######OpenITI# #META# URI: 1450GhasanNadaf.MuhawalatLiNajat.Hindawi51574037 #META# Tags: literature #META# ID: 51574037 #META# Title: محاولات للنجاة #META# AuthorID: 42059409 #META# Author: غسان نداف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هارمونيكا‏ # شيء أخير قبل الانتحار‏ # حالة سقوط‏ # هوية غريب‏ # جلسة علاج‏ # محاولات للنجاة‏ # تقمص‏ # حلم‏ # جسد ومشنقة‏ # خطايا‏ # شهيد‏ # الرمية الأخيرة‏ # هارمونيكا‏ # شيء أخير قبل الانتحار‏ # حالة سقوط‏ # هوية غريب‏ # جلسة علاج‏ # محاولات للنجاة‏ # تقمص‏ # حلم‏ # جسد ومشنقة‏ # خطايا‏ # شهيد‏ # الرمية الأخيرة‏ # | محاولات للنجاة # | محاولات للنجاة # تأليف # غسان نداف # إلى أبي الذي يعلمني أن يكون لي وجود ما في الوطن ~~المعاش. # وإلى أمي التي تعلمني بأننا وجدنا لنكتب رسالة ونمضي إلى ~~الوطن المجهول. # إليهما حيث الحياة والموت رحلة واحدة. # فالموت هنا ما هو إلا محاولة لفهم معنى الحياة .. أن ~~نكون. # والنظر إلى ما بعد الحياة .. أن نترك أثرا. # غسان # «خسارة، قلت لنفسي، أن تمر على سطح الأرض، ولا تغير ~~شيئا، أو تترك أثرا، خسارة، يا ابن هذا الإرث العظيم! # خسارة أن تولد وتموت في زمن مهزوم، بوعي مهزوم، ~~وخائف.» # حسين البرغوثي # | هارمونيكا # 1 # كل ما في الأمر أنني أريد أن أحيا ولا شيء آخر .. لقد تعرضت ~~للموت مرتين، مرة شاهدته وفي الأخرى سببته. وفي الحالتين ارتعبت ~~من مجرد التحديق إلى تلك الحقيقة التي أسموها موتا. # دفنت أمي فقتلت قاتلها ثم هربت وعبرت البحر مع المهاجرين ~~فارا من موت محتمل، ثم نجوت من موت آخر عبر رحلتي صوب النجاة، ~~ثم همت في البحر ووصلت إلى هذه الجزيرة، ولم أفهم بعد كيف يمكن ~~لإنسان ما أن يكون ثم يفنى ويزول، وكيف يمكن لإنسان ما أن ينهي ~~حياة أحدهم؟ قد يكون الأمر غريبا بعض الشيء ولكن لا بأس، فالمهم ~~أن أعيش، وليس مهما أن أجد لنفسي تفسيرا ما لأي شيء في ~~حياتي. # قبل الآن عشت وحدي مع أمي؛ فقد مات أبي مذ كنت صغيرا، أما ~~زوجتي فقد هاجرت إلى اليونان وتركتني وحدي مع شقاء أمي، ولكن بعد ~~أن ماتت أو فلأقل: قتلت، وبعد أن قتلت من قتلها، حينها لم ~~أجد أمامي ولو خيطا وحيدا يربطني بالبقاء، وقد كنت طموحا بما ~~فيه الكفاية؛ إذ قررت الرحيل إلى اليونان لألتقي بزوجتي مصادفة ~~وأكون معها، وحينها ms01 لا يكفي أن أكون موجودا وحسب، بل علي أن ~~أتناسل في وجودي، وأكبر، وستكون لي عائلة كبيرة ممتدة. «أجل، ~~كنت بهذا القدر من السذاجة». # لم أكن أعرف أنني سأجد نفسي على هذه الجزيرة المجهولة. # إذن فقد نجوت مجددا من الموت، أعرف أني الآن وحيد، وأعرف أن ~~هذا ما لم أرده يوما، ولكن في لحظة الخطر يبقى الهدف الوحيد ~~المنشود في الحياة هو أن أبقى ~~على قيد الحياة، وبالفعل تبدو هذه الجزيرة كافية لأعيش؛ فكل سبل ~~الحياة تتوفر هنا؛ ثمة جذوع مقطوعة من الشجر، وبجانبها سبيكة ~~معدنية حادة قادرة على قطع أي من الجذوع، جذوع مستعدة في أية ~~لحظة لتكون مركبي في أي رحيل قادم .. اقتربت من الجذوع وإذ بي أرى ~~عدة حبات من الفواكه الاستوائية تبشرني بأنني لن أموت جوعا، فثمة ~~الكثير منها. بل أكثر من ذلك، إنها تعترف صراحة أن ثمة بشرا ~~يعيشون هنا يقطعون الجذوع ويقطفون الفواكه. # بعد لحظات من وصولي سمعت صوت عزف يشبه صوت الناي، يدندن على ~~لحن أغنية «أعطني الناي وغن.» وهنا قطع الشك باليقين، لقد سبقني ~~بشر إلى هنا بالفعل .. ابتهجت وأخذت أنادي مغنيا: «فالغنا سر ~~الوجود.» توقف العزف، وناديت بصوت أعلى: «الوجود .. ~~الوجود.» # مرت دقيقة من صمت متوجس، قبل أن تطل علي امرأة ثلاثينية ~~جميلة جدا لولا أن شعرها مقطوع بصورة مريبة، كأنها قطعته بنفس ~~السبيكة التي قطعت بها الجذوع، ترتدي فستانا مزركشا، ولا ترتدي ~~حذاء. تحمل بيدها قطعة من قصب السكر، نحتتها وصنعت منها نايا، ~~أو ما يشبه الناي. # يا إلهي كم تبدو الحياة سهلة! أيعقل أن تكون النجاة بهذه ~~السهولة؟ بالفعل كانت ستكون بهذه السهولة لولا أنها صاحت في وجهي: ~~«ارحل عن جزيرتي.» # 2 # أيعود ناج من البحر مصادفة إلى البحر الذي شرع بقتله؟ ولست ~~أتساءل عن أي ناج، أتحدث عني أنا الذي أريد النجاة بكل ~~السبل! أيعقل هذا؟ ببساطة لا، لم أعد إلى البحر ولم أعرض نفسي ~~لأية مخاطرة، ولكني وفي الوقت نفسه قد لبيت رغبتها فابتعدت ولم ~~أرحل. شعرت ms02 أنني بهذا إنما أنقذ نفسي منها، هي التي قالت إن تلك ~~جزيرتها ولا تريد لأحد أن يشاركها فيها. ولكن أيعقل لامرأة ~~مجنونة حافية ذات شعر مقطوع تعيش وحدها في جزيرة رحبة أن تقتل؟ لا ~~يهمني أن أعرف فلست أريد أن أعرف شيئا. # إني، والحق أقول، أرفض أن أنزلق إلى أية فكرة أو أسئلة قد تقودني ~~يوما ما إلى البحث في معنى الحياة، فمن معرفتي بنفسي قد بدا ~~واضحا أنني أريد أن أحيا وحسب .. علي إذن أن أواصل السير، كما ~~أفعل الآن، على غير هدى. # مشيت في جزيرة لا أعرفها ولا أعرف إن كانت هي نفسها التي ~~وصلتها سابقا أم لا، فلست أرى جذوعا ولا ثمارا ولا صوت ناي، ~~وبعد ساعة من حياتي أنفقتها في المشي وصلت إلى المرأة الثلاثينية ~~مجددا. # بدأ الأمر أنني سمعت صوتها تحكي مع إحداهن، واستطعت أن ألتقط ~~بعض الكلمات قبل أن أصل إليها. كانت تقول لإحداهن أنها تعفنت، ~~وقالت أيضا: «ستزولين ككل باطل زائل .. ولكن ماذا بعد ~~الفناء؟» # ولم أسمع أكثر من ذلك .. وهل كنت بحاجة لأكثر من ذلك حتى أشعر ~~بالريبة والخوف من تلك المرأة الغريبة؟ .. الحقيقة أن المشهد الذي ~~شاهدته لا يقل غرابة عن الصوت. فلم أجد الأخرى التي كانت ~~تحدثها، أما هي فكانت تقف في منطقة مرتفعة إلى الأعلى مني، وإلى ~~الأسفل منها صخرة تحجب عني رؤية التفاصيل، وبجانبها ثمة شجرة باسقة ~~تتدلى من أحد أغصانها ضفيرة صفراء حادة كما الشمس، تمتد الضفيرة ~~إلى الأسفل بحيث تتوارى في نهايتها وراء الصخرة، وتبدو الضفيرة ~~مشدودة إلى الأسفل بحيث ينحني الغصن ولم ينكسر. وبدا واضحا إلى ~~حد اليقين أن تلك الضفيرة كانت منذ أيام قليلة تشكل امتدادا ~~لشعر المرأة المقطوع. # اقتربت خطوة لأفهم إلى أين تمتد الضفيرة، فإذ بي أشتم رائحة ~~نتنة تهبط من الأعلى، وهنا امتزجت الغرائب الثلاثة؛ الصوت والصورة ~~والرائحة، وشكلت في داخلي شعورا واحدا غريبا حفز فضولي ~~لأفهم ما الذي يحدث، فاقتربت أكثر وأنا أهم بالصعود إلى الأعلى، ~~فأسرعت المرأة إلى الصخرة ms03 واضعة كفيها على أطرافها وصاحت في ~~وجهي: خطوة أخرى كفيلة بأن أحطمك بدفعة بسيطة من يدي لهذه ~~الصخرة! # تسمرت ولم أجبها بشيء، فرمقتني قليلا وواصلت: أستطيع ذلك ~~.. أجل .. أنا أستطيع أن أدفع الصخرة، ألا تصدق؟ # أخذت خطوة إلى الوراء؛ فقد بات واضحا لكم أنني لا أريد أن ~~أموت، وها هي ذي تهددني بحياتي كما فعلت في السابق، إنها ترفضني ~~قولا واحدا كما فعلت في السابق، هي لا ترفضني لشخصي بل ترفض أن ~~يشاركها في الجزيرة أحد، أي أحد. وهي صادقة أشد الصدق في تهديدها ~~لي، وقد بدا ذلك واضحا في وضعية جسدها وملامح عينيها المكتظة ~~بالافتراس، وقد باتت تشبه قطة حشرت في ركن ضيق وتخبئ خلفها ~~صغارها، فيما تحدج المعتدي بنظرة تملؤها الشراسة. أما أنا فلم ~~أعتد على أحد، ولست أعرف إن كانت تخبئ عزيزا كصغار القطة ~~وراءها، وتستعد لأن تقتل لأجله أم أنها محض مجنونة. كل ما ~~أعرفه أنها قطعت بالسبيكة ضفيرتها وعلقتها ولكن ما شأني أنا؟ ~~فلست أطمح بعد الآن أن أعرف أي شيء عنها .. أريد أن أحيا وحسب .. ~~وهي قادرة على قتلي؛ فإن كنت أنا الضعيف والعاجز قد تمكنت ذات لحظة ~~انفعالية بأن أقتل، فكيف بها وهي التي تعرف أكثر من أي أحد في ~~الكون كل شبر من هذه الجزيرة .. حتما تستطيع قتلي. ~~- ما خطبك؟ # قالت وهي تحافظ على وضعيتها الهجومية فعدت خطوات أخرى إلى ~~الوراء حتى أصبحت في مأمن من صخرتها، وحينها تملكتني نوبة لا ~~بأس بها من الجسارة، وقلت لها بأنني لم أرحل عن الجزيرة ولن أفعل؛ ~~فليس من حق أحد أن يستولي على ما هو مشاع، أخذت نفسا من الصمت ~~وأردفت: لن أجازف بحياتي مرة أخرى؛ فأنا أرفض الموت .. لن ~~تقتليني، أتسمعين؟ لقد نجوت مرارا من الموت ولن أعطيه فرصة ~~أخرى للتمكن مني .. سأبتعد عنك الآن، ولكن دعيني وشأني. # لم أكن أريد ذلك البتة .. كثيرة هي الأشياء التي لم أكن أريدها، ~~حلمت بأن أصل اليونان بدون شقاء وألتحق بزوجتي، وهناك سنعيش ~~معا، وننجب ما ms04 يكفي لأكون ربا لعائلة كبيرة وممتدة. أما إن لم ~~أستطع فكان يكفي أن أمارس وجودي هنا مع امرأة جميلة لولا شعرها ~~المقطوع، ومن يدري فقد يصبح جزءا من جمالها! أما الآن وبعد أن ~~اصطدمت بالخطر في البحر وهنا، فلم يكن مني إلا أن أحتفظ بحياتي ~~وأنجو، ابتعدت وأنا أقول لها: سأرحل بهدوء عن هذه البقعة وأجد ~~لنفسي مكانا آمنا أعيش فيه .. صدقيني لن أزعجك. # ما لبثت أن أدرت ظهري حتى أوقفتني منادية: سآتي معك. # 3 ~~«وماذا تفعلين هنا؟» سألتها، فأجابت: «أنتظر زرياب.» # وراحت تعزف كما اعتادت أن تفعل، إنها تجيب ولا تتحدث إلا ما ~~ندر، كان علي أن أجد صياغات مختلفة للأسئلة ذاتها حتى أعرفها ~~جيدا، وقد فعلت. # عرفت أن اسمها هارمونيكا، وهذا ليس اسمها الحقيقي، بل هو الاسم ~~الذي منحه لها زرياب، وهذا أيضا ليس اسمه الحقيقي .. قد أسماها ~~هارمونيكا وأسمى نفسه زرياب .. كانا معا في كلية الفنون، هو ~~مغن وهي عازفة .. ليس ثمة ما هو مثير في قصتها إلا أنها وعندما ~~سألتها عن اسمها الحقيقي، أجابتني: «لا أتذكر». حينها عرفت كم ~~من الوقت انقضى وهي تمكث ها هنا في جزيرة لا يقطن فيها إنس ولا ~~جان. # كان علي أن أعرف المزيد ولكنها لا تجيد الاسترسال، أو هكذا ~~بدت في البداية، لا تجيد إلا العزف .. كانت تعزف عبر ما يشبه ~~الناي، تكرر اللحن نفسه وأحيانا تغني أثناء العزف: «أعطني ~~الناي وغن». ولأعترف أن شيئا ما راقني فيها، ليس الصوت ولا ~~الكلمات، ربما أثارتني الطريقة التي تردد فيها عبارة: «بعد أن ~~يفنى الوجود» .. كانت تكررها باستمرار، وبشعور آخذ في الشرود ~~والحزن أحيانا. كأنها بتلك الغصة في صوتها كانت تريد قول شيء ما، ~~وهي لا تقول إلا عندما تسأل؛ لذا سألتها حول انتظارها البائس: كم ~~مضى من الوقت وأنت هنا؟ # أجابت ببرود: لا أتذكر. # من البديهي أن أظن أنها فقدت الذاكرة، لكنها تعرف أن لها عاشقا ~~اسمه الجديد زرياب، وأنها درست الموسيقى والآن تعزف .. إنها تعرف ~~شيئا ما عن ذاكرتها، ترددت ms05 قليلا ثم أردفت : إذن فقد انقضى وقت ~~طويل على حياتك هنا. ~~- هكذا يبدو. ~~- ماذا فعلت به؟ ~~- كنت أنتظر .. # هذه المرة لم توجز في الحديث، ربما شعرت بإلحاحي وربما كانت تحب ~~الحديث عن الانتظار، وهذا ما دفعها للإسهاب، فراحت تحكي لي عن ~~انتظارها الطويل لزرياب .. كل تلك السنوات تخطتها في انتظار من ~~لن يأتي .. ذكرتني بلاهتها بمسرحية «في انتظار غودو». تذكرت ~~أن أحدا لن يأتي مهما طال الانتظار .. ألم يأن للبشر أن يمتنعوا ~~عن الانتظار بعد تلك الصفعة التي صق «غودو» بها وجههم؟ أما زال ~~البشر ينتظرون؟ لقد غضبت، إني أعترف، هناك ما يثير الغضب حتى لو ~~عزفت عن معنى الحياة؛ فالأمر مثير للحنق حقا! رفعت صوتي ~~قليلا: وهل يعرف أين أنت؟ وهل تعرفين أنت ذلك؟ وإن كان سيأتي ~~فلم يدعك ترحلين وحدك؟ ويتركك كل تلك السنين ~~تنتظرين! ~~- لا أعرف. # لقد عادت إلى الإجابات القصيرة. يبدو أنها من ذاك النوع من الناس ~~الذين يخشون معرفة الحقيقة، الحقيقة القاسية، تلك الفجة المتجبرة ~~بنا نحن بني البشر .. لقد أخبرتني فيما بعد أنها لا تعرف أين هي، ~~ولا هو يعرف. وألحقتها بكلمتين باردتين: أسئلتك غريبة. # لم يكن مني إلا أن أضحك وبكل ما أوتيت من دهشة، ورفعت صوتي ~~أكثر مع شيء من الضحك: غريبة؟ حسنا، كم تأخر عن موعده، أتعرفين؟ ~~أم هو سؤال غريب آخر؟ ~~- لا أعرف شيئا عن الوقت .. يبدو أنك من أولئك الذين يثيرون ~~الشفقة. # لم أستطع التوقف عن الضحك وسألتها: وهل ثمة من صنف بشري ~~يدعى الصنف المثير للشفقة؟ # وواصلت ضحكي فيما رفعت صوتها ليطغو على ضحكتي: أولئك الذين ~~يعلقون حياتهم بمحض رقم جامد، يمشي وتلف عقاربه .. يتصاعد ثم ~~يعود إلى نقطة الصفر .. أربع وعشرون ساعة تسير يومنا، تمشي بنا ~~وتعود وتعيدنا إلى حيث البداية. # أجبتها بجدية: لا يمكن أن أتصور الوقت رقما ويمضي .. لقد ~~عملت في مصنع ما، وكانت حياتي كلها مرهونة بالوقت .. ثمة ساعة ~~للطعام وأخرى لبدء العمل وغيرها للانتهاء، ووقت للحصول على الأجر، ~~و... # قاطعتني بهدوء: ثم ما ms06 تلبث أن تبدأ من جديد دون أن يأبه الوقت ~~بمعاناتك .. هي ذي الحياة يا عزيزي: أن تفعل أي شيء يقتل ~~الوقت. ~~- اسمعي .. لقد قررت أن أعزف عن مجرد التفكير بمعنى هذه الحياة ~~.. يكفي أن أعيشها .. ولكن .. لحظة، أنت لا تعرفين ما معنى الوقت! ~~.. ربما لأنك نأيت بنفسك عن العالم الذي نعرفه، وربما لأن منطق ~~الجزيرة لا يتوافق مع منطق العالم، لا يهم .. إن الوقت أقسى من ~~محض رقم .. هو يشبه زجاجة ماء أخيرة لهائم يمشي في عرض الصحراء ~~.. كلما شرب شربة ينقص الماء ولا سبيل لعودة قطرة واحدة مما ~~يستهلك .. ويراقب الهائم الماء في الزجاجة، هو بذلك يراقب كم بقي ~~عليه ليموت .. هكذا الوقت هارمونيكا .. الساعة تعود إلى نقطة ~~الصفر، ولكنها قبل ذلك تسلب منا يوما من حياتنا نخسره إلى الأبد ~~.. ونحن باستهلاك يوم آخر من حياتنا إنما نقترب يوما من ~~الموت. # لقد كانت طول الوقت تنظر في وأنا أستطرد أكثر في الحديث، وما ~~إن انتهيت حتى أدارت وجهها .. واتضح لي بصورة جيدة أنها لم تتفق ~~مع ما أقوله، وما لم أفهمه هو شرودها في تلك اللحظة. لم أستطع أن ~~أفهم أين ذهبت، وكل ما حدث أنها عادت للعزف مجددا، وراحت ترفع ~~صوتها مغنية: «فأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود.» لقد أربكني ~~تجاهلها، فاصطنعت معركة معها، وقلت منفعلا: لا أنين الناي ~~ولا الموسيقى ولا شيء يبقى يا عزيزتي. # توقفت عن العزف وقالت بهدوء: يبقى الجمال. # وواصلت العزف كأنها تخبرني بأنها لا تريد معارك معي، ولكني لم ~~أسمح بأن نصمت .. أريد أن أمارس أي شيء من حياتي، لا يمكن أن ~~يكون الصمت جزءا من الحياة .. أردت يومها أن أحكي وأمشي ~~ونتسامر ونغني حتى الهزيع الأخير من الليل .. أن نفعل أي ~~شيء. # مضينا ليلتنا ما بين كر وفر كلاميين، لقد جذبتني بأبسط ~~الأشياء .. ليس بغنائها ولا بعزفها وحسب .. كان يكفي أن أنظر إليها ~~وهي تحك ما بين أصابعها المتسخة، لقد فعلتها أكثر من مرة ~~وبمنتهى البساطة .. هارمونيكا لا تعرف أن البشر ms07 يرتدون الأحذية، ~~لقد نسيت ذلك، وقد قاست سنين طويلة وهي تنتظر زرياب .. أخبرتني ~~عن الوحدة والانتظار .. إنها تعرف الوحدة بأقسى حالاتها .. ولم ~~تقنط من الانتظار .. إنها تؤمن بأنها تعيش معنى الجمال .. ذاك الذي ~~نصنعه، كما تقول، ثم نجعله يشكلنا كما يشاء، ثم تردف «الجمال ~~عدو المنطق.» أما أنا فبالطبع شعرت بسخافتها .. أجل إنها سخيفة ~~بل سخيفة جدا .. ولكن أيمكن أن أقول لامرأة تعجبني أنها ~~سخيفة؟ # على مشارف الصباح سألتها: كيف وصلت إلى هنا؟ # فأجابت بأنهما اختارا .. هي تؤمن بأن الإنسان وحده من يختار، ~~وهو حر في ذلك .. هو مجبور بأن يكون حرا في خياراته. هنا أيضا ~~كان علي أن أضحك، وكان عليها أن تدافع عن نفسها من سخريتي ~~وتكرر بوضوح أعلى: بالطبع الإنسان هو من يختار، وهذا مقلق ~~لأمثالك؛ فهو يجعلك مسئولا عن خياراتك في الحياة، وهذا ما يجعلك ~~كثير التفكير قليل الممارسة. # مرة أخرى تزعجني .. ومرة أخرى أتجاهل الأمر، وتركت لها أن ~~تواصل قصتها بعيدا عن فلسفة الاختيار الساذجة، وما إن أنهت ~~بعضا من قصصها فهمت أنها لا تذكر إلا ما يتعلق بزرياب، فهي تعرف ~~أنه تركها تسافر وحدها ليلحق بها بعد يومين، ولكنها لا تعرف كيف ~~سافرت، تعرف لماذا اختارت البحر معه ولكنها لا تعرف كيف وصلت ~~الجزيرة. ~~- وماذا بعد؟ # قلت وكلي دهشة مما تتصرف، فأجابت: أنتظره، ليأت. ~~- حتى الآن؟ # هزت رأسها قبل أن تقول: نحن مجبرون أن نجد شيئا ما ننتظره ~~حتى لا نموت. وكما فهمت فأنت لا تريد الموت. # بات واضحا أن كلانا يريد أن يحيا .. ولكن ما معنى ذلك؟ لقد ~~أخبرتها بأنني كنت أسعى للحاق بزوجتي، وهناك سأمارس وجودي، وهل ~~لهذا معنى أيضا؟ لا أعرف. لا أعرف شيئا .. كان واضحا لكلينا ~~أنني لا أريد إلا أن أتزوج وأتناسل وأظل إلى الأبد موجودا .. ~~قلت لها إن الجمال يفنى .. تجرأت واعترفت بأننا لسنا أحرارا ~~وأن الجمال لا معنى له إن انتهينا. # كل ما في الأمر أنني أردت عائلة فهي الأثر الوحيد المضمون في ~~هذا العالم .. أما هارمونيكا ms08 فلم تجبني بشيء .. مجددا تصمت، ترفض ~~شيئا ما مني، لا أعرف ما هو .. ها أنا ذا أعود إلى الأسئلة مجددا ~~.. ولكن لا بأس فقد كان يجب أن أسألها مجددا «ماذا بعد؟» لترد ~~بنفس الإجابة، لأسألها بإلحاح: ولو جاء زرياب مصادفة، ماذا ~~بعد؟ ~~- سأعانقه. ~~- وماذا بعد؟ ~~- نغني معا، فهو يمتلك صوتا جميلا. ~~- وماذا بعد؟ ~~- نجلس على الشاطئ ونحصي النجوم. ~~«يا لسخافتها!» قلت في سري وسألتها بصوت أكثر وضوحا: ماذا ~~بعد؟ ~~- لا شيء! ~~- حسنا .. لا شيء إذن. ~~- أجل. لا شيء. # غضبت وأردفت: حرفيا لا شيء .. أنت وهو ووجودكما والناي ~~والجمال .. فناء .. ليس ثمة ما يبقى بعد الموت! ~~- يبقى الجمال، ألم أخبرك؟ # إنها مصرة إذن على هذا النوع الساذج من المثالية. قلت بشيء من ~~الهدوء: كل شيء زائل! .. فما معنى الجمال إن غبنا عنه؟ وما معنى ~~الوجود بأكمله إن غاب من يدركه؟ صدقيني: نحن عابرون رغم كل ما ~~نفعله؛ صراعاتنا، حقائقنا الصغيرة والكبيرة، انتظاراتنا التي تسخر ~~منها، كلها ستهوي إلى عدم لحظة موتنا! ~~- شيء ما يبقى .. وإلا لم نحيا؟ # غابت مجددا في عزفها وغبت مجددا وأنا أومن بأن شيئا ~~ما يبقى .. أعرف جيدا أن حياتنا ما هي إلا رحلة من الولادة إلى ~~الموت، وأن وجودنا ما هو إلا محاولة لأن نخلد الطريق والرحلة، ~~لقد ذقت من البؤس أكثر من غيري، ورغم ما عشته من تعاسة وفقدان، ~~إلا أنني ازددت إيمانا بحقيقة بسيطة خاصة بي وهي أن الحياة نفسها ~~هي مشروعي في الحياة، ولكن هارمونيكا لا تفهم .. لا تفهم ولا تريد ~~أن تفهم، وأنا أومن مثلها أن شيئا ما يبقى. نظرت إلى عينيها وهي ~~تعزف، وقلت فيما أنا أنظر إليها: أجل .. شيء ما يبقى. # ابتسمت وواصلت العزف، وهنا تعبت منها، تعبت من تجاهلها عن جهل ~~أم قصد، لست أعرف، فأوضحت: ليس الجمال .. قد يكون الموت هو ~~الحقيقة الأقسى، وأننا بوعينا لحقيقة الموت إنما نعي قسوة الحياة ~~نفسها؛ لذا وجب على البشرية أن تتحايل على الموت. # توقفت عن العزف، فقلت مصارحا: ما الجدوى من الجمال ms09 إن كان ~~صاحبه سيموت؟ لمن سيبقى؟ ~~- للبقية من الأحياء، ألا يكفي؟ ~~- لا .. يجب أن يبقى شيء منا أولا. # لقد ضحكت وهي تقول: أسخف فكرة للخلود هي التناسل ~~للوجود. # إذن فهي تفهمني منذ البداية .. ورغم ذلك لم أكتف بهذه الإجابة ~~وطلبت منها أن توضح أكثر، فقالت: إنها فكرة تزدرينا وتستخف ~~بإنسانيتنا .. تجعل منا محض مركب محمل بالجينات .. وفي اللحظة ~~التي تتسرب جيناتنا إلى أولادنا نفقد أنفسنا تماما. ~~- ولكنها قبل ذلك تضمن لنا الاستمرار. ~~- وما الجدوى؟ أي حيوان تافه، يا عزيزي، يستطيع فعل ذلك ~~وبكل تواضع، ولا يضطر لأن يصرع الدنيا أنه تمكن من تمرير ~~جيناته .. أترى كم تزدرينا هذه الفكرة وبكل قبح؟ ~~- ومن قال إن الحقيقة دائما جميلة؟ # عادت إلى صمتها، دون أن أفهم هل تتجاهلني، أم تسخر مني، أم ~~أنها تشرد مجددا؟ كل ما أعرفه أنني أحتاجها بقدر ما أحتاج ~~الحياة. ولو أنفقت تلك الساعات في الثرثرة بأمور كهذه فذاك لم يكن ~~إلا محاولة لأن أكون معها. # 4 # استيقظت ولم تكن .. ناديتها ولم أسمع أيما إجابة، رفعت صوتي ~~مغنيا: «وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود.» لقد ناديتها ~~بكلمات الأغنية كاملة، وأحسست بشيء في داخلي يسخر مني؛ ذاك أنني ~~أرفض هذه الكلمات، ولا تعنيني الأغنية في شيء. يبدو أنني من ذاك ~~النوع الذي يمتلك قدرة مهولة على الإلقاء بأفكاره مهما كانت، ~~ويتبنى أية فكرة تربطه بالمرأة التي يرغب بها ويريد أن يحيا ~~معها. # لم يكن علي إلا أن أمشي وأعود إلى منطقة «الخطر»، تلك التي لا ~~تريدني أن أعرف شيئا عنها، هناك حيث الشجرة والضفيرة والرائحة ~~النتنة، وبالفعل ذهبت ورأيتها دون أن تراني، لقد قطعت بالسبيكة ~~جزءا آخر من شعرها، كانت تبدو كمازوخي يهوى تعذيب نفسه، تقطع ~~من شعرها كمن يقطع من جلده ولحمه .. ثم تنزل وتتوارى خلف الصخرة، ~~وبعد هنيهة تصرخ .. أجل لقد صرخت، وقالت: «لا شعر يكفي!» ثم ~~بكت، وقالت: «الديدان ستجد لنفسها ألف منفذ إلى هذا الجسد البائس.» ~~وما هي إلا لحظات حتى وقفت وراحت تحكي بانفعال ms10 عارم كممثل ~~تراجيدي يؤدي مونولوج النهاية: «أنا الآن هنا .. لقد تحدثت مع ~~الغريب .. أعرف أنك ترفضين ذلك. لا لم أطرده، لقد كذبت، لم أكذب، ~~بل طلبت إليه الرحيل في البداية ولم يفعل .. أنا أحتاجه .. تعرفين ~~ذلك حق المعرفة .. وحده من يتيح لي ممارسة وجودي .. أما أنت؟ ~~أنت الآن لا شيء .. فناء ثم لا شيء .. لقد انتهيت تماما، ~~أتعرفين؟ قبل كل شيء قد انتهيت .. زرياب أنهى حياتك منذ زمن طويل ~~.. تعفنت وأنت تنتظرين من لن يأتي .. والآن ماذا؟ أنا هنا ~~وأنت لا شيء .. من منا يستطيع الاستمرار؟ قد يأتي الغريب ~~ويتعثر بجثتك ولكن ما معنى ذلك؟ هل يعني موت كلينا؟ أم موت ~~واحدة وحياة الأخرى؟ .. حتى الآن، أنا الباقية .. ككل شيء، كفكرة ~~الغريب عن الجينات .. البقاء للأصلح .. للفكرة الأفضل .. للأقوى .. ~~اختاري ما تشائين، لا يهم، وإن كان لكل هذا معنى فهو أن من حقي ~~أن أختار حياتي وأستمر فيها كما أشاء الآن وهنا.» # انتهت من حديثها وانطفأت حرقتها شيئا ما مع المحافظة على شيء ~~من الغضب، ثم قفزت لتنزل من الأعلى إلى الأسفل، تعثرت بحجر صغير ~~جدا، وكادت تقع لولا أنها تمالكت نفسها في آخر لحظة، لقد نظرنا ~~معا إلى قدمها، كانت تقف على رءوس أصابع قدم واحدة .. كلانا ~~استغرب الأمر .. وبعد هنيهة واصلت نزولها برقصة ملفتة، والتقت ~~بي في الأسفل، وهذا ما أحيا غضبها مجددا. ~~- ماذا تفعل؟ # لقد اشتعل عدد مهول من الأسئلة في رأسي، ولم أعرف من أين أبدأ، ~~إلى أن سألتها في نهاية الأمر: لم تقطعين شعرك بهذا ~~الشكل؟ # أجابت بحسم: لا شأن لك. # ولم تطلب إلي الرحيل بل وقفت صامتة، ولأول مرة يكون الصمت ~~بهذا الثقل، لقد كان صمتا طاغيا وكثيفا كالوحل، إنها لا تخفي ~~سرا، بل حياة كاملة لا أحد يعرف عنها شيئا .. لم أعتد ~~الإلحاح ولكن صمتها يلح على فضولي .. ربما ليس الفضول .. ثمة ~~ما هو أبعد من ذلك، قد تكون الرغبة، بادئ الأمر كانت محض رغبة ~~بالبقاء وعدم الموت .. رغبة بالتناسل .. أما الآن فهي ms11 رغبة جامحة ~~بالدخول إلى عالمها .. لقد سألتها عن شعرها مجددا وحياتها، وعن ~~الجثة التي كانت تحدثها في الأعلى، وبقيت أسأل وهي لا تجيب ~~إلى أن انفجرت: لا شأن لأحد في حياتي .. لقد أنهى حياتي، أتعرف؟ ~~زرياب .. أجل زرياب أخفى ملامحي وحياتي وأنا أبهت يوما بعد يوم ~~.. أنا لا أذكر اسمي، أتعرف؟ لا أعرف شيئا عني .. أعرف أن أبي لم ~~يكن يحبني وأن أمي امرأة مسكينة ولا شيء آخر .. أما الآن ومنذ ~~أقل من دقيقة فقط، فأتذكر أنني .. # تنهدت ثم قالت بهدوء: أنا لست عازفة .. لقد دخلت قسم الرقص .. ~~زرياب من أرادني موسيقية. # أخذنا جولة أخرى من الصمت قبل أن تقول ببرود وهدوء مفاجئين: لا ~~أحب العزف يا رجل! .. أتعرف؟ زرياب لا يستطيع العزف .. وصوته قبيح ~~أيضا .. نعم صحيح .. صوته نشاز .. أجل أجل نشاز .. أيستحق رجل ~~بصوت بشع ونشاز أن أنتظره كل ذلك الوقت؟ # قلت محاولا إخفاء ضحكتي: أريد أن أضحك، ولكني خائف .. أيغضبك ~~لو ضحكت؟ # هي من ضحكت لحظتها، وهنا تيقنت من أنها ليست سوية العقل .. ~~«فليكن، وماذا يضير؟ المجانين والفئران والبشر يتناسلون». # انتهت من الضحك لتبدأ بالرقص وحدها، «ألم أقل إنها مجنونة؟» ~~رقصت، هكذا، فجأة .. وليس هذا وحسب، بل جذبتني من يدي وراقصتني ~~.. أنا لا أعرف الرقص ولكني راقصتها .. وما هي لحظات من رقص لا ~~معنى له حتى بدأت تغني وهي تراقصني .. لقد غنت مقاطع من ~~جدارية محمود درويش، وشاركتها الغناء، وكررنا هذا المقطع ~~مرارا: «هزمتك هزمتك .. # هزمتك يا موت الفنون جميعها .. # هزمتك وانتصرت وأفلت من كمائنك الخلود # فاصنع بنا واصنع بنفسك ما تريد .. # وأنا أريد .. أريد أن أحيا.» # لقد رفعت صوتي معها مغنيا: «أريد أن أحيا.» وتوقفنا لحظتها ~~عن الرقص بشفاه قريبة جدا، فحاولت تقبيلها. أبعدتني، فقلت: «لم ~~أقصد». ردت بسخرية: «عفوا؟» هنا كان يجب أن أغير الموضوع، ~~وأقول: كليشيه .. أقصد أن نغني ونرقص على هذا المقطع في مكان ~~كهذا، كليشيه، ولكنه غير مزعج فهو يناسب الحالة. # ردت بجدية: متى ستفهمون يا معشر الرجال، أن الرقص ليس تأشيرة ms12 ~~دخول للجنس؟ # لا أعرف من أين أتتني الجسارة وسألتها: لم لا؟ # السؤال الصريح ساعدها كثيرا لتجيب بوضوح: لأني لست مركبا ~~لجيناتك .. أنت تريد الاستمرار وحسب! ~~- وأنت؟ ~~- أريد أن أمارس وجودي وحسب. # ضحكت وأنا أقول: هذه عبارتي أنا .. قلتها لك سابقا أليس ~~كذلك؟ ~~- لا تقلها .. بل مارسها .. دعنا نمارسها معا دون ممارسة ~~للجنس، أيمكن ذلك؟ # اتضح أن كلانا اتفق ضمنا على الحديث بهذا الأمر وبمنتهى ~~الصراحة، وغدا واضحا مدى حاجتي إليها .. لشخصها ولرحمها .. من ~~المؤرق أن تعطيني الجزيرة أملا بالنجاة ولا أجد فيها أي سبيل ~~للاستمرار .. لقد حدثتها عن أمي وعن حلمي بالعائلة الكبيرة ~~الممتدة .. حدثتها عن الخوف والعجز السابق في الإنجاب. # لم أتمكن يوما من الإنجاب .. الخوف يمنع أي إنسان من فعل هذا ~~.. الخوف .. ذاك الشعور اللعين الذي يجعل مني عاجزا عن أبسط ~~الأمور .. رفضتني زوجتي وهاجرت إلى اليونان .. بقيت وحدي مع أمي، ~~ولم تكبر العائلة بل نقصت زوجتي قبل أن أخسر أمي أيضا .. كان يجب ~~أن أهاجر إليها، هناك، حيث الأمل في مستقبل أكثر وضوحا وأقل خوفا ~~.. لقد عشت الخوف بكل حالته .. قاسيت في المصنع وفي الفقر ~~والفقدان، لقد مارست القتل والدفن والهرب .. ولم أمارس يوما ~~الحياة بمعناها البسيط والهادئ .. أخبرتها بكل هذا وحدثتها أنني ~~أشبهها بطريقة أو بأخرى، فهي تنتظر من لن يأتي، وأنا ذاهب إلى ~~من لا ينتظرني .. زوجتي هربت ولا تنتظرني .. وعندما قررت الذهاب ~~إليها لم أكن أعرف إن كنت سألتقيها أم لا، وإن التقينا فلست أعرف ~~إن كنا سنكون معا أم أننا سنفترق بشكل أكثر وضوحا وحسما .. ولكن ~~كان يجب أن أفعل شيئا. كنت بحاجة لأن أتحرك متجاوزا ما كنت فيه ~~من سكون. # ورغم كل ما قلت، فقد رفضتني مجددا، ولكن رفضها هذه المرة كان ~~حزينا .. لقد قالت إنها لا تريد أحدا .. لقد أقسمت لي أنها ~~موجودة، دون أن أفهم، وأن الموجود بالضرورة حر .. وهذا ما يقلقها: ~~يؤرقها التفكير بوجودها، وحريتها كشخص موجود، ومعنى حياتها الذي ~~تصنعه عبر الحياة. «أجل، إنها ترهق نفسها بترهات كثيرة ms13 من هذا ~~القبيل.» # وأنا أيضا بت أشعر بامتعاض شديد ثم قلت وفي داخلي توسل ~~أرعن: «لا يكفي أن أكون وحدي لأكون قبيلة.» # وقد انتقيت هذه الكلمات تحديدا من نفس القصيدة كي أجد جسرا ~~للتواصل بيننا؛ فإن كانت ترفضني لشخصي فقد تتقبلني لاقتباسي من ~~قصيدة استخدمتها آنفا وتحبها. ولكنها ترفض الفكرة ولا ترفضني ~~لشخصي، فقد قالت: القبيلة لا تعني لي شيئا، ولا المجتمع، ولا ~~الخلود .. أريد أن أكون .. وأيضا أريدك جانبي، فلا تتخل عني .. ~~ولكن أرجوك توقف عن محاولاتك بالتقرب من جسدي. ~~- سأنسحب من كل المحاولات، ولكن ألا تظنين بأن الحرية التي ~~تحدثت عنها قادرة لوحدها أن تلغي مجتمعا كاملا محتملا على ~~هذه الجزيرة ويحق له أن يوجد؟ ~~- أرأيت كم هو قاس أن يعي الإنسان لوجوده؟ لو كنت أرنبا ~~لتناسلت دون أن تعي .. المأزق الإنساني بدأ من لحظة إدراكنا ~~لوجودنا. # ابتعدت وهي تقول: سأفكر بذاكرتي .. فقد أستطيع البدء من ~~هناك. # وبالفعل، راحت تسترجع ذاكرتها في محاولة لأن تكون موجودة، دون ~~أدري ما الذي يدفعها لتثبت بل وتقسم أنها موجودة .. بدأت تحصي ~~الضفائر لتحصي سنوات حياته على الجزيرة، وصمتت طويلا وهي تفكر ~~محاولة لتعرف شيئا عن ذاكرتها، اسمها، عائلتها، أبيها، وكل ما ~~يتعلق بماضيها. # لقد توقفت عن انتظار زرياب، وراحت تنقب في ذاكرتها لتبدأ ~~حياتها، أما أنا فقد بدأت أنتظر بجدية سفينة متجهة إلى اليونان ~~.. وهنا سألتني: «أحقا تنتظر السفينة؟» فقلت: «سفينة متجهة إلى ~~اليونان.» ضحكت قبل أن أردف: «نحن مجبرون أن نجد شيئا ما ننتظره ~~حتى لا نموت، أليس كذلك؟» # ربما كان كلانا يسخر من نفسه، ولكن لا بأس .. ففي لحظة كتلك، أن ~~يلتقي مجنونان سيموتان يوما ما، فليس أمامهما إلا البحث عن دوافع ~~لوجودهما .. استسلمت لهذه الحقيقة المرفوضة بالنسبة لي، ولم ~~أتوقع يوما بأنني سأتصالح معها. لقد كررت هارمونيكا عبارتها حول ~~الانتظار، ولكنها هذه المرة أردفت معترفة: ~~«إن وجودي هنا لم يكن إلا مقاومة مستمرة لفكرة ~~الانتحار.» # 5 # لقد انتحرت هارمونيكا. # قالت لي يوما إن الانتحار خيار أكثر سخافة من ms14 الحياة نفسها، ~~وإن الحياة برمتها ما هي إلا تحد لفكرة الموت، ورغم هذا فقد ~~انتحرت. # بدأ الأمر عندما أضعتها مجددا، فذهبت إلى الشجرة والضفيرة، ~~صعدت إلى الأعلى، لفتني كم هي طويلة ضفيرتها ومع كل جدلة في شعرها ~~كان هناك حياة لها على هذه الجزيرة .. ذهبت بنظري إلى آخر الضفيرة ~~وراء الصخرة فصدمني أنها صنعت من الضفيرة حبل مشنقة وكان ملتفا ~~حول عنق امرأة بلا ملامح واضحة، ولكني افترضت ضمنا أنها جثة ~~هارمونيكا. # اهتزت ركبتاي وسقطت إلى الجثة ذات الرائحة النتنة، ولم أستطع ~~أن أحتمل فكرة أن أكون أنا قد تمكنت من القتل ذات جنون وهي قد ~~استطاعت أن تقتل نفسها ذات فاجعة .. لم أكن أعرف إن كان الحزن الذي ~~شعرته هو حزن على فقدان من لم أعرفه جيدا، أم هو حزن على مستقبل ~~فارغ في جزيرة فارغة، أم هو تعاطف فطري، أم هو رفض لفكرة أن ينهي ~~أحد حياته .. أم هو حزن من نوع آخر. # لا يهم .. أما المهم فهو أن هارمونيكا جاءت ورأتني أمام الجثة ~~.. «الأمر جنوني أليس كذلك؟» ربما .. ولكن هذا ما حدث .. لقد جاءت ~~من وراء ظهري وهي تقول بشرود: كنت أعرف أنك ستأتي يوما ما إلى ~~الجثة. # في لحظة كهذه لا يجدر بي إلا أن أشك في نفسي، وأفكر: هل تهيأ ~~لي أني رأيت جثتها منذ هنيهة، أم يتهيأ لي أني أراها الآن أمامي ~~.. ولم يكن مني إلا أن نظرت إلى كليهما مشدوها. وبعد برهة قالت: ~~لست أذكر من منا الذي قال إن الحياة في الجزيرة لا تتبع لمنطق ~~العالم. # قلت متوجسا: الموت حقيقة وليس بمنطق! ~~- الموت ربما، قد يكون حقيقة، ولكن لا حقيقة محتومة لما بعد ~~الموت. # اقتربت من هارمونيكا، وقصدت ألا أنظر إلى الوراء، وقلت ~~بانفعال: لحظة .. أخبريني .. من هذه الراقدة في الحفرة؟ # كانت واقفة أمامي، أقول الحق، رأيتها جيدا، لمستها، وجدتها ~~بالفعل، وكانت حزينة جدا، بائسة، كانت تمتلك من الوجع ما لم ~~أختبره في حياتي، مشت صوب الحفرة، تعثرت بحجر آخر ولم تقع، ms15 ~~إنها تتعثر أيضا كسائر البشر الموجودين في العالم، وتمشي تماما ~~مثلنا، وكأي بشري وقفت أعلى الحفرة وقالت: تعبت من الانتظار .. ~~أو تعبت .. الأجدر أن أقول تعبنا أليس كذلك؟ # انفجرت منفعلا: قولي أي شيء! # وهنا أخذت نفسا واسترسلت: انتظرت زرياب لوقت طويل لا أذكره ~~.. تعبت من انتظاره لدرجة أنني تمنيت أن يكون قد مات غرقا في ~~البحر على أن يتركني في تلك الحالة المريبة من الانتظار البائس .. ~~أتعرف تلك اللحظة التي يتحول فيها كل شيء في حياتك إلى عبث؟ عبث ~~وأسئلة، لا أعرف شيئا من حولي .. لم أعد متأكدة من أي شيء في ~~حياتي .. انتظار وحسب .. حياتي هنا لم تكن إلا محاولة يومية ~~للتأكيد على وجودي، أقول الصدق رغم ما في العبارة من تناقض ظاهري ~~مع مقاومتي لفكرة الانتحار .. عبثت بالماء وعجنته بالتراب حتى ~~صار طينا .. وضعت الطين أرضا وجربت أن أترك أثرا على الصخرة .. ~~يا الله كم كنت ضعيفة! أبحث عن وجودي في الطين وعن المعنى في عبث ~~الجزيرة! .. لقد حفرت هذه الحفرة .. إني أصنع شيئا ما .. لقد ~~نزفت دما ولمسته بيدي .. ضربت كف يدي بالصخرة وطبعت أثر ~~يدي هناك .. قد رأيت الطين والدم وكل آثاري ولم أتيقن بعد من ~~وجودي. # شعرت ببدني يقشعر، وجسدي ينقبض على نفسه، لساني أصبح ثقيلا ولم ~~أتمكن من إيقاف الرجفة في شفتي، وشعرت بنفسي أهذي وأنا أقول: لست ~~أفهم أي شيء .. معدتي تؤلمني .. أمعائي .. # قاطعتني منفجرة: تنقبض وتكاد تتمزق، والقلب ينبض بسرعة، الجسد ~~يوهن والنفس ثقيل، وشيء ما صلب داخل الصدر يضرب في قلبك .. أنا ~~أيضا أصابني كل هذا قبل أن أقطع الضفائر وأقف محتارة: أأستخدمها ~~لصناعة قارب من الجذوع وأرحل عبره إلى أي مجهول آخر؟ أم أصنع منها ~~حبل مشنقة وأتخذ آخر قرار بحياتي أن أنهي حياتي .. ولم يكن مني ~~إلا أن انتحرت. # صمتنا مجددا، هي لا ترغب بالحديث وأنا عاجز عن أي شيء .. مجددا ~~أشعر بالعجز. # راحت تسكب الماء على الجثة؛ كي لا تتعفن، وأخبرتني أنها ما إن ~~انتحرت حتى استيقظت لترى ms16 جثتها أمامها، ولم تستطع دفنها .. أي ~~فعل كانت ستفعله كان سيهدد وجودها .. شيء ما فيها يستمر .. ثمة ما ~~يبقى بعد الموت .. ليس المهم أن يكون حقيقيا أم وهما .. أيمكن ~~أن نكون نحن أنفسنا الأثر الذي نتركه؟ لقد قلت إن الموت حقيقة ~~والانتحار ممارسة للحقيقة .. وقد قالت بأن لا شيء في حياتها هنا ~~كان يقينيا .. الموت هو اليقين الوحيد .. أما وجودها فقد بقي .. ~~ذاك الوجود الذي شكت في كل تفاصيله .. بقي بعد الموت، وبقيت ~~شكوكها حوله .. طلبت الحديث معي، وأصرت على بقائي هنا، تلك هي ~~الممارسة الوحيدة الممكنة للوجود .. وفي هذه اللحظة شعرت بخوف ~~مريب، فربما لا يوجد منطق هنا، ولأتفق ضمنا بأنه «لم يمت أحد ~~تماما.» ولكن هناك شيء مرعب لشخص مثلي يريد أن يكون .. ربما ~~الوجود نفسه هنا مغاير أو غائب .. قد تكون حاجتي الملحة لشريك ~~يقاسمني المستقبل والتناسل هي من دفعتني لأن أتخيل هارمونيكا. ~~ربما تكون هذه المرأة الغريبة ما هي إلا وحي من الرغبة. وربما لم ~~تنتحر بل جاءت فالتقت مصادفة بجثة وتخيلت أن نهاية الطريق هنا هي ~~الانتحار فعلقت هناك. لا شيء يقيني. # تملكني الخوف حقا، تجاهلتها تماما، أحضرت الجذوع التي ~~كانت ستكون سبيلي للنجاة وصنعت منها تابوتا، وضعته فوق الجثة .. ~~لأقل جثة الغريبة ولو بشكل مبدئي .. وظل الخوف مسيطرا .. فلم يكن ~~مني إلا أن حدثتها وأنا أصنع التابوت دون أن أنظر: هارمونيكا .. ~~أنت هنا؟ .. أريد أن أراك .. سأنتهي حالا من التابوت وأرفع عيني ~~وسأراك، أليس كذلك؟ يجب أن أتأكد من أني لم أزل أستطيع رؤيتك .. ~~يقال إن كل ما هو متخيل يظهر في لحظة العجز عن التفسير، أما الآن ~~وبعد أن فهمت فلا يجدر بأي متخيل أن يظهر .. يجب أن أراك لأتأكد ~~أنا الآخر من وجودي .. أنت هنا أليس كذلك؟ # ولم أجسر أن أرفع عيني لأرى .. ولم أنظر إلا عندما سمعتها تعزف ~~.. لقد عادت للعزف بمحض إرادتها. # كانت في الأسفل، حيث بدأت حكايتنا؛ أنا من هناك وهي من هنا، ~~أما الآن فهي في الأسفل وأنا ms17 في الأعلى، وما هي لحظات حتى مرت ~~سفينة من جانب الجزيرة التفت إلى هارمونيكا وقلت: تلك سفينة ~~ذاهبة إلى اليونان. # توقفت عن العزف نهائيا، أما أنا فقلت العبارة ولم ~~أتحرك. # | شيء أخير قبل الانتحار # يبدو أن الطقس جميل جدا هذا الصباح، قد يكون أنسب صباح للانتحار، ~~ولكن ربما علي أن أفعل شيئا ذا أهمية بقدر الانتحار، شيئا جديرا ~~بخسارته عند الموت؛ فليس في حياتي قط ما يستحق الموت كما أنها ليست ~~جديرة بأن تعاش. # سأزور أبي أولا، أتشاجر معه، ترتفع أصواتنا ثم يسب الساعة التي ~~أنجبني فيها، وبالطبع سيشتم أمي العجوز المسكينة التي تزوج عليها ~~لأنها لم تنجب غيري، أو كما يقول لها في كل عراك: «لم تنجبي لي غير ~~هذا الأخرق.» على كل حال سيكون الأمر مسليا. # بعد ذلك سأتجه إلى أمي لأشحن مشاعري بشيء من الدراما والبكاء، ~~وأنهي يومي بزيارة لحبيبتي وفاء، تلك التي تركتها تبكي قبل ثلاث ~~سنوات، وسوف أقبلها بشبق ولكن لن أنام معها مهما فعلت. ~~••• # وصلت صباحا إلى بيت أبي ولم أجد غير زوجته الثانية، وكانت ترتدي ~~الأسود، وتضع قليلا من الكحل على عينيها، سألتها عنه فأجابت ~~والبكاء يجرح صوتها: لقد مات ليلة أمس، وهم الآن يستعدون لجلب جثمانه ~~من غرفة تغسيل الموتى. ~~- اليوم يموت؟ ألم يكن بإمكانه أن يؤجل الأمر ليوم آخر؟ ~~- بل مات في الأمس .. اذهب إلى المستشفى فهم يحتاجون رجلا من ~~العائلة ليقوم .. # قاطعتها بهدوء: لا داعي لذلك، سأزور أمي. ~~••• # ذهبت إلى مأوى العجزة، وهناك قابلت موظفة غريبة الأطوار، بقيت ~~وقتا تتأمل في ملامح وجهي وبالمثل فعلت، نظرت فنظرت، تأملت وجهي ~~فتأملت وجهها، اقتربت خطوة فاقتربت مثلها، إلى أن سئمت من ~~نظراتها الطويلة، وقلت: هل ثمة من ملامح محددة لمن يحق لهم مقابلة ~~أمهاتهم في هذا المأوى؟ # ردت متلعثمة: لا تؤاخذني وإنما أستغرب؛ كوني لم أكن أعلم أن لأم ~~وليد أولادا .. كنت أظن أن ابنها التي صدعت رأسنا به هو محض عرض ~~من أعراض «الزهايمر». ~~- لا داعي للارتباك؛ فأم وليد لديها ولد ms18 واسمه وليد .. يبدو هذا ~~غريبا . ~~- وهل أنت وليد؟ ~~- تخيلي! # ودون أن تنبس ببنت شفة اصطحبتني إلى أمي، وخرجت. # كانت تقف هناك أمام النافذة وتنظر إلى الباب الرئيسي كأنها تنتظر ~~أحدا ما، ناديت: أمي؟ # التفتت ولم تجب. ~~- هل تنتظرين أحدا ما؟ # ردت بغضب: أنتظر عزرائيل، ألديك مانع؟ ~~- لن يأتي اليوم .. جئت لزيارتك عوضا عنه. ~~- ومن تكون أنت؟ ~~- أنا وليد. ~~- لا أعرف أحدا بهذا الاسم. # وعادت إلى انتظارها أمام النافذة، كأنها تريد انتظاري ولا تريدني .. ~~حاولت عبثا أن ألفت نظرها إلي، أن أفعل أي شيء؛ فالنهار يمضي، ~~حتى إنني مارست إلحاحا لم أعتده، فالتفتت إلي منفجرة: ارحل من ~~هنا فقد مات ابني الوحيد، وأنا أنتظر عزرائيل ليأخذني إليه .. اشتقت ~~إليه كثيرا .. أنت لا تعرف ابني فهو شاب نبيل لم يلق بي هنا كما ~~تتخيل في قرارة نفسك، بل تركني أنتظره ريثما يعود وقد مات في طريق ~~عودته إلي .. العودة دائما صعبة .. أخبرته بذلك ولكنه .. # توقفت برهة عن الكلام ثم صرخت: لماذا أتعب نفسي في الحديث معك؟ ~~.. لا يمكن لك أن تفهم .. قلت لك انصرف .. هيا انصرف. ~~••• # اليوم ينقضي بسرعة ولم أجد بعد ما يستحق الموت .. يبدو أن الموت من ~~أجل شيء ليس بالأمر السهل، ولكنه في جميع الأحوال أقل تعقيدا من ~~الحياة من أجل شيء. # أما الآن فلم يعد أمامي إلا وفاء، هي الأقدر على إعطاء الحياة قيمة ~~تستحق بجدارة أن أخسرها .. فهي فتاة شاعرية جدا، بالتأكيد ستصرخ في ~~وجهي ثم تشتمني وربما تصفعني كنوع من المبالغة التي اكتسبتها من ~~الأفلام، وبعد ذلك سألاطفها قليلا وقد تحن لشيء ما معي، أي شيء .. ~~ولكن الغريب في الأمر أنها لم تبال قط حينما رأتني، بل قالت بهدوء ~~شديد: تخيل أن صديقك المقرب قد تذكرك اليوم بجملة عابرة، ربما ~~يستطيع رؤيتك .. اصعد إليه إن أردت. ~~- وما أدراك أنه لم يزل يتذكرني؟ ~~- خرجت توا من بيته وقد مرت عبارة ما متعلقة بك .. هكذا ~~أذكر. ~~- وماذا فعلتما؟ # ضحكت بسخرية وهي تقول: أشياء كثيرة ولكننا بالطبع لم نكن ms19 ~~نصلي. # وذهبت كأن الأمر لا يعنيها. ~~••• # أوشك اليوم على الانتهاء ولم أجد ما أفعله، ككل يوم .. كل يوم يمضي ~~ولا أفعل شيئا .. يبدو أنني نسيت كيف يعيش الناس، وماذا يفعلون في ~~يومهم العادي؟ # عدت إلى سطوح بنايتي، وقفت طويلا على الحافة، الحق أنني لم أجد ~~طريقة أخرى للانتحار؛ فأنا لا أعرف أيضا كيف يموت الناس! نظرت إلى ~~نوافذ البناية وكانت مشرعة وفيها ضوء ما، فكرت أنني لو قفزت الآن لسوف ~~ألمح حياة الآخرين الذين يتمسكون بتفاصيلها الصغيرة، أما أنا فلست ~~أمتلك أي تفصيل جدير بخسارته. # موتي سيكون مجرد «لا شيء» في ذاكرة أي شخص، كما أن الطقس قد بدأ ~~يختلف، لم يعد رائقا .. يبدو أنه لم يعد مناسبا للانتحار أو هكذا ~~أخدع نفسي. # في الغد سوف أنتحر ولكن قبل ذلك سأفعل أي شيء، سأجعل لي ذاكرة ما ~~عند أحدهم؛ فالحياة تصبح جديرة بالموت عندما أدرك أنها جديرة ~~بالحياة. ~~••• # يبدو أن الطقس جميل جدا هذا الصباح، قد يكون أنسب صباح للانتحار .. ~~الآن وبعد خمس سنوات على تلك المحاولة الأولى، حتما، سأفعل شيئا ذا ~~أهمية بقدر الانتحار. # | حالة سقوط # شيء ما يسقط، وأشياء كثيرة قيد السقوط .. هكذا بدأ الأمر قبل أن ~~يصير حالة من السقوط. تلك حقيقة لا يعتقد بها إلا المجانين، وقد ~~أصبحت مؤخرا واحدا منهم. # البداية كانت في البحث عن الحقيقة، كنت واحدا من فرقة مسرح تحضر ~~لعرضها الجديد، وكنا جميعا نبحث في عروضنا عن الحقيقة، تلك التي نؤمن ~~بغيابها بشكلها الكامل، وإنما نسعى نحوها ونخوض الرحلة، قد يكون المسرح ~~بهذا المعنى ما هو إلا رحلة إلى الأبد، ومع هذا علينا كممثلين أن نعثر ~~على حقيقة ما ونصدقها كي يصدقنا الجمهور، وهذا لن يحدث إلا إذا صدقنا ~~نحن أولا، وكيف أصدق ما لا أعرفه؟ # لست أعرف إلا عبارات مرصوصة في نص يحتاج لتجسيد، وقد كان علي ~~أن أبحث عن الجسد الحقيقي للنص؛ إذ تكون الحقيقة مجسدة، ولكن قبل أن ~~أذهب إلى هناك حيث الشخصية الحقيقية أي التجسيد، علي أن أحصن ms20 نفسي ~~تماما، حتما إنكم سمعتم عن ممثل ما يتورط بالشخصية. والشخصية هنا ~~بأبسط كلمة هي شخصية مجنون، وهل ثمة من تجسيد آمن لشخصية مجنونة؟ لا ~~أعرف؛ ولذا وجب التحصين. # إذن فقد قررت الذهاب إلى مصحة للأمراض العقلية والنفسية، وهناك ~~التقيت بمديرة المصحة «السيدة رضوى»، وقد استقبلتني ببساطة وهدوء ~~تشوبهما ابتسامة عريضة تبدو حقيقية تماما، ولكني لم أصدقها؛ فقد كانت ~~طويلة جدا، امتدت على مدى المحادثة، أقلت محادثة؟ لا ليست كذلك، ~~فوحدي من كان يتحدث. # أخبرتها عن مشروعي المسرحي، وطبيعة الشخصية التي سأجسدها، لم أقل ~~لها تجسيدا وحسب، بل عدت وزدت في هذا الأمر، ربما لأني أحب أن ~~أستخدم مصطلحات أخرى ولم أعترف لنفسي بذلك حينها، بل قلت في نفسي: ~~«سأكرر كي تفهمني بشكل أوضح.» فقلت مثلا: «أعايشها»، ثم قلت «أمثلها»، ~~وكررت «ألعبها.» أما السيدة فلا شيء؛ فقد اختفت البسمة عن شفتيها ~~فجأة. قلت بأبسط عبارة: «أريد مقابلة أحد يعاني من تهيؤات.» وواصلت ~~الصمت، وبعد لحظة حكت حاجبها من أعلى عويناتها، ثم عطست ولا شيء ~~آخر، بل استمر صمتها. # كان يجب أن أشغل نفسي بأي شيء يخفي ذاك التوتر الغريب الذي سببه ~~لي صمتها، وكوني ممثلا فلم أجد غير التأمل في طبيعة شخصيتها، ~~وحركاتها عساني أجد فيها ما هو مجد للنص، جذبتني العطسة مثلا، إنها ~~تعطس دون أن تعتذر أو تضحك حتى، ولم تستخدم منديلا، هي تعطس وحسب، ~~يحمر أنفها البارز الكبير، ثم تومض عيناها فتعطي ردة فعل لا إرادية ~~بأن ترمش، ثم تغلق جفنيها وتشدها فتبدو أهدابها وكأنها تتكاتف بشكل ~~عنيف. وببساطة تخرج من الجارور منديلا، إنها تمتلك منديلا إذن، ~~وتمسح به سائلا خفيفا انساب من عينيها. لست أقول «دموع»، الأمر له ~~علاقة بالعطسة وإغلاق العين، ولا شيء آخر .. بالطبع لا تبكي بل تبتسم، ~~مجددا، عادت تبتسم. # ما هي إلا دقائق حتى قررت أن تحكي، بدا ذلك واضحا عندما عدلت من ~~جلستها، مسكت قلما وراحت تطرق به ملفا ما على المكتب، ثم نظرت صوبي ~~من أعلى عيوناتها وشقت شفتيها قليلا، ms21 هذه جميعها مؤشرات جيدة أنها ~~ستحكي، لقد عرفت ذلك وما لم أعرفه أنها لن تنطق إلا بكلمة ونصف: «لا ~~بأس». # فرددت بسرعة: «ما الذي يتوجب علي فهمه من هذه «اللابأس»؟» # ولم تجب بل ابتسمت، وخرجت من المكتب متجاهلة وجودي؛ ما جعلني ~~أشعر بإهانة بالغة دفعتني للحاق بها كي أصرخ في وجهها وأجد لنفسي ~~طرقا ما لإهانتها، وما إن خرجت حتى اصطدمت بالمشرفة على الحالات ~~المرضية جميعها، ترتدي بطاقة مكتوبا عليها اسمها «عنايات». ومن ~~المثير للغرابة والدهشة أن تعلقها على صدرها، أيعقل أن هذه المصحة ~~تحاول الاقتصاد بالحديث لدرجة أنهم لا يريدونك أن تسألهم حتى عن اسمهم؟ ~~وقبل أن أسألها عن أي شيء ابتسمت لي، وقد بادلتها البسمة ببلاهة، وقبل ~~أن أشرح لها الأمر قاطعتني قائلة: «لا بأس». كدت أفقد صوابي، وأصرخ ~~في وجهها، وأستخرج كل الكلمات العاهرة من معجمي اللغوي، إلا أنها ضحكت. ~~«إنه تطور جيد، من البسمة إلى الضحك.» ثم أردفت: «تفضل معي». وهنا ~~كان لا بد من أن أهدأ تماما. # ساقتني صوب غرفة لم تسجل عليها أية أرقام أو أسماء، سحبت المفتاح ~~من حقيبتها وفتحت الباب، طلبت مني الدخول وغادرت تاركة الباب ~~مفتوحا. وهناك التقيت بحلمي، وقد كان يندفع إلى الأمام آخذا وضعية ~~الهجوم، وعندما شاهدني انسحب من وضعيته وجلس على الكرسي. # ربما تحصنت جيدا كي لا أجن، ولكني بالتأكيد لم أتهيأ جيدا ~~للمقابلة؛ فها أنا ذا أجلس قبالة حلمي دون أن أجد أية عبارة أبدأ بها ~~الحديث، ليس ثمة من عبارات عفوية عادية تدفعنا للثرثرة في أي شيء؛ فليس ~~المهم ما يقوله حلمي، بل في كيف يقول، وماذا يفعل؟ أردت أن أرى كيف ~~يتعامل مع جسده، كيف يعبر به عن حالته، ولكن عبثا، لم يفعل شيئا وقد ~~بدا وجهه فارغا تماما من أية ملامح. # ما هي إلا دقائق حتى دخلت عنايات وبيدها كأسا ماء وحبة دواء. وما ~~لبثت أن خطت خطوتها الأولى داخل الغرفة حتى اندفع بوضعية مهاجم ~~تشبه تلك التي شاهدته فيها لحظة دخولي، جسده منحن ms22 إلى الأمام، فيما ~~ينزل رأسه قليلا ويرفع بؤبؤ عينيه إلى الأعلى حيث ينصب نظره ~~على وجهها تماما، وراح يزمجر: ~~«أين رامز؟» # قدمت لي كأس الماء، وقدمت الآخر لحلمي مع حبة دواء. وهمت ~~بالمغادرة دون أن تعير ما قاله حلمي أدنى اهتمام، فأسرع صوب الباب ~~وكأس الماء في يده، التفتت إليه فيما راح يرفع الكأس عاليا، ويوشك أن ~~يصفعه برأسها، أما عنايات فلم تحرك ساكنا، بل نظرت صوبي ~~وقالت: ~~«إنها إحدى أعراض التهيؤات التي حدثتك عنها.» # صرخ في وجهها حلمي: ~~«قلت لك ألف مرة: إني لا أتهيأ، بل أحلم .. كيف اختفى رامز؟ ~~اعترفي.» # ولم تنبس ببنت شفة، بل غادرته ببطء فيما تشنجت يداه حول كأس الماء ~~لهنيهة قبل أن يرخي يده ويعود إلى الكرسي، ثم التفت إلي ~~قائلا: ~~«لم تعطك واحدة، أليس كذلك؟ حتى لو أعطتك فلا تشربها. يظنون أنني ~~مجنون .. حماقة!» # ثم شرب حبة المهدئ بملء إرادته، وأردف: «أنا أعاني من «الحلموفوبيا» ~~وحسب.» # كان علي أن أشكر عنايات؛ ليس لأنها قدمت لي الماء، بل لأنها ~~قدمت لي حديثا أجريه مع حلمي. ولنبدأ بمرضه، سألته: ~~«ماذا تعني بالحلموفوبيا؟» # بدا واضحا استغرابه من سؤالي، حتى إنه صارحني قائلا: «ألست تدري ~~حقا؟» ثم ضحك وأردف: «إفراط مزمن بالحلم.» منعت نفسي من الضحك، ~~فهل ثمة من مشكلة بالحلم؟ ومن المصاب بالفوبيا تحديدا؟ هل يفرط في ~~الحلم فيخشاه؟ أم يخشى منه لأنه يحلم؟ سألته عم يقصد، فضحك ساخرا ~~مني. # إنه يفترض أن الناس جميعهم يعرفون هذا المرض، ويخافونه حتى، وكي لا ~~نتوقف طويلا هنا، سألته عن سبب إصابته بهذا المرض، فقال: «تلقيت ~~العدوى من رامز.» # قلت بتوجس: «لقد قالت إن رامز ليس موجودا.» # ارتسمت على وجهه ملامح الحزن، وهز رأسه آسفا على إجابتي كما ~~يبدو، فاعتذرت إليه، ثم قال: ~~«أرأيت في حياتك قط كائنا «أيا يكن» يكون ثم فجأة لا يكون؟! .. ~~كان هنا بالفعل، وقد تحدثنا طويلا، أخبرني عن مشروعه .. أجل .. رامز ~~كان لديه مشروع، وهذا أمر مشروع أليس كذلك؟ لم يخفونه عني ~~إذن؟» # لا ms23 أستطيع أن أزعم أنني اكتفيت بهذا القدر من الثرثرة، ولست أدري إن ~~كان ما قبل محض ثرثرة أم أنه يحكي شيئا ما مهما، وفي الحالتين كان ~~يجب أن أرحل، لست هنا كي أعرف إن كان رامز موجودا بالفعل أم أنه من ~~خلق مخيلة حلمي وإحدى أعراض تهيؤاته .. أنا هنا لأفهم حلمي، لأرقب ~~شخصيته، لأسمع كيف يحكي وماذا يفعل، ولكن إن بقيت هنا قد أتورط بقصص ~~لا شأن لي بها؛ ولهذا كله وجب رحيلي، استأذنت منه كما يستأذن من ~~العقلاء، وابتعدت صوب الباب إلا أنه هاجمني ولكن بصورة أخرى مختلفة ~~عن طريقته في الهجوم على عنايات، فلحظتها لم يحمل في ملامحه أي ~~ازدراء أو نزق، بل كان في وجهه شيء من الرجاء والتوسل، ومع هذا فقد ~~دفعني إلى الكرسي وراح يبكي. # لم أكن أتصور أنه جاد إلى درجة البكاء، الحق أقول، إنه يبكي ويقترب ~~من الكرسي المقابل لي، يجلس فوقه وينقبض على نفسه، فيبدو وكأنه طفل ~~صغير تمت معاقبته دون ذنب اقترفه. # قررت أن أستمع إليه، دون أن أفهم إن كنت أبحث عن تجسيد النص فيه، أم ~~أنني بالفعل أستمع وأصغي لكل ما سيقوله .. وكي لا تقولوا بأني أكذب، ~~سأدعكم مع القصة كاملة كما رواها حلمي. ~~«رامز يسقط سهوا.» # ستقول إنني أكذب، فما سأقوله عصي عن التصديق، تماما كالحقيقة ~~.. # لقد كان حالما وقد خذلت الحياة أحلامه، ولم أعرف بعد إن كان ~~الحلم مرضا أم أن الحقيقة لا ترى إلا عبر الحلم، كثيرة هي الأشياء ~~التي لا أعرفها، وما أعرفه تماما أن رامز كان هنا عندما جئت أول ~~مرة. # أول الأمر أطلعني على مشروعه في المصحة، وكان عبارة عن تأسيس نقابة ~~تكفل حقوق المجانين، هزأت بالفكرة في سري رغم أنها راقت لي، بل ~~وأثارت اهتمامي لأعرف أكثر شخصية رامز، ربما من باب الفضول وربما من ~~باب التعرف على هذا المجنون. # حدثني عن سلمى، قال إنها كانت تشاركه مشروعه وفكرته عن الحياة، ~~قال إنها تجسر على فعل وقول ما لا يجسر عليه أعقل ms24 العقلاء، قال إنها ~~قتلت، أما عنايات فقد قالت حينها إنها انتحرت، قالت إن سلمى صعدت ~~إلى أعلى المصحة وألقت بنفسها، الكل كان يبكيها، أما رامز فلم يبك، ~~أصر على جموده وقوله: «سلمى قتلت .. حتى لو انتحرت، فثمة قاتل ~~ما.» # ودون فواصل أو ترتيب منطقي ~~لقصته راح يحدثني عن المجانين هنا، كان يحب مصطلح مجنون كثيرا، بل ~~ويومن بأن المجانين وحدهم من يلامسون أذيال الحقيقة، أولئك المجانين ~~الذين فرض عليهم أن يعيشوا حياة عادية في عالم غير عادي، هكذا يقول، ~~وقد بذلوا في سبيل ذلك شتى وسائل القمع، نعم لقد قالها بوضوح، قال: ~~«القمع». وقد حدثني كيف تتهرأ أجسادهم لفرط الحبوب المهدئة ولكن لم ~~يهدأ أحد، كان رامز يعرف جيدا أن الحياة العادية الرتيبة المنشودة من ~~قبل إدارة المصحة ليست أكثر من خطة للقبول بالمعاناة. # كان يومن أن فساد هذا العالم ~~ينصب على المقهورين وحدهم، وأن الحياة في عالم كهذا لا يمكن لها أن ~~تنجب أناسا عاديين إلا بالتخدير؛ فالمجانين برأيه هم أولئك الذين ~~لم تستجب عقولهم وأجسادهم للتخدير الحياتي اليومي، فوضعوهم في مصحة ~~ليقدموا لهم جرعات أقسى وأكثر عنفا. «سلمى لم تطق رتابة الحياة.» ~~قال لي وأردف باكيا: «سلمى تعجز عن الصمت، فباحت بما يجري، فقتلوها ~~محاولين إسكاتها بإسقاطها عن سطوح المصحة.» # اسمعني جيدا، فأنا أقول لك ما حدث، أرجوك أن تصغي لما أقوله .. لم ~~يعجبهم أن يتعثر رامز بالحقيقة، أو فلأقل إنه وجد لنفسه حقيقة ما ~~يعيش لأجلها. وكان لا بد من علاجه فجربوا معه وسائل أخرى، وكان كل ~~يوم يعود إلى هذه الغرفة منهكا دون أن أعرف ماذا يفعلون به، سألته ~~مرة عن ذلك، فأجابني: «يقحمون أشياء غريبة في جسدي وعقلي فأخرج، ~~وأتبرز في الحمام لأتخلص من ترهاتهم.» وظل على تلك الحال ~~إلى أن أخذته مديرة المصحة خارج الغرفة، ولم يعد. # بعد عدة أيام، سمعتهم يحتفلون لأعرف فيما بعد أنهم نجحوا، ولم أعرف ~~كيف .. في تلك اللحظة شعرت بأن كل شيء قيد الانهيار. أيعقل أن تسقط ~~كل الأحلام ms25 بهذا الشكل؟ تلك الأحلام المعدية الغريبة، تلك التي تحمل ~~في طياتها حقيقة ما، إنها تسقط دفقة واحدة .. كان يحلم بالعدالة في ~~هذه المصحة التي رفض أن تصححه ولم يصح أبدا، فهو يدرك جيدا بأن ~~الجنون هو الاعتراف بقذارة العالم، أما الآن فيستسلم للعلاج ويتعافى ~~من حلمه وجنونه وفيما كنت منهمكا بهواجسي سمعت شيئا ما ~~يسقط. # كان الارتطام قويا جدا، يكفي أن تسمعه لتصحو من هواجسك ثم ~~تتساءل ببساطة: «أين رامز إذن؟ وإن كان فعلا قد تعافى، أم هي محض ~~خدعة؟» لم أقبل بهذه النهاية، ورحت أطرق الباب بقوة؛ لأفهم ما الذي ~~حل برامز فعلا. # استجابت عنايات لصوت الطرق، وجاءتني، سألتها عن رامز وعن مصدر ذاك ~~الارتطام الغريب، فقالت: «هما شيء واحد»، ثم أخبرتني أن رامز قرر أن ~~يصعد إلى أعلى المصحة، وظل يصعد حتى وصل أعلى نقطة، ومن هناك هوى، ~~سألتها: «كيف سقط؟» فأجابتني: «سقط سهوا» .. قد تضحك وتقول إنني أقول ~~شعرا سخيفا، فكر كما شئت، ولكن هذه هي الحقيقة، أسقطوه سهوا، ~~وأسقطوا اسمه من القوائم، فقد جاءت مديرة المصحة وأخذت عنايات كي لا ~~تواصل حديثها عن سقوط رامز، وبقي الأمر معلقا إلى أن قالت المديرة ~~بصراحة ووقاحة ووضوح: «رامز لم يوجد قط.» ~~••• # سمعت القصة حرفا حرفا، ونسيت أن أتأمله كيف يحكي وغرقت بما ~~يحكي، بل نسيت دوري كله في المسرحية .. من القسوة أننا جميعا في ~~الفرقة نعرف نصوص شخصياتنا ولا نعرف قصصها، فكيف لمجنون حلق إلى ~~أعلى درجات الحلم أن يهوي؟ كيف لشخص كان هنا ألا يكون لا هنا ولا في ~~قوائم المصحة؟ ومما لا ريب فيه أن حلمي تأثر برامز كثيرا، وبسببه ~~أصيب بالحلم والجنون معا. # وما هي إلا دقائق إلى أن جاءت السيدة رضوى ومعها حارسان، استلما ~~رامز وأخذاه خارجا، أما رضوى فقالت بهدوء: «لا بأس.» وسكتت برهة، ها ~~هي تستعد لتواصل، ستشرح لي الأمر بالتأكيد، ستقول أكثر من «لا بأس.» ~~وبالفعل انشقت شفتاها مجددا، وقالت: «يريد أن يرتاح قليلا فذهنه ~~مشوش.» وخرجت لتتركني وحيدا في الغرفة ms26 أنتظر عودة حلمي، وعندما لم ~~يعد قررت البحث عنه، اقتربت من الباب محاولا الخروج بحثا عن حلمي ~~فوجدته موصدا. # بقيت هناك في الغرفة، أنتظر أن يأتيني أحدهم لأعرف ما الذي يحدث؟ ~~هل نسوني هنا؟ أم هو سهو آخر؟ ولم يحدث شيء. وفي اليوم التالي فتح ~~الباب لتدخل عنايات ومعها رجل أربعيني يحمل بيده جهاز تسجيل، وما إن ~~دخلا حتى صرخت في وجه عنايات: ~~«لم أنا هنا؟ وماذا حل بحلمي؟» # ولم تجبني بل ارتسمت على وجهها ملامح الحزن وقالت للرجل: ~~«إنها إحدى أعراض التهيؤات التي أخبرتك عنها.» # وهنا تماما، سمعت شيئا ما يسقط ويرتطم بالأرض. # | هوية غريب # 1 # كثيرة هي أخطاء أمي؛ أولها أنها تزوجت أبي، وآخرها أنها لم ~~تتخلص مني، وأبي خطاء أيضا، البداية بزواجه من أمي والنهاية ~~أنه أنجبني، لقد أخطآ إذ أنجباني بلا هوية ولم يتخلصا من ذاك ~~الجنين الحالم الذي سئم عتمة الرحم الدافئ، وانبعث منه صوب ضوء ~~العالم البارد. خرجت من عالم أمتلكه لي وحدي إلى عالم مشترك فان ~~ويأبى حتى أن يمتلكني. # إنه يقذفني كل يوم، يحاول التخلص مني، أنا الذي أشكل عبئا ~~وجوديا عليه، فلا أنا موجود ولا أنا غائب، وقد قبلت مؤخرا أن ~~أظل في هذه الهوة بين الوجود والعدم. # يستطيع الإنسان أن ينسل من العقبات الصغيرة، ولكن مهما نأى ~~يبقى هنا في الهوة التي هام فيها في نطاق الكون، أستطيع مثلا ~~أن أترك عائلتي لأعيش وحدي كشكل من أشكال العقاب، أقذفه على أمي ~~وأبي اللذين أنجباني ولم ينجبا هويتي معي ... ومن هنا بدأت ~~المشكلة. # لم أجد مأوى ولا وظيفة فتلك أمور مرهونة ببطاقة هوية، ولكني لم ~~أكترث؛ فالذي لا يمتلك بطاقة الهوية «العظيمة» لا يكترث بسفاسف ~~الأمور، «وماذا يضير الإنسان أن يعيش دون مأوى؟» # سلكت دربا ما، وقادني لدرب ما، ولا أتذكر كيف أو متى وجدت ~~نفسي فوق سطوح بناية شاهقة، واتخذت من السطوح مأوى، وهناك التقيت ~~بإيناس للمرة الثانية في حياتي. # 2 # في لحظة غير عادية أصابت غريب نوبة مفاجئة وحادة ms27 من الجدية، ~~فقرر أن يعثر على عمل ، ولكن لا أحد يعمل دون هوية، وقبل أن ~~يتعافى من نوبة الجدية بهنيهة عثر على كومة من كراتين الأحذية ~~الفارغة ملقاة بجانب القمامة، فأخذ بعضها، واتجه بها صوب وزارة ~~الداخلية. # قام بقلبها ليرتب فوقها عددا من مغلفات بطاقة الهوية، وراح ~~ينادي أمام المارة بأعلى صوت: ~~«بيت هوية .. جدد هويتك .. جدد حياتك.» # وكان الأطفال، «كما يصفهم غريب»، يستلمون بطاقات هوياتهم ويشترون ~~منه المغلفات، كان يضحك كلما أسعد طفلا بمغلف جديد. وهناك التقى ~~بإيناس للمرة الأولى ولم تنتبه له. اقترب منها مسرعا ومد ~~مغلفا أمام وجهها، وحتى إنه تجرأ وغازلها قائلا: «جددي ~~حياتك.» # حركت كف يدها مبعدة المغلف من أمام وجهها وكأنها تبعد ~~ذبابة طائشة ولم تر غريب، كأنه لا أحد. # 3 # أنا لا أحد بالفعل، أجدد حياة الآخرين ببطاقة هوية لا أمتلكها، ~~ومن لا يمتلك هوية لا وجود له .. تلك حقيقة لم أكتشفها إلا بعد ~~تراكم التهم الصادرة بحقي. # التهمة الأولى .. # لقد أصدرت الدولة قرارا بمنع الباعة المتجولين وأصحاب البسطات ~~من العمل حرصا على المنظر العام، ولكني لم ألتزم به ظنا مني أن ~~الهوية مكسب وطني عظيم لا يمكن له أن يفسد المنظر العام «أجل .. ~~لقد كنت أحمق.» # التهمة الثانية .. # حينما اشتد الصراع بيني وبين موظف الهويات والجوازات، وبعد أن ~~صرخ في وجهي أن لا وجود لي على جهاز حاسوبه، لكمته في خصيتيه، ~~أولا لأبرهن له أني موجود، وثانيا لأحرمه من تناسله في ~~الوجود. # التهمة الثالثة .. # عقدت صلحا مع نفسي، وآمنت أني لست هنا، وأنني فعلا لا أحد، ~~فأنزلت سحاب بنطالي وتبولت على مغلفات ومخلفات ~~الهوية. # وحتى وقت طويل من صدور التهم لم تصدر مذكرة واحدة بإيقافي ~~وربما صدرت ولكن عناصر الأمن لم يجدوني كما حدث في محاولة الانتحار ~~الأولى. # 4 # مرة أخرى لم تنتبه إيناس لغريب، ومرة أخرى تجده على حافة ~~السطوح محاولا الانتحار .. مرة أخرى تمنعه من ذلك. # في كل ليلة كانت تشاهده وهو على حافة الموت كانت تجذبه إليها، ~~وأكثر ما ms28 كان يثير ريبة وخوف غريب أنها لا تأتي إلا عندما يهم ~~بالموت، فبعدما آمن غريب أن لا وجود له في هذا العالم، قرر أن ~~ينتحر آملا بأن يجد لنفسه وجودا ما في مكان ما. # ولم يكن بحاجة إلى أي رجاء أو توسل من إيناس حتى يتراجع، فقد ~~كان بالفعل مترددا ليس رغبة بالحياة، بل خوفا من المجهول الذاهب ~~إليه؛ فإن عثر لنفسه عن وجود في المكان الآخر، فهل سيجد إيناس ~~هناك؟ هذا سؤال يؤرق غريب في كل محاولة جديدة يخطوها صوب ~~الموت، إلى أن فضل أن تكون هي ولا يكون، على أن يكون ولا تكون؛ ~~فتشبث بالحياة رغم ما فيها من بؤس. # دائما ما تستطيع الحياة أن تفاجئه بقدرتها المهولة على سحقه ~~بكل ما فيها من وجع، وأقسى ما حدث له أن إيناس قد سافرت منذ اليوم ~~الأول الذي شاهدها فيه وتجاهلته. فبعد أن اقتنع غريب أن الحب نفسه ~~بحاجة لإذن من الهوية حتى يصبح علاقة وحقيقة، عزم أمره بالتوجه ~~إلى بيتها والسؤال عنها، تلك الفتاة الجميلة التي تمنعه مرارا من ~~الانتحار، تلك الآسرة التي تسمعه كل ليلة أغنية وكلمات تثير ~~فيه التشبث بالحياة، إنها تستحق وبلا شك أن يرتبط بها، ~~فبارتباطه بها يرتبط بالحياة. # وعندما سأل عنها أخبروه أنها سافرت منذ زمن، لقد ذهبت إلى مكتب ~~الجوازات والهويات استلمت جواز سفرها ورحلت في نفس اليوم. # اقترب غريب من حافة سطوح البناية وهم بالانتحار فلم تحضر ~~إيناس. وهنا اكتشف مفجوعا أن الخيال أيضا بحاجة لبطاقة هوية وأن ~~كل ما يتعلق به لا وجود له. حتى خياله قد غاب .. إذن فقد تلاشى ~~غريب تماما، وهنا أخذ قرارا نهائيا بإنهاء حياته. # تراجع عن الحافة والتقط آلة حادة تقطع الأمل من الضربة ~~الأولى، قطع بها وريده، وراح دمه يتناثر فوق السطوح، ترنح ~~قليلا قبل أن يغمض عينيه وتغيب الرؤية تماما .. فقط ~~سواد. # 5 # كثيرة هي أخطائي أولها وآخرها أنني قبلت أن أبعث إلى ضوء ~~عالم يرفضني .. كان يجب أن أبقى هناك في الرحم، ms29 ذاك هو عالمي أنا، ~~هناك حيث العالم وأنا شيء واحد . كان الأجدر بي أن أبقى هناك وأكبر ~~فتكبر بطن أمي معي .. نكبر معا أنا والعالم الدافئ .. رجوت أمي ~~أن تعيدني إلى رحمها، فأجابتني إجابة محددة ومباشرة كما يجيب ~~البالغون الأطفال؛ إذ قالت إن العودة إلى رحمها أمر مستحيل. أما ~~لو مت فقد أذهب إلى عالم شبيه برحم أمي، وإن لم أجد فحتما ~~ستنهشني الديدان، وسأكون شيئا ما في بطن دودة جائعة، ربما تكون ~~بطن الدودة أكثر اتساعا من هذا العالم. # لم أكن أعرف شيئا عن عالم الموت، ظننت أنني ما إن أنتحر حتى أجد ~~نفسي في «أبدية بيضاء»، وأسرنم فيها خطوة خطوة، سأجتاز ~~الاختبارات الصعبة أول الأمر: «من أنت؟ ماذا فعلت؟ وماذا ~~اقترفت من ذنوب؟» ثم أشاهد البائسين يمارسون حياتهم خارج عالمي، ~~أما أهلي فيبكون جثتي المسجاة في التابوت ولكن شيئا من هذا لم ~~يكن. # كل ما في الأمر أنني وما إن أغمضت عيني حتى وجدت نفسي في عالم ~~أسود وكل ما فيه عتمة، انتظرت شيئا ما يحدث، ناديت على أحدهم، ~~صرخت، وانتظرت طويلا إلى أن جاءتني الملائكة، سألتهم: «من فيكم ~~ملك الموت؟» # أجابوني: «جاء ولم يجدك.» # قلت: «أنتم وجدتموني.» # قالوا: «هو ملك مختص بالموت، ومهمته أن يقبض أرواح الموتى، لقد ~~كلفته عناء البحث عنك قبل أن يكتشف أن لا بيانات لك في دفاترنا ~~فعاد خائبا إلى السماء.» # أخبرتهم أني لا أمتلك هوية ولا وجود لي في دفتر الأحياء أيضا، ~~فصرخوا في وجهي قبل أن يركلوني خارجا: «تعلم كيف تحيا ثم شرف ~~ومت». # فتحت عيني فوجدت نفسي لم أزل فوق السطوح وأن شرياني التأم من ~~جديد، ولكني لم أيأس من الموت، فارتجلت محاولات أخرى: رميا ~~بالرصاص، طعنا، شنقا وقفزا عن البناية .. ولكن عبثا استطعت ~~الموت. # يجب أن أموت لفرط ما انتحرت، ولكن منطق جسمي يختلف عن منطق ~~الدولة، فبلا هوية لا يمكن أن أموت، فكيف لغير الموجود أن يفقد ~~وجوده؟ إني بحاجة لهوية إذن حتى أتمكن من الموت. # 6 # استمع ms30 المحقق لرواية غريب بأكملها، كان العرق ينضح من مسامات ~~جبينه، وقد صار واضحا مدى الارتباك الذي يعانيه المحقق. وهو يعرف ~~جيدا أنه يجب أن يعدم غريب بعدما اعترف بكل تلك التهم، ولكن كيف ~~له أن يحوله للقضاء دون بيانات وهوية، وإن أراد قتله بنفسه فلن ~~ينجح، فإن مات غريب فسيعترف المحقق ولو في قرارة نفسه أن الهوية لا ~~تثبت شيئا ولا تعلن وجودا حقيقيا لأحد، وإن لم يمت فسيشعر ~~بالعجز ويتعرض للازدراء. # كما أنه ألقى القبض على غريب على عاتقه دون مذكرة إيقاف، فيجب أن ~~يصل إلى نتيجة؛ لذلك أخذ قرارا آخر على عاتقه، وذهب به صوب مكتب ~~الجوازات والهويات، وأمر بإصدار بطاقة هوية لغريب حتى يتمكن من ~~إعدامه، وما إن استلم غريب هويته حتى سقط دفعة واحدة على الأرض، ~~وتناثر الدم من وريده إثر قطعه السابق له، وظهر أثر رصاصة كان قد ~~أطلقها على صدره، وعلامة حمراء طوقت عنقه كما المشنقة التي علق ~~نفسه بها آنفا، ثم تهشم رأسه إثر انتحاره من سطوح البناية ~~الشاهقة .. ثم مات ميتة حقيقية ونهائية. # | جلسة علاج # 1 ~~«الطبيب» # مع نهاية الحرب تماما كانت الحافلة تمشي ببطء؛ لما يصيب الشارع ~~من ازدحام، وكعادتي أجلس في الكرسي الأخير وأقرأ الجريدة فيما ~~صرح مسئول ما عبر المذياع أن زمان العنف والحرب انتهى، ترددت ~~الأصوات والهتافات في الحافلة وامتدت إلى الشوارع والأرصفة التي ~~مررت بها لاحقا. # صدحت المآذن تكرر، ~~وأحاديث المقاهي بملء الأفواه تعلو، النادل يكرر والزبون والعامل ~~والفلاح والطالب والمثقف، نشرات الأخبار تعيد وتكرر: «هزمت الحرب ~~.. وانتصرنا.» # تكاد العبارة تقتحم كل شبر أدركته الحرب في البلاد، أما أنا ~~فلم أزل هناك في المقعد الخلفي ولا أعرف تماما لماذا بدأت أشعر ~~بمغص قوي في معدتي، ذاك وجع يصيبني في حالات شعورية مختلفة، ~~كأن أخلو مع امرأة للمرة الأولى، أو عندما أفقد عزيزا للمرة ~~الأولى .. أو غيرها من البدايات التي تسبب مغصا شبيها .. على ~~كل حال، الآن أستطيع أن أتوقف عن القتال وأذهب إلى ~~المشفى. # 2 ~~«المصاب» # رائحة ms31 المعقمات تملأ أنفي، إبرة حادة منغرسة في شريان يدي ~~اليسرى، عتمة متواصلة، صوت خطوات بإيقاع غير منسجم، تنهيدات ~~أنثوية يبدو عليها الملل، تتردد وتغيب، أحاديث جانبية متقطعة، ~~ربما أكون أنا الجانبي وهي التي تتصدر المشهد، لا أعرف تماما، ~~فلست أرى شيئا. # صوت الباب يفتح، أحدهم يدخل الغرفة، بل يقترب مني أنا .. نعم ~~الصوت قريب جدا، إنه يأخذ شكل الكلمات، ينطق: ألم يستيقظ ~~بعد؟ # سمعت صوتا أنثويا مرحا يرد: مبارك انتصاركم أيها الطبيب ~~اللطيف. # شعرت بيده تتلمس جبيني، وأنا أعني ما أقول، يده وليست يدها، ~~أعرف يدها جيدا رغم أنها لم تلمسني سوى مرة واحدة كما أذكر، ~~ولكن ملمس يدها ناعم جدا، على الأقل أكثر نعومة من صوتها ~~المكتظ بالحياة والعفوية والمرح، راح صوتها ينطلق من جديد: لم ~~أتوقع مجيئك اليوم أيضا، أنت طبيب مثابر تواصل عملك حتى بعد ~~سهرة طويلة كالتي حدثت في الأمس. # رد عليها بصوت تغلب عليه الدهشة: حسنا طوال الوقت وأنا أواظب ~~على علاجه، ولكن لماذا لا آتي؟ أعني .. ما الذي حدث في ~~الأمس؟ # شعرت بها تقترب منه وتزيح يده عني وهي تقول: في الأمس ~~احتفلنا. ~~- حقا؟ ~~- احتفلنا وشربنا نخب الانتصار ونهاية الحرب. # راحت الأحاديث الجانبية ~~تبتعد عني وتبهت إلى أن تلاشت الأصوات تماما، كان يجب أن أحسن ~~السمع أكثر؛ فذاك الصوت مألوف جدا، أعرف صوتا كهذا أقل رزانة ~~وأكثر انفعالا، قد يكون .. ولكن لا .. لا أعرف .. هذا الصوت دافئ ~~.. لا شيء الآن مؤكد إلا أن الحرب قد انتهت دون أن أعرف إن كنا ~~قد انتصرنا أم لا، وكل ما أعرفه أن لحظة النهاية دوت في فترة ~~كانت فيها كفة الحرب ترجح لصالح الطبيب، أما ما لست أعرفه فهو إن ~~كنت أقاتل مع طرف الطبيب أم ضده. إجابة هذا السؤال كفيلة لأعرف إن ~~كنت منتصرا أو مهزوما. # 3 ~~«الطبيب» # إنه يستيقظ أخيرا. # بقيت طوال ذاك الصباح جالسا بجانبه أنتظره ليفتح عينيه؛ ~~لأحكي معه، ليقول أي شيء، شعرت بأنه لا يريد أن يستيقظ، «هل يخاف ~~من شيء ما؟» ms32 وبقيت سويعات منهمكا في انتظاره أن يصحو. # ما إن فتح عينيه حتى التمعت ترمقني وكأنه يرى في عدوا ~~شرسا، ربت على كتفه الأخرى، تلك التي لم تصب، وخفضت صوتي ~~كي لا يلحظ اهتزاز كلماتي وتوتري: أشكر الله أنك بخير. ~~- أنت؟ ~~- ما الغريب؟ عادة ما نشكر الله على الأشياء الجميلة، الكل يفعل ~~.. أقصد .. المؤمنون جميعهم يقولون هذا. ~~- أنت هو الطبيب؟ ~~- هل التقينا قبل الآن؟ ~~- أتعرف ماذا حل بي؟ ~~- أصبت برصاصة في كتفك، وكدت تموت لولا أني أنا الطبيب الجيد ~~الذي يشرف على ... كفى يجب أن ترتاح الآن. ~~- ولكني أريد .. ~~- قلت كفى! # كان يجب ألا أستطرد في الحديث معه أكثر، مهمتي أن أعالج ~~الجرحى والمرضى، لا أن أحكي لهم القصص، ولا أعرف لماذا صرخت في ~~وجهه: أنا لست «حكواتيا» أتفهم؟ # ظل يحملق في وجهي وتوقف عن الأسئلة .. لاذ طويلا بالصمت ~~بينما لذت أنا بالخروج. # 4 ~~«المصاب» # الآن .. فقط الآن أستطيع أن أرى كل شيء بوضوح، كان ما أحتاجه ~~هو فقط أن أرى لا أن أسمع .. أنا في المشفى إذن .. حسنا .. المشفى ~~جيد والعناية على أفضل حال، والرصاصة استقرت لبعض الوقت في كتفي ~~.. كانت تكفي لأموت لولا براعة الطبيب، ولولاه أيضا لما أصبت ~~بالرصاصة .. يا إله التناقضات! كيف يمكن للإنسان أن يقتل ويعالج ~~«القتيل» في آن؟ # ربما لم يعرفني بعد .. ولكن كيف يمكن لقاتل أطال التحديق في عين ~~الضحية ألا يحفظ ملامحها عن ظهر قلب؟ إنه ولا شك ينتظرني لأشفى ~~تماما حتى يقتلني .. هذا الوغد القاتل يحضر لأمر خطير .. من ~~المؤكد أنه يعرف جيدا أننا أعداء. # 5 ~~«الممرضة» # قلت إني والطبيب شربنا نخب الانتصار ونهاية الحرب، وما لم ~~أقله كوني لم أعرفه البتة. إن نهاية الحرب لا تعني نهاية ~~القتل. # كنت أتابع الحدث باحتراق وصمت بالغين: شاب صغير الحجم ممدد ~~على السرير، الناربيش ممتد من شريان ساعده الأيسر إلى كيس الدم، ~~أما الطبيب اللطيف ذو الشخصية النبيلة المخلصة فقد كان يقف أمام ~~السرير إلى الأعلى من رأس الشاب المصاب. # كانا كأنهما يخوضان معركة ms33 صامتة؛ فذاك الصمت الذي خيم على ~~غرفة المشفى لم يكن طبيعيا، بل كان صارخا، مشحونا بصوت الحرب ~~والحقد، إلى أن كسر المصاب الصمت عندما عدل من جلسته وطلب من ~~الطبيب أن يجلس بجواره، صمت قليلا قبل أن يصوب عليه بسؤاله ~~الكافي للقتل: أنت من أطلق النار على كتفي؟ ~~- أنا؟ ولكن .. # تلعثم الطبيب وهم بالرحيل .. صرخ المصاب بصوت أجش - لا يشبه ~~حجمه - في وجه الطبيب، ونزع الإبرة من شريان ساعده الأيسر ثم ~~لف الناربيش بشراسة حول رقبة الطبيب المسكين، وصار يشد فيما ~~كانت ذراعه تنزف. # صرخت كثيرا حينما شاهدت الدم يقطر فوق السرير وعلى الأرض ~~وقميص الطبيب الأبيض، ولكن أحدا لم يأت لحمايتي من هذا المشهد ~~المؤلم، أما المصاب فكاد أن يقع أرضا وهو يردد: «أنت قاتل .. قاتل ~~...» # ظل يشد إلى أن سقط الطبيب أرضا وسقط فوقه .. ثم ماتا. # | محاولات للنجاة # 1 ~~«مرة أخرى أعيد المحاولة، ومجددا أمزق ما أكتب .. كل يوم ~~ألقي بعشرات المحاولات لكتابتك، ومع كل تمزيق أعرف أكثر كم ~~أنا مهزوم .. أحاول أن أعيد ترميم انكساري بكتابتك وصياغة ~~الحرب. # لم يجل في خاطري يوما بأنك أنت من ستكونين الرواية التي لم ~~أكتبها بعد .. فالرواية توءم المأساة وأنت مأساتي، ولو عرفت ~~مسبقا لتوقفت عن الكتابة برهة بل زمنا وعانقتك، لراقصتك حتى ~~الصباح، كنت حتما سأتوقف عن متابعة نشرات الحرب، ولقطعت التواصل ~~مع الجريدة التي كنت أكتب فيها .. لمنعت نفسي من الكتابة عن الحرب ~~والموت وعشت معك دهرا آخر .. الآن وفقط الآن أدرك كم أخذ الحبر ~~من حياتي. # اللعنة على هذا القلم، هذا الذي قتلك بوفائه لضحايا الحرب ~~وخيانته لك .. أنا الذي كنت أظن أن الحرب شيء بشع سقط علينا من ~~مكان ما، سقط على الشوارع والأزقة والأرصفة .. لم أعرف الحرب حقا ~~إلا بموتك .. فخسارتك هي الشيء المؤكد الوحيد الذي فتح النوافذ ~~لاستقبالها على طبق من الفاجعة.» # قاطعه صوت قرع الجرس، جفل جاد مستغربا، وتوقف عن الكتابة، ~~نهض عن كرسيه متثاقلا، اقترب بتوجس من الباب، نظر من العين ~~السحرية ثم ms34 فتح الباب ببطء ولم ير أحدا، هم بأن يخرج من عتبة ~~الباب، ولكنه ما لبث أن تراجع ، وقبل أن يغلق الباب سمع صوت ~~امرأة تناديه: المعذرة سيد جاد. # التفت مجددا ليجد امرأة مبتلة الشعر والوجه تقترب من الباب، ~~فقال بشيء من الحرج: اعذريني .. لم أرك جيدا. ~~- يبدو أنك استهلكت وقتا طويلا في الكتابة هذا اليوم. # راح يتأمل ملامحها، وظل صامتا في محاولة ليتذكر إن كان يعرفها ~~أم لا، إلى أن قال باستغراب واضح في نبرة صوته: هل التقينا قبل ~~الآن؟ .. يبدو أنك تعرفينني جيدا. # كانت لم تزل خارج عتبة الباب ولم يخط خطوة واحدة صوبها، ~~فقررت أن تدخل إليه وتقول ببسمة خفيفة: لا عليك .. اسمي هدى .. ~~أعتذر إن كنت قد أزعجتك في شيء، ولكن كما ترى قد سقط خزان ماء ~~من أعلى البناية أمامي وامتلأت بالماء. أريد فقط أن أعيد تسريح ~~شعري .. ألديك منشفة؟ # ظل برهة في حيرته واستغرابه، فقالت وكأن صبرها قد بدأ ينفد: لا ~~تمتلك مرآة أم أنك لا تريد استقبالي؟ # أشار إلى جهة الحمام مجيبا: الحمام من هنا .. أذكر أن فيه مرآة ~~ومنشفة أيضا. # اتجهت هدى صوب الحمام فيما عاد جاد إلى مكتبه وراح يمزق ~~محاولته بالكتابة لنجاة أو عن النجاة؛ مزق الورقة وألقاها بين ~~كومة أوراق أخرى، وبعد برهة اتجه إلى الحمام، وقف طويلا أمام ~~بابه ينتظر خروجها؛ عساه يفهم من تكون تلك الفتاة وماذا تريد. طرق ~~الباب بتردد، ولم يسمع إجابة، طرقه بشكل أقوى فانتبه إلى أن ~~الباب لم يكن مغلقا. فتحه ببطء ولم يجد أحدا. فعاد إلى مكتبه ~~ليبدأ محاولة أخرى في تخليد نجاة. # 2 ~~«لطالما اعتقدت أني الأكثر عنادا في هذا العالم، وقد كنت ~~فرحا لعنادي، فلم أتصالح في أي يوم مع العالم وبؤسه، وقد ~~أخبرتك بذلك أيضا ولكنك كنت أكثر عنادا مني، ربما لأنك ~~كذلك، وربما لأنك كنت مأخوذة بحالة الحب التي أحاطت بنا، قلت ~~لك حينها: لن تطيقي العيش معي. # وأجبت يومها: لن أطيق العيش إلا معك. # أخبرتك بل حذرتك بأنك ms35 سوف تندمين؛ فأنا إنسان يعيش في خياله ~~وأحلامه، فصدح صوتك: دعنا إذن نعيد تخيل تجربتنا الإنسانية ~~ونعيشها من جديد. # شعرت بأنني ورثتك الحلم؛ المرض المعدي الذي جعلني أخسر ~~وظيفتي وحياتي، وجعل الأصدقاء ينفرون مني، الأصدقاء المتورطون بل ~~المفرطون في واقعهم، وخسرتهم واحدا واحدا، أما أنت فقد فتحت ~~ذراعيك ترحيبا بفيروس الحلم ولم يكن أحد في العالم بأسره يعرف ~~بأن حلمنا سيغدو كابوسا بعد سنين قليلة من بدء حبنا لتموتي أنت ~~وأنجو أنا، وربما نجوت أنت ولم يمت غيري .. ربما كل ما أفعله ~~الآن ليس إلا محاولة فاشلة للنجاة من ذاك العذاب الذي يصيبني كلما ~~مسكت قلما وجربت أن أخلدك به، هذا الذي ساهم بقتلك كيف يمكن ~~له أن يخلدك؟» # كسر القلم من فرط ما ضغط عليه، ومرة أخرى مزق المحاولة بنزق ~~عارم، باغته صوت هدى: أكثيرا ما تمزق كتاباتك؟ # التفت إليها مشدوها من جلوسها على الأريكة خلف ظهره. ~~- أنت؟ منذ متى و.. كيف دخلت؟ ~~- أنت من فتح لي الباب هل نسيت؟ ولكنك انشغلت عني بالكتابة ولم ~~أشأ إزعاجك. ~~- ولكن .. لا شيء، ظننت أنك قد خرجت. ~~- سأخرج لو أردت ذلك. # هذه المرة كان شعرها مسرحا بشكل آسر، ووجهها قد غدا أكثر ~~إشراقا، اقترب منها ينظر في ذاك الوميض المنبعث من عينيها. وأخذ ~~نفسا محاولا أن يتمالك نفسه. ~~- ألم تنته بعد من قصتك الجديدة؟ .. لم أقرأ لك شيئا منذ ~~فترة طويلة. # جلس بجانبها يقول: وربما لن تقرئي بعد الآن. ~~- ما الذي تكتبه إذن؟ أو بالأحرى ما الذي تمزقه؟ ~~- أكتب هزيمتي الجديدة. ~~- «كم هزمتنا الحرب!» ~~- ليست الحرب. ~~- أنت قلت ذلك. # ذهب يتمشى في الغرفة ويسترسل: كنت أكذب .. أقصد كنت أكتب، أما ~~الآن فأنا فقط أحاول الشفاء من هزيمة أخرى .. خسارة لا يمكن ~~تعويضها .. أكتب لنجاة؛ زوجتي التي نجت مني لتتركني في برزخ ما بين ~~موتها وسقوطي، حبيبتي التي دفعتني إلى العزلة عن كل شيء ... نجاة ~~التي ماتت وتركتني محملا بذنب موتها .. فقد كان في وسعي أن ~~أفعل شيئا ولكني .. # تدارك نفسه متوقفا عن ms36 البوح، ثم التفت إلى الأريكة ولم يجد هدى ~~.. وهو ليس من النوع الذي يحكي للآخرين عن أوجاعه الخاصة ، لكنه - ~~وربما - كان الآن فقط بحاجة لأن يحكي لا أن يكتب، إنه يريد أذنا ~~ما تسمعه وتهدئ من روعه وتطمئنه، لكن هدى قد رحلت ولم تعطه حتى ~~فرصة للبوح عما يضمر في قرارة نفسه .. جرب أن يشفى من نجاة ~~دون أن يكتبها ولم يستطع .. لا بد من المحاولة مرة أخرى ~~إذن. # 3 ~~«رحلت إذن وبقيت أنا وحدي في ركن مكتبي أتساءل عما إذا قتلتك ~~الحرب أم القلم .. قلت لي مرة إن ما أكتبه لا يعني أحدا في زمن ~~الحروب، والحبر لن يقف في وجه الحرب، وإن صوت اللغة لن يعلو فوق ~~صوت القذائف. # نفرت منك ومن الكآبة السوداء التي أصبحت ترتدينها بعد توغل ~~الحرب فينا، وزدت إصرارا وكتابة عن أولئك الذين نزفتهم الحياة ~~من فرط مجازر الحرب، أعدت خلق حياتهم، رسمت واقعهم كما يجب أن ~~يكون لا كما هو كائن، كتبت سيرة الحرب كما أفهمها وأحسها لا كما ~~تحدث .. ظننت أنني أعرف تماما ما يحدث، عرفت أرقام الضحايا ~~يوميا، رصدتهم وأحصيتهم وبكيتهم، لكني لم أشعر بمعنى أن تسقط ~~الضحية إلا بموتك .. لم أفهم العلاقات إلا في تلك الحالة من الذهول ~~عندما دوت صرختك ورأيتك تسقطين فيما كنت أحلم بهزيمة القلم ~~للدبابة.» # دخلت هدى إلى المكتب، جلست على الأريكة وبدأت بخلع حذائها دون ~~أن تنبس ببنت شفة، التفت جاد إليها وكاد يصرخ إلا أنها قاطعته: ~~لا تقلق لن أزعجك أبدا؛ فأنا متعبة وأريد أن أستريح .. يمكنك أن ~~تواصل الكتابة وتعود إلي بعد أن تمزق ما كتبت. # ثم استرخت على الأريكة ومدت رجليها. ~~- لماذا جئت؟ # قال، فردت ببرود دون أن تنظر إليه: وجدت الباب مفتوحا .. هل ~~كنت تنتظرني؟ # راح يمزق الورقة، ثم قال وهو يستشيط غضبا: هذا لا يعطيك الحق ~~بأن تقتحمي بيتي! ~~- أنا هنا بملء إرادتك .. تستطيع طردي متى تشاء. # ذهب يتحرك في الغرفة بشكل عشوائي دون أن يتفوه بكلمة واحدة، ~~أما هدى ms37 فقد عدلت من جلستها وقالت: أنت لا تريد طردي. # تسمر في مكانه وهو يحدق فيها، ثم قال: والآن .. ماذا ~~تريدين؟ ~~- هل تظن أنك بالكتابة ستنتصر؟ ~~- ماذا تريدين؟ ~~- وأن الرواية تهزم الحرب وتخلد نجاة؟ # لم يجب جاد، بل شرد بعيدا يفكر، اقتربت منه وسألته بهدوء ~~يعتريه قليل من الحزن: هل مكثت نجاة طويلا وهي مختطفة؟ ~~- بقيت ثلاثين يوما .. من أخبرك؟ ~~- كل الصحف كتبت عن ذلك! # جلس على مكتبه متجاهلا لها، وعاد للكتابة مجددا، أما هدى فقد ~~استطردت بحرقة: كتبوا أنك صمدت رغم كل الضغوطات التي تعرضت ~~لها، وأنك رفضت مساومة الخاطف على قلمك، رغم اختطاف زوجتك، ولكن ~~أحدا منهم لم يكتب كم قاست نجاة أثناء اختطافها .. الكل يقول بأن ~~الكاتب «جاد» يتعرض لابتزاز وحصار ومنهم من قال مؤامرة وآخرون ~~كتبوا: محاولة لاصطياده، وصحيفة أخرى نشرت بأن «جاد» يتعرض ~~لمساومة بشعة، وكلهم ألحقوا الخبر بأن زوجة الكاتب «جاد» مختطفة ~~ولم تذكر صحيفة واحدة اسم نجاة .. نجاة أقصد نجاة نفسها .. نجاة ~~... ~~- كفى! # صرخ بملء فمه ومزق محاولته الجديدة. # 4 ~~«لست أنا، إنها الحرب .. أنا عاجز أمامها يجب أن أعترف، لم ~~أستطع أن أخلصك وأخلص نفسي من وجع الفاجعة، وانتظرت شيئا ما ~~ينقذك ولم يحدث، ومنذ ذلك اليوم وأنا مدفون في مكتبي بين محاولات ~~عاجزة عن تخليدك. # إني أحس بهول فقدانك يستجمع نفسه كغيمة سوداء قاتمة، لقد تقيأت ~~الكثير من الدم والحزن هذا اليوم، تقولين بأن هذا الحزن عام، والدم ~~يفترش الطرقات، تلك هي الحرب .. ربما ولكن الحرب التي أخذت السنين ~~الأخيرة من حياتي ليست أكثر من هذا الشعور الآسن بالهزيمة والوجع ~~والفقد المشوب بالوجد». # استيقظ جاد من نومه أو من شروده؛ فقد قضى ليلته في سهد يتفرس ~~النظر في سقف غرفة نومه، غرفة خيبته وبؤسه .. اتجه إلى المكتب ~~المكتظ بالفوضى فوجد هدى تجلس هناك وقد جمعت جميع أوراقه الممزقة ~~لتقرأها، اقترب منها مسرعا فقالت بهدوء: قرأتها للمرة الثالثة .. ~~أعرف جيدا كم تحبها، ولكنك لن تستطيع كتابتها. # أخذ المحاولات منها ثم وضعها في سلة ms38 القمامة. ~~- ستمزق كل المحاولات إن بقيت هنا .. لن تستطيع أن تكتب ~~نجاة وأنت مطوق بأسوار بيتك .. كل شيء يحدث في الشارع .. الحقيقة ~~هي ما يحدث خارج أسوار بيتك فقط. # قال وكأنه ينفجر: لا أستطيع أن أصدق أن الحرب شيء حقيقي وأنها لم ~~تزل مستمرة! ~~- تكذيبك لما يحدث لا يلغي حقيقته. # قالتها وذهبت إلى باب الخروج، لحقها صوته المرتجف: سترجعين .. ~~أليس كذلك؟ ~~- سأخرج .. يمكنك أن تأتي معي. # فتحت الباب ولم يلحقها، فقالت وهي تشدد على الكلمات: لا شيء ~~داخل بيتك حقيقي. ولكني غدوت أعرف أن حبك لنجاة حقيقي ~~جدا. ~~- ابقي هنا أرجوك، ربما لن أستطيع كتابة نجاة، ولكني أستطيع أن ~~أرويها لك .. منذ زمن لم أر أحدا، لم يثبت لي أي آخر أنني لم ~~أزل حيا، وكل الآخرين منهمكون هناك في الحرب. ~~- الآخرون في الشارع، والحرب في الشارع وحبيبتك قتلت في الشارع، ~~والقاتلون والضحايا هناك .. لقد مررت بضحية كادت أن تكون أنا، لقد ~~أخذت مكاني دون أن تعرف، كان القناص يقف على سطوح بناية، ويبحث عن ~~ضحية، وانطلقت رصاصته تماما في لحظة ابتعادي واقتراب الأخرى ~~مكاني .. لقد سقطت أمامي وأدركت أن الحرب كلها هي المسافة بين ~~القناص والضحية .. لن ترى شيئا من هذا إلا إن خرجت .. هناك ستجد ~~أن نجاة كل يوم تسقط. ~~- ما لا تعرفينه أن نجاة هي التي رفضت المساومة ولست أنا .. لقد ~~أنقذتني - بموتها - من التورط بالتفكير في الأمر. # خرجت هدى دون أن تنبس ببنت شفة، تردد جاد قبل أن يلحقها ويخرج ~~لأول مرة منذ غياب نجاة، وصل أسفل البناية، بحث عنها ولم يجدها، ~~كان يتوقع ذلك بل يعرف أنها لن تكون وأن عليه هو أن يكون ويرى، ~~وأول ما أدركه أن هدى هي الضحية، ضحية المسافة بينها وبين القناص، ~~وهذا أيضا لم يكن مفاجئا بالنسبة له، ولكن الصادم في الأمر، ~~والشيء الوحيد الذي لم يكن يعرفه حينها أن الشارع الآن ~~هادئ! # 5 ~~«خرجت اليوم إلى الشارع، ذهبت إلى الطريق الطويل الذي كنا نمشي ~~فيه عادة قبل أن ms39 يسلبوه منا ويحولوه إلى ساحة حرب لطرفين لا ~~يمكن لهما البقاء معا، على أحدهما أن يموت حتى يبقى الآخر، أو ~~هكذا كنت أظن قبل أن أخرج وأرى الحقيقة. # رأيته يرجوه، تماما كما فعلت .. كان يحمل بيده سكينا ويضعه ~~على عنق طفلة لم تتجاوز العامين من عمرها، أما أبوها فكان يقف ~~بعيدا ويتوسل إليه، تماما كما فعلت، عجز عن الاقتراب، فقال ~~للخاطف: أرجوك .. إنها طفلة لم تفهم الحرب، ولم يزدحم قلبها ~~بالعنف بعد .. أرجوك أبقها لي؛ فالجينات لا تحمل في ذاتها ~~الحروب.» # لم يسمع شيئا، تماما كما فعل معنا، وقبل أن يحز عنق الطفلة ~~جاءه اتصال يبلغه بأن الحرب انتهت، فقطع بالسكين وردة وقدمها ~~للطفلة ثم سلمها لأبيها وبدآ يتبادلان أطراف الحديث وكأن حربا ~~لم تكن. # لقد ذهبوا ثلاثتهم معا، ولم يمت أحد .. كل أطراف الحرب ~~يتسكعون معا في طريقنا الذي سلبوه منا، أما ضحايا الحرب فقد ~~رحلوا قبل أن يعرفوا بأن الحرب ستنتهي بقرار القائدين .. بتصريح ~~واحد. بلحظة .. دون أن يكترث أحد بمن انتصر ومن الذي هزم .. كل ~~ما في الأمر أن الحرب هزمت الجميع. # | تقمص # قالت كلمة «أحبك» أكثر من مائة مرة، وبالمثل أو أكثر قليلا كتبها ~~علي ... في المرة الأخيرة قالتها لقاتلها قبل أن يغرز السكين في بطنها؛ ~~ليقتلها ويقتل الجنين في أحشائها. # كانت تجلس باكية، مستسلمة لما يحدث، لما تعرف تماما بأنه سيحدث ~~وأتقنت الادعاء بأنها لا تعرف ... اقترب منها قليلا، أخذ السكين ~~وصوبه نحو صدره وفي اللحظة الأخيرة غير وجهته إلى بطنها وهو يصرخ ~~صرخته الأخيرة الفاجعة، تلك التي دوت في كل الآذان المنصتة جيدا، ما ~~جعلهم يسمعون أيضا صرخة الجنين، ثم هوت أرضا مصدرة تلك الآهة ~~العميقة من أحشائها؛ من وجعها وجنينها الذي لحقها بموته. # أطفئت الإضاءة تدريجيا، وأسدلت الستارة، ثم صفق الجمهور بحرارة ~~ممزوجة بالبكاء والابتسامات العريضة. # بدأ الناس بالخروج من الصالة، مروا جميعهم من جانب علي الذي كان ~~يجلس قرب باب الخروج، وأصواتهم تسقط عليه بشكل عشوائي وسريع: كان عرضا ~~مسليا. ~~- تهيأ لي ms40 أني سمعت بكاء الجنين. ~~- كل الرجال شكاكون. ~~- الرجال مخلوقات قذرة .. معجونة من الشك والقتل. ~~- هه .. تمثيل. ~~- كانت مبهرة في المونولوج الأخير . ~~- كم أحببته .. لا يستحق الخيانة قط. ~~- يا إلهي كم أحببتها! .. كان يجب ألا تموت. # خرج الجميع واختفت الأصوات من حول علي فيما ظل وحده ينتظر قرب ~~الباب ... أطال التأمل في خشبة المسرح، «قالتها أكثر من مائة مرة»، أسر ~~في نفسه وواصل الانتظار. # جاءت مريم والبسمة ترتسم في كل تفاصيل وجهها المتألق، عانقته بعمق ~~فيما ظل علي باردا شاردا في كل ما حدث. ~~- ما بك؟ # قالتها وقد أخذت نصف خطوة إلى الوراء، نظر في عينيها طويلا، ~~وأومأ برأسه أن لا شيء، فأردفت: هل كنت جيدة؟ أعني ... هل كنت كما ~~تخيلتني؟ ~~- كنت صادقة جدا. ~~- أتقصد لحظة الموت؟ ~~- لم أكن أريدهم أن يتعاطفوا معك حينها. # ردت وقد امتلأت بالغيظ: آهه، أجل ... أردتهم أن يشفقوا على الرجل ~~المسكين البائس، ذاك الذي كاد يقتله الشك ما جعله يعاني الفصل ~~الأخير بأكمله، أليس كذلك؟ ~~- لا ... أردتهم فقط أن يسمعوا صرخة الطفل ... أن يروه جيدا ... ذاك ~~المسكين الذي دفع ثمن علاقة لا شأن له بها. ~~- فيم صدقتني إذن؟ ~~- في كلمة أحبك. # نزل درجات الصالة متجها إلى خشبة المسرح، لحقته بهدوء فيما كانت لم ~~تزل ترتدي ملابس الشخصية، ورائحة الدم ما زالت تفوح من المشهد ... وقفا ~~في منتصف الخشبة تماما، في منتصف الصراع، منتصف الخيال .. إلى أن صرخ ~~علي ليوقظ الواقعي فيه: قلتها أكثر من مائة مرة في أقل من خمس ~~سنوات! ~~- لأنك كتبتها أكثر من مائة مرة. ~~- وفي كل مرة أصدقها أكثر .. أنت تجيدين الحب بصدق على الخشبة ~~فقط. ~~- وأنت لا تجيده إلا في النص. # دخل أحد المتفرجين إلى الصالة يبحث عن شيء ما، فاستوقفه المشهد، ثم ~~لحقه آخر وشاهدا عليا يقف في عمق المسرح، ينظر في الستارة السوداء ~~ويتحدث كأنما يحدث نفسه: عشقتهم بصدق ... كدت أسمع أمعاءك تنطق ~~حبا، تراءى لي قلبك يقفز من مكانه فرحا بحبه كما تمزق حزنا ~~لفقده .. # دخل متفرجون آخرون إلى ms41 الصالة، وعلي يواصل: كنت طوال الوقت مستسلمة ~~للموت فداء للمعشوق .. بل لكل المعشوقين الحمقى. # جاء آخرون إلى الصالة، فيما قالت مريم : أنت الذي أردتني مشابهة ككل ~~اللائي خلقتهن؛ مستسلمة، بائسة ومهزومة .. أنت لا تحتمل وجودي خارج ~~نطاق خيالك. ~~- بعد كل عرض يحدث ما يحدث الآن .. مع كل دور تلعبينه كنت تخلعين ~~قناعا آخر. ~~- ومع كل نص كنت ترسم جانبا آخر من فتاتك المشتهاة .. تلك التي ~~لم ولن أكونها يوما. # هم علي بأن يصرخ، ولكنه اختار أن يصمت. # كان يعرف جيدا أن المسرح في كل عرض يعيد تعريف العلاقة بينهما؛ تلك ~~العلاقة التي ترفضها كل الأعراف، أراد بالكتابة أن يفصح عن عمق ~~حبه، أن يعري كل شيء بحبه فقط .. وأدرك تماما بأن الخيال لا يكفي ~~ليكونا عاشقين. وكانت مريم توقن بأن الخشبة تبرز الفجوة بينهما ~~وتفضحها، تحاول عبثا أن تعري المجتمع ولكنها لا تصلح ~~شيئا. # جلست في منتصف الخشبة شاردة، كأنها تحاول بشرودها أن تمنع دموعها من ~~الانهمار، أما علي فقد واصل الصراخ كأنه أراد بصراخه أن يخفي المشكلة ~~الحقيقية بينهما. # كانت الصالة قد ازدحمت بالجمهور تماما، فيما اقترب علي من مريم ~~ووجد السكين بجانبها، «كانوا قد نسوه هنا بعد العرض». أحنى ظهره ينظر ~~فيه، لاحظ لونه المصطبغ بالأحمر، تماما كالدم، أطال النظر فيه ولم ~~يأخذه .. تسمرا على تلك الحال لبضع ثوان إلى أن بدأ الجمهور ~~بالتصفيق الحار والطويل. # | حلم # حبيبي .. قبل أن أبدأ .. اسمح لي أن أكررها: حبيبي، حبيبي .. أتسمع؟ ~~أقول لك حبيبي .. منذ ولادتك لم أقلها لأحد، أسمعها كل ليلة وأعجز ~~عن قولها .. لست أشتاق إليها فهي تعيدني إلى تلك الحالة المريبة من ~~الانقباض والاشمئزاز من كل شيء .. ولكني طوال الوقت أشتهيها كما ~~تشتهيني كل العيون المكتظة على الأرصفة والمطاعم وفي كل مكان. # أعرف بأنك تبغضني وأعرف حجم النقمة التي تعشش في صدرك منذ سنين، ~~وأعرف بأنك طوال هذه السنين وأنت تستجمع البصاق لتقذفه في وجهي، طوال ~~الوقت وأنت تقحم الكلمات العاهرة في معجمك لترشقها الآن في وجهي .. ~~أعرف ms42 ذلك حق المعرفة، ستقول عاهرة رفعت رجليها لأول عاهر طريق كي ~~تحبل بخطيئتها تسعة أشهر صامدة صامتة لتقذفها في نهاية الأمر إلى قاع ~~المدينة المزدحم بالخطايا، ومضت تكمل حياتها وكأن وجعا لم يكن .. ~~ستقول أيضا بأنني قاسية ملعونة ألقيتك عن جسدي وكأنك العار، أجل ~~فعلت، حررتك مني وجعلتك تتخبط في منعطفات الحياة وحدك. # كان يمكن أن أقتلك في رحمي، فقد طلب مني أبوك أن أفعل وأجهضك ولم ~~أشأ، قذفك في رحمي لأقذفك إلى الحياة ثم تركلك بدورها إلى الشوارع ~~والأزقة وشارات المرور ومأوى الأيتام ليعيدوك مجددا إلى حضني ~~.. # كم أشتهي أن أضمك إلى صدري ولكني أخاف أن تصفعني لتنهي بذلك ~~لقاءنا الوحيد .. لا أريد له أن ينتهي، أريده أن يطول لأخبرك ~~الحقيقة التي أملكها وتفقدها أنت، ولكن الحقيقة بحاجة إلى قوة كي ~~تقال، قد أموت قيد المحاولة البائسة في قولها. # مهلا لا تهرب .. استمع حتى النهاية، أعرف بأنك مشبع بالأفكار عما ~~حدث .. لا تريد أن تمحى تلك الصورة المشوهة من رأسك، لا تريد لذلك ~~الحقد الذي توغل في صدرك أن ينطفئ .. ستشعر بالعجز عن ضربي وشتمي إن ~~سمعت، ستشعر بالتشوه والأسى إن لم تجدني العاهرة التي أردتها لتنتصر ~~على وجعك بضربي. # تستطيع الآن أن تراني جيدا .. انظر فأنا امرأة جميلة، يقولون إنني ~~أمتلك جاذبية ما .. أرتدي ملابس جيدة وأنيقة، وأسرح شعري كما ترى، ~~الديدان لا تخرج من أنفي، والعفن لا ينمو من مسامات جلدي، هل ترى؟ ~~رائحتي ليست كريهة كما أنني لا أضحك بصخب فاجر، أتفهم؟ # أرأيت؟ تقول إنني أنثى الشيطان، أنجب الأطفال لألعنهم .. ألقي ~~بأطفال شهوتي إلى الجحيم .. تقول بأنني أنام مع عشرات الرجال يوميا ~~لأكتنز ثروة هائلة بحجم ضحايا جسدي .. انتظر فأنت تستطيع أن تسمع ~~الحقيقة فهي بعيدة عنك وعن تصوراتك كلها .. قد تكون موجعة، قد تجعلك ~~عاجزا وتجمد قبضة يدك التي ستحاول عبثا لكمي. # الحق أنني أكذب، فأنا أيضا لا أعرف الحقيقة حق المعرفة .. ما ~~أذكره أنك فعلا كنت الخطيئة التي ركلتها أقدام من عرفوها .. كنت ~~الشاهد ms43 الوحيد على عارهم وعلى أمومتي .. خبأتك بكل ما أوتيت من وجع ~~.. ضغطتك بالأقمشة والملاءات، شعرت بك تختنق في بطني وأنا أشدك ~~بالمشد في محاولة مني لأن أخفيك وأحميك، ونجحت في أن أراك تبعث ~~أمامي إلى الحياة. # عندما أنجبتك كنت في بداية بلوغي، كان صدري قد نهد فأبصرته كل ~~العيون .. كل العيون تبصر صدري ولكن واحدة منها لم تبصر ما في داخل ~~صدري .. حاصرتني العيون وحملتني من يد إلى أخرى وفي كل رحلة تزداد ~~تشوهات جلدي التي امتدت إلى قلبي. # أنا امرأة شقية يا حبيبي .. كل تلك السنين وأنا في هذه الحالة من ~~الانتظار البائس لألقاك وأخبرك كم قاسيت لننجو معا .. ولكن ما ~~حدث فعلا هو أنني ... ~~••• # انزلقت الدمعة الأولى من عينها ولم تواصل حديثها، بل طوت قطعة ~~القماش التي كانت طوال الوقت تحدثها ومسحت بها دمعتها .. في تلك ~~الأثناء خرج رجل ثلاثيني العمر من الحمام يجفف جسده العاري. وضع ~~لها بعض النقود دون أن ينظر في عينها وراح يرتدي ملابسه. # | جسد ومشنقة # انتظرت مجيئه طويلا؛ ليس ليخرجني من السجن، بل لأشعر بأن أحدا ~~ما ينتظرني في الخارج .. ولم أكن أعرف بأن انتظاري مثير للسخرية ~~والشفقة معا، أعرف جيدا أنه لن يأتي ولكني كنت في أمس الحاجة ~~لشيء ما يدفعني للحياة في الزنزانة؛ ليس حبا في الحياة ولا خوفا من ~~الموت، بل بسبب انعدام الخيارات، فلا سبيل للانتحار هناك، علي أن أجد ~~دوافع للحياة إذن. # بدأ الأمر بإنشاء علاقة طيبة مع فأر، تذكرت أول الأمر كم كنت ~~أخشى الفئران، ولم أجرب يوما بأن أقيم علاقة طيبة مع واحد منها، ~~ربما كنت بحاجة لزنزانة حتى أكتشف كم هم لطفاء .. إنه يصعد على جسدي ~~ويتجول على سطحه دون أن يؤذيه، لقد بات يلعب معي، يصل إلى صدري ~~ويهبط، اكتشف في ذلك لعبة مسلية، لم يؤذني البتة، لم أشعر بأي خطر ~~لملامسته جسدي! # عدت وحيدة بموته؛ فقد ضحى بحياته لأجلي، أرجوكم لا تهزءوا بي، ~~لقد فعلها حقا .. حينها قدموا لي وجبة ذات رائحة نتنة، ms44 ولكني قد ~~اعتدت الروائح حيث لم أعد أفهم متى يكون الطعام فاسدا ومتى يكون ~~نتنا وحسب، لقد تناول الفأر جزءا منها وانقلب على ظهره، ثم بدأ ~~يترنح إلى أن انطفأ ومات. # كان علي أن أجد سبيلا آخر للاستمرار في الحياة، فبدأت أترقبه ~~وهو يفنى، ظننت أنني سأفهم العدم والفناء من فأر جامد أمامي، ولكن ~~الحراس لم يسمحوا بذلك، وأخرجوه من الزنزانة حرصا على سلامتي ~~ومشاعري. # عدت للانتظار ثانية، وحيدة، بائسة في مكان قاتم وغامض وزمن غائب، ~~السؤال عن الزمن في مكان كهذا يبدو ضربا من المهزلة، الزمن هنا دون ~~ملامح، يفتقد بقسوة أبعاده الثلاثة ليضيق معناه في شيء واحد وهو ~~الذاكرة، أو فلأكن أكثر صدقا .. الحنين، هذا الشعور الساذج بتجميل ~~الماضي حيث لم أعد أفهم إن كان ما أعيشه هو ذاكرة أو ذاكرة مشتهاة، ~~«نعم، الحنين يخدعنا.» وليكن، اتركوني غارقة في تلك الخدعة عساني ~~أنتصر بالذاكرة على العزل والوحدة. # كنت أومن بأن تلك العزلة ستنتهي، لكني أردتها ألا تقتلني قبل أن ~~تنتهي، كان يجب أن أرمم نفسي باستمرار حتى لا أخرج من هنا منهارة ~~فاقدة لأبسط ملامح الحياة، فكان لا بد من تلك الخدعة المتعلقة ~~بالحنين، وسألت مجددا: «لماذا لم يأت؟» زيارة واحدة تكفي كي أدرك ~~أن لي في الخارج حياة ما، أعرف أنهم يخشون أثر الزنزانة، أعرف أن ~~الزنزانة إذ تنطبع على أجسادنا يصعب التعافي منها، ولكن كان يجب أن ~~يأتي لمرة واحدة فقط، لقاء واحد يكفي ليعرف الحراس أن لي زوجا ~~وحبيبا في الخارج ينتظرني. لا لشيء وإنما كي يحمي جسدي من ~~الحراس. # في الزنزانة أو حتى في السجن كله، لا مكان لجسد امرأة وحيدة، لو أن ~~أحدا في الخارج سأل عني مرة واحدة! لو أن أي رجل في الخارج أحضر ~~لي رسالة أو وجبة أو قميصا لما كنت وحيدة ولما تعرضت لكل ما تعرضت ~~له فيما بعد. # بدأ الأمر بهمس يشبه حفيف ثعبان خلف باب الزنزانة، اقتربت لأسمع ~~ذاك الهمس، فكان صوت الحارس يقول لحارس آخر: «لا ms45 تقلق .. ليس لها ~~أحد.» ولم أفهم كل ما قيل ولكني أدركت أنهما قررا أن يتقاسما ~~جسدي مناصفة، وكل ما يحدث ما هو إلا تفاوض على من يبدأ؟ وكيف؟ # كيف يمكن لامرأة مزقتها العزلة، فتركت معلقة بذاكرة قد غاب ~~أبطالها أن تقاوم سجانا ورجلا؟ لا أحد في هذا الكون يدري بما ~~شعرت، ولا أن يفهم معنى أن تكون مسلوب الحرية بين عالم من الحراس ~~الرجال، كيف يمكن لأحدهم أن يدرك ما الذي أعانيه وما الأشياء التافهة ~~التي أحتاجها؟ لا شيء .. فقط رجال، وأصوات رجال، وتحقيق من رجل، وتعذيب ~~من رجل. # وأقسى ما شعرت به لحظتها أنني كنت أعيش وسط الهمسات؛ حيث تتحفز كل ~~الحواس ولا تدرك شيئا، الرؤية معدومة، سوداء، قاتمة، روائح نتنة لم ~~تزل تفوح من هذا العالم الغريب، ولا أستطيع أن ألمس سوى جسدي المرتجف، ~~والذي راح يتصبب عرقا .. أما السمع فهو أقسى ما أحس، أصوات خشنة ~~منخفضة، همس مرعب دون أن تدرك إن كانت همسات بشر حقيقيين أم ~~لا. # فتح باب الزنزانة بعد لحظات من التمتمة التي لم أسمعها جميعها، وقد ~~بدا واضحا أن الحارسين أخيرا أنهيا تفاوضهما واتفقا أن يدخل ~~الأول ويراقب الآخر له المكان ريثما ينهي مهمته ثم يتبادلان الأدوار، ~~دخل الحارس وقد أغلق بنفسه باب الزنزانة علينا، وترك المفتاح في سكرة ~~الباب. لقد رأيته جيدا، لم يكن وحشا، صدقوني، كان يبدو كائنا ~~بشريا يشبه أولئك الذين نراهم في الشوارع والساحات العامة، يمتلك ~~عينين اثنتين تماما كأي إنسان، ذو ذقن وشعر عاديين، حتى إنه ~~يجيد الابتسامة، لا تتصوروا أنها ابتسامة صفراء شريرة توحي بالجريمة، ~~لا، أقول الصدق، إنها ابتسامة عادية بسيطة فيها شيء من الفرح العادي، ~~كما أنه يستطيع أن يسعل، لا أتحدث عن سعلة مرض، رغم أنه يجيد المرض ~~أيضا، بل أحكي هنا عن تلك السعلة التي تسبق فعلا أو قولا ما، تلك ~~اللحظة التي تضع يدك أمام فمك وتسعل سعلتين خفيفتين قبل أن تصارح ~~الآخر بشيء ما، تماما مثلهما سعل قبل أن يأخذ خطوة ms46 إلى ~~الأمام. # انقبضت على نفسي في زاوية الزنزانة، فك حزامه وتركه يسقط أرضا، ~~لم أزل هناك في الزاوية فيما بدأ جسدي ينضح بالعرق وقلبي يصدح بنبضات ~~سريعة وكثيرة، فك زر بنطاله الأول واقترب، أخذت زاوية أخرى، ~~لأحافظ على أكبر مسافة ممكنة بيننا والتي لا تتجاوز المتر، فك زره ~~الثاني وبدأ جسدي يقشعر ويرتجف من رأسي إلى أخمص قدمي، فك الزر ~~الثالث فامتلأ صدري بشحنة من الاشمئزاز من كل شيء، فك الزر الأخير، ~~سرقت حزامه عن الأرض وقمت بلفه حول عنقه فيما راح يزمجر كخنزير ~~يختنق، أما الحارس الثاني فقد بدأ يدق بصوت خفيف على باب الزنزانة، ~~وأنا أشد، هو يزمجر والآخر يدق وأنا أشد، رفع صوت الطرق بقوة وأنا ~~أشد بقوة أكبر إلى أن انطفأ صوت الخنزير تماما وسقط أرضا. # في لحظة موته تذكرت الفأر الذي قتله بالطعام الفاسد، وتساءلت: ~~أيعقل أن يموت الفأر اللطيف الآمن ويبقى هذا الرجل حيا؟ لم أحتج ~~إلى أدنى تفكير قبل أن أجزم بضرورة موت الحارس دون أدنى شعور ~~بالتعاطف. # لطالما شعرت بأن التعاطف سمة إنسانية تفرض نفسها على الأفكار ~~والمعتقدات ولا تكترث بآرائنا، ولكني اكتشفت حينها أن مشاهدة جثة ~~الحارس مسجاة أمامي لا تبعث على التعاطف أبدا، كل ما في الأمر أنني ~~شعرت بالاشمئزاز، بل كدت أموت لفرط التقزز .. كنت سأكون المرأة ~~الأولى في الحياة التي تموت اشمئزازا. ~~••• # استمع القاضي لرواية القاتلة، طرق بمطرقته الطاولة، دون أن يفهم ~~أحد إن كانت غضبا أم محض فعل عادي يوحي للنطق بالحكم، وما هي إلا ~~دقائق حتى طوقوا عنقها بحبل مشنقة فيما كانت تنظر إلى عبارة مرسومة ~~على لوحة كبيرة، ابتسمت قليلا وهي تقرأ: «ولكم في القصاص حياة يا ~~أولي الألباب.» فضحكت ثم قهقهت، سحب الكرسي من أسفل قدمها وماتت وهي ~~تضحك بصوت مرتفع ظل صداه يتردد بعد موتها. # | خطايا # في ذاك الليل الغريب الذي يتفتح على خلاياي، كنت أجلس في الساحة ~~الواقعة أمام المطعم، أنتظر مديري ليأخذني إلى سكن العاملين، فوحده ~~من يعرف حقيقة أمري، تأخر ms47 قليلا فأخذت أستعيد لحظاتي الجامعية ~~والسنوات الفائتة التي تنبعث منها رائحة الطيش والرعونة. # تملكني ذعر شديد من أن تداهم سيارة شرطة المكان، ويأخذوني إلى ~~السجن فلا يعود للعائلة من معيل، وراحت تتطاير أفكاري اليائسة وتحوم ~~في نسيم هذا الليل من حولي .. كان يجب ألا آتي إلى هنا ولأنتظر ~~أية وظيفة قذرة .. في غمرة ما أحياه من تخوف تهجم مثل هذه ~~الهواجس وتشعل فتيلة الخيالات المروعة، وما تلبث أن تنطفئ إذ تأتي ~~«ديفال»، فهي وحدها القادرة على تخدير عقلي وترويض هواجسي. # انتابني فضول فادح لأنظر إليها في الوراء، وأرى ماذا تفعل تلك ~~الشقراء الروسية التي تبعث في ذاك التحفز الغريزي المجنون لأقترب ~~منها حد الالتصاق .. ترددت قليلا وعقدت حاجبي جديا لأدع ~~الأمور تجري وتنساب على مهل، كما أنني أحب هذا النوع من المماحكة ~~النسائية الجميلة ولاسيما إن اندلعت من امرأة محترفة مثل ديفال. # شعرت بالوقت بطيئا جدا إلى أن تركت لصوتها الرقيق حرية ~~الانسياب: تبدو نزقا إلى حد ما. # ذهلت أول الأمر فنادرا ما يتدخل أحد في شئون الآخر هنا، في ~~حيفا مجمع الغرباء، وبعد قليل من الصمت ابتسمت وقلت في محاولة ~~لاستثارة فضولها: قليل من الشرود وحسب. # وقفت بمحاذاتها أنظر في وجهها الحائر وسط هذا الليل الذي يطيب فيه ~~الهواء، وكانت النسمات الرهوة تداعب شعرها الأشقر، وعنقها يشع ~~متوهجا .. رمقتني بنظرة مسروقة وما لبثت أن أدارت وجهها الشفاف ~~المتألق. حركت في أعماقي موجة عاتية من اللهفة المجنونة ما جعل ~~الأمور تبدو أكثر وضوحا؛ لأجترعها على مهل، وأنبس بكلمة لتشق ~~الطريق إلى ما يريده كلانا: أوشك الفجر على الانبلاج .. قد ~~تتأخرين. # أزاحت بضع شعرات عن عينها الزرقاء، وارتسمت بسمة خفيفة على ركن ~~شفتيها، ثم قالت: ذهب زوجي في مهمة وقد يغيب أسبوعا عن ~~المنزل. # نظرت متوترا إلى الخلف ورحت أجوب المكان بعيني باحثا عن المدير، ~~وباندفاع مرتبك اقتربت منها وتقلصت المسافة بين عينينا حتى ~~أحسست بأنفاسها الحارة تغسل خدي، وهمست: هل نتجول قليلا؟ # ودون أدنى إجابة مشينا في شوارع المدينة التي ms48 تسترخي ببطء وكأنها ~~تذوب في الليل، وعدة أضواء متناثرة تتلألأ هنا وهناك، أما الخوف فقد ~~هرب مني وسقط خلفي غير مكترث ؛ فرجال الشرطة لا يقبضون عادة على عشاق ~~آخر الليل. ~~- تعرف أنني متزوجة، أليس كذلك؟ ~~- وأعرف كم أنت .. # مرت دورية شرطة فلذت بالصمت قليلا وابتلعت ريقي، ثم حاولت أن ~~أكون طبيعيا حتى لا تدرك شيئا عني، رمقتني بنظرة تكسوها بسمة ~~خبيثة وهي تقول: تبدو خائفا ... هل أنت عربي؟ ~~- أبدا. ولكن أنا .. لا، لا شيء. # ترددت قليلا وانسل الخوف إلى أضلعي وأطرافي، واجترعت الصمت ~~الحائر متوترا أنتظر فرصة ما تسنح لي بالتهرب منها والاختباء ريثما ~~يطلع الصباح، تأملت في عيني قليلا وهي تقول: لا تخف. ~~- أنا مضطر للعودة .. قد نلتقي في يوم آخر. # وهممت بالرحيل، فأمسكت بيدي وجذبتني إليها لتهمس في وجهي: قلت ~~لك ألا تقلق، فلن أشي بك. # التفت يمينا ويسارا وقلت برجفة في لساني: لماذا؟ ~~- لأنني لا أحب الشرطة كما أن زوجي غائب عن البيت كما أخبرتك. ~~- وما شأنه؟ ~~- العرب أقل حماقة مما أنت عليه. # تنهدت وهي ترمقني بنظرة مثيرة، وشعرت بحرارة في وجهي الذي بدأ ~~يتعرق، وضعت يدي برفق على خصرها من أسفل ظهرها ثم نبست: سيطلع ~~الصبح بعد أقل من ساعتين. # قالت مستثارة: ألا تكفي؟ # ضحكت وطلبت سيارة أجرة لتذهب بنا إلى منزلها. ~~••• # كان الليل قد بدأ يضمحل وبان الخيط الأبيض من الأسود، وبدت لي أضواء ~~البنايات باهتة وأقرب إلى الومض الممزق. نزلنا عند مدخل منزلها، وما ~~إن دخلنا وأغلقنا خلفنا الباب حتى اجتاحتني دفقة من التوتر الغامض مع ~~قليل من الخوف، ورغبة حادة في الهرب، جلست على الأريكة وذهبت ديفال ~~إلى غرفة النوم. # لا أعرف ما هو ذاك الصوت الصاخب الذي كان يصرخ في أعماقي، ربما كان ~~صوت أمي، وكلما هممت بالخروج كان ثمة ما يشدني إلى الأريكة، قد ~~تكون العلاقة الأولى دوما مرعبة بهذا الشكل، وأنا لم أصل، يوما، ~~في أية علاقة إلى السرير .. وبقيت جالسا منقبضا، يتراءى لي شرطي ~~سمين يخرج من خلف الباب ms49 عاريا ويرفع لي أصبعه الأوسط .. أضحك من ~~سذاجتي، أتذكر شهادتي، أمي، المنزل، المطعم، المدير ... # ثم أطلت ديفال من الغرفة رشيقة وقد بدلت ملابسها، وكانت كفيلة ~~لتجلي كل ما يجول في رأسي من هواجس، كانت مثيرة بقميص نوم فضفاض ~~نهدي اللون، ويمتد من منتصف صدرها إلى أعلى ردفيها، تأملتها طويلا ~~فاغرا فمي محملقا عيني مشدوها بما أرى من شفتيها الشهوانيتين ~~إلى عنقها الوهاج مرورا بصدرها الناهد والذي يبرز أعلاه من فتحة ~~قميصها الرخوة، وصولا إلى ساقيها الممشوقتين. # اقتربت لتجلس بجواري، كانت تحرك شفتها السفلى المتهدلة بشكل ~~مثير، وتحدق في وجهي المرتبك، فتحفزت أعصابي وأدركت أمام سلطة ~~جسدها كم أنا ضعيف! # وبعد هذا الاجتياح المثير بمفاتنها تناثر ضباب مشوش في ذهني ولم ~~أعد أرى إلا الطريق القصير إلى السرير، ومثل حفيف ثعبان همست في ~~أذني فيما كان هواء فمها الحار يمسح أذني: أنت تكثر من الشرود ~~والتفكير. # ثم اقتادتني إلى السرير وأنا في غاية من الاستسلام. وهناك بدأ كل ~~شيء وانتهى في بضعة دقائق. # ارتميت على السرير وذهبت ديفال إلى الحمام. ~~••• # خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها وجسدها، ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها ~~دون أن تكلمني، فقد مضى كل شيء بسرعة فائقة. أما أنا فقد انطفأت ~~تماما، ارتديت ملابسي وقلت بتردد: لنا لقاء آخر. # لم أكن متأكدا من أني أريد اللقاء الآخر، ولكن كان يجب أن أقول أي ~~شيء لأهدئ من روعها. اقتربت أكثر فشاهدت في خزانتها قميصا ~~رسميا وبطاقة ملتصقة بأيسر القميص من الأعلى مكتوبا عليها ~~بالعبرية، سألتها عنها فأجابت ببرود: إنها ملابس زوجي، ألم أخبرك ~~بأنه ضابط في المخابرات؟ # أجبتها وكأن الأمر لا يعنيني: على الأقل ليس في الشرطة. # خرجت صوب الباب، تبعتني لتفتح لي، سمعنا صوت محرك سيارة، ذهبت ~~مسرعة إلى النافذة المطلة على الشارع، وعادت هلعة لتخبرني بأنه ~~زوجها وقد وصل على حين غرة، ولم يكن مني إلا أن أندفع مجنونا إلى ~~الباب الخلفي، فأسرعت صوبي وشدتني من قميصي وهي تتلعثم: مهلا .. ~~ولكن .. حسنا، ثمة مركز شرطة في ms50 نهاية هذا الشارع. # تراجعت عدة خطوات ثم تسمرت مرتجفا في مكاني، وشعرت بشيء جنوني ~~يحدث لي لأول مرة، وكل الأشياء الفوضوية صارت تسير في خط واحد؛ ~~الدراسة، غياب الوظيفة، أمي، المطعم، تصريح العمل، الشرطة، رجل ~~المخابرات .. كلها في خط واحد تطفو فوق كل شيء ثم تعلو وتنقض ~~منفجرة على قلبي تماما. كنت ألهث خوفا، والعجز اللعين يقتل كل ~~الحلول الممكنة التي بدت مريبة وتبعث في وجداني ذاك الحقد الأسود على ~~كل شيء. # أن أقف على مفترق مأزقين: التورط برجل مخابرات أم بدورية ~~الشرطة؟ # أما ديفال فقد جلبت لي قميص زوجها وقدمته لي، فلا أحد، كما ~~قالت، يفتش رجال المخابرات، أخذته من يدها وارتديته سريعا حائرا ~~فيما يجري، عدلت لي قبة القميص فكادت تخنقني ومسحت بيدها بطاقة ~~المخابرات، ثم لذت بالفرار من الباب الخلفي لأسمع صوتها يلحقني: لا ~~تنس لقاءنا القادم .. وقد غدا الآن أكثر أهمية! # وبعد عدة أيام اتصلت بي وأخبرتني بأنها وزوجها يريدان مقابلتي لأمر ~~هام للغاية. # | شهيد # علقوا له العديد من الصور، أغلقوا الشارع العام ورفعوا فوق سطوح ~~بيته رايات بألوان العلم الأربعة، أوصى البقال على كمية كبيرة من ~~التمر، أحضر الشاعر أوراقه وبدأ ينظم قصيدة، أما أمه فقد احتمت من ~~البكاء بالزغاريد؛ في كل لحظة توشك الدموع أن تنهمر كانت تطلقها على ~~شكل زغرودة أخرى. # هم أحد أصدقاء الشهيد بمنعها لولا أنه كان يحمل التابوت، كان ~~ثقيلا جدا ولم يستطع أن يتركه ويذهب إليها، نظر فيه عابر جنازة، ~~وقال: «دعها وشأنها .. يجب أن تواصل الزغاريد.» وبدأ بالهتاف بأعلى ~~صوت: «زغردي يا أم الشهيد .. ابنك في الجنة أكيد.» الناس كلها تكرر ~~الهتاف ذاته. # أمه تواصل ولا تبكي .. ربما الجنة وحدها ما تدفع الدموع إلى الجفاف ~~لتنطلق بسمة الأم ويتحول النواح إلى هتاف، والحزن إلى فخر واعتزاز. ~~أما عن الشيخ الذي كان يمشي في المقدمة فقد قال: «كان دوما يرتاد ~~المساجد.» علق آخر: «كان مثقفا.» وبدأت الأصوات تخرج بين الهتاف ~~والهتاف وتغزو التابوت: رحمه الله كم كان شجاعا! ~~- رأيته ms51 عندما كان يترأس المواجهات. ~~- هجم وحده على الدورية. ~~- يقال إنه كان يملك سلاحا. ~~- نعم .. الجنود سيقتحمون البلدة ليلا .. أنا متأكد. # كان يسمعهم جيدا وهو يرتجف داخل التابوت، جسده ينزف، والألم يخز ~~صدره ويعتصره بصمت، ولم يصرخ، وضع يده على فمه مرغما نفسه على ~~الصمت، ثبت باليد الأخرى ركبته كي لا يرتجف التابوت مع ارتجافه إلى ~~أن حانت لحظة الدفن وقرر أن يصرخ كي لا يقتله التراب، أطلق صرخة ~~موجعة تكفي ليصمت الجميع مذهولين بما يرون ويسمعون. ~~••• # انتزعت كل الصور المعلقة، سقطت الجدارية، وأخذوا الرايات المعلقة ~~وعلق دورها إلى لحظة استشهاد أخرى، سكتت الأغاني الوطنية، وعاد ~~الأصدقاء إلى المقهى يتبادلون أطراف الحديث، وأعاد البقال كراتين التمر ~~إلى تاجر الجملة، وغير الشاعر عنوان القصيدة، أما أم «الشهيد» فقد ~~عادت إلى البيت وأجهشت بالبكاء ... عندها فقط استطاعت البكاء بكل ما ~~أوتيت من فرح وحزن. # | الرمية الأخيرة # «إلى الشهيد غسان عباس الريماوي، # ذاك الذي حسم سؤال الموت والحياة.» # 1 # إنها الرمية الأخيرة .. رمية لا دور للحظ فيها .. فالإنسان هنا ~~من يختار، هو صاحب القرار .. هي رمية بوجهيها؛ الموت والحياة .. ~~هل كان عليه أن يختار حياته؟ ذاك الإنسان الذي قضى السنوات الأخيرة ~~من حياته في مجابهة ندية مع الموت إلى أن تعطلت خلاياه ~~وأجهزته. # وحدها الأجهزة الأمنية ما تعمل؛ تلك التي عرفت حياة غسان جيدا، ~~ولكنها لم تستطع أن تجد ذلك الإله العملاق في جسده الصغير، الواهن، ~~المتهالك والعاجز، ذاك الذي كان أشبه بستارة تعصفها الريح! # 2 # الرمية الأولى .. تنطلق قطعة النقد من يد الضابط «خيمي» فيما ~~كان غسان ينظر في وجه شقيقه المكبل أمام الدورية، أحد الجنود ~~يصوب بسلاحه على وجه أخيه وقطعة النقد لم تزل تعلو. # الضابط يدنو من غسان فيما كانت الخلايا السرطانية تنتشر بشراسة ~~محاولة تمزيق جسد غسان الذي غدا نحيفا وهزيلا. ثم راح يحدق ~~في وجه «خيمي» الذي كرر العبارة للمرة الثالثة: الأمر بسيط، ~~والخيارات واضحة: أن تموت أو أن نأذن لك بالعلاج كي تعيش .. ~~الاختيار سهل، لو أن كل ms52 خيارات الحياة بهذه السهولة! # يومن «خيمي» بأن الإنسان بمنتهى البساطة عليه أن يختار حياته .. ~~لكن غسان يعرف جيدا معنى «أن أكون»؛ لذا تبدو خياراته دائما صعبة ~~ومفاجئة، نظر غسان في وجه «خيمي» متذكرا أيام اعتقاله قائلا: ~~أيعقل أن هذا الوجه يستطيع أن يمنح الحياة؟ # نسيت أن أقول إن قطعة النقد سقطت أرضا وحسم الأمر. # 3 # كانت قطعة النقد تتقلب في الهواء ما بين الطبيب وغسان، ينظر ~~الطبيب إلى غسان بعينين آملتين أن يختار نجاته إلى أن سقطت ~~أرضا، أحنى الطبيب ظهره يأخذها عن الأرض وهو يتحدث وكأنما ~~يحدث نفسه: إذن فقد فشلت محاولة التهريب إلى القدس؟ # أشعل غسان سيجارة ولم يجب. ~~- وتدخن أيضا؟ ألم أطلب منك أن تكف عن هذا؟ # سحب نفسا عميقا من السيجارة وتنهد ينفث الدخان بصورة تلخص ~~حكايته مع السجائر، ثم قال بعد صمت: لم أسمع كلام الضابط عندما ~~وضعني أمام خيار كهذا .. أنسيت أنه أيضا وضعني في مأزق ما بين ~~الموت أو الحياة؟ ~~- أما أنا فلست الضابط، والتوقف عن التدخين لا يتساوى ~~بالاعتراف عما يضمر أخوك. # أخذ قسطا من الصمت قبل أن يردف: ماذا ستفعل الآن؟ .. السرطان ~~قد توغل في دمك، عليك أن تجد خيارا لا يحمل موتك. # أمسك غسان بقطعة النقد ونظر في وجهيها يقول: لا أعرف خيارا ~~كهذا. ~~- ولكن يا غسان أنت الخاسر .. في كل دقيقة تأخير تزداد بحجمها ~~الخلايا وتخسر من حياتك. ~~- ليس مهما أن أنجو من موتي .. المهم أن أنجو من حبي ~~الشديد للحياة بتجلياتها .. إنها تداعبني بمغرياتها وسجائرها ~~وفتاتها التي كنت أحبها، تداعبني بطريقي الجميل من بيتي إلى مقهى ~~البلدة، ذاك الذي كان محض طريق أمضي فيه بلمح البصر، لا أعرف له ~~من بداية ولا نهاية، وصار الآن طويلا وشاقا أحسبه بالخطوة وفي ~~كل خطوة يزداد تلهفي لرائحة المقهى والرفاق، وصار فنجان القهوة ~~يحمل معه متاعب الطريق وشقائي ولهاثي واستراحاتي الطويلة والكثيرة ~~على أرصفته. # 4 # إنها الرمية الأخيرة .. مضى الوقت فيما مضى السرطان منتشرا في ~~جسد غسان المفخخ بالخلايا السرطانية .. لو ms53 يستطيع تفجير نفسه في ~~مكتب العقيد بل في جهاز المخابرات بأكمله .. لو يستطيع ذلك فتتناثر ~~الخلايا في الجهاز بأكمله عساهم يدركون أمام أية خيارات يقف غسان ~~وفي أي مأزق هو. ~~«فلنحذف السطور الأخيرة فربما تكون قاسية، ولكن كيف يتوقف ~~العقيد «الفلسطيني» عن ابتزازه؟» # توقف العقيد عن اطلاعه الطويل والممل على ملف غسان، وكرر ~~ما بدأ الجلسة به: كما أخبرتك؛ قضية سفرك وعلاجك أبسط مما تتصور ~~.. تستغرق أقل من ثانية .. هي ضغطة زر على حاسوبي .. الأمر بسيط ~~يا غسان، أفلا تساعدني بمساعدتك يا صديقي؟ # ابتسم غسان وهو يرد: سمعت الكلام نفسه من الضابط «خيمي»، ~~أتعرفه؟ # لم يكن غسان ليتصور أن يصفعه العقيد في هذه اللحظة تحديدا، ~~تحسس جبينه وهو يبتسم، فيما راح العقيد يخفي وجهه وراء حاسوبه ~~كأنه قد غاب فيه. # 5 # سقط شعر رأسه مع سقوط الأمل الأخير بالحياة وسقوط أجهزة ~~المخابرات، ومع سقوط كل شيء كان ثمة ما يقرع جدران صدره وينبض ~~بحياة ما، كأنه «الموت يلد حياة» .. ذاك الموت الذي كان خيارا، ~~ونادرا ما يجسر المرء على اختيار الموت. # كل شيء قد سقط فتحالفت الخلايا السرطانية مع أجهزة المخابرات ~~وأجهزة الطب العاجزة وأجهزة غسان المعطلة في احتلال واحد انقض ~~عليه وحاصره من كل جانب .. وقتله سريعا قبل أن يصحو ذاك الإله ~~الضخم الذي بدأ بدودة الرفض. # سقطت قطعة النقد الأخيرة أرضا على إحدى وجهيها. كثيرون قالوا ~~بأنه وجه الموت، أما الذين عرفوا غسان فقالوا: كان وجه ~~الحياة. ms54