ليون مؤيدا: «إن العرفان متضمن في تعاليم الرسل، وفي التنظيم ~~المسكوني للكنيسة، وفي جسد المسيح الذي تمثله سلسلة الأساقفة الذين نقلوا التعاليم ... إن ~~الكنيسة المسكونية، وحدها، تقدم المنظومة الكاملة للعقائد ... وخارجها لا يوجد خلاص». # 14 # وهنا يرد الغنوصيون على لسان مؤلف نص «بيان الحقيقة» # The Testimony of Truth # بالقول: «إن ~~طاعة رجال الدين تسلم المؤمنين إلى قيادة عمياء تستمد سلطتها من إله العهد القديم، لا من ~~الله الحق، وتربطهم إلى أيديولوجيا سقيمة وطقوس ساذجة، مثل طقس المناولة ذي الطابع السحري، ~~وطقس العماد الذي يدعي ضمان الخلاص لهم، ولكن للخلاص طريق أكثر مشقة من ذلك، وهو يقوم على ~~معرفة النفس ومعرفة الله في الداخل، وينتهي بالاستنارة التي تليها القيامة الروحية في هذا ~~العالم لا بعد الموت»، # 15 # وهذه المعرفة، على ما يقول مؤلف نص «التعاليم المعتمدة» # Authoritative ~~Teachings # تكشف عن الأصل السماوي للروح التي هبطت مثل شرارة من الروح الأسمى، وسجنت في ~~الجسد المادي، إن أتباع الكنيسة القويمة هم في غفلة عن أنفسهم، إنهم لا يبحثون عن الله بل ~~يقنعون بعدد من الإجابات السطحية المطمئنة، في الوقت الذي ينظر فيه الغنوصيون إلى رسالة ~~المسيح باعتبارها حثا على البحث، بحث الروح عن منشئها، حتى تسكن إلى الساكن الأبدي، وهم ~~في سعيهم هذا، يتصلون بالمسيح السماوي دونما حاجة إلى مرشد أو راع كنسي، ويشكلون كنيسة ~~روحية غير مرئية لا تشبه في شيء كنيسة رجال الكهنوت المادية الأرضية. # 16 # في خضم ms062 هذا الخلاف الذي استعر بين الجانبين، وكل منهما يدعي تمثيله للكنيسة الحقة، وقف ~~أتباع المعلم الغنوصي فالنتينوس في نقطة الوسط بين الطرفين، فهم في إصرارهم على البقاء ~~داخل إطار الكنيسة المسكونية يرفضون المحاولات الرامية إلى وضعهم في صف الهراطقة، ويعتبرون ~~أنفسهم أعضاء فعالين في هذه الكنيسة نفسها، وفي هذه المسألة يقول المعلمان الفالنتينيان ~~بتولمي وهيركاليون، بأن الكنيسة تتألف من فريقين: الأول روحاني ويشتمل على الغنوصيين، ~~والثاني غير روحاني ويشتمل على القويمين، وذلك استنادا إلى قول يسوع: «لأن كثيرين يدعون ~~وقليلين ينتخبون.» فالكثرة التي دعيت هم القويمون، والقلة التي اختيرت هم الغنوصيون، الذين ~~وهبهم الله الفهم الروحي لكي يعلموا الكثرة طريق العرفان، إن كلا الفريقين ينتميان إلى ~~كنيسة واحدة، ويتشاركان في طقوس وعبادات واحدة. # ولكن ما يميزها هو درجة الفهم، ذلك أن القويمين يعبدون إله العهد القديم على أنه الله، ~~ويعتقدون بأن المسيح الذي قام من بين الأموات سوف ينجيهم من الخطيئة، وهم يقبلونه عن طريق ~~الإيمان دون أن يفهموا سر طبيعته، أما الذين تلقوا العرفان فقد تعرفوا على المسيح باعتباره ~~مرسلا من «أبي الحقيقة»، وقد كشف لهم قدومه عن طبيعتهم المتطابقة مع طبيعته ومع الله. # 17 # ويقدم المعلم الفالنتيني الآخر، هيركاليون، تفسيرا رمزيا للكنيسة باعتبارها ~~بنية مؤلفة من قسمين: الأول عبارة عن باحة خارجية يتعبد فيها القويمون، والثاني عبارة عن ~~حرم داخلي يتعبد فيه الروحانيون الذين تلقوا الغنوص. # 18 ~~(1) الغنوص: معرفة النفس # جاءت تسمية الغنوصية # Gnosticism # من الكلمة اليونانية # Gnosis ~~، التي تعني المعرفة الحدسية ~~الباطنية، أو العرفان بمصطلح التصوف الإسلامي، والعارفون هم الغنوصيون # Gnostics ~~، الذين ~~يتواصلون من خلال بصيرتهم الداخلية مع الحقيقة الكلية، أما خصومهم فهم غير العارفين الذين ~~وقفوا عند ظاهر التعاليم الدينية ولم ينفذوا إلى باطنها، فإذا كان الخلاص عند اليهود يتأتى ~~عن طريق الالتزام بالشريعة وعند المسيحيين القويمين، من خلال الإيمان بيسوع المسيح، فإن ~~الخلاص عند الغنوصي يتأتى عن طريق فعالية روحانية داخلية، تقود إلى معرفة النفس، ومعرفة ~~النفس تقود إلى معرفة الطبيعة الإنسانية ومصير الإنسان، وفي ms063 أعمق مستوياتها تقود إلى معرفة ~~الله، ذوقا وكشفا وإلهاما، عند ذلك يمكن تحرير الروح الحسية في إطار الجسد المادي ~~والعالم المادي الأوسع، لتعود إلى العالم النوراني الذي صدرت عنه، يقول المعلم الغنوصي ~~ثيودوتس: «إن الغنوصي هو الذي يتوصل إلى فهم من نحن، وما الذي صرنا إليه، وأين كنا، وإلى أن ~~نسعى، ومن ماذا علينا أن نتخلص، ما هو الميلاد، وما هو الميلاد الثاني.» # 19 # ويقول المعلم مونويموس: «اترك التفتيش عن الله والبحث في مسائل الخلق والتكوين ~~وما إليها، لمعرفة الله ابدأ بنفسك، واهتد إلى من في داخلك يقول: إلهي، وعقلي، وأفكاري، ~~وروحي، وجسدي، اهتد إلى مصدر الأحزان، والغبطة، والحب والكراهية ... فإذا استقصيت هذه الأمور ~~فإنك واجده (الله) في ذاتك.» # 20 # تصر الكنيسة القويمة على أن البشر لا يستطيعون السير في الطريق المؤدية للخلاص، إلا ~~بعون ومدد يأتيهم من العالم القدسي، وهذا الطريق تكشف عنه الكنيسة وكهنتها الذين ورثوا ~~المسيح كوسيط بين الله والناس، فلقد قال يسوع في إنجيل يوحنا: «أنا هو الطريق، والحق، ~~والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي.» وهذا يعني بالنسبة للمفسرين القويمين أنه لا أحد ~~يأتي إلى الآب إلا بالكنيسة الرسمية، ولكن الغنوصية تقدم بالمقابل منظورا دينيا مختلفا ~~تماما، فعندما سأل التلاميذ يسوع في إنجيل توما الغنوصي ~~الفقرة 24: «أرنا المكان الذي أنت ~~فيه؛ لأنه من الضروري لنا أن نبحث عنه، قال لهم: من له أذنان فليسمع، هنالك نور داخل مخلوق ~~النور من شأنه أن يضيء العالم، ولكن إذا لم يضئ، فإنه لا شيء سوى الظلمة.» # 21 # مثل هذا القول يوجه ذهن المريد إلى ذاته الحقيقية، وخبيئته التي تنطوي على ~~طاقة جبارة هائلة، إلى النور الداخلي؛ لكي يكتشف طريقه بنفسه، وفي «كتاب توما المنافح» # Thomas The Contender ~~، قال يسوع: «إن من لم يعرف نفسه لم يعرف شيئا، ولكن من عرف نفسه حقق ~~في الوقت نفسه معرفة بأعماق الكل.» # 22 # والجهل هو نقيض المعرفة من هنا فإن بؤس الشرط الإنساني يعود إلى الجهل لا إلى الخطيئة، ~~والبشر يعيشون ms064 في هذه الحياة في حالة نسيان وغفلة وعدم إحساس بذواتهم الحقيقية، يقول المعلم ~~فالنتينوس في «إنجيل الحقيقة»: «إن الوجود أشبه بالكابوس، فالنائم يرى أحيانا أنه يسقط من ~~جبل عال، أو تطارده الوحوش المفترسة، أو يلاحقه قاتل، أو يطير في الهواء من دون جناح، ~~ولكنه حين يستيقظ من نومه يتلاشى كل ذلك، هذا هو حال أهل العرفان الذين تخلصوا من جهلهم، ~~مثلما يتخلص النائم من كابوسه، تاركين حياة الجهل مثلما يترك من أفاق من نومه لليل أحلامه ~~وكوابيسه، مقبلين على عالم جديد يتلاشى فيه الجهل مثلما يتلاشى الظلام أمام نور الصباح.» # 23 # هذا السعي نحو الاستنارة يتطلب الكفاح ضد مقاومة داخلية هي أشبه بالرغبة في البقاء على ~~حال النوم أو اللاوعي، يقول المعلم سيلفانوس: «قم من هذا النوم الذي يثقل عليك، اصح من ~~الغفلة التي تملؤك بالظلام، لماذا تطلب الظلام مع أن النور متاح لك؟ الحكمة تناديك، ولكنك ~~تطلب الحماقة، الإنسان الأحمق يتبع طريق الرغبات والشهوات، ويغرق في مستنقعاتها، إنه مثل ~~سفينة جانحة تدفعها الرياح في كل اتجاه، أو مثل حصان جامح بلا فارس يحتاج لجاما هو الرشد، ~~قبل كل شيء آخر: اعرف نفسك.» والعقل والرشد هما المرشد والمعلم في رحلة اكتشاف الضوء ~~الداخلي، يتابع سيلفانوس قائلا: «اعتمد على مرشدك وعلى معلمك، فالعقل هو المرشد، والرشد هو ~~المعلم ... عش وفق ما يميله عليك عقلك ... اكتسب القوة لأن العقل قوي ... أنر عقلك ... أشعل النور ~~الذي في داخلك.» ولتحقيق ذلك ليس بمقدور المريد أن يعتمد على أحد سوى نفسه: «اقرع على باب ~~ذاتك، وامش عليها كما تمشي على طريق ممهد مستقيم، فإذا مشيت في هذا الطريق لن تضل أبدا.» # 24 # وفي نص «حوار المخلص» # The Dialogue Of The Savior ~~، لدينا مثال على طريقة يسوع في تحويل ~~السائل إلى نفسه ليجد عندها الجواب، فقد سأله التلاميذ أن يريهم مكان الحياة، النور النقي، ~~فأجاب يسوع: «من عرف منكم نفسه رآه.» وفي نفس النص يسأله التلاميذ: «من الذي يبحث ومن الذي ~~يكتشف؟ قال يسوع: إن من ms065 يبحث عن الحقيقة هو الذي يكشف عنها.» # 25 # وفي نص «بيان الحقيقة» يقول المؤلف بأن «التلميذ هو في الواقع تلميذ عقله ~~الخاص»، وهو الذي يكتشف «أن عقله هو أبو الحقيقة»، وهو يعرف ما يتوجب عليه معرفته من خلال ~~التأمل الباطني الصامت. # 26 # من هنا، فإن يسوع الحي بالنسبة إلى الغنوصيين ليس إلا رمزا لمعرفة الحقيقة، قال يسوع ~~لتوما في كتاب توما المنافح: «تفحص نفسك لكي تعرف من أنت، وكيف جئت، وما الذي ستئول إليه، ~~وبما أنك تدعى أخي، ليس من المناسب أن تبقى في جهل من نفسك، وإني لأعرف أنك قد عرفت؛ لأنك ~~فهمت بأني أنا معرفة الحقيقة.» # 27 # من هنا، فإن من يحقق العرفان لا يغدو مسيحيا، بل يغدو «مسيحا» على حد تعبير مؤلف إنجيل فيليب. # 28 # وكما قام المسيح روحيا من بين الأموات، كذلك هو العارف الذي حقق الاستنارة، والقيامة ~~تحدث هنا والآن لا في مستقبل ما، يقول مؤلف رسالة في البعث # Treatise on Resurrection ~~: «إن ~~الوجود الإنساني هو نوع من الموت الروحي، أما القيامة فهي لحظة الكشف والاستنارة التي تنقل ~~العارف إلى عالم جديد، وإن من يصحو على هذه الحقيقة يغدو حيا من الناحية الروحية، إن ~~باستطاعتك الانبعاث من عالم الموتى هنا والآن، هل أنت مجرد جسد فان؟ هلا تفحصت نفسك ووعيت ~~بأنك قد قمت من بين الأموات.» # 29 # ويعرض إنجيل فيليب الفكرة نفسها، عندما يسخر ممن ينظر حرفيا إلى مسألة قيامة الجسد، ~~فيقول بأن من يعتقد أن عليه أن يموت أولا ثم يبعث هو على ضلال؛ لأن بمقدوره أن يبعث وهو حي، # 30 # إن البعث والقيامة عند الغنوصيين ليس بعث الأجساد وعودة الحياة إليها، ومثل ~~هذا البعث لن يحصل، بل البعث هو استفاقة الروح على حقيقتها، ولا يحققه إلا العارفون، قال ~~يسوع في إنجيل توما الغنوصي الفقرة 11: «هذه السماء ستزول، والتي فوقها ستزول، ولكن الذين ~~هم أموات لن يحيوا، والذين هم أحياء لن يموتوا». # 31 # إن إنكار القيامة يستتبع عند الغنوصيين إنكار مفهوم التاريخ الدينامي الذي ms066 يسعى نحو ~~مستقبل مجيد وباهر، عندما يتخلص العالم من بذور الشر التي زرعت فيه منذ القدم، فالعالم ليس ~~حسنا وخيرا في أصله، بل هو شر من حيث الأساس، والتاريخ لا يسعى نحو غاية وليس له معنى، ~~وما على الإنسان إلا الهروب من العالم ورفضه، بدلا من انتظار النهاية السعيدة؛ لأن الروح ~~الحبيسة في المادة لن تنعتق إلا من خلال الغنوص الذي يرجع بها إلى عالم النور. # إن المسيحية القويمة تؤمن بأن يسوع قد مات على الصليب، ثم بعث جسديا في اليوم الثالث، ~~وأن المؤمنين به سوف يبعثون بالطريقة نفسها، أما الغنوصيون فيعتقدون بأن المسيح لم يصلب ~~ولم يقم بجسده في اليوم الثالث، وأن من رآه من التلاميذ بعد الصلب قد واجهه على المستوى ~~الروحاني، وبالتالي فإن أجساد المؤمنين لن تبعث في اليوم الأخير، وما البعث إلا بعث الأرواح ~~لا بعث الأجساد، وما الجسد إلا ثوبا نرتديه لفترة مؤقتة، ثم نتخلص منه إلى الأبد، وهذا ما ~~دعا الغنوصيين إلى احتقار الجسد، واعتبار وظائفه غير مهمة بالنسبة للكائن الروحاني، قال ~~يسوع في إنجيل توما الغنوصي، الفقرة 29: «إنني أعجب لتلك الثروة العظيمة (= الروح) تقيم في ~~هذا الفقر المدقع (= الجسد).» # 32 # من هنا يأتي عدم ثقة الغنوصيين بالجسد، واعتباره مصدرا للألم والمعاناة، وعدم ثقتهم ~~بالعالم المليء بالشرور التي لا تقتصر على الشر الأخلاقي الذي يركز عليه القويمون، وإنما ~~تشمل الشرور الطبيعانية التي تصيب الإنسان مثل المرض والشيخوخة، وأنواع الأذى الأخرى التي ~~تلحق الجسد والنفس، ولكن بينما أكد فريق من الغنوصيين على ترك الزواج، والعلاقات الجنسية ~~أو الإنجاب، وعدم الانهماك في مسائل الحياة العملية كوسيلة للانسحاب من عالم وجدوا أنفسهم ~~غرباء فيه، فإن فريقا آخر وهم الفالنتينيون، قد مارس حياته الطبيعية فتزوج وأنجب وشارك في ~~الحياة العامة، ولكنه اعتبر ذلك كله أمرا ثانويا بالنسبة إلى حياة التأمل ~~والمعرفة. ~~(2) إله الغنوصيين ليس إله العهد القديم # إن الله الذي يبحث عنه الغنوصي في أعماق نفسه، ليس الإله يهوه صانع هذا العالم المادي ~~الناقص المليء بالشرور، بل هو ms067 الأب النوراني الأعلى الذي يتجاوز ثنائيات الخلق، ولا يحده ~~وصف أو يحيط به اسم، الذي بشر به يسوع وبالآب دعاه لا بأي اسم من أسماء الألوهة التوراتية، ~~ذلك أن ما يميز الغنوصية عن المسيحية القويمة، هو اعتقادها بأن عالم المادة الذي يتخلله ~~الشر ليس من صنع الله، بل من صنع إله أدنى هو إله التوراة، الذي يوازي أنجرا ماينو شيطان ~~الزرادشتية، وهم يتصورونه على هيئة مسخ مزيج من هيئة الأفعى وهيئة الأسد، وله عينان جمرتان ~~من نار، ويجلس على عرش يحيط به معاونون من قوى الظلام المدعوين بالأراكنة (مفردها أركون، ~~وتعني باللغة اليونانية حاكم)، تدعوه نصوص التكوين الغنوصية، التي تقدم تأويلا خاصا لنص ~~التكوين التوراتي، بالاسم يهوه، ويلدابوث، وبإله هذا العالم، كما تلقبه بسكلاس أي الأحمق، ~~وبسمائيل أي الأعمى، وبالديميرج أي الإله الصانع (باللغة اليونانية # Demiourgos ~~)، وعلى الرغم ~~من أن هذا الإله قد صنع الإنسان من مادة الأرض الظلامية، إلا أنه أخذ روحه من نور الأعالي ~~المسروق، وحبسها في الجسد المادي، مثلما يمزج الجواهري وهو في حالة السكر حفنة من شذرات ~~الذهب مع كومة من المعدن الخسيس، ولكي يبقيه في حجب الجهل فقد فرض عليه الشريعة التي تشغله ~~عن نفسه وعن اكتشاف الجوهر الحقيقي للروح. # 33 # إن العالم الذي نعرفه ونعيش فيه ليس عالما حسنا وخلقا طيبا؛ لأنه قد ظهر إلى الوجود ~~نتيجة عملية سقوط تمت في عالم الألوهة، شبيهة بسقوط إبليس، وقادت إلى تكون المادة الكثيفة ~~المظلمة المناقضة لعالم الأنوار الروحاني الأعلى، وإلى تشكيل عالمنا انطلاقا من هذه ~~المادة، من قبل الديميرج الذي صنعه بجهل وصلف متأصلين في طبيعته، فجاء عالما ناقصا سمته ~~الألم والمرض والموت، وينجم عن هذه العقيدة المركزية لدى الغنوصيين رفضهم للعالم، ورفضهم ~~لإله هذا العالم ومتطلباته التي تعرقل سعي الروح إلى الانعتاق، وتجاوز حالة السقوط إلى حالة ~~الكمال. # وهكذا فقد حلت الغنوصية مشكلة وجود الشر في العالم بطريقة مبدعة وجديدة على الفكر ~~الديني، وذلك بابتكارها لفكرة الأب الأعلى مصدر عالم النور الروحاني، والإله الأدنى مصدر ms068 ~~العالم المادي عالم الجهل والظلمات، فهذا العالم لم يخلق كاملا ثم داخله النقص والشر من ~~خارجه، كما هو الحال في المعتقدات الزرادشتية واليهودية والمسيحية القويمة، بل إن المادة ~~بعينها هي الشر، ومصدر الشر هو إله التوراة الذي لجهله بوجود العالم النوراني الأسمى، تربع ~~على عرش الكون الذي صنعه وصاح متفاخرا: «أنا الرب ولا إله غيري، إله غيور» (راجع: الخروج ~~20: 5، وإشعيا 45: 21)، ولكن هذا الإله وعالمه سيئولان إلى الدمار عندما يتعرف الإنسان على ~~النور الأسمى في داخله، وهي المعرفة التي تعتقه من دورة الميلاد والموت والتناسخ في ~~الأجساد، فالإنسان ليس خاطئا منذ البداية، ولكنه مأسور وراء حجاب الجهل، ولا فكاك له إلا ~~بالعرفان الذي يعد النشاط الأسمى للنفس الإنسانية، هذا العرفان هو الذي يجعل صاحبه طيبا ~~وأخلاقيا دونما حاجة إلى لوائح أخلاقية مفروضة من الخارج؛ لأن الشر هو الجهل والخير هو ~~المعرفة، أما الطقوس والعبادات الشكلانية فليست في حقيقتها إلا خضوعا لإله العالم المادي، ~~وتطبيقا أعمى لشرائعه، بينما لا يتطلب الأب الروحاني الأعلى من الإنسان إلا أن يعرفه ~~ويتلمس منابع الخير في داخله، وهو ملتزم بتخليصه واستعادة روحه إلى بيتها الذي ضاعت عنه، ~~إذا استجاب لنداء رحمته. ~~(3) آلام المسيح وموته وقيامته # في دراما السقوط هذه، يلعب يسوع دورا مركزيا باعتباره محررا للبشرية الواقعة في إسار ~~العالم المادي، والراسفة في أغلال إله هذا العالم، ولقد هبط من السماء الروحانية العليا ~~التي تقع وراء السماء المادية التي نعرفها، لا ليضحي بنفسه من أجل تخليص البشر من الخطيئة، ~~وإنما ليفتح بصيرتهم ويحرك العرفان الغافي في النفس الإنسانية، التي تنتمي إلى الله الحق لا ~~إلى الديميرج، ولعلنا واجدون في الإنجيل الرابع ما يتفق وهذه الرؤية الغنوصية، فقد قال يسوع ~~لليهود الذين يعبدون الديميرج: «أنتم لا تعرفونني ولا تعرفون أبي، ولو عرفتموني لعرفتم أبي» ~~(إنجيل يوحنا 8: 19). «أنتم من الدرك الأسفل وأنا من الملأ الأعلى، أنتم من العالم وأنا لست ~~من العالم» (يوحنا 8: 23). «إنكم أولاد أبيكم إبليس، وأنتم تريدون إتمام شهوات أبيكم ... من كان ~~من الله سمع كلام ms069 الله، فإذا كنتم لا تسمعون فلأنكم لست من الله» (يوحنا 8: 41-42). # إن بؤس الشرط الإنساني ناجم عن الجهل الذي يشبه مجازا بالنوم أو الخدر أو العمى، ويسوع ~~قد جاء لتخليص البشر من هذا الجهل، من هنا فلا مكان في الفكر الغنوصي للخطيئة، وما من حاجة ~~إلى موت المخلص من أجل رفع خطيئة العالم؛ لأنه لم يأت لوصل ما انقطع بين الخالق وخليقته، ~~وإنما لتخليص الخليقة من الجهل، وفتح بصيرتها على الحقيقة؛ لهذا يقول يسوع في النص الغنوصي ~~المعروف «برؤيا بطرس» بأنه لم يتعذب على الصليب ولم ينله أي أذى من جلاديه، # 34 # وفي نص «الأطروحة الثانية لشيت الكبير» يقول يسوع بأنه لم يمت حقيقة على ~~الصليب، وأنا ما رأوه من موته لم يكن سوى مظهر خادع، وأنهم ما ضربوه وما أهانوه وما سقوه ~~الخل والمرار، وإنما فعلوا ذلك بآخر اتخذ شبهه، بينما كان هو على البعد يهزأ منهم ومن جهلهم. # 35 # يتفق الغنوصيون والقويمون بخصوص تاريخية حادثة صلب المسيح وموته وقيامته، ولكنهم يختلفون ~~في تفسير هذه الحادثة وفي نتائجها، فبينما يؤكد القويمون على أن يسوع ابن الله الحي قد تألم ~~على الصليب ومات ثم بعث جسديا، فإن الغنوصيين يؤكدون على أن آلام يسوع وموته لم تكن سوى ~~مظهر خادع، وبالتالي فإنهم ينكرون قيامته الجسدية، ولا يرون فيها أي معنى؛ لأن مثل هذه ~~الفكرة تحمل في طياتها مباركة للجسد المادي الذي يسعون إلى التخلص منه. # وهنا ينقسم الغنوصيون إلى فريقين في موقفه من القيامة، فأتباع المعلم فالنتينوس يميزون ~~بين يسوع الأرضي المولود من امرأة، والمسيح السماوي، ويقولون بأن المسيح السماوي قد هبط على ~~يسوع وتطابق معه لحظة خروجه من الماء، بعد أن اعتمد على يد يوحنا المعمدان، ثم غادره عندما ~~مات على الصليب، وبذلك تكون قيامة المسيح قيامة روحانية، عندما تخلى عن جسد يسوع الأرضي. ~~ونستطيع تلمس مثل هذه الأفكار في عدد من النصوص المنسوبة إلى فالنتينوس أو تلامذته، ولا ~~سيما في نص «حوار المخلص» و«الرسالة الثلاثية» و«إنجيل الحقيقة» و«تفسير الغنوص»، ms070 وجميعها ~~من نصوص مكتبة نجع حمادي. # أما الفريق الثاني الذي يطابق بين يسوع والمسيح، فيرى أن ظهور المسيح بين الناس لم يكن ~~إلا ظهورا شبحيا، على الرغم مما تبدى للناس من ماديته، فلقد هبط المسيح من السماء هبوطا ~~روحانيا وصعد صعودا روحانيا من غير أن تمسه أدران المادة، ففي النص الغنوصي المعروف ~~بعنوان «أعمال يوحنا» نجد يوحنا ويعقوب مبحرين في زورقهما نحو اليابسة، حيث كان يسوع في ~~انتظارهما، عندما تبدل شكل يسوع متحولا إلى طفل صغير، عند ذلك نبه يعقوب يوحنا إلى ما ~~رآه، ولكن يوحنا لم ير من ذلك شيئا، وقال له إن ذلك ناجم عن طول التحديق إلى الماء، عندما ~~اقتربا إلى اليابسة تعاظمت حيرتهما، فقد بدا يسوع ليوحنا على هيئة رجل خفيف شعر الرأس كثيف ~~اللحية، وليعقوب على هيئة فتى مراهق، بعد ذلك يتابع يوحنا شرح حيرته إزاء مظهر يسوع وماهيته ~~الحقيقية، فعندما كان يلمسه كان يحس أحيانا بملمس جسد مادي، وفي أحيان أخرى كان يحس بأن ~~الجسد الذي يلمسه غير موجود على الإطلاق، وقد انتبه في أكثر من مرة إلى أن قدميه لا تتركان ~~أثرا على الأرض، وأن عينيه لا ترمشان أبدا، وبعد أن أسلم يسوع إلى الصلب وهرب تلاميذه، ~~مضى يوحنا وحيدا وقبع في كهف يبكي، عندها تراءى له يسوع وقال له: بالنسبة للناس، هناك في ~~الأسفل، أنا مصلوب، وخاصرتي مثقوبة بالرمح، وأتجرع الخل والمرار، ولكني لم أعان بالفعل ~~أيا من هذه الأمور، وها أنا ذا معك فاستمع لما أقول. # 36 ~~(4) أصول الغنوصية # في الحديث عن أصول الغنوصية، لدينا مسألة لم تحل بعد على مستوى البحث الأكاديمي الحديث، ~~تتعلق بوجود غنوصية سابقة على المسيحية، ذات ملامح واضحة وتنظيم ديني ناضج، فهناك اتجاه قوي ~~اليوم يقول بوجود غنوصية يهودية نشأت ضمنها الغنوصية المسيحية، قبل أن تشق طريقها الخاص ~~وتستقل بفكرها وتنظيمها، وأهل هذا الاتجاه يستشهدون بوجود العديد من النصوص في مكتبة نجع ~~حمادي، تعتمد مادة توراتية لكن دون أن تعكس وجهات نظر مسيحية واضحة، وذلك مثل ms071 نص رؤيا آدم ~~ونص تفسير شيم وغيرهما، وفي هذا يقول الباحث الألماني كورت رودولف، وهو من أهم شارحي ~~الغنوصية ما يلي: «إن النصوص الغنوصية التي وصلتنا، في جلها، يمكن فهمها باعتبارها إعادة ~~صياغة وتفسير لقصص من العهد القديم، والمادة التوراتية غالبة فيها على الرغم مما تبديه من ~~نقد للفهم التقليدي للنص التوراتي، كما أن شخصيات من العهد القديم قد رفعت إلى مقام ~~الأسلاف المبجلين، مثل نوح وشيت وقايين وشيم، كل هذا يشير إلى أصول يهودية لهذه النصوص، ~~حتى حين تنتقص من قيمة الإله اليهودي لمصلحة الإله الخفي الأعلى، وتوجه النقد إلى الشريعة ~~التوراتية، وتعبر عن موقفها التشاؤمي من العالم المادي.» # 37 # وفي الحقيقة، فإن القول بوجود غنوصية يهودية سابقة على المسيحية، استنادا إلى وجود نصوص ~~في مكتبة نجع حمادي تعتمد مادة توراتية من دون أن تعكس رؤية مسيحية واضحة، هو قول مردود، ~~فهذه النصوص وجدت في سياق مسيحي لا في سياق يهودي، وضمن عدد أكبر من النصوص الغنوصية ذات ~~التوجه المسيحي الواضح، وقد تم تداول هذه النصوص خلال القرن الثاني الميلادي، إبان فترة مد ~~المسيحية الغنوصية، لا قبل ذلك، ولا من قبل أي جماعة غنوصية يهودية معروفة لنا، أما عن ~~الشخصيات التوراتية التي تظهر في نصوص نجع حمادي، فجميعها ينتمي إلى الإصحاحات الأولى من ~~سفر التكوين، ومن جيل آدم إلى جيل نوح تحديدا، من دون بقية إصحاحات السفر التي تقص عن ~~أسلاف بني إسرائيل من إبراهيم إلى يوسف، ومن دون بقية أسفار الكتاب، وهذا يدل على أن ~~المسيحية الغنوصية قد استخدمت هذه المادة وتلك الشخصيات التي تنتمي إلى مرحلة الخلق ~~والتكوين وأصول العالم، في سياق مطابقتها بين الإله الديميرج صانع العالم والإله اليهودي ~~يهوه، وفي سياق نقدها العام للعالم المادي باعتباره صنيعة الشيطان-يهوه. # ومن ناحية أخرى، لا يوجد لدينا أي دليل تاريخي على قيام نظام ديني غنوصي واضح الملامح ~~وراسخ التنظيم قبل ظهور المسيحية الغنوصية، ومن الأفضل لنا في هذا المجال أن نتحدث عن ~~إرهاصات غنوصية، ومفكرين ذوي طابع غنوصي، ms072 وجماعات غنوصية صغيرة مبعثرة غير ثابتة التنظيم، ~~مثل هذه الجماعات وجدت في منطقة الجليل بتأثير تعاليم سمعان ماجوس الشخصية السامرية ~~الغامضة، التي عاصرت يسوع والرسل الأوائل، كما وجدت في الإسكندرية بتأثير التعاليم الهرمزية ~~(أو الهرمسية)، ويضاف إلى هذا بعض الجماعات اليهودية غير الأرثوذكسية التي اقتربت بفكرها من ~~الغنوصية، دون أن تتوصل إلى إنتاج فكر غنوصي متسق، بعض هؤلاء اليهود قد تحول إلى المسيحية ~~وساهم في إغناء الفكر الغنوصي بعد أن صار مسيحيا لا قبل ذلك، خلال الفترة التي شهدت تحول ~~كثير من اليهود إلى المسيحية الناشئة بكنائسها الثلاث: كنيسة الأمم وكنيسة الختان وكنيسة ~~الغنوص، وفي هذا السياق يمكننا تفسير أقوال بعض هؤلاء المتحولين، كقول جماعة من أتباع ~~المعلم باسيليد: «لم نعد يهودا، ولكننا لسنا بعد مسيحيين.» وقول جماعة من أتباع المعلم ~~فالنتينوس: «عندما كنا عبرانيين كنا يتامى.» # إن كل النصوص الغنوصية في مكتبة نجع حمادي قد دونت بأقلام مسيحية، وجرى تداولها بين ~~المسيحيين، ولم يتوفر لدينا حتى الآن ما يشير إلى أنها كانت متداولة قبل ذلك لدى أي شيعة ~~غنوصية أخرى، سواء بشكلها الذي وصلنا أم بأي شكل آخر، ولكن هذا لا يعني أن الغنوصية ~~المسيحية قد نشأت في فراغ، بل لقد أفادت من عدد من التيارات الفلسفية والدينية التي نمت ~~فيها، وبشكل جنيني، أفكار ومفاهيم غنوصية لم تصل مرحلة النظام الغنوصي المتكامل. # فلقد أفادت الغنوصية المسيحية من الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، التي ميزت بين التفكير ~~العقلي الخطي، والخبرة الداخلية الحدسية التي تقود إلى معرفة الله، وتكشف للروح الإنسانية ~~صلتها بعالم الألوهة، كما قالت هذه الأفلاطونية بوجود ديميرج يتوسط بين الملأ الأعلى ~~والعالم المادي، ودعته بالإله الثاني، وهذا الديميرج ممزق بين تأمل الملكوت المثالي ~~الأعلى، وبين توجيه عنايته نحو الأدنى باتجاه العالم الحسي، # 38 # كما أفادت الغنوصية المسيحية من الكتابات الهرمزية ~~(Corpus Hermeticum) ~~، وهي ~~عبارة عن ثلاث عشرة رسالة منسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، كانت متداولة في الإسكندرية ~~موطنها الرئيسي، وفي الحلقات الإيزوتيرية في العالم الهيلينستي خلال القرن الأول الميلادي، ~~فقد ms073 كانت هذه الرسائل مصدرا للأفكار الغنوصية التي تدور حول ثنوية الروح والجسد، والنظر ~~إلى الجسد باعتباره ممثلا للظلام والمادة والموت، وإلى الروح باعتبارها ممثلة للنور ~~والحقيقة الأبدية، نقرأ في (رسالة بيوماندريس) ما يلي: «إن من عرف نفسه حصل على الخير ~~الأسمى، أما من أضلته الرغبات وحب الجسد، فسوف يتيه في ظلمات عالم الحواس ويذوق الموت ... إن ~~الله أب للجميع، وهو النور والحياة ومصدر الإنسانية، فإذا عرفت أنك مجبول من النور ~~والحياة، سوف تعود إلى النور والحياة ... على الإنسان الروحاني أن يعرف نفسه.» # 39 # وقد قالت بعض الشيع اليهودية التي تبنت من الكتاب المقدس موقفا تأويليا، بوجود إله ~~آخر إلى جانب الإله التوراتي يدعى يوئيل، ويجلس على عرش قرب عرش يهوه، ويلعب دور الممثل أو ~~الوكيل، وهو الذي تشير إليه أسفار التوراة بلقب ملاك الرب، وقالوا بأن كل الصور التشخيصية ~~ليهوه في التوراة يجب أن تعزى إلى هذا الإله الوكيل، وعلى الرغم من أن الفيلسوف الأفلاطوني ~~فيلو الإسكندري (وهو يهودي حاول التوفيق بين اليهودية والأفلاطونية) قد وجه نقدا لاذعا ~~لمثل هذه الأفكار، فإنه طور أفكارا ليست بعيدة عنها تماما، عندما قال بأن اللوغس (= ~~الكلمة، العقل) هو وسيط الخلق ودعاه بالإله الثاني، وبالملاك، وبالرب، وبالاسم. # 40 # وليس من المستبعد أن تكون إحدى هذه الشيع قد طورت في الإسكندرية مفهوم «الإله الوكيل» إلى ~~نتيجته المنطقية بأن عزت إليه مهمة خلق العالم، وتصورت وجود إله خفي أعلى يسمو فوق ثنائيات ~~الكون، ولكننا لا نملك بالفعل دليلا على أن مثل هذه الخطوة قد حصلت فعلا داخل الفكر ~~اليهودي، وإذا كانت مثل هذه الأفكار قد توضحت فعلا، فإنها لم تجد سبيلا إلى التعبير ~~الكامل عن نفسها إلا عندما تحول أصحابها إلى المسيحية الغنوصية التي وجدوا فيها موئلا ~~وملاذا من سطوة الشريعة التوراتية، التي لم تعد مقبولة في ثقافة عالمية منفتحة مثل ثقافة ~~مدينة الإسكندرية خلال العصر الهيلينستي. # أخيرا، ينبغي ألا ننسى الأثر الذي تركته أفكار سمعان ماجوس، السامري، على السميحية ~~الغنوصية الناشئة، وسوف نفرد لأفكار سمعان ms074 هذا حيزا في الفقرة المقبلة التي نعرض فيها لأهم ~~المدارس الغنوصية. ~~(5) في المدارس الغنوصية # فيما عدا الغنوصية المانوية، التي تحولت على يد معلمها ماني إلى ديانة مؤسساتية خلال ~~أواسط القرن الثالث الميلادي، فإن الفكر الغنوصي لم يطور أيديولوجيا دينية موحدة ومنظمة، ~~وبقيت الفرق الغنوصية أشبه بالطرق الصوفية الإسلامية، التي يتبع كل منها معلما روحيا له ~~نهجه الخاص وفكره المتميز، مع اشتراكها جميعا بعدد من الأفكار العامة التي ميزتها عن ~~غيرها من التيارات الدينية والفلسفية، التي كانت تتمازج وتتلاقح خلال فترة تعد من أخصب ~~فترات التاريخ الروحي والثقافي للمنطقة المشرقية، ولسوف أقدم فيما يلي عرضا لأفكار بعض من ~~أهم المعلمين الغنوصيين. # مرقيون # ولد مرقيون في منطقة بونتوس على البحر الأسود، في أواخر القرن الأول الميلادي، وانتمى في ~~مطلع شبابه إلى الكنيسة القويمة، ولكنه سرعان ما أخذ بصياغة عقيدته الخاصة المتلونة ~~بالغنوصية، والتي تسببت أخيرا في حرمانه من الكنيسة عام 144م. ينطلق مرقيون في تفكيره من ~~مبدأ الفصل التام بين العهد الجديد والعهد القديم، وكان معارضا للطريقة المسيحية في تأويل ~~العهد القديم لجعله متلائما مع العقيدة المسيحية، فإله العهد القديم بالنسبة إليه ليس الأب ~~السماوي الذي بشر به يسوع، بل هو الديميرج الذي صنع العالم المادي والناقص، وصنع الإنسان ~~أيضا وفرض عليه الشريعة التي كانت بمثابة لعنة، على حد تعبير بولس الرسول (غلاطية 3: 13)، ~~هذا الإله الحقود والمنتقم، الذي يقول مرقيون إنه يعرفه حق المعرفة، لا يستحق بالفعل الطاعة ~~والعبادة التي يطلبها، وهو ليس أبا يسوع كما يعتقد المسيحيون القويمون، أما الأب السماوي ~~الذي يدعوه مرقيون بالإله المتعالي، والإله المجهول، فليس له علاقات بمجريات الأحداث في ~~العالم لأنه لم يكن صانعه، وهو لم يتدخل إلا بأن أرسل ابنه يسوع المسيح، الذي هبط من السماء ~~إلى هذا العالم السقيم والتافه، وصلب من أجل الإنسان الذي أحبه وأراد الخلاص، اعتمد مرقيون ~~إنجيلا خاصا به ضم إنجيل لوقا فقط بعد تشذيبه من قبله، فقد حذف منه قصة ميلاد يسوع ~~وسلسلة النسب التي تربطه بالملك داود، كما ms075 ضم إلى الإنجيل عشر رسائل لبولس الرسول، وبذلك ~~كان مرقيون أول من وضع كتالوجا معتمدا للعهد الجديد. # إن مفهوم اغتراب الله عن العالم هو مفهوم كلي لدى مرقيون، فبينما تعقد الأنظمة الغنوصية ~~الأخرى صلة قربى من نوع ما بين الديميرج صانع العالم وبين الإله المتعالي، فإن نظام مرقيون ~~يصر على عدم وجود أي رابطة بين الإلهين، وعلى عكس الأنظمة الأخرى أيضا، فإن الإنسان لدى ~~مرقيون، روحا وجسدا، هو من صنع الديميرج وهو لا يملك قبسا مسروقا من نور الأعالي، ~~وبالتالي فإن خلاصه لن يؤدي إلى تحرير إله التوراة نفسه، على ما يقول بعض المفكرين ~~الغنوصيين، لقد ظهر المسيح فجأة بين الناس وهو يعلم ويبشر بملكوت الروح، فظنه بعض اليهود ~~المسيح القومي المنتظر، كما أن تلاميذ يسوع أنفسهم لم يفقهوا المغزى الحقيقي لرسالته، ~~ونظرا لجهل يهوه بقيمة المخلص، فقد دفع به إلى الصلب. # وعلى الرغم من معارضة مرقيون لإله العهد القديم، وتوكيده على تحرير الإنسان من حكمه، إلا ~~أنه يعتقد بأن عليه متابعة مهمته في تسيير شئون هذا العالم؛ لأن العالم من حيث الأصل لا ~~قيمة له، والجسد الإنساني لا يساوي شروى نقير، وكذلك الحياة الإنسانية؛ لذلك فقد عارض ~~مرقيون الزواج لأنه يؤدي إلى إنجاب رعايا جدد يقعون تحت سلطة إله هذا العالم، على أن ما ~~يجعل مرقيون في نقطة الوسط بين المسيحية الغنوصية والمسيحية القويمة، هو توكيده على عنصر ~~الإيمان المسيحي في مقابل العرفان الغنوصي، فالخلاص عنده يتحقق من خلال الإيمان وعن طريق ~~يسوع المسيح بالذات، لا من خلال العرفان، وهو لم يقدم للمؤمنين وعدا باستنارة الروح، بل ~~بمباركتها عن طريق شفاعة ابن الله المتعالي . # بعد صراع طويل بينه وبين الكنيسة، أصدرت كنيسة روما قرارا بحرمانه، وإبعاده عن الكنيسة ~~عام 144م، وهو العام الذي أعلن مرقيون فيه تأسيس كنيسته الخاصة، التي انتشرت حلقاتها على ~~نطاق واسع في بلاد الشام ومصر ووادي الرافدين وآسيا الصغرى وأرمينيا، وشكلت أكبر خطر على ~~الكنيسة القويمة، بحيث دفعتها في نهاية القرن الثاني الميلادي إلى وضع ms076 أول مجموعة قانونية ~~للعهد الجديد، وإلى صياغة قانون الإيمان المسيحي. # 41 # فالنتينوس # اتخذت الغنوصية شكلها الناضج على يد معلمها الكبير فالنتينوس، الذي ولد بمنطقة الدلتا ~~المصرية من أسرة ذات أصول يونانية عام 100م. تلقى علومه بالإسكندرية، مدينة العلم والثقافة ~~في ذلك العصر، وبؤرة إشعاع الفكر الأفلاطوني والهرمسي. اتصل بالمسيحيين واعتبر نفسه ~~مسيحيا، ولكنه شكل لنفسه مجموعة من الأخويات الغنوصية داخل كنيسة الإسكندرية، وأسس ~~أكاديمية للبحث الحر. اعتبر نفسه المفسر الحقيقي لتعاليم المسيح، بعد أن نقل إليه معلمه ~~ثيوداس تعاليم بولس السرية، وأدخله إلى حلقة العارفين بمعتقد الأب السماوي الأعلى، وقد بلغ ~~من ثقته بنفسه أنه رشح نفسه لمنصب أسقف روما في أواسط القرن الثاني الميلادي، على الرغم من ~~أن تعاليمه تشكل انشقاقا تاما عن لاهوت العهد القديم، وتقدم تفسيرا متطرفا لحياة يسوع ~~ورسائل بولس. # يرى فالنتينوس أن بؤس الإنسان ناجم عن سجن روحه في المادة المظلمة من قبل يهوه إله العهد ~~القديم، وأن هذا الإله الذي يعبده البسطاء ليس إلا ظلا للإله الحقيقي، وأن تعاليم الكنيسة ~~القويمة التي يبشر بها رجال الهرمية الكنسية التقليدية لا تنطبق على الله العلي الخفي، بل ~~على الديميرج الذي يحكم العالم كملك وسيد ويتصرف كقائد عسكري، والذي فرض الشريعة ويعاقب ~~على انتهاكها، ولكن أولئك البسطاء الذين عبدوا إله هذا العالم، سوف يتعلمون كيف يرفضون ~~سلطته ويعتبرون كل ما ورد في الشريعة بمثابة حماقة، وذلك بعد تلقيهم الأسرار ودخولهم حلقة ~~العارفين، وهذا ما يقودهم بالتالي إلى نبذ سلطة الهرمية الكنسية التي تستمد سلطتها من ~~الديميرج لا من الأب الأعلى، إن العرفان يؤدي إلى الخلاص والتحرر من عالم المادة، بعد أن ~~يتعرف الغنوصي على الله الحق وعلى طبيعته الروحانية التي هي جزء من طبيعة الله، وعلى الرغم ~~من أن هذا العرفان ذو طابع فردي في أساسه، ويؤدي إلى خلاص فردي في النهاية، فإن كل ~~فعالية عرفانية فردية سوف تؤثر على صيرورة الكون برمته، وتساعد في النهاية على تخليص ~~العالم، كما تساعد على إصلاح إله هذا العالم نفسه؛ ms077 لأنه جاهل ومحروم من العرفان اللازم ~~لخلاصه، ولكن الإنسان قادر على معونته وتحريره من خلال عرفانه الداخلي. # لم ينشق الفالنتينيون عن الكنيسة، بل اعتبروا أنفسهم على الدوام جزءا منها. إن ما تعلمه ~~الكنيسة بالنسبة إليهم، هو مرحلة أولية وابتدائية من المعتقد المسيحي، أما هم فيعلمون ~~الحقائق العليا لمن مر بالمرحلة الأولية، ولكنهم رفضوا المراتبية الكنسية، وكانوا يعقدون ~~اجتماعاتهم في جو من الإخاء والمساواة، ففي كل اجتماع كانوا ينتخبون بالقرعة من يدير ~~الاجتماع، ومن يلعب دور الأسقف، أو دور القسيس أو دور الشماس، دون أن يكون لهذه المناصب ~~ديمومة أو أشخاص ثابتون يشغلونها، وهذا ما خلق لديهم هيكلية مختلفة لا تمييز فيها بين رجال ~~الدين والرعية، في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة القويمة تتجه نحو مزيد من تركيز السلطة، ~~والتمييز بين رجال الدين الذين اعتبروا المفسرين الوحيدين للنصوص المقدسة وبين الرعية التي ~~تتلقى الأوامر والتوجيهات دون مساءلة. # 42 # باسيليد # يعتبر باسيليد المعلم الثاني للمسيحية الغنوصية بعد معاصره فالنتينوس، اعتبر نفسه ~~مسيحيا أيضا، وبقي عضوا في كنيسة الإسكندرية حتى آخر أيامه، بالرغم من أن أتباعه كانوا ~~يقولون بأنهم لم يعودوا يهودا ولم يصبحوا بعد مسيحيين، أسس باسيليد مدرسة غنوصية اجتذبت ~~الكثير من الأتباع خلال النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، أنتج باسيليد ميثولوجيا على ~~غاية من الغموض والتعقيد في موضوعات النشأة الأولى والتكوين، فوفق ناقده المسيحي هيبوليتوس ~~يقول باسيليد إنه في البداية لم يكن سوى العدم، والله الخفي المتشح بالعدم، ثم أنتج الإله ~~الخفي بشكل تلقائي بذرة الكون التي تنطوي على كل الممكنات التي تحققت فيما بعد، مثلما ~~تحتوي حبة الخردل على ممكنات الجذور والساق والأوراق، من هذه البذرة خرج الأركون الأكبر ~~المدعو يهوه، وباشر بخلق العالم المادي دون أن يعلم بوجود الله الخفي الأسمى منه. # أما ناقد باسيليد الآخر إيرينايوس، فيعزو إليه قوله إنه من الله الخفي غير المخلوق نجم ~~«العقل»، وعن العقل نجم «اللوغوس» أو الكلمة، وعن هذين الأخيرين نجم «الفهم»، ثم الثنائي ~~«صوفيا» و«القوة» وعن هذين الأخيرين نجم «الأركون ms078 الأكبر» وملائكته، وقد صنع هؤلاء السماء ~~الأولى بمن فيها من أراكنة وملائكة، وهؤلاء بدورهم صنعوا السماء الثانية بمن فيها من ~~أراكنة وملائكة، وهكذا وصولا إلى السماء الخامسة والستين بعد الثلاثمائة، حيث الإله يهوه ~~صانع العالم وملائكته، وقد صنع يهوه عالمنا هذا وصنع الإنسان ثم اختار شعبا خاصا له أراد ~~أن يخضع بقية أمم الأرض، ولكن الأب الكلي أرسل ابنه المسيح (العقل) لتخليص الأمم، وعندما ~~أسلمه يهوه إلى الصلب، اتخذ سمعان القريني، الذي كلف بحمل الصليب، شكل يسوع، بينما اتخذ ~~يسوع شكل سمعان القريني، وراح يضحك من جهل اليهود الذين شبه لهم أنهم صلبوه. # 43 # سمعان ماجوس # سمعان ماجوس، أو سمعان الساحر، هو مؤسس المدرسة الغنوصية السورية، وهو أكثر الشخصيات ~~الغنوصية غموضا؛ لأن مؤلفاته قد ضاعت، ولم يبق منها إلا أفكار متفرقة وصلت إلينا عن طريق ~~نقاده المسيحيين، وقد امتلأ ما وصلنا إليه من سيرته بالخوارق والمعجزات، حتى ضاعت ملامح ~~سيرته الحقيقية. نشط سمعان خلال أواسط القرن الأول والميلادي، وهذا يعني أنه قد عاصر يسوع ~~ونشط خلال فترة نشاط الرسل الأوائل، ومن اليسير الذي وصلنا عنه، لا يبدو لنا سمعان يهوديا ~~راديكاليا ثائرا على الأرثوذكسية اليهودية، ولا مسيحيا غنوصيا متطرفا، وإنما تنبع ~~غنوصيته من مصدر ثالث، هو على ما يبدو الغنوصية المبكرة التي نشأت عن الموروث الوثني ~~التقليدي للمنطقة. # يقول سمعان، وفق ناقده هيبوليتوس، بأن الله قوة أزلية موحدة وغير متمايزة، منغلقة على ~~نفسها في صمت مطلق، ثم إن هذه القوة اتخذت شكلا وانقسمت على نفسها، فظهر «العقل» # Nous # وهو ~~مذكر، و«الفكرة» # Enoia # وهي مؤنثة، وبذلك انشطرت الألوهة إلى قسم علوي هو عالم الروح، وقسم سفلي ~~هو عالم المادة، فلقد امتصت الفكرة إنويا القوى الخلاقة للأب وأنتجت ملائكة وقوى عملت ~~بواسطتهم على صنع العالم المادي، ولكن إنويا فقدت السلطة على القوى التي نتجت عنها، وصارت ~~أسيرة لها ولا تستطيع الرجوع إلى الآب، ثم ظهر سمعان ماجوس كتجسيد لله على الأرض لكي يحرر ~~إنويا من قيودها، ويقدم الخلاص من العالم المادي لكل ms079 من يتعرف عليه، بصفته هذه من البشر، # 44 # وقد كان لسمعان عدد من التلاميذ أشهرهم دوتيسيوس وميناندر، اللذان بشرا في ~~سورية، واتخذا من أنطاكية مقرا لهما. # يروي سفر أعمال الرسل في العهد الجديد عن سمعان ماجوس ما يلي: «فنزل الرسول فيليبس مدينة ~~سامرية وجعل يبشر بالمسيح ... وكان في المدينة قبل ذلك رجل اسمه سمعان، يفتري السحر ويفتن ~~أهل السامرة، زاعما أنه رجل عظيم، فكانوا يلزمونه من صغيرهم إلى كبيرهم، ويقولون: هذا هو ~~قوة الله العظيمة، وإنما لزموه لأنه أخذ يفتنهم بأساليب سحره من زمن طويل، فلما آمنوا ~~بكلام فيليبس الذي بشرهم بملكوت الله واسم يسوع، اعتمدوا رجالا ونساء، وآمن سمعان أيضا» ~~(8: 4-12). # ولكن سفر أعمال بطرس المنحول يعطينا صورة أخرى، حيث نجد سمعان وبطرس في روما، وكل منهما ~~يظهر الآيات والمعجزات لإثبات صحة رسالته، ثم اجتمع الرجلان للمنافسة، وبالرغم من أن سمعان ~~قد أظهر في هذه المواجهة أعجوبة عظيمة، عندما طار وحلق فوق أحياء روما، إلا أن الغلبة في ~~النهاية كانت لبطرس، بتأييد المسيح الذي ظهر له في الحلم، ووعده بأن أعمال سمعان كلها سيظهر ~~للملأ بطلانها، كونها تعتمد على السحر والإيهام. # 45 ~~(6) هل كان يسوع غنوصيا؟ # إن الحديث الذي سقناه أعلاه عن المدرسة الغنوصية السامرية، يعطينا مفتاحا لفهم مقطع غامض ~~ورد في إنجيل يوحنا، حيث وصف اليهود يسوع بالسامري: «فقال اليهود: ألسنا على صواب إذا قلنا ~~إنك سامري، وإن بك مسا من الشيطان؟» (يوحنا 8: 48)، فكيف يكون يسوع سامريا وكل الأناجيل ~~الأربعة تروي أنه ولد في بيت لحم، وعاش حياته وبشر برسالته في الجليل، ثم مات في أورشليم؟ ~~إن التفسير الوحيد لصفة السامري هنا، هو أن اليهود قد شعروا منذ البداية بوجود صلة بين ~~تعاليم يسوع الغريبة عليهم، وبين تعاليم الغنوصية السامرية، فهل كان يسوع غنوصيا؟ # إن الأناجيل الأربعة التي بين أيدينا اليوم هي نتاج عملية تحريرية طويلة: فقد دونت ~~باللغة اليونانية خلال الفترة ما بين العام 70م والعام 110م، وعزيت إلى بعض تلاميذ المسيح ~~مثل متى ويوحنا، أو إلى ms080 أشخاص عملوا مع الرسل ورافقوهم في رحلاتهم التبشيرية مثل مرقس ~~ولوقا، ونظرا للصراع بين الفرق، مما رافق تشكل ونشوء الكنيسة المسيحية، فقد خضعت هذه ~~النصوص إلى الكثير من التعديل والتنقيح لتلائم وجهة نظر الكنيسة القويمة، التي كانت ترسخ ~~أقدامها وتعمل بجد على التخلص من خصومها، وعندما تحول الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية ~~أمر بإتلاف جميع المؤلفات التي تتعارض مع العقيدة القويمة، ثم شكل في عام 331م لجنة من ~~رجال الدين كلفها بإعداد نسخ جديدة من الكتاب المقدس، ويبدو أن ما توفر لهذه اللجنة من نسخ ~~قديمة تعتمدها لإعداد النسخ الجديدة كان قليلا جدا، بعد أن كان سلف قسطنطين الإمبراطور ~~ديوقليانوس قد أمر بإتلاف جميع الكتب المسيحية التي أمكن العثور عليها، وذلك في آخر حملة ~~رسمية شاملة على المسيحية جرت عام 303م، وكان من نتيجتها فقدان الوثائق المسيحية لا سيما ما ~~كان منها موجودا في روما، وقد هيأ هذا الوضع فرصة لا تجارى لحماة الإيمان القويم، مكنتهم ~~من تنقيح الوثائق وتحريرها، # 46 # وهي العملية الأخيرة التي أعطت يسوع الوجه الذي يعرفه العالم عنه. # مع ذلك فإن الأناجيل الرسمية قد حافظت على ملامح من الوجه الآخر للمسيح ذي صبغة غنوصية ~~واضحة، وسنبدأ في استجلاء هذا الوجه من أول ما قام به يسوع، بعد أن هبط عليه الروح القدس ~~عقب اعتماده بالماء على يد يوحنا المعمدان، عندما مضى وحيدا يتأمل في الصحراء، وأتى ~~الشيطان ليختبره، وهذه حادثة لم تلق من الباحثين حتى الآن عناية كافية، على الرغم من أنها ~~في اعتقادي مفتاح لفهم العهد الجديد برمته، نقرأ في إنجيل لوقا، وما يوازيه في إنجيل متى ~~ما يلي: ~~«فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلا ~~مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من السموات قائلا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ... ورجع ~~يسوع من الأردن وهو ممتلئ من الروح القدس، فاقتاده الروح في البرية أربعين يوما، وإبليس ~~يجربه، ولم يأكل شيئا في تلك الأيام حتى انقضت، فأحس ms081 بالجوع، فقال له إبليس: إن كنت حقا ~~ابن الله فقل لهذه الحجارة أن تصير أرغفة، فأجابه: مكتوب أنه ليس بالخبز وحده يحيا ~~الإنسان، بل من كل كلمة تخرج من فم الله. فمضى به إبليس إلى المدينة المقدسة، وأقامه على ~~شرفة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فألق بنفسك إلى الأسفل، فإنه مكتوب: يوصي ملائكته بك ~~فيحملونك على أيديهم فلا تصطدم رجلك بحجر. فقال له يسوع: مكتوب أيضا: لا تجرب الرب إلهك. ~~ثم مضى به إبليس إلى جبل عال جدا، وعرض عليه ممالك الأرض في لحظة من الزمن، ثم قال له: ~~أجعل لك هذا السلطان كله، ومجد هذه الممالك؛ لأنه سلم إلي وأنا أجعله لمن أشاء، فإن سجدت ~~لي يعود إليك ذلك كله. فقال يسوع: اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده ~~تعبد. فلما أفرغ إبليس جميع ما عنده من تجربة، انصرف عنه إلى حين» (لوقا 4: 1-13)، و(متى ~~3: 16-17)، و(4: 1-13). # إن هوية الإله الذي تجلى ليسوع بعد خروجه من ماء العماد، تعلن عن نفسها من خلال الهيئة ~~الرمزية التي تجلى بها، فإله العهد القديم لم يتجل في أسفار التوراة أبدا في هيئة حمامة، ~~بل تجلى في ظواهر تمثل القوة والجبروت والغضب والانتقام، في عمود الدخان الذي كان يتقدم ~~جماعة موسى في الصحراء نهارا، وعمود النار الذي كان يقودهم ليلا، وفي الأوبئة والأمراض ~~التي أرسلها على المصريين، وفي النار الآكلة على جبل سيناء ودخانه يصعد كدخان الأتون، وفي ~~الرعود والبروق عندما كان يعلن شريعته للشعب، وفي العاصفة وقصف الرعد عندما كان يخاطب أيوب، ~~أما الحمامة فكانت في ديانات الشرق القديم رمزا للحب والخصب والعطاء، وكانت في عبادات ~~الأسرار رمزا للانخطاف الروحي في لحظات الكشف والاستنارة، ومن خلالها أعلن إله يسوع عن ~~نفسه كإله محبة لا إله غضب، محبة الإنسان ومحبة العالم: «لأنه هكذا أحب الله العالم حتى ~~بذل ابنه الوحيد لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يوحنا 3: 16-17). # وبالمقابل، فإن الذي اقتاد ms082 يسوع ليجربه في البرية، يعلن عن هويته من خلال قوله ليسوع بعد ~~أن عرض عليه ممالك الأرض في لحظة من الزمن: «أجعل لك هذا السلطان كله، ومجد هذه الممالك؛ ~~لأنه سلم إلي وأنا أجعله لمن أشاء»، فهو الديميرج إله هذا العالم، الذي رفض يسوع السجود ~~له، وأعلن انتهاء سلطانه على المؤمنين بالأب السماوي الأعلى: «اليوم دينونة هذا العالم، ~~واليوم ينبذ سيد هذا العالم، فإذا رفعت من هذه الأرض جذبت إلى الناس أجمعين» (يوحنا 12: 31-32)، وأيضا: «لأن رئيس هذا العالم قد حكم عليه» (يوحنا 16: 11)، «لن أخاطبكم بعد الآن لأن ~~سيد هذا العالم آت وليس له يد علي، وما ذلك إلا ليعرف العالم أني أحب الآب، وأعمل بما ~~أوصاني الآب» (يوحنا 14: 30)، وفي مشهد المحاكمة أعلن يسوع أن كل سلطة دنيوية في هذا العالم ~~تستمد قوتها من هذا الإله، قال له بيلاطس الوالي الروماني: «أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي ~~سلطانا أن أصلبك وسلطانا أن أطلقك؟ أجاب يسوع: لم يكن لك سلطان علي ألبتة لو لم تكن ~~أعطيت من فوق لذلك، الذي أسلمني إليك له خطية عظيمة» (يوحنا 19: 10-11). # إن الغنوصية هي النظام الديني الوحيد الذي يطابق بين الشيطان وإله هذا العالم، والشيطان ~~الذي جرب يسوع في البرية ما هو إلا إله العهد القديم نفسه، ولقد فهم بولس الرسول، بعد ذلك، ~~أكثر من غيره هوية المجرب عندما دعاه بإله هذا الدهر الذي يعمي بصيرة غير المؤمنين (2 ~~كورنثة 4: 4)، مستخدما أحد ألقاب يهوه في العهد القديم، نقرأ في سفر إشعيا 40: 27: «إله ~~الدهر، الرب خالق أطراف الأرض.» إن إله هذا الدهر هو الذي سلم يسوع إلى الصلب، جاهلا ~~بقيمته الحقيقية، على ما قال به مرقيون، ولكن يسوع بموته على الصليب قد غلب العالم وإله هذا ~~العالم: «ستعانون الشدة في العالم، فاصبروا لها، فقد غلبت العالم» (يوحنا 16: 13). # بعد هذا الخيار المبدئي ليسوع هل تشف الأناجيل الأربعة عن أفكار غنوصية بسطها يسوع ~~لتلاميذه؟ في الحقيقة، لقد بقيت في الأناجيل أقوال عديدة ليسوع تفصح عن خلفيته الفكرية، ~~فيسوع ms083 لم يستخدم أيا من أسماء الإله التوراتي، أو صفاته أو ألقابه، في الإشارة إلى إلهه، ~~بل دعاه دوما بلقب الآب، والآب السماوي، فهو أب ليسوع وأب للمؤمنين جميعا: «فاغفروا لكي ~~يغفر لكم أيضا أبوكم الذي في السموات زلاتكم» (مرقس 11: 25)، «إن الأعمال التي أعملها باسم ~~أبي تشهد لي» (يوحنا 10: 25)، «لأن لكم أبا واحدا هو الأب السماوي» (متى 21: 9)، «صلوا ~~أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ... إلخ»، «فكونوا أنتم كاملين لأن أباكم الذي ~~في السموات كامل» (متى 25: 48)، إن كل الآلهة السابقة على يسوع كان لها أسماء إلا إله ~~الغنوصية الذي لم يدع باسم معين، وإنما أشاروا إليه بلقب الأب، والأب الأعلى، والأب ~~النوراني، والإله الخفي ... إلخ، وهذا الإله الخفي هو إله يسوع. # وقد ركز يسوع على ثنائية النور والظلمة اللذين يرمزان إلى الأب النوراني الأعلى، والإله ~~الديميرج سيد العالم المادي الكثيف والمظلم، قال يسوع: «أنا نور العالم، من يتبعني لا يخبط ~~في الظلام، بل له نور الحياة» (يوحنا 8: 12)، «من سار في النهار لا يعثر لأنه يرى نور هذا ~~العالم، ومن سار في الليل يعثر لأنه ليس فيه نور» (يوحنا 11: 9)، «النور باق معكم وقتا ~~قليلا، فامشوا ما دام لكم النور مخافة أن يدرككم الظلام؛ لأن الذي يمشي في الظلام لا يدري ~~أين يسير، آمنوا بالنور ما دام لكم النور فتكونوا أبناء النور» (يوحنا 12: 35-36)، «جئت إلى ~~العالم نورا، فمن آمن بي لا يقيم في الظلام» (يوحنا 12: 46)، «النور يشرق في الظلمات ولا ~~تغشاه الظلمات ... الكلمة هو النور الحق الذي ينير كل إنسان» (يوحنا 1: 5-9). # وفي مقابل ملكوت الرب الذي يؤسسه يهوه على الأرض في نهاية الزمن، فإن مملكة إله يسوع لا ~~تنتمي إلى هذا العالم، فعندما سأله بيلاطس في المحاكمة: أنت ملك اليهود؟ أجاب يسوع: «ليست ~~مملكتي من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني رجالي لكي لا أسلم إلى ~~اليهود، ولكن مملكتي ليست من هنا» (يوحنا 18: 36)، هذا الملكوت لن يتأسس في زمن مقبل يسعى ~~إليه تاريخ الإنسان، بل هو ms084 حاضر هنا والآن في داخل المؤمن، سأله الفريسيون متى يأتي ~~ملكوت الله، فأجابهم: «إن مجيء ملكوت الله لا يستدل عليه بشيء، ولا يقال ها هو ذا هنا، أو ~~ها هو ذا هناك، فإن ملكوت الله هو فيكم» (لوقا 17: 20-21). # كما استخدم يسوع مصطلحات غنوصية واضحة عندما تحدث عن غربة المؤمنين في هذا العالم، قال ~~يسوع: «ستعانون الشدة في هذا العالم، فاصبروا لها، لقد غلبت العالم» (يوحنا 16: 33)، «إن ~~أبغضكم العالم فاعلموا أنه قد أبغضني قبل أن يبغضكم، لو كنتم من هذا العالم لأحب العالم من ~~كان منه، ولكن العالم أبغضكم لأنكم لستم منه» (يوحنا 15: 18-20)، «بلغتهم كلامك فأبغضهم ~~العالم؛ لأنهم ليسوا من هذا العالم، كما أني لست من هذا العالم» (يوحنا 17: 14)؛ لهذا فإن ~~يسوع إنجيل يوحنا لم يأت ليدين العالم، كما هو الحال في الأناجيل الثلاثة الإزائية، بل ~~ليخلص العالم: «ما جئت لأحكم على العالم بل لأخلص العالم» (يوحنا 12: 47)، وهذا الخلاص هو في ~~طبيعته هروب من عالم فاسد لا أمل في إصلاحه؛ لأنه واقع تحت سلطان الظلمة: «من أحب حياته ~~هلك، ومن كره حياته في هذه الحياة الدنيا حفظها للحياة الأبدية» (يوحنا 12: 25)، والحياة ~~الأبدية تبدأ عندما تنكشف البصيرة على الحقائق السرية، عندها يولد الإنسان ولادة جديدة، ~~ولادة من الأعلى الروحاني لا من الأسفل المادي: «ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله إلا إذا ~~ولد من عل ... إلا إذا كان مولودا من الماء والروح، فمولود الجسد يكون جسدا، ومولود الروح ~~يكون روحا» (يوحنا 3: 3-6). # هذا وبإمكاننا استكمال صورة يسوع الغنوصي اعتمادا على إنجيل توما الذي اعتبر بمثابة ~~الإنجيل الخامس على الرغم من عدم ضمه إلى أسفار العهد الجديد، وذلك بسبب قربه الشديد إلى ~~إنجيل يوحنا، واحتوائه على عدد كبير من أقوال ليسوع وردت في الأناجيل الرسمية. يعود ~~تاريخ تدوين هذا الإنجيل إلى النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، أي إلى وقت قريب من ~~تاريخ تدوين إنجيل يوحنا، وقد عد بين الأناجيل الغنوصية على الرغم من عدم إغراقه في ~~الغنوصية، وما ذلك ms085 إلا لتركيزه على عدد من الأفكار الغنوصية مثل معرفة النفس والبحث عن ~~الله في الداخل، لا يحتوي النص على سيرة حياة يسوع التقليدية، وإنما على مجموعة من أقواله ~~المتفرقة التي دونها المؤلف من غير أن يذكر المناسبة في قولها، وهو يبتدئ بالقول: «هذه هي ~~الكلمات السرية (أو الخفية) التي قالها يسوع الحي»، وبما أن كلمات يسوع هذه قد دونت لكي ~~يطلع عليها كل من يشاء، فإن صفة السرانية هنا لا تعني الخفاء المادي، بل سرانية المعاني ~~وخفاءها على علوم الظاهر؛ ولهذا فقد تابع المؤلف قائلا: «إن من يتوصل إلى تأويل هذه ~~المعاني لا يذوق الموت»، ومن ناحية أخرى فإن السرانية هنا تدل على أن هذه الأقوال لم تعلن ~~للعامة، وإنما أعلنت للخاصة فقط. # قال يسوع في إنجيل توما: «ألقيت على العالم نارا، وإني لأرقبه حتى يضطرم» (الفقرة 10)، # 47 # وقال أيضا: «يعتقد الناس بأني جئت لألقي سلما على الأرض، ولكنهم لا يعلمون ~~بأني جئت لألقي على الأرض شقاقا، نارا وسيفا وحروبا، فإذا كان خمسة في منزل واحد، ~~يقوم ثلاثة ضد اثنين، واثنين ضد ثلاثة، ويقوم الابن ضد أبيه، والأب ضد ابنه، ويقفون وحيدين» ~~(الفقرة 16)، وقال: «من هو قربي هو قرب النار» (الفقرة 82). # وذلك لأن رسالة يسوع هي رسالة راديكالية تهدف إلى قلب عالم قديم وخلق عالم جديد، ولهذين ~~القولين ما يشبههما في الأناجيل الرسمية، فقد ورد في إنجيل متى: «لا تظنوا أني جئت لأحمل ~~السلام إلى الأرض، ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا» (متى 10: 35)، وورد في إنجيل لوقا: «جئت ~~لألقي على الأرض نارا، وكم أرجو أن تكون قد اضطرمت ... أوتظنون أني جئت لألقي السلام على ~~الأرض؟ أقول لكم لا، بل الخلاف» (لوقا 12: 49-51)، قال يسوع في إنجيل توما: «عندما تعرفون ~~أنفسكم عندها يعرفونكم، وتعرفون أنكم أبناء الآب الحي، ولكن إذا لم تعرفوا أنفسكم أقمتم في ~~الفقر، وكنتم الفقر» (الفقرة 3)، ومعرفة النفس هي جهد حثيث متواصل يصاحبه الاضطراب الداخلي ~~قبل الحصول على الهدوء: «على من يبحث ألا يتوقف عن البحث إلى أن ms086 يجد ضالته، وعندما يجد ~~ضالته سوف يضطرب، وعندما يضطرب سوف يدهش ويسود على الكل» (الفقرة 1)، «من يبحث يجد، ومن ~~يريد الدخول يفتح له» (الفقرة 94). # ومن خلال العرفان تحل القيامة الفردية، ويفتح باب الملكوت؛ لأن القيامة لن تأتي في زمن ~~موعود قادم، بل هي متاحة في أي وقت، قال له التلاميذ: «متى راحة الموتى، ومتى يأتي العالم ~~الجديد؟ فقال لهم: إن ما تنتظرونه قد أتى ولكنكم لم تتبينوه» (الفقرة 51)، وقالوا له أيضا: ~~«متى يأتي الملكوت؟ فقال يسوع: لا يأتي حين تنتظره، لا يقولون لكم هو ذا هنا، أو هو ذا ~~هناك؛ لأنه يملأ الأرض ولكن الناس لا يرونه» (الفقرة 113)، وهو يسخر من الفهم اليهودي ~~لمملكة الرب باعتبارها تنتمي إلى مكان ما وزمان ما: «إذا قال قادتكم هو ذا الملكوت في ~~السماء، عندها تكون طيور السماء أقرب إليه منكم، وإذا قالوا لكم إنه في البحر، تكون أسماكه ~~فيه قبلكم، ولكن الملكوت في داخلكم» (الفقرة 3)، إن القيامة المرتقبة لن تجلب الحياة لمن لم ~~يجدها قبل موته، ومن وجد الحياة قبل موته لن يموت أبدا: «هذه السماء ستزول والتي فوقها ~~ستزول، ولكن الذين هم أموات لن يحيوا، والذين هم أحياء لن يموتوا» (الفقرة 11). # والنفس العارفة تدرك أنها جاءت من عالم النور، وتدرك أن سجنها في عالم المادة مؤقت: «إذا ~~سألكم الناس من أين أتيتم؟ قولوا لهم أتينا من النور» (الفقرة 50)؛ ولذلك فإن قبسا من ~~النور يبقى في النفس الغافلة، وما عليها سوى إضرامه، سأله التلاميذ: «أرنا المكان الذي أنت ~~فيه؛ لأننا يجب أن نطلبه، فقال لهم: هنالك نور داخل مخلوق النور من شأنه أن يضيء العالم، ~~ولكن إذا لم يضئ كان ظلمة» (الفقرة 24). # في رحلة العارف هذه، لا يلعب المعلم سوى دور ثانوي بالنسبة إلى الدور الرئيسي الذي يلعبه ~~المريد نفسه، وعلى عاتقه وحده تقع مسئولية الكدح الروحي، بينما يقوم المعلم بدور الموجه ~~الذي يكشف لتلميذه من الأسرار ما يتلاءم وقابليته للتقدم والارتقاء، فإذا ما بلغ مرحلة ~~النضج، تجاوز التلميذ أستاذه وانطلق وحيدا، قال ms087 يسوع في إنجيل توما لتلميذ ناداه يا معلم: ~~«لست معلمك؛ لأن شربت فسكرت من النبع الفوار الذي سكبته.» (الفقرة 13)، وقال أيضا: «من يشرب ~~من فمي يصبح مثلي، وأنا أكون هو، وسوف تنكشف له الأشياء الخبيثة» (الفقرة 108)، وهذا يعني ~~أن من حقق العرفان تماهى مع المسيح، وذابت الفواصل بين الإلهي والإنساني. # ولعل من أهم ما تنكشف عنه بصيرة العارف هو أصل الروح في العالم الأسمى وغربتها في هذا ~~العالم الذي ليس سوى معبر مؤقت. قال يسوع في إنجيل توما: «طوبى لمن وجد قبل أن ينشأ» ~~(الفقرة 9)، وقال: «طوبى للمتوحدين والمختارين؛ لأنكم تجدون الملكوت؛ لأنكم عنه نشأتم وإليه ~~تعودون» (الفقرة 49)، «كونوا مثل عابرين» (الفقرة 42)، وعندما سألته مريم المجدلية: من يشبه ~~تلاميذك؟ قال لها: «يشبهون أطفالا يعيشون في حقل لا يخصهم» (الفقرة 21). # إن بؤس الشرط الإنساني يعود إلى الجهل لا إلى الخطيئة، ويسوع قد جاء كمعلم روحي لإنقاذ ~~النفوس من جهلها، لا لتحريرها من الخطيئة؛ لذلك فإنه يشبه في إنجيل توما الجهلاء الذين ~~يعزفون عن المعرفة بالسكارى الغافلين عن أنفسهم: «لقد وقفت في وسط العالم، وبالجسد ظهرت ~~لهؤلاء، فوجدتهم سكارى كلهم، ولم أجد أحدهم ظمآن، فحزنت نفسي على بني البشر لأنهم عميان ~~القلوب، لقد أتوا إلى العالم فارغين ويسعون إلى الخروج منه فارغين» (الفقرة 28). # والعارف يركز على المدلولات الداخلية للأحداث ولا تهمه سلسلة الأحداث التوراتية كما ~~فهمتها الكنيسة القويمة باعتبارها تاريخا للخلاص. من هنا فإن الأقوال النبوية التوراتية ~~التي تتنبأ بمجيء المخلص لا قيمة لها، وهي تنتمي إلى منظومة دينية مغايرة لما يؤمن به ~~الغنوصي، فعندما قال التلاميذ ليسوع: «أربعة وعشرون نبيا في إسرائيل أخبروا بك، قال لهم: ~~لقد تجاهلتم الحي الحاضر بينكم (يعني نفسه) وتحدثتم فقط عن الأموات» (الفقرة 52). وفي قول ~~آخر له اختصر الشريعة إلى معرفة داخلية فردية بالخير والشر: «سأله تلاميذه : هل تريدنا أن ~~نصوم؟ كيف نصلي؟ هل نتصدق؟ ما الذي يحل لنا أكله وما الذي لا يحل؟ قال يسوع: لا تقولوا ~~كذبا ولا تفعلوا ما تكرهون» (الفقرة 6)، وفي قول ms088 آخر سخر من الشريعة ممثلة بعادة الختان: ~~«قال له التلاميذ: هل الختان مفيد؟ فقال لهم: لو كان مفيدا لأنجبهم أبوهم من أمهم مختونين، ~~ولكن إذا كان ختانا حقيقيا فبالروح، عندها يكون مفيدا» (الفقرة 53). # ولقد بث يسوع في تلاميذه تعاليم خاصة غير التي بثها في عامة الناس، ومع ذلك فقد خص جماعة ~~من هؤلاء التلاميذ بتعاليم أكثر سرية: «قال يسوع لتلاميذه: بمن تقارنونني وتشبهونني؟ قال ~~له سمعان بطرس: أنت تشبه ملاكا بارا، وقال له متى: أنت تشبه رجلا حكيما وفيلسوفا، ~~وقال له توما: يا معلم، إن فمي عاجز عن تشبيهك بأحد ... فأخذه يسوع وتنحى به جانبا وقال له ~~بضع كلمات، وعندما رجع توما إلى رفاقه سألوه: ماذا قال لك يسوع؟ فأجابهم: لو أني أخبرتكم ~~بكلمة مما قال لي لحملتم حجارة ورجمتموني، وتخرج نار من الحجارة تحرقكم» (الفقرة ~~13). ~~(7) مصادر خلفية يسوع الغنوصية # في الحديث عن خلفية يسوع الثقافية نحن لا نملك سوى التكهنات، فالأناجيل الغنوصية لم تهتم ~~بسيرة يسوع بقدر ما اهتمت بأقواله، وركزت بشكل خاص على ظهوراته الروحانية التي تلت حادثة ~~الصلب، أما الأناجيل الرسمية فإنها تبدأ سيرة يسوع من اليوم الذي اعتمد فيه على يد يوحنا ~~المعمدان، عندما كان في نحو الثلاثين من عمره، وليست قصص الميلاد، وقصة ظهور يسوع في الهيكل ~~وهو في سن الثانية عشرة يحاور الشيوخ بفهم وحكمة، إلا نوعا من السرد العجائبي الذي يروق ~~للخيال الشعبي، مما عرفناه في أناجيل الطفولة المنحولة، مثل إنجيل يعقوب التمهيدي، وإنجيل ~~الطفولة العربي، وكتاب توما الإسرائيلي، المليئة بالمعجزات التي اجترحها يسوع في سن ~~الطفولة. # وحتى صورة يسوع الفتى وهو يساعد أباه يوسف النجار في حانوت النجارة، مما تحدثت عنه بعض ~~الأناجيل المنحولة الأخرى، فصورة غامضة ولا يوجد شواهد كافية عليها، وفي الواقع فإن صفة ~~النجار تطلق على يوسف أو على ابنه يسوع، لم ترد إلا مرة واحدة في العهد الجديد، وبصورة ~~عرضية جدا، وقد لا تدل هذه الكلمة على مهنة النجارة بل على شيء آخر. # لقد وردت صفة النجار في ms089 إنجيل مرقس في الإشارة إلى يسوع: «ولما أتى السبت أخذ يعلم في ~~المجمع، فدهش أكثر الناس حين سمعوه، وقالوا: من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة التي أوتيها، ~~وهذه المعجزات التي تجري على يديه؟ أما هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا ~~وسمعان؟ أوليست أخواته عندنا هنا؟ وأخذتهم الحيرة فيه» (مرقس 6: 32)، ووردت الحادثة نفسها في ~~إنجيل متى على الوجه التالي، ومنها نفهم أن النجار هو يوسف: «وذهب من هناك وعاد إلى وطنه، ~~وجعل يعلم في مجمعهم حتى دهشوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات، أما هو ابن ~~النجار؟ أليست أمه تدعى مريم، وإخوته هم يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أوليس جميع أخواته ~~عندنا؟ وأخذتهم الحيرة فيه» (متى 13: 53-55)، فهل كان يسوع نجارا أو أن أباه كان نجارا؟ ~~في دراسة هذه المسألة، لاحظ الباحث جيزا فيرمي # Geza Vermes # فقيه اللغات السامية الشرقية، ~~والأستاذ في جامعة أكسفورد، أن كلمة «نجار» في اللغة الآرامية، لغة يسوع، قد لا تدل في ~~السياق الذي استخدمت به في النص الإنجيلي على مهنة النجارة، وإنما على الشخص المتعلم ~~والمثقف والحكيم؛ لأن مؤلفي التلمود قد استخدموها على هذا الوجه، وعلى هذا، من المرجح أن ~~المقطع الذي يتحدث عن النجار أو ابن النجار قد ورد في أصله الآرامي على الوجه التالي: «من ~~أين له هذا؟ وما هذه الحكمة التي أوتيها وهذه المعجزات التي تجري على يديه؟ ولكن أما هو ~~الحكيم ابن مريم ...» و«من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟ ولكن أما هو ابن الحكيم؟ أليست أمه تدعى مريم ...» # 48 # وبما أننا لا نملك من النصوص الأدبية الآرامية ما يكفي للتحقق من كيفية ~~استخدام كلمة «نجار» في آرامية عصر يسوع، فإن استخدامها التلمودي ربما يعكس واقع استخدامها ~~الأدبي في اللغة الآرامية، وهذا ما يقودنا إلى الاستنتاج بأن يسوع كان ينتمي إلى شريحة ~~متعلمة من المجتمع الجليلي، وربما كان ينتمي إلى إحدى الأخويات العرفانية التي كانت منتشرة ~~في الجليل. # حول هذا الموضوع، يقول ه. سبنسر لويس، وهو من مؤرخي ms090 الحركات السرانية العرفانية، شارحا ~~خلفية يسوع الثقافية، ما ملخصه: # يوصف يسوع في الأدبيات المسيحية بالناصري، ويراد بهذا الوصف أنه قد عاش في مدينة تدعى ~~«ناصرة» (واسمها في النص الكتابي # Nazareth # والنسبة إليها # Nazarene ~~)، وذلك تبعا لما ورد في ~~إنجيل متى 2: 22-23، من أن يوسف وعائلته قد انتقلوا إلى الجليل، وعاشوا في مدينة الناصرة ~~«ليتم ما أوحي إلى الأنبياء فقالوا إنه يدعى ناصريا»، ولكن كل الوقائع تشير إلى أن ~~المدينة التي نعرفها اليوم باسم الناصرة، لم تكن موجودة خلال حياة يسوع، فنصوص العهد القديم ~~لم تأت على ذكرها، ولم ترد في أخبار المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي عاش في النصف الثاني من ~~القرن الأول قبل الميلاد، ووصف بالتفصيل خريطة فلسطين، كما لم ترد في أي وثيقة تاريخية أو ~~طبوغرافية أخرى، ولا سيما في الوثائق الرومانية، ويبدو أن المدينة قد أحدثت فيما بعد، ~~وأطلق عليها اسمها، بسبب الحاجة إلى وجود مثل هذا الموقع لتفسير ما ورد في إنجيل متى، ~~وقد تم ذلك في القرن الثالث الميلادي عندما اختيرت مزرعة صغيرة على مبعدة من بحيرة طبريا ~~(أو بحر الجليل كما دعيت أحيانا) تحمل اسما قريبا من الاسم الكتابي، لتكون موقعا لناصرة ~~إنجيل متى، ومسرحا لطفولة يسوع. # وفي الواقع (يتابع سبنسر لويس) فإن صفة «ناصري» لم تكن في ذلك الوقت تعني شخصا من مدينة ~~الناصرة، وإنما شخصا ينتمي إلى شيعة سرانية غير يهودية تدعى شيعة الناصرين # Nazarene ~~، ~~ومثلها أيضا شيعة النذيرين # Nazarites ~~، وشيع أخرى قريبة منهما، وجميع هذه الشيع يضم وثنيين ~~من حيث المولد ويهودا جليليين حديثي العهد باليهودية؛ لأن اليهودية لم تنتشر في الجليل إلا ~~قبل بضعة عقود فقط من مولد يسوع، ولقد رفض هؤلاء اليهود المحدثون الشريعة التوراتية، كليا ~~أو جزئيا، وكانوا ينتظرون المسيح الكوني الذي سيقدم الخلاص لكل الناس لا لليهود وحدهم، ~~وكان لهذه الشيع مقام ديني مقدس على جبل الكرمل ، ودير هو أشبه بالمعهد الديني الذي يلتحق ~~به الفتيان في سن الثانية عشرة، من أجل الإعداد الديني وتلقي الأسرار، وكان لهذا ms091 المقام ~~الديني شهرة واسعة خارج فلسطين، وقصده العديد من الحكماء وأمضوا فيه وقتا لا بأس به خلال ~~فترة إعدادهم الروحي، ومنهم فيثاغورث الذي تروي سيرة حياته عن اعتكافه لسنوات في جبل ~~الكرمل، أكثر الجبال قداسة. # ويخلص سبنسر لويس إلى القول بأن يسوع كان واحدا من شيعة الناصريين (وهم غير الناصرين، ~~أو النصارى، الذين شكلوا شيعة مسيحية يهودية بعد موت يسوع)، وأنه تلقى أسرارها منذ حداثته، ~~وتفقه في تعاليمها، وتدرب على أيدي معلميها، ولعل القصة التي أوردها لوقا عن يسوع الفتى وهو ~~يحاور، بمعرفة وذكاء شيوخ الهيكل، لم تجر في هيكل أورشليم وإنما في دير جبل الكرمل، وفي ~~رأي سبنسر لويس، فإن مثل هذا التدريب لا يتعارض مع الوحي الإلهي الذي تلقاه يسوع، أو مع ~~تواصله المباشر مع الوعي الكوني الذي أمده بالأفكار؛ لأنه كان عليه أن يشرح هذه الأفكار ~~لمعاصريه ويقربها إلى أذهانهم من خلال كلمات وصور ومفاهيم يألفونها. إن الرسامين العظام قد ~~أنتجوا روائعهم تحت تأثير نوع خاص من الوحي والإلهام، ولكنهم مروا قبل ذلك بفترة تدريب ~~طويلة، أتقنوا خلالها أصول التعبير بالخط واللون، حتى صاروا مهيئين للتعبير عن الوحي ~~بتقنيات عالية، والشيء نفسه ينطبق على الموسيقى العظيمة التي نشأت أولا عن إلهام انبثق ~~في ضمير المؤلف الموسيقي، ولم يكن بمقدوره التعبير عنه إلا من خلال تقنيات موسيقية عالية ~~اكتسبها خلال فترة التدريب. لقد كان على يسوع، بصرف النظر عن كمال التواصل مع الوعي الكوني، ~~أن يكتسب التدريب المناسب ليستطيع التعبير عن أفكاره بتلك الطريقة، وتلك اللغة التي ميزت ~~المعلمين الروحيين عبر التاريخ. ولا شك أن إعداد يسوع قد ابتدأ منذ سنوات طفولته الأولى على ~~يد أبوين غير يهوديين ينتميان إلى شيعة الناصريين. # 49 # وهنالك من الباحثين من يرجع خلفية يسوع الثقافية إلى بيئة مدينة الإسكندرية، وهؤلاء ~~يأخذون على محمل الجد ما ورد في إنجيل متى عن سفر العائلة المقدسة إلى مصر؛ خوفا من ~~الملك هيرود الذي كان يبحث عن يسوع الوليد ليقتله، وفي هذا يقول ديزموند سيتورات، أحد ms092 ~~الباحثين الراديكاليين في سيرة يسوع، بأن يسوع قد أمضى فترة الطفولة والفتوة في الإسكندرية، ~~واتصل ببعض الشيع العرفانية السرانية، ولا سيما جماعة الشافين # Therapeutae # التي كان أفرادها ~~يعيشون عيشة النساك في منطقة قرب الإسكندرية، وهم كما يخبر عنهم فيلو الإسكندراني (من ~~القرن الثاني الميلادي) جماعة من المنشقين اليهود آثروا الزهد والابتعاد عن التجمعات ~~الحضرية، وتكريس وقتهم للعبادة والتأمل، وهم يحتفظون بتعاليم تقوم على تفسير باطني ~~للكتاب المقدس يخالف التعاليم الأرثوذكسية الظاهرية، ويلبسون خشن الثياب ويعيشون عيشة الفقر. # 50 # إن الصورة التي سنتابع تقصي ملامحها ليسوع المسيح، بصرف النظر عن مصادر خلفيته الثقافية ~~التي لا نستطيع الإدلاء بقول قاطع بشأنها، هي صورة حكيم جليلي عاش في بيئة الجليل التي ~~اختلطت فيها عقائد وثنية تقليدية، ويهودية، وعرفانية سرانية، وانطلق في تعاليمه من نقد ~~الجمود العقائدي اليهودي، والنزعة الطقسية اليهودية، والشريعة التوراتية، مؤسسا بذلك ~~لمفاهيم ذات طابع إنساني شمولي يتجاوز الانغلاق الأيديولوجي، والتعصب الإثني والديني، بعض ~~هذه التعاليم كان سريا ولم يبثه يسوع إلا في حلقة ضيقة من تلاميذه، وهو الذي قاد إلى ~~تكوين المسيحية الغنوصية، التي لم تتجاوز اليهودية فقط، بل وقفت منها موقف العداء السافر، ~~واعتبرت إلهها بمثابة الشيطان الساقط الذي صنع العالم المادي. # في الفصل القادم سوف نستخدم مقاربة تاريخية شاملة، تساعدنا على استقصاء البيئة الدينية ~~والثقافية والإثنية لمنطقة الجليل، وذلك من خلال إطلالة عامة على السياق التاريخي لنشوء ~~الدين اليهودي، والمدى الجغرافي لانتشار اليهودية داخل المنطقة الفلسطينية، وذلك لغرض توفير ~~المعلومات اللازمة للإجابة على عدة أسئلة تتعلق بخلفية يسوع، وجميعها تؤدي إلى سؤال مهم ~~أخير يتعلق بصلة يسوع باليهود واليهودية. # الفصل الثالث # | اليهودية في فلسطين ومسألة الجليل # ينشأ كل دين في سياق تاريخي معين وتحت شروط معينة، ثم تأخذ معتقدات هذا الدين في ~~التغير والتطور، حتى تكتسب صيغتها الأخيرة التي لا تبدي استجابة للتغيير إلا في حدود ~~الاجتهادات التي تطال المظهر من دون الجوهر، من هنا، فإن فهم أي دين مرتبط إلى هذا الحد أو ~~ذاك بفهم الشروط التاريخية ms093 التي أحاطت بولادته ونشأته وتطوره، تغدو هذه المسألة أكثر حيوية ~~وأهمية في دراستنا للدين اليهودي، وذلك بسبب الصلة الوثيقة التي يعقدها كتاب التوراة بين ~~هذا الدين وتاريخ شعب معين هو «شعب إسرائيل»، وقد صارت هذه الصلة إلى درجة من القوة بحيث ~~يصعب على قارئ التوراة التمييز بين الدين والتاريخ؛ لأن التاريخ هنا لم يعد إلا المسرح الذي ~~تتجلى فيه مقاصد الإرادة الإلهية من خلال علاقة إله التوراة بشعبه المختار إسرائيل، كما أن ~~الرسالة الروحية في كتاب التوراة كما يقدمها محرروه، لا تتكشف دفعة واحدة، وخلال حقبة ~~قصيرة من الزمن، ومن خلال شخصية روحية واحدة، وإنما تتكشف عبر فترة زمنية تمتد قرابة 1300 ~~سنة، ومن خلال شخصيات روحية عديدة تبدأ بإبراهيم، الأب الأول، نحو عام 1800ق.م. وتنتهي ~~بعزرا الكاهن نحو عام 450ق.م. # ولكن إلى أي حد تكتسب الرواية التوراتية مصداقية تاريخية؟ وإلى أي حد نستطيع الوثوق ~~بالمخطط التاريخي العام لتكشف الرسالة الروحية في التوراة كما رسمه لنا محرروه؟ ما هو ~~السياق التاريخي البديل لنشوء اليهودية؟ وما هو المدى الزمني والجغرافي الحقيقي لانتشار ~~اليهودية؟ هل دانت فلسطين يوما باليهودية؟ هل كان لليهود كيان سياسي في فلسطين في يوم من ~~الأيام؟ ومتى وأين؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا الفصل، وهو الذي سيوصلنا أخيرا ~~إلى استقصاء البيئة الثقافية لمنطقة الجليل، مسرح الإنجيل. # 1 # حتى وقت قريب كان الباحثون التوراتيون والمؤرخون، على حد سواء، مقتنعين إلى هذا الحد ~~أو ذاك بالطابع التاريخي للرواية التوراتية، وبالصلة العضوية بين الديانة اليهودية وتاريخ ~~شعب إسرائيل كما ترسمه هذه الرواية، غير أن المعلومات الآثارية والتاريخية التي توفرت بين ~~أيدي الباحثين خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة منذ أوائل ثمانينياته، قد قادت ~~العديد من المؤرخين وعلماء الآثار الراديكاليين في الغرب، إلى الفصل بين الصورة التاريخية ~~لإسرائيل القديمة وصورتها التوراتية. # وكلما كانت هذه المعلومات تتراكم ويتم الربط بينها، تبين للباحثين صعوبة ملاءمتها مع ~~الرواية التوراتية عن أصول إسرائيل، وعن مملكتها الموحدة مملكة شاءول وداود وسليمان، وعن ~~مملكتيها التوأمين ms094 السامرة ويهوذا، أي إن النشاط الأركيولوجي المحموم الذي كان يهدف إلى ~~إثبات الرواية التوراتية، قد أدى أخيرا إلى عكس الغاية المنشودة، وبدأت حلقات الرواية ~~التوراتية تخرج واحدة إثر أخرى من مجال التاريخ إلى مجال الأدب الديني، ولم يبق من أحداث ~~ما يدعى بالأسفار التاريخية في التوراة (من سفر يشوع إلى أخبار الأيام الثاني) ما يتقاطع مع ~~المصادر الخارجية، ويتفق مع نتائج التنقيب الأثري، سوى بضعة أخبار من الهزيع الأخير لحياة ~~مملكتي السامرة ويهوذا، يشوبها الغموض والتشوش، ويثقل كاهلها المنظور اللاهوتي للمحررين ~~التوراتيين. # إننا نعرف الآن أن ما يدعى بعصر الآباء الذي ابتدأ بإبراهيم وانتهى برحيل أولاد يعقوب ~~واستقرارهم في مصر، هو عبارة عن مجموعة قصص مستوحاة من ماض خرافي لا يمكن وضعه في إطار ~~تاريخي حقيقي، ونعرف أيضا أن الجماعات التي توطنت في مناطق الهضاب الفلسطينية في عصر ~~الحديد الأول 1200-1000ق.م. (وهي الفترة المفترضة لدخول القبائل الإسرائيلية أرض كنعان) لم ~~تخرج من مصر في هجرة جماعية قوامها مئات آلاف الأشخاص، ولم تدخل فلسطين بعد فترة تجوال في ~~الصحراء، ولم تفتك بالسكان المحليين وتحل محلهم، ولم تأت معها بديانة نزل وحيها في سيناء، ~~إن ثقافة هؤلاء المستوطنين كما تعكسها مخلفاتهم المادية تدل على انتمائهم إلى الثقافة ~~الفلسطينية، فهم سكان محليون من مناطق فلسطين الكبرى تسربوا ببطء إلى مناطق الهضاب ~~الفلسطينية التي كانت خالية من السكان، نتيجة موجة الجفاف الطويل التي ضربت المنطقة خلال ~~عصر البرونز الأخير، ولا علاقة لهم بالقبائل العبرانية التي تسلسلت من أولاد يعقوب ~~الخرافيين. # ونعرف الآن، وعلى وجه التأكيد، أن المناطق الهضبية الفلسطينية لم تشهد خلال القرن العاشر ~~قبل الميلاد قيام مملكة موحدة حكمها على التوالي شاءول وداود وسليمان، لمت شمل القبائل ~~العبرانية في كيان سياسي قوي، ثم ضمت إليها معظم المناطق الفلسطينية وجزءا كبيرا من شرقي ~~الأردن وسورية الجنوبية، ذلك أن نتائج المسح الأركيولوجي الشامل لمناطق الهضاب الفلسطينية، ~~تقول لنا بأن قيام مثل هذه المملكة لم يكن مستبعدا فقط، بل كان مستحيلا، فالمناطق الهضبية ~~الشمالية (مرتفعات السامرة) ms095 لم تكن تحتوي في أواخر القرن الحادي عشر ق.م. وهي الفترة ~~المفترضة لحكم الملك شاءول، إلا على 200 مستوطنة زراعية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها مجتمعة ~~بضعة آلاف نسمة، أما منطقة الهضاب الجنوبية (مرتفعات يهوذا) فلم تحتو حتى نهاية القرن ~~العاشر، أي إلى الفترة المفترضة لموت الملك سليمان وانحلال المملكة الموحدة، إلا على بضع ~~عشرات من المستوطنات الزراعية لا يتجاوز عدد سكانها الألفي نسمة، وأما مدينة أورشليم ~~العاصمة المفترضة لهذه المملكة، فقد كانت خلال كامل القرن العاشر مدينة مهجورة ولا أثر فيها ~~لحياة سكنية، إن ما يقوله لنا علم الآثار هو أن المملكة الموحدة لكل إسرائيل لم تقم لها ~~قائمة؛ لأن القاعدة الاقتصادية والسكانية لم تتوفر فيها، ولم يكن هنالك عاصمة أو مراكز ~~حضارية ذات شأن. # 2 # أما بخصوص المملكتين التوأمين إسرائيل (= السامرة) ويهوذا اللتين نشأتا عن المملكة ~~الموحدة عقب موت الملك سليمان عام 931ق.م. فإن علم الآثار يقول لنا بأن مملكة إسرائيل قد ~~ظهرت كدولة مكتملة النمو في منطقة الهضاب الشمالية قبل قرن ونصف تقريبا من ظهور مملكة ~~يهوذا في الجنوب، وإن الدولتين لم تتعاصرا إلا لفترة قصيرة جدا، إن المسح الأركيولوجي ~~الميداني الشامل لمناطق الهضاب الفلسطينية، قد رسم لنا الصورة الأكثر قربا إلى الحقيقة، ~~بخصوص تشكل مملكة إسرائيل التاريخية ومملكة يهوذا، فهاتان الدولتان قد نشأتا على الخلفية ~~العامة لثقافة عصر الحديد، وفي حقبتين متباعدتين، وشروط متباينة، وقد جاء سكان هاتين ~~الدولتين من مناطق فلسطينية متعددة، ومن المناطق الرعوية في البلدان المجاورة؛ لأن الطابع ~~الثقافي المحلي الكنعاني هو الطابع السائد في جميع المواقع، من هنا، فإن الروابط التي يمكن ~~أن تكون قد جمعت بين هاتين المملكتين، ليست أكثر قوة من الروابط التي جمعت أي دولتين في ~~منطقة فلسطين والجنوب السوري، والقاعدة المشتركة بينهما ليست إلا من ابتكار قصة الأصول ~~التوراتية، أما قصة الأسباط الاثني عشر من بني إسرائيل، فلم تعد اليوم سوى رواية لاهوتية لا ~~تحمل أي مصداقية تاريخية. # هذا وتبين لنا الدراسة النقدية المدققة للأسفار التوراتية، ولنصوص الحملات ms096 الآشورية على ~~فلسطين خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، أن المساحة التي شغلها كل من إسرائيل ~~ويهوذا لم تتعد المناطق الهضبية إلا على شكل مد استعماري قصير الأجل ومتقطع، لم يتوصل إلى ~~استيعاب سكان المناطق المستعمرة وضم أراضيها بشكل كامل، وبشكل خاص فقد كانت منطقة الجليل ~~منذ القرن العاشر تحت السيطرة غير المباشرة لكل من مملكتي صور ودمشق، بحيث بسطت دمشق ~~نفوذها السياسي على الجليل الشرقي، وبسطت صور نفوذها على الجليل الغربي، أما بخصوص وادي ~~يزرعيل (مرج ابن عامر) الذي يفصل مرتفعات السامرة عن مرتفعات الجليل، فقد تحكمت صور بمدينة ~~يزرعيل الواقعة عند مدخل الوادي غربا، والتي يمر بها الطريق التجاري الساحلي قبل صعوده إلى ~~فينيقيا، وتحكمت دمشق ببقية المدن وصولا إلى بيت شان عند مخرج الوادي شرقا. وعندما شعر ~~ملوك السامرة بالقوة توسعوا شمالا باتجاه وادي يزرعيل والجليل، ولكن بقاءهم في هذه المناطق ~~لم يدم طويلا؛ لأن الحملات الآشورية المتوالية التي قادت أخيرا إلى سقوط السامرة، قد ~~حرمتها من جميع ممتلكاتها الشمالية قبل أن تجهز عليها. # لقد اختلفت مصائر إسرائيل-السامرة ويهوذا، مثلما اختفت وتباينت أصولهما وتباينت ~~نشأتهما، فقد دمر الآشوريون السامرة عاصمة إسرائيل في عام 721ق.م. وسبوا قسما كبيرا من ~~السامريين إلى آشور وأحلوا محلهم سكانا جددا من المناطق المقهورة الأخرى، واختفت مملكة ~~السامرة إلى الأبد من التاريخ، وحلت محلها مقاطعة السامرة التابعة لآشور، أما يهوذا فقد ~~عاشت بعد دمار إسرائيل قرابة قرن ونصف من الزمان، بسبب سياسة العمالة لملوك آشور، ثم انتهت ~~بعد فترة قصيرة من زوال سلطان آشور وصعود المملكة البابلية الجديدة، وعندما قام نبوخذ نصر ~~الكلداني بتدمير أورشليم نحو عام 587ق.م. سبى قسما كبيرا من أهلها إلى مناطق بابل، وبقوا ~~هناك حتى سقوط العاصمة بابل بيد قورش الفارسي عام 539ق.م. # إضافة إلى تباين أصول يهوذا وإسرائيل، واختلاف مصائرهما التاريخية، فإن القاعدة الدينية ~~التي جمعت بينهما لم تكن أكثر تجانسا من القاعدة الدينية التي جمعت أي مملكتين في فلسطين ~~خلال تلك الفترة من حياتهما، إن ms097 المسح الآثاري الشامل لمنطقتي إسرائيل ويهوذا، من أكبر ~~المدن إلى أصغر القرى، لم يساعدنا على تلمس أي أثر للمعتقدات والطقوس التوراتية، كما رسمها ~~لنا محررو التوراة، وذلك خلال كامل الفترة السابقة على العودة من السبي وإعادة بناء هيكل ~~أورشليم، فجميع المعابد والمقامات الدينية والتماثيل وشارات الألوهة، تشير إلى استمرارية ~~دينية منذ عصر البرونز الأخير إلى عصر الحديد (أي من العصر الكنعاني إلى العصر المدعو ~~بالإسرائيلي)، والديانة التي سادت هنا هي ديانة كنعانية تقليدية، أما الإله يهوه، الذي تركز ~~حوله المعتقد التوراتي فيما بعد، فلم يكن العثور على كتابات تذكره بالطريقة التي صورته بها ~~أسفار التوراة، ولا على هياكل ومقامات ومذابح مكرسة له، لقد كان هنالك إله اسمه يهوه، ولكنه ~~غير يهوه المعروف في التوراة، فهو يذكر في عدد قليل من النقوش التي اكتشفت قرب مدينة حبرون ~~(الخليل)، وبعض المناطق الواقعة إلى الجنوب من يهوذا، إلى جانب عدد آخر من الآلهة ~~الفلسطينية، وتذكر معه زوجته عشيرة، وهي الإلهة الكنعانية المعروفة لنا جيدا من نصوص ~~أوغاريت والنصوص الفينيقية. # إن الدين اليهودي لم يتشكل في سياق تاريخ شعب إسرائيل كما ترويه الأسفار التوراتية؛ لأن ~~مثل هذا التاريخ لم يكن إلا أخيولة أدبية من ابتكار المحررين التوراتيين، الذين ابتدءوا منذ ~~مطلع العصر الفارسي (أواخر القرن السادس ومطلع القرن الخامس ق.م.) بابتكار قصة أصول للمجتمع ~~الجديد الذي تشكل في مقاطعة «يهود» الفارسية، التي قامت على جزء من أراضي مملكة يهوذا ~~البائدة، ودعيت في العصر الهيلنستي بمقاطعة «اليهودية»، ومع ابتكارهم لقصة الأصول هذه، فقد ~~نسج المحررون إليها قصة أصول أخرى للمعتقد التوراتي المتأخر، فجعلوا هذا المعتقد يظهر لأول ~~مرة في عصر الأب الأول إبراهيم، ويتطور عبر بقية الرواية التوراتية، ولكننا نعلم الآن على ~~وجه اليقين أن الديانة اليهودية قد بدأت بالتشكل والتطور خلال العصر الفارسي، وقسم لا بأس ~~به من العصر الهيلينستي، أي خلال القرون الثلاثة الواقعة بين أواخر القرن السادس وأوائل ~~القرن الثاني قبل الميلاد، وهي الفترة التي تمت خلالها الصياغة التدريجية للأسفار ~~التوراتية، كما ms098 شهدت هذه الفترة تشكل الإثنية اليهودية التي عبرت عن نفسها بالتمرد على ~~الحكم السلوقي نحو عام 170ق.م. ومع ذلك فإننا جاهلون بحقيقة ما جرى خلال هذه الفترة؛ لأن ~~الرواية التاريخية في التوراة تنتهي مع سفر نحميا، نحو عام 440ق.م. أما المصادر الخارجية ~~فصامتة تماما عما كان يجري في مقاطعة اليهودية حتى مطلع القرن الثاني الميلادي. # ولكننا نستطيع تقديم بعض التكهنات بهذا الخصوص، فلقد عاد مسبيو يهوذا بعد أن أطلقهم قورش ~~الفارسي، ووجههم لإعادة بناء مدينة أورشليم وهيكلها، وجاءت عودتهم على ثلاث دفعات رئيسية، ~~على ما نفهم من النص التوراتي، كانت الأولى بقيادة أحد أفراد النسل الملكي واسمه شيشبصر نحو ~~عام 539ق.م. في عهد قورش الأول، والثانية نحو عام 522ق.م. في عهد الملك داريوس حفيد قورش، ~~بقيادة زربابل، وهو الذي أعاد بناء هيكل أورشليم، أما الموجة الثالثة والأخيرة فكانت بقيادة ~~عزرا الكاهن نحو عام 458ق.م. وفي عهد عزرا أعيد بناء مدينة أورشليم من قبل نحميا الذي عينه ~~البلاط الفارسي واليا على المقاطعة، ويبدو أن عزرا الكاهن هذا، هو الذي ابتدأ عملية تحرير ~~أسفار التوراة بعد أن طابق بين الإله العالمي الواحد للديانة الزرادشتية، والإله الفلسطيني ~~القديم يهوه، وهو الذي ابتدر نواة الشريعة التوراتية التي قامت في البدء على عدد من بنود ~~الشريعة الزرادشتية، ثم أخذت بالتوسع تدريجيا على عهد خلفائه من كهنة أورشليم. # خلال القرون التالية التي توسعت فيها حلقات القصة التوراتية لم يكن محررو التوراة ~~يبتكرون كل شيء من بنات أفكارهم، وإنما أفادوا من التاريخ السياسي لمملكتي إسرائيل ويهوذا، ~~ومن التراث الديني والأدبي المحلي، ويبدو أن الوحدات الأساسية للقصة التوراتية قد ولدت كل ~~على حدة، وتم إنتاجها من قبل محررين مختلفين، وعلى فترات متباعدة، واستخدم كل محرر أو ~~مجموعة محررين مصادر وموروثات متباينة المنشأ، ثم جاءت عملية التنسيق الأخيرة لتجمع بينها ~~في رواية مطردة، ومن خلال منظور أيديولوجي وكرونولوجي مفروض عليها من خارجها ، وبذلك تم ~~إنجاز كتاب التوراة، وظهرت إسرائيل التوراتية ككيان ذهني وأدبي على أنقاض تاريخ السامرة ~~ويهوذا المطمور ms099 تحت ركام الدمار الآشوري والبابلي، ومع تكامل حلقات هذا الكتاب، كانت ~~اليهودية تتشكل تدريجيا وتغدو مصدرا للتلاحم الإثني والاجتماعي في هذه المقاطعة الصغيرة ~~والمنسية، التي قامت على جزء لا يتعدى ربع مساحة مملكة يهوذا الكنعانية القديمة، وقد بقيت ~~اليهودية محصورة في هذه البقعة الضيقة من المناطق الهضبية الفلسطينية حتى ظهور الأسرة ~~المكابية التي حكمت أورشليم في أواسط القرن الثاني الميلادي، وظهر منها ملوك أقوياء ~~استغلوا فترة ضعف السلطة المركزية السلوقية، فتوسعوا شمالا باتجاه السامرة ووادي يزرعيل ~~والجليل، وفرضوا الدين اليهودي بالقوة على السكان. ~~(1) مقاطعة اليهودية في العصر الهيلينستي # آلت فلسطين مع بقية مناطق بلاد الشام إلى الإسكندر المقدوني، بعد انتصاره الحاسم على ~~الفرس في معركة إيسوس عام 33ق.م. وبعد وفاة الإسكندر، تم تقسيم الإمبراطورية الفارسية بين ~~قادته الرئيسيين، فآلت بلاد الشام إلى سلوقس، بينما احتفظ بطليموس بمصر وفلسطين وشرقي ~~الأردن، تلا ذلك فترة صراع بين السلوقيين والبطالمة، دامت قرابة قرن كامل، آلت في نهايته ~~فلسطين وسورية الجنوبية إلى السلوقيين، وعندما دخل الملك السلوقي أنطوخيوس الثالث إلى ~~أورشليم عام 198ق.م. أعطى المدينة امتيازات خاصة، واعترف بنظامها السياسي القائم على ~~السلطة الكهنوتية برئاسة الكاهن الأعلى للهيكل. # على عكس الحكام الفرس السابقين، فقد كان الحكام الإغريق مهتمين بنشر ثقافتهم الخاصة ~~وأساليب حياتهم، جريا على سنة الإسكندر الأكبر، وهذا ما تقبلته المناطق المحكومة عن طيب ~~خاطر، بل وسعت إليه حثيثا، نظرا لما يوفره لها من مزايا عند الحاكم، وكان من أنجع وسائل ~~نشر الثقافة الإغريقية هو نظام المدينة اليونانية «بوليس»، فقد قام الحاكم الإغريقي بإنشاء ~~مدن جديدة، وأعاد تنظيم وإعمار مدن قديمة على النمط الإغريقي، وجميعها أعطي لقب البوليس، ~~سواء دخل هذا اللقب في اسمها الجديد أم لم يدخل، ولقب «البوليس» لا يتوقف عند التسمية ~~السطحية فقط، بل إنه ينطوي على مضامين سياسية واجتماعية ودينية عميقة الأثر في حياة المجتمع ~~المدني، فالمدينة التي تكتسب اللقب تحكم إداريا وسياسيا على نمط دولة المدينة ~~الإغريقية، بمجالسها الشعبية وبقية مؤسساتها السياسية، وتشاد فيها معابد للآلهة اليونانية ~~بعد ms100 مطابقتها مع الآلهة المحلية القديمة، وتنشر فيها الثقافة اليونانية عن طريق عدد من ~~المؤسسات المدنية مثل الجمنازيوم، وهو بناء مخصص للتدريب على الألعاب الرياضية، والستاديوم ~~وهو ملعب مفتوح يحتوي على مدرجات لمشاهدة السباقات والألعاب الرياضية، والأوديوم وهو ~~بناء مسقوف من الأعلى ومفتوح الجوانب ذي مدرجات، مخصص للاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة ~~العروض المسرحية الخفيفة، والمسرح المدرج الضخم الذي تقدم فيه العروض المسرحية الطويلة، ~~والليكيوم وهو قاعة مخصصة للاجتماعات والمناظرات والمحاضرات، والآجورا وهو رواق يحف بإحدى ~~الساحات الرئيسية مخصص للاجتماعات السياسية. # في عام 175ق.م. ورث العرش السلوقي أنطوخيوس الرابع (أبيفانوس) الذي وجد فيه أنصار الحركة ~~الإصلاحية الميالون إلى الثقافة الهيلينية في أورشليم نصيرا قويا، فقد عمد هذا الملك ~~التواق إلى نشر الثقافة الهيلينية إلى دعم الإصلاحيين عن طريق إزاحة الكاهن الأعلى المحافظ ~~أونياس، واستبداله بواحد من الكهنة ذوي الميول الإصلاحية واسمه ياسون، وقد ابتدأ ياسون ~~عملية إسباغ الطابع الهيليني على المدينة ببناء جمنازيوم قرب جدار الهيكل، وقام بتحويل ~~الإيرادات الهائلة للهيكل من الإنفاق على الذبائح والقرابين إلى الفعاليات والنشاطات ~~والمرافق ذات النفع العام، كما أنفق على المباريات والألعاب الرياضية بسخاء، وبعد بضعة ~~أعوام أصدر أبيفانوس مرسوما يستبدل فيه الشريعة الموسوية الناظمة للعلاقات المدنية في ~~مقاطعة اليهودية بالقانون المدني السلوقي، وحول هيكل أورشليم من مركز ديني محلي إلى مركز ~~ديني عالمي، وذلك بالمطابقة بين يهوه اليهودي وزيوس الأوليمبي، ونصب تمثالا لزيوس-يهوه في ~~الهيكل. # لو أن ما حصل في أورشليم قد حصل في أي مدينة سورية تطمح إلى مرتبة المدينة اليونانية، ~~لكان أمرا طبيعيا بل ومرغوبا فيه من قبل الجميع، ولكن المجتمع اليهودي الذي بقي محافظا ~~في غالبيته، لم يكن جاهزا بعد للانفتاح، ولم تجد عامة المتدينين في عبادة يهوه-زيوس إلا ~~شكلا من أشكال عبادة بعل التي نددت بها أسفار الأنبياء، وما لبث التململ حتى تحول إلى ~~تمرد اتخذ شكل حرب عصابات بقيادة رجل يدعى متى حشمون، وهو سليل أسرة كهنوتية، وأولاده ~~الخمسة. بعد عامين من المواجهات بين الثوار والقوات السلوقية، استطاع الإخوة الخمسة ms101 بقيادة ~~يهوذا الملقب بالمكابي طرد الحامية السلوقية خارج منطقة أورشليم عام 164ق.م. وطهروا المعبد ~~من كل رموز الإصلاح الديني، ولكن الأمور لم تستقر تماما للإخوة الذين دعوا بالمكابيين إلا ~~في عام 143ق.م. عندما أعلن سمعان آخر الإخوة المكابيين، استقلال مقاطعة اليهودية عن ~~سلوقيا، ونصب نفسه كاهنا أعلى تتركز بين يديه جميع السلطات الدينية والدنيوية، وبذلك تم ~~تأسيس أول كيان سياسي مستقل لليهود في فلسطين، دام قرابة ثمانين سنة. # ابتدأ سمعان بخطة شاملة لمحو كل آثار الهيلينية والعودة إلى التقاليد الدينية القديمة، ~~فألغى المؤسسات التربوية والثقافية الهيلنستية، وأحل محلها نظاما قويا للتعليم قوامه ~~شبكة من المدارس التي تعلم أسفار التوراة، ويقصدها الشبان بدل الجمنازيوم والملاعب والمسارح ~~اليونانية، وساعده في حملته الثقافية هذه طائفة الصدوقيين، وهي طائفة متزمة تلتزم التفسير ~~الحرفي للكتاب المقدس، وترفض كل شكل من أشكال التفكير الحر، حكم سمعان من عام 142 إلى عام ~~134ق.م. وعمل خلال هذه الفترة على توسيع مناطق نفوذ باتجاه الغرب والشمال الغربي، فضم إليه ~~يافا وحصل بذلك على ميناء على البحر المتوسط. # لم يأت تشكيل الدولة المكابية نتيجة للقوة العسكرية للمكابيين، ولا لبطولات وتضحيات أولاد ~~متى حشمون الذين رفعهم الخيال الشعبي في سفري المكابيين إلى مصاف الأبطال الخرافيين، ~~فمقاطعة اليهودية لم تكن سوى مقاطعة صغيرة وفقيرة ومتخلفة في كل المجالات، ولم يكن بمقدورها ~~تحقيق الاستقلال لولا التفكك السياسي للدولة السلوقية، وصعود نجم روما التي كانت في ذلك ~~الوقت تضغط على سلوقيا وتفرض عليها الإتاوات الباهظة. وفي الحقيقة، فإن استقلال مقاطعة ~~اليهودية قد جاء في سياق سلسلة من العمليات الانفصالية عن الإدارة المركزية، وقيام العديد ~~من الولايات السلوقية بإعلان استقلالها، مستفيدة من الخلافات المستمرة بين أفراد الأسرة ~~المالكة السلوقية، والصراع على السلطة فيما بينهم. # بعد وفاة سمعان المكابي عام 134ق.م. خلفه ابنه المدعو جون هيركانوس، كان هيركانوس تلميذا ~~نجيبا للتوراة، وقد اعتقد أن الحكمة الإلهية قد اختارته لإعادة فتح كنعان على طريقة يشوع ~~بن نون، فبدأ بتجهيز جيش مدرب من المرتزقة الذين أنفق عليهم بسخاء، ms102 وعندما أحس بقوته كانت ~~السامرة هدفه الأول، فأحرقها ودمرها وذبح عشرات الآلاف من سكانها، وألحق كامل مناطقها ~~بأملاكه وصولا إلى وادي يزرعيل، حيث أعمل السيف في سكان بيت شان وقتل منهم الآلاف، ثم توجه ~~نحو الجنوب وضم إليه منطقة أدوم، وفي كل مكان وصلت إليه قواته كان على الأهالي إما مواجهة ~~الموت أو اعتناق اليهودية. وعلى الرغم من أنه لم يتخذ لقب الملك، إلا أن مقاطعة اليهودية قد ~~تحولت في عهده إلى مملكة كبيرة تم اكتسابها بحد السيف. # توفي هيركانوس عام 104ق.م. وخلفه ابنه أرسطو بولس الأول، الذي اتخذ لقب الملك، واستطاع ~~خلال سنة واحدة من حكمه ضم منطقة الجليل، ثم توفي فجأة وخلفه أخوه أليكسندر ينايوس. كان ~~ينايوس آخر الشخصيات المهمة في الأسرة المكابية، وهو الذي وسع حدود الدولة اليهودية إلى ~~أقصى مدى جغرافي لها، وذلك باستيلائه على معظم مناطق شرقي الأردن، إضافة إلى ما تبقى من ~~المناطق الغربية والساحل، بينما كان السلوقيون يقفون موقف المتفرج بانتظار الضربة الأخيرة ~~المتوقعة من روما، والتي لم تتأخر كثيرا، كان ينايوس أشرس الحكام المكابيين (ويدعون أيضا ~~بالحشمونيين)، فقد تابع سياسة التهويد تحت قوة السلاح وطبقها على أوسع نطاق، كما مارس القمع ~~والإرهاب والقتل الجماعي في كل مكان، ولم ينج من طغيانه سكان اليهودية أنفسهم، وهذا ما أحدث ~~تململا شعبيا واسعا، ما لبث حتى تحول إلى تمرد بقيادة الطائفة الفريسية. # نشأ الفريسيون من قلب الطبقات الشعبية، وقد ورثوا قسما لا بأس به من أفكار الإصلاحيين ~~القدماء، ولكنهم تميزوا بالاعتدال وبقوا ضمن الإطار العام للعقيدة التقليدية، وقد قالوا بأن ~~يهوه عندما أنزل الشريعة على موسى قد أنزل معها شريعة شفوية تم تداولها عبر أجيال من ~~الحكماء، وبواسطتها يمكن تفسير وتكميل الشريعة المكتوبة بما يتلاءم والظروف المستجدة. وفي ~~المقابل فقد رفضت الطائفة الصدوقية هذه الأفكار، وأصرت على عدم وجود شريعة غير مكتوبة، ~~وأدانت كل التفسيرات المرنة والعصرية الناجمة عن إعمال المنطق الفريسي في النصوص المقدسة، ~~وقد وقفت الطبقات الشعبية إلى جانب الفريسيين، بينما وقفت الأرستقراطية ms103 والكهنوت إلى جانب ~~الصدوقيين والحكام، وتحول التوتر إلى تمرد فإلى حرب أهلية غلب عليها الطابع الطبقي، ولم ~~تنته إلا بوفاة أليكسندر ينايوس عام 76ق.م. وصعود زوجته سالومي على العرش. # حكمت سالومي تسع سنوات (76-67ق.م)، وتقربت من الفريسيين فأوكلت إليهم مراكز حساسة في ~~الدولة، فكانت سنوات حكمها عهد استقرار ومصالحة بين شرائع المجتمع المتناقضة، وبعد وفاتها ~~تنازع ابناها أرسطو بولس الثاني وهيركانوس الثاني على السلطة. في ذلك الوقت كان القائد ~~الروماني بومبي قد صفى المملكة السلوقية، ودخل دمشق عام 65ق.م. فقصده الأخوان المتنازعان ~~وكل منهما يسعى إلى تثبيته حاكما إقليميا على اليهودية وممتلكاتها، ولكن وزير هيركانوس ~~المدعو أنتيبار، وهو آدومي، قصد دمشق واتفق مع القائد الروماني على فتح أبواب أورشليم أمام ~~الرومان، مقابل الاعتراف بسلطة سيده هيركانوس على أورشليم، وكان، عندما وصل الرومان، أن ~~أنصار أرسطو بولس تحصنوا في المدينة ورفضوا فتح الأبواب، فحاصرهم الرومان ثلاثة أشهر ثم ~~فتحوا المدينة عام 63ق.م. وعلى الأثر ثبت بومبي هيركانوس في منصبه، ولكن لا كملك بل ~~ككاهن أعلى يتمتع بصلاحيات الحكم والإدارة على مقاطعة اليهودية، التي تم تجريدها من كل ~~المناطق التي كسبها المكابيون، وإعادتها مرة ثانية مجرد مقاطعة صغيرة من مقاطعات فلسلطين، ~~وبذلك انتهت أول وآخر دولة مستقلة لليهود دامت قرابة ثمانين سنة فقط، وذلك من عام 142 إلى ~~عام 63ق.م. ~~(2) مقاطعة اليهودية في العصر الروماني # خلال العشرين سنة الأولى من العصر الروماني في سورية، لم يحصل تغير يذكر على النظام ~~الإداري الذي وضعه بومبي؛ لأن روما كانت تشهد في ذلك الوقت أحداثا جساما قادت إلى نهاية ~~الجمهورية وصعود القيصرية، بعد صراع على السلطة بين بومبي ويوليوس قيصر انتهى بانتصار قيصر ~~الذي أنهى الجمهورية عام 48ق.م. وقد قام الوزير الداهية أنتيبار الآدومي خلال هذه الفترة ~~بسلسلة من التحركات الدبلوماسية، قادت أخيرا إلى اعتراف قيصر بهيركانوس الثاني وتثبيته في ~~منصبه. بعد بضع سنوات قامت مجموعة يهودية أصولية باغتيال الوزير أنتيبار فأعطي المنصب إلى ~~ابنه هيرود. # كان هيرود آدوميا من جهة الأبوين؛ ولهذا لقب بهيرود ms104 العربي؛ لأن الآدوميين في القرن ~~الأول قبل الميلاد كانوا قد ذابوا في الجماعات النبطية العربية التي استقرت في مناطقهم ~~التقليدية الواقعة إلى الجنوب من البحر الأحمر باتجاه خليج العقبة. أما عن ديانة هيرود، ~~فكانت نوعا من اليهودية السياسية التي ورثها عن أبيه أنتيبار الذي لم يولد من أسرة ~~يهودية، ولكنه تهود خلال خدمته في قصر المكابيين وترقيته فيه، من هنا، فإن اليهود لم ~~يعتبروا هيرود يهوديا قط، مثلما لم يعتبر نفسه كذلك، وكانت فترة حكمه صراعا مستمرا مع ~~اليهود والديانة اليهودية التقليدية. # نحو عام 40ق.م. دفعت الأصولية اليهودية إلى واجهة الأحداث واحدا من أفراد الأسرة ~~المكابية يدعى أنتيغونوس، وهو ابن أخ لهيركانوس الثاني. وقد تآمر هذا لقلب نظام الحكم، ~~وتراسل مع البلاط الفارسي لمعونته في مشروعه، فأمده الفرس بجيش ساعده على دخول أورشليم، ~~فقبض على عمه وأودعه في السجن بعد أن قطع أذنيه، أما هيرود فقد استطاع الهرب ولجأ إلى روما، ~~كانت الأوضاع في روما شديدة التعقيد عقب مقتل يوليوس قيصر، وكانت السلطة بيد مجلس الشيوخ ~~الذي يدير الأمور من خلال حكومة ثلاثية مؤلفة من أنطونيو وليبيدو وأوكتافيان، الذي صار ~~فيما بعد قيصرا تحت لقب أوغسطوس، فمثل هيرود أمام مجلس الشيوخ والحكومة الثلاثية، وأقنعهم ~~بأنه الوحيد القادر على استعادة أورشليم إلى روما، فعينه المجلس ملكا على اليهودية مطلق ~~الصلاحية وزوده بجيش قوامه 30000 جندي، سار معه إلى أورشليم حيث هزم الفرس ودخل المدينة ~~عام 37ق.م. فحكمها مدة تزيد عن الثلاثين سنة. # بعد أن صار أوكتافيان قيصرا عقب تغلبه على أنطونيو في معركة أوكتيوم الشهيرة، تابع دعم ~~هيرود وأعطاه المزيد من المقاطعات، حتى اشتملت مملكته على جميع المناطق السابقة للمكابيين ~~في عصر أليكسندر ينايوس، وزادت عليها شمالا باتجاه حوران والجولان في الجنوب السوري، فقد ~~أثبت هيرود أنه الوحيد القادر على تدعيم سلطة روما في هذه المناطق، وكان أكثر الحكام ~~السوريين ولاء لها ودعما لجيوشها في مواجهة الفرس، يضاف إلى ذلك أنه قد أثبت للرومان أن ~~الدولة اليهودية لن تعود إلى سابق ms105 عهدها كدولة دينية، وذلك بفصله لمنصب الكاهن الأعلى عن ~~منصب الحاكم، وإحلاله للقوانين الرومانية محل الشريعة التوراتية من أجل الفصل في العلاقات ~~المدنية، وعندما حاول السنهدرين، وهو المحفل اليهودي الذي يساعد الكاهن الأعلى في مهماته، ~~التدخل من أجل منع تطبيق القوانين الرومانية على اليهود، أعدم هيرود 46 من أعضائه البارزين، ~~ثم أخذ يعين ويعزل الكاهن الأعلى على هواه، وبذلك تم تحميل منصب الكاهن الأعلى إلى مجرد ~~وظيفة رسمية، وجرده من سلطانه وهيبته السابقة. # حكم هيرود مملكته بقبضة من حديد، حتى إن آخر مجازره ضد اليهود قد تمت وهو على فراش ~~الموت، ولكن عصره كان عصر ثراء وازدهار في جميع المجالات، لقد أحب هيرود جمع المال، ولكنه ~~أحب إنفاقه بسخاء أيضا، فعمل على تنشيط التجارة والإفادة من مكوسها، وجعل طرقها آمنة، ~~والتزم تحصيل الضرائب في مملكته الواسعة، وشارك روما في عائداتها، وكان جل إنفاقه على ~~المرافق والمشاريع العامة، وبما أنه كان محبا للفكر الهيليني ولطرائق الحياة الإغريقية، ~~فقد عمل على تزويد أورشليم بكل مظاهر ومرافق المدينة الرومانية- اليونانية، فبنى فيها ~~مؤسسات ثقافية هيلينية كالمسرح والملعب الرياضي، وبما أنه لم ينظر إلى نفسه كحاكم ~~يهودي، وإنما كحاكم لكل الشعوب المنضوية تحت لواء هذه المملكة الرومانية، فقد زاد ~~اهتمامه بالمناطق الأخرى عن اهتمامه باليهودية، فبنى أو أعاد بناء مدن وثنية عديدة، وأشاد ~~فيها معابد للآلهة المحلية، وبعيدا عن المناطق التابعة لمملكته، فقد طالت عطايا هيرود التي ~~بذلها للمشاريع العمرانية ذات الطابع الهيليني جميع مدن بلاد الشام، وتجاوزتها إلى أرض ~~اليونان. # لقد كان هيرود أكثر من هيليني متحمس، كما وصفه المؤرخون، كان موطنا عالميا يؤمن بوحدة ~~الأديان والثقافات، وبانفتاح الحضارات على بعضها وتعاونها على بناء دولة عالمية شمولية، لا ~~فضل فيها لدين على دين ولا لعرق على عرق، وهو لم يكره شيئا قدر كراهيته للتعصب العرقي ~~والديني والانغلاق الثقافي والمذهبي، ومن هنا جاءت كراهيته وكراهية اليهود له، ومع ذلك ، فقد ~~بنى في أورشليم هيكل يهوه الذي ذاع صيته في المنطقة، وكان درة نشاطات هيرود العمرانية، ms106 ولم ~~يكن في ذهنه عندما بنى هذا الهيكل سوى مشروع أنطوخيوس أبيفانوس القديم، الذي هدف إلى مطابقة ~~الإله يهوه بالإله زيوس الأوليمبي، وقد جاء بناء الهيكل الجديد انطلاقا من هيكل زربابل ~~القديم الذي وسعه إلى الضعف وزاد عليه في الأبهة والعظمة، حتى كان لمعان جدرانه المبنية ~~بالحجر الأبيض المطعم بالذهب والفضة يبهر أنظار القادمين من مسافة بعيدة. # لم تكن مملكة هيرود يهودية، بل على العكس، فلقد عمل هيرود طوال حياته على قمع روح العصبية ~~اليهودية، وأتاح لشعوب مملكته حياة دينية حرة وشجعها على ممارسة طقوسها، وساعدها على بناء ~~معابدها الخاصة، وهذا ما حفز غالبية من تهود تحت قوة السلاح على الارتداد عن اليهودية ~~والعودة إلى دين أسلافه، وعندما توفي في عام 4ق.م. قسمت مملكته بين أولاده الثلاثة، فأعطيت ~~اليهودية والسامرة والآدومية إلى أرخيلاوس والجليل إلى أنتيباس، وشرقي الأردن والجولانية ~~إلى فيليبس، حكم أرخيلاوس بن هيرود في أورشليم فيما بين عام 4ق.م. و6م، ثم تمت إزاحته ~~لتصبح منطقة اليهودية مقاطعة تحكم من قبل ناظر روماني ( Procurator ~~) يتبع مباشرة إلى القنصل ~~الروماني، الذي يدير ولاية سورية من دمشق، ومنذ ذلك الوقيت بقيت مقاطعة اليهودية ضمن حدودها ~~السابقة التي رسمها لها بومبي، تحكم من قبل نظار رومانيين، بلغ عددهم حتى دمار أورشليم ~~عام 70م أربعة عشر ناظرا، وفيما عدا بونتوس بيلاطس الذي ارتبط اسمه بمحاكمة يسوع وصلبه، ~~فإننا لا نعرف عن هؤلاء النظار سوى أسمائهم. # في عام 66م قامت الأصولية اليهودية بآخر جولاتها من أجل استعادة الاستقلال، ولكن التمرد ~~أخضع بقسوة من قبل الرومان، وقام القائد الروماني تيتوس بإحراق وتدمير هيكل هيرود ومعظم ~~أحياء أورشليم عام 70م، ولكن الحياة لم تتوقف تماما في المدينة، وبقي قسم من السكان يعيش ~~فيها، ولكن من دون معبد ولا ذبائح ولا طقوس، أما في بقية مناطق المقاطعة، فقد تناقص عدد ~~السكان نتيجة الحرب والنزوح، وأقفرت الأراضي الزراعية وتدهورت الحياة الاقتصادية بين عامي ~~130 و131م، قام الإمبراطور هادريان بزيارة عدد من المناطق الشرقية للإمبراطورية، وأرسى ~~القواعد لبناء عدد ms107 من المدن الرومانية فيها، وقد أعلن خلال هذه الزيارة عن عزمه على بناء ~~مدينة رومانية في موقع أورشليم، وهذا ما أشعل نار الثورة اليهودية الثانية بقيادة رجل يدعى ~~سمعان باركوخبا، الذي استولى على أورشليم وأعلن اليهودية دولة مستقلة. # جاء رد فعل روما هادئا، وقامت استراتيجية هادريان على التمشيط البطيء لمناطق اليهودية ~~التي سقطت تدريجيا، وهنا يقول المؤرخ الروماني ديوكاسيوس إن الرومان استولوا على خمسين ~~بلدة وذبحوا الثوار فيها كما هدموا 985 قرية، حتى بلغ عدد القتلى 850000 نسمة، بعد ذلك ~~جرى الهجوم الأخير على أورشليم عام 135م، وهدمت حجرا حجرا وسويت جميع أبنيتها بالتراب، ~~أما من بقي حيا من اليهود فقد تم بيعه في أسواق النخاسة، حتى إن سعر اليهودي صار أدنى من ~~سعر الحمار، بعد ذلك أقام هادريان في موقع أورشليم مدينة رومانية تحت اسم إيليا كابيتولينا، ~~ومنع دخول أي يهودي إليها تحت طائلة الموت، وإيليا كابيتولينا هذه هي التي سلم سكانها ~~المسيحيون مفاتيحها إلى عمر بن الخطاب خلال الفتوح العربية لبلاد الشام. ~~(3) الجليل مسرح الإنجيل # تبدو منطقة فلسطين صورة مصغرة عن الغرب السوري الذي تشكل قسمه الأدنى الجنوبي، وهي ~~تتألف من المناطق الجغرافية التالية: ~~(1) # شريط الموانئ الساحلية، وأهمها عكو (عكا)، ويوبا (يافا)، وأشقلون (عسقلان)، ~~وغزة. ~~(2) # السهل الساحلي، وهو شريط خصب من الأرض الموازية للبحر. ~~(3) # منطقة التلال المنخفضة (أو سهل شفلح) ويشكلها الانحدار التدريجي لمنطقة الهضاب ~~الفلسطينية. ~~(4) # الهضاب الفلسطينية وهي بمثابة الامتدادات المنخفضة لجبل لبنان الشرقي، وتتألف من أربعة ~~أقسام: (أ) مرتفعات الجليل في الشمال، يليها وادي يزرعيل (مرج ابن عامر)، الذي يفصل الجليل ~~عن بقية الهضاب الفلسطينية. (ب) الهضاب المركزية أو مرتفعات السامرة. (ج) مرتفعات يهوذا. (د) ~~نجدة النقب. ~~(5) # وادي الأردن، وهو غور عميق يمتد بين طبرية والبحر الميت، ثم يستمر بعد ذلك في وادي ~~عربة. # إن الصورة العامة التي تقدمها لنا جغرافية فلسطين، هي صورة منطقة متنوعة تتألف من بيئات ~~معزولة بعضها عن بعض، وقد انعكست هذه الجغرافية المتنوعة على الحياة السياسية، ففي منطقة ~~كهذه يصعب تحقيق ms108 الوحدة السياسية؛ لذا فقد كانت فلسطين على الدوام مقسمة إلى عدد من ~~الدويلات الصغيرة المستقلة، وتتجلى عزلة البيئات الفلسطينية بشكل خاص في مناطق الهضاب، ~~ونموذجها منطقة الجليل التي يفصلها عن الهضاب المركزية ومرتفعات يهوذا وادي يزرعيل العريض ~~والخصب، فمنذ أواخر عصر البرونز القديم، في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، ظهرت في الجليل ~~الأعلى مدينة حاصور الشهيرة في العالم القديم، والتي تحكمت في منطقة الجليل فيما يشبه دولة ~~المدينة الموسعة خلال عصر البرونز الوسيط والحديث، وصولا إلى دمارها في نهايات القرن ~~الثالث عشر قبل الميلاد (ربما على يد شعوب البحر). # تشير الدلائل الأركيولوجية والتاريخية إلى أن صلات الجليل الثقافية والسياسية مع منطقة ~~الساحل الفينيقي، ومع العالم السوري الأوسع، كانت أقوى من صلاته مع المنطقة الفلسطينية، ~~فإلى جانب اللقى الأثرية والبنى المعمارية المكتشفة، والتي تشير بقوة إلى روابط الجليل مع ~~الشمال أكثر من روابطه مع الجنوب، وقد ورد اسم حاصور في أكثر من عشرين رقيما اكتشفت ضمن ~~أرشيف مدينة ماري على الفرات الأوسط. ونعرف من هذه الرقم عن عدد القناصل والسفراء الذي ~~كانوا يفدون إلى حاصور من الممالك الكبرى، وعن شحنات البضائع التي كانت ترسل إليها من ~~ماري، كما ونعرف عن اسم أشهر ملوكها المدعو إبني هدو، الذي لعب دورا مهما في السياسة ~~السورية خلال الفترة التي يغطيها أرشيف ماري. # في عصر الحديد الأول والثاني، الذي شهد مولد مملكتي السامرة ويهوذا، بقيت منطقة الجليل ~~على عزلتها عن مناطق الهضاب الأخرى، ولا يوجد لدينا دليل على صلات ثقافية مع السامرة، بل ~~على العكس من ذلك، فالفخاريات وغيرها من اللقى المكتشفة خلال هذا العصر تشير بقوة إلى ~~مؤثرات فينيقية، وصورية (نسبة إلى صور) بشكل خاص، ويبدو أن الجليل قد وقع تحت سيطرة ~~صور آنا وتحت سيطرة دمشق آنا آخر، كما وقع تحت سيطرة السامرة لفترة قصيرة خلال الهزيع ~~الأخير من حياتها، وتأثر بالحملات الآشورية التي ساقت إلى السبي أعدادا كبيرة من سكانه ~~وأحلت محلهم سكانا من المناطق المقهورة الأخرى. # تنقصنا المعلومات عن منطقة الجليل ms109 خلال العصر الفارسي، أما خلال العصر الهلينيستي ~~والروماني فقد تهلين الجليل مثلما تهلينت فينيقيا والسامرة وشرقي الأردن، ونشأت فيه مدن ~~جديدة ذات طابع إغريقي، أهمها مدينة سيفوريس ومدينة تبيرياس (طبرية) التي بناها هيرود ~~ودعاها باسم الإمبراطور الروماني تيبريوس. كان التركيب الإثني لهذه المدن متنوعا، فقد ~~احتوت على ذخيرة أساسية من السكان الجليليين القدماء، وعلى شرائح أخرى تم تهجيرها إلى ~~الجليل من قبل الآشوريين، وعلى جاليات يونانية، أما الديانة الغالبة فكانت كنعانية ~~تقليدية تم تطعيمها بعناصر إغريقية بعد مطابقة الآلهة المحلية مع الآلهة الإغريقية ~~والرومانية؛ ولهذا يطلق مؤلف إنجيل متى على الجليل اسم جليل الأمم، أي جليل الوثنيين ~~(متى 4: 15). # ونظرا لبعد مقاطعة اليهودية وعزلتها عن جيرانها، لم يحتو الجليل حتى مطلع القرن الثاني ~~قبل الميلاد إلا على جالية يهودية قليلة العدد، وكان الجليليون ينظرون بعداوة إلى هؤلاء، ~~ويعتبرونهم جسما دخيلا على المجتمع الجليلي، وعندما ثارت مقاطعة اليهودية على الحكم ~~السلوقي وجد الجليليون في هذا مناسبة للتخلص من اليهود، وهذا ما دفع بيهوذا المكابي عام ~~164ق.م. إلى الإسراع لنجدة يهود الجليل وإجلائهم إلى أورشليم، نقرأ في سفر المكابيين الأول ~~5: 14-23: «وبينما هم يقرءون الكتاب إذا برسل قد وفدوا من الجليل وثيابهم ممزقة وأخبروا ~~قائلين: قد اجتمعوا علينا من بطلمايس وصور وصيدا وكل جليل الأمم ليبيدونا ... فلما سمع يهوذا ~~المكابي والشعب هذا الكلام، عقدوا مجمعا كبيرا وتشاوروا فيما يصنعون لإخوتهم الذين يعانون ~~الشدة وهجمات الأعداء، فقال يهوذا لسمعان أخيه: اختر لك رجالا وامض فأنقذ إخوتك الذين في ~~الجليل ... ومضى سمعان إلى الجليل وشن على الأمم حروبا كثيرة، فانسحقت الأمم أمام وجهه، ~~فتتبعها إلى باب بطلمايس، فسقط من الأمم نحو ثلاثة آلاف رجل وسلب غنائمهم وأخذ اليهود الذين ~~في الجليل، وعربات من حديد، مع النساء والأولاد وكل ما كان لهم، وجاء بهم إلى اليهودية ~~بسرور عظيم». # ولكن الوضع في الجليل تغير ظاهريا بعد ضمه إلى أملاك اليهودية في عهد الملك المكابي ~~أرسطو بولس الأول، وفرض الدين اليهودي على أهله بقوة السلاح من قبل خلفه ms110 الملك أليكسندر ~~ينايوس، وذلك في مطلع القرن الأول قبل الميلاد، أي قبل جيلين أو ثلاثة أجيال من ميلاد يسوع، ~~ومع ذلك فقد بقيت الديانة اليهودية بمثابة قشرة سطحية تعلو الثقافة والمجتمع الجليليين ~~والمراجع اليهودية ملأى بالإشارات إلى قلة دين الجليليين وجهلهم بأداء الطقوس والواجبات ~~الدينية اليهودية، وعدم وجود فريسيين أو كتبة أو علماء شريعة بينهم يعلمونهم أصول دينهم. ~~ويروي أحد المراجع الربانية المتأخرة أن ناموسيا يدعى يوحنا بن زكاي، قد صعد من اليهودية ~~وأقام في مدينة جبارا الجليلية حيث نذر نفسه مدة ثمانية عشر عاما لتعليمهم أصول الدين ~~الصحيح، ولكنه في نهاية هذه الفترة تخلى عن مهمته وقفل راجعا إلى أورشليم وهو يقول بأن ~~الجليليين قوم يكرهون التوراة، وأما عن الفريسيين والكتبة والناموسيين الذين حاورهم يسوع ~~في الأناجيل، فإننا نفهم دوما من سياق النص أنهم لم يكونوا مقيمين في الجليل، وإنما زوار ~~جاءوا من اليهودية في مهمات مؤقتة. # بعد دخول الرومان إلى سورية واستيلائهم على أورشليم عام 63ق.م. وانسلاخ الجليل وبقية ~~المقاطعات التي ضمها المكابيون بالقوة إلى الدولة اليهودية، ساد جو من التسامح الديني شجع ~~الكثيرين على الارتداد عن اليهودية والعودة إلى دين آبائهم، ولا سيما في عهد الملك هيرود ~~الذي شجع الديانات المحلية على التعبير عن نفسها، وبنى المعابد لها، وهذا يعني أن الجليل لم ~~يقع تحت السيطرة اليهودية إلا لفترة قصيرة لم تزد على أربعين سنة، وأن من بقي على ~~اليهودية في الجليل بعد ذلك لم ينظر إلى نفسه كيهودي أرثوذكسي، مثلما لم يعد يهوديا ~~حقا من قبل أهل اليهودية. # في جليل الأمم هذا ولد يسوع، وعاش طفولته وشبابه، وفيه بشر برسالته الجليلية الأممية، ~~وكان تلاميذه وأتباعه جليليين، وهو لم يذهب إلى اليهودية إلا في آخر رحلته التبشيرية حيث ~~صلبه اليهود، وأما عن أبويه، فربما كانا على الديانة الكنعانية التقليدية، أو من أسرة ~~تهودت قبل جيلين أو ثلاثة، واستمرت على اليهودية بحكم العادة، أو أنهما كانا من أتباع ~~جماعة روحانية من جماعات جبل الكرمل، وهذا ما نرجحه، وما ms111 قدمنا له من شواهد. # بعد هذا المدخل التاريخي الذي توصلنا في نهايته إلى رسم صورة لبيئة الجليل التي عاش فيها ~~يسوع، وألقينا ظلالا من الشك حول يهودية يسوع، وكونه قد ولد في أسرة يهودية، سوف نلجأ إلى ~~مقاربة نقد-نصية نستنطق من خلالها الأناجيل الرسمية الأربعة، لنتبين منها الموقف الحقيقي ~~ليسوع من اليهود واليهودية. # الفصل الرابع # | المداخلات اليهودية في العهد الجديد وموقف يسوع من اليهود واليهودية # سوف نتحدث في هذا الفصل عن أهم المداخلات اليهودية في العهد الجديد، ونظهر مدى غرابتها ~~وشذوذها عن السياق العام للنص، معتمدين في ذلك على أسفار العهد الجديد نفسه، وعلى أقوال ~~يسوع ومواقفه العملية التي أظهر من خلالها تجاوزه للموروث الوثني واليهودي على حد سواء، ~~وعبر عن نقد حاد لليهود واليهودية وشريعة إله التوراة. ~~(1) مكان الميلاد # تطرح قصة الميلاد في إنجيل متى أخطر المداخلات اليهودية في العهد الجديد، وهي التي رسخت ~~فكرة الأصل اليهودي ليسوع، وتركت أثرا لا يمحى على مجرى تاريخ المسيحية، وعلى تشكل اللاهوت ~~المسيحي، فلقد ولد يسوع عند متى في مدينة بيت لحم اليهودية الواقعة قرب أورشليم من أسرة ~~يهودية، ولكي يبرر مؤلف الإنجيل نشوء يسوع في الجليل وقضائه كل حياته هناك، فقد دبج قصة ~~مذبحة مواليد بيت لحم، وفرار العائلة المقدسة بيسوع إلى مصر، ثم عودتها إلى فلسطين بعد وفاة ~~الملك هيرود الكبير، واستقرارها في مدينة في الجليل تدعى الناصرة. أما قصة الميلاد عند ~~لوقا، فعلى الرغم من اختلافها في معظم التفاصيل عن قصة متى، إلا أنها حافظت بدورها على ~~بيت لحم اليهودية باعتبارها المكان الذي ولد فيه يسوع، ولكن لوقا يعترف بالأصل الجليلي ~~لأسرة يسوع، ويجعل يوسف النجار وامرأته مريم الحبلى بيسوع يقصدان بيت لحم بمناسبة الإحصاء ~~العام للسكان، الذي جرى بأمر الإمبراطور أوغسطوس عندما كان كيرينيوس واليا على سورية، فقد ~~كان يوسف من بيت داود وعشيرته، وعليه أن يكتتب وزوجته في بيت لحم مدينة داود، وهناك وضعت ~~مريم مولودها، ثم عادت الأسرة إلى الجليل ، إلى مدينتهم الناصرة. # وبما أننا نعرف ms112 الآن من سجلات التاريخ الروماني أن الإحصاء الذي يشير إليه لوقا قد تم في ~~سنة 6 ميلادية، فإن ميلاد يسوع عند لوقا يأتي متأخرا عشر سنوات على الأقل عنه عند متى، ~~الذي جعله في عهد هيرود الكيبر المتوفى سنة 4ق.م. فهل وقع لوقا في خطأ تاريخي، أم أنه قصد ~~فعلا تأخير ميلاد يسوع هذا العدد من السنوات؟ إن عدم ذكر لوقا لهيرود الكبير في قصة ~~الميلاد، يرجح أن لوقا كان يعرف التاريخ الحقيقي للإحصاء، وأنه قد تعمد فعلا وضع ميلاد ~~يسوع في هذا التاريخ المتأخر. # ونحن إذا نحينا هذه المداخلة جانبا، لما وجدنا فيما تبقى من سيرة يسوع أي رابط يربطه ~~ببيت لحم ومقاطعة اليهودية، فهو مواطن جليلي، ولد وترعرع وعاش كل حياته في الجليل، وأبواه ~~جليليان، وكذلك كل أنسبائه ومن تبعه من التلاميذ، وفي الجليل بشر برسالته، وكان له مقر ~~دائم فيها يعود إليه من رحلاته التبشيرية، وهو لم يذهب إلى أورشليم إلا مرة واحدة وفق ~~الأناجيل الإزائية، أو ثلاث مرات وفق إنجيل يوحنا، حيث صلبه اليهود. إن نصوص العهد الجديد ~~ملأى بالإشارات إلى جليلية يسوع، ولقبه «الناصري» يشير إلى أصله من ناصرة الجليل، التي ~~يدعوها إنجيل مرقس وطن يسوع: «وانصرف من هناك وجاء إلى وطنه يتبعه تلاميذه» (مرقس 6: 1-6)، ~~وعندما لم يلق من أهل الناصرة أذنا صاغية في أول الأمر قال يسوع: «لا يزدرى نبي إلا في ~~وطنه وذوي قرابته وبيته» (مرقس 6: 4). وعندما كان اليهود يتجادلون في أمر يسوع على ما نقرأ في ~~إنجيل يوحنا، قال بعضهم: «هذا هو النبي حقا، وقال غيرهم هذا هو المسيح، وقال آخرون: أمن ~~الجليل يأتي المسيح؟» (يوحنا 7: 40-42). # وعندما انبرى نيقوديمس للدفاع عنه، وهو منهم، قال له اليهود: «أوأنت أيضا من الجليل؟ ~~ابحث (في الكتب) تجد أنه لا يبعث من الجليل نبي» (يوحنا 7: 50-52)، وعندما دخل أورشليم في ~~الزيارة التي أدت إلى صلبه، تعرفت عليه الجموع باعتباره النبي الآتي من الجليل: «ولما دخل ~~أورشليم ضجت المدينة كلها وسألت: من هذا ؟ فأجابت الجموع: ms113 هذا النبي يسوع من ناصرة الجليل» ~~(متى 21: 10-11)، وعندما تبع بطرس يسوع عقب القبض عليه وإدخاله دار رئيس الكهنة، تعرفت على ~~بطرس جارية هناك وقالت: هذا الرجل كان مع يسوع الناصري، وعندما أنكر بطرس صلته بيسوع فضحته ~~لهجته الجليلية، فقالوا له: «أنت أيضا منهم لأنك جليلي» (متى 26: 69-73)، والذين تبعوا ~~يسوع إلى أورشليم وشهدوا صلبه كانوا جليليين: «وكان هناك كثير من النسوة ينظرن عن بعد، وهن ~~اللواتي تبعن يسوع من الجليل ليخدمنه، فيهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي، وأم ابني ~~زبدي» (متى 27: 55-56)، وبعد القيامة قال للمرأتين اللتين تراءى لهما: «لا تخافا اذهبا ~~وقولا لإخوتي (التلاميذ) يمضوا إلى الجليل، فهناك يرونني» (متى 28: 9-10)، «وأما التلاميذ ~~الأحد عشر فذهبوا إلى الجليل إلى الجبل الذي جعله يسوع لهم موعدا، فلما رأوه سجدوا له» ~~(متى 28: 16-17). # وعلى كل، فإذا كانت قصة الميلاد في بيت لحم ذات أصل تاريخي، فإن المدينة المرشحة لأن ~~تكون مكان الميلاد ليست بيت لحم اليهودية، وإنما مدينة أخرى في الجليل تحمل الاسم نفسه، إن ~~ما لا يعرفه الجميع، وما تم التعتيم عليه تاريخيا، هو وجود مدينة في الجليل تحمل اسم بيت ~~لحم، تقع مقابل السفوح الشمالية الشرقية لجبل الكرمل، وقد كانت هذه المدينة قائمة ومزدهرة ~~خلال حياة يسوع، على ما تثبته نتائج التنقيب الأثري في موقعها، ولكنها ترجع بتاريخها إلى ~~نحو القرن السابع قبل الميلاد، وبيت لحم الجليل هذه تظهر في المصورات الجغرافية القديمة، ~~ومنها مصور بطليموس الذي يعود بتاريخه إلى عام 160م، وقد تتالت على المدينة مراحل خراب ~~وهجران، ثم بناء وازدهار، طوال أكثر من ألفي سنة، وعند قيام دولة إسرائيل عام 1948، كانت ~~بيت لحم مع معظم الجليل ضمن حدودها، وهي تظهر الآن في جميع الخرائط الحالية لدولة إسرائيل. # 1 # وقد عرف محررو كتاب التوراة بيت لحم الجليل، وأورد سفر يشوع 9: 15 أنها كانت في نصيب سبط ~~زبولون الذي حدد له يشوع أراضيه في منطقة الجليل، وقد دعيت في الكتاب ببيت لحم أفراته نسبة ~~إلى منطقة أفراته ms114 التي تقع فيها، والاسم أفراته يعني الأرض المخصبة المثمرة، وإليها تشير ~~النبوءة الواردة في سفر ميخا، بخصوص المواطن الذي يظهر فيها المخلص: «أما أنت يا بيت لحم ~~أفراته، وأنت صغيرة على أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطا على ~~إسرائيل ومخارجه منذ القديم» (ميخا 5: 2)، وقد اقتبس متى هذه النبوءة بعد تحريفها وتحويل ~~«بيت لحم أفراته» إلى «بيت لحم يهوذا» فقال: «فقد أوحي إلى النبي فكتب: «وأنت يا بيت لحم ~~أرض يهوذا، لست الصغيرة في ولايات يهوذا، فمنك يخرج وال يرعى شعبي إسرائيل» (متى 1: 5-6). ~~(2) نسب يسوع # بالإضافة إلى سلسلة نسب يسوع التي أوردها متى ولوقا كل على طريقته الخاصة، وأرجع بها ~~نسب يسوع إلى الملك داود، مما درسناه بالتفصيل في الفصل الأول، فإن الأناجيل الإزائية تتابع ~~هذه الفكرة من خلال دعوة يسوع بابن داود، وباللقب الآخر المتصل به وهو لقب ملك اليهود، ~~ولكننا إذا تابعنا المواضع التي ورد فيها هذان اللقبان، لوجدنا أن يسوع لم يستخدم أيا ~~منهما في الإشارة إلى نفسه، وعندما قبل لقب «ملك» أثناء المحاكمة التي عقدها له بيلاطس ~~الروماني، فقد قبله بمعنى محدد دقيق، يحول النظر عن أي مفهوم زمني للملك، يهوديا كان أم ~~غير يهودي، فعندما سأله بيلاطس: «أأنت ملك اليهود؟ أجاب يسوع: ليست مملكتي من هذا العالم، ~~ولو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني رجال لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن مملكتي ليست من ~~ها هنا» (يوحنا 18: 34-36)، وعندما حاولت الجموع، قبل ذلك، أن تنادي به ملكا هرب منهم ~~وتوارى عن الأنظار: «فلما رأى الناس الآية التي أتى بها يسوع، قالوا: حقا هذا هو النبي ~~الآتي إلى العالم. وشعر يسوع أنهم يهمون باختطافه ليقيموه ملكا، فابتعد عنهم وعاد وحده إلى ~~الجبل» (يوحنا 6: 14-15). وبالمقابل فإن لقب ابن داود أو ملك اليهود قد استعمل من قبل ~~الآخرين في الإشارة إلى يسوع، فقد ناداه شحاذ أعمى بينما هو خارج من أريحا: «رحماك يا ابن ~~داود» (متى 9: 27). وعندما دخل أورشليم هتف له ms115 جمع كبير من الناس: «حيوا ابن داود، تبارك ~~الآتي باسم الرب» (متى 21: 9)، «تبارك الآتي باسم الرب تباركت المملكة الآتية مملكة أبينا ~~داود» (مرقس 11: 10)، على أن يسوع قد حسم هذه المسألة بشكل قاطع، وفي ثلاث روايات متشابهة في ~~الأناجيل الإزائية عندما قال: «كيف يقول الكتبة إن المسيح هو ابن داود؟ وداود نفسه قال ~~بوحي من الروح: قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك تحت قدميك؟ فداود نفسه يدعوه ~~ربا، فكيف يكون ابنه؟» (متى 22: 41)، و(مرقس 12: 35-27)، و(لوقا 20: 41). ~~(3) يسوع والشريعة ~~«لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس» # لدينا في إنجيل متى مقطع شهير بقدر ما هو إشكالي، يضع على لسان يسوع قوله: «لا تظنوا ~~أني جئت لأنقض الناموس (الشريعة) أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل ... الحق أقول لكم: إلى ~~أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل، فمن ~~خالف وصية من أصغر تلك الوصايا وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد صغيرا في ملكوت السموات، ~~وأما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يعد كبيرا في ملكوت السموات» (متى 5: 17-19). # فهل كان يسوع نبيا يهوديا أخذ على عاتقه ترسيخ شريعة العهد القديم، أم كان صاحب رسالة ~~جديدة تبطل الشريعة اليهودية الضيقة، وتؤسس لعهد جديد بين الله والبشرية، يتجاوز العهد ~~القديم بين يهوه وشعبه الخاص؟ في الحقيقة، إن كل أقواع يسوع وأعماله، سواء في الأناجيل ~~الإزائية أم في إنجيل يوحنا، تدل على تجاوزه لشريعة موسى، شريعة الحرف، وتأسيسه لشريعة ~~الروح، قال يسوع في إنجيل يوحنا: «لم يعطكم موسى خبز السماء، بل أبي يعطيكم خبز السماء ~~الحق؛ لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم حياة ... أنا خبز الحياة، آباؤكم ~~أكلوا المن في البرية وماتوا، هو ذا الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان فلا يموت، ~~أنا الخبز الحي الذي نزل من السماء» (637: 51)، وبذلك يستبدل يسوع شريعة موسى العتيقة التي ~~وهبت الموت بشخصه الحي الذي يهب الحياة الأبدية، وهو لا يتجاوز موسى فقط، بل يتجاوز كل ms116 ~~الآباء وصولا إلى الأب الأول إبراهيم: «ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي، ورآه ~~ففرح، قال له اليهود: أرأيت إبراهيم وما بلغت الخمسين بعد؟ فقال يسوع: الحق أقول لكم، كنت ~~قبل أن يكون إبراهيم» (يوحنا 8: 56-57)، وبهذا القول يتجاوز يسوع التاريخ اليهودي بأكمله، ~~والذي يبتدئ بإبراهيم، ويجعل نفسه مؤسسا لحركة روحية جديدة، وفي مقابل القول الذي نسبه ~~إليه متى: «إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس»، نجده بعد ~~ذلك يقول: «الأرض والسماء تزولان، وكلامي لا يزول» (متى 24: 35). # في مطلع حياة يسوع التبشيرية أعلن يسوع موقفه الواضح من شريعة العهد القديم، عندما مر ~~وتلاميذه بين الزروع في يوم السبت، فأخذ التلاميذ يقطفون السنابل ويأكلون منها، فقال له ~~الفريسيون: انظر، لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟ فقال لهم: «... إن السبت جعل للإنسان، ~~وما جعل الإنسان للسبت» (مرقس 2: 23-28)، وبذلك أخل يسوع ببند من أهم بنود الشريعة كان ~~منتهكه يستحق الموت، على ما ورد في سفر الخروج 31: 14: «وكلم الرب موسى قائلا ... فتحفظون ~~السبت لأنه مقدس لكم، من دنسه يقتل قتلا، إن كل من صنع عملا فيه تقطع تلك النفس من بين ~~شعبها». ودخل يسوع أيضا في يوم سبت أحد مجامعهم وكان فيه رجل يده مشلولة، وكان الفريسيون ~~والكتبة يراقبونه ليروا هل يشفيه في السبت، فعلم أفكارهم فقال للرجل: قم فقف في حلقة ~~المجمع، فقام ووقف فيها، قال يسوع لهم: أسألكم، أعمل الصالحات يحل في يوم السبت أم عمل ~~السيئات؟ أتخليص نفس أم إهلاكها؟ ثم أجال طرفه فيهم جميعا وقال له: امدد يدك، فمدها فعادت ~~صحيحة (لوقا 6: 6-11). وفي حادثة شفاء أخرى يوم السبت أخذ اليهود يشغبون على يسوع لأنه ~~يعمل في يوم السبت، وسمح لمريضه أن يعمل عندما قال له: قم فاحمل فراشك وامش، فقال يسوع ~~لليهود جملة تحمل كل معاني السخرية من مفهومهم عن الراحة المطلقة في يوم السبت: «إن أبي ما ~~يزال يعمل وأنا أيضا أعمل». أي إن الله لا يتوقف عن رعاية ms117 خلقه يوم السبت، ويسوع ينسج على ~~منواله (يوحنا 5: 16-17). # وقد ثار يسوع على مفاهيم الطهارة الشرعية التي تركز على طهارة الظاهر، وتنسى الطهارة ~~الحقيقية التي هي طهارة الباطن، فقد اجتمع لديه بعض الفريسيين والكتبة الآتين من أورشليم، ~~فرأوا بعض تلاميذه يأكلون قبل غسل أيديهم، فسأله الفريسيون والكتبة: لماذا لا يجري تلاميذك ~~على سنة الشيوخ، بل يتناولون الطعام بأيد نجسة؟ فقال لهم: ... ليس ما يدخل الفم ينجس ~~الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان، ألا تدركون أن ما يدخل الفم ينزل إلى ~~الجوف ثم يخرج في الخلاء، وأما الذي يخرج من الفم فإنه ينبعث من القلب، وهو الذي ينجس ~~الإنسان، فمن القلب تنبعث مقاصد السوء والقتل والزنى والفحش والسرقة وشهادة الزور والنميمة، ~~تلك هي التي تنجس الإنسان، أما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجس الإنسان (متى 15: 1-20، ~~ومرقس 7: 1-23)، وبهذا ينسف يسوع جميع بنود الشريعة التوراتية المتعلقة بالأطعمة الطاهرة ~~والأطعمة غير الطاهرة، وما يحل أكله وما لا يحل، وعلى حد قول إنجيل مرقس، فإن يسوع في رده ~~على الفريسيين قد ألغى شريعة الطعام: «وفي قوله ذلك، جعل الأطعمة كلها طاهرة» (مرقس 7: ~~19). # وفي رواية لوقا للحادثة نفسها، نجد غضب يسوع وقد استعر على الفريسيين فخاطبهم قائلا: ~~«ألا أيها الفريسيون، تطهرون ظاهر الكوب والصحفة، وباطنكم ممتلئ نهبا وفسقا. أيها الجهال، ~~أليس الذي صنع الظاهر قد صنع الباطن أيضا؟ فتصدقوا بما لديكم يكن كل شيء طاهرا ... الويل ~~لكم أيها الفريسيون، تحبون صدور المجالس في المجامع وتلقي التحيات في الساحات، الويل لكم، ~~أنتم أشبه بالقبول المجهولة، يسير عليها الناس وهم لا يعلمون، فقال له أحد علماء الشريعة ~~(الناموسيين): يا معلم بقولك هذا تشتمنا نحن أيضا. فقال يسوع: الويل لكم أنتم أيضا يا ~~علماء الشريعة، تحملون الناس أحمالا باهظة، وأنتم لا تمسون هذه الأحمال بإحدى أصابعكم» ~~(لوقا 11: 37-46)؛ لذلك فقد أراح يسوع الناس من أحمال الشريعة التي لا يطيقها الإنسان، وقال ~~لهم: «تعالوا إلي جميعا أيها المرهقون والمثقلون فإني أريحكم، احملوا نيري وتتلمذوا ms118 لي، ~~أنا الوديع المتواضع القلب، تجدوا الراحة في نفوسكم؛ لأن نيري لطيف وحملي خفيف» (متى: 11: 28-30)، اعتمادا على قول يسوع هذا، تحدث بولس الرسول أكثر من مرة عن الحرية التي فتح ~~بابها يسوع، «فاثبتوا إذا في الحرية التي حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا أيضا بنير ~~العبودية، ها أنا بولس أقول لكم إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئا ... لأنه في المسيح ~~يسوع لا الختان ينفع شيئا ولا الغرلة، بل الإيمان العامل بالمحبة» (غلاطية 5: 1-6). # وقد شبه يسوع شريعة القلب والمحبة بالخمرة الجديدة التي لا تقبل الاحتواء في زقاق قديمة ~~(جمع زق وهو وعاء جلدي لحفظ الخمر) هي قوالب شريعة الحرف. فقد سأله بعض الناس: «لماذا يصوم ~~تلاميذ يوحنا (المعمدان) وتلاميذ الفريسيين، ولا يصوم تلاميذك؟ فقال لهم: أيستطيع أهل العرس ~~أن يصوموا والعريس بينهم؟ فما دام العريس بينهم لا يستطيعون أن يصوموا، ولكن سيأتي زمن ~~يرتفع العريس من بينهم، ففي ذلك اليوم يصومون، ما من أحد يرقع ثوبا قديما برقعة من نسيج ~~جديد، مخافة أن تنتزع الرقعة الجديدة شيئا من الثوب القديم، فيتسع الخرق، وما من أحد يجعل ~~الخمرة الجديدة في زقاق قديمة لئلا تشق الخمر الزقاق، فتتلف الخمر والزقاق معا، ولكن ~~للخمرة الجديدة زقاق جديدة» (مرقس 2: 18-22). # وهو يلغي طقوس الذبائح والمحارق اليهودية التي كانت تقام بشكل رئيسي في هيكل أورشليم، ~~فالرحمة عنده تحل محل الذبيحة: «قال الفريسيون لتلاميذه: لماذا يأكل معلمكم مع العشارين ~~والخاطئين؟ فسمع يسوع كلامهم فقال: ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى. فهل عرفتم ~~معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة، ما جئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين» (متى 9: ~~11-13). وشريعة المحبة تتفوق عنده على شريعة الطقوس والذبائح، فقد سأله واحد من الفريسيين ~~ليحرجه: يا معلم، ما هي أكبر وصية في الشريعة؟ فقال له: أحبب الله ربك بجميع قلبك وجميع ~~نفسك وجميع ذهنك، تلك هي الوصية الكبرى والأولى، والثانية مثلها، أحبب قريبك حبك لنفسك، ~~بهاتين الوصيتين يرتبط كلام الشريعة والأنبياء» (متى 22: 34-40)، ويضيف مرقس في روايته ms119 ~~لهذه الحادثة قول السائل: «لقد أصبت يا معلم إذ قلت إنه الله الأحد وليس من دونه آخر، وأن ~~يحبه الإنسان بجميع قلبه وجميع ذهنه وقدرته، وأن يحب قريبه حبه لنفسه أفضل من كل محرقة ~~وذبيحة، فلما رأى يسوع أنه أجاب بفطنة قال له: لست بعيدا عن ملكوت الله» (مرقس 12: 32-33)، وفي قول شهير آخر يحل يسوع الأخلاق محل الشريعة جملة وتفصيلا: «افعلوا للناس ما ~~أردتم أن يفعله الناس لكم، هذه هي خلاصة الشريعة وكلام الأنبياء» (متى 7: 12). # لقد تجاوز يسوع موسى والأنبياء وتخطى الشريعة والطقوس، ولم يعد للهيكل مبرر وجود، ففي ~~جداله حول حرمة السبت مع الفريسيين قال لهم: «أوما قرأتم في الشريعة أن الكهنة يستبيحون ~~حرمة السبت في الهيكل ولا حرج عليهم؟ فأقول لكم: ها هنا أعظم من الهيكل (يشير إلى نفسه) ولو ~~فهمتم معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة، لما حكمتم على من لا حرج عليه، فابن ~~الإنسان (يعني نفسه) سيد السبت» (متى 12: 5-8)، «ولما خرج من الهيكل قال له أحد تلاميذه: ~~يا معلم انظر يا لها من حجارة، ويا لها من أبنية! فقال له يسوع: أترى هذه الأبنية العظيمة؟ ~~لن يبقى فيها حجر على حجر، بل ينقض كله» (مرقس 13: 1-2)، وفي موعظة الجبل الشهيرة في إنجيل ~~متى يناقض يسوع شريعة موسى في عدد من أهم فقراتها، مستخدما صيغة: «سمعتم أنه قيل ~~للأولين ... كذا، أما أنا فأقول ... كذا» وبذلك يضع يسوع سلطة أقواله فوق سلطة بنود الشريعة ~~القديمة، قال يسوع: «سمعتم أنه قيل للأولين: لا تقتل فإن من يقتل يستوجب القضاء، أما أنا ~~فأقول لكم من غضب على أخيه باطلا يستوجب القضاء، ومن قال لأخيه يا أحمق استوجب حكم ~~المجالس ...» «سمعتم أنه قيل: لا تزن، أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة فاشتهاها زنى بها ~~قلبه ...» «سمعتم أنه قيل للأولين: لا تخنث، بل أوف للرب إيمانك، أما أنا فأقول لكم: لا ~~تحلفوا البتة لا بالسماء فهي عرش الله، ولا بالأرض فهي موطئ قدميه ...» «سمعتم أنه قيل: ms120 العين ~~بالعين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، من لطمك على خدك الأيمن فأدر له ~~الآخر ...» «سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك، أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا ~~لاعنيكم، وادعوا لمضطهديكم، فتكونوا بني أبيكم الذي في السموات؛ لأنه يطلع شمسه على الأشرار ~~والأخيار، وينزل غيثه على الأبرار والفجار» (متى 5: 21-45). # فأي شيء، بعد هذا، بقي من شريعة العهد القديم، التي وضعت المداخلة اليهودية على لسان يسوع ~~قوله فيها: لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل؟ ~~(4) عالمية رسالة يسوع ~~«الخراف الضالة من بيت إسرائيل» # في مداخلة يهودية أخرى لمتى يضع على لسان يسوع قوله إن رسالته محصورة ببني إسرائيل، ثم ~~يصف الكنعانيين بالكلاب الذين لا يستحقون بركته الشافية، «ثم خرج يسوع من هناك وذهب إلى ~~نواحي صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك البلاد تصيح: رحماك سيدي يا ابن داود، إن ~~ابنتي يتخبطها الشيطان تخبطا شديدا، فلم يجبها بكلمة، فدنا منه تلاميذه يتوسلون إليه ~~فقالوا: أجب طلبها واصرفها، فإنها تتبعنا بصياحها. فأجاب: لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من ~~بيت إسرائيل، ولكنها وصلت إليه فسجدت له وقالت: أغثني سيدي. فأجابها: لا يحسن أن يؤخذ خبز ~~البنين فيلقى إلى جراء الكلاب. فقالت: رحماك يا سيدي، حتى الكلاب تأكل من الفتات الذي ~~يتساقط عن موائد أصحابها. فأجابها يسوع: ما أعظم إيمانك أيتها المرأة، فليكن لك ما تريدين. ~~فشفيت ابنتها من ساعتها» (متى 15: 21-28). وفي مداخلة ثالثة لمتى، نجد يسوع يرسل ~~تلاميذه للتبشير بين الخراف الضالة من بيت إسرائيل، ويحذرهم من الاقتراب من الوثنيين ~~والسامريين: «ودعا تلاميذه الاثني عشر، فأولاهم سلطانا يطردون به الأرواح النجسة ويشفون ~~الناس من كل مرض وعلة ... وقال لهم: لا تسلكوا طريقا إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة ~~للسامريين، بل اذهبوا نحو الخراف الضالة من بيت إسرائيل» (متى 10: 1-6) (راجع أيضا مرقس ~~7: 24-30). # فإلى أي حد تتوافق هذه الأقوال والمواقف الشوفينية المنسوبة إلى يسوع مع بقية أقواله ~~ومواقفه في الأناجيل ms121 الأربعة، والتي أعلن يسوع من خلالها عن عالمية رسالته وشمولها ~~للإنسانية جمعاء؟ # في الحقيقة، إن الأناجيل تمتلئ بالإشارات إلى الجموع الوثنية العديدة التي كانت تتبع يسوع ~~وتستمع إلى رسالته، من ذلك ما ورد في إنجيل مرقس: «فانصرف يسوع إلى البحر يصحبه تلاميذه، ~~وتبعه جمع كبير من الجليل و... وعبر الأردن ونواحي صور وصيدا» (3: 7-8)، أي إن من وصفهم ~~يسوع بالكلاب من سكان صيدا وفق مداخلة متى، كانوا في عداد من تبعه، وكذلك سكان عبر ~~الأردن، حيث توزعت معظم المدن العشر اليونانية الوثنية، فقد طلب يسوع من ممسوس شفاه أن ~~يذهب إلى هذه المدن الوثنية ويبشر بين أهلها: «وبينما هو يركب السفينة سأله الذي كان ~~ممسوسا أن يصحبه، فلم يأذن له، بل قال له: اذهب إلى بيتك وحدث ذويك بما آتاك الرب من ~~رحمته، فمضى وأخذ ينادي في المدن العشر بما آتاه يسوع» (5: 17-18). وفي إنجيل لوقا نجد يسوع ~~يشفي أناسا كثيرين من ساحل صور وصيدا: «ثم نزل بهم فوقف في مكان منبسط، وهناك جماعة ~~كبيرة من تلاميذه، وحشد كبير من الشعب من جميع اليهودية وأورشليم وساحل صور وصيدا، فقد ~~جاءوا ليسمعوه ويبرءوا من أمراضهم، وكان الجمع كله يحاول أن يلمسه، فقد كانت تخرج منه قوة ~~تبرئهم جميعا» (لوقا 6: 17-19). # وعندما جاء يسوع إلى أورشليم للمرة الأولى ودخل الهيكل أعلنه بيتا لإله جميع الأمم لا ~~لإله اليهود: «ثم وصلوا إلى أورشليم فدخل الهيكل وأخذ يطرد الذين يبيعون ويشترون في الهيكل، ~~وقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام، وأخذ يعلمهم فيقول: ألم يكتب بيتي لجميع الأمم بيت ~~الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص» (مرقس 11: 15-17). # وفي مقابل توجيه يسوع لتلاميذه بألا يسلكوا طريقا إلى الوثنيين، ولا يدخلوا بيتا ~~للسامريين، مما ورد في مداخلة متى اليهودية، نجد أن متى نفسه قد أنهى إنجيله بما يناقض ~~ذلك، عندما قال يسوع لتلاميذه وهو يودعهم: «فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب ~~والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وها أنا ذا معكم طوال ms122 الأيام إلى ~~انقضاء الدهر» (متى 28: 19-20)، وورد عند متى في موضع آخر: «الحق أقول لكم، حيثما يكرز ~~بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضا بما فعلته هذه المرأة تذكارا لها» (متى 26: 13). ~~ويكرر مرقس القول نفسه في الإصحاح 14: 9. وورد عند مرقس أيضا: «وينبغي أن يكرز أولا ~~بالإنجيل في جميع الأمم» (مرقس 13: 10)، وورد عند متى: «هو ذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي ~~عنه رضيت، سأفيض روحي عليه فيبشر الأمم بالحق ... وعلى اسمه تتوكل الأمم» (متى 12: 18-21). # ويسوع نفسه قد مر بالسامرة وبشر فيها، مناقضا بذلك ما نسب إليه متى، وقصة وقوفه عند ~~بئر يعقوب قرب مدينة سامرية تدعى سيخارة، وحواره مع امرأة سامرية، هي من القصص المشهورة ~~في العهد الجديد، وقد انتهت بإيمان المرأة وإيمان عدد كبير من السامريين: «فآمن به عدد ~~كبير من سامريي تلك المدينة، بدافع من كلام المرأة ... فلما جاءه السامريون سألوه أن يقيم ~~بينهم، فأقام يومين، فآمن عند سماع كلامه عدد يفوق بكثرته عدد الأولين، وقالوا للمرأة: لا ~~نؤمن تبعا لكلامك؛ بل لأننا سمعناه نحن وعلمنا أنه مخلص العالم» (يوحنا 4: 39-42). # وفي قصة السامري الصالح التي رواها يسوع في إنجيل لوقا خير رد على الشوفينية اليهودية، ~~فقد سأله ناموسي عمن هو القريب الذي يتوجب على المرء أن يحبه من بعد حبه لله، قال له يسوع: ~~«كان بعضهم نازلا من أورشليم إلى أريحا، فوقع في أيدي اللصوص، فعروه ثم انهالوا عليه ~~بالضرب ومضوا وقد تركوه بين حي وميت، فاتفق أن أحد الكهنة كان نازلا فمر من ذلك الطريق، ~~فرآه فمال عنه ومضى، وكذلك جاز لاوي (= من خدم الهيكل) في ذلك المكان، فرآه فمال عنه ومضى، ~~ثم مر به سامري مسافر، فرآه فأشفق عليه، فمال إليه فضمد جراحه وصب عليه زيتا وخمرا، ثم ~~حمله على مطيته وجاء به إلى فندق واعتنى بأمره ... فمن كان في رأيك من هؤلاء الرجال الثلاثة ~~قريب الذي وقع بأيدي اللصوص؟ فقال: الذي عامله بالرحمة، فقال له يسوع: اذهب فاعمل أنت أيضا ~~مثل ذلك» (لوقا 10: 25-37). ms123 # وفي أكثر من قول له، يصرح يسوع بأن ملكوت الله سيصير إلى غير اليهود من الوثنيين، بسبب ~~عنادهم وقساوة قلوبهم وعزوفهم عن كلمة الله: «إن العشارين والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت ~~الله» (متى 21: 31). «أهل نينوى سيقومون يوم الدين مع هذا الجيل ويحكمون عليه لأنهم تابوا ~~بإنذار النبي يونان، وها هنا أعظم من يونان (يشير إلى نفسه). ملكة الجنوب ستقوم يوم الدين ~~مع هذا الجيل وتحكم عليه؛ لأنها جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وها هنا أعظم من ~~سليمان» (متى 12: 41-42). # وسيأتي الناس من جهات الأرض الأربع ليدخلوا في ملكوت الله أفواجا، وأما اليهود فيجدون ~~أنفسهم في الخارج مطرودين: «ترون في ملكوت الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء، ~~وترون أنفسكم في الخارج مطرودين، وسوف يأتي الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، ~~فيجلسون على المائدة في ملكوت الله، فيصير من الآخرين أولون، ومن الأولين آخرون» (لوقا 13: ~~28-30). # ويضرب يسوع مثلا عن تفضيل الله للوثنيين الذين آمنوا، على اليهود الذين قست قلوبهم عن ~~سماع كلمة الله، بروايته للقصة التالية: «فمثل ملكوت السموات كمثل رب بيت خرج والفجر ~~ليستأجر عمالا لكرمه، فاتفق مع العمال على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج نحو ~~الساعة الثالثة فرأى عمالا آخرين قياما في الساحة بطالين، فقال لهم: اذهبوا أنتم أيضا ~~إلى كرمي فأعطيكم ما يحق لكم. وخرج أيضا نحو الساعة السادسة، ثم نحو الساعة التاسعة، ثم ~~نحو الساعة الحادية عشرة، ففعل مثل ذلك، ولما جاء المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ادع العمال ~~وادفع لهم الأجرة مبتدئا بالآخرين سائرا إلى الأولين، فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة ~~وأخذ كل منهم دينارا، ثم جاء الأولون فظنوا أنهم سيأخذون زيادة، فأخذوا هم أيضا دينارا ~~لكل منهم، وكانوا يأخذونه متذمرين على رب البيت: هؤلاء الذين أتوا آخرا لم يعملوا غير ~~ساعة واحدة، فساويتهم بنا نحن الذين احتملنا عبء النهار وحره، فأجاب رب البيت واحدا منهم ~~وقال: يا صديقي ما ظلمتك، ألم أتفق معك على دينار؟ خذ مالك وانصرف، فهذا الذي ms124 أتى آخرا ~~أريد أن أعطيه مثلك، أفما يحق لي أن أتصرف في أموري كما أشاء؟ أم أنت تنظر إلي نظرة سوء ~~لأني كريم؟ فهكذا يصير الآخرون أولين والأولون آخرين» (متى 20: 1-16). # وفي الهيكل ضرب للأحبار والشيوخ والكتبة مثلا مشابها : غرس رجل كرما فسيجه، وحفر فيه ~~معصرة وبنى برجا، وسلمه إلى كرامين وسافر، فلما حان وقت الثمر، أرسل عبدا إلى الكرامين ~~ليأخذ نصيبه من ثمر الكرم، فأمسكوه وضربوه، وأرجعوه فارغ اليدين، فأرسل عبدا آخر وهذا ~~أيضا شجوا رأسه وشتموه، فأرسل آخر، وهذا قتلوه، ثم أرسل كثيرين غيرهم، فضربوا فريقا ~~وفريقا قتلوا، وبقي عنده واحد وهو ابنه الحبيب، فأرسله إليهم آخر الأمر، وقال: سيهابون ~~ابني، فقال أولئك الكرامون بعضهم لبعض: هو ذا الوارث، هلم نقتله فيعود الميراث إلينا، ~~فأمسكوه وقتلوه وألقوه في خارج الكرم، فماذا يفعل رب الكرم؟ قالوا له: يأتي ويهلك الكرامين ~~ويجعل الكرم لآخرين يؤدون إليه الثمر في وقته، قال لهم يسوع: لذلك أقول لكم إن ملكوت الله ~~سينزع عنكم ليسلم إلى أمة تجعله يخرج ثمره» (متى 21: 33-43)، و(مرقس 12: 1-12). # وبعد أن شفى ابن قائد روماني، التفت إلى تلاميذه متعجبا من إيمان ذلك الوثني، وقال لهم: ~~«سوف يأتي أناس كثيرون من المشرق والمغرب، فيجالسون إبراهيم وإسحاق ويعقوب على المائدة في ~~ملكوت السموات، وأما بنو الملكوت (أي اليهود) فيلقون في الظلمة الخارجية، وهناك البكاء ~~وصريف الأسنان» (متى 8: 11-13). # وفي مقابل القول الذي نسبه إليه متى: «لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل»، ~~فإن يسوع يقول صراحة بأن اليهود ليسوا من خرافه: «إن الأعمال التي أعملها باسم أبي تشهد ~~لي، ولكنكم لا تؤمنون لأنكم لستم من خرافي فخرافي تسمع صوتي، وأعرفها فتتبعني، وأنا أهب لها ~~الحياة الأبدية فلا تهلك أبدا» (يوحنا 10: 25-28). # وهو يتهم التاريخ النبوي الإسرائيلي كله بالزيف، عندما يقول بأن كل الذين جاءوا قبله ~~كانوا لصوصا سارقين: «من لم يدخل حظيرة الخراف من الباب، بل تسلق إليها من طريق آخر كان ~~لصا سارقا، ومن يدخل من الباب كان ms125 راعي الخراف، البواب يفتح له والخراف تصغي إلى صوته، ~~تتبعه لأنها تعرف صوته، أما الغريب فلا تتبعه ... أنا باب الخراف، جميع الذين جاءوا قبلي ~~لصوص سارقون، ولكن الخراف لم تصغ إليهم» (يوحنا 10: 1-8). ~~(5) يسوع واليهود # تميزت علاقة يسوع باليهود بالعدائية والكراهية المتبادلة منذ بداية رسالته، فهو لم يترك ~~نقيصة إلا ونسبها إليهم، وهم كانوا يتحينون الفرص لقتله والتخلص منه، ففي أول تبشير علني ~~له بعد أن خرج من ماء العماد وهبط عليه روح الرب، قام اليهود بأول محاولة لقتله: «فلما سمع ~~أهل المجمع هذا الكلام ثار ثائرهم جميعا، فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة، وساقوه إلى حرف ~~الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليلقوه عنه، ولكنه مر بينهم ومضى» (لوقا 4: 28-30). وبعد ~~ذلك تكررت محاولاتهم ولكن دون جدوى: «فأخذ اليهود يشغبون على يسوع لأنه يفعل ذلك يوم السبت، ~~فقال لهم يسوع: إن أبي ما يزال يعمل، وأنا أيضا أعمل، فاشتد سعي اليهود لقتله» (يوحنا 5: ~~16-18)، «وأخذ يسوع يسير بعد ذلك في الجليل، ولم يشأ أن يسير في اليهودية؛ لأن اليهود كانوا ~~يريدون قتله» (يوحنا 7: 1)، «فأتى اليهود بحجارة ليرجموه فقال لهم يسوع: أريتكم عدة أعمال ~~صالحات من لدن الآب، فلأي عمل منها ترجمونني» (يوحنا 10: 31-32)، وبعد إحيائه لعازر عقد ~~الفريسيون والأحبار مجلسا، وعزموا منذ ذلك اليوم على قتله، فصار لا يظهر بين اليهود، ~~واعتزل في الناحية المتاخمة للبرية في مدينة تدعى أفرام، فأقام فيها مع تلاميذه (يوحنا 11: ~~46-54). # وفي المقابل كان يسوع يمطرهم بكلماته القاسية المباشرة، فقد قال للفريسيين وهم النخبة ~~المتعلمة من اليهود: «يا أولاد الأفاعي، أنى لكم أن تقولوا كلاما طيبا وأنتم خبثاء؟ فمن ~~فيض القلب ينطلق اللسان» (متى 12: 34)، وفي موضع آخر وصفهم بأنهم عميان يقودون عميانا، أي ~~بقية اليهود: «فدنا منه تلاميذه وقالوا له: أتعلم أن الفريسيين استاءوا عندما سمعوا هذا ~~الكلام؟ فأجابهم: كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع، دعوهم وشأنهم إنهم عميان يقودون ~~عميانا» (متى 15: 12-13)، وفي تعبير مليء بالتورية ذات المغزى قال لتلاميذه عندما نسوا ~~أن ms126 يتزودوا بالخبز: «احذروا خمير الفريسيين والصدوقيين» (متى 16: 5-6). # وكان يسوع يخاطب اليهود من موقع مفارق وكأنه ليس واحدا منهم فيقول لهم: بماذا أوصاكم ~~موسى؟ ولا يقول بماذا أوصانا موسى؟ و: ألم يكتب في شريعتكم؟ وليس: ألم يكتب في شريعتنا: ~~«فأجابهم يسوع: ألم يكتب في شريعتكم ... إلخ» (يوحنا 10: 34)، وأيضا: «وما كان هذا إلا لتتم ~~الآية المكتوبة في شريعتهم، وهي: أبغضوني بلا سبب» (يوحنا 15: 25)، وأيضا: «وكتب في ~~شريعتكم: شهادة شاهدين صحيحة، أنا أشهد لنفسي وأبي الذي أرسلني يشهد لي» (يوحنا 8: 17-18)، ~~«ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي» (يوحنا 8: 56)، «فأجابهم: بماذا أوصاكم موسى ... ~~من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية» (مرقس 10: 3-5)، «ألم يعطكم موسى الشريعة، وما من ~~أحد منكم يعمل بأحكام الشريعة؟» (يوحنا 7: 19)، إن الرأي القائل بأن يسوع لم يكن يهوديا، ~~ليجد سندا قويا له في هذه الصيغة التي توجه بها يسوع إلى اليهود. # واليهود هم قتلة الأنبياء والمرسلين، وعليهم يقع كل دم زكي سفك على الأرض: «الويل لكم ~~أيها الكتبة والفريسيون المراءون: تبنون قبور الأنبياء وتزينون ضرائح الصديقين، وتقولون: لو ~~عشنا زمن آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء، فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنكم قتلة ~~الأنبياء، فاملئوا أنتم مكيال آبائكم، أيها الحيات أولاد الأفاعي، أنى لكم أن تهربوا من ~~عقاب جهنم؟ ها أنا ذا (يقول الرب) أرسل إليكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة، ففريقا ~~تقتلون وتصلبون، وفريقا في مجامعكم تجلدون، ومن مدينة إلى مدينة تطاردون، حتى يقع عليكم ~~كل دم زكي سفك على الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين ~~الهيكل والمذبح، الحق أقول لكم: هذا كله سيقع على هذا الجبل، أورشليم، أورشليم، يا قاتلة ~~الأنبياء والمرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت ~~جناحيها، فلم تريدوا، إن بيتكم سيترك لكم خرابا، أقول لكم: لا ترونني بعد اليوم حتى ~~تقولوا: تبارك الآتي باسم الرب» (23: 29-39). # وقد تنبأ يسوع بأنه سوف يسلم إلى اليهود أبناء قتلة الأنبياء فيحكمون ms127 عليه بالموت ~~ويتركون التنفيذ للرومان: «وأوشك يسوع أن يصعد إلى أورشليم، فانفرد بالاثني عشر، وقال لهم: ~~إنا صاعدون إلى أورشليم، وسيسلم ابن الإنسان إلى الأحبار والكتبة فيحكمون عليه بالموت، ~~ويسلمونه إلى الوثنيين ليسخروا منه ويجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم» (متى 20: 17-19)، وقد أثبت اليهود بعد ذلك صدق ما قاله فيهم يسوع فهم ورثة قتلة الأنبياء، فعندما حاول ~~الوالي الروماني عبثا إقناع اليهود ببراءة يسوع، غسل يديه أمام الجميع وقال: «إني بريء من ~~دم هذا البار، أنتم وشأنكم فيه، فأجاب الشعب بأجمعه: دمه علينا وعلى أولادنا» (متى 27: 24-29)، وعندما رفع يسوع على الصليب راح اليهود يشتمونه وأحبارهم يهزءون منه: «وكان المارة ~~يشتمونه ويهزون رءوسهم ويقولون: يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام، إن كنت ابن ~~الله فخلص نفسك وانزل عن الصليب، وكان الأحبار يسخرون مثلهم، فيقولون مع الكتبة والشيوخ: ~~خلص غيره ولا يقدر أن يخلص نفسه» (متى 27: 39-42). # وقد لخص يسوع موقفه من اليهود في جملة واحدة، عندما قال للمرأة السامرية إن الخلاص لا ~~يتم إلا بالتخلص من اليهود: «يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم ~~تسجدون للآب، أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما فنحن فنسجد لما نعلم؛ لأن الخلاص هو من ~~اليهود، ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق» (يوحنا ~~4: 21-23). # وهم لا يعرفون إله يسوع، بل يعبدون إلها آخر، قال يسوع لليهود: «أنتم لا تعرفونني ولا ~~تعرفون أبي» (يوحنا 8: 19)، «على أني ما جئت من نفسي، بل هو حق الذي أرسلني أنتم لا تعرفونه، ~~وأما أنا فأعرفه؛ لأني من لدنه أتيت وهو الذي أرسلني» (يوحنا 7: 28-29)، «أنتم من الدرك ~~الأسفل، وأنا من الملأ الأعلى، أنتم من العالم، وأنا لست من العالم» (يوحنا 8: 23)، واليهود ~~أبناء إبليس وإليه يتعبدون: «أنتم تعملون أعمال أبيكم ... لو كان الله أباكم لأحببتموني؛ لأني ~~من الله خرجت وأتيت، إنكم أولاد أبيكم إبليس، وأنتم تريدون إتمام شهوات أبيكم، كان منذ ~~البدء مهلكا للناس لم ms128 يثبت على حق ... من كان من الله سمع كلام الله، فإذا كنتم لا تسمعون ~~فلأنكم لست من الله» (يوحنا 8: 41-47)، واليهود في عبادتهم لإلههم يهوه يكرهون الله الحق: ~~«وهم مع ذلك يبغضونني ويبغضون أبي، وما ذلك إلا لتتم الآية المكتوبة في شريعتهم: أبغضوني ~~بلا سبب» (يوحنا 15: 24-25). # فأي شيء بعد هذا يبقى من الأقوال المنسوبة إلى يسوع بأنه لم يرسل إلا إلى الخراف الضالة ~~من بيت إسرائيل، وأنه ما جاء لينقض وإنما ليكمل؟ ~~(6) بولس الرسول # بولس الرسول هو أشهر شخصية في أسفار العهد الجديد بعد يسوع، فمعظم مادة سفر أعمال الرسل ~~يتحدث عن نشاطه التبشيري، كما أن رسائله الأربع عشرة كانت متداولة بين المسيحيين، كتابة، ~~قبل تدوين الأناجيل الأربعة، ولد نحو عام 10م في مدينة طرسوس بمنطقة كيليكيا بجنوب آسيا ~~الصغرى، من أسرة يهودية تحمل المواطنية الرومانية، وبعد مسيرة تبشيرية حافلة تنقل خلالها ~~بين دمشق وأنطاكية وآسيا الصغرى واليونان وروما، استشهد نحو عام 67م خلال حملة الاضطهاد ~~الشاملة ضد المسيحيين، التي جرت خلال عهد الإمبراطور نيرون، لم ير يسوع شخصيا، ولكنه ~~واجهه في رؤيا عقلية عرضت له على طريق دمشق، حولته إلى المسيحية وإلى أهم مبشر بيسوع. قصر ~~نشاطه على التبشير بين الوثنيين، وهو المسئول عن تشكيل «كنيسة الأمم» التي ورثتها كنيسة ~~روما كقائدة للحركة المسيحية القويمة والمسكونية، كان اليهودي الوحيد بين بقية الرسل ~~الجليليين، ومع ذلك فقد كان أكثرهم فهما لتعاليم يسوع ومراميها الكونية، وعلى رسائله ~~الأربع عشرة قامت المسيحية التي نعرفها اليوم، فماذا قال بولس في اليهود والشريعة وعالمية ~~رسالة يسوع، وما هي مواقفه من العهد القديم وصلته بالعهد الجديد؟ # في رسالته الثانية إلى أهالي كورنثة يحدث بوليس قطيعة تامة غير قابلة للوصل بين العهد ~~القديم والعهد الجديد: «إذا كان أحد في المسيح، فإنه خلق جديد قد زال كل شيء قديم، وها هو ~~ذا كل شيء جديد» (2 كورنثة 5: 17)، والعهد الجديد هو عهد الروح لا عهد الحرف (أي الشريعة): ~~«تلك ثقتنا بالمسيح لدى الله ... فهو الذي مكننا من ms129 خدمة العهد الجديد، عهد الروح لا عهد ~~الحرف؛ لأن الحرف يميت والروح يحيي» (1 كورنثة 2: 4-6)، وموت يسوع على الصليب قد حرر من آمن ~~به من أهل الشريعة: «نحن نعلم أن الإنسان لا يبر لأنه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأن له ~~الإيمان بيسوع المسيح ... بالشريعة مت عن الشريعة لأحيا في الله ... وإذا كانت لي حياة بشرية، ~~فإنها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي ... ولو كان بالشريعة بر الإنسان، ~~لكان موت المسيح عبثا» (الرسالة إلى أهل غلاطية 2: 16-21). # وشريعة الروح الجديدة قد حررت من شريعة الحرف القديمة: «فليس بعد الآن من هلاك للذين هم ~~في يسوع المسيح؛ لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حررتني من شريعة الموت ~~والخطيئة، فالذي تستطيعه الشريعة، والجسد قد أوهنها، حققه الله بإرسال ابنه في جسد يشبه ~~جسدنا الخاطئ كفارة للخطيئة، فحكم على الخطيئة بالجسد ليتم ما تقتضيه منا الشريعة، نحن ~~الذين لا يسلكون سبيل الجسد بل سبيل الروح» (الرسالة إلى أهالي روما 8: 1-2)، وأيضا: «لم ~~تتلقوا روحا يستعبدكم ويردكم إلى الخوف، بل روحا يجعلكم أبناء، وبه ننادي أبتاه ... فإذا ~~كنا أبناء الله فنحن الورثة، ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث» (الرسالة إلى أهالي روما ~~8: 15-17). ~~«أما الآن وقد متنا عما كان يعتقلنا فقد حللنا من الشريعة، وأصبحنا نعمل في نظام الروح ~~الجديد، لا في نظام الحرف القديم» (الرسالة إلى أهالي روما 7: 6-7)، والمسيحيون الذين يصرون ~~على المحافظة على أحكام شريعة العهد القديم، قد انقطعوا في الواقع عن المسيح ورفضوا الحرية ~~التي قدمها لهم: «إن المسيح قد حررنا لنكون أحرارا فاثتبوا إذا ولا تعودوا إلى نير ~~العبودية، فها أنا ذا بولس أقول لكم: إذا اختتنتم فلن يفيدكم المسيح شيئا وأشهد مرة أخرى ~~لكل مختتن بأنه ملزم أن يعمل بالشريعة جمعاء، لقد انقطعتم عن المسيح يا أيها الذين يلتمسون ~~البر من الشريعة» (الرسالة إلى أهالي غلاطية 5: 1-4). # وسيرا على سنة يسوع فقد حلل بولس كل الأطعمة، فلا يوجد بعد اليوم ms130 ما هو محرم على الأكل ~~وما هو محلل: «وأما الأكل من ذبائح الأوثان، فنحن نعلم أن الوثن ليس بشيء في العالم، وأن ~~لا إله إلا الله الأحد ... ولكن المعرفة ليست لجميع الناس، فبعضهم جرت لهم العادة في الأوثان ~~أن يأكلوا الذبائح كأنها حقا ذبائح للأوثان، فيتدنس ضميرهم لضعفه، ما من طعام يقربنا إلى ~~الله، فإن لم نأكل لا نخسر شيئا، وإن أكلنا لا نربح شيئا» (الرسالة الأولى إلى أهالي ~~كورنثة 8: 1-8)، وأيضا: «كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء بنافع ... كلوا من اللحم كل ما يباع ~~في الأسواق، ولا تسألوا عن شيء تورعا؛ لأن الأرض وما عليها للرب» (1 كورنثة 10: 23-25)، ~~وأيضا: «فكل ما خلق الله حسن، فما من طعام نجس إذا تناوله الإنسان وهو حامد؛ لأن كلام ~~الله والصلاة يقدسانه» (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 4: 3-4). # وقد تحدث بولس عن اليهود بسخرية وتهكم واستخدم في وصفهم تعابير مقذعة: «هنالك جماعات ~~كثيرة وقد كلمتكم عليها مرارا وسأكلمكم عنها اليوم باكيا، تسير سيرة أعداء الصليب، ~~عاقبتهم الهلاك، وإلههم بطنهم (إشارة إلى تحريمات الشريعة بخصوص الأطعمة)، ومجدهم عورتهم ~~(إشارة تهكمية إلى الختان)، همهم أمور الأرض، أما نحن فموطننا في السموات ومنها ننتظر مجيء ~~المخلص يسوع المسيح، الذي يبدل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد» (الرسالة إلى ~~أهالي فيليبي 3: 18-21)، وأيضا: «احذروا الكلاب (يعني اليهود الذين أرادوا فرض عاداتهم على ~~المسيحيين)، احذروا عمال السوء، احذروا ذوي الجب (أهل الختان)، فإنما نحن ذوو الختان لأن ~~عبادتنا بروح الله، وفخرنا فخر بالمسيح يسوع» (الرسالة إلى أهالي فيليبي 3: 1-3)، وهو يسخر ~~من كل نواهي الشريعة اليهودية التي لا تني عن تكرار أوامر مثل: لا تأخذ، لا تمس، لا تذق ... ~~إلخ: «فأما وقد متم مع المسيح متخلين عن أركان العالم، فما بالكم لو كنتم عائشين في العالم ~~تخضعون لمثل هذه النواهي، لا تأخذن، لا تذق، لا تمس، وتلك الأشياء كلها تئول بالاستعمال إلى ~~الزوال» (الرسالة إلى أهالي كولوسي 2: 20-21). # وبولس يعكس معنى قصة زوجة إبراهيم الحرة سارة، ms131 وزوجته الأخرى هاجر الجارية، فاليهود هم ~~العبيد أولاد الجارية، أما المسيحيون فهم الأحرار الذين ولدوا روحيا من الحرة: «هاتين ~~المرأتين تمثلان العهدين، إحداهما هاجر، طور سيناء تلد للعبودية، وتعني أورشليم هذا الدهر، ~~فإنما هي وبنوها في العبودية، أما أورشليم العليا (السماوية) فحرة وهي أمنا» (الرسالة إلى ~~أهالي غلاطية 4: 24-26). # والشريعة اليهودية بما تفرضه من أحمال تفوق طاقة أحد عليها إنما تقود في النهاية إلى ~~المعصية: «فما الشريعة إلا سبيل إلى معرفة الخطيئة، أما الآن فقد ظهر بر الله بمعزل عن ~~الشريعة، تشهد له الشريعة والأنبياء، هو بر الله، وطريقه الإيمان بيسوع المسيح» (الرسالة إلى ~~أهالي روما 3: 20-23). وأيضا: «فالوعد الذي تلقاه إبراهيم بأن يرث العالم لا يعود إلى ~~الشريعة، بل إلى بر الإيمان، فلو كان الورثة أهل الشريعة لأبطل الإيمان ونقض العهد؛ لأن ~~الشريعة تورث الغضب، وحيث لا تكون شريعة لا تكون معصية» (الرسالة إلى أهالي روما 4: 13-14)، ~~كما أن الشريعة تورث اللعنة، وذلك لتقصير أهل الشريعة عن الوفاء بمتطلباتها: «إن دعاة العمل ~~بأحكام الشريعة لعنوا جميعا، فقد ورد في الكتاب: ملعون من لم يثابر على العمل بجميع ما ~~كتب في سفر الشريعة ... فالمسيح قد افتدانا من لعنة الشريعة» (الرسالة إلى أهالي غلاطية 3: ~~10-13). # لقد أخضع إله العهد القديم الخليقة للباطل كرها عنها، ولكنها لم تقطع الرجاء في انتظار ~~انتسابها لله، الأب السماوي، الذي كشف لنا يسوع عن ملء رحمته: «وأرى أن آلام هذه الدنيا لا ~~تساوي المجد الذي سيتجلى فينا، فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر تجلي أبناء الله، فقد أخضعت ~~للباطل بسلطان الذي أخضعها (أي الديميرج إله العهد القديم)، لا طوعا منها، ومع ذلك لم تقطع ~~الرجاء» (الرسالة إلى أهالي روما 8: 19-21). لقد أغلق كتاب العهد القديم كل بوابات الرجاء، ~~حتى ظهور المسيح: «لو أعطيت شريعة بوسعها أن تحيي لصح أن البر يحصل عليه بالشريعة، ولكن ~~الكتاب أغلق على كل شيء وجعله في حكم الخطيئة، ليوهب الوعد للمؤمنين لإيمانهم بيسوع المسيح» ~~(الرسالة إلى أهالي غلاطية 3: 21-22). # واليهود الذين تحولوا إلى ms132 المسيحية وبولس واحد منهم، كانوا أشبه بالقاصرين الواقعين تحت ~~وصاية أركان هذا العالم، ولكن يسوع افتداهم وأدخلهم سن الرشد، وهنا يستخدم بولس تعبير ~~«أركان» أو «أراكنة» باللغة اليونانية، وتعني «حكام»، وبالمفهوم الغنوصي هم حكام العالم ~~المادي الذي يأتمرون بأمر كبير الأراكنة إله العهد القديم، وقد دعاهم بولس أيضا بالآلهة ~~المزيفة: «حين كنا قاصرين كنا عبيدا لأركان العالم، فلما تم الزمان، أرسل الله ابنه ~~مولودا لامرأة، مولودا في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، فنحظى بالتبني، ~~والدليل على كونكم أبناء الله ، أن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا، الروح الذي ينادي يا ~~أبتاه، فلست بعد الآن عبدا بل أنت ابن، وإذا كنت ابنا فأنت وارث بفضل الله، لما كنتم ~~تجهلون الله، كنتم عبيدا لآلهة ليست بآلهة حقا، أما الآن وقد عرفتم الله، بل عرفكم ~~الله، فكيف تعودون إلى تلك الأركان الضعيفة الحقيرة، وتريدون أن تكونوا عبيدا لها كما كنتم ~~قبلا، تراعون الأيام والشهور والفصول والسنين (إشارة إلى السبت وأعياد اليهود الدينية)؟ ~~إني أخشى أن أكون قد تعبت عبثا من أجلكم» (الرسالة إلى أهالي غلاطية 4: 3-11). # وفي الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة هنالك إشارة إلى «إله هذا الدهر» وهذه العبارة تدل ~~على الأركون الأكبر إله العهد القديم في الفكر الغنوصي، وهي مستمدة من سفر إشعيا الذي أطلق ~~لقب إله الدهر على يهوه: «أما عرفت أم لم تسمع؟ إله الدهر، الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ~~ولا يعيا» (إشعيا 40: 28)، ويرى بولس أن إله هذا الدهر هو إله الهالكين من اليهود الذين رفضوا ~~يد يسوع التي امتدت إليهم لتخليصهم: «ولكن إذا كان إنجيلنا مكتوما، فإنه مكتوم في ~~الهالكين، الذين فيهم إله هذا الدهر، # 2 # قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح» (4: ~~3). # خلاصة # فيما سبق من هذا الفصل جعلنا نصوص العهد الجديد نفسها ترد على المداخلات المقحمة عليه، ~~والغريبة عن سياقه العام، فيسوع قد جاء لينقض لا ليكمل، ورسالته جديدة كل الجدة عن رسالة ~~العهد القديم، ولا يمكن ms133 اعتبارها بأي حال من الأحوال حركة إصلاحية يهودية، ميزت نفسها ~~تدريجيا حتى شبت على الطوق واستقلت، لقد كانت منذ البدء حركة مستقلة كما أراد لها يسوع ~~عندما قال: «جئت لألقي على الأرض نارا، وكم أرجو أن تكون قد اشتعلت ... أوتظنون أني جئت ~~لألقي السلام على الأرض؟ أقول لكم لا، بل الخلاف» (لوقا 12: 49-51)، لقد أحدث يسوع شرخا في ~~المجتمع اليهودي والمجتمع الوثني على السواء، انطلاقا من قناعته بأن الجديد لا يرسخ قبل ~~تهديم كامل للقديم: «فمنذ اليوم يكون في بيت واحد خمسة، فيخالف ثلاثة منهم اثنين، واثنان ~~ثلاثة، يخالف الأب ابنه والابن أباه، والأم بنتها والبنت أمها، والحماة كنتها والكنة ~~حماتها» (لوقا 12: 52-53)، ولقد تخللت رسالة يسوع منذ البدء المجتمع كعاصفة تقتلع القديم ~~لتزرع الجديد، ومنذ البدء ميز أتباعه أنفسهم عن محيطهم الثقافي، مشكلين النواة الأولى ~~لواحدة من أهم الحركات الروحية في تاريخ الإنسانية، استطاعت بعد بضعة قرون أن تكسب نصف ~~أرجاء المعمورة، ومع ذلك فقد أفلحت اليهودية في زرع شوكة في خاصرة المسيحية مع انطلاقتها ~~الكبيرة، عندما تم في أواخر القرن الرابع الميلادي الجمع بين كتاب العهد القديم وأسفار ~~العهد الجديد في كتاب المسيحيين المقدس. # عند هذه المرحلة من بحثنا، تبينت لنا ملامح الوجه الآخر للمسيح، والوجه الحقيقي لرسالته ~~التي ترفض اليهودية والوثنية التقليدية، وتتجاوزهما نحو أرحب الآفاق الإنسانية، ولكن الأرض ~~التي ألقى عليها يسوع نارا لم تحترق تماما إلا مع الغنوصية المسيحية، التي أكملت نصوصها ~~صورة الوجه الآخر للمسيح، وسوف نخصص الفصل القادم لتوسيع ما كنا قد قدمناه في الفصل الثاني ~~بخصوص الغنوصية ونشأة المسيحية. # الفصل الخامس # | استطراد حول الغنوصية # في شهر كانون الأول (ديسمبر) من عام 1945م كان فلاحان مصريان يحفران في الأرض، حول صخرة ~~كبيرة تقع عند جبل صخري يدعى جبل الطارف، قرب بلدة نجع حمادي بصعيد مصر، عندما اصطدم ~~معول محمد علي السمان بعقبة صلبة أزاح من حولها التراب، فظهرت له جرة فخارية كبيرة ~~مختومة الفوهة تقادم عليها الزمن، وعندما هم بفتحها تداعت في مخيلته ms134 قصص العفاريت القديمة ~~المحبوسة في مثل هذه الأوعية المريبة، فتردد وأحجم، ولكن قصصا أخرى عن كنوز ظهرت من تحت ~~التراب في منطقة وادي الملوك القريبة، جعلت طمعه في الذهب يغلب خوفه من العفاريت، ففتح ~~الجرة ليجد فيها ثلاثة عشر مجلدا من ورق البردي، تناثرت بعض صفحاتها السائبة في الهواء ~~ومعها أحلامها في الثراء السريع، ولكنه بحسه الفطري أدرك أن مثل هذه الأشياء القديمة ~~المدفونة في التراب غالبا ما يكون لها ثمن ما، فحملها على جمله وعاد إلى بيته في ~~الأقصر. # كان محمد علي ملاحقا بتهمة ارتكابه لجريمة ثأر، ولخوفه من اقتحام رجال الأمن بيته ~~والعثور على الكنز، قام بتوزيع محتوياته على عدة أمكنة، واستودع بعضها لدى رجل دين مسيحي هو ~~القمص باسيليوس عبد المسيح، ليحفظها أمانة عنده، وبينما كان محمد علي وأخوه محتجزين رهن ~~التحقيق في جريمة الثأر، زار أستاذ تاريخ يعمل في مدرسة محلية القمص باسيليوس، ورأى عنده ~~واحدا من المجلدات، فشك في أهميته الأثرية، وأقنع القمص بإعارته إياه وأرسله إلى صديق له ~~في القاهرة للتأكد من قيمته، وهنا ابتدأت عملية بيع المجلدات في سوق الآثار السوداء في مصر ~~وتهريب بعضها إلى الخارج، ولكن الإشاعات عن تداول مخطوطات قديمة في السوق ما لبثت أن وصلت ~~أسماع السلطات المصرية التي بادرت إلى البحث عنها ومطاردة المتعاملين فيها، حتى استطاعت ~~أخيرا مصادرة أو شراء معظمها، وإيداعها في المتحف القبطي بالقاهرة، ولم يبق منها سوى ~~المجلد الثالث عشر الذي تم تهريبه إلى الولايات المتحدة وجرى تداوله هناك. # علم أستاذ تاريخ الأديان في جامعة أوتريخت بهولندا جيلز كويسبل # G. Quispel ~~، وهو باحث ~~مهتم بالغنوصية بوجود هذا المجلد لدى إحدى الجهات في أمريكا، فحث مؤسسة يونغ في زيوريخ ~~على اقتنائه. عندما وصل المجلد إلى المؤسسة، اكتشف كويسبل بعد تفحصه فقدان عدد من صفحاته، ~~فطار إلى القاهرة في ربيع عام 1955م عله يجد الصفحات المفقودة، ويحصل على صور فوتوغرافية ~~لها، تعاون موظفو المتحف القبطي مع الباحث الهولندي فأعاروه صورا فوتوغرافية لعدد من ~~المخطوطات التي عكف ms135 على دراستها فورا، لم يتأخر كويسبل كثيرا في التعرف على طبيعة ~~المخطوطات التي بين يديه، وكان إنجيل توما أول ما تعرف عليه بين الصور الفوتوغرافية، عندما ~~قرأ في السطر الأول من المخطوط المدون باللغة القبطية، مثل بقية المخطوطات، ما يلي: «هذه هي ~~الكلمات الخفية التي نطق بها يسوع الحي، ودونها يهوذا توما التوأم»، وكان كويسبل يعرف أن ~~شذرات مخطوط اكتشف عام 1890م وجرى التعرف عليها باعتبارها بقية من إنجيل توما الغنوصي ~~المفقود، تبتدئ بالسطر نفسه، ولكنه الآن أمام النص الكامل لهذا الإنجيل الذي كان معروفا ~~ومتداولا في بداية عصور المسيحية، فتابع بحماس قراءته، ليجد أنه عبارة عن مجموعة أقوال ~~ليسوع بعضها معروف من الأناجيل الأربعة، ولكن معظمها غير معروف، ويرد على لسان يسوع في ~~صيغ ملغزة، كقوله مثلا: «عندما تستولد ما في باطنك، فإن ما عندك سوف يخلصك، ولكن إذا لم ~~يكن عندك ذلك في باطنك، فما تعدمه في باطنك سوف يقتلك» (إنجيل توما الفقرة 70). # لم يكن إنجيل توما سوى واحد من اثنين وخمسين نصا احتوت عليها مجلدات نجع حمادي الثلاثة ~~عشر، وكان إلى جانبه في المجلد نفسه إنجيل فيليب الذي يعزو إلى يسوع أقوالا وأعمالا غير ~~معروفة في الأناجيل الرسمية، على ما نراه في المقطع التالي: «وكانت مريم المجدلية برفقة ~~المخلص دوما، ولكنه كان يحبها أكثر من بقية التلاميذ، وغالبا ما اعتاد تقبيلها، وهذا ما ~~أثار حفيظة التلاميذ فقالوا له: لماذا تحبها أكثر منا؟ فأجابهم: لماذا لا أحبكم مثلما ~~أحبها؟» كما احتوى المجلد على خمسة نصوص أخرى، بعضها يبحث في مفاهيم التكوين الغنوصية مثل ~~«كتاب يوحنا السري» و«طبيعة الأراكنة»، وبعضها يبحث في أصل الروح الإنسانية وغربتها في ~~العالم المادي، ومصيرها، مثل نص «تفسيرات بخصوص الروح». # وهكذا فقد تبين لكويسبل وغيره من أوائل الباحثين الذين سمح لهم بالاطلاع على وثائق نجع ~~حمادي، أن الكنز الذي اكتشفه الفلاح الصعيدي محمد علي السمان، كان عبارة عن مكتبة احتوت ~~على ترجمات قبطية جرى إعدادها قبل ما ينوف عن ألف وخمسمائة سنة، عن نصوص ms136 يونانية أقدم منها ~~تعود إلى مطلع العصور المسيحية، تشتمل على أناجيل وأدبيات غنوصية أخرى، فإلى جانب إنجيل ~~توما وإنجيل فيليب، هنالك إنجيل الحقيقة، وإنجيل المصريين، وهنالك نماذج من الأدب الرؤيوي ~~مثل رؤيا بولس، ورؤيا بطرس، ورؤيا آدم، ورؤيا يعقوب، وهنالك نبذات عن أعمال الرسل، مثل ~~أعمال بطرس وأعمال بطرس والرسل الاثني عشر، وهنالك أساطير في التكوين مثل كتاب يوحنا السري، ~~وطبيعة الأراكنة، وحول أصل العالم، وهنالك رسائل ومقالات في مسائل دينية شتى، وباختصار، ~~فإننا أمام «عهد جديد» موسع لم نكن نعرف عنه إلا القليل. # أما بخصوص تاريخ هذه الوثائق القبطية ، فهنالك اتفاق بين الباحثين على أنها تعود إلى ~~الفترة ما بين 350 و400 ميلادية، ولكن الخلاف نشأ بينهم بخصوص تاريخ كتابة النصوص اليونانية ~~الأصلية، علما أن الغالبية منهم ترى أن معظمها قد دون خلال النصف الأول من القرن الثاني ~~الميلادي، وهي الفترة التي شهدت ميلاد الطوائف الغنوصية الرئيسية، ونشاط المعلمين الغنوصيين ~~الكبار، وفيما يتعلق بإنجيل توما بشكل خاص، فإن كويسبل والذين عملوا معه على تحقيق وترجمة ~~ونشر أول نص كامل له، يرون أنه دون باليونانية نحو عام 140 ميلادية، ولكن هنالك من ~~الباحثين من يرى أن النص الذي تم جمعه في ذلك التاريخ هو تحرير لعمل أقدم منه، ربما يرجع ~~إلى فترة تدوين الأناجيل الأربعة، أي إلى الفترة ما بين 50 و110م. # أما لماذا دفنت هذه النصوص في الصحراء وتركت هناك هذه المدة الطويلة، فإن تاريخ الحركة ~~المسيحية وما تميزت به بداياتها من صراع بين الفرق والطوائف المختلفة، هو الذي يجيب على ~~هذا السؤال، ففي الفترة المبكرة من نشوء المسيحية، كانت نصوص نجع حمادي وغيرها من النصوص ~~التي اعتبرت بعد ذلك غير رسمية، متداولة بحرية وعلى نطاق واسع بين المسيحيين، ولكن منذ ~~أواسط القرن الثاني الميلادي ابتدأت كنيسة روما، التي شعرت بقوتها وسطوتها، حملة واسعة ~~النطاق ضد الطوائف المسيحية الغنوصية، واعتبرتها هرطقات يجب مكافحتها بكل الوسائل، وتفرغ ~~عدد من آباء الكنيسة الأوائل لدحض الفكر الغنوصي وإظهار زيفه وبطلانه. # فهناك الآن ms137 كنيسة واحدة فقط قويمة الإيمان (أرثوذكسية)، وهي في الوقت نفسه عالمية مسكونية ~~(كاثوليكية)، أما ما تبقى من الشيع والفرق والاتجاهات الفكرية داخل المسيحية، فانحرافات عن ~~الإيمان الصحيح ينبغي تقويمها وإعادة خرافها الضالة إلى الحظيرة الكاثوليكية، وعندما تحول ~~الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية في مطلع القرن الرابع الميلادي، وصارت المسيحية القويمة ~~دينا للدولة، تحول رجال الكنيسة من ضحايا لاضطهاد السلطات الرسمية إلى مشرفين ومحرضين على ~~اضطهاد خصومهم، فجرى منع تداول كل الأدبيات المسيحية غير الرسمية، وصار اقتناء الكتب ~~الغنوصية جريمة يعاقب عليها القانون، وشنت السلطات الكنسية حملات تفتيش واسعة على هذه ~~الكتب وأحرقتها، ولكن راهبا غنوصيا مقيما في دير القديس باخوميوس القريب من منطقة ~~الاكتشاف، قد أنقذ ما يمكن إنقاذه من المخطوطات الغنوصية، فخبأها في جرة ودفنها عند جبل ~~الطارف. # على أن أولئك المسيحيين الذين تداولوا مخطوطات نجع حمادي، وغيرها من المخطوطات الغنوصية ~~التي ضاعت إلى الأبد، لم ينظروا إلى أنفسهم كهراطقة بل نظروا إلى أنفسهم باعتبارهم أهل ~~الإيمان الصحيح، وورثة تعاليم سرية أصلية ليسوع المسيح، فهم «العارفون # Gnostics ~~» نسبة إلى ~~الكلمة اليونانية «غنوص # Gnosis ~~» التي تعني «العرفان» و«البصيرة الداخلية»، التي تجعل ~~أصحابها في تواصل مباشر مع الأسرار الإلهية، أما البقية من أتباع الكنيسة القويمة، فهم ~~«المحجوبون» أو «غير العارفين # Agnostics ~~»، الذين وقفوا عند حدود «الظاهر» ولم ينفذوا إلى ~~«الباطن»، وتظهر كتابات هؤلاء الغنوصيين صلتهم بالحركة المسيحية الأولى، فهي تدعي حفظها ~~لتعاليم شفوية للمسيح لم تدونها الأناجيل الرسمية وبقية أسفار العهد الجديد، كما أن الشخصية ~~المركزية فيها هو يسوع المخلص، ومعظم هذه الكتابات يعزى إلى أفراد من حلقة تلاميذ يسوع ~~المقربين، ولكن الفارق بين الشيعتين واسع جدا، فالمسيحيون القويمون يعتقدون بأن الله هو ~~كيان مفارق كليا، وعلى جميع الأصعدة، والهوة العميقة بينه وبين الإنسان لا يمكن عبورها، ~~أما الغنوصيون فيرون من خلال تجربتهم الباطنية، أن معرفة الإنسان في أعمق مستوياتها، هي في ~~الآن نفسه معرفة الله، وأن الإلهي والإنساني متطابقان بشكل ما. # ومن ناحية ثانية فإن النصوص الغنوصية تتحدث عن «الوهم» و«الاستنارة» ms138 لا عن «الخطيئة» ~~و«التوبة» كما هو حال النصوص الرسمية، ويسوع قد جاء إلى العالم كمعلم عرفان وكمرشد على طريق ~~الاستنارة، ولم يأت ليفتدي العالم من الخطيئة الأصلية. # ومن ناحية ثالثة، يؤمن القويمون بأن يسوع هو رب، وابن لله بطريقة فريدة لن تتكرر؛ ولذا ~~فإنه يبقى متميزا عن بقية البشر، أما الغنوصيون فيعتقدون بأن كل عارف قادر على التحول إلى ~~«مسيح»، بعد أن يقطع شوطا على طريق العرفان، فقد قال يسوع لتوما عندما ناداه يا معلم: «لست ~~معلمك؛ لأنك شربت وسكرت من النبع الفوار الذي سكبته» (الفقرة 13)، وهكذا يبدو لنا مسيح ~~الغنوصية أقرب إلى بوذا الديانات الشرق أقصوية منه إلى يسوع الناصري، الذي صلب ليحقق ~~الرابطة المفقودة بين الله والناس. # لم توضع نصوص مكتبة نجع حمادي بين أيدي الباحثين عقب اكتشافها مباشرة، وذلك لعدة أسباب، ~~فقد استغرقت عملية مصادرة المجلدات من قبل السلطات المصرية عدة سنوات، ولم تستطع وضع يدها ~~على المجموعة كاملة إلا في عام 1952م. بعد ذلك لم تكن إدارة المتحف القبطي بالقاهرة كريمة في ~~السماح للباحثين بالاطلاع على المخطوطات ودراستها، والقلة التي سمح لها بذلك مارست ~~احتكارا على ما أودع بين يديها، ولم يسمح أفرادها للباحثين الآخرين مشاركتهم، لما يمكن أن ~~ينجم عن نسخها ونشرها وترجمتها من شهرة أكاديمية، أخيرا، وبضغط وإلحاح عدد من الباحثين ~~الأوروبيين، تدخلت منظمة اليونسكو العالمية لدى السلطات المصرية، ودفعت قدما عملية نشر ~~صور فوتوغرافية للمخطوطات، فصدر المجلد الأول منها عام 1972م، ثم صدرت تسعة مجلدات أخرى ~~تباعا حتى عام 1977م، وفي عام 1978م صدرت الترجمة الكاملة لمكتبة نجع حمادي باللغة ~~الإنجليزية بإشراف وتحرير الباحث الأمريكي جيمس م. روبنسون ومشاركة عدد من الباحثين العالميين. # 1 ~~(1) مصادر معلوماتنا عن الغنوصية # حتى وقت متأخر من العصور الحديثة كانت مصادر معلوماتنا عن الغنوصية وأهلها، تقتصر على ما ~~أورده عنها آباء الكنيسة الأوائل من خصوم الغنوصية، والمدافعين عن الإيمان المسيحي القويم ~~في وجه الهراطقة، وهذا ما قاد إلى رسم صورة مهتزة للغنوصية، بعد تمحيصها وإظهار مثالبها من ~~قبل ms139 خصومها، فقد اتهم الغنوصيون بتشويه العقيدة المسيحية والارتداد إلى مواقع وثنية، كما ~~اتهموا بالخداع والتزوير والسحر، وجرت متابعة أصولها إلى الشيطان نفسه، الذي يعمل جاهدا ~~على تقويض الكنيسة، وقد قاد هذا النشاط المحموم في النهاية إلى اختفاء الجماعات الغنوصية، ~~وإلى تدمير ميراثها الفكري، ومع ذلك فقد حفظ لنا هؤلاء المدافعون عن الإيمان القويم نبذة عن ~~العقائد الغنوصية ومقتبسات لا بأس بها من نصوصهم الأصلية، التي ثبت لنا اليوم صحتها ودقة ~~مقتبسيها وأمانتهم في نقلها لنا، على الرغم من أنهم ما أوردوها إلا لغرض نقدها ودحضها ~~وإظهار زيفها. # يعد كتاب الأسقف إيرنايوس، أسقف ليون المعروف بعنوانه اللاتيني المصغر # Adversus ~~Haereses ~~، أي «ضد الهرطقات » أقدم وأشمل وثيقة وصلت إلينا في دحض العقيدة الغنوصية، وقد ظهر ~~الكتاب بعد عام 177م في خمسة مجلدات، في المجلد الأول عرض المؤلف المذهب الفالنتيني ودحضه، ~~ثم تعرض في المجلدات الباقية للمذاهب الغنوصية الأخرى، فأظهر بطلانها، وتابع أصولها إلى ~~سمعان ماجوس السامري، ومن كتاب إيرنايوس هذا، نعرف للمرة الأولى عن نص غنوصي بعنوان ~~«إنجيل الحقيقة»، وآخر بعنوان «كتاب يوحنا السري»، وكلاهما عثر عليهما في مكتبة نجع حمادي. # 2 # بعد نحو خمسين عاما كتب مفكر مسيحي آخر هو الأسقف هيبوليتوس في روما مؤلفا موسوعيا ~~شبيها تحت عنوان «دحض كل الهرطقات»، يتكون من عدة مجلدات، وتتوزع موضوعاته على قسمين: في ~~القسم الأول عالج المؤلف ضلالات الإغريق والفلاسفة والمجوس والمنجمين وأهل عبادات الأسرار، ~~أما في القسم الثاني فقد قدم توصيفا لمعتقدات وممارسات ثلاث وثلاثين بدعة غنوصية، خلف هذا ~~التقسيم تكمن رؤية هيبوليتوس الخاصة إلى الغنوصية باعتبارها نتاجا فكريا يونانيا ~~ووثنيا، لا نتاجا مسيحيا، وهو يؤكد بشكل خاص على أن الغنوصيين قد اعتمدوا الفلسفة ~~اليونانية وشوهوها لكي تخدم أغراضهم. # وصل الجدل بين المسيحية القويمة والمسيحية الغنوصية ذروته خلال الفترة الممتدة بين عام ~~150 وعام 250م، وإلى هذه الفترة ترجع أعمال مؤلفين آخرين في الرد على الغنوصية وإظهار ~~زيفها، وهم تورتوليان وكليمانت الإسكندري وأوريجين، وضع تورتوليان وهو أول الآباء اللاتين، ~~مؤلفه في إقامة ms140 الحجة على الهراطقة نحو عام 200م، ولكن كتابه هذا لا يعطي الكثير من ~~المعلومات الموثقة عن الغنوصية بقدر ما يركز الاهتمام على المعتقد القويم ويظهر تفوقه. ~~فالمعتقد القويم يستند إلى تعاليم يسوع المسيح وتعاليم الرسل وهي أقدم من تعاليم الغنوصية، ~~وهذا القدم وحده كفيل برد الفكر الغنوصي إلى الهرطقة اللاحقة باعتباره تحريفا وتزييفا ~~للتعاليم الأصلية، وهو يرى، مثل هيبوليتوس، أن المعتقدات الغنوصية تقوم على الفلسفة الوثنية ~~بالدرجة الأولى، ولكنها بالنتيجة فكر توفيقي هابط وعدمي حافزه الشيطان. # يقف اللاهوتيان الإسكندرانيان كليمنت وأوريجين على الطرف النقيض من تورتوليان في موقفه من ~~الغنوصية؛ لأنهما ينطلقان من النظرة الجدية إلى العقائد الغنوصية، ويحاولان إيجاد الروابط ~~بينها وبين العقيدة القويمة، الأمر الذي جعلهما يقفان على حافة الهرطقة، عاش كليمنت ~~الإسكندري بين عام 140 أو 150م، وعام 211 أو 215م، وكان أكثر آباء الكنيسة ثقافة واطلاعا، ~~وقد ميز في مؤلفاته بين الغنوصية الوثنية الزائفة والهرطوقية وبين الغنوصية المسيحية التي ~~تسعى إلى معرفة الله والكمال الأخلاقي، وهو في استخدامه الوعي لمفهوم الغنوص المسيحي ~~باعتباره معرفة الحقيقة يعمل على ردم الهوة بين الموقف القويم الذي يستند إلى «الإيمان» ~~والموقف الغنوصي الذي ينطلق من «العرفان» بدلا من البقاء، مثل سابقيه، في الحلقة المفرغة ~~لدحض الغنوصية وإظهار زيفها، أما أوريجين فيقف من ناحيته موقفا مشابها لكليمنت، فهو على ~~الرغم من معارضته للغنوصية بشكل عام، إلا أنه يطرح أفكارا تقربه منها إلى حد بعيد، مثل ~~تفضيله للعرفان على الإيمان الساذج، وقوله بمبدأ الوجود المسبق للروح وسقوطها في المادة ثم ~~عودتها إلى الله، وفي واحد من مؤلفاته التي ضاع معظمها، يعمل على تفسير إنجيل يوحنا ويعرض ~~تأويلاته الغنوصية له، وهو في استخدامه منهج معارضيه في البحث عن المعاني الباطنية للنص ~~المقدس، إنما يسعى إلى صياغة تفسيرات ترضي الكنيسة من جهة، وتكشف عن الأساس «القويم» الذي ~~تقوم عليه الهرطقة الغنوصية من جهة أخرى. # في العقود الأولى من القرن الرابع الميلادي ظهر أول مؤلف في تاريخ الكنيسة، أعده أوزيب ~~القيصاري، الذي جمع فيه مادة ms141 غنية مقتبسة من مؤلفات سابقيه من نقاد الغنوصية، لا من ~~الأعمال الغنوصية الأصلية، ومع ذلك فإن هذا الكتاب يتمتع بأهمية خاصة لأنه حفظ لنا مقتبسات ~~من مؤلفات فقدت أو فقد بعض أجزائها فيما بعد، ومن هنا تأتي أهميته بالنسبة إلى دارسي ~~الغنوصية اللاحقين. # في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي نشط إبيفانوس السلاميسي أسقف قبرص، وهو من أصل ~~فلسطيني، لقد أعاد أبيفانوس حركة الجدل مع الهراطقة إلى ذروتها مرة أخرى، من أعماله ~~المشهورة كتاب «صندوق النطاسي» الذي ظهر نحو عام 374م، وتقوم فكرته الرئيسية على أن ~~الغنوصيين وغيرهم من الهراطقة هم سلالة من الزواحف والأفاعى السامة تنفث السم الزعاف في نقاء ~~الإيمان القويم، وأن كتابه يقدم الترياق لكل من أصابته لدغات هؤلاء الهراطقة ليعيدهم إلى ~~الحياة المسيحية مرة أخرى، ولقد عدد في كتابه هذا نحو ثمانين حركة هرطوقية، عشرون منها ~~ما قبل مسيحية، والستون الباقية هرطقات مسيحية، وغنوصية في معظمها، كان أبيفانوس متعصبا ~~بشكل أعمى، ومفتقدا إلى المنهجية العلمية التي ميزت أعمال سابقيه، ونظرا لولعه بالجمع ~~أكثر من التحليل، فقد عني بإيراد أسماء جماعات هرطوقية كثيرة، ولم يلق الضوء إلا على بعضها ~~نظرا لقصور معلوماته بخصوصها، الأمر الذي دفعه غالبا إلى ابتكار المعلومات غير الموثقة ~~واللجوء إلى مصادر مشكوك بأمرها. # في سياق القرن الرابع الميلادي توقف الفكر الغنوصي عن النشاط، وتشتت أتباع الجماعات ~~الغنوصية المسيحية، ومع ذلك، فإن نشاط آباء الكنيسة في مقارعة الهرطقة لم يهدأ. من هؤلاء ~~نذكر أفرام السرياني من الرها (306-373م) وأوغسطين (354-430م) ويوحنا الدمشقي (675-749م)، وثيودور بارقونيا المؤلف السرياني الذي ألقى في كتابه ( # Scholia ~~) الأضواء على أواخر ~~الحركات الغنوصية في المنطقة الشرقية، ومنهم المندائيون في جنوب العراق. # حتى وقت متقدم من العصور الحديثة لم يتوفر بين أيدي الباحثين في الغنوصية، غير تلك ~~المقتبسات التي أوردها آباء الكنيسة في معرض جدلهم مع الغنوصيين ودحضهم لمعتقداتهم، ولكن كل ~~هذه المقتبسات إذا جمعت معا لا تملأ اليوم أكثر من خمسين صفحة مطبوعة، على الرغم من آلاف ~~الصفحات التي أنتجها ms142 الفكر الغنوصي في فترة نشاطه بين القرن الثاني والقرن الثالث ~~الميلاديين، غير أن نصوصا غنوصية أصلية بدأت تظهر تباعا وضمن ظروف متنوعة. # كانت «المجموعة الهرمزية» أولى النصوص الغنوصية التي ظهرت في العصر الحديث، وعلى الرغم من ~~أن هذه الكتابات لا تنتمي إلى المسيحية الغنوصية، إلا أنها تعد اليوم نوعا من الغنوصية ~~المبكرة التي شكلت أحد الروافد الرئيسية للفكر الغنوصي المسيحي، كتبت هذه النصوص الثمانية ~~عشر في مطلع العصر المسيحي باللغة اليونانية في الإسكندرية، وهي تنسب إلى شخصية ميثولوجية ~~هي هرمز المثلث العظمة، وهو شكل إغريقي توفيقي لإله الحكمة المصري القديم تحوت، وعلى ~~الرغم من أنها اعتبرت في البداية من إنتاج حكيم مصري هيلينستي، إلا أنها تمثل في الواقع ~~اتجاها دينيا سرانيا خاصا ساهم في صياغته عدد من المؤلفين. يظهر في أهم هذه النصوص، ~~وهو بعنوان بيوماندريس، عدد من الأفكار المؤسسة للغنوصية، وأهمها النظرة الثنوية إلى ~~الحياة، حيث يمثل الجسد كل ما هو مظلم ومادي وفان، ويمثل العقل كل ما هو نوراني وحقيقي ~~وخالد، وهو الذي يقود في النهاية إلى الخلاص، ويجسد سعي الروح إلى الانعتاق من سجن المادة ~~عن طريق العرفان، ودعوتها إلى العوالم النورانية، إلى الله الذي تدعوه هذه النصوص بالأب ~~الكلي، أو أبو الكل، ترجمت المجموعة الهرمزية إلى اللاتينية عام 1463م، ومارست تأثيرا ~~واضحا على فكر عصر النهضة في إيطاليا، ثم ظهرت تباعا في لغات أوروبية متعددة وصولا إلى ~~القرن العشرين. # ابتداء من القرن الثامن عشر بدأ عدد من النصوص الغنوصية الأصلية بالظهور، معظمها ~~بالقبطية أو السريانية وبعضها باليونانية، منها نص Pistis Sophia ~~(الحكمة - الإيمان)، وفيه ~~نجد المسيح يبسط أمام تلاميذه من الرجال والنساء المفاهيم المتعلقة باحتباس النور في عالم ~~الظلام ثم تحريره، وذلك من خلال أسطورة سقوط الإلهة صوفيا من عالم الأنوار واستعادتها إليه ~~ثانية، ومنها كتاب «اللوغوس السري العظيم» # Book of the Great Mysterious Logos # الذي يحتوي ~~على رسالتين معروفتين بعنوان: # The Two Books of Jeu ~~، وفيهما يشرح المسيح القائم من بين ~~الأموات لتلاميذه أسرار العالم ms143 النوراني الأعلى، وأيضا «إنجيل مريم المجدلية» و«كتاب يوحنا ~~السري» و«حكمة يسوع المسيح»، وهذه النصوص الثلاثة ظهرت فيما بعد ضمن مكتبة نجع حمادي، ~~وأيضا «تراتيل سليمان» # The Odes of Solomon ~~، ~~وهي أشبه بمزامير العهد القديم وأيضا «ترتيلة ~~اللؤلؤة» # The Hymn of the Pearl ~~، وهي تعد من عيون الشعر الغنوصي الراقي، وأيضا «أعمال ~~الرسل» من وجهة نظر غنوصية، يضاف إلى ذلك الكتب الدينية للفرقة المندائية التي لا تزال ~~تعيش في جنوب العراق، وهي سليلة الغنوصية المشرقية القديمة، وقد نشر بعض هذه الكتب وترجم ~~في سياق القرن التاسع عشر. # اعتمادا على هذه المصادر المتوفرة عن الغنوصية قبل اكتشاف مكتبة نجع حمادي، بدأت سلسلة ~~من المفكرين والباحثين الغربيين، وبخاصة الألمان منهم، باستقصاء نزيه وحر للحركة ~~الغنوصية عبر التاريخ ابتدأت بجوتفريد أرنولد # Gottfried Arnold # الذي وضع كتابا في عام ~~1699م، وقدم فيه جدالا مفاده أن تاريخ الكنيسة المسيحية يجب أن يتوسع ليشمل الحركات ~~الغنوصية التي رفدت الفكر المسيحي بمادة غنية لا يتوجب إهمالها، وانتهت هذه السلسلة من ~~المفكرين بالفيلسوف هانز جوناس # Hans Jonas # وهو من تلاميذ الفيلسوف الألماني هايدجر، والذي ~~نشر في عام 1958م كتابه المعنون «الديانة الغنوصية» الذي يعد ذروة البحث الفكري الغربي في ~~الغنوصية قبل اكتشاف مكتبة نجع حمادي وما زالت قراءته مفيدة حتى الآن. # بعد ترجمة ونشر نصوص نجع حمادي، كان هناك العديد من المساهمات على جانبي الأطلسي، ولكن ~~أهمها في اعتقادي هو كتاب مؤرخ الأديان الألماني كورت رودلف # Kurt Rudolf # الصادر عام 1977م ~~بالألمانية، والذي ترجم إلى الإنجليزية عام 1987م تحت عنوان ~~«الغنوص، دراسة في طبيعة وتاريخ ~~الغنوصية» # The Nature and History of Gnosticism, Gnosis ~~. ~~(2) الخطوط العامة للعقيدة الغنوصية # في الحديث عن «العقيدة الغنوصية» يجب على القارئ ألا يتوقع العثور على ما يشبه قانون ~~الإيمان المسيحي كما صاغته الكنيسة القويمة، ولا على دوغما ثابتة ونهائية. ذلك أن تعدد ~~المدارس الغنوصية، وتوكيد المعلمين الغنوصيين على حرية الإبداع والتعبير، وعدم فرض القيود ~~على التأملات اللاهوتية طالما بقيت ضمن الإطار العام للرؤية الغنوصية للعالم، ms144 قد قاد إلى ~~خلق اتجاهات فكرية غنوصية لم تنتظم أبدا ضمن كنيسة واحدة ذات هيكلية مراتبية، وعقيدة ~~منمطة يعد الإخلال بواحدة من بنودها هرطقة وخروجا عن الإيمان القويم، ومع ذلك فإن هذه ~~الاتجاهات الفكرية لم تتصارع ولم تستبعد بعضها بعضا، ولم يعد أي منها نفسه بمثابة القيم ~~الوحيد على الإيمان الغنوصي، بل تعاونت وأغنت بعضها بعضا، ووجدت في التنوع إغناء للفكر لا ~~تشتيتا له. # ولهذا؛ فإن المسيحية الغنوصية لم تنتج نصا مقدسا أو مجموعة نصوصية مقدسة، على طريقة ~~المسيحية القويمة، وإنما نظرت إلى نصوصها باعتبارها تنويعات على خلفية الحقيقة الكلانية ~~الخافية، التي لا يمكن إدراكها إلا من تعبيرات رمزية، تعين المريد في تجربته الروحية ~~الخاصة التي تقوده نحو الانعتاق، وهذه التعبيرات الرمزية لم تجد ضيرا في الاستعارة من ~~التقاليد الدينية والفلسفية السابقة عليها، واستخدامها بطريقة تسبغ عليها قيمة جديدة ~~وتعطيها بعدا روحيا مختلفا. # إن الإطلالة الأولى على النصوص الغنوصية من شأنها توليد القنوط في نفس الباحث من إمكانية ~~التوصل إلى صياغة مطردة ومنسجمة للفكر الغنوصي، ولكن البحث المتعمق فيها ما يلبث حتى يكتشف ~~عددا من النواظم المشتركة والأفكار الرئيسية المتكررة التي من شأنها جمع شتات التصورات ~~الغنوصية في بنية واحدة، بصرف النظر عن تعدد المدارس والتباين الظاهري لأفكار كبار ~~المعلمين الغنوصيين، مما سوف نبسطه فيما يلي: # يقع مفهوم «الغنوص» أو «العرفان» في بؤرة عقائد وممارسات الغنوصيين. و«الغنوص» كلمة ~~يونانية تدل على المعرفة بشكل عام # Gnosis ~~، ولها أشباه في عدد من اللغات الهند-أوروبية ~~مشتقة من الجذر نفسه، مثل الكلمة السنسكريتية «جنانا» # Jnana ~~، والكلمة الإنجليزية # Know # بمعنى يعرف، و # Knowledge # بمعنى معرفة، ولكن المعرفة التي يسعى إليها الغنوصي ليست ~~مما يمكن اكتسابه بإعمال العقل المنطقي وقرءاة الكتب وإجراء التجارب والاختبارات، وإنما هي ~~فعالية روحية داخلية تقود إلى اكتشاف الشرط الإنساني، وإلى معرفة النفس، ومعرفة الله الحي ~~ذوقا وكشفا وإلهاما. # هذه المعرفة هي الكفيلة بتحرير الروح الحبيسة في إطار الجسد المادي والعالم المادي ~~الأوسع؛ لتعود إلى العالم النوراني الذي صدرت عنه، فالروح الإنسانية ms145 هي قبس من روح الله، ~~وشرارة من نور الأعالي وقعت في ظلمة المادة، ونسيت أصلها ومصدرها، والإنسان في هذه الحياة ~~أشبه بالجاهل أو الغافل أو النائم أو السكران. ولكن في أعماق ذاته هنالك دوما دعوة إلى ~~الصحو عليه أن ينصت لها، ويشرع في رحلة المعرفة التي تحوله من نفس حيوانية أسيرة لرغبات ~~وشهوات الجسد، إلى نفس عارفة أدركت روابطها الإلهية وتهيأت للانعتاق الذي يعود بها إلى ~~ديارها، وعلى الرغم من أن هذه الدعوة إلى الصحو موجودة بشكل خافت لدى النفوس الغافلة، فإنها ~~سمعت مثل دوي الرعد من فم المخلص الذي هبط من نور الأعالي وتجسد في يسوع ~~الناصري. # ولكن الله الذي يبحث عنه الغنوصي في أعماق ذاته ليس الإله الذي صنع هذا العالم المادي ~~الناقص والمليء بالألم والشر والموت، بل هو الأب النوراني الأعلى الذي يتجاوز ثنائيات ~~الخلق، ولا يحده وصف أو يحيط به اسم، وهو الذي وصفه كتاب يوحنا السري بالكلمات التالية: ~~«الواحد الموجود بصمديته، القائم بنوره، البداية التي لم تسبقها بداية، بلا حدود ولا أبعاد ~~لعدم حدوث شيء قبله يحدده ويقيس أبعاده، خفي لم يره أحد، بلا أوصاف لأن أحدا لم يفهم ~~كنهه فيصفه، بلا اسم، لعدم وجود أحد قبله يطلق عليه الاسم، قائم في نفسه ولنفسه وراء ~~الوجود ووراء الزمن»، # 3 # إن ما يميز المسيحية الغنوصية عن المسيحية القويمة هو أن عالم المادة المرئي ~~ليس من صنع الله، وإنما من صنع إله أدنى هو إله اليهود، الذي يوازي أنجرا مانيو شيطان ~~الزرادشتية. تتصوره الأدبيات الغنوصية على شكل مسخ، مزيج من هيئة الأفعى وهيئة الأسد، وله ~~عينان تشبهان جمرتين من نار، يجلس على عرش يحيط به معاونوه من قوى الظلام المدعوون ~~بالأراكنة (مفردها أركون، أي حاكم باللغة اليونانية)، يدعى بالاسم «يهوه» وبالاسم ~~«يلدابوث»، ويلقب ب «سكلاس» أي الأحمق، وب «سمائيل» أي الأعمى، وب «الديميرج» أي الإله ~~الصانع باللغة اليونانية ( # Demiourgos ~~) أي الأعمى، وعلى الرغم من أن هذا الإله قد صنع ~~الإنسان من مادة الأرض الظلامية نفسها، إلا أنه ms146 أخذ روحه من نور الأعالي المسروق وحبسها في ~~قوقعة الجسد، ولكي يبقيه في حجب الجهل فقد فرض عليه الشريعة التي تشغله عن نفسه وعن اكتشاف ~~الجوهر الحقيقي للروح. # إن مثل هذه التصورات تضع الغنوصية في زمرة العقائد الدينية الثنوية، وهي التي تقول بوجود ~~مبدأين، أو أصلين متناقضين، وراء مظاهر الوجود وصيرورة الزمن والتاريخ، وهذان المبدآن ~~شيمتهما الصراع من أجل أن يلغي أحدهما الآخر، وصراعهما يدفع عجلة الزمن ويسير بالعالم ~~وبالإنسانية نحو نهاية التاريخ عبر ثلاث مراحل: # المرحلة الأولى هي مرحلة العصر الذهبي للخليقة، قبل أن يعدو مبدأ الشر على مبدأ الخير، ~~والمرحلة الثانية هي مرحلة الامتزاج عندما عدا مبدأ الشر على مبدأ الخير، فدخل في نسيج ~~الخليقة فأفسدها، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الفصل بين الخير والشر والقضاء نهائيا على ~~مبدأ الشر؛ ليعود العالم طيبا ونقيا وكاملا كما كان في البدايات، هذا النوع من الثنوية ~~أدعوه بالثنوية الكونية؛ لأن التعارض بين المبدأين يطال الكون بأسره، وهنالك نوع معتدل من ~~الثنوية أدعوه بالثنوية الأخلاقية، لأن صراع الخير والشر لا ينسحب على الكون بأسره، بل ~~يقتصر على المجتمعات الإنسانية، والشيطان فيها لا سلطة له إلا على النفس الإنسانية، التي ~~يعمل على إفسادها وحرفها عن طرق الله، ونجد النموذج الأوضح عن هذه الثنوية الأخلاقية في ~~المسيحية القويمة وفي الإسلام، أما النموذج الأوضح عن الثنوية الكونية فنجده في العقيدة ~~الزرادشتية، التي صاغها زرادشت المولود نحو عام 900ق.م. على ما يرجحه معظم الباحثين ~~اليوم. # تقول التعاليم الأصلية لزرادشت إنه في البدء لم يكن سوى الله الذي يدعوه «أهورا مزدا»، ~~وجود أزلي سرمدي، وألوهة قائمة بذاتها مكتفية بنفسها عما عداها، ثم إن هذه الألوهة اختارت ~~الخروج من كمونها والظهور فيما سواها، فصدر عنها روحان توأمان هما «سبينتا مانيو» و«أنجرا ~~مانيو»، وقد وهبهما الله منذ البداية أهم خصيصة تميز استقلالهما عن مصدرهما، هي خصيصة ~~الحرية. ومنذ البداية أيضا استخدم هذان الروحان حريتهما، فاختار الأول الخير، ومنه جاء اسم ~~سبينتا مانيو، أي الروح المقدس، واختار الثاني الشر، ومنه جاء ms147 اسم أنجرا مانيو أي الروح ~~الخبيث، بعد هذا الخيار الأخلاقي للتوأمين، كان لا بد من تعارضهما وتصادمهما ودخولهما في ~~صراع، لقد كان الله قادرا على محق الشر في مهده، ولكنه قرر عدم التناقض مع نفسه، والسير ~~بخطته التي تقوم على الحرية إلى آخرها، فعمد بمشاركة الروح المقدس سبينتا مانيو إلى إظهار ~~ستة كائنات قدسية إلى الوجود تدعى بالأميشا سبينتا أي المقدسون الخالدون، ليستعين بها على ~~مقاومة الروح الخبيث أنجرا مانيو، فشكلت مع سبينتا مانيو بطانته الخاصة التي تحيط به على ~~الدوام وتعكس مجده، ثم شرع بعد ذلك، وبمعونة هؤلاء المقدسين الخالدين بخلق العالم، وصار ~~الأميشا سبينتا حافظين لخلق الله ووسطاء بينه وبين العالم، ثم إن هؤلاء قد أظهروا إلى ~~الوجود عددا من الكائنات القدسية الطيبة المدعوة بالأهورا، وراح الجميع يكافحون الشر، كل ~~في مجاله. # لقد خلق أهورا مزدا العالم المادي على ست مراحل، وكان الإنسان آخر ما خلق في المرحلة ~~السادسة (قارن مع سفر التكوين: 1 و2). خلق الله العالم والإنسان في أحسن تكوين، وكان هذا ~~الخلق الطيب والحسن بداية للصراع الحقيقي بين الخير والشر، فقد استنفر الشيطان وأعوانه كل ~~قواته لمهاجمة خلق الله وتشويهه، فزرعوا كل نقيصة في الخلق الطيب، وزينوا للإنسان كل خطيئة، ~~وجففوا المساحات الخضراء وصنعوا الصحارى، ونشفوا الينابيع، وأفسدوا ماء البحر بالملح، وبثوا ~~في الأرض الأفاعي السامة والعقارب وكل دابة مؤذية، وعلى الرغم من أن الأميشا سبينتا قد ~~تصدوا للهجوم وباشروا بإصلاح ما خربه الشيطان، فإن العالم لن يعود إلى سابق عهده من ~~النقاء، إلا بعد كفاح طويل يلعب فيه الإنسان دورا مركزيا، عندما يعي مسئولياته الخلقية ~~ويدعم قوى الخير بفكره وقوله وفعله، وبدون عون الإنسان لن يتم حسم هذا الصراع الكوني، ودفع ~~التاريخ إلى نهايته، عندما تتم تنقية الوجود المادي والروحاني مما داخلهما من خبث الشيطان، ~~وقد ابتدأت هذه المرحلة الأخيرة بميلاد زرادشت، وتأتي إلى خاتمتها بميلاد المخلص المدعو ~~ساوشنياط، الذي يقود المعركة الأخيرة الفاصلة بين قوى النور وقوى الظلام، ويقضي على الشيطان ~~وأتباعه، عند ms148 ذلك يتطهر العالم ويعود إلى كمال البدايات، ليعيش فيه المؤمنون حياة أبدية ~~بعد أن يسقوا شراب الخلود. # 4 # تقوم العقيدة الثنوية الزرادشتية بشكل أساسي على فكرة توكيد العالم وتمجيد الحياة ~~الإنسانية، فالعالم من خلق الله، وهو طيب وحسن من حيث الأصل كما أراد له خالقه أن يكون، ~~وكذلك الأمر بالنسبة للإنسان فعندما خلق الله الزوجين الأولين قال لهما: «أنتم الإنسان، ~~وأنتم سلف البشرية، خلقتما كاملين، فحافظا على الفكر الحسن والكلمة الحسنة والعمل الحسن، ~~ولا تخضعا للشيطان.» من هنا، فإن فساد العالم ليس خصيصة أصلية فيه، وإنما هو أمر طارئ من ~~صنع الشيطان، وخلاص الإنسان لن يتأتى من خلال إدارة ظهره للعالم والهروب منه، وإنما من خلال ~~الانغماس فيه حتى النهاية بوعي كامل لمسئولياته الأخلاقية، وانخراط كامل في عون القوى ~~الإلهية الخيرة على قهر قوى الشر، وهنا يكمن الفارق الأساسي بين الثنوية الزرادشتية ~~والثنوية الغنوصية، ففي مقابل توكيد الزرادشتية على العالم، فإن الغنوصية تنفي العالم؛ لأنه ~~ليس من صنع الله الكامل وإنما من صنع الإله الديميرج الجاهل والناقص، الذي صنع من المادة ~~الظلامية عالما كله فساد وخداع وموت وآلام، ومن هذه المادة الظلامية نفسها صنع جسد ~~الإنسان، إن الإله الزرادشتي، على علوه وتنزيهه، منغمس في شئون العالم والإنسان، شأنه في ~~ذلك شأن نقيضه أنجرا مانيو، وهو الذي يوجه حركة التاريخ نحو النهاية السعيدة المنشودة، أما ~~الإله الغنوصي فمتعال على كل ما يجري في العالم المادي، ولكنه مع ذلك حريص على خلاص ~~الإنسان من سجن المادة؛ لأن البشرية هي العنصر الوحيد في هذا العالم الذي ينطوي على قبس من ~~نور الأعالي ينبغي تحريره وعودته إلى أصله السماوي، ومسئولية هذا التحرير تقع بالدرجة ~~الأولى على عاتق الإنسان نفسه. الله ينادي الإنسان، وما على الإنسان إلا أن يتلمس هذه ~~الدعوة في أعماق نفسه، ويصحو على حقيقة شرطه، ذلك أن الإنسان ليس خاضعا بكليته إلى إله هذا ~~العالم، وإنما بجسده فقط الذي صنع من مادة العالم، أما في جزئه الأنبل والأسمى، وهو الروح، ~~فحر وقادر ms149 على تخطي شرطه الأرضي من خلال فعالية العرفان. # هذه الثنوية التي تقسم الوجود إلى مجال نوراني علوي ومجال ظلامي سفلي لا صلة بينهما، ولا ~~حتى صراع على الرغم من تناقضهما، تجعل من الإنسان كائنا موزعا بشكل تراجيدي بين عالم ~~ناقص لا يمكن إصلاحه يشكل موطنه المؤقت والعارض، وعالم كامل يشكل موطنه الأصلي الحقيقي، ~~كما تجعل من الغنوصية مذهبا تشاؤميا تتجلى ثنويته بشكل رئيسي في الإنسان الذي تجتمع ~~عنده قوى النور وقوى الظلام، وتسيطر عليه الشهوات والرغبات التي تبقيه في حجب الجهل والنوم ~~والغفلة، وتجعل من قلبه مقرا للقوى الشيطانية التي تدفعه إلى المطابقة بينه وبين جسده ~~الظلامي، وتباعد بينه وبين بذرة النور المزروعة في داخله، وبما أن العالم محكوم عليه ~~باللعنة ولا سبيل إلى إصلاحه، فإن الوسيلة الوحيدة للخلاص منه ومن دورة تناسخ الأرواح، هي ~~الهروب من العالم ورفضه، وكبح جماح شهوات ورغبات الجسد الذي يشكل قبرا للروح في الحياة، إن ~~رحلة الخلاص تبتدئ عندما ينصت الفرد إلى النداء الأصلي الذي يرن في أعماقه، وإلى نداء ~~المسيح المخلص الذي هبط من العالم النوراني ليرشد إلى طريق العرفان. # أما كيف تم احتباس بذرة النور العلوي في الجسد الإنساني، فسؤال تجيب عنه نظرية التكوين ~~الغنوصية التي تحكي عن أصل الديميرج، وكيف ظهر إلى الوجود وصنع العالم السفلي والإنسان، ~~وذلك من خلال عملية سقوط جرت في عالم الألوهة، فمنذ الأزل لم يكن سوى الأب النوراني الأعلى ~~القائم بذاته المكتفي بنفسه، ثم إن هذه الألوهة فاضت وأنتجت أفلاك قوى روحانية تحيط بالأب ~~وتعكس مجده، هي الأيونات، ومفردها أيون # Aeon # وتعني باللغة اليونانية دهرا أو عصرا، ولكنها ~~في الميثولوجيا الغنوصية تدل على فلك قوة روحانية، يقع في نقطة الوسط بين الفكرة والشخصية، ~~وقد اكتملت حلقات الفيض بالفلك المؤنث المدعو صوفيا (= الحكمة)، واستقر العالم النوراني ~~الأعلى المدعو ب Pleroma ~~، وهي كلمة يونانية يمكننا ترجمتها بالملء أو التمام أو ~~الكمال، وببعض الحرية يمكننا ترجمتها ب «الملأ الأعلى»، يتكون هذا العالم النوراني من ~~ثلاثين أيونا تختتمها صوفيا، التي ms150 حدث عندها ذلك الصدع في عالم الألوهة، والذي أدى إلى ~~ظهور العالم المادي، والقوى الشيطانية، نتيجة خلل في الهارموني حدث عند الأطراف الخارجية ~~للملأ الأعلى. # ويبدو أن هذه الألوهة المؤنثة، ذات الصلة بظهور العالم المادي، والمدعوة صوفيا (أي ~~الحكمة)، قد نفذت إلى الأدبيات الغنوصية عن طريق سفر الحكمة، وسفر الأمثال في العهد القديم، ~~نقرأ في سفر الحكمة 9: 9: «إن معك الحكمة العليمة بأعمالك، والتي كانت حاضرة إذ صنعت ~~العالم، وهي عارفة ما المرضي في عينك، والمستقيم في وصاياك.» ونقرأ في سفر الأمثال 8 عن ~~الحكمة بلسانها: «الرب حازني أول طريقه، من قبل أعماله منذ القديم، منذ الأزل مسحت، منذ ~~البدء منذ أوائل الأرض؛ إذ لم يكن غمر أبدئت؛ إذ لم تكن ينابيع كثيرة المياه، من قبل أن ~~تقررت الجبال قبل التلال أبدئت، إذ لم يكن قد صنع الأرض بعد ولا البراري ولا أول أعفار ~~المسكونة، لما ثبت السموات كنت هناك أنا، لما رسم دائرة على وجه الغمر، لما أثبت السحب من ~~فوق، لما تشددت ينابيع الغمر، لما وضع للبحر حده فلا تتعدى المياه تخمه ، لما رسم أسس الأرض، ~~كنت عنده صانعا، وكنت كل يوم فرحة دائما قدامه.» # وقد استلهم سمعان ماجوس السامري، وهو مؤسس المدرسة الغنوصية السورية في أواسط القرن الأول ~~الميلادي، مفهوم «صوفيا» هذا واستخدمه في تطوير نظريته في أصل الكون، فقد كانت صوفيا في ~~نظامه الميثولوجي زوجة الأب الأعلى، وتدعى أيضا «إنويا» الفكرة الأولى، وأيضا «الروح ~~القدس» أم الجميع، ولكن صوفيا هبطت إلى المجال الأسفل وأعطت الميلاد لمجموعة من الملائكة ~~(= أراكنة) الذين صنعوا العالم المادي، ثم صارت أسيرة لهم بعد ذلك، ولا تستطيع العودة إلى ~~المجال العلوي، وللمبالغة في تقييدها، فقد أجبرت على التناسخ في أجساد أنثوية بشرية، منها ~~هيلين الطروادية المعروفة في ملاحم الإغريق، حتى ظهر سمعان ماجوس، الذي اعتبر نفسه ظل الله ~~على الأرض، ومخلصا للإنسانية فحررها من قيودها. # 5 # في مكتبة نجع حمادي لدينا ثلاثة نصوص أساسية في التكوين وأصل العالم والإنسان، هي كتاب ~~يوحنا السري ms151 المدعو أيضا بمنحول يوحنا، ونصان آخران لم يذكر اسم مؤلفيهما، هما «حول أصل ~~العالم» و«طبيعة الأراكنة»، إضافة إلى إشارات متفرقة وردت في «إنجيل فيليب» و«إنجيل ~~الحقيقة» وغيرهما، وجميعها تعطف على قصة التكوين التوراتية، وتقدم تفسيراتها الخاصة لها من ~~وجهة نظر غنوصية، مستخدمة ميثولوجيا على غاية من التعقيد والتركيب. ولسوف أعمد فيما يلي ~~إلى تقديم عرض مبسط لنظرية التكوين الغنوصية، اعتمادا على منحول يوحنا بشكل رئيسي. # 6 # يبتدئ النص بالمقدمة التالية: ~~«هذه تعاليم المخلص، ووحيه بخصوص الأسرار والمسائل الخفية وراء حجاب الصمت، وكل ما نقله ~~إلى تلميذه يوحنا. # فلقد حدث في أحد الأيام (بعد صلب المخلص) أن يوحنا أخا يعقوب، وهما ابنا زبدي، صعد إلى ~~الهيكل، فاقترب منه فريسي اسمه أريمانيوس، وقال له: أين هو معلمك الذي سرت وراءه؟ فقال ~~يوحنا: لقد عاد إلى المكان الذي جاء منه، فقال الفريسي: لقد خدعكم هذا الناصري، وملأ آذانكم ~~بالأكاذيب، وقسى قلوبكم، وحرفكم عن سنة آبائكم، عندما سمعت، أنا يوحنا، هذه الأقوال، توليت ~~عن الهيكل ومضيت إلى الجبل، فانتجعت مكانا قفرا، وقد انتابتني كآبة عميقة، قلت في نفسي: ~~كيف تم اختيار المخلص، ولماذا أرسله أبوه إلى العالم، ومن أبوه الذي أرسله وما طبيعة المكان ~~الذي سنئول إليه؟ لقد قال لنا بأن ذلك المكان هو نسخة عن فلك الصمدية، دون أن يطلعنا على ~~المزيد بخصوصه. # وبينما أنا على هذه الحال أتأمل في هذه المسائل، اهتزت الأرض وانشقت السماء، وشع نور ليس ~~من هذا العالم أضاء كل شيء، فخفت وسقطت على الأرض، ثم تراءى لي في النور طفل واقف أمامي، ~~وفيما أنا ناظر إليه تحول شكله إلى رجل عجوز، ثم تبدى لي في هيئة خادم، لم يكن أمامي عدة ~~أشكال، وإنما شكل واحد بهيئات مختلفة تشف في النور من خلال بعضها بعضا، ثم سمعت صوتا ~~صادرا عنه يقول: يوحنا، لماذا تشك ولماذا تخاف؟ أليس الذي تراه أمامك معروفا لك؟ لا تكن ~~قليل الإيمان، فأنا معك دائما، أنا الأب وأنا الأم وأنا الابن، أنا الموجود السرمدي، جئت ms152 ~~لأكشف لك حقيقة ما هو كائن، وما كان، والذي سيكون، فتعرف ما هو ظاهر للأعين، وما هو خاف ~~عنها، وأطلعك على سر الإنسان الكامل، فارفع وجهك واسمع وتعلم ما أقوله لك اليوم لكي تنقله ~~لأترابك من سلالة الإنسان الكامل القادرين على الفهم، وعندما سألت أن أتعلم، قال لي: # الروح كمال قائم بذاته، لا يحكم فوقه أحد، إنه الله الحقيقي أبو الجميع، الروح القدس ~~الخفي الذي يهيمن على الكل، الواحد الموجود بصمديته، القائم بنوره، الذي لا تدركه الأبصار، ~~الروح ليس إلها أو كائنا له صفات وخصائص محددة، بل هو أكثر من مجرد إله، هو البداية التي ~~لم تسبقها بداية، ولم يكن لأحد وجود قبله ليحتاج إليه، الروح لا يحتاج الحياة لأنه سرمدي، ~~ولا يطلب شيئا سواه لعدم وجود نقص فيه يتطلب التكميل، إنه وراء الكمال، إنه النور، بلا ~~حدود ولا أبعاد، لعدم وجود شيء قبله يحدده ويقيس أبعاده، خفي لأن أحدا لم يره، قيوم ~~وموجود أبدا، بلا أوصاف لأن أحدا لم يفهم كنهه فيصفه، بلا اسم لعدم وجود أحد قبله يطلق ~~عليه الاسم، ليس واسعا وليس ضيقا، ليس كبيرا وليس صغيرا، ليس ماديا وليس معنويا، ~~ليس كما وليس كيفا، ليس كيانا وليس بغير كيان، ليس زمنيا لأنه وراء الزمان، ليس ~~موجودا لأنه وراء الوجود، قائم في نفسه ولنفسه.» # بعد ذلك يتابع الصوت تعليم يوحنا، فيشرح له كيفية صدور أفلاك القوى الروحانية (الأيونات) ~~عن منبع النور الأسمى، كانت «الفكرة الأولى» أول الأيونات في الصدور، وتدعى باربيللو تلاها ~~«المعرفة الأولى» ثم «الصمدية» ( # Imperishability ~~) ثم «الحياة الخالدة» ثم «الحقيقة»، هذه هي ~~أفلاك القوى الروحانية الخمس الأولى، والتي كانت مذكرة ومؤنثة في آن واحد. # ثم إن باربيللو، الفكرة الأولى، نظرت إلى أعماق النور العظيم، فحملت وأنجبت شرارة نور هي ~~المولود البكر والابن الوحيد للنور الأعظم، المسيح المعمد بطيبة الروح الخفي الأعظم، فجعل ~~سيدا لاثني عشر فلك قوة تتالت في الظهور، وصولا إلى الفك الأخير المدعو «صوفيا»، التي ~~أقامت عند الأطراف البعيدة لعالم الأنوار الأعلى، ولقد ms153 ألحت على صوفيا رغبة عارمة في أن ~~تعطي الميلاد لكائن يشبهها، ولكن رغبتها تلك لم تحظ بموافقة شريكها ولا بمباركة الروح ~~الأعلى، ومع ذلك فإن رغبتها استعرت حتى شعت نحو الخارج، وأعطت الميلاد لكائن جهيض أشبه ~~بالمسخ؛ لأنه ولد من دون موافقة الأب وتعاونه، فكان له شكل خليط من أسد وأفعى وعينان ~~جمرتان من نار، فلما رأته صوفيا ذعرت وأبعدته عنها، ودعت اسمه «يلدابوث» وهذه الكلمة آرامية ~~وتعني «منجب الجند»، هي تعادل لقب يهوه المتكرر في العهد القديم، وهو «رب الجنود» (راجع على ~~سبيل المثال صموئيل الأول 4: 4، وصموئيل الثاني 6: 2). والجند هنا هم جند السماء، أي ~~الكواكب، ولا صلة لهم بجند الجيوش العسكرية، ولكي لا يراه أحد من أهل الملأ الأعلى، صنعت ~~صوفيا ليلدابوث عرشا وأخفته عن الأعين داخل سحابة من نور، فكان أول الأراكنة. # لقد ورث يلدابوث عن أمه قوة عظيمة، كما دخل في تكوينه بعض من نور الأعالي أيضا، ولكنه ~~شعر بالقوة التي ورثها ولم يشعر بما فيه من نور، فخرج من المكان الذي أودعته فيه صوفيا، ~~وصنع لنفسه فلكا ناريا أقام فيه ، فكان هذا الفلك أعلى طبقات العالم المادي الكثيف الذي ~~سيظهر فيما بعد عن ظلمات جهل الأركون الأعظم. ثم إن يلدابوث دعا اثني عشر فلك قوة مادية إلى ~~الظهور، سبعة أراكنة لحكم السموات وهي الكواكب السيارة، وخمسة أراكنة لحكم أعماق الجحيم، ~~وأعطاها من قوته، ولكنه لم يعطهم مما فيه من نور لأنه جاهل به، ثم جعل لكل أركون طبقة من ~~قوى الظلام لخدمته، تحتها طبقة أخرى، وتابع تنظيم هذه المراتبية «الملائكية» حتى بلغ ~~أفرادها ثلاثمائة وستين قوة. # عندما نظر إله الجند إلى ما خلق من أفلاك قوة مادية، وإلى حشد الملائكة التي تأتمر بأمره، ~~قال لهم: «أنا الرب ولا إله غيري، إله غيور.» وهو التعبير الذي استخدمه يهوه التوراتي في ~~أكثر من موضع في العهد القديم: «لأني أنا الرب إلهك، إله غيور» (سفر الخروج 20: 5)، وأيضا: ~~«لأن الرب اسمه غيور، إله غيور هو» (سفر الخروج 34: 14)، وأيضا: «لأن الرب ms154 إلهك نار آكلة، ~~إنه غيور» (سفر التثنية 4: 24). وهنا يعقب نص منحول يوحنا على صرخة يهوه هذه بقوله إنها قد ~~أوحت للأراكنة بوجود إله آخر؛ لأنه إذا لم يكن لإله آخر من وجود، فممن يغار إلههم إذا؟ ~~بعد ذلك جاءه صوت من الأعالي قائلا: «أنت مخطئ يا سمائل (= الأعمى، أو إله العميان)؛ لأن ~~إنسانا كاملا ومستنيرا قد وجد قبلك، ولسوف يأتي ويحل في جسد، فيحطم مملكتك كما تحطم ~~الجرة الفخارية، ويحيل كل نقص إلى كمال.» ولم يعرف يلدابوث مصدر الصوت فظنه صادرا عن أمه ~~صوفيا، التي لم يعتقد بوجود أحد فوقه غيرها. في هذه الأثناء كانت صوفيا تروح جيئة وذهابا ~~عند الأطراف السفلية للعالم الروحاني الأعلى، بعد أن شعرت بخطيئتها وذنبها (إشارة إلى نص ~~سفر التكوين 1: 2، حيث نقرأ: وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف ~~فوق وجه المياه). راحت صوفيا تصلي للأب النوراني الأعلى، وتعرب عن ندمها وتوبتها، فاستجاب ~~لها ولكنه لم يسمح لها بالعودة إلى فلكها، بل وضعها في مكان وسيط بين عالم الروح وعالم ~~المادة، إلى أن تصحح نقصها وتستعيد كمالها. # ثم إن يلدابوث شرع بصنع السموات والأرض بكلمته الخالقة وبالقوة التي ورثها عن أمه، وبعد ~~اكتمال عملية الخلق أطل الأب النوراني الأعلى في صورة الإنسان الكامل، فانعكس خياله على ~~صفحة الماء، لما رأى الأركون الأعظم الصورة الإلهية مطبوعة على الماء لم يعرف مصدرها، ولكنه ~~أعجب بها أشد الإعجاب، فدعا الأراكنة وقال لهم: «هلم نصنع الإنسان على الصورة التي رأيناها، ~~ليخدمنا على الأرض» (إشارة إلى ما ورد في سفر التكوين 1: 26، حيث نقرأ: وقال الله: نعمل ~~الإنسان على صورتنا كشبهنا)، وهكذا ابتدأ الأركون الأعظم ومساعدوه بصنع الكيان النفسي ~~للإنسان، فصنعوا النفس العظمية، فالنفس اللحمية، فالنفس النخاعية، فالنفس الدموية، وشكلوا ~~الأعضاء عضوا عضوا، وجمعوها إلى بعضها، حتى اكتمل الجسد على الهيئة التي تراءت لهم، فدعوا ~~اسمه آدم، ولكن الهيئة بقيت مسجاة على الأرض بلا حراك؛ لأن آدم الذي صنعوه كان نفسا تفتقد ~~إلى الروح، ولكن صوفيا التي ms155 كانت راغبة في استرجاع قوة الروح التي استمدها منها يلدابوث، ~~تدخلت لدى الأب الأعلى ليمد يد العون إلى آدم، فأوحى الأب إلى يلدابوث، أن ينفخ في أنف آدم ~~من روحه التي أخذها من أمه، فلما فعل انتقل النور الذي لم يكن يشعر به إلى آدم فصار نفسا ~~حية، وبسبب النور الذي شع في داخله لن يكون آدم خاضعا كلية لسلطة حكام هذا العالم. # غار رؤساء الأراكنة من آدم بعد أن رأوا تفوقه عليهم ذكاء وفهما ومعرفة، فصنعوا قالبا ~~من عناصر المادة الكثيفة، وهي الماء والتراب والنار والهواء، وحبسوا آدم فيه، فصار كائنا ~~ماديا فانيا مثل بهائم البرية، ولكن قبس النور بقي في داخله، بعد ذلك أخذ يلدابوث آدم ~~وأسكنه في الجنة، ثم صنع من جوهره امرأته حواء، وأمرهما أن يأكلا من كل ثمر الجنة عدا ثمرة ~~شجرة المعرفة، وذلك خوفا من أن تتفتح أعينهما ويعرفا أصلهما النوراني في عالم الروح ~~الأعلى، ولكن الأب النوراني أشفق على الإنسان، فأرسل رسولا من لدنه في هيئة الصقر، وقف على ~~شجرة المعرفة وزين لهما الأكل منها. وفي نص غنوصي آخر هو: «طبيعة الأراكنة» # 7 # يلجأ المؤلف إلى استخدام عنصر الحية، الوارد في قصة التكوين التوراتية، فالرسول ~~الذي يمثل مبدأ العرفان، يظهر للزوجين في هيئة الحية ويحرضهما على الأكل من ثمر الشجرة، ~~ليتحرك العرفان الغنوصي في داخلهما. قالت الحية: أحقا قال لكما أن تأكلا من ثمر الشجر كله ~~عدا ثمر شجرة معرفة الخير والشر؟ فقالت المرأة: ليس هذا فحسب، وإنما قال لنا ألا نمسها، ~~وأننا في اليوم الذي نأكل منها موتا نموت. فقالت الحية: لن تموتا، بل يوم تأكلان منها ~~تنتفح أعينكما وتكونان مثل الآلهة تعرفان الخير والشر. قال هذا وانسحب من جسد الحية التي ~~عادت كائنا عاديا من كائنات الأرض، عند ذلك أخذت المرأة من ثمر الشجرة فأكلت وأعطت زوجها ~~فأكل معها، فانفتحت أعينهما على قصورهما الإنساني، وعلى النور الداخلي أيضا، وهو النور ~~الذي سيقود ذريتهما إلى التحرر من سلطة إله هذا العالم، وإلى ms156 الخلاص من دورة الحياة والموت، ~~والالتحاق بالعالم النوراني الذي صدرت عنه الأرواح، وعندما يبلغ سعي الإنسانية نحو الخلاص ~~أوجه، سوف يهبط المسيح ليظهر في هيئة يسوع الناصري، فيرفع عن الناس لعنة الشريعة، التي ~~أبقتهم في حجب الجهل، وينقذهم من صاحب هذه الشريعة ومن العالم المادي الناقص. # يشكل الإنسان نقطة المركز في التصورات الكونية الغنوصية، على ما يتضح من أسطورة التكوين ~~التي أوردناها أعلاه، ومن غيرها من النصوص الغنوصية التي تدور حول الأفكار نفسها، والفكرة ~~الرئيسية هنا هي علاقة التماثل بين الإله الأعلى وبين الجوهر الروحاني الإنساني، وأكثر من ~~ذلك فإن الإنسان قد صنع على صورة الله، فالله الذي لا تحده صورة أو شكل يحب إذا أراد اتخاذ ~~صورة في الملأ الأعلى، عالم المثل، أن يتخذ صورة إنسان، فهو المنزه عن أي صورة ما، وبنفس ~~الوقت هو الإنسان الكامل الأعلى، وبهذه الصورة أطل من البليروما السماوية (الملأ الأعلى)، ~~فانعكست صورته على صفحة الماء، وأعطت النموذج الذي صنع منه الأراكنة الإنسان الأول، ~~فالإنسان الأرضي نسخة عن الإنسان الكامل السماوي، ويحمل أيضا في طبيعته الجوهرية قبسا من ~~نور الله وروحه؛ ولهذا فإنه متفوق على الديميرج الذي صنعه في كل شيء، وقادر في النهاية ~~على التخلص من سلطته، مقتفيا أثر يسوع الذي قال قبل أن يسلم إلى الصلب: «لن أخاطبكم بعد ~~الآن؛ لأن سيد هذا العالم آت، وليس له يد علي» (يوحنا 14: 30)، وأيضا: «لأن رئيس هذا ~~العالم قد حكم عليه» (يوحنا 16: 11)، وأيضا: «ستعانون الشدة في هذا العالم، فاصبروا لها، ~~لقد غلبت العالم» (يوحنا 16: 33). # من هنا، فإن عملية خلق الإنسان بالنسبة إلى الأركون الأعظم سوف تتكشف في المستقبل عن ~~نتائج كارثية بالنسبة له. وفي هذا يقول أحد نصوص نجع حمادي على لسان الأب النوراني: «لقد ~~صنع «الأركون» الإنسان على صورتي، ولكنه لم يتبين القوة التي في داخله، ولم يعرف النتائج ~~المدمرة لخياره هذا.» # 8 # كل هذا يجعل من الثنوية الغنوصية فلسفة وجودية إنسانية تبتدئ عند الإنسان ~~وتنتهي عنده، وما العالم إلا نتاج عرضي لا قيمة ms157 له لا بالنسبة لعالم الألوهة ولا بالنسبة ~~لعالم الإنسان، وهو آيل إلى التآكل والزوال من خلال عملية تفكك داخلي لا علاقة للأب ~~النوراني بها، فالله لا علاقة له بالعالم إلا من خلال الإنسان، ابنه الروحاني، وهو معني ~~بخلاصه وعودته إلى بيته. # فالغنوصية ديانة خلاص، وكل مفاهيمها وتصوراتها الكونية تتلخص أخيرا في مفهوم واحد عن ~~التحرر والانعتاق، والصراع الرئيسي الذي يخوضه الإنسان هو صراع بين العرفان الذي يقود إلى ~~الخلاص، وبين الجهل الذي يبقيه في دورة الميلاد والموت. من هنا، فإن الحكمة الشهيرة ~~المنقوشة على جدار معبد دلفي، والمؤلفة من كلمتين فقط هما: «اعرف نفسك» تتخذ أهمية مركزية ~~في كل النظم القائمة على العرفان، فلقد استخدمتها المدرسة الأفلاطونية وفسرتها بمعرفة النفس ~~الإلهية في الداخل، وكذلك الهرمزية التي نقرأ في إحدى رسائلها الثلاث عشرة، وهي رسالة ~~بيوماندريس، ما يلي: «إن الله الأب الذي جاء منه الإنسان، هو نور وحياة، فإذا عرفت أنه ~~نور وحياة، وأنك صدرت عنه، فسوف تستعاد إلى الحياة مرة أخرى.» # 9 # وفي كتاب «توما المناضل» (أو المكافح) يقول يسوع لتوما: «إن من لم يعرف نفسه ~~لم يعرف شيئا، ولكن من عرف نفسه حقق معرفة بأعماق الكل.» # 10 # وفي إنجيل فيليب نقرأ: «طالما بقيت جذور الشر مختفية فإنها قوية، أما عندما ~~يتم كشفها والتعرف عليها فإنها تتفسخ، وعندما تغدو بينة فإنها تنمحق ... لقد عرى يسوع جذور ~~هذا العالم واجتثها، وعلى كل منا أن ينقب عن جذور الشر في نفسه، ويقتلعها من قلبه حتى ~~أساساتها، وذلك عن طريق تعريتها ومعرفتها، فإذا لم نعرفها فإنها تضرب أكثر في الأعماق، ~~وتعطي ثمارها في قلوبنا ... والحقيقة بدورها مثل الجهل (= الشر)، فطالما أنها مختفية فهي ~~كامنة في نفسها، ولكن عندما يتم التعرف عليها، فإنها تغدو أقوى من الجهل وتعطي الحرية.» # 11 # وعلى عكس الزرادشتية وغيرها من النظم الدينية التي تبشر ببعث أجساد الموتى في اليوم ~~الأخير، فإن الخلاص الذي تبشر به الغنوصية ليس خلاص الأجساد، بل خلاص الأرواح، إنه خلاص من ~~الجسد ومن العالم في ms158 آن معا، لا من الخطيئة والذنوب، وإذا كان هنالك من مفهوم عن ~~«الخطيئة الأصلية» في العقيدة الغنوصية، فإنه سقوط الروح في عالم المادة، وإذا كان هنالك من ~~مفهوم عن التوبة فإنه وعي الإنسان لشرطه الأرضي، وبحثه عن الوحدة المفقودة، مع هذا الوعي ~~تبتدئ الروح رحلة خلاصها وانعتاقها، ويتحول الموت من بوابة إلى القبر، أو معبر إلى دورة ~~تناسخ جديدة، إلى بوابة نحو العالم النوراني الأعلى. إن من حقق العرفان قد بعث من الموت ~~قبل أن يموت، وما عليه سوى ترقب الموت الذي سينزع عنه رداءه المادي ويحوله إلى روح منعتقة، ~~وهذا هو معنى قول يسوع في إنجيل توما الغنوصي: «هذه السماء ستزول والتي فوقها ستزول، ولكن ~~من هم أحياء لن يموتوا، ومن هم أموات لن يحيوا» (الفقرة 11). # ومع ذلك فإن مسئولية العرفان الذي يقود إلى الخلاص، لا تقع على عاتق الإنسان وحده؛ لأن ~~«النعمة الإلهية» حاضرة في صميم فعالية العرفان، وتتجلى هذه النعمة أولا في «النداء ~~الداخلي» المزروع في النفس الإنسانية منذ «السقوط»، وهو النداء الصادر عن قبس النور الراسف ~~في أغلال المادة، والذي يحن إلى العودة إلى مصدره ، مثلما يحن عود القصب الذي صنع منه الناي ~~إلى أصله في الشجرة، عندما يصدر تلك الأصوات الحزينة (على حد تعبير جلال الدين الرومي في ~~المثنوي)، كما تتجلى النعمة الإلهية في الدور الذي يلعبه ابن عبد الله المخلص، الذي جاء إلى ~~العالم لا ليحمل خطيئة العالم، وإنما لينبه البشر من غفلتهم ويفتح بصيرتهم الداخلية، ~~فانطلاق فعالية العرفان، والحالة هذه، يعتمد على ثلاثة عناصر، أولها النداء الداخلي، ~~وثانيها نداء المخلص، وثالثها استجابة الإنسان. # وهذه الاستجابة الأخيرة يجب أن يتبعها جهد حثيث من قبل العارف الذي يتوجب عليه إثبات ~~نفسه من خلال الصراع ضد شهوات طبيعته الجسدية والنفسانية؛ لأن «النفس» التي هي مقر «الروح» ~~تنتمي إلى عالم الديميرج، شأنها في ذلك شأن الجسد. # يلعب نداء المخلص بالنسبة إلى النداء الداخلي دور المنبه والمحرض، فصوت النداء الداخلي ~~خافت بسبب كثافة حجب المادة التي تكتمه، والإنسان ms159 أشبه بالنائم أو السكران، ولا بد لإيقاظه ~~من صوت يدعوه وينبهه، قال يسوع في إنجيل توما: «وقفت في وسط العالم، وبالجسد ظهرت لهم، ~~فوجدتهم كلهم سكارى، ولم أجد بينهم ظمآن» (الفقرة 28). ونقرأ في إنجيل الحقيقة: «إن العارف ~~هو الذي تحقق أنه قد جاء من الأعلى؛ ولذا فإنه عندما يدعى يسمع، ويستجيب لداعيه، فيرنو ~~إليه، ويعرف من دعاه ... إنه الآن يعرف من أين أتى وإلى أين سوف يمضي، فهو أشبه بالسكران الذي ~~صحا من سكره وعاد إلى نفسه.» # 12 # وفي «أعمال يوحنا» المنحولة، وهو من النصوص المعروفة قبل اكتشاف مكتبة نجع ~~حمادي، نقرأ على لسان يسوع: «لم يكن لكم أن تعوا آلامكم ومعاناتكم في هذا العالم، لو لم ~~يرسلني الآب إليكم، لو لم يرسل الآب إليكم الكلمة»، # 13 # وفي بعض النصوص الغنوصية التي لا تشف عن مؤثرات مسيحية واضحة، مثل «رؤيا ~~آدم»، نجد أن نار العرفان تبقى متقدة في عالم الإنسان من خلال عدد من الشخصيات التي تتالت ~~عبر الزمن، وعملت بوحي من الأب الأعلى على إبقاء جذوتها في النفس الإنسانية، وفي النصوص ~~التي تسير على خطى المسيحية القويمة، حيث يظهر المخلص في هيئة يسوع الناصري في لحظة معينة ~~من التاريخ، فإن المهمة الخلاصية للمسيح لا تقتصر على هذه اللحظة من الزمن، وإنما تستمر من ~~خلال ظهورات المسيح للتلاميذ بعد قيامته ومتابعته تعليمهم وإرشادهم، وهذا يعني أن المسيح ~~على الرغم من دخوله في عالم الزمن، إلا أن مهمته تتجاوز الزمن ولا تنتهي بموته وصعوده إلى ~~الآب. # وهذا ما عبر عنه إنجيل يوحنا الرسمي، ذو الطابع الغنوصي، من خلال شخصية «البارقليط»، روح ~~الحق، الذي يبقى مع المؤمنين وفيهم: «وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى ~~الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم ~~فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. إني آت إليكم. بعد قليل لن يراني العالم أيضا، وأما ~~أنتم فترونني ... والذي يحبني يحبه أبي وأظهر له ذاتي» (يوحنا 14: 16-21). وهنا ms160 يلتقي الإنجيل ~~الرابع مع الأناجيل الغنوصية في لا تاريخانية المسيح على الرغم من ظهوره في التاريخ، فقد ~~كان منذ البدء عند الله، وسيبقى دائما بين البشر وحيا ونداء دائما. # هذا الطابع اللازمني وغير التاريخاني لشخصية المسيح، هو الذي أوحى بفكرة الظهور الشبحي ~~للمسيح في العالم، والتي تتضمن أن المسيح النوراني الأعلى قد تجلى في العالم في هيئة ~~بشرية من غير أن يكون له قوام جسدي مادي من لحم ودم. وفي الواقع، فإن هذه الفكرة لم تكن ~~مرفوضة تماما من قبل المسيحيين الأوائل خلال القرنين الأولين، وذلك استنادا إلى الإنجيل ~~الرابع الذي يقول في مقدمته: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله ... والكلمة صار ~~جسدا وحل بيننا.» ولكن في سياق الجدل بين المسيحية القويمة والمسيحية الغنوصية، جرى ~~استبعاد هذه الفكرة واستبدالها بمبدأ الطبيعتين، الذي يقول بامتلاك يسوع لطبيعة إلهية ~~وطبيعة بشرية في آن معا. # تتدرج فكرة الشبحية (أي الظهور الشبحي للمسيح) من شبحية معتدلة، إلى شبحية توفيقية، ~~فشبحية مطلقة. تقول الشبحية المعتدلة بأن المسيح قد ظهر في العالم بجسد روحاني يشبه ~~أجساد البشر، وهذا النوع من الشبحية يقترب إلى حد كبير من مفهوم الطبيعتين في اللاهوت ~~القديم. نقرأ في أحد نصوص نجع حمادي المعروف بعنوان «وثيقة ملكي صادق»: ليس مولودا، مع أنه ~~ولد، لم يأكل مع أنه قد أكل، لم يشرب مع أنه قد شرب، ليس مختونا مع أنه قد ختن، ليس ~~جسديا مع أنه جسدي، لم يسلم إلى العذاب مع أنه عذب، لم يقم من بين الأموات مع أنه قام ~~من بين الأموات. # 14 # أما الشبحية التوفيقية فتميز بين يسوع الناصري الإنسان المولد من امرأة مثل كل البشر، ~~والمسيح الأعلى النوراني الذي هبط على يسوع في هيئة حمامة بعد خروجه من ماء العماد في نهر ~~الأردن، فحل فيه ردحا من الزمن ثم فارقه قبل الصلب، أي إن من صلب ومات وقام من بين الأموات ~~هو يسوع، وليس المسيح الذي لم يخضع لشروط هذا العالم، ومن القائلين بهذا النوع من ms161 الشبحية ~~معلمان غنوصيان هما كيرينثوس وباسيليد، وفق شهادة إيرينايوس وهيبوليتوس، # 15 # وأما الشبحية الراديكالية فتقول بالطبيعة الواحدة للمسيح، وبأن مظهره البشري ~~لم يكن سوى وهم بصري، أحدثه بقدرته على اتخاذ أشكال لا حصر لها، وفي هذا يقول أحد نصوص ~~نجع حمادي: «لم يظهر أبدا بشكله الحقيقي، فللكبير ظهر كبيرا وللصغير ظهر صغيرا، ~~وللملائكة ظهر ملاكا، وللناس ظهر بشرا، وبذلك حجبت طبيعته نفسها عن الجميع.» # 16 # وفي نصوص أخرى يشهد بعض التلاميذ بأنهم لم يتبينوا أحيانا أثرا لقدميه على ~~الأرض، أو أن عينيه لم تكونا ترمشان كبقية البشر. # 17 # تبعا لهذه الأنواع الثلاثة من الشبحية، فإن الآثار الخلاصية لآلام وصلب المسيح، تتفاوت ~~من مدرسة إلى أخرى، وفي شكلها المتطرف فإن الشبحية الراديكالية لا تعترف بأي أثر خلاصي ~~لحادثة الصلب؛ لأن المسيح لم يصلب ولم يمت ولم يقم من بين الأموات. وفي هذا الشأن يقول ~~المخلص في أحد نصوص نجع حمادي: «فاعلم إذا أني لم أسلم إلى أيديهم كما ظنوا، ولم أتألم ~~أبدا ... لم أمت في الحقيقة، وإنما شبه لهم موتي ... ولم أتألم إلا في نظرهم وتقديرهم ... في ~~جهالتهم وعماهم، عندما سمروا رجلهم على موتهم ... وبعملهم هذا فقد أدانوا أنفسهم وحكموا على ~~أنفسهم ... لم أتجرع الخل والمرار كما رأوني أفعل، بل هو شخص آخر، لم أكن من ضربوه بالعصا، ~~بل هو شخص آخر، ولقد سخرت في الأعالي من جهل الأراكنة ومن تبجحهم.» # 18 # وفي نص «أعمال يوحنا»، نجد التلميذ يوحنا الحبيب يلجأ إلى جبل الزيتون بعد أن ~~أسلم المخلص إلى الصلب، عندما يتجلى له المخلص ويقول له: «بالنسبة لهم هناك في الأسفل، أنا ~~مصلوب في أورشليم، وأتجرع الخل والمرار وأطعن بالحراب ... ولكني لست ذلك المعلق على الصليب، ~~ولم أعان أيا من تلك الآلام.» # 19 # وفي الحقيقة فإن الغنوصية تعكس رمزية الصليب، «فلقد جاء المسيح ليصلب العالم، ~~لا لكي يصلب من قبل العالم.» على حد تعبير أحد نصوص نجع حمادي. # 20 # فإذا لم يكن المسيح قد مات في جسد مادي ثم بعث في ms162 جسد مادي أيضا، فإن البعث الذي ~~يعد به العارفين ليس بعث الأجساد وإنما بعث الأرواح، وروح العارف لا تبعث من خلال قيامة ~~عظمى للأموات في آخر الزمان، وإنما من خلال قيامة فردية يحققها الغنوصي من خلال كدحه الروحي ~~الفردي، الذي يقود إلى انفلات روحه بعد الموت من سيطرة الأركون الأعظم وحكام هذا العالم ~~المادي، وعلى حد تعبير بولس الرسول في مقطع من الرسالة إلى أهالي كورنثة، لا يخفى طابعه ~~الغنوصي الواضح، فإن جسد الإنسان: «يزرع في فساد ويقام في عدم فساد، يزرع في ضعف ويقام ~~في قوة، يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا ... فأقول هذا أيها الإخوة: إن لحما ~~ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد» (15: 42-50). # فالقيامة تبدأ في هذه الحياة من خلال معرفة النفس التي تقود إلى تنبيه جذوة الروح النائمة ~~في مرقدها الأرضي، ومن خلال الإصغاء إلى دعوة المخلص، وهذا هو مؤدى القول الإشكالي الوارد ~~في إنجيل فيليب، حيث نقرأ: «إن من يقول بأن المسيح قد مات أولا ثم قام، هو على خطأ؛ لأن ~~المسيح قد قام أولا ثم مات.» وأيضا: «إن من يقول بأن عليه أن يموت أولا ثم يبعث بعد ذلك، ~~هو على خطأ؛ لأن الإنسان إذا لم يختبر القيامة وهو حي، فإنه لن يتلقى شيئا بعد موته.» # 21 # ويقول مؤلف نص «رسالة في البعث»: «إن القيامة ليست وهما بل حقيقة، ومن الأفضل ~~لنا أن نقول بأن العالم هو وهم». # 22 # وعلى الرغم من غياب فكرة القيامة العامة للموتى في اليوم الأخير عن العقيدة الغنوصية، إلا ~~أن بعض نصوص نجع حمادي تقدم لنا تصوراتها الخاصة عن «اليوم الأخير»، الذي تتزعزع فيه قوى ~~الظلام ويئول العالم المادي إلى نهايته. فعندما تحقق معظم نفوس البشر تحررها من خلال معرفة ~~الله، تقترب ساعة نهاية العالم التي يشعر بها الأركون الأعظم وبطانته، مثلما تشعر المرأة ~~الحامل بقرب ساعة الولادة، فيحاولون جهدهم منع الكارثة ولكنهم يفشلون في كل مسعى وغاية، ~~فتهتز عروشهم وتنقلب، وتنطبق السماء ms163 على الأرض هاوية نحو العالم الأسفل، وتنبعث في وسط ~~العالم نار آكلة تأتي على كل شيء، ثم تلتهم نفسها قبل أن تنطفئ، وفي هذه الأثناء يتحرر ما ~~تبقى من النفوس الفاضلة في العالم، أما النفوس التي لم تستطع حتى ذلك الوقت تطهير نفسها، ~~فتفنى مع بقية عناصر المادة وحكامها. # 23 # كلمة أخيرة لا بد من قولها بخصوص الأخلاق الغنوصية. # انطلاقا من موقفها الرافض للعالم، فإن الغنوصية ترى أن الأخلاق التي فرضها إله هذا ~~العالم، إنما فرضت لإبقاء العالم على حالته الراهنة، وإبقاء المجتمعات الإنسانية تحت سيطرة ~~الأركون الأعظم، وهي في النهاية أخلاق براغماتية بالنسبة لأولئك الذين يعتنقونها، فالذي ~~يعمل بقاعدة «لا تسرق» إنما يفعل ذلك لكي لا يتعرض هو نفسه إلى السرقة، والذي يعمل بقاعدة ~~«لا تقتل» إنما يفعل ذلك لكي لا يتعرض هو نفسه للقتل، والذي يعمل بقاعدة «لا تزن» أو «لا ~~تشته امرأة قريبك» إنما يحمي نساءه من الاعتداء الجنسي. # إن مثل هذه النواهي الواردة في شريعة إله التوراة ليست أخلاقا حقيقية، والالتزام بها لا ~~ينشأ عن تلمس حقيقي للخير الكامن في النفس الإنسانية، وإنما ينبع من الخوف من صاحب الشريعة، ~~الخوف من الآخرين الذين يمثل عدم التزامهم باللوائح الأخلاقية تهديدا للآخرين، أما الأخلاق ~~الغنوصية فتنشأ عن الحرية التي يحققها الغنوص للإنسان، وعن اكتشاف مصدر الخير الأسمى في ~~داخله. فالمعرفة تحقق كمال الإنسان، والكامل لا يستطيع إلا فعل الخير، لا خوفا من هذا ولا ~~طمعا في ذاك، والأب النوراني الأعلى لا يطلب من الإنسان إلا أن يعرفه في داخله، وعندما ~~يعرفه يغدو حرا وكاملا وخيرا، وفي هذا يقول مؤلف إنجيل فيليب: «إن من يمتلك معرفة الحق ~~يغدو حرا، والحر لا يرتكب الخطيئة؛ لأن من يرتكب الخطيئة هو عبد للخطيئة ... إن المعرفة ~~تسمو بقلوب المؤمنين وتحررهم وتجعلهم فوق العالم، وهم لا يستعبدون إلا للحب.» # 24 # ومثلما تغني هذه الأخلاقية الغنوصية النابعة من الداخل عن القواعد المفروضة من الخارج، ~~فإنها تغني أيضا عن الوصايا الطقسية وعن العبادات الشكلانية التي لا ms164 يطلبها الأب النوراني ~~الأعلى، وقد عرى يسوع هذا النوع من العبادات الشكلانية في إنجيل توما، عندما سأله التلاميذ: ~~«أتريدنا أن نصوم؟ كيف نصلي؟ هل نتصدق؟ ماذا نأكل وماذا لا نأكل؟» فقال لهم جملة تختصر ~~الوصايا الأخلاقية والوصايا الطقسية: «لا تقولوا كذبا ولا تفعلوا ما تكرهون.» # 25 # وفي قول آخر له من النص نفسه نقرأ: «إذا لم تصوموا عن العالم لن تجدوا ~~الملكوت، إن لم تقيموا من السبت سبتا حقيقيا لن تروا الأب.» # 26 # وفي سدى الطقوس والعبادات الشكلانية قال أيضا: «إذا صمتم جلبتم الخطيئة على ~~أنفسكم، وإذا صليتم أدنتم أنفسكم، وإذا تصدقتم آذيتم أرواحكم.» # 27 # في هذه الأقوال وأشباهها لا يدعو يسوع إلى نبذ الصلاة والصوم والصدقة، وإنما ~~إلى إقامة الصلاة القلبية الحقيقية وإيتاء الصدقة النابعة من الإحساس بالخير الداخلي، ~~والصوم عن العالم لا عن الطعام والشراب لبضع ساعات معلومات. # الفصل السادس # | الانتفاضة الأخيرة للغنوصية البوجوميل والكاثار # بينما كانت الغنوصية المسيحية تدافع عن وجودها في أصقاع الإمبراطورية الرومانية، شرقا ~~وغربا، خلال النصف الثاني من القرن الثالث، كانت الغنوصية المانوية، التي أسسها المعلم ~~ماني المولود في بابل (216-275م)، تنتشر مثل الإعصار، فقد انتشرت في فارس والعراق وسورية ~~خلال حياة ماني، وبعد وفاة ماني انتقلت من سورية إلى مصر، حيث تشكلت جماعات مانوية قوية ~~التأثير في الحياة العامة والسياسية، كما دانت إمارة الحيرة العربية بالمانوية عندما اعتنق ~~ملكها عمر بن عدي ديانة ماني، وصار من أشد المدافعين عنها خلال فترة حكمه التي امتدت من 270 ~~إلى 300 ميلادية، ومن الحيرة خرجت بعثات تبشيرية مانوية إلى جزيرة العرب على ما يروي ~~الجغرافي العربي ابن رستة، فوصلت إلى مكة واستمالت فريقا من أهلها، بينما يروي المؤرخ ابن ~~قتيبة أن القرشيين قد جلبوا هذه البدعة من بلاد الشام، ومن مصر انتشرت المانوية إلى شمال ~~إفريقيا وإلى إسبانيا، كما عبرت سورية إلى آسيا الصغرى واليونان وإيطاليا وأوروبا الوسطى، ~~وباتجاه الشرق انتشرت المانوية خلال حياة ماني إلى المناطق الهندية القريبة من إيران، وصارت ~~ديانة رسمية لمملكة طورفان. ms165 وبعد وفاة ماني صارت مدينتا سمرقند وطقشند في إقليم الصغد ~~مركزا للدعوة المانوية، ومنهما انتقل المبشرون على طول طريق الحرير نحو أعماق الشرق حتى ~~طرقوا باب الإمبراطور الصيني وشرحوا له معتقدهم، ونحو عام 760م صارت المانوية الديانة ~~الرسمية لمملكة أويغور الصينية الحدودية، التي كانت تسيطر على أجزاء كبيرة من مناطق آسيا ~~الوسطى. # لم تكن المانوية فرعا من الغنوصية المسيحية على الرغم من أنها الابن الشرعي لها، بل كانت ~~ديانة توفيقية حاولت الجمع بين الديانات الكبرى السائدة في ذلك الوقت من خلال منظور غنوصي، ~~وقد اعتبرها بعض مؤرخي الأديان بمثابة الدين العالمي الرابع بعد المسيحية والإسلام ~~والبوذية، تتفق الغنوصية المانوية مع الغنوصية المسيحية في نقطتين رئيسيتين، هما أن العالم ~~شر ومحكوم من قبل القوى الشريرة، وأن العرفان لا الإيمان هو الذي يقود إلى خلاص الروح، ~~التي هي قبس من النور الأعلى حبيس في المادة. ولكن المانوية تفتقد إلى عنصر المخلص ذي ~~الطبيعة الإلهية، الذي يتجلى بشرا في عالم الإنسان ليقدم له الخلاص، وهي لا تعتمد أيا من ~~الأناجيل المسيحية الرسمية منها أو الغنوصية، وإنما تعتمد ما خطه ماني بيده من كتب مقدسة. # 1 # وبما أن دراستنا هنا تقتصر على الغنوصية المسيحية، فإننا سوف نتجاوز المانوية ~~إلى حركتين مهمتين في تاريخ الغنوصية المسيحية، هما البوجوميل والكاثار اللتان بقيتا ~~تصارعان من أجل البقاء بعد انتصار الكنيسة القويمة. # انتشر في أرمينيا منذ وقت مبكر من العصر المسيحي شكل من المسيحية غير القويمة، على يد ~~مبشر قدم من أورشليم يدعى عاديا. وقد بشر عاديا بعقيدة تقول إن المسيح ليس ابن الله، بل هو ~~كائن بشري تبناه الله وجعل منه ابنا له، ثم تطور ضمن هذه العقيدة تنويع آخر، يقول بوجود ~~إلهين أعليين لا إله واحد، الأول هو الأب السماوي الأعلى والثاني هو الديميرج خالق هذا ~~العالم، وعندما صارت المسيحية القويمة دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية، تم تصنيف هذه ~~المسيحية الأرمينية في زمرة الهرطقات الكبرى، ولكنها بقيت في منأى عن بطش السلطات الكهنوتية ~~في روما، وأخذت تجتذب ms166 إليها جماعات غنوصية تم تهجيرها من مواطنها الأصلية، فأقامت في ~~أرمينيا وشكلت مع أتباع عقيدة التبني مذهبا غنوصيا عرف بالمذهب البوليسي، نسبة إلى بولس ~~الرسول، وقد عرف هؤلاء البولسيون بنزعتهم الحربية وميلهم المستميت إلى الدفاع عن عقيدتهم ~~الدينية، وعندما أفلحت السلطات البيزنطية أخيرا في الضغط على البولسيين وتهجيرهم، توجهت ~~جماعات منهم غربا واستقرت في مكدونيا وبلغاريا والبلقان، وهناك تلاقحت أفكارهم مع أفكار ~~جماعات محلية غير أرثوذكسية، ونجم عن ذلك مذهب قوي آخر في سياق القرن العاشر الميلادي، ~~عرف بمذهب البوجوميل نسبة إلى كاهن مسيحي اسمه بوجوميلوس، وقد قام البوجوميل بهجوم ~~معاكس سياسي وعقائدي على بيزنطة، وتمتعوا بجاذبية خاصة بين الجماهير بسبب نقدهم الشديد ~~لسلوك الأباطرة البيزنطيين، ولفساد الكنيسة البيزنطية، فكان لهم جماعات سرية أو علنية في ~~أقطار عديدة من الإمبراطورية البيزنطية، ولكن الاضطهادات الدموية التي تعرضوا لها من قبل ~~الكنيسة الرسمية والسلطات البيزنطية، قد أدت إلى تشتيتهم تدريجيا خلال القرن الثاني عشر، ~~ومع ذلك فإن كنيسة غنوصية قد بقيت قائمة في البوسنة حتى القرن الخامس عشر، وتحول من بقي ~~من أتباعها بعد ذلك إلى الإسلام، وعلى الرغم من ذلك فقد تمتعت الكتابات البوجوميلية التي ~~دونت باللغة السلافية القديمة بانتشار واسع، وأثرت في الأدب الشعبي السلافي، وحتى وقت ~~متقدم من العصور الحديثة كان الشحاذون على أبواب الكنائس في روسيا ينشدون أغاني احتفظت ~~بطابعها البوجوميلي القديم. # 2 # اعتبر البوجوميل كتاب العهد القديم من صنع الشيطان، ولم يتبنوا من أناجيل العهد الجديد ~~سوى إنجيل يوحنا الذي رأوا فيه إبانة عن الله الحق، وهم يقولون بثنوية معتدلة لا تجعل من ~~الشيطان إلها مستقلا، بل تجعله ابنا لله خرج عن طاعته وعصاه، فهم يؤمنون بإله واحد ~~أعلى هو الإله المسيحي الطيب صانع كل ما هو خير وحسن، ويعتقدون بأن الإله الطيب قد أنجب ~~ابنه البكر لوسيفر، الذي يعني اسمه حامل الضياء نظرا لشدة بريقه ولمعانه، إلا أن لوسيفر ~~هذا عصا أباه، وسقط من المستوى الروحاني الأعلى بمحض إرادته، وصار اسمه ساتانا-إيل، أي ~~الشيطان، وهم في ms167 تبنيهم لقصة التكوين التوراتية، فإنهم يعزونها إلى الشيطان لا إلى الله، ~~فقد خلق الشيطان (إله العهد القديم) السموات والأرض، انطلاقا من المادة القديمة المتمثلة ~~بالمياه الأولى، كما خلق الإنسان، ولكن روح الإنسان، كما هو الحال في بقية النظم الغنوصية، ~~قد استمدت من روح الله؛ ولذلك فقد عمل الله على إنقاذ أرواح البشر عن طريق «الكلمة»، التي ~~تجسدت في الشكل الشبحي ليسوع المسيح على الأرض، ومن الناحية التنظيمية، انقسم البوجوميل إلى ~~ثلاث شرائح، على الطريقة المانوية، هي شريحة الكاملين المهيئين للانعتاق من دورة تناسخ ~~الأرواح في هذا العالم، تليها شريحة السماعين المؤهلة للتحول إلى شريحة الكاملين في التناسخ ~~المقبل، فشريحة عامة المؤمنين، وكان الالتزام بالأخلاقيات والسلوكيات البوجوميلية يختلف من ~~شريحة لأخرى، فكانت شريحة الكاملين بمثابة النموذج الأعلى في الالتزام، فلم يكن أفرادها ~~يتناولون الخمر أو اللحم، وعاشوا حياة زهد وتنسك تحكمها قواعد أخلاقية وسلوكية ~~صارمة. # لقد وصف أحد آباء الكنيسة في القرن الثاني الميلادي الغنوصية بأنها مثل التنين الذي إذا ~~قطعت له رأسا نبت له رأس آخر محله، وها هو تاريخ الغنوصية يثبت صحة ذلك الوصف، فبعد القضاء ~~على البوجوميل في البلقان وأوروبا الوسطى، انتشرت أفكارهم إلى فرنسا عن طريق مناطق إيطاليا ~~الشمالية، وتجلت في معتقد غنوصي جديد هو المعتقد الكاثاري. # من بين الفرق الغنوصية التي عبرت المحن وعاشت حتى القرون الوسطى، كانت الفرقة الكاثارية ~~أكثرها نجاحا، وأشدها خطورة على الكنيسة الرسمية من أي هرطقة أخرى، تواجد الكاثار (أو ~~الكاثاريون) بشكل خاص في مقاطعة # Lanuedoc # في الجنوب الفرنسي، فيما بين مدينة بوردو شمالا ~~وسفوح جبال البيرينيه على حدود إسبانيا جنوبا، لم تكن هذه المقاطعة في مطلع القرن الثاني ~~عشر جزءا من فرنسا، بل منطقة مستقلة بلغتها وثقافتها ونظامها السياسي، يحكمها عدد من ~~الأسر النبيلة برئاسة كونت تولوز وعائلة ترانسفال المتنفذة، ضمن هذه المساحة الواسعة التي ~~تضم عشرات المدن، من بينها ألبين ومونبيلييه وتولوز ومرسيليا، نشأت ثقافة كاثارية متميزة ~~كانت الأكثر تطورا في الغرب المسيحي بعد بيزنطة، فقد انتشر فيها التعليم ونشطت ms168 التيارات ~~الفكرية والفلسفية المختلفة، وعلا شأن الشعر والشعراء وتعلم الطلاب اللغات اليونانية ~~واللاتينية والعربية، وكان النبلاء يرعون هذه النشاطات ويشاركون فيها، في الوقت الذي لم يكن ~~فيه نبلاء الشمال قادرين على كتابة أسمائهم، ونظرا لقرب المنطقة من مركز الإشعاع الحضاري ~~في الأندلس، فقد وردتها تأثيرات عربية عن طريق الموانئ البحرية وعبر جبال البيرينيه، ~~دعيت هذه الغنوصية المسيحية المتأخرة بالكاثارية، نسبة إلى كلمة كاثاري، التي تعني نقيا ~~أو طهورا، كما دعيت بالألبينية نسبة إلى مدينة ألبين # Albin # أهم مراكزها في الجنوب ~~الفرنسي. # وعلى الرغم من أن العقيدة الكاثارية قد صارت عقيدة رسمية لمجتمع ولنظام سياسي معين، ~~فإنها لم تشكل كنيسة بالمفهوم المسيحي القويم، أو بالمفهوم المانوي، ولم تتحول إلى ~~أيديولوجيا دينية مصاغة في قالب دوغمائي منمط، بل كانت تضم عددا من الطوائف التي يتبع كل ~~منها مرشدا روحيا ويتكنى باسمه، أي إنها بقيت أمينة لمبادئ الغنوصية المسيحية المبكرة، ~~التي عرفناها في القرون الأولى للميلاد، ولكن على الرغم من اختلاف الطوائف الكاثارية في ~~تفاصيل المعتقد والممارسة، إلا أنها تتفق على عدد من المبادئ، وعلى رأسها العرفان وتناسخ ~~الأرواح والثنوية الكونية. # لقد رفض الكاثار المؤسسة الدينية كوسيط بين الله والناس، وكمفسر لوحي الكتاب، كما رفضوا ~~مفهوم الإيمان المسيحي، وأكدوا على العرفان الداخلي الذي يقود إلى الانعتاق من دورة ~~التناسخ، وقد استتبع ذلك رفضهم لفكرة المسيح المتجسد، ورفض المضمون الخلاصي لواقعة الصلب، ~~والصليب كرمز لخلاص الإنسان، بل لقد رأوا في الصليب رمزا لأمير الظلام حاكم العالم المادي ~~والعدو الأول لمبدأ الخلاص، ورأوا في كنيسة روما تجسيدا لسلطان أمير الظلام على العالم، ~~ومع ذلك فقد اعتبروا أنفسهم المسيحيين الحقيقيين، واعتقدوا بمسيح سماوي لم يتجسد في إنسان؛ ~~لأن الجسد الإنساني ينتمي إلى عالم المادة المظلمة صنيعة الشيطان، ومن غير الممكن للمسيح أن ~~يلبس جسدا ويبقى في الوقت نفسه ابنا لله. # لا يقف المعتقد الثنوي الكاثاري عند حدود الثنوية الأخلاقية للمسيحية، وإنما يتعداه إلى ~~ثنوية كونية تتخلل جميع مظاهر الوجود قطباها مبدآن متصارعان على كل صعيد، المبدأ ms169 الأول ~~روحاني جوهره الحب، والمبدأ الثاني مادي جوهره القوة، الأول هو الله والثاني هو الشيطان، ~~وبما أن الخلق والتكوين هو عمل من أعمال القوة لا من أعمال الحب، فإن العالم المادي قد ~~صنعه الشيطان، ملك الدهر وأمير هذا العالم، من هنا، فإن المادة بجميع أشكالها شر، بما في ~~ذلك جسد الإنسان، فبعد أن انتهى أمير العالم من عمل التكوين وجاء إلى صنع الإنسان، وجد نفسه ~~غير قادر على بث الحياة في الجسد الطيني للزوجين الأولين، فعمد إلى اصطياد روحين ملائكيتين ~~من الأعالي وسجنهما في الهيئة المادية التي صنعها، فنهض أمامه آدم وحواء بشرا سويا بجسد ~~ظلامي وروح نورانية، ولما كان ملك العالم راغبا في احتباس مزيد من الأرواح في المادة ~~الكثيفة، فقد أغوى آدم وحواء وزين لهما الفعل الجنسي، الذي يقود إلى التكاثر فكانت الخطيئة ~~الأصلية للإنسان. # عندما بدأ أولاد آدم يتكاثرون، أعلن الشيطان ألوهته لهم عن طريق أخنوخ بن يارد (انظر سفر ~~التكوين 5: 18-24)، الذي رفعه إليه وأعطاه ريشة وحبرا فكتب سبعة وستين كتابا، وأمر بأن ~~تحمل إلى الأرض وتسلم للناس لكي تعلمهم كيفية إقامة الطقوس وتقديم القرابين، وأشياء أخرى ~~تخفي عنهم ملكوت السماء، وكان الشيطان يقول لهم: آمنوا فأنا إلهكم ولا إله إلا أنا، بعد ~~ذلك أعلن ألوهته لموسى واختار اليهود شعبا له ، وأعطاهم الشريعة على يد موسى، وقادهم عبر ~~البحر الذي انشق أمامهم؛ ولهذا نزل المسيح إلى العالم، وقبل نزوله أرسل الله ملاكه قبله ~~واسمه مريم ليستقبل فيه الابن، فلما نزل، دخل عبر الأذن من مريم وخرج من الأذن الأخرى، ~~وعندما علم الشيطان بنزول الابن أعطى اليهود ثلاثة أنواع من الخشب ليصلبوه، واعتقد في ~~ضلالته أنه قد أماته. # 3 # وعلى الرغم من كل مجهود للشيطان، فإن الإنسان قادر على إزالة أثر الخطيئة الأصلية من ~~خلال التعرف على أصله النوراني، ومقاومة كل تأثير للعالم المادي عليه، وهو في سعيه لتحرير ~~روحه إنما يشارك في الوقت نفسه بالسعي الخلاصي الكوني، الذي يهدف إلى القضاء على مملكة ~~الشيطان، ومع ذلك، ms170 فإن سعي الإنسان هذا يبقى قاصرا إذا لم يرفده مدد من عند الله. لقد شعر ~~الأب النوراني بالعطف نحو ملائكته المحبوسة في أجساد بشرية مادية، وغفر للإنسان خطيئته ~~الأصلية التي ارتكبها جهلا لا اختيارا، فأرسل ابنه المسيح لمساعدتهم على الخلاص، كما ~~أمدهم بالروح القدس لتوجيههم وتعليمهم، وعلى الرغم من أن المسيح قد تألم في الأعالي من أجل ~~الإنسانية وتعاطف معها، فإنه لم يكن له أن يتألم ويعاني في ظهوره الشبحي على الأرض، حيث ~~تراءى للناس في هيئة وشكل، ولكن حضوره بينهم كان أشبه بحضور ملائكي منظور ومسموع، ~~ولكن من غير قوام مادي؛ لهذا فإن الإنسان لا يستطيع أن يلتمس المسيح في الكنائس لأنها ~~ليست بيتا له، وإنما يلتمسه في هيكل النفس ويطلب عونه على الخلاص بالمعرفة، وعندما تنتصر ~~الإنسانية على الشيطان وتخلص من ربقته، فإن هذا الانتصار لن يتوج ببعث الأجساد التي تعود ~~للاتحاد بأرواحها، بل بتدمير الجسد مع ما يتم تدميره من عالم الشيطان، عندما تأتي السيادة ~~النهائية للعالم الروحاني بعد فناء العالم المادي وقهر صانعه. # تختلف ثنوية المعتقد الكاثاري عن ثنوية البوجوميل المعتدلة في النظر إلى طبيعة تناقض ~~المبدأين، فالتناقض بين النور والظلام لدى الكاثارية هو تناقض مطلق، وتعارضهما أزلي؛ ~~لأنهما مبدآن مستقلان ومنفصلان أصلا ولم ينشأ أحدهما عن الآخر، فالكاثارية في هذا أقرب إلى ~~المانوية من أي معتقد غنوصي آخر، فالخيار الحر لم يكن السبب في سقوط الشيطان واستقلاله عن ~~الله؛ لأن الشيطان كان في استقلال منذ البداية، ولم يكن لله في أي وقت سلطان عليه، على ~~الرغم من أنه سيربح حربه تدريجيا في نهاية المطاف، وكما لم تكن الحرية سببا في سقوط ~~الشيطان، فإنها لم تكن أيضا السبب في سقوط الإنسان؛ لأن الإنسان قد سقط عنوة في إسار ~~الشيطان، ولم يكن له خيار في ذلك، ولكنه قادر على التحرر عبر حيوات متتالية، يعمل خلالها ~~على تكميل معرفته، وتطهير روحه من عالم المادة، الذي هو الجحيم بعينه ولا جحيم غيره، هذا ~~التطهير التدريجي يتم عن طريق رفض ms171 العالم رفضا كليا، ونبذ الشروط التي تجعل الوجود ~~الإنساني المادي ممكنا، وهذا يعني الامتناع عن الزواج والمعاشرة الجنسية، التي تؤدي إلى ~~استمرار النسل الإنساني، وتقديم مزيد من الرعايا لإله هذا العالم، يضاف إلى ذلك الامتناع عن ~~أكل الحيوان؛ لأنه نتاج عملية التناسل المادية، وعدم تملك أي شيء من متاع الدنيا، وممارسة ~~الزهد والتقشف إلى أبعد حد ممكن، وعلى النطاق الأخلاقي، على الكاثاري التزام الصدق وحسن ~~معاملة الآخرين، وعدم إيذاء جميع الكائنات الحية. # ولما كان هذا النهج عسيرا على معظم الناس، فقد انقسم الكاثاريون إلى شريحتين، الأولى ~~شريحة رهبانية منذورة للخلاص القريب، هي فئة الكاملين الذين يلتزمون السلوكيات والأخلاقيات ~~الكاثارية بحذافيرها، ويتفرغون للتأمل والمعرفة الباطنية والرياضات الروحية، والثانية هي ~~شريحة سواد الناس الذين يمارسون حياتهم الاعتيادية، ويتبعون سلوكيات وأخلاقيات أقل صرامة، ~~ويدعمون الكاملين، ويقبلون توجيههم الروحي، وذلك على أمل الالتحاق بهم في تناسخات مقبلة. ~~ذلك أن الانتماء إلى جماعة الكاملين متاح أمام الجميع، ولمن يجد في نفسه القوة الروحية ~~اللازمة، وباب السماء مفتوح لكل من يشاء اختصار دورة الحياة والموت والالتحاق بالأبدية، يتم ~~قبول المريدين الجدد إلى جماعة الكاملين بعد طقس إدخالي خاص، يؤمن عبور المريد من عالم ~~ملذات الدنيا الفانية إلى عالم متع الروح الصافية، ومن أهم فقرات هذا الطقس، عميلة التعميد ~~الروحي التي تتم من خلال وضع يد الشيخ على رأس المريد، بعد فترة اختبار تدوم عاما كاملا، ~~يكشف خلالها الشيوخ للمريدين المقبولين أسرار العقيدة المخفية عن عامة المؤمنين، ويغدو ~~هؤلاء المريدون أعضاء عاملين في سلك الرهبنة الكاثارية. # نحو عام 1200م، شعرت الباباوية الكاثوليكية بأن المقاطعة الكاثارية في فرنسا، وجيوبها ~~المتفرقة في أنحاء عديدة من الغرب المسيحي، باتت تشكل خطرا حقيقيا عليها، فأمر البابا ~~إنوسنت الثالث بتجهيز حملة عسكرية دعاها بالحملة الصليبية الألبينية، ووجهها إلى جنوب ~~فرنسا عام 1209م، كان قوام الحملة ثلاثين ألف جندي من المشاة والفرسان الذين انحدروا من ~~الشمال كالإعصار نحو مقاطعة الكاثار، وكان أجرهم هو ما يحصلون عليه من أسلاب وغنائم، إضافة ~~إلى صك غفران ms172 يضمن لهم مكانا في الجنة، ويروي أحد مؤرخي تلك الحملة أن قائدها سأل ممثل ~~البابا الذي يرافقه عن كيفية تمييز الهراطقة من المسيحيين في المدن المفتوحة قبل إعمال ~~السيف فيهم، فقال له: اقتلهم جميعا واترك لله بعد ذلك أن يميز رعيته بينهم. وهذا ما حصل ~~فعلا، فقد أحرق الصليبيون الجدد الأرض ومسحوا المدن الآمنة فسووها بالتراب، وأفنوا سكانها ~~عن بكرة أبيهم دون تمييز، وفي هذه الأثناء، كان الممثل البابوي في الحملة يرسل تقارير التي ~~تثلج قلب الفاتيكان قائلا: إن السيف لم يميز ضحاياه تبعا للجنس أو السن أو المكانة الاجتماعية، # 4 # ولكن هذه الحملة الألبينية الأولى لم يقدر لها أن تنتهي بسرعة، على الرغم من ~~النجاحات التي حققتها في الهجمات الأولى، وذلك بسبب المقاومة العنيفة التي أبداها ~~الكاثاريون الذين انسحب خيرة مقاتليهم إلى المناطق الوعرة والصعبة الاجتياز على الجيوش ~~النظامية، ومن هناك كانوا يشنون حرب عصابات أرهقت الجيش البابوي، كما بقي عدد من المواقع ~~الحصينة في يد الكاثار مدة أربعين سنة أخرى، إلى أن سقطت مدينة # Monstegur # في عام 1244م، ~~وكانت آخر معاقل الكاثار. وبذلك تم محو أرقى ثقافة في أوروبا القرون الوسطى عن الخارطة ~~الأوروبية المظلمة. # الفصل السابع # | أثر الغنوصية في الفكر الحديث # لم يندثر الفكر الكاثاري عقب زوال الحضارة الكاثارية الفرنسية، بل اتخذ أشكالا جديدة، ~~وحملته إلى العصور الحديثة في أوروبا حركات سرية تسمت بأسماء شتى منها: # The Brothers of the Free Spirit, The Hossites, The Waldensians Anaptists, The ~~Camisard ~~. # وقد كان للفرقة الأخيرة وجود قوي في لندن خلال القرن الثامن عشر، # 1 # ويبدو أن الكاثارية كانت أحد الروافد القوية التي شكلت جماعة الصليب الوردي في ~~أوروبا ( # The Rosicrucians ~~)، والتي ما زالت تعلن عن وجودها بقوة اليوم في المدن الأمريكية ~~الكبرى وفي معظم العواصم الأوروبية، ولها محافل منتشرة في شتى أنحاء العالم. # 2 # وبعيدا عن هذه الفرق السرية المتأثرة بالكاثارية، فقد كان للفكر الغنوصي عامة تأثير ~~على بعض المفكرين الغربيين في العصور الحديثة، وذلك من خلال الصوفي والمفكر ms173 الألماني جاكوب ~~بوهمه (نحو 1600م)، الذي أسس للتيار الغنوصي في الثقافة الأوروبية الحديثة، وكان من أكثر ~~المتأثرين بجاكوب بوهمه الفنان والشاعر الإنجليزي وليم بليك (1757-1827م)، الذي تشف رسوماته ~~وأشعاره عن مؤثرات غنوصية عميقة، وضمن هذا التيار الذي خلقه بوهمه ابتدأت في ألمانيا بشكل ~~خاص الدراسة الأكاديمية الجدية للغنوصية، وذلك منذ ظهور كتاب غوتفريد أرنولد: «التاريخ ~~الإمبراطوري للكنائس والهرطقات» في عام 1699م، الذي عرض في المؤلف الهرطقات الغنوصية ~~باعتبارها تيارات مسيحية أصيلة، وقد قرأ الكاتب والمفكر الألماني غوته في شبابه عن كتاب ~~أرنولد وتأثر به، ثم استعاد غوته شغفه الأول ذاك عندما كتب خاتمة مؤلفه الشهير «فاوست»، ~~التي يصور فيها تجلي الأنوثة الخالدة، وكأنها نسخة عن صوفيا الغنوصية، التجلي الأكمل ~~للألوهة. # لم يكن غوته الشاعر الوحيد الذي تأثر بالغنوصية، بل لقد أثرت الغنوصية على عدد كبير من ~~شعراء الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر، الذين أخذوا بإعادة ابتكار أساطير غنوصية ~~للتعبير عن موقف من العالم وصل إلى شفا هاوية من العدمية أحيانا، من هؤلاء الشعراء نذكر: ~~ب. شيلي P. B. Sheley # في مؤلفه Prometheus Unbound ~~(1818-1819م)، واللورد بايرون # Byron # في ~~مؤلفه # Ad Arimane ~~(1833م)، وألفونسو دي لامارتن # Alfonso de Lamartine # في مؤلفه # Un Ange, La ~~Chute d ~~(1837م)، وفيكتور هيجو # Victor Hugo # في مؤلفه # La Fin de Satan ~~(1854-1857م)، وميهيل إمينيسكو # Mihail Eminescu # في مؤلفه # Muresanu and Demonism ~~(1872م)، وفيما عدا ليوباردي الذي ~~كان على معرفة واسعة بالغنوصية القديمة ومتأثرا بها بشكل مباشر، فإن البقية قد ابتكروا ~~ميثولوجيا تطابقت أحيانا في تفاصيلها مع الميثولوجيا الغنوصية القديمة، وكان هدفهم من ذلك ~~التحرر من تركة العهد القديم في المسيحية، حتى وصل بهم نقدهم لمفهوم الألوهة التوراتي إلى ~~الموقف المارقيوني (نسبة إلى المسيحي المنشق مارقيون، من القرن الثاني الميلاد)، الذي يرى ~~في إله العهد القديم صانع هذا العالم المادي تجسيدا للشر، ويجب مقاومته والتحرر من ~~سلطانه. # كما ألهمت الغنوصية عددا من الكتاب المحدثين مثل: أناتول فرانس # Anatol France ~~(1844-1924م) وأليكسندر بلوك # Aleksander Blok ~~(1880-1921م)، ms174 وألبرت فيروي # Albert Verwey ~~(1865-1937م)، وهيرمان هيسه (1877-1962م) والروسي ميخائيل بولجاكوف # M. Bulgakov ~~، وفي مجال الفلسفة ~~فقد نشر الألماني فرديناند كريستيان بوير في عام 1935م كتابه المميز في الغنوصية المسيحية، ~~الذي دافع فيه عن الغنوصية باعتبارها فلسفة دينية يقابلها في العصر الحديث المثالية ~~الألمانية ممثلة بشيلينغ وهيغل، وغيرهم ممن تأثر برؤى بوهمه، وفي مجال علم النفس الحديث ~~تأثر كارل غوستاف يونغ، مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي وسيكولوجيا الأعماق، بالرؤى والصور ~~الغنوصية، حتى إنه كتب مؤلفا غنوصيا فيه الكثير من تأملات الغنوصي القديم باسيليد، ~~عنوانه # Septem Sermones ad Mortuous # وبتأثير يونغ قام عدد من علماء النفس، بينهم # Henri ~~Charles # و # Karl Kerenye # بتفسير الرموز الغنوصية باعتبارها إسقاطات ميثولوجية للتجربة الذاتية. # 3 # هذا عن أثر الغنوصية في الفكر الأوروبي، أما عن أثرها في الفكر المشرقي فقد ساهمت ~~الغنوصية إلى حد بعيد في حركة التصوف الإسلامي، وبشكل خاص في الفكر الفلسفي والصوفي ~~للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، كما أثرت في عقائد الفرق الإسلامية غير الأرثوذكسية، # 4 # التي تشف أهم مؤلفاتها عن عناصر غنوصية واضحة، ومنها (أم الكتاب) و(كتاب ~~الأظلة) و(كتاب الكشف) و(كشف الحقائق)، أما في مجال الفكر والأدب العربي الحديث، فلم أجد ~~أثرا للغنوصية إلا في أدب جبران خليل جبران، ورسوماته المتأثرة إلى حد بعيد برسوم وليم ~~بليك، وأغلب الظن أن هذه المؤثرات الغنوصية قد انتقلت إلى جبران من التيار الرومانسي ~~الأوروبي، وليست نتيجة احتكاك مباشر. # وفي جنوب العراق ما زالت بقايا الفرق المندائية، وهي فرقة غنوصية لا تنتمي لا إلى ~~المسيحية ولا إلى الإسلام، قائمة إلى اليوم وتمارس طقوسها وشعائرها بحرية تامة، وقد عمل ~~عدد من الباحثين الغربيين على دراسة المعتقدات المندائية، ونشروا بعض نصوصها المقدسة. # 5 # الفصل الثامن # | نموذج من الأدبيات الغنوصية # (1) إنجيل توما النص الكامل مع الشرح والتعليق # مقدمة # لعل الأثر الوحيد الذي تركه لنا يسوع، هو مجموعة من الأقوال والحكم والأمثال التي تعبر ~~عن جوهر رسالته. وقد كانت هذه الأقوال متداولة على ما يبدو قبل تدوين الأناجيل، وشكلت ms175 ~~الأساس الذي اعتمد عليه الإنجيليون في صياغة نص مطرد عن حياة يسوع، وذلك من خلال البحث عن ~~مناسبة لكل قول استنادا إلى الذكريات الغامضة والمبعثرة عن سيرة المعلم وأعماله، وعلى ~~الرغم من أن مثل هذه الأقوال لم تصلنا في سفر واحد يجمع بينها قبل اكتشاف مكتبة نجع ~~حمادي، فإن البحث الحديث في العهد الجديد قد افترض وجودها، واعتقد عدد كبير من الباحثين ~~بأنها كانت وراء تأليف إنجيلي متى ولوقا، اللذين اعتمد مؤلفاهما على إنجيل مرقس، وهو أقدم ~~الأناجيل، وعلى هذه الأقوال التي دعاها أولئك الباحثون «اللوجيا # Logia ~~»، وهي صيغة الجمع من ~~لوغوس # Logus ~~، ~~التي تعني كلمة أو قول باللغة اليونانية، ودعوا السفر الذي تضمنها ب «كويلا # Quelle ~~» أي المصدر باللغة الألمانية. وقد كان لهذا الاعتقاد ما يبرره لأن إنجيلي متى ~~ولوقا قد تضمنا معظم المادة الموجودة في إنجيل مرقس، إضافة إلى عدد كبير من الأقوال ~~المنسوبة إلى يسوع لم ترد في إنجيل مرقس، ولا بد أنها جاءت من مصدر آخر مشترك بين ~~الإنجيلين. # لقد تعززت هذه الفرضية بعد اكتشاف مكتبة نجع حمادي، التي عثر في أحد مجلداتها على إنجيل ~~يعزى إلى التلميذ يهوذا توما، لا يسرد سيرة يسوع من الميلاد إلى الصلب، بل يقدم مسردا ~~بأقواله بلغ عددها نحو 114 وفق التقسيم الأصلي للنص القبطي، وقد استطعت رصد نحو خمسين قولا ~~في إنجيل توما لها متوازيات في إنجيلي متى ولوقا، تصل في معظم الأحيان إلى حد التطابق ~~الحرفي، سبعة منها فقط وردت في إنجيل مرقس، قد لا يكون إنجيل توما هو «المصدر» الذي استند ~~إليه متى ولوقا، ولكن هذا الاكتشاف الجديد يدعونا إلى الاعتقاد بوجود أكثر من «مصدر» ~~لأقوال يسوع كانت متداولة قبل وخلال فترة تدوين الأناجيل الأربعة، التي ظهرت تباعا فيما ~~يلي بين سنة 70 وسنة 110م، ذلك أن البحث الأكثر جدة اليوم يميل إلى القول بقدم إنجيل توما ، ~~والباحثون في أمريكا يرجعونه إلى الفترة السابقة لتدوين الأناجيل الرسمية، علما بأن أقدم ~~الشذرات التي وصلتنا من هذا الإنجيل كانت ms176 باللغة اليونانية، وترجع بتاريخها إلى نحو عام ~~200م، ولكن الباحثين يعتقدون بأنها ترجمة عن نص آرامي أو سرياني أقدم دون في فلسطين ~~أو مكان آخر من سورية. # 1 # على الرغم من طابعه الغنوصي، فإن إنجيل توما هو أقرب الأناجيل «المنحولة» إلى الأناجيل ~~الرسمية، وهذا ما أكسبه بحق لقب «الإنجيل الخامس»، فإن ما يميزه عن الأناجيل الإزائية ~~التي يتقاسم معها ذلك العدد الكبير من الأقوال، هو أن يسوع لا يظهر فيه كمبشر بقرب حلول ~~اليوم الأخير ودينونة العالم، وإنما كمعلم حكمة يرشد الناس إلى سبيل الحياة الروحية الكفيلة ~~بتطهير النفس والاستعداد للانعتاق، وتظهر في أقوال لهجة غنوصية بسيطة وواضحة، وبعيدة ~~عن التصورات الميثولوجية المعقدة التي نواجهها عادة في النصوص الغنوصية، وهو قريب من كل ~~وجه إلى إنجيل يوحنا الرسمي. # تبتدئ فقرات النص الأربع عشرة ومائة إما بجملة «قال يسوع» أو بجملة «قال له التلاميذ» أو ~~«سأله التلاميذ»، يليها حوار بين يسوع يشرح لهم فيها ما غمض عليهم من تعاليمه وأقواله، ~~متبعا في أحيان كثيرة أسلوب الأمثال الذي عهدناه في الأناجيل الإزائية، وهنا تتدرج أقوال ~~يسوع وأمثاله من البسيط المعهود لنا سابقا، إلى المعقد، فالملغز، فمن الأقوال البسيطة ~~المباشرة قوله مثلا في الفقرة 102: «الويل للفريسيين، فإنهم أشبه بكلب رابض فوق معلف ~~للثيران، فلا هو يأكل ولا يدع الثيران تأكل»، ومن الأقوال المعقدة قوله في الفقرة 11: «هذه ~~السماء ستزول، والتي فوقها ستزول، ولكن من هم أحياء لن يموتوا ومن هم أموات لن يحيوا». ~~ومن الأقوال الملغزة قوله في الفقرة 7: «طوبى للأسد الذي يأكله الإنسان فيصير الإنسان ~~إنسانا، وملعون الإنسان الذي يأكله الأسد فيصير الإنسان أسدا.» ولهذا فقد زودت ترجمتي ~~للنص بشروحات وتعليقات على جميع فقراته، مما لم أجده في المراجع المتوفرة لدي، كما أشرت ~~إلى مواضع تقاطعه مع الأناجيل الأربعة، وهنا أود أن أنبه إلى ضرورة قراءة الشروحات التي ~~أفردت لها قسما خاصا في تزامن مع قراءة النص؛ لأن معظم فقراته لن تفهم بغير ~~ذلك. # وفيما يتعلق بالترجمة فقد أفدت بشكل خاص من ms177 ترجمة الصديق ديمتري أفييرينوس لإنجيل توما ~~نقلا عن الإنجليزية، كما استندت إلى ثلاث ترجمات إنجليزية عن اللغة القبطية هي ترجمة # J. Dart and R. Riegent ~~، وترجمة # Marvain W. Meyer # وترجمة # H. Koester and T. O. Lambdin ~~، ~~والتعديلات الطفيفة التي أدخلتها # Elaine Pgeles # على نص # M. W. Meyer ~~. # 2 # النص # استهلال: هذه هي الكلمة الخفيفة التي نطق بها يسوع الحي، ودونها يهوذا توما، ~~التوأم: ~~(1) قال: من يتوصل إلى تأويل هذه الأقوال لن يذوق الموت. ~~(2) قال يسوع: على من يبحث ألا يتوقف عن البحث إلى أن يجد، وحين يجد سوف يضطرب، وحين يضطرب ~~سوف يعجب ويسود على الكل. ~~(3-أ) قال يسوع: إذا قال لكم أولو الأمر منكم: «هو ذا الملكوت في السماء»، عندها تكون ~~طيور السماء أقرب إليه منكم، وإذا قالوا لكم: «هو ذا في البحر»، عندها تكون الأسماك أقرب ~~إليه منكم. ولكن الملكوت في داخلكم، وهو في خارجكم (قارن مع لوقا 12: 21). ~~(3-ب) عندما تعرفون أنفسكم، تعرفون وتفهمون أنكم أبناء الأب الحي، ولكن إذا لم تعرفوا ~~أنفسكم أقمتم في الفقر، وكنتم الفقر. ~~(4) قال يسوع: على الشيخ الطاعن في السن ألا يحجم عن سؤال الطفل ابن السبعة أيام عن مكان ~~الحياة، مثل هذا الشخص سوف يحيا، ذلك أن كثيرا من الأولين سيغدون آخرين، ويصيرون واحدا ~~(قارن الشطر الثاني مع متى 9: 30). ~~(5) قال يسوع: اعرف ما في متناول البصر، يظهر لك الخافي عليك، فما من خفي إلا ~~وينكشف. ~~(6) سأله تلاميذه فقالوا: «أتريدنا أن نصوم؟ هل نتصدق؟ ما الذي نأكله وما الذي لا نأكله؟» ~~قال يسوع: «لا تكذبوا ولا تفعلوا ما تكرهون لأن كل الأمور مكشوفة أمام السماء، ما من خفي ~~إلا وينكشف، وما من مستور إلا ويعلن.» (قارن الشطر الثاني من هذا القول مع متى 10: 26، ~~ومرقس 4: 22). ~~(7) قال يسوع: طوبى للأسد الذي يأكله الإنسان فيصير الأسد إنسانا، وملعون الإنسان الذي ~~يأكله الأسد، فيصير الإنسان أسدا. # 3 ~~(8) الإنسان أشبه بصياد حكيم ألقى شبكته في البحر وسحبها ملأى أسماكا صغيرة، وجد الصياد ~~الحكيم بينها سمكة كبيرة جيدة، فطرح ms178 الأسماك الصغيرة كلها في البحر، وبدون تردد اختار ~~السمكة الكبيرة، من له أذنان للسمع فليسمع (قارن مع متى 13: 47-48). ~~(9) قال يسوع: هو ذا الزارع خرج ليزرع، فأخذ حفنة من البذار ونثرها، بعضها وقع على الطريق ~~فحطت الطيور والتقطته، وبعضها وقع على الصخر فلم يضرب جذورا في الأرض ولم يثمر سنابل، ~~وبعضها وقع على الشوك فخنقه الشوك والتهمه الدود، وبعضها سقط على أرض طيبة فآتى أكله وأعطى ~~المكيال ستين، وحتى مائة وعشرين مكيالا. (قارن مع متى 13: 3-9 ومرقس 4: 7-9). ~~(10) قال يسوع: لقد ألقيت على العالم نارا، وها أنا أرقبه حتى يضطرم (قارن مع لوقا 12: ~~49). ~~(11-أ) قال يسوع: هذه السماء ستزول والتي فوقها ستزول، ولكن من هم أموات لن يحيوا، ومن هم ~~أحياء لن يموتوا. ~~(11-ب) أيام كنتم تأكلون الميتة كنتم تحيونها، ولكن عندما تصبحون في النور ماذا ستفعلون؟ يوم ~~كنتم واحدا صرتم اثنين، ولكن عندما تصيرون اثنين ماذا ستفعلون؟ ~~(12) قال التلاميذ ليسوع: نعلم أنك مغادرنا فمن سيكون قائدنا؟ قال لهم يسوع: أينما كنتم ~~فلتمضوا إلى يعقوب البار، الذي لأجله صنعت السماء والأرض. ~~(13) قال يسوع لتلاميذه: قارنوني وقولوا بمن تشبهونني؟ قال له سمعان بطرس: أنت تشبه ملاكا ~~بارا، وقال له متى: أنت تشبه فيلسوفا حكيما، وقال له توما: يا معلم، إن فمي يعجز عن ~~تشبيهك بأحد. قال يسوع: لست معلمك؛ لأنك شربت فسكرت من النبع الفوار الذي سكبته. ثم أخذه ~~وتنحى به جانبا، وقال له بضع كلمات، وعندما عاد إلى رفاقه سألوه: ماذا قال لك يسوع؟ أجابهم ~~توما: إذا أخبرتكم بكلمة مما قال لي تناولتم حجارة ورجمتموني. ومن الحجارة تخرج نار تأتي ~~عليكم. ~~(14-أ) قال لهم يسوع: إذا صمتم جلبتم على أنفسكم خطيئة، وإذا صليتم أدنتم أنفسكم، وإذا ~~تصدقتم آذيتم أرواحكم. ~~(14-ب) إذا جلتم في الأصقاع ودخلتم أرضا فاستقبلكم أهلها، كلوا مما يقدمون لكم واشفوا المرضى ~~منهم؛ لأن ما يدخل فمكم لا ينجسكم، أما ما يخرج من فمكم فهو الذي ينجسكم. (قارن مع لوقا 10: ~~3، ومتى 15: 21). ~~(15) قال يسوع: حين ترون من لم يولد ms179 من المرأة، خروا على وجوهكم واسجدوا ، فهذا هو ~~أبوكم. ~~(16) يعتقد الناس بأني جئت لألقي سلاما على الأرض، إنهم لا يعلمون أني جئت لألقي على ~~الأرض شقاقا، نارا وسيفا وحربا، فإذا كان خمسة في منزل واحد، يقوم ثلاثة ضد اثنين، ~~واثنان ضد ثلاثة، أب ضد ابن، وابن ضد أب، وسيقفون وحدهم (قارن مع متى 10: 34، ولوقا 12: ~~49-51). ~~(17) سأعطيكم ما لم تره عين ولا سمعت به أذن، ولا بلغته يد، ولا خفق به قلب بشر ~~قط. ~~(18) قال التلاميذ ليسوع: قل لنا، على أي وجه تكون نهايتنا؟ قال يسوع: هل اكتشفتم البداية ~~حتى تسألوا عن النهاية؟ حيث البداية هناك تكون بلا نهاية، طوبى لمن يقف في البداية لأنه سوف ~~يعرف النهاية، ولن يذوق الموت. ~~(19-أ) قال يسوع: طوبى لمن وجد قبل أن يخلق. ~~(19-ب) إذا أصبحتم تلاميذي وسمعتم كلماتي، تخدمكم هذه الحجارة. ~~(19-ج) لكم في الجنة خمس أشجار لا تتبدل صيفا أو شتاء، ولا تسقط أوراقها، من يعرفها لا يذوق ~~الموت. ~~(20) قال التلاميذ ليسوع: قل لنا ماذا يشبه ملكوت السموات؟ قال لهم: يشبه حبة خردل، إنها ~~أصغر البذور، ولكنها عندما تسقط على تربة خصبة تنمو فتصير نبتة كبيرة، وتغدو مأوى لطيور ~~السماء (قارن مع متى 13: 31-32، ومرقس 4: 30-32). ~~(21-أ) قالت مريم (المجدلية) ليسوع: ماذا يشبه تلاميذك؟ قال لها: يشبهون صغارا يعيشون في ~~حقل لا يخصهم، عندما يأتي مالكو الحقل يقولون لهم: أعيدوا لنا حقلنا، عندها يخلعون ثيابهم ~~أمامهم، ويعيدون لهم حقلهم. ~~(21-ب) لهذا أقول لكم: لو علم مالك البيت أن السارق آت لبقي ساهرا، ولما ترك السارق ينفذ ~~إلى بيته ويسرق أملاكه، فكونوا أنتم ساهرين ضد العالم، تسلحوا بقوة عظيمة، لئلا يجد ~~اللصوص منفذا إليكم، فإن البلوى التي تترقبونها آتية (قارن مع متى 24: 42، ولوقا 2: ~~39). ~~(21-ج) ليكن بينكم رجل فطن: إذا نضج المحصول أتى على عجل ومنجله في يده وحصده، من له أذنان ~~للسمع فليسمع (قارن مع مرقس 4: 29). ~~(22) رأى يسوع أطفالا يرضعون فقال لتلاميذه عن هؤلاء الرضع: يشبهون الذين يدخلون الملكوت، ~~قالوا له: فهل ندخل ms180 الملكوت أطفالا؟ قال لهم يسوع: عندما تجعلون الاثنين واحدا وعندما ~~تجعلون الباطن كالظاهر والظاهر كالباطن، والأعلى كالأسفل، وعندما تجعلون الذكر والأنثى ~~واحدا حتى لا يبقى الذكر ذكرا ولا الأنثى أنثى، وعندما تجعلون عيونا مكان عين، ويدا ~~مكان يد، ورجلا مكان رجل، وصورة مكان صورة، عندئذ تدخلون الملكوت. ~~(23) سأختاركم واحدا من بين ألف، واثنين من بين عشرة آلاف، وهؤلاء سوف يقفون ~~كواحد. ~~(24) قال له تلاميذه: أرنا المكان الذي أنت فيه، فإننا يجب أن نطلبه، قال لهم: من له أذنان ~~فليسمع: هنالك نور داخل امرئ النور، من شأنه أن ينير العالم، فإذا لم ينر فلا شيء سوى ~~الظلمة. ~~(25) قال يسوع: أحبب أخاك كنفسك، اسهر عليه كما على بؤبؤ عينك. ~~(26) قال يسوع: القشة التي في عين أخيك تراها، ولكن الرافدة التي في عينك لا تراها، عندما ~~تنزع الرافدة من عينك ترى بوضوح، وعندها تخرج القشة من عين أخيك (قارن مع لوقا 6: 41-42). ~~(27) قال يسوع: إن لم تصوموا عن العالم، لن تجدوا الملكوت، إن لم تجعلوا من السبت سبتا ~~(حقيقيا)، لن تروا الآب. ~~(28) قال يسوع: وقفت في وسط العالم، وبالجسد ظهرت لهم، فوجدتهم سكارى جميعا ولم أجد ظمآن ~~بينهم، فحزنت نفسي على أبناء البشر؛ لأنهم عميان في قلوبهم ولا يرون، فارغين أتوا إلى ~~العالم، ويسعون إلى الخروج منه فارغين ولكنهم الآن سكارى، فإذا جاءتهم الصحوة عندها ~~يتوبون. ~~(29) قال يسوع: إذا نشأ الجسد عن الروح فهي معجزة، وإذا نشأت الروح عن الجسد فهذه معجزة ~~المعجزات، وإني لأعجب كيف لهذه الثروة العظيمة أن تقيم في هذا الفقر. ~~(30) قال يسوع: حيث يوجد ثلاثة آلهة، فهم مؤلهون، وحيث يوجد هناك اثنان أو واحد، فأنا ~~هناك. ~~(31) قال يسوع: لا يقبل نبي في وطنه، ولا يجري طبيب شفاء فيمن يعرفونه (قارن مع مرقس 4: ~~6). ~~(32) قال يسوع: إن مدينة مبنية على جبل عال وحصين لا يمكن أن تسقط ولا يمكن ~~سترها. ~~(33) قال يسوع: ما تسمعه في أذنك أعلنه من فوق سطوحك، فما من أحد يوقد سراجا ويضعه تحت ~~مكيال، أو في مكان ms181 خفي، بل يضعه على منصب حتى يرى نوره الغادي والرائح (قارن مع متى 10: ~~26، ومرقس 4: 21، ولوقا 11: 33). ~~(34) قال يسوع: إذا قاد الأعمى أعمى آخر، سقط كلاهما في حفرة (قارن مع لوقا 6: 9، ومتى ~~15: 14). ~~(35) قال يسوع: لا تقدر أن تدخل دار القوي، وتأخذه عنوة إذا لم توثق يديه، عندئذ تسطو على ~~داره. ~~(36) قال يسوع: لا تهتموا من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح بما تلبسون (قارن ~~مع متى 6: 27-30). ~~(37) قال تلاميذه: متى تظهر لنا، ومتى نراك؟ قال يسوع: عندما تتعرون بدون خجل وتخلعون ~~ثيابكم كالأطفال وتطئونها، عندئذ ترون ابن الحي ولن تخافوا. ~~(38) قال يسوع: كم رغبتم في سماع هذه الكلمات التي أقولها لكم، وليس لديكم آخر تسمعونها ~~منه، ولكن ستأتي أيام تطلبونني فلا تجدونني. ~~(39-أ) قال يسوع: أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح المعرفة وأخفوها، فلا هم دخلوا ولا أجازوا ~~الدخول لمن أراد (قارن مع لوقا 11: 52). ~~(39-ب) أما أنتم فكونوا في فطنة الحياة ووداعة الحمام (قارن مع متى 10: 16). ~~(40) قال يسوع: زرعت كرمة بعيدا عن الآب، ولأنها لم تتقو، سوف تقتلع من جذورها ~~وتفنى. ~~(41) قال يسوع: من في يده شيء يزاد له، ومن ليس في يده شيء يحرم حتى من القليل الذي عنده ~~(قارن مع متى 13: 12، ومرقس 4: 25، ولوقا 19: 26). ~~(42) قال يسوع: كونوا عابري سبيل. ~~(43) قال له تلاميذه: من أنت حتى تقول لنا هذه الأشياء؟ قال يسوع: أنتم لا تعرفون من أنا ~~من الأشياء التي أقولها لكم، لقد صرتم أشبه باليهود الذين يحبون الشجرة ويكرهون ثمارها، أو ~~يحبون الثمرة ويكرهون الشجرة (قارن مع يوحنا 14: 7-10). ~~(44) قال يسوع: من جدف على الأب يغفر له، ومن جدف على الابن يغفر له، ولكن من جدف على ~~الروح القدس لا يغفر له لا في الأرض ولا في السماء (قارن مع مرقس 3: 28-29). ~~(45) قال يسوع: لا يجنى عنب من الشوك، ولا يقطف تين من الحسك، فهي لا تعطي ثمرا، المرء ~~الصالح يخرج الصالح من مخزنه، والمرء الطالح يخرج الفاسد من مخزنه الفاسد في القلب، وينطق ~~بالشر. من قلبه يسكب الشر (قارن مع متى ms182 7: 16-17، ولوقا 6: 43-45). ~~(46) قال يسوع: بين الذين ولدتهم النساء، منذ آدم، لا يوجد من هو أعظم من يوحنا المعمدان، ~~فيخفض البصر أمامه، ولكني قلت إن من يصير منكم طفلا سيعرف الملكوت، ويغدو أعظم من يوحنا ~~(قارن مع متى 11: 11، ولوقا 16: 16). ~~(47) قال يسوع: ليس بمقدور المرء أن يمتطي حصانين معا، أو يشد قوسين، وليس بمقدور العبد ~~أن يخدم سيدين، وإلا فإنه سيكرم أحدهما ويغضب الآخر (قارن مع متى 6: 24)، ما من أحد يشرب ~~خمرا عتيقة ويشتهي من فوره أن يشرب خمرا جديدة، لا تسكب خمر جديدة في زقاق (قراب) قديمة، ~~لئلا تنشق الرقاق، ولا تسكب خمر عتيقة في زقاق جديدة، لئلا تفسد الخمر، الرقعة العتيقة ~~لا تخاط إلى ثوب جديد لئلا تمزقه (قارن مع متى 9: 16-17، ومرقس 2: 21-22، ولوقا 5: ~~36-39). ~~(48) قال يسوع: إذا تسالم اثنان في بيت واحد، لقالا للجبل: انتقل من هنا، فينتقل. ~~(49) قال يسوع: طوبى للمتوحدين والمصطفين، فإنكم ستجدون الملكوت لأنكم منه أتيتم وإليه ~~ترجعون. ~~(50) قال يسوع: إذا سألوكم: من أين جئتم، أجيبوهم: جئنا من النور، من المكان الذي انبثق ~~فيه النور من تلقاء ذاته، وأسس نفسه، وتجلى في صور نورانية، وإذا سألوكم: من أنتم؟ قولوا: ~~نحن أبناؤه، نحن مختارو الآب الحي، وإذا سألوكم: ما هي آية أبيكم فيكم؟ قولوا: هي حركة ~~وراحة. ~~(51) قال له تلاميذه: متى تحل راحة الأموات، ومتى يأتي العالم الجديد؟ قال لهم: ما ~~تنتظرونه قد أتى، لكنكم لم تتبينوه. ~~(52) قال له تلاميذه: أربعة وعشرون نبيا تكلموا في إسرائيل وكلهم تكلموا عنك، قال لهم: ~~لقد غفلتم عن الحي الذي أمامكم، وتكلمتم عن الأموات. ~~(53) قال له تلاميذه: هل الختان مفيد؟ قال لهم: لو كان مفيدا لكان أبوهم أنجبهم من أمهم ~~مختونين، ولكن الختان الحقيقي بالروح، وهو مفيد من كل وجه. ~~(54) قال يسوع: طوبى للفقراء، فإن لهم ملكوت السموات (قارن مع لوقا 6: 20، ومتى 3: ~~5). ~~(55) قال يسوع: من لا يبغض أباه وأمه لا يستطيع أن يكون تلميذي، ومن لا يبغض إخوته ~~وأخواته، ولا يحمل صليبه كما أفعل ليس أهلا لي (قارن مع ms183 متى 16: 24، ولوقا 14: ~~26). ~~(56) قال يسوع: من فهم العالم وقع على جيفة، ومن وقع على جيفة، العالم ليس أهلا ~~له . ~~(57) قال يسوع: يشبه ملكوت الآب رجلا بذر في حقله بذارا حسنا. فجاء عدوه في الليل وزرع ~~زؤانا بين البذار الطيب، ولكن الرجل لم يدع أحدا يجتث الزؤان قائلا لهم لا تفعلوا مخافة ~~أن تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان، ولكن عندما يأتي يوم الحصاد يكون الزؤان بارزا، ~~عندها يقتلع ويحرق. (قارن مع متى 13: 24-30). ~~(58) قال يسوع: طوبى للمرء الذي جاهد ووجد الحياة. ~~(59) تطلعوا إلى الحي ما دمتم أحياء، لئلا تموتوا وتحاولوا رؤية الحي فلا تستطيعون. ~~(60) رأوا سامريا يتأبط حملا ويمضي إلى اليهودية، قال لتلاميذه: لماذا يتأبط الحمل؟ ~~أجابوه: لكي يذبحه ويأكله. قال لهم: إنه لن يأكله ما دام حيا، وإنما بعد أن يذبحه ويصير ~~جثة. قالوا: وإلا فلا يستطيع ذلك. قال لهم: وأنتم كذلك فتشوا عن مكان راحة لئلا تصيروا جثة ~~فتؤكلوا. ~~(61-أ) قال يسوع: اثنان يستريحان على أريكة واحدة، أحدهما يموت والآخر يحيا. ~~(61-ب) قالت سالومة: من أنت يا سيد؟ وقد اتكأت على أريكتي وأكلت من مائدتي؟ قال لها يسوع: أنا ~~الذي يستمد وجوده من التام غير المنقسم، أعطيت مما لأبي. قالت سالومة: أنا تلميذتك. أجاب ~~يسوع: لهذا أقول، إذا كان المرء تاما يكون ممتلئا نورا، ولكن إذا كان منقسما يكون ~~ممتلئا ظلمة. ~~(62-أ) قال يسوع: أكشف أسراري لمن هو أهل لها. ~~(62-ب) لا تدع يدك اليسرى تدري ما تفعل يدك اليمنى (قارن مع متى 6: 3). ~~(63) قال يسوع: كان رجل غني يملك أموالا طائلة، قال في نفسه: سوف أثمر أموالي، فأبذر ~~وأحصد، وأشتل، وأملأ أهرائي غلالا، فلا ينقصني شيء، تلك كانت نواياه، لكنه مات في تلك ~~الليلة، من له أذنان للسمع فليسمع (قارن مع لوقا 12: 17-21). ~~(64) قال يسوع: رجل من عادته استقبال الضيوف، أولم للعشاء، وأرسل عبده يدعو الضيوف، مضى ~~العبد إلى الأول وقال له: إن سيدي يدعوك، قال الرجل: أرجو أن تعذرني عن الوليمة؛ لأن بعض ~~التجار مدينون لي بمال وهم قادمون ms184 إلي الليلة، مضى العبد إلى آخر وقال له: سيدي يدعوك، ~~قال الرجل للعبد: لا وقت لدي، فقد اشتريت دارا، وأنا مشغول طوال اليوم، أرجو المعذرة، مضى ~~العبد إلى آخر وقال له: سيدي يدعوك، قال الرجل: لن أستطيع المجيء؛ لأن صديقي مزمع على ~~الزواج وأنا موكل بترتيب الوليمة، أرجو المعذرة، مضى العبد إلى آخر وقال: سيدي يدعوك، فقال ~~الرجل: لن أستطيع المجيء فلقد اشتريت أرضا وأنا ذاهب لقبض الإيجار، أرجو المعذرة. # عاد العبد إلى سيده وقال: القوم الذين دعوتهم إلى الوليمة اعتذروا عن المجيء، قال السيد ~~لعبده: اخرج إلى الشوارع وأت إلى الوليمة بكل من تجدهم، الباعة والتجار لن يدخلوا أماكن ~~أبي (قارن مع لوقا 14: 12-24). ~~(65) قال يسوع: كان لرجل طيب كرما أجره لبعض الكرامين، فيعملوا فيه ويعطوه ريعا، أرسل ~~الرجل عبده ليقبض الريع، ولكن الكرامين أمسكوا به وضربوه وكادوا أن يقتلوه، عاد العبد وأخبر ~~سيده بما حصل، فقال سيده في نفسه: لعلهم لم يعرفوه ثم أرسل عبدا آخر فضربه الكرامون أيضا، ~~عندئذ أرسل ابنه قائلا: لعلهم يتهيبون ابني، لكن الكرامين لما علموا أنه وارث الكرم ~~أمسكوا به وقتلوه، من له أذنان للسمع فليسمع (قارن مع لوقا 20: 9-16). ~~(66) أروني الحجر الذي رذله البناءون، فإنه حجر الزاوية (قارن مع متى 21: 22). ~~(67) قال يسوع: من عرف كل شيء ولم يعرف نفسه افتقر إلى كل شيء. ~~(68) قال يسوع: طوبى لكم عندما تبغضون وتضطهدون، ولا تجدون ملاذا من الاضطهاد (قارن مع ~~متى 5: 11 ولوقا 20: 17). ~~(69) قال يسوع: طوبى للذين اضطهدوا في قلوبهم لأنهم عرفوا الآب الحق، طوبى للجياع؛ لأن بطن ~~المحتاجين سوف تملأ (قارن مع متى 5: 6). ~~(70) قال يسوع: عندما تستولد ما في باطنك، فإن ما عندك سوف يخلصك، فإذا لم يكن عندك ذلك في ~~باطنك، فما تعدمه في باطنك سوف يقتلك. ~~(71) قال يسوع: سوف أهدم هذا البيت، ولن يتمكن أحد من إعادة بنائه. ~~(72) جاءه رجل وقال: قل لإخوتي يقاسموني ميراث أبي، أجاب يسوع: يا رجل، من جعلني قساما، ~~ثم التفت إلى تلاميذه وقال لهم: لست قساما، أليس ms185 كذلك؟ (قارن مع لوقا 12: 13). ~~(73) قال يسوع: الحصاد وافر ولكن الأجراء قليلون فتوسلوا إلى الآب أن يرسل أجراء إلى ~~الحصاد (قارن مع متى 9: 37-38، ولوقا 10: 2). ~~(74) قال يسوع: يا رب، كثيرون واقفون حول ميزاب الشرب، ولكن ما من شيء في البئر. ~~(75) قال يسوع: كثيرون واقفون بالباب، لكن المتوحدين هم الذين يدخلون مخدع العرس. ~~(76) قال يسوع: يشبه ملكوت الآب تاجرا لديه حمل من البضائع ثم وجد لؤلؤة، فكان فطنا بحيث ~~إنه باع بضاعته كلها واشترى اللؤلؤة، أنتم أيضا فتشوا عن كنزه الذي لا ينضب حيث لا سوس ~~ينخر ولا ديدان تتلف (قارن الشطر الأول مع متى 13: 45، والشطر الثاني مع متى 6: 19-21، ~~ولوقا 12: 32-34). ~~(77) قال يسوع: أنا النور الذي فوق كل شيء، أنا الكل، الكل مني خرج، وإلي الكل وصل، اشطر ~~الحصبة فأكون هناك، ارفع الحجر تجدني هناك. ~~(78) قال يسوع: لم خرجتم إلى الفلاة؟ ألرؤية قصبة تهزها الريح (يوحنا المعمدان)؟ أم لرؤية ~~امرئ في ثياب ناعمة مثل حكامكم وسادتكم؟ يرتدون الثياب الناعمة وهم بعيدون عن الحقيقة ~~(قارن مع متى 11: 7-11، ولوقا 7: 24-28). ~~(79) قالت له امرأة من الجمع: طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين أرضعاك، قال لها: طوبى ~~للذين سمعوا كلمة الآب وحفظوها، فستأتي حقا أيام تقولون فيها: طوبى لبطن لم يحمل ولثديين ~~لم يدرا لبنا (قارن مع لوقا 11: 27-28). ~~(80) من عرف (حقيقة) العالم، عرف (حقيقة) الجسد، ومن عرف (حقيقة) الجسد فالعالم ليس أهلا ~~له. ~~(81) قال يسوع: ليحكمن من اغتنى، وليزهدن صاحب السلطان في سلطانه. ~~(82) قال يسوع: من هو قربي هو قرب النار، والبعيد عني بعيد عن الملكوت. ~~(83) قال يسوع: الصور بادية للناس، لكن النور الذي في باطنها مستور في صورة نور الآب، ~~سوف يعلن عن نفسه، لكن صورته محجوبة بنوره. ~~(84) قال يسوع: عندما ترون مظهركم تسرون، ولكن هل ستتحملون رؤية صوركم التي وجدت قبلكم، ~~والتي لا تموت ولا تتبدى؟ ~~(85) نشأ آدم عن قوة عظيمة وغنى واسع، لكنه لم يكن أهلا لكم، لو كان أهلا لكم لما ذاق ~~الموت. ~~(86) قال يسوع: للثعالب أوجرة وللطيور أعشاش، ms186 لكن ليس لابن الإنسان موضع يسند عليه رأسه ~~ويرتاح (قارن مع متى 8: 20، ولوقا 9: 58). ~~(87) قال يسوع: الجسم العالة على جسم ما أشقاه، والنفس العالة على هذين الاثنين ما ~~أشقاها. ~~(88) قال يسوع: الملائكة والأنبياء سيأتون ويعطونكم ما يخصكم، أنتم بدوركم أعطوهم ما ~~لديكم، وقولوا في أنفسكم: متى يأتون ويأخذون ما يخصهم؟ ~~(89) قال يسوع: لم تغسلون ظاهر الكأس؟ ألا تفهمون أن الذي صنع الباطن هو الذي صنع الظاهر ~~أيضا؟ (قارن مع متى 23: 25-26، ولوقا 11: 39-40). ~~(90) قال يسوع: تعالوا إلي فإن نيري هين وسلطاني خفيف، ولسوف تجدون الراحة لنفوسكم (قارن ~~مع متى 11: 28-30). ~~(91) قالوا له: قل لنا من أنت فنؤمن بك، قال لهم: تفحصون وجه السماء والأرض، لكنكم لا ~~تعرفون الذي أمامكم ولا تستبصرون وقتكم هذا (قارن مع يوحنا 14: 5-10). ~~(92) قال يسوع: اطلبوا تجدوا، الأشياء التي سألتم عنها سابقا ولم تلقوا مني جوابا، أريد ~~الآن قولها لكم، ولكنكم لا تسألون (قارن الجملة الأولى مع متى 7: 7-8). ~~(93) قال يسوع: لا تعطوا ما هو مقدس للكلاب لئلا ترميه على كوم الزبل، لا تلقوا بدرركم إلى ~~الخنازير (قارن مع متى 7: 6). ~~(94) قال يسوع: من يطلب يجد ومن يقرع يفتح له (قارن مع متى 7: 7، ولوقا 11: 9-10). ~~(95) قال يسوع: إذا كان لديكم مال فلا تقرضوه بالربا، بل أعطوه لمن لن يرده لكم. ~~(96) قال يسوع: يشبه ملكوت الآب امرأة وضعت قليلا من الخميرة في العجين وصنعت منه أرغفة ~~كبيرة، من له أذنان للسمع فليسمع (متى 13: 33، ولوقا 13: 18-19). ~~(97) قال يسوع: يشبه ملكوت الآب امرأة تحمل جرة مملوءة طحينا، وتغذ السير على طريق ~~طويلة، انكسر مقبض الجرة وأخذ الطحين يتسرب من خلفها على الطريق دون أن تدري به، عندما بلغت ~~دارها وضعت الجرة على الأرض فاكتشفت أنها فارغة. ~~(98) قال يسوع يشبه ملكوت الآب رجلا يخطط لقتل صاحب سلطان، ولكي يتأكد من قوة ساعده، ~~امتشق في البيت حسامه وطعن الجدار وبعد ذلك مضى لمهمته. ~~(99) قال له التلاميذ: إخوتك وأمك يقفون خارجا (يطلبونك)، قال لهم: الذين يعملون منكم ~~إرادة أبي هم إخوتي وأمي، وهم الذين ms187 يدخلون ملكوت أبي (قارن مع لوقا 8: 20-21). ~~(100) عرضت على يسوع عملة ذهبية وقيل له: رجال قيصر يطلبون منا جزية، قال لهم: أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر، وما لله لله، وأعطوني الذي لي (قارن مع مرقس 12: 14-17، ومتى 22: 17-22، ~~ولوقا 20: 21-25). ~~(101) قال يسوع: من لم يبغض أما وأبا مثلي، لا يستطيع أن يكون تلميذي، ومن لم يحب ~~أما وأبا مثلي، لا يستطيع أن يكون تلميذي، فإن أمي ... لكن أمي الحقة قد وهبتني ~~الحياة. ~~(102) قال يسوع: الويل للفريسيين، فإنهم أشبه بكلب رابض فوق معلف للثيران، فلا هو يأكل ~~ولا يدع الثيران تأكل. ~~(103) طوبى للمرء الذي يعرف من أين سيدخل اللصوص، فإذا صحا استجمع قواه وتسلح قبل أن ~~يدخلوا. ~~(104) قالوا ليسوع: هيا نصلي اليوم ونصوم، قال يسوع: أي خطيئة اقترفت؟ وكيف أخفقت؟ بالحري ~~عندما يترك العريس مخدع العرس، دعوا القوم يصومون ويصلون (قارن مع مرقس 220: 8). ~~(105) قال يسوع: من عرف أبا وأما، ابن عاهرة يدعى. ~~(106) قال يسوع: عندما تجعلون الاثنين واحدا تصيرون أبناء بشر، عندها تقولون أيها الجبل ~~انتقل من هنا فينتقل. ~~(107) قال يسوع: يشبه الملكوت راعيا عنده مائة خروف، ضل منه أكبرها، فترك التسعة ~~والتسعين، وبحث عن الضال حتى وجده، وبعد أن تجشم كل هذا العناء، قال للخروف: أحبك أكثر من ~~التسعة والتسعين (قارن متى 18: 12-14، ولوقا 15: 3-7). ~~(108) قال يسوع: من يشرب من فمي يصبح مثلي، وأنا أصير ذلك المرء، والأشياء المستورة تنكشف ~~له. ~~(109) قال يسوع: يشبه الملكوت رجلا لديه حقل فيه كنز مخبوء لم يكن يعلم به، وعندما مات ~~ورث ابنه الحقل ولم يعرف أيضا بوجود الكنز فباعه، وعندما شرع الشاري بحراثة الحقل اكتشف ~~الكنز، وبدأ يقرض المال بالربا لمن يريد (قارن مع متى 13: 44). ~~(110) قال يسوع: من وجد العالم واغتنى، فليزهد في العالم. ~~(111) قال يسوع: السموات والأرض سوف تدرج أمام أنظاركم، ولكن من يحيا في الواحد الحي لن ~~يرى الموت، ألم يقل يسوع إن من وجد نفسه فالعالم ليس أهلا له؟ ~~(112) قال يسوع: الويل للجسد العالة على النفس، والويل للنفس العالة على الجسد. ms188 ~~(113) قال له تلاميذه: متى يأتي الملكوت؟ قال: لن يأتي بترقبه، لا يقال لكم انظروا هنا، ~~أو انظروا هناك، بل إنه بالحري مبسوط على الأرض ولكن الناس لا يرونه. ~~(114) قال لهم سمعان بطرس: على مريم (المجدلية) أن تنفصل عنا؛ لأن النساء لسن أهلا للحياة ~~(الروحية)، فقال يسوع: انظروا فإني سوف أرشدها لأجعل منها ذكرا، فتصير هي الأخرى روحا حية ~~تشبهكم أنتم الذكور، فإن كل امرأة تجعل نفسها ذكرا تدخل ملكوت السموات. # شروح وتعليقات على إنجيل توما # الاستهلال ~~: يدعى مدون هذا الإنجيل، في المقطع الاستهلالي، بيهوذا توما التوأم، وقد وردت ~~كلمة التوأم في النص اليوناني الأصلي «ديديم» # Didymus # لتفسر الكلمة الأرامية «توما» والتي ~~تعني التوأم، فاسم صاحب هذا الإنجيل هو «يهوذا» ولقبه هو «توما» أي التوأم، وتوما هذا هو ~~أحد التلاميذ الاثني عشر، والذي تعزو إليه التقاليد التبشيرية في مناطق فارس والهند، ~~والاتجاه السائد الآن لدى الباحثين بخصوص التلميذ توما، أو يهوذا توما، هو أنه واحد من ~~إخوة يسوع المذكورين في إنجيل متى 13: 54-56، حيث نقرأ: «أليست أمه مريم، وإخوته يعقوب ~~ويوسي وسمعان ويهوذا؟» (قارن أيضا مع إنجيل مرقس 6: 3)، وقد تعززت هذه الفرضية بعد اكتشاف ~~نص «كتاب توما المناضل» بين مخطوطات نجع حمادي، حيث ينادي يسوع توما ب «يا أخي»، ويقول له ~~أيضا: «بما أنك تدعى أخي». ~~(1) المقصود بالخفاء هنا هو عمق المعنى، لا سرية النص؛ ولهذا قال: إن من يعرف تأويل هذه ~~الأقوال لن يذوق الموت. ~~(2) إن عملية المعرفة هي جوهر وجود الغنوصي، وعليه متابعتها على الدوام دون كلل أو يأس؛ ~~لأنها ستقود في النهاية إلى الاستنارة التي يصاحبها في البداية الدهشة والاضطراب، يليها ~~الغبطة والسكون الداخلي، الذي يجعل صاحبه في سيطرة تامة على نفسه وعلى المؤثرات ~~الخارجية. ~~(3-أ) ليس ملكوت السماء واقعة تاريخية سوف تحل في أجل قريب أو بعيد، بل هو حاضر هنا ~~والآن، وأقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فمن عرفه في داخله رآه مبسوطا في خارجه، ولكن غير ~~العارفين لا يرونه، وقد استخدم يسوع هنا أسلوبا تهكميا ms189 في حديثه عن أسماك البحر وطيور ~~السماء، ساخرا من مفهوم الملكوت التوراتي، وقد ورد في إنجيل لوقا 17: 20-21 قول مشابه: ~~«إن ملكوت الله لا يستدل عليه بشيء، ولا يقال لكم هو ذا هنا أو هو ذا هناك، فإن ملكوت ~~الله هو فيكم.» ~~(3-ب) في إنجيل توما، كما في بقية الأدبيات الغنوصية، تقترن الروح بالثروة، والجسد بالفقر، ~~فمن عرف نفسه عرفه ربه ومد له يد الخلاص، ومن لم يعرف نفسه بقي مقيما في الجسد المادي ~~أسيرا لدورة التناسخ. ~~(4) الشيخ الطاعن في السن، هنا، يمثل الإيمان اليهودي القديم، بينما يمثل الطفل الإيمان ~~المسيحي الجديد الذي يهب الحياة. # لقد اعتقد اليهود أنهم أهل الملكوت والسباقون إليه، ولكن يسوع يقول لهم إنهم قد غدوا ~~آخرين، أما المسيحيون الذين جاءوا في الزمن متأخرين فسيغدون الأولين والسباقين إلى ~~الملكوت. # وإني أرجح أن جملة من النص الأصلي قد سقطت من الترجمة القبطية التي أعيد بناؤها على الشكل ~~التالي: «ذلك أن كثيرا من الأولين سيغدون آخرين، ومن الآخرين يغدون أولين ويصيرون واحدا.» ~~وإعادة البناء هذه تستند إلى ما ورد في إنجيل متى: «كثير من الأولين يصيرون آخرين ومن ~~الآخرين يصيرون أولين» (19: 30)، وهؤلاء الآخرون يصيرون واحدا، أي يكتملون بالمصطلح ~~الغنوصي. ~~(5) المعرفة الحقة للعالم تكشف لك أصله المتجذر في الشر والظلام. ~~(6) يعلن يسوع هنا سدى الطقوس التي أسست لها شريعة موسى، وينتقد الأخلاقية البراغماتية ~~اليهودية، وقوله هنا شبيه من حيث المضمون بقول له في إنجيل متى: 22، فقد سأله أحد ~~الفريسيين: يا معلم، ما هي أكبر وصية في الشريعة؟ فقال له: أحبب الله ربك ... أحبب قريبك حبك ~~لنفسك، بهاتين الوصيتين يرتبط كلام الشريعة كلها والأنبياء. # ويمكن مقارنة الشطر الثاني من هذا القول بما ورد في إنجيل متى: «فما من مستور إلا ~~سيكشف، وما من مكتوم إلا سيعلم» (متى 10: 26)، وبما ورد في إنجيل لوقا: «فما من خفي إلا ~~سيظهر، وما من مكتوم إلا سيعلم» (لوقا 8: 17). ~~(7) ربما كان المراد هنا التعبير عن صراع النوازع البهيمية مع النوازع الروحانية عند ~~الإنسان، فالإنسان الذي يأكل ms190 الأسد هو الذي يطهر نوازعه البهيمية ويؤنسنها، والأسد الذي ~~يأكل الإنسان هو النوازع البهيمية التي تسيطر على كيان الإنسان وتملؤه؛ لهذا أرجح وجود خطأ ~~ارتكبه الناسخ القبطي، وأن الشطر الأخير يجب أن يقرأ على الوجه التالي: وملعون الإنسان ~~الذي يأكله الأسد فيصير الإنسان أسدا. ~~(8) أمام الإنسان في هذه الحياة خيارات كثيرة في الطريقة التي ينفق بها أيامه المعدودة، ~~المفلحون فقط هم الذين يدركون أن هناك طريقا واحدا لتحقيق الغاية من وجودهم فيتبعونه، وفي ~~قول يسوع هذا شبه بقول له ورد في إنجيل متى: «مثل ملكوت السموات كمثل تاجر كان يطلب ~~اللؤلؤ الكريم، فوجد لؤلؤة ثمينة فمضى وباع جميع ما يمتلك واشتراها» (متى 13: 45). ~~(9) البذار هنا هو تعاليم يسوع، وكيفية تلقيها وفهمها والعمل بها من قبل شرائح مختلفة من ~~الناس، وهذا القول له ما يوازيه في إنجيل متى 13: 3-9، وإنجيل مرقس 4: 3-9، وإنجيل لوقا ~~8: 7-8، كما ورد في إنجيل يوحنا ما يؤدي المعنى نفسه، ولكن بشكل أكثر اختصارا: «أثبتوا ~~في وأنا فيكم، لم تختاروني أنتم بل أنا الذي اخترتكم، وأقمتكم لتنطلقوا وتثمروا ويبقى ~~ثمركم» (يوحنا 15: 16). ~~(10) أي إن يسوع قد جاء ليقضي على كل ما هو قديم، ويستبدله بكل ما هو جديد، وفي قوله: ~~«ألقيت على العالم نارا»، صورة بلاغية للتعبير عن هذا التغيير الجذري، وقد ورد في إنجيل ~~لوقا: «جئت لألقي على الأرض نارا، وكم أرجو أن تكون قد احترقت» (لوقا 12: 29). ~~(11-أ) الموتى الذين لن يحيوا هم غير العارفين، أما الأحياء الذين لن يموتوا فهم ~~العارفون، لا قيامة عامة للأموات في اليوم الأخير؛ لأن القيامة هي واقعة فردية تحصل ~~للإنسان في لحظة الاستنارة، ومن حقق العرفان قد بعث من الموت قبل أن يموت، وما عليه سوى ~~انتظار واقعة الموت التي ستنزع عنه رداءه المادي وتحوله إلى روح منعتقة. ~~(11-ب) الحياة في هذا العالم تتغذى على الموت، ولكنها في عالم النور تتغذى على النور، وفي ~~قوله: «يوم كنتم واحدا صرتم اثنين» إشارة إلى المفهوم الغنوصي عن الكمال البدئي السابق ~~لانقسام الإنسان إلى ذكر ms191 وأنثى، وإني أرجح وجود خطأ في النص القبطي ارتكبه الناسخ، وأن ~~الشطر الأخير من الفقرة (ب) يجب أن يقرأ: «عندما تصيرون واحدا ماذا ستفعلون؟» أي عندما تعود ~~الوحدة الأصلية إلى سابق عهدها، ولعل ما ورد في الفقرة 22 من هذا الإنجيل يؤيد اقتراحي هذا، ~~حيث قال يسوع: «عندما تجعلون الذكر والأنثى واحدا، حتى لا يبقى الذكر ذكرا، ولا الأنثى ~~أنثى». ~~(12) يعقوب البار هو أخو يسوع (راجع متى 13: 55 ومرقس 6: 3)، وكان رأس كنيسة أورشليم في ~~العصر الرسولي (راجع أعمال الرسل 12: 17 و15: 13 و21: 18، وكذلك رسالة بولس إلى أهالي ~~غلاطية 2: 9 و12). ~~(13) يمثل يسوع في اللاهوت المسيحي التقليدي حالة فريدة في تاريخ البشرية وعلاقتها بعالم ~~الألوهة، أما في الفكر الغنوصي فإن غاية الرحلة العرفانية أن تجعل العارف في تماه كامل مع ~~يسوع، بحيث يغدو هو نفسه مسيحا لا مسيحيا، وفي الفقرة 108 من هذا الإنجيل قال يسوع: «من ~~يشرب من فمي يصبح مثلي، وأنا أصير ذلك المرء.» ~~(14-أ) إن الغنوصي الذي يصوم عن العالم ليس بحاجة إلى الصيام التعبدي اليهودي، والذي ~~يكون في حالة تواصل دائم مع الإله ليس بحاجة إلى طقس الصلاة الشكلي، والذي تنبع أخلاقه عن ~~التزام حر وأصيل ليس بحاجة إلى أخلاق الشريعة المفروضة من الخارج. ~~(14-ب) الشطر الثاني من هذه الفقرة يشبه ما ورد في إنجيل لوقا 10: 8: «وأية مدينة دخلتم ~~وقبلوكم، فكلوا مما يقرب إليكم.» وورد في إنجيل متى قوله: «ليس ما يدخل الفم ينجس ~~الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان ... فمن القلب تنبعث مقاصد القتل والزنى ~~والفحش والسرقة ...» (15: 10-20). لقد ألغى يسوع شريعة الطعام التوراتية، وحلل للمسيحيين كل ~~الأطعمة دون تمييز بين ما هو طاهر للأكل وما هو نجس، وفي هذا يقول مؤلف إنجيل مرقس بأن ~~يسوع قد جعل كل الأطعمة طاهرة (مرقس 7: 19). ~~(15) ربما كانت الإشارة هنا إلى المسيح الغنوصي الذي لم يولد من امرأة بشرية. ~~(16) ليس يسوع مصلحا اجتماعيا جاء ليرمم ما هو قديم، وإنما هو ثوري راديكالي جاء ليحدث ~~قطيعة ms192 تامة مع الماضي، ومثل هذه الرسالة لن تحقق أهدافها إلا بإحداث صدع في البنى ~~الاجتماعية والسياسية والدينية السائدة (قارن مع متى 10: 34، ولوقا 12: 49-51). ~~(17) ملكوت السموات ليس نسخة محسنة عن العالم المادي، بل هو عالم روحاني بحت لا يستطيع ~~أهل هذا العالم تصوره. ~~(18) عندما تجلى المسيح ليوحنا، في كتاب يوحنا السري، قال له: «جئت لأكشف عن حقيقة ما هو ~~كائن ، والذي كان، والذي سيكون.» وفي كتاب توما المناضل قال يسوع لتوما: «تفحص نفسك لكي تعرف ~~من أنت، وكيف جئت، وما الذي ستئول إليه.» أي إن توق الإنسان لمعرفة حال نهايته لن يتيسر قبل ~~معرفة أصله القديم في عالم النور، وشرطه الحالي كأسير في العالم المادي، عند ذلك تنكشف له ~~أحوال النهاية التي تتطابق مع أحوال البداية. ~~(19) يعطف قول يسوع هنا على قوله السابق ويتممه، ذلك أن العارف هو الذي يتوصل إلى إدراك ~~وجوده الروحاني القديم السابق على وجوده الأرضي، وعلى حد قول الشيخ الأكبر محيي الدين ابن ~~عربي: «من كان أصله العدم في القدم، كانت غربته الوجود.» ~~(20) ورد في إنجيل متى قوله: «مثل ملكوت السموات كمثل حبة من خردل أخذها رجل فزرعها في ~~حقله. هي أصغر الحبوب كلها، فإذا نمت كانت أكبر البقول، بل صارت شجرة حتى تأتي طير السماء ~~فتستظل في أغصانها» (13: 31-32)، (قارن أيضا مع مرقس 4: 30-32، ولوقا 13: 18-19)، أي إن ~~لملكوت الله قوة خفية تنميه حتى يدرك غايته. ~~(21-أ) الأطفال الصغار هم العارفون الذين حققوا التمام والوحدة الأصلية، والحقل هو العالم ~~الذي يعيش فيه العارفون عيشة الغرباء، أما خلع الثياب هنا فيتضمن معنيين: المعنى الأول أن ~~العارفين قد حققوا التمام والوحدة الأصلية، فصار خارجهم مثل داخلهم، والمعنى الثاني يشير ~~إلى ما حصل في اللحظة الأولى من التاريخ البشري عندما راح آدم وحواء يستران عورتيهما بعد ~~الخطيئة الأصلية، وإلى ما سيحصل في النهاية عندما يخلع العارفون هذه الثياب نفسها كعلامة ~~على النقاء والطهارة، والتخلص من الخطيئة الأصلية التي هي الجهل، ويمكن مقارنة غربة ~~العارفين في هذا العالم بما ورد ms193 في إنجيل يوحنا: «إن أبغضكم العالم فاعلموا أنه أبغضني قبل ~~أن يبغضكم، لو كنتم من العالم لأحب العالم من كان منه، ولكن أبغضكم العالم لأنكم لستم منه» ~~(15: 18-19). ~~(21-ب) قال يسوع في إنجيل متى: «فاسهروا إذا؛ لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي سيدكم، واعلموا ~~أنه لو عرف رب البيت أي ساعة من الليل يأتي اللص لسهر ولم يدعه ينقب بيته. فكونوا على ~~أهبة ؛ لأن ابن الإنسان يأتي في ساعة لا تتوقعونها» (24: 42-43)، (قارن أيضا مع لوقا 12: ~~39-40)، ولكن السهر في إنجيل توما ليس ترقبا لنهاية العالم التي تمهد لها عودة المسيح، ~~كما هو الحال في الأناجيل الإزائية، بل هو سهر ضد العالم ومغرياته. ~~(21-ج) قال يسوع في إنجيل مرقس: «مثل ملكوت الله كمثل رجل يبذر الزرع في الأرض، ثم ينام ~~ويقوم ليل نهار، والزرع ينبت وينمى، وهو لا يدري كيف كان ذلك، فالأرض من نفسها تنبت العشب ~~أولا، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل، فإذا أدرك الثمر، أعمل فيه المنجل من ساعته ~~لأن الحصاد قد حان» (4: 26-29)، والمعنى هنا شبيه بمعنى الفقرة 20 سابقا، والتي تتحدث عن ~~حبة الخردل. ~~(22) مرة أخرى يشبه يسوع هنا العارفين الذين حققوا الوحدة الأصلية بالأطفال ~~الصغار. ~~(24) يسوع باعتباره ممثلا لمبدأ العرفان هو في قلب العارف، وطلب المعرفة هو انكفاء على ~~الذات لتتلمس النور الداخلي فيها. ~~(25) راجع التعليق على الفقرة 6، وقارن مع يوحنا 13: 34-35. ~~(26) قارن مع متى 7: 3-4، ولوقا 6: 41-42، والمعنى هنا يدور حول جلي البصيرة الداخلية، ~~حتى تتمكن عين الرأس من الرؤية بوضوح. ~~(27) انظر التعليق على الفقرة 14. ~~(28) البشر في هذا العالم غافلون عن حقيقتهم وشرط وجودهم، وهم أشبه بالنائمين أو السكارى، ~~وفي هذا الموضوع يقول النص الغنوصي المعروف بعنوان «تعاليم سيلفانوس»: قم من هذا النوم الذي ~~يثقل عليك، اصح من الغفلة التي تملؤك بالظلام، لماذا تطلب الظلام مع أن النور متاح لك، ~~الحكمة تناديك، فلماذا تطلب الحماقة. ~~(29) يؤكد يسوع هنا على ثنائية الروح والجسد، وهو يشبه الروح بالثروة والجسد ~~بالفقر. ~~(30) يمكن تفسير هذه الفقرة ms194 مقارنة بما ورد في إنجيل يوحنا: «من رآني رأى الآب.» وأيضا: ~~«إني في الآب وإن الآب في» (يوحنا 14: 6-11). ~~(34) الأعمى الذي يقود أعمى آخر، هم الفريسيون الذين يقودون اليهود، قال يسوع في إنجيل ~~يوحنا 9: 38-40: «جئت إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون. فسمعه ~~بعض الفريسيين الذين كانوا معه فقالوا: أفنحن أيضا عميان؟ قال لهم يسوع: لو كنتم عميانا ~~لما كان عليكم خطيئة، ولكنكم تقولون إننا نبصر، فخطيئتكم ثابتة.» ~~(37) راجع التعليق على الفقرة 21(أ) ~~(39-أ) ورد هذا القول بحرفيته تقريبا عند لوقا: «الويل لكم يا علماء الشريعة، قد ~~استوليتم على مفاتيح المعرفة فلا أنتم دخلتم ولا الذين أرادوا الدخول تركتموهم يدخلون» (11: ~~52). ~~(39-ب) وورد في إنجيل متى: «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء ~~كالحمام» (10: 16). ~~(40) ورد ما يشبه هذا القول عند لوقا (8: 18) وعند مرقس (4: 24) وعند متى (13: 12)، ~~والمعنى هنا قريب من مؤدى قول لكونفوشيوس: «الحكيم يتطور باتجاه الأعلى، أما الجاهل فيتطور ~~باتجاه الأسفل.» # 4 # فمن ابتدأ طريق المعرفة يزاد له في المعرفة، ومن رضي بجهله ازداد جهلا وحرم ~~حتى من قليل المعرفة الذي يملك. ~~(42) يحيلنا هذا القول مرة أخرى إلى قوله في الفقرة 21، حيث شبه العارفين بأطفال يعيشون ~~في حقل لا يخصهم، فالغنوصي يعيش في هذا العالم لا كمقيم، وإنما كعابر سبيل. ~~(43) يمكن تفسير هذه الفقرة بما ورد في إنجيل يوحنا 14: «لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي ~~أيضا، ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه، قال له فيليبس: يا سيد أرنا الأب وكفانا، قال له ~~يسوع: أنا معكم زمانا هذه مدته، ولم تعرفني يا فيليبس؟ الذي رآني رأى الآب، فكيف تقول أرنا ~~الآب، ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في» (14: 7-10). ~~(45) ورد في إنجيل لوقا 64: 3-45 قول يتطابق إلى حد كبير مع هذا القول، وفي إنجيل ~~متى 7: 16-17 ما يشبهه. ~~(47) الحصانان، أو القوسان، هنا، هما الجسد والروح، وفيما يتعلق بالخمر القديمة والجديدة، ~~والرقعة التي تخاط على الثوب، قارن مع متى 9: 16-17، ومرقس 2: 21-22، ولوقا 5: 36-39، ms195 ~~ويسوع هنا ينفي إمكانية التوفيق بين العقيدة اليهودية القديمة والعقيدة المسيحية ~~الجديدة. ~~(48) يظهر في هذا القول المعنى الإيجابي لقوله في الفقرة 16 بأنه قد جاء ليلقي على الأرض ~~شقاقا. ~~(49) راجع شرح الفقرتين 18 و19. ~~(50) الصور النورانية التي تجلى فيها النور الأصلي هي أفلاك القوى الروحانية التي تحيط ~~بالأب الأعلى وتعكس مجده، الروح والراحة، هي الحركة في هذا العالم، والراحة والثبات في ~~الملأ الأعلى. ~~(51) انظر شرح الفقرة 3. ~~(52) يؤكد يسوع هنا على القطيعة مع التاريخ الديني اليهودي. فالشريعة والأنبياء أمر ينتهي ~~مع يوحنا المعمدان ، كما أوضح يسوع في إنجيل لوقا 16: 16، وخمر الإنجيل لا يمكن صبها في ~~آنية عتيقة، كما قال في إنجيل مرقس 2: 21-22، وبعد البشارة هناك أب واحد فقط، وهناك ~~مرشد واحد فقط هو يسوع المسيح، كما قال في إنجيل متى 23: 9-10، وكلمات هذا المرشد لا ~~تزول حتى بعد زوال السماء والأرض: «السماء والأرض تزولان وكلامي لن يزول» (لوقا 33: ~~34). ~~(53) كما في أقوال سابقة فإن يسوع هنا ينقض شريعة الحرف التوراتية، ويستبدلها بشريعة ~~القلب والروح. وكما كان الصيام الحقيقي هو صيام عن العالم (الفقرة 27)، كذلك هو الختان ~~الحقيقي الذي هو ختان الروح (راجع أيضا شرح الفقرتين 6 و14). ~~(55) يتفق هذا القول مع ما ورد في إنجيل لوقا: «إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه ~~وامرأته وأولاده وإخوته حتى نفسه أيضا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذا، ومن لا يحمل صليبه ~~ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذا» (14: 26-27)، والمقصود هنا قطع كل الروابط الأرضية ~~بما في ذلك قطع رابطة العارف مع ذاته القديمة. ~~(56) عندما يتوصل الغنوصي إلى معرفة العالم حق معرفته لا يرى فيه سوى جيفة، فيشيح بوجهه ~~عنها ويغدو فوق العالم. ~~(57) الشر في هذا العالم (= الزؤان) مختلط بالخير (البذار الطيب)، ولا يمكن استئصال هذا ~~الشر إلا عندما تعم معرفة الله على أوسع نطاق بين البشر. ~~(58) راجع شرح الفقرة 2. ~~(59) لن يرى الله بعد الموت إلا من رآه رؤية القلب الحقة في الحياة. ~~(61-أ) إشارة إلى العارفين الناجين، وغير العارفين ms196 الهالكين. ~~(61-ب) يتحقق التمام بالقدر الذي يستطيع فيه الإنسان توسيع مساحة النور في داخله لتطغى على ~~مساحة الظلام، ويبقى المرء منقسما طالما كان في داخله نور خاب هو نور الروح الأصلي، ~~وظلام طاغ هو ظلام النفس الدنيوية. ~~(62-أ) يعطف قول يسوع هنا على قوله في الفقرة 93: «لا تعطوا ما هو مقدس للكلاب، ولا ~~تلقوا بدرركم إلى الخنازير.» ~~(62-ب) لم أجد علاقة لهذا الشطر بما سبقه، ويمكن تفسيره بما ورد في إنجيل متى: «فإذا تصدقت ~~فلا تدع شمالك تعلم ما تفعل يمينك» (6: 3). ~~(63) على المرء أن يبحث عن الكنز الحقيقي الباقي الذي لا ينضب، حيث لا سوس ينخر ولا ديدان ~~تتلف، على حد قول يسوع في الفقرة 76 لاحقا. ~~(64) ورد هذا المثل عند لوقا 14: 16-24، ويمكن تفسيره بما ورد قبله في الآيات 12: 14، حيث ~~قال يسوع: «إذا صنعت غداء أو عشاء، فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران ~~الأغنياء؛ لئلا يدعونك هم أيضا فتنال المكافأة على صنيعك، ولكن إذا أقمت مأدبة فادع ~~الفقراء والكسحان والعميان، فطوبى لك إذ ذاك لأنهم ليس بوسعهم أن يكافئوك.» # ويمكن تفسير هذا المثل في إحجام اليهودي عن رسالة يسوع، بعد أن كانوا أول من دعي، ~~والتفات يسوع إلى الأمم من غير اليهود. ~~(65) الكرامون هم اليهود قتلة الأنبياء، والابن هو يسوع، وفي إنجيل متى وصف يسوع اليهود ~~بأنهم قتلة الأنبياء: «أيها الحيات أولاد الأفاعي، أنى لكم أن تهربوا من عقاب جهنم؟ ها أنا ذا ~~أرسل لكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة، ففريقا تقتلون وتصلبون، وفريقا في مجامعكم ~~تجلدون ومن مدينة إلى مدينة تطاردون، حتى يقع عليكم كل دم زكي سفك على الأرض» (23: 33-35). # وقد ورد مثل صاحب الكرم في إنجيل لوقا 20: 9-16، بحذافيره تقريبا. ~~(66) الحجر الذي رذله البناءون هو يسوع (قارن مع لوقا 20: 17). ~~(67) ورد في النص الغنوصي المعروف بعنوان كتاب توما المناضل: «إن من لم يعرف نفسه لم يعرف ~~شيئا، ولكن من عرف نفسه حقق معرفة بأعمال الكل.» ~~(70) إشارة إلى النور في داخل الإنسان. ~~(71) المقصود بالبيت ms197 هنا هو هيكل أورشليم الذي يرمز إلى الإيمان القديم الذي قوضه ~~يسوع. ~~(72) أي إن يسوع هو صاحب رسالة روحية لا صاحب شريعة. ~~(73) لعل في كيفية استخدام كل متى ولوقا لهذا القول توكيد على ما ذهبنا إليه في ~~استهلالنا لإنجيل توما، من أن معظم المادة الإنجيلية قد بنيت انطلاقا من أقوال يسوع التي ~~كانت متداولة قبل وضع سيرته، فلقد فهم متى هذا القول بطريقة مختلفة عن لوقا، وقدم له ~~بمناسبة مختلفة عندما قال: «وكان يسوع يسير في جميع المدن والقرى، ويعلم في مجامعهم ويعلن ~~بشارة الملكوت، ويشفي الناس من كل مرض وعلة ، ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم؛ لأنهم كانوا ~~تعبين رازحين كغنم لا راعي لها، فقال لتلاميذه: الحصاد كثير ولكن العملة قليل، فاسألوا رب ~~الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده» (9: 35-38). # أما لوقا فقد عبر عن فهم مغاير لهذا القول عندما ربطه بنشر رسالة يسوع: «وبعد ذلك، ~~أقام الرب اثنين وسبعين آخرين، ثم أرسلهم اثنين اثنين يتقدمونه إلى كل مدينة أو موضع كان ~~مزمعا أن يذهب إليه، وقال لهم: الحصاد كثير ولكن العملة قليل، فاسألوا رب الحصاد أن يرسل ~~عملة إلى حصاده، اذهبوا فها أنا ذا أرسلكم كالحملان بين الذئاب ... إلخ» (10: 1-3). # وفي الحقيقة فلقد أصاب لوقا المعنى أكثر من متى، فالعملة أو الأجراء، هم الرسل، والحصاد ~~الكثير هو العمل الشاق الذي ينتظرهم، ويسوع هنا يأمل أن يزداد عدد المبشرين برسالته. ~~(74) المقصود هنا أن البئر فارغ على الرغم من امتلائه بالماء؛ لأن ماء الطبيعة يروي ~~العطش ولكنه لا يهب الحياة الأبدية، على عكس الماء الذي يقدمه يسوع، قال يسوع في إنجيل ~~يوحنا: «من يشرب من هذا الماء فلا بد له أن يظمأ، أما الذي يشرب من الماء الذي أعطيه إياه ~~فلن يظمأ أبدا، فالماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية» (4: 13-14)، ~~وقال أيضا: «من كان عطشان فليأتني، ومن آمن بي فليشرب» (7: 37)، كما استخدم يسوع أيضا مجاز ~~الخبز عندما قال في إنجيل يوحنا أيضا: «أنا خبز الحياة، من ms198 يأتني لا يجع أبدا، ومن يؤمن ~~بي لا يعطش أبدا» (6: 35). ~~(75) الدخول إلى حلقة العارفين لا يتحقق بالتمني بل بالكدح. ~~(76) في الشطر الأول من هذه الفقرة تكرار للمعنى الوارد في الفقرة 8 سابقا، وللشطر الثاني ~~ما يوازيه عند متى ولوقا، نقرأ في إنجيل متى: «لا تكنزوا لأنفسكم كنوزا في الأرض، حيث ~~يرعى السوس والعث، وينقب اللصوص فيسرقون، بل اكنزوا لأنفسكم كنوزا في السماء، حيث لا يرعى ~~السوس والعث، ولا ينقب اللصوص فيسرقوا، فحيث يكون كنزك يكون قلبك» (6: 19-21) (قارن مع لوقا ~~12: 32-34). ~~(77) يقترب يسوع هنا من أفكار الحكمة الشرق أقصوية، ولا سيما اللاثنائية الهندوسية ~~(الأدفاييتا)، التي تقول بوحدة الوجود. ~~(78) الحديث هنا عن يوحنا المعمدان، وقد ورد هذا القول في إنجيل متى على الشكل التالي: ~~«فلما انصرفوا أخذ يسوع يقول للجموع في شأن يوحنا: ماذا خرجتم إلى البرية تنظرون؟ أقصبة ~~تهزها الريح؟ بل ماذا خرجتم ترون؟ أرجلا يلبس الثياب الناعمة؟ ولكن الذين يلبسون الثياب ~~الناعمة هم في قصور الملوك، بل لماذا خرجتم؟ ألكي تروا نبيا؟ أقول لكم أجل، بل أكرم من ~~نبي فهذا الذي كتب في خبره: ها أنا ذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك» (11: 6-10)، وقد ~~وردت عند لوقا رواية مشابهة، ولكننا نلاحظ أن المعنى الغنوصي الذي أراده يسوع في إنجيل توما ~~مفقود في الإنجيلين الآخرين. ~~(79) يحول يسوع هنا انتباه سامعيه من شخصه إلى رسالته، كما أنه يعلي من شأن العائلة ~~الروحية في مقابل العائلة البيولوجية الاجتماعية. ~~(80) من عرف حقيقة العالم، عرف جسده فزهد فيه وتعالى عنه. ~~(81) المعنى غامض، والشطر الأول من هذا القول لا يتفق وشطره الثاني. ~~(82) كناية عن قوة رسالة يسوع وصعوبة الطريق. ~~(83) يمكن رؤية الجسد المادي لأنه ينتمي إلى العالم المادي، ولكن الروح التي تنتمي إلى ~~الله لا يمكن رؤيتها لأنها قبس من النور الأعلى. ~~(84) لا يدري المرء من وراء صورته التي يزهو بها في هذا العالم، صورة أخرى نورانية موجودة ~~منذ القدم، صورة لا تموت مثل الصورة المادية ولا تتمظهر على طريقتها. ~~(85) المقصود بآدم هنا هو ms199 الجسد المادي الفاني الذي ليس أهلا للروح الخالدة، وقد قال بولس ~~الرسول بهذا المعنى: «فقد خلعتم الإنسان القديم وخلعتم معه أعماله ولبستم الإنسان الجديد، ~~ذاك الذي يسير إلى المعرفة الحقيقية في تجدده على صورة خالقه» (كولوسي 3: 9-10). ~~(87) الجسم (= الإنسان) العالة على جسم (= العالم) ما أشقاه، والنفس العالة على الجسم ~~والعالم ما أشقاها. ~~(88) المعنى غامض. ~~(89) يسخر يسوع هنا من شريعة الطهارة اليهودية التي تركز على النظافة الخارجية وتتناسى ~~نظافة الباطن، وقد ورد في إنجيل لوقا: «ألا أيها الفريسيون، تطهرون ظاهر الكأس والصحفة ~~وباطنكم ممتلئ نهبا وفسقا، أيها الجهال، أليس الذي صنع الظاهر قد صنع الباطن أيضا؟» (11: ~~39-40) (قارن مع متى 23: 25-26). ~~(91) انظر شرح الفقرة 43. ~~(93) لا تتحدثوا بالحكمة أمام أهل الجهل. ~~(96) يشبه هذا المثل في مضمونه المثل الوارد في الفقرة 20. ~~(97) على المريد أن يفرغ نفسه من شئون هذا العالم تدريجيا ليدخل الملكوت. ~~(98) ربما كان المقصود هنا ما تتطلبه الرحلة الروحية للمريد من استعداد مسبق. ~~(99) يؤكد هنا مرة أخرى على أسبقية العائلة الروحية على العائلة البيولوجية ~~الاجتماعية. ~~(101) انظر التعليق على الفقرة 55، الأب والأم في الجملة الثانية هما الآب والروح القدس، ~~ونستطيع ملء الفراغ بعد كلمة أمي ... على الوجه التالي: فإن أمي (الأرضية قد وهبتني الموت) ~~لكن أمي الحقة قد وهبتني الحياة. ~~(102) يشبه هذا القول من حيث المضمون قوله في الفقرة 39: «أخذ الفريسيون والكتبة مفاتيح ~~المعرفة وأخفوها، فلا هم دخلوا ولا أجازوا الدخول لمن أراد» (قارن مع لوقا 11: 52). ~~(103) لو عرف المرء الطرق التي يزين له بواسطتها الشيطان إتيان الفواحش، لسد عليه الطريق ~~قبل أن يفلح في إغوائه. ~~(104) لهذا القول صلة بأقوال يسوع السابقة التي يعلن بها سدى الطقوس والعبادات الشكلانية ~~التي لا تصدر عن القلب، وإنما خضوع لشريعة مفروضة مؤيدة بالثواب والعقاب (الفقرة 14 و27 ~~و53)، والشطر الثاني من هذه الفقرة له متوازيات في الأناجيل الإزائية: «وكان تلاميذ يوحنا ~~والفريسيون صائمين، فجاء إليه بعض الناس وقالوا له: لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ ~~الفريسيين ولا يصوم تلاميذك؟ فقال لهم: أيستطيع أهل العرس أن يصوموا والعريس ms200 بينهم؟ فما دام ~~العريس بينهم لا يستطيعون أن يصوموا، ولكن سيأتي زمن فيه يرتفع العريس من بينهم، ففي ذلك ~~اليوم يصومون» (مرقس 2: 18-20)، (راجع أيضا متى 9: 14-17 ولوقا 5: 33-36). ~~(105) ابن العاهرة، بالمعنى المعتاد هو الذي لا يعرف أما ولا أبا، ولكن يسوع هنا يعكس ~~الآية، فابن العاهرة هو الذي يبقى مشدودا إلى روابطه الأرضية، التي يعبر عنها يسوع مجازا ~~بالأب والأم. ~~(106) يجري الحديث هنا مرة أخرى عن الاكتمال واستعادة الوحدة الأصلية، راجع التعليق على ~~الفقرة 22. ~~(107) ورد هذا المثل في إنجيل لوقا كما يلي: «وكان العشارون والخاطئون يدنون منه جميعا ~~ليسمعوه، فقال الفريسيون والكتبة متذمرين: هذا الرجل يستقبل الخاطئين ويؤاكلهم، فضرب لهم ~~هذا المثل: من منكم إذا كان له مائة خروف فأضاع واحدا منها، ألا يدع التسعة والتسعين في ~~البرية ويمضي ينشد الضال حتى يجده؟ فإذا وجده حمله على كتفيه فرحا، ورجع به إلى البيت ودعا ~~الأصدقاء والجيران، وقال لهم: افرحوا معي فقد وجدت خروفي الضال، أقول لكم، هكذا يكون الفرح ~~في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر منه بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة» (15: 1-7)، (قارن أيضا مع متى 18: 12-14). ~~(108) راجع التعليق على الفقرة 13. ~~(109) الكنز المخبوء هو النور الداخلي المحجوب تحت غلالات المادة، وقد ورد هذا المثل بشكل ~~مختصر في إنجيل متى، حيث نقرأ: «مثل ملكوت السموات كمثل كنز دفين في حقل، وجده رجل ~~فخبأه، ثم مضى فرحا فباع جميع ما يملك، ثم اشترى ذلك الحقل» (13: 44). ~~(111) راجع التعليق على الفقرة 11. ~~(112) لم أوفق في تفسير هذا القول. ~~(113) راجع التعليق على الفقرة 3. ~~(114) تمثل الأنوثة هنا شهوات الجسد ورغباته، بينما تمثل الذكورة نقاء الحياة الروحية ~~التنسكية، هذه الرمزية المعروفة في الحكمة القديمة شرقا وغربا، لا تعني بأي حال من ~~الأحوال أن الرجال وحدهم هم المؤهلون للحياة الزوجية، فكثير من الرجال يعيشون حياة ~~(أنثوية) وكثير من النساء يعشن حياة (ذكرية)، وفق هذا المفهوم الرمزي للأنوثة والذكورة؛ ~~لهذا قال يسوع بأنه سوف يرشد مريم إلى طريق الحياة الروحية لتغدو ذكرا. # | ملحق: الإنجيل بحسب مرقس ms201 # الإصحاح الأول ~~(1) بدء بشارة يسوع المسيح، (2) كتب في سفر النبي إشعيا: ~~«ها أنا ذا أرسل رسولي قدامك، # ليعد طريقك، ~~(3) صوت مناد في البرية: # أعدوا طريق الرب، # واجعلوا سبله قويمة.» ~~(4) فتم ذلك يوم خرج يوحنا المعمدان في البرية، يعظ بمعمودية التوبة لغفران الخطايا، (5) وكان ~~يخرج إليه أهل بلاد اليهودية كلها وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون على يده في نهر الأردن ~~معترفين بخطاياهم، (6) وكان يوحنا يلبس من وبر الإبل، ويقتات من الجراد والعسل البري، وكان ~~يعلن فيقول: (7) «يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأحل سير نعليه، (8) أنا ~~عمدتكم في الماء، وأما هو فيعمدكم في الروح القدس.» # اعتماد يسوع ~~(9) وفي ذلك الزمان جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد على يد يوحنا في الأردن (10) وبينما هو ~~خارج من الماء رأى السموات تنشق، والروح ينزل عليه كأنه حمامة (11) وإذا صوت من السماء يقول: ~~«أنت ابني الحبيب الذي عنه رضيت.» # يسوع في البرية ~~(12) ومضى به الروح عندئذ إلى البرية (13) فأقام في البرية أربعين يوما يجربه الشيطان وكان ~~يصحب الوحوش، وكانت تخدمه الملائكة. # 2 # رسالة يسوع في الجليل # رجوع يسوع إلى الجليل ~~(14) وبعدما سجن يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: (15) «حان الوقت واقترب ~~ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالبشارة.» # دعوة التلاميذ الأول ~~(16) وكان يسوع سائرا على شاطئ بحر الجليل، فرأى سمعان وأخاه أندراوس يلقيان الشبكة في ~~البحر؛ لأنهما كانا صيادين، (17) فقال لهما: «اتبعاني أجعلكما صيادي بشر» (18) فتركا الشباك من ~~ذلك الحين وتبعاه، (19) وتقدم قليلا فرأى يعقوب بن زبدي وأخاه يوحنا، وهما أيضا في السفينة ~~يصلحان الشباك (20) فدعاهما من ساعته فتركا أباهما زبدي في السفينة مع الأجراء ~~وتبعاه. # يسوع يعلم في كفر ناحوم ويقهر الشيطان # وجازوا إلى كفر ناحوم فلما أتى السبت دخل المجمع وأخذ يعلم (22) فدهشوا لتعليمه لأنه كان ~~يعلمهم مثل من له سلطان، لا مثل الكتبة (23) واتفق أنه كان في مجمعهم رجل فيه روح نجس، فأخذ ~~يصيح: (24) «ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت ms202 قدوس الله»، (25) ~~فانتهره يسوع قال: «اخرس واخرج منه!» (26) فخبطه الروح النجس، وصرخ صرخة شديدة، وخرج منه، (27) ~~فدهشوا جميعا وأخذوا يتساءلون: «ما هذا؟ إنه لتعليم جديد يلقى بسلطان! حتى الأرواح النجسة ~~يأمرها فتطيعه!» (28) وذاع ذكره بعد ذلك في كل مكان من الجليل. # شفاء حماة بطرس ~~(29) ولما خرجوا من المجمع جاء إلى دار سمعان وأندراوس يصحبه يعقوب ويوحنا، (30) وكانت حماة ~~سمعان ملقاة على الفراش محمومة، فأطلعوه على حالتها، (31) فدنا منها فأخذ بيدها وأقامها، ~~فأقلعت عنها الحمى وأخذت تقوم بضيافتهم. # شفاء من علل كثيرة ~~(32) وعند المساء بعد غروب الشمس حمل إليه جميع المرضى والممسوسين (33) واحتشدت المدينة ~~بأجمعها على الباب (34) فشفى مرضى كثيرين على اختلاف العلل، وطرد كثيرا من الشياطين ولم يدع ~~الشياطين تتكلم لأنها عرفته. # يسوع يخرج من كفر ناحوم ويسير في الجليل ~~(35) وقام في الصباح مبكرا، فخرج وذهب إلى مكان قفر، وأخذ يصلي هناك (36) فانطلق سمعان ~~وأصحابه يبحثون عنه (37) فلما وجدوه قالوا له: «جميع الناس يطلبونك» (38) فقال لهم: «لنذهب إلى ~~مكان آخر، إلى القرى المجاورة لأبشر فيها أيضا، فإني لهذا خرجت» (39) وسار في الجليل كله، ~~يبشر في مجامعهم ويطرد الشياطين. # شفاء أبرص ~~(40) وجاءه أبرص يتوسل إليه فجثا وقال له: «إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني» (41) فأشفق عليه ~~يسوع ومد يده فلمسه وقال له: «قد شئت فابرأ» (42) فزال عنه البرص لوقته وبرئ (43) فصرفه يسوع من ~~ساعته (44) بعد ما أنذره بلهجة شديدة فقال له: «إياك أن تخبر أحدا بشيء، ولكن اذهب إلى ~~الكاهن فأره نفسك، ثم قرب عن شفائك ما أمر به موسى، شهادة لديهم» (45) أما هو، فانصرف وأخذ ~~يرفع الصوت ويذيع الخبر، فصار يسوع لا يستطيع أن يدخل مدينة علانية، بل كان يقيم في ظاهرها ~~في أماكن مقفرة والناس يأتون من كل مكان. # الإصحاح الثاني # شفاء مقعد في كفر ناحوم ~~(1) وعاد بعد بضعة أيا إلى كفر ناحوم فسمع الناس أنه في الدار. (2) فاجتمع منهم عدد كبير، ~~ولم يبق موضع لأحد حتى عند الباب، فألقى إليهم كلام الله، (3) فجيء إليه بمقعد يحمله أربعة ms203 ~~رجال. (4) فلم يستطيعوا الوصول إليه لكثرة الزحام، فنبشوا عن السقف فوق الموضع الذي هو فيه، ~~ونقبوه ثم دلوا الفراش الذي كان عليه المقعد. (5) فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمقعد: «يا ~~بني غفرت لك خطاياك.» (6) وكان بين الحضور هناك بعض الكتبة، فقالوا في أنفسهم: (7) «ما بال هذا ~~الرجل يتكلم بذلك؟ إنه ليكفر، فمن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟» (8) فعلم يسوع في سره ~~ما جال في صدورهم فسألهم: «لماذا تجول هذه الأفكار في صدوركم؟ (9) أيما أيسر؟ أن يقال ~~للمقعد: غفرت لك خطاياك، أم أن يقال: قم فاحمل فراشك وامش؟ (10) فاعلموا أن ابن الإنسان له ~~سلطان يغفر به الخطايا في الأرض.» (11) ثم قال للمقعد: «أقول لك: قم فاحمل فراشك واذهب إلى ~~بيتك.» (12) فقام فحمل فراشه، وخرج بمرأى من جميع الناس، حتى دهشوا جميعا ومجدوا الله وقالوا: ~~«ما رأينا مثل هذا قط!» # دعوة لاوي ~~(13) وخرج أيضا إلى شاطئ البحر فأتاه الجمع كله، فأخذ يعلمهم (14) ثم رأى وهو سائر لاوي بن ~~حلفي (العشار) جالسا في بيت الجباية، فقال له: «اتبعني!» فقام فتبعه (15) ثم جلس يسوع للطعام ~~عنده، فجلس أيضا معه ومع تلاميذه كثير من العشارين والخاطئين، وكان تلاميذ كثيرون ~~يتبعونه، (16) فلما رأى بعض الكتبة من الفريسيين أنه يؤاكل الخاطئين والعشارين، قالوا ~~لتلاميذه: «لماذا يؤاكل العشارين والخاطئين؟» (17) فسمع يسوع كلامهم، فقال لهم: «ليس الأصحاء ~~بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى، ما جئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين.» # الجديد والقديم ~~(18) وكان تلاميذ يوحنا والفريسيون صائمين، فجاء إليه بعض التلاميذ وقالوا له: «لماذا يصوم ~~تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين، ولا يصوم تلاميذك؟» (19) فقال لهم: «أيستطيع أهل العرس أن ~~يصوموا والعريس بينهم؟ فما دام العريس بينهم، لا يستطيعون أن يصوموا، (20) ولكن سيأتي زمن فيه ~~يرفع العريس من بينهم، ففي ذلك اليوم يصومون (21) ما من أحد يرقع ثوبا برقعة من نسيج جديد، ~~مخافة أن تنتزع الرقعة الجديدة شيئا من الثوب القديم، فيتسع الخرق، (22) وما من أحد يجعل ~~الخمرة الجديدة في زقاق قديمة، لئلا تشق الخمر الزقاق فتتلف الخمر والزقاق معا، ولكن ms204 ~~للخمرة الجديدة زقاق جديدة.» # حادثة السنبل ~~(23) ومر يسوع في السبت خلال المزارع فأخذ تلاميذه يقطفون السنبل وهم سائرون، (24) فقال له ~~الفريسيون: «انظر! لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟» (25) فقال لهم: «أما قرأتم قط ما فعل ~~داود حين احتاج فجاع هو وأصحابه؟ 26 كيف دخل بيت الله على عهد عظيم الأحبار أبياتار، فأكل ~~الخبز المقرب إلى الله، وأعطى منه أصحابه وأكله لا يحل إلا للكهنة» (27) ثم قال لهم: «إن ~~السبت جعل للإنسان، وما جعل الإنسان للسبت، (28) فابن الإنسان سيد السبت أيضا.» # الإصحاح الثالث # شفاء في السبت ~~(1) ودخل أيضا بعض المجامع وكان فيه رجل يده شلاء (2) وكان الحاضرون يراقبونه ليروا هل ~~يشفيه في السبت فيستطيعوا أن يشكوه (3) فقال للأشل: «قم في حلقة المجمع» (4) ثم قال لهم: «أعمل ~~الصالحات يحل في السبت أم عمل السيئات؟ وتخليص نفس أم إهلاكها؟» فأطرقوا (5) فأجال طرفه فيهم ~~مغضبا مغتما لعمى قلوبهم، ثم قال للرجل: «امدد يدك» فمدها فعادت يده صحيحة، (6) فخرج ~~الفريسيون وائتمروا به مع الهيرودوسين ليهلكوه. # موجز أعمال يسوع في الجليل ~~(7) فانصرف يسوع إلى البحر يصحبه تلاميذه، وتبعه جمع كبير من الجليل، وجمع كبير من ~~اليهودية (8) ومن أورشليم وآدوم عبر الأردن ونواحي صور وصيدا، وقد سمعوا بما يصنع فجاءوا ~~إليه، (9) فأمر تلاميذه بأن يجعلو له زورقا يلازمه، مخافة أن يضايقه الجمع، (10) لأنه شفى ~~كثيرا من الناس، حتى أصبح كل من به علة يبادر إليه ليلمسه (11) وكانت الأرواح النجسة، إذا ~~رأته، تسجد له وتصيح: «أنت ابن الله!» (12) فكان ينهاها بشدة عن كشف أمره. # يسوع يختار الاثني عشر # ثم صعد الجبل ودعا الذين أرادهم فأقبلوا عليه (14) فأقام منهم اثني عشر يصحبونه فيرسلهم ~~مبشرين (15) ولهم سلطان يطردون به الشياطين (16) فأقام الاثني عشر وهم: سمعان ودعاه صخرا، (17) ~~ويعقوب بن زبدي ويوحنا أخو يعقوب، وجعل لقبهما بوا نرجس، أي ابني الرعد، (18) وأندراوس وفيلبس ~~وبرتلماوس، ومتى وتوما، ويعقوب بن حلفي وتداوس وسمعان الغيور (القانوي)، (19) يهوذا ~~الإسخريوطي، ذاك الذي أسلمه، (20) ثم رجع إلى الدار، فعاد الجمع إلى الازدحام حتى لم يستطيعوا ~~أن ms205 يذوقوا طعاما. # رأيان في يسوع ~~(21) وبلغ الخبر ذويه فخرجوا ليمسكوه فقد قيل: إنه مختل (22) وأما الكتبة الذين نزلوا من ~~أورشليم فقالوا: «إن به مسا من بعل زبول، فهو بسيد الشياطين يطرد الشياطين»، (23) فدعاهم ~~وكلمهم بالأمثال قال: «أنى للشيطان أن يطرد الشيطان؟ فإذا انقسمت مملكة لا تثبت (25) وإذا ~~انقسم بيت لا يثبت (26) وإذا انقض الشيطان على نفسه فانقسم لا يثبت بل يزول (27) ما من أحد ~~يستطيع أن يدخل بيت الرجل القوي وينهب أمتعته، إذا لم يوثق ذلك الرجل القوي أولا، ثم ينهب ~~بعدئذ بيته، (28) الحق أقول لكم: كل شيء يغفر لبني البشر من خطيئة وكفر مهما بلغ كفرهم (29) ~~وأما من كفر بالروح القدس فلا غفران له أبدا، بل هو خاطئ خطيئة أبدية .» (30) قال ذلك ردا ~~على زعمهم أن فيه روحا نجسا. # أسرة يسوع ~~(31) وجاءت أمه وإخوته فوقفوا في خارج الدار، وأرسلوا إليه من يدعوه (32) وكان قد تحلق حوله ~~جمع كبير فقالوا له: «إن أمك وإخوتك في خارج الدار يطلبونك.» (33) فأجابهم: «من هي أمي ومن هم ~~إخوتي؟» (34) ثم أجال طرفه في المتحلقين حوله وقال: «هؤلاء هم أمي وإخوتي؛ (35) لأن من يعمل ~~بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمي.» # الإصحاح الرابع # مثل الزارع ~~(1) وعاد إلى التعليم بجانب البحر، فازدحم عليه جمع كبير جدا، حتى إنه صعد إلى سفينة ~~في البحر وجلس فيها، والجمع كله قائم في البر على ساحل البحر، (2) فعلمهم بالأمثال أشياء ~~كثيرة، وقال لهم في تعليمه: (3) «اسمعوا! هو ذا الزارع قد خرج ليزرع (4) وبينما هو يزرع وقع بعض ~~الحب على جانب الطريق فجاءت الطير فالتقطته، (5) ووقع بعضه الآخر على أرض حجرة رقيقة ~~التراب، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقا (6) فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل ~~فيبس (7) ومنه ما وقع على الأرض الطيبة فنبت ونمى وأخرج ثمرا، فأثمر بعضه ثلاثين وبعضه ستين ~~وبعضه مائة.» ثم قال: (9) «من كان له أذنان للسمع فليسمع!» # غاية يسوع من الأمثال ~~(10) فلما اعتزل الجمع سأله أتباعه والاثنا عشر عن مغزى المثل، (11) فقال لهم: «أما ms206 أنتم فقد ~~أنعم عليكم بسر ملكوت الله، وأما أولئك فكل شيء يلقى إليه بالأمثال، (12) لكي ينظروا نظرا ~~فلا يبصروا، # ويسمعوا سمعا فلا يفهموا، # لئلا يتوبوا فيغفر لهم.» ~~(13) ثم قال لهم: «أما تفهمون هذا المثل؟ فأنى لكم أن تفهموا سائر الأمثال؟ (14) الزارع يزرع ~~كلام الله، (15) فمن كانوا بجانب الطريق حيث زرع الكلام، فهم الذين ما كادوا يسمعونه، حتى ~~أتى الشيطان وذهب بالكلام المزروع فيهم، (16) ومن تلقوا الزرع في الأرض الحجرة، فهم الذين إذا ~~سمعوا الكلام قبلوه من ساعتهم فرحين، (17) ولكن لا أصل لهم في أنفسهم، فلا يثبتون على حالة، ~~فإذا حدث بعد ذلك ضيق أو اضطهاد من أجل الكلام، ارتدوا عنه من ساعتهم (18) ومن تلقوا الزرع ~~في الشوك، فهم الذين يسمعون الكلام ، (19) ولكن هموم الحياة الدنيا وفتنة الغنى وسائر الشهوات ~~تداخلهم فتخنق الكلام، فلا يخرج ثمرا. (20) ومن تلقوا الزرع في الأرض الطيبة فهم الذين ~~يسمعون الكلام ويقبلونه فيثمرون، فمنهم من يثمر ثلاثين، ومنهم ستين، ومنهم مائة.» # مثل السراج ~~(21) وقال لهم: «أيؤتى بالسراج ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير؟ أما يؤتى به ليوضع على ~~المنارة؟ (22) فما من خفي إلا سيظهر ولا من مكتوم إلا سيعلن (23) من كان له أذنان للسمع ~~فليسمع.» # مثل الكيل ~~(24) وقال لهم: «انتبهوا لما تسمعون! فبما تكيلون يكال لكم وتزادون (25) لأن من كان له شيء ~~يعطى ومن ليس له شيء ينتزع منه حتى الذي له.» # مثل الزرع الذي ينمي ~~(26) وقال: «مثل ملكوت الله كمثل رجل يبذر الزرع في الأرض (27) ثم ينام ويقوم ليل نهار، ~~والزرع ينبت وينمي، وهو لا يدري كيف كان ذلك، (28) فالأرض من نفسها تنبت العشب أولا، ثم ~~السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل (29) فإذا أدرك الثمر، أعمل فيه المنجل من ساعته لأن ~~الحصاد قد حان.» # مثل حبة الخردل ~~(30) وقال: «بماذا نشبه ملكوت الله، أو بأي مثل نمثله؟ (31) إنه مثل حبة من خردل، فهي حين ~~تزرع في الأرض أصغر سائر الحبوب التي في الأرض، فإذا زرعت ارتفعت وصارت أكبر البقول كلها، ~~وأرسلت أغصانا كبيرة، حتى إن طير ms207 السماء تستطيع أن تستظل في ظلها.» # يسوع والأمثال ~~(33) وكان يضرب لهم كثيرا من هذه الأمثلة ليلقي إليهم كلام الله، على قدر ما كانوا ~~يستطيعون أن يسمعوه. (34) ولم يكلمهم إلا بضرب المثل، فإذا خلا بتلاميذه فسر لهم كل ~~شيء. # يسوع يسكن العاصفة ~~(35) وفي ذلك اليوم نفسه قال لهم عند المساء: «لنعبر إلى الشاطئ المقابل.» (36) فتركوا الجمع ~~وساروا به على حالته في السفينة وكان معه سفن أخرى، (37) فهبت عاصفة هوجاء وأخذت الأمواج ~~تندفع على السفينة حتى كادت تمتلئ، وكان هو في مؤخرها نائما ورأسه على وسادة، فأيقظوه ~~وقالوا له: «يا معلم أما تبالي أننا نهلك؟» (39) فقام وزجر الريح وقال للبحر: «اصمت! اخرس!» ~~فسكنت الريح وعاد هدوء تام، ثم قال لهم: «ما بالكم مضطربين هذا الاضطراب؟ إلى الآن لا ~~إيمان لكم؟» فاستولى عليهم خوف شديد وقال بعضهم لبعض: «من ترى هذا حتى الريح والبحر ~~يطيعانه!» # الإصحاح الخامس # طرد الشيطان عن رجل ~~(1) ووصلوا إلى الشاطئ الآخر من البحر في ناحية الجدريين (2) ولما نزل من السفينة إذا رجل ~~فيه روح نجس قد خرج من القبور إلى لقائه (3) وكان يقيم في القبور، ولا يقدر أحد أن يوثقه حتى ~~بسلسلة (4) فكثيرا ما كبل بالقيود والسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود، ولم يكن أحد يقوى على ~~كبحه، (5) وكان طوال الليل والنهار في القبور والجبال، يصيح ويرضض جسمه بالحجارة (6) فلما رأى ~~يسوع عن بعد أسرع إليه وسجد له (7) وصاح بأعلى صوته: «ما لي ولك، يا يسوع ابن الله العلي؟ ~~أستحلفك بالله لا تعذبني.» (8) لأن يسوع قال له: «أيها الروح النجس، اخرج من الرجل.» (9) فسأله: ~~«ما اسمك؟» فقال له: «اسمي جحفل، لأننا كثيرون.» (10) ثم ألح عليه في السؤال ألا يطردهم من ~~الناحية. ~~(11) وكان يرعى هناك في سفح الجبل قطيع كبير من الخنازير (12) فتوسلت إليه الأرواح النجسة ~~بقولها: «أرسلنا إلى الخنازير فندخل فيها.» (13) فأذن لها، فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في ~~الخنازير فوثب القطيع من الجرف إلى البحر، وعدده نحو ألفين، فغرق في البحر. (14) فهرب الرعاة ~~ونقلوا الخبر إلى المدينة والمزارع، فجاء الناس ms208 ليروا ما جرى. (15) فلما وصلوا إلى يسوع ~~شاهدوا الرجل الذي كان ممسوسا قاعدا لابسا صحيح العقل، ذاك الذي كان فيه جحفل من ~~الشياطين، فاستولى عليهم الخوف. (16) فأخبرهم الشهود بما جرى للذي كان ممسوسا وبما أصاب ~~الخنازير. (17) فأخذوا يسألون يسوع أن ينصرف عن بلدهم. (18) وبينما هو يركب السفينة سأله الذي ~~كان ممسوسا أن يصحبه، (19) فلم يأذن له بل قال له: «اذهب إلى بيتك، وحدث ذويك بما آتاك الرب ~~من رحمته.» (20) فمضى وأخذ ينادي في المدن العشر بما آتاه يسوع، وكان جميع الناس ~~يتعجبون. # شفاء منزوفة وإحياء ابنة يائير ~~(21) ورجع يسوع في السفينة إلى الشاطئ المقابل، فازدحم عليه جمع كبير، وهو ساحل البحر، (22) ~~فجاء رجل من رؤساء المجمع اسمه يائير، فلما رآه ارتمى على قدميه، (23) وألح في السؤال قال: ~~«لي ابنة صغيرة تلفظ أنفاسها، فتعال وضع يدك عليها تبرأ وتحيا.» (24) فذهب معه وتبعه جمع ~~كبير يزحمه (25) وكانت هناك امرأة منزوفة منذ اثنتي عشرة سنة (26) قد عانت آلاما مبرحة من ~~أطباء كثيرين، وأنفقت جميع ما تملك فلم تستفد شيئا، لا بل صارت من سيئ إلى أسوأ (27) فلما ~~سمعت بأخبار يسوع جاءت بين الجمع من خلف ولمست رداءه (28) لأنها قالت في نفسها: «حسبي أن ألمس ~~ثيابه فأبرأ» (29) فجف مسيل دمها من وقته، وأحست في جسمها أنها شفيت من علتها، (30) وشعر يسوع ~~عند ذاك بالقوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: «من لمس ثيابي؟» (31) فقال له تلاميذه: ~~«ترى الجمع يزحمك وتقول: من لمسني؟» (32) فأجال طرفه ليرى التي فعلت ذلك، (33) فخافت المرأة ~~واضطربت لعلمها بما حدث لها، فجاءت وسجدت له واعترفت بالحقيقة كلها، (34) فقال لها: «يا ابنتي ~~أبراك إيمانك، فاذهبي بسلام وتعافي من علتك.» (35) وإنه ليتكلم، إذ وصل أناس من دار رئيس ~~المجمع يقولون: «ماتت ابنتك، فلماذا تكلف المعلم؟» (36) فسمع يسوع كلامهم، فقال لرئيس المجمع: ~~«لا تخف، حسبك أن تؤمن.» (37) ولم يدع أحدا يصحبه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب، (38) ولما ~~وصلوا إلى دار رئيس المجمع رأى ضجيجا وأناسا يبكون ويعولون فدخل وقال لهم: (39) «لماذا ms209 ~~تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية وإنما هي نائمة.» فضحكوا منه (40) فأخرجهم جميعا ودخل بأبي ~~الصبية (41) فأخذ بيد الصبية وقال لها: «طليتا قوم!» (أي يا صبية أقول لك: قومي) (42) فقامت ~~الصبية من ساعتها وأخذت تمشي وكانت ابنة اثنتي عشرة سنة (43) فدهشوا أشد الدهش، فأوصاهم ~~مشددا عليهم ألا يعلم أحد بما حدث، وأمرهم أن يطعموها. # الإصحاح السادس # يسوع في وطنه الناصرة ~~(1) وانصرف من هناك فذهب إلى وطنه يصحبه تلاميذه، (2) ولما أتى السبت أخذ يعلم في المجمع فدهش ~~أكثر الناس حين سمعوه، وقالوا: «من أين له هذا؟ وما هذه الحكمة التي أوتيها وهذه المعجزات ~~المبينة التي تجري على يديه؟ أما هو النجار ابن مريم، أخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ ~~أوليست أخواته عندنا ها هنا ؟» وأخذتهم الحيرة فيه، فقال لهم يسوع: «لا يزدرى نبي إلا في وطنه ~~وذوي قرابته وبيته» (5) ولم يمكنه أن يجري هناك شيئا من المعجزات، سوى أنه وضع يديه على بعض ~~المرضى فشفاهم (6) وكان يتعجب من قلة إيمانهم، ثم سار في القرى المجاورة يعلم. # وصايا يسوع للاثني عشر ~~(7) ودعا الاثني عشر وأخذ يرسلهم اثنين اثنين، وأولاهم سلطانا على الأرواح النجسة (8) ~~وأوصاهم ألا يأخذوا للطريق شيئا سوى عصا، لا خبزا ولا مزودا ولا نقدا من نحاس في ~~مناطقهم (9) بل: «انتعلوا نعلين، ولا تلبسوا ثوبين.» وقال لهم: (10) «وحيثما دخلتم بيتا ~~فأقيموا فيه إلى أن ترحلوا (11) وإذا لم يقبلكم مكان ولم يسمع فيه كلامكم، فارحلوا عنه ~~نافضين الغبار من تحت أقدامكم شهادة عليهم.» (12) فمضوا يدعون الناس إلى التوبة (13) وطردوا ~~كثيرا من الشياطين، ودهنوا بالزيت كثيرا من المرضى فشفوهم. # استشهاد يوحنا المعمدان ~~(14) وسمع الملك هيرودس بأخباره لأن اسمه أصبح مشهورا وكان أناس يقولون: «إن يوحنا ~~المعمدان قام من بين الأموات؛ ولذلك تجري المعجزات على يده» (15) وقال آخرون: «إنه إيليا» ~~وقال غيرهم: «إنه نبي كسائر الأنبياء» (16) فلما سمع هيرودس بأخباره قال: «هذا يوحنا الذي ~~قطعت أنا رأسه قد قام» (17) ذلك بأن هيرودس كان قد أرسل إلى يوحنا من أمسكه وأوثقه في السجن، ~~من أجل هيروديا امرأة ms210 أخيه فيلبس لأنه تزوجها (18) فكان يوحنا يقول لهيرودس: «لا يحل لك أن ~~تأخذ امرأة أخيك» (19) وكانت هيروديا ناقمة عليه تريد قتله فلا تستطيع (20) لأن هيرودس كان ~~يهاب يوحنا لعلمه أنه رجل بار قديس، وكان يحميه فإذا استمع إليه، حار فيه كثيرا، وراقه ~~الإصغاء إليه (21) وجاءت يوم مؤات لها إذ أقام هيرودس في ذكرى مولده مأدبة للأشراف والقواد ~~وأعيان الجليل (22) فدخلت ابنة هيروديا ورقصت، فأعجبت هيرودس والمدعوين، فقال الملك للفتاة: ~~«سلي ما شئت أعطك» (23) وأقسم لها: «لأعطينك كل ما تطلبين، ولو نصف مملكتي» (24) فخرجت وسألت ~~أمها: «ماذا أطلب؟» فقالت: «رأس يوحنا المعمدان» (25) فبادرت إلى الملك: «أريد أن تعطيني في ~~هذه الساعة على طبق رأس يوحنا المعمدان» (26) فاغتم الملك ولكنه من أجل الأيمان التي أقسهما ~~بمسمع من المدعوين لم يشأ أن يرد طلبها (27) فأرسل للملك من ساعته حاجبا وأمره بأن يأتي ~~برأسه (28) فمضى وضرب عنقه في السجن، وأتى بالرأس على طبق، فدفعه إلى الفتاة فحملته إلى أمها ~~(29) وبلغ الخبر تلاميذه، فجاءوا فحملوا جثته ودفنوها. # معجزة الخبز والسمك الأولى ~~(30) واجتمع الرسل عند يسوع، وأخبروه بجميع ما عملوا وعلموا (31) فقال لهم: «تعالوا أنتم على ~~حدتكم إلى مكان قفر، واستريحوا قليلا» لأن القادمين والذاهبين كانوا كثرا حتى لم يتح لهم ~~فرصة لتناول الطعام (32) فمضوا في السفينة إلى مكان قفر يعتزلون فيه (33) فرآهم الناس ذاهبين، ~~وعلم بالأمر كثير منهم، فأسرعوا سيرا على الأقدام من جميع المدن وسبقوهم إلى ذلك المكان، ~~(34) فلما نزل إلى البر رأى جمعا كبيرا فأخذته الشفقة عليهم؛ لأنهم كانوا كغنم لا راعي ~~لها، وشرع يعلمهم أشياء كثيرة (35) وفات الوقت فدنا إليه تلاميذه وقالوا: «المكان قفر وقد ~~فات الوقت (36) فاصرفهم ليذهبوا إلى المزارع والقرى المجاورة فيشتروا لهم ما يأكلون» (37) ~~فأجابهم: «أعطوهم أنتم ما يأكلون» فقالوا له: «أنذهب فنشتري خبزا بمائتي دينار ونعطيهم ~~ليأكلوا؟» فقال لهم: «كم رغيفا لديكم؟ اذهبوا فانظروا» (38) فتحققوا ما لديهم ثم قالوا: «خمسة ~~وسمكتان» (39) فأمرهم بإقعاد الناس كلهم فئة فئة على العشب الأخضر (40) فقعدوا أفواجا منها ~~مائة ومنها خمسون (41) فأخذ الأرغفة ms211 الخمسة والسمكتين ورفع عينيه نحو السماء، وبارك وكسر ~~الأرغفة ثم جعل يعطي تلاميذه ليناولوهم، وقسم السمكتين عليهم جميعا (42) فأكلوا كلهم حتى ~~شبعوا (43) ثم رفعوا اثنتي عشرة قفة ممتلئة من الكسر وفضلات السمكتين (44) وكان الآكلون خمسة ~~آلاف رجل. # يسوع يمشي على الماء ~~(45) واضطر تلاميذه عندئذ أن يركبوا السفينة ويتقدموه إلى الشاطئ المقابل تجاه بيت صيدا ~~حتى يصرف الجمع (46) فلما صرفهم، ذهب إلى الجبل ليصلي (47) وعند المساء كانت السفينة في عرض ~~البحر وهو وحده في البر (48) ورآهم يجهدون في التجديف لأن الريح كانت مخالفة فجاء إليهم نحو ~~الهزيع الرابع من الليل ماشيا على البحر وكاد يجاوزهم (49) فلما رأوه ماشيا على البحر ظنوه ~~خيالا فصرخوا (50) لأنهم رأوه كلهم فاضطربوا، فكلمهم عند ذاك قال لهم : «سكنوا روعكم أنا ~~هو لا تخافوا.» (51) وصعد السفينة إليهم فسكنت الريح، فداخلهم ما بلغ الغاية من الدهش (52) لأنهم ~~لم يفهموا معجزة الخبز، بل كانت قلوبهم عمية. # يسوع يشفي من أمراض كثيرة ~~(53) وعبروا حتى بلغوا أرض جناسرت فأرسوا (54) وما إن نزلوا من السفينة حتى عرفه الناس (55) ~~فطافوا بتلك الناحية كلها، وجعلوا يحملون المرضى على فرشهم إلى كل مكان يسمعون أنه فيه (56) ~~وحيثما يدخل سواء دخل القرى أو المدن أو المزارع، كانوا يضعون المرضى في الساحات، ويسألونه ~~أن يدعهم يلمسون هدب ثوبه، فكان الذي يلمسه يبرأ. # الإصحاح السابع # الطاهر والنجس ~~(1) واجتمع لديه الفريسيون وبعض الكتبة الآتيين من أورشليم (2) فرأوا بعض تلاميذه يتناولون ~~الطعام بأيد نجسة أي غير مغسولة (3) (لأن الفريسيين واليهود عامة لا يأكلون إلا بعد أن ~~يغسلوا أيديهم حتى المرفق، جريا على سنة الشيوخ (4) وإذا رجعوا من السوق لا يأكلون إلا بعد ~~أن يغتسلوا وهناك أشياء أخرى فرضت عليهم السنة أن يعملوا بها، كغسل الأكواب والجرار وآنية ~~النحاس). (5) فسأله الفريسيون والكتبة: «لم لا يجري تلاميذه على سنة الشيوخ، بل يتناولون ~~الطعام بأيد نجسة؟» (6) فقال لهم: «أيها المراءون، صدق إشعيا في نبوءته عنكم، كما ورد في ~~الكتاب: # هذا الشعب يكرمني بشفتيه، # وأما قلبه فبعيد مني، ~~(7) ويعبدونني بالباطل. # فليس ما يعلمون من ms212 المذاهب سوى أحكام بشرية (8) إنكم تهملون وصية الله وتتمسكون بسنة ~~البشر» (9) وقال لهم: «ما أقدركم على نقض وصية الله لتقيموا سنتكم! (10) فقد قال موسى: «أكرم ~~أباك وأمك، ومن لعن أباه أو أمه فليقتل قتلا» (11)، وأما أنتم فتقولون: إذا قال أحد لأبيه ~~أو أمه: جعلت قربانا كل شيء أبرك به (12) فإنه يعفى عندكم من كل مبرة لأبيه أو أمه (13) ~~فتنقضون كلام الله بسنة من عندكم وهناك أشياء كثيرة مثل ذلك تفعلون.» (14) ثم دعا الجمع وقال ~~لهم: «أصغوا إلي كلكم وافهموا: (15) ما من شيء خارج عن الإنسان إذا دخل الإنسان ينجسه ولكن ~~ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان (16) فمن كان له أذنان للسمع فليسمع.» # ولما رجع إلى الدار مبتعدا عن الجمع ، سأله تلاميذه عن مغزى المثل (18) فقال لهم: «أهكذا ~~أنتم أيضا لا فهم لكم؟ ألا فتفهمون أن ما يدخل الإنسان من الخارج لا ينجسه، (19) لأنه لا ~~يدخل إلى القلب بل إلى الجوف، ثم يذهب في الخلاء.» وفي قوله ذلك جعل الأطعمة كلها طاهرة، (20) ~~ثم قال لهم: «ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان (21) لأنه من باطن الناس، من قلوبهم ~~تنبعث مقاصد السوء: الفحش والسرقة والقتل، (22) والزنى والطمع والخبث والغش والفجور والحسد ~~والنميمة والكبرياء والسفه (23) جميع هذه المنكرات تخرج من باطن الإنسان فتحبسه.» # 3 # رسالة يسوع خارج الجليل ~~(24) ثم مضى من هناك، وذهب إلى نواحي صور وصيدا فدخل بيتا، وكان لا يريد أن يعلم به أحد، ~~فلم يستطع أن يخفي أمره (25) فقد سمعت به وقتئذ امرأة لها ابنة صغيرة فيها روح نجس، فجاءت ~~وارتمت على قدميه. (26) وكانت المرأة وثنية ترجع إلى أصل سوري فينيقي، فسألته أن يطرد ~~الشيطان عن ابنتها (27) فقال لها: «دعي البنين أولا يشبعون، فلا يحسن أن يؤخذ خبز البنين، ~~فيلقى إلى جراء الكلاب» (28) فأجابت: «نعم، سيدي، حتى جراء الكلاب تأكل تحت المائدة من فتات ~~البنين.» (29) فقال لها: «اذهبي، من أجل قولك هذا قد خرج الشيطان من ابنتك.» (30) فرجعت إلى ~~بيتها، فوجدت ابنتها على السرير قد أقلع عنها ms213 الشيطان. # شفاء أصم ~~(31) ثم عاد من نواحي صور، ومر بصيدا قاصدا إلى بحر الجليل، في أراضي المدن العشر (32) ~~فجاءوه بأصم حصر، وسألوه أن يضع يده عليه (33) فانفرد به عن الجميع، وجعل إصبعه في أذنيه ثم ~~تفل ولمس لسانه، (34) ورفع عينيه نحو السماء متنهدا وقال له: «افتح!» (أي انفتح) (35) فانفتح ~~مسمعاه وانحلت عقدة لسانه، فتكلم بلسان طليق (36) وأوصاهم ألا يخبروا أحدا، فكان كلما أكثر ~~من توصيتهم أكثروا من إذاعة خبره. (37) وكانوا يقولون وهم في غاية الإعجاب: «قد أبدع في ~~أعماله كلها؛ إذ جعل الصم يسمعون والخرس ينطقون!» # الإصحاح الثامن # معجزة الخبز والسمك الأخرى ~~(1) واحتشد في تلك الأيام جمع كبير، ولم يكن لديهم ما يأكلون، فدعا تلاميذه وقال لهم: (2) ~~«أشفق على هذا الجمع، فإنهم منذ ثلاثة أيام يلازموني، وليس لديهم ما يأكلون، (3) وإن صرفتهم ~~إلى بيوتهم صائمين، خارت قواهم في الطريق، ومنهم من جاء من مكان بعيد» (4) فأجابه تلاميذه: ~~«أنى لأحد أن يشبع هؤلاء من الخبز ها هنا في البرية؟» (5) فسألهم: «كم رغيفا لديكم؟» قالوا: ~~«سبعة.» (6) فأمر الجمع بالقعود على الأرض، ثم أخذ الأرغفة السبعة وشكر وكسر، ثم جعل يعطي ~~تلاميذه ليقربوها إلى الجمع، فقربوها إليهم، (7) وكان لديهم بعض سمكات صغار فباركها وأمر ~~بتقريبها أيضا، (8) فأكلوا حتى شبعوا ثم رفعوا مما فضل من الكسر سبع سلال (9) وكانوا نحو أربعة ~~آلاف فصرفهم. (10) ركب السفينة مع تلاميذه، وجاء إلى نواحي دلمانوتا. # الفريسيون يطلبون آية ~~(11) فأقبل الفريسيون وأخذوا يجادلونه طالبين آية من السماء ليجربوه (12) فتنهد من أعماق نفسه ~~وقال: «ما بال هذا الجيل يطلب آية؟ الحق أقول لكم: لا يجعل لهذا الجيل آية!» (13) ثم تركهم ~~وعاد إلى السفينة فركبها، وعبر إلى الشاطئ المقابل. # خمير الفريسيين وهيرودس ~~(14) فنسوا أن يتزودوا من الخبز، ولم يكن لديهم في السفينة سوى رغيف واحد، (15) وأخذ يوصيهم ~~فيقول: «تبصروا واحذروا خمير الفريسيين وخمير هيرودس!» (16) فقال بعضهم لبعض أن لا خبز ~~لديهم، (17) فشعر يسوع بأمرهم فقال لهم: «لماذا تقولون أن لا خبز لديكم؟ ألم تعقلوا حتى الآن ~~وتفهموا؟ (18) ألكم قلوب عمية؟ أم ms214 لكم عيون ولا تبصرون، وآذان ولا تسمعون؟ (19) ألا تذكرون إذ ~~كسرت الخمسة الأرغفة للخمسة الآلاف، فكم قفة مملوءة كسرا رفعتم؟» قالوا له: «اثنتي عشرة» ~~(20) «وإذ كسرت الأرغفة السبعة للأربعة الآلاف، فكم سلة من الكسر رفعتم؟» قالوا: «سبعا» (21) ~~فقال لهم: «ألم تفهموا حتى الآن؟» # شفاء أعمى في بيت صيدا ~~(22) وصلوا إلى بيت صيدا فجاءوه بأعمى، وسألوه أن يضع يده عليه، (23) فأخذ بيد الأعمى وقاده ~~إلى خارج القرية، ثم تفل في عينيه، ووضع يديه عليه وسأله: «أتبصر شيئا؟» (24) فأخذ يبصر ~~وقال: «أبصر الناس وأراهم يمشون كأنهم أشجار.» (25) فوضع يديه مرة أخرى على عينيه، فأبصر ~~وعاد صحيحا يرى كل شيء واضحا عن بعد. (26) فأرسله إلى بيته وقال له: «حتى القرية لا ~~تدخل.» # بطرس يشهد بأن يسوع هو المسيح ~~(27) ثم ذهب يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس، فسأل في الطريق تلاميذه: «من أنا على حد ~~قول الناس؟» فأجابوه: «يوحنا المعمدان، (28) وبعضهم يقول: إيليا، وآخرون: أحد الأنبياء.» (29) ~~فسألهم: «ومن أنا على حد قولكم أنتم؟» (30) فأجاب بطرس: «أنت المسيح.» فنهاهم أن يخبروا أحدا ~~بأمره. # يسوع ينبئ أول مرة بآلامه وموته وقيامته ~~(31) ثم بدأ يعلمهم أن ابن الإنسان يجب عليه أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله الشيوخ ~~والأحبار والكتبة، وأن يقتل، وأن يقوم في اليوم الثالث. (32) وكان يقول هذا الكلام صراحة، ~~فانفرد به بطرس وأخذ يعاتبه (33) فالتفت فرأى تلاميذه فزجر بطرس قال: «سر خلفي، يا شيطان؛ لأن ~~أفكاري ليست أفكار الله بل أفكار البشر.» # ما يطلب من أتباع يسوع ~~(34) ثم دعا الجمع وتلاميذه وقال لهم: «من أراد أن يتبعني فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ~~ويتبعني (35) لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي وسبيل ~~البشارة فإنه يجدها (36) فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه؟ (37) وبماذا يفدي الإنسان ~~نفسه؟ (38) لأن من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ، يستحي به ابن الإنسان، متى ~~جاء في مجد أبيه تواكبه الملائكة الأطهار.» # الإصحاح التاسع ~~(1) ثم قال لهم: «الحق أقول لكم: في جملة الحضور ms215 ها هنا من لا يذوقون الموت، حتى يشاهدوا ~~ملكوت الله آتيا وله العزة.» (2) وبعد ستة أيام مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا، فانفرد بهم على ~~جبل عال، وتجلى بمرأى منهم، (3) فتلألأت ثيابه ناصعة البياض، حتى ليعجز أي قصار في الأرض ~~أن يأتي بمثل بياضها (4) وتراءى لهم إيليا وموسى، وكانا يكالمان يسوع، (5) فقال بطرس ليسوع: ~~«رابي (يا معلم) حسن أن نكون ها هنا، فلو نصبنا ثلاث مظال، واحدة لك وواحدة لموسى، وواحدة ~~لإيليا.» (6) ولم يكن يدري ما يقول لما استولى عليهم من الخوف (7) وإذا غمام قد ظللهم، وصوت من ~~الغمام يقول: «هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا.» ~~(8) فأجالوا الطرف فورا فيما حولهم، فلم يروا معهم إلا يسوع وحده. (9) وبينما هم نازلون من ~~الجبل، أوصاهم ألا يخبروا أحدا بما رأوا، إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات (10) ~~فحفظوا كلمته وأخذوا يتساءلون: «ما معنى قام من بين الأموات؟» (11) ثم سألوه: «لماذا يقول ~~الكتبة إنه يجب أن يأتي إيليا أولا؟» (12) فقال لهم: «أجل، يأتي إيليا أولا ويصلح كل شيء، ~~فكيف كتب في مصير ابن الإنسان، إنه سيعاني آلاما شديدة ويزدرى؟ (13) على أني أقول لكم: إن ~~إيليا قد أتى، وفعلوا به على هواهم كما كتب في شأنه.» # طرد الشيطان عن صبي مصاب بالصرع ~~(14) ولما لحقوا بالتلاميذ، رأوا جمعا كبيرا حولهم وبعض الكتبة يجادلونهم (15) فما أبصره ~~الجمع حتى دهشوا كلهم وسارعوا إلى السلام عليه. (16) فسألهم: «فيم تجادلونهم؟» (17) فأجابه رجل ~~من الجمع: «يا معلم أتيتك بابني فيه روح أبكم؟ (18) حيثما أخذه يصرعه فيزبد الصبي ويصرف ~~بأسنانه ويتشنج وقد سألت تلاميذك أن يطردوه، فلم يستطيعوا.» (19) فأجابهم: «أيها الجيل الكافر ~~حتام أبقى معكم؟ وإلام أحتملكم؟ علي به!» (20) فأتوا به فما إن رآه الروح حتى خبطه، فوقع ~~إلى الأرض يتمرغ ويزبد. (21) فسأل أباه: «منذ كم يحدث له هذا؟» قال: «منذ طفولته (22) وكثيرا ما ~~ألقاه في النار أو في الماء ليهلكه، فإذا كنت تستطيع شيئا فاشفق علينا وأعنا.» (23) فقال له ~~يسوع: «أتقول إذا كنت تستطيع؟ إن المؤمن يستطيع كل شيء.» (24) فصاح ms216 أبو الصبي من ساعته: «آمنت ~~فشدد إيماني الضعيف!» (25) ورأى يسوع الجمع يزدحمون فانتهر الروح النجس وقال له: «أيها الروح ~~الأخرس الأصم، أنا آمرك، اخرج منه ولا تعد إليه.» (26) فصرخ وخبطه خبطا عنيفا وخرج منه، فعاد ~~الصبي كالميت، حتى قال أكثر الناس إنه قد مات. (27) فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام، (28) ولما دخل ~~الدار، خلا به تلاميذه وسألوه: «لماذا لم نستطع نحن أن نطرده؟» (29) فقال لهم: «إن هذا الجنس ~~لا يطرد إلا بالصلاة.» # يسوع ينبئ مرة ثانية بموته ~~(30) ومضوا من هناك فمروا بالجليل، ولم يرد أن يعلم به أحد (31) لأنه كان يعلم تلاميذه فيقول ~~لهم: «إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه وبعد قتله بثلاثة أيام يقوم.» (32) فلم ~~يفهموا هذا الكلام، وهابوا أن يسألوه عنه. # الأكبر في ملكوت الله ~~(33) ثم وصلوا إلى كفر ناحوم فلما دخل الدار سألهم: «فيم كنتم تتجادلون في الطريق؟» (34) ~~فأطرقوا لأنهم كانوا في الطريق يتجادلون فيمن هو الأكبر. (35) فجلس ودعا الاثني عشر وقال لهم: ~~«من أراد أن يكون أول القوم، فليكن آخرهم جميعا وخادمهم.» (36) ثم أخذ بيد طفل فأقامه وسطهم ~~وضمه إلى صدره وقال لهم: (37) «من قبل واحدا من هؤلاء الأطفال إكراما لاسمي، فإياي قبل، ~~ومن قبلني فما إياي قبل، بل الذي أرسلني.» ~~(38) فقال له يوحنا: «يا معلم رأينا رجلا يطرد الشياطين باسمك وهو ليس يتبعنا، فمنعناه ~~لأنه لا يتبعنا.» (39) فقال يسوع: «لا تمنعوه فما من أحد يجري معجزة باسمي يسيء بعدها القول ~~في (40) ومن لم يكن علينا كان معنا.» # المحبة للتلاميذ ~~(41) «ومن سقاكم كوب ماء على أنكم المسيح فإن أجره، الحق أقول لكم، لن يضيع.» # الويل لمسببي الخطايا ~~(42) «ومن عرض هؤلاء الصغار المؤمنين للخطيئة، فأولى به أن تعلق الرحى في عنقه ويلقى في ~~البحر (43) وإن دعتك يدك إلى الخطيئة فاقطعها، خير لك أن تدخل الحياة وأنت أقطع اليد من أن ~~يكون لك يدان وتذهب إلى جهنم، إلى نار لا تطفأ. (44) حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ، (45) ~~وإذا دعتك رجلك إلى الخطيئة فاقطعها، خير لك أن ms217 تدخل الحياة وأنت أقطع الرجل من أن يكون لك ~~رجلان وتلقى في جهنم، (46) حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ (47) وإذا دعتك عينك إلى الخطيئة ~~فاقلعها، خير لك أن تدخل ملكوت الله وأنت أعور من أن تكون لك عينان وتلقى في جهنم، (48) حيث ~~دودهم لا يموت والنار لا تطفأ، (49) لأن كل امرئ سيملح بالنار، (50) الملح صالح، ولكن إذا فسد ~~الملح فبماذا يملحونه؟ فليكن فيكم ملح وليسالم بعضكم بعضا.» # الإصحاح العاشر # الزواج والطلاق ~~(1) ومضى من هناك، فجاء بلاد اليهودية وعبر الأردن، فاحتشدت لديه الجموع وأخذ يعلمهم على ~~عادته، (2) فدنا بعض الفريسيين وسألوه ليحرجوه: «أيحل للزوج أن يطلق امرأته؟» (3) فأجابهم: ~~«بماذا أوصاكم موسى؟» (4) قالوا: «إن موسى رخص أن يكتب لها كتاب طلاق وتسرح.» (5) فقال لهم ~~يسوع: «من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية فمنذ بدء الخليقة، ~~(6) جعلهما الله ذكرأ وأنثى؛ ~~(7) ولذلك يترك الرجل أباه وأمه، ~~(8) ويصير الاثنان جسدا واحدا، # فلا يكونان اثنين بل جسدا واحدا (9) فلا يفرقن الإنسان ما جمعه الله.» (10) وسأله التلاميذ ~~في البيت عن ذلك، (11) فقال لهم: «من طلق امرأته وتزوج غيرها زنى عليها (12) وإن طلقت امرأة ~~زوجها وتزوجت غيره زنت.» # يسوع والأطفال ~~(13) وجيء إليه بأطفال ليضع يديه عليهم، فانتهرهم التلاميذ (14) ورأى يسوع ذلك فاستاء وقال ~~لهم: «دعوا الأطفال يأتوا إلي، لا تمنعوهم فلمثل هؤلاء ملكوت الله. (15) الحق أقول لكم: من ~~لم يقبل ملكوت الله كأنه طفل، لا يدخله.» (16) ثم قبلهم ووضع يديه عليهم مباركا. # الشاب الغني ~~(17) ولما خرج إلى الطريق أسرع إليه رجل فجثا له وسأله: «أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل ~~لأرث الحياة الأبدية؟» (18) فقال له يسوع: «لم تدعوني صالحا، ليس أحد صالحا إلا واحد، وهو ~~الله، (19) أنت تعرف الوصايا: # لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تظلم، أكرم أباك.» ~~(20) فقال له: «يا معلم، هذا كله حفظت منذ صباي.» (21) فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: «واحدة ~~تعوزك، اذهب فبع كل شيء تملكه وتصدق بثمنه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال ~~فاتبعني». ~~(22) فاغتم لهذا ms218 الكلام ومضى حزينا؛ لأنه كان ذا مال كثير، (23) فأجال يسوع طرفه وقال ~~لتلاميذه: «ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال.» (24) فدهش تلاميذه لكلامه فأعاد يسوع لهم ~~الكلام قال: «يا بني ما أعسر دخول ملكوت الله! (25) لأن يدخل الجمل في سم الإبرة أيسر من أن ~~يدخل الغني ملكوت الله.» (26) فاشتد دهشم وقال بعضهم لبعض: «من تراه يستطيع أن يخلص إذن؟» (27) ~~فحدق إليهم يسوع وقال: «هذا شيء يعجز الناس ولا يعجز الله، إن الله على كل شيء ~~قدير.» # جزاء من يبذل في سبيل يسوع ~~(28) فأخذ بطرس يقول له: «قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك.» (29) فقال يسوع: «الحق أقول لكم: ما ~~من أحد ترك بيتا أو إخوة أو أخوات أو أما أو أبا أو بنين أو حقولا من أجلي وأجل ~~البشارة، (30) إلا نال في هذه الدنيا مائة ضعف من البيوت والإخوة والأخوات والأمهات والبنين ~~والحقول مع الاضهطادات، وأما في الآخرة فينال الحياة الأبدية، (31) وكثير من الأولين يصيرون ~~آخرين، والآخرون يصيرون أولين.» # يسوع ينبئ مرة ثالثة بموته ~~(32) وكانوا سائرين في الطريق صاعدين إلى أورشليم، وكان يسوع يتقدمهم، وقد استولى عليهم ~~الدهش، أما الذين يتبعونه فكانوا خائفين، فخلا بالاثني عشر مرة أخرى، وأخذ ينبئهم بما سيحدث ~~له قال: (33) «إنا لصاعدون إلى أورشليم، وسيسلم ابن الإنسان إلى الأحبار والكتبة، فيحكمون ~~عليه بالموت، ويسلمونه إلى الوثنيين، (34) فيسخرون منه، ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وفي ~~اليوم الثالث يقوم.» # طلب ابني زبدي ~~(35) ودنا إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدي، فقالا له: «نسألك حاجة تقضيها لنا.» (36) فقال لهما: ~~«ما حاجتكما إلي؟» (37) قالا له: «امنحنا أن يجلس أحدنا عن يمينك والآخر عن شمالك في مجدك.» ~~(38) فقال لهما يسوع: «إنكما لا تدركان ما تسألان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها أو ~~تقبلا المعمودية التي سأقبلها؟» (39) فقالا له: «نستطيع.» فقال لهما يسوع: «أجل، الكأس التي ~~أشربها سوف تشربانها، والمعمودية التي أقبلها سوف تقبلانها. (40) وأما الجلوس عن يميني أو ~~شمالي، فليس لي أن أمنحه، وإنما هو للذين أعد لهم.» # السلطة خدمة ~~(41) وسمع العشرة ذلك الكلام ms219 فاغتاظوا من يعقوب ويوحنا، (42) فدعاهم يسوع وقال لهم: «تعلمون ~~أن الذين يعدون رؤساء الأمم يسودونها، وأن أكابرها يتسلطون عليها (43) فلا يكن هذا فيكم بل من ~~أراد أن يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما (44) ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن للجميع ~~عبدا. ~~(45) لأن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم، وليفدي بنفسه جماعة كثيرة.» # شفاء أعمى في أريحا ~~(46) ووصلوا إلى أريحا، وبينما هو خارج من أريحا ومعه تلاميذه وجمع كبير، كان ابن تيماوس ~~(برتيماوس) وهو شحاذ أعمى، جالسا على جانب الطريق، (47) فلما سمع بأنه يسوع الناصري، أخذ ~~يصيح: «رحماك يا يسوع ابن داود» (48) فانتهره أناس كثيرون ليسكت فصاح أشد الصياح، «رحماك يا ~~ابن داود» (49) فوقف يسوع وقال: «ادعوه»، فدعوا الأعمى قالوا له : «تشدد وقم فإنه يدعوك.» (50) ~~فألقى عنه رداءه ووثب وجاء إلى يسوع (51) فقال له يسوع: «ما حاجتك إلي؟» قال له الأعمى: «يا ~~سيدي أن أبصر.» فقال له يسوع: «اذهب! أبرأك إيمانك.» فأبصر من وقته وتبعه في سيره. # الإصحاح الحادي عشر # يسوع في أورشليم # يسوع يدخل أورشليم ~~(1) ولما قربوا من أورشليم، ووصلوا إلى بيت فاجي وبيت عنيا، عند جبل الزيتون، أرسل اثنين من ~~تلاميذه، (2) وقال لهما: «اذهبا إلى القرية تجاهكما، فما إن تدخلاها حتى تجدا جحشا مربوطا ~~ركبه أحد، فحلا رباطه وائتيا به، (3) فإن قال لكما قائل: لم تفعلان هذا؟ فقولا: السيد محتاج ~~إليه، ثم يعيده إلى هنا.» (4) فذهبا فوجدا جحشا مربوطا عند باب على الطريق فحلا رباطه، (5) ~~فقال لهما بعض الذين كانوا هناك: «ما بالكما تحلان رباط الجحش؟» فقالا لهم كما أمرهم يسوع ~~فتركوهما. (7) فجاءا بالجحش إلى يسوع ووضعا رداءيهما عليه فركبه (8) وبسط كثير من الناس ~~أرديتهم على الطريق وفرش آخرون أغصانا قطعوها من الحقول. (9) وكان الذين يتقدمونه والذين ~~يتبعونه يهتفون: ~~«حيوه! # تبارك الآتي باسم الرب! ~~(10) تباركت المملكة الآتية، مملكة أبينا داود! # هو شعنا في العلا!» ~~(11) ودخل أورشليم فالهيكل، وتفقد كل شيء فيه، وكان الوقت قد فات، فخرج إلى بيت عنيا يصحبه ~~الاثنا عشر. # يسوع يلعن التينة ~~(12) ولما خرجوا ms220 في الغد من بيت عنيا أحس الجوع (13) ورأى عن بعد تينة مورقة، فقصدها راجيا ~~أن يجد عليها ثمرا، فلما وصل إليها، لم يجد عليها غير الورق؛ لأن وقت التين لم يكن قد حان، ~~(14) فخاطبها قال: «لا يأكلن أحد تمرا منك إلى الأبد!» وسمع تلاميذه ما قال. # طرد الباعة من الهيكل ~~(15) ثم وصلوا إلى أورشليم فدخل الهيكل، وأخذ يطرد الذين يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب ~~مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام، (16) ولم يدع حامل متاع يمر من داخل الهيكل (17) وأخذ ~~يعلمهم فيقول: «ألم يكتب: # بيتي لجميع الأمم بيت الصلاة يدعى، # وأنتم جعلتموه مغارة لصوص.» ~~(18) فسمع الأحبار والكتبة، فجعلوا يبحثون كيف يهلكونه، وكانوا يخافون لأن الجمع كله كان ~~معجبا بتعليمه. # قوة الصلاة بإيمان ~~(19) وعند المساء مضى إلى خارج المدينة (20) وبينما هم راجعون في الصباح، رأوا التينة قد يبست ~~من أصلها، (21) فتذكر بطرس كلامه فقال له: «رابي، إن التينة التي لعنتها قد يبست.» (22) فقال لهم ~~يسوع: «آمنوا بالله، (23) الحق أقول لكم، من قال لهذا الجبل: قم فاهبط في البحر وهو لا يشك في ~~قلبه، بل يؤمن بأن ما يقوله سيكون، تم له ذلك (24) ولهذا أقول لكم كل شيء تطلبونه في الصلاة، ~~آمنوا بأنكم قد نلتموه، يتم لكم (25) وإذا قمتم للصلاة، وكان لكم شيء على أحد أعفوه منه، لكي ~~يعفو عن زلاتكم أبوكم الذي في السموات (26) وإن لم تغفروا لا يغفر لكم أبوكم الذي في السموات ~~زلاتكم.» # سلطة يسوع ~~(27) وعادوا إلى أورشليم وبينما هو يسير في الهيكل جاء إليه الأحبار والكتبة والشيوخ (28) ~~فقالوا له: «بأي سلطان تفعل هذا؟ بل من أولاك ذلك السلطان لتفعل هذا؟» (29) فقال لهم يسوع: ~~«أسألكم سؤالا واحدا فأجيبوني ثم أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا. (30) أمن السماء جاءت ~~معمودية يوحنا أم من الناس؟» فقالوا في أنفسهم: «إن قلنا من السماء يقول: فلم لم تؤمنوا ~~به؟ (32) أفنقول من الناس؟» وكانوا يخافون الجمع؛ لأن الناس كلهم كانوا يعدون يوحنا نبيا ~~حقا. (33) فأجابوا يسوع: «لا ندري.» فقال لهم يسوع: «وأنا لا أقول لكم بأي ms221 سلطان أفعل ~~هذا.» # الإصحاح الثاني عشر # مثل الكرامين القتلة ~~(1) وشرع يضرب لهم الأمثال قال: «غرس رجل كرما فسيجه، وحفر فيه معصرة وبنى برجا، وآجره ~~بعض الكرامين ثم سافر، (2) فلما حان وقت الثمر، أرسل عبدا إلى الكرامين، ليأخذ منهم نصيبه من ~~ثمر الكرم (3) فأمسكوه وضربوه وأرجعوه فارغ اليدين (4) فأرسل عبدا آخر، وهذا أيضا شجوا رأسه ~~وشتموه، فأرسل آخر وهذا قتلوه (5) ثم أرسل كثيرين غيرهم، فضربوا فريقا وفريقا قتلوا، (6) فبقي ~~عنده واحد وهو ابنه الحبيب، فأرسله إليهم آخر الأمر وقال: «سيهابون ابني.» (7) فقال أولئك ~~الكرامون بعضهم لبعض: «هو ذا الوارث، هلم نقتله، فيعود الميراث إلينا.» (8) فأمسكوه وقتلوه ~~وألقوه في خارج الكرم، (9) فماذا يفعل رب الكرم؟ يأتي ويهلك الكرامين ويجعل الكرم لآخرين، (10) ~~أوما قرأتم هذه الآية: ~~«الحجر الذي رذله البناءون # هو الذي صار رأس الزاوية. ~~(11) ذاك صنع ربنا # كان عجبا لأبصارنا.» ~~(12) فحاولوا أن يمسكوه، ولكنهم خافوا الجمع، وكانوا قد أدركوا أنه يعرض بهم في هذا المثل، ~~فتركوه ومضوا.» # أداء الجزية لقيصر ~~(13) ثم أرسلوا إليه أناسا من الفريسيين والهيرودسيين ليصطادوه بكلمة، (14) فجاءوه وقالوا ~~له: «يا معلم، عهدناك صادقا لا تبالي أحدا؛ لأنك لا تراعي مقام العظماء، بل تهدي الناس ~~سبيل الله هداية صدق، أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا؟» (15) ففطن لريائهم فقال لهم: «لماذا ~~تحاولون إحراجي؟ هاتوا دينارا لآراه.» (16) فأتوا به، فقال لهم: «لمن الصورة هذه؟ والكتابة؟» ~~قالوا: «لقيصر.» (17) فقال لهم: «أعطوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله.» فدهشوا منه. # قيامة الموتى ~~(18) وجاء إليه بعض الصدوقين وهم الذين ينكرون القيامة، فسألوه: (19) «يا معلم إن موسى قد كتب ~~علينا: ~~«إذا مات لامرئ أخ فترك امرأته ولم يخلف ولدا، فليأخذ أخوه المرأة ويقم نسلا لأخيه.» (20) ~~وكان هناك سبعة إخوة، فأخذ الأول امرأة ثم مات ولم يخلف نسلا، (21) فأخذها الثاني ثم مات ولم ~~يخلف نسلا، ومثلهما الثالث، (22) ولم يخلف أحد من السبعة نسلا، ثم ماتت المرأة من بعدهم ~~جميعا (23) فلمن تكون في القيامة المرأة حين يقومون؟ لأنها كانت لكل من السبعة.» ~~(24) فقال لهم يسوع: «أنتم في ms222 ضلال؛ لأنكم تجهلون الكتب وقدرة الله، (25) فعندما يقومون من ~~بين الأموات لا يتزوج الرجال ولا تزوج النساء، وإنما هم كالملائكة في السموات، (26) وأما أن ~~الأموات يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى عند ذكر العليقة، كيف كلمه الله فقال: # أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب. ~~(27) وما كان إله أموات، بل إله أحياء، فأنتم في ضلال كبير.» # أولى الوصايا ~~(28) فدنا إليه أحد الكتبة، وكان قد سمعهم يجادلونه ورأى أنه أحسن الرد عليهم، فسأله: «ما ~~هي الوصية الأولى في الوصايا كلها؟» (29) فأجاب يسوع: «الوصية الأولى هي: ~~«اسمع يا إسرائيل: إن الله ربنا رب أحد، (30) فأحبب الله ربك بجميع قلبك وجميع نفسك وجميع ~~ذهنك وجميع قدرتك.» ~~(31) والثانية هي: «أحبب قريبك حبك لنفسك.» # ولا وصية أخرى أكبر من هاتين.» ~~(32) فقال له الكاتب: «أحسنت يا معلم، لقد أصبت إذ قلت: إنه الأحد وليس من دونه آخر، (33) وأن ~~يحبه الإنسان بجميع قلبه وجميع ذهنه وقدرته، وأن يحب قريبه حبه لنفسه أفضل من كل محرقة ~~وذبيحة.» ~~(34) فلما رأى يسوع أنه أجاب بفطنة قال له: «لست بعيدا عن ملكوت الله.» ولم يجرؤ أحد ~~بعدئذ أن يسأله عن شيء. # يسوع ابن داود وربه ~~(35) وتكلم يسوع وهو يعلم في الهيكل قال: «كيف يقول الكتبة إن المسيح هو ابن داود؟ (36) وداود ~~نفسه قال بوحي من الروح: «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك تحت ~~قدميك.» ~~(37) فداود نفسه يدعوه ربا، فكيف يكون ابنه؟» وكان من الناس جمع كبير يصغي إليه ~~مسرورا. # يسوع يحذر من الكتبة ~~(38) وقال في تعليمه: «إياكم والكتبة، يحبون المشي بالجبب، وتلقي التحيات في الساحات، وصدور ~~المجالس في المجامع، والمقاعد الأولى في المآدب. (40) يأكلون بيوت الأرامل، وهم يظهرون أنهم ~~يطيلون الصلاة. هؤلاء سينالهم العقاب الأشد.» # الأرملة الفقيرة ~~(41) وقعد يسوع قبالة الخزانة ينظر كيف يلقي الجمع في الخزانة نقودا من نحاس، فألقى كثير ~~من الأغنياء شيئا كثيرا. (42) ثم جاءت أرملة فقيرة فألقت فلسين (أي ربع آس)، (43) فدعا ~~تلاميذه وقال لهم: «الحق أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر ms223 من جميع الذين ألقوا ~~في الخزانة، (44) لأنهم كلهم ألقوا من الفاضل عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتها ألقت كل ما ~~تملك، كل رزقها.» # الإصحاح الثالث عشر # نبوءة يسوع عن خراب الهيكل ~~(1) ولما خرج من الهيكل قال له أحد التلاميذ: «يا معلم انظر! يا لها من حجارة! ويا لها من ~~أبنية!» (2) فقال له يسوع: «أترى هذه الأبنية العظيمة؟ لن يبقى منها حجر على حجر، بل ينقض ~~كله.» # نهاية العالم ~~(3) وبينما هو جالس في جبل الزيتون قبالة الهيكل، انفرد به بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس ~~وسألوه: (4) «قل لنا متى يكون هذا، وما هي العلامة عندما يوشك هذا كله أن يتم؟» (5) فشرع يسوع ~~يقول لهم: إياكم أن يضلكم أحد، (6) فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي فيقولون: أنا هو! ~~ويضلون أناسا كثيرين، (7) فإذا سمعتم بالحروب، وبما يشاع عن الحروب فلا تجزعوا، فإنه لا بد ~~من حدوث ذلك، ولكن ليست هي الآخرة، (8) ستقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتحدث زلازل هنا ~~وهناك، وتقع مجاعات، وهذا بدء المخاض، (9) فخذوا حذركم، ستسلمون إلى المجالس وتجلدون في ~~المجامع وتساقون إلى الحكام والملوك من أجلي لتشهدوا لديهم، (10) ويجب أن تعلن البشارة من ~~قبل إلى جميع الأمم، (11) فإذا ساقوكم ليسلموكم، فلا يهمنكم كيف تتكلمون، بل تكلموا بما ~~يلقى إليكم في وقته؛ لأنكم لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس. (12) سيسلم الأخ أخاه إلى ~~الموت، والأب ابنه، ويثور الأبناء لديهم ويقتلونهم، (13) ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي، ومن ~~يثبت إلى النهاية فذاك الذي يخلص، (14) وإذا رأيتم أشنع الخراب نازلا حيث لا ينبغي أن يكون، ~~(ليفهم القارئ) فليهرب إلى الجبال من كان يومئذ في اليهودية، (15) ومن كان على السطح فلا ينزل ~~إلى البيت ليأخذ منه شيئا، (16) ومن كان في الحقل، فلا يرتد إلى الوراء ليأخذ ردءاه، (17) ~~الويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام، (18) صلوا لئلا يحدث ذلك في الشتاء، (19) فستنزل في تلك ~~الأيام نازلة لم يحدث مثلها منذ إنشاء الخليقة إلى اليوم ولن يحدث، (20) ولو لم يجعل الرب تلك ~~الأيام قصيرة، لما ms224 نجا أحد من البشر، ولكن من أجل المختارين الذين اصطفاهم قصر الأيام، (21) ~~فإذا قال لكم قائل: «ها هو ذا المسيح هنا، ها هو ذا هناك!» فلا تصدقوه، (22) فسيظهر مسحاء ~~دجالون وأنبياء كذابون يأتون بآيات وأعاجيب، ولو استطاعوا لأضلوا المختارين، (23) أما أنتم ~~فاحذروا، فقد أنبأتكم كل شيء، (24) وفي تلك الأيام بعد هذه الشدة، تظلم الشمس ويفقد القمر ~~ضوءه، (25) وتتساقط النجوم من السماء، وتتزعزع الأجرام في السماء، (26) وحينئذ يرى الناس ابن ~~الإنسان آتيا في الغمام وله العزة والجلال، (27) فيرسل ملائكته ويجمع مختاريه من جهات ~~الرياح الأربع، من أقصى الأرض إلى أقصى السماء. # مثل التينة ~~(28) خذوا من التينة عبرة: فإذا لانت أغصانها ونبتت أوراقها أدركتم أن الصيف قريب. (29) وكذلك ~~إذا رأيتم هذا كله قد حدث ، فاعلموا أنه قريب على الأبواب. (30) الحق أقول لكم: لن يزول هذا ~~الجيل حتى يتم هذا كله. (31) السماء والأرض تزولان وكلامي لن يزول. # السهر الدائم ~~(32) وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فما من أحد يعلمهما: لا الملائكة في السماء، ولا الابن إلا ~~الآب، (33) فاحذروا واسهروا؛ لأنكم لا تعلمون متى تأتي الساعة (34) فمثل ذلك كمثل رجل سافر وترك ~~بيته، وفوض الأمر إلى عبيده، كل واحد وعمله، وأوصى البواب بالسهر، (35) فاسهروا إذن، لأنكم لا ~~تعلمون متى يأتي رب البيت أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح، (36) ~~لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياما، (37) وما قلته لكم أقوله للناس أجمع، أي اسهروا. # الإصحاح الرابع عشر # آلام يسوع وموته وقيامته # ائتمار الأحبار بيسوع ~~(1) وكان وقوع الفصح والفطير بعد يومين، وكان الأحبار يتلمسون حيلة يمسكونه بها فيقتلونه؛ ~~(2) لأنهم قالوا: «لا نفعل ذلك في العيد، مخافة حدوث اضطراب في الشعب.» # دهن يسوع بالطيب في بيت سمعان الأبرص ~~(3) وبينما هو في بيت عنيا عند سمعان الأبرص، وقد جلس للطعام، جاءت امرأة بيدها قارورة من ~~طيب الناردين الخالص الثمين، فكسرت القارورة وأفاضته على رأسه، (4) فداخل الاستياء بعضهم ~~وتهامسوا: «لم هذا الإسراف في الطيب؟ (5) فقد كان يمكن بيع هذا الطيب بأكثر من ثلاثمائة ~~دينار والتصدق ms225 بها على الفقراء.» وأخذوا يؤنبونها، (6) فقال يسوع: «دعوها، لماذا تعنتونها؟ ~~فقد عملت لي عملا صالحا، (7) أما الفقراء فهم عندكم دائما أبدا، ومتى شئتم، أمكنكم أن ~~تحسنوا إليهم، وأما أنا فلست عندكم دائما أبدا، (8) وقد عملت لي ما في وسعها، فطيبت جسدي ~~سالفا للدفن (9) الحق أقول لكم: حيثما تعلن هذه البشارة في الأرض كلها، يحدث أيضا بما صنعت ~~هذه، إحياء لذكرها.» ~~(10) فذهب يهوذا الإسخريوطي، أحد الاثني عشر، إلى الأحبار ليسلمه إليهم، (11) ففرحوا لسماع ~~ذلك، ووعدوه بأن يعطوه شيئا من الفضة، فأخذ يتربص به ليسلمه. # عشاء الفصح ~~(12) وفي أول يوم من الفطير، اليوم الذي تقرب فيه ذبيحة الفصح، قال له تلاميذه: «إلى أين ~~تريد أن نمضي فنعد لك عشاء الفصح لتأكله؟» (13) فأرسل اثنين من تلاميذه، وقال لهما: «اذهبا ~~إلى المدينة، فيلقاكما رجل يحمل جرة ماء فاتبعاه، (14) وقولا لرب البيت حيث يدخل: يقول ~~المعلم: أين غرفتي التي آكل فيها عشاء الفصح مع تلاميذي؟ (15) فيريكما علية كبيرة مفروشة ~~مهيأة، فأعداه لنا هناك.» (16) فذهب التلميذان وأتيا المدينة، فوجدا كما قال لهما وأعدا ~~عشاء الفصح. ~~(17) ولما كان المساء، جاء مع الاثني عشر (18) وبينما هم على الطعام يأكلون، قال يسوع: «الحق ~~أقول لكم: إن واحدا منكم سيسلمني، وهو يأكل معي.» (19) فاستولى عليهم الحزن وأخذ يسأله ~~الواحد بعد الآخر: «أأنا هو؟» (20) فقال لهم: «إنه واحد من الاثني عشر، وهو الذي يغمس يده ~~في القصة معي، (21) وابن الإنسان ماض كما كتب في مصيره، ولكن الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ~~ابن الإنسان، فلو لم يولد ذلك الإنسان لكان خيرا له.» # تقديس الخبز والخمر ~~(22) وبينما هم يأكلون، أخذ خبزا وبارك ثم كسره وناولهم وقال: «خذوا هذا هو جسدي.» ~~(23) ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم، فشربوا منها كلهم، (24) وقال لهم: ~~«هذا هو دمي، دم العهد، # يراق من أجل جماعة كثيرة. ~~(25) الحق أقول لكم: لا أشرب بعد من عصير الكرمة، حتى يأتي يوم فيه أشربه خمرا جديدا في ~~ملكوت الله.» (26) ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون. # يسوع ينبئ بإنكار بطرس ~~(27) فقال لهم يسوع: «ستشكون ms226 في بأجمعكم في هذه الليلة، لأنه كتب: «سأضرب الراعي فتتبدد ~~الخراف.» ~~(28) ولكن، بعد قيامتي، أتقدمكم إلى الجليل.» (29) فقال له بطرس: «لو شكوا بأجمعهم، فأنا لن ~~أشك.» ~~(30) فقال له يسوع: «الحق أقول لك: اليوم في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ~~ثلاث مرات.» (31) فقال مؤكدا: «لست بناكرك وإن قضي علي بأن أموت معك.» وهكذا قالوا ~~كلهم. # في بستان الزيتون ~~(32) ووصلوا إلى ضيعة يقال لها جتسمانية، فقال لتلاميذه: «اقعدوا هنا ريثما أصلي.» (33) ثم ~~مضى ببطرس ويعقوب ويوحنا، وجعل يستشعر رهبة وكربة، (34) فقال لهم: «نفسي حزينة حتى الموت، ~~امكثوا هنا واسهروا.» (35) ثم ابتعد قليلا ووقع على الأرض يصلي لتبتعد عنه الساعة، إن أمكن، ~~(36) قال: «يا أبتاه، إنك على كل شيء قدير، فاصرف عني هذه الكأس، ولكن لا كما أنا أشاء بل ~~كما أنت تشاء.» (37) ثم رجع فوجدهم نياما، فقال لبطرس: «يا سمعان أتنام ولا تطيق السهر ساعة ~~واحدة؟ (38) اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة، الروح متحمس وأما الجسد فضعيف.» (39) ثم مضى ~~ثانية يصلي فيردد الكلام نفسه، (40) ورجع أيضا فوجدهم نياما؛ لأن النعاس أثقل أعينهم ولم ~~يدروا بماذا يجيبونه، (41) ورجع ثالثة فقال لهم: «ناموا الآن واستريحوا! قضي الأمر وأتت ~~الساعة، إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الخاطئين، (42) قوموا ننطلق، قد اقترب الذي ~~يسلمني.» ~~(43) وبينما هو يتكلم، إذ وصل يهوذا أحد الاثني عشر على رأس عصابة كثيرة العدد تحمل السيوف ~~والعصي أرسلها الأحبار والكتبة والشيوخ، (44) وكان الذي أسلمه قد جعل لهم علامة إذ قال: «هو ~~ذاك الذي أقبله فأمسكوه وسوقوه محفوظا.» ~~(45) وما إن وصل حتى دنا منه فقال له: «رابي!» (يا معلم) وقبله، (46) فبسطوا أيديهم إليه ~~وأخذوه، (47) فاستل أحد الحاضرين سيفه، وضرب عبد عظيم الأحبار فقطع أذنه، فقال لهم يسوع: ~~«أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي لتأخذوني؟ (49) كنت كل يوم بينكم أعلم في الهيكل فلم ~~تأخذوني، وإنما حدث هذا لتتم الكتب.» (50) فتركوه كلهم وهربوا! (51) وتبعه شاب ليس عليه غير ~~إزار فأمسكوه (52) فتخلى عن الإزار وهرب عريانا. # يسوع في المجلس # فذهبوا بيسوع إلى عظيم ms227 الأحبار، فاجتمع الأحبار والشيوخ والكتبة كلهم، (54) وتبعه بطرس عن ~~بعد إلى دار عظيم الأحبار، وقعد مع الحرس يستدفئ عند النار، (55) وكان الأحبار والمجلس كافة ~~يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا، (56) ذلك بأن أناسا كثيرين كانوا يشهدون عليه ~~زورا فلا تتفق شهاداتهم، (57) ثم قام بعضهم وشهدوا عليه زورا قالوا: (58) «قد سمعناه يقول: ~~سأنقض هذا الهيكل الذي صنعته الأيدي، وأبني في ثلاثة أيام هيكلا آخر لم تصنعه الأيدي.» (59) ~~وهذا أيضا لم تتفق عليه شهاداتهم، (60) فقام عظيم الأحبار في وسط المجلس وسأل يسوع: «أما ~~تجيب بشيء؟ ما هذا الذي يشهد به هؤلاء عليك؟» (61) فظل صامتا ولم يجب بشيء، فسأله أيضا ~~عظيم الأحبار: «أأنت المسيح ابن المبارك؟» (62) فقال يسوع: «أنا هو، وسوف ترون ابن الإنسان ~~جالسا عن يمين القدرة، وآتيا على غمام السماء.» ~~(63) فشق عظيم الأحبار ثيابه، وقال: «أي حاجة بنا إلى الشهود، (64) وقد سمعتم الكفر؟ فما ~~قولكم؟» فأجمعوا على الحكم بأنه يستوجب الموت، (65) وأخذ بعضهم يبصقون عليه، ويقنعون وجهه ~~ويلطمونه ويقولون: «تنبأ!» وانهال الحرس عليه بالضرب. # إنكار بطرس ليسوع ~~(66) وبينما بطرس في الساحة السفلى من الدار، جاءت جارية من جواري عظيم الأحبار، (67) فرأت ~~بطرس يستدفئ فتفرست فيه وقالت: «أنت أيضا كنت مع الناصري، مع يسوع» (68) فأنكر قال: «لا أدري ~~ولا أفهم ما تقولين.» وانسل إلى خارج الدار نحو الدهليز، (69) فأبصرته الجارية فأخذت تقول ~~للحاضرين: «هذا منهم!» (70) فأنكر ثانيا وبعد قليل، قال الحاضرون أيضا لبطرس: «حقا أنت ~~منهم لأنك جليلي.» (71) فأخذ يلعن ويحلف «إني لا أعرف هذا الرجل الذي تعنون.» (72) فصاح الديك ~~عندئذ مرة ثانية، فتذكر بطرس قول يسوع: «قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات.» ~~وأخذ يبكي. # الإصحاح الخامس عشر # يسوع عند بيلاطس ~~(1) وما إن أسفر الصبح حتى اجتمع للشورى الأحبار والشيوخ والكتبة أي المجلس كله، ثم أوثقوا ~~يسوع وساقوه وأسلموه إلى بيلاطس، (2) فسأله بيلاطس: «أأنت ملك اليهود؟» فأجابه: «أنت تقول.» (3) ~~وكان الأحبار يتهمونه اتهامات كثيرة، (4) فسأله بيلاطس ثانية: «أما تجيب بشيء؟ انظر كثرة ~~التهم التي تلقى عليك.» (5) ولكن يسوع لم ms228 يجب بشيء حتى تعجب بيلاطس، (6) وكان في كل عيد يطلق ~~لهم سجينا أي واحد طلبوا، (7) وكان رجل يدعى باراباس مسجونا مع المشاغبين الذين اجترموا ~~القتل في فتنة، (8) فصعد الجمع وأخذوا يطلبون ما تعودوا أن يمنحهم، (9) فأجابهم بيلاطس: ~~«أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟» (10) لأنه كان يعلم أن الأحبار من حسدهم أسلموه، (11) فأثار ~~الأحبار الجمع لكي يختاروا إطلاق باراباس، (12) فخاطبهم بيلاطس ثانيا قال: «فماذا أفعل بالذي ~~تدعونه ملك اليهود؟» (13) فعادوا للصياح: «اصلبه!» (14) فقال لهم بيلاطس: «أية جريمة اقترف؟» ~~فبالغوا في الصياح: «اصلبه!» (15) وأراد بيلاطس أن يرضي الجمع، فأطلق لهم براباس، وبعدما جلد ~~يسوع أسلمه ليصلب. # إكليل من شوك على رأس يسوع ~~(16) فساقه الجنود إلى دار الحاكم، فألبوا عليه السرية كلها، (17) وألبسوه أرجوانا، وكللوه ~~بإكليل ضفروه من الشوك، (18) وأخذوا يحيونه فيقولون: «السلام عليك يا ملك اليهود!» (19) ~~ويضربونه بقصبة على رأسه ويبصقون عليه، ويجثون له ساجدين، (20) وبعد ما سخروا منه نزعوا عنه ~~الأرجوان، وألبسوه ثيابه وخرجوا به ليصلبوه. # الصلب ~~(21) وسخروا لحمل صليبه أحد المارة، سمعان القيريني أبا إسكندر وروفس، وكان راجعا من ~~الحقل، (22) وساروا به إلى المكان المعروف بالجلجلة، أي مكان الجمجمة، (23) وقدموا إليه خمرا ~~ممزوجة بمر فلم يتناولها، (24) ثم صلبوه واقتسموا ثيابه، مقترعين على ما يصيب كلا منهم، ~~(25) وكانت الساعة الثالثة حين صلبوه، (26) وكتب في عنوان الحكم عليه: «ملك اليهود» (27) وصلبوا ~~معه لصين، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، (28) فتمت الآية التي جاء فيها: وأحصي مع ~~مجرمين، (29) وكان المارة يشتمونه ويهزون رءوسهم ويقولون: «يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه ~~في ثلاثة أيام، (30) خلص نفسك وانزل عن الصليب.» (31) وكان الأحبار والكتبة يسخرون مثلهم فيقول ~~بعضهم لبعض: «خلص غيره ولا يقدر أن يخلص نفسه! (32) فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب ~~لنرى ونؤمن.» وكان اللصان المصلوبان معه هما أيضا يعيرانه. # موت يسوع ~~(33) ولما بلغت الساعة السادسة انتشر ظلام على الأرض كلها حتى الساعة التاسعة، (34) وصرخ ~~يسوع في الساعة التاسعة صرخة شديدة، قال: # ألوي، ألوي، لما شبقتني؟ ~~(35) (أي إلهي إلهي، لماذا تركتني؟) فسمع بعض الحاضرين ms229 فقالوا: «إنه يدعو إيليا!» (36) فأسرع ~~واحد منهم إلى إسفنجة وبللها بالخل وجعلها على طرف قصبة، وقربها ليشرب وهو يقول: «دعونا ~~ننظر هل يأتي إيليا فينزله.» (37) وصرخ يسوع صرخة شديدة ولفظ الروح، (38) فانشق ستار الهيكل ~~شطرين من أعلى إلى أسفل، (39) وأما قائد المائة، وكان واقفا تجاهه، فإنه لما رآه قد لفظ ~~الروح هكذا، قال: «كان هذا الرجل ابن الله حقا!» وكان جماعة من النساء ينظرن عن بعد، ~~فيهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي، وسالومة، (41) وهن اللوتي تبعنه وخدمنه حين ~~كان في الجليل، وغيرهن كثيرات صعدن معه إلى أورشليم. # دفن يسوع ~~(42) وكان المساء قد أقبل وهو وقت التهيئة أي عشية السبت، (43) فجاء يوسف الرامي، وهو عضو ~~وجيه في المجلس، وكان من الذين ينتظرون ملكوت الله، فحملته الجرأة على أن يدخل إلى بيلاطس ~~ويطلب جسد يسوع، (44) فتعجب بيلاطس أنه مات كذا سريعا، فدعا قائد المائة وسأله: «أوقد ~~مات؟» (45) فلما تحقق الخبر من القائد، سمح بالجثة ليوسف، (46) فاشترى يوسف كفنا ثم أنزل يسوع ~~عن الصليب، فكفنه ووضعه في قبر كان محفورا في الصخر، ثم دحرج حجرا على باب القبر، (47) ~~وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسي تنظران أين وضع. # الإصحاح السادس عشر # القيامة ~~(1) ولما انقضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة طيبا ليأتين فيطيبنه، (2) ~~وفي غداة يوم الأحد جئن إلى القبر وقد طلعت الشمس، (3) وكان يقول بعضهن لبعض: «من تراه يدحرج ~~لنا الحجر عن باب القبر؟» (4) فنظرن فرأين أن الحجر قد دحرج، وكان كبيرا جدا، (5) فدخلن ~~القبر فأبصرن شابا جالسا عن اليمين عليه حلة بيضاء فارتعبن، (6) فقال لهن: «لا ترتعبن! ~~أنتن تطلبن يسوع الناصري الذي صلب، إنه قام وليس هنا، وهذا هو المكان الذي وضع فيه (7) ~~فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: إنه يتقدمكم إلى الجليل، فترونه هناك كما أنبأكم.» (8) فخرجن من ~~القبر هاربات، لما أخذهن من الرعدة والدهش، ولم يخبرن أحدا بشيء لأنهن كن خائفات. # ترائي يسوع ~~(9) قام يسوع صباح الأحد، فتراءى أولا لمريم المجدلية، تلك التي أخرج منها سبعة شياطين، (10) ~~فمضت ms230 وأخبرت تلاميذه، وكانوا في مناحة ونحيب، (11) فلما سمعوا أنه حي وأنها شاهدته لم ~~يصدقوها، (12) وتراءى بعد ذلك بهيئة أخرى لاثنين منهم كانا في الطريق، ذاهبين إلى إحدى ~~القرى، (13) فرجعا وأخبرا الآخرين فلم يصدقوهما أيضا، (14) وتراءى آخرا للأحد عشر أنفسهم، وهم ~~على الطعام، فوبخهم بقلة إيمانهم وقساوة قلوبهم؛ لأنهم لم يصدقوا الذين رأوه بعدما قام، (15) ~~ثم قال لهم: «اذهبوا في الأرض كلها، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين، (16) فمن آمن واعتمد ~~يخلص، ومن لم يؤمن يقض عليه، (17) والذين يؤمنون تصحبهم هذه الآيات: فباسمي يطردون ~~الشياطين، ويتكلمون بلغات مختلفة، (18) ويمسكون بأيديهم الحيات، وإن شربوا شرابا قاتلا لا ~~يؤذيهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون.» ~~(19) وبعدما كلمهم الرب يسوع، رفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله. ~~(20) فذهب أولئك يبشرون في كل مكان، والرب يعينهم ويؤيد كلامه بما يصحبه من الآيات. # | مراجع البحث # Baigent. M, And Leigh. R.; The Holy Blood And The Holy Grail, Jonathan Cap, London, ~~1982. # Branston, Willis (editor); the Other Bible, Harper- Collins, New York, 1984. # Culiano, Loan Petru; Gnosticism From The Middle Ages To The Present. In: M. Eliade, ~~editor, Encyclopedia Of Religion, MacMillan, London, 1987. # Dart, John and Reigent, Ray, The Gospel of Thomas, Seastone, Berkley- California, ~~2000. # James, Montague Rhodes; The Apocryphal New Testament, Oxford University Press, ~~Oxford, 1983. # Meyes, Marvin W.; The Secret Teachings of Jesus, Vintage, 1986. # Moor, Edward; Gnosticism, The Internet Encyclopedia of Philosophy. Pagels, Elaine, Beyond Belief, Random House, New York, 2003. Pagels, Elaine, The Gnostic Gospels, Vintage, New York, 1981. # Quispel, Gilles, Gnosticism, in: M. Eliad, editor, Encyclopedia of Religion, Vol. 5, ~~MacMillan, London, 1987, Vol 5. # Robinson, James M. (editor); The Nag Hammadi Library, Harper and Row, New York, ~~1978. # Rodolph, Kurt; Gnosis: The Nature and History of Gnosticism, Harper Collins, New ~~York, 1987. # Spencer Lewis, Herbert; the Mystical Life of Jesus, AMORC, San Jose, California, ~~1982. # Stewart, Desmond; The Foreigner; A Search for the First Century Jesus, Hamish ~~Hamilton, London, 1981. # ديميتري أفييرينوس: إنجيل توما، موقع مجلة معابر على ms231 الإنترنت # www.maaber.50megs.com ~~، العدد 4. # إسكندر شديد: الأناجيل المنحولة، سلسلة الكنيسة في الشرق، لبنان، 1999م. # جيمس بنتلي: اكتشاف الكتاب المقدس، قيامة المسيح في سيناء، ترجمة آسيا الطريحي، دار ~~سينا، القاهرة، 1995م. ms232