######OpenITI# #META# URI: 1450HaniSalimi.Mulahiq.Hindawi42620818 #META# Tags: novels #META# ID: 42620818 #META# Title: المُلاحَق: المسيحي الأخير #META# AuthorID: 42508082 #META# Author: هاني السالمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لماذا اخترتني لأكون بطل روايتك؟‏ # المقهى‏ # كل هذا لأجل الثبات‏ # مراقبة‏ # الميلاد‏ # تفاصيل لا بد منها‏ # اجهز الآن‏ # زوجها العزيز‏ # تجارب‏ # في السيارة‏ # أسرار‏ # الوصية‏ # جاكيت أسود‏ # سؤال هادئ‏ # قريب جدا منك يا أبي‏ # رحلة مدرسية‏ # لماذا اخترتني لأكون بطل روايتك؟‏ # المقهى‏ # كل هذا لأجل الثبات‏ # مراقبة‏ # الميلاد‏ # تفاصيل لا بد منها‏ # اجهز الآن‏ # زوجها العزيز‏ # تجارب‏ # في السيارة‏ # أسرار‏ # الوصية‏ # جاكيت أسود‏ # سؤال هادئ‏ # قريب جدا منك يا أبي‏ # رحلة مدرسية‏ # | الملاحق # | الملاحق # | المسيحي الأخير # تأليف # هاني السالمي # هذه الرواية تدخلت في كتابتها وعدلت على جملها، هو أنا «ميشيل عواد» بطل الرواية؛ أنا ~~شخصية خيالية صنعها الكاتب في لحظة تشابه الرحيل والهروب من واقعك إلى واقع آخر تظن أنه ~~سيكون أفضل، أطلق الكاتب علي اسمين؛ اسم «ميشيل» في الهوية الشخصية، واسم «نضال رجعي» في ~~الشارع. # في بداية الأمر كنت مستاء من اسم نضال، وكنت لا أطاوع الكاتب في الحركة والوصف، وأمتنع ~~عن نطق الجمل في الحوار. حاولت مرتين أن أمد يدي من بياض الصفحة وأصفعه. محاولاتي بالرفض ~~لأنه ظن أني دمية وهو قادر على تحريكي أين يشاء. # وقد تجد الكثير من لحظات التدخل مني في صياغة الجمل؛ لأن الكاتب متهور جدا، وليس عنده ~~صبر في نطق الحكم على الآخرين. # لم يعن لي أن يترك شعري أشعث، أو يفتح أزرار قميصي العلوية ليظهر وشم صدري، وإصراره أن ~~أرتدي اللون الأحمر؛ هذا اللون هو دم المسيح الذي يخلصنا من الخطايا. في أغلب المشاهد في ~~الرواية يضع كئوسا فارغة فوق الطاولة مكسوة بقماش أزرق، ويعلق على الحائط صورا ~~طويلة لقديسين في معظم المشاهد. ~~(الكاتب يعتبر أن كل شخصية تضع طربوشا أحمر مميزا، وترتدي ثيابا تزهو باللون البني، ولها ~~ذقن طويل وتحمل كتابا مخملي الغلاف، والسيف لا يكاد يظهر في اللوحة؛ يقول هذا قديس، وهو ~~معجب بالقديس جاورجيوس الذي ولد سنة 280م في مدينة اللد في فلسطين لأبوين مسيحيين من ~~النبلاء. # جاورجيوس توفي والده؛ فاعتنت به والدته وأنشأته في جو عائلي مسيحي، ولما ms01 بلغ السابعة عشرة ~~دخل في سلك الجندية وترقى إلى رتبة قائد في حرس الإمبراطور الروماني دقلديانوس. # كان الرومان يضطهدون المسيحيين في تلك الفترة، لكن جرجس لم يخف عقيدته المسيحية رغم ~~انضمامه للجيش الروماني، مما أغضب الإمبراطور دقلديانوس؛ فأخضع القديس لجميع أنواع التعذيب ~~لرده عن دينه، لكن دون جدوى. العديد ممن شاهدوه معذبا تحولوا إلى المسيحية، حتى ~~الإمبراطورة ألكساندرا زوجة الإمبراطور. بعد وفاته أعادت رفاته ليدفن في مسقط رأسه بمدينة ~~اللد بفلسطين.) # في بعض الأحيان كان يطلق علي «القديس جرجس»؛ لأنه فلسطيني قاوم وظل في الوطن، وحتى إن ~~الله اختار جسده أن يدفن في فلسطين (اللد)؛ لأن هذا القديس دافع عن بقائه. # وأنا بنظره روح جرجس التي نزلت بجسد نضال الرجعي؛ ليظل ثابتا. وكان يفجر رأسي بترديد كلمة ~~الثبات، وكأنه طائر نقار الخشب يحطم ساق الشجرة ليبني عشا، أو يصطاد دودة. لا أعلم لماذا ~~يردد كلمة الثبات؛ ليبني في رأسي فكرة، أو يخلص رأسي من شيء يراه خطأ في حياتي في غزة؟ # ردد على مسمعي جملة «من يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه ~~عثرة.» وبعد ذلك سألته: من قال هذه الجملة؟ قال: «رسالة يوحنا.» ~~«الرسالة التي اتفقنا أن تصل لكل العالم من هذا العمل، أنا بطل الرواية والكاتب؛ لا بد من ~~المسيحي في غزة مقاومة الهجرة، مقاومة الاندثار، وليس تفضيل المسيحي في غزة عن غيره.» ~~«بكل صدق إن أعداد المسيحيين في غزة تتناقص، وخاصة في أعياد رأس السنة؛ حيث يقدم ~~الكثير للهجرة من غزة بحجة المشاركة في الاحتفال خارج غزة.» # وحين انتهت هذه الرواية، ودخن الكاتب سيجارة الانتصار على التفاصيل والقلق والقرف الذي ~~لازمه عامين من الكتابة، وصارت المخطوطة بطريقها إلى النشر، بعد أن اتفق مع الناشر حول الغلاف ~~وحجم الخطوط وشكل الرواية، وبعد تحول الكتابة من الورق الأبيض واللون الأزرق إلى نسخة ~~إلكترونية؛ كنت أخرج من جهاز الحاسوب على هيئة الكاتب، وأفتح النسخة وأعدل بعض الأحكام ~~والأحداث. # والسر الذي لا يعرفه الكاتب أني مسحت الجمل الطويلة، والجمل التي تحمل ms02 تفسيرين ؛ أنا لا ~~أريد أن أقول بأن المسيحي في غزة مسكين أو ظالم، محظوظ أو شقي. ~~«أعتقد يا كاتبنا العزيز، أن أصل الأشياء الروح؛ الأرواح تتقابل قبل الأجساد. أقصد ~~بأنك تصر أنك قد رأيتني قبل أن نتقابل في هذا المكان.» # أنا أؤكد لك أننا في غزة لم نتقابل دونها. غزة «غزة رغم تفاصيلها؛ اكتظاظ الشعراء، ~~انتشار المقاهي، حركة السيارات، انتشار الموضة، تزايد أعداد المدخنين، عشرات الملتحين، تجد ~~نساء باللون الأسود وغيرهن يعتري قلوبهن السواد في شارع الجندي المجهول. # أسلاك الكهرباء المبعثرة في السماء، عدم التزام إشارات المرور بالإضاءة، بحر واحد ومئات ~~القصص، بيوت رمادية اللون كأذرع الأخطبوط تمتص الأكسجين من رئة المارين؛ رغم هذا تبقى غزة ~~صغيرة جدا، وأي شيء وارد فيها.» # هو حالنا في غزة، كلنا نحمل صفات النبوة، «كلنا أنبياء» بدون رسائل؛ يبدو لأن في ~~فلسطين ولد، وعاش، ودفن، ومشى، وركض، وبكى، وانتصر، وانهزم بها الأنبياء. # وأعود لفعل دفن ~~الأنبياء في أرضنا؛ غزة أرض الدفن، ونحن كالأشجار نمتص ماء الأرض. وقد اختلط ماؤها بأرواح من صار جزءا من ~~أملاح ومعادن ورائحة التربة. # أقصد هنا لو مر رجل يضع عطرا، وحين تحضر للمكان تقول: ما أجمل رائحة هذا العطر! ونحن لا ~~بد أن نعيش نلاحق الجمال فقط. # يوما بعد يوم يعيش أهل غزة على الخرافات والأسطورة؛ أذكر يوما خرج معظم الناس إلى الشوارع وقالوا: إن التربة تحت أشجار الزيتون مضيئة وتلمع ~~كنجوم سماوية. # كان كاتب هذه الرواية أحد الذين نبشوا التربة ليتأكد من أنها تلمع كالنجوم، وتأكد من وجود ~~هذه الظاهرة، وانتشرت الشائعات بأن هذا الضوء دم الصالحين النائمين تحت تراب غزة. # أنا أيضا ميشيل كنت أحد الذين غرفوا حفنة من تحت شجرة الزيتون. دققت النظر والبحث في حفنة ~~التراب؛ وجدت بقايا جسد دودة منتشرة في التربة هي التي تعكس الضوء، وتجعلها تلمع، «وقتها ~~كانت نساء المخيمات تفرك وجوهها بالتراب اللامع». # هن نساء غزة يبحثن عن الجمال، حتى حين يقترب موتهن يصبحن جميلات. ويذكرني هذا بجدتي؛ كانت ~~تبحث عن ms03 أثواب الحيات (قشور الحية بعد أن تغير جلدها)؛ لتمسح عينيها به فتشعر بنفسها ~~كليوباترا، وجدي أنطونيو. # نمتاز نحن في غزة بالتعايش مع القبح لنتجمل به. غزة قبيحة لكن نحن جميلون في وقت من ~~الأوقات، والعكس مقبول. # أنا معتقد بأن وجودنا في غزة مهم جدا. رغم صغر مساحتها إلا أنها تجمعنا كلنا؛ إنها ~~كبالون الأطفال الصغير جدا، كبير عند الحاجة يتسع كل هواء صدرك. # الشيء المزعج مئات الثمار كانت تزرع في غزة، وكنا نشبه هذه الثمار؛ بالشكل والرائحة، ~~والمهنة، حتى صغارنا نطلق عليهم أسماء الثمار. # البرتقال المنتشر قديما في كل شوارعنا كان جزءا من ألواننا، رائحتنا، ومهنتنا. البرتقال ~~حاول أن يقاوم القلع من الدبابات. قتلت ملايين من حبات البرتقال، لكن تجده في غزة موجود ~~ويقاوم ويتعايش رغم الهواء الفاسد وأبواق السيارات التي تزعج نومه في أرضنا. # قال الكاتب لي: أنتم مثل بالون الأطفال، مثل حفنة التراب، مثل البرتقال في داخلنا، ولا بد ~~أن تبقوا. # حدث هذا كله حين قابلني أول مرة؛ كان مندهشا، دار حولي بدوائر مرتبكة، كالثعلب حين يدور ~~حول الدجاجة يريد اصطيادها دون أن يشعر به المزارع أو كلبه الخشن الصوت. كل مرة يحاول أن يطرق ~~السؤال أنه يعرفني، لكنه يتراجع. # هذا وارد في الأرواح، لكن أنت لم ترن قط، ولكن ما حدث معك هو ظاهرة ~~الديجافو # Dejavu # كلمة فرنسية تعني «قد حدث من قبل»، ~~وتعني حرفيا بالإنجليزي # already seen ~~؛ وهي الإحساس ~~بالألفة مع شيء يفترض أنه ليس كذلك. # أقصد لو أنك سافرت لمكان لأول مرة في حياتك، ودخلت مطعما مع أصدقائك، وتجلسون حول الطاولة، ~~وتتناولون طعامكم بينما تتناقشون في موضوع ما، وفجأة دون مقدمات ينتابك الشعور بأنك قد مررت ~~بهذه اللحظة (بكل ما فيها) من قبل في نفس المكان، نفس العشاء، نفس الموضوع، نفس الأوجه ~~المحيطة بك ... كل شيء كأنه حدث من قبل، ولكن أين؟ متى؟ لا تتذكر! # وليس هذا فقط، ربما أنك قد تتذكر ما سيحصل في الثواني القادمة (كأن يسقط شيء أو يمر شخص ~~ما أو ms04 أي شيء)، وفعلا يحدث ! # الذي لا بد أن يعرفه من يقرأ الرواية الآن، بأن الكاتب مصاب بمرض «متلازمة الدهشة». # | لماذا اخترتني لأكون بطل روايتك؟ # قال لي: أنت تشبه اللعبة القديمة من السوق العتيق، تشتريها الأرملة لأولادها الثمانية. ~~لعبة واحدة تكفيهم؛ شعرها من الصوف الإنجليزي الثقيل، جسدها مكسو بالقماش التركي الخشن، ~~عيونها أزرار معطف فرنسي قديم. تصبح اللعبة الولد التاسع في البيت. # يتقاسمها الأولاد بالوقت والمكان، بالحياة؛ وهم يركضون فتركض معهم، وهم يستحمون في الوعاء ~~الأحمر تقاسمهم فقاعات الصابون. # اللعبة لا تبرد ولا تمرض؛ الأولاد الثمانية يصلحون وجهها، ويحيكون لها كل يوم ثوبا ~~جديدا من دفاتر المدرسة؛ تجدها يوما تلبس قميصا مرصعا بعبارات النحو والصرف، ويوما تجدها ~~بثياب ورقية تعج بالمعادلات الرياضية. # تجدها تجلس فوق الخزانة. كل يوم لها اسم جديد حسب القصة التي ترويها أمهم قبل ~~النوم. # تكتم أخطاءهم الصغيرة؛ من سرقة الكعك، من كسر الأقلام، من ضرب حجارة الشارع بالحذاء ~~الجديد، المشي تحت المطر وتحطيم كل نصائح الأم بالحفاظ على ملابسهم لتصمد ليوم العيد ... هذا ~~الولد التاسع هو بنك من الأسرار لتفاصيلهم الثمانية. # الجميل أن هذه اللعبة لا تموت؛ تورث كالأرض، كالبيت، كالبندقية المصرية التي حارب بها ~~الأب أمام جيش الهاجانا أيام النكبة، تورث للأحفاد. ~~(يذهب الأولاد الثمانية، وتبقى اللعبة (الولد التاسع) في شوارع الحي تتجول.) # رغم أن الألعاب البلاستيكية سهلة الشراء، يمكنك شراء ثماني قطع لولد واحد. يكون الأب ~~سعيدا وابنه يحطمها واحدة تلو الأخرى. # يذكرني هذه التطور في الألعاب بسيدة تضع تسعة أجنة (أطفال الأنابيب)، كلها تتساقط إلا ~~جنينا واحدا يشبه الولد التاسع (اللعبة القديمة). الحاجة وقتها لاقتناء هذه التحفة؛ تنفخ بها ~~روح الصمود ومقاومة النخيل للريح. # أنت يا بطلي لا بد أن تكون مثل الولد التاسع. # عليك أن تتوقف عن سذاجة الانتظار، والبكاء على الأطلال والتحسر على ما فات وكان، فلا شيء ~~يفيد حقا ولا ماضي سيرجع. # ولا وقت سيرسل عقاربه لتستند عليها مجددا؛ فالرحيل هو الرحيل، ولا تولد منه عودة. # سأحاول أن أفرغ الألم، وأفرغ ms05 ما بجعبتي من كلام بعد ثلاثين من السنين عشتها بكل ما فيها من ~~ألم وهناء، حزن وفرح ... # أرى علامات استفهام كبيرة على رءوس من حولي تستفهم عما حصل بين أرواحنا وأجساد مختلفة. # نعم، ولكن الأرواح مترابطة، فبعض كلمات من أفواه غبية هدمت محبة وفسحات العيش داخل هذه البقعة ~~الصغيرة. # قال لي أيضا: انتظرنا طويلا حتى تكبر، كما تنزع البذور عن نفسها قشورها، ثم تمضي قدما تشق ~~طريقها في تحدي الصخور والأشواك؛ فتخرج على وجه البسيطة أشجارا باسقة قوية، كذلك أنت حين ~~كنت تحبو على بلاط غزة. لم أتوقع منك الهروب أو التفكير في ذلك، وتتحول إلى ذاكرة للباقين، ~~ينتظرون رسائلك وهداياك من أماكن بعيدة جدا، أماكن باردة والثلج يكسو أقدامك. كل ما أخشاه ~~أن تتذكر غزة في يوم النكبة فقط. # كل ما ستفعله في هذا اليوم أن ترسل علم دولتك الجديدة كتذكار، أو ترسل مفتاحا من الكرتون ~~لتقول لنا اصبروا. كل ما علينا وقتها أن نشم رائحة الخمر في هداياك، ونلاحق النساء بين ~~كلماتك. # اعلم أني اخترتك لتكون بطلا لروايتي؛ لتتعلم الصبر الطويل وأنت تعد ظل الطائرات، وأنت ~~تلملم صوت الرصاص من نافذة الجيران، أن تنظر كيف نقطر مياه البحر قطرة، قطرة، لتشرب بعد ~~يوم طويل من الصيام في تموز. # نرغب في أن تجلس معنا على مائدة الإفطار، والجنود الغاضبون يقفون أمام البيت يبحثون عن ~~طفل رشقهم بالحجارة. نرغب أن تشاركنا نصف الملح، ونصف الخبز الناشف. نرغب جدا أن تبقى ~~عندنا لتشاركنا رائحة أحلامنا باللحمة المشوية. # راقبتك جيدا ودققت في تفاصيلك، وأعجبني منك هذا الموقف؛ حين أخذك أبوك إلى كنيسة ~~المعمداني القديمة، كان الحاضرون يرتلون الآيات ويطيرون أرواحهم فوق أسوار الكنيسة بالخشوع ~~والبكاء تحت صورة مريم وابنها. # وحدك أنت لم يغرك البكاء ولا الخشوع، كنت فقط تراقب زوج الحمام من نافذة الكنيسة وهما ~~يغازلان بعضهما البعض. راقبت ذكر الحمام وهو يبني عشا في ثقوب الكنيسة. لأنك أحببت الحمام؛ ~~وضعت بقايا الشمع وقصاصات الورق من كتاب نشيد الأنشاد المهترئة، بالقرب من ms06 النافذة ~~لتساعدهما في بناء عشهما. حين أشار لك الأب بالوقوف «الآن وقت الدعاء»؛ رفعت يدك في وجه ~~مريم وقلت: يا مريم، احمي الحمامتين وأخبريهما أن يطلقا اسمي على صغيرهما. # الزغلول يا ميشيل صار حمامة بيضاء كبيرة، ترك ريشه الأصفر فوق بقايا كتاب الأنشاد وغادر ~~بعيدا. لكن حين قررت أنت الرحيل صارت نوافذ الكنيسة تنوح، وسقفها بدأ ينهار، والكتب ~~احتلها الغبار، والكراسي بدأت تقدم نفسها كمذاق الانتحار للنار. هاجم الغراب كل الأعشاش ~~وهاجر الحمام ولم يعد. # لا تقرر الرحيل؛ أنت مثل هذا الرصيف الصخري الممتد في مياه البحر العكرة. تسبح أسماك ~~«البوري» في تفاصيل القوارب بين الطحالب الخضراء والأصداف الميتة. # أن تمشي في شوارعنا وتلتقط بقايا الخبز من تحت عجلات السيارات، وتضعه على الرصيف أو ترميه ~~فوق سطح البيوت (القرميد القديم) لتأكل عصافير الدوري؛ هذا شيء عظيم لا تحرمنا منه. تحزن ~~حين ترى أحدا يرمم ثقوب جدار البيت الخارجية، تقول وقتها: كم عصفور يفقد عشه! كم نحلة ~~ستغادر المكان! وتحزن جدا حين ترى الطيور في الأقفاص، ولا تأكل العسل من الخلايا الصناعية. ~~كل هذا أنت الوحيد يا ميشيل تفكر فيه وحدك. # عزيزي الكاتب، كل يوم يضيق الأفق علي؛ حياتي في غزة كياقة قميص ضيقة ومعلق بها ربطة عنق ~~عريضة. أنا لا أجيد الانتظار مثل الميناء (لا تصف بالميناء إلا إذا رست به القوارب). ~~الأشياء لا يكتمل وصفها إلا بمهنتها. # عزيزي الكاتب، أنا أيضا أعرفك جيدا؛ مصاب بمتلازمة الدهشة، يصفر صدرك حين تتحدث معي كأنك ~~مصاب بداء في رئتك. رائحتك قريبة جدا للطين، أنفاسك خليط من نعناع ودخان خفيف، عيناك ~~خضراوان كورق التين في الربيع، ترتدي قمصانا بأكمام طويلة وتغلق أزرارها. # حين تقدم النصيحة لي كأنك واثق من نفسك كوتد خيمة الرحيل تقاوم الشتاء والريح والعواصف ~~والشمس، هذه الخيمة صمدت أكثر من ستين عاما وما زالت واقفة. تحب الجلوس على قارعة الطريق، ~~لا تهرب حين ينزل المطر، تراقب الخنافس حين تعبر الطريق السريع وتصفق لها حين تنجو من سرعة ~~الموت، تحب أكل ms07 السمك الصغير، وحين تنتهي تقول أنا لا أجيد التمييز بين أنواع السمك، كله في ~~فمي طعم واحد. # تضع أي عطر، وتضعه حين تكون مسرعا فقط. تحلق ذقنك بماكينة حلاقة زرقاء رخيصة الثمن، ~~مهندم دائما كأن عليك ميعادا مهما رغم أنك لا تجلس إلا معي في أواخر الشتاء، تنشط كقطط ~~شباط في الكتابة. لم تحب كأي فتاة، هذا ما أخبرتني إياه لأنك تحب أن تمارس الحب من طرف ~~واحد. # لا تعزف الموسيقى ولك تجربة وحيدة، حين أغراك البيانو الأسود الضخم المتروك في زاوية عملك ~~القديم؛ مشيت إلى ناحية البيانو وفي وجدانك نغمة تريد أن تعزفها، حاولت أن تترك أصابعك ~~تسبح على أزرار البيانو، وعزفت وصارت الأنغام تشبه صوت السعال الديكي الذي يصاب به الأطفال ~~في فصل الشتاء، وقتها قامت سكرتيرة المدير بالصراخ عليك؛ فانسحبت وخجلت من نفسك لتدميرك ~~مزاجها في السمع. # لا تحب أن تجوع، وتحب التقليل من الضحك لتخفي أسنانك المصابة بالتسويس من كثرة الشوكولاتة ~~المصرية رخيصة الثمن. # حين اشتد الحصار على غزة، وشح الوقود من المحطات؛ صار أصحاب السيارات يستخدمون زيت القلي ~~المستعمل لتشغيل السيارات. كنت في وسط ساحة غزة، تريد العودة للبيت، فدخل في رئتك عادم ~~الزيت؛ منذ ذلك الوقت وأنت تستخدم البخاخة الزرقاء لتساعدك على التنفس، وعلى الكتابة ~~أيضا. # لا تجيد التمييز بين النساء ولا العطر ولا السمك؛ تقول في النساء لا تعرف سوى زوجتك. ~~خالك أخبر أمك: هل تريدون أن تزوجوه؟ قالت الأم: نزوجه. قال: عند ~~جيراننا بنت جميلة. وبعد أسبوع صرت زوجا على مزاج خالك. # وبخصوص العطر المهم جميل، ولا يهمك علاقة العطر مع مكونات العرق. # السمك كنت تفضح كل المدعين أنهم خبراء في السمك، كنت تحضر أرخص الأنواع وتقدمه لضيوفك ~~بشكل أنيق في أطباق مميزة، وتقول لهم: هذا السمك من أغلى الأنواع. كانوا يأكلون بشراهة دون ~~تمييز، وفي آخر الجلسة تكشف لهم الخدعة. # لحبك للأطفال كنت تقتل كل فئران وصراصير الحي، وصرت صديقا للبيئة في نظر رجال بلدية ~~المدينة، وشعرت بالخطيئة من قتلك الفئران ms08 والصراصير حين شاهدت مسيرة كبيرة على التلفاز ~~بأوروبا لمناهضة عمل تجارب علمية على الحيوانات في سفن الفضاء التي تهبط على القمر. وقتها ~~قلت: حتى الفأر يحترم ويقدم له الجبن المصنوع من حليب أنهاد نساء الوطن العربي. «كم أنت ~~عظيم يا فأر!» # لم تشارك في المقاومة؛ كان رأيك كلنا نقاوم. رجال المقاومة يشبهون الباعة في سوق الأربعاء؛ ~~الأكثر احتراما الذي يبيع اللحم والدم، كل المتسوقين يطرحون عليهم التحية الصباحية فقط. # لكنك اعترفت لي أنك كنت فضوليا لمرتين في المقاومة؛ مرة أحببت فكرة أن تضع قماشا أسود على ~~رأسك أنت وأصدقاء الكرة، ففعلتها وصرت ملثما تركض في شوارع الحي، وكرهت هذا التجربة لأنك ~~وقعت أكثر من مرة وأنت تركض؛ ضاق شهيقك وكنت سوف تختنق من اللثمة. كنت تحمل بيدك طلاء ~~وفرشاة لتكتب كلمة «فلسطين». وقتها فقدت اللغة كما فقدت تنفسك الطبيعي؛ أخطأت عشرات ~~المحاولات أن تكتب كلمة فلسطين على حائط شارع البحر، وقتها جاء طفل صغير وكتبها عنك. # الأخرى حاولت أن تشارك الطلاب في المدرسة برشق الحجارة على شاحنات الجيش الخضراء، رميت ~~حجرا وحيدا ارتطم برأس سيدة تعبر الشارع، فيما بعد عرفت أنها كسرت جمجمة رأسها ودخلت غرفة ~~العمليات. ذهبت أكثر من مرة إلى غرفتها في المشفى لتطمئن أنها ما زالت تملك ذاكرة. # كل من حولك هربوا حين ركض الجنود خلفهم، حاولت أن تركض وتجري بسرعة، لكن قدميك تحولتا إلى ~~حجارة ثقيلة، وقتها لم تتحرك؛ فأمسك بك الجندي الروسي الضخم الأبيض، فصفعك على وجهك، فتبولت ~~في سروالك (تبولا لا إراديا) وطحنك الجنود من الضرب. لكن هذه التجربة محبوبة عندك لأنك أول ~~مرة ترى مجندة جميلة بزي عسكري في معسكر الجيش، وكانت لطيفة معك؛ قدمت لك الخبز الإسرائيلي ~~(ليخم). ~~••• # كلنا مخطئون لأننا نقطع على بعضنا الطرق، فأي طريق نختاره؟ الكل في المرصاد، وكأنه موسم ~~الحصاد. # فلن يحلق أبدا أي منطاد. علينا الاعتراف جميعا أننا بلا إرادة، بلا حرية نموت لأجلها ~~فتصبح عادة، وعلى رءوسنا تاج السيادة. نحن بلا قيادة، بلا ريادة. علينا أن ms09 نعترف بأننا في ~~مأزق كبير في طريق معتم طويل، تائهين في غابة ملأى بفوضى التراتيل. صعب عليك النضال، فستكون ~~طبلة في يد ألف طبال. صعب علينا الكفاح فالرياح في وطننا ليست كباقي الرياح. # ستصطدم بسيف أخيك من وطنك ينحرك لا يحميك، أخوك الذي من مدينتك لا يسقيك، من قريتك لا ~~يلبيك. آه، ربما من أقربائك فينهيك. # يا عزيزي نحن في بحر عميق ضيعنا ضوء القمر. سفينتنا بلا قبطان، وكل منا يعبد على طريقته ~~القدر. ليس عيبا علينا أن نعلن يوما أننا نشبه السراب، نشبه الخراب. نعم، كلنا نصلي ولا أحد ~~منا وجهته نحو المحراب! كلنا نسينا أو تناسينا وحدة التراب. فهل صعب أن نبدأ من جديد، أن ~~ينصهر هذا الوجدان الذي تحول إلى حديد؟ هل مستحيل علينا أن نعيد الحياة في الزغاريد؟! ~~في أول لقاء لي في السماء؛ هل خلقنا كي نفترق، كي لا نتفق، كي نملأ الإبريق كلاما ومن ثم ~~يندلق؟ # كلنا مخطئون لأن القبلة واحدة وكل يصلي على ليلاه. كلنا مخطئون لأننا نلغي بعضنا، نهين ~~أوساطنا، ننعزل في تفكيرنا. # كلنا مخطئون ولا داعي للمحاسبة، لا داعي للمعاتبة أو المضاربة، لا داعي للنميمة ~~والمحاربة. كلنا أنبياء، وللمصادفة، لكل شخص منا كتاب يفتحه بمناسبة أو بدون مناسبة. نحن في ~~غزة لدينا طباعنا المهذبة، وأحلامنا المرتبة، وانتصاراتنا المرطبة، وهزائمنا المقطبة، ~~حياتنا كوفياتنا مشطبة. # أرجوكم لا تعلنوا، لا تفكروا بالأمر؛ فما يسترنا هو بعض الفشل والثياب. سامحوني إن أخطأت ~~أيضا بحقكم، فكلنا مخطئون لأننا مسيرون لا مخيرون، وأنا يسيرني إلهام الشك والظنون. # | المقهى # في تلك اللحظة التي تكون فيها كبيضة مشقوقة؛ نصفك حزين ونصفك الآخر يحاول أن ينتعش من ~~الأخبار السيئة التي تدور حولك كدخان الأرجيلة (لونه أبيض جذاب، رائحة التفاح المعتق تبتلعك، لكنه خطير على الصحة ~~والحياة الزوجية؛ حين تعود لبيتك ومسام جلدك تفوح بتفاح فاسد، من المؤكد أن زوجتك ~~وأولادك، والكرسي والكئوس سترمقك بنظرة غريبة). # تجلس في مقهى المعهد الأزهري على بعد عشرة أمتار في قاعة تنتظر مفاجأة. النادل الواقف ms10 خلف ~~مقلى الزيت الكبير ، يحرق أقراص الفلافل بالزيت الساخن، والأقراص تصرخ بصوتها ولا يرحمها ~~(كأنه يوم القيامة)، لا يجلب لك القهوة. # تقف مجبرا عن الكرسي الأخير الوحيد الفارغ في المقهى لتجلب قهوتك. بعد التفاوض على مزاجك ~~بالقوة، تكتشف بأن القهوة موجودة ومزاجك تحتفظ به لمرة أخرى. # تعود مسرعا إلى طاولتك، فليس من الأناقة أن تشرب قهوتك واقفا. تجد الكاتب (الراوي) ~~يجلس على طاولتك، وكرسي فارغ. # إن الكاتب أصيب الآن بظاهرة الديجاوفو في مسافة جلبي لفنجان القهوة من النادل. لم يصبر ~~ليتأكد أنه «أنا عبارة تخيل». # لكن احتل المكان وجلس، احتل القصة كلها، بل في أدق التفاصيل. وأنا أركض خلف ما يكتب عني وعن ~~رحيلي، وأعالج كل تفاصيل المشاهد. بل علمني كيف أكون عبدا مطيعا ببشرة بيضاء. ~~«هذه اللحظة تذكرني بالتاريخ حين احتل الجرمان الحضارة الرومانية على ~~الرغم من تخلفهم، كان عندهم حضارة ولهم عاداتهم وتقاليدهم. # عندما سيطر الجرمان واطلعوا على هذه الحضارة العريقة والقانون ~~الروماني؛ وقعوا في مشكلة، وهي كيف يتخلون عن حضارتهم؟ وكيف يستفيدون من الحضارة ~~الرومانية؟ وقد حاول بعضهم إصدار قوانين مشتركة جرمانية رومانية لكن هذه المحاولة باءت ~~بالفشل؛ ولذلك كان عليهم إما أن يعيشوا حياة مستقلة عن الرومان، وإما أن يمتزجوا مع ~~السكان، ولكنهم اتخذوا الخيار الثاني؛ حيث تعلموا اللغة الرومانية بدلا من الجرمانية، ~~وأخذوا يقلدون الرومان في الملبس وفي كل شيء.» # هل الكاتب هو الجرماني وأنا الروماني أم العكس في هذه اللحظة؟ أو الأحداث سوف تحكم من ~~منا منتصر؟ لكن الفاشل هو من يحكم علينا أننا أهبلان بقميص أصفر. واللون الأصفر عند العرب ~~يعبر عن الجنون. والغريب أن حكماء اليابان في وقت قديم كانوا يرتدون هذا اللون! # رفع إصبعه في وجهي وقال: لماذا أنت هنا في المعهد الأزهري؟ # قلت له: أنت الكاتب وأنا بطل روايتك، وأنت الذي جئت بي إلى هذا العالم رغم أنك تعلم أني ~~مسيحي يوشك على الرحيل من غزة. ~~- أنت هنا في احتفال غريب من نوعه فيه نوع من الخسارة لكم، وانتصار لغيركم؛ ms11 احتفال بإسلام ~~الفتاة (جان دارك). وكل ما حولها يقرعون الضحكات، كأنه شيء عظيم نزل عليهم من السماء كمائدة ~~موسى، كخاتم سليمان، سعداء جدا كمتعة سيدنا نوح حين أبحرت سفينته إلى الجودي. ~~- أنت تعلم أن هذا يغضبني. هل تريد أن تقول لي بأن المسيحيين في غزة خسروا حربا من حروب ~~الثبات، أو لتعلمني كيف أنتقم من هذا الموقف؟ ~~- ليس هكذا يا نضال. أريد أن تبحث عن النتيجة، وخذ منها تجربة وحاول أن تقاوم مثل شجرة ~~البرتقال للبقاء. وهذا الاحتفال الذي يقرع قلبك، ويهزك، لا يعزز رحيلك عن غزة. إن جان دارك ~~ما تغيرت إلا بعد أن أحبت شابا من غير سربها، وحين أخبرت أسرتها بأنه يريد زواجها؛ كان من ~~الصعب عليهم القبول. لم يستطع حبيبها التضحية لأجلها، لكن جان دارك أعجبتها فكرة البقاء ~~والثبات في غزة. ~~- عزيزي، أنت تلعب بالنار. كيف تفكر بهذا المنطق؟ ولا يحق لك أن تلغي جهة من جهات الجغرافيا ~~لأجل أن يهدأ الريح عنا. كم هي غريبة فكرة الثبات! ~~- يا نضال، هما يخدمان بقاءنا في غزة وفي فلسطين. ~~- لك أن تعرف أن النساء حين يذهبن إلى دكان العطر يشترين زجاجتي عطر؛ واحدة للجسد ولا ~~يهمهن نوعها أو سعرها، والثانية تكون للروح لكن برائحة السر ... # تحرك نضال إلى قاعة الاحتفال تاركا وراءه الكاتب يتلاشى فوق الكرسي كقطعة ثلج صغيرة في ~~يوم حار جدا. # | كل هذا لأجل الثبات # هش بيده الوشوشة وكسر هذه الجملة من عقله، وقال: مجنون أنت يا عزيزي. # دخل القاعة وجلس في آخر مقعد. القاعة طويلة جدا والإزعاج ضخم جدا ويمنعك من ~~الاستمتاع بالمشاهدة. # شيخ أنيق يجلس. ظهرت جان دارك مبتسمة، تحمل وردا، وترتدي منديلا، وحذاء غريبا، ~~وفستانا مطرزا. # الحضور صفق. يذكرني هذا حين كانت تعرض المسرحيات، وهناك واجب عليك حين تنتهي المسرحية ~~وتنزل الستارة، لا بد أن تصفق، أعجبتك أم لم تعجبك، مات البطل أو انتصر، المهم بروتوكول ~~وفقط. # دعا عريف الحفل جان دارك بعد أن أطلق عليها اسم الأخت فاطمة؛ لتلقي كلمتها على ~~الحضور. ms12 # فكر نضال؛ بماذا ستبدأ كلامها، بتحية حبيبها، أو بالتحية التي تعودت عليها؟ إن من عادات ~~السيدات المسيحيات السكوت أولا ثم الكلام، لكن السيدات المسلمات يتكلمن ثم يسكتن. # وقتها سكت الجميع وراقبوا جان دارك ماذا ستقول. بكل هدوء يذكرني مشهد القاعة وهدوءها حين ~~تكون جالسا في بيتك ويدخل عصفور ملون تائه ويرتطم بالجدران ثم بزجاج النافذة. الكل يتجمد ~~في مكانه وفي لحظة كلنا نتحول صيادي عصافير، وفي أقل من ثانية يقفز الجميع ليلتقط العصفور. ~~الغباء وحده الذي ينقذ العصفور من شهوتنا لحبسه؛ حين نتزاحم في مساحة الغرفة فيصدم الأب مع ~~الصغير، والجد مع العم. غباؤنا وحده الذي أفلت شهوتنا للتطاير مع ألوان العصفور. # أمسكت جان دارك الميكروفون وبدأت تنطق أول حروفها، أول صرخة كأنها سقطت لتوها من رحم أمها، ~~أول دهشتها حين ابتسم أول رجل في وجهها، أول وأعظم سعادة بأول راتب بعد انتظار سنوات من ~~الشقاء والفقر. # كادت أن تصل حروفها الأولى لأذني كأني آدم ينتظر كلمات الغفران حين أخطأ ونزل يركض في ~~الأرض. # لكن شيئا ما يخلص قلبي من البكاء عليك يا جان دارك. الميكروفون لم يعمل، لا صوت لك، ~~الحضور شوش المكان، لا صوت لك يا جان دارك. # حاول الشيخ أن يصلح الميكروفون وأوشك على إصلاحه، لكن الكهرباء انقطعت كليا. الكهرباء في ~~غزة تبدو أنها جندي يحارب، لم تقبل بهذا. جلالة هذا الموقف تجعلني أنكمش من كثير السعادة في ~~قلبي، كأني قطة في شارع مظلم جدا وحولي عشرات الأطفال يحاولون تعذيبي، وفي لحظة يأتي رجل ~~ويهش الصغار ويحملني للبيت مع نوم دافئ وزوجة صالحة. # من ذلك الرجل الذي يلوح لي من بعيد؟ دققت النظر به؛ يا للدهشة! إنه الكاتب يلوح لي حاملا ~~بيده مفتاح الكهرباء. لقد غادر المكان مبتسما. # | مراقبة # نضال يفتح فمه للهواء؛ ليصطاد ظل الغيوم الذي يركض فوق التراب، يلوكه ويقلبه بلسانه، ~~ويصرك بأسنانه قبل أن يبتلعه. # مد يديه جانبا للريح، حرك رأسه على صدره من أعلى وأسفل ومن يمين إلى يسار كطواحين ~~الرياح، لف ساقه ms13 بساقه. كان خلفه شجرة برتقال ضخمة، ظهر جسده كأنه مصلوب. # الفكرة التي طرحتها، وأنا أجلس كالطائر الحزين بالقرب منه. # هل سألت نفسك من أي وقت مضى، وفكرت أن تتجول في أزياء غريبة؟ أن تضع اليقطين المنحوت فوق ~~رأسك وتركض في الشارع؟ أنك تكون مراقبا والكل يضحك عليك؟ # سوف تتفق معي أن ما أقول هو الهالووين، وهو حقا. أنت تحتفل به في شوارع غزة. أعلم أنه أغرب ~~أيام السنة، أليس كذلك؟ ربما كنت أتساءل؛ كيف يمكن الاحتفال بهذا اليوم من أي وقت مضى؟ ~~- كثيرة هي الأشياء التي أود أن أحتفل بها تحت ضوء الشمس بعيدا عن برودة جدران كنيسة ~~المعمداني. لماذا تبتسم وأنا أتحدث وأجيب عن سؤالك؟ ~~- أنا كلما قفزت في رأسي فكرة مجنونة أبتسم. ~~- وما هي فكرتك الضاحكة؟ ~~- أن نراقب حياة جان دارك الجديدة! # ارتعش نضال من الفكرة «المراقبة». أكانت سعيدة في حياتها، أم كانت حزينة؟ كلها شقاء ~~علينا. ~~- اتفق معي يا نضال أن تتغير من مراقب إلى مراقب، من ضحية إلى سيد. ~~- أنا أخاف أن أراقب الناس وأدخل في أسرارهم. ~~- في هذه الأرض - أقصد غزة - وفي هذا اليوم، لتقف على العكس تماما من الخوف. إن لم تمارس ~~تجربة تخويف الناس، إذا لم يكن كذلك، كيف تصل إلى ما تسعى له اليوم؟ في حين أنه لا يزال ~~يمكن العثور على ضوء، أو أمل بسيط. إن جاك دارك قد تكون مخطئة! العثور على شيء يبقيك في غزة، ~~وتزول الفكرة من رأسك. لو أقدمت على مراقبة جان دارك؛ أنا أضمن لك الشفاء من سوسة الأسنان ~~المنتشرة في طواحينك الخلفية، التي تؤلم رأسك. ~~- أنت شرير أيها الكاتب، ولا بد أن تموت أو تتوقف عن الكتابة. أنت تعلم أنه ليس لدي أي ~~متعة في حالة وفاة من الأشرار. ~~- لا يا عزيزي نضال، أنا لست شريرا بمحاولاتي تثبيتك على الأرض؛ لأن قاموس المعرفة في غزة ~~يحمل معان كثيرة، وكنت أذهل حين أجد أي واحد يصرف المعرفة كما يريد. أما أنا الآن أقول عنك ~~وعن الأفكار ms14 التي تدور برأسك من عدم مراقبة جان، يعني أنك مرفوض من الليلة المقدسة. ~~- هل حين نقوم بدخول بيت جان الجديد أكون بنظرك مقدسا في ليلة مقدسة؟ ~~- الليلة المقدسة هي الحقيقة، هي أن جان دارك لم تتغير وما زالت كما كانت. ~~- بما أنك السيد الآن أقصد الكاتب، أنت من صنعتني بهذه الشخصية؛ سأوافق على المراقبة ~~ودخول بيتها، لكن إذا رآنا أحد أو لحق رجال الشرطة بنا؛ أنت من سيحل هذه المشكلة؟ ~~- لا تخف ولا تنس أني الكاتب، وأضع الأحداث كما أشاء. أنت بطل روايتي، ومن المنطقي ~~أن تكمل الأحداث كلها في الرواية. آخر مشهد سوف أختار لك نهاية تناسبك. ~~- من المؤكد أنه الموت. ~~- الموت نهاية تأتي في السنة أربع مرات بعد كل فصل؛ الموت يقتل الشتاء، يقتل الخريف، يقتل ~~الصيف، يقتل الربيع، لكن الموت لا يقدر أن يقتل الفصول داخلنا. ~~- نحن قتلنا كل الفصول داخلنا سوى فصل الخريف، لا يهرم أبدا. # | الميلاد # ميشيل: الرجاء الحضور غدا؛ أنت أخطأت كثيرا في الروح المقدسة، لذلك لا بد أن تولد من ~~جديد، أو أزيل عنك هذه الأخطاء. # لم أرد عليه ولم أرفض، خوفا من كلمة مقدسة، هذه الكلمة التي تلاحقنا منذ ولادتنا؛ رضاعة ~~مقدسة، ملابس مقدسة، شوارع مقدسة، أيام مقدسة، نساء مقدسة، عصير مقدس، لحم مقدس. كأن ~~المولود على هذه الأرض يولد نكرة أو فاسدا، وأصحاب اللحى الطويلة يريدون تقديسه. # في الليل نمت تسع ساعات كأني في رحم أمي، لا أذكر أي حلم في تلك الساعات، لم أسمع سوى ~~شخير الدم في عروقي، كأنها تتفتح، وكرات دمي الحمراء نشيطة في نقل الأوكسجين. الذي أذكره في ~~الساعة الأخيرة شعرت بوجع خفيف في عظام جمجمتي العلوية، حين فتحت عيني وجدت قدمي معلقة على ~~السرير ورأسي على الأرض. مشهد من مشاهد الولادة التي رأيتها كثيرا، لكن الآن أنا ~~المولود. ما هذا السائل الذي يبلل ملابسي؟ كأنه خليط من العرق والمني برائحة العنب. # ركضت دون توقف، لم أنظف ما تركت ورائي من بقايا النوم، والسائل ما زال عالقا ms15 في ثغرات ~~جلدي. # كلما مررت على أناس وأنا أركض، يحملقون بي ولا يرمشون، كأن على رأسهم الطير. لم أنتبه ~~لنفسي أني عار جدا، فقط على رأسي قبعة حمراء. # وصلت في الميعاد الذي حدده، صفق لي وانحنى ترحيبا بي، تخيلت أني عظيم. هززت برأسي له، ~~أمسك بيدي وسحبني كخروف العيد. # المكان يشبه ثقوب وخلايا النمل، مرعب كل ما حولك. شعرت أني فريسة للنمل؛ مثلي أبيض طري، ~~سيلتهمني النمل بسرعة دون رحمة. # كلما أسأله سؤالا كان يعطيني ورقة معتقة قديمة صفراء اللون، تشعر أنها من بقايا تاريخ مر ~~علينا. # لماذا اخترت مكان الولادة خلية نمل؟ مد ورقة ناحيتي، مكتوب فيها؛ النمل هذا المخلوق ~~الصغير جدا، هو أول مخلوق علم البشر المقاومة وعدم الخوف، إن قصة سيدنا سليمان مع النمل ~~تؤكد ذلك. هل تعلم أن النمل مخلوق من زجاج؟ لكلمة «لا يحطمنكم سليمان وجنوده». وفي آخر ~~الورقة، ما زال النمل من زجاج، فلا بد أن تكون مشاهدة النمل للناس تختلف عما نتوقع، وأنا أتوقع ~~أن تكون هناك عدسات في عيون النمل تصغر الأشياء؛ وهذا سبب منطقي لعدم خوف النمل من البشر. ~~لو كنت في ريب مما ذكر، حاول أن تقترب من خلية النمل؛ سيهجم عليك ويقرصك. # رائحة النعناع تفوح في المكان. أيضا مرر علي معلومة جديدة؛ إن البعوض لا يحضر لمكان ~~مزروع به النعناع، والشيطان يأتي للبشر ليمتص أفكارهم ويلوثها ثم يدفعها داخل رءوسهم. ~~الشيطان أيضا مثل البعوضة يخاف من رائحة النعناع. # قلت في سري: كل المنازل والبيوت والمستشفيات والشوارع مزروع بها النعناع، فكيف يأتي ~~الشيطان في غزة؟ # صفعني بقوة، كاد رأسي يرتطم بالأرض. عرفت وقتها أنه لو الغاية من زراعته طرد الشيطان لن ~~يأتي. كلمة «غاية» كانت صعبة جدا أن أفهمها وأنا أولد من جديد. # وقفت أمام وعاء كبير مليء بالماء، كنت عطشانا، دنوت لأشرب، كان مالحا؛ إنه ماء بحر. ~~وهنا أيها الكاتب ما تفسيرك أنك تريدني أن أغتسل بماء البحر؟! # رد: البحر خلص سيدنا داود من دود الأرض، البحر من أعاد ms16 لزوجته شعرها، البحر وحده من ~~يعيد لك أولادك الغائبين. والله اختارنا في غزة بالقرب من البحر لأننا من سيربح، سنصبر كصبر ~~داود وسينهش القهر عظامنا، وفي النهاية ستمتلئ جيوبنا بالأسماء، وتتحول أكتافنا سفنا كبيرة. # قلت له: رغم كل الماء العذب الذي تصبه السماء في البحر إلا أنه يبقى مالحا! فلا ترهق ~~نفسك، البعض لا يتغيرون مهما حاولت. # بعد أن خرجت من ماء البحر، جاء بالكلس الأبيض وصار يكومه علي، كان سريعا جدا، بعد ~~لحظات صرت ككومة بيضاء كبيرة. أنا أشبه لحد كبير البيضة الكبيرة. # الاعتقاد أن أصل الحياة البيضة وليس الديك. حتى حين اختار الله آدم ليكون على الأرض، ~~«كانت فكرة» والفكرة شيء مدور مثل البيضة. وحده الشر الذي لا يأتي من البيضة على هذه الأرض. # كأني محاصر من الكلس، وكلما مر الوقت عليه يصبح يابسا؛ أنا أفقد الحركة، أفقد التنفس، ~~أرجوك خلصني من هذا البياض. وقتها جاء بمطرقة كبيرة، وكسر القشرة؛ بدأ النور يدخل علي، أنا ~~الآن أخرج من البيضة. إننا نعتقد أن الدين أبيض، أن السفر أبيض، أن الحب أبيض، لكن هناك وقت ~~نعذب باللون الأبيض. # أنا لا أنطق الكلام جيدا، أين نصف لساني؟ لماذا أخذته؟ كيف أكمل رحلتي دونه؟ عرفت الآن ~~لماذا أخذت نصف لساني؛ إن أغلب كلام البشر من السماء، والكلام المقدس في حياتنا، هذا الكلام ~~الذي سوف يقتلنا لأننا نقول ونمضي طوال حياتنا ونحن نردده على كل الأجيال، لكن نردد على ~~مسامعهم ليموتوا. قد يندم الإنسان على الكلام، ولكنه لا يندم أبدا على السكوت. لو كل رجال ~~الدين يصمتون لعشنا دون حدود، لعشنا في قرية كبيرة اسمها الأرض. # أرجوك أبعد هذه النار عني؛ أنا لا أحب فكرة الحرارة، أنا تعودت أن أستحم بماء بارد أو ~~عادي في وقت الشتاء. المهم أنا أكره الشمس الحارقة. # الحرارة يا ميشيل هي أثيرك الداخلي؛ إذا أردت أن تعرف أنك جيد على هذه الأرض، فلا بد أن ~~تمر من تحت النار أو تكون النار تحت. لم تسمع كلمات القصيدة «تقدموا» ms17 (للشاعر سميح القاسم): ~~«تقدموا ، السماء من فوقكم جهنم، والأرض من تحتكم جهنم. أنت لا تعلم، لا تفوح رائحة الكعك ~~الزكية إلا حين تمسها حرارة الفرن. كذلك أحلامنا لن تنضج ما لم تمسها قسوة التجارب.» # وقتها مررت من تحت النار، بعجلة دون أن ألتف للخلف. أنا أكرهها. فاحت مني رائحة المر، ~~الأقحوان، وشقائق النعمان، والمرمرية الجبلية، أنا أشبه رائحة الخشب العتيق. # هذه الرائحة تذكرني برائحة أبواب القدس القديمة؛ وقتها تذكرت زيارتي للقدس في المرة ~~الوحيدة، ورغم أني مسيحي صليت تحت الصخرة المعلقة، لأن الرحلة كانت مع أصدقائي المسلمين في ~~المدرسة. الجميع صلوا تحتها، وأنا قلدتهم. # أصدقائي اشتروا من شوارع القدس التماثيل الخشبية على أشكال الجمال، أنا وحدي الذي سرقت ~~قطعة خشبية خضراء من أحد أبواب القدس، رائحتها لم تغادر أنفي طوال حياتي. وحين عدت إلى ~~البيت، أعطيت قطعة الخشب لأبي؛ أخذها وأخفاها بين دفاتره المقدسة. ~~«يبدو أن مشهد الولادة لم يكن جديدا علي أيها الكاتب.» # جاء وقت الاستجمام، أنتظره بفارغ الصبر، بعد كل هذا. اقترح بعد إذنك فندق المتحف على شاطئ ~~بحر غزة؛ به آثار كل شوارع غزة. صاحب الفندق كان يجمع كل قطعة بنية أثرية من وراء الحفر في ~~شوارعنا. المتحف مكتظ باللون البني وأشكال الطين، جميل لو ارتحت هناك. # وأنا أردد تخيلي لوقت الاستجمام جاء الكاتب يرتدي ثوبا أسود، كأنه حانوتي. هز برأسه ~~لألحق به، أخذني لمقبرة الجنود الإنجليز المسيحيين، وهذه المقبرة موجودة في وسط قطاع غزة. ~~كدت أعترض على هذا المكان، لكن خفت من الصفعة الثانية. # أخذت جولة بين القبور، والشيء الغريب الذي أراه على شواهد القبور أنه مكتوب عليها مات عن ~~عمر يناهز «ناقص 60»، «ناقص 100»، «ناقص 10»، «ناقص 13». ما هذا العمر الجديد؟ وقعت أمامي ورقة ~~مكتوب بها أن أعمار الناس في هذه المقبرة تحسب باحتياجك للأفكار. الجميع هناك ماتوا وتنقصهم ~~الأفكار ليصلوا لمرتبة الأنبياء، وحدهم الأنبياء من يوضع على قبرهم «لا شيء». عزيزي ميشيل، ~~أن تكبر بالعمر هو شيء إجباري، أما أن تكبر بالعقل فهو شيء اختياري. # البعض ms18 رغم صغر سنه يفاجئك بنضجه وأسلوبه، والبعض الآخر رغم كبر سنه، يناقشك فيصدمك بصغر ~~عقله. # الشيء المغري؛ في هذا المكان وجدت رجلا يحفر قبرا جديدا، رغم أن هذه المقبرة مغلقة ~~تماما، ومكتوب عليها للسياحة، ليس للدفن. # سألت الرجل: لمن هذا القبر؟ ~~- جاء غريب وطلب مني حفر قبر بالقرب من الشارع. قال لي: إنه سوف يموت شخص يشبه ~~الأنبياء؛ طري، ببشرة بيضاء. سيكتب على قبره «المسيحي الأخير، ناقص صفر». ~~- من هذا الغريب؟ وما هي أوصافه؟ ~~(حين سرد لي أوصاف الغريب، كانت تشبه لحد كبير الكاتب. قلت في نفسي: سأموت في آخر ~~الرواية، لكن لا خوف أنا مجرد بطل على ورق.) # صرخت بصوت عال؛ لعل الكاتب يسمعني. سوف أقول لك معلومة، لا يدري المرء إن نام من الذي ~~سيوقظه؛ أهله أم الملكان لسؤاله. فاللهم أحسن خاتمتي في هذه الرواية واصرف عني ميتة بطل ~~الورق. # | تفاصيل لا بد منها # وضعت في جيوب ملابسك أربعة فصول؛ في جيبيك الأماميين وضعت لك الربيع والصيف، وفي جيبيك ~~الخلفيين وضعت أيضا الخريف والشتاء. # في غزة ما تراه من أفعال للناس هو تأثير الفصل عليهم. كثر من بداخلهم ربيعا وحين تراهم ~~تشعر أنك تواجه صيفا حارا جدا. والذين يركضون في شوارع غزة تشعرهم مبللين بالمطر، لكن ~~داخلهم خريفا يوزع اصفرارا في المدى، خريف يجعل زرقة البحر رمادية. # الفصول في جيوبك عبارة عن غبار، فقط عليك أن تنثره على من تشك في تصرفاته، انتظر برهة من ~~الوقت سيظهر لك بحقيقته السليمة. # لا تحكم على الناس من ثقافتك، ولا تحكم على الناس من أفعالهم، احكم عليهم من دواخلهم. ~~وهذا صعب، لكن في جيوبك الأمامية والخلفية مفتاح أسرار الناس في غزة. # سأخبرك اليقين؛ نحن في غزة كلنا نتبع الموضة، لا أقصد الموضة بالأزياء أو الألوان ولا ~~الروائح، أقصد التقليد الأعمى. # في لحظة تجدنا مقاومين نحمل السلاح، صغيرنا قبل كبيرنا، النساء أيضا يفجرن أنفسهن ويقدمن ~~أرواحهن مهرا للمقاومة. يصبح عندنا الموت كفاكهة الصيف تنتشر على أرصفة الشوارع، فكيف أصبح ~~الجميع حملة سلاح؟ ms19 كيف أصبح أطفالنا مقاتلين وتركوا المراجيح ولعبة كرة القدم في الشوارع؟ ~~كيف تركوا لعبة التزلج على رمال السوافي؟ كل يوم شهداء ومصابون للوطن، وأغلب من يدعي ~~المقاومة لا يعرف كم هي عدد محافظات الوطن! # كل هؤلاء يظهرون كفصل الخريف، لكن لو نثرت عليهم غبار الربيع سيتحولون لقطط لطيفة بفراء ~~أصفر ناعم جدا، تحملها أنى تشاء. وصغارنا (أقصد أطفال البندقية) ستجد جيوبهم محشوة ~~بالبنانير (الجل الزجاجي)، يلعبون ساعات ويأكلون ساعات، وينامون بعد ضحكات طويلة. # خذ افتح هذا الصندوق، ستجد عدسات مخلقة من شفرات وراثية لزرقاء اليمامة، بعد أن تستخدمها ~~سيتنبأ أهلها بالحروب القادمة، وأخطر مهمة أن تخبرنا عن الحروب الداخلية. نحن نتنبأ بالعظماء ~~بجلب الحرب الخارجية لأنفسنا، لكن كلنا نكون بغفلة عما يحدث في جبهتنا الداخلية. # هذه شفرات زرقاء اليمامة، أرجوك حاول أن تخبرنا عما تخبئه لنا الحدود. إذا تحرك الشجر، أو ~~كثرت أعداد العصافير على الحدود، أرجوك بلغنا، نحن بحاجة ماسة أن نموت ونحن نعلم وقت موتنا؛ ~~نشعر أننا نجيد الاستغفار قبل الموت. حين ترى العدو يركض في شوارعنا قل بصوت عال: # خذوا خذوا حذركم يا قوم ينفعكم # فليس ما قد أرى م الأمر يحتقر # إني أرى شجرا من خلفها بشر # لأمر اجتمع الأقوام والشجر # تحسس الآن أذنك، هي الوحيدة التي لا تستطيع أن تعطلها بإرادتك؛ فأنت تستطيع أن تغمض عينيك ~~أو تشيح بوجهك بعيدا إذا لم ترد رؤية شخص معين، وتستطيع ألا تأكل، فلا تتذوق، وأن تغلق ~~أنفك عن رائحة معينة، أو لا تلمس شيئا معينا لا ترغب بلمسه، ولكن الأذن لا تستطيع تعطيلها ~~حتى لو وضعت يديك عليها، حتما سيصلك الصوت؛ لذلك الآن سمعك مضاعف كالحسنات؛ حين يرتل أحدهم ~~عليك آيات الدين ستسمع الكلمات وتسمع قلبه قبل أن يقولها، هكذا أنت بهذا السمع ستكون مميزا ~~جدا. إن الشخص الذي يريد الحياة تسمعه ببساطة؛ لأن الحياة لها وجه واحد هو السعادة والحب، ~~لكن الموت له مئات الطرق. والآن سوف تميز من هم رواد الحياة ورواد الموت. # عندما تنام يا ms20 ميشيل فإن الحاسة الوحيدة التي يمكن أن توقظك هي حاسة السمع؛ ولذلك أنا أتجول ~~بجوارك وأنت نائم كما أشاء دون أن تنتبه، إلا إذا صدر مني صوت فإنه يكون كفيلا أن يغير ~~حياتك. أنا حين أحضر لك حدثا جديدا في الرواية أقوله بصوت عال ثم أكتبه. # قبل أن تقرر الرحيل عن غزة كنت فقط تسمع صوت الشيطان في داخلك، كنت تقوم مفزوعا، تشرب كل ~~مياه البيت ويظل حلقك كصحراء العرب جافا جدا. وحده الشيطان من تستطيع أن تسمعه في الليل. ~~هل ضربك الشيطان يوما؟ هل أكل الشيطان معك يوما؟ هل نام الشيطان معك ليلة؟ نحن هنا نؤمن ~~بهذا، لكن أنت الوحيد في هذه اللحظة سوف تسمع الشيطان داخلك، وستتحرر منه وأنت تنطلق في ~~السماء بطائرة شراعية. اعلم يا عزيزي أن الشيطان لا يطير. # كما اعلم ما هو الشيطان هو «شحاذ في الليل» أو «الشيطان ليلة» (اسم مناسب). وليس هناك أي ~~عجب لماذا نعلم أطفالنا عنه كلمة. بعد كل شيء، نحن في غزة نعرف أن الشياطين أو الأموات حقا ~~لا تمشي على الأرض بهذه الطريقة. يقول لنا في الواقع إن الشياطين تفضل جسم الإنسان، وعلى ~~الرغم من أنها قد تقبل على جثة حيوان. # لذلك إذا فعلوا المشي على الأرض بين هؤلاء الناس، فعلوا ذلك على الأرجح في جسد واحد من ~~تلك الحلقة، الكهنة الذين بنوا النيران على «الشياطين»، استخدمها لترويعنا! # اعلم يا ميشيل أن الموت في غزة ناضج جدا، يرضع الطرق. # في أول الحياة وفي آخرها نحمل على الأكتاف! # اتجه إلى الخير، على الأقل لكي تنقص عدد الأشرار في الدنيا واحدا! # رائحتك كرائحة الخبز، ستقبل عليك كل الجوعى، وعابري السبيل، والمؤلفة قلوبهم. إذا ركضت ~~سيركضون. سيصبح صدرك كشباك التموين وعيونك زرقاء. وكالة الغوث للاجئين، الإله الأزرق في غزة ~~الذي يصلي له الجميع. أقصى ما يتمناه الرجل أن تصل له رسالة من الوكالة «لقد ثم تصنيفك في ~~حالة الفقر المدقع»؛ يكون سعيدا ويوزع الحلوى على المارة. بعض المارة يصاب بغيرة، فيركض إلى ms21 ~~الإله الأزرق بثياب ممزقة وتقارير مرضية، يصلي له كل يوم حتى يمنحه رغيفا أو زيتا أو كيسا ~~من الحليب الرديء. رائحة الخبر تكفي وحدها أن تجعلك الإله المنتظر. إن فكرة المخلص دائما ~~تنقر في رءوسنا. في آخر الزمان سيأتي لنا جميعا، ستكون أنت المخلص، رائحتك تكفي. # التمثيل هو الكذب الوحيد الذي يصفق الناس لأبطاله! الدين داخلنا موجود لكن له وقت أن ~~يكبر ويطرح ثمارا. خلف كواليس الصبر أمنيات تنتظر الإجابة. فتكلم وأنت غاضب، فستقول أعظم ~~حديث تندم عليه طوال حياتك. إننا نقضي أربعة أخماس أعمارنا في العمل، لنجعل خمسه الباقي لحياة ~~مريحة ممتعة. # | اجهز الآن # خوفا من نهاية الموت في آخر مشهد للرواية، وافقت أنا ميشيل على فكرة الكاتب (على دخول ~~بيت جان دارك، ومراقبتها). # كان هدفي من الموافقة أن أفشل الكاتب بما يفكر. إن كل واحد حين يختار فكرته لا بد أن ~~يختارها وهو بكامل وعيه، ولا بد أن يدافع عنها. # أوقفني أمام المرآة ساعات وهو يبدل ويغير في ملابسي، كان عليه أن يختار ملابس لأبدو مثل ~~رجل مخابرات، أو سارق، أو متطفل. # رجل مخابرات يعني اللون البني يكون السيد والمتحكم في الألوان؛ حذاء ضخم، معطف طويل، ~~نظارة سوداء، طاقية من صنع روسي. وحين يخرج إلى الشارع ترافقه موسيقى رأفت الهجان. # لكن بسرعة فائقة ألغى الكاتب فكرة رجل المخابرات؛ لأن الشك والخيانة بالنهاية هي جيناته؟ ~~أيضا فكرة الانتظار بشكل طويل والجلوس بالقرب من أعمدة الإنارة لا يحبها الكاتب. # وكلما حاولت أن أقنعه بفكرة أن أتنكر بزي رجل مخابرات، يغضب ويقول لي: يبدو أنك سوف تنتهي ~~في هذا المشهد. # سارق، وماذا أرتدي في هذه المهنة الجديدة، بنطال مخطط كالحمار الوحشي؟ أجيد التسلق على ~~الجدران، أنام في النهار وأنشط في الليل، وبعد كل عملية سرقة لا بد أن أختفي لأيام معدودات. # كان مترددا في اختيار مهنة السارق؛ حيث إن الكاتب عمل لمدة طويلة بائعا في دكان فواكه، ~~كان كل يوم يسرق الدكان، والسارق كل يوم له شكل جديد. أغلب السارقين كانوا ms22 من النساء، ~~والفقراء. كان يقول لي: أنت رجل ولست فقيرا، فكيف تسرق؟ # إذن متطفل على الآخرين، لكن من هو المتطفل؟ وكيف شكله؟ وكيف لغته؟ كيف ينام، ويركض، ~~ويتخيل، ويمشي، ويحب، ويدون؟ كلها أسئلة لم يجب عنها. # يصر أن الاحتلال متطفل، والحصار أيضا يقول عنه متطفل علينا. لسانه طويل، يحشر أنفه ~~فيما لا يعنيه، كأنه وصي عليك، يخرجك من الجب ليغرقك في الوادي. # ويعتبر حياتك حقا مباحا له، ما إن تبدأ مبادرا له بابتسامتك العريضة حتى يسكب فيض ~~أسئلته عليك كسيل العرم، وتبقى أنت غارقا وسط تطفله. # وكلما وسعت مساحة الحوار بينهم بحسن نيتك؛ جلدك بأسئلته المستفزة والمزعجة. يدفع نصف عمره ~~كي يعرف أسرار الغير، وما إن يتوفر له ذلك يحلل ويفسر الأمور على هواه كما يشاء، مع إضافة ~~بعض التوابل إذا اقتضت الضرورة ذلك، وإذاعة الخبر أينما يمكث! # وقتها لم أفهم لماذا حصار غزة يصفه بالتطفل، رغم أننا قرأنا عن المتطفل أنه يأكل طعام ~~غيره. هل الحصار يأكلنا؟ # عزيزي الكاتب، لم يعجبك ولا مهنة؛ مخابرات لم تعجبك، ولا حتى سارق ولا متطفل، فماذا ~~تريدني أن أكون بهذا المشهد، قبل زيارة بيت جان دارك؟! # ظل ميشيل واقفا على السطر طويلا، فجاء بعد عشرين دقيقة وقال له الكاتب: أريدك أن تكون ~~زائرا. ~~- زائر! كيف أكون زائرا؟! أنا مللت من أفكارك الغريبة. ~~- تذهب لهم كزائر، تطرق الباب، تحمل باقة ورد، قليل من الفواكه إذا أمكن. # ذهبت كزائر، وطرقت الباب، فتحت جان الباب. قالت: تفضل. استغربت من عدم دهشتها وعدم ~~اهتمامها من أكون. # دخلت وجلست على كرسي أحمر نظيف جدا، رائحة المر تفوح منه. # أتخيل من بعيد أن هناك رجلا يجلس على كرسي على شكل هلال، تأكدت أنه زوجها الذي ~~تغيرت لأجله. # بعد ست وثلاثين ثانية جاءت بشراب أحمر اللون، الكأس كان مكتوبا عليه كلمة «درويدس». # | زوجها العزيز # نحن يا نضال استفدنا من دخولك بيت جان، لولا ذلك لكنا على ضفة نهر يسير أمامنا، ونريد أن ~~نعبر إلى الضفة الأخرى. يصبح الشك إجابة لنا؛ ms23 هل الماء عميق؟ هل يوجد تمساح في النهر؟ هل ~~تبللت ملابسنا؟ لكن الأجوبة عن كل هذه الأسئلة هي الدخول في النهر، ونحن دخلنا النهر معا. # أنا سأشارك بقصة بسيطة ربما تحصل مع الكثير دون الانتباه إلى العواقب في حياة الزواج؛ وأنت ~~تشرب العصير بالكأس درويدس دخلت من خلف ظهرك، وأخذت مذكرات زوجها، لم يكن مرتاحا إطلاقا؛ ~~فقد كانت تفوح رائحة الحزن والغضب من كل جزء في كيانه؛ مما تفعله به زوجته. وتكرر كثيرا ~~قوله: لم أقصر معها إطلاقا؛ فكثيرة هي الهدايا التي قدمتها لها، وكثيرة هي مرات الخروج معها ~~لغداء أو عشاء، وكريم أنا مع أهلها، ولكنها نجحت في دفعي لكراهية الزواج وكراهية معشر ~~النساء عموما من كثرة إذلالها لي. فأنا لم أعد أطيق الحياة معها؛ فهي في معظم الأوقات ~~غير راضية، عنيدة، تهجرني ولا تكلمني بالأيام الطوال، فهل يتوجب علي الاحتفاظ بها مع كل هذه ~~المرارة التي أتجرعها من جراء العيش معها؟ # كتب أيضا في مذكراته أنه في يوم ما سيفتعل معها مشكلة، لكن بطعم المزاج ... # في يوم خططت أن أفعل معها هذا، لكن سبقتني وسألتني: ما نوع العصير الذي ترغب به، عصير ~~البرتقال أم عصير الفراولة؟ رددت: لا أريد أن أشرب شيئا؛ فما تجرعته من مرارة العيش يكفيني. همهمت: أنا جادة في سؤالي: أي النوعين تفضل؟ قلت: إن كنت مصرة فعصير البرتقال. ~~قالت: هل تفضل أن تشربه بكأس من الزجاج أم من البلاستيك أم بإناء من المعدن؟ بحركة خفيفة برأسي رددت: بل في كأس ~~من الزجاج. قالت: هل تريدها كأسا نظيفة أم لا بأس لو كانت آثار بصمات الأصابع عليها؟ قلت: بل ~~نظيفة، ولا آثار للأصابع عليها. قالت: هل تفضل الكأس على صينية من البلاستيك أم من المعدن؟ رددت: ~~بل على صينية من المعدن. قالت: هل تمانع لو كان بها بعض الصدأ؟ مع شدة بالرد: لا، بل أريدها صينية ~~معدنية سليمة من الصدأ. قالت: هل تفضلها فضية أم ذهبية أم خليطا من الاثنين؟ قلت: بل فضية ~~اللون. زادت ms24 سلسلة الاختيارات وقالت: هل تفضل أن تشرب كأس العصير في غرفة مكيفة أم في غرفة حارة؟ قلت: بل في غرفة ~~مكيفة طبعا. قالت: هل يسرك أن تكون للغرفة نافذة ذات إطلالة جميلة، أم غرفة بلا نوافذ؟ رددت: ~~بل غرفة بنوافذ مطلة على منظر جميل. سألت: هل تفضل أن تتناول عصيرك وأنت جالس على كرسي مريح ~~أم واقف؟ قلت: بل على كرسي مريح. قالت: هذا ما تريده أنت كي تشرب كأسا من العصير! قلت: نعم. قالت: ~~لو أني قدمت لك الفراولة بدلا من البرتقال، باعتبار أن البرتقال متاح في كل وقت، ~~أما الفراولة الطازجة فلها مواسم وهذا موسمها، وفي كأس من الزجاج عليها آثار بصمات الأصابع، ~~باعتبار أن البصمات من الخارج ولا دخل لها بطعم العصير، وعلى صينية من البلاستيك، ~~باعتبار أن الصينية هي الأخرى لا علاقة لها بالعصير، وفي غرفة حارة لأن التكييف مؤذ للصحة، ~~ولم أضع لك كرسيا في تلك الغرفة حتى لا يضيع وقتك، باعتبار أن الوقت من ذهب إن لم تقطعه ~~قطعك، وفي غرفة بلا نوافذ لأن كثرة النوافذ تشتت انتباهك؛ لو أني قدمت لك كل هذا بطريقتي ~~وبما يرضيني أنا وليس بالطريقة التي ترضيك أنت، هل كنت ستصبح سعيدا بذلك؟ قلت: طبعا لا. ~~قالت: أخشى أن أقدم الكثير لك بالطريقة التي ترضيك، وليس بالطريقة التي أرضاها، وأخشى ~~أيضا أن أعيش لأرضيك فقط. إن المصيبة ستكون كبيرة، عندها سنسير أنا وأنت باتجاهين متعاكسين، وهيهات أن نلتقي. وقتها أسندت ظهري ~~إلى الكرسي، وحملت رأسي بين يدي كأن ما سمعته قد أثقلني، قلت: ربما ~~فعلا هذا ما يحدث بيني وبينك. # | تجارب # في النصف المتبقي من الرواية، سوف أتركك لوحدك تمارس ما تشاء من الأحداث، وأنت تضع ما تشاء ~~من البدايات والنهايات. أعلم أنك تشك في كلامي. بكل صدق سأكون لك يا ميشيل كقبعة الرأس؛ وقت ~~المناسبات الدينية تلبسها، وقت الحر تستخدمها، أيضا وقت البرد لها فوائد. # نحن في غزة لا نصبر على أي شيء، دائما نتحرك، نتغير قبل نضوج ms25 الأفكار، نجلب لنا شهوة ~~العالم. للتأكيد على كلامي، كان عندنا حزب سياسي تحت اسم «زهقنا»، كان شعاره «من يسبح معنا ~~ضد التيار». حين تسمع كلام التنظير داخل قاعاته يقول لك: أنت اللحظات المسروقة من كل حلم، ~~التي عبرت كافة الأشياء، وتهذي إلينا كل الأشياء، ولم يفكر أحد يوما بالإهداء إليها، تلك ~~الدافئة كالعطاء الوحيد! إلى الآخرين بصدق، من يتسع عقلهم وقلبهم إلى أن يتقبلوا بكل ~~مميزاتك وعيوبك دون توقعات ودون إضافات. أنا نفسي، ألا تهدر حياتك في تفاهمات، وكذب هذا ~~العالم. عد إلى حنانك الدائم، الذي لا يقتلك. كم أنا مدين لك! بل أتألم كلما أعجزني ~~السداد لك؛ لأنك جئت في رأسي كفكرة ورقية، لكن بك أوصلت أفكاري. # التجربة التي تخوضها هي الحب؛ الحب يا ميشيل يأتي بدون برق ولا رعد مثل المطر، يأتي من ~~الداخل إلى الخارج، بدون سبب. قد تكون واقفا في مكان عملك تنتظر زبونا، من دون إشارات مرور ~~تدخل قلبك الزبونة، تتفاجأ أنها أيضا جذبت لك بشكل أكثر مما تتوقعه. تكون الزبونة أصغر منك ~~بعشرين عاما، تحاول أن تهشها من حياتك، لكن لا جدوى؛ إن كيماء الحب هي من تقوم بتفاعلات داخلك ~~كأن جسدك مفاعل نووي. قبل الحب يتخيل الإنسان أنه مدينة فاضلة، نفس ناضجة. تعرف عليها كأفضل ~~صديقة. تكون نفسه حازمة وروحانية في كافة الأوقات. يكون عقلك أول من علمك ألا تفعل شيئا، ~~أو تؤمن بشيء، إلا إذا تناغم مع قناعاتك وقلبك. الذي ساعدك دائما في لحظات الحب تقلب ~~الطاولة وتهشم الكئوس. ويزداد السواد تحت جفونك. # | في السيارة # نضال أنت وحدك في الشارع، كأنك في أول أيام الربيع، تنتظرك تجربتان؛ الحب والمقاومة، ~~كلاهما يعتمد على ما تقدم لهما. # اقتربت سيارة من نضال، كان الشارع فارغا جدا، مهيأ للحظات التجربة الذاتية التي لا يمكن ~~لأحد أن يراك. # وقفت السيارة بالقرب منه، فتح الباب الخلفي، دخل، وقبل أن يجلس كانت سيدة تكلمه بصوت ~~عال: أنت ميشيل بطل رواية الملاحق! يا الله كم هي صدفة جميلة أن أراك! ms26 ~~- رد دون أن يهتم لمن المتحدث: هل انتهت الرواية؟ وماذا حدث في نهايتها؟ ~~- نعم، انتهت ووزعت في الأسواق. الجميع قرأها؛ منهم من أحبها، منهم من كرهها، ومنهم من صرت ~~لهم رمزا. ~~- هل نحن الآن في الحقيقة، أو ما زلنا في أحداث الرواية؟ ~~- المهم أنا أول من رأيتك. # دقق في صوتها وشكلها، سمع عددا من الجمل منها، صمت قليلا، ردد في نفسه: أنا أعرفها، وأخاف ~~أن أسألها عن نهايتي كيف كانت. # لقد تعلمت أن أصبر على النهايات حتى لا تجيء بسرعة. # اتجه بوجهه ناحيتها: أنا أعرفك، صوت قريب لي، كأننا تقابلنا قبل ذلك. ~~- أنا جان دارك. هل تذكرتني؟ ~~- نعم أتذكرك، أنت كنت شخصية في الرواية. هل أنت حقيقة، دم ولحم، أم ورق وحبر أسود؟ ~~- أنا حقيقة مثلك، ونحن موجودون في غزة. # بدأ الصداع ينقر في رأسه، حاول تفادي الوجع، أن يعود للحديث مع جان. صرخ بصوت عال: رأسي. # أخرجت جاك من حقيبتها حبوبا مهدئة، وزجاجة مياه صغيرة بشعار مياه «درويدس». ابتلع ~~الدواء وبدأ يزول الصداع، وعاد للأسئلة. # كان مذياع السيارة يبث أغنية قديمة عرفها كل من «ميشيل وجان». # وقت لما تكون صعابي حاجبة عن عيني السما، # وألقى نفسي في اضطرابي بين حقايق مؤلمة؛ # أنت وحدك تستطيع يا يسوع تيجي وتفيض بالسلام، # أنت يا حصني المنيع، يا يسوع أقوى من الخوف والظلام. # وقت لما تكون جبالي واقفة ضدي بمستحيل، # والشكوك تنهش في بالي مين يشيل حملي الثقيل، # أنت وحدك تستطيع يا يسوع تيجي تنقل الجبال، # أنت يا حصني المنيع، يا يسوع كلمتك فوق المحال. # وقت لما السهل يصعب والحاجات تطرح فشل، # لما وعد الناس بتهرب والعمل خاب والأمل، # أنت وحدك تستطيع يا يسوع ترد جواي اللي ضاع، # واللي يصعب على الجميع يا يسوع يبقى عندك مستطاع. # ميشيل: يا جان إننا في هذه الرواية مثل قصة سردها أبي لي، وقت أن أخد قطعة الخشب التي ~~سرقتها من أحد أبواب القدس؛ حين ذهبت لرحلة للقدس، حكي أن الجنون نزل في نهر يسري في مدينة ms27 ~~قديمة، كلما شرب أحد من النهر يصاب بالجنون. وكان المجانين يجتمعون ويتحدثون بلغة لا ~~يفهمها العقلاء. واجه الملك المشكلة وحارب الجنون. # حتى إذا ما أتى صباح يوما استيقظ الملك وإذا الملكة قد جنت، وصارت الملكة تجتمع مع ثلة من ~~المجانين تشتكي من جنون الملك! # نادى الملك الوزير: يا وزير، الملكة جنت. أين كان الحرس؟ الوزير: قد جن الحرس يا مولاي. ~~الملك: إذن اطلب الطبيب فورا. الوزير: قد جن الطبيب يا مولاي. الملك: ما هذا المصاب؟! من بقي ~~في هذه المدينة لم يجن؟! # رد الوزير: للأسف يا مولاي لم يبق في هذه المدينة لم يجن سوى أنت وأنا. الملك: يا الله! ~~أأحكم مدينة من المجانين؟! الوزير: عذرا يا مولاي، فإن المجانين يدعون أنهم هم العقلاء، ~~ولا يوجد في هذه المدينة مجنون سوى أنت وأنا! الملك: ما هذا الهراء؟! هم من شرب من النهر، ~~وبالتالي هم من أصابهم الجنون! # الوزير: الحقيقة يا مولاي أنهم يقولون إنهم شربوا من النهر لكي يتجنبوا الجنون، لذا فإننا ~~مجنونان لأننا لم نشرب. ما نحن يا مولاي إلا حبتا رمل الآن؛ هم الأغلبية، هم من يملكون الحق ~~والعدل والفضيلة، هم الآن من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون. # هنا قال الملك: يا وزير، أغدق علي بكأس من نهر الجنون؛ إن الجنون أن تظل عاقلا في دنيا ~~المجانين. # تنهدت جان وقالت: بالتأكيد الخيار صعب؛ عندما تنفرد بقناعة تختلف عن كل قناعات الآخرين، ~~عندما يكون سقف طموحك مرتفعا جدا عن الواقع المحيط. هل ستستسلم للآخرين، وتخضع للواقع، ~~وتشرب الكأس؟ # اسمعي، جيوبي مليئة بقصاصات ورق، سأخرج لك منها وأقرأ؛ حين يقول لك أحدهم: معقولة فلان ~~وفلان وفلان كلهم على خطأ وأنت وحدك الصح؟! إذا وجه إليك هذا الكلام فاعلم أنه عرض عليك لتشرب ~~من الكأس. # اسمع يا ميشيل، حين كنت بطلة في الرواية وصلت لكثير من الأشياء التي ساعدتني للثبات، كان ~~أهم ما أدركت أنني لست تلك الفتاة الطيبة التي تمعن في تأمل نفسها وتقوم عالمها الخاص ~~الافتراضي الذهني بعيدا ms28 عن الأرض، وتصنع منه عالما يشبهها، وتنتمي إليه وينتمي لها، وأنني ~~هنا لغاية ما، غاية أكبر مني وأجمل مني، غاية تهذبني بعناية مع السنوات، وأهذب نفسي كي تليق ~~بها، وأن أعواما على هذه الأرض ستحمل لي هويتي؛ الهوية هي ذروة طريق الحياة. إنني سأقطع ~~الطريق إلى آخره، باتجاه نفسي، وحين ألتقى بها؛ سأجد هويتي. # قاطعها ميشيل في الحديث: كان يقول عنك الكاتب: كانت فتاة صيفية العاطفة، شتوية ~~الحنين، وامرأة لكل الفصول. تحب القطط كذاتها الأخرى، ولا تشفى من الياسمين. وحين أحبت ~~زوجها بكل نبله، كانت ربيعا، وكان نبيلا معها. # لكن الذي لا يعلمه أن هناك أشياء ما بين السطور؛ صرنا نتنازع نزاع الصبية سويا كمن يرفض ~~أحدنا الآخر كالمعتاد، وفي الخفاء لا يتوقف عن نبله وحنانه الدائم. وكان دافئا نحوي عند ~~الرحيل، لقد كان كريما دوما معي، ولا أدري متى يمكنني السداد؟ أقف على خطوات من وداعهم، ~~وأتحسس دفء ذكراه في عناق حميم معهم. # كنت أعلم في هذه الرواية أنه لا بد أن نترك بعضنا البعض، ووضعت الأحداث؛ ألزم زوجي الكرسي ~~ولم يتحرك، الشارع كله صار يعاتبه ويشير له هذا الغريب. # خاف وقتها أبوه وأمه أن أنسيه ما ولد عليه؛ فكانا يحضران له هدايا بطعم الغفران. كان ~~يقول لهما حين يراهما: أنا ما زلت ثابتا. # لم أنسه أبدا. لن أسافر مسافة بعيدة عن روحي التي ما زلت أظن أنها تنضج سريعا قبل أن ~~ينضج صوتي المرهف، وقبل أن تنضج ملامح وجهي الطفولية، وقبل أن ينضج جسدي في عناق حميم صادق ~~يضمنا معا من جديد. # وقبل أن تتوقف الأعوام لتلتقط أنفاسها المتسارعة قليلا، وهي تقطع الطريق داخل عاطفتنا! ~~الأعوام التي علمتنا كيف نفقد مذاق الاكتفاء ببطء، وأن نكتفي بنصف الأشياء، ونتأخر على ~~كل شيء. نصف الأحلام، نصف الهوية، نصف الطريق، نصف البدايات، نصف النهايات، نصف الأصوات، ~~نصف الدفء، نصف الأشخاص، نصف العاطفة، نصف البهجة، نصف الحميمية ونصف الذكريات. خرجت من ~~الرواية بعد كل هذا الحنين الذي وصلت به مع زوجي، رجوت ms29 الكاتب أن أبقى معه طويلا؛ كان يغلق ~~الصفحات في وجهي. وصارت قصة كبيرة لزوجي؛ كنا نزرع شجرة جوافة بالقرب من سور البيت، ووقت ~~النضوج جاء صغار الحارة وألقوا حجارة على الثمار. حاول زوجي أن يمنعهم من ذلك، لكن العادة ~~صارت عبادة عند الحارة، وصار الجميع يرشق بيتنا بالحجارة؛ ليس لثمار الجوافة ولكن لثمار ~~الغفران! # ميشيل وجه يديه إلى السماء؛ هل الحب هو الرسالة التي لا بد أن أتعلمها؟ إني تأخرت كثيرا عن ~~ذكرياتي، وعن معنى «انتماء». # أشعر نفسي الآن أعبر الطريق نحو ذكرياتي عبورا خافتا ناعما، دون لهفة؛ حتى لا أفسد ~~بخطواتي الهادئة شيئا من رهافة الأعوام نحوي، والحكايات المخبأة بعناية في أصوات ~~العابرين. # | أسرار # جان، سأقول لك سرا: هل تعلمين أن أول سيدة جاءت لي بالحلم كانت تشبهك؟ الآن بعد كل هذه ~~الأعوام التي مرت علي وقابلت نساء كثرا، لا إحداهن تذكرني بذاك الحلم، لكن حين رأيتك تذكرت ~~الحلم. أنت من جاءت، وتحولت وقتها من فتى صغير إلى رجل بعد أن ابتلت ملابسي. صرت أقف ~~مهندما أمام بوابة مدرسة البنات، أهتم بالموسيقى وأحفظ كل ما قاله الشعراء. # وكبرت عاما آخر ولا زالت الفتاة الوحيدة للغاية غائبة، الوحيدة حد الهشاشة، تارة حد ~~الفتنة والسحر في التفرد، وتارة حد الخوف في الانفراد. # الفتاة النرجسية التي ترددت في كل عام في تخيلي وفي طعامي، لا أمارس أي فعل إلا لها رغم ~~أنها غير موجودة. «كل الأعوام وأنا وحدي عالق في قلبها، شعرت بنفسي متورطا حتى النخاع بها، ~~متورطا بالانتظار الخفي حتى الرمق الأخير بقلبي!» # لكن أنا يا ميشيل كنت أجلس وحدي في حديقة منزلنا، أجلب أعواد الأشجار، وأضع الورق فراشا ~~تحتي، وأظل أتحاور مع نفسي كثيرا. وفي لحظة صرت أحاور الأشياء، كأني أنتظرك، شيء يشاركني ~~كوخي الصغير. # أمر على كل الأشياء وحدي، لأمشط شوارع اللحظات المسروقة من عاطفتي، ولا زلت أتكئ على ~~أمنيات خافتة. أنا الفتاة التي تعاني من معرفتها الزائدة بكل شيء، ولا زلت أرسم ~~عاطفتي وأشتهي ألوانا جمة. وقتا كنت ms30 أفكر فيك، ألعب البيانو هربا من صوت العالم في أذني، ~~وأرقص الباليه والجاز والتانجو فرديا! حين أنتهي من الرقص أشعر أن أحدا يصفق لي؛ وقتها ~~لم أرغب بعد هذا التصفيق في معلمة رقص تعشق البيتزا، وصوت محمد فوزي، وترتاد المطاعم الإيطالية، ~~وتحمل بداخل حقيبتها هاتفين ونظارة سوداء دائما! أنا أنتظرك من زمن يا ميشيل، أنت كنت ~~بداخلي قبل أن أراك. # ولا زلت أتدثر بشال أحمر ظل مفضلا لدي وسيبقى لسنوات، وأقف متدثرة به في شرفتي أرقب ~~قطا صغيرا صادقته، يحكي لي صوته عن ذاكرة الحب بداخلي كل صباح. ولا زلت أملك العينين ~~اللوزيتين اللتين يزداد اخضرارهما حين أنتظرك، ولا زالتا حائرتين مثلي، ولا زلت أملك ~~وجهي الطفولي، وأنا ووجهي لم نعد نتشابه إلا قليلا. أنت ووجهي، شيئان مختلفان من ~~انتظارك. ربما لي وجه واحد، وبعدد المنتظرين مثلي. واجتازت الأعوام داخلي كنسيم عابر ~~مثقل بالحكي والصمت والحب، والآخرين. # أمسك ميشيل بيد جان، ورفعها إلى السماء، وبصوت واحد: نحن انتظرنا بعضنا البعض، حلمنا في ~~بعضنا البعض، نحن الآن معا، الحب هو الثبات الأبدي في رحلة طويلة. # | الوصية # عاشا معا سنوات، زارا كنيسة المعمداني مرات، ووضعا حبات القمح للحمام، وأشعلا شموعا ~~طويلة، شاركا في ترميم جدرانها. انتفخ بطن جان أكثر من مرة، لكن كان حملها ضعيفا؛ مع صوت ~~الرصاص والقصف كانت تجهض. كان يحزننا كثيرا على ما ذهب من رائحة البارود. قررا الفرار من ~~غزة، لكن كانا يثبتان في بشائر حمل جديد. تكرر مشهد الثبات والفرار داخلهما ثلاث سنوات. # كلما زارا الكنيسة زاد حبهما؛ الفضاء معطر بالياسمين، وجسدهما ينز رائحة البلح، لا برد في ~~المكان. في نظرهما كل الأشياء هدايا حتى لو كانت ورقة شجرة. لا يتكلمان إلا همسا، بطيئان ~~كسلحفاة في النزاع، سريعان كغزال حين يوزعان خبز المغفرة بينهما. # مائتا متر تفصلهما في هذا الوقت عن البيت، كلما مشيا خطوات تحسس انتفاخ بطنها. كان ~~يقول: هذه المرة لا بد أن ننجح ونثبت حتى يخرج مسيحي جديد؛ يرمم ثقوب القلب والعقل، ويفتح ~~ممرات ms31 الثبات في جغرافيا وطننا . # في لحظة سمعا صوت انفجار كبير هز المكان؛ سقطت جان على الأرض، ميشيل صرخ خوفا عليها: ~~جان احذري! الحجارة فوق رأسنا ... # أيضا العصافير فرت من المكان، الكلاب كانت تتسابق لتخرج من الموت، ضجيج المكان ينزع القلب ~~من الصدر، تصاب وقتها بدوار كأنك فراش مبثوث، الجدران تركض أمامك. ~~«من الذي أحيا الجدران لتركض وتصرخ وتتألم، وقد تموت وتتكسر مثلنا في لحظة ~~القصف؟!» # الغبار خيم على المكان، كل من حولنا خرج من خيمة الغبار مصبوغا باللون الرمادي، الناس ~~تحولوا لهنود حمر تطلي وجوهها بالألوان وتدور حول النار. كلما دققت في ملامح من حولك تنسى ~~من تعرف منهم. # كما يأتي الانفجار في لحظة لا يعلمها أحد قبل القدوم كسر تحفظه عن معصية محترم في ~~الشارع، يأتي في لحظة ويرحل في لحظة ما تفكر فيه الآن. الذي فكر فيه ميشيل هو البيت، أبوه، ~~الصور، الذكريات، الحديقة، أصيص النعناع، الدفاتر العتيقة، الكتب المدرسية، كتاب الأنشاد، ~~الكئوس المقدسة، ملابس الكنيسة، الشموع، شريط الأدوية، أوراق الثبوت أنك حي، آخر ورقة كتبتها ~~لك أمك قبل أن ترحل. ثم صرخ: بيتي! بيتي! أبي! ... # نظر إلى جان وهي تتوجع، وضع يديه على رأسها، قال لها: سوف أركض للبيت، قلبي يدق، أحس أن ~~هناك شيئا أصاب البيت. # شق خيمة الغبار الرمادي، رائحة البارود تفوح من المكان، خراطيم المياه تصنع نوافير، ~~الخزان الأسود الكبير كأنه جبل سقط على الأرض، النوافذ خرجت تشرب ماء النوافير من سخونة ~~اللحظة، الجدران عادت لهيئتها الأولى. # وصل بيته بعد أن دمعت عيناه من الغبار، وأنفاسه موسيقى تشبه بلورة تنزلق فوق درجات طويلة، ~~تأكد وقتها بأن الانفجار كان في بيته. # وقعت عيناه على القطعة الخشبية التي جلبها من باب القدس، مسكها، ومسح الغبار عنها، شعر ~~وقتها أن الأمر أكبر من تدمير البيت. # صار يركض فوق ما تبقى من ركام، الأعمدة الأسمنتية تستريح على جانبيها، يخرج منها دخان ~~كأنها تشخر، سقف البيت تحول إلى مظلة طفل مهشمة من عجلات سيارة مسرعة. # بقع الدم لطخت كل ms32 قطع القماش، بقايا المطبخ من الملاعق والصحون تأخذ ركنا في زاوية ~~الركام كأنها بقايا صدف مكومة على شاطئ البحر. # كل من حوله ينظرون له بنظرات رفق، يلقون التحية عليه، وينبشون الركام؛ يجدون ما تبقى من ~~جسد أبيه. # انتهى كل شيء في لحظات. المشهد يهدأ على حاله؛ الناس تنفض من حوله، نوافير المياه بدأت ~~تصغر وتتلاشى، سيارة الإسعاف انسحبت وهي تحمل ما تبقى من الجسد. # في لحظة أفاق ميشيل من الصدمة، صار يركض خلف سيارة الإسعاف: أبي! أبي! قطعة الخشب ما زالت ~~في يدي! الآن العيش في غزة بعد الموت أصبح بلا قيمة حقا! ربما يجب علي أن أخيط سنين ~~عديدة لأحصل على سنة كاملة تستحق شمعة واحتفالا. # جلس ميشيل وجان فوق أحد الحجارة بالقرب من الركام، لا كلام سوى دموع تنز على الخدود، ~~يمسحها بكمي قميصه. # قال ميشيل: أنا لا أعلم أن أبي مستهدف أو يعمل في المقاومة. ربما كان الانفجار بالخطأ. ~~هناك شيء أكبر من تفكيري. من يقول لي الحقيقة؟ # | جاكيت أسود # جاء رجل يرتدي معطفا أسود طويلا، وحذاء عسكريا، مبتسما. لم يعره اهتماما. جان هزته: ~~هذا الرجل كأنه يريدك، أو يريد أن ينقل لك شيئا، قد تكون الحقيقة عنده. # وقف ميشيل وتقدم خطوات ناحية الرجل، قال له: هل عندك حقيقة ما حدث لنا؟ لماذا هذا الانفجار ~~في بيتنا بالذات؟ # رد الرجل: الحقيقة موجودة؛ أبوك كان مساعدا لنا، كان عونا لنا بالمال وبالمكان. حين ~~تضيق علينا السماء بطائراتها وقذائفها كنا نحتمي عنده، وحده في العالم المخيف يحافظ علينا، ~~وحين يدب الخوف في قلوبنا ولا نجد أحدا يطعمنا ويغير على جروحنا كان أبوك سباقا ~~لذلك. # رد ميشيل: وما الذي حدث ليكشف أمركم؟ وبناء على كلامك كان عمل أبي معكم سرا. أبي كان ~~لكم البيت الأخير، لم لم تحافظوا على هذا البيت؟ ~~- السر كقطعة ثلج يذوب إذا خرج من الثلاجة. أصبحنا لا نميز الجيد من غير الجيد، الكل ~~يشارك، الكل يحمل راية، لا أحد عنده صبر ولا تخطيط، الكل يدق طبلة ms33 الحرب متى يشاء. ~~- هل تعلم أن هذا البيت يحمل أسرارا وذكريات عائلة كبيرة مرت على غزة، وعاشت في غزة. إن ~~الانفجار لم يأخذ أبي فقط، لكن أخذ كل جميل تعلمناه في غزة. ~~- أبوك يا ميشيل كان كل ليلة يخبرنا كيف حافظوا على غزة. التاريخ طويل. كان دائما يحكي ~~لنا قصة صديقه الذي حارب مع المسلمين ضد الغزاة، وأجمل القصص أن مسيحيا هناك كان يربي ~~غزالة، وحين دخل نابليون وجيشه إلى غزة كممر إلى يافا، ترك الغزالة تركض أمام نابليون؛ ~~فأعجب بها، فركض خلفها. كان الرجل يتربص به، لكن نابليون تعب من الركض خلفها وخاف أن يتأخر ~~على جيشه، فتركها وعاد. الرجل أطلق عليه رصاصة لكن لم تصبه. # كان أبوك وقتها يقول: لو أصابته الرصاصة لكان تعدل تاريخ القتل إلى تاريخ سلام. ~~- وإلى أي مدى أستطيع سداد دين الوفاء لأبي، وأصنع له ما يستحق الامتنان من بعده؟ ~~- هذا هو أنت، بكل متناقضاتك وجنونك ونسكك، ولو كنت غريبا أكثر غرابة. ذلك الجنون ~~الذي يحركك في هذه الحياة! هذا أنت، لا يشبهك أحد. دائما تريد أن تقدم شيئا للثبات، ~~للبقاء. جميعنا ننتظرك. ~~(في لحظة شعر ميشيل أن حديث الرجل ليس غريبا عليه، تذكر وقتها تفاصيل الكاتب، ~~وتذكر أنه في عالم الرواية، وأن هذه الأحداث مرتب لها، وهذا الركام جزء مهم في نهاية ~~المشوار.) # همس ميشيل للرجل: متى نهايتي؟ أشعر أني أجهز لأكون مثل هذا البيت؛ متناثرا، لا يمكن ~~إصلاحه إلا بالإزالة الكلية. ~~- بصراحة يا ميشيل كان أبوك يحضر لمثل هذا اليوم، وترك لك صندوقا لم يحتفظ به في البيت. ~~أبلغنا أن نخبرك عن مكانه؛ الصندوق موجود في كنيسة المعمداني. حيث قال: الوحيد الذي يعرف ~~مكانه هو ميشيل. # | سؤال هادئ # ما ينتظرني لحظات كاملة ستهزني بعنف، لألتفت لكل ما تركته خلفي وأطرح سؤالا هادئا: أهذا ما ~~كنت أنتظره فقط؟ كنت سأجيب بنعم قبل ذلك من الآن، أو لو أني ما زلت أحمل الأفكار ذاتها، إلا ~~أني أدركت أمرا مختلفا تماما عن ذلك قبل سنوات؛ ms34 ما كنت أنتظره وأبحث عنه هو وجهتي في هذه ~~الحياة، أهدافي، مسار أفكاري، هو لغتي، ونكهتي، وبصمة مرور تحمل هويتي. وعندما وجدتها، ~~كفتني تعليق الآمال على مجرد حلم. # هذه اللحظة التي سوف أقرأ فيها وصية أبي كأنها شمعة صغيرة جديدة تحترق لأجل الحلوى، ويتهافت ~~الجميع على وأدها، إطفائها. وأنا أنظر بعطف ورفق نحو آخر خيط مرهف يخبو من ضوئها لأجلي في ~~شبه اعتذار. لحياتها الوحيدة الراحلة في سبيل أن تمنحني أنا مجرد كلمة بطل في غزة! # قبل أن أصل إلى الصندوق، أعلم أنه ميلاد جديد يعني لي الكثير، عندما يأتي أفكر بأشياء ~~غريبة لا تتكرر مرة أخرى ببال أحد كما لا يتكرر الميلاد، وأشياء تتوازى تماما مع غرابتي. ~~أحيانا ينتابني شك رهيب بأنني لا أشارك البعض نفس الكون؛ أنا خلقت لأحمل ما تبقى من سلالة ~~عائلتي، بكل ما تحمله في طياتها، في غرابتها واختلافها. عائلتي بقشرتها الصلبة الحامية، ~~إلى تقلبات مزاجها، وتناقضاتها، إلى اختلاف ردود فعلها باختلاف السياق الذي توضع فيه ~~والبيئة التي تداخلها. # دخل ميشيل كنيسة المعمداني؛ كانت الجدران باردة، ضوء الشمعة خافت، كل الوجوه التي تركع ~~الآن تحت صورة مريم تشبه لحد كبير وجه أبي. لا أحد يعترضني، وأنا أفتش بين الكراسي وخلف ~~الستائر عن الصندوق. # كيف لي أن أصل له دون تعب؟ أخاف أن يبقى الصندوق بعيدا. بدأ حماسي بالانتقام يهدأ، ~~وأتحول إلى رجل يجلس في البيت يربي أولاده، ويفتح المذياع ويراقب الأخبار، ويتسرق الأمل من ~~التلفاز، وينتظر عودة جودو حامل روح الأحلام. # في لحظة كسرت خيال ميشيل حمامة رفرفت في فضاء الكنيسة. رفع رأسه، تذكر حين كان طفلا صعد ~~إلى عش الحمام ووضع لها الورق والقمح. لم يتردد أن يصعد إلى العش؛ فوجد الصندوق كأنه يبتسم ~~ويمد له ذارعيه. ابتسم وفتح الصندوق. # في هذه اللحظة كان يهمس في أذنه صوت: مر بك هاجس مكنك أن تجزم بابتسامة خفيفة أنه لم يخطر ~~ببالك يوم يشبه هذا اليوم. كنت تحاول الهروب بجسدك، لكن الآن أنت مثبت في هذه ms35 الأرض بجسدك ~~وبذاكرتك. بعد كل هذه السنوات، لو أنك استوقفت الملاك المصاحب لك للحظات قليلة لسألته عن ~~رأيه فيك بكل وضوح. # ترى ماذا كان ليخبرك عن ذاتك؟ لمن كان يغني ذاك العصفور البريء صباحا في شوارع غزة؟ ومن ~~كان سيصادق دوني؟ لو لم أجد في صوته المرهف وطنا يحملني كل صباح ويرشدني إلى ذاكرة الحب ~~بداخلي، حتى لا يتيه أحدنا عن الآخر في ضباب الوحدة «إنه صوت أبي». # وكيف سيمر ذاك اليوم على ذاكرتي وأنا أسكنه ويسكنني؟ أبي الذي صنعني بصوته، وأنتمي إليه ~~تمام الانتماء، واللحظة التي أغيب فيها تماما عن صخب كل من حولي. هو من علمني البداية، هو ~~بداخلي وحيد، وحيد. ~~«من بعدك يا أبي؟ أيها المبتسم لي في حفلات أعياد الميلاد حين تضع الطربوش الأحمر فوق ~~رأسي، أيها الوفي لأمي بعد رحيلها، هرمت كثيرا من بعدك «يا ريت بتخلص وصيتك قلبي ~~يرتاح».» # الصندوق بارد جدا، عليه آثار بصمات من غبار، كأن عائلتنا شاركت في صناعة ما بداخله. فيه ~~وجدت؛ شهادة أول مسيحي في غزة، جرسا نحاسيا قديما، شمعة حمراء طويلة، عطر المرمر، كأسا زرقاء، ~~ووصية أبيه. كان يقرأ بصوت عال: ما الذي تفعله في هذه اللحظة يا نضال؟ أي اللحظات تتذكر وأنا ~~أطفئ شمعة عيد الميلاد وحدي وأعانقك، لأرى عينيك أمامي تماما من تلك الشرفة البعيدة ~~تعانقني وتلوح بحب لكل سنواتي المقبلة معك، وأنا لا أعرف؟ كيف وضعت لك روحي فاحملها ~~برفق؟ وقرر أن نعتبر الأعوام على غزة وأنت منقوش في ذاكرتها، وأن أهلها سيخصصون يوما من كل ~~عام للاحتفال بك في أول يناير، وسترجع المسافات المسكوبة بيننا وبينهم. لن أكذب عليك، ~~وأخبرك أنني لا أخشى شيئا عليك، وأن قلبي مشغول عليك لمعانقتك، وبسماع صوتك، وأن الحنين المتورط بصوتك الخافت ونبراته ~~الدافئة يخبئ حكايات انتظارك. # يا أبي، يبقى العالم بدونك، ليبدو صغيرا. وأنا وحدي، ممتلئ بك. فهل أخشى من ~~اشتياقي لك؟ فقط حين غادرتني ببطء، خشيت العالم مجددا، وتجددت فكرة الرحيل داخلي. # يا ترى ما شكل أيامي ms36 حين نركض أنا وأنت في السماء؟ وجهك وصوتك، وعناقك، وحديثك، كلها لي، ~~كلها ملكي. ماذا لو كانت تلك البقعة التائهة الوحيدة التي تجمعني بك، أفضل من امتلاك ~~الكون الشاسع دونك؟ # نزل نضال وبيده الصندوق، وحين هبط على بلاط الكنيسة سمع تصفيق الحاضرين. الكل كان ينتظره؛ ~~الرجال والسيدات والأطفال، جاءوا وربتوا على كتفه. شكرهم نضال للطفهم معه. # وحين خرج من الكنيسة لا يعلم أين يذهب، والصندوق بيده، وصوت أبيه يدور حوله، والوصية ~~كأنها تسرد أمامه. # التفت على يساره فوجد الرجل ذا المعطف الأسود. لم يقل شيئا وقتها، اكتفى بهز رأسه له. ~~بدأ الرجل بالحديث: هل كان صعبا أو سهلا الوصول للصندوق؟ ~~- إن كلمة سهل قليلة، وكلمة صعب كبيرة. الصندوق كان منذ وجدنا في غزة، وسيبقى لمن يأتي ~~من بعدنا. ~~- وماذا فهمت من كلام الوصية، وصوت أبيك الذي يرافقنا الآن؟ ~~- هناك عدو ولا بد أن يحارب. ~~- هو الشيطان يا نضال. ~~- الشيطان! إنه يريد جيشا كاملا لقتاله، واحتمال النصر ضعيف. ~~- لا بد أن يكون احتمال النصر قويا؛ لأننا وجدنا على هذه الأرض بعد أن انتصر الشيطان على ~~أبينا آدم، وأخرجنا من أرضنا. ~~- مثلي لا يملك براعة في القتال، ولا يملك أسلحة، فكيف لي أن أقاتله؟ ~~- اسمع يا نضال، لو أردت أن تقاتل بشريا تحتاج إلى قوة الأرض، كل الرصاص، كل الأرواح، لمجرد ~~أن تفكر في معركة البشر. لكن المعركة مع الشيطان فقط تحتاج معنويات وروحا طيبة مقدسة؛ تنتصر ~~عليه بسهولة. ~~- الذي أفهمه، أنا الآن جاهز لأقاتل الشيطان. هل أقتله، أو ماذا أفعل معه؟ ~~- نحن لا نقدر أن نقتل الشيطان، لكن ممكن أن نحاصره ونمنعه أن يزلزل قلوبنا بأفكار الهروب ~~والرحيل. ~~- متى ستبدأ معركتي مع الشيطان، حتى يبتسم أبي مني؟ ~~- معركتنا بدأت من زمان، وهذه المعركة ليس فيها منتصر أو مهزوم، لكن تترك أثرا لمن ~~بعدنا، أن تحاول خير من أن تبقى جليس الانتظار. ~~- أين مكان هذه المعركة؟ ~~- حين تكون مستعدا هو حولك، فقط أشهر أسلحتك وقل للشيطان أنا سأقاتلك. ~~- وما هو الوقت المناسب ms37 لقتال الشيطان؟ ~~- حين تكون جاهزا للقاء الرب وهو راض عنك. ~~- وكيف أعرف أن الرب راض عني؟ # تبخر الرجل من جانب نضال، كأنه لم يكن. حاول أن يبحث عنه، لكن لا جدوى من ذلك. أكمل سيره ~~في الطريق، وصار جسده يتحول إلى مقاتل، وروح تنفخ غضبا، ويريد أن يقاتل. # فجأة وجد نفسه في مكان غريب، كل الأدلة تقول إنها مستعمرة الشيطان؛ المكان يشبه الرأس، ~~تشعر نفسك محاطا بأفكار. جهاز عصبي كبير، مادة تشبه المخ. علم وقتها أنه دخل في رأسه، ~~والشيطان يعيش داخله، وبدأت المعركة. # | قريب جدا منك يا أبي # الليلة التي سبقت موعد التنفيذ الذي حدد لنضال دخول مقر الشيطان، قام الشيطان بتحريك ~~الجيوش التي ترابط بالقرب من السياج في المكان الذي تسلل منه نضال. اجتاز نضال السياج ~~الإلكتروني، وقد تم وسبق تجريبه في إعطاء إشارات تحذير لم تؤد إلى استنفار الشيطان، ويبدو أنه ~~كثيرا ما أعطى إشارات تحذير ولم تؤخذ على محمل الجد. # بعد الاجتياز والوصول إلى الداخل (خلف السياج) بدأ بإطلاق النار بكثافة عالية وإلقاء ~~القنابل اليدوية، وصار يلقي أوراقا من الكتب السماوية في فضاء الرأس. # تمركز وأطلق النار من موقع محصن. بعد اقتحامه لأحد ممرات الرأس والتحصن بداخله قام ~~باقتناص العديد من الجنود. # سادت حالة من الإرباك والهلع في صفوف الشيطان، واستدعيت قوات كبيرة، ومعهم وحدات خاصة إلى ~~المكان. كان أي جندي من جنود الشيطان يشم رائحة زيت المرمر يتلاشى. # حاول الشيطان اقتحام منطقة الفكر الذي تمترس فيه، جاءت شياطين طائرة قامت بعمليات إنزال. ~~استمرت المعركة البطولية لعدة ساعات؛ حيث أصيب في هذه المعركة الكثير من الشياطين التي توسوس ~~في رأسه بجروح بالغة جدا. # هذه المعركة تعد أجرأ عملية هجوم، مؤكدين أن نجاح المهاجم في اقتحام واحدة من أشد ~~التحصينات بالنسبة للشيطان هي أمر غير مستوعب. وقال بأن القيمة الحقيقية للعملية لا تكمن في ~~حجم الخسائر في صفوفهم، وإنما في القيمة المعنوية أن المقاتل هو رجل جديد علينا، أوصافه ~~غريبة، رائحته غريبة، كأنه جاء من كوكب ثان. ms38 # قبل أن يعلن نضال انتصارا على الشيطان الذي داخله، جاء حارس المقبرة، ووضع بندقية في ~~فمه. قال له: معي أمر أن أقتلك. حفرتك تنتظرك في المقبرة. سأله نضال: لماذا تضع البندقية في ~~فمي؟ رد عليه: الفم هو أول السلام، وأول الموت، وأول الصراخ. # حاول أن يقاوم لكن طعم المعدن في فمه كان مزعجا، فأطلق الحارس رصاصة في فمه. # نضال، الآن أنت تنام بثلاجة الموتى؛ جلدك بارد جدا، رصاصة واحدة فقط هي التي أخذتك عنا، ~~توجد فتحة كبيرة خلف رأسك، كأنك أجبرت على الموت، وتوجد بقعة حمراء صغيرة في صدرك. أعلم أنك ~~تسمعنا جيدا، ونحن نقبلك، ونلقي عليك التحية. الجميع في غزة أحبك في حياتك وأحبك في موتك؛ ~~لأنك كنت البطل المثالي الذي عاش في غزة ومات لأجلها. # نحن نحبك حد الإيمان، إيمانا بانتمائي المهاجر إليك. نحبك ومتورطون بك من ضفائرنا إلى ~~أخمص أقدامنا! # أنت الآن ستبعد كل البعد عن الشك بك. نحبك حد الخوف، نحبك حد الثرثرة التي لا تجدد ~~الصمت الذي لا يرحم. # وبين تفاوت الثرثرة والصمت، نحبك بهدوء. في أول يناير سنتذكرك طويلا ونشعل لك شموعا ~~عند تمثال الجندي المجهول، لعل المسافة تسقط! # شكرا على البهجة الخالدة، وشكرا على الحزن الجميل الذي عايشناه معك في الأحداث. وعلمتنا ~~كيف كل عام نمشي في طريق الهوية والثبات، ولا نتخلى عن أرضنا. # عمد نضال مرة أخرى كأنه يولد من جديد، ولف بقماش أحمر ناعم، وحمل على الأكتاف، وداروا به ~~في شوارع غزة. الجميع حمل قبلاته وتحياته على جسده. دقت أجراس الكنيسة، وفتحت مآذن الجوامع، ~~ونشرت الصحف الصور، والشوارع لم تهدأ، وأشعلت إطارات السيارات، وكتب اسمه على كل جدران ~~الشوارع. # | رحلة مدرسية # «كل ما أريد أن أقول في هذه اللحظات، أن حارس المقبرة، والكاتب، وأبي، بابا ~~الكنيسة، والمدرس الطيب، والرجل صاحب المعطف الأسود؛ كانوا يشبهون بعضهم البعض كثيرا حتى في ~~التفكير»، وإن اعتيادي على الاحتفاء بما حدث معي، أن أهدئ روحي وروح أبي وكل من ينام معنا ~~الآن. # الآن أنا أجلس تحت ms39 الأرض، كما اختار الكاتب النهاية، لكنها سعيدة جدا لي، وقد طلبت منه أن ~~تزورني جان وابنتي ماري كل يوم. # في ليلة قصف البيت ظل بطن جان منتفخا، روح أبي تنفست كل بارود المكان ورحلت، وجاءت ~~ماري. وكان الكاتب معي كريما جدا؛ كل يوم تزورني جان وابنتي ماري. # وفي هذه اللحظة جاء طلاب مدرسة في زيارة لمقبرة الإنجليز؛ لأنها معلم أثري في غزة. ~~الأولاد يتقافزون ويركضون بين القبور، ويلتقطون لهم صورا مع الشواهد. # المدرس الطيب يشرح للأولاد عن كل قبر، والآن يقف عند قبري، ويقرأ الشاهد المزروع. يقول: ~~هذا قبر أحد المسيحيين، وقد شارك في عملية بطولية في الحب والثبات في غزة. # سأل أحد الأولاد: ما اسم هذا البطل؟ # اقترب المدرس من الشاهد، وقرأ اسمي. مكتوب على الشاهد اسمان؛ «ميشيل عواد» و«نضال ~~الرجعي». # استغرب وقتها الأولاد: لماذا له اسمان؟ # رد المدرس: الأبطال دائما يحملون اسمين؛ لأن البطل يولد مرتين، مرة من بطن أمه، والمرة ~~الأخرى من بطن وطنه. ~~- هل نقرأ على روحه الفاتحة، أو ندعو له؟ ~~- أنا أقول لكم ادعوا لأنفسكم أن تكونوا مثله. # جاء حارس المقبرة يحمل ورقة، وصار يقرأ بصوت عال: رحلوا في لحظة ترقب، في لحظة خوف من ~~الآخرين عليهم، وربما رحلوا وهم في قمة السعادة، ذهبوا عن هذه الدنيا وتركوا خلفهم دموع الأهل ~~والأحباب، تاركين وراءهم كل شيء يتعلق بهم؛ صورهم، ومالهم، وذكرياتهم. ~~رحلوا وتركوا دنيا فانية. عيونهم أغمضت عن الدنيا، يسمعون بكاء أهلهم لكنهم فقدوا القدرة على ~~الكلام؛ فروحهم انتزعت من أشلاء أجسامهم ولم يتبق لهم شيء. # رحلوا وتركوا قليلا من الذكريات السعيدة. لم نعد نسمع همساتهم وضحكاتهم، ولم نعد ~~نراهم أمامنا، ذهبوا بدون سابق إنذار. أبسط شيء نفعله من أجلهم هو الدعاء. ms40