######OpenITI# #META# URI: 1450GhadaHilwani.SacadaMufrita.Hindawi91683537 #META# Tags: literature #META# ID: 91683537 #META# Title: سعادة مفرطة #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 53746192 :: 75847252 #META# Editor: محمد إبراهيم الجندي :: سارة عادل #META# TranslatorID: 16241964 #META# Translator: غادة الحلواني #META# Related_books: 1450AliceMunro.TooMuchHappiness (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # أبعاد‏ # أدب‏ # حافة وينلوك‏ # حفر-عميقة‏ # جذور حرة‏ # وجه‏ # بضع نساء‏ # لعب أطفال‏ # الحرش‏ # سعادة مفرطة‏ # شكر وتقدير‏ # أبعاد‏ # أدب‏ # حافة وينلوك‏ # حفر-عميقة‏ # جذور حرة‏ # وجه‏ # بضع نساء‏ # لعب أطفال‏ # الحرش‏ # سعادة مفرطة‏ # | سعادة مفرطة # | سعادة مفرطة # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # غادة الحلواني # مراجعة # محمد إبراهيم الجندي # سارة عادل # إلى ديفيد كونلي # | شكر وتقدير # اكتشفت صوفيا كوفالفسكي بينما كنت أبحث عن شيء آخر في الموسوعة البريطانية ذات يوم. أسر ~~انتباهي ذلك المزيج بين الروائية وعالمة الرياضيات، وبدأت أقرأ كل شيء عنها استطعت أن أعثر ~~عليه. كتاب واحد تملكني دون غيره؛ ولهذا يجب أن أسجل شكري وامتناني الكبيرين لمؤلفي ~~«عصفور الدوري الصغير: لمحات من حياة صوفيا كوفالفسكي» (أوهايو يونيفيرستي برس، أثينس، ~~أوهايو، 1883)؛ دون إتش كينيدي وزوجته نينا، اللذين ينحدران من عائلة صوفيا، وقد أمداني ~~بكثير من النصوص المترجمة عن الروسية، التي ضمت أجزاء من مذكرات صوفيا، ورسائل وكتابات ~~أخرى عديدة. # لقد قصرت القصة على الأيام التي سبقت وفاتها، مع الرجوع أحيانا لفترات من حياتها ~~المبكرة، لكني أدعو أي شخص مهتم بأن يقرأ كتاب كينيدي الذي يقدم ثراء تاريخيا ورياضيا ~~هائلا. # أليس مونرو # كلينتون، أونتاريو # كندا # يونيو 2009 # | أبعاد # اضطرت دوري أن تستقل ثلاث حافلات؛ واحدة إلى كينكاردين، حيث انتظرت المتجهة إلى ~~لندن، ثم انتظرت مرة أخرى حافلة المدينة المتجهة إلى مركز التأهيل. بدأت الرحلة يوم الأحد ~~في التاسعة صباحا؛ وبسبب فترات الانتظار بين مواعيد الحافلات، لم تقطع المائة ميل سفرا ~~إلا مع حلول الساعة الثانية بعد الظهر. لم تكن تبالي بكل هذا الجلوس، سواء في الحافلات أم ~~في المحطات؛ فعملها اليومي ليس من النوع الذي تؤديه وهي جالسة. # كانت عاملة تنظيف في نزل سبروس بلو. كانت تدعك الحمامات وتغير ملاءات الأسرة ~~وترتبها وتكنس السجاد بالمكنسة الكهربائية وتلمع المرايا. أحبت عملها؛ شغل ~~عقلها بقدر معين، وأنهكها بحيث كانت تستطيع النوم في الليل. نادرا ما واجهت فوضى؛ على ~~الرغم من أن النساء اللواتي كن يعملن معها يمكن أن يحكين قصصا تجعل شعر ms001 رأسك يقف. كان ~~هؤلاء النسوة أكبر منها سنا، واعتقدن جميعا، أنها يجب أن تحصل على عمل أفضل. قلن لها: ~~إنه يجب عليها أن تتدرب على وظيفة مكتبية بينما لا تزال شابة صغيرة وتتمتع بمظهر مقبول. ~~لكنها كانت راضية عما تفعله؛ فلم تكن ترغب في أن تضطر إلى التحدث مع ~~الناس. # لم يعرف أحد ممن عمل معها ما حدث؛ أو لو كانوا يعلمون، فلم يكشفوا عنه. نشرت ~~الجريدة صورتها؛ استخدمت الصورة التي التقطها هو لها هي والأطفال الثلاثة: المولود الجديد، ~~ديميتري بين ذراعيها، وباربرا آن وساشا على الجانبين ينظران. كان شعرها طويلا ~~ومموجا وبني اللون حينئذ، وطبيعيا في تجعيداته ولونه، كما كان يحبه، ووجهها ~~خجولا وناعما؛ صورة عكست كيف أراد أن يراها أكثر مما عكستها هي فعلا. # منذ ذلك الحين، قصت شعرها قصيرا وصبغته بلون فاتح، وفقدت كثيرا من وزنها. استخدمت ~~اسمها الثاني حاليا: فلور. كذلك كان العمل الذي وجدوه لها في بلدة بعيدة عن التي كانت ~~تعيش فيها. # كانت هذه المرة الثالثة التي قامت فيها بالرحلة. رفض في المرتين الأوليين أن ~~يراها. ولو فعل هذا مرة ثانية فربما تتخلى عن محاولاتها، وحتى لو رآها، فقد لا تأتي مرة ~~أخرى لفترة من الزمن. لم تنو أن تسرف في حماسها، وفي الحقيقة، لم تكن تعرف حقا ماذا ~~تنوي أن تفعل. # في الحافلة الأولى لم تعان كثيرا. استقلتها ونظرت إلى المشاهد الطبيعية فقط. كانت قد ~~نشأت على الساحل، حيث كان هناك شيء ما يشبه الربيع، لكن هنا، يقفز الشتاء مباشرة تقريبا ~~إلى الصيف. منذ شهر سقط الثلج، والآن الجو حار بما يكفي للخروج بملابس بلا أكمام. مساحات ~~ساطعة من المياه تغطي الحقول، وتنهمر أشعة الشمس عبر فروع الشجر العارية. # في الحافلة الثانية، بدأت تشعر بالتوتر، ولم تستطع أن تمنع نفسها من محاولة تخمين أي من ~~النساء اللواتي حولها تتجه إلى المكان نفسه. كن يسافرن وحدهن، وارتدين ~~ملابسهن غالبا بقدر من العناية، ربما ليبدون كأنهن ذاهبات إلى الكنيسة. بدت النساء ~~الأكبر عمرا منهن وكأنهن ms002 تنتمين إلى كنائس تقليدية متزمتة، حيث يجب عليهن ارتداء ~~التنورات والجوارب ونوع من القبعات؛ في حين تنتمي الأصغر سنا على الأرجح إلى رعية ~~أكثر حيوية تتقبل ارتداء البذل والوشائح البراقة والحلقان وتسريحات الشعر ~~المرسل. # لم تكن دوري تلائم أيا من الفئتين؛ فخلال فترة عملها طيلة عام ونصف، لم تشتر لنفسها ~~قطعة ثياب واحدة جديدة. ارتدت زي العمل الرسمي في ساعات عملها، وبنطلون الجينز في أي مكان ~~آخر. أقلعت عن التزين لأنه لم يكن يسمح به، والآن، على الرغم من أنها تستطيع هذا، لم ~~تتزين. لم يناسب شعرها القصير الأصفر بلون الذرة وجهها الهزيل الخالي من الزينة، لكن ~~لم يكن هذا مهما. # في الحافلة الثالثة، جلست على مقعد يجاور النافذة، وحاولت أن تهدئ نفسها بأن تقرأ ~~اللافتات: لافتات الإعلانات ولافتات الشوارع على السواء. استخدمت حيلة معينة كانت قد ~~تعلمتها لتبقي ذهنها مشغولا. أخذت حروف أي كلمة تقع عليها عيناها، وحاولت أن ترى كم ~~كلمة جديدة يمكن أن تستخرجها منها. «قهوة»، على سبيل المثال، يمكن أن تعطيك «هو» و«قوة» ~~و«هوة»؛ وكلمة «متجر» يمكن أن تعطي «مرج» و«رجم» و«جرم» - مهلا - و«مر». كانت الكلمات ~~وفيرة على الطريق خارج المدينة بينما يمرون بلوحات الإعلانات والمحال التجارية شديدة ~~الضخامة، ومسابقات السحب على السيارات، حتى البالونات التي تطفو فوق الأسطح للإعلان عن ~~التنزيلات. ~~••• # لم تخبر دوري السيدة ساندس عن محاولتيها الأخيرتين، والأرجح أنها لن تخبرها عن هذه ~~المرة أيضا. كانت السيدة ساندس، التي كانت دوري تراها فيما بعد ظهيرة أيام الإثنين، تتحدث ~~عن التطلع للمستقبل، على الرغم من أنها كانت تقول دوما إن هذا سوف يستغرق بعض الوقت، وإنه ~~لا يجب استعجال الأمور. قالت لدوري إنها تبلي بلاء حسنا، وإنها تستكشف تدريجيا مكامن ~~قوتها. # قالت: «أعرف أن هذه الكلمات أصبحت مبتذلة حتى الموت، لكنها تظل صحيحة.» # احمر وجهها حين انتبهت لما قالته - «الموت» - لكنها لم تزد الأمر سوءا ~~بالاعتذار. # حين كانت دوري في السادسة عشرة من عمرها - منذ سبع سنوات مضت - كانت تزور أمها في ~~المستشفى كل ms003 يوم بعد انتهاء يومها الدراسي. كانت أمها تتعافى من عملية أجرتها في ~~ظهرها، أخبرها الأطباء أنها عملية كبيرة لكن ليست خطيرة. كان لويد ممرضا. جمعهما، هو ~~ووالدة دوري، أنهما خنفسا (هيبز) قديمان؛ على الرغم من أن لويد كان أصغر ببضع سنوات من ~~والدتها، وحينما كان يتاح له الوقت، كان يأتي ليتحدث معها عن الحفلات الموسيقية والمظاهرات ~~الاحتجاجية التي حضراها معا قبل أن يعرف أحدهما الآخر، والأشخاص البشعين الذين ~~عرفاهم ورحلات المخدرات التي أفقدتهما الوعي، وأشياء من هذا القبيل. # كان لويد محبوبا بين المرضى بسبب مزحاته ومهارته الواثقة والقوية. كان قصيرا وقويا ~~وممتلئ الجسم وعريض الكتفين وسلطويا بما يكفي لكي يظن في بعض الأحيان أنه طبيب (لم ~~يكن هذا يسعده؛ فقد كان مقتنعا أن كثيرا من الأدوية مزيفة وأن كثيرا من الأطباء ~~حمقى). كان لديه جلد حساس ضارب إلى الحمرة، وشعر فاتح اللون، وعينان جريئتان. # قبل دوري في المصعد، وقال لها إنها زهرة في صحراء، ثم ضحك من نفسه وقال: «يا لي من ~~مبتذل!» # قالت متلطفة: «إنك شاعر ولكنك لا تعرف.» # ماتت أمها فجأة في إحدى الليالي بسبب انسداد دموي. كان لدى أم دوري صديقات كثيرات يمكن أن ~~يتعهدن برعايتها - وأقامت مع واحدة منهن لفترة من الزمن - لكن كان لويد، الصديق الجديد، ~~هو الذي تفضله دوري. مع حلول عيد ميلادها التالي كانت حاملا، ثم تزوجت. لم يتزوج لويد ~~قط من قبل، على الرغم من أن لديه طفلين على الأقل، لم يكن متأكدا من مكانهما. لا بد ~~أنهما قد كبرا في ذلك الوقت على أي حال. تغيرت فلسفته في الحياة مع تقدمه في العمر؛ حيث ~~أصبح يؤمن بالزواج، والاستقرار، والإنجاب بلا تحديد للنسل. وعثر على شبه جزيرة سشلت التي ~~عاش عليها مع دوري، والتي أصبحت زاخرة بالناس هذه الأيام؛ أصدقاء قدامى وأساليب حياة قديمة ~~وأحباب قدامى. وسريعا ما انتقل هو ودوري عبر البلاد إلى مدينة اختاراها من اسم على ~~الخريطة: مايلد ماي. حصل لويد على وظيفة في مصنع للآيس كريم، وزرعا حديقة. ms004 عرف لويد الكثير ~~عن البستنة، مثلما عرف عن نجارة البيت وتشغيل مدفأة الخشب والحفاظ على سيارة قديمة ~~في حالة جيدة. # ولد ساشا. ~~••• # قالت السيدة ساندس: «طبيعي تماما». # تساءلت دوري: «حقا؟» # كانت دوري تجلس دائما على مقعد مستقيم الظهر أمام مكتب، وليس على الأريكة التي ~~تزينها الورود وتغطيها الوسائد. نقلت السيدة ساندس مقعدها إلى جوار المكتب، بحيث ~~تستطيعان التحدث بدون أي حاجز بينهما. # قالت: «توقعت إلى حد ما أن تفعلي هذا؛ أعتقد أن هذا ما كنت سأفعله لو كنت في ~~مكانك.» # لم تكن السيدة ساندس لتقول هذا في البداية؛ فمنذ عام، كانت أكثر حذرا؛ إذ كانت تعلم أن ~~دوري يمكن أن تغضب من فكرة أن أي إنسان، أي مخلوق، يمكن أن يكون في مكانها. الآن، تعرف ~~أن دوري سوف تعتبرها مجرد وسيلة، بل وسيلة متواضعة، لمحاولة الفهم. # إن السيدة ساندس من نوع مختلف؛ لم تكن رشيقة ولا رفيعة ولا جميلة. ولم تكن كبيرة في السن ~~كذلك. كانت تقريبا في عمر والدة دوري؛ على الرغم من أنها فيما يبدو لم تكن من الخنافس ~~يوما. كان شعرها الرمادي قصيرا، ولديها شامة فوق إحدى عظمتي وجنتيها. وكانت ~~ترتدي أحذية مستوية وبنطلونات فضفاضة وبلوزات مزينة بالورود؛ وحتى عندما تكون بلون وردي ~~أو تركوازي لم تعكس اهتمامها حقا بما ترتديه؛ كما لو أن أحدهم قال لها إنها تحتاج إلى أن ~~تتأنق، فذهبت في طاعة تشتري ما اعتقدت أنه يمكن أن يحقق هذا. أزال وقارها الكبير ~~واللطيف والموضوعي أي مرح مفرط وأي قدر من الإهانة قد تعبر عنه تلك الملابس. # قالت دوري: «حسنا، لم أره في المرتين الأوليين إطلاقا. لم يرغب في الخروج.» ~~- «لكنه خرج هذه المرة؟ خرج، أليس كذلك؟» ~~- «بلى، خرج. بالكاد تعرفت عليه.» ~~- «هل كبر في السن؟» ~~- «أعتقد هذا، أعتقد أنه فقد بعضا من وزنه. وتلك الملابس، الزي الموحد، لم أره قط ~~يرتدي شيئا كهذا.» ~~- «هل بدا لك شخصا مختلفا؟» ~~- «كلا.» ثم عضت دوري شفتها العليا وهي تحاول أن تفكر كيف كان الاختلاف. كان هادئا ms005 ~~جدا. لم تره قط هكذا من قبل. لم يعرف حتى إنه سوف يجلس أمامها. كانت كلماتها ~~الأولى له: «ألن تجلس؟» فقال: «هل هذا مناسب؟» # قالت: «بدا خاويا نوعا ما. تساءلت ماذا إذا كانوا يعطونه مخدرا؟» ~~- «ربما شيئا ما ليظل مستقرا. لا أعرف. هل تبادلتما الحديث؟» # تساءلت دوري إذا كان يمكن أن تسميه هكذا. سألته بعض الأسئلة الغبية والعادية؛ كيف ~~يشعر؟ (بخير.) هل يحصل على ما يكفي من الطعام؟ (يظن هذا.) هل هناك مكان يستطيع أن يمشي فيه ~~إذا أراد؟ (نعم، تحت المراقبة. يعتقد أنه يمكن تسميته مكانا. ويعتقد أنه يمكن تسميته ~~مشيا.) # قالت: «يجب أن تحصل على هواء نقي.» # قال: «هذا صحيح.» # سألته ما إذا كان قد كون أي صداقات. بالأسلوب الذي تسأل به أطفالك عن أحوالهم في ~~المدرسة. # قالت السيدة ساندس - وهي تدفع علبة المناديل المفتوحة إلى الأمام: «نعم، نعم.» لم ~~تحتج دوري إليها؛ فقد كانت عيناها جافتين. كان الاضطراب في أسفل بطنها، ~~الجيشان. # انتظرت السيدة ساندس؛ فهي تملك ما يكفي من الخبرة لكي تتركها دون ضغوط. # وكما لو أنه اكتشف ما كانت على وشك أن تقوله، أخبرها لويد أن طبيبا نفسيا كان يزوره ~~ويتحدث معه في أحيان كثيرة. # قال لويد: «أقول له إنه يضيع وقته. أنا أعرف بقدر ما يعرف هو.» # كانت تلك هي المرة الوحيدة التي بدا فيها على طبيعته بالنسبة لدوري. # ظل قلبها يدق طوال الزيارة. اعتقدت أنها يمكن أن تفقد الوعي أو تموت. كان النظر ~~إليه يكلفها مجهودا كبيرا، وأن تراه عيناها رجلا رفيعا اشتعل شعره بالشيب، ~~هيابا مع أنه بارد، ويتحرك حركة آلية وإن كانت مضطربة. # لم تقل أي شيء من هذا للسيدة ساندس؛ فقد تسأل السيدة ساندس، بمكر، ممن كانت خائفة. منه ~~أم من نفسها؟ # لكنها لم تكن خائفة. ~~••• # حين بلغ ساشا عاما ونصفا، ولدت باربارا آن، وحين بلغت عامين، رزقا بديميتري. ~~سميا ساشا معا، وبعد ذلك اتفقا على أنه هو من سيختار أسماء الأولاد وهي سوف تختار ~~أسماء البنات. # كان ديميترى أول ms006 طفل لهما يصاب بالمغص. ظنت دوري أنه ربما لا يحصل على ما يكفي من الحليب ~~أو أن لبنها لم يكن دسما بما يكفي، أو دسما أكثر مما ينبغي؟ لم يكن هذا صحيحا على أي ~~حال. أحضر لويد سيدة من منظمة لا ليتش للتشجيع على الرضاعة الطبيعية وتكلمت معها. قالت لها ~~السيدة: أيا كان ما تفعلينه، فلا بد أن تمتنعي عن إعطائه أي لبن صناعي مكمل؛ فهذا أول ~~الغيث، وسرعان ما سيلفظ ثديك تماما. # لم تكن تعرف أن دوري كانت تطعمه بالفعل لبنا صناعيا مكملا. وقد بدا حقا أنه ~~يفضله؛ كان يلفظ الثدي أكثر وأكثر. وفي خلال ثلاثة أشهر كان يتغذى كليا على زجاجات ~~اللبن الصناعي، ثم لم تكن هناك طريقة لإخفاء الأمر عن لويد. قالت له إن حليبها جف، وإنها ~~سوف تضطر إلى أن تبدأ بإطعامه حليبا خارجيا. عصر لويد ثديا بعد الآخر بتصميم ~~جنوني ونجح في استخراج بضع قطرات من لبن هزيل. نعتها بالكاذبة؛ فتشاجرا. قال لها إنها ~~عاهرة مثل أمها. # قال إن كل أولئك الخنافس كن عاهرات. # تصالحا سريعا. لكن حينما كان ديميتري يضطرب، حينما يصاب بالبرد، أو يخاف من أرنب ساشا، ~~أو لا يزال يتعلق بالكراسي في العمر الذي كان أخوه وأخته قد بدآ في المشي بلا مساعدة، كان ~~لويد يتذكر عجزها عن إرضاعه طبيعيا. ~~••• # أول مرة ذهبت فيها دوري إلى مكتب السيدة ساندس، أعطتها إحدى النساء هناك كتيبا. كان على ~~غلافه الأمامي صليب ذهبي وكلمات بلون ذهبي وحروف بنفسجية. «حين تفوق خسارتك ~~الاحتمال ...» كان بداخله صورة للمسيح بألوان هادئة مع كلمات أخرى أصغر لم تقرأها ~~دوري. # على مقعدها أمام المكتب، حيث لا تزال تقبض على الكتيب، بدأت دوري ترتجف. كان على ~~السيدة ساندس أن تنتزعه من يدها. # قالت ساندس: «هل أعطاك أحد هذا؟» # قالت دوري - وهي تومئ برأسها تجاه الباب المغلق: «هي.» ~~- «لا تريدينه؟» # قالت دوري: «لحظة سقوطك هي اللحظة التي يهاجمك فيها الجميع.» ثم أدركت أن والدتها قالت ~~هذا حين جاءت بعض السيدات لزيارتها في ms007 المستشفى برسالة مشابهة. «يعتقدون أنك سوف تنهارين ~~ثم يكون كل شيء على ما يرام.» # تنهدت السيدة ساندس. # قالت: «حسنا، الأمر ليس بهذه البساطة بالتأكيد.» # قالت دوري: «بل ليس حتى ممكنا.» ~~- «ربما لم يكن ممكنا.» # لم يتحدثا عن لويد في تلك الأيام. لم تكن دوري تفكر فيه قط ما دام بوسعها تجنب ذلك؛ ~~وعندما كانت تفكر فيه كانت تعتبره حادثة فظيعة من حوادث الطبيعة. # قالت - مشيرة إلى ما جاء في الكتيب: «حتى لو آمنت بهذه الأمور، سيكون هذا فقط من أجل ...» ~~كانت تريد أن تقول إن هذا الإيمان القوي يمكن أن يكون مناسبا لأنها تستطيع حينئذ أن تتخيل ~~لويد يحترق في الجحيم، أو شيء من هذا القبيل، لكنها كانت عاجزة عن الاستمرار في الكلام لأنه ~~كان من الغباء جدا أن تتحدث عن الأمر. وبسبب المانع المألوف لديها، كان الأمر أشبه ~~بمطرقة تضربها في بطنها. ~~••• # اعتقد لويد أن أطفاله يجب أن يتلقوا تعليمهم في البيت. لم يكن هذا لدواع دينية - ~~كعدم الإيمان بوجود الديناصورات، وإنسان الكهف، والقرود وكل هذه الأشياء - بل لأنه أرادهم ~~أن يكونوا قريبين من والديهم وأن يتعرفوا على العالم بحرص وبالتدريج، عوضا عن أن يلقوا ~~فيه مرة واحدة. قال: «أعتقد أنهم أطفالي؛ أعني أنهم أطفالنا وليسوا أطفال وزارة ~~التعليم.» # لم تثق دوري أنها تستطيع التعامل مع هذا، لكن اتضح أن وزارة التعليم لديها إرشادات وخطط ~~دروس يمكن أن تحصل عليها من المدرسة المحلية. كان ساشا ولدا ذكيا، علم نفسه فعليا ~~القراءة، وكان الاثنان الآخران لا يزالان صغيرين في السن بعد على أن يتعلما هذا ~~القدر. في الأمسيات والإجازات الأسبوعية، علم لويد ساشا الجغرافيا، والنظام الشمسي، ~~والبيات الشتوي لدى الحيوانات، وكيف تعمل السيارة، بأن غطى كل موضوع بالإجابة على ~~أسئلته عنه. وسرعان ما كان ساشا قد سبق خطط المدرسة التعليمية، لكن دوري كانت تلتزم بها ~~على أية حال، وجعلت ساشا يكمل التمارين في الوقت المحدد التزاما بالقانون. # كان يسكن بالمقاطعة أم أخرى تقوم بالتدريس المنزلي. كان اسمها ماجي، وكان لديها ms008 شاحنة ~~صغيرة. احتاج لويد سيارته ليذهب إلى عمله، ولم تتعلم دوري القيادة؛ لهذا كانت تسعد حين ~~تعرض عليها ماجي أن توصلها إلى المدرسة مرة في الأسبوع لكي تقدم التمارين المحلولة وتحصل ~~على الجديدة. بالطبع كانتا تصطحبان كل الأطفال معهما. كان لدى ماجي ولدان. عانى الأكبر من ~~أنواع عديدة من الحساسية حتى إنها اضطرت أن تراقب كل ما يأكله مراقبة صارمة؛ وهذا هو السبب ~~في أنها كانت تعلمه في البيت. ثم بدا أنها يمكن أن تبقي الأصغر في البيت كذلك. ~~لقد أراد أن يبقى مع أخيه وكان يعاني من الربو على كل حال. # كم شعرت دوري بالامتنان حينئذ بمقارنتهما بأطفالها الأصحاء الثلاثة. قال لويد إن السبب ~~هو أنها أنجبت كل أطفالها حين كانت لا تزال يافعة، بينما انتظرت ماجي حتى بلغت حافة سن ~~اليأس. كان يبالغ في تقديره لعمر ماجي، لكن كان صحيحا أنها انتظرت. عملت بمهنة فني ~~صناعة نظارات. كانت شريكة زوجها، ولم يبدآ في تكوين عائلة حتى تستطيع ترك المهنة، وكان ~~لديهما بيت في الريف. # كان شعر ماجي خليطا من الأبيض والأسود، وقصيرا جدا. كانت طويلة، ذات صدر مستو غير ~~بارز، مبتهجة وعنيدة. وكان لويد يدعوها «ليزي» (السحاقية)؛ من وراء ظهرها فقط بالطبع. كان ~~يمازحها في التليفون لكن يهمس لدوري: «ليزي». لم يزعج هذا دوري فعليا؛ فهو قد نعت عديدا ~~من النساء بهذا، لكنها خشيت أن ترى ماجي مزاحه ودا مبالغا فيه، أو تطفلا، أو على ~~الأقل مضيعة للوقت. ~~- «تريدين التحدث إلى السيدة العجوز؟ نعم، إنها هنا. تغسل على لوح الغسيل. نعم، أجعلها ~~تعمل كالعبيد. هي قالت لك هذا؟» ~~••• # اعتادت دوري وماجي أن تشتريا البقالة معا بعد أن تحضرا الأوراق من المدرسة، ثم في بعض ~~الأحيان تحتسيان القهوة في تيم هورتونس وتأخذان الأطفال إلى حديقة ريفرسايد. تجلسان على أحد ~~المقاعد الطويلة بينما يتسابق ساشا وأطفال ماجي حولهما أو يتدلون من آلة جديدة للتسلق، ~~وباربرا آن تتأرجح وديميتري يلعب في ملعب الرمل؛ أو تجلسان في الحافلة الصغيرة إذا كان الجو ms009 ~~باردا. تتحدثان معظم الوقت عن الأطفال وما تطبخان. لكن بطريقة ما، اكتشفت دوري كم ترحلت ~~ماجي في أوروبا قبل أن تتلقى تدريبها في صناعة النظارات، واكتشفت ماجي كم كانت دوري صغيرة ~~في السن حين تزوجت. وكذلك كيف حبلت بسهولة في البداية، وكيف لم يعد هذا سهلا بعد ذلك، ~~وكيف جعل هذا لويد متشككا، بحيث فتش أدراجها بحثا عن حبوب منع الحمل؛ اعتقادا منه ~~أنها تتناولها في الخفاء. # سألت ماجي: «وهل تأخذينها؟» # صدمت دوري. ثم قالت إنها لا تجرؤ على هذا. ~~- «أقصد، أعتقد أنه أمر شنيع أن أتناول حبوبا دون أن أخبره. كانت مجرد مزحة منه حين بدأ ~~يفتش عنها.» # قالت ماجي: «أوه!» # وذات مرة، سألتها ماجي: «هل كل شيء على ما يرام؟ أقصد زواجك؟ هل أنت سعيدة؟» # قالت دوري نعم، بدون تردد. بعد ذلك أصبحت حذرة فيما تقوله. رأت أنها اعتادت أشياء قد ~~لا يفهمها الآخرون. كان للويد نظرته الخاصة إلى الأمور: هكذا كان فحسب. حتى حين قابلته ~~أول مرة في المستشفى، كان هكذا. كانت رئيسة الممرضات من النوع المتكلف، لهذا سماها ~~السيدة «بيتش أوت أوف هيل» (عاهرة من الجحيم)، بدلا من اسمها الذي كان «السيدة ميتشيل». ~~كان ينطق الاسم سريعا جدا حتى إنك بالكاد تستطيع أن تلتقطه. كان يعتقد أنها تحابي ~~المفضلين لديها، وأنه ليس واحدا منهم. والآن هناك شخص يمقته في مصنع الآيس كريم؛ شخص ~~أسماه «لوي ماص القضيب». لم تعرف دوري اسم الرجل الحقيقي. لكن على الأقل برهن هذا أن من ~~يثير حفيظته ليس النساء فقط. # كانت دوري متأكدة أن هؤلاء الناس ليسوا بهذا السوء الذي يظنه لويد، لكن لا طائل من ~~معارضته. ربما يحتاج الرجال إلى أعداء فقط، كما يحتاجون إلى النكات. وفي بعض الأحيان كان ~~لويد يحول الأعداء إلى نكات، تماما كما لو كان يضحك من نفسه. كان يسمح لها حتى أن تضحك ~~معه، ما دامت ليست هي من بدأت الضحك. # أملت ألا يكون هذا سلوكه مع ماجي. في بعض الأوقات شعرت بالخوف حين رأت ms010 شيئا من هذا ~~القبيل على وشك الحدوث. إذا منعها من الركوب مع ماجي إلى المدرسة والبقالة، فسوف يسبب لها ~~هذا إزعاجا كبيرا. لكن الأسوأ هو إحساس الخزي. كان يجب عليها أن تلفق أكذوبة ما ~~لتوضح الأمور. لكن ماجي قد تعرف؛ على الأقل قد تعرف أن دوري تكذب، وعلى الأرجح سوف تفسر ~~هذا على أن دوري كانت في موقف أسوأ مما هي عليه فعليا. وماجي لديها نظرتها الثاقبة الخاصة ~~للأمور. # لكن بعد ذلك، سألت دوري نفسها لماذا عليها أن تهتم بما تعتقده ماجي. كانت ماجي غريبة ~~عنها، لم تكن حتى شخصا شعرت دوري بالراحة معه. كان لويد من قال هذا، وكان محقا. إن حقيقة ~~الأمور بينهما، الرابطة بينهما، ليست شيئا يمكن أن يفهمه أي شخص آخر ولا يعني أحدا آخر. ~~لو استطاعت دوري الحفاظ على إخلاصها، كل شيء سيكون على ما يرام. ~~••• # ازداد الأمر سوءا بالتدريج؛ ما من منع مباشر، ولكن المزيد من النقد. خرج لويد بنظرية أن ~~الحساسية التي يعاني منها أطفال ماجي والربو ربما نتيجة خطأ ماجي. قال إن الأم هي السبب ~~عادة. لقد اعتاد أن يرى هذا في المستشفى طوال الوقت؛ الأم المسيطرة وعادة المتعلمة زيادة ~~عن اللازم. # قالت دوري باندفاع: «يولد الأطفال أحيانا بمرض ما فحسب، لا تستطيع أن تقول إنها الأم كل ~~مرة.» ~~- «أوه! لم لا أستطيع؟» ~~- «لا أعني (أنت). لا أعني أنك لا تستطيع، أعني، أليس من الممكن أن يولدوا بمرض ~~ما؟» ~~- «منذ متى أصبحت خبيرة في الطب؟» ~~- «لم أقل إني خبيرة.» ~~- «كلا، لم تقولي. ولست كذلك.» # من سيئ إلى أسوأ. أراد أن يعرف ما الذي كانتا تتحدثان عنه، هي وماجي. ~~- «لا أعرف. لا شيء حقا.» ~~- «هذا غريب. امرأتان في سيارة. أول مرة أسمع بهذا. امرأتان تتحدثان عن لا شيء. إنها ~~عازمة على أن تفرقنا.» ~~- «من؟ «ماجي»؟» ~~- «خبرتي كبيرة مع هذا النوع من النساء.» ~~- «أي نوع؟» ~~- «نوعها.» ~~- «لا تكن سخيفا.» ~~- «احذري. لا تقولي عني سخيفا.» ~~- «ولماذا تراها تريد أن تفعل هذا؟» ~~- «كيف لي أن أعرف؟ ms011 هي فقط تريد أن تفعل هذا. انتظري. سوف ترين. سوف توصلك إلى هذا ~~بالصياح والأنين والشكوى من وحشيتي، في أحد تلك الأيام البغيضة.» ~~••• # وقد تحقق ما قاله في الحقيقة. على الأقل، سوف يبدو له الأمر كذلك. وجدت نفسها حوالي ~~العاشرة مساء في إحدى الليالي في مطبخ ماجي، تحبس دموعها وتحتسي شايا بالأعشاب. حين طرقت ~~الباب قال زوج ماجي: «من الآتي في تلك الساعة؟» وسمعته عبر الباب. لم يعرف من هي. وبينما ~~كان يحدق بها بحاجبين مرفوعين وفم مزموم، قالت: «أنا آسفة جدا للإزعاج.» ثم جاءت ~~ماجي. # مشت دوري الطريق كله في الظلام، في البداية على الطريق المفروش بالحصى الذي سكنت هي ~~ولويد عنده، ثم على الطريق السريع. كانت تتجه إلى جانب الطريق مع كل مرة تمر فيها سيارة، ~~وهذا أبطأها كثيرا. نظرت إلى السيارات التي مرت بها اعتقادا منها أن واحدة منها يمكن أن ~~تكون سيارة لويد. لم تكن ترغب في أن يعثر عليها، ليس الآن، ليس قبل أن يشعر بالرعب حتى يفقد ~~عقله. استطاعت في بعض الأحيان أن تصيبه بالرعب بجنونها، بأن تنتحب وتولول، بل وتضرب رأسها ~~في الأرض، وهي تردد: «ليس صحيحا، ليس صحيحا، ليس صحيحا» مرة بعد مرة. أخيرا كان ~~يتراجع. كان يقول: «حسن، حسن. سأصدقك. اهدئي يا عزيزتي. فكري في الأطفال. سوف أصدقك، ~~حقا. فقط توقفي.» # لكنها هذه الليلة تمالكت نفسها في اللحظة التي كانت على وشك أن تبدأ فيها هذا الأداء. ~~ارتدت معطفها وخرجت من الباب وهو يناديها: «لا تفعلي هذا. أحذرك.» # ذهب زوج ماجي إلى السرير، وهو لا يبدو سعيدا بالأمر، بينما ظلت دوري تقول: «أنا آسفة، ~~آسفة جدا أن أزعجكم في هذه الساعة من الليل.» # قالت ماجي في نبرة عملية: «أوه! اسكتي. هل ترغبين في كأس نبيذ؟» ~~- «أنا لا أشرب.» ~~«إذن من الأفضل ألا تبدئي الآن. سوف أحضر لك بعض الشاي. إنه مهدئ جدا. بابونج مع ~~التوت. لا يتعلق الأمر بالأطفال، أليس كذلك؟» ~~- «بلى.» # أخذت ماجي معطفها ، وأعطتها ربطة من المناديل لتمسح عينيها ms012 وأنفها، وقالت: «لا تخبريني ~~بأي شيء الآن. سوف تهدئين بسرعة.» # حتى حين هدأت جزئيا، لم ترغب دوري في أن تفشي الحقيقة كلها فتعرف ماجي أنها لب ~~المشكلة. علاوة على هذا، لم ترغب في أن تضطر إلى شرح سلوكيات لويد. فمهما كانت درجة ~~الإرهاق التي تعانيها معه، فلا يزال أقرب شخص لها في العالم، وشعرت أن كل شيء سوف ينهار إذا ~~انتهى بها الحال إلى أن تخبر أي أحد عن طبيعته؛ إذا أصبحت غير وفية. # قالت إنها تجادلت معه بشأن أمر قديم، وإنها شعرت بالإرهاق والتعب، وكل ما رغبت فيه هو أن ~~تخرج. لكنها سوف تتجاوز الأمر. سوف يتجاوزانه. # قالت ماجي: «يحدث هذا مع كل الأزواج في وقت من الأوقات.» # رن التليفون حينئذ وردت ماجي. ~~- «نعم، إنها بخير. أرادت فقط أن تنفس عن ضيقها. حسن. حسنا إذن، سوف أوصلها إلى ~~البيت في الصباح. لا توجد مشكلة. حسن. طاب مساؤك.» # قالت: «كان هو. أعتقد أنك سمعت.» ~~- «كيف كان؟ هل كان طبيعيا؟» # ضحكت ماجي قائلة: «حسنا ... لا أعرفه حين يكون طبيعيا، كيف لي أن أعرف؟ لم يبد ~~مخمورا.» ~~- «هو لا يشرب كذلك. ليس لدينا قهوة حتى في البيت.» ~~- «هل تريدين بعض الخبز المحمص؟» ~~••• # في الصباح الباكر، أخذتها ماجي إلى البيت. لم يكن زوج ماجي قد ذهب إلى عمله بعد، وجلس ~~مع الطفلين. # كانت ماجي مستعجلة في العودة، لهذا اكتفت بالقول: «مع السلامة. اتصلي بي إذا أردت ~~التحدث» وهي تستدير بشاحنتها الصغيرة في الفناء. # كان صباحا باردا في بواكير الربيع؛ ولا يزال الجليد على الأرض، لكن لويد كان يجلس على ~~الدرج بدون جاكيت. ~~- «صباح الخير»؛ قالها بصوت مرتفع ونبرة مهذبة على نحو ساخر. وردت هي: «صباح الخير» ~~بنبرة حاولت أن تتظاهر بها أنها لم تلاحظ سخريته. # لم يتنح جانبا لكي يترك لها مجالا لتصعد الدرج. # قال: «لا يمكنك الدخول.» # قررت أن تأخذ هذا باستخفاف. # قالت: «حتى لو قلت من فضلك؟ من فضلك.» # نظر إليها لكن لم يجبها. ضحك بشفتين مضمومتين. # قالت: «لويد! لويد!» ~~- «من ms013 الأفضل ألا تدخلي.» ~~- «لم أقل لها أي شيء يا لويد. أعتذر لأني غادرت. احتجت فقط متنفسا ... على ما ~~أظن.» ~~- «من الأفضل ألا تدخلي.» ~~- «ما بك! أين الأطفال؟» # هز رأسه، كما يفعل حين تقول شيئا لا يحب أن يسمعه. شيء وقح نسبيا مثل «هراء». ~~- «لويد! أين الأطفال؟» # تنحى قليلا جدا حتى تستطيع أن تمر إذا شاءت. ديميتري ساكن في سريره يرقد على جانبه. ~~باربرا آن على الأرض بجانب سريرها، كما لو أنها وقعت أو سحبها أحدهم. ساشا ملقى إلى ~~جانب باب المطبخ؛ إذ كان قد حاول الهرب. كان الوحيد الذي تحيط رقبته كدمات زرقاء. تكفلت ~~الوسادة بالآخرين. # قال لويد: «حين اتصلت ليلة أمس؟ حين اتصلت، كان ما حدث قد حدث. هذا ما جنيته على ~~نفسك.» ~~••• # صدر الحكم أنه مجنون ولا يمكن محاكمته. كان مجنونا على نحو إجرامي؛ يجب أن يوضع في مؤسسة ~~صحية آمنة. # ركضت دوري من المنزل، وتعثرت في الساحة وهي تلف معدتها بذراعيها بقوة كما لو أنها ~~مشقوقة وتحاول أن تحتفظ بها بالداخل. كان هذا هو المشهد الذي رأته ماجي حين عادت. حدست ~~شيئا ما، فاستدارت عائدة بشاحنتها الصغيرة على الطريق. كانت أول فكرة خطرت لها حين رأت ~~المشهد أن زوج دوري ضربها أو ركلها في معدتها. لم تفهم أي شيء من ضجيج دوري. لكن لويد ~~الذي كان لا يزال جالسا على الدرج، تنحى جانبا بتهذيب لها بدون أن ينطق بكلمة واحدة، ~~ودخلت إلى المنزل ووجدت ما توقعت أن تجده. اتصلت بالشرطة. # ظلت دوري لفترة تحشو فمها بكل ما تستطيع الوصول إليه. بعد التراب والحشيش، حشت فمها ~~بالفوط أو بملابسها. بدت وكأنها لا تحاول أن تكتم العويل فقط بل تكتم المشهد كله في ~~رأسها. أصبحت تأخذ حقنة ما بانتظام لتهدئتها، وكان لها مفعول. في الحقيقة، أصبحت هادئة ~~جدا، لكن لم تصب بالتبلد. كان يقال إنها في حالة مستقرة. حين خرجت من المستشفى، ~~وجاءت بها موظفة الشئون الاجتماعية لهذا المكان الجديد، تولت السيدة ساندس الأمر ووجدت لها ~~مكانا لتسكن فيه، ms014 ووجدت لها وظيفة، ورسخت عادة أن تتحدث إليها مرة في الأسبوع. أرادت ماجي ~~أن تزورها، لكنها كانت الشخص الوحيد الذي لم تحتمل دوري رؤيته. قالت السيدة دوري إن ~~هذا الشعور طبيعي؛ إنه تداعي الأفكار. قالت إن ماجي سوف تفهم. # قالت السيدة ساندس إن استمرار دوري في زيارة لويد هو أمر يعود إليها. قالت: «أنا لست هنا ~~لكي أوافق أو أرفض. هل تشعرين بشعور جيد إذا رأيته؟ أم سيئ؟» ~~- «لا أعرف.» # لم تستطع دوري أن تشرح أن من رأته ليس هو حقا. وكأنها كانت ترى شبحا تقريبا. كان ~~شاحبا جدا. ملابس فضفاضة باهتة عليه، حذاء لا يصدر صوتا - ربما خف - في ~~قدميه. تعتقد أن بعضا من شعره قد سقط. شعره الكثيف والمموج والعسلي. لم تبد ~~كتفاه عريضتين، لم تر التجويف عند عظمة ترقوته حيث اعتادت أن تريح رأسها. # كان ما قاله بعد ذلك للشرطة - وذكرته الصحف - هو: «فعلت هذا لأجنبهم ~~المعاناة.» # أي معاناة؟ # قال: «معاناة أن يعرفوا أن أمهم تخلت عنهم.» # حفر هذا في عقل دوري، وربما حين قررت أن تحاول أن تراه، كان بدافع أن يتراجع عنه. أن ~~تجعله يرى، ويعترف، كيف سارت الأمور حقا. ~~- «قلت لي أن أتوقف عن معارضتك أو أخرج من البيت؛ لذا خرجت من المنزل.» ~~«ذهبت إلى ماجي لليلة واحدة فقط. كانت لدي نية حقيقية أن أعود. لم أتخل عن ~~أحد.» # كانت تتذكر بوضوح كيف بدأ الشجار. اشترت علبة اسباجتي بها انبعاج بسيط جدا. ولهذا ~~كان عليها تخفيض في السعر، وأسعدها أن توفر بعض المال. اعتقدت أنها تقوم بعمل ذكي. لكنها ~~لم تقل له هذا، ما إن بدأ يستجوبها عن العلبة. لسبب ما اعتقدت أنه من الأفضل أن تدعي ~~أنها لم تلاحظ الانبعاج. # قال إن أي شخص سيراه بوضوح. كان يمكن أن نتسمم كلنا. ماذا دهاها؟ أم أن هذا ما كانت ~~تفكر فيه؟ هل كانت تخطط لتجربته على الأطفال أم عليه؟ # قالت له ألا يكون مجنونا. # قال إنه ليس هو المجنون. من يشتري سما لعائلته غير ms015 امرأة مجنونة؟ # كان الأطفال يشاهدون هذا عند مدخل غرفة المعيشة. كانت هذه آخر مرة رأتهم بها ~~أحياء. # إذن هل هذا ما كانت تفكر به؛ أن تجبره على أن يرى من المجنون في النهاية؟ ~~••• # حين أدركت ما تفكر به، كان يجب أن تترك الحافلة. كان يمكن أن تغادرها حتى عند البوابات، ~~مع النساء الأخريات اللواتي نزلن. كان يمكن أن تعبر الطريق وتنتظر الحافلة العائدة إلى ~~المدينة. بعض الناس فعل هذا على الأرجح. كانوا ينوون القيام بالزيارة ثم قرروا ألا يفعلوا ~~هذا. يفعل الناس هذا طول الوقت على الأرجح. # لكن ربما كان من الأفضل أنها استمرت، ورأته غريبا جدا وضائعا. شخص لا يستحق اللوم ~~على أي شيء. ليس شخصا أصلا. كان أشبه بشخصية في حلم. # كانت تراودها بعض الأحلام. في أحد أحلامها، هربت من المنزل بعد أن وجدتهم، وبدأ لويد يضحك ~~بطريقته القديمة العفوية، ثم سمعت ساشا يضحك خلفها، وبدا لها - على نحو رائع - أنهم ~~جميعا يمزحون معا. ~~••• ~~- «سألتني هل تشعرك رؤيته بشعور جيد أم سيئ؟ سألتني هذا السؤال آخر مرة، أليس ~~كذلك؟» # قالت السيدة ساندس: «بلى، سألتك.» ~~- «كان يجب أن أفكر في هذا.» ~~- «نعم.» ~~- «لقد حسمت أمري. إن رؤيته تشعرني بالسوء؛ لذا لن أذهب ثانية.» # كان صعبا أن تعرف ما الذي تفكر به السيدة ساندس، لكن الإيماءة التي أعطتها بدا أنها ~~تعبر عن شيء من الرضا أو الموافقة. # لهذا حين قررت دوري أن تذهب مرة ثانية، في النهاية، اعتقدت أنه من الأفضل ألا تذكر ~~هذا. وبما أنه من الصعب ألا تقول كل ما يحدث معها؛ حيث كان قليلا جدا في معظم الوقت، ~~اتصلت وألغت موعدها. قالت إنها سوف تأخذ إجازة. كان الصيف على الأبواب، والإجازات مسألة ~~اعتيادية. قالت: سأذهب مع صديقة. ~~••• ~~- «لا ترتدين الجاكيت الذي كنت ترتدينه الأسبوع الماضي.» ~~- «لم يكن هذا في الأسبوع الماضي.» ~~- «حقا؟» ~~- «كان منذ ثلاثة أسابيع. الجو حار الآن. هذا أخف، لكني لا أحتاجه حقا. لا أحتاج إلى ~~جاكيت على الإطلاق .» # سأل عن رحلتها، عن الحافلات التي ms016 تستقلها من مايل ماي. # أخبرته أنها لم تعد تعيش هناك. أخبرته أين تعيش وعن الحافلات الثلاث. ~~- «هذه رحلة طويلة وشاقة عليك. هل تحبين العيش في مكان أكبر؟» ~~- «من الأسهل الحصول على وظيفة هناك.» ~~- «إذن أنت تعملين؟» # كانت قد أخبرته المرة الماضية أين تعيش، وعن الحافلات، وأين تعمل. # قالت: «أنظف الغرف في نزل صغير. أخبرتك من قبل.» ~~- «نعم، نعم، نسيت. معذرة. هل تفكرين في العودة إلى الدراسة؟ مدرسة ليلية؟» # قالت إنها فكرت لكن ليس بالجدية الكافية أبدا لتقوم بخطوة ما. قالت إن التنظيف لا ~~يزعجها. # ثم بدا وكأنما لا يجدان شيئا آخر يتحدثان عنه. # تنهد قائلا: «آسف، معذرة. أعتقد أني لست معتادا على المحادثات.» ~~- «إذن، ماذا تفعل طوال الوقت؟» ~~- «أعتقد أني أقرأ كثيرا. نوع من التأمل. على نحو ما.» ~~- «أوه!» ~~- «أقدر مجيئك لزيارتي. إنها تعني لي الكثير. لكن لا تعتقدي أنك يجب أن تواظبي على ذلك. ~~أعني، تعالي فقط حين تريدين. إذا جد شيء أو حين ترغبين؛ ما أحاول قوله هو أن حقيقة أنك ~~استطعت المجيء، أنك جئت ولو مرة واحدة، هي مكافأة لي. هل تفهمين ما أعني؟» # قالت إنها تعتقد أنها تفهم. # قال إنه لا يريد أن يتدخل في حياتها. # قالت: «إنك لا تفعل.» # قال: «هل هذا ما كنت ستقولينه؟ ظننت أنك ستقولين شيئا آخر.» # وفي الحقيقة، لقد كادت تقول: أي حياة؟ # قالت: «لا، لا شيء آخر.» ~~- «هذا جيد.» ~~••• # بعد ثلاثة أسابيع أخرى، تلقت مكالمة هاتفية. كانت السيدة ساندس بنفسها، وليست واحدة من ~~النساء في المكتب. # قالت السيدة ساندس: «أوه دوري، اعتقدت أنك لم ترجعي بعد من إجازتك. إذن فقد ~~عدت؟» # قالت دوري - وهي تحاول أن تفكر أين يمكن أن تكون قضت إجازتها: «نعم.» ~~- «لكنك لم تحددي موعدا آخر؟» ~~- «لا ليس بعد.» ~~- «لا بأس. كنت أطمئن فحسب؛ هل أنت بخير؟» ~~- «أنا على ما يرام.» ~~- «حسنا، تعرفين مكاني إذا احتجت إلي. إذا أردت فقط أن تتحدثي في أي وقت.» ~~- «نعم.» ~~- «اعتن بنفسك إذن.» # لم تذكر لويد، لم تسأل ما إذا كانت ms017 مستمرة في زيارته. نعم، بالطبع؛ فقد قالت دوري إنها لن ~~تستمر في زيارته. لكن السيدة ساندس كانت بارعة عادة في الإحساس بما يحدث. وبارعة جدا كذلك ~~في الإحجام، حين تفهم أن سؤالها لن يفيد. لم تكن دوري تعرف ماذا كانت ستقول لو سألت؛ هل ~~كانت ستخلف وعدها وتكذب أم ستقول الحقيقة. لقد عادت في الحقيقة في الأحد التالي مباشرة بعد ~~أن أخبرها تقريبا أنه لا يهم سواء ذهبت لزيارته أم لم تذهب. # كان مصابا بالبرد. لا يعرف كيف أصيب به. # قال إنه ربما كان مصابا به في المرة السابقة التي رآها فيها، ولهذا كان شكسا ~~جدا. ~~«شكس»، إنها تكاد لا تعرف أحدا يستخدم كلمة كهذه في الوقت الحالي، وبدت الكلمة غريبة ~~عليها. لكنه طالما كان لديه عادة استخدام هذه الكلمات، وبالطبع لم تصدمها تلك الكلمات في ~~الماضي كما الآن. # سألها: «هل أبدو لك شخصا مختلفا؟» # قالت بحذر: «حسنا، تبدو مختلفا. وماذا عني؟ هل أبدو مختلفة؟» # قال بحزن: «تبدين جميلة.» # شيء ما رق بداخلها. لكنها قاومته. # سألها: «هل تشعرين أنك مختلفة؟ هل تشعرين أنك شخص مختلف؟» # قالت إنها لا تعرف. «هل تشعر أنت بذلك؟» # قال: «تماما.» ~~••• # في نهاية الأسبوع تسلمت ظرفا كبيرا في عملها. كان موجها لعنايتها. احتوى عدة أوراق ~~مكتوبة على الوجهين. لم تتصور في البداية أن الظرف منه؛ فقد اعتقدت أنه غير مسموح للسجناء ~~بكتابة الرسائل. لكنه، بالطبع، نوع مختلف من المساجين. لم يكن مجرما؛ كان مجنونا على نحو ~~إجرامي. # لم يحتو الورق تاريخا، ولا حتى عبارة «عزيزتي دوري». بدأ فقط بالحديث إليها بأسلوب ~~رأت أنه نوع من الدعوة الدينية: # يفتش الناس عن الحل. كل عقلهم (من البحث). أشياء كثيرة تصطدم بهم وتؤذيهم. ~~يمكن أن نرى على وجوههم كل كدماتهم وآلامهم. هم يعانون. يتدافعون. عليهم أن يتسوقوا ~~ويذهبوا إلى المغسلة ويقصوا شعرهم ويكسبوا لقمة العيش أو يذهبوا للحصول على شيكات ~~الرعاية الاجتماعية. على الفقراء أن يفعلوا هذا وعلى الأغنياء أن يجتهدوا في إيجاد ~~سبل لإنفاق أموالهم. هذا يصح أيضا. ms018 عليهم أن يشيدوا المنازل بحنفيات ذهبية من أجل ~~مياههم الحارة والباردة. سياراتهم الأودي وفرشات أسنانهم السحرية وكل البدع ~~الممكنة ثم أجهزة الإنذار لحمايتهم من الذبح، وكلهم لا يتمتع بأي سلام داخلي، لا ~~الفقير ولا الغني. كنت سوف أكتب كلمة بدلا من أخرى في العبارة السابقة. ترى ~~لماذا؟ ليس لدي أي جيران هنا. وقد تجاوز الناس هنا قدرا كبيرا من الارتباك. ~~إنهم يعرفون ما يمتلكونه وسوف يمتلكونه دائما، وليس عليهم أن يشتروا أو يطبخوا ~~طعامهم، أو حتى أن يختاروه. لقد استبعدت الاختيارات. # كل ما نستطيع جميعنا الحصول عليه هنا هو ما نستطيع استخراجه من عقولنا. # في البداية، كان كل ما في عقلي قد تشوش. كانت هناك عاصفة أبدية، كنت أخبط رأسي ~~بالحائط أملا في التخلص منها، منهيا حياتي ومعاناتي. ثم وزعوا العقاب. ~~رشوني بخرطوم المياه وربطوني وحقنوا أدوية في عروقي. لا أشكو كذلك لأني تعلمت ~~أن لا جدوى من هذا. ولا الأمر يختلف فيما يسمى العالم الحقيقي، حيث يشرب الناس ~~ويستمرون ويرتكبون الجرائم لمحو أفكارهم المؤلمة. وغالبا ينسحبون ويسجنون لكن ليس ~~طويلا بما يكفي لكي يخرجوا من الجانب الآخر. وما هذا الجانب الآخر؟ إنه إما جنون ~~كامل أو سلام كامل. # السلام. لقد وصلت إلى السلام، ولا زلت عاقلا. أتصور أنك قد تظنين - بينما تقرئين ~~هذه الكلمات - أني سوف أقول شيئا ما عن الرب المسيح أو بوذا، كما لو أن الحال ~~انتهى بي إلى اهتداء ديني. لا، إني لا أغلق عيني وأرتفع بأي قوة عليا. في الحقيقة ~~لا أعرف ما المقصود بأي من هذا. ما أفعله هو أن أعرف نفسي. «اعرف نفسك» هو نوع من ~~الوصايا النابعة من مصدر ما، على الأرجح من الكتاب المقدس؛ لذا فإني تابع للمسيحية، ~~على الأقل في هذا الجانب. كذلك: «كن صادقا مع نفسك»؛ ولقد بحثت عنها أيضا في ~~الكتاب المقدس. إنها عبارة لا تحدد جانب النفس - الشرير أم الطيب - الذي يجب أن ~~تكون صادقا معه؛ لذا ليس المقصود منها أن تكون مرشدا للأخلاق. كذلك لا تتعلق ms019 ~~عبارة «اعرف نفسك» بالأخلاق كما نعرفها بالسلوك. لكن السلوك ليس ما يشغلني حقا ~~لأني قد حكم علي حكما صحيحا تماما بأني شخص لا يمكن الوثوق في حكمه على ~~الكيفية التي يجب أن يتصرف بها، وهذا هو سبب وجودي هنا في المقام الأول. # عودة إلى جزء المعرفة من عبارة «اعرف نفسك»، بوسعي أن أقول بوعي تام إني أعرف ~~نفسي، وأعرف أسوأ ما أنا قادر على فعله وأعرف أني فعلته. حكم علي العالم وحشا، ~~ولا خلاف على هذا، على الرغم من أني قد أقول بشكل عارض إن الناس الذين يلقون ~~القنابل كالمطر ويحرقون المدن أو يجوعون مئات الآلاف من البشر أو يقتلونهم لا ~~يعتبرهم العالم عموما وحوشا، بل تنهمر عليهم الميداليات والتكريم، في حين يعتبر ~~الأفعال الموجهة إلى أعداد صغيرة صادمة وشريرة. لم أقصد من هذا التبرير، بل هو ~~محض ملاحظة. # ما أعرفه في نفسي هو شري. هذا هو سر راحتي. أعني أني أعرف أسوأ ما في. ربما ~~أسوأ من أسوأ ما لدى آخرين، لكن في الحقيقة ليس علي أن أفكر في هذا أو أقلق منه. ~~لا مبررات. أنا في سلام. هل أنا وحش؟ يقول العالم هذا، وإذا كان يقول هذا فأنا ~~أوافق، لكنني أقول حينئذ، لا يمثل العالم لي أي معنى. أنا نفسي، ولا خيار لدي ~~لأكون أي نفس أخرى. يمكن أن أقول إني كنت مجنونا حينذاك لكن ما فائدة هذا؟ مجنون، ~~عاقل، أنا هو أنا. لم أستطع تغيير أنا حينذاك ولا أستطيع تغييرها الآن. # دوري، لو أنك واصلت القراءة حتى هذه المرحلة، لدي شيء خاص أريد أن أخبرك ~~إياه، لكن لا يمكن أن أكتبه هنا. لو فكرت يوما أن تعودي إلى هنا، ربما حينئذ ~~أستطيع أن أخبرك عنه. لا تتصوري أني بلا قلب. ليست المسألة أني لن أغير شيئا أنا ~~قادر على تغييره، بل أنا لا أستطيع. لو كنت أستطيع لغيرت الأشياء؛ لكني لا ~~أستطيع. # سوف أرسل هذا إلى مكان عملك الذي أتذكره واسم البلدة؛ لذا فإن عقلي يعمل جيدا ms020 ~~في بعض النواحي. # تصورت أنهما سوف يناقشان هذه الرسالة في لقائهما التالي وقرأتها عدة مرات، لكن لم يخطر ~~لها أي شيء لتقوله عنها. إن ما أرادت أن تتحدث عنه فعليا هو ما قال إنه من المستحيل ~~كتابته. لكن عندما رأته مرة ثانية، تصرف كأنه لم يكتب لها تلك الرسالة مطلقا. بحثت عن ~~موضوع وأخبرته عن مغن شعبي كان مشهورا في حينه أقام في النزل ذلك الأسبوع. ولدهشتها ~~كان يعرف عن الحياة المهنية للمغني أكثر منها. اتضح أن لديه تليفزيونا، أو على الأقل يتاح ~~له مشاهدته، وأنه شاهد بعض العروض والأخبار بانتظام. أعطاهما هذا مجالا أكبر قليلا ~~ليتحدثا حتى لم تستطع أن تتمالك نفسها. ~~- «ما الأمر الذي لم تستطع أن تخبرني إياه إلا شخصيا؟» # قال إنه كان يتمنى لو أنها لم تسأل. لم يعرف ما إذا كانا مستعدين لمناقشته. # حينها خشيت أن يكون شيئا لا تستطيع التعامل معه فعلا، شيئا لا تستطيع احتماله؛ مثل أنه ~~لا يزال يحبها، فكلمة «حب» كلمة لم تعد تحتمل أن تسمعها. # قالت: «حسنا، ربما لسنا مستعدين.» # ثم قالت: «ومع ذلك، من الأفضل أن تخبرني. لو غادرت وصدمتني سيارة، فلن أعرف أبدا، ولن ~~تتاح لك الفرصة أبدا، فرصة أخرى لتخبرني.» # قال: «هذا صحيح.» ~~- «ما الأمر إذن؟» ~~- «المرة القادمة، المرة القادمة. في بعض الأحيان، لا أستطيع أن أتحدث أكثر. أرغب في ~~الحديث، لكن يجف الكلام داخلي.» # ظللت أفكر بك يا دوري منذ أن غادرت وندمت لأني خذلتك. حين تجلسين أمامي، تموج ~~بداخلي مشاعر أكثر مما أبدي ربما. ليس من حقي أن أظهر مشاعري أمامك؛ لأنك أنت ~~تملكين هذا الحق ومع ذلك تسيطرين على مشاعرك دائما؛ لذا سوف أتراجع عما قلته ~~من قبل لأني توصلت إلى أني أستطيع أن أكتبه أفضل من أن أقوله. # والآن من أين أبدأ. # الجنة موجودة. # هذه طريقة للبدء، لكنها ليست صحيحة؛ لأني لم أومن بالجنة والجحيم وما إلى ذلك. ~~في رأيي أن هذا كومة من الكراكيب؛ لذا لا بد أنه يبدو لك غريبا جدا ms021 أن أثير ~~موضوعا كهذا الآن. # سأقول ما أريد قوله فحسب إذن: لقد رأيت الأطفال. # رأيتهم وتحدثت معهم. # ترى ما الذي تفكرين فيه الآن؟ تفكرين في أني مختل فعلا؛ أو أنه حلم، وهو لا ~~يستطيع أن يميز الحلم والواقع، لا يعرف الفرق بين الحلم واليقظة. لكني أريد أن ~~أخبرك أني أعرف الفرق، وما أعرفه هو أنهم موجودون. أقول موجودون، ليس بمعنى أنهم ~~أحياء، لأن أحياء تعني أنهم موجودون في بعدنا الخاص، ولا أقول إنهم فيه. في ~~الحقيقة أعتقد أنهم ليسوا فيه. لكنهم موجودون، ولا بد أن هناك بعدا آخر أو ربما ~~أبعادا لا حصر لها، لكن ما أعرفه هو أني عبرت للبعد الذي هم فيه. ربما توصلت إلى ~~هذا لأني اعتمدت على نفسي كثيرا جدا وفكرت وفكرت في هذا الذي اضطررت ~~للتفكير فيه؛ لذا، فبعد هذه المعاناة والعزلة، توجد رحمة سماوية رأت الوسيلة التي ~~تكافئني بها؛ أنا الشخص عينه الذي يرى العالم بطريقته في التفكير أني أقل من ~~يستحقها. # حسنا، لو كنت واصلت القراءة إلى هذا الحد ولم تمزقي الرسالة، فلا بد أنك ~~ترغبين في أن تعرفي شيئا ما. كيف حالهم مثلا. # إنهم بخير. سعداء وأذكياء حقا. لا يبدو أنهم يحملون ذكرى أي شيء سيئ. ربما أكبر ~~عمرا بقليل، لكن من الصعب تحديد هذا. يبدو أنهم يفهمون على مستويات مختلفة. نعم، ~~يمكن أن تلاحظي أن ديميتري تعلم الكلام الذي لم يكن قادرا عليه. هم في غرفة أستطيع ~~التعرف عليها جزئيا. إنها مثل منزلنا لكنها أكثر وسعا ولطيفة. سألتهم من يرعاهم ~~فضحكوا من سؤالي وقالوا شيئا من قبيل أنهم قادرون على رعاية أنفسهم. أعتقد أن ساشا ~~هو من قال هذا. يتحدثون في بعض الأحيان منفردين، أو على الأقل أستطيع تمييز ~~أصواتهم، لكن هويتهم واضحة جدا، وأعلن أنهم مبتهجون. # من فضلك لا تستنتجي أني مجنون. هذا هو ما خشيته وجعلني لا أريد أن أخبرك ~~بالأمر. كنت مجنونا في وقت من الأوقات، لكن صدقيني لقد أسقطت كل جنوني القديم ~~مثل الدب الذي يطرح فراءه ms022 القديم، أو لعلي أقول الثعبان الذي يسلخ جلده. ~~أعرف أني لو لم أكن فعلت هذا لما كانت ستتاح لي هذه القدرة على التواصل ثانية مع ~~ساشا وباربرا آن وديميتري. أتمنى أن تنالي هذه الفرصة كذلك؛ لأنها لو كانت مسألة ~~استحقاق، فأنت أحق مني كثيرا بذلك. ربما كان من الأصعب عليك أن تنالي هذه الفرصة ~~لأنك أكثر اتصالا بالعالم مني بكثير، لكن على الأقل يمكنني أن أمنحك هذه ~~المعلومة - الحقيقة - وإذ أخبرك أني رأيتهم، أتمنى أن يبهج هذا قلبك. # تساءلت دوري ما الذي يمكن أن تقوله السيدة ساندس أو تفكر فيه إذا قرأت هذه الرسالة. ~~ستكون حذرة طبعا. ستكون حذرة ألا تطلق حكما صريحا بالجنون، لكنها سوف توجه دوري، ~~بحذر وبلطف، للتفكير في هذا الاتجاه. # أو ربما لا تفعل ذلك؛ ربما تزيل الارتباك فحسب حتى تواجه دوري ما سيبدو أنه استنتاجها ~~الشخصي طوال الوقت. سيكون عليها أن تخلص عقلها من كل الهراء الخطير؛ حسب ~~المصطلحات التي تستخدمها السيدة ساندس. # لهذا كانت دوري تتجنبها. # لم تعتقد دوري أنه مجنون. وما كتبه في تلك الأوراق بدا أنه يحمل أثرا من تبجحه القديم. ~~لم ترد على رسالته. مرت أيام وأسابيع. لم تغير رأيها، لكنها ظلت متمسكة بما كتبه، وكأنه ~~سر. ومن حين لآخر، حين تكون منهمكة في تلميع مرآة أو ترتيب ملاءة، كان يطغى عليها شعور ~~ما. لمدة عامين تقريبا لم تبال بالأشياء التي تسعد الناس عامة، مثل طقس معتدل أو ورود ~~مزدهرة أو رائحة مخبز ما. لا تزال تفتقد الحس العفوي بالسعادة، بالضبط، لكنها تتذكر كيف ~~كان. لا يتعلق ذلك الشعور بالطقس أو الورود. لقد كانت فكرة أن الأطفال فيما أسماه بعدهم ~~هي التي تسللت إليها بهذه الطريقة، ولأول مرة، أثارت لديها شعورا بالبهجة وليس ~~بالألم. # في كل الأوقات منذ حدث ما حدث، كانت أي فكرة تخطر لها عن الأطفال بمثابة شيء يجب عليها أن ~~تتخلص منه؛ تسحبه فورا مثلما تسحب سكينا في رقبتها. لم تستطع أن تفكر في أسمائهم، وإذا ~~سمعت اسما ms023 يشبه اسما من أسمائهم كان عليها أن تسحبه أيضا. حتى أصوات الأطفال وصيحاتهم ~~وضربات أقدامهم وهم يجرون من حمام سباحة النزل وإليه، كان يجب أن تبعد عنها بصفع ~~باب ما قرب أذنيها. ما كان مختلفا الآن أن لديها ملاذا تستطيع اللجوء إليه ما إن ~~تظهر هذه الأخطار في أي مكان حولها. # ومن الذي منحها إياه؟ ليست السيدة ساندس؛ هذا أكيد. ليس خلال كل تلك الساعات التي جلست ~~فيها إلى المكتب مع علبة مناديل في متناول يدها. # منحها لويد هذا. ذلك الشخص الفظيع، الشخص المعزول والمجنون. # قد يكون مجنونا إن شئت أن تسميه كذلك. لكن أليس من المحتمل أن ما يقوله صادق؛ أنه وصل ~~إلى الجانب الآخر؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن رؤى شخص ارتكب فعلته وقام بتلك الرحلة لا ~~تعني شيئا؟ # تسللت هذه الفكرة إلى ذهنها واستقرت. # ورافق تلك الفكرة فكرة أن لويد، من دون الناس جميعا، ربما هو الشخص الذي يجب أن تكون معه ~~الآن. أي فائدة أخرى يمكن أن تكون لوجودها في هذا العالم - بدا لها أنها تقول هذا لشخص ~~ما، السيدة ساندس على الأرجح - ما هدف وجودها إن لم يكن الإنصات إليه على الأقل؟ # قالت للسيدة ساندس في ذهنها: لم أقل «أسامح». ما كنت لأقول هذا أبدا. لم أكن لأفعله ~~أبدا. # ستقول لها، فكري فحسب. ألم يعزلني ما حدث مثلما عزله تماما عن العالم؟ لن يرغب أي شخص ~~يعرف بالأمر أن أكون قريبة منه. كل ما أستطيع أن أفعله أن أذكر الناس بما لا يطيق أحد ~~منهم تذكره. # لم يكن التنكر نافعا حقا. إن هالة المعاناة والعذاب التي تحيط بي لشيء مقزز. ~~••• # هكذا وجدت نفسها تستقل الحافلة مرة أخرى متجهة إلى الطريق السريع. تذكرت تلك الليالي ~~عقب موت أمها مباشرة، حين كانت تتسلل لتقابل لويد، بعد أن تكذب على صديقة أمها، المرأة التي ~~كانت تقيم معها، بخصوص المكان الذي سوف تذهب إليه. تذكرت اسم الصديقة، اسم صديقة أمها، ~~لوري . # من سوى لويد سوف يتذكر أسماء ms024 الأطفال، أو لون عيونهم. حين كانت تضطر السيدة ساندس إلى ~~ذكرهم، لم تسمهم حتى أطفالا، بل «عائلتك»، حيث تضعهم في سلة واحدة معا. # لم تشعر بالذنب حين كانت تذهب للقاء لويد في تلك الأيام، بعد أن تكذب على لوري، بل شعرت ~~بأن ذلك قدرها، بالإذعان فقط. لقد شعرت أنها لم توجد على الأرض إلا لتكون معه فقط وتحاول أن ~~تفهمه. # حسنا، لم تعد تشعر بهذا الآن. لقد تغير شعورها. # كانت تجلس في المقعد الأمامي إلى جانب السائق. كان المشهد واضحا أمامها عبر الزجاج ~~الأمامي؛ بذا كانت هي المسافر الوحيد في الحافلة، الشخص الوحيد بخلاف السائق، الذي رأى ~~شاحنة تخرج من جانب الطريق بدون أن تبطئ من سرعتها؛ الشخص الوحيد الذي رآها تتأرجح عبر ~~الطريق السريع الذي خلا من السيارات في صباح الأحد أمامهما وتقتحم الخندق على جانبه. بل ~~ورأت شيئا أكثر غرابة: سائق الشاحنة يطير في الهواء بطريقة بدت خاطفة وبطيئة على السواء، ~~سخيفة ورشيقة. ورأته يهبط على الحصى على حافة الرصيف. # لم يفهم بقية المسافرين لماذا فرمل السائق وعرضهم لتوقف مفاجئ غير مريح. وكل ما استطاعت ~~أن تفكر به في البداية، كيف خرج من السيارة؟ الشاب أو الولد الذي لا بد أنه نام وهو يقود ~~سيارته. كيف طار من الحافلة وانطلق في الهواء بهذه الرشاقة؟ # رد السائق على المسافرين قائلا: «إنه رجل قطع الطريق أمامنا مباشرة.» كان يحاول أن يتحدث ~~بصوت مرتفع وهادئ، لكن كان يشوب صوته مسحة دهشة؛ شيء من الرهبة. ثم أردف: «قطع الطريق ~~واقتحم الخندق على جانبه. سوف نواصل ما إن نستطيع، وأثناء ذلك، لا تخرجوا من الحافلة من ~~فضلكم.» # كما لو أنها لم تسمعه، أو كأنما تتمتع بحق خاص في أن تكون مفيدة، خرجت دوري من ورائه. ولم ~~يوبخها. # قال - وهو يعبر الطريق: «أحمق لعين»، ولم يكن في صوته الآن إلا الغضب والحنق. «فتى ~~أحمق لعين. هل تصدقين ما حدث؟» # كان الفتى يرقد على ظهره وقد تمددت ذراعاه وساقاه ، وكأنه شخص يؤدي دور ملاك في ms025 الثلج. ~~الفرق أن ما كان حوله هو حصى وليس ثلجا. لم تكن عيناه مغلقتين تماما. كان صغير السن ~~جدا؛ طفلا طالت قامته قبل حتى أن يبدأ حلاقة ذقنه، وربما لا يحمل رخصة قيادة. # كان السائق يتحدث عبر هاتفه. ~~- «ميل أو أكثر جنوب بايفيلد، عند واحد وعشرين، الجانب الشرقي من الطريق.» # سالت قطرات من رغوة وردية من تحت رأس الفتى، بالقرب من أذنه. لم يبد دما ~~إطلاقا، وإنما مثل المادة التي تنزعها عن ثمرات الفراولة حين تصنع مربى. # جلست دوري إلى جانبه؛ ووضعت يدا فوق صدره. كان ساكنا. مالت بأذنها بالقرب منه. شخص ما ~~كوى قميصه حديثا؛ تفوح منه تلك الرائحة. # لا يوجد نفس. # لكن أصابعها الموضوعة على رقبته الناعمة عثرت على نبض. # تذكرت شيئا كان أحدهم قد قاله لها - كان لويد هو من قال لها هذا، في حال تعرض أحد ~~الأطفال إلى حادث ولم يكن هو موجودا - اللسان. يمكن للسان أن يسد التنفس إذا سقط في ~~المنطقة الخلفية من الحلق. وضعت أصابع إحدى يديها على جبين الفتى ووضعت أصبعين من يدها ~~الأخرى تحت ذقنه. ضغطت الجبين لأسفل وضغطت على الذقن لأعلى لتسليك مجرى التنفس. إمالة خفيفة ~~لكن حازمة. # لو ظل لا يتنفس، سيكون عليها أن تعطيه تنفسا صناعيا. # تقبض على فتحتي أنفه، وتأخذ نفسا عميقا، وتغلق فمه بشفتيها وتتنفس. نفسان وفحص، ~~نفسان وفحص. # انبعث صوت رجل آخر؛ ليس للسائق. لا بد أن سائقا آخر توقف. قال: «هل تريدين هذه ~~البطانية تحت رأسه؟» هزت رأسها نفيا بخفة؛ لقد تذكرت شيئا آخر عن عدم تحريك المصاب، ~~حتى لا تؤذي العمود الفقري. أحاطت فمه. ضغطت على جلده الدافئ الغض، وتنفست، وانتظرت. ~~ويبدو أن نداوة خفيفة لفحت وجهها. # قال السائق شيئا ما لكنها لم تستطع أن ترفع رأسها. ثم شعرت به بشكل مؤكد؛ إنه نفس ~~الفتى. بسطت يدها على جلد صدره، وفي البداية لم تستطع أن تعرف ما إذا كان يرتفع ويهبط بسبب ~~رجفتها. # نعم، نعم. # كان نفسا حقيقيا. كان مجرى الهواء مفتوحا. كان ms026 يتنفس وحده. كان يتنفس. # قالت للرجل الذي يحمل البطانية: «ضعها فوقه فحسب؛ لكي يظل دافئا.» # قال السائق وهو ينحني: «هل هو حي؟» # أومأت برأسها إيجابا. بحثت أناملها على النبض مرة ثانية. لم تواصل المادة الوردية ~~الشنيعة تدفقها. ربما ليست شيئا خطيرا. ليست من مخه. # قال السائق: «لا أستطيع أن أؤخر الحافلة من أجلك ... لقد تأخرنا فعليا.» # قال السائق الآخر: «لا بأس. أستطيع تولي الأمر.» # أرادت أن تقول لهم: اصمتوا، اصمتوا. بدا لها أن الصمت ضروري؛ أن كل شيء في العالم خارج ~~جسد الصبي يجب أن يركز، ويساعده على ألا يتشتت عن واجب التنفس. # أصبحت أنفاسه ضعيفة لكنها ثابتة الآن، صدره يعلو ويهبط في طاعة، فلتستمر في التنفس، ~~استمر. # قال السائق: «هل سمعت ما قاله؟ هذا الرجل يقول إنه سوف يبقى ويرعاه. سيارة الإسعاف قادمة ~~بأسرع ما يمكن.» # أجابته دوري: «اذهب أنت. سوف أركب في إحدى السيارات التي تمر على الطريق إلى البلدة معهم ~~وألحق بك في طريق عودتك الليلة.» # كان عليه أن ينحني ليسمعها. تحدثت بنبرة ازدراء دون أن ترفع رأسها كما لو أنها الشخص ~~الذي كان تنفسه عزيزا. # قال: «هل أنت متأكدة؟» # ردت بالإيجاب. ~~- «ألا يجب أن تذهبي إلى لندن؟» ~~- «كلا.» # | أدب # 1 # كان أفضل ما في الشتاء أن تقود سيارتها إلى البيت بعد قضاء يومها في تدريس الموسيقى ~~في مدارس روف ريفر. يكون الظلام قد حل فعليا، وربما تساقط الثلج في الشوارع البعيدة ~~من المدينة، بينما الأمطار تضرب السيارة على الطريق الساحلي السريع. قادت جويس سيارتها ~~إلى ما وراء حدود المدينة نحو الغابة، وعلى الرغم من أنها غابة حقيقية ذات أشجار ~~صنوبرية من فصيلة تنوب دوجلاس وأشجار أرز حقيقية، فقد كان هناك أناس يعيشون على ~~مسافة ربع ميل أو نحو ذلك. يملك البعض منهم حدائق لبيع البضائع، وقلة منهم لديهم بعض ~~الخراف أو أحصنة للركوب. كذلك كان هناك مشاريع مثل مشروع جون؛ فهو يصلح الأثاث ~~ويصنعه. وهناك أيضا إعلانات عن الخدمات على جانب الطريق، منها ما هو خاص ms027 بهذا الجزء من ~~العالم تحديدا، مثل قراءة أوراق التاروت، والتدليك بالأعشاب، وحل الخلافات. عاش بعض ~~الناس في مقطورات، وبنى آخرون بيوتهم الخاصة مدعمة بأسقف من قش وخلفيات خشبية، والبعض ~~الآخر، مثل جون وجويس، كانا يجددان بيت مزرعة قديما. # كان هناك شيء واحد خاص أحبت جويس أن تراه في طريقها إلى البيت وحين تدخل إلى ملكيتهما ~~الخاصة. في ذلك الوقت، استخدم العديد من الناس، حتى بعض الذين يسكنون في بيوت ذات سقف ~~من القش، ما سمي أبواب الفناء؛ حتى إذا لم يكن لدى البعض منهم، مثل جون وجويس، ~~فناء. كانت تترك في العادة بدون ستار، وكان شراعتا النور المستطيلتان تبدوان علامة على ~~الراحة والأمان والتجديد أو وعدا به. لم تستطع جويس أن تعرف لماذا تعكس هذا أكثر مما ~~تعكسه النوافذ العادية. ربما لم يكن الهدف من معظمها أن تطل على الخارج فحسب، بل أن ~~تفتح مباشرة على عتمة الغابة، وأن تعرض ملاذ البيت ببساطة. ناس بالحجم الطبيعي يطبخون ~~أو يشاهدون التليفزيون؛ مشاهد تفتنها، حتى مع علمها بأنه لا شيء مميز بالداخل. # كان ما رأته حين انعطفت إلى ممرها الموحل غير المرصوف مجموعة من تلك الأبواب التي ~~وضعها جون، تؤطر حشا بيتهما المتوهج. السلم النقال، ورفوف المطبخ التي لم ~~ينته من العمل عليها، والدرجات العارية، وخشب دافئ يتألق بنور المصباح الذي وضعه ~~جون ليشع نورا أينما أراد، وأينما كان يعمل. يعمل طول اليوم في ورشته، وحين تبدأ ~~العتمة، كان يرسل مساعدته إلى بيتها، ويبدأ العمل في المنزل؛ إذ يسمع سيارتها، يدير ~~رأسه إلى اتجاه جويس للحظة فقط، محييا إياها. عادة تكون يداه مشغولتين جدا فلا ~~يستطيع تحيتها بهما. وإذ تجلس هناك وقد اطفأت أضواء السيارة؛ وتلتقط البقالة أو ~~البريد الذي يجب أن تأخذه إلى البيت، كانت جويس سعيدة بتلك الدفقة الأخيرة عبر الظلام ~~والرياح والمطر البارد إلى الباب. شعرت أنها تطرح عنها عمل اليوم الذي كان مزعجا ~~ومحيرا، ومليئا بتوزيع الموسيقى على المتجاوبين وغير المكترثين كذلك. كم هو أفضل أن ~~تعمل مع ms028 الخشب ومع نفسك - لم تحسب المساعدة - عن أن تعمل مع طفل صغير لا يمكن التنبؤ ~~بأفعاله. # لم تقل أيا من هذا لجون. كان يكره أن يسمع الناس يتحدثون عن أهمية، وروعة، وشرف ~~التعامل مع الخشب. أي نزاهة في هذا العمل، وأي شرف؟! # إنه يراه هراء. # التقى جون وجويس في مدرسة ثانوية حضرية في مدينة صناعية في أونتاريو. حصلت جويس على ~~ثاني أعلى معدل ذكاء في فصلهما، وحصل جون على الأعلى في المدرسة، وعلى الأرجح في ~~المدينة. كان من المتوقع لها أن تصبح عازفة ماهرة على الكمان - هذا قبل أن تتخلى عنها ~~من أجل التشيلو - وكان مقدرا له أن يصبح عالما من النوع المهيب الذي يستعصي ~~وصف عمله في العالم العادي. # تركا الدراسة في العام الأول من الالتحاق بالكلية وهربا معا. حصلا على وظيفتين، ~~وسافرا بالحافلة عبر القارة وعاشا عاما على ساحل أرجون، وتصالحا، عن بعد، مع ~~عائلتيهما اللتين اعتبرتاهما نورا انتشر في العالم. كان قد فات الوقت الذي يمكن ~~تسميتهما فيه بالخنافس، لكن هكذا نعتتاهما عائلتاهما. لم يريا نفسيهما كذلك قط؛ ~~فهما لم يتعاطيا المخدرات، وارتديا ملابسهما بأسلوب متحفظ رغم رثاثة مظهرهما ~~قليلا، وأثبت جون ذلك بأن حلق ذقنه وجعل جويس تقص شعرها. تعبا من وظيفتيهما ~~اللتين تدران دخلا متدنيا للغاية بعد فترة قليلة واستدانا من عائلتيهما ~~المحبطتين حتى يصبحا مؤهلين لتحقيق معيشة أفضل. تعلم جون النجارة وأشغال الخشب، ~~وحصلت جويس على درجة علمية تؤهلها لتدريس الموسيقى في المدارس. # كانت الوظيفة التي حصلت عليها في روف ريفر. اشتريا هذا المنزل المتداعي بسعر بخس ~~جدا، واستقرا في مرحلة جديدة من حياتهما. زرعا حديقة، وتعرفا على جيرانهما؛ الذين ~~كان بعضهم لا يزالون خنافس حقيقيين، يزرعون كميات صغيرة من الحشيش في الدغل ~~ويصنعون عقودا من الخرز وأكياس أعشاب طبيعية للبيع. # أحب الجيران جون. كان لا يزال نحيفا ولديه عينان لامعتان، مغرور لكنه مستعد أن ~~يصغي. وفي ذلك الحين كان معظم الناس قد بدءوا التعود على أجهزة الكمبيوتر، التي ~~كان يفهمها واستطاع شرح طريقة ms029 عملها بصبر. كانت جويس أقل شعبية؛ فقد رأوا أنها ~~تضفي على منهجها في تدريس الموسيقى أسلوبا رسميا. # طبخ جويس وجون عشاءهما معا واحتسيا بعضا من نبيذهما البيتي (كانت طريقة جون في ~~صنع النبيذ دقيقة وناجحة). تحدثت جويس عن إحباطات يومها ونوادره. لم يتحدث جون كثيرا؛ ~~وكان أحد الأسباب هو انهماكه في الطبخ. لكن حين كانا يأكلان معا أخيرا، ربما كان يحكي ~~لها عن زبون زاره، أو عن مساعدته إيدي. قد يضحكان على شيء ما قالته إيدي. لكن ليس ~~باستخفاف؛ اعتقدت جويس في بعض الأحيان أن إيدي مثل حيوان منزلي أليف؛ أو مثل طفل. مع ~~أنها لو كانت طفلة، طفلتهما، وكانت على حالها هذا، فربما أصابتهما حيرة وقلق بالغان ~~يمنعهما من الضحك. # لماذا؟ أي حال؟ لم تكن غبية. قال جون إنها لم تكن عبقرية فيما يتعلق بأشغال الخشب، ~~لكنها تتعلم وتتذكر ما تتعلمه. والأمر الهام أنها ليست ثرثارة. كان هذا أكثر ما ~~خشيه حين ثارت مسألة تعيين مساعد. دشنت البلدة برنامجا حكوميا؛ كان سيتلقى ~~مبلغا معينا لتعليم الشخص، وأيا كان هذا الشخص فالمبلغ يكفي لتغطية تكاليف معيشته ~~أثناء تعلمه. لم يكن راغبا في ذلك في البداية، لكن جويس أقنعته. كانت مقتنعة أن عليهما ~~التزاما نحو المجتمع. # ربما لم تكن إيدي تتحدث كثيرا، لكن حين كانت تتحدث، كان حديثها قويا. # قالت لهما في مقابلتها الأولى معهما: «لقد امتنعت عن تناول كل المخدرات والكحوليات. ~~إني أنتمي إلى برنامج زمالة المدمنين المجهولين، وأنا مدمنة كحول أتماثل للشفاء. لا ~~نقول أبدا إننا شفينا؛ لأننا لن نشفى أبدا. لا نشفى ما دمنا على قيد الحياة. لدي ~~ابنة في التاسعة من عمرها وولدت بدون أب، لهذا هي مسئوليتي الكلية، وأنوي أن أربيها ~~تربية جيدة. طموحي أن أتعلم أشغال الخشب حتى أستطيع أن أعول نفسي وابنتي.» # بينما كانت تلقي هذه الكلمة جلست تحدق بهما، واحدا بعد الآخر، عبر طاولة ~~مطبخهما. كانت شابة قصيرة قوية، لم تبد كبيرة في السن بما يكفي أو مدمرة بما يكفي ~~لأن تحمل سيرة ms030 من الفجور. كتفان عريضان، شعر غزير يغطي جبينها، ذيل حصان محكوم، لا ~~احتمال أن تبتسم. # قالت: «وأمر آخر.» فكت أزرار بلوزتها ذات الكمين الطويلين. كانت ترتدي قميصا ~~تحتانيا. كان ذراعاها وصدرها من أعلى وظهرها - حين استدارت - من الأعلى مليئة ~~بالأوشام. بدا كأن جلدها كساء مزخرف، أو ربما كتاب مصور بالوجوه الشبقة والرقيقة ~~على السواء، المحاطة بالتنانين، والحيتان والنيران، شديدة التعقيد أو ربما مروعة ~~جدا لدرجة أنها تستعصي على الفهم. # أول شيء ستضطر إلى التساؤل عنه ما إذا كانت قد كست جسدها كله بهذه ~~الأوشام. # قالت جويس بقدر ما تستطيع من حيادية: «مدهش.» # قالت إيدي: «حسنا، لا أعرف كم هو مدهش، لكنه كان سيكلفني ثروة لو كان علي أن أدفع ~~مقابله. هذا ما كان يشغلني في وقت من الأوقات. إني أريكما إياه لأن بعض الناس قد ~~تعترض على هذا. مثل: فرضا إذا شعرت بالحر في الورشة واضطررت أن أعمل مرتدية ~~القميص التحتاني.» # قالت جويس: «ليس نحن» ونظرت إلى جون. هز كتفيه في لا مبالاة. # سألت جويس إيدي ما إذا كانت ترغب في احتساء فنجان من القهوة. # أجابتها إيدي: «كلا، شكرا.» كانت ترتدي بلوزتها مرة أخرى. وأردفت: «كثير من ~~الناس في زمالة المدمنين المجهولين يبدون وكأنهم يحيون على القهوة. وما أقوله لهم ~~هو: لماذا تغيرون عادة سيئة بأخرى؟» # قالت عنها جويس فيما بعد: «استثنائية. شعرت أني إذا قلت أي شيء فإنها يمكن أن تعطيني ~~محاضرة. لم أجرؤ على الاستفسار عن الميلاد العذري لابنتها.» # قال جون: «إنها قوية. وهذا هو الأمر المهم. لقد ألقيت نظرة على ذراعيها.» # وحين يقول جون «قوي» فإنه يعني بالضبط ما تعنيه الكلمة. يعني أنها تستطيع أن تحمل لوح ~~خشب. # يستمع جون إلى راديو سي بي سي أثناء عمله. الموسيقى، وكذلك الأخبار، والتعليقات، ~~والمداخلات التليفونية. وفي بعض الأحيان، كان ينقل رأي إيدي فيما سمعاه. # إيدي لا تؤمن بنظرية التطور. ~~(كان يذاع برنامج للمداخلات التليفونية اعترض فيه بعض الناس على ما كان يدرس في ~~المدارس .) ~~- ولم لا؟ # قال جون: «حسنا، ms031 لأنه في بلاد الكتاب المقدس تلك.» ثم غير نبرته إلى صوت إيدي أحادي ~~النبرة الصارم وأردف: «في بلاد الكتاب المقدس تلك لديهم الكثير من القرود، وتنزل ~~القرود من الأشجار، وهكذا جاءت الفكرة لهؤلاء الناس بأن القرود تنزل من الأشجار وتتحول ~~إلى بشر.» # قالت جويس: «لكن في المقام الأول ...» ~~- «لا تبالي. لا تحاولي حتى المجادلة. ألا تعرفين القانون الأول بشأن الجدل مع إيدي؟ ~~لا تبالي واسكتي.» # تعتقد إيدي كذلك أن شركات الأدوية الكبرى عرفت علاجا للسرطان، لكن عقدت صفقة مع ~~الأطباء للتكتم على المعلومات بسبب الأموال التي يجنونها هم والأطباء. # حين كان الراديو يذيع لحن «قصيدة غنائية للفرح»، كانت تجبر جون على إغلاقه لأنها ~~كريهة جدا مثل الموسيقى الجنائزية. # علاوة على ذلك، اعتقدت أنه يجب على جون وجويس - حسنا، جويس وحدها في واقع الأمر - ~~ألا يتركا زجاجات النبيذ واضحة للعين على طاولة المطبخ. # قالت جويس: «هل هذا يخصها؟» ~~- «واضح أنها تعتقد هذا.» ~~- «متى يتاح لها أن تتفحص طاولة مطبخنا؟» ~~- «عليها أن تمر عبره إلى الحمام. لا يمكن أن نتوقع منها أن تتبول في ~~الأدغال.» ~~- «حقيقة لا أفهم ما شأن ...» ~~- «وفي بعض الأحيان، تدخله لتعد لنا بعض الشطائر.» ~~- «إذن؟ هذا مطبخي. مطبخنا.» ~~- «إنها تشعر بالتهديد من المشروبات المسكرة. لا تزال هشة. شيء لن نستطيع أنت وأنا ~~فهمه.» # مهددة! مشروب مسكر! هشة! # ما هذه الكلمات التي يستخدمها جون؟ # كان يجب أن تفهم، وفي تلك اللحظة، وإن كان هو نفسه أبعد ما يكون عن أن يدرك هذا. لقد ~~كان يقع في الحب. # يقع. هذا يحتاج فترة زمنية ما؛ لتزل قدماه. لكن يمكن اعتبارها فترة زمنية وجيزة؛ ~~الأمر يستغرق ثانية أو لحظة لتقع. في الوقت الحالي جون لا يحب إيدي. تك. الآن هو ~~يحبها. من المستحيل إدراك أن هذا أمر مرجح أو محتمل، إلا إذا فكرت في لكمة مفاجئة بين ~~العينين، أو سكون مفاجئ. إنها ضربة القدر التي تجعل الإنسان عاجزا؛ المزحة الشريرة ~~التي تحول عينين صافيتين إلى حجرين مصمتين . # شرعت جويس تقنعه بأنه مخطئ. ms032 ليس لديه الخبرة الكافية بالنساء. لا خبرة إلا بها. ~~اعتقدا دوما أن دخول تجارب مع شركاء متنوعين فعل طفولي؛ الخيانة الزوجية فوضوية ~~ومدمرة. الآن تتساءل: هل كان يجب أن يدخل تجارب أكثر؟ # لقد قضى شهور الشتاء المعتم منعزلا في ورشته، معرضا لإشعاع إيدي الواثق. كان ~~يضاهي الإصابة بالمرض بسبب التهوية السيئة. # كانت إيدي تصيبه بالجنون، لو استمر يتعامل معها بجدية. # قال: «فكرت في هذا، ربما هذا ما فعلته فعليا.» # قالت جويس إن هذا كلام مراهق أحمق؛ إذ يتظاهر بأنه مذهول وعاجز. # قالت له: «ماذا تظن نفسك، فارسا من فرسان المائدة المستديرة؟ شخص ما أعطاك شربة ~~سحرية؟» # ثم قالت إنها آسفة. قالت إن الشيء الوحيد الذي يمكن فعله هو أن يستخدماه على أنه درس ~~مشترك. وادي الظلال. أن يعتبراه يوما محض خلل في مسار زواجهما. # قالت: «سوف نجتازه.» # نظر لها جون نظرة مختلفة، نظرة مليئة بالعطف. # قال: «ليس هناك «نحن».» ~~••• # كيف يمكن أن يحدث هذا؟ طرحت جويس هذا السؤال على جون، وعلى نفسها؛ ومن ثم على ~~آخرين. مساعدة نجار ثقيلة الحركة وثقيلة الظل، ترتدي سروالا واسعا وقمصانا ~~صوفية وكنزة سميكة باهتة منقطة بنشارة الخشب طوال الشتاء. ذات عقل يتهادى متثاقلا من ~~كليشيه أو حماقة إلى أخرى، ويزعم أن كل خطوة من الرحلة هي قانون الأرض. شخصية كهذه تحجب ~~جويس ذات الساقين الطويلتين، والخصر الرشيق، والجدائل الحريرية الطويلة لشعر داكن، ~~ظرفها، وموسيقاها، وثاني أعلى معدل ذكاء. # تقول جويس: «سوف أخبرك ما أظنه حدث.» هذا فيما بعد حين طالت الأيام واشتعلت باقات ~~زنابق الماء. حين ذهبت لتدريس الموسيقى ترتدي نظارات داكنة لتخفي عينين تورمتا ~~من البكاء والشراب، وبدلا من أن تتجه إلى البيت بعد انتهاء عملها اتجهت إلى حديقة ~~ولنجدون حيث أملت أن يأتي جون باحثا عنها؛ خوفا من أن تنتحر (فعل هذا بالفعل، لكن مرة ~~واحدة فقط). # قالت: «أعتقد أن السبب أنها كانت تنتمي للشوارع. تنقش المومسات الوشم على أجسادهن ~~لأسباب تتعلق بالمهنة. والرجال يثيرهم هذا. لا أعني الوشم - حسنا، ذلك أيضا ms033 يثيرهم ~~بالطبع - أعني حقيقة أنها للبيع. كل تلك السهولة والخبرة. والآن تائبة. إنها مريم ~~المجدلية اللعينة لعصرنا هذا، هذه هي المسألة. وهو طفل كبير جنسيا. كل هذا يثير ~~اشمئزازك.» # لديها صديقات الآن تستطيع التحدث معهن هكذا. كلهن لديهن قصصهن الخاصة. بعضهن عرفتهن ~~من قبل، لكن ليس كمعرفتها بهن الآن. يتجمعن ويشربن ويضحكن حتى يبكين. يقلن ~~إنهن عاجزات عن تصديق هذا. الرجال. ماذا يفعلون. أمر مقزز وأحمق. لا يمكن تصديق ~~هذا! # لهذا هو واقع. # في وسط هذا الكلام تشعر جويس أنها على ما يرام. على ما يرام حقا. تقول إن لحظات تمر ~~عليها فعليا تشعر أثناءها بالامتنان لجون؛ لأنها تشعر بحيوية أكبر الآن لم تشعر بها ~~طوال حياتها. شعور شنيع لكنه رائع. بداية جديدة. الحقيقة العارية. الحياة ~~العارية. ~~••• # لكن حين تستيقظ في الثالثة أو الرابعة صباحا، تتساءل أين هي. ليست في منزلهما. إيدي ~~في ذلك المنزل الآن. إيدي وطفلتها وجون. هذا ما فضلته جويس نفسها؛ إذ اعتقدت أنه ربما ~~يعيد جون إلى رشده. انتقلت للمعيشة في شقة في المدينة تخص مدرسا في إجازة طويلة لمدة ~~عام. استيقظت في الليل على الأضواء الوردية المرتعشة من يافطة مطعم عبر الشارع تومض عبر ~~نافذتها، منيرة متعلقات المدرس الغريبة المكسيكية؛ أصص صبار، عينا قط متدليتان، ~~بطانيات مقلمة بلون دم جاف. كل تلك البصيرة السكرانة، تلك النشوة، تخرج منها مثل ~~القيء. وبخلاف هذا، لم تصبها أعراض السكر قط. تستطيع أن تغرق في بحيرات من ~~الكحول، على ما يبدو، وتستيقظ جافة مثل ورقة كرتون، وكأنها لم تشرب شيئا. # حياتها ضاعت. كارثة عادية. # الحقيقة أنها كانت لا تزال سكرانة، مع أنها تشعر بأنها واعية جدا. كان خطرا أن تصل ~~إلى سيارتها وتقودها إلى المنزل. ليس الخطر في أن تنزلق إلى الخندق على جانب الطريق؛ ~~لأن قيادتها في تلك الأوقات تصبح بطيئة جدا ورزينة، بل إنها توقف السيارة في ~~الفناء الخارجي أمام النوافذ المعتمة وتنادي بصوت مرتفع على جون قائلة إنه يجب أن ~~يتوقفا عن هذا ببساطة. # يتوقفان عن ms034 هذا. هذا ليس صحيحا. أخبرها أن تذهب بعيدا. # تذكر حين نمنا في الحقل واستيقظنا والأبقار حولنا في كل مكان تمضغ طعامها، ولم ~~ندرك أنها كانت موجودة الليلة السابقة. تذكر حين اغتسلنا في الجدول المثلج. كنا نجمع ~~الفطر في جزيرة فانكوفر ونطير عائدين إلى أونتاريو ونبيعه لندفع ثمن الرحلة، حين كانت ~~أمك مريضة واعتقدنا أنها تحتضر. وقلنا، يا لها من مزحة، نحن حتى لا نتعاطى ~~المخدرات، هذا بر بوالدينا. # أشرقت الشمس وبدأت الألوان المكسيكية تعكس عليها بريقها الشنيع، وبعد فترة قصيرة نهضت ~~واغتسلت ولطخت وجنتيها بالحمرة وشربت قهوة ثقيلة مثل الوحل، وارتدت بعضا ~~من ملابسها الجديدة. اشترت قمصانا مهلهلة، وتنورات مهفهفة، وحلقانا ~~مزينة بريش بلون قوس قزح. خرجت لتدرس الموسيقى في المدارس، مثل راقصة غجرية أو ~~نادلة في بار. ضحكت على كل شيء وعبثت وتدللت مع الجميع. مع الرجل الذي أعد لها ~~فطورها في المطعم الذي بالطابق الأرضي، والصبي الذي زود سيارتها بالغاز، والموظف الذي ~~باع لها الطوابع في مكتب البريد. خطر لها أن جون قد يصل إليه كم هي جميلة ومغرية وسعيدة ~~وتذهل كل الرجال. ما إن تخرج من الشقة حتى تصبح فوق خشبة المسرح وجون هو المتفرج ~~الأساسي وإن كان على نحو غير مباشر. ومع ذلك، لم يأسر جون قط المظهر الاستعراضي أو ~~السلوك العابث؛ لم يكن يعتقد قط أن هذا سر جاذبيتها. فحين كانا يرتحلان، تدبرا ~~أمرهما في معظم الأحيان بملابس عادية. جوارب سميكة وبنطلونات جينز وقمصان غامقة، ~~ومعاطف ثقيلة. # تغيير آخر. # حتى مع الأطفال الأصغر أو الأغبى الذين تعرفهم، أصبحت نبرتها مداعبة، مليئة بضحكة ~~لعوب؛ شجاعتها لا تقاوم. كانت تجهز تلاميذها للاحتفال المزمع إقامته في نهاية ~~السنة الدراسية. لم تتحمس في السابق لهذه الأمسية العامة؛ إذ شعرت أنه يتصادم مع تقدم ~~هؤلاء الطلاب الذي يتمتعون بمهارة في العزف، فيجرهم إلى موقف ليسوا مستعدين له. لن ~~يخلق كل هذا المجهود والتوتر إلا قيما مزيفة. لكن هذا العام كانت منخرطة بكل كيانها في ~~التجهيز للعرض؛ البرنامج، الإضاءة، المقدمات، وبالطبع ms035 العرض الموسيقي. أعلنت أنه يجب أن ~~يكون مسليا وممتعا. تسلية ومتعة للطلاب، وتسلية ومتعة للجمهور. # بالطبع كانت واثقة من حضور جون؛ فابنة إيدي واحدة من العازفين؛ لهذا يجب أن تحضر ~~إيدي، وجون سوف يصاحب إيدي. # أول ظهور لجون وإيدي كزوجين أمام البلدة. إنه إعلان للزواج. لا يستطيعان تجنبه. هذه ~~التحولات التي تماثل تحولهما ليست غير مسبوقة، خاصة بين الناس الذين يعيشون جنوب ~~البلدة. لكنهما لم يكونا زوجين عاديين. وحقيقة أن الأوضاع الجديدة لم تكن مصحوبة بفضيحة ~~لا تعني أنها لم تلفت الأنظار. تمر فترة زمنية ضرورية يهتم خلالها الناس بما حدث قبل أن ~~تهدأ الأمور ثم يعتاد الناس الارتباط الجديد. وهو ما حدث، وسوف يشاهد الزوجان ~~الجديدان في محل البقالة يتحدثان، أو على الأقل يحييان المنبوذين. # لكن لم يكن هذا الدور الذي رأت جويس نفسها تلعبه، يراقبها جون وإيدي - جون فقط في ~~واقع الأمر هو ما يعنيها - في مساء الاحتفال الموسيقي. # ماذا رأت؟ الله يعلم. لم تفكر، في أي لحظة عاقلة، في إبهار جون إبهارا يصل إلى أن ~~يعود إلى رشده حين تظهر لتحيي الجمهور عند نهاية العرض. لم تفكر أن قلبه قد يتحطم ~~بسبب حماقته ما إن يراها سعيدة ومتألقة وتتولى مقاليد الأمور بدلا من النحيب ~~والانتحار. لكنه شيء ليس بعيدا عن هذا؛ شيء لم تستطع تحديده لكنها لم تستطع أن تمنع ~~نفسها عن تمنيه. # كان أفضل حفل موسيقي أقيم. هذا ما قاله الجميع. قالوا إنه أكثر حيوية. أكثر مرحا، ~~مع أنه أكثر كثافة. ارتدى الأطفال ملابس متناسقة مع الموسيقى التي عزفوها، وزينت ~~وجوههم فلم تظهر عليها مشاعر الخوف أو الاستعطاف. # حين ظهرت جويس في النهاية، كانت تلبس تنورة حريرية سوداء تلمع لمعانا فضيا مع ~~حركتها. ارتدت كذلك أساور فضية ولمع شعرها المنسدل. انطلقت بعض الصفارات مع ~~التصفيق. # لم يكن جون وإيدي بين الجمهور. # 2 # يقيم جويس ومات حفلا في بيتهما في نورث فانكوفر من أجل الاحتفال بعيد ميلاد مات ~~الخامس والستين. مات أستاذ في علم النفس العصبي، وهو ms036 عازف كمان هاو جيد أيضا. ~~هكذا قابل جويس، التي أصبحت الآن عازفة تشيلو محترفة، وزوجته الثالثة. # تردد جويس باستمرار: «انظر إلى كل هؤلاء الناس هنا. إنها قصة حياة بالتأكيد.» # إنها امرأة نحيفة حماسية ذات شعر كثيف قصديري اللون وانحناءة خفيفة، ربما نتجت عن ~~احتضانها لآلتها الموسيقية الكبيرة، أو من العادة التي اكتسبتها كمستمعة كيسة ومتحدثة ~~لبقة. # حضر، بالطبع، زملاء مات من الكلية؛ الذين يعتبرهم أصدقاء حميمين. إنه رجل كريم لكنه ~~صريح؛ لذا فمن المفهوم ألا يدخل كل زملائه ضمن تلك الفئة. حضرت زوجته الأولى، سالي، ~~التي تصاحبها من ترعاها. أصيب مخ سالي بالتلف حين تعرضت لحادث سيارة في عمر التاسعة ~~والعشرين؛ لذا، على الأرجح لا تعرف من هو مات، أو من هم أولادها الثلاثة الذين ~~كبروا، أو أن هذا هو البيت الذي عاشت فيه عندما كانت زوجة شابة. لكن لم يصب بالتلف ~~الجزء الخاص في مخها المسئول عن سلوكها اللطيف، ويبهجها أن تقابل الناس، حتى وإن كانت ~~قابلتهم فعليا منذ خمس عشرة دقيقة مضت. المرأة التي ترعاها اسكتلندية صغيرة الحجم ~~ومنظمة؛ وكثيرا ما توضح أنها لم تعتد الحفلات الصاخبة الكبيرة مثل هذه، وأنها لا ~~تشرب أثناء ساعات عملها. # عاشت زوجة مات الثانية؛ دوريس، معه أقل من عام، على الرغم من أنها تزوجته لمدة ثلاث ~~سنوات. إنها هنا مع عشيقتها الأصغر منها بكثير، لويز، وابنتهما الرضيعة التي حملتها ~~لويز وولدتها منذ أشهر قليلة. ظلت دوريس صديقة لمات وصديقة مقربة من ابن مات وسالي ~~الأصغر، تومي، الذي كان صغيرا جدا، فظل في رعايتها حين تزوجت والده. يحضر الحفل ابنا ~~مات الكبيران مع أطفالهما ووالدتي أطفالهما، على الرغم من أن واحدة منهما لم تعد ~~زوجة لذلك الأب. صاحبته شريكته الحالية وابنها الذي تشاجر مع واحد من أطفال العائلة على ~~من يدفع الأرجوحة. # أحضر تومي معه لأول مرة حبيبه جاي الذي لم يقل أي شيء حتى الآن. قال تومي لجويس إن ~~جاي ليس معتادا على العائلات. # قالت جويس: «أتفهم موقفه ؛ لقد مر علي وقت ms037 لم أكن كذلك أيضا.» ضحكت؛ وكانت بالكاد ~~تستطيع أن تمسك نفسها عن الضحك بينما تشرح وضع الأعضاء الرسميين والنائين لما يسميه ~~مات العشيرة. هي نفسها ليس لديها أطفال، على الرغم من أنه كان لديها زوج سابق؛ جون، ~~الذي يعيش على الساحل في بلدة صناعية عانت من مشاكل عديدة. لقد دعته إلى الحفلة، لكنه ~~لم يستطع الحضور؛ كان حفيد زوجته الثالثة يعمد في ذلك اليوم. دعت جويس بالطبع زوجته ~~كذلك؛ اسمها تشارلن وتدير مخبزا. كتبت الرسالة الموجزة اللطيفة عن التعميد؛ مما دفع ~~جويس إلى أن تقول لمات إنها لا تستطيع أن تصدق أن جون يمكن أن يصبح متدينا. # قالت - وهي تشرح كل هذا لأحد المدعوين: «كنت أتمنى لو أنهم جاءوا.» (دعي الجيران لكي ~~لا يتذمروا من الضجيج.) وأردفت: «حينئذ كنت سأشارك بنصيبي في هذه التشابكات العائلية. ~~كانت لديه زوجة ثانية، لكن لا فكرة لدي أين ذهبت، وأعتقد أنه لا يعرف كذلك.» # هناك كثير من الطعام الذي أعده مات وجويس وأحضره الناس، وكثير من النبيذ ومزيج ~~فاكهة للأطفال، ومزيج كحولي حقيقي خلطه مات لهذه المناسبة؛ على شرف الأيام الخوالي، كما ~~يقول، حين كان الناس يعرفون حقا كيف يشربون. يقول إنه كان سوف يعده في صفيحة قمامة ~~بعد غسلها، كما كانوا يعدون الشراب حينذاك، لكن الآن، قد يشعر الجميع بالغثيان إذا ~~شربوه. لم يقترب معظم الشباب منه على كل حال. # الأراضي فسيحة. هناك كروكيت لو أراد الناس اللعب، والأرجوحة التي يحتفظ بها مات منذ ~~طفولته، وكانت محل نزاع. لم ير معظم الأطفال سوى أرجوحات الحدائق والألعاب ~~البلاستيكية في الفناء. بالتأكيد مات هو آخر واحد في فانكوفر يحتفظ بأرجوحة يدوية ويعيش ~~في المنزل الذي كبر فيه؛ منزل في شارع ويندسور فوق سهل جروس ماونتن الذي كان قديما على ~~حافة الغابة. تتراكم في الوقت الحالي المنازل فوقه، ومعظمها قلاع بجراجات ضخمة. يقول ~~مات، في أحد الأيام سوف يختفي هذا المكان. الضرائب مهولة. سوف يختفي ويحل محله زوجان ~~من المنازل الشنيعة. # لا تستطيع جويس أن تفكر ms038 في حياتها مع مات في أي مكان آخر. دائما يحدث شيء ما هنا. ~~ناس تأتي وتذهب وتترك أشياء ثم يسترجعونها فيما بعد (بما فيهم الأطفال). حفل الرباعي ~~الوتري الذي يقيمه مات في المكتب في ظهيرة أيام الأحد؛ واجتماع «طائفة التوحيد» في مساء ~~أيام الأحد؛ واجتماع استراتيجية «حزب الخضر» الذي يخطط له في المطبخ؛ ومجموعة القراءة ~~التمثيلية التي تؤدي مشاهدها أمام المنزل بينما شخص ما يحكي تفاصيل دراما حياتية ~~حقيقية في المطبخ (مطلوب حضور جويس في كلا الموقعين). يتناقش مات مع زميل له حول ~~الاستراتيجية في غرفة المكتب التي أغلقا بابها عليهما. # كثيرا ما تقول إنهما، مات وهي، نادرا ما يكونان معا وحدهما إلا في ~~السرير. ~~- «وحينها يكون منغمسا في قراءة شيء مهم.» # بينما تقرأ هي شيئا غير مهم. # لا تبالي، إنه يحمل حبا وشغفا هائلين بالحياة الاجتماعية المختلفة وربما هي ~~بحاجة لها. حتى في الكلية؛ حيث ينخرط في علاقات مع الطلاب والمساعدين وأعداء محتملين ~~ومن يحطون من قدره؛ يبدو أنه يتحرك في زوبعة فوضوية. كان هذا ~~مريحا لها في وقت من الأوقات. وربما يظل مريحا لو كان لديها وقت لتنظر إليه من ~~الخارج، فربما تحسد نفسها، من الخارج، وربما يحسدها الناس، أو على الأقل يعجبون بها؛ ~~إذ يعتقدون أنها تناسبه تماما، بكل أصدقائها وواجباتها ونشاطاتها، إلى جانب مهنتها ~~بالطبع. لا يمكن أن تنظر إليها الآن وتتخيل أنها كانت وحيدة تماما حين جاءت أول مرة ~~إلى فانكوفر؛ وحيدة إلى حد أنها وافقت على الخروج في موعد مع ولد يعمل في ~~مغسلة، يصغرها بعقد. وعلاوة على ذلك تركها تنتظر ولم يأت. # تعبر الآن فوق الحشيش بشال فوق ذراعها من أجل السيدة فاولر؛ أم دوريس زوجة مات ~~الثانية، والتي أعلنت عن ميولها السحاقية مؤخرا. لا تستطيع السيدة فاولر أن تجلس في ~~الشمس، لكنها ترتجف في الظل. وتحمل جويس في اليد الثانية كوبا من عصير الليمون ~~الطازج للسيدة جوان، مرافقة سالي. وجدت السيدة جوان كوكتيل فواكه الأطفال مسكرا ~~جدا. لا تسمح لسالي بأن تحتسي ms039 أي شراب؛ فربما تسكبه فوق فستانها الجميل أو ترميه ~~على أي شخص بدافع اللهو، يبدو أن سالي لا تنزعج من هذا الحرمان. # تمر جويس في رحلتها عبر المرج بمجموعة من الشباب يجلسون في دائرة، تومي وصديقه ~~الجديد وأصدقاء آخرين رأتهم كثيرا في المنزل وآخرين تعتقد أنها لم ترهم قط من ~~قبل. # تسمع تومي يقول: «لا، لست إيزادورا دونكان.» # يضحكون جميعا. # تدرك أنهم يلعبون تلك اللعبة الصعبة والنخبوية التي كانت شائعة منذ سنوات مضت. ماذا ~~كان اسمها؟ تعتقد أن الاسم كان يبدأ بحرف «ب». تصورت أن الناس يعارضون النخبوية بشدة ~~هذه الأيام لدرجة تمنعهم عن هذا النوع من التسلية. # قالت بصوت مرتفع: «بوكستهود.» ~~- «تلعبون بوكستهود.» # قال تومي - وهو يضحك ليشجع الآخرين على الضحك: «لقد أصبت في حرف الباء على ~~الأقل.» # ثم أردف: «انظروا، إنها زوجة أبي، ليست حمقاء تماما، لكنها موسيقية، ألم يكن ~~بوكستهود موسيقيا؟» # تقول جويس بنبرة بها مسحة من الغضب: «بوكستهود مشى خمسين ميلا ليسمع باخ يعزف على ~~الأورغان. نعم هو موسيقي.» # يقول تومي: «لقد أصبت.» # تنهض بنت من الدائرة، ويناديها تومي. ~~- «أهلا كريستي. كريستي. ألن تلعبي ثانية؟» ~~- «سأعود، سوف أختبئ فقط في الأحراش مع سجائري البغيضة.» # ترتدي الفتاة فستانا قصيرا أسود مزخرفا - يدفعك إلى التفكير في قطعة من الملابس ~~الداخلية أو ملابس النوم - وجاكيت بسيطا قصيرا. لها شعر فاتح ناعم، ووجه شاحب مراوغ، ~~وحاجبان غير مرئيين. نفرت جويس من الفتاة فورا. تعتقد أنها النوع من الفتيات الذي ~~مهمته إزعاج الناس. إنها تتطفل - إذ تعتقد جويس أنها لا بد حضرت متطفلة - على حفل في ~~بيت أناس لا تعرفهم، ومع ذلك تشعر بأن لها الحق في احتقارهم؛ بسبب بهجتهم البسيطة ~~(السطحية؟) وحفاوتهم البرجوازية. (هل ما زال الناس يستخدمون كلمة «برجوازية» حتى ~~الآن؟) # لا يتعلق الأمر بأن الضيفة لا تستطيع أن تدخن في أي مكان تريد؛ فلا توجد أي لافتات ~~منمقة وضعت للتحذير من التدخين، ولا حتى داخل البيت. تشعر جويس أن قدرا كبيرا ~~من بهجتها قد خفت. # تقول بحدة: «تومي! ms040 تومي! هل تسمح بأن تأخذ هذا الشال إلى الجدة فاولر؟ تشعر بالبرد ~~على ما يبدو. وهذا العصير إلى السيدة جوان. تعرفها، أليس كذلك؟ السيدة التي ترعى ~~والدتك.» # لا ضرر من تذكيره بعلاقات ومسئوليات معينة. # نهض تومي سريعا وبرشاقة واقفا على قدميه. # يقول - وهو يخلصها من الشال والكوب: «كنا نلعب بوتشيلي.» ~~- «آسفة. لم أقصد أن أفسد عليك لعبتك.» # قال فتى تعرفه، اسمه جاستن: «لسنا ماهرين على أي حال، نحن لسنا أذكياء كما كنتم ~~أنتم.» # تقول جويس: «كما كنا، عبارة في محلها.» للحظة شعرت بالحيرة بشأن ما ستفعله أو أين ~~ستذهب بعد ذلك. ~~••• # يغسلون الأطباق في المطبخ؛ جويس وتومي والصديق الجديد، جاي. انتهت الحفلة. غادر الناس ~~مع أحضان وقبلات وصيحات ودية، يحمل البعض منهم أطباق طعام لم تجد جويس مكانا ~~لها في الثلاجة. تخلصت من سلاطات ذابلة وفطائر بالكريمة وبيض مسلوق محشو. لم ~~يأكلوا إلا قليلا من البيض المسلوق على كل. إنه موضة قديمة. كوليسترول كثير. # تقول جويس وهي ترمي طبقا عامرا في القمامة: «مؤسف جدا، استغرق إعداد ذلك البيض ~~جهدا كبيرا. إنه يذكر الناس بوجبات الكنيسة.» # يقول جاي: «اعتادت جدتي إعداده.» كانت تلك أول كلمات يوجهها لجويس، ولاحظت أن تومي ~~بدا عليه الامتنان. تشعر هي نفسها بالامتنان، على الرغم من أنه صنفها في فئة ~~جدته. # يقول تومي: «أكلنا الكثير منه وكان شهيا.» اشتغل هو وجاي لمدة نصف ساعة على الأقل ~~معها؛ إذ كانا يجمعان الأكواب والأطباق وأدوات المائدة التي تبعثرت في كل مكان من ~~المرج والشرفة والبيت، حتى في أكثر الأماكن الغريبة مثل أصص الزهور وتحت وسائد ~~الكنبة. # رص الأولاد - إذ تراهم جويس أولادا - غسالة الأطباق بمهارة أكبر مما كان يمكن لها ~~في حالة الإرهاق التي تعاني منها، وجهزوا الماء الساخن بالصابون ومياه الشطف الباردة في ~~الحوضين لتنظيف الأكواب. # قالت جويس: «يمكن أن نبقي الأكواب للدورة التالية لغسالة الأطباق.» لكن تومي قال ~~لا. ~~- «لولا أنك فقدت صوابك بسبب كل ما قمت به اليوم، ما كنت فكرت في وضعها في غسالة ~~الأطباق.» ms041 # يغسل جاي، وتجفف جويس، ويرص تومي. لا يزال يتذكر أماكن الأشياء في هذا المنزل. مات، ~~في الشرفة، منخرط في نقاش متقد مع رجل من القسم الذي يدرس به في الجامعة. يبدو ~~أنه ليس سكران للغاية كما كانت الأحضان العديدة والتوديعات المطولة تدل منذ فترة ~~وجيزة. # تقول جويس: «ربما أكون قد فقدت صوابي لكن يراودني الآن إحساس داخلي بأن ألقي كل هذا ~~في القمامة وأشتري بلاستيك.» # يقول تومي: «متلازمة ما بعد الحفلة. نعرفها تماما.» # تقول جويس: «إذن من تلك الفتاة بالفستان الأسود ... تلك التي تركت اللعبة؟» ~~- «كريستي؟ لا بد أنك تقصدين كريستي، كريستي أودل، إنها زوجة جاستن، لكنها تحمل اسمها ~~الخاص. تعرفين جاستن، أليس كذلك؟» ~~- «بالطبع أعرفه. فقط لم أعرف أنه متزوج.» # يقول تومي مشاكسا إياها: «آه، كم كبروا.» # ويضيف: «جاستن في الثلاثين، وهي أكبر على الأرجح.» # يقول جاي: «أكبر بالتأكيد.» # تقول جويس: «مظهرها يثير الاهتمام. حدثني عنها.» ~~- «إنها كاتبة. لا بأس بها.» # يثير جاي الذي ينحني فوق الحوض ضجة لا تستطيع جويس تفسيرها. # يقول تومي: «تميل إلى التحفظ.» يتحدث إلى جاي: «هل أنا محق؟ هل ترى هذا ~~أيضا؟» # يقول جاي بصراحة: «تظن نفسها بارعة موهوبة.» # يقول تومي: «حسنا، أول كتاب لها نشر توا. نسيت ما اسمه. عنوان كعناوين كتب مساعدة ~~الذات. لا أعتقد أنه عنوان جيد. عندما تنشر أول كتاب لك، أظن أنك تظن نفسك بارعا لا ~~نظير لك لفترة من الوقت.» ~~••• # بينما كانت جويس تمر بمكتبة لبيع الكتب في لونسدال بعد عدة أيام، رأت وجه الفتاة على ~~لوحة إعلانية. وها هو اسمها: كريستي أودل. ترتدي قبعة سوداء والجاكيت الأسود الصغير ~~ذاته الذي ارتدته في الحفلة. جاكيت مضبوط وبسيط وقصير الرقبة. ومع ذلك لا يوجد ما ~~تتباهى به. تحدق مباشرة إلى عدسة الكاميرا، بنظرتها الكئيبة والمجروحة الباردة المليئة ~~بالإدانة. # أين رأتها جويس من قبل؟ في الحفلة بالطبع. لكن حتى في ذلك الحين، في خضم نفورها ~~غير المبرر على الأرجح منها، شعرت أنها رأت ذلك الوجه من قبل. # طالبة؟ كان لديها ms042 العديد من الطلاب في زمنها. # تدخل إلى المحل وتشتري نسخة من الكتاب. # عنوان الكتاب «كيف يجب أن نعيش». سؤال لا يتبعه علامة استفهام. تقول المرأة التي ~~باعته لها: «إذا أحضرته يوم الجمعة بعد الظهر بين الثانية والرابعة، ستكون ~~المؤلفة هنا للتوقيع عليه.» ~~- «فقط لا تنزعي الملصق الذهبي الصغير عنه، لكي يدل على أنك اشتريته من هنا.» # لم تفهم قط فكرة الاصطفاف لإلقاء نظرة سريعة على المؤلف ثم المغادرة باسم غريب ~~مكتوب على كتابك؛ لهذا همهمت بأدب، همهمة لا تشير إلى إجابة واضحة. # إنها حتى لا تعرف إن كانت سوف تقرأ الكتاب أم لا. # تقرأ في الوقت الحالي سيرتين ذاتيتين جيدتين، واثقة من أنهما تلائمان ذائقتها أكثر من ~~هذا. # كتاب «كيف يجب أن نعيش» هو مجموعة قصصية لا رواية. هذا في حد ذاته محبط. يبدو لها ~~أن هذا يقلل قيمة الكتاب؛ إذ يجعل المؤلف يبدو وكأنه يتعلق بأهداب الأدب، وليس مستقرا ~~في قلبه. # ومع ذلك، أخذت جويس الكتاب إلى سريرها في تلك الليلة، وفتحته على صفحة المحتويات. ~~في منتصف القائمة جذب انتباهها عنوان معين. ~~«كايندرتوتنليدر.» # إنها مجموعة أغنيات للمؤلف الموسيقي جوستاف مالر. موضوع مألوف لها. تفتح الكتاب على ~~الصفحة المشار إليها شاعرة بالألفة. شخص ما - المؤلفة ذاتها على الأرجح - كان لديه ~~الحس السليم لترجمة هذا العنوان. ~~«أغاني عن موت الأطفال.» # أطلق مات صوتا متذمرا إلى جانبها. # أدركت أنه لا يعجبه ما يقرؤه ويريدها أن تسأله ما هو. لذا تسأله. ~~- «يا إلهي! يا له من كاتب أحمق!» # تضع الكتاب على وجهه فوق صدرها وتصدر أصواتا لتبين أنها تصغي إليه. على الغلاف ~~الخلفي للكتاب، توجد صورة المؤلفة نفسها، بدون القبعة هذه المرة. لا تزال عابسة ~~ومتجهمة، لكن أقل تباهيا. وبينما مات يتحدث، تثني جويس ركبتيها لكي تستطيع ~~أن تضع الكتاب عليهما وتقرأ الجمل القليلة من السيرة الذاتية على الغلاف. # ترعرعت كريستي أودل في روف ريفر، بلدة صغيرة على ساحل كولومبيا البريطانية. ~~تخرجت في يو بي سي، برنامج الكتابة الإبداعية . تعيش في فانكوفر، كولومبيا ms043 ~~البريطانية مع زوجها جاستن وقطها تايبريوس. # بعد أن شرح لها الحماقة في كتابه، يرفع مات عينيه عن كتابه لينظر إلى كتابها ويقول: ~~«هذه هي الفتاة التي كانت في الحفلة.» ~~- «نعم، اسمها كريستي أودل. إنها زوجة جاستن.» ~~- «ألفت كتابا إذن؟ ما هو؟» ~~- «أدب.» ~~- «أوه!» # يتابع قراءته، لكن بعد لحظة يسألها بمسحة اعتذار: «هل هو جيد؟» ~~- «لم أعرف بعد.» # تقرأ: «عاشت مع أمها في منزل بين الجبال والبحر ...» # ما إن قرأت هذه الكلمات، شعرت جويس بانزعاج شديد منعها عن مواصلة القراءة؛ أو مواصلة ~~القراءة وزوجها إلى جانبها. تغلق الكتاب وتقول: «أعتقد أني سوف أنزل قليلا.» ~~- «هل النور يزعجك؟ سوف أطفئه حالا.» ~~- «لا، أعتقد أني أريد بعض الشاي. أراك بعد قليل.» ~~- «سأكون نائما على الأرجح.» ~~- «إذن تصبح على خير.» ~~- «تصبحين على خير.» # تقبله وتأخذ الكتاب معها. ~~••• # عاشت مع أمها في منزل بين الجبال والبحر. عاشت قبل ذلك مع السيدة نولاند التي تبنت ~~الأطفال. تنوع عدد الأطفال في بيت السيدة نولاند، من حين إلى آخر، لكن كان هناك دائما ~~عدد كبير. نام الصغار في سرير في وسط الغرفة بينما نام الكبار على سرائر متنقلة على ~~جانبي السرير لكي لا يتدحرج الصغار ويسقطوا. يدق جرس ليوقظك في الصباح. تقف ~~السيدة نولاند عند الباب تقرع الجرس. وعندما تقرعه في المرة الثانية، من المفترض أنك ~~تكون قد تبولت واغتسلت وارتديت ملابسك وأصبحت مستعدا للفطور. كان من المفترض أن ~~يساعد الكبار من هم أصغر منهم في ترتيب الأسرة. كان الصغار يبللون أسرتهم ~~في بعض الأحيان لأنه يصعب عليهم الزحف إلى خارجه فوق الكبار في الوقت المناسب. اعتاد ~~بعض الكبار أن يفتنوا عليهم، لكن البعض الآخر كان أكثر لطفا، فيقومون بسحب الملاءات ~~من فوق السرير وينشرونها لتجف، وأحيانا، حين تعود إلى السرير في الليل، كنت ~~تجده لم يجف تماما. كان هذا معظم ما تذكرته عن منزل السيدة نولاند. # ثم ذهبت للعيش مع والدتها، واعتادت والدتها أن تأخذها كل ليلة إلى اجتماع زمالة ~~المدمنين المجهولين. اضطرت أن تأخذها لأنه لم ms044 يكن متوفرا لديها أي شخص تتركها في ~~رعايته. كان في مقر الزمالة لعبة الليغو؛ علبة مكعبات يلعب بها الأطفال، لكنها لم ~~تحب المكعبات كثيرا. بعد أن بدأت في تعلم العزف على الكمان في المدرسة، أصبحت ~~تأخذ كمان الأطفال معها إلى اجتماعات زمالة المدمنين المجهولين. لم تستطع أن تعزف عليها ~~هناك، لكن كان عليها أن تتمسك بها طوال الوقت لأنها تخص المدرسة. إذا ارتفع صوت الناس، ~~ستستطيع أن تتدرب بصوت منخفض. # كانت المدرسة تعطي دروسا في العزف على الكمان. إذا لم ترغب في العزف على آلة ~~موسيقية، تستطيع أن تعزف على آلة المثلث، لكن المعلمة فضلت أكثر العزف على آلة أصعب. ~~كانت المعلمة امرأة طويلة ذات شعر بني مشطته في أغلب الأوقات كضفيرة طويلة على ~~ظهرها. اختلفت رائحتها عن المدرسين الآخرين. كان بعضهم يضع عطرا، لكنها لم تفعل هذا ~~قط. كانت تفوح منها رائحة خشب أو موقد أو أشجار. فيما بعد سوف تتصور الطفلة أنها كانت ~~رائحة شجر أرز مقطع. بعد أن بدأت أمها في العمل لدى زوج المعلمة، فاحت منها رائحة ~~مماثلة، لكن ليست مماثلة تماما. كان الاختلاف بينهما أن أمها تفوح منها رائحة الخشب، ~~لكن المدرسة فاحت منها رائحة خشب بالموسيقى. # لم تكن الطفلة موهوبة، لكنها اجتهدت. لم تفعل ذلك لأنها أحبت الموسيقى، وإنما لحبها ~~للمعلمة؛ وليس شيئا آخر. ~~••• # تضع جويس الكتاب على مائدة المطبخ، وتنظر مرة ثانية إلى صورة المؤلفة. هل هناك أي شيء ~~من إيدي في هذا الوجه؟ لا شيء. لا شيء في الشكل أو التعبير. # تنهض وتبحث عن البراندي، وتضع قليلا منه في الشاي. تبحث في ذهنها عن اسم طفلة إيدي. ~~بالتأكيد ليس كريستي. لم تستطع أن تتذكر أي مرة أحضرتها إيدي إلى المنزل. في المدرسة، ~~كان هناك العديد من الأطفال الذين يتعلمون العزف على الكمان. # لا يمكن أن الطفلة كانت خالية من المهارة تماما، وإلا وجهتها جويس لآلة أقل صعوبة من ~~الكمان. لكنها قطعا لم تكن موهوبة - حسنا، لقد كان لديها حد معقول من المهارة ms045 وليس ~~الموهبة - وإلا لكان اسمها قد علق في ذهنها. # وجه خاو من التعبيرات. لمحة من طفولة أنثوية. لكن جويس لاحظت شيئا ما في وجه ~~الفتاة، المرأة، الناضجة. # أيمكن ألا تكون حضرت إلى المنزل حين كانت إيدي تساعد جون يوم السبت؟ أو حتى في تلك ~~الأيام حين تأتي فجأة إيدي إلى البيت في زيارة ما، ليس لتعمل، بل لكي ترى كيف يسير ~~العمل، وتقدم المساعدة لو احتاجها. تجلس لتشاهد ما كان يفعله جون، وتعترض أي حوار يجريه ~~مع جويس في يوم إجازتها الثمين. # كريستين. بالطبع. كان هذا اسم الفتاة. تحول بسهولة إلى كريستي. # لا بد أن كريستين كانت شريكا بطريقة ما في التودد بينهما، ولا بد أن جون كان يمر ~~بشقتها، تماما كما مرت إيدي بمنزلهما، وربما أخذت إيدي رأي الطفلة. # ما رأيك في جون؟ # ما رأيك في منزل جون؟ # ألن يكون لطيفا أن نذهب ونعيش في منزل جون؟ # مامي وجون يحب أحدهما الآخر كثيرا، وحين يحب الناس بعضهم بعضا كثيرا يرغبون في ~~العيش في المنزل نفسه. معلمة الموسيقى وجون لا يحب أحدهما الآخر بقدر حب مامي وجون، ~~ولهذا أنت ومامي وجون سوف نعيش في منزل جون، ومعلمة الموسيقى سوف تعيش في شقة. # كل هذا خطأ؛ لا يمكن أن تقول إيدي هذا الهراء، أعطيها حقها. # تتصور جويس أنها تعرف المسار الذي سوف تسلكه القصة. أصاب الطفلة الاضطراب الكامل من ~~اتفاقيات الناضجين وأوهامهم؛ إذ جرجرت هنا وهناك. لكن حين التقطت الكتاب مرة ثانية، ~~وجدت أن القصة لم تذكر شيئا عن تغيير محل الإقامة. # يتمحور كل شيء حول حب الطفلة للمعلمة. # يوم الخميس، يوم درس الموسيقى، هو اليوم المشهود في الأسبوع، تعتمد سعادته أو تعاسته ~~على نجاح عزف الطفلة أو فشلها وتعليق المعلمة على هذا العزف. كلاهما لا يحتمل تقريبا. ~~يمكن أن تسيطر المعلمة على صوتها وأن تكسوه باللطف والمزاح لكي تغطي إرهاقه وخيبة أمله. ~~الطفلة تعيسة، أو فجأة تكون المعلمة جزلة ومرحة. ~~- «أحسنت، أحسنت. تفوقت اليوم فعلا.» والطفلة سعيدة جدا، وتصيبها تقلصات ms046 في ~~معدتها. # ثم يأتي الخميس حين تكبو الطفلة في الفناء وتجرح ركبتها؛ وإذ تنظف المعلمة الجرح ~~بقطعة قماش مبللة دافئة، يعلن صوتها الناعم فجأة عن أن هذا يحتاج إلى مكافأة، بينما ~~تتناول إناء «الأذكياء» الذي تستخدمه لتشجيع الأطفال الصغار. ~~- «ماذا تفضلين؟» # تنجح الطفلة في قول: «أي شيء.» # هل هذا بداية تغير ما؟ هل هو بسبب الربيع، واستعدادات الحفل الموسيقي؟ # تشعر الطفلة أنها مميزة. سوف تصبح عازفة منفردة؛ هذا يعني أنها يجب أن تبقى بعد ~~انتهاء الدوام الدراسي أيام الخميس لتتدرب، ومن ثم سوف تفوت وسيلة نقلها من البلدة ~~في حافلة المدرسة إلى المنزل الذي تعيش فيه مع أمها الآن. سوف توصلها المعلمة. في ~~الطريق تسألها ما إذا كانت تشعر بالتوتر تجاه الحفل الموسيقي. ~~- نوعا ما. # تقول المعلمة: حسن إذن، يجب أن تدرب نفسها على التفكير في شيء جميل فعلا. مثل طير ~~يطير في السماء، ما طيرها المفضل؟ # تفضيلات مرة ثانية. لا تستطيع الطفلة التفكير، لا تستطيع تذكر طير واحد. ثم ~~«الديك؟» # تضحك المعلمة. تقول: «حسن. حسن. فكري في الديك. قبل أن تبدئي العزف، فكري ~~في الديك.» # ثم، ربما لكي تعوض عن ضحكتها؛ إذ تشعر بحرج الطفلة، تقترح أن تذهبا إلى حديقة ~~ويلينجدون لتريا إن كان كشك الآيس كريم قد فتح بمناسبة حلول الصيف. ~~- «هل يشعرون بالقلق إذا لم تحضري إلى المنزل مباشرة؟» ~~- «يعرفون أني معك.» # كشك الآيس كريم مفتوح لكن الاختيارات محدودة. لم يحضروا النكهات الألذ بعد. ~~تختار الطفلة الفراولة، وقد حرصت هذه المرة على الاستعداد للسؤال، في وسط غبطتها ~~وانفعالها. تختار المعلمة مذاق الفانيليا، كما يفعل الكثير من الكبار، ومع أنها تمزح مع ~~البائع، تخبره أن يسرع ويضع زبيب الرم وإلا فلن تحبه بعد الآن. # لعل هذا قد تزامن مع تغيير آخر، فعند سماع المعلمة تتحدث بهذا الأسلوب، بالنبرة ~~اللعوب التي تتحدث بها البنات الكبيرات، تسترخي الطفلة. من الآن فصاعدا تكتسب مزيدا ~~من السيطرة على عاطفتها المشبوبة نحو المعلمة، لكنها سعيدة تماما. اتجهتا بالسيارة إلى ~~الميناء لتشاهدا القوارب الراسية، ms047 وتقول المعلمة إنها أرادت دائما أن تعيش في عوامة. ~~ألن يكون ممتعا؟ تقول المعلمة، وبالطبع توافقها الطفلة. تختاران القارب الذي يمكن أن ~~تختاراه للعيش. إنه صناعة يدوية، ومدهون بالأزرق الفاتح، مع صف من النوافذ الصغيرة ~~عليها أصص نبات إبرة الراعي. # يؤدي هذا إلى حديث عن المنزل الذي تعيش فيه الطفلة الآن، والمنزل الذي اعتادت أن تعيش ~~فيه المعلمة. وعلى نحو ما بعد هذا، في طريقهما، عادتا كثيرا إلى ذلك الموضوع. تقر ~~الطفلة أنها تحب أن يكون لديها غرفة نومها الخاصة بها، لكنها لا تحب العتمة في الخارج. ~~تعتقد في بعض الأحيان أنها تسمع صوت حيوانات برية خارج نافذتها. # أي حيوانات برية؟ # دببة، أسود. تقول أمها إنها في الأدغال وتحذرها من الذهاب إلى هناك. ~~- «هل تركضين وتذهبين إلى سرير أمك حين تسمعينها؟» ~~- «يفترض ألا أفعل ذلك.» ~~- «يا إلهي! لماذا؟» ~~- «جون هناك.» ~~- «ما رأي جون في الدببة والأسود؟» ~~- «يعتقد أنها مجرد غزلان.» ~~- «هل غضب من أمك بسبب ما قالته لك؟» ~~- «لا.» ~~- «أعتقد أنه لا يغضب أبدا.» ~~- «جن جنونه إلى حد ما ذات مرة، حين سكبنا أنا وأمي كل نبيذه في الحوض.» # تقول المعلمة إنه من المثير للشفقة أن تخافي من الغابة طول الوقت. تقول: إن بها ~~مسالك يمكن أن تمشي بها، ولن تزعجك الحيوانات البرية فيها، خاصة إذا أثرت ضجة، ~~وعادة تفعلين. تعرف الطرق الآمنة وتعرف أسماء الزهور البرية التي تزهر في ذلك الوقت. ~~البنفسج النابي. الأطرليون. الزهرة الثلاثية. البنفسج الأرجواني وزهرة الحوض ~~(على شكل أنف الفيل)، وزنابق الشوكولاتة. ~~- «أعتقد أن لها اسما صحيحا آخر لكني أحب أن أسميها زنابق الشوكولاتة. يبدو لذيذا. ~~بالطبع لا علاقة لهذا بمذاقها وإنما بشكلها. تبدو مثل الشوكولاتة تماما بقطعة ~~بنفسجية مثل التوت المسحوق. إنها نادرة لكن أعرف أين أجد بعضها.» ~~••• # تترك جويس الكتاب ثانية. الآن، الآن، تفهم المتواري، تستطيع أن تشعر بالرعب القادم. ~~الطفلة البريئة، والناضجة المريضة المخادعة، ذلك الإغواء. كان يجب أن تعلم. كل هذا رائج ~~هذه الأيام، بل عمليا هو إلزامي. الغابة، زهور الربيع. ms048 هنا حيث تبذر الكاتبة ~~كذبها القبيح في الناس، والموقف الذي أخذته من الحياة الحقيقية؛ لكونها أكسل من أن ~~تبتكر، لكن ليس لحد أن يمنعها كسلها عن التشهير والتشنيع. # بالتأكيد بعض مما ورد حقيقي. إنها تتذكر الآن أشياء كانت قد نسيتها. توصيل ~~كريستين إلى بيتها، بدون أن تفكر فيها أبدا باعتبارها كريستين، بل دائما طفلة إيدي. ~~تتذكر كيف لم تكن تقود سيارتها إلى الفناء لكي تستدير عائدة، بل دائما تنزلها على ~~جانب الطريق، ثم تقود نصف ميل آخر أو نحو ذلك لكي تصل إلى مكان تستدير منه. لا تتذكر ~~أي شيء عن الآيس كريم. لكن كانت هناك عوامة راسية في الميناء بالضبط مثل تلك ~~المذكورة. حتى الأزهار، والاستجواب الشنيع الماكر للطفلة؛ هذا قد يكون صحيحا. # يجب أن تواصل. ودت أن تسكب مزيدا من البراندي، لكن لديها تدريب في التاسعة ~~صباحا. ~~••• # لا شيء من هذا. ارتكبت خطأ آخر. أغفلت القصة الغابة وزنابق الشوكولاتة، ومرت مرورا ~~عابرا على الحفلة الموسيقية. انتهت الدراسة توا. وفي صباح الأحد بعد الأسبوع الأخير، ~~استيقظت الطفلة مبكرا. تسمع صوت المعلمة في الفناء، وتذهب إلى نافذتها. هناك المعلمة ~~في سيارتها بنافذتها المفتوحة تتحدث إلى جون. مقطورة صغيرة تلتحق بالسيارة. جون حافي ~~القدمين، عاري الصدر، لا يرتدي إلا بنطلون جينز. ينادي على أم الطفلة فتأتي إلى باب ~~المطبخ وتمشي بضع خطوات في الفناء لكنها لا تصل إلى السيارة. ترتدي قميصا من قمصان ~~جون، تستخدمه ثوبا للنوم. ترتدي دائما أكماما طويلة لكي تخفي وشومها. # يدور الحديث عن شيء في الشقة يعد جون بأخذه. ترمي المعلمة المفاتيح له. ثم ~~يحثها هو وأم الطفلة أن تأخذ أشياء أخرى. لكن المعلمة تضحك ضحكة مقيتة وتقول: ~~«كله لكما.» يقول جون بسرعة: «حسنا، إلى اللقاء.» وتردد المعلمة: «إلى اللقاء.» ولا ~~تقول أم الطفلة أي شيء يمكن سماعه. تضحك المعلمة بالأسلوب ذاته الذي ضحكت به من قبل، ~~ويوجهها جون لتدير السيارة والمقطورة في الفناء. في تلك الأثناء، تنزل الطفلة ركضا في ~~بيجامتها، على الرغم من أنها تعرف ms049 أن المعلمة ليست في مزاج يسمح بالكلام معها. # تقول أم الطفلة: «لقد رحلت للتو، كان يجب أن تلحق المعدية.» # ينطلق نفير السيارة؛ فيرفع جون يدا واحدة. ثم يعبر الفناء ويقول لأم الطفلة: «انتهى ~~الأمر.» # تسأل الطفلة ما إذا كانت المعلمة ستعود فيجيبها قائلا: «هذا مستبعد.» # ما يشغل نصف صفحة أخرى هو فهم الطفلة المتزايد لما كان يحدث. فأثناء تقدمها في السن، ~~تتذكر أسئلة محددة، التقصي الذي بدا عفويا. المعلومات - التي لا قيمة لها في ~~الحقيقة - عن جون (الذي لا تسميه جون) وأمها. متى يستيقظان في الصباح؟ ما الطعام الذي ~~يحبان تناوله وهل يطبخان معا؟ إلى ماذا يستمعان في الراديو؟ (لا شيء؛ لقد اشتريا ~~تليفزيون.) # ما الذي كانت تسعى إليه المعلمة؟ هل كانت تأمل في أن تسمع أخبارا سيئة؟ أم كانت تهفو ~~فقط إلى أن تسمع أي شيء، إلى أن تظل على صلة بشخص ينام تحت السقف نفسه، يأكل من المائدة ~~ذاتها، قريبا من هذين الاثنين يوميا؟ # هذا ما لن تستطيع الطفلة معرفته أبدا. ما تستطيع أن تعرفه هو كيف أنها لم تكن ذات ~~قيمة، كيف قوبل إعجابها وافتتانها بالمعلمة بالتلاعب، كم كانت طفلة صغيرة حمقاء؛ وهذا ~~يملؤها مرارة بالتأكيد. مرارة وكبرياء. تعتقد أنها أصبحت شخصا لا يمكن خداعه مرة أخرى ~~أبدا. # لكن يحدث شيء ما، وهنا النهاية المدهشة. تتغير ذات يوم مشاعرها نحو المعلمة وتجاه تلك ~~الفترة الزمنية من طفولتها. لا تعرف كيف ومتى، لكنها تدرك أنها لا تفكر الآن في تلك ~~الفترة على أنها كانت غشا. تفكر في الموسيقى التي تعلمت عزفها بمشقة (تخلت عنها ~~طبعا قبل أن تبلغ حتى مرحلة المراهقة). فرحة آمالها، ومضات سعادتها، الأسماء الغريبة ~~والمبهجة لزهور الغابة التي لم تتمكن من رؤيتها قط. # الحب. كانت سعيدة به. يبدو أن التدابير العاطفية في العالم تتميز ببخل عشوائي وظالم ~~بالطبع، إذا نبعت سعادة عظيمة لشخص ما - وإن كانت مؤقتة وواهية - من تعاسة شخص ~~آخر. # تفكر جويس قائلة لنفسها: عجبا، نعم، نعم. ~~••• # تذهب في ظهيرة يوم الجمعة إلى ms050 مكتبة بيع الكتب. تحضر نسختها لتوقعها، إلى جانب صندوق ~~صغير من محل بيع لوبون شوكولاتير. تقف في الصف. تندهش قليلا من عدد الناس الذين جاءوا. ~~نساء من عمرها، ونساء أكبر سنا وأصغر، وعدد قليل من الرجال جميعهم أصغر سنا، البعض ~~منهم بصحبة حبيباتهم. # تتعرف المرأة التي باعت لجويس الكتاب عليها. # تقول: «جميل أن أراك، هل قرأت المقال النقدي في جلوب؟ رائع.» # جويس مرتبكة، ترتعد قليلا في الحقيقة، تجد صعوبة في التحدث. # تمر المرأة بمحاذاة الصف، وتشرح أن الكتب التي بيعت في هذا المحل فقط هي التي يمكن ~~توقعها هنا، وأنه غير مقبول توقيع كتاب مقتطفات أدبية يحوي واحدة من قصص كريستي أودل. ~~تعتذر عن ذلك. # المرأة التي تقف أمام جويس طويلة وعريضة؛ لذا لا تستطيع أن تلقي نظرة على كريستي ~~أودل حتى انحنت هذه المرأة إلى الأمام لتضع كتابها على مائدة التوقيع. حينئذ ترى امرأة ~~شابة تختلف تماما عن فتاة الملصق الإعلاني وعن فتاة الحفلة. اختفى الجاكيت الأسود، ~~والقبعة السوداء أيضا. ترتدي كريستي أودل جاكيت من القماش المقصب الحريري أحمر وردي، ~~مع حبات ذهبية صغيرة مطرزة في طيته. وترتدي تحته قميصا ورديا رقيقا. يلمع شعرها ~~لمعة ذهبية ويزين أذنيها حلق ذهبي، ويحيط رقبتها سلسلة ذهبية رفيعة مثل الشعرة. تلمع ~~شفتاها مثل بتلات الوردة وجفناها مظللان بلون عنبري. # حسنا، من الذي يرغب في أن يشتري كتابا ألفه شخص متذمر أو فاشل؟ # لم تفكر جويس فيما سوف تقوله؛ إذ توقعت أن يحضرها. # والآن، تتحدث البائعة مرة ثانية. ~~- «هل فتحت كتابك على الصفحة التي ترغبين التوقيع بها؟» # كان يجب على جويس أن تضع صندوقها لكي تفعل هذا. تشعر فعليا بتشنج في ~~حلقها. # تنظر كريستي إليها، تبتسم لها؛ ابتسامة مودة مصقولة، انفصال محترف. ~~- «اسمك؟» ~~- «جويس فحسب.» # يمر وقتها سريعا. ~~- «هل ولدت في روف ريفر؟» # تقول كريستي أودل بامتعاض خفيف، أو، على الأقل، بعد أن تلاشت بهجتها: «كلا، عشت ~~هناك فترة من الوقت. هل أكتب التاريخ؟» # تستعيد جويس علبتها. يبيعون في لوبون شوكولاتير زهور الشوكولاتة، ms051 لكن ليس الزنبق. ~~ورود وتيوليب فقط؛ لهذا اشترت تيوليب، الذي لا يبعد عن البنفسج في شكله حقا، ~~كلاهما بصيلي الشكل. # تقول بعجلة كبيرة - حتى إنها تبلع تقريبا الكلمة الطويلة: «أريد أن أشكرك على ~~«كايندرتوتنليدر»، إنها تعني لي الكثير. أحضرت لك هدية.» # تأخذ البائعة العلبة وتقول: «إنها قصة رائعة، سوف آخذ هذه.» # تقول جويس ضاحكة: «إنها ليست قنبلة، إنها زنابق شوكولاتة، تيوليب في الحقيقة. ليس ~~لديهم زنابق لهذا أحضرت تيوليب. أعتقد أنها أفضل ثاني اختيار.» # تلاحظ أن البائعة لا تبتسم الآن، بل تنظر لها بقسوة. تقول كريستي أودل: ~~«أشكرك.» # لا يعكس وجه الفتاة لمحة تدل على أنها تعرفت عليها. لم تتعرف على جويس من سنوات روف ~~ريفر الماضية أو من أسبوعين في الحفلة. لا تستطيع حتى أن تتأكد من أنها تعرفت على عنوان ~~قصتها. يمكن أن تفكر أنه لا علاقة لها بها، كما لو أنها شيء ما تخلصت منه وتركته على ~~الحشيش. # تجلس كريستي أودل هناك وتكتب اسمها كما لو أنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن تكون مسئولة ~~عنه في هذا العالم. # تقول البائعة - وهي لا تزال تنظر إلى العلبة التي زينتها الفتاة في محل الشوكولاتة ~~بشريط أصفر مجعد: «من دواعي سروري أن تحدثت إليك.» # رفعت كريستي أودل عينيها لتحيي الشخص التالي في الصف، وأخيرا أدركت جويس أن ~~عليها أن تتحرك، قبل أن تصبح هدف تسلية عامة مع علبتها، ويعلم الله، ربما هدفا ~~للشرطة. ~~••• # تشعر بالإنهاك بينما تمشي في شارع لونسدال، وتصعد التلة، لكنها تستعيد جأشها ~~تدريجيا. قد تصبح قصة مضحكة يمكن أن تحكيها في يوم ما. لن يدهشها هذا. # | حافة وينلوك # كان لأمي ابن عمة أعزب، اعتاد أن يزورنا في المزرعة مرة كل صيف. كان يحضر والدته معه، ~~العمة نيل بوتس. كان اسمه إيرني بوتس. كان رجلا طويلا متأنقا ذا تعبير طيب، ووجه مربع ~~كبير وشعر مجعد فاتح ينبت مباشرة من جبينه. كانت يداه وأظافرهما نظيفة نظافة الصابون، ~~وردفاه مليئتين قليلا. كان الاسم الذي أطلقته عليه - حين لا يكون موجودا ms052 - إرنست ذا ~~المؤخرة السمينة. كان لساني قذرا. # لكني كنت أعتقد أني لا أقصد أذى. لا أذى تقريبا. بعد أن ماتت العمة نيل بوتس، كف عن ~~المجيء، لكنه كان يرسل بطاقات معايدة في أعياد الميلاد. # حين التحقت بالكلية في لندن - أي في لندن، أونتاريو - حيث كان يسكن، كرس عادة أن ~~يدعوني على العشاء مساء الأحد كل أسبوعين. اعتقدت أنه يفعل هذا لأننا أقرباء؛ فما كان ~~ليضطر للتفكير فيما إذا كنا مناسبين لقضاء الوقت معا أم لا. كان يأخذني دائما إلى ~~المكان نفسه، مطعم اسمه أولد تشيلسيا، في الدور العلوي ويطل على شارع دونداس. كان ذا ~~ستائر مخملية، ومفارش بيضاء، ومصابيح صغيرة مظللة بظل وردي على الموائد. يكلفه على الأرجح ~~أكثر من قدرته، لكني لم أفكر في هذا، بما أني كنت أحمل تصور الفتاة الريفية بأن كل الرجال ~~الذين يعيشون في المدن ويرتدون بذلة كاملة كل يوم، ويستعرضون أظافر نظيفة مثل أظافره، ~~بلغوا مستوى من اليسر أصبح معه أمرا عاديا بالنسبة لهم أن يستمتعوا بهذا النوع من ~~الترف. # كنت أختار أعجب الأطباق على قائمة الطعام، مثل دجاج «فول أو فنت» أو بط بالبرتقال، بينما ~~كان يأكل دائما اللحم البقري المشوي. كانت تأتي التحلية إلى المائدة على عربة ~~عشاء. كان هناك غالبا، كعكة جوز الهند؛ فطائر الكاسترد محلاة بالفراولة في غير ~~موسمها؛ معجنات مغموسة في الشوكولاتة مليئة بالكريمة المخفوقة. كنت أستغرق وقتا ~~طويلا لأقرر، مثل طفل ذي خمس سنوات أمام نكهات الآيس كريم، ثم كان علي أن أصوم يوم ~~الإثنين لكي أعوض هذه التخمة. # كان إيرني أصغر من أن يكون والدي. أملت ألا يرانا أحد من الكلية ويعتقد أنه حبيبي. سأل ~~عن مواد دراستي وأومأ بجدية حين قلت له أو ذكرته أني في بكالوريوس اللغة الإنجليزية ~~والفلسفة الشرفي. لم يبد عدم اهتمامه بالمعلومة، مثلما فعل الناس في قريتي، بل قال لي إنه ~~يكن احتراما عظيما للتعليم، ونادم على أنه لم يكن لديه الوسائل التي تساعده على ~~مواصلة تعليمه بعد الثانوية. عوضا عن هذا ms053 حصل على وظيفة في الخطوط الجوية الكندية ~~الوطنية، وظيفة بائع تذاكر. الآن ترقى إلى مشرف. # أحب القراءات الجادة، لكنها لم تكن بديلا عن التعليم الجامعي. # كنت متأكدة تماما أن فكرته عن القراءات الجادة هي سلسلة الكتب الموجزة التي تصدرها ريدرز ~~دايجست، ولكي أبعده عن موضوع دراستي أخبرته عن غرفتي التي أعيش بها. في تلك الأيام، لم تكن ~~الجامعة لديها مدينة جامعية؛ عاش جميعنا في شقق مشتركة أو شقق رخيصة أو بيوت الأخوية أو ~~نوادي الفتيات. كانت غرفتي عبارة عن علية في بيت قديم، ذات مساحة أرضية ضخمة وسقف منخفض. ~~لكن لأنها كانت تخص الخادمة السابقة، فلها حمامها المستقل بها. الطابق الثاني تحتله ~~طالبتان أخريان حاصلتان على منحة تعليمية، كانتا في السنة النهائية من دراسة اللغات ~~الحديثة. كان اسمهما كاي وبيفرلي. في الغرف عالية السقف السفلية المقسمة، كان يعيش طالب طب، ~~نادرا ما يوجد في البيت، وزوجته بيث، التي توجد في البيت طول الوقت؛ لأن لديها طفلين ~~صغيرين. كانت بيث مديرة المنزل وجامعة الإيجار، ودائما على خلاف مع الفتيات اللواتي ~~يسكن الطابق الثاني، حول غسل ملابسهن في الحمام وتعليقها لتجف فيه. اضطر طالب الطب، ~~حين يكون في المنزل، في بعض الأحيان، إلى استخدام ذلك الحمام بسبب حاجيات الطفل في حمام ~~الطابق السفلي، وقالت بيث إنه لا يجب عليه أن يتكيف مع شرابات ترتطم بوجهه وحفنة من أغراض ~~الزينة. أجابت كاي وبيفرلي بحسم أنه كان لديهما وعد بحمام خاص بهما حين انتقلتا للعيش ~~هنا. # كان هذا هو نوع الأمور التي اخترت أن أحكيها لإيرني الذي احمر وجهه وقال: كان يجب ~~عليهما أن تحصلا على هذا الوعد كتابة. # مثلت كاي وبيفرلي خيبة أمل لي. عملتا بكد في دراستهما في اللغات الحديثة، لكن لم يختلف ~~حديثهما وانشغالاتهما عن تلك الفتيات اللاتي يعملن في البنوك أو المكاتب. كانتا تلفان ~~شعرهما إلى الأعلى بالدبابيس وتلونان أظافرهما أيام السبت؛ لأنهما تلتقيان حبيبيهما في ~~تلك الليلة. اضطرتا في أيام الأحد إلى دهن وجهيهما بمستحضر سائل طبي بسبب ~~الالتهاب ms054 الذي كان يصيبهما من ذقني حبيبيهما بسبب التقبيل. لم أجد في واحد من ~~حبيبيهما أي لمحة من الجاذبية، وتعجبت من أنهما تريانهما جذابين. # قالتا إنه خطر ببالهما فكرة مجنونة ذات مرة، أن تصبحا مترجمتين في الأمم المتحدة، ~~لكن انتهيتا إلى أن تصبحا مدرستي ثانوي وتتزوجا لو حالفهما الحظ. # أعطيتا لي نصيحة لم أرغب في سماعها. # حصلت على عمل في كافيتريا الكلية، أدفع عربة أمامي أجمع فيها الأطباق المستعملة من ~~الموائد وأمسحها حين تكون خالية، وأقدم الطعام على الرفوف ليلتقطه الطلاب. # قالتا إن هذا العمل ليس فكرة جيدة. ~~- «لن يواعدك الشباب إذا رأوك في هذا العمل.» # قلت هذا لإيرني فقال: «وماذا قلت؟» # أخبرته أني قلت إني لن أرغب في مواعدة أي شخص يمكن أن يطلق هذا الحكم، فما المشكلة ~~إذن؟ # الآن عزفت على الوتر الصحيح. أشرق إيرني؛ وأخذ يرفع يديه في الهواء ويخفضهما. # قال: «صحيح جدا. هذا بالضبط الموقف الذي يجب أن تتبنيه. العمل الشريف. لا تستمعي ~~أبدا لأي شخص يرغب في ثنيك عن عمل شريف. استمري وتجاهليهما. احتفظي بكبريائك، ومن لا ~~يعجبه فليخرس.» # كلامه، استقامته، الاستحسان الذي أنار وجهه الضخم، الحماسة الحمقاء التي ظهرت في حركاته، ~~كل هذه الأمور أثارت الشكوك الأولى داخلي، بداية ارتياب مشئوم بأن التحذير الذي شعرت به ~~لم يكن من فراغ في النهاية. ~~••• # كانت هناك ورقة صغيرة تحت عقب بابي، فيها أن بيث تريد التحدث إلي. خشيت أن يكون ~~عن معطفي المعلق على الدرابزين ليجف، أو عن قدمي اللتين تثيران ضجة عالية على ~~درجات السلم حين يكون زوجها بلاك نائما (أحيانا) أو الرضيعان نائمين (دائما) ~~أثناء النهار. # انفتح الباب على مشهد من المأساة والفوضى؛ غسيل مبلل - حفاظات وأقمشة صوفية كريهة ~~الرائحة - يتدلى من مشابك في السقف، زجاجات في وعاء التعقيم تقعقع وتصلصل على الموقد. كانت ~~النوافذ مبخرة، وعلى الكراسي ملابس ندية أو ألعاب مكومة متسخة. كان الطفل ~~الكبير يتعلق بدرجات قفص ألعابه ويصدر عواء، لائما إياها - حيث كانت بيث فيما يبدو قد ~~أجلسته توا بداخله - وكان ms055 الأصغر على كرسي مرتفع، مع بعض من طعام مهروس بلون قرع العسل، ~~المبعثر مثل الطفح الجلدي فوق فمه وذقنه. # ظهرت بيث وسط كل هذا بتعبير صارم من التعالي على وجهها الصغير الخالي من التعبير، كما لو ~~أنها تقول لا يستطيع الكثيرون تحمل هذا الكابوس الرهيب مثلها، حتى لو أن العالم كان ~~ضنينا في تقديرها. # قالت: «أتعرفين، حين انتقلت للعيش هنا ...» ثم رفعت صوتها لتغطي على صوت الطفل الكبير: ~~«حين انتقلت للعيش هنا، ذكرت لك أن هناك مساحة كافية في العلية تستوعب اثنين؟» # كنت على وشك أن أقول لها: ليس فيما يخص ارتفاع السقف، لكنها تابعت مباشرة لتعلمني أن ~~فتاة أخرى سوف تسكن معي. سوف تقيم من الثلاثاء إلى الجمعة. سوف تحضر بعض المواد الدراسية ~~في الجامعة كطالبة مستمعة. ~~- «سوف يحضر بلاك السرير المتنقل الليلة. لن تحتل كثيرا من الغرفة. لا أتصور أنها ~~سوف تحضر ملابس كثيرة؛ فهي تعيش في البلدة. كانت لك وحدك لمدة ستة أسابيع، وسوف تظل لك ~~خلال الإجازات الأسبوعية.» # لا كلام عن أي تخفيض للإيجار. ~~••• # لم تحتل نينا الكثير من الغرفة فعليا. كانت صغيرة ومتأنية في حركاتها؛ لم تصدم ~~رأسها قط في رافدات السقف كما كنت أفعل. أنفقت كثيرا من وقتها جالسة وهي تضع ساقا فوق ~~ساق على أريكة النوم، وشعرها الأشقر الضارب للبني يسقط فوق وجهها، وكيمونو ياباني ~~فوق ملابسها الداخلية البيضاء الطفولية. كان لديها ملابس جميلة؛ معطف من جلد الجمل، وسترات ~~كشميرية، وتنورة ذات طيات من الطرطان بدبوس فضي كبير. بالضبط نوع الملابس التي يمكن أن ~~تراها على غلاف مجلة بعنوان: «جهز آنستك الصغيرة لحياتها الجديدة في الجامعة». لكن لحظة ~~عودتها من الجامعة، كانت تتخلص من ملابسها من أجل كيمونو. غالبا لا تكلف نفسها تعليق أي ~~شيء. كانت هذه عادتي في التخلص من ملابس المدرسة، لكن في حالتي، لكي أحتفظ بكسرة ~~المكواة في تنورتي، وأحافظ على نضارة معقولة في القميص أو السترة، كنت أعلق كل شيء ~~بحرص. كنت أرتدي في المساء روب حمام صوفيا. كنت ms056 قد تناولت عشاء مبكرا في الجامعة ~~بجزء من أجري، ويبدو أن نينا أكلت كذلك، على الرغم من أني لا أعرف أين. ربما كان عشاءها هو ~~ما تأكله كل مساء؛ لوز وبرتقال ومئونة من قطع الشوكولاتة المغلفة في ورق ألمونيوم أحمر أو ~~ذهبي أو بنفسجي. # سألتها كيف لا يصيبها البرد في ذلك الكيمونو الخفيف. # قالت: «كلا. كلا.» أمسكت بيدي ووضعتها على رقبتها، وأردفت: «أنا دافئة دوما.» وفي ~~الحقيقة كانت دافئة بالفعل. كان جلدها يبدو دافئا على الرغم من أنها قالت إنها السمرة التي ~~اكتسبتها والتي تتلاشى حاليا. ارتبط بهذا الدفء الجلدي رائحة معينة كانت كرائحة اللوز أو ~~رائحة حريفة ليست منفرة لكنها ليست رائحة جسد يواظب على الاستحمام (ولم أكن أنا نفسي ذات ~~رائحة نضرة طوال الوقت بسبب قاعدة بيث بالاستحمام مرة في الأسبوع. كان العديد من الناس في ~~ذلك الوقت لا يستحمون إلا مرة في الأسبوع، وأتذكر وجود روائح بشرية أكثر حولنا، ~~رغم بودرة التلك ومزيلات الروائح القوية). # غالبا كنت أقرأ كتابا ما حتى وقت متأخر من الليل. اعتقدت أنه من الأصعب أن أقرأ في وجود ~~شخص آخر في الغرفة، لكن كان حضور نينا مريحا. كانت تقشر برتقالها وقطع الشوكولاتة، وتلعب ~~سوليتير. حينما تضطر إلى بسط ذراعها لتحرك ورقة، كانت تثير في بعض الأحيان ضجة قليلة ~~أو أنة أو نخرة كما لو أنها تشتكي من هذا التعديل الخفيف لوضع جسدها، لكنها كانت ~~تستمتع به كذلك. ما عدا هذا كانت قانعة، وتتكور لتنام في النور في أي وقت تنعس فيه. ولأننا ~~لم نشعر بإلحاح أو احتياج خاص للكلام، فسرعان ما بدأنا الحديث معا وحكينا عن ~~حياتنا. # كانت نينا في الثانية والعشرين، وهذا ما حدث لها منذ كانت في الخامسة عشرة: # في البداية، حبلت (هكذا قالت) وتزوجت أب الطفل الذي لم يكن يكبرها في العمر كثيرا. حدث ~~هذا في بلدة ما خارج شيكاجو. كان اسم البلدة لانفيل، والوظائف المتاحة بها في مخازن ~~الحبوب أو إصلاح المعدات للأولاد، والعمل في المحلات للبنات فقط. ms057 كان طموح نينا أن ~~تصبح مزينة شعر لكن كان يجب عليها أن تغادر وتتدرب على هذا. لم تكن لانفيل المكان ~~الذي عاشت فيه طول الوقت، بل الذي عاشت فيه جدتها، وهي عاشت مع جدتها لأن أباها مات وتزوجت ~~أمها مرة ثانية وطردها زوج أمها. # أنجبت طفلا ثانيا؛ ولدا آخر، وكان من المفترض أن يحصل زوجها على وظيفة وعد بها في ~~بلدة ثانية، ولهذا غادر إلى هناك. كان سوف يرسل لها لكي تلتحق به، لكنه لم يفعل هذا قط. ~~تركت كلا الطفلين مع جدتها واستقلت الحافلة إلى شيكاجو. # في الحافلة، قابلت فتاة اسمها مارسي كانت متجهة إلى شيكاجو مثلها. عرفت مارسي رجلا هناك ~~امتلك مطعما وسوف يعطيهما عملا. لكن حين وصلتا إلى شيكاجو وعثرتا على مكان المطعم اتضح ~~أنه لا يملكه، بل كان يعمل به فقط وترك العمل منذ وقت قصير. كان لدى الرجل الذي يملك المطعم ~~غرفة علوية فارغة، وسمح لهما بالبقاء فيها مقابل أن تنظفا المكان كل ليلة. ~~اضطرتا إلى استخدام حمام السيدات في المطعم لكن لم يكن من المفترض أن تقضيا وقتا ~~كبيرا فيه أثناء النهار لأنه كان للزبائن. اضطرتا إلى غسل الملابس الضرورية لهما بعد ~~موعد الإغلاق. # لم تجدا صعوبة في النوم على الإطلاق. اكتسبتا صداقة ساق - كان غريبا لكنه لطيف - ~~يعمل في مكان في الناحية المقابلة من الشارع، وسمح لهما باحتساء بيرة الزنجبيل مجانا. ~~قابلتا رجلا هناك دعاهما إلى حفلة، ومن هناك دعيتا إلى حفلات أخرى. وكان أن قابلت نينا ~~خلال تلك الفترة السيد بورفيس، كان هو من أعطاها اسم نينا في الحقيقة. قبل ذلك كان اسمها ~~جون. عاشت في بيت السيد بورفيس في شيكاجو. # كانت تنتظر التوقيت المناسب لتثير موضوع ولديها. كان في منزل السيد بورفيس مساحة ~~كبيرة، ففكرت في أنهما يمكن أن يعيشا معها هناك. لكن حين ذكرت الموضوع للسيد بورفيس، أخبرها ~~أنه يكره الأطفال. لم يرغب أن تحبل قط. لكنها حبلت بطريقة ما، وذهبت هي والسيد بورفيس ~~إلى اليابان لتجري عملية إجهاض. # حتى ms058 اللحظة الأخيرة، تصورت أنها سوف تجريها، لكنها قررت بعد ذلك أنها لن تفعل، سوف تحتفظ ~~به وتنجب الطفل. # قال لها: حسنا، سوف يدفع ثمن عودتها إلى شيكاجو، ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، هي ~~وحدها. # كانت في ذلك الوقت تعرف إلى حد ما ماذا ستفعل، وذهبت إلى مكان حيث يعتنون بها فيه ~~حتى ميلاد الطفل؛ ومن ثم يمكن أن تعرضه للتبني. ولد الطفل، وكانت فتاة، ~~وأسمتها نينا جيما، وقررت أن تحتفظ بها. # عرفت فتاة أخرى، أنجبت طفلا في ذلك المكان واحتفظت به، واتفقت مع الفتاة أن تعيشا معا ~~وتعملان بالتناوب وتربيان الطفلين. حصلتا على شقة يمكن أن تتحملا إيجارها، وحصلتا على ~~وظيفتين، وكانت وظيفة نينا في حانة، وكان كل شيء على ما يرام. ثم ذهبت نينا إلى بيتها قبل ~~بداية الاحتفال بأعياد الميلاد مباشرة، كان عمر جيما حينذاك ثمانية أشهر، ووجدت الأم الأخرى ~~سكرانة تقريبا وتلهو مع رجل، والطفلة جيما، محمومة ومريضة جدا حتى إنها عاجزة عن ~~البكاء. # دثرتها نينا، وطلبت سيارة أجرة وأخذتها إلى المستشفى. كانت حركة المرور مزدحمة بسبب ~~احتفالات أعياد الميلاد، وحين وصلوا أخيرا، أخبروها أن هذا ليس المستشفى المناسب لسبب ما، ~~وأرسلوها إلى مستشفى آخر، وفي الطريق إلى هناك، أصاب جيما نوبة تشنج وماتت. # أرادت أن تقيم لها جنازة حقيقية، لا أن تدفنها مع صعلوك طاعن في السن مات (هذا ما سمعت ~~أنه يحدث مع جسد الطفل حين لا يكون معك مال)، لهذا ذهبت إلى السيد بورفيس. كان ألطف معها ~~مما توقعت، ودفع ثمن التابوت وكل شيء وشاهد القبر باسم الطفلة، وبعد أن انتهى كل شيء ~~أخذ نينا معه إلى البيت. ذهبا في رحلة طويلة إلى لندن وباريس وأماكن أخرى كثيرة لإبهاجها. ~~حين عادا، أغلق البيت في شيكاجو وانتقل إلى هنا. لديه عقار خاص بالقرب من هنا، وفي الريف، ~~يملك أحصنة سباق. # سألها إذا كانت ترغب في الدراسة، وقالت إنها تود ذلك. قال إنها يجب أن تحضر محاضرات بعض ~~المواد الدراسية لترى ما الذي تحب أن تدرسه. قالت ms059 إنها تحب أن تعيش جزءا من الوقت كما ~~يعيش الطلاب النظاميون، وتلبس مثلهم وتدرس مثلهم، وقال إنه يمكن تدبير هذا. # أشعرتني حياتها أني ساذجة. # سألتها عن الاسم الأول للسيد بورفيس؟ # قالت: «آرثر». ~~- «لماذا لا تناديه به؟» ~~- «لن يبدو لي هذا طبيعيا.» ~~••• # لم يكن من المفترض أن تخرج نينا ليلا، إلا إلى الكلية لحضور مناسبات معينة، مثل ~~مسرحية أو حفل موسيقي أو محاضرة. كان من المفترض أن تتناول الغداء والعشاء في الكلية. رغم ~~أني لا أعرف ما إذا كانت تفعل هذا أم لا كما قلت. كانت وجبة الإفطار عبارة عن نسكافيه وكعك ~~محلى من اليوم السابق، أحضرته البيت من الكافيتريا. لم يحب السيد بورفيس هذا، لكنه ~~قبله جزءا من محاكاة نينا لحياة طلاب الجامعة. ما دامت تأكل وجبة ساخنة مرة في اليوم ~~وشطيرة وشوربة في وجبة أخرى، كان راضيا، وهذا ما كان يعتقد أنها تفعله. كانت تتفقد ما ~~تقدمه الكافيتريا، بحيث تستطيع أن تخبره أنها تناولت النقانق أو شريحة لحم ساليسبري، ~~والسلمون وشطيرة من سلاطة البيض. ~~- «إذن كيف يمكن أن يعرف أنك خرجت؟» # نهضت نينا على قدميها، وهي تصدر ذلك الصوت الخاص بها الصغير الذي يعبر عن شكوى ~~أو متعة ومشت بخفة إلى نافذة العلية. # قالت: «تعالي إلى هنا؛ وابقي خلف الستائر. أترين؟» # وقفت سيارة سوداء، ليس أمام البيت مباشرة، بل على بعد عدة بيوت قليلة. انعكست أضواء ~~الشارع على شعر السائق الأبيض. # قالت نينا: «إنها السيدة وينر؛ سوف تظل هناك حتى منتصف الليل، أو حتى لما بعد ذلك، لا ~~أعرف. إذا خرجت سوف تتبعني وتحوم حولي أينما ذهبت وتتبعني رجوعا.» ~~- «ماذا لو نامت؟» ~~- «ليست هي من تنام، ولو فعلت، وحاولت أنا فعل أي شيء، سوف تستيقظ بكل نشاط.» ~~••• # لكي نعطي السيدة وينر بعض النشاط، كما قالت نينا، غادرنا البيت ذات مساء، واستقللنا ~~حافلة إلى مكتبة المدينة. من نافذة الحافلة، شاهدنا السيارة السوداء الطويلة تبطئ وتتوانى ~~مع كل توقف للحافلة، ثم تسرع وتبقى معنا. كان علينا أن نمشي بطول مربع سكني ms060 إلى المكتبة، ~~وتجاوزتنا السيدة وينر ووقفت بعد المدخل الأمامي، وراقبتنا - كما كنا نعتقد - من مرآة ~~الرؤية الخلفية. # أردت أن أعرف إذا كنت أستطيع استعارة نسخة من رواية «الحرف القرمزي»، التي كانت مطلوبة ~~في مادة من موادي الدراسية. لم أستطع تحمل تكلفة شراء واحدة، وكل النسخ في مكتبة الكلية ~~مستعارة. كما كان لدي فكرة أن أستعير كتابا لنينا؛ كتابا من النوع الذي يعرض مخططات ~~مبسطة عن التاريخ. # اشترت نينا مراجع المواد الدراسية التي كانت تحضرها. اشترت كراسات وأقلاما - أفضل ~~أقلام حبر في ذلك الوقت - بألوان متجانسة. الأحمر من أجل الحضارات الأمريكية في القرون ~~الوسطى التي سبقت كولومبس، والأزرق للشعراء الرومانسيين، والأخضر للروائيين الإنجليز في ~~العصر الفيكتوري والجورجي، والأصفر للحكايات الخيالية من بيرو إلى أندرسون. كانت تذهب إلى ~~كل محاضرة، حيث تجلس في الصف الخلفي لأنها اعتقدت أنه المكان المناسب لها. كانت تتكلم كما ~~لو أنها تستمتع بالمشي في مبنى الآداب مع حشد الطلاب الآخرين، وبالعثور على مقعدها وبفتح ~~المقرر على الصفحة المحددة وبإخراج قلمها. لكن كراساتها ظلت خالية. # كانت المشكلة، كما رأيتها، هي أنها لا تملك نقاطا مرجعية تعتمد عليها؛ فهي لم تكن تعرف ~~ماذا يعني العصر الفيكتوري أو الرومانسي أو قبل الكولومبي. زارت اليابان وباربادوس والعديد ~~من البلاد الأوروبية، لكن لم تستطع تحديدها قط على الخريطة. لم تكن لتعرف ما إذا كانت ~~الثورة الفرنسية اندلعت قبل أم بعد الحرب العالمية الأولى. # أتساءل من الذي اختار لها تلك المواد الدراسية. هل أحبت أسماءها؛ هل اعتقد السيد بورفيس ~~أن بوسعها إتقانها، أم تراه اختارها سخرية، حتى تكتفي سريعا من حياة الطالبة؟ # حين كنت أبحث عن الكتاب الذي أريده، وقع نظري على إيرني بوتس. كان يحمل كومة من الألغاز، ~~جمعها من أجل صديق قديم من أصدقاء أمه. كان قد أخبرني أنه يفعل هذا دائما، كما يلعب دائما ~~الشطرنج في صباح أيام السبت مع أحد أصدقاء والده الحميمين في دار وور فيترانس. # عرفته على نينا. أخبرته عن انتقالها للسكن معي ، لكن لم أذكر شيئا ms061 بالطبع عن حياتها ~~السابقة أو حتى الحالية. # صافح يد نينا وقال إنه أسعده اللقاء بها، وسأل فجأة إذا كان يمكن أن يوصلنا إلى ~~البيت. # كنت على وشك أن أقول له لا شكرا، سوف نستقل الحافلة، حين سألته نينا أين تقف ~~سيارته. # قال: «في الخلف.» ~~- «هل لها باب خلفي؟» ~~- «نعم، نعم. إنها سيدان.» # قالت نينا بلطف: «لا، لم أقصد هذا. أقصد في المكتبة. في المبنى.» # قال إيرني بارتباك: «نعم، نعم، بها. آسف، اعتقدت أنك تقصدين السيارة. نعم، باب خلفي في ~~المكتبة. أدخل من ذلك الطريق أنا نفسي. أنا آسف.» احمر وجهه، وكان سوف يستمر في الاعتذار ~~لولا أنها قاطعته بضحكة لطيفة، بل مجاملة. # قالت: «حسنا إذن. نستطيع أن نخرج من الباب الخلفي. إذن اتفقنا. شكرا لك.» # أوصلنا إيرني إلى البيت بسيارته. سألنا إذا كنا نحب أن نمر على بيته، لاحتساء كوب من ~~الشاي أو الشوكولاتة الساخنة. # قالت نينا: «معذرة، نحن مستعجلتان قليلا؛ لكن شكرا لسؤالك.» # قال: «أعتقد أن لديكما واجبات دراسية.» # قالت: «واجب، نعم، بالتأكيد.» # كنت أفكر أنه لم يدعني قط إلى بيته، مراعاة لآداب المجتمع. فتاة واحدة، لا. لكن ~~فتاتان، لا بأس. # لم نر سيارة سوداء على جانب الطريق حين كنا نقول شكرا ونتبادل التمنيات بليلة سعيدة. لم ~~نر سيارة حين نظرنا من نافذة العلية. بعد فترة قصيرة، رن الهاتف، وسمعتها تقول: ~~«أوه لا، ذهبنا إلى المكتبة فقط وأخذنا كتابا وأتينا مباشرة إلى البيت في الحافلة. كانت ~~هناك حافلة بمجرد خروجنا. أنا بخير تماما، طابت ليلتك.» # طلعت السلم تتمايل وتبتسم. ~~- «السيدة وينر أخذت دشا ساخنا الليلة.» # ثم قفزت قفزة صغيرة وبدأت تدغدغني، كما تفعل في بعض الأحيان، دون أي إنذار، بعد أن اكتشفت ~~أني حساسة للدغدغة على نحو استثنائي. # في أحد الأيام لم تنهض نينا من سريرها. قالت إن حلقها ملتهب، وحرارتها عالية. ~~- «تحسسي جبيني.» ~~- «أنت دائما دافئة بالنسبة لي.» ~~- «اليوم أنا أكثر سخونة.» # كان يوم الجمعة. طلبت مني أن أتصل بالسيد بورفيس لكي أخبره أنها تريد أن تظل هنا ms062 في إجازة ~~الأسبوع. # قالت: «سوف يسمح لي؛ لا يستطيع أن يتحمل أي شخص مريض معه. يصاب بالجنون.» # تساءل السيد بورفيس إذا كان عليه أن يرسل طبيبا. تنبأت نينا بهذا، وقالت لي أن أقول له ~~إنها تحتاج إلى الراحة فقط، وإنها سوف تتصل به، أو أنا، إذا ساءت حالتها. قال لي: حسن إذن، ~~أخبريها أن تهتم بنفسها، وشكرني على اتصالي، وعلى أني صديقة جيدة لنينا. ثم، بعد أن بدأنا ~~في قول كلمات الوداع، سألني إن كنت أود أن أشاركه العشاء يوم السبت. قال إنه ممل أن يأكل ~~وحده. # فكرت نينا في هذا أيضا. ~~- «لو طلب أن تذهبي وتتناولي معه العشاء غدا ليلا، لم لا تذهبين؟ هناك دائما طعام ~~جيد ليالي السبت، طعام مميز.» # كانت الكافيتريا مغلقة أيام السبت. أزعجني احتمال أن أقابل السيد بورفيس وأثار اهتمامي في ~~الوقت نفسه. # قلت لها: «هل ينبغي أن أذهب حقا؟ إذا طلب؟» # لذا صعدت إلى الدور العلوي، بعد أن وافقت على تناول العشاء مع السيد بورفيس - لقد ~~قال «نتناول العشاء» فعلا - وسألت نينا ماذا يجب أن أرتدي. ~~- «لم القلق الآن؟ إنك لن تذهبي قبل مساء الغد.» # لم القلق فعلا؟ لدي فستان واحد جيد، من قماش الكريب، تركوازي اللون، اشتريته من مال ~~منحتي الدراسية لكي ألبسه حين كنت ألقي خطاب الوداع في التمارين على حفل تخرج المدرسة ~~الثانوية. # قالت نينا: «على أية حال، لا يهم، لن يلاحظ أبدا.» ~~••• # جاءت السيدة وينر لتأخذني. لم يكن شعرها أبيض، بل أشقر فضيا، وهو لون بالنسبة لي يدل ~~على قلب قاس، ومعاملات لا أخلاقية، ودرب وعر طويل عبر الأزقة الخلفية القذرة من ~~الحياة. ومع ذلك، ضغطت على مقبض الباب الأمامي لأركب إلى جانبها؛ لأني اعتقدت أن هذا هو ~~الفعل المهذب والديمقراطي الذي يجب أن أقوم به. سمحت لي بهذا؛ إذ كنت أقف إلى جانبها، ثم ~~فتحت فجأة الباب الخلفي. # اعتقدت أن السيد بورفيس لا بد أنه يعيش في واحد من تلك الصروح المتينة التي يحيطها ~~فدادين من الأعشاب والحقول الجرداء ms063 شمال المدينة. ربما ما جعلني أفكر هكذا هو أحصنة السباق. ~~بدلا من هذا، تحركنا شرقا عبر شوارع تتسم بالرخاء، لكنها لم تكن فخمة، وبيوت قرميدية على ~~الطراز التيودوري أضاءت مع دخول الليل، وأضواء عيد الميلاد تخفق من بين الشجيرات التي ~~يكللها الثلج. انعطفنا إلى طريق صغير بين سياج عال، ووقفنا أمام بيت رأيت أنه حديث بسبب ~~سقفه المستوي والحائط الطويل من النوافذ، وبدا أن مادة البناء من الأسمنت. لا أضواء عيد ~~الميلاد هنا، لا أضواء من أي نوع. # لا علامة على السيد بورفيس كذلك. انحدرت السيارة إلى قبو تحت الأرض، وركبنا مصعدا دورا ~~واحدا وخرجنا إلى قاعة منخفضة الإضاءة تحوي أثاث غرفة معيشة بكراس قاسية منجدة ~~وموائد صغيرة مصقولة، ومرايا وسجاجيد صغيرة. قادتني السيدة وينر أمامها عبر واحد من ~~الأبواب يفتح من هذه القاعة على غرفة خالية من النوافذ؛ تحتوي على مقعد طويل وخطافات ~~على جميع الحيطان. كانت مثل غرفة المعاطف المدرسية باستثناء الخشب المصقول والسجاد على ~~الأرض. # قالت السيدة وينر: «هنا تتركين ملابسك.» # خلعت حذائي الطويل، وحشوت قفازي في جيبي معطفي، وعلقت المعطف. ظلت السيدة وينر ~~معي. افترضت أن هذا واجبها لكي تريني أي اتجاه أسلكه بعد ذلك. كان في جيبي مشط، وأردت أن ~~أضبط شعري، لكن ليس وهي تراقبني. ولم أر مرآة. ~~- «والآن بقية الملابس.» # نظرت إلي مباشرة لكي ترى إذا كنت فهمت، وحين بدا أني لا أفهم (على الرغم من أني فهمت ~~إلى حد ما؛ فهمت لكن أملت أن أكون مخطئة) قالت: «لا تقلقي، لن تبردي. البيت مدفأ تدفئة ~~جيدة.» # لم أتحرك بعد لكي أنفذ ما طلبته، وتحدثت إلي عرضا، كما لو كانت لا تهتم حتى ~~باحتقاري. ~~- «أرجو ألا تتصرفي بطفولية.» # كان يمكن أن آخذ معطفي عند تلك المرحلة، كان يمكن أن أطلب إرجاعي إلى بيتي، ولو رفضت هذا، ~~كان يمكن أن أرجع بنفسي. كنت أتذكر الطريق الذي سلكناه رغم أن الجو بارد لا يحتمل المشي، ~~قد يستغرق مني الطريق أقل من ساعة . # لا أعتقد أنهم أغلقوا ms064 الباب الخارجي أو سوف يبذلون أي مجهود لإرجاعي. # قالت السيدة وينر - إذ رأتني لم أقم بأي حركة بعد: «أوه، لا. هل تعتقدين أنك مختلفة ~~عن بقية النساء؟ تعتقدين أني لم أر كل ما لديك قبل الآن؟» # كان احتقارها هو ما جعلني أبقى، جزئيا، بالإضافة إلى كبريائي. # جلست. خلعت حذائي. فككت شرابي وخلعته. وقفت وحللت فستاني ثم نزعت الفستان الذي ألقيت به ~~خطاب الوداع بكلماته اللاتينية # Ave atque vale ~~(تحية ~~ووداع). # وإذ كنت لا أزال مرتدية قميصي التحتاني، أرجعت ذراعي إلى الخلف، فككت أربطة صدريتي، ثم ~~على نحو ما سحبتها كلها على طول ذراعي وحررتها ثم أدرتها إلى الأمام فتخلصت منها في حركة ~~واحدة، ثم جاء دور حزام أربطة جوربي، ثم سروالي. حين خلعتهما، كورتهما وخبأتهما ~~تحت صدريتي. وضعت قدمي مرة ثانية في حذائي. # قالت السيدة وينر - وهي تتنهد: «بدون حذاء.» بدا وكأن القميص التحتاني رث جدا؛ حتى ~~إنها لم تحتج إلى الإشارة إليه، لكن بعد أن خلعت حذائي مرة ثانية قالت: «عارية، هل ~~تعرفين معنى الكلمة؟ عارية.» # سحبت القميص التحتاني إلى الأعلى وخلعته من فوق رأسي، وناولتني زجاجة سائل وقالت: «امسحي ~~جسدك بهذا.» # يشبه رائحة نينا. مسحت أجزاء من ذراعي وكتفي، والأجزاء التي استطعت لمسها، بينما تقف ~~السيدة وينر أمامي تنظر، ثم ذهبنا إلى القاعة، تفادت عيناي المرايا، وفتحت بابا آخر ودخلت ~~إلى الغرفة التالية وحدي. # لم يخطر قط ببالي أن السيد بورفيس يمكن أن يكون منتظرا عاريا مثلي، ولم يكن كذلك. كان ~~يرتدي سترة زرقاء غامقة وقميصا أبيض وربطة عنق عريضة العقدة (لم أكن أعرف أنها تسمى كذلك)، ~~وسروالا رماديا. لم يكن أطول مني، وكان رفيعا وكبير السن، أصلع تقريبا، وتظهر التجاعيد ~~على جبينه حين يبتسم. # لم يخطر ببالي أيضا أن العري يمكن أن يكون توطئة لاغتصاب أو أي طقس سوى تناول الطعام. ~~(وحقا لم يكن هناك شيء كهذا، كما يبدو من روائح المشهيات والأطباق المغطاة الفضية على ~~البوفيه). لماذا لم أفكر في هذا؟ لماذا لم أكن أكثر وعيا؟ ms065 بسبب تصوري عن الرجال كبار السن. ~~اعتقدت أنهم ليسوا فقط عاجزين ومنهكين، بل أصبحوا أيضا وقورين - أو مكتئبين - بفعل ~~التجارب والخبرات المتنوعة التي عاشوها وتدهورهم الجسدي كذلك، حتى لم يعد في داخلهم أي ~~اهتمام بهذا. لم أكن غبية بالقدر الذي يجعلني أعتقد أن عريي لا يعني نوعا ما من الاستغلال ~~الجنسي لجسدي، لكني اعتبرته جرأة أكثر منه تمهيدا لمزيد من الانتهاك، وكان قبولي لهذا سببه ~~الكبرياء، كما قلت، وطيش مهزوز أكثر منه لأي سبب آخر. # لعلي أردت أن أقول: ها أنا ذا، في جلد جسدي الذي لا يخجلني أكثر من عري أسناني. بالطبع ~~لم يكن هذا صحيحا، وفي الحقيقة بدأت أتعرق، على الرغم من أن ذلك لم يكن بسبب خشيتي من أن ~~أتعرض لانتهاك ما. # صافحني السيد بورفيس، دون أي إشارة تدل على أنه يعي أني دون ملابس. قال إنه سعيد أن يقابل ~~صديقة نينا. بالضبط كأني شخص ما أحضرته نينا إلى البيت من المدرسة. # وهو ما كان صحيحا على نحو ما. # قال إني أمثل إلهاما لنينا. # قال: «هي معجبة بك جدا. لا بد أنك جائعة الآن. فلنر ماذا جهزوا لنا؟» # رفع الأغطية. وشرع يضع لي الطعام. دجاج كورنول، التي اعتبرتها فراخا قزمة، وأرز ~~بالزعفران والزبيب، خضراوات متنوعة مقطعة قطعا رفيعة متراصة ومحتفظة بلونها بصفاء أكبر ~~من الخضراوات التي أطهوها عادة، طبق من المخلل الأخضر الرمادي، وطبق من طعام ~~مجفف أحمر داكن. # قال السيد بورفيس عن المخلل والطعام المجفف: «لا تأكلي كثيرا من هذين؛ إنهما ~~حارين على أن تبدئي بهما.» # أوصلني إلى المائدة، واستدار للبوفيه، ووضع لنفسه كميات قليلة، وجلس إلى ~~المائدة. # كان هناك إبريق ماء وزجاجة نبيذ على المائدة. حصلت على الماء. قال إن تقديم النبيذ لي في ~~بيته، سوف يحسب على الأرجح جريمة كبرى. أصبت بخيبة أمل صغيرة بما أنه لم يتح لي قط ~~فرصة لشرب النبيذ. عبر إيرني دوما، حين كنا نذهب إلى أولد تشيلسيا، عن رضاه بأنه لا ~~يقدم النبيذ أو الكحول يوم الأحد. لم يكن ms066 يرفض فقط أن يشرب يوم الأحد أو في أي يوم آخر، بل ~~كان يكره أن يرى الآخرين يشربون أيضا. # قال السيد بورفيس: «تقول لي نينا إنك تدرسين الفلسفة الإنجليزية، لكني أعتقد أنها ~~الإنجليزية والفلسفة. هل أنا محق؟ لأني متأكد أنه ليس هناك عدد وفير من الفلاسفة ~~الإنجليز؟» # على الرغم من تحذيره، تناولت نقطة من المخلل الأخضر على لساني، وقد صعقتني إلى درجة لم ~~تسمح لي بأن أجيبه. انتظرني بكياسة حتى أنتهي من تجرع المياه. # قلت حين أمكنني التحدث: «نبدأ باليونانيين. إنهم مادة شاملة.» # قال: «أوه نعم، اليونان. حسنا، بقدر ما درست اليونانيين، من المفضل لديك حتى ~~الآن ... أوه! لا، لحظة. سوف تتقطع بسهولة أكبر هكذا.» # تبع هذا عرض من فصل اللحم وإزالته عن عظم دجاجة كورنول، بلطف ودون تفضل، كما لو أنها مزحة ~~يمكن أن نتشاركها. ~~- «من المفضل لديك؟» # قلت: «لم نصل إليه بعد، نحن ندرس ما قبل سقراط. لكن المفضل هو أفلاطون.» ~~- «أفلاطون هو المفضل لديك. إذن أنت تسبقين في القراءة، لا تقفين حيث يفترض؟ أفلاطون، ~~نعم، كان يمكن أن أخمن هذا. أنت تحبين الكهف؟» ~~- «نعم.» ~~- «بالطبع. نظرية الكهف. جميلة. أليس كذلك؟» # حين كنت أجلس، كان أكثر أعضاء جسدي عورة متواريا عن النظر. ولو كان ثدياي صغيرين ~~ومتناسقين مثل ثديي نينا، بدلا من أن يكونا ممتلئين وكبيري الحلمتين وغليظين، كان يمكن ~~أن أكون في غاية الارتياح تقريبا. حاولت أن أنظر إليه بينما أتحدث، لكن كنت أعاني رغما عن ~~إرادتي من دفقات من حمرة الخجل. أعتقد، أنه حين حدث هذا لي، تغير صوته قليلا؛ إذ أصبح ~~ناعما وراضيا ومهذبا، كما لو أنه قام بحركة ناجحة في لعبة ما. لكنه استمر في الحديث ~~برشاقة ومتعة، يحكي لي عن رحلته إلى اليونان. دلفي، الأكروبوليس، الضوء الشهير الذي تعتقد ~~أنه لا يمكن أن يكون حقيقيا ولكنك تجده حقيقيا، والهيكل العظمي لبيلوبونيز. ~~- «ومن ثم إلى كريت؛ هل تعرفين الحضارة المينوية؟» ~~- «نعم.» ~~- «بالطبع تعرفين، بالطبع. وهل تعرفين كيف كانت ترتدي السيدات المينويات؟» ~~- «نعم.» # نظرت إلى ms067 وجهه هذه المرة، إلى عينيه، كنت مصممة على ألا أرتبك، حتى حين شعرت بالحرارة في ~~حلقي. # قال بشيء من الحزن: «جميلة جدا، تلك الأزياء. جميلة جدا. غريبة هي الأشياء المختلفة ~~المختبئة في العصور المختلفة. والأشياء التي تعرضها.» # كانت التحلية كاسترد فانيليا والكريمة المخفوقة مع قطع من الكعك بالتوت البري. أكل بضع ~~لقيمات منه فحسب. ولكن بعد أن أخفقت في أن أهدأ بالقدر الذي يجعلني أستمتع بالطبق الأول، ~~صممت على ألا أفوت أي شيء غني وحلو، وأن أركز شهيتي وتركيزي على كل ملعقة. # سكب القهوة في فناجين صغيرة، وقال إننا سوف نشربها في المكتبة. # صدر عن مؤخرتي صوت يشبه الصفعة، حين كنت أحرر نفسي من التنجيد الأملس لكرسي غرفة العشاء. ~~لكن تقريبا غطى عليه خشخشة فناجين القهوة على الصينية في قبضته المرتعشة الطاعنة في ~~السن. # كنت أقرأ عن مكتبات البيوت في الكتب فحسب. كان مدخل هذه المكتبة عبر لوحة معلقة على حائط ~~غرفة العشاء. تتأرجح اللوحة لتفتح دون صوت من لمسة بقدمه المرفوعة. اعتذر عن أنه سبقني، بما ~~أنه اضطر إلى هذا لأنه يحمل القهوة. كان هذا مريحا بالنسبة لي. كنت أعتقد أن المؤخرة - ~~ليست مؤخرتي فقط، بل مؤخرات الجميع - هي أكثر جزء بهيمي في الجسد. # حين جلست على المقعد الذي أشار إليه، ناولني قهوتي. لم يكن مريحا الجلوس هنا، في الخلاء، ~~كما كان إلى مائدة غرفة العشاء. كان كرسي مائدة العشاء مغطى بحرير مقلم ناعم، لكن هذا ~~الكرسي كان منجدا بقماش رقيق داكن، يخزني. بدأت أشعر بتهيج حميمي. # كان النور في هذه الغرفة أسطع مما كان في غرفة الطعام، وأثارت الكتب المصطفة على الحوائط ~~انطباعا مزعجا ومؤنبا أكثر من مشهد غرفة الطعام بصورها ذات المشاهد الطبيعية واللوحات ~~الماصة للإضاءة. # للحظة، بينما كنا ننتقل من غرفة إلى أخرى، خطرت لي فكرة قصة - قصة سمعت بها لكن قليلا من ~~الناس هم من حالفهم حظ قراءتها - يتضح فيها أن الغرفة المشار إليها على أنها مكتبة هي غرفة ~~نوم، بإضاءة ناعمة ووسائد وثيرة وكل ms068 أنواع الأغطية الناعمة. لم يكن لدي الوقت لأعرف ماذا ~~كان يمكن أن أفعل في ظل هذه الظروف؛ لأن الغرفة التي كنا بها لم تكن إلا مكتبة ببساطة. ~~مصابيح القراءة، الكتب على الرفوف، الرائحة المنعشة للقهوة. يسحب السيد بورفيس كتابا، ~~يتصفح صفحاته، يجد ما يريد. ~~- «سيكون لطفا منك أن تقرئي لي. عيناي تكونان مرهقتين في المساء. هل تعرفين هذا ~~الكتاب؟» ~~«غلام شروبشير.» # عرفته، بل في الحقيقة كنت أحفظ العديد من قصائده عن ظهر قلب. # قلت إني سأقرأ. ~~- «وهل يمكن أن أطلب منك، هل يمكن أن أطلب منك من فضلك، ألا تضعي ساقا فوق ساق؟» # كانت يداي ترتعشان بينما آخذ الكتاب منه. # قالت: «نعم، نعم.» # اختار كرسيا أمام خزانة الكتب، في مواجهتي. ~~- «الآن.» ~~- «على حافة وينلوك، الغابة مضطربة.» # هدأتني الكلمات المألوفة والإيقاع. استحوذت علي. بدأت تدريجيا في الشعور أكثر ~~بالراحة. # تكدس العاصفة الشتلات # تهب قاسية، سوف ترحل قريبا # اليوم الرومان ومتاعبهم # رماد تحت يوريكون. # أين يوريكون؟ من يعلم؟ # إني لم أنس حقا أين كنت أو مع من كنت أو في أية حالة كنت أجلس. لكني شعرت أني بعيدة ~~إلى حد ما وفي حالة فلسفية. خطرت لي فكرة أن الجميع في العالم عراة، بطريقة ما. السيد ~~بورفيس عار، على الرغم من ملابسه. كنا جميعا مخلوقات حزينة، عارية، ماكرة. انحسر الخجل. ~~ظللت أقلب الصفحات، أقرأ قصيدة بعد الأخرى؛ إذ أحببت صوتي، حتى قاطعني السيد بورفيس لدهشتي، ~~وتقريبا لخيبة أملي - حيث كانت هناك سطور شهيرة قادمة - وقف وتنهد. # قال: «كفى. كفى. كان هذه جميلا جدا. شكرا لك. لكنتك الريفية مناسبة تماما. حان ~~موعد نومي.» # تركت الكتاب. وضعه على الرف وأغلق الأبواب الزجاجية. كانت اللكنة الريفية التي تحدث ~~عنها مسألة جديدة بالنسبة لي. ~~- «وأخشى أنه حان وقت توصيلك إلى البيت.» # فتح بابا آخر على القاعة التي رأيتها منذ وقت طويل، في بداية المساء، ومررت أمامه، ~~وأغلق الباب خلفي. لعلي قلت ليلة سعيدة، ربما حتى شكرته على العشاء وتحدث هو إلي بكلمات ~~قليلة جافة (على الإطلاق ، شكرا ms069 على صحبتك، كان كرما منك، شكرا على قراءتك هوسمان) بصوت ~~مرهق وطاعن ومرتعش وغير مبال. لم يلمسني. # غرفة الملابس المعتمة هي نفسها، وملابسي هي نفسها، والفستان التركوازي، وقميصي التحتاني، ~~وجواربي. ظهرت السيدة وينر بينما كنت أربط جواربي. قالت لي شيئا واحدا فقط حين كنت مستعدة ~~للرحيل. ~~- «نسيت وشاحك.» # وفعلا كان هناك وشاح كنت قد نسجته في فصل الاقتصاد المنزلي، الشيء الوحيد الذي نسجته في ~~حياتي. كنت على وشك تركه في هذا المكان. ~~••• # بينما كنت أخرج من السيارة قالت السيدة وينر: «يرغب السيد بورفيس أن يتحدث إلى نينا قبل ~~أن ينام. لو تكرمت بتذكيرها.» ~~••• # لكن لم تكن نينا موجودة لتتلقى هذه الرسالة. كان سريرها مرتبا. اختفى معطفها وحذاؤها ~~الطويل، وبعض من ملابسها الأخرى لا يزال معلقا في الخزانة. # رحلت كل من بيفرلي وكاي لبيتهما لقضاء الإجازة الأسبوعية؛ لهذا نزلت السلم راكضة ~~لأرى إذا كان لدى بيث أي معلومات. # قالت بيث، التي لم أرها قط آسفة على أي شيء: «آسفة؛ لا أستطيع أن أتابع خروجكم ~~ومجيئكم.» # ثم قالت حين كنت أستدير: «طلبت منك عدة مرات أن تصعدي دون ضجة. استطعت أن أنوم سالي-لو ~~توا.» # لم أكن قد قررت ماذا يمكن أن أقول لنينا حين أصل إلى البيت. هل سوف أسألها إذا كان ~~مطلوبا منها أن تكون عارية في ذلك البيت، لو أنها كانت على دراية تامة بالأمسية التي كانت ~~تنتظرني؟ أم أني لن أقول الكثير، وأنتظر منها أن تسألني؟ وحتى حينذاك يمكن أن أقول ببراءة ~~إني أكلت دجاج كورنول وأرزا أصفر، وكان جيدا جدا، وإني قرأت من كتاب «غلام ~~شروبشير». # أستطيع أن أتركها تتساءل فقط. # بما أنها رحلت الآن، فلم يعد أي من هذا مهما. تحول تركيزي. اتصلت السيدة وينر بعد ~~العاشرة مساء - منتهكة قانونا آخر من قوانين بيث - وحين قلت لها إن نينا لم تكن هنا قالت: ~~«هل أنت متأكدة من هذا؟» # وكررت السؤال نفسه حين قلت لها إنه ليست لدي أي فكرة أين ذهبت نينا: «هل أنت ~~متأكدة ؟» # طلبت منها ms070 ألا تتصل مرة أخرى حتى الصباح؛ بسبب قواعد بيث ونوم الأطفال، وقالت: «حسنا. لا ~~أعرف. هذه مسألة خطيرة.» # حين استيقظت في الصباح، كانت السيارة واقفة في الجهة المقابلة من الشارع. ضربت وينر جرس ~~البيت وأخبرت بيث أنها جاءت لكي تتفقد غرفة نينا، حتى بيث قمعتها السيدة وينر؛ فصعدت ~~السلم دون توبيخ أو حرف تحذيري واحد. بعد أن فتشت كل الغرفة، فتشت الحمام والخزانة، بل هزت ~~بطانيتين مطويتين في قاع الخزانة. # كنت لا أزال في بيجامتي، أكتب مقالا عن السير جاوين والفارس الأخضر وأشرب ~~النسكافيه. # قالت السيدة وينر إنها اضطرت إلى الاتصال بالمستشفيات لترى إن كانت نينا قد حجزت في ~~إحداها مريضة، وإن السيد بورفيس خرج بنفسه ليتفقد عدة أماكن أخرى يمكن أن تكون بها. # قالت: «إذا كنت تعرفين أي شيء فمن الأفضل أن تخبرينا؛ أي شيء على الإطلاق.» # ثم حين بدأت تنزل السلم، استدارت وقالت في صوت حمل نبرة أقل تهديدا: «هل هناك أي أحد ~~في الكلية كانت على صداقة به؛ أي أحد تعرفينه؟» # قلت: «لا أعتقد.» # رأيت نينا مرتين فقط في الكلية، مرة كانت تعبر الممر السفلي في مبنى الآداب بعجلة بين ~~محاضرتين، ومرة كانت في الكافيتريا. كانت وحيدة في المرتين. لم يكن أمرا غير معتاد أن تكون ~~وحيدا خاصة حين تسرع من محاضرة لأخرى، لكنه كان غريبا قليلا أن تجلس وحدك في ~~الكافيتريا مع كوب من القهوة حوالي الرابعة إلا الربع بعد الظهر حين يكون هذا المكان ~~مهجورا. جلست بابتسامة على وجهها، كأنما تقول كم هي سعيدة ومميزة، أن تكون هنا، كم هي ~~يقظة وجاهزة لتلبية متطلبات هذه الحياة، ما إن تفهم ما هي. ~~••• # بدأ الثلج يتساقط فيما بعد الظهيرة. كان على السيارة التي تقف في الجهة المقابلة من ~~الشارع أن ترحل لتفسح المجال لكاسحة الجليد. حين دخلت الحمام وسمعت خفقان ردائها الكيمونو ~~على مشبكه، شعرت بما كنت أقمعه؛ بخوف حقيقي على نينا. تصورتها، تائهة تنتحب تحت شعرها ~~المرسل، تتجول ضائعة في الثلج في ملابسها الداخلية بدلا من ms071 معطفها، على الرغم من أني أدرك ~~أنها أخذت المعطف معها. ~~••• # رن الهاتف بالضبط حين كنت على وشك المغادرة لمحاضرتي الأولى في صباح الإثنين. # قالت نينا بلهجة تحذير متعجلة لكن تشوبها نبرة انتصار: «هذه أنا. اسمعي. من فضلك، هل يمكن ~~أن تقومي لي بخدمة من فضلك؟» ~~- «أين أنت؟ إنهما يبحثان عنك.» ~~- «من؟» ~~- «السيد بورفيس، والسيدة وينر.» ~~- «حسنا، لا يجب أن تخبريهما. لا تخبريهما أي شيء. أنا هنا.» ~~- «أين؟» ~~- «في بيت إرنست.» ~~- «إرنست؟ إيرني؟» ~~- «هش. هل سمعك أحد؟» ~~- «لا.» ~~- «اسمعي، هل يمكن، من فضلك، من فضلك، أن تستقلي الحافلة وتحضري لي بقية أغراضي؟ ~~أحتاج الشامبو. أحتاج الكيمونو. أنا أرتدي رداء الحمام طوال الوقت في بيت إرنست. يجب أن ~~تريني، أبدو مثل كلب بني أشعث عجوز. هل لا تزال السيارة بالخارج؟» # ذهبت ونظرت. ~~- «نعم.» ~~- «حسن إذن، يجب أن تستقلي الحافلة وتتوجهي بها إلى الجامعة كما تفعلين عادة، ثم استقلي ~~الحافلة التي تذهب إلى وسط المدينة. تعرفين من أين تستقلينها، كامبل وهوو، ثم امشي إلى ~~هنا. شارع كارلسيل، 363. تعرفينه، أليس كذلك؟» ~~- «هل إيرني موجود؟» ~~- «لا يا حمقاء. هو في عمله. يجب أن يعيلنا، أليس كذلك؟» # نحن؟ هل يجب على إيرني أن يعيل نينا وأنا؟ # كلا، إيرني ونينا، إيرني ونينا. # قالت نينا: «أوه، من فضلك. ليس لدي غيرك.» # فعلت كما أرشدتني. ركبت حافلة الجامعة، ثم إلى وسط المدينة. نزلت عند كامبل وهوو ومشيت ~~غربا إلى شارع كارلسيل. كانت العاصفة الثلجية انتهت، والسماء صافية، والنهار ساطع وبلا ~~رياح وشديد البرودة. أوجع الضوء عيني، والثلج انسحق تحت قدمي. # ثم بعد نصف مربع سكني شمالا في شارع كارليسل وصلت إلى البيت الذي عاش فيه إيرني مع أمه ~~وأبيه ثم مع أمه ثم وحده، والآن مع نينا. كيف يعقل هذا؟ # بدا البيت هو نفس البيت تماما الذي رأيته حين أتيت مرة أو مرتين مع أمي. منزل من طابق ~~واحد قرميدي بفناء أمامي صغير ونافذة مقنطرة ذات لوح من الزجاج الملون في غرفة المعيشة. كان ~~ضيقا وأنيقا. # كانت نينا، كما ms072 وصفت نفسها، ملفوفة في رداء رجالي طويل من الصوف البني، تفوح منه رائحة ~~إيرني الرجولية والبريئة من رغوة الحلاقة وصابون لايفبوي. # قبضت على يدي، اللتين كانتا متيبستين من البرد في قفازي. كانت تحمل كل واحدة منهما حزمة ~~من أكياس التسوق. # قالت: «يداك متجمدتان، تعالي، سوف نضعهما في بعض الماء الدافئ.» ~~- «ليستا متجمدتين، بل باردتين فحسب.» # لكنها واصلت وساعدتني على التخلص من الأشياء التي أحملها وأخذتني إلى المطبخ، وحضرت ~~وعاء من الماء، وحينما بدأت الدماء تعود بألم إلى أصابعي أخبرتني كيف جاء إرنست (إيرني) إلى ~~البيت ليلة السبت. كان معه مجلة بها كثير من الصور عن أطلال وقلاع وأشياء، أعتقد أنها قد ~~تثير اهتمامي. أجبرت نفسها على مغادرة السرير والنزول؛ لأنه لا يستطيع بالطبع الصعود، وحين ~~رأى كم هي مريضة، قال إنها يجب أن تأتي معه إلى بيته حتى يستطيع أن يرعاها. وهو ما فعله على ~~أحسن وجه حتى شفي فعليا احتقان حلقها وخفت الحمى تماما. ثم قررا أن تظل هنا، سوف تبقى ~~معه فقط ولن تعود أبدا إلى المكان الذي كانت فيه من قبل. # لم ترغب حتى في ذكر اسم السيد بورفيس. قالت: «لكن يجب أن يظل هذا سرا كبيرا. أنت ~~الوحيدة التي تعرف؛ لأنك صديقتنا وأنت سبب لقائنا.» # كانت تحضر القهوة. قالت - بينما كانت تشير إلى خزانة مفتوحة: «انظري هنا. انظري أسلوبه في ~~ترتيب الأشياء: الأكواب هنا؛ الفناجين وصحونها هنا؛ كل كوب له مشجبه، أليس مرتبا؟ البيت ~~كله هكذا. أحبه.» # وكررت: «أنت سبب لقائنا، إذا أنجبنا طفلا وكان فتاة سنسميها باسمك.» # لففت يدي حول الكوب؛ إذ لا زلت أشعر بنبض بارد في أصابعي. كان هناك بنفسج أفريقي على ~~عتبة النافذة التي تعلو حوض الغسيل. ترتيب أمه في الخزانات وزرع أمه. لعل السرخس لا يزال ~~أمام نافذة غرفة المعيشة، والمفارش على مساند الكراسي. بدا ما قالته عنها وإيرني صفيقا ~~وبغيضا تماما؛ خاصة حين أفكر في نصيب إيرني منه. ~~- «هل ستتزوجان؟» ~~- «حسنا.» ~~- «قلت لو أنجبتما طفلا.» # قالت نينا، وهي تخفض رأسها ms073 بمكر: «حسنا، إنك لا تعرفين أبدا ما يمكن أن يحدث، لعلنا ~~بدأنا هذا بالفعل بدون زواج.» # قلت: «مع إيرني؟ مع إيرني؟» # قالت: «حسن، ولم لا؟ إيرني لطيف. وعلى أي حال، أنا أناديه إرنست.» واحتضنت رداء الحمام ~~الذي كانت تلبسه. ~~- «ماذا عن السيد بورفيس؟» ~~- «ماذا عنه؟» ~~- «حسن، لو أنك تحملين طفلا فعلا، أيمكن أن يكون منه؟» # كل شيء تغير في نينا، تحول وجهها إلى وجه سافل ومقيت. قالت بازدراء: «منه! لماذا ~~تتحدثين عنه؟ إنه عاجز عن هذا.» # قلت: «أوه!» وكنت سوف أسألها ماذا عن جيما، لكنها قاطعتني. # قالت: «لماذا تتحدثين عن الماضي؟ لا تثيري استيائي، كل هذا مات وانتهى. لا يعنيني ولا ~~يعني إرنست. نحن معا الآن، نحب بعضنا الآن.» # حب. مع إيرني. إرنست. الآن. # قلت: «حسن.» # قالت: «أعتذر عن صراخي في وجهك، هل صرخت؟ أنا آسفة، أنت صديقتنا، وأحضرت أغراضي وأنا ~~أقدر هذا. أنت ابنة عمة إرنست ونحن عائلة.» # تسللت ورائي وأقحمت أصابعها تحت إبطي وبدأت تدغدغني، بكسل في البداية، ثم بقوة وهي تقول: ~~«أليس كذلك؟ أليس كذلك؟» # حاولت أن أحرر نفسي، لكن لم أستطع. أصابتني نوبات من الضحك والتويت وصرخت وتوسلت أن ~~تتوقف، وهو ما فعلته، حين جعلتني عاجزة تماما، وانقطع نفس كل منا. # قالت: «أنت أكثر شخص حساس للدغدغة رأيته في حياتي.» ~~••• # اضطررت أن أنتظر الحافلة طويلا، وأنا أحرك قدمي أثناء وقوفي على الرصيف. حين وصلت إلى ~~الكلية كانت المحاضرة الثانية قد فاتتني، إلى جانب الأولى، وكنت متأخرة عن موعد عملي في ~~الكافيتريا. ارتديت الزي القطني الأخضر في خزانة أدوات التنظيف، ودفعت كتلة شعري الأسود ~~(أسوأ شعر يمكن أن يظهر في الطعام، كما حذرني المدير) تحت طاقية قطنية. # كان عملي أن أرص الشطائر والسلاطات على الرفوف قبل أن تفتح الأبواب للغذاء، لكن الآن ~~اضطررت أن أفعل هذا مع صف متبرم من الأشخاص يشاهدني، وهذا جعلني أشعر أني خرقاء. في ~~هذه اللحظة كنت محط الأنظار أكثر مما كنت حين كنت أدفع العربة أمامي بين الموائد لأجمع ~~الأطباق القذرة. يركز ms074 الناس حينها على طعامهم وأحاديثهم، أما الآن، فكانوا ينظرون إلي ~~فقط. # فكرت فيما قالته بيفيرلي وكاي عن إفساد فرصي؛ إذ أميز نفسي بطريقة خاطئة. بدا هذا صحيحا ~~الآن. # بعد أن انتهيت من تنظيف موائد الكافيتريا، ارتديت ملابسي العادية وذهبت إلى مكتبة الكلية ~~للعمل على مقالي. كانت فترة ما بعد الظهيرة في هذا اليوم خالية من المحاضرات. # كان هناك نفق تحت الأرض يقود إلى المكتبة من مبنى كلية الآداب، وعند مدخل هذا النفق، كان ~~هناك ملصقات إعلانية عن الأفلام والمسرحيات والمطاعم والدراجات المستعملة والآلات الكاتبة، ~~كذلك إشعارات بمواعيد المسرحيات والحفلات الموسيقية. أعلن قسم الدراسات الموسيقية عن تقديم ~~حفل غنائي من قصائد شعراء الريف الإنجليزي في موعد فات الآن. رأيت هذا الإشعار من قبل، ولم ~~أنظر إليه لأتذكر أسماء هريك وهوسمان وتنيسون. وبعد عدة خطوات في النفق بدأت السطور ~~تهاجمني. # على حافة وينلوك، الغابة مضطربة. # لن أتذكر أبدا تلك السطور مرة أخرى دون أن أشعر بوخزات قماش التنجيد في مؤخرتي. ~~العار الشائك اللزج. إنه الآن عار أكبر بكثير مما بدا حينها. لقد فعل شيئا بي في ~~النهاية. # من بعيد، من المساء والصباح # وسماء هنالك باثنتي عشرة نفس # نسيج الحياة يغزلني # يهب هنا: ها أنا. # لا. # ما هذه التلال الزرقاء المحفورة في الذاكرة! # ما هذه القباب! ما هذه المزارع! # لا، أبدا. # أبيض في القمر، يجري الطريق الطويل # الذي يذهب بي بعيدا عن حبي. # لا، لا، لا. # سوف أتذكر دوما ما وافقت على أن أفعله. لم أجبر، لم أومر، ولم أغو حتى. ~~وافقت على أن أفعله. # نينا تعرف، كانت مشغولة بإيرني هذا الصباح فلم تقل أي شيء، لكن سوف يأتي وقت سوف تضحك ~~عليه، ليس بقسوة، لكن بالطريقة التي تضحك بها على كثير من الأشياء، وربما حتى تغيظني، ~~وإغاظتها سوف يشوبها شيء مثل دغدغتها؛ شيء ملح، وفاحش. # نينا وإيرني. في حياتي منذ الآن فصاعدا. ~~••• # كانت مكتبة الكلية مكانا جميلا عالي السقف، صممه أناس وبنوه ومولوه إيمانا ~~منهم بأن هؤلاء الذين جلسوا إلى الطاولات الطويلة ms075 أمام الكتب المفتوحة - حتى المتسكعين ~~والناعسين والممتعضين والعاجزين عن الفهم منهم - يجب أن تتوفر لهم مساحة أعلاهم، ولوحات من ~~الخشب المصقول الداكن حولهم، ونوافذ عالية بلوحات من النصائح اللاتينية تنفتح على السماء. ~~لقد استمتعوا بهذا المكان عدة سنوات قبل أن يشرعوا في التدريس أو العمل أو تربية الأطفال، ~~والآن جاء دوري لأستمتع به أيضا. ~~«سير جاوين والفارس الأخضر.» # كنت أكتب مقالة جيدة، ربما أحصل على امتياز. سوف أستمر في كتابة المقالات والحصول على ~~الامتيازات؛ لأن هذا ما أستطيع فعله. سوف يستمر الناس الذين يمنحون المنح التعليمية، والذين ~~يشيدون الجامعات والمكتبات في دفع النقود حتى أستطيع أن أفعل ذلك. # لكن ليس هذا هو المهم. هذا لن يحميك من الأذى. ~~••• # لم تمكث نينا لدى إيرني حتى لأسبوع واحد؛ ففي يوم قريب، يرجع إلى البيت ويجد أنها اختفت، ~~اختفى معطفها وحذاؤها الطويل، وملابسها الجميلة والكيمونو الذي أحضرته إليها، اختفى شعرها ~~العسلي، وعاداتها في المداعبة، والدفء الزائد لجلدها وأناتها وهي تتحرك. كل شيء اختفى دون ~~تفسير، بلا كلمة واحدة على ورقة ما، بلا كلمة واحدة. # ومع ذلك، لم يكن إيرني من النوع الذي يتقوقع وينتحب. قال هذا حين هاتفني ليطلعني على ~~الأخبار ويتفقد جدولي لعشاء الأحد. صعدنا السلم لأولد تشيلسيا، وعلق قائلا إن هذا هو ~~عشاؤنا الأخير قبل إجازات عيد الميلاد. ساعدني على خلع معطفي، وشممت رائحة نينا. هل لا تزال ~~على جلده؟ # لا، انكشف المصدر حين ناولني شيئا ما، شيئا مثل منديل كبير. # قال: «ضعيه فقط في جيب معطفك.» # ليس منديلا، كان القماش أكثر سمكا مع تضليع خفيف، قميص تحتاني. # قال: «لا أريده معي.» ومن صوته تعتقد أنه كان مجرد سروال دخلي لا يريده في البيت، بصرف ~~النظر عن أنه كان لنينا ويحمل رائحة نينا. # طلب اللحم المشوي وقطعه ومضغه كالمعتاد بشهية مهذبة. أبلغته بأخبار بلدتي التي كانت ~~كعادتها في مثل هذا الوقت من العام تملؤها جرافات الثلج والطرق المسدودة والخراب الذي يسببه ~~الشتاء، وهو ما كان يميزنا. # بعد مضي قليل من الوقت ms076 قال إيرني: «ذهبت إلى بيته. لم يكن هناك أحد.» ~~- «بيت من؟» # قال إنه بيت عمها. عرف بيته؛ لأنهما هو ونينا مرا أمامه مرة بعد حلول الظلام. قال إنه ~~لم يعد فيه أحد الآن، لقد حزما أمتعتهما ورحلا. إنه خيارها في النهاية. # قال: «إنه امتياز خاص للمرأة. كما يقولون، حق المرأة أن تغير رأيها.» # عيناه، الآن وأنا أنظر إليهما، فيهما نظرة جافة جائعة، ويحيطهما السواد والتجاعيد. زم ~~فمه ليسيطر على رعشته، ثم واصل بسيماء من يحاول أن يرى كل الجوانب؛ من يحاول أن ~~يفهم. # قال: «لم تستطع أن تترك عمها الطاعن في السن، لم يطاوعها قلبها أن تتخلى عنه. قلت إنه ~~يمكن أن يعيش معنا؛ لأني معتاد على العيش مع كبار السن، لكنها قالت إنها سوف تنفصل قريبا ~~عنه. لكن أظن أن قلبها لم يطاوعها في النهاية.» ~~- «من الأفضل ألا يتوقع المرء الكثير. أعتقد أن بعض الأشياء ليس مقدرا للإنسان أن ~~يحظى بها.» # حين تجاوزت المعاطف في طريقي إلى المرحاض، أخرجت القميص من جيبي، حشرته مع الفوط ~~المستعملة. ~~••• # في ذلك اليوم، عجزت عن مواصلة العمل على مقال السير جاوين في المكتبة. مزقت صفحة من ~~كراستي وأخذت قلمي وغادرت. في المساحة الخارجية أمام أبواب المكتبة كان هناك هاتف عمومي، ~~وإلى جانبه دليل تليفونات معلق. تصفحت الدليل وكتبت رقمين على الورقة. لم يكونا رقمي ~~هاتف، بل عنوانين. # 1648 شارع هينفرين. # وكان العنوان الثاني، الذي كنت أريد فقط أن أتأكد من صحته؛ إذ رأيته حديثا وعلى أظرف ~~بطاقات المعايدة، كان 363 كارليسل. # رجعت عبر النفق إلى مبنى الآداب، ودخلت إلى المحل الصغير الذي يواجه غرفة الاستراحة. كان ~~لدي ما يكفي من الفكة في جيبي لأشتري ظرفا وطابعا بريديا. مزقت الجزء الذي يحمل عنوان ~~شارع كارليسل ووضعته في الظرف. أغلقت الظرف، وكتبت فوقه الرقم الآخر الأطول مع اسم السيد ~~بورفيس وعنوان شارع هينفرين. كل هذا بحروف كبيرة، ثم لعقت الطابع ولصقته. أعتقد أن ثمنه في ~~تلك الأيام كان أربعة سنتات. # كان هناك خارج المحل مباشرة ms077 صندوق بريد. وضعت الظرف فيه، هناك في الممر السفلي الواسع ~~من مبنى الآداب، والناس يمرون بي في طريقهم إلى قاعات الدراسة، وفي طريقهم للتدخين أو لعب ~~البريدج في غرفة الاستراحة. في طريقهم إلى القيام بأفعال لم يعرفوا أنها بداخلهم. # | حفر-عميقة # غلفت سالي البيض المحشو؛ وهو طعام كانت تكره أن تأخذه معها في النزهات لأنه يتسبب في ~~فوضى. شطائر لحم الخنزير، سلاطة السلطعون، فطائر الليمون؛ مشكلة في تغليفها كذلك. شراب ~~كول إيد بطعم الفواكه للأطفال، ونصف زجاجة شامبانيا «مام» لأليكس ولها. لن تحتسي إلا رشفة ~~لأنها لا تزال في فترة الرضاعة. كانت قد اشترت أكواب بلاستيك للشمبانيا لهذه المناسبة، لكن ~~حين رآها أليكس في يدها، أحضر الأكواب الحقيقية - وهي إحدى هدايا الزفاف - من الخزانة ~~الصينية. اعترضت، لكنه أصر، وتحمل مسئوليتها بنفسه؛ إذ غلفها ورصها. ~~«أبي سيد مهذب برجوازي حقا.» هذا ما سوف يقوله كنت لسالي بعد عدة سنوات حين يصبح ~~مراهقا ويتفوق في جميع مواده الدراسية في المدرسة، مطعما عبارته بكلمة فرنسية. كان في ~~غاية الثقة من أنه سيصبح عالما ما إلى حد أنه يستطيع أن يفعل ما يروقه بالإطناب بالفرنسية ~~في أنحاء المنزل بلا محاسبة. # قالت سالي بآلية: «لا تهزأ بأبيك.» # قال: «لا أهزأ، معظم الجيولوجيين يبدون متسخين عادة، هذا هو السبب ليس إلا.» ~~••• # كانت النزهة على شرف أول مقال ينشر لأليكس منفردا في «مجلة الجيومورفولوجي (علم تشكل ~~الأرض)». كانوا يتجهون إلى أوسلر بلاف؛ لأن المقال يسهب في وصفها، ولأن سالي والأطفال لم ~~يروها من قبل. # ساروا بالسيارة بضعة أميال على طريق ريفي وعر - بعد أن انعطفوا من طريق ريفي ممهد لكن غير ~~مرصوف - وكان هناك مكان للسيارات، خال من السيارات في الوقت الحالي. كانت اللافتة مطلية ~~بغير إتقان على لوح خشبي واحتاجت إلى ترميم: احذر، حفر-عميقة. # فكرت سالي: لماذا هذه الشرطة؟ لكن من يهتم؟ # بدا المدخل إلى الغابة عاديا جدا ومطمئنا. أدركت سالي بالطبع أن تلك الغابات فوق ~~جرف عال، وتوقعت مشهدا مرتفعا مخيفا في مكان ما . لكنها لم ms078 تتوقع أن تجد المنطقة ~~المسيجة أمامهم مباشرة تقريبا. # فجوات وحفر عميقة حقا، بعضها بحجم الكفن، والآخر أكبر من ذلك، وكأنها غرف اقتطعت ~~من الأحجار. تتلوى الممرات بينها وتنمو نباتات السرخس والطحالب على الجانبين. ومع ذلك لم ~~ينم ما يكفي من النبات لكي يصنع غطاء من نوع ما فوق الحصى الذي بدا بعيدا جدا إلى ~~الأسفل. مضى الطريق يتلوى بينها، فوق أرض قاسية أو رفوف من صخر ليس مستويا ~~كليا. # جاء نداء الولدين؛ كنت وبيتر، تسعة وستة أعوام، وهما يجريان في الأمام: «أووييي.» # قال أليكس: «لا ركض متهور هنا؛ لا استعراضات غبية، هل تسمعان؟ هل تفهمان؟ ~~أجيباني.» # أجابا أن نعم، وتقدم أليكس يحمل سلة الطعام بعد أن تصور على ما يبدو أنهما لا يحتاجان ~~إلى مزيد من التحذيرات الأبوية. مشت سالي بخطوات متعثرة بسرعة أكبر من قدرتها، بحقيبة ~~الحفاظات ووليدتها سافانا. لم تستطع أن تبطئ حتى يظهر ولداها أمام عينيها؛ إذ رأتهما ~~يهرولان ويلقيان نظرات جانبية على الفجوات السوداء، وهما لا يزالان يصدران صيحات رعب ~~مبالغا فيها لكن مكتومة. كانت تنادي عليهما بإنهاك ورعب ونوع مألوف من الغيظ المتسرب ~~تدريجيا إليها. # لم يظهر المنظر العلوي إلا بعد أن مشيا عبر تلك الطرق القذرة والصخرية مسافة بدت ~~لها نصف ميل، وكانت على الأرجح ربع ميل. ثم كان هناك توهج، وظهرت السماء فجأة، وتوقف زوجها ~~في المقدمة. أطلق صيحة الوصول متباهيا، وصاح الولدان بانبهار حقيقي. وجدتهم سالي - ~~بعد أن ظهرت من الغابة - يصطفون على جرف فوق مستوى رءوس الأشجار - فوق مستويات عديدة من ~~رءوس الأشجار كما اتضح - مع حقول صيفية تنتشر إلى بعيد، تتلألأ بوميض أخضر وأصفر. # ما إن وضعت سالي رضيعتها على البطانية حتى بدأت سافانا تبكي. # قالت سالي: «جائعة.» # قال أليكس: «تصورت أنها تناولت طعامها في السيارة.» ~~- «هذا ما حدث، لكنها جاعت مرة أخرى.» # أمسكت سافانا على جانب من جسدها لترضع، وبيدها الطليقة فكت سلة الطعام. لم يكن هذا ~~بالطبع ما خطط له أليكس، لكنه تنهد تنهيدة مرحة، وأخرج كأسي الشمبانيا ms079 من تغليفهما في ~~حقيبته، ووضعهما على جانبيهما على رقعة حشيش. # قال كنت: «أنا أيضا عطشان.» وحاكاه بيتر على الفور. ~~- «وأنا أيضا.» # قال أليكس: «اسكت.» # قال كنت: «اسكت يا بيتر.» # قال أليكس لسالي: «ماذا أحضرت لهما ليشرباه؟» ~~- «مشروب كول-إيد في الإبريق الأزرق، والأكواب البلاستيكية في منديل تحته.» # رأى أليكس، بالطبع، أن كنت بدأ هذا الهراء، ليس لأنه عطشان حقا؛ بل لأنه ينفعل ~~انفعالا فظا تقريبا حين يرى ثدي سالي. اعتقد أن الوقت حان لكي تنتقل سافانا إلى الرضاعة ~~الصناعية؛ كانت تبلغ ستة أشهر تقريبا. واعتقد أن سالي كانت غير مبالية تماما بشأن المسألة ~~كلها؛ إذ تدور أحيانا في المطبخ تقوم ببعض الأعمال بيد واحدة بينما تلتقم الرضيعة ثديها. ~~ويختلس كنت النظرات، ويشير بيتر إلى إبريقي لبن ماما. # قال أليكس إن هذا بسبب كنت. كنت مخادع ومتعب وله ذهن قذر. # قالت سالي: «حسنا، يجب أن أستمر في القيام بهذه الأشياء.» ~~- «الرضاعة ليست من الأمور التي يجب أن تستمري في عملها. يمكن أن تحاولي غدا إرضاعها من ~~زجاجة حليب.» ~~- «قريبا. ليس غدا بالتحديد، لكن قريبا.» # لكن ها هي، لا تزال تجعل سافانا وإبريقي الحليب يهيمنان على النزهة. # سكب شراب الكول-إيد، ثم الشمبانيا. قرع سالي وأليكس كأسيهما وسافانا بينهما. تناولت سالي ~~رشفتها وتمنت لو أنها تستطيع أن تتناول المزيد. تبتسم لأليكس لتنقل إليه هذه الأمنية، ~~وربما أمنية أنه من الألطف لو كانا وحدهما. احتسى الشمبانيا من كأسه، وبدأ يستمتع ~~بالنزهة، كما لو أن رشفتها الوحيدة وابتسامتها كافيتان لتهدئته. تخبره بأن الشطائر التي بها ~~الخردل الذي يحبه، والتي بها الخردل الذي تحبه هي وبيتر، وشطائر كنت، الذي لا يحب الخردل ~~على الإطلاق جاهزة. # أثناء هذا، نجح كنت في التسلل خلفها وشرب كأس الشمبانيا. لا بد أن بيتر رآه يفعل هذا، ~~لكن لسبب ما لم يش به. تكتشف سالي ما حدث فيما بعد ولا يعلم أليكس عن هذا أبدا؛ لأنه ~~ينسى سريعا أن كأسها كانت بها أي بقايا من الشمبانيا، ويكيسه نظيفا مع كأسه، بينما يحكي ms080 ~~للولدين عن حجر الدولوميت. يستمعان، فيما يبدو، بينما يلتهمان الشطائر، ويتجاهلان البيض ~~المحشو وسلاطة السلطعون والفطائر. # الدولوميت؛ يقول أليكس. هذا هو الجلمود الصخري السميك الذي يرونه. تحته طمي طيني تحول ~~إلى صخر حبيبي ناعم جدا. تشق المياه طريقها عبر الدولوميت، وحين تصل إلى الطمي ~~تستقر هناك؛ لا تستطيع اختراق الطبقات الرفيعة؛ الحبيبات الناعمة. لهذا يستمر التآكل - يعني ~~تفتت الدولوميت - رجوعا إلى المصدر، ويصنع قناة، ويكون الجلمود مفاصل رأسية، هل تعرفون ~~ماذا تعني رأسية؟ # يقول كنت بتكاسل: «فوق وتحت.» ~~- «مفاصل رأسية ضعيفة، تزداد وهنا، ثم تترك صدوعا خلفها، وبعد ملايين السنين تنفصل ~~تماما وتسقط من فوق المنحدر.» # يقول كنت: «يجب أن أذهب.» ~~- «تذهب إلى أين؟» ~~- «أريد أن أتبول.» ~~- «حسنا، اذهب.» # يقول بيتر: «أنا أيضا.» # تزم سالي فمها في وصية آلية بالحذر. ينظر أليكس إليها موافقا على تحذيرها. يتبادلان ~~ابتسامة باهتة. # غلب النوم سافانا، تراخت شفتاها حول الحلمة. ومع خروج الولدين، يصبح من الأسهل فصلها عن ~~ثديها. يمكن لسالي أن تجعلها تتجشأ وتضعها على البطانية بدون أن تقلق من انكشاف ثديها. لو ~~أن أليكس يجد المنظر كريها - تعرف أنه يراه هكذا، يكره ربط الجنس بالرضاعة؛ تحول ثدي زوجته ~~إلى ضرع - يمكنه أن ينظر بعيدا، وهو ما يفعله. # بينما تزرر قميصها تصل إليهما صرخة، ليست حادة لكن شاردة ومقتضبة، وأليكس هو من يقف على ~~قدميه قبلها، يجري في الممر، ثم وصلت صرخة أعلى وأقرب. إنه بيتر. ~~- «كنت سقط. كنت سقط.» # يصرخ والده: «أنا قادم.» # سوف تظل سالي تعتقد دائما أنها عرفت على الفور، قبل أن تسمع حتى صوت بيتر، عرفت ماذا ~~حدث. لو أن حادثا وقع، فلن يقع لابنها ذي الست سنوات، الذي كان شجاعا لكن ليس مبدعا ~~وليس محبا للاستعراض. سوف يقع لكنت. تستطيع أن ترى كيف بالضبط. يتبول في الحفرة، يقف على ~~الحافة، يغيظ بيتر، ويغيظ نفسه. # كان حيا. كان يرقد بعيدا في الأسفل على الحصى في قاع الصدع الحجري، لكنه كان يحرك ~~ذراعيه، يناضل لكي يدفع نفسه إلى الأعلى، يناضل ms081 بوهن شديد. إحدى ساقيه محبوسة تحته، والأخرى ~~مثنية ثنية غريبة. # قالت لبيتر: «هل يمكن أن تحمل الطفلة؟ اذهب إلى مكاننا، وضعها على الأرض وارعها. هذا ~~ابني المطيع، ابني القوي المطيع.» # كان أليكس يهبط إلى الحفرة، متعثرا، يطلب من كنت أن يظل ساكنا. كان النزول بأمان ~~ممكنا؛ لكن إخراج كنت سيكون هو الجزء الصعب. # هل تهرع إلى السيارة وترى إذا كان بها حبل؟ تربط الحبل حول جذع شجرة. ربما تربطه ~~حول جسد كنت، فتستطيع أن ترفعه إلى الأعلى حين يحمله أليكس. # لن تجد حبلا. لماذا يوجد بها حبل؟ # وصل أليكس إليه. انحنى ورفعه. أطلق كنت صرخة ألم متضرعة. ألقاه أليكس فوق كتفه؛ إذ ~~تتأرجح رأسه من جهة، والساقان العاجزتان من الجهة الأخرى. نهض، وتعثر بضع خطوات، وبينما كان ~~لا يزال متمسكا بكنت، سقط على ركبتيه. قرر أن يزحف، وكان يشق طريقه - تفهم سالي هذا الآن ~~- إلى الحصى الذي يملأ جزئيا نهاية الصدع. صرخ يعطيها بعض الأوامر بدون أن يرفع رأسه، ~~وعلى الرغم من أنها لم تميز كلمة واحدة فقد فهمت. وقفت على ركبتيها - لماذا كانت على ~~ركبتيها؟ - ودفعت بعض الفسائل إلى الحافة حيث يبعد الحصى عن السطح مسافة ثلاثة أقدام. كان ~~أليكس يزحف حاملا كنت المتدلي فوق كتفه مثل غزال مصاب بطلق ناري. # نادت: «أنا هنا، أنا هنا.» # كان يجب أن يرفع الأب كنت، وتسحبه أمه إلى الجزء الصخري الصلب. كان ولدا نحيلا لم ~~يصل بعد إلى أولى دفقات نموه، لكنه بدا ثقيلا مثل كيس أسمنت. لم تستطع ذراعا سالي أن ~~تفعل هذا من المحاولة الأولى. غيرت وضعها؛ إذ جثمت بدلا من الاستلقاء على بطنها، وبكل ما ~~في كتفيها وصدرها من قوة، وبدعم من أليكس، وبدفعه جسد كنت من الخلف رفعاه إلى الأعلى. وقعت ~~سالي به بين ذراعيها ورأت عينيه مفتوحتين تدوران في محجريهما بينما يفقد الوعي مرة ~~أخرى. # حين تسلق أليكس وخرج من الحفرة، التقطا الطفلين الآخرين وقادا السيارة إلى مستشفى ~~كولينجوود. هناك اتضح أنه لم يصب بإصابة داخلية. الساقان ms082 كلتاهما كانتا مكسورتين، كسر ~~منهما نظيف، كما وصفه الطبيب، أما الساق الأخرى فمحطمة. # قال الطبيب لسالي - التي دخلت مع كنت بينما يراقب أليكس الطفلين الآخرين: «يجب مراقبة ~~الأطفال كل دقيقة هناك. ألم يضعوا أي علامات تحذيرية؟» # كان سيتحدث مع أليكس بأسلوب مختلف. هكذا هم الأولاد؛ إذا أدرت ظهرك لهم فسيعبثون في ~~المكان الخطأ. «الصبيان صبيان.» # كان امتنانها - إلى الله الذي لم تكن تؤمن به، وإلى أليكس، الذي كانت تؤمن به - هائلا، ~~فلم تشعر بغضب أو نقمة. ~~••• # كان من الضروري بالنسبة إلى كنت أن يقضي نصف العام المقبل خارج المدرسة، مشدودا في ~~البداية إلى سرير مستأجر بالمستشفى. كانت سالي تحضر واجباته المدرسية وتعيدها، وكان هو ~~ينهيها في وقت وجيز، ثم شجعته على أن يتقدم بتأدية بعض المشاريع الإضافية، كان أحدها هو ~~السفر والاكتشاف؛ اختر بلدك. # قال: «أريد أن أختار ما لن يختاره أحد.» # حينها قالت له سالي شيئا لم تقله قط لأي مخلوق. أخبرته كم كانت منجذبة إلى الجزر ~~البعيدة، ليس إلى جزر هاواي أو الكناري أو جزر هيبريدز أو جزر اليونان، التي يرغب الجميع في ~~زيارتها، بل إلى الجزر الصغيرة والغامضة التي لم يتحدث عنها أي أحد، والتي زارها القليل ~~من الناس، إن كان هناك من زارها أصلا، جزيرة أسينشين، وجزر تريستان دا كونا، وجزر ~~تشاتام، وجزيرة كريسماس، والجزيرة المهجورة، وجزر فارو. بدأت هي وكنت في جمع كل معلومة ~~يمكن أن يعثرا عليها عن تلك الأماكن، دون أن يسمحا لأنفسهما باختلاق أي شيء. لم يخبرا أليكس ~~قط بما كانا يفعلانه. # قالت سالي: «سوف يظن أننا فقدنا عقلنا.» # كانت ميزة الجزيرة المهجورة الرئيسة هي نوع قديم من الخضراوات؛ كرنب فريد. تخيلا ~~طقوسا احتفالية له وأزياء ومواكب كرنب على شرفه. # قالت سالي لابنها إنها، قبل أن يولد، رأت في التليفزيون سكان تريستان دا كونا يهبطون في ~~مطار هيثرو، بعد أن أخلوا الجزيرة بسبب زلزال عظيم أصابها. كم بدوا غرباء ولطفاء وعظماء، ~~مثل بشر جاءوا من قرن آخر من الزمن. لا بد أنهم ms083 تكيفوا مع لندن، بطريقة أو أخرى، لكن بعد أن ~~هدأ البركان أرادوا أن يعودوا إلى وطنهم. # حين عاد كنت إلى المدرسة، تغيرت الأشياء بالطبع، لكنه ظل أكبر من عمره، صبورا مع سافانا ~~التي أضحت جسورة وعنيدة، ومع بيتر الذي يندفع دائما إلى المنزل كما لو كان إعصارا عاتيا. ~~وكان مهذبا خاصة مع والده؛ إذ يحضر له الورق الذي أنقذه من سافانا مطويا بعناية، ويسحب ~~له الكرسي في وقت تناول وجبة العشاء. # كان يقول أحيانا: «تكريما للرجل الذي أنقذ حياتي.» أو: «بطل البيت.» # كان يقول هذا بنبرة درامية إلى حد ما لكن ليست ساخرة على الأقل. ومع ذلك كان هذا يضغط على ~~أعصاب أليكس، كان كنت يضغط على أعصابه حتى قبل أن تقع دراما الحفرة العميقة. # كان يقول له: «كف عن هذا.» ويشكو لسالي على انفراد. # تقول له: «إنه يقول إنك حتما تحبه؛ لأنك أنقذته.» ~~- «يا إلهي! كنت سأنقذ أي شخص.» ~~- «لا تقل هذا أمامه من فضلك.» ~~••• # حين وصل كنت إلى المرحلة الثانوية، تحسنت الأمور مع أبيه. اختار أن يدرس العلوم. اختار ~~أصعب علم، ليس علوم الأرض السهلة، وحتى هذا لم يثر أي معارضة لدى أليكس. كلما كان أصعب ~~كان أفضل. # لكن بعد ستة أشهر في الكلية، اختفى كنت. قال الأشخاص الذين عرفوه قليلا - إذ لم يبد ~~أن هناك أحدا يدعي أنه صديق مقرب - إنه تحدث عن الذهاب إلى الساحل الغربي. ثم وصلت ~~رسالة، في الوقت الذي قرر فيه والداه الاتصال بالشرطة. كان يعمل في مخزن إطارات كندي في ~~ضاحية شمال تورنتو. ذهب أليكس ليراه هناك؛ ليأمره بالرجوع إلى تعليمه. لكن كنت رفض، وقال ~~إنه سعيد جدا بعمله الذي حصل عليه ويكسب كثيرا من المال، أو سوف يكسب مالا وفيرا ~~قريبا، حين يترقى. ثم ذهبت سالي لتراه بدون أن تخبر أليكس، ووجدته مرحا وقد زاد وزنه عشرة ~~أرطال. قال إنها البيرة. لديه أصدقاء الآن. # قالت لأليكس - حين اعترفت له بالزيارة: «إنها مرحلة. يريد أن يتذوق معنى ~~الاستقلالية .» ~~- رد أليكس: «يمكنه أن ms084 يشبع منها قدر ما يشاء؛ لم يعد أمره يعنيني.» # لم يخبرها كنت أين يعيش، لكن لم يكن هذا مهما؛ لأنها عندما قامت بزيارته مرة ثانية قيل ~~لها إنه ترك العمل. شعرت بالحرج - اعتقدت أنها لمحت ابتسامة متكلفة على وجه الموظف الذي ~~قال لها هذا - ولم تسأل أين ذهب كنت. ظنت أنه سوف يتصل بهم على أية حال ما إن يستقر من ~~جديد. ~~••• # فعل هذا بعد ثلاث سنوات. كانت رسالته مرسلة من نيدل، كاليفورنيا، لكنه أخبرهم ألا ~~يكلفوا أنفسهم عناء تعقبه هناك؛ إذ كان يمر فقط بالمدينة. قال: مثل بلانش؛ وقال أليكس: ~~من بلانش هذا بحق الجحيم؟ # قالت سالي: «مجرد مزحة. لا تهتم.» # لم يقل كنت أين كان يعمل أو أين كان أو ما إذا كان لديه أصدقاء أم لا. لم يعتذر عن ~~تركهم كل هذه الفترة بدون أن يمدهم بأي معلومات أو يسألهم عن أحوالهم، أو حال أخيه وأخته. ~~بدلا من هذا كتب صفحات عن حياته الخاصة. ليس عن الجانب العملي من حياته، بل عما يجب أن ~~يفعله، وما كان يفعله بها. # قال: «يبدو سخيفا جدا لي أنه ينتظر من الشخص أن يحبس نفسه في بذلة. أعني بذلة مهندس ~~أو طبيب أو جيولوجي وينمو الجلد فوقها، فوق القماش، أقصد أنه لا يستطيع خلعها أبدا. حين ~~تكون لدينا فرصة اكتشاف عالم الواقع الداخلي والخارجي كله، والعيش بأسلوب يشمل الروحي ~~والمادي والمدى الكامل من الجمال والشناعة المتاحين للنوع البشري؛ فذاك هو الألم، وكذلك هو ~~الفرح والاضطراب. قد يبدو لكم هذا الأسلوب في التعبير عن نفسي مبالغا لكني تعلمت أن أتخلى ~~عن شيء واحد؛ هو التفاخر الفكري ...» ~~••• # قال أليكس: «إنه يتعاطى المخدرات، يمكن معرفة هذا من على بعد أميال. المخدرات أفسدت ~~مخه.» # في منتصف الليل قال: «الجنس.» # كانت سالي ترقد إلى جانبه مستيقظة تماما. # قالت: «ماذا عن الجنس؟» ~~- «هو الذي يجعله يدخل الحالة التي يتحدث عنها؛ يصبح شيئا أو آخر حتى يستطيع أن يكسب ~~عيشه، حتى يستطيع أن يدفع مقابل ممارسة جنسية ثابتة ms085 وتبعاتها. هذا ليس أحد الاعتبارات ~~بالنسبة له.» # قالت سالي: «واو! رومانسي جدا.» ~~- «إن التعامل مع الأساسيات ليس رومانسيا أبدا، كل ما أحاول قوله هو أنه ليس ~~طبيعيا.» # كذلك كتب كنت في رسالته - أو ما أسماه أليكس هياجه - إنه أكثر حظا من معظم الناس؛ ~~لأنه جرب ما يسميه تجربة الموت الوشيك، التي منحته وعيا إضافيا؛ ولهذا لا بد أن يظل ~~دوما ممتنا لوالده الذي رفعه إلى العالم مرة ثانية، وإلى أمه التي تلقته بحب ~~هناك. # يقول: «ربما ولدت مرة ثانية في تلك اللحظات.» # تذمر أليكس. # قال: «لا، ما كنت لأقول هذا.» # قالت سالي: «لا، إنك لا تعني هذا.» ~~- «لا أعرف ما إذا كنت أعنيه أم لا.» # كانت الرسالة، التي وقعها مع الحب، آخر ما وصل إليهم منه. ~~••• # التحق بيتر بكلية الطب وسافانا بكلية الحقوق. # أصبحت سالي مهتمة بالجيولوجيا، على نحو أدهشها هي نفسها. ذات مرة، في مزاج آمن بعد ~~ممارسة الجنس، أخبرت أليكس عن الجزر؛ لكن لم تخبره عن تخيلها أن كنت يعيش الآن في واحدة ~~منها. قالت إنها نسيت العديد من التفاصيل التي كانت تعرفها؛ ولهذا يجب أن تقرأ عن كل هذه ~~الأماكن في الموسوعة التي كانت أول مكان حصلت منه على المعلومات عن تلك الجزر. قال أليكس إن ~~كل شيء تود أن تعرفه يمكن أن تجده على الأرجح على شبكة الإنترنت. قالت بالتأكيد لا تعني ~~معلومات غامضة، وأخرجها من السرير، ونزلا إلى الصالة، وفي لمحة عين كانت أمام عينيها ~~تريستان دا كونا، لوحة خضراء في المحيط الأطلنطي الجنوبي، مع وفرة من البيانات. صدمت ~~وابتعدت، وسألها أليكس - الذي شعر بالإحباط بالطبع - عن السبب. # قالت: «لا أعرف، أشعر الآن كأني فقدتها.» # قال إن هذا ليس جيدا، وأنها تحتاج إلى شيء حقيقي تفعله. كان قد تقاعد توا عن التدريس ~~ويخطط لتأليف كتاب. كان بحاجة إلى مساعد؛ ولا يستطيع الآن أن يستعين بالطلاب الجامعيين كما ~~كان يفعل حين كان في هيئة التدريس (لم تعرف إن كان هذا حقيقيا أم لا). ذكرته أنها لا ms086 ~~تعرف أي شيء عن الصخور، وقال إن هذا ليس مهما؛ لأنه يستطيع أن يستخدمها في ضبط المقياس ~~في الصور الفوتوغرافية. # هكذا أصبحت المساعدة الصغيرة التي ترتدي ملابس سوداء أو لامعة تتناقض مع شرائط صخور العصر ~~السيلوري أو العصر الديفوني، أو مع الصخور الجرانيتية الصوانية التي كونها الضغط الشديد، ~~وانطوت وتشوهت بسبب تصادم الصفائح التكتونية للقارة الأمريكية والمحيط الهادي لتكون ~~القارة الحالية. تعلمت تدريجيا أن تستخدم عينيها وتطبق المعرفة الجديدة، إلى حد أنه ~~أصبح بوسعها أن تقف في ضاحية خالية وتدرك أن تحت حذائها بعيدا في الأعماق توجد حفرة ~~مليئة بحصى لن يراها أحد أبدا، ولم يرها أحد قط؛ لأنه لم تكن هناك عيون لتراها أثناء ~~خلقها أو عبر تاريخها الطويل من التكون والامتلاء والاختفاء والضياع. أسبغ أليكس على هذه ~~الأشياء شرف معرفته بها، على أفضل نحو يستطيع، وأعجبت به لذلك، على الرغم من أنها كانت تعلم ~~ما يكفي لكي لا تفصح عن هذا. كانا صديقين جيدين في تلك السنوات الأخيرة، التي لم تعرف أنها ~~سنواتهما الأخيرة، على الرغم من أنه ربما عرف ذلك. دخل المستشفى لإجراء عملية، وأخذ معه ~~خرائطه وصوره، وفي اليوم الذي كان من المفترض أن يعود إلى المنزل مات. ~~••• # حدث هذا في الصيف، وفي ذلك الخريف شب حريق مأساوي في تورنتو. جلست سالي أمام التليفزيون ~~تشاهد الحريق لفترة من الوقت. حدث في حي عرفته، أو كانت تعرفه، في الأيام التي سكنه فيها ~~الهيبز بأوراق التاروت والخرز والورود الصناعية بحجم ثمرة قرع العسل التي كانت تميزهم. وظلت ~~تعرفه لفترة من الزمن بعدها، حين تحولت المطاعم النباتية إلى حانات ومطاعم غالية. أزيل ~~مربع سكني من تلك البنايات التي تعود إلى القرن التاسع عشر، وكان المذيع يندبها، متحدثا ~~عن الناس الذين عاشوا فوق المحلات في شقق قديمة الطراز، وعن الذين فقدوا بيوتهم الآن، ~~ويسحبون إلى الشارع بعيدا عن الأذى. # فكرت سالي أن المذيع لم يذكر أصحاب تلك المباني، الذين أفلتوا على الأرجح بإهمالهم ~~للتوصيلات الكهربائية التالفة ، وتركهم لجحافل الصراصير وبق ms087 الفراش التي لم يشتك منها ~~الفقراء المضللون أو الخائفون. # تشعر في بعض الأحيان أن أليكس يتحدث في رأسها هذه الأيام، وهذا بالتأكيد ما كان يحدث. ~~أطفأت التليفزيون الذي يبث الحريق. # لم يمر أكثر من عشر دقائق ودق جرس الهاتف. كانت سافانا. ~~- «أمي. هل تشاهدين التليفزيون؟ هل رأيت؟» ~~- «تقصدين الحريق؟ كنت أشاهده ثم أطفأت التليفزيون.» ~~- «لا، هل رأيت - أنا أبحث عنه الآن - رأيته منذ أقل من خمس دقائق. أمي، إنه كنت. لا ~~أستطيع أن أجده الآن، لكني رأيته.» ~~- «هل هو مصاب؟ إني أشغله الآن. هل كان مصابا؟» ~~- «كلا، كان يساعدهم. كان يحمل نقالة، فوقها جسد؛ لا أعرف إن كان ميتا أم مجروحا فقط. ~~لكنه كان كنت، كان هو، كان حتى يعرج. هل تشاهدين الآن؟» ~~- «نعم.» ~~- «حسنا. سوف أهدأ. أراهن أنه عاد إلى المبنى.» ~~- «لكن بالتأكيد لن يسمحوا ...» ~~- «ربما كان طبيبا. تبا، الآن يقدمون نفس العجوز المسن الذي تحدثوا معه من قبل، ~~تمتلك عائلته مشروعا تجاريا منذ مائة عام. فلننه المكالمة ونركز على الشاشة، ~~بالتأكيد سوف يظهر مرة أخرى.» # لم يظهر، تكررت المشاهد. # هاتفتها سافانا مرة أخرى. ~~- «سوف أفهم ما يحدث. أعرف شخصا يعمل في الأخبار. أستطيع أن أشاهد هذا المشهد ثانية، يجب ~~أن نعرف.» # لم تعرف سافانا أخاها جيدا؛ فلم كل هذه الجلبة؟ هل موت أبيها جعلها تشعر بأنها تحتاج ~~إلى عائلة؟ يجب أن تتزوج، قريبا؛ يجب أن تنجب أطفالا. لكنها تتميز بهذا الطابع العنيد حين ~~تقرر شيئا ما؛ هل يمكن أن تعثر على كنت؟ أخبرها والدها حين كانت في العاشرة من عمرها أنها ~~يجب أن تتمسك بالفكرة حتى النخاع، لا بد أن تصبح محامية، ومنذ ذلك الحين، تقول إن هذا ما ~~سوف تفعله. # أصاب سالي الرجفة والحنين والإجهاد. ~~••• # كان هو كنت، وفي أسبوع اكتشفت سافانا كل شيء عنه. لا، بل عرفت كل ما قصد أن يخبرها ~~به. كان يعيش في تورنتو منذ سنوات، وكان يمر غالبا على المبنى الذي تعمل به ورآها مرتين في ~~الشارع. ذات مرة كانا وجها لوجه ms088 عند تقاطع ما. بالطبع لم تكن لتتعرف عليه لأنه كان يرتدي ~~معطفا من نوع ما. # سألتها سالي: «رداء هير كريشنا؟» # قالت: «يا أمي، كون المرء ناسكا لا يعني أنه يعبد كريشنا، على أية حال هو ليس كذلك ~~الآن.» ~~- «ماذا هو إذن؟» ~~- «قال إنه يعيش في الحاضر، فقلت حسنا، ألا نعيش جميعا في الحاضر، فقال لا، وكان يقصد ~~الحاضر الفعلي.» # سألها، أين هما الآن، فقالت سافانا: «تقصد هذه المزبلة؟» لأن المقهى الذي طلب منها أن ~~تقابله فيه كان أشبه بالمزبلة. # قال: «أراه بشكل مختلف»؛ لكنه قال بعدها إنه لا يعترض على طريقة رؤيتها للمكان أو رؤية أي ~~أحد له. # قالت سافانا بلهجة مازحة: «حسنا، هذا نضج منك.» ويبدو أنه ضحك. # قال إنه رأى نعي أليكس في الجريدة ويعتقد أنه كان جيدا جدا. اعتقد أن أليكس كان سيحب ~~الإشارات الجيولوجية. تساءل حينها إن كان اسمه سوف يظهر ضمن العائلة، أم لا، واندهش قليلا ~~عندما قرأ اسمه. تساءل ما إذا كان والدهم قد أخبرهم بالأسماء التي يرغب في وضعها قبل أن ~~يموت؟ # قالت سافانا لا، لم يكن يخطط للموت بهذه السرعة. كان قرار بقية العائلة التي اجتمعت ووضعت ~~اسم كنت في النعي. # قال: «ليس أبي إذن من طلب.» ~~- «لا، ليس هو.» # ثم سأل عن سالي. # شعرت سالي وكأن بالونا منتفخا في صدرها. # سألتها سالي: «ماذا قلت له؟» ~~- «قلت إنك بخير، ربما مشوشة قليلا؛ لأنك أنت وأبي كنتما مقربين جدا، ولم يمر ~~وقت كاف بعد لتتعودي الوحدة، ثم قال أن أخبرك أن بوسعك الذهاب لزيارته لو أردت ~~هذا، وقلت إني سأسألك.» # لم تجب سالي. ~~- «هل أنت معي يا أمي؟» ~~- «هل قال متى أو أين؟» ~~- «لا، من المفترض أن أقابله بعد أسبوع في المكان نفسه وأخبره. أعتقد أنه يستمتع نوعا ~~ما بتولي الأمر. اعتقدت أنك سوف توافقين فورا.» ~~- «بالطبع أوافق.» ~~- «ألست قلقة من الذهاب وحدك؟» ~~- «لا تكوني سخيفة، هل كان حقا الرجل الذي رأيته في الحريق؟» ~~- «لم يقل نعم أو لا ، لكن معلوماتي أنه هو، ms089 إنه معروف جدا كما اتضح في أجزاء معينة ~~من البلدة ومن ناس معينين.» ~~••• # تلقت سالي رسالة ورقية قصيرة. هذا في حد ذاته كان فعلا خاصا؛ حيث إن معظم الناس الذين ~~عرفتهم استخدموا البريد الإلكتروني أو التليفون. كانت سعيدة أنه لم يكن بالتليفون. لم ~~تثق في رد فعلها حين تسمع صوته. تعلمها الرسالة القصيرة بأن عليها أن تترك سيارتها ~~في موقف سيارات مترو الأنفاق عند نهاية الخط، وتستقل المترو إلى محطة محددة في الرسالة ~~حيث يجب أن تنزل بها، وسوف يقابلها هناك. # توقعت أن تراه على الجانب الآخر من الباب الدوار، لكنه لم يكن هناك. ربما قصد أنه سوف ~~يقابلها في الخارج. صعدت الدرجات وخرجت إلى ضوء الشمس وتوقفت، مع كل أنواع الناس المسرعين ~~والمتدافعين الذين يمرون بها. شعرت بالجزع والحرج؛ الجزع بسبب غياب كنت الواضح، والحرج ~~لأنها تشعر تماما بما يشعر به الناس الذين يعيشون في الجزء الذي تعيش فيه من البلدة، على ~~الرغم من أنها لن تقول أبدا ما يقولون. كانوا سيقولون إنهم سيظنون أنهم في الكونغو أو ~~الهند أو فيتنام. أي مكان إلا تورنتو. العمائم والسواري الهندية والقمصان الأفريقية غالبة، ~~واستحسنت سالي حفيفها وألوانها البراقة. لكن لم يرتدها هؤلاء على أنها أزياء أجنبية. لم ~~يصل هؤلاء توا إلى هنا؛ لقد مروا بمرحلة الانتقال. كانت تقف في طريقهم. # على درجات مبنى بنك قديم وراء مدخل المترو تماما، كان يجلس بعض الرجال أو يتسكعون أو ~~ينامون. لم يعد بنكا بالطبع على الرغم من أن اسمه منقوش على الحجر. نظرت إلى الاسم ~~أكثر مما نظرت إلى الرجال، الذين كان تراخيهم أو اتكاؤهم أو أوضاعهم الجسدية - التي ~~تنم عن الإنهاك - تعكس تناقضا صارخا مع الغرض القديم من المبنى واندفاع الحشد الذي ~~يخرج من المترو. ~~- «أمي!» # اتجه نحوها ببطء واحد من الرجال، يعرج عرجا بسيطا في قدم واحدة، وأدركت أنه كنت ~~وانتظرته. # كادت تهرب تقريبا قبل قليل، لكنها أدركت حينئذ أنه ليس كل الرجال قذرين أو يائسين، ~~وأن البعض منهم نظروا إليها بدون ms090 تهديد أو احتقار، بل بنظرة لاهية ودودة حين تعرفوا ~~إليها بوصفها والدة كنت. # لم يرتد معطفا، ارتدى بنطلونا رماديا كبيرا جدا عليه بحزام، وتي شيرت بدون ~~طباعة عليه، وجاكيت رثا جدا. كان شعره قصيرا جدا حتى اختفت تموجاته تقريبا. كان ~~رماديا تماما، بوجه يحمل ندوبا، وبعض الأسنان المفقودة، وجسد رفيع جدا جعله يبدو ~~أكبر سنا. # لم يحتضنها - والحق أنها لم تتوقع منه أن يفعل - لكنه وضع يده برفق على ظهرها ليقودها ~~إلى الاتجاه الذي من المفترض أن يسلكاه. # قالت - وهي تستنشق الهواء وتتذكر كيف بدأ في تدخين الغليون في الثانوية: «هل لا تزال تدخن ~~بيبتك؟» ~~- «غليون؟ لا، إنه دخان الحريق الذي تشمينه. لم نعد نلاحظه الآن، أخشى أنه سوف يشتد ~~مع الاتجاه الذي نمشي فيه.» ~~- «هل سنجتاز المكان الذي وقع فيه الحريق؟» ~~- «كلا كلا، لا نستطيع، حتى لو أردنا؛ لقد أغلقوا الحي كله. هذا خطير جدا، لا بد من هدم ~~بعض المباني، لا تقلقي فالوضع آمن هنا. نبعد حيا ونصف عن الفوضى.» # قالت - وقد انتبهت إلى ضمير الجمع: «المبنى الذي تسكن فيه؟» ~~- «نوعا ما، نعم، سترين.» # تحدث بلطف وود، لكن بمجهود، كشخص يتحدث بلغة أجنبية. وكان ينحني قليلا؛ ليتأكد من ~~أنها تسمعه. كان الجهد الخاص والمشقة في حديثه معها، كما لو أنه يقوم بترجمة دقيقة، بدا ~~أمرا قصد أن تلاحظه. # الثمن. # بينما ينزلان من على الرصيف لمس ذراعها بخفة - ربما تعثر قليلا - وقال: «معذرة.» ظنت ~~أنه ارتجف قليلا. # الإيدز. لماذا لم يخطر هذا على بالها من قبل قط؟ # وعلى الرغم من أنها لم تتحدث بصوت مرتفع بالتأكيد، سمعته يقول: «كلا، أنا بصحة جيدة ~~تماما في الوقت الحالي، لست مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية أو أي شيء من هذا القبيل. ~~أصبت بالملاريا منذ سنوات مضت، لكنها تحت السيطرة. ربما أكون تعبا قليلا في الوقت ~~الحاضر، لكن لا شيء يقلق. ندخل هنا، نحن في هذا المبنى.» ~~«نحن»، مرة ثانية! # قال: «لست صاحب قدرات روحية خاصة، لقد فهمت فحسب شيئا كانت سافانا تحاول ms091 أن تتبينه ~~ورأيت أن أطمئنك. وصلنا.» # كان واحدا من تلك المنازل التي تفتح أبوابها على بعد خطوات قليلة من الرصيف. # قال - وهو يبقي الباب مفتوحا: «أنا عفيف في الواقع.» # كانت قطعة كرتون مثبتة بمسمار حيث يجب أن يكون هناك لوح زجاجي. # كانت الأرضية الخشبية عارية وتطقطق تحت ضغط القدمين. رائحة المكان معقدة ونفاذة. علقت ~~رائحة دخان الشارع بالطبع لكنها كانت ممزوجة بروائح طهي قديم وقهوة محروقة وحمامات ومرض ~~وعطن. ~~- «ربما لم تكن كلمة «عفيف» صحيحة؛ فهي تعطي انطباعا بأن الأمر له علاقة بقوة الإرادة. ~~أظن أنه كان حريا بي أن أقول «محايد». لا أرى هذا الأمر إنجازا، إنه ليس ~~إنجازا.» # كان يقودها عبر السلالم نحو المطبخ. وهناك وقفت امرأة ضخمة تعطيهما ظهرها، تقلب طعاما ~~ما على الموقد. # قال كنت: «أهلا مارني، هذه أمي. هل يمكن أن تحيي أمي؟» # لاحظت سالي تغيرا في صوته، استرخاء، وصدقا، واحتراما ربما، مختلفا عن اللطف المصطنع ~~معها. # قالت: «مرحبا مارني»، واستدارت المرأة قليلا، بوجه دمية مضغوط في قطعة لحم لكن دون أن ~~تركز عينيها. # قال كنت: «مارني هي الطاهية هذا الأسبوع، الرائحة طيبة يا مارني.» # وقال لأمه: «سوف نذهب ونجلس في مكاني المقدس، هيا بنا.» قادها نزولا درجتين وعبر قاعة ~~طويلة. كان من الصعب الحركة هناك بسبب أكوام الصحف والملصقات والمجلات المربوطة ربطا ~~محكما. # قال كنت: «يجب أن نخرج هذه الأشياء من هنا. قلت لستيف هذا الصباح، هناك خطر نشوب حريق. ~~يا إلهي! كنت أقول هذا فحسب، ولكنني أصبحت الآن أعرف معنى نشوب الحريق.» # يا إلهي! كانت تتساءل منذ فترة إذا كان ينتمي إلى جماعة دينية سرية ما، لكن لو أنه كذلك، ~~فلن يقول هذا بالتأكيد. أليس كذلك؟ بالطبع يمكن أن تكون جماعة دينية غير مسيحية. # كانت غرفته في الأسفل بعد عدة درجات أخرى؛ كانت في القبو في الحقيقة. كان بها سرير نقال ~~ومكتب قديم الطراز معطوب بحفر وكرسيان طويلا الظهر يفتقدان رافدتيهما. # قال: «الكراسي آمنة تماما، كل أغراضنا تقريبا مجموعة من مكان ما، لكني ms092 رسمت علامة خطأ ~~على الكراسي التي لا يمكن أن تجلسي عليها.» # جلست سالي مع شعور بالإنهاك. # قالت: «من أنت؟ ما عملك؟ هل هذا مأوى أو دار تأهيل أو شيء من هذا القبيل؟» ~~- «لا، ليس كذلك على الإطلاق، نحن نستقبل أي أحد يأتي.» ~~- «حتى أنا.» # قال دون أن يبتسم: «حتى أنت، لا أحد يعيلنا إلا أنفسنا. نعمل بإعادة تدوير الأشياء ~~التي نجمعها، تلك الصحف، والزجاجات. نعمل قطعة هنا وهناك، ونتبادل استعطاف الناس.» ~~- «تطلبون الإحسان؟» # أجاب: «نتسول.» ~~- «في الشارع؟» ~~- «وهل من مكان أفضل لهذا؟ في الشارع، ونذهب إلى بعض البارات، رغم أن هذا غير ~~قانوني.» ~~- «هل تفعل هذا أيضا؟» ~~- «ما كنت لأستطيع أن أطلب منهم هذا إذا كنت لا أقوم به، هذه مسألة يجب أن أتجاوزها، كل ~~واحد منا لديه شيء يتجاوزه، يمكن أن يكون عارا، أو قد يكون مفهوم «الملكية». حين يحصل ~~أحدنا على ورقة بعشرة دولارات أو حتى دولار واحد، حينها تبرز فكرة الملكية الخاصة، لمن هذا؟ ~~ها؟ هل هو لي أم لنا؟ إذا كانت إجابته هي: لي، يصرفها عادة على الفور، ونجده عائدا إلينا ~~تفوح منه رائحة الخمر، ويقول لا أعرف ماذا دهاني اليوم، لم أستطع الحصول على كسرة خبز، ثم ~~قد يشعر بالسوء فيما بعد ويعترف، أو لا يعترف، لا يهم. نراهم يختفون لأيام - لأسابيع - ثم ~~يظهرون حين تصبح أمورهم بعد رحيلهم قاسية جدا. وفي بعض الأحيان ترينهم يعملون في الشارع ~~لحسابهم الخاص، ولا يبدو عليهم أبدا أنهم تعرفوا عليك، لا يعودون أبدا، ولا بأس بهذا. ~~يمكنك القول إنهم خريجونا؛ لو كنت تؤمنين بالنظام.» ~~- «كنت ...» ~~- «هنا، أنا جوناه.» ~~- «جوناه؟» ~~- «أنا اخترته، فكرت في اسم لازاروس لكني رأيت أنه متباه أكثر من اللازم. يمكن أن ~~تناديني كنت إن أردت.» ~~- «أريد أن أعرف ماذا حدث في حياتك، لا أعني تماما هؤلاء الناس ...» ~~- «هؤلاء الناس هم حياتي.» ~~- «عرفت أنك ستقول هذا.» ~~- «جيد، متذاكية، لكن هذا ... هذا ما كنت أفعله منذ ... سبع سنوات؟ تسع سنوات. تسع ~~سنوات.» # قالت بإصرار: «وقبل هذا؟» ~~- «ما ms093 الذي أعرفه؟ قبل هذا؟ قبل هذا. أيام الإنسان مثل الحشيش، ها؟ تجز وتوضع في ~~الفرن. أنصتي إلي، ما إن أقابلك مرة أخرى حتى أبدأ في الاستعراض: جزها وضعها في ~~الفرن. أنا لا أهتم بهذا؛ إني أعيش يوما بيوم. لن تفهمي هذا؛ لست من عالمك، ولست من ~~عالمي؛ هل تعرفين لماذا أردت أن أقابلك هنا اليوم؟» ~~- «لا، لم أفكر في هذا. أعني، اعتقدت على نحو طبيعي أن الأوان ربما قد آن ...» ~~- «طبيعي. حين علمت بموت أبي من الصحيفة، فكرت على نحو طبيعي، حسنا أين المال؟ فكرت أنك ~~يمكن أن تخبريني.» # قالت سالي، بخيبة أمل صريحة لكن بسيطرة كبيرة على نفسها: «آل إلي، في الوقت الحالي، ~~والبيت كذلك، إن كان الأمر يهمك.» ~~- «اعتقدت أن هذا ما حدث على الأرجح، لا بأس.» ~~- «وحين أموت، يصبح ملك بيتر وأولاده وسافانا.» ~~- «جميل جدا.» ~~- «لم يعرف إن كنت حيا أم ميتا ...» ~~- «هل تعتقدين أني أسأل من أجل نفسي؟ هل تعتقدين أني غبي إلى حد أني أريد المال لنفسي؟ ~~لكني ارتكبت خطأ التفكير في كيفية استخدامه. التفكير في مال العائلة، بالتأكيد، يمكن أن ~~أستخدمه، هذا هو الإغراء. الآن أنا سعيد، سعيد أني لا أستطيع الحصول عليه.» ~~- «أستطيع أن أسمح ...» ~~- «مع ذلك، فالمسألة هي أن هذا المكان عليه حكم ...» ~~- «يمكن أن أسمح لك بالاقتراض.» ~~- «اقتراض؟ لا، نحن لا نقترض هنا، لا نطبق هذا النظام هنا. اعذريني، يجب أن أسيطر على ~~حالتي المزاجية. هل أنت جائعة؟ هل ترغبين في بعض الحساء.» ~~- «لا، شكرا.» # فكرت في الهرب حين ذهب. لو تستطيع أن تجد بابا خلفيا، طريقا لا يمر بالمطبخ، لكنها ~~لا تستطيع أن تفعل هذا؛ فهذا يعني أنها لن تراه ثانية أبدا، وفناء بيت مثل هذا، بني ما ~~قبل اختراع السيارات، لن يضم مخرجا للشارع. # ربما مر نصف ساعة قبل أن يعود. لم ترتد ساعتها؛ تصورت أن الساعة ربما لن تناسب ~~الحياة التي يعيشها على الأرجح، وكانت على حق كما هو واضح، محقة في هذا على الأقل. # بدا مندهشا قليلا ms094 أو مرتبكا حين وجدها لا تزال هناك. ~~- «آسف، كان يجب أن أنهي بعض الأعمال، ثم تحدثت مع مارني، تهدئني دائما.» # قالت سالي: «كتبت رسالة لنا؟ كانت آخر ما وصلنا منك.» ~~- «أوه لا تذكريني.» ~~- «لا، كانت رسالة جيدة، محاولة جيدة أن تشرح كيف تفكر.» ~~- «من فضلك، لا تذكريني.» ~~- «كنت تحاول أن تفهم حياتك ...» ~~- «حياتي، حياتي، تطوري، كل ما أمكنني اكتشافه عن نفسي النتنة، الغاية من حياتي، ~~حماقتي، روحانيتي، فكري، لا توجد أشياء داخلية يا سالي. لا تمانعين لو ناديتك سالي، أليس ~~كذلك؟ هذا أسهل فحسب. هناك الخارجي فقط؛ ما تفعل في كل لحظة من حياتك، أصبحت سعيدا منذ ~~أن أدركت هذا.» ~~- «أنت؟ سعيد؟» ~~- «بالتأكيد؛ تركت هذا الشيء الغبي: النفس. أفكر: كيف أساعد؟ وهذا هو كل التفكير الذي ~~أسمح لنفسي به.» ~~- «أن تعيش في الحاضر؟» ~~- «لست أبالي إذا اعتقدت أني تافه، لا يهمني أن تسخري مني.» ~~- «لست أفعل ...» ~~- «لست أبالي. اسمعي، إذا كنت تعتقدين أني أريد مالك، حسنا، أنا أسعى وراء مالك، ~~ووراءك أنت أيضا، ألا ترغبين في حياة أفضل؟ لا أقول إني أحبك، لا أستخدم لغة غبية؛ أو ~~أني أريد أن أنقذك، تعرفين أن المرء لا يسعه إلا إنقاذ نفسه. إذن ما الهدف؟ عادة لا ~~أحاول الوصول إلى غاية من حديثي مع الناس، عادة أحاول تجنب العلاقات الشخصية، أعني أني ~~أتجنبها فعلا، أتجنبها فعلا.» # العلاقات. # قال: «لماذا تمنعين ابتسامتك؟ لأني قلت «العلاقات»؟ هذه كلمة تافهة؟ لا مشكلة لدي مع ~~مفرداتي.» # قالت سالي: «كنت أفكر في قول المسيح لأمه: «ما لي ولك يا امرأة».» # كان التعبير الذي قفز على وجهه وحشيا تقريبا. ~~- «ألا تتعبين يا سالي؟ ألا تتعبين من التذاكي؟ لا أستطيع الاستمرار في الكلام بهذا ~~الأسلوب، أنا آسف، لدي أشياء يجب أن أنجزها.» # قالت سالي: «وأنا كذلك.» كانت تلك كذبة خالصة. ثم أردفت: «سوف نظل ...» ~~- «لا تقولي هذا، لا تقولي: «سوف نظل على اتصال».» # قالت: «ربما سوف نظل على اتصال، هل هذا أفضل؟» ~~••• # تتوه سالي ثم تجد الطريق، مبنى البنك مرة ms095 أخرى، فوج المتسكعين نفسه - أو لعله فوج جديد - ~~عربة المترو، موقف السيارات، المفاتيح، الطريق السريع، المرور، ثم طريق سريع أصغر، غروب ~~مبكر، لا ثلج بعد، الأشجار العارية، الحقول المعتمة. # تحب الريف في هذا الوقت من العام، هل يجب أن ترى نفسها عديمة القيمة الآن؟ # تسعد القطة برؤيتها. هناك رسالتان من صديقين على تليفونها. تسخن قطعة اللازانيا. تشتري ~~تلك الوجبات المنفصلة والمثلجة. طعام جيد، وليس غاليا حين تضع في اعتبارك أنه لا يتبقى منه ~~فائض. تحتسي النبيذ خلال الدقائق السبع اللازمة لتسخين اللازانيا. # جوناه. # تنتفض غضبا، ما المفروض أن تفعله، تعود إلى المأوى وتفرك المفرش وتطبخ قطع الدجاج ~~المرمية لأنها تجاوزت تاريخ صلاحيتها؟ أن تتذكر كل يوم أنها أقل قيمة من مارني أو أي ~~مخلوق آخر مبتلى؟ كل ذلك لكي تحصل على امتياز أن تكون مفيدا في حياة اختارها شخص آخر: ~~كنت. # إنه مريض، يفني نفسه، ربما كان يحتضر. لم يشكرها على الملاءات النظيفة والطعام ~~الطازج الذي قدمته، كلا، يفضل أن يموت فوق ذلك السرير تحت البطانية ذات الثقب ~~المحترق. # لكن شيك؛ يمكن أن تكتب له شيكا، بمبلغ معقول؛ ليس ضخما ولا قليلا. لن يساعد نفسه به ~~بالطبع، لن يكف عن احتقارها بالطبع. # احتقار. لا، ليست هذه المسألة، لا مشاعر شخصية. ~~••• # على كل حال، هناك إنجاز ما؛ لقد تمكنت من اجتياز اللقاء دون أن يتحول إلى كارثة كلية، لم ~~يكن لقاء كارثيا تماما، أليس كذلك؟ فقد قالت «ربما سنظل على اتصال» ولم يصحح لها ~~قولها. # | جذور حرة # كان الناس يتصلون في البداية ليتأكدوا من أن نيتا ليست مكتئبة جدا، ليست وحيدة جدا، ~~لا تأكل قليلا جدا أو تشرب كثيرا جدا (كانت شخصا مواظبا على احتساء النبيذ إلى حد ~~أن العديد نسوا أنها ممنوعة تماما من الشرب الآن). كانت تصدهم، دون أن تبدو حزينة ~~حزنا نبيلا أو مبتهجة بهجة غير طبيعية أو غائبة العقل أو مضطربة. قالت إنها لا تحتاج إلى ~~بقالة، كانت تدبر حالها بما لديها. كان لديها ما يكفيها من ms096 الدواء وطوابع تكفي لرسائل ~~الشكر. # اشتبه أصدقاؤها المقربون على الأرجح في الحقيقة أنها لم تكن تزعج نفسها بالأكل كثيرا، ~~وتخلصت من أي رسالة تعاطف حدث أن تلقتها. لم تكتب حتى للناس البعيدين لتستحث ~~تلك الرسائل، ولا حتى إلى زوجة ريتش السابقة في أريزونا أو لأخيه الذي يكاد يكون غريبا ~~منفصلا في نوفا سكوشا، على الرغم من أنهما قد يفهمان أفضل من القريبين المتاحين لها السبب ~~في أنها لم تقم جنازة. # صاح ريتش قائلا لها إنه سوف يذهب إلى القرية، إلى محل الأدوات المنزلية. في حوالي الساعة ~~العاشرة صباحا؛ بدأ في دهان درابزين السطح الحديدي. كان يكشطه ليجهزه للدهان، وتشرذمت ~~الكاشطة القديمة قطعا في يده. # لم يتح لها الوقت لتتساءل عن سر تأخره. مات منحنيا على علامة الطريق الجانبية التي ~~تعلن عن تخفيض على سعر جزازة العشب أمام محل الأدوات المنزلية. لم يدخل حتى إلى المحل. كان ~~في الحادية والثمانين من عمره وبصحة جيدة، بصرف النظر عن بعض الصمم في أذنه اليمنى. كان ~~طبيبه قد فحصه فحصا شاملا من أسبوع فقط. كان يجب أن تعلم نيتا أن الفحص الشامل الحديث، ~~والشهادة الصحية الخالية من الأمراض، يلوحان في رقم مدهش من قصص الموت المفاجئ التي تروى ~~لها الآن. قالت: يهديك تفكيرك تقريبا إلى أنه يجب منع تلك الزيارات. # كان يجب أن تتكلم هكذا فقط مع صديقتيها المقربتين سليطتي اللسان، فيرجي وكارول؛ إنهما ~~امرأتان قريبتان في العمر منها؛ اثنان وستون عاما. اعتبر من هم أصغر سنا هذا الكلام غير ~~ملائم ومراوغ. في البداية كانوا يتجمعون على نيتا. لم يتحدثوا في الواقع عن الحزن، لكنها ~~كانت تخشى أن يبدءوا في أية لحظة. # ما إن دخلت في الترتيبات حتى تساقط الجميع من حولها، بالطبع، إلا المجرب منهم والموثوق ~~فيه. أرخص تابوت إلى الأرض على الفور، لا طقوس من أي نوع. قال الحانوتي إن هذا ربما كان ~~مخالفا للقانون، لكن الحقائق واضحة أمام ريتش وأمامها. لقد حصلا على المعلومات منذ عام ~~تقريبا حين أصبح تشخيصها نهائيا. ms097 ~~- «كيف كان لي أن أعرف أنه سوف يسرق لحظتي؟» # لم يتوقع الناس مراسم جنازة تقليدية، لكنهم تطلعوا إلى حدث معاصر. الاحتفاء بالحياة، ~~عزف موسيقاه المفضلة، تشبيك الأيدي، حكي القصص التي تمدح ريتش مع مس خفيف لغرائبه وعيوبه ~~المغفورة. # الأشياء التي قال ريتش إنها تجعله يتقيأ. # هكذا تم التعامل مع الأمر فورا، وذاب الحماس والدفء الواسع حول نيتا، على الرغم من أن ~~بعض الناس، كما تعتقد، لا يزالون يقولون إنهم يشعرون بالقلق عليها. لم تقل فيرجي وكارول ~~هذا. قالتا إنها ستكون كلبة ملعونة أنانية لو أنها كانت تفكر في توقيف الماكينة، أسرع مما ~~هو لازم. قالتا إنهما ستحضران لتنعشاها بالجراي جوس. # قالت إنها لا تفكر في هذا، على الرغم من منطقيته. # كان سرطانها خامدا في الوقت الحالي؛ أيا كان معنى هذا حقا فلا يعني أنه «يتراجع»، ~~ليس للأبد على أية حال. كان كبدها هو المسرح الرئيس للعمليات، وما دامت تلتزم بمقدار قليل ~~من الطعام، فهو لا يشتكي. يحبط أصدقاؤها حين تذكرهم فقط أنها لا تستطيع أن تشرب النبيذ ~~أو الفودكا. # حسن من وضعها قليلا الإشعاع الذي أخذته الربيع الماضي. ها هو منتصف الصيف. تعتقد أنها ~~لا تبدو مصفرة جدا الآن؛ لكن قد يعني هذا أنها تعودت عليه. # تنهض مبكرا في الصباح وتغتسل وتلبس أي شيء تطاله يدها، تغير ملابس النوم، وتستحم وتنظف ~~أسنانها، وتمشط شعرها الذي طال بقدر معقول، رماديا حول وجهها وداكنا في الخلف، كما ~~كان من قبل. تضع بعضا من أحمر الشفاه، وتظلل حاجبيها الخفيفين تماما الآن؛ وبدافع احترام ~~طال مدى الحياة للخصر الصغير والردفين المعتدلين، تتفحص الإنجازات التي حققتها في هذا ~~الاتجاه، على الرغم من أنها تعرف أن الكلمة المناسبة الآن لكل أعضائها يمكن أن تكون ~~«هزيل». # تجلس على مقعدها الواسع المعتاد، مع أكوام من الكتب والمجلات المغلفة حولها، ترتشف بحرص ~~من كوب من شاي أعشاب خفيف، بديل قهوتها الآن. في لحظة ما، اعتقدت أنها لا تستطيع أن تحيا ~~بدون قهوة، لكن تبين لها أن ما تحتاج إليه ms098 هو الكوب الضخم الدافئ بين يديها الذي يساعدها ~~على التفكير أو أي شيء تمارسه خلال توالي الساعات أو الأيام. # كان هذا بيت ريتش، اشتراه حين كان مع زوجته بيت. لم يكن الهدف منه سوى أن يكون مكانا ~~لقضاء الإجازات الأسبوعية، ويغلق في الشتاء. غرفتا نوم صغيرتان، مطبخ خارجي ملحق، على بعد ~~نصف ميل من القرية، لكن سرعان ما بدأ العمل فيه؛ فتعلم النجارة وبنى جناحا لغرفتي ~~النوم والحمامين، وجناحا آخر لمكتبه، وحول البيت الأصلي إلى غرفة معيشة/غرفة طعام/مطبخ، ~~مفتوحة كلها على بعضها. أثار اهتمام بيت ما يفعله؛ قالت إنها لم تفهم في البداية لماذا ~~اشترى مقلب النفاية هذا، لكن طالما أثارت التحسينات العملية اهتمامها، فاشترت مئزر نجارة ~~مشابه. احتاجت إلى شيء تنخرط فيه، بعد أن انتهت من كتاب الطهي الذي شغلها لسنوات ونشرته. ~~لم ينجبا أطفالا. # وفي الوقت الذي كانت تحكي للناس كيف وجدت دورها في الحياة؛ إذ أصبحت صبي نجار، وكيف ~~جعلهما هذا يصبحان أكثر قربا أحدهما من الآخر عن ذي قبل، كان ريتش يقع في غرام نيتا. كانت ~~تعمل في مكتب التسجيل في الجامعة حيث كان يدرس أدب القرون الوسطى. كانت أول مرة مارسا ~~فيها الحب وسط نشارة الخشب، فيما أصبحت فيما بعد الغرفة الرئيسة بسقفها المقوس. تركت ~~نيتا وراءها نظارتها الشمسية؛ ليس عن عمد، على الرغم من أن بيت، التي لا تترك وراءها أي ~~شيء مطلقا، لم تستطع أن تصدق هذا. حدثت الضجة المعتادة التالية لهذا، مصطنعة ومؤلمة، ~~وانتهت بأن رحلت بيت إلى كاليفورنيا ثم إلى أريزونا، وباستقالة نيتا بناء على توصية من ~~محل عملها، وضيع ريتش فرصة الفوز بمنصب عميد كلية الآداب. تقاعد مبكرا وباع منزله في ~~المدينة. لم ترث نيتا مئزر مساعد النجار الخاص ببيت، لكن قرأت كتبها ببهجة وسط الفوضى، ~~وأعدت عشاء بسيطا فوق صفيحة ساخنة، وقامت بنزهات استكشافية طويلة، وعادت بباقات مهلهلة من ~~الزنبق المخطط والجزر البري، الذي خزنته في علب دهان فارغة. فيما بعد، بعد أن استقرا هي ~~وريتش، أصبحت تشعر بالحرج ms099 حين تفكر كيف لعبت بيسر دور المرأة الأصغر، مخربة البيوت السعيدة، ~~الفتاة البسيطة الطيعة والضحوكة والرشيقة. كانت في الحقيقة جادة، غريبة جسديا، امرأة ~~واعية لذاتها - بالكاد فتاة - يمكنها أن تسرد كل ملكات إنجلترا، ليس فقط الملوك بل ~~الملكات أيضا، وتعرف خلفيات حرب الثلاثين عاما، لكنها كانت تخجل من الرقص أمام الناس، ~~ولم تكن على استعداد أن تتعلم - كما فعلت بيت - صعود سلم نقال قط. # يقع على أحد جانبي منزلهما صف من أشجار الأرز، وحاجز سكة حديد على الجانب الآخر. لم يزدحم ~~المرور عند السكة الحديد كثيرا، وفي الوقت الحالي يمكن أن يمر قطاران فقط شهريا. كانت ~~الأعشاب الضارة مزدهرة بين قضبان الحديد. مرة، حين كانت على شفا سن اليأس تحدت نيتا ريتش ~~ليمارسا الحب هناك؛ ليس على قضبان السكة الحديد طبعا، بل فوق الشريط العشبي الضيق على ~~جانبيها، وقد هبطا بجموح سعيدين بنفسيهما. # فكرت بعناية، كل صباح حين تجلس فوق مقعدها، في الأماكن التي لم يكن بها ريتش. لم يكن في ~~الحمام الأصغر، حيث لا تزال أدوات حلاقته وحبوب الدواء للأمراض المزعجة لكن غير الخطيرة ~~التي رفض أن يتخلص منها. ولم يكن في غرفة النوم التي رتبتها توا قبل أن تغادرها. لم يكن ~~في الحمام الأكبر الذي كان يدخله فقط للاستحمام في البانيو، أو في المطبخ الذي أصبح ~~مستقره الدائم تقريبا في السنة الأخيرة. ولم يكن طبعا في الخارج فوق السطح ~~المكشوط جزئيا، يحدق فيها مازحا عبر النافذة؛ حيث كانت هي تقف في الأيام الأولى تتظاهر ~~بأنها ترقص رقصة تعر. # أو في غرفة المكتب. كان هذا المكان من بين كل الأماكن الذي يدلل على غيابه بصرامة. في ~~البداية، وجدت أنه من الضروري أن تذهب إلى الباب وتفتحه وتقف هناك، وتمسح بعينيها أكوام ~~الورق والكمبيوتر المحتضر والملفات المتناثرة، والكتب المفتوحة على وجهها أو ظهرها ~~والمحتشدة على الرفوف كذلك. يمكنها الآن أن تتدبر أمرها بتخيل الأشياء فقط. # قد تضطر أن تدخل في يوم ما. رأته اقتحاما . سوف تضطر إلى أن تقتحم ذهن ms100 زوجها الميت. ~~هذا أمر لم تفكر فيه قط. كان ريتش بالنسبة لها قامة من المهارة والكفاءة؛ وجودا مفعما ~~بالحيوية وصارما، طالما آمنت - بدون أي سبب عقلاني - بأنه سوف ينقذها، ثم أصبح هذا الإيمان ~~في السنة الأخيرة إيمانا معقولا للغاية، بل يقينا في عقل كل منهما، كما اعتقدت. # سوف تبدأ بالقبو. كان قبوا حقا، وليس طابقا تحت الأرض. ألواح خشبية شكلت ممرات على ~~الأرض القذرة، واعتلى النوافذ الصغيرة أنسجة عنكبوت قذرة. لم يحتو على أي شيء احتاجته في ~~يوم من الأيام. علب دهان ريتش نصف الممتلئة، وألواح ذات أطوال مختلفة يمكن استعمالها ذات ~~يوم، وأدوات يمكن أن تكون مفيدة أو يمكن التخلص منها. كانت قد فتحت الباب ونزلت الدرجات مرة ~~واحدة فقط؛ لتتأكد أنه ليس هناك مصباح مشتعل، ولتطمئن على وجود مفاتيح الكهرباء، بملصقات ~~توضح الجزء المسئول عن إنارته. حين صعدت أغلقت الباب بالمزلاج من ناحية المطبخ. اعتاد ~~ريتش أن يضحك على هذه العادة، ويسألها ما الذي تظنه يمكن أن يدخل، عبر الحوائط الحجرية ~~النوافذ التي لا يتسع حجمها لمرور جني صغير ليهددهما. # مع ذلك، فمن الأسهل أن تبدأ بالقبو؛ أسهل مائة مرة من أن تبدأ بغرفة المكتب. # رتبت السرير ورتبت فوضاها الصغيرة في المطبخ والحمام، لكن كان أعلى من قدرتها عموما أي ~~دافع للقيام بكنس شامل أو بتنظيف البيت. تستطيع بالكاد أن تتخلص من دبوس ورق منبعج أو ~~لعبة مغناطيسية فقدت جاذبيتها من تلك التي تلصق على باب الثلاجة، ناهيك عن العملات ~~الأيرلندية التي اشترتها هي وريتش أثناء رحلة قاما بها منذ خمسة عشر عاما. يبدو أن كل شيء ~~اكتسب وزنه الخاص به وغرابته. # اتصلت كارول أو فيرجي يوميا، عادة قرب مواعيد تناول الوجبات، حين لا بد أنه يخطر على ~~بالهما أن وحشتها أقل احتمالا. قالت إنها على ما يرام، وسوف تخرج من ملجئها قريبا، وأنها ~~احتاجت هذا الوقت، كانت تفكر وتقرأ فقط، وتأكل وتنام على نحو معقول. # كان هذا صحيحا باستثناء ما يخص القراءة. جلست في مقعدها محاطة بالكتب ms101 دون أن تفتح ~~واحدا منها. كانت دائما قارئة نهمة - هذا أحد الأسباب التي جعلت ريتش يقول إنها المرأة ~~المناسبة له، تستطيع أن تجلس وتقرأ وتدعه وشأنه - والآن لا تستطيع أن تواظب على قراءة ولو ~~نصف صفحة. # لم تكن قارئة لمرة واحدة كذلك. قرأت «الإخوة كارامازوف»، «طاحونة على نهر فلوس»، «جناحا ~~اليمامة»، «الجبل السحري»، مرارا وتكرارا. كانت تلتقط واحدا منها ظنا منها أنها سوف ~~تقرأ قطعة معينة فقط؛ وتجد نفسها عاجزة عن التوقف حتى تهضمه كله مرة ثانية. تقرأ الأدب ~~الحديث أيضا، الأدب دائما. كرهت أن تسمع كلمة «هروب» التي تستخدم في الحديث عن الأدب. ~~ربما يمكن أن تجادل - ليس من باب اللهو فحسب - بأن الحياة الحقيقية هي الهروب وليس ~~الأدب، لكن هذه كانت مسألة أهم من أن تتجادل بشأنها. # والآن، على نحو شديد الغرابة، اختفى كل هذا. ليس مع موت ريتش فقط، بل مع تقدم مرضها، ثم ~~إنها فكرت أن التغيير كان مؤقتا، وأن السحر سوف يظهر مرة أخرى ما إن تتخلص من أدوية معينة ~~والعلاج المنهك. # ليس الأمر كذلك فيما يبدو. # حاولت في بعض الأحيان أن تشرح السبب، لمحقق تخيلي. ~~- «أصبحت مشغولة جدا.» ~~- «هذا ما يقوله الجميع. في ماذا؟» ~~- «مشغولة في التركيز.» ~~- «التركيز في ماذا؟» ~~- «أقصد في التفكير.» ~~- «في ماذا؟» ~~- «لا يهم.» ~~••• # في صباح أحد الأيام، بعد أن جلست قليلا قررت أن اليوم حار جدا. يجب أن تنهض وتشغل ~~المروحة، أو تستطيع، مع مزيد من الحكمة البيئية، أن تحاول فتح الأبواب الأمامية ~~والخلفية وتدع النسيم، إذا كان موجودا، يندفع من مدخل الشباك وعبر البيت. # فتحت الباب الأمامي أولا، وقبل أن تسمح حتى بظهور نصف بوصة من نور الصباح، رأت شريطا ~~غامقا يقطع الضوء. # كان هناك شاب واقف أمام مدخل الباب الذي كان مغلقا. قال: «لم أقصد إجفالك، كنت أبحث عن ~~جرس الباب أو أي شيء، طرقت طرقا خفيفا على الإطار هنا، لكن أعتقد أنك لم تسمعيني.» # قالت: «آسفة.» ~~- «من المفترض أن أفحص صندوق الصمامات الكهربائية الخاص بالمنزل، هلا أخبرتني ms102 عن ~~مكانه.» # تنحت خطوة ليدخل. استغرقت لحظة لتتذكر. # قالت: «نعم، في القبو. سأشعل النور. سوف تراه.» # أغلق الباب خلفه وانحنى ليخلع حذاءه. # قالت: «لا داعي، إنها لا تمطر، أو شيء من هذا القبيل.» ~~- «مع ذلك، فمن الأفضل أن أخلعه؛ إنها عادة لدي. قد أترك لك آثار تراب بدلا من ~~وحل.» # ذهبت إلى المطبخ؛ إذ لن تستطيع أن تجلس مرة ثانية قبل أن يترك المنزل. # فتحت الباب له بينما يصعد درجات السلم. # قالت: «هل كل شيء بخير؟ هل وجدته؟» ~~- «كل شيء على ما يرام.» # كانت تقوده إلى الباب الأمامي، ثم أدركت أنها لا تسمع خطوات وراءها. استدارت ورأته واقفا ~~في المطبخ. ~~- «لا يبدو أن لديك أي شيء تعدينه لي لآكله، أليس كذلك؟» # كان هناك تغير في صوته؛ بحة، وارتفعت حدته؛ مما جعلها تتذكر ممثلا كوميديا ~~تليفزيونيا ينتحب انتحابا قرويا. رأت تحت ضوء النهار في المطبخ أنه ليس صغير السن ~~جدا. حين فتحت الباب لم تر إلا جسدا نحيفا، وجها معتما في مواجهة وهج النهار. كان ~~الجسد، كما تراه الآن، نحيفا بالتأكيد، لكنه هزيل أكثر منه صبيانيا، به تحدب بسيط. كان ~~وجهه طويلا ولينا، ذا عينين زرقاوين زرقة فاتحة وجاحظتين. كانت له نظرة مرحة، لكنها ~~ثابتة، كأنه عموما يفرض إرادته. # قال: «أنا مريض بالسكري. لا أعرف إن كنت تعرفين أي شخص مصاب بالسكري، لكن الواقع هو أن ~~مريض السكري، حين يجوع، يجب أن يأكل، وإلا يتصرف الجسد كله بغرابة. كان يجب أن آكل قبل أن ~~أحضر إلى هنا، لكني كنت متعجلا، هل تمانعين أن أجلس؟» # كان يجلس فعليا إلى مائدة المطبخ. ~~- «هل لديك قهوة؟» ~~- «لدي شاي، شاي بالأعشاب، إذا كنت تحبه.» ~~- «بالتأكيد، بالتأكيد.» # عايرت الشاي في الكوب، وأشعلت الغلاية الكهربائية، وفتحت الثلاجة. ~~- «ليس لدي طعام كثير. عندي بعض البيض. أحيانا أخفق بيضة وأضع عليها كاتشب، هل تحب ~~هذا؟ لدي فطائر إنجليزية يمكن أن أحمصها.» ~~- «إنجليزية، أيرلندية، يوكورية، لا أبالي.» # كسرت بضع بيضات في المقلاة، وفصلت صفارها ، وقلبتها بشوكة، ثم اقتطعت شريحة من ms103 ~~الفطائر الإنجليزية الرقيقة ووضعتها في محمصة الخبز. أخرجت طبقا من الخزانة، ووضعته ~~أمامه، ثم سكينا وشوكة من درج أدوات المائدة. # قال، بعد أن رفعه إلى الأعلى كأنه يرى وجهه فيه: «طبق جميل.» وبينما كانت تعطي انتباهها ~~إلى البيض سمعته يتهشم على الأرض. ~~- «الرحمة.» قالها بنبرة جديدة، حادة وبغيضة بالتأكيد، ثم أردف: «انظري ماذا ~~فعلت.» # قالت، وقد أدركت الآن أنها تواجه مشكلة: «لا توجد مشكلة.» ~~- «انزلق من بين أصابعي.» # أحضرت طبقا آخر، ووضعته على المنضدة حتى تضع فيه الفطائر المحمصة والبيض ~~بالكاتشب. # في ذلك الوقت، انحنى ليجمع قطع الطبق الصيني المتحطم. رفع قطعة لها سن حاد. بينما ~~كانت تضع أمامه وجبة الطعام على المائدة خدش ساعده بالسن الحاد بخفة. ظهرت قطرات ~~صغيرة من الدم، متقطعة في البداية، ثم تواصلت في خط رفيع. ~~- «لا تجزعي، إنها مزحة فقط. أعرف كيف أجعلها مزحة. لو أردتها جادة، لما احتجنا إلى ~~الكاتشب، ها؟» # كانت بعض القطع من الطبق المحطم لا تزال على الأرض لم يلتقطها. استدارت بعيدا عنه، وقد ~~فكرت في أن تحضر المكنسة، التي كانت في خزانة بالقرب من الباب الخلفي. أمسك ذراعها في ~~لمحة بصر. ~~- «اجلسي، اجلسي هنا بالضبط بينما آكل.» رفع الذراع الملوثة بالدماء ليريها إياها مرة ~~ثانية، ثم صنع شطيرة من الفطيرة والبيض وأنهاه في قضمات قليلة. مضغ بفم مفتوح. غلى الماء ~~في الغلاية؛ فقال: «كيس شاي في الكوب؟» ~~- «نعم، إنه شاي سائب في الحقيقة.» ~~- «لا تتحركي. لا أريدك أن تقتربي من الغلاية.» # سكب الماء المغلي في الكوب. ~~- «شكله مثل القش، هل هذا كل ما لديك؟» ~~- «آسفة. نعم.» ~~- «لا تستمري في قول آسفة. إذا كان هذا ما لديك، فهو ما لديك. لم تتخيلي قط أني حضرت ~~إلى هنا لأفحص صندوق الكهرباء فعلا، أليس كذلك؟» # قالت نيتا: «بلى، هذا ما اعتقدته.» ~~- «لا تعتقدين هذا الآن، أليس كذلك؟» ~~- «بلى، لا أعتقد هذا.» ~~- «خائفة؟» # اختارت أن تعتبره سؤالا جديا وليس استهزائيا. ~~- «لست أدري، أظنني جافلة أكثر مني خائفة . لست أدري.» ~~- «شيء واحد. شيء واحد ms104 لا أريدك أن تخشيه. لن أغتصبك.» ~~- «لم أظن أنك ستفعل.» ~~- «لا يمكنك أن تثقي في هذا أبدا.» ارتشف رشفة من الشاي ورسم على وجهه تكشيرة، ثم أضاف: ~~«لمجرد أنك سيدة عجوز. هناك كل الأنواع من البشر في الخارج، مستعدون لفعل هذا بأي شيء؛ ~~رضع أو كلاب وقطط أو سيدات عجائز. رجال طاعنون في السن، ليسوا صعبي الإرضاء. حسنا، ~~أنا صعب الإرضاء. لا يعنيني الجنس إلا على نحو طبيعي ومع سيدة لطيفة تعجبني وأعجبها؛ لذا ~~اطمئني.» # قالت نيتا: «أنا مطمئنة، لكن شكرا لأنك أخبرتني.» # هز كتفه بلا اكتراث، لكنه بدا راضيا عن نفسه. ~~- «هل هذه سيارتك التي أمام المنزل؟» ~~- «سيارة زوجي.» ~~- «زوجك؟ أين هو؟» ~~- «لقد مات. أنا لا أقود السيارات. أنوي بيعها، لكني لم أفعل بعد.» # يا لها من حمقاء! يا لها من حمقاء لتخبره هذا! ~~- «موديل 2004؟» ~~- «أعتقد هذا. نعم.» ~~- «لدقيقة اعتقدت أنك سوف تحاولين خداعي في موضوع الزوج هذا، لكن هذا ما كان ليفلح. ~~أستطيع أن أعرف إن كانت المرأة وحيدة أم لا. أعرف ذلك من أول لحظة أدخل فيها إلى المنزل، ~~اللحظة التي تفتح فيها الباب؛ إنها غريزة. إذن هل السيارة بحالة جيدة؟ هل تعرفين آخر يوم ~~قادها فيه؟» ~~- «17 من يونيو. اليوم الذي مات فيه.» ~~- «هل فيها غاز؟» ~~- «أعتقد هذا.» ~~- «جميل لو أنه ملأها قبل ذلك مباشرة، هل لديك المفاتيح؟» ~~- «ليست معي، لكن أعرف مكانها.» # قال: «لا بأس.» دفع كرسيه إلى الوراء ضاربا قطعة من حطام الطبق. نهض واقفا، وهز ~~رأسه مندهشا، ثم جلس ثانية. ~~- «أنا متعب؛ يجب أن أجلس دقيقة. اعتقدت أني سوف أتحسن بعد أن آكل. كنت ألفق مسألة ~~السكري.» # دفعت كرسيها فقفز واقفا. ~~- «ابقي مكانك؛ لست متعبا إلى درجة أني لا أستطيع أن أمسكك، لقد مشيت الليل كله ~~فحسب.» ~~- «كنت سأحضر لك المفاتيح فقط.» ~~- «انتظري حتى أقول لك. مشيت على طول خط السكة الحديدية. لم أر أي قطار. مشيت كل الطريق ~~إلى هنا ولم أر قطارا واحدا.» ~~- «نادرا ما يمر قطار.» ~~- «نعم، حسنا. مشيت في ms105 طريق جانبي تحوطه بلدات صغيرة عشوائية، ثم طلع النهار وكنت على ~~ما يرام، وعبرت تقاطع الطريق جريا، ثم نظرت إلى هذا الاتجاه ورأيت المنزل والسيارة، ~~وقلت لنفسي: هذا هو. يمكن أن آخذ سيارة العجوز، لكن كنت لا أزال محتفظا ببعض ~~العقل.» # أدركت أنه أرادها أن تسأله ماذا فعل. كانت متأكدة كذلك أنه من الأفضل لها ألا تعرف ~~كثيرا عنه. # ثم فكرت لأول مرة منذ أن دخل المنزل في سرطانها، فكرت كيف حررها، منع عنها الخطر. ~~- «لماذا تبتسمين؟» ~~- «لا أعرف، هل كنت أبتسم؟» ~~- «أعتقد أنك تحبين الاستماع إلى القصص. تريدين مني أن أحكي لك قصة؟» ~~- «ربما أفضل أن ترحل.» ~~- «سوف أرحل، لكن سأحكي لك قصة أولا.» # وضع يده في جيبه الخلفي. قال: «انظري. أتودين أن تري صورة؟ انظري.» # كانت صورة لثلاثة أشخاص، التقطت لهم في غرفة معيشة مع ستائر بنقوش وردية مغلقة في ~~الخلفية. رجل كبير في السن - ليس عجوزا جدا؛ ربما في الستينيات من عمره - وامرأة بنفس ~~العمر يجلسان على أريكة. امرأة أصغر شديدة الضخامة كانت تجلس على كرسي متحرك مسحوب إلى ~~طرف من طرفي الأريكة وإلى أمامها قليلا. كان العجوز سمينا وذا شعر رمادي، وعينين ~~ضيقتين وفم منفرج قليلا، كما لو أنه يعاني من ضيق في الصدر، لكنه مع ذلك يضحك بقدر ما ~~يستطيع. وكانت المرأة العجوز أصغر حجما جدا، ذات شعر أسود مصبوغ وأحمر شفاه، ترتدي ما ~~كان يسمى قميصا فلاحيا، مع فيونكات حمراء عند المعصمين والرقبة. تبتسم بتصميم، ~~بل بهياج ما، بشفاه ممطوطة فوق أسنان تالفة على الأرجح. # لكن من احتكر الصورة كانت المرأة الأصغر عمرا. بارزة وضخمة في فستانها الفضفاض اللامع، ~~وبشعرها الداكن المصفف في صف من التمويجات الصغيرة على جبينها، وبوجنتيها المترهلتين ~~إلى رقبتها. وعلى الرغم من كل هذه البروزات اللحمية، ارتسم على وجهها تعبير من الرضا ~~والمكر. ~~- «هذه أمي وهذا أبي، وهذه أختي مادلين، في الكرسي المتحرك.» ~~- «مرحة منذ مولدها؛ فلا شيء - لا طبيب ولا أي أحد - يمكن أن يزعجها. وتأكل مثل الخنزير. ~~كان ms106 بيننا ضغائن طوال الوقت. كانت تكبرني بخمس سنوات وبدأت تعذبني. ترمي علي أي شيء يمكن ~~أن تصل إليه يداها، وتوقعني أرضا، وتحاول أن تمشي فوقي بكرسيها المتحرك اللعين. معذرة على ~~قذارة ألفاظي.» ~~- «لا بد أن هذا كان قاسيا عليك، وقاسيا على والديك.» ~~- «هاه، استسلموا له وسلموا به. لقد ذهبوا إلى الكنيسة وقال لهم الواعظ إن تلك الفتاة ~~هدية من الله، أخذاها إلى الكنيسة وعوت اللعينة مثل قطة ملعونة في الفناء الخلفي وقالوا ~~أوه! تحاول أن تدندن، أوه! الرب يباركها، اللعينة. معذرة مرة أخرى.» # وأردف: «لهذا لم أزعج نفسي كثيرا بالارتباط بالبيت، رحلت وصنعت حياتي. قلت: حسنا، لن ~~أبقى معلقا بهذا الهراء؛ لدي حياتي الخاصة. حصلت على عمل. أحصل دائما على عمل. لم ~~أجلس يوما على مؤخرتي سكران بمال الحكومة، على عجيزتي، أقصد. لم أطلب من أبي فلسا قط. ~~أنهض وأطلي سطحا في درجة حرارة تسعين، أو أنظف الأرض في مطعم قديم نتن، أو أعمل ~~ميكانيكيا في ورشة محتالة عفنة. كنت أفعل ذلك، لكن لم أكن مستعدا دائما لتحمل ~~مساوئهم؛ لذا لم أكن أتحمل طويلا. أولئك اللعينون يمنون دائما على من هم مثلي، ولم ~~أتحمل هذا. أنا من بيت محترم عمل والدي حتى منعه المرض الشديد؛ عمل في الحافلات. لم ~~أرب على تقبل الإهانة. مع ذلك، لا عليك. ما كان يقوله لي والداي دائما إن المنزل ~~لك، إن المنزل مدفوع ثمنه كله، وهو في حالة جيدة وملكك. هذا ما قالاه لي. نعرف أنك عانيت ~~هنا حين كنت صغيرا، ولولا ذلك لكنت حصلت على تعليم جيد؛ لهذا نريد أن نعوضك بالطريقة ~~التي نستطيع تعويضك بها. ومنذ فترة قصيرة، تكلمت مع أبي في التليفون، وقال: طبعا أنت تفهم ~~الاتفاق. قلت: أي اتفاق؟ فقال: إنه اتفاق إذا وقعت على الأوراق أنك سوف ترعى أختك طوال ~~حياتها. قال: إنه بيتك فقط ما دام كان بيتها أيضا.» ~~- «يا إلهي! لم أسمع هذا من قبل قط، لم أسمع أن هذا هو الاتفاق من قبل. اعتقدت دوما أن ms107 ~~الاتفاق هو، عندما يموتان سوف تدخل إلى دار ما، ولن تعيش في بيتي.» ~~- «لهذا قلت لأبي: لم أفهم هذا، وقال: لقد جهزنا كل شيء لك لتوقع، وإذا كنت لا تريد أن ~~توقع فليس عليك هذا. خالتك ريني سوف تراقبك أيضا، فإذا متنا فسوف تراقب التزامك ~~بالترتيبات.» ~~- «آه، خالتي ريني، أخت أمي الصغرى وهي كلبة حقيرة.» ~~- «قال: أيا كان، سوف تراقبك خالتك ريني، وفجأة، غيرت نبرتي. قلت: حسنا، أعتقد أن ~~المسألة سوف تسوى بهذه الطريقة، وأعتقد أنها تسوية عادلة. حسنا، حسنا، هل تمانع أن أحضر ~~ونتناول العشاء يوم الأحد القادم؟» ~~- «قال: يمكنك المجيء بالتأكيد، سعيد أنك أصبحت تنظر للمسألة من المنظور الصحيح. أنت ~~دائما مندفع متعجل، في سنك يجب أن تكون عاقلا.» ~~- «قلت لنفسي: بل عليك أن تقول مضحكا.» ~~- «لذا ذهبت إلى هناك، وطبخت أمي دجاجا. شممت رائحة طيبة حين دخلت إلى المنزل، ثم شممت ~~رائحة مادلين؛ رائحتها الكريهة القديمة نفسها التي لا أعرف سببها، لكن حتى لو حممتها ~~أمي كل يوم تظل الرائحة كما هي. لكنني تصرفت بلطف. قلت هذه مناسبة هامة، يجب أن ألتقط ~~صورة لكم. قلت لهم لدي كاميرا رائعة جديدة فورية، وتستطيعون رؤية الصورة. في لمح البصر ~~تستطيع أن ترى صورتك، ما رأيك في هذا؟ وأجلستهم جميعا في الغرفة الأمامية بالطريقة التي ~~رأيتها. تقول أمي: أسرع، يجب أن أعود إلى مطبخي. قلت: في لمح البصر. التقطت الصورة إذن ~~وقالت: هيا، لنر كيف نبدو، فقلت: انتظروا، اصبروا، لن تستغرق أكثر من دقيقة. وبينما كانوا ~~ينتظرون ليروا كيف بدوا في الصورة أخرجت مسدسي الصغير اللطيف وبيج بانج بام، وقضيت عليهم، ~~ثم التقطت صورة أخرى وذهبت إلى المطبخ وأكلت بعضا من الدجاج، ولم أنظر إليهم بعد ذلك. ~~توقعت أن أجد خالتي ريني لكن أمي قالت إن لديها عملا ما في الكنيسة. كنت سوف أطلق عليها ~~النار أيضا بالسهولة نفسها. انظري هنا. قبل وبعد.» # كان رأس الرجل العجوز مائلا للجانب، ورأس المرأة العجوز مائلا للوراء. اختفت تعبيرات ~~وجهيهما. سقطت الأخت إلى ms108 الأمام فلم يظهر وجهها، وظهر فقط ركبتاها الضخمتان المغطاتان ~~بالقماش الوردي، ورأسها الداكنة بتسريحة متقنة وقديمة الطراز. # وتابع قائلا: «كان يمكن أن أبقى هناك سعيدا بما فعلت لأسبوع كامل. شعرت باسترخاء شديد، ~~لكني لم أبق بعد الظلام. حرصت على تنظيف نفسي تماما، وأكلت كل الدجاج، وعرفت أنه من ~~الأفضل أن أترك المكان. كنت مستعدا لمجيء خالتي ريني، لكني كنت قد خرجت من المزاج الذي ~~كنت فيه، وعرفت أني يجب أن أحفز نفسي لكي أقتلها. لم أشعر برغبة في هذا فحسب. ربما لأني ~~كنت شبعانا؛ لقد كانت دجاجة كبيرة. أكلتها كلها عوضا عن أن أغلفها لآخذها معي لأني خفت ~~أن تشم الكلاب رائحتها وتهيج حين أمشي في الطرق الخلفية كما قررت. اعتقدت أن هذه الدجاجة ~~سوف تكفيني أسبوعا، ومع ذلك، انظري كم كنت جائعا عندما وصلت إلى هنا.» # نظر في أرجاء المطبخ، وقال: «لا أظن أن لديك شيئا يشرب هنا، أليس كذلك؟ كان الشاي ~~بشعا.» # قالت: «ربما لدي بعض النبيذ، لا أعرف، لا أشرب الآن ...» ~~- «هل أنت عضو بجمعية مدمني الكحوليات المجهولين؟» ~~- «كلا، الكحول لا يناسبني فحسب.» # نهضت واكتشفت أن ساقيها ترتعشان. بالطبع. # قال: «عطلت خط التليفون قبل أن أدخل إلى هنا، ظننت أنك يجب أن تعرفي هذا فقط.» # هل يصبح متهاونا وأكثر هدوءا عندما يشرب أم أكثر دناءة وشراسة؟ كيف لها أن تعرف؟ وجدت ~~النبيذ بدون أن تضطر إلى مغادرة المطبخ. اعتادت هي وريتش أن يحتسيا النبيذ الأحمر ~~بكميات معقولة لأنه من المفترض أنه جيد للقلب، أو ضار لشيء آخر وليس جيدا للقلب. في وسط ~~رعبها وارتباكها عجزت عن أن تفكر ماذا كان يسمى هذا! # كانت مرعوبة بالطبع، ولن تساعدها حقيقة أنها مريضة بالسرطان في اللحظة الحالية؛ إطلاقا. ~~لم تستطع حقيقة أنها سوف تموت خلال سنة أن تخفف من فزع حقيقة أنها قد تموت الآن. ~~- «مرحى، هذا نوع جيد. ليس لها غطاء دوار. هل لديك نازعة سدادات؟» # تحركت نحو أحد الأدراج، لكنه قفز ونحاها جانبا ؛ ليس بخشونة مفرطة. ~~- «كلا، وجدته. ms109 ابقي بعيدا عن هذا الدرج. واو! توجد هنا أشياء جيدة كثيرة.» # وضع السكاكين على مقعد كرسيه حيث لا تستطيع أبدا الوصول إليها واستخدم نازعة السدادات. ~~لم يفتها أن تفكر إلى أي مدى قد تكون الآلة التي في يده مؤذية، لكن لا احتمال ولو ~~ضئيلا أنه يمكنها هي نفسها أن تستخدمها في أي وقت. # قالت: «سوف أنهض فقط لكي أحضر كئوسا.» لكنه رفض قائلا: «لا كئوس؛ عندك أكواب ~~بلاستيك؟» ~~- «كلا.» ~~- «أكواب إذن. إني أراقبك.» # وضعت الكوبين الزجاجيين، وقالت: «قليل جدا لي.» # قال بنبرة عملية: «ولي؛ سوف أقود السيارة.» لكنه ملأ الكوب للحافة؛ وأضاف: «لا أريد أن ~~يقحم شرطي رأسه داخل السيارة ليتفحصني.» # قالت: «جذور حرة.» ~~- «ما معنى هذا؟» # أجابته: «قول عن النبيذ الأحمر. إما يدمرهم لأنهم أشرار، وإما يقويهم لأنهم أخيار، لا ~~أتذكر.» # ارتشفت رشفة من النبيذ ولم تشعر بالغثيان كما توقعت. شرب وهو لا يزال واقفا. قالت: «احذر ~~تلك السكاكين حين تجلس.» ~~- «لا تبدئي العبث معي.» # جمع السكاكين ووضعها في الدرج مرة ثانية وجلس. ~~- «تعتقدين أني أحمق؟ تعتقدين أني عصبي؟» # خاطرت مخاطرة كبيرة؛ فقالت: «أعتقد أنك لم تفعل شيئا مثل هذا من قبل.» ~~- «طبعا. أتعتقدين أني سفاح؟ نعم ... قتلتهم لكني لست سفاحا.» ~~- «هناك فارق.» ~~- «بالتأكيد.» ~~- «أعرف كيف يكون شعورك. أعرف ما تشعر به حين تتخلص من شخص جرحك.» # سأل: «حقا؟» # أجابت: «لقد فعلت الشيء نفسه الذي فعلته.» # قال - وهو يدفع مقعده إلى الخلف لكن دون أن ينهض: «مستحيل أن تكوني قد فعلت.» # قالت: «صدق أو لا تصدق؛ لكني فعلته.» ~~- «لقد فعلته حقا إذن، كيف؟» ~~- «السم.» ~~- «ماذا تقولين؟ هل جعلتهم يشربون من هذا الشاي اللعين أم ماذا؟» ~~- «ليس هم، بل هي. لا شيء في الشاي؛ من المفترض أنه يطيل العمر.» ~~- «لا أريد أن يطول بي العمر لو أن هذا يعني أن أشرب شيئا بغيضا كهذا. يمكن أن يكتشفوا ~~السم في الجسد حين يموت على كل حال.» ~~- «لا أعتقد أن هذا ينطبق على سموم الخضراوات. على كل لن يخطر على بال أحد ms110 أن يتحرى ~~الأمر. كانت واحدة من تلك الفتيات اللواتي أصبن بحمى روماتيزمية في طفولتها ولازمتها ~~طويلا، لم تكن تستطيع أن تمارس الرياضة أو أي شيء، وكان عليها أن تجلس دائما وتستريح. ما ~~كان موتها ليفاجئ أحدا.» ~~- «ماذا فعلت لتقتليها؟» ~~- «كانت الفتاة التي أحبها زوجي. كان سوف يتركني ليتزوجها. كان قد أخبرني بذلك. فعلت كل ~~شيء من أجله. كنا نبني هذا البيت معا؛ كان كل شيء لي في الحياة. لم ننجب أطفالا لأنه لم ~~يرغب في ذلك. تعلمت النجارة وكنت أخاف من تسلق السلالم النقالة لكني تعلمت. كان كل حياتي، ~~ثم كان سيهجرني من أجل تلك الشكاءة عديمة الفائدة التي تعمل في مكتب التسجيل. كانت ~~ستفوز بكل الحياة التي بنيناها معا، هل هذا عدل؟!» ~~- «كيف يمكن للمرء أن يحصل على السم؟» ~~- «لم أضطر لهذا؛ كان نابتا في الحديقة الخلفية، هنا. كانت هناك رقعة من نبات ~~الراوند منذ سنوات مضت. تحتوي عروق أوراق الراوند على سم كاف تماما. ليس الثمرة. إننا ~~نأكل الثمرة. الثمرة طيبة؛ لكن العروق الحمراء الصغيرة في أوراق الراوند الكبيرة سامة. ~~عرفت هذا، لكن يجب أن أعترف أني لم أعرف بالضبط ماذا يجب أن أفعل ليكون فعالا، لهذا ما ~~فعلته كان أقرب إلى التجربة. عوامل مختلفة ساعدتني؛ أولا، كان زوجي يحضر مؤتمرا في ~~مينيابوليس. كان يمكن أن يصطحبها بالطبع، لكن حينها كانت الإجازات الصيفية، وهي موظفة ~~صغيرة يجب عليها الحفاظ على سير العمل في المكتب. وشيء آخر أنها ربما لم تكن وحدها ~~تماما، فربما كان هناك شخص آخر. وعلاوة على ذلك، ربما كانت ترتاب في أمري. اضطررت أن ~~أفترض أنها لا تعرف أني عرفت، وأنها ما زالت تعتقد أني صديقة. كانت تأتي إلى البيت؛ كنا ~~أصدقاء. اضطررت أن أعتمد على طبع زوجي الذي يؤجل كل شيء، بحيث يخبرني ليرى كيف ~~سأتقبل الأمر لكن دون أن يخبرها بعد أنه أخبرني. قد تقول: لماذا تتخلصين منها إذن؟ ربما ~~كان لا يزال زوجك يدرس الأمر.» ~~«كلا، كان سوف يتمسك بها بطريقة ما. ms111 وحتى إن لم يفعل، فقد تسممت حياتنا بسببها. سممت ~~حياتي؛ لهذا يجب أن أسمم حياتها.» ~~«خبزت فطيرتين، واحدة بها العروق السامة والأخرى سليمة، بالطبع علمت السليمة، قدت ~~سيارتي إلى الجامعة، وأحضرت كوبين من القهوة وذهبت إلى مكتبها. لم يكن هناك أحد غيرها. قلت ~~لها إني حضرت إلى البلدة، وبينما كنت أمر بالجامعة رأيت ذلك المخبز الصغير الذي يمدحه ~~زوجي دائما بسبب قهوته ومخبوزاته؛ لذا توقفت واشتريت زوجين من الفطائر والقهوة. كانت وحيدة ~~تماما بعد أن غادر البقية لقضاء إجازاتهم، وأنا وحيدة تماما وقد ذهب زوجي إلى مينيابوليس. ~~كانت لطيفة وممتنة. قالت إنها ضجرة جدا والكافيتريا مغلقة؛ لهذا تضطر إلى الذهاب ~~إلى مبنى العلوم لشرب القهوة، وهناك يضعون في القهوة حمض الهيدروكلوريك، وضحكت. وهكذا ~~أقمنا حفلنا الصغير.» # قال: «أكره الراوند. ما كان ليؤثر في.» ~~- «لقد أثر فيها. اضطررت أن أخاطر بأن يسري مفعوله سريعا، قبل أن تدرك ما ~~أصابها وتضطرب معدتها؛ لكن ليس بسرعة بالغة بحيث تربط ما حدث لها بوجودي. كان يجب أن ~~أكون بعيدة وهذا ما فعلته. كان المبنى خاليا، وعلى حد علمي لم يرني أحد عند وصولي أو ~~مغادرتي. بالطبع كنت أعرف أيضا بعض الطرق الخلفية.» ~~- «تظنين نفسك ذكية. أفلت بدون دفع الثمن.» ~~- «ولكنك أنت أيضا فعلت الشيء نفسه.» ~~- «ما فعلته لم يكن مخادعا مثل ما فعلته أنت.» ~~- «كان ضروريا لك.» ~~- «بالطبع كان ضروريا.» ~~- «وكان ما فعلته ضروريا لي؛ احتفظت بزواجي؛ أدرك في النهاية أنها لا تصلح له، كانت سوف ~~تثقله بالأعباء بالتأكيد، كانت من ذلك النوع بالضبط، ما كانت لتزيده إلا هما، كان يدرك ~~ذلك.» ~~- «من الأفضل ألا تكوني قد وضعت شيئا من ذلك السم في البيض. سوف تندمين لو أنك ~~فعلت.» ~~- «بالطبع لم أفعل هذا. ما كنت لأرغب في هذا؛ هذا ليس عملا تفعله بانتظام. أنا لا أعرف ~~شيئا فعليا عن السم، كانت صدفة أني عرفت تلك المعلومة الصغيرة.» # وقف بغتة حتى إنه أوقع الكرسي الذي كان يجلس عليه. لاحظت أنه لم يتبق إلا قليل ~~من ms112 النبيذ في الزجاجة. # قال: «أحتاج المفاتيح للسيارة.» # عجزت عن التفكير للحظة. # كرر طلبه: «مفاتيح السيارة، أين وضعتها؟» # يمكن أن يحدث ما تخشاه، ما إن تعطيه المفاتيح حتى يمكن أن يقتلها، هل سيفيدها أن تخبره ~~أنها تحتضر بسبب السرطان؟ يا للغباء! لن يفيدها ذلك مطلقا. الموت بالسرطان في ~~المستقبل لن يمنعها من التحدث اليوم. # قالت: «لا أحد يعرف ما أخبرتك به، أنت الشخص الوحيد الذي أخبرته.» # لن يفيد كل هذا على الإطلاق. لم يلتقط عقله الأفضلية التي منحته إياها على الأرجح. # قال: «لا أحد يعرف بعد.» وحدثت هي نفسها: الحمد لله، إنه يفهم ما تقصده، إنه يدرك، هل ~~يدرك؟ # الحمد لله، ربما. # قالت: «المفاتيح في الإبريق الأزرق.» ~~- «أين؟ أي إبريق أزرق لعين؟» ~~- «عند نهاية المنضدة، انكسر غطاؤه؛ لهذا استخدمناه لنرمي به الأشياء ...» ~~- «اسكتي، اسكتي وإلا سوف أسكتك إلى الأبد.» حاول أن يدخل يده في الإبريق لكنها لم ~~تدخل. صاح: «اللعنة، اللعنة، اللعنة.» وقلب الإبريق رأسا على عقب، وضرب به المنضدة بعنف ~~بحيث تبعثرت منه مفاتيح السيارة، ومفاتيح البيت، وعملات مختلفة، ورزمة كوبونات كندية قديمة، ~~بالإضافة إلى قطع من الفخار الأزرق أيضا. # قالت بضعف: «المفاتيح المربوطة بخيط أحمر.» # بعثر الأشياء للحظة قبل أن يلتقط المفاتيح الصحيحة. ~~- «إذن ماذا ستقولين عن السيارة؟ ستقولين إنك بعتها لشخص غريب، أليس كذلك؟» # لم تفهم فحوى رسالته للحظة، لكن ما إن فهمت حتى مادت بها الغرفة. قالت: «أشكرك»، لكن ~~فمها كان جافا إلى حد أنها لم تدر إن كان صوتها قد خرج أم لا. لكن لا بد أنه ~~خرج؛ لأنه أجابها قائلا: «لم يحن أوان شكري بعد.» # وأردف: «لدي ذاكرة قوية، ذاكرة قوية طويلة. اجعلي صورة ذلك الغريب بعيدة الشبه عني. لن ~~تحبي فكرة أن يذهبوا إلى المدافن لإخراج جثة قتيلتك. تذكري جيدا: إذا تفوهت بكلمة ~~فسأخبرهم بما لدي.» # ظلت تنظر إلى الأسفل، لا تتحرك ولا تتكلم، تنظر فقط إلى الفوضى المبعثرة على ~~الأرض. # رحل. أغلق الباب. لا تزال ساكنة. أرادت أن توصد الباب لكنها لم تستطع ms113 أن تتحرك. سمعت ~~صوت المحرك يدور، ثم يتوقف. ماذا الآن؟ كان مندفعا، عجولا، كل شيء يفعله على نحو خاطئ، ~~ثم مرة ثانية، يدور، يدور. سمعت صوت الإطارات على الحصى. اتجهت بخطى متعثرة نحو الهاتف، ~~ووجدت أنه قال الحقيقة؛ كان معطلا. # كان هناك إلى جانب الهاتف واحدة من حقائب الكتب العديدة. تحتوي هذه الحقيبة على الكتب ~~القديمة، كتب لم تفتح لسنوات، كان بها كتاب «البرج الشامخ» لألبرت سبيير، كتب ريتش. # كان بها أيضا كتاب «احتفال بفاكهة وخضراوات شائعة: أطباق حميمية وأنيقة ومفاجآت طازجة» ~~الذي قامت بجمعه وتجربة وصفاته بيت أندرهيل. # ما إن انتهيا من تجهيز المطبخ، حتى ارتكبت نيتا خطأ؛ إذ حاولت أن تطبخ مثل بيت لفترة من ~~الزمن، لفترة قصيرة جدا؛ لأنه اتضح أن ريتش لم يرغب في أن يتذكر كل هذا الصخب، وهي نفسها ~~لم تتمتع بالصبر الكافي لكل هذا التقطيع والتقشير. لكنها تعلمت بعض الأشياء التي فاجأتها؛ ~~مثل الصفات السامة لبعض النباتات المعروفة وغير الضارة عامة. # يجب أن تكتب رسالة إلى بيت. # عزيزتي بيت، ريتش مات وأنا أنقذت حياتي بتقمص شخصيتك. # لماذا تهتم بيت بإنقاذ حياتها؟ هناك شخص واحد فقط يستحق أن يعرف حقا. # ريتش، ريتش. تعرف الآن حقا معنى افتقادها له، مثل خلو السماء من الهواء. # يجب أن تذهب إلى القرية؛ هناك مركز شرطة خلف تاونشيب هول. # يجب أن تحصل على هاتف جوال. # كانت مصدومة، وتعبة جدا؛ بالكاد تستطيع أن تحرك قدمها، عليها أن تستريح قبل أي ~~شيء. ~~••• # استيقظت على صوت طرقات على بابها الذي لا يزال غير موصد. كان رجل شرطة، ليس من القرية، ~~بل من مكتب مرور المقاطعة، سألها إن كانت تعرف أين سيارتها. # نظرت إلى رقعة الحصى حيث كانت تقف السيارة. # قالت: «اختفت، كانت هنا.» ~~- «ألم تعلمي أنها سرقت؟ متى رأيتها آخر مرة؟» ~~- «الليلة الماضية.» ~~- «كانت المفاتيح بها؟» ~~- «أعتقد هذا.» ~~- «يجب أن أخبرك أن السيارة تعرضت لحادث سيئ. ما من سيارات أخرى في الحادث الذي وقع على ~~هذا الجانب من وولينشتين. تدحرج السائق بها ms114 إلى مجرى المياه ودمرها تماما. هذا ليس كل شيء، ~~إنه مطلوب للعدالة بتهمة ارتكاب جريمة قتل ثلاثية. هذا آخر ما سمعناه على أية حال. جريمة ~~قتل في ميتشيلستون؛ إنك محظوظة لأنك لم تريه.» ~~- «هل أصيب؟» ~~- «قتل على الفور، نال عقابه.» # ثم ألقى عليها محاضرة صارمة - بلطف - حول ترك المفاتيح في السيارة، وعيشها وحدها. ~~قال لها إنها لا تعرف ما الذي يمكن أن يحدث هذه الأيام. # لا تعرف أبدا. # | وجه # إني على قناعة بأن أبي لم ينظر إلي ويحدق بي ويراني سوى مرة واحدة فقط. بعد هذا، قبل ~~بما رآه حقيقة مسلما بها. # في تلك الأيام، كانوا يمنعون الآباء من الدخول إلى وهج خشبة مسرح الولادة، أو إلى ~~الغرفة التي تضم النساء وهن على وشك الولادة يكظمن صرخاتهن أو يتألمن بصوت عال، بل كان ~~الآباء يرون الأمهات بعد أن يصبحن نظيفات وواعيات، يرقدن تحت الغطاء الباهت في الجناح، ~~أو في الغرف الخاصة أو نصف الخاصة. كانت لأمي غرفة خاصة، تماما مثل وضعها الخاص فيما ~~بعد في البلدة؛ ومثلما آلت إليه الأمور في الحقيقة كذلك. # لا أعرف ما إذا كان قبل أن يشاهد أبي أمي أم بعدها، وقف أمام نافذة الحضانة ليراني ~~للمرة الأولى. أميل إلى الاعتقاد أنه كان بعد ذلك، ذاك حين سمعت خطواته خارج غرفتها وهو ~~يتجاوز غرفتها، سمعت الغضب في خطواته لكنها لم تعرف ما سببه. في النهاية، لقد أنجبت له ~~ولدا، وهو ما يريده كل الرجال فرضا. # أعرف ما قاله، أو ما قالت لي أنه قاله. ~~- «يا له من قطعة سميكة من الكبد المفروم!» # ثم، «لا تفكري في إحضاره إلى المنزل.» # كان جانب واحد من وجهي عاديا، ولا يزال كذلك. وكان جسدي كله عاديا من أصابع قدمي ~~إلى كتفي. وكان طولي واحدا وعشرين إنشا، ووزني ثمانية أرطال وخمس أونصات. رضيع ذكر ~~متناسق الجسم، أبيض البشرة، رغم الحمرة التي شابتني بسبب رحلتي العادية التي قطعتها ~~مؤخرا. # لم تكن وحمتي حمراء بل بنفسجية، وكانت داكنة في سنواتي الأولى وسنوات طفولتي؛ ms115 إذ ~~بهتت إلى حد ما مع نموي، لكنها لم تتلاش تماما؛ إذ ظلت أول شيء تلاحظه في، مباشرة، ~~أو تشعر بالصدمة حين تراها إذا أقبلت علي من الجانب الأيسر أو النظيف. تبدو كما لو أن ~~شخصا ما ألقى علي عصير عنب أو دهن وجهي بلطخة كبيرة جدا لا تتحول إلى قطرات حتى تصل ~~إلى رقبتي، مع أنها تحيط بأنفي تماما بعد أن تغمر إحدى جفني. ~~«يبرز بياض تلك العين جميلا وصافيا.» كانت تلك واحدة من الجمل الحمقاء - وإن غفرتها - ~~التي كانت تقولها أمي، آملة في أن أعجب بنفسي. لكن شيئا غريبا قد حدث؛ صدقتها ~~تقريبا، في ظل الحماية التي كانت تحيطني بها. # بالطبع لم يستطع أبي أن يفعل أي شيء ليمنع جلبي إلى البيت. وبالطبع تسبب جلبي ~~ووجودي في صدع شنيع بين أبي وأمي، مع أنه من الصعب علي أن أصدق أنه لم يكن بينهما ~~دائما صدع من نوع ما، أو عدم تفاهم أو على الأقل خيبة أمل فاترة. # كان أبي ابنا لرجل غير متعلم امتلك مدبغة ثم مصنعا للقفازات. كان الرخاء يتراجع ~~مع تقدم سنوات القرن العشرين، إلا أن المنزل الكبير ظل ملكا لهم، وكذلك بقي الطباخ ~~والبستاني. التحق أبي بالكلية، وانضم إلى أخوية، وعاش ما كان يسمى العصر الذهبي، واشتغل في ~~مجال التأمين حين تدهور حال مصنع القفازات. كان محبوبا في أنحاء بلدتنا كما كان في ~~الكلية، لاعب جولف بارع، وبحار ممتاز (لم آت على ذكر أننا عشنا على منحدرات مطلة ~~على بحيرة هورون، في البيت الفيكتوري الذي بناه جدي مواجها لغروب الشمس). # كانت ميزة أبي الأولى الحية البارزة في البيت هي قدرته على أن يكره وينفر. في الحقيقة كان ~~هذان الفعلان يتزامنان معا في الغالب؛ ففي يومه، كان أبي يكره وينفر من طعام محدد، وطرازات ~~معينة من السيارات وألوان محددة من الموسيقى، وأشكال محددة من آداب الحديث وأشكال معينة من ~~الأزياء، ومسلسلات إذاعية محددة، ثم فيما بعد من الشخصيات التليفزيونية، إلى جانب تشكيلة ~~الأعراق والطبقات التي كان ms116 من المعتاد كرهها والنفور منها (وإن لم يكن بالعمق الذي كان ~~يكنه لها أبي على الأرجح). في الحقيقة لم تكن آراؤه تجادل خارج منزلنا، أو في ~~بلدتنا أو مع رفاق الإبحار أو إخوته في الأخوية القديمة. أعتقد أن حميته هي التي كانت ~~تسبب إزعاجا يمكن أن يصل إلى حد الإعجاب أيضا. # كان يقال عنه إنه يتحدث بصراحة ومباشرة ولا يجمل حديثه. # بالطبع أن يرزق بطفل مثلي كان إهانة اضطر إلى أن يواجهها كل مرة يفتح فيها باب ~~غرفته. كان يتناول إفطاره وحده، ولم يكن يعود إلى المنزل لتناول وجبة الغذاء، فكانت أمي ~~تتناول هذه الوجبات معي وجزءا من العشاء، والبقية منه معه. لكن أعتقد أنهما اختلفا حول ~~هذا، فجلست معي خلال وجبتي، لكنها أكلت معه. # من الواضح أني لم أستطع المساهمة في زواج مريح. # لكن كيف التقيا؟ لم تلتحق بكلية، اضطرت إلى الاستدانة للالتحاق بمدرسة حيث كان ~~المدرسون يتلقون تدريبا خلال اليوم الدراسي. كانت تخاف من الإبحار، خرقاء في ~~الجولف، ولو كانت جميلة، كما قال لي بعض الناس (من الصعب أن تحكم على أمك من هذه الناحية) ~~ما كان مظهرها ليعجب أبي؛ فقد كان يتحدث عن نساء محددات بأنهن مذهلات، أو - فيما بعد في ~~حياته - دمى. لم تستخدم أمي ملمع شفاه، كانت صدرياتها محتشمة، وكانت تمشط شعرها في تاج ~~محكم من الضفائر يبرز جبينها الأبيض العريض. لم تكن ملابسها تلتزم بأحدث صيحات الموضة؛ إذ ~~كانت قبيحة وملكية نوعا؛ كانت من ذلك النوع من النساء الذي تتخيل أنه يرتدي ثوبا ~~مرصعا باللؤلؤ الصغير مع أني لا أعتقد أنها فعلت هذا قط. # ما أحاول أن أقوله، على ما أعتقد، هو أني كنت على الأرجح ذريعة، أو لنقل نعمة؛ إذ ~~أمددتهما بمادة جاهزة للشجار؛ مشكلة عويصة، أرجعتهما إلى اختلافاتهما الطبيعية؛ حيث كانا ~~يشعران براحة أكبر في الحقيقة. خلال كل السنوات التي عشتها في البلدة لم أقابل شخصا ~~مطلقا، ومن ثم يمكن أن نسلم بأنه كان هناك أزواج آخرون يعيشون حياتين منفصلتين في ~~منزل ms117 واحد؛ رجال ونساء آخرون قبلوا بواقع أن بينهم اختلافات لا يمكن إصلاحها أبدا؛ كلمة ~~أو فعلا لا يمكن غفرانه أبدا؛ حاجزا لا يمكن تجاوزه أبدا. # من الطبيعي في قصة من هذا النوع، أن أبي راح يدخن ويعاقر الخمر؛ مع أن كل أصدقائه ~~مارسوا هذا أيضا، أيا كانت مواقفهم في الحياة. أصيب بسكتة دماغية وهو بعد في خمسينات ~~عمره، ومات بعد شهور عديدة أمضاها في الفراش. ولم يكن أمرا مدهشا أن رعته أمي طوال ~~تلك الفترة؛ إذ أبقته ماكثا في البيت. وفي المقابل، بدلا من أن يصبح رقيقا معها ~~مقدرا ما تفعله من أجله، راح يكيل لها الشتائم القذرة، التي جعلها حظه العاثر مبهمة، ~~ولم تكن أمي لتفهمها، لكنها بدت مرضية تماما بالنسبة إليه. # في الجنازة، قالت لي امرأة: «والدتك قديسة.» أتذكر شكل هذه المرأة جيدا جدا، مع أني ~~لا أتذكر اسمها. شعر أبيض مجعد، وجنتان مزينتان بالحمرة، ملامح جميلة. كانت الكلمات ~~التي همستها إلي شجية. كرهتها على الفور. تجهم وجهي. كنت في ذلك الوقت في عامي ~~الثاني الجامعي. لم ألتحق أو لم أدع للالتحاق بأخوية أبي. رافقت أناسا كانوا يخططون لأن ~~يصبحوا كتابا وممثلين، وكانوا حينها ظرفاء، مخلصين في إهدار الوقت، نقادا للمجتمع ~~بوحشية، ملحدين جددا. لا أحترم الناس الذين يتصرفون مثل القديسين. وللصدق، لم يكن هذا ~~ما كانت تستهدفه أمي، كانت بعيدة بما يكفي عن تلك التصورات الورعة؛ فلم تطلب مني قط في ~~أي من زياراتي للمنزل، أن أذهب إلى غرفة والدي لأجرب كلمة تصالح معه، ولم أذهب قط. لم ~~يكن لدينا تصور عن التصالح أو التبرك؛ لم تكن أمي حمقاء. # لقد كرست نفسها لي - لم يستخدم أي منا هذه الكلمة، لكني أعتقد أنها الكلمة الصحيحة - ~~حتى التاسعة من عمري. علمتني بنفسها، ثم أرسلتني إلى المدرسة. يبدو هذا وصفة للتسبب في ~~كارثة. صبي أمه المدلل ذو الوجه الأرجواني، رمي فجأة وسط الساخرين الهازئين ~~والإهانات القاسية من الهمجيين الصغار. لكني لم أقض وقتا سيئا، ولا أعرف لماذا حتى يومنا ~~هذا. ms118 كنت طويلا وقويا بالنسبة لسني، وربما نفعني هذا، مع أني أعتقد أن الجو في البيت، ~~ذلك الطقس من المزاج العكر والشراسة والاشمئزاز - حتى ولو من أب لا أراه غالبا - ربما هو ~~ما جعل أي مكان آخر معقولا، وشبه مقبول، وإن كان بنحو سلبي وليس إيجابيا. لم تكن ~~المشكلة مع من يبذلون مجهودا في التعامل معي بلطف. كان لي اسم؛ جوز- العنب، إلا أن كل فرد ~~تقريبا كان له لقب ما ينتقص من شأنه. كان هناك صبي تفوح من قدمه رائحة كريهة مميزة - لم ~~يفلح معها على ما يبدو الاستحمام اليومي - استحق معها لقب «النتن». تأقلمت مع الوضع. ~~كتبت لأمي رسائل كوميدية، وردت بالأسلوب نفسه إلى حد ما؛ إذ اتخذت نبرة لطيفة يشوبها ~~شيء من السخرية الطفيفة عن الأحداث التي تدور في البلدة والكنيسة؛ أتذكرها حين وصفت ~~خلافا حول الطريقة الصحيحة لتقطيع الشطائر من أجل وقت احتساء شاي السيدات؛ بل ونجحت حتى ~~في أن تتحدث بحس فكاهي يخلو من المرارة عن أبي الذي كانت تشير إليه ب «نعمة الرب». # أرى أني قد جعلت من أبي وحش هذه القصة، ومن أمي البطلة المخلصة والحامية، وأعتقد أن ~~هذا حقيقي. لكنهما ليسا الشخصيتين الوحيدتين في قصتي، ولم يكن المنزل هو البيئة الوحيدة ~~التي عرفتها - فأنا هنا أتحدث عن الفترة التي سبقت التحاقي بالمدرسة - فما أصبحت أرى أنه ~~الدراما العظيمة في حياتي حدث فعليا خارج المنزل. # دراما عظيمة. يحرجني أني كتبت هذا. أتساءل ما إذا كان التعبير يعطي انطباعا بالسخرية ~~المبتذلة أو السخافة. لكني فكرت بعد ذلك، أليس من الطبيعي تماما أن أرى حياتي هكذا، وأتحدث ~~عنها هكذا، ننظر بعين الاعتبار إلى الكيفية التي أكسب بها دخلي؟ # أصبحت ممثلا، أيدهشك هذا؟ كنت أصاحب في الجامعة مجموعة تمارس نشاطا مسرحيا بالطبع، ~~وأخرجت في عامي الأخير مسرحية، وابتكرت مادة للضحك عن الكيفية التي سأتدبر بها لعب دور ~~على خشبة المسرح بإبقاء الجانب غير المشوه من وجهي موجها إلى الجمهور أن أسير إلى الخلف ~~عبر خشبة المسرح عند الضرورة، ms119 لكن لم تكن هذه المناورات الجذرية ضرورية. # في ذلك الوقت، كانت الإذاعة الوطنية تذيع مسلسلات درامية بانتظام؛ فكان هناك برنامج يتميز ~~بالجهد الواضح المبذول فيه يذاع في أمسيات الآحاد؛ وهناك المسلسلات المقتبسة عن أعمال ~~أدبية. مسرحيات شكسبير وإبسن. كان صوتي طيعا طبيعيا، ومع قليل من التدريب تحسن. حصلت ~~على وظيفة في الإذاعة الوطنية، أدوار صغيرة في البداية، لكن مع مجيء التليفزيون وتراجع ~~نسب الاستماع إلى الإذاعة، كنت أخرج على الهواء كل أسبوع تقريبا، وأصبح اسمي معروفا ~~لجمهور مخلص وإن لم يكن ضخما. وصلتنا خطابات تعترض على اللغة السيئة أو على ذكر زنا ~~المحارم (فقد أخرجنا بعض المسرحيات اليونانية كذلك). لكن إجمالا، لم ينهمر علي من ~~التوبيخ بالقدر الذي تخوفت أمي منه، حين كانت تجلس على كرسيها إلى جوار الراديو، في ~~إخلاص وقلق مساء كل أحد. # ثم جاء دور التليفزيون، وقد انتهى عهد التمثيل - بالنسبة إلي بالتأكيد. لكن صوتي حفظ لي ~~مكانا جيدا، واستطعت أن أحصل على وظيفة مذيع، في وينيبيج أولا، وفي تورنتو مرة أخرى ~~ثانية. وعملت مذيعا لآخر عشرين عاما من حياتي المهنية في برنامج موسيقي يبث مختارات ~~موسيقية، يذاع أيام الأسبوع بعد الظهيرة. لم أكن أنا من يختار الموسيقى - كما كان الناس ~~يعتقدون في أغلب الأحيان - فمشاعري التقديرية للموسيقى محدودة. لكنني صنعت من نفسي شخصية ~~إذاعية محبوبة، وغريبة الأطوار قليلا وراسخة. تلقى البرنامج العديد من الخطابات. وردت ~~علينا الخطابات من دور المسنين ودور المكفوفين، ومن أشخاص يقودون سياراتهم لمسافات طويلة أو ~~يقومون بأعمال رتيبة، ومن ربات بيوت يمكثن في المنزل وحدهن في منتصف النهار ~~مع العجن والكي، ومن مزارعين في جرارات يحرثون أو يجرفون فدادين ممتدة، من جميع أرجاء ~~البلد. # تدفق الثناء علي حين تقاعدت أخيرا، كتب الناس لي يقولون إنهم في شدة الحزن، وإنهم ~~يشعرون كما لو أنهم فقدوا صديقا حميما أو فردا من العائلة. ما كانوا يقصدونه هو أني كنت ~~أملأ وقتا محددا من يومهم على مدار خمسة أيام في الأسبوع. كنت أملأ وقتهم بشيء يعتمد ms120 ~~عليه ومحبب إلى أنفسهم، لم يضطروا إلى قضاء وقتهم بلا هدف؛ ولهذا هم يشعرون بامتنان ~~محرج لهم. وللمفاجأة، كنت أشاركهم هذه المشاعر الجياشة. كان علي أن أنتبه إلى صوتي ~~لئلا يرتجف بينما أقرأ بعضا من خطاباتهم على الهواء. # ومع ذلك، تلاشت ذكرى البرنامج وذكراي سريعا، أبرمت تعاقدات جديدة، انقطعت تماما؛ إذ ~~رفضت أن أترأس مزادات الحفلات الخيرية أو أن ألقي خطبا مفعمة بالحنين. ماتت أمي بعد ~~أن عاشت عمرا مديدا، لكني لم أبع المنزل، أجرته فقط؛ ثم جهزته كي أبيعه، وأخطرت ~~المستأجرين. نويت الإقامة فيه خلال الوقت الذي كان يستغرقه تجهيزه؛ خاصة الحديقة. # لم أكن وحيدا في تلك السنوات، فبعيدا عن جمهوري كان لي أصدقاء. وكانت لدي نساء أيضا. ~~تتخصص، بالطبع، بعض النساء في هؤلاء الرجال الذين يحسبونهن في حاجة إلى رفع معنويات، ~~يتلهفن إلى دعمك إظهارا لسخائهن. كنت محتاطا منهن. كانت المرأة الأقرب إلي في تلك ~~السنوات تعمل موظفة استقبال في محطة القطار؛ كانت شخصية حساسة ولطيفة، وأما وحيدة لأربعة ~~أطفال. كان هناك شعور بيننا بأننا سنعيش معا ما إن يتولى أصغر أطفالها مسئولية نفسه، لكن ~~الصغرى كانت ابنة، تمكنت من إنجاب طفل بدون أن تفكر في مغادرة البيت قط، وبنحو ما تضاءل ~~أملنا وتراجعت علاقتنا الغرامية، حافظنا على التواصل بيننا عن طريق الرسائل الإلكترونية ~~بعد أن تقاعدت وعدت إلى الإقامة في منزلي القديم. دعوتها للمجيء لزيارتي؛ فما لبثت أن ~~فاجأتني بخبر أنها ستتزوج وتنتقل للعيش في أيرلندا، ولفرط ذهولي وانحسار مشاعرها نحوي ~~لم أستطع أن أسألها ما إذا كان البنت والرضيع سوف يذهبان معها أم لا. ~~••• # إن الحديقة في حالة متردية، لكني أشعر براحة أكبر هناك أكثر مما أشعر في المنزل، الذي ~~يبدو كما هو من الخارج لكنه تبدل جذريا من الداخل؛ فقد حولت أمي غرفة المعيشة الخلفية ~~إلى غرفة نوم، وغرفة الخزين إلى حمام كامل، وفيما بعد خفض ارتفاع الأسقف، وركبت ~~أبواب رخيصة، ولصق ورق حائط بأشكال هندسية صارخة الألوان؛ إكراما للمستأجرين. لم تجر ~~على الحديقة هذه ms121 التغييرات؛ أهملتها إهمالا تاما. لا تزال النباتات المعمرة القديمة تشق ~~طريقها بين الأعشاب الضارة؛ وتحد الأوراق الجافة الأكبر التي يفوق حجم كل منها ~~المظلة حوض نبات الرواند المعمر من ستين أو سبعين عاما، ولا يزال هناك نصف دستة من ~~أشجار التفاح، التي تحمل بعض الثمرات المدودة المتنوعة التي لا أتذكر اسمها. تبدو البقع ~~التي طهرتها ضئيلة، لكن أكوام الأعشاب الضارة والأغصان المقطوعة التي جمعتها تكاد تبلغ ~~الجبال طولا. يجب نقلها، علاوة على ذلك على نفقتي الخاصة، فالبلدة لم تعد تسمح ~~باضطرام النار في الهواء. # اعتاد بستاني أن يرعى كل هذا، كان اسمه بيت. لا أتذكر اسم عائلته. كان يسحب ساقا ~~وراءه، ويميل رأسه دائما إلى جانب واحد. لا أعرف إذا كان تعرض لحادث أم أصابته جلطة ~~دماغية. كان يعمل ببطء لكن بجدية، وكان معتل المزاج دائما. كانت أمي تتحدث ~~إليه بصوت ناعم يحمل احتراما، لكنها اقترحت عليه تغييرات محددة في أحواض الزهر لم يرها ~~جديرة كثيرا، لكنها حصلت على ما أرادت. كان يكرهني لأني كنت أركب عجلتي الثلاثية باستمرار ~~في أماكن لا يجب أن أسير عليها، وأصنع مخابئ تحت أشجار التفاح؛ ولأنه عرف على الأرجح أني ~~كنت أسميه «بيت» الجبان، همسا. ولا أعرف من أين حصلت على هذا النعت، هل كان من إحدى قصص ~~الرسوم الهزلية؟ # خطر على بالي توا سبب آخر لكراهيته العدائية، ومن الغريب أني لم أفكر في هذا من قبل؛ ~~فكلانا معتل؛ ضحيتان واضحتان لبلية جسدية. قد تعتقد أن مثل هؤلاء الناس يتضامنون ~~معا، لكن الواقع أنهم لا يفعلون ذلك في الغالب، ربما يذكر الواحد منهم الآخر بشيء ينساه ~~من فوره. # لكني لست متأكدا من هذا. لقد هيأت أمي الأمور بحيث أبدو معظم الوقت غير مدرك إطلاقا ~~لحالتي، ادعت أنها تعلمني في المنزل بسبب مرض في شعبي الهوائية، وضرورة أن تحميني من هجمات ~~الجراثيم التي تحدث خلال العامين الأولين من المدرسة. لا أعرف إذا كان صدقها أحد أم لا. ~~وأما عدوانية أبي، فكانت تكتنف منزلنا بأكمله حتى ms122 إني لا أعتقد حقا أني شعرت بأني وحدي ~~المقصود منها. # يجب أن أقول - وإن كنت أكرر نفسي - إني أعتقد أن أمي كانت محقة فيما فعلته. كان يمكن ~~أن أقع أسيرا للتركيز على عيب واحد بارز في، والنخز والتحزب في سن مبكرة، وما كان لي من ~~ملتجأ. إن الأمور مختلفة الآن، والخطر على طفل مبتلى مثلي كان يمكن أن يكون من النوع ~~الانفعالي، المضطرب، المحفوف بشفقة استعراضية، وليس من النوع الاستهزائي والانعزالي، أو ~~هكذا يبدو لي. لقد استقت الحياة في تلك السنوات كثيرا من حيويتها ومكرها وفلكلورها، وربما ~~تكون أمي قد علمت ذلك، من الشر الخالص. # كان هناك على الأرض التي نملكها، حتى عقدين ماضيين - وربما أكثر - مبنى آخر. عرفته على ~~أنه حظيرة صغيرة أو سقيفة خشبية ضخمة، يخزن فيها بيت البستاني أدواته، أو نضع بها أشياء ~~مختلفة غير مستخدمة حتى نقرر ماذا نفعل بها. هدمت بعد أن حل محل بيتر زوجان شابان مفعمان ~~بالحيوية، أحضرا عدتهما العصرية في شاحنتهما. لاحقا، بعد أن عملا في زراعة المحاصيل ~~التي يحتاجها السوق، لم يعد لديهما الوقت الكافي، لكنهما استطاعا أن يمدانا بأطفالهما ~~المراهقين لجز العشب، وكانت أمي قد فقدت الاهتمام بفعل أي شيء آخر. # قالت: «أنا لم أعد أهتم، من المدهش كم هو سهل ألا تهتم بالأشياء.» # رجوعا إلى المبنى - كم ألف وأدور حول هذا الموضوع - في وقت ما، قبل أن يصبح المكان ~~سقيفة للتخزين، كان يسكنه أناس. سكنه الزوجان بيل؛ حيث كانت الزوجة تعمل طباخة ومدبرة ~~منزل، والزوج يعمل بستانيا وسائقا لجدي. كان جدي يملك سيارة باكارد لم يتعلم قيادتها ~~قط. كان عصر كل من الزوجين والباكارد قد زال مع مولدي، إلا أن المكان ظل يشار إليه على ~~أنه كوخ الزوجين بيل. # ولسنوات قليلة من طفولتي، استأجرت امرأة كانت تدعى شارون ساتلز كوخ الزوجين بيل. عاشت ~~فيه مع ابنتها نانسي. جاءت ساتلز إلى البلدة مع زوجها - وكان طبيبا - في بداية مزاولته ~~المهنة، وفي غضون عام أو نحو ذلك، مات جراء إصابته بتسمم ms123 في الدم. ظلت في البلدة مع ~~ابنتها؛ إذ لم يكن معها مال، ولم يكن لها أهل - كما كان يقال. لا بد أن المقصود من هذا أنه ~~ليس لديها أهل يمكن أن يساعدوها أو يعرضوا عليها أن يحتضنوها. وفي وقت ما، حصلت على ~~وظيفة في مكتب التأمين الذي يملكه أبي، وجاءت لتعيش في كوخ الزوجين بيل. لست متأكدا من ~~الوقت الذي حدث فيه كل هذا. ليس لدي ذكريات عن انتقالهما للسكن في الكوخ أو عن خلوه ~~منهما. دهن الكوخ حينذاك بلون وردي مغبر، ولطالما اعتقدت أن هذا من اختيار السيدة ~~ساتلز، كما لو أنها لم تستطع السكن في بيت بلون آخر. # أسميتها السيدة ساتلز طبعا، لكني كنت أعلم اسمها الأول؛ حيث إني نادرا ما أدرك أي اسم ~~امرأة راشدة أخرى. لم يكن اسم شارون اسما عاديا في تلك الأيام. وله صلة بترنيمة عرفتها ~~من مدرسة الأحد، التي سمحت أمي لي بحضورها لأن بها مراقبة ولا تضم فترة استراحة. كنا نرتل ~~ترانيم كانت كلماتها تعرض على شاشة، وأعتقد أن كلا منا قبل أن يتعلم حتى القراءة كون ~~فكرة عن الشعر من شكله أمامنا: # إلى جانب جدول سيلوام الظليل # ما أحلى ما ينمو من زنبق # وتحت التل! # ما أعذب أريج وردة شارون الندية! # لا أعتقد أنه كانت هناك وردة فعلا في زاوية الشاشة لكني رأيت واحدة، رأيت ~~زهرة وردية شاحبة، تحولت هالتها إلى اسم شارون. # لا أقصد أن أقول إني كنت واقعا في غرام شارون ساتلز، كنت مغرما - منذ كنت بالكاد أخطو ~~خطواتي الانتقالية الأولى من مرحلة الرضاعة إلى مرحلة الطفولة - بفتاة شابة غلامية اسمها ~~بيسي أخذتني في نزهة قصيرة في عربة الأطفال الخاصة بي، وراحت تؤرجحني بقوة على أرجوحات ~~الحديقة، وصلت إلى القمة تقريبا. وفي وقت لاحق، وقعت في غرام صديقة من صديقات أمي، كان ~~لمعطفها ياقة مخملية وكان لها صوت بدا لسبب ما مرتبطا بهذه الياقة. لكن شارون ساتلز لا ~~تصلح للحب بهذه الطريقة؛ إذ لم تكن صاحبة صوت مخملي ولم ms124 تبال بأن أقضي وقتا ممتعا معها. ~~كانت أطول وأرفع من أن تكون أما لأي أحد؛ لم تتمتع بأية منحنيات. كان شعرها بنيا ~~فاتحا بأطراف ذهبية، وفي وقت الحرب العالمية الثانية كانت لا تزال تقصه قصيرا. كان أحمر ~~الشفاه الذي تضعه لامعا وكثيفا مثل شفاه نجمات الأفلام اللواتي كنت أراهن على ~~ملصقات الإعلانات وفي أرجاء المنزل، كانت عادة ما ترتدي الكيمونو - حسبما أعتقد كان ~~منقوشا بطيور شاحبة، ربما كانت طيور اللقلاق. ذكرتني سيقانها بساقي ساتلز. كانت تقضي ~~جزءا كبيرا من وقتها مستلقية على الأريكة، تدخن، وفي بعض الأحيان - لكي تسلينا أو تسلي ~~نفسها - ترفس ساقيها عاليا، ساقا بعد الأخرى، لتطير خفها الريشي، وحينما لم تكن ~~غاضبة منا، يكون صوتها أجش وساخطا؛ ليس عدائيا، لكنه لا يحمل نبرة الحكمة أو ~~الرقة أو التوبيخ العميقة، وإيحاء الحزن الذي أتوقعه في صوت أم. # كانت تطلق علينا غبيين مغفلين. ~~«اخرجا من هنا واتركاني أرتاح في سلام، أيها الغبيين المغفلين.» # تكون فعليا مستلقية على الأريكة ومنفضة السجائر على بطنها، بينما ندفع سيارات نانسي ~~الصغيرة بسرعة عبر أرض الغرفة. أي قدر من السلام كانت تريد؟ # كانت تأكل هي ونانسي طعاما غريبا في أوقات غير منتظمة، وحين كانت تذهب إلى المطبخ لكي ~~تعد لنفسها وجبة سريعة، لم تكن تعود قط بكاكاو أو بسكويت جراهام لنا. من ناحية أخرى، لم ~~تمنع قط نانسي من أن تغرف حساء الخضراوات - التي كانت دائما سميكة مثل البودنج - من ~~علبته، أو أن تأخذ قطع كريسبي بملء يدها من العلبة مباشرة. # هل كانت شارون ساتل عشيقة أبي؟ هل كانت وظيفتها تلبي احتياجاتها، وهل كانت تدفع قيمة ~~إيجار الكوخ الوردي، أم أجرته بالمجان؟ # كانت أمي تتحدث عنها بطيبة، ولم تكن تزهد في ذكر المأساة التي حلت بها، بموت زوجها ~~الشاب. أيا كانت الخادمة التي تعمل لدينا في ذلك الوقت، فقد اعتادت أن ترسلها إلى هناك ~~بهدايا من التوت والبطاطا الجديدة أو البازلاء الطازجة من حديقتنا. أتذكر البسلة خاصة. ~~أتذكر شارون ساتلز - ما زالت مستلقية على ms125 الأريكة - تقلب البازلاء في الهواء بسبابتها ~~وتقول: «ماذا يفترض بي أن أفعل بهذه؟» # فقلت مساعدا إياها: «تطهينها فوق الموقد مع المياه.» ~~- «فعلا؟» # بالنسبة إلى أبي، لم أره قط معها. كان يذهب إلى عمله متأخرا قليلا، وينتهي منه ~~مبكرا؛ ليمارس نشاطاته الرياضية المتعددة. في بعض العطلات الأسبوعية؛ كانت شارون تستقل ~~القطار إلى تورونتو، لكنها كانت تصطحب نانسي دائما معها، وتعود نانسي بجعبة مليئة ~~بالمغامرات التي خاضتها، والعروض التي شاهدتها، مثل موكب بابا نويل. # ومرت أوقات بالتأكيد حين لم تكن أم نانسي في البيت، ولا ترتدي الكيمونو ومستلقية على ~~الأريكة، ومن المفترض أنها أيضا - خلال تلك الأوقات - لم تكن تدخن أو تسترخي، بل تؤدي ~~عملها اليومي في مكتب أبي، ذلك المكان الأسطوري الذي لم أره قط، ولم يكن مرحبا بي ~~هناك بالتأكيد. # في مثل تلك الأوقات، حين تكون والدة نانسي في العمل، وتضطر نانسي إلى أن تظل في المنزل، ~~كان هناك امرأة عصبية تدعى السيدة كود تجالس نانسي؛ حيث تستمع إلى المسلسلات الإذاعية، ~~وكانت على استعداد لمطاردتنا إلى خارج المطبخ؛ حيث كانت هي نفسها تأكل أي شيء يقع في متناول ~~يدها. لم يخطر ببالي قط أن أمي من الممكن أن تعرض تولي رعاية نانسي - بما أننا نقضي كامل ~~وقتينا معا - أو أن تطلب من الخادمة أن تفعل هذا، لتوفر أجرة السيدة كود. # يبدو لي الآن أننا فعليا كنا نلعب معا طوال ساعات يقظتنا. وكان ذلك منذ كنت في سن ~~الخامسة حتى الثامنة والنصف من عمري، وكانت نانسي تصغرني بنصف عام. كنا نلعب في الخارج أغلب ~~الأحيان؛ لا بد أنها كانت أياما مطيرة، بسبب ذكرياتي عنا في كوخ نانسي حيث كنا نزعج والدة ~~نانسي. كان علينا أن نبتعد عن حديقة الخضر، وأن نحاول ألا ندهس الزهور، لكننا كنا دائما ~~ما نلهو عند أحواض التوت وتحت أشجار التفاح، وفي المنطقة البرية المهملة تماما وراء ~~الكوخ، حيث بنينا مخابئنا وملاجئنا التي تحمينا من الغارات الجوية الألمانية. # كان هناك قاعدة تدريب عسكرية شمال بلدتنا، وكانت هناك ms126 طائرات حقيقية تحلق فوقنا ~~باستمرار. تحطمت طائرة ذات مرة، لكن لإحباطنا، وقعت الطائرة - التي فقدت السيطرة - في ~~البحيرة. وبسبب كل هذه الإشارات إلى الحرب، استطعنا أن نجعل من بيت عدوا محليا، بل ~~نازيا، ومن آلة جز العشب دبابة. كنا نقذفه أحيانا بثمرات التفاح من شجرة التفاح ~~الفاسدة التي تحمي معسكرنا. اشتكى ذات مرة لأمي وكلفنا هذا رحلة إلى الشاطئ. # كانت تأخذ نانسي في رحلات إلى الشاطئ. ليس إلى ذلك الشاطئ القريب الواقع أسفل المنحدر ~~الذي يقوم عليه منزلنا مباشرة، ويتميز بأنبوب الانزلاق المقام عليه، بل إلى شاطئ أصغر عليك ~~أن تركب للوصول إليه، ليس به سباحون مشاغبون. في الحقيقة، علمت كلينا السباحة. كانت نانسي ~~أكثر إقداما واندفاعا مني، الأمر الذي أزعجني؛ لهذا سحبتها ذات مرة تحت موجة قادمة وجلست ~~على رأسها. رفست وحبست أنفاسها وحاربت لتتحرر مني. # وقتها عنفتني أمي قائلة: «نانسي فتاة صغيرة، إنها فتاة صغيرة يجب عليك أن تعاملها كأختك ~~الصغرى.» # وهذا ما كنت أفعله بالضبط. لم أكن أراها أضعف مني. نعم هي أصغر مني حجما، لكن كان هذا ~~ميزة لها في بعض الأحيان، فحين كانت تتسلق الأشجار، كانت تتمكن من أن تتأرجح مثل قرد على ~~فروعها التي لم تكن لتتحملني. وفي أحد شجاراتنا - لا أستطيع أن أتذكر أيا من أسباب ~~شجاراتنا - عضت ذراعي التي كنت أقيدها بها، ولم تخرج منه أسنانها إلا بالدم. فصلنا عن ~~بعضنا بعد ذلك الشجار أسبوعا بالكامل كما كان مفترضا، لكن حملقتنا من وراء الشبابيك ~~سرعان ما تحولت إلى توق وتوسل، فرفع عنا الحظر. # كان مسموحا لنا باللعب في كل أنحاء أرضنا في فصل الشتاء، فكنا نبني قلاعا من الجليد ~~مدعومة بعصي التدفئة الخشبية، ومجهزة بترسانة من الكرات الثلجية لرميها على أي شخص ~~يقترب منها. قليلون هم من اقتربوا؛ فقد كان شارعا مسدودا. وهكذا كنا نضطر إلى بناء ~~رجل جليد، حتى نجد من نضربه بكرات الثلج. # إذا حبستنا عاصفة كبرى، في منزلي، تشرف أمي على تحركاتنا، فكنا نضطر إلى أن نظل ~~هادئين إذا ms127 كان أبي في المنزل راقدا بسبب صداع ألم به، فتقرأ لنا قصصا. أتذكر أنها ~~كانت تروي لنا «أليس في بلاد العجائب». كنا ننزعج حين تشرب أليس الجرعة التي تجعلها تنمو ~~جدا فتعلق في جحر الأرنب. # لعلك تتساءل عن الألعاب الجنسية. نعم، لعبناها أيضا. أتذكر اختباءنا، في يوم قائظ، ~~داخل خيمة نصبت - ولا أدري سبب وجودها في ذلك المكان - خلف الكوخ. تسللنا إليها بهدف أن ~~يكتشف أحدنا الآخر. كان قماش الخيمة يفوح برائحة مثيرة للغرائز لكنها رائحة صبيانية، مثل ~~الملابس الداخلية التي خلعناها. أثارتنا دغدغات أحدنا الآخر في أماكن مختلفة، لكنها سرعان ~~ما أشعرتنا بالسخط، وراح العرق يتصبب منا، وشعرنا بالانزعاج والخزي. حين خرجنا من هناك، ~~شعرنا أننا أكثر تباعدا من المعتاد، وأن كلا منا متحفظ تحفظا غريبا من الآخر. لا ~~أذكر إذا كان الأمر نفسه تكرر بنفس النتيجة أم لا، لكني لن أندهش إذا كان حدث. # لا أستطيع تذكر وجه نانسي بالوضوح الذي أتذكر به وجه أمها. أعتقد أن لوني بشرتها ~~وشعرها كانا مماثلين للون بشرة أمها وشعرها، أو كان كذلك آنذاك؛ وشعر أشقر يتحول إلى البني ~~طبيعي، لكنه يبهت بسبب الوقت الكثير الذي تقضيه تحت أشعة الشمس. وكان جلدها ورديا ~~جدا، بل محمرا. نعم، أرى وجنتيها حمراوين، كما لو أنهما لونا بقلم ~~تلوين أحمر؛ وكان ذلك أيضا بسبب الوقت الهائل الذي نقضيه في الخارج صيفا كذلك، وبسبب تلك ~~الطاقة الساحقة. # لا أحتاج إلى ذكر أن كل الغرف في منزلي كانت ممنوعة علينا باستثناء التي خصصت لنا. لم ~~نحلم أن نذهب إلى الطابق العلوي أو إلى القبو أو إلى غرفة المعيشة الأمامية أو إلى غرفة ~~الطعام. لكن كان كل شيء مسموحا به في الكوخ، باستثناء المكان الذي كانت تحاول والدة نانسي ~~أن تحصل فيه على بعض السلام أو حيث كانت تلتصق السيدة كود بالراديو. كان القبو مكانا ~~مناسبا حينما نشعر بالإرهاق من الحرارة في أوقات بعد الظهيرة. لم يكن هناك درابزين عند ~~حافة الدرج ، فكنا نستطيع أن نؤدي قفزات تتزايد ms128 جرأة مع الوقت على الأرض القاسية ~~القذرة. وحين نمل هذا كنا نعتلي سريرا نقالا ونقفز فوقه علوا وهبوطا، بينما نجلد ~~حصانا خياليا. حاولنا ذات مرة تدخين سيجارة سرقناها من علبة سجائر والدة نانسي (لم نجرؤ ~~على أخذ أكثر من واحدة). وقد تعاملت نانسي مع السيجارة بنحو أفضل؛ إذ مارست التدخين أفضل ~~مني. # كانت هناك خزانة خشبية قديمة في القبو، يعلوها بعض علب صفيح من دهان جاف تقريبا وعلب ~~ورنيش وتشكيلة من فرش الطلاء المتيبسة، وعصي تقليب، وألواح خشبية مجرب عليها ألوان ~~أو مسحت فيها الفرش لتنظيفها. بعض العلب كانت لا تزال مغلقة، لكنا فتحناها ببعض الصعوبة ~~فاكتشفنا دهانا يمكن تقليبه حتى يبلغ قوامه درجة فعالة من الكثافة، ثم قضينا الوقت نحاول ~~تليين الفرشاة بغمسها في الدهان ثم ضربها على ألواح خزانة الملابس الخشبية، لم نحصل على ~~نتيجة رائعة بعد أن لوثنا المكان. ومع ذلك، اكتشفنا أن واحدة من علب الصفيح بها زيت ~~تربينتين، الذي يعطي نتيجة أفضل. بدأنا حينها ندهن بشعر الفرشاة التي أصبحت صالحة ~~للاستعمال. كنت أستطيع القراءة والتهجي إلى حد ما، بفضل أمي؛ وكذلك نانسي أيضا؛ لأنها أنهت ~~السنة الدراسية الثانية. # قلت لنانسي: «لا تنظري حتى أنتهي.» ودفعتها بعيدا قليلا. فكرت في شيء أرسمه، لكنها ~~على كل حال كانت مشغولة، تغمس فرشاتها في علبة دهان أحمر. # كتبت: كان هنا نازي. # قلت: «انظري الآن.» # كانت قد أدارت ظهرها لي، لكنها كانت تدهن نفسها بالفرشاة. # قالت: «أنا مشغولة.» # حين أدارت وجهها لي كان ملطخا كله بالطلاء الأحمر. # قالت: «الآن أنا أشبهك»؛ إذ دهنت وجهها بالفرشاة حتى رقبتها. «الآن أنا أشبهك.» كانت ~~متحمسة، واعتقدت أنها تسخر مني، لكن صوتها كان متخما بالرضا، كما لو أن هذا ما كانت تهدف ~~إليه كل حياتها. # الآن لا بد أن أحاول شرح ما حدث في الدقائق التالية. # أولا، كان رأيي أنها تبدو بشعة. # لم أكن أعتقد أن أي جزء من وجهي أحمر، وفي الحقيقة لم يكن؛ فالنصف الذي كان ملونا كان ~~بلون وحمة التوت المعتاد، ms129 التي كما قلت بهتت إلى حد ما مع تقدمي في العمر. # لكن ليس هذا ما كنت أراه في عقلي. كنت أعتقد أن وحمتي ذات لون بني ناعم، مثل فروة ~~فأر. لم ترتكب أمي أي شيء أحمق أو درامي من قبيل منع المرايا من المنزل، لكن المرايا ~~يمكن أن تعلق على مستوى أعلى من طول طفل صغير، فلا يمكنه أن يرى نفسه فيها. كان هذا ~~هو الحال مع مرآة الحمام على وجه التحديد. كانت المرآة الوحيدة التي كنت أرى فيها انعكاس ~~صورتي بسهولة معلقة في البهو الأمامي، والتي كانت معتمة أثناء النهار ومضاءة بإضاءة خافتة ~~في الليل. لا بد أن تصوري عن أن نصف وجهي كان ذا لون خفيف باهت - أشبه بظل بلون الفراء - ~~قد جاء من انعكاس صورتي في هذه المرآة؟ # كان هذا هو التصور الذي اعتدته، وهذا ما جعل طلاء نانسي لوجهها إهانة كبيرة، ومزحة ~~خبيثة. دفعتها إلى الخزانة بكل ما تمكنت من قسوة وهربت منها، إلى الأعلى. أعتقد أني كنت ~~أجري لأجد مرآة، أو حتى أجد شخصا يمكن أن يخبرني أنها كانت مخطئة. وما إن يثبت هذا، حتى ~~أستطيع أن أغرز أسناني فيها بكراهية خالصة. أعاقبها. لم يكن لدي الوقت حينها لأعرف ~~كيف. # ركضت عبر الكوخ - لم تكن أم نانسي في أي مكان بحثت فيه، رغم أنه كان يوم السبت - وصفقت ~~الباب الخارجي. ركضت على الممشى المعبد بالحصى، ثم على الممر المبلط بين صفي نبات ~~سيف الغراب المزدهر. رأيت أمي تنهض عن كرسيها الخوص حيث اعتادت الجلوس لتقرأ، في شرفتنا ~~الخلفية. ~~«لست أحمر الوجه»؛ صحت وأنا أزدرد دموع الغضب. «لست أحمر الوجه.» هبطت أمي درجات ~~السلم بوجه مصدوم لم يفهم بعد، ثم اندفعت نانسي من الكوخ خلفي مندهشة تماما، بوجهها ~~المزخرف. # فهمت أمي. # صرخت في وجه نانسي بصوت لم أسمعه من قبل، صوت مرتفع، وحشي ومرتعش: «أيتها المجرمة ~~الصغيرة البغيضة.» ~~«لا تقتربي منا، إياك، أنت فتاة سيئة جدا جدا، ليس في داخلك ذرة شفقة إنسانية؟ لم ~~يعلمك أحد ms130 قط أن ...» # خرجت والدة نانسي من الكوخ، وكان شعرها مبتلا منسابا فوق عينيها، وكانت تحمل ~~فوطة. # قالت والدة نانسي: «بحق الإله، ألا أستطيع غسل شعري في هذا المكان ...» # صرخت أمي فيها أيضا: «إياك أن تستخدمي هذه اللهجة أمام ابني وأمامي ...» # ردت والدة نانسي من فورها: «يا للهراء! هل علي أنا أقف صامتة وأنا أسمعك تصيحين ~~وتصرخين؟!» # أخذت أمي نفسا عميقا، وقاطعتها قائلة: ~~«أنا ... لا ... أصرخ، كل ما أريد هو أن أقول لابنتك المجرمة إن وجودها لم يعد مرحبا ~~به في منزلنا. إنها طفلة قاسية حاقدة حتى تسخر من ابني في أمر لا حيلة له فيه. أنت لم ~~تعلميها أي شيء؛ أنت لم تعلميها أي سلوك مهذب؛ إنها لم تعرف كيف تشكرني حين ~~اصطحبتها معنا إلى الشاطئ، لم تعرف كيف تقول من فضلك أو شكرا؛ ولا عجب في ذلك، إذا كانت ~~تعيش مع أم مثلك تتبختر في إزارها.» # تدفق كل هذا من أمي كما لو كان بداخلها سيل من الغضب والألم والسخافات لن يتوقف أبدا. ~~حتى وأنا أجذبها من ثوبها متوسلا: «كفى، كفى.» # ثم زاد الأمر سوءا مع ترقرق عينيها بالدموع وابتلاعها الكلمات واختناقها ~~وارتجافها. # أزاحت والدة نانسي شعرها المبلل عن عينيها، ووقفت تراقب. # ثم قالت: «سأقول لك شيئا واحدا: استمري في هذا وسوف يأخذونك إلى مزبلة المجانين. ماذا ~~أفعل إذا كان لديك زوج يكرهك وابن بوجه مشوه؟!» # أمسكت أمي برأسها بين يديها وراحت تصيح متأوهة كأن الآلام تلتهمها. كانت فيلما - المرأة ~~التي كانت تعمل لدينا في المنزل في ذلك الوقت - قد خرجت إلى الشرفة؛ قالت: «سيدتي، تعالي، ~~سيدتي» ثم إذا بها ترفع صوتها وتصيح في والدة نانسي. ~~«اذهبي، اذهبي إلى منزلك، اذهبي من هنا.» ~~- «حسنا سأذهب، لا تقلقي. ولكن، من تظنين نفسك لكي تقولي لي ماذا أفعل! وكيف ترين ~~العمل عند ساحرة عجوز لديها خفافيش في برج منزلها؟» ثم تحولت إلى نانسي. ~~- «كيف أنظفك بحق السماء؟» # ثم عادت ترفع صوتها مرة أخرى لكي تتأكد من أني أسمعها، وقالت: ~~- «إنه مقزز، ms131 انظري كيف يتعلق بسيدته العجوز. لن تلعبي أبدا مع هذا الصبي مرة أخرى. رضيع ~~السيدة العجوز.» # رحنا نحاول أنا وفيلما تهدئة أمي وإعادتها إلى داخل المنزل. كانت قد توقفت عن الضجيج ~~الذي كانت تحدثه؛ واستوت في وقفتها، وراحت تتحدث بصوت مصطنع البهجة يمكن أن يبلغ ~~الكوخ: ~~«أحضري لي المجزة يا فيلما من فضلك! يمكنني أن أقلم الزنابق أثناء وجودي هنا؛ فقد ~~ذبل بعضها تماما.» # لكن مع انتهائها من التقليم، اختفت كلها من الممر؛ لا زهرة واحدة، ذابلة أو ~~مزدهرة. ~~••• # لا بد أن هذا حدث يوم سبت كما قلت؛ لأن والدة نانسي كانت في المنزل وفيلما كذلك كانت ~~حاضرة؛ إذ إنها لا تأتي يوم الأحد. ومع مجيء يوم الإثنين أو ربما قبل ذلك، أنا متأكد من أن ~~الكوخ كان قد خلا من ساكنتيه. ربما وصلت فيلما إلى أبي في النادي أو في ملعب الكروكيت ~~أو أينما كان، فجاء إلى المنزل ضيق الصدر وقح اللسان، لكنه سرعان ما أذعن. وأقصد ~~«أذعن»، بشأن طرد نانسي وأمها من المكان. لا أعلم أين ذهبتا. ربما أنزلهما فندقا حتى ~~يستطيع أن يدبر مكانا آخر لهما، ولا أعتقد أن والدة نانسي أظهرت أي اعتراض على ~~المغادرة. # راحت حقيقة أني لن أرى نانسي مرة أخرى تتضح لي ببطء. في البداية كنت غاضبا منها ولم ~~أبال، ثم حين سألت عنها، فلا بد أن أمي أسكتتني بإجابة غامضة؛ لعدم رغبتها في أن يتذكر ~~أي منا المشهد المؤلم. بالتأكيد كان ذلك هو الوقت الذي باتت تفكر فيه بجدية بشأن إلحاقي ~~بالمدرسة. في الواقع، أعتقد أني ألحقت بلاكفيلد ذلك الخريف. لعلها ظنت أني ما إن أتعود على ~~وجودي في مدرسة للبنين، سوف تتلاشى ذكرى صديقة طفولتي؛ الفتاة، وستبدو تافهة، بل ~~سخيفة. ~~••• # بعد يوم من جنازة أبي، فاجأتني أمي حين سألتني أن أدعوها على العشاء (بالطبع كان الوضع ~~أن تدعوني هي إلى العشاء) في مطعم على بعد بضعة أميال إلى جانب شاطئ البحيرة، حيث كانت ~~تأمل في ألا تقابل أحدا نعرفه. # قالت لي ms132 أمي: «أشعر أني قد سجنت في هذا المنزل للأبد، أحتاج إلى بعض الهواء.» # في المطعم، راحت تختلس النظرات حولها، ثم أعلنت أنه ما من أحد تعرفه. # قالت: «هل تشاركني كأس نبيذ؟» # هل قطعنا كل هذا الطريق لتستطيع أن تحتسي نبيذا علنا؟ # حين جاء النبيذ وطلبنا الطعام، قالت: «هناك أمر يجب أن تعرفه.» # ربما تكون تلك الكلمات من بين أبغض الكلمات التي يضطر الشخص إلى سماعها في حياته. ~~إنها تحمل دلالات قوية أن أيا ما كان يجب أن تعرفه سيكون حملا ثقيلا، وتنطوي على ~~إيحاء بأن أناسا آخرين اضطروا إلى حمله على كاهلهم، بينما كنت متحررا منه، كل ذلك ~~الوقت. # فقلت: «أبي ليس أبي الحقيقي، أليس كذلك؟» ~~- «لا تكن سخيفا. هل تتذكر صديقتك الصغيرة نانسي؟» # لم أتذكرها حقيقة للحظة. ثم قلت «ذكرى مبهمة!» # في ذلك الوقت، كانت كل أحاديثي مع أمي تتطلب تعاملا استراتيجيا من جانبي. لا بد أن ~~أبقى مرحا وظريفا وهادئا. كان صوتها ووجهها يواريان مشاعر أسى. لم تتذمر قط مما ~~أصابها من بلاء، لكن القصص التي كانت تحكيها لي كان أبطالها دائما أشخاصا كثيرين أسيء ~~استغلالهم رغم براءتهم؛ كانت قصصها تنضح بالسخط، لدرجة جعلتي بالتأكيد، على أدنى حد، أقبل ~~على أصدقائي وحياتي المحظوظة بقلب مثقل. # رفضت أن أؤازرها. كل ما أرادت أمي على الأرجح علامة ما على التعاطف، أو ربما على حنان ~~جسدي، لا أضمن هذا. كانت امرأة شديدة الاهتمام بهندامها لم يتمكن منها الهرم بعد، لكني ~~أحجمت عنها كما لو أن الاقتراب منها يحمل في جعبته كآبة لجوج؛ أو ربما خطر الإصابة بداء ~~معد. أحجمت عن أي إشارة إلى عيبي الخلقي خاصة، الذي بدا لي أنها تكن له معزة ~~خاصة؛ القيد الذي لا أستطيع منه فكاكا، الذي يجب أن ألتزم به، الذي ربطني بها منذ ~~الرحم. # قالت أمي: «ربما علمت بالأمر لو أنك كنت تقيم في المنزل فترة أطول، لكن هذا الأمر حدث ~~قبيل إلحاقك بالمدرسة.» # ذهبت نانسي وأمها إلى العيش في شقة يملكها أبي في الميدان، ms133 وفي صباح خريفي باكر مشمس، ~~عثرت أم نانسي على ابنتها في الحمام، وكانت تشق وجنتها بموسى حلاقة. تناثر الدم على ~~الأرض وفي الحوض، وهنا وهناك على نانسي، لكنها لم تتنازل عن هدفها، ولم تفلت منها صرخة ~~ألم. # كيف عرفت أمي كل هذا؟ أستطيع أن أخمن أنها قصة درامية انتشرت في البلدة فقط، وكان من ~~المفترض أن تظل في طي الكتمان، لكن دمويتها المفرطة - وهذا بالمعنى الحرفي للكلمة - ~~حالت دون أن تحكى تفصيلا. # وضعت والدة نانسي فوطة حول ابنتها، وبطريقة ما أخذتها إلى المستشفى. لم يكن هناك إسعاف ~~في ذلك الوقت، ربما أشارت لسيارة لتبطئ عند الميدان. لماذا لم تتصل بأبي؟ لا يهم - إنها لم ~~تتصل به وحسب. لم تكن الجروح عميقة، ولم تفقد دماء كثيرة على الرغم من الدم المتناثر؛ ~~لم تقطع وعاء دمويا رئيسا. ظلت والدة نانسي توبخ طفلتها طوال الوقت وتسألها إذا كان ~~عقلها سليما. # ظلت والدتها تقول: «أنت قدري؛ قدري أن تكون لي طفلة مثلك.» # قالت أمي: «لو كان هناك في ذلك الوقت اختصاصيون اجتماعيون، لحصلت تلك الفتاة الصغيرة ~~المسكينة على رعاية (مساعدة الأطفال)، بلا شك.» ~~«كانت الجروح في الوجنة ذاتها، كتلك التي لديك.» # حاولت أن أحافظ على صمتي، متظاهرا أني لا أعرف عم تتحدث؛ لكن اضطررت أن ~~أتحدث. # فقلت: «كان الطلاء يغطي وجهها كله.» ~~- «نعم، لكنها فعلته هذه المرة بدقة أكبر، شقت تلك الوجنة فقط؛ بذلت ما في وسعها ~~لتبدو مثلك.» # هذه المرة نجحت في أن أظل هادئا. ~~«لو كانت صبيا لاختلف الأمر، لكنه أمر شنيع بالنسبة إلى فتاة.» ~~«جراحات التجميل تصنع المعجزات هذه الأيام.» ~~«يا إلهي! ربما تستطيعان أن تفعلا ذلك.» # قالت بعد لحظة: «يا لعمق مشاعر الأطفال!» ~~«لربما يتجاوزون الأمر.» # أخبرتني أمي أنها لا تدري ماذا حدث لهما، الطفلة أو أمها. قالت إنها سعيدة أني لم أسأل ~~قط؛ لأنها كانت ستكره أن تخبرني بأي شيء محزن لهذه الدرجة، في وقت كنت لا أزال صغيرا ~~فيه. ~~••• # لا أعلم ما علاقة القصة بأي شيء، لكن يجب ms134 أن أقول إن أمي تغيرت كلية في سنوات ~~شيخوختها؛ إذ أصبحت بذيئة اللسان وكثيرة الأوهام. ادعت أن أبي كان حبيبا رائعا وأنها ~~نفسها كانت «فتاة سيئة جدا». أعلنت أني كان يجب أن أتزوج «تلك الفتاة التي شقت وجهها» ~~لأن أيا منا لن يستطيع التبجح بأنه فعل جميلا للآخر، ثم قهقهت ضاحكة وهي تقول إن ~~كلا منا سيكون مشوها مثل الآخر تماما. # كنت متفقا معها؛ إذ إني أحببتها حبا جما آنذاك. ~~••• # منذ بضعة أيام، لدغني دبور بينما أزيل بعض ثمرات تفاح معطوبة تحت واحدة من الأشجار ~~العتيقة. لدغني في جفني، الذي سرعان ما انغلق. قدت السيارة بنفسي إلى المستشفى معتمدا ~~على عيني الأخرى (كانت العين المتورمة في الجانب «الجيد» من وجهي)، وأدهشني حين علمت أني ~~يجب أن أقضي الليلة في المستشفى. كان السبب هو أنه ما إن أحقن، حتى يجب أن أضع ضمادة على ~~عيني؛ لكي أتجنب أن تصاب العين التي ترى بالترشيح. نمت نوما قلقا في تلك الليلة؛ إذ ~~كنت أستيقظ كثيرا. بالطبع لا يسود الهدوء المستشفى أبدا، وفي تلك الفترة القصيرة التي كنت ~~لا أرى فيها، بدا أن سمعي أصبح أكثر حدة. حين سمعت خطوات في غرفتي عرفت أنها لامرأة، ~~وشعرت أنها ليست الممرضة. # لكن حين قالت: «حسنا، أنت مستيقظ، أنا القارئة.» اعتقدت أني أخطأت، فقد كانت ممرضة في ~~النهاية. مددت ذراعي؛ إذ اعتقدت أنها أتت لتقرأ ما هو معروف بالعلامات الحيوية. # فقالت بصوتها الجاد الصغير: «لا، لا، أتيت لأقرأ لك، إذا كنت تحب هذا. يحب الناس هذا في ~~بعض الأحيان؛ إذ يضجرون من الاستلقاء بعينين مغلقتين.» # سألتها قائلا: «هل يختارون ما تقرئينه لهم، أم أنك من تختارين؟» ~~- «بل هم من يختارون، لكن في بعض الأحيان أذكرهم بنحو ما، فأحيانا، أحاول أن أذكرهم ~~ببعض قصص الإنجيل؛ جزء من الإنجيل يحفظونه، أو قصة من طفولتهم. أحمل معي مجموعة كاملة من ~~الموضوعات.» ~~- «أحب الشعر.» ~~- «لا تبدو متحمسا.» # أدركت أن هذا صحيح وعرفت السبب. لدي خبرة في إلقاء الشعر، على الراديو، وفي ms135 الإصغاء ~~لقراءة أصوات مدربة أخرى وهي تلقي الشعر، وهناك أساليب إلقاء أحبها وأخرى ~~أمقتها. # قالت: «إذن نستطيع أن نلعب لعبة.» كما لو أني أوضحت لها هذا، دون أن أفعل. «يمكن أن أقرأ ~~عليك بيتا أو بيتين، ثم أتوقف وأرى إذا كنت تستطيع أن تكمل البيت الثاني. حسنا؟» # أثار إعجابي أنها يمكن أن تكون صغيرة في العمر، ومتلهفة على المراهنة وعلى النجاح في هذه ~~الوظيفة. # وافقت، ولكن أخبرتها ألا تذكر أي أبيات بالإنجليزية القديمة. # بدأت وفي صوتها نبرة السؤال: «جلس الملك في بلدة دونفرملين ...» # فتدخلت آخذا دوري: «يحتسي النبيذ الأحمر الدموي ...» وواصلنا اللعبة في حالة مزاجية جيدة. ~~تقرأ جيدا، مع أنه بأداء طفولي قليلا، وسرعة فيها ما فيها من التباهي. بدأت أحب نبرة ~~صوتي؛ إذ كانت تتمكن مني نزعة تمثيلية انعكست نوعا ما على أدائي. # قالت: «رائع.» ~~«وأدلك على منبت السوسن/على ضفاف إيطاليا ...» # قالت: «أهي منبت أم غير ذلك؟ ليس لدي في الحقيقة كتاب به هذا، مع أني يجب أن أتذكر. ~~لا يهم، إن هذا رائع، لطالما أحببت صوتك في الراديو.» ~~- «حقا؟ هل كنت تستمعين إلي؟» ~~- «بالطبع. كثير من الناس استمعوا إليك.» # توقفت عن تلقيني الأبيات، وتركتني أسترسل. لك أن تتخيل، روينا قصائد «شاطئ دوفر» (ماثيو ~~أرنولد)؛ و«قبلاي خان» (كولريدج)؛ و«الرياح الغربية» (شيلي)؛ و«البجعات البرية» (بتلر)؛ ~~و«شباب هالك» (أون). حسنا، ربما بعض أجزاء منها، وليس كلها. # قالت لي: «لقد بدأ نفسك ينقطع.» كانت يدها الصغيرة السريعة فوق فمي، ثم وجهها أو جانب ~~منه فوق وجهي؛ «يجب أن أذهب، إليك واحدة أخرى قبل أن أذهب، سأصعبها لأني لن أبدأ من ~~مطلعها.» ~~«لن يبكيك أحد طويلا/لن يصلي أحد لأجلك؛ لن يفتقدك أحد/أصبح مكانك خاويا ...» # قلت: «لم أسمع بها قط.» ~~«متأكد؟» ~~«متأكد. أنت تفوزين.» # ارتبت في شيء ما حينها. بدت مشتتة، منزعجة قليلا. سمعت صياح الإوز أثناء تحليقه ~~فوق المستشفى. يتدرب على الهجرة في هذا الوقت من السنة، ثم تطول المسافات ، وفي يوم ما ~~يختفي. استيقظت في حالة من الدهشة، والسخط، تلك التي تتبع ms136 حلما يبدو واقعا. كنت أريد أن ~~أعود وأشعر بوجهها فوق وجهي، وجنتها فوق وجنتي، لكن الأحلام ليست كريمة إلى هذا ~~الحد. ~~••• # حين استعدت بصري وعدت إلى البيت، بحثت عن تلك الأبيات التي تركتها لي في الحلم. تفحصت ~~كتابين من المقتطفات الشعرية ولم أعثر عليها فيهما. بدأت أشك أن هذه الأبيات ليست جزءا من ~~قصيدة حقيقية، لم تكن إلا إبداعا داخل الحلم؛ لكي تتركني في حيرة من أمري. # ولكن، من الذي أبدعها؟ # في وقت لاحق، من فصل الخريف، حين كنت أجهز بعض الكتب لأتبرع بها إلى بازار خيري، وقعت ~~قصاصة ورق مائلة إلى اللون البني، مكتوب عليها بعض السطور بالقلم الرصاص. لم يكن خط أمي، ~~ولا يمكن أن يكون لأبي، إذن لمن كان؟ أيا من كان، فقد كتب اسم مؤلفها في النهاية. والتر ~~دي لا مير. لا عنوان. لم يكن من الكتاب الذين أعرفهم بشكل خاص، لكن لا بد أني رأيت ~~القصيدة في وقت ما، ربما ليست في هذا الكتاب، ربما في مرجع ما، لا بد أني دفنت الكلمات في ~~فجوات غائرة من عقلي، ولماذا؟ حتى تسخر مني، أو كي يسخر مني شبح طفلة ملح في حلم ~~ما؟ # لا حزن # لن يشفيه الزمن # لا فقد، أو خيانة # يستعصيان على الشفاء # بلسم للروح، إذن # مع أن الحزن سوف يفرق بين الأحباء # يمزق كل ما كان # انظر ... الشمس العذبة تشرق # والمطر قد توقف # والزهر يتأنق في محياه # كم هو فاتن هذا النهار # لا تمعن التفكير # في الحب، وفي الواجب # فلعل أصدقاءك الذين نسيتهم طويلا # ينتظرونك؛ حيث # لقاء الحياة مع الموت # يأتي بكم جميعا إلى المشهد # لن يبكيك أحد طويلا # لن يصلي أحد لأجلك، أو يفتقدك # تركت مكانك خاويا # وصار أثرك عدما! # لم تصبني القصيدة بالإحباط، بل الأمر الغريب أنها عززت بداخلي قرار عدم ~~بيع العقار، بل وأن أبقى فيه أيضا. # شيء ما قد حدث ها هنا، في حياتك، هناك أماكن قليلة، أو ربما مكان واحد فقط، حدث به شيء ~~ما، وبعده تأتي كل ms137 الأماكن الأخرى. # بالطبع أعرف لو أني رأيت نانسي - في مترو الأنفاق على سبيل المثال في تورنتو - فكل منا لا ~~يزال يحمل علامته المميزة، فإننا على كل الاحتمالات لن نتدبر سوى إجراء إحدى هذه المحادثات ~~المحرجة الجوفاء؛ حيث نسرد في إيجاز قائمة من الحقائق الذاتية عديمة الجدوى، لعلي كنت ~~سألاحظ الوجنة الملتئمة التي تكاد تبدو عادية، أو الجرح الذي لا يزال ملحوظا، لكننا لن ~~نشير إلى هذا في حديثنا على الأرجح. ربما نذكر الأطفال - لكن لن نذكر على الأرجح إذا كانت ~~تعافت أم لا - والأحفاد، والأعمال. ربما لن أضطر لذكر هذا عني. لعلنا كنا لنشعر ~~بالصدمة والحميمية والرغبة الشديدة في الفرار. # هل تعتقد أن هذا كان يمكن أن يغير الأمور؟ # الإجابة هي: بالتأكيد، ربما لفترة من الوقت، وربما لم يكن ليغيرها أبدا. # | بضع نساء # أندهش في بعض الأحيان حين أفكر في عمري. أذكر حين كانت ترش شوارع البلدة التي عشت ~~فيها بالمياه لتهدئة التراب في الصيف، وحين كانت الفتيات يرتدين فساتين ذات خصر ~~محكم ومن قماش القرينول القطني الذي ينتصب وحده، وحين لم يكن هناك الكثير مما يمكن ~~عمله مع شلل الأطفال واللوكيميا - تحسن بعض من أصابهم شلل الأطفال، سواء أصيبوا بعدها ~~بالعجز أم لا، لكن من عانوا من اللوكيميا رقدوا في الفراش، وبعد انهيار كان يدوم أسابيع ~~أو شهورا في جو مأساوي، كانوا يموتون. # حصلت على وظيفتي الأولى بسبب حالة كهذه في إجازة الصيف حين كنت في الثالثة عشرة من عمري. ~~عاد السيد كروزير الشاب (بروس) إلى بيته من الحرب سالما؛ إذ كان طيارا مقاتلا، التحق ~~بالجامعة ودرس التاريخ، وتخرج فيها، وتزوج، وهو يعاني الآن من اللوكيميا. عاد هو وزوجته ~~ليبقيا مع زوجة أبيه السيدة كروزير العجوز. وكانت السيدة كروزير الشابة (سيلفيا) تذهب ~~مرتين أسبوعيا في فترة ما بعد الظهيرة لتدرس أحد الفصول الدراسية الصيفية في تلك الكلية ~~ذاتها التي تقابلا فيها، على بعد أربعين ميلا. وظفوني لأرعى السيد كروزير الشاب أثناء ~~غيابها عن المنزل. كان يرقد في السرير في ms138 أول غرفة في الدور العلوي، وكان لا يزال قادرا ~~على الذهاب إلى الحمام بنفسه. كل ما كان علي أن أفعله هو أن أحضر له الماء وأن أخفف ~~الإضاءة أو أزيدها، وأرى ما الذي يحتاجه حين يقرع الجرس الصغير الموضوع على المائدة ~~الصغيرة بجوار سريره. # كان ما يريده غالبا هو تحريك المروحة. أحب نسيمها لكن كان يزعجه ضجيجها؛ لذا كان ~~يريد المروحة في الغرفة فترة من الوقت، ثم يريد إخراجها إلى القاعة لكن بالقرب من بابه ~~المفتوح. # حين سمعت أمي هذا تساءلت عن السبب الذي جعلهم لا يضعونه في غرفة في الطابق السفلي، حيث ~~السقف عال بالتأكيد، وسوف يشعر ببرودة أكبر. # أخبرتها أنه لا توجد غرف نوم بالطابق السفلي. # قالت: «حسنا، يا للسماء! ألا يستطيعون تجهيز واحدة بصفة مؤقتة؟» # أظهر هذا ضآلة ما تعرفه عن إدارة بيت آل كروزير أو سيطرة السيدة كروزير العجوز. تمشي ~~السيدة كروزير العجوز بعكاز. تصعد السلم مرة واحدة، على نحو كئيب ينذر بالشؤم؛ لترى ابن ~~زوجها في الأيام التي أكون فيها هناك، وأظن أنها لا تفعل أكثر من هذا حين لا أكون هناك، ثم ~~صعودا آخر، حسب الضرورة، حين تذهب للنوم. لكن فكرة وجود غرفة نوم في الطابق السفلي يمكن أن ~~تغضبها مثل فكرة وجود حمام في غرفة المعيشة. لحسن الحظ كان هناك بالفعل حمام في الطابق ~~السفلي، خلف المطبخ، لكني كنت متأكدة أنه لو كان الحمام الوحيد في الطابق العلوي لكانت فضلت ~~صعود السلم بقدر ما هو ضروري ومجهد، على أن ترى تغييرا جذريا ومزعجا. # كانت أمي تفكر في العمل في مجال القطع الأثرية العتيقة؛ ولهذا كانت مهتمة جدا بالمنزل ~~من الداخل. دخلته مرة في أول يوم لي. كنت في المطبخ، ووقفت مرتاعة حين سمعتها تهتف ~~«يوووو-هووو» ثم أتبعت ذلك بالشتيمة المرحة الخاصة بي، ثم دقتها الروتينية، خطواتها على ~~سلم المطبخ. حينها خرجت السيدة كروزير العجوز تمشي بتثاقل من الغرفة المشمسة . # قالت أمي إنها مرت لترى كيف تسير شئون ابنتها. # قالت السيدة كروزير التي كانت ms139 تقف عند باب الصالة تحجب رؤية القطع الأثرية القديمة: «لا ~~بأس بها.» # ألقت أمي ببعض الملاحظات المخزية الأخرى قبل أن ترحل. في الليلة ذاتها، قالت أمي إن ~~السيدة كروزير العجوز لا تتمتع بالتهذيب؛ لأنها مجرد زوجة ثانية التقطها زوجها في رحلة عمل ~~إلى ديترويت؛ ولهذا كانت تدخن وتصبغ شعرها أسود بلون القار وتضع أحمر شفاه مثل لطخة ~~مربى. لم تكن حتى أم المريض الذي في الطابق العلوي. لم تتمتع بالذكاء الكافي لتكون ~~أمه. ~~(كنا أثناء أحد شجاراتنا حينئذ؛ وكان هذا الشجار يتعلق بزيارتها، لكن هذا أمر لا ~~أهمية له.) # أما من وجهة نظر السيدة كروزير العجوز، فلا بد أني بدوت مجرد متطفلة مثل أمي، مجرد ~~متبجحة مرحة. في يومي الأول ذاته دخلت قاعة الاستقبال الخلفية، وفتحت خزانة الكتب، ووقفت ~~هناك أتفحص مجموعة كلاسيكيات هارفارد المصفوفة على نحو ممتاز. معظمها أجفلني، لكني ~~أخرجت واحدا، ربما كان رواية على الرغم من عنوانه بلغة أجنبية # I Promessi ~~Sposi ~~(أعدك بالزواج). اتضح أنه رواية بالفعل، وكان ~~بالإنجليزية. # لا بد أني كنت أتصور حينئذ أن كل الكتب مجانية أينما وجدتها، مثل المياه في الصنبور ~~العمومي. حين رأتني السيدة كروزير مع الكتاب سألتني من أين حصلت عليه، وما الذي أفعل به. ~~أجبتها بأني التقطته من المكتبة وأحضرته للطابق العلوي لكي أقرأ. يبدو أن الأمر الذي ~~أربكها هو أني حصلت عليه من الطابق السفلي وأحضرته إلى الطابق العلوي. واضح أنها نحت ~~جانبا جزء القراءة، كما لو أن هذا النشاط غريب جدا على تفكيرها. وأخيرا، قالت لي إني ~~إذا أردت أن أقرأ كتابا فعلي إحضاره معي من البيت. # كانت الرواية مملة ورتيبة على كل حال، ولم أبال بإعادتها إلى مكانها في ~~المكتبة. # كان هناك بالطبع كتب في غرفة المريض، بدا لي أن القراءة مقبولة فيها. لكن غالبية الكتب ~~كانت مفتوحة، وعلى وجهها، كما لو أن السيد كروزير قرأ قليلا من هذا وذاك ووضعه جانبا. ولم ~~تجذبني عناوينها : «محاكمة الحضارة»، «المؤامرة الكبرى على روسيا». # كانت جدتي قد حذرتني من ms140 لمس أي شيء يكون المريض قد لمسه؛ بسبب الجراثيم، إذا كان بوسعي ~~تجنب ذلك، وأخبرتني أنه يجب أن أضع قطعة قماش بين أصابعي وكوبه. # قالت أمي إن اللوكيميا ليست مرضا تسببه الجراثيم. # قالت جدتي: «ما الذي يسببه إذن؟» ~~- «الأطباء لا يعرفون.» ~~- «هاه.» ~~••• # كانت السيدة كروزير الشابة هي التي تأخذني وتعيدني إلى منزلي، مع أن المسافة لم تتجاوز ~~عبور البلدة من طرف إلى الآخر. كانت امرأة طويلة ورفيعة ذات شعر فاتح، ولون بشرة متغير؛ ~~ففي بعض الأحيان كان يملأ وجنتيها بقع حمراء وكأنها كانت تحكهما. سرت ~~إشاعة أنها أكبر سنا من زوجها، وأنه كان تلميذها في الكلية. قالت أمي إنه يبدو أن أحدا ~~لم يفكر أنه قد يكون تلميذها ببساطة لأنه من قدامى المحاربين دون أن يجعلها هذا أكبر منه. ~~يعاملها الناس بعداء لأنها متعلمة فقط. # قالوا أيضا إنها كان يمكن أن تلازم المنزل وترعاه، حسبما يلزمها عقد الزواج ووعوده، ~~بدلا من أن تخرج للتدريس. دافعت عنها أمي مرة أخرى فقالت إنهما ظهيرتان فقط أسبوعيا ~~وعليها أن تحافظ على وظيفتها؛ إذ تدرك أنها سوف تعول نفسها قريبا جدا. وتساءلت أمي: ~~إذا لم تبتعد عن السيدة العجوز بين الحين والآخر، ألا تعتقدين أنها قد تجن؟ لطالما ~~دافعت أمي عن النساء اللواتي يعملن في البلدة، ولطالما وبختها جدتي بسبب هذا. # في أحد الأيام حاولت أن أجري حديثا مع السيدة كروزير الشابة أو سيلفيا. كانت الخريجة ~~الجامعية الوحيدة التي أعرفها، ناهيك عن أنها معلمة؛ بالإضافة إلى زوجها بالطبع، الذي لم ~~أعد أضعه في الاعتبار. # سألتها: «هل كتب توينبي كتبا تاريخية؟» # قالت: «أستمحيك عذرا؟ أوه! نعم.» # لم يكن أي أحد منا يعني لها شيئا؛ لا أنا، ولا من انتقدوها، ولا من دافعوا عنها، لسنا ~~أكثر من حشرات حول مصباح مضيء. ~~••• # ما كان يعني السيدة كروزير العجوز حقا هو حديقة أزهارها. كان لديها رجل يأتي ويساعدها، ~~شخص في مثل عمرها لكنه أكثر خفة ومرونة. كان يقطن في شارعنا، وفي الحقيقة كان هو من ~~حدثها عني كموظفة ms141 محتملة. في البيت، لا يفعل شيئا سوى الثرثرة ويترك الأعشاب الضارة ~~تنمو، لكنه عند السيدة يقتلع الأعشاب، ويسمد الحديقة، ويتذمر، بينما تتبعه هي متكئة على ~~عكازها، وتظللها قبعتها القش الكبيرة. في بعض الأحيان تجلس فوق مقعدها، لكن تعلق ~~وتعطي الأوامر وتدخن سيجارة. في البداية، تجرأت على المشي بين الأسيجة المتقنة الصنع ~~لأسأل إن كانت هي أو معاونها يرغبان في كوب من المياه، فصرخت: «انتبهي لأحواض الزرع» قبل أن ~~تقول: كلا. # لم تكن هناك زهور تدخل المنزل. أفلتت بعض نباتات الخشخاش ونمت بقوة خلف السياج، تقريبا ~~في الشارع؛ لذا سألت إن كنت أستطيع جمع باقة منها لأضفي البهجة على غرفة المريض. # قالت: «ستموت فحسب»، دون أن تعي على ما يبدو أن هذه الملاحظة ذات حدين، في ظل ~~الظروف الحالية. # بعض اقتراحات أو أفكار معينة كانت تجعل عضلات وجهها المبقع الرخو ترتجف، وتجعل ~~عينيها تصبحان حادتين وسوداوين، وتجعل فمها يتحرك كما لو أن به مذاقا بغيضا. ~~يمكن لملامح وجهها أن توقفك عن الكلام حينها، مثل النباتات الشوكية البرية. ~~••• # لم يكن يوما عملي متعاقبين. فلنقل إنهما كانا الثلاثاء والخميس مثلا. كنت ~~وحيدة في اليوم الأول مع الرجل المريض والسيدة كروزير. وصل في اليوم الثاني شخص لم يخبروني ~~عنه. سمعت صوت السيارة أمام البيت، وبعض الخطوات النشطة تصعد السلالم الخلفية، وشخصا يدخل ~~المطبخ دون أن يطرق الباب، ثم نادى أحدهم: «دورثي»، التي لم أكن أعرف أنه اسم السيدة كروزير ~~العجوز. كان الصوت لامرأة أو فتاة، وكان جريئا ومثيرا في آن واحد، فتشعر تقريبا أن هذا ~~الشخص يدغدغك. # هبطت السلم مسرعة وأنا أقول: «أعتقد أنها في الغرفة المشمسة.» # قالت: «واو، ما هذا؟ من أنت؟» # أخبرتها من أنا وماذا أفعل هنا، وقالت السيدة الشابة إن اسمها روكسان. # وأردفت: «أنا المدلكة.» # لم أكن أحب أن يفاجئني أحد بكلمة لا أعرفها. لم أقل أي شيء لكنها رأت تعبيرات ~~وجهي. # قالت: «لم تفهمي ما تعنيه المدلكة، أليس كذلك ؟ أنا أقوم بجلسات تدليك للجسم، هل سمعت عن ~~هذا من قبل؟» ms142 # كانت حينئذ تفرغ محتويات الحقيبة التي معها: ضمادات وأقمشة متنوعة وفرش مخملية. # ثم أردفت: «سأحتاج إلى بعض المياه الساخنة لتدفئة هذه الأشياء، يمكنك أن تسخني بعض الماء ~~في الغلاية.» # كان المنزل كبيرا، لكن لم يكن به إلا مياه باردة في الصنبور، كما في منزلي. # يبدو أنها رأت أني شخص على استعداد لتلقي الأوامر؛ خاصة، ربما، الأوامر التي تصدر بصوت ~~لطيف جدا كصوتها. وكانت على حق، مع أنها ربما لم تخمن أن استعدادي كان بدافع الفضول أكثر ~~من سحرها. # اكتسبت سمرة مبكرا في ذلك الصيف، وكان شعرها الصبياني يلمع لمعة نحاسية؛ وهو ما يمكن أن ~~تكتسبه بسهولة هذه الأيام بواسطة زجاجة، لكن كان حينئذ أمرا غير معتاد ويدعو للحسد. كانت ~~ذات عينين بنيتين، ولديها غمازة في أحد خديها، وتبتسم وتمرح بحيث لا يمكنك ~~قط أن تلقي نظرة فاحصة على وجهها لتعرف ما إذا كانت جميلة حقا أم لا، أو كم ~~عمرها. # انحنى ردفاها على نحو جميل إلى الوراء بدلا من أن يتوزعا على جانبيها. # علمت على الفور أنها وافدة جديدة على البلدة، متزوجة من ميكانيكي يعمل في محطة إسو، وأن ~~لديها ولدين، أحدهما في الرابعة والآخر في الثالثة. قالت وهي تغمز إحدى غمزاتها العابثة: ~~«احتجت بعض الوقت لأفهم السبب في مجيئهما.» # تدربت على مهنة التدليك في هاملتون حيث كانوا يعيشون، واتضح لها أنه العمل الذي تمتعت ~~دائما بمهارة خاصة في أدائه. # صاحت: «دووورثي؟» # قلت لها مرة ثانية: «إنها في الغرفة المشمسة.» # قالت: «أعرف، أنا أمازحها فحسب. ربما لا تعرفين شيئا عن التدليك، لكن عندما تدلكين ~~جسمك، يجب أن تخلعي كل ملابسك. لا تكون مشكلة كبيرة حين تكونين شابة، لكن حين تكبرين في ~~العمر، كما تدركين، تشعرين بالحرج الشديد.» # كانت مخطئة في أمر واحد فقط، على الأقل بالنسبة لي، أخطأت في أن ذلك لا يكون مشكلة في ~~الشباب. # وأضافت: «لهذا ربما يجب أن تنسحبي من هنا على الفور.» # هذه المرة صعدت السلم الأمامي بينما كانت هي مشغولة بالماء الساخن. بهذه الطريقة استطعت ms143 ~~أن ألقي نظرة عبر باب الغرفة المشمسة، حيث لم تكن مشمسة على الإطلاق؛ إذ إن كل نوافذها في ~~الجهات الثلاث مغطاة بأوراق عامرة من أشجار الكتلبة. # رأيت السيدة كروزير العجوز هناك مستلقية على سرير، على بطنها، رأسها متجه إلى الجهة ~~الأخرى مني، عارية تماما. طبقة رقيقة رفيعة من اللحم الشاحب. لم يبد جسمها عجوزا جدا ~~مثل الأجزاء التي تظهر منه يوميا؛ يداها المعرقتان المنمشتان، وساعداها، ووجنتاها ~~المبقعتان. هذا الجزء المغطى من جسدها كان أصفر مائلا إلى البياض، مثل الخشب الذي نزع ~~عنه لحاؤه. # جلست على الدرجة الأولى، واستمعت إلى أصوات التدليك. ضربات ونخرات. صوت روكسان آمرا ~~ومبتهجا لكنه محفز. ~~- «عقدة متيبسة هنا. أوه! سأضطر إلى صفعك بشدة. أمزح معك. آوو. هيا، فكي من ~~أجلي. تعلمين أن لديك جلدا جميلا هنا. تجويف ظهر كمثل مؤخرة الطفل. الآن سوف أضغط عليك ~~قليلا، سوف تشعرين بهذا هنا. تخلصي من التوتر. فتاة جيدة.» # كانت السيدة كروزير العجوز تعوي قليلا. أصوات شكوى وامتنان. استمرت الجلسة لفترة طويلة ~~ثم شعرت بالملل فعدت لأقرأ بعض المجلات البيتية الكندية القديمة التي وجدتها في خزانة ~~الردهة. قرأت وصفات طعام وتفحصت الموضة القديمة حتى سمعت صوت روكسان يقول: «الآن سوف أنظف ~~هذه الأشياء ونصعد لأعلى كما تريدين.» # وضعت المجلات في مكانها في الخزانة؛ المجلات التي كانت أمي ستحسدني عليها، ثم دخلت غرفة ~~السيد كروزير. كان نائما، أو على الأقل عيناه مغلقتان. حركت المروحة بضع بوصات ورتبت ~~غطاءه وذهبت أقف إلى جانب النافذة أتحسس طريقي في العتمة. # وكما هو متوقع، علت ضجة من السلم الخلفي؛ السيدة كروزير العجوز بخطواتها البطيئة ~~والمتوعدة مع العكاز، وروكسان تركض تسبقها على السلم وتنادي: «احذر، احذر، أينما كنت، نحن ~~آتيتان لإمساكك أينما كنت.» # فتح السيد كروزير عينيه الآن، وعلا وجهه المرهق تعبير ينم عن القلق. لكن قبل أن يتظاهر ~~بالنوم مرة أخرى، اندفعت روكسان إلى الغرفة. # قالت: «إذن، هذا هو المكان الذي تختبئ فيه. قلت لزوجة أبيك إني أعتقد أن الوقت حان لأتعرف ~~عليك.» # قال السيد ms144 كروزير: «كيف حالك روكسان؟» ~~- «كيف عرفت اسمي؟» ~~- «الشائعات تنتشر.» ~~- قالت روكسان للسيدة كروزير العجوز، التي جاءت إلى الغرفة تتعثر في خطواتها: «لديك شخص ~~ظريف هنا.» # قالت السيدة كروزير لي: «كفي عن التسكع؛ اذهبي وأحضري لي كوب ماء فاتر إذا كنت تريدين ~~أن تفعلي شيئا مفيدا. ليس باردا، فاترا فحسب.» # قالت روكسان للسيد كروزير: «حالتك مزرية. من حلق لك ذقنك؟» # قال: «حلقتها أمس بنفسي، بقدر ما استطعت.» # قالت روكسان: «هذا ما ظننته.» ثم قالت موجهة حديثها إلي: «حين تحضرين لها كوب الماء، ~~ما رأيك في أن تسخني لي بعض الماء لأتولى حلاقة ذقنه على نحو لائق؟» ~~••• # هكذا حصلت روكسان على هذا العمل الآخر، مرة أسبوعيا بعد جلسة التدليك. قالت للسيد ~~كروزير في ذلك اليوم الأول ألا يقلق. # قالت له: «لن أخبط عليك كما لا بد أنك سمعتني أفعل مع دورثي العابثة في الدور السفلي. قبل ~~أن أصبح مدلكة كنت أعمل في التمريض، مساعد ممرض. واحدة من تلك الأعمال التي تعمل فيها كل ~~شيء ويمر الممرضات ليشرفن عليك. على كل، تعلمت كيف أريح الناس.» # دورثي العابثة؟ ابتسم السيد كروزير ابتسامة عريضة. لكن الغريب أن السيدة كروزير العجوز ~~اكتفت أيضا بالابتسام فحسب. # حلقت روكسان ذقنه بمهارة. مسحت وجهه ورقبته وجذعه وذراعيه ويديه بإسفنجة، ~~وسحبت الملاءات من تحته، بطريقة لا تزعجه، وخبطت الوسادات وأعادت ترتيبها. كانت تتحدث ~~طوال الوقت؛ مزاح خالص وهراء. # قالت: «دورثي، أنت كاذبة؛ قلت إن لديك رجلا مريضا فوق، فأدخل هنا وأتساءل أين الرجل ~~المريض؟ لا أرى أي رجل مريض هنا.» # قال السيد كروزير: «إذن ما رأيك في؟» ~~- «تتعافى، هذا ما أعتقده. لا أقول إنك يجب أن تنهض وتجري، لكني أقول إنك تتعافى. أي شخص ~~مصاب بمرضك ليس من المفترض أن يبدو في حالة جيدة كما تبدو أنت الآن.» # اعتقدت أن هذه الثرثرة المليئة بالغزل مهينة؛ كان مظهر السيد كروزير رهيبا في الحقيقة، ~~رجل طويل برزت أضلاعه بينما كانت تمسح جسده مثل أضلاع شخص عانى من الجوع، أصلع، وجلده مثل ~~جلد ms145 دجاجة منتوفة الريش، وبرزت عروق رقبته وكأنه طاعن في السن. حينما كنت أخدمه بأي شكل ~~كنت أتجنب النظر إليه، ليس لأنه مريض وقبيح بل لأنه يحتضر. كنت سوف أشعر بشيء من هذا ~~التحفظ حتى لو بدا جميلا ملائكيا. كنت أشعر بجو الموت في المنزل؛ إذ يغدو أكثر كثافة ~~حين تقترب من غرفته، وكان هو مركزها، مثل خبز القربان المقدس الذي يحتفظ به الكاثوليك في ~~صندوق يسمى الصيوان. كان هو المنكوب، مميزا عن الجميع، وها هي روكسان تنتهك أرضه ~~بمزحاتها وتبخترها وفكرتها عن التسلية. # تتساءل، على سبيل المثال، عما إذا كان هناك في المنزل لعبة اسمها الشطرنج ~~الصيني. # وربما كانت زيارتها الثانية حين سألته ماذا فعل طوال اليوم. # أجابها: «أقرأ أحيانا، وأنام.» # وكيف نام في الليل؟ ~~- «إذا لم أستطع النوم، أستلقي مستيقظا، أفكر، أقرأ أحيانا.» ~~- «ألا يزعج هذا زوجتك؟» ~~- «تنام في الغرفة الخلفية.» ~~- «آها. إنك بحاجة إلى بعض التسلية.» ~~- «هل ستغني وترقصي لي؟» # رأيت السيدة كروزير العجوز تدير وجهها بابتسامتها الغريبة الخارجة عن إرادتها. # قالت روكسان: «لا تكن وقحا. هل تحب لعب الورق؟» ~~- «أكره لعب الورق.» ~~- «حسنا، هل لديك شطرنج صيني في البيت؟» # وجهت روكسان السؤال إلى السيدة كروزير العجوز، التي قالت في البداية إنها لا تعرف، ثم ~~تساءلت إن كان هناك واحد في درج من أدراج بوفيه غرفة الطعام. # لذا أرسلتني لأنظر، وعدت باللوح ووعاء من أحجار الداما الصغيرة. # وضعت روكسان اللوح على ساقي السيد كروزير، ولعبت هي وأنا والسيد كروزير، بعد أن قالت ~~السيدة كروزير العجوز إنها لم تفهم قط اللعبة ولم تستطع أن تحافظ على أحجارها منتصبة. ~~(لدهشتي، بدا لي أنها تقول هذا مازحة). قد تصرخ روكسان حين تحرك قطعة من أحجارها أو تزوم ~~حين ينقض شخص آخر على واحد منها، لكنها كانت حريصة ألا تزعج المريض أبدا. احتفظت ~~بجسدها ساكنا وكانت ترتب قطع أحجارها كأنها ريشات. حاولت أن أتعلم أن أفعل مثلها؛ لأنها ~~كانت تفتح عينيها على وسعها تحذرني إن لم أفعل هذا. كل هذا بدون أن ms146 تفقد نغزتها. # تذكرت أن السيدة كروزير الشابة، سيلفيا، قالت لي في السيارة إن زوجها لا يحبذ الحوارات. ~~قالت إنها تنهكه، وحين يتعب يصبح مهتاجا؛ لذا اعتقدت أن هذا الوقت هو الذي يمكن أن يصبح ~~عصبيا فيه؛ إذ أجبر على لعب لعبة سخيفة على سرير احتضاره؛ حيث تستطيع أن تشعر بحرارته ~~الشديدة في الملاءات. # لكن يبدو أن سيلفيا كانت مخطئة؛ فقد أظهر صبرا عظيما وتأدبا أكثر مما تعلم عنه. تصرف ~~مع أناس أدنى منه - بالتأكيد كانت روكسان أدنى منه - بتسامح ونبل. في حين أن كل ما كان ~~يريد أن يفعله هو الاستلقاء وتأمل حياته والاستعداد لمستقبله. # مسحت روكسان العرق عن جبينه وهي تقول: «لا تفرح، أنت لم تفز بعد.» # قال: «روكسان، روكسان؛ هل تعرفين اسم من هذا يا روكسان؟» # قالت: «هممم؟» ومن ثم تدخلت أنا في الحديث. لم أستطع أن أتمالك نفسي. ~~- «كان اسم زوجة الإسكندر الأكبر.» # كان رأسي مثل عش غراب العقعق المحتشد بكسرات لامعة من المعلومات. # قالت روكسان: «حقا؟ ومن يكون الإسكندر الأكبر هذا؟» # أدركت شيئا حين نظرت إلى السيد كروزير في تلك اللحظة؛ شيئا صادما ومحزنا. # لقد كان يفضل ألا تعرف. أدركت هذا. كان يفضل ألا تعرف. لقد أيقظ جهلها متعة ذابت ~~على لسانه مثل لعقة من حلوى التوفي. ~~••• # كانت ترتدي في اليوم الأول بنطالا قصيرا مثلي، لكن في المرة الثانية، وفيما بعد دائما ~~ارتدت روكسان فستانا من قماش سميك أخضر فاتح لامع. تستطيع أن تسمع حفيفه وهي تجري على ~~السلالم. أحضرت وسادة صوفية رقيقة ناعمة للسيد كروزير حتى لا يصاب بقرح الفراش. كانت ~~مستاءة من ترتيب أغطية السرير دائما، وكانت دائما تعدلها. ولكن التغييرات التي كانت ~~تجريها لم تزعجه قط، وجعلته يعترف أنه يشعر بالارتياح بعدها. # لم تكن تحتار أو ترتبك قط. أحيانا تأتي مجهزة بالألغاز، أو النكات. بعض النكات كانت من ~~تلك التي تسميها أمي بذيئة، ولم تكن لتسمح أن تذكر في منزلنا، إلا عندما تصدر عن بعض ~~أقرباء أبي الذين لم يمارسوا فعليا أي نوع ms147 آخر من الأحاديث. # تلك النكات تبدأ عادة بأسئلة تبدو جادة لكنها سخيفة. # هل سمعت عن المربية التي ذهبت تشتري مطحنة لحم؟ # هل سمعت عما طلبه العروسان تحلية في ليلة زفافهما؟ # تأتي الإجابات تحمل دائما معنى مزدوجا؛ بحيث إن قائل النكتة يمكن أن يتظاهر أنه صدم ~~ويتهم الحاضرين بأن طريقة تفكيرهم قذرة. # وبعد أن جعلتهم يعتادون على إلقائها لتلك النكات، مضت روكسان إلى نوع من النكات لا ~~أعتقد أن أمي على دراية بوجودها؛ إذ إنها غالبا تتضمن الجنس بين الخراف أو الدجاج أو آلات ~~حلب اللبن. # كانت دائما ما تقول في نهاية كل نكتة من تلك النكات: «أليس هذا فظيعا؟» وقالت روكسان ~~إنها ما كانت لتعرف هذه الأشياء لو لم يحضرها زوجها معه من الجراج. # صدمني أن السيدة كروزير العجوز تقهقه بقدر ما صدمتني النكات ذاتها. اعتقدت أنها لا تفهم ~~على الأرجح مغزاها، بل استمتعت ببساطة بالاستماع إلى كل ما تقوله روكسان. جلست بابتسامتها ~~الممضوغة على وجهها برغم شرودها، كما لو أنها تلقت هدية عرفت أنها سوف تحبها رغم أنها ~~لم تفتحها بعد. # لم يضحك السيد كروزير على نكاتها؛ لكنه لم يكن يضحك قط في الحقيقة. كان يرفع حاجبيه، ~~متظاهرا بأنه سوف يوبخ روكسان حين يراها بذيئة ومحببة أيضا على حد سواء. ربما كان هذا من ~~باب اللياقة أو الامتنان لكل مجهوداتها، أيا ما كان. # أنا شخصيا حرصت على أن أضحك، حتى لا تحط من قدري بسبب براءتي المتزمتة. # كان الشيء الآخر الذي فعلته، لتحافظ على الحيوية هو أن تحكي عن حياتها. حضرت من بلدة ~~صغيرة ضائعة في شمال أونتاريو إلى تورونتو لتزور أختها الكبرى، ثم حصلت على وظيفة في إيتون؛ ~~عاملة نظافة في الكافيتريا، ثم بعد أن لفتت انتباه أحد المديرين؛ لأنها سريعة في أداء عملها ~~ومبتهجة دائما، وجدت نفسها فجأة بائعة في قسم القفازات (أعتقد أنها جعلت هذا يبدو كما لو ~~أن شركة وارنر برذرز هي التي اكتشفتها ). وفي يوم من الأيام جاءت باربرا آن سكوت، نجمة ~~التزحلق على ms148 الجليد، التي اشترت زوجين من القفازات الطويلة البيضاء للأطفال. # في تلك الأثناء، كان لدى أختها العديد من العشاق حتى إنها كانت ترمي قطعة نقدية في الهواء ~~لتحدد بها من الذي سوف تخرج معه كل ليلة تقريبا، ووظفت روكسان لتقابل المرفوضين بتعبيرات ~~أسف عند الباب الأمامي لمنزلهما المشترك، بينما تتسلل هي ومن وقع عليه اختيارها من الخلف. ~~قالت روكسان إنها ربما اكتسبت ميزة الثرثرة بهذه الطريقة. وسريعا ما بدأ بعض من الأولاد ~~الذين قابلتهم بهذه الطريقة يطلبون الخروج معها بدلا من أختها؛ إذ لم يعرفوا سنها ~~الحقيقي. # قالت: «اقتنصت فرصتي.» # بدأت أفهم أن هناك متكلمين معينين - بنات معينات - يحب الناس أن يستمعوا إليهن، ليس بسبب ~~ما يقلنه، بل للبهجة التي يضفينها على ما يقلنه. بهجة في داخلهن، إشراق على ~~وجوههن، اقتناع بأن كل ما يحكينه رائع، وأنهن ذاتهن لا يسعهن إلا إمتاع الآخرين. ~~ربما كان هناك أناس آخرون - مثلي - لا يقرون بهذا، لكنهم هم الخاسرون. وأناس مثلي لن ~~يكونوا أبدا الجمهور الذي تسعى وراءه تلك الفتيات على كل حال. # اعتدل السيد كروزير مستندا إلى وسائده، ونظر من كل النواحي كما لو كان سعيدا، سعيدا ~~فقط بأن يغلق عينيه ويدعها تتكلم، ثم يفتح عينيه فيجدها أمامه، مثل أرنب الشوكولاتة في ~~صباح عيد الفصح، وحينئذ - بعينين مفتوحتين - يتابع كل حركة من حركات شفتيها الجميلتين ~~واهتزازات مؤخرتها البارزة. # تتأرجح السيدة كروزير العجوز إلى الأمام والخلف قليلا في حالة رضا غريبة. # كان الوقت الذي تقضيه روكسان في الدور العلوي يساوي الوقت الذي تقضيه في الدور السفلي ~~في جلسة التدليك. تساءلت إن كانت تتقاضى أجرا أم لا. لو أنها لا تتلقى أجرا، فكيف ~~تستطيع إنفاق هذا الوقت بلا مقابل؟ ومن ذا الذي يدفع لها إلا السيدة كروزير ~~العجوز؟ # ولماذا؟ # لكي يظل ابن زوجها سعيدا ومرتاحا؟ أشك في هذا. # لكي تسلي نفسها بطريقة غريبة؟ ~~••• # في ظهيرة أحد الأيام، حين تركت روكسان غرفته، قال السيد كروزير إنه يشعر بعطش أكثر من ~~المعتاد. نزلت لكي أحضر له بعض الماء ms149 من الدورق الموضوع في الثلاجة دائما. كانت روكسان ~~تستعد للرحيل. # قالت لي: «لم أنو قط البقاء إلى هذا الوقت المتأخر، ما كنت لأرغب في مقابلة تلك ~~المعلمة.» # للحظة لم أفهم ما تقوله. ~~- «تعرفين ما أقصده، سيلفيا، هي أيضا لا تحبني، أليس كذلك؟ هل تحدثت عني في أي مرة وهي ~~توصلك؟» # قلت إن سيلفيا لم تذكر اسم روكسان قط لي أثناء أي مرة من مرات توصيلي، لكن ~~لماذا؟ # قالت: «تقول دورثي إنها لا تعرف كيف تتعامل معه. تقول إني أسعده أكثر منها. تقول دورثي ~~هذا. لن أندهش لو أنها قالت لها هذا في وجهها.» # فكرت كيف تجري سيلفيا إلى غرفة زوجها كل ظهيرة حين تعود إلى المنزل، قبل حتى أن تتحدث ~~إلي أو إلى حماتها، وجهها مشتعل بالشوق واليأس. أردت أن أقول شيئا عن هذا؛ أردت أن أدافع ~~عنها، لكني لم أعرف كيف. الناس الذين يتمتعون بقدر المهارة الذي تتمتع به روكسان يستطيعون ~~في الغالب الحصول على كل المعلومات التي يحتاجونها مني، حتى ولو بعدم الإصغاء إلي. ~~- «متأكدة أنها لم تقل أي شيء عني؟» # قلت لها مرة ثانية إنها لم تذكر اسمها: «تكون مرهقة حين تصل البيت.» ~~- «نعم، الجميع يشعرون بالتعب. البعض يتعلم أن يتظاهر بالعكس فحسب.» # قلت شيئا حينئذ لمعارضتها: «إنها تروق لي تماما.» # سخرت روكسان قائلة: «تروق لك تماما؟» # سخرت بعبث وحدة من تسريحة ضفائر مجدولة فعلتها بنفسي مؤخرا. # قالت: «عليك أن تمشطي شعرك على نحو لائق.» ~~••• # لو أن روكسان تسعى وراء الإعجاب، وتلك هي طبيعتها، فما الذي تريده دورثي؟ انتابني شعور ~~بأن هناك لعبة ما، لكني لم أستطع تحديدها. ربما ترغب فقط في أن تكون روكسان في المنزل. ~~حيويتها في المنزل، لوقت مضاعف. # مر منتصف الصيف. كانت المياه منخفضة في الآبار. توقفت عربة الرش عن الحضور، ووضعت بعض ~~المتاجر صفحات من ورق يشبه السوليفان الأصفر على نوافذها لتحمي بضائعها من الذبول. كانت ~~أوراق الشجر مبقعة والعشب جافا . # ظلت السيدة كروزير العجوز حريصة على مجيء البستاني ليحرث حديقتها، يوما ms150 بعد يوم. ذلك ما ~~تفعله في الجو الجاف، تحرث وتحرث لكي تخرج أي رطوبة يمكن أن تجدها تحت الأرض. # تنتهي المدرسة الصيفية في الكلية بعد الأسبوع الثاني من أغسطس، ومن ثم سوف تصبح ~~سيلفيا في البيت كل يوم. # لا يزال السيد كروزير سعيدا برؤية روكسان، لكنه ينام غالبا. يمكن أن ينام دون أن يسقط ~~رأسه، أثناء سرد واحدة من نكاتها أو دعاباتها، ثم يستيقظ بعد لحظة ويسأل أين هو. ~~- «هنا، أيها الأبله النعسان، من المفترض أن تنتبه لي، يجب أن أضربك، أو ما رأيك في أن ~~أدغدغك؟» # كان بوسع الجميع أن يرى أنه ينهار. كانت وجنتاه مجوفتين كرجل طاعن في السن، وشعاع ~~الخفيف يشع فوق أعلى أذنيه كما لو كانتا من البلاستيك وليستا لحما (مع أننا لم نكن نقول ~~«بلاستيك» حينها، بل «سيلولويد»). ~~••• # كان اليوم الأخير من عملي هنا وآخر يوم لسيلفيا في التدريس، أحد أيام التدليك. ~~اضطرت سيلفيا أن تغادر المنزل مبكرا متجهة إلى الجامعة؛ بسبب احتفالية ما، فقطعت ~~البلدة مشيا، وحين وصلت كانت روكسان موجودة بالفعل، وكانت السيدة كروزير العجوز في المطبخ ~~أيضا، ونظرتا إلي كما لو أنهما نسيتا أني قادمة؛ كما لو أني قاطعتهما. # قالت السيدة كروزير العجوز: «أرسلت في طلبها بوجه خاص.» # لا بد أنها كانت تقصد حلوى المعكرون التي كانت في العلبة على المائدة. # قالت روكسان: «نعم، لكني قلت لك لا أستطيع أن آكل هذه الأشياء، مستحيل تماما.» # قالت دورثي: «أرسلت هارفي إلى المخبز ليحضرها.» # كان هارفي هو اسم جارنا، البستاني. # أجابت روكسان: «حسنا، ليأكلها هارفي. لست أمزح؛ أصاب بطفح جلدي فظيع من نوع ~~ما.» # قالت السيدة كروزير العجوز: «ظننت أنه يمكننا تناول وجبة ممتعة، شيء مميز، بما أنه اليوم ~~الأخير قبل ...» # قاطعتها روكسان: «اليوم الأخير قبل أن تستقر هنا للأبد. نعم، أعلم هذا، لكن لن يفيدني ~~أبدا أن تبدو بشرتي مثل ضبع أرقط.» # من التي ستستقر هنا للأبد؟ # سيلفيا. # كانت السيدة كروزير ترتدي إزارا حريريا أسود جميلا منقوشا بالسوسن والإوز. قالت: ~~«ليست هناك فرصة ms151 لتناول أي شيء مميز في وجودها، سوف ترين.» # قالت روكسان: «لنبدأ إذن ونحظى ببعض الوقت اليوم، لا تبالي بتلك الحلوى، ليس هذا خطأك. ~~أعلم أنك كنت ترغبين في شيء جميل.» # قلدتها السيدة كروزير العجوز بلهجة وضيعة قائلة: «أعلم أنك كنت ترغبين في شيء جميل.» ثم ~~نظرتا إلي، وقالت روكسان: «الدورق حيث هو دائما.» # أخذت دورق السيدة كروزير من الثلاجة. خطر ببالي أنهما قد تعرضان علي قطعة من حلوى ~~المعكرون المرصوصة في العلبة، لكن يبدو أنه لم يخطر ببالهما شيء كهذا. ~~••• # توقعت أن أجده مستلقيا على وسائده بعينين مغلقتين، لكنه كان مستيقظا تماما. # قال: «كنت أنتظر.» ثم أخذ نفسا وأردف: «حضورك. أريد أن أطلب منك ... شيئا تفعلينه من ~~أجلي. هل يمكنك أن تفعلي شيئا من أجلي؟» # قلت له إني سأفعل بالتأكيد. # سألني: «هل ستحتفظين به سرا؟» # كنت أشعر بالفعل مسبقا أنه سيطلب مني أن أسنده إلى الخزانة الصغيرة التي ظهرت في غرفته ~~مؤخرا، لكن هذا ما كان ليكون سرا بالتأكيد. # قلت: «نعم.» # طلب مني أن أذهب إلى الغرفة المقابلة لغرفته، وأفتح الدرج الصغير الأيسر وأرى إن كان به ~~مفتاح. # فعلت هذا، ووجدت مفتاحا ضخما ثقيلا قديم الطراز. # طلب مني أن أخرج من هذه الغرفة وأغلق الباب وأقفله بالمفتاح، ثم أخبئ المفتاح في ~~مكان آمن؛ ربما في جيب بنطالي القصير. # كان من المفترض ألا أخبر أحدا بما فعلت. # لا يجب أن يعرف أحد أن المفتاح معي حتى تعود زوجته إلى المنزل؛ وحينئذ علي أن أعطيها ~~إياه. وسألني: «هل فهمت؟» # قلت: «لا بأس.» # شكرني. # قلت: «حسنا.» # كان يكسو وجهه طبقة خفيفة من العرق وتلمع عيناه كما لو أنه يعاني من الحمى طوال الوقت ~~الذي كان يكلمني به. # لقد قال لي: «لا يدخل أحد إلى هنا.» # وكررت لنفسي: «لن يدخل أحد.» # ثم تذكرت قوله: «لا زوجة أبي ولا ... روكسان، وحدها زوجتي يمكن أن تدخل.» # أغلقت الباب من الخارج بالمفتاح ووضعته في جيب بنطالي القصير. لكن حينئذ خفت أن يظهر ~~عبر القماش القطني الخفيف؛ لذا ms152 نزلت إلى الطابق السفلي واتجهت إلى غرفة المعيشة الخلفية ~~وخبأته بين صفحات كتاب «أعدك بالزواج». أعرف أن روكسان والسيدة كروزير العجوز لن تسمعاني ~~لأنهما منهمكتان في جلسة التدليك، وكانت روكسان تستخدم نبرة صوتها المهنية. ~~- «سوف أعاني الأمرين قبل أن أتمكن من بسط هذه التشنجات اليوم.» # وسمعت صوت السيدة كروزير العجوز مفعما بنبرة انزعاج غير معتادة. ~~- «... تضربين بقوة أكبر من المعتاد.» ~~- «مضطرة لذلك.» # كنت أصعد السلم حين خطرت لي أفكار إضافية. # لو أنه هو وليس أنا من أغلق الباب بالمفتاح، وهو ما أراد أن يعتقده الآخرون، وكنت أنا ~~جالسة على الدرجة العليا كالمعتاد، فبالتأكيد كنت سوف أسمعه وأنادي عليهما وأنبههما. لذا ~~نزلت وجلست على الدرجة الأولى من السلم الأمامي؛ مكان لا يمكن أن أسمع منه أي شيء. # بدا التدليك اليوم سريعا وجادا؛ فلم تمزحا أو تتبادلا النكات. وسرعان ما سمعت صوت ~~روكسان تصعد السلم الخلفي راكضة. # توقفت ثم قالت: «أهلا، بروس.» # بروس. # هزت مقبض الباب. ~~- «بروس.» # ثم لا بد أنها قربت فمها من ثقب الباب؛ أملا في أن يستطيع أن يسمعها دون أن يسمعها ~~سواه. لم أستطع تبين ما كانت تقوله تماما، لكني أدركت أنها كانت تتوسل. تعاكسه أولا، ~~ثم تتوسل. لوهلة بدا وكأنها تصلي. # عندما يئست من هذا بدأت تدق على الباب بقبضتيها، بإلحاح وليس بقوة. # كفت عن هذا أيضا بعد برهة. # قالت بصوت أكثر صرامة: «هيا، لو أنك وصلت للباب لتغلقه تستطيع أن تصله لتفتحه.» # لم يحدث شيء. جاءت ونظرت من فوق الدرابزين ورأتني. ~~- «هل أحضرت مياه السيد كروزير إليه في غرفته؟» # أجبتها أن نعم. ~~- «إذن لم يكن بابه مغلقا؟» # أجبتها أن نعم. ~~- «هل قال لك أي شيء؟» ~~- «قال شكرا فحسب.» ~~- «حسنا، لقد أغلق بابه ولا أستطيع أن أجعله يجيبني.» # سمعت عكاز السيدة كروزير العجوز يدق صعودا إلى أعلى السلم الخلفي. # سألت: «ما هذه الضجة؟» # أجابت روكسان: «أغلق الباب على نفسه ولا أستطيع إقناعه بأن يجيبني.» ~~- «ماذا تعنين بأنه أغلق على نفسه الباب؟ الباب عالق على الأرجح. تصفعه الريح ms153 ~~ويعلق.» # لم تكن هناك رياح في ذلك اليوم. # قالت روكسان: «حاولي بنفسك، إنه مغلق.» # قالت السيدة كروزير: «لم أعلم أن هناك مفتاحا لهذا الباب.» كما لو أن عدم علمها ينفي ~~الحقيقة. ثم، بلا مبالاة، حاولت أن تفتح المقبض، وقالت: «حسنا. يبدو أنه مغلق ~~فعلا.» # فكرت في نفسي أنه اعتمد على هذا؛ أنهما لن تشكا بي، معتقدتين أنه هو من فعل هذا، وتلك ~~هي الحقيقة في واقع الأمر. # قالت روكسان: «يجب أن ندخل.» وركلت الباب بقدمها. # قالت السيدة كروزير العجوز: «كفي عن هذا، هل تريدين تحطيم الباب؟ لن تستطيعي على كل ~~حال؛ إنه من خشب البلوط؛ كل باب في هذا المنزل من البلوط الصلب.» # ردت روكسان: «إذن علينا أن نتصل بالشرطة.» # خيم الصمت لبرهة. # قالت روكسان: «يمكنهم أن يصعدوا إلى النافذة.» # حبست السيدة كروزير العجوز أنفاسها وتكلمت بحسم. ~~- «أنت لا تعي ما تقولين. لن تأتي الشرطة إلى هذا المنزل. لن أسمح لهم بتسلق جدران ~~المنزل كالديدان.» ~~- «إننا لا نعرف ما الذي يفعله بالداخل.» ~~- «حسنا، هذا شأنه، أليس كذلك؟» # خيم الصمت مرة أخرى. # ثم علا صوت؛ خطوات روكسان؛ تتراجع إلى السلم الخلفي. # قالت السيدة كروزير: «نعم، هذا أفضل. من الأفضل أن تنصرفي قبل أن تنسي بيت من ~~هذا.» # كانت روكسان تهبط السلم. وعلا صوت بضع ضربات من عصا السيدة كروزير من ورائها، لكنها لم ~~تتبعها على السلم. # أضافت السيدة كروزير: «ولا تفكري في الذهاب إلى رئيس الشرطة من وراء ظهري، فلن يتلقى ~~أوامره منك. من يصدر الأوامر هنا على أي حال؟ بالتأكيد لست أنت، أتسمعين؟» # سرعان ما سمعت صوت باب المطبخ يغلق بعنف، ثم صوت محرك سيارة روكسان. # لم أكن قلقة من مجيء الشرطة بقدر قلق السيدة كروزير العجوز. كانت الشرطة في بلدتنا تعني ~~رئيس الشرطة ماكلارتي الذي حضر إلى المدرسة ليحذرنا من التزلج في الشوارع في الشتاء ~~والاستحمام في قناة الطاحونة في الصيف، وقد ظللنا نفعل كلا الأمرين. كانت فكرة سخيفة أن ~~تتصوره يتسلق سلما أو يلقي محاضرة على مسامع السيد ms154 كروزير عبر باب موصد. # سوف يقول لروكسان أن تهتم بأمورها وأن تدع آل كروزير يهتمون بأمورهم. # مع ذلك، لم تكن فكرة سخيفة أن أتصور أن السيدة كروزير تتصل بالشرطة، وقد ظننت أنها ستفعل ~~هذا بالفعل الآن؛ إذ رحلت روكسان التي يبدو أنها فقدت إعجابها بها. لعلها تلتفت إلي ~~وتسألني إن كنت ضالعة في هذا الأمر. # لكنها لم تهز حتى مقبض الباب. فقط وقفت أمام الباب الموصد وقالت شيئا واحدا. # همهمت: «أقوى مما قد تظن.» # ثم اتجهت إلى الطابق السفلي، مصدرة الضجة المعتادة بعكازها. # انتظرت قليلا ثم ذهبت إلى المطبخ. لم تكن السيدة كروزير العجوز هناك، ولم تكن في غرفة ~~المعيشة أو في غرفة الطعام أو في الغرفة المشمسة. توترت وطرقت باب الحمام، ثم فتحته، ولم ~~تكن فيه كذلك. ثم نظرت من نافذة المطبخ التي تعلو الحوض ورأيت قبعتها المصنوعة من القش ~~تتحرك بثبات فوق حاجز الأرز. كانت في الحديقة في الحر، تمشي بتثاقل بين أحواض ~~زهورها. # لم تقلقني الفكرة التي أثارت اضطراب روكسان. لم أتوقف للتفكير بها؛ لأني اعتقدت أنه من ~~السخف تماما أن ينتحر إنسان لم يتبق له وقت طويل في الدنيا. لا يمكن أن يحدث ~~هذا. # مع ذلك، كنت متوترة. أكلت قطعتين من حلوى المعكرون التي كانت لا تزال على مائدة المطبخ. ~~أكلتهما أملا في أن ترجع لذتهما حالتي الطبيعية، لكن لم أجد لهما مذاقا في فمي، ثم ~~دفعت العلبة في الثلاجة حتى لا ألجأ إلى تناول المزيد أملا في تحقيق النتيجة ~~المرجوة. ~~••• # كانت السيدة كروزير لا تزال في الخارج حين وصلت سيلفيا إلى المنزل، ولم تدخل ~~حينها. # أخرجت المفتاح من بين صفحات الكتاب ما إن سمعت صوت السيارة، وأعطيته سيلفيا ما إن دخلت ~~المنزل. قلت لها سريعا ما حدث، متغاضية عن معظم الهرج والمرج، وما كانت لتنتظر سماع ~~التفاصيل على أية حال؛ إذ صعدت السلم ركضا. # وقفت عند أول السلالم لأسمع ما يمكنني سماعه. # لا شيء ، لا شيء. # ثم صوت سيلفيا، مندهشا ومنزعجا، لكن ليس يائسا على ms155 الإطلاق، ومنخفضا جدا بحيث لم ~~أفهم ما كانت تقوله. خلال خمس دقائق كانت تهبط السلم قائلة إن الوقت قد حان لتوصلني إلى ~~المنزل. كان وجهها أحمر كما لو أن البقع على وجنتيها انتشرت على وجهها كله، وبدت ~~مصدومة لكنها غير قادرة على أن تقاوم سعادتها. # ثم قالت: «أوه، أين الأم كروزير؟» ~~- «أعتقد أنها في حديقة الزهور.» ~~- «حسنا، أعتقد أنه من الأفضل أن أتحدث إليها، لدقيقة فحسب.» # وبعد أن تحدثت إلى السيدة كروزير، لم تعد أمارات السعادة تبدو عليها. # قالت - وهي تعود بالسيارة إلى الخلف: «أظن أنك تعلمين. أعتقد أنك تدركين مدى انزعاج الأم ~~كروزير. هذا لا يعني أني ألومك. كان فعلا جيدا منك ومخلصا أن تفعلي ما طلبه منك السيد ~~كروزير. ألم تخشي وقوع أي مكروه؟ للسيد كروزير؟ هل كنت خائفة؟» # أجبتها أن لا. # ثم أردفت: «أعتقد أن روكسان كانت خائفة.» ~~- «السيدة هوي؟ نعم، هذا سيئ جدا.» # وبينما كنا نسير فيما يعرف بتل كروزير، قالت: «أعتقد أنه لم يرد أن يكون سافلا ~~ويخيفهما. حين يمرض الإنسان لفترة طويلة، يمكن أن يصل به الحال إلى عدم تقدير مشاعر ~~الآخرين. يمكن أن ينقلب على الناس حتى حين يكونون طيبين ويفعلون ما باستطاعتهم ليساعدوه. ~~كانت السيدة كروزير والسيدة هوي تحاولان أقصى جهدهما بالتأكيد، لكن كل ما في الأمر أن السيد ~~كروزير شعر أنه لا يرغب في وجودهما بالقرب منه بعد الآن. اكتفى منهما، أتفهمين؟» # يبدو أنها لم تدرك أنها كانت تبتسم حين قالت هذا. # السيدة هوي. # هل سمعت هذا الاسم من قبل؟ # قالته بلطف واحترام، لكن بقدر هائل من التنازل المتعالي. # هل صدقت أنا ما قالته سيلفيا؟ # أعتقد أن هذا ما قاله لها. ~~••• # رأيت روكسان مرة ثانية ذلك اليوم، رأيتها في اللحظة نفسها التي كانت سيلفيا تحدثني فيها ~~وتعرفني على الاسم الجديد؛ السيدة هوي. # كانت روكسان في سيارتها وتوقفت عند التقاطع الأول أسفل تل كروزير في انتظار مرورنا. لم ~~ألتفت لأنظر إليها لأن هذا كان سيربكني جدا أثناء الحديث مع سيلفيا. ~~••• # بالطبع ما ms156 كانت سيلفيا لتعرف سيارة من هذه. لم تكن لتعرف أن روكسان لا بد أنها عادت ~~لتفهم ماذا كان يحدث، أو لعلها ظلت تقود سيارتها في أنحاء الحي؛ أيعقل أن يكون هذا ما فعلته ~~حقا؟ طول الوقت منذ أن غادرت بيت آل كروزير. # وكانت روكسان تستطيع التعرف على سيارة سيلفيا على الأرجح. وكانت ستراني فيها، وكانت ستعرف ~~أن الأمور على ما يرام من خلال ابتسامة سيلفيا اللطيفة الطيبة والجادة أثناء حديثها ~~معي. # لم تنعطف وتقد سيارتها إلى التل حيث بيت آل كروزير. أوه! لا. لقد قادت سيارتها عبر ~~الشارع؛ رأيتها في المرآة الجانبية؛ نحو الجانب الشرقي من البلدة حيث المنازل التي بنيت في ~~فترة ما بعد الحرب. كان بيتها هناك. # قالت سيلفيا: «هل تشعرين بالنسيم، تلك السحب ستمطرنا على الأرجح.» # كانت السحب عالية وبيضاء، وساطعة بهية؛ لم يبد أنها تحمل مطرا؛ وكان النسيم يهب ~~لأننا في سيارة متحركة بنوافذ مفتوحة. ~~••• # أدركت تماما لعبة المكسب والخسارة التي دارت بين سيلفيا وروكسان، لكن كان من الغريب أن ~~أفكر في الجائزة شبه الفانية - السيد كروزير - وأن أفكر أنه كان يمتلك القدرة على اتخاذ ~~قرار بأن يحرم نفسه في أواخر حياته. الشهوة على أبواب الموت - أو الحب الحقيقي - إنها ~~مسائل يجب أن أنفضها عني بينما تسري القشعريرة مرات في عمودي ~~الفقري. ~~••• # نقلت سيلفيا السيد كروزير بعيدا إلى كوخ مستأجر على البحيرة؛ حيث مات قبل سقوط أوراق ~~الشجر. # رحلت عائلة هوي من البلدة، كعادة عائلات الميكانيكية. # صارعت أمي مرضا أقعدها؛ وهو ما وضع حدا لكل أحلامها في تكوين ثروة. # أصاب دورثي كروزير جلطة في المخ، لكنها تعافت منها، وأصبحت مشهورة ببيع حلوى الهالوين ~~للأطفال الذين كانت تنهر إخوانهم وأخواتهم الأكبر عن الوقوف على بابها. # أما أنا فقد نضجت وكبرت. # | لعب أطفال # أظن أنه دار حديث في منزلنا عما حدث، بعد ذلك. # قالت أمي: «كم هذا محزن! كم هو بشع!» # وقال أبي: «كان يجب أن يكون هناك إشراف. أين كانت المرشدات؟» ~~••• # وكلما مررنا أمام البيت الأصفر، تقول ms157 أمي: «تذكرين؟ هل تذكرين كم كنت تخافين منها؟ ~~المسكينة.» # لدى أمي عادة التعلق بطرائف طفولتي البعيدة بل والاعتزاز بها. ~~••• # حين تكون طفلا تصبح شخصا مختلفا مع كل عام يمر عليك. يحدث هذا في الخريف عادة، حين ~~ترجع المدرسة من جديد، وتحتل مكانا في صف دراسي أعلى، وتترك وراءك كسل وفوضى الإجازة ~~الصيفية، فحينئذ تلاحظ التغير أكثر ما تلاحظ. بعد ذلك، لا تكون متأكدا من الشهر أو العام ~~لكن التغيرات تستمر على المنوال نفسه. وعبر زمن طويل يتساقط ماضيك بعيدا عنك بسهولة ~~وبتلقائية، كما ينبغي. لا تختفي مشاهده بقدر ما تنقطع صلتك بها، ثم فجأة، تقابل طريقا ~~متعرجا يرجعك إلى ما انتهى وكاد يطويه النسيان؛ ليطل برأسه من جديد مطالبا بانتباهك، ~~بل وبأن تفعل شيئا ما بصدده، مع أنه من الواضح أن فعل أي شيء قد أصبح مستحيلا. ~~••• # مارلين وشارلين. اعتقد الناس أننا توءمان. سادت في تلك الأيام موضة تسمية التوءمين بأسماء ~~مسجوعة. بوني وكوني. رونالد ودونالد. وبالطبع كان لدينا - شارلين وأنا - قبعات متماثلة. ~~قبعات الخادمات، هكذا كانت تسمى؛ وهي عبارة عن أقماع عريضة مسطحة من القش المغزول ترتدى ~~عبر نوع من الرباط أو المطاط يثبت تحت الذقن. وقد أصبحت مألوفة فيما بعد في ذلك القرن، من ~~المشاهد التليفزيونية عن الحرب في فيتنام. يلبسها رجال يسوقون دراجات في شارع من شوارع ~~سايجون، أو نساء يمشين في طريق خلفيته قرية مقصوفة بالقنابل. # كان ممكنا في ذلك الوقت؛ أعني حين كنت أنا وشارلين في المعسكر، أن نقول خادمة دون أن ~~نعتبرها إهانة على الإطلاق؛ أو نستخدم كلمة زنجي، أو نتحدث عن المساومة في الثمن على ~~الطريقة اليهودية. أعتقد أني لم أربط تلك الكلمات بدلالاتها المهينة إلا في مراهقتي. # وهكذا كنا نحمل تلك الأسماء ونلبس تلك القبعات، ومع أول نداء على الأسماء في المعسكر ~~أشارت إلينا المرشدة - مافيس الظريفة التي أحببناها، مع أننا لم نحبها بقدر الجميلة بولين - ~~ونادت: «التوءمان». ومضت تنادي على الأسماء الأخرى قبل أن يتسع لنا الوقت لننكر هذا. # وحتى قبل ms158 هذا، فلا بد أننا لاحظنا القبعات وتقبل بعضنا البعض. وإلا كنا خلعنا تلك ~~القبعات الجديدة، ودفعناها دون تردد تحت سرير الكابينة، معلنين أن والدتينا أجبرتانا على ~~ارتدائها، وأننا نكرهها، إلى آخره. # ربما تقبلت شارلين؛ لكني لم أعرف كيف أصاحبها. إن البنات في التاسعة أو العاشرة - كان ~~هذا نطاق العمر العام لهذه المجموعة مع أنه كان هناك من هن أكبر عمرا قليلا - لا يخترن ~~أصدقاء أو يتصادقن بنفس سهولة بنات السادسة أو السابعة. كنت قد اتبعت ببساطة عند دخولي ~~المعسكر بعض الفتيات من بلدتي - لم يكن أي منهن صديقة مقربة لي - إلى واحدة من تلك ~~الكبائن التي بها بعض الأسرة التي لم تزل شاغرة؛ حيث أفرغت أغراضي على البطانية ~~البنية، عندها سمعت صوتا خلفي يقول: «هل يمكن أن آخذ السرير المجاور لأختي ~~التوءم؟» # لقد كانت شارلين تتحدث إلى فتاة ما لا أعرفها. تضم كابينة النوم دستتين من الفتيات. قالت ~~الفتاة التي كانت تتحدث إليها «بالتأكيد.» وابتعدت. # استخدمت شارلين نبرة خاصة، متملقة، ممازحة، ساخرة من نفسها، يشوبها مرح جذاب، تشبه رنين ~~الأجراس. كان واضحا جدا أنها تتمتع بثقة بنفسها أكبر مني. وهي ليست ببساطة ثقة في أن ~~الفتاة الأخرى سوف تبتعد ولن تقول بصلابة: «قد جئت هنا أولا.» (أو ربما تقول - لو أنها ~~ربيت تربية فظة والبعض كن كذلك؛ إذ دفع لهن ثمن الإقامة في المعسكر نادي ليونز أو ~~الكنيسة وليس عائلتهن: «اغربي عن وجهي؛ لن أتحرك من هنا») لا، كان لدى شارلين ثقة في أن أي ~~شخص سيرغب في أن ينفذ طلباتها، لا أن يوافق فحسب على تنفيذها. وقد خاطرت معي كذلك، ألم يكن ~~باستطاعتي أن أقول: «لا أريد أن أكون توءمك» ثم أعود لترتيب أغراضي. لكني لم أفعل هذا ~~بالطبع. لقد شعرت بالزهو، كما توقعت هي، وراقبتها تفرغ محتويات حقيبتها بسيماء احتفالي حتى ~~إن بعض الأشياء وقعت على الأرض. # كل ما استطعت قوله لها هو: «لقد اكتسبت سمرة بالفعل .» # فردت قائلة: «دائما ما أكتسب السمرة بسهولة.» # كان ذلك أول الاختلافات ms159 بيننا. وقد بدأنا نبذل جهدا لتعلمها. هي تكتسب بشرتها سمرة ~~بينما يمتلئ وجهي بالنمش. شعرنا بني لكن شعرها أكثر دكنة. شعرها مموج؛ شعري كثيف. كنت ~~أطول بنصف بوصة، وكان لديها رسغان وكاحلان أعرض. عيناها تميلان إلى اللون الأخضر بينما تميل ~~عيناي إلى الأزرق. لم نمل من التفتيش والتصنيف فلم نترك حتى الشامات والنمش على ~~ظهرينا، وطول إصبع السبابة في قدمينا (كان إصبع السبابة لدي أطول من الإبهام، ~~بينما كانت سبابتها هي أقصر)، أو سرد قائمة الأمراض والحوادث التي أصابتنا حتى الآن، إلى ~~جانب الإصلاحات والإزالات التي جرت على جسدينا. كل منا استئصلت لوزتاها - ~~وهو إجراء احتياطي عادي في تلك الأيام - وكل منا أصيبت بالحصباء والسعال الديكي لكن ~~لم نصب بالنكاف. خلعت سنة من أسناني لأنها كانت تنمو فوق أسناني الأخرى، وكان ظفر ~~إبهامها على شكل نصف قمر ناقص لأن نافذة أغلقت عليه. # وما إن عرفنا دقائق جسدينا وتاريخيهما حتى انتقلنا إلى قصص عائلتينا؛ المآسي ~~أو ما يشبه المآسي أو الاختلافات لدى كل عائلة. كانت الابنة الصغرى والفتاة الوحيدة ~~لعائلتها وكنت أنا طفلة وحيدة. كان لدي عمة ماتت بشلل الأطفال أثناء دراستها في المدرسة ~~الثانوية، وكان لدى شارلين أخ أكبر في البحرية. ولأننا كنا في وقت الحرب، كنا نختار في نشاط ~~الغناء حول نار المعسكر أغاني «ستظل إنجلترا باقية» و«قلوب البلوط» و«فلتحكم بريطانيا» ~~وفي بعض الأحيان «تحيا أوراق القيقب إلى الأبد». كانت الغارات الجوية والمعارك والسفن ~~الغارقة هي الخلفية الدائمة، وإن كانت البعيدة، لحيواتنا. وأحيانا تقتحم تلك الخلفية ~~حياتنا على نحو مخيف لكن مهيب ومثير، كأن يقتل شاب من بلدتنا أو من شارعنا في الحرب، ~~ويكتسب البيت الذي كان يعيش فيه وزنا خاصا داخله، حتى دون أن يضع إكليلا أو ستائر ~~سوداء؛ كأنه قد حقق قدرا كتب عليه وبدأ يسحبه إلى أسفل، رغم أنه لا يحمل خصوصية ما داخله ~~على الإطلاق، ربما تقف سيارة لا تخص ساكنيه بموازاة الرصيف أمامه، ما يدل على أن بعض ~~الأقارب أو قسا ما جاءوا ليجلسوا ms160 مع العائلة المنكوبة. # واحدة من مرشدات المعسكر فقدت خطيبها في الحرب وكانت ترتدي ساعته، كنا نعتقد أنها ساعته، ~~مثبتة بدبوس إلى قميصها. كنا نود أن نحزن من أجلها ونهتم بها، لكنها كانت حادة الصوت ~~ومتسلطة بل وتحمل اسما كريها: أرفا. # كانت الخلفية الأخرى لحيواتنا التي من المفترض التوكيد عليها في المعسكر هي الدين. ~~لكن بما أن الكنائس الكندية المتحدة كانت مسئولة رسميا عن المعسكر فلم يكن هناك إلحاح ~~كبير على هذا الموضوع كما كان المعمدانيون أو الإنجيليون سيفعلون، أو تعبير رسمي كبير عنه ~~كما كان الكاثوليكيون أو حتى الإنجليكانيون سيفعلون. كانت الغالبية من آبائنا ينتمون إلى ~~الكنيسة المتحدة (على الرغم من أن بعض البنات اللواتي دفعت تكلفة المعسكر لهن ربما لم ~~ينتمين إلى أية كنيسة على الإطلاق)، وقد تعودنا على أسلوبها العلماني الودود، حتى إننا لم ~~نكن ندرك أننا كنا نتقبل بسهولة صلوات المساء وأدعية الشكر قبل الوجبات والحديث الخاص الذي ~~يستغرق نصف ساعة، كان يسمى دردشة، بعد الإفطار. حتى «الدردشة» نفسها كانت خالية نسبيا من ~~الإشارات إلى الله أو المسيح، وكانت تدور أكثر عن الصدق والطيبة والمحبة والأفكار الفاضلة ~~في حيواتنا اليومية، والتعهد بعدم شرب الخمر أو التدخين أبدا حين نكبر. لم يعترض أحد منا ~~على هذا الكلام أو حاول أن يهرب من الحضور؛ لأن هذا ما تعودنا عليه؛ ولأنه كان ممتعا أن ~~نجلس على المقعد الطويل أمام الشاطئ في الشمس الدافئة بينما لايزال الجو باردا على القفز ~~في المياه. # تفعل النساء الناضجات الأشياء نفسها التي فعلتها شارلين وأنا. ربما لا يحصين عدد الشامات ~~على ظهر كل واحدة منهن ولا يقارن طول أصابع القدم، لكن حين يتقابلن ويشعرن بتعاطف خاص ~~فيما بينهن، يشعرن كذلك بالحاجة إلى تبادل المعلومات الهامة؛ الأحداث الكبرى سواء العلنية ~~أو السرية، ثم المضي في ملء الفجوات بينها. لو شعرن بهذا الدفء والتوق، فمن المستحيل ~~تقريبا أن تمل إحداهما الأخرى. سوف يضحكن على تفاهة ما يحكينه وسخفه، أو عند ~~الكشف عن أنانية مروعة أو خداع أو ms161 دناءة أو شر خالص. # لا بد أن توجد ثقة عظيمة بينهما بالطبع، لكن تلك الثقة يمكن أن تترسخ فورا في لحظة ~~واحدة. # كنت قد لاحظت هذه الظاهرة. من المفترض أنها قد بدأت في تلك الفترات الطويلة التي جلس ~~النساء أثناءها حول نار المخيم يقلبن عصيدة من جذور الكاسافا أو أية أكلة أخرى بينما يكون ~~الرجال في الأحراش محرومين من الحديث لأنه سوف يبعد الحيوانات البرية (أنا متخصصة في علم ~~الإنسان). # لاحظت ... لكني لم أشارك قط في هذه العلاقات الأنثوية. ليس فعليا. تظاهرت أحيانا بهذا ~~لأنه بدا مطلوبا، لكن النساء اللاتي كان من المفترض أن أصادقهن كن دوما ما يدركن تظاهري ~~بذلك فيرتبكن ويصبحن حذرات. # بوجه عام شعرت بتحفظ أقل مع الرجال؛ فهم لا يتوقعون هذه التفاعلات، ونادرا ما يهتمون بها ~~حقا. # هذه الحميمية التي أتحدث عنها - مع النساء - ليست ذات طابع شهواني أو ما قبل شهواني؛ ~~تلك ظاهرة أخرى خبرتها أيضا، قبل البلوغ. في هذه الحالة أيضا توجد ثقة بين الطرفين ~~وأكاذيب، على الأرجح ربما تؤدي إلى ألعاب. هي حالة من الإثارة المؤقتة، ربما تصحبها مداعبة ~~للأعضاء التناسلية وربما لا. يعقبها شعور سقيم، وإنكار واشمئزاز. # حكت لي شارلين عن أخيها، لكن بنفور حقيقي. الأخ المجند في البحرية الآن. كانت قد ذهبت إلى ~~غرفته تبحث عن قطتها ورأته «يفعلها» مع حبيبته. لم يعرفا قط أنها رأتهما. # قالت: كانا يلتطمان بينما كان يصعد ويهبط. # قلت: تقصدين يلتطمان بالسرير. # قالت: لا، كانا يلتطمان حين كان عضوه يدخل ويخرج. كان شيئا مقرفا، مقززا. # وكانت مؤخرته البيضاء العارية مليئة بالبثور، مقززة. # أخبرتها عن فيرنا. ~~••• # حتى بلوغي السابعة من عمري كان والداي يعيشان فيما يسمى منزلا مزدوجا. لم تكن كلمة ~~«دوبلكس» شائعة في ذلك الوقت، وعلى كل لم يكن البيت مقسما قسمة متساوية. أجرت جدة فيرنا ~~الغرف الخلفية وأجرنا نحن الغرف الأمامية. كان البيت طويلا وعاريا من الأثاث وقبيحا، ~~ومدهونا بالأصفر. كانت البلدة التي عشنا بها أصغر من أن تحتوي على وحدات سكنية لائقة، لكني ~~أعتقد ms162 فيما يخص الوحدات القائمة، كان ذلك المنزل يقع على الحدود الفاصلة بين اللائق ~~والمتهالك. أتحدث ها هنا عن الوضع قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة، مع نهاية الكساد ~~الكبير (أعتقد أن هذا المصطلح لم يكن معروفا لنا وقتها). # بما أن أبي كان مدرسا فقد كان لديه عمل منتظم لكن براتب ضئيل. كان الشارع يتلاشى خلفنا ~~بين منازل هؤلاء الذين لم يكن لديهم أي عمل أو مال. لا بد أن جدة فيرنا كان لديها القليل من ~~المال لأنها تكلمت باحتقار عن الناس الذين يعيشون على الإعانات الاجتماعية. أعتقد أن أمي ~~تجادلت معها، دون أن تنجح في إقناعها، زاعمة أنهم غير مسئولين عن وضعهم. لم تكن المرآتان ~~صديقتين على وجه الخصوص، لكنهما كانتا ودودتين فيما يتعلق بتنظيم استخدام حبل ~~الغسيل. # كان اسم الجدة السيدة هوم. كان يأتي رجل ليزورها من وقت لآخر، وكانت أمي تتحدث عنه ~~باعتباره صديق السيدة هوم. ~~«لا يجب أن تتحدثي مع صديق السيدة هوم.» # في الحقيقة لم يكن مسموحا لي حتى باللعب في الخارج حين يأتي؛ لهذا لم تتوفر لي فرصة ~~كبيرة للتحدث إليه. لا أتذكر حتى شكله، مع أني أتذكر سيارته، التي كانت زرقاء داكنة من ~~طراز فورد في-8. كنت أهتم كثيرا بالسيارات، على الأرجح لأنه لم يكن لدينا سيارة. # ثم جاءت فيرنا. # تحدثت عنها السيدة هوم باعتبارها حفيدتها ولم يكن هناك مبرر لافتراض كذب زعمها، لكن لم ~~توجد أية علامات على وجود ابن أو ابنة للسيدة هوم. لا أعرف إذا ما كانت السيدة هوم سافرت ثم ~~عادت بها، أم أحضرها الصديق صاحب السيارة الفورد. ظهرت فيرنا في فصل الصيف السابق لالتحاقي ~~الأول بالمدرسة. لا أتذكرها تخبرني باسمها؛ فهي لم تكن اجتماعية بالطريقة العادية، ولا ~~أعتقد أني سألتها. منذ البداية شعرت بنفور تجاهها يفوق ما شعرت به تجاه أي شخص آخر حتى ~~الآن. قلت إني أكرهها، وقالت أمي: «لماذا، ماذا فعلت لك؟» ~~«يا للفتاة المسكينة !» # يستخدم الأطفال كلمة «كره» ليعبروا عن مشاعر متنوعة؛ فقد تعني أنهم خائفون. لا ms163 لأنهم ~~يشعرون بالخطر من أن يهاجمهم أحد؛ كما شعرت، على سبيل المثال، تجاه بعض الصبية الكبار ~~الذين كانوا يحبون قطع طريقي بدراجاتهم بينما أسير على الرصيف وهم يصيحون صيحات مخيفة. وليس ~~الخوف من الأذى الجسدي هو ما شعرت بها حيال فيرنا بقدر ما كان خوفا من لعنة ما أو نية ~~أذى. إنه شعور يمكن أن تحسه عندما تكون في سن صغيرة جدا تجاه واجهات منازل معينة أو تجاه ~~بعض جذوع الأشجار، وقد يتعاظم هذا الخوف لاسيما حيال الأقبية الرطبة أو الدواليب ~~العميقة. # كانت أطول مني بكثير، ولا أعرف بكم سنة تكبرني عمرا؛ سنتين، ثلاث سنوات؟ كانت نحيلة، ~~وذات بنية ضئيلة جدا حقا ورأس صغير جدا ذكرني بالثعابين. يرتخي شعر أسود جميل على ~~هذا الرأس وينسدل فوق جبينها. بدت بشرة وجهها لي بليدة مثل باب خيمتنا القديمة الخيشية، ~~وكانت وجنتاها تنتفخان مثلما ينتفخ باب الخيمة مع هبوب الريح، كانت حولاء ~~دائما. # لكن أعتقد أنه لم يكن بهيئتها شيء باعث على النفور في أعين الآخرين، وبالتأكيد وصفتها ~~أمي بأنها جميلة، أو تقريبا جميلة (كقولها: «هي ليست قبيحة جدا، يمكن اعتبارها جميلة»). ~~لا يشوب سلوكها ما يمكن الاعتراض عليه كذلك كما ترى أمي. و«هي صغيرة جدا بالنسبة ~~لعمرها». وتلك عبارة ملتوية وقاصرة لقول إن فيرنا لم تتعلم القراءة أو الكتابة أو نط ~~الحبل أو لعب الكرة، وإن صوتها أجش ونشاز، وكلماتها تخرج منفصلة انفصالا غريبا كما لو ~~أنها قطع غليظة من اللغة عالقة في حلقها. # كان أسلوبها في التطفل علي وإفساد ألعابي الفردية أسلوب بنت أكبر سنا وليس أصغر. لكن ~~بنت أكبر لا تتمتع بالمهارة اللازمة أو حق فعل هذا، ولا تتمتع سوى بتصميم عنيد وعجز عن فهم ~~أنه غير مرحب بها. # بطبيعة الحال يكون الأطفال محافظين إلى أقصى درجة، وينفرون من كل ما هو مختل ومنفلت وخارج ~~عن المعتاد. ولأني كنت طفلة وحيدة دللت دلالا كبيرا (ووبخت كذلك ). كنت خجولا ~~وصعبة المراس، وأكبر من سني، وكان لدي الكثير من الطقوس الخاصة بي ms164 والكثير من ~~الكراهية. كرهت حتى مشابك الشعر التي كانت تنزلق باستمرار من شعر فيرنا، وحلوى النعناع ~~ذات الخطوط الحمراء أو الخضراء التي كانت تعرضها علي باستمرار. في الحقيقة كانت تفعل أكثر ~~من عرضها علي، كانت تحاول أن تمسك بي وتدفع هذه الحلوى إلى فمي، وهي تضحك طول الوقت ~~بطريقتها المتقطعة. أكره مذاق النعناع إلى اليوم، واسم فيرنا، أكرهه أيضا. بالنسبة لي لا ~~يعبر الاسم عن الربيع أو العشب الأخضر أو أكاليل الورود أو البنات في فساتين هفهافة، ~~قدر ما يعبر عن ممر من النعناع المتيبس والوحل الأخضر. # لا أعتقد أن أمي أحبت فيرنا حقا هي الأخرى. لكن بسبب بعض النفاق في طبيعتها، في رأيي، ~~وبسبب قرار ما اتخذته - لإغاظتي على ما يبدو - تظاهرت أنها تشفق عليها. طلبت مني أن أكون ~~طيبة معها. في البداية، قالت إن فيرنا لن تبقى طويلا، ومع نهاية إجازة الصيف سوف تعود ~~إلي أينما كانت من قبل. ثم، حين أصبح واضحا أنه لا مكان آخر لدى فيرنا لتعود إليه، تحولت ~~أمي إلى استرضائي بقول إننا أنفسنا سوف ننتقل قريبا إلى منزل آخر، وعلي أن أكون طيبة ~~لوقت أطول قليلا فحسب (في الحقيقة لم ننتقل إلا بعد عام كامل). وأخيرا، بعدما نفد ~~صبرها، قالت إني خيبت أملها، وأنها لم تعتقد قط أن طبيعتي دنيئة إلى هذا الحد. ~~- «كيف تلومين شخصا على أنه ولد على هذا النحو؟ ما خطؤها؟» # لم يبد لي هذا منطقيا. لو كنت أكثر مهارة في الجدال لقلت إني لا ألوم فيرنا، أنا لا ~~أريدها أن تقترب مني فحسب. لكني كنت قطعا ألوم فيرنا. لم يراودني شك في أن حالها ~~هو خطؤها بطريقة أو بأخرى. وفي هذه المسألة بالذات، بغض النظر عن أي مما قد تقوله أمي، ~~كنت متفقة بدرجة ما مع الحكم العام غير المفصح عنه لدى الناس في الزمن والمكان اللذين عشت ~~بهما؛ فحتى الكبار كانوا يبتسمون بطريقة معينة ، وكانوا يبدون قدرا لا يمكن كبحه من ~~الرضا عن الذات ومن الاستعلاء المقبول في ms165 طريقة تحدثهم عن الناس «البسيطة» أو «محدودة ~~القدرات.» وكان بوسعي ملاحظة ذلك. وأعتقد أن أمي كانت حقا مثلهم في دخيلتها. # التحقت بالمدرسة، وكذلك فيرنا. وضعوها في صف خاص في مبنى خاص يقع في ركن من ساحة المدرسة. ~~كان هذا المبنى هو مبنى المدرسة الأصلي، لكن أحدا لم يهتم بالتاريخ المحلي وقتها، وبعد ~~بضع سنوات جرى هدمه. كان هناك ركن مسيج حيث يقضي طلاب ذلك المبنى فترة الاستراحة بين ~~الحصص الدراسية. كانوا يذهبون إلى المدرسة بعدنا بنصف ساعة في الصباح ويخرجون قبلنا ~~بنصف ساعة بعد الظهر. كان من المفروض ألا يتحرش بهم أحد في الاستراحة، لكن بما أنهم ~~كانوا يتعلقون غالبا في السياج يراقبون ما يحدث في ساحة المدرسة العادية، كان بقية الطلاب ~~أحيانا يندفعون ناحيتهم صائحين أو ملوحين بالعصي في محاولة لإخافتهم. لم أقترب ~~قط من ذلك الركن، ولم أر فيرنا قط. لكن كان لزاما علي أن أتعامل معها في ~~المنزل. # كانت في البداية تقف عند زاوية البيت الأصفر، تراقبني، وكنت أتظاهر أني لا ألاحظ وجودها. ~~بعد ذلك كانت تتمشى إلى الحديقة الأمامية حيث تقف على سلالم مدخل الجزء الخاص بعائلتي من ~~المنزل. لو أردت أن أدخل إلى البيت، لكي أدخل الحمام أو لأني كنت أشعر بالبرد، كان يجب ~~علي أن أقترب منها حتى ألمسها وأن أخاطر بأن تلمسني. # كان بوسعها الوقوف في مكان واحد أطول من أي شخص عرفته، تحدق في شيء واحد فقط؛ عادة ~~في. # كان لدي أرجوحة معلقة في شجرة قيقب، يمكنني التأرجح عليها بحيث أرى المنزل أو الشارع؛ ~~ما يعني أنه كان علي أن أراها أو أن أعلم أنها تحدق بظهري، وربما تأتي لكي تدفع ~~الأرجوحة. بعد فترة من مراقبتي على الأرجوحة، كانت تقرر فعل ذلك، ودائما ما كانت تدفعني ~~على نحو ملتو، لكن هذا ليس أسوأ ما في الأمر. كان الأسوأ هو أصابعها التي تنغرز في ~~ظهري. عبر معطفي، عبر ملابسي الأخرى؛ أصابعها مثل الخراطيم الباردة. كان أحد أنشطتي الأخرى ~~بناء منزل من أوراق الشجر. ms166 كنت أمشط الحديقة وأحمل كومة من الأوراق المتساقطة من شجرة ~~القيقب التي تحمل الأرجوحة، وأفرغ تلك الأوراق وأرتبها في نموذج ورقي لمنزل؛ هنا غرفة ~~المعيشة، هنا المطبخ، هنا كومة ناعمة كبيرة للسرير في غرفة النوم وهكذا. لم يكن هذا النشاط ~~من ابتكاري، كانت ملاعب الفتيات بالمدارس تمتلئ في الفسحة ببيوت أوراق شجر أكبر وأوسع ~~نطاقا مما كنت أبنيه، كانت بشكل تشبه أثاث ساحة الملعب إلى أن يأتي الحارس في النهاية ~~ليجمعها كلها ويحرقها. # في البداية كانت فيرنا تراقب ما كنت أفعله فقط، يعلو وجهها ذا العينين المحولتين ~~تعبير بدا لي حيرة متعالية (كيف تجرؤ على أن ترى نفسها أعلى مني؟!) يلي ذلك اقترابها وهي ~~تحمل ملء ذراعيها أوراق شجر تساقطت منها بسبب ترددها أو حماقتها. وهي أوراق لم تأخذها من ~~كومة الأوراق الاحتياطية بل من أوراق حائط منزلي ذاته. كانت تلتقط الأوراق الساقطة ثم ~~تحملها مسافة صغيرة ملقية إياها وسط أحد غرفي المرتبة. # صحت فيها أن تتوقف، لكنها انحنت لكي تلتقط حمولتها المتبعثرة مرة ثانية، ولم تكن قادرة ~~على الاحتفاظ بها، فبعثرتها في كل مكان، وحين أصبحت كلها على الأرض بدأت في ركلها بحماقة ~~هنا وهناك. كنت لا أزال أصيح فيها أن تتوقف لكن لم يكن لذلك أي تأثير عليها أو لعلها ~~اعتبرته تشجيعا؛ فخفضت رأسي وجريت تجاهها ونطحتها في بطنها. لم أكن أرتدي قبعة؛ لهذا ~~لمس شعر رأسي المعطف الصوفي أو الجاكيت الذي كانت ترتديه، وبدا لي أني لمست فعليا شعرا ~~شائكا على جلد بطن صلب ومقرف. ركضت إلى المنزل أصرخ متذمرة، وحين سمعت أمي القصة فاقمت ~~غضبي بقولها: «إنها تريد أن تلعب ليس إلا. هي لا تعرف كيف تلعب.» # مع حلول الخريف كنا قد انتقلنا إلى بيت جديد من طابق واحد ولم أضطر قط إلى ~~المرور بالمنزل الأصفر الذي كان يذكرني كثيرا بفيرنا، كما لو أنه اكتسب مكرها المجرد من ~~الذكاء، أو حول عينها المنذر بالخطر. بدا الدهان الأصفر نفسه لونا يعبر عن الإهانة ~~ذاتها، وأضاف الباب الأمامي ms167 الذي لم يكن في منتصف البيت بالضبط، لمسة من التشوه. # كان البيت الجديد على بعد ثلاثة مربعات سكنية فقط من المنزل الأصفر، وكان قريبا من ~~المدرسة. لكن تصوري عن حجم البلدة وتشابك شوارعها كان كبيرا بحيث بدا لي أني هربت من فيرنا ~~كلية. فيما بعد أدركت أن هذا ليس صحيحا، ليس صحيحا تماما، حين التقيت أنا وزميلة لي في ~~أحد الأيام بفيرنا على الطريق الرئيس. لا بد أن واحدة من أمهاتنا أرسلتنا في مهمة ما. لم ~~أرفع عيني لأنظر إليها لكني أعتقد أني سمعت ضحكة تحية أو صيحة تعارف بينما مررنا من ~~جوارها. # قالت زميلتي شيئا مروعا لي. ~~- «كنت أعتقد أنها أختك.» ~~- «ماذا؟» ~~- «كنتما تسكننان المنزل نفسه لهذا اعتقدت أنكما بالتأكيد أقارب، بنات عم مثلا. على ~~كل، أهذا صحيح؟ أأنتما بنات عم؟» ~~- «لا.» ~~••• # أعلن أن المبنى القديم حيث توجد الصفوف الخاصة أصبح غير آمن، وعليه فقد انتقل تلاميذه إلى ~~مبنى الكنيسة الإنجيلية، الذي تؤجره البلدة الآن أسبوعيا. يقع مبنى في الناحية المقابلة ~~من البيت الذي نسكن فيه أنا وأمي وأبي الآن. كان هناك أكثر من طريق يؤدي بفيرنا إلى ~~المدرسة، لكنها اختارت الطريق الذي يمر ببيتنا. ويقع بيتنا على بعد أقدام قليلة من الرصيف، ~~ما يعني إذن أن ظلها قد يسقط بالفعل على سلالم منزلنا. ولو رغبت فإنها تستطيع أن تركل بعض ~~الحصى إلى حديقتنا، وإذا لم تكن الستائر منسدلة تستطيع أن تسترق النظر إلى صالتنا وإلى ~~الغرفة الأمامية. # تغيرت مواعيد الحصص الخاصة بحيث تزامنت مع ساعات المدرسة العادية، على الأقل في الصباح؛ ~~ظل التلاميذ ذوو الحالات الخاصة يذهبون لمنازلهم في وقت أبكر بعد الظهيرة. لا بد أنه بعدما ~~انتقلوا إلى مبنى الكنيسة ساد شعور بأنه لا داعي لفصلهم عنا في الطريق إلى المدرسة. كان هذا ~~يعني أني قد ألتقي فيرنا صدفة على الرصيف. تعودت أن أنظر دائما إلى الاتجاه الذي يمكن أن ~~تأتي منه، وإذا رأيتها أحني رأسي عائدة إلى المنزل متعللة بأني نسيت شيئا ما أو أن ~~فردة ms168 حذائي كانت تحك كعبي وأحتاج إلى أن أضع ضمادة طبية عليه، أو أن شريط شعري قد انحل. ~~أصبحت الآن أذكى من أن أخطئ وأذكر فيرنا كي أسمع أمي تقول: «ما المشكلة، مم تخافين، هل ~~تظنين أنها ستأكلك؟» # ما المشكلة يا ترى؟ أكنت أخاف أن تصيبني بمرض، عدوى ما؟ كانت فيرنا نظيفة بالقدر ~~المعقول وبصحة جيدة. وكان من المستبعد أن تهاجمني وتلكمني أو تشدني من شعري، لكن الكبار ~~فقط هم من يصور لهم غباؤهم أنها لا تملك قوة. إن لديها قوة، قوة موجهة لي تحديدا. كنت أنا ~~من تترصده، أو هذا ما اعتقدته. كما لو أن هناك صلة ما بيننا لا يمكن وصفها ولا يمكن محوها. ~~صلة لا يمكن التخلص منها، على غرار الحب، مع أنه من ناحيتي بدا أنه كره مطلق. # أعتقد أني كرهتها كما يكره بعض الناس الثعابين أو الديدان أو الفئران أو البزقات، دون سبب ~~منطقي، لا لأنها قد تتسبب في أذى ما، بل لأنها قادرة على إثارة الغثيان وجعلك تشمئز من ~~الحياة. ~~••• # حين حكيت لشارلين عنها كنا قد وصلنا إلى مستويات أعمق من حوارنا؛ ذلك الحوار الذي لم ~~ينقطع إلا إذا كنا نسبح أو نائمين. لم تكن فيرنا قصة مثيرة بما يكفي لتوطيد علاقتي مع ~~شارلين، فهي لم تكن مقززة تقززا جليا، مثل مؤخرة أخيها المليئة بالبثور، وأتذكر أني ~~قلت إنها كريهة على نحو لا يسعني وصفه. رغم ذلك كنت قد وصفتها ووصفت مشاعري تجاهها، ولا بد ~~أني أتقنت هذا؛ لأنه مع اقتراب انتهاء أسبوعي المعسكر فوجئت بشارلين تهرع إلي في صالة ~~الطعام في منتصف النهار، ووجهها يشع رعبا وسعادة غريبة. ~~- «إنها هنا، إنها هنا، تلك الفتاة، الفتاة الكريهة؛ فيرنا، إنها هنا في المعسكر.» # كان الغذاء قد انتهى. كنا ننظف ونضع أطباقنا وأكوابنا على رف المطبخ لتسحبها الفتيات ~~المسئولات عن المطبخ في ذلك اليوم وتغسلها، ثم نصطف لنذهب إلى متجر الحلوى، الذي يفتح ~~يوميا في الواحدة بعد الظهر. كانت شارلين قد أسرعت إلى المهجع لتحضر بعض النقود. ms169 فبما ~~أنها كانت تنتمي لأسرة ثرية - إذ يعمل أبوها حانوتيا - فقد كانت مستهترة نوعا ما، وتحتفظ ~~بنقودها في كيس مخدتها، بينما كنت أحتفظ بنقودي معي دائما، باستثناء وقت السباحة. كان من ~~يستطيع منا تحمل نفقة الذهاب إلى المتجر بعد الغداء يذهب ليشتري ما يزيل مذاق أصناف حلوى ~~المطعم التي كرهناها؛ لكننا دائما ما نجربها لا لسبب سوى التأكد من أنها مقرفة بقدر ما ~~توقعنا؛ أصناف مثل بودنج التبيوكة، تفاح مخبوز طري، كاسترد لزج. حين رأيت لأول وهلة التعبير ~~على وجه شارلين، اعتقدت أن نقودها قد سرقت، لكن فكرت بعد ذلك أن كارثة كتلك لن تقلب وجهها ~~على هذا النحو، كانت الصدمة على وجهها تشع بهجة. # فيرنا؟! كيف يمكن أن تكون فيرنا هنا؟! لا بد من وجود خطأ ما. # لا بد أنه كان يوم الجمعة. لم يتبق سوى يومين في المعسكر، يومان ثم نرحل. وكما اتضح حضر ~~إلى هنا فريق من ذوي الحالات الخاصة - هنا أيضا كانوا يسمون هكذا - ليقضوا معنا ~~إجازة نهاية الأسبوع الأخير. لم يكونوا عددا كبيرا، كانوا عشرين إجمالا، ولم يكن جميعهم ~~من بلدتي بل من بلدات أخرى مجاورة. في الحقيقة، بينما كانت شارلين تحاول إبلاغي بالأخبار ~~انطلقت صفارة وقفزت المرشدة أرفا فوق المقعد لتخاطبنا. # قالت إنها تعلم أننا سنبذل أقصى جهد لنرحب بهؤلاء الزائرين، المخيمين الجدد، وأنهم ~~أحضروا معهم خيامهم الخاصة ومرشدتهم، لكنهم سوف يأكلون ويسبحون ويلعبون ويحضرون دردشة ~~الصباح معنا. قالت، بنبرة التحذير أو التوبيخ المألوفة في صوتها، إنها متأكدة أننا سوف نرى ~~هذا فرصة لتكوين صداقات جديدة. # استغرق هؤلاء القادمون الجدد وقتا طويلا في نصب خيامهم وترتيب أغراضهم. بعضهم لم ~~يبال بتلك العملية وبدءوا يهيمون على وجوههم، فأخذ المشرفون ينادون عليهم ويذهبون ~~لإحضارهم. وبما أن الوقت كان وقت فراغنا أو استراحتنا، فقد اشترينا ألواح الشوكولاتة أو عصا ~~العرقسوس أو حلوى التوفي الهشة، من متجر الحلوى، وذهبنا نستلقي على أسرتنا ونستمتع ~~بتناولها . # ظلت شارلين تقول: «تخيلي. تخيلي. إنها هنا. لا أستطيع أن أصدق هذا. هل تعتقدين ms170 أنها ~~تلاحقك؟» # قلت: «على الأرجح.» ~~- «هل تعتقدين أني أستطيع أن أخبئك دوما هكذا؟» # حين وقفنا في الصف أمام متجر الحلوى خفضت رأسي، وجعلت شارلين تقف بيني وبين الحالات ~~الخاصة، أثناء مرورهم. ألقيت نظرة واحدة على جمعهم وتعرفت على فيرنا من الخلف، من رأسها ~~الثعبانية المتهدلة. ~~«لا بد أن نفكر في طريقة ما لتغيير شكلك.» # يبدو أن شارلين اعتقدت من كلامي أن فيرنا تحرشت بي بقوة. وكنت أعتقد أن هذا هو ما حدث ~~بالفعل، باستثناء أن التحرش كان أكثر مهارة وأقل وضوحا مما قدرت على وصفه. ووقتها، تركت ~~شارلين تعتقد ما تريد لأن ذلك كان أكثر إثارة لي. # لم تجدني فيرنا على الفور؛ بسبب المراوغات المعقدة التي كنا نقوم بها: شارلين وأنا، ~~وربما لأنها كانت مذهولة قليلا مثلما بدا معظم الحالات الخاصة؛ إذ كانوا يحاولون فهم ماذا ~~كانوا يفعلون هنا. وسريعا ما أخذوهم إلى حصة السباحة عند نهاية شاطئ البحيرة. # وفي وقت العشاء كانوا يدخلون إلى صالة الطعام بينما نغني: # كلما تجمعنا معا، معا، معا # نقترب من بعضنا أكثر # وتصبح سعادتنا أكبر. # بعد ذلك جرى تفريقهم عمدا وتوزيعهم بيننا. كانوا جميعهم يحملون بطاقات ~~عليها أسماؤهم. جلست أمامي فتاة اسمها ماري ألان، لا أتذكر اسم عائلتها، لم تكن من بلدتي، ~~لم أكد أسعد بهذا حين رأيت فيرنا تجلس إلى المائدة المجاورة، كانت أطول ممن حولها، ~~لكنها - والحمد لله - كانت تواجه الناحية التي أواجهها فلم تستطع أن تراني خلال ~~الوجبة. # كانت الأطول بينهم، ومع ذلك لم تكن فارعة الطول، ليس إلى درجة تجذب الانتباه كما كنت ~~أتذكرها عندما سكنا في المنزل نفسه. كان السبب على الأرجح هو طفرة النمو التي مررت ~~بها خلال العام الماضي، بينما ربما توقفت هي عن النمو كلية. # بعد العشاء، حين وقفنا وجمعنا أطباقنا، أبقيت رأسي محنيا، لم أنظر قط إلى ناحيتها، ~~ومع ذلك أدركت حين وقعت عيناها علي، حين تعرفت علي، وحين ابتسمت ابتسامتها الصغيرة ~~المتهدلة أو ضحكت ضحكتها الغريبة المحشورة في حلقها. # قالت شارلين: «لقد رأتك، لا ms171 تنظري، لا تنظري، سوف أقف بينك وبينها. تحركي، واصلي التحرك، ~~استمري.» ~~- «هل هي قادمة إلى هذا الاتجاه؟» ~~- «لا، إنها تقف هناك فقط. إنها تنظر إليك فقط.» ~~- «تبتسم؟» ~~- «نوعا ما.» ~~- «لا أستطيع أن أنظر إليها؛ سوف أتقيأ.» # كم مرة «اضطهدتني» فيرنا خلال اليوم والنصف المتبقيين؟ اعتدنا أن نستخدم: شارلين وأنا، ~~كلمة «اضطهاد» باستمرار، مع أن فيرنا لم تقترب منا قط في الحقيقة. كانت كلمة تنتمي لعالم ~~الكبار وذات دلالات قانونية. كنا في حالة ترقب دائم كما لو أني مطاردة. حاولنا أن نقتفي ~~مسار جولات فيرنا، وتبلغني شارلين عن موقفها أو تعبيرها. خاطرت بالنظر إليها مرتين، حين ~~كانت شارلين تقول: «لا بأس. لن تلاحظ الآن.» # في تلك المرات بدت فيرنا مكتئبة قليلا أو حزينة أو مرتبكة، كما لو أنها - مثل معظم ~~الحالات الخاصة - تائهة ولا تستوعب كلية أين كانت أو ماذا كانت تفعل هنا. تسبب بعضهم، لم ~~تكن فيرنا منهم، في اضطراب حين تجولوا بعيدا في غابات الصنوبر والأرز والحور على ~~الجرف خلف الشاطئ، أو على الشاطئ الرملي الطويل الذي ينتهي إلى الطريق السريع. بعد ذلك عقد ~~اجتماع وطلب منا أن ننتبه لأصدقائنا الجدد، الذين لا يألفون المكان مثلنا. نخزتني شارلين ~~في أضلاعي في تلك اللحظة. لم تكن تعي بالطبع أي تغير، أو أي اختفاء للثقة، أو حتى صغر ~~الحجم الجسدي في فيرنا هذه، ودائما تبلغني بمكرها وتعبيرها الشرير؛ ونظرة التهديد على ~~وجهها. وربما كانت على حق؛ ربما رأت فيرنا في شارلين؛ هذه الصديقة الجديدة أو حارستي ~~الخاصة؛ هذه الغريبة، علامة ما على تغير كل شيء بيننا، وهذا جعلها متجهمة مع أني لم أر ~~هذا. # قالت شارلين: «لم تخبريني قط عن يديها.» ~~- «ماذا عنهما؟» ~~- «لديها أطول أصابع رأيتها في حياتي. تستطيع أن تلفها حول رقبتك وتخنقك فقط. تستطيع ~~بالفعل. تخيلي أن تكوني معها في الخيمة ليلا، ألن يكون ذلك فظيعا؟» # قلت: صحيح، سيكون فظيعا. ~~- «لكن هؤلاء الآخرين في خيمتها أكثر حماقة من أن يلاحظوا هذا.» # حدث تغير ما في نهاية ذلك الأسبوع ms172 الأخير؛ ساد شعور مختلف تماما في المعسكر. لم تحدث أية ~~تغيرات جذرية. كانوا يعلنون عن الوجبات بجرس غرفة الطعام في المواعيد العادية ولم يتحسن ~~الطعام المقدم ولم يتدهور. ظلت أوقات الراحة واللعب والسباحة كما هي. فتح متجر الحلوى ~~أبوابه كالمعتاد، وكان المرشدات يجمعننا كما هي العادة لنحضر الدردشة الصباحية. لكن نما ~~شعور من التململ واللامبالاة. تستطيع أن تستشعره حتى في المرشدات، اللاتي لم تعد كلمات ~~التوبيخ أو التشجيع نفسها على أطراف ألسنتهن، وكن ينظرن إلينا مطولا كأنما يحاولن تذكر ~~ماذا كن يقلن عادة. ويبدو أن هذا كله بدأ مع وصول الحالات الخاصة. غير حضورهم المعسكر. ~~كان هناك معسكر حقا قبل مجيئهم، بكل قوانينه وحرمانه ومتعه المفروضة الحتمية كما في ~~المدرسة أو في أي جزء من حياة الطفل، ثم بدأ يتداعى، يكشف عن أنه شيء مؤقت، مجرد ~~ادعاء. # ألأننا نظرنا إلى الحالات الخاصة وفكرنا لو أنهم يستطيعون أن يكونوا كشافة، فلا يوجد إذن ~~كشافة حقيقيون؟ ربما كان ذلك أحد الأسباب، لكن ذلك يرجع أيضا إلى قرب الوقت الذي ينتهي فيه ~~كل هذا وينكسر النظام اليومي، ويأتي آباؤنا لاصطحابنا إلى حياتنا القديمة، ويعود المرشدون ~~أناسا عاديين، ليسوا مدرسين حتى. كنا نعيش في ديكور مسرح على وشك أن يتفكك مع كل صداقاته ~~وعداواته ومنافساته التي ازدهرت في الأسبوعين الماضيين. من يصدق أنهما أسبوعان فقط؟ # لم يعرف أحد كيف يتحدث عن هذا، لكن التراخي انتشر بين صفوفنا؛ وساد مزاج معتل ضجر، بل ~~وعكس الطقس هذا الشعور. لم يكن كل يوم مر علينا خلال الأسبوعين الماضيين مشمسا وحارا، لم ~~يكن ذلك حقيقيا على الأرجح لكن بالتأكيد سوف يغادر معظمنا حاملين هذا الانطباع. والآن، في ~~صباح ذلك الأحد الأخير، كان هناك تغير. بينما كنا نؤدي صلواتنا الخارجية (هذا ما كنا نؤديه ~~في أيام الآحاد بدل الدردشة) غيمت السماء. لم يحدث تغير في حرارة الجو، ربما زادت درجة ~~الحرارة حتى، لكن كان هناك ما يسميه بعض الناس رائحة عاصفة. رغم ذلك خيم سكون هائل. ~~تطلع المرشدون - وحتى ms173 القس الذي كان يأتي في أيام الآحاد من أقرب بلدة - إلى السماء بين ~~الحين والآخر بقلق. # سقطت قطرات مطر قليلة ليس إلا. انتهت الصلاة ولم تهب أي عاصفة. أصبحت السماء أكثر ~~صفاء إلى حد ما، لا إلى الحد المبشر بطلوع الشمس، لكن بما يكفي لكي لا تلغى سباحتنا ~~الأخيرة. بعد ذلك لن نتناول الغذاء؛ فقد أغلق المطبخ بعد وجبة الإفطار، ولن يفتح محل ~~الحلوى أبوابه. سوف تبدأ عائلتنا في الوصول بعد الظهر مباشرة ليصطحبونا إلى البيت، وسوف ~~تأتي الحافلة لتصطحب الحالات الخاصة. حزمنا معظم أغراضنا، وخلعنا الملاءات وطوينا البطاطين ~~البنية الخشنة التي كانت دائما ندية عند قدم السرير. # حتى حينما كنا نثرثر ونرتدي ثوب السباحة، بدت كابينة النوم مؤقتة وكئيبة. # كان الحال نفسه مع الشاطئ. بدت صخوره أكثر ورماله أقل، وبدا الموجود منها رماديا. بدت ~~المياه باردة، مع أنها كانت دافئة إلى حد كبير؛ ومع ذلك ذوى حماسنا للسباحة، وكان ~~معظمنا يخوض في المياه الضحلة دون هدف. واضطرت مرشدتا السباحة - بولين وامرأة متوسطة العمر ~~مسئولة عن الحالات الخاصة - أن تصفق لنا هاتفة: ~~- «أسرعوا، ماذا تنتظرون؟ إنها فرصة السباحة الأخيرة في هذا الصيف.» # كان هناك بيننا سباحون ماهرون يندفعون عادة فورا نحو الطوف، وكل من صنف على أنه ~~سباح معقول، من بينهم شارلين وأنا، عليه أن يسبح حتى الطوف مرة على الأقل ويعود من أجل أن ~~يثبت أنه يستطيع أن يسبح ياردتين على الأقل في مياه تعلو رأسه. عادة تسبح بولين إلى هناك ~~مباشرة، وتبقى في المياه العميقة تراقب إذا ما وقع أي شخص في مشكلة، وتتأكد كذلك أن كل من ~~عليه أن يسبح قد أدى واجبه. مع ذلك، في ذلك اليوم انطلق عدد أقل من السباحين أقل من المعتاد ~~إلى هناك، وبولين نفسها بعد صيحات التشجيع والتوبيخ الأولى؛ كي ينزل الجميع إلى الماء، كانت ~~تسبح بتراخ حول الطوف وتضحك، وتمازح السباحين الماهرين المخلصين. كانت بقيتنا لا تزال تسبح ~~في المياه السطحية، كنا نسبح مسافة أقدام أو ياردات قليلة، ثم نقف ms174 على القاع ويرش بعضنا ~~بعضا بالمياه، أو ننقلب على ظهورنا متظاهرين بأننا جثة ميت عائمة، كما لو أن السباحة أصبحت ~~نشاطا لم يعد أحد يهتم بممارسته. كانت المرأة المسئولة عن الحالات الخاصة تقف حيث تصل ~~المياه بالكاد إلى خصرها - لم يتجاوز معظم ذوي الحالات الخاصة أنفسهم مستوى مياه أعلى من ~~ركبهم - والجزء العلوي من ثوب سباحتها المشجر ذي التنورة لم يبتل حتى. كانت تنحني ~~وترش قليلا من المياه عليهم بينما تضحك هاتفة: «أليس هذا ممتعا.» # كنت أنا وشارلين نقف عند مستوى من المياه لم يتجاوز صدرينا على الأرجح. كنا ضمن فئة ~~السباحين الكسالى، نلعب لعبة الرجل الميت، نتقافز في المياه سابحين على ظهرينا أو صدرينا ~~دون أن يأمرنا أحد بالتوقف عن اللهو. كنا نحاول أن نرى كم من الوقت يمكن أن نحتفظ بأعيننا ~~مفتوحة تحت الماء، وكنا نتسلل وتقفز إحدانا على ظهر الأخرى. كان حولنا الكثير ممن يصيحون ~~ويصرخون مازحين بينما يفعلون الشيء نفسه. # وصل، أثناء هذا، بعض الآباء أو أفراد قادمون لاصطحاب ذويهم من المعسكر، وأوضحوا أنه ليس ~~لديهم وقت يضيعونه؛ ومن ثم استدعي الكشافة الذين يجب أن يرحلوا من المياه؛ ما سبب ~~مزيدا من الصياح والارتباك. # صاحت شارلين: «انظري. انظري»؛ أو بالأحرى بصقت الكلام مع المياه لأني في الحقيقة كنت قد ~~دفعتها إلى الأسفل، وكانت قد خرجت لتوها تبصق المياه التي بللتها تماما. # نظرت لأجد فيرنا تشق طريقها نحونا، ترتدي قبعة سباحة مطاطية ذات لون أزرق باهت، تلطم ~~المياه بيديها الطويلتين وتبتسم كما لو أنها استعادت حقوقها علي فجأة. ~~••• # لم أحتفظ بعلاقتي مع شارلين. لا أتذكر حتى كيف ودعت إحدانا الأخرى، إن كنا قد فعلنا ~~ذلك. أتصور أن كلا من عائلتينا وصلتا في الوقت نفسه تقريبا، وأننا اندفعنا إلى سيارات ~~منفصلة واستسلمنا - ماذا يمكن أن نفعل غير هذا؟! - إلى حياتنا القديمة. بالتأكيد لم تكن ~~سيارة عائلة شارلين رديئة النوع ولم تكن مزعجة ولا يعتمد عليها مثل سيارة عائلتي، لكن حتى ~~لو اختلف الوضع لم يكن ليخطر على بالنا ms175 أن نعرف العائلتين إحداهما على الأخرى. كان ~~الجميع - ونحن أنفسنا - متعجلين على الرحيل، على ترك الضوضاء المثارة حول ممتلكات ضائعة أو ~~حول من قابل عائلته، ومن لا يزال ينتظر، ومن استقل الحافلة. # رأيت بعدها بسنوات صدفة صورة زفاف شارلين. كان هذا زمن حيث كانت صور الزفاف لا تزال ~~تنشر في الصحف، ليس في صحف البلدات الصغيرة فقط، بل صحف المدن كذلك. رأيتها في صحيفة تصدر ~~في تورنتو، كنت أتصفحها بينما أنتظر صديقا في مقهى في شارع بلور. # أقيم الزفاف في مدينة جويلف. كان العريس من أهل تورنتو وخريج كلية حقوق أوسجيد هول. كان ~~فارع الطول أو ربما كانت شارلين قصيرة جدا؛ فهي بالكاد تصل إلى كتفه، حتى مع تسريحة شعرها ~~العالية اللامعة والتي كانت موضة وقتها. جعل شعرها وجهها يبدو مطموسا وغيب ملامحه، لكن ~~عينيها تركتا لدي انطباعا بأنهما محددتان تحديدا ثقيلا؛ على غرار عيني كليوباترا، ~~وشفتاها شاحبتان. قد يبدو منظرها غريبا ومنفرا لكنه كان الشكل المحبب في تلك الأيام. كل ~~ما ذكرني بها في طفولتها هو النتوء الصغير المثير للضحك في ذقنها. # تخرجت العروس في كلية سانت هيلدا بتورونتو. # إذن لا بد أنها كانت هنا في تورنتو، تدرس في سانت هيلدا بينما كنت في المدينة ذاتها، أدرس ~~في جامعة تورنتو. ربما كنا نسير في الوقت نفسه في الشوارع أو الطرق نفسها حول حرم ~~الجامعة. ولم نتقابل قط. لا أعتقد أنها رأتني وتجنبت الحديث معي. ولم أكن لأتجنب الحديث ~~معها. بالطبع كنت سوف أعتبر نفسي طالبة أكثر جدية حالما أدرك أنها التحقت بسانت هيلدا. كنت ~~أنا وأصدقائي نعتبر سانت هيلدا كلية لربات البيوت. # كنت في ذلك الوقت خريجة متخصصة في علم الإنسان. قررت ألا أتزوج أبدا، مع أني لم ~~أستثن علاقات الحب. شعري طويل ومسترسل؛ إذ كنا أصدقائي وأنا نتبع موضة الهيبز الوليدة. ~~كانت ذكرياتي عن الطفولة بعيدة عني ومنزوية وغير مهمة أكثر مما هي عليه اليوم. # كان يمكن أن أكتب لشارلين على عنوان والديها في الصحيفة. لكن لم أفعل ms176 هذا. كنت أعتقد ~~أن تهنئة أي امرأة على زواجها تمثل ذروة النفاق. ~~••• # لكنها كتبت لي - بعد خمسة عشر عاما ربما - كتبت على عنوان ناشري: ~~«صديقتي القديمة مارلين، كم أنا مبتهجة وسعيدة أن أرى اسمك في مجلة ماكلين. وكم تذهلني ~~فكرة أنك ألفت كتابا. لم أشتره بعد لأننا كنا خارج البلد نقضي إجازتنا لكن ~~أنوي أن أشتريه، وأقرأه كذلك، في أسرع وقت. كنت أتفحص المجلات التي تراكمت أثناء ~~غيابنا؛ فرأيت صورتك البارزة والمقالة النقدية الشيقة عن الكتاب. وفكرت أني لا بد أن أكتب ~~وأهنئك. # لعلك متزوجة لكن تستخدمين اسم عائلتك على كتبك؟ ربما لديك عائلة؟ اكتبي وأخبريني كل ~~شيء عنك. للأسف ليس لدي أطفال لكني أشغل نفسي بالعمل التطوعي وزراعة الحديقة والإبحار ~~مع كيت (زوجي). هناك دائما الكثير لإنجازه. أنا حاليا عضو في مجلس إدارة المكتبة، وسوف ~~أقنعهم بشراء كتابك إذا لم يكونوا قد بعثوا في طلبه بعد. # تهاني مرة ثانية. لا بد أن أقول إني لم أندهش كليا من إنجازك لأني توقعت دائما أنك ~~قد تفعلين شيئا ما خاصا.» # لم أتواصل معها في تلك المرة كذلك. بدا أنه لا نفع من هذا. في البداية لم أنتبه لكلمة ~~«خاصا» في ختام الخطاب، لكنها هزتني قليلا عندما فكرت فيها بعد ذلك. مع ذلك، قلت لنفسي - ~~ولا زلت أعتقد هذا - إنها لم تعن بها أي شيء. # كان الكتاب الذي تشير إليه قد انبثقت فكرته من أطروحة دكتوراه لم ألق تشجيعا على ~~كتابتها؛ لذا تركتها وكتبت أطروحة أخرى؛ لكني عدت إلى الأولى كمشروع خاص بي حين أتيح لي ~~الوقت. شاركت في كتابين منذ ذلك الحين، كما كان متوقعا مني، لكن ذلك الكتاب الذي ألفته ~~بنفسي هو الوحيد الذي حقق لي ضجة صغيرة في العالم الخارجي (وبعض الاعتراض من زملائي ~~بالطبع). نفدت طبعات الكتاب الآن. كان عنوانه «حمقى وآلهة»؛ عنوان كان سيسبب لي المشكلات ~~اليوم، وحتى حينئذ أثار توتر ناشري مع أنهم اعترفوا أنه جاذب. # ما حاولت اكتشافه في الكتاب هو موقف الناس في ثقافات ms177 مختلفة - لا يجرؤ المرء على وصفها ~~بالثقافات البدائية - تجاه الناس المتفردين عقليا أو جسديا. إن صفات مثل «عاجز» و«معاق» ~~و«متخلف» أصبحت بالية، لا لأنها قد تعكس موقفا متعاليا وقسوة مألوفة بل لأنها لا تصف ~~هؤلاء الأشخاص بدقة ليس إلا. تنحي تلك الكلمات جانبا كبيرا مميزا بل ورائعا - أو ~~على أي حال قويا إلى حد استثنائي - في أولئك الأشخاص. وما كان شيقا هو اكتشاف وجود قدر ~~معين من التبجيل، إلى جانب الاضطهاد، في معاملة الناس لأولئك الاشخاص، ونسبة قدر كبير من ~~القدرات لهم، ليست كلها غير دقيقة، ينظر إليها على أنها مقدسة وسحرية وخطرة أو ذات قيمة. ~~بذلت أقصى ما في وسعي في البحث التاريخي والمعاصر، وأخذت في اعتباري الشعر والأدب الروائي ~~والعادات الدينية بالطبع. وبالطبع انتقدت في مجالي؛ لأني كنت أدبية جدا في أسلوبي ولأني ~~جمعت كل معلوماتي من الكتب، لكني لم أستطع في ذلك الوقت التحول حول العالم حينئذ؛ لم أستطع ~~الحصول على منحة. # أستطيع بالطبع أن أرى صلة؛ صلة اعتقدت أن شارلين يمكن أن تكون رأتها أيضا. كانت هذه ~~الأحداث بعيدة وغير مهمة بشكل غريب، مجرد نقطة بداية. كما بدا لي كل شيء في طفولتي حينئذ؛ ~~بسبب الرحلة التي اجتزتها منذ ذلك الحين، والإنجاز الذي حققته في سنوات نضجي؛ ~~الأمان. # كتبت شارلين: «اسم عائلتك» كان هذا تعبيرا لم أسمعه منذ فترة زمنية طويلة. يمت بصلة ~~قربى لتعبير سيدة عذراء، يحمل دلالات الطهارة والحزن، وغير مناسب تماما في حالتي؛ فحتى ~~حين نظرت إلى صورة زفاف شارلين لم أكن عذراء، مع أني أعتقد أنها هي الأخرى لم تكن عذراء. لا ~~يعني هذا أنه كان لدي حشد من العشاق، ومعظمهم لا ينطبق عليهم هذا الوصف. لكني مثل معظم ~~النساء في فئتي العمرية اللواتي لم يعشن في علاقة زواج أحادية، أعرف عدد «عشاقي»: ~~ستة عشر. أنا على يقين أن نساء أصغر مني وصلوا إلى هذا العدد قبل أن ينتهي عقدهن الثالث ~~أو قبل انتهاء سنوات مراهقتهن (بالطبع، حين تلقيت رسالة شارلين كان ms178 العدد أقل. لا يهمني ~~الآن، حقا لا يهمني، تحديد الرقم الصحيح). لعب ثلاثة منهم دورا مهما في حياتي، ~~والثلاثة كانوا يقعون بالترتيب الزمني ضمن العشاق الستة الأوائل. ما أعنيه ب «دور مهم» أنه ~~مع هؤلاء الثلاثة - بل اثنين فقط؛ كانت مشاعري حيال الثالث أكبر كثيرا من مشاعره تجاهي - ~~أتت اللحظة التي تريد فيها أن تفتح قلبك وتسلم ما هو أكثر من جسدك، وتترك حياتك كلها، ~~شاعرا بالأمان؛ لتمتزج بحياته. # منعت نفسي عن هذا؛ بالكاد. # يبدو أني لم أكن مقتنعة بهذا الأمان اقتناعا كاملا. ~~••• # تلقيت رسالة أخرى من فترة ليست بعيدة. أعادت الكلية التي كنت أدرس بها قبل تقاعدي ~~إرسالها إلي على عنوان المنزل. وجدتها تنتظر حين عدت من رحلة إلى باتاجونيا (أصبحت مسافرة ~~جريئة الآن). كان عمرها شهرا. # رسالة مطبوعة؛ وهي الحقيقة التي يعتذر عنها كاتبها فورا. ~~«خط يدي في الكتابة سيئ للغاية» وشرع يقدم نفسه بأنه زوج «رفيقة طفولتك القديمة شارلين.» ~~قال إنه آسف، آسف جدا لأنه يرسل لي أخبارا سيئة. شارلين كانت في مستشفى الأميرة مارجريت ~~في تورنتو. بدأ مرض السرطان لديها في الرئتين ثم انتشر إلى الكبد. كانت للأسف مدخنة طوال ~~حياتها. أمامها وقت قليل جدا تعيشه. لم تتكلم عني كثيرا، لكن حين تكلمت، عبر السنوات، ~~كان تتحدث بسعادة عن إنجازاتي الرائعة. كان يعرف مدى تقديرها لي، والآن في نهاية حياتها ~~تبدو شغوفة جدا لرؤيتي. طلبت منه أن يبحث عني، مضيفا أنه ربما تعني ذكريات الطفولة لها ~~كل شيء؛ فمشاعر الطفولة هي الأقوى دون نزاع. # حسنا. لعلها ماتت، هكذا فكرت. # لكن لو أنها ماتت - هكذا حسبت المسألة - لو أنها ميتة، فلا مخاطرة في أن أذهب إلى ~~المستشفى وأستفسر عنها. ومن ثم سوف يرتاح ضميري أو أيا ما تريد أن تسميه. أستطيع ~~أن أكتب له رسالة قصيرة أذكر فيها أني كنت مسافرة للأسف، لكني سوف أحضر في أقرب وقت ~~ممكن. # لا، من الأفضل ألا أكتب رسالة. ربما يظهر في حياتي ويشكرني. إن كلمة «رفيقة» أشعرتني ~~بعدم الراحة. كذلك ms179 أشعرتني عبارة «إنجازاتك الرائعة» لكن على نحو مختلف. ~~••• # يبعد مستشفى الأميرة مارجريت عدة مربعات سكنية عن المبنى الذي أسكن فيه. وفي يوم ربيعي ~~مشمس سرت إلى هناك. لا أعلم لماذا لم أتصل هاتفيا. ربما أردت أن أعتقد أني بذلت ~~أقصى جهدي. # في مكتب الاستقبال اكتشفت أن شارلين ما زالت حية، حين سئلت إذا كنت أرغب في رؤيتها لم ~~أستطع أن أقول لا. # صعدت في المصعد بينما أفكر أنه لا يزال بوسعي المغادرة قبل أن أصل إلى مكتب الممرضات ~~في طابقها؛ أو ربما أن أستدير عائدة، وأستقل المصعد التالي إلى الأسفل. لن تلاحظ موظفة ~~الاستقبال مغادرتي أبدا. وفي الحقيقة هي لم تلاحظ أني غادرت في اللحظة التي أعطت انتباهها ~~للشخص التالي في الصف، وحتى إذا لاحظت فماذا في هذا؟ # ربما كنت سأشعر بالعار، ليس لأني فاقدة الحس بقدر ما أفتقد إلى الشجاعة. # توقفت عند غرفة الممرضات، وأعطينني رقم الغرفة. # كانت غرفة خاصة، صغيرة جدا بدون أجهزة ضخمة أو زهور أو بالونات. في البداية لم أستطع أن ~~أرى شارلين. كانت الممرضة تنحني فوق السرير الذي بدا أنه يحمل كومة من الملاءات بدون شخص ~~واضح تحتها. إنه الكبد المتضخم، كما أدركت، وتمنيت لو أني هربت حينما استطعت. # اعتدلت الممرضة واستدارت وابتسمت لي. كانت امرأة ممتلئة الجسم سمراء البشرة تتحدث بصوت ~~جذاب، ربما دل على أنها من جزر الهند الغربية. # قالت: «أنت مارلين.» # شيء ما في اسمي أبهجها على ما يبدو. ~~«كانت تتلهف على حضورك، يمكن أن تقتربي.» # أطعتها ونظرت إلى الجسد المنتفخ والوجه التالف الحاد، والعنق الذي يشبه رقبة الدجاجة يبرز ~~من رداء المستشفى المهلهل، وشعرها المجعد، الذي لا يزال بنيا، ولا يزيد طوله عن طول ~~رقبتها ربع بوصة حول جمجمتها. لم أجد أثرا لشارلين. # لقد رأيت وجوه محتضرين من قبل؛ وجه أمي وأبي، حتى وجه الرجل الذي كنت أخشى من حبه. ~~لم أفاجأ. # قالت الممرضة: «هي نائمة الآن، كانت تأمل جدا أن تحضري.» ~~- «هي ليست في غيبوبة؟» ~~- «نعم، بل نائمة.» # عندها بدأت ms180 أرى أثر بقية من شارلين القديمة. ماذا كان؟ ربما اختلاجة؛ تلك الثنية الهازلة ~~الواثقة في زاوية فمها. # كانت الممرضة تتحدث إلي بنبرتها السعيدة الخافتة: «لا أعرف إذا كانت سوف تميزك. لكنها ~~تمنت أن تحضري ... لقد تركت لك شيئا.» ~~- «هل ستستيقظ؟» # هزت كتفها قائلة: «يجب أن نحقنها مرارا بسبب الألم.» # كانت تفتح درج الطاولة المجاورة. ~~«تفضلي، قالت لي أن أعطيك إياه لو وصلت إلى مرحلة متأخرة جدا من المرض. لم ترغب في أن ~~يعطيك إياه زوجها، وبما أنك جئت بنفسك، سوف يجعلها ذلك سعيدة.» # أعطتني مظروفا مغلقا كتب عليه اسمي بحروف كبيرة مرتعشة. # لمع بريق في عين الممرضة إذ تقول: «لم ترغب في أن يعطيه لك زوجها» ثم ابتسمت ابتسامة ~~عريضة. هل شكت في وجود شيء ما غير شرعي؛ سر نسائي؛ حب قديم؟ # قالت: «عودي غدا، من يعرف؟ سأخبرها لو أمكنني هذا.» # قرأت الرسالة ما إن وصلت إلى البهو. نجحت شارلين في أن تكتب بخط عادي تقريبا، ليس ~~ببربرية مثل الحروف المبعثرة على المظروف. طبعا لعلها كتبت الرسالة أولا ووضعتها في ~~المظروف، ثم أغلقت المظروف ووضعته جانبا إذ اعتقدت أنها سوف تسلمني إياه بنفسها. لكن أدركت ~~فيما بعد أنها تحتاج إلى أن تضع اسمي عليه. # مارلين. أكتب هذا في حالة إن وصلت إلى مرحلة متدهورة تمنعني عن الكلام. من فضلك ~~افعلي ما أطلبه منك. من فضلك اذهبي إلى جويلف وتوجهي إلى الكاتدرائية واسألي عن ~~الأب هوفسترادر. كاتدرائية سيدة المعونة الدائمة، إنها كبيرة جدا، لا تحتاجين إلى ~~ذكر اسمها. الأب هوفسترادر يعلم ما يجب أن يفعله. لا أستطيع أن أطلب هذا من «ك» ولا ~~أريده أن يعرف أبدا. الأب «ه» يعلم، وسألته وقال إنه من الممكن أن يساعدني. ~~مارلين، بوركت افعلي هذا أرجوك. لا شيء عنك. ~~«ك»، لا بد أن هذا زوجها. لا يعرف، بالطبع لا يعرف. # الأب هوفسترادر. # لا شيء عني. # كان بإمكاني تكوير هذه الرسالة ورميها ما إن أخرج إلى الشارع. وهو ما فعلته، رميت المظروف ~~بعيدا وتركت الريح تجرفه ms181 إلى بالوعة في شارع الجامعة. ثم أدركت أن الرسالة لم تكن في ~~المظروف؛ كانت لا تزال في جيبي. # لن أذهب إلى المستشفى مرة ثانية. لن أذهب أبدا إلى جويلف. # كان اسم زوجها كيت، تذكرت الآن. ذهبا للإبحار. كريستوفر. كيت. كريستوفر. ك. # حين عدت إلى بناية سكني وجدت نفسي أستقل المصعد نزولا إلى الجراج وليس صعودا إلى شقتي. ~~دخلت سيارتي بالملابس التي كنت أرتديها، وقدتها إلى الشارع، وبدأت أتوجه إلى طريق جاردنير ~~السريع. # طريق جاردنير السريع، الطريق السريع 427، الطريق السريع 401. كانت ساعة الذروة؛ توقيت سيئ ~~للخروج من المدينة. أكره القيادة في هذا الوقت. لا أمارسها كثيرا؛ فلست واثقة من تمكني ~~منها. كانت السيارة بها أقل من نصف جالون بنزين، وعلاوة على ذلك كنت أحتاج إلى استعمال ~~الحمام. فكرت، يمكن أن أخرج من الطريق السريع عندما أصل إلى ميلتون وأزود السيارة بالوقود، ~~وأستخدم الحمام وأعيد النظر في المسألة. في الوقت الحالي ليس بوسعي إلا الاستمرار في ~~طريقي، التوجه شمالا، ثم غربا. # لم أخرج من الطريق السريع. تجاوزت مخرج ميسيسوجا، ومخرج ميلتون. رأيت علامة من علامات ~~الطريق السريع تعلمني بعدد الكيلومترات المتبقية حتى جويلف، وترجمتها إلى أميال ~~تقريبية في رأسي، كما تعودت أن أفعل، واكتشفت أن البنزين سوف يكفي. كان المبرر الذي قدمته ~~لنفسي عن عدم توقفي هو أن الشمس سوف تنخفض أكثر؛ وهذا يعني مزيدا من المشقة، بما أني أمر ~~الآن عبر الضباب الخفيف الذي يرقد فوق المدينة حتى في أصفى الأيام. # ركنت السيارة عند أول محطة بعدما أخذت مخرج جويلف، وتوجهت إلى حمام السيدات بساقين ~~مرتجفتين متيبستين. ملأت خزان الوقود بعد ذلك وسألت، حين كنت أدفع النقود عن الاتجاهات إلى ~~الكاتدرائية. لم تكن الاتجاهات واضحة جدا لكن علمت أنها تقع فوق تلة كبيرة ويمكن أن أصل ~~إليها من أي مكان في قلب البلدة. # بالطبع لم يكن هذا حقيقيا، مع أني استطعت أن أراها من أي مكان تقريبا. كانت مجموعة من ~~القمم المستدقة دقيقة التصميم تبرز من بين أربعة أبراج جميلة. كان ms182 مبنى جميلا مع أني ~~توقعت مبنى فخما فقط. كان فخما كذلك؛ بالطبع، كانت كاتدرائية فخمة وكبيرة الحجم بالنسبة ~~إلى مدينة صغيرة نسبيا (مع أن شخصا ما قال لي فيما بعد إنها ليست كاتدرائية ~~حقا). # أتكون شارلين تزوجت هنا؟ # لا، بالطبع لا. لقد أرسلها أهلها إلى معسكر تابع لكنيسة المسيح المتحدة، ولم يكن به بنات ~~كاثوليكيات، مع أنه كان يضم تنوعا هائلا من البروتستانتيات. هذا إلى جانب رغبتها في ألا ~~يعلم «ك» بأمر هذه الزيارة. # ربما حولت مذهبها سرا، منذ ذلك الحين. # وجدت طريقي إلى ساحة ركن سيارات الكاتدرائية، وجلست هناك أتساءل ما الذي يجب أن أفعله. ~~كنت أرتدي بنطالا فضفاضا وسترة. كانت فكرتي عما هو مطلوب ارتداؤه في كنيسة كاثوليكية، ~~كاتدرائية كاثوليكية عتيقة جدا، حتى إني لم أكن متأكدة مما إذا كانت هيئتي مناسبة. حاولت ~~أن أسترجع زياراتي إلى الكنائس العظيمة في أوروبا. هل يجب تغطية الذراعين؟ وضع غطاء للرأس؟ ~~أو ارتداء تنورات؟ # يا للصمت الكثيف الذي ساد فوق هذه التلة. كنا في شهر أبريل؛ لم تنبت ورقة واحدة بعد على ~~الأشجار، لكن مع ذلك لا تزال الشمس تضيء السماء. كان هناك مجرى منخفض من الثلج رمادي اللون ~~يشبه لون الرصيف في باحة وقوف السيارات التابعة للكنيسة. # كانت السترة التي أرتديها أخف من أن تقيني برد المساء أو ربما كان الجو أبرد هنا، والريح ~~أقوى من تورنتو. # ربما يكون المبنى مغلقا فعلا في هذا الوقت، مغلقا وفارغا. # بدت الأبواب الضخمة الأمامية هكذا. لم أكلف نفسي مشقة صعود السلالم لأجرب؛ لأني قررت أن ~~أتبع زوجا من النساء العجائز، العجائز مثلي، أتيتا توا من رحلة طويلة من الشارع، وتجنبتا ~~تلك السلالم تماما؛ إذ توجهتا إلى مدخل أسهل يقع في جانب المبنى. # كان بالداخل ناس أكثر، ربما دستتان أو ثلاث، لكن لم يبد أنهم اجتمعوا للصلاة. كانوا ~~متفرقين هنا وهناك في المقاعد الخشبية الطويلة، البعض راكع والبعض يتبادل الحديث. غمست ~~المرأتان أمامي يديهما في حوض التعميد الرخامي بدون أن تنظرا إلى ما تفعلانه، ms183 وألقتا ~~التحية، بالكاد خافضتان صوتيهما، على رجل كان يرص سلات على مائدة. # قالت إحداهما: «الجو أدفأ بكثير في الخارج من هنا.» فقال الرجل إن الرياح شديدة ~~اليوم. # لاحظت مقصورات الاعتراف؛ مثل أكواخ صغيرة متفرقة أو بيوت لعب ضخمة للأطفال على الطراز ~~القوطي، بنقوش خشبية داكنة اللون وستائر بنية غامقة. باستثناء ذلك كان كل شيء يضيء ويتلألأ. ~~كان السقف المقوس العالي أزرق سماويا، والتقوسات الأدنى من السقف، تلك التي تلتقي ~~بالحيطان، مزينة بصور دينية في رصائع ذهبية اللون. تحولت النوافذ الزجاجية الملونة التي ~~تضربها الشمس في هذا الوقت من اليوم إلى صفوف من الحلي المتلألئ. مشيت في أحد الممرات ~~بتمهل؛ إذ كنت أحاول أن ألقي نظرة على المذبح لكن لأن المحراب كان ناحية الحائط الغربي ~~فمنعني ضوء الشمس الساطع من أن أراه جيدا. ومع ذلك رأيت رسوما لملائكة فوق النوافذ لأفواج ~~من الملائكة، نضرة وشفافة ونقية مثل النور. # كان أكثر الأماكن التي تفرض حضورها لكن لم يبد أن أحدا يستحوذ عليه هذا الحضور. ظلت ~~السيدات المتحدثات يتحدثن بنعومة لكن ليس همسا. وانحنى البعض الآخر على ركبتيه بعد أن ~~أومئوا برءوسهم، ورسموا إشارة الصليب على صدورهم سريعا، وشرعوا في أداء أعمالهم ~~الروتينية. # علي أنا أيضا البدء في مهمتي. بحثت عن قسيس لكني لم أر أحدا؛ لا بد أن القساوسة مثل ~~غيرهم يعملون ساعات العمل اليومية المعتادة. لا بد أنهم يقودون سياراتهم إلى بيوتهم ويدخلون ~~إلى غرفة المعيشة أو المكتب أو غرفهم الخاصة، ويشغلون التلفزيون ويفكون ياقاتهم. يحضرون ~~مشروبا ويتساءلون ماذا سيتناولون في وجبة العشاء؟ حين يحضرون إلى الكنيسة يحضرون في هيئة ~~رسمية، في بذاتهم جاهزون لأداء طقس ما، قداس مثلا؟ أو لسماع الاعترافات. لكن مع ذلك لا ~~يعرف المرء أبدا متى يوجدون، هل يدخلون ويغادرون مقصورات الاعتراف ذات القضبان الخشبية من ~~باب خاص؟ # كان يجب أن أسأل شخصا ما. بدا أن الرجل الذي يوزع السلال موجود لأسباب ليست خاصة به ~~تماما، مع أنه لم يبد أنه حاجب الكنيسة. لا يحتاج أحد إلى ms184 حاجب؛ فالناس يختارون المكان ~~الذي يريدون أن يجلسوا، أو يركعوا فيه، وأحيانا يقررون أن ينهضوا ويختاروا مكانا آخر؛ ~~ربما لأن وهج الشمس المتلألئ أزعجهم. حين تحدثت إليه همست، كما اعتدت قديما عند الوجود ~~في الكنائس، وأضطر أن يطلب مني أن أتحدث ثانية. ثم أومأ برأسه في تردد، نابعا من حيرة ~~أو ارتباك، إلى واحدة من مقصورات الاعتراف. كان علي أن أكون محددة جدا ومقنعة. ~~- «لا، لا. أريد أن أتحدث إلى قس. أرسلت إلى هنا للتحدث إلى قس، قس اسمه الأب ~~هوفسترادر.» # اختفى رجل السلال في ممر أبعد، وعاد في فترة قصيرة مع قس شاب ممتلئ قوي البنية يتحرك ~~بحيوية في الزي الأسود العادي. # وجهني إلى غرفة لم ألاحظها، ليست غرفة فعليا؛ إذ اجتزنا مدخلا مقوسا - لا بابا - في ~~القسم الخلفي من الكنيسة. # قال القس: «يمكننا التحدث هنا» وسحب لي كرسيا. ~~- «أيها الأب هوفسترادر ...» ~~- «أوه، لا، أنا لست الأب هوفسترادر، الأب هوفسترادر ليس هنا؛ هو في إجازة.» # للحظة لم أعرف كيف أتابع. ~~- «سأبذل قصارى جهدي لأساعدك.» # قلت: «هناك امرأة، امرأة تحتضر في مستشفى الأميرة مارجريت في تورنتو ...» ~~- «نعم، نعم، نعرف مستشفى الأميرة مارجريت.» ~~- «تطلب مني، لدي رسالة منها، تريد أن ترى الأب هوفسترادر.» ~~- «هل هي عضو في الأبرشية؟» ~~- «لا أعرف، لا أعرف إذا كانت كاثوليكية أم لا. إنها من هنا. من جويلف. هي صديقة لم ~~أرها منذ زمن طويل.» ~~- «متى تحدثت معها؟» # اضطررت أن أشرح له أني لم أتحدث معها، كانت نائمة، لكنها تركت لي رسالة. ~~- «لكنك لا تعرفين إذا كانت كاثوليكية؟» # كان مصابا ببثرة متقرحة في زاوية فمه. لا بد أن التحدث كان مؤلما له. ~~- «أعتقد أنها كذلك، لكن زوجها ليس كاثوليكيا ولا يعرف أنها كذلك، لا تريد أن ~~يعرف.» # قلت هذا أملا في أن أجعل الأمور أوضح، مع أني لم أعرف يقينا إذا كانت حتى حقيقية. خطر ~~لي أن هذا القس ربما يفقد اهتمامه بالمسألة تماما في وقت قصير. قلت: «لا بد أن الأب ~~هوفسترادر على علم بكل هذا.» ms185 ~~- «لم تتحدثي معها؟» # قلت إنها كانت تحت تأثير العلاج لكن ليس هذا هو الوضع طول الوقت وإني متأكدة أنها تمر ~~بفترات وعي كامل. شددت على هذا أيضا لأني اعتقدت أنه ضروري. ~~- «لو كانت ترغب في الاعتراف، فهناك قساوسة في مستشفى الأميرة مارجريت.» # لم يتفتق ذهني عن شيء آخر أقوله. أخرجت الرسالة، وفردت الورقة، وأعطيته إياها. ~~رأيت أن الخط ليس جيدا بقدر ما اعتقدت. كان يبدو مقروءا عند مقارنته بالحروف التي على ~~الظرف فحسب. ظهر على وجهه تعبير اضطراب. ~~- «من ك؟» ~~- «زوجها.» كنت قلقة من أن يسأل على اسم الزوج، لكي يتصل به، لكن بدلا عن هذا سأل عن اسم ~~شارلين. «اسم تلك المرأة» كما قال. ~~- «شارلين سوليفان». كان عجيبا أني تذكرت كنيتها. وشعرت بالاطمئنان للحظة لأنه كان اسما ~~يبدو كاثوليكيا. بالطبع قد يظن القس أنها كنية الزوج، وأنه هو الكاثوليكي، لكنه قد يستنتج ~~أنه قد ارتد، وهذا سوف يضفي على كتمان شارلين مزيدا من الوضوح وعلى رسالتها مزيدا من ~~الإلحاح. ~~- «لماذا تحتاج إلى الأب هوفسترادر؟» ~~- «أعتقد أنه أمر خاص على الأرجح.» ~~- «كل الاعترافات هي أمور خاصة.» # قام بحركة ليقوم لكني بقيت في مكاني. جلس ثانية. ~~- «الأب هوفسترادر في إجازة لكنه ليس خارج البلدة. يمكنني أن أهاتفه وأسأله عن هذا؛ إن ~~كنت تصرين.» ~~- «نعم، من فضلك.» ~~- «لا أحب أن أزعجه؛ هو يعاني من وعكة صحية.» # قلت: إذا لم يكن بصحة تمكنه من قيادة السيارة بنفسه إلى تورنتو يمكن أن أصطحبه. ~~- «نستطيع أن نتولى مسألة نقله عند الضرورة.» # نظر حوله ولم ير ما يريده، وخلع غطاء قلم أخرجه من جيبه، ثم قرر أن المساحة الفارغة من ~~الرسالة صالحة ليكتب عليها. ~~- «إذا تكرمت بإعطائي الاسم. تشارلوت ...» ~~- «شارلين.» ~~••• # ألم تغوني فكرة الاعتراف طوال هذه الثرثرة؟ ولو مرة واحدة؟ أن أنهار وأبوح بما ~~بداخلي، لمصلحتي ليس إلا، تحت مظلة هذا الغفران الواسع، المخادع رغم ذلك. لكن لا، لست أنا . ~~ما حدث قد انتهى. وأفواج الملائكة ودموع الدم على وجوه التماثيل لن تغير شيئا منه. ~~••• # جلست ms186 في السيارة بدون أن أفكر في تشغيل الموتور، مع أني كنت أتجمد من البرد مع حلول هذا ~~الوقت. لم أعرف ماذا أفعل بعد ذلك. كنت أعرف ماذا بوسعي أن أفعل. التوجه نحو الطريق السريع ~~واللحاق بسرب السيارات الدائم اللامع المتجه إلى تورنتو، أو أجد مكانا لأقضي الليلة، إذا ~~ما رأيت أن لا قوة لدي على القيادة. توفر معظم الأماكن لك فرشاة أسنان، أو توجهك لآلة ~~تستطيع أن تحصل منها على واحدة. عرفت ما كان من الضروري ومن الممكن فعله، لكنه كان يفوق ~~طاقتي في تلك اللحظة. ~~••• # كان من المفترض أن تظل القوارب البخارية على مسافة كبيرة من الشاطئ، وخاصة من منطقة ~~مخيمنا، بحيث لا تزعج الأمواج المرتفعة سباحتنا. لكن في ذلك الصباح الأخير، صباح الأحد، بدأ ~~قاربان منها في التسابق والدوران قريبا؛ ليس قريبا إلى حدود الطوف، بالطبع، لكن قريبا ~~بما يكفي لخلق أمواج. كان الطوف يتأرجح وارتفع صوت بولين في صياح توبيخي وجزع. لكن كان يصدر ~~عن القوارب البعيدة ضجة عالية منعت قائديها عن سماعها، وعلى كل فقد خلقا موجة كبيرة اندفعت ~~تجاه الشاطئ، وتسببت في جعل معظمنا في المياه السطحية إما أن يقفزوا معها أو أن يسقطوا في ~~المياه. # فقدنا - شارلين وأنا - موقع أقدامنا. كنا نعطي ظهرينا إلى الطوف؛ لأننا كنا نراقب فيرنا ~~قادمة إلينا. كنا نقف في مياه تصل إلى آباطنا، وبدا أننا ارتفعنا وهوينا في اللحظة نفسها ~~التي سمعنا فيها صياح بولين. ربما صحنا كما فعل العديد؛ خوفا في البداية ثم بهجة حين وقفنا ~~مجددا على أقدامنا وتجاوزتنا تلك الموجة. وتبين أن الأمواج التي تلتها ليست قوية، فاستطعنا ~~أن نتماسك في مواجهتها. # في تلك اللحظة التي سقطنا فيها، كانت فيرنا تنحدر نحونا. حين طفونا، ووجهانا مبللان ~~وأذرعنا تخفق، رأينا جسدها يمتد تحت سطح الماء. سادت جلبة من الصراخ والصياح في كل مكان، ~~وتزايدت مع وصول الموجات الأقل شدة، ومن فوت الهجمة الأولى ادعى أن الثانية ارتطمت به ~~وأسقطته. لم ينغمس رأس فيرنا في الماء، لكنها الآن ms187 لم تكن واقفة في جمود بل كانت تدور ~~باسترخاء، بخفة مثل قناديل البحر. وضعنا - شارلين وأنا - أيدينا عليها، على قبعتها ~~المطاطية. # يمكن أن يكون هذا حادثا. كما لو أننا - إذ كنا نحاول أن نستعيد توازننا - تشبثنا بهذا ~~الشيء المطاطي الضخم القريب منا، دون أن ندرك ما هو أو ما نفعل. لقد فكرت في جميع ~~الاحتمالات. أعتقد أنه كان سيغفر لنا. فلسنا سوى أطفال صغار؛ مرعبين. # نعم، بالتأكيد. طفلتان لم تدركا ما كانتا تفعلان. # أهذا صحيح، من ناحية ما؟ إنه صحيح من حيث إننا لم نقرر أي شيء، في البداية. لم تنظر ~~إحدانا إلى الأخرى وقررنا أن نفعل ما فعلنا بوعي فيما بعد. بوعي؛ لأن أعيننا تلاقت بالفعل ~~بينما رأس فيرنا يحاول الصعود إلى سطح المياه. كان رأسها مصمما على الخروج، مثل قطعة ~~الزلابية التي تقلى على نار هادئة. بقية جسمها كان يتحرك تحت المياه حركات ضعيفة بلا هدف، ~~لكن رأسها عرف ما يجب عليه فعله. # كان يمكن أن تنزلق قبضتانا من على الرأس المطاطي، القبعة المطاطية، لولا أن الرسومات ~~البارزة عليها جعلتها أقل زلاقة. أتذكر لون القبعة جيدا، الأزرق الفاتح الكالح، لكني لم ~~أستطع معرفة كنه الرسومات - أكانت سمكة، عروس بحر، زهرة؟ - التي كانت أطرفها البارزة تحتك ~~بكفي. # ظللت - أنا وشارلين - ينظر بعضنا لبعض، بدلا من النظر إلى الأسفل، إلى ما كانت تفعله ~~أيدينا. كانت عيناها واسعتان تتلألآن جزلا، مثل عيني كذلك على ما أظن. لا أعتقد أننا ~~شعرنا بأننا شريرتان، ننتصر بشرنا، بل شعرنا أكثر كما لو أننا نفعل، لدواعي الذهول، ما هو ~~مطلوب منا؛ كما لو أن هذه هي أهم لحظة، لحظة الذروة، في حياتنا؛ ذروة تحققنا. # يمكن أن تقول إننا تجاوزنا مرحلة العودة. لم يعد لدينا خيار، لكني أقسم أن هذا الخيار ~~لم يخطر على بالنا، لم يخطر قط على بالنا. # لم يستغرق الأمر كله أكثر من دقيقتين؛ ثلاثة؟ أم دقيقة ونصف؟ # يبدو من المبالغ فيه أن أقول إن السحب الكئيبة انقشعت في ذلك الوقت تماما، لكن ms188 في ~~مرحلة ما - ربما مع خرق القوارب البخارية للقواعد، أو حين صرخت بولين، أو حين ضربت الموجة ~~الأولى، أو حين توقف الجسم المطاطي تحت أكفنا عن أن تكون له إرادته الخاصة به - أشرقت ~~الشمس، وظهر مزيد من الآباء على الشاطئ، وتتالت النداءات علينا جميعا بأن نتوقف عن العبث ~~ونخرج من المياه. انتهت السباحة. انتهت في هذا الصيف بالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون بعيدا عن ~~البحيرة أو حمامات السباحة البلدية. كانت حمامات السباحة الخاصة في مجلات السينما ~~فقط. # كما قلت، تخونني ذاكرتي عند محاولة تذكر لحظة الانفصال عن شارلين، وركوب سيارة والدي؛ ~~لأنها لم تكن لحظة مهمة. في ذلك السن، كانت الأشياء تنتهي. كنا تتوقع نهاية للأشياء. # أنا متأكدة أننا لم نقل أي شيء تافه أو مهين أو غير ضروري مثل «لا تقولي لأحد». # أستطيع أن أتخيل بداية القلق، الذي كان يمكن أن ينتشر بسرعة كبيرة لولا الاضطراب الذي ساد ~~المشهد؛ فقد طفل صندله، طفلة من الأطفال الصغار تصرخ أن رملا دخل عينها من الأمواج. ~~بالتأكيد كان أحد الأطفال يتقيأ؛ بسبب الإثارة التي حدثت في المياه أو إثارة وصول العائلات ~~أو الإفراط في أكل الحلوى. # بعد وقت قصير، لكن ليس على الفور، تحول مسار القلق إلى هذا: هناك شخص مفقود. ~~- «من؟» ~~- «حالة من الحالات الخاصة.» ~~- «أوه لا. كان هذا متوقعا للأسف.» # كانت المرأة المسئولة عن الأطفال من الحالات الخاصة تجري في كل مكان، لا تزال في ثوب ~~سباحتها المشجر، يترجرج لحم ذراعيها وساقيها. صوتها غاضب ومليء بالدموع. # يذهب شخص ما للبحث في الغابة، يصعد ممرها الوعر، ينادي اسمها. ~~- «ما اسمها؟» ~~- «فيرنا.» ~~- «انتظري.» ~~- «ماذا؟» ~~- «ما هذا الذي يطفو على الماء؟» ~~••• # لكن أعتقد أننا كنا قد رحلنا حينئذ. # | الحرش # روي منجد ومرمم أثاث. يقبل كذلك إصلاح الكراسي والموائد التي فقدت ~~روافدها أو أرجلها، أو في حالة متهالكة. لا يعمل الكثير من الناس هذا النوع من العمل الآن؛ ~~لذا يحصل روي على عمل أكثر من وسعه. ولا يعرف كيف يتصرف حيال ذلك. إن مبرره بشأن ms189 عدم ~~تعيين أي شخص يساعده هو أن الحكومة سوف تجبره على خوض الكثير من الإجراءات البيروقراطية، ~~لكن ربما كان السبب الحقيقي هو أنه اعتاد العمل وحيدا؛ فهو يعمل بتلك المهنة منذ أن سرح ~~من الجيش، ومن الصعب عليه أن يتصور وجود شخص آخر معه طوال الوقت. لو كان هو وزوجته ليا، ~~أنجبا ولدا، فلعله شب مهتما بالعمل والتحق به حين يبلغ العمر المناسب؛ أو حتى لو كانا ~~أنجبا بنتا. فكر ذات مرة في أن يدرب ديان، ابنة أخت زوجته. حين كانت طفلة، كانت تظل معه ~~تراقبه، وحين تزوجت، فجأة في سن السابعة عشرة، ساعدته في بعض الأعمال لأنها احتاجت وزوجها ~~إلى المال. لكنها حبلت، وأصابتها بالغثيان روائح مزيل الطلاء ودهان الخشب وزيت الكتان ~~ومادة الصقل والتلميع ودخان الخشب؛ أو هذا ما قالته لروي. قالت لزوجته السبب الحقيقي؛ إن ~~زوجها يعتقد أنه ليس نوع العمل المناسب لامرأة. # والآن لديها أربعة أطفال وتعمل في مطبخ دار للمسنين. كما يبدو، يرى زوجها هذا العمل ~~مناسبا. # تقع ورشة روي في السقيفة خلف المنزل. يدفئها موقد الخشب، وتسبب الموقد وضرورة توفير ~~وقود له في انشغال آخر لدى روي، انشغال خاص لكن ليس سريا؛ بمعنى، يعرف الجميع به لكن لا ~~أحد يعرف إلى أي مدى يفكر به أو ما مدى أهميته له. # ألا وهو قطع الأشجار. # يملك روي شاحنة نصف نقل ومنشارا آليا وفأسا تزن ثمانية أرطال. وأصبح يقضي وقتا ~~أطول وأطول في الحرش يقطع حطبا للتدفئة؛ أكثر مما يحتاج لنفسه كما اتضح؛ لهذا اتجه إلى ~~بيعه. تحتوي المنازل الحديثة في غالبيتها على مدفأة في غرفة المعيشة وأخرى في غرفة الطعام ~~وموقد في غرفة العائلة. وترغب هذه المنازل في التدفئة طوال الوقت؛ لا في أوقات الحفلات أو ~~أعياد الكريسماس فقط. # حين بدأ يذهب إلى الحرش كانت ليا تشعر بالقلق عليه. قلقت من أن يتعرض لحادث وحيدا، ومن ~~أن يصاب عمله بالركود. لم تقصد أن حرفيته وبراعته قد تتأثر، بل قد يتأثر جدوله الزمني. ~~قالت: «لن يسعدك ms190 أن تخذل الناس. لو أن شخصا يريد شيئا ما في موعد محدد فلديه سبب ~~لذلك.» # كانت ترى أن عمله التزام عليه؛ شيء ما يفعله ليساعد الناس. شعرت بالحرج حين رفع أسعاره، ~~وكذلك هو في الحقيقة، وبذلت جهدا خاصا كي تخبر الناس كم هي تكلفة المواد الخام هذه ~~الأيام. # أثناء ما كانت تعمل في وظيفتها، لم يكن صعبا عليه أن ينطلق إلى الحرش بعد أن تغادر ~~ويحاول أن يعود قبل أن تصل إلى البيت. كانت ليا تعمل موظفة استقبال ومحاسبة لدى أحد أطباء ~~الأسنان في البلدة. كان عملا جيدا بالنسبة لها - لأنها تستمتع بالحديث مع الناس - وجيدا ~~بالنسبة إلى الطبيب؛ لأنها تنحدر من عائلة ضخمة ومترابطة لن يفكر أي شخص منهم في أن يعتني ~~بأسنانه أحد سوى رئيسها. # اعتاد أقاربها، آل بولس وآل جيترز وآل بوولز أن يوجدوا في المنزل كثيرا، أو العكس؛ تذهب ~~ليا إلى أحد منازلهم. كانوا جميعا عشيرة لم تستمتع بصحبة أحدها الآخر دائما، لكنها حرصت ~~على التجمع كثيرا. وهكذا تجد عشرين أو ثلاثين منهم محتشدين في مكان واحد لقضاء عيد الميلاد ~~أو عيد الشكر، وقد تجد دستة منهم مجتمعين في يوم أحد عادي؛ يشاهدون التليفزيون ويتحدثون ~~ويطبخون ويأكلون. يحب روي أن يشاهد التليفزيون ويحب أن يتحدث ويحب أن يأكل، لكن لا يحب أن ~~يمارس نشاطين من تلك الأنشطة في الوقت نفسه، وبالتأكيد لا يحب ممارسة الثلاثة معا؛ لهذا ~~حين يختارون التجمع في منزله يوم أحد، اعتاد أن ينهض ويذهب إلى السقيفة ويشعل نارا من خشب ~~الصلب أو خشب التفاح؛ أيا منهما، لكنه كان يفضل خشب التفاح خاصة لرائحته المريحة العذبة. ~~كان روي يحتفظ دائما بزجاجة من الويسكي على الرف بجوار مزيلي الدهان والزيوت على مرأى ~~الأعين. كان لديه منه في المنزل كذلك، ولم يكن يبخل على صحبته به، لكن الشراب الذي يسكبه ~~لنفسه حين يكون وحده في السقيفة أفضل مذاقا، بالضبط كما تفوح من النيران رائحة أفضل حين لا ~~يكون شخص ما موجودا ليقول: «أوه، أليس هذا ms191 رائعا؟» لم يشرب قط أثناء عمله على الأثاث، ~~أو مع ذهابه إلى الحرش، يشرب في أيام الأحد المليئة بالزائرين فقط. # لم يتسبب تركه المنزل وجلوسه وحيدا في أية مشكلات. لم يشعر الأقارب بالإهانة؛ فهم لم ~~يهتموا كثيرا بمن هم على غرار روي، الذين انتسبوا إلى العائلة حديثا، ولم يسهموا فيها بأي ~~أطفال، وليسوا مثلهم. كانوا يتميزون بضخامة الجسد، وعدم التحفظ، والثرثرة. في حين كان ~~روي قصيرا، مكتنزا وهادئا. كانت زوجته امرأة بسيطة وودودة في العموم، وأحبت روي كما ~~هو؛ لهذا لم توبخه أو تعتذر عن سلوكه. # شعر كلاهما، على نحو ما، بأنهما عنيا لأحدهما الآخر أكثر من الأزواج الذين لديهم العديد ~~من الأطفال. # في الشتاء الماضي مرضت ليا بأنفلونزا - ظلت معها طوال الشتاء تقريبا - والتهاب شعبي. ~~اعتقدت أنها التقطت كل الجراثيم التي يأتي بها الناس إلى عيادة طبيب الأسنان. لهذا تركت ~~عملها؛ قالت إنها تعبت منه على كل حال، وترغب في أن يكون لديها مزيد من الوقت لكي تفعل ~~الأشياء التي رغبت دائما في فعلها. # لم يعرف روي قط ما تلك الأشياء. تدهورت قوتها ولم تستعدها قط. وعلى ما يبدو ~~نتج عن هذا تغير عميق في شخصيتها. أصبح الزائرون يصيبونها بالعصبية؛ خاصة عائلتها. أصبح ~~الحديث يرهقها. لم ترغب في الخروج. لبت متطلبات البيت لكنها كانت ترتاح بين الأعمال ~~المنزلية اليومية؛ فاستغرقت الأعمال الروتينية البسيطة منها اليوم كله. فقدت اهتمامها ~~بمشاهدة التليفزيون، مع أنها كانت تشاهده حين يشغله روي، وفقد جسدها المستدير اللطيف شكله ~~فأصبح رفيعا ومسطحا. جف الدفء واللمعان، وكل ما كان يجعلها جميلة، من وجهها وعينيها ~~البنيتين. # وصف لها الطبيب أقراصا ما لكنها لم تستطع تحديد ما إذا كانت حسنت حالتها أم لا. ~~أخذتها واحدة من أخواتها إلى طبيب متخصص في الطب البديل، وكلفتها الاستشارة ثلاثمائة دولار. ~~ولم تستطع أن تعرف إذا كان هذا حسنها أم لا كذلك. # يفتقد روي زوجته التي عرفها ، بمزاحها وحيويتها. يريدها أن تعود، لكن ليس بيده شيء، سوى ~~أن يصبر على هذه المرأة المتجهمة ms192 الفاترة التي تشيح بيدها أمام وجهها في بعض الأحيان كما لو ~~أن نسيج عنكبوت يزعجها أو أنها علقت في شبكة من نبات العليق. ومع ذلك حين يسألها عن نظرها ~~تزعم أنه جيد. # لا تقود سيارتها الآن. لا تقول أي شيء عن ذهاب روي إلى الحرش. # تقول ديان إنها ربما تتجاوز وعكتها وربما لا (وديان هي الشخص الوحيد الذي لا يزال يأتي ~~إلى المنزل). # قال الطبيب إن حالتها جيدة، منتقيا كلماته بعناية. يقول إن الدواء الذي وصفه لها سوف ~~يحميها من أن تتدهور بشدة. ولكن ما الذي يعنيه التدهور بشدة، ومتى يمكننا معرفة ذلك؟ كان ~~هذا ما فكر فيه روي. ~~••• # في بعض الأحيان يعثر روي على حرش قام عمال مصنع الأخشاب بقطع أشجاره، وتركوا قمم ~~الأشجار على الأرض. ويعثر أحيانا على حرش دخله المسئولون عن رعاية الغابة وطوقوا الأشجار ~~التي رأوا أنه يجب إزالتها لأنها سقيمة أو معوجة أو لا تصلح خشبا للبناء. فخشب الصلب؛ ~~على سبيل المثال، لا يصلح خشبا للبناء، ولا الزعرور البري ولا الزان الأزرق. حين يعثر ~~على حرش من هذا يتصل بالمزارع أو من يملكه أيا كان، ويتفاوضان، وإذا اتفقا على السعر، ~~يذهب ليجمع الخشب. يقع كثير من هذه الأعمال في أواخر الخريف، نحن الآن في نوفمبر أو أوائل ~~ديسمبر؛ لأنه وقت بيع الحطب ولأنه الوقت المناسب لإدخال شاحنته في الحرش. لا يملك المزارعون ~~حاليا طريقا معروفا يصل إلى الأحراش كما في السابق حين كانوا يقطعون الخشب ويحملونه ~~بأنفسهم. يضطرون في الغالب إلى أن يقودوا سياراتهم بأنفسهم عبر الحقول، وهذا متاح في ~~فترتين من العام فقط؛ قبل حرث الحقول وبعد جمع المحاصيل. # والأفضل بعد جمع المحاصيل، حين تكون الأرض قاسية بسبب الصقيع. والطلب على الخشب أعلى من ~~أي وقت آخر في العام. يخرج روي مرتين أو ثلاثة في الأسبوع الواحد. # يميز العديد من الناس الشجر بأوراقه أو بشكله العام أو بحجمه ، لكن روي يعرفه، حين يسير ~~عبر الحرش العاري، من لحائه. شجر خشب الصلب؛ هذا الحطب الثقيل ms193 الذي يعتمد عليه، يغطي جذعه ~~العريض لحاء بني أشعث، لكن فروعه ناعمة عند أطرافها وحمراء بوضوح. الكرز هي الشجرة ~~الأكثر سوادا في الحرش، ولحاؤها على شكل حراشف جميلة. يندهش معظم الناس من العلو الذي تصل ~~إليه أشجار الكرز هنا؛ فهي لا تماثل إطلاقا أشجار الكرز في بساتين الفواكه. تشبه أشجار ~~التفاح مثيلاتها في البساتين؛ فهي ليست طويلة جدا، لحاؤها ليس قشريا أو غامقا مثل ~~لحاء الكرز. شجرة الدردار شجرة باسلة بجذع مضلع صلب. أما لحاء شجرة القيقب الرمادي فيتمتع ~~بسطح غير مستو، وتخلق ظلاله شرائط سوداء، تلتقي في بعض الأحيان في مربعات عشوائية، وفي بعض ~~الأحيان لا تكون شكلا مربعا. يبدو اللحاء غير مبال بشكله، وهو أمر يبعث على الراحة ~~ويتناسب مع شجرة القيقب الكندية الوطنية المألوفة، ومع ما يراه الناس حين يفكرون في ~~شجرة. # البلوط والزان وضعهما مختلف تماما؛ يتمتعان بشيء ما لافت ودرامي، مع أنهما لا يتمتعان ~~بشكل جميل مثل أشجار الدردار الجميلة التي انقرضت تقريبا الآن. الزان لديه لحاء رمادي ~~ناعم، مثل جلد الفيل يستخدم غالبا لحفر أحرف الأسماء الأولى. تتمدد تلك النقوش مع السنين ~~والعقود، فتتحول من نقش بسكين رفيع إلى لطخات تجعل الحروف غير مقروءة، وعرضها يفوق ~~طولها. # يعلو الزان إلى مائة قدم في الحرش. في العراء ينتشر ويماثل عرضه طوله، لكن في الحرش ~~يعلو، وتنعطف فروعه في الأعلى انعطافا حادا فتبدو مثل قرون الأيل. لكن تلك الشجرة ذات ~~المظهر المتكبر قد تعاني من نقطة ضعف، ألا وهي تعرج ألياف أخشابها، الذي يظهر عبر وجود ~~تموجات في لحائها. وهي علامة على احتمال تعرضها للكسر أو السقوط مع الرياح القوية. أما ~~شجرة البلوط؛ فهي ليست منتشرة في هذا البلد، ليست منتشرة انتشار الزان لكن من السهل ~~العثور عليها. فكما تبدو أشجار القيقب الشجرة المعتادة اللازم زراعتها في الفناء الخلفي. ~~كذلك تبدو شجرة البلوط مثل الشجر في كتب الحكايات، كما لو أن الحرش في جميع القصص التي تبدأ ~~ب «كان يا ما كان» يكون مليئا بأشجار البلوط. ms194 تساهم أوراقها الغامقة، اللامعة والمسننة ~~بإحكام في مظهرها الأسطوري، لكنها تظل محتفظة بالطابع نفسه حين تسقط الأوراق وتستطيع أن ترى ~~جيدا اللحاء الفليني السميك بلونه الأسود الرمادي وسطحه المعقد وتموج الفروع وتعرجاتها ~~المتشعبة. # يعتقد روي أنه لا خطر في قطع الشجرة وحدك لو أنك تعرف ما تفعل. حين تقطع شجرة، أول شيء ~~هو أن تحسب مركز جاذبيتها، ثم تغرز وتدا بزاوية سبعين درجة بحيث يكون مركز الجاذبية فوقه ~~تماما. وبالطبع يحدد الجانب الذي ينغرس فيه الوتد الاتجاه الذي سوف تسقط نحوه الشجرة. ثم ~~تبدأ القطع من الجانب المقابل، دون أن تصل إلى قطع الوتد بل تقطع بالتوازي مع أعلى نقطة به. ~~إن الفكرة هي أن تقطع عبر الشجرة وتترك في النهاية جزءا عالقا من الجزع هو مركز ثقل ~~الشجرة ذاته الذي يجب أن تسقط من ناحيته. من الأفضل أن تحرص على أن تسقط دون أن تتشابك مع ~~فروع الأشجار الأخرى، لكن في بعض الأحيان يستحيل تحقيق ذلك. وإذا كانت الشجرة تميل ناحية ~~فروع أشجار أخرى، ولا يتاح لك قيادة الشاحنة إلى موقعها لتسحبها بسلسلة، تقطع الجذع إلى ~~أقسام من أسفل حتى ينحدر الجزء العلوي متحررا من الفروع الأخرى ثم يسقط. حين تنحدر شجرة ~~لتصبح مستندة على أفرعها، في وسعك إسقاط الجذع على الأرض عبر قطع أخشاب الفروع حتى تصل إلى ~~تلك التي تبقي الشجرة مرتفعة عن الأرض. هذه الفروع تكون تحت ضغط، ربما تكون منثنية مثل ~~القوس، وتكمن البراعة هنا في أن تقطعها بحيث تتدحرج الشجرة بعيدا عنك ولا تخبطك الفروع. ~~وحين ترقد على الأرض بأمان، تقطع الجذع إلى أطوال تصلح للموقد ثم تقسمها إلى نصفين ~~بالفأس. # في بعض الأحيان تحدث مفاجآت. لا تنشق بعض كتل الخشب بالفأس مثل المعتاد؛ يجب أن ترقدها ~~على جنبها وتفلقها بالمنشار. وتجمع نشارة الخشب التي نتجت عن طريقة القطع هذه في شكل ~~أشرطة طويلة رفيعة. إضافة إلى ذلك ، يجب شق بعض خشب الزان أو القيقب على نحو جانبي، تقطع ~~الكتلة المستديرة الكبيرة بموازاة حلقات ms195 النمو من كل الجوانب حتى تصبح مربعة تقريبا ويمكن ~~فلقها بسهولة. في بعض الأحيان، يوجد خشب عطن، نما الطحلب فيما بين حلقات نموه. لكن عامة ~~تكون صلابة كتل الخشب كما تتوقع؛ أكبر في خشب الجذع عن خشب الأفرع، وأكبر في الجذوع العريضة ~~التي نمت جزئيا في العراء عن تلك الرفيعة الطويلة التي شقت طريقها إلى الأعلى في وسط ~~الحرش. # كلها مفاجآت. لكن يمكنك أن تستعد لها. وإذا كنت مستعدا لها فلا خطر عليك. اعتاد أن ~~يفكر في شرح كل هذا لزوجته. الإجراءات والمفاجآت وكيفية التعرف على الأشجار. لكنه لم يستطع ~~أن يجد الأسلوب المناسب ليجذب انتباهها إلى الموضوع. تمنى في بعض الأحيان، لو أنه قد تحين ~~الفرصة لنقل هذه المعرفة إلى ديان حين كانت أصغر عمرا. لن تملك وقتا الآن لتصغي ~~إليه. # وعلى نحو ما كانت أفكاره عن الخشب أفكارا خاصة جدا؛ شرهة واستحواذية. لم يكن قط ~~رجلا شرها فيما يخص أي شيء آخر، لكنه يمكن أن يظل مستلقيا ليالي يفكر في شجرة زان رائعة ~~يريد أن يحصل عليها، متسائلا ما إذا كانت رائعة كما يبدو من شكلها أم أن غطاءها خادع. يفكر ~~في جميع غابات الخشب في البلد التي لم يرها قط؛ لأنها توجد في خلفيات المزارع، خلف حقول ~~خاصة. لو كان يقود عبر طريق يمر بحرش، يحرك رأسه من جانب إلى آخر؛ إذ يخشى أن يفوته شيء ~~ما. يلفت انتباهه حتى الشجر الذي لن يلبي غرضه؛ أجمة الزان الأزرق، على سبيل المثال، رقيقة ~~جدا، هزيلة جدا لن يكلف أي شخص عناء النظر إليها. يرى الأضلاع الرأسية الداكنة تنحدر ~~نزولا عبر الجذوع الشاحبة؛ سوف يتذكر مكان هذه الأشجار. يحب أن يرسم خريطة في ذهنه لكل حرش ~~يراه، ومع أنه قد يبرر هذا بأهداف عملية، فتلك ليست الحقيقة كلها. ~~••• # بعد يوم أو أكثر من أول سقوط للثلج، يخرج إلى الحرش باحثا عن شجر مطوق . لديه الحق في ~~دخول هذا الحرش؛ فقد تحدث مع المزارع بالفعل، اسمه سوتر. # على طرف هذا ms196 الحرش هناك مقلب نفايات غير قانوني، يرمي الناس نفاياتهم في هذه البقعة ~~الخفية عوضا عن نقلها إلى مقلب نفايات المدينة، الذي لا تناسبهم مواعيده، أو يجدون موقعه ~~غير قريب بما يكفي. يرى روي شيئا ما يتحرك هناك، أيكون كلبا؟ # لكن اتضح أنه رجل عندما وقف على قدميه، رجل في معطف قذر. في الحقيقة هو بيرسي مارشال، ~~ينكش القمامة بحثا عن أي شيء ذي قيمة. في بعض الأحيان في هذه الأماكن تكتسب مهارة في ~~العثور على قدور فخارية قديمة ذات قيمة أو زجاجات أو حتى غلايات نحاسية، لكن لم يعد ~~هذا احتمالا كبيرا الآن. فضلا عن أن بيرسي ليس منقب قمامة بارعا على أية حال. سوف ~~يظل يبحث عن أي شيء يمكن أن يستخدمه فقط؛ مع أنه من الصعب أن يرى أي شيء وسط أكوام الحاويات ~~البلاستيكية والأغطية الممزقة والأفرشة التي ينبثق منها حشوها. # يعيش بيرسي وحده في غرفة في الجزء الخلفي من منزل فارغ ومغلق بالألواح الخشبية عند ~~تقاطع الطرق على بعد أميال قليلة من هنا. وتجده يمشي في الطرق، يمشي بمحاذاة الجداول وعبر ~~البلدة، يتحدث إلى نفسه ويلعب في بعض الأحيان دور متسول أبله، وفي أحيان أخرى يقدم نفسه ~~كأحد السكان المحليين المحنكين. إن حياة سوء التغذية والقذارة والتعب من اختياره. وقد ~~جرب العيش في دار المسنين الخاصة بالمقاطعة لكنه لم يحتمل الروتين وصحبة الأعداد الكبيرة من ~~كبار السن. منذ زمن طويل كان يملك مزرعة جيدة، لكن حياة المزارع رتيبة جدا؛ لذا بدأ العمل ~~في تهريب الخمور وسرقة المنازل من غير إتقان؛ قضى بعض الوقت في السجن؛ وفي العقد الماضي أو ~~نحو ذلك، تحسنت حالته من جديد بمساعدة معاش تقاعد قديم، فأصبح في وضع آمن. بل ونشرت جريدة ~~محلية صورته مصحوبة بتقرير عنه، كان عنوانه: # آخر السلالة. روح حرة محلية تشاركنا القصص والبصيرة. # صعد بيرسي من مقلب النفايات بجهد، كما لو أنه شعر بأنه مجبر على تبادل حديث قصير مع ~~روي. ~~- «هل ستقطع الأشجار؟» # يقول روي: «ربما.» معتقدا أن ms197 بيرسي ربما يسعى وراء هبة من الحطب. # يقول بيرسي: «من الأفضل أن تسرع إذن.» ~~- «لماذا؟» ~~- «ستصبح المنطقة كلها ملكية خاصة.» # لا يستطيع روي أن يمنع نفسه عن أن يرضيه بأن يسأله أي ملكية يعني. بيرسي نمام لكنه ~~ليس كذابا. على الأقل ليس بشأن الأشياء التي تعنيه حقا والتي هي الصفقات والمواريث ~~واقتحام المنازل والمسائل المالية من الأنواع كافة. من الخطأ الاعتقاد بأن الناس الذين ~~لم ينجحوا في جمع المال والاحتفاظ به لا يشغلهم التفكير به. ربما تكون مفاجأة للناس الذين ~~يتوقعونه متشردا فيلسوفا، منغمسا تماما في ذكريات الماضي. على الرغم من أنه يستطيع أن ~~ينطلق في الحديث قليلا عن هذا الماضي حين يكون ذلك مطلوبا. # يقول بيرسي: «سمعت عن هذا الشخص حين كنت في البلدة. لا أعرفه، يبدو أنه يدير مصنع خشب ~~ولديه عقد مع ريفر إن وسوف يمدهم بالأخشاب التي يحتاجونها للشتاء كافة. كومة حطب يوميا، ~~ذلك مقدار استهلاكهم، كومة حطب يوميا.» # يقول روي: «أين سمعت هذا؟» ~~- «في الحانة، أذهب إلى هناك أحيانا. لا أحصل على أكثر من نصف لتر من البيرة. هناك وجدت ~~هؤلاء الأشخاص الذين لا أعرف من هم، لكنهم لم يكونوا سكارى كذلك، يتحدثون عن مكان الحرش ~~وكانوا يقصدون هذا الحرش تحديدا. حرش سوتر.» # تكلم روي مع المزارع الأسبوع الماضي فقط، واعتقد أنه حسم الصفقة تماما، لا يبقى إلا ~~التنفيذ المعتاد. # قال روي في هدوء: «هذا مقدار وافر من الخشب.» ~~- «هو كذلك بالفعل.» ~~- «لو ينوون أخذها فكل ما عليهم هو الحصول على ترخيص.» # قال بيرسي بمتعة بالغة: «نعم، إلا إذا احتالوا.» ~~- «ليس هذا من شأني، لدي ما يكفيني من العمل.» ~~- «بالتأكيد، لديك ما يكفيك.» ~~••• # لم يستطع روي في طريق عودته إلى المنزل منع نفسه عن التفكير في القصة. باع بعض الخشب ~~في بعض المرات إلى ريفر إن. لكن لا بد أنهم قرروا الآن أن يتعاقدوا مع ممول واحد ثابت، ولم ~~يكن هو. # كان يفكر في المشكلات التي سوف تقابله في إخراج كل هذا الخشب الآن، وقد ms198 بدأ الثلج يتساقط ~~فعليا. إن الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يقوم به هو سحب الجذوع إلى حقل مفتوح قبل أن يبدأ ~~الشتاء الحقيقي. سيكون على هذا الممول أن يخرجها بأسرع ما يمكن، ويجمعها في كومة كبيرة ~~وينشرها ثم يقطعها فيما بعد. ولكي يخرجها سيحتاج إلى جرافة أو جرار كبير على ~~الأقل. وسوف يضطر إلى تجهيز طريق لسحبها بالسلاسل. سيحتاج إلى طاقم عمل يساعده، فمن ~~المستحيل أن تكون هذه عملية ينفذها شخص أو اثنان، يجب تنفيذها على نطاق واسع. # إذن لا تبدو العملية مشروعا جانبيا؛ من النوع الذي يقوم به روي. قد تكون شركة ضخمة، ~~من خارج المقاطعة تماما. # لم يلمح إليوت سوتر إلى هذا العرض حين كان يتحدث معه روي. لكن من المحتمل أنهم ~~تقدموا له بعرض فيما بعد، فقرر أن يتجاهل الترتيبات غير الرسمية التي عرضها عليه روي من ~~قبل. قرر أن يسمح بدخول جرافة. # في المساء فكر روي أن يهاتفه ويسأل عما يحدث. لكنه فكر لو أن المزارع غير رأيه فعلا ~~فلا يمكنه أن يفعل أي شيء. لا يمكن التمسك باتفاق شفهي، يمكن أن يقول له الرجل أن يغرب عن ~~وجهه. # إن أفضل ما يمكن أن يفعله روي هو أن يتصرف كما لو أنه لم يسمع قط قصة بيرسي، لم يسمع ~~قط عن شخص آخر؛ يذهب ويأخذ الأشجار الذي يستطيع أن ينقلها بأسرع ما يمكن قبل أن تصل ~~الجرافة. # وبالطبع هناك احتمال أن بيرسي أخطأ في فهم الأمر برمته. لم يلفق القصة على ~~الأرجح ليزعج روي فقط، لكنها يمكن أن تكون بلغته على نحو غير دقيق. # ومع ذلك فكلما فكر روي في القصة أكثر تقلص هذا الاحتمال. ظل يرى في ذهنه ~~الجرافة والجذوع المسلسلة، وأكوام الجذوع الكبيرة في الحقل، والرجال مع مناشيرهم. تلك هي ~~طريقة العمل اليوم، البيع بالجملة. # إن جزءا من السبب الذي جعل هذه القصة تؤثر عليه هذا التأثير الكبير هو أنه لا يحب ريفر ~~إن، وهو فندق ومنتجع على نهر بيرجرين. لقد شيد على أطلال ms199 طاحونة قديمة لا تبعد كثيرا ~~عن تقاطع الطرق الذي يسكن عنده بيرسي مارشال. في الحقيقة يملك الفندق الأرض التي يعيش بيرسي ~~فوقها والبيت الذي يعيش فيه. كان لديه خطة لهدمه لكن اتضح أن نزلاءه، إذ لا يجدون ما ~~يفعلونه، يحبون أن يمشوا حتى مكان هذا البيت المهجور ويلتقطوا صورا له وللجرافة القديمة ~~ولعربة الخيل المقلوبة التي تقع إلى جانبه وللمضخة العاطلة ولبيرسي حين يسمح بتصويره. ~~بعض النزلاء يرسمون اسكتشات، يأتون من أماكن بعيدة مثل أوتاوا ومونتريال ويظنون أنهم في ~~مناطق نائية بلا شك. # يذهب أهل البلدة إلى الفندق لتناول وجبة غداء أو عشاء مميزة. ذهبت ليا مرة، مع طبيب ~~الأسنان وزوجته وإخصائي الأسنان وزوجته. لم يذهب روي. قال إنه لا يريد أن يأكل وجبة ثمنها ~~كل ما في محفظته، حتى ولو دفع شخص آخر ثمنها. لكنه ليس متأكدا تماما مما يكرهه في الفندق. ~~فهو لا يعارض فكرة أن ينفق الناس المال آملين في إمتاع أنفسهم، وليس ضد فكرة أن يكسب أناس ~~من أناس آخرين يريدون أن ينفقوا مالهم. بالتأكيد تولى ترميم القطع الأثرية في الفندق ~~وإصلاحها حرفيون غيره - أشخاص ليسوا من هنا على الإطلاق - لكن لو كانوا طلبوا منه أن يقوم ~~لهم بهذا العمل، لكان رفض على الأرجح، قائلا إن لديه ما يكفي من العمل بالفعل. حين سألته ~~ليا عما يكره في الفندق، كان الشيء الوحيد الذي استطاع التفكير به هو حين تقدمت ديان بطلب ~~وظيفة هناك، وظيفة نادلة، رفضوها؛ لأنها سمينة. # قالت ليا: «حسنا، لكنها كانت سمينة، ولا تزال، هي نفسها تقول هذا.» # حقيقي؛ لكن روي لا يزال يرى هؤلاء الناس متغطرسين، نصابين ومتغطرسين؛ فهم يشيدون مباني ~~من المفترض أنها تشبه المحال القديمة والأوبرا القديمة للاستعراض فقط. يحرقون الحطب ~~للاستعراض. كومة حطب في اليوم! وهكذا سوف يسوي عامل ما الحرش أرضا بالجرافة كأنه حقل ~~ذرة. هذا هو نوع الخطط الاستبدادية التي عادة ما يحيكونها، أساليب النهب التي ~~يفضلونها. ~~••• # أخبر ليا القصة التي سمعها، لا يزال يخبرها أشياء، تلك هي ms200 عادته، لكنه اعتاد كذلك على ألا ~~تعطيه أي انتباه حقيقي الآن حتى إنه لا ينتبه إلى كونها أجابته أم لا. هذه المرة رددت ما ~~قاله نفسه: ~~- «لا تهتم. لديك ما يكفي من العمل على كل حال.» # هذا ما توقعه، سواء كانت بحالة جيدة أم لا. لم تفهم المسألة، لكن أليس هذا ما تفعله ~~الزوجات، والأزواج كذلك على الأرجح، معظم الوقت؟ ~~••• # في الصباح التالي اشتغل لمدة من الوقت في إصلاح مائدة ذات أجنحة تطوى. كان ينوي أن يبقى ~~في السقيفة طوال اليوم كي ينتهي من إصلاح قطعتين تجاوز ميعاد تسليمهما. بالقرب من ~~الظهيرة سمع شكمان سيارة ديان المزعج فنظر من النافذة. هي هنا لتصطحب ليا إلى متخصص بالعلاج ~~بعلم الانعكاسات (الرفلكسولوجي)؛ تعتقد أنه سيحسن ليا، وليا لا تعترض. # لكنها تتجه إلى السقيفة وليس إلى المنزل. # تقول: «مرحبا.» ~~- «أهلا ديان.» ~~- «عمل كثير، هه؟» ~~- «كثير جدا. ما رأيك في العمل معي؟» # هذا هو حديثهما المعتاد. ~~- «لدي وظيفة بالفعل. اسمع، السبب الذي جعلني آتي إليك هو أني أريد أن أطلب منك خدمة. ~~أريد أن أستعير الشاحنة غدا؛ لكي آخذ تايجر إلى الطبيب البيطري، لا أستطيع التعامل معه في ~~السيارة؛ كبر على السيارة. آسفة على اضطراري لطلب هذا منك.» # يطلب منها روي ألا تقلق. # يأخذون تايجر إلى الطبيب البيطري، هذا سوف يكلفهما كثيرا، هكذا فكر روي. ~~- «لن تحتاج الشاحنة، أقصد يمكنك استخدام السيارة بدلا منها؟» # كان ينوي بالطبع أن يذهب إلى الحرش غدا، شريطة أن ينهي عمله اليوم. يمكنه الذهاب بعد ~~ظهيرة اليوم إذن. # تقول ديان: «سوف أزودها بالوقود.» # أضاف ذلك مهمة أخرى إلى مهامه، وهي ملء السيارة بالوقود كي لا تملأها هي. كان على وشك أن ~~يقول: «أتعرفين لم أرغب في الذهاب إلى الحرش، شيء ما استجد لا أستطيع أن أمنع نفسي عن ~~التفكير به ...» لكنها كانت قد خرجت وتوجهت لاصطحاب ليا. # ما إن ابتعدتا عن مجال نظره وانتهى من تنظيف المكان، حتى دخل إلى الشاحنة وقادها إلى ~~البقعة التي كان فيها في اليوم ms201 السابق. فكر في أن يمر على بيرسي ويستفسر عن المزيد لكنه ~~توصل إلى أنه لا نفع من هذا. ربما إظهار اهتمامه بالأمر يدفع بيرسي إلى اختراع أحداث أخرى. ~~فكر مجددا في الحديث مع المزارع لكنه استبعد ذلك للأسباب ذاتها التي فكر فيها الليلة ~~السابقة. # أوقف الشاحنة على الممر الذي يؤدي إلى الحرش. سريعا ما سيتلاشى هذا الممر، حتى قبل أن ~~يغادره. بدأ يمشي متطلعا إلى الأشجار التي تبدو تماما مثل الأمس، ولا تدل على أنها جزء من ~~أي خطة عدوانية. كان معه المنشار الآلي والفأس، وشعر أن عليه أن يسرع. لو ظهر أي شخص آخر ~~هنا، لو منعه أو أوقفه أي شخص، سيقول إن لديه إذنا من المزارع، ولا يعرف أي شيء عن الصفقة ~~الأخرى. سيقول إنه علاوة على ذلك ينوي المضي في القطع ما لم يأت المزارع ويطلب منه ~~شخصيا أن يخرج من هنا. لو حدث هذا حقا، بالطبع سيضطر إلى أن يغادر. لكن هذا لن ~~يحدث على الأرجح؛ لأن سوتر رجل ثقيل الوزن ويعاني من متاعب في مفصل وركه؛ لذا لا يحب ~~التجول في أرضه. ~~- «... يقولون لي غير مصرح لك ...» قال روي محدثا نفسه مثل بيرسي مارشال: «سأقول أريد أن ~~أرى مستندا يثبت ذلك.» # كان يتخيل ما سيقوله لشخص غريب لم يره من قبل. # تتميز أرض الحرش عادة بأنها أكثر وعورة من سطح الأرض المحيطة. اعتقد روي دوما أن هذا ~~يرجع إلى سقوط الأشجار؛ إذ تسحب الشجرة عند سقوطها التربة بجذورها، ثم تظل راقدة على ~~السطح تتعطن. وحيث تقع وتتعطن، تتكون تلة صغيرة؛ أما حيث كانت جذورها فيصبح تجويفا فارغا. ~~لكنه قرأ في مكان ما - منذ فترة قريبة جدا ويتمنى أن يتذكر أين قرأه - أن السبب هو ما حدث ~~منذ وقت طويل، بعد العصر الجليدي مباشرة، حين تكون الثلج بين طبقات الأرض ودفعها إلى ~~الأعلى في حدبات غريبة، كما يحدث اليوم في المناطق القطبية الشمالية. تظل الحدبات قائمة في ~~المناطق التي لم تسو وتجهز. ~~••• # ما حدث لروي بعد ms202 ذلك هو شيء عادي ولا يصدق مع ذلك. شيء قد يحدث لأي غبي يمشي في الحرش ~~مستغرقا في أحلام اليقظة، لأي سائح يحملق في الطبيعة، لأي شخص يعتقد أن الحرش ~~متنزه من متنزهات التريض. شخص يرتدي حذاء خفيفا بدلا من حذاء طويل الرقبة ~~ولم يبال بالمشي بحذر. لم يحدث هذا قط لروي خلال مئات المرات التي مشى أثناءها في ~~الحرش، لم يحدث ولو مرة واحدة أن تعرض لحادث وشيك من هذا النوع. # كان ثلج خفيف يتساقط منذ مدة؛ مما جعل التربة والأوراق الجافة زلقة. انزلقت إحدى قدميه ~~والتوت، ثم انغرست الأخرى عميقا في غطاء من الأجمة الثلجية في التربة؛ ما يعني أنه ~~خطا بلا اكتراث، سقط تقريبا، فوق بقعة من البقع التي يجب دائما أن تختبرها بقدمك بحذر، ~~وأن تتفاداها تماما إذا رأيت موقعا أفضل لقدميك بالقرب منها. وحتى لو لم تتفادها، فلا ~~يجب أن يحدث ذلك، لا يجب أن يسقط سقطة قاسية، فهو لم يتعثر في حفرة عميقة. فقد روي ~~توازنه، وأخذ يتأرجح رغما عن إرادته، غير مصدق تقريبا ما يحدث له، ثم وقع مع قدمه التي ~~انزلقت بطريقة ما خلف قدمه الأخرى. أمسك المنشار بحيث يظل بعيدا عنه بينما يسقط، وقذف ~~بالفأس بعيدا. لكن ليس بعيدا بما يكفي؛ ضربته ذراع الفأس بشدة، في ركبة ساقه الملتوية. ~~وسحبه المنشار إلى اتجاهه لكنه على الأقل لم يقع فوقه. # شعر أنه يسقط بالحركة البطيئة، بتمعن وتفكر وحتمية لا مفر منها. كان يمكن أن يكسر ضلعا ~~لكنه لم يفعل. وكان يمكن أن تطير ذراع الفأس عاليا وتضربه في وجهه، لكن هذا لم يحدث، كان ~~يمكن أن يجرح ساقه. لم يفكر في هذه الاحتمالات شاعرا براحة فورية لعدم حدوثها، بل كأنه ليس ~~متأكدا بعد أنه لم يصب بأي منها. إن الطريقة التي بدأ بها كل هذا، الطريقة التي زلقت ~~بها قدمه، ومشيه فوق الأجمة، وسقوطه، كانت غبية جدا وغريبة، وصعبا تصديقها، فيمكن أن ~~يترتب عليها أي عاقبة منافية للعقل. # بدأ في سحب نفسه ms203 إلى الأعلى، أصيبت ركبتاه؛ واحدة من الفأس التي ضربته والأخرى من السقوط ~~القاسي على الأرض. أمسك بجذع شجرة كرز صغيرة، حيث كان يمكن أن يرتطم رأسه، وسحب نفسه إلى ~~الأعلى تدريجيا. وبتردد، وقف على قدم واحدة وبدأ يلمس الأرض بالكاد بالأخرى؛ القدم التي ~~انزلقت والتوت تحته. سوف يحاول خلال دقيقة. انحنى ليلتقط المنشار فكاد أن يسقط مجددا. ~~انطلق ألم من قدمه، ولم يتوقف حتى وصل إلى جمجمته. نسي المنشار، واعتدل، دون أن يعرف تماما ~~أين موضع الألم. تلك القدم؛ هل ارتكز عليها بينما ينحني؟ انسحب الألم إلى الكاحل. عدل الساق ~~بقدر ما استطاع، ثم جرب بحرص أن يضع القدم على الأرض، ويجرب أن يرتكز عليها. يا للألم ~~الرهيب! لم يستطع أن يصدق ما يشعر به. هذا الألم لا يستطيع أن يصدق أنه سيستمر هكذا، سيستمر ~~حتى يهزمه. لا بد أن الكاحل لم يلتو فقط؛ لا بد أنه انخلع. هل يمكن أن يكون مكسورا؟ لا ~~يبدو مختلفا في حذائه الطويل عن كاحل القدم السليمة. # يعلم أنه سوف يضطر إلى تحمل الألم. عليه أن يعتاد عليه حتى يخرج من هنا. ظل ~~يحاول، لكنه لم يحقق أي تقدم. لا يستطيع أن يقف عليه. لا بد أنه مكسور. كاحل مكسور؛ حتى ~~هذا، إصابة صغيرة بالتأكيد، نوع من الحوادث التي تقع للسيدات العجائز حين ينزلقن فوق الثلج. ~~لقد كان محظوظا. كاحل مكسور، إصابة صغيرة. مع ذلك لا يستطيع أن يخطو خطوة. لا يستطيع أن ~~يمشي. # ما فهمه، أخيرا، أنه لكي يصل إلى شاحنته، عليه أن يترك منشاره وفأسه وينزل على يديه ~~وركبتيه ويزحف. وهكذا نزل ببطء قدر استطاعته ثم استدار متتبعا آثار حذائه على الأرض، ~~التي بدأ يملؤها الثلج الآن. فكر في تفقد جيبه حيث يضع المفاتيح لكي يتأكد من أنه مغلق ~~بالسحاب. تخلص من قبعته وتركها تسقط على الأرض؛ فحرفها يحجب الرؤية. الآن أصبح الثلج ~~يتساقط فوق رأسه العارية. لكنه لا يشعر ببرودة شديدة. ما إن تأقلم على الزحف أسلوبا للتحرك ~~حتى وجد أنه ms204 ليس سيئا؛ أي ليس مستحيلا، مع أنه يؤلم يديه وركبته السليمة. كان يتحرك بحذر ~~كاف الآن إذ يجر نفسه فوق الأجمة وعبر الشجيرات، وفوق الأرض الوعرة. ولو وجد منحدرا ما ~~ليتدحرج فوقه كان يتجنبه فورا؛ عليه أن ينتبه لساقه المصابة. سره أنه لم يمر خلال ~~أي أماكن سبخة، وأنه لم ينتظر وقتا أطول لكي يبدأ طريق العودة؛ فالثلج يتساقط أكثر وتنمحي ~~تقريبا آثار حذائه. وبدون تتبع هذه الآثار، سيكون من الصعب عليه أن يعرف - وهو على الأرض - ~~ما إذا كان يمشي في الطريق الصحيح أم لا. # أصبح الموقف - الذي بدا في البداية غير واقعي له - طبيعيا أكثر. كان يتقدم على يديه ~~وكوعيه وركبة واحدة قريبا من الأرض، يختبر صلابة أحد جذوع الأشجار ثم يسحب نفسه فوقه ليزحف ~~على بطنه، تتوسخ يداه بأوراق الشجر العطنة والطين والثلج؛ إذ اضطر إلى خلع قفازه؛ لأنه لن ~~يستطيع التمسك بالتربة وتحسس الأشياء على أرض الحرش إلا بيديه المخدوشتين العاريتين ~~الباردتين. لم يعد يندهش من نفسه في هذه المرحلة. كان يفكر بالكاد في فأسه ومنشاره اللذين ~~تركهما خلفه، مع أنه في البداية لم يكد يستطيع تركهما وراءه. أصبح لا يفكر سوى في ~~الحادثة ذاتها. لقد وقعت الحادثة، لا يهم كيف، لا تبدو المسألة برمتها غير معقولة أو غير ~~طبيعية إطلاقا الآن. # أمامه تلة منحدرة انحدارا معقولا يمكنه رفع جسده عليه، حين يصل إليها سوف يلتقط أنفاسه، ~~شاعرا بالرحة لأنه قطع هذه المسافة. دفأ يديه داخل الجاكيت، واحدة ثم الأخرى. لسبب ما ~~فكر في ديان وهي ترتدي معطف التزلج الأحمر الذي لا يناسبها، ويقرر أن حياتها هي حياتها، ~~ولا فائدة من القلق عليها. فكر في زوجته، التي تتظاهر بالضحك أمام التليفزيون. في هدوئها. ~~على الأقل هي تشعر بالشبع والدفء، هي ليست متشردة تجر قدميها على الطرق. هناك أشياء أسوأ ~~في الحياة، أشياء أسوأ. # يبدأ في تسلق التلة، يغرز كوعيه، وركبته الملتهبة الصالحة للاستخدام - رغم ذلك - أينما ~~يستطيع. يواصل التقدم، يجز على أسنانه كما لو أن هذا ms205 سوف يحميه من الانزلاق للخلف؛ يتمسك ~~بأي جذر مكشوف أو ساق قوي يراه. ينزلق في بعض الأحيان، فيثبت نفسه ويتوقف ثم يصعد بضع بوصات ~~من جديد. لا يرفع رأسه قط ليقدر المسافة التي لا يزال عليه أن يقطعها. لو تظاهر بأن ~~الصعود يستمر إلى الأبد، فسوف يكون الوصول إلى القمة مكافأة ومفاجأة. # استغرق التسلق وقتا طويلا. لكنه سحب نفسه إلى أرض مستوية أخيرا، وعبر الأشجار والثلج ~~المتساقط كان بوسعه رؤية الشاحنة. الشاحنة الحمراء القديمة، طراز مازدا، صديقه الوفي ~~القديم، ينتظره للأبد. بما أنه أصبح على أرض مستوية فقد ارتفعت توقعاته من نفسه مرة ثانية، ~~بدأ يصعد على ركبتيه، محاذرا إيلام قدمه المصابة، برفق، برفق، نهض مهتزا على قدمه ~~السليمة، جارا الأخرى، متأرجحا مثل السكير. حاول أن يقفز، لم ينجح؛ سوف يفقد توازنه ~~على هذا النحو. حاول أن يرتكز قليلا على ساقه المصابة، بلطف، لكنه أدرك أن الألم يمكن أن ~~يصيبه بالإغماء. نزل مرة ثانية إلى وضعه القديم ورجع يزحف. لكن بدلا من أن يزحف خلال ~~الأشجار نحو الشاحنة، داور بزاوية قائمة، واتجه إلى مكان الذي يعلم أن الشاحنة تقف عنده. ~~عندما وصل إلى هناك، بدأ في التقدم أسرع، زاحفا فوق الأخاديد القاسية والوحل الذي ذاب ~~أثناء النهار لكنه بدأ في التجمد مرة ثانية. هذا قاس على ركبته وكفيه لكنه من جهة أخرى ~~أسهل بكثير من الدرب الذي اضطر إلى أن يسلكه قبل ذلك حتى إنه يشعر ببعض الخفة. يستطيع ~~أن يرى الشاحنة أمامه، تنظر إليه وتنتظره. # في وسعه القيادة. من حسن حظه أن الإصابة في الساق اليسرى. الآن، وقد مر الأسوأ، هاجمه ~~كثير من الأسئلة المحيرة بينما بدأ يشعر بالراحة. من الذي سوف يذهب ويحضر المنشار ~~والفأس له، كيف يمكن أن يشرح لأي شخص مكانهما تحديدا؟ كم سيمر من الوقت قبل أن يغطيهما ~~الثلج؟ متى سوف يستطيع أن يمشي؟ # لا فائدة من التساؤل. رجع يشق طريقه، رافعا رأسه ليلقي نظرة مشجعة أخرى على الشاحنة. ~~يمكن أن يرتدي قفازه الآن، لكن ms206 ما الداعي لإتلافه؟ # يخرج طائر ضخم من الحرش إلى جانبه فيرفع روي رأسه ليحدد نوعه. يعتقد أنه صقر، لكنه قد ~~يكون صقرا جارحا. إن كان صقرا جارحا فهل سيخطط لمهاجمته، معتقدا أنه محظوظ بعدما أدرك ~~أن فريسته مجروحة؟ # ينتظر ليراه عندما يحوم راجعا، حتى يستطيع أن يعرف نوعه من طريقة طيرانه وجناحيه. # وبينما كان يفعل هذا، بينما كان ينتظر، ويلاحظ جناحي الطائر، الصقر الجارح، خطرت له ~~فكرة جديدة عن قصة صفقة الأخشاب التي شغلته الأربع والعشرين ساعة الماضية. ~~••• # الشاحنة تتحرك! متى حدث هذا؟ حين كان يراقب الطائر؟ في البداية تحركت حركة صغيرة، شعر ~~بذبذبتها في الأرض؛ ربما يكون الأمر كله هلوسة. لكنه يستطيع أن يسمع صوت المحرك. الشاحنة ~~ستذهب وتتركه. هل ركبها شخص ما بينما كان شاردا، أو هل كان ينتظر بداخلها شخص ما طوال ~~الوقت. لقد أغلقها بالتأكيد، والمفاتيح معه. تحسس جيبه المغلق بالسحاب مرة ثانية. شخص ما ~~يسرق الشاحنة أمام عينيه وبدون مفتاح. أخذ يصيح ويلوح من وضعه الراقد؛ كما لو أن هذا ~~سوف ينفع. لكن الشاحنة لا تسير إلى الخلف نحو المنعطف لتغادر، بل تشق طريقها مباشرة إليه، ~~والشخص الذي يقودها يزمر ببوقها، ليس محذرا بل محييا، ويبطئ السرعة. # يرى من هو. # الشخص الوحيد الذي لديه النسخة الأخرى من المفاتيح. الشخص الوحيد المحتمل؛ ليا. # ناضل روي كي يرتكز على ساق واحدة، بينما قفزت ليا من الشاحنة وجرت إليه لتسنده. # قال لها لاهثا: «لقد وقعت بكل بساطة، أغبى شيء فعلته في حياتي.» ثم فكر في أن يسألها ~~كيف وصلت إلى هنا. # قالت: «لم آت طائرة.» # جاءت بالسيارة، كما لو أنها لم تقلع عن القيادة بتاتا، جاءت بالسيارة لكن تركتها عند ~~الطريق. # أضافت: «هي ليست قوية لتتحمل هذا الطريق، وتوقعت أن تنغرس عجلاتها في الوحل، لكن هذا لم ~~يحدث؛ فقد تجمد الوحل وأصبح صلبا.» ~~- «رأيت الشاحنة فمشيت، وحين وصلت إليها فتحتها ودخلتها، وانتظرت . تصورت أنك سوف تعود ~~قريبا؛ لأنها تثلج، لكني لم أتصور أنك سوف تعود على يديك وركبتيك.» ms207 # أنار المشي - وربما البرد - وجهها، وصقل صوتها. نزلت ونظرت إلى كاحله، وقالت إنها تعتقد ~~أنه متورم. # قال: «كان يمكن أن يكون أسوأ.» # قالت إن هذه هي المرة الوحيدة التي لم تقلق فيها؛ المرة الوحيدة التي لم تقلق فيها، واتضح ~~أنه كان عليها أن تشعر بالقلق (لم يكلف نفسه عناء أن يخبرها أنها لم تظهر أي قلق ~~حيال أي شيء طوال شهور). لم تشعر بأي نذير. ~~- «لقد أتيت لأقابلك كي أتحدث إليك؛ لأني لم أستطع أن أنتظر حتى تعود كي أخبرك بالفكرة ~~التي خطرت لي بينما تعالجني المرأة، ثم رأيتك تزحف؛ فقلت يا للمصيبة!» ~~- أية فكرة؟ ~~- «أوه، تلك ... حسنا، لا أعرف ما سيكون رأيك فيها. أستطيع أن أقول لك فيما بعد. يجب أن ~~نعالج كاحلك.» ~~- أية فكرة؟ # كانت فكرتها هي أن الشركة التي سمع عنها بيرسي غير موجودة. سمع بيرسي بعض الكلام لكنه لم ~~يكن عن مجموعة من الغرباء استخرجوا تصريحا لقطع أشجار الحرش. ما سمعه كان عن روي ~~نفسه. ~~- «إليوت سوتر ليس سوى ثرثار كبير عجوز. أعرف تلك العائلة، زوجته كانت أخت آني بوول. ذهب ~~في كل مكان يتباهى بالصفقة التي عقدها ويضيف إليها شيئا فشيئا، حتى وصلنا إلى هذا، مورد ~~لريفر إن، ومائة كومة حطب يوميا. شخص يشرب بيرة ويستمع إلى شخص ما آخر يشرب بيرة وهذه هي ~~النتيجة. أصبحت لديك عقد، بينما كل ما فعلته هو الاتفاق مع المزارع.» # قال روي: «ربما يبدو ما سأقوله غبيا ...» ~~- «عرفت أنك ستقول هذا لكن فكر في الأمر فحسب ...» ~~- «لا، أقصد أنه ربما يبدو غبيا قول إن الفكرة نفسها خطرت لي أنا نفسي منذ خمس ~~دقائق.» # هذا بالفعل ما خطر له حين كان يتطلع إلى الصقر الجارح. # قالت ليا: «أنت أيضا إذن» ضاحكة في رضى، «كل ما يتصل بالفندق من قريب أو بعيد، اتضح ~~كونه مجرد حكايات خيالية، من النوع الذي يتمحور حول صفقات ضخمة.» # تلك هي المسألة إذن. كان يسمع عن نفسه. كل هذا الاضطراب والارتباك راجع له. # لن تأتي الجرافة، ms208 لن يتجمع رجال بمناشير. أشجار الدردار والقيقب والزان وخشب الصلب والكرز ~~كلها آمنة في انتظاره، آمنة في الوقت الحاضر. # تلهث ليا أثر ما تبذله من جهد في إسناده، لكنها تتمكن من قول: «العقول العظيمة تفكر على ~~نحو متشابه.» # هذه ليست اللحظة المناسبة لذكر التغير الذي ألم بها، لن تملك آذانا صاغية الآن. # خبط قدمه وهو يرفع نفسه - وبينما تساعده ليا على هذا - إلى المقعد الخلفي من الشاحنة. ~~تأوه، نوع مختلف من التأوه عما كان ليصدر عنه لو أنه وحده. لم يقصد أن يهول من ألمه، بل ~~يتبع هذا الأسلوب فقط كي يصف ألمه لزوجته. # بل يعرضه عليها؛ لأنه يدرك أنه لا يحس بالشعور الذي اعتقد أنه سوف يغمره حين تسترد ~~حيويتها. وربما تغطي الضجة التي يثيرها هذا النقص أو تبرره. بالطبع من الطبيعي أنه يشعر ~~بقليل من الحذر، فهو لا يعرف ما إذا كان هذا التحسن سوف يستمر للأبد، أم أنها مجرد صحوة ~~قصيرة. # لكن حتى لو دامت حيويتها إلى الأبد، حتى لو أنها أصبحت على ما يرام كلية، فهناك شيء ما ~~آخر؛ خسارة ما تعكر هذا المكسب؛ خسارة ما سيخجل من أن يعترف بها، لو أن لديه طاقة. # يمنعه الظلام والثلج الكثيف من أن يرى أبعد من الأشجار الأولى. يتذكر أنه ذهب من قبل إلى ~~الحرش في مثل هذا الوقت، حين يطبق الظلام في الشتاء المبكر. لكنه ينتبه الآن، يلاحظ ~~شيئا ما في الحرش يعتقد أنه فات عليه في تلك الزيارات السابقة. لاحظ كم هو متشابك في حد ~~ذاته، كم هو كثيف ومليء بالأسرار. إنه ليس مجرد مجموعة من الأشجار، واحدة تلو الأخرى، بل كل ~~الأشجار تتشابك معا؛ تساعد بعضها وتتواطأ وتدبر شيئا واحدا، تتحول خلف ظهرك. # هناك اسم آخر للحرش، يتردد صداه في ذهنه، هنا وهناك يكاد أن يسمعه. إنه اسم طويل ذو طابع ~~مشئوم لكنه بارد. # قال بآلية: «تركت الفأس، تركت المنشار.» ~~- «ما المشكلة في ذلك؟! سوف نجد شخصا ما يذهب ويحضرهما.» ~~- «والسيارة أيضا. هل ستخرجين وتقودينها ms209 وتتركيني آخذ الشاحنة؟» ~~- «لا طبعا، هل جننت؟» # كان صوتها شاردا؛ لأنها كانت ترجع بالشاحنة إلى المنعطف. ببطء لكن ليس ببطء شديد، تهتز ~~الشاحنة بينما تمر على الأخاديد لكنها لا تنحرف عن الطريق. لم يتعود على استخدام المرايا ~~الجانبية من هذه الزاوية؛ لهذا ينزل النافذة ويخرج رأسه، متلقيا الثلج على وجهه. لم يفعل ~~هذا ليراقب تقدمها بالشاحنة بل ليخفف إلى حد ما الدوار الذي يهاجمه. # قال: «على مهلك، نعم، هكذا، على مهلك، تمام، جيد جدا.» # بينما يقول هذا تقول هي شيئا ما عن المستشفى. ~~- «... سنذهب ليلقوا نظرة عليك، علينا البدء بالأولويات.» # حسب علمه لم تقد الشاحنة من قبل. مذهلة الطريقة التي تقود بها. ~~«غابة». هذه هي الكلمة. ليست كلمة غريبة على الإطلاق، لكنها كلمة لم يستخدمها قط على ~~الأرجح، كلمة رسمية عادة ما ينفر منها. # قال: «الغابة المهجورة.» كما لو أن هذا المسمى يضع إطارا لكل ما حدث. # | سعادة مفرطة # كثيرون ممن لم يدرسوا علم الرياضيات يخلطون بينه وبين علم الحساب، ويعتبرونه علما ~~جافا ومملا. لكن، وفي الواقع، يتطلب هذا العلم خيالا عظيما. # صوفيا كوفالفسكي # 1 # في اليوم الأول من شهر يناير من عام 1891، تمشي امرأة صغيرة الحجم ورجل ضخم في ~~المقابر القديمة في جنوة. كان كلاهما في حوالي الأربعين من العمر. كان للمرأة رأس ~~طفولي كبير، تغطيها أجمة من شعر مموج داكن؛ ويعكس وجهها تعبير لهفة ومسحة توسل شاحبة. ~~بدأ وجهها في الذبول. أما الرجل فقد كان ضخما؛ كان يزن 285 باوندا، موزعة على ~~هيكل ضخم؛ ولأنه روسي، يشار إليه غالبا بالدب والقوقازي أيضا. كان هناك ~~منحنيا فوق شاهد قبر، منخرطا في تدوين شيء في دفتر ملاحظاته، كان ينقل النقوش من ~~شواهد القبور، محاولا فهم الاختصارات التي لا تتضح له على الفور، رغم أنه يتكلم ~~الروسية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية ويفهم اللاتينية الكلاسيكية ولاتينية القرون ~~الوسطى. تتسع معرفته اتساع حجمه الضخم، مع أن تخصصه هو القانون الحكومي ، فهو قادر على ~~إلقاء محاضرات في تطوير المؤسسات السياسية المعاصرة في أمريكا، وخصائص المجتمع ms210 في روسيا ~~والغرب وقوانين الإمبراطوريات القديمة وممارساتها، لكنه ليس مدعيا، إنه ماهر ~~ومحبوب، يتمتع بالرفاهة على عدة مستويات وقادر على عيش حياة مريحة جدا؛ بسبب أملاكه ~~بالقرب من خاركوف. ومع ذلك، فقد حرم من تولي منصب أكاديمي في روسيا لأنه ~~ليبرالي. # اسمه يناسبه؛ ماكسيم، ماكسيم ماكسيموفيتش كوفالفسكي. # وكانت المرأة التي في صحبته تحمل لقب كوفالفسكي أيضا. كانت متزوجة من قريب بعيد له ~~لكنها أرملة الآن. # تتحدث إليه ممازحة إياه: ~~«تعرف أن واحدا منا سيموت، واحد منا سيموت هذا العام.» # يسألها وهو يسمعها بنصف أذن: «ولم هذا؟» ~~«لأننا مشينا وسط المقابر في أول أيام السنة الجديدة.» ~~«حقا!» # تقول بأسلوبها الحيوي المشوب بالقلق: «هناك أشياء لم تعرفها بعد؛ عرفت هذا قبل أن أصل ~~إلى الثامنة من عمري.» # قال: «تقضي الفتيات وقتا أطول مع خادمات المطبخ، فيما يقضي الفتيان أوقاتهم في ~~الإسطبلات؛ أظن هذا هو السبب.» ~~- «ألا يسمع الفتيان في الإسطبلات عن الموت؟» ~~- «ليس كثيرا؛ يركزون على أشياء أخرى.» # كانت الثلوج تتساقط ذلك اليوم لكنها كانت ثلوجا ناعمة. تركا وراءهما آثار أقدام ~~ذائبة وسوداء حيث مشيا. ~~••• # التقته لأول مرة في عام 1888. جاء إلى استوكهولم ليقدم مشوراته بخصوص تأسيس كلية ~~علوم اجتماعية. كانت جنسيتهما المشتركة، التي تصل إلى حد اسم العائلة المشترك، ستجمعهما ~~حتى لو لم يحدث انجذاب خاص. كانت ستأخذ على عاتقها مهمة الترفيه عن زميل ليبرالي غير ~~مرحب به في الوطن، ورعايته عامة. # لكن تبين أن هذا ليس واجبا على الإطلاق؛ فقد أقبل أحدهما على الآخر كما لو أنهما ~~قريبان ضلا الطريق أحدهما عن الآخر طويلا. تبع لقاءهما وابل من المزاح والأسئلة، ~~وتفاهم فوري، وثرثرة تهيمن عليها الروسية، كما لو أن لغات أوروبا الغربية أقفاص ~~رسمية رديئة، طالما انحبسا داخلها، أو بدائل رديئة عن الكلام البشري الحقيقي. سريعا ما ~~تجاوز سلوكهما أيضا آداب سلوكيات استوكهولم؛ فقد بقي حتى وقت متأخر من الليل في شقتها، ~~وذهبت لتناول الغداء معه في فندقه وحدهما. حين أصاب ساقه في حادث على الثلج، ساعدته ~~على نقعها وارتداء ms211 ملابسه؛ والأكثر من هذا، وأخبرت الناس عن هذا. كتبت وصفا عنه إلى ~~صديق، مقتبسة عن دي موسيه. # إنه مرح جدا وكئيب جدا في الوقت نفسه # جار مزعج ورفيق ممتاز # أرعن لأقصى الحدود، ومع ذلك شديد التكلف جدا # ساذج سذاجة تثير السخط، ومع ذلك بالغ اللامبالاة # مخلص إخلاصا شديدا، وبالغ المكر في الوقت ذاته. # وختمت وصفها قائلة: «روسي أصيل، علاوة على كل ما سبق.» # أطلقت عليه حينئذ ماكسيم السمين. ~~«لم أشعر قط بإغراء كتابة روايات الحب بالقدر الذي شعرت به أثناء وجودي مع ماكسيم ~~السمين.» # و«إنه يحتل مساحة كبيرة جدا، سواء على الأريكة أو في عقل الشخص. ببساطة، من ~~المستحيل بالنسبة لي، في حضوره، أن أفكر في أي شيء آخر غيره.» # حدث هذا في الوقت نفسه الذي كان يجب عليها فيه أن تعمل ليلا ونهارا؛ تستعد ~~لاشتراكها في جائزة بوردين. «إني لا أهمل دوالي فقط، بل معادلاتي في التكامل الناقص ~~والأجسام الصلبة كذلك.» قالت مازحة مع زميلتها أستاذ الرياضيات ميتاج لفلر، التي أقنعت ~~ماكسيم بأن الوقت قد حان لكي يذهب ويحاضر في إبسالا لفترة من الوقت. انتزعت نفسها من ~~التفكير فيه؛ من أحلام اليقظة؛ لتعود إلى حركة الأجسام الصلبة، وحل ما يسمى بمسألة عروس ~~البحر باستخدام دوال ثيتا مع متغيرين مستقلين. عملت باستماته ولكنها كانت سعيدة؛ ~~لأنه ظل هناك متربعا في خلفية عقلها. حين عاد، كانت مرهقة لكنها مبتهجة بالنصر. نصران؛ ~~بحثها جاهز للمسات الأخيرة ثم تقديمه دون كتابة اسمها عليه، وعودة حبيبها متذمرا، لكن ~~منشرحا ومتلهفا من منفاه، وكل لمحة منه تدل، حسبما اعتقدت، على أنه نوى أن يجعلها ~~امرأة عمره. ~~••• # كانت جائزة بوردين هي ما أفسد عليهما سعادتهما. هكذا تؤمن صوفيا. أسرتها هي نفسها ~~في البداية، انبهرت بكل الثريات والشمبانيا. غطت المجاملات التي تدير الرأس وكلمات ~~الإعجاب وتقبيل اليد بطبقة سميكة على بعض الحقائق المزعجة والصامتة أيضا. إنهم لن ~~يمنحوها وظيفة تستأهل موهبتها، حتى إنها لتكون محظوظة لو وجدت نفسها تدرس في مدرسة ~~ثانوية محلية للبنات. أثناء ما كانت ms212 تنعم بكل هذا، هرب ماكسيم، وطبعا، لم يترك كلمة ~~واحدة بتاتا عن السبب الحقيقي لهروبه؛ الورقة التي اضطر إلى أن يكتبها لم يتحدث ~~فيها سوى عن حاجته إلى العيش في سلام قرية بوليو وهدوئها. ~~••• # لقد شعر أنه مهمل. رجل لم يتعود أن يهمل، لم يحدث أن كان في صالون قط، أو في أي ~~حفل استقبال منذ أن غدا رجلا ولم يحظ بالاهتمام. ولم يكن هذا هو الحال في باريس ~~كذلك. لم تكن المشكلة هي خفوته بالمقارنة بشهرة صوفيا، بقدر ما كانت اعتباره نموذجا ~~عاديا من الرجال. رجل ذو قيمة راسخة وسمعة معروفة ووجاهة وذكاء، إلى جانب خفة ظله ~~المرحة، وجاذبيته الرجولية اللبقة. في حين أنها فريدة عصرها، امرأة محبوبة غريبة ~~الأطوار؛ امرأة ذات مواهب في علم الرياضيات وخجل أنثوي، فاتنة لكن تملك تحت تموجات ~~شعرها عقلا مؤسسا تأسيسا غير تقليدي. # كتب اعتذاراته الباردة والمتجهمة من بوليو، بعد أن رفض عرضها بأن تزوره ما إن ~~تنته فورة نشاطاتها الكثيرة. قال إن لديه سيدة تقيم معه لا يستطيع أن يعرفها ~~عليها. كانت هذه السيدة في محنة وتحتاج لتركيزه حاليا. قال إن صوفيا يجب أن تكون ~~في طريقها إلى السويد؛ يجب أن تكون سعيدة حيث ينتظرها أصدقاؤها. وسيكون تلاميذها في ~~حاجة إليها، وكذلك ابنتها الصغيرة. (أكانت تلك وكزة منه؛ تلميحا مألوفا لها لأمومتها ~~المنقوصة؟) # ختم رسالته بجملة واحدة قاسية. ~~- «لو أحببتك، لاختلفت كلماتي إليك.» ~~••• # كانت تلك نهاية كل شيء. عادت من باريس مع جائزتها وشهرتها البراقة الغريبة؛ عادت إلى ~~أصدقائها الذين شعرت فجأة أنهم أصدقاء للتسلية وتمضية الوقت لا أكثر. عادت إلى تلاميذها ~~الذين كانت تحمل لهم تقديرا أكبر، لكن ذلك حين تقف أمامهم فقط حيث تتحول إلى ذاتها ~~الرياضية، التي لا تزال، للغرابة، موجودة. وعادت إلى صغيرتها فوفو التي يفترض الجميع ~~أنها لا تحظى برعاية كافية من أمها، صغيرتها ذات الروح المرحة التي تثير ذهول ~~الجميع. # كل شيء في استوكهولم ذكرها به. # جلست في الغرفة ذاتها، مع الأثاث الذي أحضرته بتلك النفقة ms213 السفيهة عبر بحر البلطيق. ~~أمامها الأريكة ذاتها التي حملت جسده مؤخرا بأناقة؛ بالإضافة إلى جسدها حين كان يضمها ~~ببراعة بين ذراعيه؛ فبالرغم من حجمه لم يكن أخرق في ممارسة الحب. # هذا القماش الحريري الأحمر نفسه الذي جلس عليه ضيوف مميزون وغير مميزين في بيتها ~~القديم الضائع. ربما جلس فيودور دوستويفسكي في حالته العصبية البائسة، منبهرا بأخت ~~صوفيا، أنيتا. وبالتأكيد كانت صوفيا نفسها تمارس الإزعاج كالعادة كونها طفلة أمها ~~المتذمرة. # الصوان القديم ذاته الذي أحضرته أيضا من بيتها في باليبينو، يحمل صور أجدادها ~~المرسومة بالبورسلين. # الجدان شوبرت، لا يبدو عليهما أي ارتياح، هو في زيه الرسمي، وهي في فستان سهرة، ~~يبدو عليهما تعبير رضا سخيف عن نفسيهما. لقد حصلا على كل شيء يرغبان فيه - أو ~~هكذا افترضت صوفيا - ولم يكن لديهما سوى مشاعر الاحتقار لكل امرئ ما لم يكن متآمرا ~~جدا أو محظوظا جدا. # قالت لماكسيم: «هل تعرف أن جزءا مني ألماني؟» ~~- «بالطبع؛ وإلا فكيف يمكنك أن تكوني معجزة كبيرة لو اختلف الحال؟ وأن تملكي رأسا ~~مليئا بأرقام خرافية؟» # لو أحببتك. # أحضرت فوفو لها المربى في طبق، وطلبت منها أن تلعب معها إحدى العاب الورق الخاصة ~~بالأطفال. ~~- «اتركيني وحدي، ألا يمكنك أن تدعيني وحدي؟» # لكنها راحت تذرف دموعا بعد ذلك وطلبت المعذرة من الطفلة. ~~••• # لكن في النهاية صوفيا ليست الشخص الذي يكتئب للأبد. ابتلعت كبرياءها وحشدت قدراتها، ~~وكتبت رسائل مرحة ربما تكون أراحته بما فيها من متع تافهة: تزلجها على الجليد، ~~ركوبها الخيل وتركيزها على السياسات الروسية والفرنسية، وربما تكفي حتى لتشعره بأن ~~تحذيره كان وحشيا وغير ضروري. نجحت في أن تنتزع دعوة أخرى منه، وانطلقت إلى قرية ~~بوليو في الصيف ما إن انتهت محاضراتها. # قضت أوقاتا ممتعة تخللها بعض من حالات «سوء التفاهم» على حد قولها، (غيرت هذا ~~التعبير، في وقت من الأوقات، إلى «أحاديث») ونوبات برود، انفصالات، انفصالات وشيكة، ثم ~~لطف مفاجئ. خاضا رحلة متخبطة حول أوروبا، قدما نفسيهما عاشقين، بصراحة فاضحة. # تتساءل أحيانا إذا كان على علاقة بنساء ms214 أخريات. هي نفسها كانت تتلهى بفكرة الزواج ~~من ألماني غازلها، لكن الألماني كان شديد التدقيق، فاسترابت في أنه يريد ربة منزل، كما ~~أنها لم تكن تحبه. كانت الدم يتجمد في عروقها بينما ينطق هو بكلمات الحب بألمانية ~~متأنقة. # قال ماكسيم - ما إن سمع عن هذا التودد ذي القصد الشريف - أن تتزوجه أفضل. بشرط أن ~~تتمكن من الشعور بالارتياح لما يعرضه عليها. ادعى أنه يتحدث عن المال، حين قال هذا. ~~أن تشعر بالارتياح لما يتمتع به من ثروة كان مزحة بالطبع. أما أن تشعر بالارتياح مع ~~عطاء المشاعر الفاترة والمهذبة، بعد استبعاد خيبات الأمل والأحداث التي أثيرت تقريبا ~~بسببها؛ فهذه مسألة أخرى كلية. # لجأت إلى المزاح؛ إذ جعلته يتصور أنها تراه غير جاد، وكذلك غير حازم، لكن حين عادت ~~إلى استوكهولم رأت نفسها حمقاء. وهكذا كتبت إلى جوليا، قبل أن تتجه إلى الجنوب في عطلة ~~عيد الميلاد، بأنها لا تعرف ما إذا كانت ذاهبة إلى السعادة أم إلى الحزن. كانت تقصد ~~أنها ستعلن عن موقفها بجدية وتكتشف إذا كان جادا. واستعدت لتلقي أقصى درجات خيبة ~~الأمل إهانة. # وفر عليها كل هذا؛ في النهاية، كان ماكسيم رجلا نبيلا والتزم بكلمته؛ سوف يتزوجان ~~في الربيع. ما إن قررا هذا، حتى أصبحا يشعران براحة أكبر معا منذ بدايتهما الأولى. ~~أحسنت صوفيا التصرف، بدون عبوس أو ثورات غضب. توقع منها بعضا من آداب السلوك اللائق، ~~لكن ليس سلوكيات ربة بيت. لن يعترض أبدا - مثلما قد يفعل أي زوج سويدي - على تدخينها ~~السجائر وشربها المتواصل للشاي ردود أفعالها الغاضبة إزاء القضايا السياسية. ولم تشعر ~~بالإزعاج حين رأت أنه قد يغدو غير عقلاني وسريع الغضب ويشعر بالرثاء على نفسه، مثلها، ~~حين يضايقه النقرس. في النهاية، كانا ابني بلد واحد. وكانت تشعر بضجر يشوبه الإحساس ~~بالذنب مع السويديين العقلانيين الذين كانوا الشعب الوحيد في أوروبا المستعد لتعيين ~~أستاذ رياضيات أنثى في جامعته الجديدة . كانت مدينتهم نظيفة جدا ومنظمة، وعاداتهم في ~~غاية الاتساق، وحفلاتهم في منتهى التأدب. ما إن ms215 يقرروا مسارا صحيحا يتوجهون إليه ~~مباشرة ويسلكونه، دون قضاء ليال صاخبة وربما خطرة في الجدالات التي قد تستمر إلى ~~الأبد في بيترسبرج أو باريس. # لم يتدخل ماكسيم في عملها الحقيقي، الذي كان البحث وليس التدريس، لعله يشعر بالسعادة ~~لأن لديها شيئا ما يستحوذ على اهتمامها، مع أنها شكت في أنه، وإن لم يكن يرى ~~الرياضيات علما تافها، فإنه يراه علما غير مهم. وكيف يمكن لأستاذ في القانون ~~والسوسيولوجي أن يفكر بنحو غير ذلك؟ ~~••• # كان الجو أدفأ في نيس، بعد عدة أيام، حين كان يصطحبها لتستقل قطارها. # قالت: «كيف يمكن أن أذهب، كيف يمكنني أن أترك هذا الجو اللطيف؟» ~~- «آه، لكن مكتبك ومعادلاتك التفاضلية في انتظارك. في الربيع لن تقدري على انتزاع ~~نفسك.» ~~- «أتعتقد هذا؟» # لا يجب أن تفكر؛ لا يجب أن تفكر أنها طريقة غير مباشرة ليقول إنه تمنى ألا يتزوجا ~~في الربيع. # كانت قد كتبت فعليا لجوليا، قالت إنها ستحظى بالسعادة في النهاية؛ السعادة. ~~••• # على رصيف محطة القطار عبرت قطة سوداء أمامهما في مسار مائل. تكره القطط بخاصة ~~السوداء، لكنها لا تقول شيئا وتكبح رجفتها. وكما لو أنه يكافئها على سيطرتها على نفسها ~~يعلن أنه سوف يصاحبها حتى مدينة كان، إذا لم تمانع. لم تستطع أن تجيبه، تشعر ~~بالامتنان. والدموع تضغط على عينيها ضغطا مؤلما. يرى أن النحيب علنا فعل مهين (يعتقد ~~أنه لا يجب أن يتحمله صاغرا في مكان خاص كذلك). # تنجح في ابتلاع دموعها، وحين يصلان إلى كان، يضمها ضمنا إلى ملابسه الأنيقة الواسعة ~~ذات الرائحة الرجولية؛ مزيج من فرو وتبغ غال. يقبلها باحتشام لكن بنقرة صغيرة بلسانه ~~على شفتيها، تذكرة بالشهوات الخاصة. # بالطبع، لم تذكره أن عملها كان على نظرية المعادلات التفاضلية (الجزئية)، وأنها ~~انتهت منه منذ مدة طويلة. تقضي الساعة الأولى - أو نحوا من ذلك - من رحلتها المنفردة ~~كما تقضي عادة بعض الوقت الذي يلي افتراقها عنه؛ توازن بين علامات الحب والتبرم، وبين ~~اللامبالاة والعاطفة المحدودة. # قالت لها صديقتها ماري مندلسن: «تذكري دائما أن الرجل ms216 عندما يخرج من الغرفة، فإنه ~~يترك كل شيء خلفه فيها، وحين تخرج المرأة تحمل كل شيء حدث في الغرفة معها.» # على الأقل لديها وقت الآن لتكتشف أنها تعاني من التهاب في الحلق. تمنت ألا يشك ~~فيها لو كان التقطه منها؛ فلأنه عازب بصحة متينة يرى أن أي عدوى مرضية بسيطة تصيبه ~~إهانة، والتهوية السيئة والنفس الفاسد هجوم شخصي عليه؛ إنه مدلل لحد الإفساد في نواح ~~معينة. # بل إنه مدلل وحقود في الحقيقة. منذ فترة كتب لها أن كتابات معينة له بدأت تنسب لها ~~بسبب تشابه الأسماء؛ تلقى رسالة من مؤسسة أدبية في باريس، بدأت بتوجيه الكلام إليه ~~بسيدتي العزيزة. # للأسف نسي - كما قال - أنها روائية إلى جانب أنها أستاذ رياضيات. أي إحباط أصاب ~~الباريسيين حين علموا أنه لم يكن أيا من هذا، مجرد أستاذ جامعة، ورجل. # مزحة كبيرة فعلا. # 2 # تنام قبل أن تضاء أضواء القطار. كانت أفكار يقظتها الأخيرة أفكارا مزعجة عن فيكتور ~~جاكلارد، زوج أختها المتوفاة، الذي تخطط لرؤيته في باريس. فعليا، هي تتلهف على رؤية ~~ابن أختها يوري، لكن الولد يعيش مع أبيه. تتصور يوري دائما في عقلها حين كان في حوالي ~~الخامسة أو السادسة، فهو يتمتع ببشرة شقراء ملائكية، عذب وبريء، لكن لا يشبه في مزاجه ~~أمه أنيتا كثيرا. # تجد نفسها في حلم مشوش عن أنيتا، لكنها أنيتا قبل أن يدخل يوري وجاكلارد إلى ~~المشهد بفترة طويلة. جاءتها أنيتا في الحلم غير متزوجة، وبشعر ذهبي جميل وطباع سيئة، ~~في مقاطعة العائلة في باليبينو، حيث تزين غرفتها العالية بأيقونات أرثوذكسية، وتشتكي ~~من أنها ليست الأعمال الفنية الدينية اللائقة بأوروبا في القرون الوسطى. كانت تقرأ ~~رواية لبولوير لايتون، وتدني على جسدها خمارا، فكانت خير تجسيد لإديث الجميلة، عشيقة ~~هارولد الثاني. تخطط لتكتب روايتها عن إديث، وكتبت فعليا عدة صفحات تصف المشهد الذي ~~كان على البطلة أن تتعرف فيه على جسد حبيبها الممزق من علامات معينة لا يعرفها ~~غيرها. # وها هي قد تمكنت بطريقة ما من الوصول إلى هذا ms217 القطار، تقرأ تلك الصفحات على صوفيا ~~التي لا تستطيع أن تحمل نفسها على أن تشرح لها كم تغيرت الأمور، وما حدث منذ تلك ~~الأيام في الغرفة العالية. # حين استيقظت صوفيا، فكرت كم كان كل ذلك حقيقيا - هوس أنيتا بالقرون الوسطى وخاصة ~~التاريخ الإنجليزي - وكيف اختفى هذا في يوم من الأيام؛ الحجاب وكل شيء، كما لو لم يكن ~~أي شيء منها موجودا قبل ذلك، وبدلا من هذا أصبحت أنيتا جادة ومعاصرة تكتب عن فتاة ~~شابة ترفض - بسبب إلحاح والديها ولأسباب تقليدية - باحثا شابا، يموت؛ فتدرك بعد موته ~~أنها تحبه، فلا يعود أمامها خيار سوى اللحاق به. # قدمت هذه القصة سرا إلى مجلة يحررها فيودور دوستويفسكي، ونشرت. # فاستشاط أبوها غضبا. ~~«الآن تبيعين قصصك، فكم من الوقت سيمضي قبل أن تبيعي نفسك؟» # ظهر فيودور نفسه على الساحة في خضم هذا الاضطراب؛ إذ لم يحسن التصرف في إحدى ~~الحفلات لكنه هدأ من روع والدة أنيتا في مكالمة خاصة، أنهاها بعرض زواج. وبما أن ~~والدها يعارض هذا تماما فقد أغرى موقفه أنيتا بأن تقبل وأن تفر معه. لكنها - في ~~النهاية - كانت مغرمة بالأضواء وربما أطلعها حدس داخلي كيف سوف تضحي بهذه الأضواء مع ~~فيودور؛ لهذا رفضته. ضمها في روايته (الأبله) في شخصية أجليا، وتزوجت من كاتب اختزال ~~شاب. # تنعس صوفيا مرة ثانية؛ فتنجرف إلى حلم آخر حيث كانت هي وأنيتا صغيرتين لكن ليس في ~~عمرهما في بالبينو، وهما معا في باريس، وقد حل جاكلارد حبيب أنيتا - لم يكن قد تزوجها ~~بعد - محل هارولد الثاني وفيودور الروائي بطلا لروايتها، وجاكلارد بطل أصيل مع أنه غير ~~مهذب (يتألق في أصوله القروية) وغير مخلص منذ البداية. كان يحارب في مكان ما خارج ~~باريس، وأنيتا تخاف من أن يقتل لأنه شجاع جدا. والآن في حلم صوفيا ذهبت أنيتا تبحث ~~عنه، لكن الشوارع التي كانت تجول فيها منتحبة ومنادية اسمه، كانت في بيترسبرج وليست ~~في باريس ، وتركت صوفيا في مستشفى باريسي ضخم مليء بالجنود الموتى، والمواطنين الجرحى، ~~وكان زوجها فلاديمير ms218 من بين الموتى. تهرب من كل هؤلاء الجرحى، تبحث عن ماكسيم، الآمن من ~~القتال، في فندق سبليندد. ماكسيم سيخرجها من كل هذا. # تستيقظ، ترى الأمطار تتساقط في الخارج، والجو معتم؛ ليست وحيدة في المقصورة. تجلس ~~إلى جانب الباب امرأة شابة غير مهندمة، تحمل محفظة رسم. تخشى صوفيا أن تكون قد ~~صرخت في حلمها، لكنها لم تفعل على الأرجح؛ لأن الفتاة تنام في هدوء. # بفرض أن الفتاة كانت مستيقظة، كانت صوفيا ستقول لها: «سامحيني؛ كنت أحلم بعام 1871. ~~كنت هناك في باريس، وكانت أختي تحب أحد أفراد كومونة باريس. قبض عليه وكان يمكن أن ~~يقتل بالرصاص أو أن يرسل إلى نيوكايدونيا لكننا استطعنا أن نحرره. زوجي فعل ~~هذا. لم يكن زوجي فلاديمير من أعضاء الكومونة إطلاقا، بل لم يكن يريد سوى أن يشاهد ~~الحفريات في جاردن دي بلانتس.» # قد تشعر الفتاة بالملل. قد تتصرف بتهذيب لكنها كانت سوف تنقل إليها مع ذلك إحساسها ~~بأن كل هذه الأحداث، في رأيها، حدثت قبل طرد آدم وحواء؛ فلربما هي ليست فرنسية حتى. إن ~~الفتيات الفرنسيات اللواتي يستطعن تحمل تكاليف السفر في الدرجة الثانية لا يسافرن ~~وحدهن في الغالب، فهل تكون الفتاة أمريكية؟ # كان صحيحا - للغرابة - أن فلاديمير استطاع أن يقضي بعضا من تلك الأيام في جاردن دي ~~بلانتس، لكنه لم يقتل؛ ففي خضم الاضطراب، كان يرسي أسس مهنته الحقيقية الوحيدة، ~~عالم حفريات. وصحيح أن أنيتا اصطحبت صوفيا إلى مستشفى حيث طردت كل الممرضات ~~المحترفات؛ فقد كن يعتبرن معاديات للثورة، ومن ثم استبدلن بزوجات ~~ورفيقات من الكومونة. لعن النساء العاديات البديلات لأنهن لم يكن يعرفن حتى ~~كيف يضمدن جرحا، ومات الجرحى، لكن معظمهم كان ميتا على كل حال. كان لا بد من ~~معالجة المرض الذي انتشر، إلى جانب جروح المعركة، وكان يقال إن العامة كانوا يأكلون ~~الكلاب والفئران. # حارب جاكلارد والثوار عشرة أسابيع. بعد الهزيمة حبس في سجن فرساي في زنزانة تحت ~~الأرض، وقتل عدة رجال رميا بالرصاص عن اعتقاد خاطئ أنهم جاكلارد؛ أو هكذا انتقل ms219 ~~الخبر. # وفي ذلك الوقت، وصل - الجنرال - والد أنيتا وصوفيا من روسيا. نقلت إلى هايدلبرج ~~حيث استرخت في فراشها. عادت صوفيا إلى برلين وإلى دراسة الرياضيات، وبقي فلاديمير، ~~حيث ترك ثدييات العصر الثالث ليتعاون مع الجنرال في إطلاق سراح جاكلارد. نجحا في هذا ~~بالرشوة والإقدام؛ فقد كان من المخطط أن ينقل جاكلارد من محبسه إلى محبس آخر في باريس ~~تحت حراسة جندي واحد، وسلكا شارعا معينا يكون مزدحما بسبب معرض فني. وكانت الخطة ~~أن يخطفه فلاديمير بينما ينظر الحارس إلى الجهة الأخرى؛ فقد حصل على مبلغ من المال في ~~مقابل القيام بذلك. وسوف يشق جاكلارد - تحت إرشاد فلاديمير - طريقه عبر الحشود إلى ~~غرفة يجد فيها بذلة مدنية، ثم يصطحبه فلاديمير إلى محطة السكة الحديدية، ويعطيه جواز ~~سفر فلاديمير، حتى يستطيع الهرب إلى سويسرا. # تمت المهمة بنجاح. # لم يكلف جاكلارد نفسه أن يرجع جواز السفر بريديا حتى التحقت به أنيتا، وأعادته ~~هي. لم يسدد ما عليه من مال قط. ~~••• # أرسلت صوفيا رسائل قصيرة من فندقها في باريس إلى ماري ماندلسون وجوليس بوانكاريه. ردت ~~خادمة ماري بأن سيدتها في بولندا. أرسلت صوفيا رسالة قصيرة أخرى لتقول إنها قد تطلب ~~مساعدة صديقتها، في الربيع القادم، في «اختيار الزي الذي سوف يناسب الحدث الذي يعتبره ~~العالم أهم حدث في حياة المرأة.» وأضافت: إنها وعالم الأزياء ليسا على وفاق ~~إطلاقا. # جاء بوانكاريه في ساعة مبكرة جدا من الصباح، مشتكيا من فوره سلوك عالم الرياضيات ~~فايرشتراس، مشرف صوفيا القديم، الذي كان أحد المحكمين في مسابقة جائزة ملك السويد ~~للرياضيات الأخيرة. كان بوانكاريه قد حصد الجائزة بالفعل، لكن فايرشتراس قرر أن يعلن ~~أنه كان من المحتمل أن توجد أخطاء في عمل بوانكاريه، الذي لم يحصل - أي فايرشتراس - على ~~الوقت الكافي للتدقيق فيه. أرسل خطابا يقدم فيه تساؤلاته الملحقة بالرسالة إلى ملك ~~السويد؛ كما لو أن شخصية مثل هذه ستفهم ما يتحدث عنه، وكتب تصريحا عن بوانكاريه الذي ~~سوف تنبثق قيمته في المستقبل من النواحي السلبية في عمله أكثر ms220 من الإيجابية. # هدأته صوفيا؛ إذ قالت له إنها سترى فايرشتراس بعد قليل، وستناقش معه هذه المسألة. ~~تظاهرت بأنها لم تسمع بأي شيء عن الأمر، مع أنها كتبت فعليا رسالة مازحة لأستاذها ~~القديم بخصوصها. ~~«أعتقد أن الملك عانى من اضطراب في نومه الملكي منذ أن وصلته معلوماتك. تصور كيف ~~أزعجت العقل الملكي الذي كان حتى تلك اللحظة منعما في جهله بالرياضيات. احذر من أن ~~تجعله يندم على كرمه ...» # قالت لجوليس: «في النهاية؛ في النهاية أنت لديك الجائزة وستظل لديك للأبد.» # وافق جوليس، مضيفا أن اسمه سيبرق بينما يذهب اسم فايرشتراس في طي النسيان. # سوف ننسى جميعا، فكرت صوفيا لكنها لم تقل هذا بسبب الحساسية المرهفة لدى الرجال ~~- خاصة الشباب منهم - إزاء هذه النقطة. # ودعته في الظهيرة؛ وذهبت لترى جاكلارد ويوري. كانا يعيشان في القسم الفقير من ~~المدينة. اضطرت إلى عبور فناء نشرت فيه ملابس مغسولة. كان المطر توقف، لكن ~~النهار ظل معتما. صعدت درجا طويلا وزلقا إلى حد ما. صاح جاكلارد أن الباب غير موصد، ~~فدخلت لتجده جالسا فوق صندوق مقلوب، يلمع زوجين من حذاء طويل الرقبة. لم يقف ~~ليحييها، وحين همت بخلع ردائها قال: «من الأفضل ألا تفعلي؛ المدفأة لن تعمل قبل ~~المساء.» أشار لها لتجلس على الكرسي الوحيد الموجود في المكان، وكان ملوثا، ملوثا ~~بالشحوم. هذا أسوأ مما توقعت. لم يكن يوري هنا، لم ينتظر ليراها. # كانت تريد معرفة أمرين عن يوري: هل كان أقرب شبها بأنيتا والجانب الروسي من ~~عائلته؟ وهل كان يزداد طوله؟ في الخامسة عشرة، العام الماضي في أوديسا، كان يبدو وكأنه ~~لم يتعد الثانية عشرة. # سرعان ما اكتشفت أن الأمور اتخذت منعطفا باتت معه تلك الشواغل أقل شأنا. # قالت: «أين يوري؟» ~~- «في الخارج.» ~~- «في المدرسة؟» ~~- «ربما. لا أعرف الكثير عنه. وكلما عرفت عنه شيئا، قل اكتراثي له.» # فكرت أن تهدئه وتتناول المسألة فيما بعد. سألته عن صحته؛ أي جاكلارد؛ فقال إن رئتيه ~~في حالة سيئة. قال إنه لم يشف من آثار عام 1871؛ الجوع وليالي النوم ms221 في العراء. لم ~~تتذكر صوفيا أن المقاتلين كادوا يموتون جوعا - كان من واجبهم أن يأكلوا لكي يتمكنوا من ~~القتال - لكنها قالت موافقة إنها كانت تفكر توا في تلك الأوقات، في القطار. قالت ~~إنها كانت تفكر في فلاديمير وعملية الإنقاذ التي كانت تبدو وكأنها إحدى مشاهد أوبرا ~~كوميدية. # قال إن الأمر لم يكن كوميديا، ولم يكن مشهدا من أوبرا، لكنه أضحى أكثر حركة وهو ~~يتحدث عنه. تحدث عن رجال قتلوا رميا بالرصاص خطأ؛ إذ شبه كل منهم لمن قتلوه ~~أنه جاكلارد؛ تحدث عن القتال المستميت الذي دار بين العشرين والثلاثين من مايو. وحين ~~قبض عليه أخيرا، كانت الإعدامات بإجراءات موجزة قد انتهت، لكنه كان لا يزال يتوقع ~~أن يموت بعد محاكمتهم الهزلية. كيف نجح في الهرب؟ الله وحده يعلم. لا يعني هذا أنه ~~يؤمن بالله، أضاف ذلك، كما يفعل كل مرة. # كل مرة، وكل مرة يحكي القصة، يغدو دور فلاديمير - والدور الذي لعبته أموال الجنرال - ~~أصغر. ولا يأتي على ذكر جواز السفر كذلك، فقط شجاعة فلاديمير وإقدامه هما اللاعبان ~~الأساسيان، لكن بدا أكثر توددا لجمهوره وهو يتحدث. # لا يزال اسمه في الذاكرة، ولا تزال حكايته تروى. # وتبعت تلك قصص أخرى، مألوفة أيضا. نهض وأحضر خزانة حديدية صغيرة من تحت الفراش. كانت ~~الخزانة تحتوي على تلك الورقة الخطيرة، الورقة التي طردته من روسيا حين كان في بيترسبرج ~~مع أنيتا بعد انقضاء أيام الكومونة. لا بد أن يقرأها كلها. ~~«السيد الفاضل، قنسطنطين بيتروفتش، أضع بين يديك على وجه السرعة المسألة التالية: ~~إن الفرنسي جاكلارد، عضو الكومونة السابقة خلال إقامته في باريس كان على اتصال دائم ~~بممثلي الحزب البروليتاري الثوري البولندي، واليهودي كارل مندلسون، ومن خلال اتصالاته ~~الروسية بوساطة زوجته، تورط في نقل رسائل مندلسون إلى وارسو. وهو كذلك صديق للعديد من ~~الراديكاليين الفرنسيين البارزين. ومن بيترسبرج، أرسل جاكلارد أخبارا مزيفة ومضرة إلى ~~باريس عن الشئون السياسية الروسية، وبعد الأول من مارس ومحاولة الانقلاب ضد القيصر، ~~تجاوزت هذه المعلومات كل حدود الصبر؛ لهذا وبإلحاح ms222 مني قرر الوزير أن يرسله إلى خارج ~~حدود إمبراطوريتنا.» # عادت البهجة له بينما يقرأ، وتذكرت صوفيا كم اعتاد المزاح والمرح، وكيف كانت هي، بل ~~وفلاديمير كذلك يتشرفان إلى حد ما بأنه يلاحظ وجودهما، ولو باعتبارهما جمهورا له ليس ~~إلا. # قال: «آه، يا له من شيء سيئ جدا، سيئ جدا أن المعلومات ليست كاملة. لم يذكر قط ~~أن الماركسيين الأمميين في ليون اختاروني لأمثلهم في باريس.» # في تلك اللحظة دخل يوري، لكن والده واصل حديثه قائلا: «كان هذا سرا بالطبع. عينوني ~~رسميا في لجنة الأمان العام لليون.» كان يقطع المكان جيئة وذهابا الآن في جدية ~~ثائرة فرحة؛ «كنا في ليون حين سمعنا أن نابليون الثالث وقع في الأسر، وطلوه ~~كالعاهرات.» # أومأ يوري لخالته، وخلع كنزته - لا يشعر بالبرد بالتأكيد - وجلس على الصندوق، وتولى ~~مهمة أبيه في تلميع الحذاء طويل الرقبة. # حقا؛ كان يشبه أنيتا، لكنه يحمل ملامح أنيتا في أواخر أيامها: الترهل المتجهم ~~المرهق للجفنين، والاعوجاج الذي ينم عن الارتياب - الاستهزاء في حالته - في الشفتين ~~الممتلئتين. لا علامة على الفتاة ذات الشعر الذهبي بنهمها للخطر، للمجد الأخلاقي، ~~ونوبات الإهانة الجارحة. في هذا المخلوق يوري، لم تبق ذكرى سوى ذكرى امرأة مريضة ~~سقيمة، تعاني من الربو والسرطان، لا تكف عن التعبير عن لهفتها على الموت. # أحبها جاكلارد في البداية، ربما بقدر ما يستطيع أن يحب أي شخص. لاحظ حبها له. في ~~رسالته الساذجة - وربما المغرورة - لوالدها؛ إذ يشرح قراره بالزواج منها، كتب يقول إنه ~~ليس من العدل أن يهجر امرأة متعلقة به إلى هذا الحد. لم يتخل قط عن نساء أخريات، ~~حتى في بداية العلاقة حين كانت أنيتا محمومة باكتشافها إياه، وبالتأكيد لم يفعل خلال ~~زواجهما. اعتقدت صوفيا أنه لا يزال جذابا في عيون النساء، مع أن لحيته شعثاء رمادية، ~~وكان حين يتحدث يتحمس في بعض الأحيان إلى حد أن كلماته تخرج في بصقات. بطل أنهكته ~~صراعاته، بطل ضحى بشبابه؛ هكذا ربما يقدم نفسه، دون أن يخلو هذا من المؤثرات. وهذا ~~حقيقي، ms223 على نحو ما. كان شجاعا جسديا، وكانت لديه مثل، ولد فلاحا يعرف معنى أن ~~يكون المرء محتقرا. # وكذلك هي؛ كانت تحتقره، الآن فقط. # كانت مظهر الحجرة باليا، لكن حين تنظر إليها بتمعن ترى أنها في أنظف حال ممكنة. ~~تتدلى بعض أواني الطبخ من مسامير في الحائط. كان الموقد نظيفا، وكذلك قاع تلك ~~الأواني. خطر على بالها أن هناك امرأة معه حتى في الوقت الحالي. # كان يتحدث عن كليمينسو، قائلا إنهما كانا على علاقة طيبة. كان مستعدا الآن أن ~~يتحدث بزهو عن صداقة مع رجل توقعت أن يتهمه بأنه كان يعمل لحساب الخارجية البريطانية ~~(مع أنها نفسها كانت مقتنعة بأن هذه تهمة باطلة). # زاغت منه مثنية على نظام الشقة. # نظر حوله، مذهولا من تغييرها الموضوع، ثم ابتسم ببطء، وبرغبة جديدة في ~~الانتقام. ~~«إني متزوج من امرأة ترعى شئوني، إنها فرنسية؛ ويسعدني أن أقول إنها ليست ثرثارة ~~وكسولة مثل الروسيات. متعلمة، وكانت مربية أطفال لكنها طردت بسبب ميولها السياسية. ~~أخشى أني لا أستطيع أن أعرفك عليها. إنها فقيرة لكن محترمة ولا تزال تحترم ~~سمعتها.» # قالت صوفيا بينما تنهض: «آه، كنت أنوي أن أخبرك بأني سأتزوج مرة أخرى من سيد ~~روسي.» ~~- «سمعت أنك على علاقة بماكسيم ماكسيموفتش. لم أسمع أي شيء عن الزواج.» # كانت صوفيا ترتجف من طول جلوسها في البرد. تحدثت إلى يوري، بقدر ما تستطيع من ~~بهجة. ~~- «هل تمشي مع خالتك العجوز إلى المحطة؟ لم تتح لي فرصة لأتحدث معك.» # قال جاكلارد في خبث شديد: «أتمنى ألا أكون قد أسأت إليك؛ أنا أومن دائما بقول ~~الحقيقة.» ~~- «إطلاقا.» # ارتدى يوري الجاكت، التي رأت أنه متسع عليه. ربما اشتراه من سوق للملابس المستعملة. ~~نما لكن لم يكن أطول من صوفيا نفسها. ربما لم يتناول الطعام الصحيح في الفترات المهمة ~~من حياته. كانت والدته فارعة الطول وكذلك كان جاكلارد. # ومع أنه بدا غير متحمس لمرافقتها، فقد بادر بالحديث قبل أن يصلا إلى نهاية السلالم، ~~وحمل عنها حقيبتها من فوره دون أن تطلب منه ذلك. ms224 # قال: «إنه شحيح لدرجة أنه حتى لم يشعل لك النار. هناك حطب في الصندوق، هي أحضرته هذا ~~الصباح. إنها قبيحة قبح فأر المجارير، لذا لم يرغب في أن تلتقي بها.» ~~- «لا يجب أن تتحدث بهذه الطريقة عن أي امرأة.» ~~- «لم لا ما دمن يردن المساواة؟» ~~- «أعتقد أني يجب أن أقول ألا تتحدث عن الناس بهذه الطريقة، لكني لا أريد أن أتحدث ~~عنها أو عن والدك. أريد أن أتحدث عنك. كيف حالك مع موادك الدراسية؟» ~~- «أكرهها.» ~~- «لا يمكن أن تكرهها كلها.» ~~- «لم لا؟ ليس من الصعب علي أن أكرهها كلها.» ~~- «هل تستطيع التحدث بالروسية معي؟» ~~- «إنها لغة بربرية، لم لا تتحدثين بفرنسية أفضل؟ يقول إن لكنتك بربرية. يقول إن ~~لكنة أمي كانت بربرية أيضا. الروس بربريون.» ~~- «هل يقول هذا أيضا؟» ~~- «إني أكون رأيي بنفسي.» # مشيا فترة في صمت. # قالت صوفيا: «هذا الوقت من العام كئيب في باريس. هل تتذكر الوقت الجميل الذي قضيناه ~~ذلك الصيف في سيفر؟ تكلمنا عن كل شيء. لا تزال فوفو تتذكرك وتتحدث عنك. تتذكر كم كنت ~~ترغب في أن تأتي وتعيش معنا.» ~~- «كانت تلك رغبة طفولية. لم أفكر بواقعية في ذلك الوقت.» ~~- «إذن هل تفكر بواقعية الآن؟ هل فكرت في مهنة لك.» ~~- «نعم.» # ونظرا لنبرة الرضا الهازئة التي استشعرتها في صوته وهو يقول كلمته الأخيرة هذه. ~~لكنه أخبرها على أية حال. ~~- «سوف أعمل منادي حافلة، أعلن عن المحطات. حصلت على هذه الوظيفة حين هربت في ~~وقت احتفالات عيد الميلاد، لكنه جاء وأعادني، لكن بعد عيد ميلادي المقبل لن يستطيع أن ~~يفعل ذلك.» ~~- «قد لا يسعدك دوما الإعلان عن المحطات.» ~~- «لم لا؟ إنه مفيد جدا. إنها ضرورة دائمة، وبحسب ما أرى، ليس من الضرورة أن يكون ~~المرء عالم رياضيات.» # لزمت صوفيا الصمت. # قال: «لن أستطيع احترام نفسي، إذا أصبحت عالم رياضيات.» # كانا يصعدان إلى رصيف المحطة. ~~«كل ما أفعله هو حصد الجوائز وجمع المال عن أشياء لا يفهمها أي أحد ولا يهتم بها ولا ~~تقدم فائدة لأحد.» # ردت ms225 صوفيا: «شكرا لحملك الحقيبة عني.» # أعطته بعض المال مع أنه ليس بالقدر الذي كانت تنويه. أخذه بابتسامة عريضة مزعجة، ~~ولسان حاله يقول: تعتقدين أني سأكون أبيا؟ ثم شكرها بعجلة كما لو أن الأمر لم يكن ~~بإرادته. # راقبته بينما يذهب، مفكرة أنها لن تراه مرة ثانية أبدا على الأرجح. طفل أنيتا. ~~وعلى أية حال، كم كان يشبه أنيتا. كانت أنيتا تفسد كل تجمع عائلي على الطعام في ~~باليبينو بخطبها التوبيخية المتغطرسة. كانت أنيتا تذرع ممرات الحديقة ساخطة على ~~حياتها، ومؤمنة بمصيرها الذي سيأخذها إلى عالم جديد وعادل لا يعرف الرحمة. # ربما يغير يوري مساره؛ لا أحد يعرف. ربما حتى يولع بخالته صوفيا، مع أن ذلك لن ~~يحدث قبل أن يصل إلى عمرها الآن، وتكون هي قد ماتت منذ زمن بعيد. # 3 # وصلت صوفيا قبل موعد قطارها بنصف ساعة. أرادت أن تحتسي قدحا من الشاي، وتتناول قرص ~~استحلاب لحلقها، لكنها لم تستطع تحمل الانتظار في صف والتحدث بالفرنسية. مهما بلغ ~~نجاحك في تدبر الأمور حين تكون بصحة جيدة، فإن انخفاض معنوياتك أو إحساسك المسبق بالمرض ~~كافيان لتلوذ بالفرار إلى حمى لغتك الأم. جلست على مقعد وتركت رأسها يسقط. تستطيع أن ~~تنام للحظة. # امتدت اللحظة؛ مر خمس عشرة دقيقة بحسب ما تعلنه ساعة المحطة. تجمع حشد كبير ~~الآن، وكان هناك قدر كبير من الضجة حولها، ونشطت حركة عربات الحقائب. # بينما كانت تسرع الخطى إلى قطارها، رأت رجلا يرتدي قبعة من الفراء مثل تلك ~~التي يرتديها ماكسيم، رجلا ضخما في معطف داكن. لم تستطع أن ترى وجهه. كان يتحرك في ~~اتجاه بعيد عنها، لكن كتفيه العريضتين، ودماثته، بل وطريقته الحاسمة في شق طريقه، ~~ذكرتها بماكسيم بشدة. # مرت عربة مكدسة بالحقائب بينهما، واختفى الرجل. # بالطبع لا يمكن أن يكون ماكسيم. ما الذي يمكن أن يفعله في باريس؟ أي قطار أو موعد ~~يهرع إليه؟ بدأ قلبها يخفق في انزعاج بينما تتجه إلى قطارها ، ووجدت مقعدها إلى جانب ~~النافذة. كان من المنطقي أن في حياة ماكسيم نساء ms226 أخريات. كان هناك، على سبيل المثال، ~~المرأة التي لم يستطع أن يعرف صوفيا عليها، حين رفض أن يدعوها إلى بوليو. لكنها ~~اعتقدت أنه ليس نوع الرجل الذي يميل إلى التعقيدات الرخيصة؛ ناهيك عن نوبات ~~الغيرة ودموع النساء والفضائح. أشار في تلك الحادثة التي وقعت في البداية إلى أن لا ~~حقوق ولا قيود لها عليه. # هذا يعني أنه بات يعتبر أن لها حقا عليه الآن إلى حد ما، وقد يشعر بأن خداعه ~~إياها مهينا لكرامته. # وحين ظنت أنها رأته كانت قد استيقظت توا من نوم غير صحي وغير طبيعي؛ كانت ~~تهلوس. # راح القطار يغادر المحطة ببطء مطلقا صخبه وجلبته المعتادة. # لطالما أحبت باريس. لم تحب باريس في ظل حكم الكومونة؛ حيث كانت طوعا لأوامر ~~أنيتا المبهمة، بل أحبت باريس التي زارتها مؤخرا، في سنوات اكتمال نضجها، مع تعرفها ~~على علماء الرياضيات والمفكرين السياسيين. وقد أعلنت في كل مكان أنه لا ضجر أو تعالي ~~أو خداع في باريس. ~~••• # فقد منحوها جائزة بوردين، وقبلوا يدها، وقدموا لها الخطب والورود في أكثر الغرف ~~أناقة وسخاء في الإنارة. لكن حين تعلق الأمر بمنحها وظيفة، أغلقوا أبوابهم دونها. ~~لن تتجاوز رؤيتهم لهذه المسألة إلى أكثر من توظيف أنثى شمبانزي متعلمة. فضلت زوجات ~~العلماء العظماء ألا يقابلنها أو يدعونها إلى بيوتهن. # كانت الزوجات هن حراس المتاريس، الجيش العنيد غير المرئي. يهز الأزواج أكتافهم ~~بحزن بسبب الحظر المفروض عليهم، لكنهم يمتثلون في النهاية. كان الرجال أصحاب العقول ~~التي تشرذم المفاهيم القديمة لا يزالون خاضعين لسيطرة نساء لا يملأ عقولهن سوى ضرورة ~~ارتداء المشد الضيق وإرسال بطاقات الزيارات، والأحاديث التي تملأ حلقك بنوع من الضباب ~~المعطر. # لا بد أن تكف عن جلسات استحضار كل ما يثير استياءها. دعتها زوجات علماء استوكهولم إلى ~~بيوتهن، إلى أهم الحفلات وولائم العشاء الحميمية. أثنين عليها، وتباهين بها، ~~ورحبن بطفلتها. ربما كانت شاذة هناك، لكنهن وافقن على هذا الحضور الشاذ بينهن ؛ ~~شيء ما مثل ببغاء متعدد اللغات أو من هؤلاء الأطفال العباقرة الذين يستطيعون ms227 أن يقولوا ~~لك بدون تردد أو فترة تفكير واضحة إن تاريخا محددا في القرن الرابع عشر وافق يوم ~~ثلاثاء. # لا، لم يكن ذلك عادلا. كن يكنن الاحترام لإنجازاتها، وآمنت عديدات منهن أنه يجب ~~على مزيد من النساء أن يقمن بأعمال مثل هذه، وأنهن سيفعلن في يوم من الأيام. ~~لماذا إذن أصابها شيء من الضجر منهن، واشتاقت إلى السهرات المتأخرة والحديث المسرف. ~~لماذا أتعبت نفسها بالتفكير فيما إذا كن يرتدين ملابس أشبه بأردية زوجات القساوسة ~~البروتستانت أو ملابس تشبه ملابس الغجر؟ # كانت مصدومة؛ وكان ذلك بسبب جاكلارد ويوري، وتلك المرأة المحترمة التي لم تستطع ~~التعرف عليها، وحلقها المحتقن، وارتعاشها؛ بالتأكيد ستصيبها نزلة برد شديدة. # وعلى أية حال ستصبح هي نفسها زوجة؛ بل وزوجة لرجل غني وذكي، وعلاوة على ذلك، ~~متفوق. ~~••• # جاءت عربة الشاي، سيفيد هذا الشاي حلقها بالتأكيد، مع أنها تتمنى لو كان شايا ~~روسيا. بدأ المطر يتساقط بعد أن غادر القطار باريس بفترة قصيرة، وها هو المطر تحول ~~إلى ثلوج، ومثل كل روسي، كانت تفضل الثلج على المطر؛ تلك الحقول البيضاء على الأرض ~~الداكنة المبللة، وحين تثلج يعترف الجميع بالشتاء ويتخذون إجراءات شديدة لحفظ الدفء في ~~بيوتهم. تفكر في بيت فايرشتراس حيث ستنام الليلة. لن يسمح البروفيسور وأختاه لها ~~بالمبيت في فندق. # إن بيتهم مريح دائما بسجاجيده الداكنة وستائره المهدبة ومقاعده الوثيرة. تتبع الحياة ~~هناك طقسا؛ حياة مكرسة للدراسة، بل لدراسة الرياضيات على الأخص. عادة ما يمر طلاب ~~ذكور خجلون غير حسني الهندام بوجه عام، عبر غرفة الجلوس إلى غرفة المكتب واحدا بعد ~~الآخر. تحييهم أختا البروفيسور غير المتزوجتين بلطف بينما يمرون، لكنهما لا تنتظران ~~إجابة؛ فهما مشغولتان بالحياكة أو الرتق أو غزل البساط. إنهما تعرفان أن أخاهما ~~يتمتع بعقل رائع، وأنه رجل عظيم لكنهما تعرفان أنه يجب أن يتناول جرعة محددة من الخوخ ~~المجفف كل يوم؛ بسبب مهنته التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة، وأنه لا يستطيع أن يرتدي ~~حتى أنعم أنواع الصوف على جلده مباشرة لأنه يسبب له الحكاك، ms228 وأن مشاعره تتأذى حين ~~يخفق زميل في ذكره في مقال منشور (مع أنه يتظاهر بأنه لم يلاحظ ذلك، في حديثه وكتابته ~~على السواء؛ إذ يثني بدقة قصوى على الشخص ذاته الذي تجاهله). # أجفلت هاتان الأختان - كلارا وإليسا - في أول يوم دخلت فيه صوفيا إلى غرفة الجلوس في ~~طريقها إلى غرفة المكتب. لم تتدرب الخادمة التي سمحت لها بالدخول على أن تكون انتقائية؛ ~~ذلك أن أهل البيت لا يعملون على الإطلاق؛ ولأن الطلاب الذين يأتون غالبا ما يكونون ~~مجهولين ولا يحسنون التصرف؛ لهذا لم يطبق المنزل معايير أكثر المنازل احتراما. ومع ~~هذا، عكس صوت الخادمة ترددا من نوع ما، قبل أن تسمح لهذه المرأة الصغيرة بالدخول - ~~هذه المرأة التي تختفي ملامحها تقريبا تحت قلنسوة داكنة، وتتحرك في خوف مثل متسول ~~خجول. عجزت الأختان عن تحديد عمرها لكنهما استنتجا - بعد أن سمح لها بالدخول إلى ~~غرفة المكتب - أنها والدة الطلاب، أتت تساوم أو تتوسل بشأن أجر الدرس. # قالت كلارا التي كانت توقعاتها أكثر واقعية: «يا إلهي! قلنا، من لدينا هنا؛ هل تكون ~~تشارلوت كورداي؟» # كل هذا قيل لصوفيا فيما بعد حين أصبحت صديقتهما، وأضافت إليسا في جفاء: «لحسن الحظ لم ~~يكن أخونا في الحمام؛ إذ لم نكن نستطيع أن ننهض لنحميه ونحن ملفوفتان بكل هذه ~~الكوفيات.» # كانتا تغزلان كوفيات للجنود على الجبهة. كان ذلك عام 1870، قبل أن يقوم كل من صوفيا ~~وفلاديمير برحلة إلى باريس بقصد أن تكون رحلة دراسية. كانتا غارقتين في أبعاد أخرى، ~~قرون ماضية؛ ونادرا ما كانتا توليان أي اهتمام إلى العالم الذي عاشتا فيه، حتى ~~إنهما لم تسمعا عن حرب معاصرة. # ولم يكن فايرشتراس بأعلم من أختيه عن عمر صوفيا أو ما تفعله. قال لها بعد ذلك إنه ~~ظنها مربية أطفال مخادعة أرادت أن تستخدم اسمه بادعاء دراستها للرياضيات في أوراق ~~مؤهلاتها. كان يفكر أنه يجب أن يوبخ الخادمة وأختيه لأنهن سمحن لها باقتحام مكتبه ، لكنه ~~كان رجلا كيسا لطيفا؛ لذا فبدلا من أن يصرفها على الفور، أوضح ms229 لها أنه لا يقبل ~~إلا الطلاب المتقدمين علميا والحاصلين على درجات مميزة، وأنه في ذلك الوقت لديه منهم ~~العدد الذي يستطيع توليه. ثم تذكر - بينما ظلت واقفة، ترتجف أمامه، بتلك القلنسوة ~~السخيفة التي تخبئ وجهها، ويداها تقبضان على شالها بشدة - ذلك الأسلوب، أو الحيلة، الذي ~~استخدمه مرة أو مرتين من قبل لتثبيط همة طالب غير كفء. ~~«ما أستطيع فعله في حالتك هو أن أعطيك مجموعة من المعادلات وأطلب منك حلها وإعادتها ~~لي خلال أسبوع من الآن، وإذا نالت رضاي فسوف نتحدث مرة ثانية.» # كان قد نسي كل شيء عنها بعد أسبوع من ذلك اليوم؛ وبالطبع توقع ألا يراها مرة ~~ثانية أبدا. حين جاءت إلى غرفة مكتبه، لم يتعرف عليها؛ ربما لأنها خلعت المعطف الذي ~~كان يخفي جسدها النحيل، وربما لأنها شعرت بشجاعة أكبر أو ربما لأن الطقس قد تغير. لم ~~يتذكر القبعة - أختاه تذكرتاها - لكنه لا ينتبه كثيرا لأشياء من قبيل إكسسوارات ~~النساء. لكنها حين سحبت الأوراق من حقيبتها ووضعتها أمامه على المكتب، تذكر وتنهد ~~وارتدى نظارته. # كانت دهشته عظيمة - قال هذا فيما بعد أيضا - أن يرى أن كل المسائل قد حلت بطريقة ~~عبقرية تماما. لكنه ظل يشك فيها، ظانا حينئذ أن هذا العمل لا بد أنه لشخص آخر، أخ ~~أو حبيب مختبئ لأسباب سياسية. # فقال: «اجلسي! والآن اشرحي لي كلا من تلك الحلول، وكل خطوة اتخذتها في ~~حلها.» # بدأت تتكلم، منحنية إلى الأمام، وسقطت القبعة الخفيفة على عينيها، فخلعتها وتركتها ~~تقع على الأرض. انكشفت تموجات شعرها، وعيناها اللامعتان وشبابها وحماسها الذي يجعلها ~~ترتجف. # قال: «نعم، نعم، نعم، نعم.» تكلم باهتمام متثاقل؛ إذ خبأ بقدر ما يستطيع اندهاشه ~~القوي، خاصة إزاء الحلول التي حادت بأقصى ما يكون من عبقرية عن حلوله. # كانت صدمة بالنسبة له من عدة نواح. كانت ضئيلة الحجم وصغيرة السن وبالغة الحماس. شعر ~~أنه يجب أن يهدئ من روعها، ويتعامل معها بعناية، ويعلمها كيف تتعامل مع حالاتها ~~المزاجية الحادة. # طوال حياته، كان يقول هذا بصعوبة - كما اعترف ms230 - لأنه يحذر دائما من الحماس المفرط؛ ~~طوال حياته كان ينتظر طالبا مثلها يدخل إلى غرفته، طالبا يتحداه تماما، وليس قادرا ~~فحسب على اتباع محاولات عقل أستاذه، بل ربما يحلق إلى آفاق أبعد. كان عليه أن ~~يكون حريصا في قول ما يؤمن به حقا؛ هناك شيء ما شبيه بالحدس في العقل الرياضياتي ~~الممتاز، شعلة مضيئة تكشف الغطاء عما كان هناك منذ الأزل. بالطبع لا بد أن يكون حازما ~~ودقيقا، لكن على الشاعر العظيم أن يكون هكذا أيضا. # حين حمل نفسه أخيرا على إخبار صوفيا، قال لها إن هناك من سيشعرون بالإهانة لربط ~~الشعر بالعلوم الرياضياتية، وقال إن آخرين سوف يهاجمون الفكرة بسهولة شديدة للدفاع عن ~~تشوش تفكيرهم وتهلهله. ~~••• # وكما توقعت، كانت طبقات الجليد تزداد سمكا خارج نوافذ القطار بينما يتوجهون شرقا. ~~كانت في قطار الدرجة الثانية؛ لذا كان متقشفا تماما مقارنة بالقطار الذي استقلته من ~~مدينة كان. لم يكن به عربة طعام، بل كعك بارد - البعض منه محشو بنقانق حارة متنوعة ~~- قدمته عربة الشاي. اشترت كعكة محشوة بالجبن في نصف حجم حذاء طويل الرقبة، واعتقدت ~~أنها لن تنهيها أبدا، لكنها فعلت، ثم أخرجت مجلدها الصغير لأعمال هاينريش هاينه؛ ~~لمساعدة عقلها على إخراج الألمانية إلى سطحه. # وفي كل مرة كانت ترفع عينيها إلى النافذة يبدو لها أن الثلج يسقط بكثافة أكبر، وفي ~~بعض الأحيان، يبطئ القطار، بل يكاد يتوقف. سيكونون محظوظين مع هذه السرعة لو وصلوا إلى ~~برلين مع منتصف الليل. تمنت لو أنها لم تسمح بإثنائها عن فكرة المبيت في فندق، بدلا ~~من المبيت في البيت الواقع في شارع بوتسدام. ~~«سوف تقدمين لكارل المسكين صنيعا كبيرا بأن تقضي فقط ليلة واحدة تحت السقف نفسه. ~~لا يزال يراك الفتاة الصغيرة الواقفة على أعتاب منزلنا، بالرغم من تقديره إنجازاتك ~~تقديرا عظيما وفخره بنجاحك العظيم.» ~~••• # كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل حين ضغطت على زر الجرس. جاءت كلارا، متدثرة بوشاحها؛ ~~إذ كانت صرفت الخادمة لتنام، وقالت لصوفيا بصوت نصف هامس إن أخاها استيقظ على ms231 ضجة ~~التاكسي، فذهبت إليه إليسا تهدئه وتطمئنه أنه سيرى صوفيا في الصباح. # بدت كلمة «تهدأ» شؤما لصوفيا. لم تذكر رسائل الأختين أكثر من بعض الإرهاق، ولم ~~تحتو رسائل فايرشتراس الخاصة أخبارا شخصية، بل ضجت بالكلام عن بوانكاريه وواجبه ~~(أي فايرشتراس) نحو الرياضيات بأن يجعل المسائل أوضح لملك السويد. # وإذ تسمع الآن صوت المرأة العجوز يتهدج قليلا في ورع أو خوف وهي تذكر أخاها؛ وإذ ~~تشم روائح هذا البيت - التي كانت يوما مألوفة لها ومطمئنة، لكنها الليلة عتيقة وقابضة ~~- شعرت صوفيا أن الممازحة لن تكون ملائمة كثيرا كما كانت من قبل، وأنها لم تجلب معها ~~هواء باردا نقيا فقط، بل شيئا من الجلبة المفعمة بالنجاح وحالة نشاط محموم لم ~~تكن واعية بهما تماما، وربما كان ذلك مهيبا ومزعجا؛ فهي التي اعتادت أن تلقى ~~استقبالا بالأحضان والسعادة البالغة (فكانت إحدى الصفات التي أدهشتها في الأختين مدى ~~قدرتهما على أن تكونا ظريفتين بينما تراعيان القواعد التقليدية)، استقبلت بالأحضان هذه ~~المرة أيضا، لكنها أحضان بأذرع عجوز مرتعشة صاحبتها دموع تلتمع في عيونهما ~~المطفأة. # لكن كان هناك ماء دافئ في غرفتها، وكان هناك خبز وزبد على مائدتها الليلية. # استطاعت أن تسمع همسا محتدا خفيضا يأتي من الصالة العلوية بينما تغير ملابسها. ~~لعله كان عن حالة الأخ أو عنها أو عن عدم تغطية الخبز والزبد، وعدم ملاحظة ذلك حتى ~~أرشدتها كلارا إلى غرفتها. ~~••• # حين كانت صوفيا تعمل مع فايرشتراس، كانت تقيم معظم الوقت في شقة معتمة صغيرة مع ~~صديقتها جوليا التي كانت تدرس الكيمياء. لم تذهبا إلى حفلات موسيقية أو مسرحيات؛ إذ ~~كانت أموالهما محدودة وكانت دراستهما مستولية عليهما تماما. عملت جوليا في معمل خاص ~~حيث حصلت على مميزات من الصعب على امرأة أن تحصل عليها. وقضت صوفيا الأيام، فيوما بعد ~~يوم تجلس إلى مائدة عملها، وأحيانا لم تكن تقوم عن كرسيها إلا عند ضرورة إضاءة ~~المصباح؛ حينئذ تشد عضلاتها وتمشي، مسرعة الخطى ، عبر الشقة - مسافة قصيرة كافية - ~~وأحيانا ما تجري وتتحدث بصوت مرتفع، وتنفجر في ms232 حالة من اللامنطقية؛ حتى إن أي شخص لا ~~يعرفها جيدا مثلما تعرفها جوليا كان سيشك في قواها العقلية. # كان تفكير فايرشتراس وتفكيرها مشغولين بالدوال الإهليجية والأبيلية، ونظرية ~~الدوال التحليلية التي يرتكن تمثيلها إلى أنها متسلسلة لا نهائية. إن النظرية التي ~~سميت باسمه تزعم أن كل متتابعة لا نهائية محددة من الأرقام الحقيقية لها ~~متسلسلة متقاربة. وفي ذلك، حذت حذوه ثم تحدته فيما بعد، بل وسبقته في ~~وقت من الأوقات، وهكذا تقدما من أستاذ وتلميذ إلى زميلين في علم الرياضيات؛ كانت هي ~~المحفز لأبحاثه، لكن هذه العلاقة أخذت وقتا للتطور، وفي عشاء أيام الآحاد - التي كانت ~~تدعى إليها بالفعل لأنه كرس لها وقت ما بعد الظهيرة من كل يوم أحد - كانت تبدو ~~وكأنها شابة من أقربائهم، تلميذة أو مريدة متحمسة. # وحين جاءت جوليا، دعيت أيضا؛ أكلت الفتاتان لحما مقددا وبطاطا مخفوقة وبودنج ~~لذيذا خفيفا قلب أفكارهما عن الطهي الألماني رأسا على عقب. بعد الفراغ من الطعام، ~~جلسوا جميعا حول النار واستمعن إلى إليسا التي راحت تقرأ بصوت جهوري. قرأت بعضا من ~~قصص الكاتب السويسري كونراد فرديناند ماير بحماس كبير وصوت تعبيري. كان الأدب هو المتعة ~~الأسبوعية بعد كل ما يقمن به من الحياكة والرتق. # في أعياد الميلاد، أحضروا شجرة لصوفيا وجوليا، مع أن آل فايرشتراس أنفسهم لم يهتموا ~~لسنوات لشراء واحدة لأنفسهم. كان هناك بونبون في ورق لامع وكعكة فواكه وتفاح مشوي؛ كل ~~ذلك للطفلتين، حسبما قالوا. # لكن سرعان ما وقعت مفاجأة مزعجة. ~~••• # كانت المفاجأة أن صوفيا - التي بدت أيقونة للشابة الخجولة عديمة الخبرة - يجب أن ~~تتزوج. في الأسابيع الأولى من دروسها، قبل أن تصل جوليا، كانت تستقل سيارة مع شاب في ~~إحدى ليالي الأحد من أمام بيتهم، لم تعرف عائلة فايرشتراس عليه؛ مما دفع بالعائلة ~~إلى الاعتقاد أنه خادم. كان طويلا، يخلو وجهه من أي جاذبية، له لحية خفيفة حمراء وأنف ~~ضخم وملابس غير مهندمة. في الحقيقة ، لو كانت لآل فايرشتراس خبرة أكبر بالحياة، لأدركوا ~~أن عائلة نبيلة محترمة - لأنهم ms233 علموا أن عائلة صوفيا من هذا النوع من العائلات - لم تكن ~~لتعين خادما أشعث مثل هذا، ومن ثم كانوا سيدركون أنه صديق. # ثم جاءت جوليا واختفى الشاب. # لم تصرح صوفيا عن المعلومات إلا بعد مرور فترة من الوقت؛ أخبرتهم أن اسمه فلاديمير ~~كوفالفسكي، وأنها تزوجته. كان يدرس في فيينا وباريس مع أنه حاصل على شهادة جامعية في ~~الحقوق، وكان يحاول أن يشق طريقه كناشر في روسيا، وكان يكبر صوفيا بعدة سنوات. # الأمر الآخر المثير لذات القدر من الدهشة تقريبا هو أن صوفيا صرحت لفايرشتراس، وليس ~~للأختين، بهذه الأخبار؛ فمن ناحية إدارة البيت، كانت الأختان هما من تتعاملان مع بعض ~~أوجه الحياة؛ وإن كان عبر حيوات خدمتهما، وقراءة بعض الروايات المعاصرة ليس إلا. لكن ~~صوفيا لم تكن الابنة المفضلة لدى أمها أو مربيتها، ولم تلق مفاوضاتها مع الجنرال ~~النجاح دائما، لكنها كانت تكن له الاحترام، وظنت أنه أيضا كان يبادلها هذا ~~الاحترام؛ لهذا كان فايرشتراس، رجل البيت، هو من اتجهت إليه بثقة كبيرة. # أدركت أنه لا بد أن فايرشتراس شعر بالإحراج؛ ليس حين كانت تتحدث إليه، بل حين ~~اضطر أن يخبر أختيه، فالأمر لم يكن يقتصر على خبر زواج صوفيا؛ ذلك أنها كانت ~~متزوجة زواجا صحيحا وقانونيا، لكنه كان زواجا غير مكتمل - شيء لم يسمع عنه قط، ~~ولا حتى أختاه. زوج وزوجة؛ لا يعيشان معا في المكان نفسه، بل لم يعيشا معا على ~~الإطلاق، لم يتزوجا للأسباب الكونية المعروفة للزواج، بل كانا مقيدين بوعدهما السري ألا ~~يعيشا أبدا بهذه الطريقة؛ ألا ... ~~«يقيما علاقة زوجية مكتملة؟» ربما كلارا هي التي قالت هذا، بعجل، بل وبضجر، لتجاوز ~~اللحظة. # نعم، والشباب - أو الشابات على وجه التحديد - الذين يريدون الدراسة في الخارج ~~يجبرون على اقتراف هذه الخديعة؛ لأنه محظور على الفتيات الروسيات مغادرة البلاد دون ~~موافقة والديهن. كان والدا جوليا متنورين بما يكفي ليسمحا لها بالذهاب، لكن ~~ليس هذا هو حال والدي صوفيا. # يا له من قانون همجي! # نعم، هؤلاء هم الروس. لكن بعض النساء ms234 التففن على ذلك بمساعدة شباب في منتهى ~~المثالية والتعاطف، ربما يكونون أناركيين كذلك، من يعرف؟ # كانت أخت صوفيا الكبرى هي من عثرت على واحد من هؤلاء الشباب، ورتبت مع صديق من ~~أصدقائها لقاء معه. ربما كانت أسبابهم سياسية أكثر منها فكرية. الله وحده يعلم الأسباب ~~التي جعلتهم يصطحبون صوفيا معهم؛ فهي لم تكن تميل إلى السياسة ولا تعتقد أنها مستعدة ~~لمغامرة من هذا النوع. تجاهل الشاب الأختين الكبريين - لم تستطع الأخت المدعوة بأنيتا ~~أن تخفي جمالها وراء جدار الجدية - وقال: لا، لا، لا أرغب أن أبرم هذا العقد مع ~~أي من السيدتين الشابتين الموقرتين، لكني أوافق على أن أفعل هذا مع أختكما ~~الصغرى. ~~«ربما أعتقد أن الأختين الكبريين يمكن أن تكونا مثيرتين للمشكلات» ربما إليسا هي من ~~قالت هذا، بخبرتها مع الروايات؛ «خاصة بسبب الجمال؛ لذا وقع في غرام صغيرتنا ~~صوفيا.» # لا ينبغي أن يدخل الحب في هذا، ربما كانت كلارا هي من ذكرت ذلك. # تقبل صوفيا طلب الزواج. يزور فلاديمير الجنرال؛ ليطلب يد ابنته الصغرى للزواج. ~~الجنرال مهذب، ويدرك أن الشاب ينحدر من عائلة طيبة، مع أنه لم يحقق كثيرا من الإنجازات ~~حتى الآن في العالم. يقول، لكن صوفيا صغيرة جدا. هل تعرف حتى نواياك؟ # وافقت صوفيا، وقالت إنها تحبه. # قال الجنرال: إنهما لا يجب أن يتصرفا بناء على مشاعرهما فورا، بل لا بد أن يقضيا ~~بعض الوقت؛ بعض الوقت الكثير جدا، حتى يتعارفا في باليبينو (كانوا في بيترسبرج ~~حاليا). # كانت الأمور راكدة. لن يترك فلاديمير انطباعا جيدا أبدا. لم يحاول جاهدا بما يكفي ~~لكي يخفي آراءه الراديكالية، ولم يكن يحسن انتقاء ملابسه. كان الجنرال واثقا أن ~~صوفيا سوف تخبو رغبتها في الزواج من هذا الخاطب كلما عرفته أكثر. # من ناحية أخرى، كان لدى صوفيا خططها الخاصة. # جاء يوم كانت عائلتها تقيم فيه حفل عشاء مهم، وكان المدعوون إلى الحفل دبلوماسيين ~~وأساتذة جامعيين ورفاقا عسكريين للجنرال من الكلية العسكرية. استطاعت صوفيا وسط كل هذا ~~الهرج أن تهرب. # خرجت وحيدة ms235 إلى شوارع بيترسبرج؛ حيث لم يسبق لها أن سارت دون خادم أو دون أختيها. ~~ذهبت إلى محل إقامة فلاديمير في دائرة من المدينة يسكنها طلاب فقراء. انفتح لها الباب ~~فورا، وما إن دخلت وجلست، حتى خطت رسالة إلى والدها: ~~«أبي العزيز، ذهبت إلى فلاديمير وسوف أبقى هنا. أتوسل إليك ألا تعارض زواجنا أكثر ~~من هذا.» # كان الجميع جالسين إلى المائدة قبل أن ينتبه أحد إلى غياب صوفيا. وجد أحد الخدم ~~غرفتها خالية. سئلت أنيتا عن أختها، فاحمر وجهها وهي تجيب بأنها لا تعرف أي شيء، ~~ولكي تخفي وجهها أسقطت منديلها. # تسلم الجنرال رسالة، استأذن وخرج من الغرفة، وسرعان ما سمع كل من صوفيا وفلاديمير ~~خطواته الغاضبة خارج بابهما. أخبر ابنته، التي عرضت نفسها للفضيحة، والرجل، الذي ~~كانت على استعداد أن تخسر سمعتها من أجله، أن يأتيا معه على الفور. ركبوا جميعا ~~متوجهين إلى البيت، ثلاثتهم بدون كلمة، وعلى مائدة العشاء قال: «اسمحوا لي أن أقدم ~~لكم زوج ابنتي المستقبلي فلاديمير كوفالفسكي.» # وهكذا تم الزواج. كانت صوفيا تشعر بسعادة بالغة، ليس لأنها تزوجت من فلاديمير ~~فعليا، بل لأنها أسعدت أنيتا بتعزيز قضية تحرير النساء الروسيات. عقد زواج تقليدي ~~ورائع في باليبينو، وانطلق العروسان للعيش تحت سقف واحد في بيترسبرج. # وما إن اتضح طريقهما، حتى سافرا ولم يعودا يعيشان تحت سقف واحد. سافرت صوفيا من ~~هايدلبرج ومنها إلى برلين، وسافر فلاديمير إلى ميونخ. كان يزور هايدلبرج كلما استطاع، ~~لكن بعد أن انضمت أنيتا وصديقتها زانا وجوليا إليها - كانت النساء الأربع تحت حمايته ~~صوريا - ولم تعد هناك مساحة كافية له. # لم يكشف فايرشتراس للنساء أنه كان يتبادل الرسائل مع زوجة الجنرال. كتب لها حين عادت ~~صوفيا من سويسرا (من باريس في الواقع) مرهقة وضعيفة؛ فشعر بالقلق على صحتها. ردت ~~المرأة برسالة، مخبرة إياه أن الأجواء في باريس هي التي سببت لابنتها تلك الحالة، لكنها ~~لم تبد منزعجة من الفوران السياسي الذي عاشته ابنتها بقدر انزعاجها من ~~اكتشافها أن ابنتها العزباء تعيش علنا مع ms236 رجل، والأخرى المتزوجة لا تعيش فعليا مع ~~زوجها على الإطلاق. وهكذا أصبح - رغما عن إرادته نسبيا - محل ثقة الأم قبل حتى أن ~~يصبح محل ثقة للابنة، وفعليا لم يخبر صوفيا أي شيء عن هذا حتى توفيت الأم. # لكن حين أخبرها أخيرا، قال لها كذلك إن كلارا وإليسا سألتاه فورا عما ينبغي ~~فعله. # كما قال إنه يبدو أن من عادة النساء أن يفترضن أنه ينبغي أن يفعل شيئا ما. # ومن ثم أجاب بحدة بالغة: «لا شيء.» ~~••• # في الصباح، أخذت صوفيا من حقيبتها فستانا نظيفا مجعدا - فهي لم تتعلم قط كيفية ~~ترتيب حقيبتها - ومشطت شعرها المجعد بقدر ما تستطيع؛ لتخفي بعض الخصلات ~~الرمادية، ونزلت درجات السلم على صوت جلبة الأعمال المنزلية التي بدأت فعليا. كان ~~مكانها على مائدة الطعام هو الوحيد الذي لا يزال مرتبا. أحضرت إليسا القهوة وأول فطور ~~ألماني تتناوله صوفيا في هذا المنزل؛ شريحة من اللحم البارد وجبن وخبز مدهون بطبقة ~~سميكة من الزبد. قالت إن كلارا في الدور العلوي تجهز أخاها ليلتقي صوفيا. # قالت إليسا: «في البداية كنا نحضر الحلاق إلى هنا، لكن كلارا تعلمت فيما بعد أن تفعل ~~هذا جيدا؛ اتضح أنها الشخص الذي يتمتع بمهارات الممرضة؛ إن المرأة المحظوظة هي التي ~~تتمتع بمواصفات الممرضة.» # حتى قبل أن تقول هذا، شعرت صوفيا أنهم يمرون بضائقة مالية. باتت طبقة داكنة على ~~الستائر المصنوعة من القماش الدمقسي والستائر الشبكية تعلوها طبقة من الغبار، ~~ومرت مدة طويلة على آخر مرة شحذت فيها السكين الفضي، وصقلت الشوكة الفضية ~~اللتين استخدمتهما. عبر الباب المفتوح الذي يؤدي إلى غرفة الجلوس، رأت فتاة شابة خشنة ~~المظهر؛ خادمتهم الحالية، تنظف المدفأة وتثير سحبا من الغبار. نظرت إليسا إليها كما ~~لو أنها تطلب منها أن تغلق الباب، ثم نهضت وفعلت هذا بنفسها. عادت إلى المائدة بوجه ~~محمر وكئيب، وسألت صوفيا بتسرع - وإن كان بلهجة تخلو من التأدب نسبيا - عن مرض ~~السيد فايرشتراس. # قالت إليسا خافضة صوتها لكن بالصراحة التي تعرف بها المرأة الألمانية: «قلبه الضعيف ~~من ms237 ناحية، والالتهاب الرئوي الذي أصابه في الخريف الذي لا يستطيع أن يتجاوزه على ~~ما يبدو، كما أن لديه تورما في أعضائه التناسلية.» # ظهرت كلارا على الباب. # قالت: «إنه ينتظرك.» # صعدت صوفيا السلالم لا تفكر في الأستاذ، بل في الأختين اللتين جعلتا منه محور ~~حياتيهما. غزل الكوفيات، ورتق الشراشف، وإعداد البودنج والمربى؛ تلك ~~الأعمال التي لم تثقا في أن تعهدا بها إلى خادمة قط. احترام الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية مثل أخيهما - دين بارد ممل في رأي صوفيا - وكل هذا بدون لحظة تمرد كما ترى، ~~أو أي طرفة عين تنم عن الاستياء. # كانت ستفقد عقلها، لو كانت مكانهما. # فكرت في نفسها؛ يمكن أن تجن حتى لو كانت أستاذة جامعية. يمتلك الطلاب عقولا عادية ~~عموما، لا تؤثر فيها إلا النماذج الواضحة العادية. # لم تكن تجرؤ على الاعتراف بهذا لنفسها قبل أن تقابل ماكسيم. # دخلت الغرفة تبتسم لحسن حظها، ولحريتها المرتقبة، ولزوجها المستقبلي. # قال فايرشتراس: «آه، ها أنت هنا أخيرا.» كان فايرشتراس يتحدث بصوت خفيض ومرهق نوعا ~~ما؛ «ها هي الطفلة الشقية، اعتقدنا أنها هجرتنا. هل أنت في طريقك إلى باريس مرة ثانية؛ ~~لترفهي عن نفسك؟» ~~- «أنا في طريق عودتي من باريس، عائدة إلى استوكهولم. لم تكن رحلتي لباريس من أجل ~~الترفيه إطلاقا بل كانت في منتهى الكآبة.» أعطته يديها ليقبلهما الواحدة بعد ~~الأخرى. ~~- «هل أختك أنيتا مريضة إذن؟» ~~- «أنيتا قد توفيت أستاذي الحبيب.» ~~- «هل توفيت في السجن؟» ~~- «لا، لا. كان هذا منذ فترة طويلة. لم تكن في السجن حينئذ. زوجها هو من كان في ~~السجن. ماتت من الالتهاب الرئوي لكنها عانت فترة طويلة من عدة نواح أخرى.» ~~- «أوه، الالتهاب الرئوي، أصبت به أيضا، لا يزال هذا الأمر يحزنك.» ~~- «لن يشفى قلبي أبدا، لكن لدي خبر جيد أخبرك به، خبر سعيد؛ سوف أتزوج في ~~الربيع.» ~~- «هل حصلت على الطلاق من الجيولوجي؟ لا عجب في ذلك، كان يجب أن تفعلي هذا منذ فترة ~~طويلة، ومع ذلك فالطلاق أمر مزعج.» ~~- «لقد توفي هو الآخر، وكان متخصصا في ms238 الحفريات، إنه علم جديد، شيق جدا، ~~يكتشفون أشياء ويتعلمونها من الحفريات.» ~~- «نعم، أتذكر الآن، سمعت عن هذا العلم. مات شابا إذن. لم أكن أريده أن يكون ~~عائقا في طريقك، لكني لم أرغب في موته حقا. هل مرض فترة طويلة؟» ~~- «تستطيع أن تقول هذا، تتذكر بالتأكيد كيف تركته، وأنك أوصيت ميتاج ليفلر ~~بي؟» ~~- «في استوكهولم، أليس كذلك؟ تركته. حسنا، كان لا بد من ذلك.» ~~- «نعم، لكنه انتهى الآن وسوف أتزوج رجلا يحمل اسم عائلتي، لكننا لسنا أقارب من ~~الدرجة الأولى؛ وهو نوع مختلف تماما من الرجال.» ~~- «روسي إذن؟ هل يدرس الحفريات أيضا؟» ~~- «إطلاقا، إنه أستاذ قانون، إنه نشيط وظريف جدا، إلا حينما يكون مكتئبا، سوف ~~أحضره ليراك، وسوف ترين بنفسك.» # قال فايرشتراس في أسف: «يسعدنا أن نستضيفه، سيضع هذا نهاية لعملك.» ~~- «إطلاقا، إطلاقا؛ إنه لا يريد ذلك، لكني لن أدرس بعد ذلك؛ سوف أكون حرة، وسوف ~~أعيش في جو مبهج في جنوب فرنسا، وسأكون في صحة جيدة هناك طول الوقت، وأنجز قدرا من ~~العمل يفوق ما أنجزه الآن.» ~~- «سنرى!» ~~- «حبيبي؛ إني آمرك، آمرك أن تسعد من أجلي.» # قال: «لا بد أني أبدو طاعنا في السن، وعشت حياة رزينة. لا أتمتع بجوانب عديدة في ~~طبيعتي مثلك. لقد اندهشت من أنك تكتبين روايات أيضا.» ~~- «لكنك لم تحب الفكرة.» ~~- «مخطئة. لقد أحببت مذكراتك، واستمتعت بقراءتها.» ~~- «ذلك الكتاب ليس رواية بالمعنى الفعلي. لن تحب الكتاب الذي كتبته الآن؛ أحيانا حتى ~~أنا نفسي لا أحبه. إن أحداثه تدور بالكامل حول فتاة تهتم بالسياسة أكثر مما تهتم بالحب. ~~لا يهم، لن تضطر إلى قراءته. سوف تمنع الرقابة الروسية نشره، ولن يريده العالم في ~~الخارج لأنه يتناول شأنا روسيا صرفا.» ~~«أنا لست مغرما بالروايات بوجه عام.» ~~- «أتعتبرها موجهة للنساء فحسب؟» ~~«حقا أنسى أحيانا أنك امرأة. أعتبرك ... أعتبرك ...» ~~- «ماذا تعتبرني؟» ~~- «أعتبرك هدية لي، هدية لي وحدي.» # انحنت صوفيا وقبلت جبينه الأبيض. حبست دموعها حتى ودعت الأختين وغادرت ~~المنزل. # فكرت أنها لن تراه مرة ثانية. # فكرت في وجهه الأبيض بياض ms239 الوسائد المنشاة التي لا بد أن كلارا وضعتها خلف رأسه هذا ~~الصباح فقط. لعلها أبعدتها فعليا؛ لتسمح له بأن يرقد على الوسادة التي تحتها، الأنعم ~~والأكثر رثاثة. لعله نام على الفور تعبا من حوارهما. سيفكر أن ذلك ربما كان آخر لقاء ~~بينهما، وسيعرف أن الفكرة خطرت في بالها أيضا، لكنه لن يعرف. كان ذلك مثار مشاعر الخزي ~~لديها، كان ذلك سرها. كم شعرت بأنها خفيفة وحرة، وكانت تشعر في ذلك الحين - بالرغم من ~~دموعها - بمزيد من الحرية مع كل خطوة تخطوها بعيدا عن هذا المنزل. # فكرت فيما إذا كان التفكر في حياته سيكون أكثر إرضاء من تأمل حياة أختيه؟ # لن يبقى اسمه مترددا في الكتب الدراسية وفي أوساط الرياضيين سوى لفترة وجيزة. كان ~~يمكن أن يدوم طويلا لو أنه كان أكثر تحمسا لترسيخ سمعته، والبقاء في مقدمة دائرة ~~النخبة المجتهدة. أولى لعمله عناية أكبر مما أولى لاسمه، في الوقت الذي أولى فيه ~~العديد من زملائه العناية لكليهما على السواء. ~~••• # كان يجب ألا تذكر كتابتها؛ إنها في نظره ليست سوى ضرب من العبث. كتبت ذكرياتها عن ~~حياتها في باليبينو في إشراقة حب لكل شيء فقدته؛ لأشياء فقدت فيها الأمل يوما، وأشياء ~~كانت عزيزة عليها يوما. كتبتها بعيدا عن وطنها في وقت ضاع فيه الوطن حاملا معه ~~أختها. وخرجت رواية «فتاة عدمية» من رحم الألم على بلدها؛ نوبة وطنية وربما شعور ~~بأنها لم تعط ما يكفي من الانتباه لها مع دراستها للرياضيات واضطرابات ~~الحياة. # نعم، كانت متألمة على بلدها؛ لكنها من ناحية ما كتبت هذه القصة تكريما لذكرى ~~أنيتا. كانت قصة امرأة شابة تخلت عن كل احتمالية لعيش حياة طبيعية من أجل أن تتزوج ~~من سجين سياسي نفي إلى سيبريا. بتلك الطريقة ضمنت أن تصبح حياته وعقوبته مخففة ~~إلى حد ما - كأن ينفى إلى جنوب سيبريا بدلا من شمال سيبريا - حسبما كانت تنص القاعدة ~~الخاصة بالرجال الذين تصاحبهم زوجاتهم . ستلقى القصة استحسان هؤلاء الروس المنفيين الذين ~~قد ينجحون في قراءة مخطوطة الرواية؛ ms240 بل يكفي أن يحظر نشر الكتاب في روسيا لكي يتولد ~~هذا الاستحسان بين صفوف المنفيين السياسيين كما تعرف صوفيا جيدا. كانت أكثر فرحة ب ~~«الأخوات رايفسكي» - المذكرات - مع أن الرقابة أجازته ورفضه بعض النقاد باعتباره يعكس ~~حالة نوستالجيا. # 4 # خذلت فايرشتراس مرة من قبل، خذلته حين حققت نجاحا مبكرا. هذا حقيقي، مع أنه لم ~~يذكره قط. أدارت ظهرها له وللرياضيات معا؛ لم ترد حتى على رسائله. عادت إلى ~~وطنها في باليبينو في صيف 1874 منتصرة، بشهادتها الجامعية المحفوظة في حقيبة مخملية، ثم ~~خزنتها بعد ذلك في صندوق لتظل هناك منسية لشهور، أو سنوات. # أسكرتها رائحة حقول القش وغابات الصنوبر وأيام الصيف الحارة التي صبغها ضوء ~~الشمس باللون الذهبي، والأمسيات المضيئة الطويلة في شمال روسيا. كانت هناك النزهات ~~الخلوية وألعاب الهواة، وحفلات الرقص وأعياد الميلاد والترحيب بأصدقاء قدامى ووجود ~~أنيتا، التي كانت سعيدة بابنها ذي العام الواحد. كان فلاديمير موجودا كذلك، وفي الجو ~~الصيفي السهل مع الدفء والنبيذ وولائم العشاء الطويلة المفعمة بالبهجة والرقص والغناء، ~~كان من الطبيعي أن تسلم إليه، وأن تتحقق بعد كل هذا الوقت من أنه ليس زوجها فقط، بل ~~حبيبها. # لم يحدث هذا لأنها وقعت في غرامه. كانت تشعر بالامتنان له، وأقنعت نفسها بأن شعورا ~~مثل الحب لا يحدث في الحياة الواقعية. اعتقدت أن موافقتها على ما أراد سوف تسعدهما على ~~السواء، وقد كان ذلك لمدة من الزمن. # في الخريف ذهبوا إلى بيترسبرج، واستمرت حياة المتعة الكبيرة؛ ولائم غداء وألعاب ~~وحفلات استقبال، وكل الصحف والدوريات التي يمكن قراءتها، التافهة منها والجادة. توسل ~~فايرشتراس لصوفيا في رسالة ألا تهجر عالم الرياضيات. حرص على نشر أطروحتها في ~~دورية كرل للرياضيات. بالكاد نظرت إليها. طلب منها أن تقضي أسبوعا - مجرد أسبوع - ~~في صقل عملها عن حلقات زحل؛ حتى يمكن نشره كذلك. لم تتكبد العناء. كانت مشغولة جدا، ~~كانت منخرطة في احتفال دائم إلى حد ما. احتفال بالأعياد الدينية وحفلات البلاط ~~الإمبراطوري والأوبرا الجديدة وعروض الباليه، لكن كل ذلك في الواقع ms241 يبدو احتفالا ~~بالحياة نفسها. # كانت تتعلم، متأخرا جدا، ما يبدو أن عديدا من الناس حولها يعرفونه منذ طفولتهم؛ ~~يمكن أن تكون الحياة مرضية لأقصى حد دون إنجازات كبرى، يمكن أن تكون مفعمة بانشغالات ~~لا ترهقك حتى النخاع. بعد أن تحصل على ما تحتاج إليه من أجل عيش حياة كاملة مريحة، ~~ثم تأسيس حياة اجتماعية وعامة مليئة بالمتعة، يقيك ذلك الشعور بالملل أو الكسل، وفي ~~النهاية ستشعر أنك فعلت كل ما يرضي الجميع؛ فلا مجال للألم. # باستثناء مسألة الحصول على المال. # أنعش فلاديمير عمله في النشر. استعارا المال من أينما استطاعا، ولم يمر وقت طويل ~~قبل أن يتوفى والدا صوفيا، فاستثمرت إرثها في بناء حمامات ملحقة بصوبات زراعية ~~ومخبز ومغسلة تنظيف ملابس بالبخار. كانت لديهما مشاريع عظيمة؛ لكن حدث أن الطقس ~~في بيترسبرج صار أبرد من المعتاد ولم تعد حمامات البخار تغري الناس. غشهم ~~البناءون وأناس آخرون، وأصبحت السوق غير مستقرة، وعوضا عن أن يتدبرا أساسا ~~قويا لحياتهما، راحا يغوصان أعمق وأعمق في الديون. # وحين تصرفا مثل كل زوجين، أثمرت علاقتهما ثمرة غالية. أنجبت صوفيا طفلة. ~~سميت الرضيعة على اسم والدتها لكنهم نادوها بفوفو. كان لدى فوفو ممرضة ومرضعة ~~وجناحها الخاص. وظفت العائلة طاهيا وخادمة أيضا. اشترى فلاديمير ملابس جديدة أنيقة ~~لصوفيا وهدايا رائعة لابنته. حصل على شهادته الجامعية من جينا، ونجح في أن يصبح مساعد ~~أستاذ في بيترسبرج، لكن ذلك لم يعد كافيا. كانت دار النشر تنهار تقريبا. # ثم اغتيل القيصر وأصبح الجو السياسي مضطربا، وعاش فلاديمير فترة من السوداوية ~~العميقة فلم يكن يستطيع العمل أو التفكير. # عرف فايرشتراس بموت والدي صوفيا، ولكي يخفف من حزنها قليلا، كما قال، أرسل إليها ~~معلومات عن نظامه الجديد الممتاز في التكامل، ولكن عوضا عن الرجوع إلى الرياضيات ~~توجهت إلى كتابة النقد المسرحي والمقالات العلمية المبسطة للصحف. كان ذلك توظيفا ~~لموهبة أكثر تجارية وأقل إزعاجا للآخرين أو إرهاقا لها مثل الرياضيات. # انتقلت عائلة كوفالفسكي إلى موسكو، آملة في أن يتغير حظها. # تعافى فلاديمير، لكنه ms242 لم يشعر بالقدرة الكافية على العودة إلى التدريس. وجد فرصة ~~جديدة للمجازفة؛ إذ عرضت عليه وظيفة في شركة تستخلص النفط من آبار البترول. كانت ~~الشركة ملك الأخوين راجوزين، اللذين يمتلكان مصفاة وقلعة حديثة في فولجا. ~~اعتمدت الوظيفة على استثمار فلاديمير جزءا من المال نجح في استدانته. # لكن صوفيا شعرت هذه المرة بالمشاكل القادمة. لم يحبها آل راجوزين ولم ~~تحبهم. تزايد نفوذهم على فلاديمير. حدثها فلاديمير عن أن هؤلاء هم الرجال ~~الجدد، وأن لا مجال للهراء لديهم. أصبح متحفظا واتخذ سيماء فظة ومتعالية. ~~قال: اذكري لي امرأة واحدة مهمة حقا، واحدة صنعت فارقا حقيقيا في هذا العالم، إلا ~~بإغراء الرجال وقتلهم، هن متخلفات بالفطرة ومتمحورات حول ذاتهن، ولو امتلكن أي ~~فكرة، أي فكرة محترمة، يكرسن أنفسهن لها، يصبحن هستيريات ويفسدنها بإحساسهن ~~بالأهمية. # قالت صوفيا: هذا هو رأي آل راجوزين. # عندئذ استأنفت مراسلاتها مع فايرشتراس. تركت فوفو مع صديقتها القديمة جوليا ورحلت ~~إلى ألمانيا. كتبت إلى ألكسندر أخي فلاديمير أن الأخير التقط طعم الأخوين راجوزين ~~بسهولة حتى كأنه كان يغري القدر ليرسل له كارثة أخرى، ومع ذلك كتبت لزوجها تعرض عليه ~~العودة. لم يرد ردا إيجابيا. # تقابلا مرة واحدة أخرى في باريس. كانت تعيش هناك حياة متقشفة بينما يحاول فايرشتراس ~~أن يحصل على وظيفة لها. عادت إلى الانغماس في المسائل الرياضية، وكذلك كان الأشخاص ~~الذين تعرفهم. بدأ فلاديمير يشك في الأخوين راجوزين، لكنه ورط نفسه إلى الحد الذي لم ~~يعد يمكنه أن ينسحب معه. ومع ذلك، ذكر شيئا عن السفر إلى الولايات المتحدة، وسافر ~~إلى هناك بالفعل، لكنه عاد ثانية. # كتب لأخيه في خريف عام 1882 أنه أدرك الآن أنه كان شخصا تافها تماما. في نوفمبر، ~~أبلغ عن إفلاس راجوزين. كان خائفا من أن يحاولوا توريطه في إجراءات إجرامية محددة. ~~رأى فوفو في عيد الميلاد، وكانت في أوديسا مع عائلة شقيقة. كان سعيدا بأنها تذكرته، ~~وبصحتها الجيدة وذكائها. بعد ذلك جهز رسائل وداع لجوليا وأخيه وأصدقاء آخرين معينين لكن ~~لم تكن صوفيا ms243 من ضمنهم. كتب كذلك رسالة للمحكمة يشرح فيها بعض الأعمال التي قام ~~بها فيما يتعلق بشأن الأخوين راجوزين. # أجل إرسالها فترة أطول، وانتظر حتى أبريل، فربط كيسا حول رأسه واستنشق ~~الكلوروفورم. # رفضت صوفيا - وكانت في باريس - تناول الطعام ولم تخرج من غرفتها. ركزت كل تفكيرها على ~~رفض الطعام؛ حتى لا تشعر بما كانت تشعر به. # في النهاية أجبرت على تناول الطعام ونامت. حين استيقظت كانت تشعر بخجل عميق من هذا ~~السلوك. طلبت ورقة وقلم رصاص؛ لأنها قد تواصل عملها على مسألة رياضية. ~~••• # لم يترك مالا. كتب إليها فايرشتراس يطلب منها أن تأتي للإقامة بينهم لتكون أختا ~~أخرى. لكنه استمر في استعمال نفوذه سرا، ونجح أخيرا مع تلميذه السابق وصديقه ميتاج ~~ليفلر في السويد. وافقت جامعة استوكهولم الجديدة على أن تكون الجامعة الأولى في أوروبا ~~التي تعين أستاذة للرياضيات. # استعادت صوفيا ابنتها في أوديسا وأخذتها لتعيش مع جوليا. كانت غاضبة من الأخوين ~~راجوزين. كتبت لأخي فلاديمير تصفهم ب «أوغاد ماكرين قاتلين.» أقنعت قاضي الاستماع أن ~~يعلن أن كل الأدلة تبين أن فلاديمير كان يسهل خداعه لكنه كان صادقا. # ثم أخذت قطارا مرة أخرى من موسكو إلى بيترسبرج مسافرة للحصول على وظيفتها الجديدة ~~المرموقة - وبالتأكيد الأكثر إثارة للاستنكار - في السويد. شرعت في رحلتها من بيترسبرج ~~بحرا. انطلق القارب بينما ضوء الغروب يغمر الكون من حولها. جال في خاطرها أن الحياة ~~ستخلو من الحمق منذ ذلك الحين؛ سوف أبني حياة محترمة الآن. # لم تكن قابلت ماكسيم حينئذ أو فازت بجائزة بوردين. # 5 # تركت برلين أول ما بعد الظهيرة بعد أن ودعت فايرشتراس ذلك الوداع الأخير والتحرري ~~كذلك. كان القطار قديما وبطيئا، ومع ذلك كان نظيفا جيد التدفئة كما تتوقع من أي ~~قطار ألماني. # في منتصف الرحلة تقريبا فتح رجل يجلس أمامها صحيفة، بعد أن عرض عليها أي قسم منها ~~قد تحب أن تقرأه. # شكرته رافضة العرض. # أومأ برأسه تجاه النافذة، إلى الثلج الناعم المتساقط . # قال: «آه حسنا، ما الذي يتوقعه الشخص منا؟» # ردت ms244 صوفيا: «فعلا.» ~~- «هل تسافرين إلى ما بعد روستوك؟» # لعله لاحظ لكنة لم تكن ألمانية. لم تهتم بحديثه معها أو تتوصل إلى هذه ~~النتيجة عن نفسها. كان أصغر منها بسنوات عدة، حسن الهندام، يتعامل نوعا ما ~~بشيء من الاحترام والمراعاة. شعرت أنها قابلته أو رأته من قبل؛ لكن هذا عادة ما يحدث ~~حينما يكون المرء مسافرا. # قالت: «إلى كوبنهاجن، ثم إلى استوكهولم. بالنسبة إلي سيزداد سمك الثلج.» # قال: «سوف أتركك عند روستوك.» ربما قالها ليطمئنها أنها لن تتورط في حوار ~~طويل؛ «هل أنت سعيدة في استوكهولم؟» ~~- «أمقت استوكهولم في هذا الوقت من السنة، أكرهها.» # كانت مندهشة من نفسها، لكنه ابتسم في بهجة وبدأ الحديث بالروسية. # قال: «أرجو المعذرة، كنت محقا؛ الآن أنا من أتحدث مثل الأجنبي، لكني في وقت ما كنت ~~أدرس في روسيا، في بيترسبرج.» ~~- «هل لاحظت لكنتي الروسية؟» ~~- «ليس بشكل مؤكد، حتى قلت ما قلته عن استوكهولم.» ~~- «هل كل الروس يكرهون استوكهولم؟» ~~- «لا، لا. لكن يقولون إنهم يكرهونها، يكرهون، يحبون.» ~~- «لم يكن ينبغي أن أقول ذلك؛ السويديون طيبون جدا معي، يعلمونك أمورا ...» # عند هذه النقطة هز رأسه ضاحكا. # قالت: «حقا؛ لقد علموني التزلج ...» ~~- «فعلا! لم تتعلمي التزلج في روسيا؟!» ~~- «الروسيون لا يصرون جدا ... جدا على تعليمك أشياء مثل السويديين.» ~~- «ولا في بورنهولم. أعيش الآن في بورنهولم. الدانماركيون لا يصرون جدا؛ هذه هي ~~الكلمة، لكن طبعا في بورنهولم، نحن لسنا حتى دانماركيين، ونعلن أننا لسنا ~~كذلك.» # كان طبيبا في جزيرة بورنهولم، تساءلت هل لو طلبت منه أن يفحص حلقها - الذي بات ~~شديد الاحتقان - سيكون خروجا عن حدود اللياقة، وقررت أنه سيكون كذلك. # قال إن أمامه سفرا طويلا وربما شاقا لا يزال عليه أن يقطعه، بعد أن عبرا ~~الحدود الدانماركية. # لا يرى شعب بورنهولم أنفسهم دانماركيين، حسبما يقول؛ لأنهم يرون أنفسهم من ~~الفايكنج احتلتهم الرابطة الهانزية في القرن السادس عشر. يملكون تاريخا عنيفا، ~~وكانوا يأخذون أسرى. هل سبق لها أن سمعت عن إيرل بوثويل الشرير؟ يقول بعض الناس إنه مات ~~في ms245 بورنهولم مع أن شعب زيلاند يقول إنه مات هناك. # قال: «لقد قتل زوج ملكة اسكتلندا وتزوجها هو، لكنه مات في الأغلال، مات ~~مجنونا.» # قالت: «ماري ملكة اسكتلندا! لقد سمعت بذلك.» وبالفعل سمعت بذلك؛ لأن ملكة اسكتلندا ~~كانت إحدى أوائل البطلات اللاتي أسرن خيال أنيتا. ~~- «أوه، سامحيني، أنا أثرثر.» # قالت صوفيا: «أسامحك؟! ما الذي اقترفته لأسامحك عليه؟» # احمر وجهه. وقال: «إني أعرف من تكونين.» # قال إنه لم يكن يعرف في البداية، لكن حين تحدثت بالروسية، تأكد. ~~- «أنت تلك السيدة التي عملت أستاذة في الجامعة، قرأت عنك في الجريدة. كان بها صورة ~~لك كذلك، لكنك كنت تبدين أكبر سنا مما أنت فعليا. أعتذر أني تطفلت عليك لكني لم ~~أستطع أن أمنع نفسي.» ~~- «بدوت شديدة الصرامة في الصورة لأني اعتقدت أن الناس لن تثق في لو ~~ابتسمت، ألا ينطبق الأمر نفسه على الأطباء؟» ~~- «ربما، لم أتعود على أن تلتقط لي الصور.» # والآن نشأ حاجز بسيط بينهما، وكان عليها أن تزيحه. كان الوضع أفضل قبل أن يقول لها ~~إنه يعرفها. عادت إلى قضية بورنهولم. قال: إنها كانت جريئة وعاصفة، وليست لطيفة وذات ~~تضاريس منبسطة مثل الدنمارك. يأتي الناس إلى هناك طلبا للسكينة والهواء الصافي. أخبرها ~~بأنها إن رغبت في أي وقت أن تأتي، فسيشرفه أن يصاحبها في التجول في أنحاء ~~الجزيرة. # قال: «لدينا أندر نوع من الحجر الأزرق ويسمى المرمر الأزرق، يكسر ~~ويصقل لترتديه النساء حول رقابهن، إذا رغبت في الحصول على واحد في أي وقت ~~...» # كان يتحدث بحماقة لأنه كان يريد أن يقول شيئا ولا يستطيع البوح به، كان بإمكانها ~~أن ترى ذلك. # كان القطار يقترب من روستوك؛ فزاد توتره. كانت تخشى من أن يطلب منها أن توقع ~~اسمها على ورقة أو على كتاب معه. نادرا ما يفعل أحد ذلك، لكن الأمر يحزنها، لم تستطع ~~أن تعرف السبب. # قال: «أرجوك أصغي إلي، لا بد أن أقول لك شيئا ما. ليس من المفترض أن أفصح ~~عنه. أرجوك. في طريقك إلى السويد، من فضلك، لا ms246 تذهبي عبر كوبنهاجن. لا تخافي، أنا في ~~كامل قواي العقلية.» # قالت: «لست خائفة.» رغم أنها كانت خائفة قليلا. ~~- «اذهبي عبر الطريق الآخر، عبر الجزر الدنماركية، بدلي تذكرتك من ~~المحطة.» ~~- «هل لي أن أسأل لماذا؟ هل توجد لعنة في كوبنهاجن؟» # باتت متأكدة فجأة أنه سيخبرها بمؤامرة أو قنبلة. # هل هو من الأناركيين؟ ~~«هناك وباء حصبة في كوبنهاجن، وباء. غادر العديد من الناس المدينة لكن السلطات تحاول ~~التكتم على الأمر؛ يخشون أن يسود الرعب أو أن يحرق البعض المباني الحكومية. ~~والمشكلة هي الفنلنديون. يقول الناس إن الفنلنديين جلبوها إلى كوبنهاجن؛ لا يريدون ~~أن يثور الناس على اللاجئين الفنلنديين، أو ضد الحكومة لأنها سمحت لهم بالدخول.» # توقف القطار ووقفت صوفيا تتفقد حقائبها. ~~- «عديني، لا ترحلي قبل أن تعديني.» # قالت صوفيا: «حسنا أعدك.» ~~- «سوف تستقلين المعدية إلى جتسر، سوف أذهب معك لتبديل التذكرة لكن يجب أن ~~أواصل إلى رتجن.» ~~- «أعدك.» # هل ذكرها بفلاديمير؟ فلاديمير في الأيام الأولى. لم تكن ملامحه هي التي ~~ذكرتها بفلاديمير بل رعايته لها التي تنطوي على شيء من التضرع، تواضعه الهادئ ~~وعناده ورعايته المتضرعة. # بسط يده وأعطته يدها ليتصافحا، لكن لم تكن هذه نيته، وضع في كفها حبة دواء صغيرة ~~قائلا: «هذه ستمنحك بعض الراحة إذا أرهقتك الرحلة.» # قررت أنه سيكون عليها التحدث إلى أي مسئول عن وباء الحصبة هذا، هكذا قررت. ~~••• # لكنها لم تفعل هذا. انزعج الرجل الذي بدل تذكرتها لأنه اضطر أن يقوم بأمر معقد ~~جدا وسوف يغضب أكثر لو غيرت رأيها. في البداية، بدا أنه لن يجيب على أي كلام إلا لو ~~كان باللغة الدنماركية، كما تحدث إليه المسافرون الآخرون، لكن حين أنهى تبديل التذكرة ~~لها قال بالألمانية إن هذه الرحلة تستغرق وقتا أطول الآن، إذا كانت لا تدرك ذلك، ثم ~~أدركت أنهم لا يزالون في ألمانيا، وأنه ربما لا يعرف أي شيء عن كوبنهاجن؛ ما الذي كانت ~~تظنه؟ # أضاف بكآبة أن الثلوج تتساقط على الجزر. كانت المعدية الصغيرة إلى جتسر جيدة ~~التدفئة على الرغم من عدم ms247 وجود خيار سوى الجلوس، الجلوس على مقاعد خشبية قاسية. كانت ~~على وشك أن تتناول الحبة؛ إذ اعتقدت أن ما كان يعنيه حين تحدث عن رحلة شاقة هو ~~الجلوس كمقاعد مثل هذه، ثم قررت أن توفرها في حال أصيبت بدوار البحر. # كان بالقطار المحلي الذي استقلته مقاعد درجة ثانية عادية مع أنها بالية. من ناحية ~~أخرى، كان الجو باردا في القطار حتى مع وجود الموقد الدخاني غير المفيد تقريبا في ~~نهاية العربة. # كان المحصل أكثر ودا من بائع التذاكر، ولم يكن في عجلة من أمره. وإذ أدركت أنهم في ~~الأراضي الدنماركية فعلا سألته بالسويدية - التي اعتقدت أنها قد تكون أقرب إلى ~~الدنماركية من الألمانية - عما إذا كان هناك وباء في كوبنهاجن بالفعل. أجاب بلا، إن ~~القطار الذي تستقله لن يذهب إلى كوبنهاجن. # بدا أن كلمتي «قطار» و«كوبنهاجن» هما كل ما يعرفه من اللغة السويدية. # لم تكن بهذا القطار مقصورات بالطبع، كانت هناك عربتان بمقاعدهما الخشبية فقط. أحضر ~~بعض المسافرين معهم وسائدهم الخاصة وأغطيتهم ومعاطفهم ليلتحفوا بها. لم ينظروا إلى ~~صوفيا، ولم يحاولوا أن يتحدثوا إليها على الإطلاق. أي فائدة ستجنيها لو فعلوا؟ لن ~~تستطيع أن تفهمهم أو تجيبهم. # ليس هناك عربة شاي كذلك. انفتحت لفافات مغلفة في ورق مزيت وخرجت شطائر باردة. ~~شرائح سميكة من الخبز والجبن ذي الرائحة النفاذة؛ وقطع من لحم الخنزير المطهو ~~البارد؛ وفاحت رائحة رنجة من مكان ما. أخرجت امرأة شوكة من جيبها في طيات ملابسها وأكلت ~~كرنبا مخللا من برطمان. كل ذلك أثار في صوفيا ذكريات الوطن؛ روسيا. # لكن هؤلاء ليسوا فلاحين روسيين، وليس من بينهم من يثرثر أو يثمل أو يضحك، هم يابسون ~~مثل الألواح. حتى الشحم الذي يكسو عظام بعضهم شحم يابس، شحم لوثري يحترم ذاته. لا تعرف ~~عنهم أي شيء. # لكن ماذا تعرف عن الفلاحين الروس بحق، الفلاحين في باليبينو، حين يأتي ذكرهم؟ إنهم ~~غالبا ما يتزلفون لكل من يعلونهم منزلة. # باستثناء المرة الواحدة، ربما، في يوم الأحد حين يجب على كل الخدم ms248 ومرءوسيهم الذهاب ~~إلى الكنيسة لسماع الكرازة. انهارت معنويات والدة صوفيا تماما بعدها وراحت تبكي ~~وتنتحب؛ وكانت تقول «ما الذي سيحل بنا؟ ما الذي سيحل بأطفالي المساكين؟» أخذها ~~الجنرال إلى غرفة مكتبه ليهدئها. جلست أنيتا تقرأ في أحد كتبها، وراح أخوهم الصغير ~~فيودور يلعب بمكعباته. تتجول صوفيا في الأنحاء وتتجه إلى المطبخ حيث يأكل خدم المنزل ~~والحقل الفطائر المقلية ويحتفلون؛ لكنه كان احتفالا مكتنفا بالوقار نوعا ما كما ~~لو أنه عيد أحد القديسين. يضحك رجل كبير في السن كانت مهمته مقتصرة على تنظيف الساحة، ~~مناديا عليها بالسيدة الصغيرة: «ها هي السيدة الصغيرة آتية تتمنى لنا الخير.» ثم يهلل ~~لها البعض. تفكر كم هم لطفاء مع أنها تفهم أن الهتاف لها نوع ما من المزاح. # ثم سرعان ما تظهر المربية بوجه مثل السحابة السوداء وتأخذها بعيدا. # بعد ذلك تمضي الأشياء كالمعتاد إلى حد كبير. # كان جاكلارد يخبر أنيتا بأنها لا يمكن أن تكون ثائرة حقيقية، هي فقط ماهرة في ~~استخلاص المال من والديها المجرمين. بالنسبة لصوفيا وفلاديمير (فلاديمير الذي ~~انتزعه انتزاعا من قبضة الشرطة)؛ فهما طفيليان متأنقان يجتران دراساتهما ~~العقيمة. ~~••• # تصيبها رائحة الكرنب والرنجة بالغثيان قليلا. # توقف القطار عند نقطة لاحقة وطلب منهم أن يخرجوا جميعا من العربة. على الأقل هذا ما ~~افترضته من صياح المحصل فيهم، ونهوض الأجساد اللامبالية المطيعة أيضا. وجدوا أنفسهم ~~مغروسين في الثلج حتى ركبهم، ولا أثر لبلدة أو رصيف على مد أبصارهم، كل ما يلوح ~~أمامهم عبر الثلج المتساقط خفيفا تلال بيضاء سهلة تحيط بهم. يجرف بعض الرجال الثلج ~~الذي تجمع قاطعا السكة الحديدية أمام مقدمة القطار. تحركت صوفيا لتحمي قدميها من ~~التجمد في حذائها الخفيف طويل الرقبة الذي يناسب شوارع المدينة لكن ليس هنا. وقف ~~المسافرون الآخرون ساكنين ولم يعلقوا على الوضع. # بعد نصف ساعة، أو ربما خمس عشرة دقيقة فقط، أصبح المسار سالكا وصعد المسافرون إلى ~~القطار مرة أخرى. لا بد أن سبب اضطرارهم للنزول من القطار في المقام الأول عوضا عن ~~الانتظار في مقاعدهم ms249 - غامض عليهم جميعا وعلى صوفيا أيضا، لكن أحدا لم يتذمر. ~~يتقدمون ويتقدمون في الظلام وشيء آخر غير الثلج يصطدم بالنوافذ. صوت شرير خادش. مطر ~~جليدي. # ثم لاحت أمامهم مصابيح معتمة لإحدى القرى، ونهض بعض المسافرين، يجمعون أنفسهم ~~ويلتقطون حقائبهم وحزمهم بانتظام ويهبطون من القطار ويختفون. تستمر الرحلة، لكن بعد ~~وقت قصير يطلب منهم النزول من القطار مرة ثانية. ولم يكن ذلك بسبب تكدس الثلوج. إنهم ~~يتوجهون إلى قارب، معدية صغيرة أخرى، تأخذهم في مياه سوداء. وصل احتقان حلق ~~صوفيا إلى حد أنها لم تكن تستطيع أن تتحدث لو اضطرت إلى هذا. # لم تكن تعرف المدة التي يستغرقها هذا العبور. حين رست العبارة، كان على الجميع ~~الدخول إلى سقيفة ذات ثلاثة جدران، لم تتسع للجميع ولم تكن تحتوي على مقاعد. وصل قطار ~~بعد مدة من الانتظار لم تستطع أن تحسبها. وحين أتى هذا القطار، كم كانت تشعر بالامتنان، ~~مع أنه لم يكن أدفأ، ويحتوي المقاعد الخشبية نفسها التي كانت في القطار الأول. يبدو أن ~~امتنان المرء لوسائل الراحة الضئيلة يعتمد على ماهية المأساة التي مر بها قبل الحصول ~~على تلك الوسائل. كانت تريد أن تسأل شخصا ما؛ أليست هذه عبرة كئيبة محزنة؟ # بعد مدة توقفوا في بلدة أكبر يوجد مقصف في محطتها. ومع ذلك، كانت مرهقة جدا ~~لدرجة تمنعها من أن تنهض وتمشي إليها كما فعل بعض المسافرين الذين عادوا بأكواب قهوة ~~يتصاعد منها البخار. ولكن المرأة التي أكلت الكرنب أقبلت حاملة في يديها كوبين، واتضح ~~أن أحدهما لصوفيا. ابتسمت صوفيا وبذلت ما في وسعها لتعبر لها عن امتنانها. أومأت المرأة ~~برأسها كما لو أن هذا الهرج غير ضروري، بل حتى غير لائق. لكنها ظلت واقفة هناك حتى ~~أخرجت صوفيا العملات الدنماركية التي أخذتها من موظف التذاكر، فأخذت المرأة اثنتين منها ~~بأصابعها الرطبة العارية، بينما تزفر في ضيق. وكان ذلك ثمن القهوة على الأرجح؛ وليس ~~مقابل اهتمامها وشرائها وحملها. ودون أن تنبس ببنت شفة عادت المرأة إلى ~~مقعدها مرة أخرى. # صعد ms250 إلى القطار بعض ركاب جدد؛ امرأة مع طفل في الرابعة تقريبا، يغطي أحد جانبي ~~وجهه ضمادة طبية وإحدى ذراعيه معلقة. ربما تعرض لحادث، وذاهب إلى مستشفى البلدة. ~~عبر فتحة في الضمادة ظهرت عين داكنة حزينة. وضع الطفل وجنته السليمة على حجر ~~أمه فبسطت الأم على جسده جزءا من شالها. فعلت هذا بنحو يخلو من الرقة أو ~~المبالاة على الأخص، بل بنحو آلي إلى حد ما. لا بد أن شيئا سيئا قد حدث، مزيدا ~~من الرعاية ألقيت على عاتقها، هذا كل شيء. ثمة أطفال ينتظرون في البيت، وربما ~~هناك طفل في رحمها. # تفكر صوفيا كم هذا رهيب. كم هو رهيب حظ النساء. وما الذي قد تقوله هذه المرأة لو ~~أخبرتها صوفيا عن النضالات الجديدة ومعركة المرأة لكسب حق التصويت وأماكن في الجامعات؟ ~~لعلها تقول لكن هذه ليست مشيئة الرب. وإذا جادلتها صوفيا لتتخلص من هذا الرب ولتصقل ~~عقلها، ألن تنظر إليها - صوفيا - بشفقة عنيدة وإنهاك وتقول: كيف إذن سنمضي في هذه ~~الحياة من دون الرب؟ # عبروا المياه السوداء مرة أخرى، هذه المرة فوق جسر طويل، ويتوقفون في قرية أخرى حيث ~~غادرت المرأة والطفل القطار. تفقد صوفيا اهتمامها، ولا تنظر لترى إذا كان هناك شخص ما ~~ينتظرهما، حاولت أن ترى ساعة المحطة التي ينيرها ضوء القطار، تتوقع أن يكون الليل قد ~~انتصف، لكن الساعة قد تجاوزت العاشرة بقليل. # فكرت في ماكسيم. هل استقل ماكسيم في حياته قطارا مثل هذا؟ تخيلت رأسها مستلقيا في ~~استرخاء فوق كتفه العريضة؛ مع أن الحقيقة أنه لن يهتم بهذا أمام الناس. معطفه المصنوع ~~من قماش فاخر غالي الثمن، تفوح منه رائحة المال والرفاهية. تلك الأشياء الجيدة التي ~~يؤمن أن له الحق في أن يأمل فيها وعليه واجب الحفاظ عليها حتى مع كونه ليبراليا غير ~~مرحب به في وطنه. تلك الثقة الرائعة التي يتمتع بها، تلك الثقة التي كانت لأبيها، ~~تستطيع أن تشعر بها وأنت طفل صغير تستكين بين ذراعي أبيك، وترغب في أن تظل أسيرا ~~لهذا الشعور ms251 طوال حياتك. وسيكون الأمر أكثر إثارة للبهجة لو أنهم يحبونك، لكنه مريح ~~حتى لو كان مجرد نوع من المواثيق أبرموه منذ الأزل؛ عهد وقعوا عليه، من منطلق الضرورة ~~حتى إن لم يكن من منطلق الحماس، من أجل حمايتك. # قد يستاءون لو وصفهم شخص ما بالسلاسة ولين الجانب، مع أنهم هكذا على نحو ما. إنهم ~~يخضعون أنفسهم للسلوك الرجولي. يخضعون أنفسهم للسلوك الرجولي بكل مخاطره وقسوته ~~وأعبائه المعقدة وتحايلاته المتعمدة. قواعده، التي تستفيدين منها في بعض الحالات، ~~كامرأة، ثم لا تستفيدين منها في بعض الحالات الأخرى. # الآن ترى في مخيلتها صورته؛ ماكسيم، لا يحميها على الإطلاق، بل يهرول في محطة ~~باريس كما يلائم رجلا له حياة خاصة. # غطاء رأسه البارز، ثقته الدمثة في نفسه. # هذا لم يحدث. لم يكن ماكسيم. بالتأكيد لم يكن هو. ~~••• # لم يكن فلاديمير جبانا - انظري كيف أنقذ جاكلارد - لكنه لم يتمتع باليقينيات ~~الرجولية؛ لهذا استطاع أن يمنحها بعض الندية لم يستطع الآخرون منحها إياها؛ ~~ولهذا لم يستطع قط أن يحيطها بذلك الدفء والأمان، ثم مع اقتراب النهاية حين كان تحت ~~تأثير الأخوين راجوزين، وغير نبرته - في حالته البائسة ومع اعتقاده بأنه قد ينجو ~~بنفسه بتقليد الآخرين - تحول إلى معاملتها بأسلوب غير لائق، بل وسخيف ومتكبر. لقد منحها ~~إذن مبررا لمقته، لكن لربما كانت تمقته طوال الوقت؛ سواء احترمها أم أهانها كان من ~~المستحيل أن تحبه. # مثلما أحبت أنيتا جاكلارد؛ كان جاكلارد أنانيا ووقحا وخائنا، وحتى حين كرهته ~~كانت تحبه. # أي أفكار قبيحة وضارة يمكن أن تطفو إذا لم تحبسها في سراديب عقلك. # حين أغلقت عينيها ظنت أنها رأته - أي فلاديمير - يجلس على المقعد أمامها، لكن لم ~~يكن فلاديمير، كان الطبيب من بورنهولم، إنها ذكراها عن الطبيب من بورنهولم ليس إلا؛ ~~ملحاح وقلق، يقحم نفسه في حياتها بذلك الأسلوب المتواضع المريب. ~~••• # وحان الوقت - في منتصف الليل بالتأكيد - الذي كان عليهم فيه مغادرة القطار نهائيا. ~~وصلوا إلى حدود الدانمارك . هيلسينكور. على الأقل، بلغوا الحدود؛ وكانت تفترض أن ~~الحدود الحقيقية ms252 تقع في مكان ما في كاتيجات. # كانت المعدية الأخيرة بانتظارهم، وكانت ضخمة ومبهجة بأضوائها الكثيرة المتلألئة. ~~أقبل عليها حمال ليحمل حقائبها إلى السطح، ويشكرها على عملاتها الدنماركية ويسرع ~~بعيدا. ثم أظهرت تذكرتها لضابط الحدود الذي تحدث إليها بالسويدية. طمأنها أنهم ~~سيقومون بالاتصال بالجانب الآخر بالقطار المتجه إلى استوكهولم. لن تضطر إلى قضاء ~~الليل في غرفة انتظار. # قالت للضابط: «أشعر أني عدت إلى المدنية.» فنظر إليها في شيء من الارتياب. كان صوتها ~~نعيبا، مع أن القهوة ساعدت حلقها. فكرت؛ لأنه سويدي ليس إلا. ليس من الضروري الابتسام ~~أو إبداء الملاحظات بين السويديين. يمكن الحفاظ على المدنية بدون هذا. # لم يكن العبور سهلا تماما هذه المرة، لكن لم تصب بدوار البحر. تذكرت حبة ~~الدواء لكنها لم تحتج إليها. ولا بد أن القارب كان دافئا لأن بعض الناس خلعوا طبقة ~~الملابس العليا من ملابسهم الشتوية، لكنها ظلت ترتعش. لعله من الضروري أن ترتعش؛ فقد ~~اختزنت بردا كثيرا في جسدها خلال رحلتها عبر الدنمارك. لقد تكدس البرد بداخلها، وبهذه ~~الرعشة فقط تستطيع أن تنفضه عنها. ~~••• # كان القطار المتجه إلى استوكهولم منتظرا، كما وعدها الضابط، في محطة هيلسينكبرج ~~المزدحمة، كانت المحطة أكثر حيوية وأضخم من تلك الأخرى المسماة بذات الاسم على الجهة ~~المقابلة من المياه. ربما لا يبتسم لك السويديون لكن المعلومات التي يعطونك إياها ~~صحيحة. جاءها حمال ليأخذ حقائبها بينما كانت تبحث في حقيبتها عن بعض العملات. أخذت ~~عددا وفيرا ووضعته في يده، معتقدة أنها دنماركية؛ فلن تحتاج لها بعد الآن. # كانت دنماركية. أرجعها لها قائلا: «لن يصلحوا.» # صاحت: «هذا كل ما لدي.» لتدرك مع صيحتها أمرين: لقد تحسن حلقها، وأن لا نقود ~~سويدية لديها. # وضع حقائبها على الأرض ومضى مبتعدا. # كان معها نقود فرنسية، ونقود ألمانية، ونقود دانماركية، لقد نسيت السويدية. # كان القطار ينفث دخانه، والمسافرون بداخله، بينما وقفت هناك في ورطتها. لا تستطيع ~~حمل حقائبها. لكن لو لم تستطع، فسوف تتركها خلفها . # قبضت على حاملات الحقائب المختلفة وبدأت تجري. جرت تتمايل وتلهث ms253 والألم يدق في صدرها ~~إلى ما تحت ذراعيها، والحقائب ترتطم بساقيها. كانت هناك سلالم. لو توقفت لتلتقط أنفاسها ~~ستتأخر جدا. صعدتها، وبدموع شفقة على نفسها تملأ عينيها توسلت للقطار ألا ~~يتحرك. # ولم يتحرك، لم يتحرك حتى أمسك المحصل - الذي انحنى ليوصد الباب - ذراعها، ثم نجح على ~~نحو ما في الإمساك بحقائبها وسحبها إلى القطار. # ما إن نجت حتى بدأت تسعل. كانت تحاول أن تطرد شيئا ما إلى خارج صدرها؛ الألم، ~~كانت تطرده من صدرها. تطرد الألم وضيق النفس إلى خارج حلقها، لكنها اضطرت أن تتبع ~~المحصل إلى مقصورتها، وكانت تضحك بانتصار بين نوبات السعال. نظر المحصل في مقصورة كانت ~~مليئة بالركاب فعليا، فاصطحبها إلى واحدة فارغة. ~~••• # قالت له في إشراق: «كنت محقا، سأكون مصدرا للإزعاج لو أجلستني حيث لا يمكن أن ~~أجلس.» «ليس معي نقود، سويدية، معي كل العملات الأخرى إلا السويدية. اضطررت أن ~~أجري؛ لم أعتقد قط أني أستطيع ...» # طلب منها أن تجلس وتوفر أنفاسها. ذهب وعاد سريعا بكوب من الماء. فكرت في الحبة وهي ~~تشربه وتناولتها مع آخر جرعة من الماء. هدأ السعال. # قال: «لا يجب أن تفعلي هذا ثانية، صدرك مضطرب. يصعد ويهبط.» # إن السويديين صرحاء جدا، ومحافظون ودقيقون جدا. # قالت: «انتظر.» # كان هناك شيء آخر تريد أن تتأكد منه، تقريبا كما لو أن القطار لن يوصلها إلى المكان ~~الصحيح إن لم تتأكد. ~~«انتظر لحظة، هل سمعت عن ...؟ هل سمعت عن وجود وباء الحصبة؟ في كوبنهاجن؟» ~~- «لا أعتقد.» قال ذلك ثم حياها بإيماءة حادة من رأسه، وإن كانت مهذبة، ثم ~~تركها. # قالت وهي تلاحقه: «شكرا لك، شكرا لك.» ~~••• # لم تثمل صوفيا في حياتها قط، وأي دواء تناولته، يمكن أن يشوش تفكيرها، ينعسها قبل ~~أن يحدث هذا، ومن ثم ليس لديها الخبرة التي تجعلها تقارن ذلك الشعور الاستثنائي - ~~حالة تغير الإدراك - الذي يتسلل إليها الآن بها. في البداية، ربما لم يكن هناك سوى شعور ~~الارتياح، إحساس رائع، وإن كان سخيفا؛ لأنها نجحت في حمل حقائبها وصعدت درجات السلم ms254 ~~ركضا ووصلت إلى القطار، ثم إنها نجت من نوبة السعال وشعور الاعتصار في قلبها، ~~واستطاعت على نحو ما أن تتجاهل حلقها. ~~••• # لكن كان هناك المزيد، كما لو أن قلبها يتمدد ويستعيد حالته العادية ويواصل العمل بعد ~~ذلك؛ فيصبح منشرحا ومنتعشا، يطرد المتاعب - بمرح على الأغلب - بعيدا عن طريقها. حتى ~~وجود الوباء في كوبنهاجن يمكن أن يصبح الآن شيئا مثل الطاعون في قصة شعبية، جزء من قصة ~~قديمة. وعلى ما كانت عليه حياتها؛ تحولت صداماتها ومراراتها إلى أوهام. تتخذ الأحداث ~~والأشكال شكلا جديدا الآن؛ إذ تراها من خلال طبقات من الألمعية الصافية؛ عبر منشور ~~زجاجي. ~~••• # عاشت تجربة ذات مرة ذكرتها بحالتها الحالية. كانت أول زلة لها في علم المثلثات، ~~حين كانت في الثانية عشرة من عمرها. ترك لهم البروفيسور تيرتوف، جارها في باليبينو، ~~الكتاب الجديد الذي ألفه. اعتقد أنه قد يثير اهتمام والدها الجنرال؛ بسبب معرفته ~~بالمدفعية. عثرت عليه في غرفة المكتب وفتحته بالصدفة على الفصل الأول الذي تناول ~~البصريات. بدأت تقرؤه وتدرس الرسومات البيانية، واقتنعت أنها خلال وقت قصير ستكون قادرة ~~على فهمها. لم تسمع قط من قبل عن الجيب وجيب التمام، لكن بإحلال الجيب محل ~~قيمة وتر الدائرة، وللصدفة السعيدة فإنهما يتطابقان تقريبا في الزوايا الصغيرة؛ هكذا ~~استطاعت أن تفك شفرة هذه اللغة الجديدة المبهجة. # لم تندهش حينئذ مع أنها كانت سعيدة سعادة بالغة. # يمكن أن تحدث هذه الاكتشافات. إن الرياضيات هبة طبيعية، مثل ظاهرة الشفق القطبي. إنها ~~لا تختلط بأي شيء آخر في العالم، لا تختلط بالأبحاث ولا بالجوائز والزملاء ~~والشهادات. # أيقظها المحصل قبيل بلوغ القطار استوكهولم. قالت: «أي يوم من أيام الأسبوع ~~هذا؟» ~~- «الجمعة.» ~~- «جيد، جيد. أستطيع أن ألقي محاضرتي.» ~~- «اهتمي بصحتك سيدتي.» ~~••• # عند الثانية بعد الظهر، كانت وراء منصة المدرج، وألقت محاضرتها باقتدار وتماسك، بدون ~~أن تشعر بأي ألم أو سعال. لم تؤثر السخونة البسيطة - التي تسري في جسدها، كما يسري ~~التيار في السلك - على صوتها . وبدا أن حلقها شفي من تلقاء نفسه. حين انتهت ~~توجهت ms255 إلى البيت وبدلت ملابسها واستقلت سيارة أجرة إلى حفل استقبال كانت مدعوة إليه في ~~بيت آل جولدنس. كانت معنوياتها جيدة، تتحدث بإشراق عن انطباعاتها عن إيطاليا وجنوب ~~فرنسا، لكنها لم تتحدث عن رحلة عودتها إلى السويد، ثم تركت الغرفة بدون أن تستأذن ~~وتوجهت إلى الخارج. كان عقلها ينضح بأفكار مضيئة واستثنائية لدرجة جعلتها تعزف عن ~~التحدث إلى الناس أكثر من هذا. # حل الظلام، وراحت الثلوج تتساقط بدون رياح، وكبرت مصابيح الشارع مثل كرات الزينة في ~~أعياد الميلاد. بحثت عن سيارة أجرة لكنها لم تر واحدة. كانت هناك حافلة نقل ركاب ~~صغيرة مارة، فأشارت إليها. أبلغها السائق أنه خارج أوقات العمل. # قالت بدون اكتراث: «لكنك توقفت.» # لم تعرف شوارع استوكهولم جيدا إطلاقا؛ لهذا مرت مدة حتى أدركت أنها لم تكن في ~~الطريق الصحيح إلى منزلها. ضحكت وهي تشرح هذا للسائق، وتركها لكي تمشي إلى بيتها في ~~الثلج في فستان السهرة وردائها الخفيف وحذائها المفتوح. كان الرصيف ساكنا وأبيض. كان ~~عليها أن تمشي مسافة ميل، لكنها سعدت حين اكتشفت أنها تعرف الطريق على أية حال. غاصت ~~قدماها في الثلوج لكنها لم تكن تشعر بالبرد. فكرت أن سبب هذا هو عدم وجود رياح، والسحر ~~الذي يجوب عقلها وجسدها والذي لم تعه قط من قبل، ولكنها تستطيع الاعتماد عليه ~~بالتأكيد من الآن فصاعدا. ربما يبدو قولا مكررا أن تقول هذا؛ لكن المدينة كانت تبدو ~~وكأنها مدينة في إحدى حكايات الأطفال الخيالية. ~~••• # لازمت الفراش في اليوم التالي؛ وأرسلت إلى زميلها ميتاج ليفلر رسالة قصيرة تطلب منه ~~أن يحضر لها طبيبا لأنه ليس لديها واحد. جاء بنفسه أيضا، وخلال الزيارة الطويلة ~~تكلمت معه بحماس عظيم عن عملها الذي تخطط له في الرياضيات. كان عملا أكثر طموحا ~~وأهمية وجمالا من أي شيء آخر خطر على بالها حتى ذلك الوقت. # اعتقد الطبيب أن المشكلة كانت بكليتيها وترك لها بعض الأدوية. # قالت صوفيا حين رحل: «نسيت أن أسأله؟» # قال ميتاج ليفلر: «تسألينه عن ماذا؟» ~~- «هل هناك وباء في كوبنهاجن؟» ms256 # قال ميتاج ليفلر بلطف: «أنت تحلمين، من قال لك هذا؟» ~~- «رجل أعمى.» ثم قالت: «لا، أعني طيبا. رجل طيب.» حركت يديها في الهواء كأنها تحاول ~~أن ترسم شكلا ما أكثر ملائمة من الكلمات. قالت «إنها لغتي السويدية.» ~~- «لا تتكلمي إلى أن تتحسن حالتك.» # ابتسمت ثم بدت حزينة، وقالت مشددة على كلماتها: «زوجي.» ~~- «تعنين خطيبك؟ إنه ليس زوجك بعد. إني أمازحك فحسب، هل تريدينه أن يأتي؟» # لكنها هزت رأسها. قالت: «ليس هو. بوثويل.» # قالت بسرعة: «لا، لا، لا، الآخر.» ~~- «يجب أن ترتاحي.» ~~••• # حضرت تيريسا جولدن وابنتها إليسا، وكذلك إيلين كي. كن يتناوبن على تمريضها. بعد أن ~~غادر ميتاج ليفلر نامت قليلا. حين استيقظت، كانت تثرثر مرة أخرى لكنها لم تتحدث عن ~~أي زوج. تحدثت عن روايتها وعن كتاب ذكريات شبابها في باليبينو. قالت إنها تستطيع أن ~~تفعل شيئا أفضل كثيرا الآن، وبدأت تصف فكرتها لقصة جديدة. أصبحت مشوشة، وضحكت لأنها ~~لم تكن حتى واضحة في تشوشها. قالت: هناك حركة بندولية؛ هناك نبض في الحياة. كان أملها ~~أن تكتشف في هذه القطعة الأدبية ما يحدث. شيء ما تحت السطح، مبتكر لكنه ليس ~~كذلك. # ضحكت، ما الذي تعنيه بهذا؟ # كانت تموج بأفكار ذات اتساع جديد كلية، وأهمية ومع ذلك طبيعية جدا وبديهية حتى ~~إنها لا تستطيع أن تمنع نفسها عن الضحك. ~~••• # ساءت حالتها يوم الأحد. بالكاد تستطيع أن تتحدث لكنها أصرت على أن ترى فوفو في فستان ~~كانت سترتديه في حفلة أطفال. # كان مفصلا على الطراز الغجري؛ وراحت فوفو ترقص في فستانها حول سرير ~~أمها. ~~••• # طلبت صوفيا يوم الإثنين من تريسا جولدن أن تتولى رعاية فوفو. # في ذلك المساء شعرت بتحسن، وجاءت ممرضة لتعطي فرصة لتريسا وإلين أن تنالا قسطا من ~~الراحة. # استيقظت صوفيا في الساعات الأولى من الصباح. كانت تريسا وإلين مستيقظتين وأيقظتا فوفو ~~لكي ترى الطفلة أمها حية لمرة أخيرة. لم تستطع صوفيا أن تتكلم إلا قليلا. # اعتقدت تريسا أنها سمعتها تقول: «هذه سعادة مفرطة.» ~~••• # ماتت حوالي الرابعة بعد الظهر. بين ms257 التشريح أن الالتهاب الرئوي أتلف رئتيها ~~تماما، وقلبها يعاني من مشكلة تعود إلى سنوات عدة. وكان مخها - كما توقع الجميع - ~~ضخما. ~~••• # عرف طبيب بورنهولم عن وفاتها من الجريدة، ولم يندهش لذلك. كان يأتيه حدس أحيانا، ~~مزعج لشخص يمتهن مهنته، وليس بالضرورة صادقا. فكر أن تجنبها كوبنهاجن يمكن أن ~~يحميها. تساءل إذا كانت تناولت الدواء الذي أعطاه إياها، وما إذا منحها السلوان، كما ~~منحه إياه عند الضرورة. ~~••• # دفنت صوفيا كوفالفسكي فيما كان يطلق عليه حينها المقابر الجديدة في استوكهولم، عند ~~الثالثة من بعد الظهيرة في يوم بارد ساكن حيث تعلقت أنفاس الحزانى والمتفرجين في شكل ~~سحب في الهواء المجمد. ~~••• # جاءها إكليل غار من فايرشتراس. قال لأختيه إنه عرف أنه لن يراها مرة ثانية. # عاش ست سنوات أخرى. ~~••• # وصل ماكسيم من بوليو بناء على برقية من ميتاج ليفلر استدعاه فيها قبل موتها. وصل في ~~الوقت المناسب لكي يتحدث في الجنازة بالفرنسية، متحدثا عن صوفيا على أنها أستاذة من ~~معارفه، وشكر الأمة السويدية نيابة عن الأمة الروسية على منحها فرصة لكسب العيش (أن ~~تستخدم علمها في الرياضيات بطريقة مفيدة، حسبما قال) كأستاذ للرياضيات. ~~••• # لم يتزوج ماكسيم. سمح له بعد فترة بالعودة إلى مسقط رأسه، وأن يحاضر في بيترسبرج. ~~وأسس حزب الإصلاح الديمقراطي في روسيا، مدافعا عن الملكية الدستورية. اعتبره ~~القيصريون ليبراليا جدا. من ناحية أخرى، اتهمه لينين بالرجعية. ~~••• # اشتغلت فوفو بالطب في الاتحاد السوفييتي، وتوفيت في منتصف الخمسينيات من القرن ~~العشرين. لم يكن لديها اهتمام بالرياضيات، هكذا قالت. ~~••• # أطلق اسم صوفيا على فوهة بركان في القمر. ms258