######OpenITI# #META# URI: 1450HaniSalimi.Massa.Hindawi53192524 #META# Tags: novels #META# ID: 53192524 #META# Title: ماسة #META# AuthorID: 42508082 #META# Author: هاني السالمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ستون لوزة‏ # بدون إزعاج‏ # محاولة‏ # بلوتو‏ # تشبه الوردة‏ # مسيل للدموع‏ # موسم المشمش‏ # ماسة‏ # كلية صناعية‏ # قداسة منتصف النهار‏ # القماش الأبيض‏ # وجع في بطني‏ # كالونيا خمس نجوم‏ # البالون‏ # الضحك‏ # إيطاليا قريبة جدا‏ # النوم‏ # ظلان جديدان‏ # السوق‏ # دخل جدي ذكريات الدفتر الملون‏ # ستون لوزة‏ # بدون إزعاج‏ # محاولة‏ # بلوتو‏ # تشبه الوردة‏ # مسيل للدموع‏ # موسم المشمش‏ # ماسة‏ # كلية صناعية‏ # قداسة منتصف النهار‏ # القماش الأبيض‏ # وجع في بطني‏ # كالونيا خمس نجوم‏ # البالون‏ # الضحك‏ # إيطاليا قريبة جدا‏ # النوم‏ # ظلان جديدان‏ # السوق‏ # دخل جدي ذكريات الدفتر الملون‏ # | ماسة # | ماسة # تأليف # هاني السالمي # | ستون لوزة # صباح قاس مر على جدي، ركض مسرعا، حافيا، بملابس النوم، ولم ~~يضع طاقيته البيضاء فوق رأسه؛ بل حمل فأسه الصغيرة، وركض. كان أسرع ~~من خيل المعركة، يضبح من القلق والخوف. # كلما تقدم مترا في الركض، زاد عدد المنضمين إليه. أبي ~~وعمي، يركضان أيضا خلفهم بأمتار بلباس النوم. # أنا وأولاد عمي نركض مثلهم، ولكن لا نعلم لماذا؟ # كم كان جدي سريعا! نراه، ولكن لا نستطيع اللحاق به، أنت ترى ~~الغيوم، ولكنك لا تلمسها، جدي مثل غيمة السماء، لا يمكن أن ~~تلمسها، ولكنها تلمسك بالمطر، أو بمنظرها الجميل. # فجأة هرول عدة خطوات، ثم توقف، وسقط حين وصل إلى مزرعة الكرنب، ~~التف حوله أبي وعمي، وأنا وأولاد عمي. رجال الشارع لم يقتربوا؛ بل ~~اكتفوا بالتمتمة، وصفعوا الكف بالكف تحسرا على جدي. # وقف مرتكزا على فأسه، وأشار بيده إلى ناحية الشرق، وأخذ يصيح: «هذا ~~الشيطان الذي سلب روح أرضي، بل امتص أرواحنا؛ إنه شيطان وقح أخذ ~~مزرعتنا، وظل واقفا، كأنه يتحدانا، سأحطمه، بفأسي، بجسدي ~~...» # حاول أن يهجم على الشيطان، ولكن في هذه اللحظة حضنه أبي، فصار ~~يتموج، ويصارع أبي ليفلت منه، ويهجم على الجدار الذي قسم ~~مزرعتنا إلى نصفين. # أبي وعمي حملا جدي إلى أقرب ظل شجرة. # زرع جدي أشجار اللوز حول المزرعة، وأذكر مشهد أشجار اللوز، وهي ~~تلف المزرعة كأنها راقصات باليه، ترقص لثمرة الكرنب. في مزرعتنا ~~ستون شجرة، كلما احتفل جدي وجدتي بيوم زواجهما زرعا ms01 شجرة، ~~وكلما أنجبا طفلا احتفلا بزراعة شجرة أخرى، وأغلب ما زرع على محيط ~~مزرعتنا أشجار اللوز. # زرع جدي كل ثمار الأرض الموسمية، وكانت جدتي ملهمته في ~~اختيار ما يزرع، تشير عليه بزراعة نوع الثمرة. في بادئ الأمر كان ~~جدي يرفض، لأن في اعتقاده: «كيف أرد على امرأة؟» # ثم يوافق نهاية الأمر؛ لأن المشاورات تكون قبل مناسبة عيد الزواج ~~بأيام، فيقبل جدي بالأمر، ويهدي المزرعة شجرة جديدة، شجرة ~~لوز، بالإضافة إلى زراعة الثمرة التي اختارتها جدتي للموسم ~~الجديد. # | بدون إزعاج # جدتي تحب الهدوء، وأكثر عبارة كانت ترددها: ~~«بدون إزعاج.» # يا الله، كم كانت تحب الهدوء! حبها للهدوء جعلها منظمة جدا، ~~وكل شجرة كانت تعتني بها، تحولها إلى سيدة أنيقة فريدة، لها ~~طراز خاص جدا. ثمار وشجيرات جدتي مميزة عن غيرها أيضا، وهي مثال ~~للهدوء في البلدة. # هدوءها علمها كيف تتأمل، وتتنبأ ببعض الأشياء بحاستها ~~السادسة. تشعر بقدوم الماء بالخراطيم قبل وصولها إلى المزرعة. في ~~الصباح ترتدي ثيابا ثقيلة، رغم أن الجو مشمس، وحين يقول لها جدي: ~~«الجو حار، هل أنت مجنونة تلبسين ثيابا ثقيلة؟» # تبتسم، وترد بهدوء: «البرد قادم يا عزيزي، أنا أشمه قبل أن ~~يحضر، كعطر زهرات الأشجار.» وآنذاك يصمت جدي، ولا يدري بم ~~يرد. # كان هدوءها، وتأملها يساعدانها في الانتصار على جدي. في ذاك ~~اليوم أصبح الجو باردا جدا، وشعر جدي بقشعريرة شديدة. # ضحكت جدتي منه، وقالت: «ألم أقل لك إن البرد قادم؟» فيرد ~~جدي: «غير معقول ما يحدث معك!» # جدتي هي الوحيدة في البلدة التي شعرت بموتها دون الآخرين؛ فقد ~~وقفت أمام الشباك الحديدي في مؤخرة البيت قائلة: «أشعر بصوت مزعج ~~قوي سيدمر مزرعتنا، الصوت له ذراع طويلة، وأشعر أني حينها سوف أموت، ~~يا الله ما هذا الصوت الذي يصعب التعرف عليه؟!» # حدث ما تنبأت به، جاء الصوت المزعج، صوت آليات وجرافات كبيرة ~~جدا وضخمة، زرعت جدارا كبيرا من الإسمنت طوله سبعة أمتار، قطع ~~أشجار اللوز، وشطر مزرعتنا إلى نصفين. # ركضنا إلى غرفة جدتي، لنخبرها بما حدث. كانت ms02 تحتضر وتضع ~~أصابعها في آذانها، وكانت تردد: «بدون إزعاج، بدون إزعاج، إلى ~~الهدوء، إلى الهدوء ...» وماتت قبل أن ترى الجدار. # في ذلك الوقت أصر جدي أن يدفنها في المزرعة بعد الجدار، تحت ~~أول شجرة لوز، أول هدية زواجهما. العائلة والجيران، تعجبوا ~~مما سمعوا من جدي. # قال الرجال في البلدة: «هذا موت، كيف ندفنها هناك؟ سوف يموت من يقترب ~~من الجهة الأخرى، هذا صعب، هذا جنون.» # اقتربت إحدى صديقات جدتي قائلة: «هناك طريق مختصر للدخول من بين ~~فتحات في الجدار إلى الجزء الآخر من مزرعتكم.» # نهض الجميع من أماكنهم، ولم يناقش جدي المرأة، بل حمل جثمان جدتي، ~~بمساعدة أولاده، ومشوا خلف المرأة، دخلوا من فتحة في الجدار بعرض ~~مترين، وبارتفاع ثلاثة أمتار ليكون بها برج مراقبة للجنود. دخل جدي ~~وأولاده وبعض الرجال بسرعة، كأنهم يهربون من سرب دبابير. # دفنت جدتي في حفرة سطحية تحت أول شجرة لوز. وقبل أن يغادروا ~~المكان وقف جدي ينظر إلى الأشجار، ويتحسس أوراقها، ويمسح الغبار، ~~وآثار الإسمنت والحجارة عنها، فأمسك أبي يده قائلا: «لا وقت للحنين، ~~هناك صوت دبابة قادمة.» # رغبت جدتي أن يزرع الكرنب في المزرعة الموسم القادم، وكان جدي ~~مترددا، ولكن حين ماتت جدتي زرع الكرنب، وما زال يزرعه إلى يومنا ~~هذا. # | محاولة # بعدما حملا جدي إلى ظل الشجرة، كان قفصه الصدري يرتفع، ويهبط ~~بصورة غريبة، تعبا وغيظا مما حدث لمزرعتنا، وما أحدثه الجدار ~~فيها. # قال أبي: «يا أبي خفنا عليك.» # فقال جدي: «لو تركتموني أحطم الجدار، بفأسي، برأسي، هو من قتل ~~مزرعتنا، أمكم لم تمت إلا منه، حين شعرت أنه سوف يبعدها عن أول ~~أشجارها التي زرعناها معا، وسوف تختفي عن نظرها مرضت، ~~وماتت.» # صمت الجميع، وتعرق جدي بغزارة في مشهد أرعبني من فكرة الموت، ~~الخسارة، القهر، الضعف. # التفتنا إلى الجدار في لحظة واحدة بغضب واشمئزاز، كأن الجدار صغر ~~وبدأ يتلاشى. تعلمت آنذاك أنك عندما ترفض شيئا، أو تغضب عليه بحق، ~~يبدأ بالتلاشي والاختفاء من داخلك، مهما كان عظيما ومخيفا في نظر ~~الآخرين ms03 . الرفض والغضب أول درجات العقاب. # كل شيء يأتي خطوة خطوة، الصراخ أول الأشياء، المطر أول ~~الشتاء، ولكن هذا الشيء الطويل الإسمنتي جاء دون سابق ~~إنذار. # ظل جديد يستمتع بأرض المزرعة لا يفارقها، ظل ثقيل علينا، يركض ~~ويلعب بين أشجارنا. نحن نكره هذا الظل الجديد القاتم، الذي يمتص ~~معادن ومياه مزرعتنا، ويحبسها. # وقف جدي في ذاك الوقت، وصار يلوح في الهواء بيده، كأنه يقاتل ~~الجدار، يحمله، يركله، يحطمه، ويبتسم، ويقول: «هل تشاهدين ذاك الزائر ~~الرمادي الوقح؟ وهل تعرفين ذاك المجهول الذي ينقر بأصابعه النحيلة ~~أبوابنا كلما هبط الظلام؟ هل ترين ذاك المدى الشاسع الذي يبتلعه من ~~فضاء هوائنا؟ هذا الجدار سيأتي لنا بالخفافيش. انظري إلى ~~ذاك الرمادي، هل تعرفين من يكون؟ إنه الحزن حين يفرض نفسه علينا! ~~لا تنظري إلى عينيه، ولا تصغي إلى صوت ضعفك، وإلى أصوات الوهم من ~~حولك.» # لم أسمع صوت جدي في هذه اللحظة، لم يقل شيئا، لم ينطق كلمة، لكني ~~تعمدت الإصغاء إلى قلبه، وسمعت كل شيء. # خيل إلي وهو واقف أمامي، أنه الدون كيشوت، الذي استمر زمنا ~~طويلا يحارب طواحين الهواء بعد أن اختار لنفسه هيئة فارس، ولم يتمكن ~~من الانسجام مع واقعه، وذهب في مغامرات وهمية لمحاربة ~~الشر. # لكن جدي لن يذهب بعيدا، وسيحارب معنا هذا النزيل ثقيل ~~الدم. # سنحارب طواحين الهواء، عندما نقف أمامها، ونجعلها وهما، وستمضي، ~~وستنمو في أعماقنا، وفي جلودنا أحلام رحيلها عنا، ولن نغفل عن رؤية ~~الحقيقة حين تكسوها ألوان العتمة. # أيها الجدار! اليوم أخذت نصف مزرعتنا، وجدتي، لو غفلنا ستأخذ ~~هويتنا وأحلامنا. سنصبر ونشهر سيوفنا لنحمي ذاك النقاء من ~~الغربان التي تفترس ضوء النهار، وتلبس أقنعة الخداع. # | بلوتو # جدتي كنز تحت الأرض، جدتي كل الثروات، لو نقصت مساحة الزراعة ~~لزرعنا مساحات الذاكرة وسهول حبها. # طقم الأسنان السفلي، الخاتم الذهبي، كيس الحناء الكستنائي، ~~المنديل المطرز بخيوط الحرير الزرقاء، علبة الكحل النحاسية، مشط ~~العاج، بقايا العطر في علبة الألمنيوم، المرآة الصغيرة المكسرة ~~الأطراف، العقد الفضي الرفيع، والصورة القديمة لجدتي. هذه الصورة ms04 ~~التقطت لجدتي حين أصدرت لها بطاقة شخصية، لم يحدد عمر جدتي ~~ولا جدي. كانا يقولان ولدنا بعد الثلج، وجدتي تقول ولدنا ~~أيام الإنجليز في بلادنا. جدي يصر أنه كان يرى أباه، وهو جندي ~~في عهد تركيا، ولكن حين أصدرت بطاقات الهوية، وضع لجدتي سنة ~~الولادة ألف وتسع مائة وثلاثون. # كل هذه الأشياء، آخر ما تبقى منها، متروكة فوق كرسي قش فاخر. ~~هذا الكرسي لم يعرف صانعيه أيضا، ويبدو أنه قديم جدا من ازدحام ~~المسامير في أخشابه. # قبل أن يغادر جدي غرفته، يقف أمام أشيائها، كأنه عابد هندوسي ~~يصلي. # قرر أن يزرع الموسم القادم القريب بعد شهر تقريبا، الكرنب الذي ~~لم يزرعه أبدا خلال حياة جدتي. والسبب أنهما بينما كانا يبيعان ~~الخضراوات في إحدى الأسواق، وقفت جدتي مع سيدة يهودية، وكانت تضحك ~~معها، حينئذ غضب جدي. # قالت له جدتي: «هي يهودية من المغرب، وعاداتهم مثل عاداتنا في ~~الطعام واللبس والضحك والحب، هؤلاء جيراننا بالقرب من مزرعتنا، والجار ~~يصبح قريبا جدا في يوم من الأيام.» # لم يعجبه ما قالت، وفي نفس الوقت طلبت منه جدتي أن يزرع الكرنب، ~~فرفض بشدة عقابا لجدتي، ولم يزرعه أبدا. # بعد وفاتها حرص أن يفعل كل شيء كانت تريده في حياتها، فقرر زراعة ~~الكرنب. # الكل يقف الآن وسط ما تبقى من المزرعة، المساحة صغيرة، ولكن لا بأس ~~في زيادة الحب في العائلة، وقرب بعضنا من بعض، وتحمل تعب ~~الزراعة. # مساحة الأرض المتبقية مستديرة، ولونها بني خفيف، كوجه جدتي، ~~وتربتها ناعمة وخشنة. # بدأنا أنا وأبي وعمي وأولاده نحرث المزرعة بالفئوس، ونجهز ممرات ~~في التراب. وكلما انتهينا من حرث جزء، أضحى يشبه جديلة جدتي ~~الكستنائية اللون، وكلما أنجزنا أكثر طرزنا تراب المزرعة كنقشات ~~ثوبها. # عملنا، ضحكنا، مسحنا عرقنا. جدي وحده كان ينظر خلف الجدار، ~~كأنه يرسل إلى جدتي رسالة في قبرها: «نحن سنزرع الكرنب كما ~~أردت.» # كان ينكش التراب قبل أن يصل إلى الجدار بمتر، ويتوقف، ويرفع يديه ~~للسماء، ويقول: «يا الله! اشتقت لباقي أرضي، ولها يا الله!» # | تشبه ms05 الوردة # لا بد أن يسافر جدي عشرين كيلومترا لجلب شتلات الكرنب، والكل ~~يظن أن عشرين كيلو مسافة بسيطة، ولماذا سيسافر؟ في بلادنا الصغيرة، ~~البلدات قريب بعضها من بعض، وكل شيء حولك، ولكنك لا تضمن الرجوع في الوقت المحدد؛ فالحواجز منتشرة بين كل ~~قرية وقرية، بين كل مدينة ومدينة، بين كل جسد وجسد، وبين كل حاجز وحاجز ~~هناك حاجز. # المشكلة الخطيرة في الحواجز أنك مرتبط بمزاج الجندي على الحاجز، إذا ~~كان مزاجه جيدا مع حبيبته شعرت بمرونة الحاجز، كأول قبلة في الحياة، ~~كطعم الماء المثلج في يوم حار جدا، سهل الحركة، وأغلب الناس ~~الذين يمرون على الحاجز يقولون: «والله إن الجنود اليوم أحسن ~~ناس.» # بالمقابل تبكي مئات الناس على الحواجز إن كانت أصول الجندي عربية. ~~فلو كان من بلاد المغرب، أو من العرب الذين بقوا في بلادهم، لكان يوم ~~الحاجز أسود طويلا، يلعن الناس أنفسهم، ويندم الجميع على خروجهم من ~~البيت في هذا اليوم. # الناس في العادة ينتظرون أوقاتا طويلة للحصول على شيء جيد، من ~~مال، وسفر، أو عودة حبيبة، ولكننا ننتظر على الحواجز؛ لنعود إلى بيوتنا ~~فقط. # علمتنا الحياة أن نكون ماسوشيين، نكرر الذهاب إلى الحواجز، ليس ~~للمتعة، ولكن لنعذب بالانتظار. # هم جدي بالسفر لجلب الشتلات، ولكن وعكة أصابته، مما أجبر ~~عمي وأبي على الذهاب بدلا عنه. فجأة وقعت أغراض جدتي عن الكرسي، ~~مصدرة صوتا مزعجا في الغرفة. # حاول جدي منعهما من السفر، لأن رسالة من جدتي وصلت، حين ~~تبعثرت، لكنه لم يستطع لسوء وضعه الصحي. # مر يومان ونحن ننتظرهما، جدي يجلس على الشباك مقابل الشارع ~~الطويل، وأنا فوق شجرة اللوز، وأولاد عمي فوق سطح البيت، والرجال كل ~~منهم يجلس أمام بيته، ويتحدث عن عودتهما. # نغير أماكن انتظارنا كل ساعة، أنا أمسك زهرة صفراء صغيرة، وأخلع ~~بتلاتها ورقة ورقة، وأكرر، سيحضرون، أو لا. كنت أنسى النتيجة ~~النهائية في آخر ورقة، هل يحضرون أم لا؟ # جدي كان هادئا، يفترش المكان باتزان، ويمارس قلقه كما ينبغي ~~له أن يكون من رجل كبير ms06 في نظرنا، كأنه يستطيع أن يحمل الأرض بكفه، ~~جلس هادئا يراقب عن كثب تفتح تباشير اللقاء. # جاء رجل يسعى، يحمل بشارة، ويحمل شتلات الكرنب، فضحكنا، وحين تقدم ~~بحماره على أطراف المزرعة، نادى جدي. # تقدم جدي بلطف وبطء، وقدماه تطرقان الأرض، هز رأسه مرحبا ~~بالرجل، ولم يسأله أي سؤال عن عمي وأبي. # اكتفى بأن ينظر، ويفتش في زهرات الكرنب. أنزل الحمل عن الحمار ~~بمساعدة الرجل الذي حاول أن يتكلم، فأشار إليه جدي بالسكوت، خاف ~~الرجل وسكت، ولم ينطق بحرف واحد، سوى أن صرخ على حماره: «هيا، هيا، ~~هيا.» # يا الله كم كان هذا الموقف مرعبا لنا! جلس جدي دون كلام، بعد أن ~~غادر الرجل، وحاولنا أن نلومه على عدم سؤاله عن أبي وعمي، فأجابنا: ~~«الغائب يعود، وإن لم يعد، كفانا أن نستأنس بذكراه.» # وبحركة غير مقصودة، تحلقنا حول شتلات الكرنب التي تضحك، ولكنا ~~بدأنا بالبكاء من المجهول عن عمي وأبي. # القصة المزعجة تحتل تفكيرك، فقد يكونان معتقلين الآن من قبل ~~جنود الحاجز، وربما فرا من جنود الحاجز إلى مكان آمن، والقصص ~~المزعجة احتمالات نهاياتها قليلة حين تربطها بأمرين؛ أولهما: الهروب، ~~وأكبرهما: الموت. # لكننا جميعا متفائلون حتى في الموت، ويكفي أن روحهما سوف تساعدنا في ~~زراعة شتلات الكرنب، وتزيل الحصى والأوساخ من الأرض. # كنا ننتظر قرار جدي بالتعامل مع الشتلات لبدء الزراعة. # | مسيل للدموع # أنا ماسة، سمراء اللون، ولكني جميلة، عمري سبع عشرة سنة، مرة أخرى ~~سمراء، مميزة بلوني في الفصل، وحين كنت أرتدي المريلة الزرقاء، ~~وأضع الطوق الأبيض على رأسي، وأحمل حقيبتي الحمراء، ترتفع القبعات ~~لتحيتي. # حقيبتي الحمراء، اشتراها أبي من سوق الأدوات المستعملة، صنعت في ~~إسرائيل، قوية جدا، زميلاتي في الفصل يغيرن حقائبهن كل عام ~~دراسي، ولكن حقيبتي تظل صامدة في كل المواسم، لا يهمها فصل ~~الصيف ولا الشتاء، بها عشرات الجيوب وما زلت أكتشف جيوبا جديدة، ~~وأجدها مفيدة لإخفاء بعض الأسرار. من حظ عائلتي أنها حقيبة قوية، ~~فلن يستطيعوا شراء حقيبة كل عام لسوء الحال. وحين أمسحها بقليل من ms07 ~~الماء تعود جديدة، أحبها كثيرا، لأنها حمتني عدة مرات من ركلات ~~الجنود، حين كانوا يركضون خلفنا وقت المظاهرات ضد الحواجز، وزاد حبي ~~لها حين منعت عني الرصاص المطاطي في يوم ساخن، أمام مدرستنا. # نحن العائلة الوحيدة في البلدة، سمر البشرة، وهذا اللون له مليون ~~قصة، كان جدي يتحدث عن أصول عائلتنا، حين يكون المساء مريحا دون ~~مشاكل، والكل سعيد، فيصعد أخي سعد على أحد الكراسي في وسط البيت، ~~وينشد أناشيد قد حفظها من كتاب اللغة العربية، ويسارع جدي بالقول: ~~«نحن أحفاد عنترة بن شداد، كان أسمر مثلنا.» # وحين ينقص الدخل، والمزرعة لا تفي بوعدها من المنتجات؛ إذ كانت ~~الثمار تصاب ببعض الأمراض أو الحشرات، ومعلومات عائلتنا بسيطة في ~~المكافحة، يصبح المال والطعام قليلين، يقول جدي: «نحن من أصول ~~أفريقية، وأفريقيا مشهورة بالصبر والجوع.» # كل مساء لنا أصل، ولنا قصة، من أين جئنا؟ # لكن أجمل مساء ضحكنا فيه كثيرا، حين كان من المتوقع للمرشح في ~~الانتخابات الأمريكية «باراك أوباما» الفوز برئاسة أمريكا، والكل معجب ~~بشخصه، قال جدي: «هذا الرجل ابن خالتي الموجودة في الصومال.» # ضحكنا كثيرا، رغم أن جدتي كانت تصر في ذلك الوقت أنها تسمع ~~أصواتا مزعجة تقترب من المزرعة. # لنا أقارب كثر، والأكثر قربا منهم يسكنون منطقة بئر السبع، فلم ~~يهاجروا مع باقي العائلات، وبقوا هناك. # جاءوا لزيارتنا قبل أحداث انتفاضة الأقصى أكثر من مرة، وكنا نتجمع ~~حولهم، ولكن أشكالهم تختلف عن أشكالنا باللباس والعطور والجوالات، ~~حتى أحذيتهم مثل أحذية المشاهير، كانوا يتكلمون لغة مثل لغة الجنود، ~~ويفهمون لغتنا أيضا. # لكن الذي يزعج جدي في زياراتهم، ويريدهم أن يغادروا بسرعة، أن ~~بعضهم كانوا يعملون مع الجنود. وكلما رأينا جنديا أسود على أي ~~حاجز، ظنناه أحد أقاربنا، فنسرع بالعودة إلى البيت، ولا نشارك ~~زملاءنا في رجم الحجارة. # أنا البنت الوحيدة في المدرسة التي تجيد لعبة كرة السلة، ولا أعلم ~~لماذا؟ كنت ماهرة، أقفز عاليا، وأضع الكرة في الشباك بسهولة. لعبت مرة ~~واحدة في منتخب المدارس لفريق البنات، وكنت الوحيدة السمراء ms08 ، ~~وتبارينا مع فريق آخر لمدينة أخرى، فلم نفز؛ لأن الفريق الآخر كان ~~معه ثلاث لاعبات لهن نفس لوني. # إخوتي وأولاد عمي كانوا دائما يفوزون بألعاب القوى والجري لمسافات ~~طويلة، وكنا في المدارس متميزين باللون والرياضة. # كنا كثيرا ما ندافع عن أبناء مدرستنا ضد أبناء المدرسة المجاورة ~~أثناء العودة إلى البيت، فإذا بهم يفرون جميعا، ويقولون بصوت عال: ~~«جاء السود، اهربوا.» فيهربون، وأضحك أنا وأولاد عمي وإخوتي. # ابن عمي مزيون كان رغم صغر سنه قائد فريق الدبكة والأغاني في ~~المدرسة، وكان يحيي حفلات المدرسة، ويلوح، ويقفز، ويطير في الهواء، ~~ويفعل حركات مضحكة وشائقة. والجميل في هذا الأمر، أن جدتي وجدي ~~حضرا إحدى الحفلات المدرسية مع أولياء الأمور، وشاركا مزيون الدبكة ~~والغناء، مما شجع ناظر المدرسة والمدرسين على مشاركة جدي الرقص. كان ~~يوما حافلا بالضحك والحب، وجدتي غنت بعض الأغاني. وفجأة سقطت قنبلة غاز مسيل للدموع وسط ~~الحفل، فصار الجميع يبكي، ويركض خوفا. جدي حمل مزيون وسعد على ~~ظهره، وأنا أمسكت بيد جدتي، وركضنا إلى البيت. وصلنا قبل أن يهاجم ~~الجنود المدرسة، ويعتقلوا ناظر المدرسة، ويشبعوه ضربا؛ لأنه سمح أن ~~تغنى أغان فلسطينية في الحفل. # | موسم المشمش # لا وقت أكثر حبا عندي من موسم المشمش؛ فشوارع الحارة تمتلئ ~~بالبائعين المتجولين للمشمش، والكل يشتريه، ويهديه للآخر. المشهد ~~يذكرني بأن الناس تشتري أقمارا صغيرة. إن أردت أن تعرف طعم القمر، ~~فكل حبة مشمش فقط، وإن أردت أن تتذوق طعم نصف القمر فقط، فاشطر ~~الحبة نصفين. لا أعلم لماذا أشبه المشمش بالأقمار! # في هذا الموسم لا يغريني الطعم، ومن أين يأتي المشمش بكميات كبيرة ~~إلى الحي وإلى الحارات من حولنا؟ ولكن الذي أهتم له هو اللعب ~~بنواة المشمش. # كنت أنا ومزيون وأطفال الحي حتى شبابنا، نجمع مئات من نوى المشمش، ~~ونحشو بها جيوبنا. أتذكر هنا الهبلة، فأي شيء تحصل عليه من ~~التسول، أو العطف تضعه في جيوبها، وفي مقدمة صدرها، وفي نهاية ~~اليوم تبدو الهبلة كأنها كيس كبير منتفخ، ويبدو صدرها كأنه دكان بقالة ~~صغيرة ms09 ، أي شيء يخطر ببالك تجده معها. # يأتي مزيون بملعقة، ويحفر حفرة صغيرة بحجم البرتقالة في أرض طينية ~~متماسكة، ويشارك باللعبة غالبا ثلاثة أطفال، أو أربعة، حيث يضع كل ~~واحد عشر نويات في الحفرة، وكل واحد يمسك بيده نواتين، ويقذفهما ~~بعنف في الحفرة، فأي نواة تخرج من الحفرة تكون ربحا له. نظل ساعات ~~تحت الشمس نلعب، ثم يتحول اللعب إلى العراك على بذور المشمش، بتهمة ~~الغش في إلقاء النواتين في الحفرة. ونظل نتدافع، ويشد بعضنا ثياب ~~بعض، حتى يتنازل أحدنا عن نواة المشمش للآخر. وفي نهاية اليوم نعود إلى ~~البيت بأكياس كبيرة من نوى المشمش. # ليس هناك فائدة تذكر لما نجمعه من النوى، سوى الشعور بأننا قد ~~ربحنا شيئا، فهي مجرد تسلية، نهايتها عراك. # الوحيد الخاسر، هو الولد الأبيض، ذو الخدود المنتفخة، فحين يبدأ ~~العراك، يحاول أن يهرب. ولكن مزيون يلحق به، ويمسكه، ويضربه، فتحمر ~~خدوده أكثر كأنها حبات طماطم طازجة. # لكن الغريب في هذا الولد، أنك تأخذ ما تشاء من ألعابه وخبزه أو ~~مصروفه، فلا يغضب، ولكنه يغضب بشدة حين تتسخ ملابسه، ويصبح كثور ~~هائج يضرب الكل، حتى أنا ومزيون نفر من المكان، كأنه مصارع أمريكي ~~في الحلبة. ~~••• # لا يقتصر هذا الموسم الغني على اللعب بنوى المشمش، لكن الكثير من ~~الألعاب تنتشر في هذا الصيف. # لعبة البنانير «البلى الكروية البلورية». كل عشرة أطفال ~~يتجمعون في حلبة المنافسة للعب، يرسمون مثلثا كبيرا «مور» حيث يضع ~~كل واحد خمسة بنانير داخل المثلث الكبير، ثم نرسم خطا مستقيما على ~~بعد مترين من المور، ويقذف كل واحد بنورا يسمى الصياد ناحية ~~المثلث، وحين يرتطم الصياد بالحبات يخرجها من المثلث، فيحصدها ~~ربحا له، ثم يكرر اللعب عشرات المرات، من قوانين اللعب الصعبة: ~~عدم مغادرة اللاعب اللعبة، حتى يخسر كل ما لديه من بنانير. # البنانير شهية للمشاكل، حين ترى أكثر من خمسين بنورا داخل المثلث، ~~وتبدأ رغبة السرقة عند الأطفال الذين لا يملكون البنانير. # كنت أراقب اللعب من بعيد، وحين أشعر أن الأطفال لهم الرغبة في ms10 ~~امتلاك بعض منها، أعطيهم الإشارة لهم بالهجوم على المثلث، فتبدأ حرب ~~ضروس كبيرة. # الأطفال البيض والأنيقون يبكون؛ لأنهم خسروا ما يملكون دون لعب، ~~وثيابهم اتسخت من العراك. # | ماسة # حين شرح أستاذ العلوم الفرق بين المعادن والعناصر الفيزيائية، علمت ~~أنه لا فرق بين الكربون والماس إلا في تنظيم العناصر الداخلية، والضغط ~~العالي المصحوب بالحرارة. # سرحت في كلام الأستاذ، فلو كنت سيئا وهشا مثل الكربون، ونظمت ~~حياتك، وتعلمت الصبر والجلد لأصبحت ماسا، والكل يحترمك ~~ويقدرك. # لولا موت جدتي، لأصبحت زوجة، وعندي أولاد وبيت، ورجل يحلق ذقنه ~~يوما بعد يوم. # السمراوات في مثل عمري متهيئات للزواج، سبعة عشر عاما أجيد الدفاع ~~عن صغار العائلة، أحمل فأسا، وأجر أكياس السماد من روث الحيوانات، ~~أدحرج أسطوانة الخراطيم الكبيرة لأوزعها على الأرض، والمياه تكون ~~أسرع من قنوات المياه، كأني أركب الأمواج العالية، وأنظف المزرعة من ~~الحصى بعد الحرث، كما ينقى الرأس من القمل؛ حيث لا يجدي استخدام ~~الفأس لإزالة الأعشاب، وبأصابعي السوداء أكون أسرع من الآلات ~~الألمانية. # أبدع في تشكيل مجموعة من زهور الحقل العادية، البسيطة الرائحة ~~والعطر، وآخذها إلى المدرسة، وأهديها للأستاذ، حين لا أنجز الواجب ~~المدرسي. # لكن الزهور كلها لم تفلح في رفع معدلي الدراسي عن المتوسط. كنت ~~أشتم وأضرب كثيرا في المدرسة في فصل الخريف. قلة الزهور تعني ~~الكثير من الغضب في المدرسة. # أجيد ترتيب دفاتري وأسطرها، وأسطر كل كراسات من يدرس بالبيت، ~~وأصلح الأحذية. في وقت البرد والمطر، كنت أنا الوحيدة التي تصعد سطح ~~المنزل الهش لوضع النايلون الذي يمنع قطرات المطر من التسرب إلى ~~البيت. # أقود حمار جدي، بمهارة عالية. وأذكر أن إحدى الجمعيات الريفية، ~~نظمت مسابقة أجمل حمار، وأسرع حمار. خسرنا مسابقة أجمل حمار، ~~لأن حمارنا يريد كل زينة الفنادق العالمية ليصبح لطيفا، ولكن ~~كسبت وأولاد عمي مسابقة أسرع حمار؛ إذ كنت أنا أقوده، وقد وضعت ~~على رأسي قبعة، وظهرت كولد، ولم يميزني أحد من لجنة ~~التحكيم. # أنا غير قابلة للكسر، لا أعترف بالأمراض العرضية، الزكام ~~والأنفلونزا والسعال، شيء عادي ms11 جدا في عائلتنا، ومشروب البابونج، ~~والأعشاب الغريبة الأسماء هي العلاج فقط. # زارنا الطبيب مرة واحدة، حين كان ابن عمي الصغير يشكو من وجع في ~~الصدر. # فلم تخفف الأعشاب من آلامه. ذهبنا جميعا إلى الطبيب على حمار جدي، ~~كأننا سنذهب إلى مكان جديد. اكتشف الطبيب أنه يعاني من ثقب في القلب، ~~ولم يعش ابن عمي كثيرا، مات وهو صغير جدا. # حين مات الصغير تحول لونه إلى الأبيض، وألبسه جدي قماشا أبيض، ~~كم كان جميلا في موته! أخذه الرجال إلى مكان بعيد جدا، لم نعرفه، ~~فلم نزر قبره أبدا. # كنت أمزح كثيرا مع كل زملائي في المدرسة، ومع الناظر خصوصا، وعرفت ~~زميلاتي مرات كثيرة أني أقرأ الفنجان، وعندي سحر، وأفسر ~~الأحلام. # كل يوم أسمع عشرات الأحلام من زميلاتي، يرغبن مني أن أفسر ~~أحلامهن. # حين تقص إحدى زميلاتي علي الحلم، أقوم بحركات تشنجية في يدي ~~ورأسي، كأن العالم الآخر يدخل في جسدي، فأرعب من يجلس أمامي، ~~وأقول ما أقول من التفسير للحلم، ويصدقون ما أقول من الخرافات. ~~ببساطة من يخاف، يصدق كل شيء. نصيبي بعد كل تفسير، نصف «سندويش» ~~زميلتي. # تمر أيام رائعة، أتذوق فيها أربعة أو خمسة أنواع من «السندويتشات»، ~~وحين أرغب في جمع مصروف زميلاتي، كنت أحضر بيضة وأفرغها من ~~الصفار والبياض، وأضع داخلها خنفساء، ثم أعيد البيضة لهيئتها ~~بلاصق شفاف، وأذهب للمدرسة، وأقوم بعمل دعاية كبيرة. # يوجد معي جني صغير، من يرد أن يراه فلا بد أن يدفع نصف ~~شيكل. # زميلاتي والمدرسون والناظر، الكل يدفع نصف شيكل، كنت أسامح ~~المدرسين والناظر، ولا آخذ منهم، عسى أن ينفعوني في إحدى ~~المواد. # أذهب بهم إلى مكان معتم، وأخرج البيضة من جيبي، وأقول لهم: ~~«الجني يسكن في البيضة، من عنده أمنية فليرددها في ~~سره.» # وحين أضع البيضة على الأرض، تتدحرج بفعل حركة الخنفساء، فيدهش ~~الجميع. منهم من يرتعب ويصرخ حين تقترب البيضة منه، وبعض زميلاتي ~~يفقدن الوعي، والمدرسون يخافون أيضا، وأما الناظر فيبقى صامتا ~~كتمثال من شمع. # بعد أن أجمع أنصاف الشواكل أخرج ms12 من الغرفة، ومن ثم ألقي البيضة ~~والخنفساء في سلة المهملات. الجميل بعد هذا اليوم أن أخي وابن عمي ~~ينتظراني على باب المدرسة، ويتقاسمان معي الشواكل، وأنا راضية؛ لأنهما ~~كانا يشتريان الألعاب النارية التي ندعوها «القنابل»، ويفجرانها في ~~الشوارع، وكنا نضحك كثيرا. # | كلية صناعية # لم أدر أني سأصبح سارقة. في يوم مدرسي حار جدا، وقعت ~~معلمتنا وسط الساحة، وانطلق الطلاب والمدرسون ناحيتها، وأسرع ناظر ~~المدرسة لطلب سيارة الإسعاف. # حين دخلت سيارة الإسعاف بعد وقت طويل، نزل السائق والممرض، وحملا ~~المعلمة إلى سيارة الإسعاف، وانطلق بوق السيارة في المدرسة. كل من ~~عاين المشهد تأثر حزنا عليها، لكنها كانت تردد كلمات تشبه ~~الدعاء، دعاء لم نسمعه من قبل في حياتنا، ولم نجربه. # وقع من المعلمة كتاب صغير جدا، وميدالية فضية. الميدالية حرف ~~يشبه إشارة الزائد في الرياضيات، ألصق بها نحت لرجل عار. لم ~~يلاحظ أحد أني سرقت ما وقع منها، ووضعته في جيبي. # حين غابت سيارة الإسعاف، سألت أحد المدرسين: «ماذا كانت تقول ~~المعلمة قبل أن تدخل سيارة الإسعاف؟ كأنه دعاء لكنه غريب!» # رد المدرس: «إنها مسيحية، ولها أدعية خاصة غير أدعيتنا، ولكنها ~~كلها يشبه بعضها بعضا، لأنها تقربنا إلى الله.» كان هذا رد مدرس ~~مادة التربية الدينية في المدرسة. # قلت في نفسي: «لن أعطي ما سقط منها لأحد، إلا لها حين أقوم ~~بزيارتها.» # اقتربت من غرفة الناظر، وقد استقبل مكالمة من بيت المعلمة، وكان ~~يتحدث عن الوضع الصحي للمعلمة. كان أبوها يتكلم مع الناظر، وحين سمع ~~الناظر كلمة «فشل كلوي» من الأب، كررها: «فشل كلوي، فشل كلوي! ~~الشفاء من الله!» # أنا أيضا صرت أردد كلمة «فشل كلوي، فشل كلوي»، وفجأة ظهر أمامي ~~مزيون، فقال بصوت عال: «ما بك كأنك مجنونة، لماذا ترددين، كلمة «فشل ~~كلوي» بصوت مسموع؟» أجبته: «إنه مرض صعب، وشفاؤه نادر عندنا.» # كنت متأكدة أن مزيون لا بد أن يضحكني حين أكون حزينة. قال بصوت ~~منخفض: «لو درست الكلية لما فشلت في الدراسة.» # فضحكت بصوت أعلى من صوت ناظر المدرسة ms13 ، وهربنا. # رغم أن مزيون أضحكني، ولكني كنت حزينة على معلمتي، وقررت أن أزورها ~~في المستشفى. # أخذت بعض الزهور التي جمعتها من مزرعتنا، وزينتها بورق أحمر من ~~كراسة الرسم، وكتبت عليها: «حمدا لله على السلامة.» # ورسمت صليبا كبيرا، وكنت خائفة أن يراني أحد حين كنت أرسم الصليب، ~~ولا أعلم لماذا. # خرجت مسرعة من البيت، ولم أخبر أحدا إلى أين أذهب. # وصلت المستشفى الحكومي، وسألت كاتب الاستقبال: «أين أجد ~~معلمتي؟» # أجابني: «في قسم الكلية الصناعية.» # صعدت درجات المشفى، ووصلت إلى غرفتها، فلم أجدها. # سألت أحد المرضى في المكان، وكان يجلس على كرسي، ويحمل عشرات ~~الخراطيم الفضية، بعضها فيه دم، وبعضها فيه سائل شفاف، «أين ~~هي؟» # أخبرني أنها خرجت من المستشفى، وستسافر إلى الأردن، لأن حالتها ~~غير مستقرة، وهي الآن مع أبيها على الحاجز. # الحاجز ليس ببعيد عن المستشفى، والحاجز قريب من كل جزء عندنا، تجده ~~حتى في أحلامك، ركضت مسرعة، وقلت في نفسي: «سوف ألحق بها على ~~الحاجز.» # وصلت الحاجز، فرأيت مئات السيارات متوقفة في مساحة صغيرة، والناس حول ~~سياراتهم، وكثير من الناس عند مقدمة الحاجز. # مشيت بين السيارات أفتش عنها، وأنظر داخل كل سيارة. الوجوه ~~تتشابه، والمريض شبيه السليم، والسليم شبيه المريض، من مرارة ~~الحاجز. # هناك سيارة أعرفها، إنها سيارة والد المعلمة، كانت تأتي بها أحيانا ~~إلى المدرسة، لونها أزرق غامق، ويبدو عليها الترف. # تقدمت منها، ونظرت من خلال نافذتها مظللة وجهي بيدي، وجدت ~~معلمتي في الكرسي الخلفي، معلق في يدها كيس محلول كبير، ووجهها ~~أصفر، ويخرج خرطوم أبيض من خاصرتها، ملامحها كبرت كثيرا، وقد وقف ~~والدها بالقرب من السيارة. # قلت: «حمدا لله على سلامتك.» # ردت بصوت منخفض مع دمع في عينها من الوجع: «شكرا لك لماذا جئت؟ ~~هذا تعب عليك!» ~~«لا، أنا سعيدة؛ لأني رأيتك قبل أن تسافري، وعلمت أنك ستسافرين إلى ~~الأردن من المستشفى. عندي لك أمانة، حيث وقع منك كتاب صغير، وميدالية ~~جميلة، جئت أعيدها إليك.» # ابتسمت المعلمة، وكأن الحياة تعود إليها. ~~«هذه بشرى خير، أن تعود ميداليتي ms14 العزيزة، شكرا لك، أتمنى أن تكون ~~البشرى بفتح الحاجز بسرعة، لأن الألم ينتشر في كل جسدي.» ~~«لا تقلقي، الآن سوف يفتح، والبشرى سوف تعم المكان.» # فتحت باب السيارة وأزاحت لي مكانا للجلوس، جلست بجوارها، وظل ~~والدها يراقب الحاجز، عله يفتح. ~~«معلمتي، عندي سؤال لك، ماذا كنت تقولين حين ركبت سيارة ~~الإسعاف؟» ~~«كنت أقرأ آيات من الكتاب الذي بيدك!» # | قداسة منتصف النهار # تحدثت كثيرا مع معلمتي، وفي منتصف إحدى الجمل نامت، والحاجز ~~أيضا نائم، بعد لحظة وأنا أراقب حركة الخراطيم، والسائل الشفاف الذي ~~يدخل إلى خاصرتها ويخرج باللون الوردي، غفوت معها. # صوت إنسان يهز كتفي، النوم لذيذ في سيارة لها ستائر بنفسجية، ولا ~~وجود للحرارة، لكن كتفي هز بعنف، فتحت عيني، فإذا به والد ~~معلمتي، فانتفضت من الكرسي، فارتطم رأسي بسقف السيارة. ~~«استيقظي، الحاجز فتح، سوف نغادر، حاولي أن توقظي معلمتك.» ~~ارتبكت، ثم التفت إليها: «معلمتي، معلمتي الحاجز بدأ يعمل، ~~معلمتي!» # لا رد، يبدو أن نومها ثقيل، مع الأدوية يصبح المريض في عالم آخر ~~من الكسل، حاولت أن أهزها برفق، لكن لا جدوى، هززتها كما أحرك ~~وسائدي قبل النوم، ولكن لا جدوى. # انتبه الأب أنها لا تستيقظ، فلم يتحرك، وصار يبكي، كان هادئا، ~~والدموع تسيل من عينيه، فيمسحها. # نزل من خلف مقود السيارة، وصرخ بصوت عال: «يا ابنتي العزيزة ~~الغالية! الحاجز قتلك، الحاجز لم يرحم مرضك.» وصرخ بآهات عالية ~~جدا، فزعت كثيرا، وبدأت أرتجف من المشهد. # نزلت من السيارة، ووقفت بالقرب من زجاجها أنظر إليها، كم هي جميلة ~~حتى في موتها! بعد عشر دقائق، كان كل من حولنا يشارك الأب ~~البكاء. # جاء رجل كبير في السن، يرتدي بذلة سوداء، ومعه وعاء بخور، وصليب ~~كبير، اتجه الأب ناحيته، وقبل يده، فقال الرجل بصوت أجش: «منحتك ~~العذراء الصبر، وعيسى في السماء يدعو لها، والرب قادر على كل ~~شيء.» # سكت الأب، وكأن شيئا لم يكن، وأصبح هادئا جدا، ثم جاءت سيارة ~~كبيرة، بيضاء، وبها نساء ورجال بملابس غريبة، كلهم يحملون صلبانا، ~~ومناديل حمراء كبيرة ms15 . # كان من بين الحضور، رجل أسود، وامرأة سوداء، ابتسمت في قلبي، وقلت: ~~«يوجد أيضا سود مثلي مسيحيون.» # حملوها، ووضعوها في السيارة الكبيرة، وصرنا نمضي خلف السيارة بهدوء ~~وبطء، لا أحد يتكلم، سوى صوت تراتيل آيات غريبة عني، ولكنها مفهومة حين ~~تدقق السمع. # تذكرت الصليب والكتاب اللذين أهدتني إياهما معلمتي، أخفيتهما في ~~جيوبي حتى لا يأخذهما أحد مني. # لا أعلم كيف وصل الخبر لطلاب المدرسة، وبعض المدرسين وناظر المدرسة، ~~وتقابلنا في بيت معلمتي. كان مع الطلاب أخي وابن عمي، وبعض السود من ~~المسيحيين الذين جاءوا من بعيد. # من الأشياء التي تعجبت منها، أن اسم معلمتي كان «ياسمين» في ~~المدرسة، ولكنهم كانوا يقولون رحم الله المعلمة «مريم بولص». الاسم ~~الجديد أثار حفيظة مزيون، وهمس في أذني: «لماذا غيروا اسمها بعد ~~الموت؟» قلت له دون تفكير: «إن كل سيدة اسمها مريم، حين تخرج من ~~البيت تسمى ياسمين.» # | القماش الأبيض # حضرت بعض نساء العائلات السود من البلدات المجاورة، لخطبتي، وكانت ~~فكرة الزواج مطروحة في العائلة، وكان جدي يرد على النساء: «يصير ~~خير.» # كأني أصبحت فاكهة طازجة، ومن يا ترى سيقطفني؟ # عائلتي شجرة صغيرة، ولا تقدر على حماية الفواكه من مناقير ~~العصافير. # أنا كبرت. لقد تزوجت أمي، وهي في الخامسة عشرة، وجدتي منذ ~~ولادتها وهي أم. أشعر حين أغير ملابسي أمام المرآة، أني سيدة كبيرة، ~~فأغلق الباب. # أرقص أمام المرآة، فأجيد الرقص، وأجيد التخيل، كما أني بارعة في ~~النوم على السرير، مع أني طوال حياتي أنام على فراش على الأرض. # حين جلب والدي الأسرة، سقط إخوتي كلهم على الأرض، وبكوا من وجع ~~السقوط، وأنا لم أسقط. # عرفت أني كبرت حين تخليت عن لعبتي «زينة»، ولم أعد أحملها ~~كثيرا، كبرت وتأكدت أني كبرت، حين صرت أوشوش المساند ~~بأسراري. # منذ بدأت أتابع ألوان ملابس زميلاتي، وكنت أعرف أن هذا شهر شباط من ~~كثرة القطط التي تتقافز فوق سطوحنا. # كل يوم تكبر فكرة في رأسي، أن الحياة نصفان، نصف لنا، والنصف الآخر ~~لابد أن يخضر. # حاولت كثيرا أن ms16 أسرق أدوات زينة أمي، وأجربها في الحمام، وحين ~~أسمع صوتا يقترب من الحمام، أمسح وجهي من المكياج. # كنت أكره طعم القهوة، ولكني الآن أعشقها، وأنتظر أن ينتهي جدي ~~وأعمامي من شرب القهوة، حتى أتذوق ما تبقى في الفناجين، فعندنا عادة ~~تقول: «عيب البنت تشرب قهوة.» # كنت أعتقد أن الحزن يأتي فقط من قلة السكاكر للأطفال، ولكن الحزن ~~الآن يأتي من وجود الملح في الحياة. # كنت لا أخجل حين أركب الحمار، وأضع كل قدم في جهة، والآن حين أركب ~~الحمار، أضع قدماي في جهة واحدة. # كنت أعشق صوت المشاكل، وصوت الرصاص، أما الآن فأميل إلى الجلوس وحدي، ~~وأنتظر بصبر نافد حين يكتمل القمر بدرا. # أسعد أوقات حياتي حين يخلو البيت، لأمضي حافية في الممرات. # كنت أتكلم بسرعة حين أتحدث مع مدرسي، أما الآن فأتعمد أن أسعل، ~~وأنطق الكلام بصوت غير مسموع. # | وجع في بطني # حين تنتشر رائحة البلح في جسدي، على رذاذ الياسمين، أتأكد أن وجع ~~البطن سيجتاحني، وكل مسكنات الألم لن تجدي نفعا، وأغلب الأوقات ~~يأتي الوجع مع اكتمال القمر من كل شهر عربي. # حتى لا ينكشف أمري، أتعمد جرح إصبعي، ليظهر الدم وألطخ ثيابي ~~ببعض القطرات، حتى لو سألني أحد: «لماذا وجهك أصفر؟» فأرفع له جرح ~~إصبعي. # حين وضع الرجل شتلات الكرنب على أرض المزرعة، تحت أقدام جدي، وخبر ~~عدم عودة أبي وعمي ينقر في رأس الجميع كنقار الخشب، انهارت ~~أعصابنا، ولكن لا بد أن تغرس الشتلات في الأرض في وقت قصير جدا، ~~لا يطول عن ست ساعات. # أنا متعبة جدا، الوجع في بطني يزداد ويتحرك كمظلة الشتاء، تكون في ~~يدك كعصا، وحين يهطل المطر تغطي جسمك، ويظل حذاؤك ~~مبللا. # أتألم كأني أستضيف وجع شخص آخر داخلي، الوجع يبدأ من نقطة مركزة، ~~ثم ينتشر في كل جسدي. # ربطت بطني بحزام، وانطلقت وأخي وابن عمي ننقل الشتلات إلى الطرق ~~المحروثة في المزرعة، لا بد أن تبتعد كل شتلة عن الأخرى حوالي ~~أربعين سنتيمترا. # من التعب والإرهاق في العمل لساعات تحولت ms17 وجوهنا من اللون البني ~~إلى اللون الأحمر القريب إلى حبات الكرز، والعرق ينز من بين ثغرات ~~الجلد، وأصبحت ملامحنا كهنود النار. # خلع جدي طاقيته، وظهر شعره الأبيض، كأنه لم يكن أسود البشرة؛ لأن ~~لون شعره الأبيض ينعكس على باقي جسده. # لا أعلم لماذا شعرت أنه كقوس المطر ينتشر في مزرعتنا، كان جدي ~~يعمل خلفنا، فنحن نوزع الشتلات بمقاييس منتظمة، وهو يغرسها في ~~الأرض. # كان يغرس الشتلة بأصبعيه في الأرض، مع قليل من التركيز في الصوت، ~~تشعر أن الشتلة تضحك، والأرض تهمهم بصوت الحياة. كانت كومة ~~الشتلات تنقص واحدة تلو الأخرى، أنا وأخي وابن عمي وجدي متسابقون في ~~مارثون الحياة والبقاء، كأننا مخلصون للذكريات، وصورة جدي تلف حولنا، ~~وأشجار اللوز تحرس الحب في أعماقنا. # أحذيتنا تلونت بغبار الطين البني، وأطراف البناطيل أيضا، ~~كفوفنا اصفرت جدا وتحولت إلى شموس صغيرة. # تعبنا كثيرا، وظلنا من التعب تناقص، إلا ظل جدي كلما زاد ~~تعبه زاد طوله. # اقترب المساء، وقد قطعنا مسافات المارثون، وكانت نقطة النهاية صنبور ~~المياه. فتحنا الصنبور، وانطلق الماء يجري داخل الخراطيم، ومع صوت ~~الخرير كان الماء ينتظر أن يساعدنا. # كانت قطرات الماء تخرج من ثقوب الخراطيم على شكل نافورة، فتقدم ~~جدي وصار يمسح وجهه بها. # ما كان منا إلا أن نلعب بالماء، وبالنواعير الصغيرة. # لم نلعب فقط، لكنا جعلنا الماء يلاحق كل قطرات العرق على ~~أجسادنا، وكلما شخرت الخراطيم ضحكنا؛ لأن مزيون كان يقلد صوت ~~الشخير. # | كالونيا خمس نجوم # العطر الوحيد الموجود في بيتنا كالونيا خمس خمسات، هو تكوين لا يصل ~~إلى العطر، وأكثر عبقا من رائحة الليمون، مفيد جدا بعد ~~الحلاقة. # قبل أن نتعرف على الكالونيا المصرية، كانت جدتي تغلي أوراق شجر ~~الليمون، وحين يفور الماء، تضع كمية من «السبيرتو» الأبيض، رائحته ~~جميلة أيضا. # من رائحة الكالونيا نعرف أن جدي حلق شعر ذقنه، أو أن أبي حلق ذقنه، ~~ورائحة بيت عمي تفوح حين استخدامها أيضا. # الكالونيا لها استخدامات أخرى، فهي معقمة للجروح، بل هي العلاج ~~الوحيد لجروح الجسد. ويا ويلك ms18 إذا وضعت القليل منه على جرحك! فلا بد ~~أن تصرخ، وتقفز كقرد شمبانزي في الغابات الاستوائية، أنت تتألم من ~~جرحك ولدغة الكالونيا، والكل يضحك منك. # بعد دقيقة من الصراخ، يطير ألم الجرح مع رذاذ الكالونيا. # رجلان في الحي كانا يعشقان الكالونيا، وأينما يذهبان يحملان القنينة، ~~أحدهما أمين المجنون. قبل الجنون كان يعمل داخل الأراضي المحتلة، وقد ~~تعلم أن يسكر، كان يشرب كثيرا، فوقعت مشكلة مع أصدقائه، وضربه أحدهم ~~على رأسه، ففقد عقله لكن لم يفقد طعم الشراب. في الحي ممنوع بيع ~~الكحول، فصار يشتري كل يوم قنينة كالونيا ويشربها، مع بعض كلمات تخرج ~~من فمه غير مفهومة، ومن رائحة الكالونيا، نقول: إن أمين مر من ~~هنا. # والآخر جواد، الشاب المقاوم، خبير في رمي الحجارة، كأنه قناص ~~أسود، وكثيرا ما يتجمع الأطفال والناس حوله، ويقول لهم وهو يحمل ~~حجرا: «سوف أصيب نافذة سيارة الجيش.» وحقا كان بارعا، حين يلقي ~~الحجر في الفضاء، يطير كالسنونو في فصل الصيف. # كنا نذهب مع جواد بالقرب من برك المياه، حيث يرمي الحجر على سطح ~~الماء، فيظل الحجر يركض دون أن يسقط في الماء، حاولنا أن نفعل مثله، ~~لكن حجارتنا تغرق في الماء قبل أن تتحرك. # جواد كان أيضا يحمل قنينة الكالونيا دائما في جيبه، حين يلقي ~~الجيش قنابل الغاز المسيل للدموع على المدارس، أو التجمعات في الأسواق، ~~أو في أيام الغضب والذكريات، من قوة رائحة مسيل الدموع يغمى على ~~الأطفال والسيدات، والدموع تصبح أنهارا. يأتي جواد كملاك يحمل ~~الكالونيا، ويمرر رائحتها على أنوفهم، فتعود الحياة إليهم. # في يوم كان جواد يجلس على حجر كبير وسط الحي، فجاء الجنود وحاصروه، ~~وأرادوا تفتيشه، وحين أخرج القنينة من جيبه ظن الجنود أنها قنبلة ~~حارقة «مولوتوف»، فأطلق أحد الجنود الرصاص على قلب جواد، فقتل. وصل ~~خبر موته بسرعة إلى كل سكان الحي. كان خبر موته أسرع من رذاذ ~~الكالونيا، تجمعوا حول جواد، والقنينة بجانبه. حملوه وجاء أمين فسرق ~~القنينة وهرب. # برج المراقبة في الجدار كان يراقب كل تحركاتنا، يكرهنا ms19 ، أو يطمع في ~~نصف المزرعة الآخر بعد أن غرسنا شتلات الكرنب في المزرعة. شعرنا ~~بالمراقبة والملاحقة من آثار الآليات العسكرية، في أطراف المزرعة جهة ~~الجدار. شجر اللوز القريب منه يموت، أغصانه تتناقص، ولا يكبر. # في بعض الأحيان نجد شجرة مقتولة بعشرات الرصاصات، كأن جنود برج ~~المراقبة يتدربون على القنص بجذوع الشجر. # زاد خوفنا على شتلات الكرنب، لأن جدي دفع كل ما يملك من النقود في ~~هذا الحلم، حلم جدتي بأن تزرع الكرنب في المزرعة، وبعد موت جدتي، ~~واغتصاب الجدار لنصف المزرعة، قررنا التحدي. # بعد أن غرسنا الكرنب صرنا نتجول كل دقيقة بين الشتلات، نرعاها، ~~نصفق لها، نغني لها، نبعد الحشرات عنها، ننام بالقرب منها. كل يوم ~~نشعر أن غضب الجدار اقترب من مزرعتنا، وحين نكون جالسين، نسمع طلقات ~~نارية بالقرب منا، فيشير إلينا جدي، أن ننبطح أرضا ولا نتحرك. ولكن ~~الجنود يحبون اللعب معنا ألعابا ثقيلة، وفي لحظة يلقون عشرات ~~القنابل المسيلة للدموع. # الدخان ينتشر في المكان، لا يرى بعضنا بعضا، كان يغمى علينا من ~~السعال والدموع وحرقة العيون، ونحن نلاحق كل قنبلة بدلو ماء كبير ~~نريقه على الدخان. في أوقات كثيرة لا يتمكن الماء من إخماد الدخان. ~~فكنا نصنع غطاء من القماش الكبير، أمسك أنا ومزيون طرفا، ويمسك ~~جدي طرفا آخر، لنكون جاهزين لأي قنبلة تنفجر في المكان، ونلقي ~~قطعة القماش في الهواء باتجاه القنبلة، كمشهد الصياد حين يلقي شبكته ~~لصيد السمك القريب من الشاطئ. # غالبا لا نستطيع إخماد الدخان، فأكثر من قنبلة تسقط في وقت واحد، ~~ويصعب علينا إخمادها، فيغمى علينا. وحين يغمى علي، أتخيل أن جواد ~~يحمل قنينة الكالونيا، ويمرر رائحتها على أنفي، شكرا يا جواد، يا ~~فارس الكالونيا. # كان جدي يرش عطر الكالونيا في الماء دون سبب، قبل أن نضخه ~~لشتلات الكرنب. # | البالون # نحن لا نعرف حتى الآن أننا ندافع بشكل سليم، ولكن ما نخشاه أن تموت ~~الشتلات قبل أن ترقص مع الفضاء الأزرق. # هناك فرصة جيدة للدفاع عن الكرنب، ولكن بهدف الدفاع عن الأرض، عن ms20 ~~حلم الجدة. نحن في مهب الريح، ولا بد أن تكون الشتلات في حالة ~~جيدة، حتى تنتفض مثلنا، وتخرج من الأرض. # الروتين الذي أعيشه الآن علمني الحب، والصبر على روح الكرنب، ولو ~~كان الأمر بيدي في تلك اللحظة، لدخلت في بطن الأرض، ورجوت الشتلات أن ~~تكبر. # كنت أركع أمام الشتلات كعابد بوذي، وأضع يدي على الأرض، وأتمتم ~~بكلمات. # حاولي أن تتحدي ضعف الانتظار، واجعليني أحبك كما يجب أن نحب. ~~أنت الآن كل الأحلام، ولكن لا تأخذي روحي إلى العتمة بعيدا. أنت ~~دائما قريبة مني؛ علمتني نضال الروح على التحمل. أبعدي الشك ~~في الارتفاع إلى الفضاء، وتنفسي الصعداء. نحن ننتظرك، نشعر أننا ~~بالون الطفل الأخير، طار من يد الطفل بعيدا إلى حقل الأشواك، الكل ~~ينتظر أن ينفجر، الطفل يبكي، ولا حيلة لمن يشاهد أن ينقذ ~~البالون. # من طول الانتظار تعلمت الأمل، النوم، الضحك، كنت أردد في نفسي ~~الأمل، هو الشخص الناجح، هو الشخص الذي عاش عيشة جيدة، وضحك كثيرا ~~وأحب الكثيرين، بالتأكيد يا ماسة، أقول لنفسي، الأولاد البيض، ذوو ~~الوجوه الحمراء المنتفخة، أكثر سعادة منا؛ لأنهم لا يتعبون في ~~التفكير، وفي الصباح تكون حقائبهم مليئة بالنقود، والخبز المحشو ~~بالشكولاتة والجبنة الصفراء، كان الأمل الوحيد عندي، كيف ينجح مزيون في ~~جلب نصف الأشياء من حقائب الأولاد. لم يسرق مزيون أبدا، ولكن كان ~~يعد هؤلاء الأولاد البيض، بضمهم لفريق المسابقات في المدرسة، ~~والفوز بمسابقة الجري السريع، والحصول على الميدالية، كان يسرح بهم ~~وقتها، أغلبهم كان يتخيل نفسه حصل على الميدالية الكبيرة، وأمه ستفرح ~~به، في نهاية الأمر. كانوا يعطون مزيون بعض الأشياء المكدسة في ~~حقائبهم. حتى آمالنا تختلف. فنحن نرغب أن نأكل الخبز بالجبنة الصفراء، ~~وهم أملهم أن يحصلوا على ميدالية، حتى في الخيال. # الأمل، حين قال المعلم: «الأمل يا أولاد أن تكونوا متفائلين، وتروا ~~كل الأشياء بيضاء.» # آنذاك انتبه المدرس أني سوداء، فاعتذر، ولا أعلم لماذا، قال: «أقصد ~~يا ماسة أكثر الأشياء لا بد أن تكون مثل النهار السعيد.» # ابتسمت في وجه المعلم ms21 ، وابتسم، وأشاح بوجهه إلى السبورة. # الأمل عندي هو قمة السعادة. # حين نجمع بقايا الطباشير آخر كل حصة، ينبغي ألا ينكشف أمرنا، لأن ~~مزيون أسود، ولو أمسك الطباشير، فسوف يتلون بسرعة، ونحن بحاجة كبيرة ~~لبقايا الطباشير. # جلب لنا جدي إلى البيت لوحا خشبيا أسود يشبه السبورة، واشترى ~~لنا إصبعي طباشير بيضاويين، ولكن كل من في البيت مارسوا مهنة ~~التدريس، فذابا بسرعة. كل يوم أنا ومزيون نجمع بقايا الطباشير، ونكتب ~~كل شيء على اللوح الخشبي الأسود. # كنت ألعب كثيرا دور المعلم، وكل العائلة تستمع إلي، والأمل الذي ~~كنت أعيش عليه في تلك اللحظة، أن يكون عندنا طباشير أبيض. # عفوت عن المعلم، وصرت أعتبر اللون الأبيض هو التفاؤل. # شتلات الكرنب فقط تحتاج للون الأبيض، كيف لي أن أدخل هذا اللون ~~إلى مزرعتنا؟ # بعد تفكير عميق، خطرت في بالي فكرة رائعة في نظري، فقد جمعت عشرات ~~الخنافس السوداء الكبيرة، ووضعتها في زجاجة بلاستيكية كبيرة، وصرت ~~ألون كل خنفساء بالطباشير الأبيض، فأصبحت الخنافس بيضاء جميلة، ~~وألقيت بها بين شتلات الكرنب، فصارت الخنافس تحفر في الأرض، وتدخل ~~بالقرب من الشتلات. # ارتحت كثيرا؛ لأن الخنافس كانت مطيعة وهي ملونة، وكأنها عرفت أنها ~~صارت أكثر تفاؤلا فدخلت في الأرض. # | الضحك # الضحك أكثر الأشياء التي أحبها، قالوا: إن الضحك يقوي القلب، وأنا ~~في هذا الوقت لا بد أن يكون قلبي قويا، صابرا. أن تكون بقلب قوي ~~فتهدد هذا الجدار بالفناء. قد تتنفس الغازات المسيلة للدموع، وأنت ~~تضحك؛ لأنك قوي. الضحك في حياتي هو أكثر الأشياء مجانية. من أسراري ~~أن ضحكي يأتي في مواعيد محرجة. في الموت أضحك، وحين أخجل أضحك، وحين ~~يسقط أمامي شخص قبل أن أساعده أضحك، وحين أشم رائحة كريهة أضحك، ~~وحين أخبئ شيئا في جيوبي أضحك فينكشف أمري. # قبل النوم، حين تجبرنا أمي على النوم، نظل نضحك تحت الغطاء، نضحك ~~ونضحك، حتى ننام، حين أدخل الحمام أضحك، وحين أخرج منه أضحك. # يا الله لو استطعت أن أجعل شتلات الكرنب تضحك مثلي! بالتأكيد ستصبح ~~قوية وتكبر بسرعة ms22 ، كيف لي أن أجعلها تضحك؟ سوف أقلد لها ضحكات كل ~~من حولي. مدير المدرسة دائما عاقد الحاجبين، يضحك فقط حين يأتي ~~مسئول إلى المدرسة، ويكون حنونا، ويربت على أكتاف الطلاب، لو همس ~~المسئول بكلمة خفيفة قد تضحك من يسمعها، لضحك المدير بصوت عال، كأنه ~~يخرج من فمه صوتا مثل جرس المدرسة، يضحك كصوت الإذاعة المدرسية ~~الصباحية المزعجة. # وحين يضحك المدير لا بد أن يضحك المدرسون، وحين يضحك المدرسون، ~~لا بد أن يضحك الطلاب، ولكن الطلاب أكثر ذكاء في الضحك، كانوا يضحكون ~~بسبب ضحكة المدير. # أما معلمتي ياسمين التي ماتت بمرضها، فكانت تضحك أيضا، كل يوم ~~أحد تضحك، وعلمت سر ضحكها يوم الأحد؛ لأنها تزور أصدقاءها ~~المسيحيين، قد تكون سمعت قصصا مضحكة. كان يوم الأحد لها يوم الضحك ~~العالمي، وضحكتها لطيفة، ناعمة. حين يجيب أحد الطلاب عن أي سؤال تضحك ~~بصوت عال، كناي البوص. بصراحة كأن ضحكتها لحن. ~~••• # حين اشترى جدي بطيخة كبيرة جدا ومخططة، التففنا حولها، كانت ~~النظرات قلقة، هل تكون ناضجة حمراء ومذاقها حلو؟ أو بيضاء؟ غرس جدي ~~السكين في رأسها ونزل به إلى أسفل، وسال ماؤها الأبيض، تفاجأ الكل ~~بأن البطيخة بيضاء، فضحكت جدتي على جدي، وقهقهت، فاحمر وجهه ~~خجلا، لأنه كان يدعي أنه ماهر في شراء البطيخ. كان يقول: «بطرقة ~~بسيطة على قشرة البطيخ، ومن الصوت تتعرف على البطيخة، حمراء أو بيضاء.» ~~فشل هذه المرة، ورغم أنها كانت بيضاء، لكن مذاقها كان جيدا. ~~جدتي دائما تحول الأشياء إلى الأفضل، أخذت قشر البطيخ، ووضعته في ~~ماء وملح، وبعد يومين أصبح مخللا بطعم جميل، ألذ من طعم البطيخ ~~الأحمر. # أيتها الشتلات حاولي أن تضحكي! فربما يتحرك التراب، هل تعلمين ~~لماذا لا ننسى جدتي؟ لأنها تضحك من تحت التراب، ومن كثرة ضحكها ~~تستطيع روحها أن ترج القبر، وتأتي إلينا، وتدور حولنا. # قالوا: إن كلام القرود ضحك، القرد حين يتكلم يضحك، كم هو جميل أن ~~يقال عن كل جملة تقولها ضحك! حين نشاهد القرد أيضا نحن نضحك. # | إيطاليا قريبة جدا # يبدو ms23 أننا لم نكن وحدنا في مقاومة الجدار، نحن نقدم الدموع والصبر، ~~وهناك من يقاوم معنا، يأتون من بعيد، من مناطق الأحلام في أوروبا، لقد ~~جاءت مجموعة من نساء ورجال، جاءوا من بعيد. وقفوا بجانب مزرعتنا، ~~يحملون لوحات، ويرتدون قمصانا سوداء، ويحملون حقائب كاميرات، بعضهم ~~يحمل صور «تشي جيفارا»، وبعضهم يلبس الكوفية. # رغم أنهم غرباء، لكنك تشعر أنك تعرفهم، يتحدثون بلغة غريبة، منظمون ~~جدا، يهتفون ضد الجدار بكلمات موسيقية، ومنهم من انطلق يرسم على ~~الجدار. وآخرون ينفخون في بوق بصوت جميل، جلسوا على الأرض، ورفعوا ~~أيديهم إلى السماء ناحية الجدار. # حين ذهبنا إلى منزل مدرستنا ياسمين للتعزية، رأيت صورة سيدنا ~~المسيح، له لحية بنية، أبيض الوجه، طويل، لا تمل من النظر إلى ~~صورته. # ولكن بكل صراحة هزنا مشهد بعض الرجال الذين كانوا يرفعون أيديهم ~~إلى السماء، كأنهم يتشبهون في صلب سيدنا المسيح. هذا المشهد لم أره ~~أبدا، جاء أحدهم إلى ناحيتي وأنا أجلس تحت شجرة اللوز، وقال بلغة غير ~~مفهومة، كأنها لغة إنجليزية، بعض الكلمات. # رددت بكلمة: «نعم، نعم.» # أنا أعرف عشر كلمات من اللغة الإنجليزية، كلها تحيات، وكلمة حب، ~~وكلمة مدرسة، وكلمة شكرا. # يبدو أنه أدرك أني لا أفهم لغته، فقال: «أنت ساكنة هنا؟» ~~«أنت تتكلم عربي؟» ~~«بعض الكلمات، أنا أصولي من الجزائر، ومعي جنسية إيطالية، جئنا في ~~مسيرة لمناهضة الجدار، نحن ضد الفصل العنصري.» # قال مجموعة كلمات لم أفهمها، مناهضة، فصل عنصري. # لكن كنت مبتسمة في وجهه، فاستمر في الحديث. # قلت له: «هل كنت تتحدث معي باللغة الإنجليزية؟» # قال: «لا، كنت أتكلم الإيطالية.» # ضحكت، وقهقهت بصوت عال، فضحك أيضا. # جلس بالقرب مني، وجاء معظمهم، وجلسوا على شكل دائرة، كانت شجرة ~~اللوز في المنتصف، وضعوا أشياءهم، وحقائبهم في منتصف الدائرة، وصاروا ~~يغنون. # كان أحدهم شجاعا، فاقترب من الجدار، وكان يحمل ألوانا، وبدأ يرسم ~~طفلة تمسك بيدها بالونا وتطير عاليا. الفتاة التي رسمها كانت ~~تشبهني جدا، كما أنه جعلها سوداء، كم كنت جميلة في الرسمة! # الشيء المدهش فتاة سوداء من بينهم ms24 ، الكل كان يدور حولها، كأنها قائد ~~المجموعة، اقتربت من الجزائري، وقلت له: «من هذه الفتاة؟ ولماذا ~~يسألها الكل؟» # قال: «هذه من أمريكا، وعائلتها عانت من العنصرية ضد اللون الأسود، ~~جدها قتل على يد رجل أبيض، وهي تعمل في حقوق الإنسان ضد ~~العنصرية.» # هززت برأسي، «أمريكا فيها عنصرية، معقول أمريكا فيها سود؟» # ضحك ~~الجزائري بصوت عال، وتساءل الكل عن سبب الضحك، فوضح لهم ما قلت ~~بلغة غريبة، فبدأ الكل يضحك. # قال لي: «في كل العالم توجد عنصرية.» # لم نتحدث كثيرا معا، ولم أتأمل في ملامحهم كثيرا، كل واحد منهم ~~يحمل قصة لسبب مجيئه إلى هنا. # بدأ صوت إطلاق عيارات من الجنود، قنابل مسيلة للدموع، فانطلقوا، وهم ~~يرجمون حجارة ناحية الجدار، منهم من كان معه مقلاع، ومنهم من اكتفى ~~بالتصوير. الصراخ والهتاف كان صاخبا، فوضى كبيرة. لكن دخان الغاز ~~المسيل للدموع كان أكبر من المشهد. تفرقوا، وهربوا، جاء جدي بزجاجة ~~كبيرة من الكالونيا، وصار يرش على وجوههم، وجاء رجال من الشرطة وأخذوهم ~~بعيدا، رجع الجزائري إلي، وقال: «سوف نعود لا تقلقي.» # رغم أنه كان يتكلم معي باللغة العربية، غير أني لم أفهم بعضها، لأنه ~~كان يتكلم بالفصحى. # | النوم # الشيء الثالث الذي أتقنته من مراقبة شتلات الكرنب، النوم. كان ~~يهاجمني دون ميعاد؛ كنت أصاب بالدهشة، حين أستيقظ وأجد نفسي في البيت، ~~أقوم مفزوعة كيف وصلت إلى البيت؟ فيبتسم جدي، ويقول: «الحمار حملك ~~إلى هنا.» # أخجل من نفسي، كيف لا أشعر بمن حولي وأنا نائمة! # أشعر أني أربي حدائق الأمل في شرفة النوم، وكنت أسأل صديقاتي هل ~~ينمن كثيرا؟ كن لا يستغربن من سؤالي؛ لأنهن أيضا مثلي، معظم ~~وقتهن نوم. # لماذا وأنا نائمة أشعر أني ألملم بقايا الرصاص في جيوبي! أحب ~~النوم؛ لأني أشعر أن الجدار يتحول إلى عقد جميل فوق عنقي. # كل ما أحتاجه وأنا نائمة أن أجمع كل أسراري في علبة صغيرة، وألقيها ~~بعيدا؛ لذلك أخشى أن يأتي أحد من عائلتي، ويسرق العلبة حين أتقلب، ~~وأزيح غبار التعب عن مزرعتنا، أقاتل، وأقاتل ms25 ، أقفز، أغني، وفي كل ~~لحظة يشاركني جواد، فارس الكالونيا، جزءا من حلمي. أشعر أن جسدي ينز ~~عطرا. # كأني أصعد درجا هشا من سراب، وكلما جاءت فكرة السقوط في نومي، ~~يأتي الجزائري، ويمسك يدي. # أظن أن جسدي مفكك من الركض، فتأتي أوراق الكرنب وتلفني، كأني أنا ~~سيدنا يونس والكرنب يقطينة الحياة. # في لحظات يطير النوم وقت الظهر، فأسترجع كلام الطبيب الذي زار ~~المدرسة في موسم التطعيم ضد الحصبة، بعد أن تناولنا حقن ~~الوجع. # قال الطبيب: «من عنده أو عند أحد من عائلته مرض يشكو منه؟» أغلب ~~زميلاتي في الفصل سألن عن الحمى والسعال والإسهال، والحكة، واحمرار ~~العين، ومكافحة القمل والصئبان، والبعوض الذي يلدغ من فوق ~~الملابس. # رفعت يدي وسألته: «كيف أنام بسهولة؟ مع كثرة ما نسمع من أصوات ~~القنابل والرصاص، وصراخ آليات الجنود. نظل طول الليل خائفين، ولا ~~نستطيع النوم!» # فرد: «حاولي أن تقفي على قدم واحدة، وأنت تغلقين عينيك.» وأشار ~~إلينا أن نقف، ونغمض أعيننا. حقا كأنه سحر، كل زميلاتي في الصف ~~سقطن أرضا. # أضاف الطبيب: «خذوا نفسا عميقا ولا تخرجوا زفيرا لمدة عشر ثوان، ~~ستنامون حالا.» ولم نفعل ذلك في الصف، لأن ناظر المدرسة دخل ~~غاضبا. # كان الطبيب ذكيا، حين أخبرنا بمعلومة هامة: «أما البعوض، فضعوا ~~قليلا من النعناع بالقرب من فراشكم، فلن يهاجمكم.» # لو أن الجنود مثل البعوض، بقليل من النعناع نخرجهم من فراشنا، من ~~أحلامنا، من نومنا، من مزرعتنا. # كلما اشتقت للجزائري، أو جواد، أقف على قدم واحدة، وأرفع يدي ~~جانبا كصورة المسيح، فأشعر أني أطير، وفجأة أسقط نائمة. # الغريب أني كلما رأيتهما أثرثر كثيرا، هما لا يتكلمان، فأندم لأني ~~لم أسمع صوتهما، أقول في نفسي: «المرة القادمة، سوف أصمت، وأسمع لهما.» ~~ولكن لا أستطيع ضبط ثرثرتي. # المزعج في النوم، أن أحلم بأن جنود الجدار يلعبون الكرة برأس الكرنب. ~~كانوا يقفون بشكل دائري، وأنا في المنتصف، أركض خلف الكرنب، وأركض، ~~وحين أحميه من أحذيتهم الكبيرة السوداء، ينزف دما أخضر. # | ظلان جديدان # أربعة أشهر، ونحن نتقلب على أغصان ms26 الانتظار، يبدو أن القصة سوف ~~تنتهي. أول تجربة لي مع الصبر مضت، إن تصبر، أو تضجر، فلا بد أن ~~تمر الأيام. نما الكرنب وصار جاهزا للحصاد. # مر الوقت كسلحفاة هرمة، قلق ونوم وأحلام ومعارك ودموع، ~~ورسائل ودعوات إلى الله، وشعوذة وتأمل وحب وكره، مر ~~الوقت. # جدي، يطل من طرف المزرعة. كان ظله طويلا، هذه بشرى لي، ظله ~~يرقص. # تأكدت حينئذ أن اليوم نهاية الماء، نهاية التراب، سنقلع الكرنب من ~~الأرض إلى السوق، جدي دائما دقيق في الميعاد. # لا يفوته أي شيء في عائلتنا. كل مولود يولد في بيتنا يكون أول ~~الحاضرين. هو من يوزع الأسماء علينا. قبل أن ينطق بالاسم كان ينظر في ~~وجه جدتي، ثم يسمي المولود. كل حجر في البيت هو وضعه، كأنه أول ~~جندي في سرية الحرب، لا يموت هذا الجندي، يشارك في وضع إشارة النصر ~~دائما. حلمك يا جدتي صار جاهزا. # مد يده يتحسس أوراق الكرنب، فقطع ورقة، ثم مضغها. بقيت في فمه ~~دقيقة، ثم بلعها، وأشار بيده ناحيتي، فجئت أركض. ~~«ماسة، الكرنب جاهز للحصاد، لا بد أن نجمعه الليلة بسرعة، أنا خائف ~~من جنود الجدار، وغدا لا بد أن يكون في السوق. سمعت أن سعره مرتفع. ~~ماسة، اجمعي كل من في البيت، الآن.» # وبعد لحظات، كانت كل العائلة تقف وسط المزرعة. وضع مزيون على رأسه ~~غطاء أسود، وبيده سكين كبيرة، رفعها إلى السماء وقال: «هيا بنا ~~لننهي المعركة.» # ضحك جدي، وضحكنا معه على حركات مزيون. انطلقنا نحضن الكرنب، ونحصده ~~برفق. # كانت تصدر أصوات من الأرض كأنها أغان، ورائحة الكرنب تفوح في ~~المكان، كأنها رائحة الكالونيا. # روحك يا جواد في المكان، روحك يا جدتي ترفرف علينا. # توزعنا كجنود بين ممرات المزرعة، يقطف جدي الكرنبة، ويرميها ~~باتجاه أمي، فتعطيها أمي لمزيون، ومزيون يعطيني إياها. # بدأت الكومة تكبر، وعشرات من رءوس الكرنب تتجمع. كان منظر ظلها ~~جميلا، كأنها جبل عظيم. # هذه فرصة رائعة أن يمارس مزيون مهارته في لعبة كرة القدم، حين كان ~~يلقي جدي عليه الكرنبة، فيقفز ms27 في الهواء كحارس مرمى، ويلتقطها ~~ببراعة، ويبتسم الجميع. # كنا نتحرك بسرعة، كدنا أن نجهز على نصف المزرعة، فأشار جدي لنا ~~بالتوقف، ونادى: «ماسة، كم عدد الكرنب في الكوم؟» قلت له: «ما يقارب ~~خمسين رأسا.» # فرد: «هذه آخر كرنبة اليوم، لا بد أن يمر أسبوع ونجمع الباقي. ~~مزيون سوف نختبر مهارتك في التقاط آخر حبة.» # ألقاها في الهواء ناحية مزيون، فقفز في الهواء، وحاول أن يلتقطها، ~~ولكنه فشل؛ لأنها سريعة. لم تسقط على الأرض؛ فهناك شخص آخر التقطها، ~~إنه أبي وعمي خلفه. # أبي وعمي، لو نعلم أننا سوف نراكم يوم الحصاد، لقدمنا الحصاد. ~~جاء جدي يركض نحوهما، بعضنا ظل واقفا في مكانه، وبعضنا صار يركض ~~ناحيتهما. # لحظة ليس فيها بكاء ولا فرح، وبكل صدق، هل نبكي في هذه اللحظة أم ~~نضحك؟ # نعبر أحيانا عن فرحنا بالبكاء، وعن حزننا كذلك، نستخدمه لهذه ~~الحالة، أو تلك دون شعور، أو إرادة منا. # البكاء يكون بعض الأحيان لغة التعبير عن آلامنا، ونلجأ إليه لإظهار ~~فرحنا أيضا. # إنه إذا وسيلتنا عندما يستبد بنا هذا الجدار. # وجودك أيها اللعين، يسكن الحزن في قلوبنا، فلا نجد ما نعبر به ~~وعنه إلا بالبكاء. # لا أعرف كيف نقاتلك، وليس عندنا مفاتيح أسرار القتال! # بعض الناس يفسر حالة البكاء عند الآخرين بأنها لحظات ضعف، وهذا ~~صحيح، ولكن ليس على الإطلاق. بعضهم يرى في البكاء جانبا عاطفيا ~~طاغيا، وأنه ليس بالضرورة أن يكون تشخيصا لنقطة ضعف لمن يبكي. # مع أن حالة البكاء تختلف من شخص إلى آخر، من حيث تواصله ودموعه ~~والصوت الذي يصدر عنه. # وأجمل ما في البكاء صدقه، والتلقائية التي تخيم على هذه ~~المناسبة. بكى مزيون ودموعه كانت عزيزة، وضحك، وأضحكنا ثلاثة أشهر، أو ~~أكثر. # قال جدي: «لا نريد أحزانا، وكذلك لا نرحب بالبكاء.» أخذ مزيون ~~ورقة من الكرنب، وراح يأكلها، وهو يبكي، وحين رأينا هذا المشهد، ضحكنا؛ ~~بل كاد صوت ضحكنا يحطم الجدار. # جاء صديق جدي، صاحب الحمار الذي جلب لنا شتلات الكرنب، جاء الآن ~~ليحملها إلى السوق. # لا ms28 أعلم لماذا يأتي كبار السن في حارتنا دائما، في الوقت المناسب ~~مثل الأنبياء؟ # قال له جدي: «سوف نضع رءوس الكرنب على حمارك، وغدا في السادسة ~~صباحا سوف ننطلق إلى السوق.» # | السوق # تعالت الأصوات، صوت جواد، صوت الجزائري، صوت الجامع، صوت ياسمين ~~كالأجراس، ضحكة جدتي. كلها كانت منبهات وأجراسا دقت في الساعة ~~السادسة صباحا. # الفكرة بسيطة جدا، نحمل الكرنب إلى السوق، ونبيعه فقط. لكن لماذا ~~نحن متوترون؟ جدي لم ينم، أبي يقف على الشباك، مزيون وعمي طوال ~~الليل يأكلان، أما أنا فقد حاول النوم اجتياحي قبل ميعاد السوق بساعة، ~~ولكني قاومت، وانطلقت مع عائلتي إلى المزرعة. # وصلنا المزرعة، كان الضوء خجولا، كأنه يحاور الظلام بالانصراف ~~بعيدا، البرد يلدغ أطرافنا، والصمت كان نشيطا جدا في هذه ~~اللحظة. # دخل جدي المزرعة، فوجد صاحب الحمار قد حضر قبل الجميع، فقال: «لا ~~أحد يسألني لم جئت قبلكم، اسألوا الحمار.» # تقدم مزيون إلى الحمار، وقال له: «لماذا جئت قبلنا يا حمار؟» # ربطنا ~~الكرنب جيدا، وركب صاحبه وجدي في الأمام. كنت أسير أنا ومزيون خلف ~~«الكارة». # أبي وعمي ظلا في المزرعة، وقالا: «سوف نلحق بكم، بعد أن نرتب بعض ~~الأشياء.» # قبل أن نصل إلى السوق، هناك حاجز وحيد صغير، عليه جندي، أو اثنان ~~دائما، والجندي يكون متعاونا مع أهل الحارة. # الجندي يعرف كل واحد باسمه، من الدهشة التي تصيبنا أنه كان يصرخ ~~بمكبر الصوت على كل واحد باسمه، وأين يسكن، وكم عدد أولاده، وما اسم ~~أمه. لكن نحن، أهل الحارة، لا نعرف سوى أشكالهم. الحاجز مغلق، والكل ~~مستبشر أن الإغلاق لن يطول نصف ساعة على الأكثر ويفتح، ونذهب إلى ~~السوق. يبدو أن الأشياء لا تقدر كما نحلم بها. # بدأ الناس يتجمعون واحدا تلو الآخر، رأيت كل زميلاتي في المدرسة، ~~ورأيت كل المدرسين، والناظر أيضا قد حضر. # تحاورنا كثيرا، والوقت طويل، وبدأ أحد المدرسين يقول للناظر: ~~«تأخرنا عن المدرسة.» # فرد الناظر: «اصبر فقد يفتح الآن.» # انتبهت بعض زميلاتي أننا سوف نذهب إلى السوق، والكل صار يهنئ ~~جدي بهذا ms29 العمل الرائع، والصبر على الجدار. هذا الكرنب هو أول انتصار ~~على الجدار. # فجأة قال الجندي بالمكبر: «ممنوع دخول أي شيء كبير، الأشخاص فقط، ~~أما السيارات والعربات والدراجات؛ فتعود إلى البيت.» # صعق من سمع هذا، الكرنب سوف يذبل، كيف لنا أن نعيده؟ لا بد من ~~حل. أشار جدي إلى الجندي: «يا خواجة، معنا بضائع لا بد أن نذهب ~~بها إلى السوق قبل أن تذبل.» # أجاب الجندي: «ممنوع، ممنوع، ارجع، وإلا سأطلق الرصاص عليك.» # حاولت بعض السيارات أن تدخل، ولكن الجندي أطلق الرصاص في الهواء. ~~الكل خاف، وبدأ بالتراجع. المدرسون والناظر دخلوا، ولحقهم بعض ~~الطلاب، وبعض المارة. # دارت في خلدي فكرة، فناديت على زميلاتي في الصف، أن يساعدنني في ~~حمل الكرنب. كل واحدة تحمل كرنبة في ثيابها، وتنقلها إلى الجهة الأخرى ~~من الحاجز. # بادرن في المساعدة، ووضعت كل واحدة منهن كرنبة في ثيابها. كأن ~~عشرات من الفتيات حوامل، وكان شيئا مضحكا. # حتى مزيون وضع كرنبة في ثيابه، وحمل كرنبة في يده. # رأى الجندي المنظر، وصرخ بصوت عال: «لماذا بطونكم منتفخة؟ كأنكن ~~حوامل.» # دخلنا الحاجز، ونقلنا الكرنب إلى الناحية الأخرى، حتى صاحب الحمار ~~دخل مع حماره بعد أن فك «الكارة» عنه. # رحنا نركض ناحية السوق، والحمار يركض خلفنا، ومن يتعب يحمل الكرنبة ~~على ظهره. # وصلنا السوق. فبسط جدي قطعة كبيرة من النايلون على الأرض، وصرنا ~~نضع رءوس الكرنب عليها، ونرتبها بشكل هرمي. رواد السوق شموا رائحة ~~الكالونيا تفوح في كل مكان. # الكل اقترب، وبعضهم اشترى دون نقاش على السعر. صديقة جدتي ~~اليهودية المغربية تقدمت إلينا، فحاول جدي أن يبتعد، سألت: «أين ~~هي؟ لماذا زوجتك ليست معك يا رجل؟ أشم رائحتها، أي شيء تزرعه جدتك ~~يكون مميزا.» # كانت توجه الحديث لي. # قلت لها: «جدتي ماتت قبل أربعة شهور، ونحن اليوم نبيع ما طلبت أن ~~نزرعه في مزرعتنا.» فبكى جدي، وبكت صديقة جدتي اليهودية. نفدت كل ~~الكرنبات خلال ساعتين، وجيوب جدي مليئة بالنقود، كأنها مغارة علي ~~بابا. وضع يده في جيبه، وأخرج كومة من النقود ms30 ، وأعطانا إياها أنا ~~ومزيون، وقال: «اشتريا ما ترغبان.» # اشترى مزيون بندقية سوداء بلاستكية كبيرة، تظنها حقيقية. أما أنا ~~فأعجبت بدفتر ملون كبير به قفل صغير، وحين تفتحه يخرج موسيقى ~~لطيفة، اشتريته، وعدنا إلى البيت. # مرت أربع سنوات، وكل موسم نختار شيئا نزرعه، كل موسم نقاوم، ~~ونحارب قنابل الغاز. الصبر أصبح جزءا من عائلتنا. أصبحنا مشهورين في ~~الحارات، وكلما انتقل جدي من سوق إلى سوق، يصر الناس أن يشتروا ~~منه. بعضهم كان يقول: «جاء الرجل الأسود، هيا نشتر منه.» # | دخل جدي ذكريات الدفتر الملون # عندما أطالع دفتري أتذكر جدي الذي كان مولعا بقراءته كثيرا؛ رغم ~~أنه بالكاد يستطيع أن يقرأ لضعف نظره الشديد. # وكنت مولعة جدا بقراءة ما أكتب في الدفتر منذ أن اشتريته، وكل يوم ~~أدون ما أقابل. # لم أعد كذلك، وكل شيء اليوم، لم يعد كما في السابق. # كتبت في أول ورقة من دفتري: # مرت الأيام بما يشيب الرأس من الجدار. # كنت حريصة على أن أخرج بإحساس وشعور واحد، ولكني عندما فرغت ~~اجتاحتني أحاسيس لا حصر لها، فطويت الدفتر، وألقيته بعيدا، ولسان ~~حالي يقول: ليس هناك ما يقال. # عندما أشعر أني وحيدة تجتاحني ذكرياتي مع جدي، وتحاصرني. # هو الإنسان الوحيد الذي لم أشعر بالوحدة وأنا معه. كنا نجلس معا في ~~المزرعة بعد المغرب قريبا من الأشجار المغروسة أمام الجدار، وكان ~~يصر على أن يحمل كل شيء وحده نافيا عن نفسه ما أتهمه به من أنه ~~بلغ من الكبر عتيا. يضع كرسيين و«تربيزة» صغيرة، ونجلس لشرب الشاي ~~باللبن. عندما نجلس يمسك بيدي، ويثرثر، ويثرثر، ويقول: «أنت وحدك من ~~يستمع إلي.» فأمازحه قائلة: «سأخبر جدتي حين تأتي لي بالأحلام، وستحطم ~~بعكازتها ما تبقى لك من أسنان يا جدي، فلا تثرثر بعدها، ولا ~~تشك أنه ليس هناك من يسمعك.» تنطلق ضحكة مدوية من حنجرة جدي، ~~ويسألني إن كان قد أثقل علي، فأهز مسرعة برأسي بعلامة النفي، ~~وأقول: «لا لا، أنا أحب أن أسمعك، وأحب أن أتحدث إليك.» # يصمت، ويصر كعادته أن يسكب ms31 الشاي بنفسه، وكالعادة أرفع الكوب فأجده ~~فارغا، وأجد جدي قد صب الشاي في الصينية، فأهمهم بكلمات تدل ~~على الضجر، وأمسك الإبريق، وأصب الشاي من جديد، وأقول لجدي: ~~«كبرت.» # فيقول: «الظلام بنيتي.» وتعلو ضحكتي، يزجرني لأخفض صوتي، فأضحك ~~حتى تدمع عيناي كعادتي، وأقول: «كبرت وربي، كبرت يا جدي، ألا ترى ~~القمر وقد اكتمل؟ ألا ترى كل هذا الضياء والنور؟» يبتسم ويتناول كوب ~~الشاي باللبن من دون سكر، ولعل لسان حاله يقول: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # جدي كان يحدثني عن التصالح مع الذات، كان يحدثني عن أشياء لا ~~أفهمها في كثير من الأحيان، فأهز رأسي، وقد أعقد حاجبي، وأقول: «لم ~~أفهم شيئا.» # لم يكن يشرح لي، بل يقول فقط: «ستكبرين بنيتي وستتعلمين الكثير، ~~الكثير، يكفيك أن تنصتي بهدوء لكل سكنة في الكون.» لعله كان يعني أن ~~الحياة وحدها تفسر نفسها. # أصمت وأرفع بصري إلى السماء فيمر شهاب، وتتلألأ النجوم على صفحة ~~السماء، ويبدو القمر في أبهى حلة، فأبتسم، وأنظر إلى جدي، فأجده ~~يطيل النظر إلى وجوه المارة، يفترس ملامحهم، وعبثا يحاول ~~التعرف عليهم، فيسألني من هذا؟ ومن هذا؟ ~~«هذا جارنا يا ~~جدي.» # فيلقي عليه التحية. ~~«والباقون؟» ~~«عابرو سبيل يا جدي.» ~~«مثلنا!» ~~«نعم.» # يغادر جدي مع جاره إلى المسجد، ويعود. # لدى جدي عادات غريبة، فهو يتناول الكوب الثاني من الشاي باللبن مع ~~ملعقة واحدة من السكر، وقليل من البسكويت، بما تبقى له من أسنان. ~~وأخبره أني أريد أن أنام أنا وابنتي زينة. # نعم تزوجت من شاب يشبه الجزائري، وكانت رائحته تشبه رائحة ~~جواد، حين حضر أول مرة لبيتنا، لم أقل لا، بل بكل إصرار وافقت عليه. ~~وبعد عام من الزواج رزقت بزينة وأسميتها على اسم جدتي. # هكذا هو جدي. عندما يطلب مني أن أتحدث، فأخبره أن ليس لدي ما ~~يقال. ~~«ربما، عندما أكبر قليلا يا جدي، فسيكون هناك الكثير الكثير مما ~~يقال.» ~~«هل تعديني بذلك؟» ويعقد إصبعه الخنصر علامة الوعد، فأفعل مثله، ~~ويشبك إصبعه بإصبعي، ويقول مبتسما : «كنا ms32 نفعل ذلك عندما كنا ~~صغارا.» # كنت أزور جدي كل أسبوع. آتي يوم الخميس من حارتي الجديدة، حارة ~~زوجي، وأسهر معه حتى منتصف الليل. # يمر اليوم ولا أروع منه! وأشعر بالحياة تملأ كياني، والدموع لا ~~تفارق عيني من كثرة الضحك. نعود وعندما تفصلنا مسافة ساعة عن المزرعة، ~~أو أقل عن الوصول إلى المنزل، يوقف جدي عربة الحمار، لنواصل سيرا ~~على الأقدام. وأسير معه، بطواعية، وأجد نفسي مع جدي متأبطة ذراعه، ~~والشمس توشك على المغيب، فنرى الشفق الأحمر، وقليلا قليلا تداعبنا ~~آخر خيوط الشمس معلنة الرحيل، فنسرع في خطواتنا حتى لا تنام زينة ~~على كتفي، فتشعر بالبرد. # اليوم أعد جدي كل شيء وحده، حتى الشاي، فلم يترك لي شيئا ~~أقوم به. جلسنا، وصب الشاي. كانت الغيوم تحجب ضوء القمر، تناولت ~~الكوب فوجدته ممتلئا. وشعرت بالخوف، ولا أدري لم تناول جدي كوبا ~~واحدا من الشاي مع ثلاث ملاعق من السكر دون أن يتكلم، ثم قال: ~~«تصبحين على خير، ديري بالك على ابنتك زينة إنها تشبه جدتك ~~كثيرا، أتمنى أن يكون حظها أفضل من حظ عائلتنا.» ثم ذهب إلى غرفته، وغادرت إلى غرفتي، وخلدت للنوم. # استيقظت الساعة الرابعة إلا ربعا على صوت صراخ وعويل، انتفضت ~~مذعورة، وهرعت لأرى ما الأمر، وخوفي أن أسال من ...؟ # توفي جدي، وبقيت ~~المزرعة تقاوم، والجدار يكبر يوما بعد يوم. أبي وعمي وأولادهم كلهم ~~يحاولون أن يقفوا أمام تهويد مزرعتنا. # دفن جدي عند آخر شجرة لوز زرعها هو وجدتي. ms33