######OpenITI# #META# URI: 1450HabibGhazala.JaziratRudus.Hindawi48383159 #META# Tags: geography :: history #META# ID: 48383159 #META# Title: جزيرة رودس: ‎جغرافيتها وتاريخها وآثارها، تليها خلاصة تاريخية عن أشهر جزائر بحر إيجه #META# AuthorID: 71509690 #META# Author: حبيب غزالة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # جغرافيتها‏ # تاريخها القديم‏ # مدة الفرسان (الشفاليه)‏ # استيلاء الدولة العثمانية على رودس‏ # آثار رودس ومعاهدها‏ # جزيرة رودس في عهد دولة إيطاليا‏ # خاتمة‏ # خلاصة تاريخية عن أشهر جزائر بحر إيجه‏ # الجزائر التابعة لدولة إيطاليا‏ # أشهر الجزائر التابعة لدولة اليونان في بحر إيجه‏ # مقدمة‏ # جغرافيتها‏ # تاريخها القديم‏ # مدة الفرسان (الشفاليه)‏ # استيلاء الدولة العثمانية على رودس‏ # آثار رودس ومعاهدها‏ # جزيرة رودس في عهد دولة إيطاليا‏ # خاتمة‏ # خلاصة تاريخية عن أشهر جزائر بحر إيجه‏ # الجزائر التابعة لدولة إيطاليا‏ # أشهر الجزائر التابعة لدولة اليونان في بحر إيجه‏ # | جزيرة رودس # | جزيرة رودس # | جغرافيتها وتاريخها وآثارها، تليها خلاصة تاريخية عن أشهر جزائر بحر ~~إيجه # تأليف # حبيب غزالة # | مقدمة # الحمد لله الذي يسر بالسير والنظر أسباب الاستفادة والاعتبار، وجعل في أخبار السلف عظة ~~للخلف وذكرى لأولي الأبصار، وبعد، فلما كانت رودس من الجزائر التي اشتهرت بطيب هوائها ~~وصفاء جوها؛ قصدتها في سنة 1910 ترويحا للنفس والتماسا للراحة، فحدتني الرغبة في استطلاع ~~غرائبها إلى ارتياد آثارها ومعاهدها، فرأيت من الحصون المنيعة والأسوار الشاهقة ما يدل على ~~ما بلغته هذه الجزيرة في غابر الزمن من السؤدد وعلو الشأن؛ لوقوعها بين أعظم الممالك ~~القديمة، فكانت بهذه المثابة من أهم المراكز البحرية، وملتقى جميع السفن التجارية والحربية، ~~فطمحت إليها الأنظار وتبارى في امتلاكها كبار الفاتحين والغزاة، وتداولتها أيدي ~~الفينيقيين والفرس واليونان والرومان والعرب والفرسان (الشفاليه) ودولة آل عثمان. ووقع ~~فيها من الوقائع والحروب ما يعد من أشهر حوادث التاريخ، وقد أتى عليها حين من الدهر ~~استبحر فيه عمرانها وأينعت فيها رياض العلوم والفنون، فأمها العلماء والفلاسفة من كل أوب ~~لاجتناء ثمارها. فجزيرة هذا شأنها وتلك آثارها ومفاخرها لجديرة بأن يوضع لها في اللغة ~~العربية كتاب شامل لتاريخها، وهذا ما دعاني إلى تدوين ما وقفت عليه من أخبارها ووصف آثارها ~~ومعاهدها، وقد تصفحت لذلك أشهر ما ألف عنها باللغات الإفرنجية من الكتب القديمة ~~والحديثة، غير ما ورد فيه ذكرها من المعاجم الكبرى والنشرات العلمية ونحوها من المظان، ~~وقد اعتمدت في جميع ما دونته ms01 على أشهر المصادر وأوثقها، ولم أتعرض للبحث في موضوع ~~تاريخي أو علمي إلا بعد أن أعددت له عدته، وأخذت له أهبته، وتحريت ~~حقيقته. # وكنت أترقب فرصة يصفو لي فيها الوقت لجمع ما دونته ونشره، فحالت الشواغل دون هذه ~~الأمنية. وفي سنة 1912 استولت إيطاليا على هذه الجزيرة، فذاع يومئذ ذكرها وتحدثت الصحف ~~بأخبارها، فكتبت نبذة أودعتها خلاصة تاريخها ووصف بعض آثارها ونشرتها في مجلة الهلال. # 1 # وقد رغب إلي الآن بعض الأفاضل ممن رحلوا إليها من عهد قريب في أن أجمع ~~شتات ما كتبته عنها وأطبعه في كتاب تعميما لفوائده؛ إذ لم يعن أحد إلى الآن باستيعاب ~~تاريخها وتدوينه باللغة العربية، فاستعنت بالله في القيام بهذا العمل خدمة للناطقين ~~بالضاد. # ولما كان أهم ما وقع في هذه الجزيرة من الحوادث حصار السلطان سليمان القانوني لها في سنة ~~1522م، والوقائع الهائلة التي دارت رحاها وقتئذ بين جيشه وبين الفرسان (الشفاليه)؛ فقد ~~ذكرت هذه الوقائع بالتفصيل معتمدا في ذلك على ما ورد في رسالة خطية باللغة التركية دون ~~فيها مؤلفها أخبار ذلك الحصار يوما فيوما، والرسالة المذكورة لم تطبع إلى الآن، ولكنها ~~ترجمت إلى اللغة الفرنسية؛ لأهميتها وما حوته من التفاصيل الوافية. # ولم أقتصر في ما دونته بهذا الكتاب على ذكر الحوادث التاريخية، ووصف المعاهد والآثار، بل ~~تخلل ذلك مباحث شتى عن الأمم التي وفدت على بلاد اليونان في أقدم العصور، وآراء ~~العلماء في أصلهم ومنشأهم، وأول من استعمر منهم هذه البلاد. وساقني الكلام على الآثار ~~والمعابد القديمة إلى البحث في أساطير اليونان، وذكر أشهر معبوداتهم، ومقارنتها بما يماثلها ~~من معبودات الأمم المتوغلة في القدم، كالمصريين والهنود والآشوريين والبابليين والفينيقيين ~~والفرس والرومان والعرب أيام الجاهلية، وتعريف كل من هذه المعبودات بعبارة موجزة تغني عن ~~مراجعة الكتب المطولة والموسوعات، وأفردت بابا لبيان ما قامت به إيطاليا في رودس من ~~الأعمال العظيمة التي بلغت بها هذه الجزيرة أسمى درجة في النظام والعمران، وختمت الكلام ~~بخلاصة تاريخية عن أشهر الجزائر التي كانت تابعة لولاية بحر ms02 سفيد في عهد الحكومة العثمانية، ~~ومنها الجزائر التي استولت عليها إيطاليا، وصدرت الكتاب بخريطة الجزيرة منقولة عن ~~الخريطة الكبيرة التي وضعتها البحرية الإنجليزية في سنة 1841م؛ لأنها وافية البيان وغاية في ~~الدقة والإتقان، وحليته بكثير من الرسوم والمناظر التي تنجلي بها الحقيقة للعيان. ~~والمأمول من أولي الفضل أن يتلقوه بالإقبال والقبول، وحسبي شرفا أنه ثمرة من ثمرات هذا ~~العصر الذي ازدهرت فيه رياض المعارف، في ظل صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم، أبهج ~~الله أيامه، ونشر بالعز والتأييد أعلامه. # | جغرافيتها # هذه الجزيرة أشهر جزائر بحر إيجه، وهو الجزء الشرقي من البحر المتوسط المنحصر بين آسيا ~~الصغرى ومملكة اليونان، ويعرف ببحر الأرخبيل، وفي هذا الجزء جزر كثيرة تنقسم بحسب وضعها ~~الجغرافي إلى قسمين كبيرين، أحدهما يشتمل على الجزائر الواقعة في الجانب الشرقي منه، ويطلق ~~على مجموعها اسم «أسبوراد» أي المتفرقة، والثاني على جزائر الجانب الغربي وتسمى «سيكلاد»، ~~ومعناها الدائرة، ورودس من جزائر القسم الشرقي المعروفة بالأسبوراد، وهي مستطيلة الشكل ~~كالسفينة، كما ترى في الخريطة، وطولها 77 كيلومترا، ويختلف عرضها باختلاف شكلها، معظمه بين ~~رأس «لاردوس» ورأس «مونوليتوس»، ويبلغ نحو 37 كيلومترا، ومساحتها 1404 كيلومترات مربعة، ~~وتخترقها طولا سلسلة جبال متعرجة متشعبة أعلاها جبل «تايروس»، علوه 1216 مترا، وكان ~~عليه هيكل عظيم لزفس «جوبتير» كبير الآلهة، ولا تزال آثاره باقية إلى الآن، ويليه في ~~الارتفاع جبل «اكراميتى» وارتفاعه 820 مترا، ثم جبل النبي إيليا وعلوه 790 مترا. وهذه ~~الجزيرة صخرية، لكن فيها أودية خصبة وعيون عذبة وغابات واسعة، وبعض جداول تصب في البحر، ~~وهي معتدلة الإقليم صافية الجو، نقية الهواء لا ينقطع عنها النسيم اللطيف لا صيفا ولا ~~شتاء، وأقصى درجات الحر فيها أيام الصيف 28 درجة مئينية «سنتجراد»، وفي الشتاء لا تتجاوز ~~الصفر غالبا، وغاية ما تصل إليه 5 درجات تحت الصفر، وذلك في النادر جدا. ومهما تربدت ~~السماء وتكاثفت الغيوم، فلا تلبث أن تنقشع وتتبدد فلا يمر فيها يوم إلا وترى الشمس ساطعة ~~والجو صافيا، وجبالها لا يغشاها الثلج ms03 ما عدا جبل تايروس، فقد تتجمع على قمته الثلوج، ~~ولكنها لا تلبث أن تذوب متى اشتدت حرارة الشمس. # وقد تغنى الشعراء بمحاسن هذه الجزيرة ووصفوها بالمنيرة والجميلة ووردة الجزائر، وقال عنها ~~أبقراط إن الصيف والشتاء فيها معتدلان، فلا يعرف فيها حر ولا برد، وسبب اعتدال إقليمها ~~وصفاء جوها وقوعها في الجنوب الغربي من آسيا الصغرى، فهي بهذا الوضع في مأمن من الرياح ~~الشمالية الشرقية؛ لأن جبال الأناضول تحول بينها وبين مهاب هذه الرياح ومدارجها، وقد ~~وصفها المتأخرون بما يؤيد أقوال المتقدمين، وحسبنا ما كتبه عنها «لامارتين»، # 1 # فقد قال إنه لم ير مثلها في صفاء جوها وخصب تربتها، وأنها جمعت من محاسن ~~الطبيعة ما لم يجتمع في غيرها. # وفي هذه الجزيرة من أنواع النبات ما يفوق الحصر، ومن الحيوانات الأليفة والبرية أجناس ~~كثيرة، وفيها مناجم رخام ومغاص للإسفنج والمرجان، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 45000، ~~واللغات المتداولة فيها اليونانية والتركية والإسبانية، وأكثر اليونانيين يعرفون التركية، ~~والترك يعرفون اليونانية، أما الإسبانية فهي خاصة بالإسرائيليين وأصلهم من جالية ~~إسبانيا. # | تاريخها القديم # سميت هذه الجزيرة قديما بعدة أسماء، منها ~~«هليوزا» نسبة إلى «هليوس» (الشمس)، و«أفيوزا» (جزيرة الحيات)؛ لأنها كانت كثيرة الحيات ~~قبل استعمارها، و«تلخينا» نسبة إلى التلخينيين، وهم من الأمم التي استوطنتها في العصور ~~الخالية، و«ترينكاريا» ومعناها: ذات القواعد الثلاث أي العواصم، و«كورمبيا» (المتوجة) لشهرة ~~أهلها في الفروسية والألعاب الرياضية، وأشهر أسمائها «رودس» وأصله «رودون» (الورد) أو ~~«روديون» (الرمان) باللغة اليونانية، وقيل إن أصله «رودو دفنه» (نوع من الغار)، وذهب بعضهم ~~إلى أنها سميت باسم «رودانيم» أحد أبناء يافث بن نوح، ويتصل تاريخها القديم بأساطير ~~اليونان الخرافية، فقد قيل عنها في الميثولوجيا أن «أبولون» أخرجها من لجج البحار وأن ~~«هليوس» (الشمس) أحب رودس بنت بوسيدون إله البحار، وهو نبتون عند الرومان، فتزوجها وولدت ~~له سبعة بنين، هم أول من سكن هذه الجزيرة. ذلك ما ورد في الميثولوجيا، وقد دل البحث على أن ~~البلاسجة استوطنوها في أقدم العصور، وهم قوم لا يعرف أصلهم ومنشؤهم بالتحقيق، ms04 وغاية ما ~~عرف عنهم أنهم وفدوا في العصور الغابرة على بلاد اليونان وجزائر الأرخبيل وسواحل آسيا ~~الصغرى وإيطاليا وكانوا طوائف شتى، وقيل إنهم استعمروا بلاد اليونان قبل التاريخ المسيحي ~~بألف وتسعمائة سنة، وكانوا معاصرين للفينيقيين، وذهب بلاس ساردا من كبار علماء الهند في ~~الكتاب الذي ألفه بالإنكليزية عن تقدم الهنود في الحضارة والمدنية # 1 # إلى أن أصل البلاسجة من الهند، وأتى على ذلك بأدلة منها أنهم سموا بهذا الاسم ~~نسبة إلى ولاية في الهند كانت تسمى قديما «بلاسا»، وهي المعروفة الآن بولاية «بهارا»، وأن ~~لفظة «هيلاس» الدالة على بلاد اليونان أصلها اسم قبيلة في الهند، سميت بهذا الاسم ~~نسبة إلى جبال «هيلا» في «بلوخستان» التي كانت قسما من الهند، وأن كلمة # Greek # في اللغة الهندية القديمة علم على قاعدة ~~«مجدا» وهي من ولايات الهند. وقد استنتج من ذلك أن الأمم التي استعمرت بلاد اليونان في قديم ~~الزمان نزحت إليها من الأنحاء الشمالية الغربية في الهند، ويؤيد هذا الرأي ما ورد في إلياذة ~~هوميروس، التي عربها نظما العلامة سليمان البستاني، شرحا على أبيات تشير إلى إحراق ~~الجثث، وهذا نصه: «ولعلها بقية من عادات قبائل البلاسجة الذين قدمت طائفة منهم بلاد اليونان ~~بعد أن برحت الهند منذ عهد عهيد.» # 2 # وروى بعض المؤرخين أن البلاسجة وفدوا على مصر في عهد الدولة العشرين، وأنهم ذكروا على ~~آثار هذه الدولة باسم «الدانائيين» أي الطوائف البحرية، وروى ماسبرو أن الملك تحوتميس ~~الثالث هزمهم وطردهم، وأنهم كانوا من أهل الجزائر. # 3 # هذه خلاصة ما عرف إلى الآن عن أولئك القوم، وليس هناك دليل قاطع على أنهم أول ~~من استعمر بلاد اليونان، فربما خلت من قبلهم أمم درست آثارها لتقادم عهدها، وانقطعت عنا ~~أسباب العلم بأخبارها، وقد تعاقب على بلاد اليونان بعد البلاسجة طوائف شتى، أشهرها الهيلين ~~والإخائيون والأيوليون والدوريون واليونيون. وفي سنة 1643ق.م وفد إليها سكروبس المصري مع ~~جالية من المصريين وأسس مدينة أثينا واثنتي عشرة مدينة أخرى من بلاد اليونان، وسن الشرائع ~~ووضع نظاما للزواج، ms05 وأنشأ محكمة الأريوباغوس، وعلم أهل البلاد فلاحة الأرض، وفي سنة ~~1550ق.م أو نحوها نزل بها قدموس الفينيقي مع جماعة من الفينيقيين وأسس مدينة طيبة اليونانية ~~ونشر العلوم في سائر بلاد اليونان، أما الفينيقيون فهم من الأمم المتوغلة في القدم، وقد ~~عاصروا المصريين والآشوريين والبابليين في العصور السابقة للتاريخ، كما تدل على ذلك ~~آثارهم، وفاقوا أهل الأرض في سلك البحار وإنشاء السفن، وكان لهم مستعمرات في جميع ~~الأقطار، وأكثر الجزائر منها جزيرة رودس، وهم الذين نقلوا حروف الكتابة إلى بلاد اليونان، ~~ومنها انتشرت في سائر البلاد، فإن الحروف اللاتينية التي هي حروف أكثر لغات أوروبا مأخوذة ~~من الحروف اليونانية المشتقة من القلم الفينيقي، وهو مستنبط من القلم المصري (الهيراتي). ~~وخلاصة القول أن الفينيقيين كانوا هداة الأمم ورسل الحضارة في العصور الأولى، بما نشروه من ~~العلوم التي اقتبسوا أنوارها في طيبة وممفيس وبابل وآشور، كما كان العرب أول من قام في ~~القرون الوسطى بإحياء علوم اليونان والرومان ورفع منارها في آفاق أوروبا بعد أن سحب الدهر ~~عليها ذيل العفاء، وتوالت عليها القرون وهي في طي الخفاء. # ولنعد إلى الكلام على جزيرة رودس، فنقول إن أول من استعمرها - على ما رواه أكثر المؤرخين ~~- التلخينيون، وكان مقرهم في ياليسوس إحدى مدنها القديمة، وكان اسمها وقتئذ «أفيوزا» ~~(جزيرة الحيات)، فسموها «تلخينا» نسبة إليهم، وقيل إن أول من استعمرها الفينيقيون. ومن ~~الأمم التي استوطنت هذه الجزيرة في العصور الخالية الدوريون والميسنليون، وقد دلت المباحث ~~الأركيولوجية الحديثة على أن الدوريين استوطنوها قبل المسيح بنحو ألف سنة، وأنه كانت تسكنها ~~من قبل طوائف أخرى كالتلخينيين والفينيقيين. ولعل الفينيقيين أتوا بعد التلخينيين ~~واستعمروا «كاميروس» من مدنها القديمة، بدليل ما وجد من آثارهم في أطلال هذه المدينة، ~~وأشهر مدن رودس القديمة ياليسوس وكاميروس ولندوس، وأقدمها ياليسوس وتليها كاميروس، وقد ~~عفت آثارهما ودرست معالمهما، أما لندوس فباقية آثارها إلى الآن، وسيأتي الكلام عليها، ~~وبالجملة فإن تاريخ رودس في تلك العصور تغشاه الظنون والأوهام. # أمثلة من نقود المدن القديمة. # والمحقق في التاريخ ms06 أن الفرس افتتحوها سنة 616ق.م ثم دخلت في حوزة أثينا بعد حرب انتصرت ~~فيها على الفرس، وفي أوائل القرن الخامس ق.م أسست مدينة رودس، وقد وضع رسمها المهندس ~~الشهير أيبودامس، واتحد وقتئذ أهل المدن الثلاث وصاروا يدا واحدة لدفع غائلة من عساه أن ~~يسطو عليهم من الأجانب، ولم يشعروا بالحاجة إلى الوحدة إلا بعد أن أغار عليهم الفرس ثم ~~اليونان، فاشتد ساعدهم وقويت عصبيتهم وارتقوا في معارج المدنية والعمران، وقد أصبحت مدينة ~~رودس في ذلك العصر من المدن العظيمة، وكان محيطها نحو 15 كيلومترا، أوسع مما هو الآن، ولها ~~حصون منيعة، تعلوها القلاع والأبراج المشيدة، وفيها الهياكل والتماثيل. قيل إن عدد ~~التماثيل بلغ نحو 3000 تمثال، عدا ما كان فيها من دور الكتب والمراصد الفلكية، والمدارس ~~التي كان يقصدها الطلاب من جميع الأقطار، وروي أن كثيرا من الكتب النفيسة التي كانت في ~~مكتبة الإسكندرية نقلت إليها من رودس في عهد بطلميوس فيلادلفوس، وأن الإمبراطور طيباريوس ~~الذي اشتهر بحبه للعلم وفد إليها لاقتباس أنوار علومها، وقد نبغ فيها طائفة كبيرة من ~~الفلاسفة والعلماء والشعراء والمؤرخين والأبطال، فمن الفلاسفة كليوبولوس وهو أحد حكماء ~~اليونان السبعة الذين هم أساطين الفلسفة، وقبره في لندوس إحدى المدن القديمة التي مر ~~ذكرها، ومن كبار الفلاسفة بانيتيوس، وله مصنف جليل في «واجبات الإنسان»، ومن الشعراء ~~بيساندروس وإزيتومينوس وهيرونيموس وانتاغوراس وسيمياس، ومن العلماء جيمينوس وليونيداس ~~وبوسيدونيوس صاحب المصنفات المفيدة في العلوم الرياضية والطبيعية والفلك، ومن أئمة اللغة ~~والأدب أبولونيوس وأريستوكليس وأسكينوس الذي أسس مدرسة جامعة في رودس، وهي التي اشتهر ~~اسمها وذاع ذكرها ورحل إليها كبار العلماء والفلاسفة والعظماء لاجتناء ثمار علومها، مثل ~~شيشرون وبروتوس وبومبيوس وكاسيوس، ومن المؤرخين أفاغوراس وهو من لندوس وكليتوفون وأوديموس ~~وأرغاس، وله تاريخ كبير عن الفينيقيين، وكاستور صاحب المؤلفات الجليلة عن مصر وبابل، ودنيس ~~وله مصنفات عدة، أشهرها المقدمة في التاريخ، وهي في عشرة أجزاء، ومن واضعي الروايات أنتياس ~~وأنتيفانوس وأنكاندروس، ونبغ في التصوير والحفر عدد كبير بعضهم من أبناء الجزيرة، والبعض ~~ممن ms07 تلقوا فيها الفنون وتوطنوها، منهم بروتوجينوس المصور الشهير، وقد أنشأ في رودس مدرسة ~~لتعليم الرسم والتصوير، وأبولونيوس واجيزندروس وهما من كبار الحفارين، وفي متحفي روما ~~ونابولي تماثيل كثيرة من عملهما، وهي غاية في الإبداع والإتقان، وليسيبوس ومن أعماله مركبة ~~بديعة أهداها إلى أبولون إله الشمس، وكانت في الهيكل الذي شيد له في رودس، وأشهرهم خارس ~~ولاخس، وهما اللذان صنعا التمثال الهائل المعروف بصنم رودس، وسيأتي الكلام عليه. ومن أبدع ~~ما صنعه أهل رودس الجياد الأربعة التي في مدخل كنيسة القديس مرقس في البندقية وهي من ~~النحاس. ومن الأبطال الذين أحرزوا القدح المعلى في الفروسية والألعاب الرياضية ~~دياغوراس، وهو الذي امتدحه بندار الشاعر الكبير. واشتهر أهل رودس في النسيج الموشى وصناعة ~~القاشاني والأواني الخزفية، وطليها بالمينا ونشقها بألوان بديعة، وقد أهدى صاحب المآثر ~~الجليلة الأمير يوسف كمال إلى دار الآثار العربية مجموعة كبيرة من هذه النفائس والآثار ~~الثمينة. # وكان لرودس تجارة واسعة ومستعمرات في جميع الأقطار، أشهرها مستعمرات إيطاليا وفرنسا ~~وإسبانيا وصقلية وهاليكارناس (بودروم) وكيليكية (أطنة)، وكانت قوانين هذه الجزيرة أحكم ~~وأوفى قوانين سائر الدول، وخاصة قانونها البحري، وكثير من أحكام الشريعة الرومانية مستنبط ~~من تلك القوانين، وأول من اقتبسها الإمبراطور طيباريوس، وتابعة في ذلك الإمبراطور تراجانوس ~~بعد موافقة المجلس الأعلى (السناتو). # قضت هذه الجزيرة دهرا وهي ترفل في مطارف العز والسؤدد، وتخفق على ربوعها أعلام الأمن ~~والحرية، ثم سرت فيها عوامل الفتن والشقاق، فانقسم أهلها فريقين أحدهما انحاز لإسبرطة ~~والآخر لأثينا وتحاربا، ولما حمل إسكندر المقدوني على آسيا، كانت رودس في جملة ما دخل في ~~حوزته، ثم استقلت بعد موته، ولكنها كانت مطمحا للأنظار وهدفا لسهام المطامع بسبب موقعها ~~الجغرافي، فتنافست الدول في محالفتها أو محاربتها. وأهم ما وقع فيها من الحوادث في ذلك ~~العصر حصار ديمتريوس ملك مقدونية الملقب ببليورسيتوس أي فاتح المدن أو الغازي، وهو ابن ~~أنتيغون أحد قواد الإسكندر وخلفائه، وسبب ذلك أنه أراد أن يستنجدها ويستعين بسفنها على ~~محاربة بطلميوس ملك مصر، فأبت فزحف عليها سنة ms08 35ق.م بأسطول عظيم مؤلف من 200 بارجة و260 ~~سفينة كبيرة لنقل الذخائر والمؤنة، عدا السفن الصغيرة وعددها حسب رواية ديودوروس الصقلي نحو ~~1000 سفينة. و40000 راجل غير الفرسان والمتطوعين، فحاصرها مدة 12 شهرا، ولم يقو على ~~فتحها، وقد أمدها وقتئذ صاحب مصر بالمال والجند والذخائر، وانتهت الحرب بعقد الصلح، فترك ~~ديمتريوس لأهل رودس جميع الآلات والعدد الحربية إقرارا ببسالتهم وثباتهم، فباعوها وأنفقوا ~~ثمنها في عمل تمثال عظيم يخلد به ذكر هذا الانتصار وهو المشهور بصنم رودس. وذكر المؤرخون ~~أن ثمن هذه الآلات والعدد الحربية بلغ مليون وثمانمائة ألف إفرنك، وكان هذا الصنم مصنوعا ~~من الصفر أو الشبه (البرونز) على صورة هليوس (إله الشمس)، وهو من عمل خارس الشهير وتلميذه ~~لاخس اللذين تقدم ذكرهما، قيل إنهما قضيا 12 سنة في عمله، وقد اختلف المؤرخون في صفته ~~والمكان الذي كان قائما عليه، وذكروا أنه كان هائل الحجم طوله نحو 32 مترا، وروى بعضهم ~~أنه نصب عند مدخل الجزيرة واقفا متباعد الساقين تمر السفن بينهما، وفي إحدى يديه مصباح ~~يهتدى به ليلا، كما تراه ممثلا في الشكل الآتي، وهو أحد الآثار التي عدها القدماء من ~~عجائب الدنيا السبع وهي (1) أهرام مصر. (2) حدائق الملكة سميراميس في بابل. (3) تمثال زفس ~~نحت فيدياس الشهير. (4) ضريح الملك موزوليوس. (5) منارة الإسكندرية. (6) صنم رودس. (7) هيكل ~~أرطميس (ديانا) في أفسس. وقد سطت عوادي الدهر على هذه الآثار العجيبة فأبادتها، ولم يبق ~~منها غير الأهرام التي قيل فيها: # بناء يخاف الدهر منه وكل ما # على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر # وفي سنة 222ق.م انتابت رودس زلزلة شديدة قوضت مبانيها وسقط صنمها الكبير وتحطم، فتسابقت ~~الدول وقتئذ إلى نجدتها وأوفدت إليها المهندسين والصناع، فأصلحوا ما تهدم ورأبوا ما تصدع ~~من مبانيها، وأعادوا الأصنام إلى مكانها ما عدا الكبير، فإنهم تركوه وبقيت كسارته إلى زمن ~~معاوية بن أبي سفيان الذي فتح الجزيرة سنة 653م، فنقلت وقتئذ إلى «صور» وبيعت من تاجر ~~إسرائيلي من حماة، قيل إنه نقلها إلى بلده على تسعمائة جمل، وقد ms09 عادت رودس بعد هذه النكبة ~~إلى ما كانت عليه من العز والسؤدد، وكانت سفنها الحربية من أشهر السفن، ولم تهزم لها راية ~~في جميع الحروب التي نشبت بينها وبين أكبر الممالك في ذلك العصر، وكانت عونا للمملكة ~~الرومانية في كثير من الحروب، وفي سنة 22ق.م فرضت الدولة البيزنطية ضريبة على السفن التي ~~تمر من البوسفور، فأسخط ذلك أهل رودس؛ لأنه يضر بتجارتهم، فأشهروا الحرب على هذه الدولة ~~وانتصروا عليها، وبعد ذلك وقعت بينهم وبين فيلبس الثالث ملك مقدونية عدة حروب بين سنة 205 ~~و200ق.م وانتهت بانتصارهم عليه. # صنم رودس. # ولما خرج اليونانيون على الدولة الرومانية في آسيا وأوروبا أيام متريدات ملك بنطش طالبين ~~الاستقلال، أبت رودس الانقياد لزعماء الثورة، وظلت موالية لهذه الدولة؛ لأنها كانت حليفتها، ~~فقصدها متريدات وحاصرها سنة 63ق.م فانتصرت عليه بعد وقائع جسيمة، وفي سنة 42ق.م حاصرها ~~كاسيوس الجنرال الروماني وفتحها عنوة وأباحها للنهب والسلب، وأخذ من الذخائر الثمينة شيئا ~~كثيرا، وأتى مثله فيما بعد أنطونيوس الذي هام بحب كليوبطرة، فإنه أغار عليها وهدم كثيرا ~~من الهياكل والمباني طمعا في ما عساه أن يكون مخبوءا فيها من الأموال، ولما وفد هيرودس ~~ملك اليهودية على هذه الجزيرة سنة 31ق.م وكان مولعا بالفنون أعاد بناء هيكل «أبولون» وهو ~~أكبر معابد الجزيرة. ولما ظهرت النصرانية أتى إليها بولس الرسول كما ورد في أعمال الرسل، ~~وكان لها في ذلك العصر امتيازات بموجب معاهدات أبرمت بينها وبين المملكة الرومانية، حتى إذا ~~تولى كلوديوس عرش هذه المملكة نسخ أحكام تلك المعاهدات ثم أعادها إليها، وتوالت على هذه ~~الجزيرة محن عدة انتهت بدخولها في حوزة العرب سنة 653م في عهد معاوية بن أبي سفيان، ولم ~~يحصل وقتئذ ما حصل حين استيلاء الرومانيين عليها من النهب والسلب والتخريب والتدمير. قال ~~البلاذري في فتوح البلدان: «وكان معاوية بن أبي سفيان يغزي برا وبحرا، فبعث جنادة بن ~~أبي أمية الأزدي إلى رودس، وجنادة أحد من روي عنهم الحديث ولقي أبا بكر وعمر ومعاذ بن ~~جبل، ومات في ms10 سنة 80، ففتحها عنوة وكانت غيضة في البحر، وأمره معاوية فأنزلها قوما من ~~المسلمين، وكان ذلك في سنة 52، قالوا: «ورودس من أخصب الجزائر، وهي نحو من ستين ميلا، فيها ~~الزيتون والكروم والثمار والمياه العذبة»، وحدثني محمد بن سعد عن الواقدي وغيره قالوا: أقام ~~المسلمون برودس سبع سنين في حصن اتخذ لهم، فلما مات معاوية كتب يزيد إلى جنادة يأمره بهدم ~~الحصن والقفل.» ا.ه. # ولما خرجت الجزيرة من يد العرب، دخلت ثانية في حوزة دولة الروم البيزنطية، وفي سنة 1248م ~~قصدها أسطول من مملكة جنوى فحاصرها وافتتحها، ثم عادت إلى دولة الروم وبقيت تابعة لها إلى ~~أن استولى عليها الفرسان (الشفاليه)، وفي أيامهم بلغت ذروة مجدها وعزتها. # | مدة الفرسان (الشفاليه) # الشفاليه جمعية سياسية دينية تعرف بجمعية فرسان أورشليم أو فرسان القديس يوحنا، أنشئت في ~~بادئ الأمر لعمل الخير، وكان لها دار في أورشليم بناها بعض التجار الإيطاليين سنة 1048م، ~~بالقرب من كنيسة القيامة، وجعلوها مثوى لفقراء الحجاج ومستشفى للمرضى، ولما فتح الصليبيون ~~مدينة أورشليم سنة 1099، وانتخب رئيسهم «غودفروا دي بويون» ملكا عليها؛ أقطع هذه الجمعية ~~أرضا كبيرة، وانضم إليها في ذلك الوقت كثير من الصليبيين وبنوا كنيسة باسم القديس يوحنا، ~~وتنقل هؤلاء الفرسان في بلاد شتى بين عكا وقبرص ورودس وإقريطش (كريد) ومالطة، ولما عقدوا ~~النية على فتح رودس وجعلها مقرا لهم؛ كانت هذه الجزيرة في رعاية دولة الروم البيزنطية، ~~وكان الحكم فيها مختلا والفوضى ضاربة فيها أطنابها، وقد أضحت ملجأ للقرصان، فحمل عليها ~~الفرسان سنة 1309م. وفتحوها بقيادة «فلك دي فيلاريه»، فانتخب هذا القائد رئيسا أعظم، وهو ~~لقب من كان يتولى الحكم من أولئك الفرسان، ولما استقام لهم الأمر في هذه الجزيرة؛ قاموا ~~بتحصينها فشادوا الأسوار والقلاع وغيرها من المباني العظيمة. # وفي عهد الرئيس «ريمون بيرانجه»، وهو سادس الرؤساء الذين تولوا الحكم على الجزيرة، غزا ~~الفرسان سواحل سوريا واستولوا على طرابلس وطرسوس واللاذقية. # وفي سنة 1444م جاء من مصر أسطول كبير وحاصر الجزيرة مدة 42 يوما، وكان ذلك في عهد الرئيس ms11 ~~«جان دي لاستيك» الحادي عشر من الرؤساء الذين قاموا بالحكم فيها، فأبلى في الدفاع عنها ~~بلاء حسنا، ولم يفز هذا الأسطول بطائل. # ومن أشهر الحوادث التي وقعت في عصر هؤلاء الفرسان، الحروب التي دارت رحاها بينهم وبين ~~السلطان محمد الفاتح، فإنه حاصرها في سنة 1454م بقصد فتحها، ولم يفز بمراده، وفي سنة 1480م ~~أعاد الكرة فسير إليها أسطولا عظيما من 160 بارجة ومائة ألف جندي، وكان ذلك في عهد ~~الرئيس «دي بوسون» الخامس عشر من الرؤساء، ودامت هذه الحرب ثلاثة أشهر وقعت فيها معارك ~~هائلة وقتل عدد كبير من الفريقين، ولم يتمكن السلطان محمد من فتحها، وبلغ عدد من قتل من ~~الجيش العثماني في هذه الحرب على ما رواه المؤرخون 9000 جندي وعدد من جرح 15000 غير السفن ~~التي دمرت والأموال التي أنفقت. # والرئيس «دي بوسون» أشهر الرؤساء الذين تولوا الحكم على الجزيرة لما له من المآثر ~~الجليلة، وما اتصف به من البسالة والمهارة في الفنون الحربية، وكان حائزا لرتبة ~~كردينال. # وفي عهد الرئيس «أمري دامبواز» السادس عشر من الرؤساء، سير قنصوه الغوري سلطان مصر ~~أسطولا مؤلفا من 25 سفينة حربية إلى سواحل آسيا الصغرى، ولما علم الرئيس بقدوم هذا ~~الأسطول أرسل 22 سفينة حربية، فالتقت به ودمرته. # ولم يقتصر هؤلاء الفرسان على الذود عن الجزيرة؛ بل كانوا عونا لبعض ملوك أوروبا في حروب ~~كثيرة، وأتوا من المهارة في الفنون الحربية ما بلغوا به أوج الشهرة والفخر. # ومن الحوادث الغريبة التي حدثت في أيامهم، ما رواه المؤرخون عن الحيوان الهائل الذي ظهر ~~في الجزيرة، وهو أنه في عهد الرئيس «هليون دي فيلنوف» الذي تولى الرئاسة من سنة 1319 إلى ~~سنة 1346م وجد في الجزيرة وحش مفترس شديد الأذى، وكان يأوي غيضة في سفح جبل سان أتيان ~~القريب من المدينة، # 1 # وكان إذا خيم الظلام يخرج من وجاره ويكمن في مكان قريب منه، حتى إذا رأى ~~حيوانا أو إنسانا أسرع إليه وافترسه، وكانت تنبعث من مأواه رائحة كريهة وتنتشر في الأنحاء ms12 ~~المجاورة، فبات أهل المدينة في رعب ووجل، وامتنعوا عن الخروج من مساكنهم بعد الغروب، وقد ~~هم كثير من الفرسان بقتل هذا الوحش، فعاد بعضهم بالخيبة والبعض ذهب فريسته، فنهاهم الرئيس ~~عن مهاجمته خوفا عليهم من غائلته، وقضى بعقاب من خالف نهيه، بيد أن أحد الفرسان واسمه ~~«ديودونيه دي جوزون» وكان مشهورا بالشجاعة والإقدام، صمم على قتله، فرقبه عن كثب عدة ليال ~~حتى رآه وصنع تمثالا من خشب على صورته، وأضرى كلبين من كلاب الصيد على مهاجمة التمثال، ثم ~~قصد الغيضة ليلا ومعه اثنان من خدامه والكلبان، ولما كان غير بعيد منها أمر الخادمين بأن ~~يتواريا في أجمة هناك، ويرقبا ما يكون من أمره مع الوحش، فإن افترسه عادا أدراجهما، وإن ~~رأيا أنه استظهر عليه خفا إلى نجدته، ثم قصد الغيضة يتبعه الكلبان، ولما رآه الوحش خرج ~~إليه فاغرا فاه فطعنه برمحه، فانكسر الرمح لغلظ جلده وصلابته، فأخذ الكلبان يناوشانه ~~وينهشانه، فانتهز الفارس هذه الفرصة ونزل عن جواده وطعنه بالسيف في عنقه فنفذ فيه، وما زال ~~يطعنه حتى سال دمه، وخارت قواه، فحضر الرجلان وأجهزا عليه برمحيهما، ووجدا الفارس مغشيا ~~عليه من شدة المجاهدة والرعب، ولما علم بذلك أهل الجزيرة فرحوا، واطمأنت قلوبهم، أما الرئيس ~~فلم يجد مندوحة من عقاب الفارس لمخالفته الأمر، كما يقضي بذلك القانون، فسجنه وبعد أيام عفا ~~عنه وأثنى عليه. وقد وصف المؤرخون هذا الحيوان بأنه نوع من التماسيح كبير الجثة جدا واسع ~~الفم، بأنياب كأسنة الرماح، وله أربع أرجل ذات براثن حادة، غائر العينين براقهما، وجلده ~~غليظ مغشى بحراشف صلبة لا يعمل الحديد فيها، وطوله مع ذنبه نحو 20 قدما. وليس في هذا ~~الحادث ما يبعث على الريب في صحته؛ فقد اشتهرت رودس قديما بكثرة الحيات ونحوها من الدواب ~~الخبيثة، حتى سميت «أفيوزا» أي جزيرة الحيات، وقد تلاشت هذه الدواب بمر الزمان وانتشار ~~العمران، فلا يبعد أن يكون هذا الحيوان من بقايا تلك الدواب، فإنه ظهر في سنة 1342م أي من ~~نحو ستة قرون، وكانت الجزيرة ms13 وقتئذ قفرا موحشا، ويحتمل أن هذا التمساح كان في النيل ~~فاكتسحه التيار في زمن الفيضان ولم يعترضه شيء، فوصل إلى البحر وما زال عائما حتى ألقت به ~~الأمواج على ساحل الجزيرة، أو يكون قد تسرب وهو صغير في إحدى السفن التجارية الراسية في ~~بعض الموانئ المصرية، واختفى فيها ثم أتت به إلى رودس، فخرج وآوى إلى تلك الغيضة وعاش فيها ~~حتى كبر، وبلغ هذا الحجم الهائل. وعلى أي حال فلا غرابة في وجود مثل هذا الحيوان في ~~الجزيرة، ولعل في ما ذكره المؤرخون من صفاته تهويل أملاه عليهم ما كان له من الروعة في ~~النفوس لشدة بطشه. # هذه هي أشهر الحوادث التي وقعت في عصر أولئك الفرسان، أما ما شادوه من الحصون المنيعة ~~والقصور الفاخرة، فهي باقية إلى الآن تشهد بما كان لهم من السؤدد وعظيم الشأن، وأشهرها حصن ~~سان نيقولا، # 2 # بناه الرئيس زاكوستا الثالث عشر من رؤسائهم سنة 1464م وهو في مدخل مينا مندراكي ~~من جهة الشرق، عدا ما شادوه من الأبراج الشاهقة والقلاع والقصور في ضواحي المدينة وفي ~~القرى، مثل تريانده وفيلانوفا وكاستلوس وكاتافيا ولندوس وأركنجلوس وسوروني وفانزومونوليتوس، ~~وسيأتي الكلام على أشهر هذه الآثار. ومن أبدع وأفخم مبانيهم كنيسة القديس يوحنا التي تقدم ~~ذكرها، وروى المؤرخون أن هذه الكنيسة أقيمت على أنقاض معبد يوناني قديم في عصر «فلك دي ~~فيلاريه» أول من تولى الحكم على الجزيرة، وتم بناؤها في عهد خلفه الرئيس «دي فيلنوف» وكان ~~طولها 46 مترا وعرضها 16 مترا، وكان فيها كثير من النفائس والذخائر والآنية ~~الثمينة. # وقد توالت أحكام الفرسان على رودس إلى أن افتتحها السلطان سليمان القانوني في سنة 1522 ~~بعد حصار دام نحو خمسة أشهر، وهو أهم ما وقع في هذه الجزيرة من الحوادث، بل هو أعظم حصار ~~ورد ذكره في التاريخ؛ لما وقع فيه من المعارك الهائلة، وسيأتي ذكره فيما يلي. وتولى الرياسة ~~على الجزيرة 19 من أولئك الفرسان ومدة حكمهم 212 سنة، وهاك جدولا بأسمائهم ومدة حكم كل ~~منهم وشارته ms14 الرسمية «الأمرة». # اسم الرئيس # مدة حكمه # شارته ~~(1) فلك دي ~~فيلاريه # Foulques de Villaret # 1310-1319 ~~(2) هليون دي ~~فيلنوف # Helion de Villeneuve # 1319-1346 ~~(3) ديودونيه دي ~~جوزون # Dieudonné de Gozon # 1346-1353 ~~(4) بيير دي ~~كورنليون Pierre de Cornelion # 1353-1355 ~~(5) روچيه دي بنس # Roger de Pins # 1355-1365 ~~(6) ريمون بيرانجيه # Raymond Beranger # 1365-1374 ~~(7) روبير دي ~~جولياك # Robert de Julliac # 1374-1377 ~~(8) فردينان ~~ديريديا # Ferdinand d’Heridia # 1377-1396 ~~(9) فيليبير دي ~~نلياك Philibert de Naillac # 1396-1421 ~~(10) أنطوان فلوفيان # Antoine Fluvian # 1421-1437 ~~(11) جان دي ~~لاستيك # Jean Bonpar de Lastic # 1437-1454 ~~(12) جاك دي ميللي # Jacques de Milly # 1454-1461 ~~(13) بيير ريمون ~~زاكوستا Pierre Raymond Zacosta # 1461-1467 ~~(14) جان باتست دي ~~زورسن # Jean Baptiste des Ursins # 1467-1476 ~~(15) بيير دي ~~بوسون Pierre d’Aubusson # 1476-1505 ~~(16) إمري دامبواز # Emery d’Amboise # 1505-1512 ~~(17) جي دي ~~بلانشفور # Guy de Blanchefort # 1512-1513 ~~(18) فابريس كاريتو # Fabrice Caretto # 1513-1521 ~~(19) فيليه دي ليل ~~آدم # Villiers de l’Isle-Adam # 1521-1522 # | استيلاء الدولة العثمانية على رودس # جلس السلطان سليمان القانوني على عرش السلطنة العثمانية، وفي نيته فتح رودس تعزيزا لقوته ~~البحرية، وتسهيلا للمواصلات بين مصر والآستانة، والسفر إلى الحرمين الشريفين، وكان يقول ~~إنه ليس للدولة العثمانية طريق إلى الغرب غير بلغراد ورودس، فبعد فتح بلغراد أخذ يتأهب لفتح ~~رودس، فأمر بحشد الجيوش وإعداد المعدات وتجهيز السفن؛ لعلمه بمناعة هذه الجزيرة وشهرة ~~فرسانها، وأعد أسطولا من 300 بارجة كبيرة و400 سفينة لنقل الذخائر و10000 جندي بحري ~~بقيادة الوزير الكبير مصطفى باشا الذي عين سر عسكر لهذه الحملة، وأقلع الأسطول قاصدا رودس ~~في 10 رجب سنة 928ه / يونيو سنة 1522م، ثم سار إليها السلطان سليمان بنفسه في 18 رجب، وكان ~~حاكمها يومئذ «دي ليل آدم»، وهو آخر من تولى أمر الجزيرة من هؤلاء الفرسان، ولما وصل ~~الأسطول إلى جزيرة هركيت دعاها الوزير إلى الطاعة والتسليم، فأبت فحاصرها وفتحها عنوة في ~~20 شعبان/15 يوليو، ثم سار حتى مر من بوغاز رودس ورسا أمام فيلانوفا، وهي من أقاليم ~~الجزيرة، فاستعد جنودها للحرب، فعمد الوزير إلى المخادعة، وكان مشهورا بالدهاء والمهارة في ~~الفنون ms15 الحربية، فترك 200 سفينة في فيلانوفا وعاد ببقية السفن إلى البوغاز للوقوف في ~~أوكوزبورنو، فلما مرت السفن أمام الحصون أطلقت عليها القنابل من القلاع، فأصابت بعضها، ~~ورأى الوزير أنه إذا رسا في أوكوزبورنو أصبح عرضة لقذائف المدافع الكبيرة، فسار بأسطوله ~~ووقف في مرفأ مرمريس - وهي مدينة في بر الأناضول تجاه رودس، ويسميها الإفرنج مارمارتسا - ~~ولما وصل السلطان سليمان نزل بها أيضا، وعين يوم 5 رمضان/29 يوليو لضرب المدينة، وكان ~~الأسطول قد استولى على جبل سان أتيان وعلى قرية سان جورج، وكلاهما من ضواحي المدينة، وقبل ~~اليوم المعين للحرب انتقل السلطان سليمان من مرمريس إلى رودس. ونصب فسطاطه على رابية في ~~«قزل تبة» # 1 # لمراقبة حركات الجيش وإصدار الأوامر، وكانت حصون المدينة في منخفض من الأرض لا ~~يظهر منها للخارج غير شرفاتها، ولها متاريس عرضها 5 أمتار و25سم تحميها خنادق محفورة في ~~الصخر عرضها من 30 إلى 45 مترا، وعمقها من 12 إلى 18 مترا، ومن داخلها القلاع والأبراج ~~وهي باقية إلى الآن، وكان الميناء الكبير (المعروف بميناء الكمرك) محصنا وفي وسطه برج ~~العرب، وقد ربط الفرسان في مدخله سلسلة ضخمة لمنع السفن من اجتيازه، وسدوا الميناء الثاني ~~(المعروف باسم مندراكي ويسميه الترك الترسانة) بمراكب شحنوها حجارة وأغرقوها فيه، وكان ~~عدد الفرسان 292، ثم انضم إليهم كثير ممن كانوا في أوروبا ومن المتطوعين حتى بلغ عددهم 650 ~~فارسا، وكان جيشهم مؤلفا من 6000 جندي، وقد اختصت كل طائفة من الفرسان بالدفاع عن قسم ~~من الحصون والقلاع، وكانت الحصون مقسمة سبعة أقسام موزعة على فرسان فرنسا وألمانيا وإنجلترا ~~وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وبروفنسا وأوفرن، أما الجيش العثماني فكان عدده مائة ألف غير ~~الرؤساء، وقد أحاط بالمدينة من الشمال والجنوب وصوب مدافع الحصار الكبيرة نحو الحصون ~~والقلاع، وبعض تلك المدافع من النوع المعد لقذف الكرات الحجرية الضخمة، ولا يزال كثير من ~~هذه الكرات في رودس حتى الآن، يشهد بصحة ما رواه المؤرخون عن حجمها الهائل، وفي اليوم ~~المعين ابتدأت الحرب ووضعت اللغوم في عدة مواقع، ms16 وفي 16 رمضان/9 أغسطس أتت نجدة مصرية ~~من 24 سفينة حربية انضمت إلى القوة العثمانية، وفي 4 سبتمبر انفجر لغم فنسف جانبا من زاوية ~~حصن الفرسان الإنجليز، فهجم الجنود العثمانيون على هذا الحصن كالأسود، ووثبوا من ثغرة فيه ~~على الفرسان، وغنموا منهم سبعة أعلام، ولما رأى الرئيس الأعظم حرج الموقف نزل بنفسه إلى ~~ميدان القتال بقوة عظيمة، ووقعت معركة كبرى كان النصر فيها للفرسان، وبلغ عدد من قتل من ~~الجنود العثمانية نحو ألفي رجل، وبعد ستة أيام أعادوا الكرة فانهزموا وقتل منهم عدد لا ~~يقل عن الذين قتلوا في الواقعة الأولى، وقتل من عساكر الفرسان ثلاثون رجلا منهم قائد ~~المدفعية وحامل لواء الرئيس الأعظم، وبعد يومين هجمت الجنود العثمانية مرة أخرى على الحصن ~~وعبرت من الثغرة التي فيه ورفعوا عليه خمسة أعلام، أخذ الفرسان منها علما بعد قتال عنيف، ~~وفي 23 سبتمبر صدر الأمر بالهجوم في اليوم التالي هجوما عاما، وأعلن هذا الأمر ليلا في ~~الجيش كله، وفي فجر الغد قامت الحرب على قدم وساق، وامتد القتال من الشمال إلى الشرق ~~والجنوب، وحمي وطيسه في عدة أماكن، وكان أشده في حصون فرسان إسبانيا، وكانت الجنود ~~العثمانية تعبر الخنادق وتتسلق الأسوار وتقتحم الأهوال لا تصدها القنابل ولا السيوف، ولا ما ~~كان يصبه الفرسان عليهم من المواد الملتهبة حتى غصت الخنادق وشرفات الحصون بجثث القتلى ~~والجرحى، وقتل من الجنود العثمانية في ذلك اليوم خمسة عشر ألف رجل، وفي 22 أكتوبر حاولوا ~~الهجوم على حصن الفرسان الإنجليز مرة أخرى فانهزموا، ثم زحفوا على حصون فرسان إيطاليا ~~وبروفنسا، فقتل منهم خلق كثير وأعادوا الكرة على حصن إيطاليا، فقتل منهم خمسمائة رجل، ثم ~~حملوا على حصون فرسان إسبانيا وإيطاليا، فقتل منهم ثلاثة آلاف رجل، ولما رأى السر عسكر ما ~~حل بالجيش بعد انهزامه مرارا عدل عن الهجوم، وعزم على الاستمرار في حصار المدينة بواسطة ~~الخنادق واللغم. وفي 10 ديسمبر فاوض السلطان سليمان الفرسان في تسليم المدينة وأمهلهم ثلاثة ~~أيام، ووعدهم بالكف عن القتال إذا أذعنوا ms17 لطلبه، فعقدوا مجلسهم وتفاوضوا في الأمر، فاختلفت ~~آراؤهم وعارض أكثرهم في التسليم، وعزموا على طلب الإمهال للنظر في الأمر، وخابروا السلطان ~~في ذلك، فكبر عليه وأمر بالاستمرار في الحرب، وفي 18 ديسمبر هجمت الجنود العثمانية على حصن ~~فرسان إسبانيا فانهزموا ثم أعادوا الكرة على هذا الحصن بقوة عظيمة واستولوا عليه، وكان ~~الفرسان في خلال ذلك قد أدركهم الضعف والوهن، فثبطت هممهم وخارت عزائمهم، فطلب رئيسهم دي ~~ليل آدم من السلطان سليمان المفاوضة في التسليم. # حصار العثمانيين لرودس. # دي ليل آدم أمام فسطاط السلطان سليمان. # وقد تم ذلك بشروط عرضها «دي ليل آدم» وقبلها السلطان، وروى المؤرخون أن الجيش العثماني ~~لما عجز عن فتح الجزيرة بعد تلك المعارك الهائلة فترت همته وكاد يكف عن القتال، وإذا برسالة ~~أتته في سهم من فوق أسوار المدينة، وفيها من الأنباء عن قوة الفرسان ومواقع الضعف ما شدد ~~عزيمته، فأعاد الكرة وفاز ببغيته، وقد أرسلت هذه الأنباء بإيعاز من أحد كبار القواد ~~واسمه «أندريه دامرال»، فقد كان هذا القائد يطمح من زمن في تولي الرئاسة، ولما وقع الانتخاب ~~على «دي ليل آدم» حقد عليه وأضمر له السوء، فكان يرصده بالغوائل حتى نشبت هذه الحرب، فانتهز ~~الفرصة ليشفي غلته، وقد انكشف أمره فأمر الرئيس بعقد مجلس حربي لمحاكمته، وقد أبان التحقيق ~~أنه كان يبعث للجيوش العثمانية برسالة في كل أسبوع عن حالة الحصون والذخيرة وعدد القتلى، ~~فحكم المجلس عليه بالقتل بعد تجريده من رتبه ودرجاته، فقتلوه ومثلوا به. # وبعد أن وضعت الحرب أوزارها دعا السلطان سليمان الأمير دي ليل آدم لمقابلته، وكان شيخا ~~طاعنا في السن وعلى محياه أمارات الهيبة والشجاعة، فحضر في الوقت المعين للمقابلة؛ ~~(انظر دي ليل آدم أمام فسطاط السلطان سليمان) وعند وصوله إلى الخيمة الشاهانية كان الوزراء ~~في حضرة السلطان للمفاوضة في بعض الأمور، فانتظر دي ليل آدم خارج الخيمة مدة طويلة هو ومن ~~معه من الفرسان، وكانت الأمطار تهطل بشدة والأرض تغمرها المياه، ثم أذن له السلطان في ~~الدخول بعد أن ms18 خلع عليه جريا على العادة المتبعة في تلك الأيام، فكان ملتقاهما مؤثرا ~~جدا، إذ لبث كل منهما صامتا حتى ابتدأ السلطان بالحديث فقال: «اعلم أيها الأمير أن ~~الأيام دول والملوك والممالك مصيرها إلى الفناء، وأن الدوام لله وحده، وإني معجب بشجاعتك ~~وثباتك وآسف لما حل بك وبقومك»، وبعد أن بالغ في إكرامه انصرف هو ومن معه من ~~الفرسان. # وفي يوم 26 ديسمبر دخل السلطان سليمان مدينة رودس في موكب عظيم وأطاف بالحصون وشاهد أماكن ~~الوقائع، ولما بلغ قصر دي ليل آدم دخله مع بعض ياورانه، وكان قد أمهل الفرسان 12 يوما ~~للجلاء عن الجزيرة، فسأله هل يريد مهلة أخرى، فتشكر له وقال: لا أريد غير المحافظة على ~~الشروط التي اتفقنا عليها، فوعده السلطان خيرا وطيب خاطره. وهذا من الأدلة على ما كان ~~عليه السلطان سليمان من السماحة وكرم الخلق. وفي اليوم الأول من شهر يناير سنة 1523 حضر دي ~~ليل آدم عند السلطان ليودعه قبل سفره وأهدى إليه أربعة أوان نفيسة من الذهب الخالص، ثم ~~غادر رودس مع سائر الفرسان قاصدين جزيرة إقريطش (كريد)، وارتحل معهم أربعة آلاف من أهل ~~الجزيرة وقيل خمسة آلاف، وكان عدد السفن التي أقلتهم 30 سفينة كبيرة، وروى بعض المؤرخين ~~أنها كانت 50 سفينة، ولعل الفرق بين الروايتين عدد السفن التي أمر السلطان بإعدادها لنقل ~~المهاجرين غير سفن الفرسان، وفي ذلك اليوم ذهب السلطان سليمان في موكب حافل إلى كنيسة ~~القديس يوحنا، وهي أكبر كنائس المدينة، وصلى فيها الظهر بحضور الوزراء ورؤساء الجيش ~~والعلماء، وبعد حمد الله على هذا النصر تلي الخط الشريف المؤذن بجعل هذه الكنيسة جامعا، ~~وأعلن في جميع أنحاء الجزيرة، ثم ألف السلطان مجلسا للنظر في شئون المدينة، وما تحتاج ~~إليه من الإصلاح وترميم ما تهدم من الحصون، وأمر بإنشاء مأوى للفقراء (تكية) وعمل مآذن ~~لجميع الكنائس وجعلها جوامع وبناء مساجد جديدة، والحكم بالعدل بين سكان الجزيرة على اختلاف ~~مللهم وجنسياتهم. # وقد اشتهر حصار السلطان سليمان لرودس بما أطلق فيه من الكرات ms19 الحجرية الضخمة، وما وضع من ~~اللغوم المخربة في أماكن كثيرة، ولما استقام الأمر للعثمانيين بعد خروج الفرسان (الشفاليه) ~~حاسنوا الأهلين، وأبقوا ما في الجزيرة من التماثيل والآثار والرسوم، وما زالت الجزيرة في ~~حوزتهم إلى أن احتلها الإيطاليان في سنة 1912. # منظر عام لمدينة رودس في العصور الوسطى. # | آثار رودس ومعاهدها # أما مدينة رودس فهي في الطرف الشمالي الشرقي من الجزيرة، وما زالت الأسوار والخنادق ~~والمتاريس كما كانت عليه في عهد الفرسان، وفوق الأسوار القلاع والأبراج الشاهقة، وفيها كثير ~~من الكرات الحجرية الباقية من زمن الفتح، وبعضها كبير الحجم جدا يبلغ ثقله 500 كيلوجرام، ~~أما المدافع القديمة فلم يبق منها شيء، وقد أهدى السلطان عبد العزيز بعضها إلى نابوليون ~~الثالث إمبراطور فرنسا، وهي الآن في متحف الآلات الحربية بقصر الإنفاليد بباريس، وللمدينة ~~عدة أبواب أشهرها: ~~(1) # باب دامبواز (في الجهة الغربية) سمي بذلك نسبة إلى الرئيس «دامبواز ~~السادس عشر» من الفرسان الذين تولوا الحكم على الجزيرة، ويسميه الترك «أكري ~~قبو» أي الباب المنحرف؛ لأن الطرق المؤدية إليه من داخل المدينة وخارجها منحرفة ~~عن اتجاه هذا الباب، ويسميه الأروام «توبروماسترو»؛ لأنه أقرب الأبواب إلى ~~القصر الذي كان يقيم فيه الرئيس الأعظم، وأمام هذا الباب من الخارج خندق عميق ~~فوقه قنطرة، وعلى جانبيه برجان عظيمان، وفي أعلى الباب تمثال ملك باسط جناحيه ~~وبيده اليمنى شارة الفرسان، وفي اليسرى شارة الرئيس «دامبواز» وفوقه تمثال ~~المسيح، وهما منحوتان في قطعة واحدة من الرخام. ~~(2) # باب سان جورج (في الجهة الغربية) بالقرب من جامع السليمانية، وفي أول شارع ~~الشفاليه. ~~(3) # باب سانت كترين (في الجهة الشرقية)، ويسميه الترك موصلق قبو (باب ~~الحنفية) وبازار قبو (باب السوق)، وعلى جانبيه برجان عظيمان، وتعلوه تماثيل ~~ثلاثة أشخاص كبيرة من الرخام تمثل القديس بطرس، والقديس يوحنا والقديسة ~~كترينة. ~~(4) # باب سان بول (في الجهة الشمالية) ويسميه الترك «طامله قبو» (باب قطرات ~~الماء) وهو يؤدي إلى مينا الجمرك. ~~(5) # باب سان أتيان (في الجهة الجنوبية) ويعرف بالباب المسدود، وهو الباب الذي دخل ~~منه السلطان سليمان إلى المدينة ms20 عقب فتحها في سنة 1522، ثم أمر بسده وبقي ~~مسدودا إلى أن فتحه الإيطاليان في سنة 1922؛ أي بعد استيلائهم على الجزيرة ~~بعشر سنوات، وبعد أربعة قرون من تاريخ الفتح العثماني. ~~(6) # باب سان جان (في الجهة الجنوبية) ويسميه الترك «قزل قبو» واليونان ~~«كوكينو»، ومعناهما في اللغتين الباب الأحمر، وهو الباب الذي دخل منه الجنرال ~~إميليو قائد الجيش الإيطالي الذي استولى على رودس سنة 1912. # باب سانت كترين. # وقد رأيت أن أنقل هنا رسم هذا الباب ليتبين منه ما هي عليه أبواب المدينة من الضخامة ~~والمناعة. # وفي المدينة جوامع كثيرة أشهرها جامع السليمانية، بناه السلطان سليمان عقب فتح رودس، وعلى ~~جانبي بابه أعمدة من الرخام منقوشة نقشا بديعا، وتتخللها رسوم بارزة غاية في الدقة ~~والإتقان، ومنها ما يمثل أنواع الملابس والسلاح التي كان يتقلدها الفرسان (الشفاليه)، وهي ~~من بقايا المباني التي تهدمت في أثناء الحروب. # ومنها الجامع المعروف باسم «دميرلي جامعي» (الجامع الحديدي) سمي بذلك للقضبان الحديد ~~المركبة على جميع نوافذه؛ لأنه كان فيه على ما يقال سرب (سرداب) ينفذ منه إلى خارج ~~المدينة، وقد اختبأ فيه بعض الفرسان والجنود في أثناء الحرب، فلما فتح العثمانيون الجزيرة ~~وضعوا عليه هذه الحواجز الحديد. # ومن أشهر الجوامع الجامع الذي بناه إبراهيم باشا وزير السلطان سليمان، وفوق بابه لوحة ~~مكتوب فيها: # قد بنى سلطان البر والبحر السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان الغازي جامعا ~~جديدا في دار الفتح والغزوات، ومعبر الحج والعرفات، حماها الله من الآفات في داخل ~~رادوس، تقبل الله الملك القدوس ووقع تاريخه، من دخله كان آمنا دائما سنة ~~947. # ومنها جامع «أندرون» وزعم بعضهم أن أصل هذا الاسم «قان طورو» بالتركية، ومعناها موقف ~~الدم، ولهم في ذلك رواية لا دليل على صحتها، ولما كان هذا الجامع قبلا كنيسة باسم القديسة ~~كترينة، فيظن أن لفظة «أندرون» أو «قان طورو» تحريف اسم كترينة. # ومن جوامع المدينة الجامع المشهور باسم «بالق بازار جامعي» (جامع سوق السمك)؛ لأنه كان ~~بجوار السوق المعد لبيع الأسماك. # وهذا الجامع كان دارا للقضاء ms21 في عصر الفرسان، وبني سنة 1375م وعلى واجهته نقوش جميلة، ~~وفي أعلى الإيوان الكبير شارات الفرسان مرسومة رسما بديعا بالألوان. # ومن الجوامع الجديرة بالذكر جامع السلطان مصطفى، وجامع رجب باشا، وجامع الأغا، وجامع عبد ~~الجليل، وأيلك محراب، وجامع الرئيس مراد، وهو خارج المدينة المسورة وسيأتي ذكره، أما ~~الجامع الذي كان كنيسة باسم القديس يوحنا، وقد مر ذكره عند الكلام على استيلاء السلطان ~~سليمان على رودس، فلم يبق له أثر؛ لأنه في سنة 1856م انقضت صاعقة على مئذنته واتصلت ~~بمخبأ كان فيه كمية عظيمة من البارود من عهد الفرسان، فالتهب ودمر هذا الجامع و60 بيتا ~~من البيوت التي كانت بجواره، وأباد من الخلق نحو 800 نفس. وذهب بعض المؤرخين إلى أن هذه ~~النكبة نتيجة ما أتاه القائد «دامرال» الذي مر ذكره من الأمور التي أراد بها خذل الفرسان، ~~ونصرة الجيش العثماني في أثناء حصار الجزيرة، وكان هذا القائد وقتئذ أمينا على الذخائر، ~~فيظن أنه أخفى أمر البارود الذي كان في المخبأ المذكور ليوهم رؤساء الجيش بأن الذخيرة ~~أوشكت أن تنفد، فتثبط همتهم وتضعف عزيمتهم، ويكفوا عن القتال. # وتجاه جامع السلمانية الدار التي بناها السلطان سليمان للفقراء (التكية) ويسميها ~~الترك «الأمارة»، وعلى واجهتها لوح من الرخام مكتوب فيه بالخط الفارسي الجميل «إنما نطعمكم ~~لوجه الله». # وبالقرب من هذا الجامع برج شاهق (يسمى برج الساعة) وهو من الآثار القديمة، وعليه ساعة ~~كبيرة وضعت سنة 1268ه، في عهد السلطان عبد المجيد، وهذا رسمه: # وللإسرائيليين 6 معابد في الحي الخاص بهم، ويسميه الترك «يهودي محله سي»، وهو أجمل ~~أحياء المدينة وأكبرها، وأكثر المساكن التي فيه كانت قصورا للفرسان (الشفاليه). # أما الكنائس والأديرة فجميعها خارج المدينة، بعضها في الضواحي وبعضها في القرى، وعددها 45 ~~كنيسة (غير الكنيسة التي بنتها حكومة إيطاليا باسم القديس يوحنا) و15 ديرا. وأشهر الكنائس ~~كنيسة العذراء في يكي مراش، والكنيسة المتروبولية في دسبوت مراش، وكلها للروم الأرثوذكس، ~~وللكاثوليك كنيسة باسم العذراء في يكي مراش، وهي للرهبان الفرنسيين أنشئت سنة 1719م وتجدد ~~بناؤها ms22 سنة 1849م. # أما دار الكتب (الكتبخانة) التي أوقفها المرحوم حافظ أحمد أغا للنفع العام بمدينة رودس؛ ~~فتحتوي على 1500 مجلد أكثرها في التفسير والحديث والفقه والفرائض وعلم الكلام والتصوف، ~~وبعضها في اللغة والأدب والتاريخ والطب والفلك وكلها مكتوبة بخط اليد، وفيها قليل من الكتب ~~المطبوعة، ومن المخطوطات النفيسة الموجودة في هذه الكتبخانة الرسالة التي حوت أخبار حصار ~~رودس، وقد أشرنا إليها في المقدمة، وهي باللغة التركية، ولم يذكر فيها اسم مؤلفها، ولهذه ~~الرسالة ترجمة باللغة الفرنسية، وقد اعتمد عليها مؤرخو الإفرنج فيما رووه عن ذلك الحصار، ~~ومنهم المسيو بيليوتي والآب كوتريه في التاريخ الذي ألفاه عن رودس، وقالا عن هذه الرسالة ~~إنها تأليف حافظ أحمد، على أن اسم مؤلفها غير معلوم كما تقدم، أما حافظ أحمد فهو صاحب ~~الكتبخانة، وقد أوقفها لمدينة رودس في سنة 1211ه؛ أي بعد الفتح بنحو ثلاثة قرون، على أن من ~~تصفح الرسالة المذكورة وما حوته من الوصف والتفصيل ير أن مؤلفها كان معاصرا للحوادث ~~والوقائع التي رواها؛ فإنه وصفها وصف من رآها رأي العين. وفي أثناء مطالعاتي عثرت في الجزء ~~الثالث من تاريخ آداب اللغة العربية، تأليف المرحوم جرجي زيدان، المطبوع في سنة 1913 صفحة ~~319 (عند ذكر الكتب الموجودة في الروملي والأناضول) على اسم رسالة عنوانها «الرسالة الفتحية ~~الرادوسية»، تأليف رمضان طبيب السلطان سليمان القانوني، وهي عن فتح رودس، ومنها نسخة في ~~مدينة باريس، ولعل هذا الطبيب هو مؤلف الرسالة الموجودة في رودس، والرسالة التي ورد ذكرها ~~في تاريخ زيدان نسخة منها، وربما كانت هي بعينها، وقد ظفر بها المرحوم حافظ أحمد، وأوقفها ~~مع سائر كتبه لمدينة رودس، ومما يؤيد ذلك الترجمة التي نشرها المسيو ترسيه # Tercier # من علماء فرنسا في المجلد 26 من صحيفة مجمع ~~(أكادمية) الكتابات القديمة المطبوع في باريس سنة 1759م. فقد صدرها بهذا العنوان: «مذكرات ~~رمضان عن فتح السلطان سليمان لجزيرة رودس في سنة 1522». # شارع الشفاليه. # جامع الرئيس مراد. # وأشهر شوارع المدينة شارع الشفاليه، ويسميه الترك «أوزون يولي» أي الشارع ms23 الطويل، ~~والدور التي على جانبي هذا الشارع كانت قصورا للفرسان، ويرى عليها كثير من شاراتهم ~~وأسمائهم، وفي أول هذا الشارع قصر الرئيس الأعظم وهو الذي كان سجنا (حبسخانة) في عهد ~~الحكومة العثمانية. ويتخلل الأحياء المحيطة بالمدينة مدافن قديمة، تكتنفها الطرق العمومية ~~والأبنية الفاخرة، وأشهرها مدفن الرئيس مراد، وهو في الجهة البحرية الشرقية، ودفن فيه كثير ~~من الوزراء وعظماء الرجال، وبعض الصدور العظام وغيرهم ممن نفوا إلى هذه الجزيرة، وقضوا ~~فيها بقية عمرهم. ودفن فيه أكثر الضباط والجنود الذين قتلوا في أثناء حصار السلطان محمد ~~الثاني لرودس في سنة 1480، وبجوار هذا المدفن جامع الرئيس مراد، وهو من أشهر ~~الجوامع. # أما الأحياء الجميلة والحدائق الغناء والقصور الفاخرة، فجميعها في أرباض المدينة. ومن ~~أجمل الأحياء الحي المعروف باسم نيخوري عند اليونانيين، ويسميه الترك يكي مراش، # 1 # والجهة المسماة «قومبورنو» ومعناه رأس الرمال وجبل سان أتيان، ويسمى مون سميث ~~(جبل سميث)؛ لأنه لما جاء الأميرال الإنكليزي السير سدني سميث إلى رودس سنة 1802 أقام في ~~بيت على قمة هذا الجبل لمراقبة أسطول نابوليون، ويسميه الترك «مرجان تبه» باسم أحد ~~الأولياء، وضريحه بالقرب من بيت الأميرال سميث، وهذا الجبل هو القسم الشمالي من السلسلة ~~الممتدة من الشمال للجنوب وقد مر ذكرها، وهو مشرف على البحر من الجهة الغربية وارتفاعه 90 ~~مترا عن سطح البحر، وقد تجلت فيه الطبيعة بأبهى مظاهرها وكملت محاسنه بما أنشأته يد ~~الصناعة من الطرق الموصلة للأبنية القائمة عليه، ففيه كثير من القصور الجميلة، وليس لوجهاء ~~المصريين في هذا الجبل غير دار لصاحب العزة أحمد بك غالب نجل المرحوم علي غالب باشا ناظر ~~الجهادية سابقا، وهو في أحسن موقع، وعلى قمته أرض كبيرة لصاحب العزة فؤاد بك سليم نجل ~~المرحوم لطيف سليم باشا. # وأجمل ضواحي رودس «سنبللي دره» أي وادي السنبل ويسميها الأروام «روديني» ويقصدها الناس ~~للرياضة والنزهة. # وفي ضواحي المدينة كثير من الأبنية والقصور الفاخرة، وأشهرها سراي الوزير المصري الكبير ~~المرحوم حسين فخري باشا، وهي في أجمل حي وأقدم ما بناه ms24 المصريون في رودس، وأمامها سراي ~~المرحوم شكيب باشا العضو الوطني في مصلحة الدومين سابقا، وسراي صاحب العزة حسن بك خيري نجل ~~المرحوم خيري باشا، وهي أفخم مباني المدينة. # وأرضية أكثر المساكن ومماشى بعض الحدائق والطرق مرصوفة بالدملق وهي أحجار صوانية مستديرة ~~الشكل ومتساوية الحجم، كأنها أفرغت في قالب واحد، وتوجد بكثرة على ساحل البحر، وهي مختلفة ~~اللون فمنها الأبيض والأسود والأحمر، ولأهل الجزيرة مهارة فائقة في رصفها وتنسيقها، ويركبون ~~منها رسوما غاية في الإتقان وأكثر مماشي الحدائق التي أنشئت في الجيزة والجزيرة في عهد ~~المغفور له الخديوي إسماعيل مرصوفة بهذه الأحجار التي نقلت وقتئذ من رودس، واستقدم منها ~~الصناع الذين نسقوها بهذا الوضع والإحكام. # هذا أهم ما شاهدته من آثار مدينة رودس وضواحيها، أما ما أنشأته دولة إيطاليا من المباني ~~وما تم في عهدها من الإصلاح والتعمير والتجديد فسيأتي بيانه في الفصل الذي أفردته ~~لذلك. ~~(1) قرى الجزيرة # من أهم قرى الجزيرة وأوفرها عمرانا قرية ترياندا، وهي قريبة من المدينة، فيها من ~~المناظر الطبيعية أبدعها، ومن المحاسن الخلوية أبهجها، وفي الطرف الجنوبي منها جبل ~~فيلرموس الشهير، وهو بالقرب من مدينة ياليسوس التي تقدم ذكرها، ويسميها الترك أسكي ~~رودس أي رودس القديمة، وارتفاع هذا الجبل 300 متر عن سطح البحر، وكان عليه معبد يوناني ~~قديم عفت آثاره ودرست معالمه. # ومن أجمل القرى قرية «فيلانوفا» سميت باسم «فيلنوف» ثاني الرؤساء الذين تولوا ~~الحكم على الجزيرة، وليس هذا الاسم تحريف «يلانلي أوه» كما يزعم البعض ومعناه «برية ~~الحيات» باللغة التركية، وفي هذه القرية أملاك المغفور له علي باشا حلمي العضو الوطني ~~بمصلحة الدومين سابقا، وفيها الرياض الزاهرة والحدائق الغناء والأشجار الباسقة، ~~وتتصل برابية عالية حوت من المحاسن الطبيعية وأنواع النبات البرية والعيون العذبة ما لا ~~يحيط به الوصف، ويعجز عن تصويره اليراع، وقد أنشأ رحمه الله في هذه الرابية كثيرا من ~~الطرق والمجاري والحياض، وبنى في سفحها قصرا فاخرا يشرف على البحر، وتحدق به حديقة ~~أخذت زخرفها وازينت بأنواع الأثمار والأزهار. # قلعة لندوس. # وأهم ms25 القرى وأشهرها «لندوس»، وهي إحدى المدن القديمة التي تقدم ذكرها عند الكلام على ~~تاريخ الجزيرة، وهذه القرية واقعة على الساحل الشرقي، وعلى بعد 52 كيلومترا من ~~المدينة، ولا تزال آثارها القديمة باقية إلى الآن تشهد بما كانت عليه من العظمة وعلو ~~الشأن، وقد أنشأت دولة إيطاليا شارعا كبيرا للوصول إليها بالسيارات. وكان في مدينة ~~لندوس الأكروبول الشهير، وفيه هيكل لأثينا ربة الحكمة (منيرفا عند الرومان) وهو على قمة ~~جبل عال، وقد جعلت الدولة البيزنطية هذا الأكروبول قلعة للدفاع عن الجزيرة، ثم أصلحها ~~الفرسان فكانت من الحصون المنيعة، ولما استولت الدولة العثمانية على الجزيرة رممت ما ~~تهدم من هذه القلعة. # أمثلة من صحون لندوس. # ومن أغرب ما يرى في هذه الآثار رسم سفينة ~~كبيرة محفورة في الصخر، وهي من طراز السفن التي كان يستعملها أهل لندوس في الحروب، وفي ~~سفح الجبل من الجهة الغربية مدرج كبير منحوت في الحجر، وهو من بقايا ميدان الألعاب ~~والتمثيل في عهد اليونان. # وفي هذه القرية قبر «كليوبولوس» أحد حكماء اليونان السبعة الذين هم أساطين الفلسفة، ~~وروى ديودوروس واسترابون أن داناووس لما أتى رودس نزل بلندوس وبنى هيكل «أثينا» الذي ~~مر ذكره، وأن أحميس الأول (أموزيس) من ملوك الدولة الثامنة عشرة المصرية أهدى لهذا ~~الهيكل تمثالين من المرمر ودرعا منسوجا نسجا بديعا، وقد اشتهرت لندوس بعمل ~~الأواني الخزفية وخاصة الصحاف (الصحون) وطليها بالمينا ونقشها برسوم بديعة، وامتازت ~~بتطريز المنسوجات ووشيها. # وقد اكتشف الدكتور كنخ # Dr. Kinch # من أعضاء جمعية الفنون والآثار بدانيمارك مكان الأكروبول ~~في لندوس، وعثر في أثناء الحفر والتنقيب على كثير من التماثيل البديعة والمسكوكات ~~والأواني، وقد نقلت وقتئذ هذه النفائس والذخائر الثمينة إلى دار الآثار بالآستانة ~~(موزه همايون) بعد أن أخذت منها أمثلة بالجبس لحفظها في دار العاديات بكوبنهاج، وحسبنا ~~ذلك دليلا على ما لهذه الآثار من الأهمية التاريخية والمزايا الفنية. وقد رأيت - ~~إتماما للفائدة - أن أتحف المطالع بنبذة في الآثار اليونانية؛ لما لها من الصلة بهذا ~~الموضوع. ~~(2) الآثار اليونانية # لكل أمة آثار ms26 تدل على ما كان لها من الشأن في الحضارة والمدنية، وما اشتهرت به من ~~العلوم والفنون. والآثار من أهم الوسائل التي توصل بها العلماء إلى حل معضلات التاريخ ~~وكشف مكنوناته، وحسبنا شاهدا على ذلك الآثار المصرية، فهي التي كان عليها المعول، ~~بعد حل رموز الكتابة الهيروغليفية، في كشف القناع عن غوامض تاريخ مصر، وتصحيح ما رواه ~~قدماء المؤرخين مثل مانيثون وهيرودوتوس وديودورس الصقلي واسترابون. قال «دي روجه» ~~العلامة الأثري الشهير: «إن ما ذكره الكاهن مانيثون عن تقسيم الدول المصرية مبني على ~~مزاعم واهية ومخالف لما دلت عليه الآثار.» ولما كان مدار الكلام في هذه النبذة على ~~الآثار اليونانية التي هي موضوع البحث فنقول: إن من أكبر الأدلة على ما لهذه الآثار من ~~الشأن والأهمية عناية الدول الكبرى بدرسها؛ فقد أنشئت لذلك عدة معاهد في أثينا عاصمة ~~اليونان، أشهرها معاهد إنجلترا وألمانيا وفرنسا، غير البعثات العلمية الموفدة من قبلها ~~إلى المدن اليونانية؛ للبحث والتنقيب عن تلك الكنوز الثمينة التي هي أعظم شاهد على ما ~~كان لأمة اليونان من الحضارة والعمران، وما بلغته في أنواع الفنون من الإبداع والإتقان، ~~وقد اكتشف العالم الأثري الشهير «فلندرس بتري» في مدينة نوكراتيس المصرية التي ~~استوطنها اليونانيون في عهد الملك أحميس كثيرا من المعابد والمقابر اليونانية والمعامل ~~التي كانوا يصنعون فيها الأواني والتماثيل. وما وجد من الآثار في أطلال هذه المدينة ~~يشبه تمام الشبه ما عثر عليه العلامة شالزمان في مدينة كاميروس بجزيرة رودس من ~~المصنوعات اليونانية، وقال الدكتور أبوستوليدس في رسالة موضوعها: «أثر الحضارة ~~اليونانية في مصر» # 2 # ما ملخصه: «أن المصريين اقتبسوا من اليونان تلك الفنون البديعة والصناعات ~~الدقيقة التي ظهر أثرها في عهد الدولة الثامنة عشرة، وبيان ذلك أنه لما استولى الملك ~~أمنوفيس الثالث على أكثر جزائر الأرخبيل؛ انتقلت صناعة اليونان إلى وادي النيل، وأن ما ~~يوجد في دار الآثار المصرية من مصنوعات هذه الدولة لا نظير له في آثار من سبقها وأعقبها ~~من الدول.» # هذا ما قاله الدكتور أبوستوليدس، ولعلماء العاديات الرأي ms27 الأعلى والقول الفصل في ما ~~عزاه إلى أبناء وطنه من التقدم والفضل، على أن الفن المصري قد ظهرت آياته وتجلت بدائعه، ~~على ما أثبته «لنورمان» و«دي روجه» و«مارييت»، منذ الدولة الرابعة التي بنيت في عهدها ~~أهرام الجيزة أي منذ 4000 سنة قبل المسيح، ومما وجد من آثار هذه الدولة وأودع في دار ~~الآثار المصرية تمثال للملك خفرع (كفرين) باني الهرم الثاني، فقد أجمع أرباب الفن على ~~أنه المثل الأعلى والآية الكبرى في الإتقان والإبداع، والتمثال المصنوع من الخشب ~~والمشهور بشيخ البلد، وهو غاية في الدقة والإحكام، ومثله الكاتب المصري، وهو من آثار ~~الدولة الخامسة، وفي متحف اللوفر بباريس تمثال آخر للكاتب المصري وهو من أبدع ما أخرجته ~~يد الفن في محاكاة الطبيعة. أما ما ذهب إليه الدكتور أبوستوليدس في رسالته المذكورة من ~~أن اسم «هانيبو» الذي وجد على الآثار المصرية يراد به اليونان، وأن وجود هذا الاسم على ~~أقدم الآثار دليل على أن اليونان وفدوا على وادي النيل في أقدم العصور، فهو من الآراء ~~التي يجدر بعلماء الآثار فحصها وتحقيقها علهم يفتوننا بما ينجلي به وجه الصواب ~~ويكون فيه فصل الخطاب. # وسواء كان الفضل لليونان في ما بلغه المصريون من إتقان الفنون الرفيعة أو كان ~~المصريون معلمي اليونان كما هو مشهور، فإن براعة اليونان في إتقان هذه الفنون لا تحتاج ~~إلى بيان، ناهيك بتلك التماثيل التي يتجلى فيها من آيات الروعة والجمال ما يسحر العقول ~~ويأخذ بالألباب، وذلك للدقة المتناهية في محاكاة الطبيعة بأكمل مظاهرها وأجمل معانيها، ~~فمن إحكام في النسب ووضوح في عضلات الجسم وقسمات الوجه وملامحه، فضلا عن التفنن ~~العجيب في أشكال هذه التماثيل وأوضاعها، وقد نسج الرومان على منوال اليونان في الحفر ~~والتصوير فأبدعوا وأجادوا. # ولما كان وصف ما خصصت له الآثار اليونانية من المعبودات، وذكر ما يتصل بها من ~~الأساطير لا يتسع له المجال، رأيت أن أقتصر هنا على بيان ما وقفت عليه في أثناء البحث ~~من أوجه الشبه بين معبودات اليونان وعقائد سائر الأمم المتوغلة ms28 في القدم، كالهنود ~~والمصريين والآشوريين والبابليين والفينيقيين والفرس والرومان والعرب أيام ~~الجاهلية. # أشهر معبودات اليونان ومقارنتها بمعبودات قدماء الأمم # قبل الخوض في هذا الموضوع لا بد لنا من كلمة في الميثولوجيا؛ توطئة لما سيأتي ~~ذكره من هذه المعبودات، وما تدل عليه من المعاني والصفات، فنقول: المثيولوجيا لفظة ~~يونانية مركبة معناها «سير الآلهة» وموضوعها أساطير الأمم الوثنية، وثمرتها ~~الوقوف على عقائد تلك الأمم وأحوالها وعاداتها وسير أبطالها، وعدا ما اشتملت عليه ~~هذه الأساطير من الفوائد التاريخية والعلمية، فلا بد للأديب من التحلي بفرائدها ~~وإلا تعذر عليه فهم منظومات فحول الشعراء من اليونان والرومان، ومن حذا حذوهم من ~~شعراء سائر الأمم، فإن أشعارهم لا تخلو من الاستعارات والكنايات والشواهد والأمثال ~~المقتبسة من تلك الأساطير، ناهيك بما اشتملت عليه من الحكم والعظات البالغة والرموز ~~التي تشير إلى كثير من الحقائق التاريخية. # تمثال الذئبة والطفلين «شارة رومة» وتمثال الأيل «رمز جزيرة ~~رودس» أقيما في مدخل المينا الشرقية سنة 1927. # ومن نظر في أساطير الأمم القديمة، رأى أنها عبدت في مبدأ الأمر كل ما له في النفس ~~تأثير ورهبة وهيبة وروعة، كالشمس والقمر وسائر الكواكب، ثم تعددت المعبودات وتنوعت ~~أساليب العبادة وتباينت أشكالها، وبعد أن كانت كل أمة مستقلة بمعبوداتها قد تسلسلت ~~العقائد وانتقلت من أمة إلى أخرى؛ ولهذا نرى فيها من أوجه الشبه ما يدل على أنها ~~مقتبسة بعضها من بعض، وقد اختلفت الآراء في منشأ ما تشابه منها، فقيل إن مصر مصدر ~~هذه العقائد، وذهب بعضهم إلى أنها نشأت أولا في الهند، ثم انتقلت منها إلى مصر ~~والصين وفينيقية وبلاد الكلدان والفرس وغيرها. وسواء كان مصدر هذه العقائد مصر أو ~~الهند، فالمحقق أن اليونان قد توسعوا في عقائدهم وأتوا من التفنن والإبداع في ~~أساطيرهم بما لم يسبقهم فيه سابق، وهذبوا ما تلقوه عن الأوائل، فنبذوا عبادة ~~الحيوان والجماد، وإليك ما وقفت عليه أثناء المقابلة والمقارنة من المشابهات بين ~~آلهة اليونان ومعبودات سائر الأمم: ~~«من معبودات اليونان «زفس» كبير الآلهة، وهو في مقام «جوبيتر» عند ms29 الرومان، ~~و«أندرا» عند الهنود، و«مردوخ» عند البابليين، و«أرمزد» عند الفرس، و«المشتري أو ~~برجيس» عند العرب، وزوجته «هيرا» وهي «يونون» عند الرومان و«درجه» عند الهنود، ~~وابنهما «إيروس» واسمه «كوبيدون» عند الرومان، و«كاما» عند الهنود، ومن أكبر ~~معبوداتهم «أبولون» إله الشمس والفنون والآداب، ويسمى «هليوس» و«فيبوس»، وهو ~~«أبولو» عند الرومان و«كرشنا» عند الهنود و«رع» أو «هوروس» عند المصريين، و«شماخ» ~~عند الكلدانيين، و«مترا» عند الفرس، وورد في التوراة اسم صنمين كانا يمثلان الشمس، ~~وهما «أرمون»، وكان في بقعة مجدون و«هداد» وكان يعبد في دمشق، وكان لأبولون تسع ~~بنات هن ربات الفنون الجميلة، ويطلق على مجموعهن اسم «موسيه» باليونانية، ومنه لفظ ~~موسيقى في أكثر اللغات، وقد أبدع اليونان وأصابوا فيما تخيلوه من أنهن أخوات؛ لما ~~بين هذه الفنون من الصلة والارتباط. ومن معبودات اليونان «أثينا» ربة الحكمة وهي ~~«مينرفا» عند الرومان و«نيث» عند المصريين و«سارسفاتي» عند الهنود، ومن معبوداتهم ~~«هرقليس» وهو يشبه «ملكارث» عند الفينيقيين و«أدار» عند الآشوريين. ومنها «أفروديت» ~~ربة الجمال، وهي «فينوس» عند الرومان، و«لخمي أو راتي» عند الهنود، و«ناهيد» عند ~~الفرس و«الزهرة» عند العرب و«حاتحور» عند المصريين، و«عشتروت» عند الفينيقيين، ومن ~~معبوداتهم «أرطميس» إلهة الصيد، وهي «ديانا» عند الرومان، ويرمز لها بالقمر، ومنها ~~«هرمس» سفير الآلهة وإله التجارة والصناعة، وهو «مركور» عند الرومان و«تحوت» عند ~~المصريين، و«نابو» عند الكلدانيين، و«نردا» عند الهنود، و«عطارد» عند العرب، ومنها ~~«آرس» رب الحرب. وهو «مارس» عند الرومان، و«نرغال» عند الكلدانيين، و«اشكند» عند ~~الهنود، و«بهرام» عند الفرس، و«المريخ» عند العرب، ومنها «خرونوس» (الزمان) وهو ~~يشبه «ساتورن» عند الرومان من بعض الوجوه، و«مولوك» عند الكنعانيين، ويسمى «كيوان» ~~عند الفرس، و«زحل» عند العرب، ومنها «بوسيدون» رب البحار، وهو «نبتون» عند الرومان، ~~و«داجون» عند الكلدانيين، و«فارونا» عند الهنود، ومنها «أديس» ملك الجحيم والظلمات، ~~وهو نظير «بلوتون» عند الرومان، و«ياما» عند الهنود، ومنها «هيفستوس» إله النار، ~~وهو «فولكان» عند الرومان، ومنه لفظة بركان المستعملة في العربية للدلالة على جبل ~~النار، واسمه «أدرملك» عند الآشوريين، و«شفاكرما» عند الهنود و«فتاح» عند المصريين، ms30 ~~ومنها «ديميتيرا» ربة الزراعة والخصب، وهي مثل «سيريس» عند الرومان، و«سري» عند ~~الهنود، ومنها «ديونسيوس» إله الخمر، وهو «باكوس» عند الرومان، ومن الآلهة التي ~~عبدها اليونان والرومان باسم واحد «اسكولابيوس» إله الطب وهو «أشمون» عند ~~الكلدانيين، و«إمحوتب» عند المصريين، و«بعل صيدا» عند الفينيقيين، ومن معبودات ~~اليونان «أدونيس» الذي افتتنت به ربة الجمال والحب، ويشبه «تموز» من معبودات سوريا. ~~وكان اليونان يضحون لبعض معبوداتهم بالضحايا البشرية اقتداء بالكنعانيين ~~والآشوريين، ويضعون مع الميت أنواع الزاد مثل المصريين.» # ومما يدل على أن اليونان اقتبسوا عقائدهم من المصريين، أسماء المعبودات التي كان ~~لها هياكل في رودس مثل «إيزيس» و«سيرابيس». # 3 # وكان أهل رودس يقسمون السنة إلى 12 شهرا، كل منها 30 يوما ويضيفون إليها شهرا ~~صغيرا اسمه «باناموس» عدته 5 أيام وكل 4 سنوات يزاد يوما وهي السنة المصرية، ~~ولعلهم اقتبسوا ذلك على أيدي الفينيقيين، فهم أول من نقل علوم مصر وبابل وأشور إلى ~~بلاد اليونان . # | جزيرة رودس في عهد دولة إيطاليا # احتلت دولة إيطاليا جزيرة رودس في خلال الحرب التي نشبت بينها وبين الدولة العثمانية بشأن ~~طرابلس الغرب، وكان احتلال هذه الجزيرة في مايو سنة 1912 وبقيت تحت الأحكام العرفية إلى سنة ~~1921، حيث حلت محلها الأحكام المدنية، وفي المعاهدة الدولية التي عقدت في لوزان سنة 1923 ~~نزلت تركيا رسميا لدولة إيطاليا عن هذه الجزيرة و13 جزيرة أخرى من جزائر بحر إيجه. # وما استتب الأمر لحكومة إيطاليا في هذه الجزيرة، حتى أخذت في تنظيم أمورها، والنظر في ما ~~تتطلبه حالتها من الإصلاح، فعينت لذلك لجانا مؤلفة من خبراء في الأمور الهندسية ~~والزراعية والصحية ونحوها، وأول أمر وجهت إليه اهتمامها إنما هو توفير أسباب الراحة ~~وتسهيل سبل المواصلات وتعميمها في أنحاء الجزيرة، ومن الأمور التي كان لها من العناية أوفر ~~نصيب، إصلاح أحوال الزراعة ونشر المعارف وتعميمها، وكان الشروع في إصلاح شارع الشفاليه ~~والشارع الكبير الموصل إلى لندوس في عهد الحكومة العرفية. ولما عين الكونت بوسداري ~~حاكما مدنيا على الجزيرة وجه عنايته لإنجاز هذه الأعمال، ms31 ولكن المنشآت العظيمة وأهم ~~أعمال الإصلاح تمت في عهد الحاكم الحالي صاحب الفخامة ماريو لاجو من سفراء إيطاليا، وهو ~~مشهور بحسن السياسة والإدارة وحبه للإصلاح والنظام. # وفي سنة 1925 صدر أمر ملكي نص فيه على ما يأتي: ~~(1) # يكون لرعايا تركيا الموجودين من قبل في رودس حق التبعية لدولة ~~إيطاليا. ~~(2) # إعفائهم من الخدمة العسكرية. # ولما كان تفصيل ما تم في هذه الجزيرة من الأعمال والمنشآت العظيمة يستلزم شرحا طويلا؛ ~~فقد اكتفيت هنا ببيانها إجمالا، وقد اعتمدت في ما ذكرته من الإحصاءات والأعمال الفنية، على ~~البيانات الرسمية التي تفضل علي بها قسم هندسة الجزيرة. # المدارس # المدرسة الملكية للبنين (سنة 1928) # المدرسة الملكية للبنات (سنة 1928) # مدرسة الزراعة الفنية والعملية # مدرسة علم التاريخ والآثار القديمة (الأركيولوجيا) # المستشفى # المستشفى الملكي # الثكنات # ثكنة الملكة للمشاة (البيادة) # ثكنة البرنس أومبرتو - للمستحفظين # ثكنات صغيرة لمستحفظي قرى كاتانيا، وأفاندو، وسلاكو، وغيرها (وهي داخل ~~المدينة) # المنشآت الدينية # كاتدرائية القديس يوحنا # بناء قبة لأجراس كنيسة «نوتردام دلافيكتوار» (سيدة النصر) # بناء مئذنة لجامع إبراهيم باشا # دار الأسقفية # جبانة المسيحيين # جبانة المسلمين # مباني الحكومة # سراي الحكومة # دار القومندانية البحرية # دار المحكمة # مكاتب الضرائب والرسوم # المجزر (السلخانة) # أماكن الحجر الصحي (الكورتينة) # دار الصحة البحرية # دار البريد والتلغراف # دار البلدية # الفنادق والأندية # أوتيل دي روز (فندق الورد) # فندق سافوي # أوتيل دي سير (فندق الأيائل) فوق قمة جبل الأنبياء # فندق ميرامار في ضاحية ترياندا # قهوة بلافيستا على شاطئ البحر # قهوة رودينو # نادي الفاشست # نادي «إيطاليا» # نادي الصيد # نادي لعب الجولف # ميدان لعب الجولف # ميدان لعب التنس # السينما # سينما سان جورج # سينما أكسلسيور # مساكن الموظفين # عدة مبان بعضها لسكن عائلة واحدة (فيلا)، وبعضها لسكن عدة عائلات # الموانئ # ميناء سنت أنج # تطهير مينا مندراكي وإصلاحها # تطهير المينا التجارية # إنشاء موردة بروسالي # بناء رصيف لمينا مندراكي # الحدائق # حديقة الأيائل # حديقة الفوروم # حديقة بيل أربر # Bel Arbre # حديقة شارع الملك # حديقة دار الحكومة # حديقة قصر الحاكم العام # الزراعة # بساتين سان مارك في قرية كاتاقيا # معهد المباحث الزراعية في قرية فيلانوفا وفيه ms32 محل مخصص للبحث في عمل ~~المربيات وطرق تجفيف الأثمار والخضراوات # حقل التجارب الزراعية # معمل المباحث البكتريولوجية # دار تربية النحل وعمل الخلايا، حسب الطرق الحديثة # منشأة النباتات (مشتل) في قرية كوسكينو # حديقة البلدية # مغرس أشجار الغابات # معمل التحليل الكيميائي # مرصد الحوادث والظواهر الجوية (الميترولوجيا) # الشوارع # كانت الشوارع الموجودة في سنة 1912 لا يزيد طولها على 30 كيلومترا، وبلغ ~~98 كيلومترا في سنة 1923، وأصبح الآن 325 كيلومترا. # القناطر # أنشئت سبع قناطر (كباري) بالأسمنت المسلح في عدة أماكن، عدا الجسور ~~والمجاري التي عملت للسيول. # وبلغ ما أنفق على إصلاح الطرق القديمة وإنشاء الشوارع الجديدة نحو 30 ~~مليون إفرنك إيطالي # وقد تم إصلاح القناطر القديمة الموجودة في عهد الرومان، وعمل 4 مستودعات ~~(خزانات) كبيرة للمياه، وقد بلغت نفقات هذه الأعمال نحو ثلاثة ملايين إفرنك ~~إيطالي. # المياه المعدنية # دلت المباحث التي عملت في عدة أنحاء من الجزيرة على وجود ينابيع حارة ~~ومعدنية، وقد فحصت مياهها لمعرفة العناصر التي تتركب منها وخواصها الطبية ~~وشرع في استعمالها. # الخرائط والمساحة # شرع المعهد الجغرافي الحربي بفلورنسا في رسم خرائط بمقياس 25000 للجزائر ~~التابعة لإيطاليا في بحر إيجه حسب المساحة التي قامت الحكومة بعملها، وقد ~~تمت منها الآن خرائط جزيرة رودس وجزيرة لريوز (ليروس) وجزيرة استانكوي ~~(كوس). # ومن أعظم المباني المذكورة المستشفى الملكي وقد بني في سنة 1926 على أحدث طراز، وأتم ~~نظام، وتعالج فيه جميع أنواع الأمراض الطبية والجراحية، ما عدا الأمراض العقلية والمعدية ~~والمزمنة والمصابين بالتدرن الرئوي، وفيه قسم للولادة والعناية بالأطفال، وقسم للفحص ~~والمعالجة بالأشعة، ومعمل كيمائي تام المعدات والأدوات. # المستشفى الملكي. # مدرسة البنين. # مدرسة البنات. # سراي الحكومة. # أوتيل دي روز (فندق الورد). # أوتيل دي سير (فندق الأيائل). # ومن أفخم المباني مدرستا البنين والبنات والكنيسة الكاتدرائية. # ومما شادته حكومة إيطاليا في رودس سراي الحكومة، وقد تم بناؤها في سنة 1927. # ومن هذه المباني الفندق الكبير المسمى «أوتيل دي روز» أي فندق الورد، بني سنة 1927 على ~~شاطئ البحر، وهذا الفندق لا نظير له في سائر المصايف الشهيرة في ms33 أوروبا، يحتوي على 150 ~~سريرا، و50 حماما خصوصيا، وقاعات كبيرة للحفلات، وله حديقة غناء وساحات ~~للألعاب. # وعدا هذا الفندق توجد فنادق أخرى أشهرها: # فندق سافوي يحتوي على 60 سريرا، وهو في بقعة مركزية موافقة لإقامة من لهم ~~أشغال في المدينة. # فندق الأجانب (إدارة كارياني) يحتوي على 35 سريرا، ويصلح لإقامة ~~العائلات. # فندق مصر وفيه 26 سريرا. # بنسيون باراديزو وفيه 15 سريرا. # وفندق رودس وفيه 36 سريرا. # وفندق ميرامار وهو في ضاحية ترياندا على بعد 5 كيلومترات من المدينة، وفيه 75 ~~سريرا. # وأوتيل دي سير (فندق الأيائل) وفيه 40 سريرا، وهو على قمة جبل الأنبياء، ~~وعلوه 790 مترا عن سطح البحر، ويكتنف هذا الفندق أشجار السرو والصنوبر، ~~ويبعد عن المدينة نحو 50 كيلومترا. # ويوجد في الجزيرة أنواع كثيرة من الحيوانات والطيور البرية والأيائل والأرانب الجبلية ~~والحجل، ولا يجوز الصيد إلا برخصة وفي الأماكن المعينة لذلك. # ومن أشهر المعاهد متحف العاديات، وهو من أهم المتاحف وأشهرها لما حواه من الآثار ~~التاريخية النفيسة والتحف الفنية الثمينة والمسكوكات اليونانية والرومانية والأواني ~~الميسينية، ونحو ذلك مما وجد في أطلال كاميروس وياليسوس ولندوس، وهي المدن القديمة التي ~~تقدم الكلام عليها. # وقد نبشت أطلال هذه المدن من قبل، وأخذ المنقبون ما عثروا عليه من الكنوز الثمينة، غير ما ~~نقل منها إلى دار الآثار بالآستانة (موزه همايون) وما ظفر به المتحف البريطاني ومتحف كلوني ~~بباريس، وغيرهما من متاحف أوروبا. # ومن أجمل الآثار التي وجدت في رودس وأودعت في متحفها، تمثال لأفروديت (فينوس) وهذا ~~رسمه: # تمثال فينوس. # ويفتح هذا المتحف من الساعة 9 صباحا إلى الظهر، ومن الساعة 2 إلى الغروب، وفي أيام ~~الأحد من الساعة 9 إلى الظهر فقط. # أما المساجد والتكايا والمدافن والأسبلة التي كانت موجودة من قبل، فلم يحدث فيها تغيير، ~~بل قامت الحكومة الإيطالية بإصلاح ما تشعث منها، وأعادت بناء ما تهدم وتخرب في جبانة الرئيس ~~مراد، وأزالت ما كان مكدسا فيها من الأقذار والأتربة منذ مئات من السنين، وغرست فيها ~~الأشجار والرياحين، وهذه الجبانة ms34 من أشهر جبانات رودس، وقد تقدم الكلام عليها. # مدافن العظماء في جبانة الرئيس مراد. # هذا مجمل ما قامت به حكومة إيطاليا في رودس من الأعمال والمنشآت العظيمة، التي بلغت بها ~~هذه الجزيرة أسمى درجة في النظام والعمران، وأصبحت كما كانت أيام عزها وسؤددها، درة في تاج ~~الجزائر، وواسطة عقد الاتصال بين الشرق والغرب، وأخذ عدد الوافدين إليها يزداد عاما ~~فعاما؛ لما يجدونه فيها من وسائل الراحة، فوق ما تحلت به من المحاسن الطبيعية. # | خاتمة # هذا ما أتيح لي تدوينه عن تاريخ هذه الجزيرة وآثارها ~~ومعاهدها. وأنى لليراع، مهما أوتي من البيان، أن يقوم بوصف ما حوته من أودية وجبال، ~~وغابات وأدغال، ومروج زاهرة، ورياض ناضرة، وعيون جارية، إلى غير ذلك من المحاسن التي تبتهج ~~لها النفس وتقر بها العين، ولهذه المناظر من التأثير في الوجدان ما لا يحتاج إلى بيان، فهي ~~تصقل مرآة الخيال، فترتسم فيها تلك الصور التي توحي إلى الشعراء ما تجود به قرائحهم من ~~المعاني، وتحوم حوله أفكارهم من التشبيهات والاستعارات، ألا ترى أنهم شبهوا الوجه بالبدر، ~~والثغر بالدر، والخد بالورد، والجبين بالصبح، والشعر بالليل، والقد بالغصن. # ولولا اختلاف المؤثرات لما تباينت المعاني وتنوعت أساليب الكلام، فمن أنعم النظر في ما ~~نظمه العرب في الجاهلية، ير أنهم أبدعوا وأجادوا في وصف الخيل والإبل والسيف والرمح ~~والأطلال والرمال، ونحو ذلك من الأشياء التي لم يروا غيرها في البوادي والقفار، ولما قاموا ~~بتلك الفتوحات الباهرة في صدر الإسلام وتجلت لهم محاسن البلاد التي افتتحوها؛ اتسع لهم ~~مجال التصور والخيال، وفاضت قرائحهم ببدائع المعاني المنتزعة من مظاهر الجمال، وقس على ذلك ~~سائر الفنون الجميلة، فما هي إلا تمثيل ومحاكاة لمظاهر الطبيعة، ولله در من قال: # إنما الأرض والفضاء كتاب # فاقرءوه معاشر الأذكياء # فمن تصفح هذا الكتاب - كتاب الكون - تجلت له صور الجمال في أبهى مظاهر الجلال، وشاهد من ~~بديع آيات الخالق جلت قدرته ما تحار فيه العقول، وتعجز عن إدراكه الأفهام. ولما كانت ~~التشبيهات والاستعارات كلها منتزعة مما تراه وتتأثر ms35 به من مناظر الكون، فلا عجب إذا عجز ~~البلغاء عن وصف تلك المناظر بما ينطبق على الحقيقة، اللهم إلا إذا شبهوها بنفسها كالذي شبه ~~الماء بالماء، والسماء بالسماء، أو كما قال أحد الشعراء: # لله ذياك الحبيب وما أرى # شيئا أشبهه به إلاه # هو ما أشبهه به فكأنه # هو فانظروا، بالله ما أحلاه # وفوق ما للمناظر الطبيعية من الروعة في النفس وتعذر وصفها بعبارة تمثلها للذهن بحسب ما ~~هي عليه، فإننا لا ندرك منها غير أجزائها الظاهرة، ونرى هذه الأجزاء حسب مواقع النظر لا كما ~~هي في الحقيقة، فقد نرى الكبير صغيرا كما قيل: # والنجم تستصغر الأبصار رؤيته # والذنب للطرف لا للنجم في الصغر # ونرى البعيد قريبا، والقريب بعيدا، والمستقيم معوجا، ونحو ذلك من الظواهر التي ينخدع ~~بها البصر، وأغربها السراب، وهو ما يرى أحيانا في البوادي الجرداء من أشجار وماء، وسببه ~~انعكاس ضوء الأشباح القريبة في طبقات الجو وانتقالها بتموج الهواء على صفحات ~~الصحراء. # ومن الناس من لا يرى بعض الألوان أو لا يميز بعضها من بعض، وقس على ذلك المسموعات، فإننا ~~لا ندرك كل الأصوات، ومن الحيوان الأعجم ما هو أقوى سمعا وأحد نظرا من الإنسان. # وإذا نظرنا إلى اللغة التي هي آلة التعبير عما نراه ونشعر به نجدها، على سعتها وغزارة ~~مادتها، قاصرة في الدلالة على كثير من الصفات. هذه الألوان مثلا، فإن أكثرها ليس له اسم ~~خاص، ويسمى بما يشبهه من ألوان الأزهار والأثمار أو المعادن والحيوانات، فيقال اللون ~~البنفسجي والوردي والزيتوني والفضي والذهبي والسنجابي والرمادي، وكذلك الروائح مثل رائحة ~~المسك والقرنفل والورد، والأشكال كقولنا الشكل الصنوبري والبيضوي والإهليلجي ونحو ذلك، وليس ~~هذا النقص خاصا باللغة العربية، بل عاما في سائر اللغات، ومن بحث في أسماء المعاني يجد ~~أنها كانت في الأصل أفعالا أو من أسماء الذوات أي المحسوسات، كالفصاحة من أفصح اللبن، ~~إذا ذهبت رغوته فبان، والبلاغة من بلغ أي وصل، والجزالة في الرأي والكلام من ~~الجزل للحطب الغليظ، والمجد من مجدت الدابة، إذا وقعت في ms36 مرعى كثير، ~~والشرف في النسب وغيره من الشرف للمكان العالي، والرأي من رأى بعينه، والعقل من ~~عقل البعير أي ربطه، والحكمة من حكمة اللجام، ووعى جعله في وعائه أي ~~حفظه، والذكاء من ذكاء النار، والإدراك من أدرك أي لحق، والرجل المهذب ~~من هذب الشجرة، وغير ذلك مما يعلم بالبحث في الألفاظ الدالة على الأمور ~~المعنوية. # ولا يقتصر عجز اللغة على المعاني والألفاظ، بل يتناول الحروف، فإن في الطبيعة أصواتا لا ~~يوجد ما يحاكيها في حروف جميع اللغات، ولا يمكن التعبير عنها إلا بما يدل عليها من الأسماء ~~كالهدير، والصفير، والصرير، والهزير، والزئير، والزفير، والرنين، والطنين، والهزيم، ~~والصليل، والأزيز، ونحوها. # وقد اختلف العلماء قديما في نشأة اللغة، فذهب فريق إلى أنها توقيف ووحي، وقيل إنها ~~اصطلاح وتواطؤ، والرأي الراجح أنها كانت في الأصل محاكاة لأصوات الحيوانات، وتفاعل قوى ~~الطبيعة، ثم ترقت تدريجا بعوامل النمو، كالتكرار، والزيادة، والقلب، والإبدال، والنحت، ~~والاشتقاق، ونحوها من التغيرات التي حدثت في الألفاظ على مر الدهور، كما أثبت ذلك الباحثون ~~في أصل اللغات، مثل مكس مولر وأرنست رينان، وغيرهما من العلماء المتأخرين. على أن للعرب فضل ~~السبق في هذا الرأي؛ فقد قال به علماؤهم من نحو ثمانمائة سنة، ووافقهم فيه جلال الدين السيوطي، # 1 # فقال في الزهر ما نصه: «وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات ~~المسموعات كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي، ~~ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل» انتهى كلام ~~السيوطي. وهذا الرأي كما قال بعض العلماء المحققين لا ينافي ما ورد في الكتب المنزلة، فإن ~~المراد من تعليم آدم الأسماء كلها كما ورد في التوراة والقرآن، إنما هو الإلهام إلى وضعها ~~والإقدار على الارتجال بطبيعة القوة الناطقة التي أودعها الله في الإنسان، وميزه بها على ~~سائر الحيوان، وما قيل في اللغة يصدق على النظم؛ فإنه كان في الأصل محاكاة لأصوات الطبيعة، ~~وبيان ذلك أن الذي أوحى ms37 إلى الأمم نظم الكلام، إنما هو الغناء، وأصل الغناء محاكاة أصوات ~~الطبيعة كخرير الماء، وحفيف الأشجار، ودوي الأمواج، وتغريد الطيور، ونحو ذلك، ولا فرق بين ~~الأوزان الشعرية والنغمات الموسيقية، فإن أصلها كلها حركات وسكون، فالنظم طبيعي، ووجد قبل ~~أن توضع له هذه الأحكام والأصول التي استنبطها الخليل قياسا على ما نظمه شعراء الجاهلية، ~~على أنه لم يعرف كيف نظموا الشعر على هذه الأوزان، والغناء وجد قبل وضع علم الأنغام، كما ~~أن اللغة العربية وضعت بهذه الصفة من الإعراب والبناء في الكلم قبل وضع علم النحو. # وهنا أستميح المطالع الكريم معذرة لهذا الاستطراد الذي شط بي عن موضوع الكلام، فقد ~~همت بجمال الطبيعة واستهوتني محاسنها وغرائبها، فتشعبت أمامي سبل الحديث، والحديث شجون، ~~والإنسان ميال بطبعه إلى محبة الانتقال من فن إلى فن، ومن معهود إلى مستجد، كالطير يتنقل من ~~شجرة إلى شجرة، ومن فنن إلى فنن، ولله در من قال: # تنقل فلذات الهوى في التنقل # ورد كل صاف لا تقف عند منهل # | خلاصة تاريخية عن أشهر جزائر بحر إيجه # من نظر في تاريخ هذه الجزائر، رأى أنها سايرت الدول التي استولت عليها في جميع أدوار ~~حضارتها، وكانت حليفتها في حروبها، وما وقع فيها من الحوادث العظيمة، كما تدل على ذلك ~~آثارها التي هي أكبر شاهد على ما كان لها في غابر الزمن من الشهرة والشأن، وإذا نظرنا إليها ~~من الوجهة الطبيعية؛ رأينا أنها مجال واسع لمن أراد البحث في طبقات الأرض، وأنواع المعدن ~~والنبات والحيوان، ففي تركيب الصخور وتنوع أشكالها وأوضاعها وما فعلته الزلازل والبراكين ~~والسيول ما يفيد في تطبيق قواعد علم الجيولوجيا ونحوه من العلوم الطبيعية وكشف الكثير من ~~غوامضها، وهناك من أنواع المعادن، والركائز، وصنوف الأنجم، والأشجار، والأعشاب الغريبة، ~~والحيوانات البرية، والأصداف البحرية، ما يفوق الحصر. # ويرى من الاطلاع على تاريخ هذه الجزائر وما نظمه الشعراء في وصفها؛ أنه كان لأكثرها عدة ~~أسماء، منها ما يدل على ما اشتهرت به من الخصائص والمزايا، وبعضها أعلام ميثولوجية، كأسماء ~~الآلهة التي ms38 اختصت بعبادتها في العصور الغابرة، أو هي أسماء رؤساء القبائل التي أغارت ~~عليها واستعمرتها أو الملوك الذين حكموها، وبعضها صفات نعتها بها الشعراء الذين تغنوا ~~بمحاسنها، فغلبت عليها الاسمية، أو هي أسماء مدنها الشهيرة، فأطلقت عليها من تسمية الكل ~~باسم الجزء، ومن الأسماء ما اختلفت في معناه الآراء لما تطرق إليه من المسخ ~~والتحريف. # وفي الوقوف على مآخذ هذه الأسماء وما تدل عليه من المعاني فوائد جمة؛ فهي من الوسائل التي ~~توصل بها العلماء لحل الكثير من معضلات التاريخ واستجلاء غوامضه، ولولا دلالة الأسماء ~~القديمة على مواقع المدن التي درست معالمها، لتعذر على علماء العاديات العثور على ما ~~تحتويه من الآثار الثمينة والذخائر النفيسة. وخلاصة القول أن تلك الأعلام إنما هي خزائن ~~أودع فيها من أسرار العلوم وكنوزها ما لا ينكشف إلا بحل رموزها. # أما تاريخ هذه الجزائر في العصور الخالية، فهو كغيره من تواريخ سائر المدن القديمة تغشاه ~~ظلمات القدم، ولولا ما ورد عنها في أساطير اليونان وقصائد الشعراء، وبعض التواريخ القديمة، ~~وما دلت عليه الآثار، لما عرف شيء عنها؛ ولذلك قد اطلعت على كثير من الكتب القديمة، وما ~~نظمه الشعراء في وصفها، وما ورد فيه ذكرها من المعاجم الكبرى والنشرات العلمية وكتب ~~الجغرافية، ونحو ذلك من المظان، ولم أدخر وسعا في البحث والتنقيب والتحقيق والتدقيق، ~~ولم أقتصر في ما دونته على جغرافية هذه الجزائر وتاريخها، بل ذكرت ما اشتهرت به من ~~الصناعات، ومن نبغ فيها من العلماء والفلاسفة والشعراء، ومساحة كل منها، وعدد سكانها، ونحو ~~ذلك من الفوائد والمعلومات. # وقد حوت هذه الخلاصة تاريخ أشهر الجزائر التي كانت تابعة لولاية بحر سفيد، ومنها الجزائر ~~التي استولت عليها إيطاليا، وهي الجزائر المعروفة «بالدوديكانيز» وعددها 13 (غير رودس) ~~وجزيرة صغيرة اسمها «كاستلوريزو»، وتعرف عند الترك باسم «جزيرة ميس»، وتبلغ مساحة هذه ~~الجزائر بما فيها رودس 2547 كيلومترا مربعا، ومجموع عدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 118000 ~~نفس. # | الجزائر التابعة لدولة إيطاليا # (1) جزيرة استانكوي # Cos # سميت هذه الجزيرة قديما «نمفيا» (من إلاهات ms39 ~~البحار والغابات) و«ميروبس» نسبة إلى «ميروب» رئيس إحدى القبائل التي استعمرتها في ~~العصور الخالية، و«لانجو» سميت بذلك، على ما زعمه بعض المؤرخين؛ لأنها مستطيلة ~~الشكل، وأشهر أسمائها «كوس»، وورد ذكرها بهذا الاسم في أعمال الرسل، إصحاح 21 عدد 1، ~~وأصله «كو» وهو اسم ابنة «ميروب»، الذي تقدم ذكره، ومنه «استانكيو»، وهو من أسمائها ~~القديمة و«استانكوي» الذي عرفت به عند الترك. وهذه الجزيرة أكبر جزائر إيطاليا في بحر ~~إيجه بعد رودس، واقعة في مدخل خليج بودروم (هاليكارناس) في آسيا الصغرى، وهي مستطيلة ~~الشكل كما ترى في الخريطة، طولها 44 كيلومترا، ويختلف عرضها باختلاف الجهات، ومساحتها ~~282 كيلومترا مربعا، وتخترقها سلسلة جبال أعلاها جبل خريستو، ارتفاعه 875 مترا، وعدد ~~سكانها حسب الإحصاء الأخير 16170 نفسا، واشتهرت بخصب تربتها وجمال مناظرها. # وأهم حاصلاتها العنب والتين والزيتون والليمون والبرتقال، وفيها مياه كبريتية حارة ~~ومياه حديدية، أما تاريخها القديم فتغشاه غياهب القدم، وورد عنها في الميثولوجيا روايات ~~كثيرة يضيق المقام عن ذكرها، وقد استولت عليها الأمم التي أغارت على رودس وغيرها من ~~الجزر القريبة منها، وحكمتها بعد اليونان الدولة الرومانية والمملكة البيزنطية وأمراء ~~البندقية وحكومات جنوى، وافتتحها الفرسان (الشفاليه)، وبقيت في حوزتهم إلى سنة 1522م؛ ~~حيث استولت عليها الدولة العثمانية، وقد شاد فيها أولئك الفرسان حصونا منيعة، وهي ~~باقية إلى الآن، ولا تزال عليها شاراتهم، وكثير من النقوش والرسوم والنصوص التاريخية، ~~وليس لهذه الجزيرة شأن يذكر في تاريخ اليونان، ولكنها بلغت أوج الشهرة والفخر بمن نبغ ~~فيها من عظماء الرجال؛ فهي مسقط رأس أبقراط أبي الطب، ووطن أبيل المصور الشهير، وهو ~~أبرع مصوري اليونان على الإطلاق، غير من ظهر فيها من العلماء والفلاسفة مثل أريستون، ~~وهو من أكبر الفلاسفة، وفلياس من أشهر العلماء والشعراء، وكان معلما لبطلميوس ~~فيلادلفوس، وفي هذه الجزيرة شجرة دلب ممتدة الأغصان وارفة الظلال، يقال إنها الشجرة ~~التي كان يجلس تحتها أبقراط، ويجتمع حوله تلاميذه لتلقي علوم الطب، ولهذه الشجرة منزلة ~~سامية عند أهل الجزيرة، وقد بلغ من عنايتهم بها وحرصهم عليها أنهم ms40 سندوا أغصانها ~~الكبيرة بأعمدة من الرخام؛ لئلا تنكسر من عصف الرياح، ولما كانت شجرة الدلب لا تعيش ~~أكثر من خمسة قرون، كما حققه علماء النبات، وقد مضى من عهد أبقراط # 1 # إلى الآن 23 قرنا، فيحتمل أن هذه الشجرة غرست فيما بعد مكان الشجرة ~~الأصلية إحياء لذكرى أبقراط، وكان في هذه الجزيرة هيكل عظيم لأسكولاب إله الطب. ~~(2) جزيرة نيسيروس # Nissyros # ويسميها الترك «أنجرلي» نسبة إلى التين، واسمها القديم «بورفيرس» وهو نوع من ~~الرخام لونه ضارب إلى الحمرة بما يشبه الأرجوان. سمي بذلك لأن لفظة «بورفير» ~~باليونانية معناها الأرجوان، وهذه الجزيرة واقعة بين جزيرة استانكوي التي مر ذكرها ~~وجزيرة إيلياكي، وروى المؤرخون أنها كانت متصلة بجزيرة استانكوي في قديم الزمان، ~~وانفصلت عنها بزلزلة هائلة. وفيها بركان خامد من زمن بعيد، وفوهته على ارتفاع 690 ~~مترا، وأرضها خصبة، ومساحتها 39 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير ~~3160 نفسا، وهي هرمية الشكل، وأعلى قمة فيها ارتفاعها 722 مترا. # وقد اشتهرت هذه الجزيرة بمياهها المعدنية ~~الحارة؛ لما حوته من الخواص في شفاء كثير من العلل والأمراض، ويقصدها الناس من جميع ~~الأقطار للاستشفاء بهذه المياه من الرثية (الروماتزم)، وأمراض المعدة، والأمعاء، ~~والكبد، والطحال، وداء السكر (الديابيطس) والزلال، والنزلات الصدرية المزمنة وغيرها ، ~~ودرجة حرارتها الطبيعية من 37 إلى 50 درجة مئينية (سنتجراد). وقد رأيت أن أذكر هنا ما ~~تحتويه هذه المياه من العناصر لما في ذلك من الفوائد، وخاصة لمن أراد مقارنتها بمياه ~~المدن المشهورة في أوروبا بحماماتها، وهذا بيانها حسب التحليل الكميائي: كبريتات ~~الصودا، كبريتات البوتاسا، الإيدروجين المكبرت، أوكسيد الحديد، كبريتات المغنيزيا، ~~كلورور البوتاسيوم، كلورور الصوديوم (ملح الطعام)، كلورور المغنيزيا، كلورور الكلسيوم، ~~كبريتات الجير، كاربونات المغنيزيا، طفل، حمض بيريتيك. ~~(3) جزيرة بطمس Pathmos # ويسميها الترك «باطنوز»، هي جزيرة صغيرة واقعة على بعد 20 ميلا من جزيرة ساموس ~~(سيسام)، مساحتها 32 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 2550 نفسا، ~~وأعلى قمة فيها ارتفاعها 293 مترا، وهذه الجزيرة صخرية قاحلة، وهي التي نفي إليها ~~القديس يوحنا ms41 الإنجيلي في سنة 94م في عهد الإمبراطور دوميسيانوس، وفيها دير قديم يحتوي ~~على كثير من الكتب اليونانية النادرة، وتحت هذا الدير كهف يظن أن القديس يوحنا كتب ~~فيه سفر الرؤيا. ~~(4) جزيرة كربة # Scarpanto # اسمها القديم «كارباتوس»، وبه سمي الجزء الواقعة فيه جميع جزائر الأسبوراد ~~الجنوبية في بحر إيجه، ومنها رودس، ومن أسمائها القديمة «تترابوليس»، ومعناه ذات المدن ~~الأربع، و«هيباتوبوليس» أي المدن السبع، وهذه الجزيرة صخرية ومستطيلة الشكل كما ترى في ~~الخريطة، وفيها غابات كثيرة ومناجم رخام وحديد وآثار قديمة، واختصت في عهد جاهلية ~~اليونان بعبادة «بوسيدون» إله البحار وهو «نبتون» عند الرومان، وتنحصر صناعة أهلها في ~~الزراعة وإنشاء السفن، مساحتها 277 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير ~~75000 نفس، وأعلى قمة فيها ارتفاعها 1204 أمتار. ~~(5) جزيرة هركيت # Calchi # عرفت هذه الجزيرة عند الإفرنج باسم واحد وهو # Calchi ~~، ولكنهم اختلفوا في رسمه، فورد في الكتب ~~التاريخية والجغرافية وفي الخرائط البحرية القديمة (الراهنامج) على صور شتى وهي # Chalki ~~، # Caravi ~~، # Charci ~~، # Carthi ~~، # Charchi ~~، وهي جزيرة صغيرة واقعة غرب رودس، وعلى ~~مسافة قريبة منها، وهي صخرية وكثيرة الأنجاد والوهاد، وكان فيها هيكل لأبولون، وتربتها ~~خصبة، وليس فيها شيء يذكر من الصناعات، وقد قاسمت رودس في جميع الحوادث التي وقعت ~~فيها، والدول التي استولت عليها، مساحتها 30 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء ~~الأخير 1300 نفس، وأعلى قمة في جبالها ارتفاعها 575 مترا. ~~(6) جزيرة سومبكي # Symi # اختلف قدماء المؤرخين في أصل هذا الاسم، فذهب بعضهم إلى أنه اسم ابنة «ياليسوس» التي ~~اختطفها «غلوكوس» من آلهة البحر، وأتى بها إلى هذه الجزيرة، فسميت باسمها، وقيل إنه ~~اسم زوجة «بوسيدون» إله البحار، وهو نبتون عند الرومان، وورد ذكرها في إيلياذة هوميروس، ~~وتنحصر صناعة أهلها في استخراج الإسفنج، وصيد السمك، وقد اشتهرت هذه الجزيرة قديما ~~بعمل السفن المعروفة بالسمبك، وهي سفن صغيرة سريعة السير، ومنها الاسم الذي عرفت به عند ~~الترك وهو سومبكي، وهي من الجزائر التي استولى عليها الفرسان، وقد شادوا فيها حصونا ~~منيعة ومركزا للمخابرة ms42 بالإشارات مع جزيرة رودس، وقد أنشئ وقتئذ هذا المركز لمراقبة ~~السفن التي تمر من الأرخبيل، وبقيت في حوزة الشفاليه إلى أن احتلتها الدولة العثمانية ~~في سنة 1523. # ومساحة هذه الجزيرة 61 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 7000 نفس. ~~وأعلى قمة فيها ارتفاعها 548 مترا. ~~(7) جزيرة قاشوط # Casos # واقعة بين جزيرة كربة التي تقدم ذكرها وجزيرة إقريطش (كريد)، وهي جزيرة صغيرة صخرية، ~~معتدلة الإقليم طيبة الهواء، واشتهرت قديما بخمرها وعسلها، وليس فيها شيء يذكر من ~~الصناعات، مساحتها 62 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 1760 نفسا، ~~وأعلى جبالها ارتفاعه 520 مترا. ~~(8) جزيرة قاليمنوز # Calimno # ورد اسمها في بعض الكتب القديمة والخرائط على صور شتى، وهي # Calymnos ~~، # Calydna ~~، # Calamo ~~، # Calmine ~~، ~~وهذه الجزيرة من المراكز التجارية الكبيرة، وفيها بعض آثار قديمة من عهد اليونان ~~والفرسان (الشفاليه) ومغاوص للإسفنج، مساحتها 98 كيلومترا، وعدد سكانها حسب الإحصاء ~~الأخير 24000، وأعلى قمة فيها ارتفاعها 685 مترا. ~~(9) جزيرة لريوز # Leros # واقعة بين جزيرة «لبسوس» وجزيرة «كاليمنوز» التي تقدم ذكرها، (انظر الخريطة) وليس ~~لهذه الجزيرة غير اسم واحد وهو «ليروس» ويكتبه الترك «لريوز»، وقد اشتهرت باعتدال ~~إقليمها وطيب هوائها وصفاء جوها وعذوبة مائها وتنوع مناظرها، ويقصدها الناس في الصيف من ~~جميع الأقطار، وقد بني فيها من عهد قريب فندق كبير على أحسن طرز وأتم نظام، ~~مساحتها 63 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 4000 نفس، وأعلى قمة في جبالها ارتفاعها 380 ~~مترا. ~~(10) أوسترباليا # Slampalia # واقعة غربي جزيرة «استانكوي» التي تقدم وصفها، وذكرت هذه الجزيرة في بعض الكتب ~~القديمة باسم «إستيباليا» و«أستروباليا»، وهي جبلية، وأعلى قمة فيها ارتفاعها 500 ~~متر. # استولى عليها أمراء البندقية في سنة 1207م. وافتتحتها الدولة العثمانية في سنة 1522، ~~وبقيت في حوزتها إلى أن احتلها الطليان، مساحتها 95 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب ~~الإحصاء الأخير 1370 نفسا. ~~(11) جزيرة إيلياكي Piscopi # واقعة بين جزيرة هركيت وجزيرة «أنجرلي» (نيسيروس)، وقد تقدم ذكرهما، وكانت تسمى ~~قديما «تيلوس» # Telos # أو # Tilos ~~، وهي جزيرة صغيرة مستطيلة الشكل، وفيها قلعة ~~قديمة قائمة على ms43 جبل في الجهة الغربية منها، وحكمها بعض أمراء البندقية في القرن الثالث ~~عشر، ثم استولى عليها الفرسان (الشفاليه) وبقيت في حوزتهم إلى أن افتتحتها الدولة ~~العثمانية، ثم احتلتها إيطاليا. ومساحتها 63 كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء ~~الأخير 1160 نفسا، وأعلى قمة في جبالها ارتفاعها 600 متر. ~~(12) جزيرة لبسوس # Lipsos # واقعة شرقي جزيرة «بطمس» وشمالي جزيرة «لريوز»، وقد تقدم ذكرهما، وكانت تسمى قديما ~~«لبسيا» # Lepsia # وهي جزيرة صغيرة ليس لها شأن يذكر ~~في التاريخ، واشتهر أهلها في فلاحة الأرض وصيد السمك، وأهم حاصلاتها التبغ، مساحتها 16 ~~كيلومترا مربعا، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 560 نفسا، وأعلى قمة فيها ارتفاعها ~~275 مترا. ~~(13) جزيرة ميس # Castellorizo # ويسميها الطليان # Castelrosso ~~، ومعناه القصر ~~الأحمر، وكانت تسمى قديما «ماجست» # Megiste # وهي جزيرة ~~صغيرة قريبة من بر الأناضول، وتنحصر صناعة أهلها في إنشاء السفن واستخراج الإسفنج ~~والملاحة، واستولى العرب على هذه الجزيرة في سنة 888م ثم الفرسان (الشفاليه)، وبنوا ~~فيها حصونا منيعة، وبقيت في حوزتهم إلى أن افتتحها العثمانيون، واحتلتها إيطاليا في ~~سنة 1912، وترتدي نساؤها ثيابا من الطرز الشرقي القديم، تشبه ملابس الألبانيين ~~(الأرناؤد)، مساحتها 9 كيلومترات مربعة، وعدد سكانها حسب الإحصاء الأخير 2740 نفسا، ~~وأعلى قمة في جبالها ارتفاعها 252 مترا. # | أشهر الجزائر التابعة لدولة اليونان في بحر إيجه # (1) جزيرة مدللي # Mitylène # هذه الجزيرة من أعظم وأشهر جزائر بحر إيجه، واقعة على ساحل آسيا الصغرى بين جزيرة ~~«ساقز» جنوبا وجزيرة «تندوس» (بوزجه) شمالا، وهي أكبر من رودس، مساحتها 2870 ~~كيلومترا مربعا، وعدد سكانها 140540 تقديرا، وورد ذكرها في أعمال الرسل فصل 20 عدد ~~14، ومن الروايات التي تناقلها المؤرخون عن هذه الجزيرة أنها كانت متصلة ببحر آسيا ~~وانفصلت منه بفعل البراكين التي ثارت في قديم الزمان، ودفعت أمواج البحر الأسود بشدة ~~عظيمة، فطغت على بحر إيجه وخسفت جزءا منها، وأن الجزر الصغيرة التي في جوارها إنما هي ~~قمم جبالها التي غاصت وقتئذ في لجج البحر، ولهذه لجزيرة عدة أسماء، منها «إيسا» # Issa # وهو اسم أحد مدنها ms44 القديمة، سميت به من إطلاق ~~الجزء على الكل، ولما نزل بها البلاسجة سميت «بلاسجيا» نسبة إليهم، ثم سميت ~~«ماكاري» # Macarie # باسم أحد ملوكها، ولما خلفه في ~~الحكم زوج ابنته ليسبوس # Lessbus # سميت باسمه ~~«ليسبوس» وهو الاسم الذي اشتهرت به في عهد اليونان، ومن أسمائها القديمة «هيمرت» # Himerte # لانهماك أهلها في الترف والخلاعة، ~~و«لاسيا» # Lassia # لكثرة الغابات فيها، و«أثيويا» # Ethiope # نسبة إلى الأمازون الذين حكموها على ما ~~يظن في قديم الزمان، وأصلهم من إثيوبيا، و«أجيرا» # Egira # باسم أحد مدنها الشهيرة، واسمها الحديث متيلين # Mitylène ~~، ومنه مدللي الذي عرفت به عند الترك. # ويخترق هذه الجزيرة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب سلسلتان من الجبال. وقد ~~اشتهرت باعتدال إقليمها وطيب هوائها وجودة أثمارها. وأهم حاصلاتها العنب والتين ~~والزيتون، وفيها عيون عذبة وغابات واسعة، ومناجم رخام، ويوجد فيها العقيق، وحجر ثمين ~~أسود، يسمى ليسباس نسبة إليها، وامتازت بخمرها وقد امتدحه الشعراء، وكان يضرب به ~~المثل فيقال «خمر لسبوس»، كما يقول العرب «خمرة بابل»، واشتهرت نساؤها بالجمال، وكان ~~فيها هيكل لأبولون، وكانت تجتمع فيه الحسان من ربات الحجال مرة في السنة للمباراة ~~والتنافس بمحاسنهن، ومن حازت منهن قصب السبق على أترابها في هذا المضمار كانت تكلل ~~بإكليل من الغار، وهو رمز الفخر والانتصار. # وفي هذه الجزيرة ينابيع معدنية لها خاصية في شفاء الكثير من العلل والأمراض، بعضها ~~درجة حرارته الطبيعية 76 درجة مئينية (سنتجراد)، وفي هذه الجزيرة آثار قديمة، وقد أصبحت ~~محطا لرحال علماء العاديات الذين يفدون إليها من جميع أنحاء أوروبا وأمريكا للبحث ~~والتنقيب عما حوته أطلال مدنها القديمة من الآثار النفيسة والذخائر الثمينة، وأقدم هذه ~~المدن كانت بالقرب من المدينة التي تسمى الآن «كاسترو» # Castro ~~. # أما تاريخها القديم فهو كغيره من تواريخ المدن القديمة، تحجبه ظلمات القرون الخالية ~~وتغشاه الظنون والأوهام. وأقدم من استوطنها، على ما وصل إليه البحث، هم البلاسجة، وجاء ~~بعدهم الأيوليون، وروى بعض المؤرخين أنه في أثناء حروب طروادة نزل بها عولوس ومن كان ~~معه من اليونانيين، وأن ms45 مينيلاس أتى إليها مع ديوميدس بعد تلك الحرب، وهي من الجزائر ~~التي استولى عليها الفرس والرومان والدولة البيزنطية وإسكندر المقدوني، وحكمتها جمهورية ~~البندقية وحكومة جنوى، وأغار عليها العرب وافتتحوها واستولت عليها الدولة ~~العثمانية. # ونبغ في هذه الجزيرة طائفة كبيرة من العلماء والشعراء والفلاسفة والمؤرخين وأرباب ~~الفنون، أشهرهم «بيتاكوس» الفيلسوف، وهو أحد الحكماء السبعة الذين هم أساطين الحكمة، ~~ولد فيها سنة 649، وتوفي سنة 569ق.م، و«ثيوفراست» من كبار الفلاسفة، قيل إنه ألف ~~نحو 200 كتاب في جميع العلوم والفنون، وهيلانيكوس من أشهر المؤرخين، ولد سنة 496، ~~وتوفي سنة 415ق.م، ومرتيل المؤرخ الكبير، ومن مؤلفاته تاريخ هذه الجزيرة، و«هرمياس» ~~وله تاريخ عن جزيرة صقلية (سيسيليا) من أقدم الأزمنة ~~إلى سنة 376ق.م، و«هراقليط» وله تاريخ كبير عن مقدونية، و«ثيوفانوس» وكان مؤرخا ~~وشاعرا ومن كبار رجال السياسة، و«خارس» مؤلف تاريخ إسكندر المقدوني، وهو في عشرة كتب، ~~ومن الشعراء الذين نبغوا في هذه الجزيرة «ثرباندر»، ولد سنة 676ق.م، وقد برع في فن ~~الموسيقى، وقيل إنه هو الذي أضاف ثلاثة أوتار إلى العود، وكانت قبلا أربعة أوتار، ~~و«أريون» من أشهر الشعراء والموسيقيين، و«ألسيه» الشاعر الكبير # Alcee # الذي افتتن بحب «سافو» # Sapho # الشهيرة، وهي من أهل هذه الجزيرة، ولدت سنة 621ق.م، وتعد ~~أكبر شاعرة على الإطلاق، ولها فنون مبتكرة في النظم والموسيقى، ولشهرتها نقشوا صورتها ~~على بعض المسكوكات، ووضعوا تمثالها في أحد الهياكل وسموها بنت أبولون العاشرة؛ لأنه كان ~~له تسع بنات، هن ربات الفنون الجميلة، وممن اشتهروا في الحفر والتصوير «ليسباتينوس»، ~~وهو من أهل هذه الجزيرة. ~~(2) جزيرة ساقز # Chio # من أسمائها القديمة «أوفيوزا» ومعناه جزيرة الحيات؛ لأنها كانت كثيرة الحيات قبل ~~استعمارها «وبيتيوزا» نسبة إلى شجر الصنوبر؛ لأنه كثير فيها، و«أثاليا» لحرارة ~~إقليمها، أما الاسم الذي اشتهرت به هذه الجزيرة فهو «كيو» # Chio ~~، وهو مختزل من اسم # Chione ~~، بنت ~~«أونوبيون» أول ملوكها، وقيل إنها سميت باسم ابنها من زوجها أوريون، وكان اسمه «كيو» ~~ومعناه الثلج؛ لأنه ولد في يوم قر، وذهب بعضهم إلى أنه لفظة سريانية معناها المصطكى ms46 ~~لكثرتها في هذه الجزيرة، كما سماها الترك «ساقز» والعرب «جزيرة المصطكى». # وقد اشتهرت هذه الجزيرة بطيب هوائها وخصوبة تربتها وجمال مناظرها، وفيها مناجم حديد ~~وأنواع من المرمر النفيس المختلف الألوان، وحجر اليشب، وأهم صادراتها العنب والتين ~~والبرتقال والليمون واللوز والمصطكى والحرير والصوف والزيت والنبيذ، وهي من المدن السبع ~~التي زعمت أنها مسقط رأس هوميروس، أكبر شعراء اليونان، وهذه المدن هي: أزمير، وقولوفون، ~~وسلامين، وأرغوس، ورودس، وأثينا، وساقز. # وقد اشتهر نساء هذه الجزيرة بالجمال، ونبغ فيها كثير من الفلاسفة والعلماء والشعراء ~~والمؤرخين، وكان فيها مدرسة مشهورة، ومكتبة تحتوي على 12000 مجلد من أنفس الكتب، وعلى ~~نقودها القديمة صورة أبي الهول ذي الجناحين وأمامه عنقود عنب أو إناء خمر، وهما رمز ~~الخصب والنماء. وأقدم من استوطنها من الأمم طائفة البلاسجة، وقد وفدوا إليها من تساليا. ~~ودلت الآثار على أن الفينيقيين استعمروها في قديم الزمان. وفي أواسط القرن الثاني عشر ~~قبل المسيح استوطنها اليونانيون. وهي من الجزائر التي استولى عليها الفرس في عصر ~~داريوس، وبقيت في حوزتهم إلى أن افتتحها إسكندر المقدوني في سنة 333ق.م، وآل أمرها إلى ~~خلفائه من بعده، ثم استولت عليها الدولة الرومانية، ووقعت فيها حروب كثيرة وتداولتها ~~فيما بعد أيدي الدول التي حكمت هذه الجزائر، مثل جمهورية البندقية وحكومة جنوى، ثم ~~استولت عليها الدولة العثمانية، وفي سنة 1595م، أرسل فرديناند أمير توسكانا إلى هذه ~~الجزيرة أسطولا كبيرا بقيادة الأميرال الشهير فرجينيو أورسينو، فحاصرها واستولى ~~عليها، وفي أثناء ذلك هبت عاصفة شديدة ألجأته إلى الرحيل، فترك في قلعتها 500 رجل، وعاد ~~بالأسطول فهجم الترك على هؤلاء الرجال، وأعملوا فيهم السيف حتى أفنوهم عن آخرهم، وعلقوا ~~رءوسهم فوق أسوار المدينة، وفي سنة 1694 استولت عليها جمهورية البندقية، ثم عادت إلى ~~الدولة العثمانية، ويبلغ عدد سكانها بوجه التقريب 74000 نفس. ~~(3) جزيرة ليمنى # Lemnos # سميت قديما «أثاليا» ومعناه الملتهبة؛ لوجود بركان فيها، و«ديوسبوليس» أي ذات ~~المدينتين؛ لأنه كان فيها مدينتان مشهورتان هما «هيفاستيا» و«ميرين»، ومن أسمائها ~~«هيبسبيل»، وهو اسم بنت «ثولس» أحد ملوك ms47 هذه الجزيرة و«فولكانيا» نسبة إلى «فولكان» ~~إله الجحيم، وهي من أكبر جزائر بحر إيجه، ومساحتها 600 كيلومتر مربع، وعدد سكانها 29000 ~~تقديرا، وهي واقعة شرقي الجبل المسمى «أجيوس أوروس» أي الجبل المقدس، من جبال الروم ~~إيلي وهو المشهور في كتب الجغرافية باسم «جبل أثوس»، وقبيل الغروب يمتد ظل هذا الجبل ~~وينتشر على الجزيرة لارتفاعه ووقوعه غربيها، وكان في هذه الجزيرة تيه (لابرنت) وهو سرب ~~تحت الأرض متشعب المسالك، وكان يوجد مثله في مصر وإيطاليا وجزيرة إقريطش (كريد)، وقال ~~بلينوس إن لابرنت جزيرة ليمنوس يمتاز عن نظائره الثلاثة بمتانة بنائه، ووجود 150 ~~عامودا فيه، وقد درست معالمه ولم يبق له أثر الآن. # وفي هذه الجزيرة عيون معدنية حارة درجتها الطبيعية من 38 إلى 40 درجة مئينية ~~(سنتجراد) ولها خواص في شفاء الأمراض الجلدية والعصبية. ~~(4) جزيرة بوزجه # Tenedos # ورد ذكر هذه الجزيرة في أشعار هوميروس وفرجيليوس، وكانت تسمى قديما «ليرنيسوس» ~~و«فينيقه»، وهذا الاسم يدل على أن الفينيقيين وفدوا عليها، واستعمروها في قديم الزمان، ~~وسميت «تندوس» باسم «تنيس» أحد ملوكها القدماء، وقيل إنه كان من ملوك صيدا في القرن ~~الرابع عشر قبل المسيح، وهذه الجزيرة واقعة تجاه بوغاز الدردنيل الذي يصل بحر مرمره ~~ببحر إيجه؛ ولذلك سماها الترك «بوغاز آطه سي» أي جزيرة البوغاز، وهي صغيرة ومستطيلة ~~الشكل طولها 9 كيلومترات، ومتوسط عرضها 5 كيلومترات، وأهم حاصلاتها العنب، واشتهرت ~~قديما بخمرها، وعدد سكانها 6000 نفس تقديرا، وكان فيها مدينة عامرة تسمى «أيوليس»، أو ~~«أيوليكا»، ومعبد عظيم لأبولون، وهي من الجزر التي استولى عليها الفرس وإسكندر المقدوني ~~والرومان والعرب وأمراء البندقية، ثم افتتحها السلطان محمد الفاتح، وفي سنة 1656م عادت ~~إلى حكم البندقية، وفي سنة 1657 استرجعتها الدولة العثمانية، وبقيت في حوزتها إلى أن ~~احتلتها اليونان، وعدد سكانها 6000 نفس بوجه التقريب. ~~(5) جزيرة قاريوط # Icaria # سميت أولا «إيكاروس» ثم «إيكاريا» أو «نيكاريا» نسبة إلى «إيكار» ابن «ديدال»، ~~وورد في الميثولوجيا (أساطير اليونان) أن «ديدال» كان مهندسا بارعا، وهو الذي بنى في ~~جزيرة إقريطش (كريد) ms48 اللابيرنت (التيه) المشهور، وتطلق لفظة ديدال مجازا في أكثر ~~اللغات الإفرنجية على أي طريق ذي شعاب، أو أي مأزق أو مضيق، ومن أسمائها القديمة ~~«إيكتيسيا» أي جزيرة السمك، وهي واقعة غربي جزيرة ساموس (سيسام)، وهي صخرية وتخترقها ~~طولا سلسلة جبال، وفيها غابات صنوبر وبلوط ومناجم ذهب وينابيع معدنية، وقد اشتهرت بطيب ~~هوائها واعتدال إقليمها، وليس لها شأن يذكر في التاريخ، وهي من الجزائر التي استولى ~~عليها الفرسان (الشفاليه)، وبقيت في حوزتهم إلى أن افتتحتها الدولة العثمانية، واشتهر ~~أهلها في الملاحة وصيد الإسفنج، ويجلب منها الفحم المشهور بالقاريوطي نسبة ~~إليها. ~~(6) جزيرة أمبروز # Imbros # وسميت في بعض الكتب «لمبروس»، وهي جزيرة صغيرة مستطيلة الشكل، واقعة شمالي جزيرة ~~«تندوس» (بوزجة)، طولها نحو 30 كيلومترا، ويختلف عرضها باختلاف شكلها، ومعظمه طوله 16 ~~كيلومترا، وهي صخرية وفيها معادن ذهب ورصاص ومناجم فحم حجري وآثار قديمة، وعدد سكانها ~~5000 نفس بوجه التقريب. ~~(7) جزيرة إبصاره # Ipsara # ورد ذكرها في الكتب القديمة باسم «بسيرا» وسماها هوميروس «بسيريا»، ثم عرفت باسم ~~إبسارا أو بسارا، والترك يكتبونها «إبصاره»، وهي جزيرة صغيرة واقعة شمالي جزيرة ساقز، ~~وغربيها جزيرة أصغر منها تسمى «أنتي بسارا»، وبعض جزر أخرى صغيرة، وهي معتدلة الإقليم ~~طيبة الهواء، وعدد سكانها 560 تقديرا. ~~(8) جزائر فورنوز # Fournis # واقعة بين جزيرة قاريوط وجزيرة ساموس (سيسام)، وهي عدة جزائر صغيرة ليس فيها ما يهم ~~ذكره، وتقتصر صناعة أهلها على تربية الأغنام وعمل الفحم والجبن وصيد السمك، وفيها معادن ~~رخام. ms49